######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.MawtRajulWahid.Hindawi27162605 #META# Tags: novels #META# ID: 27162605 #META# Title: موت الرجل الوحيد على الأرض #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # موت الرجل الوحيد على الأرض‏ # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # موت الرجل الوحيد على الأرض‏ # | موت الرجل الوحيد على الأرض # | موت الرجل الوحيد على الأرض # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في ms01 غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب ms02 والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر ms03 والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | إهداء # إلى «زينب» ابنة عمتي، # وإلى كل أبناء وبنات قريتي كفر طلحة، قليوبية، مصر. # نوال السعداوي # | موت الرجل الوحيد على الأرض # ••• # قبل أن يظهر ضوء الشفق الأحمر من فوق رءوس الأشجار البعيدة، وقبل أن يرتفع في الظلام ~~صياح ديك أو نباح كلب أو نهيق حمار، أو صوت الشيخ حمزاوي يؤذن لصلاة الفجر، قبل كل هذا ~~يفتح الباب الخشبي الكبير، محدثا ذلك الصرير كصرير الساقية العتيقة، ويظهر شبح طويل، ~~ممشوق، مرفوع الظهر، يمشي على ساقين مشدودتين في خطوات ثابتة قوية، ومن خلفه شبح يمشي ~~على أربع سيقان مرتخية بطيئة كسولة. # يختفي الشبحان في الظلمة بين البيوت الطينية، ثم يظهران فوق جسر النيل. في ضوء الفجر، ~~يبدو وجه زكية نحيلا شاحبا وصارما، شفتاها مطبقتان في إصرار من يرفض النطق، وعيناها ~~واسعتان مرفوعتان في تحد أشبه بالغضب، أو غضب أشبه بالتحدي. من خلفها يظهر وجه الجاموسة ~~طويلا ونحيلا وشاحبا أيضا، لكنه ليس صارما، وعيناها واسعتان مرفوعتان أيضا، ولكن ~~نظرتهما منكسرة شبه مستسلمة للقضاء والقدر. # يسقط ضوء الفجر على وجه النيل، فتبدو أمواجه الهزيلة كتجاعيد وجه عجوز صامت وحزين، مياهه ~~الراقدة في القاع تبدو ساكنة ولا تتحرك، أو هي تتحرك حركة واهنة ضعيفة غير محسوسة، كحركة ~~السحاب أو كحركة الزمن. # والهواء أيضا حركته بطيئة، يهز رءوس الأشجار بحركة تكاد لا ترى، وذرات التراب ~~الرقيقة تتطاير من فوق الجسر إلى المنخفض، حيث ترقد البيوت الطينية السوداء، بنوافذها ~~الصغيرة المغلقة، وأسطحها المنخفضة المتعرجة، تعلوها أكوام الحطب والقش والجلة، وتهبط ~~إلى الأزقة الملتوية ms04 المسدودة بأكوام السباخ ، ثم تستقر في النهاية على وجه الترعة، ~~تعلوها طبقة معتمة شبه طينية. # تظل زكية تمشي ومن خلفها الجاموسة؛ خطوتها لا تتغير، وجهها لا يتغير، والنيل عن يسارها لا ~~يتغير، لكن المنظر عن يمينها يتغير، تتحرك البيوت الطينية إلى الخلف وتصبح وراءها، وتظهر ~~أمام عينيها الحقول الخضراء كشريط طويل ممتد بطول النيل. # تظل سائرة بين النيل والحقول، حركتها لا تتغير، لكن لون السماء يتغير؛ ينقشع السواد شيئا ~~فشيئا، وخط الشفق الأحمر يرتفع في السماء، مكتسبا لونا برتقاليا زاهيا، ثم يبرز ~~قرص الشمس من بطن الأرض ويرتفع في السماء زاحفا ببطء، يكشف عن نفسه جزءا جزءا. قبل أن ~~ينتشر نور النهار وتضيء الدنيا، تكون زكية قد وصلت إلى حقلها وربطت الجاموسة في الساقية ~~على حافة الترعة، وخلعت طرحتها السوداء، وشمرت أكمامها، ورفعت ذيل جلبابها وربطته حول ~~خصرها، ثم حملت الفأس وبدأت تفلح الأرض. # يرن صوت فأسها في الحقول المجاورة قويا ثابتا، وعضلات ذراعيها قوية مشدودة، وجلبابها ~~منحسر عن ساقين طويلتين عضلاتهما قوية نافرة كعضلات رجل. وجهها لا يزال طويلا نحيلا، ~~لكنه لم يعد شاحبا، حرقته الشمس ولوحته بسمرة قاتمة خالية من الدم. ظهرها لم يعد ~~مرفوعا، ولكن عينيها لا تزالان مرفوعتين في تحد أشبه بالغضب أو غضب أشبه بالتحدي. ~~وضربات فأسها، كملامحها، غاضبة متحدية للأرض. ترفع الفأس إلى أعلى، كأنما تضرب به ~~السماء، ثم تهوي به إلى أسفل لتشق بطن الأرض. # تظل ضربات فأسها قوية ثابتة، لا تسرع ولا تبطئ، كدقات الساعة، تقتل الزمن دون أن يقتلها، ~~وتكسر الأرض دون أن تنكسر، ترن في الحقول المجاورة طول النهار بغير توقف، حتى في وقت ~~الظهيرة حين تتوقف فئوس الفلاحين الرجال ساعة الغداء، تظل ضربات زكية تدق الأرض، والجاموسة ~~أيضا قد تتوقف لحظة، وتكف الساقية عن صريرها المنتظم، لكن فأس زكية تظل ترتفع وتنخفض ~~وترتفع وتنخفض. # ترتفع الشمس في وسط السماء، ويصبح قرصها كقطعة من الجمر الملتهب، تخنق الهواء، وتخنق ~~الشجر، ويصبح كل شيء أحمر مختنقا، لكن وجه زكية لا يكتسب ms05 أبدا اللون الأحمر ، يتصبب منه ~~العرق ويسيل على الأرض يروي الأرض، ويظل بلونه الأسمر القاتم خاليا من الدم، كوجه ~~الجاموسة، قد تحرقه الشمس فيزداد سوادا لكنه أبدا لا يشف من تحته الدم. # يبدأ قرص الشمس في الانحدار ناحية الغرب، فاقدا توهجه الأحمر الملتهب، ويبدأ الهواء ~~يتحرك قادما من ناحية النيل، وتتحرك رءوس الأشجار بحركتها البطيئة الكسولة، وينتشر اللون ~~البرتقالي في السماء يعقبه اللون الرمادي. يجف العرق فوق وجه زكية كطبقة رمادية معتمة، ~~تختفي تحتها السمرة القاتمة. تترك الفأس وتشد عضلاتها بقوة ليصبح ظهرها مرفوعا. تشد ~~أكمامها فوق ذراعيها وتفك جلبابها من حول خصرها لينسدل طويلا فوق ساقيها حتى يغطي ~~قدميها. تضع الطرحة السوداء فوق رأسها وتسحب الجاموسة عائدة في الطريق نفسه، إلا أن النيل ~~يصبح الآن عن يمينها والحقول عن يسارها، والشفق الأحمر يصبح ناحية الغرب، ورءوس الأشجار ~~البعيدة من وراء النيل. # يقع ظلها وظل الجاموسة فوق الجسر الترابي. ظلها طويل ممشوق مرفوع الظهر، مرفوع ~~الرأس، وخطواتها قوية متحدية. ظل الجاموسة محني الظهر، منخفض الرأس، خطواتها مرهقة ~~مرتخية مستسلمة. يسيران كالشبحين الصامتين بحذاء النيل الصامت، والحقول أيضا من الناحية ~~الأخرى صامتة، شريط طويل من الخضرة الساكنة بحذاء مياه النيل الساكنة، والهواء صامت، وهما ~~يسيران، زكية ومن خلفها الجاموسة، حتى تصبح الحقول وراءها وتظهر أمامها البيوت الطينية ~~متلاصقة تميل ناحية الجسر كأنما تستند إلى بطن الجسر خشية من المنخفض الترابي. # عند المنحدر، تهبط زكية ومن خلفها الجاموسة، يهبطان الجسر ويسيران في الأزقة بين البيوت ~~حتى الباب الخشبي الكبير، تدفعه زكية بيدها السمراء المعروقة فينفتح محدثا صريره الغليظ. ~~تترك الجاموسة إلى الزريبة، تدخل وحدها، تعرف طريقها إلى الزريبة. أما زكية فتجلس على ~~الأرض في مدخل البيت، مسندة ظهرها إلى الجدار، ووجهها ناحية الطريق، ترمقه بعينيها ~~الواسعتين من خلال فتحة الباب الكبيرة. # تظل جالسة لا تتحرك، شاخصة بعينيها الثابتتين نحو شيء محدد؛ قد يكون كوم سباخ أمام ~~عتبة الباب، قد تكون عتبة الباب نفسها، أو براز طفل بجوار الحائط، أو جيشا من النمل ms06 حول ~~خنفسة ميتة ، أو أحد الأعمدة الحديدية السوداء في الباب الكبير المواجه لبابها. وقد تظل ~~محملقة في الفراغ، حتى تشعر بألم حاد في عظام رأسها؛ فتلف الطرحة وتشدها بقوة حول ~~رأسها. وحين يصبح الألم في معدتها تشد مشنة الخبز من جوارها، فتنفرج شفتاها المطبقتان عن ~~فتحة ضيقة تدس فيها قطعة خبز مقددة تعقبها بقطعة من الجبن القريش أو المخلل. # يثقل جفناها بإرهاق يشبه النوم، وقد تغفو بضع لحظات وهي جالسة. تسند رأسها إلى ركبتها ~~وتغمض عينيها أو لا تغمضهما؛ فهي لم تعد ترى ما حولها. يدخل كفراوي ويجلس إلى جوارها، يظن ~~من عينيها المفتوحتين أنها صاحية لكنها لا تراه، أو لا تراه بحجمه الحقيقي الذي يبدو به ~~الآن، وإنما تراه صبيا صغيرا يمشي وراء الحمارة، وهي لا تزال طفلة عاجزة عن المشيء، تزحف ~~فوق بطنها في مدخل البيت الترابي، تلعق التراب، ويدخل التراب أنفهما وفمها وعينيها فتدعكهما ~~بكفها الصغيرة وترفع رأسها فوق الأرض فترى الأقدام الأربع الضخمة تتحرك نحوها مقتربة من ~~رأسها، وترتفع إحدى الأقدام في الهواء وترى بطنها الأسود كالمطرقة الحديدية الضخمة تكاد ~~تسقط فوق رأسها؛ ترتعد في فزع وتصرخ، فتحس الذراعين الكبيرتين حولها ترفعانها من فوق ~~الأرض، وتحس صدر أمها وتشم رائحتها فتكف عن البكاء. # لم تعد تذكر وجه أمها، وملامحها كلها اختفت، إلا تلك الرائحة التي بقيت منها، رائحة ~~تشبه رائحة العجين أو الخميرة، وكلما شمت زكية العجين شعرت بنوع غامض من السعادة، وقد ~~تنفرج شفتاها المطبقتان دائما عن نفس عميق، أو تطفو فوق عينيها الغاضبتين لمحة ابتسامة ~~خافتة، سرعان ما تختفي ويعود وجهها إلا ملامحه الأولى، فتنطبق شفتاها في قوة وإصرار من ~~رفض الكلام، وتعلو عينيها نظرة الغضب المتحدية أو التحدي الغاضب. # حين بدأت تقف على قدميها وتمشي، أصبحت تذهب مع أخيها كفراوي إلى الحقل، هو يسحب الجاموسة ~~وهي تمشي وراء الحمارة المحملة بالسباخ. لم تكن تسمع صوت أخيها إلا حينما يخاطب الجاموسة ~~قائلا: شي ... شي ... أو يحث الحمارة على السير قائلا: حا ... حا ... # في الحقل ms07 كانت ترى أباها . لم تعد تذكر وجهه أو ملامحه، ما بقي من ذاكرتها صورة ساقيه ~~الطويلتين النحيلتين وركبتيه البارزتين وجلبابه المرفوع المربوط حول خصره، والفأس ~~الكبيرة في يده ترتفع وتنخفض في ضربات منتظمة، والساقية بجوار الترعة تئن بالصرير الغليظ ~~المنتظم. يظل صوت الساقية يدق بانتظام في رأسها، ثم يتوقف فجأة؛ فتحرك رأسها ناحية ~~الجاموسة وتقول بصوت عال: شي ... شي ... لكن الجاموسة لا تتحرك، يظل رأسها الأسود ثابتا، ~~وعيناها السوداوان مفتوحتين شاخصتين إليها في صمت؛ تهم زكية بأن تفتح شفتيها مرة أخرى ~~وتقول: شي ... لكنها تدرك فجأة أن ما أمامها ليس وجه الجاموسة، وإنما وجه كفراوي الأسمر ~~القاتم. ملامحه تشبه ملامحها، وعيناه تشبهان عينيها مرفوعتين وغاضبتين، ولكنهما خاليتان ~~من التحدي وشبه يائستين. # يظل كفراوي جالسا إلى جوارها مطبقا شفتيه، مسندا ظهره إلى الجدار الطيني، وعيناه ~~شاخصتان نحو الطريق، أو ثابتتان فوق ذلك الباب الحديدي الكبير المواجه لبابهم. لكنه في ذلك ~~اليوم حرك عينيه ناحيتها وانفرجت شفتاه عن صوته الخشن المنخفض الشبيه بالهمس: البنت ~~اختفت يا زكية. البنت راحت. # انفرجت شفتاها المطبقتان عن صوت فزع: راحت؟ # قال بصوت يائس: نعم راحت! ليس لها أثر في كل البلد. # رمقته بعينيها السوداوين الواسعتين، فظل شاخصا إليها في صمت طويل بعينيه اليائستين، ~~ثم قال: نفيسة ليست في كفر الطين كلها يا زكية. نفيسة اختفت ... ذهبت ولن تعود. # وأمسك رأسه بيديه وردد بصوت كالنشيج: نفيسة ضاعت منا يا زكية! آه يا رب! # حركت زكية عينيها ناحية الطريق، وقالت بصوت حزين هامس: آه يا رب! ضاعت منا كما ~~ضاع جلال! # رفع كفراوي يديه عن رأسه وقال: جلال لن يضيع يا زكية، سيعود جلال إليك بعد أيام. # قالت وهي تتنهد: كل يوم تقول لي هذا يا كفراوي، وأنت تعرف أن جلال مات وتخفي عني يا ~~كفراوي. # قال: لم يقل أحد إنه مات. # قالت: غيره كثير ماتوا يا كفراوي. # قال: وغيره رجع سليما يا زكية. اصبري وصلي لربنا يرجعه بالسلامة. # قالت: ياما صليت وصليت يا كفراوي ... # قال: صلي تاني ms08 يا زكية وادعي ربنا يرجعه ويرجع نفيسة. يا ترى أين ذهبت ~~يا نفيسة! # وانقطع صوتها المنخفض الشبيه بالأنفاس المتلاحقة المتقطعة، ودب من حولها صمت ثقيل من ~~الظلمة، وظلت عيناهما مفتوحة شاخصة في الفراغ الأسود الممتد بطول الليل. ~~••• # انفتح الباب الحديدي الكبير، وظهر منه عمدة كفر الطين، طويل القامة، عريض الكتفين، عريض ~~الوجه، ورث نصف وجهه الأعلى عن أمه الإنجليزية: شعر ناعم وعينان زرقاوان من تحت جبهة عريضة ~~مرتفعة، أما نصف وجهه الأسفل فقد ورثه عن أبيه المنحدر من الصعيد البعيد: شارب أسود ~~كثيف، من فوقه أنف غليظ ومن تحته شفتان غليظتان توحيان بشراهة ونهم للملذات والشهوات. ~~في عينيه، حين ينظر، قسوة مهذبة أشبه بالاستعلاء الإنكليزي، وفي صوته، حين يتكلم، غلظة ~~رجال الصعيد، لكنها غلظة بغير عنف، يشوبها نوع من التواضع أشبه بالانكسار الذي يميز بعض ~~الرجال في مصر أو الهند أو غيرها من البلاد التي استعمرت طويلا. # سار العمدة بخطواته البطيئة، تنسدل فوق كتفيه عباءة، ومن خلفه سار شيخ الخفر وشيخ الجامع. ~~اجتازوا فناء الدار الكبير، ثم خرجوا إلى الشارع الضيق، رأوا في فتحة الباب المظلمة ~~شبحين جالسين في الظلام. لم يروا ملامحهما، لكنهم عرفوا أنهما كفراوي وزكية. دائما ~~يرونهما جالسين صامتين في الظلمة، وحينما يرون شبحا واحدا يعرفون أن كفراوي قد بات في ~~الحقل. # في مثل هذا الوقت، كل ليلة، يذهب ثلاثتهم إلى الجامع لصلاة العشاء، ثم يعودون للجلوس ~~في شرفة بيت العمدة المطلة على النيل، أو يعرجون إلى دكان الحاج إسماعيل، حلاق الصحة، ~~فيجلسون معه أمام الدكان يدردشون ويدخنون الشيشة. # لم يدخن العمدة الشيشة في تلك الليلة. أخرج من جيبه سيجارا طويلا وأشعله وهو مقطب ~~الجبهة. أدرك الحاج إسماعيل أن العمدة متوعك المزاج؛ فاختفى داخل الدكان لحظة ثم عاد ~~وجلس إلى جوار العمدة، وهو يضع في يده قطعة حشيش، لكن العمدة هز رأسه ويده معرضا وقال: ~~لا، لا أريد أن أدخن الليلة. ~~- لماذا يا عمدة؟ ~~- ألم تسمع الأخبار؟ ~~- أي أخبار؟ ~~- أخبار الحكومة. ~~- أي حكومة؟ ~~- عندنا كم حكومة يا ms09 حاج إسماعيل؟ ~~- عندنا كثير يا عمدة. ~~- هي حكومة واحدة! ~~- في مصر أم في كفر الطين؟ ~~- في مصر طبعا. ~~- ونحن يا عمدة ماذا نكون؟ # وضحك شيخ الخفر وهو يقول: نحن الحكومة وأبو الحكومة أيضا. # شاركه في الضحك الشيخ حمزاوي، وظهرت أسنانه الصفراء المصبوغة بالدخان، واهتزت السبحة ~~الصفراء بين أصابعه. # لكن العمدة لم يضحك. ظلت شفتاه الغليظتان قابضتين على السيجار السميك، وعيناه ~~الزرقاوان تنظران بعيدا بامتداد النيل، وامتداد شريط الحقول الموازي للنيل؛ شريط طويل ممتد ~~بامتداد بصره، يكاد يحتل المساحة كلها بين كفر الطين والرملة، لكنه لم يتصور، حين كان ~~يزور هذه الأرض مع أمه لبضعة أيام في الصيف، أن حياته سوف تنتهي في كفر الطين. كان يعشق ~~حياة القاهرة، أنوار الكهرباء في الليل تسطع فوق الشوارع المرصوفة، كازينوهات النيل تتراقص ~~أنوارها فوق سطح المياه الجارية، الكاباريهات ودور اللهو والرقص والشرب والنساء الفواحات ~~بالعطر والميوعة. كان لا يزال طالبا في الجامعة، لكنه كان، بخلاف أخيه الأكبر، يكره ~~الجامعة، ويكره أحاديث الطلبة عن الدروس، وأشد ما كان يكره هو أحاديث أخيه في ~~السياسة. # تذكر الحاج إسماعيل أن جريدة الصباح لا تزال داخل الدكان على المنضدة الخشبية بجوار ~~الميزان، فسحبها بهدوء وبسطها تحت فانوس النور، وحاول أن يقرأ العناوين الكبيرة، لكنه لمح ~~صورة شقيق العمدة في الصفحة الأولى، ولم يستطع أن يقرأ الحروف الكثيرة الصغيرة تحتها، فهمس ~~في أذن العمدة: هل الأمر يتعلق بأخيك؟ # ورد العمدة: نعم. # وسأل في لهفة: هل أصابه مكروه لا قدر الله؟ # رد العمدة في زهو: لا، بالعكس. # فرد الحاج إسماعيل: ماذا تقصد يا عمدة؟ هل حصل على منصب أعلى؟ # وقال العمدة وهو ينفخ الدخان الكثيف من أنفه وفمه: نعم. # وصفق الحاج إسماعيل بيديه مهللا في سرور: إذن نشرب الشربات يا جماعة. # ودبت الحركة أمام الدكان، وبدأت الجريدة تنتقل من يد الشيخ حمزاوي إلى يد شيخ الخفر، ~~ودخل الحاج إسماعيل إلى الدكان، ثم عاد وفي يده الزجاجة والأكواب. # لم يفهم العمدة سر اكتئابه منذ رأى صورة أخيه في الجريدة. هذا ms10 الاكتئاب يعرف مذاقه في ~~فمه، مرارة أو ما أشبه بالمرارة، وجفافا في الحلق يعقبه حرقان في الصدر يتجمع على شكل ألم ~~غامض، ولكنه حاد ينتشر في البطن بادئا من المعدة. # كان وهو صغير يسير إلى الحمام ويفرغ الطعام من معدته، ثم ينظر في المرآة أعلى الحوض ~~فيرى وجهه شاحبا وشفتيه صفراوين وعينيه منكسرتين وفوقهما غشاوة. يغسل فمه بالماء ليتخلص من ~~المرارة، وحينما يرفع رأسه مرة أخرى وينظر في المرآة، يرى وجه أخيه متورد البشرة، عيناه ~~تلمعان بزهو بالانتصار، ويرن صوته في أذنه قائلا: «أنا ناجح وأنت فاشل»! يبصق الماء من ~~فمه على وجه أخيه في المرآة، ويشد عضلات عنقه وظهره ويقول: «أنا أحسن منك»! # من يراه خارجا من الحمام يظن أنه هو الذي نجح، لا أخوه، وتضيع المرارة من فمه، ويعود إلى ~~شفتيه لونهما الوردي وإلى عينيه بريقهما، ويضحك ويمرح ويقهقه، وقد يبلغ به المرح أن يداعب ~~أمه وهي جالسة تشتغل التريكو، ويشد منها الخيط أو البكرة؛ فإذا بأمه تسلط عليه عينيها ~~الزرقاوين الغاضبتين، وتقول بلهجتها الإنجليزية الصارمة: «أخوك أحسن منك.» وقد تسحب الجريدة ~~من جوارها وتشير إلى اسم أخيه المنشور في إحدى الصفحات وتقول: «أخوك نجح ... أما ~~أنت.» # تتجمد الضحكة في حلقه كالغصة، يبتلع ريقه بصعوبة، مدركا أن مرحه السابق لم يكن مرحا ~~حقيقيا، وأن إحساسه بأنه أحسن من أخيه إحساس زائف. وتسيطر عليه حقيقة أن أخاه أحسن منه ~~كالعرق البارد اللزج ينتشر فوق وجهه ويسيل بطيئا في أنفه وفمه، يعرف مذاقه المر، ويعرف أن ~~المرارة ستزحف إلى صدره وبطنه، وقد يسير إلى الحمام مرة أخرى ليتقيأ أو يكتفي بالبصق عدة ~~مرات في الحوض. # كان الحاج إسماعيل يشرب الشربات من الكوب النحاسي، حين رأى العمدة يبصق على الأرض، ثم ~~يشد عضلات ظهره وعنقه، وتكسو عينيه الزرقاوين نظرة استعلاء وزهو، وكأنه يقول: «أنا أحسن ~~منكم، أنحدر من أسرة راقية، أمي إنجليزية، وأخي أحد الذين يحكمون البلد!» # انكمش الحاج إسماعيل فوق الدكة الخشبية متفاديا عيني العمدة. كان ينوي أن يمزح معه، ms11 أو ~~يروي له آخر نكتة كما كان يفعل أحيانا، لكنه نظر إلى صورة أخيه في الجريدة وهو جالس متغطرس ~~داخل بدلة أنيقة بين كبار القوم، ثم رمق رفوف دكانه الخشبية المشققة يعلوها التراب وبضع ~~علب من الصفيح صدئة، وانتقلت عيناه إلى عباءة العمدة الثمينة، ثم تحسس بظهر يده جلبابه ~~الخشن. # رأى العمدة الحاج إسماعيل يرفع الكوب ويفرغ الشربات من جوفه دفعة واحدة، كأنما هو ~~جرعة من الزيت الخروع، فضحك وضربه مداعبا على ركبته وهو يقول: أنتم يا فلاحين تشربون ~~الشربات بالطريقة التي نشرب بها نحن الدواء. # ضحك الحاج إسماعيل متخففا بعض الشيء من الشعور بالمهانة والضعة، وقد أعاد إليه مزاح ~~العمدة بعض ثقته بنفسه، وقلل من المسافة الكبيرة القائمة بينهما، وقال مشجعا العمدة ~~على مواصلة المزاح: نحن الفلاحين يا عمدة لا نعرف حلاوة الشربات من مرارة الدواء. # صمت العمدة لحظة مفكرا، وأدرك الحاج إسماعيل بعد أن رنت الجملة في أذنه أنها قد توحي ~~للعمدة بمعنى بعيد لم يقصده، أو على الأقل لم يقصده بوعي، فقال وهو يضحك: أقصد يا عمدة أن ~~كل شيء في فم الفلاحين له طعم مر. # ظل العمدة صامتا، وخيل للحاج إسماعيل أن التوفيق خانه في مزاحه مع العمدة، وأن ما ~~قاله قد يعني من بعيد أو قريب أن حياة الفلاحين مرة كالعلقم، وأن هذا قد يعني بالتلميح ~~أو بالتصريح أن الحكومة كاذبة في ادعائها أنها ترعى الفلاحين وتوفر لهم حقوقهم، وأن ~~العمدة بصفته مندوب الحكومة في كفر الطين يستغل الفلاحين مثل غيره من الحكام، وأن أمواله ~~التي ينفقها بغير حساب على أكله وشربه ودخانه ونسائه هي أموال مسلوبة من عرق ودم ~~الفلاحين. # كان من الممكن أن ينزوي الحاج إسماعيل مرة أخرى في الركن يلعن غباءه ويقول لنفسه: «جيت ~~تكحلها عمتها»، لولا أن رأى عيني العمدة تلمعان فجأة وهو يتطلع ناحية النيل، وبسرعة ~~حرك الحاج إسماعيل رأسه فرأى فتاة مرفوعة الظهر مرفوعة الرأس، وعيناها السوداوان ~~الواسعتان مرفوعتان وفيهما شمخة نساء أسرة كفراوي. # وقرب العمدة رأسه من رأس ms12 الحاج إسماعيل وقال : هذه تشبه نفيسة. # ورد الحاج إسماعيل بسرعة: إنها زينب، أختها الأصغر يا عمدة. # وسأل العمدة: لم أكن أعرف أن نفيسة لها أخت. # أدرك الحاج إسماعيل على الفور ما يدور في رأس العمدة، فقال محاولا كسب وده: الاثنان ~~أحلى من بعض يا عمدة. # وغمز العمدة بعينه للحاج إسماعيل، وهو يضحك: الأصغر دائما أحلى. # ضحك الحاج إسماعيل ضحكة كبيرة، شافطا بأنفه وفمه كما من الهواء، شاعرا بانتعاش، ~~مزيحا الكآبة من فوق صدره، موقنا بعد طول شك أن العمدة لم يتغير بعد صعود أخيه إلى ~~الحكم، وأنه لا يزال يمازحه كما يمازح الند، ويفتح له قلبه كالصديق. # وهمس في أذن العمدة وهو يغمز له بعينيه: صدقت يا عمدة، الأصغر دائما أحلى. # سكت العمدة طويلا وعيناه تتبعان جسد زينب الفارع الممشوق وهي تسير فوق الجسر، ردفاها ~~المستديران يضربان الجلباب الطويل من الخلف، ونهداها المدببان يصعدان ويهبطان مع حركة ~~ساقيها الطويلتين الممشوقتين المنتهيتين إلى كعبين ناعمين متوردين. # قال العمدة موجها كلامه إلى شيخ الخفر: إني أعجب يا شيخ الخفر من أين يطعم هذا ~~الكفراوي بناته. انظر! إن الدم يكاد يندفع من كعبيها. # وضحك شيخ الخفر مبتلعا الهواء بعد طول اختناق وصمت، متصورا أن إعراض العمدة عنه ~~وإقباله على الحاج إسماعيل معناه أنه غير راض عنه، وقال وهو يسترد مرحه القديم: لا بد ~~أنه يسرق يا عمدة. أتحب أن نضعه في السجن؟ أوامرك يا حضرة العمدة! # ونهض شيخ الخفر بحركة تمثيلية، وقال بصوت مسرحي كأنما ينادي على أحد مساعديه من ~~الخفراء: «هات يا ولد الكلابشات والسلاسل!» # ضحك العمدة مقهقها، وضحك معه الرجال الثلاثة ومن بينهم الشيخ حمزاوي الذي توقف عن شفط ~~الهواء من الشيشة. ضحك بشدة مظهرا أسنانه الصفراء المتآكلة، واهتزت السبحة الصفراء بين ~~أصابعه. # وقال العمدة بعد أن هدأت القهقهات مخاطبا أيضا شيخ الخفر: لا يا شيخ زهران! كفراوي ليس ~~من النوع الذي يمكن أن يسرق. # ورد الشيخ حمزاوي بلهجته القاطعة الحاسمة وكأنه يرتل آية قرآنية أو ينطق بحديث نبوي ~~شريف: كل ms13 الفلاحين يسرقون، السرقة تجري في دمهم مثل دودة البلهارسيا؛ الواحد منهم يتظاهر ~~أنه طيب وأهبل ويعرف ربنا، وهو في الحقيقة معلون مكار وكافر ابن كافر. الواحد منهم يا ~~عمدة يصلي ورائي في الجامع، ثم يذهب إلى الحقل ليسرق أخاه أو يسمم بهائمه أو حتى ~~... # وسكت قليلا ليبتلع ريقه ويختلس نظره إلى وجه العمدة، فلما رآه مشجعا، قال بحماس ~~وحدة: أو حتى يزني أو يقتل! # وكأنما تعدى الشيخ حمزاوي على اختصاص شيخ الخفر، فرفع الشيخ زهران ساقه اليمنى ووضعها ~~فوق الساق الأخرى مزيحا جلبابه عن حذائه الجديد وقال: أما عن الزنا والقتل، فاسألوني ~~أنا شيخ الخفر. # ثم ابتسم للعمدة في تودد وقال متسائلا: ألا يا عمدة وأنت سيد العارفين، هل الناس ~~في مصر مثل الناس في كفر الطين؟ # ورد الشيخ حمزاوي بسرعة: الناس كلها فسدت يا شيخ زهران، والبلد لم يعد بها إسلام ولا ~~مسلمون. # لكنه رأى نوعا من الاستياء يظهر على وجه العمدة فقال متداركا: فيما عدا بالطبع الناس ~~الأكابر ذوي الأصل العريق والحسب والنسب من أمثال سيدنا العمدة. # وأسرع ودعم كلامه بأحد الأحاديث أو الآيات التي أسعفته بها ذاكرته المرتخية بفعل دخان ~~الشيشة، ورتل بصوت وقور مهيب: قل اسألوا عن الأصل؛ إن العرق دساس ... # مط العمدة شفتيه الغليظتين في وجه شيخ الجامع الذي حول الحديث من كعبي زينب ~~المتوردتين إلى الإسلام والمسلمين، واتجه نحو الحاج إسماعيل: بصفتك الطبيب المداوي هنا، كيف ~~يمكن للكفراوي ذي البشرة السمراء القاتمة والسيقان المعوجة أن ينجب بنات مثل القشدة؟ # ورد الشيخ حمزاوي ضاحكا؛ ليمسح من ذاكرته صورة شفتي العمدة وهما ممطوطتان في وجهه: ~~يخلق من ظهر العالم فاسد. # وتجاهل العمدة تعليقه وقال موجها كلامه للحاج إسماعيل: ما رأيك يا حاج إسماعيل؟ # كان حلاق الصحة لا يزال يعيد في أذنه كلمة «الطبيب المداوي» بصوت العمدة، ويشعر كأنما ~~منحه العمدة بهذه الكلمة شهادة بكالوريوس الطب، وأصبح رأسه برأس أي طبيب في البلد، فمط ~~عنقه طويلا وشرد بعينيه الضيقتين في الأفق شرود العارفين والعلماء والذين انكشفت أمامهم ms14 ~~الأسرار والحجب ثم قال: والله يا عمدة، والعلم لله سبحانه وتعالى، هذه المسألة لها تفسير ~~بكل تأكيد، وهو أن أم نفيسة توحمت وهي حامل بها على صحن من القشدة، أو أنها قبل أن تحمل ~~بزينب ركبها عفريت أبيض. # ضحك العمدة وقهقه طويلا ملقيا رأسه إلى الخلف، وقال مازحا مستنجدا بشيخ الخفر: ~~الأرواح والعفاريت تزاحمنا يا شيخ في ركوب النساء! # وهب شيخ الخفر واقفا بحركته المسرحية السابقة قائلا: هات يا ولد الكلابشات والسلاسل، ~~امسك العفاريت يا ولد ... # ثم همس وهو يبصق في عبه: اللهم اجعل كلامنا خفيفا عليهم. # ضحك الجميع، وكان أشدهم ضحكا هو الشيخ حمزاوي الذي حاول مرة أخرى أن يذيب الثلج بينه ~~وبين العمدة فهمس في أذنه: نساء أسرة كفراوي يا عمدة معروف عنهم منذ زمن أن عيونهم مفتوحة ~~عن آخرها. # ورد العمدة ضاحكا: عيونهم فقط يا شيخ حمزاوي؟ # وانفجر الجميع في الضحك مرة أخرى، وارتفعت القهقهات في الظلمة الساكنة فوق سطح النيل، ~~قهقهات صادرة عن صدور تخففت إلى حد كبير من كآبتها ومرارتها. # حتى العمدة نفسه شعر أنه قد تخلص نهائيا من المرارة التي بدأت منذ اللحظة التي رأى ~~فيها صورة أخيه في الجريدة، وأصبح في غير حاجة إلى السهر أو السمر، فتثاءب بصوت عال، ~~فاتحا فمه مظهرا صفين من الأسنان البيضاء الحادة الطويلة المدببة كأسنان ثعلب أو ذئب، ~~وقال بصوت آمر وهو ينهض ناظرا في ساعته: هيا بنا ... # فأصبح الرجال الثلاثة وقوفا على أقدامهم في أقل من غمضة عين. ~~••• # ساوت بكفها التراب، ملقية بضع قطع من الحجر والزلط في بطن الجسر، ثم اتكأت بذراعها ~~فوق الأرض، وجلست مسندة ظهرها إلى جذع شجرة جميز. سرت في جسدها الساخن رطوبة الأرض، وتسرب ~~إلى عظام ظهرها المرهقة شيء ندي من جذع الشجرة، فأسندت رأسها إليه، ومسحت وجهها فيه، ~~لاعقة بلسانها الجاف لبنه الأبيض كالندى. # ذكرها الجذع بالضرع السخي الدافئ الذي ما إن كانت تلمسه بشفتيها حتى ينسكب اللبن ~~الدافئ في فمها. مسحت بطرف كمها حبة عرق سقطت من منتصف جبهتها ms15 فوق أنفها، وامتدت يدها تمسح ~~عينيها، لكنها وجدتهما جافتين فهمست بغير صوت: «الله يرحمك يا أمي.» # رفعت وجهها إلى السماء فسقط ضوء الفجر على عينيها الواسعتين المرفوعتين إلى أعلى كعيني ~~عمتها زكية، فيهما غضب لكنهما غير متحديتين، تطفو عليهما سحابة متحركة كالقلق أو ~~الضياع أو الخوف من المجهول. تاهت عيناها في السماء الضخمة الممتدة فوق رأسها، وانتابتها ~~رعشة حين رأت الأرض تلتحم بالسماء في الأفق البعيد، وقرص الشمس يبرز من بينهما شيئا ~~فشيئا، يلون الحقول والنيل بضوء برتقالي. رفعت طرف طرحتها السوداء وأخفت وجهها قبل أن ~~يسقط عليه ضوء النهار، ونظرت أمامها فرأت النيل هو النيل، والجسر ممتد بغير نهاية. نظرت ~~خلفها ورأت النيل هو النيل، والجسر ممتد أيضا، ولكن في نهايته كانت تعلم أن هناك كفر ~~الطين، وهناك بيتهم الطيني الصغير وإلى جواره بيت عمتها زكية، يواجهه البيت الكبير ذو الباب ~~الضخم والعمدان الحديدية. # كانت تزحف على بطنها أمام البيت في الحارة المتربة، وحين ترفع رأسها ترى الأعمدة الحديدية ~~كالسيقان الطويلة الضخمة تتحرك نحوها وتكاد تسحقها وتصرخ من الخوف تحملها الذراعان ~~الكبيرتان وتشم رائحة أمها كرائحة الجميز، وتناولها أمها حبة جميز تأكلها بنهم والدموع لا ~~تزال في عينيها. # منذ طفولتها وهي تشعر بخوف من منظر ذلك الباب ذي الأعمدة الحديدية الضخمة. تسمع الناس من ~~حولها يشيرون إليه دون أن يقتربوا منه، وأصواتهم العالية تتحول إلى همس حين يمرون من جواره، ~~وعيونهم المرفوعة الغاضبة والقاسية أحيانا تتحول إلى عيون منكسرة بغير غضب وبغير ~~قسوة، وتمتلئ أحيانا بالرضا أو الاستسلام بل بالخضوع والخوف. # بعد أن تعلمت المشي وأصبحت تمشي وراء الحمارة أو تسحب الجاموسة إلى الحقل أو تحمل ~~الزلعة لتملأها من النيل، كانت تتفادى دائما المرور من أمام ذلك الباب، وتلف من وراء ~~البيوت الطينية لتصل إلى الجسر من الناحية الأخرى. كانت قد أدركت أن هذا الباب الحديدي لا ~~يقود إلا إلى البيت الكبير الضخم، لكن إحساسها الأول ظل يوحي إليها من حيث لا تدري أن وراء ~~هذه الأعمدة الحديدية ماردا ms16 ضخما أو عفريتا من العفاريت يسير على عشرين ساقا حديدية ~~طويلة تتحرك نحوها لتسحقها. # بعد أن كبرت أكثر، لم تعد تلف من وراء البيوت الطينية، وأصبحت تمر من أمام الباب ~~الحديدي، مدركة أن البيت لا يسكنه عفاريت، وإنما العمدة وزوجته وأولاده. لكن جسدها كان، ~~كلما مرت من أمام الباب أو سمعت أحدا يقول «العمدة»، ينتفض انتفاضة تحس بها قوية، ~~ثم أصبحت من بعد أن كبرت غير محسوسة وإن ظلت موجودة. # لم تنم تلك الليلة حين جاءها أبوها وأمرها أن تذهب إلى بيت العمدة في الصباح. لم تكن بلغت ~~الثانية عشرة بعد، وظلت طول الليل تتخيل شكل حجرات بيت العمدة، والحمام الأبيض البلور ~~الذي يستحم فيه العمدة باللبن، كما سمعت من بعض أطفال الجيران، وزوجة العمدة ذات الوجه ~~الأبيض كالبلور والساقين العاريتين حتى منتصف الفخذين كما سمعت من أمها، وابن العمدة الذي ~~له حجرة خاصة مليئة بالمسدسات والبنادق والطيارات التي تطير بحق وحقيق، والعمدة نفسه الذي ~~كانت تجري وتختبئ في البيت كلما رأته سائرا بين الرجال ومن فوق جسده عباءة كبيرة. # في الصباح الباكر قبل أن يظهر أول خطوط الشفق الأحمر، كانت قد نهضت وغسلت شعرها ودعكت ~~كعبيها بالحجر وارتدت الجلباب المغسول والطرحة السوداء في انتظار الشيخ زهران الذي سيأتي ~~ليأخذها إلى بيت العمدة؛ لكن ما إن وصل الشيخ زهران حتى اختفت فوق الفرن، وراحت تبكي وتصرخ ~~وترفض الذهاب. سمعت صوت شيخ الخفر يقول: عمدتنا رجل كريم وزوجته ابنة أصل، وسوف تأخذين في ~~اليوم الواحد عشرين قرشا. أترفضين يا عبيطة كل هذا الخير، أم أنكم تفضلون الفقر والجوع مع ~~الكسل؟ # قالت وهي لا تزال مختبئة فوق الفرن تبكي: أنا أعمل هنا في دار أبي يا عم زهران، وأشتغل في ~~الحقل طول النهار. لست كسلانة، ولكنني لا أريد الذهاب إلى هذا البيت. # تركها شيخ الخفر قائلا لأبيها: أنتم أحرار، ليس لكم نصيب في الخير. ألف واحدة في الكفر ~~تتمنى أن تخدم في بيت العمدة، ولكنه اختار ابنتك يا كفراوي؛ لأنه يقول إنك ms17 رجل طيب وأمين ~~وأهل ثقة. ماذا يقول العمدة الآن إذا قلت له إنكم رفضتم؟ # وقال كفراوي: أنا موافق يا شيخ زهران، ولكن البنت رافضة كما ترى. # ورد شيخ الخفر بحدة: وهل كلام البنت هو الذي يمشي هنا في بيتك يا كفراوي؟ # وقال كفراوي: كلامي أنا الذي يمشي يا شيخ زهران، ولكن ماذا أفعل؟ # ورد الشيخ زهران بحدة أشد: ماذا تفعل؟ وهل هذا سؤال يسأله رجل. اضربها يا أخي. ألا ~~تعرف أن البنات والنسوان لا يسمعن الكلام إلا بالضرب. # ونادى كفراوي عليها أول الأمر بصوت حازم قائلا: يا بنت يا نفيسة، انزلي بسرعة وتعالي ~~هنا. # وحينما لم تظهر نفيسة، صعد إليها أبوها فوق الفرن، وضربها وشدها من يدها وسلمها لشيخ ~~الخفر. # سمعت صوت العجلات الخشبية تصطك بالأرض، فرفعت رأسها لترى العربة الكارو يجرها حمار منهك. ~~رفع الحمار رأسه متثائبا في ضجر، وارتفع نهيقه في الجو كالأنفاس الممزقة أو النشيج ~~المتقطع. مرت العربة بها وهي جالسة، والتقت عيناها بعيني الحمار فوجدتهما مبللتين ~~بالدموع. رفعت بيدها طرحتها السوداء لتخفي وجهها حين رمقها الرجل الجالس فوق العربة، لكنها ~~عرفت من ملامحه أنه ليس من كفر الطين، فنادت عليه وهي تنهض: يا عم، والنبي يا عم تأخذني معك ~~إلى الرملة. # رآها الرجل وهي واقفة فوق الجسر، ولمح ارتفاع بطنها فكاد أن يظن بها الظنون، لولا أنه رأى ~~عينيها الواسعتين المرفوعتين إلى أعلى في غضب أشبه بالكبرياء، وظهرها مرفوع بالرغم من أن ~~حركة جسدها البطيئة تنم عن إرهاق شديد. # وقال بصوت غليظ: اركبي. # اتكأت بذراعيها على العربة ثم شدت جسمها بقوة وصعدت. جلست إلى جواره صامتة تنظر إلى ~~الطريق بعينيها المرفوعتين، رمق بطنها المرتفع ثم سألها: ذاهبة إلى زوجك في ~~الرملة؟ # لم يتحرك جفناها المرفوعين وقالت: لا. # سكت قليلا ثم قال: تركت زوجك في كفر الطين؟ # ظلت شاخصة في الطريق وقالت: لا. # أصبحت عيناه أكثر جرأة في فحصها، ورأى يديها كبيرتين خشنتين ومعصميها خاليين من الأساور، ~~فأدرك أنها ابنة فلاح فقير تفحت الأرض وتعزقها، لكنها نظرت ms18 إليه فرأى في عينيها المرفوعتين ~~شيئا لم يره في عيون بنات الفلاحين الفقراء. ليس هو الغضب، وليس هو الكبرياء، وإنما شيء ~~أشد منهما لم يره من قبل. تذكر فجأة أنه وهو طفل تسلق سور بيت العمدة لينظر في عيني ابنته ~~الواقفة في الشرفة، لكن شيخ الخفر ضربه بعصا فهرب جريا. طوال سنوات طفولته وهو يحلم بأن ~~ينظر مرة واحدة في عيني ابنة العمدة. لم يكن يعرف لماذا، وظل طوال حياته لا يعرف لماذا، ولم ~~يهمس لأحد أبدا برغبته الغريبة شبه المجنونة. # حول رأسه ناحيتها لينظر في عينيها، فنظرت إليه والتقت عيونهما، ولاحظ أنها لم تحول ~~عينيها بعيدا أو تخفضهما، كما تفعل بنات الرملة أو كفر الطين، وظلت عيناها مرفوعتين شبه ~~متحديتين كعيني رجل غاضب. حرك عينيه بعيدا عنها وهو يقول لنفسه: «لا يبدو عليها أنها ~~هاربة أو خائفة.» # رمق قدميها الحافيتين المشققتين يعلوها التراب والطين ثم قال: مشيت طويلا؟ # قالت وهي شاخصة إلى الطريق: نعم. # قال: الليل كله؟ # قالت: نعم. # سكت فترة. تصور فتاة صغيرة مثلها سائرة وحدها في الليل بين الحقول والطرق الزراعية حيث ~~يرقد الذئاب والثعالب وقطاع الطرق. ظل صامتا ناظرا أمامه ثم قال: الليل خطر. # قالها بلهجة غريبة كأنما يريد أن يخيفها، كأنما يريد أن يرى هذين الجفنين المرفوعين ~~يرتعشان ولو لحظة، لكن جفنيها لم يتحركا، وظلت عيناها مرفوعتين إلى أعلى، وقالت وهي لا تزال ~~شاخصة إلى الطريق: الليل أكثر أمانا من النهار يا عم. # ظل صامتا ناظرا إلى الأمام، ملامحه جامدة كملامح طفل ضرب بالعصا منذ لحظة ورفض أن ~~يبكي. شعر بشيء يضغط على صدره كدموع مكبوتة منذ زمن، منذ ضربه شيخ الخفر. لو أنها حركت ~~رأسها ناحيته الآن وابتسمت له، لألقى رأسه على صدرها وبكى. لو رأى هذين الجفنين المرفوعين ~~ينخفضان أمام عينيه لو لحظة؛ ربما خف هذا الضغط على صدره، لكنها لا تبتسم له، وهي لا تنظر ~~إليه، بل إنها حين تنظر إليه يدرك أنها تفكر في شيء آخر أكبر منه. أخرج من جيب ms19 جلبابه ~~لفافة دخان أو قطعة معسل أو أفيون أو حشيش، ابتلع لعابه المر في جوفه وسعل بشدة ليطرد من ~~صدره الإحساس بالمهانة. أطرق برأسه لحظة وهو يدرك أن هذا هو الإحساس الوحيد الذي لازمه ~~طوال حياته. # زم شفتيه ولسع ظهر الحمار بالعصا الرفيعة، كما يلسع شيخ الخفر طفلا فقير الأب والأم. ~~أصبح راغبا الآن في أن يصل إلى الرملة بأسرع ما يمكن، وأن تختفي هذه المرأة من فوق عربته ~~بأسرع ما يمكن. # أسرعت العربة الكارو تهتز وتتأرجح فوق الأرض المتربة المتعرجة، وأنفاس الحمار ~~اللاهثة مسموعة في أذنها، بطيئة ورتيبة ومتقطعة كدقات العجلات الخشبية فوق الأرض، وكالدق ~~الرتيب في صدرها وبطنها. بدأت ترى الشمس تعلو في السماء والحقول تختفي، وتظهر البيوت ~~الطينية المتلاصقة المتساندة إلى بطن الجسر، ونساء يحملن الجرار ظهرن فوق الجسر، ~~والأطفال والذباب استيقظوا معا وملئوا الجو بالطنين، وأسراب الجاموس والبقر تسير بخطواتها ~~البطيئة الثقيلة تملأ الجو بالتراب، ومن خلفها نساء أو رجال يحملون الفئوس ويتثاءبون في ~~ضجر. # خيل إليها أنها عادت إلى كفر الطين، فرفعت طرحتها السوداء وأخفت وجهها، لكنها سمعت ~~صوت الرجل الغليظ يقول: انزلي. # سألت: أهذه هي الرملة يا عم؟ # رد دون أن يلتفت نحوها: نعم. # اتكأت بذراعيها فوق العربة لتهبط؛ ومالت العربة تحت ثقل جسمها، ثم اعتدلت حينما انتقل ~~الثقل من فوق العربة إلى الأرض. أصبحت العربة معتدلة وخفيفة، وصدره أيضا أصبح معتدلا ~~وخفيفا، وكأنما انتقل الثقل من فوق صدره وأصبح فوق الأرض، تنوء به الأرض كما ناء به من ~~قبل. سمع صوت قدميها الحافيتين الثقيلتين تدبان فوق الأرض، فلسع الحمار بالعصا وتحركت ~~العربة. كاد أن يحرك رأسه إلى الخلف وينظر إليها مرة أخيرة، لكنه ظل شاخصا إلى الأمام، ~~ولسع الحمار مرة أخرى فانتفض الحمار وانتفضت معه العربة تضرب الأرض بعجلاتها الخشبية ~~الكبيرة. # رأت نفيسة العربة من الخلف تهتز وتأرجح، وظهر الرجل نحيلا بارز العظام كظهر أبيها، ~~واختفت العربة بعد قليل، واختفى معها ظهر الرجل، لكن صوت العجلات الخشبية ظل يرن في أذنيها ~~متحشرجا لاهثا ms20 كأنفاس الحمار المتقطعة ، يتخلله من حين إلى حين سعال الرجل الخشن ~~الممزق كسعال أبيها حين يشفط الدخان الأسود بأنفه وفمه. # حين وصلت إلى الجامع، انحرفت ناحية اليمين لتجد الخرابة الواسعة كما وصفتها لها أم صابر. ~~وفي نهاية الخرابة بيت طيني صغير، له باب خشبي كبير، من فوقه مطرقة حديدية، وإلى ~~جواره طلمبة ماء. أدارت الطلمبة وشربت بكفها بعض الماء، ثم سارت نحو الباب الخشبي ~~ودقت المطرقة. # سمعت صوتا ممطوطا يشبه صوت نفوسة الغازية في كفر الطين يهتف من خلف الباب: مين؟ # وردت بصوت خافت: أنا. # وعاد الصوت الممطوط: أنت مين؟ # وقالت وهي تبتلع ريقها: أنا نفيسة؟ # وعاد الصوت الممطوط: نفيسة مين؟ # قالت وهي تمسح حبة عرق سقطت من فوق أنفها: خالتي أم صابر أرسلتني إليك يا خالة ~~نفوسة. # دب السكون لحظة، سمعت خلاله نفيسة أنفاسها ودقات قلبها. ثم سمعت الباب الثقيل ينفتح ~~وحده دون أن يظهر أحد، كأنما حركته يد عفريت من العفاريت. # ظلت واقفة بغير حركة كتمثال جامد، وحينما مدت قدمها لتدخل أدركت أنها ترتعد. ~~••• # قبل أن يرتفع في الظلمة أذان أول ديك، فتحت فتحية عينيها، أو ربما كانت عيناها ~~مفتوحتين من قبل، ورأت زوجها راقدا على ظهره وقد انفتح فمه وراح يشخر بصوت غليظ أشبه ~~بالحشرجة، أنفاسه ثقيلة برائحة الدخان والشيشة، وأسنانه صفراء متآكلة، وخشخشة سعال وبصاق ~~تجمع طول الليل في صدره. # لكزته بيدها في كتفه لتوقظه، لكنه انقلب على جنبه معطيا ظهره لها وهو يزمجر ببعض حروف ~~غير مفهومة. ارتفع في الجو مرة أخرى أذان الديك فلكزته بيدها بقوة مرة أخرى، وهي تقول: يا ~~شيخ حمزاوي، الديك صحا وأذن لصلاة الفجر وأنت لا تزال تشخر. # فتح الشيخ حمزاوي عينيه وهو يزم شفتيه ليبتلع في صمت هذه الكلمات التي لكزته كاللكمات في ~~جنبه، نهض دون أن ينطق، فزوجته فتحية ليست مثل زوجاته السابقات. لم تكن واحدة منهن تجرؤ ~~على أن تفتح عينيها في عينيه، أو تقول له كلمة، أو تقارنه بأي رجل في كفر الطين، فما بال ~~هذه ms21 هي التي تقارنه بالديك بل تقول إن الديك أفضل منه؟ لكنه لم يعد يهمه أن يكون ديكا أو ~~غير ديك؛ فقد استطاع أن يتزوجها رغم أنفها، وأن يعيش معها كل هذه السنوات رغم أن وصفة الحاج ~~إسماعيل لم تنفع وحجابه لم يفعل شيئا. رآها لأول مرة حين كان جالسا كعادته أمام دكان ~~الحاج إسماعيل، لمحها وهي تخطر بجسدها اللدن فوق الجسر حاملة الجرة. همس في أذن الحاج ~~إسماعيل: ابنة من هذه؟ # ورد الحاج إسماعيل: فتحية ابنة مسعود. # وقال الشيخ حمزاوي بشيء من الاغتباط: أبوها رجل فقير، وسوف يرحب بي بلا شك. # قال الحاج إسماعيل: أتقصد أنك تريد أن تتزوجها يا شيخ حمزاوي؟ # رد الشيخ: لم لا يا حاج إسماعيل؟ تزوجت ثلاث مرات دون أن يكون لي ولد، أنا نفسي في ~~ولد قبل أن أموت. # قال الحاج إسماعيل: إنها طفلة في عمر أحفادنا وليس أولادنا. ثم أنت تعرف أنها لن تنجب ~~مثل زوجاتك السابقات. # أطرق الشيخ حمزاوي إلى الأرض وظل صامتا والسبحة في يديه لا تتوقف. ضحك الحاج إسماعيل ~~بعد أن تأمله قليلا ثم قال: يبدو أنها أكلت عقلك يا شيخ حمزاوي. # انفرجت شفتا حمزاوي عن ابتسامة ولمعت عيناه وهو يقول: منظرها يرد الروح إلى الجسد يا ~~حاج إسماعيل. ياما كان نفسي في أنثى كهذه. # قال الحاج إسماعيل: من ناحية أنها أنثى فهي أنثى، وعيناها كلهما شبق، ولكن هل تستطيع يا ~~شيخ حمزاوي أن تحكمها ... أقصد هل تقدر عليها وأنت في هذه السن؟ # وقال الشيخ حمزاوي: أقدر عليها وعلى أبيها يا حاج إسماعيل! الرجل لا يعيبه إلا ~~جيبه. # قال الحاج إسماعيل: ماذا تفعل لو عشت معها سنوات وسنوات ولم تلد الولد؟ # رد الشيخ حمزاوي: ربنا كبير، أزمة وتزول يا حاج. من يدري؟ ربما ينفخ الله في صورتي ~~ويمنحني قوة من عنده. # ضحك الحاج إسماعيل: هذا الكلام تقوله للناس وليس لي يا شيخ حمزاوي. أنت شكوت لي من حالتك ~~مرارا. كيف يمكن أن يمنحك الله قوة من عنده؟ أتعني الله سي... # قال ms22 الشيخ حمزاوي مقاطعا : يحيي العظام وهي رميم يا حاج إسماعيل. ثم إنك قلت إن حالتي ~~غير ميئوس منها، وإنني يمكن أن أشفى ... # قال الحاج إسماعيل: ولكنك لم تسمح نصحي ولم تتبع علاجي يا شيخ حمزاوي ... سمعت كلام ~~الدكاترة واشتريت أدويتهم بدم قلبك ولم تحصل على أية نتيجة. قلت لك إن الدكاترة لا يعرفون ~~شيئا، وإن أدويتهم لا تشفي أحدا، لكنك لم تصدقني وصدقتهم. وماذا كانت النتيجة؟ فقدت مالك ~~وبقيت على حالك ... أليس كذلك؟ # وقال الشيخ حمزاوي: نعم نعم يا حاج إسماعيل، ولكن الواحد منا لا يتعلم بالمجان. وقد ~~تعلمت وعرفت أن كل الدكاترة نصابون وجهلة، وأن الحكيم الوحيد في البلد هو أنت يا حاج ~~إسماعيل، وها أنذا آتي إليك وأطلب منك الدواء بشرط أن تزوجني لفتحية ابنة مسعود. أما لو ~~قدرت يا حاج على هذا فسوف يكافئك الله ويجازيك جزاء حسنا؛ لأنك خدمت الرجل الذي يخدم ~~الجامع والدين. # وضحك الحاج إسماعيل قائلا: أنا وأولادي نموت من الجوع يا شيخ حمزاوي لو أننا انتظرنا ~~جزاء الله. # ورد الشيخ حمزاوي بسرعة: طبعا سأعطيك يا حاج إسماعيل وأجزل لك العطاء، وأنت ~~تعرفني. # قال الحاج إسماعيل: أنت رجل كريم من بيت كريم، وفوق ذلك أنت رجل التقوى والصلاح في كفر ~~الطين. توكل على الله ولا تفكر في هذا الموضوع. اتركه لي، وليس عليك إلا أن تعود إلى وصفتي ~~القديمة والماء الدافئ بالملح والليمون والبخور كل ليلة حتى تحترق الشبة عن آخرها، ثم ~~تمسك السبحة وتسبح بحمد الله تسعا وتسعين مرة، ثم تلعن زوجتك الأولى ثلاثا وثلاثين ~~مرة. ألم تكن قويا معها يا شيخ حمزاوي؟ # قال الشيخ حمزاوي بتحسر: كنت كالحصان. # قال الحاج إسماعيل: هي التي عملت لك العمل، وأنا أعرف من الذي عمل لها الحجاب. إنه ليس ~~من كفر الطين، ولكني أعرف سره، وأعرف كيف أبطل سحره. المهم أن تتبع نصيحتي هذه المرة ~~وسوف يشملك الله بخير كثير. # وهمس الشيخ حمزاوي: وفتحية، متى سأدخل بها يا حاج إسماعيل؟ # قال الحاج إسماعيل: عن قريب إن ms23 شاء الله. # وسأل حمزاوي: والولد؟ أظن أن هذا مستحيل يا حاج إسماعيل. # رد الحاج إسماعيل: ما من مستحيل أمام الله يا شيخ حمزاوي، وأنت رجل مؤمن، تقي، صالح. ~~ألا تعرف أن الله قادر على كل شيء؟ # وهتف الشيخ حمزاوي وهو يسبح: سبحانه ... سبحانه ... # تمتم الشيخ حمزاوي وهو ينهض والسبحة تتراقص بين أصابعه: سبحانه ... سبحانه ... سبحانه ... ارتدى ~~الجبة والقفطان والعمامة وهو يسبح، ثم سار بجسده النحيل المقوس الظهر ناحية الباب. ~~سمع صوت فتحية تئن أنينا خافتا. لم يعرف ما الذي دهاها هذه الأيام الأخيرة، لكنها لم ~~تعد كما كانت، ولم تعد تغضب، وكل يوم يراها راقدة لا تغادر البيت ولا تلح في زيارة ~~خالتها كما تعودت أن تفعل. كان يثور في كل مرة ويحاول أن يمنعها من الخروج. زوجة الشيخ ~~حمزاوي كما قال لأبيها قبل الزواج ليست كالزوجات الأخريات؛ إنه الرجل القائم على الدين ~~والأخلاق، رجل التقوى والصلاح في كفر الطين، وزوجة هذا الرجل لا يصح أن يراها أحد، ولا يظهر ~~من جسمها للأقرباء المقربين إلا الوجه والكفان، تعيش معززة مكرمة في بيته لا ترى الشارع ~~إلا مرتين، مرة حين تخرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها، والمرة الثانية حين تخرج من بيت زوجها ~~إلى مقبرتها، ورد أبوها وهو يهز رأسه: ونعم الرجال يا شيخ حمزاوي! # لكن فتحية اختبأت فوق الفرن ورفضت أن ترد على أحد. ناداها الحاج إسماعيل قائلا: ربنا ~~سيتوب عليك من الشمس الحارقة والروث والطين والخبز المقدد والمخلل، ستعيشين في الظل ~~والراحة تأكلين الخبز الأبيض واللحم، ستصبحين زوجة الشيخ حمزاوي الرجل التقي الصالح الذي ~~يعرف الله ويرعى بيت الله ويؤم الناس في الصلاة. # لكن فتحية ظلت مختبئة ورفضت أن ترد. وقال الحاج إسماعيل لأبيها في غضب: ما العمل الآن ~~يا مسعود؟ # ورد مسعود: البنت رافضة كما ترى يا حاج إسماعيل. # وقال الحاج إسماعيل: أتعني أن كلام البنت هو الذي يمشي هنا في بيتك يا مسعود؟ # وقال مسعود متحيرا: ولكن ماذا أفعل يا حاج إسماعيل؟ # رد الحاج إسماعيل بغضب: ms24 ماذا تفعل! هل هذا كلام يقوله رجل؟ اضربها يا أخي، ألا تعرف أن ~~البنات والنسوان لا يأتين إلا بالضرب؟ # صمت مسعود قليلا ثم نادى عليها: يا بنت يا فتحية، تعالي هنا بسرعة؟ # وحينما لم ترد، صعد إليها فوق الفرن وضربها وشدها من شعرها وسلم يدها ليد الشيخ التقي ~~الصالح. # ضغط الشيخ حمزاوي يده فوق عصاه وهو يفتح الباب ليخرج، وأرهفت فتحية أذنيها من خلف الجدار ~~وهي تسمع عصاه تخبط الأرض مع خبطات قدميه، الصوت نفسه لا يزال في أذنيها ولكن من خلف الشال ~~السميك الذي كانوا يغطون به رأسها وجسمها، وهي تركب الحمارة ليلة زفافها وإلى جوارها يمشي ~~الشيخ التقي الصالح بعصاه، وأبوها بجلبابه الجديد، وأم صابر بملاءتها السوداء. لم تكن ترى ~~أم صابر من خلف الشال السميك، لكن ضغط أصبعها الحاد كان لا يزال كالمسمار المدبب بين ~~فخذيها، يضغط ويضغط داخل اللحم باحثا عن الدم. لم تر البشكير الأبيض الذي غرق بدم العذرية ~~الأحمر، لكن الزغاريد والطبل رن في أذنيها فمدت كفها الصغيرة من تحت الشال السميك ومسحت ~~عينها وأنفها من العرق الذي كان يتصبب من جذور شعرها غزيرا يسيل فوق وجهها وخلف عنقها ~~ويهبط في صدرها وظهرها، ويغرق ظهر الحمارة. # ظهر الحمارة كان محشورا بين فخذيها، يضغط على الجرح الذي كان لا يزال ينزف، ومع كل خطوة، ~~وكل دقة طبلة، تهتز الحمارة ويرتطم ظهرها النحيل الصلب بالجرح المفتوح. وتنفرج شفتا فتحية ~~عن صرخة مكتومة غير مسموعة، وتحس الدم الساخن يسيل من الجرح ويلتقي بالعرق اللزج الهابط ~~من ظهرها ليبلل ظهر الحمارة من جديد. # حين وصلت الحمارة إلى بيت الشيخ التقي الصالح، وحملوها وأنزلوها على الأرض، لم تستطع ~~الوقوف على قدميها فسقطت بين الأذرع التي حملتها كما تحمل زكيبة القطن وأدخلوها ~~البيت. # لم تعرف أنها تركت الشارع وأصبحت داخل البيت إلا من الرائحة الراكدة الكريهة التي وصلت ~~إلى أنفها، ظنت أن هذه هي رائحة التقوى والصلاح، لكنها تصل إلى أنفها كريهة بسبب فسادها ~~هي وليس أي شيء آخر. لم ms25 تكن تعرف ما هو فسادها بالضبط، لكنها منذ طفولتها وهي تحس أنها ~~فاسدة أو أن شيئا في جسدها فاسد، وحينما جاءت أم جابر وقالت لها إنها ستطهرها وتقطع من بين ~~فخذيها الجزء الفاسد فرحت بسذاجة طفلة في السادسة، وذهبت أم صابر بعد أن قطعت الجزء ~~الفاسد، وظل الجرح المؤلم ينزف أياما، لكن الفساد ظل في جسدها، تحسه في أعماقها ~~كالبؤرة الفاسدة التي تنزف دائما، وفي أيام الحيض ترى النفور في عيون من حولها. # أما الشيخ حمزاوي فكان يبتعد عنها أيام الحيض كما يبتعد البريء عن الأبرص، وإذا ما لمست ~~يده خطأ ذراعها أو كتفها استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وذهب إلى دورة المياه وغسل نفسه ~~خمس مرات وتوضأ، ولم يكن يسمح لها أن تسمع القرآن أو تقرأه خلال هذه الأيام، فإذا ما انتهى ~~الحيض واستحمت وتطهرت سمح لها بالصلاة، وتلاوة القرآن. لم تكن فتحية تعرف كيف تصلي، ~~ولم يعلمها أحد شيئا من القرآن، وأصبح الشيخ حمزاوي يعلمها شيئا من القرآن. كل ليلة ~~قبل أن تنام تجلس على سجادة الصلاة أمامه ويعلمها كيف تصلي. لم تكن تفهم الكلمات التي ~~يرددها؛ كانت كلمات صعبة عليها وتسأله عن معناها، لكنه كان يرد عليها بشدة وحزم قائلا: ~~«إن كلمات الله وتعاليم الصلاة تتلى علينا لنحفظها عن ظهر قلب لا لنفهمها.» وحاولت فتحية ~~أن تحفظ الآيات والتعاليم عن ظهر قلب، ويرن في أذنيها صوت الشيخ حمزاوي مرددا: «أركان ~~الصلاة هي الركوع، السجود مرتين في كل ركعة، الجلوس الأخير للتشهد ويجب التشهد فيه. أما ~~سنن الصلاة فهي ستر الجسم من وسط البطن