######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.MawtMacaliWazirSabiqan.Hindawi96869693 #META# Tags: novels #META# ID: 96869693 #META# Title: موت معالي الوزير سابقًا #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # موت معالي الوزير سابقا‏ # الجريمة العظمى‏ # رسالة حب عصرية‏ # القناع‏ # اعتراف رجولي‏ # رسالة خاصة إلى صديق فنان‏ # الجلسة السرية‏ # ثمن الكتابة‏ # موت معالي الوزير سابقا‏ # الجريمة العظمى‏ # رسالة حب عصرية‏ # القناع‏ # اعتراف رجولي‏ # رسالة خاصة إلى صديق فنان‏ # الجلسة السرية‏ # | موت معالي الوزير سابقا # | موت معالي الوزير سابقا # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، ~~لا تهتم بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة ms01 ، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا ms02 بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على ms03 شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد؛ لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | موت معالي الوزير سابقا # ضعي يدك على رأسي يا أمي، وربتي برقتك على شعري وعنقي وصدري كما كنت تفعلين معي وأنا ~~طفل، فأنت الوحيدة الباقية لي، ووجهك هو الوحيد من وجوه العالم الذي أراه أو أريد أن أراه ~~في هذه اللحظات الأخيرة، وكم كنت أود أن تعاتبيني يا أمي؛ لأني لم أرك منذ خمس سنوات، ~~ولكني لم أنشغل عنك أنت فحسب، فقد انشغلت عن العالم كله حتى نفسي، حتى بيتي وزوجتي ~~وأصدقائي، حتى لعبة الجولف - التي كنت أهواها - لم أمارسها طوال هذه السنوات الخمس مرة ~~واحدة، حتى ابنتي الوحيدة الصغيرة التي كنت أحبها لم أكن أراها، حتى وجهي يا أمي، وجهي لم ~~أكن أراه، وكنت وأنا مسرع إلى الخارج ألقي نظرة سريعة في المرآة؛ لا لأرى وجهي وإنما ~~لأحكم ربطة العنق حول عنقي، أو لأتأكد من أن لون الثوب لا يتعارض مع لون الربطة، بل ~~إنني حتى وإن نظرت إلى وجهي في المرآة فأنا لا أراه، وإذا نظرت إلى وجوه الناس في المكتب أو ~~في الشارع من خلال زجاج سيارتي فأنا لا أراهم، وإذا حدثوني فأنا لا أسمعهم وإن تكلموا بصوت ~~عال، بل إن أعلى بوق في أي سيارة ما كنت لأسمعه وإن كان خلفي مباشرة، وكم مرة كانت تدهمني ~~سيارة حتى كففت عن السير على قدمي. # كنت - يا أمي - كالذي لا ms04 يرى ولا يسمع ولا يعيش في هذا العالم. في أي عالم كنت أعيش، وهل ~~هناك عالم آخر غير عالم الناس يمكن للإنسان أن يعيش فيه دون أن يكون قد توفاه الله؟ وكنت ~~أدرك - يا أمي - أن الله لم يتوفني بعد بدليل أنني لم أقرأ نعيي في صفحة الوفيات، ~~ولا يمكن لرجل في مثل منصبي أن يموت هكذا دون أن ينشر نعيه كبيرا بارزا في الصحف، وأن ~~تنظم له جنازة كبيرة يمشي فيها كبار رجال الدولة يتوسطهم رئيس الدولة. مشهد كان يهزني - ~~يا أمي - إلى حد أنني كنت أتمنى، وأنا أمشي في مثل هذه الجنازات المهيبة، أن أكون أنا ~~الذي داخل الصندوق، وحيث إنني لا أتذكر أنني كنت دائما سائرا على قدمي خلفه؛ فأنا إذن كنت ~~أعيش، لكني لم أكن أعيش في هذا العالم الذي تعيشون فيه، ولم يكن يشغلني ما يشغلكم، وإنما ~~كنت مشغولا بما هو أهم، وكان انشغالي بغير حدود، بأكثر مما يستطيع جسدي وعقلي تحمله، وفي ~~بعض الأحيان كان جسدي يرهق حتى يكف عن الحركة، لكن عقلي يظل يشتغل، وفي أحيان أخرى كان ~~عقلي يرهق حتى يكف عن التفكير لكن جسدي يظل يتحرك ويروح ويجيء؛ فيذهب إلى المكتب ويحضر ~~الاجتماعات، ويرأس المؤتمرات، ويستقبل الضيوف الرسميين في المطارات، ويحضر الاحتفالات، وقد ~~يسافر إلى الخارج أيضا في مهمة رسمية. وكنت - يا أمي - حين أرى جسدي وهو يتحرك وحده هكذا ~~بغير عقلي أدهش، بل أخاف، خاصة إذا كنت أجلس في اجتماع هام يقتضي مني التركيز والانتباه. ~~وكان الاجتماع الهام الوحيد هو الاجتماع الذي أصبح فيه مرءوسا، وكنت أكره - منذ أصبحت ~~موظفا في الحكومة - أن أكون مرءوسا، وتعودت أن أكتم كراهيتي أمام رؤسائي ولا أنفس عنها ~~إلا في مكتبي مع المرءوسين، أو في بيتي مع زوجتي كما كنت أرى أبي يفعل مع أمي. دائما كنت ~~أعجز عن التنفيس عن كراهيتي أمام رئيسي حتى وإن كان موظفا عاديا كرئيس قسم أو مدير ~~إدارة، فما بال الأمر حين يكون رئيسي ليس موظفا مثل أي ms05 موظف في الدولة ، وإنما هو رئيس ~~الدولة كلها. ماذا تقولين يا أمي؟ نعم يا حبيبتي، كنت أجلس أمامه في مقعدي بجسدي وعقلي، ~~مشدودا منتبه الحواس شديد اليقظة، أخشى أن يسألني فجأة سؤالا لا أعرف إجابته، وإذا عرفت ~~الإجابة فأخشى ألا تكون هي الإجابة الصحيحة، وإذا كانت هي الإجابة الصحيحة فأخشى ألا تكون ~~هي الإجابة المطلوبة. # ماذا تقولين يا حبيبتي؟ نعم يا أمي، هذه هي ألف باء السياسة نتعلمها في أول درس؛ فالإجابة ~~الصحيحة ليست هي دائما الإجابة المطلوبة، لكن الإجابة المطلوبة هي دائما الإجابة الصحيحة، ~~وعلى الرجل منا أن يكون دائم الانتباه جسدا وعقلا لالتقاط الحقيقة الصحيحة من الحقيقة غير ~~الصحيحة، وهي مهمة شاقة يا أمي، أشق من أي مهمة في الحياة. وكان علي أن أجلس في ~~الاجتماع منتبها بعقلي وجسدي، بالاثنين معا، أجلس في مقعدي، ويدي اليسرى ساكنة في حجري، ~~ويدي اليمنى ممسكة بالقلم فوق الورق، جاهزا مستعدا لالتقاط الإشارة، أي إشارة، وقد لا ~~تكون إلا إيماءة رأس أو حركة يد أو إصبع، أو الشفة السفلى يمطها في حركة خفيفة إلى ~~الأمام، أو انقباضة عضلة صغيرة حول الفم أو الأنف، أو العين اليمنى أو العين اليسرى. وكان ~~علي أن أفرق بين حركة العين اليمنى من العين اليسرى، وأن أرى أي حركة لحظة حدوثها بل ~~قبل حدوثها، وأن أفسرها في عقلي بسرعة، بل إن عقلي يجب أن يكون أسرع مني فيفسرها قبلي، ~~وعيناي يجب أن تكونا أسرع من عقلي فتريا الحركة قبل أن تقع، وأذناي يجب أن تكونا أسرع ~~فتسمعا الصوت قبل أن يحدث. # ماذا تقولين يا أمي؟ نعم يا حبيبتي، كنت أعتمد دائما في هذا الاجتماع الهام على حواسي ~~الخمس، بل إن جسدي وعقلي كليهما كانا يتحولان - وأنا جالس في مقعدي - إلى كتلة عصبية شديدة ~~الحساسية؛ كأسلاك رادارية عارية ملتفة بعضها حول البعض، تصنع رأسي وذراعي وصدري وبطني. ~~وكنت - يا أمي - من شدة الحساسية أحس عضلات بطني ترتعش كأنما بها مس كهربائي متصل، ~~وبالذات حين أقف إلى جواره أو ms06 بالقرب منه؛ فأحس بأصابع يدي اليمنى ترتعش، مع أنني أمسكها ~~بأصابع يدي اليسرى، وكلتاهما - اليمنى واليسرى - مضمومتان فوق صدري أو بطني، وساقاي أيضا ~~مضمومتان وأنا واقف أو جالس. كانت هذه هي الصورة - يا أمي - التي أصبح عليها وأنا معه، ~~وجسدي كان يعجز دائما عن اتخاذ وضع آخر سوى هذا الوضع، وحين يسلط الضوء على وجهي، وتمر ~~العدسات فوق جسدي لتصورني للناس، أحاول أن أفك يدي اليمنى من اليسرى وأرفعهما عن صدري أو ~~بطني، لكني لا أستطيع، وأجدهما ثقيلتين كأنهما مشلولتان. ماذا تقولين يا أمي؟ نعم يا ~~حبيبتي، كانت هذه هي صورتي التي أراها في الصحف فأخجل من نفسي، وأكاد أخفي الجريدة عن ~~عيون أسرتي، وعلى الأخص عيني ابنتي الصغيرة التي كانت تشير بإصبعها الدقيق إلى وجهي من بين ~~الوجوه المرسومة في الجريدة، وتقول لأمها: «ليس هذا هو بابا يا ماما»، لكن أمها كانت ترد ~~عليها بكبرياء زوجات الرجال العظماء قائلة: «إنه بابا يا حبيبتي، انظري كم هو عظيم وواقف مع ~~رئيس الدولة!» ويرن صوت زوجتي في أذني؛ فأدرك أنه ليس صوتها الحقيقي، وأن تحت الصوت صوتا ~~آخر تخفيه وتكتمه منذ الأزل وإلى الأبد، منذ تزوجنا وإلى أن نموت، وتخفي حقيقتها وحقيقتي ~~معها في سرداب عميق سحيق في بطنها، أحسه أحيانا تحت يدي كالدمل المزمن المتجمد الذي ~~لم ولن ينفقئ. # ماذا تقولين يا أمي؟ لا يا حبيبتي، لم أكن أخجل إلا من عيني ابنتي الصغيرة، فهما عينان ~~على طفولتهما، بل بسبب طفولتهما كانتا دائما قادرتين على تعريتي وكشف حقيقتي التي لم يكن ~~يقدر على كشفها أحد في العالم حتى أنا. أتذكرين - يا أمي - أنك كنت تقولين لي دائما إن ~~الطفل مكشوف عنه الحجاب؟ لم أكن أصدقك في ذلك الوقت، لكني أدركت من بعد أنني أحيانا، ~~حين كانت ابنتي الصغيرة تنظر إلي بعينيها الواسعتين الثابتتين في عيني، كنت أحس أنني أخشى ~~عينيها، وأظن أحيانا أن هذه النظرة القوية الثابتة ليست نظرة طفل، وليست بالذات نظرة بنت، ~~أو بالأحرى بنت طبيعية، وأن البنت ms07 الطبيعية، بل الولد الطبيعي أيضا يجب أن تكون نظرته ~~أقل ثباتا أو أقل وقاحة، وبالذات حين ينظر إلى شخص أكبر منه مقاما وسنا وله سلطة عليه، ~~فكيف الحال إذا كان هذا الشخص هو الأب، رب الأسرة وعمادها، الذي يعمل والذي ينفق، ومن حقه ~~على أفراد أسرته جميعا الاحترام والطاعة، كبارا كانوا أم صغارا، وعلى الأخص ~~الصغار؟ # ماذا تقولين يا أمي؟ نعم، هذا هو كلامك الذي كنت أسمعه منك وأنا طفل صغير. وقد ظل في ~~ذاكرتي على الدوام إلى حد أنني كنت أقوله لزوجتي، وأردده لابنتي، وأقوله أيضا لمن كان ~~يقع من الموظفين تحت رئاستي أو سلطتي، وأشعر بالرضا عن نفسي وأنا أقوله إلى حد الزهو، وأرى ~~الإعجاب في عيون الموظفين حولي؛ فيشتد إيماني بأن ما أقوله هو الحقيقة الثابتة منذ الأزل، ~~وأن من يقول بغيرها فقد أخطأ أو كفر. # ماذا تقولين يا أمي؟ نعم يا حبيبتي، في حياتي كلها منذ كنت موظفا صغيرا إلى أن أصبحت ~~وزيرا، لم يصادفني موظف واحد قال بشيء آخر غير ما كنت أقول، وهذا هو السبب - يا أمي - في ~~أنني لم أحتمل هذه الموظفة، ولم أحتمل أن أظل جالسا في مقعدي هادئا كعادتي، وقورا كأي ~~وزير حين يكون جالسا بين موظفي وزارته، لم أحتمل - يا أمي - إلا أن أنتفض واقفا صارخا ~~بغضب على غير عادتي، خارجا عن وقاري، فاقدا لصوابي. لم تكن تقول شيئا ذا بال، لكنه غير ~~الذي كنت أقوله، ولا أدري - يا أمي - كيف لم أحتمل، وكيف خرجت عن هدوئي ووقاري. ولم يكن ~~غضبي عليها؛ لأنها نطقت بشيء آخر غير رأيي، أو لأنها موظفة صغيرة تختلف في رأيها مع ~~الوزير، أو لأنها امرأة تعتد برأيها أمام رجل، أو لأنها قالت لي وهي تخاطبني «حضرتك»، في ~~حين أن الموظفين جميعا يقولون حين يخاطبونني: «يا معالي الوزير»، ولكن غضبت يا أمي؛ لأنها ~~- وهي تكلمني - كانت ترفع عينيها في عيني بطريقة لم أرها من قبل، وهذه الحملقة أو ~~النظرة الثابتة القوية في حد ذاتها جرأة بل ms08 وقاحة إذا ما صدرت من رجل، فكيف إذا كان موظفا؟ ~~وكيف إذا كان امرأة؟ ولم يكن غضبي عليها أنها فعلت ذلك بل لأنني لم أعرف كيف فعلته، كيف ~~تجرأت وفعلته؟! # ماذا تقولين؟ نعم يا أمي، كنت أريد أن أعرف كيف فعلت هذه المرأة ذلك، واستبدت بي هذه ~~الرغبة في المعرفة إلى حد الغضب من نفسي؛ لأني لا أعرف ولأني عاجز عن أن أعرف. واستبد بي ~~الغضب إلى حد أنني أصدرت في اليوم التالي أمرا بإحضارها إلي في مكتبي، وتركتها واقفة ~~أمامي وأنا جالس، وأشعرتها بأنها غير موجودة وتركتها واقفة وأنا جالس أتكلم في التليفون ~~وأضحك مع من يحادثني، والغريب أنها ظلت واقفة، لم تكن تسمع صوتي أو تنظر إلي، وإنما كانت ~~تنظر إلى صورة معلقة في الحائط. وبعد أن انتهيت من الحديث في التليفون كنت أظن أنها ستنظر ~~إلي، لكنها ظلت تنظر إلى تلك الصورة المعلقة وكأنني غير موجود، وحاولت أن أدرس ملامحها ~~قبل أن تحرك رأسها وتراني، لكنها حركت رأسها واستقرت عيناها القويتان الثابتتان في عيني. ~~وانتفضت، كأنما سقطت عني ملابسي كلها دفعة واحدة، وشعرت بالخجل الذي ذكرني في لحظة سريعة ~~خاطفة بعيني ابنتي الصغيرة، وتحول الخجل في لحظة خاطفة إلى رغبة في أن أخجلها كما ~~أخجلتني، ووجدت نفسي أصرخ في وجهها بصوت عال على غير عادتي: «كيف تجرؤين؟! من أنت؟ ألا ~~تعلمين أنك مهما كنت فلست إلا موظفة صغيرة وأنا الوزير، ومهما ارتفعت فأنت في النهاية ~~امرأة، مكانها في الفراش تحت الرجل؟!» # ماذا تقولين يا أمي؟ نعم، أية امرأة تسمع مثل هذا الكلام من أي رجل لا بد أن تموت من ~~الخجل، أو على الأقل تسقط مغشيا عليها من الخجل، فكيف إذا كان الرجل الذي يقول لها هذا ~~الكلام ليس أي رجل وإنما رئيسها في الحكومة، وهو أيضا ليس مديرا فحسب أو رئيس قسم وإنما ~~هو الوزير شخصيا، وهي لا تسمع هذا الكلام في حجرة خالية مغلقة، ولكن حجرة مكتبي كانت ~~مليئة بالرجال، وكلهم من كبار الموظفين؟ نعم ms09 يا أمي، أية امرأة في مكانها كان لا بد أن ~~يقتلها الخجل، وكنت أود أن أقتلها بأي شيء وإن كان هو الخجل، لكن الغريب - يا أمي - أن هذه ~~المرأة لم يكن يقتلها شيء ولم يبد عليها أي خجل، بل إنها لم تطرق بعينيها إلى الأرض ~~ولم يرمش لها جفن. ولعلك تتصورين - يا أمي - مدى الغضب الذي يمكن أن يشعر به أي رجل في ~~مكاني وفي منصبي، وبشخصيتي ورجولتي، واعتدادي بنفسي أمام نفسي وأمام الموظفين في وزارتي، ~~ولأنني أيضا - يا أمي - لم أر في حياتي كلها موظفا رفع عينيه في عيني رئيسه، ولا امرأة ~~رفعت عينيها في عيني رجل، وإن كان أخاها أو أباها أو مديرها أو حتى ابنها، فما بالك إذا ~~كان هذا الرجل أكثر من أبيها وأكثر من مديرها، وأكثر من أي رجل آخر في نظر نفسه وفي نظر ~~الناس، وفي احترامه لنفسه واحترام الناس له؟! # وكنت كلما تذكرت - يا أمي - مدى إكباري لرجولتي وإكبار الناس لمركزي زاد غضبي واشتد ~~إحساسي بهذا الغضب، فكيف تفعل بي هذه المرأة ما فعلت؟ وكان من الممكن - يا أمي - أن يخف ~~غضبي بعض الشيء لو أنني رأيتها تطرق بعينيها مرة، أو أن جفنها ارتعش لحظة واحدة، لكنها - ~~يا أمي - كانت واقفة أمامي وعيناها مرفوعتان في عيني وكأنني لست رئيسها وهي ليست مرءوستي، ~~وكأنني لست وزيرا وهي ليست موظفة صغيرة، وكأنني لست رجلا وهي ليست امرأة، وكأنني لست أنا ~~وهي ليست هي. وكان غضبي يشتد كلما أحسست أنني لست أنا وهي ليست هي، وأقول لنفسي من هي حتى ~~تجعلني أحس أنني لست أنا؟! أو لعلي كنت أغضب أكثر كلما تذكرت أنني هو أنا، بما كنت عليه ~~وبما أنا عليه من منصب وسلطة ورجولة واعتداد بنفسي. وكنت أشعر عن يقين - يا أمي - أنني هو ~~أنا بكل ما كنت عليه، لكني يا أمي - وهذا ما هو أصابني بالجنون - كنت أحس في الوقت نفسه، ~~وباليقين نفسه، أني لست أنا أو لم أعد أنا كما كنت. ولعلك - يا ms10 أمي - تقدرين موقفي ~~وتلتمسين لي العذر؛ لأنني كرهت هذه المرأة إلى حد أن حرارتي ارتفعت في اليوم التالي إلى ~~أربعين درجة مئوية، ولزمت البيت ورأسي الملتهب تحت كمادات الثلج، ولم تنخفض حرارتي - يا أمي ~~- إلا بعد أن أصدرت كل ما في سلطتي وطاقتي من قرارات وزارية لتشتيت هذه المرأة والقضاء ~~عليها قضاء مبرما. # ماذا تقولين؟ أبدا يا أمي، لم أستطع أبدا أن أقضي عليها، وظلت هذه المرأة موجودة، وكنت ~~أسمع بعض الناس بالصدفة يقولون أمامي: إنها لا تزال موجودة. لم أكن أسمع ذلك بالصدفة ولكني ~~كنت أتجسس على أخبارها خفية؛ خشية أن يلحظني أحد، وبأمل أن أسمع عنها خبرا سيئا أو حادثا ~~قضى عليها، لكن أبدا يا أمي! هذه المرأة ظلت موجودة في العالم، ليست موجودة فحسب كأية ~~امرأة أخرى مثلها، ولكني رأيتها - يا أمي - مرة صدفة فإذا بها كما كانت، لم يتغير فيها شيء، ~~وارتفاعة عينيها لم تتغير وجفنها كما كان لا يرمش، مع أنها - يا أمي - رغم كل ذلك امرأة ~~مثل أي امرأة أخرى، ولم يكن يغضبني أنها امرأة، وأني لم أر امرأة فعلت مثلها، ولم يكن ~~يغضبني أنها موظفة وأنا لم أر موظفا فعل مثلها، ولكن ما أغضبني وأخرجني عن صوابي هو أنني ~~كنت عاجزا عن القضاء عليها بأي قرار أو بأية سلطة، وأنها لا تزال موجودة، ووجودها يخرجني ~~عن صوابي، ويخرجني عن وقاري، ويخرجني عن نفسي، وأنا أريد أن أعود إلى نفسي وإلى هدوئي، ~~لكنها - يا أمي - ظلت موجودة، وأصبح وجودها كأنما هو يهدد وجودي. # ماذا تقولين؟ نعم يا أمي، لم أعرف كيف وصلت إلى هذه الحال؟ وكيف يمكن لموظفة صغيرة في ~~الدرجة الخامسة أو السادسة أن تهدد وجود رجل كبير مثلي في منصب الوزير؟ لكني كنت غاضبا، ~~وغضبي كان أشد غضب عرفته في حياتي، ولم يكن ذلك الغضب لأنني عاجز عن القضاء عليها بأية قوة ~~أملكها أو لا أملكها، وليس لأنها فعلت شيئا لم يفعله أحد، ولكن ما أغضبني - يا أمي - حقيقة ~~هو أنها فعلت ms11 ما لم أفعله أنا بالذات، وأنني في كل حياتي لم أستطع مرة واحدة أن أرفع عيني ~~في عيني أي رئيس من رؤسائي وإن كان موظفا صغيرا، ولا يملك علي إلا سلطة صغيرة. وكان ~~غضبي - يا أمي - يشتد كلما حاولت أن أعرف كيف عجزت عن ذلك وهي لم تعجز؛ مع أنني رجل وهي ~~امرأة، مثل أي امرأة أخرى؟! # ماذا تقولين؟ نعم يا أمي، كانت مثل أية امرأة أخرى، ومثلك يا أمي، نعم مثلك، لكني لم أر ~~في كل حياتي أنك - يا أمي - رفعت عينيك في عيني أحد كما رفعتهما هذه المرأة في عيني، ~~ربما لو أنني رأيتك مرة واحدة لاستطعت أن أحتمل هذه الموظفة، بل لو أنك رفعت عينيك مرة ~~واحدة في عيني أبي ربما استطعت أنا أيضا أن أرفع عيني في عينيه، وربما استطعت أن أرفع ~~عيني في عيني أي رجل آخر في موضع السلطة. لكني لم أرك - يا أمي - ترفعين عينيك في عينيه ~~مرة واحدة، ولو أنك فعلت مرة فقد كان من الممكن لي أن أفعل مثلك؛ لأني كنت أفعل كل شيء ~~مثلك، ولأنك - يا أمي - كنت مثلي الوحيد وأنا طفل، وكنت أقلدك، في كل حركة من حركاتك ~~أقلدك، وقد تعلمت الكلام؛ لأني حركت شفتي كما كنت تحركين شفتيك، وتعلمت المشي لأني كنت ~~أحرك قدمي فوق الأرض كما كنت تحركين قدميك. تعلمت منك كل شيء يا أمي، فلماذا لم ترفعي ~~عينيك في عيني أبي لأتعلم منك كيف أرفع عيني في عينيه. ربما لو فعلت - يا أمي - مرة ~~واحدة؛ لاستطعت وأنا طفل أن أكسر رهبته مرة واحدة، وربما استطعت وأنا موظف أن أكسر رهبة أي ~~شخص في موضع السلطة. # ماذا تقولين يا أمي؟ لا يا حبيبتي أنا لا أعاتبك، ولكني أطلب أن تربتي بيدك الحنون ~~على رأسي وعنقي وصدري كما كنت تفعلين وأنا طفل، فأنت الوحيدة التي يمكن أن أفتح لك قلبي ~~وأقول لك مأساتي الحقيقية، ومأساتي الحقيقة ليست أنني فقدت منصبي كوزير، ولكن المأساة هي ~~كيف فقدته. وربما خفت ms12 المأساة بعض الشيء لو أنني فقدته بسبب خطير أو سبب هام أو حتى سبب ~~معقول، لكن المأساة - يا أمي - أن السبب لم يكن معقولا، ولا يمكن لأحد أن يعقله أو ~~يصدقه، وربما لم أعرف - يا أمي - أنه سبب غير معقول إلا في ذلك اليوم الذي فتحت فيه جريدة ~~الصباح فلم أعثر على اسمي بين الأسماء في الوزارة الجديدة، أحسست فجأة كأنما أصبحت ساقط ~~قيد، كأنما اسمي سقط من فوق جسدي ولم يعد لي اسم، وفي كل يوم حين أفتش في الصحف عن ~~اسمي فلا أجده يتأكد لدي الإحساس بأنني أصبحت جسدا بغير اسم. والتليفون - يا أمي - الذي ~~كان يرن كل يوم وفي كل لحظة هاتفا باسمي، أصبح صامتا أخرس لا ينطق، وكأنما أسقطني ~~هو الآخر وأسقط اسمي. وهذا - يا أمي - شعور مرير بالسقوط لم أعرفه في أية مرحلة من حياتي. ~~ماذا تقولين يا أمي؟ نعم يا حبيبتي، لك أعرف إلا هذه اللحظة طعم الشيء الذي فقدته، وأخشى - ~~يا أمي - أن تكون هذه هي صفة الحياة أيضا، وأنا لن نعرف طعمها إلا بعد أن نفقدها، وهذه ~~- يا أمي - في حد ذاتها كارثة ما بعدها كارثة؛ لأن الوقت يكون قد فات، والفرصة قد ضاعت إلى ~~الأبد. ولعل هذا كان حالي وأنا جالس بجوار التليفون الصامت أنتظر، وأخشى أن يلمحني أحد من ~~أفراد أسرتي وأنا جالس أنتظر، فإذا بي أتظاهر بأنني لا أنتظر، مع أنني كنت أنتظر أن أسمع ~~التليفون يرن، أن يرن مرة واحدة بأي شكل وبأي صوت، رجل أو امرأة، قريب أو غريب، كبير أو ~~صغير، إنسان أو حيوان، أي صوت وإن كان هو نهيق الحمار، أن يرن التليفون ولو مرة واحدة فقط ~~ويهتف باسمي. ماذا تقولين يا أمي؟ لا يا حبيبتي، لم تكن الكارثة هي أن التليفون لم يكن يرن، ~~ولا أنني كنت أريده أن يرن، لكن الكارثة - يا أمي - أنني اكتشفت أن رنين التليفون الذي كنت ~~أعلن دائما عن كراهيتي له لم أكن أكرهه بل إنني كنت أحبه، وأنه ms13 كان يبعث في جسدي بجرسه ~~المتصل لذة عرفتها في حينها؛ ولما كانت هناك قوة في العالم تستطيع أن تحرمني منها، فهذه ~~اللذة - يا أمي - كانت تفوق لذة الجنس ولذة الحب ولذة الأكل وكل شيء في الدنيا. كانت كأنما ~~هي لذة غير دنيوية أو غير بشرية، لا تعرفها غرائز البشر أو مشاعرهم، فهي غريزة بغير مشاعر ~~وبغير غرائز، غريزة سحقت المشاعر وسحقت الغرائز، وبقيت هي وحدها قوية جبارة عارمة، قادرة ~~على أن تسحق أي شيء في العالم. تسحق التعب وتسحق الإرهاق، وتسحق الكرامة وتسحق الإهانة، ~~وتجعل جسدي قادرا على الحركة والنشاط، حتى وأنا نائم، وتجعل عقلي يشتغل في أحلامي أيضا، ~~وتجعلني - بعد أي جهد متصل - واقفا على قدمي فوق أرض المطار تحت قرص الشمس، منفرج ~~الأسارير في استقبال أي ضيف رسمي، وتجعلني جالسا مشدود عضلات الوجه والظهر في أي اجتماع ~~وفي أي حفل، وتجعلني جاهزا في أي لحظة بالليل والنهار لاتخاذ الوضع الرسمي بالساقين ~~المضمومتين واليدين المشبوكتين فوق الصدر أو فوق البطن. نعم يا أمي، هذه اللذة العارمة كانت ~~قادرة على سحق أي تعب أو أي جهد، بل إنها كانت قادرة على سحق نفسها وسحقي معها لو ~~أرادت. # ماذا تقولين يا أمي؟ نعم يا حبيبتي، لقد ضيعت كل هذه اللذة من أجل شيء تافه، وأي شيء في ~~الحياة يمكن أن يكون تافها إلى جانب هذه اللذة؟ لكن الحقيقة - يا أمي - أن هذا الشيء لم ~~يكن تافها، لم يكن شيئا بسيطا عاديا، وإنما كان غير بسيط وغير عادي. كان أخطر شيء يمكن ~~أن يحدث لي، وأخطر شيء يمكن أن أواجهه كالموت - يا أمي - بل إن الموت نفسه كنت أظن في بعض ~~الأحيان أنني أستطيع أن أواجهه. لكني في ذلك اليوم لم أعرف ما الذي حدث لي، مع أنني كنت ~~أجلس في مقعدي كعادتي، منتبه الجسد والعقل، منتبه الأعصاب والحواس الخمس، وجسدي وعقلي ~~كلاهما قد تحولا إلى تلك الكتلة العصبية الرادارية، عارية وحساسة لأي إشارة أو أي حركة. ~~وكنت أجلس في مقعدي كعادتي، ms14 عن يقين كنت أدرك أنني كعادتي، ولكني كأنما بيقين آخر كنت أدرك ~~أنني لست كعادتي، وأنني - رغم أنني شديد الانتباه - عاجز عن الانتباه، وأنني لأول مرة في ~~حياتي عاجز عن أن أركز عقلي أو أسيطر عليه، وأن عقلي أصبح يفكر وحده بدوني، وينشغل بشيء لا ~~أريد أن أنشغل أنا به، وهذه كارثة في حد ذاتها لو حدثت لموظف عادي في أي اجتماع، فما بالي ~~أنا كوزير، وفي هذا الاجتماع الوحيد الهام الذي أتحول فيه إلى مرءوس؟ والكارثة - يا أمي - ~~لم تكن أن عقلي خرج من سيطرتي، فلو أنه فعل ذلك من أجل أن يفكر في شيء هام مثل التقرير ~~السنوي الذي كنت سأعرضه، أو الميزانية الجديدة التي كنت سأطلبها، ربما كنت أشعر بشيء من ~~الراحة والعزاء، لكن الكارثة أن عقلي لم يكن يفكر في شيء هام، بل كان يفكر في شيء تافه، ~~أتفه شيء يمكن أن ينشغل به عقل رجل في مثل منصبي، وفي مثل هذا الاجتماع بالذات. # ماذا تقولين يا أمي؟ لا يا حبيبتي، لم أكن أفكر في أحد، وإنما كنت أفكر في نفسي، كنت أريد ~~أن أعرف كيف أجلس في مقعدي كعادتي، ومع ذلك فأنا لست كعادتي، كنت أريد أن أعرف هل أنا الذي ~~يجلس في مقعدي أم شخص آخر؟ وأي واحد من هذين الشخصين هو أنا؟ والمشكلة - يا أمي - لم تكن ~~أنني لم أستطع أن أعرف، لكن المشكلة أنني كنت أعرف أن السبب الوحيد في هذه الكارثة لم يكن ~~إلا تلك الموظفة الصغيرة، وأنني ألعن اليوم الذي رأيتها فيه، فأنا منذ ذلك اليوم وعقلي لا ~~يكف عن التفكير فيها. وربما كنت أجد شيئا من الراحة أو العزاء لو أن ما يشغلني بها كونها ~~امرأة أو أنثى، فأنا في النهاية رجل، وأي رجل مهما بلغ أي منصب فهو من الممكن أن ينشغل ~~أحيانا بامرأة. لكن المأساة - يا أمي - أنها لم تكن تشغلني في ذلك الوقت كامرأة أو كأنثى، ~~فهي في نظري لم تكن أنثى على الإطلاق، وربما هي ms15 المرأة الوحيدة التي رأيتها في كل حياتي فلم ~~تشعرني لحظة واحدة بأنها أنثى، لكن الشيء الذي شغل عقلي وسيطر عليه إلى حد خروجه عن ~~إرادتي هو أنها - رغم كونها أنثى، ورغم كونها موظفة صغيرة - أصغر موظفة يمكن أن تدخل إلى ~~مكتب وزير؛ فقد استطاعت أن تفعل شيئا خارقا للعادة، خارقا لكل العادات التي درجنا عليها ~~منذ ولدنا، ولكل القيم التي عرفناها منذ وجدنا في الحياة وأصبحنا بشرا. والمأساة - ~~يا أمي - ليست أنها فعلت ذلك، وليست أنها فعلت ما لم يفعله أحد أو ما لم أفعله أنا، لكن ~~المأساة أنها منذ فعلت هذا وأنا لم أعد أنا، والذي أصبح يجلس في مقعدي ليس هو أنا، وإنما ~~شخص آخر لا أكاد أعرفه بل إنني لم أكن أعرف أي الشخصين هو أنا. وكان هذا - يا أمي - هو ~~السؤال المحدد الذي سيطر على عقلي، وسيطر على جسدي وحواسي الخمس في ذلك الاجتماع، وكنت ~~أحاول - يا أمي - أن أقاومه، كنت أستجمع كل قوتي لأقاومه، لأطرده من رأسي، إلى حد أن يدي ~~اليسرى كانت تتحرك وحدها كأنما هي تطرده من رأسي، وكانت يدي اليمنى كعادتها ممسكة بالقلم ~~فوق الورق جاهزا مستعدا لأي إشارة أو صوت. وكان المفروض أن تظل يدي اليسرى - كعادتها - ~~ساكنة في حجري، لكنها لم تكن ساكنة، ومن كان يراها وهي تتحرك على النحو الذي كانت تتحرك به ~~يظن أنني أهش عن وجهي ذبابة عنيدة، ولأن قاعة الاجتماع كانت نظيفة خالية من الذباب، أنظف ~~قاعة في البلد، وآخر قاعة فوق الأرض يمكن أن تدخلها ذبابة؛ فقد أصبحت حركة يدي اليسرى غير ~~طبيعية، ولأنها كانت غير طبيعية فقد بدأت تلفت النظر، وكنت أكره - يا أمي - أن يلتفت إلي ~~النظر في مثل هذا الاجتماع الهام، وأفضل أن أظل جالسا في مقعدي غير لافت للنظر أو غير ~~منظور على الإطلاق، إلى أن ينتهي الاجتماع على خير ولا أواجه بأي سؤال. # ماذا تقولين يا أمي؟ يا حبيبتي، لم أكن أخشى السؤال، ولم أكن أخشى ألا أعرف الإجابة ~~الصحيحة؛ ms16 فقد كانت الإجابة الصحيحة معروفة سهلة، أسهل من أي إجابة أخرى، أسهل من أي مسألة ~~في الحساب قابلتها وأنا تلميذ، كأبسط عملية في جدول الضرب، واحد زائد واحد يساوي اثنين، ~~لكن الصعوبة - يا أمي - هي أنني لم أكن أخشى ألا أقول الإجابة الصحيحة، بل أن أقول الإجابة ~~الصحيحة. # ماذا تقولين يا حبيبتي؟ نعم يا أمي، لقد كانت هذه هي الكارثة الحقيقية التي وقعت في ذلك ~~اليوم، ولست أدري كيف وقعت، ولست أدري هل أنا الذي قلتها أم الشخص الآخر الذي كان يحتل ~~مقعدي، وكنت لا أزال جالسا في مقعدي كما وصفت لك، ويبدو أن حركة يدي اليسرى المتكررة قد ~~لفتت النظر، فإذا بعينيه تتجهان نحوي تذكرني في لحظة خاطفة بعيني أبي وأنا طفل، حينما كانت ~~عيناه تتجهان نحوي، وكنت أحاول أن أتراجع بجسدي قليلا إلى الوراء أو إلى الأمام، كما كنت ~~أفعل وأنا تلميذ أجلس في الفصل، بأمل أن تسقط العينان على الجالس أمامي أو خلفي ولا تسقطا ~~علي أنا لكني في هذا اليوم لم أتحرك من مقعدي، ربما لم أنتبه في اللحظة المناسبة إلى حركة ~~عينيه قبل أن تبدأ نحوي، أو ربما أنني لم أكن في تلك اللحظة بكامل عقلي، أو لأنني كنت ~~مريضا بالحمى وحرارتي كانت مرتفعة أو لأي سبب آخر. المهم - يا أمي - أنني لم أتحرك في ~~مقعدي وسقطت عيناه فوقي بكل ثقلهما كما يسقط الموت، وحينما سألني السؤال انفتح فمي وحده ~~بغير إرادتي وكأنه فم شخص آخر غيري، شخص متهور سريع الإجابة بغير تفكير كثير أو جهد كبير، ~~ولأنها كانت إجابة بغير تفكير كثير وبغير جهد كبير فقد كانت هي الإجابة السهلة، أسهل ~~الإجابات وأكثرها بساطة، لقد كانت هي - يا أمي - الإجابة البديهية. # ماذا تقولين يا حبيبتي؟ لا يا أمي، لم تكن الإجابة البديهية هي الإجابة الصحيحة؛ فالإجابة ~~الصحيحة لم تكن هي الإجابة المطلوبة، وهذه هي - يا أمي - ألف باء السياسة كما قلت لك في ~~البداية، وأول درس تعلمته في السياسة، كيف نسيته يا أمي؟ لا ms17 أعرف، لكني نسيته في تلك ~~اللحظة، وكم حزنت - يا أمي - لأني نسيته، وحزني كان شديدا إلى حد عدم الإحساس بالحزن، ~~بل إلى حد الإحساس براحة تكاد تشبه الفرح؛ فلقد أحسست - يا أمي - أن عبئا ثقيلا كان ~~جاثما فوق صدري وبطني أثقل من يدي الاثنتين المشلولتين المضمومتين فوق صدري أو بطني، وأثقل ~~من جسدي جالسا مشلولا في مقعدي، بل أثقل من المقعد ومن الأرض تحت المقعد لو أن الأرض جلست ~~علي بثقلها ولم أكن أنا الجالس عليها. # ماذا تقولين يا أمي؟ نعم يا حبيبتي، استرحت وأي راحة، وكم أشعر بهذه الراحة في هذه اللحظة ~~الأخيرة وأنا أغادر هذه الدنيا بكل ما فيها، ولكن الكارثة - يا أمي - أنني رغم هذه الراحة ~~ورغم أنني أغادر الدنيا فلا زلت أضع التليفون بجوار رأسي، ولا زلت أنتظر أن يرن مرة ~~واحدة، أن أسمع الجرس مرة واحدة، ويرن الصوت - أي صوت - في أذني ويقول: «يا معالي الوزير»، ~~كم أود - يا أمي - أن أسمعها مرة واحدة فقط قبل أن أموت! # | الجريمة العظمى # أقسم لكم يا من ستقرءون قصتي أنني كنت أكثر براءة مما تتصورون، وربما كنت أكثر براءة من ~~كثيرين منكم، وقد تأكدت من براءتي بعد أن مت (أنا ميت الآن وفي إمكاني أن أعبر عن نفسي بغير ~~خوف منكم). كنت براءة طفل صغير، ومعنى ذلك (لو كانت لكم ذاكرة قوية) أنني لم أكن بريئا على ~~الإطلاق، على الأقل في نظركم، ومع ذلك كنت - ولا زلت - أعتبر نفسي في براءة طفل صغير. إن ~~أحدا منكم لا يذكر ما الذي دار في رأسه وهو طفل صغير، وأنا أيضا كنت مثلكم حين كنت فوق ~~الأرض، إننا ننسى طفولتنا حين نكبر، وننسى أحلامنا حين نصحو من النوم. وهذا النسيان دليل ~~قاطع على أننا فعلنا في طفولتنا ما يخجلنا ونحن كبار، وفعلنا في أحلامنا ما يخجلنا ونحن ~~يقظون. # لكن لم أعد مثلكم، وقد أكسبتني تجربة الموت شجاعة غير آدمية؛ فأصبحت في غير حاجة إلى ~~أن أفصل بين مراحل عمري، وأقيم بين ms18 كل مرحلة ومرحلة جدارا سميكا. إن هذه الرؤية لمراحل ~~حياتكم الممزقة المنفصلة بعضها عن بعض لم أتمكن منها إلا بعد أن ارتفعت عن الأرض. وقد دهشت ~~لمنظر حياتكم تحت عيني، إنه منظر غريب جدا، يشبه إلى حد كبير جسد إنسان قطع رأسه ~~وبترت ساقاه ولم يبق إلا البطن والصدر. إنه منظر مخيف أيضا ذكرني بحادث قطار شهدته ~~وأنا طفل صغير، ولا أنسى حتى الآن منظر الجسد بعد أن أخرجوه من تحت العجلات بغير رأس وبغير ~~ساقين. # هذا المنظر لا أنساه أبدا، لكني في الحقيقة نسيته، بل إنه يكاد يكون المنظر الوحيد في ~~حياتي الذي نسيته تماما، من شدة بشاعته نسيته نسيانا كاملا، ومن شدة بشاعته ظل في ذاكرتي ~~ولم أنسه أبدا، وهذا هو ما يحدث لكم؛ فأنتم تنسون ولا تنسون، وهذا هو سبب شقائكم فوق ~~الأرض. # لكني على أية حال لم أعد أخاف من هذا المنظر، وأصبحت على شجاعة غريبة، وأستطيع أن ~~أحملق فيه لمدة دقيقة كاملة، بل إن شجاعتي زادت عن الحد، وأصبحت قادرا على أن أحملق ~~في وجه أبي لمدة دقيقة كاملة، وجه أبي كان كوجوه كل الآباء، ووجوه كل الآباء تبدو لي الآن ~~كتلك الوجوه الكرتونية التي كنا نشتريها في يوم العيد، العينان ليستا عينين، وإنما هما ~~ثقبان كبيران، حين أنظر داخلهما لا أرى شيئا، والأنف قطعة بارزة من