######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.LahzatSidq.Hindawi24927319 #META# Tags: novels #META# ID: 24927319 #META# Title: لحظة صدق #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # حينما ينهزم الرجل‏ # من أجل المعرفة‏ # شرارة من الداخل‏ # قلبي الذي عصيته‏ # عم عثمان‏ # ابتسامة‏ # ثمن الدم‏ # حبي الوحيد‏ # الجانب الآخر‏ # لا شيء يفنى‏ # لحظة صدق‏ # نام الرجل بعد العشاء‏ # ليلى تتزوج‏ # نادية ... لم أستطع!‏ # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # حينما ينهزم الرجل‏ # من أجل المعرفة‏ # شرارة من الداخل‏ # قلبي الذي عصيته‏ # عم عثمان‏ # ابتسامة‏ # ثمن الدم‏ # حبي الوحيد‏ # الجانب الآخر‏ # لا شيء يفنى‏ # لحظة صدق‏ # نام الرجل بعد العشاء‏ # ليلى تتزوج‏ # نادية ... لم أستطع!‏ # | لحظة صدق # | لحظة صدق # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع ms01 السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا ms02 سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوه يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير ms03 ، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | إهداء # كثيرا ما تألمت، ولكني لم أعرف ألما أشد ضراوة من ذلك الألم الذي يصيبني ~~حين أكذب على نفسي. وكثيرا ما سعدت، ولكني لم أعرف سعادة أعذب من تلك السعادة ~~التي أشعر بها حين أعيش مع نفسي لحظة صدق. # لتكن الحقيقة ما تكون، ولكنها تنطوي في أعماقها على شيء لا يكتشف إلا في لحظة ~~الصدق التي نواجهها بها. # فإلى كل من ذاق حلاوة الصدق مع نفسه لحظة، وإلى كل من حرم حلاوة الصدق مع ~~نفسه لحظة؛ أهدي هذه المجموعة من اللحظات. # نوال السعداوي # | حينما ينهزم الرجل # جلس إلى مكتبه الذي تكدست عليه الأوراق الهامة وغير الهامة قلقا حائرا؛ شيء في أعماقه ~~يدفعه إلى أن يترك مكتبه ويذهب إلى بيته ويأخذ حماما ساخنا ويبدل ملابسه، ويرتدي ~~ملابس جديدة قبل أن يذهب إليها؛ فالليلة موعده معها، موعده الفاصل الذي جاء بعد مواعيد ~~كثيرة، والذي سوف يحدث فيه شيء؛ شيء آخر غير ما كان يحدث كل مرة. # ونظر إلى ساعته، كانت السابعة، وموعده معها في التاسعة، أمامه ساعتان كاملتان، يمكن له أن ~~يستعد لهذا اللقاء الحاسم. # وأغلق درج مكتبه بسرعة، وقال لمساعده الشاب إنه ذاهب ms04 لإنجاز بعض الأعمال الهامة، واستقل ~~سيارته، وانطلق إلى بيته، ووضع المفتاح في شق الباب الصغير المظلم ولفه مرتين، ثم دفع ~~الباب، فلفحت وجهه ريح باردة رطبة تسكن شقته دائما أبدا، صيفا وشتاء، لا تتغير ~~كثافتها ولا رائحتها. # بالرغم من دورات الشمس والقمر والأرض، لكنها تظل دائما رطبة باردة قابعة في تلك الشقة ~~الضيقة الواسعة، من دماء البشر أجيالا وقرونا، وواسعة بتلك الحجرات الخاوية العارية ~~إلا من أثاث ضئيل صغير يستند متهالكا إلى زوايا الجدران، كأنه قطع أثرية تركت ~~منسية في كهف من الكهوف. # ولم يكن يفكر من قبل في منظر شقته وأثاثها ورطوبتها، وكان يستضيف فيها فريساته من ~~النساء، ويقضي معهن الليل على سريره المعدني البارد، لكنه لم يستطع أن يفعل ذلك معها، كان ~~حريصا على ألا يدعوها إلى شقته، وقال لها إنه هو الذي يجب أن يذهب إليها لا أن تأتي هي ~~إليه كباقي النساء. # وجرى إلى الحمام وأشعل السخان، وخلع ملابسه ولبس ملابس البيت، وأحضر أدوات الحلاقة ووقف ~~أمام المرآة يتحسس ذقنه بأصابعه، لقد حلقها صباح اليوم، ولكن لا بد له أن يحلقها مرة ~~أخرى حتى تكون ناعمة كالحرير؛ إن موعده معها الليلة ليس كأي موعد سابق، سوف يقبلها ~~حتما، وسوف يلامس وجهه وجهها، ولا بد لبشرته أن تكون ملساء. # ونظر إلى وجهه في المرآة وتحسس شعرات رأسه البيض، وأخذ يعدها شعرة شعرة كعادته كل ~~ليلة، ولما وجد أن عددها ست وعشرون شعرة كليلة الأمس، انبسطت أسارير وجهه، لكن قلبه لم ~~يلبث أن انقبض حين لمح خطين رفيعين تحت عينيه؛ هذان الخطان لم يكونا بالأمس، وفتح ~~درجا في أسفل المرآة وأخرج علبة الكريم الطبي الذي يغذي البشرة، ووضع بأصبعه قطعة صغيرة ~~تحت عينيه، وأخذ يدلك بشرته بأطراف أصابعه تدليكا خفيفا، حتى خيل إليه أن الخطين ~~الرفيعين قد ذابا تماما بفعل الكريم الساحر. # نظر في عينيه يتأملهما فرأى سوادهما باهتا، تغشى بياضهما صفرة كئيبة جعلتها أشبه ~~بعيون مرضى الكبد والصفراء، وأحس بالفزع فجرى إلى رف صغير في الحائط، وأخذ ms05 منه زجاجة ~~دواء ، وابتلع منها قرصين ثم أعادها إلى مكانها، وسحب زجاجة أخرى وشرب منها معلقة كبيرة، ثم ~~أخذ قطعة صغيرة من القطن وغسل جفنيه ورموشه. # وعاد ينظر إلى نفسه في المرآة، وأمسك بماكينة الحلاقة وراح يحلق ذقنه بعناية فائقة، وحلق ~~نصف وجهه، وتحسس بأطراف أصابعه فإذا ما عثر على شعرة نافرة أو على بقعة خشنة عاد فأجرى ~~عليها الماكينة، ولا يتركها إلا بعد أن يتحسسها ويجدها ناعمة نعومة الحرير. # وانتهى من حلاقة ذقنه، فأمسك المقص وشذب أظافر يديه وقدميه، ثم حمل ملابسه النظيفة ~~على كتفه ودخل الحمام. # وأخذ ساعته معه وعلقها في مسمار في الحائط؛ كان خائفا من أن يسرقه الوقت الممتع الذي ~~يقضيه غارقا لنصفه في الماء الساخن والصابون المعطر فيتأخر عن موعده معها، وهو حريص ~~على أن يذهب إليها في الموعد تماما بالدقيقة؛ فقد حدث ذات ليلة أن ذهب إليها متأخرا ~~خمس عشرة دقيقة، ولم يكن يبغي من هذا التأخير سوى أن يلهب شوقها إليها بشيء من الانتظار، ~~لكنه حين وصل إلى شقتها وجدها مظلمة، وظل ضاغطا على الجرس زمنا طويلا حتى يئس ونزل، ~~ولم يعرف ليلتها هل كانت بالبيت وتعمدت ألا تفتح أم أنها خرجت إلى موعد آخر، وحين ~~سألها لم تعطه تفسيرا واضحا، وقالت في صراحة وصدق: لقد تأخرت، وأنا لا أطيق الانتظار. ~~وأخذ يدلك جسمه بالماء وهو يسأل نفسه: أيمكن أن يصدر هذا العمل عن امرأة تحب؟! ولم يحاول ~~أن يصدق أنها لا تحب، وكيف له أن يصدق أن هناك امرأة لا يمكن أن تحبه؟ لقد ~~أحبته مئات النساء من قبل، ولا تزال تحبه العشرات والعشرات، وهو يبتكر في كل يوم أساليب ~~جديدة للهروب من النساء. كيف لا تحبه هذه المرأة وتحترمه احتراما بالغا، ولسوف يخضع هذه ~~الأنوثة الليلة إذن؟ هي تحبه بلا شك، ولكنها امرأة عنيدة تعتز بأنوثتها، ولسوف يحطم ~~عندها وكبرياءها ... # وعادت إلى ذاكرته صورتها حين رآها لأول مرة؛ كان ذلك منذ عامين تقريبا، وكنت تجلس وسط ~~عدد من الرجال والنساء، ووجد ms06 عينيه تمران بسرعة على كل الوجوه لتستقر على وجهها. كانت ~~ملامحها غريبة بالنسبة لملامح النساء؛ ملامح متسقة متكاملة تنطق بأنوثة عارمة، ولكنها أنوثة ~~غالية مثقفة، تثير في نفس الرجل المغرور برجولته بالذات رغبة عنيفة في تحديها ~~وإخضاعها. # وكان تعود أن يخضع النساء، وأدمن لذة إذلالهن وإخضاعهن له حتى تضخمت رجولته ~~وأصبحت القسوة على النساء صفته الأولى؛ فهو لا يشعر بلذة عناقه للمرأة إلا بعد أن يصفعها ~~على وجهها بضع صفعات، ويجذبها من شعرها بقوة حتى تستلقي رأسها بين قدميه وتمرغ أنفها في ~~ترابهما؛ بعد ذلك يقبلها. # علمته تجاربه مع النساء أن المرأة بغريزتها الأولى التي لا تستطيع منه خلاصا مهما ~~تحررت وارتقت؛ فإنها تعشق موضعها عند قدمي سيدها الرجل، وتعبد قسوته وقوته وعناده ~~وكبرياءه وجبروته، وتشمئز من رقته وحنانه وهيامه. # العذاب هو الخيط الحريري الرفيع الذي يربط المرأة به، المرأة تحب الرجل الذي يعذبها؛ ~~فلماذا لا يعذبها ليلف حول رقبتها ذلك الخيط الحريري ويشدها وراءه؟ # وأخذ يدلك أصابع قدميه بالصابون المعطر، ولاحظ كعادته أن أصبع قدمه الصغير أصغر من ~~اللازم، لا يكاد يشبه أصبع الآدميين؛ فهو قصير سميك كروي، كأنه مخلب مكسور لحيوان أليف، أو ~~برعم عقيم في شجرة عجوز. كثيرا ما كان يشعر بالاشمئزاز من جسده، وخاصة فتحتي أنفه حين ~~يصيبه الزكام والرشح، فيشعر كأنهما فتحتا صنبور عتيق بليت جلدته وفي حاجة إلى قطعة غيار ~~جديدة. وكثيرا ما ضاق من منظر أسنانه الصفراء، وتمنى لو خلعها جميعا وركب أسنانا ~~جديدة. # ولكن هل يمكن لامرأة أن تكشف عيوبه التي يعرفها؟ إن المرأة كما فهمها ليست كالرجل؛ ~~إنها تنظر إلى الرجال ككل وليس كأجزاء أو أعضاء، إن الرجل في نظرها سيد، إله؛ يمنحها ~~الحياة واللذة والغذاء، فكيف لها أن تدقق النظر في جسد الإله؟ كيف تجرؤ على أن تنظر إلى ~~أسنانه الصفراء المشرشرة وهو يقبلها، كيف تجرؤ على أن تتأمل أصابع قدميه حين يستلقي ~~رأسها بينهما؟ يجب أن تغمض عينيها، كل النساء يغمضن عيونهن. # لقد فهم المرأة وعرفها بعد أن قضى ms07 من عمره عشرين عاما يتدرب على تقبيل النساء وعناقهن؛ ~~حتى أصبح أستاذا للحب والغرام، وبلغ من عمره الأربعين عاما ولم يفكر في الزواج، وهو قد ~~تزوج مئات المرات وأنجب مئات الأطفال؛ بعضهم تمزق أشلاء بيد الطبيب الجريء، وبعضهم ~~يعيشون في بيوت أزواج من الرجال ويحملون أسماءهم ولا أحد يعلم الحقيقة إلا الزوجة وهو. ~~وكثيرا ما كان يزور أحد هؤلاء الأزواج - ومعظمهم معارفه وأصدقاؤه - وينظر إلى عيني الطفل ~~البريء ويرى فيهما نفس لون عينيه ونفس ارتفاع أنفه، لكنه لم يشعر قط بذلك الشعور الذي ~~اسمه الأبوة، بل كان ينظر إلى الزوج الغبي الجاهل في لذة تفوق لذة الشياطين، ويشعر ~~بالزهو لانتصاره على الرجال والنساء معا. وكان كلما فكر في الزواج تراءت له زوجته في ~~أحضان رجل آخر، وتراءى له أطفاله يجرون في بيته وينفقون من ماله ويحملون اسمه وهم أولاد ~~رجال آخرين، فترتعد فرائصه من الهلع ويلعن الزواج ويمجد العزوبية. # وصب الماء الساخن على جسمه وقدميه، ونهض واقفا وأمسك المنشفة، وأخذ يجفف جسده ~~بعناية، واعترف بينه وبين نفسه أنه كان يسعى طوال حياته إلى الانتصار، الانتصار بأي شكل ~~وبأي ثمن؛ إذا خالفه رجل في رأيه وكان صائبا فإنه يعاند ويتحمس ويناقش ولا يهدأ حتى ~~ينتصر، وإذا رغب في امرأة ولم ينلها ظل يطاردها بأساليب مختلفة بعضها اهتمام وبعضها ~~إهمال حتى تقع الفريسة بين يديه. # وكان يعلم أن انتصاره على المرأة يبدأ حين تسلم له جسدها؛ حينئذ يعلم أنها سلمت ~~كل أسلحتها، وأنها سوف تلاحقه وسوف تستعطفه وسوف تستجديه، وأنه سوف يشدها من رقبتها ~~وراءه بذلك الخيط الحريري المتين، فما الذي يبقى للمرأة بعد أن تمنح جسدها للرجل سوى ~~الالتصاق الأبدي أو الندم والحسرة والهوان؟! # ولم يكن يؤمن بذلك الالتصاق الأبدي بالمرأة، بل لم يكن يؤمن بأي التصاق بها على الإطلاق؛ ~~فلم يكن يبقى للمرأة منه إلا الهزيمة والهوان، وهو لا يشعر بانتصاره إلا حينما تغسل المرأة ~~بدموعها قدميه؛ حينئذ يعرف أنه حقق الغرض الأسمى لرجولته، فتنتهي مهمته معها ويبحث عن ~~فريسة ms08 أخرى يسلك معها نفس الطريق. # ووقف أمام المرآة يمشط شعره الأكرت، وشعر ببعض الارتياح؛ لقد اهتدى أخيرا إلى مفتاح ~~المرأة الجديدة وتعرف على طريقها الوعر الشاذ. كانت قد عذبته عامين كاملين وهي ترفض ~~قبلاته، حتى لمسات يديه كانت لا تصيبها بتلك الرعشة التي تصيب النساء فترتخي جفونهن. لكنها ~~لم تقتل الأمل في قلبه، كانت تجلسه معه وتتحدث إليه وتدقق النظر في ملامحه، وخاصة إلى ~~أسنانه التي لم يعجب بها قط طوال حياته، رغم إعجابه الشديد بعينيه وأذنيه. # واستطاع في هاتين السنتين أن يحول نظرها من أسنانه إلى عينيه وأذنيه، واستطاع أيضا أن ~~يجعلها تعجب بكلامه؛ فرأى نظراتها القوية الثابتة تلين، ولمح بريق أنوثتها العارمة ~~يتقد في عينيها؛ فاقترب منها وحاول أن يقبلها، لكنها ابتعدت عنه وقالت في عناد ~~وكبرياء: هل تحبني؟ فنظر إليها مستغربا؛ كيف تجرؤ امرأة على أن تسأله هذا السؤال؟ لم تشترط ~~عليه امرأة من قبل أن يعترف بالحب قبل أن يقبلها، فسألها بدوره: هل تحبينني؟ ولم يكن ~~يشعر بحاجة إلى هذا السؤال، فهو يعلم أنها تحبه، وإلا فما الذي يدفع امرأة مثلها إلى أن ~~توافق على لقائه! لكنها أجابت في قوة وصدق: لا، ليس بعد. # وأحس بالدماء تغلي في رأسه، وود لو صفعها على وجهها، لكنها سألته بجرأة: هل تحبني؟ ~~ولم يستطع أن يكون في مثل قوتها وصدقها، فأطبق شفتيه في صمت؛ لم يكن يريد أن يمتهن رجولته ~~الغالية ويشعر أنه رجل رخيص ككل الرجال يتاجر باسم الحب، ويكذب على المرأة بكلمة أحبك حتى ~~ينال منها ما يريد، لقد عودته انتصاراته المتكررة مع النساء على ألا يكذب؛ فهو في غير ~~حاجة إلى الكذب؛ كانت النساء يعطينه قلوبهن وأجسادهن دون أن يكلف نفسه مشقة الكلام عن ~~الحب، وأصبحت كلمة الحب التي تخرج من بين شفتيه أغلى عنده من قلب أي امرأة ومن جسد أي ~~امرأة. كانت رءوس النساء تستقر بين قدميه بلا مقابل، بلا ثمن، بلا وعد، بلا شيء على ~~الإطلاق؛ بل أحيانا ما كانت المرأة هي التي ms09 تدفع له حتى لا يقطع صلته بها إلى الأبد، وتظل ~~تخدع نفسها بذلك الأمل الكاذب في أنه سيأتي إليها يوما. # وفتح صوان ملابسه وارتدى بدلة أنيقة، وأخذ زجاجة العطر الثمين ووضع نقطتين تحت كل ~~إبط. # وركب عربته وتطلع إلى المرآة الصغيرة، وأعجب بشكله إعجابا كبيرا، وشعر كأنه عريس ~~جديد ذاهب إلى عروسه ليلة الزفاف، وتخيلها وهي جالسة في حجرة الاستقبال تنتظر قدومه. لا ~~بد أنها قضت في الحمام اليوم كله، تدلك ذراعيها وساقيها، ولا شك أنها ترتدي فستانا ~~عاريا يظهر مفاتن جسدها، ولا شك أنها تعطرت؛ إنها أنثى رغم عنادها وقوتها. وتخيل ~~نفسه وهو يقبلها ويعانقها وهي تسلم له جسدها ثم تبكي، كل النساء يبكين بعد أن يستسلمن، ~~وشعر بالزهو والانتصار حين تخيل دموعها؛ كم تشوق كثيرا أن يرى دمعة واحدة تطفر من ~~هاتين العينين القويتين الجريئتين، وتخيل رأسها الصغير بين قدميه وهي تستجديه وتستعطفه أن ~~يبقى، ولكنه لا يبقى، ثم تطلبه في اليوم التالي فيرد عليها في جفاء، فتطلبه مرة أخرى ~~وأخرى، تحاول أن تفهم لماذا نهب جسدها وهرب، وهو لا يستطيع أن يشرح لها نفسه، لا يستطيع أن ~~يقول لها: إنه لم يكن يريد جسدها لذاته، فهو هارب من أجساد النساء، ولكنه كان يريد أن ~~ينتصر عليها بعد عامين من اللهفة والعذاب والانتظار؛ أن يخضع أنوثتها العنيدة، أن يشعر ~~بها وهي ذليلة جريحة تتعثر في استسلامها له وتبكي على ضعفها وهزيمتها، أن يلف حول عنقها ~~خيطه الحريري القاتل ويشدها وراءه. # ووصل إلى شقتها، ولم يستطع أن يخفي دهشته حين رآها، كانت كعادتها ترتدي رداء قاتما لا ~~يظهر شيئا من ملامح جسدها، وشعرها مرسل دون عناية، ولم يشم رائحة أي عطر نسائي. ~~وجلس أمامها ببدلته الأنيقة وشعره اللامع المغسول، وفاحت رائحة عطره في الشقة الصغيرة؛ ~~فشعر بالخجل من نفسه، ورأى نظراتها الثابتة تتأمله، ولمح ابتسامة ساخرة تحوم حول شفتيها، ~~وانتهزت أول نكتة قالها فضحكت ضحكا متواصلا وألقت برأسها إلى الوراء، وخيل إليه أنها ~~سيغمى عليها من الضحك؛ فشعر بالغيظ، ms10 لكنه تظاهر بعدم الفهم وشاركها الضحك بلا ~~مبالاة. # وتوقفت عن الضحك فجأة، ونظرت إليه ثم أطرقت إلى الأرض، ولم يدر ما الذي فعلته تلك ~~الإطراقة، لم يكن رآها من قبل وهي تطرق برأسها، وظن أنها بدأت تضعف؛ فاقترب منها ~~وحاول أن يضمها ويقبلها، ولكنها تخلصت منه، ونظرت إليه في جرأة وقالت له: هل ~~تحبني؟ فأطرقت إلى الأرض مرة أخرى في صمت، فأمسك رأسها وحاول أن يقبلها، واستطاع ~~أن يضع شفتيه على شفتيها وقبلها قبلة طويلة. ثم ترك شفتيها لحظة ونظر في عينيها ~~قائلا: هل تحبينني؟ فابتسمت وهي تقول: لا، ليس بعد. وشدها من شعرها الطويل وأخذها بين ~~ذراعيه وقاومته، لكنه استطاع أن يضمها إلى صدره بقوة وعنف، ولم يترك لها مجالا حتى ~~لتتنفس، وسمعها تقول في عناد وهي تتملص منه: هل تحبني؟ وكان شعوره في تلك اللحظة قد تغلب ~~على تفكيره وعناده؛ فخرجت من بين شفتيه كلمة أحبك مع أنفاسه الساخنة اللاهثة؛ فابتسمت. وهمس ~~لها قائلا: هل تحبينني؟ فقالت: لا، ليس بعد. ولم يكن لديه ثمة قوة أو تفكير، فاستسلم لها ~~استسلاما كاملا وأفاق بعد قليل؛ كيف شعر أنه هو الذي استسلم لها وليست هي التي استسلمت ~~له؟ كيف يمكن لرجل أن يحس في مثل هذه اللحظة أنه هو الذي يعطي نفسه للمرأة وليست هي التي ~~تعطيه؟ وأحس بمرارة في حلقه، هي نفس المرارة التي تشعر بها المرأة حين تدرك أنها استسلمت ~~لرجل، ولرجل لا يحبها. # وأشعل سيجارة وجلس يدخن في صمت، وجلست أمامه صامتة. لماذا لا تتكلم هذه المرأة؟ لماذا ~~لا تثرثر ككل النساء في مثل هذا الموقف؟ # عيناها فقط تنظران إليه ... في قوة وكبرياء وعناد، كأنها لم تكن بين ذراعيه من لحظة، كأن ~~شيئا لم يحدث بينهما على الإطلاق، بل لعل نظرتها ازدادت قوة وكبرياء وعنادا، وشعر برغبة ~~في أن يصفعها ويقول لها: أنت لست امرأة، أنت رجل، أنت تحتقرين أنوثتك. ولكن كيف ينطق بهذه ~~الكذبة الهائلة وبهذه السرعة الكبيرة؟ ولا شك أنها تفهم أن الرجل لا يتهم ms11 المرأة هذا ~~الاتهام وفي هذا الموقف بالذات، إلا حين يشعر أمامها بالعجز، أو حين يحس أنها تحتقر ~~رجولته. # وانتهى من تدخين السيجارة، ووقف ومد لها يده مصافحا، وصافحته، وخرج مسرعا كأنما ~~يطارده شبح. # ولم ينم ليلته بالرغم من الأقراص المنومة الشديدة، ظل مؤرقا حتى الصباح؛ أيمكن له ~~بعد هذا العمر الطويل، وتلك الصولات والجولات في عالم النساء، وذلك الانتصار الساحق مع ~~امرأة وأخرى؛ أيمكن له بعد كل هذا أن يشك في رجولته؟ أن يشك في سحره؟ أن يشك في ~~قوته؟ # وانتشر نور الصباح في حجرته وهو يبحلق في السقف، يحاول أن يرد على علامات الاستفهام ~~الكثيرة التي بدأت تمزق خلايا مخه، وتحفر لنفسها مكانا عميقا في ذهنه. # ونهض من فراشه يجر جسده الثقيل جرا، ولمح التليفون، وشعر برغبة قوية في أن يطلبها، ~~إنه يريد أن يسمع صوتها مرة أخرى، أن يحس فيه شيئا من اللهفة، شيئا من الاهتمام يسري ~~عنه ويخفف من تلك اللوعة التي في نفسه، وأدار قرص التليفون عدة مرات، وجاءه صوتها الكسول ~~الناعس ليس فيه ذرة اهتمام؛ لكنه كذب أذنيه وحسه وذكرها بليلة الأمس، فتمتمت ~~بكلمات لم يسمعها، وسألها في لهفة: هل تحبينني؟ فقالت وهي تتثاءب: لا، ليس بعد. وغاص قلبه ~~في قدميه، وأحس أن الجرح الذي في قلبه يتسع، يتسع ويزيد، وأن اللوعة التي في نفسه تشتد ~~وتستفحل، وأن علامات الاستفهام في مخه تغوص وتفور. # وارتدى ملابسه في إعياء وذهب إلى مكتبه، وبدا له كل شيء كئيبا مفرطا في الكآبة، ولم ~~يعد يتحمس لشيء، وجلس إلى مكتبه لا يستطيع أن ينظر في ورقة من الأوراق، وأخذ يختلس إلى ~~التليفون نظرات متلهفة حزينة، وشعر برغبة عارمة في أن يطلبها مرة أخرى، لا بد أنها استيقظت ~~تماما الآن وسوف يعود إلى صوتها اللهفة والاهتمام. لقد أصبح لا يريد منها شيئا على ~~الإطلاق سوى أن ترد إليه ثقته بنفسه؛ ثقته برجولته. # وأدار قرص التليفون، وجاء صوتها هذه المرة نشطا مليئا بالنشاط، لكنه أحس أن هذا ~~النشاط لا يمت إليه ms12 بصلة، فقال لها في استجداء: أريد أن أراك الليلة. لكنها اعتذرت في أدب ~~لانشغالها ببعض الأعمال، ووضع السماعة وقلبه يختنق من الألم؛ ما هذا الذي يحدث له؟ إنه هو ~~الذي يستجديها ويستعطفها وهي التي تهرب منه، لقد التف خيط العذاب الحريري حول عنقه هو ~~وليس عنقها. # ولم يعرف لماذا حدث ذلك، لم يتصور أبدا أن تكون هناك امرأة مثله، فقد كانت هي الأخرى لا ~~تريده هو بالذات، ولكنها كانت تريد أن تخضع رجولته المغرورة، أن تشعر به وهو ذليل جريح ~~يتعثر في استسلامه لها، ويبكي ضعفه وهزيمته، أن تلف حول عنقه خيطها الحريري وتشده ~~وراءها، كانت مثله تنشد الانتصار بأي شكل وبأي ثمن. # | من أجل المعرفة # العربة البيضاء الصغيرة تنطلق بسرعة على الشارع العريض الناعم، وهي تستند برأسها على حافة ~~النافذة، ونسمة الليل الدافئة تتخلل شعرها وملابسها، وتسري إلى جسدها فتبعث في روحها خدرا ~~جديدا ترتخي معه نظراتها المتكسرة على صفحة النيل؛ لتلتقط من حين إلى حين صورة جانبية ~~للأصابع العريضة التي تلتف حول عجلة القيادة في قوة وحماس، والعينان شبه الزرقاوين ~~تتطلعان إلى الأمام في حدة تنم عن شوق عارم إلى بلوغ نهاية الطريق. # وأخرجت رأسها من النافذة ليداعب الهواء الدافئ شعرها وبشرتها، وسمعته يقول وهو يخطف إليها ~~نظرة متلهفة: سنصل بعد قليل. # قالها بزهو؛ ذلك الزهو الذي يملأ الرجل حين يعتقد أن المرأة قد أحبته وأنه قد ملكها، ~~وحملت نسمة الليل الرقيقة عن شفتيها ابتسامة ماكرة وطوحت بها بعيدا عن عينيه، وقالت: ~~الليل في حلوان جميل. # ورمقها بنظرة مشحونة بالشوق وقال: أنت أجمل من الليل. # وهزها الحنين الصادق في عينيه، فأطرقت رأسها في خشوع واحترام، ولمحت يده وهي تترك عجلة ~~القيادة لتبحث عن يدها، فأمسكت بها في حنان وعطف. # وسمعته يقول وهو يضغط بقوة على يدها: أحبك. # وأغلقت شفتيها في صمت. # لكنه سألها: هل تحبينني؟ # فقالت وهي تقذف بنظراتها خارج النافذة: ألا ترى هذه الأنوار؟ # ونظر إلى الأمام وقال: لقد وصلنا حلوان. ~~••• # أمسكت حقيبتها الصغيرة وسارت إلى جواره ms13 يتقدمها صبي صغير ظل يسير في طرقة طويلة متعرجة، ~~ثم وقف أمام باب عليه رقم، وفتح الباب وانحنى في دأب ينتظر دخولهما. # واصطدمت عيناها بالسرير الواحد الذي يتوسط الحجرة، لكنها تجاهلته وسارت إلى النافذة ~~وفتحتها وأطلت منها على الليل الساكن الرهيب تبرق فيه النجوم، وتنهدت وهي تستنشق هواء ~~الليل الدافئ وقالت: المنظر من هنا رائع! # وشعرت به يقف إلى جوارها ويتطلع معها إلى الأفق البعيد، لكنها استطاعت أن تضبط عينيه وهما ~~تختلسان رغما عنه نظرات خاطفة وجلة إلى السرير. # وأسندت مرفقها إلى النافذة وشردت نظراتها بعيدا وعادت بها إلى القاهرة، إلى حجرة ~~مستطيلة، ومكتب صغير، وهو يجلس أمامها، بين شفتيه كلمات متعددة المعاني، وبين عينيه نظرات ~~سحيقة الأغوار تسحق قوتها وغرورها وتجعلها تنكمش عند ركبتيه وتتكور، وتدفن رأسها بين ~~كفيه، وتلهث في صمت بعاطفة عنيفة حبيسة لا تجد سبيلا إلى الخلاص، حتى حينما يشدها إليه ~~ويذيب كيانها بين ذراعيه، وتظن أن عاطفتها قد ذابت هي الأخرى مع كيانها وتفرح بالخلاص، ~~ولكن حين يبعد عنها ذراعيه تسترد كيانها وتسترد معه عاطفتها عنيفة كما كانت، حبيسة ~~كما كانت، كأنما لم تفرج عن شيء منها. # ويعود إليها الشوق، ويعود إليها القلق، ويعود إليها التساؤل الحائر بلا جواب: # لماذا هو بالذات؟ # لماذا لم يكن رجلا آخر؟ # وهل يمكن أن يكون رجلا آخر؟ # هل يمكن أن تعرف؟! ~~••• # ورن صوت الرجل في أذنيها فشدت نظراتها من الأفق البعيد إليه، ورأته واقفا إلى ~~جوارها، بين شفتيه كلمات متعددة المعاني، وبين عينيه نظرات سحيقة الأغوار، ولكنها لا تسحق ~~شيئا فيها، وحاولت أن تنكمش عند ركبتيه، وحاولت أن تلهث بأية عاطفة فلم تلهث بشيء. # وشدها إليه. # ورأت ذراعيه القويتين تحيطان بها، أكثر قوة من الذراعين الحبيبتين، أقوى عضلات وأغزر ~~شعرا، ولكنهما لا تذيبان أي شيء فيها. ~~••• # العربة البيضاء الصغيرة تنطلق على الشارع العريض الناعم، وهي تستند برأسها على حافة ~~النافذة ونسمة النهار الدافئة تتخلل شعرها وملابسها وتسري إلى جسدها، فتبعث في روحها حماسا ~~جديدا تستيقظ معه نظراتها الناعسة على ms14 صفحة النيل، وتسبقها إلى القاهرة إلى الحجرة ~~المستطيلة والمكتب الصغير. # وأخرجت رأسها من النافذة ليداعب الهواء الدافئ شعرها وبشرتها، وسمعته يقول: أحبك. # قالها بزهو؛ ذلك الزهو الذي يملأ الرجال حين يعتقد أن المرأة قد أحبته وأنه قد ~~ملكها. # وحملت نسمة النهار الرقيقة عن شفتيها ابتسامة ساخرة، وطوحت بها بعيدا عن عينيه. ~~ورمقها بنظرة مشحونة بالعاطفة، عنيفة كما كانت، حبيسة كما كانت؛ كأنه لم يفرج عن شيء ~~منها. # وهزها الحنين الصادق في عينيه، فأطرقت رأسها في خشوع واحترام، ولمحت يده وهي تترك عجلة ~~القيادة لتبحث عن يدها، فأمسكت بها في حنان وعطف، وسمعته يقول وهو يضغط بقوة على يدها: هل ~~تحبينني؟ # فقالت وهي تقذف بنظراتها خارج النافذة: ألا ترى هذه البيوت؟ # ونظر إلى الأمام وقال: لقد وصلنا القاهرة. ~~••• # في الحجرة المستطيلة، وعلى المكتب الصغير، وهو يجلس أمامها، وبين عينيه نظرات سحيقة ~~الأغوار تسحق قوتها وغرورها فتنكمش عند ركبته وتتكور، وتدفن رأسها بين كفيه، وتلهث في ~~صمت بعاطفة حبيسة لا تجد سبيلا إلى الخلاص. # ويشدها إليه ويذيب كيانها بين ذراعيه، وتظن أن عاطفتها قد ذابت هي الأخرى، وتفرح ~~بالخلاص، ولكن حين يبعد عنها ذراعيه تسترد كيانها وتسترد معه عاطفتها؛ عنيفة كما ~~كانت، حبيسة كما كانت، كأنما لم تفرج عن شيء منها، ويعود إليها الشوق، ويعود إليها ~~القلق، ولكن لا يعود إليها التساؤل الحائر: لماذا هو بالذات؟ # | شرارة من الداخل # لم تكن المسافة التي تفصل بينه وبينها تزيد على طول ذراعه، ولم يكن بالبيت أحد سواهما، ~~وعلى المنضدة الصغيرة زجاجة الخمر المعتقة ودورق الثلج الصغير، وتأملها وهي تمسك كأسها ~~في يدها وتحوطه بأصابعها، ثم تقربه إلى شفتيها في هدوء. # كانت صامتة، لكن عينيها كانتا تعبران لحظة عن الفرح ولحظة عن الألم، لحظة تتوهج ~~بالعاطفة المجنونة، ولحظة تنطفئ بالعقل البارد، لحظة تغرق في حنان متدفق، ولحظة تجف في ~~تحد قاس. # وظل يتأملها وهي تشرب الكأس وراء الكأس حتى التهب خدها بسخونة الخمر، واتقدت عيناها ~~ببريق ينم عن فوران الأحاسيس، وشعر برغبة عنيفة في أن ms15 يمسك أصابعها الرفيعة ويضغط عليها ~~بقوة حتى تتكسر بين أصابعه، ويصيح بها قائلا: التحدي في عينيك يرغمني على القسوة. أو أن ~~ينتزع الكأس من بين أصابعها ويلقي بها من النافذة ويصرخ في وجهها: ألا يمكن أن تبادليني ~~الحب بدون أن تفقدي الوعي؟ أو أن يجلس عند ركبتيها ويدفن رأسه في صدرها ويبكي ويقول لها: ~~حنان عينيك يبكيني. # لكنه لم يفعل شيئا، ظل يتأملها ساكنا، وسعادة خفية تدغدغ خلايا جسده وقلبه وعقله، وكل ~~شيء خارج هذه الحجرة الصغيرة تافه، حتى فنه؛ فنه الكبير الذي انتصر على كل اهتمام في حياته. ~~ولماذا لا يكون الفن تافها؟ ألم يكن يكتب من أجل تحقيق شيء ... مثل هذه اللحظة التي يعيشها ~~الآن؟ ألم يكتب سنين طويلة من أجل لحظة مثل هذه اللحظة، ولم تستطع الكتابة أن تعطيها له ~~مطلقا؟ كل إنسان خارج حدود هذه الإنسانية لا وجود له الآن، حتى ابنته؛ ابنته الوحيدة ~~الصغيرة التي انتصر حبها على كل حب في حياته. ولماذا لا يتلاشى وجود ابنته؟ ألم يكن ~~يحبها لأنها نتاج حب قديم، وقد جاء الحب الجديد الذي يمحو القديم، والذي يمكن أن يعطيه ~~نتاجا جديدا؟ # ونظر في عينيها الجسورتين، لم تفعل الخمر بجسارتها شيئا؛ كأنما لم تشرب قطرة خمر واحدة، ~~لولا تلك الحمرة الخفيفة التي شابت بياض عينيها، وتلك الومضات المجنونة التي تبرق فيهما من ~~حين إلى حين. # وتأمل شفتيها وهما تنفرجان في محاولة للكلام، وابتسم لها مشجعا، إنه يريد أن يسمع ~~منها شيئا وهي نصف واعية، وعقلها الصارم نصف نائم، ولكنها لم تقل شيئا، ابتسمت في صمت ~~وعادت لتملأ كأسها من جديد. # ولم يتحمل، رأى يده ترتفع على الرغم منه وتمسك كأسها وتنتزعه من بين أصابعها، وقال وهو ~~يحتوي أصابعها الساخنة بين أصابعه الباردة: كفى! ونظرت إليه في دهشة، وقالت وهي واجمة: أنت ~~الذي أحضرت زجاجة الخمر. تذكر فورا اللحظة التي وقف فيها أمام بائع الخمر مترددا ~~أيأخذ معه زجاجة الخمر؟ لم يسبق له أن تردد في شراء زجاجة قبل ذهابه للقاء ms16 امرأة؛ ولكنه لا ~~يريد أن يذهب إليها حاملا خمرا، لماذا؟ لعله شعر أنه لن يكون بحاجة إلى فقدان وعيه، أو ~~أنه سيفقد وعيه بلا خمر، أو أنه حين يجلس معها يصبح كل شيء تافها، حتى الخمر، حتى الخمر ~~تفقد طعمها ومعناها وتأثيرها؛ ألم يشرب، ولا يزال عقله متقدا متنبها لكل حركة من ~~شفتيها، ولكل ومضة في عينيها، ألا يزال واعيا؟ لم يخرج منه تلك الأحاسيس الدفينة التي ~~يكتبها العقل وتحررها الخمر فينطلق يفعل ما يريد بلا تفكير؟ وسمعها تضحك ضحكة قصيرة وهي ~~تقول: صدقتك حين قلت إنها علبة بسكويت، تصور غبائي! وابتسم في شيء من الحرج؛ لماذا ألبس ~~زجاجة الخمر ثوبا تنكريا ووضعها في علبة بريئة من علب البسكويت؟ لعله كان يريد شراء علبة ~~بسكويت بدلا منها، ولكن ماذا تقول المرأة حين يشتري لها الرجل علبة بسكويت؟ أتفرح ببراءتها ~~وسذاجتها؟ أم تحزن لبراءتها وسذاجتها أيضا؟! # واقترب منها قليلا، وحاول أن ينطق بشيء، لكنه لم يقل شيئا. أيمكن أن تعبر كلمة الحب عن ~~ذلك الزلزال الذي يرج عقله وقلبه وجسده؟ وأطبق شفتيه في صمت وأطبق أصابعه على أصابعها في ~~قوة. آه لو تلاشى عقله أمام لحظة الجنون واحتواها بين ذراعيه، وظل يضغط عليها حتى تذوب؛ ~~ولكنه ظل مترددا، لماذا هو متردد؟ ألا يجد في عينيها إجابة واضحة على السؤال الذي يصرخ ~~في أعماقه: هل هي تحبني؟ # ولكن تيارات التعبير المتباينة تمر بعينيها دون أن يلتقط جوابا، نظرة الحنان تحرك ~~قلبه، ونظرة التحدي تثير رجولته، الأنوثة العارمة فيها إلى جانب تلك القوة التي تكاد تشبه ~~قوة الرجولة؟ الأنوثة التي تشعره برغبة عنيفة في الالتصاق بها، والرجولة التي تشعره برغبة ~~مثلها في الفرار منها، التناقض العجيب فيها، التناقض الساحر، سحر الحياة وسرها، وهذا الشعور ~~العجيب، الشعور المتناقض، رغبته في الالتصاق بها ورغبته في الفرار منها، يربطه بها ربطا. ~~هل هو ساحر مثلها؟ هل يحتوي كيانه على التناقض؟ هل يجمع مثلها بين رجولة قوية وأنوثة رقيقة؟ ~~لم يقابل من قبل امرأة واحدة تجمع بين ms17 هذا التناقض، كانت المرأة إما أنوثة يرغب في ~~الاتصال بها وإما رجولة يرغب في الفرار منها، ولكن أن يرغب في الالتصاق والفرار في نفس ~~اللحظة وبنفس القوة؟ هذا هو الصراع الرهيب الذي يولد في أعماقه شرارة التردد، شرارة العقل ~~الذي لا يغيب، شرارة العاطفة التي لا تهدأ. # وابتسم في إشفاق على نفسه وهو يحترق من الداخل بشرارة غريبة تضيع عليه فرصة الاستمتاع ~~باللحظة التي يعيشها، لم يحترق من قبل بشرارة داخلية، كان يحس الشرارة خارجه وكان يطفئها ~~بيديه أو شفتيه أو ذراعيه؛ ولكن كيف تصل أصابعه إلى تلك الشرارة المشتعلة في داخله؟ # لا شيء سوى أن يعيش معها إلى الأبد؛ أن يتزوجها، أن يقترن كيانه بكيانها، وسمع نفسه يقول ~~لها: لنتزوج! # ورآها تعتدل في جلستها ودموع كالندى تبلل عينيها، وقالت وهي حزينة: وزوجتك؟ # آه! تذكر زوجته، وابنته، ولكن ليس لأحد وجود الآن في عقله وقلبه. # وقال في إصرار: أطلقها. # واعتدلت أكثر في جلستها، وبدأت تتكلم، وتكلمت كلاما نبيلا عاقلا، ولكن ما أقبح النبل ~~في لحظة الحب! وما أقبح العقل في لحظة الجنون! وسمعها تقول: لا تطلق زوجتك من أجلي، ولا ~~تفرق بين أم ابنتك وأبيها. # وشعر برغبة في أن يرد على نبلها بصفعة عنيفة على وجهها تخلع عن رأسها ذلك العقل القبيح، ~~ذلك الكذب، ذلك النفاق، أيمكن لها أن تكون صادقة إذا كانت تحبني؟ أليست العاطفة طوفانا ~~هائلا من الصدق والأنانية والجنون، يجرف في تياره كل ادعاء وكل نبل وكل عقل؟! # وكبح جماح غضبه واغتصب ابتسامة امتنان وتقدير وقال: أنت إنسانة نبيلة عظيمة. # ونهض في هدوء وارتدى سترته وقال في أدب ورقة: سأذهب. # نظرت إليه في دهشة؛ سيذهب؟ إلى أين؟ وبدا لها خروجه من بيتها شيئا عجيبا، لم يكن ضيفا ~~وانتهت مدة زيارته، كان ... كان رجلها، رجل حياتها؛ زوجها، ابنها، وأباها، وبيتها هو بيته، ~~أيخرج من بيته؟ وإلى من يذهب؟ وشعرت برغبة عنيفة في أن تحول بينه وبين الخروج، أن يتلاشى ~~عقلها أمام لحظة الجنون، أن تطفئ شرارة التردد التي ms18 تشتغل داخلها شرارة الحب، ولكن الشرارة ~~كانت داخلها، وأصابعها لا يمكن أن تصل إليها. # وأخفت دهشتها تحت ابتسامة نبيلة مهذبة، وصافحها في أدب شديد وخرج. # | قلبي الذي عصيته # عيناي مفتوحتان لا تريان، والظلام كثيف ومخيف، والطريق ضيق حار، وأنفاسي بطيئة مخنوقة، ~~وجسدي ثقيل مشلول. # أيمكن أن تكون هناك تعاسة أكثر من هذه التعاسة؟ # أيمكن أن تبدو الحياة كئيبة كهذه الكآبة؟ # حين يفقد المرء بصره مع أن له عينين، حين يشتد الظلام في وسط النهار؟! # كان أحد الملايين الذين تمر وجوههم أمامي فلا أكاد أذكر منها شيئا سوى أنها ~~آدمية. # لكنه أراد أن يشد عيني الشاردتين إليه، أراد ... ولم يكن يملك شيئا من الإنسان إلا ~~إرادته. # واستقرت عيناي عليه لحظة. # أنفه منخفض قصير يوحي إلي بأنه شرير، وشفتاه رفيعتان مقوستان إلى أعلى كحاجب امرأة ~~شريرة، وعيناه قاسيتان يرتج صفارهما الباهت الصغير في البياض الكبير كما يرتج الصفار ~~داخل البيضة العفنة. # وأشحت بوجهي عنه لكنه استدار وواجهني. # تركت له المكان فتبعني كالظل، وركع على ركبتيه وبللت دموعه أرضي واعترف لي بالحب ~~العملاق. # لم يصدقه قلبي ونفر منه؛ لكن عقلي صدقه، هو رجل، غني ناجح، مرموق. # كان قلبي يحتقر عقلي؛ يحتقر مفاهيمه وأساليبه، يحتقر أرقامه وموازينه وكشوف حساباته، ولم ~~يكن لعقلي حول ولا قوة أمام جبروت قلبي؛ فيتكور كالطفل اليتيم في جمجمته الضيقة المظلمة، ~~يجتر هزيمته في صمت منتظرا المأساة. # كنت أتبع قلبي دائما، وكنت أحزن، وأشقى، وأفلس، وأجوع، ولكني لم أفكر مرة واحدة في ~~الخروج على قلبي. # لماذا؟ لا أدري. # ولكني صممت على أن أخرج عليه مع هذا الرجل، ولأجرب عقلي هذه المرة. ~~••• # جلست أمامه أحاول أن أنظر إلى صفحة النيل العميقة بدلا من عينيه الباهتتين الضحلتين، ~~وأحاول أن أجد في كلماته اللزجة المتكلفة الخالية من الفن والذكاء شيئا ذا معنى. # كان يتحدث عن التجارة، وعن العرض والطلب، وكيف يصطاد الزبون ليعطيه أبخس شيء بأغلى ثمن، ~~ويسمي ذلك فنا وذكاء. ~~••• # أحسست بقلبي يغلي بين ضلوعي اشمئزازا منه؛ لكن عقلي كان يبادر فيذكرني ms19 بجاهه وماله ~~ونجاحه . # فلأروض قلبي على احترام فن التجارة. # جلست إلى جواره في عربته الوثيرة الناعمة، وأغمضت عيني لأغيب مع أحلام عقلي. # ما أجمل الثراء! ما أمتع أن أركب عربة فاخرة فارهة كالطائرة تسبح بي في شوارع القاهرة! ... ~~بل ما أمتع أن أمتلك هذه العربة وأمتلك صاحبها أيضا! # وتقزز قلبي من أحلام عقلي. # أنا؟ أنا أفكر في الامتلاك؟ في الأخذ؟ أنا التي كنت أعطي وأعطي، وكانت سعادتي هي أن ~~أعطي وأعطي؟ # ولكن ماذا فعل لي العطاء؟ # كنت أحزن، وأشقى، وأفلس، وأجوع، فلأجرب الأخذ هذه المرة، ولأعلم نفسي أن تأخذ ~~وتأخذ. ~~••• # رأيته يقترب مني وينظر إلي بعينيه المرجوجتين المائعتين، وأمسك يدي في يديه، فانتفض ~~قلبي حانقا غاضبا؛ لكن عقلي تصدى له زاجرا ناهرا، فسكت. # واقترب مني أكثر وأكثر، ورأيت شفتيه الرفيعتين المقوستين إلى أعلى كحاجب امرأة عاهر ~~تقتربان من شفتي، وقفز قلبي نافرا مشمئزا، لكن عقلي ذكرني بمواهبه؛ إنه ثري، وسوف يصبح ~~ثراؤه ثرائي. # إنه غبي؛ وسوف يريحني من غرور الأذكياء. لم أحاول أن أدقق النظر إلى شفتيه أو عينيه، لم ~~أحاول أن أدقق الفهم لحديثه أو حركاته. # واتهمت قلبي بالغباء والسذاجة، هذا القلب الذي يؤمن بأشياء تافهة لا منطق فيها ولا ~~معنى. # عيناه عميقتان! أفكار ذكية! إحساس مرهف! نفس فنانة! قيم روحية! ... # أشياء تافهة حقا، مجرد أوهام يحس بها قلبي الساذج بلا واقع لها على الأرض وبلا مبررات ~~وبلا مقاييس إلا مقاييس إحساسي المبهم الغاشم! # أغمضت عيني، وأغلقت أذني، وأوصدت صمامات قلبي، وناولته شفتي. # وقال بصوت ضحل: أتحبينني؟ # كاد قلبي يصرخ ويقول: لا لا. لكن عقلي قفز أمامه وقال: نعم! # وقال بصوت قبيح: أتتزوجينني؟ # حاول قلبي أن يولول ويقول: أبدا أبدا. لكن عقلي سد عليه الطريق وقال: نعم. ~~••• # تربع عقلي على عرشه في انتصار وزهو يتأمل الجدران الشاهقة المنقوشة، ويتشمم الأطباق ~~الشهية المتنوعة، ويتطلع إلى الملابس الفاخرة المتعددة، ويتحسس الفراش الوثير الثمين، ~~ويطل على العربة الطويلة القابعة أمام القصر في خشوع وانتظار. # نعم، هذه هي الحياة؛ الحياة التي تستحق أن ms20 تعيشيها، أتلقين بكل هذه الأشياء الثمينة ~~الغالية النادرة من أجل أوهام ترتع في قلبك؟! # تعلمي أن تحبي هذه الحياة، وأن تحبي هذا النعيم وهذا الترف، عودي حواسك على هذه ~~المتع الجديدة. # ماذا كان يرضيك في ذلك الحرمان الذي كنت تعيشين فيه؟! تفضلين بضع كلمات ضائعة في الهواء ~~على أكلة دسمة لذيذة، تفضلين رجفة القلب الوهمية على رجفة الجسد المحسوسة، تعلمي أن ~~تعشقي جسدك وتشبعي حواسك. ~~••• # جلست إلى المائدة الكبيرة الشهية، وأكلت وأكلت، فتحت صوان الملابس الفاخرة، ولبست ولبست، ~~ركبت العربة الطويلة الفارهة، وسبحت وسبحت، تمددت على الفراش الناعم الوثير، ونمت ونمت، ~~لفتني دوامة رهيبة، لها دوي كئيب شديد صم أذني، وسحب الضوء من عيني، وأوصد منافذ ~~إحساسي وإدراكي، أحسست أنني نوع غريب من البهائم يمشي على قدمين، نظرت إلى نفسي في المرآة ~~فرأيت وجها غريبا علي، مليئا باللحم والأصباغ، فارغا من الوعي والتعبير، وعينين ~~مطفأتين جاحظتين كعيني الضفدع، وشفتين يابستين لا تقويان على الابتسام. # لم أعثر في وجهي على ملامح وجهي، ولم أعثر في أغوار نفسي على نفسي، رأيت نفسا أخرى متخمة ~~مترهلة، وأحسست جسدا سميكا غليظا ليست فيه ملامح جسدي، وكأنما ضاع مني كل شيء، ضاع مني ~~نور عيني، الابتسامة الطبيعية السهلة استعصت على شفتي. # لا شيء يواسيني، لا شيء يبعث في الأمل، لا شيء يثيرني، لا شيء يحمسني. # ذهب قلبي وذهب معه إيماني بوجودي وحياتي. # ورأيته يقبل نحوي. # من هذا الرجل الغريب الكئيب الذي يقتحم علي غرفة نومي؟ # وسمعت صوته الضحل القبيح يقول: كسبت اليوم صفقة جديدة، استأصلت المصران الأعور بمائة ~~جنيه. ~~- كنت تجري هذه العملية بخمسين جنيها فقط؛ لماذا ضاعفت الثمن؟ ~~- كان المصران غليظا. # نظرت إليه، فرأيت له أنفا منخفضا قصيرا يوحي إلي بأنه منحط، وشفتين رفيعتين مقوستين ~~إلى أعلى كحاجبي امرأة رخيصة، وعينين قاسيتين مرجوجتين يرتج صفارهما الباهت الصغير في ~~البياض الكبير كما يرتج الصفار داخل البيضة العفنة. # لماذا لم أصدق قلبي؟ # قلبي صادق أمين رفيع، وعقلي حقير خسيس وضيع، ورشقت عقلي بنظرة احتقار بالغة وهو ms21 يحتمي مني ~~داخل جمجمته الضيقة المظلمة يجتز انتصاره القبيح البشع؛ ولكن لا تظن أنك انتصرت، لا ~~تظن أنك تربعت على عرشي. # سأهوي بك إلى أسفل! ~~••• # تعمدت أن أذل عقلي، فتركت كل شيء، تركت القصر والسيارة، تركت المائدة الشهية والفراش ~~الوثير، تركت حتى ملابسي وأحذيتي ونقودي وأوراقي وبطاقتي العائلية. # وقال لي بصوته الجشع: إلى أين؟ ~~- إلى بيتي. ~~- وهذا؟ ~~- ليس بيتي. ~~- ماذا حدث لعقلك؟ ~~- عزلته. ~~••• # عيناي مفتوحتان لا تريان، والظلام كثيف ومخيف، والطريق ضيق حار، وأنفاسي بطيئة مخنوقة، ~~وجسدي ثقيل مشلول، أيمكن أن تكون هناك تعاسة أكثر من هذه التعاسة؟ # حين يفقد المرء بصره مع أن له عينين، حين يشتد الظلام في وسط النهار؟ # وأنا أسير كالتائهة، أبحث عن شيء عزيز غال في أغوار نفسي، أحاول أن أعثر عليه لأعيده ~~إلى عرشه، ولأتبعه وأتبعه وأتبعه، ولأحزن، ولأشقى، ولأفلس، ولأجوع، ولكن سيكون هناك شيء ما ~~يواسيني، شيء ما يبعث في الأمل، يصنع طيفا من السعادة يلون صفحة الحياة أمامي بالرغم من ~~كل شيء، يجعل الابتسامة الطبيعية سهلة على شفتي، يشعل الضوء في عيني، يجعل إيماني بوجودي ~~وحياتي لا يتزعزع، لا يموت. # يجعلني أحيا، وأحتمل الحياة. # أنا أسير، وأنا أبحث عنه، ترى هل أعثر عليه مرة أخرى؟ لا أدري ... لا بد! # | عم عثمان # كانت عيناها تتعلقان بشريط الضوء الرفيع الذي يمتد من الهلال المقوس الناحل، ويتسلل ~~كنصل السيف في ظلمة السماء الداكنة، ثم لا يلبث أن ينكسر بين كتل الأشجار السوداء إلى قروش ~~فضية لامعة تنساب متفرقة من بين غصونها وأوراقها المتشعبة، ثم لا تلبث أن تتماسك وتتجمع ~~مرة أخرى لتصبح شريطا رفيعا يكاد يتهاوى في الجو لبضع خطوات حتى يسقط في النيل، ويتدحرج ~~على صفحة الماء المتعرجة مستسلما معها لحركات الريح العابثة. وكأنما يلذ له ملمس ~~الماء البارد فيغرق نفسه في النيل عمدا، ويستحم فيه كقرموط سمك ناصع البياض يتلوى ~~نشوان مع نسمات ليل القاهرة الدافئ. # كانت عيناها نصف المغمضتين تلوذان من الخلود إلى النوم من فرط السعادة والهدوء بذلك ~~الشريط الرفيع من ms22 الضوء، تتبعانه من أول طريقه في السماء إلى آخر مطافه غريقا طروبا، ~~وشعرت ببرودة الماء من حول جسمها الساخن، فشعرت بسعادة جديدة وتمنت لو خلعت ملابسها ~~وألقت بنفسها في أحضان الماء. # لكنها ظلت على كرسيها جالسة تكتفي بمتعة النظر والتأمل، وفجأة شلت نظراتها، كأنما ~~سحبت منها كهرباء الرؤية، على صوت دقات ساعة الجامعة تأتيها من بعيد، وسرت كهرباء السمع ~~في أذنيها تعد الدقات دقة دقة، والأمل والخوف معا يصوران لها أن الصوت سينقطع بعد تلك ~~الدقة الأخيرة، لكن دقة أخرى تطرق أذنيها فيكاد يغوص قلبها في قدميها. وظل صوت الساعة ~~يهدر في ظلام الليل كضرغام جائع حتى أكمل اثنتي عشرة دقة بالتمام والكمال. # وهنا أفاقت من نشوتها تماما واستردت بصرها ورأت الحقيقة ماثلة أمامها، الحقيقة ~~المرة، ورأت زجاجة البيرة الفارغة وبجوارها كوبان كبيران فارغان من تحتهما منضدة خشبية ~~حقيرة، ورأت أصابع يده الرفيعة تعبث بطرف المنضدة، ولم تكن تعرف أن أصابعه رفيعة إلى ذلك ~~الحد، وهبطت نظراتها إلى قدميه ورأت حذاءه الأسود واستغربت منظره، وصعدت نظراتها إلى وجهه ~~ورأت عينيه اللامعتين تنظران إليها فتذكرته. نعم، إنه هو، ولكن لماذا يبدو حذاؤه وكأنه ~~حذاء رجل آخر؟ ولماذا تبدو أصابع يديه نحيلة رفيعة كأنها ليست أصابعه؟ # وسمعت صوته الدافئ يقول: هل أخافتك دقات الساعة إلى هذا الحد؟ ماذا يضايقك؟ هل ~~تأخرت؟ # وارتعد جسمها الصغير وهي تقول: جدا، لم أتصور أن الوقت يمضي بهذه السرعة، كنت أظن ~~أنها العاشرة فقط. # وارتسمت على وجهه ابتسامة الرضا الذي يفيض بالرجل حين صارحته بالحب الذي يفقدها ~~الإحساس بالزمن، وقال يطمئنها: إن الأسرة سافرت إلى الإسكندرية، وليس معك بالبيت أحد إلا ~~الخادمة العجوز، ولا بد أنها نامت من الساعة التاسعة؛ إن النساء العجائز لا يجدن شيئا ~~مثل النوم العميق. # وقالت بصوت فاتر: هذا صحيح، ولكن ... # قال: ولكن ماذا؟ # وقفزت إلى رأسها فجأة صورة عم عثمان بشاربه الكث الطويل كأنه حيوان بري يرقد على شفته ~~العليا، ووجهه الأسود اللامع، وشفتاه الغليظتان الزرقاوان تنقلبان إلى أعلى وإلى أسفل ~~لتبينا ms23 عن أسنانه البيضاء الكبيرة. # وانتفض جسمها الصغير، وهي تقول بصوت ضعيف: ولكن عم عثمان يسهر طول الليل على دكته كأنه لا ~~ينام كبقية الناس، وسوف يراني حين أعود بعد منتصف الليل. # ورن صوت قهقهة في الليل الساكن، وألقى برأسه إلى الوراء في حركة تنم عن الطمأنينة وخلو ~~البال: عم عثمان؟ وما شأن عم عثمان بك؟ إنه بواب العمارة فقط، ولا دخل له على الإطلاق في ~~حياتك، تعودين أول الليل أو آخره هذا من شأنك أنت؛ إن وظيفة البواب هي أن يراقب الغرباء ~~عن العمارة لا أن يراقب السكان. # وقالت في أسى: بل إنه يراقب السكان فحسب. ~~- ها ها ها ... لم أكن أتصور أنك تخافين من عم عثمان إلى ذلك الحد. # قالت في تمرد: إنني لا أخاف منه، ولكني لا أحب أن يظن بي سوءا؛ إنه من أقاصي الصعيد ~~حيث تلبس المرأة العباءة. # قال: ولكنه يعيش في القاهرة ويرى المرأة المتحررة التي تدخل وتخرج كالرجال. # قالت: إنه لا يفهم ذلك. لقد قالت لي الخادمة العجوز ذات يوم أنه حدثها عن سوء سلوك ~~إحدى الساكنات لأنها تتأخر بالليل أحيانا. # قال: أليس من المحتمل أن عملها يؤخرها ليلا، أو أنها في حفلة، أو أي شيء من هذا ~~القبيل؟ # قالت: إنه لا يفهم سوى أنها امرأة، ولا بد أنها أمضت ساعات الليل هذه مع ~~رجل. # وسادت فترة صمت طويلة، وتخيلت عينيه السوداوين الحمراوين تنظران إليها من تحت العمامة ~~البيضاء الكبيرة نظرة شك وريبة، وتظل هاتان العينان تصوبان لها مثل هذه النظرة كل ~~صبح وكل ظهر وكل عصر، كلما تخرج وتدخل من باب العمارة. وكأنما أحس بما يراودها، فقال لها: ~~حسنا، حين تدخلين الليلة وينظر إليك نظرة الشك، قولي له إنك كنت مع خطيبك، وإنك ~~ستتزوجين بعد أيام. # ورن صوتها في سكون الليل غاضبة: أتتصور أني أقف أمام ذلك البواب بعد منتصف الليل ~~لأبرر له تأخري، وأشرح تفاصيل حياتي الخاصة كأنما هو ولي أمري؟ أليس هذا شيئا مهينا ~~لي؟ # قال: أنا مستعد أن أقول له ms24 أنا ذلك لو أردت. # قالت: إن ذلك أشد مهانة لي ولك؛ إنه البواب وليس المأذون. # قال في حيرة: ما هو الحل إذن؟ هل أسبقك إليه وأطلق عليه الرصاص قبل وصولك؟ # وضحك ضحكة مرحة صافية، كأنما ليس هناك معضلة ليس لها حل في نظرها سوى أن يموت عم عثمان ~~فعلا قبل أن تصل إلى باب العمارة، ولكنه يموت قضاء وقدرا، وليس قتيلا. # وأخذت تفكر في الأمراض التي يمكن أن تداهم الإنسان وتقضي عليه في الحال. ولم تكن تعرف ~~شيئا عن الطب والأمراض، ولكنها سمعت عن أناس يموتون بالسكتة القلبية في ثوان، وقالت ~~لنفسها: آه لو كانت تصيبه السكتة القلبية الآن، فيرقد ويغمض عينيه الحادتين الناريتين ~~كفوهات البنادق. # ولكن صورة أطفاله الثلاثة ارتسمت في خيالها وهم جالسون إلى جواره على الدكة الخشبية ~~يحملقون في الداخل والخارج بعيون بريئة جائعة مسكينة. # لا، إنها ليست بهذه القسوة. لا داعي للسكتة القلبية القاتلة، لماذا لا تمرض عيناه ~~فيربطهما بأربطة ثقيلة من الشاش فلا يرى بهما أحدا؟ ولكن كيف تمرض عيناه بتلك السرعة؟ لقد ~~رأته وهي خارجة من العمارة منذ ساعات قليلة ينظر كالصقر هنا وهناك وعيناه تقدحان ~~شررا. # لا شيء إذن غير السكتة القلبية، وسوف تتبرع لأطفاله بجزء من طعامها كل شهر. # آه! لماذا تراودها تلك الأفكار السوداء، وإن الوقت يمر والليل يرتحل أكثر وأكثر. ونظرت ~~في ساعتها وقالت له في ذعر: إن الساعة تقترب من الواحدة، ماذا أفعل؟ أريد أن أذهب إلى ~~البيت. # وقال باسما: سآتي معك لأوصلك. # قالت: لا، سيراك عم عثمان، إنه سيظن حتما أنني كنت مع رجل، ولكن هذا أفضل من أن ينقلب ~~ظنه يقينا ويرى الرجل بعيني رأسه. # وضحك ضحكة طلقة، ونظرت إليه وهي تقول: إنك لا تحس ولا تشاركني مشكلتي الفظيعة، إنك تضحك ~~من قلب خلي. طبعا أنت رجل تعود إلى بيتك في أي وقت من الليل رافعا رأسك في تيه وكبرياء، ~~ويقف لك البواب احتراما لمغامراتك مع النساء. # وقال في دهشة: إنني لا أصدق أن يكون عم عثمان ms25 هو بطل مشكلتك الفظيعة هذه! كأنك لم ~~تتعلمي وتؤمني بحقك في ممارسة الحياة الحرة، فتصنعي لنفسك قيودا وهمية تقيدين بها نفسك ~~دون داع. # قالت: إنك لا تستطيع أن تحكم لأنك لم تكن امرأة أبدا. # إن عم عثمان ليس هو عم عثمان وحده، وإنما هو المجتمع كله الذي أعيش فيه. إن المجتمع يحكم ~~علي من خلال رأس عم عثمان الفارغ المعمم، وعينيه اللامعتين كعين الثعبان. إنها ليست مشكلة ~~عم عثمان وحده التي تقلقني، إنها مشكلة المجتمع كله. # وشعرت بموجات من التمرد تعصف بكيانها الصغير، ولمعت عيناها فجأة ببريق العصيان والجموح ~~وقالت: ولكن يجب علي ألا أعبأ بشيء، أنا حرة في حياتي الخاصة مثلك. لقد نلت الليسانس كما ~~نلته أنت، وأشتغل كما تشتغل أنت، وأستلم ماهية مساوية لماهيتك؛ يجب أن أمارس حريتي كما ~~تمارسها أنت. # قال: هذا ما يجب أن تفعليه كامرأة قوية لها شخصيتها واستقلالها. # قالت: سأفعل، والآن هل ستوصلني إلى باب العمارة؟ # قال: إذا شئت. # وسارا في الطريق المظلم الخالي من الناس، وقد بدا أكثر اتساعا وأكثر نظافة، وأحست ~~بأصابعه تلتف حول يديها في قوة وصدق، فهدأت نفسها واستكانت تحت ذراعيه وسارت بخطى بطيئة ~~ناعسة كأنها في حلم لا تريد أن تصحو منه. # ولكنها سرعان ما تيقظت حين لمحت العمارة التي تسكن فيها من بعيد، وخفق قلبها وتسربت ~~منها القوة التي أحست بها منذ قليل ونظرت إلى ساعتها، كانت الثانية صباحا، فقالت في صوت ~~متخاذل: أظن من الأفضل ألا يراك عم عثمان معي في ذلك الوقت المتأخر. # وقال: ولكنك صممت منذ قليل على ممارسة حريتك. # قالت: نعم، ولكن لا داعي لذلك الآن، يمكنني أن أمارسها من الغد. # وضحك ضحكة خافتة حتى لا يرن صداها في سكون الليل الهاجع، وضغط على يدها وتمنى لها ~~التوفيق ووعدها باللقاء في الغد، ثم انصرف. # وسارت وحدها في وجل تشد عضلات وجهها وجسمها وتشحذ أسلحتها كلها لمواجهة نظرة عم عثمان ~~النارية المتشككة، ورفعت رأسها في كبرياء مصطنعة تحاول أن تخفي بها قوتها الهاربة. # ووصلت إلى ms26 باب العمارة، وسبقتها عيناها المهزوزتان إلى مكان دكة عم عثمان بجوار الباب، ~~ورأت وهي تبتلع أنفاسها كتلة من الملابس البيضاء. # وساورها شعور غامض بأنه قد فارق الحياة، لكنها لم تدقق النظر في الكتلة البشرية لترى ~~إذا ما كان يصدر منها أي حركة تشير إلى الحياة من قريب أو بعيد، فلم يكن يهمها في تلك ~~اللحظة أن يكون حيا أو ميتا. # ومشت بجوار الدكة رافعة رأسها في قوة وكبرياء، ونظرت شزرا إلى الكتلة الراقدة، وقالت ~~لنفسها في سخرية: ما كان أتفه تفكيري! أكنت أجلس بجوار النيل الساحر ومعي الرجل الذي أحبه، ~~ثم أقضي الوقت وأنا أتخيل صورة عم عثمان؟ ما كان أجهلني! أضيع اللحظات الجميلة السعيدة ~~وأنا أخاف من شبح تلك الكتلة الغائبة عن الوعي؛ ذلك البواب الذي آمره فيطيع ثم أعطيه أجره ~~بضعة قروش. # وأعطت ظهرها للدكة الخشبية وسارت نحو السلم سعيدة بتلك القوة التي تحس بها، وسمعت من خلف ~~ظهرها صوت شخير غليظ خافت، وتوقفت عن المسير لحظة، ثم استدارت خلفها ورأت عم عثمان يغط ~~في النوم العميق على الدكة، ومصمصت شفتيها في إشفاق وهي تقول لنفسها: مسكين عم عثمان! إنه ~~يرقد في الشارع بعد المجهود الطويل الذي يقوم به طول النهار وجزءا من الليل. # وصعدت السلم بخطى ثقيلة وهي تسأل نفسها في حيرة: كيف يتحول شعورها في لحظة من الخوف من ~~عم عثمان إلى الشفقة عليه؟! وزادها شعور الشفقة إحساسا بقوتها وكبريائها، ووضعت المفتاح في ~~الباب ودخلت بيتها وخلعت ملابسها، واستلقت على سريرها وهي تبتسم لنفسها في سعادة وراحة ~~بال. # | ابتسامة # صحوت من نومي فوجدت الحزن يملأ قلبي ونفسي، ويجعلني أشعر أن جسدي ثقيل، ثقيل كأنه مصنوع ~~من الحديد، لا بد له من قاطرة تجره من فوق السرير إلى الأرض. وأخذت أقلب في رأسي ~~وقلبي عن سبب هذا الحزن الكبير، فلم أعثر على شيء، حتى رأسي وقلبي لم يكن لهما وجود في تلك ~~اللحظة. # وأحسست أنني أكره كل شيء في حياتي؛ عملي وفني وأمومتي وبنوتي وحبي وصداقتي، كل ms27 شيء حتى ~~نفسي ووجودي، وأخذت أتأمل أطرافي الممدودة في الفراش كأنها مشلولة، فشعرت بموجة عارمة من ~~الاشمئزاز من ذراعي وساقي، كأنما هي أطراف صناعية، وخيل إلي لحظة أن عقلي قد نسي ~~تماما كيف يحرك هذه الأطراف، وأنها لن تتحرك أبدا ... أبدا. # وخفق قلبي من الرعب خفقة كبيرة قوية سحبت الدم من رأسي وقدمي وصبته في صدري، ~~فالتهب من سخونة الدم وأصبح كبركان مغلق على جمر من نار، ووجدتني أقفز من السرير دفعة ~~واحدة كأنما مس جسدي سلك كهربائي عنيف، ووقفت على الأرض، وانتصبت واقفة على قدمي ورحت ~~أهزهما بعنف؛ لأتأكد من أنهما يعملان كما كانا كل يوم. # ومشيت في خطوات وجلة إلى صوان الملابس، وارتديت أقدم ملابس عندي، ومشطت شعري بلا عناية، ~~ونظرت في عيني، ولم تمتد يدي إلى القلم الأسود لأرسم به فوق رموشي ذلك الخط الأسود الذي ~~أرسمه كل يوم، وأمسكت حقيبتي في يدي وخرجت دون أن أشرب فنجان الشاي الذي أشربه كل صباح، ~~وسرت في الشارع، وقادتني قدماي إلى محطة الأتوبيس كما تقود الحمار أرجله من الدار إلى ~~الحقل. # وجاء الأوتوبيس منتفخا بالناس كالعادة، واستطعت أن أصعد إليه وأدخل فيه. كيف؟ لا أدري! ~~ولكني وجدتني فجأة داخل أتون فظيع من الأنفاس الساخنة الكئيبة؛ بعضها دخان، وبعضها مرض، ~~وبعضها بصل، ولم تكن بي رغبة في الحياة، أية رغبة لأهرب كعادتي إلى جوار نافذة من النوافذ ~~وأخرج رأسي منها؛ كان الحزن الغامض الذي أذاب إرادتي وفتت عقلي ونفسي قد جعلني أقف حيثما ~~وقفت غير عابئة بما حولي، غير مكترثة بتلك الأذرع اللزجة التي تحيطني من كل جانب. # وتساقطت نظراتي الغائرة العمياء على شيء ... وجه ... وجه طفل؟ وجه فتاة؟ وجه رجل؟ لا أدري، لم ~~تستطع عيناي الكليتان أن تتبينا صاحب الوجه، لكني رأيت وجها، ورأيت على الوجه ~~ابتسامة. # وشدتني الابتسامة إلى الدنيا فجأة كما تشد سنارة الغواص اللؤلؤة من قاع البحر إلى ~~سطح الأرض، كأنما كنت في قاع عميق مظلم بعيد، ثم جذبوني بحبل إلى النور والهواء، وكأنما ~~نسيت شفتاي ms28 الابتسام! # فنظرت مشدوهة إلى الوجه لا أدري كيف أرد على هذه الابتسامة العجيبة التي بدت لي لغة ~~جديدة لم أتعلمها، وهززت رأسي بلا إرادة وبلا معنى لأرد على ابتسامته، وعيناي ثابتتان ~~على وجهه، متعلقتان بشفتيه كغريق يتشبث بحبل النجاة. # وأحسست أن ثقل قدمي قد خف بعض الشيء، وأن جسدي الحديدي قد لان بعض الليونة، وفتحت فمي ~~بلا وعي ووجدتني أنطق بلا إرادة: أشكرك. # ورنت الكلمة في أذني رنينا عجيبا؛ لم يكن لها نفس الرنين الذي تعودته أذناي، ولم ~~يكن نفس المعنى الذي فهمه عقلي! # ولم أسمع رده على كلمتي كأنه لا يفهم تلك الكلمات العادية التي يقولها الناس أو لا يؤمن ~~بها، لكني سمعت عينيه وهما تبتسمان لي، كيف سمعتهما؟ لا أدري، ولكني شعرت أن حواسي الميتة ~~التي كانت ترى الناس جميعا كتلة واحدة سوداء قد عادت إليها الحياة فأبصرت، ورأيت نافذة ~~إلى جواري فنظرت منها، ورأيت أشعة الشمس المشرقة تسقط على سطح مياه النيل الجارية كأنما هي ~~أسلاك ذهبية من نور سحري عجيب، ورأيت الناس في الشارع يتدفقون في حيوية ونشاط كأنما الحياة ~~قد بلغت ذروتها. # وتركت النافذة ونظرت إلى الوجه، فرأيته ينحني لي في تحية وداع والابتسامة العجيبة حية على ~~شفتيه، ثابتة على ملامحه كأنما هي جزء منها، ونزل الوجه من الأتوبيس واختفى في زحام الشارع، ~~لكن الابتسامة ظلت أمام عيني لا تغيب. وأدركني إحساس يشبه الإيمان بأن هذه الابتسامة لن ~~تتلاشى أبدا من خلايا ذاكرتي، حتى الموت نفسه لن يستطيع أن يفعل، لو مات هذا الوجه يوما، ~~وسيموت حتما، فلن تموت هذه الابتسامة أبدا، ستبقى في ذاكرتي وأنا أعيش. ولو مت أنا، ~~ولسوف أموت، فإن هذه الابتسامة ستعيش في ذاكرة من رآها غيري. ولو مات غيري، ولسوف يموت، ~~فستعيش في ذاكرة من رآها غيره؛ كأنما هي إله خالد جبار يوزع الحياة هنا وهناك بغير ~~حساب. # وجاءني هواء منعش من النافذة فجذبت نفسا عميقا؛ جعل عضلات قلبي ونفسي ترتمي في راحة ~~واطمئنان، وقلت لنفسي: إن الدنيا حلوة ... حلوة. ms29 # وجاءت المحطة ونزلت من الأتوبيس، ومشيت في خطوات خفيفة، أحسست أن جسدي مصنوع من الريش، ~~ومشيت في الشارع كأنما أرقص، وسمعت صوتا في أعماقي يغني، ورأيت الوجوه كلها أمامي تبتسم لي ~~فأرد على ابتساماتها بابتسامة سهلة طبيعية، كأنما ... كأنما لم تنس شفتاي الابتسام ~~أبدا. # | ثمن الدم # لم يكن يشعر وهو جالس على بلاط الحجرة أن زوجته تركت ابنها الرضيع على الأرض بجوار فوطة ~~الخبز الفارغة، وزحفت إلى جواره وهزته في كتفه هزات رقيقة حزينة وهي تقول بصوتها الضعيف ~~الممزق: أبو محمود، أبو محمود، أنت نمت؟ # وسمع صوتها كأنما هو آت من بعيد، وأراد أن يفتح فمه ويقول لها: لا، أنا لم أنم، ولكني لا ~~أرى ولا أحس. # ولكنه لم يستطع أن يفصل شفتيه الجافتين اليابستين عن بعضهما، أو لعله استطاع أن يفعل لكن ~~صوته لم يخرج من بينهما، وضاع في ذلك السرداب الخاوي المظلم الذي يصل بين قلبه ~~وشفتيه. # وعادت شفتاه إلى الالتصاق، لكن جفونه انفرجت عن عينين واسعتين بارزتين، يغرق سوادهما ~~الصغير الباهت في صفار كروي كبير تتخلله شعيرات دموية حمراء. # ودارت عيناه حول نفسيهما فرأى وجه زوجته يستطيل تارة حتى يشبه البلطة، ثم يستدير تارة ~~أخرى كالبلونة. ~~- أبو محمود، أبو محمود، قوم ربنا يفتح عليك، النهار قرب ينتهي والبنك حيقفل. # وتنبه أبو محمود حين سمع كلمة «والبنك حيقفل»، ورفع رأسه الثقيل وطافت عيناه الصفراوان ~~في الحجرة الضيقة كأنما تبحثان عن شيء، ورأى وابور الجاز على الأرض وإلى جواره صندوق خشبي ~~كبير هو كل ما يملك من أثاث. # ورأى ابنه الرضيع يرفس بقدميه الصغيرتين على البلاط، وإلى جواره فوطة الخبز مبسوطة لا ~~يعلوها شيء. # وقال في صوت ضعيف خائر: فين محمود وسنية يا أم محمود؟ ~~- راحوا للست توحيدة. ~~- مفيش فايدة فيها. ~~- يمكن تحن برغيف يمسك بطنهم لغاية ما ترجع من البنك يا أبو محمود. قوم ربنا يفتح ~~عليك. # واتكأ أبو محمود بذراعيه ونهض على قدميه يستند على الحائط الرمادي المبلل الذي نشعت فيه ~~مياه المطر، وسعل سعالا حادا وهو ms30 ينتفض، ثم بصق على البلاط بصقة كبيرة حمراء. # ووضعت زوجته على كتفيه شيئا مهلهلا يشبه المعطف، وقالت وهي تحاول أن تشجعه: ربنا معاك ~~يا أبو محمود؛ يا ريت أروح بدالك النهاردة، لكن أنا دوري بعد أربعة أيام. # وفتح أبو محمود باب الحجرة، فلفحت وجهه ريح باردة، ولف المعطف على رأسه وعبر السطح ثم نزل ~~مستندا على الحائط عشرة أدوار كاملة، وتقطعت أنفاسه وتمزق سعاله حين وصل إلى الشارع ~~الواسع، وأخذ ينقل قدميه بلا وعي، وخيل إليه أنه لا يسير بإرادته، وإنما شيء ما يدفعه ~~من الخلف إلى الأمام. # وفجأة شعر بقبضة يد صلبة توجه إلى فكه لكمة قوية، وسمع صوتا خشنا يقول له في ~~غضب: أنت أعمى؟ ولم يشعر بأي ألم في جسده أثر اللكمة؟ ولم يفهم لماذا يخاطبه ذلك الصوت ~~الغاضب. # وواصل سيره يدب على الأرض بخطى واهنة ممزقة، ومر بقهوة الحاج بدوي وشم رائحة ~~الدخان والشاي، وود لو جلس لحظة والتقط بعض أنفاسه من الجوزة المعمرة، وارتشف كوبا من ~~الشاي الأسود الساخن؛ لكنه تذكر أن الحاج بدوي هدده بالضرب حتى الموت إذا اقترب من ~~القهوة دون أن يحمل في جيبه الثلاثين قرشا التي تراكمت دينا عليه من شرب الدخان ~~والشاي. # وأخفى رأسه في المعطف وحاول أن يسرع الخطو بعض الشيء وهو يمر أمام القهوة، وأدركته رغبة ~~شديدة في السعال فكتمها في صدره حتى لا يسمعه الحاج بدوي الذي يستطيع أن يتعرف على صوت ~~سعاله من بين المئات. # وما إن ابتعد عن القهوة حتى هدأ قلبه وأطلق رغبته المكتومة في السعال، وشعر بنوع من ~~الراحة والحرية وهو يسعل بملء فمه دون أن يخشى شيئا، ثم بصق على الأرض بصقة كبيرة ~~حمراء. # ولم يدر أبو محمود كم أنفق من الوقت وهو يسير من شارع إلى شارع، وينتقل من رصيف إلى ~~رصيف، وقد ترك زمام نفسه إلى قدميه اللتين تعرفان الطريق كل المعرفة. # ووصل أخيرا إلى البنك، ورأى الطابور هو الطابور يقف أمام الباب، والوجوه هي الوجوه التي ~~يلقاها كل مرة، ms31 والرائحة هي الرائحة التي يشمها، والصوت هو الصوت الذي يسمعه في كل مرة: ~~إزيك يا أبو محمود. ~~- الله يسلمك يا درويش. ~~- فاكر اسمك ولا ناسيه؟ ~~- أنا أنسى عمري ولا أنساه! ~~- ما تعملش جدع، أجدع واحد فينا أحيانا ينسى اسمه، هو العقل دفتر؟ ~~- على رأيك، هو العقل دفتر! ~~- أنت لك كام اسم يا أبو محمود. ~~- ثلاثة بس والله. ~~- بسيطة، ها ها ها. # وضحك الرجلان وقد شعرا بنوع من السعادة لأنهما يستطيعان أن يتحايلا على شيء، ويستطيعان أن ~~يخدعا أحدا، وقد اتخذ كل منهما اسما في كل بنك من البنوك التي تشتري الدم من الناس، حتى ~~يستطيع أن يبيع دمه في ثلاثة أو أربعة بنوك دون أن يكتشفه أحد. # ورن ضحكهما كعواء كلاب مريضة ضالة، لكن سرعان ما التصقت ضحكاتهما بحلقيهما الجافين، ~~وعاد العبوس يرسم خطوطه البشعة على وجهيهما الناحلين بعظامهما البارزة المدببة، ووقف كل ~~منهما في مكانه من الطابور يلهث صامتا. # وقطع صوت الأنفاس اللاهثة صوت ينادي الأسماء، ويعقب تلاوة كل اسم رجل يخرج من الصف ~~ويدخل من الباب، ثم يختفي ليعود بعد قليل وقد أمسك بذراعه وزاد وجهه شحوبا وتساقطت بعض ~~حبات من العرق على جبينه. # ورن اسم «سعيد علي عوضين» في الجو، وسرت همهمة في الطابور، ثم أحس أبو محمود بلكزة في ~~كتفه وصوت صديقه يهمس في أذنه: إنت نمت يا أبو محمود، ولا نسيت اسمك؟ # وانتفض أبو محمود كأنما يفيق من غيبوبة ولف رأسه بالمعطف واتجه إلى الباب السحري، وسار ~~في الدهليز الضيق القصير بضع خطوات يعرف طولها وعرضها كما يعرف طول ذراعه وعرضه، وانحرف إلى ~~اليمين، ودخل حجرة صغيرة، ورقد على السرير المعدني الرفيع، وأحس باليد القوية، نفس اليد ~~التي ترفع كمه القذر، ورأى نظرة الامتعاض والتأفف هي نفس النظرة، وأشاح بوجهه عن الإبرة ~~الطويلة السميكة وهي تدخل في جلد ذراعه الجاف بصعوبة كما تدخل مسلة الإسكافي في نعل ~~الحذاء. # ولم يشعر هذه المرة بالألم الذي كان يعانيه حين تغرز الإبرة في ذراعه، ولم يفتح عينيه ~~ليرى ms32 لون دمه الأحمر القاني وهو يرتفع في الزجاجة حتى يصل إلى علامة تشير إلى رقم 50 ~~سنتيمترا. وكان في كل مرة يتابع بعينيه صعود الدم من ذراعه إلى الزجاجة حتى لا تنساب منه ~~قطرة تزيد عن الكمية المحددة، وتنتقل عيناه من ذراعه إلى الزجاجة في يقظة شديدة كما تنتقل ~~عينا البقال من الميزان إلى علبة الزيت، وقد حرص على ألا تزيد قطرة، أو لعله حرص على أن ~~تنقص قطرة. # لكن «أبو محمود» هذه المرة كان تائها، ولم يشعر بالقوة أو الرغبة التي تعينه على أن يفتح ~~عينيه ويتابع بهما شيئا، وكان كل ما يريده هو أن يتركوه راقدا على السرير؛ لكنه سرعان ~~ما أحس بلكزة في كتفه تدعوه إلى النهوض والخروج، وقام متثاقلا ولف المعطف على رأسه، ~~واتجهت قدماه المدربتان إلى حجرة أخرى على اليسار، ووقف أمام نضد طويل، ومد يده مبسوطة ثم ~~سحبها تقبض على ورقتين، إحداهما كبيرة ناعمة قيمتها جنيه، والثانية أصغر حجما وأقل نعومة ~~قيمتها نصف جنيه. # وضغط بأصابعه النحيلة الطويلة على الورقتين في سعادة، وقال لنفسه باسما: سأشتري خبزا ~~ولحما ودخانا وشايا وكل شيء. # وسار بخطواته المهتزة إلى الباب، ورأى الطابور الهزيل الواقف يتضاعف فجأة إلى أربعة ~~طوابير، ورأى عيني صديقه درويش تتضاعفان فجأة إلى ثماني عيون تشخص إليه في فزع ~~ودهشة. # ولم يدر أبو محمود ما سر ذلك التضاعف أو تلك الدهشة، لكنه رأى وجها كبيرا يقترب من ~~وجهه، استطاع أن يتعرف فيه على ملامح صديقه درويش، ورأى عيونا بارزة صفراء كثيرة تحملق ~~فيه. # ولم يفهم أبو محمود شيئا مما يدور حوله، ولم يسمع صوتا، لكن شفتيه اليابستين انفرجتا عن ~~ابتسامة ضيقة، وخرج صوته في مجهود كبير وهو يمد يده قابضة على الورقتين: درويش، درويش، خذ ~~الجنيه والنص وديهم لمراتي ولمحمود وسنية، وديهم يا درويش أوع تنس، أوع ... درويش ... الجنيه ~~والنص ... عشان يشتروا بها العيش واللحم ... درويش. # وترنح جسمه الهزيل وتداعى إلى الأرض وأغمض عينيه ومات. # | حبي الوحيد # كل امرأة خائنة وراءها رجل خائن # كان ms33 لون السماء في عيني غريبا، وكان طعم الخبز والجبن في فمي بعيدا كل البعد عن ~~طعمها الذي عرفته، وكانت وجوه الناس وهم يمرون أمامي تبدو كوجوه العرائس المتحركة، حتى ~~الهواء الذي كنت أشعر به يدخل صدري في صعوبة، كان غريبا في رائحته وكثافته. # ونظرت إلى يدي وهي تمسك بقطعة الخبز، فأحسست أنها غريبة عني أيضا في شكلها وحركاتها، ~~وأصابعي تلتف حول الخبز رفيعة نحيلة كأنها أصابع دمية ليست فيها دماء، وليست فيها ~~حياة. # كل شيء حولي يبدو كأنه ينتهي، أو انتهى منذ لحظات، وأحسست بمرارة الفناء في حلقي، ~~ووقعت قطعة الخبز من يدي، ورأيت كلبا أسود يجري إليها، ويمسكها بأسنانه، وينظر إلي، ~~ولا أدري ماذا كان في عينيه؛ دموع؟ جوع؟ ألم؟ وحدة؟ ... أم كل هذا؟ # وفتحت فمي في دهشة، كأنني أعثر في هذا العالم، الذي رأيته منذ لحظة ينتهي، على قطعة من ~~الحياة، أية قطعة وأية حياة، عثرت على عيني كلب أجرب فيهما شقاء، وفيهما جوع، وأشياء أخرى ~~كثيرة تعبر عن الحرمان والألم، عن شيء تفصح، تقول، تنطق في ذلك العالم الأبكم، ~~الميت. # واقتربت من الكلب أربت على رأسه وظهره، وأحس الكلب بالحنان، فبدت في عينيه الدهشة ~~كأنما لم يربت أحد على ظهره أبدا، ثم انكمش واستكان تحت يدي كطفل يتيم ضائع. ~~••• # وأحسست بدموع ساخنة تنحدر على وجهي، ونظر إلي بإشفاق، وترك قطعة الخبز تقع من بين ~~أسنانه، وأخذ يتمسح بي كأنه يقول لي: لا تبكي؛ إنني معك! # ودهشت وقلت لنفسي: تلك كلمات لم يقلها الرجل الذي اسمه زوجي. # وابتسمت للكلب في امتنان، وربت على ظهره، وتركته ومشيت أفكر ... هل أعود إلى البيت؟ لا، ~~مستحيل، سأموت هنا على قارعة الطريق ولا أذهب إلى البيت. # وغامت عيناي قليلا ورأيت زوجي جالسا في حجرة الطعام لابسا المنامة الجديدة التي ~~اشتريتها له بدلا من أن أشتري لنفسي حذاء بدل حذائي القديم الوحيد ... منامة حريرية ~~بيضاء. # وسمعت صوته يقول لي: من قال لك ذلك؟ # قلت له: فلان وفلانة وفلانة. # وسكت قليلا. # وظننت أنه سيقول ms34 لي: كذابون. وينتهي الكلام ويخرج إلى عمله. # لكنني سمعته يقول وهو ينظر بعيدا عني: لقد صدقوا، إنني أحبها، وإنني أقابلها كل يوم، ~~وأذهب إلى بيتها. ماذا تريدين؟ # وفتحت فمي لأرد، لكن الكلمات تجمدت على شفتي وأحسست أن قلبي لم يعد يدق، وأن الحياة ~~داخلي تجمدت، وانتهيت ... وأفقت بعد قليل ورأيت حولي عيونا كثيرة صغيرة تنظر إلي وتقول ~~لي: ماما. # ولم أحتضنها ولم أقبلها، رأيتها عيونا غريبة عني، تشبه عيني الرجل الذي كان جالسا ~~أمامي منذ لحظات، وأحسست أن أعماقي الميتة لم يعد فيها أثر لأمومتي. وما هي أمومتي؟ ~~أليست هي امتدادا لحبي؟ أليست هي حبي لنتاج حبي؟ # ومشيت بلا وعي. إلى أين أذهب؟ إلى أبي، إلى أمي، وماذا أقول لهما؟ زوجي يخونني! يا للعار ~~الذي ينصب على رأسي قبل رأسه! يا للكرامة التي ستهدر التي هي كرامتي! لا، لن أذهب ~~إليهما، لن يعرف أحد من الإنس أو الجن أن زوجي يخونني، بعض الناس يرونه مع امرأة ويشكون، ~~ولكن الشك غير اليقين؛ إن كل الناس يشكون في كل الناس، هذا شيء طبيعي عام كالهواء والماء، ~~ولكن اليقين! لا لن أبوح لهم بالسر الخطير. ومشيت، ومشيت، وأحسست أن قدمي تؤلمني. آه! ليتني ~~اشتريت الحذاء بدلا من المنامة. إلى أين أذهب، إلى أين أذهب؟ # ولا أدري كيف قفزت صورته في رأسي، رجل متوسط الطول له عينان زرقاوان ضيقتان، حينما ~~رأيته مع زوجي لأول مرة كرهته بلا سبب، لعل حركات رقبته الكثيرة وهو يشد ربطة عنقه أثارت ~~اشمئزازي، أو لعل صوته الرفيع الحاد الذي يشبه صوت النساء جعلني أنفر منه، لكن زوجي كان ~~يحبه ويهتم به، فكان لا بد لي ألا أظهر نفوري منه، ورأيت هذا الرجل كثيرا مع زوجي. ~~وفي مرة جاء ولم يكن زوجي بالبيت، وظننت أنه سيمضي، لكنه جلس وطلب فنجانا من القهوة، وأخذ ~~يكلمني وينظر إلي؛ إلى ذراعي، وإلى صدري، وإلى ساقي حينما أمشي، وأحسست أن نظراته ~~الغريبة تكاد تخلع ملابسي كلها من فوق جسدي. وكان جريئا وقحا، وسمعته يقول ms35 لي بصوت كئيب ~~فيه شهوة فجة ماعت لها معدتي وأمعائي وأحسست برغبة في القيء: إن زوجك محظوظ. هذا الرجل، ~~إني أحسده. # لا أدري كيف تذكرت هذا الرجل، مع أن هذه الحادثة وقعت من سنتين ولم تتكرر بعد ذلك، حتى ~~إنني نسيتها. هل لأنه الرجل الوحيد الذي غازلني بعد أن تزوجت؟ هل لأنني أصبحت في حاجة إلى ~~أن أستعيد كلماته لي: «إن زوجك محظوظ. هذا الرجل، إني أحسده.» وأحسست أن ثقتي بأنوثتي بدأت ~~تهتز، وأغمضت عيني. آه! لا أريد أن أحس ذلك، لا أريد أن أرى أنوثتي وهي تحتضر أمامي. لا، لن ~~أدعها تحتضر، سأنقذها من الموت! # وفتحت عيني في الطريق ومشيت أجري إليه، وكنت أعرف بيته، فقد كان زوجي يمر عليه كثيرا، ~~ورأيت ملامحه تتقلص في دهشة كبيرة حينما فتح الباب ورآني، وظن أول الأمر أن حادثا وقع ~~لزوجي، لكني جلست وجففت عرقي، وظللت ساهمة بعض الوقت، وقد تجسم نفوري منه حين رأيته ~~بملابسه الداخلية فقط، وذراعاه وساقاه رفيعتان معوجتان ويغطيهما شعر كثيف أسود لا يبدو ~~نظيفا، كأنه لم يستحم منذ شهور. # وقلت وأنا لا أنظر إليه: أريد أن أعرف، لماذا قلت لي في يوم من الأيام أن زوجي محظوظ ~~وأنك تحسده؟ لماذا قلت ذلك؟ هل كانت مجاملة، مجرد مجاملة، أم أنك تعني ذلك؟ # وسمعته يقول: كنت أعني ذلك، ولا زلت أعنيه. # وأحسست بدبيب الأمل يسري في أعماقي، ويمنح الحياة، بعض الحياة لأنوثتي الجريحة التي ~~تحتضر. # وقلت: ولكنه تركني إلى امرأة أخرى. # قال: المغفل! كل الرجال مغفلون إلا القليل. # قلت: وأنت؟ # قال: أنا من القليل؛ ولهذا لم أتزوج. # واعتدل في كرسيه وقال: كم سنة مرت على زواجكما؟ # قلت: عشر سنين. # قال وهو يبتسم: وهذه أول خيانة له؟ # وأحسست برغبة شديدة في أن أصفعه على وجهه، لكني تماسكت وسمعته يضحك ويتهته في سعادة ~~كبيرة ويقول: أعني أول خيانة تعرفينها؟ # وقلت له في اشمئزاز: تعني أنه كان يخونني؟ # وقال: لا أدري، ولكني أعرف أن كل الرجال يخونون زوجاتهم، كل الرجال الذين عرفتهم. ms36 # قلت وقد زاد اشمئزازي منه ومن كل الرجال: إن الرجل بطبيعته خائن. # قال وهو ينظر بعيدا: ما دامت تلك هي طبيعته، فلا يمكن أن نسميها خيانة. ~~- وماذا تسميها إذن؟ ~~- ولماذا نسميها؟ إنني أكره الأسماء. ليس هناك اسم ينطبق انطباقا كاملا على الشيء ~~الذي يرمز إليه. ليس في مقدور الإنسان أن يخلق اسما لشيء لم يخلقه هو، إن الطبيعة أكبر من ~~الإنسان بكثير. # وسكت قليلا أفكر، وقلت: يا للرجل الغريب! يستطيع أن يبرر أي شيء بلسانه. لكني ~~أحسست بشيء من الحياة يدب في عقلي المشلول، وأسندت رأسي على ظهر الكرسي، وقلت له وأنا ~~شاردة: والمرأة؟ # قال بلا تفكير: كالرجل تماما. # وانتفضت واقفة وأنا أقول: لا! إن المرأة لا تفكر في خيانة زوجها أبدا. # ورن صوتي في أذني قويا مؤمنا بما أقول. # ورأيته ينظر إلي نظرة ذات معنى، فقلت: إلا إذا عرفت أنه يخونها، وأنا لا أسميها ~~خائنة في ذلك الوقت؛ لأنها تخون نفسها قبل أن تخونه، وتهدر كرامتها قبل أن تهدر كرامته، إنه ~~نوع من الانتحار البطيء تفعله المرأة الجبانة التي تخاف من الموت السريع. # وسكت قليلا يفكر ثم قال وهو يبتسم: يا للمرأة الغريبة! تستطيع أن تبرر أي شيء ~~بلسانها. # وابتسمت، فانتهز هذه الفرصة وقال: ماذا تشربين؟ # قلت: فنجان من قهوة مظبوط. # وقام إلى المطبخ وتركني، وأخذت أتأمل الصالة التي أجلس بها والأثاث المتناثر هنا وهناك ~~بلا ترتيب، وبلا نظافة. وعاودني اشمئزازي منه ومن حياته، يا للمنافق الكذاب! هل يؤمن بكل ~~ما يقول؟ وهل يفهم الحياة حقا كما يبدو أنه فيلسوف كبير؟ وإذا كان هو متفوقا على الناس ~~في عقله وفهمه للحياة، فلماذا تكون حياته أسوأ من حياتهم، وبيته أقذر من بيوتهم، وجسمه أقذر ~~من أجسامهم؟ إن الفهم الصحيح يدفع إلى الأمام، إلى التقدم، وإن الحياة تختار الأصلح ~~دائما. # وعاد يحمل في يده فنجانا من القهوة. # وقلت له: وأنت لا تشرب القهوة؟ # فقال: أشربها، ولكن عندي فنجانا واحدا لا يمكن لنا أن نستعمله في وقت واحد. # وضحكت وأنا أنظر إلى ms37 شعر ساقه اللزج المتسخ وقلت: هل أنت سعيد في حياتك التي اخترتها ~~لنفسك؟ # قال لي في بساطة: وهل أنت سعيدة؟ وهل زوجك سعيد؟ وهل الناس سعداء؟ إنني لا أبحث عن ~~السعادة في الحياة، ولكني أهرب من التعاسة فيها. اشربي القهوة قبل أن تبرد. # وأخذت أشرب القهوة في هدوء وبطء، وأحس بوقع نظراته على وجهي ويدي، لماذا ينظر إلي؟ ~~غريبة! لقد كنت أظن أنه رجل سطحي تافه. يا للجهل! كثيرا ما تخدعنا الصور والأشكال. ولكن ~~هل هو غير تافه؟ لا أدري. وما هي التفاهة؟ لماذا يستمر في النظر إلي كامرأة يريدها أو ~~يشتهيها؟ هل يريد أن يساعدني أم يريد أن يستغلني؟ لا أدري شيئا. # وكأنما قرأ أفكاري وسمعته يقول: لا زلت أعتقد أن زوجك محظوظ وأنا أحسده، ولكني لن ألمس ~~شعرة واحدة من شعر رأسك. # ونظرت إليه في دهشة وقلت: لماذا؟ # وتقلصت ملامحه فجأة، وبدأ عليه الغضب والثورة، ورأيته يقف ويقول لي بلهجة جادة قوية: ~~لن أكون السكين التي تغمدينها في صدرك، أنت تريدين أن تخوني نفسك وزوجك، ولكنك في الواقع ~~ستخونين شخصا آخر قبل نفسك وقبل زوجك، وهذا الشخص هو أنا! # وخفق قلبي لهذه الكلمات الجادة العميقة، ولم أكن رأيته قط يتكلم بهذا الجد العميق، ~~وأحسست بالدموع الساخنة تسقط على وجهي، وأطرقت ساهمة، وساد الصمت بيننا لحظات طويلة، ~~وأمسكت حقيبتي، ووقفت وقلت له: أشكرك على القهوة. # ورفع عينيه دون أن يقف وقال لي: «إلى أين ستذهبين؟» # قلت: إلى بيتي. # قال: وزوجك الخائن؟ # قلت: سأغفر له. # قال: لماذا؟ # قلت: لن أبحث عن السعادة في الحياة، ولكني سأهرب من التعاسة فيها. # وضحك مقهقها، وقال: يا للعقل! يا للحكمة! # وضحكت وخرجت، وذهبت إلى بيتي ورأيت زوجي جالسا وحوله الأطفال، وأقبلوا علي يهللون ~~فرحين: ماما ... ماما. # ولما هدأت الضجة وأصبحت أنا وزوجي وحدنا قال وهو يبتسم: لقد ذهبت لتنتقمي مني، ~~لتخونيني؟ # وظهرت على وجهي الدهشة وقلت: كيف عرفت ذلك؟ # قال في بساطة وثقة: أنا أفهم المرأة. # وابتسمت وقلت: يا للرجل المغرور! # وأحسست بذراعيه القويتين ms38 حولي وهمس في أذني قائلا: أحبك، أحبك. وابتعدت عنه قليلا ~~وأنا أنظر في عينيه في دهشة وقلت له: وتلك التي كنت تحبها في الصباح؟ # وجذبني إليه وضمني إلى صدره أكثر وأكثر، وهمس: كان ذلك في الصباح، ولقد انتهى ~~الصباح. # وجريت بعيدا عنه وقلت له في ثورة: يا لك من مخادع! تخدعها وتخدعني في نفس الوقت! # وقال وهو يبتسم في غرور: بل أخلص لك ولها في نفس الوقت. # وقلت في غضب: لا، إنني لن أعيش معك. # وسرحت لحظة ثم قلت في شرود: سأذهب إليه. # واعتدل جالسا وقال: من هو؟ # قلت: صديقك الحميم. # وانفجر ضاحكا وهو يلقي برأسه إلى الوراء وقال في ثقة وغرور: لن يستطيع. # ونظرت إليه في دهشة وقلت: لماذا؟ # فقال في بساطة: إنه مريض؛ ولهذا لم يتزوج. # ودارت الأرض بي لحظة، وقلت لنفسي: يا للرجل المنافق! # ونظرت إلى زوجي وهو راقد على ظهره، وعيناه تنظران إلي في جوع ونهم، وقلت لنفسي: يا ~~للرجال المنافقين! كل الرجال! # وسمعت أصواتا صغيرة تنادي علي: ماما ... ماما. فخرجت من الحجرة أجري إليهم، كانوا كطوق ~~نجاة ألقي إلي في عرض اليم، ونظرت إلى عيونهم البريئة وهي تنظر إلي فذكرتني ~~بعيني الكلب الأسود الذي قابلته في الصباح؛ فيها جوع، وفيها ألم، وفيها حرمان. # واندفعت كالمحمومة إلى المطبخ وأعددت لهم الطعام، وجلست أتأملهم وهم يأكلون في لهفة، ~~وأحسست بأمومتي تستيقظ فجأة، شعرت بلذة وسعادة لم أشعر بهما من قبل. # وألقيت جسدي المنهمك على الفراش وأنا أحس براحة واستقرار. # وقلت لنفسي: لا، إن أمومتي ليست امتدادا لحبي، وليست هي حبي لنتاج حبي، إنها ... حبي ~~الحقيقي الوحيد. # | الجانب الآخر # الدنيا ليل، ليل يونيو الدافئ الصافي، ونسمة القاهرة الرقيقة تدخل من نافذة العربة ~~الطويلة، فتعبث بخصلات شعرها الأسود القصير، فيطير على وجهها وعينيها، ويحجب عنها الطريق ~~الذي يجري سريعا تحت عجلات العربة، وترتفع أصابعها الطويلة الرفيعة من حين إلى حين تعيد ~~خصلات الشعر إلى مكانها. # ونظرت حكمت إلى جوارها فرأته وهو جالس يمسك بعجلة القيادة وينظر إلى الأمام، ويبدو ms39 أنفه ~~من الجانب مقوسا بعض الشيء، وعيناه غائرتان إلى حد ما. فشعرت بانقباض غريب؛ لقد ~~رأته من قبل مرة أو مرتين ترى وجهه من الأمام، وكانت ملامحه توحي لها بالقوة والرجولة، ~~عيناه عسليتان صافيتان تكشفان في صدق عن أغوار نفسه، وجبهته عريضة فيها سماحة ونبل، وشفتاه ~~منفرجتان عن ابتسامة طيبة تعبر عن قلب إنسان كبير. # إن هذه أول مرة تنظر إليه فيها من الجانب. # ونظرت إلى وجهه من الجانب مرة أخرى؟ يا للغرابة! كأنها ملامح رجل آخر لا يمكن أن ترتاح ~~إليه ولا يمكن أن تثق فيه. وكانت تود أن تقول له عد بي من حيث أتيت، ولكنها ظلت ~~صامتة، وأخذت تنظر إلى الطريق وأصابعها تسوي خصلات شعرها الطائر. # ووصلا في النهاية، وأوقف العربة، ونزلا، وجلسا متقابلين تحت شجرة كبيرة، وسمعت صوته ~~الرجالي القوي يقول: ماذا تشربين؟ ~~- عصير ليمون. # وكانت أول مرة تخرج فيها معه؛ لماذا عرض عليها الخروج معه، مع أنه لم يرها إلا مرة أو ~~مرتين؟ ولماذا استجابت لدعوته مع أنها رفضت دعوات الكثيرين؟ # جلست حكمت شاردة تفكر في تلك الأسئلة التي تتزاحم في رأسها: هل لأنه رجل يمتلئ رجولة كما ~~يبدو من صوته وملامحه وقوامه الفارع؟ هل أحست في مظهره بذرة الرجل الذي تبحث عنه منذ ~~ثمانية وعشرين عاما التي تكون عمرها، الرجل الذي يحتوي عقلها وقلبها وجسدها، ويسكن ~~عنده قلقها وحيرتها وأحزان حياتها؟ # ونظرت إليه تفتش في ملامحه عن ذلك الرجل، وسمعت صوته القوي يقول: حكمت، انظري إلى هذه ~~الشجرة وإلى هذه الأنوار التي تتخللها؛ كم هي جميلة! # ورفعت حكمت بصرها إلى الشجرة، كانت ضخمة تنتشر فيها لمبات النور الملونة؛ بعضها أحمر، ~~وبعضها أصفر، وبعضها أزرق، وقالت: إن الشجرة جميلة، ولكن تلك الأنوار الكثيرة تفسد ~~جمالها. # وقال في حماس: بالعكس، إنها تزيدها جمالا. ومرت الدقائق وهو يتطلع إلى الأنوار، وقد ~~انقلبت ملامح الرجل فيه إلى ملامح طفل صغير، ينظر فرحا إلى مجموعة من «البلونات» ~~الملونة. # وأمسكت حكمت بكوب عصير الليمون، وأخذت ترشف منه في بطء، ثم ms40 رأته يلتفت إليها ويقول في ~~سعادة ساذجة تتناقض مع قوامه الفارع وملامحه العنيفة: أنت جميلة، جميلة جدا. ولم تكن ~~تنتظر أن يكون أول حديثه معها هذه الكلمة! إن أي رجل يجلس مع أي امرأة يقول لها: «أنت ~~جميلة.» إنها كانت تتوقع منه أن يقول شيئا آخر، شيئا عميقا كبيرا يهز كيانها. إنه ~~رجل عادي جدا، يبدو أنه لا يعرف أكثر مما قال! ولكن مظهره، ملامحه التي توحي بالعمق ~~والقوة، صوته العميق، ذلك الإحساس الأول الذي شعرت به بأنه الرجل الذي تبحث عنه منذ ثمانية ~~وعشرين عاما؛ هل كان شعورا كاذبا؟ ولكن لماذا يبدو صغيرا الآن؟ لماذا يبدو عاديا؟ وهل ~~يمكنها أن تتجاهل فهمها وخبرتها ونضوجها وتقبل رجلا عاديا؟ ولكنها أشرفت على الثلاثين من ~~عمرها ولم تقابل الرجل الذي تريده. هل تيأس من الحصول عليه؟ وهل ترضى بهذا الرجل الطويل ~~العريض الجالس أمامها، والذي تتراقص عيناه في طفولة على لمبات النور الملونة؟ # وانتفضت على صوته العميق جدا وهو ينظر في سذاجة وسطحية إلى يديها وهما تمسكان بكوب ~~العصير، ويقول: إن يديك جميلتان جدا، صغيرتان. ما أجملهما! # ومد يده كالطفل وهو يقول: أريد أن ألمسهما، هل تسمحين؟ # وكانت قد بلغت من النضج وفهم الحياة حدا لم تعد معه تخشى تجربة أي شيء، ولكنها تريد ~~أن تختبر هذا الرجل، تريد أن ترى كيف يبدو حين يمسك يديها؛ هل سيكون ذلك الطفل الذي يلهو ~~بالبالونات الملونة، أم أنه سيكون الرجل الذي يرتسم على ملامحه؟ # وكانت تريد أيضا أن تمنحه الفرصة ليظهر عاطفته لها؛ هل يحبها؟ وما نوع هذا الحب؟ وكيف ~~يعبر عن هذا الحب؟ # ولم تكن تريد أن تحكم عليه بالإعدام من أول لقاء، لقد عودتها التجربة والخبرة أن تصبر، ~~وأن تنتظر، وأن تتأمل. إن لحظة واحدة خليقة بأن تخلق حبا جديدا، وإن لحظة واحدة خليقة ~~بأن تقتل حبا قديما. # وأعطته يديها الصغيرتين النحيلتين، فأمسكهما وقبلهما ووضع وجهه في راحتيهما، وراح يبتلع ~~لعابه، وتفاحة آدم في رقبته تعلو وتهبط، وسمعته يقول لها: أحبك. # وكانت ms41 إنسانة رقيقة الحس والعاطفة ، لها قلب كبير، حان، يحترم شعور الإنسان أينما كان ~~وكيفما كان، فنظرت إليه في ود وحنان وقالت بصوت يختلج بالصدق والحرارة: حينما رأيتك ~~أحسست أنك قد تكون الرجل الذي أبحث عنه طوال عمري، ولكن ... # وسكتت؛ لم تكن تريد أن تصدمه، ولم تكن تريد أن تفجعه، ونظر إليها كأنه لم يسمع ما قالت ~~وقال: إن يديك ناعمتان جدا! ما هذا؟ هل صنعتا من البلور؟ # بلور؟! # ما هذا الرجل؟ إنه لا يرى إلا الأنوار والبريق والبلور؟ # وأحست أنها بدأت تضيق به، فسحبت يديها من يديه، واعتدلت في كرسيها، وقالت له في جدية: ~~الواقع أنك تحبني بطريقة غريبة علي، إن كلامك لا يصل إلى قلبي، بل لا يكاد يصل إلى أذني، ~~ألا تعرف الحب؟ # ونظر إليها في دهشة وقال: هل أنت غاضبة يا حبيبتي؟ لا، لا، لا أريدك غاضبة. اسمعي، سأقول ~~لك آخر نكتة قيلت عن القرود: كان فيه قرد في حديقة الحيوان، وبعدين ... وقاطعته قائلة: ~~أرجوك، أنا لا أحب النكت! وقال في دهشة: لا تحبين النكت! لماذا أنت حزينة يا حبيبتي؟ لماذا ~~لا تكونين مرحة؟ إن مظهرك المشرق وابتسامتك الدائمة دلاني على أنك فتاة تحبين المرح. ~~يا إلهي! كثيرا ما تخدعنا الصور! # وابتسمت حكمت وقالت: حقا، كثيرا ما تخدعنا الصور. لقد خيل إلي أنك رجل ~~رصين! # وانتفض مذعورا كأنما لدغته عقرب وقال: رصين؟! ما معنى رصين يا حبيبتي؟ ~~- أعني رجلا جادا. # وتطلع إلى الشجرة الملونة بالنور، ونظر إلى يديها وذراعيها وقال: أكون رجلا جادا؟ ~~وكيف أكون رجلا جادا في مثل هذا الوقت، والطبيعة حولي ترقص، والجمال يجلس أمامي؟ إن وقت ~~الحب يا حبيبتي لا يحتمل الجد. # ونظرت إليه في إشفاق كبير؛ ماذا تقول له؟ وكيف تشرح له؟ ترى هل يفهم لو قالت له إن وقت ~~الحب هو أكثر أوقات الحياة رصانة وجدية، وإن أجمل ما في الحب هي تلك اللحظات الرصينة ~~الجادة التي تطفر فيها الدموع، دموع الحب التي تختلط بالألم والفرح والأمل. ولكن هل يمكن ~~لعينيه أن ms42 تطفر منهما دموع الحب ؟ تلكما العينان السطحيتان اللتان تتراقصان مبهورتين بكل لون ~~فاقع صارخ؟ تلكما العينان اللتان تنظران إليها فلا تريان إلا سطحهما الخارجي ... ~~البلور؟! # وقالت له في بساطة: إن مظهرك يدل على أنك رجل جاد. ~~- إنني رجل بسيط، بسيط جدا، لا أعقد الأمور. لماذا تحب النساء تعقيد الأمور؟ ~~- ولكني رأيتك في عملك، إنك تبدو فيه رجلا آخر غير الذي يجلس أمامي. ~~- هذا طبيعي؛ ترى هل أكون في عملي وحولي رجال فيهم خشونة، كما أكون وأنا جالس مع فتاة ~~رقيقة حلوة! # قالت: لا أقصد ذلك، وإنما تكون أنت نفس الرجل، وليس رجلا آخر يناقضه. # قال: إنني لا أعرف عن الحب إلا أنه جانب الحياة الجميل المرح! إنه الوعاء الذي ننفض فيه ~~متاعب العمل والكفاح في الحياة. # وتنهدت حكمت في أسى وسكتت، فسمعته يقول: ابتسمي، اضحكي. # وفتحت شفتيها عن ابتسامة هادئة، لكن قلبها كان يجتر فجيعتها في الرجل الذي ظنت أنه ~~رجلها، ولم تكن أول فجيعة في أول رجل، كانت تبحث دائما، وكانت تفجع دائما، ولم تكن ~~تمل البحث، ولم تكن الفجيعة تسلمها إلى اليأس أبدا. # وأسندت رأسها إلى ظهر الكرسي، ونظرت إلى السماء في شرود، وظل يتأملها طويلا ثم قال: لا ~~تظني يا حكمت أنني ألهو بك، إن اللهو شيء والمرح شيء آخر. إني لا أريد أن أصنع من حبي ~~مأساة درامية تذرف فيها الدموع، إنني أريد أن أصنع من حبي قصة مرحة كلها ضحك وابتسام. ~~لا أدري لماذا تبحث النساء عن الآلام دائما؟ # وقالت حكمت وهي تنظر إلى السماء: ليس هناك حب بلا دموع. وانفجر صائحا: يا إلهي! إنني لا ~~أطيق منظر الدموع. # وأشار إلى الشجرة المضاءة وقال: انظري إلى هذه الأنوار، انظري إلى هذه الشجرة، انظري إلى ~~الطبيعة الجميلة، إن الحياة جميلة تريد أن تسعد الإنسان، فلماذا يبحث الإنسان عن شقائه ~~وتعاسته؟ # وقالت وهي لا تزال تنظر إلى السماء: ولكن الألم أحيانا يسعد النفس والروح، والدموع ~~أحيانا تكون فيها لذة تفوق لذة الابتسام والضحك. # وضغط بيده على المائدة ms43 في رفق وقال: أنا لا أفهم هذا الكلام. # وانقضت لحظة صمت قصيرة، وأحست حكمت بيديه تقتربان من يديها وتمسكهما، ووضع يديه في ~~راحتيها، وقال: حكمت، حينما رأيتك لأول مرة أحببتك، وأحسست أنك تطابقين الصورة التي رسمتها ~~لشريكة حياتي، لزوجتي؛ ولهذا طلبت منك أن نلتقي خارج العمل. إنني لا ألهو، إنني أريد أن ~~أتزوجك، فهل تقبلين؟ # وظل رأسها على الكرسي، وعيناها معلقتان في السماء ولم ترد، ونظر إليها في دهشة وقال: ~~لماذا لا تردين؟ # قالت في بساطة: أنت لا تفهمني، إن الحديث عن الزواج لم يحن موعده بعد. إني أرى أننا ~~مختلفان في جوهرنا، قد تكون أعجبت بمظهري، وقد أكون رأيت في مظهرك الرجل الذي أبحث عنه، ~~ولكن الجوهر، الأعماق، نظرتنا إلى الحياة، كل ذلك يختلف اختلافا كبيرا. # قال: إنه الاختلاف الطبيعي بين الرجل والمرأة. # قالت: إن الرجل والمرأة يختلفان في تكوين جسدهما، هذا طبيعي، ولكن القلب واحد. # قال: أنا لا أفهم كلامك أيضا. # وسكتت حكمت قليلا ثم قالت وأسى الفشل يتعلق بأهداب عينيها: هل نعود؟ # قال في يأس: «كما تشائين.» # وركبت إلى جواره في العربة الفارعة الطويلة، وعادت النسمة الدافئة الرقيقة تدخل من نافذة ~~العربة فتعبث بخصلات شعرها الأسود القصير، ويطير على وجهها ويحجب عينيها السوداوين ~~الحزينتين، وقد تجمدت بين مآقيهما الدموع، ورفعت بأصابعها الطويلة النحيلة خصلات الشعر عن ~~عينيها، ونظرت إليه، ورأت وجهه من الجانب، ولم تدهش هذه المرة؛ إن وجهه من الجانب يعبر ~~عن وجهه الحقيقي. # وكان هو ممسكا بعجلة القيادة يفكر ويقول لنفسه: إنها فتاة غريرة تعيش في الأوهام. لم ~~أتصور أنها ترفضني رغم مركزي وثروتي، يا لغبائها! ألا تحس بالمتعة وهي تجلس إلى جواري ~~في هذه العربة الأنيقة؟! ألا تحس؟! # وكانت عيناها السوداوان شاردتين في الطريق الممتد الطويل، تفكر أيضا وتقول لنفسها: إنه ~~رجل غرير يعيش في الأوهام، لم أتصور أنه يفكر في الزواج قبل أن يعرف الحب. # وكان كلاهما مخطئا، وكان كلاهما على صواب. # | لا شيء يفنى # دوت الكلمة في أذنيها دويا غريبا جعل الحجرة ms44 تدور في اهتزازات قوية سريعة، رجت ~~الأشياء رجا عنيفا ضاع معه تماسكها وتلاصقها، وانفصلت جزيئاتها وذراتها بعضها عن ~~البعض، ففقد كل شيء لونه وحجمه وكثافته. # وجاهدت عيناها تبحثان عن الطبيب الطويل، أو عن معطفه الأبيض، أو عن منضدة الفحص الجلدية، ~~أو عن الجدران الرمادية ... دون جدوى، فقد اختلط أمام عينيها البياض بالسواد، والإنسان ~~بالجماد، والمساحات بالأحجام، وشعرت كأنما هي تغوص إلى قمة رأسها في مادة غريبة مخيفة، لها ~~ملمس الطين، ولها ميوعة الماء، ولها سواد الليل، ولها عمق السماء. # وشعرت بذراعيها تثقلان وتثقلان كأنهما دكتا لآخرهما بالرمال. # ثم فتحت عينيها بعد لحظة، ورأت كل شيء في مكانه المعهود، ورأت الطبيب الطويل بمعطفه ~~الأبيض، ورأت منضدة الفحص الجلدية والجدران الرمادية. # واقترب منها الطبيب في خطوات بطيئة ثقيلة، وسمعته يقول: كنت أظن أنك شجاعة. # ورنت كلمة شجاعة في أذنيها رنينا غريبا، كأنما فقدت معناها القديم. # وردت بلا وعي قائلة: شجاعة؟! # فقال الطبيب: نعم، عهدي بك شجاعة. # وقلبت في رأسها الكلمة وتساءلت عن معنى الشجاعة. # ما هي الشجاعة؟ أن تعيش الحياة؟! أو تموت الموت؟! # كانت الشجاعة منذ لحظات هي أن تركب الأتوبيس قبل أن يقف، وتشتري كتابا بعشرة جنيهات ~~ليس معها غيرها، أو تقول لزميلها: أنت منافق. أو تقول لرئيسها: أنت مخطئ. أو تقول لبائع ~~الخضر: أنت لص. أو تقول لصديقها: أنا أحبك! ولكن الشجاعة الآن أصبحت شيئا آخر، أصبحت ~~شيئا مستحيلا يطلب منها المستحيل. # كيف وهي حية تتحرك وتتنفس وتحس دقات قلبها ونبضات روحها أن تعتبر نفسها ميتة؟ كيف لها وهي ~~تتحسس خلايا جسدها الدافئة الحية أن تسلم بأن خلايا الموت الباردة تزحف على جسدها؟ # كيف لها أن تصدق أن جسدها يمكن أن يحمل الحياة والموت في وقت واحد؟ ولكن لماذا لا تصدق؟ ~~ألم ينطق الطبيب بالحقيقة الرهيبة؟ هل تنقصها الشجاعة لتصدق الحقيقة؟ أم تنقصها الحقيقة ~~لتمارس الشجاعة؟ أم ينقصها العقل؟ أم ينقصها الإيمان؟ # أم أن الأمر كله لا يحتاج إلا إلى ذلك التسليم اللامنطقي بالقضاء المحتوم! # وارتفعت ذراعها الثقيلة تتحسس صدرها ms45 باحثة عن الورم الصغير ، واستطاعت أصابعها أن تعثر ~~عليه وسط النسيج الطري؛ كرة صغيرة لها حجم الليمونة ولها جفاف الزيتونة وكثافتها، تجري هنا ~~وهناك بثقة وحرية واستهتار؛ استهتار بذلك اللحم المستقر الآمن، واستهتار بذلك الجلد الذي ~~يغلفها ويحددها، فشدته إليها في تعاريج دقيقة كثيرة كتعاريج الوجه الغاضب. # كرة صغيرة من اللحم، من الخلايا الغاضبة الفائرة راحت تنقسم على نفسها في جنون، وتلتوي ~~على بعضها البعض في صلابة وشدة، وتفسح لنفسها مكانا مريحا، وتأكل الخلايا الوادعة ~~الآمنة أكلا. ما الذي أغضبها هذه الخلايا؟ وما الذي أشعل بها نار الجنون؟ أهي سمة ~~الكائنات الحية أن تأكل بعضها البعض؟! هي سمة الموت الذي يعيش على الحياة؟! لا أحد يعلم؛ لا ~~الطبيب، ولا الساحر، ولا رجل الدين. لا أحد يعلم على الإطلاق. # ورفعت عينيها الحمراوين إلى وجه الطبيب وقالت في شرود: هل من علاج؟ # وقال وهو يبتسم: لا. وكأنه يقول نعم. # قالت: ولماذا لا تفتحون صدري وتخرجون منه هذه الكرة المجنونة؟ # قال الطبيب بصوت بارد وكأنه يجيب على مثل هذا السؤال مئات المرات في اليوم: لا فائدة؛ ~~لقد انتقلت بعض الخلايا المجنونة إلى الدم، وحملها الدم إلى الغدد. # وقالت في حماس: ولماذا لا تفتحون الغدد وتخرجون منها الخلايا المجنونة؟ # قال الطبيب في بساطة: لا يمكن. ~~- لماذا؟ ~~- إننا لا نعرف عدد الغدد. ~~- آه! # ونظرت إلى الطبيب في فزع وقالت: وما العمل؟ # قال في برود: لا شيء. ننتظر. # وهبت من رقدتها مذعورة وقالت: ننتظر؟ ننتظر ماذا؟ # قال في هدوء: معجزة من السماء، أو اكتشاف جديد في الطب، أو ... # ودارت الحجرة في عينيها مرة أخرى، واختلط السواد بالبياض، والإنسان بالجماد، والمساحات ~~بالأحجام، وظهرت لها من حيث لا تدري صورتها وهي طفلة التاسعة من عمرها تسير في شارع طويل، ~~وقد أرادت أن تعرف إلى أي شيء ينتهي، لكنها وجدت نفسها فجأة في مفترق طرق كثيرة متعددة ~~فضلت طريقها إلى البيت، وأخذت تسير في الشوارع وهي تبكي حتى عثروا عليها بمحض ~~الصدفة. # ولما فتحت عينيها لم تجد الطبيب، وتلفتت ms46 حولها في دهشة، وخيل إليها لحظة أنها كانت ~~تحلم حلما فظيعا، وكادت تقفز من السرير من فرحة الخلاص والنجاة، لكن عينيها ارتطمتا ~~بالجدران الرمادية وسرير الفحص الجلدي، فعادت اليد الحديدية تقبض على قلبها. # واختلط عليها الواقع بالحلم، فرفعت ذراعها تتحسس صدرها، ولما عثرت أصابعها على الكرة ~~اليابسة الكئيبة تأكد لها الواقع المشئوم، وجثم الذهول والحيرة على قلبها وعقلها. # كيف يمكن أن تعيش وهي تعلم أنها ستموت؟ ولكن كل الناس يعلمون أنهم سيموتون، ولكنهم لا ~~يعلمون متى يموتون، وما داموا لا يعلمون فهم لا يصدقون، وما داموا لا يصدقون فهم ينسون، ~~وما داموا ينسون فهم يعيشون. # وشعرت بشيء يلتف حول عنقها كأنما يخنق أنفاسها، فهبت من رقدتها وجرت إلى النافذة ~~وفتحتها، وملأت صدرها من هواء الشارع، وأعاد لها الهواء الرطب المنعش بعض الحيوية ~~والتفاؤل، وطمأنتها حركة الناس في الشارع على استمرار الحياة، فابتعد عن ذهنها بعض الشيء ~~شبح الموت الكئيب. # واختطفت معطفها من فوق سرير الفحص، وغادرت المستشفى بسرعة دون أن تلقي نظرة على حجرة ~~الطبيب، ومشت في الشارع تلتصق بالناس السائرين، تلتمس في دفئهم وحماستهم الرغبة في الحياة، ~~وتنسى مع اندفاعهم وسرعتهم ذكرى النهاية الرهيبة، ووجدت نفسها تجري مع الناس، تجري كأنما ~~تريد أن تلحق بقطار أو تصل إلى موعد هام، ولم يكن هناك قطار ولا موعد؛ لكنها استسلمت للجري ~~بلا هدف، كأنما الحركة في حد ذاتها أصبحت هدفا. # وأخذت تحرك ذراعيها وساقيها في الهواء في اهتزازات عنيفة، تريد أن تسقط عن خلايا ~~عقلها فكرة الفناء البشعة، أو تريد أن تفصل عن خلايا صدرها خلايا الموت اليابسة. # وشعرت بشيء من الراحة إثر ذلك المجهود الكبير، وسارت على مهل تتأمل الشجر والماء، وتملأ ~~صدرها بالهواء الرطب العليل، ولمحت زهرة بيضاء جميلة على جانب الطريق، فوقفت أمامها ~~تتأملها، ولمست أصابعها نسيجها المخملي الناعم، فشعرت بنشوة غريبة، وقربت أنفها تشم ~~عطرها الزكي، فأحست بسعادة تغمر قلبها وروحها، وتلفتت حولها مفتونة، وأسكرتها زرقة ~~السماء العميقة منعكسة على سطح الماء الوادع، فجلست على شاطئ البحر ms47 وخلعت حذاءها ومددت ~~جسدها على العشب المبلل الرطب. # وتراءى لها وسط الزرقة الفاتنة وجه طويل نحيل، وملامح هادئة باسمة، وعينان زرقاوان ~~عميقتان، وأخذت تتأمل الوجه كما كانت تتأمله، وتغيب في أعماق العينين كما كانت تغيب، ويهمس ~~صوتها الحالم باسمه كما كان يهمس، وامتدت يدها بلا وعي إلى جيبها وأخرجت ورقة صغيرة وراحت ~~تتأمل كلماته إليها، وقلبت الورقة في يدها وأخذت تتحسسها بأصابعها، وعاد إلى أناملها من ~~حيث لا تدري ملمس الكرة اليابسة في صدرها، وجاءتها كلمات الطبيب الكئيبة من مكان بعيد من ~~ذاكرتها، وضغطت أصابعها على الورقة في دهشة. # كيف تبقى هذه الورقة الصغيرة الرقيقة بينما هي تموت؟ # هذه الورقة الصغيرة تخلد في الحياة بينما هي تزول؟ ونظرت حولها في دهشة وحيرة. # ولكن هذه الورقة يمكن أن تزول، يمكن أن تذيبها مياه البحر أو تلتهمها نار المدفأة. # ولكنها لا تزول، إنها تتحول إلى رماد، إلى مادة أخرى فحسب. وهي؟ أهي تزول حقا حين ~~تموت؟ لا، إنها كالورقة، يتحول جسدها إلى رماد، إلى مادة أخرى فحسب، كل شيء يبقى دائما، ~~وتقلبت على العشب الناعم الرطب، وشعرت بضغط الورم تحت صدرها، لكنها ابتسمت في هدوء وقد ~~تضاءلت أمام عينيها فكرة الموت السخيفة. # | لحظة صدق # كل شيء في مكانه القديم، بشكله القديم، كل شيء هو هو كما كان دائما، الأريكة الصفراء ~~الطويلة هي الأريكة، وإلى جوارها رف الكتب الصغير هو رف الكتب، ومن فوقها صورة البحر الكبير ~~هو البحر، وعيناها هما عيناها، وتنظران إلي وتعكسان من حيث لا أدري صورة البحر في هدوئه ~~وثورته وعمقه وغموضه الطبيعي الأبدي. # كل شيء في مكانه القديم، بشكله القديم؛ ولكن شيئا ما بدا جديدا، ونزعت عيني من ~~عينيها ورفعتهما إلى البحر الكبير، ثم مررت بهما على الستارة الزرقاء الخفيفة الزرقة كأنها ~~السماء. # هذا بيتها، نعم بيتها، وليست أول مرة أدخل بيتها، لعلها العاشرة أو المائة، لم أفكر في ~~عدد زياراتي لها. # والأريكة الصفراء هي الأريكة الصفراء، وليست أول مرة أجلس على الأريكة إلى جوارها وحدنا، ~~وحدنا تماما، ms48 إلا من ذلك الوجه الذي يطل علينا من فوق الحائط الرمادي دائما، من داخل ~~إطاره المربع، وفي جبينه خط يرسم الأبوة والبنوة معا. والزجاجة الحمراء، وهي الزجاجة، ~~وليست أول مرة أشرب معها النبيذ. # وهي هي؛ بجسدها، وشعرها، ووجهها، وعينيها، وكل ما عرفته عنها من سذاجة ومكر، وبراءة وعبث، ~~وذكاء وشرود، وقوة وضياع، واستقرار وحيرة، وإرادة وفزع وقلق. # وأنا بجسدي ورأسي وشعري وأصابع يدي. # ولكن شيئا ما تغير، أشياء ما تغيرت، كل شيء تغير، كل شيء يبدو كأنه أول ~~مرة. # ما الذي تغير؟ بيتها؟ لا، ليس بيتها، فكل شيء في مكانه القديم. # هي؟ لا، ليست هي، كل شيء فيها في مكانه القديم، الكذب في عينيها، والخداع على شفتيها، ~~ورداؤها القديم على جسدها؛ رداؤها الكئيب الذي تدفن تحته أنوثتها، حتى رداؤها هذا لم ~~تغيره. ما الذي تغير؟! أنا؟ لا، لست أنا، فأنا أعرف نفسي، ما من قوة على ظهر الأرض ~~تستطيع أن تغيرني، أنا رجل قوي ناجح، لم يمنحني أحد القوة والنجاح، ولكني انتزعتهما نزعا ~~من بين فكي العالم، وقد كنت في يوم ما صغيرا ضعيفا فقيرا، أدميت قدمي سيرا على ~~الأرض لألحق بالذين يركبون، وصممت على أن ألحق بهم، وقد فعلت؛ ولكن هذا لا يكفيني، أريد ~~أن أركب وهم يلهثون ورائي حفاة، وأقدامهم دامية كما كانت قدماي. ولقد ركبت، لم أعد أسير ~~على قدمي، ولكن هم يركبون أيضا، وأنا لا أريد لهم أن يركبوا مثلي، لا أريد أحدا مثلي؛ فإن ~~أحدا ليس مثلي، ولا يجب أن يكون. # إنني حين أمشي يفسح لي الرجال الطريق؛ هذا شيء طبيعي، يجب ألا يمشي أمامي أحد، وإني ~~حين أريد امرأة فإنها تركع لي وتعطيني كل ما عندها دون أن أعطيها شيئا، هذا شيء طبيعي، ~~النساء يجب أن يعطوني دون مقابل؛ إن مثلي لا يعطي، وإذا كان لا بد من أحد يعطي وأحد ~~يأخذ، فلماذا لا أكون أنا الذي يأخذ؟ # وهذه المرأة الجالسة إلى جواري، أليست هي كبقية البشر؛ إذا أعطت لا تأخذ، وإذا أخذت لا ms49 ~~تعطي؟ # ولكنها عنيدة ذكية ! يبدو أنها مثلي، مثلي تماما، من نوعي، من فصيلتي؛ إنها لا ~~تعطي. # ولكن لا بد أن أنتصر عليها، لا بد أن أجعلها تعطيني، لا بد! # وأنا لا أريد أن أشعر أنني آخذ منها، لا أريد أن أشعر أنني أغتصبها؛ إن الاغتصاب ~~يذكرني بالشرف، وأنا لا أريد أن أكون شريفا، أريد منها أن تركع عند قدمي وتعطيني، بل ~~أريد منها أن تغريني وتتوسل إلي كي أقبل عطاءها. # أنا لم أولد شريرا، كان أبي قديسا، وكانت أمي راهبة، ولكن الحياة هي التي ولدت ~~شريرة، الحياة التي حرمتني وأنا طفل من قطرة دافئة من لبن أمي، من مليم أحمر واحد أشتري ~~به كيسا من اللب، من سن ريشة سليم أكتب به شقائي. # هذه المرأة الغريبة الجريئة الوقحة المخادعة! ما الذي يجعلها تجلس معي في بيتها، وتشرب ~~معي النبيذ وحدنا؟ # هل تريدني؟ لا، وإلا فما الذي يمنعها أو ما الذي منعها في كل المرات السابقة؟ # هل تمتحن قوتها أو تمتحن قوتي؟ # إنها تنظر إلي، تتفرج علي، تدرس ملامحي، تحفظ خطوط أنفي، تدقق النظر إلى أسناني، ~~حتى حينما لويت عنقها وأنا أجذبها من شعرها الجامح، وأهوي برأسها الشامخ تحت رأسي، وشفتيها ~~العنيدتين تحت شفتي، حتى في هذه اللحظة وأنا أكاد أضيع في أول قبلة معها كانت عيناها ~~مفتوحتين واعيتين يقظتين، تتفرجان علي! # امرأة وقحة جريئة منافقة! لماذا لم تغب عن وعيها ككل النساء؟! لماذا؟! هذه المرأة ~~الكاذبة التي تلعب بي! # أنا أكذب على كل الناس، وأتفرج على كل الناس، ولكن هذا حقي، هذا طبعي وأنا حر، ليس من ~~حق أحد أن يناقشني. # ولكن أن تكون هناك امرأة مثلي؟ تمارس من الحرية ما أمارسها؟ تمارس من الكذب ما أمارسه؟ ~~هذه المرأة يجب أن تسحق! وإني لقادر على سحقها. # هذه العنيدة المتكبرة! سأعلمها من أنا! سأجعلها تذكرني دائما، وكلما ذكرتني نفذ الخنجر ~~المسموم إلى قلبها من جديد، الخنجر الذي طعنت به كرامتها وأنوثتها وشخصيتها. # شخصيتها! وهل هناك امرأة لها ما يسمى بالشخصية؟ إنهن ms50 جميعا نساء لا يخلصن إلا للرجل ~~الذي يخون، ولا يخن إلا الرجل الذي يخلص. نساء! ولكن كيف عرفت ذلك؟ كيف عرفت ذلك؟ كيف ~~عرفت هذه الحقيقة؟ عرفتها منها؛ تلك التي لا أنساها أبدا، تلك المرأة الوحيدة التي أخلصت ~~لها فكانت هي الوحيدة التي خانتني! لماذا لا أنساها أبدا؟ لماذا؟ ألأنها الوحيدة التي ~~ترفضني؟ أم لأنها الوحيدة التي رفضتني؟ أم لأنها الوحيدة التي لم تعطني فرصة لكي ~~أرفضها؟ # إنها تنظر إلي، وفي يدها كأس النبيذ، وإني أجلس إلى جوارها، في بيتها، وكل شيء في ~~مكانه. # ولكن هناك شيئا جديدا! أين؟ أين؟ في صورة البحر؟ على رف الكتب؟ على الحائط الرمادي؟ ~~في كأس النبيذ؟ في عينيها، إنه في عينيها العنيدتين المخادعتين، نعم في عينيها؛ شيء جديد، ~~شيء غريب، شيء ندي طلي يشبه الدموع، يشبه الصدق! # الصدق؟ كيف تراودني أنا هذه الكلمة؟ أو كيف تراودها هي؟ وهل يمكن لعينين أن تجمعا بين ~~الصدق والكذب في وقت واحد؟ # هل أصدقها؟ كأنما هي تحبني. يا للمرأة الغريرة! # كانت تريد أن تخدعني فأحبتني. # ولكن هل يمكن لي أن أصدق نظراتها؟ لا، إنها تكذب! يا للممثلة القديرة! إن في عينيها كذبا ~~كبيرا! وهل توجد امرأة تعرف الحب؟ # كم كنت أود أن تصدق، تصدق لحظة واحدة، أريد أن أشعر بحب حقيقي، أريد أن أكون ~~شريفا، إن في أعماقي طاقات كبيرة من الشرف، والحب، والصدق، ولكن لمن أعطيها؟ لمن؟ من ذا ~~الذي يستحق؟ # أنا! أنا أفكر في العطاء؟! أنا أفكر في الحب، والشرف، والصدق؟! # هل أنا؟ هل أنا أتغير؟ أتغير؟! كيف؟ متى؟ لماذا؟ آه! لقد تعبت ... تعبت من الكذب، من ~~الخداع، من النفاق، من الكراهية. إني لأحن إلى الصدق، إلى الحب! # إنها تحبني، نعم تحبني؛ أرى في عينيها الصدق. الآن ... هذه اللحظة إنها تقترب مني، اقتربت، ~~ولامست يدها يدي. شيء ما عنيف يدفعني نحوها، لكن شيئا آخر أكثر عنفا ينزع يدي من ~~يدها. ~~- لا، لن يحدث شيء. إني ذاهب! ~~- لا تذهب؛ سأعطيك كل شيء! ~~- لا أريد منك شيئا. ~~- ولكنك ms51 كنت تريد. ~~- كنت. ~~- أنت كذاب. ~~- نعم، أنا كذاب. # ونزعت نفسي من بين ذراعيها الدافئتين وجريت إلى الباب، يجب أن أهرب هذه اللحظة قبل أن ~~تذوب إرادتي، يجب أن أهرب قبل أن أمسها. # وفتحت الباب وخرجت، وسرت في الشارع البارد. # ما هذا الذي فعلت؟ ألم أكن أريدها؟ ألم أكن أدبر الخطط لأنالها؟ ثم حين تواتيني اللحظة ~~أزهد؟ ولكني أحسست بشيء جديد؛ شيء يشبه الصدق في عينيها، وشيء يشبه الصدق في أعماقي، كانت ~~لحظة خاطفة كالبرق حملتني من الصدق إلى الحب إلى النبل، ومن النبل إلى الزهد. # ولكن لن أعود إليها أبدا، فأنا لا أستطيع أن أكون صادقا دائما، لا أستطيع أن أكون ~~نبيلا دائما، لقد حملتني الحياة الشريرة بفطرتها في ~~طريقها، وقطعت شوطا بعيدا عن الصدق، ولا أستطيع أن أعود أدراجي، لا أستطيع، لقد بعدت ~~كثيرا عن البداية، واقتربت كثيرا من النهاية. # سأنساها ... بعد يوم، بعد سنة؛ ولكني سأنساها حتما في دوامة حياتي. ولكن شيئا واحدا لن ~~أنساه، إنني رغم أنفي كنت قادرا على أن أعيش لحظة صدق كاملة ضحيت فيها برغبة ~~عذبتني فترة طويلة. # | نام الرجل بعد العشاء # نظر في وجوه الناس وهو جالس على كرسي مذهب عال يرتفع عن الأرض ارتفاعا جعل رءوس ~~الناس في مستوى قدميه، وعجب كيف ينظر الناس إلى قدميه في احترام بالغ مع أنه نسي أن يلبس ~~الحذاء. # كيف نسي أن يلبس حذاءه. # كان هذا السؤال الذي يجوب في أنحاء نفسه ويكاد يسلمه إلى نوع من الذهول يطغى على ذلك ~~الحزن الشديد الذي كان يشعر به كلما نظر إلى قدميه الحافيتين، وهما تستندان قاعدة الكرسي ~~الموشاة بالذهب. # وشعر بالعرق يتصبب من وجهه، رأى أصابع قدميه متسخة وأظافرها سوداء، وتعجب كيف نسي ~~أن يلبس الحذاء قبل أن يخرج من بيته، مع أنه تعود على أن يلبسه كل يوم منذ خمسة وأربعين ~~عاما، واشتد عجبه حين رأى الناس ينظرون إلى قدميه في احترام وإجلال. # وأخذت نظراته المتسائلة الذاهلة تنتقل في قلق من قدميه الحافيتين إلى وجوه الناس ms52 الخاشعة، ~~محاولا أن يكتشف الحقيقة ويعرف من الأعمى؛ عيناه أم عيون الناس؟ لكنه لم يستطع؛ وكيف له ~~وحده أن يعلم؟ لا بد من حكم، واستبدت به الرغبة في معرفة الحقيقة، فأشار بأصبعه ~~الصغيرة إلى رئيس حاشيته، فانتفض الرجل للإشارة وترك مكانه على رأس الصفوف وأسرع إليه ~~ومثل بين يديه راكعا. # وأشار في ترفع إلى قدميه، وقال بلهجة ملكية آمرة: انظر! # واهتزت عينا الرجل في خوف ونظر إلى قدميه، وقال في خشوع: نظرت يا مولاي! # فقال في غضب: انطق! # وارتجف صوت الرجل وهو يقول: ماذا تريد مني أن أقول يا مولاي؟ # قال في ثورة: قل ما تراه عيناك! # وبربش الرجل بعينيه الفزعتين وقال: أرى صاحبتي السعادة قدميك يا مولاي. # وصاح في غضب شديد: هل أنت أعمى؟ ألا ترى شيئا غريبا بالنسبة لهما؟ # وقال الرجل مرتعدا: غريبا؟ # لا ... لا ... يا مولاي! # وأحس ببعض الارتياح، فهدأت أعصابه قليلا ثم قال له: هل يعجبك لون حذائي؟ # وشعر الرجل ببعض الطمأنينة والثقة وقال في حماس: كيف لا يعجبني يا مولاي! إنه رائع، أكثر ~~من رائع! # وابتسمت أسارير وجهه ثم قال له: اذهب! فذهب. # وجلس على كرسيه المذهب في كبرياء، لكنه عاد فرأى قدميه الحافيتين، فساوره الشك مرة ~~أخرى. # كيف له أن يتأكد؟ لا بد من حكم آخر. # وأشار إلى رجل ثان من رجال حاشيته وسأله نفس الأسئلة، فأجاب نفس الإجابة، فسأل رجلا ~~ثالثا ورابعا وخامسا حتى سأل كل رجال حاشيته، وكان جواب الجميع واحدا. # إلى هنا تبدد شكه، وأيقن أنه يلبس حذاءه، وأن نسيان الحذاء لم يكن إلا وهما صوره ~~له خياله المرهق، وطاف إلى سطح ذاكرته ذات القلق الشديد الذي استولى عليه ليلة الأمس، فجعل ~~خياله مرهقا، بالرغم من الفراش الوثير الدافئ، وبالرغم من مروحة ريش النعام الناعمة التي ~~كانت ترفرف على وجهه طول الليل، تمسك بها أنامل دقيقة. # وكان من حين إلى حين يمد أصابعه في الظلام ويتحسس الجسد الحريري ويضمه إليه في ~~قوة. # ويسمع الصوت الناعم وهو يقول: هل أدلك صاحبتي السعادة ms53 قدميك يا مولاي؟ # فيقول وهو مغمض العينين في تراخ وكسل: نعم، نعم، دلكيهما يا امرأة. # وكان من الممكن أن تمر الليلة على خير كأية ليلة سابقة لولا أنه تذكرها ففتح عينيه، ~~ونظر في وجه المرأة ثم صاح غاضبا: اذهبي أيتها الجارية! كفى! # ونادى على رئيس الحاشية في غضب شديد، وقال: أين هي؟ # وارتجف الرجل في هلع وقال: لقد رفضت أن تأتي يا مولاي؟ # وزمجر في غضب: رفضت؟! كيف هذا؟ ألم تقل إن هذه هي رغبة الملك؟ # قال: نعم يا مولاي. ولكنها رفضت. # وصاح في ثورة: ألم تقل لها إنني أستطيع أن أستولي على بيتها وأطردها من مملكتي؟ # قال: نعم يا مولاي. ولكنها رفضت. # وانفجر غاضبا: ألم تقل لها إنني أستطيع أن أرسل لها جنودي، فيجروها من شعرها ~~ويسوقوها إلى المشنقة؟ # قال: نعم يا مولاي. ولكنها رفضت. # وانتفض حانقا: كيف هذا؟ امرأة في أرضي تعصي أمري؟! # إني ذاهب إليها بنفسي، أعد لي الجواد. # قال: سمعا وطاعة يا مولاي. # امتطى الملك الجواد وسار في الطريق الطويل المظلم، ورأى باب البيت مغلقا، والنوافذ ~~مسدودة، وأطل له البواب من فتحة صغيرة في الباب. # فقال له بلهجة ملكية آمرة: افتح! أنا الملك! # وفتح الرجل الباب وهو يرتعش، ونزل الملك من فوق الجواد وسار في ممر البيت المظلم حتى رأى ~~بصيصا من نور يطل من إحدى الحجرات، واقترب متخفيا ورأى من خلال الباب المرأة الحسناء ~~مستلقية على أريكة خضراء وإلى جوارها رجل! لا، في أحضانها رجل! # ووقف الملك مشدوها، واستطاع رغم ذهوله أن يتعرف على وجه الرجل، وعرف أنه رجل من ~~الشعب. # وعاد الملك متخفيا إلى قصره كما جاء، وجمع الحاشية وقرر إعدام الرجل ومثول رأسه بين ~~يديه على صينية من الذهب. وجاء رأس الرجل، ونظر إليه الملك متشفيا وقال له: أنت الذي كنت ~~تقف في طريقي أيها الصعلوك! # وتمدد الملك في فراشه الوثير الدافئ وأمر بإحضار المرأة. # وجاء الرسول مرتجفا يقول: لقد رفضت يا مولاي! # وانتفض الملك واقفا في غضب وامتطى جواده، وذهب إليها، ورأى ms54 نفس البصيص من النور ينبعث من ~~نفس الحجرة، ومن خلال الباب رأى المرأة الحسناء مستلقية على الأريكة الخضراء وفي أحضانها ~~رجل! # فعاد كالمجنون وأمر برأس الرجل الثاني على صينية من الذهب، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم ~~الخامس حتى نفدت صواني القصر. # ووضع الملك رأسه بين يديه حائرا، ثم أرسل في طلب أكبر حكماء البلد. # وجاء الحكيم ومثل بين يدي الملك، فحكى له الحكاية، وارتسمت على شفتي الحكيم بسمة أهل ~~العلم والفلسفة، وقال: وهل جاءت المرأة إلى هنا يا مولاي ورأت قصرك وكنوزك وعرشك وحاشيتك ~~وسطوتك؟ # قال الملك: لا. # قال الحكيم: إنها لا تعرفك إذن أيها الملك، ولا تعرف كنوزك وقوتك وعظمتك. # قال الملك: وماذا ترى؟ # قال الحكيم: أرى أن تدعوها إلى هنا لترى بعينيها؛ فيبهرها هذا الملك العظيم يا مولاي ولا ~~تملك إلا أن تخضع لك. # وسعد الملك بهذا الرأي، وأمر بإقامة حفل كبير ودعاها إلى قصره. # وجلس الملك على كرسيه المذهب العالي، وطاف الحكيم بالمرأة يطلعها على كنوز الملك ~~وقصوره وحاشيته وقوته، ثم ذهب بها إلى الملك. # وانتفخ الملك على عرشه الرفيع العالي الذي يرتفع عن الأرض ارتفاعا يجعل رءوس الناس في ~~مستوى قدميه. # وقال لها: لماذا لم تطيعيني؟ # ونظرت إليه في دهشة ولم ترد. # وصاح غاضبا: ما الذي يدهشك؟ لماذا لا تردين؟ # وقالت في هدوء: يدهشني أن أرى قدمي الملك حافيتين! # وانتفض الملك فوق عرشه مذعورا. # وفتح عبد الإمام عينيه فرأى وسادته القذرة تحت رأسه، وسمع شخيرا إلى جواره، ورآها ~~راقدة كالجثة الهامدة كما كان يراها كل ليلة منذ عشرين عاما. # ولكزها في كتفها وقال في غضب: ناوليني كوبا من الماء يا امرأة. # وزمجرت المرأة وهي تحلم، ثم واصلت شخيرها. # فلكزها مرة أخرى وصاح غاضبا: قومي يا امرأة واسقيني، كتم الله أنفاسك كما كتمت أنفاسي ~~بعشائك الدسم! # وتقلبت المرأة في فراشها وزمجرت، ثم قامت تستند على عمود السرير الأسود وقالت لنفسها في ~~ضجر: لماذا لا تسقي نفسك أيها البغل! وذهبت لتأتي له بالماء. # | ليلى تتزوج # مسرحية من فصل ms55 واحد # الشخصيات # ليلى: # فتاة في السابعة والعشرين من عمرها، متوسطة الجمال رغم إسرافها الشديد في ~~الزينة والمكياج، صحفية ناشئة، تستعد لحفل عقد قرانها. # ديدي: # خالة ليلى؛ امرأة في الأربعين، بدينة غير مثقفة، ولكنها ثرية تحاول أن ~~تبدو «مودرن». # سهير: # فتاة في العشرين، طالبة بكلية الطب، ابنة ديدي، جميلة بالرغم من ~~بساطتها. # محمود: # شاب في الرابعة والثلاثين، مهندس ناجح، خطيب ليلى. # المنظر ~~(حجرة استقبال يبدو على أثاثها الفخامة والثراء دون البساطة في منزل ~~ديدي. ليلى تقف في وسط الحجرة تلبس فستانا أبيض طويلا، وديدي تدور حولها تنظر إلى ~~الفستان.) # ديدي ~~: # جنان! يا ليلى جنان! ألم أقل لك إن هذه الخياطة ممتازة؟! # ليلى ~~(في نشوة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة) ~~: # ذوقك يا تانت ديدي المدهش، هو أنت تعرفي حد إلا إذا كان ممتازا. # ليلى ~~(تقبل نحو ديدي في امتنان) ~~: # لا أدري كيف أشكرك يا تانت ديدي ... # تانت ديدي ~~: # الآن انتهينا من الفستان، بقيت بطاقات الدعوة. # ليلى ~~: # نعم، بقيت بطاقات الدعوة. # انظري يا تانت ديدي، لقد طبعت خمسين بطاقة. ~~(ديدي تمسك بطاقة تتأملها قليلا.) ~~(ليلى تفكر بعض الوقت، ثم تمسك ورقة وقلما وتكتب بعض ~~الأسماء.) # ليلى ~~: # أولا فيفي وزوجها. ~~(ديدي تقترب منها وتجلس بجوارها.) # ديدي ~~: # فيفي وزوجها؟ فما هما؟ أنت لم تذكري لي اسميهما من قبل أبدا. # ليلى ~~: # إن فيفي امرأة أنيقة جدا، رأيتها مرة أخرى في الجريدة، وعرفني نائب رئيس ~~التحرير عليها ودعوتها لتشرب القهوة في مكتبي، وجاءت وجلست معي أكثر من ربع ~~ساعة. # ديدي ~~: # وزوجها؟ # ليلى ~~: # سعاد هانم وزوجها طبعا. # ديدي ~~: # طبعا. سعاد هانم سيدة مجتمع درجة أولى؛ إنها تعرف الفرنسية، وهي سكرتيرة ~~جمعية إنقاذ المغلوب على أمرهم، ولكن هل تظنين أنها ستأتي؟ # ليلى ~~: # طبعا، إنها تعبد شيئا اسمه صحفي أو صحفية، وإلا فكيف تنشر أخبارا في ~~الصحف؟ لقد كلمتها مرة في التليفون وكانت تكلمني بلهجة شديدة، ولما ~~عرفتها أنني صحفية تغيرت لهجتها وكادت تأخذني بالحضن لولا التليفون. # ديدي ~~: # وزوجها؟ # ليلى ~~: # لا، إن زوجها ليس شخصا مهما، ولكنه وسيم جدا، ms56 وسعاد هانم تسحبه معها ~~كالكلب الأليف في كل مكان. # ديدي ~~: # عال جدا. ومن أيضا؟ # ليلى ~~: # وعزمي وزوجته. إن عزمي هو محرر قسم الأخبار في الجريدة، وإن حضوره الحفل يضمن ~~لنا أنه سينشر الخبر ثاني يوم في الجريدة. # ديدي ~~: # عال جدا، تعجبني أفكارك يا ليلى، لقد ورثت الذكاء من خالتك ديدي. تصوري يا ~~ليلى أنني أحس أنك تشبهينني أكثر من ابنتي سهير. # ليلى ~~: # طبعا يا تانت، أصل سهير ورثت أباها. # ديدي ~~: # على رأيك، لقد ورثت عمتها زكية من سوء حظي. تصوري يا ليلى بقى لي أكثر من ~~عشرين سنة أحاول أن أرقي أسرة زوجي. لا فائدة، الفلاح يفضل طول عمره فلاح، إن ~~التعليم لم يغير من طباع زوجي شيئا. # ليلى ~~: # معلهش يا تانت ديدي. على العموم إن حظك أفضل من حظ أمي؛ إن زوجك رجل غني على ~~الأقل. # ديدي ~~: # غبية، طول عمرها غبية، مع إنها أكبر مني ثلاث سنوات. لا أدري كيف وافقت على ~~أن تتزوج هذا الموظف الفقير. ~~(ليلى تسكت قليلا وتشرد.) # ديدي ~~(تربت على كتفها) ~~: # لا تحزني يا ليلى، إني آسفة أن أقول ذلك على أبيك. # ليلى ~~: # أبدا، أنا لا أفكر في ذلك، ولكني أفكر كيف أقدم أبي وأمي إلى خطيبي. إن ~~وجهي يلتهب من الخجل كلما فكرت في ذلك، بل إنني لا أدري كيف سأقيم الحفل في ~~شقتنا المتواضعة في تلك الحارة القذرة. # ديدي ~~: # لا تحملي هما يا ليلى، إن بيتي تحت أمرك. # ليلى ~~: # ولكنها مهما لبست فإنها لا تعرف كيف تتكلم، يا ليتك كنت أمي! # ليلى ~~(تكلم نفسها) ~~: # آه، لو كان الناس يختارون آباءهم وأمهاتهم. ~~(يدق جرس التليفون.) ~~(تجري ديدي إليه وترفع السماعة.) # ديدي ~~: # ألو ... أهلا كاميليا ... ليلى موجودة ... حاضر أناديها. ~~(تنادي على ليلى): # ليلى كلمي ~~كاميليا. # ليلى ~~(تأخذ السماعة في امتعاض) ~~: # ألو ... الله يسلمك ... ها ها ها ... أبدا ... سمعت من مين؟ ... تقريبا ... إن شاء ~~الله ... أيوه ... مع السلامة. # ديدي ~~: # ما هي الحكاية؟ ألم تدعي كاميليا؟ # ليلى ~~: # طبعا لا، هل أنا مجنونة لأدعوها؟! # ديدي ~~: # لماذا؟ إني أعرف ms57 أنها أعز صديقة لك ، لقد كنت لا أسمع منك إلا اسم كاميليا، ~~وكنت تقضين معها الليل والنهار! هل حدث شيء؟ # ليلى ~~: # أبدا لم يحدث شيء، كانت كاميليا صديقتي صحيح، ولكن ذلك كان قبل الزواج، ~~أما بعد الزواج فيجب علي أن أختار صديقات أخريات. # ديدي ~~: # وصديقاتك القديمات؟ # ليلى ~~: # أختار منهن ما يناسب حياتي الجديدة. # ديدي ~~: # وكاميليا، ألا تناسب حياتك الجديدة؟ # ليلى ~~: # لا. # ديدي ~~: # لماذا؟ # ليلى ~~: # إن كاميليا غير متزوجة، وهذا يجعلها خطرة على حياتي. كما أنها جذابة، ولها ~~عينان ساحرتان، زيادة على أنها ألمع مني في الصحافة واسمها معروف عن اسمي. لا، ~~لا يمكن لزوجي أن يعرفها أو يراها، من يدري؟ ربما يعجب بها، بل هذا ~~مؤكد. # ديدي ~~: # أنت ذكية يا ليلى، هذا هو عين الحكمة والعقل. إن ابنتي سهير ليس لها نصف ~~ذكائك مع أنها في كلية الطب. # ليلى ~~: # الحياة شيء آخر غير الدراسة في الكليات، إنني أفهم الحياة لأنني عشت فيها ~~وقاسيت منها الكثير، وأعرف مقالب الناس ولا أطمئن لأحد. # ديدي ~~: # لك حق يا ليلى، وأظن أن كاميليا كانت تعرف كل أسرارك، وقصة حبك مع ~~خالد. ~~(ليلى تسكت قليلا ويظهر على وجهها الوجوم.) # ليلى ~~: # طبعا، لم نكن نخفي شيئا عن بعض. # ديدي ~~: # لا يا ليلى، اقطعي صلتك بها نهائيا. # ليلى ~~: # هذا ما فعلته الآن. # ديدي ~~: # كيف؟ # ليلى ~~: # لم أقل لها إنني سأتزوج، ولكنها فاجأتني وقالت إنها سمعت من بعض الزملاء في ~~الجريدة أنني سأتزوج، وسألتني عما إذا كان العريس هو خالد، فقلت لها إنه ~~هو. # ديدي ~~: # كذبت عليها؟ # ليلى ~~: # نعم، كان لا بد أن أفعل ذلك. # ديدي ~~: # ولكنها ستعرف الحقيقة غدا. # ليلى ~~: # وماذا يهمني منها؟ # ديدي ~~: # ربما تحقد عليك لانقلابك عليها وتحاول أن تنتقم منك. # ليلى ~~: # لا، إنك تعرفين كاميليا، إن قلبها طيب جدا، لا يمكن أن تحقد على أحد أو ~~تفكر في الانتقام من أحد مهما أساء إليها، لقد كنت أستغل طيبتها الزائدة ~~كثيرا. # ديدي ~~: # إنها ليست طيبة؛ إنها غبية. إن الطيبة عندي هي الغباء سواء بسواء. # ليلى ms58 ~~(تضحك) ~~: # يعجبني ذكاؤك الشديد يا تانت ديدي. # ديدي ~~: # والآن نكتب أسماء بقية المدعوين. # ليلى ~~(تمسك الورقة) ~~: # نعم. الأستاذ عزيز وزوجته. # ديدي ~~: # من هو الأستاذ عزيز؟ # ليلى ~~: # إنه رئيس التحرير عندنا. # ديدي ~~: # أوه! طبعا طبعا، هذا أول المدعوين، وكذلك كل الشخصيات البارزة عندكم في ~~الجريدة وزوجاتهم. # ليلى ~~: # طبعا وزوجاتهم، لن أدعو رجلا وحده، وإلا ظن محمود أنه كان صديقي قبل أن ~~أتزوجه. # ديدي ~~: # هذا حق، كوني حريصة جدا يا ليلى. # ليلى ~~: # لا تخافي علي يا تانت ديدي. ~~(تدخل سهير ابنة ديدي. تسلم على ليلى وتجلس وتنظر إلى الأوراق ~~على المنضدة.) # سهير ~~: # ما هذا؟ # ديدي ~~: # بطاقات دعوة فرح ليلى، عقبالك يا سهير. # سهير ~~: # لا؛ أنت تعرفين يا أمي أن الزواج ليس هو أملي في الحياة، إن أملي هو أن أحصل ~~على بكالوريوس الطب وأشتغل. # ديدي ~~: # ثم تتزوجي؛ إن نهاية البنت هي الزواج، أليس كذلك يا ليلى؟ # ليلى ~~: # طبعا، البنت خلقت للزواج، أقسم لك يا تانت ديدي إنني كنت أجلس في مكتبي ~~وأفكر طول الوقت في أنني بلغت السابعة والعشرين ولم يتقدم أحد للزواج ~~مني. # وكنت كلما تصورت أنني سأبلغ الثلاثين دون أن أتزوج تدور رأسي وأحس ~~بالإغماء. # سهير ~~: # لا يا ليلى، لا تحكمي على الأمور من وجهة نظرك أنت. # ليلى ~~: # إنني أتكلم الصراحة وأقول الحقيقة؛ لقد كنت أتمنى في كثير من الأحيان ألا ~~أكون تعلمت واشتغلت، وإنما تزوجت وأنا في السادسة عشرة من عمري. تصوري، كان من ~~الممكن أن يكون عندي طفل في الحادية عشرة من عمره الآن. تصوري! # ديدي ~~: # هذا صحيح، إنكن تضيعن شبابكن وأجمل سني حياتكن في الدراسة ~~والكليات. # سهير ~~: # إنك لم تتعلمي يا ليلى بكل أسف؛ فالتعليم ليس أن تتخرجي من كلية الصحافة ~~وتصبحي صحفية، إن التعليم هو أن تتخلصي من عقد المرأة الجاهلة القديمة التي ~~كانت تعتقد أن لا حياة لها إلا في ظل الرجل. # ليلى ~~: # وهل يمكن للمرأة أن تعيش بلا رجل؟ # سهير ~~: # نعم، يمكن للمرأة المثقفة العاملة أن تعيش بغير الرجل؛ أي إنها تستطيع أن ~~تأكل ms59 وتشرب وتلبس وتسكن وتمارس الحياة بدون الرجل، وكانت لا تستطيع أن تفعل ذلك ~~إلا من خلال عرق الرجل وعمله، كان الرجل يطعمها فكان لا بد له أن يحكمها ~~بأمره، أما إذا أطعمت نفسها فإنها تصبح مثله، تلتقي به حين تشاء راضية ~~بدلا من أن تلتقي به حين يشاء هو مرغمة كارهة، وإذا أساء إليها تركته دون أن ~~تخشى الجوع والعري. # ديدي ~~: # والزواج، هل تستغني المرأة عن الزواج؟ # سهير ~~: # لا، أنا لا أقول ذلك، ولكنها تتزوج لأنها تريد أن تعيش مع رجل تحبه وتنجب منه ~~أطفالا، ولا تتزوج لأنها تريد أن تأكل وتشرب وتلبس؛ إن الزواج في الحالة ~~الأولى وسيلة لممارسة الحب الكامل، وفي الحالة الثانية غاية امرأة عاطلة تبحث ~~عن عائل. # ليلى ~~: # لقد كنت أقول هذا الكلام يا سهير حينما كنت طالبة في مثل سنك، ولكن بعد أن ~~خبرت الحياة عامة والرجال خاصة، ومارست حريتي على أوسع نطاق، أقول لك إن ~~الفتاة التي لا يكون الزواج غايتها تضل الطريق وتشقى كثيرا، ثم يأتي عليها يوم ~~تتمنى فيه الرجل؛ أي رجل يقول لها أتزوجك. # أنا معك في أن المرأة يجب أن تتحرر من الرجل، ولكن كيف تتحرر وهو لا يريد ~~أن يحررها؟ إن حياة المرأة في يد الرجل؛ زواجها، طلاقها، شرفها، عارها، ~~كرامتها، كل شيء في يد الرجل وهو يعطيه للمرأة متى أراد. لنفرض أنك تخرجت في ~~كلية الطب وأصبحت دكتورة مشهورة ناجحة، هل يمكنك أن تختاري زوجك؟ # سهير ~~: # نعم، ولماذا لا أختاره؟ # ليلى ~~: # لأنه لن يختارك. إن الرجل هو الذي يختار، وهو دائما لا يختار المرأة التي ~~تختاره؛ إذن سيتركك الرجل الذي تريدينه، ولن تجدي أمامك إلا حلين؛ إما أن ~~تجري خلفه وتهدري كرامتك ولا تفوزي به أيضا، وإما تنتظري الرجل الذي يختارك ~~وترضي به كارهة، وهو نفس الوضع الذي كانت عليه المرأة قبل أن تتعلم ~~وتعمل. # سهير ~~: # إن هذا ضعف يا ليلى، ورثته المرأة من سني الذل والجهل والعبودية التي ~~عاشتها، ويجب عليك أن تغيري أفكارك. # ليلى ~~: # حاولت أن ms60 أغيرها كثيرا، لكن تلقيت صدمات كثيرة كادت تهلكني، وأخيرا ~~سلمت بالواقع. إن مجتمعنا يا سهير لا زال ينظر إلى المرأة على أن مكانها وراء ~~الرجل وليس إلى جواره. # ديدي ~~: # وإن المرأة نفسها تحب من الرجل أن يكون أمامها. # سهير ~~: # أوه! لا فائدة من المناقشة، إن الزمن وحده كفيل بتغيير نظرة المجتمع وعقلية ~~كل من الرجل والمرأة. # ليلى ~~: # وحتى تتغير عقلية الرجل والمرأة يجب أن نعيش في الواقع. ~~(ليلى ساخرة): # سوف يتغير رأيك بعد سنوات قليلة. # سهير ~~: # لا. # ليلى ~~: # لا لا. # ديدي ~~: # إن رأسها ناشف كرأس أبيها تماما. ~~(يدخل في هذه اللحظة محمود خطيب ليلى.) # ديدي ~~: # أهلا محمود بك. اتفضل، أهلا وسهلا. # ليلى ~~: # أهلا محمود. ~~(محمود يصافح ليلى وديدي وسهير.) # محمود ~~: # أهلا بكم. كيف حالك يا ليلى؟ # ليلى ~~: # الحمد لله. كيف أنت؟ # محمود ~~: # الحمد لله. # ديدي ~~: # فاتتك مناقشة طريفة جدا عن الرجل والمرأة. # سهير ~~: # فكرة جميلة! لماذا لا نأخذ رأي الأستاذ محمود بصفته رجلا؟ # محمود ~~(ضاحكا) ~~: # إنني سأتعصب للرجل طبعا. # سهير ~~: # لا أعتقد ذلك. الآن ما هو رأيكم: هل الزواج بالنسبة للمرأة وسيلة أم ~~غاية؟ # محمود ~~: # إن المرأة هي التي تجيب على هذا السؤال، لكني أستطيع أن أحكم من تجاربي في ~~الحياة أن المرأة مهما تعلمت فإن غايتها الزواج، إنها تفكر في الزواج قبل ~~الحب. # ليلى ~~: # لأن الرجل لا يمنحها حقا في الحب؛ إنه لا يعترف ولا يحترم أي عاطفة تربطه ~~بالمرأة ليست هي الزواج. # محمود ~~: # ولماذا لا تأخذ هي حقها في الحب بيدها؟ لماذا تنتظر من الرجل أن يمنحها أو ~~يعترف أو لا يعترف؟ # سهير ~~: # هذا صحيح؛ إن المرأة يجب أن تأخذ حقها بنفسها. إن الرجل لا يملك حق الإعطاء ~~أو المنع. # ليلى ~~: # الرجل هو القاضي وهو الحاكم وهو المشرع وهو صاحب الحق، وهو المشرف على ~~التنفيذ؛ إن مجتمعنا مجتمع رجالي مائة في المائة. # سهير ~~: # كان ذلك في القديم الغابر. # ليلى ~~: # ولا زال حتى الآن؛ إن علاقة الرجل بالمرأة لا زالت تربطها القوانين القديمة ~~التي كانت قائمة منذ مئات السنين. ms61 # محمود ~~: # إذا كان ذلك صحيحا، فإنني ألوم المرأة مهما تعلمت، فإنها تحن دائما إلى ~~العبودية، إلى أن يكون الرجل سيدها وحاميها. # ليلى ~~: # هذه هي طبيعة الأنثى يا محمود، لا يمكن أن ننكر الطبيعة. # سهير ~~: # لا ليست الطبيعة، إنها مسألة عادة؛ لقد تعودت المرأة أن تجد لذتها في ~~الضعف والذل، وتعود الرجل أن يجد لذته في البطش والسيطرة. # محمود ~~: # إذا غيرت المرأة عادتها فإن الرجل لا يجد مفرا من تغيير عادته. # ليلى ~~: # إن المرأة لا تستطيع أن تغير عادتها. # سهير ~~: # بل تستطيع. # محمود ~~: # هذا يتوقف على المرأة إذا كانت قوية أم ضعيفة. # سهير ~~: # المرأة القوية تستطيع. # ليلى ~~: # إن المرأة تبدأ قوية، فإذا ما دخلت التجربة خرجت ضعيفة. إن الواقع كفيل ~~بإضعاف أي امرأة متحمسة للتغيير. # سهير ~~: # ليس هذا صحيحا. # ليلى ~~: # أنت لا تستطيعين أن تحكمي يا سهير؛ إنك لم تدخلي التجربة بعد. # محمود ~~: # وهل أنت دخلت التجربة يا ليلى؟ ~~(ليلى تفكر لحظة ثم تتظاهر بالبراءة الشديدة.) # ليلى ~~: # طبعا لا. ~~(ليلى توافق في بساطة.) # فعلا، أنا لا أستطيع أن أحكم. ~~(محمود ينظر إليها متشككا.) # سهير ~~: # نفرض أنها دخلت التجربة، هل هذا يضايقك؟ ~~(محمود يفكر وينظر إلى ليلى. ليلى تنظر بعيدا عنه.) # محمود ~~(في ارتباك) ~~: # لا، لا يضايقني. ~~(سهير تشعر أنه يكذب، وليلى تفهم أنه يكذب، لكنها تتظاهر ~~بتصديقه.) ~~(تمر لحظة سكون طويلة.) # سهير ~~: # أنت لا تقول الحقيقة. # ليلى ~~: # لا، إنه يقول الحقيقة. أرجوك يا سهير، دعينا من هذه السفسطة التي تضيع ~~الوقت. ~~(سهير تغيب في تفكير عميق.) # ديدي ~~: # انظر يا محمود بك، هل رأيت بطاقات الدعوة؟ # ما رأيك؟ # محمود ~~: # جميلة جدا. وما هذه الأسماء؟ المدعوون؟ ~~(محمود يتأمل الورقة التي بها الأسماء بعض الوقت.) # ديدي ~~: # إن صديقات وأصدقاء ليلى جميعهم من الشخصيات البارزة. ~~(محمود يواصل قراءة الأسماء بينه وبين نفسه.) # محمود ~~: # ولكن أين اسم كاميليا؟ # ليلى ~~(في دهشة) ~~: # كاميليا؟ هل تعرفها؟ # محمود ~~: # لا، عرفتها اليوم فقط. # ليلى ~~(في فزع) ~~: # اليوم؟ أين؟ متى؟ # محمود ~~: # مررت اليوم على مكتبك بالجريدة، وكنت أظن أنك هناك، ولكني ms62 قابلت زميلة لك ~~تدعى كاميليا. # ليلى ~~: # وماذا قالت لك؟ # محمود ~~: # لا شيء. عندما سألتها عنك رحبت بي وطلبت لي فنجانا من القهوة، وقالت إنها ~~صديقتك الحميمة. # ديدي ~~: # إنها تدعي ذلك؛ إنها ليست صديقة ليلى، إنها زميلتها في العمل فقط. # سهير ~~: # ماذا تقولين يا أمي؟ # ليلى ~~: # كانت صديقتي في يوم من الأيام، ولكن أخلاقها لم تعجبني ف ... # سهير ~~: # ماذا؟ إنني أسمع هذا الكلام لأول مرة. # ديدي ~~: # اسكتي أنت يا سهير، أنت لا تعرفين شيئا، اذهبي إلى حجرتك وراجعي دروسك؛ ~~لقد ضيعت وقتا طويلا. ~~(سهير تخرج وقد بدا عليها الغضب والدهشة.) ~~(محمود يطرق إلى الأرض في تفكير عميق.) # ديدي ~~: # قم يا محمود بك، قم لا بد أنك جائع. هيا بنا نتناول الغذاء، هيا يا ليلى، ~~دعكما من هذا الكلام الفارغ. # ليلى ~~: # ماذا عندك يا تانت ديدي؟ # ديدي ~~: # أرانب بالملوخية مدهشة. تفضل يا محمود بك. (تقترب من محمود وتأخذه من يده. ~~تخرج ديدي ومعها محمود.) ~~(ليلى تبقى وحدها وتضع رأسها على يدها في أسى وتفكير. تدخل ~~سهير.) # سهير ~~: # أنا لا أفهم شيئا. # ليلى ~~(ترفع رأسها وتقول في شدة) ~~: # لا داعي لأن تفهمي شيئا، ولكن اعلمي أنك مخطئة! وسوف تعرفين ذلك بعد عشر ~~سنوات حين تصبحين في مثل سني. # سهير ~~: # لقد كنت أظن أن السنوات التي ستضاف إلى عمري تزيد من قوتي دائما. # ليلى ~~: # بالعكس، تزيد من ضعفك وخوفك واحتياجك إلى الرجل. إن المرأة في الثلاثين أضعف ~~منها في العشرين. # سهير ~~: # لا، لا يا ليلى، إن رغبتك في الزواج تعميك عن حقائق كثيرة. # ليلى ~~: # إن المجتمع يا سهير لا يعترف بالمرأة وحدها أبدا، إنه يسأل دائما لماذا لم ~~تتزوج؟ # سهير ~~(في ثورة) ~~: # المجتمع! إني لا أعترف بهذا المجتمع! # ليلى ~~(تضحك) ~~: # ها ها ها ها ~~(تقوم وتمسك سهير من ~~يدها) ~~. # هيا بنا، هيا بنا يا سهير نأكل الأرانب بالملوخية. # لقد سبقنا محمود وتانت ديدي. هيا. # سهير ~~(تقف وتقول في حماس) ~~: # لن أتغير يا ليلى. لن أتغير! # ليلى ~~: # لا داعي لأن نتكلم عما سيأتي، لا أحد ms63 يعلم الغيب، ولكني الآن سأتزوج محمود، ~~يجب أن أتزوجه، ويجب أن أحافظ عليه؛ لقد قاربت على الثلاثين ولا أستطيع أن ~~أعيش بلا رجل، هل فهمت؟ # سهير ~~: # وهل معنى ذلك أن تكذبي عليه وعلى نفسك؟ # ليلى ~~: # إن الحقيقة في حياة المرأة هي أخطر شيء على حياتها. إن المرأة الصادقة هي ~~أتعس امرأة في حياتها، ولا يمكن لها أن تعيش مع رجل. # سهير ~~: # كيف هذا؟ # ليلى ~~: # إن الرجل يفضل أن يصدق أكاذيب المرأة وهو يعلم أنها أكاذيب عن أن يسمعها ~~تقول الحقيقة. ~~(سهير تفكر في شرود.) # سهير ~~: # إن المشكلة مشكلة الرجل. # ليلى ~~: # لقد فهمت أخيرا ... أخيرا! ~~(ديدي تدخل مندفعة.) # ديدي ~~: # ليلى، سهير، أتجلسان هنا وحدكما ومحمود بك ينتظركما على المائدة؟ هيا هيا، ~~الملوخية ستبرد. ~~(يخرج الجميع.) ~~(ستار) # | نادية ... لم أستطع! # فرك جفنيه وتثاءب وتمطى، وشعر بارتخاء يسري في روحه وجسده؛ الارتخاء اللذيذ الذي يحدث ~~في اللحظة العجيبة التي تتأرجح بين غيبوبة النوم ويكون العقل الواعي لم يستيقظ بعد ... من كلا ~~الزمان والمكان، الضائعة من كلا الوعي واللاوعي. وشعر أنه تحرر من العقلين معا، وتخلص ~~وجدانه من ثقلهما فأحس أنه خفيف كالريشة، شفاف كالبلور. # وانفرجت شفتاه عن متعة غير محدودة لتنزلق من بينهما حروف متماسكة كحبات اللؤلؤ، وكاد ~~يهتف: نادية. لولا أن إحساسا غريبا تسرب إلى أنفه ومسام جسده مع رائحة الجدران ~~الجديدة والعطر والفراش الجديد، فانزلقت اللحظة الناعمة لتسقط من الوجود والتصقت الحروف ~~اللؤلؤية بحلق فمه، وشعر بالحقيقة المرة تخترق منافذ جسده وروحه مع الصوت الممطوط يقول: ~~الفطور جاهز يا ... # وفتح عينه، ورفع ذراعيه يتحسس السرير، وأمسك اللحاف الأطلس بيده، وضغط عليه ليتأكد من ~~الحقيقة، وأمسك ساقه وقرص فخذه بأصابعه ليستوثق من أنه هو نفسه بشحمه ولحمه وليس أحدا ~~سواه. وسمعها تردد بصوتها الممطوط: «الفطور جاهز يا ...» وتقلصت عضلات وجهه في ابتسامة ~~تشبه التكشيرة. لماذا لا تناديه باسمه؟ لعلها مثله؛ على طرف لسانها حروف اسم آخر لا تقوى ~~على الانزلاق من بين شفتيها، أو لعله الخجل أو الحياء. ولكن أيمكن أن يصفها ms64 بشيء من هذا ~~القبيل بعد ما شهده منها في الليل؟ # وتثاءب وتمطى وهو يقول: متشكر يا ... وحاول أن ينطق اسمها ويقول «يا علية»، ولكنه لم ~~يستطعه، فإن عقليه معا الواعي والباطن لم يتعودا أن يجمعا في رأسه سوى حروف نادية، ~~ولسانه لم يألف إلا اسم نادية ملتصقا بطرفه ... إلى رأسه، وأسماء وأسماء مرت بلسانه دون أن ~~تتعلق بطرفه أو تلتصق. # وشعر بيد عروسه الرقيقة تلمس كتفه وصوتها الممطوط الناعم يردد: الفطور جاهز يا ... وفتح ~~عينيه على آخرهما تفضح منابت شعر كثيف اقتلع من جذوره حديثا، وابتسم ابتسامة بليدة تشبه ~~التثاؤب وقال: متشكر يا ... وجند كل خلايا عقله وكل عضلات لسانه ليقول: «يا علية، يا علية»، ~~ولكنه لم يستطع. # ورآها وهي تتلوى أمامه في ثوب شفاف، فشعر بغثيان خفيف يشبه الغثيان الذي شعر به في أول ~~شبابه، حين خلعت المومس ملابسها في اللحظة التي وضع فيها قدمه على باب حجرتها؛ ذلك الغثيان ~~الذي جعل رجولته كلها تتسرب من روحه وجسده، وتتركه شيئا عاجزا هامدا كأنما فارقته ~~الحياة. # وتأمل عروسه وهي تتبختر أمامه شبه عارية، وتساءل: أيمكن أن تكون هي نفسها الفتاة ~~البريئة الساذجة التي أرخت جفنيها في حياء وخفر منذ يومين اثنين وهي تقدم صينية ~~القهوة في بيت أبيها؟ أيمكن لمثل هذه الفتاة أن تخلع ملابسها بهذا الشكل أمام رجل غريب بلا ~~معرفة وبلا تفاهم؟ وما الفرق بينها وبين المرأة المومس؟ كلتاهما خلعت ملابسها أمام رجل ~~غريب من أجل ورقة صغيرة، المومس ورقتها تدفع فورا، والزوجة ورقتها تدفع مؤخرا، ولكل ~~امرأة ثمن؛ غال أو رخيص، يدفع مقدما أو مؤخرا. ولكن نادية؛ نادية الوحيدة التي لم يعرف ~~ثمنها، لم تكن لها مطالب تشبه مطالب النساء، كانت تشمئز من الهدايا، وكانت تحتقر الفساتين ~~وحلي النساء، ولم تكن تنظر إلى الذهب أو الورق باحترام. # ورأى زوجته وهي تحوط ذراعيها برأسه، ووصل إلى أنفه رائحة عطرها النفاذ مختلطا برائحة ~~جسمها وروحها، فشعر بالغرابة تحوطه من كل جانب، لكنه حوطها بذراعيه في اطمئنان، فهو يعرف ما ms65 ~~يرضيها ويستطيع أن يرضيها دائما دون خوف أو قلق. وشعر بها وهي تنزلق كقطعة الصابون الناعمة ~~إلى جواره، وسرى دفء جسدها إلى كيانه، جسم المرأة يثيره ويرضيه، ولكن نادية كانت تزلزل ~~كيانه، ترج روحه وجسده، فينتفض انتفاضة عنيفة تخلع عنه غروره الأكبر. # لم يكن استسلام المرأة الكامل يرضيه بمثل ما كان يرضيه منها تلك اللمعة العنيفة الصادقة ~~التي تتألق في روحها حين يلتقي معها في فكرة أو إحساس، لحظة عجيبة يشعر معها أنه استطاع أن ~~يرضيها هي بالذات؛ قلبا وعقلا وجسدا، ولو للحظة قصيرة. هي نادية، التي كان يشعر من حيث ~~لا يفهم أن شيئا ما لا يمكن أن يرضيها. # ولكن أي شعور بالقلق يدفعه من أجل هذه اللحظة القصيرة؟ # أن يستطيع أن يرضيها، كان في حد ذاته شيئا كبيرا، أكبر من غروره، وأكبر من ثقته بنفسه ~~ورجولته، بل أكبر من طموحه في عمله الذي كان ينسى في غماره أي إنسان. ولكن أي ثمن باهظ ~~ثمنها؟! كيف يأتي لها بفكرة جديدة كل مرة؟! وكيف يأتي لها بإحساس جديد كل لقاء؟! أي شعور ~~بالخوف ... الخوف من الفشل في إرضائها؟! # وسمع صوت زوجته الممطوط الناعم يقول: أنت عاوز تنام يا ... وتمطى في كسل وهو يقول: أيوه ~~يا ... وحوطها بذراعيه، فانكمشت كالقطة الصغيرة بينهما، وانفتحت عدسة مخه على عيني نادية ~~العميقتين تتطلعان إليه في تساؤل: تتركني وتتزوجها؟ ودفن رأسه في صدر زوجته هاربا من ~~العينين العسليتين، واختنق قلبه بكلمات أوشكت أن تنزلق من بين شفتيه: نادية ... لم ~~أستطع! ms66