إلى تحت الركبتين عند الذكور، أما الأنثى فتستر ~~جسمها كله ما عدا وجهها وكفيها، ثم الوقوف عندما تبدأ الصلاة، الرأس معتدل، والقدمان ~~معتدلتان، ثم رفع اليدين حذاء الأذنين عند التكبيرة في حالة الذكورة، أما الأنثى ~~فترفع يديها حذاء منكبيها، والمنكب هو ما بين الكتف والرقبة، ثم وضع اليد اليمنى على ~~اليد اليسرى تحت وسط البطن في حال الذكور، أما الأنثى فتضع يدها على صدرها. ms26 هيئة ~~الركوع والسجود يجب أن تكون تامة، وتقولين وأنت راكعة: ~~«سبحان ربي العظيم» ثلاثا، وتقولين وأنت ساجدة: «سبحان ربي الأعلى» ثلاثا. أما مبطلات ~~الصلاة فهي أن تتكلمي بكلام خارج عن الصلاة، أن تضحكي في الصلاة، أن يحدث ما ينقض الوضوء ~~وأهمها خروج هواء من الأمعاء.» # كل ليلة تجلس فتحية فوق سجادة الصلاة تتدرب على الركوع والسجود، وتسمع عن ظهر قلب آية ~~الكرسي والنفاثات في العقد، ويثقل جفناها بالنوم فتنام وهي راكعة على سجادة الصلاة، في ~~أذنيها ترن كلمة الله، وبين ساقيها تزحف يد الشيخ حمزاوي، مستسلمة للنوم كأنه رجل، فاتحة ~~ساقيها، وتنام وهي تصلي لله. # كان الشيخ حمزاوي لا يزال يخطو بعصاه خارجا من بيته، وأذنا فتحية ملتصقتان بالجدار تتسمع ~~صوت عصاه أو صوت قدمه لو تعثرت في شيء. كان ضعيف البصر ودائما تتعثر عصاه أو قدمه في شيء ~~قد يكون أرنبا أو جروا ميتا، أو حجرا أو قطعة زلط يقذفها بعصاه بعيدا عن الباب. وقد ~~تدوس قدمه أحيانا على طرف قفطانه وهو يجتاز العتبة فيتعثر، أو ينغرس حذاؤه في قطعة روث أو ~~براز كلب بات الليل أمام الباب، وتهتز السبحة دائما في يده متمتما ببعض اللعنات يصبها على ~~رءوس الناس والكلاب معا. # تعثرت قدمه هذه المرة في شيء لا هو بالأرنب ولا هو بالجرو، كما أنه ليس ميتا بل هو حي ~~يتحرك، فزع أول الأمر وظن أنه عفريت أو جنية من جنيات النيل، لكنه سمع الأنين الخافت ~~ورأى الوجه الوردي الصغير والعينين المغمضتين الدامعتين والفم المفتوح المرتعش الذي ~~يلهث. # ظل واقفا في مكانه جامدا. خيل إليه أن الله قد استجاب لدعواته، وأن حجاب الحاج ~~إسماعيل اشتغل أخيرا، وأن هذا الطفل هبط من السماء إلى الأرض حتى باب بيته، تماما كما هبط ~~عيسى من السماوات إلى الأرض إلى حيث رقدت مريم العذراء تحت جذع الشجرة. # انفرجت شفتاه عن حشرجة خافتة: ما من مستحيل أمام الله سبحانه وتعالى ... وظل واقفا بغير ~~حركة. وجهه الطويل الأسمر يبدو طويلا شاحبا تحت ضوء الفجر، ms27 وعيناه الضيقتان تلمعان من تحت ~~سحابة، وفوق إحدى عينيه نقطة بيضاء. السبحة بين أصابعه الرفيعة ثابتة، حباتها الصفراء ~~متآكلة، حفرت عليها بصمات أصابع لا تسكن عن الحركة أبدا. # كان شيخ الخفر في تلك اللحظة عائدا بعد انتهاء دورية الحراسة، حينما رأى الشيخ حمزاوي، ~~واقفا أمام بيته جامدا ثابتا لا يتحرك. لم يره من قبل أبدا واقفا بهذا الشكل، ووجهه ~~أيضا لم يكن أبدا طويلا كل هذا الطول، كأنما أصبح وجهين، وجه أعلى يشبه وجه الشيخ حمزاوي ~~الذي يعرفه ويعرفه كل أهل كفر الطين، ووجه آخر أسفل؛ هذا الوجه لا يشبه الشيخ حمزاوي، ولا ~~يشبه أي رجل في كفر الطين ولا في غير كفر الطين، لا يشبه أحدا من الإنس أو الجن، وقد يكون ~~وهو وجه عفريت أو شيطان وقد يكون وجه الله نفسه إذا عرف كيف يكون وجه الله. # وقف شيخ الخفر هو الآخر جامدا ثابتا لا يتحرك، لكنه رأى الشبح الغريب، الذي لا هو ~~بالشيخ حمزاوي ولا هو بالشيطان ولا هو بالملاك، رآه وهو يمشي ببطء ويهم بالتقاط شيء من فوق ~~الأرض. قبضت يده على الشومة بحركة الخفراء الغريزية وهم بأن يرفعها في الهواء ليهوي بها ~~على رأسه لولا أنه رأى الوجه الوردي الصغير والعينين المغمضتين الدامعتين، وسمع صوت ~~الشيخ حمزاوي يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله.» # وصاح الشيخ زهران في تعجب: ما هذا يا شيخ حمزاوي؟ # وقال الشيخ: ملاك من عند الله. # ورد شيخ الخفر: ولم لا يكون شيطانا ابن شيطان؟ # وقال حمزاوي وهو لا يزال غائبا عن الوعي: رزق من عند الله يا شيخ زهران. # ورد شيخ الخفر: لن يجلب ابن الحرام يا شيخ حمزاوي. # وهنا أطلت فتحية رأسها من فرجة الباب وقالت بصوت واهن لكنه غاضب: اسكت يا شيخ زهران ~~اسكت، إنه خير وبركة من عند الله، ما حرام إلا الحرام. # ومدت ذراعيها وأخذت الطفل بسرعة من ذراعي الشيخ حمزاوي، الذي كان لا يزال واقفا ~~جامدا كأنما فقد الوعي. أغلقت الباب وحوطت الطفل بصدرها. شعرت ms28 بدبيب يسري في ثدييها كأرجل ~~النمل الدقيقة، تسري في عروقها بطيئة كحركة الدم الدافئ. شدت ثديها وأخرجته من فتحة ثوبها، ~~ثم ضغطت بأصبعها على الحلمة حينما رأت القطرات البيضاء تنزلق من الثقب الأسود. خبأت ~~بطرحتها السوداء الصغير وهي تدخل الحلمة في فمه اللاهث الناعم. ~~••• # ارتفع صوت الشيخ حمزاوي مؤذنا لصلاة الفجر، محلقا فوق أسطح البيوت الطينية ~~المنخفضة، مخترقا الجدران السوداء، وهابطا في الأزقة والحواري المسدودة بأكوام السباخ. ~~وصل صوته إلى أذني شيخ الخفر الذي كان قد أصبح في بيته، لكنه لم يخلع ملابسه كما يفعل كل ~~مرة، ولم يطلب من زوجته أن تحضر له الطعام، بل لم يخلع حذاءه الجلدي الذي كان يخلعه بحركة ~~سريعة بمجرد أن يدخل، ثم يرفعه بقدمه بعيدا كأنه سلسلة حديدية التفت حول ~~قدميه. # ظل كما دخل بملابسه وحذائه وعينيه المفتوحتين، وأمامهما ذلك الوجه الوردي الصغير ~~والعينين المغمضتين الدامعتين. كل ما فعله منذ أن دخل ترك جسده المرهق يسقط جالسا فوق ~~الحصيرة، وأصابعه ارتفعت وحدها تشد شعرات شاربه الطويل الكثيف كعادته حين يعثر على قتيل ~~يجهل قاتله أو يكتشف جريمة تمت بغير علمه. # لكنه ما إن سمع صوت الشيخ حمزاوي حتى تحركت عيناه ناحية زوجته وانفرجت شفتاه كأنما سيقول ~~شيئا، لكن شفتي زوجته كانتا أسرع من شفتيه وصوتها أسبق من صوته حين قالت: نفيسة بنت ~~كفراوي هربت. # قالتها بسرعة في نفس واحد وبحركة سريعة من يدها تشبه حركة يد زوجها حين يخلع حذاءه ~~متخففا من عبئه وضغطه على قدميه. كانت قد نامت الليل كله على هذا الخبر بعد أن همست لها ~~به إحدى الجارات، وظلت تتقلب في الظلمة على ظهرها وبطنها، والخبر يضغط على صدرها، له ثقل ~~واضح، وفيه لذة غامضة، كالحبلى تنتظر طلوع الفجر بقلق أشبه بالشوق، تريد أن تلقي بحملها ~~من فوق صدرها على كاهل أحد غيرها، أو تنتشي لحظة بمتعة السبق وتكون أول من يطلع زوجها ~~على النبأ. # رن اسم نفيسة في أذن الشيخ زهران، وكانت عيناه لا تزالان شاخصتين إلى الوجه الوردي ms29 ~~الصغير والعينين المغمضتين الدامعتين، فإذا بالعينين المغمضتين تتفتحان فجأة وتظهر فيهما ~~عينا نفيسة الواسعتان السوداوان المرفوعتان إلى أعلى، وكفت أصابعه عن شد شعرات شاربه الطويل ~~الكث، وانفرجت شفتاه كأنما في شهقة من يطفو فوق الماء بعد لحظة غرق، وهتف: نفيسة؟! # وقالت زوجته مؤكدة: نعم، نفيسة. # كانت فتحية زوجة الشيخ حمزاوي لا تزال واضعة أذنها على الجدار الطيني، ورأس الطفل تحت ~~الطرحة السوداء فوق صدرها وفي فمه الحلمة حينما التقطت أذنها اسم نفيسة، فانفرجت شفتاها هي ~~الأخرى عن شهقة من يطفو فوق الماء بعد غرق وهتفت بدورها: نفيسة؟! # تردد الاسم «نفيسة» من وراء الجدران الطينية وخرج إلى الأزقة والحواري المسدودة بأكوام ~~السباخ، ثم ارتفع في الجو فوق الأسطح المتعرجة بأكوام القش والجلة، وحلق فوق الجامع ~~ومئذنته العالية ومن فوقها الهلال، وحينما وصل إلى أذني العمدة من وراء جدرانه العالية ~~السميكة المصنوعة بالطوب الأحمر، كان قد أصبح كالأذان الذي يؤذنه الشيخ حمزاوي خمس مرات ~~في اليوم. كان يجلس إلى جوار العمدة في ذلك اليوم ابنه الأصغر الذي دخل الجامعة حديثا، ~~وأصبح لا يأتي هو وأمه إلى كفر الطين إلا في الإجازات. # لمعت عينا طارق وهو يسمع الحكاية لمعة عيني شاب في التاسعة عشرة يشعر بلذة الجنس، ~~ينفس بالسمع أو بالكلام عما يعجز عن إشباعه بالفعل. وقال بصوت قوي فيه نشوة واضحة: ~~الأسبوع الماضي عثرنا في الجامعة على طفل في دورة المياه، والأسبوع الذي قبله ضبطنا طالبا ~~يعانق طالبة في قاعة خالية مغلقة. وهنا، في كفر الطين، تلد البنت طفلها وتتركه أمام بيت ~~شيخ الجامع أو بجوار الجامع ثم تهرب. البنات فسدوا يا بابا في كل مكان. # وأكد العمدة كلام ابنه قائلا: نعم يا ابني البنات فسدوا، والستات فسدوا ... ورمق فخذي ~~زوجته السمينتين نصف العاريتين تحت الثوب الضيق الحديث. وهزت زوجة العمدة ساقها اليمنى ~~بعصبية، وقالت بصوت شبه غاضب: ولماذا لا تقول إن الرجال هم الذين فسدوا ... وضحك العمدة ~~قائلا: الرجال طول عمرهم فاسدون، ولكن الجديد الآن أن النساء فسدوا أيضا ... وهذه هي ms30 ~~المصيبة. # وانفرجت شفتا زوجته المصبوغتان بالأحمر الثمين عن ابتسامة ساخرة، وقالت: ولماذا تسميها ~~مصيبة؟ لماذا لا تسميها عدالة ومساواة؟ وهز الابن رأسه بشعره الطويل كالبنات قائلا لأمه: ~~لا يا ماما، أنا لا أوافق على هذه المساواة. البنت غير الولد، شرف البنت أعز ما ~~تملك. # وأطلقت الأم ضحكة ساخرة مألوفة ومميزة لسيدات المجتمع في القاهرة، وهي ضحكة تطورت عن ~~الشهقة الممطوطة أو الشخير الذي تطلقه ابنة البلد من أنفها أو المعلمة الكبيرة حين لا ~~يعجبها الكلام، وقالت وهي ترفع حاجبا وتخفض الآخر: نعم نعم يا سي طارق؟ الآن تضع العمة على ~~رأسك وتتكلم عن الشرف! أين كان ذلك الشرف الأسبوع الماضي حين سرقت من حقيبتي عشرة جنيهات ~~وذهبت إلى تلك المرأة، التي أعرفها وأعرف بيتها؟ أين كان ذلك الشرف العام الماضي حين ~~اعتديت على سعدية الخادمة واضطررت إلى أن أطردها حتى لا تسبب لنا فضيحة؟ أين هو الشرف ~~وأنت لا تكف عن مطاردة أية خادمة تدخل بيتنا حتى إنني أقسمت ألا أستعين إلا بالخدم ~~الرجال؟ أين هو الشرف وأنت تجري وراء البنات في التليفونات ومن النوافذ ومن الشرفات، حتى ~~ضج جيراننا في المعادي؟ # صوتها الغاضب كان موجها ناحية ابنها، لكن عينيها المعكرتين بغضب خفي أشد كانتا ~~متجهتين ناحية زوجها. وأدرك الابن من ملامح أبيه المتقلصة أن الشجار المعهود سيبدأ بين ~~أمه وأبيه، فقال محولا الموضوع إلى نفيسة بطلة القصة الجديدة: ولكن هل سيتبنى الشيخ ~~حمزاوي الطفل؟ # وقال العمدة: يبدو ذلك. إنه رجل طيب حرم من الأطفال، وزوجته تحن إلى طفل منذ ~~سنين. # وقال الابن: إذن فقد حلت المشكلة! # وردت الأم: المشكلة لم تحل بعد. هؤلاء الفلاحون لا يهدءون حتى يثأروا من الذي كان ~~السبب. # وقال الابن: وهل عرفوه؟ # وقالت الأم: سيعرفونه عاجلا أو آجلا. # ثم تركتهما ودخلت حجرتها. # لم يلحظ الابن العضلة الصغيرة التي تقلصت تحت فم أبيه، والتي أخفاها بحركة صغيرة من ~~يده، كأنما هو يهرش ذقنه بأصبعه، أو يتحسس بعض البثور القديمة، وتحركت عيناه الزرقاوان ~~بعيدا في الأفق، كأنما ms31 هو يفكر، وقال بعد لحظة صمت طويلة: أحاول أن أفكر من هو ذلك الرجل. ~~إنه قد يكون من كفر الطين وقد لا يكون من كفر الطين. # ورد طارق: أمثال نفيسة لا يعرفون إلا كفر الطين. # وتساءل العمدة: لماذا؟ # وقال طارق: معظم بنات الريف ساذجات. # وقال العمدة: لا أظن أن نفيسة كانت ساذجة؛ ألم تر عينيها المفتوحتين أكثر من أي بنت ~~في مصر؟ # وقال طارق: نعم كانت بنتا جريئة، ولا بد أن الرجل كان جريئا هو الآخر. # وقال العمدة: ولهذا أرجح أنه من خارج كفر الطين. أنا أعرف كل الرجال هنا ولا أظن أن ~~فيهم رجلا واحدا جريئا ... أليس كذلك يا طارق؟ # سكت طارق لحظة، مرت أمامه وجوه الرجال التي عرفها ورآها في كفر الطين. وسمع أباه يسأله: ~~هل يمكنك أن تخمن من هو الرجل الذي يمكن أن يفعل ذلك مع نفيسة؟ # كانت وجوه رجال كفر الطين لا تزال تمر أمام عيني طارق، وفجأة توقف وجه أمام عينيه، أو ~~أن عينيه هما اللتان توقفتا أمام وجه. كان هو وجه علوان. # لم يعرف لماذا خطر بذهنه هذا الوجه بالذات. لم ير في حياته علوان ونفيسة معا، وعلوان ~~يسكن في طرف القرية ناحية الشرق، ونفيسة كانت تسكن في الطرف الآخر ناحية الغرب، لكنه ما إن ~~فكر في أن يرشح رجلا من كفر الطين لنفيسة حتى ظهر له وجه علوان. لم يكن رآه وجها لوجه ~~إلا مرة واحدة، كان يلمحه أحيانا من بعيد وهو سائر حاملا فأسه، صامتا دائما، لا يكلم ~~أحدا، ولا يحرك رأسه ناحية بيت أو دكان، ولا يبدأ أحدا بالتحية أو السلام حتى ولو كان ~~شيخ الخفر أو شيخ الجامع أو حتى العمدة. # لم يره أحد مع نفيسة ولا مع أية واحدة أخرى من كفر الطين. كانوا يرونه كل يوم في الحقل ~~يحرث أو يعزق. حتى في يوم الجمعة حين يذهب كل الرجال إلى المسجد من أجل صلاة الجماعة خلف ~~الشيخ حمزاوي، يظل هو واقفا في الحقل يحرث أو يعزق، وبعد ms32 الغروب يرونه جالسا عند رأس ~~الحقل على حافة الجسر شاخصا إلى النيل ورءوس الأشجار العالية من بعيد، وحينما يمر به أحد ~~لا يحرك رأسه، وإذا قرأه أحد السلام رد بصوت هادئ دون أن يلتفت. # في اللحظة التي كادت تنفرج شفتاه ناطقا باسم علوان، لم يكن يعرف لماذا خطر له هذا الاسم ~~بالذات، لكنه كان قد رآه وجها لوجه مرة واحدة. وكانت هذه المرة الواحدة كافية لأن يرى ~~عينيه، وحينما رأى عينيه وجد أنهما ليستا كعيون رجال كفر الطين، وإنما هما مرفوعتان إلى ~~أعلى بتلك النظرة الشامخة التي تشبه نظرة نفيسة، وارتبطت عينا علوان بعيني نفيسة في ذاكرته ~~لحظة قصيرة لا تزيد عن اللحظة التي تلتقي فيها عينا شخص سائر في الطريق بعيني شخص آخر، ~~واختفى الشخصان وسقطت اللحظة في العدم شهورا طويلة بل سنوات. # لكن ما إن برز أمام عينيه وجه علوان حتى اتضح له أن شيئا لا يسقط في العدم، ولو كان قطرة ~~في بحر أو لحظة قصيرة في خضم الزمن. وحينما ردد أبوه عليه السؤال سمع صوتا داخله يقول: ~~«علوان.» # اتسعت عينا طارق بالدهشة حين سمع أباه يقول له: أتقول علوان؟ # لم يكن قد فتح شفتيه بعد أو خيل له ذلك، لكنه ما إن سمع اسم علوان بصوت أبيه حتى خرج ~~الوجه من الظلام إلى النور، فأصبح حقيقيا، وخرج الصوت من الداخل إلى الخارج وأصبح ~~مسموعا. وقال طارق: علوان؟ # ورد العمدة مؤكدا: علوان. # دخل في تلك اللحظة من الباب الحديدي الشيخ حمزاوي، ومن خلفه الشيخ زهران ومن خلفه الحاج ~~إسماعيل، وحينما سمعوا العمدة يقول «علوان»، هتفوا ثلاثتهم في نفس واحد: «علوان». ورن ~~صدى صوتهم خارج بيت العمدة، وصعد فوق الأسوار، ونفذ في الجدران السوداء الطينية، وقفز إلى ~~الأسطح، ودخل البيوت، وسار إلى الحقول، ثم هبط إلى الحواري والأزقة قبل أن تهبط الشمس ~~عند المغيب. وحينما أطل طارق برأسه من الشرفة المطلة على النيل ليشهد غروب الشمس سمع أطفال ~~كفر الطين يلعبون فوق الجسر ويغنون منشدين: # جمال يا جمال ms33 نفيسة وعلوان ... # نفيسة يا نفيسة علوان في التقفيصة ... # علوان يا علوان نفيسة في الغيطان ... # جمال يا جمال نفيسة وعلوان ... # اتسعت عيناه بالدهشة كأنه غير مصدق، والتفت ناحية أمه التي كانت تقف إلى ~~جواره في الشرفة وتساءل مشدوها: أصحيح أنه علوان يا ماما؟ # وردت أمه بصوتها العصبي الضجر: أتسألني أنا؟ اسأل أباك العمدة. ~~••• # اليوم كان جمعة، والقرص الملتهب في وسط السماء، فوق رأس كفراوي وهو واقف في الحقل، عيناه ~~حمراوان بلون الشمس، والعرق يتصبب من رأسه وعنقه وصدره وبطنه وفخذيه، يشعر به لزجا ~~ساخنا هابطا بين فخذيه، يبلل ساقيه وقدميه الحافيتين المشققتين، ويمد يده من تحت ~~جلبابه يتحسسه، يظن أنه يبول على نفسه، ويكاد لا يعرف عرقه من بوله، ولا يعرف ما إذا كانت ~~عضلات جسده مرتخية أومسحت فمها في عنقهم متقلصة، ساكنة أو متحركة. كل ما يحسه هو أنه ~~فقد السيطرة على ذراعيه وساقيه، وأن جسده أصبح كالعضلة المنفصلة عنه، يتقلص ويرتخي وحده، ~~ويتحرك ويسكن وهو واقف يراقبه، ويكاد لا يصدق ما يراه، ويظن أن روحه انفصلت عن جسده أو أن ~~جسده ركبته روح أخرى ليست هي كفراوي. # وحينما يرى قدميه الحافيتين المشققتين تسيران ببطء خارج الحقل يندهش كيف تسير قدماه ~~وحدهما. يحاول لحظة أن يستجمع قواه ليوقفهما وقد يظن أنه أوقفهما فعلا، لكنه يراهما تسيران ~~ببطء خارج الحقل وخارج إرادته نحو المكان الوحيد الذي لا يصل إليه قرص الشمس في ذلك الوقت ~~من الظهيرة، وهو الزريبة. # لم تكن زريبة بمعنى الكلمة، وإنما كوخ صغير من البوص والنخيل وأعواد الذرة الجافة دهكت ~~جميعها بالطين وأصبحت أربعة جدران وسقفا، ترقد فيها الجاموسة نهارا في الصيف، ويبيت فيها ~~كفراوي في ليالي الشتاء. # كانت الجاموسة كعادتها راقدة فوق بطنها من شدة الحرارة، عيناها الواسعتان مفتوحتان ~~شاخصتان إلى الجدار الطيني الأسود، وفكاها الكبيران يتحركان ببطء كأنما تجتر، ورغوة بيضاء ~~عند زاويتي فمها الأسود الكبير تروح وتجيء مع حركة أنفاسها. # سقط جسد كفراوي إلى جوار جسدها، وظلت عيناه مفتوحتين صامتين مثل عينيها. حاول أن يشد ms34 ~~عضلات جفنيه ليغلقهما وينام، وظن لحظة أنه أغلقهما، لكنهما ظلتا مفتوحتين شاخصتين إلى ~~الجدار الطيني الأسود. رمقته الجاموسة بعينيها الواسعتين، فوقهما سحابة شفافة تترقرق كأنما ~~هي طبقة من الدموع، ومدت رأسها إلى جوار رأسه ومسحت فمها في عنقه كأم تلثم ابنها، أو تهمس ~~له بشيء: «ما لك يا كفراوي؟» وأسند كفراوي رأسه إلى رأسها ومسح عينيه المبللتين في وجهها، ~~ثم قرب شفتيه الجافتين من أذنها: «آه يا عزيزة، نفيسة غابت، نفيسة راحت يا ~~عزيزة!» # كفراوي كان يكلم الجاموسة، والجاموسة كانت ترد عليه، وقد عرف كيف يفهم لغتها. منذ ~~فتح عينيه على الحياة والجاموسة أمام عينيه، في الحقل وفي الدار، وحينما ينام بالليل أو ~~بالنهار فهو يرقد إلى جوارها. قبل أن يتعلم المشي أو الكلام، كان يراها تنظر إليه بعينيها ~~الواسعتين الصامتتين وهو يبكي وحده في الظلام. # وحينما بدأ يزحف فوق بطنه على الأرض، أصبح يزحف إليها، فتمسح فمها الناعم بوجهه وتحس ~~شفتيه الجافتين الظامئتين فترقد على بطنها إلى جواره وتزحف نحوه مقربة ضرعها من رأسه. ~~يرفع كفراوي رأسه فيرى الضرع الناعم المنتفخ والحلمة السوداء تتدلى منه بالقرب من أنفه، ~~ويشم رائحة اللبن، فيمد عنقه ويقبض بأسنانه على الحلمة فإذا باللبن الدافئ ينساب في ~~فمه. # أول ما استطاع الكلام بدأ يناديها، يقول لها: «عزيزة!» فتحرك رأسها ناحيته وتقول له ~~بعينيها الواسعتين: «كفراوي.» كل يوم يقول لها كلمة، وترد عليه بكلمة حتى عرف كلامها ~~وعرفت كلامه. ذات يوم شكت إليه من أبيه الذي ضربها بالعصا وهي تدور في الساقية، وكره أباه ~~في ذلك اليوم ولم يأكل معه، وضربه أبوه ليأكل، لكنه لم يأكل وبات جائعا بغير عشاء. # كانت ابنته نفيسة تدهش وهي طفلة صغيرة حين تسمعه يكلم الجاموسة، لكنه كان يجلسها على ~~ركبتيه ويقول لها: «يا ابنتي، الجاموسة تفهم وتتكلم مثلنا.» لم تكن ابنته نفيسة تعرف ~~الكلام بعد، لكنها كانت تفهم ما يقوله أبوها لها، وتنظر إليه بعينيها الواسعتين ~~الصامتتين. وأحيانا تهز رأسها وتضحك، وقد تمد يدها الصغيرة وتلعب بإصبعها في شاربه ms35 ~~الغزير فوق فمه ، ويفتح كفراوي فمه ويقبض بشفتيه على أصبعها الناعم الصغير فتضحك نفيسة ~~وتشد أصبعها. وذات مرة ضغط بأسنانه على أصبعها كأنما سيأكله فصرخت من الألم وابتعدت عنه ~~مذعورة. كانت تخاف منه في هذه اللحظات التي ترى وجهه يتغير فجأة ويصبح لونه أسود وملامحه ~~مخيفة. لم تكن تعرف متى ينقلب وجهه ليصبح أسود بلون الجاموسة. وهي تخاف من الجاموسة أحيانا ~~كما تخاف من كفراوي. تلعب معها وتضحك وتشد ذيلها الناعم الطويل، ولكن فجأة يتغير وجهها ~~الهادئ الوادع كما يتغير وجه أبيها فجأة ويصبح أسود، وتمتلئ عيناها الواسعتان بنظرة مخيفة، ~~وقد ترفسها أو تنطحها برأسها، ومرة عضتها عضة خفيفة. # مسح كفراوي رأسه في الضرع الناعم الممتلئ، ثم مد شفتيه الجافتين الظامئتين وأمسك ~~الحلمة السوداء، أحس باللبن الدافئ يهبط إلى بطنه فارتخت عضلات جفنيه وانغلقت عيناه. لكن ~~اللبن زحف هابطا أسفل بطنه، أحس به يتجمع في عضلة تحت سرته، امتلأت وانتفخت ونفرت عن ~~بقية جسده كعضو غريب، ضغط عليه بيده ليعيده إلى جسده كما كان، لكنه لم يستطع، ورآه يتحرك ~~ببطء خارج جسده وخارج إرادته، ويزحف فوق الضرع الناعم يتشمم رائحة الأنثى، ويلعق البلولة ~~المألوفة، يعثر على الثقب الدافئ فينزلق داخله في الظلمة والسكون الأبدي كالموت، ويحاول أن ~~يخرج مرة أخرى ليلتقط أنفاسه في الهواء، لكن الثقب ينقبض عليه منغلقا يكاد يخنقه، فينتفض ~~انتفاضات شديدة مجنونة، طلبا للحياة، ثم يفقد قواه ويرتخي تماما بعد أن يسكب كل ما ~~احتواه، ويسقط جفناه المرتخيان فوق عينيه ويغط في نوم عميق. # لكنه ما لبث أن فتح عينيه مذعورا على صوت الصرخة. لم تكن صرخة رجل ولا صرخة امرأة ولا ~~صرخة حيوان يضرب، صرخة غريبة لم تطرق أذنيه من قبل إلا مرة واحدة منذ زمن بعيد. كان ~~راقدا فوق بطنه على التراب وأمه إلى جواره تنخل الدقيق بيديها، وعيناها السوداوان لا ~~تفارقان وجهه، يحس بهما فوق وجهه كلمسات بطن اليد الناعمة. وفجأة سمع الصرخة. لم يتعرف في ~~الصرخة على صوت أمه، الدقيق مبعثر من حولها ms36 وعلى شعرها وكفيها كالتراب الأحمر، عيناها ~~مفتوحتان تنظران إليه بنظرة ليست هي نظرة أمه. ظن أنها واحدة أخرى، وأن أمه خرجت من الباب. ~~وحرك رأسه ناحية الباب، فالتقت عيناه بعينين ضيقتين لم يرهما من قبل، حدقتا فيه بنظرة ~~مخيفة، فاختفى رأسه في الأرض وأغمض عينيه ونام. لم يكن نائما تماما لأنه أحس الذراعين ~~تحملانه وتسيران به في طريق طويل. أراد أن يفتح عينيه لحظة لينظر، لكنه خشي أن يرى ~~العينين الضيقتين مرة أخرى فظل نائما بين الذراعين الكبيرتين، وجهه يستند إلى صدر مشعر ~~متخشب تنبعث منه رائحة غريبة، وقدماه الصغيرتان الحافيتان تتدليان في الهواء، وتهتزان مع ~~الخطوات الواسعة الرتيبة كخطوات الجمل ... # رنت الصرخة للمرة الثانية في أذنيه فانتفض من رقدته واندفع بغير وعي نحو مصدر الصوت، ~~الذي حدده بنقطة في وسط حقل الذرة، انطلقت منها الصرخة وتبعتها حركة خفيفة في أعواد الذرة، ~~ثم انتهى الصوت وانتهت الحركة وعاد حقل الذرة مستويا ساكنا كما كان، والسكون يخنق ~~الأرض كالشمس الحمراء بغير نسمة. # ظن أنه يحلم، لكن حقل الذرة انشق فجأة في النقطة نفسها عن عينين ضيقتين لم تلبثا أن ~~اختفتا كأنما انشقت الأرض وابتلعتهما مرة أخرى في النقطة ذاتها. # نحو هذه النقطة رأى كفراوي قدميه الحافيتين المشققتين تسيران ببطء. ارتعد جسده بخوف ~~قديم غامض، وحاول أن يوقفهما، وخيل إليه أنه أوقفهما فعلا، لكنه رآهما تستمران في ~~السير بغير سرعة وبغير بطء، وإنما بذلك الدأب والإصرار الغريزي أو بغريزة الإصرار الدائبة ~~على اكتشاف المجهول. # فرق أعواد الذرة بذراعيه، ونظر إلى الأرض، فرأى الجسد الممدود ومن حوله التراب الأحمر ~~والعينين المفتوحتين كعيني أمه. اقترب منها وأمسك وجهها بين كفيه ليرى أكثر وأكثر، لكنه ~~رأى رأسها حليقا كرأس الرجل، وجلبابها كجلباب رجل، وعينيها لا تشبهان عيني أمه ولا عيني ~~أية امرأة أخرى رآها من قبل. # تراجع إلى الوراء في فزع، وقبل أن يرفع يديه ليخفي بهما عينيه، أحس باليد القوية الصلبة ~~التي أمسكته من الخلف، وسمع الأصوات الغليظة والضجيج الذي أخذ يعلو في أذنيه ms37 ويشتد، ثم ~~استدار إلى الخلف فرأى عددا غفيرا من الوجوه والعيون شاخصة إليه، واستطاع بعد فترة أن ~~يتعرف في مقدمتها على عيني شيخ الخفر الضيقتين. ~~••• # بالحركة نفسها البطيئة التي ينزلق بها قرص الشمس كل يوم لتبتلعه الأرض ناحية الغرب، ~~تتحرك أقدام الجاموس والبقر والفلاحين فوق الجسر عائدين منهوكين من الحقل إلى بيوتهم ~~الطينية المظلمة أو الزرائب الرطبة، تفوح منها رائحة الروث القديم وبراز الأطفال وخبيز ~~الفرن. قبل أن يهبط الليل تماما ويغطي السماء والأرض بالعباءة السوداء الكثيفة، كان الجسر ~~قد أصبح خاليا من الناس والبهائم، تعلوه آثار الأقدام البشرية ذات الأصابع الخمس، إلى ~~جوارها حوافر الجاموس والبقر والحمير، تتخللها من حين إلى حين قطع الروث المستديرة لا ~~تزال ساخنة بدرجة حرارة الجسم. # لكن الجسد الممدود فوق الجسر لم