الكرتون، له أيضا ~~فتحتان ليستا إلا ثقبين. وتحت الأنف شارب طويل أسود، إن هذا الشارب هو الذي كان يضحكنا ~~بشدة ونحن أطفال، ويلبس كل منا الوجه الذي اشتراه بقرش، ونجري نخيف بعضنا بعضا بذلك الشارب ~~الطويل الأسود. # كنت أظن أنني لا أحب أبي بسبب ذلك الشارب الخشن المخيف، لكني أدركت الآن - حين حملقت ~~لأول مرة في وجهه - أنني لم أحبه بسبب عينيه. عيناه حين حملقت فيهما عرفت - على الفور - ~~أنه هو الذي قتل أمي، وكنت وأنا طفل أحب أمي، وأنتم أيضا لا تعرفون معنى أن يحب طفل أمه؛ ~~لأنكم لم تكونوا أطفالا أبدا (النسيان يجعل الشيء الذي حدث ms19 كالذي لم يحدث تماما)، كنت ~~أحب أمي لدرجة أنني عاجز عن وصفها الآن كما عجزت عن وصفها في أي وقت مضى. كنت أتصور أنني ~~سأستطيع أن أصفها الآن بعد أن ارتفعت فوق الأرض، وأصبحت كل الأشياء غير الحقيقية هي التي ~~تنتهي، أما الأشياء الحقيقية فلا تنتهي أبدا. وكان حبي لأمي حقيقيا لدرجة أنني كنت أظن ~~أن أمي هي أنا، لم يكن ظنا فحسب، ولكنه كان إحساسا يبلغ حد اليقين، كان جسدها وجسدي ~~شيئا واحدا. إن هذه المسافة المعدومة بيني وبين أمي لا تزال حتى الآن كما كانت وأنا طفل؛ ~~فالأشياء الحقيقية تلازمنا في أي مكان، ارتفعنا أو انخفضنا فهي تلازمنا كأجسامنا، وحبي لأمي ~~كان حقيقيا كجسدي. كنت طفلا صغيرا، وكل الأشياء في عين الطفل الصغير تبدو غير حقيقية، ~~كل الأشياء تبدو كالحلم، والناس كالأشباح أو كالملائكة، والقطار يجري فوق قضبان سحرية، ~~وصفارة القطار لها رنين أجراس مسحورة، والبحر بغير قرار، والسماء بلا قاع، والشارع بلا ~~نهاية، والليل المظلم مخيف إلى حد الموت. # شيئان كنت أخاف منهما: الظلام والموت، وأترك سريري الصغير في منتصف الليل وأزحف إلى سرير ~~أمي، أدس نفسي في ثنايا جسدها الدافئ، وألتصق بها بقدر ما أستطيع، أكور جسدي وأجعله أصغر ~~مما هو، أحاول أن أجعل حجمي يتناقص ويتناقص ليصبح جنينا صغيرا قادرا على العودة إلى رحم ~~الأم، وجسمي كله يهتز بهذه الرغبة كالحمى. أرتجف كالمحموم، وأظن أن ما من شيء سينقذني من ~~ذلك الموت المحدق بي في الظلام سوى أن أختفي داخل ذلك الرحم الحنون الدافئ المغلق علي ~~وحدي. # من يراني في تلك اللحظة - وأنا متكور على نفسي كالجنين فعلا - يدرك أن هذه الرغبة كانت ~~حقيقية وكانت عنيفة، وأنها لم تكن رغبة في الابتعاد عن الموت، ولكنها كانت رغبة في الاقتراب ~~من أمي، الاقتراب الشديد إلى درجة الالتصاق بها وذوبان جسدي في جسدها؛ لأصبح أنا وهي شيئا ~~واحدا. كنت أحبها لدرجة أن فناء جسدي في جسدها لم يكن فناء ولم يكن موتا ولم يكن مؤلما ~~ولا مخيفا، ms20 بل كان قمة حياتي وذروة لذتي والطمأنينة والراحة الكاملة. # ولم أكن في تلك الحالة أدرك شيئا، كان كل ما حولي قد أصبح دافئا كثدي الأم، وصامتا صمت ~~الرحم من الداخل والعالم بكل ما فيه من بحر وسماء وبيوت وأشجار وقطار وقضبان تلاشت، ~~والأصوات تلاشت، ولم يعد لي أذنان وعينان ولا شفتان، وإنما هي حواس جنينية خام لا تحس ~~إلا الدفء ولا تشم إلا اللبن. # ولم يكن بوسعي في تلك الحالة أن أدرك وجود أبي الذي كان راقدا إلى جوار أمي بجسده الضخم، ~~وشاربه الطويل الأسود يهتز مع اهتزازة شفته العليا، وشفته السفلى تهدلت تحت وطأة الشخير ~~العالي، وخيط طويل من اللعاب الأبيض ينساب ببطء من زاوية فمه فوق ذقنه رغم نومه العميق الذي ~~بدا لي وقتها أنه لن يصحو منه أبدا. فتح عينيه، ورغم أنني لم أكن أراه (بسبب تكوري ~~الجنيني) فقد لمحت تلك النظرة التي كست عينيه بسرعة البرق، والتي اختفت أيضا بسرعة البرق. ~~لم أعرف حينئذ هل اختفت وحدها أم أنه هو الذي أخفاها، لكن أدركت الآن أنه هو الذي ~~أخفاها. # رغم الظلام الذي كانت تغرق فيه حجرة النوم، ورغم أنني لم أكن لأستطيع أن أرفع عيني في ~~عينيه، فإن هذه النظرة كانت قادرة على أن تخترق رأسي كالسهم، وبرغم ألم الاختراق، وبرغم ~~الخوف منه، وبرغم الظلام الدامس، وبرغم أنه أخفاها بسرعة البرق، وعادت إلى عينيه نظرة ~~الأب المحب، برغم ذلك فقد عرفت شكل هذه النظرة، إنها عين الإنسان حين تعبر عن ~~الكراهية. # كان أبي رجلا متحضرا، وككل الرجال المتحضرين في عصرنا الحديث الذين يستطيعون التحكم في ~~مشاعرهم الحقيقية وإخفائها، والظهور بمشاعر أخرى تنم عن الرقي، ككل هؤلاء استطاع أبي أن ~~يخفي رغبته الحقيقية في أن يقبض بأصابعه الكبيرة الضخمة على عنقي، ويقذف بي بعيدا، وتحركت ~~يده فعلا نحوي، لكنه قاوم الحركة، وأصبحت حركته بعد المقاومة كحركة يد الأب المتحضر حين ~~يربت كل كتف ابنه، وبحركة بطيئة هادئة فصل بين جسدي وجسد أمي، وأصبحت فوق طرف السرير ~~البارد، ms21 واحتل هو مكاني الدافئ. # كان الوقت شتاء والليل باردا، والغطاء الصوفي لا يصل إلى طرف السرير حيث كنت، إلا ~~بمقدار ما يغطي نصف جسمي ويظل ظهري عاريا. ثم تحرك أبي وهو نائم وشد الغطاء عليه فأصبحت ~~بغير غطاء تماما، ارتجفت من البرد، ففتحت أمي عينيها، والحقيقة أنني لم أكن قد ارتجفت بعد، ~~لكنها كانت تفتح عينيها لأقل حركة. قد لا تكون إلا حركة الغطاء وهو ينزلق فوق ظهري، أو عضلة ~~صغيرة في جسمي تنقبض بسبب برد بسيط حدث أو سوف يحدث، فإذا بها قبل أن يحدث، بل قبل أن تنقبض ~~العضلة ذاتها، إذا بها تفتح عينيها فجأة من عز النوم، بل إنها قبل أن تفتح عينيها وقبل أن ~~تصحو تماما تمتد ذراعيها وتغطيني. # كنت أندهش وأتساءل بيني وبين نفسي عن ذلك السر؛ سر تلك القدرة الرادارية العجيبة لجسدها ~~النائم على الإحساس بجسدي، رغم تلك المساحة الكبيرة التي تفصل بيننا، والتي كان يشغلها جسد ~~أبي الضخم. وكانت دهشتي تزيد حين أسمع أبي يتهمها بأن نومها ثقيل. وذات مرة سمعته يتشاجر ~~معها؛ لأنه أخذ يرن جرس الباب طويلا قبل أن تصحو من نومها وتفتح له الباب. وكان أبي ~~يتهمها أيضا بأن سمعها ثقيل، وذات مرة ضربها (وأنا في حجرها تطعمني)؛ لأنه نادى عليها ~~لتحضر له الغداء لكنها لم تسمع، وذات مرة من هذه المرات سمعته يقول لها إن قلبها بارد لا ~~يحس، ورأيت أمي في ذلك اليوم تبكي وحدها في المطبخ؛ فاقتربت منها في وجل، وهمست في أذنها ~~بكلمات متقطعة مكسرة (ولم أكن أجيد الكلام بعد) وقلت لها: «انتي بتحسي أكتر من أبي يا أمي.» ~~واتسعت عيناها وهي تنظر إلي كأنما بدهشة، كأنما دهشت كيف يمكن لطفل صغير جدا مثلي أن ~~يدرك حقيقة كبيرة كهذه الحقيقة، وحوطتني بذارعيها وهي تهمس: يا حبيبي. # كان أبي واقفا على باب المطبخ، ورآني وأنا بين ذراعيها؛ فاكتست عيناه بتلك النظرة ~~الخاطفة التي ما إن تظهر حتى تختفي، والتي تخترق عظام رأسي، وتجعلني أرتعد برعدة عنيفة، ~~كالرعدة ms22 التي تصيب جسد الإنسان حين يرى نفسه وجها لوجه أمام الموت. # لو أنه فعل ما يفعله الإنسان الطبيعي حين يكره، لو أنه أطبق بأصابعه الكبيرة على عنقي ~~لاسترحت، وأدركت أنه يتصرف على نحو طبيعي؛ فالتصرف الطبيعي مهما كان قاسيا فهو مريح، وهو ~~مطمئن، لكن أبي لم يكن يطمئنني أبدا، كنت أخاف منه، وأخاف من أية حركة تصدر عنه، والحركة ~~الهادئة أو الحانية تفزعني أكثر من الحركة العنيفة أو القاسية. وحين أكون قريبا منه وأرى ~~يده تتحرك، ربما هو لن يفعل شيئا سوى أن يربت على كتفي، أو هو يحرك يده لهش ذبابة من ~~فوق عينه أو ليهرش أذنه، لكني أجدني قد انتفضت، وسرت فوق جسدي قشعريرة خفية. # لم أكن أعرف لماذا لا أستطيع أن أجلس بجوار أبي بحيث لا تكون هناك مسافة بيننا. كان لا ~~بد من هذه المسافة دائما، ولم أستطع بحال من الأحوال الاقتراب من أبي إلى حد الالتصاق ~~بجسده، على عكس أمي؛ كانت حين تجلس إلى جواري ألتصق بها، ليس ذلك الالتصاق العادي، ولكنه ~~تلك الرغبة الملحة العنيفة في أن تنعدم المسافة بيننا انعداما كاملا وأصبح أنا وهي ~~جسدا واحدا. # ولم يكن أحد يعرف هذه الرغبة غيري، كنت أخفيها كما أخفي مشاعري الحقيقية، وحين أجلس في ~~الفصل في المدرسة، ويطلب مني المعلم أن أقول وراءه كلمة: «أحب أبي مثل أمي»، أردد وراءه ~~دون أن أعترض: «أحب أبي مثل أمي.» وحينما تعلمت كتابة الحروف طلب مني المعلم أن أكتب اسمي؛ ~~فكتبت: «سمير»؛ فقال لي: اكتب اسمك بالكامل. فكتبت: «سمير عزيزة»، ونظر المعلم في كراستي ~~غاضبا، ثم شطب بقلمه الأحمر اسم «عزيزة»، وقال لي: اكتب اسم أبيك. ودهشت، وفتحت فمي ~~لأعترض، لكن المعلم كان كبيرا وأنا صغير؛ فكتبت دون أن أعترض «سمير آدم». وفي اليوم التالي ~~طلب المعلم من الفصل كله أن يردد وراءه: «أحب أبي مثل أمي»، ورددت مع الفصل كله: «أحب أبي ~~مثل أمي»، وطلب منا المعلم أن نكتبها في كراسة الواجب خمس مرات. وفي اليوم التالي ms23 كتبناها ~~مرة أخرى ، ورددناها وراءه عدة مرات، وكان الواجب في البيت أيضا أن نكتبها خمس مرات، وأن ~~نسمعها لأنفسنا عشر مرات، ثم عشرين مرة، حتى وجدت نفسي أردد وأنا نائم: أحب أبي مثل أمي ~~... أحب أبي مثل أمي ... # وسمعني أبي ذات مرة وأنا أرددها فابتسم، كانت ابتسامة غريبة، لم يكن تكوين وجهه يصلح ~~للابتسام. كانت الجبهة بارزة عريضة فوقها تكشيرة طبيعية لا تزول حتى وهو نائم، وكانت عظام ~~وجهه غليظة والفكان كبيران عريضان كفكي الجمل أو الحصان، ولا يمكن لمثل هذين الفكين ~~مهما انفرجت الشفتان أن يعبرا عن الابتسام. وأصابتني رجفة؛ هذه الرجفة كانت تصيبني دائما ~~حين أرى شيئا غير طبيعي، ولم أكن رأيت من قبل جملا أو حصانا يبتسم، لماذا لا يستطيع ~~الجمل أو الحصان أن يبتسم؟ طرحت هذا السؤال على المعلم في المدرسة فقال لي: إن الإنسان فقط ~~هو الذي يمكن أن يبتسم يا سمير. # ولم يعرف أبي ما الذي كان يدور في ذهني، كنت أستطيع بقدرة عجيبة أن أخفي مشاعري ~~الحقيقية، ورفعت صوتي عاليا وأنا أقرأ الواجب من الكراسة: أحب أبي مثل أمي ... أحب أبي مثل ~~أمي ... كنت أعرف أنني أكذب، ولأنني كنت أعرف أنني أكذب فقد خفت أن يكتشف أبي كذبي، ولكي ~~أخدع أبي أصبحت أرفع صوتي أكثر وأكثر، وأردد بصوت عال: أحب أبي مثل أمي ... وكلما ارتفع ~~صوتي زاد خوفي من أن يصبح الكذب فيه واضحا أكثر؛ فأرفع صوتي أكثر وأكثر لأخفي كذبي، وكلما ~~ارتفع صوتي كلما ظهر فيه الكذب أكثر، وكلما زاد خوفي، وهكذا؛ حتى وجدتني أصرخ كالمستغيث ~~وأنا أبكي: أحب أبي مثل أمي! ... أحب أبي مثل أمي! ... # ولم يكتشف أبي حقيقتي أبدا، وحين رأى دموعي تجري فوق خدي اقترب مني، لكني كعادتي تراجعت ~~إلى الوراء خطوة؛ فاقترب مني أكثر؛ فتراجعت إلى الوراء؛ فاقترب؛ فتراجعت. وارتفعت يده إلى ~~أعلى قليلا، وأظن كان سيربت على كتفي، لكن خيل إلي أنها ستهبط على وجهي في صفعة ~~قوية؛ فانتفضت مدفوعا إلى الخلف. وتوقف أبي لحظة، وعيناه المتسعتان ms24 كأنما في دهشة ، تنظران ~~إلي وتحملقان، كأنما في دهشة، وكأنما أيضا تتساءلان عن ذلك السبب. ليس ذلك التساؤل ~~الطبيعي حين يجهل الإنسان السبب، ولكنه التساؤل غير الطبيعي حين لا يكون السبب مجهولا، بل ~~يكون معلوما، ليس معلوما فحسب ولكنه محسوس عن يقين بكل أحاسيس الجسد وأعصاب النفس. # وفي مثل هذه اللحظات يصبح الإنسان عصبيا؛ فالإنسان بطبيعته لا يميل إلى مثل هذه ~~الأحاسيس اليقينية، الإنسان ميال بطبيعته إلى الشك، ومع ذلك فليس هناك ما هو غير محتمل في ~~حياة الإنسان قدر الشك، وهذا هو سبب شقائكم فوق الأرض، فأنتم تريدون اليقين وتريدون الشك ~~معا. # لكني كنت في ذلك الوقت طفلا صغيرا، ولم يكن في إمكاني أن أزيل عنه هذا الشك أو ذلك ~~اليقين، كنت قد فعلت كل ما في وسعي لأحفظ وأتلو بصوت عال واجب المدرسة، وكنت قد فعلت كل ~~ما في وسعي لأجعل صوتي وأنا أتلو الواجب كأنه صوتي الحقيقي. # وكان صوتي يبدو حقيقيا فعلا، ولم يكن في إمكاني أن أفعل أكثر من ذلك، لكن أبي ظل ~~واقفا أمامي، لم أكن أراه لأن رأسي كان مطرقا وعيني كانتا في الأرض، ولم أكن لأجرؤ أبدا ~~على أن أرفع رأسي وأنظر في عينيه، كنت أعرف أنني في اللحظة التي ستلتقي عيناه بعيني سيكتشف ~~الحقيقة المفزعة، والحقيقة المفزعة هي أن الشك سيصبح يقينا، أو أن اليقين سيصبح شكا، ~~لكني رغم إطراقي أحسست بتلك النظرة التي اخترقت رأسي ونفذت منه، وجعلت ظهري يتسمر في ~~الحائط. # وهكذا أصبحت واقفا أمامه عاجزا عن التراجع إلى الخلف، ولم تكن تفصلني عنه إلا خطوة ~~واحدة، وكنت أعلم أنها ليست إلا غمضة عين وتنعدم المسافة بيننا، وأصبح أنا والحائط شيئا ~~واحدا. وضغطت بظهري على الحائط وبكل قوتي، ولكن الحائط كان صلبا صلابة الصخر. # وفي تلك اللحظة ظهرت أمي كأنما انشقت الأرض عنها فجأة، لم أعرف كيف ظهرت ومن أين؛ لأنها ~~في ذلك اليوم لم تكن بالبيت، وكانت ستقضي الليلة عند خالتي، ولم أعرف تماما ما الذي حدث لي ~~حين ms25 رأيتها، إن جسدي وحده هو الذي اندفع - بلا وعي - نحوها بتلك السرعة وبذلك العنف. ~~بسرعة الفرار من الموت، وبعنف التشبث بالحياة. وكان جسدي حينئذ يتصرف على نحو طبيعي حين ~~تشبث بها والتصق، وأصبح من شدة الالتصاق والتشبث هو وجسدها شيئا واحدا. # حين أذكر ذلك اليوم أقول لنفسي: ليتني لم أفعل ما فعلت، وليت ظهري ظل متسمرا في الحائط ~~إلى الأبد، أو ليتني أصبحت أنا والحائط شيئا واحدا. لكني لم أكن أعرف ما الذي سيحدث، إنها ~~لمأساة أن يجهل الإنسان ماذا سيحدث، (لا أقول غدا) وإنما في اللحظة القادمة. إن هذا الجهل ~~كالعمى بل إنه العمى تماما، وإني أراكم الآن تسيرون أمامي بغير عيون. إن عيونكم ليست ~~عيونا، ولكنها ثقوب ينفذ منها الهواء كثقوب الوجوه الكرتونية التي كنت أشتريها يوم ~~العيد. # ما زلت أذكر هذا اليوم، لم يحدث أن نسيته أبدا؛ كمنظر ذلك الجسد بغير رأس وبغير ساقين ~~الذي ما نسيته قط. إن ذاكرتي تحتفظ بكل ما حدث في ذلك اليوم، رغم أنه أصبح بعيدا جدا، ~~ورغم أن سنوات كثيرة مضت، سنوات كثيرة لا أستطيع أن أعدها، فلم أكن تعلمت من الأرقام إلا ~~عشرة، بعدد أصابع اليد. لم يكن المعلم في المدرسة قد علمنا أكثر من هذا حتى ذلك الوقت، ~~لكني رغم السنين الطويلة لا زلت أذكر كل شيء مهما كان هينا، وكل حركة مهما بدت بسيطة. ~~ولم تكن أية حركة من حركات أبي بسيطة. واستطعت أن ألتقط تلك الحركة السريعة الخاطفة في ~~عينيه، ورأيت سواد عينيه يستقر فوق أمي. وكنت لا أزال بين ذراعيها فأخفيت رأسي في صدرها، ~~ولم أعد أرى وجه أبي، لكني أحسست ذراعي أمي حولي تضغط علي بكل قوتها وتحتويني بجسدها، ~~وتتكور حولي وتحوطني، وتخبئني، وكأنما أرادت لو استطاعت أن تضعني داخل صدرها أو داخل ~~أحشائها، بل في رحم الأم ذاته. # وإلى هنا وأصبح أبي عاجزا عن الاحتفاظ بالوجه غير الحقيقي؛ فرفعه بحركة سريعة بيده، ~~ورأيت وجه أبي بفكيه الكبيرين العريضين كوجه الظبي الوحشي. ولأول مرة يصبح ms26 وجه أبي أمامي ~~طبيعيا. ولم أعد خائفا كما كنت خائفا من قبل، ولا أدري كيف عادت إلي كل شجاعتي؛ فقلت ~~له بصوت هامس أول الأمر: لا أحبك. وحينما تجمد أمامي ~~لحظة تشجعت أكثر، ورفعت صوتي أكثر، وقلت له: لا أحبك. وحينما سمعت صوتي واضحا بأذني، ~~وتأكدت أنه صوتي؛ تشجعت أكثر وأكثر، وقلت له: لا أحبك. وهكذا استمر بي الحال، حتى وجدت نفسي ~~أصيح بصرخة طويلة متصلة اتصالا لا نهائيا: لا أحبك ... # وقفز فوقي كالنمر المفترس، لكن أمي كانت أسرع منه، وفي غمضة عين أصبحت أمي بجسدها الكبير ~~بيني وبينه. لم أكن أرى وجهها لأني كنت أقف خلفها، لكني أدركت من انقباض عضلات ظهرها ~~وتكورها أنها أصبحت كالنمرة التي تتأهب للانقضاض. ولم أعرف تماما ماذا حدث؛ فقد كفت ~~الأصوات