######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.KasrHudud.Hindawi26204847 #META# Tags: literature #META# ID: 26204847 #META# Title: كسر الحدود #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # عن هذا الكتاب‏ # تجاوز الخطوط الحمراء‏ # ورقة لم تقدم في مؤتمر المرأة والإبداع‏ # هذا المقال لم ير النور‏ # فتاة الليل والكاتبة‏ # نحو تحرير العقل المصري‏ # عالم تختفي فيه الحقيقة يسوده الوهم ...‏ # إلى الذين يقولون عنها إرهابية‏ # بعد أن رأيت ذاتك في المرآة‏ # عالم جديد ممكن‏ # من وحي اجتماع القمة مع النخبة‏ # من وحي قرار مفتي الديار المصرية‏ # من وحي عيادتي الطبية بالجيزة‏ # من وحي قرار شيخ الأزهر‏ # التاريخ العائلي لزعيمة نسائية محجبة‏ # عن الخوف‏ # من وحي سنوات الغربة‏ # القيظ والغيظ في يونيو 2002‏ # من وحي صحف 5 يونيو 2001‏ # أمي المثالية‏ # 16 قصيدة صغيرة‏ # عن الذاكرة الجمعية المفقودة‏ # تحت اسم التنمية (1)‏ # تحت اسم التنمية (2)‏ # حجاب العقل‏ # عن تقرير التنمية البشرية في بلادنا‏ # 12 قصيدة صغيرة‏ # تكوين الضمير الإبداعي‏ # الخيال الذكوري المبتور في الأدب الشائع‏ # 4 قصائد صغيرة‏ # رحلة الصيف إلى الجنوب‏ # تخبط النخبة المثقفة‏ # عن استراتيجية الثقافة والإبداع‏ # الاحتمال المفيد والاحتمال غير المفيد‏ # مفهوم الوطن والحب في عيد الأم‏ # قليلا من العدل‏ # خطوة نحو تحرير المرأة المصرية ولكن ...‏ # قضية المرأة في الحوار القومي‏ # كيف نشأ ختان الذكور في التاريخ؟!‏ # أول رحلة بالمترو تحت الأرض في القاهرة‏ # أحلام إنسان بسيط‏ # عن توفيق الحكيم في ذكراه ال 15‏ # اختيار الصعب‏ # عن جورج بوش وتوني بلير‏ # عيد الحب وعيد المسلمين على شاطئ هدسون‏ # قرن النساء أم قرن الإسلام؟ وإجهاض ثورة الإجهاض‏ # إبليس في أرض الخوف‏ # عن الحقوق المدنية والسياسية‏ # المرأة في الألفية الجديدة‏ # الفتاة الفلسطينية التي تتحدى الحكومات العربية‏ # رسالة إلى وزير الصحة‏ # رسالة إلى وزيرة البيئة‏ # نشوء الفيروسات والحرب البيولوجية الخفية‏ # نحو فلسفة إنسانية لإحياء الضمير‏ # المصادر‏ # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # عن هذا الكتاب‏ # تجاوز الخطوط الحمراء‏ # ورقة لم تقدم في مؤتمر المرأة والإبداع‏ # هذا المقال لم ير النور‏ # فتاة الليل والكاتبة‏ # نحو تحرير العقل المصري‏ # عالم تختفي فيه الحقيقة يسوده الوهم ...‏ # إلى الذين يقولون عنها إرهابية‏ # بعد أن رأيت ذاتك في المرآة‏ # عالم جديد ممكن‏ # من وحي اجتماع القمة مع النخبة‏ # من ms001 وحي قرار مفتي الديار المصرية‏ # من وحي عيادتي الطبية بالجيزة‏ # من وحي قرار شيخ الأزهر‏ # التاريخ العائلي لزعيمة نسائية محجبة‏ # عن الخوف‏ # من وحي سنوات الغربة‏ # القيظ والغيظ في يونيو 2002‏ # من وحي صحف 5 يونيو 2001‏ # أمي المثالية‏ # 16 قصيدة صغيرة‏ # عن الذاكرة الجمعية المفقودة‏ # تحت اسم التنمية (1)‏ # تحت اسم التنمية (2)‏ # حجاب العقل‏ # عن تقرير التنمية البشرية في بلادنا‏ # 12 قصيدة صغيرة‏ # تكوين الضمير الإبداعي‏ # الخيال الذكوري المبتور في الأدب الشائع‏ # 4 قصائد صغيرة‏ # رحلة الصيف إلى الجنوب‏ # تخبط النخبة المثقفة‏ # عن استراتيجية الثقافة والإبداع‏ # الاحتمال المفيد والاحتمال غير المفيد‏ # مفهوم الوطن والحب في عيد الأم‏ # قليلا من العدل‏ # خطوة نحو تحرير المرأة المصرية ولكن ...‏ # قضية المرأة في الحوار القومي‏ # كيف نشأ ختان الذكور في التاريخ؟!‏ # أول رحلة بالمترو تحت الأرض في القاهرة‏ # أحلام إنسان بسيط‏ # عن توفيق الحكيم في ذكراه ال 15‏ # اختيار الصعب‏ # عن جورج بوش وتوني بلير‏ # عيد الحب وعيد المسلمين على شاطئ هدسون‏ # قرن النساء أم قرن الإسلام؟ وإجهاض ثورة الإجهاض‏ # إبليس في أرض الخوف‏ # عن الحقوق المدنية والسياسية‏ # المرأة في الألفية الجديدة‏ # الفتاة الفلسطينية التي تتحدى الحكومات العربية‏ # رسالة إلى وزير الصحة‏ # رسالة إلى وزيرة البيئة‏ # نشوء الفيروسات والحرب البيولوجية الخفية‏ # نحو فلسفة إنسانية لإحياء الضمير‏ # المصادر‏ # | كسر الحدود # | كسر الحدود # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، ms002 مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي ، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ ms003 الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول ms004 يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | إهداء # إلى النساء والرجال الذين يكسرون الحواجز الموروثة ويتجاوزون الخطوط الحمراء ... # نوال السعداوي # القاهرة، نوفمبر 2002 # | عن هذا الكتاب # يتميز الإبداع في أي مجال بأنه يكسر الحدود والقواعد السابقة عليه، بتجاوز الخطوط ~~الحمراء كلها، ويأتي بالجديد من الأفكار والأشكال والتعبيرات التي لا تخطر على بال؛ لأن ~~الإبداع يعني الجديد والتمرد على القديم. # وخلال العشر سنوات الماضية كنت أستاذة ms005 زائرة في عدد من الجامعات غربا وشرقا، كنت أدرس ~~مادة أعطيتها اسم «الإبداع والتمرد»، تقوم على فكرة أن لا حد للإبداع، ولا سقف للعقل البشري ~~المبدع تحت أي حجة سياسية أو دينية أو غيرهما. # ولأنني طبيبة وأديبة في آن واحد؛ فقد حاولت أن أكسر الحدود بين العلم والفن، أو بين الطب ~~والأدب، وفي كليات الطب في الجامعات المتقدمة أصبح الطلاب والطالبات يدرسون الموسيقى والأدب ~~والشعر، إلى جانب التشريح وعلم الأمراض والفيروسات والاقتصاد والسياسة والفلسفة ~~وغيرها. # لقد تربينا منذ الطفولة على تقديس الحدود والخوف من تجاوز الخطوط الحمراء في كل مجال، ~~خاصة مجال القوى السياسية والدينية المسيطرة؛ ولهذا السبب لم يخرج من بلادنا مبدعون أو ~~مبدعات في مجال العلوم والفنون. # لقد تربينا على التقليد والمحاكاة والنقل والترجمة عن الآخرين، وليس الإبداع بعقولنا ~~والمغامرة والخوض في المحرمات. # ومن المحرمات الموروثة في عالم الأدب هو الفواصل والحدود التي رسمت بين الرواية والقصة ~~والشعر والمسرحية وغيرها، وكذلك الحدود بين العلم والفن، لكن اللغة الإبداعية تكسر هذه ~~الحدود وتعبر عن نفسها بطرق جديدة ومختلفة، الإبداع يحطم النظام السابق عليه ويخلق نظاما ~~جديدا، الذي لا يلبث أن يتحطم مع الإبداعات الجديدة المتكررة دون انقطاع. # يواجه المبدع أو المبدعة ما تسمى مرحلة «الفوضى» بين النظامين القديم والجديد، إنها ~~المرحلة التي تسبق قيام النظام الجديد وتلي زوال القديم، وهي مرحلة مؤقتة وقصيرة، إلا ~~أنها مخيفة وضرورية لأي إبداع. # لقد أصبحت نظرية الفوضى في النظريات العلمية والفنية التي تكمل أي نظام، فليس هناك نظام ~~دون أن يكون هناك فوضى، والفوضى لا تعني الجنون والخروج عن العقل؛ بل تعني كسر الجمود ~~العقلي وتحرير العقل من القواعد السابقة والمقدسات الموروثة في العلم أو الأدب أو الفن أو ~~غيرها. # وهذا الكتاب هو مرحلة من مراحل كسر الحدود بين الرواية والقصة والشعر والمسرحية والمقال ~~العلمي، أو الأدب أو السياسة، إنه محاولة جديدة جاءت وحدها تلقائيا بعد أن شعرت بضرورة ~~تواجدها؛ لأن الأشكال الأدبية الموروثة لم تعد كافية للتعبير عما يجيش في النفس من ms006 تغيرات ~~وتحولات في عالم يعيش التغيرات والتحولات بأسرع مما نتخيل. # إن خيالنا يعيش في خوف من الإقدام على الجديد، والخيال جزء من العقل، يرث الخوف والنفاق ~~بمثل ما يرث الشجاعة والصدق. # نوال السعداوي # نوفمبر 2002 # | تجاوز الخطوط الحمراء # شبورة رمادية تغلف سماء القاهرة، وفي الأفق البعيد السحابة السوداء، التي يتحدثون عنها في ~~الصحف، ويقولون إن لا أحد إلا الله يعرف أسبابها. ~~- العلم عند الله! # الجميع يقولون العلم عند الله، أصبح الله هو الشماعة التي يعلقون عليها الأزمات والكوارث ~~والمذابح في فلسطين والعراق و... # خاصة في شهر رمضان حيث يزيد الإيمان المزيف، وتعج برامج الإعلام بالقرآن ونصائح شيخ ~~الأزهر ومفتي الديار عن العفة وتحجب النساء، والصلاة والصوم وزيارة قبر الرسول في المملكة ~~السعودية. # ولا يزيد عن هذه البرامج الدينية إلا رقصات البطن والأثداء والأرداف وتعرية أجساد النساء ~~من أجل الترفيه عن الصالحين الصائمين في رمضان الكريم. # أكتب هذه الكلمات واليوم هو الأربعاء 27 نوفمبر 2002م، الموافق 22 رمضان 1423ه، الموافق ~~18 هاتور 1719 ... وبعد شهر واحد، أي في 27 أكتوبر القادم سأبلغ من العمر سبعين عاما ~~«ويضاف إليها عامان» الرقم «سبعين» يرن في أذن مهولا مرعبا مفزعا من أن يسمعه أحد في ~~الوطن الكريم حتى يقول عني عجوز شمطاء، منذ قليل نشرت الصحف المصرية الحكومية «والمعارضة ~~الشرعية» عن هذه العجوز الشمطاء التي يجب قطع رأسها؛ لأنها تجاوزت الخطوط الحمراء، وخرجت ~~عن الدائرة المرسومة للمؤمنين والمؤمنات بالكتب السماوية الثلاثة، ولأنها لا تؤمن بتقبيل ~~الحجر الأسود المقدس، ولأنها سخرت من تقبيل رأس سانت كاترينا المقدس، ولأنها سخرت من إله ~~التوراة الذي هو إله الإنجيل وإله القرآن، وقالت إنه منح بني إسرائيل أرض فلسطين (أو كنعان) ~~مقابل قطع غزلة القضيب أو ختان الذكور. ~~- يجب قطع رأسها أيها السادة. ~~- لماذا أيها السيد؟ ~~- لأنها تصور الإله في التوراة كأنما هو إله بلا عقل. ~~- إزاي يا أخي؟ ~~- تصور يا أخي ... إنها تكتب وتقول: إن الله سبحانه وتعالى أمر بني إسرائيل في التوراة ~~أن يقتلوا أهل كنعان، ويغتصبوا ms007 الأرض مقابل ختان الذكور؟! تصور يا أخي هذه البجاحة! ~~- يا أخي هذه آية مكتوبة ومطبوعة في كتاب التوراة، وهي لم تخترعها من خيالها، ألم تقرأ ~~التوراة؟! ~~- لا يا سيدي أنا لا أقرأ إلا القرآن، وقال الله سبحانه وتعالى في القرآن أن ... ~~- أنصحك يا أخ أن تقرأ التوراة والإنجيل أيضا حتى تفهم القرآن؛ لأنك لا يمكن أن تفهم ~~القرآن دون أن تفهم الكتب السماوية السابقة عليه. ~~- ما هذا الكلام يا أستاذ؟ لم أسمع بهذا من قبل! وأنا يا أستاذ تخرجت في الأزهر الشريف، ~~وأصبحت أستاذا للفقه والشريعة الإسلامية ولم يطالبني أحد من قبلك بقراءة التوراة ~~والإنجيل. ~~- ولكنك يا أستاذ لا يمكن أن تكون مسلما دون أن تؤمن بالكتب السماوية الثلاثة. ~~- نعم. ~~- كيف إذن تؤمن بكتب لم تقرأها؟! ~~- لقد خرجنا عن موضوعنا الأصلي يا أستاذ! ~~- ما هو؟ ~~- قطع رأس هذه العجوز الشمطاء الكافرة. ~~- تاني! ~~••• # الصحف الحكومية و«المعارضة الشرعية» تنشر كل يوم عن المذابح المتكررة للشعب ~~الفلسطيني. # واليوم الأربعاء 27 نوفمبر 2002، تأتي عناوين الصحف الرئيسية كالآتي: # واصلت القوات الإسرائيلية اعتداءاتها بالأسلحة الثقيلة والدبابات وطائرات الهيلكوبتر ~~الأباتشي المقاتلة في غالبية مدن ومناطق الضفة الغربية، وفي منطقة دير البلح بقطاع غزة ... و... # وطالب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بالإسراع بالتدخل لمنع الكارثة الإنسانية التي ~~يواجهها الشعب الفلسطيني. # وفي واشنطن ماذا حدث؟ وكم مرة طالب الرئيس المصري وغيره من رؤساء الحكومات العربية ~~وملوكها وأمراء نفطها، كم مرة طالبوا أمريكا بالتدخل لإنقاذ فلسطين؟! # وتتدخل أمريكا بالطبع، فهي تزيد المعونات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل، وتكافئها على ~~المذابح التي تقترفها في فلسطين (والعراق ... سنأتي للعراق بعد قليل). # ومع ذلك لا يكف الرؤساء في بلادنا العربية عن استجداء أمريكا بالتدخل لمنع ~~الكارثة! # كيف هذا أيها السادة؟ ولماذا؟ # من أجل استمرار المعونة الأمريكية التي ثبت أنها لا تفيدنا بشيء بل أضرارها أكثر؟! # هل لأن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أفتى بأن أمريكا تملك 99٪ من أوراق اللعبة؟! هل ~~لأنه هو الذي بدأ الانفتاح على أمريكا وتلقي المعونة بدلا من الإنتاج والتنمية الحقيقية؟! ~~هل لأنه ms008 بدأ عملية السلام المزيفة التي عرفت باسم كامب ديفيد الأولى، والتي قادت إلى هذه ~~المذابح التي تعيشها اليوم؟ # ومتى يكشف التاريخ عن زيف عملية السلام هذه؟ وزيف حكاية المفتشين الدوليين الذين بدءوا ~~اليوم في بغداد التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق! # ألا يفتشون عن أسلحة الدمار الشامل في إسرائيل أيضا؟ ولماذا وافقت الحكومة المصرية على ~~توقيع اتفاقية نزع السلاح النووي على حين رفضت إسرائيل؟! # إنها الحكومة الأمريكية التي ضغطت وضغطت على الحكومة المصرية حتى وقعت حكومة مصر على ~~الاتفاقية، وهذه كارثة الكوارث. # أن تصبح إسرائيل هي القوة المسلحة الوحيدة في المنطقة التي نعيش فيها، وبعد أن تضرب ~~فلسطين والعراق «بالتعاون مع أمريكا» سوف تضرب مصر وسوريا وأي بلد آخر. # ومع ذلك يستمر الخداع الصحفي والإعلامي، واليوم يكتب الصحفيون في الحكومة المصرية أن ~~معاهدة السادات للسلام أو زيارته للقدس عام 1977 (19 نوفمبر) تساوي في أهميتها لخطة هبوط ~~الإنسان على سطح القمر. # أجل، أيها السادة، إنها لحظة تاريخية هامة، بدأ فيها انهيار العرب، أو ما يطلق عليها ~~الأمة العربية، أصبحت كلمة الأمة العربية أو الوحدة العربية كأنما هي وصمة عار، وأصبحت ~~جامعة الدول العربية أضحوكة، أو نكتة، هل سمعتم آخر نكتة عن قرارات الجامعة ~~العربية؟! # كثير من المفكرين العرب والمصريين يتساءلون اليوم: هل تنقرض الأمة العربية ويحذف من ~~القاموس السياسي كلمة «العالم العربي»، ويحل محلها «الشرق الأوسط» تحت سيطرة ~~إسرائيل؟! ~~(1) النفاق سيد الأخلاق والتجسس أيضا # أحد كبار الصحفيين في مصر (ومعه عدد كبير من رجال ونساء الإعلام) يكتب الشيء ونقيضه حسب ~~التوجيهات القادمة من أعلى. # يتغير رأيه في جمال عبد الناصر حسب التوجيهات المحلية والدولية. # ويتغير رأيه في أنور السادات أيضا. # إنه يشعر بحقه في النقد لأن الديمقراطية تسود في العهد الحالي، وهو قادر على نقد الرؤساء ~~الموتى فحسب، أما الأحياء فهم ... # وهو يكتب اليوم الأربعاء 27 نوفمبر 2002 بعد المذابح الأمريكية الإسرائيلية في فلسطين ~~والعراق وغيرهما ... «واشنطن تؤكد استمرار المعونة الاقتصادية والعسكرية لمصر.» # أكد ريتشارد باوتشر المتحدث باسم وزارة ms009 الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة لا ~~تعتزم إجراء أي تخفيض في حجم المعونة لمصر خلال السنة المالية 2002، والتي سوف تصبح 615 ~~مليون دولار في السنة المالية التالية، وتقدر المعونة العسكرية بمليار و300 مليون دولار ~~سنويا. # وأكد الرئيس جورج بوش أن على حكومة مصر وغيرها من الحكومات المتلقية للدعم أن تستمر في ~~فتح أسواقها للبضائع الأمريكية والخضوع للسياسة التي تفرضها واشنطن. ~~••• # يظهر هذا الخبر بالبنط الصغير جدا وفي صفحة داخلية، أما الصفحة الأولى فهي تعلن أننا ~~نعيش عهد الحرية والرخاء والسلام في ظل السيد الرئيس بطل الحرب وبطل السلام. # لكن في الصفحات الداخلية وبالبنط الصغير جدا نقرأ الآتي: زيادة معدلات الفقر في مصر ~~وفشل مشروعات التنمية. # انخفاض الاستثمارات المحلية والأجنبية في مصر: يكشف التقرير (من مكتب رئيس مجلس الوزراء) ~~أن حجم الاستثمارات المحلية هبطت إلى 23,9 مليار جنيه عام 2000 ثم هبطت إلى 14,6 مليار جنيه ~~حتى أغسطس 2002، وانخفضت الاستثمارات الأجنبية إلى 529 مليون دولار حتى أغسطس 2002 (وكانت ~~4167 مليون دولار عام 1999). ~~••• # وضعت الحكومة المصرية في مشروع قانون الاتصالات الجديد نصا يسمح لجهات الأمن بالدخول ~~على الشبكات للتصنت على المكالمات التليفونية، حسب المادة 65 من مشروع القانون التي تبيح ~~التجسس على المواطنين. # من الصحف المصرية في 26 نوفمبر 2002 # يا مواكب النفاق يا سبب الهزيمة. # يا من تحولون الشيء إلى نقيضه. # يا من تصنعون بطلا وهميا. # من الكلام والإعلام. # وتمتلئ الصحف بالحبر المراق. # عن البطل المغوار. # الذي لم يدخل معركة واحدة. # الذي يعيش في كنف السلطة. # الذي شارك على مدى العقود. # في الخضوع وتأييد التبعية. # وفجأة يصبح فوق الورق. # هو المقاتل ضد الصهيونية. # وهو المعادي للتبعية. # والمقاتلون الحقيقيون والمقاتلات. # في السجون أو المنافي. # أو في البيوت يدفنون. ~~••• # يقولون انهزمنا أمام الأعداء. # أقول لهم لم تكن هي هزيمتنا. # بل هزيمتكم أيها السادة. # أيها المتنكرون داخل ثياب وطنية. # وأسماء عربية. # وبشرة سمراء أو قمحية. # تقولون إنكم السادة ونحن الشعب. # تسرقون أحلامنا وخبزنا وقطعة الجبن. # نفتش عن لقمة العيش في صفائح القمامة. # وفي ms010 الأرض البعيدة الغريبة. # نعيش خارج الوطن غرباء. # وغربتنا داخل الوطن أشد. ~~(2) إلى أحد سجناء الرأي في مصر # 8 أغسطس 1897 قبل سقوط الخديوي # مواكب النفاق يا صديقي. # تجعلك كبش فداء. # يتاجرون بالوطنية والأمانة. # على حسابك. # بيوتهم من زجاج. # ويقذفونك بالطوب. # قبل أن يقذفهم أحد. # كم رجل وامرأة اختلسوا وهربوا. # بالمليارات. # ومثلهم يعيشون حياة الأبطال. # تحت اسم الدفاع عن فلسطين. # أو العراق. # أو حقوق النساء. # أو التعددية والهوية والتنمية. # لم يقدمهم أحد للمحاكمة. # ولم يدافع أحد عنك. # إلا الأغلبية الصامتة. # اللاهية عنك. # بلقمة العيش. # وبقيت كلمة أخيرة. # سيكون مشرفا لك أن تبقى في السجن. # عن أن تكتب التماسا بالعفو. # من الخديوي ولي النعم. # | ورقة لم تقدم في مؤتمر المرأة والإبداع # أكتوبر 2002 # ربما لا ترى هذه الورقة النور. # لأن الموضوع يتجاوز الخطوط الحمراء. # وقد لجأت إلى الرمز والخيال. # من أجل خداع السلطات. # ولأن المنية عاجلتي. # فلم أحضر المؤتمر. # وهل يمكن أن تتحرر النساء. # وهم جالسون ينتظرون. # مقرفصين كالدجاج. # والأبواب كلها مغلقة. # والشرطة في كل مكان. # ولأنهم عاجزون عن الاحتجاج. # وهي تأتي دائما متأخرة. # وتجلس على العرش مزينة. # كأنما هي مخلدة. # ترمقهم من فوق المنصة العالية. # بعين ناعسة. # ترى مسوحهم الزاهية. # ووجوههم الممسوحة. # جهزوا لها كلمة بليغة. # عن الإنجازات العظيمة. # يتنافسون أمامها على إلقاء الخطب. # عن تحرير النساء. # وترتسم علامات الدهشة على وجوه الناس. # وتخلو الطرق من البشر. # ويعود الجميع إلى بيوتهم. # وقد أصابهم الاكتئاب. # لأن المؤتمر انتهى. # دون أن يحدث شيء. # ودون أن تتحرر النساء. ~~(1) اكتبي يا ابنتي حتى لا تموتي # كانت الكتابة محرمة. # على العبيد والنساء. # لأن الموت مكتوب عليهم. # ولأن الخلود. # فقط للآلهة. # الذكور. # وفي طفولتي كنت أخاف. # ومن شدة الخوف أصبحت أطيع. # أوامر الله والملك والوطن وأبي وأمي. # كانت أمي تأتي دائما في النهاية. # مع أنني لا أرى سواها. # وكانت هي أول وجه رأيته وأول صوت سمعته. # كانت هي البداية ومع ذلك دفعوها إلى الخلف. # كانت تكتب في السر وتخفي كلماتها تحت الأرض. # كانت مثلي تخاف حتى ماتت. ms011 # لكنها قالت لي قبل أن تلفظ نفسها الأخير. # لا تكوني يا ابنتي مثلي. # واكتبي ... اكتبي حتى لا تموتي. # في خريف عام 1981 حين كان التشاؤم يسود المسجونات معي في الزنزانة، ويحوم شبح الموت حول ~~رءوسنا، إذ بالقصيدة تهب منتصبة داخلي كالمارد، تقاوم اليأس تتحدى الموت، وأسمع صوتي الغاضب ~~يقول: لن نموت، وإن متنا فلن نموت ساكتات، لن نمضي في الظلمة دون ضجة، لا بد أن نغضب ونغضب، ~~نضرب الأرض ونرج السماء، لن نموت دون أن نكسر قضبان الحديد، وإن متنا لن نموت صامتات. # مذكراتي في سجن النساء 1981 ~~••• # وفي مفكرتي السرية عام 1947، وأنا تلميذة في المدرسة الداخلية في حلوان الثانوية، ~~ظلت هذه القصيدة مكتوبة بالحبر الأسود، محفورة في ذاكرتي وفوق الورق: # قبل أن أغيب في النوم كل ليلة، أقول لنفسي: # سيأتي الصبح حتما ولن أموت، وإن مت. # فلن يؤلمني شيء بعد الموت. # لا السقوط في الامتحان، ولا الضرب. # على أطراف الأصابع بالمسطرة. # ولا زمهرير البرد ولا لهيب الشمس ونار الجحيم. # لم أجد إلا صديقتي في العنبر لأسألها: هل نموت؟ # إن متنا هل يؤلمنا أن نموت؟ أين نحن؟ # الآن في عنبر الموتى، في اللامكان واللازمان. # ولا وجود للحب إلا بعد أن نحترق في الحريق. # ونصير كالرماد، كرمال الصحراء في حلوان. # كأننا يا صديقتي متنا قبل الأوان. # رأيت المشهد في الحلم، وعرفت أننا نمضي. # إلى حيث لا ندري، فهل أكون في الغد ما أريد أن أكون؟ # شاعرة أو ناثرة أو حتى آثمة؟ # هل أرى اسمي فوق كتاب ممنوع؟ وأشق السماء. # بقلمي، وأجعل المطر رهن مشيئتي؟ # والنهار والشعر والنثر. # ينثال من خطيئتي، فليحرقني الله في نار جهنم. # ولتشرب الأرض دمائي لكني أبدا لن أموت. # حلوان الثانوية 1947 # | هذا المقال لم ير النور # (1) لأن النور مملوك # لأن النور مملوك لخدام الملوك ... # أدهشني مقال إبراهيم نافع في جريدة الأهرام 11 أغسطس 2000، الصفحة الأولى تحت عنوان: كشف ~~حساب العلاقات المصرية الأمريكية، يرد فيه على سؤال الصحفي الأمريكي الذي تساءل في جريدة ~~أمريكية عما حصلت عليه أمريكا ms012 مقابل ما دفعته لمصر منذ عام 1978 من معونة تبلغ 30 مليار ~~دولار. # ما أدهشني أن مقال «إبراهيم نافع» يكشف عن حجم الخسارة الاقتصادية التي تكبدتها مصر ~~بسبب المعونة الأمريكية، وكان ذلك معروفا خلال ربع القرن الماضي، ليس لعلماء الاقتصاد ~~فحسب، وإنما لرجل الشارع وامرأة الشارع التي تخرج لتشتري الطعام من السوق، فإذا بها ~~تصرخ في البائع؛ لأنها لم تعد قادرة على شراء السلع الأمريكية التي ملأ بها رفوف دكانه ~~على حين اختفت السلع المصرية. # منذ منتصف السبعينات وبعد ما سمي بالانفتاح الاقتصادي في عهد السادات أصبحت ضرورات ~~الحياة عسيرة وشاقة ليس فقط على الملايين الكادحين، بل على الطبقات الأخرى الأكثر راحة، بدأ ~~الفقراء يزدادون فقرا وظهرت القطط السمان وظاهرة أصحاب الملايين، ثم ظاهرة أصحاب البلايين ~~إلى الحال التي وصلنا إليها الآن. # لقد كشف إبراهيم نافع أخيرا ومتأخرا ربع قرن عن حجم الخسارة المالية والاقتصادية لمصر ~~منذ عام 1975، ومنذ العلاقات المصرية الأمريكية، وقبول الشروط الأمريكية المجحفة المدمرة ~~للاقتصاد المصري والإنتاج المحلي مقابل تلك المعونة، التي كانت مجرد الطعم في شبكة الصياد، ~~والتي بلغت 30 مليار دولار (حسب قول الصحفي الأمريكي)، وانخفضت إلى 23 مليار دولار فقط في ~~قول إبراهيم نافع، خلال ربع القرن الماضي؛ أي بفارق 7 مليارات دولار لم نفهم هذا الخلل ~~الكبير في الحسابات. # المهم الآن أن خسارة مصر الاقتصادية من جراء المعونة والعلاقات الأمريكية أصبحت منشورة ~~في الأهرام بقلم رئيس التحرير، وكان محظورا نشر هذه الحقائق (إلا في بعض صحف المعارضة ~~الصغيرة المحدودة الانتشار)، وأذكر أنني نشرت مقالا في أغسطس عام 1981 يشبه المقال الذي ~~نشره إبراهيم نافع في أغسطس 2000 من حيث نقد العلاقات المصرية الأمريكية وما تسببه من ~~خسائر ليست مالية واقتصادية فحسب، إنما خسائر سياسية وثقافية وأدبية، وهي في رأيي غير ~~منفصلة عن الخسائر المالية بل ربما أخطر. # إن الخسائر الاقتصادية لا شك خطيرة، وهي معروفة ومنشورة في الصحف الأوروبية قبل الصحف ~~المصرية المعارضة، ذلك أن اليسار الأوروبي والقوى الاشتراكية في العالم كانت أكثر ms013 دراية ~~بالاستعمار الأمريكي الجديد في الشرق الأوسط، «والقارة الأفريقية» والذي حل محل الاستعمار ~~البريطاني والفرنسي في عالمنا العربي والأفريقي. # لم تكن هذه الخسائر الاقتصادية المصرية مجهولة، وقد كانت متاحة للنخبة المثقفة المصرية ~~التي تقرأ الصحف الأجنبية، إلا أن هذه النخبة كانت عاجزة عن الكتابة في هذه الموضوعات ~~المحظورة تحت اسم حماية الأمن القومي أو المصالح العليا لمصر وعلاقتها بالدول الصديقة، وعلى ~~رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. # إلا القلة القليلة التي كتبت ودخلت السجون أو شردت أو تم تجاهلها وتهميشها حتى هاجرت أو ~~عاشت المنفى خلال ربع القرن الماضي، وطفا على سطح الحياة في بلادنا هؤلاء الذين يؤيدون ~~السياسة الاقتصادية منذ الانفتاح في منتصف السبعينيات وحتى اليوم، والتي أدت إلى هذا الفقر ~~الخطير الذي يتحدث عنه الجميع اليوم على رأسهم هؤلاء الذين أيدوا السياسات التي أدت ~~إليه. # ورب ضارة نافعة، ومن تأزم العلاقات المصرية الأمريكية الأخيرة (بسبب كامب ديفيد الثانية ~~والتي هي النتيجة المنطقية لكامب ديفيد الأولى) أصبح في مقدور الشعب المصري أن يقرأ في ~~جريدة الأهرام اليوم أن المعونة الأمريكية لمصر خدعة كبيرة، أو أنها كانت لصالح أمريكا على ~~حساب الصالح المصري، يكفي أن نعلم أن العجز التجاري المصري (لصالح أمريكا) بلغ 75٪ من قيمة ~~التجارة بين البلدين، هذا الاحتلال الخطير الاقتصادي منذ عام 1974، والذي يقول إبراهيم ~~نافع أنه مسئولية أمريكا، وكأنما السياسة المصرية غير مسئولة أيضا عن هذا الخلل الذي فتح ~~الأسواق المصرية أمام السلع الأمريكية، وحققت أمريكا من ذلك أرباحا وفائضا تجاريا بلغ ~~أكثر من 44 مليار دولار (أي ضعف المعونة الأمريكية لمصر خلال هذه الأعوام نفسها). # هذا من الناحية الاقتصادية فقط، ولم يتعرض إبراهيم نافع للخسائر المصرية في المجالات ~~الأخرى، إذ أن الاقتصاد غير منفصل عن السياسة وعن الأمن القومي وعن الإعلام والثقافة ~~وغيرها من مجالات الحياة. # والسؤال الوارد الآن: ألم يصحب الخلل الاقتصادي خللا في المجالات الأخرى الهامة على ~~رأسها الأمن القومي في مواجهة إسرائيل؟ # ألم تصاحب الشروط التجارية المجحفة لمصر اقتصاديا شروط أخرى سياسية أدت إلى الخلل ms014 ~~الحادث اليوم بين مصر وإسرائيل بالنسبة لواقع التسلح الاستراتيجي في الشرق الأوسط؟ # أصبحت جريدة الأهرام تكشف عن هذا الخلل أخيرا «لكن في انفصال عن الخلل ~~الاقتصادي.» # في الأهرام 12 أغسطس يظهر أخيرا مقال تحت عنوان: تقارير المخابرات الأمريكية وواقع ~~التسلح الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بقلم محمد عبد السلام، يكشف فيه عن الخلل الذي حدث بين ~~إسرائيل ومصر عسكريا، وفي الوقت الذي وقعت فيه مصر على عدد من الاتفاقيات أو معاهدات حظر ~~أو منع انتشار الأسلحة النووية (في 26 فبراير 1981) ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية ~~(في 14 أكتوبر 1996) وسبق ذلك الموافقة على حظر تطوير الأسلحة البيولوجية أو إنتاجها (في ~~10 أبريل 1972). # صدقت مصر على كل هذه المعاهدات تحت ضغط أمريكا التي لم تضغط على إسرائيل، وبالتالي لم ~~توقع إسرائيل على هذه المعاهدات مما أدى إلى خلل وعدم توازن بين قوة إسرائيل النووية وقوة ~~مصر النووية؛ بل لأن مصر دولة محورية في العالم العربي والأفريقي، فقد أثرت مصر على هذا ~~العالم الذي وقع مثل مصر على هذه المعاهدات المجحفة، وتزايدت ترسانة إسرائيل النووية خلال ~~الأعوام الأخيرة، بل أصبحت تملك طرازا جديدا من صواريخ جيركو تم تطويرها وتحميلها برءوس ~~نووية أكبر، بل إضافة على البرنامج الإسرائيلي العلني «أرو» بالمشاركة الأمريكية والذي أصبح ~~في السنين الأخيرة أخطبوط متعدد الأذرع (حسب المقال في الأهرام). # أما الخلل الإعلامي والثقافي فهو معروف وأكثر ظهورا من الخلل الاقتصادي أو العسكري أو ~~غيرها من المجالات الحساسة المحظور نشرها في معظم الأحيان. # وهل نتكلم عن سلبيات الاتفاقات الثقافية المجحفة في الجات وغيرها، والتي أدت مثلا إلى ~~انتشار الأفلام الأمريكية على حساب الأفلام المصرية؟ # هل نقول إن التبعية الإعلامية والثقافية لا تنفصل عن التبعية الاقتصادية وغيرها من ~~المجالات الحيوية في البلاد، ألم تجف حلوقنا منذ ربع قرن ونحن نقول ذلك، حتى في المقالات عن ~~قضية المرأة، ألم نربط الفقر المتزايد والقيود المتزايدة على النساء تحت اسم الدين ~~والأخلاق؟ ألم يكن الإرهاب الديني وقهر النساء جزءا لا ينفصل عن الإرهاب الاقتصادي ~~والإعلامي، ms015 وما أكثر من يتكلمون اليوم عن ظاهرة تأنيث الفقر كأنما هي ظاهرة منفصلة في ~~التاريخ وهابطة فجأة من السماء؛ وليست نتيجة منطقية لما سمي الانفتاح الاقتصادي والذي أصبح ~~يسمى اليوم الإصلاح الاقتصادي. # إن هذا الفصل بين المجالات هو الذي يؤدي إلى التجهيل بما يحدث لنا، ويعيش الشعب المصري ~~نهبا لموارده المادية والمعنوية في آن واحد، بالإضافة إلى إخفاء الحقائق وعدم إظهارها في ~~وقتها بل بعد فوات الأوان. # والسؤال: من المسئولون عن ذلك؟ في الماضي والحاضر، ذلك أن الماضي لا ينفصل عن الحاضر ولا ~~ينفصل عن المستقبل. # 12 أغسطس 2000 # | فتاة الليل والكاتبة # وهذه ورقة أيضا لم تقدم في مؤتمر المرأة والإبداع، الذي عقد بالقاهرة خلال أكتوبر 2002؛ ~~لأنه: # صباح اليوم الأول للمؤتمر تم العثور على جثة الكاتبة الفاضلة «أ. د. المصري»، فوق دكة ~~خشبية بحديقة كازينو النيل، وتم العثور بجوار الجثة على أوراق بخط يدها، وقلمها الذهبي ~~المعروف، مما يدل على أن الموت فاجأها بينما كانت تكتب الورقة المزمع تقديمها في المؤتمر، ~~وأمرت النيابة بالإفراج عن فتاة الليل التي رآها بعض شهود العيان جالسة إلى جوار الفقيدة ~~الفاضلة فوق الدكة الخشبية. ~~(1) فتاة الليل والكاتبة الكبيرة # كانت الكاتبة الفاضلة «أ. د. المصري» تقضي الساعات جالسة فوق هذه الدكة، تحاول أن ~~تقتل الوقت بالكتابة، تحملق في الأوراق طويلا، ثم ترفع رأسها وتحملق في الظلمة، وفي تلك ~~الليلة من شهر أكتوبر كان الهواء البارد قادما من الشمال، ينذر برياح متربصة على ~~الأبواب، وحرب موشكة على الهبوب. # الجو كان ملبدا بسحابة سوداء تزيد من الظلمة، وانقباض القلب، والتوجس من حدوث ~~جريمة أو أي شيء آخر يزيد الرعب، وقعقعة الهواء تمتزج بقعقعة الميكروفونات المثبتة فوق ~~الجوامع والمآذن، تنطلق منها الأصوات كالمفرقعات أو الرصاصات من فوهات المدافع. # كانت الكاتبة الفاضلة جالسة في يدها القلم، يلمع غطاؤه الذهبي في الظلمة، تحوطها هالة ~~من الرهبة مثل كبار الأدباء، لا يظهر منها إلا الرأس الملفوف بحجاب، أبيض مثل هرم من ~~الثلج، مطرقة قليلا فوق أوراقها تكتب. # من قلب الظلمة تظهر ms016 فتاة صغيرة، تسير ببطء شديد وإعياء واضح، نحيفة الجسم ترتدي ثوبا ~~أسود ضيقا مكشوف العنق حتى الشق العميق بين النهدين، تتوقف أحيانا لتلتقط أنفاسها، ~~وتستدير برأسها الصغير يحوطه شعر كثيف أسود، منكوش قليلا، تتطلع إلى السماء تخاطب الرب ~~بصوت غير مسموع يشبه التمتمة المكتومة. # تراقبها الكاتبة الفاضلة لحظة ثم تنكفئ فوق الورقة تكتب، وتمر الفتاة دون أن ~~تلاحظها، ثم تنتبه إلى وجودها، فتعود إليها وتجلس على طرف الدكة بحيث تترك مسافة كبيرة ~~بينها، ترفع الكاتبة «أ. د. المصري» عينيها نحوها بشيء من الفضول دون أن تقول شيئا، الفتاة ~~ترمقها بنوع من الاستطلاع الطفولي، تتأمل من بعيد حروفها فوق الورقة، تبتسم قليلا ثم ~~تقول ... # الفتاة ~~: # يبدو أنك منشغلة بالكتابة يا سيدتي. # الكاتبة ~~(بصوت خشن) ~~: # آسفة، أنا مشغولة جدا ولا أخاطب بنات الليل. # الفتاة ~~(في حرج) ~~: # عندك حق يا سيدتي أعتذر لك. ~~(تهم الفتاة بالنهوض لتغادر المكان، لكن الكاتبة الفاضلة تشعر ~~بتأنيب الضمير أو شيء من الشفقة.) # الكاتبة ~~: # يمكنك الجلوس إن شئت. # الفتاة ~~: # سأستريح قليلا ثم أواصل المشي. # الكاتبة ~~: # أنا لا أملك هذه الدكة ويمكنك الجلوس كما تشائين. ~~(تعود الفتاة إلى الجلوس وهي تمسح حبات العرق عن وجهها بمنديل صغير أبيض، ترمقها الكاتبة ~~الفاضلة بطرف عين، تتطلع الفتاة إلى السماء السوداء وتهمس مخاطبة الرب.) # الفتاة ~~: # أنت شاهد على أنني لم أكن من بنات الليل. # الكاتبة ~~: # كنت إذن فتاة شريفة؟ # الفتاة ~~(تبتسم) ~~: # أشكرك على هذه الكلمة الرقيقة، وإن كانت عن الماضي وليس الحاضر، في حياتي ~~كلها لم أسمع هذه الكلمة «شريفة»، يا لها من كلمة جميلة! ~~(الكاتبة تنصرف عنها إلى كتابة الورقة، ترمقها الفتاة طويلا وهي تكتب، يبدو أن الكاتبة ~~متعثرة قليلا والقلم الذهبي لا يتحرك في يدها، وإن كان يلمع في الظلمة.) # الفتاة ~~: # هل تسمحي لي أن أسألك سؤالا صغيرا يا سيدتي؟ # الكاتبة ~~: # ما هو هذا السؤال؟ ~~(دون أن ترفع رأسها عن الورقة) ~~. # الفتاة ~~: # هل أنت كاتبة يا سيدتي؟ ~~(الكاتبة ترفع وجهها ناحيتها وترد بصوت ينم عن الضيق قليلا.) # الكاتبة ~~: # بالطبع! ألا ms017 تعرفين ذلك؟ ألم ترين صورتي في الصحف وفوق شاشة التليفزيون؟ # الفتاة ~~: # أعتذر لك يا سيدتي، ليس عندي تليفزيون ولا أستطيع شراء الصحف. # الكاتبة ~~: # آه، هذا مفهوم بالنسبة لك. # الفتاة ~~: # لكني أحرم نفسي من الطعام أحيانا لأشتري كتابا. # الكاتبة ~~: # لا بد أنك قرأت كتابا من كتبي. # الفتاة ~~: # هل لك كتب يا سيدتي؟ # الكاتبة ~~(بحماس) ~~: # عندي الكثير من الكتب، وحصلت على جائزة الدولة ولقب كاتبة كبيرة. # الفتاة ~~: # أعتذر لك عن جهلي يا سيدتي، لكن ... # الكاتبة ~~: # لكن ماذا؟ # الفتاة ~~: # لا بد أن عندك مكتبا كبيرا وبيتا جميلا فيه مكتب أيضا. # الكاتبة ~~: # بالطبع. ~~(تصمت الفتاة مترددة ثم تقول بشيء من الحرج ...) # الفتاة ~~: # أعتذر عن تطفلي يا سيدتي، كيف لكاتبة كبيرة مثلك أن تجلس في الليل فوق هذه الدكة ~~وتكتب؟ ~~(تطرق الكاتبة وتعود إلى الورقة في صمت، الفتاة أيضا تصمت، ~~وتشرد عيناها بعيدا وهي تهمس لنفسها ...) # الفتاة ~~: # في الماضي البعيد وأنا طفلة كان لي مكتب صغير في غرفة نومي، وكانت لي مفكرة أكتب ~~فيها. # الكاتبة ~~(دون أن ترفع رأسها عن الورقة) ~~: # كنت تكتبين؟! # الفتاة ~~(شاردة دون أن تنظر إليها) ~~: # في الماضي البعيد حين كنت فتاة شريفة. # الكاتبة ~~: # آه، هذا مفهوم. ~~(تحرك الفتاة رأسها نحو الكاتبة وتتسع عيناها السوداوان ويملؤهما بريق خاطف مع ~~السؤال ...) # الفتاة ~~: # ما هو المفهوم يا سيدتي؟ # الكاتبة الفاضلة ~~: # علاقة الكتابة بالشرف أتفهمين؟! # الفتاة ~~: # أبذل كل جهدي لأفهم، وإن كنت لا أفهم، فأنا مرهقة من طول المشي، لا أستطيع أن ~~أقول لك متى يبدأ المشي ومتى ينتهي، يبدو أنه بلا نهاية، خالد إلى الأبد مثل الرب. # الكاتبة ~~(في ضيق) ~~: # أستغفر الله العظيم، ألست مؤمنة وموحدة؟! # الفتاة ~~: # معذرة يا سيدتي إن جرحت إحساسك، وقد تقولين عني غير مؤمنة كما قلت عني غير شريفة، ~~ولكن ... آه من هذه الكلمات الجارحة، إنها مؤلمة للجسم أكثر من الصفعات باليد أو القدم، آه من ~~هذه الكلمات يا سيدتي، إنها كارثة ... # الكاتبة ~~: # ما هي الكارثة؟ # الفتاة ~~: # نعم يا سيدتي، الكلمات هي اللغة، وهي وسيلة الكتابة الوحيدة، ومع ذلك لا ms018 تسمح بها ~~... نعم لا تسمح بها ... ~~(تصمت الفتاة وهي شاردة، الكاتبة الكبيرة ترمقها باهتمام بعد أن كانت غير مبالية ~~بها.) # الفتاة ~~: # هل أضيع وقتك الثمين يا سيدتي بهذا الكلام الفارغ؟ # الكاتبة ~~: # لا ... استمري ... أنا أستمع إليك. # الفتاة ~~: # أشكرك على حسن استماعك، كل ما أريد أن أقول: إن الكتابة ... آه، هذه الكتابة أمرها ~~عجيب، أرجوك صدقيني، إنها ليست شيئا واضحا يمكن كتابته على الورق، كانت هي هكذا دائما ~~منذ طفولتي، ولم يكن هناك شيء يؤنسني في وحدتي إلا هي، أنا أحبها يا سيدتي لأنها تواسيني ~~بطريقتها الخاصة، وأنا بحاجة إليها وأنا في الليل وحدي، والريح تعوي كالذئاب، وهذه الأصوات ~~المفرقعات من فوهات الميكروفونات، ولا شيء لا شيء، يبعث على الراحة، وأنا أمشي وأمشي حتى ~~أشعر بالإعياء، فأستريح فوق أي دكة في الطريق، وأقول لنفسي كم أنا فتاة محظوظة، لأنني ~~أستطيع الجلوس في النهاية، وأفتح مفكرتي الصغيرة منذ الطفولة، وأكتشف حروفي المختفية بين ~~السطور، والموسيقى الخافتة للكلمات. ~~(تتوقف الفتاة عن الحديث، يبدو عليها الإعياء الشديد، تمسح حبات العرق عن وجهها بالمنديل ~~الأبيض الصغير، تلتقط أنفاسها.) # الكاتبة ~~(باهتمام) ~~: # لماذا توقفت؟ هذا حديث جميل يا ابنتي. # الفتاة ~~(تبتسم) ~~: # آه، هذه الكلمة «يا ابنتي» تثير حنيني إلى أبي. # الكاتبة ~~: # كنت أتصور أنني بصفتي امرأة تثير حنينك إلى الأم. # الفتاة ~~: # لم يكن لي أم يا سيدتي. # الكاتبة ~~: # آه آسفة لهذا. ~~(تصمت الفتاة لحظة وهي تبتلع دموعها خلسة وتعدل من فتحة ثوبها لتخفي الشق بين نهديها، ثم ~~تقول ...) # الفتاة ~~: # وأنت يا سيدتي، هل كان لك أم؟ # الكاتبة ~~(في أسى) ~~: # نعم كان لي أم. # الفتاة ~~: # وأب. # الكاتبة ~~: # نعم بكل أسف. # الفتاة ~~: # وهل أنت متزوجة؟ # الكاتبة ~~: # نعم بكل أسف. # الفتاة ~~: # أعتذر لك إن كانت أسئلتي تؤلمك. # الكاتبة ~~: # لا بالعكس، أشعر بشيء من الراحة في الحديث معك. # الفتاة ~~: # وهل بيتك بعيد؟ # الكاتبة ~~: # لا، بيتي قريب، إنه هنالك في الناحية الأخرى من هذه الحديقة، وأنا أجلس هنا أطل ~~عليه، انظري، إنه هناك، ذلك البيت الأبيض الكبير، إنه بيتي وأنا أنتظر ظهور ms019 الفجر لأعود ~~إليه وأنام. # الفتاة ~~(تتطلع نحو البيت في صمت طويل وشرود ثم تقول) ~~: # آه، كم هو صعب الانتظار، حتى طلوع الفجر، أصعب شيء في حياتي هو الانتظار، رغم ~~التعب أنا أفضل المشي على الانتظار؛ ولهذا أنا أكتب يا سيدتي، فالوقت يمضي بسرعة ونحن ~~نكتب. # الكاتبة ~~: # هذا صحيح تماما، لكن كيف أدركت كل هذا وأنت في مقتبل العمر؟! # الفتاة ~~: # كنت مجبرة على ذلك، وقد بلغت العشرين من عمري منذ ثلاثة أيام، وأشعر كأنني في ~~الستين أو السبعين، وكلما أمشي أحس كأن قدمي مقيدتان بسلسلة من الحديد. # الكاتبة ~~: # وأبوك أين هو؟ # الفتاة ~~: # أبي تزوج امرأة شريفة تملك بيتا، وهو بيت ضيق تجبره زوجته فيه على أن ينام على ~~كليم فوق الأرض وهي تنام على السرير. # الكاتبة ~~: # ألا يمكنك النوم في بيت أبيك بدلا من هذه الدكة؟! # الفتاة ~~: # لا يا سيدتي، أنا غير مسموح لي بزيارة أبي. # الكاتبة ~~: # أليس لك أقارب أو قريبات، عمتك مثلا أو خالتك؟ ألا ترين أنك لا تستطيعين ~~الاستمرار هكذا؟ # الفتاة ~~: # لم لا يا سيدتي؟ ألست مثلي تقضين الليل فوق هذه الدكة؟ # الكاتبة ~~: # نعم، ولكني عند الفجر أعود إلى بيتي، وأتناول طعام العشاء، ثم أدخل إلى الفراش ~~بلا صوت حتى لا أوقظ زوجي. # الفتاة ~~: # أنت إنسانة حساسة، لكن ماذا يفعل زوجك في الليل، أهو يكتب مثلك؟ ~~(الكاتبة الكبيرة تصمت شاردة بعينيها في الظلمة، تمسح حبات العرق عن وجهها بطرف حجابها ~~الأبيض.) # الكاتبة ~~: # لو كان يكتب ربما هان الأمر. # الفتاة ~~: # أرجو المعذرة، لا تتكلمي إن كان ذلك يؤلمك. # الكاتبة ~~: # بالعكس، ربما أشعر بشيء من الراحة لو حدثتك عن أشياء أخفيها عن نفسي. # الفتاة ~~: # هذا يذكرني بطفولتي حين كنت أعترف لمفكرتي بأشياء لا أعترف بها لنفسي، وكنت أسمع ~~من الناس أن أبي رجل غير شريف، وأود أن أقتله لأمسح العار بالدم، لولا أنه كان يضحي بشرفه ~~من أجل إطعامي. # الكاتبة ~~: # كلنا بشكل أو بآخر نتحمل الإهانة من أجل هدف نبيل. # الفتاة ~~: # وماذا كان هدف حياتك؟ الكتابة؟! # الكاتبة ~~: # آه، الكتابة، نعم ms020 يا ابنتي، لكن ما جدوى الكتابة إذا بقيت في الدرج دون أن ترى ~~النور؟ وهذا أمر بالغ الصعوبة، أتفهمين ما أقول؟ # الفتاة ~~: # نعم أفهم يا سيدتي، وعندي قصة قصيرة لم يمكن لها أن ترى النور إلا بعد أن قدمت ~~نفسي لأحد الرجال، كانت الأبواب مغلقة في وجهي وليس أمامي طريق آخر، أتقولين عني غير ~~شريفة؟ ~~(تصمت الكاتبة طويلا وهي تمسح وجهها بطرف طرحتها البيضاء ثم ~~تقول متلعثمة ...) # الكاتبة ~~: # لا ... لا أقول عنك هذه الكلمة القاسية؛ لأن هدفك كان نبيلا، وهو أن ~~ترى كلماتك النور، هذا هو حال الدنيا يا ابنتي. # الفتاة ~~: # أتقولين إن الدنيا نفسها غير شريفة؟ # الكاتبة ~~: # نعم لا، لا أعرف الحقيقة تماما؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم ... ~~(يبدو الإعياء الشديد على الكاتبة الكبيرة، يسقط القلم من يدها والورقة على الأرض، تنظر في ~~ساعة يدها بعينين غائمتين، أطراف أصابعها ترتعش، لا تكاد ترى أرقام الساعة.) # الكاتبة ~~(في إعياء شديد) ~~: # لم أعد أرى الأرقام كما كنت، انظري يا ابنتي كم تكون الساعة؟ ~~لكن الظلمة لا تزال شديدة والفجر لم يطلع بعد لأعود إلى البيت. ~~(الفتاة تساعد الكاتبة في تجميع الورق الساقط على الأرض، وأنفاس الكاتبة اللاهثة تنم عن ~~الإعياء القريب من الإغماء، تساعدها الفتاة على تمديد ساقيها المتورمتين فوق الدكة، تستعيد ~~الكاتبة أنفاسها مستريحة قليلا، ترمق الفتاة البيت الأبيض في الناحية الأخرى من الحديقة ~~وتسأل في حرج ...) # الفتاة ~~: # بيتك قريب، هل آخذك إلى بيتك لتستريحي يا سيدتي؟ # الكاتبة ~~: # لا، لا أريد العودة حتى يطلع الفجر. # الفتاة ~~(في حيرة) ~~: # ألا يمكنك العودة قبل ذلك؟ # الكاتبة ~~: # يمكنني العودة في أي وقت، لكني أفضل البقاء هنا حتى يخلو البيت وينام زوجي، ~~أتفهمين؟ # الفتاة ~~: # أبذل كل جهدي لأفهم يا سيدتي، وهذا يذكرني بطفولتي حين كنت أفضل عدم العودة إلى ~~البيت حتى يخلو تماما ويغيب أبي في النوم، ولا بد أنك عرفت الحزن مثلي يا سيدتي. # الكاتبة ~~: # الحزن؟ نعم، ربما هناك علاقة بين الحزن والكتابة، لكني قاومت الحزن حتى ~~نجحت. # الفتاة ~~: # أنت سعيدة إذن ms021 يا سيدتي. ~~(الكاتبة وهي تغمض عينيها كأنما تروح في الغيبوبة أو في ~~النوم، وصوتها يهمس ...) # الكاتبة ~~: # الحمد لله على كل شيء، وسوف يعوضني في الآخرة عن ألم ~~الدنيا، وأنا لم أضمر الشر لأحد حتى لهذه الفتاة اللعوب التي أكلت عقل زوجي بعد أن ~~تجاوز السبعين، وكتب البيت باسمها الذي دفعت فيه مدخرات عمري، إنها في العشرين من ~~عمرها مثلك، وكانت من بنات الليل، واليوم أصبحت تحمل لقب السيدة الفاضلة حرم ~~الوزير. # الفتاة ~~: # هل أستدعي لك طبيبا يا سيدتي؟! # الكاتبة ~~(في ذعر) ~~: # لا لا لا أريد أن يراني أحد هنا. ~~(2) النهاية # صباح اليوم التالي أذاعت الأنباء خبر وفاة الكاتبة الكبيرة «أ. د. المصري» حرم السيد ~~الوزير لشئون النشر والطبع، وأقيم المأتم الكبير في المسجد الشهير في ميدان التحرير، حضره ~~جميع الوزراء والسفراء وكبار رجال الدولة، الذين جلسوا في الصوان الفخم، بالنظارات السوداء ~~فوق العيون، الربطات السود حول الأعناق، والحديث الخافت يجري بينهم حول آخر الأنباء، الحرب ~~القادمة، أسعار البورصة والكتب المطبوعة في الأسواق. # على الدكة الخشبية في الليل كانت فتاة الليل، وكانت هي الوحيدة التي تبكي، لكن ... # القاهرة، أكتوبر 2000 # | نحو تحرير العقل المصري # (1) الفكر النظري المنفصل عن الواقع # خلال السنوات الخمس التي كنت فيها أستاذة زائرة في جامعة ديوك بمدينة ديرهام في ولاية ~~نورث كارولاينا، التقيت مع بعض المفكرين الأمريكيين الماركسيين، وكان أحدهم وهو فريدريك ~~جيمسون زميلا في ديوك - وهو لا يزال أستاذا في ديوك - وله عدد من المؤلفات في ~~الثقافة ينتقد فيها العولمة والرأسمالية الأمريكية الأخيرة أو المتأخرة. # كان فريد (وهو اختصار اسم فريدريك جيمسون) يستمد سلطته الفكرية على الأساتذة الآخرين ~~في الجامعة من سلطته الإدارية، فهو رئيس القسم الأدبي والفني، وهو صاحب القرار بشأن ~~تجديد عقود العمل للأساتذة الآخرين، وكان الأساتذة من العالم الثالث يتحاشون نقد أفكاره ~~خوفا من عدم تجديد العقد. # لا شك أن بعض أفكار فريد جيمسون متقدمة وناقدة بشدة لعيوب الرأسمالية الأمريكية ~~والعولمة، إلا أن أفكاره تظل قاصرة عن فهم المشاكل الحقيقية التي تواجهها البلاد ms022 فيما ~~يسمى العالم الثالث، إن التسمية نفسها «عالم ثالث» تؤكد النظرة الاستعلائية الأمريكية ~~للبلاد الأخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وبلادنا العربية، وكان فريد جيمسون ~~يعتبر عقله وفلسفته هي الحقيقة غير الأوروبيين أو اليابان وغيرهم مما يسمى العالم ~~الأولى، وهذه نظرة رأسمالية تعتبر المفكرين في العالم الثالث أدنى من زملائهم في العالم ~~الأول. # إلى جانب ذلك فإن أفكار فريد جيمسون نفسها كانت مليئة بالثغرات غارقة في التجريدات ~~والنظريات المنفصلة عن الواقع، فهو يعيش في أمريكا، ولا يكاد يعرف شيئا عن الواقع في ~~بلادنا، رغم ذلك هو يتحدث معنا كأنما هو يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا وواقعنا الذي ~~نعيشه. # وهو أيضا ورغم نقده للعولمة إلا أنه يرى أنها حتمية مثل القضاء والقدر، وأنه لا يمكن ~~مقاومتها، وبالتالي يسود جو من العجز واليأس ثم الاستسلام لهذا الإخطبوط الذي اسمه ~~العولمة، (بالطبع يتم تجاهل المقاومة الشعبية وغيرها من أنواع المقاومة الأخرى). # وقد انتقل هذا الفكر اليائس العاجز إلى النخبة المثقفة في بلاد العالم الثالث؛ الذين ~~يقرءون لفريد جيمسون وغيره من المفكرين الأمريكيين والأوروبيين الماركسيين أو الناقدين ~~للرأسمالية والعولمة. # بالإضافة إلى انتقال هذا العجز واليأس انتقلت إلينا أيضا الثغرات في هذا الفكر، ~~أهمها الفصل بين الاقتصاد والثقافة، والتركيز على الثقافة فقط، أو الهوية أو الخصوصية ~~الثقافية أو الشخصية الأصلية، والأصالة مما يقودنا بالضرورة إلى الأصولية الثقافية ثم ~~الأصولية الدينية، هكذا أصبحت الدعوة إلى الأديان والتقاليد والعادات القديمة لكل شعب ~~هي الوجه الآخر لفلسفة فريد جيمسون وغيره من المفكرين الأمريكيين، الذي ينظر إليهم ~~المفكرون الماركسيون في العالم الثالث وكأنهم جابوا الديب من ديله، أو كأنهم يدافعون عن ~~هويتنا وخصوصيتنا الثقافية، وعاداتنا وتقاليدنا والقيم التي درجنا عليها ولم تلوثها ~~الثقافات الأخرى، خاصة الثقافة الغربية الإباحية التي لا تراعي الأخلاق. # من هنا نرى بعض المفكرين المتقدمين في بلادنا الذين يعارضون الأمركة والرأسمالية ~~والعولمة، إلا أنهم يتمسكون بالتقاليد القديمة، ومنها بل وعلى رأسها حجاب المرأة ~~وختانها وعودتها إلى البيت والأمومة. # وقد تبع هذا الفكر بعض المفكرات ms023 النسويات في الغرب واللائي نادين بتحرير النساء في ~~بلادهن، إلا أنهن تحت اسم احترام الهوية والأصالة والخصوصية الثقافية لكل بلد فقد أيدن ~~ختان النساء وحجابهن في بلادنا، وقد كان يؤيد هؤلاء المستشرقات عدد غير قليل من ~~المفكرين الرجال والنساء في بلادنا. ~~(2) الهوية المصرية الأصلية # باسم الهوية المصرية الأصلية ارتد كثير من المفكرين المتقدمين في بلادنا إلى الماضي ~~والتراث القديم كمحاولة لمقاومة ما سمي الغزو الثقافي الغربي، ولم يميزوا بين القديم ~~الإيجابي وبين القديم السلبي، والذي يسلب نصف المجتمع حقوقهن الإنسانية الأساسية، ~~وغيرهن من الشرائح الضعيفة سياسيا واقتصاديا في المجتمع. # كانت هذه الردة محاولة لحماية الهوية أو الثقافة القديمة من التفكك تحت زحف الثقافة ~~الأمريكية الإمبريالية، وقيمها الاستهلاكية وأفلامها الرخيصة القائمة على الجنس ~~والجريمة، وهذا أمر طيب وضروري، ولكن المشكلة أن العودة إلى القديم لم تشمل إلا سلبيات ~~القديم أو سلبيات التراث، وليس الإيجابيات القائمة على العدالة والمساواة بين الناس ~~بصرف النظر عن دينهم أو جنسهم أو طبقتهم أو عقيدتهم إلخ ... بل قامت الردة على التفرقة ~~بين الناس على هذه الأسس، وشهدنا الانتكاسة في حقوق النساء والطبقات الأدنى في ~~المجتمع، وازدادت الهوة بين الأثرياء والفقراء بمثل ما ازدادت بين الجنسين. # وقع المفكرون في بلادنا المعجبين بأفكار فريد جيمسون وأمثاله في تناقض جديد تحت اسم ~~الهوية المصرية والحفاظ على الخصوصية الثقافية، وذلك لأنهم نقلوا الفكرة النظرية ~~المجردة عن الآخرين دون دراسة متعمقة للتراث أو القديم، وكأنما هذا القديم كلية وطنية ~~مقدسة ثابتة وتعامل مع الطبيعة والجسد الإنساني والمجتمع البشري على نحو لا يتغير ولا ~~يتفاعل مع غيره من القيم والثقافات الأخرى، كأنما النظام الثقافي والقيمي كتلة لا تتفكك ~~ولا تتغير، وإن تفككت أو تغيرت فإنه لا يمكن استعادتها بشكل آخر أكثر تقدما أو أكثر ~~عدالة ومساواة بين الناس. # إن العادات والتقاليد والقيم والهوية والثقافة كلها خاضعة للتغير والتطور مع حركة ~~المجتمع إلى الأمام ومزيد من العدالة والحرية، أو إلى الوراء ومزيد من التفرقة بين ~~الناس على أساس الجنس أو الدين أو الطبقة ms024 أو العرق إلخ ... إن الحفاظ على القيم القديمة ~~لا يعني الحفاظ على نسيج المجتمع الذي غزله عبر التاريخ كما يقول فريد جيمسون وغيره من ~~المدافعين عن هويتنا؛ لأن هويتنا ليست ثابتة وليست أحادية بل متعددة الأبعاد، وثقافتنا ~~المصرية ليست أحادية وليست نقية غير مخصبة بثقافات أخرى عربية وأفريقية وآسيوية ~~وأوروبية وغيرها، وكأنما الحفاظ على نسيج الأمة المصرية يعني العودة إلى جزء فقط من ~~التاريخ هو التاريخ العبودي أو التاريخ الطبقي الأبوي، الذي قسم الناس إلى الأسياد ~~الملاك والعمال الأجراء وإلى نساء ورجال، أو إلى التاريخ الديني الذي فرق بين الناس على ~~أساس الدين. ~~(3) العودة إلى الأصوليات # كان من نتيجة ذلك هذه الردة إلى الأصوليات الدينية والعرقية، وما أدت إليه من حروب ~~دينية وطائفية قتل فيها الملايين من النساء والرجال، خاصة الفقراء من العالم الثالث، ~~فالعودة إلى القديم والتراث والتاريخ تعني عند إسرائيل العودة إلى نصوص التوراة ومنها ~~نص الأرض الموعودة، وإبادة الشعب الفلسطيني تنفيذا لأمر الله، والعودة إلى التراث عند ~~بعض التيارات الإسلامية؛ يعني تحجيب النساء وإطلاق اللحى وارتداء الجلباب والتفرقة بين ~~المسلمين والأقباط وقتل السائحين الأجانب. # وعند التيارات المسيحية الأصولية؛ فإن العودة إلى القديم تعني احتقار الأديان الأخرى ~~وتقتل الأطباء الذين يقومون بعمليات الإجهاض التي تحتاجها النساء، وتحريم تدريس نظرية ~~داروين وغيرها من النظريات العلمية المناقضة لنظرية خلق الكون في الكتاب المقدس و... # أما الإيجابيات المقدسة وتاريخ الثورات الشعبية والنسائية والشبابية في مراحل التاريخ ~~المختلفة فقد تم حذفها، بل إن الإيجابيات في الحضارة المصرية القديمة قبل الغزو ~~الروماني المسيحي فقد تم حذفها واعتبارها حضارة وثنية متخلفة، في حين أنها كانت أكثر ~~عدالة وإنسانية من القيم الجديدة التي فرضها الغزاة. # لا شك أننا في حاجة إلى نقد الفكر الذي نقرؤه للمفكرين في الغرب أو الشرق، وإن كانوا ~~متقدمين أو ماركسيين ينقدون الرأسمالية أو غيرهم، لأننا أدرى بمشاكلنا منهم، ولأنهم لا ~~يعرفون الإيجابيات أو السلبيات في تراثنا، ولأنهم يتأثرون أيضا بالفكر الإسرائيلي الذي ~~يؤثر بشكل مباشر على المثقفين الأمريكيين وعلى الساسة ms025 الأمريكيين. # خلال السنوات التي عشتها في أمريكا أدركت مدى تغلغل الفكر الإسرائيلي في الفكر ~~الأمريكي، وحين عدت إلى مصر لاحظت أن المثقفين المصريين ينقلون عن المفكرين الأمريكيين، ~~وبالتالي يزحف الفكر الإسرائيلي إلى المفكرين في مصر والبلاد العربية، لا شك أن معاهدة ~~الصلح المنفردة - كامب ديفيد الأولى - لعبت دورا في زحف الفكر الإسرائيلي إلى المثقفين ~~في بلادنا، مع السلع والبضائع الإسرائيلية الأخرى. # إن اختلاط الثقافات هام وضروري، لكن القدرة على النقد وفرز الأفكار الصالحة لها أيضا ~~ضروري وهام. # من الأفكار التي أصبحت شائعة في بلادنا فكرة الهوية المصرية، من نحن؟ هل نحن عرب أم ~~مصريون؟ هل نحن أفارقة أم مصريون؟ هل ننتمي إلى أرض أفريقيا وشعوبها الهمجية البربرية ~~(في نظر المستعمرين) أم ننتمي إلى حوض البحر المتوسط أو الشرق الأوسط؟ لا شك أن سياسة ~~إسرائيل وأمريكا هي عزل مصر عن قوتها العربية والأفريقية، وبترها عن تاريخها العربي ~~والأفريقي، من أجل المشروع الشرق أوسطي، والذي يقضي تماما على فكرة الوحدة العربية، ~~ألهذا شاعت النغمة التي تتغنى بمصر الفرعونية المصرية الأصلية النقية من الدماء العربية ~~المتخلفة التي وردت إلينا من بدو الصحراء مع الغزو العربي لمصر؟ # منذ أيام قليلة قرأت كتابا صادرا عن: معهد شيلواح بقلم الإسرائيليين جانوكوفسكي ~~وجرشوني (والمنشور بالعربية في القاهرة عن دار شرقيات 1999)، يؤكد الكتاب على هوية مصر ~~المصرية الخالصة لا تشوبها عناصر أخرى عربية، ويستشهد على ذلك بأقوال مثقفين مصريين ~~منهم العقاد وأحمد أمين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم، يصور لنا الكتاب كأنما هؤلاء ~~كلهم ضد عروبة مصر، فهل هذا صحيح؟ أم أنها الرؤية الإسرائيلية لتاريخ مصر وهويتها مما ~~يتفق مع مصالحها الاقتصادية والعسكرية، ورغبتها في عزل مصر، وبالتالي إضعافها وسلب ~~وسائل المقاومة منها؟ ثم يبث فريد جيمسون وغيره من الفلاسفة الأمريكيين اليأس في ~~نفوسنا؛ لأننا عاجزون عن مقاومة الإخطبوط الاقتصادي والعسكري والنووي والعولمة. ~~(4) الصراع الديني المطلوب اليوم # أليست قوة المقاومة نابعة من الوحدة العربية والوحدة الأفريقية في مواجهة قوة ~~إسرائيل؟ # أليس هذا هو مأزق ياسر عرفات اليوم بعد ms026 أن عاد من كامب ديفيد الثانية خاوي اليدين، ~~وأصبح كالفرخ المذبوح يطير هنا وهناك من أجل المساندة والتأييد له، والجميع يأخذونه ~~بالأحضان دون وعود بشيء، مجرد النصيحة النصيحة بألا يعلن عن قيام الدولة الفلسطينية في ~~13 سبتمبر إلا بموافقة إسرائيل. # أصبحت البلاد العربية ممزقة منذ كامب ديفيد الأولى، وأصبح الاقتصاد المصري يعاني من ~~الأزمات منذ الانفتاح الساداتي، ومنذ حرب الخليج الأولى ثم الثانية انهارت القوى ~~العربية الاقتصادية والعسكرية، وسادت الفتن الطائفية تحت اسم العودة للتراث والهوية، ~~وارتفعت الأصوات المنادية بعودة النساء إلى البيوت ودور الأمومة، وانتشرت كل الأفكار ~~الرجعية تحت اسم مقاومة الغزو الثقافي، على حين كان الغزو الفكري الإسرائيلي والأمريكي ~~يغزونا في الواقع والحقيقة. # أليس هذا التضليل الثقافي هو سمة العولمة والرأسمالية الأمريكية؟ تحت اسم الهوية ~~المصرية تسلب منا قوتنا العربية، وتحت اسم معاهدة السلام يسلب منا السلام والقوة ~~الضرورية للسلام، وتصبح إسرائيل هي القوة العسكرية النووية الوحيدة في المنطقة، وهي ~~تهدد ياسر عرفات اليوم أن تضربه عسكريا إن أعلن الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر ~~القادم، وقد انكمشت جميع البلاد العربية خوفا وعجزا عن المقاومة، حتى مصر التي أعلن ~~وزير خارجيتها عن ضرورة عقد قمة عربية لمساندة عرفات، سرعان ما راحت الفكرة واندثرت ~~بحكم الواقع العربي الممزق منذ كامب ديفيد الأولى. # الغريب أن المفكرين والكتاب في بلادنا ينظرون إلى ياسر عرفات ينتظرون ما يفعل، كأنما ~~هو وحده المسئول وهم جميعا متفرجون، يتسلون بالفرجة في سهراتهم، بعضهم يقول له: انتحر ~~يا أخي وأعلن الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر ولا يهمك الترسانة النووية الإسرائيلية، ~~وبعضهم يقول له: اعقل يا أخي واذهب إلى كامب ديفيد الثالثة والرابعة ولا يهمك حاجة ما ~~دمت تعيش، ويكفيك كلام الثوريين من منازلهم والذين أيدوا السادات وهرولوا إلى ~~إسرائيل. # المعركة الآن تقلصت وأصبحت حول القدس الشرقية فقط، تم نسيان ما هو أهم عودة ثلاثة ~~ملايين ونصف من اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، والمستوطنات التي تبنيها إسرائيل يوما ~~وراء يوم و... # وأصبحت قضية القدس كأنما هي قضية دينية فقط، ms027 وليست عودة أرض محتلة إلى أصحابها بصرف ~~النظر عما فيها من آثار دينية إسلامية أو مسيحية أو غيرها، لقد وقع الجميع في هذا الفخ، ~~تحويل الصراع حول الأرض المسلوبة إلى صراع ديني، وهو شكل الصراع الذي تريده إسرائيل ~~وأمريكا؛ لأنه يؤكد على فكرة الهوية الأصلية أو الهوية الدينية، وإعادة الناس إلى ~~الوراء ليعيشوا الوهم بأن القيم القديمة أفضل من القيم الجديدة، وإن كانت أكثر تخلفا ~~وعنصرية وتفرقة بين الناس على أساس الدين والجنس و... و... و... # لقد اشتعل حريق الفتنة الدينية حول إعادة القدس إلى أصحابها الفلسطينيين (وليس ~~المسلمين أو المسيحيين) وقرار الأمم المتحدة 242 ينص على إعادة القدس الشرقية بما فيها ~~من مساجد وكنائس إلى الفلسطينيين؛ لأنها أرض فلسطينية، والأرض لا دين لها، وإذا أصبح ~~للأرض هوية دينية فماذا يحدث في العالم؟ هل تحتل السعودية أرض الهند أو باكستان لأن فوق ~~أرضها مساجد إسلامية؟ # وهل يحتل الفاتيكان بعض أرض مصر لأن فوقها كنائس؟ وهكذا نرى الفخ الذي وقع فيه ياسر ~~عرفات والبلاد العربية في دعوتها لعودة القدس، ومن هنا أصبح من حق الفاتيكان أن يكون ~~لهم حق الإشراف على القدس وليس الفلسطينيين، أرادت أمريكا وإسرائيل تحويل الأنظار من ~~الحق المشروع وطنيا ودوليا، وبقرار واضح من الأمم المتحدة إلى مجرد مساجد وكنائس ~~يمكن التنازع عليها بين أصحاب الأديان المختلفة. ~~(5) الخديعة والهزيمة # هكذا ندرك الخديعة الفكرية التي يلجأ إليها الإسرائيليون والأمريكيون، ولأن أغلب ~~المفكرين في بلادنا لا يفكرون ولا يبدعون الأفكار من الواقع الذي نعيشه، بل ينقلون ~~دائما عن المفكرين في أمريكا وأوروبا، وأخيرا أصبح المفكرون الإسرائيليون المرجع لبعض ~~المثقفين في بلادنا. # وفي رأيي أن هذه هي الهزيمة الأساسية التي أصابتنا، الهزيمة الفكرية، أو التبعية ~~الفكرية، وهي سمة غالبة في بلادنا تصيب المفكرين من اليسار الاشتراكي واليمين الرأسمالي ~~على حد سواء، وقد أصبح فريد جيمسون وغيره من الماركسيين الأمريكيين مرجعا لأغلب ~~الماركسيين العرب والمصريين، بعد ماركس ولينين وتروتسكي وجرامش وألتوسير وغيرهم. # دائما أتساءل: لماذا لا يكون عندنا مفكرون وفلاسفة مبدعون لا ms028 ينقلون أفكار الغير؟ ~~أهي انعدام الثقة في النفس؟ أهو الخوف من التفكير الحر المستقل؟ حين وقفت في جامعة ديوك ~~وعارضت فريد جيمسون لم يندهش إلا زملائي العرب، وقال أحدهم مستنكرا: كيف أعارض ~~فيلسوفا كبيرا مثل فريد جيمسون، وقلت له: وهل فريد جيمسون عنده عقل وأنا ليس عندي ~~عقل؟ # حدث الشيء نفسه في محاضرة لجاك ديريدا في جامعة ديوك، وأدركت أن المثقفين العرب ~~والمصريين ينظرون بقدسية لهؤلاء المفكرين في الغرب، ويشعرون أنهم أقل قدرة منهم على ~~الإبداع الفكري. # ربما هو نظام التعليم في بلادنا الذي يسلبنا القدرة على الإبداع والتمرد على الأسياد ~~الكبار الذين يملكون السلطة في الدولة والعائلة، وربما هي عقيدة النقص في مواجهة الغرب ~~الأقوى الذي استعمرنا قديما وحديثا، منذ نشوء النظام الطبقي الأبوي أو ~~العبودية. # أتابع ما يحدث على الساحة السياسية والثقافية والفكرية في بلادنا وأشعر أن المعركة ~~أمامنا طويلة طويلة، وهي معركة فكرية في الأساس؛ لأن العقل الذي يفكر بعقول الآخرين ليس ~~عقلا مفكرا بل ناقلا فقط، والعقل الناقل بالضرورة عقل تابع، والعقل التابع يؤدي إلى ~~وطن تابع، واقتصاد تابع وسياسة تابعة وثقافة تابعة وإعلام تابع. ~~(6) الفكر والعمل # كيف الخروج من هذا المأزق؟ إذا كان أغلب المفكرين المبدعين في بلادنا قد لزموا بيوتهم ~~أو تمت مطاردتهم حتى هاجروا إلى الخارج أو إلى الداخل، وقد طغى على سطح الحياة الفكرية ~~هؤلاء الذين يؤيدون كل من جلس على العرش، وقد رأيت هؤلاء في اجتماعاتهم مع عبد الناصر ~~والسادات ومبارك، واستمعت إليهم وهم يتملقون كل حاكم، يرفعونه إلى مصاف الإله المعصوم ~~من الخطأ، الإله الذي يوجه إليهم التوجيهات والأوامر، ولا يكون أمامهم إلا الطاعة وإلا ~~فقدوا الامتيازات والمقاعد الجالسين فوقها. # المشكلة إذن مزمنة، وهي حادة أيضا وقابلة للعلاج، وأول مراحل العلاج هو التشخيص ~~الصحيح للداء، ولعل هذا المقال محاولة متواضعة مني أو مساهمة قد تساعد على تشخيص المرض ~~والبحث عن الأسباب الحقيقية لغياب الفكر المبدع في بلادنا، وندرة المفكرين الخلاقين من ~~الرجال والنساء. # هل لنا أن نحرر المستقبل من الماضي؟ ms029 هل لنا أن نحرر الماضي من المستقبل؟ قد يكون ~~الماضي أكثر تقدما من الحاضر أو المستقبل، مثلا كانت أفكار مي زيادة وملك حفني ناصف ~~أكثر تقدما من أغلب النساء والمثقفات اليوم، وكانت أفكار طه حسين أكثر تقدما من أفكار ~~أغلب المثقفين الرجال اليوم، وكانت فلسفة ابن رشد أكثر تقدما من كثير من المفكرين ~~اليوم، والماضي المصري القديم كان أكثر عقلانية وتقدما من المستقبل الروماني المسيحي ~~الذي دمر الحضارة المصرية القديمة، وحطم الآلاف من تماثيلها وآثارها وكتبها. # هذا في فترات الردة والهزيمة فقط، لكن في فترات الازدهار فإن المستقبل يقترن بالتقدم ~~والتحرر من قيود الماضي، ومن الأفكار المتخلفة التي يثبت أنها ضد التقدم العلمي ~~والاكتشافات الجديدة، مثلا لقد انتصر علم الكون الجديد وعدم مركزية الأرض على الفكر ~~اليهودي في التوراة، ونظرية الخلق الدينية التي سادت في الماضي. # المسألة إذن ليست الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهي كلها عناصر مترابطة واحدة ~~متداخلة، المسألة هي القدرة على الفرز والتمسك بالإيجابيات ونبذ السلبيات سواء في ~~الماضي أو الحاضر، هذه القدرة تحتاج إلى عقول مفكرة شجاعة لا تتملق الثوابت المقدسة في ~~الماضي والحاضر، بل تخضعهما للنقد والجدل في ضوء المشاكل التي يعيشها الناس، وليس في ~~ضوء مقولات هذا أو ذاك من المفكرين في بلاد أخرى، كما تحتاج إلى العمل مع الناس ~~والمقاومة الجماعية، وعدم فصل الفكر عن العمل. # لأن معظم البحوث العلمية في جامعاتنا تدور في جدل نظري عقيم حول مقولات ونظريات ~~المفكرين في الغرب، ولا تنبع من أسئلة حول مشاكلنا الواقعية؛ لهذا لا تلعب الجامعات في ~~بلادنا دورا في الإبداع الفكري أو تخريج المبدعين. # القاهرة 16 أغسطس 2000 # | عالم تختفي فيه الحقيقة يسوده الوهم ... # هل وقعنا في الفخ أو فقدنا العقل؟ # لماذا إذن نخاف النطق بالحقيقة؟ # كيف تختفي من عالمنا الأسئلة الجوهرية؟ # وتكمم الأفواه وتراق الدماء # تحت اسم الحب والسلام والشرعية؟ # أهو عالم من الوهم وخداع النفس، # تنشطر فيه الذات بين الوعي واللاوعي # بين الجسد والعقل والروح # بين الحاضر والواقع والدم، # وذلك الآخر الغائب ms030 تحت اسم الأب والجد؟ # عالم بلا قلب لا عقل يعاني الحروب والقتل، # واغتصاب الجسد والوطن الأم # يغيب فيه الحق وسن الأم وراء اسم مستعار. # يقوم فاعل وراء فاعل آخر، ويصبح الغائب هو الحاضر # والحاضر يصبح غائبا. # تستأجر الأم بعرق جبينها زوجا فظا؛ # من أجل مولودها المحتوم، # وتشتغل دون أجر لترعى الابن والأب والجد. # يكبر الابن على شاكلة أبيه، # يقوم بدور الرجل وهو طفل ، # يخلع عن نفسه جسم أمه واسمها # كأنما هو العار والإثم، # تصبح الأمومة بلا شرف ولا قيمة؛ # إلا في الأغاني والكلام المرسل # بالمجاني. # في طفولتي كتبت اسم أمي فوق كراستي، # ومسحته بالأستيكة. # أصبحت أحمل فوق جسدي وأغلفة كتبي # اسم رجل غريب، مات بالبلهارسيا قبل أن أولد بقرن. # إنه الجد الأكبر لأبي # الغائب الحاضر المنظم والمنظر لقوانين حياتي، # والذي حرمني من اللذة الأولى؛ # لذة التواصل مع الأم. # وقف حائلا بيني وبين قانون الطبيعة؛ # رغم غيابه في القبر. # يتحكم من بعيد في حياتي بالريموت؛ # مثل الروبوت. # وراودني السؤال المكبوت # لحظة موت أمي؛ # كيف تخلت عن نفسها وعني من أجل رجل غائب؟ # كيف سمحت للأب الرمزي أن يحل مكانها؟ # وكيف استباحت حقوقي من أجل وهم الحب؟ # أليس هو الانفصام أو انشطار الذات؟ # يزعزع الثقة في الإنسان ويفسد علاقة الذات بالآخر. # أليست الأمومة هي اليقين؟ # والأبوة هي الشك رغم تحاليل الدم؟ # يسود المرض النفسي وينتشر العنف والجنون؛ # بسبب قلب الحقيقة وتحويل الفاعلة إلى مفعول بها، # وتحويل الوالدة إلى مولودة بلهاء من ضلع أعوج. # في طفولتي كنت أرمق من بعيد صدر أبي العاري # تبدو ضلوعه كلها عوجاء. # وأسأل أمي: من أي ضلع خرجت؟ # تضحك بسخرية على سؤالي ويغضب أبي # يقول عنها ناقصة العقل والبرهان. # كنت أصدق أبي كأنما يملك الحقيقة؛ # حتى ماتت أمي من الحزن # بعد موتها أصبحت أحمل قبرها بين ضلوعي، # وبعد موت أبي تحررت من ضلعه الأعوج # الذي كان في عيني كالقذى، # يحجب عني الرؤية والبصيرة. # أصبحت أحمل أمي الميتة في أحشائي الدفينة، # وضحكتها أحملها ورائحة عطرها. # أحافظ على العالم الهش ms031 خوفا من سقوط الوهم. # أستبدل الصمت بالحب المختلس وراء القضبان، # وأكف عن قول الحقيقة. # تتداخل الذات مع الأم في لحظة الموت الأخيرة؛ # من أجل استعادة التواصل واللذة الأولى # دون جدوى دون جدوى. # فالعالم بلا أم تسوده الكراهية والفوضى. # يعلو فيه المجازي والخرافي على الحق والحقيقة # مع كل ذلك تستمر الانتفاضة والمقاومة، # في الوطن المحتل والجسد المبتور. # أحاول علاج الجرح القديم منذ الطفولة، # والجرح الجديد المتجدد عاما وراء عام؛ # لأن حب الأم هو الحقيقة الوحيدة # في عالم يحرم كل شيء حتى الكتابة والنطق، # وأقول لأمي داخل صدري: # ستظل ابنتك تقاوم حتى الموت، # وقد أصبحت الحياة كالموت، # فالمقاومة يا أمي هي البديل الوحيد # في مواجهة القتل والجنون المتخفي تحت شجرة المخ، # وإله البراكين والزلازل من وراء عمود الدخان # تحميه القلاع والسلاح والمال والإعلام. # إن الوهم يا أمي لا يقتله إلا الوهم # ولا شيء يعطيني الإحساس بالواقع إلا الدم # المراق على الأرض والطفل المنزوع من الأم. # لقد عجز العالم يا أمي عن تحقيق العدل # في البيت والوطن والغربة وكل مكان. # لا كرامة لأرض تنتهك فوقها حقوق الأمهات، # وما من جنة لا تكون تحت أقدامهن. ~~••• # يعلمني الوطن ألا أحب. # وألا أعدل بين الناس. # أن أسكت حين يزعق الكبير، # وأزعق إن همس الصغير بصوت. # يعلمني الوطن أن أفقد السمع والبصر والفؤاد، # فلا أسمع أنين الملايين. # ولا أرى الفقر ولا الموت ولا السجن. # لا أستطيع أن أخرج من عقلي لأحب وطني. # لا أستطيع أن أدوس على كرامتي لأطيع. # زوجي أو الرئيس. # لا أستطيع العودة إلى بيت أمي وإلا تعذبت، # وقد ماتت أمي في عز شبابها، # ولم يعد لي في الوطن # إلا مقبرة أمي. # القاهرة 31 مايو 2001 # | إلى الذين يقولون عنها إرهابية # حائرون هم هؤلاء النخبة. # لا يعرفون الإرهابية # من المناضلة الشعبية. # يصدقون النخبة في إسرائيل # وأمريكا الشمالية. # وصحف الحكومة والمعارضة # الشرعية. # وهي فتاة من الشعب الصامت # الزاهد في الدولة والدين # الساعي إلى لقمة العيش # غير التابع لحماس أو المجاهدين # تحت اسم الدولة أو الدين؛ # الذين ms032 يحولون الصراع فوق الأرض # إلى صراع في السماوات، # بين الآلهة والأنبياء. # ويغضبون لأن فلانا شتم النبي؛ # محمدا أو عيسى أو موسى # أو إبراهيم. ~~••• # أما هي فلا تبالي # باسم النبي الفلاني # ولا تشتم هذا ولا ذاك؛ # لأن وراءها مهمة # أهم من هذا وذاك. # ثم # جاءت الفتاة ووقفت أمامي، # لا يفصلها عني إلا سحابة رقيقة شفافة؛ # مثل دمعة في العين. # أمد يدي لأصافحها وهي واقفة؛ # مثل تمثال من البرونز. # بشرتها محروقة بلون الفخار، # وأنفها حاد مرتفع؛ # مثل الإلهات القديمات. ~~••• # اقتحمت الفتاة غرفة نومي قبل شقشقة الفجر. # يوم الأربعاء الخامس من يونيو عام ألفين واثنين، # في الهدوء السابق لعاصفة الانفجارات، # والظواهر الصوتية. # والأبواق والإذاعات والمآذن وأجراس المدارس والكنائس، # وصفافير البوليس والإسعاف، # وحناجر النخبة المثقفة في الفضائيات. ~~••• # أحملق في وجهها، # وأتذكر وجهي في المرآة منذ نصف قرن. # العينان السوداوان واسعتان، # تتسعان للحزن والفرح. # ومياه البحر المالح تذوب في ماء النهر العذب. # والابتسامة مثل شعاع الشمس، # تطفو فوق ورد النيل الميت. ~~••• # منذ نصف قرن كان يراودني حلم؛ # أن أقتل العساكر الإنجليز. # أهتف في الشوارع مع التلاميذ. # الجلاء بالدماء. # الاستقلال التام أو الموت الزؤام، # وأمشي في النوم ملفوفة بالديناميت، # ثم أنفجر ومعي العساكر. ~~••• # كان العساكر يسيرون أمام بيتي. # بشرتهم حمراء منتفخة بالدماء. # دماء جدتي الممصوصة المحروقة بالشمس، # والأصابع الخشنة المشققة بمقبض الفأس، # والجفون تآكلت والعيون جفت بلا دماء، # ثم أنفجر ومعي العساكر. ~~••• # والفتاة تظل واقفة أمامي، # من حولها العساكر عند نقطة التفتيش. # يخلعون عنها الملابس وهي واقفة؛ # مثل تمثال من الجرانيت. # قبل أن تتعرى تماما تنفجر؛ # مثل قنبلة نووية. # لا ألم مثل ألم الجسد المهان، # ثم أنفجر ومعي العساكر. ~~••• # أخذت أنزع عنها الجسد المحترق، # وأغسل جروحها النازفة كطبيبة مدربة، # ثم ألبستها ملابسها لتذهب إلى المدرسة، # وهنا أوقفني النقاد وقالوا: # إرهابية أفسدت القضية. # وأنا جاهلة بقواعد الأدب، # وموازين الشعر والقافية، # ثم أنفجر ومعي العساكر. ~~••• # أواصل الكتابة دون أن أرد عليهم، # فالفتاة واقفة أمامي بجسمها المحترق. # أحملها من خصرها قبل أن تنفجر، # تتناثر أشلاؤها وهي واقفة. # أنحني أمامها ms033 لألتقط ذراعا، # أو جزءا من ذراع، # أو ساقا، أو جزءا من هنا وهناك. # أستعيد الشكل والجسد الذي كان الفتاة. # ثم أنفجر ومعي العساكر. ~~••• # رغم أنف الإرادات العليا والسفلى، # والقوى العظمى والصغرى، # والقنابل الذرية والنووية والانشطارية، # هذه الفتاة ستعيش وإن ماتت. # أرى إصبعها يتحرك قبل لحظة الموت. # إصبع ثابت في يد لا ترتعش، # وجسد باق لا يزول وإن احترق، # وأنف بكبرياء الإلهات مرتفع. # هذه الفتاة هي حفيدتي. # تعيش في ذاكرتي منذ نصف قرن، # بالأمس كانت طفلة تلعب بالكرة، # ترى نفسها في الحلم كاتبة أو طبيبة، # أو شاعرة أو باحثة في علوم الذرة، # وعند نقطة التفتيش رأت العساكر # يخلعون عن أمها الملابس، # أصبحت الأم واقفة في الشارع عارية، # وبقيت الصورة في خيال الطفلة إلى الأبد، # فلا يبقى في الذاكرة إلا الحقيقة، # ولا يكشف الحقيقة إلا الخيال، # ثم أنفجر ومعي العساكر. # القاهرة 24 يونيو 2002 # | بعد أن رأيت ذاتك في المرآة # كان صباحا مظلما بشبورة كثيفة تحجب الشمس والسماء ورءوس الأشجار، وأسطح بيوت القرية ~~يتراكم فوقها الحطب والجلة وزلع الجبنة الحادقة والمش، ومخلل الليمون والزيتون ~~الأخضر. # إنه صباح العيد بعد شهر رمضان وأنت راقد في الفراش الدافئ فوق الفرن، تخفي رأسك تحت ~~العباءة الصوفية الرمادية المهترئة، لا تفارق هذه العباءة جسدك في الشتاء منذ نصف قرن، ~~منذ كنت شابا في العشرين قويا مفتول الساعدين، مفتول الشارب الأسود الكثيف الشعر، ~~الممدود من صدغك الأيمن إلى الأيسر، المبروم والمقوس إلى الخارج يمكن أن يقف عليه ~~الصقر. # لماذا كنت تخفي رأسك تحت العباءة؟ لماذا لم تنضم في وجبة الفطور إلى أسرتك الكبيرة ~~العدد، أولادك وبناتك وأحفادك وحفيداتك، لا تكاد تعرف عددهم أو أسماءهم، إلا واحدة وهي ~~حفيدتك حميدة الطفلة الشقية المرحة المليئة بالبهجة والأمل. # في صباح ذلك اليوم جاءت حميدة إلى الفطور، لكنها لم تكن مرحة كعادتها، لم تكن فرحة أو ~~متألقة. # ولاحظت أمها أن حميدة ليست هي حميدة التي عرفتها منذ أن ولدتها منذ عشرة أعوام كاملة، ~~بالضبط ليلة العيد من عام 1991، بعد موت أخيها ms034 الأكبر في حرب الخليج، لقد رزقها الله ~~بهذه الطفلة المتأججة بالحياة والذكاء عوضا عن الابن الذي راح إلى الحرب ولم ~~يعد. # وهمست الأم في أذن ابنتها: ما لك يا حميدة ساكتة؟ # ولأول مرة في حياتها تطرق الابنة برأسها ولا تنطق بكلمة واحدة، هي التي لم تكن تكف عن ~~الكلام والضحك واللعب مع الأطفال. # كأن ظلا أسود قاتما يطل من أعماقها، وهي جالسة تضم ركبتيها، تتقوقع حول جسدها ~~الصغير في ركن بعيد عن العيون، تحملق في الفراغ دون حراك. # عندما قامت الأم بترتيب فراش طفلتها وقع نظرها على بقع دم كانت ما تزال رطبة لم تجف، ~~فرحت لأول وهلة، تصورت أن الطفلة بلغت وأدركها الحيض، لكن أنف الأم وخبرتها الطويلة ~~أكدت لها أنه ليس دم حيض. ~~- إذا لم يكن دم الحيض فماذا يكون؟ # سقط قلب الأم في قاع أحشائها حتى بطن قدميها، عاد إلى ذاكرتها رائحة بقع الدم في ~~فراشها ليلة زفافها، لطمت خديها كادت تسقط مغشية عليها، لكنها أفاقت بعد لحظات. # عرفت الأم على الفور من يكون الجاني، وكان يخفي رأسه تحت عباءته المهترئة فوق الفرن، ~~ربما كان يفكر في طريقة لمحو العار الذي سوف تجلبه حميدة للأسرة، يتلصص من فتحة في ~~الجدار على بوابة الجامع، حيث كوم كبير من الحجارة، تكفي لرجم امرأة بالغة وليس مجرد ~~طفلة في العاشرة، وكان رجال القرية يخرجون من باب المسجد بعد صلاة العيد، منهم أبناؤه ~~وإخوته وأعمامه وأخواله، وكلهم رجال مفتولو الشوارب لن يتأخر أحدهم عن محو العار ~~بالدم. # لكن الأم كانت أكثر ذكاء من الجد العجوز، بحكم شبابها، وبسبب الحب الكبير في قلبها ~~لابنتها، وكانت حميدة قرة عين أمها، عوضتها عن ابنها المفقود في الجيش، ونساء القرية ~~كلها مثل الأم، قلوبهن تنبض بالحب لهذه الطفلة المرحة الذكية، تدوي ضحكاتها في سماء ~~القرية مثل ضوء الشمس، تقشع عنهن سحب الكآبة وذكريات الحزن، منهن الخالات والعمات ~~والأخوات والجدات والجارات القريبات والبعيدات. # في هذا الوقت، وبعد أن خرج الرجال من المسجد، تجمعت النساء في الساحة ms035 الواسعة أمام ~~البوابة، انقسمن إلى مجموعات، قامت مجموعة بحراسة المسجد وتطويقه من الخارج، وقامت ~~مجموعة بحراسة كوم الحجارة أمام البوابة، أطلقت عليه إحدى الشابات اسم مستودع الأسلحة، ~~وكان يستخدم في الزمن القديم لمحو العار. لم تشهد القرية منذ قرون مشهدا واحدا مما ~~كان يحدث في الأزمنة الغابرة، لكن الجد العجوز أراد تحت اسم «الصحوة» أن يعيد إلى ~~الحياة عادة قديمة من عادات العبودية، وأن يخفي جريمته تحت وابل من الحجارة والغبار ~~المتصاعد عنها. # توجهت الأم إلى والد زوجها الراقد فوق الفرن تحت العباءة المهترئة، دخلت إليه بجسمها ~~الطويل الممشوق، قامتها منتصبة ورأسها مرفوع، عضلات عنقها قوية مشدودة قادرة على حمل ~~الأثقال، رمته بنظرات صارمة بعد أن كشفت العباءة عن وجهه، قرأت فوق وجهه خطوط الجريمة، ~~وكانت الأم تحمل لقب «العرافة» في القرية، وبلهجة حادة كالسيف القاطع قالت له: انهض فورا وتعال معي! # بكل تثاقل تحركت كتلة اللحم المليئة بالتجاعيد والتي تنبعث منها رائحة التبغ والدخان، ~~ورائحة أخرى يلتقطها أنف الأم المدربة على رائحة الدم. # على الرغم من الظلمة في غرفة الفرن المغلقة دون نوافذ إلا فتحة صغيرة في الجدار، ~~استطاعت الأم أن تلتقط بعينيها رجفة يديه المعروقتين، وتبعها صامتا محني الظهر، واتجها ~~صوب المسجد، حيث كانت حميدة راقدة في الداخل فوق سجادة سميكة من الصوف، مشغولة بأيدي ~~النساء في القرية، إلى جوار حميدة كانت مجموعة من البنات زميلاتها في المدرسة ~~الابتدائية، وحكيمة القرية وشيخة معروفة بالحكمة. # وتشكلت على الفور مجموعة من النساء (وبعض الشباب من الأبناء الذين نفروا من جريمة ~~العجوز، وقرروا الانضمام إلى أمهاتهم وأخواتهم ضد إرادة العمدة وكبار رجال ~~القرية). # أخذت هذه المجموعة من النساء (وبعض الشباب) الرجل العجوز إلى مساحة من الأرض الجرداء، ~~شبه صحراء خارج حدود المزارع والحقول. # هناك أجلسوه على الأرض مفتوح الساقين مستندا إلى وتد من الخشب، تماما كما كانت ~~العادة في الزمن القديم، حينما يقرر الرجال محو العار رجما بالحجارة. # قيدت النساء الرجل العجوز بحبل سميك طويل يكفي لوصوله إلى زير الماء وصحن ms036 الطعام، ~~الذي يقدم له كل يوم، وقد جلست النساء (وبعض الشباب) على مسافة غير بعيدة منه، بحيث ~~يمكن لهن سماع صوته إن تكلم أو تألم. # بنت النساء حوله أربعة حواجز من المرايا بحيث يستطيع أن يرى نفسه، وأمامه رسمن صورة ~~لحميدة، بحجمها الطبيعي، كما تركها بجراحها الدامية بين الساقين والظلال السوداء حول ~~عيونها الطفولية، عيون في الفراغ دون حياة أو ضوء. # بعد إنهاء العمل قالت النساء له : انظر إليها، لقد تركتها هكذا، وعندما تراها وترى العار الذي فكرت أن تغسله بسفك ~~دمك، فانظر الآن إلى نفسك، وقلب عينيك مرارا وتكرارا بين صورتك وصورتها، وسوف نأتي ~~كل يوم لنسمع ماذا تقول. # في صباح اليوم التالي شكا الرجل من برودة الليل، فأجابت النساء: هو هو الصقيع الذي يحتل قلب حميدة. # وفي اليوم الثاني شكا لهيب الشمس على جسده، خاصة المنطقة الحساسة بين ساقيه، أجابته ~~النساء: هذه الآلام الملتهبة في جسد الطفلة الجريح، والتي كانت تحلم بفطور الأم وكعكة ~~العيد. # كان الرجل يشكو الخوف الذي يجثم على صدره في ظلمة الليل حين يفكر، قالت له ~~النساء: هذا هو ثقل جسدك الذي كتمت به أنفاس الطفلة. # وكان يشكو عفونة الرائحة تنبعث من تحته وهو يبول على نفسه، وكان جواب النساء: هذه رائحة العار التي أردت أن تدفن فيها جسدها البريء. # كان الرجل يشكو كل يوم من الأرواح الشريرة والأشباح السوداء التي تزوره في الليل، ~~وترد عليه النساء: إن هذه الأرواح الشريرة ذاتها التي امتلأت بها أحلام حميدة منذ ليلة ~~الجريمة. # في المرايا من حوله رأى الرجل نفسه عاريا، ورأى العار، ورأى الطفلة الفتاة وجرحها ~~الدامي، أراد أن يحطم المرايا دون جدوى فهي بعيدة عن متناول يديه، أراد أن يرجم المرايا ~~بحجر لكن الأحجار كلها أصبحت تحت حراسة النساء وشباب القرية، ومنهم شقيق حميدة التوأم، ~~الذي رفض إدانة أخته وطعنها من الخلف. # لقد سقط الرجل في خندق واحد مع مرآة ذاته، كان ينادي على زملائه الرجال من أجل ~~إنقاذه، لكن النساء حوطته بسياج منيعة لا ms037 يخترقها أحد إلا بتصريح من مجموعة الحراسة، ~~وتضاعفت عليه الآلام، والأشباح تراءت له بعنف أكبر، نخرت الأرواح الشريرة جسده وروحه، ~~كاد كيانه يتلاشى، كادت نيران منبعثة من بطن الأرض بأن تقضي عليه، كان جسده يتمزق ~~ويحترق جلده حتى نهايته ثم يعود من جديد، ليحترق في النار ذاتها أو نار جديدة تشتعل، ~~ينفخها الهواء حتى تصير لسانا من اللهب، وهو يتبعثر أشلاء، يشتته اليأس وأسئلة عديدة ~~تغزو دماغه ، تترك في رأسه كتلة لزجة محترقة، تذوب وتتلاشى كالرماد ثم تعود من ~~جديد. # وفي يوم تعالت صرخة من أحشائه كأنما قادمة من بطن الأرض، كان يخاطب ربه من تحت ~~النيران: يا إلهي، لماذا تركتني وحدي؟ يا إلهي: لماذا وضعت الشهوة في جسدي وتركتني؟ لماذا لم ~~تضع حدودا لسلوكي؟ يا إلهي: لماذا سمحت لي أن أكون قاسيا وظالما للنساء؟! وتركتني ~~كالبهيمة أنتقل من امرأة إلى امرأة؟! # كان الرجل يرهف أذنيه ليسمع إجابة الرب عليه، وحين هدأت النيران قليلا كان رأس الرجل ~~يصفو شيئا فشيئا، حتى بدأت ذاكرته تصحو، وفجأة رأى نفسه طفلا في العاشرة من عمره، ~~كعمر حميدة، وكان يسمع كل يوم صراخ أمه حين يضربها أبوه، ولطالما سمع نحيبها في الليل ~~ونشيجها، حين هجرها أبوه إلى زوجة أخرى، عاوده الألم الذي كان يجثم على صدره الطفولي، ~~يمزق قلبه ويسبب له آلاما وأحزانا. # مرت بذاكرته مشاعر الغضب حين كانت صرخات أمه تخترق أذنيه وعظام رأسه قبة السماء، ~~وتهبط إليه مرة أخرى مع نحيبها لتخترق جسده ودماغه وقلبه. # لقد توقف قلب الطفل عن الخفقان، وتعالى من أحشائه عواء خوف غامض من أبيه، ودار حجر ~~رحى خوفه فدفنه تحته، بدا له أن تخلص من الخوف الدفين في قلبه منذ كان طفلا. # مرت أيام قليلة ثلاثة أو أربعة دون أن يتحرك أو يأكل أو يشرب ماء، كان مشغولا ~~مبهورا بتلك القدرة الجديدة المنبعثة من أعماقه، والتي جعلته يدفن الحجر من تحت جسده ~~دون أن يطرف له جفن. # في اليوم التالي عاد إلى نفسه، كان وجهه قد تغير، ms038 وجسده تغير، وطلب من النساء أن يرى ~~حميدة، تقدمت نحوه الطفلة بخطوات مترددة وجلة ترافقها زميلاتها والنساء من الحارسات، ~~توقفت على مسافة بعيدة منه وإن سمعت صوته يقول: أرقد أمامك عاريا، غارقا في عفونة عاري الذي جلبته لك، فأصبح شقاؤك هو شقائي، ~~وجراحك هي جراحي، أخبريني ماذا أفعل كي أخلصك من الألم والحزن، وأرد إلى عينيك البهجة ~~وضوء الشمس. # اقتربت الطفلة منه، حيث أمكنها النظر مباشرة في عينيه، طلبت من النساء تغطية عورته ~~وقالت: نظف نفسك من نفايات نفسك القديمة، ثم اذهب وحيدا في الصحراء، واجمع أشلاء نفسك ~~الجديدة المبعثرة، وحين ترى أن الوقت قد حان فارجع إلى إخوانك الرجال وأخبرهم بمعرفتك ~~الجديدة، فإن الرجال النبلاء هم القادرون على تحمل مسئولية أفعالهم، وهم الوحيدون الذين ~~يمكنهم تجاوز الحدود التي وضعت لهم عندما كانوا في سن الطفولة، ارجع وحدث إخوانك الرجال ~~عن آلامك وأنت طفل حين كنت تدفع عن أمك الظلم، كيف نسيت هذه الآلام في سن الرجولة، ~~وبدأت تشعر بالعار من أمك، حدثهم عن الظلم والقسوة والعار الحقيقي، تحمل نظراتهم ~~الساخرة أو لكماتهم، تحمل كلامهم وإن اتهموك بالضعف أو الجنون أو فقدان الرجولة، كن ~~أمينا لقلبك الجديد، ومعرفتك الجديدة، وإن كان ثمن ذلك هو حياتك، ادخل هذه المعركة ~~المقدسة مع إخوانك وأقاربك وجيرانك وأولادك، معركة بدون إسالة الدماء؛ لأن العدل سيتغلب ~~في ذلك الوقت على الظلم. # وكانت السماء تسمع صوت حميدة، وقالت النساء: «السكوت علامة الرضا.» # | عالم جديد ممكن # (1) على منصة القضاء في المحكمة الشعبية العالمية للديون # حضرت الكاتبة المصرية نوال السعداوي أخيرا الملتقى العالمي الاجتماعي الثاني في ~~بورتو أليغري في البرازيل، وجلست هناك على منصة القضاء في محكمة شعبية عالمية ~~للديون. # في المقال التالي تصف الكاتبة تفاصيل حية من ذلك اللقاء العالمي، وهو يوازي لقاء ~~دافوس وسائر قمم العولمة ومؤسساتها، والموازاة محاولة لاستشراف عالم جديد. # الشمس مشرقة وحرارتها القوية تذكرني بشمس مصر في أوائل الصيف، نحن في أوائل شباط ~~(فبراير) العام 2002 في مدينة بورتو أليغري في محافظة ريوغراندي ms039 دوسول جنوب البرازيل، ~~والصالة الواسعة الضخمة ممتدة أمامي ... عيون النساء والرجال والشباب تلمع كالنجوم، ~~الوجوه سمر وبرونزية وبيض وسود وصفر وحمر، خمسة آلاف وجه امتلأت بهم القاعة غير هؤلاء ~~الواقفين في الممرات، جاءوا من أنحاء العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ومن مدن ~~البرازيل وقراها، الأعلام الملونة ترفرف، واللافتات تحمل أسماء المنظمات الشعبية ~~وشعاراتها من البرازيل ومن جميع بلاد العالم، يعلوها الشعار الرئيسي للملتقى العالمي ~~الاجتماعي الثاني، يقول الشعار بمختلف اللغات: «عالم جديد ممكن». # Another World is Possible. # Un autre Munde est Possible. # Aqui umotio Mundo e’Possivel. # وترتفع الأصوات بالهتافات بمختلف اللهجات واللغات تقول: يسقط الاستعمار الجديد. ~~- لا نريد قروضا بل تجارة عالمية. ~~- لسنا مديونين بل منهوبين. ~~- مواردنا لنا. ~~- لن نسدد ديونا خادعة. ~~- لا للحرب والعدوان. # ألتقط وأنا جالسة فوق المنصة أصواتا عربية، وألمح بين الأعلام المرفوعة علم فلسطين، ~~بألوانه الأحمر والأبيض والأخضر والأسود، يحمله نساء ورجال من بلادنا العربية من مختلف ~~الجنسيات في العالم، يهتفون بصوت واحد: «وحاكموا شارون أيضا.» فهذه المنصة التي أجلس ~~فوقها هي منصة القضاة الستة، ثلاث من النساء وثلاثة من الرجال، جاءوا من جنوب أفريقيا: ~~القاضي دميزا سيبازا، ومن البرازيل ديميترو فالانتيني، ومن شمال أفريقيا والبلاد ~~العربية نوال السعداوي، ومن الفلبين لوريتا روزالي، ومن الأرجنتين نورا كورتيناس، ومن ~~الهند شاندرا سيكار. # إلى يمين منصة القضاء كانت منصة المدعي العام أليخاندرو تيتلبوم من الأرجنتين ومعه ~~عدد من المساعدين من أوغندا، ومالي، والسنغال، والأكوادور، وجمهورية الدومينيك، ~~ونيكاراغوا، والهند، وأنغولا، والبرازيل. # إلى يسارنا منصة هيئة المحلفين المؤلفة من اثني عشر من النساء والرجال، من الأرجنتين، ~~والإكوادور، وكوت ديفوار، ومالي، وجنوب أفريقيا، وتانزانيا، وفيجي، وأندونيسيا، وكوبا، ~~وهايتي، والصين، والفلبين. ~~(2) ذكرى محكمة # في كانون الثاني (يناير) سنة 1991 شاركت كقاضية في محكمة شعبية نظمها وزير العدل ~~الأميركي السابق رامزي كلارك لمحاكمة جورج بوش الأب بعد أن قادت الولايات المتحدة حرب ~~الخليج ضد العراق قتلت فيها أكثر من ربع مليون شخص. # جلسنا لمدة يومين كاملين 1 و2 شباط 2002، نستمع إلى الشهود، ثمانية ms040 من قارة أفريقيا، ~~وخمسة من آسيا، وخمسة من أميركا اللاتينية، نساء ورجال جاءوا إلى هذه المحكمة الشعبية ~~العالمية الأولى من نوعها، لتقديم شهادتهم عما أصاب بلادهم من جراء الديون الخارجية، ~~ومن سياسات البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، والشركات المتعددة ~~الجنسيات في البلاد الرأسمالية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. # عقدت هذه المحكمة الشعبية العالمية ضمن الفعاليات الأساسية للملتقى العالمي الاجتماعي ~~الثاني في مدينة بورتر أليغري، والتي عقد فيها الملتقى العالمي الاجتماعي الأول العام ~~الماضي 2001، لقد أصبحت هذه المدينة في جنوب البرازيل شعلة الحركة الشعبية العالمية ~~الجديدة المقاومة للعولمة والاستعمار الجديد، والتي تحمل اسم: «العولمة من أسفل» # Globalization form below # وقد نشأت كحركة ~~شعبية عالمية لمقاومة المؤسسات الاقتصادية الدولية واجتماعاتها العلوية في دافوس، في ~~سويسرا، ونحن نتذكر كيف نجحت هذه الحركة الشعبية العالمية في نهاية العام 1999 «في ~~مدينة سياتل» في عرقلة اجتماع منظمة التجارة الدولية، وكيف تتالت هذه التظاهرات الشعبية ~~من مختلف أنحاء العالم وفي عدد من البلاد شرقا وغربا، ضد ما يسمى «الملتقى الاقتصادي ~~الدولي» الذي أصبح عاجزا عن إنجاز أعماله واجتماعاته إلا في حماية الشرطة، والذي انتقل ~~من دافوس إلى مدينة نيويورك، إذ تشتد قبضة الشرطة ضد التظاهرات الشعبية المنادية بسقوط ~~الرأسمالية العالمية ومؤسساتها الاقتصادية على رأسها البنك الدولي ومنظمة التجارة ~~الدولية. ~~(3) ضد دافوس # نشأ الملتقى الاجتماعي العالمي لمقاومة الملتقى الاقتصادي العالمي، وبسبب تزايد قوة ~~الشرطة والبطش في مدينة نيويورك، فقد عقد الملتقى الاقتصادي العالمي يوم السبت 2 شباط ~~2002 من دون مشكلات كبيرة من المتظاهرين من النساء والرجال؛ الذين حوصروا بعيدا عن ~~اجتماع القمة الاستعمارية التي تحكم العالم بقوة السلاح والإعلام المضلل. # في مدينة جنوى تجمع أكثر من 300 ألف من النساء والرجال في تظاهرة ضخمة هاجمتها الشرطة ~~بالغازات المسيلة للدموع والضرب والاعتقال، وقتل أحد المتظاهرين في المعركة، ومن هنا ~~كان لا بد من عقد الملتقى الاقتصادي الدولي في البلاد الأكثر ديكتاتورية، والتي تشكل ~~فيها قوة الشرطة عنصرا مهما لإخماد التظاهرات. # بعد أحداث 11 أيلول ms041 (سبتمبر) 2001 وضرب مركز التجارة العالمي في نيويورك تصاعدت قوات ~~الشرطة والقوات العسكرية للولايات المتحدة تحت اسم «محاربة الإرهاب» مما أدى إلى خفوت ~~صوت الحركة الشعبية العالمية المقاومة للاستعمار والعولمة، إلا أن الملتقى الاجتماعي ~~العالمي الثاني في بورتر أليغري - في نهاية كانون الثاني وأوائل شباط 2002 - نجح في ~~إحياء هذه المعركة، تجمع في هذه المدينة ما يقرب من سبعين ألف امرأة ورجل من مختلف ~~أنحاء العالم، كانت الحركة النسائية مشاركة بكل قواتها مع حركات الشباب والعمال ~~والفلاحين من مختلف المنظمات في العالم بما فيها مصر وفلسطين وسائر البلاد ~~العربية. # وتدربت هذه الحركة الشعبية العالمية على العمل على رغم الصعوبات، وأخذت تعيد قوتها، ~~وتعبر عن نفسها بطرق أكثر تنوعا وإبداعا وتأثيرا، وأنها حركة تعتمد على تجاوز الفروق ~~المفروضة على البشر تحت اسم الجنسية أو الجنس أو الدين أو اللون أو العرق أو غيرها، وهي ~~تعتمد على مختلف أنواع التعبير الديمقراطي، والعصيان المدني السلمي، حركة شعبية عالمية ~~تكسر الحواجز بين النساء والرجال، وبين الشباب والكهول، وبين الطلاب والأساتذة، وبين ~~العمال والفلاحين والمهن الأخرى، حركة تناضل ليس فقط ضد العولمة الرأسمالية ~~الاستعمارية، ولكن تناضل أيضا ضد الحركات الإرهابية التي تدعي المعارضة تحت اسم دين ~~معين أو جماعة تستخدم وسيلتي العنف والقتل للمعارضة. ~~(4) منظمات شعبية عالمية # شارك في تنظيم هذا الملتقى الاجتماعي العالمي 22 منظمة شعبية من قارات العالم، منها ~~الاتحاد البرازيلي المركزي للعمال، والاتحادات البرازيلية الأخرى للفلاحين والنساء ~~والشباب، والمجلس الاستشاري الدولي للملتقى الاجتماعي العالمي، والشبكات الاجتماعية، من ~~أجل العدالة وحقوق الإنسان وغيرها من مختلف الهيئات والتنظيمات الشعبية ~~الديمقراطية. # وشارك في تنظيم المحكمة الشعبية العالمية للديون عدد آخر من المنظمات الشعبية في ~~أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية منها منظمة «جوبيلي ساوث» # Jubiles South # جنوب أفريقيا ~~وفي الفلبين وفي البرازيل وفي كندا، مع الاتحاد الأميركي للعاملين في مجال ~~القانون. # منظمات شعبية ديمقراطية في معظم بلاد العالم نبعت من معاناة الملايين من الفقر والقهر ~~بأيدي القوى الرأسمالية الاستعمارية القديمة والجديدة، يمثلون الشعوب بفئاتها المختلفة، ~~لا فرق ms042 بين رجل وامرأة، أو عامل أو فلاح أو أستاذ، حركة شعبية واعية أدركت خطورة اللعب ~~بورقة الأديان في مجال السياسة، أو ورقة الثقافة وما يسمى الاختلافات الثقافية وغيرها ~~من الاختلافات بين الناس، التي استغلتها القوة الاستعمارية لتمزيق الشعوب وتفتيت الوحدة ~~تحت اسم احترام الأديان واحترام الثقافات المحلية. # وأنا جالسة فوق منصة القضاء، أقوم بدور القاضي (أو القاضية) مع خمسة آخرين من العالم، ~~أشعر بالفخر لأنني أخترت بواسطة هذه الحركة الشعبية العالمية لأمثل بلادنا العربية ~~ومنطقة شمال أفريقيا، ولأجلس يومين كاملين أستمع إلى تقارير الشهود من أفريقيا وآسيا ~~وأميركا اللاتينية، كيف أدت سياسات البنك الدولي وصندوق نقده إلى تخريب الاقتصاد في هذه ~~البلاد وتراكم الديون الخارجية والداخلية، وكيف أدت القروض إلى نهب موارد هذه البلاد ~~(أو ما يسمونه العالم الثالث) وذلك بسبب فرض السياسات والمشاريع المؤدية إلى اختلال ~~الميزان التجاري، وتراكم العجز، وتزايد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وحرمان البلاد من ~~ثرواتها الطبيعية ومن قدراتها الإنتاجية في الصناعة والزراعة، وربط عملتها بالدولار ~~الأميركي، وكيف أدت سياسة الخصخصة للشركات والبنوك والخدمات المحلية إلى حرمان الشعوب ~~من ضرورات الحياة، وانتشار المجاعات والأمراض. # كذلك تستخدم القروض وسائل للضغط على الحكومات المحلية وإخضاعها للسياسات الأجنبية، ~~ودفعها للمشاركة في حروب لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من البلاد ~~الاستعمارية الكبرى. # وأوضحت الشهادات التي توالت على المنصة من ممثلي البلاد المختلفة كيف أن البلاد (أو ~~المستعمرات الجديدة) التي تتلقى القروض، كيف أنها تدفع مبلغا يصل إلى ثلاثة عشر ~~دولارا أميركيا في مقابل دولار واحد تقترضه. # وقدم الدكتور شريف حتاتة (من مصر) شهادته عن تاريخ الاستعمار وعلاقته بالديون الخارجية ~~والحرب، كيف أن الاستعمار البريطاني دخل مصر في السبعينيات من القرن التاسع عشر من طريق ~~القروض، و«احتل بلادنا» وفي العام 1956 رفض جمال عبد الناصر شروط البنك الدولي لفرض ~~مراقبة على الاقتصاد المصري في مقابل القرض لبناء السد العالي، مما دفع عبد الناصر إلى ~~تأميم قناة السويس، وما حدث بعد ذلك من حرب 1956، واعتداء جيوش إنكلترا وفرنسا ~~وإسرائيل على بورسعيد. # وأشار ms043 حتاتة أيضا إلى أن مصر دفعت إلى المشاركة في حرب الخليج (كانون الثاني 1991) ~~التي أدت إلى مزيد من تفتيت القوى العربية، وتثبيت القبضة الأميركية العسكرية ~~والاقتصادية على «بلادنا العربية» وكان الإغراء الذي قدم لمصر هو خفض الدين الخارجي ~~بمقدار سبعة بلايين دولار، سرعان ما استعادتها الولايات المتحدة الأميركية من طريق ~~العجز في الميزان التجاري، وكان الدين الخارجي لمصر في نهاية السبعينيات من القرن ~~الماضي لا يتجاوز ثلاثة بلايين دولار، وصل في زمن حرب الخليج إلى ما يقرب من خمسة ~~وأربعين بليون دولار، وارتفع سعر صرف الدولار بالجنيه المصري من 34 قرشا في مطلع ~~السبعينيات إلى 560 قرشا في السوق السوداء حاليا، وهذا يعكس مدى التضخم الذي يعاني ~~منه الشعب المصري اليوم بجميع فئاته، وتتحمل النساء الفقيرات العبء الأكبر من المعاناة ~~بسبب ضعفهن السياسي والاقتصادي ووضعهن الأدنى في الأسرة والمجتمع. ~~(5) عالم متشابه # أثناء الاستماع إلى بقية الشهود من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية اتضح لنا أن هذه ~~الصورة تكاد تكون واحدة في جميع البلاد، ونظرا إلى أهمية هذه المحكمة الشعبية العالمية ~~الأولى من نوعها فقد حضرها حاكم محافظة جنوب البرازيل واسمه أوليفيو دوتر قبل أن يلقي ~~كلمته أو شهادته عما تعانيه البرازيل من جراء الرأسمالية العالمية والاستعمار ~~الجديد. # وفي النهاية أصدرت هيئة المحلفين قرارها من أربع صفحات و10 بنود بإدانة البنك الدولي ~~وصندوق نقده، ومنظمة التجارة العالمية والشركات المتعددة الجنسيات والحكومات في البلاد ~~الرأسمالية الكبرى، والحكومات في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية المتعاونة مع هذه ~~الهيئات والحكومات. # وافقنا، نحن القضاة الستة (هيئة المحكمة)، على قرار هيئة المحلفين على أن يبلغ به ~~المسئولون في الحكومات والهيئات، وسماع دفاعهم في جلسة مقبلة ستعقد في شهر نيسان ~~(أبريل) هذا العام 2002 في مدينة واشنطن. # كانت هذه المحكمة الشعبية العالمية خطوة مهمة لتعبئة الرأي العام الشعبي ضد السياسات ~~التي تؤدي إلى تراكم الديون وتخريب اقتصاد بلادنا وتضر بمصالح الشعوب نساء ورجالا ~~في بلاد الجنوب. # بورتو أليجري # البرازيل، فبراير 2002 # | من وحي اجتماع القمة مع النخبة # التصفيق # التصفيق ms044 يدوي في أذنيك، بقايا حلم لا ينقطع بمجيء الصباح، تأتيك الدعوة المذهبة ~~الحواف إلى الاجتماع، منقوش عليها الرمز الأبدي منذ الفراعنة، الموعد في تمام الساعة ~~العاشرة في قاعة الاجتماعات الكبرى قبل الموعد بساعة ونصف بالملابس الرسمية وربطة ~~العنق. # تلفين حول عنقك ربطة على شكل الإيشارب، حول رأسك تلفين الطرحة على شكل التيربون، ~~يختفي شعرك عن عيون الرجال جميعا، إلا عينيه، يغمضها ويتثاءب ثلاث مرات، يبتلع الحبة ~~الزرقاء بقليل من الماء، ويعود إلى النوم، يواصل الحلم مع سكرتيرته الحسناء تدق على ~~الكومبيوتر، تشبه المتدربة الشقراء في البيت الأبيض. # تبتلعين اللعاب المر في حلقك، تبلغين الخامسة والأربعين من عمرك بعد يومين، يرن الرقم ~~في أذنيك مرعبا، يسمونه سن اليأس، يكبرك بثلاثين عاما ويبتلع الفياجرا دون يأس، تزوجك ~~وأنت في الثامنة عشرة، تحلمين بالغلام من عمرك، المولود معك في يوم واحد عام ~~الهزيمة. # تفرضين العزلة على نفسك وراء الحجاب، والرجال في كل مكان، في الشوارع والباصات ونوافذ ~~الجيران، وفي أحلامك يتنافسون عليك، يجذبهم إليك التأجج في عينيك المكحلتين، والنداء ~~المكبوت بين شفتيك الحمراوين، تضغطين عليهما بإصبع الروچ قبل أن تخرجي من البيت، تمرين ~~بالفرشاة فوق خديك، وظلال خفيفة فوق جفنيك، وقطرات العطر ترشينها تحت إبطيك. # تسيرين بخطوة بطيئة مثل الوزيرات، يرتج جسمك المربع فوق كعبك العالي، تشدين عضلات ~~ظهرك وعنقك، فوق رأسك يدور التيربون بإحكام، لا تفلت شعرة واحدة للعيان، كل شيء مباح لك ~~إلا ظهور هذه الشعرة أمام عيون الرجال. # تتأهبين لحضور الاجتماع الهام، ترتدين التايير الجديد من الصوف الإنجليزي، لونه أزرق ~~سماوي، منقوش عليه ورود حمراء، انجذبت إليه عيناك وأنت تسيرين في شارع ريجنت، حين حضرت ~~مؤتمر الأديان منذ عامين في أكسفورد، تحتفظين به معلقا داخل الدولاب، ملفوفا ~~بالنايلون الشفاف، لا يخرج إلى النور إلا في المناسبات، ترشقين فوق صدرك البروش الذهبي ~~بالفص الألماظ، تثبتين بالدبابيس حبات اللؤلؤ حول التيربون، وبعض جواهر قليلة حول العنق ~~والمعصمين. # تهبطين السلالم الرخامية في الفيلا الجديدة، تسمعين صوت كعبك الرفيع يدق الأرض، ~~تنظرين إلى ساعتك ms045 الذهبية بحركة متوترة، تخافين التأخير عن الوصول في الموعد، تتحسسين ~~الدعوة داخل الحقيبة تحت إبطك، منقوش عليها اسمك الثلاثي ولقبك الوزاري ومنصبك العالي ~~في المجلس المنتخب والمعين بقرار واحد. # يفتح لك السائق باب سيارتك الطويلة السوداء، نوافذها محكمة الإغلاق، لا ينفذ منها ~~ضجيج أو تراب، زجاجها داكن اللون لا يكشف الداخل، ويبقى الخارج مكشوفا أمام عينيك، ~~تشعرين بلذة الرؤية دون أن يراك أحد، مثل الوزراء والسفراء والملوك والرؤساء، ممن ~~يركبون السيارات الشبح السوداء. # من وراء الزجاج الأسود ترين الأشباح تمشي في الضباب، وجوههم شاحبة ممصوصة أو مترهلة ~~بالشحم، عيونهم نصف مغلقة فيما يشبه الغيبوبة، والجدران العالية تتغطى بالإعلانات، ~~أجساد نساء عارية يركبن فوق السيارات، في أيديهن المسدسات، بين شفاههن سيجارة ~~دانهيل. # منذ الزواج أصابك الزهد في كل شيء؛ الجنس وقصص الحب وقزقزة اللب في السينما، يمتد بك ~~الزهد إلى الصمت عن الكلام، لا يبقى أمامك من ملذات الدنيا إلا الأكل والنهم للشراء، ~~لكن ملذات الآخرة هي الأبقى، تشرئب عيناك في الحلم إلى القصر في الجنة، وأباريق الفضة ~~يطوف بها الغلمان، تنجذب عيناك إلى الغلام من عمرك، يحوم طيفه حول سريرك طول الليل، ~~تحاولين طرده بقراءة آية الكرسي، تطرد الجان والشياطين إلا هذا الغلام من عمرك. # تتوقف سيارتك عند حجاز الأمن، يحوطه الحراس وعيون السلطة والبصاصون من وراء ~~النظارات السوداء، تقفين في الطابور الطويل ضمن ثلاثمائة آخرين، تندهشين لهذا العدد ~~الكبير من المدعويين، تصورت أن النخبة هي القلة، فإذا بهم كثيرون، يحمل كل منهم لقب ~~المفكر الكبير، يصلون قبل الموعد بساعتين، يرتدون البدل المكوية من الصوف المستورد، ~~تتهدل عضلات سيقانهم تحت البنطال المشدود، حول أعناقهم تدور الربطة المعقودة بإحكام، ~~شعر رءوسهم مصبوغ بلون أسود فاقع، عيونهم المتغضنة وجفونهم المتورمة تكشف عمرهم ~~الحقيقي، تلمع أنوفهم بنشوة الفياجرا، يسيرون بخطى وئيدة بطيئة، وأمام الباب يتقافزون ~~على الدخول كالتلاميذ المتنافسين. # والباب صغير ضيق يشبه أبواب السجون، لا يسمح بدخول الجسم والرأس مرفوع، لا يتسع ~~لدخول الفرد الواحد إلا بالجنب، وأنت واقفة في مؤخرة الطابور، ms046 تصورت أنك أول الواصلين ~~فإذا بك آخرهم، تسبقك النخبة دائما إلى حيث تذهبين، يلتقطون قبلك رائحة السلطة حيثما ~~تكون، بحكم الموروث منذ عصر العبيد، وخريطة الجينوم الذكوري المدرب عبر القرون. # تجدين رأسك ينحني عند الدخول، وجسدك ينثني ويلتوي، تبتلعين المهانة مع لعابك المر، ~~لا شيء يواسيك إلا أنك لست وحدك، وإذا كان الوباء عاما فليس عليك حرج، أمامك في ~~الطابور جميع الوجوه التي تظهر في الصحف، وفوق الشاشات وأغلفة المجلات والكتب. # مراسم الدخول طويلة بطيئة، بسبب الزحام وتعطل العين الإلكترونية، وحرص رجال الأمن على ~~التفتيش الدقيق، يجردونك من ملابسك دون أن تخلعيها، وتدخلين بعد الفحص إلى القاعة ~~الكبيرة، يعلوها الوجه بحجم الكرة الأرضية، معلق قرب السقف، مثبت بالمسامير مثل ثوابت ~~الأمة، يختفي مثل الإله وراء عمود من الدخان، ونظارة سوداء فوق العينين. # الصفوف الأمامية كلها محجوزة، مقاعدها مذهبة الحواف من القطيفة الحمراء، فوق ظهر كل ~~مقعد قطعة ورق، مكتوب عليها الاسم واللقب، يجلسون في الصفوف حسب الدرجة، يأتي في ~~المقدمة الوزراء والسفراء والمستشارون، ورجال الدين والشرطة والإعلام، يأتي بعدهم ~~المطربون والمذيعون والمذيعات، والنافخون في الآلات، وبعض العلماء والمنجمون والأطباء ~~النفسانيون وضاربو الودع، يأتي بعدهم الأدباء والروائيون الواقعيون والحالمون، لا يمكن ~~أن يتخلف أحد، وإن كان نزيل المستشفى لتغيير صمامات القلب، سرعان ما يفيق من المخدر ~~ويأتي قبل الموعد بساعتين، مرتديا البدلة الرسمية وربطة العنق، والأزرار مغلقة حول ~~قفصه الصدري، يجلس مع القاعدين مكتوف الذراعين والساقين، قدماه داخل الحذاء اللامع ~~مشبوكتان تحت المقعد، تتورمان من طول الجلوس، تمر الساعة وراء الساعة دون الخروج لقضاء ~~الحاجة، فالأبواب كلها أصبحت مغلقة، ولا أحد يدخل ولا أحد يخرج. # ثم تدوي الصيحة العالية، تنتفض الأجساد واقفة والأيادي ترتفع بالتصفيق، تجدين نفسك ~~واقفة تصفقين، يدك اليمنى تضرب يدك اليسرى في قوة دون توقف، الدقات تحت ضلوعك تفقد ~~انتظامها، صدرك يعلو ويهبط بحركة مرئية، تنقضي الدقائق والتصفيق مستمر، وتمتد أيدي ~~سحرية تفتح بابا خفيا في الجدار، تتعلق العيون بالباب المفتوح والأنفاس مكتومة، ثم ~~يبدأ الموكب يدخل على ms047 مهل، يأتي الحرس الخاص في المقدمة بالملابس المدنية، ويظل الباب ~~مفتوحا دون أن يظهر أحد، يدب الصمت العميق بضع لحظات كأنما كل شيء مات. # ثم تظهر الكتلة المتلألئة بالأضواء، تومض الفلاشات والعدسات والآلات اللاقطة، لا يمكن ~~للعين أن ترى الوجه وإن امتد العنق إلى آخره، الأضواء الفضية تذوب داخل نسيج البدلة ~~المكوية، الكتفان المحشوان والصدر العريض يشبه الدرع. # تجلسين في الصف الخلفي تحملقين نحوه، يكاد يشبه الوهم، رغم المسافة الطويلة تبدو ~~الملامح قريبة، عضلاته متهدلة يكاد يشبه زوجك، الجفون متورمة مع انتفاخ الخدين والشفتين ~~وما تحت العينين، نظراته هائمة ما بين السقف والجدران ولا تستقر على وجه، كأنما الضوء ~~يعميها عن الرؤية . # يستمر التصفيق يدوي وأنت نائمة، لا ينقطع بمجيء الصباح، لا تعرفين الحقيقة من الحلم، ~~وأنت جالسة تصفقين مع الجالسين، الأيادي كلها مرفوعة تصفق، لا أحد يشذ عن المجموع، ~~تشعرين بالمهانة وأنت تصفقين، تبتلعين المهانة مع لعابك المر، لا شيء يواسيك إلا أن ~~الجميع يصفقون، وإذا كان الوباء عاما وشاملا فليس عليك حرج، تدور عيناك في القاعة ~~تبحثين عن شخص واحد لا يصفق، ترينه جالسا في الطرف البعيد من الصف الأخير، الغلام من ~~عمرك المولود معك عام الهزيمة، يداه إلى جواره لا ترتفعان، هو الوحيد الذي لا ~~يصفق. # القاهرة 1998 # | من وحي قرار مفتي الديار المصرية # (1) وإذا أفتى المفتي فماذا يكون؟ # إذا أفتى مفتي مصر الدكتور أحمد الطيب بأن الزوجة وحدها التي تعاقب في جريمة الزنا ~~والخيانة الزوجية، وأن الزوج لا يعاقب إن قام بالجريمة ذاتها، فهل يكون حكمه هذا حكما ~~أخلاقيا أم إسلاميا؟ # ورد هذا السؤال في عقلي وأنا أقرأ الصحف المصرية في 8 تموز (يوليو) 2002، عما حدث في ~~مجلس الشعب (البرلمان) في اليوم السابق عند عرض مشروع جديد لتعديل قانون العقوبات من ~~أجل معاقبة الزوج على جريمة الزنا بالحبس لمدة لا تزيد عن سنتين، وقد أرسل المشروع إلى ~~المفتي الذي تشاور فيه مع «مجمع البحوث الإسلامية» التابع لمؤسسة الأزهر، ثم جاء حكمه ~~برفض المشروع، لماذا؟ لأن الأصل ms048 في القضية هو تجريم الزنا «وهذا المشروع يتعلق بموضوع لم ~~يجرم أصله في القانون، وهو جريمة الزنا، كما جاءت به النصوص الشرعية، وبناء عليه فإن ~~دار الإفتاء المصرية ترى عدم الموافقة على المشروع (عدم الأخذ بالاقتراح الوارد) ~~لارتباط الرأي الشرعي في المشروع بتجريم الأصل، وهو جريمة الزنا.» هذا هو نص ما قاله ~~المفتي ردا على المشروع. # خلال المناقشات داخل مجلس الشعب رفضت وزارة العدل المشروع بحجة أن الزوج له الحق في ~~تعدد الزوجات؛ ولذلك يمكنه أن يتزوج المرأة التي ضبطتها زوجته معه، لكن هذه الحجة باطلة ~~قانونا؛ لأن القانون يلزم الزوج إبلاغ زوجته الأولى بزواجه من امرأة أخرى. # لقد تخرج أبي في الأزهر ودار العلوم والقضاء الشرعي، وقد اشتغل قاضيا شرعيا بعض ~~الوقت، وحكم ضد الأزواج الخائنين، وكان يقول: الخيانة ليست من الأخلاق الرفيعة أو ~~الإسلام الصحيح؛ لأن المسئولية تتناقض مع الخيانة، لأن الحرية تعني المسئولية وليس ~~الفوضى. # في مصر اليوم حملة كبيرة من أجل النهوض بالتربية والتعليم، وقد أصبحنا نشهد كل يوم ~~مظاهر التدهور الأخلاقي أو الفساد داخل الأسرة أو خارجها في المجتمع المصري أو المجتمع ~~الدولي، وهل هناك فساد أكثر من ذلك الفساد الدولي الذي يتبنى الازدواجية الأخلاقية، ~~فيعاقب العراق مثلا بالحرب أو بالعقوبات الاقتصادية على حين يبرئ إسرائيل التي تذبح ~~الشعب الفلسطيني أمام أعيننا كل يوم؟ # إن مبدأ الأخلاق الصحيحة هو العدل، وهو المسئولية وهو الحرية، باعتبار أن الحرية ~~والمسئولية لا ينفصلان، وأين هي المسئولية في حالة الزوج الذي يخون زوجته ثم يخرج ~~بريئا؟ أليس في ذلك إهدار للأخلاق، بل إهدار للأسرة وتشجيع الرجال على عدم المحافظة ~~عليها؟ # وهل تكون المرأة هي المسئولة الوحيدة عن الأخلاق وعن الحفاظ على الأسرة على رغم أنها ~~لا تملك أي سلطة ويملكها الرجل؟! # قرأت في جريدة «الأهرام» «8 تموز (يوليو) 2002» عن تلك الزوجة المصرية التي منحت ~~زوجها كل مالها ليخرج من أزمته المالية، وأخلصت له ثلاثين عاما، إلا أنه تنكر لها ~~وتزوج فتاة صغيرة السن، وطرد الزوجة إلى الشارع بلا مأوى، ms049 مع ذلك خرج هذا الزوج بريئا ~~في نظر القانون؛ لأن الزوجة لم تأخذ إيصالا مكتوبا من زوجها عن مالها؛ لأن القانون لا ~~يحمي المغفلين الذين يجهلون القانون، وخرج الزوج بريئا أيضا في نظر رجال الدين، ~~باعتبار أنه يمارس حقه الشرعي في تعدد الزوجات. # وفي الوقت الذي يتم فيه التساهل الأخلاقي الشديد مع الرجال إلى حد الفوضى وعدم ~~المسئولية، فإن التشديد والتزمت هما من نصيب النساء فقط، وفي الوقت الذي يتمسك فيه رجال ~~الدين بحرفية الشرع فيما يخص المرأة، فإنهم يتساهلون مع الرجل تحت اسم الاجتهاد وإعمال ~~العقل. # وفي جريدة «الأهرام» (28 حزيران (يونيو) 2002 ص36) يعلن المفتي أن وجود حجاب المرأة ~~المسلمة في الثوابت الشرعية، وليس فيه اجتهاد أو إعمال للعقل، لماذا؟ لأن حجاب المرأة ~~يدخل في إطار التوجيه الإسلامي العام المؤسس على مراعاة الفطر المستقيمة والأخلاق، وهل ~~غطاء الرأس دليل الأخلاق، أم استقامة السلوك والأفكار؟ ولماذا لا يحكم المفتي بالمثل ~~فيما يخص جريمة الزنا للرجال؟! وهل تدخل جريمة الزنا أو خيانة الزوج لزوجته في إطار ~~الأخلاق أو التوجيه الإسلامي العام؟ (الذي يساوي بين الرجل والمرأة التي ضبط معها! ~~ألا يشبه ذلك تبرئة الرجل الذي يغتصب فتاة إذا تزوجها؟!) # وفي جريدة «أخبار اليوم» (6 تموز (يوليو) 2002 ص15) تحت عنوان «نبت الجريمة» نقرأ قصة ~~الفتاة «سلوى» التي اغتصبها رجل وحملت منه واضطرتها أسرتها للزواج منه حتى لا تجلب ~~العار لأشقائها وأمها، ولكن بعد شهرين فقط هرب الزوج تاركا لها ورقة الطلاق، وتحملت ~~سلوى الجرائم الثلاث: الاغتصاب ثم الزواج ثم الطلاق، وكان من الطبيعي أن تكره الرجل ~~والجنين الذي منه، فأقدمت على قتل مولودها، وأحيلت سلوى إلى النيابة التي قررت حبسها ~~وتقديمها للمحاكمة العاجلة بتهمة «القتل». وقد اتهمت سلوى بأنها فاقدة «الأمومة» أيضا، ~~فكيف تقتل أم طفلها أو طفلتها؟ وتغنى الكثيرون ب «الأمومة»، أما «الأبوة» أو مسئولية ~~ذلك الرجل الذي اغتصبها، ويقولون إنه تزوجها وطلقها حسب القانون والشرع، فهو إذن بريء، ~~أما هي فتستحق الإعدام؟ # وكم من الأمثلة التي نشهدها كل ms050 يوم من هذا النوع، والتي تكشف لنا عن مدى الفساد ~~الأخلاقي أو الازدواجية الأخلاقية التي تسود في مجتمعاتنا تحت اسم القانون، وكم من ~~محاولات لتعديل مثل هذا القانون، إلا أن غالبية القيادات الدينية تقف ضد أي تعديل ~~للقانون تحت اسم الشريعة أو الثوابت أو حسب مبدأ «لا اجتهاد مع النص». # والسؤال الآن هو: أين ذلك النص الذي يبيح هذه الازدواجية الأخلاقية؟! # دراسة القرآن تؤكد أن هذا النص غير موجود، وعلى رجال الدين في بلادنا أن يقولوا لنا ~~أين هذا النص وماذا يقول؟ إن هذا هو التحدي الذي أمامهم الآن. (نرجو إخراج هذا النص إلى ~~الوجود أيها السادة، إن استطعتم!) # وسؤال آخر: إذا كان تعدد الزوجات من الثوابت غير القابلة للتغيير، فلماذا تم تعديل ~~القانون في عدد من البلاد الإسلامية، وألغى تعدد الزوجات تماما، وكذلك حق الطلاق إلا ~~أمام القاضي ولسبب معقول، وليس لمجرد النزوة الجنسية أو الخيانات الزوجية ~~والزنا. # على رغم الدراسات الاجتماعية المتعددة، والتي كشفت عن مآسي النساء المطلقات في ~~المحاكم، وتشريد الأطفال وتفكيك الأسرة بسبب تعدد الزوجات أو ضربهن، أو هجرانهن أو مجرد ~~التخلي عن مسئولية الأبوة، على رغم كل ذلك فإن قانون الأسرة أو قانون العقوبات لم ~~يعدلا بالقدر الكافي الذي يعاقب الرجل الذي يتخلى عن مسئولية الأبوة. # لا تزال القيم الاجتماعية والتعليمية والإعلامية في بلادنا قائمة على تحميل المرأة ~~وحدها المسئولية تحت اسم «الأمومة» المقدسة العظيمة. # أما «الأبوة» فهي لا تزال قاصرة أو محدودة بالاتفاق، أو غائبة تماما في ما يخص ~~المسئولية والأخلاق. # ونحن نشهد اليوم حملة كبيرة للنهوض بالتعليم في مصر، وهل ينفصل التعليم عن التربية؟ ~~وهل تقوم التربية الصحيحة على شيء آخر إلا المسئولية الأخلاقية؟ ~~(2) تتحمل المرأة وحدها في بلادنا مسئولية الأخلاق؟ # لأن الرجل لا يعيبه إلا جيبه، ولأنه يستطيع أن يخون ويزني ويظل شريفا بريئا، وهذا ~~هو الدليل على انعدام الأخلاق في بلادنا. # يوليو 2002 # | من وحي عيادتي الطبية بالجيزة # (1) وسقطت جميع الأمهات # من حواء إلى مريم العذراء كان التحول، # في الأدب والشعر ms051 والدين. # كان الخيال سليما في الحضارة القديمة، # والروح داخل الجسد داخل العقل. # انفصلت الروح منذ مقتل الأم، # وانفصل خيال الرجل. # أصبح أبي يقول لنفسه: # أنا والله واللذة والشرف. # وأمي تقول لنفسها: # أنا والشيطان والألم والعار. # انحدرت من ربة المعرفة، # إلى العذراء بلا شهوة. # من مبدأ اللذة إلى مبدأ الألم؛ # سقطت جميع الأمهات. # عام 1959 # | من وحي قرار شيخ الأزهر # حجاب المرأة في الإسلام # إلى الذين يتحدثون عن الحجاب؛ # من السادة الرجال. # يتنافسون على الورق والشاشة، # وأصواتهم عالية. # قال بعضهم كلمة «الخمار» وردت في الكتاب، # وفلسطين السليبة لن تعود بنزع الحجاب، # وهو حق واختيار بإرادة النساء. ~~••• # وقال بعضهم: إنه ليس من الدين الصحيح؛ # بل من الجماعات الدينية؛ # الذين قتلوا الأبرياء، # وكفروا المؤمنين من طه حسين إلى قاسم أمين، # واعتبروا الفن إثما # يستوجب التوبة. ~~••• # وقال بعضهم: إن الحجاب # موجود في كل البلاد. # الشال والطرحة والبونيه والقبعة، # ضمن الأزياء الوطنية # باختيار النساء؛ # لأن «الوطن» لا يفرض شيئا، # لا الشابو ولا الفولار ولا القبعة العسكرية، # فقط الزي الاشتراكي للطبقة العاملة، # وعمليات الإخصاء للعبيد في بيزنطة. ~~••• # وقال بعضهم: ما جدوى تغطية رءوس النساء؟ # والمرأة هي المرأة! # ما أن ينام زوجها حتى تصحو، # وإن كان هو الجني الأسود، # أو شهريار أو شاه زمان. # بنات حواء يا إخواني # يخرجن الراهب المتعبد من صلاته، # وإن ارتدين الخمار الأسود. ~~••• # ترتفع أصوات الرجال والنساء صامتات، # أو مطرقات إلى الأرض في حياء، # أو باسمات برقة وإغراء، # رءوسهن ملفوفة بالطرحة أو البونيه # من آخر طراز أو موضة. # من الأستاذة إلى الدكتورة. # نرى صورهن على الورق والشاشة، # يتنافسن في الحديث عن فلسطين السليبة، # وأنف «أبو الهول» المسروقة، # وأصحاب نظرية العودة إلى الإيمان، # من أفلاطون إلى عباس العقاد، # ومن أليزداير ماكنتاير إلى هنري لنك. ~~••• # ترتفع أسماء الرجال والخواجات، # وتدفن أسماء النساء؛ # من عائشة التيمورية إلى مي زيادة، # وملك وكوكب حفني ناصف، # ودرية شفيق وسهير القلماوي وأمينة السعيد، # وغيرهن من الكاتبات اللائي تقدمن عن # طه حسين أو العقاد أو قاسم أمين، # وبعضهن على قيد الحياة ms052 يدفن. ~~••• # أيها السادة الرجال، # أقول لكم: # لماذا لا ترون الأشياء البسيطة الواضحة؟ # وضوح الشمس. # لماذا يرتدي الإنسان القبعة في الشتاء، # ويخلعها في الصيف؟ # لماذا يتعرى الإنسان تحت خط الاستواء # بصرف النظر عن الجنس؟ # ولماذا يرتدي راكب الموتسيكل الخوذة الحديدية # أو الجندي في القتال؟ ~~••• # أيها السادة والسيدات، # إن رأس الإنسان ليس عورة؛ # لأنه يحتوي العقل، # والعقل أشرف ما في الإنسان. # فهل المرأة إنسان، # يا من تتحدثون عن الحجاب؟ # وأعلنت إحدى الزعيمات النسائيات المحجبات أن النساء السافرات ملعونات، وإلى نار جهنم ~~ذاهبات، ثم نشرت تاريخ عائلتها الكريمة: # القاهرة يوليو 2002 # | التاريخ العائلي لزعيمة نسائية محجبة # (1) تحسين الصورة # من حقي أيها السادة أن أكتب # تاريخ عائلتي؛ # لأنه تاريخ الوطن والعروبة والإسلام، # ولأن أبي وخالي وعمي وجدي الكبير # من أكبر الرجالات الوطنيين العروبيين الإسلاميين، # وكلها وجوه لعملة واحدة، # وكان زوج خالتي يتكلم عشر لغات؛ # أما أبي فلم يكن حاصلا على الابتدائية، # واشتغل موظفا بسيطا في محكمة، # فوق عينيه نظارة سميكة، # يفك بها الخط والتوقيع على العرضحال، والأختام الملكية، # ويقف تعظيم سلام لحاجب المحكمة أو مندوب السراي. # وكانت أمي لا تعرف القراءة ولا الكتابة؛ # لكنها كانت تحتفظ بكل ورقة يكتبها أبي، # ومنها كمبيالة المهر وقائمة العفش؛ # تأمينا لها إن طلقها أبي بغتة، # أو تزوج امرأة أخرى دون علمها، # وقد تعرضت أختها وابنة خالتها وجارتها # لمثل هذه المشاكل في المحاكم الشرعية، # وخرجت كل منهما على باب الله؛ # لأن القانون لا يحمي الجاهلات به، # اللائي لا يحتفظن بإيصالات العفش # والكمبيالات # بخط الزوج الجميل أو القبيح، # وكان أبي دائم التحسين لخطه العربي، # فهو عروبي إسلامي، # وهو يعرف حقوقه الكاملة الشرعية، # ومنها حق المطلق في الطلاق والزواج بأخرى # دون علم الزوجة الأولى. # ورثت عن أمي إيصالا وأوراقا كثيرة، أما أبي فلم يكن لديه أوراق ولا كتب ولا ~~مكتبة. # أبي كان مولعا بأنواع الأختام الرسمية والخطوط، # لم يكن يضيع وقته في القراءة؛ # ولكن في تحسين خطه وصورته، # وكان الشعار الملكي يشبه الشعار الجمهوري اليوم، ~~«تحسين الصورة.» # وأصبح أبي جميل الصورة ms053 جميل الخط والصوت، # يكاد يشبه الملك في طفولته. ~~(2) تشويه الصورة # ورثت عن أبي شعار تحسين الصورة، # لا أعرف كيف تغلغل هذا المبدأ داخلي # وأصبح مقدسا، # والأهم تأثيرا أمي، وكانت متفرغة في البيت # للأمومة المقدسة، # والحفاظ على الأسرة من التفكك وعبث الأبوة غير المقدسة، # وكانت أمي تؤمن بالشهادة؛ # الدكتوراه أو الماجيستير، # وحين تزوجت رجلا غير متعلم سألتني: ~~«شهادته إليه؟» # وغضبت أمي من زوجي لأنه لا يعرف # إلا اللغة الشعبية العامية. # وقعت أمي في التناقض والتطرف، # وكانت امرأة شعبية؛ # لا تعرف اللغة الفصحى ولا تعرف الكتابة، # وتركت أمي بصماتها على عقلي وجسمي وروحي. # ورثت عنها التناقض والتطرف، # وورثت عن أبي شعار تحسين الصورة # والصوت أيضا، # وأصبح حلم حياتي أن أكون # الصورة المثالية للمرأة المصرية. # ولأنني عروبية إسلامية مثل أبي؛ # فقد أصبحت الصورة المثالية لنساء مصر # في ظل العهود الملكية والجمهورية، # وعصور الاشتراكية والرأسمالية، # والليبرالية الجديدة. # ونشرت صورتي بالبنطلون الأمريكي الجينز، # أيام الانفتاح والحرية. # وفي العصر الحالي تنشر صورتي بالحجاب # في الصحف الإسلامية، # والصحف الوطنية المعارضة، # وأحزاب العولمة الجديدة والكوكبة، # وأحمل لقب زعيمة نسائية إسلامية عروبية وطنية مناضلة ضد الباطل بكل صلابة وعنف. # ومع ذلك أيها السادة، # فأنا طفلة رقيقة جدا، وعاشقة لكل الصور الجميلة والخطوط العربية والفارسية، ~~وتحسين صور الإسلام في عيون الأجانب؛ # ولهذا أغضب بعنف وأضرب بقبضة يدي رأس الشيطان، # والذين يشوهون صورة الإسلام، # وعلى رأسهن ذوات الرءوس غير المحجبة؛ # النساء السافرات لعنة الله عليهن! # القاهرة 9 يوليو 2002 # | عن الخوف # الخوف يجعلنا نموت في كل لحظة # إن نسينا واحد من الأحباء، # أو هجرنا واحد من الأزواج، # وإن عارضنا السلطة وهددتنا بالحبس أو النفي، # وإن لم نعارضها أصبحنا من المنافقين الموتى. # نموت من الحب ومن الكره، # ونموت إن غاب الحب وإن غاب الكره. # نموت بسبب العيال والولادة وحمى النفاس، # ونموت لأننا بلا عيال. # نموت من الخوف من العقاب في الدنيا، # ونار جهنم الحمراء بعد الموت. # نموت من الخوف آلاف المرات، ملايين المرات؛ # لكن الشجاعة وحدها تجعلنا نموت مرة واحدة. # قالت رابعة ms054 العدوية: أنا لا أخاف نار جهنم الحمراء، ولا أطمع في جنة عدن ~~الخضراء. # وسألوها: الجنة والنار وردتا في القرآن والإنجيل والتوراة، ألا تؤمنين بالكتب ~~السماوية؟! # قالت: أنا لا أقرأ ولا أكتب، وإذا سعيت إلى الله فلأنه العدل وليس كتابا. ~~(1) من وحي مذبحة سبتمبر 1981 # المكان الأمين # في الظلمة جاءوا وأخذوني، # سألت أين تأخذوني؟ # قالوا نأخذك إلى مكان أمين. # قلت من أعطاكم الأمر؟ # قالوا صاحب الجلالة رئيس البلاد. # قلت إذا كذب صاحب الجلالة، # فمن يقول الصدق؟ # وذهبت معهم إلى المكان الأمين، # فإذا بي داخل السجن. # قلت لهم رئيسكم كذب عليكم؟ # قالوا نعم. # ثم سكتوا إلى الأبد. ~~(2) من وحي الحراسة # إنقاذ النفس من براثن الحب والحماية # في ظلمة الليل جاءوا حاملين البنادق. # قلت لهم من أنتم؟ # قالوا الحراس. # سألتهم وماذا تحرسون؟ # قالوا حياتك. # قلت حياتي في خطر؟ # قالوا نعم. # سألت من يهدد حياتي؟ # قالوا لا نعلم. # عرفت من عيونهم أنهم يكذبون. # أصبحت أصحو حين ينامون، # وأنام حين يصحون. # أحرس حياتي من رصاص حراسي، # وأنقذ نفسي من براثن الحب والحماية. # القاهرة يونيو 1992 # | من وحي سنوات الغربة # الغربة خارج الوطن قاسية، # وأقسى منها # الغربة داخل الوطن. # الرسائل تأتيني رغم المسافات # من الأهل والأصدقاء، # والصديقات. # مع حركة الطائرة تزداد المسافات، # والحزام مربوط حول جسدي، # وعقلي مشدود إلى هنا؛ # حيث تكون فلذة الكبد، # وحيث يكون الحب # من وراء البحر والمحيط. # تلوح لي الأيدي والعيون، # تلمع في الظلمة كالنجوم، # تشدني إليهما من قاع الموت، # بلا قطرة دم ولا دموع. # أعانقهما وأضمهما إلى صدري، # أعود بهما إلى رحم الأم # رغم المسافات، # أنا أمهما نوت أو نون، # أو أي اسم # ذكر أو أنثى. # لا يهم. # المهم أنهما متساويان؛ # ابنتي وابني يتساويان عندي، # وإن غضب إله السماء والبراكين، # وإن زمجر بصوت الرعد، # أو أعلن الحرب # على النساء والشباب والأطفال، # تحت اسم الأرض الموعودة، # أو محاربة الإرهاب، # والدعوة إلى الفضيلة، # جسدي رغم الحزام المربوط بالمقعد # يحلق فوق السحب، # فوق الحدود المصنوعة بين البلاد، # والتقسيمات بين البشر # على أساس الدين أو ms055 الجنس أو الجنسية. # يكسر الحواجز والخرائط المرسومة # في كتب التاريخ والجغرافيا، # والكتب السماوية. # أحملق من فوق السحب في عيني الإله، # دون حياء أو خجل، # حتى تطرف عيناه ويغض البصر، # ويسألني الحارس عن جواز السفر، # واسم أبي وجدي. # وأقول لا أعرف من الأسماء # إلا اسم أمي، # وأتجه نحو باب الخروج، # رافعة رأسي في شموخ، # وينطلق الرصاص خلف ظهري، # وأنا أسير لا أتوقف # لا يخترق الرصاص جسدي. # يفرقع في الفضاء # مثل فقاعات الهواء، # وأسير نحو الباب وأدخل، # وتسألني ابنتي كيف دخلت؟ # وأقول لأن إله الزلازل والبراكين # أصبح مشغولا بغيري. # أحملق في عينيه فوق السحب، # أحملق دون حياء أو خجل، # حتى تطرف عيناه، # ويغض البصر. # ديرهام، نورث كارولينا 1995 # | القيظ والغيظ في يونيو 2002 # أمامي صحف الأحد 9 يونيو 2002 باللغة العربية ولغات أخرى، الحدث الواحد يتغير من ~~صحيفة إلى أخرى، تتحول الهزيمة السياسية أو العسكرية إلى نصر عظيم، ويتحول القزم إلى ~~عملاق حسب موقع البلد والجريدة، إلا أن صورة الرئيس الأمريكي «بوش» وصديقه الإسرائيلي ~~«شارون» تحتلان المساحات الأكبر، فيما عدا الصحف العربية، حيث تشغل الصفحة الأولى صورة ~~صاحب الجلالة أو صاحب الفخامة أو صاحب السيادة. # اليوم 9 يونيو 2002، في مثل هذا اليوم منذ عشرة أعوام تم اغتيال كاتب مصري، اسمه فرج ~~فودة، اختفى اسمه تحت الرماد والنسيان مثل كثيرين من المقتولين الذين يدفعهم حماسهم ~~الوطني أو الديني إلى الموت، من أجل الله أو الوطن أو العدالة الغائبة، ثم يرقدون في ~~قبورهم يطويهم النسيان. # منذ عام تقريبا كنت غائبة عن الوطن، أقوم بتدريس مادة «الإبداع الفكري» في جامعات ~~بعيدة وراء البحار والمحيط، والعقل أو الفكر أو الإبداع لا يكون حاضرا حيث تكون الحريات ~~غائبة. # منذ أيام قليلة عدت إلى بيتي في مدينة القاهرة، المقهورة منذ نشوء العبودية ~~والفراعنة، رأيت الوجوه الحزينة الشاحبة، والبيوت الغارقة تحت طبقة من الرماد، والغضب ~~المكبوت داخل الصمت أو الضجيج، كالمرجل يغلي تحت النار، ومكبرات الصوت تتفجر ليل نهار، ~~بإيقاع الطبل في حفل زفاف، أو الآلات النحاسية في الديسكو، ms056 أو التراتيل الدينية في ~~المآتم، والميكرفونات فوق المآذن العالية والواطئة تتنافس لإيقاظ النومى تحت وطأة ~~القيظ، أو الموتى كمدا من شدة الغيظ، فقد صدرت الجرائد الصباحية بالخبر المغيظ، لا ~~نعرف إن كان نصرا أم هزيمة: «تطابق الرؤية المصرية الأمريكية»؛ أي رؤية؟ وأي ~~تطابق؟ # أمامي الجريدة باللغة العربية تعلن أننا حققنا نصرا عظيما في المفاوضات مع الرئيس ~~الأمريكي، وأمامي الصحف بلغات أخرى تقول إن لا شيء تغير في الموقف الأمريكي، وأن «بوش» ~~يرفض الالتزام بأي جدول زمني لنشوء الدولة الفلسطينية، وأنه يستمر في الرؤية المغلوطة؛ ~~التي تجعل الضحية المقتولة من الشعب الفلسطيني هي الجانية الإرهابية المسئولة عن العنف، ~~وأن أرييل شارون (رئيس الحكومة الإسرائيلية والمذابح الكبرى) لا يفعل شيئا إلا حماية ~~الأمن والمطالبة بالسلام. # في الصور الداخلية نرى الدبابات تجتاح المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية ~~وقطاع غزة، تهدم البيوت وتقتل النساء والرجال والشباب والأطفال، تدفنهم أحياء في قبور ~~جماعية، ويرفض شارون قرار مجلس الأمن بالتحقيق في هذه المذابح، ويعلن «بوش» براءة ~~«شارون» دون تحقيق، ويوجه الإدانة إلى الأطفال والبنات الفلسطينيات اللائي يفجرن ~~أجسادهن بالديناميت من شدة الغيظ والكمد. # ويمتد الغيظ والكمد إلي وأنا جالسة في بيتي في القاهرة، يزيد منه القيظ في يونيو، ~~والإحساس بالعجز في مواجهة السلاح الأمريكي والإسرائيلي النووي، كيف تحولت دولة إسرائيل ~~إلى ترسانة نووية، وكيف تحولت بلادنا إلى شعوب يائسة تعاني الفقر والبطالة، لا تتغذى ~~إلا بمكبرات الصوت، تنقل الخطب السياسية والدينية؟ # أليست هي سياسة الحكومات المتتالية في بلادنا تحت الرعاية الأمريكية؟! وأين هي ~~المعارضة أو الأحزاب الأخرى غير الحكومية؟ هل عادت إلى بطن الحكومة كما خرجت منها منذ ~~ربع قرن؟ وهل يمكن للغازات المسيلة للدموع أن تقضي على الثورات الشعبية؟! # تطالعني الأنباء في الصحف وأنا أكتب هذه الكلمات، أقاوم الحزن كلما تطلعت إلى وجوه ~~الشباب والشابات في بلادنا، آلاف العقول المعطلة بلا عمل، بلا فكر ولا إبداع ولا أمل، ~~إلا الهجرة إلى بلاد غنية بالنفط أو الهامبورجر، آلاف الرءوس المحجبة والعقول، والعيون ~~المتطلعة إلى بارقة ms057 أمل دون جدوى، وأدرك الصلة الوثيقة بين الحجاب الديني والسياسي، ~~وبين الختان العقلي والجسدي، وبين القوى المحلية والدولية، وبين الاستعمار القديم ~~والجديد، وتلك الكلمة المتداولة حديثا «العولمة»، وكم من كلمات جديدة للتغطية على ~~الحقيقة المؤلمة، كم من كلمات غامضة مراوغة مزدوجة المعاني، توحي بالتقدم نحو الإنسانية ~~العالمية ثم تأخذنا إلى الوراء لنعاني المزيد من الفقر والقهر تحت نير الفتن والحروب ~~العسكرية والدينية. # تلعب العولمة الحديثة دورا مزدوجا، فهي تكسر الحواجز بين البلاد من أجل تسهيل ~~التجارة الحرة في السوق، وهي حرية العبيد في الخضوع لأصحاب المال والسلاح والإعلام، ~~حرية الدول الإرهابية النووية في قلب الحقائق، وإخفاء الصراعات حول المال والنفط ~~والأنابيب والتجارة بأجساد النساء والأطفال، تفوقت أرباح التجارة العالمية بالدعارة ~~الجنسية، وزادت عن سبعة ملايين دولار أمريكي سنويا، حسب تقارير الأمم المتحدة لعام ~~2000 ~~(Refugees-UN-HCR-vol, 2. no. 119, 200) # تساوت أرباح الرأسمالية الدولية من بيع ~~الكتب الدينية والأحجبة النسائية مع أرباح بيع أدوات الزينة والكحل والرموش والأعضاء ~~الجنسية الصناعية والأفلام الأمريكية والعقاقير المخدرة. # أصبحت أجساد البنات الصغيرات مثل السمك أو اللحم المعلب في سوق العولمة الرأسمالية، ~~تقوم الدول العظمى والشركات الكبرى عابرة القارات بدور «القواد» في الماضي القريب، ~~وتشحن البنات الفقيرات من أجل الخدمة في البيوت أو الإمتاع الجنسي للذكور الكهول ~~الأثرياء، الذين ينفقون أموالهم في شراء حبوب الفياجرا أو غيرها، ارتفعت أرباح العولمة ~~الرأسمالية مثل النساء، وإن اختلفت شكل أو درجة المعاناة، ويمرض الرجال بالقلق لفقدان ~~الانتصاب الجنسي، بمثل ما تمرض النساء من انقطاع الطمث، هذا فيما يخص رجال ونساء ~~الطبقات الوسطى العليا، أما الرجال والنساء من الطبقات الدنيا فلا شيء يشغلها إلا البحث ~~عن عمل يسد الرمق. # ويلعب الإعلام العولمي دوره في إخفاء الحقيقة، وتحويل الصراعات حول ماديات الحياة إلى ~~صراعات روحانية بين الأديان أو بين الحضارات، يروج لها المفكرون والصحفيون من أتباع ~~الرأسمالية المحلية والدولية، وكيف يمكن لجماهير القراء في مختلف البلاد أن يخترقوا هذه ~~العبارات المتراكمة من الكذب والالتواء، وهذه الكلمات المراوغة غير المحددة المعنى، مثل ~~إعلان الرئيس الأمريكي ms058 «بوش» عن إنشاء دولة فلسطينية دون تحديد متى وأين تكون هذه ~~الدولة، وكأنما هي مجرد قصر يبنى في الهواء، أو في جنة الخلد، هذا الخداع المزمن منذ ~~نشوء العبودية لإقناع المقهورين والمقهورات بالتعويض عن آلامهم فيما بعد الموت. # إنه الأمل الكاذب أو الوهم، ويختلف عن الأمل الحقيقي الذي ينبع من العقل والوعي، ~~وإبداع الأفكار والوسائل لمقاومة الاستغلال والخداع والقهر. # وتؤدي «العولمة» كما أدت «التنمية» إلى مزيد من الفقر للفقراء، ومزيد من القهر ~~للنساء، وأدى ما سمي ب «الإصلاح الاقتصادي» إلى النتيجة نفسها، وتصبح النساء الفقيرات في ~~أي بلد هن الضحايا وكبش الفداء أو «الصيد السهل» في أية أزمة عسكرية أو اقتصادية، وهل ~~ننسى صور النساء الفلسطينيات الهالكات بجوار حطام بيوتهن وجثث أولادهن وبناتهن، وهل ~~ننسى صور النساء المقتولات تحت اسم الشرف والأخلاق أو الدين في أفغانستان وإيران ~~والأردن والجزائر والسودان ومصر وغيرها؟ وتتعدد أسباب القتل للنساء في أوقات الحرب أو ~~السلم، وقد تقتل المرأة نفسها لمجرد الخلاص من الألم أو الهوان في ظل زوج طاغ أو احتلال ~~أجنبي. # وقد حل الإرهاب الإسلامي محل الإرهاب الشيوعي في عصر العولمة أو الاستعمار الجديد، ~~وأصبح السلاح الديني أشد فتكا بالمقهورين والمقهورات من السلاح العسكري، وأقل تكلفة، ~~يكفي طبع وتوزيع الكتب الدينية مع إعادة تفسيرها بما يخدم مصالح النظام الطبقي الأبوي ~~الممتد منذ العبودية إلى يومنا هذا تحت أثواب وألوان جديدة. # وأصبحت التيارات الدينية الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية أو الهندوكية أو غيرها، ~~والتي عرفت باسم «التيارات الأصولية» هي الوجه الآخر الديني أو الثقافي للعولمة ~~الاقتصادية الرأسمالية. # أصبح تحجيب النساء تحت اسم الدين أو الأخلاق هو الوجه الآخر لتعرية أجسادهن تحت اسم ~~التجارة في السوق الرأسمالية الحرة. # ودخلت العولمة شركات جديدة لبيع المواليد في سوق التبني الدولية، وضحاياهم هم الأطفال ~~الفقراء والنساء من مختلف الطبقات الفقيرة أو الوسطى، وكم من امرأة بلا أطفال دفعت ~~لهؤلاء التجار مقابل الحصول على طفل أو طفلة، وكم من امرأة فقيرة مثقلة بالحمل والولادة ~~وكثرة الأطفال باعت من أطفالها ms059 لهؤلاء التجار مقابل الحصول على الطعام أو المأوى، وفي ~~ظل النظام الطبقي الأبوي تصبح الأمومة عبئا ثقيلا على النساء الفقيرات، وحلما بعيد ~~المنال للنساء العاقرات، وكلاهما نوع من القهر والإذلال. # إنها أنواع من التجارة الجديدة في السوق الرأسمالية القائمة على الربح؛ والتي يسمونها ~~السوق الحرة، وهي حرية العبيد في بيع أطفالهم من أجل سد الرمق، هي حرية الأمهات ~~المكلومات في البكاء والولولة على ضياع أطفالهن أو تحطيم بيوتهن، وقد أصبح «الفقر ~~مؤنثا» حسب تقارير الأمم المتحدة، وتدفع النساء في العالم ثمن الفشل في المشاريع ~~الحديثة أو ما تسمى «التنمية»، وتدفع النساء عبء الديون الخارجية والداخلية الناتجة عن ~~سياسات البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية وغيرها، ألهذا السبب تزايدت ~~أعداد النساء والمنظمات النسائية المشاركة في المظاهرات العالمية ضد العولمة؟ # وكم شهدنا من المظاهرات الجديدة التي شملت النساء والرجال والشباب والأطفال من مختلف ~~البلاد، أشهرها المظاهرة الشعبية في مدينة سياتل في نهاية عام 1999، ومن بعدها لم تكف ~~هذه المظاهرات الشعبية في عواصم العالم ضد المؤسسات الاقتصادية للرأسمالية ~~الدولية. # وقد اشتركت في بعض هذه المظاهرات خلال الشهور الماضية، منها مظاهرة بورتر أليجري في ~~فبراير 2002، ومظاهرة برشلونة في مارس 2002، ومظاهرة واشنطن في أبريل 2002، حيث ~~التحمت المظاهرة ضد العولمة مع المظاهرة المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني؛ ولذلك في ~~مظاهرة لندن في مايو 2002، وغيرها من المظاهرات التي تابعت أحداثها في الصحف، مما يؤكد ~~أن الشعوب المقهورة قادرة دائما على الثورة والمقاومة، وأن الأمل النابع من هذه ~~المقاومة والحركة لا يمكن أن ينطفئ، وأن الانتصار على الظلم والقهر سوف يتحقق للشعوب ~~المناضلة من النساء والرجال والشباب والأطفال. # إن الأمل «قوة» تنتشل البشر من اليأس أو الحزن الناتج عن عدم الفعل، هذا الأمل هو ~~الشعلة الجديدة التي يحملها الآلاف من النساء والرجال في المظاهرات العالمية والمحلية، ~~وفي التنظيمات السياسية الجديدة التي تلغي الفوارق بين البشر، وتكسر حواجز اللغة والدين ~~والجنس والجنسية والعمر والعرق واللون والمهنة وغيرها، هذه الفوارق المصنوعة بين الناس ~~من أجل تقسيمهم حتى يسهل التحكم فيهم، ms060 حسب المبدأ الاستعماري المعروف: «فرق ~~تسد.» # هذا الأمل الجديد هو العمل السياسي المنظم داخل كل بلد، وهذا الوعي المتزايد بضرورة ~~التوحيد بين الشعوب في مواجهة الحكومات الطاغية في الغرب والشرق والشمال والجنوب، ~~والكشف الدائم عن الترابط بينهم، إنها حركة شعبية محلية وعالمية في آن واحد تنبئ بعالم ~~جديد يبتدي في الأفق. # | من وحي صحف 5 يونيو 2001 # الذكرى الرابعة والثلاثين للهزيمة # توقفت عيناي على صورتها المنشورة؛ # السيدة الرقيقة ذات العقل والجمال والفضيلة، # ترتدي التيجان الثلاثة فوق شعرها المصفوف بعناية فائقة، # والمكياج المتقن إلى حد الشفافية. # جالسة في وقار مضمومة الركبتين في الصف الأول # بين أصحاب السمو أمراء النفط ورجال الأعمال والمال والعولمة، # وهي المرأة الوحيدة بينهم # تحمل لقب الأميرة والعبقرية الفريدة، # الحاصلة على كل الجوائز في الشعر والأدب والعلم، # ورثت عن أبيها أو زوجها رصيدها في البنك، # والخدم والحشم وقصر الشتاء والصيف، # تنتقل بطائرتها الخاصة ما بين الخليج والمحيط، # ليس لديها عمل داخل البيت أو خارجه # إلا الاستهلاك والصرف على أدوات الزينة المستوردة، # والكحل واليشمك أو الحجاب الشفاف لإثبات الهوية # والخصوصية الثقافية واحترام التراث والقيم، # وكل هذا جائز ومشروع # طالما العقل العربي مقموع. # ثم قلبت الصفحة إلى صفحة أخرى في الجريدة، # توقفت عيناي على صورة امرأة في صفحة الحوادث، # محكوم عليها بالكفر والفسق والرذيلة # تحمل الأحكام الثلاثة فوق رأسها ثقيلة، # أثقل من براميل النفط والخطيئة الأنثوية الأولى # واقفة وراء التخشيبة بين أصحاب السوابق وجرائم الرأي، # والشباب العاطلين بلا عمل ولا أمل، # تنتقل من سجن إلى سجن مكتوفة اليدين مكتومة الصوت، # يتبارى الرجال في قذفها بالحجارة، # وأصحاب الأقلام المدفوعة الأجر # في الصحف الصفراء والخضراء والزرقاء والحمراء، # يأكلون لحمها أو يشاركون في الصمت، # ثم يهرولون إلى حيث السلطة تكون، # يجلسون في الصفوف الأولى يبربشون، # وبالقضايا الوطنية يجعجعون، # أو قضايا أخرى في الصين واليابان، # والدماء أمام عيونهم تسيل # في الشوارع والأزقة والبيوت المهدومة، # شباب ونساء وأطفال بلا مأوى يموتون، # وهم عن الجعجعة لا يكفون، # والطنطنة والنميمة وتبادل السباب وإصدار الأحكام # ضد كل من ms061 خالفهم الرأي. # وفي الصفحة الأخيرة كان الإعلان عن الغسول الأمريكي الجديد منعا لسقوط الشعر، ~~والحجاب المستورد الأنيق درءا للفتنة، ثم الإعلان عن تأسيس المؤسسة الكبرى للفكر ~~العربي الأصيل برأسمال عشرين مليون دولار. # | أمي المثالية # لماذا غمرني هذا الهدوء الغريب، كالشعور الذي يسبق فقدان الوعي، عند تلقي ضربة مفاجئة ~~على الرأس؟ أطفئ النور وأتمدد فوق السرير، أغمض عيني وأروح فيما يشبه الغيبوبة، كم مرة ~~في حياتي تخيلت هذه اللحظة حين يصبح الوهم حقيقة مادية أحسها في جسدي، وليس فكرة مجردة ~~يطردها عقلي كأنما لن تحدث أبدا. # بالأمس احتفلت وحدي بعيد ميلادي الخمسين، الرقم يرن في أذني غريبا! خمسين؟! لا يصح ~~للمرأة أن تبلغ الخمسين دون أن تكون جدة، تزوجت وأنجبت أولادا وأحفادا، وذهبت إلى ~~الحج لتكفر عن ذنوبها وعادت تحمل لقب «حاجة». # وأنا لم أتزوج ولم أنجب ولم أذهب إلى الحج، وإن ناداني أحد في الشارع «يا حاجة» أصحح ~~الخطأ بصوت غاضب: «أنا مش حاجة.» وحين يناديني أحد في النادي الرياضي ويقول: «يا مدام.» ~~أصحح الخطأ بصوت غاضب أيضا وأقول: «أنا مش مدام.» وقد يسألني أحد بالصفاقة التي ~~يخاطبون بها النساء في سن الخمسين: «وماذا تكونين يا مدام؟» وأقول بغضب: «أنا أستاذة ~~محامية!» # كل شيء في حياتي يبدو غريبا لأني امرأة لم يشغل حياتها رجل، لم يشغلها الجنس ولا ~~الشهوة ولا الزواج، امرأة عفيفة طاهرة، بلغت الخمسين دون أن يترهل جسدها، دون أن تظهر ~~التجاعيد على وجهها وبطنها المشدود، خطواتها فوق الأرض سريعة نشيطة، عيناها مملوءتان ~~بالبريق والسعادة، امرأة بلغت الخمسين تبدو شابة في الثلاثين أو حتى العشرين، لم يكسر ~~قلبها رجل، تحاول من خلال المحاماة أن تحقق العدل، كان لها مكتب في شارع صغير متفرع من ~~ميدان التحرير، تلجأ إليها النساء المكلومات والمضروبات والمهجورات والمطلقات ~~والمخدوعات والباحثات عن العدالة، كانت العدالة عمياء بلا عيون مثل كائن يضرب في ~~الظلام. # كنت طفلة في السادسة من عمري حين تزوج أبي امرأة أخرى دون أن تعرف أمي، طلب مني ألا ~~أقول الحقيقة، عودتني ms062 أمي على الصدق، قلت لها: أعطاني أبي علقة ساخنة وطلق أمي عقابا ~~لي، أصبحت أعيش معها بلا أهل ولا معاش، كانت أمي من أجل أبي قد تركت أهلها وعملها، فقدت ~~وظيفتها بالشهادة العليا ولم تستطع العودة إليها بعد الطلاق، اشتغلت أمي عاملة نظافة، ~~لم يعد لحملة الشهادات العليا قيمة، أصبحوا من عمال النظافة وهو مجال غير نظيف، لكن أمي ~~لم يكن يهمها إلا أن تعيش ابنتها حياة نظيفة، وإن توسخت هي، لا شيء يبقى من الوسخ بعد ~~الغسيل. # تقدم لأمي رجال يطلبون الزواج منها، رفضتهم دون أن يطرف لها جفن، كان شرط الزواج أن ~~تتخلى عني، لا يطيق الرجل أن يشاركه أحد قلب زوجته وإن كانت فلذة كبدها. أدخلتني أمي ~~المدرسة والجامعة، عشنا في حي نظيف تسكنه العائلات حيث يكون الأب هو المسئول عن ~~الإنفاق، تكذب أمي على الناس وتقول أبي ينفق علينا، وأنه رجل مستقيم لم يطلقها ولم ~~يتزوج عليها دون أن تعرف، وتقول أمي للناس إنها موظفة في الحكومة، تتقاضى راتبا كل شهر ~~مثل الموظفين، وكانت أمي موظفة فعلا لكن تحت كادر العمال الأدنى، تشتغل ضعف الساعات ~~التي يشتغلها الموظفون من الكادر المتوسط، وتحصل على نصف ما يحصلون عليه. # في الليل تعود أمي إلى البيت منهوكة القوى، وتخرج عند الفجر وأنا نائمة في الفراش، ~~تجهز الطعام فوق المائدة، اللبن الحليب الدافئ في الصبح مع عسل النحل وفطيرة ساخنة في ~~الفرن، أقضمها بأسناني وأبكي كأنما أقضم على جسد أمي المنهوك، لا أعرف كيف أرد لها ~~الجميل، وهي لا تطلب مني أي رد، تفرح بنجاحي كل سنة كأنه نجاحها، وحين تقدم أحد ~~الأساتذة ليتزوجني أشرق وجهها، تزوجي يا ابنتي واسعدي في حياتك. قلت: كيف أتزوج يا أمي ~~وأتركك أنت التي رفضت الزواج وعشت من أجلي، كيف أتركك يا أمي؟ من يرعاك في الليل إذا ~~مرضت؟ كم سهرت إلى جواري وأنا مريضة؟ كيف أتركك وحدك وأعيش مع رجل؟ قالت أمي: ستعيشين ~~مع الحب يا ابنتي والزواج ويكون لك أسرة، وأنا سوف ms063 أموت يوما وتصبحين وحدك. قلت: يا أمي ~~أنت شابة في الأربعين وسوف نعيش معا حتى يأتي رجل غير أناني ويقبل أن تشاركينا الحياة. ~~قالت أمي: يا ابنتي لا يقبل الرجال الأساتذة أن يعيشوا الحياة مع الزوجة وأمها، فتزوجي ~~يا ابنتي ولا تفكري في. قلت: يا أمي كيف لا أفكر فيك وأنت لم يشغلك في حياتك إلا أنا؟ ~~أين العدل وأين المنطق يا أمي؟ قالت: يا ابنتي إن الحياة غير منطقية وغير عادلة وإلا ما ~~فعل أبوك ما فعل، وليس هو الرجل الوحيد الذي يفعل ذلك، كثيرون من الرجال يا ابنتي ~~يفعلون ذلك. قلت: إنه القانون غير العادل يا أمي وليس الحياة؛ لهذا سأبقى معك وأعيش من ~~أجلك كما عشت من أجلي. قالت أمي: يا ابنتي على الأم أن تعطي حياتها لأولادها وبناتها، ~~وليس عليهم أن يعطوا حياتهم للأم . قلت: يا أمي هذا ظلم لا أقبله، لقد آمنت بالعدل الذي ~~هو الله، ولا يمكن أن أتخلى عنك من أجل رجل. # كان ذلك وأنا طالبة بكلية الحقوق، وتقدم لي أساتذة آخرون يرغبون في الزواج، لكن ما إن ~~أذكر أمي حتى يتلاشوا، أدركت أن الحب وهم، والزواج وهم، والأسرة وهم، ولا شيء حقيقي إلا ~~أنانية الرجل، عرفت هذه الحقيقة وأنا في السادسة من العمر حين تركني أبي مع أمي وتزوج ~~امرأة أخرى، فتحت عيني في الصباح فلم أجد أبي، اختفى من حياتنا كما يختفي الوهم، الزواج ~~والحب والأسرة والأبوة، وكل شيء من هذه الأشياء ليس إلا خيالا يتبدد في لحظة خاطفة، ~~وتجد المرأة نفسها وحيدة ولا شيء يضمن لها الحياة النظيفة إلا عمل نظيف. # جاءت أمي ذات ليلة منهوكة القوى بللها العرق والدمع؛ تم الاستغناء عنها مع عدد من ~~عاملات النظافة، زاد الإنفاق الحكومي على الحفلات وتعليق الزينات في أعياد النصر وسفر ~~الكادر الأعلى إلى الخارج، ولم تعد الميزانية تكفي أجور الكادر الأدنى، لم أكن تخرجت ~~بعد في كلية الحقوق، وأصبحنا بلا معاش، وأسمع أمي تبكي وأنا نائمة، وفي ليلة تحول ~~بكاؤها إلى ms064 صوت غريب أشبه بحيوان جريح، ونهضت من فراشي حافية أمشي على أطراف أصابعي، ~~رأيتها في الصالة عارية مستلقية تحت جسد غليظ يطأ جسدها المنهوك بعنف غريب كأنما هي ~~ممسحة بلاط، وفي الصباح ناولتني الورقة ذات العشرة جنيهات، لأدفع القسط الأخير من ~~مصاريف الكلية. # كانت ورقة مهلهلة غير نظيفة تفوح منها رائحة عرق وتعب وبصمات دم قديم، أخفيتها داخل ~~ورقة نظيفة من كشكول المحاضرات، لم ألمسها بيدي، كأنما في لحظة التلامس ستنتقل إلي ~~عدوى مرض جلدي، خبأتها داخل حقيبتي الجلدية بين الكشاكيل، ثم تخلصت منها في مكتب شئون ~~الطلبة، ألقيت بها في يد الموظف المسئول وسددت القسط الأخير، أحس بخزي غريب يغمرني، ~~كالشعور الذي يسبق فقدان الوعي بعد ضربة فوق الرأس، أمشي بين زميلاتي في فناء الكلية ~~منكسة صامتة لا يصدر عني صوت، أقول لنفسي: سأطوي السر في طيات أعماقي العميقة بحيث لا ~~يصل إليه إنس ولا جن. كم فكرت بلحظة كهذي منذ سمعت بكاء أمي في الليل، كنت سأواجه ~~اللحظة حين تأتي، ها هي تأخذني على حين غرة، كنت واثقة أن أمي شريفة أشرف امرأة في ~~العالم، منذ تركنا أبي لم أشعر أنها شريفة كما أشعر الآن، أكتم الصوت في أعماقي الذي لا ~~يريد أن يهتف ويقول: أمي أشرف نساء العالمين مثل العذراء مريم. أضغط بيدي على فمي حتى لا ~~يخرج صوتي، زميلاتي مشغولات عني بحكايات عن الحب والرجل والزواج، تشع عيونهن ببريق ~~الفرح والأمل، أكاد أقول إنه الوهم ولا شيء إلا الوهم لكن صوتي محبوس، أنسحب من بينهم ~~وأختفي في دورة المياه، أعود إلى البيت مبكرا وألوذ بالصمت، أعرف أني سأستيقظ في الليل ~~كما أفعل حين أخفي شيئا، يدق قلبي خوفا من تلك اللحظة، أنام نوما متقطعا مليئا ~~بالأحلام المخيفة، أستيقظ، أنظر إلى الساعة فوق معصمي، منتصف الليل إلا خمس دقائق، ~~أتمدد على ظهري وأغمض عيني، أسمع صوت بوق سيارة في الشارع وفرملة شديدة، واصطدام شيء؟! ~~أنتفض من الفراش، أتكون هي أمي؟ أمشي حافية إلى غرفتها، سريرها يخلو منها ms065 كأنما راحت ~~ولن تعود، قلبي يغوص في أعماقي، والسؤال الذي أخفيته يطفو إلى سطح الوعي، إذا كانت أمي ~~فماذا أفعل؟ أسمع دقات قلبي، أمنع نفسي من التفكير، السؤال يلح علي، أحاول التنفس ~~العميق المنظم، أعد على أصابعي واحد اثنين ثلاثة، كأنما سيحدث شيء قبل أن أصل إلى رقم عشرة، أسقط في غيبوبة النوم، أسمع الصوت الغريب، أنين الحيوان الجريح، أنهض من الفراش ~~حافية أمشي على أطراف أصابعي، رأيته في الصالة عاري، إنه أبي بجسده الضخم، عنقه ~~الغليظ من الخلف، شعره الأسود المجعد، راقد فوق فتاة ليست أمي، يطأ جسدها المنهوك بعنف ~~غريب كأنما هي ممسحة بلاط، أمسكت السكين من المطبخ، رفعته إلى أعلى ما أستطيع وهويت به ~~على عنق أبي من الخلف، أصحو من النوم مبللة بالعرق، يداي غير ملوثتين بالدم، كم مرة ~~رأيت هذا الحلم منذ طفولتي ، رأيته المرة وراء المرة، مائة مرة، ألف مرة منذ تركنا ~~أبي. # أختفي تحت الأغطية أرتجف كأنني مصابة بالحمى، أسقط في غيبوبة النوم ثم أصحو، الساعة ~~الواحدة صباحا، أتذكر فيلما رأيته الشهر الماضي، كان الابن يعيش مع أمه، أبوه طلق أمه ~~ليتزوج امرأة أخرى، اشتغلت أمه عاملة نظافة لتدفع له مصاريف المدرسة، وطعامه وملابسه ~~وحذاءه الجديد بدل القديم المهترئ، رفضت الزواج وعاشت من أجله، تعرضت للهوان لتضمن له ~~الكرامة، تلاشى كل ذلك كأن لم يكن، أمسك السكين وقتلها حين رآها مع رجل. # أختفي تحت الأغطية أرتجف كأنني مصابة بالحمى، أغمض عيني وأمنع نفسي من التفكير، أعد ~~على أصابعي واحد اثنين ثلاثة، كأنما سيحدث شيء قبل أن أصل إلى رقم عشرة، كأنما سيتفكك ~~عقلي إلى ذرات مبعثرة فوق الوسادة، كأنما السكين في يد الابن يقطع جسدي أنا، بقع دم ~~أراها في الفراش، هل اقترفت الجريمة وأنا نائمة؟ # أسناني تصطك ودقات قلبي تتصاعد، لا أعرف الحلم من الحقيقة، لا أعرف هل أنا القاتلة أم ~~المقتولة، أنشج بلا صوت في صمت الليل، لا أريد العطف من أحد أو الإشفاق، لا أريد ~~الإدانة ولا أريد البراءة، ولا ms066 الاحترام ولا الاحتقار، لا أحد يستطيع مساعدتي في محنتي، ~~لا أحد يقتسم الألم في جسدي. # أسمع صوت المفتاح يدور بالباب، أرهف السمع لوقع القدمين الحافيتين على بلاط الصالة، ~~هل خلعت أمي حذاءها لتذوب في الصمت؟ أخفي رأسي تحت الغطاء، أنا الآن في الوضع الذي كان ~~فيه الابن، أسمع الأنين المكتوم في صدر الحيوان الجريح، واصطدام الجسدين بالأرض، لا ~~أكاد أميز صوت الرجل من صوت أمي، ألغي عقلي المصنوع بكلام الناس، أحاول إلغاء اللحظة ~~الراهنة واستبدالها بلحظة أخرى زال عنها العار، كلمة العار تخرق أذني كالسيخ المحمي في ~~النار. # الألم! الألم يسري في عقلي، يفككه، يعيد تفكيكه، يصبح عقلا آخر، أكثر صفاء، عقلا ~~مولودا نظيفا، أغفو عند الفجر ثم أستيقظ، ضوء الشمس يبدد الظلمة، أسمع صوت أمي ~~يناديني لأشرب حليب الصبح، اليوم أول الربيع، وعيد الأم، أنا الآن عند لحظة الحقيقة، ~~أقوم إلى الحمام، أنظر في المرآة، تطالعني العينان المليئتان بضوء الشمس. # القاهرة 1999 # | 16 قصيدة صغيرة # (1) هنالك رجل # هنالك رجل تتهافت عليه النساء، # يكتب كل يوم في الجريدة الكبرى عمودا، # يحمل لقب الكاتب الكبير أو المفكر أو خلافه، # تظهر صورته داخل البرواز يبتسم أو يكشر # بالوجه أو بالبروفيل. # يبلغ الهاوية بعد الهاوية حين يعلو، # يقتل فينا الضحية ويكافئ الجاني، # يمشي وراء الأباطرة مثل النعامة # أو الحمل الوديع. # يحفر في التاريخ اسمه واسم أبيه وجده، # قال لي يوما: أحبك. # قلت له أظهر ما عندك، # ولم يكن عنده شيء # إلا ذلك الذي بين الفخذين. # القاهرة 1975 ~~(2) نصف رجل # صديقتي زوجة لرجل له زوجتان، # يقسم حياته بينهما بالعدل والقسطاس؛ # نصف لصديقتي والنص الآخر للمرأة الأخرى، # وجاءني رجل متزوج وقال لي أحبك. # قلت ماذا تريد؟ # قال زوجة شرعية على سنة الله والرسول. # قلت أنا امرأة كاملة ولا أقبل نصف رجل. # امتقع لونه واتهمني بالكفر، # صوب مسدسه نحو رأسي قائلا: # الموت لمن لا تعرف الله. # صوبت مسدسي نحو رأسه وقلت: # الموت لأنصاف الرجال؛ # هكذا تراجع وعاد إلى زوجته. # القاهرة 1963 ~~(3) الذين رأوا الله # قال أحد ms067 الحكام إنه رأى الله. # رد عليه أحد منافسيه قائلا: # أنا رأيت الله قبل أن تراه أنت. # رد آخر ينافسهم الحكم: # بل أنا الذي رأيته قبلكم؛ # أمسكوا بتلابيب بعضهم البعض، # كل منهم يصرخ أنا رأيت الله قبل هذا المدعي. # قلت كلهم يدعون رؤية الله وما رآه أحد. # قالوا ألم ير الله أحد؟ # قلت: بل أنا رأيته في طفولتي وأمي رأته في شبابها وجدتي رأته في كهولتها. # قالوا: كلامك كفر؛ فالله لا يظهر للنساء. # القاهرة 1977 ~~(4) مكافأة الجاني وعقاب الضحية مرتين # كان يشتهي فتاة صعبة المنال، # لها عقل في رأسها تعتز به أكثر # من أي شيء في جسدها. # تعقبها حين خرجت من باب المدرسة # وخطفها مع ثلاثة آخرين، # في منزل مهجور اغتصبوها واحد وراء الآخر، # ثم ألقوها في الطريق، # أصدرت المحكمة قرارا بإعدامهم الثلاثة؛ # إلا أن واحدا منهم تقدم للزواج منها. # هكذا عوقبت الضحية مرتين وكوفئ الجاني، # وأطلق سراح الثلاثة دون كفالة؛ # حسب المادة 291 من القانون الحالي. # القاهرة 1998 ~~(5) المحرم # كان مثل الأزواج سريع الغضب، # يقذف في وجه زوجته يمين الطلاق بلا سبب، # أو لأن رئيسه في العمل شخط فيه، # يصرخ بأعلى صوته طالق طالق طالق، # تصبح زوجته طالقا بحسب القانون، # ثم يعيدها إليه حين يروح مزاجه، # أو حين يبتسم الرئيس في وجهه، # وفي مرة أراد إعادتها فوقف المشرع ضده. # لا يا أخ لا يمكن إعادتها إليك دون محرم عقابا لك على سرعة الغضب. # سألت المرأة لماذا أنام مع رجل آخر لا أريده؟ # هذا عقاب لي وليس لزوجي؛ # أنا التي ستنام معه وليس زوجي، # إلا أن المشرع لم يكن يسمع ما تقوله المرأة. # القاهرة 1976 ~~(6) امرأة مختلفة # أنا امرأة كاملة الأنوثة، # لا أخضع لقانون الطاعة، # لا أنتف حاجبي، # لا أتكحل ولا أتأرجح، # فوق كعبي. # كلمتي شرف لا أخون العهد، # أستقبل أول شعاع في الصبح، # أشرب فنجان قهوتي، # وأكتب قصيدتي، # ثم أمشي في المدينة قبل غروب الشمس، # أحمل شمعتي؛ # أبحث عن شخص واحد يصون الوعد، # يأتي في موعده ولا يتأخر، # ولا يتخلف ms068 مثل بقية الناس، # لا يقف مكتوف اليدين، # ولا يطأطئ الرأس # أمام الرئيس. # القاهرة 1983 ~~(7) لصوص الشرف # لصوص الشرف رجال لا حديث لهم # إلا عن الشرف. # يمارسون الجنس داخل الزواج وخارجه # ويدعون الشرف. # يخونون زوجاتهم مع زوجات أخرى، # وعشيقات وجواري سوداوات وخادمات، # وأجنبيات بيضاويات وسكرتيرات، # ثم يدعون الشرف والولاء # للوطن، # ولا أحد يعاقبهم؛ # لأن القانون معهم # والشرع والدستور. # القاهرة 1990 ~~(8) تحت عيون الجميع # كان لي طفلة اسمها شجاعة، # تركتها مريضة في بغداد، # ترتجف في برد الشتاء، # بلا غذاء ولا دواء ولا غطاء. # فتحت الصحف بالأمس، # رأيت الأمريكي المريض بالجنس، # يتهمها بعدم الطاعة # لقانون الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، # ومجلس الأمن ولجنة التفتيش. # ضربها بصاروخ كروز، # تحت عيون الجميع، # يتابعون المشهد بقلق. # حكامنا العرب # يتقابلون في السر مع القوى العظمى، # ويأخذون المعونات؛ # كالشحاذين، # وأنا مربوطة في سريري بالقيود، # منزوعة السلاح مكتومة الصوت، # وطفلتي شجاعة تموت # تحت عيون الجميع. # القاهرة 1991 ~~(9) حكام العرب # أشعر بالخزي حين أراهم جالسين مؤدبين، # أمام رؤسائهم خارج الوطن؛ # كالبنات العذراوات يبتسمون في حياء وخفر، # يسمعون الكلام يطيعون لا يرفعون الصوت # إن تكلموا. # لا يرفعون الساق إن جلسوا، # وإن وقفوا يضعون أيديهم معقودة فوق قلوبهم، # وإن عادوا إلى الوطن تنمروا. # يرفعون عقيرتهم من خلال الأبواق ومكبرات الصوت، # يجلسون متغطرسين واضعين الساق فوق الساق، # يكاد كعب حذائهم أن يخرق عين الجالس، # عن يمينهم أو عن يسارهم. # يحمل الواحد منهم لقب خادم الشعب، # وهو ليس إلا # جلاد الشعب. # القاهرة 1993 ~~(10) حكام العرب مرة أخرى # رجال في أبهى الثياب لا يجمعهم أحد إلا الرئيس الأمريكي؛ # إلا الرئيس الأمريكي، # يحرضهم بعضهم على بعض، # يدخلون الحرب معه ضد بعضهم البعض، # وضد شعوبهم، # تحت اسم الشرعية الدولية أو الديمقراطية، # يدفع لهم لإسقاط بعضهم البعض، # يورطهم في خطته تحت وهم المعونة؛ # يتنافسون لإرضائه وتجويع بلادهم، # وترويع رجالهم ونسائهم؛ # يندمون بعد فوات الأوان، # يعقدون اجتماعا تحت اسم # القمة العربية، # ثم يذهبون من حيث أتوا، # وتتكرر القصة. # القاهرة 1999 ~~(11) قالوا لنا إنك عورة # أمنا التي ولدتينا وأطعمتينا ودفعت ms069 حياتك # بلا مقابل كي نعيش، # كوني رحيمة بنا لأننا تخلينا عنك؛ # لأننا ضعفنا أمام سلطة أبوية لا ترحم، # وسلطة الدولة الأكثر قسوة، # ورجال العائلة الواحد بعد الآخر، # طمسوا جميعا اسمك من ذاكرتنا، # أرادوا أن ننساكي إلى الأبد، # ولا نفخر بك، # ولا يشرفنا أن نحمل اسمك. # قالوا لنا إنك عورة، # يجب أن تختفي عن الأعين، # وحرمة يجب ألا يكون لها صوت. # لقد ضاق هذا الكون الواسع بوجودك يا أمنا، # مع أنك أصل الوجود. # خذينا إلى حضنك الدافئ الحنون، # إلى أول قطرة ماء وأول قضمة خبز، # إلى كلمتك الأولى عن الحب والعدل، # بعدها أصبحت الكلمات خناجر تغتالنا الواحد وراء الآخر. # القاهرة 1984 ~~(12) الإثم المعلق في التاريخ # في شهادة ميلادي كتبت أمي اسمي # حواء. # قال لأن كل شيء حي يخرج من حواء؛ # لأن الفضيلة والشرف والخير يخرج من حواء، # لأن حواء هي الأولى التي ذاقت طعم المعرفة، # ولأن زوجها آدم تخلف عنها، # ولم يذق من المعرفة شيئا إلا بعدها، # وبعد أن ألحت عليه وشجعته. # لولا حواء ما جاءت الإنسانية، # وما جاءت المعرفة. # لماذا إذن تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، # بالمفرد وليس بالمثنى ليشمل حواء معه؟! # القاهرة 1991 ~~(13) من وحي قرار شيخ الأزهر «عمليات إعادة العذرية شرعية» # لن أعيد بكارتي # في طفولتي فقدت بكارتي، # في الحقيقة وفي الحلم فقدتها، # ومن ذاكرتي خلعتها. # بدأت أبتسم لإشراقة الشمس كل صبح، # أكتب قصيدتي وأنشرها على الناس، # أعزف لحني كما تعزف الطيور ألحانها؛ # إلا أنهم جاءوا وسألوا: # أين بكارتك؟ # قلت فقدتها في الطفولة. # قالوا سنعيدها إليك بمشرط الجراح. # قلت لن أعيدها أيها السادة، # وأترك لكم أيها السادة إن شئتم # حرية إعادة بكارتكم. # القاهرة 1999 ~~(14) ابنة إيزيس المصرية # أنا امرأة ولدتني أمي وتركتني طفلة # تحت سيطرة الدولة، # وكان لي أب شديد العداء للملك والإنجليز، # كان له أصدقاء وزملاء شباب يهتفون # ضد النظام، # تعلمت كل كلام ضد النظام، # أصبح لي سجن بدون نافذة، # وبيت داخله رجل يشبه السجان، # ولي حلم خطفه النسر، # ولي عقلي الخاص ونجمة في السماء؛ ms070 # هي نجمتي، # وشجرة أعانقها في فناء السجن، # وتعلمت أن أكسر القاعدة والمألوف، # وأخرج عن النص والموروث، # فأنا امرأة من مصر. # القاهرة 1988 ~~(15) جدتي # كانت لي جدة في طفولتي، # تحكي أول قصص الحب، # تفتح الباب عند الفجر وتخرج عند الحقل، # تستقبل الندى على وجهها المكشوف، # تزرع وتروي وتعود تحمل المحصول، # أشم في جلبابها رائحة نوارات القطن، # وزهر البرتقال والتين والتوت، # عند الشروق تتصاعد رائحة خبزها، # وعند الغروب تملأ صحني بمرق الدجاج، # أدفن رأسي في صدري وأنام # لا أخشى الغزاة ولا أخشى الطغاة، # وأدوس بقدمي على صورة الملك، # وأهتف ضد الإنجليز. # القاهرة 1992 ~~(16) أمي # من وضع العداوة بيني وبينك؟ # من جعلني أمد بصري إلى السماء # فلا أراك؟ # وأمد بصري إلى التاريخ # فلا أجدك؟ # وأمد بصري إلى الدنيا والدين والدولة # فلا أعثر على اسمك؟ # لما يشطبون على اسمك يا أمي؟ # وإن قلت أنا ابنتك يغضبون ويقولون: # أنت ابنة أبيك تحملين اسمه من المهد إلى اللحد، # وإن طلق أمك فهو ولي أمرك؛ # فالمرأة لا ولاية لها، # وإن حملت لقب الوزير أو الرئيس. # القاهرة 1997 # | عن الذاكرة الجمعية المفقودة # (1) مطلوب تضافر الجهود والنقد أيضا # قرأت في الأيام الأخيرة عددا من المقالات بأقلام كبيرة في صحف الحكومة وغير الحكومة، ~~تكشف عن الخلل الكبير في العلاقات المصرية الأمريكية، وحجم خسارة مصر الاقتصادية بسبب ~~هذه العلاقة، أو ما سميت الصداقة أو العلاقة الخاصة بأمريكا، ثم الاعتراف في الصحف ~~الحكومية أخيرا أن ما سميت المعونة الأمريكية لم تكن إلا ستارا يتسلل تحته الاستعمار ~~الجديد، بأشكاله المختلفة «ومنها العولمة»، أخيرا نشرت الأرقام الحقيقية للخسارة ~~الاقتصادية التي تكبدتها مصر خلال ربع القرن الماضي منذ عام 1975، وبداية ما سمي ~~بالانفتاح في عهد السادات. # كان معروفا على المستوى الشعبي المصري، وعلى مستوى المعارضة السياسية أن هذه العلاقة ~~مع أمريكا سوف تؤدي إلى تدمير الإنتاج المحلي المصري، المادي الاقتصادي والثقافي والفني ~~على حد سواء، وسوف تغرق السوق المصرية السلع الأمريكية الباهظة الأثمان والرديئة، بل ~~والضارة صحيا، أذكر أنني نشرت في إحدى صحف المعارضة في ms071 صيف عام 1981 مقالا أشرت فيه ~~إلى أن التسمم الغذائي للشعب المصري الذي يحدث تحت اسم الأمن الغذائي، وأن تسليح ~~إسرائيل يتم تحت اسم معاهدة السلام، إن حمائم السلام التي يخطب عنها السادات تتخفى ~~تحتها الطائرات الحربية والسلاح الأمريكي الجديد الذي يشحن إلى إسرائيل بما في ذلك ~~السلاح النووي، وأن الاستبداد والعنف السياسي والديني يتخفى تحت اسم الديمقراطية وتعدد ~~الأحزاب. # نشر هذا المقال في جريدة الشعب التي كانت تصدر عام 1981 عن حزب العمل الاشتراكي ~~(والتي تغيرت فيما بعد وسيطر عليها التيار الديني المحافظ) أذكر أن هذا المقال ومقالات ~~أخرى في تلك الفترة، أدخلتني سجن السادات في سبتمبر 1981، وأذكر أن المدعي الاشتراكي ~~حقق معي في هذا المقال باعتباره مقال يضر المصالح العليا للبلاد، وأني أتآمر لقلب نظام ~~الحكم مع دولة أجنبية هي بلغاريا. # بعد اغتيال السادات بشهرين سقطت هذه التهمة عني، وخرجت من السجن مع أكثر من ألف معارض ~~مصري سجنوا جميعا لمجرد كشفهم للخسارة الاقتصادية أو الثقافية أو العسكرية التي سوف ~~تتكبدها مصر من جراء تلك العلاقات المصرية الأمريكية. # وقالوا لنا لا داعي لنقد ما مضى في عهد السادات، والمطلوب تضافر الجهود من أجل مصر، ~~وقلت وقال غيري إن نقد الماضي ضروري حتى لا تتكرر الأخطاء، وحتى يتصحح المسار، تلافيا ~~للخسارة في المستقبل، وإن هذا النقد للماضي جزء لا يتجزأ من العمل على تضافر الجهود، ~~والوحدة الوطنية مع الجدل والحوار واحترام للآراء المخالفة للسلطة الحاكمة. # لكن هذا لم يحدث، استمرت الأحوال كما كانت، والتف حول السلطة الحاكمة هؤلاء الذين ~~أيدوا السادات في كل خطواته دون نقد، إنه الداء الذي ينخر في النخبة المثقفة في بلادنا، ~~داء تأييد الحاكم في حياته والخوف من نقده، وإلا ضاعت الميزات والمناصب العالية وجوائز ~~الدولة. # التقيت بالأمس بأحد القيادات الفكرية في بلادنا اليوم، وكان من أكبر المؤيدين للملك ~~فاروق، ثم أصبح من أكبر المؤيدين لجمال عبد الناصر، ثم السادات، ثم مبارك، ولأن الناس ~~في مصر تفقد الذاكرة فإن هذا المثقف يحمل لقب المفكر الكبير. ms072 # وأنا مع هؤلاء الذين يدعون إلى التسامح وتضافر القوى على اختلافها، لكني لست مع ~~استمرار عمليات النفاق في كل عهد، وإخفاء الحقائق الهامة في كل عهد حتى يفوت الوقت ~~وتضيع فرص الإصلاح الحقيقي. # كما أنني ضد تلميع المنافقين في كل عهد، وتهميش هؤلاء الذين يزهدون في المناصب ~~والمزايا والجوائز من أجل كلمة حق واحدة، وهؤلاء الناس في بلادنا كثيرون إلا أنهم ~~يتوارون بعيدا عن السلطة والأضواء بحكم الثقة في النفس والكرامة والتعفف عن ~~المكاسب. # أكثر ما أدهشني في هذه الأيام الأخيرة التي تأزمت فيها العلاقات المصرية الأمريكية ~~بسبب التعنت الأمريكي والإسرائيلي الواضح في مفاوضات كامب ديفيد الثانية، أن هذا التعنت ~~معروف وواضح منذ أكثر من ثلاثين عاما، ولم نكن في حاجة إلى كامب ديفيد أخرى لنعرف أن ~~العلاقات المصرية الأمريكية الإسرائيلية «منذ كامب ديفيد الأولى» لم يكن نتيجتها إلا ~~الخسارة الفادحة لمصر، ليس في مجال الاقتصاد فحسب، ولكن أيضا في السياسة وفي الثقافة ~~وفي الإعلام، وفي الأمن القومي والتسلح العسكري في الشرق الأوسط، لقد أصبحت إسرائيل هي ~~القوة النووية العظمى في المنطقة، إنها تتفاوض معنا من منطلق القوة؛ ولهذا يضيع الحق ~~على الدوام، وتزيد التنازلات على الدوام، حتى أصبحت كلمة الوحدة العربية كأنما هي عيب ~~أو عورة لا يصح النطق بها. # إن حجم الخسارة الاقتصادية المصرية أصبح منشورا في صحف الحكومة مثل الأهرام، بفضل ~~الأزمة الأخيرة في العلاقات المصرية الأمريكية، عرف الشعب المصري اليوم أن المعونة ~~الأمريكية لمصر كانت خدعة لاستغلال مصر اقتصاديا، كانت المعونة لصالح اقتصاد أمريكا ~~على حساب مصر، مثال واحد: أصبح العجز التجاري المصري لصالح أمريكا 75٪ من التجارة بين ~~البلدين منذ 1974، ندفع دماءنا مواردنا وحققت أمريكا أرباحا وفائضا تجاريا بلغ أكثر من 44 مليار دولار، ~~تكاد تبلغ ضعف المعونة الأمريكية لمصر خلال هذه المدة ذاتها. # وقد صاحب هذا الخلل الاقتصادي الكبير بين البلدين خلل في المجالات الحيوية الأخرى؛ ~~ومنها الأمن القومي في مواجهة إسرائيل، لم توقع إسرائيل على معاهدات حظر انتشار الأسلحة ~~النووية على حين وقعت مصر ms073 على عدد من هذه المعاهدات «تحت الضغط الأمريكي» منها المعاهدة ~~في 26 فبراير 1981، والمعاهدة في 14 أكتوبر 1996، والمعاهدة في 10 أبريل 1972، وقد ~~سارت عدد من البلاد العربية والأفريقية وراء مصر ووقعت مثل هذه المعاهدات، أصبحت بلادنا ~~العربية والأفريقية محظور عليها القوة النووية حتى في الأغراض العلمية والسلمية، أما ~~إسرائيل فقد انطلقت في تطورها النووي العسكري حتى امتلكت طرازا جديدا من صواريخ جيركو ~~تم تحميلها برءوس نووية أخطر، وإلى جانب البرنامج الإسرائيلي العلني أرو مع أمريكا، ~~أصبح لإسرائيل ترسانة نووية متعددة الأذرع، يمكن لذراع إسرائيل أن يطوي أي بلد في ~~المنطقة تعصي أمرها. # وفي المجال الثقافي والفني هل يمكن لأحد أن يحسب خسارة مصر منذ بداية العلاقات ~~المصرية الأمريكية عام 1974 وحتى اليوم؟ # ويتساءل أحد النخبة المثقفة في صحيفة حكومية كبيرة عن سبب تدهور الأفلام المصرية، وهو ~~بالطبع لا يربط بين ركود الثقافة في بلادنا وركود الاقتصاد، وكان أحد المدافعين منذ ~~1975 عن العلاقات المصرية الأمريكية وعن الانفتاح الساداتي، ثم به يسبق الآخرين في ~~الأزمة الأخيرة للتنديد بالعلاقات المصرية الأمريكية، وكيف غزت الأفلام الرديئة السوق ~~المصرية، حتى الأفلام المنتجة في مصر أصبحت مثل الأفلام الأمريكية المنحطة، القائمة على ~~الجنس والجريمة والإضحاك الرخيص السطحي القائم على النكت السوقية، والخالي من أي موضوع ~~اجتماعي مفيد. # بل أن مشكلة تزايد الفقر والبطالة هي النتيجة المنطقية للسياسة الاقتصادية منذ 1974، ~~فقد أصبح الجميع يكتبون عنها دون إرجاعها لأسبابها الحقيقة، وكأنما تزايد الفقر ~~والبطالة ظاهرة منفصلة في التاريخ عن أسبابها في الماضي. # كأنما هذا الماضي مقدس، ولا يجوز لأحد أن يذكره أو ينقده؛ لأنه ينقد شخصية مقدسة عند ~~البعض، السادات مثلا أو بعض أعوانه الكبار الذين يمتلكون كثيرا من النفوذ حتى ~~اليوم. # لكن النقد ضروري للماضي، لأن الحاضر يبنى على الماضي، والمستقبل يبنى على الحاضر ~~ولا يمكن الفصل بينها الثلاثة، إن النقد لا يعني الانشقاق والحرب أو عدم التضامن من ~~إنقاذ بلادنا من الركود الاقتصادي والثقافي والفكري، ومن الخضوع للشروط الأمريكية ~~والإسرائيلية المجحفة. # إن الوحدة الوطنية مطلوبة، ms074 لكن النقد البناء أيضا مطلوب، ولا بد أيضا من كشف ~~المنافقين في كل عهد حتى لا تتكرر الأخطاء وندور في تلك الحلقة المفرغة، ولا تكاد تعرف ~~من المسئول عن هذا الخطأ أو ذاك، ويختلط الحابل بالنابل كما هو حالنا اليوم. ~~(2) عن تاريخ الفدائيين عام 1952 # دهشت حين قرأت مقال سعد زغلول فؤاد في جريدة الأهرام 12 أغسطس 2000 ص10، تحت عنوان: ~~سراج الدين والكفاح الشعبي المسلح، فهو يسوق لنا معلومات مغلوطة عن العمل الفدائي ضد ~~الإنجليز في التل الكبير ومدن القنال قبل حريق القاهرة 26 يناير 1952، ولأنني عشت هذه ~~الفترة وعاصرت كتائب الطلبة الفدائيين في كلية الطب خلال 1951، 1952، وانعكست مأساة ~~الفدائيين على حياتي الشخصية، إذ إن زوجي الأول الدكتور أحمد حلمي، والذي كان زميلا لي ~~في كلية الطب، قد تطوع في كتائب الفدائيين، وسافر إلى الحرب في القنال في تلك الفترة ~~التي شجعت فيها حكومة الوفد الشباب على الكفاح المسلح ضد الإنجليز في منطقة القنال، لقد ~~قتل من الفدائيين في هذه الحرب أكثر من مائتي فدائي (كما ذكرت التقارير التي نشرت عام ~~1981، بعد ثلاثين عاما من الأحداث) ومن هؤلاء زميلي في كلية الطب أحمد المنسي، وفدائي ~~آخر اسمه عباس الأعسر وآخرين. # لقد مات الدكتور أحمد حلمي ليس في الحرب أو أثناء المعارك التي نجا منها بأعجوبة، ~~وإنما مات أحمد حلمي نفسيا (قبل أن يموت جسديا) بسبب تخلي الحكومة المصرية عن ~~الفدائيين في القنال بعد حريق القاهرة، أصبح الفدائيون يواجهون الجيش البريطاني وحدهم، ~~وكان من الممكن سحقهم جميعا لولا قدرتهم النضالية بأقل الأسلحة، ولولا حماية أهل ~~القنال لهم وتدعيمهم بالمؤن والسلاح. # من هنا ندرك أن مقال سعد زغلول فؤاد في الأهرام لم يقل الحقيقة؛ لأنه أغفل ما حدث في ~~الواقع، ربما أراد بالمقال أن يرفع فؤاد سراج الدين إلى البطل الوطني العظيم بمناسبة ~~وفاته، وكما هي عادة المصريين من تقديس الموتى، وذكر محاسنهم فقط، ولا أحد ينكر أن ~~حكومة الوفد، ومنها سراج الدين كان لها مواقف وطنية مهمة في تلك الفترة ms075 بعد إلغاء ~~معاهدة 1936، ولكن لا يمكن أيضا أن ننكر تعاون حكومة الوفد مع السراي والإنجليز ضد ~~مصالح الشعب المصري، وتخاذلها، بل وضربها العمل الفدائي الذي كانت تشجعه، هذا التناقض ~~معروف عند جميع الحكومات، وليس حكومات الوفد فقط. # لكن ما حدث للفدائيين في القنال في شتاء 1952 كان خطيرا، ولم يحاول أحد أن يراجع ~~التاريخ بحيث نعرف من المسئولين عن مأساة العمل الفدائي، واختفاء أسماء المقاتلين ~~الحقيقيين الذين قتلوا جسديا أو نفسيا، واندثرت أسماؤهم في التاريخ، على حين برزت ~~أسماء أخرى أصبحوا هم أبطال العمل الفدائي، ومنهم وزير الداخلية فؤاد سراج الدين وأسماء ~~أخرى كبيرة في السلطة شملت أنور السادات ووجيه أباظة، وأيضا بعض ضباط البوليس السياسي ~~الذين أرسلتهم الحكومة ليكونوا ضمن الفدائيين كعيون للحكومة. # هناك حقائق كثيرة غابت في مقال سعد زغلول فؤاد في الأهرام، يستمد سعد زغلول فؤاد سلطة ~~لأنه صحفي في الأهرام يمكن أن ينشر أي شيء، ويغير في التاريخ كما يشاء دون أن يرد عليه ~~أحد، فهناك حصانة للصحفي في الأهرام، وقد رفض المحرر في الأهرام نشر ثلاث مقالات لي أرد ~~فيها على بعض الكتاب المعينين في الأهرام ومنهم رئيس التحرير. # المسألة إذن هي القوة وليس الحق، وهي الاستبداد بالرأي وليس الديمقراطية، والغريب ~~أيضا أن الصحف الأخرى تمتنع عن نشر هذه المقالات تحت اسم عدم الوقوع في مشاكل مع جريدة ~~كبيرة، ولها سلطة ضخمة مثل جريدة الأهرام، فأين إذن يمكن نشر الآراء المخالفة لهؤلاء ~~المحصنين داخل السلطة الصحفية في بلادنا. # القاهرة أكتوبر 2000 # | تحت اسم التنمية (1) # نشرت الصحف المصرية الحكومية والمعارضة الشرعية هذا الخبر يوم الأربعاء 27 نوفمبر ~~2002: # صدر تقرير عن اللجنة النقابية للحقوق والحريات يشير إلى تزايد عدد من العمال الذين تم ~~تسريحهم من القطاع العام منذ عام 1995 حتى وصل إلى نصف مليون عامل، بالإضافة إلى عمال ~~القطاع الخاص الذين تم تشريدهم بسبب الإغلاق والإفلاس وهروب رجال الأعمال ~~للخارج. # تم إغلاق مئات المصانع، وتصفية مئات الشركات العامة وشركات نسيج ومحالج، تزيد عن 300 ~~شركة منذ ms076 عام 1995، تزداد الأزمة الاقتصادية مع ازدياد الهوة بين الأثرياء والفقراء، ~~وتزايد البطالة والمخدرات بين الشباب والشابات. # أصبحت الصحافة المصرية الحكومية والمعارضة الشرعية مثل الصحافة الأمريكية تكشف عن ~~الفساد اليومي لرجال الأعمال وهروب الأموال وانهيار الشركات تحت اسم الديمقراطية، مجرد ~~كلام على الورق ينفس عن الغضب الشعبي، ويستمر الحال على ما هو عليه بل يزيد التدهور ~~والفساد يوما وراء يوم. # | تحت اسم التنمية (2) # تحت اسم التنمية والإصلاح الاقتصادي # يزيد الفقر والبطالة والحروب، # وتحجيب النساء والعقول، # وأنا امرأة من الجنوب، # بشرتي سمراء محروقة بالشمس، # لا أنتمي إلى اللون الصحيح، # ولا الجنس الصحيح # ولا الجنسية الصحيحة، # أنا من الجنوب حيث تتم الإبادة الجماعية # لأرواح لا تنتمي إلى البشر؛ # نساء وأطفال وشباب ورجال # يموتون بالجملة، # بقنابل الليزر وصواريخ توماهوك، # وأسلحة جديدة تحت الاختبار، # نحن فئران التجارب للبحوث البيولوجية، # لفيروس الإيدز وآلة القتل الدولية، # والبنك الدولي وصندوق النقد، # ندفع دماءنا مواردنا # رخيصة للقوى الحاكمة داخليا وخارجيا، # تحت اسم برامج التنمية وتحديث الاقتصاد، # نموت في الحرب وفي السلام، # كما نموت بالإيدز والجوع. # القاهرة 28 نوفمبر 2002 # | حجاب العقل # طلعت علينا الصحف الحكومية صباح يوم الخميس 28 نوفمبر 2002 بعناوين ضخمة تزيد من ~~كثافة حجاب العقل، وأنقل بعض عناوين الصفحة الأولى: # البنك الدولي يساعد مصر في تنفيذ برامج التنمية وتحديث اقتصادها. # الوضع الاقتصادي المصري يتحسن باستمرار. # المعونات الأمريكية لمصر تحقق فائدة مشتركة وليست ورقة ضغط. # الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في تحسين صورتها في العالمين العربي والإسلامي من ~~خلال منح المعونات. # القروض الأجنبية لا تزيد عن 1,2 مليار دولار سنويا. # مصر تطلب فترات سماح وآجالا طويلة وفائدة بسيطة حتى تستطيع أن تسدد الديون ~~المتزايدة. ~~••• # طائرات حربية أمريكية تحركت إلى العراق. # أربع حاملات طائرات أمريكية تحركت إلى الشرق الأوسط، واحتلت مواقعها لتضرب العراق في ~~منتصف ديسمبر المقبل. # وفي نيويورك أعرب كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة عن ارتياحه لاستئناف مهمة ~~المفتشين في العراق، وقال: إن عمليات تفتيش المواقع العراقية شهدت بداية طيبة. ~~(1) السادات مظلوما # في ديسمبر 1979 توجه إبراهيم ms077 نافع إلى بيت السادات في الجيزة لأول مرة بعد تعيينه ~~رئيسا لتحرير الأهرام المصرية، وسوف ينشر سلسلة من المقالات تحت عنوان «السادات ~~مظلوما». # وفي مقاله الأول الصادر بجريدة الأهرام في 28 نوفمبر 2002 الصفحة الأولى يقول عن ~~مذبحة سبتمبر 1981، حين أصدر السادات قرارا باعتقال 1536 شخصا في يوم واحد، (كنت ~~واحدة منهم) بتهمة التآمر مع جهات أجنبية والخيانة الوطنية، يكتب إبراهيم نافع ما ~~يلي: # السادات كان إنسانا محبا للخير ... لا يشعر بالمرارة تجاه أحد، وحين يغضب يعبر عن ~~غضبه بعنف وحدة، ويخرج كل ما في صدره من أبخرة مكتومة، وكانت ذروة غضبه بسبب توحش ~~الجماعات المتطرفة في أواخر عهده، وانفلاتها وتهديدها الأمن والسلام الاجتماعي والوحدة ~~الوطنية ... وتأثيرها السلبي في عملية السلام (كامب ديفيد) ... ولهذا فلا مفر من أن يتصدى ~~لهذه الجماعات بقوة ... ويحتجز قياداتها (في السجون) ... غير أن أيديا أخرى تدخلت، وأضافت ~~إلى «قوائم المسجونين» أشخاصا آخرين لم يكونوا في حسبان السادات (حين أعد القوائم) ... ~~وقال لي السادات بالحرف الواحد: هؤلاء الأشخاص الذين أضيفوا للقوائم سيفرج عنهم فور ~~استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في فبراير التالي ... # والسؤال الآن: ما هذه الأيدي الأخرى الخفية التي أضافت اسمي وأسماء آخرين لم يكونوا ~~في حسبان السادات، ولم ترد أسماؤهم في القوائم الأصلية؟! # أذكر أن ضابط المباحث قال لي وأنا سجينة بزنزانة الشحاذات بسجن النساء بالقناطر ~~الخيرية خلال سبتمبر 1981: «والله العظيم يا دكتورة نوال، أقسم لك إن اسمك لم يكن ~~موجودا في القوائم الأصلية التي عرضت على السادات، ولكنه هو الذي أضاف اسمك في آخر ~~القائمة؛ ولهذا فإن رقمك في الحبس هو 1536، وهو الرقم الأخير في القائمة التي دخلت ~~السجون في 3 سبتمبر 1981.» ~~••• # أصبح من الواضح بعد عشرين عاما من معاهدة السلام (كامب ديفيد الأولى) أنها لم تكن ~~معاهدة سلام ولم تحقق أي سلام، بل قادت إلى المذابح التي نشهدها اليوم لشعوب المنطقة؛ ~~الشعب الفلسطيني، والشعب العراقي، وسوف تستمر الآلة الحربية الأمريكية الإسرائيلية في ~~هذه المذابح لتشمل بقية الشعوب ومنها الشعب المصري، الذي يتعرض ms078 للموت الاقتصادي قبل أن ~~يتعرض للموت العسكري. # وفي معاهدة كامب ديفيد الأولى دخل الاستعمار الأمريكي الإسرائيلي بلادنا تحت اسم ~~المعونة، المنصوص عليها في اتفاقيات كامب ديفيد، ومع المعونة بدأ فتح الأسواق المصرية ~~للبضائع الأمريكية تحت اسم الانفتاح، وبدأت القوى الإسرائيلية «الأمريكية» تحاصر الشعب ~~الفلسطيني في جنوب لبنان، واشتعلت الحرب والمذابح حتى اليوم. ~~••• # من يرد على مقالات إبراهيم نافع في جريدة الأهرام؟! ومنذ بدأت الرد عليه (بعد نشره ~~مقاله في 11 أغسطس 2000) تم وضع اسمي في القائمة السوداء، أو القائمة الرمادية، وأصبحت ~~عاجزة عن نشر مقالاتي في الصحف الحكومية أو المعارضة الشرعية ... لماذا؟ # لأن رئيس تحرير الأهرام قوة كبيرة على اتصال وثيق بالقوى الحاكمة، وتتردد صحف المعارضة ~~(يسار ويمين ووسط) في نقد إبراهيم نافع. # ربما يكون نقد رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أسهل من نقد رئيس تحرير الأهرام، والجميع ~~(رجالا ونساء) من النخبة المصرية يتنافسون على الكتابة بجريدة الأهرام، أو على الأقل ~~نشر أخبارهم مع الصورة داخل البرواز في الصفحة الأخيرة التي تسيطر عليها إحدى الصحفيات، ~~ابنة أحد كبار الصحفيين بالأهرام. ~~••• # من أخبار الصباح - جريدة الأهرام - مع صورة داخل برواز للأستاذة الكاتبة الكبيرة عضو ~~حزب اليسار وعضو الحزب الحكومي، وعضو المجلس القومي للمرأة، برعاية السيدة الأولى حرم ~~السيد الرئيس، ورئيسة مجلس إدارة الفنانات المصريات لدى الهيئة الدولية في واشنطن، تلقي ~~الأستاذة الكبيرة كلمة في مؤتمر المرأة العربية المزمع عقده في بيروت خلال ديسمبر 2002 ~~والدعوة عامة للشعب. ~~••• # الفراغ السياسي والثقافي في مصر أصبح خطيرا، ولم يعد الشباب متحمسا لأي عمل سياسي ~~أو ثقافي، وهم يرون الجهلاء يصبحون هم النخبة، أو أنصاف الجهلاء، أو أنصاف ~~المتعلمين. # كان أبي يقول: «المنافقون يلجئون إلى النفاق؛ لأنهم بلا موهبة حقيقة في أي شيء وبلا ~~ثقة بالنفس؛ لأن نظام التعليم الفاسد يسلبهم الثقة والذكاء الفطري الذي يتمتع به الرجال ~~والنساء الذين لا يقرءون ولا يكتبون.» # منوف عام 1947 ~~••• # وقد أصبح جورج بوش «الابن» يتحدث عن تحرير النساء في أفغانستان وفلسطين والعراق ومصر ~~وغيرها من البلاد؛ لأن ms079 العقبة أمام التنمية هي تخلف المرأة بسبب التقاليد البالية ومنها ~~ختان الإناث. # ويشترك بعض النخبة من بلادنا مع بعض النخبة الأمريكيين في إصدار تقرير عن التنمية ~~البشرية في بلادنا، ويؤكد التقرير أن من العقبات أمام التنمية هو تخلف المرأة. # أصبح «تخلف المرأة» هو الشماعة الجديدة التي يعلق عليها فشل مشاريع التنمية في ~~بلادنا، وليس سياسات البنك الدولي والحكومة الأمريكية التي تغزو بلادنا اقتصاديا ~~«وعسكريا» في ظل حماية الحكومات المحلية التابعة لها. # | عن تقرير التنمية البشرية في بلادنا # اشتغلت بالأمم المتحدة لمدة عامين «من 1987 إلى 1980»، مستشارة لبرامج المرأة ~~العربية والأفريقية في اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة في بيروت وفي أديس أبابا، ~~وأدركت في هذين العامين زيف مشاريع التنمية التي تقوم بها الأمم المتحدة، وقد دلت ~~التقارير على تزايد الفقر في بلادنا العربية والأفريقية مع تزايد مشاريع التنمية، بما ~~فيها المشاريع الخاصة بالنساء؛ ولهذا السبب قدمت استقالتي من الأمم المتحدة، وعدت إلى ~~مصر لأكتب الروايات والقصص الأدبية، أفضل من العمل في مشاريع فاشلة. # وإذا كانت الأمم المتحدة قد أصبحت منظمة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، مثل البنك ~~الدولي ومنظمة التجارة العالمية، إلى الحد الذي أصبحنا نسميها اليوم «الأمم المتحدة ~~الأمريكية»، فهل يمكن لهذه المنظمة التابعة أن تفعل شيئا مستقلا عن الفكر الأمريكي ~~المهيمن على العالم؟ # وإذا كانت الأمم المتحدة هي التي شرعت استخدام القوة العسكرية الأمريكية لضرب ~~العراق في حرب الخليج يناير 1991، وهي التي تتخلى اليوم عن مناصرة الشعب الفلسطيني ~~الذي يذبح أمام عيونها كل يوم، ومع ذلك تظل عاجزة عن فعل أي شيء، بل إنها تتراجع عن ~~إنصاف الشعب الفلسطيني بسبب الاعتراض الأمريكي، ويتخلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة عن ~~واجبه الأول؛ وهو مطالبة إسرائيل بإيقاف المذابح الجارية لسكان الضفة الغربية وغزة ~~والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، حسب قرارات الأمم المتحدة ذاتها. # وهل يمكن فصل قرارات مجلس الأمن عن تقارير الأمم المتحدة فيما يخص التنمية الإنسانية ~~أو الاجتماعية أو الاقتصادية في عالمنا العربي؟! # إلا أن بعض النخب العربية والمصرية ينظرون إلى تقرير الأمم ms080 المتحدة عن التنمية في ~~بلادنا كأنه «كتاب مقدس» أو على الأقل كتقرير علمي موضوعي غير خاضع للفكر الأمريكي ~~ومؤسساته السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية. ~~(1) خضوع للمنطق الأمريكي # لقد دهشت: كيف يخضع أغلب النخب في بلادنا للمنطق الأمريكي - الإسرائيلي - الذي يرى أن ~~تخلفنا الاقتصادي وهزائمنا المتكررة ترجع إلى خطأ في الشعوب العربية نساء ورجالا، ~~لماذا؟ لأننا عجزنا عن مواكبة عصر الإنترنت، والكمبيوتر! إن مقياس التقدم في تقرير ~~الأمم المتحدة هو كم رجلا وامرأة يمتلكون الكمبيوتر؟ وكم منهم يستخدمون الإنترنت؟ (نصف ~~في المائة فقط من الشعوب العربية)، ومقياس آخر هو: كم عدد الكتب التي ترجمت إلى اللغة ~~العربية، فقط 330 كتابا مترجما سنويا في العالم العربي؛ أي خمس ما تترجمه اليونان، ~~ومقياس آخر هو وجود 65 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة أغلبهم نساء «الثلثان»، ~~رغم أن تعليم النساء العربيات - حسب التقرير - ذاته تضاعف ثلاث مرات، هذا الذي لم تنتج ~~عنه معرفة أو مهارات للعمل في السوق الحرة والانفتاح على العالم أو السير مع العولمة، ~~هذا هو الجانب البارز في التقرير، والذي أبرزه أكثر الإعلام الأمريكي والعربي وبعض ~~الصحف المصرية، وهو يصور جزءا من الحقيقة فقط. # وربما تكون مجلة «النيوزويك» الصادرة في 16 يوليو 2002 باللغة العربية نموذجا ~~للإعلام الأمريكي الذي يروج لفكرة أن الخطأ فينا نحن الشعوب العربية، أو الخطأ في ~~الحكومات العربية المستبدة بشعوبها، والعاجزة عن منحها الحريات السياسية والاجتماعية، ~~وقد أفردت هذه المجلة (في ذلك العدد 16 يوليو)، مساحة كبيرة لعرض تقرير الأمم المتحدة ~~للتنمية البشرية في العالم العربي تحت عنوان: «انبعاث جديد»، ونشرت صورة ضخمة على صفحة ~~ونصف الصفحة «ص12 و13» تصور مظاهرة من الشباب العربي، وتحت الصورة هذه عبارة «حريات ~~سياسية مفقودة ... بعض الحكومات العربية تكفل حرية التظاهر ضد إسرائيل، ولكن هل هناك حرية ~~للتظاهر ضد الحكومات العربية نفسها؟!» ~~(2) انبهار بتقرير «نيوزويك» # من هذه العبارة والصورة يحاول الإعلام الأمريكي توجيه الشعوب العربية للتظاهر ضد ~~الحكومات المحلية وليس ضد إسرائيل، وهذا أمر منطقي لأن الإعلام الأمريكي يخدم السياسة ~~الأمريكية ms081 لإدارة جورج الابن الذي يؤيد عدوان إسرائيل على الشعب الفلسطيني، ويستخدم حق ~~الڨيتو في الأمم المتحدة للاعتراض على أي قرار ينصف الشعب الفلسطيني، وتم اعتماد 2000 ~~مليون دولار أمريكي مكافأة أو مساعدات إضافية لإسرائيل بعد مذبحة غزة الأخيرة تحت اسم ~~محاربة الإرهاب الفلسطيني! # مع ذلك فإن بعض النخب العربية والمصرية تنظر إلى موضوع «النيوزويك» عن تقرير التنمية ~~في بلادنا كأنما هو الحقيقة العلمية أو الموضوعية، وفي جريدة «الأهرام» الصادرة بالقاهرة ~~في أول أغسطس 2002 ص11، نشر كاتب مصري مقالا تحت عنوان: «محاسبة الذات» مشيدا بما ~~جاء في «النيوزويك» ويقول الآتي: «من الصعب على الإنسان العربي بعد قراءة هذا التقرير ~~أن يظل على منطق تحميل الغير مسئولية نكباته وتخلفه.» # إن كاتب المقال يحمل لقب «دكتور» ومع ذلك وقع تحت تأثير الانبهار بما نشرته مجلة ~~«النيوزويك» عن تقرير التنمية في بلادنا، وكتب يقول: «إن معوقات التنمية في بلادنا ليست ~~نقص الموارد والثروات (عدد العرب 280 مليون نسمة لكن مجموع الدخل القومي 531 مليار ~~دولار فقط) - أقل من دخل إسبانيا - ومعدل النمو سنويا أقل من نصف في المائة، لكن ~~معوقات التنمية هي النقص في الحرية والمعرفة، ونقص مشاركة الطاقات النسائية في العمل ... ~~والحرية والديمقراطية غائبتان ... والتعليم ما زال يقوم على التقليد ... ولا زال يزيد ~~مستخدم الإنترنت على واحد ونصف الواحد في المائة، ولا يزيد عدد مقتني الكمبيوتر على ~~واحد في المائة ... إلخ.» هذا جزء من مقال الدكتور المصري. # جريدة «الأهرام» لم تنشر مقالي الذي خالفت فيه هذا الكاتب رأيه، ورأي آخرين ممن ~~يقودون الرأي العام في بلادنا، والذين يتصورون أن الخطأ في التنمية يرجع إلينا «نحن» أو ~~«القصور الذاتي»، بالطبع أنا مع النقد الذاتي؛ لأن القصور الذاتي موجود فعلا، سواء في ~~الحكومات العربية المستبدة أو في الشعوب العربية التي تعودت الخضوع والخوف والتردد وعدم ~~الثقة بالنفس ... وكم دخل السجون في بلادنا من المفكرين والباحثين من مختلف ~~التيارات. # لا يمكن لأحد أن ينكر أن الحرية والديمقراطية غائبتان في بلادنا العربية، لكن السؤال ~~هو: من ms082 يساند هذه الحكومات العربية المستبدة بشعوبها؟ # أليست هي الحكومة الأمريكية التي تشجع هذه الحكومات المحلية على الاستبداد، وتغض ~~الطرف وتغمض عينها عن هذا لأن هذه الحكومة تابعة لها أو مطيعة لأوامرها الاقتصادية ~~والإعلامية والعسكرية والسياسية وغيرها؟! # وهل يكن لأي تقرير علمي عن التنمية من جميع جوانبها أن يفصل بين القوى الخارجية ~~والقوى الداخلية، التي تبطش بالشعوب «نساء ورجالا وشبابا وأطفالا»، والتي تتعاون ~~معا تحت اسم «التعاون الدولي» أو تحت أسماء أخرى منها محاربة الإرهاب الشيوعي، أو ~~محاربة الإرهاب الإسلامي، أو محاربة الإرهاب الفلسطيني، أو العراقي، أو الأفغاني ... أو ~~في كوريا الشمالية أو في الصين أو غيرها؟! ~~(3) تشجيع الإرهاب # وحين جاءتني مندوبة مجلة «النيوزويك» إلى منزلي، يوم 5 يوليو 2002، شرحت لها وجهة ~~نظري بدقة، وكان معها جهاز تسجيل، واستغرق الحوار ساعة تقريبا، طلبت منها ألا تحذف ~~شيئا، وخاصة الجزء الذي أربط فيه بين تزايد الفقر في بلادنا وفشل مشاريع التنمية، وبين ~~الاستعمار الأمريكي الرأسمالي الجديد، والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وأرض ~~فلسطين، وبين غياب الحريات واستبداد الحكومات العربية الخاضعة للسياسة الأمريكية في ~~المنطقة العربية، وأن هذه السياسة الأمريكية بالتعاون مع الحكومات العربية؛ ومنها حكومة ~~«السادات» في مصر قد شجعت التيارات الدينية المسماة بالتيارات الأصولية، وهي التي ~~مولتها بالأموال والسلاح، ودربتها على القتل والإرهاب تحت اسم محاربة الإرهاب الشيوعي ~~في أفغانستان، وفي بلادنا أيضا. # إلا أنني دهشت حين قرأت مجلة «النيوزويك» في عددها 16 يوليو 2002، أدهشني هذا البتر ~~لما قلته للسيدة الصحفية، ربما قام بالبتر المسئولون الكبار في المجلة، وهي محررة شابة ~~مندوبة عن هذه المجلة في القاهرة. ~~(4) كيف تجاهلت «النيوزويك» جوهر الموضوع؟ # كنت أدرك تماما بحكم خبرتي مع الإعلام الأمريكي والأوروبي أن «النيوزويك» لن تنشر عن ~~موضوع التنمية في بلادنا العربية إلا ما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية؛ ولهذا ~~أكدت على المحررة أن تستخدم جهاز التسجيل، وأن تنشر جوهر ما أقول فيما يخص التنمية في ~~بلادنا، وهو «الربط» بين القوى الخارجية والداخلية، بين الحكومات العربية المحلية وبين ~~الاستعمار الأمريكي الجديد ودولة إسرائيل، وتطرقت ms083 أيضا لقضايا النساء العربيات، وأثر ~~العولمة عليهن، ومشكلة «تأنيث الفقر»، وتقديم المرأة «كبش فداء» للتيارات الأصولية ~~الدينية، ليس في أفغانستان وفي بلادنا العربية وحدها؛ بل في الولايات المتحدة الأمريكية ~~أيضا، تقدم النساء الأمريكيات «كباش» فداء لليمين الأمريكي، وجورج بوش والتيارات ~~المسيحية الأصولية التي يمولها ويشجعها. # المشاكل ... صناعة عربية! # أدركت المحررة تماما ما أقول ووافقتني، إلا أن ما نشر في «النيوزويك» كان مبتورا ~~وجاء كالآتي: «يؤكد تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي أن احتلال ~~إسرائيل غير المشروع للأراضي العربية هو من أكثر العقبات استشراء أمام الأمن والتقدم في ~~المنطقة، بل إن بعض المنشقين في المنطقة كانوا تواقين لاستخدام ذلك كأسهل تفسير لما يمر ~~به العرب من حال اليوم، نوال السعداوي؛ وهي كاتبة مصرية بارزة تدافع عن حقوق المرأة، ~~وتعرضت مرارا لتهديد الأصوليين، تضع قدرا مساويا من اللوم على واشنطن وإسرائيل، كما ~~على إخفاق حكومتها في تفسير المعضلة التي تعاني منها مصر اليوم»، وتقول: «إن الحكومة ~~تشعر بالعجز، فحين تصبح الدولة ضعيفة مقعدة، فإنها تصبح أكثر سلطوية، وتنزع إلى السيطرة ~~بصورة أكبر على الناس»، وتواصل «النيوزويك» كلامها: «ولكن النبرة العامة للتقرير تشير ~~إلى أن المشكلات هي من صنع يد العرب أنفسهم.» # المشكلات هي من صنع العرب أنفسهم شعوبا أو حكومات، أما واشنطن وإسرائيل فهما بريئتان ~~من الذنب، ولا علاقة لهما بمشاكل العرب، بالإضافة إلى أنهما تستخدمان كلمة «المنشقين» ~~وهي كلمة ترن في الأذن «سلبية» لتصفني وتصف أمثالي الذي ينبهون إلى دور واشنطن وإسرائيل ~~في النكبات التي تحدث في بلادنا، ونحن لسنا منشقين فحسب في رأي «النيوزويك» بل نحن ~~أيضا نلجأ إلى أسهل تفسير لما يمر مع العرب من مشاكل، وهذا تمويه وخداع كبير لأننا ~~أولا لسنا «منشقين»، بل نحن نعبر عن الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية، وهي الأغلبية ~~الصامتة التي لا يصل صوتها لمنابر الإعلام العربي إلا نادرا، أما الاستسهال فهو من ~~نصيب الآخرين الذين نشرت المجلة آراءهم باعتبارها الآراء العظيمة التي يجب علينا ~~اتباعها، ومنها رأي بعض المعلقين ms084 الأمريكيين مثل: توماس فريد مان في صحيفة «نيويورك ~~تايمز» الذي مدح التقرير: «وشعر بالتشجيع لأن لديه شركاء عربا ليبراليين، من أجل تغيير ~~العالم العربي»، وإذا لم يرفع أكبر عدد من الناس أصواتهم بمثل ما يقوله «توماس فريد ~~مان» فإن تقرير التنمية القادم عن العالم العربي قد يكون أكثر قتامة من التقرير ~~الحالي. # وهذا هو ختام الموضوع في مجلة «النيوزويك»، وهو ختام يتفق تماما مع أهداف السياسة ~~الأمريكية والإعلام الأمريكي، سواء كان في «النيويورك تايمز» أو «النيوزويك»، أو عدد ~~كبير من الصحف والمجلات المنتشرة في بلادنا العربية، والتي يكتب فيها أغلب النخب ~~والمثقفين العرب. # وهنا آتي إلى النقطة قبل الأخيرة في مقالي وهي: ~~(5) انخفاض وعي النخبة العربية # ربما لا يختلف تقرير الأمم المتحدة كثيرا عن تقارير أغلب النخب العربية عن التنمية ~~في بلادنا، أو مشاريعهم للنهوض بالأمة العربية من كبوتها الراهنة، وقد تأثر أغلبهم ~~بالكتب الأمريكية التي نشرت مؤخرا، ومنها كتاب «لويس برنار» بعنوان: «ما هو الخطأ في ~~علاقة الإسلام بالغرب؟» # وكم انبهرت النخب العربية بهذا المفكر الأمريكي؛ لأنه لا يعتبر الخطأ في الدين ~~الإسلامي «كما يفعل صمويل هانتجتون وفرانسيس فوكاياما وسلمان رشدي وغيرهم»، بل يعتبر ~~الخطأ في العرب أنفسهم ... في المسلمين، ويقول في كتابه ما يلي: # لقد انتهى الاستعمار منذ نصف قرن وأصبحنا نعيش عصر ما بعد الاستعمار Post-Coloinal # لكن العرب والمسلمين يعلقون المشكلة على الغير، ويتساءلون ~~دائما: من فعل بنا هذا؟ كأنهم ضحايا طول الوقت للقوى الخارجية، والمفروض ~~أن يسألوا أنفسهم: ما الخطأ فينا نحن؟ وماذا نفعل لتغيير أنفسنا؟ أما أن ~~يحملوا الخطأ على غيرهم فهذا هو الخطأ. # وهذا الكلام فيه جزء من الحقيقة، إلا أنه ينطوي على خداع كبير، ذلك أن عصر الاستعمار ~~لم ينته، كما يقول لويس برنار، ونحن نعيش عصر الاستعمار الجديد # New-Colonial # وليس ~~عصر ما بعد الاستعمار أو ما يسمونه باللغة الإنجليزية ~~ما بعد الكولونيالية Post-Colonial ~~. # ويسود الجامعات الأمريكية والأوروبية هذا التعبير الخاطئ، والذي تنقله الجامعات ~~العربية والنخب العربية دون تحليل أو نقد. # كما أن ms085 لويس برنار يفصل بين العوامل الخارجية والعوامل الداخلية أو العوامل الدولية ~~والمحلية، وهذا أمر «غير علمي» لأنه مستحيل، نحن نعيش في عالم واحد تحكمه حكومة دولية ~~مركزية في واشنطن، وحكومات محلية تابعة تدور حول المركز، فكيف يمكن الفصل بين المركز ~~والأطراف، أو بين الرأس والجسد الواحد وبين الساقين أو القدمين؟ # حرب الأقوياء # وتدافع أغلب النخب العربية عن تقرير الأمم المتحدة، وعن موضوع «النيوزويك» عن هذا ~~التقرير، ويشعرون بالسعادة لأن التقرير لا يدين الإسلام أو التراث الإسلامي العربي؛ بل ~~يدين العرب أنفسهم (الشعوب أو الحكومات)، وغياب الديمقراطية والحريات، وانتشار الفساد ~~وتزوير الانتخابات وعدم تقدير الكفاءات، بل الاعتماد على الواسطة والعلاقات الشخصية، ~~وقهر النساء وعزلهن عن السياسة والحياة العامة، وهذه كلها حقائق موجودة في بلادنا ~~العربية، ونقرأ عنها كل يوم في الصحف الحكومية قبل صحف المعارضة، إلا أنها موجودة أيضا ~~في البلاد خارج العالم العربي، فهي ليست مشاكل خاصة بالعرب فقط لأنهم عرب أو مسلمون، ~~إنها ليست نتاج عرق معين أو دين معين أو جنسية معينة، بل هي شائعة في العالم أجمع على ~~رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وقد عشت فيها سنين طويلة، وقمت بالتدريس في ~~جامعاتها، وأدركت أن الرأسمالية الأمريكية سوف تسقط قريبا، أقرب ما نتصور، ومعها ~~الرأسمالية الإسرائيلية والأوروبية واليابانية وغيرها، وهناك بوادر هذا السقوط، وتفكك ~~النظام الطبقي الأبوي، الذي يحكم عالمنا الإنساني من خلال الشركات عابرة القارات، التي ~~تتهاوى الواحدة وراء الأخرى، ومنها شركة «إنرون» التي أعلنت إفلاسها في شهر ديسمبر ~~2001، إثر اختفاء ديون قدرها 23 مليار دولار، وشركة «وورلد-كوم» إثر اكتشاف مشروعات ~~مزيفة قيمتها 39 مليار دولار، وشركة «تيكو» إثر اختفاء 9 مليارات دولار من أوراقها، ~~وشركة «زيروكس» التي زورت في أوراقها لتهرب من سداد مليار ونصف المليار دولار كانت ~~عليها للضرائب، وما يحدث في سوق المال والبورصة وحتى «وول ستريت» في نيويورك من نصب ~~معروف في الصحف، وما يكشف عن فساد الشركات الرأسمالية في بلاد أوروبية مثل فرنسا ~~وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، ويمس الفساد أكبر رأس في ms086 العالم الرأسمالي وهو ~~الرئيس الأمريكي جورج بوش «الابن» وعلاقته بشركة «إنرون» معروفة، ونائبه «ديك تشيني» ~~وعلاقته بشركة «هاليبورتون» وغيرها من الفضائح المالية التي تنشر في الصحف الأمريكية ~~والأوروبية كل يوم. # ولأن الفساد الرأسمالي الطبقي الأبوي «واحد» في العالم فإن الفساد في الولايات ~~المتحدة الأمريكية لا يختلف كثيرا عن الفساد في بلادنا العربية، وفي مصر لا تكف صحف ~~الحكومة والمعارضة عن الكشف عن الفساد لكبار رجال الدولة في مجلس الشعب أو في ~~التليفزيون والبورصة، وشركات القطاع العام، ونواب القروض والذين هربوا بأموالهم. # يقوم الفساد الرأسمالي على منطق «الربح» في السوق الحرة، وفي حرية الأقوياء للبطش ~~بالضعفاء، أو حرية السلاح النووي في اغتصاب أي أرض من أصحابها الذين يعيشون عليها، ~~وإعلان الحرب على أي بلد لا تركع على ركبتيها أمام الإله الأمريكي وتابعه في إسرائيل ~~وبريطانيا وغيرهما من دول العالم. # وتستخدم الرأسمالية الدولية والمحلية ورقة الأديان لتخلق «الصراع» بين الأديان أو بين ~~الثقافات أو بين الحضارات، كنوع من التمويه وإخفاء الصراع الحقيقي حول الأموال والبترول ~~والأرض والأنهار والأسواق التجارية، ومشاكل الخصخصة وتزايد الفقر والجوع والأمراض في ~~جميع بلاد العالم، وليس في بلادنا العربية فقط. ~~(6) كلمة أخيرة عن حوارات الحضارات # تتصور بعض النخب العربية أن كلمة «حوار الحضارات» أفضل من كلمة «صراع الحضارات»، في ~~حين أنهما وجهان لعملة واحدة، عملة النظام «الطبقي الأبوي» الرأسمالي «ما بعد الحديث» ~~الذي يشغل الناس باللغة والكلمات، سواء كانت صراعا أو حوارا، وأنا لست ضد اللغة أو ~~الكلمات أو الندوات الثقافية والأدبية والفنية، وكم تكون الكلمة الصادقة حاسمة مثل طلقة ~~الرصاص، إن قيلت في وقتها، ومكانها، دون خوف من النار، أو طمع في الجنة. # نحن في حاجة إلى كلمات صادقة من هذا النوع، لكن أن يرتكز المشروع النهوضي في بلادنا ~~العربية على الحوار بين الحضارات أو الحوار بين الأديان؟ فهذه خدعة كبيرة؛ لأن الفروق ~~الجوهرية بين الأديان طفيفة جدا أو غير موجودة، وكذلك الفروق الجوهرية بين الحضارات ~~طفيفة جدا أو غير موجودة، لأننا نعيش حضارة واحدة في الشرق ms087 والغرب هي الحضارة ~~الرأسمالية الطبقية الأبوية، وهي حضارة غير متحضرة؛ لأنها قائمة على القوة وليس الحق أو ~~العدل. # أصبحت كلمة العدل من الكلمات الثانوية في مشاريع النهضة النخبوية العربية، كأنما ~~العدل شيء ثانوي، أما الشيء الأساسي فهو الأمن، أصبحت كلمة الأمن هي السائدة في لغة ~~الصراع، سيان، كلاهما واحد. # الأمن هو المطلوب، ومن هنا أصبح الإرهاب الفلسطيني هو خطر العالم وليس الإرهاب ~~الأمريكي-الإسرائيلي؛ لأن القوة هي التي تحدد الأمن، أمن من؟ ونحن نحكم بلغة وسلاح ~~رجال الأمن و«البزنس» ورجال البورصة والأعمال والنخب المثقفة التابعة لهم. # القاهرة، يوليو 2002 # | 12 قصيدة صغيرة # (1) احتواء # شاعت كلمة احتواء على لسان النخبة في مصر من الرجال والنساء. # يقول أحدهم: السياسة الأمريكية الجديدة هي السيطرة واحتواء العالم تحت قوتها ~~العسكرية. # وتقول امرأة من رائدات تحرير النساء ورئيسة إحدى الجمعيات الخيرية: # الرجولة الحقيقية هي الاحتواء. # ما معنى الاحتواء يا أستاذة؟ # الرعاية والحماية. # مثل الحماية البريطانية على مصر، والرعاية الأمريكية لنا عن طريق المعونة ~~والمساعدات؟ # ليه لأ؟ الاحتواء يعني الحماية والسيطرة، والرجولة فيها سيطرة، وإلا ما الفرق بين ~~الرجولة والأنوثة؟! # أتقولين إن الأنوثة هي الخضوع؟ # نعم. # مثل الخضوع لأمريكا وإسرائيل؟! # ليه لأ؟ # القاهرة نوفمبر 2002 ~~(2) اسمي بدرية # اسمي بدرية # على اسم القمر، # كل ليلة أحلم أني أغني، # أطير في السماء وأمسك الشمس، # أعزف لحن حياتي على العود ، # وتغني معي البنات أول يوم العيد، # نحلق معا في الأفق ونقول: # أغنيتي حريتي. ~~(3) وهل الوطن للجميع كما تدعون؟ # إذا كان الوطن للجميع، # والمواطنون متساوون أمام القانون، # فلماذا تمنعون عني جواز السفر؛ # لغياب تأشيرة ولي أمري؟ # وإذا كنت بالغة الرشد وفي الستين من العمر، # فكيف أظل قاصرا وفي حاجة إلى وصي؟ # وإذا كنت أستاذة وجاءتني دعوة للسفر؛ # لألقي كلمتي ويسمع العالم صوتي، # فلماذا تمنعونني من الخروج؟ # لماذا تسألونني عن موافقة الزوج، # ولا تسألونه عن موافقتي؟ # ألا أنه رجل مثلكم والوطن لكم وحدكم، # وليس للجميع؟ ~~(4) وما زال في اليأس أمل # في ليلة الاحتفال بالقرن الجديد، # رأيت حفيدتي ملفوفة بحجاب أبيض # يشبه الكفن. ms088 # لم أر منها إلا ثقب تطل منه نصف عين، # قالت هذا أمر الله، # ثم أغلقت فمها وصمتت. # أما حفيدتي الثانية فكانت نصف عارية، # تغطي وجهها بطبقة من المساحيق، # أذناها مخرومتان بحلق كبير ثقيل، # قدماها مقوستان فوق كعب عال رفيع، # تتكلم الفرنسية بلكنة أمريكية وتقول: # الرجال يدللونني، # ولا توجد للمرأة قضية. # أما حفيدتي الثالثة فكانت بلا حجاب وبلا مساحيق، # تبتسم بإشراق الشمس وتقول: # وما زال في اليأس أمل. # القاهرة 2000 ~~(5) حتى نهاية الطريق سأمشي # قالوا لي ما من كاتبة مبدعة إلا وانتحرت؛ ~~«مي زيادة» انتحرت في المستشفى النفسي، «وأروى صالح»، ~~«وفيرجينيا وولف» قتلت نفسها بعد أن وصموها بالجنون، # وأنت يا أنت ماذا تنتظرين؟ # قلت لهم لن أنتحر أيها السادة بل أترك لكم # إن شئتم هذا المصير. # أما أنا فسوف أمشي وأمشي حتى نهاية الطريق، # إلى آخر مدى سأمشي ولا أتوقف، # إلى آخر خط في الأفق عند الشروق والغروب، # فما عدت أخسر من شئون الدنيا إلا الموت، # بعد أن خسرت طفولتي وخسرت شبابي وكهولتي. # لم تربحني الكتابة إلا السجن وتشويه السمعة، # مع ذلك سأمشي في الطريق حتى نهايته. # أقول لكم أيها السادة حتى نهاية الطريق سأمشي، # وافعلوا أنتم ما تشاءون. # القاهرة 2001 ~~(6) النقاد # قلت من يعين النقاد في مناصبهم؟ # قالوا الملك أو الرئيس أو الوزير أو رئيس التحرير. # قلت ما علاقتهم إذن بي؟ # قالوا ألست كاتبة وأديبة ولك مؤلفات؟ # قلت نعم، وما علاقة ذلك بموظفي الدولة؟ # أنا أكتب للناس. # قالوا لن تصل كتبك إلى الناس. # قلت لكن كتبي وصلت إلى الناس. # قالوا وكيف يعيش النقاد بدون مؤلفات يكتبها غيرهم؟ # لن تأمني أبدا شرهم. # هكذا أصابني من هجوم النقاد ما ليس له مثيل. # إلا مدحهم للملك أو الرئيس أو الوزير. # القاهرة 2001 ~~(7) نصف المجتمع # أيولد نصف المجتمع داخل مقبرة؟ # أتقطع رءوسهن على مقصلة؟ # أتقطع ظهورهن بالموس؟ # ألا يحق لنا أن نعيش مرفوعات الرءوس؟ # وأن نموت حين نشتهي أن نموت؟ # لماذا تدفنوننا بالحياة تحت اسم الحماية؟ # وتقتلوننا في أول الصبا تحت اسم الحب؟ # وتهجروننا ms089 في المضاجع وتضربوننا. # وتقولون هذا أمر الله إليكم. # أليس هذا ما تقولون؟ # أليس هو كلامكم أيها السادة، # ثم تدعون # أنه كلام الله. # القاهرة 1998 ~~(8) أنا جديرة بأجمل رجل # جاءني رجال كثيرون في شبابي # وفي كهولتي؛ # ينشدون الأنثى ذاتها في زمن الجواري، # يمشون بالخطى ذاتها في عصر العبيد، # يدقون بابي فلا أفتح لهم، # يسألونني ألا تشربين النبيذ؟ # ألا تشعرين بالبرد وحدك في الليل؟ # ألا تحنين إلى ذراعي رجل؟ # قلت لأني أحب الشعر ولا أعرف إلا الدفء؛ # ولأني لا أعرف الوحدة فأنا لا أبرد في الشتاء، # ولأني لا أتزين ولا أتكحل ولا ينقصني شيء، # فأنا جديرة بأجمل رجل، # يأتي أو لا يأتي، # فهو هنا وحيث أكون. # القاهرة 1999 ~~(9) أستطيع الكلام في الجنس # سأتكلم عن الجنس وأكشف # غياب القيم والأخلاق، # تحت اسم القيم والأخلاق، # سأكشف عن أوامر لا تأتي من السماء؛ # بل من رجال يمشون على الأرض، # يدوسون بكعبهم على الزرع، # ويأكلون حقوق الناس، # ينتهكون الأعراض والشرف # باسم الشرف، # ويغتصبون البنات والنساء # باسم عقد الزواج، # ويجلسون في مقاعد الحكم # يدخنون السيجار، # ويأكلون الكافيار، # ولكل واحد منهم امرأتان على الأقل؛ # واحدة في البيت وواحدة في المكتب، # ويقولون عني فاسدة؛ # لأني أكشف فسادهم. # القاهرة 1998 ~~(10) وتحظى الموءودة بحبهم # لا شيء يثير غضبهم أكثر من امرأة طبيعية، # تعيش حياتها، # تقاوم الوأد والموت وتعيش، # تقاوم اليأس والحزن وتضحك، # لا شيء يثير رغبتهم في المرأة # إلا موتها، # وأنينها عند الاحتضار ودموعها، # ودماؤها تنزف. # وصوتها الذليل ينادي يستجدي # الرحمن من الآلهة. # حينئذ فقط تكون هي الأنثى، # ووجبة العشاء الشهية، # فلا شيء يثير شهوتهم # مثل امرأة موءودة. # القاهرة 1981 ~~(11) والابنة الضالة تعيش # هي صاحبة قلم تشير به إلى الجناة، # تخلع القناع عن الأنوثة والرجولة والأمومة والأبوة، # تكشف عن الوجوه المليئة بالندب. # ذهبت إلى الحب في أول شبابها، # وعادت شبحا لا ترفع وجهها إلى الضوء. # استقلت قطار الحرب في منتصف الليل، # وماتت فداء الوطن، # ثم أفاقت على حفنة من قطاع الطرق، # يجلسون في مقاعد الحكم. # هاجمت مع زميلاتها الجشع والظلم، # أدانوها ms090 وقالوا إنها الابنة الضالة، # فضحت مؤامرة اغتيالها في الظلمة. # ولدت من جديد في أول العام، # صنعت لنفسها مكانة # الابنة الضالة لم تولد لتقتل؛ # بل ولدت لتكشف عن القتلة، # وتفتح الطريق أمام بناتها وأبنائها حتى النهاية. # القاهرة 1991 ~~(12) لي رجال كثيرون # فوق كل شبر من الأرض هناك رجل ينتظرني، # له وطن وبيت وأم وزوجة وعيال وكل شيء؛ # لكن ينقصه شيء # لا يكتمل إلا بوجودي، # ليس هو الحب ولا الجنس ولا المال ولا المجد، # شيء ليس له اسم. # ليس حروفا تدخل المطبعة، # ولا سطور نقرؤها في الكتب، # ولا لغة بشرية نشأت في التاريخ؛ # إنها لغة أخرى، # تفهمها الطيور حين تغرد، # وأوراق الشجر حين تتقبل قطرات الندى، # وبسمة المولود أو المولودة حين ترى وجه الأم، # وإشراقة الشمس بعد أن يشقشق الفجر. # القاهرة 1996 # | تكوين الضمير الإبداعي # من يحكم على العمل الإبداعي في بلادنا، فيقول هذه الرواية تجاوزت المحرمات الدينية ~~أو الأخلاقية أو السياسية؟! وبالتالي لا بد أن تمنع من النشر، ولا بد من عقاب ~~مؤلفها؟ # هذا السؤال هام، ومطلوب عمل حوار فكري عميق حوله؛ لأنه يمس أهم شيء في حياتنا، وهو ~~العقل الإبداعي الذي يمكن أن يكتشف الجديد في العلم أو الأدب أو الفن أو الفلسفة أو ~~السياسة أو الاقتصاد ... إلخ. # إنه يمس صميم الأزمة الفكرية التي تعاني منها بلادنا، والتي تجعلنا مستهلكين ~~للاكتشافات العلمية والفنية في العالم، وعاجزين عن إنتاجها أو المشاركة في ~~إنتاجها. # والمشكلة تكمن في رأيي في كلمة واحدة هي «الخوف» الذي نتربى عليه من الطفولة، الخوف ~~من العقاب في الدنيا أو الآخرة إن تجاوزنا المحرمات الموروثة والمفروضة علينا تحت اسم ~~السياسة أو الدين أو الأخلاق. # إن كل اكتشاف علمي أو فني جديد قد اصطدم على نحو ما بالثالوث المحرم: «السياسة والدين ~~والجنس». # لقد حرق الفلاسفة والعلماء في تاريخ البشرية الذين تجرءوا على الكنيسة والنظام ~~السياسي الحاكم، وتم إهدار دم المفكرين من النساء والرجال في جميع أنحاء العالم تحت اسم ~~الدين أو الأخلاق، أو السلام الاجتماعي والسياسي. # وقد ثبت أن ms091 هؤلاء المبدعين والمبدعات الذين أدينوا في حياتهم (من نظمهم السياسية ~~والدينية) أنهم كانوا أكثر أخلاقا وأكثر فضيلة من هؤلاء الذين حكموا عليهم. # لأن الأخلاق والفضيلة هي العدل والحرية والحب، إن النظم السياسية أو الاجتماعية أو ~~الدينية التي لا تقوم على العدل والحرية والحب هي التي تعادي الفضيلة، وهي التي تنتهك ~~الأخلاق والمحرمات، وليس المبدعين أو ذوي العقل الإبداعي الحر. # وفي بلادنا هناك فصل غريب بين ما يسمى الحرية والعدل، وبين ما يسمى الديمقراطية، لا ~~زالت بلادنا العربية محكومة بنظم سياسية واقتصادية وثقافية بعيدة كل البعد عن العدل ~~والحرية، ومع ذلك تسمى نفسها بلادا ديمقراطية. # كأنما الديمقراطية هي فقط تكوين أحزاب وانتخابات، وقد ثبت في العالم اليوم أن هذه ~~الديمقراطية زائفة؛ لأنها لا تقوم على الحرية الحقيقية أو العدل الحقيقي بين المواطنين ~~نساء ورجالا، فقراء وأغنياء، حكاما ومحكومين. # الحرية بدون عدل مثل السلام بدون عدل، نحن نرى هذه الخدعة التي تقاوم بها إسرائيل ~~وأمريكا تحت اسم السلام لسلب الشعب الفلسطيني من حقوقه العادلة، هذه هي الديمقراطية ~~الغريبة الزائفة، وقد كشفت تماما ولم تعد صالحة، وهي يبحثون الآن عن خدعة جديدة لتضليل ~~الشعوب. # وبالمثل في الأعمال الإبداعية فإن مفهوم الحرية في بلادنا غير مفهوم؛ لأن الحرية ~~والمسئولية هما وجهان لشيء واحد. # إذا تربى الإنسان المبدع منذ الطفولة على الحرية فإنه يكون مسئولا عن عمله الإبداعي، ~~وليس في حاجة إلى الحكومة أو وزارة الثقافة لتفرض عليه الوصاية. # إن الطفل الذي يتعود على الوصاية وانتظار الأوامر والتوجيهات يصبح حين يكبر هو الوزير ~~الذي ينتظر الأوامر العليا، والتوجيهات من السيد الرئيس. # إن الطفلة أو الطفل الذي يتربى في جو من الحرية والجدل والمناقشة، بدلا من القمع ~~والطاعة، ينشأ مبدعا حرا ومسئولا في آن واحد عما يفعل وعما يكتب. # هذه الأزمة الفكرية في بلادنا تؤكد التناقض الذي نعيش فيه، أو الازدواجية الأخلاقية ~~والسياسية والدينية التي تسود مجتمعاتنا. # في الوقت الذي نقدس فيه الشعب في موسم الانتخابات، ونعطيه حرية اختيار ممثليه في مجلس ~~الشعب، فإن هذا الشعب ms092 يصبح قاصرا وعاجزا عن اختيار ما يقرأ من روايات؟! # لا شك أن الحكومة أو وزارة الثقافة (أو أي وزارة أخرى) ليس من حقها أو واجبها محاكمة ~~المبدعين أو الحكم على الأعمال الإبداعية؛ لأن الضمير الإبداعي لدى موظف الحكومة (وإن ~~كان وزيرا) ليس أكثر وعيا أو حرية أو مسئولية من ضمير المبدعين من الرجال أو ~~النساء. # لكن السؤال: كيف يتكون الضمير الإبداعي إذا غابت الحرية؟ وكيف يتكون الإحساس ~~بالمسئولية (تجاه الذات والآخر) إن غابت الحرية في البيوت والمدارس والجامعات والأحزاب ~~والجمعيات؟! # هذه المعركة الأخيرة بين وزارة الثقافة والمثقفين تؤكد أننا في حاجة إلى طرح السؤال ~~مرارا وتكرارا: من يحكم على العمل الإبداعي؟ # أليس هو ضمير المبدع وإحساسه بالحرية والمسئولية تجاه القراء والقارئات من ~~الشعب؟! # إن القراء هم الحكم على الرواية أو العمل الإبداعي، وكثير من الأعمال الأدبية أو ~~الروايات تسقط وحدها بسبب إعراض القراء والقارئات عنها، ذلك أن القارئ والروائي وجهان ~~لشيء واحد، كلاهما حر ومسئول في آن واحد، ومن هنا ذلك المفهوم الجديد لما نسميه «القارئ ~~المبدع» أي القارئ الذي يستطيع أن يكون قارئا وناقدا، والذي تربى على حرية الاختيار، ~~وبالتالي مسئولية الحكم بنفسه على العمل الأدبي، ولا ينتظر القرارات الإدارية أو ~~التوجيهات من أعلى. # إن الإبداع يتعلق بالخيال والأحلام والأفكار المسكوت عنها بسبب الخوف من العقاب أو ~~الطمع في جائزة، هكذا نرى كم نخطئ في حق أنفسنا، وكم نلعب دورا في قتل الضمير الإبداعي ~~الحر حين يكون العقاب (أو الجوائز) هو الطريق الذي نتبعه للحكم على الأعمال ~~الإبداعية. # نحن في حاجة إلى فصل وزارة الثقافة عن الأعمال الخاصة بمراقبة الأعمال الإبداعية أو ~~الحكم عليها أو عقاب المؤلفين أو الأدباء أو غيرهم من المبدعين. # نحن في حاجة أيضا إلى فصل وزارة الثقافة عن منح الجوائز الأدبية أو الإبداعية؛ لأن ~~الثواب والعقاب وجهان لشيء واحد، والذي يمنح جائزة من حقه أيضا أن يعاقب، فيحجب ~~الجائزة، أو يصدر قرارا بإقالة المبدع، وكلاهما عقاب. # نحن في حاجة إلى فلسفة جديدة للأخلاق والتربية تقوم ms093 على الحرية والمسئولية، وعلى ~~الجدل والنقد، تكوين العقل النقدي؛ لأنه هو العقل الإبداعي. # وهذا يعني في النهاية «عدم الخوف»، كيف ينشأ الطفل والطفلة على الشجاعة والإقدام، ~~وعدم الخوف من نقد السلطة الأعلى في البيت أو المدرسة أو الجامعة أو الحزب أو الوزارة ~~أو المؤسسة التي يعمل بها؟! # لكن نحن نتربى على الخوف، نولد في الخوف ونموت في الخوف، نحن نخاف السلطة التي ~~تحكمنا، ويمكن لها أن تشردنا وتجوعنا وتحبسنا، لكن السجن قد يكون أخف وطأة من تشويه ~~السمعة الأدبية أو الإبداعية لمن يتجاوزون الخطوط الحمراء في الثالوث المحرم. # القاهرة، 15 يناير 2001 ~~(1) الزوجة المطيعة # قال لي أبي وأنا طفلة: # إن مريم العذراء كانت طاهرة، # حملت لقب زوجة الإله وأم الإله. # قال أبي كوني مثلها، # ولا تكوني مثل حواء الآثمة، # هكذا أطعت أبي وتزوجت الإله وأنجبت الإله؛ # إلا أن الناس رجموني بالحجارة، # قطعوا رأسي فوق المقصلة، # دقوني بالمسامير فوق الصليب، # وناديت الإله زوجي وأنا أنزف النفس الأخير، # وقلت يا إلهي لماذا تخليت عن زوجتك المطيعة؟! # كما تخليت من قبل # عن ابنك المسيح. ~~(2) أحلامها لم تتغير # جلست لأكتب وشريط الذكريات يعود بي إلى طفولتي، منذ دخلت المدرسة لأول مرة، وطلب منا ~~المدرس أن نكتب أسماءنا فوق الكراسة، كتبت اسمي نوال، وإلى جواره كتبت اسم أمي زينب، ~~هكذا دربتني أمي على الكتابة قبل أن أدخل المدرسة، لكن المدرس انتفض غاضبا حين رأى اسم ~~أمي ، أمسك القلم وشطب عليه بالحبر الأحمر بلون الدم، وقال لي: يا حمارة اسم الأم لا ~~يكتب، اكتبي اسم أبيك وجدك والد أبيك، كتبت كلمة «السعداوي» ويدي ترتعش بالغضب، إنه اسم ~~جدي الذي مات قبل أن أولد، رجل غريب عني لا أعرفه، وأمي التي أعرفها وأحبها يشطبون على ~~اسمها. # منذ تلك اللحظة بدأت أحلم بعالم آخر لا يشطبون فيه على أسماء الأمهات، ولا أحد يسألني ~~من هو أبوك؟ وما هو دينك؟ وما هو جنسك؟ وما هي جنسيتك؟ وما هي هويتك؟ وما هي عائلتك؟ ~~وغيرها من الأسئلة لا نكف عن سماعها ms094 منذ أن نولد حتى نموت. # في قريتي وأنا طفلة كنت أرى الأطفال يرتعشون ويموتون كالكتاكيت قبل أن يبلغوا العام ~~الأولى من العمر، من حولي أرى وجوه النساء ضامرة مشققة محروقة بالشمس، أجسامهن داخل ~~الجلابيب السوداء المتربة، يخرجن قبل الفجر إلى الحقول حافيات، يشتغلن بالفئوس في الأرض ~~ثم يعدن عند غروب الشمس، أشهدهن عائدات على الطريق الزراعية مع البهائم، ما أن يدخلن ~~حتى يشعلن الفرن، أو الكانون، ويبدأن الطبخ والخبز والغسيل والكنس، ثم يحملن الزلع فوق ~~رءوسهن ليجلبن الماء من النيل، وقت العشاء يجلس الرجال والأولاد والذكور يأكلون، بعد أن ~~ينتهوا ويشبعوا تجلس النساء والبنات ليأكلن ما بقي من الرجال والأولاد. # وفي أول أيام العيد أرى النساء داخل جلاليبهن السود المتربة سائرات إلى المقابر حين ~~يبكين على الموتى، تبكي الأم طفلها الذي صعدت روحه إلى السماء بسبب الجوع أو المرض، ~~وتبكي الزوجة زوجها الذي مات بالبلهارسيا، أو أخاها أو أباها الذي ذهب إلى الحرب ولم ~~يعد، أو ضربته سيارة مسرعة على الطريق، أو مات في السجن أو هاجر ولا تعرف له ~~طريقا. # كان ذلك في القرن الماضي في الأربعينيات، اليوم نحن في القرن الواحد والعشرين وبداية ~~الألفية الثالثة، رغم ذلك حين أزور قريتي تبدو وجوه النساء كأنما لم تتغير، وجلاليبهن ~~السوداء المتربة هي التي رأيتها منذ ستين عاما، وبكاؤهن ونحيبهن في المقابر أول يوم ~~العيد هو البكاء وهو النحيب، كأنما لم يتغير شيء في القرية، إلا أن مساحات الخضرة أصبحت ~~أقل مما كانت، زحفت المباني من الطوب كالأورام السرطانية، وأكلت الزرع والحقول، لم تعد ~~الشمس تدخل بيوت القرية كما كانت تدخل وأنا طفلة، أصبحت النوافذ مسدودة بجدران البيوت ~~المجاورة، أصبح الهواء ثقيلا بالدخان والغبار، والأزقة الضيقة أصبحت مسدودة بالسيارات ~~المستوردة من كل نوع، أما كل بيت من الطين سيارة وكوم من السباخ أو القمامة. # ابنة عمتي زينب تبدو امرأة عجوز مجعدة الوجه ضامرة الجسم متورمة المفاصل، تجلس في ~~مدخل البيت أمامها جهاز تليفزيون فوق منضدة خشبية مشققة، تتابع بعينيها المضعضعتين ~~فيلما ms095 أمريكيا تتلوى فيه أجساد نساء نصف عاريات يطلق الرصاص في كل اتجاه، وتضج ~~القرية بأصوات عشرات الرجال يؤذنون للصلاة من فوق مآذن الجوامع ركبت عليها ~~الميكروفونات، ترتفع أصواتهم إلى السماء، لا ينافسها في الارتفاع إلا الإعلانات عن ~~سجائر مارلبورو وكوكاكولا وسفن أب وسبرايت على أعمدة الطرق الزراعية. # يتخلل عرض الفيلم مقاطع من الإعلانات عن غسول الشعر الأمريكي سان سيلك، تظهر امرأة ~~عارية تحت الدش تغسل شعرها بالشامبو ذي الرغوة الغزيرة، تطل ساقاها البيضاوان من تحت ~~الماء، يلي ذلك فقرة قصيرة دينية، يظهر شيخ وقور يتكلم بصوت رصين، يمتدح حجاب المرأة ~~وطاعتها لزوجها، واحتشامها درءا للفتنة، ثم تعود الفقرة الإعلانية ونرى امرأة لها ~~شفتان مغريتان تحركهما في دلال وتضغط عليهما بقلم روج أحمر مستورد. # طوال هذا الوقت كله تجلس ابنة عمتي زينب أمام الشاشة، تشهد الصور المتعاقبة أمام ~~عينيها، ومن باب الزريبة المفتوحة تطل البقرة أيضا تتابع فوق الشاشة المضيئة، تمسح ~~زينب حبات العرق فوق جبينها بطرف طرحتها السوداء، مفاصل أصابعها متورمة مشققة بمقبض ~~الفأس حفرت به الأرض السنين، أكثر من نصف قرن. # عيناها سقطت رموشها، جفت فيها دموعها، تقرب فمها من أذني وتهمس: «من ستين سنة وأكثر ~~لما كنت عيلة صغيرة في المدرسة الابتدائي كان نفسي أبقى دكتورة عشان أهرب من العيشة ~~السودة دي، لكن الحلم راح، اشتغلنا زي العبيد في الأرض عشان نعلم أولادنا في المدارس، ~~ودخلوا الجامعة واتخرجوا بعد التعب والشقا في المذاكرة، وتعبنا وشقانا في الأرض، وأهم ~~زي ما انتي شايفاهم، قاعدين جنبنا في البيوت من غير شغل، أو واقفين صايعين في الشوارع، ~~ما فيش شغل ولا وظايف، ولا الأرض بقت تجيب تمنها ولا تمن الشغل فيها، زمان كنا بنزرع ~~أكلنا وناكل عيشنا، دلوقتي بقينا نشتري العيش ونشتري الأكل، حتى الفول المدمس اللي كنا ~~بنزرعه في أرضنا بقينا نشتريه في علب جاية من بلاد بره، بيقولوا عليها ~~كاليفورنيا.» # أراها ترمقني بعينيها الذابلتين كأنما تسألني، ولا أعرف ماذا أقول لها، وما هي أحلامي ~~التي يمكن أن أحدثها عنها ms096 في بداية الألفية الجديدة؟ هل أقول لها إن هناك نهاية لهذا ~~البؤس الذي تعيشه وأهل القرية؟ هل أقول لها إن الأحوال تزداد سوءا عاما وراء عام؟ إن ~~مصر تنوء تحت عبء الديون الخارجية، وإن هناك عجزا في الميزانية العامة، في التجارة ~~والصناعة والزراعة، إن مصر تستورد طعامها، إن الفقراء يزدادون فقرا، والأغنياء يزدادون ~~ثراء، وإن الفقر يصيب النساء أكثر لأنهن الشريحة الأضعف، الشريحة التي تطرد من سوق ~~العمل بأجر بسبب البطالة، تحت اسم العودة إلى حظيرة الدين، هل أقول لها إن العالم يحكمه ~~نظام فاسد قائم على القوة وليس الحق، وإن 443 رجلا فقط في العالم يملكون نصف ما يملكه ~~ستة بليون من سكان الأرض؟ وإن هؤلاء الذين ينتجون ويتاجرون في الأسلحة يشعلون الحرب ~~والفتن بين الناس تحت اسم اختلاف الدين أو العرق أو الهوية؟! وإنهم هم الذين يتاجرون ~~بالمخدرات والعقاقير والأديان والبترول وصدام الحضارات؟ وإن الحكومات المحلية تعمل معهم ~~ضد مصالح الأغلبية من البشر، هل أطلب منها أن تعمل أكثر هي التي لم تكف في حياتها عن ~~العمل كل يوم من الشروق إلى الغروب؟ # هل أقول لها إن المقهورات والمقهورين في بلاد العالم قد بدءوا يخلعون عن عقولهم ~~الحجاب، يكتشفون الخديعة ويثورون ضد النظام العالمي الجديد والقديم، إن مظاهرات سياتل ~~تتكرر في كل بلد، وإن الحواجز بين البشر سوف تسقط ويسقط معها النظام الدولي؟! # هل أشرح لها ماذا حدث في سياتل ؟ هل أقول لها إن أحلامي منذ الطفولة هي أحلامي، وأنني ~~حين أنام أشهد سقوط هذا النظام غير العادل؟ هل أقول لها إنها هي زكية بطلة روايتي ~~«الإله يموت في حضن» زكية المرأة المكلومة الثكلى التي استطاعت أن تتحدى العمدة، وتكشف ~~الصلة الخفية بين السلطة السياسية والسلطة الدينية في القرية؟ # ثم دق جرس التليفون فوق مكتبي، جاءني صوت المحررة من لندن تسألني عن المقال، قلت لها ~~كتبت نصفه فقط وباللغة العربية، قالت أرسليه بالفاكس، وسوف نجد له مترجما، ويمكنك ~~إرسال النصف الباقي غدا حتى يمكن نشر المقال بعد غد. ms097 # إلا أنني لم أكتب النصف الآخر من المقال، كنت أعرف أنني قلت ما أريد في النصف الأول، ~~إن أحلامي لم تتغير منذ كنت طفلة صغيرة في القرية، تحلم بالحرية، تحلم أن الفروق بين ~~البشر قد اختفت، فلا شيء يفرق المرأة عن الرجل، أو الأب عن الأم، أو الولد عن البنت، أو ~~المسلم عن القبطي، أو العامل عن الفلاح عن العمدة، ألسنا جميعا أولاد وبنات تسعة - كما ~~كانت جدتي الفلاحة تقول - (تسعة يعني شهور حمل داخل الرحم) يستوي في ذلك الملك والغفير ~~والغني والفقير والرجل والمرأة، صوت جدتي لا زال يسري في أذني - رغم مرور أكثر من ستين ~~عاما - «ربنا هو العدل عرفوه بالعقل» وإذا كان الله هو العدل فما الفرق بين دين ودين؟ ~~لماذا لا تلغى إذن خانة الدين من بطاقات الشخصية؟! ولماذا يشطبون على أسماء الأمهات ~~فوق كراريس التلاميذ والتلميذات؟! السؤال الملح لم يفارق عقلي منذ دخلت المدرسة. # القاهرة 2000 # | الخيال الذكوري المبتور في الأدب الشائع # الخيال المبتور في نظري أكثر خطورة من الجسد المبتور الأعضاء، وقد كثر الكلام في ~~بلادنا عن بتر جزء من الجسم في عمليات الختان الشائعة للإناث والذكور، لكن نادرا ما ~~يتكلم أحد عن بتر الخيال في الأعمال الأدبية الشائعة. # لا شك أن بتر الجسد عمل غير إنساني أو عمل إجرامي، خاصة إذا وقع على طفل أو طفلة لا ~~تملك القوة للدفاع عن نفسها أو عن نفسه. # لكن بتر الخيال أخطر؛ لأن الناس ترى الجسد وتتألم لألمه، لكن الخيال لا يراه أحد، ~~الخيال لا ينزف الدم بعد البتر، ولا يتحدث عنه أحد، رغم أن الجسد بدون خيال جسد ميت أو ~~شبه ميت، والمجتمع بدون خيال جسد مجتمع عاجز عقيم، فالخيال هو القوة الدافعة وراء ~~الإبداع في الحب والعلم والطب والأدب والسياسة والاقتصاد والجنس والفلسفة، الخيال هو ~~قوة اكتشاف المستقبل والتنبؤ به. # حرية الخيال وسلامته واكتماله هي الوقاية الحقيقية للمجتمع من قوى العنف والإرهاب، ~~وحركات القهر والعودة إلى التخلف والوراء. # الخيال هو مشروع التمرد والثورة ضد ms098 الظلم والجهل وفساد الضمير، وازدواج المقاييس، ~~والثنائيات الباطلة، التي نشأت منذ عصور العبودية حين انقسم المجتمع إلى أسياد وعبيد، ~~واندرجت النساء مع الماشية تحت بند العبيد. # خطرت لي هذه الأفكار وأنا أقرأ رواية الأعشاب التي ثارت حولها الضجة في مصر في الشهر ~~الماضي، ثار بعض الناس وتظاهروا ضد الرواية؛ لأن فيها بعض عبارات قالوا إنها تمس ~~المقدسات الدينية. # حين قامت الضجة لم أحاول الحصول على نسخة من الرواية أو الكتابة عنها، لكني وقفت ~~بالفطرة والطبيعة مع حرية الإبداع وإطلاق العنان للخيال دون حدود أو قيود، إن هذا هو ~~شرط تاريخي في مجالات الاختراعات العلمية والفنية على حد سواء. # كنت على يقين أن الضجة سوف تنتهي، بعد أن تنتصر حرية الإبداع والخيال على كل ما ~~يعوقها أو يقيدها تحت مسميات أخلاقية ودينية. # ثم وقعت تحت يدي بالصدفة نسخة من الرواية، جاءتني هدية من شابة سورية، أرادت أن تعرف ~~رأيي في الرواية؛ لهذا قرأتها باهتمام شديد، أدركت بعد قراءتها أنها لا تمس المقدسات ~~الدينية، لكنها رواية مبتورة الخيال، تتحول فيها الإنسانة المرأة إلى مجرد أنثى تملك ~~فخذين من الرخام الناعم، سواء أكانت عشيقة محتقرة أو حبيبة مقدسة. # تبدأ الرواية في أول صفحة تقول: أنا الصياد الذي لا يرتاح أبدا، والتي أقصدها تطير ~~أمامي، تقودني إلى ما وراء الجبال، عبر بحار بلا شموس، داخل الليل والموت. يقتبس ~~المؤلف هذه الكلمات من رجل اسمه هومان ملفيل، أول صفحة نرى بطل الرواية يجري وراء فتاة ~~ترفع الريح ثوبها عن فخذين كالرخام ناصعي البياض مكتنزين باللحم، يناديها باسم طفلتي ~~الملائكية، اسمها آسيا الأخضر، بطل الرواية اسمه مهدي جواد، له أيضا عشقية اسمها فلة، ~~يصفها بالشهوانية والدمامة والاحتقار، امرأة يقول عنها ثرثارة مبذولة، وقد رأى ما بين ~~فخذيها وهي تصعد الشجرة فأثارت شهوته. # منذ الطفولة ندرك أن مهدي جواد ممتلئ برغبة عارمة في الصيد وقتل الطيور والحيوانات، ~~وقد امتدت نزعة الصيد على جنس النساء في شبابه، مع ذلك يقدم نفسه كمناضل وطني يؤمن ~~بالاشتراكية والعدالة في حياة ms099 البشر، لكن خيال المؤلف مبتور لا يرى من البشر إلا نصفهم ~~فقط وهم الرجال الذكور؛ لأن النساء في الرواية مجرد كائنات خلقها الله من أجل إشباع ~~الغريزة الجنسية عند بطل الرواية وزملائه المناضلين، الذين هربوا من الاستبداد والقمع في ~~بلدهم العراق، وهاجروا إلى الجزائر. # يدور الحوار بينهم كالتالي: خلق الرجل للمبيت في أكثر من عش، تلك رغبة ربنا وأنبيائه والمرسلين. ~~- أي عش يفضل وريث الأنبياء؟ ~~- الدافئ والضيق. # تتعدد العلاقات الجنسية في حياة الرجل منهم تحت اسم الطبيعة الذكورية والدين، رغم ~~سخرية البطل من بعض التناقضات في القيم الدينية والسياسية التي تحكمهم، إلا أن خياله ~~عجز عن إدراك التناقض في علاقته بالنساء، أو إدراك ما هي الطبيعة الأنوثية، فالرجل في ~~نظره له طبيعة الإنسان الذي يفهم القضايا السياسية الكبرى، أما المرأة فهي ليست ~~إنسانا، ولا تفهم هذه القضايا السياسية، وهي إما طفلة ملائكية لإشباع عاطفة الرجل ~~العذرية المبتورة، أو أنثى محتقرة شيطانية متعددة العلاقات بالرجال. # حين تكبر هذه الطفلة الملائكية تصبح جسدا أنثويا ناعما أو مؤخرة حريرية وحلمة ~~ثدي، رغم أن هذه الفتاة أمسكت السكين وكادت تقتل عمها من أجل مهدي جواد، لكن مهدي جواد ~~لا يدرك هذا الفعل الإنساني الكبير من ناحيتها، ويظل يراها مجرد جسد أنثوي، ويدوس عند ~~الغضب على كرامتها، ويمارس الجنس مع غيرها من النساء دون أن يشعر بالخطأ، ويتحدث عن ~~العدالة في كل شيء إلا العدالة في علاقته الخاصة بالنساء، يعجز خياله الذكوري عن تصور ~~علاقة عادلة ديمقراطية بين الرجل والمرأة، مع ذلك يتحدث عن غياب الديمقراطية في ~~الدولة التي هرب منها، لا يدرك أن غياب الديمقراطية تحت قبة البرلمان ترتبط ~~بالديمقراطية في غرفة النوم. # تمتلئ غرف نوم الرجال في الرواية بالدكتاتورية، والأحادية الفكرية، والانفصام بين ~~الحياة العامة والحياة الخاصة، دون أن يدرك أحدهم (بما فيهم بطل الرواية) أن هذا ~~التناقض في حياتهم ينبع من خيال ذكوري مبتور موروث منذ نشوء العبودية، أو ما يسمى ~~النظام الطبقي الأبوي، رغم سخريتهم من الدين في حياتهم العامة، فإنهم ms100 يستخدمون الدين في ~~حياتهم الخاصة لتبرير الازدواجية الأخلاقية في علاقتهم بالنساء. # كان مهدي جواد يحارب الاستبداد والطغيان في العراق، إلا أنه في الفراش لا يرى طغيانه، ~~إنه ذكر متضخم الذكورة مستبد في ذكورته، سواء مع الحبيبة الصغيرة ذات الفخذين من ~~الرخام، أو مع العشيقة الدميمة الزفرة المرذولة. # يقول البطل عن النساء كل النساء إن لا شيء يهمهن في الرجل إلا هذا (يشير إلى ذكورته) ~~وينطق ألفاظا جارحة بالنساء، أكثر فظاظة من تلك التي يصف بها الحاكم المستبد في بلده، ~~فهو يخاف منه رغم البعد، وهو يخاف أيضا من الله، رغم كونه في السماء البعيدة أبعد من ~~الحاكم في العراق، أو رجال الشرطة في الجزائر، ربما لأن عقابهم أقرب إليه وأسرع من ~~عقاب الله، إن عقاب رجال الشرطة يتجسد في البنادق والرصاص والهراوات، لكن العقاب بعد ~~الموت لا يتجسد إلا في الخيال. # حدث مرة أن تعارك الرجال المهاجرون في ساحة بونة، اشتبكوا في معركة يضربون بعضهم ~~البعض بالسكاكين والشوك وزجاجات البيرة، أصيب مهيار صديق مهدي جواد بجراح وهو يدافع عن ~~مهدي في غيابه، وقال مهيار لبطل الرواية: نحن ندافع عنك في ساحة بونة ونجرح، وأنت ~~تعانق حبيبتك آسيا الأخضر على البحر؟! يضحك مهدي جواد ويسخر من حبيبته آسيا الأخضر ومن ~~كل النساء، يعبر عن احتقاره لعلاقة الحب وعلاقة الجنس مع الحبيبة الملائكية والعشيقة ~~الشيطانية على حد سواء، ويقول لمهيار: وهل تركوا لنا أولاد القحبة غير ذلك؟! كلمة «ذلك» ~~تعني العلاقة بالنساء، أما أولاد القحبة فهم أعوان الحاكم المستبد في العراق، الذين ~~حالوا بينهم وبين النشاط السياسي المحترم، ولم يبق أمامهم إلا النشاط الجنسي مع ~~النساء. # تمتلئ الرواية بكلمات من نوع آخر، أولاد الزواني، أولاد القحبة، يتوجه السباب في معظم ~~الأحيان إلى المرأة القحبة أو الأم الوالدة وأعضائها، أو المرأة الزانية التي يمارسون ~~معها الجنس في الليل ثم يلفظونها كالبصقة في النهار. # أليس هذا هو الخيال الذكوري المبتور الذي لا يرى الرجل إلا حيوانا سياسيا، أو ~~حيوانا جنسيا، وليس له نشاط آخر ms101 في الحياة. # يقول أحدهم في الرواية عن العشيقة «فلة» التي تمارس معهم الجنس، تشبع حاجتهم وحنينهم ~~إلى الوطن والأم، تعالج جروحهم في المعركة في ساحة بونة بالغسيل والمطهرات، تزيل عنها ~~الصديد والدم، تسهر بجانبهم طول الليل وهم مرضى بين الحياة والموت، يدفنون رءوسهم ~~المتعبة في صدرها الكبير الحنون كصدر الأم، لكن ما أن يتماثلوا للشفاء وينهضوا من ~~الفراش حتى يلفظونها كالبصقة، يقولون عنها امرأة مرذولة، امرأة مبولة، وعاء لتفريغ ~~التوتر وما هو زائد عن الجسم، يقذفون فيها كل ما تطرده أجسادهم. # يظهر واضحا في الرواية أن العلاقة الإنسانية الوحيدة هي بين الرجل والرجل، الحب ~~الوحيد المحترم هو بين مهدي جواد وصديقه مهيار، هذا الحب أكثر عمقا وأكثر صدقا ~~واحتراما من حبه لآسيا الأخضر، الحبيبة الملائكية! # أما العشيقة «فلة» فهي على علاقة أيضا بكوميسار الشرطة في الجزائر، إنه صديقها من ~~«النوع السريري» بلغتهم التهكمية على المرأة التي ترعاهم كالأم، مع ذلك يلجئون إليها ~~لتتوسط لدى الكوميسار لحمايتهم من الشرطة. # هذه المرأة الساقطة في نظرهم تمنحهم الحب والحنان، تعرض نفسها للخطر والموت من أجل ~~إنقاذ حياتهم، أما هم فلا يبذلون أي جهد لحمايتها، بل يضحون بها مثل كبش الفداء من أجل ~~إنقاذ أنفسهم، ويقولون عنها امرأة سرير ساقطة مرذولة تمارس الجنس، معهم ومع رجال ~~الشرطة، بعضهم يتشكك في كونها جاسوسة وربما تفشي أسرارهم إن سألها الكوميسار عن علاقتها ~~بهم. # يخاطب هؤلاء الرجال بعضهم البعض بكلمة يا حلوف، ربما يعرفون بعضهم البعض أكثر مما ~~تظهره الرواية، أما الفتاة الطفلة الملائكية حبيبة بطل الرواية، فهي تقدم له الحب والجنس ~~واللذة في سرير الحب النظيف، وهي الطعم في السنارة الذي يأكله السمك، هي تقع في المصيدة ~~لأنها أحبت مهدي جواد بصدق وإخلاص، يطاردها رجال أسرتها حتى تشهر السكين في وجه عمها، ~~تدافع عن مهدي جواد حتى آخر نفس، مع ذلك لا تحظى آسيا الأخضر بما يحظى به صديقه مهيار ~~من الاحترام أو الصداقة أو حتى الحب، هو يراها مجرد أداة لتفريغ ما هو زائد عن ms102 الجسد، ~~وسيلة لنسيان الهزيمة والإحباط والقمع السياسي، وهي تراه إنسانا كاملا عاقلا شريفا ~~مناضلا وطنيا، يختلف عن الرجال الشرقيين. # كلمة «الشرقيين» هنا تعبر عن رؤية مهدي جواد للشرق، كأنما الشرق هو المسئول عن تخلف ~~الرجال، وليس النظام الطبقي الأبوي الذي يحكم الشرق والغرب على حد سواء يعجز خيال الرجل ~~عن إدراك حقيقة الظلم في الشرق والغرب، يقع في هذه الثنائية الباطلة التي تقسم العالم ~~إلى شرق وغرب، وتجعل الغرب أعلى مكانة من الشرق لمجرد أنه غرب، بمثل ما تجعل الرجل أعلى ~~مكانة من المرأة لمجرد أنه ذكر. # رغم ما يعلنه بطل الرواية أنه غير مؤمن بالمقدسات الموروثة، إلا أنه في الحقيقة مؤمن ~~بها فيما يخص العلاقة بين الرجال والنصف الآخر من المجتمع وهن النساء، إنه يؤمن ~~بالثنائيات الباطلة، ويعجز خياله عن إدراك التناقضات فيها. # أخطر ما في الرواية أنها تؤكد الازدواجية الأخلاقية، والنظرة الدونية لنصف البشرية من ~~النساء، هذه الرواية تبتر الخيال أكثر مما تبتر إنسانية المرأة، وإذا كان الخيال الأدبي ~~مبتورا أصبح المستقبل مبتورا يمشي على ساق واحدة، وينظر إلى الأمور بعين واحدة هي عين ~~الذكر. # القاهرة 2000 # | 4 قصائد صغيرة # (1) ذاكرة النسيان # كم اتسعت المسافة بيننا وبين نفسنا. # لم تعد نفسنا هي نفسنا، # أصبحنا نحمل نفوسا أخرى، # وعقولا أخرى، # وأسماء لا تدل علينا، # ونحن نساء ولسنا رجالا، # فلماذا يخاطبوننا بصيغة المذكر؟ # ولماذا نحمل فوق أجسادنا أسماء ذكور؟ # يقولون ابنة فلان أو حرم فلان أو أم فلان، # ويطلبون منا أن نشكرهم ونشعر بالفخر، # والرجل منهم إن حمل اسم أمه يشعر بالعار، # وإن حمل اسم زوجته يموت من الخزي، # فماذا نفعل نحن النساء يا نساء؟ # ألا نعود إلى أنفسنا؟ # نتذكر أسماءنا وتاريخنا، # ونستعيد ذاكرة نسياننا. # القاهرة 1982 ~~(2) متى أشك في نفسي؟ # رأيتهم يتنافسون لمصافحة المسئول الكبير، # يدوسون على أقدام بعضهم البعض، # يسيل لعابهم بكلام معسول، # أو مسموم. # يعملون في الحكومة والمعارضة وكل شيء، # يجلسون في الصفوف الأمامية، # يقبضون الماهية والعمولة والحوافز، # يحصدون الجوائز؛ # في الأدب والعلم والدراسات السياسية والاجتماعية، # رجال ms103 ونساء ينطقون الفصحى بلكنة أمريكية، # يعيشون خارج الوطن وداخله، # يحملون لقب مفكرين أو مثقفين أو غير ذلك، # ويسألونني أين أنت يا أنت؟ # وأقول لهم لن أحصل أبدا على جائزة، # وإن حصلت عليها في يوم؛ # فسوف أبدأ الشك # في نفسي. # القاهرة 1998 ~~(3) النفقة للرجل # سمعت زوجها يهددها بالطلاق، # أو يصفعها على وجهها مهددا # بقطع النفقة. # وهي تتمسح عند قدميه مثل قطة جائعة # من أجل النفقة، # يفرض عليها الطاعة مقابل الإنفاق، # وتدوخ السبع دوخات. # السبع سنين؛ # لتحصل على الملاليم. # وجاءني الزوج يحمل الهدايا والمهر، # أعدتها كلها إليه، وقلت: # الهدية رشوة والمهر إهانة. # وجاءني الزوج الثاني يهددني بالدخول في بيت الطاعة، # كانت نكتة ضحك لها الجميع، # وقلت له خلعتك عني حسب قانون الخلع، # ولتذهب أنت إلى المحكمة إن شئت # وتطلب النفقة. # القاهرة 2000 ~~(4) سأمشي حتى النهاية # سأمشي حتى النهاية، # لن أتوقف أبدا في منتصف الطريق، # ولن أعود أدراجي إلى الوراء # لأقول نعم. # إلى آخر المدى سأمشي، # مرفوعة الرأس، # لا أخشى قطعها، # لن أفقد بموتي # إلا الأغلال، # وإن اختفى اسمي في التاريخ، # وإن أهالوا علي التراب، # فهناك من يحملون بصمتي، # وكلمتي وصورتي؛ # لأنني امرأة لم تلد عيالا # ترسلهم إلى الحرب # ليموتوا؛ # بل ولدت كبارا عاشوا # رغم الحروب، # ونساء مبدعات، # غيرن العالم # والتاريخ. # القاهرة 1998 # | رحلة الصيف إلى الجنوب # اندهشت صديقتي الكاتبة المصرية البارزة حين قلت لها إنني مسافرة إلى الجنوب ~~الأفريقي، كانت هي تعد حقائبها إلى الساحل الشمالي حيث الفيلا الكبيرة على بحيرة ~~مارينا، إن الحر في القاهرة لا يطاق في شهر أغسطس مع زيادة الرطوبة، لم تكن الكاتبة ~~البارزة (الحاصلة على درجة الدكتوراه في الجغرافيا أو التاريخ) تعرف أن الأرض تدول حول ~~الشمس وليس العكس، كما اعتقد بعض الآلهة القدماء، وأن المدار الذي تدور فيه الأرض له ~~شكل بيضاوي مائل، وحين تكون الشمس رأسية حامية فوق أرض مصر خلال شهر أغسطس فإنها تصبح ~~فوق الجنوب الأفريقي مائلة حانية حنان الأم أو الأب الذي يفهم معنى الأبوة الحديثة، قلت ~~لصديقتي الكاتبة البارزة التي تدرس ms104 لطلاب الجامعة الجغرافيا أو التاريخ: «أغسطس هو ~~شهر الشتاء في الجنوب الأفريقي وليس الصيف»، اندهشت الكاتبة وقالت: «أهكذا تنقلب فصول ~~السنة فوق القارة الواحدة؟» # كانت الدعوة قد جاءتني لحضور معرض الكتاب الدولي الذي يعقد في زيمبابوي كل عام خلال ~~أجمل الشهور في الشتاء، وهما يوليو وأغسطس، لم تكن صديقتي (الأستاذة الجامعية والكاتبة ~~المعروفة) تعرف أن «هاراري» هي عاصمة زيمبابوي، وأنها تقع في أقصى الجنوب الأفريقي شمال ~~مدينة جوهانسبرج، نطقت كلمة هاراري بطرف لسانها وقلب الراء إلى الغاء (مثل بنات ~~الأرستقراطية المصرية الفرنسية القديمة) وقالت: يا عزيزتي لن يكون لأفريقيا وجود فوق ~~خريطة العالم في القرن الواحد والعشرين، إنها تغرق في الجهل والمرض والحروب الأهلية، ~~قلت لها: «وماذا عن مصر؟» انتفضت وصاحت: «لأ! مصر حاجة تانية! مصر ليست في أفريقيا يا ~~عزيزتي! مصر في الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط!» # قلت لها: «مصر في أفريقيا، في شمال أفريقيا انظري إلى الخريطة!» إلا أن صديقتي ~~الكاتبة البارزة والأستاذة الجامعية لم تكن تريد الاعتراف بالجغرافيا والواقع والحقيقة، ~~وظلت تقول مصر ليست من البلاد الأفريقية. # علاقتي بأفريقيا أشبه ما تكون بالعلاقة العضوية، تجذبني إلى منابع النيل رائحة الأرض ~~والماء والزرع، كأنما ولدتني أمي في قلب أدغال أوغندة على أحد شواطئ بحيرة فيكتوريا، ~~وقد عشت في قلب أفريقيا حين اشتغلت بالأمم المتحدة في اللجنة الاقتصادية لأفريقيا عام ~~1979، وكان مقري أديس أبابا، واقتضى العمل أن أسافر في جميع البلاد الأفريقية شرقا ~~وغربا وشمالا وجنوبا، وكان الانتقال من بلد أفريقي إلى بلد أفريقي آخر لا بد وأن يمر ~~بإحدى العواصم الأوروبية، ولكي أصل من أديس أبابا، إلى السنغال أو النيجر وساحل العاج ~~لا بد أن أطير شمالا إلى القاهرة، ثم أجتاز البحر الأبيض المتوسط إلى باريس، ومن باريس ~~أركب الطائرة إلى داكار في السنغال، لكن اليوم، وبفضل مصر للطيران أصبحنا نطير مباشرة ~~من القاهرة إلى هاراري دون المرور على أوروبا. # أول مرة سافرت إلى هاراري عاصمة زيمبابوي كان في شهر يوليو 1985، بعد انتهاء المؤتمر ~~الدولي للمرأة الذي ms105 عقد في نيروبي، كنا مجموعة من الكاتبات الأفريقيات تزيد عن الثلاثين ~~كاتبة وأديبة وشاعرة، قررنا أن نؤسس معا جمعية للكاتبات الأفريقيات، وتم اختيار مدينة ~~هاراري لتكون مقر اللقاء الأول، وسافرنا معا من نيروبي إلى هاراري، وفي فندق «مونو ~~موتابا» (باسم إحدى الإلهات الأفريقيات القديمات) جلسنا في قاعة «إندابا» وأعلنا إنشاء ~~جمعية الكاتبات الأفريقيات، وقد مضى على هذا اليوم أربعة عشر عاما حين وجدنا أنفسنا ~~مرة أخرى في القاعة ذاتها والفندق ذاته، وربما الوجوه والأسماء ذاتها، زاد علينا بعض ~~الشابات الكاتبات من الكاميرون، وناميبيا، وبوتسوانا، وغانا، ومالي، وتنزانيا، وزامبيا، ~~وأوغندة، والصومال، بلغ عددنا أكثر من خمسين كاتبة، وبحثنا عن الجمعية القديمة التي ~~أقمناها عام 1985 فلم نجد لها أثرا، أين راحت؟! قالت الكاتبة الأفريقية من غانا ~~واسمها «آما آثا أودو»، «لقد تفرقنا يا نوال، وتبعثرنا في القارات من أمريكا الشمالية ~~إلى أستراليا، وكندا، هربا من الحكومات الدكتاتورية في بلادنا الأفريقية»، إنها «آما ~~آثار أودو» إحدى الكاتبات الشهيرات الأفريقيات التي كانت وزيرة للثقافة في غانا، ~~وبانقلاب الحكم اضطرت إلى الرحيل إلى أمريكا الشمالية حيث أصبحت أستاذة زائرة في جامعة ~~بولاية نيويورك، وأيضا الكاتبة الأفريقية من كينيا واسمها «ميشيري موجو» التي هربت من ~~الاضطهاد في كينيا، وبحثت عن عمل خارج وطنها في كندا وأستراليا، ثم استقر بها الحال في ~~جامعة سيراكيوس بالولايات المتحدة، والكاتبة «سينديو ماجونا» من جنوب أفريقيا التي هربت ~~من حكومة الآبارثايد العنصرية، وحصلت على وظيفة بالأمم المتحدة في جنيف، وغيرهن ~~الكثيرات من الأديبات المبدعات في أفريقيا اللائي أنقذن حياتهن من براثن الاضطهاد في ~~أوطانهن، وهاجرن إلى بلاد الله الواسعة، حيث أثبتن كفاءتهن الأدبية أو العلمية وحققن ~~شهرة عالمية أو مكانة بارزة في العالم، لم يحظ بها بعض حكامهن. # قلت لآما آثا أودو وميشيري موجو وسينيو ماجونا: «لماذا لا نعيد تأسيس جمعيتنا القديمة ~~للكاتبات الأفريقيات؟» وفعلا جلسنا في القاعة ذاتها التي جلسنا فيها منذ أربعة عشر ~~عاما، وأعلنا قيام جمعية الكاتبات الأفريقيات، وعدد المشاركات في التأسيس الجديد خمسة ~~وستون كاتبة، والتاريخ ms106 2 أغسطس 1999. # تلفت حولي أبحث عن كاتبات من أفريقيا الشمالية فلم أجد كاتبة من المغرب أو تونس أوالعالم في القرن الواحد ~~ليبيا أو الجزائر، ومن مصر لم يكن هناك إلا أنا. # وقلت: «أين الكاتبات في الشمال الأفريقي؟!» وقالت ميشيري موجو: «المشكلة أن الكاتبات ~~في شمال أفريقيا يكتبن باللغة العربية، وقليل جدا من تترجم أعمالهن إلى الإنجليزية ~~أو الفرنسية.» # كانت «تيي تسي داجا ريمبو» (من زيمبابوي) قد قدمت بحثا في إحدى ندوات معرض الكتاب ~~الدولي 99 عن «مشكلة اللغة في التواصل بين الكاتبات الأفريقيات»، إن معظم الكاتبات من ~~أفريقيا اللائي يشتهرن عالميا يكتبن باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، أما اللائي يكتبن ~~باللغات الأفريقية المحلية؛ فلا مكان لهن فوق خريطة العالم، وهذه بعض آثار الاستعمار القديم ~~والجديد. # لهذا كان أول هدف من الأهداف التي وضعناها لجمعية الكاتبات الأفريقيات هو: ~~(1) # العمل على ترجمة أعمال الكاتبات من اللغات المحلية إلى اللغات العالمية. ~~(2) # تشجيع الكاتبات على الكتابة باللغة المحلية حتى لا تنعزل الكاتبة عن أهل بلادها، ~~ومن بعد الكتابة باللغة المحلية يمكن الترجمة بعد ذلك لمن تشاء. ~~(3) # عقد الندوات الأدبية المشتركة بين الكاتبات الأفريقيات على الأرض الأفريقية وليس ~~في أوروبا وأمريكا. ~~(4) # مناقشة الأعمال الأدبية التي تنتجها الكاتبات الأفريقيات، والتي يتجاهلها النقاد ~~الرجال. # إحدى الندوات في معرض الكتاب الدولي 99 في زيمبابوي ناقشت سيرتي الذاتية «أوراق ~~حياتي» التي ترجمت إلى الإنجليزية بعنوان «ابنة إيزيس»، وقد دهشت حين علمت أن هذه ~~السيرة الذاتية قد نالت الاهتمام الأدبي من معظم النقاد في القارة الأفريقية ~~«والأوروبية والأمريكية» إلا الأصدقاء النقاد في مصر، رغم أنها صدرت باللغة العربية 3 ~~سنوات عن دار الهلال، وصدر الجزء الثاني منها العام الماضي عن دار المستقبل العربي، مع ~~ذلك لم يهتم بها في بلدنا إلا النادر القليل، بل إن جمعية الكاتبات المصريات رفضت عقد ~~ندوة أدبية لمناقشة هذه السيرة الذاتية، وقالت إحدى المسئولات بها: «يا خبر إسود! دي ~~سيرة ذاتية خطيرة!» # منذ ثلاثين عاما (وبالضبط عام 1969)، طرأت لي فكرة إنشاء جمعية للكاتبات المصريات، ~~عرضت الفكرة ms107 على بعض الصديقات الكاتبات، وبدأنا تسجيل الجمعية بوزارة الشئون الاجتماعية ~~عام 1970، وفعلا ولدت الجمعية إلا أن انقلاب السياسة في عهد السادات قد أدى إلى ~~تجميد نشاط هذه الجمعية لأكثر من عشرين عاما، ولم تستأنف عملها إلا في السنين ~~الأخيرة. # تذكرت هذا التاريخ وأنا أشارك في ندوة معرض الكتاب الدولي في زيمبابوي، وأستمع إلى ~~كبار النقاد في العالم يناقشون سيرتي الذاتية، تذكرت أيضا أن معرض الكتاب الدولي الذي ~~يعقد بالقاهرة (كل عام في بداية الشتاء) لم يعقد ندوة واحدة لمناقشة أي كتاب من كتبي، ~~ولم يسمع شيئا عن سيرتي الذاتية أو غيرها من مؤلفاتي، وقد رفض عقد ندوة أتحدث فيها ~~لرواد معرض الكتاب من الشباب والشابات، وقال أحد المسئولين عن إقامة المعرض: يا خبر ~~إسود ندوة لنوال السعداوي؟! دي كاتبة خطيرة! # أجمل ما شهدت في مدينة هاراري هذا العام هم أطفال المدارس الذين تجمعوا في مسرح ~~«شيباوو» الأفريقي يوم 3 أغسطس 1999، فوق خشبة المسرح صعدت طفلة في الثانية عشر من ~~عمرها وراحت تقرأ بعض الفقرات من أحد كتبي المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، ثم شاركها ~~بعض الأطفال من البنات والأولاد، وراحوا يقدمون مسرحيات قصيرة مأخوذة من روايات ~~الأديبات الأفريقيات ومنها بعض رواياتي. # وسط التصفيق الذي ملأ القاعة الفسيحة التي تضم أكثر من ألف طفل وطفلة وقفت وقلت: «هذا ~~يوم من أجمل أيام حياتي؛ لأنه يقع فوق أرض أفريقية، ولأني أرى أمامي وجوها نضرة سمراء ~~البشرة عيونها تلمع بالفرح، وتذكرني بطفولتي في قريتي على ضفاف النيل.» # هاراري، زيمبابوي # 13 أغسطس 1999 # | تخبط النخبة المثقفة # رأيت صور الفتاة في الصحف التي فقدت عيناها في مظاهرات الإثنين 8 مايو 2000 بجامعة ~~الأزهر، وهي لم تقرأ الرواية للمؤلف السوري التي أثارت المظاهرات، ولا تعرف شيئا عن ~~المعركة السياسية الدائرة تحت شعارات دينية. # ثم قرأت أن البوليس سيطر على الموقف، وتم حبس بعض الشباب رهن التحقيق. # إزاء هذه الأزمة التي تراق فيها الدماء، وبعضهم صغار السن وأبرياء، أود مصارحة القراء ~~والقارئات بكثير من الهواجس وعلامات الاستفهام التي ms108 تدور في عقول الكثيرين: ~~(1) # ألا تعرف الحكومة الرءوس الكبيرة التي حرضت الشباب على المظاهرات؟ ألا تظل هذه ~~الرءوس الكبيرة حرة طليقة تكتب في الصحف، وتخطب على المنابر وفي الأحزاب وفي أجهزة ~~الإعلان المحلية والعربية والدولية؟! ~~(2) # ألا تشترك النخبة المثقفة في هذه اللعبة السياسية الدينية، سواء النخبة في الحكومة ~~أو المعارضة أو الهيئات غير الحكومية، أو ما يطلقون على أنفسهم «المستقلون»؟! ~~(3) # ألم تتكرر هذه الأحداث المؤسفة الدامية، والتي يروح ضحيتها الأبرياء وينزف ~~المغمورون الدماء، على حين تزداد النخبة تألقا تحت الأضواء، يريقون الحبر الأسود فوق ~~الورق بدلا من الدماء الحمراء. # مما يدل على تخبط الحكومة والنخب المثقفة أسوق إليكم الأمثلة، وأمامي الآن ثلاثة من ~~الصحف الهامة الصادرة من مختلف الهيئات الحكومية أو الحزبية المعارضة أو المستقلة خلال ~~الأيام الثلاثة 9، 10، 11 مايو 2000: ~~(أ) # تعلن الحكومة ومؤسساتها الثقافية أنها لم تصدر أي كتاب يمس الدين أو المقدسات، بل ~~العكس هو الصحيح، لقد تم نشر العديد من الكتب الدينية وكتب التراث بأسعار زهيدة، وقد تم ~~إحالة رواية الكاتب السوري إلى لجنة لإعداد تقرير حولها. ~~(ب) # لقد تم سحب الرواية، كما تم منع تداولها من الأسواق لأن بها عبارات تمس الدين ~~والمقدسات. ~~(ج) # أكدت وزارة الثقافة أن الرواية لم تسحب من الأسواق ولا أي كتاب آخر، وأن اللجنة ~~التي شكلتها لا تهدف للتحقيق في الرواية بقدر ما تهدف لتقديم قراءة متكاملة لها. ~~(د) # أصدرت اللجنة المشكلة من المثقفين المستقلين بيانا يرفض لغة التحريض على العنف ~~واغتيال الثقافة والمثقفين، ووقع على البيان عدد كبير من كبار المفكرين والمثقفين ~~والأدباء. ~~(ه) # أصدر رئيس الوزراء حكمه بأن رواية الكاتب السوري تسيء إلى الإسلام، كما أن البيان ~~الرسمي لوزارة الداخلية أصدر حكمه أيضا بأن الرواية تضمنت عبارات ماسة بالمعتقدات ~~الدينية، وقرر رئيس جامعة الأزهر أن الرواية تضمنت عبارات تسيء للمقدسات الإسلامية، ~~وقدم احتجاجا رسميا لوزير الثقافة، ولمجلس الشعب، طالب فيه مصادرة الرواية، وإجراء ~~محاكمة لمؤلفها السوري أمام القانون الدولي. ~~(و) # إن المحرضين على اغتيال المثقفين وإهدار دمهم كانوا يعرفون ms109 من قبل أن الحكومة سوف ~~تتراجع، وقد تراجعت بالفعل. ~~(ز) # حين تواجه الحكومة هذه الأزمات فهي لا تستخدم إلا الرصاص والهراوات والقنابل ~~المسيلة للدموع، أي الوسائل الأمنية، ولا يسقط إلا الضحايا الأبرياء، الذين ليسوا في ~~الحكومة ولا في أحزاب المعارضة، ولا من النخب المثقفة، ولا من دعاة التكفير والاغتيال، ~~ولا من المستقلين، بل تراق دماء الصغار الأبرياء، ومنهم أطفال وبنات لم يقرأن ~~الرواية. # ألا يتكرر هذا الكلام في كل أزمة مرت بنا منذ ولدنا وحتى نموت؟ والوجوه التي تتصدر ~~دائما هي الوجوه، نراها على الشاشة والمجلات والصحف حكومية وغير حكومية؟! ربما تتغير ~~مناصبها العليا من حين إلى حين، أو تتغير شعاراتها ومقاعدها مع تغير اللحن الموسيقي، من ~~الحكومة والمعارضة إلى اللاحكومة أو اللامعارضة! يمسكون العصا دائما من المنتصف ولا ~~نعرف موقفهم في وضوح، ونراهم في كل مكان بارز تحت الأضواء، سواء في المجالس الحكومية أو ~~الشعبية أو القومية العليا، سواء كانت مجالس تخص الديمقراطية أو التنمية أو المرأة أو ~~الشباب أو حقوق الإنسان! تصدر قرارات التعيين فيها بقرار حكومي في أغلب الأحيان. # منذ أيام قليلة، بالضبط يوم 24 مارس 2000 جاءني خطاب رسمي مسجل من وزارة الشئون ~~الاجتماعية ترفض تسجيل جمعية النهضة الفكرية للمرأة المصرية، لماذا؟ لأن المقر لا يصلح! ~~المقر به كمبيوتر وفاكس وتليفون ومقاعد للجلوس ونوافذ على الهواء الطلق والسماء، لم ~~يذكر الخطاب الرسمي لماذا لا يصلح المقر، إلا أننا سمعنا شفاهة أن المقر ليس به مدخل ~~مستقل عن صاحبة البيت وهي عضوة بالجمعية! # كانت الحكومة المصرية منذ سبعة وسبعين سنة أكثر تقدما منها اليوم، فيما يخص النهوض ~~بالمرأة، وفي منزل هدى شعراوي عام 1923 تكون الاتحاد النسائي المصري، وفي منزلها ذاته ~~الواقع في شارع قصر النيل رقم 2، وفي الساعة الخامسة مساء يوم الجمعة 16 مارس 1923، ~~تشكلت لجنة دائمة من النساء بلغ عدد عضواتها 24 امرأة، انتخبن مجموعة منهن لحضور ~~المؤتمر النسائي الدولي في روما، وعلى رأسهن صاحبة المنزل (راجعوا جريدة الأهرام ~~الصادرة في 11 مايو 2000 صفحة ms110 7). # واليوم كيف تتخبط الحكومة هكذا؟ وهل ننسى الهجوم الضاري الذي شنته وزارة الشئون ~~الاجتماعية خلال العام الماضي (1999) ضد تكوين الاتحاد النسائي المصري، والذي تشكلت من ~~أجل تكوينه لجنة تحضيرية تزيد عن المائة عضوة وعضو، وكانت وزيرة الشئون الاجتماعية ~~(حينئذ) قد سمحت للفكرة منذ بدايتها، وأمدت اللجنة بقائمة الجمعيات النسائية في مصر ~~التي يمكن أن تنضم إلى هذا الاتحاد النسائي المصري؟! # ربما يكون هذا التخبط هو حال الحكومات في معظم بلاد العالم، إن طبيعة تكوين الحكومات ~~من الموظفين المطيعين أساسا لا تؤهلها للقيام بعمل خلاق أو جديد، يقتضي إعمال العقل ~~المستقل عن عقول الرؤساء أو أصحاب السلطة والنفوذ. # إن المشكلة الحقيقية في هؤلاء النخب المثقفة الذين يتخبطون مع الحكومة، ويحملون لقب ~~مفكرين أو مثقفين - رغم أن معظمهم ليس له فكر مستقل أو رؤية فلسفية أو ثقافة أو موقف ~~نابع من الاقتناع الحقيقي، وليس الولاء لحكومة ما أو حزب أو فرد. # نحن نعيش هذه المأساة على الدوام، تتكرر في كل عهد منذ الملكية القديمة حتى الجمهورية ~~الحديثة، ولا يروح ضحيتها إلا الأبرياء من الشباب أو الشابات، على حين يتألق الكهول من ~~النخب المثقفة ويزدهرون، وتطاردنا صورهم الليل والنهار، وأصواتهم تعلو وتعلو مع ~~الأزمات. # القاهرة 11 مايو 2000 # | عن استراتيجية الثقافة والإبداع # قرأت ما نشره الأستاذ سلامة أحمد سلامة بجريدة الأهرام 14 يناير 2001، وأنا أتفق معه ~~في أن محاكمة أو الحكم على الأعمال الإبداعية ليس من وظائف وزارة الثقافة. # لكني أختلف معه في أن يكون قانون العقوبات هو الحكم في مثل هذه الأمور المتعلقة ~~بالإبداع الأدبي أو الفكري، لأن قانون العقوبات يختص بالأفعال التي تشكل اعتداء على ~~الآداب العامة، كالسب والقذف، قد يحكم القانون بالعدل في هذه الحالات، إلا أن المجال ~~القانوني (في رأيي) لا يمكن أن يكون هو الدستور الأخلاقي الذي يضبط إيقاع النشاط ~~الإبداعي والفكري كما يقول الأستاذ سلامة. # ومن هنا السؤال: من إذن يتولى الحكم على الأعمال الإبداعية كالروايات مثلا؟ # إن الرواية عمل إبداعي يجمع الخيال والواقع معا، وهي تقدم ms111 للناس أي الشعب، والمفروض ~~أن يحكم الشعب بنفسه على الأعمال الإبداعية، وأن تكون له حرية القراءة أو عدم القراءة، ~~أليس الأساس الأول للديمقراطية هو أن يحكم الشعب نفسه بنفسه؟ وأن تكون له حرية النقد ~~والمعارضة، وأن يكون مسئولا عن اختيار ممثليه في البرلمان مثلا؟ فكيف لا يكون هذا ~~الشعب مسئولا عن اختيار الروايات التي يقرؤها؟ # ربما يقول البعض إن الشعب في بلادنا لم ينضج بعد حتى يمكنه الحكم على الروايات ~~الأدبية، لكن إذا عجز الشعب عن اختيار ما يقرأ، فهل يكون في مقدوره أن يختار من يمثله ~~في البرلمان أو مجلس الشعب أو المجالس النيابية الأخرى؟! # وإذا كنا نعطي هذا الشعب الحق في اختيار ممثليه الذين ينوبون عنه في وضع واتخاذ أهم ~~القرارات السياسية والاقتصادية، فمن المنطقي أن يعطى هذا الشعب الحق في اختيار ما يقرأ ~~من روايات أو قصص أدبية. # إن إعراض القراء عن الرواية هو أكبر عقاب لمؤلفها، وكم من روايات سقطت بسبب إعراض ~~الناس عنها، هذا السقوط أقوى من القرارات الإدارية أو الوزارية أو أي قرار يصدر عن ~~المحكمة بمصادرة الرواية؛ لأن الجمهور نفسه هو الذي يصادرها بحريته واختياره دون انتظار ~~القرارات العليا. # لقد اتضح في معظم بلاد العالم أن الأعمال الإبداعية التي تمنع بالقوة الإدارية أو ~~السياسية هي التي تلقى رواجا بين الجماهير، ذلك أن الإنسان بالطبيعة والفطرة يكره ~~الوصاية، ويقبل على الممنوعات إرضاء لغريزة الاستطلاع وحب المعرفة. # في الدراسات النفسية الأخيرة عن القدرات الإبداعية عند الأطفال اتضح أن الطفلة أو ~~الطفل يولد سليم الأعضاء والخيال، إن حاجة الإنسان إلى الخيال مثل حاجته للطعام ~~والهواء، وبالطبيعة والفطرة يولد الخيال الإنساني قويا لدى الأطفال، يجعلهم قادرين ~~على الإبداع والإحساس بوجود العدل أو غيابه، هناك علاقة وثيقة بين الإبداع والخيال ~~والإحساس بالعدل والحرية والحب؛ لذلك يغضب الأطفال ويثورون لأي ظلم يقع عليهم. # إلا أن غياب العدل والحرية في أغلب العائلات يفسد خيال الأطفال ويقتل قدراتهم ~~الإبداعية، ويجعلهم مثل النقود، يصبحوا أدوات لغيرهم، غير قادرين على الإحساس بالعدل أو ms112 ~~الحرية أو الحب؛ بمعنى آخر عاجزين عن الفضيلة أو الإنسانية الحقيقية ذات الضمير ~~الحي. # وقد اتضح أن الطفلة أو الطفل الذي يتربى في جو من الحرية والعدل يكتسب القدرة على ~~الاختيار الصحيح القائم على الحرية والعدل، يكتسب الثقة في نفسه، والحكم بنفسه على ~~الأشياء، ولا ينتظر الأوامر أو التوجيهات من الجهات العليا. # هذا هو الحجر الأساسي السليم الذي يمكن أن نبني عليه استراتيجية جديدة للثقافة ~~والإبداع في بلادنا، لقد اتضح أن الطفلة أو الطفل الذي يتربى على الخوف من العقاب (أو ~~الطمع في جائزة) يعجز عن الإبداع الحقيقي؛ لأن لذة الإبداع الحقيقي تتعلق بالعمل ذاته، ~~بالقدرة على إنجازه وتحقيقه بالشكل الذي يريده الفنان أو الفنانة. # هذا هو الضمير الإبداعي النابع من الحرية والعدل، وهو الذي يوجه الإنسان المبدع أو ~~الإنسانة المبدعة، بمعنى آخر هو الذي يضع الضوابط لصاحبه، هو الذي يجعله يختار هذه ~~العبارة للتعبير عن فكرته، وليس عبارة أخرى خالية من الجمال أو الذوق. # لا شك أن الإبداع هو الجديد، وهو يختلف عن القديم، وقد يصطدم به إلا أن الحساسية ~~للعدل والحرية النابعة من الخيال السليم غير المبتور تساعد الإنسان المبدع على إدراك ~~التوازن والانسجام الفني بين القديم والجديد، أو بين العدل والظلم. # وقد قرأت رواية وليمة لأعشاب البحر، وكتبت عنها مقالا في جريدة الحياة الصادرة في ~~لندن يوم 11 يوليو 2000 تحت عنوان «الخيال المبتور في الأدب الشائع»، ليس معنى ذلك أن ~~من حق الجهات الإدارية أو القانونية مصادرة الرواية أو منعها؛ لأنها (في رأيي) تمنع ~~نفسها، ليس لأنها تمس المقدسات كما قيل عنها، ولكن لأن الخيال فيها مبتور، بحكم التربية ~~التي يعيشها أغلب المؤلفين في طفولتهم. # منذ الطفولة ندرك أن الرجل بطل القصة، قد تربى على القنص والصيد، وقتل الطيور ~~والحيوانات، وقد امتدت نزعة الصيد إلى جنس النساء، مع ذلك يقدم نفسه كمناضل وطني يؤمن ~~بالاشتراكية والعدالة، إلا أنها عدالة نظرية فحسب أو لغوية في الخطب والروايات، ولا ~~تمتد أبدا إلى حياته الحقيقية، ولا تدخل بينه ولا ms113 غرفة نومه. # تمتلئ غرف نوم الرجال في الرواية بالدكتاتورية والأحادية الفكرية والانفصام بين ~~الحياة العامة والحياة الخاصة، هذا التناقض أو الازدواجية الأخلاقية هي التي تفسد العمل ~~الإبداعي كما تفسد الخيال والواقع؛ إن الواقع المشوه بالظلم في العلاقات بين الناس ~~(ومنها علاقة الرجال بالنساء) يؤدي إلى تشويه الخيال وبتره منذ الطفولة. # الخيال المبتور في نظري أكثر خطورة من الجسد المبتور الأعضاء، لأن الناس ترى الجسد ~~المبتور وتتألم لألمه، لكن الخيال أو الضمير الإبداعي لا تراه العين ولا ينزف الدم عند ~~البتر. # لقد أدت الضجة التي أثيرت حول رواية «وليمة لأعشاب البحر» إلى انتشارها، وإقبال الناس ~~على شرائها بسبب حب الاستطلاع، لكني لم أقابل أحدا قرأ الرواية إلا وقال لي إنه لم ~~يكملها، وتركها منذ الصفحات الأولى، وقد شعرت بهذا الإحساس ذاته وأنا أقرؤها، إلا أنني ~~واصلت القراءة بجهد كبير من أجل أن أكتب عنها. # وأنا لم أقرأ الروايات الثلاثة التي سببت الأزمة الأخيرة بين وزير الثقافة وبعض ~~المثقفين والأدباء والأديبات، ذلك أن الضجة التي أثيرت حولها ربما جعلت الناس تتسابق ~~إلى قراءتها، ومن ثم عدم وجودها في المكتبات. # لهذا لا يمكن لي الحكم عليها كقارئة، إلا أن الصراع الذي حدث لا يخلو من إيجابيات، ~~لقد تأكد الآن أن وزارة الثقافة يجب ألا تكون هي الحكم على الأعمال الإبداعية، كما يقول ~~الأستاذ سلامة أحمد سلامة. # لكن قانون العقوبات أيضا لا يمكن أن يكون الحكم على أعمال تتعلق بالخيال، إن مجال ~~القانون هو الواقع وليس الخيال. # نحن في حاجة إلى قيم جديدة في تربية أولادنا وبناتنا، قيم قائمة على العدل والحرية ~~والحب، ولا بد أن تمتد هذه القيم إلى الوزارات جميعا، وليس وزارة الثقافة وحدها، وإلى ~~جميع المجالات السياسية والاقتصادية، وجميع الأحزاب، حكومة ومعارضة، وجميع المنظمات غير ~~الحكومية، بحيث يصبح المناخ الثقافي الذي نعيشه صحيا، والضمير الإبداعي حيا منذ ~~الولادة حتى الموت. # | الاحتمال المفيد والاحتمال غير المفيد # منذ أكثر من عشرة أعوام دعاني الأستاذ لطفي الخولي إلى اجتماع بجريدة الأهرام، كان ~~يعد أمامها ms114 لعقد مؤتمر أدبي كبير، ذهبت في الموعد المحدد للاجتماع فلم أجد أحدا ~~بالحجرة، تصورت أن الاجتماع تأجل دون علمي، لكني رأيت أحد الأدباء يدخل ويؤكد لي أن ~~الاجتماع قائم، ووصل المدعوون متأخرين أكثر من نصف ساعة، وتأخر الداعي للاجتماع نفسه ~~الأستاذ لطفي الخولي أربعين دقيقة أو أكثر، وجلس في مقعد الرئاسة عن يمينه الأستاذ يوسف ~~القعيد، وبين شفتي كل منهما سيجار غليظ ينفث الدخان الكثيف إلى السقف، وبدأ الأستاذ ~~لطفي الكلام دون أن يذكر شيئا عن التأخير، ألقى كلمة طويلة استغرقت أربعين دقيقة، ثم ~~صمت قليلا وأشعل السيجار من جديد وقال: «والآن ندخل في صلب الموضوع، وهو الإعداد ~~للمؤتمر الأدبي الكبير، والذي نرجو منكم أن تشاركوا فيه.» # ونظرت في ساعتي، كانت الثانية عشرة وبضع دقائق، وكنت على موعد آخر ولا أريد التأخر عن ~~موعدي، فنهضت من مقعدي، وحين رآني الأستاذ لطفي أتجه نحو باب الخروج سألني مندهشا: ~~«رايحة فين يا دكتورة نوال؟» وقلت: «عندي موعد آخر يا أستاذ لطفي.» قال: «ألست مهتمة ~~بهذا المؤتمر الأدبي الكبير.» فقلت: «أنا هنا منذ ساعتين ولست مسئولة عن تأخركم عن ~~الموعد.» وخرجت من الحجرة، وبالطبع لم أشارك في المؤتمر الأدبي الكبير، فقد حذف الأستاذ ~~لطفي اسمي من قائمة المدعويين، ومرت الأيام ربما عام أو عامان والتقيت بالأستاذ لطفي في ~~مؤتمر دولي ثقافي في مدينة بولونيا في إيطاليا، وقال لي: «على فكرة أنا زعلت منك أوي يا ~~دكتورة نوال، وانتي في مصر لما نقول الساعة عشرة يبقى بين الساعة حداشر، هي دي العادة ~~في بلدنا.» وقلت: «هذه العادة لا بد أن تتغير ولا بد أن نبدأ بأنفسنا .» ورمقني الأستاذ ~~لطفي بنظرة كأنما أنا المخطئة وهو على صواب. # هذه الحكاية تتكرر دائما، وكم فقدت من أصدقاء وصديقات بسبب هذه العادة الضارة، وهي ~~عدم احترام الموعد، أذكر أن الأستاذ مكرم محمد رئيس تحرير المصور أعاطني موعدا، وتأخر ~~نصف ساعة، فانصرفت، وتوقفت عن نشر أي شيء بمجلة المصور، وفي يوم أعطاني الدكتور إسماعيل ~~سلام وزير الصحة موعدا وتأخر ms115 نصف ساعة فانصرفت ولم أنتظره، وكان الدكتور أحمد بدران ~~ينتظر بمكتب الوزير أيضا وقال لي: الغايب حجته معاه، وده وزير عنده أشغال هامة. قلت: ~~كل إنسان عنده أشغال هامة ولا بد من احترام وقت أي إنسان، خاصة من الكبار لأنهم هم ~~النموذج لأغلب الناس. # وقد عشت في بلاد أخرى، وعرفت كيف تكون المحافظة على الموعد باعثا على الراحة ~~والاحترام، ولا شيء يهدر كرامة الإنسان مثل إهدار وقته في الانتظار دون عمل شيء، وفي ~~بلادنا قلما يحافظ أحد على الموعد، ومنذ أيام طلبت من أحد السباكين موعدا ليقوم ببعض ~~أعمال السباكة العاجلة في بيتي. # وقلت له: ميعادك بكرة الساعة كام يا أسطى؟ # قال: احتمال الساعة ستة. # قلت: يعني إيه احتمال؟ # قال: احتمال الساعة ستة ونص. # قلت: لازم تحدد! # قال: احتمال الساعة سبعة. # قلت: ما فيش حاجة اسمها احتمال لازم يكون المعاد مضبوط. # إلا أن كلمة «احتمال» كانت تجري على لسانه بحكم العادة، ولا يمكنه الإقلاع عنها، ~~ولاحظت أنها دخلت قاموس اللغة العامية، ولا يمكن أن يحافظ أحد العمال على موعده أو أحد ~~الموظفين أو غير الموظفين، والكل يقول احتمال، وما أسخفها من كلمة في حالة المواعيد في ~~عالمنا الثالث. ~~(1) الاحتمال الإيجابي # وهناك احتمال آخر إيجابي في مجال العلم لم يدخل بعد إلى بلادنا، مع أنه أصبح جزءا لا ~~يتجزأ من علم الطبيعة أو الفيزياء، وعلم الفلسفة وغيرهما من العلوم، لقد تغيرت قوانين ~~الطبيعة التي درسناها في الجامعات، وتجاوز العلم الحديث، أو ما بعد الحديث، نظريات أرسطو ~~ونيوتن ودارون وأينشتاين، ونظريات الجاذبية والنسبية؛ تجاوز المطلقات العلمية كلها، بما ~~فيها مطلق الزمن الذي توقف عنده نيوتن، وسرعة الضوء المطلقة التي توقف عندها أينشتاين، ~~والفكرة الحديثة القائلة بأن الكون بدأ بانفجار عظيم (بيج بانج) وينتهي بانفجار آخر ~~عظيم، فكرة أن الكون له بداية ونهاية تجاوزها العلم أيضا، وتحرر العلماء تماما مما ~~سمي باليقين، تجاوزوه إلى ما يسمى اليوم قانون الاحتمال أو قانون الشك. # لم يعد كوكب الأرض مركزا للكون، ولا كوكب الشمس ولا أي ms116 كوكب آخر، ولم يعد الإنسان ~~مركز الكون ولا أي كان آخر، تزايد الشك بازدياد الاكتشافات العلمية التي أثبتت خطأ هذه ~~الأفكار، وتلاشى اليقين من العلم، وحل مكانه ما يسمى الاحتمالات المتعددة، والتي تقترب ~~واحدة منها إلى الحقيقة أكثر من الأخرى. # إذا نظرنا إلى الذرة في الكمبيوتر فلا يمكن لنا أن نحدد أين يكون الإلكترون في دورانه ~~السريع حول النواة، لن نرى على الشاشة إلا نقطا تزداد كثافة في بعض الأجزاء، فنقول هنا ~~قد يكون الإلكترون وقد لا يكون، يمكن احتمال وجوده داخل هذا المسار أو هذا ~~المسار. # لم يعد الإلكترون شيئا ماديا يوجد في المكان، ولا هو طاقة ضوئية يمكن قياسها بسرعة ~~الزمن، كسر الإلكترون الفاصل بين المكان والزمان وبين المادة والروح أو الحركة، بعبارة ~~أخرى تم سقوط الثنائيات القديمة التي فصلت الجسد عن الروح، وأصبح قانون الاحتمال أو ~~الشك هو اليقين الوحيد. # إن آفاق المعرفة تتسع أكثر وأكثر، ونقترب من الحقيقة أكثر وأكثر عبر قانون الاحتمال ~~والشك. # قد تبدو هذه الأفكار العلمية الجديدة غير مفهومة أو غير مقبولة لعقولنا، تعودت عقولنا ~~منذ الطفولة على كل ما هو يقيني، تربينا على أن نرث الأفكار كما هي، لا نملك الشجاعة ~~على أن نشك فيها؛ لهذا عجزنا عن الاجتهاد والتجريد والإبداع، سبقنا الآخرون الأكثر ~~شجاعة إلى الاكتشافات العلمية، أصبحنا مجرد مستهلكين لما ينتجون من أدوات حديثة، ومنها ~~الكمبيوتر والإنترنت، لا نكاد نعرف إلا القليل عن الثورة الإلكترونية الأخيرة، نرفل في ~~خمول الكسل اللذيذ داخل اليقين الثابت غير المتغير. # القاهرة 1998 # | مفهوم الوطن والحب في عيد الأم # كان ذلك منذ عشر أعوام، (بالضبط يوم 21 مارس 1989). # وجاءتني فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها من قلب الصعيد، من قرية بالقرب من أسوان، ~~قالت لي: أريد أن أتكلم معك، أريد منك أن تكوني أمي، وقد هربت من أبي وأمي في الصعيد، ~~حملت حقيبتي في الليل، وركبت القطار، وجئت إلى القاهرة لأتكلم معك، وأنا تخرجت في ~~الجامعة في كلية الآداب قسم الفلسفة، قرأت كتبا كثيرة، وانفتح ms117 عقلي على أشياء كثيرة ~~جديدة، ولم تعد لي حياة داخل أسرة تعيش في القرن التاسع عشر، وتؤمن بوجود الجن ~~والعفاريت، وأن المرأة نصف الرجل واجبها الطاعة، وظيفتها الأساسية في الحياة الزواج ~~وولادة الأطفال وأعمال البيت، حتى أخي الأكبر الذي تخرج في الجامعة وحصل على الدكتوراه ~~فرض على زوجته أن تتفرغ للزواج والأمومة، ويقول لها: الأمومة عطاء وتضحية بلا مقابل مثل ~~حب الوطن، فالوطنية هي العطاء والتضحية بلا مقابل مثل الأمومة. # كانت الفتاة تنتفض وهي جالسة، جاءتني من محطة القطار مباشرة، ليس لها أقارب في ~~القاهرة، بشرتها سمراء شاحبة، وجهها نحيف، عيناها سوداوتان مملوءتان بريقا، ذكرتني ~~بنفسي حين كنت في أول الشباب والعائلة من حولي متجمعة، العمات والخالات والأعمام ~~والأخوال وأبناؤهم وبناتهم وجيرانهم، والجميع يهتفون في نفس واحد: الزواج مصير البنت، ~~والأمومة هي الدور الأسمى للمرأة، وإذا تعارض الزواج مع طموحك الشخصي في الطب والأدب ~~فاختاري الزواج والأمومة، لأن المرأة التي لا تكون زوجة ولا تلد أطفالا فهي امرأة ~~عقيمة كالشجرة بلا ثمار. # وسمعت الفتاة تقول: لا أريد أن أتزوج، ولا أريد أن ألد أطفالا! إن العالم مليء ~~بالأطفال الجوعى المشردين! فهل أضيف إليهم أطفالا آخرين؟ رأيتهم راقدين على الرصيف في ~~محطة القطار، أطفال صغار بلا آباء ولا أمهات ولا عائلات ولا بيوت ولا مأوى إلا الشارع ~~ورصيف المحطة، أحد الأطفال اقترب مني وأنا أهبط من القطار، عمره لا يزيد عن سبع سنوات، ~~يرتدي جلبابا ممزقا، يرتعد تحت ضربات الهواء الصاقع، وأنا متدثرة بالبالطو الصوف وتحت ~~البالطو بلوفر صوفي، قدماه حافيتان، وأنا أرتدي حذاء جيدا متينا وجوربا من الصوف، ~~كان الطفل يقترب مني ويمد لي يده ينشج بصوت مبحوح: «حسنة يا سيدتي» قلت لنفسي: «هذا ~~الطفل يشبه طفلي أحوطه بذراعي وآخذه إلى بيتي.» # قلت للفتاة: «تأخذيه إلى بيتك؟» # قالت: ليس عندي بيت في القاهرة، ولكني أحمل شهادة جامعية، ويمكن أن أشتغل وأفتح ~~بيتا، ويصبح هذا الطفل هو طفلي، إنه يشبه طفلي، عيناه بالضبط هما عيناي مملوءتان ~~بالبريق والدموع. # قلت للفتاة: «وهل ms118 كان لك طفل؟» # قالت الفتاة: لم أتزوج ولم ألد، لكني كنت أحلم دائما بهذا الطفل يخطر إلي في الحلم ~~بعينين مملوءتين بالبريق والدموع، وهو يشبه بالضبط الطفل الذي تقدم نحوي وأنا أهبط من ~~القطار، أعطيته معطفي الصوفي وخمسة جنيهات وطلبت منه أن ينتظرني في المحطة حتى أعود ~~إليه. # قلت للفتاة: وستعودين إليه؟ # قالت: نعم. # قلت: وتعودين به إلى بيت أسرتك في الصعيد؟ # انتفضت بذعر وقالت: يقتلني أبي إذا عدت وحدي بعد أن هربت، فما بال أن أعود ومعي طفل؟ ~~سوف يتصورون أنه طفلي، وأنه ثمرة حب محرم أو حمل سفاح! # قلت: لكن الطفل كما تقولين في السابعة من عمره وأنت كم عمرك؟ خمسة وعشرون عاما؟ معنى ~~ذلك أنك كنت في الثامنة عشر وقت ولادته، ثم كيف يحدث ذلك كله وأنت في بيت أسرتك تلميذة ~~بالمدرسة؟ لا أظن أن والدك سوف يشك في الأمر! # قالت الفتاة: أنت لا تعرفين أبي، إنه يشك في أخلاقي منذ ولدت، لم أخرج من البيت إلا ~~تحت رقابته أو رقابة أخي الأكبر أو أخي الأصغر الذي يصغرني بخمس سنوات، وكنت في الخامسة ~~عشر من عمري، وأخي الأصغر طفل في العاشرة، مع ذلك يخرج معي لحمايتي! # قلت: وأمك؟ أليس لها دور؟ # قالت الفتاة: أمي تخاف من أبي وتعمل حساب ابنها الأكبر، وتقول لي تحملي يا ابنتي ~~كما تحملت أمك وجدتك وخالتك وعمتك وكل النساء، هذا مصيرنا يا ابنتي فاصبري لعل الله ~~يرزقك بعريس الهنا يعوضك عن قسوة أبيك، لكني لم أسمع كلام أمي، ولم أنتظر عريس الهنا، ~~قررت عدم الزواج وعدم الإنجاب، وكيف ألد أطفالا يتعذبون كما عذبت، وكيف أضيف إلى ~~هؤلاء الأطفال الراقدين على الأرصفة طفلا جديدا؟! ~~••• # كان ذلك في بيتي بالجيزة منذ عشر سنوات (21 مارس 1989) وكنت أعرف أنه عيد الأم، وأن ~~الإذاعات تحتفل به بالأغاني والهدايا يقدمها الأطفال لأمهاتهم، وقد جاءتني هذه الفتاة ~~من أقاصي الصعيد تطلب مني أن أكون أمها، وتقول إنها سوف تعود إلى محطة القطار لتحمل بين ~~ذراعيها طفلا فقيرا يتيما ms119 في السابعة من العمر، سوف تكون هي أمه، وسوف تشتغل وتفتح ~~بيتا وتعيش معه، وسوف تعلمه في أحسن المدارس ولن تفرض عليه القيود التي فرضتها عليها ~~أسرتها، سوف تتركه حرا طليقا ينعم بالحرية التي حرمت منها، وهي فتاة ناضجة في ~~الخامسة والعشرين من عمرها تحمل شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم الفلسفة، سوف تشتغل، ~~وسوف تتحدى الكون ولن يقف في طريقها أحد هكذا تقول لي. # وقالت الفتاة: أريدك أن تكوني أمي. # قلت: وماذا أفعل بالضبط؟ # قالت: لا شيء! مجرد إدراكي أنك موجودة في الحياة. ~~••• # كان ذلك منذ عشرة أعوام، وقد وضعتني الفتاة أمام اختبار صعب في الحياة، هل أشجعها على ~~التمرد والتحدي والسباحة في المياه الخطرة ضد التيار؟! أم أتبع نصيحة صديقتي الأستاذة ~~الدكتورة؟! # في مثل هذه اللحظات الحرجة يبدأ الصوت الخافت من أعماقي، قال لي الصوت: ألم تكوني في ~~عمر هذه الفتاة وتمردت وسبحت في المياه الخطرة ضد التيار؟ لماذا تحاولين الآن الوقوف في ~~طريقها؟ وليس لك منصب كبير في الدولة يساعدك في البحث لها عن وظيفة في الحكومة، وليس لك ~~أصدقاء رؤساء الشركات في القطاع الخاص، وإن حاولت التوسط لها ربما تكون هذه الوساطة ~~ضدها؛ لأنك من المغضوب عليهم، ولن تفيديها في شيء، فاتركيها تشق طريقها في الحياة ولا ~~تثبطي همتها. # كانت الفتاة جالسة أمامي لا تزال، عيناها سوداوان مملوءتان بالبريق، تذكرني بنفسي حين ~~كنت في عمرها، العينان نافذتان أطل منهما على معدن الإنسان أو الإنسانة، غمرني إحساس ~~جارف بالثقة في هاتين العينين المشعتين بالضوء القوي. # قالت الفتاة: لا أريد منك إلا أن تمنحيني الثقة في نفسي، منذ ولدت وأنا أحس أن أبي شك ~~في أخلاقي، يتصور أنني مثل الفتيات لا يشغلني إلا الحب أو الرجل، وقد كرهت الرجال ~~جميعا بسبب أبي، لم أقع في حب رجل واحد، ولا أريد أن أتزوج ولا أريد أن أنجب، سوف أعود ~~إلى الطفل اليتيم الذي ينتظرني في محطة القطار، وسوف أشتغل وأفتح بيتا، وأكون أمه التي ~~يحتفل بها في عيد الأم! ms120 ~~••• # مضت الأعوام واضطرتني الظروف إلى مغادرة الوطن لأعيش المنفى خمس سنوات، وفي عيد الأم ~~21 مارس 1995، جاءتني رسالة من الفتاة، كانت هي أجمل هدية أتلقاها في عيد الأم، كتبت ~~في رسالتها تقول: بلغت يا أمي الواحد والثلاثين عاما أصبحت مديرة في شركة لصناعة ~~الملابس القطنية في طنطا، لي شقة جميلة تطل على الحقول الخضراء، ويعيش معي ابني عمره الآن ثلاثة عشر عاما، أعطيته اسم أمي «رجاء»، متفوق في المدرسة، ~~ويريد أن يكون عالما في الذرة، ويكتب الشعر، أول قصيدة أهداها لي في عيد الأم منذ ~~أيام، مطلعها: أمي يا أجمل كلمة في قاموس اللغة، وقد رأيت أن أرسل إليك هذه الرسالة ~~وأنت بعيدة عن الوطن، لا بد أن بك حنينا للوطن والأهل؛ لهذا أكتب إليك وأقول لك: إنني ~~لم أنس اليوم الذي جئت إليك هاربة من الأهل، كنت أرتعد بالخوف والبرد بعد أن تركت معطفي ~~الصوفي للطفل اليتيم، لم يعد يتيما يا أمي، وأصبح اسمه رجاء. # وجاءت أمي من الصعيد، ورأت بيتي الجميل في طنطا، وفرحت حين سمعتني أناديه باسمها ~~رجاء، وجاء أبي أيضا واطمأن علي، أكثر ما أسعده أنني أصبحت مديرة لشركة صناعية ~~كبيرة، أتقاضى كل شهر مرتبا كبيرا ثلاثة أضعاف مرتب أبي، لكن فرحة أمي كانت بحفيدها ~~رجاء الذي يحمل اسمها، أكتب إليك يا أمي قبل عيد الأم بأسبوعين، أعرف أن البريد بين مصر ~~وولاية نورث كارولينا يستغرق على الأقل عشرة أيام، أرجو أن تصلك الرسالة في يوم عيد ~~الأم، لتعرفي أن ابنتك «رشيدة» تذكرك، وتذكر اليوم الذي فتحت فيه قلبك وبيتك لها، كان ~~هو يوم مولدي الحقيقي، لقد ولدت من جديد في هذا اليوم، مملوءة بالثقة في نفسي، قادرة ~~على أن أتحدى العالم! # ابنتك رشيدة أم رجاء ~~••• # أمسكت الرسالة في يدي، ألامسها بأطراف أصابعي، كأنما ألامس وجه الوطن، راحت الغربة، ~~تبدد الحزن، فتحت نوافذ بيتي لتدخله الشمس، إنها الشمس ذاتها التي تشرق في كل بلاد ~~العالم، أفريقيا وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين، الوطن ليس قطعة أرض تسقط عليه ms121 ~~الرأس، الوطن هو رسالة مليئة بالحب يأتيني من البعد. ~~••• # لا يكون الحب حبا حقيقيا إلا إذا كان متبادلا، الحب من طرف واحد نوع من ~~العبودية، الهوان والعذاب والاحتراق بنار الحب كلها من بقايا عصر الرق والعبيد، حين كان ~~يفرض على العبد أن يحب سيده الذي يضربه بالكرباج، ويفرض على المرأة أن تحب زوجها الذي ~~يقهرها ويضربها ويشدها من شعرها. # الحب إن اختلفت أنواعه فهو واحد؛ منبعه القلب والعقل والجسد والروح في كيان واحد، ~~وأساسه الأول هو الأخذ والعطاء؛ أي التبادل بالعدل والحرية، وليس بالإجبار والقوة ~~والجبروت. # وإن حدث الحب من أول لقاء أو آخر لقاء فهو ينشد السعادة واللذة والحرية، لا يعيش الحب ~~في التعاسة والألم والقيود، لا يختلف حب الوطن عن حب الأم أو الأب أو الزوج أو الزوجة ~~أو الابن أو الابنة، وكلها أنواع من الحب لا تعيش إلا بالتبادل المتساوي أخذا ~~وعطاء. # إن الأب الذي يقسو على أبنائه وبناته لا يمكن أن يتوقع منهم الحب، إن الوطن الذي يجرد ~~الإنسان من كرامته وحريته وطعامه وشرابه لا يكون وطنا. # الوطن هو حيث يكون العدل، وحيث تكون الحرية، وحيث يكون الحب، الوطن ليس هو المكان حيث ~~مسقط الرأس، بل هو دفء الإنسانية والمحبة والتعاون والصدق والعمل المنتج، ولذة الإبداع ~~والفرحة بالجديد والتجديد. # لقد مللنا الأغاني الوطنية التي كان يغنيها العبيد أمام المماليك والسلاطين، ولم نعد ~~نغني إلا للملك في عيد ميلاده، أو الملكة في عيد زواجها، فما هذه الأغاني التي تشدنا ~~إلى الوراء إلى عصور الرق؟ وما هذه الأصوات التي تأمرنا بحب الوطن بالكرباج؟ وكيف أحب ~~رجلا يذيقني ألوان الهوان؟ وما هذه الأغاني في عيد الأم دون أن يكون للأم حقوق ~~الإنسان. # | قليلا من العدل # قليلا من العدل أيها السادة. # قليلا من المنطق. # كيف يكون المتهم هو القاضي # أشكو منه إليه؟ # يقولون لأنه الحاكم يملك الأمر والنهي، # ويقولون لأنه الرجل ولأنك امرأة، # ولأن الله أعطى للرجال # حق تأديب النساء، # ولم يعط للنساء حق تأديب الرجال. # قلت ومن يؤدب الرجل؟ ms122 # قالوا هو يؤدب نفسه بنفسه في الدنيا، # وفي الآخرة يؤدبه الله. # | خطوة نحو تحرير المرأة المصرية ولكن ... # قرأت بجريدة الأهرام (5 / 11 / 2000) الحكم الجديد الذي أصدرته المحكمة الدستورية ~~العليا بعدم تخويل وزارة الداخلية سلطة منح أو سحب جواز السفر، وإلغاء قراره باشتراط ~~موافقة الزوج على سفر زوجته. # إلا أنني بعد أن أكملت قراءة الخبر أصابني الأسف، لأن هذا الحق الدستوري في السفر ليس ~~مطلقا للمرأة المصرية، بل مقيد بالمادة 11 من الدستور (عن كفالة التوفيق بين واجبات ~~المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع) هكذا يمكن لأي زوج أن يمنع زوجته من السفر بحجة ~~مصلحة الأسرة، ومن يكون الحكم حين يختلف الزوجان حول ما هي مصلحة الأسرة. # أرادت إحدى صديقاتي الطبيبات أن تسافر إلى مؤتمر طبي في لندن لمدة أربعة أيام، لكن ~~زوجها منعها من السفر، لماذا لأن الدعوة لحضور المؤتمر جاءت لزوجته فقط، ولم تأت دعوة ~~له وهو طبيب أيضا، فكيف تتفوق الزوجة الطبيبة عن زوجها وزميلها في العمل؟! # تكررت هذه الحوادث مع نساء متفوقات في مجالات متعددة علمية وأدبية، وكم من امرأة ~~متفوقة حرمت من السفر بحجة مصلحة الأسرة، وكيف يمكن الفصل هنا بين مصلحة الأسرة ~~وأنانية الزوج؟ وهل الزوج أدرى بمصلحة الأسرة من زوجته الطبيبة مثلا؟ فكيف تكون ~~الطبيبة مسئولة عن أرواح الناس ثم نحرمها من مسئولية الأسرة، أو معرفة مصلحة ~~أسرتها؟ # ألم تثبت لنا التجارب والحوادث والقضايا في المحاكم أن المرأة المصرية أكثر حرصا على ~~مصلحة الأسرة والأطفال من كثير من الأزواج؟! # ألا يطلق الرجل زوجته أو يتزوج عليها امرأة أخرى دون مراعاة مصلحة الأسرة؟ وكم طفلا ~~تشردوا وبيوتا خربت بسبب حق الرجل المطلق في الطلاق والزواج بأخرى، لماذا إذن نضع ~~مصلحة الأسرة في يد الرجل وحده؟ هو الذي يحددها، وهو الذي يبددها حسب رغبته ومصلحته ~~الخاصة؟ # هل مصلحة الأسرة تعني مصلحة الرجل؟! لماذا إذن لا يحق المرأة أن تمنع زوجها من السفر ~~حرصا على مصلحة الأسرة؟ # لقد أسست المحكمة الدستورية حكمها الجديد على أن حق الإنسان ms123 المصري (والمرأة إنسان) ~~في السفر والتنقل (واستخراج وحمل جواز السفر) هو رافد من روافد الحريات الشخصية التي ~~يكفلها ويصونها الدستور، أن حرية الانتقال من الحريات العامة فلا يجوز تقييدها، وقد عهد ~~الدستور بذلك إلى السلطة التشريعية دون غيرها، والأصل فيها هو المنح إعمالا لحرية ~~الانتقال، والاستثناء فيها المنع. # لقد أثبتت المرأة المصرية منذ آلاف السنين قدرتها على التوفيق بين عملها خارج البيت ~~وداخله، سواء خرجت للعمل في الحقول أو المصانع أو المتاجر أو المكاتب أو المستشفيات أو ~~الوزارات أو غيرها. # فلماذا تظل هذه المادة رقم 11 سيفا مسلطا على رقاب النساء، لماذا تظل الثغرة التي ~~ينفذ منها أي رجل يريد التحكم في زوجته تحت اسم مصلحة الأسرة؟ # إنني أضع هذا السؤال أمام جميع النساء والرجال في بلادنا، وليس فقط رجال القانون، أو ~~المهتمين بتعديل الدستور، فالمسألة ليست قانونية محضة، بل سياسية واجتماعية واقتصادية ~~وثقافية، إن العدالة الاجتماعية ليست تخصصا يخص العاملين في مجال التشريع أو القانون، ~~بل هي تحض الشعب المصري كله، بنسائه ورجاله وشبابه وأطفاله، أليس الطفل الذي تربيه أمه ~~على الأنانية والسيطرة على أخته البنت هو رجل المستقبل الذي يمنع زوجته من حقوقها ~~الدستورية بسبب الأنانية والرغبة في السيطرة؟ # لا شك أن عدالة القوانين هامة وضرورية، وقد سررت لهذا الحكم الجديد للمحكمة الدستورية ~~العليا الذي يعتبر خطوة هامة نحو تحرير المرأة المصرية، إلا أن الطريق أمامنا لا يزال ~~طويلا ليصبح الحق فوق القوة داخل الأسرة، ولا تكون هناك ثغرات تسمح لمن يريد أن يسيطر ~~(دون حق) أن يسيطر. # ولا يزال أغلب الآباء والأمهات في بلادنا يفرقون في الحقوق بين البنت والولد، وتنشأ ~~البنت على الخضوع والطاعة، وينشأ الولد على السيطرة (وأحيانا الغطرسة). # كيف تتغير التربية في البيوت والمدارس، بحيث نربي الضمير في الطفولة، الضمير ~~الإنساني الذي ينشد العدالة بصرف النظر عن كون الإنسان رجلا أو امرأة، أو غنيا أو ~~فقيرا، أو حاكما أو محكوما؟ # القاهرة 5 /11 /2000 # | قضية المرأة في الحوار القومي # من الأفكار التي شاعت في ms124 التاريخ، خاصة خلال القرن الماضي العشرين أن قضية المرأة لا ~~تهم إلا فئة النساء، الأمهات والزوجات والأطفال؛ أي أمور الأسرة الصغيرة، ولا علاقة لها ~~بأمور المجتمع الكبير وقضاياه الكبرى المتعلقة بالسياسة أو الاقتصاد. # هذه الفكرة الخاطئة انتشرت في البلاد الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ~~روجت لها القوى الأبوية الطبقية التي تحكم المجتمع، ثم انتقلت الفكرة إلى البلاد ~~الأخرى ومنها بلادنا العربية، ومن هنا الفكرة الخاطئة التي سادت بأن الحركة النسائية ~~التحريرية قد نشأت في الغرب ثم انتقلت إلى الشرق. # حقائق التاريخ تؤكد أن النساء والعبيد اتحدوا معا في الثورة ضد النظام الفرعوني ~~العبودي في مصر القديمة، لقد حاربوا معا نساء وفقراء وأجراء ضد بطش الفراعنة والآلهة ~~القدامى، كان النظام العبودي أو الطبقي الأبوي قائما على السلطة المطلقة للرجل في ~~العائلة، والسلطة المطلقة للفرد الحاكم في الدولة، الإله فرعون، لقد حدثت ثورات عديدة ~~ضد هذا النظام شارك فيها النساء والرجال والشباب والأطفال، لولا هذه الثورات الشعبية لم ~~يكن للعصر العبودي أن يزول، ويحل مكانه العصر الإقطاعي، ثم العصر الرأسمالي القديم، ثم ~~الحديث وما بعد الحديث الذي نعيشه اليوم، وهو نظام طبقي أبوي في الأساس يقوم على سلطة ~~الرجل المطلقة في الأسرة، وسلطة الفرد أو مجموعة من الأفراد في الدولة، تطورت القوانين ~~العامة والخاصة مع مرور السنين، ومع ازدياد القوة السياسية للنساء والفقراء، أصبحت ~~السلطة المطلقة للزوج تناقش في البرلمانات، في محاولة للحد من هذه السلطة المطلقة، وقد ~~شهدنا مؤخرا الصراع داخل البرلمان المصري للحد من سلطة الزوج في الطلاق، أو في منع ~~زوجته من السفر، وإعطاء المرأة بعض حقوقها الشرعية القديمة مثل الخلع، كما شهدنا أيضا ~~الصراع من أجل الحد من السلطة الدكتاتورية في الدولة، ومنح بعض الحريات للشعب أي بعض ~~الديمقراطية. # خلال القرن العشرين بدأت قضية تحرير المرأة في بلادنا تخرج من مفهومها الضيق المحدود ~~بأمور الأسرة والأمومة والأطفال إلى مجالات السياسة والاقتصاد والجنس، ذلك المجال الذي ~~كان محرما الكلام فيه، رغم أن القهر الجنسي للنساء والفقراء الرجال هو الوجه ms125 الآخر ~~من القهر الاقتصادي والسياسي. # حسب نظرية المعرفة الجديدة لا يمكن فصل الاقتصاد عن الجنس، ولا يمكن فصل الحياة ~~العائلية الخاصة عن الحياة العامة السياسية والاجتماعية الشاملة لنواحي الحياة ~~جميعا. # إذا رجعنا إلى التاريخ ندرك أن هذا الفصل قد نشأ مع نشوء النظام الطبقي الأبوي، من ~~أجل تجزئة المعرفة، وبالتالي تجهيل الناس بما يحدث لهم، أصبحت المعرفة الكلية نوعا من ~~الإثم، وقد تم تحريمها على النساء والفقراء والعبيد. # لا شيء يؤهل المرأة والعبد للثورة ضد النظام الظالم إلا المعرفة الكلية الحقيقية التي ~~لا تفصل بين الخاص والعام، ولا تجعل الازدواجية أو الثنائية هي أساس القوانين والأخلاق ~~والفلسفة، هذه الثنائية الراسخة في التاريخ منذ العبودية، والتي قسمت المجتمع إلى نساء ~~وعبيد، وأصبحت الأسرة هي النواة الصغيرة التي يسيطر فيها الرجال على النساء، والدولة هي ~~المجتمع الأكبر الذي تسيطر فيه القلة المالكة للثورة والسلطة على الأغلبية الساحقة من ~~الفقراء. # وأصبحت المرأة ترمز إلى الجسد أو الجنس غير المحترم، وأصبح الرجل يرمز إلى العقل أو ~~الروح الأعلى السامي، أصبحت القضايا العامة هي القضايا المحترمة، أما القضايا الخاصة ~~فهي غير محترمة، ومن هنا النظرة الدونية إلى مشاكل الجسد والجنس والمرأة، والنظرة ~~السامية الرفيعة إلى المشاكل السياسية والاقتصادية والثقافية العامة. # لا بد لنا من دراسة الماضي وربطه بالحاضر حتى ندرك أن الاقتصاد لا ينفصل عن الجنس، ~~وأن الجسد لا ينفصل عن العقل عن الروح، وأنه لا يمكن بحال من الأحوال فصل قضايا تحرير ~~النساء عن قضايا تحرير المجتمع كله. # إلا أن النخبة المثقفة في بلادنا من الرجال أو النساء لا تدرك هذه الحقيقة، وتكرر ~~أخطاءها في فهم قضية المرأة منذ القرن القديم وحتى القرن الجديد الواحد ~~والعشرين. # وقد اتهمت النساء رائدات الحركة النسائية المصرية في بداية القرن العشرين ~~بالاتهام ذاته الذي اتهمت به الرائدات في منتصف القرن العشرين، وهو الاتهام ذاته ~~الذي يوجه إلى رائدات الحركة النسائية اليوم، ونحن في بداية القرن الواحد ~~والعشرين. # حين تكلمت مي زيادة وملك حفني ناصف عن تحرير المرأة من ms126 القهر الخاص داخل الأسرة، تم ~~اتهامها بالقصور عن إدراك القضايا العامة الهامة الخاصة بالوطن والمجتمع، وحين تكلمت ~~درية شفيق عن قضية المرأة المصرية خرجت بعض النساء توزع المنشورات ضدها تتهمها ~~بالبرجوازية وتقليد الغرب، وحين تكلمت بعض النساء المصريات في منتصف القرن العشرين ضد ~~ختان الإناث وربطن بين المشاكل الجنسية والمشاكل الاقتصادية قامت الدنيا ضد هؤلاء ~~النساء، كيف ينطقن كلمة جنس؟ أو كلمة ختان؟ وتم اتهامهن بالفساد، وتحريض البنات على ~~الحرية الجنسية على غرار الإباحية في الغرب. # وفي يومنا هذا يتكرر الاتهام ذاته ربما على نحو مختلف، إلا أن جوهر الاتهام واحد، ~~والقصور في فهم قضية المرأة واحد، والفصل بين الخاص والعام واحد، واعتبار قضية المرأة ~~قضية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية عامة، وليس لها علاقة بذلك الشيء المستورد من ~~الغرب الذي يندرج تحت اسم جنس أو المشاكل الجسدية للنساء، وهي في نظرهم مشاكل ثانوية أو ~~هامشية أو تافهة وليست مشاكل حقيقية محترمة مثل مشاكل الاقتصاد والتنمية الاقتصادية أو ~~الإصلاح الاقتصادي وغير ذلك من القضايا العامة. # رغم مرور أكثر من نصف قرن لا تزال هذه النغمة سائدة، تهيمن على عقول النساء والرجال من ~~النخبة المثقفة في بلادنا؛ بل كثيرا ما تقع النساء المتعلمات أنفسهن في هذا المأزق، ~~وبصرف النظر عن الاتجاهات السياسية أو الحزبية، يسار أو يمين أو وسط، فإن قضية المرأة ~~لا تزال غير مفهومة، ولا يزال الفصل بين الاقتصاد والجنس قائما، وكذلك الفصل بين ~~الحياة الخاصة والحياة العامة، أو ما يندرج تحت أمور الدولة وأمور العائلة أو الأسرة، ~~رغم أن الأسرة هي النواة والحجر الأساسي الذي تقوم عليه الدولة والمجتمع. # بالأمس فقط قرأت في الصحف كلاما عن قضية المرأة المصرية يفصل بين قضايا الاقتصاد ~~وقضايا الأسرة والجنس، يشبه الكلام الذي قرأته منذ نصف قرن، والذي يتكرر دائما في ~~الأزمات أو في الانتخابات، حين تصبح قضية المرأة كبش الفداء في الصراعات على المقاعد ~~ومراكز القوة في المجتمع والدولة. # كتبت إحدى القيادات النسائية من النخبة المثقفة تقول إن قضية المرأة في بلادنا ms127 هي ~~قضية تتعلق بالفقر والأمية، والمطلوب هو إدماج المرأة في مشاريع التنمية والإصلاح ~~الاقتصادي، أما مشاكل الأسرة والجنس فهي مشاكل تهم النساء في الغرب وليس النساء في ~~بلادنا، نحن نعيش في بلاد إسلامية لها قيمها وتقاليدها وتراثها وهويتها الأصيلة ~~وخصوصيتها الثقافية. # يذكرني هذا الكلام بما تكتبه النساء الأمريكيات المستشرقات عن قضية المرأة في بلادنا، ~~وما صدر من كتب جديدة بأقلامهن عن المرأة والإسلام، وقد أكدت بعضهن على أن ختان المرأة ~~وحجابها جزء من هويتها الأصلية، ويجب عدم التخلي عن هذه الهوية الثقافية في بلاد ~~العالم. # هكذا يتم التضليل فيما يخص قضية المرأة، وكأنما التقاليد القديمة كلها إيجابية ولا بد ~~من الحفاظ عليها، ولا توجد تقاليد سلبية يجب الإقلاع عنها، وهل الغرب كله فاسد الأخلاق ~~مشغول بالجنس والإباحية والشذوذ؟! وهناك رجال ونساء في الغرب يكدون ويخترعون في مجالات ~~العلم والفن والأدب، وأغلب الاختراعات والإبداعات العلمية والفنية حدثت في الغرب، فكيف ~~نطلق هذا التعميم الخاطئ على الغرب؟! # كما أن الشرق ليس كله طاهر ونقي ومشغول بالقيم والفضيلة، وهناك رجال ونساء في الشرق ~~يتاجرون بالجنس، ويتاجرون بالقيم الأخلاقية والدينية في السوق المالية. # لقد أصبح تقسيم العالم إلى غرب وشرق مضللا لا يكشف عن الحقائق أو التنوع بل هي نظرة ~~أحادية تعتمد على التعميم من أجل التعتيم على الحقيقة، وقد حدثت في الغرب مظاهرات شعبية ~~ضد العولمة وضد البنك الدولي وضد منظمة التجارة الدولية وغيرها من المؤسسات الاستعمارية ~~الجديدة، هذه المظاهرات لم تحدث في الشرق، لم تحدث في بلادنا رغم أن بلادنا تعاني من ~~هذه المؤسسات أكثر من غيرها، وينالها من الفقر والبطالة أكثر مما يحدث في بلاد ~~أخرى. # كما أن مفهوم الجنس قد تغير منذ القرن الماضي، لم يعد الجنس مجرد عملية بيولوجية أو ~~كيميائية يمكن تنشيطها بالعقاقير أو الفياجرا، بل أصبح الجنس عملية إنسانية يشعر فيها ~~الإنسان (الرجل أو المرأة) أنه لا يوجد انفصال بين الجسد والعقل والروح، أصبحت العلاقات ~~بين الجنسين أكثر إنسانية وأكثر عدالة ووعيا، وأصبح علم الجنس في كليات ms128 الطب في العالم ~~لا يقل احتراما عن علم النفس، وتم الترابط في الطب الحديث بين الأمراض النفسية ~~والجسدية والجنسية لا فاصل بينها، كما أن مفهوم الاقتصاد قد تغير منذ القرن الماضي، وسقوط الفكر ~~الجامد، الذي كان يرى أن الاقتصاد وحده محرك التاريخ، وأن رأس المال وحده مشكلة ~~الرأسمالية، لقد تم الربط بين علم الاقتصاد وعلم الاجتماع والثقافة والتاريخ والفلسفة ~~والطب، وفي جامعات العالم بدأت أقسام جديدة تربط بين العلوم الإنسانية وبين العلوم ~~الطبيعية، بين الاقتصاد والفيزياء وعلم النفس وعلم الجنس، وأصبح التاريخ الاجتماعي ~~للبشر يشمل التاريخ الجنسي والتاريخ الاقتصادي في آن واحد. # وفي علم الحضارات الجديد بدأ العلماء يرون أنه ما من حضارة نقية خالية من السلبيات، ~~فالحضارات الإنسانية متداخلة لا يمكن الفصل بينها، والهوية متعددة الجوانب والأبعاد ~~وليس لها جانب واحد، وتم الفصل بين الهوية الأصلية وبين استئصال الأعضاء الجنسية في ~~عمليات الختان. # إن الأصالة أو القيم أو الأخلاق لا علاقة لها بالعمليات الجراحية التي تقطع من أجساد ~~الإناث أو الذكور. # رغم كل ذلك لا يزال في بلادنا بعض النخبة المثقفة من الرجال والنساء الذين يرددون ~~المفاهيم القديمة، أو الأفكار الاستشراقية الأمريكية الجديدة التي تحاول إعادتنا إلى ~~الوراء تحت شعارات براقة جميلة، منها الهوية والأصالة والدين والخصوصية الثقافية أو ~~التراث أو الاقتصاد وغيرها. # ولا تختلف لهجة النساء في النخبة المثقفة عن الرجال، وفي الطريقة التي ينطقون بها ~~الحروف والكلمات، خاصة كلمة «الفقر». # لا شك أن مشكلة الفقر أصبحت خطيرة في كثير من البلاد ومنها بلادنا، لكن بدلا من ضرب ~~القوى العالمية والمحلية التي تؤدي إلى الفقر فإنهم يضربون قضية المرأة، كبش الفداء؛ ~~لأنها الأضعف في ساحة الصراعات الدولية والمحلية، وتحت اسم الفقر يتم اختزال قضية ~~المرأة، وفصل المشاكل السياسية والاقتصادية العامة عن المشاكل الخاصة داخل الأسرة أو ~~بين الجنسين. # كلمة واحدة ينطقها الجميع بلهجة واحدة هي «الفقر»، كلهم يتحدثون عن الفقر، فمن ذا ~~الذي يمكن أو يعترض أو يفتح فمه؟! أقل اتهام إليه أنه يقلد الغرب أو يتحدث في ms129 أمور ~~الجنس أو الأمور الهامشية. # ألهذا صمت جميع الفقراء من النساء والرجال خجلا وتعففا؟! لقد عانينا منذ فترة قصيرة ~~من محاولات إهدار دم الأدباء تحت دعاوى دينية وشعارات أخلاقية، ونحن نعاني اليوم من ~~محاولات وأد قضية المرأة تحت دعاوى اقتصادية، أو تحت شعار «محاربة الفقر»، وهذه محاولة ~~جديدة لاختزال قضية المرأة إلى بعد واحد هو الاقتصاد، بعد عزله عن المشاكل الاجتماعية ~~والأسرية والنفسية والجنسية والتاريخية التي تعاني منها الأغلبية الساحقة من النساء في ~~بلادنا وفي بلاد أخرى من العالم. # إن كلمة «الفقر» أصبحت براقة وجميلة ورقيقة لا تخدش حياء أحد، وإن كان من رجال أو ~~نساء الأعمال (البيزنيس)، فهي لا تكلف شيئا، كما أن الحديث عن الاقتصاد والتنمية ~~والإصلاح الاقتصادي إلى مزيد من الفقر أم مزيد من الثراء؟ ولمن؟! # رأيت بعض الشابات الفقيرات جالسات فوق الرصيف في الشارع يقرأن عن الفقر في الصحف، بعد ~~أن رفضت وزارة الشئون الاجتماعية تسجيل جمعيتهن الجديدة للنهوض الفكري لدى الشابات ~~المصريات، لماذا رفضت الوزارة تسجيل الجمعية؟ لأنهن فقيرات لا يملكن إيجار شقة خالية ~~تكون مقرا للجمعية. # طلبت مني الشابات التدخل لحل المشكلة، وذهبت معهن إلى وزارة الشئون الاجتماعية، لنكشف ~~أن القانون الجديد للجمعيات يرفض تسجيل أي جمعية لا تملك إيجار أو شراء شقة خالية، كيف ~~إذن تدافع الفقيرات أو الفقراء عن حقوقهم الفكرية؟! # | كيف نشأ ختان الذكور في التاريخ؟! # مع بداية القرن الواحد والعشرين يتحلى النظام العالمي الجديد بكلمات جديدة براقة، ~~يتخفى وراءها أشكال جديدة من الاستغلال والاستعباد للفقراء في العالم وللنساء ~~أيضا. # أصبحت كلمة العولمة من الكلمات الغامضة الساحرة للكثير من المثقفين في الغرب والشرق ~~أو الشمال والجنوب، إلا أن نتائجها على شعوب العالم ليست إلا مزيدا من الكوارث ~~والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحروب الدينية والطائفية المشتعلة في كل بلاد العالم ~~اليوم، وكم من النساء والشباب والأطفال يسقطون قتلى الفتن العقائدية والتي تتخفى وراءها ~~المصالح المادية. # أضعف شرائح المجتمع هم أول الضحايا، وهم النساء والفقراء من جميع الطبقات والفئات ~~والألوان، زادت الهوة مع مزيد ms130 من العولمة بين الذين يملكون والذين لا يملكون، وبين ~~الجنس المؤنث والجنس المذكر الذي له السيادة في الدولة والعائلة في ظل النظام العالمي ~~الجديد كما كان في ظل النظام العالمي القديم، لا يختلف النظام الجديد عن القديم إلا في ~~التفاصيل والجزئيات، لكن الجوهر واحد، فهو جوهر النظام الطبقي الأبوي؛ يعني ذلك أن قلة ~~من الأفراد تشكل «الطبقة الحاكمة» تسيطر على مصائر الملايين وأرواحهم وأرزاقهم وأمنهم ~~وأمن أولادهم وبناتهم، هذه القلة القليلة من الأفراد في كل بلد من العالم تملك المال ~~والسلاح والإعلام، الثالوث الذي ترتكز عليه السلطة الدولية أو المحلية، الثالوث الذي ~~تبطش به على الأغلبية البشرية المفروض عليها الفقر والصمت ونزع السلاح. # يمكن لمن يدرس التاريخ أن يكتشف الترابط بين السلطة والجنس منذ نشوء العصر العبودي، ~~منذ انقسام المجتمع إلى أسياد وعبيد وإلى نساء ورجال. # في مصر القديمة كانت «نوث» هي الإلهة الأم، إلهة السماء، زوجها «جيب» كان إله الأرض، ~~وكانت الأم هي التي تعطي اسمها لأطفالها، لم تكن الأبوة معروفة، كان الرجال يتصورون أن ~~الجنين يتكون في بطن الأم بقدرة خارقة غامضة سماوية، ثم بدأ العقل البشري يكتشف شيئا ~~فشيئا علم البيولوجي وعلم الأمبريولوجي «الأجنة» وبدأ الرجل يعرف دوره في عملية ~~الإخصاب، ثم بدأ يكتشف «الأبوة». # لم يعد يأكل أطفاله أو يغتصبهم كما كان يفعل من قبل، ولم يعد يؤمن أن النساء يحملن بسبب ~~أرواح تهبط إليهن من السماء. # انعكست هذه الفكرة البدائية في الأساطير القديمة، وكم قرأنا هذه الحكايات عن الأبطال ~~الشجعان الذين ولدتهم أمهاتهم بعد أن نفخت الآلهة المقدسة في أرحامهن، ويصبح المولود ~~مقدسا، وإن كانت المولودة أنثى أصبحت قديسة أيضا تنضم إلى زمرة الإلهات ~~المعبودات. # إلا أن المجتمعات البشرية كانت في تحول دائم وصراع دائم للاستيلاء على السلطة والمال ~~والأرض. ظهر الصراع في التاريخ بين الآلهة الذكور والإلهات الإناث؛ يكشف التاريخ القديم ~~عن معارك طويلة بين الإلهة المصرية إزيس وأعدائها من خارج البلاد وداخلها، استمرت هذه ~~المعارك الضارية تحاول هدم فلسفة إيزيس في مصر (وغيرها ms131 من البلاد في الغرب والشرق) حتى ~~عام 394 ميلادية حين جاء الإمبراطور تيودور وحطم تماثيل إزيس ومعابدها في ~~الإمبراطورية الرومانية، وفي مصر ظل أتباع إيزيس وكهنتها يقاومون حتى آخر معبد من ~~معابدها في جزيرة فيلة. # كيف تحولت نوث إلهة السماء وإيزيس إلهة الحكمة ومعات إلهة العدل إلى حواء رمز الخطيئة ~~في التوراة؟! لقد ارتبط هذا التحول بانتصار النظام العبودي، أو ما يطلق عليه اليوم ~~النظام الطبقي الأبوي، والذي جعل «القوة» هي التي تحكم، وليس العدل، وليس ~~المنطق. # أصبح الإله الذكر في التوراة لا يلد إلا الأبناء الذكور، تقول الآية في الإصحاح ~~السادس (التكوين): # وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات ~~الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ... إذ دخل بنو الله على بنات ~~الناس وولدن لهم أولادا. # كذلك أصبحت ولادة الأنثى (في التوراة) ذات نجاسة مضاعفة، لا تطهر الأم الوالدة من ~~نجاستها إلا بعد ستة وستين يوما (إن ولدت ذكرا تطهر بعد ثلاثة وثلاثين يوما ~~فقط). # أما قهر العبيد فقد ارتبط بالجنس أيضا، ولم يكن للطبقة الحاكمة من الآلهة الذكور أن ~~يقهروا الأجراء والعبيد دون عمليات جسدية مثل الإخصاء والختان. ~~(1) كيف نشأ ختان الذكور في التوراة؟ # في الإصحاح السابع عشر (تكوين) يعقد الإله مع النبي إبراهيم عهدا، يقول له: «أقيم ~~عهدي بيني وبين نسلك من بعدك ... عهدا أبديا ... أعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل ~~أرض كنعان ملكا أبديا، هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم ... فيكون عهدي في لحمكم ~~أبديا، وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها، إنه ~~قد نكث عهدي.» # هذه هي الكلمات التي جاءت في التوراة، تؤكد لنا أن إله اليهود رفع شعار «الأرض مقابل ~~الختان»، وهو شعار غريب، فما علاقة الاستيلاء على أرض الغير بالقوة المسلحة وختان ~~الذكور؟! # لا يمكن أن نفهم هذا السر إلا إذا قرأنا ما جاء في التوراة بعد ذلك؛ كان إبراهيم ابن ~~مائة ms132 سنة وزوجته سارة بنت تسعين سنة، لم يكن عندهما ابن يرثهما، أشارت سارة على إبراهيم ~~أن يتزوج جاريتها هاجر لينجب منها الولد، لكن ما إن أنجبت هاجر ابنها إسماعيل حتى غيرت ~~سارة رأيها، طلبت من زوجها إبراهيم أن يطرد هاجر وابنها، تردد إبراهيم قليلا، لكن سارة ~~أقنعته بطردهما بعد أن أنجبت له ولدا، قالت إنه من عند الله، فسأل إبراهيم الله ~~مندهشا: «هل يولد لابن مائة سنة؟ وهل تلد سارة وهي بعد تسعين سنة؟» (الإصحاح 17: تكوين ~~17). توسل إبراهيم إلى الله أن يجعل ابنه إسماعيل يعيش أمامه، لكن الله رد عليه في ~~التوراة قائلا: «فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي ~~معه عهدا أبديا لنسله من بعده.» # هكذا تمت الخطة حسب تدبير زوجته سارة، خطة استغرقت ثلاث عشرة سنة بسبب تردد إبراهيم ~~وتلكئه في طرد زوجته هاجر وابنها إسماعيل. أمرت سارة بتختين إسماعيل قبل طرده وعمره ~~ثلاثة عشر عاما، كما أمرت أيضا بتختين زوجها إبراهيم وعمره تسعة وتسعون عاما! # تقول التوراة: «وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غرلته، وكان إسماعيل ~~ابنه ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ~~ابنه وكل رجال بيته، ولدان البيت والمبتاعين بالفضة من ابن الغريب ختنوا معه.» # في الإصحاح الثامن عشر نكتشف العلاقة الخفية بين الرب وسارة زوجة إبراهيم؛ إذ يظهر ~~الرب عند باب خيمة إبراهيم، ومعه ثلاثة رجال، وسجد إبراهيم إلى الأرض ثم أسرع إلى سارة ~~زوجته داخل الخيمة وقال لها: «أسرعي بثلاث كيلات دقيقا سميذا، اعجني واصنعي خبز ملة. ~~ثم ركض إبراهيم إلى البقر، وأخذ عجلا رخصا وجيدا وأعطاه للغلام فأسرع ليعمله، ثم أخذ ~~زبدا ولبنا والعجل الذي عمله ووضعها قدامهم، وإذ كان هو واقفا لديهم تحت الشجرة ~~أكلوا.» # بعد الأكل سأل الرب إبراهيم عن زوجته، فقال له ها هي في الخيمة: «فقال إني أرجع إليك ~~... ويكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة ms133 وهو وراءه، وكان إبراهيم ~~وسارة شيخين متقدمين في الأيام، وقد انقطع أن يكون لسارة عادة كالنساء.» # إلا أن سارة تحصل على ابنها إسحاق، كيف؟ لا نعرف، ولماذا كانت تقف وراء الباب تتسمع ~~ما يدور بين الرب وزوجها إبراهيم، ولماذا كان الرب يستجيب لجميع طلباتها، ويأمر زوجها ~~إبراهيم بطرد هاجر وابنها إلى الصحراء؟! وهل هناك إذلال للرجل وهو في التاسعة والتسعين ~~من عمره أن يمسكه الرجال، يكشفون عورته، يقطعون غرلته بالموس أو قطعة من الحجر؟ لقد ~~تلوث جرح إبراهيم ولم يلتئم إلا بعد زمن طويل من الألم والمعاناة، حتى إنه اشتكى للرب ~~من الألم وطلب منه الرحمة. ~~••• # ويظل الشعار القديم أو العهد القديم «الأرض مقابل الختان» غير مفهوم، وفي حاجة إلى ~~دراسات أعمق لعصور العبودية والصراعات على السلطة والمال والأرض بين الجماعات البشرية ~~المختلفة. # إلا أن عادة ختان الذكور مثل عادة ختان الإناث أصبحت تتوارث عبر الأجيال، رغم ما ~~يصاحبها من مخاطر صحية مختلفة. # بل كثيرا ما حاول المجتمع البشري تبرير هذه العمليات الجسدية من أجل استمرارها، كانت ~~السلطة الحاكمة في أي مجتمع في حاجة دائمة إلى التحكم في أجساد النساء والعبيد، وتقطع ~~أجزاء منها لأسباب قمعية تتخفى تحت الدين. # ولهذا انتشرت الشائعات حتى بين الأطباء أن عمليات الختان للإناث والذكور ضرورية من ~~أجل النظافة أو الصحة، أو لمنع الأمراض. ~~••• # منذ أكثر من ثلاثين عاما حين نشرت كتابي «المرأة والجنس» ثارت السلطة الحاكمة في ~~الدولة؛ لأن الكتاب تضمن بعض الفصول التي تكشف عن المخاطر الصحية الناتجة عن ختان ~~الإناث، كان هذا الكتاب (والذي صودر عام 1969) هو فاتحة المشاكل في حياتي، والتي أدت ~~إلى فقداني منصبي في وزارة الصحة في أغسطس 1972، رغم ذلك أصدرت الكتاب من بيروت عام ~~1971، وأعقبته بكتب أخرى على توالي السنين، نشرت كلها في بيروت أو معظمها. # لكني لم أتعرض في هذه الكتابات السابقة إلى المخاطر الصحية الناتجة عن ختان الذكور، ~~كنت مشغولة بما تصورت أنه أهم من ذلك، كما أنني لم أكن عرفت بعد شيئا عن هذه المخاطر ms134 ~~الصحية، وهي معلومات حديثة نسبيا، لم يتم نشرها في المجلات الطبية إلا في السنين ~~العشر الأخيرة. # لحسن حظي وصلت إلي هذه المعلومات حين كنت أستاذة زائرة في جامعة ديوك بولاية نورت ~~كارولينا، بأمريكا الشمالية، خلال الأعوام 93، 94، 95، وقد شهدت هذه السنوات الثلاث ~~حركة طبية واسعة النطاق، وفي أنحاء متعددة من العالم لنشر المعلومات الجديدة عن مخاطر ~~ختان الذكور، وساعدت الثورة الإلكترونية الأخيرة في سرعة نشر هذه المعلومات، وتكونت فرق ~~من الأطباء تدعو إلى منع ختان الذكور، وتقدم للجماهير العادية المعلومات الطبية عبر ~~الإنترنت تحت عنوان: «الأطباء يعارضون الختان» وبالإنجليزية # Doctors Opposing ~~Circumcision ~~. ~~••• # في المعركة ضد ختان الإناث انتصرت الحقائق الطبية والعلمية، وصدر القرار في مصر بمنع ~~ختان البنات عام 1997، وقد حسم المعركة السلطة الدينية في مصر حين أعلن شيخ الأزهر أن ~~الختان مسألة طبية من اختصاص الأطباء، وليست مسألة فقهية. # هذه عبارة صحيحة تماما تنطبق على ختان الإناث والذكور أيضا، والمفروض أن يطلع ~~الأطباء في مصر على المعلومات الطبية الجديدة التي تؤكد أن ختان الذكور ضار صحيا، ~~وليس له أي فوائد كما أشيع قديما. # منذ ثلاثين عاما أو أكثر حين طالبت بمنع ختان البنات؛ حرصا على صحة النساء سخر مني ~~زملائي الأطباء، وأكدوا أن ختان الإناث عادة صحية من أجل النظافة والجمال والعفة ~~أيضا. # واليوم قد يسخر كثيرون من الأطباء حين نطالب بمنع ختان الذكور، لقد ورثوا كثيرا من ~~الأفكار القديمة الخاطئة داخل علم الطب ذاته، كما أن وقتهم الضيق لا يسمح لهم بالاطلاع ~~على المعلومات الطبية الجديدة، إن التعليم في بلادنا لا يزال يمشي بخطوة السلحفاة في ~~عصر الإلكترون والإنترنت. # المطلوب اليوم من وزارة الصحة ونقابة الأطباء أن تلعب دورا فعالا لتعريف الأطباء ~~الشباب بهذه المعلومات الجديدة ، والتي لا يمكن تلخيصها في مثل هذه المقالات الصحفية ~~السريعة. ~~••• # كما أن من حق الناس (من غير الأطباء) أن يعرفوا هذه الحقائق الجديدة حتى يحمي الآباء ~~والأمهات أبناءهم من هذه العادات القديمة الضارة جسديا ونفسيا واجتماعيا. # | أول رحلة بالمترو تحت الأرض في القاهرة ms135 # توقفت سيارتي ذات يوم فوقفت في الشارع لأركب تاكسي إلى الجيزة، كنت أعرف أن الأجرة ~~خمسة جنيهات، إلا أن صاحب التاكسي أراد أن يأخذ عشرة جنيهات، رفضت وجاء تاكسي آخر، قال ~~لي السائق: ادفعي ما تشائين، حين ناولته الخمسة جنيهات رفض وقال أريد ثمانية جنيهات، ~~ضيعت وقتا في الجدل مع السائق الذي كان غليظ الصوت يستخدم لغة غير لائقة مما أصابني ~~بالغضب، لم أكن يعلم أنه يستغل كوني امرأة مثقفة ووقتي ثمين وكرامتي أثمن، ولا أريد أن ~~أهدرها في الشارع مع سائقي التاكسيات؛ لهذا حصل مني على مبلغ لا يستحقه، رغم أن هذا ~~المبلغ ثلاثة جنيهات فقط إلا أن يومي كله تعكر، وسؤال ظل يلح علي كيف تركت هذا السائق ~~يستغلني رغم ثقافتي ودفاعي الدائم عن العدل؟! تضايقت من نفسي لأني تنازلت عن حقي، كنت ~~أعرف أن أي استغلال لا يمكن أن يحدث دون أن يتنازل الإنسان عن حقوقه، سواء كان فردا أو ~~جماعة. # إن الشعب الذي يتنازل عن حقوقه يخلق الحاكم المستبد الظالم في الدولة، إن المرأة التي ~~تتنازل عن حقوقها تخلق الزوج المستبد الظالم في الأسرة، إن الراكبة التي تتنازل عن حقها ~~تخلق صاحب التاكسي المستبد الظالم في شوارع المدينة. # تعكر اليوم بسبب هذه الأفكار التي تزاحمت في رأسي، كنت أحضر اجتماعا في جامعة ~~القاهرة أتحدث فيه عن الديمقراطية، ووجدتني أبدأ الحديث بأن أقول إن الإنسان أو الشعب ~~الذي يتنازل عن حقه في الحرية لا يمكن أن يعيش الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية سلوك ~~يومي في الحياة، في البيت، وفي الشارع، وفي مكان العمل، في الحزب السياسي، وفي البرلمان ~~وكل مكان، وحكيت ما حدث بيني وبين صاحب التاكسي، وبدأ الحاضرون جميعا نساء ورجالا ~~يحكون تجاربهم الشخصية، وكيف أنهم يتنازلون عن حقوقهم كل يوم وكل لحظة من أجل أن ~~يهرولوا إلى مواعيدهم وأعمالهم التي لا تحتمل التأجيل. # في طريق العودة إلى بيتي قررت ألا أتنازل عن حقي، ولن أدفع أكثر من خمسة جنيهات، وإن ~~اضطررت إلى العودة سيرا على القدمين، وفعلا ms136 بدأت السير، وكنت متحمسة لهذه الحركة ~~المتحدية لأصحاب التاكسيات، وأصابتني الحركة مع الحماس بشحنة من السعادة، وكانت الشمس ~~مشرقة وهواء مايو منعشا، إلا أن المسافة بين الجيزة وحدائق شبرا بدت أمامي طويلة، ~~وفجأة رأيت محطة «المترو»، كانت المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها محطة مترو في ~~القاهرة، لقد رأيت الكثير من محطات المترو في العالم، وركبت القطارات تحت الأرض (داخل ~~الأنفاق) في معظم العواصم والمدن، توقفت لحظة وقلت لنفسي: ولماذا لا أركب المترو تحت ~~الأرض! كنت أرى العمال يحفرون شوارع القاهرة منذ سنوات، وأسمع عن أن مدينة القاهرة سوف ~~يكون لها قطارات تحت الأرض أو «مترو الأنفاق». # لم يكن لي أن أصدق أن هذا سوف يحدث، وإن حدث فلن أركب مترو الأنفاق في مدينة القاهرة! ~~لماذا سيطرت علي الفكرة أن هذا المترو لن يسير، وإن سار فسوف يتوقف أو يتعطل مثلما ~~تتعطل كل الأشياء في المدينة، ومنها المصعد الذي يأخذني إلى شقتي في العمارة الجديدة في ~~الدور السادس والعشرين، وكم توقف بي المصعد حيث كدت أموت في يوم من الأيام، وتدربت على ~~الصعود على القدمين ستة وعشرين دورا، تصورت أن مترو الأنفاق لن يكون أحسن حالا من ~~المصاعد الكهربية، وقد ينقطع التيار في أي لحظة؛ بل قد يسقط النفق فوق القطار، أو يحدث ~~حريق، أو تتسرب مياه المجاري إلى تحت الأرض، أو يهمل أحدهم وينسى شيئا فإذا بقطار ~~يصطدم بقطار آخر، وكم من حوادث قطارات فوق الأرض فما بال تحت الأرض؟! # إلا أن الشمس قد بدأت تشتد حرارتها، وبدا الطريق من الجيزة إلى شبرا طويلا، وجمعت ~~شجاعتي وهبطت إلى مترو الأنفاق. # أصابتني ما يمكن أن يسمى «صدمة حضارية»، كأنما أصبحت في أجمل المدن وأنظفها وأكثرها ~~احتراما للشعب، ربما هي مدينة في سويسرا أو السويد، ليست أبدا هي مدينة نيويورك أو ~~لندن، حيث أصبحت القطارات تحت الأرض ومحطاتها من أقذر الأمكنة وأكثرها خطورة، أذكر أن ~~قطارا احترق بي في نيويورك، وقطارا في لندن اصطدم بقطار آخر، واشتعل الحريق حتى كدت ms137 ~~أختنق مع الآلاف تحت الأرض لولا حضور بوليس النجدة والإسعاف. # تصورت أنني أصبحت خارج مصر، لكني تذكرت أنني داخل محطة مترو الأنفاق، وأنني واقفة على ~~الرصيف النظيف أتطلع إلى الأسهم والعلامات التي ترشدني إلى حيث أذهب، من حسن حظي أن خط ~~الجيزة يذهب مباشرة إلى شبرا، رأيت فوق الرصيف زحاما من طلبة الجامعة والطالبات، ~~وفلاحات وخادمات منازل يحملن سبت الخضار، وموظفين وربات بيوت، فقراء ومن الطبقة الوسطى ~~وفوق الوسطى، رأيت بعض أساتذة الجامعة، وبعض السيدات الأنيقات من الطبقة العليا، ونساء ~~بالطرح والحجاب والنقاب، ورجال بالجلاليب وملابس العمال، كل طبقات الشعب المصري واقفة ~~فوق الرصيف الطويل تنتظر القطار، فوق رأسي جهاز تليفزيون مصري يتحدث باللغة الإنجليزية، ~~اندهشت لماذا الإنجليزية مع أن جميع الركاب من المصريين والمصريات؟! جاء القطار وهبط ~~الناس وصعد الناس في طابور منظم جميل ذكرني بأوروبا، عيون الشباب تتطلع إلى المحطة ~~والقطار بفرح وزهو، أو ربما هي عيوني التي ملأها الفرح والزهو فتصورت أن كل العيون ~~عيوني، أجمل شيء أن إحدى الطالبات فتحت كتابا وراحت تقرأ رغم أنها كانت واقفة وليست ~~جالسة في مقعد، تذكرت كم كنت أعجب بالناس في أوروبا حين أراهم يقرءون في القطارات ولا ~~يضيعون الوقت، قلبي خفق بالفرح والحب لهذه الوجوه المصرية الحميمة، والبشرة السمراء ~~بلون بشرتي، العيون السوداء بلون عيوني، إلا أن الفرح والفخر يملؤها وليس الحزن القديم ~~أو الهوان المزمن. # انطلق القطار بالسرعة التي تنطلق بها القطارات في أوروبا وأمريكا، يحملني على جناح ~~السرعة إلى شبرا في دقائق، وأنا أتطلع في سعادة إلى جدران المحطات المتعاقبة النظيفة ~~الجديدة، وكل شيء يبدو مفرحا إلا بعض أسماء المحطات، التي بدت كلها أسماء رجال حكموا ~~مصر، كأنما مدينة القاهرة تحت الأرض يملكها الحكام الرجال كما ملكوها فوق الأرض، ما هذا ~~التقديس الموروث منذ الفراعنة لحكام مصر؟ # كان يمكن أن تكون هناك محطة واحدة باسم حاكم في التاريخ حرر بلادنا من الاحتلال ~~الأجنبي مثلا، لكن أن نضع أسماء كل الحكام، الذي يدرك تماما أنه ليس كل حاكم ms138 يستحق أن ~~يمتلك محطة تحت الأرض، ألا تكفي المحطات فوق الأرض؟! # في أوروبا كنت أقرأ أسماء كبار العلماء والأدباء أو الفلاسفة الكبار الذين غيروا مسار ~~الفكر البشري ليصبح أكثر إنسانية وعدلا وحرية وجمالا، أغلبهم رجال بالطبع وقليل جدا ~~من أسماء النساء الفيلسوفات أو الأديبات المرموقات، إلا أن مدينة القاهرة تحت الأرض في ~~مترو الأنفاق مثلها كالمدينة فوق الأرض لم أقرأ اسم امرأة مصرية واحدة فوق إحدى ~~المحطات! إلا اسم «سانت تيريزا» (على خط المرج/حلوان)، والسيدة زينب! # ألا توجد امرأة واحدة في تاريخ مصر القديم أو الحديث تستحق أن يوضع اسمها فوق إحدى ~~المحطات؟! وكم تفخر أوروبا بنسائها المشاركات في تحرير بلادهن أمثال جان دارك، ألا توجد ~~في مصر امرأة واحدة شاركت في تحرير بلادنا خلال القرون الماضية؟! أو شاركت في الفكر ~~والأدب والعلم؟ ~~••• # وهل ينتقل العالم الذكوري الطبقي من فوق الأرض إلى تحت الأرض بهذا الشكل المؤلم؟! ~~كأنما بلادنا مسكونة بالذكور فقط، وكأنما أصحاب السلطة يركبون على أنفاسنا تحت الأرض ~~أيضا. # هبطت في محطة شبرا القريبة من بيتي، قبل أن أصعد إلى الشارع ذهبت إلى ناظر المحطة ~~لأطلب خريطة لخطوط القطارات، لا يمكن لأحد أن يعرف طريقه تحت الأرض دون خريطة، وفي كل ~~مدن العالم يمكن الحصول على هذه الخريطة من شباك التذاكر، فوجئت بأن ناظر المحطة ليس ~~لديه خريطة، وأن شبابيك التذاكر ليس بها خرائط، لماذا؟ لم يكن لي أن أعود إلى بيتي دون ~~خريطة أسترشد بها في رحلاتي القادمة داخل مترو الأنفاق، بعد نصف ساعة تقريبا، وبعد أن ~~قلت إنني كاتبة مهمة جدا استطاع ناظر المحطة أن يحصل لي على خريطة، إنها مطبوعة ~~بالألوان فوق ورق مصقول لامع ثمين، اندهشت كثيرا؛ لأن خريطة مترو الأنفاق في أغنى بلاد ~~العالم تطبع على ورق عادي، لتكون في متناول الناس دون ثمن، سألت ناظر المحطة فقال لي ما ~~أدهشني، قال نحن لا نعطي هذه الخريطة إلا للسياح الأجانب؛ ولذلك يجب أن يكون مظهرها ~~براق جميل، قلت له هذا المشروع «مترو الأنفاق» ms139 للشعب المصري، وليس للسياح الأجانب، جميع ~~الركاب والراكبات من المصريين والمصريات، فكيف تطبع الخريطة فقط للأجانب؟ وكيف تكون ~~الإذاعة في التليفزيون على الأرصفة باللغة الإنجليزية؟! ابتسم الناظر برقة وقال: والله ~~مش عارف! # أشياء صغيرة قد تفسد جمال الأشياء، مثل النقط السوداء فوق القلب الأبيض المملوء ~~بالفرح، قاومت هذه السلبيات القليلة التي يمكن أن تعالج عن طريق الكتابة والنقد من أجل ~~أن يفرح الشعب المصري بمشروع جديد يحرره من عبودية المواصلات فوق الأرض، ومنها ~~التاكسيات، وبدلا من أن أدفع ثمانية جنيهات لصاحب التاكسي دفعت خمسين قرشا (نصف جنيه ~~فقط) ثمن التذكرة من الجيزة إلى بيتي في شبرا. # أدخلت سيارتي الجراج، وأخرجت أصحاب التاكسيات من حياتي، وقررت ركوب المترو تحت الأرض ~~كل يوم. # مايو 1999 # | أحلام إنسان بسيط # منذ ستين عاما، وأنت طفلة بالمدرسة الابتدائية، رأيت نفسك في الحلم داخل طائرة، ~~تسقطين منها، القنابل مثل رذاذ المطر، فوق ثكنات الإنجليز على شط قناة السويس. # وأنت نائمة لم تحلمي بالعروسة أو الفستان، أو الفرحة في عيني أبيك وأمك، قتلوهما ~~الاثنان أمام عينيك وأنت طفلة، وأخوك قتلوه وأختك، وأطفال الجيران وزميلك في المدرسة، ~~والإنسان البسيط الذي خفق له قلبك ثم مات وهو شاب. # وأنت يا علاء رأيتهم في طفولتك منذ ثلاثين عاما، وأنت طفل في الخامسة من عمرك، أصبحت ~~وحدك بلا أم ولا أب، وأرغمك الفقر على البقاء في مسقط رأسك، الذي لم يعد وطنك، بل الأرض ~~المحتلة بجيش إسرائيل المدجج بسلاح الإنجليز والأمريكان والفرنسيين وغيرهم ممن يحملون ~~جواز سفر عربي. # كل يوم تمشي في جنازة طفل شهيد، يحلم مثلك بركوب الطائرة، وإسقاط القنابل فوق الثكنات ~~المسلحة، الحلم الطفولي البسيط يا علاء لكل أطفال الحي الفقير في رام الله وغزة وغيرهما ~~من المدن والقرى. # كل يوم تمشي في جنازة شهيد أو شهيدة، وتعود إلى زوجتك وأطفالك الخمسة أكبرهم في ~~التاسعة من عمره، ينامون بغير عشاء وبغير غطاء، يراودهم الحلم الطفولي مثلك ومثلي وكل ~~الأطفال في بلادنا الذين فقدوا الحلم. # حرمك الفقر يا علاء من ms140 التعليم فاشتغلت سائقا تحت سيطرة حكومة الاحتلال، خمس سنوات ~~وأنت تقود الباصات كل يوم من الصباح إلى المساء نظير أجر ضئيل، تنقل العمال من زملائك ~~وجيرانك في قطاع غزة إلى تل أبيب، ثم تعود إلى مسكنك الفقير من غرفتين في حي الشيخ ~~رضوان شمال مدينة غزة. # خمس سنوات يا علاء وأنت تقود الباصات وتمشي في الجنازات، ترقد إلى جوار زوجتك صامتا ~~مرهقا تفكر في مستقبل أطفالك الخمسة، وأطفال الجيران، وكل الأطفال الذين قتلوا أمام ~~عينيك. # تنام كل ليلة وأنت تفكر في الموت، تسأل نفسك في الحلم، إذا كان الموت هو النهاية، ~~فلماذا لا أفعل شيئا بسيطا قبل أن أموت؟ ويشتغل عقلك الباطن في النوم، ترى نفسك داخل ~~الباص، الذي لم يعد باصا بل طائرة تقودها بنفسك، لم تركب في حياتك طائرة، لكن قدراتك ~~في الحلم تدهشك، تقتحم بالطائرة عاصمة الأعداء، تل أبيب نفسها تدخلها، تلك التي لا ~~يدخلها أي جيش عربي، ولا جيوش العرب جميعا مجتمعين في القمم وغير القمم، الجهابذة منهم ~~والأباطرة والأسياد والسادة المؤيدين والمعارضين، اليسار منهم واليمين والوسط، ويسار ~~الوسط ويمين الوسط، فهؤلاء جميعا يا علاء أصبحوا بغير سلاح إلا فصاحة اللسان في الشعر ~~والخطب والمقالات المحبرة فوق الورق. # ترى نفسك في الحلم يا علاء تقود الطائرة من الفولاذ وليس من الورق، طائرة مصفحة تكاد ~~تشبه الباص الذي تقوده كل يوم من الصباح إلى المساء، يهتز بك سريرك وأنت نائم حين يقتحم ~~تل أبيب الباص المصفح، الذي أصبح يطير في الجو مثل الطائرة تماما، وأنت وراء عجلة ~~القيادة. # في الصباح وجدت نفسك في بيتك موقوفا عن العمل، منذ بداية الانتفاضة طردوك أنت ~~وزملاءك، أصبحت تخرج كل يوم تبحث عن رزق أطفالك الخمسة وتعود فارغ اليدين، ستة شهور يا ~~علاء وأنت تمشي في الشوارع وفي الجنازات، لا شيء أمامك إلا أن تموت أنت وأطفالك، لكن ~~قبل أن تموت ماذا تفعل. # هكذا رأوك تمشي في الشوارع شارد الذهن، تدوس على دم الأطفال الشهداء وتمشي، تغمض ~~عينيك لحظة، ترى نفسك ms141 راكبا الباص كالطيارة، تنقل زملاءك العمال حتى مفترق اليازور، ~~القرية التي دمرها جيش الاحتلال جنوب تل أبيب، تدور عجلة القيادة في يدك نصف دورة، ~~وتنطلق كالطائرة نحو ثكنات العدو. # تفتح عينيك يا علاء وترى نفسك تمشي في الشارع، تدوس على دماء لم تجف، تتعثر في أشلاء ~~الأطفال، والرصاص يدوي في أذنيك، وأنت تمشي، هكذا تمشي لا تعرف إلى أين، لم تدخل في ~~حياتك حزبا يا علاء، لم تنضم إلى تنظيم أو جماعة، لم تعلق في بيتك صورة شهيد، كنت مثال ~~الطاعة والهدوء والعمل دون شكوى، خمس سنوات تقود الباصات تحت عيون الرقابة والجنود، ~~والضباط المهرة المدربين على الاستجواب والتحقيق، ورؤساؤك في شركة الباصات، والجميع ~~شخصوك بأنك إنسان بسيط لا تحيط بك أي شكوك، لم يسبق لك أن اعتقلت من قبل جيش الاحتلال ~~أو الشرطة الفلسطينية ولم تكن لك مشاكل سياسية أو أمنية أو جنائية، أنت إنسان عادي بسيط ~~لك زوجة وخمسة أطفال، وليس شابا أعزب طائشا. # كيف إذن يا علاء يحدث ما حدث صباح الأربعاء 14 فبراير؟ منذ أيام قليلة أعادوك إلى ~~عملك، ولم تعرف لماذا أعادوك، هل قمعوا الانتفاضة؟ هل مات كل الأطفال؟ هل نفدت كل قطع ~~الحجارة من الشوارع؟ # خرجت يا علاء ذلك الصباح صامتا كعادتك شارد الذهن، جلست وراء عجلة القيادة داخل ~~الباص، أنزلت العمال جميعا عند مفترق اليازور جنوب تل أبيب، وفجأة دارت عينيك نصف ~~دورة، رأيت الفرقة العسكرية، ثلاثين من جنود الاحتلال واقفين هناك، أغمضت عينيك كما في ~~الحلم، تحول الباص إلى الطائرة المصفحة، انطلقت نحوهم مثل الصاروخ، سقط منهم ثمانية ~~قتلى وواحد وعشرون جريحا. # عقدت الدهشة ألسنة رؤسائك في شركة الباصات، لم يفهموا كيف يقوم إنسان بسيط مثلك بمثل ~~هذا الهجوم، لكن زملاءك البسطاء قالوا: ما حدث لعلاء أمر بسيط طبيعي، إن ما نراه في ~~حياتنا كل يوم يجعل الإنسان البسيط منا يقوم بأي شيء، ما فعله علاء ليس عملا جنونيا ~~ولا انتحاريا ولا أي شيء، لقد فعل ما يفعله كل منا وهو نائم ms142 في الحلم. # القاهرة، 15 فبراير 2001 # | عن توفيق الحكيم في ذكراه ال 15 # (1) لإحياء الذكرى # إذا أردنا إحياء ذكرى توفيق الحكيم أو أي إنسان أو إنسانة قدمت أفكارا جديدة تنتشل ~~عالمنا الإنساني من الحروب أو العنف أو العدوان على حقوق الآخرين أو الأخريات، فإن أفضل ~~ما يمكن أن نفعله هو أن نناقش أفكار هذا الإنسان، أو هذه الإنسانة مناقشة هادئة عميقة، ~~وأن نعيد قراءة هذه الأفكار قراءة متأنية بحيث نكتشف ما فيها من إيجابيات فنبرزها ~~ونظهرها ونطرحها للنقاش على أوسع نطاق، وعلينا أيضا أن نبرز السلبيات أو ما نراه ~~سلبيات مما يوضح نقاط الاختلاف في الآراء والأفكار المطروحة، وكم نتعلم أكثر من اختلاف ~~وجهات النظر؛ لأن الاختلاف يكشف لنا عن نواحي النقص في تفكيرنا نحن، أو نواحي الغموض ~~«وعدم الفهم» إن العنف في الحوار غالبا ما يكون سببه «عدم الفهم»، ومنذ أيام قليلة ~~طلبني أحد الرجال الإسلاميين (هو الذي قدم لي نفسه بصفته إسلامي) وبدأ كلامه لي بصوت ~~غاضب عنيف إلى حد أن أسلاك التليفون كانت تهتز من عنف صوته، إلا أنني استمعت له حتى ~~النهاية، ثم بدأت معه حوارا هادئا حول نقاط الاختلاف بيني وبينه، ثم اكتشفت أنه لم ~~يقرأ كتابا واحدا من كتبي الأربعين، وأنه استقى معلوماته عني من بعض الصحف التجارية ~~المنتشرة في السوق هذه السنين، واعتذر الرجل عن عنفه وسوء فهمه أو عدم فهمه ~~لأفكاري. # هذا مجرد مثل واحد لما يحدث في حياتنا كل يوم، ونحن نقع في هذا الخطأ ونكرره على نحو ~~غريب، ويشجعنا على هذا تلك الحوارات العنيفة؛ التي نراها على الشاشة والقنوات الفضائية ~~المحلية والعربية والدولية، وقد أصبح «العنف في الحوار» كأنما هو موضة العصر الأمريكي ~~ما بعد الحديث، وأشهر برنامج للحوار في الولايات المتحدة يحمل اسم # Cross fire ~~«التراشق بالنيران»، وفيه يجلس الشخص في مواجهة الآخر، ويتراشقان بالألفاظ والأفكار ~~كأنما هي طلقات نارية فعلا، يحاول المذيع أو مقدم البرنامج أن يفض العراك على نحو يشبه ~~الحرب. # وهل يمكن أن نقضي على الحروب ms143 الاقتصادية واغتصاب الأرض أو الحقوق المادية للناس من ~~أرض أو مياه أو إنتاج زراعي أو صناعي ونحن نعيش الحرب اليومية في حياتنا الفكرية ~~والثقافية والأدبية؟ # ربما لهذا السبب أكتب اليوم لأناقش فلسفة توفيق الحكيم في ذكراه الخامسة عشر، لقد مرت ~~خمسة عشر عاما على وفاة توفيق الحكيم، ولم أفكر في مناقشة فلسفته إلا اليوم، ربما كتبت ~~مقالا واحدة أو مقالين خلال حياته، ومثلهما عند وفاته أو في الذكرى الأولى لوفاته ثم ~~توقفت عن الكتابة عنه، ربما شعرت كأنما أنفخ في قربة مثقوبة كما يقولون، ولم أجد أحدا ~~متحمسا لأفكار توفيق الحكيم بعد موته، أو ربما قلة قليلة كانت متحمسة، ثم ضعف حماسها ~~مع مرور السنين. # وهذه عادة سيئة نتوارثها جيلا عن جيل منذ عهود الفراعنة، أو السلطة المطلقة في ~~المجتمع الكبير والعائلة الصغيرة، إن «السلطة السياسية» هي التي تحدد لنا الأفكار ~~والقيم والثقافة والأدب والفلسفة، ويطغى على الساحة الفكرية رجال ونساء السياسة وليس ~~رجال ونساء الفكر. # ربما لهذا السبب شعرت بالزهد والابتعاد عن تلك الضجة الإعلامية الكبيرة لإعادة مناقشة ~~فلسفة جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وشعراوي جمعة وغيرهم من القيادات السياسية ~~لثورة يوليو 1952، وأنا بالطبع لست ضد مناقشة أفكار رجال ونساء السياسة؛ لأن الفكر ~~والسياسة والثقافة والأخلاق والاقتصاد وغيرها كلها متشابكة، ويجب أن تكون متشابكة ~~نظريا وفكريا واجتماعيا، فالواقع اليومي المعاش يؤكد تشابكها وتلاحمها. # ولكني ضد تركيز الأضواء أو معظم الأضواء على أصحاب السلطة السياسية، واعتبارهم قادة ~~الفكر والفلاسفة، على حين نهيل تراب النسيان على المفكرين الحقيقيين من الرجال والنساء، ~~الذين زهدوا في السلطة من أجل التعمق في الفكر والفلسفة. # وكان توفيق الحكيم واحدا من هؤلاء الزاهدين، وقد عرفته عن قرب شديد في اجتماعات لجنة ~~القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، ولمدة ثلاثة أو أربعة أعوام من عام 1969 حتى عام ~~1972، وكان هو رئيس اللجنة، وكنت أنا عضوة بهذه اللجنة مع آخرين وأخريات من الأدباء ~~والأديبات، أذكر منهم يوسف الشاروني ويوسف إدريس ونجيب محفوظ ولطيفة الزيات وثروت أباظة ~~وغيرهم، كان ms144 أغلبهم من الشباب وأنا كنت شابة أنظر إلى توفيق الحكيم باعتباره من الكهول ~~بشعره الأبيض وشاربه الأبيض وعصاه التي يتكئ بها حين يمشي، وصوته المبحوح قليلا، ~~وأسنانه الصفراء من الدخان ربما، وخوفه من قيادة السيارات، وكانت قيادة سيارتي كفتاة ~~شابة تجعلني أكثر استقلالا من توفيق الحكيم، إذ أركبها وأقودها وحدي إلى بيتي في ~~الجيزة بعد انتهاء اجتماع لجنة القصة في الزمالك، أما توفيق الحكيم فكان ينتظر ثروت ~~أباظة ليأخذه بسيارته إلى بيته. # ومع ذلك كان توفيق الحكيم أقرب إلي من الشباب أعضاء اللجنة، عيونهم كانت باهتة ~~قليلا إلى جانب عينيه المتقدتين بالبريق الأشبه بالطفولي، أقرأ في عينيه شقاوة الطفل ~~الذي أصبح كهلا، ومع ذلك يحتفظ بطفولته وسذاجته ومكره، وكان توفيق الحكيم ماكرا مثل ~~معظم الفنانين الحقيقيين، ذلك المكر النابع من دهاء الفن وذكاء الإبداع، وكان يحكي ~~علينا الحكايات مثل شهرزاد في ذكائها ومحولتها ترويض السلطة المطلقة لشهريار، كان يحكي ~~لنا النكت السياسية التي تنقد السلطة المطلقة للحكم دون أن يتعرض لمضايقات رجال الأمن، ~~وكان مثل الأطفال يضحك على النكتة قبل أن يحكيها لنا، بل كثيرا ما كانت سخريته تمتد من ~~السلطة المطلقة فوق الأرض إلى السلطات المطلقة في السماوات وإلى الفراعنة الآلهة في مصر ~~القديمة. # وكم أود لو عندي الوقت أن أكتب كتابا كاملا عن توفيق الحكيم؛ كإنسان وفنان وصاحب فكر ~~وفلسفة، ربما نشرت بعض الكتب عن توفيق الحكيم، لم أقرأها ربما، إلا أن ما قرأته عن ~~توفيق الحكيم قد سقط عنه أهم عناصر توفيق الحكيم الفكرية أو الفنية أو ~~الإنسانية. # وفي هذا المقال الموجز عن توفيق الحكيم، وفي ذكراه الخامسة عشر أود أن أناقش فكرة ~~واحدة من أفكاره، وهي فكرته عن تحقيق السلام فوق الكرة الأرضية، هذه الفكرة شغلت ~~المفكرين من النساء والرجال منذ نشوء العبودية وحتى اليوم، انشغل الفلاسفة من الرجال ~~والنساء بهذه الفكرة منذ عصور الفراعنة في مصر القديمة وحتى اليوم. # ونحن نعيش اليوم هذه المشكلة الكبيرة المتعلقة بمشروع السلام أو عملية السلام ~~الممطوطة بين دول إسرائيل ms145 والشعب الفلسطيني، وكيف يذبح هذا الشعب أمام عيوننا كل يوم ~~تحت اسم السلام، وهذه الكلمة «السلام» أصبحت مراوغة وثعبانية ومفزعة ومرعبة أكثر من ~~كلمة «الحرب»، بل قد تبدو كلمة «الحرب» أحيانا بريئة وإنسانية إلى جانب كلمة ~~السلام. # وما أحوجنا اليوم إلى إعادة قراءة أفكار توفيق الحكيم وغيره من المفكرين والمفكرات عن ~~كيف يمكن للسلام الحقيقي أن يتحقق في عالمنا، الذي يسير نحو مزيد من الحروب والدمار ~~الشامل. ~~(2) وماذا يقول توفيق الحكيم عن تحقيق السلام؟ # كان توفيق الحكيم متحمسا شديد الحماس لفكرة تحقيق السلام في عالمنا البشري كله، وليس ~~فقط في عالمنا العربي، كان مثل «أرسطو» الذي انشغل طوال حياته بالفكرة ذاتها، وكيف ~~يتحقق السلام فوق الكرة الأرضية، إلا أن أرسطو عاش في العصر اليوناني العبودي ~~(384-222ق.م) وكان جزءا من هذا العصر، وحين يكون الإنسان جزءا من شيء فإنه لا يرى إلا هذا ~~الشيء أو لا يراه كله، العين لا ترى نفسها، رغم أنها الجهاز الذي يرى، وهذه مشكلة تعترض ~~جميع الفلاسفة من الرجال والنساء هناك قول قديم يقول: إن آلهة السماء أعطوا المعرفة ~~للعميان، وأكثر الفلاسفة في الريف المصري كانوا من العميان، ومن أشهر الفلاسفة في مصر ~~«طه حسين» وكان لا يرى بعينه، ولكن بالعقل والفكر والبصيرة. # ليس معنى ذلك أنني أدعو المفكرين والمفكرات في بلادنا إلى خلع عيونهم؛ ولكني أود أن ~~أقول إن العين لا ترى نفسها، هذه بديهية تغيب عن عقولنا ضمن بديهيات أخرى كثيرة وبسيطة، ~~ولأنها بسيطة فإنها تفوت علينا ونحن نبحث عن المعقد والمركب، وهذه عادة فلسفية سيئة، إذ ~~نتصور أن الفكرة المعقدة المركبة هي الفلسفة، في حين أن الفلسفة الحقيقية هي الواضحة ~~البسيطة بساطة الحياة والطبيعة والجمال الطبيعي وضوء الشمس. # من الأشياء الواضحة أننا لا نرى ظهورنا على نحو كامل كما يراها الآخرون والأخريات، ~~وكم نحاول من خلال المرآة أن نرى ظهورنا دون جدوى، وهذه حقيقة شغلتني في أول الشباب، ~~كنت أحس نظرات الآخرين والأخريات فوق ظهري بعد أن أستدير، وأدرك (بغيظ شديد) أنهم ~~الغرباء ms146 عني أقدر على رؤية ظهري أكثر مني. # وهي مشكلة فلسفية أزلية، تعرض لها أرسطو، وغيره من الفلاسفة، وقد عاش أرسطو القيم ~~العبودية (أو القيم الطبقية الأبوية) ورضعها من أمه في طفولته، دخلت هذه القيم والأفكار ~~إلى عقله وجسده مع لبن الأم؛ ولهذا عجز أرسطو عن رؤية النقص بعض خرافاته العبودية تسربت ~~إلى فلسفته، ومنها فكرة أن الله خلق العبيد والنساء من أجل الخدمة والأعمال الجسدية، ~~أما الأعمال الفكرية فهي من اختصاص الأسياد من طبقة النبلاء ومنهم أرسطو. # وربما لو عاش أرسطو في زماننا هذا ما كان له أن يؤمن بهذه الأفكار التي ثبت خطؤها بعد ~~أن تحرر العبيد والنساء، وظهرت لهم ولهن أعمال فكرية غيرت مسيرة العالم. # وكان النقاش يدور بيني وبين توفيق الحكيم عاجزا عن رؤية المرأة المفكرة مثله، كان ~~يتصور دائما أن عقل المرأة أقل من عقل الرجل، وأن قيمة المرأة في جمالها الجسدي الظاهر ~~وليس في عقلها، كنت أختلف معه في هذه الفكرة، ومع ذلك ظل الحوار بيننا متصلا رغم ~~الاختلاف، وهناك رجال أدباء انقطع الحوار بيني وبينهم، بسبب عنفهم في الكلام، أو ~~اتهامهم لي «بالرجولة» ومنهم يوسف إدريس، الذي كان يتصور أن ذكاء المرأة يتناقض مع ~~أنوثتها. # لا شك أن أغلب الأدباء والمفكرين الرجال في بلادنا عاجزون حتى اليوم عن فهم المرأة ~~الحرة المستقلة عقليا عن الفكر الذكوري الطبقي، بمثل ما هم عاجزون عن فهم الرجل ~~الأجير في الأرض أو المصنع الذي يقاوم استغلال الطبقة الإقطاعية أو الطبقية ~~الرأسمالية. # ربما كان توفيق الحكيم أكثر تحررا وتقدما في أفكاره عن كثير من الرجال المعاصرين ~~لنا اليوم، وكان يدرك القهر الاقتصادي الواقع على الفقراء في بلادنا وفي العالم كله، ~~وكان يدعو إلى إلغاء الفقر أو الرجوع كشرط أساسي لتحقيق السلام على الأرض ، وهذه فكرة ~~هامة تربط بين السلام السياسي أو العسكري وبين العدل الاقتصادي، إلا أنه وقف عند هذه ~~الحدود وعجز عن تجاوزها بحكم انتمائه إلى قيم عصره التي رضعها في طفولته، وهي القيم ~~الطبقية الأبوية، المختلفة كثيرا ms147 عن القيم التي عاشها أرسطو، إلا أن الأساس الفكري لها ~~يظل متشابها. # ويمكن في إيجاز شديد تلخيص فكرة توفيق الحكيم عن تحقيق السلام على النحو ~~التالي: ~~(1) # تحقيق السلام عن طريق القضاء على الجوع، وإلغاء الحدود الدولية والخوف وعدم الثقة ~~بين الدول. ~~(2) # فصل موضوع السلام عن السياسة والأخلاق والقيم والعواطف. ~~(3) # تحقيق السلام على أساس علمي بحت. ~~(4) # استخدام الخيال العلمي والفني لصياغة مشروع السلام. # هذه النقاط الأربعة الأساسية لمشروع توفيق الحكيم تستحق الدراسة والتأمل بعمق، وبها ~~إيجابيات لا شك، وبها أيضا سلبيات، وأنا أتفق مع توفيق الحكيم في أن الخيال سواء في ~~العلم أو الأدب أو الفن يسبق دائما أي مشروع علمي أو أدبي أو فني، وهل يمكن أن يكون ~~هناك إبداع جديد في أي مجال دون خيال؟ ولعل أهم ما ينقص النظم التعليمية في العالم هو ~~عجزها عن تنمية خيال الطفل والطفلة، تحت اسم المحظورات السياسية أو الدينية أو ~~الأخلاقية. # ومن هنا عدم انفصال الأخلاق عن السياسة وعن الاقتصاد، وعن مشروع السلام الذي يمكن أن ~~يتحقق على الأرض، وربما أشير هنا إلى فكرة توفيق الحكيم التي تفصل بين السلام والأخلاق ~~والقيم والعواطف، أو التي تفصل بين ما هو علمي بحت وما هو اجتماعي وثقافي وأخلاقي، وهل ~~هناك شيء اسمه علمي بحت بعيدا عن السياسة أو الأخلاق والقيم والعواطف؟ وهل يختلف ~~الخيال العلمي عن الخيال الأدبي أو الفني؟ وهل يمكن فصل التفكير عن الإحساس والعاطفة؟ ~~هل يمكن فصل العقل عن الجسد؟! # هنا وقع توفيق الحكيم في الثغرة الفكرية ذاتها التي وقع فيها أرسطو، وفصل بين الجسد ~~والعقل، وجعل الأعمال الجسدية من نصيب الفقراء والنساء، وجعل الأعمال الفكرية من نصيب ~~طبقة النبلاء الأسياد الرجال. # ربما لهذا السبب ظل مشروع توفيق الحكيم مشروعا خياليا غارقا في الوهم والتعميمات ~~دون النزول إلى أرض الواقع. # ظل مشروعه مجرد رؤية أدبية مثل أعمال جول فرن وويلز وزيولكو فسكي وغيرها من الأعمال ~~التي استشهد بها، وهي أعمال ريادية فعلا في عالم الأدب والفن، وربما ساهمت في تغيير ~~مسيرة ms148 العالم الإنسان على نحو ما، إلا أنها عجزت عن تحقيق السلام المنشود الذي نحلم به، ~~ويحلم به توفيق الحكيم. # وقد ظل توفيق الحكيم يتحدث عن مشروعه للسلام في لجنة القصة بالزمالك وفي مكتبه بجريدة ~~الأهرام، كان يطلب لي فنجان القهوة (رغم ما أشيع عن بخله) ويتحدث معي الساعة وراء ~~الساعة عن مشروعه الخيالي لتحقيق السلام في العالم. ~~- ولكن يا أستاذ توفيق مشروعك ده غير قابل للتحقيق. ~~- ليه يا دكتورة؟ (كان خجولا يتحرج من أن ينطق اسمي). ~~- لأنك تفصل بين العلم والسياسة والأخلاق. ~~- لازم نفصل، إنتي طبيبة درست الطب يمكنك عمل مشروع طبي علمي، لكن أنا لم أدرس الطب ~~ولا يمكن أعمل مشروع طبي علمي، مش كده؟! ~~- لأ مش كده يا أستاذ توفيق؛ لأن دراسة الطب وحده (كعلم منفصل عن المجتمع والسياسة ~~والأخلاق) لا يمكن تؤهلني لعمل مشروع طبي علمي ناجح يقضي على الأمراض أبدا. ~~- ليه أبدا؟ ~~- لأن الأمراض هي ظواهر سياسية واجتماعية وأخلاقية، ولا يمكن أعرف الأسباب الحقيقية ~~للأمراض الجسمية أو النفسية إلا بدراسة المجتمع والسياسة والاقتصاد، مثلا أغلب الأمراض ~~في بلادنا بسبب الجوع والفقر. ~~- برافو أنا معاكي الجوع أكبر مشكلة؛ ولذلك لا بد من القضاء على الجوع. ~~- أيوه يا أستاذ توفيق، لكن كيف نقضي على الجوع بالعلم البحت المنفصل عن السياسة ~~والأخلاق والعواطف؟ ~~- أن قصدي لازم مشروع السلام يقوم على فروض علمية، ووضوح الهدف مثل هدف الصعود إلى ~~القمر، ليه ما يكونش هدفنا «الطعام لكل فم»، كل الأفواه في العالم لو أكلت وامتلأت، فإن ~~الحروب تنتهي ويتحقق السلام، مش كده؟ ~~- لأ مش كده يا أستاذ توفيق؛ لأن المشكلة مش الطعام وخلاص، لأن الإنسان رجل أو امرأة ~~لا يمكن يعيش على الأكل بس، ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان. ~~- ده كلام نظري يا دكتورة. ~~- لا يا أستاذ توفيق، ده كلام عملي. ~~- عملي إزاي؟ ~~- مثلا إنت عندك طعام مش كده؟ ~~- طبعا، خصوصا صينية البطاطس أهم عندي من أرسطو! # وضحك توفيق الحكيم مقهقها، كنت أحب فكاهته كثيرا وأضحك معه، لكني أعود إلى ~~المناقشة، ms149 وكان يرمقني بعينيه مندهشا قليلا كيف يمكن لامرأة أن تجادله على هذا النحو، ~~وهي امرأة شابة جميلة كما يقول لي، وهذه المناقشة العقلية الجادة تفسد جمالها وأنوثتها، ~~لكني رغم ذلك كنت أواصل النقاش، ومن أجل المعرفة أو الوصول إلى الحقيقة كنت مستعدة ~~للتضحية بشبابي وجمالي وأنوثتي، وكل شيء بما فيها الدعوة إلى تناول الغذاء. ~~- إيه رأيك تأكلي معايا صينية البطاطس بدل المناقشة دي؟ ~~- يا أستاذ توفيق أنا شايفة إن المشكلة ليس فقط الطعام، صحيح الطعام ضروري، لا يمكن ~~أفكر أو أكتب رواية على معدة فاضية، لكن ممكن أكل واملأ نفسي بالطعام ويظل عقلي خاويا ~~وتظل عواطفي خاوية، وأظل أؤمن بالقيم الطبقية الأبوية التي تنظر إلي كامرأة شابة ~~جميلة بلا عقل أو ناقصة العقل! ~~- أنا قلت كده؟ أبدا والله ما قلت كده! ~~- أنت يا أستاذ توفيق تفصل بين العلم والعاطفة، أو بين العقل والعاطفة، وده مستحيل ~~لأن العاطفة جزء من العقل؛ لأن الخيال جزء من العاطفة، ولا يمكن فصل الخيال عن العقل عن ~~العاطفة. ~~- أنا عندي سؤال لك يا دكتورة؟ هل خيال الرجل مثل خيال المرأة؟ هل عاطفة الأم مثل ~~عاطفة الأب؟ الأمومة كلها عواطف وإنسانية، لكن الرجل هو العقل. ~~- وعدم الإنسانية؟! ~~- أيوه المرأة أكثر إنسانية من الرجل وأكثر حنانا وعطفا. ~~- على الفقراء والجوعى؟ ~~- أيوه. ~~- إذن المرأة أقدر من الرجل على عمل مشروع للقضاء على الجوع؛ لأن العاطفة أو الخيال ~~لازم يسبق التفكير في المشروع زي ما أنت بتقول يا أستاذ توفيق؟ ~~- أنا معاكي المرأة أقدر من الرجل إذا أصبح لها فرصة في الحرية أو التحرر من القيود، ~~لكن النساء عندنا عندهم عشق للقيود، المرأة تفضل الرجل الحمش اللي يخمشها مش ~~كده؟ ~~- لأ مش كده، فيه نساء مصريات عندهم وعي وكرامة، ويفضلوا الرجل الإنسان القادر على ~~احترام المرأة ومعاملتها كإنسان أو إنسانة كاملة العقل والجسم. ~~- يمكن الأقلية القليلة لكن الأغلبية. ~~- أيوه الأغلبية خاضعة للقيم العبودية، لكن عدد النساء المتحررات في تزايد مستمر، ~~ولازم نشجعهم لأن المجتمع نصفه نساء، وأي مشروع للسلام ms150 أو للتنمية لا يخاطب النساء ولا ~~يتعرض لمشكلة القهر الأبوي والجنسي مثل ما يتعرض لمشكلة الفقر أو الجوع أو القهر الطبقي ~~أو الاقتصادي لا يمكن لمثل هذا المشروع أن يكون واقعيا، وسيظل مشروعا خياليا ~~وهميا لأنه يتجاهل نصف المجتمع الحقيقي وهن النساء. ~~- فيه مجتمعات نسائية ومشروعات كثيرة للمرأة يا دكتورة. ~~- أغلبها مشروعات خيرية أو اجتماعية لا تدخل ضمن القضايا السياسية الهامة مثل قضية ~~الديمقراطية أو قضية الفقر أو الجوع أو قضية السلام أو الاشتراكية. ~~- إنتي ناصرية يا دكتورة نوال؟ ~~- لأ. ~~- إنتي ماركسية؟ ~~- لأ. ~~- يا ترى إيه خلافك مع كارل ماركس؟ ~~- كارل ماركس لم يشمل نصف المجتمع من النساء في نظريته الماركسية. ~~- أنا معاكي، لكن فريدريك إنجلز كتب عن النساء في كتابه «أصل العائلة» مش كده؟ ~~- أيوه، لكن إنجلز تصور أن خروج النساء للعمل في الصناعة سوف يحررهن، ولم يدرك أن ~~النساء الفلاحات يخرجن للعمل في الحقول دون أن يتحررن، وأن الرجال يعملون في الصناعة ~~دون أن يتحرروا، فالمسألة ليست مجرد خروج المرأة للعمل بأجر خارج البيت. ~~- أمال إيه؟ الأجر يعني الطعام، وإذا أطعمت المرأة نفسها تحررت، مش كده؟ ~~- أيوه، لكن الطعام لا يكفي للتحرر، المرأة إنسان لا يمكن أن تعيش بالطعام وحده، ~~بالطبع يجب إشباع المعدة، لكن العقل أيضا في حاجة إلى إشباع عن طريق الوعي والمعرفة ~~والفكر والثقافة. ~~- الأول نملأ المعدة ونملأ الأفواه الجائعة، ثم بعد ذلك نملأ العقول، خطوة خطوة مش ~~كده؟ ~~- لأ مش كده يا أستاذ توفيق، في رأيي أن نقدم الغذاء للمعدة والعقل في آن واحد، هل ~~هناك مانع أن نقدم مع رغيف الخبز فكرة جديدة تدخل المخ؟ ~~- برافو يا دكتورة، أنا معاكي في عدم فصل الثقافة عن السياسة، وده يمكن يكون خلافي مع ~~رجال الثورة. ~~- لكن إنت تفصل أيضا في مشروعك لتحقيق السلام بين السياسة والثقافة والأخلاق ~~والعواطف، مش كده؟ ~~- أنا مؤمن بإلغاء الجوع والخوف والحدود الدولية، وكل شيء في حياتنا لازم يكون في وحدة ~~كما لو كانت الأرض وحدة بلا فروق بين البشر على ms151 أساس الجنس أو الجنسية أو الطبقية أو ~~الدين أو العرق أو أي شيء آخر، موافقة يا دكتورة؟ ~~- أيوه يا أستاذ توفيق، لكن دي فكرة أخرى غير مشروعك للسلام. # كانت الساعة قد قاربت على الثانية والنصف بعد الظهر، وكان ثروت أباظة قد جاء ليأخذ ~~توفيق الحكيم إلى بيته، وتذكر توفيق الحكيم صينية البطاطس فجأة. ~~- أنا داعي الدكتورة نوال على صينية البطاطس. # واتسعت عينا ثروت أباظة قليلا وقال: أول مرة في حياتي أسمع توفيق بيه يعزم حد ع الغدا! # ولمعت عينا توفيق الحكيم بالبريق الطفولي وقال ضاحكا: أنا عزمتها لكن انت حاتدفع! ~~- أنا مستعد يا توفيق بيه وعندنا صينية بطاطس معتبرة! ~~- أيوه الصواني الأباظية والألماظية! ~~- خلاص يا توفيق بيه الصواني دي كانت زمان من عشرين سنة قبل الثورة المباركة! ~~- أصله رأسمالي يا دكتورة. # وضحك توفيق الحكيم وهو يمشي مع ثروت أباظة، الذي كان يسحبه من يده إلى الباب، وقبل أن ~~يخرج توفيق الحكيم لوح لي بيده مودعا قائلا: أهو انتصر عليكي وأخذني منك. # كان ذلك آخر لقاء لي مع توفيق الحكيم، لوحت له بيدي مودعة، وأقول له اليوم ~~«وداعا» بعد أن تأخرت في وداعك خمسة عشر عاما. # القاهرة، 27 يوليو 2002 # | اختيار الصعب # تكشف الحوادث اليومية عن القيم الغائبة في الفكر المعاصر في بلاد العالم وفي بلادنا، ~~ينشغل أغلب الناس بالسهل السريع العائد، مثلا في أمريكا ينشغل أغلب المثقفين بالحمى ~~الانتخابية بين الحزبين المتنازعين على السلطة، يتبادل المرشحون الاتهامات، يحاول كل ~~منهم خداع أكبر عدد من الناس بالوعود التي لا يمكن تحقيقها في ظل النظام الحاكم الذي ~~ينطوي جميعهم تحته. # ضحكت وأنا أستمع إلى وعود جورج بوش (الابن) وآل جور (نائب كلينتون)، كلاهما سوف يقضي ~~على الفقر والبطالة. # ألم نسمع المرشحين السابقين يقدمون هذه الوعود نفسها؟ هل قضى أحد منهم على الفقر في ~~أمريكا؟ بل لقد زادت الهوة بين الفقراء والأغنياء! # بالمثل ضحكت وأنا أستمع إلى وعود المرشحين في بلادنا، يجولون في الحواري الطافحة ~~بالمجاري، يقدمون الوعود نفسها للفقراء، سوف نقضي على ms152 الفقر والبطالة إن دخلنا البرلمان ~~أو مجلس الشعب، يقولون ذلك في الصباح، وفي المساء يجلسون إلى مائدة العشاء مع الوزراء ~~والمسئولين عن السياسة الاقتصادية المؤدية إلى الفقر والبطالة، دون أن يعترضوا على هذه ~~السياسة، لأسباب متعددة منها عدم الفهم لما يسمى الإصلاح الاقتصادي، أو التنمية التي ~~تؤدي إلى توسيع الهوة بين الفقراء والأغنياء، ومنها الخوف من نقد أصحاب السلطة، أو ~~تجاوز حدود النقد المرسومة، أو تجاوز الخطوط الحمراء، مما قد يعرضهم للخطر، وليس فقط ~~السقوط في الانتخابات. # أغلب الناس في بلاد العالم (ومنها بلادنا) لا يذهبون إلى صناديق الانتخاب، لقد أدركوا ~~اللعبة على مر السنين، منذ نشوء ما سمي البرلمان، وهل نجح البرلمان في القضاء على الفقر ~~في أمريكا أو أوروبا أو أي بلد آخر في العالم؟ ولماذا تزيد الهوة على الدوام بين ~~الفقراء والأغنياء وبين النساء والرجال، تعاني النساء أكثر إلى حد شيوع الظاهرة التي ~~عرفت باسم تأنيث الفقر؟ وهل نجح البرلمان في القضاء على الفروق بين الناس (بسبب الدين ~~أو الجنس أو العرق أو اللون أو غيرها) أم أن هذه الفروق زادت وانتشرت الحروب والنزاعات ~~الطائفية والعرقية والعنصرية؟ # ثم لماذا تشجع الحكومات الناس على المشاركة في الانتخابات؟ أليس هذا دليلا على أن ~~هذه الانتخابات جزء من نظام الحكم القائم على إفقار الأغلبية من النساء والرجال ~~وخداعهم؟ وجزء من القيم التي تحكم العالم القائمة على القوة وليس الحق؟ ألسنا في حاجة ~~إلى طرح أسئلة جديدة لنفهم لماذا يتراجع أصحاب الحق أمام أصحاب القوة المسلحة أو القوة ~~الاقتصادية؟ # انظروا كيف أصبح القرار الأعلى في يد دولة عسكرية عنصرية مثل إسرائيل، تقتل الأطفال ~~ثم تخرج من الساحة بريئة، ويصبح الأطفال هم المدانون المعتدون؟ في ظل النظام البرلماني ~~الديمقراطي في العالم يتحول الضحايا إلى جناة، ويطلق سراح القتلة ، أسمعتم ما قاله كوفي ~~عنان المسئول الأول في الأمم المتحدة؟ لقد أدان الأطفال وطالبهم بإيقاف عدوانهم على ~~إسرائيل المسكينة، شيء مضحك فعلا، لكن لماذا نذهب بعيدا وهذا المنطق ذاته يحكم حياتنا ~~اليومية هنا في ms153 عقر دارنا؟ # منطق القوة فوق الحق! # اقرءوا معي هذا الخبر الذي نشرته الصحف دون أن يعلق عليه أحد: # قتل موظف ابنته عمرها 17 عاما؛ لأن أحد أقاربه عنده 57 عاما استدرجها داخل الحقول ~~واعتدى عليها مستغلا صغر عمرها وضعف بنيانها، ماذا نتوقع من محكمة عادلة؟ لكن العدل ~~يغيب أمام القوة، تقف المحكمة مع الأب القاتل تتعاطف معه، تقول إنه فقد وعيه لحظة دفاعه ~~عن شرفه! هكذا ضاع حق البنت المقتولة ظلما وغدرا، لكن هذه المحكمة ذاتها تحكم ~~بالأشغال الشاقة عشر سنوات على أم صغيرة عمرها 18 عاما قتلت مولودها، الذي أنجبته من ~~رجل أخذها عنوة، خدعها بالزواج ثم هرب، وهي فتاة صغيرة فقيرة ليس لها أحد، من شدة حبها ~~لمولودها وخوفها عليه من قسوة المجتمع حوطته بذراعيها حتى مات في حضنها وهي تبكي، لم ~~تتعاطف المحكمة مع الأم الصغيرة الضحية كما تعاطفت مع الأب الكبير الأقوى، وقالت ~~المحكمة إن الأم التي تقتل طفلها امرأة تجردت من العواطف الإنسانية، لماذا لم تقل ~~المحكمة هذا الكلام عن الأب الذي قتل ابنته؟ صورت المحكمة هذا الأب القاتل على أنه ضعيف ~~وفاقد الوعي في لحظة القتل! أما الأم الفتاة الصغيرة الضحية فهي ليست ضعيفة، ولا يجوز ~~لها أن تفقد الوعي مثل الرجل الكبير! كأنما الرجل هو الجنس الضعيف اللطيف الذي يستحق ~~الرحمة، وليس المرأة أو الفتاة الصغيرة، أي قلب الأوضاع! # لم ينطق أحد مدافعا عن حق هذه الفتاة الصغيرة التي حكم عليها بالسجن مع الأشغال ~~الشاقة عشر سنوات، ولم ينطق أحد دفاعا عن الابنة الصغيرة التي أهدر دمها، وكم من حوادث ~~من هذا النوع تهدر فيها دماء البنات الصغار ظلما وغدرا دون أن يعترض أحد داخل ~~البرلمان أو خارجه من المدافعين عن حقوق الإنسان. # أليس دم هؤلاء البنات الأطفال مقدسا وثمينا مثل دم الأطفال في فلسطين؟ أليس دم ~~البنت الطفلة المقتولة بيد أبيها مثل دم الطفل المقتول بيد إسرائيل؟ لقد غضبنا عن حق ~~لمقتل الطفل الفلسطيني، فلماذا لم نغضب أيضا لمقتل البنت المصرية؟ هل ms154 لأنها تعيش في ~~قرية فقيرة مجهولة؟ هل لأن صورتها لم تظهر في الصحف أو على شاشة السي إن إن؟ # في طفولتي سمعت أبي يقول: احترمت نفسي حين خيرتها بين السهل والصعب فاختارت الصعب، ~~ربما لهذا السبب لا أنظر بإعجاب كبير لهؤلاء الذين يركبون الموجة، وإذا كان الجميع على ~~رءوسهم الحكومات قد بكوا ولطموا الخدود حزنا على إهدار دم الطفل محمد الدرة، فلماذا لم ~~يذرف أحد دمعة واحدة على هذه الطفلة المقتولة وغيرها من البنات الصغيرات المقتولات؟ ~~بالطبع كان البكاء الجماعي سهلا وميسورا لا يعاقب عليه أحد، ومن السهل البكاء في ~~الصباح ثم السهر في الليل مع الوزراء وأصحاب السياسة التي أدت إلى إهدار دم الطفل ~~الفلسطيني البريء. # نشهد هذا التناقض في حياتنا كل يوم، ينتابني الغثيان وأنا أشهد الصراع الدامي حول ~~السلطة تحت اسم النيابة عن الشعب، أصبح البرلمان هو المكان، والانتخابات هي الوسيلة، ~~ويكيل المرشحون الوعود للفقراء والمعدمين، يعبئون لهم الوهم في الزجاجات، من أجل المقعد ~~تحت القبة ألا تتكرر هذه الحمى في مواسم الانتخابات مثل مواسم الدودة والكوليرا والحمى ~~الصفرا؟ وهل تحقق وعد واحد من هذه الوعود؟ # المسرحية تتكرر ربما يتغير الممثلون والممثلات، إلا أن المسرحية هي هي، والوعود هي ~~هي، القضاء على الفقر والبطالة، ويظل الفقر بل يزداد ضراوة، والبطالة تزيد عاما وراء ~~عام، ألم تسمعوا عن الشباب المصري الذين يسافرون إلى إسرائيل بحثا عن عمل؟ ألم تسمعوا ~~عن أم قتلت طفلها لتحميه من الجوع أو الفضيحة، فإذا تعاقب بالسجن مع الأشغال ~~الشاقة؟ # هل دافع عضو واحد أو عضوة واحدة في البرلمان عن هذا القطاع من الأمهات المقتولات، أو ~~البنات البريئات اللائي يهدر دمهن وهن الضحايا؟ هل أدخلهن أحد المرشحين أو إحدى ~~المرشحات ضمن برنامج الدفاع عن حقوق الشعب؟ ألا يدخل هذا القطاع المتزايد العدد على ~~الدوام ضمن قطاعات الشعب؟ # لا يمكن، فهذا هو الطريق الصعب الذي يدفع فيه الإنسان ثمنا باهظا، وليس الطريق ~~السهل الذي يمشي فيه الجميع، ليس الكورس الذي يشارك في المسرحية المعروضة بتصريح، ms155 والذي ~~ينتهي دوره بإنزال الستار والحصول على الأجر. # لا شك أن دماء الأطفال والنساء والشباب المهدرة على أرض فلسطين تستوجب العمل الجاد ~~والمقاومة الفعلية، وتجميع القوى العربية وغير العربية ضد الاعتداء الإسرائيلي العسكري ~~وغير العسكري، أصبحت هذه المقاومة ضرورية لحياتنا نحن وليس فقط من أجل فلسطين، إن الزحف ~~الإسرائيلي والأمريكي لن يترك بلدا واحدا مستقلا، ولكن إن فاقد الشيء لا يعطيه، ~~وإصلاح البيت من الداخل لا ينفصل عن إصلاحه من الخارج، والدفاع عن الدم المهدر في ~~الداخل، فالدم هو الدم بصرف النظر عن المكان، والطفلة الفقيرة في القرية المجهولة ~~بالصعيد لها حقوق الإنسان مثل ابنة الملك أو الرئيس في أي دولة من الدول الكبرى أو ~~الصغرى. # أصبحت أتابع صفحات الحوادث اليومية في الصحف أكثر من أخبار النجوم والملوك والرؤساء، ~~فهي تكشف المآسي التي يعيشها المهمشون في الأرض، عن قاع المجتمع حيث تعاني البنات ~~الفقيرات، اللائي يتعرضن للموت سرا دون أن ينطق أحد، بسبب حساسية ما نسميه الشرف، وهو ~~ليس الشرف الحقيقي النابع من العدل والصدق، بل الازدواجية الأخلاقية على المستوى ~~العائلي والمستوى الدولي في آن واحد، الازدواجية التي تجعل القوة فوق الحق، القوة ~~الغاشمة التي تقتل تحت اسم الدفاع عن أمر الله أو الأرض الموعودة، بمثل ما تقتل تحت اسم ~~الشرف، أليس الشرف المزيف مثل الأرض الموعودة وشعارها الديني المزيف؟ # قال أبي وأنا طفلة في السابعة من العمر: من السهل أن نركب موجة الغضب مع الجميع، لكن ~~من الصعب أن نغضب ضد الظلم حين يصمت الجميع، إنه أمر صعب، لكني احترمت نفسي حين خيرتها ~~بين السهل والصعب فاختارت الصعب. # 1 نوفمبر 2001 # | عن جورج بوش وتوني بلير # منذ أوائل سبتمبر 2001 وأنا أعيش في «نيويورك» وجارتها القريبة منها «نيو جيرسي»، ~~شاهدت أحداث 11 سبتمبر 2001 عن قرب شديد، وسقوط مركز التجارة العالمي في نيويورك ، وعشت ~~مع الشعب الأمريكي الأكاذيب التي تروجها وسائل الإعلام الأمريكية وتوابعها في الشرق ~~والغرب، ولا أحد هنا يعرف الحقيقة، فهي غامضة شديدة الغموض، تكاد تشبه الأساطير ms156 الواردة ~~في الكتب القديمة، وفي مجال «السياسة» كما في مجال «الدين» و«الجنس» تتناقض التفسيرات، ~~وتتضارب الأقاويل، شأن كل «المحرمات» الأخرى في العالم شرقا وغربا وشمالا ~~وجنوبا. # والحياة في نيويورك متناقضة مثل الحياة في القاهرة أو أي مدينة كبيرة في العالم، ~~مظاهر الفقر والبطالة تزداد، تبدو شوارع نيويورك في الأحياء الفقيرة شبيهة بشوارع بولاق ~~والسيدة زينب وشبرا، ولا شك أن البعد عن الوطن والأهل يزيد من الشوق والحنين، ويطمس ~~الشوق والحنين كل ما هو «غير جميل» في الذاكرة الإرادية أو غير الإرادية. يبدو لي نهر ~~«النيل» أكثر جمالا وإشراقا من نهر «هدسون» الذي يفصل نيويورك عن نيو جيرسي، يحمل نهر ~~«هدسون» اسم المستعمر البريطاني الذي غزا أمريكا الشمالية وأباد سكانها الأصليين الذين ~~أطلق عليهم اسم الهنود الحمر. # يغرق تاريخ أمريكا الشمالية في الدم كغيرها من بلاد العالم منذ نشوء العبودية، أو ~~النظام الطبقي الأبوي، ينسى الكثيرون هذه الحقيقة، ويفصلون بين الغرب والشرق، أو بين ~~العالم الأول والثاني والثالث، والحقيقة أننا نعيش في عالم واحد يحكمه نظام واحد، وقيم ~~طبقية أبوية واحدة رغم اختلافات الثقافات والعقائد والأديان. # وفي نيويورك اتسعت الهوة بين الفقراء والأغنياء كما يحدث في جميع بلاد العالم ~~الرأسمالي وتوابعه في الشرق والغرب، واتسعت الهوة بين ما يطلق عليهم «أهل الخير الذين ~~يخشون الله على رأسهم جورج بوش وتوني بلير، أهل الشر أتباع الشيطان على رأسهم أسامة بن ~~لادن وصدام حسين.» # رأيت توني بلير وجها لوجه في مصر حين عدت إلى الوطن في عطلة رأس السنة الجديدة، خلال ~~تجوله في معبد سانت كاترينا في نهاية عام 2001 وبداية عام 2002، كان ينحني أمام سانت ~~كاترينا ويقبل رأسها بعد أن يمسحها القسيس المصري بقطعة من القطن المبللة بالسبرتو ~~الأبيض، حتى لا تنتقل العدوى إلى فم توني بلير من الأفواه الأخرى التي تتنافس على تقبيل ~~رأس سانت كاترينا قبل شروق شمس العام الجديد. # لقد استطعت اختراق الحاجز البوليسي بين الجمهور العادي وبين توني بلير وأسرته، كان ~~المفروض أن تكون زوجته هي التي تليه ms157 مباشرة في تقبيل سانت كاترينا، إلا أنني اخترقت ~~السياج البوليسي، وأصبحت خلف توني بلير مباشرة، وتقدمت من بعده إلى سانت كاترينا ~~وانحنيت عليها متظاهرة أنني أقبلها، بعد أن مسح القسيس المصري رأسها بقطعة من القطن ~~المبللة بالكحول الأبيض المطهر للجراثيم، مع ذلك لم أقبلها، وأنا ضد تقبيل الحجر الأسود ~~والأوثان جميعا بما فيها الحجر الأبيض والأحمر والأزرق والأسود وغيرها، لقد تخرج أبي ~~من جامعة الأزهر، وقال لي منذ الطفولة إن الإسلام جاء ليحرر الناس من عبادة الأحجار ~~والأوثان. # القسيس المصري لم يفطن إلى أنني لم أقبل رأس سانت كاترينا، تصورني زوجة توني بلير ~~لأنني أقف خلفه مباشرة، أو ربما واحدة من أفراد أسرته الذين بلغ عددهم حوالي عشرين ~~رجلا وامرأة وطفلا بما فيهم طفل توني بلير الذي حملته إحدى القريبات. # دس القسيس في يدي قطعة القطن المبللة بالمطهر، والتي طوى داخلها خاتما مقدسا من ~~الفضة الخالصة، هدية تمنحها سانت كاترينا بعد تقبيل رأسها للعظماء فقط من عائلة توني ~~بلير. # فطن إلي البوليس المصري، وأدرك أنني لست من عائلة توني بلير، وأنني ربما أكون ~~إرهابية اندست بين الأسرة البريطانية المالكة أو الحاكمة لتطعن توني بلير من ~~الخلف. # وحدثت مشادة بالصوت العالي بيني وبين البوليس المصري، قلت بجرأة الكاتبة المصرية ~~القديمة التي اكتشفت الحروف الأبجدية قبل أن تكتشفها أوروبا: كيف تمنعوني من السير فوق ~~أرض مصرية وتسمحون لهذه العائلة الإنجليزية التي استعمرت مصر 72 عاما، والتي تشن الحرب ~~على أفغانستان والعراق و... اندهش البوليس المصري من صوتي العالي، تصوروا أنني مندوبة ~~رئاسة الجمهورية إلى سانت كاترينا، وتركوني أتجول كما أشاء في المعبد، وهكذا تأملت وجه ~~توني بلير طويلا وهو يمشي بخطوات بطيئة من خلفه قبيلته، وزوجته التي كانت ترمقني بعيني ~~الصقر، مندهشة من وجودي بالقرب من زوجها، رغم أنها لم تر وجهي من قبل أبدا ضمن ~~أسرته . # ولم ينفرني وجه توني بلير كثيرا كما ينفرني وجه جورج بوش الابن أو الأب، يبدو وجه ~~توني بلير في الحقيقة أفضل إنسانية من وجهه في ms158 الصحف والشاشة، يبدو مثل شاب رياضي فقير ~~داخل بلوفر رمادي باهت وحذاء كاوتش أبيض، وابتسامة منكسرة، ربما لأنه كان في حضرة سانت ~~كاترينا المقدسة، ولا بد من الانحناء أمامها متظاهرا بالطهر والبراءة. # أما جورج بوش (الأب أو الابن)، فقد رأيت وجهه على الشاشة فقط، يشبه الابن أباه في ~~الملامح بحيث أصبحت لا أفرق بينهما، والصوت أيضا وطريقة الضغط على مخارج الألفاظ ~~لتأكيد ما يقوله عن الشيطان أو محور الشر والآيات التي يتلوها من الكتاب المقدس ليعلن ~~الحرب في الخليج، أو في أفغانستان. # رأيت وجه جورج بوش الابن قبل أن يعتلي الحكم، حين كان يصارع للنجاح في انتخابات شبه ~~مزورة، كنت في مدينة «بوكا راتون» في فلوريدا، في الولاية ذاتها التي كشفت عن مهزلة ~~الانتخابات الأمريكية، كان وجهه منكسرا يكاد يشبه وجه توني بلير وهو يقبل رأس سانت ~~كاترينا، إلا أنه بعد أن اعتلى العرش تغير وجهه، أصبح يشبه أباه. كيف تغير السلطة ~~الوجوه بهذه السرعة؟ كيف تظهر التجاعيد فوق الوجه الذي كان شابا، وكان ناعما أملس ~~مستديرا يشبه وجه الأطفال، الذين يرضعون اللبن الصناعي المزود بالفيتامينات ~~الأمريكية. # أصبح وجه الابن بوش نسخة طبق الأصل من الأب، تلعب السياسة والوراثة دورها في رسم ~~ملامح الوجه، ونبرة الصوت، وبربشة العينين الضيقتين مع انقباضة الفم الخالي من ~~الشفتين. # هذا الفم الرفيع والشفتان شبه المتلاشيتين تشبهان الشفرتين في موسى الحلاقة، هذا الفم ~~يصلح تماما لإعلان الحرب على الأبرياء، أو النطق بحكم الإعدام على النساء البريئات تحت ~~اسم الشرف أو القيم العائلية. # هذا الفم يشبه الآلة المعدنية الحادة، أتخيل هذا الفم وهو يقبل زوجته، هل يمكن لهذا ~~الفم أن يقبل امرأة؟! خيالي يعجز عن تصوره يقبل شفتي امرأة دون أن يستأصلهما من جذورهما ~~مثل شفرتي الموس تماما. # وقد أصبح جورج بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، وبعد انتصاره العسكري في أفغانستان كأنما هو ~~بطل الحرب ضد الإرهاب، كما كان أبوه بطل حرب الخليج ضد الشيطان، الغطرسة ذاتها والغرور ~~وادعاء الصلة بالله، التكلم بلغة لا تفصل بين ms159 السياسة والدين، وتشجيع التيارات المسيحية ~~واليهودية والإسلامية أيضا، بشرط ألا تكون الأخيرة تابعة لما يسميه الإرهاب الإسلامي، ~~بل تكون مسالمة وادعة مطيعة للسياسة الأمريكية والديمقراطية وحقوق الإنسان (الإنسان ~~هنا يعني الأمريكي). ~~(1) فساد السياسة الرأسمالية الذكورية # أثبتت لي الحياة في نيويورك وفي غيرها من مدن العالم غربا وشرقا أن هذا النظام ~~الرأسمالي الذكوري الذي يحكمنا دوليا ومحليا وعائليا لن يستمر؛ لأنه ضد المنطق ~~والعدل والحرية والجمال. # إنه نظام فاسد وقبيح يتكثف قبحه مع مرور الأيام، فهذه الفضائح السياسية والاقتصادية ~~والأخلاقية تتكشف عن طريق التسرب إلى الصحف رغم أجهزة الرقابة. # وكم كشفت أحداث انهيار وإفلاس الشركة الرأسمالية الكبرى «إينرون» عن فساد الشركات ~~العملاقة الأمريكية والمتعددة الجنسيات، وعن ارتباط هذه الشركات بتمويل الدعايات ~~الانتخابية لمن يتولون الحكم في الولايات المتحدة، عن ترابط مكاسب حكام الدول غربا ~~وشرقا بهذه الشركات الرأسمالية العالمية، كشفت الصحف الأمريكية عن تورط عدد من قيادات ~~الحزب الجمهوري والديمقراطي معا في فضيحة شركة إينرون على رأسهم الرئيس الأمريكي ~~الراهن جورج بوش الابن. # يحاول منافسو جورج بوش استغلال الموقف، ومنهم المرشح السابق «جون ماكين» الذي أعلن ~~على شاشة التليفزيون أن انهيار شركة إينرون سوف يكشف عن كثير من الخفايا في السياسة ~~الأمريكية الحالية، بالطبع يحلم «جون ماكين» في كرسي الحكم بعد زوال جورج بوش، كما حلم ~~جورج بوش بكرسي الحكم بعد زوال بيل كلينتون، وتجري لعبة التنافس على السلطة بأدنى ~~الوسائل، أقلها الكذب والافتراء، وتضليل الجماهير، وشراء أجهزة الإعلام، أصبح «لاري ~~كينج» أحد المذيعين على شاشة «السي إن إن» أهم من الرئيس الأمريكي، أما المذيعة ~~الأمريكية ذات الرموش الصناعية على شاشة «السي إن إن» ذاتها فقد أصبحت أهم من أي رئيس ~~دولة من دول العالم الثالث، يجلس أمامها ذلك الحاكم أو ذلك الملك الجبار في بلده، يجلس ~~أمامها مؤدبا رقيق الصوت، مكتوف الذراعين والساقين مثل الفتاة العذراء . # يحاول أعوان جورج بوش كتمان أسرار شركة إينرون وإخفاء أسماء المتورطين فيها من الحزب ~~الجمهوري، رغم أن المنافسين لهم يقودون الرأي العام الأمريكي مطالبين ms160 بكشف الأسرار وكشف ~~الأسماء، وتدور اللعبة كما دارت في الفضائح السابقة في عصر نيكسون وكلينتون وكارتر ~~وجونسون وروزفلت وغيرهم وغيرهم، فلا يخلو عهد من الفضائح في كل حكومات العالم، الفرق ~~الوحيد بين الغرب والشرق، أن الفضائح في الغرب تنكشف أثناء حياة الحاكم، أما في بلادنا ~~فهي لا تنكشف إلا بعد موته. # وكم يتعاون عمداء الجامعات في أمريكا مع الشركات الرأسمالية الكبرى مثل «إينرون»، ~~التي تشارك في تمويل هذه الجامعات، وفي الضغط السياسي لتعيين هؤلاء العمداء أو رؤساء ~~الجامعات، وقد اتضح ذلك من تردد عميد كلية الحقوق في جامعة تكساس في الإدلاء برأيه على ~~الشاشة حول شركة إينرون، مبررا تردده بأنه ليس خبيرا في القانون، وبدا كلامه متناقضا ~~مضحكا لأنه عميد كلية القانون في جامعة تكساس، إن ولاية تكساس هي الولاية التي تسيطر ~~عليها عائلة بوش «الأب والابن»، و«الروح القدس»، والتي لعبت دورا كبيرا في حرب ~~البترول في الخليج العربي وفي أفغانستان وبحر قزوين، والحروب البترولية القادمة خلال ~~عام 2002، الذي سماه جورج بوش «الابن» «عام الحروب» للقضاء على «محور الشر» التي حدثت ~~(العراق وإيران وكوريا الشمالية). # كنت طفلة حين سمعت عن محور الشر «ألمانيا وإيطاليا واليابان» منذ أكثر من ستين عاما، ~~واليوم يعيد جورج بوش اللغة القديمة، والثنائيات المزمنة منذ نشوء العبودية، الخير/الشر، الله/الشيطان، الذكر/الأنثى، السيد/العبد، الأبيض/الأسود، الشرق/الغرب، ~~الإسلام/المسيحية ... إلخ إلخ. # وفي جامعة نيويورك ونيو جيرسي يتضاحك الأساتذة والطلبة المتظاهرون ضد سياسة جورج بوش، ~~يقولون إن هناك دولا متعددة تعترض لأنها لم تدخل «محور الشر» الذي أعلن عنه بوش، ومنها ~~سوريا وليبيا وكوبا وغيرها من البلاد التي غضبت عليها الولايات المتحدة زمنا طويلا، ~~كيف أفلتت هذه البلاد من غضب الإله الأمريكي الذي أصبح يحدد لنا من هو الشيطان أو ~~الشياطين في هذا العالم! # لا شك أن «شارون» ملاك طيب محب للسلام، أما الشياطين في فلسطين، فهم هؤلاء الأطفال ~~الشباب الذين يواجهون الدبابات الإسرائيلية بصدورهم العارية أو بقطع من الحصى والطوب، ~~هؤلاء الشياطين الصغار هم سبب الإرهاب وإراقة دماء الإسرئيليين الأبرياء! # ولماذا ms161 لم ترد «الصين» في محور الشر؟ هل لأن عدد الصينيين أصبح يزيد عن بليون و300 ~~مليون نسمة، ويمكن لهؤلاء أن يزحفوا كالنمل على أي دولة ومنها أمريكا العظمى ويأكلوها ~~كما يأكل النمل الزرع؟ أم لأن جورج بوش يزور الصين هذه الأيام، ضمن لعبة السياسة، وفساد ~~الفلسفة البراجماتية التي تقول: حاول أن تأكل عدوك قبل أن يأكلك، وكل وسيلة مشروعة حتى ~~القتل من أجل بلوغ الغاية والهدف؟ # تبتلع الصين مرارتها من السياسة الأمريكية ومحاولاتها لخلق الأعداء على حدودها في ~~تايوان والتبت، والفتن الدينية المصنوعة بين الكاثوليك والبروتوستانت في الجنوب. # يلعب النظام الأمريكي بورقة الدين لتقسيم الشعوب وإخضاعها، على غرار الاستعمار ~~البريطاني القديم، الذي فجر الفتن الدينية والطائفية من الهند إلى مصر خلال القرن ~~العشرين. # لكن الصين تشارك في اللعبة، ولها أغراضها ومصالحها من الحرب ضد الإرهاب في جنوب آسيا ~~وشمال كوريا، وفي الصراع بين الهند وباكستان، وفي كسب بعض الأرباح الرأسمالية من ~~التجارة العالمية المشتركة. # وأتابع قراءة الصحف في نيويورك خلال فبراير 2002، بعد عودتي من بورتو أليجري في ~~البرازيل، فتصيبني أكاذيب الصحف العالمية والعربية بالغضب؛ كيف تتخلى الحكومات العربية ~~عن مسئوليتها عن الدفاع عن شعوبها بما فيها الشعب الفلسطيني تحت سيل من العبارات ~~الرنانة الخادعة؟! # أكثر الناس تشدقا بالقضية الفلسطينية في بلادنا أقلهم عملا للدفاع عن حقوق هذا ~~الشعب أو غيره من الشعوب العربية، لتتسع الهوة بين القول والعمل. ~~(2) الرومانتيكية والغموض في السياسة الفاسدة # كنت أسمع أبي منذ طفولتي يتحدث عن «المراوغة» التي يستخدمها الاستعمار البريطاني في ~~مفاوضته مع مصر لإنهاء الاحتلال العسكري لبلادنا، كان أبي يقول دائما: لا أفهم شيئا ~~من كلام هؤلاء الإنجليز لأنه غامض وغير محدود، وغارق في الكلمات العامة المجردة ذات ~~الرنين العاطفي المزيف! # أتذكر كلمات أبي وأنا أقرأ عن المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، يلعب الإسرائيليون ~~بالكلمات وبالألفاظ العامة الغامضة لمجرد كسب الوقت ولقتل أكبر عدد من ~~الفلسطينيين. # في صحف نيويورك (14 فبراير 2002) أرى صورة «شيمون بيريز» وهو يقدم عرضا جديدا ~~للسلام، لا يحدد فيه شيئا عن ms162 أي شيء يخص القضية الفلسطينية، حدود الدولة المقترحة ~~مثلا، أو شيئا عن عاصمة الدولة أو مدينة القدس، أو مشكلة المستوطنات الإسرائيلية أو ~~غير ذلك من المشاكل المزمنة المعلقة، ويقول للصحف: أجل أيها السادة، إني أعرض اقتراحا ~~جديدا غامضا غارقا في الرومانتيكية، لكنه الغموض الإيجابي البناء الذي قال به ~~كيسنجر، حيث إنه قال: «إن عمليات السلام والحرب تتم دائما في الضوء الخافت، وليس في ~~ضوء النهار الساطع.» أجل، كم كان كيسنجر محبا للرومانتيكية والأضواء الخافتة في رحلاته ~~المكوكية إلى بلادنا في عهد السادات، وكم أدت عواطفه الغامضة إلى دمار الوحدة العربية ~~والهزائم المتكررة للعرب أمام إسرائيل. # وفي الصورة أرى شيمون بيريز يبتسم ويبدو كالملاك المرسل من السماء لإنقاذ الشعب ~~الفلسطيني من الهلاك، وفي أسفل الصفحة أرى العساكر الإسرائيليين يسوقون الأطفال/الشباب الفلسطينيين العرايا الصدور المغطاة عيونهم بالأربطة، والمقيدة أيديهم وراء ~~ظهورهم بالسلاسل، تطل عليهم من فوق الصفحة ابتسامة شيمون بيريز الملائكية، تودعهم برقة ~~وحنان إلى مثواهم الأخير. # وماذا يحدث في بلادنا العربية؟ هناك خبر يقول إنها مشغولة بأحداث أخرى أكثر أهمية، ~~وذلك أنهم يحاولون تتبع مسار «القمر» في السماء بالعين المجردة، لمعرفة متى يبدأ عيد ~~الأضحى المبارك، وكيف أن القمر الجديد سيولد من القمر القديم ليلة الثلاثاء 21 فبراير 2002. # تعمدت صحف نيويورك في الشهور الأخيرة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 أن تضغط على المملكة ~~العربية السعودية على نحو رقيق خفيف، أو تنشر بعض الدعابات الخفيفة، ذلك أن اعتماد ~~الأمريكيين على البترول السعودي يجعل اللهجة مؤدبة في التعامل السياسي والصحفي، بخلاف ~~اللهجة القاسية الموجهة لحكومات عربية أخرى غير بترولية. # وقد ارتفعت أصوات أمريكية تحرض جورج بوش على عقاب المملكة العربية السعودية كغيرها من ~~الدول التي تساند الإرهاب، أو ما تسميه أمريكا الإرهاب الإسلامي، وكتب أحدهم في الصحف ~~منذ أيام يقول: «لماذا هذا التراخي الأمريكي للسعودية ، هل لأنها تملك البترول الأرخص ~~والأنقى الذي نحتاج إليه نحن الأمريكيين؟» # إلا أن الصحف اتهمت هذا الكاتب بالرومانتيكية أو السذاجة السياسية، وقالت إن الفلسفة ~~البراجماتية الأمريكية لا تعترف ms163 بالعواطف الرومانتيكية والأحلام المستحيلة في الحب ~~والسياسة، وأنه طالما هناك بترول عربي أرخص وأنقى من أي بترول في العالم فلن تكف ~~الولايات المتحدة عن مغازلة البلاد العربية الثرية بالبترول؛ بل إن الولايات المتحدة ~~على استعداد للتفاوض مع (السري أو العلني) مع أي دولة عربية بترولية، وإن كانت في محور ~~الشر سابقا أو لاحقا كالعراق أو ليبيا أو غيرهما. # نيويورك، فبراير 2002 # | عيد الحب وعيد المسلمين على شاطئ هدسون # أتمشى على شاطئ نهر هدسون ما بين نيويورك ونيو جيرسي، الشمس تظهر وتختفي تحت السحب، ~~نحن في شهر فبراير عام 2002، يقولون عنه الشتاء الدافئ، كانت الشمس ساطعة معظم الوقت، ~~وأنا أحب هذه الشمس الدافئة، تلامس وجهي كأنامل أمي، تذكرني بالوطن والحب والسجن، ربما ~~تكون هناك علاقة بين الحب والسجن، أهي الحرية نفقدها حين نعيش الحب؟ أو الوطن والحب ~~معا؟! # جاءني في الصباح صوت ابنتي من القاهرة، يشبه تغريد عصفورة عند ظهور أول خيوط ~~الفجر: كل سنة وأنت طيبة يا أمي. ~~- النهاردة إيه يا منى؟ ~~- عيد الحب يا أمي. # إنها ابنتي الكاتبة الأدبية «منى حلمي»، الوحيدة في أسرتي التي تذكرني بالأعياد، ولا ~~أحد يتذكر عيد ميلادي إلا هي، ربما يذكرني أحيانا زوجي «الروائي شريف حتاتة» حينما لا ~~يكون مشغولا بشيء أهم، أما ابني «عاطف حتاتة، المخرج السينمائي» فهو ضعيف الذاكرة فيما ~~يخص أعياد ميلاد أمه وأبيه وأخته وغيرهم من أعضاء الأسرة البيولوجية، وكنت مثل ابني منذ ~~أربعين عاما وأنا في ريعان الشباب، لم أكن أتذكر عيد ميلاد أمي أو أبي، أو عيد ميلادي، ~~كان بيتنا يشهد كل عام مولد طفل جديد، وأبي يزمجر حين يطلب منه الاحتفال بعيد ميلاد ~~طفل من أطفاله، ويقول ساخرا: # يعني أعمل عيد ميلاد كل شهر ولا إيه؟! # أما أمي السيدة «زينب هانم شكري» حفيدة «طلعت باشا» في إسطنبول فكانت ترى أن أبي أفضل ~~من أبيها، وأنها لم تتزوج أبي إلا لتهرب من بيت أبيها شكري بك! # رغم كل ذلك كانت طفولتي سعيدة مليئة بالحب والدفء، أكثر سعادة من ms164 طفولة زميلاتي ~~الأمريكيات هنا في نيويورك ونيوجيرسي، واحدة منهن تقول لي في عيد الحب (يسمونه هنا «عيد ~~فالنتين»)، وهي أستاذة في جامعة متخصصة في الدين الإسلامي: «نشأت منذ الطفولة يا نوال ~~في أسرة كاثوليكية، وكان أبي قسيسا تمرد على الكنيسة واعتنق الإسلام، إلا أنه كان ~~محافظا متزمتا لا يعترف بشيء اسمه «الحب».» # وكان أبي نقيضا لأبيها يؤمن بالحب، ربما كان يعوض بالحب والحنان ما يفتقده الفقراء ~~من ماديات الحياة، وقد أغرق أبي في الحب أمي، حتى أصبحت تلد طفلا كل عام، ثم ماتت وهي ~~في ريعان الشباب، ممسكة يدي في يدها، وعيناها تملؤهما دهشة طفولية. ~~- كل سنة وأنت طيبة يا ماما. # إنه صوت ابنتي المغردة في الصباح الباكر، وقد أدبر عيد الحب منذ أسبوع، وجاء عيد آخر ~~هو «عيد الأضحى» (يوم 22 فبراير 2002)، ضحكت مع ابنتي وسألتها: ذبحتم خروف يا ~~منى؟ # لم يكن العيد في طفولتي عيدا دون ذبح الخروف، الذي كان يرمقني وهو يذبح بعينين ~~متسعتين تملؤهما دهشة طفولية، وأتصوره طفلا مثلي يذبحه أبي في العيد، وسوف يأتي الدور ~~علي حتما ليذبحني أبي طاعة لأمر الله، كما فعل سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل، كنت ~~في الثامنة من عمري لا أواظب على الصلاة، وفي أيام القيظ في رمضان أختلس من وراء أبي ~~رشفة ماء من قلة الفخار الباردة اللذيذة، إنه إبليس يوسوس لي: «رشفة ماء يا نوال لن ~~يلتفت إليها ربنا الله الرحيم الغفور لجميع الذنوب (إلا أن يشرك به).» # لكن أبي كان يؤكد لي أن الله يلتفت إلى كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، ولا شيء يفوته، ~~وإن كان رشفة ماء أو كلمة واحدة يهمس بها إبليس إلي، وهكذا تحمل ضميري منذ الطفولة ~~عبء ذنوب كثيرة، وتصورت أنه سوف يأتي عيد الأضحى في العام المقبل (أو الذي بعده)، ~~ويأمره الله أبي بذبحي بدلا من خروف العيد. # وغضبت من زميلتي الأستاذة الأمريكية المتخصصة في الدين الإسلامي، والتي كتبت مقالا ~~تقول فيه إن مشكلة العالم الإسلامي هو أن الإسلام لم يتحضر ms165 أو لم يتطور بالقدر الكافي ~~(كما حدث لليهودية والمسيحية)، وسألتها: وماذا تعنين بهذا التحضر يا سيدتي؟! ~~- قالت: «أعني الموديرنيتي» أو # modernity # باللغة الإنجليزية. # وطال الحوار بيني وبينها عن معنى الموديرنيتي أو «الحداثة» باللغة العربية، سألتها ~~ماذا تعني بالحداثة؟ وهل أثر هذه الحداثة على «اليهودية» ما يحدث في إسرائيل من ذبح ~~للفلسطينيين الأطفال مثل خروف العيد؟ وهل أثر هذه الحداثة على «المسيحية» ما يحدث اليوم ~~في أفغانستان من قتل المدنيين نساء ورجالا؟ ~~- فقالت الأستاذة الأمريكية: «هناك فرق بين «اليهودية» ودولة إسرائيل، وهناك فرق بين ~~«المسيحية» وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية.» ~~- وقلت: «وبالمثل أيضا يا سيدتي، هناك فرق بين الإسلام وبين الدول الإسلامية أو ~~العربية.» # إلا أن هذه الأستاذة المتخصصة في الدين الإسلامي، والتي يدعونها إلى بلادنا العربية ~~لتكون ضيفة الشرف في الاحتفالات والمهرجانات النقابية والأعياد بما فيها اليوم العالمي ~~للمرأة، (وهي متخصصة أيضا في موضوع المرأة والإسلام) هذه الأستاذة لم تدرس الإسلام ~~دراسة صحيحة؛ لأن دراسة الدين الإسلامي في الولايات المتحدة (وفي جامعات أوروبا أيضا) ~~تقوم على دراسة القرآن والأحاديث وغيرهما مما يتعلق بالإسلام والتاريخ الإسلامي فحسب، ~~ويتخرج الأساتذة (نساء ورجالا) ويصبحون خبراء في الدين الإسلامي دون أي دراسة مقارنة ~~بين الأديان السماوية الثلاثة، لكن الدراسة المقارنة للأديان هي الوسيلة الوحيدة لفهم ~~هذه الأديان، خاصة الأديان السماوية الثلاثة، والتي يتزعمها شخص واحد هو «النبي ~~إبراهيم»، وتتشابه مبادئها تشابها كبيرا. ~~(1) سيل المقالات والكتب عن الإسلام والمسلمين # منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، وضرب مركز التجارة العالمي في نيويورك (والبنتاجون في ~~واشنطن)، وهناك سيل من المقالات والكتب المنشورة في الولايات المتحدة حول الإسلام ~~وعلاقته بالغرب، هناك مقالات وكتب تصور الإسلام (دون غيره من الأديان السماوية وغير ~~السماوية) كأنما هو دين «متعطش للدماء» يحرض على قتل المخالفين له باعتبارهم ~~«الكفار»، ويحرض على «الإرهاب» تحت اسم «الجهاد في سبيل الله»، ويقهر «النساء» ويفرض ~~عليهن الحجاب والختان، وتعدد الزوجات وضرب الأزواج، ... إلخ إلخ. # إلا أن الدراسة المقارنة للأديان تؤكد الجهل الذي يغرق فيه المتخصصون في الدين ~~الإسلامي، ذلك أن ms166 الديانة اليهودية مثلا حسب الآيات في كتاب «التوراة» تحرض «شعب ~~الله المختار» على قتل أهل كنعان (فلسطين) الكفار، والاستيلاء على أرضهم تحت اسم «الأرض ~~الموعودة من الله إلى آل إبراهيم» مقابل قطع الغرلة أو ختان الذكور، كما أن فكرة «حجاب ~~المرأة» نشأت من آية في التلمود تؤكد أن «شعر المرأة العاري مثل جسدها العاري»، وأن ~~«حواء» هي سبب «الإثم» وخروج آدم من الجنة، وقد عاقبها الله «بالأسى والألم» (في ولادة ~~الأطفال) «والخضوع» لزوجها. # رغم ذلك فإن الكتب والمقالات تنهمر كالسيل (منذ أحداث سبتمبر) تصور الإسلام ~~والمسلمين كأنهم قوم من القتلة والجهلة المتخلفين، وأن علاجهم الوحيد هو «التحضر» أو ~~الموردرنيتي، باللغة العربية «الحداثة». # حاولت الرد على بعض المقالات التي نشرت في النيويورك تايمز، والتي لا تزال تنشر حتى ~~اليوم، إلا أنهم لا ينشرون مقالاتي رغم تشدقهم بالديمقراطية والليبرالية. # إن الديمقراطية الأمريكية هي الديمقراطية «الوحيدة» في العالم - كما يقولون هنا - ~~وكذلك الديمقراطية الإسرائيلية، يقولون إنها الديمقراطية «الوحيدة» في الشرق ~~الأوسط. # ويضحك الطلاب والطالبات في «اللجنة ضد الحرب» التي تم تشكيلها في الجامعة التي أحاضر ~~فيها في ولاية نيوجيرسي، ويقولون: «أجل أيها السادة، هذه الديمقراطية الأمريكية ~~والإسرائيلية تشبه ديمقراطية الحكومة العنصرية «الأبارثايد» في جنوب أفريقيا، التي ~~صورت نفسها للعالم سنين طويلة على أنها الديمقراطية «الوحيدة» في قارة ~~أفريقيا.» # ولا شيء يواسيني عن البعد الأهل والوطن إلا هؤلاء الطلبة والطالبات، أشعر بالبهجة حين ~~أدخل الفصل وأرى وجوههم الباسمة، وعقولهم المتفتحة للإبداع، قلت لهم في أول حصة: «أنا ~~أكره التدريس، كما أن الإبداع لا يمكن تدريسه، وكل ما سأفعله هنا في الفصل هو: أن ~~أساعدكم على نسيان ما لقنه لكم المدرسون منذ طفولتكم.» # وفي احتفال الجامعة بقدومي من مصر في أول سبتمبر 2001، وكانت الإدارة كلها حاضرة، ~~«صاحبة السلطة» رددت هذه العبارة السابقة، التي أدت إلى «عدم تجديد العقد» لي مرة ~~أخرى ، إنهم يدفعون لي راتبا كبيرا كي ألقن الطلاب الأمريكيين دروسا تمكنهم من ~~الإبداع، لكني لا أؤمن بالتلقين، وقد مارست الإبداع في حياتي دون تلقين ms167 أحد، اللهم إلا ~~جدتي الفلاحة، في قرية كفر طحلة، التي كنت أراها (وأنا في الخامسة من العمر) واقفة أمام ~~العمدة حافية القدمين، شامخة الرأس، مكشوفة الوجه، تشوح بيديها الكبيرتين المشققتين ~~المحروقتين بالشمس في وجهه وهي تقول: إحنا مش عبيد يا عمدة، وربنا هو العدل عرفوه بالعقل! ~~(2) غياب الذكاء الفطري # لم تكن جدتي الفلاحة قد ذهبت إلى المدرسة وتعلمت القراءة والكتابة، لم تقرأ جدتي ~~القرآن أو أحاديث الرسول، لكنها أدركت بالذكاء الفطري أن الله هو العدل، وأن العقل هو ~~منبع الإيمان بهذه الفلسفة الرفيعة المستوى، والتي لا يفطن إليها أغلب الأساتذة من ~~حاملي الدكتوراه، والذين يفقدون الإبداع أو الذكاء الفطري عن طريق التلقين في المدارس ~~في الغرب والشرق. # ويدور حوار من خلال شاشة الإنترنت في جامعتنا حول أمور السياسة والفكر والإبداع ~~وغيرها، أصبحت الشاشة الصغيرة في مكتبي أو بيتي تنقل إلي من كل أنحاء العالم مختلف ~~الآراء والأفكار، أدوس على «الزر» كل يوم، وتضيء الشاشة أمامي، وأتابع كل ما يحدث في ~~العالم، وكل ما يصدر من كتب جديدة، ومناقشات حولها، وأتابع كل ما يحدث في العالم، وكل ~~ما يصدر من كتب جديدة، ومناقشات حولها، أحدث هذه الكتب من تأليف أستاذ أمريكي (برنار ~~لويس) وهو متخصص في الدراسات الإسلامية، الكتاب عنوانه: «ما هو الخطأ في علاقة الإسلام ~~بالغرب؟» يغلف المؤلف أفكاره المبتورة غير الموضوعية بكلمات عامة رنانة عن عشقه للشرق ~~والإسلام، والحضارة الإسلامية التي ازدهرت في القرون الوسطى حين غرقت أوروبا في الجهل ~~والتعصب ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية ... إلخ إلخ، ثم يتساءل المؤلف: ما الذي حدث ~~لينقلب الوضع وتتفوق المسيحية والحضارة الغربية على الإسلام والمسلمين؟! لماذا حدثت ~~جميع الاكتشافات العلمية في الغرب المسيحي وليس في الشرق الإسلامي؟! # إنها أسئلة واردة للعقل يمكن الرد عليها بالذكاء الفطري، فالمشكلة ليست دينية أو ~~الاختلافات في الأديان أو الثقافة أو اللغة، بل هي مشكلة سياسية واقتصادية أساسا، ذلك ~~أن الاستعمار القديم والجديد قد تعاون مع حكومتنا المحلية من أجل إضعاف قدرتنا ~~الإبداعية في العلوم والفنون، أصبح ms168 التعليم في بلادنا أحد الأجهزة البوليسية لقمع الخلق ~~والإبداع وتدمير الذكاء الفطري منذ الطفولة، يكفي أن كل مفكر مبدع في بلادنا قد عرف ~~زنزانة السجن مرة واحدة على الأقل في حياته، ينطبق ذلك على النساء والرجال، إنه المجال ~~الوحيد الذي تتساوى فيه المرأة بالرجل، ويكفي أن متوسطي الذكاء هم الذين يصعدون إلى ~~مقاعد الحكم، وهم الذين يحصلون على الجوائز التقديرية، والحوافز والمناصب وكل شيء، حتى ~~الأضواء الإعلامية. # لكن السيد برنارد لويس (مثل غيره من فلاسفة ما بعد الحداثة) يتجاهل وجود شيء اسمه ~~استعمار أو احتلال أجنبي، ويفصل بينه وبين الحكومات المحلية، كأنما هي فقط وحدها مسئولة ~~عن المشكلة، أو الشعوب ذاتها هي المسئولة، وهو يضع كل المسلمين في العالم في سلة واحدة ~~ثم يصدر أحكامه المبتورة، واتهاماته للمسلمين، بأنهم تخلفوا عن موكب الحضارة لأن العيب ~~فيهم هم وليس في القوى الخارجية، ويقول في كتابه: «لقد انتهى الاستعمار منذ نصف قرن، ~~وأصبح العالم الإسلامي يعيش في عصر ما بعد الاستعمار Post-Colonial # لكن المسلمين لا ~~يزالون يعلقون المشكلة على شماعة الاستعمار ويتساءلون على الدوام (من فعل بنا هذا؟) ~~كأنهم ضحايا طول الوقت للقوى الخارجية، والمفروض أن يسألوا أنفسهم ما الخطأ فينا نحن، ~~وماذا نفعل لنغير أنفسنا، أما أن يحملوا الخطأ على غيرهم فهذا هو الخطأ. # وهناك بعض الحقائق التاريخية في كتاب برنارد لويس، كما أنني أتفق معه في أن النقد الذاتي ~~ضروري، لكني أختلف في فكرته أننا نعيش «عصر ما بعد الاستعمار» هذه خديعة فكرية كبيرة؛ لأننا ~~نعيش عصر «الاستعمار الجديد»، # Neo-Colonial # وليس ما ~~يسمونه Post-Colonial ~~. # في الجامعات الأمريكية يسود هذا التعبير الخاطئ عن «عصر ما بعد الكولونالية»، وتنقله ~~الجامعات العربية والأفريقية عن الجامعات الأمريكية دون تحليل أو نقد علمي. # تكمن الخديعة أيضا في أن «برنارد لويس» يعتبر هنا في أمريكا من أهم الخبراء في ~~الإسلام وأكثر المدافعين عن الإسلام والحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، وهو يختلف ~~هنا عن مفكرين آخرين، منهم «هنتنجتون وفرانسيس فوكاياما» الذين يرون أن المشكلة في ~~الإسلام ذاته، ms169 وأنه دين يناقض الحضارة والتحضر، وفي حاجة إلى تغيير جذري حتى ~~يتحضر. # ويدافع بعض النخب العربية والإسلامية عن برنارد لويس (وأمثاله)؛ لأنه لا يدين الإسلام ~~ذاته، لكن منطق برنارد لويس لا يقل خطورة عن منطق الآخرين؛ لأنه يتجاهل أهم الأسباب ~~التي أدت إلى ضعف البلاد العربية والإسلامية في مواجهة أوروبا وأمريكا، على رأسها ~~الاستعمار الأوروبي والأمريكي (الاقتصادي والسياسي والعسكري والفكري) والحكومات المحلية ~~المتعاونة مع هذا الاستعمار والقاهرة لشعوبها رجالا ونساء وأطفالا. ~~(3) التجول في مسارح برودواي # علاقتي بمدينة نيويورك قديمة منذ صيف عام 1965، بالضبط أغسطس 1965، فقد جئت لأحصل ~~على درجة الماجيستير من جامعة كولومبيا، وقد عشت في نيويورك أحداث حرب فيتنام، وخرجت مع ~~الطلبة والطالبات في المظاهرات ضد هذه الحرب، التي انتهت بانتصار الشعب الفيتنامي نساء ~~ورجالا، وكنت أرى الفتيات الفيتناميات الصغيرات (مثل الأطفال الفلسطينيين اليوم) ~~يرشقون الطائرات الحربية الأمريكية الضخمة، ويسقطونها إلى الأرض ببندقية فيتنامية ~~صغيرة، لقد انتصرت إرادة الشعب نساء ورجالا على أقوى الأسلحة العسكرية في العالم، ~~فلماذا لا يتكرر هذا فيما يخص الشعب الفلسطيني؟! سوف يتكرر! لا بد! وها هي دولة إسرائيل ~~(وجيشها المدعم بأمريكا) تقاوم الانتفاضة الفلسطينية محاولة القضاء عليها دون ~~جدوى. # منذ جئت هذه المرة إلى نيويورك ونيوجيرسي في أوائل شهر سبتمبر، وأنا أبحث عن رواية ~~جديدة أو مسرحية تستحق الرؤية أو فيلم سينمائي جيد أو أي شيء من الإبداع الفني، دون ~~جدوى، هناك جدب غريب يسود العالم غربا وشرقا، فيما يخص الأعمال الإبداعية الجديدة، ~~حتى الصحف في نيويورك والمجلات أصبحت خاوية حتى من الأخبار الصحيحة، وكنت في عام 1965 ~~أجدها دسمة مليئة بالمقالات النقدية العميقة. # والسؤال يدور في رأسي وأنا أتجول بين مسارح شارع بروداوي: هل كنت في عام 1965 فتاة ~~غريرة تبهرها مسارح نيويورك وأنشطتها الثقافية رغم سطحيتها؟ أم أنني اليوم في عام 2002 ~~امرأة ناضجة العقل لا يبهرها شيء وإن كان عميقا؟ # هناك تنافس واضح بين مؤلفي الدراما الدينية والدراما الجنسية على مسارح برودواي، ~~والعناوين الضخمة تشبه الإعلانات التجارية عن بضائع الشركات المتعددة ms170 الجنسيات، وقررت ~~أخيرا مشاهدة الجنسيات، وقررت أخيرا مشاهدة مسرحية دينية وأخرى جنسية من أجل الترويح ~~عن النفس، وقد أديت جميع الواجبات والمسئوليات تجاه الله والوطن والعائلة وكل شيء لم ~~أحصل في حياتي على إجازات من العمل خارج البيت أو داخله، واليوم إجازة عيد الأضحى، حين ~~كنت طالبة في جامعة كولومبيا منذ سبعة وثلاثين عاما لم تكن الجامعات في نيويورك تحترم ~~أجازات المسلمين، وكان علينا أن نشتغل في أيام العيد الكبير والصغير، ثم نأخذ أجازات في ~~أعياد المسيحيين واليهود، يمكن القول إن نيويورك مدينة يهودية مسيحية، نيويورك تغيرت ~~بعد أحداث 11 سبتمبر وسقوط برجي التجارة العالمية في مانهاتن، بدأت جامعات كثيرة تهتم ~~بدراسة الإسلام والمسلمين والعرب؛ بل ارتفعت أصوات تطلب إدخال اللغة العربية ضمن ~~المقررات في المدارس الأمريكية على أساس: اعرف عدوك! راجت الكتب التي تحمل عناوين من ~~نوع الإسلام والغرب، الإسلام والمرأة، الإسلام والإرهاب، والإسلام والعنف ... إلخ ~~إلخ. # وأيضا بدأت بعض الجامعات تعطي أجازة في أعياد المسلمين للطلبة والأساتذة، وربما هذه ~~واحدة من إيجابيات ما بعد سقوط البرجين في 11 سبتمبر، فقد بدأ الأمريكيون يحترمون ~~المسلمين «وأعيادهم»، باعتبار أنهم أصبحوا قادرين على توجيه ضربات إليهم تسقط أعلى ~~أبراجهم الشامخة في السماء. # دارت المسرحية الدينية حول فتاة صغيرة اسمها «كاتي» ولدت من أم مسيحية وأب يهودي، ~~وأصبحت الفتاة حائرة بين الدين المسيحي واليهودي، ثم زادت حيرتها حين أمرها أبوها ذات ~~يوم بألا تذكر اسم «المسيح» أمام جدتها، واندهشت الفتاة وسألت عن السبب، فقال أبوها: ~~«لأن جدتك لا تحب المسيح»، وتصورت الفتاة الصغيرة أن جدتها العجوز قد قابلت في شبابها ~~المسيح ولم تحبه منذ ذلك الحين. # توحي المسرحية منذ البداية الدرامية بالعمق الفلسفي، إلا أنه للأسف تضيع الفلسفة ~~ويضيع العمق (ربما بسبب الرقابة الخفية التي تمارسها إدارة جورج بوش) إن جورج بوش الابن ~~قد ورث عن أبيه النزعة الدينية، والإيمان بأن التيارات الأصولية الدينية هي خير من ~~يحمي مكاسب الرأسمالية الدولية، ويضرب قوى الشر والشيطان الدينية في الخارج والداخل (في ~~الداخل تتجسد ms171 قوى الشر في الحركات الطلابية المعارضة للحرب، والحركات النسائية المطالبة ~~بتحرير النساء الأمريكيات من اليمين الأمريكي بزعامة الحزب الجمهوري). # تتهكم الفتاة الصغيرة على ما تقرأه في الكتب على أن الكاثوليك لا يستحمون! أما والدها ~~اليهودي فقد تخلى عن دينه من أجل زوجته المسيحية «لورا»، وكانت لورا تخفي تاريخ زوجها ~~الماضي عن الناس كأنما هو «عورة»، وتحاول كاتي الصغيرة أن تشرح للشاب الذي تحبه لماذا ~~يذهب الكاثوليك إلى كرسي الاعتراف أمام القسيس في الكنيسة، ويسألها صديقها: ولماذا ~~يذهبون للاعتراف؟ # وترد الفتاة الصغيرة: من أجل أن يقترفوا كل الآثام ثم يمسحونها بالاعتراف من حين إلى ~~حين. # ويذكرني هذا المشهد بقصة كتبتها عام 1944، وأنا تلميذة صغيرة، عنوانها «مذكرات طفلة ~~اسمها سعاد»، كانت سعاد تعيش في أسرة شديدة التدين، تلقت تعاليم الصلاة والصوم منذ ~~السابعة من عمرها، وأيضا تعلمت التوبة، وكيف تتوب عن ذنوبها عن طريق الطقوس المتكررة، ~~وهكذا تكررت آثامها وتكررت توبتها لتمسح الذنوب من حين إلى حين. (نشرت القصة بالعنوان ~~ذاته بعد ثلاثين عاما من كتابتها.) # أما صديقها الفتى الصغير فيقول لها في براءة إن مشاكل اليهود تكمن في أن الغدد في ~~أجسامهم تفرز هرمونات أكثر من المسيحيين، ويضحك الجمهور الأمريكي على تلك الفتاة ~~الصغيرة «كاتي» التي تحتفل بعيد ميلادها (حين تبلغ الرابعة عشر من عمرها) بعد أن تتوقع ~~من صديقها أن يفض بكارتها في أول ممارسة جنسية، كما تفعل زميلاتها في المدرسة. # تحمل المسرحية عنوان «السلم الذهبي»، ولم أشترك مع الجمهور في الضحك على هذه الفتاة ~~الصغيرة الحائرة بين الأديان، والتي تحاول البحث عن هويتها الدينية، لقد طغت فكرة تأكيد ~~الهوية الدينية في أمريكا منذ اعتلى جورج بوش العرش، وبدأ يستخدم اللغة الدينية في جميع ~~الأمور السياسية والاقتصادية بما فيها الحرب ضد محور الشر، والرقابة على الإعلام والفكر ~~والرأي، مع إطلاق حريات الأديان والأموال في البورصة والشركات العابرة للقارات. # أما المسرحية الثانية فهي تحمل اسم «مونولوج المهبل» ويعتبرونها مسرحية ناجحة بسبب ~~الإقبال عليها، وكلمة «المهبل» كلمة طبية تعني أحد أعضاء المرأة ms172 التناسلية/الجنسية، ~~ومنذ نجاح هذه المسرحية (المؤلفة والممثلة امرأة اسمها إيف إنسلر) بدأت مسرحيات أخرى ~~تزحف إلى برودواي تحمل أسماء الأعضاء الجنسية للرجال والنساء، وأيضا الجهاز البولي، ~~هناك مسرحية اسمها: «مدينة البول» # Urine Town # ومسرحية أخرى تحمل اسم «ديالوج القضيب» ~~وغيرها. # ويتساءل الناس في نيويورك ونيوجيرسي: أهو التدهور الذي أصاب الفكر والثقافة بعد ضربة ~~11 سبتمبر، أم أنها الحضارة الرأسمالية تتهاوى مع تهاوي رمزها التجاري؟ # نيويورك 2002 # | قرن النساء أم قرن الإسلام؟ وإجهاض ثورة الإجهاض # شوارع نيويورك تغطيها الثلوج رغم أننا أصبحنا في شهر الربيع، شهر مارس، أصبح يحمل اسم ~~«شهر المرأة»، منذ أن أعلنت الأمم المتحدة أن 8 مارس يوم الاحتفال بعيد المرأة العالمي، ~~تأتيني الدعوات من القارات الخمس للمشاركة في احتفالات النساء، أو إلقاء المحاضرات، أو ~~تلقي الجوائز تحت اسم الفينميست الكبيرة، والكاتبة والطبيبة التي ساهمت في تحرير النساء ~~خلال نصف القرن الأخيرة، أمشي فوق الثلوج داخل معطف صوفي أسود من تحته بلوفر رمادي من ~~صوف الغنم، من تحته بلوفر آخر من الصوف المصري لونه أبيض كالقطن، من تحته قميص من ~~الفانلة السميكة القريبة من الصوف، من حول رأسي طاقية من الصوف السميك، من حول عنقي ~~كوفية من فروة الثعلب أو النمر، خطواتي فوق الأسفلت قوية سريعة، تجاوزت السبعين عاما ~~في شهادة الميلاد فحسب، لكن جسدي كما كان في ريعان الشباب شعري أبيض بلون الثلوج، لكنه ~~لا يزال غزيرا كثيفا متمردا مثل الأسلاك الكهربية، الدقات تحت ضلوعي قوية منتظمة مع ~~دقات حذائي المتين فوق الأسفلت، عيناي لا أراهما إلا حين أتوقف أمام مرآة في أحد ~~المحلات، يجذبني البريق الخاطف في هاتين العينين السوداوين، كأنهما هما عينا امرأة أخرى ~~لا أكاد أعرفها، أذناها تطربان لسماع كلمات الغزل من الرجال والنساء، قلبها يخفق حين ~~تقع في الحب، وكم وقعت في الحب، وكم من الرجال وقعوا في حبها، مع ذلك تبدو مثل فتاة ~~عذراء لم تعرف الحب بعد رغم بلوغها السبعين من العمر. # شوارع نيويورك في شهر مارس تغرقها الثلوج البيضاء رغم ms173 أن الشمس ساطعة تنعكس أشعتها ~~الذهبية على الثلج الأبيض ... يمتزج اللون البرتقالي القريب من اللون الأحمر بذلك البياض ~~الناصع الشاهق، تنعكس الأشعة فوق السطح المثلج الصلب، ثم ترتد عنه بعد أن تتكسر إلى ~~ملايين الذرات الملونة، يشتعل الكون من حولي بالألوان المضيئة وأنا أمشي نحو شارع ~~برودواي، إنه شارعي المفضل في مدينة نيويورك، حيث الملاهي والمسارح ودور السينما، ~~وأكشاك الصحف والمجلات، ومطاعم البيتسا والهامبيرجر والشاورمة والفلافل، تتصاعد رائحة ~~الفلافل إلى أنفي ومعها صوت فيروز يغني يا مدينة القدس، أتذكر مدينة بيروت وأنا أمشي في ~~الحمرا أو الروشا، ومدينة القاهرة ودمشق وبغداد وتونس والجزائر والرباط والخرطوم ~~والمنامة وغيرها من المدن في بلادنا، إلى جواري تمشي زميلتي الأستاذة في الجامعة واسمها ~~«الدكتورة ماريا» تدندن مع فيروز بالأغنية، تقول إن صوت فيروز يشبه قطرات الألوان ~~المتفجرة من شعاع الشمس حين ينعكس فوق سطح جوهرة من الفيروز أو قطعة من الثلج، تقوم ~~الدكتورة «ماريا» بتدريس «فن الدراما»؛ المسرح والسينما والأدب، وتضيف إليها فن التصوير ~~والرسم، والموسيقى، وأيضا فن العلاقات الإنسانية على رأسها «الحب»، تربط زميلتي ~~«ماريا» بين نشوة الحب ونشوة الإبداع، تصغرني بعشرين عاما، لم تتزوج ولم تنجب أطفالا، ~~لكنها أنجبت كثيرا من الكتب، وكثيرا من الطلبة والطالبات الذين تحولوا إلى مبدعين ~~ومبدعات على يديها، تتألق عيناها الخضراوان وهي تتأمل العناوين والإعلانات فوق دور ~~السينما والمسرح، تضحك بمرح الأطفال حين ترى الإعلان عن مسرحية «مونولوج المهبل» ~~وتقول: لا لا يا نوال، لقد سئمت من المهبل والقضيب وكل ما يتعلق بالجنس، أريد أن أرى ~~فيلما أو مسرحية رومانتيكية؟ ~~(1) العودة إلى الرومانتيكية # الإغراق في الجنس أو في الحب العذري الرومانتيكي بدون جنس وجهان لعملة واحدة هي ~~الرأسمالية الذكورية، المتوارثة عن النظام العبودي، منذ انفصل الجسد عن الروح والعقل، ~~وانفصل الحب عن الجنس، وأصبحت المرأة ترمز إلى الجسد/الإثم/الشيطان، ويرمز الرجل إلى ~~العقل/الروح/الإله. # هذه واحدة من أفكار الفكر النسائي الحديث وما بعد الحديث، والتي لعبت دورا في مقاومة ~~الفكر العبودي الرأسمالي خلال القرن العشرين، وترتكز القدرة الإبداعية على ms174 القدرة على ~~إلغاء الفصل بين الذكر والأنثى، وبين الإله والشيطان، وبين الجسد والروح والعقل. # كيف يتحول الذكر إلى إنسان؟ كان هذا السؤال يدور برأسي دائما على مدى عمري من أول ~~الصبا والشباب حتى اليوم، ولم يكن لي أبدا أن أقع في حب رجل لا يرى في إلا ~~الأنثى. # ودار السؤال في رأسي وأنا جالسة إلى جوار صديقتي «ماريا» نشهد معا مسرحية بعنوان ~~«الصبي الذهبي» في شارع برودواي، يتمشى البطل فوق خشبة المسرح بقامته الطويلة وعضلاته ~~القوية الذكورية، يزيدها قوة وذكورة بالرياضة العنيفة «المصارعة»، يرتدي قفازه ويصارع ~~الذكور الأشداء متغلبا عليهم، مصمما على أن ينتصر على مدينة نيويورك الكبرى، أن يشق ~~طريقه من الأزقة الفقيرة في مانهاتن السفلى إلى حيث الطبقة العليا ذات المال والمجد، ~~إنه يؤمن بالفلسفة الأمريكية البراجماتية، التي تقول: كن عمليا ولا تفكر في المبادئ، ~~فالوسيلة تبرر الغاية. # هذه الفلسفة الرؤية غير الإنسانية هي الصالحة تماما للمجتمع الرأسمالي الذكوري ~~الفاسد، ويدرك «ألفونسو» بطل المسرحية أن الفساد لا يقهره إلا الفساد، إلا أنه يلتقي ~~بامرأة اسمها «لورنا» يقع في حبها، تتغلب في الحب طبيعته الإنسانية الأولى، فهو في ~~الأصل إنسان رقيق الطبع حساس يمتلئ قلبه بالحنان والحب والعدل والجمال، لكن الحبيبة ~~«لورنا» كانت على علاقة حب برجل آخر اسمه «توم»، وهي تعشق شرب الخمر، وحين يتهمها «توم» ~~بالإدمان تقول له: «في حلقي يا حبيبي غصة أريد إزالتها بالخمر!» # وتتصاعد الموسيقى الغاضبة مع غضب الفتى المصارع ألفونسو حين يكتشف أن المرأة التي ~~يحبها مشغولة بغيره، يرتدي قفازه ليبارز الذكور المنافسين له في مجال الحب أو المال أو ~~الشهرة، تلعب الموسيقى في المسرحية دورا رئيسيا للتعبير عن الغضب والغيرة والتمرد ~~والثورة، تتنافس الآلات باختلاف أنواعها الحديثة والقديمة، مع الطبول وأناشيد الثورة ~~الزنجية التحررية ضد السيد الأبيض، وألحان الكنائس المصاحبة لتراتيل الإنجيل. # ويختفي وجه مؤلف المسرحية وملحنها ومخرجها تحت وجه الممثل «ألفونسو ريبيرو»، ذي ~~الحضور القوي الذي يخطف البصر، بقامته الطويلة الممشوقة، وقوته الهائلة مع الرقة ~~الشديدة والعذاب في الحب حتى الموت، ms175 ومنذ عام 1983 اشتهر اسم ألفونسو في مسارح برودواي ~~تحت اسم «الطفل النجم»، إلا أنه اليوم أصبح رجلا في الثلاثين من العمر، ممتلئ الصوت، ~~يخترق صوته الرجولي قلوب النساء، مثل السهم ينفد به «المصارع» إلى عين غريمه ~~«الثور». # تعبر الموسيقى بدرجاتها وأصواتها المتعددة عن صوت واحد هو صوت المقاومة العنيفة لآخر ~~معاقل العبودية والعنصرية، ذلك أن البطل «ألفونسو» أسمر البشرة من أصل فقير مثل غيره من ~~السود في حي «هارلم»، وهو ينافس الرجل الأبيض لامتلاك امرأة بيضاء. # تجتمع القوة الذكورية مع الرقة والحنان، تمتزج الرومانتيكية مع المثالية والبراجماتية ~~والثورية والإقدام والإحجام في تآلف موسيقي شفاف يهز القلب والجسد والروح ~~والوجدان. # وتهتز إلى جواري صديقتي «ماريا» وهي تغني مع البطل: «أريدك معي يا حبي»، يسري اللحن ~~في دماغي أيضا يدغدغها، وأتذكر أنني في مدينة نيويورك، والمدينة كلها نائمة في الليل ~~إلا شارع برودواي، ويدب ألفونسو بقدميه فوق خشبة المسرح وهو يرقص، وصوته يردد مع ~~الإيقاع: «لا تنسوا الشارع 127، أحد شوارع هارلم.» # وتظل الموسيقى في أذني حتى أعود إلى غرفة نومي في بيتي على الضفة الأخرى من نهر ~~هدسون، موسيقى الفنان «شتراوس» مع صوت «ألفونسو ربيرو»، وألحان الجاز الزنجية تنطلق من ~~شوارع هارلم عام 1965 حين كنت طالبة شابة في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. ~~(2) زيارة امرأة ترتدي الحجاب # إحدى الدعوات النسائية في شهر مارس جاءتني من جماعة من المسلمين يعيشون في نيويورك ~~ونيوجرسي، يزيد عدد المسلمين فيهما عن مليون ونصف شخص، حملت الدعوة إلى بيتي شابة سوداء ~~تلف رأسها بحجاب تقول عنه «الحجاب الإسلامي»، وحين نظرت إلى شعري غير المغطى بحجاب قلت ~~لها: اسمعي يا عزيزة (اسمها عزيزة أيضا) لقد تخرج المرحوم والدي من الأزهر ودار العلوم، ~~وكان له ستة من البنات لم يطلب من واحدة منهن ارتداء الحجاب، وأرسلنا جميعا إلى ~~الجامعات حيث جلسنا إلى جوار الرجال نتلقى العلم والطب والفن والأدب. # هذه الشابة في الخامسة والعشرين من عمرها، طالبة بجامعة نيويورك تعد لنيل درجة ~~الدكتوراه في الدين الإسلامي، ولدت ms176 في حي هارلم حيث هاجر جدودها السود من الجنوب طلبا ~~للرزق، اعتنقوا الإسلام حين انتشر الإسلام بين المهاجرين في هارلم وبروكلين وغيرهما من ~~أحياء نيويورك الفقيرة، شابة طويلة القامة نحيلة الجسم، شاحبة اللون قليلا، لكن عيناها ~~السوداوان الواسعتان تشعان بضوء الحماس النابع من الإيمان بقوة في السماء. # جاءت عزيزة تدعوني لإلقاء كلمة في عيد المرأة العالمي 8 مارس، وقالت لي إنها «فيمنيست ~~مسلمة»، تؤمن بتحرير المرأة حسب الشريعة الإسلامية، وطلبت منها أن توضح لي علاقة ~~الإسلام بحجاب المرأة، إلا أنها عجزت عن ذلك تماما، ثم قالت: أنا أرتدي الحجاب لتأكيد ~~الهوية أكثر من تأكيد الدين، ودار الحوار بيننا عن معنى «الهوية»، وأخيرا سألتني ~~عزيزة: «وما هي هويتك يا دكتر الساداوي؟» قلت لها: هويتي ليست أحادية؛ بل هي متعددة ~~الجوانب، إذ تجري في عروقي دماء مصرية وأفريقية وآسيوية وتركية وقبطية وحبشية وإسلامية ~~وبوذية من أجدادي الهنود، إن دمائي مختلطة يا ابنتي عزيزة، وأنا لا أؤمن بالدماء النقية ~~على غرار الفلسفة النازية حيث آمن هتلر بنقاء الدم الألماني، وهي فكرة عنصرية تسري على ~~نقاء الدم بمثل ما تسري على نقاء الحضارة، فلا توجد حضارة نقية لم تخصبها حضارات أخرى ~~من الشرق والغرب والشمال والجنوب والسود والبيض والصفر والحمر، وكل الأشكال والألوان ~~والأديان، المفروض يا عزيزتي عزيزة ألا نبالغ من الفروق بين البشر على أساس الدين أو ~~الجنس أو الجنسية أو العرق أو اللون تحت أي اسم أو شعار وإن كان «الهوية». # إلا أن الشابة الأمريكية المسلمة «عزيزة» لم تستوعب كلامي، كانت ترمقني باتساع الدهشة ~~في عينيها وتهز رأسها في عجب، لقد نشأت «عزيزة» في أسرة أمريكية لا تعرف اللغة العربية ~~ولا تفهم الإسلام كما فهمه أبي الأزهري الدرعمي (نسبة إلى دار العلوم)، وهي تنتفض ~~حماسا وهي تقول لي: «سوف يكون القرن الواحد والعشرون هو قرن الإسلام رغم أنف جورج بوش، ~~الذي يصور الإسلام على أنه دين الإرهاب، ويحاول القضاء على ديننا الحنيف لتنتصر ~~المسيحية.» قلت لها: لا يا ابنتي عزيزة، إن جورج ms177 بوش (الابن) لا يحاول القضاء على ~~الإسلام؛ بل إنه يدعم كثيرا من الحكومات الإسلامية التي تقف معه في حربه ضد الإرهاب، ~~وهو يشجع النعرات المسيحية والإسلامية واليهودية أيضا، ويزيد من الأموال الممنوحة ~~للمدارس الدينية في أمريكا، سواء كانت مسيحية أو إسلامية أو يهودية. # وملأت عينيها الدهشة أكثر وأكثر، وقالت: كيف هذا؟ ولماذا يدعم جورج بوش الإسلام؟ من ~~مصلحة جورج بوش أن يقضي على الإسلام، أليس كذلك يا دكتر الساداوي؟! قلت لها: ليس من ~~مصلحة جورج بوش أن يقضي على الإسلام، أو حتى إضعافه، أو التشكيك فيه؛ لأن التشكيك في ~~دين واحد يتبعه التشكيك في الأديان الأخرى، خاصة المسيحية التي يدعمها جورج بوش، ~~ويستخدمها كأداة للسيطرة على الشعب الأمريكي، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وضرب مركز ~~التجارة الدولي في نيويورك والبنتاجون في واشنطن. # دار الحوار طويلا، ثم أخرجت عزيزة من حقيبتها دعوة لي لأتحدث في 8 مارس عن المرأة ~~والإسلام، لكني كنت قد ارتبطت قبل ذلك بدعوى أخرى للتحدث في البرلمان الأوروبي في ~~بروكسل عن «مستقبل النساء في القرن الواحد والعشرين»، وقد دعيت للحديث معي نساء من ~~أفغانستان وفلسطين وتونس وغيرها من البلاد، سررت لأن هؤلاء النساء خاصة المرأة ~~الفلسطينية، استطعن الربط بين قضية تحرير النساء وقضية تحرير الأرض من الاحتلال ~~الأجنبي، وهل يمكن أن يتحرر نصف المجتمع (من النساء أو الرجال) في بلد محتل بالجيوش ~~الأجنبية الإسرائيلية أو الأمريكية أو غيرها؟ # أما المرأة الأفغانية فقد كشفت عن الترابط بين الاحتلال العسكري الأمريكي لبلدها ~~والاحتلال الثقافي والفكري والتعليمي، لقد صرفت الولايات المتحدة (تحت اسم المعونة ~~التعليمية لأفغانستان) 51 مليون دولار من عام 1984 حتى عام 1994، ووزعت أكثر من أربعة ~~ملايين كتاب مدرسي على التلاميذ، وملايين من الكتب الأخرى المليئة بالآيات القرآنية ~~والتفسيرات الخاطئة لهذه الآيات، من أجل تشجيع الأطفال والشباب الأفغاني على قتل الكفار ~~(الاتحاد السوفياتي) وغيرهم من الشيوعيين الملاحدة، لقد سعت الحكومة الأمريكية عن طريق ~~هذه المعونات الثقافية لتشجيع القتل والتعصب على حساب الدين الإسلامي، واليوم بعد سقوط ~~الاتحاد السوفياتي ms178 وانتصار الجيش الأمريكي في أفغانستان على نظام الطالبان وخلايا ~~القاعدة والمجاهدين الإسلاميين بقيادة أسامة بن لادن، بدأت حكومة الولايات المتحدة ~~نفسها تمسح من الكتب ذاتها التي شحنتها إلى كابول، بدأت تمسح منها جميع الآيات أو ~~التفسيرات التي تحض على الحرب والجهاد في سبيل الله، وتضع مكانها آيات أخرى تحض على ~~المحبة والسلام. # وفي جامعة نيويورك وجامعة نيوجيرسي وغيرهما من الجامعات الأمريكية ترتفع الأصوات ~~الطلابية في المظاهرات ضد الحرب وسياسة جورج بوش (الابن): «إن الحكومة في واشنطن تبدد ~~الأموال التي تجمعها من الضرائب، والتي ندفعها من عرقنا ودمنا في تشجيع الفتن الدينية، ~~خلقت في أفغانستان خلال عشرة أعوام أجيالا من الشباب المتعطشين للدماء تحت ستار ~~الإسلام.» # وتسهم الأمم المتحدة عن طريق منظماتها «اليونيسيف» في صرف هذه الكتب والمعونات ~~التعليمية، تحت اسم المساعدات الإنسانية للشعوب الفقيرة لتقوية الروح الدينية لدى ~~الأطفال والتلاميذ. # وقد خصصت الحكومة الأمريكية 296 مليون دولار معونة تعليمية لإرسال كتب أخرى جديدة ~~ومسح الكتب القديمة، وأمام موظفي اليونيسيف في أفغانستان نصف مليون كتاب يدرس العنف ~~والإرهاب تحت اسم الجهاد الإسلامي، وأمامها أيضا ميزانية قدرها 200000 دولار أمريكي ~~لنسف هذه الكتب وتدميرها تماما لتختفي من الوجود، ومئات الموظفين من النساء والرجال في ~~اليونيسيف مشغولون اليوم بمسح الصور في الكتب التي تصور البنادق يحملها المجاهدون ~~الأفغان، والكلاشنكوفات، تستبدلها بصور الزهور والبرتقال وحمامات السلام. # لي صديقة تعمل في مكتب اليونيسيف في نيويورك عادت مؤخرا من أفغانستان، وراحت تحكي ما ~~يحدث اليوم في أفغانستان المحررة بأيدي الأمريكان والتحالف الشمالي، تطرق صديقتي ~~برأسها وتقول: «أشعر بالخزي والعار يا نوال، وسوف أنشر هذه الحقائق رغم أن النشر قد ~~يحرمني من وظيفتي التي أعيش منها، إلا أن ضميري يعذبني.» # وأمشي في شهر مارس في شوارع نيويورك فوق الثلوج البيضاء أنشد رؤية شيء من الفن العميق؛ ~~يروح عني ألم الغربة والبعد عن الأهل والوطن. # نيويورك، مارس 2002 # | إبليس في أرض الخوف # (1) قبل أن أرى الفيلم # وأنا لست ممن يحكمون على الأعمال الإبداعية بالجوائز في المهرجانات أو تكريم ms179 الدول، ~~إن أعظم المبدعين والمبدعات في التاريخ البشري ماتوا دون أن يطرف جفن العلم ودون أن ~~يمشي في جنازاتهم أحد، وبعضهم مات في السجون أو المنفى أو أقدم على الانتحار. # مع ذلك قررت أن أرى هذين الفيلمين، فأنا أعيش حالة من البحث المرهق عن عمل فني جيد ~~أطرد به القبح والأعمال الهابطة، لقد سافرت غربا وشرقا وشمالا وجنوبا، وفي كل بلد ~~أبحث عن فيلم جيد دون جدوى، ماذا حدث للعالم؟ كيف تطغى الأفلام الأمريكية على سطح ~~الشاشة الكبيرة والصغيرة بهذا الإسهال المريض؟ حتى مدينة باريس التي كانت تزهو ~~باستقلالها الفني أصبحت أفلامها أمريكية أبطالها رعاة البقر، ومدينة لندن الأكثر رصانة ~~غرقت أسواقها بأفلام بطلاتها العاريات يمسكن المسدسات، ومدينة القاهرة أصبحت كأنما هي ~~مدينة أخرى لا أكاد أعرفها تغطي جدرانها الأفلام الأمريكية أو المصرية، لا أكاد أعرف ~~هذه من تلك، فالكل يدور حول قصص غارقة في الخيال، أو في دخان المخدرات، وبطلات لا هم ~~لهن إلا الرجال، ورجال لا هم لهن إلا النساء! أتكون هذه هي حياة الملايين من الرجال ~~أو النساء أمثالي أنا؟ # تذكرت أنني رأيت فيلما منذ سنوات أخرجه داود عبد السيد، وقررت المجازفة والخروج من ~~بيتي إلى الشارع، والسير على القدمين حتى السينما التي تعرض فيلم أرض الخوف، لن أتحدث ~~عن الشارع وما فيه وما خرق أذني من كلمات السباب، تنطلق من أفواه الصبية الجالسين على ~~المقاهي، أو السائرين على الأرصفة، كيف يعاكسون البنات في الطريق، السافرات والمحجبات ~~على قدم المساواة، الشابات والكهلات من مثلاتي، صفعت رجلا على وجهه حاول مغازلتي، ~~وشتمت ولدا يركب دراجة حاول أن يدهسني، كدت أعود إلى البيت، لكني واصلت السير، إن ~~التحدي يجري في دمائي منذ الطفولة، ولن أتراجع عن هدفي مهما صادفني من مشاق. ~~(2) خلال رؤية الفيلم # دفعت خمسة وعشرين جنيها ثمن التذكرة، كدت أردها وأسترد أموالي، كيف تتضاعف الأسعار ~~بهذا الشكل؟ وهي سيما عادية، المقاعد فيها عادية، والبراغيث أيضا عادية، والجمهور ~~عادي، أغلبه من الشباب والصبيان، إلى جواري فتاة ترتدي الحجاب ms180 يحوطها رجل بذراعه ~~ويقبلها في الظلمة. # وظهر أحمد زكي، له وجه مصري صميم وذكورة واضحة تقليدية، الرجولة المتحفزة للدفاع عن ~~نفسها في أي لحظة، التي تتصور أن ما امرأة في العالم إلا وتسقط بين ذراعيه هياما ~~وعشقا، لكن المخرج داود عبد السيد استطاع أن يقلم قليلا من أظافر هذه الرجولة، رأيت ~~مشاهد تفيض بالحنان والرقة حين يتعامل أحمد زكي مع النساء، حتى تلك المرأة التي عاشرها ~~لمدة ليلة واحدة، بمقدم الصداق ثم طلقها في اليوم التالي بمؤخر الصداق، والتي أحبته دون ~~أن تعرفه، وبكت بالدموع لأنه سيفارقها، كيف أحبته في ليلة واحدة؟ أهي الرجولة الفتاكة؟! ~~وتلك المرأة الأخرى الفنانة المستقلة التي تترك بابها مفتوحا فيدخل أحمد زكي فإذا بها ~~تقع صرعى الحب من أول نظرة، وتلك الأخرى والأخرى، نماذج من النساء فوق الشاشة المصرية ~~والأمريكية، نساء يتلاشى استقلالهن في لحظة خاطفة أمام نظرة ذكورية مقتحمة من نوع نظرات ~~أحمد زكي، لم تظهر امرأة واحدة في الفيلم بشخصية أخرى غير تقليدية، وهذا عيب عام في ~~الأفلام المصرية والأمريكية على حد سواء، فالرجل تتغير شخصيته مع تغير الصراع الذي ~~يعيشه مع النظام الحاكم في الدولة، لكن المرأة هي المرأة ولا شيء يشغلها إلا الرجل، وإن ~~كانت فنانة مبدعة مثل بطلة الفيلم. # يدور فيلم أرض الخوف حول موضوع هام وخطير، وقد نجح داود عبد السيد في تصويره، من خلال ~~قصة تقليدية، أحمد زكي ضابط بوليس يتلقى أمرا من رئيسه، أن يسعى لاكتشاف أوكار تجار ~~المخدرات متنكرا في شخصية أخرى مثلهم، يؤدي أحمد زكي يمين الطاعة والولاء من أجل خدمة ~~الوطن وإنقاذ الشباب من براثن المخدرات، لكنها مهمة شاقة خطيرة يؤديها مدى الحياة، فلا ~~طريق للعودة، ولا أمل في الخلاص، لقد صدر الأمر الأعلى وانتهى الأمر، عليه أن يؤدي ~~دورا شريرا أشبه بدور إبليس، وهو إنسان لا يحب الشر، قلبه دافئ يحن إلى الحب والحياة ~~الآمنة المستقرة، لكن الدور الشيطاني قد فرض عليه بقرار أعلى، كالمصير المحتوم يؤدي ~~المهمة، يحاول التمرد أحيانا من شدة ms181 التعب إلا أنه لا يملك حياته، فالقرار بيد سلطة ~~كبرى لا يكاد يعرفها ولا يصل إليها مهما سعى، إنه مثل البطل في قصص فرانز كافكا، ~~الإنسان المحكوم عليه دون أن يعرف من أصدر الحكم، لكن الحكم ينفذ، كيف يكون الإنسان قشة ~~في مهب الريح، أداة في يد الجهاز السلطوي الأكبر، جهاز غامض الوجوه والأسماء، كل شيء ~~فيه مجهول، جو المخابرات العامة والمباحث، الوجوه المتنكرة ذات الأقنعة تتحرك كالعرائس ~~الممسوكة من أعلى المسرح بخيوط غير مرئية، لكنها خيوط قوية متينة تربط الإنسان بمصيره ~~الأبدي حتى الموت مقتولا أو قاتلا، أو مهاجرا متنكرا، مطاردا. # هذا هو حال أحمد زكي في الفيلم، وقد أدى الدور ببراعة وإتقان، أصبح تاجر مخدرات ~~ناجحا، لكنه لم يفقد قلبه الدافئ والحنين إلى الحب الجميل والصدق والحرية، وكلها تبدو ~~كالأحلام المستحيلة، مثل أحلام إبليس حين أراد أن يعلن التوبة، لكن الإرادة الإلهية ~~الأعلى لم تقبل توبته، وإلا كيف يعيش الناس بدون شيطان؟! # لقد تجاوز داود عبد السيد في هذا الفيلم بعض الحدود المفروضة على الفكر الإنساني - ~~على الأقل في بلادنا - تذكرت وأنا أشهد الفيلم قصة قصيرة لتوفيق الحكيم، تدور القصة حول ~~مأساة إبليس حين قرر أن يتوب عن الشر، وذهب إلى الأنبياء جميعا، واحدا وراء الآخر، ~~يطلب منهم التوسط بينه وبين الإله الأعلى من أجل أن يقبل توبته، تنتهي القصة كما انتهى ~~فيلم أرض الخوف، أن إبليس يظل إبليس بالأمر ولا سبيل إلى الخلاص، إنه القضاء والقدر ~~الذي لا راد له. # لكنها في الفيلم إرادة عليا أخرى ليست دينية، إرادة الدولة، أو إرادة الجهاز الأكبر ~~في الدولة الذي أصدر القرار، المخابرات. # في نهاية الفيلم يدور الحوار بين أحمد زكي ورئيسه، يتمرد أحمد زكي (إبليس) على رئيسه ~~ويصفعه ويركله يود أن يقتله، لكن ماذا يفيد ذلك، فهناك رئيس آخر فوق هذا الرئيس، وهناك ~~فوق ذلك رئيس آخر، ولا يمكن لأحد أن يصل إلى قمة الهرم فهي تختفي وراء السحاب كما تختفي ~~الآلهة. # يكشف الفيلم في مواقف متعددة عن كيف ms182 تتعاون الشرطة مع تجار المخدرات وكيف يتاجر الرجل ~~في المخدرات، ثم يركع ويصلي لله يطلب التوبة، وكيف يستخدم تاجر المخدرات ورقة الدين ~~ليبرر أعماله، كيف يتزوج المرأة ليلة واحدة فقط ثم يطلقها في اليوم التالي بعد أن يدفع ~~لها المقدم والمؤخر، أي تلاعب بورقة الدين وفكرة التوبة والصلاة ومسح الذنوب أولا ~~بأول. # الفكرة جيدة تكشف الكثير من الزيف في حياتنا السياسية والدينية، أراد لها داود عبد ~~السيد أن تصل إلى قلوب الناس وعقولهم فهل وصلت؟! ربما، وربما لا؛ لأنه كان يمشي بحذر ~~شديد فوق الألغام، لم يشأ أن ينفجر فيه لغم، وكان الإخراج ناعما رقيقا بلا صدمات ولا ~~دم كثير، ولا خدش أصاب أحمد زكي رغم حياته الخطرة، لقد نال كل شيء في الحياة عن طريق ~~الشر، نال المال والنساء، إلا أنه فقد السعادة وراحة البال، مثل إبليس الشقي الذي ~~أصابته لعنة الله إلى الأبد. # أتوقع أن يفوز هذا الفيلم بجائزة في البحرين بسبب الإخراج الناعم المتقن وجاذبية أحمد ~~زكي الشيطانية، ولم لا؟ لقد تمتع إبليس بجاذبية كبيرة لإفساد النساء والرجال، وإلا ~~فلماذا هو بالذات الذي صدر له الأمر الإلهي؟ ولماذا أصبح الإبداع أو الفن يحمل اسم ~~الشيطان؟! ألا نقول «شيطان الفن» أو «شيطان الشعر»؟! # هذا فيلم جيد في السينما المصرية يستحق الرؤية، وهو فيلم طويل ربما يكون أفضل لو تم ~~اختصاره قليلا، وحذفت بعض الأجزاء غير الضرورية والتي تجعل الفيلم مملا أحيانا، ~~خاصة الاستعراض المصنوع لذكورة أحمد زكي وعلاقاته النسائية المتعددة، وتلك المبالغة في ~~إظهار بطولته الخارقة وكأنه طرزان. # لولا هذه الأجزاء لأصبح هذا الفيلم حدثا في تاريخ السينما المصرية. # القاهرة، 19 مارس 2000 # | عن الحقوق المدنية والسياسية # حقوق الإنسان وأسطورة النظام العالمي الجديد ~~(1) ملاحظة أولى # لاحظت أن عبارة الحقوق المدنية أصبحت تتردد في بعض بلادنا العربية، وخاصة في مصر أو ~~الجزائر أو تونس أو غيرها من البلاد التي تتمتع بشيء مما أطلق عليها «الديمقراطية»، أو ~~مما تسمح بوجود بعض الأحزاب السياسية إلى جانب حزب الحكومة، وأصبحت أفكر في ms183 هذه الظاهرة ~~الجديدة التي فرضت نفسها في المؤتمرات والندوات، بل في الأحاديث العادية، إذ ما أن ~~أقابل أحدا من المثقفين في بلادنا، أو تجمعني جلسة ببعضهم حتى أسمع كلمة الحقوق ~~المدنية، والمجتمع المدني أو القوانين المدنية. # بل إنني ذات يوم وأنا أسير في الشارع المجاور لمنزلي استوقفني أحد الجيران، وهو يعمل ~~بمديرية الأمن، ربما مدير أو مدير عام لا أعرف بالضبط، وكان حين يقابلني لا يقرئني ~~السلام إلا نادرا، وقد يحرك رأسه الناحية الأخرى وكأنه لا يعرفني، لكنه هذا الصباح ~~ابتسم في وجهي واستوقفني، وبدأ يشكو من المشاكل والأزمات التي تعاني منها الحكومة ~~والشعب نائم لا يفعل شيئا، واختتم كلامه قائلا: خلاص يا دكتورة الشعب مات وموش عاوز ~~يتحرك. # كنت عائدة لتوي من مكتب البريد لأسجل خطابا، ورفض الموظف تسجيله، وحين سألته لماذا ~~أشار إلى قطعة من «السيلوتيب» ألصقت بها المظروف وقال: هذا ممنوع، وقلت بدهشة: ممنوع ~~ليه؟ قال مش عارف والله، هي دي التعليمات. # وكان علي أن أطوف المكتبات في الجيزة باحثة عن زجاجة صمغ ألصق بها المظروف بدلا من ~~«السيلوتيب»، ولكن الصمغ كان مثل الماء وقلت لنفسي: حتى الصمغ مغشوش، وأجهدت عقلي في ~~البحث عن أسباب منع تسجيل خطاب بالبريد لمجرد أنه مغلق بقطعة من «السيلوتيب» وليس الصمغ ~~العادي، ولم أصل إلى شيء، وكلما أسأل واحدا من موظفي البريد يرد علي قائلا: مش عارف ~~والله لكن هي دي التعليمات. # كنت عائدة لتوي من مكتب البريد بعد أن ضاع مني نصف الصباح في البحث عن زجاجة صمغ غير ~~مغشوشة، وفي تسجيل الخطاب، وما أن سمعت مدير الأمن يقول إن الشعب مات حتى قلت على ~~الفور: طبيعي كان لازم يموت. # كنت أشعر في تلك اللحظة أن جميع حقوقي المدنية والإنسانية تنتهك كل يوم حين أحاول ~~ممارسة الأعمال الضرورية في الحياة؛ مثل تسجيل خطاب أو تجديد رخصة القيادة أو جواز ~~السفر، أو دفع فاتورة الكهرباء أو التليفون، أو أي عمل آخر يتطلب علي الدخول إلى مكتب ~~من مكاتب الحكومة، أشعر كأنني ms184 عدت فجأة إلى عهود العبودية، أو أنني مثل ذبابة سقطت في ~~عش العنكبوت، وأن التعليمات أو اللوائح أو القوانين بلا عقل وبلا منطق إلا السيطرة ~~العمياء والرقابة الأكثر غباء، فالمفروض أن «السيلوتيب» لا يمنع الرقيب من فتح ~~الخطابات؛ بل إنه أسهل في الفتح، ولا يترك أثرا واضحا، كالصمغ العادي الذي لا يفتح ~~عادة إلا بتمزيق المظروف، أو بواسطة بخار الماء، وقد عرفت هذه الحقيقة فيما بعد من مدير ~~الأمن الذي ابتسم في وجهي ذلك الصباح، وقال إن الشعب قد مات. ~~(2) التجربة الذاتية والموضوعية # سألت نفسي وأنا جالسة إلى المكتب أفكر في هذه الورقة المطلوبة مني عن الحقوق المدنية، ~~هل أكتب شيئا عن تجربتي الذاتية، أم أدخل في الموضوع مباشرة كما يفعل أساتذة الجامعات ~~أو البحوث الأكاديمية؟ # لكن نزعتي الأدبية أو الروائية تغلب دائما، وتؤكد لي أن الذات جزء من ~~الموضوع. # وفي الثقافة العربية مبدأ يقول: ابدأ بنفسك، وفاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كنت أريد ~~التحدث للآخرين عن حقوقهم المدنية، فهل أنسى حقوقي أنا؟ # وباختصار شديد يمكن أن أقول إن جميع حقوقي المدنية قد انتهكت تماما منذ الولادة، وفي ~~جميع مراحل العمر حتى اليوم. # حين ولدت واكتشفت الناس من حولي نوع الجنس الذي أنتمي إليه تبددت الفرحة وعلا الوجوه ~~الوجوم والهم، وقبل أن تنتهي مرحلة طفولتي كاد جدي لأمي أن يزوجني لرجل يكبرني بثلاثين ~~عاما لأنه يملك ثلاثين فدانا، وفي الشارع أو الأتوبيس كانت عيون الرجال وأيديهم تنتهك ~~حقوقي المدنية، وفي المدرسة والجامعة كان المدرسون يفرضون علي الحفظ دون الفهم أو الجدل ~~والنقاش، وفي الزواج كان علي أن أخضع لسيطرة الزوج المطلقة أو الطلاق، وفي عملي داخل ~~الحكومة كان علي أن أطيع المدير أو الوزير بلا نقاش وإلا الاضطهاد والطرد، وفي ~~الكتابة والنشر كان علي ألا أمس المحظورات أو الموروثات منذ آلاف السنين، وألا أقترب ~~من قريب أو بعيد من قمة السلطة الهرمية، أو فرعون الأكبر، وإلا فالعقاب معروف ومكتوب في ~~القانون أو غير مكتوب، مجرد إشارة تليفونية تحملني العربة المصفحة ms185 إلى السجن. # حين أعود بذاكرتي إلى الوراء أندهش كيف مررت بكل هذه التجارب، وكيف انتهكت حقوقي ~~المدنية دون أن أنتمي إلى حزب سياسي أو أدخل حلبة الصراع على السلطة، ولمجرد رغبتي ~~الطبيعية في الانتماء إلى الجنس البشري وممارسة حقي الأول كإنسانة لها عقل تود التعبير ~~عنه. ~~(3) نموذج من الحياة الواقعية الحالية # حين جلست لأكتب هذه الورقة، وكان ذلك في أوائل أكتوبر الماضي دق جرس التليفون، وجاءني ~~صوت أحد المحامين المتطوعين في القضية المرفوعة في مجلس الدولة ضد وزارة الشئون ~~الاجتماعية؛ بسبب صدور قرار إداري في يونيو الماضي بحل جمعية تضامن المرأة ومصادرة ~~أموالها، وتحويلها إلى جمعية أخرى اسمها نساء الإسلام. # وقال لي المحامي بصوته الواثق: سنكسب القضية يا دكتورة في الجلسة الأولى 31 أكتوبر ~~1991؛ لأن قرار الحل صدر بلا أسباب وبلا تحقيق وبلا حكم قضائي، وهذا انتهاك لجميع ~~الحقوق المدنية، وانتهاك للدستور التي تنص المادة رقم 66 منه على أنه لا يجوز فرض ~~عقوبة دون حكم قضائي. # وتفاءلت أخيرا وبدأت أكتب الورقة، لكن جرس التليفون دق مرة أخرى وجاءني صوت محام آخر ~~متطوع في القضية نفسها، وقال بصوته المخضرم العجوز: لن نكسب القضية في الجلسة الأولى ~~ولا الجلسة العاشرة، إن مثل هذه القضايا في مجلس الدولة تستغرق الشهور والسنين، وقد ~~نخسر القضية في النهاية؛ لأن المادة رقم 96 من قانون الجمعيات رقم 32 لعام 1964 تمنح ~~وزير الشئون الاجتماعية سلطة أكبر من سلطة رجال الضبطية القضائية، الذين لا يملكون حق ~~مصادرة الأموال إلا بأمر من النيابة العمومية، أو في حالة التلبس بجريمة قتل أو جريمة ~~مخدرات. # وتساءلت بدهشة: فين الحقوق المدنية؟ # وقال المحامي ساخرا: حقوق مدنية إيه يا دكتورة؟ إن وزارة الشئون الاجتماعية وهي ~~الجهة الأساسية المعنية بالحقوق المدنية للشعب تسلب هذه الحقوق من الشعب بواسطة قانون ~~الجمعيات، اقرئي المادة رقم 97 من هذا القانون، فهي تنص على الحبس مع الأشغال الشاقة ~~لكل من أنشأ أو نظم أو أدار جمعية تدعو إلى مناهضة نظام الحكم، أو الحض على كراهيته! ~~حتى ms186 الكراهية يا دكتور غير مطلوبة، وعليك أن تفتحي قلبك لحب نظام الحكم! # وقلت لنفسي: إذا كان هذا هو حال الحقوق المدنية في مصر، فما بال تلك البلاد العربية ~~التي لا تعرف شيئا اسمه حقوق مدنية، ولا يسمح فيها للرجال بتكوين الجمعيات أو المؤسسات ~~الشعبية لحل مشاكلهم، ولا يسمح فيها للنساء بالخروج من البيت للاشتراك في الجمعيات أو ~~الأنشطة المدنية العامة أو حتى مجرد قيادة سيارة؟ ~~(4) ما الفرق بين الحقوق المدنية والحقوق السياسية؟! # منذ ولدت وأنا أسمع كلمة الحقوق السياسية تردد من حولي، ثم عرفت حين كبرت قليلا أنني ~~محرومة من هذه الحقوق؛ لأنني أنتمي إلى جنس آخر، وأن النساء يطالبن بهذه الحقوق من خلال ~~الجمعيات النسائية، وأن هذه الحقوق تتعلق بحق الترشيح والانتخابات في البرلمان، وفي عام ~~1956 حصلت النساء في مصر على هذه الحقوق، وحدث أيضا في عدد من البلاد العربية فيما ~~عدا بعض البلاد العربية في الخليج العربي، حيث لا تزال النساء محرومة من التصويت في ~~البرلمان. # وفي بلادنا العربية نشأ مفهوم الحقوق السياسية بمعناها المعاصر المتعلق بدخول ~~البرلمان أو الأحزاب السياسية، والحكم نتيجة الصراع بين الحركات الوطنية والقوى ~~الاستعمارية الخارجية وأعوانها من الحكومات الدكتاتورية المحلية. # وقد سيطرت نخبة المثقفين من الرجال على الحركات الوطنية في بلادنا بحكم النظام الطبقي ~~الأبوي؛ الذي أبعد النساء والفلاحين والعمال والفقراء عن النشاط السياسي. # وتنتمي هذه النخبة في معظم الأحيان إلى الطبقات أو الشرائح العليا أو الوسطى ~~الرأسمالية بجذورها الإقطاعية أو القبلية أو العائلية، وبالتالي كانت نظرتها إلى الحقوق ~~السياسية محدودة بحدود مصالحها التي تساعد على الوصول إلى الحكم بأسرع الطرق وأقصرها، ~~وهو طريق الانتخابات للبرلمان، وتكوين الأحزاب السياسية وإصدار الصحف، بمعنى آخر ~~الليبرالية التي تشبه في بعض الوجوه الليبرالية في البلاد الصناعية الرأسمالية في ~~الغرب، ولم تهتم هذه الطبقة المثقفة بحقوق الطبقات والفئات الأخرى في المجتمع كالنساء ~~والشباب والفقراء والأجراء في الريف والمدن، والتي كانت تمكنهم لو حصلوا عليها من ~~المشاركة معهم في الحكم، وفي تسيير شئون البلاد وشئونهم الخاصة، وتغيير ms187 المجتمع، وبناء ~~المؤسسات الشعبية التي تساعد على هذا التغيير؛ أي خلق الأدوات والمنظمات التي تسمح لهم ~~بالحصول على حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية ~~وغيرها. # لكن الحقوق السياسية ظلت مقصورة على الشريحة العليا الصغيرة في المجتمع، وأطلق عليهم ~~اسم رجال السياسة أو الساسة أو القيادات، وسقطت الأغلبية الساحقة من الرجال والنساء تحت ~~اسم آخر مثل الناس العاديين أو المدنيين أو القطاع المدني. # ومن هنا جاء اصطلاح الحقوق المدنية، وهي الحقوق السياسية التي حرمت منها الملايين أو ~~أغلبية الرجال والنساء والشباب؛ لأنها تنطبق على ذلك القطاع المدني أو القواعد المحرومة ~~من المشاركة السياسية الحقيقية. # وأصبحت الحقوق المدنية هي التي تعطي هذه الفئات والطبقات الشعبية قدرا من الحرية ~~يساعدها على التغيير في بناء المجتمع وتطويره من داخل مؤسساتها، ثقافية كانت أو ~~اقتصادية أو اجتماعية، والتي تخرج عن نطاق الأحزاب السياسية والبرلمان ومؤسسات الحكم ~~التشريعية والتنفيذية والقضائية. ~~(5) السلطة الرابعة # هذه هي السلطات التقليدية الثلاث للحكم، وقد أضيف إليها في عصرنا الحديث سلطة رابعة ~~هي الصحافة والإعلام. # وتمثل هذه السلطة الرابعة تطويرا خطيرا في سيطرة المؤسسات الحكومية على عقول الناس، ~~سواء في بلادنا أو في العالم أجمع. # لقد دخل «التليفزيون» إلى كل بيت في القرى والمدن، وأصبح لأي سلطة مركزية محليا ~~وعالميا أن تتحكم في عقول ونفوس الملايين من البشر، رجالا ونساء، شبابا وأطفالا، ~~ويمكن عن طريق احتكار وسائل الإعلام الإلكترونية أن تغير العقول أو تغسلها تماما، ~~وتملؤها بالأفكار المزيفة والحقائق المعكوسة مما يخدم مصالح القلة الحاكمة محليا ~~وحلفائهم في الخارج. # في بلادنا العربية لا يمكن للقطاع المدني أن تكون له قناة تلفزيون خاصة غير تلك التي ~~تملكها الحكومة، ولا يمكن أن تكون له محطة راديو غير تلك التي تملكها المؤسسات ~~الحاكمة. # كذلك الصحف الكبرى والمجلات ودور النشر الكبيرة لا تزال كلها مؤسسات حكومية، وتعمل ~~وزارات الثقافة مثل وزارات الإعلام مثل وزارات الشئون الاجتماعية والداخلية على الرقابة ~~والتحكم في البشر أكثر مما تعمل على نشر الثقافة الحقيقية، التي لا تتحقق إلا بتبادل ~~الأفكار وحرية ms188 الجدل والنقاش. # وقد حاولنا أن نصدر مجلة المرأة «نون» عن جمعية تضامن المرأة، لكن قانون الصحافة في ~~مصر وقف لنا بالمرصاد، وجاءنا خطاب رسمي من المجلس الأعلى للصحافة بتاريخ 13 مارس 1989 ~~برفض الترخيص للمجلة لعدم توافر الشروط القانونية التي تستلزمها الفقرة الثانية من ~~المادة 19 من القانون رقم 148 لسنة 1980 بشأن سلطة الصحافة. # وهكذا يحرم القطاع المدني في مصر من وسائل تبادل الرأي أو الثقافة عن طريق عدم القدرة ~~على إصدار المجلات إلا لمن يملكون السلطة والأموال. # أما الجدل في الأمور السياسية فهو ممنوع أيضا عن القطاع المدني في مصر، إذ ينص البند ~~رقم 3 من لائحة النظام الأساسي للجمعيات «أنه لا يجوز للهيئة أن تجادل في الأمور ~~السياسية أو العقائد الدينية»، وقد أرسلت إلينا وزارة الشئون الاجتماعية خطابا رسميا ~~في 22 نوفمبر 1990 يؤكد لنا هذا المعنى على شكل تحذير أو إنذار. # وكنا قد رأينا في جمعية تضامن المرأة على أن نربط بين قضايا المجتمع من النساء ~~بالقضايا الأخرى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها من مجالات ~~الحياة غير المنفصلة في الواقع والحقيقة، وأدركنا أن هذا الربط «شرط ضروري» للوعي بحقوق ~~النساء والرجال على حد سواء، خاصة ذلك القطاع الذي يطلق عليه اسم القطاع المدني. ~~(6) أهمية الحقوق المدنية اليوم # رغم خطأ الفصل بين الحقوق المدنية والحقوق السياسية إلا أنها ذات أهمية بالغة في ~~المرحلة الحالية؛ لأنها يمكن أن تتيح للمدنيين من الرجال والنساء فرض تنظيم أنفسهم داخل ~~الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويمكنها - رغم القيود الحالية - ~~أن تغلب دورها السياسي وتقلل من احتكار السلطة بواسطة رجال الحكم والأحزاب والساسة ~~ورجال الصحافة والإعلام. # وربما تستطيع أيضا في بعض البلاد العربية المتقدمة نسبيا، والتي تسمح بتعدد ~~الأحزاب أن تغير طبيعة هذه الأحزاب ونظام الحكم والبرلمان، وبالتالي تحقيق الديمقراطية ~~عن طريق المشاركة الأوسع لجميع فئات الشعب من القاعدة إلى القمة. ~~(7) علاقة الثقافة العربية بالحقوق المدنية والسياسية # لا يمكن للإنسان أن يمارس حقوقه دون أن تكون له إرادة قوية واعية بهذه ms189 الحقوق ~~والمسئوليات، وقدرة على تحقيقها من خلال حركته الفردية والجماعية داخل المؤسسات التي ~~يعمل فيها أو ينظمها مع غيره من الناس. # لكن هذه البديهية غائبة تماما أو مغيبة في المؤسسات الثقافية والتعليمية الرسمية، ~~وفي الأحزاب السياسية أيضا حتى المتقدمة منها الواعية بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية ~~والسياسية للناس، فإن الثقافة ظلت بعيدة، منفصلة وهامشية. # وقد أدت الحقوق السياسية دون الحقوق المدنية والثقافية الحقيقية إلى ديمقراطية شكلية، ~~أبعدت أغلبية الرجال والنساء عن المشاركة الحقيقية في السياسة أو الحكم أو الثقافة أو ~~غيرها. # وأفرزت هذه الديمقراطية الشكلية في بلادنا رجالا أقل ثقافة وأقل ذكاء على الدوام؛ ~~بسبب انشغالهم الدائم في الصراع حول السلطة ولعبة السياسة والانتخابات، لكنهم كانوا ~~دائما أكثر قدرة من غيرهم على الصعود إلى مقاعد الحكم ومراكز السلطة وصنع القرار، بسبب ~~قدرتهم الاقتصادية ونفوذهم الاجتماعي والسياسي الناتج عن سوء توزيع السلطة والثروة في ~~البلاد. # وترتبط مشكلة الثقافة في بلادنا العربية بمشكلة السلطة الحاكمة المستبدة غير المؤمنة ~~بالحرية أو الديمقراطية الحقيقية، والتي تعتبر الثقافة والإعلام من شئونها الخاصة تفرض ~~من خلالها أفكارها على الناس. # وهكذا تنتشر القيم الأبوية الطبقة، الإقطاعية، أو القبلية، أو الرأسمالية، أو ~~الاشتراكية القائمة على الدكتاتورية، أو التسلط البيروقراطي أو التستر تحت شعارات دينية ~~لفرض الطاعة لأولي الأمر، والولاء للملك أو الحاكم، ووضع الحجاب على العقول والرءوس ~~واعتبار المعارض للسلطة خارجا على القانون أو مسيئا للوطن، وفرض سيطرة الرجل داخل ~~الأسرة على النساء والأبناء والبنات. ~~(8) الحقوق الدينية ومشكلة التربية # تتعاون السلطة المطلقة في الدولة مع السلطة المطلقة للرجل داخل العائلة على قتل أي ~~مبادرة أو نشاط، أو حقوق للملايين من النساء والرجال والشباب. # ويعتبر النظام الطبقي الأبوي وما يفرزه من قيم وأفكار داخل الأسرة وخارجها معاديا ~~للحقوق المدنية للنساء والشباب والأطفال؛ لأنه يصادر حرياتهم، ويخضعهم لسلطة الفرد ~~الواحد أو الرأي الواحد في الدولة، ولسلطة الأب المطلقة في البيت أو الزوج، ويغرس فيهم ~~منذ الطفولة مفهوم مركزية القرار والطاعة والخوف من الجدل، وبالتالي يقضي على بذور ~~الحرية أو الديمقراطية، ويقتل فكرة ms190 الحقوق المدنية في مهدها، فلا يمكن لمن تربى على ~~الطاعة والخوف أن يمارس الجدل والشجاعة بقرار إداري. # ولهذا تتحول الديمقراطية في بلادنا العربية والحقوق المدنية إلى مجرد حبر على ورق، ~~أو كلام في الخطب تحت قبة البرلمان. ~~(9) بعض خصائص الثقافة العربية # تتميز الثقافة العربية الشعبية المتوارثة عبر الأجيال شفهيا بأنها أكثر إنسانية ~~وأكثر مرونة وحرية، من الثقافة المكتوبة في سجلات المؤسسات الرسمية والمدارس ~~الحكومية. # وفي الثقافة الشعبية الشفهية مفهوم للدين الإسلامي أكثر حرية وإنسانية من المفهوم ~~الرسمي الحكومي، الذي يدرس الدين للتلاميذ على أنه نصوص تحفظ عن ظهر قلب وطاعة ولا تقبل ~~الجدل. # وتتسم الثقافة الرسمية بالجمود والثبات، لكن الثقافة الشعبية الشفهية متغيرة لأنها ~~غير ثابتة في الكتب، ولأن الشعب العادي يستطيع دائما أن يطور تفكيره وفقا لاحتياجات ~~حياته العملية المتغيرة؛ ولهذا فهو أكثر مرونة من حكامه. # وكانت جدتي لأبي امرأة ريفية فقيرة لا تعرف القراءة، لم تذهب إلى المدرسة، ولم تقرأ ~~القرآن، وكنت أسمعها تقول: ربنا هو العدل عرفوه بالعقل، وقد أثرت هذه الثقافة الأولية ~~في تفكيري، وأدركت أن الله هو العدل، وليس نصوصا تتنازع على تفسيرها المؤسسات الدينية ~~والتيارات السياسية المتصارعة على الحكم. # وتساعد الثقافة الشعبية على أن يكون كل رجل وكل امرأة - وإن كانت لا تعرف القراءة ولا ~~الكتابة - مشاركة في إنتاج الثقافة، فالثقافة هي تبادل الرأي والخبرة والمعرفة بشئون ~~الحياة، وفي هذا المجال تتفوق الثقافة الشعبية، لكن هذه الثقافة الشفهية غير المكتوبة ~~تنقرض على الدوام، وتحل محلها الثقافة الرسمية المكتوبة، المفروضة من أعلى بلا حوار ولا ~~جدل، والتي تحول الأغلبية الساحقة من الرجال والنساء إلى مستمعين فحسب أو متفرجين، أو ~~مستهلكين للثقافة لا يشاركون في إنتاجها، ولا يملكون وسائل المشاركة فيها. # إن الثقافة العربية السائدة في معظم بلادنا لا تسود من موقع التبادل في الرأي أو ~~الحرية أو القدرة على الإقناع؛ بل من موقع القهر السياسي والاقتصادي، واحتكار جميع ~~أجهزة الإعلام والثقافة. # وفي التراث الثقافي الإسلامي مدرستان، واحدة رسمية تفرض القيود على العقل، والأخرى ~~معارضة تقاوم ms191 القيود، وتتبنى الأفكار المرنة المتحررة مثل: «لا إكراه في الدين»، ~~«فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، وإذا تعارض النص مع ~~المصلحة غلبت المصلحة على النص لأن النص ثابت، والمصلحة متغيرة، وأن الناس سواسية ~~كأسنان المشط، وخلقناكم من نفس واحدة ذكر وأنثى، وأن الله هو العدل والحق، وداخل كل ~~إنسان قبس من روح الله، وإن كان امرأة فقيرة أو رجلا أجيرا، والشريعة من وضع البشر، ~~ومصدر القوانين العقل والمصلحة وليس الدين، والإمامية عقد يتم برضاء الناس وينفسخ ~~بإرادتهم، والشورى ملزمة وليست معلمة فحسب، والإنسان سيد نفسه وله عقل يرشده، ومقارعة ~~الحجة بالحجة وليس بالسيف، والتعددية في الآراء أو الاختلاف سنة من سنن الكون، وإقامة ~~المجتمع المدني، وفصل الدين عن الدولة ضرورة «أنتم أعلم بشئون دنياكم»، وكان الشيخ ~~محمد عبده في بداية هذا القرن ينادي بالمجتمع المدني والحقوق المدنية للنساء ~~والرجال. # لكن هذه المدرسة الثقافية حوربت على الدوام من جانب المؤسسات الحاكمة في بلادنا ~~العربية، وطغت المدرسة الدينية الرسمية التي فرضت الموت على المرتدين والكفرة، وقدست ~~النص المكتوب لذاته، واختارت من النصوص ما يلائم مصالحها، وجعلت الحاكم مندوب الله على ~~الأرض، وحاربت التعددية والمعارضة والمبادرات الجماهيرية للمشاركة في الحكم، وحرمت ~~التجديد والإبداع، من أبدع فينا فليس منا، كل بدعة ضلالة، ونشرت الأفكار التي تشجع ~~القدرية والسلبية وترك الأمور لأولي الأمر، باعتبار أن الخير يأتي من فوق على شكل هبة ~~أو منحة من الحاكم أو علاوة، والأرزاق بيد الله، يعطي من يشاء بغير حساب، وبالتالي لا ~~دور للناس في تحسين أوضاعهم الاقتصادية أو المشاركة في الحكم لإعادة توزيع السلطة ~~والثروة، وتشجيع فكرة إذا بليتم فاستتروا، واستخدامها في غير موضعها، من أجل تشجيع ~~إخفاء العيوب والانغلاق على النفس، وعدم إباحة المكاشفة أو الصراحة أو النقد للأخطاء، ~~وخاصة أحكام الحكام. ~~(10) الازدواجية وفصل السلطة عن المسئولية # تحرم الثقافة العربية الرسمية الكشف عن أخطاء الحاكم أو نقده في حياته وبعد موته ~~أيضا، اذكروا محاسن موتاكم، ولا داعي لنبش القبور، وهكذا يعيش الحاكم ويموت دون أن ~~يحاسبه الناس ms192 عن أخطائه. # والمفروض أن المسئولية تزداد بازدياد السلطة، لكن العكس هو الصحيح في بلادنا العربية، ~~إذ تقل المسئولية بازدياد السلطة حتى تنعدم المحاسبة تماما عند القمة حيث يتربع الحاكم ~~على العرش، فلا يمكن لأحد أو هيئة أن تحاسبه على الخطأ، بل تخفى الأخطاء تحت وابل من ~~التبريرات، فإن فشلت وانكشف الخطأ تحت وطأة الأزمة الاقتصادية أو الهزيمة العسكرية يقدم ~~كبش فداء يتلقى العقاب. # وقد روجت الثقافة الرسمية في بلادنا لكلمة «الفداء» وكنا في طفولتنا نغني كل صباح ~~للملك المفدى، واندرجت في مدارسنا كلمة «الولاء» و«الطاعة» ضمن الفضائل، مع أنها بعض ~~الكلمات المتوارثة من النظم العبودية والإقطاعية حين كان العبد أو الأجير يذبح ويقدم ~~قربانا لصاحب الأرض، أو فدية للملك، وكلها موروثات العصور العبودية، التي قلبت القيم ~~الإنسانية الطبيعية رأسا على عقب، واندرجت النساء مع البقر مع العبيد في قائمة الأشياء ~~وليس البشر، وأصبحت «العبودية» مرادفة لكلمة «الولاء» والاستكانة للذل فضيلة، ومحاولة ~~إصلاح الحكم رذيلة أو شذوذ أو نوع من الجنون. # وأصبحت المعرفة إثما، يعاقب عليه الإنسان كما عوقبت حواء في العصر العبودي الأول حين ~~مدت يدها إلى شجرة المعرفة. ~~(11) التيارات الدينية المتطرفة # بالرغم من أن الثقافة الإسلامية في أصولها الأولى لا تعرف شيئا عن شجرة المعرفة، ~~فالقرآن لم يذكر في قصة آدم إلا كلمة الشجرة فقط دون أن يسميها، وحاول بعض المفسرين ~~الأوائل تخمين نوع الشجرة، وقال بعضهم إنها شجرة تين أو عنب أو فاكهة أخرى، لكن القرآن ~~لم يذكر أنها شجرة المعرفة كما جاء في التوراة، وبالتالي فإن تأثيم المعرفة لم يعرف في ~~التراث الإسلامي بمثل ما عرف في التراث المسيحي واليهودي. # لكن المشكلة ليست في الدين، وإنما في الأنظمة السياسية والمؤسسات الحاكمة المستبدة ~~التي تستخدم الدين وسيلة لتحريم المعرفة أو الوعي، وضرب القوى الشعبية المدنية أو ~~السياسية، الأخرى، التي تحاول إعادة توزيع السلطة والثروة في البلاد بشكل أقل ظلما أو ~~إجحافا بالأغلبية الساحقة من الناس. # لقد أدت المؤسسات الحاكمة المستبدة في بلادنا العربية بصفة عامة إلى هذه النتائج ms193 ~~الخمس: ~~(1) # مزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ~~(2) # ازدياد الهوة بين الأثرياء والفقراء. ~~(3) # مزيد من التبعية للقوى الاستعمارية الغربية. ~~(4) # مزيد من التيارات الدينية المتطرفة. ~~(5) # مزيد من الشعارات عن الديمقراطية والحقوق السياسية والمدنية وحقوق ~~الإنسان. # وهذه النتائج الخمس مترابطة كالحلقات في سلسلة واحدة، وقد يحدث التناقض بين الواحدة ~~والأخرى، كالتناقض الذي يحدث أحيانا بين المؤسسات الحاكمة والتيارات الدينية المتطرفة ~~أو المعتدلة نسبيا، تحاول كل منها ضرب الأخرى، إلا أنها فترات مؤقتة، حين تتعارض ~~المصالح، وسرعان ما يعود التعاون علنا أو سرا، ذلك أن العوامل التي تجمعها أكثر من ~~العوامل التي تفرقها، وعلى رأسها الميل للاستبداد بالرأي ومركزية السلطة وقدسية الحاكم ~~أو الأمير، وسيطرة فرد على الجماعة، وإخضاع النساء للذكور في الأسرة. ~~(12) ملاحظة أخيرة # في ختام هذه الورقة عادت إلى صورة مدير الأمن الذي ابتسم في وجهي على غير العادة ذات ~~صباح، وأخذ يشكو من سلبية الشعب، وعدم تحركه للتعاون مع الحكومة في حل المشاكل والأزمات ~~الاقتصادية والاجتماعية الملحة، ومنها مشكلة الفتنة الطائفية وانتشار التيارات الدينية ~~المتطرفة، وقال لي بالحرف الواحد: خلاص الشعب مات. # وأدركت أن المؤسسات الحاكمة في بلادنا تريد من الشعب أن يتحرك ويحل المشاكل التي عجزت ~~عن حلها، لكنها في الوقت نفسه تخشى إن تحرك الشعب ألا يكتفي بحل المشاكل فحسب، ولكنه ~~يحاول القضاء على أسباب هذه المشاكل، وأولها هذه المؤسسات الحاكمة ذاتها. # ومن هنا ذلك التناقض بين الشعارات المرفوعة عن الديمقراطية والحقوق المدنية وتشجيع ~~مبادرة الجماهير، وتلك القيود المكتوبة وغير المكتوبة التي تقيد حركة الجماهير. # وتذكرت أن بعد أحداث الفتنة الطائفية في أبي قرقاص منذ عامين أن اجتمع في مقر تضامن ~~المرأة ما يزيد عن المائة وخمسين من المثقفين في مصر، رجالا ونساء مسلمين وأقباطا، ~~وشرعنا في تكوين جمعية لمحاربة الفتنة الطائفية سميناها جمعية الوحدة الوطنية. # لكن وزارة الشئون الاجتماعية رفضت إشهار هذه الجمعية، وتعرض بعض أعضائها الذين نشطوا ~~لمطاردة رجال الأمن. # كنت أنوي إنهاء الورقة عند هذه الفقرة، لولا أنني تذكرت الابتسامة التي رأيتها ذلك ~~الصباح على وجه ms194 مدير الأمن، لقد أدركت بعد أن تأملتها أكثر أنها كانت ابتسامة متناقضة، ~~لم تشمل إلا بعض عضلات الفم، لكن ملامح الوجه كانت جامدة، وصوته كان أشد جمودا وهو ~~يقول بغضب: خلاص الشعب مات! # وكأنما الشعب هو المسئول عن موت نفسه، أو كأنما أن المسئولة عن موت الشعب وليس هو، أو ~~المؤسسة الحاكمة! # | المرأة في الألفية الجديدة # (1) وجهان لنظام عالمي واحد # تتحكم القوة الدولية الرأسمالية الأبوية في حياتنا من خلال حكوماتنا المحلية؛ التي ~~تبطش بنا في أي وقت نمثل فيه خطورة عليها أو على استقرار النظام الحاكم. # إننا نعيش في أمان نسبي أو في خطورة نسبية حسب قدرتنا على تغيير النظام الحاكم، ولا ~~يمكن فصل النظام الدولي عن المحلي، ولا يمكن فصل ما سمي العالم الثالث، فنحن نعيش في ~~عالم واحد يتحكم فيه سياسيا واقتصاديا وعسكريا 447 رجلا يملكون أكثر مما يملكه ~~نص سكان العالم. # أصبحت قلة قليلة من الرجال يعيش معظمهم في الولايات المتحدة الأمريكية يملكون ~~ويتحكمون في المال والسلاح والإعلام، هذا الثالوث القادر على قتل البشر جسديا ~~وعقليا ونفسيا، ويتضاعف نصيب النساء والفقراء من هذا القتل الجماعي الذي نشهده كل ~~يوم، خاصة في بلادنا الأفريقية والعربية. # إن القوة هي التي تحكم دوليا ومحليا وليس العدل، وليس الله - إن كان مفهوم الله ~~هو العدل - لكن الحكام في عصر العولمة الحديث أو ما بعد الحديث لا يمكن أن يستمروا في ~~الحكم دون الاستعانة بالله أو الأديان، حتى تظن الأغلبية من النساء والرجال المقهورين ~~أن هذا القهر، وهذا الفقر، وهذا الموت إنما هو حكمة الله، أو إرادة الله، وليست إرادة ~~حفنة قليلة من الملياردارات الأمريكيين والأوروبيين. # إن هذه الظاهرة الجديدة التي يسمونها التيارات الأصولية الدينية ليست جديدة، بل هي ~~جزء من التاريخ البشري منذ نشوء النظام العبودي، أو ما يسمى النظام الطبقي الأبوي، وهي ~~الوجه الآخر للظاهرة التي أطلق عليها وصف العولمة. # إن هذه الظاهرة التي يسمونها العولمة، والتي توصف بأنها جديدة ليست جديدة بل هي جزء ~~من التاريخ البشري منذ نشوء ms195 الاستعمار، أو بلغة أصح «الاستخراب»، وكلمة الاستعمار ~~مضللة؛ لأنها مشتقة من الفعل استعمر، أو ما يؤدي إلى العمار أو العمران، وفي حين أن ~~الكلمة الملائمة هي «الاستخراب»؛ لأن الاستعمار الأوروبي والأمريكي القديم والجديد قد ~~جلب الفقر والخراب لبلادنا الأفريقية والعربية وليس العمار. # لكنها اللغة المضللة التي يستخدمها الغزاة دائما حتى لا يكتشف أهل البلاد الخدعة، ~~ويتصورون أن هؤلاء الغزاة قد جاءوا لحمايتهم وليس لتدميرهم. # جاء الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 باسم «الحماية»، وتضرب الصواريخ الأمريكية ~~اليوم الشعب العراقي باسم حمايته أو حماية جيرانه من خطر الحاكم في العراق، وقد تم ~~تدمير قوة الشعب العراقي ماديا ونفسيا منذ حرب الخليج عام 1991، وتم هذا التدمير ~~تحت اسم تحرير الكويت، في حين أنه لم يكن هدفه سوى اغتصاب البترول، واحتلال بلاد الخليج ~~عسكريا واقتصاديا. # هل يتغير الاستعمار الجديد (الاستخراب الجديد) في القرن الواحد والعشرين عنه في القرن ~~العشرين؟ ربما يكتسب مهارات خداعية أكبر مع التقدم المطرد في تكنولوجيا السلاح ~~والإعلام، ربما يحتاج أكثر إلى الله والأديان والروحانيات حتى لا يدرك النساء والرجال ~~ما يحدث لهم من كوارث اقتصادية وعسكرية. # لهذا لا أتوقع شيئا إيجابيا من القوى الاستعمارية في العالم ومؤسساتها الاقتصادية ~~مثل الشركات المتعددة الجنسيات أو البنك الدولي أو صندوق النقد، أو تلك الاتفاقات ~~الدولية التي تتم تحت أسماء خادعة مثل التنمية أو التعاون أو الإصلاح الاقتصادي أو ~~الإصلاح الهيكلي، بل أتوقع مزيدا من الكوارث والحروب الاقتصادية والعسكرية، ومزيدا من ~~الدمار الشامل والإبادة الجماعية للفقراء والضعفاء من النساء والأطفال والعجائز في ~~بلادنا خاصة. # لكني أدرك أيضا أن العنف يولد العنف، وأن ليس من السهل قتل البشر دون أن يهبوا ~~للدفاع عن أنفسهم، وقد أدرك الناس في بلادنا أن العدو أصبح عالميا ومحليا، وأن ~~النضال لا بد وأن يكون عالميا ومحليا أيضا. # لم يعد العالمي منفصلا عن المحلي، وهذه واحدة من الإيجابيات، أصبحنا نعيش في عالم ~~واحد، بل في قرية واحدة بفضل التطور التكنولوجي الهائل لوسائل الاتصال، ويمكن لسكان هذه ~~القرية في الشمال والجنوب ms196 والشرق والغرب أن يتواصلوا ويتجمعوا وينظموا صفوفهم من أجل ~~النضال ضد الظلم والجوع والموت. # ربما لهذا السبب أشعر بالتفاؤل رغم الردة التي نعيشها في كافة مجالات الحياة، رغم هذا ~~الفقر الذي يصيب النساء أكثر من الرجال، حتى أصبح اصطلاح «تأنيث الفقر» كأنما هو سمة ~~عصر العولمة ما بعد الحديث. # مع ازدياد نسبة البطالة تطرد النساء من سوق العمل قبل الرجال، خاصة مجالات العمل ذات ~~الأجور المرتفعة، والتي تتطلب مهارات خاصة، أما الأعمال الدنيا ذات الأجور المنخفضة، ~~والتي لا تتوافر فيها أية ضمانات نقابية أو صحية أو قانونية فإن أعداد النساء تزداد ~~فيها عن الرجال، كذلك الأعمال التي بلا أجر على الإطلاق؛ مثل الأعمال المنزلية فتقوم بها ~~النساء اللائي يحملن لقب زوجة أو ربة بيت أو أم، هذه الفئة من النساء يتعرضن لاضطهاد ~~اقتصادي أكثر من خدم وخادمات البيوت الذين يتقاضون أجورا على أعمالهم. # في مصر أصبحت أجور الخدم في البيوت أعلى من الأجور التي يحصل عليها خريجو الجامعات ~~والمعاهد العليا، لقد زادت البطالة بين حاملي الشهادات العليا، وفقد التعليم الجامعي ~~قيمته في ظل قيم السوق والتجارة والمكسب المالي السريع أو تراكم رأس المال، ولأن السوق ~~هي عصب النظام الرأسمالي أو عصر العولمة فإن تشجيع الاستهلاك مطلوب لتصريف البضائع، ~~ويلعب الإعلام دوره التضليلي لتصبح النساء أدوات استهلاكية لشراء منتجات لا يحتجن ~~إليها، منها أدوات الزينة والتجميل والزخرفة، ويتزايد الفهم المفرط بين الطبقات الوسطى ~~والعليا في الأكل واللبس والجنس والمكيفات والسجائر والخمور والمخدرات ~~والمنبهات. # لم ينتبه علماء الاقتصاد، ومنهم الماركسيون أو الاشتراكيون إلى دور النساء في الأعمال ~~خارج نطاق العمل الرسمي، مثل الفلاحات وربات البيوت، ولم يكن كافيا إضافة هؤلاء النساء ~~إلى قوة العمل المنتج؛ بل لا بد من تغيير مفهوم العمل، وإلغاء فكرة تقسيم العمل على ~~أساس الجنس. # إن التقدم التكنولوجي قد ساعد على خلق أنواع جديدة من العمل الإنتاجي الذي يتم داخل ~~البيوت، أصبحت المرأة ربة البيت قادرة على كسب بعض المال من عملها الإنتاجي دون أن تخرج ~~من بيتها، ms197 وسوف يساعد هذا التغيير على تسهيل الحياة نسبيا، خاصة للأسر المهاجرة ~~والطبقات الفقيرة. # إلا أن الهوة بين الطبقات تزداد بمثل ما تزداد التفرقة بين الجنسين، ومع ازدياد الفقر ~~وازدياد تصاعد التيارات الدينية المحافظة أصبحت المرأة ضحية التمزق بين تيارين متضادين ~~في الظاهر فقط؛ لكنهما وجهان لنظام واحد، التيار الديني الذي يدفعها إلى التحجب والعزلة ~~في البيت، والتيار الاستهلاكي الانفتاحي الذي يدفعها إلى الشراء والمتعة والجنس ~~والتزين، بل والدعارة أيضا. # إن انتشار الدعارة والتجارة بالجنس والنساء (خاصة الفتيات والشابات الصغيرات) قد ~~أصبحت ظاهرة عالمية وعملية، واضحة وسافرة، أو مستترة تحت أنواع جديدة من الزواج، التي ~~انتشرت في بلادنا في السنين الأخيرة، مثل الزواج العرفي وزواج المسيار وغيرهما. # ترتكز العولمة والسوق الدولية في مكاسبهما على التجارة في السلاح والدعارة والمخدرات ~~وأدوات الزينة ووسائل الترفيه والإعلام والأفلام القائمة على الجنس والجريمة، كما ترتكز ~~على الازدواجية والكيل بمكيالين في كل شيء، سواء كان في السياسة الدولية أو في الحياة ~~الجنسية الخاصة داخل الأسرة؛ لهذا السبب يحتاج نظام العولمة ما بعد الحديث إلى الأديان؛ ~~إذ ترتكز الأديان على الازدواجية نفسها التي ترتكز عليها العولمة، فهناك مقاييس أخلاقية ~~واجتماعية واقتصادية وقانونية خاصة بالرجال، ومقاييس أخرى خاصة للنساء، وهناك تفرقة بين ~~الناس على أساس الطبقة، وتأكيد على أن الله خلق الناس درجات وطبقات بعضها فوق بعض، وجعل ~~الرجال قوامين على النساء. # تتغلغل القيم الطبقية الأبوية في صلب الأديان وفي صلب النظام العالمي والمحلي، وليس ~~هناك ما يدل على حدوث تغيير كبير في القرن القادم، ما لم تنهض النساء للدفاع عن حقوقهن ~~وتنظيم أنفسهن محليا ودوليا. # لقد خربت حركات تحرير المرأة في بلادنا وفي معظم بلاد العالم؛ بسبب ما حدث من ردة ~~اقتصادية وثقافية وإعلامية، ولم تعد الأغلال والقيود مرئية، بل أصبحت داخل عقل الإنسان - ~~المرأة أو الرجل - بسبب عمليات تزييف الوعي المستمرة من خلال أجهزة التعليم ~~والإعلام. ~~(2) مشكلة الإعلام والتعليم # في مصر تمتلك الحكومة أجهزة الإعلام بالكامل، خاصة الراديو والتلفزيون، معظم الصحف ~~الكبرى تملكها الحكومة أيضا، هناك ms198 بعض صحف معارضة إلا أنها معارضة في نطاق محدود إن ~~خرجت عنها فهي مهددة بالإغلاق، كما حدث عند معارضتنا لحرب الخليج، ولأننا انتهجنا سياسة ~~نسائية تحريرية تختلف عن سياسة الحكومة. # لقد سيطر الإعلام الأمريكي على كثير من بلاد العالم، منها بلادنا العربية والأفريقية، ~~يلعب الإعلام الرسمي في بلادنا الدور نفسه في تلهية الناس عن مشاكلهم الحقيقية. # وكم ينشغل الناس في بلادنا بالحكايات الجنسية التافهة للرؤساء والأميرات والأمراء، ~~لقد طغت أخبار الأميرة ديانا والحكايات عن كلينتون ومونيكا على أخبار الشعوب التي تقتل ~~بالآلاف في بلادنا بسبب الحروب العسكرية والاقتصادية المستمرة. # وقد أصبح الإعلام الرسمي في بلادنا يشجع الفكر الديني المحافظ منذ السبعينيات وحتى ~~اليوم، أصبح نجوم التلفزيون من رجال الدين، والمشايخ الذين يروجون الدعوة إلى تحجب ~~النساء، رغم إغراق الناس بالإعلانات الجنسية الفاضحة لترويج البضائع الأجنبية أو ~~المنتجة محليا تحت سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات. # ويلعب الإعلام الأمريكي والدولي دوره لمساندة الردة الدينية والسياسية التي تخدم ~~مصالح السوق والعولمة، وتضر بمصالح النساء ورجال من الشعوب خاصة في بلاد الجنوب أو ~~بلادنا. # في جريدة لوس أنجلوس تايمز (الصادرة في 5 يناير 1999) نشر موضوع يدعم المدارس ~~الخاصة للبنات التي أنشأتها الحكومة في بلادنا مؤخرا، أبرزت الجريدة رأي المسئولين في ~~وزارة التعليم، ومنهم من أعلن أن البنات في هذه المدارس الجديدة يتلقين دروسا مضيئة ~~تتمشى مع دور المرأة في الحياة، ومنها تنظيم الأسرة والصحة والنظافة والحفاظ على البيئة ~~ومنع ختان الإناث، والخياطة، والطبخ وحفظ الأطعمة ... إلخ، وأن تدريس هذه المواد ~~للتلميذات يعتبر خطوة متقدمة حسب قول الجريدة: # It has helped mould a good citizen who can be the mother of ~~future generation of Egyptian. # هكذا تحدث الردة التعليمية وتكريس فكرة تقسيم العمل على أساس الجنس تحت اسم ~~«الأمومة». # رغم هذا التمجيد الخادع للأمومة فإن حقوق الأم أصبحت تتناقص حتى في وزارة التعليم ~~ذاتها، وفي مايو 1998 أصدرت هذه الوزارة قرارها رقم 242 بحرمان الأمهات من حق عضوية ~~الجمعية العمومية لأولياء أمور التلاميذ والتلميذات في المدارس ms199 القومية، وأصبح هذا الحق ~~قاصرا فقط على الآباء بعد أن كان يشمل الآباء والأمهات معا. # إلا أن الجريدة الأمريكية لم تذكر شيئا عن هذا، بل راحت تمجد فكرة تدريس مواد خاصة ~~للبنات تحت اسم «الأمومة»، وتؤيد فكرة إنشاء مدارس خاصة للتلميذات بحجة أن الآباء ~~يرفضون إرسال بناتهم إلى المدارس العادية خوفا من الاختلاط. # لكن حسن الإحصاءات الرسمية في مصر فإن نسبة البنات في المدارس الحكومية المختلطة تزيد ~~عن 46٪ من جملة عدد التلاميذ والتلميذات، ومن المعروف أن الاختلاط داخل المدارس لا يشكل ~~خطورة على البنات بسبب الرقابة المدرسية المستمرة، كما أن الاختلاط يحدث في الشوارع ~~والمواصلات العامة والمحلات والأسواق، وكل مكان إلا أن الأفكار المحافظة التي تشجع ~~التفرقة بين الجنسين قد انتشرت منذ السبعينيات، في ظل حكم السادات، الذي شجع تصاعد ~~القوى الدينية والسياسية المحافظة لضرب القوى الناصرية والاشتراكية، وبدأت ظاهرة الحجاب ~~تنتشر بين تلميذات المدارس والجامعات. # حين كنت تلميذة بالمدرسة الثانوية منذ نصف قرن (1948) لم يكن في مدرستي تلميذة واحدة ~~ترتدي الحجاب أو تلف شعرها بإيشارب. # اليوم (في فبراير 1999) إن تصادف مروري بمدرسة ثانوية للبنات أثناء خروج التلميذات ~~فإني أرى مشهدا غريبا، مئات أو آلاف التلميذات مرتديات الحجاب أو الإيشارب حول ~~رءوسهن. # تخدم العولمة والقوى الاستعمارية الجديدة هذا الاتجاه المعادي لتحرير نصف المجتمع من ~~النساء، والمعادي أيضا لتحرير النصف الآخر من الرجال، إلا أن القيود على الرجال ليست ~~مرئية مثل حجاب الرأس للنساء، ذلك أن «حجاب العقل» أشد خطورة ولا يرى بالعين، كما أن ~~تغير السياسة الاقتصادية في البلاد وإخضاع الاقتصاد المحلي لمصالح الاقتصاد العالمي، ~~وتعرض النساء لهذا الاستغلال أيضا مثل الرجال، بالإضافة إلى الاستغلال الخاص الواقع ~~على المرأة لمجرد أنها امرأة. ~~(3) ضرب حركات النساء والفكر النسائي المتقدم # لقد ضربت حركات النساء التحريرية في العالم، ومنها الحركة النسائية الأمريكية، خرجت ~~أجيال جديدة من النساء يتنكرن لحركة أمهاتهن وجداتهن، صدرت كتب بأقلام نساء يمجدون ~~الأمومة والعودة إلى دور المرأة الطبيعي لخدمة الأطفال والأسرة، وقد ترجمت بعض هذه ~~الكتب إلى اللغة العربية ms200 في السنين الأخيرة، رحب بها الرجال في بلادنا من العلماء ~~وأطباء النفس، وما يطلق عليهم المثقفون أشادوا بهؤلاء الكاتبات الأمريكيات الجديدات ~~اللائي عدن إلى الله والطبيعة الأنثوية بعد الانحراف عنها في الحركات النسوية المتطرفة ~~الشاذة التي انتشرت خلال القرن العشرين. # وفي مصر فإن 20٪ على الأقل من العائلات تعولها نساء؛ أي أن المرأة تقوم بالدورين ~~معا: الأمومة والأبوة، ولا أحد يعترض على ذلك، بل تشجع المرأة على الإنفاق على الأسرة ~~والعمل خارج البيت بأجر، وبشرط ألا تقصر في واجباتها المنزلية. # أكثر القوانين ظلما للمرأة في بلادنا هو قانون الزواج، تتحول الزوجة في ظل هذا ~~القانون إلى قاصر، يملك زوجها حق الولاية عليها حسب مبدأ الاحتباس؛ أي للزوج الحق في ~~حبس زوجته بالمنزل، وعدم التصريح لها بالخروج إلى عملها، أو السفر خارج البلاد، أو ~~استخراج جواز سفر. # وقد أجاز القانون المصري للمرأة أن تعمل خارج البيت بإذن زوجها، وبشرط ألا يؤدي عملها ~~إلى تقصيرها في أداء واجباتها المنزلية، ومنها رعاية شئون الزوج والبيت ~~والأطفال. # على هذا يمكن للمرأة المصرية أن تخرج للعمل بشرطين اثنين: ~~(1) # أن يسمح زوجها بذلك. ~~(2) # أن تجمع بين عملها خارج البيت وعملها داخل البيت. # إلا أن الزوجة المصرية التي تعمل بأجر يمكنها أن تتحرر من قانون الاحتباس بالإنفاق ~~على نفسها وأطفالها والاستغناء عن نفقة الزوج؛ لأن القانون يعطي الرجال حق الاحتباس ~~مقابل النفقة، كما يمكن للزوجة أن تطلق زوجها عن طريق مبدأ الخلع في القانون إن تنازلت ~~عن حقها في النفقة ومؤخر الصداق، المشكلة التي يصعب حلها إذن تتعلق بالنساء اللائي ~~يعملن بدون أجر واللائي يعشن عالة على أزواجهن وفي حاجة إلى نفقتهم، وبالتالي يشكل ~~الطلاق بالنسبة لهن مشكلة اقتصادية واجتماعية؛ ولهذا تعيش معظم النساء الفقيرات خاصة ~~المسلمات منهن في خوف دائم من الطلاق. # لا يزال الطلاق بالنسبة للزوج المسلم أمرا سهلا يكفي أن يقول لزوجته أنت طالق، فإن ~~طلاقه يقع، سواء جاءت عبارة الطلاق عبر أسلاك التليفون أو أرسلها الزوج إلى زوجته في ~~شريط كاسيت أو شريط فيديو، ms201 وبغض النظر عما إذا كان الزوج جادا في إيقاع الطلاق أم ~~هازلا، وذلك حسب الحديث النبوي: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق ~~والعتاق.» # نشرت هذه المعلومات في أكبر جريدة مصرية رسمية (الأهرام في 20 نوفمبر 1998) وبلسان ~~المستشار نائب رئيس هيئة قضايا الدولة. # إلا أن نضال النساء المصريات ضد هذه القوانين لا يزال مستمرا حتى اليوم - رغم العقبات التي توضع في طريقهن - وهناك مكاسب حققتها النساء عبر السنين، وقد استطاعت قوة ~~النساء الواعيات أن تخفف من وطأة الظلم الواقع على النساء خاصة الفقيرات منهن، اللائي ~~يتعرضن لمخاطر متعددة منها الاغتصاب الجنسي، وكانت الفتاة ضحية الاغتصاب هي التي تعاقب ~~لأنها هي التي تفقد غشاء البكارة أو الشرف، أما الرجل فهو لا يفقد شيئا لأن ليس له ~~غشاء بكارة. # بعد نضال طويل ضد هذا المفهوم القاصر للشرف بدأت السلطة السياسية والدينية في مصر ~~تغير موقفها لتحمي هؤلاء الضحايا من الفتيات، خاصة بعد أن تزايد عددهن في السنين ~~الأخيرة مع تزايد الفقر والبطالة وعدم قدرة أغلب الشباب على الزواج أو تأسيس أسرة ~~وبيت. # لقد أصدر مفتي الديار المصرية مؤخرا بعض الفتاوى لصالح ضحايا الاغتصاب، منها حق ~~الفتاة الحامل منهن في الإجهاض (قبل أن يكمل الجنين 120 يوما داخل الرحم)، وإلغاء ~~المادة 291 من قانون العقوبات التي كانت تطلق سراح المغتصب وتسقط عنه التهمة نهائيا ~~إذا تزوج من الضحية. # ولا تزال الضغوط النسائية مستمرة لانتزاع الحقوق المسلوبة منهن، ومنها عدم حق الأم ~~المصرية في إعطاء اسمها أو جنسيتها لأطفالها، وعدم أحقية المرأة في تولي منصب القاضي، ~~وولاية الزوج على زوجته وغير ذلك من الأمور. # إلا أن القوى السياسية والدينية المسيطرة تضع العقبات أمام حركات تحرير المرأة في ~~بلادنا، وتوجه إليها الضربات الواضحة أو المستترة. # وفي الولايات المتحدة الأمريكية أصابت الردة النساء أيضا؛ بسبب تصاعد القوى المسيحية ~~المحافظة. # ملخص لورقة عن المرأة في الألفية الجديدة 2002 # | الفتاة الفلسطينية التي تتحدى الحكومات العربية # قرأت اسمها في الصحف الصادرة في نيويورك يوم 30 مارس 2002، وصورتها التي ذكرتني ms202 ~~بالملامح العربية العريقة الجذابة، والعينين السوداوين الخارقتين في قوتهما لمعاقل ~~الكذب الدولي والعربي، ونفاق الحكومات في الغرب والشرق، اسمها كما قرأته بالإنجليزية ~~آيات أو حياة الأخرس، عمرها ثمانية عشر عاما، فجرت نفسها وماتت شهيدة الوطن والعدل ~~والحرية والسلام الحقيقي، وليس المزيف الذي يلوكونه كل يوم، قتلت معها اثنين فقط من ~~الجنود الإسرائيليين (أو ربما اثنين من المدنيين في السوق في مدينة القدس)، وجرح ثلاثون ~~شخصا كما قالت الصحف الأمريكية. # وكنت مثلها تماما، رغم أنني أعيش هذه الأيام في نيويورك وليس فلسطين، لكني أحلم كل ~~ليلة أنني فجرت نفسي في معقل الجيش الإسرائيلي، وقتلت معي الجيش كله وليس اثنين ~~فقط. # ويعلن جورج بوش وأعوانه أن هذا هو الإرهاب الفلسطيني الذي يفسد مسيرة السلام، أي ~~مسيرة، وأي سلام أيها القتلة في إسرائيل وأمريكا؟ أهو سلام السيد شارون القائم على ~~الظلم واحتلال الأراضي وإقامة المستوطنات؟ أهو السلام المبني على إبادة الشعب الفلسطيني ~~حتى يتحول إلى حفنة من اللاجئين الخاضعين لمنطق القوة العسكرية الباطشة؟ # أليس الموت أفضل من الإهانة المتكررة كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة؟ ألا يفعل ياسر عرفات ~~وغيره من القيادات العربية ما فعلته آيات أو حياة الأخرس؟ أن يلفوا حول أجسادهم ~~المفرقعات ويموتون فداء الوطن بدلا من إدلاء الخطب والبيانات؟ بدلا من ضرب الشباب ~~والشابات العربيات اللائي يرغبن في السفر إلى رام الله وتفجير أنفسهن هناك في مواجهة ~~الجيش الإسرائيلي! # لو أن الحكومات العربية بما فيها الحكومة المصرية فتحت أبوابها ليخرج الشباب والشابات ~~إلى فلسطين للدفاع عنها ضد الدبابات الإسرائيلية؟ # وقد تركت حياة الأخرس شريط تسجيل تقول فيه: أيتها القيادات العربية أتواصلون الفرجة ~~علينا، ونحن النساء نقاوم العدوان الإسرائيلي؟ ألا تخجلون؟ # حين تصل الثورة الشعبية إلى النساء والبنات؛ فلا بد أن ينتصر الشعب على أقوى قوة في ~~العالم وإن كانت نووية! ~~(1) أوقفوا مسيرة القتل والموت # وتغلى الدماء في عروقي إلى حد الانفجار، أكاد أنفجر أو أخطف قنبلة أو طائرة وألقي بها على ~~رأس هؤلاء الذين يقلبون الأوضاع، الذين يتعامون عن الحقيقة ms203 الواقعة، الذين يصرحون في ~~الصحف الأمريكية أن مشكلة العنف والدماء المراقة كل يوم في الأرض المحتلة وقطاع غزة تقع ~~على عاتق الفلسطينيين، أما إسرائيل الدولة المحتلة التي تدك البيوت وتقتل الشباب ~~والنساء والأطفال بالدبابات فهي بريئة؛ لأنها تدافع عن نفسها في مواجهة الإرهاب ~~الفلسطيني! أوليس هذا هو الكذب أو الجنون؟! # ويعقد الطلبة والطالبات اجتماعهم في اللجنة الثورية ضد الحرب، جيش الاحتلال في ~~إسرائيل يهدم البيوت بالدبابات ويقتل النساء والأطفال والشباب، وحكومتنا الأمريكية ~~برئاسة جورج بوش تلقي اللوم على الفلسطينيين، إنهم يلومون الضحية أيها الزملاء ~~والزميلات؛ لأنهم خائفون من «اللوبي اليهودي» هنا في نيويورك وفي جميع الولايات ~~الأمريكية، إنهم حريصون على «أصوات اليهود» في الانتخابات؛ ولهذا يقلبون الحقائق ~~ويكذبون، ونحن نشاركهم هذه الجريمة، هذه المؤامرة لإبادة الشعب الفلسطيني صاحب الأرض ~~وصاحب الحق في دولة مستقلة حرة مثل غيره من الشعوب، ما جدوى هذه الاجتماعات والخطب ~~والكلام؟ علينا أن نفعل شيئا! # وصاح طالب من الصفوف الخلفية يرتدي الكوفية الفلسطينية: علينا أن نسافر إلى فلسطين، نسافر إلى رام الله أيها الزملاء كما سافر إليها ستمائة ~~شاب من فرنسا من الفلاحين والعمال والطلبة، ذهبوا إلى رام الله ليواجهوا الدبابات ~~الإسرائيلية بأجسادهم، ويناضلون مع الأطفال الفلسطينيين ضد الاحتلال الأجنبي ~~والاستعمار، هيا أيها، الشباب الأمريكي، تحركوا إلى رام الله! # وصاح طالب آخر واسمه «جورج» وهو طالب عندي في فصل الإبداع والتمرد: ولماذا نسافر إلى رام الله يا زميل، وليس معنا سلاح ولا دبابات ولا قنابل ولا ~~طائرات حربية، الأفضل أن نجمع أنفسنا بالآلاف ونحاصر البيت الأبيض في واشنطن هنا في ~~بلدنا، إن حكومتنا في واشنطن هي التي تحارب الشعب الفلسطيني، وهي التي تشجع إسرائيل على ~~إبادة هذا الشعب الفلسطيني في بداية القرن العشرين، وأقاموا دولة دينية عنصرية هي ~~إسرائيل، أنا من أصل يهودي أيها الزملاء والزميلات، وقد هاجر جدي من ألمانيا النازية ~~بسبب العنصرية؛ ولهذا أرفض أي دولة عنصرية قائمة على الدين أو العرق أو أي عنصر آخر، ~~علينا أن نجمع ألف طالب وطالبة، ونركب القطار ms204 إلى واشنطن ونحاصر البيت الأبيض! # وبدأت لجنة الطلبة ضد الحرب توزع علينا الإعلان عن المظاهرة الكبيرة في واشنطن يوم 20 ~~أبريل القادم، ستبدأ المظاهرة الساعة العاشرة والنصف صباحا في قاعة مسرح سيلفان، على ~~الجانب الجنوبي الغربي لتمثال واشنطن التذكاري، سيبدأ الاجتماع الساعة الحادية عشرة ~~صباحا، ثم تتحرك المظاهرة الساعة الواحدة بعد الظهر إلى الكابيتول مركز ~~الحكومة. # ينظم المظاهرة عدد من المنظمات الشبابية والعمالية والنسائية في نيويورك وغيرها من ~~المدن، منهم: ~~- الجبهة الطلابية من أجل السلام القائم على العدل. ~~- الجبهة العمالية ضد الحرب. ~~- جبهة النساء الاشتراكيات الراديكاليات. ~~- حزب الخضر في الولايات المتحدة الأمريكية. ~~- جماعة الشباب من أجل عدالة عالمية. ~~- رابطة الشباب الاشتراكي الديمقراطي. ~~- جمعية الطبقة العاملة في مدينة نيويورك المناهضة للحرب. ~~- جمعية الطلبة المسلمين. ~~- جبهة الشباب المناهضة لتلوث البيئة. ~~- الشبكة الدولية ضد الأسلحة النووية. ~~- جبهة نيويورك ونيوجيرسي من أجل عالم عادل ديمقراطي. ~~- الاتحاد الدولي ضد العولمة والمؤسسات الرأسمالية. ~~- الرابطة النسائية الدولية من أجل السلام والحرية والعدل. # ولا يتسع المجال لذكر الهيئات الأمريكية والدولية المشاركة في هذه المظاهرة في واشنطن ~~(يوم 20 أبريل 2002) لإيقاف الحرب داخل أمريكا وخارجها، في أفغانستان، وفلسطين، ~~والعراق، والصومال، وكوريا، وغيرها وغيرها من الحروب في جميع أنحاء العالم، ومن أجل ~~ماذا كل هذه الحروب؟ من أجل جشع حفنة من التجار في الشركات الرأسمالية ومنظمة التجارة ~~العالمية والبنك الدولي؟! # في مظاهرة واشنطن 20 أبريل 2002 سنطالب الحكومة الأمريكية بالآتي: ~~(1) # إيقاف حرب «بوش» داخل أمريكا وخارجها. ~~(2) # توجيه الأموال التي ندفعها من عرقنا (على شكل ضرائب) لإصلاح حال التعليم والصحة ~~والسكن وتوفير فرص العمل للعاطلين وليس للحرب والسلاح. ~~(3) # إيقاف صرف أموالنا الموجهة للتسليح والحروب والبحوث العسكرية. ~~(4) # إيقاف الاضطهاد العنصري داخل أمريكا وخارجها تحت اسم الدين أو اللون أو العرق أو ~~الجنسية أو الجنس أو غيرها. ~~(5) # الدفاع عن حقوق المهاجرين ومساواتهم بالآخرين في الحقوق والواجبات، وتعديل ~~القوانين لتحقيق العدالة بين المهاجرين والسكان الأصليين. ~~(6) # المساواة بين المواطنين جميعا، بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو العرق أو العقيدة ~~أو الدين، وتحقيق العدالة الاقتصادية ms205 والاجتماعية والسياسية والجنسية لجميع الأفراد دون ~~أي تفرقة بينهم. ~~(7) # إيقاف الأموال التي وجهها إدارة جورج بوش لتدعيم الأديان باختلاف أشكالها في ~~المدارس والكنائس والجوامع، وفصل الدين عن الدولة في كل شيء. ~~(8) # إلغاء التعليم الديني في المدارس العامة والخاصة، بحيث ينشأ الأطفال بروح إنسانية ~~عالية خالية من التعصب والعنصرية. # وينشط الطلبة والطالبات في توزيع هذا الإعلان عن المسيرة الكبيرة في واشنطن، وتسألني ~~إحدى طالباتي في فصل الإبداع الروائي واسمها «كاترين»: «هل تشاركين معنا في مظاهرة ~~واشنطن يا دكتر ساداوي؟» وقلت لها: نعم، بالطبع سأكون معكم في مسيرة واشنطن يوم 20 ~~أبريل القادم، سأغادر بالقطار محطة نيوجيرسي «نيويورك» للسكة الحديدية صباح يوم 17 ~~أبريل، لأشارك في المحكمة الشعبية الدولية للديون التي تعقد في واشنطن يوم 18 أبريل ~~2002، وهي الجلسة النهائية لهذه المحكمة التي قررنا عقدها في ختام اجتماعاتنا في «بورت ~~أليجري» بالبرازيل يوم 2 فبراير 2002، بعد أن أخطرنا المتهمين (البنك الدولي ومنظمة ~~التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والحكومات المساندة لهم) بقرار هيئة المحلفين ضد ~~سياساتهم الاقتصادية التي تسبب الديون الخارجية للبلاد الفقيرة في آسيا وأفريقيا ~~وأمريكا اللاتينية، كما تسبب الحروب العسكرية أيضا من أجل الاستغلال الاقتصادي ونزف ~~موارد الشعوب الطبيعية، وقالت كاترين: هل يمكنني أن أشهد هذه الجلسة؟ # قلت لها: بالطبع، يمكنك الحضور. # وسألتني: وما دورك في هذه المحكمة؟ # قلت: أنا واحدة من القضاة الستة الذين تم اختيارهم من شعوب العالم للحكم بشأن مشكلة ~~الديون الخارجية التي تتراكم على كاهل البلاد الفقيرة فيما يسمى العالم الثالث، وقد قلت ~~في مناسبات سابقة أن إلغاء الديون لا يكفي، بل يجب القضاء على «الأسباب» التي تؤدي إلى ~~وجود هذه الديون، وعلى رأسها النظام التجاري العالمي القائم على القوة العسكرية، تحت ~~اسم حرية التجارة، أو حرية السوق، إنها حرية الأقوى ليبطش بالأضعف، وليست الحرية ~~القائمة على العدالة بين الدول أو الأفراد أو الجماعات. ~~(2) قاعة بريخت الثورية # وفي قاعة «بريخت» يتجمع النساء والرجال من أحياء نيويورك الفقيرة، من بروكلين، ~~وهارلم، وكونييير، والبرونكس، ومن مانهاتن السفلى حيث حكام ms206 مركز التجارة الدولية وما ~~يسمى اليوم «الأرض زيرو»، ومن مانهاتن العليا أيضا حيث انتشر الفقر بين سكان المدينة ~~كلها في الأجزاء العليا والسفلى من نيويورك، لقد هرب الأثرياء بأموالهم من مدينة ~~نيويورك إلى الضواحي الهادئة الخالية من تلوث الهواء فيما وراء نهر هدسون والنهر ~~الشرقي ، بعيدا عن مظاهرات الشباب والسود والنساء والصفر والحمر وغيرهم وغيرهم، تضاعف ~~أعداد الفقراء والفقيرات في نيويورك وتناقص عدد الأثرياء، فالأموال الرأسمالية تتركز ~~أكثر وأكثر في أيدي الأقل فالأقل من الأفراد والشركات. # وفي قاعة بريخت في الدور العاشر من الشارع رقم 27 في مانهاتن السفلى جلست أستمع إلى ~~الفتاة الأمريكية، وهي تعزف الجيتار وتغني ضد الحرب وضد الفقر والبطالة والعنصرية، اسمها ~~«شارلين ليهي # Sharleen Leahey ~~»، فتاة بيضاء شابة طويلة القامة نحيفة الجسم، وتحتضن ~~الجيتار كالأم تحتضن طفلها الحبيب، وتغني من كلماتها وألحانها أغنية اسمها «اختاروا ~~السلام القائم على العدل» ومن بعض أبياتها الآتي: # تشجعوا يا رفاقي لمقاومة الحرب والعدوان # لمقاومة قتل الأبرياء والأطفال من فلسطين إلى العراق والأرجنتين والبرازيل، # من شوارع نيويورك إلى شوارع واشنطن، دي، سي. # نحن الطلاب والطالبات، والمدرسون وعمال المطافئ، والراهبات في الكنائس، والخادمات ~~والعاملات في المصانع والمطاعم، # نحن نمشي في الشوارع نحمل اللافتات والأحلام. # نحن نحلم بعالم آخر يبنى على العدل وليس الجشع، # ونحن نقول لهؤلاء في مركز القوة والمال والسلاح! # أطفئوا أجهزة الراديو والتليفزيون والإعلام! # استمعوا إلى الأصوات الأخرى غير أصواتكم. # الصمت هو الموت. # الآن لا بد للحق أن ينطق. # في شوارع نيويورك يموت الآلاف؛ # بسبب الفقر والبطالة والمخدرات والحزن، # ونحن نقول لكم يا من لا تكنون عن الجشع. # أطفئوا شاشات التليفزيون، واخلعوا عن عقول الناس حجاب الكذب. # أوقفوا سيرة القتل والموت، # استمعوا إلى أصواتنا نغني من أجل الحياة، # كان مارتن لوثر كينج إنسانا شجاعا، # وقف وتكلم عن العدل والحرية. # عارض الحرب في فيتنام، وقال ماذا تفعلون يا حكامنا؟ # أتحاولون السيطرة على العالم؟ # ألمجرد أنكم تملكون أكبر القنابل؟! # اتركوا الأطفال يعيشون! # اتركوا الأحلام تنمو! # والزهور تزدهر! # اكسروا حاجز الصمت يا رفاق! ms207 # يا كل المقهورين في العالم والمقهورات؛ # بسبب اللون أو الجنس أو الدين. # دعوا اليأس والحزن. # وهيا معنا على طريق العدل والحرية والسلام. ~~(3) إجهاض الثورة في الأفلام الأمريكية # وقد اخترقت الرصاصات صدر مارتن لوثر كينج وهو يخطب في جماهير نيويورك عام 1968، كما ~~قتل من قبله بثلاث سنوات مالكوم إكس ، في عام 1965، حين كنت طالبة في جامعة كولومبيا في ~~نيويورك، أيقظتني زميلتي الأمريكية ماريون فورر، وهي تصيح: قتلوه يا نوال؟ # قلت: من هو؟ # قالت: مالكوم إكس. # كان شابا من السود المهرجين البائسين، إلا أن الثورة جذبت، فأصبح أحد قيادتها ضد ~~قهر الزنوج، ومات مقتولا مثل «بياتريس لومومبا» في الكونجو، وقد رأيت الفيلمين عن ~~«مالكوم إكس» وعن «لومومبا»، إلا أن السينما عجزت عن تصوير الدراما الحقيقية لحياة أي ~~منهما، فالواقع أكثر تأثيرا من الخيال، أو ربما لأن السينما الأمريكية لا تزال خاضعة ~~لتأثير هوليود، والإثارة السطحية على حساب الفن الرفيع. # لقد بحثت عن مسرحية أو فيلم يستحق الرؤية في نيويورك، في شارع بروداوي أو الشوارع ~~الأخرى الممدودة خارج برودواي، لم يعد شارع برودواي اليوم هو المكان حيث المسارح ~~والأفلام الجيدة، أصبحت شوارع أخرى كثيرة تنافس بروداوي، حول حي جرينتش وواشنطن سكوير ~~بالقرب من جامعة نيويورك، وحول ميدان التايمز وشارع 42، وغير ذلك من الأماكن الجديدة ~~والقديمة المجددة. # وكم قرأت من الدعايات حول الفيلم بعنوان «عقل ~~جميل» # A beautiful mind # لقد حصل هذا الفيلم على جائزة الأوسكار كأحسن فيلم لعام 2001، ~~وقررت أن أراه، تصورت أنني سأرى فيلما عظيما، إلا أني جلست أكثر من ساعتين أشهد ~~فيلما طويلا مملا رغم أن القصة جيدة، تناول موضوعا هاما، هو: كيف يمرض العقل الذكي الجميل بانفصام الشخصية أو الشيزوفرينيا في مجتمع أمريكي مبني ~~على المال والسلاح والمخابرات؟ بطل الفيلم أستاذ في جامعة كبيرة في نيوجيرسي (برينستون) ~~يتعرض للهلاوس بسبب الخوف من مطاردة المخابرات الأمريكية له، وهو لا يريد أن يبيع عقله ~~الذكي الجميل في سوق المال والسلاح والقهر والجشع الرأسمالي، وكم ضاعت هذه الفكرة ~~الجميلة، وضاع العقل الجميل في ms208 فيلم أمريكي قائم على الإثارة السطحية التي تسيطر عليها ~~هوليوود. # نيويورك، مارس 2002 ~~(4) سلاح البترول والمقاطعة # ولماذا لا تستخدم الحكومات العربية سلاح البترول كما استخدم في حرب 1973 وكاد يقلب ميزان ~~الحرب لصالح فلسطين والبلاد العربية؟ وفي القمة العربية الماضية (في بيروت) كان يمكن ~~استخدام سلاح البترول، فلماذا لم يحدث ذلك؟ ومن هي الحكومات أو القوى العربية الحاكمة التي ~~وقفت ضد استخدام سلاح البترول؟! # من هي الحكومات العربية التي وقفت ضد مصالح شعوبها، وخضعت لمصالح الولايات المتحدة ~~وإسرائيل؟! # لكن الشعوب في النهاية قادرة على المقاومة والانتصار، وأمام الشعوب العربية اليوم اختبار ~~كبير لمدى وعيها وقوة إرادتها على الاستمرار وعدم التراجع أمام الغاز المسيل للدموع أو ~~الرصاص المسيل للدماء. # ويمكن للشعوب العربية أن تضرب المصالح الأمريكية الإسرائيلية في بلادنا بالاتحاد والتضامن ~~لمقاطعة جميع البضائع الأمريكية والإسرائيلية في بلادنا، وهذا سلاح في أيدي الناس جميعا، ~~نساء ورجالا، شبابا وشيوخا، أن يمتنع الناس عن شراء البضائع الأمريكية والإسرائيلية، هذه ~~المقاطعة الاقتصادية الجماعية ربما تكون أقوى الأسلحة للقضاء على الهيمنة الاستعمارية ~~الأمريكية، وبالتالي الهيمنة العسكرية والإسرائيلية. # مونت كلير، 7 أبريل 2002 # | رسالة إلى وزير الصحة # (1) مسئولية وزارة الصحة # لأنك على رأس الوزارة المسئولة عن صحة الناس في بلادنا أكتب هذه الرسالة إليك بصفتك ~~المسئول الأول عما يحدث للأطفال من آلام وجروح تحت اسم الدين أو النظافة أو منع الأمراض، ~~ومنذ أربعين عاما حين طالبت بمنع ختان الإناث بصفتي طبيبة أدرك مخاطر هذه العمليات ~~الجراحية عارضني زملائي في نقابة الأطباء ووزارة الصحة، وتعرضت للهجوم والأذى الكثير من ~~رجال الدين ووزير الصحة حينئذ، وكان لا بد من مرور أربعين عاما حتى تتضح الحقيقة، ويصدر ~~القرار بمنع ختان الإناث منذ عامين. # واليوم تتكرر المأساة إذ أثبتت الحقائق الطبية أن ختان الذكور عملية ضارة لا علاقة لها ~~بالدين أو النظافة أو منع الأمراض، وقد كتبت في هذا الشأن منذ عامين، وصدرت الكتب العلمية ~~التي تنشر هذه الحقائق باللغات الأجنبية والعربية، إلا أن الشعب المصري لا يزال يغذى ~~بالمعلومات ms209 الخاطئة عن طريق أجهزة الإعلام والصحافة المصرية؛ التي تنقل عن الصحف الأخرى دون ~~دراسة، كما أن وزارة الصحة لم تتكلم في هذا الموضوع، ولم ترشد الناس إلى مخاطر هذه العمليات ~~- رغم أن بها إدارة كبيرة مهمتها الثقافية الصحية - كما أن نقابة الأطباء لم تلعب دورها ~~المطلوب في مثل هذه القضايا الهامة التي تتعلق بصحة الملايين من الذكور والإناث في ~~بلادنا. # بل إن بعض الأطباء راحوا يرددون المعلومات القديمة والشائعات الجديدة التي تنشرها الصحف ~~عن أن ختان الذكور يمنع مرض الإيدز، وهذه فكرة مغلوطة تروج لها بعض الدوائر السياسية ~~الإسرائيلية الأمريكية، وقد وقعت بعض الصحف المصرية مؤخرا في هذا الخطأ، وراحت تنشر هذه ~~الأكاذيب، وتعيد نشر الأنباء الواردة إليها من الخارج والإسرائيليات القديمة والجديدة دون ~~تفكير أو دراسة. # وفي الوقت الذي تنكر فيه إسرائيل علاقة الدين اليهودي بهذه العمليات الجراحية الضارة، ~~فإنها تحاول أن تلصق ختان الذكور بالدين الإسلامي، كما يحاولون أيضا ادعاء أن هذه العمليات ~~نبعت من مصر القديمة، أو أنها نبعت من أفريقيا، وهذه كلها ادعاءات لا علاقة لها بالتاريخ ~~الصحيح لعمليات ختان الذكور أو الإناث. # فلماذا لا تتصدى وزارة الصحة لهذا الموضوع؛ إنقاذا لصحة الملايين من الأطفال الذكور، كما ~~تصدت لإنقاذ صحة الملايين من الأطفال الإناث، أم إننا ننتظر أربعين عاما أخرى حتى تدرك ~~وزارة الصحة هذا الخطر؟ # وقد نشرت جريدة الأهرام، في 4 يوليو 2000، وهي أكبر جريدة في مصر، مقالا في صفحة 31، ~~توقيع محمود القنواتي، تحت عنوان: أبحاث علمية تؤكد ختان الذكور يمنع الإصابة بالإيدز، ~~ونشرت أعلى المقال صورة تقول فيها: هذه نقوش على الحجارة تؤكد أن قدماء المصريين مارسوا ~~ختان الذكور، أكثر من ذلك، لم تذكر الجريدة شيئا عن علاقة الدين اليهودي بختان الذكور، رغم ~~أن هناك نص واضح في التوراة يؤكد على ختان الذكور مقابل أرض كنعان أو فلسطين، بل نسبت ~~الجريدة ختان الذكور إلى الدين الإسلامي فقط، وأنه دعا إلى ختان الذكور منذ أكثر من 1400 ~~عام، رغم أنه لا توجد آية ولا نص ms210 واحد في القرآن يدعو إلى ختان الذكور. # بل هناك آيات تؤكد أن الله لا يخلق إلا الكامل، # لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم ~~(التين: 4)، وأعظم علماء الإسلام عارضوا ~~ختان الذكور، وقالوا إنه عادة يهودية وردت في التوراة ولا علاقة لها بالإسلام. # وقد نشرت جريدة «القاهرة» في 13 يونيو 2000 مقالا في الصفحة الأولى تحت عنوان: أحدث ~~مفاجأة علمية: الختان يحمي من الإصابة بالإيدز، ونشرت صحف مصرية أخرى طوال السنين الماضية ~~مثل هذه الأنباء الخاطئة، مثلا نشرت صحيفة عقيدتي في 5 / 9 / 1995 تحت عنوان: وشهد شاهد من ~~أهلها: الختان يمنع الإصابة بالإيدز بقلم د. أحمد شفيق، وفيه يؤكد أن الدوائر الطبية في ~~أوروبا أفادت بأن الختان يمنع الإصابة بالإيدز، وهذا أبلغ رد على من يعارضون الختان، وغرضهم ~~الهجوم على الإسلام الذي يؤكد عملية الختان «للإناث». # ونشرت صحيفة الأمة في 9 / 9 / 1997 مقالا تحت عنوان: الختان يحمي الأنثى من الإيدز، يقول ~~فيه: الدوائر الطبية الغربية توصلت إلى أن الختان يحمي من الإيدز وسرطان العضو ~~الذكر. # هكذا تنشر الصحف المصرية عن الدوائر الغربية هذه الإشاعات تحت اسم الأبحاث العلمية ~~الجديدة، فلماذا لا تتصدى وزارة الصحة وترد على هذه الأكاذيب بالعلم الصحيح لصحة الناس وصحة ~~عقولهم أيضا؟ ~~(2) المعلومات الجديدة الصحيحة # لماذا لا تحاول وزارة الصحة الحصول على المعلومات الطبية والعلمية الجديدة، التي تؤكد على ~~مضار عمليات الختان للذكور والإناث، وتنشرها على الناس في بلادنا من أجل نشر الوعي الصحي ~~السليم؟! # وقد صدرت العديد من النشرات الطبية والكتب بالعربية والإنجليزية التي تناولت هذه ~~المعلومات، ومنها الآتي: # http://www.Noharmm.org # http://www.Nocric.org # http://www.Norm.org # وهناك علماء عرب يعيشون في أوروبا، ويكتبون باللغة العربية والإنجليزية في هذا الموضوع، ~~وعلى سبيل المثال فإن الأستاذ الدكتور سامي الديب هو مسئول القسم العربي بالمعهد السويسري ~~في جنيف، وأصدر عددا من المؤلفات حول مضار ختان الذكور و«الإناث» آخرها الكتاب الذي صدر ~~باللغة العربية عام 1999، وهو كتاب من ثلاثة أجزاء كاملة في هذا الموضوع الهام. # والمطلوب الآن من وزارة الصحة و«نقابة الأطباء» في مصر ms211 أن تشكل لجنة من الأطباء والعلماء ~~لدراسة هذه الكتب، وتوصيلها إلى الناس والصحف وأجهزة الإعلام. # يقول الدكتور سامي الديب في كتابه (ص164) الآتي: # بعد إلقائي محاضرة في مؤتمر عن الختان عام 1994 في الولايات المتحدة فوجئت باستلام عدة ~~رسائل من يهود لم يسبق لي التعرف عليهم، وتبين لي أن إحدى المشاركات في ذلك المؤتمر قامت ~~بتوزيع محاضرتي عليهم دون إذني، وبين مراسلي كان رئيس التعليم الطبي في جامعة ابن غوريون ~~الإسرائيلية، واسمه «شيمون جليك» وهو من المؤيدين لختان الذكور، وقد تبادلت معه عدة رسائل ~~حول ختان الذكور، وإحدى تلك الرسائل تضمنت مقالا يدعي أن الختان يقي من مرض الإيدز، شبكها ~~مع ورقة كتب عليها بالإنجليزية عبارة تقول: «إذا أمر الله عمل شيء فلا يمكن لهذا العمل أن ~~يكون مضرا.» # ويوما أرسل لي «برنارد لافري» ناشط يهودي في جنيف رئيس للجنة ضد معاداة السامية، قصاصة ~~من جريدة # Nouvean Quotidien # السويسرية بتاريخ 23 / 8/ ~~1995 تشير إلى أن ختان الذكور يحمي من مرض الإيدز، وهذا الخبر منقول عن «هيئة الأخبار ~~الفرنسية» التي نقلته عن «يومية الطبيب» الفرنسية، وهذه الأخيرة نقلته عن خبر صادر عن هيئة ~~أخبار أمريكية بتاريخ 23 / 8 / 1995، وقد أبلغت هذا الخبر إلى السيدة «ماريلين مايلوس» رئيسة ~~منظمة # Nocirc # والسيد «تيم هاموند» رئيس منظمة # Noharmm # وهما منظمتان أمريكيتان معاديتان لختان ~~الذكور، وقد ردت السيدة «مارلين مايلوس» بتاريخ 1 / 9 / 1995 ما يلي: # إن مرض الإيدز ليس سببه الغلفة؛ بل الجراثيم التي تنتقل من خلال علاقة جنسية ~~غير سليمة، وقطع الغلفة لم تثبت فائدتها في الوقاية من الإيدز في الولايات ~~المتحدة، حيث أكثر ضحايا هذا الداء هم من المختونين. # إن الحجج الطبية التي استعملت لتبرير واستمرار بتر الأعضاء الجنسية في الغرب كانت دائما ~~تتماشى مع الأمراض المرعبة في الوقت التي استعملت فيه تلك الحجج، وهكذا استعمل الخوف في ~~العادة السرية في أواسط القرن التاسع عشر، ثم استعملت حجة النظافة في بداية القرن العشرين ~~عندما وضعت نظرية الجراثيم، وفي أواسط القرن العشرين أصبحت ms212 الحجة الخوف من سرطان القضيب ~~والرحم، وأما اليوم فهم يستخدمون حجة مرض الإيدز كوسيلة لتبرير عادة وحشية، ونحن الذين ~~نعتبر تعسفا ضد الأطفال التشوية الجراحي لأعضائهم دون موافقتهم، يمكننا أن نفهم المقصود من ~~تلك الحجج، فالعار كل العار لمن يستخدم مثل هذه الحجج. # وقد رد تيم هاموند بتاريخ 30 / 8 / 1995 ما يلي: # إن الختان لا يحمي من مرض الإيدز، والإيحاء بأنه يحمي من الإيدز يعتبر رسالة ~~خطيرة للمختونين، تعني أنه في إمكانهم ممارسة الجنس دون اتخاذ الوسائل الكفيلة ~~لحمايتهم من هذا المرض، وأضاف في رسالته بأنه إذا كان صحيحا أن الختان يحمي من ~~الإيدز، فيجب في هذه الحالة ختان كل من الذكور والإناث البالغين. # يقول د. سامي الديب في كتابه: إن ما سبق يوضح أن مؤيدي الختان بين اليهود ومن يساندهم قد ~~وجدوا في الإيدز ضالتهم للدفاع عن ختان الذكور، فحولوا الخوف من الإيدز إلى سلاح للتأثير ~~على الرأي العام، وقد سارعت الصحف المصرية و«العربية» ونقلت هذه الأنباء، كما نقلت في ~~الماضي كثيرا من الإسرائيليات دون أي تحقيق، واعتقدوا أن ختان الذكور والإناث من صحيح ~~الإسلام، وهذا غير صحيح. # إن القرآن المرجع الأساسي للمسلمين ليس فيه آية واحدة تشير إلى ختان الذكور. # الكتاب الوحيد الذي ينص على ختان الذكور هو كتاب التوراة، في الإصحاح السابع عشر (تكوين) ~~يعقد الإله مع النبي إبراهيم عهدا، يقول له: «أقيم عهدي بيني وبين نسلك من بعدك عهدا ~~أبديا، أعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك لك أرض كنعان ملكا أبديا، هذا هو عهدي الذي ~~تحفظونه بيني وبينكم، يختن منك كل ذكر، فتختنون في لحم غرلتكم فيكون علامة عهد بيني ~~وبينكم، فيكون عهدي في لحمكم أبديا ... وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلتكم ~~فتقطع تلك النفس من شعبها، إنه قد نكث عهدي.» # هذه هي الكلمات التي جاءت في التوراة، تؤكد لنا أن إله اليهود رفع شعار «الأرض مقابل ~~الختان»، وهو شعار غريب، فما علاقة الاستيلاء على أرض الغير بالقوة المسلحة وختان ~~الذكور؟! ms213 # وفي محاضرة لي بجامعة نيويورك العام الماضي سألت هذا السؤال فانسحبت بعض النساء اليهوديات ~~اعتراضا على تساؤلي، وغضبت أخريات، لكن بعض اليهوديات أيدن كلامي وقالت إحداهن: نعم هذا ~~سؤال وارد تماما، وأعتقد أن بعض المؤيدين للصهيونية والاستيلاء على أرض فلسطين، الأرض ~~الموعودة يؤيدون أيضا ختان الذكور، رغم أنهم لا يختنون أطفالهم، لكن يخافون من الاعتراض ~~على ختان الذكور، وبالتالي يسقط حق اليهود في أرض فلسطين، بسبب ترابط الوعد الإلهي بالأرض ~~بختان الذكور. # من هنا ندرك كيف توجه كثير من القوى الإسرائيلية (والأمريكية) بعض البحوث الطبية لإثبات ~~أن ختان الذكور يحمي من السرطان والإيدز؛ تعزيزا للآية في التوراة وتعزيزا للاستيلاء على ~~أرض فلسطين. ~~(3) الجدل الطبي السليم ضد الختان # لماذا لا يتابع الأطباء في بلادنا ما يدور في العالم من أبحاث علمية سليمة تؤكد مضار ~~الختان للذكور والإناث؟! لماذا تسكت وزارة الصحة ونقابة الأطباء كأنما الأمر لا يعنيهما في ~~شيء؟! وأرجو من وزير الصحة أن يطبع كتاب الأستاذ الدكتور سامي الديب، ويوزعه على الأطباء ~~حتى يعرفوا أن ختان الذكور عادة ضارة بالجسم والنفس والمجتمع، وأن ملايين الرجال ليسوا ~~مختنين وليسوا مصابين بالإيدز أو السرطان، وأن نظرية الوقاية من الأمراض بقطع الأعضاء في ~~الطفولة نظرية مناقضة للعقل والصحة والدين الصحيح؛ لأن الله كامل لا يخلق إلا الكامل، ~~وخلقناكم في أحسن تقويم. # يفند الأستاذ الدكتور سامي الديب نظرية الوقاية من مرض الإيدز عن طريق الختان بالأدلة ~~العلمية (ص168) كالآتي: # في نهاية الثمانينيات ادعت بعض الدراسات الأفريقية الصغيرة أن هناك علاقة بين فيروس فقد ~~المناعة والذكر الغير مختون، وقد اغتنم مؤيدو الختان هذه النظرية فقاموا بحملة دعائية بدأت ~~برسالة بعثها طبيب يهودي اسمه «ارون فينك» إلى مجلة طبية عام 1986: # Fink: A Possible explanation for heterosexual male infection with AIDS United Press ~~International, release date: October 29, 1986 # إلا أن هذا الطبيب ~~أوضح لصحفي بأنه لا يمكنه إثبات هذا الأمر، وهذا الطبيب هو من كبار الداعين لإجراء الختان ~~على جميع الأطفال، وقد سبق وحاول الضغط على جمعية ms214 الطب في كاليفورنيا لكي تتبنى مثل هذا ~~البرنامج، وقد فشلت محاولته عام 1987، ولكن نجح في إمرارها عام 1988 بصوت واحد من قبل ~~ممثلي هذه الجمعية دون الرجوع إلى الهيئة العلمية، ولم تكن حجة الإيدز هي الحجة الوحيدة ~~التي حاول إمرارها أمام تلك الجمعية لممارسة ختان الذكور بصورة روتينية، فمثلا لم يتمكن من ~~إمرار قرار بالختان الروتيني كوقاية من مرضين هما # B-streptococcal ~~disease # و # Sand balanitis ~~، وقد دعم ~~فكرة الختان الروتيني للأطفال بحجة الوقاية من مرض الإيدز عدد من الأطباء أكثرهم، إن لم يكن ~~كلهم، من اليهود # Hodges: A short history, p. 35 # نذكر منهم: # Francis A. plummer, J. Neil Simonsen, Stephen Moss, Allan R. Ronald, ~~Joan K. Kreiss. # وقد اعتمد أصحاب هذه النظرية على ملاحظة التوزيع الجغرافي للختان ومرض الإيدز، واستنتجوا ~~أن المناطق التي تمارس الختان أقل عرضة للإصابة بهذا المرض، وقد ارتكزوا على معطيات من ~~نهاية الخمسينيات، وكأن تلك المعطيات أكيدة ولم تتغير، إلا أنهم أهملوا عوامل طبية، مثل ~~وجود أمراض جنسية، كما أهملوا عوامل اجتماعية، مثل العمر الذي تتم فيه العلاقة الجنسية ~~الأولى، ووجود ختان الإناث، نظام تعدد الزوجات، وهذه العوامل قد تلعب دورا في انتشار مرض ~~الإيدز # Van Howe: Neonatal circumcision and HIV infrection ~~pp. 99-100 ~~. # كما أن بعضهم قام بمراقبة مجموعة معينة مثل سائقي الشاحنات، إلا أنهم لم يتأكدوا من أن ~~هؤلاء كانوا مختونين أم لا، معتمدين في فرضياتهم على النسبة الوطنية، كما أنهم لم يأخذوا ~~بالحسبان عوامل أخرى، وبعضهم راقب المترددين على عيادات الأمراض الجنسية مستنتجين أن من كان ~~له غلفة كان أكثر عرضة للأمراض الجنسية، متجاهلين أن الإصابة بقرحة جنسية تلعب دورا أكبر ~~في انتشار الإيدز مع وجود الغلفة أو عدمه، وإحدى تلك الدراسات اعتمدت على مراقبة أشخاص غير ~~مختونين يمارسون الجنس مع مومسات في دولة «كينيا» بأفريقيا، وقد رأت هذه الدراسات أن غير ~~المختونين أكثر عرضة للإصابة بمرض الإيدز من المختونين، ولكن دراسة أخرى بينت أن سبب ارتفاع ~~الإصابة في هذه الحالة هو ms215 أن غير المختونين يجدون صعوبة في الزواج؛ بسبب نظرة المجتمع ~~السلبية ضدهم، فيقومون بالبحث عن علاقة جنسية مع المومسات، مما يجعلهم أكثر عرضة لمرض ~~الإيدز. # ويؤخذ على هذه الدراسات أنها فضلت الاعتماد على معطيات أفريقية، بدلا من المعطيات في ~~الولايات المتحدة التي تمارس الختان بشكل واسع، والدراسة الوحيدة التي تمت في هذا البلد حول ~~هذا الموضوع هي تلك التي نشرها «كرايس» عام 1992 # Kreiss: Hopkins The ~~association between circumcision # وهذه الدراسة لم تأخذ في حسابها ~~الختان إلا بالدرجة 14 بين العوامل الأخرى مما يبين التحيز للختان بين الباحثين وناشري ~~المجلات العلمية، وقد نسوا أن ارتفاع عدد الإصابات بمرض الإيدز عند غير المختونين هنا قد ~~يكون بسبب تدني الثقافة والحالة الاجتماعية بينهم، فمن المعروف أن الطبقة المتدنية لم يكن ~~في إمكانهم ختان أولادهم، ولم يكن من السهل لهم اللجوء إلى العناية الصحية الروتينية، وهناك ~~ارتفاع عال لمرض الإيدز بين الطبقات المتدنية، وهذه الدراسة التي تريد ربط الختان بالوقاية ~~من مرض الإيدز تفشل في القول إن انتشار هذا المرض إنما هو بسبب التصرف غير السليم في ~~العلاقات الجنسية وتدني مستوى النظافة، وليس في شكل القضيب # Fleiss: An ~~analysis of bia, pp. 393-396 ~~. # وبعض الأبحاث حاولت إعطاء صبغة علمية لاستنتاجها، فقد كتب «جان ماركس» في مجلة # Science # أن وجود غلفة سليمة يخلق محيطا حاميا ورطبا ~~يساعد في بقاء الفيروس حيا ويساعد على دخوله، فالفيروس قصير الحياة في محيط جاف حسب قول ~~باحث فيروس الإيدز «سيمونسون»، وهذا البحث يبين أن بالختان تصبح الحشفة أكثر قسوة، وهذا ~~يحميها من التجرحات الصغيرة خلال العلاقات الجنسية، مما يساعد دخول فيروس الإيدز، كما أن ~~الغلفة في حال بقائها عرضة للصدمات خلال العلاقة الجنسية # Mark: Circumcision ~~may protect against the AIDS virus ~~. # وهذه الفكرة مرتبطة بفكرة أخرى؛ وهي أن الجلد يحتوي على خلايا المناعة تدعى # Langerhans calls # باسم مكتشفها، وقد ادعت دراسة قام بها ~~الدكتور «وايس» بأن بطانة الغلفة تحتوي على قدر قليل من تلك الخلايا مما يضعف استجابتها ms216 ~~للمضادات الحيوية، وقد اقترح إجراء الختان في الصغر كوسيلة وقائية، واعتبر إجراء الختان ~~لهذا السبب حق من حقوق الإنسان # Weiss: the distribution and density of ~~langerhans cells, # وهناك دراسة ثانية قام بها «حسين» و«لينير» في نفس ~~الاتجاه # Hussain; Lehner: Comparative ~~investigation ~~. # ويؤخذ على هاتين الدراستين أنهما تمتا على غلف دون موافقة أصحابها، دون استشارة اللجنة ~~الأخلاقية في المستشفى الذي تمت فيه لعمل المراقبة الضرورية حول خلوها من المحاباة، وهاتان ~~الدراستان تمتا على نسيج جلدي ميت، بينما كان أحرى بهما أن تتم على نسيج حي، وحجم العينات ~~صغير لا يسمح في استنتاج سليم، وهي في حقيقتها محاولة لتأكيد موقف مسبق مؤيد للختان (كما هو ~~واضح من الانتماء اليهودي والإسلامي لمؤلفيها) وليس دراسة موضوعية، ويضيف الناقد أن بقطع ~~الغلفة يتم إزالة عدد كبير من خلايا المناعة، أما تأثير الختان على الحشفة وخلايا المناعة ~~فلم يتم دراستها بعد وتتطلب بحثا إضافيا، والمنطق السليم يستنتج أن قطع جزء من جلد ~~الذكر، بالإضافة إلى مضاره الجنسية، يؤدي إلى انتقاص الوقاية، كما في الجلد في أي جزء من ~~الإنسان، هو عضو ذو مناعة، انظر تفصيلا حول هذه النقطة في # cells; Williams: ~~the significance and function of preputial langerhans Cold and Taylor: the prepuce ~~pp. 40-41 ~~. # وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات في هذا المجال تقوم على إحصائيات وحسابات معقدة تخلق ~~انطباعا بصرامتها ولكنها لا تخلو من النقد، وقد يؤدي التحقق منها إلى نتائج عكسية، ولا ~~مجال هنا إلى الدخول في متاهات هذه الحسابات، ويقول الدكتور «فان هو» بعد استعراض 36 دراسة ~~من المجلات المحكمة حول علاقة الإيدز بالغلفة، بأن النتائج غير متلائمة، فهناك دراسات أجريت ~~في العيادات التي تداوي الأمراض المنتقلة جنسيا (والتي يلجأ إليها عادة الطبقات الدنيا من ~~الشعب) وتبين أن الغلفة قد تزيد خطر الإصابة بالإيدز، أما الدراسات الأخرى التي تجرى على ~~عينات من الناس، وهي أكثر صدقا، فإنها تبين أن الرجال المختونين أكثر عرضة لمرض الإيدز، ~~وبعض الدراسات لم تتمكن من إيجاد فارق بين ms217 المختونين وغير المختونين، ولكن يجب معرفة أن ~~الولايات المتحدة تملك أعلى معدل من المختونين، وفي نفس الوقت أعلى معدل من المصابين بمرض ~~الإيدز بين الدول المتقدمة، وهذا يبين أنه من غير الممكن الربط بين الغلفة وبين مرض الإيدز # Van Howe: Does circumcision influence, p. 58; Van Howe:. Neonatal ~~circumcision and HIV infrection, pp. 100-120 ~~. ~~(4) الأرقام تثبت عكس ذلك # أعلى دولة غربية في نسبة ختان الذكور هي الولايات المتحدة، وفي هذا البلد، غالبية الرجال ~~في سن النشاط الجنسي مختونين، ولو كانت النظرية السابقة صحيحة، فكان يجب أن تكون بين ~~الدول الأقل انتشارا لمرض الإيدز، ولكن الأرقام تبين أن الولايات المتحدة هي سادس أكبر ~~دولة لانتشار الإيدز في العالم، وأعلى دولة بين الدول المتقدمة، ومؤيدو نظرية الإيدز ~~بطبيعة الحال يتجاهلون هذه الحقيقة، ونحن نعطي عنا عدد المصابين بين 100000 كما بينتها ~~منظمة الصحة العالمية عام 1995: # زمبابوي # 96,7 # كونجو # 58,4 # مالاوي # 49,2 # كينيا # 24,8 # تشاد # 20,2 # الولايات المتحدة # 16,0 # إيطاليا # 8,9 # سويسرا # 6,5 # الدانمارك # 4,4 # فرنسا # 3,5 # هولندا # 2,7 # ألمانيا # 2,2 # النمسا # 2,0 # السويد # 2,0 # النرويج # 1,6 # فنلندا # 0,9 # بولندا # 0,2 # المجر # 0,2 # ويشير معارضو الختان بأن الدول الأوروبية المتقدمة التي فيها نسبة ~~الإيدز عالية؛ هي تلك الدول التي تعرف نسب هجرة مسلمة عالية وعمال من الخارج. # ومما سبق يتضح أن الولايات المتحدة تعرف أعلى نسبة للختان، وفي نفس الوقت أعلى نسبة ~~بالإصابة بمرض الإيدز بين الدول النامية، وقد قدرت منظمة الصحة العالمية أن بين 18,5 مليون ~~مصاب بهذه الجرثومة في العالم، هناك 1,1 مليون شمال أمريكي، بينما أوروبا الغربية لا تعد ~~إلا 600000 مصاب، وقد بينت دراسة أمريكية أنه بين كل 20 شخص هناك مصاب بهذا المرض عام ~~1994، وقرابة كل المصابين بهذا المرض في الولايات المتحدة هم من المختونين # Fleiss: An analysis of bias, pp. 393-394 ~~. # ويذكر طبيب أمريكي بأن الولايات المتحدة 5٪ من سكان العالم، ولكنها تحتوي على 65٪ من ~~حالات الإصابة بمرض الإيدز في العالم # Ritter: Say no to circumicsion, ~~p. 33-2 ~~. ~~(5) الختان ms218 قد يكون عامل انتشار للإيدز # في غياب دراسة جدية تثبت أن الختان عنصر وقاية من الإيدز، يجب علينا أن نرجع إلى ~~البديهيات البسيطة التي يمكن أن يتقبلها العقل، دون الدوخان في أرقام وحسابات معقدة لا ~~نهاية لها، وهذه البديهيات هي: الختان يجعل جلد الذكر أكثر شدة وخشونة وأقل رطوبة، ويترك فيه ندبا، وبالتالي فإن ~~المختون يكون أكثر عرضة للتجرح ودخول فيروس الإيدز في الجسم. ~~- المختونون أكثر ميلا لممارسة الجنس من خلال الشرج والفم، كما أنهم أكثر ميلا للعلاقات ~~الجنسية الشاذة، كما رأينا سابقا، وهذا عامل يزيد في إمكانية التجرح ودخول الفيروس. ~~- المختونون أكثر ميلا إلى البحث عن عدد أكبر من شريكات العلاقة الجنسية وتعرض أكبر ~~للفيروس. ~~- المختونون أقل ميلا لاستعمال العازل، وأحد الأسباب التي تقدم لذلك هو أنه يضعف من ~~الحساسية بسبب تغليف القضيب، والمختون يكون عامة قد فقد جزءا من تلك الحساسية بسبب الختان ~~وسنين احتكاك الحشفة بالملابس وتحرق ونشفان في القضيب، فإضافة طبقة أخرى على القضيب يزيد في ~~إضعاف الحساسية، كما أن الختان يقلل من مدة المداعبة قبل الولوج، وهذا يؤدي إلى تجريح أكبر ~~في الأنسجة # Ritter: Say no to circumcision, p. 35-1; Van Howe: does ~~circumcision influence, p. 59 ~~. ~~- حتى وإن قبلنا بأن الختان قد يحمي من مرض الإيدز، فإنه يجب عمل 23148 ختانا في الولايات ~~المتحدة بتكلفة قدرها 9,6 مليون دولار لكي يقي من إصابة واحدة بمرض الإيدز، وهذا يعني أننا ~~سوف نعرض عددا كبيرا لمخاطر الختان الأخرى ومن بينها الوفاة لوقاية فرد واحد، وفي دول ~~العالم الثالث مخاطر الختان أعلى مما هي عليه في الدول المتقدمة، والدراسات تبين أن وجود ~~غلفة ليس عاملا مهما في مدى انتشار الفيروس، وإن كان عاملا فالمخاطر الناتجة أكبر من ~~الفوائد المرجوة # Van Howe: Neonatal cirumcision and HIV infection, ~~pp. 100-120 ~~. # القول بأن الختان يقي من الإيدز قد يفهمه البعض بأنه يعطيهم مناعة ضد هذا المرض، فلا ~~يأخذون حرصهم منه ويمارسون الجنس بكل حرية مع أشخاص مصابين بهذا المرض. # مما ms219 سبق يتضح أن الختان، ختان الذكور والإناث، ليس للوقاية من الإيدز، لا بل قد يكون ~~عاملا لانتشاره، والوقاية من مرض الإيدز تكمن في حماية الفرد من التعرض للجراثيم الناقلة ~~لهذا المرض، وتثقيف الناس على العلاقة الجنسية السليمة، وليس بقطع أجزاء سليمة من جسم ~~الإنسان # Ritter: Say no to circumcision, p. 33-2 ~~. ~~••• # أود أن أسأل وزير الصحة هذا السؤال: # لماذا لا تلعب وزارة الصحة دورها في نشر هذه المعلومات الهامة على الأطباء وعلى الناس، ~~وقد رأيت أن من المهم أن أرسل هذه الرسالة إليك، وفيها أجزاء من كتاب علمي قام بنشره أستاذ ~~عربي وليس أجنبي، وعندي نسخة واحدة من هذا الكتاب الهام. ~~(6) أبحاث علمية غير سليمة # كيف يدافع المختونون من الرجال عن أنفسهم، وكيف تدافع النساء المختونات عن أنفسهن؟ من ~~المعروف في الطب النفسي أن الإنسان الذي يتعرض للقهر الجسدي من أي نوع؛ مثل قطع جزء من جسمه ~~في الطفولة يشعر بالحزن العميق، يحاول أن ينكر ما حدث له، كأنما هو المسئول عنه، قد يتحول ~~هذا الإحساس بالنقص إلى زهو أو بعث فخر، أو على الأقل أن هذه العملية الجراحية لم تضره في ~~شيء، بل أفادته صحيا أو منعت عنه الأمراض، أو أكسبته هويته الأصلية أو خصوصيته الثقافية ~~أو قيمه الأخلاقية أو الحضارية. # وكم تتفاخر كثير من النساء بالحجاب رغم أنه أحد وسائل القهر المفروضة على بعض النساء تحت ~~اسم الدين أو الأخلاق. # ويلعب التعليم والإعلام دورا في التجهيل بمضار هذه العمليات التي تشوه الأجسام والعقول، ~~ويستخدم وسيلة للتجهيل أيضا تحت اسم البحوث والدراسات التي تجرى أحيانا لأهداف سياسية ~~وليس من أجل البحث عن الحقيقة. # مثلا لعب الإعلام الدولي والعربي دورا في ترويج حبوب الفياجرا، استطاعت الشركات ~~العالمية للأدوية التي تنتج هذه الحبوب أن تمول أبحاثا علمية تثبت فعالية هذه الحبوب ~~وقدرتها على تنشيط القوة الجنسية للرجل، واستخدمت رجالا مشهورين في عالم السياسة أو الفن ~~دفعت لهم الملايين من أجل أن يتحدثوا في التليفزيون عن فوائد حبوب الفياجرا، ويحكون تجاربهم ~~الخاصة، ms220 وربما تكون هناك بعض الحقيقة فيما يقولون، وفي بعض الأبحاث العلمية، إلا أنها حقيقة ~~جزئية، وقد تلعب الحقيقة الجزئية دورا في تشويه الحقيقة أكثر من أي شيء آخر؛ لأنها تبدو ~~للناس حقيقة علمية ومقنعة، ولأن الناس يفتقدون المعرفة أو النظرة الكلية للأشياء فإن هذه ~~الحقائق الجزئية تخدعهم كثيرا دون أن يدركوا ذلك. # منذ خمسة وثلاثين عاما حين كتبت ضد عمليات ختان البنات في مصر هاج زملائي الأطباء غضبا ~~وقالوا: إن ختان البنت ضرورة صحية من أجل النظافة ومنع الأمراض، قلت لهم كيف نقطع عضوا من ~~الجسم من أجل النظافة؟ أليس الأفضل أن نغسله بالماء والصابون بدل من بتره بالمشرط أو ~~الموس؟! # وكم من أبحاث طبية خرجت تثبت أن ختان البنات مفيد صحيا، وأنه يمنع أمراض السرطان وأمراض ~~الزهري والسيلان، وأن المومسات المختونات أقل تعرضا للأمراض من المومسات غير المختونات، لا ~~تنفصل القوى المسيطرة على العلم عن القوى المسيطرة سياسيا واقتصاديا وعسكريا ~~وإعلاميا، كما أن شركات الأدوية في العالم لها سطوتها وقوتها، ويمكن أن توجه الأبحاث ~~الطبية لخدمة أرباحها وترويج منتجاتها. # وكم من بحوث عن فوائد حبوب الفياجرا لتقوية الفحولة الجنسية عند الرجال، وقد اتضح مؤخرا ~~مضار هذه الحبوب على القلب، وقد تعرض بعض الرجال للموت بعد تعاطيها أو لأزمات قلبية. # وكم من بحوث عن فوائد ختان الذكور، وأنها تحمي الرجال من الإصابة بمرض السرطان، وأخيرا ~~الحماية من مرض الإيدز، وأنه في أحدث دراسة علمية قام بها باحثون في أستراليا أكدوا فيها أن ~~الرجل غير المختون يكون أكثر عرضة للإصابة بمرض الإيدز، وأن عملية ختان الذكر أفضل وقاية من ~~هذا المرض ومن أمراض أخرى تنتقل عن طريق الجنس مثل السيلان والسفلس (الزهري)، ويؤكد رئيس ~~البحث البروفسير روجر شورت أن الختان هو أفضل وسيلة للحماية من هذه الأمراض حتى الآن، بينما ~~البديل الوحيد المتاح للرجال غير المختونين هو وسائل الحماية الكيمائية. # وإذا كانت هناك وسائل كيمائية؛ أي أدوية وكيماويات للوقاية من الإيدز والأمراض الجنسية، ~~فلماذا نبتر أجزاء من أجساد الذكور بالموس أو ms221 المشرط، وهناك وسائل أخرى أفضل مثل الأدوية ~~والكيماويات. # مثلا هل نقطع أذن إنسان حتى لا يصاب الأذن بمرض من الأمراض أم نستخدم الأدوية ~~والكيماويات إذا أصيب الأذن بالمرض؟! # كما أن أغلب هذه البحوث العلمية لا تأخذ في اعتبارها العوامل المتعددة التي تلعب دورا في ~~إصابة الرجال بالأمراض الجنسية أو الإيدز، مثلا ربما تقل نسبة الأمراض الجنسية في الرجال ~~المختونين؛ لأنهم ينتمون إلى ثقافة أو دين معين يمنعهم من ممارسة الجنس مع المومسات مثلا، ~~إذن هناك عامل غير الختان قد يحمي الرجال من الإصابة بالإيدز أو الأمراض الجنسية، مثلا ~~لوحظ أن النساء المختونات أقل إصابة بالأمراض الجنسية أو الإيدز من النساء غير المختونات، ~~ويرجع ذلك إلى القيود الثقافية أو الاجتماعية التي تفرضها ثقافة معينة أو دين معين على حرية ~~النساء الجنسية. # إن غياب عضو أو جزء من الجسم لا يمكن أن يكون له فوائد وقائية من أي مرض؛ بل العكس هو ~~الصحيح، إن اكتمال الأعضاء أو اكتمال الجسم عنصر هام في اكتمال الصحة الجسدية والنفسية ~~والجنسية لأي إنسان رجل أو امرأة، وكل عضو في الجسم وإن كان صغيرا له وظيفة وفوائد - حتى ~~الزائدة الدودية لها فائدة - يلعب دورا في تعرضه للأمراض، مثلا إذا عاشت امرأة داخل أربعة ~~جدران لا تمارس الجنس إلا مع رجل واحد هو زوجها تكون أقل تعرضا للأمراض الجنسية من غيرها ~~التي تتمتع بحرية جنسية أكبر، وكذلك الرجل المتعدد العلاقات أكثر عرضة من الرجل الذي يسيطر ~~على نزواته. # إن التعددية الجنسية أو الإباحية الجنسية دون ضوابط هي التي تعرض الرجال والنساء للأمراض ~~الجنسية، ولأن هذه الإباحية أو الحرية الجنسية منتشرة بين الرجال غير المختونين فإن إصابتهم ~~بالإيدز أو الأمراض الجنسية أكثر من الرجال المختونين، كذلك تعرض النساء غير المختونات ~~للإيدز أكثر من غيرهن. # هذه من أهم مشاكل البحوث الطبية في العالم؛ لأن البحوث الطبية تبحث في أمور الجسد فقط، أو ~~الأمور البيولوجية والفيزيائية، لكنها لا تبحث في أمور السلوك والعادات الثقافية ~~والأخلاقية، هناك فصل دائم في علوم الطب ms222 بين الجسم والمحيط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش ~~فيه هذا الجسم، ومن هنا انفصال الأمراض الجسمية عن البيئة والثقافة والدين والأخلاق، لم ~~نتعلم في كلية الطب أن نربط بين الجسم والعقل والنفس والمجتمع والسياسة والاقتصاد والفلسفة ~~والدين والتاريخ والجنس، وغيرها من العوامل الهامة التي تؤثر في سلوك الرجال والنساء ~~وبالتالي تؤثر على صحتهم وسلامتهم. # وتنشر الصحف والإعلام أخبارا مضللة عن هذه الأبحاث الطبية، والتي تروج لها القوى ~~السياسية الإسرائيلية الأمريكية وشركات الأدوية الكبرى في العالم، أو القوى السياسية التي ~~تجني الأرباح من قبل هذه البحوث المضللة. # لا شك أن عمليات الختان سواء للذكور أو الإناث من العادات الضارة الموروثة منذ العبودية، ~~ولها في عصرنا الحديث من يستفيدون منها ويكسبون الأموال، إنها واحدة من المافيات في العالم، ~~مثل مافيا التجارة بالجنس، ومافيا ترويج حبوب الفياجرا التي تزيد من قوة الرجل الجنسية، ~~وتمنع ما يسمى الوصول إلى سن اليأس عن الرجال. # القاهرة، 10 يوليو 2000 # | رسالة إلى وزيرة البيئة # لأن صورتك الباسمة الرقيقة الناعمة تطالعني من كل مكان فقد أصبحت كأنما أعرفك، وأراك في ~~النوم وأحلام اليقظة حين أتمدد فوق الكنبة، في الشرفة، وأطل على شارعنا القصير الذي يحمل ~~اسم «معهد ناصر» في حي شبرا القديم، وكان شارعنا هذا القصير نظيفا إلى حد كبير قبل أن تنشأ ~~وزارة البيئة، ذلك أنه يحمل اسم ناصر، وجاور المستشفى الأبيض الفاخر الذي يحمل اسم معهد ~~ناصر أيضا. # وكان جدك مكرم عبيد يتراءى لي أيضا في النوم وأنا طفلة، أستمع إلى أحاديث جدي وأبي عن ~~الكتاب الأسود والعهد الملكي الأكثر سوادا: كانت الصحف وأقلام الأدباء الكبار تكيل المدح ~~والثناء للملك فاروق الأول، ملك مصر المعظم، أدامه الله ذخرا للبلاد، حيث يرفل الشعب ~~المصري الكريم في النعيم أو الخير، الذي ينعمه الملك على عباد الله، وأسمع أبي ينفث بالغضب ~~ويقول: إننا نسير من فقر إلى فقر، رغم أنه موظف في الحكومة فما بال الفقراء، وأسمعه يهتف في ~~البيت: يسقط الملك يسقط الإنجليز، ثم يمضي إلى عمله يائسا صامتا ms223 ثقيل القلب مكبوت الغضب، ~~كنت تلميذة بالمدرسة وسألت أبي يوما: لماذا لا تثور يا أبي إلا في البيت؟ لماذا لا تهتف في ~~الشارع: يسقط الملك يسقط الإنجليز! كان أبي يضحك ويقول: سيقول الناس عني مجنون. # وهذا هو ما حدث لي بالضبط بعد نصف قرن، وبعد أن مات أبي منذ أربعين عاما، وجدتني أمشي في ~~شارعنا الصغير وأهتف بأعلى صوتي: يسقط الملك يسقط الإنجليز! وتجمع الناس حولي وقالوا: ~~مجنونة! كان اليوم هو 4 مايو عام 2000، وكانت الأعلام مرفوعة في الاحتفالات بعيد الربيع، ~~وأعياد قومية أخرى، والزبالون والكناسون غسلوا شوارع النيل وميدان التحرير وشارع الحرية ~~والديمقراطية، ومعهد ناصر ومدينة السادات وأكاديمية مبارك وغيرها من المعالم الوطنية، إلا ~~أن شارعنا الصغير الذي يحمل اسم معهد ناصر لم يكن له نصيب في هذه الأعياد، وجدتني ذلك اليوم ~~الربيعي أتعثر وأنا أمشي في أكوام من الصناديق الفارغة والقمامة، وأكياس النايلون وعلب ~~الصفيح تفوح منها رائحة بوليبيف عفنة. # عرفت أن هذه الأكوام الجديدة من الزبالة مصدرها السوبر ماركت الجديد الذي فتح منذ فترة ~~قصيرة في العمارة المجاورة لنا، والذي يحمل اسم «سينسبري» وقد احتل الدور الأرضي من ~~العمارة، له واجهة عريضة مزينة باللون البرتقالي الزاهي، ومدخل من البلاط المصقول اللامع، ~~يغسله كل يوم في الصباح الباكر شباب يرتدون البدل البرتقالية الأنيقة، فوق صدورهم شارة ~~باللون البرتقالي تحمل اسم الإنجليزي العريق «سينسبري»، يروحون ويجيئون داخل المحل وخارجه ~~بنشاط غير عادي، خطوتهم فوق الأرض سريعة، يدبون فوق البلاط المغسول بكعوب مثل العساكر ~~الإنجليز أيام الملك، يرمقونني باحتقار لأنني أمشي في الشارع فوق قدمي داخل حذاء كاوتش وليس ~~داخل سيارة طويلة أمريكية أو بريطانية، أو لأنني لا أدخل إلى السوبر ماركت العظيم، وأذهب ~~إلى البقال الفقير في المحل الصغير المجاور. # لكني ذلك اليوم 4 مايو دخلت إلى السوبر ماركت لأول مرة، رأيت الرءوس تنحني لي باحترام ~~وتقودني عبر الممرات النظيفة بنعومة شديدة، توجهني إلى المشتريات المنظمة في صفوف فوق ~~الرفوف، لكني لم أدخل للشراء، بل توجهت إلى مكتب المدير، ms224 الذي تصورته إنجليزيا، لكنه مصري ~~يتكلم العربية بلكنة أجنبية، وقف احتراما خاليا من الأدب كعادة الأجانب مع أهل البلاد، ~~وقلت له بغضب إن السوبر ماركت قد جعل من شارعنا ملقف قمامة، وأنه لا يفعل ذلك في لندن لأنه ~~يحترم الإنجليز، أما نحن سكان حي شبرا القديم! قاطعني المدير معتذرا متأسفا معلنا أن ~~العربة التي تحمل القمامة تعطلت هذا اليوم، وأنه في الغد سوف يكون شارعنا نظيفا كما ~~كان. # إلا أن الغد جاء، وقمامة الإنجليزي سينسبري لا تختفي من شارعنا، بل يتضاعف حجمها يوما ~~بعد يوم، حتى جاءني بعض الجيران وقالوا: هذه القمامة زادت عن الحد ونحن فقراء في حالنا وليس ~~لنا واسطة في وزارة البيئة، ألا تعرفين أحدا في الحكومة أو في أحزاب المعارضة؟ لاحظت أنهم ~~لا يفرقون بين هؤلاء وهؤلاء، وقد رأوا صورة السيدة وزيرة البيئة تتوسط احتفالات الأحزاب ~~المعارضة بمثل احتفالات حزب الحكومة، وقلت لهم إنني لا أعرف أحدا، ولكني سأحاول أن أكتب ~~شيئا. # وتذكرت أنني منذ أيام قليلة قرأت شيئا عن أن وزارة البيئة أو وزارة الصحة قد جعلت قضية ~~الحفاظ على البيئة قضية تهم كل مواطن مصري، وذلك عن طريق الشرط الجديد لإتمام إجراءات أي ~~ترخيص لفتح أي محل تجاري أو عيادة طبية وإن كانت عيادة نفسية، هذا الشرط الجديد يقتضي ~~الحصول على ترخيص من صحة البيئة يسمى «ترخيص تداول النفايات» ولا يمكن لأحد أن يفتح محلا ~~أو حتى عيادة نفسية دون الحصول على هذا الترخيص، يثبت به صاحب المحل أو صاحب العيادة الطبية ~~(بعد أن يدفع مائة جنيه رسوم) أنه تعاقد مع محرقة لحرق النفايات والقمامة الناتجة عن المحل ~~أو العيادة، وأنه يدفع اشتراكا شهريا لهذه المحرقة مما يؤكد عدم وجود نفايات خارج المحل ~~أو داخله. # كان المقال الذي قرأته عن هذا الموضوع قد نشر في جريدة الأهرام يوم 2 مايو 2000، تحت ~~عنوان «محرقة للنفايات النفسية» بقلم سلامة أحمد سلامة، بعد أن أرسل إليه طبيب نفسي يشكو ~~صعوبة الحصول على هذا الترخيص، والتعاقد مع محرقة ms225 ودفع اشتراك شهري يترتب على عدم دفعه ولو ~~لم توجد نفايات (مثل عيادة نفسية) إلغاء التعاقد وسحب الترخيص. # وأنا أختم رسالتي الودية إلى وزيرة البيئة الرقيقة، أود أن أسأل هذا السؤال البسيط: هل يا ~~ترى أن «سينسبري» قد حصل على هذا الترخيص؟ وإن كان كذلك فلماذا تتراكم النفايات في شارعنا ~~القصير أمام السوبر ماركت؟! ألم يتعاقد مع محرقة لحرق النفايات؟ أم أن المحرقة تعطلت كما ~~تعطلت أشياء أخرى كثيرة في حياتنا دون أن ينطق أحد. # القاهرة 11 مايو 2000 # | نشوء الفيروسات والحرب البيولوجية الخفية # من المهم لنا أن نعيش خارج الوطن بعض الوقت، لندرك بعض الحقائق التي لا تصل إلينا إلا بعد ~~فوات الأوان، ولنقرأ بعض الكتب الجديدة التي تصدر بلغات أجنبية، والتي لا تترجم إلى اللغة ~~العربية إلا بعد عدة سنوات، حين تضيع علينا فرصة معرفة الحقيقة في وقتها، ونصبح ضحايا ~~لأشياء لا نعرفها. # وقد أصبح نصف سكان القارة الأفريقية تقريبا ضحايا وباء مرض الإيدز، دون أن يعرفوا شيئا ~~عن هذا الفيروس الخطير، وهل جاء عن طريق قرود الغابة الأفريقية، أم عن طريق الغابة البشرية ~~الأمريكية. # وقد بدأ عدد من الأطباء الأمريكيين (من ذوي الضمير الإنساني الحي) يكشفون أخيرا عن ~~الحقائق التي تم إخفاؤها على مدى الثلاثين عاما الماضية، وأن يقدموا دلائل علمية جديدة عن ~~أن فيروس الإيدز قد تم خلقه بالمعامل، وأن آثاره الخطيرة على صحة البشر كانت معروفة، وتم ~~التنبؤ بها قبل اندلاع الوباء في أفريقيا، وتم التكتم على الأمر. # من أهم الكتب التي صدرت في هذا المجال كتاب بعنوان «الفيروسات الناشئة # Emerging viruses ~~»، وهو بحث علمي هام قام به طبيب أمريكي اسمه الدكتور ~~«ليونارد هورويدز # Leonard Horowitz ~~»، صدر الكتاب عام ~~1997 باللغة الإنجليزية، ومن المهم ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية، حتى تصل بعض هذه ~~الحقائق العلمية إلى الناس في بلادنا. # ولا أعرف هل تتابع وزارة الصحة ما يصدر في الخارج من معلومات عن نشوء مرض الإيدز في ~~أفريقيا؟ وهل هناك خطة صحية ما لمنع تسرب ms226 هذا الوباء إلى مصر؟! خاصة وأن أهم علاج لهذا ~~المرض هو الوقاية منه. # منذ عام 1986 أعلن أحد العلماء الأمريكيين، وهو الدكتور «ناثانيل ليهرمان # Nathaniel Lehrman ~~» عن وجود علاقة بين بعض ~~فاكسينات التطعيم ومرض الإيدز، وأن شركات الأدوية الأمريكية أخفت هذه العلاقة حرصا على ~~أرباحها المالية. # كما أعلن في الوقت نفسه الدكتور «وليم ~~كامبل دوجلاس # William Campell Douglas ~~». # يوضح الدكتور ليونارد هورويدز في كتابه أن وزارة الصحة الأمريكية، ومنظمة الصحة العالمية، ~~وشركات الأدوية، والبنتاجون (وزارة الدفاع في أمريكا) شاركت وتعاونت في إجراء أبحاث هدفها ~~«تخفيض المناعة عند الإنسان» كجزء من الأبحاث الخاصة بالحرب البيولوجية، تحت اسم حماية ~~الجنود الأمريكيين ضد أي حرب بيولوجية قد يتعرضون لها. # ومن المعروف طبيا أنه يكفي أن تنخفض المناعة في جسم الإنسان حتى تشتعل أوبئة ناتجة عن ~~الميكروبات الموجودة بشكل طبيعي في البيئة المحيطة بنا. # أثناء هذه التجارب ظهر فيروس الإيدز في المعامل التي كانت تجرى فيها هذه الأبحاث، ويؤكد ~~الدكتور ليونارد هورويدز (بالبراهين والأدلة العلمية الدقيقة) أن فيروس الإيدز وصل إلى سكان ~~أفريقيا بسبب هذه الأبحاث، وعن طريق الفاكسينات التي وزعتها شركات الأدوية على الأفارقة، ~~لاختبارها (كأنما الأفارقة خنازير تجارب) وتحت اسم مشروعات تطعيم (مجهولة الأثر) رغم إدراك ~~الشركات لخطورة هذه الفاكسينات. # بعض معامل منظمة الصحة العالمية التي شاركت في توزيع هذه الفاكسينات قد شاركت في قتل سكان ~~أفريقيا بوباء الإيدز، كما أعلن بعض الأطباء عن ذلك. # منذ منتصف الثمانينيات كانت الصراعات داخل الولايات المتحدة الأمريكية على أشدها حول مخاطر ~~الفاكسينات؛ التي تعطى للأطفال ضد بعض الأمراض، ومنها شلل الأطفال، وبدأ الأهالي ينظمون ~~أنفسهم داخل قوة سياسية لحماية أطفالهم من شركات الأدوية المنتجة لهذه الفاكسينات، ومنها ~~شركة «ميرك # Merck ~~». # وتكونت منظمة اسمها «مؤسسة الأهالي ~~المتذمرين # Dissatisfied parents ~~» الذين طالبوا بمنع التطعيم تماما حماية للأطفال. # وفي عام 1986 وقع الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» ما سمي ب: ~~(The ~~National Childhood Vaccine Injury Act) ~~، وكان الأهالي الأمريكيون قد ~~أثاروا الموضوع في الكونجرس، إلا أن شركات الأدوية الأمريكية ms227 بما لها من قوة سياسية ~~واقتصادية (وعسكرية) وإعلامية، استطاعت أن تنتصر على منظمة الأهالي، عن طريق التمويه ~~الإعلامي، ودفع بعض تعويضات مالية لإغراء الأهالي بالتنازل عن القضايا التي رفعوها ضد هذه ~~الشركات في المحاكم. # ربما كان التمويه الإعلامي الأكبر هو الموجه إلى البلاد الأفريقية، أو ما يسمى بلاد ~~العالم الثالث، وتم تغيير اللغة المستخدمة لتسويق ما يسمى المعونات الأمريكية لفقراء ~~العالم، ومنها أمصال التطعيمات للأطفال ووسائل منع الحمل للنساء، واختفت من الكمبيوتر بعض ~~الكلمات المثيرة لغضب الشعوب، من نوع «التحكم في ~~السكان» Population Control # إلى كلمات بريئة أو جميلة، من نوع «مشروعات صحة الأم والطفل # Maternal and Child Health ~~». # تحت هذه العناوين الإنسانية الصحية يتم توزيع عقاقير ضارة بصحة النساء والأطفال والشعوب ~~الأفريقية، ومنها عقاقير ممنوعة بحكم القانون من التوزيع داخل أمريكا اليوم، بعد اكتشاف ~~ضررها، وشكوى الأهالي منها. # تنهزم في غابة الجشع الرأسمالي قيم العدالة والإنسانية في مواجهة القوة الاقتصادية ~~للشركات التجارية، والتي تدعمها القوة العسكرية مع الحروب البيولوجية، ويتم التضحية بحقوق ~~الفقراء والنساء والأطفال لصالح الأثرياء الأقوياء، كما يتم التضحية بالشعوب المنزوعة ~~السلاح المسلوبة الموارد مثل الشعوب الأفريقية، وبلاد العالم الثالث حين يكون الوعي ~~منخفضا، والقوانين غائبة أو عاجزة عن حماية الشعب ووزارات الصحة بلا إمكانيات للوقاية أو ~~الوعي بأساليب الوقاية الجديدة، وحيث تتعمد شركات الأدوية إخفاء الحقائق عن الناس ~~والمسئولين عن الصحة في تلك البلاد، أو تقدم لهم الإغراءات أو الرشاوى للتغاضي عن تطبيق ~~القوانين الصحية أو الإجراءات الضرورية قبل الموافقة على استيراد أي شحنة من أمصال التطعيم ~~أو وسائل منع الحمل أو غيرها من العقاقير. # وفي مجلة المصور، الصادرة بالقاهرة، دار الهلال 8 نوفمبر 1985، نشرت موضوعا مفصلا تحت ~~عنوان «الخطر الغامض، حقائق جديدة حول حقن منع الحمل»، ومنها حقنة «الديبو بروفيرا» التي ~~ثبت ضررها على صحة النساء، ومنعت السلطات الأمريكية استخدامها داخل الولايات المتحدة ~~الأمريكية، إلا أن شركة «إيجون» توزع هذا العقار الضار في بلاد عديدة في أفريقيا ومنها مصر، ~~حتى اليوم ونحن في شهر أكتوبر ms228 2002، وقد وجدت هذه الحقن، في قريتي كفر طحلة، محافظة ~~القليوبية، داخل ما يسمى مركز صحة الأم والطفل، حيث تحقن النساء الفلاحات بهذه الحقن الضارة ~~منعا للحمل. # وفي عام 1985 عرضت الأمر على وزير الصحة في مصر (كان هو الدكتور حلمي الحديدي) وتوقعت أن ~~يتم إخراج هذه العقاقير الضارة من قائمة وسائل منع الحمل التي توزع في بلادنا، إلا أن ~~النتيجة كانت إخراج وزير الصحة من قائمة الوزراء في تلك الحكومة في منتصف ~~الثمانينيات. # وفي جريدة الأهرام 9 أكتوبر 2002 (ص10) تحت عنوان من قريب، كتب الأستاذ سلامة أحمد سلامة ~~عن مشكلة الأستاذ بكلية الصيدلة بإحدى الجامعات المصرية، والذي حصل على منحة بحثية من جامعة ~~يوتا الأمريكية، ممولة من المعهد القومي للصحة # NIH # للعمل ~~في مشروع بحثي لتشييد مضادات للإيدز باستخدام تكنولوجيا العلاج الجيني المتقدمة. # ثم جاء الأستاذ المصري في إجازة عائلية سريعة إلا أنه عجز عن العودة إلى أمريكا، بسبب عدم ~~حصوله على تأشيرة دخول من القنصلية الأمريكية بالقاهرة، رغم استيفائه جميع الأوراق ~~المطلوبة، ورغم تدخل الأستاذ الأمريكي المسئول عن البحث، والذي طلب سرعة إجراءات سفر ~~الأستاذ المصري؛ منعا للضرر الذي لحق به وبمشروع البحث، رغم ذلك مضى أكثر من أربعة شهور ~~ولم يحصل الأستاذ المصري على التأشيرة حتى اليوم. # ومن المعروف أنه منذ نشر كتاب نشوء الفيروسات عام 1997 للطبيب الأمريكي ليونارد هورويدز، ~~وهناك محاولة للتمويه على الحقائق، وإخفاء أسباب نشوء وباء الإيدز في أفريقيا، وكذلك إحاطة ~~جميع البحوث المتعلقة بالإيدز في الولايات المتحدة الأمريكية بالسرية الشديدة، وعدم تسريبها ~~إلى الأطباء أو الباحثين في بلاد أخرى، وعلى الأخص البلاد الأفريقية. # ألهذا السبب تحاول السلطات الأمريكية وضع العقبات أمام هذا الأستاذ المصري للسفر مرة أخرى ~~إلى الولايات المتحدة، وإكمال بحوثه في مجال تشييد مضادات الإيدز؟! أهو الخوف من انكشاف ~~المستور؟ أم محاولة السيطرة على المعلومات بما فيها تلك الخاصة بعلاج الإيدز، والتي تحتكرها ~~الشركات الأمريكية وتبيعها للبلاد الأفريقية بأضعاف الثمن؟! # القاهرة 11 أكتوبر 2002 # | نحو فلسفة إنسانية لإحياء الضمير # الورقة ms229 المقدمة في افتتاح المؤتمر الدولي السادس لجمعية تضامن المرأة العربية (القاهرة 3-5 يناير 2002) # لا أوصي ابنتي التي ستلي العرش من بعدي أن تكون إلهة لشعبها تستمد سلطتها من قداسة ~~الألوهية؛ بل أوصيها أن تكون حاكمة رحيمة عادلة. # من نوت إلهة السماء لابنتها إيزيس (مصر القديمة 4988ق.م) ~~(1) تحت اسم المقدس أو القداسة # هذه الوصية من نوت لابنتها إيزيس تعبر عن الفلسفة السابقة لنشوء النظام العبودي في ~~مصر القديمة منذ خمسة آلاف عام قبل ظهور الديانة اليهودية والمسيحية. # كان الحكم يقوم على العدل والرحمة، وليس على القوة أو القوة السلطة السياسية ~~والاقتصادية والعسكرية التي استمدت قوتها من السلطة الدينية أو قداسة الألوهية. # إلا أن هذه الفلسفة الإنسانية قد اندثرت (إلا قليلا) في مصر القديمة والحديثة تحت ~~ضربات القوى الطبقية الأبوية الصاعدة الرافعة شعار «قداسة الألوهية»، وقد تخفي الحاكم ~~الفرعوني تحت زي الإله، وأصبح مقدسا لا يجوز نقده أو محاسبته، مما أدى إلى صعود القوة ~~الحاكمة فوق الحق والمنطق، حتى يومنا. # إن الدكتاتورية أو السلطة المطلقة ليست سمة الحكومات في بلادنا العربية أو ما يسمونه ~~اليوم الشرق الأوسط (الأوسط بين من ومن) بل هي سمة الحكومات جميعا غربا وشرقا، ~~تختلف درجة الدكتاتورية من بلد إلى بلد، حسب ظروف كل بلد، وقد تحظى بعض الشعوب في ~~أوروبا وأمريكا بحريات شخصية أو فردية تحت اسم الديمقراطية، لكنها ديمقراطية هشة سطحية ~~لا تشمل الحياة السياسية والاقتصادية العامة أو الخاصة، وقد تقتصر أحيانا على ~~الممارسات الجنسية، مما يؤدي إلى هذه الديمقراطيات المشوهة أو التناقضات الصارخة التي ~~تعيشها النساء والرجال في بعض البلاد. # نحن نعيش في عصر الاستعمار الجديد # Neo-colonial ~~، وليس ~~في عصر ما بعد الاستعمار Post-Colonial # كما هو شائع ~~في الجامعات الأمريكية والأوروبية، ورغم أنها مجرد كلمة إلا أن اللغة تكشف عن القوى ~~الحاكمة في العالم، وهي تحكم من خلال المؤسسات السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى ~~المؤسسات الإعلامية والتعليمية ومنها الجامعات. # منذ طفولتي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وحتى اليوم في بداية القرن الواحد ~~والعشرين وأنا أشهد عمليات ms230 القتل الفردية والجماعية تحت اسم الله أو الوطن أو الملك، أو ~~الملكية التي تغير اسمها فقط إلى جمهورية أو جماهيرية أو شعبية أو ليبرالية ديمقراطية ~~أو غيرها من الكلمات التي تصف بها الحكومات نفسها في الغرب والشرق على السواء. # تلعب اللغة دورها في إخفاء الحقيقة التي نعيشها، فإذا بالدكتاتورية تتخفى تحت اسم ~~الديمقراطية، والاستعمار القديم والجديد يتخفى تحت اسم الحماية أو المعونة أو التنمية ~~أو التحديث، والازدواجية أو الفساد، والكذب يتخفى تحت الشرف والأخلاق والصدق. # حين نطق الإنسان (المرأة والرجل) في بداية التاريخ غير المكتوب كانت اللغة تهدف إلى ~~الإيضاح والتعبير عن الرغبات الطبيعية على رأسها الحب والتعاون وحل المشكلات التي تعترض ~~الحياة في الواقع المعاش، كيف تحولت اللغة من أداة للوضوح والفهم والمعرفة إلى أداة ~~للإخفاء والتمويه والتعمية؟ # اللغة هي رموز تهدف إلى التعبير عن الواقع، واختزال الأشياء الضخمة الحجم إلى رسومات ~~أو أرقام أو حروف يمكن قراءتها على الحجر أو الورق أو الشاشة أو ديسك الكمبيوتر. # وهنا تكمن خطورة اللغة أو غيرها من الرموز التي تشكل الفكر والدين والفلسفة والتاريخ ~~والأدب والطب والهندسة وغيرها من الفنون أو العلوم الإنسانية والطبيعية. # لقد انفصل الواقع المعاش أو الحقيقة الحية التي يعيشها النساء والرجال عن اللغة ~~والدين والفلسفة والتاريخ والأدب والطب وغيرها، واستطاعت الأنظمة الحاكمة في الشرق ~~والغرب منذ نشوء العبودية (حتى يومنا هذا) أن تستغل هذا الانفصال بين الرمز والحقيقة من ~~أجل طمس الحقيقة وتعمية عقول النساء والرجال عن الواقع المعاش، مما يمكن أن نسميه «حجاب ~~العقل» وهو أخطر من حجاب الوجه؛ لأنه غير مرئي بالعين وغير ملموس باليد، وبالتالي يبدو ~~كأنما غير موجود. # حين تختفي أداة القمع أو القتل يصبح من الصعب التصدي لها ومقاومتها، ومن هنا خطورة ~~حجاب العقل الذي فرض على النساء والرجال تحت اسم الفكر أو الفلسفة أو الأخلاق أو ~~السياسة أو الثقافة أو غيرها. # منذ بداية التاريخ دخلت القيم العبودية أو الطبقية الأبوية داخل علم الفلسفة والأخلاق ~~والقانون العام في الدولة والقانون الخاص في الأسرة، ms231 أصبحت الازدواجية والثنائيات ~~العبودية هي أساس التفكير الفلسفي أو ما سمي بالعقل. # هكذا تخفت تحت اسم العقل فلسفة غير عقلانية، وبالتالي غير إنسانية فرضتها الأنظمة ~~الحاكمة وأتباعها من الفلاسفة والمفكرين منذ حكومة الإله آمون في مصر القديمة حتى حكومة ~~جورج بوش الأب والابن في الحكومة الأمريكية الحديثة، وفي اليونان القديم سيطرت الفلسفة ~~العبودية على عقول الفلاسفة من أمثال أفلاطون وأرسطو الذين عاشوا في حماية السلطة ~~الحاكمة، أما الفلاسفة الآخرون الذين قاوموا هذه الفلسفة غير الإنسانية فقد انتحروا في ~~السجون أو قتلوا تحت تهمة المساس بالذات العليا المقدسة الملك أو الإمبراطور الذي تخفى ~~تحت زي الآلهة في السماوات أو الملكوت الأعلى. # وهنا كانت الخطورة ولا تزال حتى اليوم، تحت اسم المقدس، ثم اندثار الفلسفات الأكثر ~~إنسانية والأكثر عقلانية التي قاومت الفكر العبودي بأشكاله المختلفة التي تطورت عبر ~~القرون، لتصوغ الفلسفة الرأسمالية الطبقية الأبوية الحديثة وما بعد الحديثة، هذه الفلسفة ~~التي تعتبر فيلسوف العبودية في اليونان القديم مثلها الأعلى، وهو أرسطو (384-322ق.م) ~~الذي تصور أن العبودية أمر عادل تتطلبه طبيعة العبد وطبيعة المرأة. # أصبحت العبودية هي العدل، وهي الطبيعة، وهي العقل أو الفلسفة أو المنطق، ودخل الظلم ~~في التاريخ تحت اسم العدل، ودخل اللامنطق تحت اسم المنطق أو العقل، وكان لا بد من تشويه ~~الطبيعة وتطويعها لتواكب هذه الفلسفة غير الإنسانية غير المنطقية. # لقد أدى حجاب العقل إلى تشويه العقل والجسد والروح في تلاحمها الطبيعي داخل الإنسان ~~(المرأة والرجل)، وانتشر في التاريخ الفلاسفة (من النساء والرجال) الذين قاوموا ~~العبودية منذ نشوئها حتى اليوم، منذ نوت وإيزيس وإخناتون وتي ونفرتيتي وهيباثيا الذين ~~تم القضاء عليهم وتحطيم فلسفاتهم الأكثر إنسانية في مصر إلى ديموقريتس في اليونان، وابن ~~رشد في شمال أفريقيا، حتى المفكرين في يومنا هذا من النساء والرجال الذين يقاومون الفكر ~~الرأسمالي الطبقي الأبوي الذي يتخفى تحت اسم براق جديد هو الفلسفة ما بعد الحديثة، تلمع ~~فيها أسماء من أمثال صمويل هانتجتون، وتلعب تكنولوجيا الاتصالات والأقمار الصناعية في ~~نشر أفكارهم شرقا وغربا. # هكذا ms232 يصبح حجاب العقل مشكلة عالمية، وليس فقط مشكلة عربية أو أفريقية أو إسلامية كما ~~يتصور بعض الناس ، أو كما يحاولون تصوير التخلف الحضاري كأنما هو مرتبط بالإسلام، أو ~~كأنما الإسلام هو وراء الفكر الفلسفي العاجز عن مواكبة الحداثة أو ما بعد الحداثة، ~~واعتبار عصرنا هو عصر الإرهاب الإسلامي أو الصراع بين الإسلام والغرب. ~~••• # وتكمن خطورة هذا الفكر المفروض علينا بالآلة الإعلامية الرأسمالية الأبوية إنه يحجب ~~عن عقولنا الأسباب الحقيقية للصراع الدموي الذي يسود العالم، ويسوق أسبابا سطحية ~~ومزيفة تزيد من كثافة حجاب العقل، إلى الحد الذي أصبحت فيه اللغة المكتوبة في الصحف ~~السائدة غير مفهومة حتى لمن يكتبونها، سألت أحد الكتاب المصريين المعروفين جدا (ينشر ~~مقالا أسبوعيا طويلا في جريدة كبرى مع صورة كبيرة) عن معنى ما يكتبه عن العولمة ~~فإذا به لا يفهم ما يكتبه، واحمر وجهه بالغضب مني لأني أوجه إليه الأسئلة، وهو فوق ~~التساؤل أو المحاسبة مثل الآلهة والملوك ورؤساء الدول. ~~(2) ولن نحمل الزكائب إلى الأبد # إن المشكلة الأساسية التي تواجهنا هي كيف نرفع هذا الحجاب الكثيف عن عقل المفكرين ~~الكبار قبل غيرهم من عامة الشعب؟ أو كيف نصوغ فلسفة إنسانية لإحياء الضمير الذي أصابه ~~الضمور أو الموت؟ لا أحد يمكن أن ينكر أن العدل غائب في عالمنا الراهن دوليا ~~ومحليا، وأن الحرية غائبة أو الديمقراطية الحقيقية، وأن المذابح البشرية لا تكف، ~~والعنف أو الإرهاب يتسع ليشمل البلاد شرقا وغربا، ومع ذلك فإن أغلب المفكرين لا ~~يزالون يلوكون مبادئ الفلسفة الطبقية الأبوية الرأسمالية في الغرب والشرق، وقد عشت في ~~نيويورك ونيوجيرسي خلال الشهور الأربعة الماضية وشهدت أحداث 11 سبتمبر 2001 عن قرب ~~شديد، وعشت مخاوف الشعب الأمريكي مما أطلق عليه اسم «الإرهاب الإسلامي»، وعدت إلى الوطن ~~منذ أسابيع قليلة، وعشت مخاوف الشعب المصري والشعوب العربية مما أطلق عليه «الإرهاب ~~الأمريكي والإسرائيلي»، وهناك من يسمونه «الحرب الصليبية المسيحية واليهودية»، يغذي هذا ~~الصراع الذي يتخذ شكل الصراع الحضاري بين الغرب والشرق، أو الصراع الديني بين الإسلام ~~والمسيحية واليهودية أغلب ms233 المفكرين في بلادنا العربية الذين يعيشون داخل الغرف المغلقة ~~غارقين في المجردات، أو ناقلين عن مفكري الغرب دون فهم ، أو دون تحليل عميق للأحداث ~~الجارية في الواقع المعاش. # وقد سألت المفكر المصري الشهير (الذي ينشر صورته ومقاله الطويل أسبوعيا) عن رأيه في ~~قضية طفل نزف حتى الموت بعد عملية الختان، ورأيه في قضية طفلة قتلها أهلها لأنها خلعت الحجاب، ورأيه في قضية حبس أو ~~محاكمة كاتب لأنه مس الذات العليا، ورأيه في قضية استيلاء أحد رجال السلطة في قريتي على ~~قطعة أرض صغيرة تملكها إحدى الفلاحات، ورمقني المفكر الكبير وهو يمط شفتيه إلى الأمام ~~معلنا أنه لا ينشغل بهذه القضايا الصغيرة لأنه مشغول بالقضايا الكبرى، على رأسها ~~العولمة، وتذكرت «أرسطو» حين ذهب إليه أحد الفلاحين يشكو أحد رجال السلطة في اليونان ~~لأنه استولى دون حق على قطعة أرض صغيرة كان يملكها ويزرعها لإطعام أطفاله، صرفه أرسطو ~~قائلا إنه مشغول بالكرة الأرضية كلها، وليس قطعة أرض صغيرة. # لقد استطاع أرسطو منذ القرن الرابع قبل ميلاد المسيح أن يدخل قهر المرأة ووضعها ~~الأدنى في الفلسفة والقانون، حين أعلن أن المرأة لا تساهم في صنع الجنين إلا بمادة خام ~~غير حية (وعاء الرحم) أما الرجل فهو وحده الذي يمنح الحياة للطفل. # هكذا أصبح الحق القانوني للأب فقط، أصبح اسم الأب هو الذي يعطي للأطفال الحياة والشرف ~~والشرعية والجنسية والدين، وضاع حق الأم تماما، واندثر اسمها وفكرها وجهودها في ~~التاريخ القديم والحديث حتى يومنا هذا. # لقد ضربت الحركات النسائية شرقا وغربا التي حاولت التصدي للعبودية والقيم الطبقية ~~الأبوية المدعمة لها، وتم تحطيم فلسفة «نوت» المصرية التي سبقت الفلسفة العبودية ومنحت ~~الإنسان امرأة ورجلا واجبات وحقوق متساوية في الأسرة والمجتمع. # وقد انهارت هذه الفلسفة الإنسانية مع نشوء النظام الأبوي الطبقي، وفقدان مصر ~~استقلالها الفكري والاقتصادي تحت غزوات الاستعمار القديم والجديد، ولم تكف النساء ~~المصريات عن المقاومة حتى اليوم، ولم يكتف الفلاحون الأجراء عن المقاومة حتى اليوم، وقد ~~عبرت بعض الأغاني الشعبية المصرية القديمة عن قهر ms234 الفلاحات والفلاحين تحت نير السلطة ~~المحلية والأجنبية، ومنها هذه الأغنية: # أهو قدرنا المفروض علينا # أن نحمل فوق ظهورنا طوال اليوم # الشعير والقمح الأبيض # لا تزال المخازن مكدسة بتلال الغلة # ولسوف نحمل الزكائب إلى الأبد # في طفولتي في القرية كنت أسير بجوار عمتي الفلاحة وهي تمشي إلى الحقل حاملة زكيبة ~~القطن فوق رأسها، أو الزلعة الكبيرة المملوءة بماء النيل، وأسمعها تغني مثل هذه ~~الأغنية، إلا أن عبارة «فوق ظهورنا» تغيرت إلى عبارة أخرى هي «فوق رءوسنا». ~~(3) إنها حضارة واحدة # يلعب حجاب العقل دورا كبيرا في ترويج الثنائيات والقيم المزدوجة وما يصاحبها من ~~أفكار مضللة، ومنها فكرة الصراع بين الحضارات، أو بين الحضارة الإسلامية والحضارة ~~الغربية، مما يحجب عنا الحقيقة، وهي أننا نعيش في عالم واحد وليس ثلاثة، وحضارة واحدة ~~هي حضارة رأسمالية أبوية نبعت وتطورت من العبودية القديمة القائمة على الثنائيات ~~الباطلة على رأسها ثنائية السيد والعبد، المالك والمملوك، الملاك والشيطان، الحاكم ~~والمحكوم، الروح والجسد، السماء والأرض، المؤمن والكافر، الخير والشر، الخطيئة ~~والفضيلة، الذكر والأنثى. # لو أننا تأملنا لغة جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لاكتشفنا أنها لغة ~~دينية مسيحية، تستخدم اسم الله لتعلن الحرب في أفغانستان ضد الشيطان أسامة بن لادن ~~وأعوانه في تنظيم القاعدة، ولا يكف جورج بوش عن الغناء في الكنائس مع أعوانه هذه ~~الأناشيد الدينية السياسية في آن واحد: ~~(1) # نحن أمة واحدة تحت ~~الله # One Nation Under God ~~. ~~(2) # نحن نثق في الله # In God We Trust ~~. ~~(3) # فليبارك الله في ~~أمريكا # God Bless America ~~. # ويردد مثل هذه الأناشيد السياسية رجال الفاتيكان وعلى رأسهم «البابا» الذي أسرع ~~بزيارة أوزبكستان وغيرها من البلاد المحيطة بأفغانستان وبحر قزوين، منشدا الله والمسيح ~~والروح القدس، ساعيا إلى توحيد المسيحيين ضد ما أسماه الإرهاب الإسلامي، وتمهيد الطريق ~~تحت اسم الله للقوات العسكرية الأمريكية والبريطانية لغزو أفغانستان. # وهل تختلف لغة جورج بوش الدينية أو لغة البابا عن لغة أسامة بن لادن وأعوانه في تنظيم ~~القاعدة؟! ألا يصور كل منهم الآخر على أنه الشيطان ms235 الشرير أو الإرهابي غير المتحضر؟! ~~ألا يدعي كل منهم أن الله معه في حربه المقدسة من أجل الخير والعدل والسلام ~~والتحضر. # وأي حضارة هذي التي تؤدي إلى هذه المذابح البشرية في أفغانستان أو العراق أو الصومال ~~أو غيرها؟ كيف تخفت المذابح لإبادة الشعب الفلسطيني تحت اسم معاهدات السلام؟ # منذ نشوء النظام الطبقي الأبوي وحتى اليوم تراق الدماء البريئة من الشعوب نساء ~~ورجالا وأطفالا تحت شعارات دينية ووطنية، لا يوجد فاصل بين الدين والوطن في الشرق ~~والغرب، في الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو غيرها، ينظر جورج بوش إلى العساكر ~~الأمريكيين الذين يقتلون في أفغانستان على أنهم أبطال الوطن وشهداء المسيحية، وينظر ~~أسامة بن لادن إلى القتلى من أعوانه على أنهم شهداء الإسلام، وماذا يدهشنا في ذلك وسيلة ~~التشابه في اللغة والسلوك والهدف بين القادة السياسيين الذين يستخدمون الدين وسيلة ~~لتحقيق أهدافهم العسكرية والاقتصادية، إن الدين يخدم السياسة منذ نشوء الدين والسياسة، ~~وتشمل الكتب الدينية على نصوص سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية، بالإضافة إلى النصوص ~~الأخلاقية والاجتماعية والشخصية، ربما أوضح مثال على ذلك هو ما جاء في كتاب التوراة عن ~~التفرقة الصارخة على أساس الجنس، واعتبار حواء هي المسئولة عن إثم المعرفة تستحق عقاب ~~الله، وذلك بأن يسود عليها زوجها، من هنا ارتدت السلطة الأبوية الذكورية رداء مقدسا ~~توارثته الأديان الأخرى من بعدها، وفي التوراة أيضا جاءت الآية التي شرعت العنصرية بأن ~~رفعت الشعب اليهودي إلى درجة أعلى من شعوب العالم، فأصبح يحمل لقب شعب الله المختار، ~~وفي التوراة أيضا جاء النص الذي يدعو فيه الله شعبه المختار للاستيلاء على أرض كنعان ~~«فلسطين» وإبادة سكان هذه الأرض لمجرد أنهم لا يؤمنون بإله اليهود، إنها الأرض الموعودة ~~التي منحها الله لليهود مقابل ختان الذكور كما نصت التوراة، هكذا شرعت التوراة الحرب ~~المقدسة من أجل الأرض تحت اسم إبادة الكفار غير المؤمنين، كما شرعت ختان الذكور كعهد ~~مقدس بينهم وبين الله. # ما علاقة الاستيلاء على أرض الغير بالقوة المسلحة وقطع الغرلة من حول رأس ms236 العضو الذكري؟ # وقد دخلت فكرة «حجاب المرأة» ضمن المقدسات منذ نشوء الديانة اليهودية، وينص التلمود ~~على أن شعر المرأة العاري مثل جسدها العاري، وتعتبر الزوج هو رأس المرأة، والمرأة بدون ~~زوج هي مجرد جسد بدون رأس، ويصلي الرجل اليهودي كل صباح قائلا: أحمدك يا رب لأنك لم ~~تخلقني امرأة. # مع ذلك فقد استطاعت الآلة الإعلامية الأمريكية الإسرائيلية أن تحجب هذه الحقائق ~~التاريخية عن عقول الناس؛ لتصور الإسلام وحده على أنه مصدر حجاب المرأة، رغم أنه لا يوجد ~~نص واحد في القرآن يدعو إلى ختان المرأة أو تغطية رأسها أو شعرها، ولا يوجد نص واحد ~~يقول إن حواء هي سبب الإثم والخطيئة؛ لأنها أكلت من شجرة المعرفة كما ورد في ~~التوراة. # إن القوة العسكرية المدعمة بقوة إعلامية قادرة دائما على قلب الحقائق أو إخفائها، ~~وما دامت القوة هي التي تحكم فلا يمكن لعالمنا البشري أن يعيش في سلام حقيقي قائم على ~~العدل والحرية، ولا بد من كشف هذا التزييف الفكري، أو رفع الحجاب عن عقول الملايين ~~شرقا وغربا. # إن الدراسات المقارنة للأديان تؤكد لنا التشابه الكبير بين الديانات، خاصة الأديان ~~السماوية الثلاثة، وهناك الكثير من المبادئ الإنسانية في هذه الأديان كالعدل والرحمة ~~والمحبة والسلام تكاد تشبه ما ورد في فلسفة إيزيس ونوت، وهناك نصوص في كتاب التوراة ~~تشبه أناشيد أخناتون ونفرتيتي، وصورة العذراء مريم تحمل المسيح تكاد تكون نسخة مكررة من ~~صورة إيزيس تحمل طفلها حورس، وقد تحول الثالوث المقدس بعد نشوء النظام الطبقي الأبوي ~~إلى الأب والابن والروح القدس (الأم المختفية وراء حجاب) بعد أن كان في الأصل: الأم ~~والابنة والروح القدس «الأب المجهول». # كان الأب في بداية التاريخ البشري مجهولا؛ ولهذا كان أغلب الأنبياء بدون أب، النبي ~~موسى لم يكن له أب وكانت أمه هي التي أنقذته من الموت على يد فرعون، وهي التي أرضعته ~~وعلمته وجعلته نبي اليهود، والمسيح لم يكن له أب، وكانت أمه السيدة مريم هي التي أنقذته ~~من الموت وهربت به إلى مصر ثم جعلته ms237 نبي المسيحية، ونبي المسلمين «محمد» ماتت أمه وهو ~~طفل، لكنها تنبأت بنبوته وهو في رحمها، وتزوج في العشرين من عمره من السيدة خديجة التي ~~كانت تكبره بعشرين عاما، فأصبحت له بديل الأم ربته وعلمته وأنفقت عليه من مالها ~~وعلمها، حتى نزل عليه الوحي في غار حراء فأسرع إليها ينتفض قائلا: «دثروني دثروني.» ~~فأخذته في حضنها كالأم وطمأنته، وكانت أول من ناداه باسم رسول الله. # إلا أن مساهمة الأم ودورها في إعداد الأنبياء قد اندثر في التاريخ الأبوي الطبقي، ~~وأصبح «الأب» هو الأصل وهو الأساس، وتذوب صورة الأب في صورة الإله في اليهودية ~~والمسيحية، وهناك نص في كتاب التوراة: «وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد ~~لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما ~~اختاروا.» # وهنا نرى كيف ولد الآلهة ذكورا فقط مما أكد السمو والسيطرة الذكورية، واندثرت حقوق ~~النساء والأمهات وانخفضت مكانتهن، وقد اختزل كتاب التوراة عمر الإنسان على ظهر الأرض ~~إلى مدة لا تزيد عن 3389 سنة، وتم اختزال تاريخ مصر ليكون تاريخ التوراة، إلا أنه في ~~عام 1829 تم اكتشاف رموز اللغة المصرية الهيروغليفية، وتم اكتشاف أن عمر البشرية أقدم ~~من التاريخ الذي حددته التوراة لخلق آدم ونوح وإبراهيم، ويكشف علم الكون الجديد العام ~~وراء العام عن الأخطاء العلمية والفلسفية التي وردت في الكتب الدينية المختلفة تحت اسم ~~الحقائق الثابتة غير القابلة للنقد أو التغيير. # لقد استطاع علم الكون الجديد وما صاحبه من تقدم تكنولوجي كبير في وسائل الاتصال ~~والإعلام أن يجعل هذا العالم بمثابة القرية الواحدة، وأصبحت الأحداث في أي مكان في ~~العالم مقروءة ومرئية في اللحظة نفسها فوق الشاشة الصغيرة في قرية مصرية على ضفاف النيل ~~مثل قرية أخرى على ضفاف نهر المسيسيبي، وغيرهما من الأنهار والقرى والمدن في العالم ~~شرقا وغربا. # إلا أن هذا التقدم العلمي التكنولوجي لم يحقق السلام ولا العدل ولا الحرية ولا الحب، ~~بل أصبح في خدمة الآلة العسكرية التي تخدم مصالح النظام ms238 الرأسمالي والأبوي الذي لا يهدف ~~إلا إلى الربح على حساب أرواح الآلاف والملايين من البشر. # وقد شهدت في حياتي منذ ولدت في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي عددا من الحروب ~~الاستعمارية، حرب 1948 لإنشاء دولة إسرائيل، وقتل وتشريد الشعب الفلسطيني، حرب 1951 ~~ضد الاحتلال البريطاني في قناة السويس، وحرب 1956 حين غزت مصر الجيوش الإنجليزية ~~والفرنسية والإسرائيلية ومن خلفها الولايات المتحدة، ثم حرب 1973 حيث كاد الجيش المصري ~~أن يسترد الأرض المسلوبة في سيناء لولا التدخل الأمريكي لتدعيم إسرائيل، ثم حرب الخليج ~~1991 حيث هاجم العراق ثلاثون جيشا تحت القيادة الأمريكية، وكم قتل من الشباب المصري ~~والعربي في هذه الحروب، ونحن نشهد اليوم ماذا يفعله النظام العالمي الأمريكي لإبادة ~~الشعب الفلسطيني، وماذا فعل في أفغانستان منذ الحرب المقدسة ضد الإلحاد في الثمانينيات ~~من القرن الماضي، كيف لجأ إلى زراعة الأفيون والاتجار به لتمويل العمليات العسكرية ~~وزيادة الأرباح الرأسمالية، إلى حد أن أصبح إنتاج الأفيون في أفغانستان يمثل ما يزيد عن ~~75٪ من أفيون العالم، ويشجع هذا النظام على نشر البغاء والمخدرات بين الشباب والشابات ~~وتحطيم حياتهم وعقولهم، ليس في أفغانستان وحدها بل في العالم كله. # وقد نقل الاستعمار الأمريكي الجديد عن الاستعمار البريطاني القديم، هذه الوسائل ~~البربرية غير الإنسانية للإبادة الجماعية لأجساد وعقول وأرواح البشر، ألم يلجأ ~~الاستعمار البريطاني إلى حرب الأفيون في الصين، ألم يلعب بورقة الدين لخلق الصراعات ~~وتمزيق وحدة الشعوب من أجل السيطرة والاستغلال؟ أليس مبدأ «فرق تسد» هو السائد في ~~الماضي والحاضر عالميا ومحليا؟ وألم تلجأ الحكومات المحلية بما فيها الحكومات ~~العربية لفرض التفرقة والانقسامات بين الشعب الواحد من أجل السيطرة والاستغلال؟ وهل ~~تختلف الحكومات المحلية أو العربية عن غيرها من الحكومات؟ أليس هي حضارة واحدة غير ~~متحضرة هي التي تحكم العالم شرقا وغربا؟ # من يدعم ويساند الحكومات الدكتاتورية الأبوية في الشرق أو الجنوب بما فيها الحكومات ~~العربية؟ أليست هي الحكومات الرأسمالية الأبوية في الغرب، وعلى رأسها الحكومة ~~الأمريكية؟ ومن الذي دعم وساند التيارات الدينية الإرهابية الإسلامية ms239 أو المسيحية أو ~~اليهودية أو الهندوكية أو غيرها؟ ألم تكن في أفغانستان وتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن ~~لادن، أم تكن كلها صناعة أمريكية لضرب أعداء الرأسمالية؟ # أليس هو نظام عالمي واحد وحضارة واحدة تحكمها فلسفة طبقية أبوية غير متحضرة ؟ لا شك أن ~~هناك اختلافات في السلوك وبعض العادات من بلد إلى بلد، إلا أنها اختلافات في الفرع وليس ~~الأصل. # وقد آن الأوان لإدراك أن الغرب ليس كله صليبيا مسيحيا يهوديا، وأن الشرق ليس ~~كله إسلاميا إرهابيا عاجزا عن التحضر، هذه التقسيمة «غرب/شرق» أصبحت مضللة مثل ~~غيرها من التقسيمات. ~~(4) سقوط الديمقراطية الليبرالية # تتصاعد المظاهرات الشعبية في عواصم العالم غربا وشرقا منذ المظاهرات في مدينة سياتل ~~نوفمبر 1999، وتتميز هذه المظاهرات بقدرتها على تجاوز التقسيمات التي فرضت على البشر ~~لتمزيق وحدتهم الإنسانية تحت اسم الدين أو الجنس أو الجنسية أو العرق أو اللون أو ~~الطبقة أو المهنة أو الشهادة العلمية أو غيرها، لقد ذابت هذه الفروق المصنوعة بين الناس ~~من أجل مقاومة الظلم الرأسمالي الأبوي؛ الذي تجسد في قوانين منظمة التجارة الدولية ~~والبنك الدولي وغيرهما من المؤسسات المسيطرة على شعوب العالم غربا وشرقا. # بدأت الشعوب تدرك أنها تعيش في عالم واحد تحت نير حضارة واحدة تؤدي إلى مزيد من الفقر ~~ومزيد من القتل ومزيد من التضليل. # هذه الحركات الشعبية الجديدة في طريقها إلى النمو واكتساب مزيد من القوة والوعي ~~والتنظيم كلما تكشفت مخاطر هذه الحضارة الرأسمالية الأبوية، وقد اكتسبت هذه الحركات ~~الشعبية اسما جديدا هو «العولمة من أسفل» أو العولمة من قاعدة الهرم، لمقاومة العولمة ~~الرأسمالية الاستعمارية القابعة فوق قمة الهرم، والتي تملك الأسلحة النووية والشركات ~~التجارية الكبرى المملوكة لقلة قليلة من الأفراد يمثلون الطبقات الحاكمة غربا ~~وشرقا. # إن ثروة أغنى ثلاثة عائلات في العالم تزيد عن دخل 600 مليون شخص، ومن أجل حماية هذه ~~القلة الثرية ينفق العالم سنويا 700 بليون دولار على الحرب والتسليح، وهي تساوي ~~أربعين ضعفا لما ينفق على الصحة أو التعليم أو توفير الماء النقي. # تعتمد الفلسفة الطبقية ms240 الأبوية منذ العبودية على ما يسمى المساعدة أو المعونة للفقراء ~~والمعدمين واليتامى والمساكين، تحت اسم الرحمة أو الشفقة، وهي كلمات تضليلية توحي ~~بالإنسانية، وهي في حقيقتها كلمات تزيد من إذلال الفقراء، فاليد العليا خير من اليد ~~السفلى، وهي كلمات مضللة أيضا لأنها توحي للفقراء أنهم يعيشون من فضل الأثرياء ومن ~~كرمهم ومن خيرهم، أو على حسابهم، في حين أن العكس هو الصحيح؛ ذلك أن ثراء الأغنياء ليس ~~له مصدر إلا العمل المنتج الذي يقوم به النساء والرجال الفقراء في الحقول والمصانع ~~وغيرها من مؤسسات العمل في مختلف بلاد العالم، وهو عمل يكاد يشبه السخرة لانخفاض الأجر ~~بالنسبة للجهد الذي يبذل فيه والإنتاج الذي يصدر عنه. # وتقوم النساء في العالم بالإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات بما يزيد عن 65٪ من العمل ~~المنتج، مع ذلك لا يحصلن إلا على 5٪ فقط من دخل العالم، مما يفرض عليهن أن يعشن عالة ~~على الرجال داخل الأسرة، على حين أن الحقيقة غير ذلك؛ لأن إنتاج النساء داخل البيوت ~~وخارجها أكثر من إنتاج الرجال، لكن أغلب الأعمال النسائية غير مدفوعة الأجر. # وقد بدأت الحركات النسائية في مختلف البلاد غربا وشرقا تكشف هذه الحقيقة، كما بدأ ~~فقراء العالم في البلاد التي أطلق عليها البلاد الفقيرة (فيما سمي العالم الثالث)، تكشف ~~عن زيف الحقائق التي تروجها الحكومات الرأسمالية الاستعمارية، على رأسها أن فقراء ~~العالم الثالث يعيش عالة على العالم الأول كما تعيش المرأة عالة على الرجل، لكن الحقيقة ~~غير ذلك، وهي أن موارد العالم الثالث قد نهبت بواسطة الاستعمار القديم والجديد، وأن هذه ~~المعونة أو القروض تعود بالفائدة على القوى المسيطرة دوليا ومحليا، ولا يصل إلا ~~الفتات للمعدمين المساكين. # لهذا بدأت الشعوب في العالم الثالث، أو ما سمي الجنوب، ترفض هذه المعونات والقروض، فهي ~~تستنزف الكرامة والموارد المادية تحت اسم تسديد فوائد الديون، وارتفع شعار «عدالة التجارة وليس المعونة # Fair Trade and not Aid ~~»، ~~وتزايدت المظاهرات الشعبية لإلغاء ديون العالم الثالث، وفي المظاهرات النسائية العالمية ~~في 8 مارس عام 2000 ارتفع ms241 شعار يقول: كيف نقارن ديون العالم الثالث بخمسة قرون من ~~النهب الاستعماري وقتل الشعوب في الحروب؟ # وقد أصبحت مظاهرات النساء المتكررة كل عام في اليوم العالمي للمرأة (8 مارس) من أهم ~~المظاهرات الشعبية، يشارك فيها النساء من مختلف بلاد العالم، وهي جزء من الحركة الشعبية ~~العالمية التي تضرب في جذور النظام الرأسمالي الأبوي في الغرب والشرق، وتكشف عن الترابط ~~الوثيق بين القهر الطبقي والجنسي منذ التاريخ العبودي القديم وحتى اليوم. # ويلعب الإعلام الاستعماري العالمي دورا في تضخيم حجم المعونات إلى الشعوب الفقيرة ~~تحت اسم المساعدات الإنسانية # Humanitarian Aid ~~، من ~~أجل التمويه على ما يحدث من قتل وتدمير لهذه الشعوب ذاتها، ألم نر تلك العربات اللوريمجلة نيوزويك، العدد السنوي ~~فوق الشاشة التي كانت تحمل المعونة الأمريكية وزكائب الدقيق إلى الشعب الأفغاني، في ~~الوقت الذي كانت تسقط فيه القنابل من الطائرات الأمريكية على هذا الشعب ذاته، وقد شهدنا ~~هذه الصورة نفسها منذ أعوام قليلة في حرب الصومال، والحروب الاستعمارية الأخرى في بلاد ~~مختلفة من العالم. # وتقود القوى الرأسمالية الأبوية حملة عالمية ومحلية تدعو إلى جمع التبرعات أو المنح ~~المالية أو الدراسية للشعب الأفغاني، وهي حملة تمويهية تغطي على جرائم الحرب، وتعطي ~~واجهة إنسانية رحيمة لنظام بالغ القسوة والظلم، وقد رفضها بعض الرجال والنساء الأفغانيات ~~إذ يقولون: «لا نريد المعونات التي لا تفعل شيئا سوى تصويرنا على أننا شعب من الشحاذين ~~المتخلفين، وكل ما نريده هو أن يرحل عنا الاحتلال الأمريكي العسكري الاقتصادي وأعوانه ~~ممن يسمون «التحالف الشمالي» أليس التحالف الشمالي جزء من نظام الطالبان الذي يتاجر ~~بالدين، ويقتل النساء تحت اسم الشرف والأخلاق؟» # لقد سمعت بأذني عبر أسلاك التليفون هذه الأصوات النسائية الواعية في أفغانستان، إلا ~~أن الأصوات الأخرى المسيطرة على الإعلام العالمي والعربي تتجاهل هذه الأصوات أو تفرض ~~عليها الصمت. # وقد أصبح الصوت مع الصورة فوق الشاشة الصغيرة أكثر انتشارا في العالم من الكلمة ~~المطبوعة، وأكثر تأثيرا، خاصة في بلادنا حيث ترتفع نسبة من لا يعرفون القراءة، وتتنافس ~~الدول الكبرى والصغرى ms242 على إنشاء القنوات التليفزيونية والفضائية. يتغلب في هذا المضمار ~~الدولة الأكثر ثراء وقوة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أصبحت قوة الإعلام ~~الأمريكي الأوروبي تساند قوة السلاح، وأصبح تدمير العقل لا يقل خطورة عن تدمير ~~الجسد. # وتشتد المقاومة من أجل الحياة ضد آلة الحرب والقتل، كما تزداد الرغبة في المعرفة ~~والفهم ضد محاولات التضليل والتمويه. # وقد نمت بوادر فلسفة إنسانية جديدة نابعة من الحركات التحريرية ضد الحضارة الرأسمالية ~~الأبوية غربا وشرقا، وهي فلسفة بسيطة واضحة متسقة مع المنطق الطبيعي السليم، أساسها ~~البديهيات التي طمست منذ العبودية، على رأسها أن الحق فوق القوة، والشعب فوق الحكومة، ~~والبشر في الأصل والطبيعة متساوون في الحقوق والواجبات، لا فرق بين رجل وامرأة أو أبيض ~~وأسود وحاكم ومحكوم أو مالك ومملوك أو غيرها من الثنائيات، وأشكال التفرقة على أساس ~~الجنس أو اللون أو العرق أو الجنسية أو الطبقية أو الدين أو العقيدة أو اللغة أو المهنة ~~أو غيرها. # لقد سافرت إلى الولايات المتحدة قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 بأسبوع واحد، وعشت فيها ~~ثلاثة شهور أقوم بالتدريس في جامعة مونت كلير، والتي لا يفصلها عن برجي مركز التجارة ~~العالمية في نيويورك إلا نهر هدسون، أو ساعة واحدة بالسيارة، وهكذا عايشت الأحداث عن ~~قرب، وتجولت أيضا في عدد من الجامعات لإلقاء المحاضرات أو المشاركة في المظاهرات ~~الطلابية الجامعية على الساحل الباسيفيكي في أوكلاند وسان فرانسيسكو، وفي جامعة مونت ~~كلير تكونت لجنة ضد الحرب في أفغانستان تضم عددا من الطلبة والطالبات والأساتذة ~~والأستاذات، وكنت واحدة من هؤلاء، وقد منحني هذا النشاط السياسي داخل الجامعة كثيرا من ~~الأمل في المستقبل، رغم خطورة الأحداث وتزايد الصراع العسكري في أفغانستان حول المصالح ~~البترولية في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى والبلاد العربية من العراق إلى ~~الصومال. # وقد أدت هذه الحركة السياسية التحريرية المعادية للحرب، والتي يشارك فيها النساء ~~والرجال والشباب من مختلف البلاد والجنسيات إلى بوادر هذه الفلسفة الإنسانية المناهضة ~~للرأسمالية الأبوية، وهي فلسفة جديدة وقديمة قدم نشوء «الضمير الإنساني» الذي يحمل اسم ms243 ~~«الله» عند بعض الشعوب، وهو الصوت العميق داخلنا الذي يحاسبنا ويرشدنا إلى العدل ~~والحرية والحب والرحمة والجمال. # أدت الفلسفة العبودية غير الإنسانية على مدى القرون إلى إضعاف الضمير الإنساني الفردي ~~والجماعي، عن طريق تحويل الصراع ضد الظلم الخارجي السياسي، والاقتصادي إلى الصراع داخل ~~الإنسان بين العقل والجسد، أو بين الجسد والروح، وأصبحت الروح تعني الفضيلة وترمز إلى ~~الإله الذكر، والجسد يعني الرذيلة وتركز إلى الأنثى الآثمة. # وسقطت الفلسفة السائدة المكتوبة في العصور العبودية صريعة هذا الصراع اللانهائي بين ~~الروح والعقل والجسد، أصبحت الفلسفة غارقة في المجردات غامضة أشبه بالسفسطة الفارغة ~~داخل الغرف المغلقة، بعيدا عن الحياة في البيت والشارع والمظاهرات الشعبية ضد النظام ~~الحاكم. # بعبارة أخرى انفصلت الفلسفة الرسمية السائدة منذ أرسطو حتى اليوم عن «رجل الشارع»، أو ~~جماهير الشعب في حركتهم اليومية الحية ونشاطهم في نواحي الحياة خاصة النواحي السياسية ~~والثقافية. # وتنطوي كلمة «رجل الشارع» على القيم السائدة التي تجعل النشاط السياسي خارج البيت أو ~~في الشارع السياسي هو من نصيب الرجال فقط؛ لأن كلمة «امرأة الشارع» تعني «المومس» أو ~~«البغي»، وليس للمرأة نشاطا سياسيا أو ثقافيا خارج بيتها، وكأنما المرأة لا تخرج ~~إلى الشارع إلا لممارسة الجنس، وهو مفهوم قاصر على النساء الفقيرات أو الجواري أو ~~الإماء اللائي كن يخرجن إلى العمل لتوفير الخبز والطعام لأطفالهن، ويفرض عليهم المجتمع ~~الطبقي الأبوي المهن السفلى، ومنها الخدمة في البيوت، وتلبية حاجات الرجال الجنسية في ~~بيوت البغاء. # كان العمل خارج البيت مهينا للمرأة، فهو لا يعني أنها فقيرة، وبلا رجل يوفر لها ~~الحماية والمأوى، لكن حركة النساء التحريرية في الغرب والشرق قد غيرت هذا المفهوم، ~~وأصبح لعمل المرأة خارج البيت قيمة إنسانية لا تقل كثيرا عن قيمة عمل الرجل، كما خرجت ~~النساء إلى الشوارع في المظاهرات الشعبية والنسائية، ولم يعد الشارع مكان المومسات ~~فحسب. # نزلت المرأة إلى الشارع دون أن تفقد احترامها، وبدأت الفلسفة أيضا تنزل إلى الشارع ~~دون أن تفقد احترامها. # لم يعد التفكير مهنة يمارسها قلة محظوظة من المفكرين ms244 أو الفلاسفة، وبدأت القيم ~~الطبقية الأبوية تتساقط مع مشاركة الجماهير من النساء والرجال في الأنشطة السياسية ~~والثقافية، وبدأت الفواصل بين الرجل والمرأة تتلاشى، ومعها تتلاشى الفواصل بين الجسد ~~والروح وغيرها من الثنائيات الموروثة منذ العبودية. # وهناك محاولات لقمع هذه الحركات السياسية والفكرية الجديدة، فالأجهزة القمعية ~~البوليسية لا تقل شراسة وعنفا عن الأجهزة العسكرية في العالم غربا وشرقا، ربما تختلف ~~درجة القمع أو نوعه من بلد إلى بلد، أو يكون مستترا مثل القمع النفسي الذي يمارس على ~~النساء الثائرات، ويقود المرأة منهن إلى الانتحار، أو المستشفى النفسي وليس ~~السجن. # وقد كشفت الحركات النسائية والشعبية الجديدة عن زيف القيم السياسية والأخلاقية للنظام ~~الرأسمالي الأبوي، على رأسها ما سمي بالديمقراطية الليبرالية، التي صورها المفكرون في ~~الغرب من أمثال فرانسيس فوكاياما على أنها أفضل الأساليب لتنظيم المجتمعات الإنسانية، ~~وأنها تقود العالم إلى الحرية والعدالة والسلام والحب. # لقد اتضح خلال القرن العشرين الماضي أن هذه الديمقراطية الليبرالية لا تقود العالم ~~إلا إلى الحروب والعنف والإرهاب، وأنها لا تستند على المشاركة الفعلية الشعبية للنساء ~~والرجال الفقراء؛ بل على التصويت في انتخابات شكلية خاضعة لأصحاب الأموال والقوى ~~الطبقية الذكورية في المجتمع الرأسمالي. # وثبت لنا، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وحرب البترول والأفيون الدائرة في أفغانستان، أن ~~الحضارة الغربية التي أعطت نفسها اسم الديمقراطية الليبرالية هي في جوهرها حضارة طبقية ~~أبوية، ولن تؤدي إلى السلام القائم على العدل، وإلى الحرية السياسية والاقتصادية لأغلب ~~قطاعات الشعب، ولا إلى مشاركة الشعب الفعلية في الانتخابات. # وقد عشت الشهور الثلاثة التي تلت أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، وشهدت كيف ~~تراجعت هذه الديمقراطية الليبرالية لتفرض القيود على الشعب الأمريكي تحت اسم الأمن، كيف ~~اجتمع جورج بوش بالمسئولين الكبار في أجهزة الإعلام، وطلب منهم فرض الرقابة على ما ينشر ~~ويذاع على الشعب الأمريكي، كيف تنكرت الحضارة الأمريكية للمبادئ الديمقراطية الليبرالية ~~التي تشدقت بها منذ القرن قبل الماضي، كيف شرعت الحكومة الأمريكية الاعتقال دون دليل ~~لمجرد وجود شبهات؟ كيف زجت في السجون أبرياء من ms245 الرجال والنساء من دون تحقيق، ~~وتقديمهم للمحاكمة السرية أمام المحكمة العسكرية دون أن يكون لهم حق الدفاع القانوني؟ ~~كيف لجأت إلى تكنولوجيا التعذيب الجسمي والعقلي والنفسي للمسجونين والمسجونات للحصول ~~على المعلومات؟ وهذا يؤكد أن هذه الديمقراطية الليبرالية هشة ومزيفة، ولا تختلف كثيرا ~~عن الفاشية ونظم الحكم الشمولية والدكتاتورية العربية وغيرها، ولا غرابة في ذلك ، فهي ~~قائمة على الظلم والازدواجية، أساسها القيم الرأسمالية الطبقية الأبوية الموروثة عن ~~العبودية. # كشفت الحركات النسائية والشعبية الجديدة في الغرب والشرق أن العالم في حاجة إلى فلسفة ~~إنسانية تقضي على القيم الطبقية الأبوية، وتبني قيما إنسانية جديدة قائمة على العدل ~~والسلام والحب، وإلغاء جميع الثنائيات والتقسيمات بين البشر. # القاهرة يناير 2002 # | المصادر # مسرحية إيزيس، دار المستقبل العربي، القاهرة 1982، ص5. # عن المرأة، دار المستقبل العربي، القاهرة 1998، ص24. # سلمان رشدي، جريدة نيويورك تايمز، نيويورك 2 نوفمبر 2001. # صموئيل هانتنجتون، مجلة نيوزويك، العدد السنوي الخاص، ديسمبر 2001، فبراير 2002. # عن المرأة ، نوال السعداوي، ص18-25. # توأم السلطة والجنس، دار المستقبل العربي، القاهرة 1999، ص233. # فترة التكوين في حياة الصادق الأمين، «خليل عبد الكريم»، دار مريت للنشر، القاهرة 2001. # كتاب التوراة، الآية رقم (1)، (2)، الإصحاح السادس، تكوين 5، 6. ms246