عن أن تكون آدمية، وكل شيء تغير في لحظة أو في ثانية، والثانية أيضا لم تكن هي ~~الثانية؛ فالزمن تغير ولم يعد هو الزمن، وأصبحت عاجزا عن التعرف على أي شيء حولي، بل عجزت ~~عن التعرف على نفسي وحقيقة وجودي حيا أو ميتا، وخيل إلي أنني أموت وأصحو ثم أموت ~~وأصحو عشرات المرات، مئات المرات، آلاف المرات. هكذا إلى ما لا نهاية أموت وأصحو، كأنما سقط ~~جسدي في قاع دوامة تدور بسرعة رهيبة، أسرع من دوران الأرض حول نفسها. # على أن حركة الأرض توقفت تحت قدمي فجأة، وتوقف معها الزمن، وكل شيء توقف وتجمد، ~~وفتحت عيني فرأيت جسد أمي فوق الأرض، كنت أظن أنها نائمة كعادتها حين تنام في الصيف على ~~الأرض، واقتربت منها في وجل وهمست في أذنها: «أمي» لكنها لم ترد، دهشت ... كانت تصحو ~~لأقل صوت، بل كانت تصحو قبل أن يصدر الصوت، وقبل أن تنفرج شفتي عن الكلمة تفتح عينيها ~~وتصحو، بل قبل أن تفتح عينيها كنت أحس جسدها يتحرك قبل أن تتحرك شفتي، وقبل أن أنطق ~~الكلمة، وقبل أن أسمع أنا صوتي تكون هي قد سمعته. # رغم أنني أدركت من حيث لا أدري أنها لن تسمعني بأي شكل؛ ms27 فقد ظللت أهمس في أذنها ~~بالكلمة، وحينما جاء أبي ومعه عمي وخالي وحملوها بعيدا عني، وأصبح البيت بغيرها دهشت، ~~ليست تلك الدهشة العادية التي يندهشها الكبار، وإنما هي دهشة الطفل، تلك الدهشة العجيبة، ~~حين تبدو له كل الأشياء غير حقيقية، وأن الذي حدث كالذي لم يحدث، والحلم كالحقيقة، والحقيقة ~~كالحلم. وانتقل أبي إلى بيت آخر وأخذني معه، ومضت الأيام والسنون، وكبرت وشخت ومت، ~~ومع ذلك فلا يزال يخيل إلي أن ما حدث لم يحدث. # وأنه لم يكن إلا الآن فقط، بعد أن ارتفعت فوق الأرض، واستطعت أن أرى الأرض بوضوح، وأراكم ~~بوضوح، الآن فقط أدركت الجريمة العظمى التي ارتكبت في ~~الخفاء ولم يعلم بها أحد. إن الجريمة الأولى في الحياة البشرية لم تكن أن قابيل قتل هابيل، ~~ولكن آدم قتل أمي، قتلها لأني أحببتها ولم أحبه، ويا ليته أدرك أنه كان في إمكاني أن أحبه ~~لو أنه أحبني، لكن أبي كان عاجزا عن الحب، كنت أدرك - رغم أنني طفل - أنه لا يحبني، ولا ~~يحب أمي، وإنما يحب فقط أن يأكل وأن يشبع. # | رسالة حب عصرية # أكتب إليك هذه الرسالة يا صديقي كمحاولة لأن تفهمني أو أفهمك أو أفهم نفسي، وقد تكون ~~النتيجة لا شيء، فمن ذا الذي يمكن أن يفهم نفسه أو يفهم الآخر؟ من الذي يمكن أن يكسر ~~القوقعة؟ إن محاولة الكسر ليست إلا تأكيدا لعدم الكسر، ومحاولة الفهم ليست إلا مزيدا من ~~الإغراق في عدم الفهم. ومع كل ذلك أنا أحاول، أدرك عن يقين أن محاولتي عبث، ولكني لا أكف عن ~~المحاولة؛ كالحياة لا أكف عن العيش فيها وأنا أدرك أنني لا محالة ميتة. # قد تدهش وقد لا تدهش لأني أسمي هذه الرسالة رسالة حب؛ فالعلاقة بيننا لم ننطق فيها ~~بكلمة الحب، ربما استخدمنا كلمات أخرى، مثل الود والصداقة والإعزاز، وكلها كلمات بلا معنى، ~~بلا تحديد، فما معنى كلمة «الود» التي وصفنا بها علاقتنا مرة؟ إنها لا تعني شيئا، إنها لا ~~تعني الحب، ولا تعني عدم الحب، وإنما ms28 ذلك الشعور المتوسط بين الحب واللاحب، ذلك الموقف ~~المتوسط بين الشيء واللاشيء، حين يحب الإنسان ولا يحب، ويغضب ولا يغضب، ويكره ولا يكره، ~~ويقول ولا يقول، ويمسك الحبل دائما من الوسط. ذلك الموقف المتميع المتوسط في كل شيء، ~~والذي يقدسه أطباء النفس ويطلقون عليه اسم الصحة النفسية. هذه الصحة - في نظرهم - هي أن ~~يكون الإنسان متوسطا في كل شيء، متوسط الذكاء، متوسط الحماس، متوسط الحب، متوسط الكراهية، ~~متوسط الطموح، متوسط الصدق. # ولأن الصدق لا يعرف التوسط فلا بد للإنسان من قدر من الكذب ليحظى من أطباء النفس بلقب ~~السليم نفسيا، ولأن الحب كالصدق لا يعرف التوسط فلا يمكن أن تعني كلمة «الود» شيئا في ~~أية علاقة. # ما هي العلاقة بيننا؟ كيف نشأت؟ هل كانت لها نقطة بداية؟ أو بعبارة أخرى: هل بدأت في أول ~~لقاء أم آخر لقاء أم في المنتصف؟ أحاول الآن أن أستجمع الخيوط في ذاكرتي لأعرف متى كان أول ~~لقاء، وكيف بدت ملامحك أمام عيني، محاولة تبدو لي الآن مستحيلة، كمحاولة تذكر المرة ~~الأولى التي رأيت فيها وجهي في المرآة أو وجه أمي أو أبي، هناك ملامح ما إن تقع عيوننا ~~عليها حتى تبدو وكأنما كانت معنا طول الوقت، كأنها جزء منا أو داخلنا وليست شيئا خارجا ~~عنا. هل تذكر أنت أول مرة رأيتني؟ متى كان ذلك؟ في مكتبك، في مكتبي، في بيتك، في بيتي، في ~~حقل أو في تجمع من تلك التجمعات التي يلتقي فيها دائما هؤلاء المثقفون. تلك الوجوه ~~المشدودة في الابتسام وفي التكشيرة معا، والأشداق المنفوخة في الحديث وفي الصمت، وعضلات ~~البطن المرتخية في الشهيق وفي الزفير، ونظرة العين الشاخصة دائما إلى فوق، مهما كان هذا ~~الفوق، أحمر أو أخضر، ثمينا أو رخيصا. # حين أنظر في عينك لا أشعر أنك تنتمي إلى هذه الطبقة، في عينك أرى نظرة مختلفة، تجعل ~~الأشياء مختلفة، أقل تناقضا؛ فالابتسامة ابتسامة، والتكشيرة تكشيرة، وملامحك تتحرك مع ~~عضلات وجهك بحركة طبيعية تلقائية، لا أراها ولا أشعر بها، وإن كنت أعرف ms29 أنها موجودة كحركة ~~الزمن وحركة الأرض وحركة الطائرة لا أشعر بها وأنا داخلها، ولكني أعرف أن الحركة ~~موجودة. # أحيانا تلوح هذه النظرة وأنا نائمة، أو سائرة في الشارع، أو جالسة، أو واقفة، أو راكبة ~~سيارتي، أو منهمكة في عمل. وتظل أمامي بشكل ملح غريب، تخرجني من الحالة التي كنت فيها، ~~وترغمني على أن أتأملها، أن أفهم سبب إلحاحها وأصرفها عني برقة أول الأمر، ثم بشدة ثم ~~بقسوة ثم بغضب يشبه الجنون. # ألحت علي مرة في إصرار شديدة؛ فقلت لنفسي: ربما هو الشعور بالوحدة، مكتبي مزدحم وبيتي ~~مزدحم والقاهرة مزدحمة، ولكنا مثل هذه المدن الكبيرة نعيش الزحام والوحدة معا، بين الواحد ~~والواحد منا - رغم تلاصق الأجساد - جدار سميك، ويرتفع الجدار بارتفاع الإنسان في السلم ~~الاجتماعي. وفي الليل حين تنام المدينة وتغط في النوم، أتلفت حولي كوحيد أو يتيم، أفتح ~~مفكرتي الصغيرة، وتمر عيناي على الأسماء وأرقام التليفونات. أرقام كثيرة وأسماء كثيرة مرتبة ~~حسب الحروف الأبجدية، ومع ذلك ليس هناك من يستطيع أن يبدد الوحدة، هذه المدينة الكبيرة ~~تظل أمامي خالية من الرجال، إنها تكتظ بالذكور، لا يقابل الواحد منهم امرأة وحيدة حتى يفكر ~~في القفز عليها. الحياة في عالمنا صنعت للرجال، ليس فيها ما يمكن أن يؤنس امرأة إلا ذلك ~~النوع من المؤانسة التي لا تؤنسني ولا تطربني، ولا تظهر من الحياة إلا قبحها، ولا من الرجال ~~إلا عورته. # من حين إلى حين يدق جرس تليفوني، ومن حين إلى حين أقبل دعوة رجل، فضول غريزي لاكتشاف ~~الحقيقة، رغبة استطلاع لمعرفة الحياة والناس، محاولة لتبديد الوحدة. أدرك استحالة أن أعيش ~~داخل نفسي، استحالة أن أبقى بغير الآخرين، لو كتبت لنفسي فقط لاختنقت في كلماتي، ولو كلمت ~~نفسي فقط لاحتبس صوتي، ولو نظرت إلى وجهي طول الوقت لفقدت عقلي. # ومع ذلك فأنا أهرب دائما من الآخرين، وأحب الاختفاء بعيدا عنهم، ولكنه اختفاء عن عيونهم ~~من أجل البقاء في أذهانهم، إنه ابتعاد من أجل القرب، وانفصال من أجل الاتصال. وهذه مأساتي، ~~أريد أن أكون ms30 ذاتا منفردة منفصلة ، وأريد في الوقت نفسه أن أكون جزءا لا ينفصل عن الآخرين. ~~وهذا التناقض يمزقني، يجعلني جزأين أو اثنين؛ واحدة داخل نفسي بعيدة عن الآخرين، وواحدة ~~خارج نفسي في قلب الآخرين. واحدة ساكنة بغير حركة تراقب حركة الأخرى، أنا أراقب الأخرى أم ~~الأخرى هي التي تراقبني أنا؟ ومن منا الساكنة في الزمان والمكان ومن منا المتحركة داخل ~~الزمن وفوق الأرض؟ # وأنشغل بالإجابة على هذه الأسئلة بينما يجلس الرجل صاحب الدعوة أمامي صامتا، ينظر إلي ~~من حين إلى حين ليرقب أية حركة مني أو نظرة تشجعه على أن يقودني إلى السرير. وحينما لا يجد ~~شيئا يندهش، وقد يتساءل ما إذا كنت مصابة بعقد القرن العشرين، وأنني كامرأة الغاب لا ~~أزال أعشق الاغتصاب والأنين. # لا يمكن أن أنكر أن فكرة الاغتصاب لها عندي - كفكرة الانتحار - جاذبية وحنين. وفي أعماقي ~~من القرون الوسطى - مهما صارعت - بقايا أو بذور، لكني لا أنتحر أبدا، ولا أحد يمكن أن ~~يغتصبني. مهما تأزمت الحياة واختنقت لا أنتحر، ومهما رغبني رجل حتى الموت لا يستطيع. لست ~~كما قلت لي مرة إنني أقتل الرجل أو أخصيه، ولكني أستطيع دائما أن أثبت عيني في عينه، ~~وأستطيع دائما أن أرى العضلة حول فمه ترتعش، وأصابع يده حول يدي ترتعش. قد لا تكون إلا ~~رعشة سريعة لا تستغرق إلا لحظة أو جزءا من اللحظة، لكنها تكفي دائما لأن أراها، ولأن ~~تنهزم إرادته أمام إرادتي، وتصبح قوته العضلية - بل قوة رجال العالم أجمع - عاجزة عن أن ~~تجعل عضلات يدي تلين تحت يده. # قلت لي مرة إنني امرأة قوية، والحقيقة أنني لست قوية دائما، أحيانا أترك يدي تلين، ~~وأحيانا أشعر بالضياع كذرة صغيرة في قبضة خضم وحشي أو كائن ضخم كالقدر مفترس، ~~وأشعر أنني عاجزة عن صنع شيء بإرادتي أو اختياري، وأنني عاجزة ~~عن الإمساك بالحقيقة والواقع. سألتني مرة عن أحلامي، ~~والحقيقة أنني أعيش معظم الوقت في أحلامي، أحلامي هي التي أختارها وأغيرها، أما الواقع فهو ~~يغيرني بغير اختياري. ولم أعد أرى ms31 الواقع واقعا إلا إذا كان له جذور في أحلامي، أعترف لك ~~أن عقلي الباطن أكثر قوة من عقلي الظاهر، وفي معظم الأحيان أنا أطيعه. # في حلم من أحلامي رأيتك، كنت تجلس معي في مكان بعيد جدا عن الناس، مغلق علينا وحدنا، ~~شيء لم يحدث لنا في الواقع أبدا، وكنت أجلس بالقرب منك. في أعماقي حركة عنيفة وعلى السطح ~~هدوء وسكون، ونوع من السعادة الغامضة الحزينة، ونبض صامت في الجسد، ونشوة عارمة ورغبة شديدة ~~إلى حد عدم الرغبة في شيء. ولم أعرف بالضبط ماذا كنت أريد، أن تظل عيناك في عيني إلى الأبد؟ ~~أن ترتفع ذراعاك فتحوطني وتخفيني في أعماقك إلى الأبد؟ وأفتح عيني من النوم لكنك تظل في ~~مكانك بالقرب مني، وأغمض عيني لأتخلص منك، لكنك تظل موجودا بالقرب مني، تكاد تلمسني ولا ~~تلمسني، تكاد تتركني ولا تتركني، لماذا؟ لماذا لم تكن تتركني؟ هل بينك وبيني شيء إجباري؟ هل ~~أجبرك أحد؟ أو هل أجبرني أحد؟ أعرف أنه لا أحد، لا أحد على الإطلاق، ومع ذلك لا أستطيع أن ~~أقول إنني أذهب إليك باختياري وإرادتي، أو أن علاقتي بك ليست مفروضة علي، كالهواء يدخل ~~صدري ويخرج، والدم يتحرك في عروقي. # هذا الجانب اللاإرادي في علاقتي بك يثير تمردي؛ فأنا أعبد حريتي، وهذا هو السبب في أنني ~~أثور عليك، وأحيانا أقول لك لن أراك بعد هذه المرة، أو أحاول أن أجمع لك الأخطاء وأستقطب ~~زلات اللسان. وقد أتهمك بما أتهم به الرجال الآخرين، لكنها ثورة فاشلة دائما، تشبه ثورتي ~~على نفسي أحيانا، ورغبتي في إلقاء جسدي أحيانا من النافذة والتخلص منه إلى الأبد. ~~والنتيجة دائما واحدة، وهي أن جسدي يظل ملتصقا بي فوق المقعد، وأنت تظل في مكانك أمام ~~عيني، وبالقرب مني تكاد تلمسني لكنك لا تلمسني، لماذا لم تلمسني أبدا؟ هل أنت مجرد طيف؟ أم ~~لك وجود حقيقي؟ # أحيانا حين كنت توصلني إلى الباب كنت أحس كأنما هناك حركة سريعة من يدك فوق يدي، أو من ~~ذراعك حول خصري، لم تكن ms32 حركة، وإنما هي لمسة خفيفة سريعة، ما إن تحدث حتى تنتهي، بل لعلها ~~لم تكن أيضا لمسة؛ لأن مسافة ما كانت تظل دائما بين يديك وجسمي، مسافة صغيرة جدا ~~كالشعرة، ولكنها كافية دائما لأن تفصلنا، ولأن تبدد عندي لحظة اليقين. وأسأل نفسي مرة ~~أخرى أحقيقة هو أم حلم؟ لماذا تظل دائما هذه المسافة؟ أهو خوفي منك؟ أم خوفك مني؟ وهل هناك ~~حقا ما يخيف؟ # أردت مرة أن أبدد الحلم وأمد يدي وأمسك باليقين، دعوتك عندي في بيتي، هل تذكر التاريخ؟ ~~وسمعت في صوتك ذبذبة غامضة تشبه الدهشة أو التردد أو الخوف أو عدم اليقين. ولم تأت ولم ~~أسألك لماذا. كنت أعرف أنك مثلي تريد دائما أن تتأرجح بين الشك واليقين. # أهناك شيء يبدد الشك؟ أهناك دليل على شيء؟ ما من نقطة محدودة بيني وبينك أستطيع الإمساك ~~بها، ولا كلمة تصلح، ولا لغة، ولا حركة، ولا لمسة، ولا شيء بيننا على الإطلاق يؤكد أي شيء. ~~ولكن هناك شيء واحد أنا على يقين منه (وهذا أيضا غير قابل للإثبات)، وهو أنك تشعر نحوي ~~تماما بما أشعر به نحوك، وبالقدر نفسه، وبالشكل نفسه، وفي اللحظة نفسها. هل أنا مخطئة؟ قد ~~أكون وقد لا أكون. # وهكذا أنا دائما يا صديقي، أقترب منك وأبتعد، أظهر وأختفي، أتقدم إلى الأمام ثم ~~أتراجع، أصمم على المواجهة ثم أهرب. واليوم يمر وراء اليوم، والشهر وراء الشهر، عشرون ~~شهرا أو أكثر. قلت لي مرة إن الأيام من حياتي تمر، واليوم الذي يذهب لا يعود، وأنني أضيع ~~عمري بحثا عن المستحيل أو عن المطلق، وأن أحدا لن يملأ عيني إلا الله. كنت في ذلك اليوم ~~أخفي عيني وراء نظارة كبيرة، وطلبت مني أن أخلع النظارة؛ فخلعتها، وأصبحت عيناك في عيني، ~~وكدت أعرف وأقول إنك في حياتي الحقيقة واليقين، لكن جرس التليفون دق أو جرس الباب أو حركة ~~ما حدثت. ربما أطل علينا وجه طفل من أطفالك، ربما أنت حركت عينيك بعيدا عن عيني، ربما ~~أنت حركت رأسك أو ذراعك، وخيل ms33 إلي أنك تنظر في الساعة. # حركة ما سريعة - عن قصد أو عن غير قصد - لم تستغرق أكثر من ثانية أو جزء من الثانية، ~~ولكنها كانت كافية لأن تمزق الشعرة الحريرية الرقيقة التي يمتد فوقها الإحساس ~~باليقين. # قلت لي مرة إنني من الحياة أهرب، وعن الحب أعجز، وأنني مصابة بمرض العصر، وأنني في حاجة ~~إلى أقراص أو دواء، أو شيء من هذا القبيل. ودهشت ولم أدهش، وحزنت على نفسي ولم أحزن، ~~وأوشكت أن أحس المرض وأبتلع أقراص نهاية القرن العشرين. وسألتني مرة أو أكثر من مرة لماذا ~~لا أبتلع الأقراص ككل المثقفين؟ ولكني يا صديقي لا أنتمي إلى هذا العصر، ولست من هؤلاء ~~المثقفين، ولا أقرأ الصحف كما يقرءون، وعيناي تغمضان - رغم أنفي - حين تلمحان الصحف، وأذناي ~~تنغلقان حين يرتفع في الجو صوت قراءة الأخبار. وحين أسير في الشارع لا أرى الوجوه، وأبدو ~~للناس كالعمياء الصماء لكني يا صديقي لست عمياء ولست صماء. أنا أرى كل وجه يمر أمامي، وأقرأ ~~كل حرف يسطر على وجه الأرض، وأسمع كل صوت، وإن كان دبيب النملة أو دقة قلب يتيم في صدر ~~طفل. هل تظن أنني أهذي؟ هل تظن حقيقة أنني لا أرى؟ ولكنني رأيتك مرة وأنا أسير في شارع ~~التحرير. كانت سيارتك مسرعة، وكل السيارات مسرعة، وكان وجهك مرهقا، وكل الوجوه مرهقة، ~~وكانت عيناك حزينتين، وكل العيون حزينة، وكان الزحام شديدا والأجسام متلاصقة والعربات ~~متلاصقة، والهواء راكد لاصق، والكل يلهث عرقا في الخضم، والكل يكاد يختنق ويصرخ ~~مستغيثا طلبا للنجاة. لكن أحدا لا يرى أحدا، ولا أحد يسمع أحدا، ولا أحد ينقذ ~~أحدا. # استطعت - رغم السرعة - أن أتأمل وجهك لحظة خاطفة، لم تكن ملامحك هي ملامحك، ولم تكن ~~عيناك هما عينيك. وقلت لنفسي هو أم ليس هو؟ واستدرت خلفي بسرعة، كانت سيارتك قد اختفت في ~~الخضم، لكني استطعت أن ألتقط الرقم، ووقفت لحظة جامدة، كنت أسأل نفسي من أين هو قادم؟ ~~وإلى أين هو ذاهب؟ ولماذا هو يجري مسرعا؟! # كنت أعرف أنك قادم ms34 من مكتبك، وأنك ذاهب إلى بيتك، أو إلى موعد مع كبير أو صغير، مع مريض ~~أو سليم. كنت أعرف كل ذلك، لكني وقفت أتلفت حولي في ذهول كأنني لا أعرف شيئا. # ثم سرت في طريقي مرة أخرى، رأسي ثقيل وقلبي ثقيل، وذلك الاكتئاب البارد الزاحف، وسؤال ~~بغير جواب: لماذا كل هذا؟ ومن أجل ماذا؟ أهو الجري وراء المال؟ أهو السعي وراء السلطة؟ أهو ~~البحث وراء الشهرة؟ ولكن عندك من كل هذا الكثير، فماذا إذن؟ أهو الحب؟ ولكن أيمكن للحب أن ~~يجعل الوجه مرهقا والعينين حزينتين؟ # وأحسست أنني أكره هذه المدينة، وأكره هذه الوجوه، وأكره هذه العيون، وأكره عقارب الساعة، ~~وكل شيء. حاولت من شدة الكراهية أن أغلق عيني وأغلق أذني وأغلق مسام جسدي. رغبة عارمة في ~~الجري بأقصى سرعتي والابتعاد عن كل شيء. رغبة عارمة في الانفصال عن الكون إلى حد ~~الموت. # لكن شيئا واحدا لم أرغبه؛ أن يضيع مني في الزحام وجهك، وأن تختفي من أمامي في الزمن ~~عيناك. تعرف يا صديقي أنني لا أرغب منك شيئا؛ فأنا آكل وأشرب وأنام، وأمارس الجنس، وأقود ~~سيارة مثل سيارتك، ولكني لا أريد أن تضيع مني في هذا الخضم. الحياة أمامي من غيرك ~~كفيلم صامت غير ملون، أبيض وأسود فحسب، ولكن كل شيء معك يتغير، وتعود الألوان، وتصبح ~~الأشياء كلها ملونة بجميع ألوان الطيف. # في هذه اللحظة أود لو ارتفعت يدي، وحوطت أصابعي يديك، لو تحول عمري كله إلى أصابع رقيقة ~~حانية ولامست وجهك، لو تمزق جسدي كله إلى ملايين الأنامل الصغيرة الدقيقة ومسحت الإرهاق في ~~عينيك. أيمكن بعد كل هذا أن تتهمني بالعجز عن الحب؟ أيمكن أن تقول لي مرة أخرى إنني لا أفهم ~~وليس عندي ذكاء فطري؟ أيمكن أن تفهمني قليلا أو أفهمك قليلا؟ أرجو ذلك، بل لا ~~بد! # | القناع # تنبهت فجأة فرأيت نفسي جالسة وأمامي زجاجة خمر لم يبق منها إلا القليل، ومطفأة سجائر ~~مليئة بأعقاب سجائر من نوع غريب لم أره من قبل، لكني تذكرت على الفور أنها ms35 سجائري ~~الجديدة التي أصبحت أدخنها منذ ثلاثة أعوام أو أربعة. # رفعت رأسي من فوق المطفأة فرأيت رجلا لم أره من قبل أبدا، كان عاريا إلا من ثوب ~~حريري مفتوح يطل منه صدر مشعر، وفخذان مشعرتان. بين الصدر والفخذين سروال مخطط ضيق ملتصق ~~باللحم. رفعت عيني المذهولتين إلى وجهه، الآن فقط أدركت أنني رأيته من قبل، ظلت عيناي في ~~عينيه لحظة وابتسمت ابتسامة غريبة تلقائية، وخاطفة في سرعتها كسرعة الضوء، أو كسرعة التيار ~~الكهربائي، لا تترك وراءها إلا نوعا عجيبا من الحيرة؛ كحيرة الإنسان الأزلية في بحثه عن ~~الله أو السعادة. لماذا يحدث ذلك الخلل في الكون وفي جسدي في تلك اللحظة بالذات، مع أن ~~عيني تلتقيان بمئات العيون أو الآلاف كل يوم؟! ويظل الكون كما هو ويظل جسدي كما هو كحيرة ~~الإنسان الأزلية، لكنها سرعان ما تنتهي ويعود الكون إلى ما كان عليه، ويعود جسدي إلى ما كان ~~عليه، وتمضي الحياة ككل يوم، ثلاثة أعوام أو أربعة منذ رأيته لأول مرة، وأكاد أنساه تماما ~~في زحمة العمل والبيت والناس. # هبطت عيناي مرة أخرى إلى جسده العاري وفخذيه المشعرتين، وجهي وأنا أنظر إلى جسده ليس هو ~~وجهي وأنا أنظر في عينيه، مشكلتي أن ما أحسه في أعماقي يظهر فوق وجهي على الفور. عيناه هما ~~الجزء الوحيد من جسده الذي أرتبط به ارتباطا حقيقيا. وتتبدد الغرابة والوحشة، وتصبح ~~علاقتي به علاقة حقيقية وسط عديد من العلاقات غير الحقيقية. ثلاث سنوات - ربما أربع - وفي ~~كل مرة ألتقي به صدفة في شارع أو مكتب أو ممر، أتوقف لحظة لأندهش وأتحير، ثم أسير في طريقي ~~وأنا أعلم أنها علاقة شديدة الغرابة، لكنها في الوقت نفسه مألوفة ومقبولة وسط عديد من ~~العلاقات غير المقبولة. # وحينما أصبحنا نلتقي بصفة منتظمة أو شبه منتظمة، لم تكن علاقتي به تمتد إلى أجزاء أخرى من ~~جسده غير عينيه، ساعات طويلة نجلسها ونتحدث، دون أن تتحول عيناي عن عينيه، نوع من لقاء ~~العقل له متعة، ولكن تظل المتعة ينقصها شيء، ما ms36 هو هذا الشيء ؟ # قلت لنفسي: ربما هي رغبة الجسد في لقاء الجسد؟ ولم لا؟ أليس هو في النهاية رجلا وأنا ~~امرأة؟ وبدت لي الفكرة جديدة - بل وغريبة - وتملكني استطلاع رهيب. ترى ماذا يكون لقاء ~~جسدي بجسده؟ رغبة استطلاعية عنيفة قد تكون أحيانا أعنف من رغبة الحب، وقد تدفعني أحيانا ~~إلى لقاء بغير حب لمجرد إشباع الاستطلاع، وفي كل مرة أشعر بالنفور، ويتأكد عقلي من أن جسدي ~~ينفر من جسد الرجل إلا في حالة واحدة، هي حالة الحب. # كنت أعرف سبب النفور؛ فهو نفور طبيعي لا علاقة له بالجسد وإنما له علاقة بالتاريخ، بقدر ~~ما عبد الرجل ذكورته بقدر ما نفرت منه المرأة. نفور النساء هو الوجه الآخر لعبادة الإله ~~الذكر. ولم تكن من قوة في العالم تزيل نفور المرأة إلا أن ينتصر الحب على الإله الذكر، ~~ويعود التاريخ إلى ما قبل ستة آلاف عام، حين كانت الإلهة أنثى. أينتصر الحب؟ وهل تكون ~~العلاقة بيننا حبا؟ لم أكن أعرف. لم يكن عندي دليل، وهل للحب دليل؟ تلك الرغبة التي تطفو ~~أحيانا على سطح حياتي المزدحمة في أن أنظر في عينيه؛ كمن يذهب من حين إلى حين إلى عين ماء ~~مقدسة، يركع ويصلي ثم يعود، لم أكن أركع ولا أصلي، ولا أعترف بإله غير عقلي داخل رأسي، ما ~~الذي كان يشدني إلى عينيه؟ # أيكون الحب أسطورة كأسطورة آدم وحواء وسندريلا والعنقاء والشاطر حسن؟ كل الأساطير انتهت ~~وسقط عنها القناع، أقنعة كثيرة سقطت أمام عقلي وهو يكبر، وعند سقوط كل قناع أبكي بالليل ~~حزنا على الوهم الجميل الذي ضاع، لكني في الصباح أرى عيني لامعتين غسلتهما الدموع كما ~~يغسل الندى الزهر والياسمين والورد. وأترك المرآة وأمشي فوق القناع الساقط على الأرض، ~~وأدوس عليه بقوة جديدة تزيد عن قوة الأمس. # ملأ لي الكأس العاشر أو العشرين، اهتزت يدي قليلا وأنا أمسك الكأس، لكن الإله داخل رأسي ~~جالس ثابت لا يتحرك كأبي الهول، وعيناي لا تزالان في عينيه لا تتحولان عنهما، بالرغم من ~~أنني أدركت ms37 - من حيث لا أعلم - تماما أنه لم يعد مرتديا الثوب الحريري، ويبدو أيضا أنه ~~لم يعد مرتديا السروال الضيق المخطط. # لاحظت أن جسده أبيض مشرب بحمرة، يوحي بقوة ونضارة، ونظافة يومية، وحسن تغذية، ولا بد أن ~~عيني كانتا لا تزالان شاخصتين إلى عينيه؛ لأنني أدركت بعد لحظة أنه أمسك رأسي بيده وحركه ~~بحيث تسقط عيني فوق جسده. # وتأملته مرة أخرى بعينين سليمتي النظر 6/ 6، ورأيت مرة أخرى القوة والنضارة والنظافة ~~والتغذية الحسنة، وكدت أعبر له عن رأيي فيما أراه من حيث النضارة والقوة والنظافة ~~والتغذية الحسنة. # لكن عيني ارتفعتا والتقتا بعينيه، ولم أعرف هل كان ينظر إلي بدهشة، أم أن الدهشة كانت ~~في عيني أنا، وقلت لنفسي: لا بد أنه موقف يدعو إلى الدهشة؛ فالساعة جاوزت الثالثة صباحا، ~~وزجاجة الخمر فرغت، والبيت ليس فيه أحد، والعالم من الخارج صامت مظلم ميت ساقط ليس في ~~العدم، فما الذي يحول بين جسدي وجسده؟! # حينما حركت رأسي ناحيته رأيته جالسا مرتديا الثوب وحزام الثواب مربوط بعناية حول ~~خصره، يخفي صدره وفخذيه، ولم أعد أرى منه إلا رأسه وعنقه وقدميه داخل خف منزلي خفيف. ~~وجهه من الجانب مرهق، كأنما أرهق أو شاخ فجأة، وتهدلت بعض الشيء ملامحه كطفل يريد أن ~~ينام بعد أن أعياه السهر. امتدت يدي كيد الأم تربت على وجه الطفل (طفلها)، وقبلة أمومية ~~حانية فوق جبهته. # خرجت إلى الشارع، أرفع وجهي الساخن لنسمة الفجر الباردة الرطبة، إحساس خفي بالزهو يمتزج ~~بإحساس غريب بالحزن. وضعت رأسي على وسادتي، عيناي مفتوحتان مبللتان بدموع، عقلي ينتصر على ~~الخمر، حتى أسلم رأسي للوسادة فتغلب الخمر وينتصر الحزن على الزهو. # حينما فتحت عيني في اليوم التالي كانت الخمر قد تبددت، وانقشعت عن عيني الغشاوة، نظرت في ~~المرآة إلى عيني اللامعتين المغسولتين بالدموع. كدت أترك المرآة ككل مرة وأدوس على القناع ~~الساقط تحت قدمي، وأمشي فوقه بقوة جديدة، لكني لم أتحرك من مكاني. انثنى جسدي والتقطت ~~القناع من فوق الأرض، ووضعته مرة أخرى على وجهي. # | اعتراف رجولي # املئي ms38 لي كأسا أخرى من الخمر مع كثير من الثلج، ودعيني أتكلم ولا تقاطعيني. يمكنك من حين ~~إلى حين أن تمري بيدك فوق رأسي أو عنقي أو صدري أو ما تشائين من جسدي، بشرط ألا تعطليني عن ~~الكلام؛ فأنا الليلة جئت إليك لأعترف لك بكل ما لا يمكن أن أعترف به لأحد، ولو كان هو ~~مندوب الله على الأرض. # أنا في الحقيقة لا أومن بهؤلاء المندوبين، وأشعر بكراهية لأي وسيط بيني وبين الله، ليس ~~معنى ذلك أنني متكبر أو متغطرس أو أتعامل مع الناس بعنجهية، العكس هو الصحيح؛ فأنا متواضع ~~رحيم، أشفق على كل الناس، وأشفق على نفسي كواحد من هؤلاء الناس. # إن شفقتي على نفسي ليس لها حدود؛ لأنني أحب نفسي، وأعترف لك أن حبي الحقيقي الوحيد هو ~~حبي لنفسي، وقعت في حبي لنفسي منذ ولدتني أمي، ولمعت عيناها وهي تقول لأبي: إنه ذكر. ~~أحببت ذكورتي، وأدركت منذ البداية أنها سبب تميزي، وكان علي دائما أن أثبت وجودها، ~~وأعلن عنها، وأبرزها للناس؛ لتكون واضحة ومرئية، وثابتة ثبوتا لا يقبل الشك. # ذات يوم، وأنا طفل صغير، كنت أقف إلى جوار أبي في الشارع، فإذا بقدم كبيرة ضخمة تدوس على ~~إصبعي، وصرخت من الألم: «أي!»، ونظر إلي أبي في امتعاض، وقال بغلظة: «الرجل لا يقول «أي» ~~أبدا.» ومنذ ذلك اليوم لم أقل «أي» أبدا. كنت أحسس الألم والدموع حين أتألم أو يضربني ~~أحد، وأشد عضلات ظهري وعنقي، وأقول لنفسي: أنا رجل. # وذات مرة أخذ الطبيب يعبث بمشرطه الحاد في بطن قدمي ليخرج منه قطعة زجاج، وشعرت بلحمي ~~يتمزق والدم يسيل، وغرقت من شدة الألم في بحر من العرق، ولم أنطق «أي». وفي تلك الليلة بعد ~~أن نمت ونام الجميع، وجدتني أبكي في الحلم وأهمس لنفسي بصوت خافت: «أي! أي!» حتى ~~الصباح. # وحين استيقظ الجميع واستيقظت، شددت عضلات ظهري وعنقي، وارتديت ذكورتي، وسرت مزهوا بها، ~~أقول لنفسي: «أنا رجل!» ماذا تقولين يا سيدتي؟ قدمي ناعمة وأصابعي ناعمة كأصابعك. هذا صحيح؛ ~~فأنا أنتمي إلى ms39 الطبقة المستريحة، بورجوازي بمعنى آخر، ولا أستخدم أصابعي إلا في الإمساك ~~بكأس من الخمر، أو التوقيع باسمي على بعض الأوراق في المكتب، أو التلويح بيدي للأصدقاء. ~~أصدقائي كثيرون كما تعرفين، وأنا أحبهم جميعا كما أحب كل الناس؛ أي إنني لا أحب أحدا. ليس ~~معنى ذلك أنني أكرههم، ولكني مشغول دائما، ومستغرق دائما في حب نفسي، وأنا مستعد في أي ~~وقت للدفاع عن نفسي وبأية وسيلة، وإن كانت جريمة قتل. # لا تنظري إلي هكذا كأنما أنا المجرم الوحيد على الأرض، الجريمة في حياتنا نحن الرجال ~~ضرورة، إنها الوسيلة الممكنة الوحيدة ليثبت الرجل منا أنه رجل. ولأن الجريمة تحتاج إلى جرأة ~~أو سلطة فأنا عاجز دائما عن أن أكون مجرما، وليس أمامي إلا أحلام اليقظة، وتخيل نفسي ~~بطلا مغوارا أفصل الرءوس عن الأجساد بخبطة سريعة من سيفي. نحن الرجال نعجب بالقتلة ~~إعجابا شديدا، والرجل منا لا يمكن أن يعجب برجل آخر دون أن يكرهه، وهذا هو سبب الانقباض ~~النفسي الذي أشعر به وأنا بين الرجال المهمين من ذوي السلطة؛ ولهذا أنا أهرب من مجالس ~~الرجال المحترمين وأشعر براحة نفسية في مجالس الرجال غير المحترمين، ولكني بصفة عامة أفضل ~~مجالس النساء؛ فالمرأة مهما ارتفع شأنها تظل لي ميزة عليها وهي ذكورتي، ماذا تقولين؟ أرجوك ~~لا تقاطعيني واملئي لي كأسا أخرى من الخمر مع كثير من الثلج، ودعيني أتخفف من جرائمي التي ~~تثقل قلبي. # لا أكذب عليك، جرائمي كلها إنسانية؛ لأن لها هدفا واحدا هو إثبات أنني رجل، ولا يمكن ~~للرجل منا أن يثبت رجولته إلا بانتصاره على الرجال الآخرين. وهكذا لم يكن لي مفر من الدخول ~~في الصراع الأبدي، الصراع مع أي رجل غيري، في حجرة الاجتماعات أو في حجرة النوم سيان؛ ~~فالصراع واحد لا يتغير، ولأنني في حجرة الاجتماعات أفتقد الجرأة والسلطة فلم يكن أمامي إلا ~~حجرات النوم، لا تقولي عني: إنني ذئب أو صياد نساء؛ فأنا رجل متزوج، أحب زوجتي كما أحببت ~~أمي. هذا النوع من الحب الروحي المقدس؛ أي الحب ms40 الذي آخذ منه كل شيء ولا أعطي شيئا، وهذا ~~هو الحب المثالي. زوجتي هي الشخص الوحيد (وقبلها كانت أمي) التي أستطيع أن أغضب معها، وأشخط ~~فيها بحرية؛ والسبب معروف فهي لا تستطيع أن ترد علي غضبي بغضب مماثل. نحن الرجال لا ~~نستطيع أن نعلن عن غضبنا أمام هؤلاء الذين يستطيعون الغضب منا. لم أغضب أبدا أمام رئيسي، ~~ولكني أغضب بسرعة أمام أمي. أما مع زوجتي فأنا أغضب وأشخط بحرية، وكذلك أغضب بكل حرية مع ~~أولادي؛ هؤلاء جميعا أنا أعولهم وأطعمهم، وإن غضبوا مني فلن يجدوا بديلا لي. # وهذا هو هدف الزواج؛ فكيف كان يمكن للرجال بغير الزواج أن ينفسوا عن غضبهم؟ إن أفقر رجل ~~في أحط طبقة اجتماعية يعود في النهاية إلى زوجته ليغضب وليشعر أنه رجل، ماذا تقولين يا ~~عزيزتي؟ # رفضت أن تتزوجي لهذا السبب، أنت امرأة ذكية، لا أظن أن الذكاء وحده هو الذي يجذبني إلى ~~فراشك من دون نساء الأرض، لماذا أنت بالذات أعترف لك كما يعترف العبد أمام الإله؟ لماذا ~~أتسلل من فراش زوجتي كل ليلة لآتي إليك؟ لا أكذب عليك، ليس هو الحب؛ فأنا - كما ذكرت لك - ~~قد وقعت في حب نفسي منذ البداية وانتهى الأمر. # السبب يا عزيزتي هو أنك الشخص الوحيد الذي لست مضطرا لأن أثبت له أنني رجل، هذا السبب ~~لم يكن واضحا لي أول الأمر، وكنت أتساءل دائما بيني وبين نفسي: ما الذي يربطني بهذه ~~المرأة؟ وكنت أتساءل دائما: لماذا أحتاج إليها هذه الحاجة الشديدة؟ وقد عرفت السبب في تلك ~~الليلة، أتذكرين؟ الليلة التي جئت إليك بعد هزيمة ساحقة أمام منافسي في الانتخابات ومشادة ~~عنيفة مع زوجتي حين رأيتها عارية بين ذراعي صديقي. جئت إليك وبكيت بين ذراعيك وأحسست وأنا ~~أبكي أن هذه الدموع محبوسة داخلي كالبخار المضغوط منذ نهرني أبي وأنا طفل وقال لي: الرجل لا ~~يقول «أي» أبدا. تلك الليلة رأيت دموعي تنهمر كالنهر، وسمعت صوتي يهتف «أي» عشرات المرات، ~~مئات المرات، وحين أفقت وجدت رأسي عند قدميك جاثيا ms41 في محرابك كما يجثو الإنسان في معبد ~~الإله. ماذا تقولين يا عزيزتي؟ رأيت على وجهي أول ابتسامة حقيقية؟ قلت لك إنها أسعد ليلة ~~في حياتي؟ هذا صحيح، لقد اكتشفت لأول مرة في حياتي أني كنت أبله، إنني كدت - وأنا صبي - أن ~~أفقد عينا من عيني في معركة صبيانية لأثبت أنني رجل، إنني وأنا شاب كدت أفقد حياتي عدة ~~مرات بسبب استعدادي الدائم للمبارزة، إنني وأنا كهل كدت أن أفقد قواي العقلية بسبب انهزامي ~~أمام منافسي، ثم خيانة زوجتي لي. كل شيء في تلك الليلة تغير، وسقط القناع المزيف الذي ~~سموه الرجولة، وبدأت أرى نفسي على حقيقتها، وأكتشف لأول مرة أنني لست مضطرا لأن أثبت ~~لنفسي أو لغيري أنني رجل، فما معنى كلمة رجل؟ وكان هذا الاكتشاف هو أسعد لحظة في حياتي. من ~~شدة سعادتي أخذت أقبلك وألثمك وألثم قدميك، وأمرغ أنفي ببطن قدميك وأبكي، وأستعذب طعم ~~دموعي ووضعي السفلي تحت قدميك، ماذا تقولين؟ اعترفت لك بحبي في تلك الليلة، نعم يا عزيزتي ~~قلت لك: إنني أحبك، ولكني أعترف لك أنني بمجرد أن خرجت من عندك وعدت إلى بيتي ومكتبي شعرت ~~بالخجل من نفسي، فخجلت حين تذكرت أنني كشفت أمامك عن الجزء المكبوت من نفسي، الجزء الأنثوي، ~~الجزء الذي يخفيه كل الرجال عن الأعين كالعورة. ومن شدة الخجل قررت بيني وبين نفسي ألا أراك ~~مرة أخرى، ولكن عدت إليك في الليلة التالية والتي تلتها وكل الليالي بغير انقطاع. أعرف أنني ~~مشدود إليك بقوة رغبتي في ألا أكون رجلا وأن أكون نفسي كما هي، ولكني مشدود أيضا إلى ذلك ~~العالم الذكوري المزيف، أضع فيه القناع، وآخذ مكاني في الصف، وألعب دوري. أضرب ضربتي حين لا ~~يملك الآخر ضربي، وأتلقى الضربة من الواقف فوقي دون أن أرد، وأكتم غضبي حتى أعود إلى زوجتي، ~~وأحبس دموعي حتى أجيء إليك. إنها قسمة عادلة يا عزيزتي؛ فالرجل منا يحتاج إلى امرأتين على ~~الأقل: امرأة يستطيع أن يغضب أمامها وامرأة يبكي في حجرها، ماذا تقولين يا عزيزتي؟ ms42 نعم، ~~زوجتي تحبني ، وهي تخونني من شدة حبها لي. لم أكن مقتنعا بهذه الحقيقة ولكني اقتنعت بها، ~~وتعلقت بزوجتي واشتهيتها أكثر وأكثر، نعم، اشتهيتها أكثر يا عزيزتي؛ لأنني عن طريقها اكتشفت ~~شيئا جديدا لم يكن في إمكاني اكتشافه، اكتشفت أنني لست الرجل الوحيد على الأرض. أعترف لك ~~أنني شعرت براحة شديدة لهذا الاكتشاف، راحة الاستسلام للحقيقة التي كنت عاجزا عن الاستسلام ~~لها، رائحة لو ذاقها الرجال مرة واحدة لدفعوا زوجاتهم إلى خيانتهم بأسرع ما يمكن. كم ضيعت ~~من السنين وأنا أفتقد هذه الراحة يا عزيزتي. # ماذا تقولين؟ أنا تأخرت جدا، نعم نعم، ولكني أكثر حظا من غيري، هناك رجل يموت وهو لا ~~يزال متصورا أنه الرجل الوحيد على الأرض. # ماذا تقولين؟ المرأة تعرف هذه الحقيقة منذ البداية، نعم يا عزيزتي، المرأة أذكى من الرجل؛ ~~إنها تعلم دائما أنها ليست المرأة الوحيدة على الأرض. املئي لي كأسا أخرى مع كثير من ~~الثلج، ودعيني أموت بين ذراعيك ولا تقاطعيني. # | رسالة خاصة إلى صديق فنان # ما دمت قد فتحت قلبك وعاتبتني ذلك العتاب القاسي إلى حد الرقة، والذي أبكتني رقته أكثر ~~مما أبكتني قسوته؛ ما دمت قد فعلت ذلك، فقد أصبح من حقي أن أعاتبك عتاب فنانة لفنان، وصديقة ~~لصديق حميم. لم يكن الشعور الحميم بينهما إلا إحساسا عميقا مستقرا في أغوار النفس، ~~رقيقا وشفافا شفافية الهواء النقي، بقدر ما نحسه في العمق كبيرا يكاد يملأنا بقدر ما ~~نعجز عن الإمساك به في لحظة حقيقية واحدة. ويبدو أن هذه هي الصفة الوحيدة للشعور الحميم ~~الحقيقي، إنه بقدر ما يكون حقيقيا يبدو لنا كالحلم. # ما دمت قد فعلت بي كل ذلك فاسمح لي أن أعاتبك، وأنا لم أعاتب أحدا من قبل، حتى أبي وأمي ~~لم أعاتبهما؛ لأنهما أتيا بي بغير إرادتي، حتى الله لا أعاتبه لأنه يأخذني بغير إرادتي، لا ~~أعاتب أحدا؛ لا رجلا ولا امرأة ولا إلها، ولا أعاتب في الحب ولا في الكراهية، وكم من ~~أذى أصابني من الحب أكثر مما أصابني ms43 من الكراهية. # ولكنك أصبحت أحد هؤلاء القلائل النادرين في حياتي، الذين حين أمسك القلم فأنا لا أكتب ~~ليقرأ الناس، ولكني أكتب لشخص واحد بالذات؛ ليقرأ هو وحده دون جميع الناس، وبغير أن يكون ~~هناك ناس على الإطلاق. # شيء عميق وخاص شديد الخصوصية أعجز أحيانا عن أن أكتبه لنفسي لو حاولت؛ كالجرح العميق ~~الغائر في الجسد، كالبئر السحيقة وأنا فيها ساقطة حتى القاع، حتى النخاع، أحس الألم في عظام ~~رأسي. أهو قدري أن أكون شيئا آخر غير ما أراده لي القدر، أن لا أكون أنثى (بمفهوم العالم ~~للأنثى)، وأن لا أكون طبيبة (حسب تخرجي في كلية الطب)؟ أهو قدري أن أكون إنسانة قبل أن أكون ~~أنثى، وأن أكون فنانة قبل أن أكون طبيبة؟ # منذ ولدت وصراعي أحسه كأنه صراع مع القدر ذاته، لكني أدرك بإحساس آخر أن القدر معي، ~~وأن القدر هو الذي أرادني فنانة وأرادني إنسانة، فما هي القوة الأخرى إذن التي أرادتني أنثى ~~وطبيبة؟ أهناك قدر آخر غير القدر الذي نعرفه؟ # وعشت سنوات حياتي كالمشدود بين قدرين؛ كقطعة اللحم ممسوكة بين فكين ضاريين. أحاول ~~الإفلات والهرب، وأظن أحيانا أنني هربت وأنني أنقذت، وأتنفس بعمق وأنا أمسك القلم لأسكب ~~نفسي فوق الورق صدقا بديهيا بداهة الموت، بسيطا كابتسامة تلقائية في وجه طفل. وأظن ~~بسذاجة طفل أنني لم أفعل شيئا ذا بال، حتى الكلمات فوق الورق تبدو لي قليلة أقل من نفسي ~~وأضعف، لكن العالم من حولي ينتفض ذعرا، كأنما الصدق لم يعد كلمة وإنما وحش مفترس، ~~والحقيقة أصبحت كالموت أو أكثر من الموت. # وهل هناك ما هو أكثر من الموت في حياتنا؟ أم أن حياتنا نفسها قد تصبح أحيانا أكثر من ~~الموت؟ كنت أسأل نفسي هذا السؤال فلم أعرف له إجابة في حياتي أو في موتي، ولم أكن أعرف في ~~معظم الأحيان الفارق بين أن أحيا أو أموت، وحياتي تبدو لي أحيانا كالموت، والموت يصبح في ~~عيني فجأة كالأمل الوحيد في أن أحيا. # ألم عميق يصل إلى أعمق مما يمكن ms44 أن يصل إليه أي سكين. وأتلفت حولي كأنما أبحث عن آخرين ~~مثلي يحملون السكين في أجسادهم، كأنما أبحث عن شخص واحد غيري يقول لي: نعم، أنت على حق ~~والعالم مخطئ، أنت تقولين الصدق والعالم يكذب. # نادرون جدا هؤلاء، ندرة الكلمة الصادقة تضيع بين السماء والأرض؛ كقطرة ماء تضيع في بحر، ~~كخفقة قلب، حقيقة تضيع في أغوار الصدر فلا يعثر الواحد منا عليها لو أراد. وكم من مرة يخفق ~~القلب خفقة حقيقية واحدة وسط ملايين الدقات والضربات. في كل دقيقة يدق القلب سبعين دقة (في ~~المتوسط)، وفي الساعة الواحدة أربعة آلاف، وفي الشهر الواحد ثلاثة ملايين، فكم يمكن أن يدق ~~القلب في سنوات عمرنا؟ وهل يمكن لأحد فينا أن يعرف خفقة القلب الحقيقية من بين بلايين ~~الدقات؟ بل إنه لو عرف فهل هو يمسك بها حتى لو أراد؟ # كنت أدرك بعقل آخر غير ذلك علموني به أن حجم حياتي ليست هي عدد السنوات بين تاريخ ولادتي ~~ووفاتي، كنت أدرك عن يقين أن هناك نبضا غير نبض القلب، وأن حجم حياتي كلها قد لا يكون إلا ~~خفقة حقيقية واحدة أنجح في الإمساك بها من بين ملايين الخفقات غير الحقيقية، أو كلمة صدق ~~تلقائية أنجح في الإمساك بها فوق الورق من بين ملايين الكلمات غير التلقائية. # عن يقين كنت أدرك هذه الحقيقة، أدركها بعقلي وجسدي، بالاثنين معا أدركها، وبالحواس التي ~~أملكها ولا أملكها، ومع ذلك كم كان هذا اليقين الهائل يتحول أحيانا إلى شك هائل لا يتسرب ~~إليه شك؛ فيصبح هو اليقين وما عداه هو الشك. هذه اللحظات أحس أنني مقتولة جسدا وعقلا، ~~وأنني مخطئة والعالم هو الصواب. وقد أرى نفسي وأنا سائرة في الشارع أو راكبة سيارتي، لكني ~~أدرك عن يقين أنني مقتولة، وأن جسدي الذي يتحرك هذا ليس هو جسدي الحقيقي؛ فقد أخفى القتلة ~~جسدي في حفرة في بطن الأرض، وأرى جسدي غير الحقيقي يتحرك أمامي، وقد يصافح الناس، وقد ~~يبتسم، وقد ينافق العالم ويقول له إنه على صواب وأنا المخطئة. ms45 # كيف كنت أشد جسدي المقتول من بطن الأرض؟ كيف كنت أشد يدي شبه المشلولة وأمسك القلم؟ لم ~~أعرف، لكنها لحظة واحدة، وقد أكون جالسة أو واقفة أو راقدة، وقد أكون وحدي أو وسط ناس ~~آخرين، لكني أبصر جسدي ينتفض وحده فجأة، فإذا بي أقف إذا كنت جالسة، أو أجلس إذا كنت واقفة، ~~وإذا بي أجري بعيدا عن الناس إذا كنت مع الناس، أو أجري إلى الناس إذا كنت وحدي. # كانتفاضة الرعب، كمن يرى الموت وجها لوجه. وأكتشف لدهشتي الشديدة أن جسدي يرتعد فعلا، ~~وصوتي يرتعد، لكنها ليست إلا لحظة خاطفة، كالصرخة الواحدة أطلقها في وجه المتكلم ليصمت أو ~~في وجه الصامت لينطق. # كان المتكلم في لحظة من تلك اللحظات مسئولا كبيرا يرأسني في عملي الطبي. واحد من الرجال ~~الذين يمتلئ بهم العالم. طبيب يقيس نجاحه الطبي بمساحة الأرض التي يمتلكها فوق الكرة ~~الأرضية. رجل كذكور العالم لا يعرف من المرأة إلا الأنثى. وأراد أن يعاملني كما يعامل ~~العالم لكني رفضت، الرفض عندي كان سهلا طبيعيا؛ فأنا بالطبيعة إنسانة ولست أنثى، وأنا ~~بالطبيعة فنانة ولست طبيبة، الرفض عندي كان سهلا وطبيعيا كهواء أتنفسه، لكن الرفض عنده ~~كان صعبا أصعب من الموت. # دائما كنت أتحير لماذا يعجز الرجال في هذا العالم عن تحمل الرفض، وبالذات رفض المرأة ~~لهم؟ أرى وجه الواحد منهم وقد شحب وهرب منه الدم؛ فأصبح لونه أبيض كوجه الميت، هل كان هذا ~~الرفض يكشف له عن حقيقة وجهه، ويدرك لأول مرة أنه وجه ميت، أم أنه كان مرفوضا داخل نفسه ~~أيضا فإذا به عاجز عن احتمال الرفضين معا؟ # وقال لي بلهجة الرؤساء إن موظفا لم يخالفه أبدا، وإن امرأة لم تعصه من قبل. وفتح لي ~~درج مكتبه الفاخر، وأخرج شهادات تفوقه وبطولاته ونياشين انتصاراته، وجدران حجرته تغطيها ~~إطارات مذهبة داخلها شهادات وشهادات من مصر والخارج. وكان الدم قد عاد إلى وجهه فلم يعد ~~أبيض، ورأسه أصبح يرفعه عاليا فوق عنق صغير تحوطه ربطة عنق كبيرة (على الطراز الأمريكي ~~الحديث) ms46 وصدره منتفخ بعضلات ظهر مشدودة، يحاول أن يشدها بمشقة وجهد، فكأنما هو عاجز عن ~~إقناع عضلات جسده بانتصاراته الخارجية العديدة، وأنه منهزم من الداخل هزيمة لا يعرفها ~~أحد. # وربما هو رأى أو أحس أنني الوحيدة التي شهدت هزيمته، ولأنني امرأة فقد أصبحت هزيمته ~~مضاعفة، وتحول الرضا عنده إلى غضب، والإقبال إلى نفور، والرغبة في ترشيحي إلى الترقية ~~ورفعي إلى السماء السابعة إلى الرغبة في دفني في بطن الأرض وإغلاق الحفرة بالشمع ~~الأحمر. # لم تكن المرة الأولى التي أشهد فيها هزيمة رجل؛ فالرجال كثيرون، وعدد الهزائم أكثر من عدد ~~الرجال، ولست في نهاية الأمر إلا امرأة واحدة، لكني كنت أدرك أنني رغم كوني امرأة ورغم كوني ~~واحدة؛ فإن من بين هؤلاء الرجال الكثيرين المتكاثرين هناك رجل واحد على الأقل لم يهزم، ~~وأنني في كل خطوة فوق الأرض، أو في كل حركة أو لفتة، وإن كانت مجرد تحرك الرأس لحظة وأنا ~~أمشي في أي شارع، أنني كنت بوعي وبغير وعي، بإرادتي وبغير إرادتي، بجسدي وعقلي، بالاثنين ~~معا - أدرك أنني أبحث عن هذا الرجل، وأدرك أيضا أنه ليس واحدا، وأنه قد يكون هناك اثنان ~~أو ثلاثة أو أربعة، ربما لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة، لكنهم هناك رغم ندرتهم، ~~وطالما أنهم هناك فلا بد أني عاثرة عليهم. # لمحتك مرة وأنا أمشي مسرعة كعادتي، وكنت غاضبة من ذلك الرئيس، وحين أغضب فإني أمشي بسرعة ~~أكثر. يكشف لي الغضب عن أنني أسير نحو معركة جديدة، وأنني يجب ألا أضيع وقتا في الطريق؛ ~~فالدقيقة من حياتي أصبح لها ثمن، والإحساس بحركة الزمن يصبح عندي طاغيا إلى حد الجري في ~~الطريق. أخاف أن يبلغني الموت قبل أن أخوض معركتي، وكأنما هي المعركة الأخيرة في حياتي ~~وبعدها سأموت، ولأنني في الأصل ميتة فأنا لا أخاف الموت، ولأنني لا أخاف الموت فإن الناس ~~تخافني، وهذا هو السبب الوحيد الذي يخرجني من بعد كل معركة حية وباقية فوق ظهر ~~الأرض. # سألتني في هذا اليوم عن غضبي فحكيت لك، ms47 لم أكن أحكي لأحد، لم أكن أعرف ماذا أقول، ولم ~~أكن أستطيع لو عرفت، وما كان لأحد أن يسمعني أو يصدقني لو أنا قلت، فماذا كنت أقول؟ هل أقول ~~إن العالم كله مخطئ وأنا وحدي على صواب؟ هل أقول إن العالم هو المجنون وأنا وحدي العاقلة؟ ~~هل أقول إنني منذ ولدت وأنا أحس الحروف تمشي في جسدي كدورة الدم، وأنني حين أمسك القلم ~~يتلاشى العالم كله وتتلاشى لذة الأكل ولذة الحب ولذة الجنس ولذة الموت، وأفنى في السطر كما ~~أفنى في الحب كما أفنى في الموت، وأدرك مع كل ذلك أنني لا أفنى في شيء؟ هل أقول إن الفن كان ~~اختياري وإرادتي لكني بالصدفة كنت أنثى، وأنني أرفض منذ الطفولة أنوثتي لأنها ليست أنا، ~~وليست من صنعي، وإنما هي من صنع عالم مليء بالذكور وخال من الرجال؟ هل أقول إنني أخوض ~~حياتي بقليل من العقل وكثير من الحب وأنني لا أمجد العقل رغم شهادتي الطبية؛ فالذي يصنع ~~عقولنا هو العالم من حولنا، ولأن العالم مزيف تصبح عقولنا مزيفة، وفي ثورتنا في العالم لا ~~بد أن نثور على عقولنا. أأقول كل هذا؟ وإذا قلته فهل يصدقني أحد؟ # في ذلك اليوم قلت لي إنك تصدقني، ودهشت إلى حد عدم التصديق، إلى حد الجمود في مقعدي ~~وأنا جالسة أمامك، وكنت أريد أن أبقى قليلا لكني وقفت وخرجت. لا أذكر لماذا خرجت، ربما دخل ~~شخص آخر، ربما دق جرس التليفون أو الباب، المهم أنني خرجت ولم نلتق بعد هذا اليوم إلا ~~نادرا. أحيانا ألمحك صدفة في طريق تسير بسرعة، وأنا أيضا أسير بسرعة، أحيانا ألمح ~~كلماتك فوق صفحة؛ فأقف عندها وأتذكر، أو ألمح وجهك بين الوجوه فأرفع عيني فجأة، وقد أحييك ~~من بعيد إذا لمحتني، وإذا لم تلمحني استدرت وسرت بسرعة. رغم خطوتي السريعة كنت أحس أن شيئا ~~من نفسك قد أصبح معي إلى الأبد، وأسأل نفسي أتراه هو أيضا يحس أنني أعطيته من نفسي في لحظة ~~مضت ولن أسترجعها، وأحيانا كنت أركب عربتي ms48 لآتي إليك لكني أتوقف وأسأل نفسي ماذا سأقول ~~له، وهل هو يذكر ما حدث بيننا؟ وهل حدث شيء يمكن له أن يذكره؟ # لم أكن أعرف هل حدث شيء؟ وإذا كان قد حدث فما هو؟ وهل هو شيء يمكن للذاكرة أن تمسكه ~~كدليل، كشيء أبرر به ذهابي إليه لو أنا ذهبت، كسبب واحد أستطيع أن أحوله إلى كلمات تنطق ~~لو هو سألني لماذا جئت؟ # كم سنة مرت دون أن آتي إليك، لا أعلم فأنا لا أقيس الزمن بالسنوات، وعمري كله قد لا ~~يساوي في نظري لحظة واحدة أحسها بعقلي وجسدي وبكل طاقتي المخزونة من عقلي وجسدي. كنت أدرك ~~الزمن بالسنوات، وعمري كله قد لا يساوي في نظري لحظة واحدة أحسها بعقلي وجسدي وبكل طاقتي ~~المخزونة من عقلي وجسدي. كنت أدرك دائما أن ما عندي من حواس ليس هو كل ما عندي، وأنه هناك ~~تحت السطح نبض آخر غير نبض القلب، وعقل آخر تحت العقل، وجسد آخر تحت الجسد. أهناك امرأة ~~كاملة أخرى داخلي؟ وأيهما أنا؟ أيهما الحقيقة وأيهما اللاحقيقة؟ كنت أحس دائما أن بين ~~الحقيقة واللاحقيقة مسافة قد لا تكون إلا شعرة، لكني أحاول - على الدوام - أن أقطعها ~~لأقتحم ذلك المجهول، وكلاهما - المجهول والمعلوم - أحسه كالرهبة داخل جسدي، وقد كسر الطب ~~والتشريح رهبة الجسد في عيني، وكسر الفن رهبة المجهول، وأبحت لنفسي أن أتحدث عن جميع ~~أعضاء الجسد كما يتحدث الشعراء عن نبض القلب، وأتساءل دائما لماذا أصبح نبض القلب هو ~~النبض الوحيد المباح؟ # كم سنة مرت دون أن آتي إليك، لا أذكر، لكني أذكر أنني في لحظة مفاجئة، في تلك الانتفاضة ~~حين أقطع الشعرة بين المعلوم والمجهول أو بين اليقين والشك، وأدرك أن العلم مخطئ وأنا على ~~صواب، وأهب من حياتي كالممسوسة برغبة مباغتة في الموت، أو أهب من موتي بأمل مفاجئ في ~~الحياة، في لحظة من تلك اللحظات مددت إصبعي في قرص التليفون وأدرت رقمك، ورد علي صوت رجل ~~قال إنك غير موجود؛ فتركت اسمي ورقمي وقلت إنني أنتظر ms49 ردا. # كم سنة مرت وأنا أنتظر، لا أذكر، وما حاولت أن أذكر؛ فقد حزنت وسحق الحزن ذاكرتي فلم أعد ~~أتذكر، وكلما تذكرت حزنت ونسيت إلى أن أصبحت لا أحزن ولا أنسى. وأكاد في كل لحظة أتذكر، وفي ~~كل مرة لا أعرف بالضبط ما الذي أتذكره، فليس هناك شيء حدث بيننا يمكن للذاكرة أن تمسك به، ~~وليس هناك دليل ولا سبب ولا مبرر يمكن أن أقوله لو أن أحدا سألني. # لمحتك مرة من بعيد فتوقفت وتحركت نحوك، لكني استدرت وسرت من جديد بخطوتي السريعة وأنا ~~أسأل نفسي أهو حب أم لا حب؟ وهل يختلط الأمر إلى هذا الحد؟ إلى حد العجز عن الفصل بين الحب ~~واللاحب، إلى حد العجز عن رؤية الأبيض من الأسود، كالعمياء تماما، توقفت لحظة لأمسك رأسي ~~بيدي، وأغمض عيني أو أفتحهما، وسألت نفسي أيكون العالم قد سلب من عيني البصر؟ أيكون العالم ~~قد مزق أعصاب العين وأعصاب القلب؟ # كنت أدرك أن العالم قد مزق كل شيء في العالم إلا أنا، ومزق البشر إلى عبيد وأسياد، ومزق ~~الإنسان إلى عقل وجسد، ومزق الجسد إلى أعضاء شريفة وأعضاء غير شريفة. كنت أدرك أن العالم قد ~~مزق كل شيء في العالم إلا أنا. مزق الرجال ومزق النساء ومزق الأطفال، ومزق الحكام ومزق ~~المحكومين، وليس هناك من فاصل بين التمزق السياسي والتمزق الجنسي، والفنان الصادق يسقط ~~بصدقه في ألاعيب السياسة، ويغرق بفنه في أحابيل الجنس، وكلاهما - الجنس والسياسة - محنة ~~الفن ومحنة الإنسان، لكن الفنان مشدود بفنه إلى صفوف المحكومين تحت أي اسم وفوق أي أرض، ~~ونافر بإنسانيته من أجساد الحكام بأي ثقل وبأي شكل، منجذب بنظرته إلى الجنس تحت وهم أي حب، ~~مشدود إلى العالم بكل ما فيه وما عليه، يدرك أن العالم - عن يقين - سيمزقه، لكنه يدرك، ~~بيقين آخر، أنه أبدا لن يتمزق. # كم سنة مرت دون أن أذهب إليك؟ لكني فتحت الجريدة صدفة مرة؛ فأنا لا أفتح الجرائد في عالم ~~تكذب فيه الأقلام والأجساد. ذلك الصباح لم أعرف لماذا ms50 أمسكت بالجريدة؟ ربما كنت أنوي أن ~~أفرش بها أحد رفوف المطبخ، لكني لمحت وجهك، وقرأت كلماتك الدقيقة السوداء، وحروف المطبعة ~~تكاد تشبه خط يدك، وصدق الكلمة فوق الورق له حركة تشبه حركة عينيك وهما تنظران إلي. أكنت ~~تراني أمامك وأنت تكتب، لكنك لم ترني منذ سنين طويلة، ولا يمكن لأي ذاكرة مهما قويت أن ~~تحتفظ بشيء حدث منذ سنين طويلة، فما بال الشيء الذي لم يحدث؟ # وحين دق جرس التليفون ظننت أن الرنين يأتيني من أي مكان فوق الأرض إلا مكتبك، وحين أتيت ~~إليك كنت أظن أننا سنتبادل بعض كلمات عادية، كتلك المجاملات المألوفة بين المعارف ~~والأصدقاء، لكن كلماتك لم تكن عادية، وعتابك لم يكن مألوفا. وبقدر ما دهشت لم أدهش، ~~وبقدر ما تألمت لم أتألم. وقلت لك إنني حاولت مرة أن ألقاك ولم يأتني الرد، ولم تصدقني، ~~وقلت لي لو أردت أن تأتي لأتيت. وأكدت لك أنني حاولت مرة لكنك لم تصدقني، وقلت لي لو رغبت ~~حقا في لقائي لما استطاع أن يحول بين لقائنا شيء. كنت شديد القسوة في عدم تصديقك لي ... ~~وبقدر ما آلمتني قسوتك بقدر ما أدهشتني، ولعلك رأيت الدهشة في عيني تشبه الدموع، كنت ~~مندهشة إلى حد البكاء، فهل يمكن بعد كل هذه السنين أن تمسك الذاكرة بشيء لم يحدث؟ أو أنه ~~إذا كان قد حدث فلم يكن إلا لحظة خاطفة كلمعة ضوء ظهرت ثم اختفت، كخفقة قلب دقت مرة واحدة ~~ثم اندثرت بين ملايين الدقات. # وحين أصبحت يديك حول يدي في المصافحة الأخيرة كنت أدرك أن ستقبلني، وأن قبلتك فوق ~~وجهي ستكون حانية ورقيقة إلى حد الشفافية، كقبلة طفل فوق وجه طفل، بريئة وغير بريئة، ككل ~~المشاعر التلقائية. # وأعطيتني رقم تليفونك على قصاصة ورق صغيرة، ووعدك بأن أتصل، وكنت صادقة في وعدي، لكني ما ~~إن خرجت إلى الشارع المزدحم حتى بدا لي كل شيء كالحلم أو كالوهم، وبدا لي العتاب شيئا ~~عاديا يمكن أن يحدث بين أي صديقين يلتقيان بعد غيبة طويلة، وأن القبلة ms51 أيضا شيء عادي ~~يمكن أن تحدث بين صديقين أو زميلين. وأدركت - وأنا أسير بخطوتي السريعة - أنني سأظل أسير ~~بسرعتي المعهودة حتى أموت وأنا سائرة، وأن سنين أخرى طويلة ستمضي قبل أن أعرف الحقيقة من ~~اللاحقيقة، وأنني في كل مرة أعجز عن اقتحام الموت، أعجز عن تمزيق الشعرة بين الشك ~~واليقين، هل أنا على صواب والعالم مخطئ؟ أم أنا المخطئة والعالم على صواب؟ إذا كنت لا ~~تصدقني هذه المرة فأنا أعاتبك، وإذا كنت تصدقني فإن عتابي لك أشد. # | الجلسة السرية # أول ما شعرت به ذلك الضوء الباهر القوي، لم تر شيئا، كان الضوء مؤلما رغم أن لا ~~تزالان مغمضتين، الهواء البارد ضرب وجهها وعنقها العارية، وتسرب من فتحة العنق إلى صدرها ~~وبطنها، وهبط إلى أسفل حيث الجرح النازف، وأصبح كصفعة حادة فوق نسيج هش حساس. وضعت يديها ~~فوق عينيها لتحميهما من الضوء، وبيديها الأخرى أغلقت فتحة العنق وهي تضم ساقيها على الألم ~~المفاجئ، شفتاها أيضا مضمومتان مطبقتان على ألم لم يعرفه جسدها من قبل، أشبه بوخز الإبر في ~~عينيها وثدييها وتحت الإبط وأسفل البطن. وقدماها وساقاها من طول ما نامت وهي واقفة، ومن طول ~~ما وقفت وهي نائمة، لم تعد تعرف في أي وضع يكون جسدها، أفقيا أو رأسيا، معلقة من قدميها ~~في الهواء، أو واقفة على رأسها في ماء. # ما إن أجلسوها وتحسست ببطن كفيها المكان الذي جلست عليه حتى استرخت عضلات وجهها، ~~واستعادت شكلها الآدمي. رجفة من اللذة العارمة المفاجئة هزت أحشاءها حين اتخذ جسدها وضع ~~الجلوس فوق ذلك المقعد الخشبي، وربما تقلصت عضلات شفتيها عن ابتسامة واهنة. قالت لنفسها: كم ~~أدرك الآن أن الجلوس راحة كبرى. # الضوء لا زال قويا، وعيناها لا تزالان غير قادرتين على الرؤية، لكن أذنيها بدأتا تسمعان ~~بعض الأصوات والهمهمات. رفعت يديها من فوق عينيها، وبدأت تفتحهما بالتدريج، أشباح آدمية ~~تتحرك أمامها من فوق شيء مرتفع، شعرت بخوف مفاجئ؛ فالأشباح الآدمية تخيفها أكثر من أي أشباح ~~أخرى. هذه الأجسام الطويلة التي تتحرك بسرعة وخفة ms52 فوق ساقين داخل سروال وقدمين داخل حذاء. ~~وكل شيء يتم في الظلام بمنتهى السرعة والخفة، وهي لا تستطيع أن تبكي أو تصرخ. لسانها، ~~عيناها، فمها، أنفها، كل ملامحها تحجرت، وجسدها لم يعد جسدها، وإنما جسد عجل صغير يضرب ~~بكعوب الأحذية، وتدخل العصا الغليظة بين فخذيها لتمزق أحشاءها، ثم تركل بالقدمين في ركن ~~مظلم، وتظل متكورة حول نفسها حتى اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث لا تعود كما كانت، وإنما ~~تظل حيوانا صغيرا عاجزا عن النطق بتلك الكلمة العادية التي ينطقها البشر: يا رب. وتقول ~~لنفسها: هل الحيوانات مثل الإنسان تعرف شيئا اسمه الرب؟ # بدت عيناها تريان الأجسام الجالسة على ذلك المكان المرتفع، فوق كل رأس جسم، الرءوس ملساء ~~بغير شعر، حمراء في الضوء كمؤخرات القرود، ذكور كلهم لا شك؛ لأن المرأة مهما شاخت فلا يمكن ~~لرأسها أن يصبح كمؤخرة القرد. بحثت بعينيها لترى بوضوح أكبر. في الوسط رجل سمين يرتدي ~~شيئا كالقفطان الأسود، فمه مفتوح، وفي يده شيء كالمطرقة، يذكرها بحاوي القرية، وعيناها ~~وعيون الأطفال كلها مبهورة مفتوحة على يده التي تحول العصا إلى ثعبان أو نار. المطرقة تتلوى ~~في يده كالأفعى، ودوى في أذنيها صوت حاد يقول: محكمة! قالت لنفسها: لا بد أنه القاضي. وهي ~~لأول مرة في حياتها ترى قاضيا، ولأول مرة تدخل محكمة، كلمة محكمة سمعتها لأول مرة وهي ~~طفلة، سمعت خالتها تقول لأمها: لم يصدقني القاضي وطلب مني أن أعري جسمي ليرى علامات الضرب، ~~وقلت له لا أعري جسمي أمام رجل غريب؛ فرفض الدعوى وأمرني بالعودة إلى زوجي. كانت خالتها ~~تبكي ولم تعرف ذلك الحين لماذا يطلب القاضي منها أن تعري جسمها؟! وسألت نفسها: يا ترى هل ~~يطلب القاضي مني أن أعري جسمي؟ وماذا يقول حين يرى ذلك الجرح؟ # تعودت عيناها على الضوء تدريجيا، وبدأت ترى وجه القاضي بوضوح أكثر، وجهه أحمر أيضا ~~كرأسه، وعيناه مستديرتان جاحظتان كعيني الضفدع، تتحركان ببطء هنا وهناك، وأنفه كبير مقوس ~~كمنقار الحدأة، من تحته شارب أصفر كثيف كحزمة من العشب الجاف ms53 تهتز فوق فتحة فمه المشدود ~~كالسلك، والمفتوح دائما كمصيدة الفئران. # لم تعرف لماذا ظل فمه مفتوحا، وهل كان يتكلم طول الوقت أم كان يتنفس من فمه، ورأسه ~~الأصلع اللامع يتحرك دائما بتلك الحركة التي تشبه الإيماءة؛ فيرتفع قليلا ويتحرك إلى ~~الوراء ليدخل في شيء مدبب، ثم ينخفض قليلا متحركا إلى الأمام حتى تدخل ذقنه في فتحة عنقه. ~~ولم تكن ترى بعد ماذا وراءه، لكنها رأت أن رأسه حين يرتفع ويتحرك إلى الوراء يدخل في شيء ~~مدبب أشبه ببوز حذاء. ودققت النظر وتأكدت أنه حذاء فعلا مرسوم على الجدار فوق رأس القاضي، ~~ومن فوق الحذاء رأت الساقين المشدودتين داخل السروال المشدود كأنما من الجلد الثمين، جلد ~~نمر أو جلد ثعبان، والسترة أيضا مشدودة فوق الكتفين، ومن فوق الكتفين يطل الوجه الذي رأته ~~آلاف المرات في الصحف، عينان شاخصتان إلى فراغ، فيهما من الغباء أكثر مما فيهما من السذاجة، ~~وأنف مسطح كأنما ضرب بالمطرقة حتى استكان، وفم مزموم ينم عن جدية مصطنعة يتقنها كل ~~الحكام والملوك حين يقفون أمام آلة التصوير. رغم عضلات فمه المزمومة في كبرياء وجدية فإن ~~عضلات خديه مرتخية، من تحتها ابتسامة هزلية ساخرة، فيها مجون مزمن أو فساد منذ ~~الطفولة. # كانت طفلة في المدرسة الابتدائية حين رأت لأول مرة صورة ملك، كان الوجه مليئا باللحم ~~والعينان ضيقتان والشفتان رفيعتان مزمومتان في كبرياء أشبه بالوقاحة. وتذكرت صوت أبيها وهو ~~يقول كان فاسقا وعاهرا، ولكنهم كلهم بهذا الشكل، وحين يقفون أمام آلة التصوير يظنون ~~أنفسهم آلهة. # إنها لا تزال تحس بجسدها جالسا فوق الكرسي الخشبي، وهي أصبحت تشك في الأمر، فكيف ~~تركوها تجلس كل هذا الوقت. والجلوس بهذا الشكل راحة وأي راحة؛ فهي تستطيع أن تجلس وتترك ~~جسدها في وضع الجلوس، وتستمتع بتلك المقدرة الخارقة لجسم الإنسان. لأول مرة تدرك أن جسم ~~الإنسان يتميز عن جسم الحيوان بشيء هام وهو الجلوس، لا يوجد حيوان يستطيع أن يجلس مثلها ~~هكذا، وإذا جلس فكيف يتصرف في قوائمه الأربع؟ تذكرت المنظر الذي أضحكها ms54 في طفولتها، ذلك ~~العجل الذي أراد أن يجلس على مؤخرته فانقلب على ظهره، وتقلصت شفتاها في محاولة يائسة لأن ~~تفتح فمها لتقول شيئا أو تبتسم، لكن فمها ظل مطبقا كخط أفقي يشق نصف وجهها الأسفل نصفين. ~~أيمكن أن تفتح فمها قليلا لتبصق؟ لكن حلقها جاف، ولعابها جاف، وعنقها جافة، وصدرها جاف، ~~وكل شيء فيها جاف إلا ذلك الجرح المفتوح بين فخذيها. # ضمت ساقيها أكثر لتضم الجرح وتضم الألم وتستشعر لذة الجلوس فوق مقعد، وكان يمكن أن تظل في ~~هذا الوضع إلى الأبد أو حتى تموت، إلا أنها سمعت فجأة صوتا يهتف باسمها: ليلى ~~الفرجاني! # تنبهت حواسها الميتة، وارتجفت عضلات أذنيها لوقع الاسم الغريب؛ ليلى الفرجاني! كأنما هو ~~ليس اسمها. لم يطرق أذنيها منذ زمن سحيق، وهو لفتاة اسمها ليلى، فتاة ترتدي ملابس الفتيات، ~~وترى الشمس، وتمشي على ساقين ككل البشر. وقد رأت هذه الفتاة منذ زمن سحيق؛ لأنها منذ ذلك ~~الزمن لم ترتد ملابس الفتيات، ولم تر الشمس ولم تمش على ساقين. منذ زمن سحيق وهو حيوان ~~صغير داخل كهف سحيق مظلم، وحين ينادونها فهم لا ينادونها إلا بأسماء الحيوانات. # لا زالت عيناها تبحثان في محاولة للرؤية الواضحة، وقد أصبح رأس القاضي أكثر وضوحا وأكثر ~~حركة، لكنه لا زال يدخل في بوز الحذاء إذا ما ارتفع، أو يدخل في فتحة عنقه إذا ما انخفض، ~~والصورة المعلقة من خلفه أصبحت أكثر وضوحا. الحذاء لامع مدبب، والبدلة مشدودة كبدل فرسان ~~الخيل، والوجه مشدود من الخارج بعضلات صناعية مليئة بالرصانة والغباء، ومن الداخل نظرة ~~خليعة معربدة. # قوة بصرها لم تعد كما كانت، لكنها لا زالت ترى التشويه واضحا، ترى الوجه الممسوخ، وقد ~~تذكرت كلام أبيها: إنهم يا ابنتي لا يصلون إلى مقاعد الحكم إلا لأنهم مشوهون نفسيا ~~وفاسدون من الداخل. # وأي فساد من الداخل؟! فهي التي رأت فسادهم الحقيقي. تود في تلك اللحظة أن يعطوها قلما ~~وورقة لترسم ذلك الفساد، ولكن أيمكن أن تظل لها أصابع قادرة على الإمساك بقلم وتحريكه فوق ~~الورق؟ ms55 أو على الأقل ، أيمكن أن يظل لها إصبعان اثنان تضع بينهما القلم؟ وماذا تفعل إذا ما ~~قطعوا إصبعا من هذين الإصبعين؟ هل يمكن أن تمسك القلم بإصبع واحدة؟ هل يمشي الإنسان فوق ~~الأرض بساق واحدة؟ أحد الأسئلة التي كان يرددها أبوها. وكانت تكره أسئلة العاجزين وتقول ~~لنفسها: سأشق الإصبع الواحد وأدس فيه القلم، كما شقت إيزيس ساق أوزوريس. لا زالت تذكر القصة ~~القديمة، ولا زالت ترى منظر الساق المشقوقة وهي تنزف دما، أي كابوس طويل تراه، وكم تريد أن ~~تهزها يد أمها لتفتح عينيها وتدرك أن ذلك الوحش الذي أراد أن ينهش جسدها لم يكن إلا حلما ~~أو كابوسا كما كانت تسميه أمها. في كل مرة تفتح عينها وتفرح حين يختفي الوحش وتكتشف أنه لم ~~يكن إلا حلما، لكنها هذه المرة فتحت عينيها ولم يذهب الوحش، فتحت عينيها وظل الوحش فوق ~~جسدها. من هول الفزع أغمضت عينيها مرة أخرى لتنام؛ لتوهم نفسها أنه كابوس، لكنها فتحت ~~عينيها وعرفت أنه ليس حلما، وتذكرت كل شيء. # أول ما تذكرته كانت صرخة أمها في سكون الليل، كانت تنام في حضنها كطفلة في السادسة مع ~~أنها كبرت وأصبحت في العشرين، لكن أمها كانت تقول: ستنامين في حضني حتى إذا جاءوا في منتصف ~~الليل شعرت بهم وأمسكتك بكل قوتي فإذا ما أخذوك أخذوني معك. # لم يعذبها مثل وجه أمها وهي تراه يبتعد ويبتعد حتى اختفى. كان وجهها شاحبا وعيناها ~~شاحبتين وشعرها شاحبا، وأرادت أن تموت ولا ترى وجهها بمثل هذا الشحوب. وقالت لنفسها: أيمكن ~~أن تغفري لي يا أمي لأنني تسببت لك بكل هذا الألم؟ وكانت أمها تقول لها دائما: يا ابنتي ما ~~لك وللسياسة، أنت لست رجلا، والبنات من عمرك لا يفكرن إلا في الزواج. ولم تكن ترد على ~~أمها حين تقول لها: السياسة لعبة قذرة لا يتقنها إلا الرجال العاطلون. # الأصوات الآن أصبحت أكثر وضوحا في أذنيها، والصور أيضا بدت واضحة، وإن كان الضباب لا ~~زال كثيفا، هل كان الجو شتاء والقاعة بغير ms56 سقف؟ أم كان الجو صيفا وهم يدخنون في حجرة بغير ~~نوافذ؟ واستطاعت أن ترى رجلا آخر جلس غير بعيد عن القاضي، رأسه كرأس القاضي، أملس وأحمر ~~لكنه ليس تحت الحذاء تماما كرأس القاضي، إنه يشغل الناحية الأخرى، ومن فوق رأسه علقت صورة ~~أخرى داخلها شيء كالعلم، أو الراية الصغيرة المتعددة الألوان، ولأول مرة تلتقط أذناها بعض ~~الجمل ذات المعنى المفهوم. ~~«تصوروا يا حضرات السادة المحترمين أن هذه الطالبة التي لم تصل إلى العشرين بعد تقول عنه ~~- حفظه الله وأدامه على رأس هذه الأمة الكريمة مدى الحياة - تقول عنه إنه «غبي».» # ورنت كلمة «غبي» كقطعة حجر تلقى في بحر من الصمت الرهيب أحدث وقعها صوتا كارتطام ~~قطعة حجر بالماء، أو ارتطام يد بشيء صلب أشبه ما تكون بالصفعة، أو صفقة يد فوق يد. # هل صفق أحد؟ وأرهفت أذنيها تتسمع الصوت، أكان صفقة؟ أم ضحكة سريعة على شكل قهقهة؟ ثم دب ~~الصمت الرهيب مرة أخرى في قاعة المحكمة، صوت طويل سمعت فيه دقات قلبها، وظلت أذناها تحتفظان ~~بصوت الضحكة أو الصفقة، وتساءلت بينها وبين نفسها من ذا الذي يمكن أن يصفق في تلك اللحظة ~~الخطيرة حين توصف الذات العليا بالغباء، وبصوت عال؟ # جسدها لا زال ملتصقا بالمقعد الخشبي تشبثا به، يخشى أن يسحب من تحته فجأة، والجرح لا ~~زال أسفل بطنها ينزف، إلا أنها استطاعت أن تحرك رأسها وعيناها نصف المفتوحتين تبحثان عن ~~مصدر الصفقة. اكتشفت فجأة أن القاعة مليئة برءوس متلاصقة على شكل صفوف رءوس آدمية كلها لا ~~شك. بعض الرءوس تبدو كثيفة الشعر كأنما لنساء أو بنات بعض رءوس صغيرة كأنما رءوس أطفال. ~~وهذا رأس يشبه رأس أختها الصغيرة، وانتفض جسدها لحظة فوق المقعد وعيناها تفتشان: هل أتت ~~وحدها أم معها أبي وأمي؟ وهل يرونني الآن؟ وكيف أبدو؟ هل يمكن أن يتعرفوا على وجهي؟ على ~~جسمي؟ # حركت رأسها وعيناها تبحثان، بصرها أصبح ضعيفا لكنها تستطيع أن ترى أمها مهما ضعف بصرها، ~~تستطيع أن تلتقط وجهها من بين الآلاف وهي مغمضة ms57 العينين. أيمكن أن تكون أمها موجودة في هذه ~~القاعة؟ دقات قلبها أصبحت مسموعة، والهواجس تهز جسدها من الداخل. كثيرا ما انتابتها ~~الهواجس، وأحست أن شيئا فظيعا حدث لأمها. ذات ليلة هاجمها الخوف وهي متكورة كحيوان صغير ~~حول نفسها، وقالت لنفسها: لا بد أنها ماتت ولن أراها حين أخرج. لكنها في اليوم التالي ~~رأتها، جاءت إليها في الزيارة، جاءت بكامل جسمها وكامل صحتها وفرحت، وقالت لها: لا تموتي يا ~~أمي حتى أخرج وأعوضك عن الألم الذي سببته لك. # الصوت أصبح الآن واضحا في أذنيها، إنه ليس صفقة واحدة بل صفقات متتالية، والرءوس في ~~القاعة تتحرك بغير نظام. القاضي لا زال جالسا برأسه الأملس تحت الحذاء، والمطرقة في يده ~~أصبحت تهتز بعصبية وتدق على المائدة الخشبية دقات سريعة، لكن الصفقات لم تنقطع، وهب ~~القاضي واقفا فأصبح رأسه عند منتصف بطن الصورة، وارتعشت شفته السفلى وهو يزمجر بكلمات لم ~~تستطع أن تسمعها من شدة الضوضاء. # ثم دب الصمت فترة من الزمن، وهي لا تزال تحاول الرؤية، يداها تمتدان على جانبيها وتمسكان ~~بالمقعد، تتشبثان به، تمسكان وتضغطان عليه، كأنما تريد أن تتأكد من حقيقة وجوده تحتها أو ~~وجودها فوقه، وأنها لا تزال جالسة. رأتها يقظة وليست نائمة ومغمضة العينين. كانت حين تفتح ~~عينيها ويختفي الوحش تفرح؛ لأنه لم يكن إلا حلما، لكنها لم تعد قادرة على الفرح، وأصبحت ~~تخشى أن تفتح عينيها. # الأصوات في القاعة هدأت والرءوس لا زالت تتحرك كما كانت إلا رأس واحد، ليس أملس ولا أحمر، ~~وإنما كثافة من الشعر الأبيض، كثافة ثابتة لا تتحرك، والعينان لا تتحركان، مفتوحتان جافتان ~~وشاخصتان فوق ذلك الجسد الصغير المكوم فوق المقعد الخشبي. يداها مضمومتان فوق صدرها، وقلبها ~~تحت يديها يدق بسرعة، وأنفاسها تلهث كأنما جرت حتى آخر الشوط ولم تعد قادرة على التنفس. ~~صوتها متقطع وهي تقول لنفسها: يا إلهي، إن عينيها تتحركان نحوي لكنها لا تراني، ماذا فعلوا ~~بعينيها؟ أم هي تقاوم النوم؟ يا إله الأرض والسموات السبع كيف تركتهم يفعلون بها كل ms58 ذلك؟ ~~وكيف تحملت يا ابنتي كل هذا الألم؟ وكيف تحملت معك؟ لكني كنت أحس دائما أنك قادرة يا ~~ابنتي على أي شيء، وإن كان تحريك الجبال أو تفتيت الصخر. رغم أن جسمك صغير وضعيف مثل جسمي ~~لكنك حين كنت ترفسين بقدمك الصغيرة جدار بطني أقول لنفسي: يا إلهي أي قوة وجبروت داخل ~~جسمي؟ كنت جبارة من حركتك وأنت لا تزالين جنينا، ترجيني من داخل كما يرج البركان ~~الأرض، ومع ذلك كنت أعرف أن حجمك صغير كحجمي، وعظامك رقيقة كعظام أبيك، وقامتك طويلة نحيلة ~~كجدتك، وقدماك كبيرتان كأقدام الأنبياء. وحين ولدتك قالت جدتك وهي تمصص شفتيها حسرة: بنت ~~وقبيحة! يا للمصيبتين! وشددت عضلات بطني لأغلق الرحم على الألم والدم، وقلت لها وأنا أتنفس ~~بصعوبة (كانت ولادتك صعبة وكنت مرهقة كأني ولدت جبلا): هي أغلى عندي من الدنيا، وضممتك إلى ~~صدري ونمت نوما عميقا، أيمكن يا ابنتي أن أحظى مرة أخرى بلحظة نوم عميق وأنت داخل صدري، ~~أو على الأقل: وأنت إلى جواري أمد يدي فألمسك؟ أم وأنت في حجرتك المجاورة لي، أنهض على ~~أطراف أصابعي لأطل عليك وأنت نائمة؟ كان الغطاء يسقط دائما من فوق جسمك وأنت نائمة فأرفعه ~~وأغطيك، هاجس بالليل كان يوقظني كل ليلة لأنهض على أطراف أصابعي وأذهب إلى حجرتك. أي هاجس ~~وفي أي لحظة؟ أهي اللحظة التي كان الغطاء يسقط فيها عن جسمك؟ ولكني كنت قادرة دائما على أن ~~أحس بك، حتى وإن سافرت وإن اختفيت عن عيني، وإن أخفوك تحت الأرض، تحت سابع أرض، وإن ~~أحكموا حولك الجدران والطوب والحديد، كنت - ولا أزال - قادرة على أن أحس لفحة الهواء على ~~جسدك وكأنما على جسدي. تحيرت أحيانا هل ولدتك أم لا تزالين داخل بطني، وإلا فكيف أحس ~~الهواء إذا ضربك، والجوع إذا قرصك، وألمك هو ألمي، كالنار اللاسعة في صدري وبطني. يا إله ~~الأرض والسماوات السبع، كيف تحمل جسمك وجسمي؟ لكني ما كنت أتحمل لولا الفرح بأنك ابنتي ~~وأنني ولدتك، وأنك قادرة على أن ترفعي رأسك عاليا ms59 فوق جبال الوسخ ، ثلاث آلاف وخمس وعشرون ~~ساعة (عددتها ساعة ساعة) تركوك مع القيء والصديد والجرح في بطنك ينزف. أذكر عينيك حين قلت ~~لي - والأسلاك بيننا: لو كان النزيف دما أحمر، لكنه ليس أحمر، إنه أبيض، وله رائحة مثل ~~الموت، ماذا قلت لك يومها؟ لا أعرف، لكني قلت أي شيء، قلت إن الرائحة تصبح عادية حين نألفها ~~ونعيش معها، ولم أستطع أن أرفع عيني إلى وجهك الشاحب لكني سمعت صوتك وأنت تقولين: إنها ~~ليست رائحة يا أمي ككل الروائح تدخل الأنف أو الفم، ولكنها شيء كالهواء السائل، أو كالبخار ~~الذي تحول إلى ماء لزج، أو كالحديد الذي انصهر وسال ودخل جميع فتحات الجسم، ولا أعرف يا ~~أمي إن كان ساخنا ملتهبا أو باردا كالثلج. وضغطت بيدي على صدري، وشددت على يدك الناحلة ~~من خلال الأسلاك وأنا أقول لك: حين يصبح الساخن كالبارد يا ابنتي فكل شيء محتمل، لكني ما إن ~~تركتك حتى أحسست قلبي يتمدد ويتمدد حتى ملأ صدري، وضغط على رئتي ولم أعد قادرة على التنفس، ~~كالاختناق أصابني فمددت أنفي نحو السماء لأشد الهواء إلى صدري. لكن السماء ذلك اليوم خلت من ~~الهواء، والشمس مصبوبة فوق رأسي كنار جهنم، وعيون الحراس تلسعني، وأصواتهم البذيئة لا تزال ~~في جوفي كالبصقات المتراكمة. آه، لو تحولت الأرض إلى وجه رجل منهم لبصقت عليه، وبصقت ~~وبصقت حتى يجف حلقي وصدري، نعم يا ابنتي، شدي عضلات ظهرك وارفعي رأسك وحركيه نحوي فأنا ~~جالسة بالقرب منك، وقد سمعتهم وهم يصفقون لك، فهل سمعتهم؟ ورأيتك تحركين رأسك نحونا فهل ~~رأيتنا أنا وأباك وأختك الصغيرة وكلنا صفقنا معهم؟ هل رأيتنا؟ # عيناها كانتا لا تزالان تشقان الضباب الكثيف، والقاضي كان لا يزال واقفا برأسه الأملس ~~الأحمر، وشفته السفلى ترتعش بكلمات سريعة، وعن يمينه وعن يساره رأت الرءوس الملساء الحمراء ~~التي أصبحت تتحرك مبتعدة عن تلك المائدة المرتفعة، واختفى رأس القاضي واختفت معها الرءوس ~~الملساء. إلا أن الصورة فوق الجدار لا زالت كما كانت، والوجه داخلها لا زال هو ms60 الوجه، ~~والعينان هما العينان. لكن عينا منهما تبدو لها الآن أصغر من العين الأخرى، كأنما هي نصف ~~مغمضة، أو كأنما هي تغمز لها، تلك الحركة المألوفة حين يغمز رجل لامرأة ليغازلها. انتفض ~~جسدها بدهشة كالرعب: أيمكن أن يغمز لها؟ وهل يمكن أن تتحرك عيناه داخل الصورة؟ وهل يتحرك ~~الجماد؟ أم أنها مريضة وتهذي؟ وتحسست المقعد تحتها ببطن كفيها، وارتفعت يداها تتحسس جسمها، ~~سخونة ما شديدة تنبعث من جسمها كنار تلسع، وشيء كالحريق داخل صدري، وهي تريد أن تفتح فمها ~~وتقول: كوب ماء. لكن شفتيها ملتصقتان كشفة واحدة، كخط أفقي مشدود كالسلك، وعيناها أيضا ~~مشدودتان نحو الصورة، والعين داخل الصورة لا زالت تغمز لها، لماذا يغمز لها؟ هل يغازلها؟ أم ~~يبعث إليها بتحية؟ لم تكن تعرف أن الغمز نوع من التحية إلا حينما رأت - منذ عامين - طابورا ~~من السياح الأجانب سائرا في الشارع. كانت في طريقها إلى الجامعة، وكلما كانت تنظر في وجه ~~الرجل منهم أو المرأة إذا بالعين تغمز لها بتلك الحركة الغريبة. ودهشت إلى حد الخوف ولم ~~تعرف كيف يمكن للنساء أيضا أن يغازلنها بذلك الغمز الغريب، إلا أنها عرفت فيما بعد أن هذه ~~هي طريقة الأمريكيين في التحية. # المنصة التالية لا تزال خالية من القاضي والرءوس الملساء من حوله، والصمت لا زال ممتدا، ~~والرءوس في القاعة لا تزال متلاصقة على شكل صفوف، وعيناها لا تزالان تتحركان تبحثان عن ~~كثافة من الشعر الأبيض، وعن عينين سوداوين تستطيع أن تراهما وهي مغمضة العينين. لكن الرءوس ~~متلاصقة كثيفة وهي لا ترى سوى كتل من السواد أو البياض، دوائر أو مربعات أو مستطيلات. أنفها ~~بدأ يتحرك كأنما يتشمم، فهي تعرف رائحتها وتستطيع أن تميزها من بين الآلاف، فهي رائحة ~~كاللبن وهي طفلة ترضع، وكرائحة الصبح حين تطلع، والليل حين ينام، والمطر فوق الأرض المتربة، ~~والشمس فوق السرير، والحساء الساخن في الصحن. وهي تقول لنفسها: أيمكن أن تتغيبي يا أمي؟ ~~وأبي هل جاء؟ # الضباب أمام عينيها لا زال كثيفا، ورأسها لا زال يتحرك ms61 ناحية صفوف الرءوس المتلاصقة، ~~الدوائر البيضاء والسوداء تتداخل بعضها ببعض في حركة دائبة، إلا دائرة واحدة من الشعر ~~الأسود ثابتة فوق جبهة عريضة سمراء، وعينان ثابتتان فوق الوجه النحيل الشاحب والجسد الصغير ~~المكوم فوق المقعد من خلف الأسلاك، يداه الكبيرتان المعروقتان تمسكان ركبتيه، تضغطان عليهما ~~من شدة الألم، لكنه ما إن سمع الصفقة حتى ارتفعت يداه من فوق ركبتيه وتلامستا في صفقة ~~طويلة. يداه لا تريدان العودة مرة أخرى فوق ركبتيه، والألم في عظام ساقيه لم يعد محسوسا، ~~وقلبه يصفق مع يديه بضربات عالية تهز جسده الضامر فوق المقعد، وعيناه أصبحتا تدوران حوله ~~فوق الوجوه والعيون، وشفتاه انفرجتا قليلا وكأنما على وشك أن يهتف: أنا أبوها، أنا ~~«الفرجاني» الذي أنجبتها وهي تحمل اسمي. يا إلهي كيف تتلاشى كل آلام جسمي دفعة واحدة أمام ~~تلك الصفقات السريعة؟ ماذا لو وقفت الآن وكشفت لهم عن شخصيتي؟ هذه اللحظة فريدة وعلي ألا ~~أضيعها؛ فالرجل منا يعيش ويموت من أجل لحظة كهذه، من أجل أن يعترف بنا الآخرون، أن يصفقوا ~~لنا، أن نصبح أبطالا تتطلع إلينا العيون وتشير إلينا الأصابع. وقد تحملت الألم والعذاب ~~معها يوما بيوم وساعة وراء ساعة، ومن حقي الآن أن أحظى بشيء من المكافأة وأشاركها ~~البطولة. # حرك جسده قليلا في المقعد وكأنما يهم بالوقوف، لكنه ظل جالسا إلا أن رأسه كان لا يزال ~~يتحرك، وعيناه تنتقلان من وجه إلى وجه، وكأنما يود لو تعرف عليه أحد. وتخلل التصفيق صوت ~~القاضي الغاضب ودقات مطرقته السريعة الحادة فوق المائدة، ثم ما لبث أن انسحب القاضي ومن معه ~~إلى حجرة المداولة. ودب الصمت من جديد في القاعة، صمت طويل رهيب، التقطت أذناه خلاله بعض ~~الهمسات الخافتة: سيطبخون القضية في حجرة المداولة، هذه هي عادتهم، لا يوجد عندنا قضاء أو ~~عدالة، سيعلنون بعد قليل أن الجلسة العلنية انتهت، إنها بطلة - ولا شك - لتظل حية حتى ~~اليوم. تصور هذه الفتاة الصغيرة الجالسة هناك في قفص الاتهام تسبب كل هذا الهلع للحكومة. هل ~~تعرف كيف عذبوها؟ ms62 انتهك جسدها عشرة رجال واحدا وراء الآخر، داسوا على شرفها وشرف أبيها ~~بالأحذية. مسكين أبوها! هل تعرفه؟ يقولون: إنه مريض في الفراش، ربما لم يعد قادرا على ~~مواجهة الناس بعد أن انتهكوا شرفه. # في هذه اللحظة ارتفعت يداه لتضغطا على أذنيه حتى لا يسمع، وتضغطا على رأسه حتى يدخل رأسه ~~داخل صدره، وتضغطا أكثر وأكثر ليدخل جسده داخل المقعد أو تحت المقعد أو تحت الأرض. يريد أن ~~يتلاشى، ألا يراه أحد أو يعرفه أحد. إن اسمه ليس الفرجاني ولا الشرقاوي ولا الزفتاوي ولا أي ~~شيء. ليس له اسم وليس له وجود؛ فماذا يبقى للرجل منا بعد أن ينتهك شرفه؟ وقد قلت لها ~~مرارا: يا ابنتي السياسة ليست مجال النساء ولا البنات لكنها لم تسمع كلامي، لو كانت رجلا ~~ما كنت أتعذب كما أتعذب الآن، وما كان باستطاعة كلب منهم أن يمس شرفي وعرضي، الموت أفضل ~~لي ولها الآن. # لا زال الصمت يخيم فوق القاعة، ولا زال القاضي وحاشيته لم يظهروا بعد، وعيناها لا تزالان ~~تفتشان في محاولة للرؤية، تبحثان عن وجه بين الوجوه، عن عينين تعرفهما، عن كثافة من الشعر ~~الأبيض بلون لبن الأطفال، لكن كل ما تراه ليس إلا دوائر ومربعات سوداء وبيضاء متداخلة ~~ومتحركة على الدوام. أيمكن أن تتغيبي يا أمي؟ وأبي ألا زال مريضا؟ أنفها أيضا يتحرك هنا ~~وهناك باحثا عن الرائحة المألوفة، عن رائحة الصدر الدافئ المليء باللبن، ورائحة الشمس ~~ورذاذ المطر فوق العشب، لكن أنفها أصبح عاجزا أيضا عن التقاط الرائحة. كل ما يستطيع أن ~~يلتقط هو رائحة جسدها المكوم فوق المقعد، وذلك الجرح النازف بين ساقيها، رائحة الصديد ~~والدم، وأنفاس عطنة وعرق عفن لعشرة رجال، لا تزال آثار أظافرهم فوق جسدها، وأصواتهم البذيئة ~~وبصقاتهم وصوت مخاطهم، وأحدهم يقول لها وهو جاثم فوقها: هذه هي طريقتنا لتعذيب النساء؛ أن ~~ننتهك أعز ما يملكن. كان جسدها من تحته باردا كالجثة، لكنها استطاعت أن تفتح فمها وتقول ~~له: يا غبي، إن أعز ما أملكه ليس بين ساقي! ms63 كلكم أغبياء! وأكثركم غباء هو كبيركم. # مدت عنقها لترفع رأسها وتشق الضباب بعينيها الضعيفتين، الرءوس الكثيرة لا تزال متلاصقة، ~~وعيناها لا تزالان تجاهدان. لو استطاعت أن ترى أمها لحظة أو أباها أو حتى أختها الصغيرة ~~لقالت لهم شيئا غريبا، لقالت لهم إنهم كفوا عن استخدام هذه الوسيلة من التعذيب حين ~~اكتشفوا أنها لم تكن لتعذبها، وبدءوا يبحثون عن وسائل أخرى. # في حجرة المداولة المجاورة للقاعة، كان القاضي وأعوانه لا زالوا مجتمعين، يتداولون الأمر، ~~ماذا يفعلون الآن وقد صفق الجمع للمتهمة، وبدأ القاضي يوجه الاتهام بدوره: ~~- نحن لا نلقي عليك الاتهام يا أستاذ، ولكنك سببت لنا الحرج جميعا، وعلى رأي المثل حاولت ~~أن تكحلها فعميتها، كيف تقول يا أستاذ عنه - حفظه الله وأدامه على رأس هذه الأمة الكريمة ~~مدى الحياة - إنه غبي! ~~- حاشا لله يا سيدي، أنا لم أقل ذلك، ولكني قلت إنها هي التي قالت إنه غبي. ~~- ألا تعرف يا أستاذ المثل الذي يقول ما شتمك إلا من بلغك؟ فأنت قد أعلنت على الملأ أنه ~~غبي. ~~- أنا لم أعلن ذلك يا سيدي، أنا رددت ما قالته المتهمة لأثبت عليها التهمة، وهذه هي ~~وظيفتي بالتحديد. ~~- هي وظيفتك يا أستاذ، نحن نعرف ذلك، ولكن كان يجب أن تكون أكثر ذكاء وأكثر كياسة من ~~ذلك. ~~- لا أفهم شيئا. ~~- ألم تر كيف صفق الناس لها؟ ~~- وما ذنبي أنا؟ ~~- ألا تعرف لماذا صفقوا؟ ~~- لا أدري. ~~- لأنك قلت في العلانية ما يقال في الخفاء؛ فأصبح وكأنما يقرر حقيقة بدلا من أن يثبت ~~تهمة. ~~- وماذا كنت أفعل غير ذلك يا سيدي؟ ~~- كان يمكن أن تقول إنها سبت الذات العليا دون أن تقول ماذا قالت بالضبط. ~~- وإذا سئلت عن أنواع هذا السباب؟ ~~- لم يكن أحد ليسألك، لكنك تطوعت بالإجابة دون أن يسألك أحد، وكأنك انتهزت الفرصة لتقول ~~بصوت عال وعلى لسانها ما تريد أن تقوله أنت، أو ربما ما قلته لنفسك في الخفاء. ~~- أنا يا سيدي؟ أيمكن أن تتهمني بهذا الشكل؟! أنا أديت واجبي كما تمليه علي وظيفتي، ms64 ولا ~~يستطيع أحد أن يتهمني بشيء، ربما كنت «غبيا» لكني لم أكن بأي حال «سيئ النية». ~~- لكن «الغباء» أحيانا قد يكون أسوأ من «سوء النية»، ألا تعرف أن «الغباء» أسوأ صفة يمكن ~~أن يوصف بها رجل، فما بالك إذا كان رجلا كهذا الرجل؟ إنه يفضل أن يكون ماكرا كاذبا ~~لئيما داهية بل لصا أو خائنا، أما أن يكون «غبيا»؟! الغباء معناه أنه «لا يفكر»، أي ~~إنه بغير عقل؛ أي حيوان، وهذه أسوأ صفة يمكن أن يوصف بها رجل عادي، فما بالك إذا كان ~~حاكما؟! وأنت لا تعرف الحكام يا أستاذ، أنا أعرفهم جيدا، إن الواحد منهم يتصور أن عقله ~~أفضل من عقل أي رجل آخر، إنه ليس تصورا فحسب لكنه إيمان أعمى كالإيمان بالله، ومن أجل هذا ~~الوهم يمكن أن يقتل الآلاف. ~~- لم أكن أعرف هذا يا سيدي، وكيف أنقذ نفسي من هذا المأزق؟ ~~- لا أدري لماذا بدأت بصفة الغباء يا أستاذ، مع أنك لو قرأت كل أقوالها لوجدت أنها نسبت ~~إليه صفات أخرى أقل بشاعة. ~~- وما هي هذه الصفات يا سيدي؟ أرجوا أن تساعدني في انتقاء بعض منها حسب خبرتك، إني لا ~~أريد أن أخرج من هنا متهما بعد أن دخلت في الصباح لأوجه الاتهام. ~~- ولكن مثل هذه الصفات يا أستاذ لا يمكن أن تقال هكذا في العلانية، لا بد أن تكون الجلسة ~~سرية، إن أي صفة مهما كانت أقل بشاعة فسوف يكون لها صدى داخل النفوس إذا ذكرت في العلن؛ ~~ومن أجل هذا وجدت الجلسات السرية يا أستاذ، إن أمورا كثيرة تغيب عن ذهنك، ويبدو لي أنك ~~قليل الخبرة بالقانون. # بعد لحظات قليلة، دب صوت حاد في القاعة، وأخليت القاعة تماما، أما هي فقد ~~ساقوها إلى حيث كانت من قبل. ms65