يعد ساخنا كما كان، يضربه هواء النيل ضربات خفيفة، ~~محركا عنه العباءة البالية، فيظهر من تحتها كعبا علوان المشققان لا يزال يعلوهما طين ~~الحقل. # هبت نسمة أزاحت العباءة قليلا، ولمح الحاج إسماعيل من تحت جفنيه المثقلين بالنوم الساق ~~الطويلة المشعرة تمتد صاعدة إلى فخذ نافر العضلات. شد جفنيه منتفضا ومستيقظا فجأة، ~~كأنما هوت فوق رأسه مطرقة، وتلفت حوله بعينين متباعدتين متنافرتين، إذا اتجهت العين ~~اليمنى إلى الأمام اتجهت اليسرى إلى الخلف، وإذا اتجهت اليسرى نحو اليمين تحركت اليمنى نحو ~~اليسار. ولدته أمه بهذا الحول وأصبح كالذي يرى الشيء شيئين، أو كالذي يرى نصف الشيء فقط؛ ~~لأن عينا واحدة هي التي تنظر والعين الثانية تهرب في الاتجاه الآخر. # نهض وسار ناحية الجسد الممدود، وشد طرف العباءة ليغطي الجزء العاري فارتطمت يده بالفخذ ~~المشعر المشدود العضلات. سرت فوق جسده رعدة، وعاد إلى مكانه في بطن الجسر، إلى جوار شيخ ~~الخفر، وتكور حول نفسه لينام، لكن الفخذ المشعر العاري ظل أمام عينيه، تنظر إليه عين ~~واحدة وتهرب الأخرى تحت الجفن. كان لا يزال صغيرا، في العاشرة تقريبا، وابن عمه يوسف أكبر ~~منه، وأقوى منه، ذراعاه وساقاه يغطيهما الشعر الأسود، وعضلات فخذيه نافرة قوية، رآها لأول ms38 ~~مرة فشعر بالخوف ، حاول أن يهرب لكن يوسف كان قد أغلق الحجرة. حاول أن يتملص لكن يد يوسف ~~قبضت عليه كيد حديدية، قلبته على وجهه وشدت جلبابه من الخلف، ثم أحس بالجسد القوي ~~الثقيل يضغط عليه، وأنفه انضغط في الأرض، ولم يعد الهواء يدخل صدره أو يخرج، وظل راقدا ~~طول اليوم، حتى بعد أن فتح يوسف الباب وخرج. ظل هو راقدا في مكانه، وحينما سمع صوت أبيه ~~يناديه من الدكان أغمض عينيه وتظاهر بالنوم. لكنه سمع وقع قدمي أبيه وهو يدخل الحجرة، ~~وصوته الغاضب يناديه مرة ومرتين وثلاثا. أراد أن يفتح فمه ويرد، لكنه لم يستطع، ثم ~~أحس اللكمة القوية في ظهره فانتفض واقفا على قدميه، وسار خلف أبيه إلى الدكان، حيث ~~الرفوف الخشبية من فوقها الصابون والشاي والدخان والمعسل والتوابل. علمه أبوه كيف يعد ~~القروش، وأين يضعها في الدرج ويغلقه بالمفتاح، وكيف يضع الدخان في كفة الميزان وفي الكفة ~~الأخرى يضع قطعة صغيرة مربعة من الحديد، وقبل أن يغلق أبوه الدكان يجلس إلى جواره على الدكة ~~الخشبية ويعلمه ضرب الحقن وفتح الدمامل والخراريج. بعد العيد الصغير سافر أبوه إلى الحجاز ~~للحج، ولم يعد مرة أخرى، وترك له الدكان، وحقيبة صغيرة بها كماشة لخلع الضروس، وآيات ~~قرآنية على شكل أحجبة، وإبرة للحقن، وموسى للطهارة، وزجاجة يود خالية وجافة منذ ~~سنوات. # بدأ الصداع في مؤخرة رأسه؛ فأخرج منديله من جيب جلبابه وربط به رأسه. أغمض عينيه لينام، ~~لكنه رأى شيئا كالشبح يقترب من الجسد الممدود فوق الجسر. لكز شيخ الخفر في كتفه هامسا: يا ~~شيخ زهران! # انتفض شيخ الخفر واقفا، ويده بالحركة الغريزية أصبحت فوق البندقية، وهتف بصوته العالي: ~~من هناك؟ # لم يرد أحد. تطلع شيخ الخفر باحثا بعينيه الصغيرتين فلم ير أحدا. سار بضع خطوات ~~حول الجثة متطلعا هنا وهناك، فوق الجسر، وفي حقول الذرة، وفي بطن الجسر، وحينما لم يجد ~~أحدا عاد ليجد حلاق الصحة جالسا القرفصاء، وعيناه تتحركان في الظلام بغير توقف. ~~- ما لك يا حاج إسماعيل؟ ~~- أقسم ms39 بالله رأيت رجلا يا شيخ زهران. ~~- يا رجل، نم وتوكل على الله! ~~- رأيته يقترب من الجثة. ~~- من ذا الذي يفكر في سرقة جثة؟ ~~- ولكنني رأيته. ~~- هل عرفته؟ ~~- لا. لم أره جيدا. ~~- لا بد أنه عفريت علوان يحوم حول جثته. ~~- عفريت؟ ما عفريت إلا بني آدم. # ورمق الحاج إسماعيل شيخ الخفر بعينه الواحدة ثم قال متخابثا: عفريت من هذا الذي قتل ~~علوان يا شيخ زهران؟ # رد شيخ الخفر: كفراوي. # همس الحاج إسماعيل: كفراوي لا يقتل دجاجة يا شيخ زهران، وأنت تعرف ذلك. # قال شيخ الخفر بحماس: لكن حينما يكون الأمر يتعلق بالشرف والعرض، فإن أي رجل يمكن أن يقتل ~~يا حاج إسماعيل. ~~- هذا الكلام تقوله للناس وللضابط الذي سيحقق، وليس لي أنا يا شيخ زهران، ولكنك هذه ~~المرة ضربت عصفورين بحجر واحد. المهم من هو القاتل هذه المرة؟ # ضحك شيخ الخفر ضحكة قصيرة وتثاءب قائلا: الله أعلم. # نظر إليه الحاج إسماعيل بعين واحدة: أنت تعرفهم واحدا واحدا. # سأل الشيخ زهران بخبث: أعرف من يا حاج إسماعيل؟ # ضحك حلاق الصحة وهو يقول: على أية حال سيأتي الضابط في الصباح ومعه الكلب ~~البوليسي. # رد شيخ الخفر بسخرية: أتظن أن الكلاب تعرف والناس لا تعرف؟ كل الناس تقول إن كفراوي قتل ~~علوان بسبب نفيسة، وكل الناس رأت كفراوي راكعا إلى جوار الجثة ودم علوان يغرق يديه. التهمة ~~ثابتة على كفراوي من قمة رأسه إلى أخمص قدمه. # ضحك الحاج إسماعيل: أنت عفريت ابن عفريتة يا شيخ زهران! # رد شيخ الخفر متثائبا: أنا عبد المأمور، كلنا عبيده يا حاج إسماعيل. # قال الحاج إسماعيل: كلنا عبيد الله. # رد شيخ الخفر: كلنا عبيد، هذا هو المهم، مهما طلعنا ومهما نزلنا، فكلنا عبيد. # قال الحاج إسماعيل: نحن عبيد الله وقت الصلاة فقط، ولكنا عبيد العمدة في جميع ~~الأوقات. # ضحك الشيخ زهران، وهمس في أذن الحاج إسماعيل: أتدري أنه لم يعد ينام الليل بسبب ~~زينب؟ # قرب الحاج إسماعيل فمه من أذن شيخ الخفر: فعلت المستحيل معها لأقنعها لكنها ~~رفضت. # تساءل ms40 الحاج إسماعيل: أتظن أنه تشكك في شيء؟! # رد شيخ الخفر: لا! على الإطلاق! التشكك يحتاج إلى عقل يفكر ويستنتج، وهؤلاء الفلاحون ~~أمثال كفراوي لا عقل لهم، أو أن عقلهم مثل عقل الجاموسة، لكن المشكلة أن كفراوي بعد أن ذهبت ~~نفيسة لم يعد له إلا زينب تساعده في الحقل وتشتغل في الدار. وقلت له مرارا: يا كفراوي، ~~سيعطيك العمدة كل شهر عشرة جنيهات كاملة، وزينب ستأكل وتشرب في بيت العمدة، وتعيش في ~~النعيم، ولا تفعل شيئا سوى كنس البيت وتنظيفه، وآخر النهار تعود إليك لتبيت معك في بيتك. ~~لكنه لم يسمع كلامي، رأسه كان أصلب من الحجر. # وقال الحاج إسماعيل: وابنته زينب أيضا رأسها لا يلين أبدا. فعلت معها المستحيل، عرضت ~~عليها كل شيء لكنها رفضت. إنها عنيدة كالبغل، وليس فيها أية ميزة. أقل بنت في كفر الطين ~~أحلى منها وأخف. # همس الشيخ زهران: مزاجه غريب في النساء، ومن تدخل مزاجه لا تخرج أبدا. وهو عنيد أيضا، ~~لا يضع عينه على واحدة إلا وينالها بأي شكل. # قال الحاج إسماعيل وهو يتثاءب: ولم لا؟ أمثاله ممن يملكون العالم ليس أمامهم شيء اسمه ~~مستحيل. # قال الشيخ زهران: إنهم آلهة تمشي على الأرض. ضحك الحاج إسماعيل: لا يا شيخ زهران ... آلهة ~~تركب السيارات. المشي فوق الأرض لأمثالنا نحن عبيد الله. # رد الشيخ زهران: المشي فقط يا حاج؟ والنوم أيضا فوق الأرض. # وتكور تحت عباءته فوق الأرض وأغمض عينيه. أما الحاج إسماعيل، فألقى نظرة أخيرة على ~~الجسد الممدود فوق الجسر قبل أن يتكور هو الآخر لينام. همس لنفسه قبل أن يغط في النوم: ~~«خسارة. مات علوان وهو في عز الشباب.» # تنهد شيخ الخفر من تحت عباءته وهو يتثاءب: الأعمار بيد الله يا حاج إسماعيل. # تنهد الآخر من تحت غطائه: نعم، الأعمار بيد الله. # ونام الاثنان وهما يعلمان أن الأعمار في كفر الطين في يد إله واحد يعرفانه، ويسهران معه ~~أحيانا أمام الدكان أو في الشرفة المطلة على النيل، وأن الإله أصبح راغبا في زينب إلى ms41 ~~حد الموت، وأنه سينالها عاجلا أو آجلا، لأنه كغيره من الآلهة لا يعترف بشيء اسمه ~~المستحيل. # لم يلبث أن ارتفع شخيرهما من بطن الجسر، ووصل إلى أذني متولي الذي كان مختبئا في حقل ~~الذرة، فخرج من الحقل مباشرة ناحية الجثة، ينقل قدميه على الأرض بخطوات حذرة، يضغط على ~~قدمه اليمنى أكثر مما يضغط على اليسرى، في خطوته المميزة التي يعرفها كل أهل القرية، كخطوة ~~الكلب الأعرج. مرض بالعظام قديم، كساح أطفال أو تسوس عظام جعل ساقا أقصر من ساق. # أصبح فوق الجسر وسقط ضوء القمر عليه فبدا رأسه كبيرا بالنسبة لجسمه، وعيناه صغيرتين ~~بالنسبة لوجهه، وشفتاه كبيرتين بالنسبة لأنفه. تهدلت الشفة السفلى وانقلبت فظهر بطنها ~~الأحمر الناعم فوق لحيته الطويلة مبللا بلعاب لا يجف. # لو رآه أطفال القرية الآن لهتفوا من خلفه: «العبيط أهه.» وقد يقذفه أحدهم بحجر، أو يشده ~~من طرف جلبابه، لكنه يظل سائرا غير مكترث بهم، لعابه يجري من زاوية فمه ويسقط فوق صدره، ~~يلهث ويعرج ككلب ضال بغير صاحب. لا يراه الناس إلا سائرا من حارة إلى حارة، يتطلع إلى ~~البيوت والوجوه بعينين مبللتين وشفتين مبللتين، وفي آخر النهار يرونه جالسا على آخر ~~الجسر بجوار المقابر يهرش رأسه وجسده ويمسك القمل بأصابعه ويضغط عليه فوق ظفره ليقتله قملة ~~بعد قملة. # حين تمر به واحدة من نساء القرية تقذف في حجره نصف رغيف، أو كوز ذرة، أو حبة جميز. قد ~~تلمسه واحدة منهن بكفها وهي تقول: «بركاتك يا شيخ متولي.» فيكف لحظة عن الهرش أو تقتيل ~~القمل ويرفع يده ويمسك يدها أو كتفها أو ساقها، ما تصل إليه يده يمسكه ويضغط عليه ثم ~~يتمتم ببضع كلمات لا يفهمها أحد ولعابه يجري كالخيط الأبيض الرفيع فوق لحيته الطويلة ~~السوداء. # لمسته مرة امرأة مشلولة فشفيت، ورجل أعمى فأبصر، وقالوا إنه حبيب الله، يعرف المرض ~~ويعرف الغيب، أعطاه الله سره، والله يعطي سره لأضعف خلقه، وسموه الشيخ متولي. # لكن الحاج إسماعيل، حلاق الصحة، كان يسميه متولي المجذوب، والشيخ زهران شيخ ms42 الخفر ~~يسميه متولي المقمل، وأطفال القرية يسمونه متولي العبيط. أما هو فلم يكن يعرف سوى أنه ~~متولي ابن الشيخ عثمان الذي كان يقرأ القرآن على أرواح الموتى في المقابر، ثم مات وترك ~~له عمامة وقفطانا مهلهلا، ومشنة خبز خالية من الخبز، ومصحفا قديما ممزق ~~الغلاف. # تلفت حوله وهو يسير بخطوات حذرة سريعة، فيها عرج خفيف يقل كثيرا عن العرج الذي ~~يمشي به أمام أهل القرية، وعيناه أيضا فيهما نظرة ثابتة مركزة لم يرها أحد من قبل، ~~وشفته السفلى لم تعد متدلية ولا مبللة ولا يمكن لأحد من القرية لو رآه الآن أن ~~يتعرف عليه. # كان متجها ناحية الجسد المغطى بالعباءة، وحينما أصبح على بعد خطوات منه زحف على ~~بطنه، ثم رفع العباءة من ناحية القدمين وأدخل رأسه من تحت العباءة، ثم شد جسمه زاحفا ~~فوق الساقين ثم الفخذين. # لو فتح شيخ الخفر عينيه في هذه اللحظة لما ارتاب في شيء. فالعباءة كما هي فوق الجسد، ربما ~~كانت هناك حركة خفيفة، لكنه أشبه بحركة الهواء منها بأي شيء آخر. ثم ما هو الشيء ~~الآخر الذي يمكن أن يخطر ببال شيخ الخفر أو أي أحد من الإنس أو الجن؟ إنها قبل وبعد أي شيء ~~ليست إلا جثة، ومن ذا الذي يمكن أن يسعى إلى جثة إلا الدود؟ # لكن متولي كان كالدود يعيش في المقابر. يظل جالسا في مكانه على آخر الجسر حتى تسقط الشمس ~~في الجب العميق، فينهض بخطواته العرجاء هابطا الجسر متجها ناحية المقابر، يبحث عن مكان ~~يرقد فيه. قبل أن يرقد كان يتجول بين المقابر، ينثني من حين إلى حين ليلتقط قطعة خبز أو ~~فطيرة تركها أهل ميت. بعد أن يأكل لم يكن يرقد على الفور، بل كان ينهض ويسير بخطوات بطيئة ~~متجها نحو مقبرة من المقابر، يعرفها بحاسة الشم، ويحدد مكانها في الظلام عن طريق الرائحة، ~~الرائحة التي يعرفها جيدا ويستطيع أن يميزها عن أي رائحة أخرى، رائحة الميت الجديد، ~~أو الجسد الذي فارقته الحياة لكنه لا يزال دافئا. ms43 # بأصابعه الرفيعة المدببة ينبش التراب كقط يبحث عن قطعة لحم، وبيديه المدربتين ينزع الكفن ~~عن الجسد. يلف الكفن ككرة من القماش، يدفنها حتى الصباح في حفرة من الأرض. أما الجسد فهو ~~يزحف فوقه إذا كان أنثى، فإذا لم يكن قلبه على وجهه، ثم زحف فوق ظهره. # في الصباح يختفي متولي من كفر الطين. لا يسأل عنه أحد، ولا يعرف أحد أنه في الرملة أو في ~~بهنوت جالسا على الرصيف في زحمة السوق يبيع بعض قطع قماش جديد لا يزال يعلوه شيء من غبار ~~المقبرة. ~~••• # أقبلت العربة يسبقها صوت البوق الحاد، وتعقبها زوبعة من التراب والأطفال وكلاب القرية. ~~هبط من العربة بعض الأفندية، أحدهم من ورائه تمورجي يحمل حقيبة، والآخر من ورائه شرطي يجر ~~كلبا، وبعض الرجال الآخرين يروحون ويجيئون، ويطردون الناس بعيدا ويلسعون الأطفال على ~~أردافهم العارية بالعصا الخيزران. # كفر الطين كلها كانت فوق الجسر، الرجال بجلابيبهم وعصيهم، والنساء بالطرح السوداء، ~~والأطفال بذبابهم وأنوفهم السائلة وأردافهم العارية. ثلاثة فقط لم يظهروا فوق الجسر. زكية ~~كانت في دارها، جالسة على الأرض في المدخل الترابي وإلى جوارها زينب، صامتتين، عيناهما ~~المرفوعة إلى أعلى شاخصة إلى الطريق في غضب أشبه بالتحدي أو في تحد أشبه بالغضب. في ~~واجهتهما على مسافة غير بعيدة، كان هناك الباب الكبير قائما بأعمدته الحديدية يقود إلى ~~البيت الضخم. # كان كفراوي جالسا القرفصاء، مختبئا في حقل الذرة، حين سمع الأصوات تقترب منه، يتقدمهم ~~الكلب الذي لم يتوقف عن النباح. أدرك أنهم عرفوا مكانه فتسلل من بين أعواد الذرة وخرج إلى ~~بطن الجسر. لمحه بعض الأطفال المتجمهرين فصرخوا: «كفراوي! كفراوي!» وجروا وراءه، لكنه ~~استطاع أن يسبقهم وجرى ناحية النيل. # قبل أن يدركه الكلب، ومن خلفه رجال الشرطة، كان كفراوي قد خلع جلبابه، وألقى نفسه في ~~النيل. لم يكن كفراوي يعرف لماذا هو يهرب، أو إلى أين يذهب، لكنه كان يريد أن يفر ويجري ~~ولا يكاد يعرف تماما ما الذي حدث منذ كان راقدا إلى جوار الجاموسة. # سمع صوتا في الماء ms44 وأدرك أن رجلا يسبح بسرعة خلفه ويكاد يقترب منه، فأخذ يضرب الماء ~~بذراعيه وساقيه، متطلعا نحو الشط الآخر من النيل، كأنما هناك النجاة، وقد نسي من اضطرابه ~~أن الشط الآخر من النيل إنما هي بقية مزارع البرتقال التي يملكها العمدة. # فوق الجسر، كان يقف أهل كفر الطين يتقدمهم الضابط والكلب وشيخ الخفر وبعض الخفراء ورجال ~~الشرطة. كانت عيونهم شاخصة إلى الجسدين السابحين في النيل، يترقبون بنشوة المتفرجين في أي ~~سباق، أيهما سيفوز. حينما كانت المسافة بين الجسدين تتسع، يشعر الفلاحون بفرحة خفية غامضة، ~~يريدون أن ينجو كفراوي ولا يلحق به الشرطي، وإحساس شبه غريزي خفي بأن كفراوي ليس قاتلا ~~وليس مجرما، وكراهية خفية شبه غريزية يحسون بها نحو رجال الشرطة وكل مندوبي السلطة ~~والحكومة. عداء خفي قديم يكنه الفلاحون للحكومة، يدركون من حيث يعلمون ومن حيث لا ~~يعلمون أنها تعمل على الدوام ضدهم، وتنهب جسدهم وعرقهم. # الضابط كان يتأمل المشهد بغير حماس، ينظر في ساعته من حين إلى حين كأنما هو على موعد آخر ~~هام، ويريد أن ينتهي من هذه المهمة بأسرع ما يمكن، والكلب أيضا لم يكن يعنيه كثيرا ما ~~يدور، وقد رقد فوق الجسر يستمتع بأشعة الشمس والخضرة والنيل كأنه حرم من مشاهد الطبيعة ~~طويلا. والوحيد الذي كان قلقا هو شيخ الخفر، وكلما كانت المسافة تضيق بين الجسدين يهتف ~~مشجعا الشرطي: جدع يا بيومي! # يرن الصوت في أذني بيومي فيضرب الماء بذراعيه وساقيه بقوة لا يعرف مصدرها أو دافعها ~~الحقيقي. إنه مكلف بالقبض على ذلك المجرم، هذا هو كل ما يعرفه، ولا يفكر في أكثر من ~~ذلك. # ومنذ أن رن في أذنيه الصوت الآمر الحاد «اقبض عليه» كان يندفع منطلقا بسرعة منتظمة ~~كقذيفة أطلقها مدفع. # خرج كفراوي من الماء عاريا تماما وقفز على الشط وجرى بين أشجار البرتقال. خرج بعده ~~بيومي وقفز على الشط وراءه. بيومي كان عاريا هو الآخر إلا من سروال صغير، وجسده طويل ~~مشدود العضلات، ووجهه طويل مشدود العضلات، حاد الملامح كوجه صنع من الورق ms45 المقوى: وجه ~~شرطي ، بغير انفعال، بغير فرح أو حزن، بغير خوف أو أمل، بغير شيء سوى ذلك التعبير الوحيد ~~الذي يرتسم على وجوه رجال الشرطة، وهو تعبير لا يعبر عن شيء، كالوجه الأملس، أو كبطن ~~اليد، لا يعرف أحد حين ينظر إليه ما هي مشاعره، وما هي أفكاره؛ لأنه يبدو بغير مشاعر وبغير ~~أفكار، كوجه صنع من النحاس، كرأس المطرقة النحاسية أو الحديدية التي تعلق على أبواب ~~البيوت. وجسده أيضا مشدود صلب كأنه نحاسي، وذراعاه وساقاه وهو يسبح أو يسير أو يجري تبدو ~~كأنها نحاسية، كأطراف الرجل الآلي، لها مفاصل ولها حركة قوية بطيئة أو سريعة، ولكنها حركة ~~آلية منتظمة لا تصدر عن عضلات من لحم ودم. # رآه كفراوي وهو مختبئ وراء شجرة البرتقال فارتعد جسده بخوف غريب، كأنه يرى عفريتا ليس من ~~الإنس وليس من الجن، وليس هو حيا ولا ميتا، وليس هو آدميا مع أن له شكل ~~الآدميين. # لم يعرف لماذا بدا له هذا الوجه مفزعا أكثر من وجه الكلب الغاضب اللاهث الذي جرى وراءه ~~يريد الفتك به؛ أدرك من حيث لا يدري أن الوجه الخالي من الانفعال، وإن كان آدميا، يفزع ~~أكثر من وجه حيوان أو وحش منفعل، وإن كان الانفعال هو الغضب. # أحس كفراوي الرعب يزحف فوق جسده كبرودة مثلجة ولم يعد يشعر بجسده أهو واقف مختبئ وراء ~~شجرة البرتقال أم هو يجري بين الشجر، وذلك الشبح المفزع يسير نحوه بخطوات ثابتة حديدية لا ~~تسرع ولا تبطئ، كخطوات الزمن، كعقربي ساعة باردة وحيادية لا تعرف شيئا إلا الحركة إلى ~~الأمام بغير توقف حتى الموت. وحينما التفت الأصابع الحديدية حول ذراعيه أغمض عينيه وقرأ ~~الشهادة: «أشهد أن لا إله إلا الله»، ولم يعد يرى أو يسمع شيئا. أصبح كل شيء حوله مظلما ~~أسود ساكن الحركة والصوت، وكأنما انتقل إلى العالم الآخر. # حين فتح عينيه مرة أخرى وأبصر الأشياء وسمع الأصوات اتسعت عيناه بالدهشة. كان جالسا في ~~حجرة فسيحة مليئة بالناس الجالسين في أماكنهم ينظرون إليه، وكان أمامه ms46 ثلاثة من الرجال ~~جلسوا من خلف شيء خشبي عال أشبه بالمنضدة. # أحد الرجال كان يلوح بيده في غضب وينظر إليه مهددا؛ تلفت كفراوي حوله لا يعرف شيئا ~~عما يدور حوله، وفجأة أحس بأصبع قوي يلكزه في كتفه كالمسمار، وصوت حاد يخترق أذنيه: ألا ~~تسمع؟ لماذا لا ترد؟ # وفتح كفراوي شفتيه وقال: هل يكلمني أحد؟ # ورد الصوت الحاد: نعم. هل أنت نائم؟ # استيقظ وأجب على أسئلة السيد البيه. # لم يفهم كفراوي من هو هذا السيد البيه، ولم يعرف أين هو بالضبط، كل ما أدركه أنه لم يعد ~~في كفر الطين، وأنه قد يكون في بلد آخر، أو في عالم آخر، لم يعرف كيف حملوه أو كيف أتوا به ~~إلى هنا. # وفجأة سمع صوتا يقول له في غضب: ما اسمك؟ # ورد كفراوي: كفراوي. # وعاد الصوت الغاضب: عمرك؟ # وتردد كفراوي لحظة ثم قال: أربعون أو خمسون. # سمع الناس يضحكون ولم يعرف سبب ضحكهم. # عاد الصوت الغاضب: أنت متهم بقتل علوان، وخير لك أن تعترف بدلا من تضييع الوقت. # وقال كفراوي: أعترف بماذا؟ # رد الصوت: بأنك قتلت علوان. # قال كفراوي: أنا لم أقتله. علوان رجل طيب. # قال الصوت: ألم تسمع أنه هو الذي اعتدى على ابنتك نفيسة؟ # قال كفراوي: سمعتهم يقولون علوان. # سأل الصوت: ألم تفكر في قتله بعد أن سمعت ذلك؟ # رد كفراوي: لا. # سأل الصوت: لماذا؟ # قال كفراوي: لم أفكر. # سأل الصوت: هل هذا شيء طبيعي لأي رجل اعتدي على شرفه؟ # رد كفراوي: لا أعرف. # سأل الصوت في غضب: هل هذا طبيعي؟ # رد كفراوي: ما معنى طبيعي؟ # سمع كفراوي الضحك مرة أخرى. تلفت حوله في دهشة. لم يعرف لماذا يضحك الناس. خيل ~~إليه أنهم يضحكون على شيء آخر لا علاقة له به. # سأل الصوت: لماذا بقيت في الحقل وقت صلاة الجمعة ولم تذهب إلى المسجد ككل رجال ~~القرية؟ # رد كفراوي: كانت نفيسة تحرس الجاموسة حين أذهب إلى المسجد. # سأل الصوت: ألم تكن تعرف أن علوان لا يذهب إلى المسجد ككل رجال كفر ms47 الطين يوم ~~الجمعة ؟ # رد كفراوي: بلى. # سأل الصوت: كنت تعرف أم كنت لا تعرف؟ # قال كفراوي: كنت أعرف. كل الناس تعرف أن علوان لم يكن يذهب إلى المسجد. # سأل الصوت: لماذا؟ # رد كفراوي: لا أعرف. يقولون إن جده لأمه كان قبطيا، والله أعلم. # سأل الصوت: هل كنت تكره علوان؟ # رد كفراوي: لا. # سأل الصوت: ألم تعتقد أن رجلا مثله كان يجب أن يؤدي الفرائض ويصلي؟ # رد كفراوي: علوان رجل طيب. # سأل الصوت: ألا تعرف أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ # قال كفراوي: سمعت الشيخ حمزاوي يقول ذلك. # قال الصوت: وقد اعتدى على ابنتك وارتكب الفحشاء ... # رد كفراوي: يقولون هذا. # سأل الصوت: وبعد كل ذلك، ألم تفكر في قتله؟ # رد كفراوي: لا. # سأل الصوت: لماذا لم تفكر في قتله؟ # رد كفراوي: علوان رجل طيب. # سأل الصوت: ألا تهتم بموضوع الشرف؟ ألا يهمك شرفك وشرف ابنتك؟ # سكت كفراوي قليلا ثم قال: بلى. # قال الصوت: لهذا قتلت علوان؟ # رد كفراوي: لم أقتله. # سأل الصوت بغضب: لماذا وجدوك إلى جوار الجثة؟ # سكت كفراوي محاولا أن يتذكر لكنه عجز عن التذكر، فلم يرد. # وسأل الصوت في غضب: لماذا جريت وحاولت الهرب؟ # رد كفراوي: كنت خائفا من الكلب. # سأل الصوت: هل تعرف لماذا اختارك الكلب من دون الرجال وجرى وراءك؟ # رد كفراوي: لا. الكلب هو الذي يعرف. # سمع الضحك مرة أخرى، فتلفت حوله في دهشة لا يدري لماذا يضحك الناس. # قال الصوت بغضب شديد: لا تحاول أن تمكر علي، وخير لك أن تعترف، وإلا فهل تعرف ماذا ~~ينتظرك؟ # رد كفراوي: لا. # ورن الضحك في أذنيه وتلفت حوله في ذهول ودهشة، ثم أحس بأصابع حديدية تقبض على ~~ذراعه وتسوقه إلى سرداب طويل مظلم، وأغمض عينيه وقرأ الشهادة مرة أخرى. ~~••• # زكية لا تزال جالسة على الأرض في المدخل الترابي، وإلى جوارها زينب، صامتتين ... عيناهما ~~شاخصة إلى الطريق، مرفوعة في غضب أشبه بالتحدي، أو في تحد أشبه بالغضب. في مواجهتهما لا ~~يزال هناك الباب الكبير بأعمدته الحديدية الطويلة، يسد ms48 أمامهما الطريق، يحجب الجسر ~~والنيل، ويظهر من ورائه العمدة من حين إلى حين، طويلا عريضا، يحيط به الرجال من كل جانب، ~~يسير أمامهم بخطواته البطيئة الثابتة فوق الأرض، وفي عينيه نظرة زرقاء عالية مرفوعة نحو ~~السماء، لا ينظر إلى تحت، ولا يرى الأرض، ولا يرى أن زكية وزينب جالستان على الأرض في مدخل ~~البيت الترابي، شاخصتين صامتتين لا يرمش لهما جفن ولا تسقط لهما دمعة. # يدا زكية الكبيرتان راقدتان في حجر جلبابها الواسع الأسود، مشققتان غليظتان، حفر عليهما ~~مقبض الفأس، وأظافرهما سوداء تفوح منها رائحة الطين والسماد، ترفعهما أحيانا وتمسك رأسها، ~~أو تمسح العرق اللزج من فوق جبهتها، أو تهش ذبابة أو بعوضة. زينب إلى جوارها جالسة، يداها ~~تعملان طول الوقت في تنقية الغلة أو عجن الروث بالتبن وتقطيعه دوائر بحجم الرغيف، وأحيانا ~~تنهض وتحمل الجرة فوق رأسها وتسير إلى الجسر بجسمها الطويل الفارع، وعينيها السوداوين ~~المرفوعتين، لا تنظر إلى أحد، ولا تلتفت ناحية بيت أو دكان، ولا تبتسم لأحد ولا تقول ~~«العواف» لأية امرأة أو رجل، كما تفعل غيرها من النساء والبنات. وحينما تمر من أمام دكان ~~الحاج إسماعيل تسرع الخطى، تكاد تحس فوق ظهرها لسعة العينين الزرقاوين، بنظرتهما ~~الحادة القوية الثابتة لا تلين ولا تهدأ، تكاد تشق جلبابها من فوق جسدها، وتلتهم ساقيها ~~الطويلتين الممشوقتين تصعدان إلى فخذين ممتلئتين لهما استدارة أنثوية ناعمة كفخذي أختها ~~نفيسة، تزيد استدارة ونعومة عند ردفيها الملفوفين الصاعدين بحدة إلى خصر ضامر مشدود وظهر ~~مرفوع قوي العضلات؛ ترفع زينب طرحتها بيدها وتخفي وجهها وصدرها، لكن النظرة الحادة ~~الثابتة لا تلين ولا تهدأ، تشق جلبابها الواسع وهي تصعد الجسر أو تهبط، تلتهمها من الخلف ~~ثم تدور حول جسدها العاري لتلتهم نهديها الصغيرين المدببين وهما يصعدان ويهبطان مع ~~حركة قدميها السريعتين ومع دقات قلبها وأنفاسها اللاهثة، وشفتاها الممتلئتان منفرجتان ~~تعلوهما رعشة، ووجهها أحمر بلون الدم. # تصل زينب إلى البيت فتضع الجرة على الأرض، وتجلس إلى جوار عمتها زكية وهي لا تزال تلهث، ~~قلبها لا يزال ms49 يدق، وصدرها يعلو ويهبط، وحبات عرق لا تزال عالقة بجبهتها لم تسقط ولم ~~تجف. # ترمقها عينا زكية في صمت، ثم تنفرج شفتاها الجافتان المطبقتان عن صوت خافت كالهمس: ما ~~لك يا زينب يا ابنتي؟ # تسكت زينب ولا ترد. تظل زكية صامتة طول الوقت، ثم تنفرج شفتاها مرة أخرى عن صوت ~~خافت كأنما تكلم نفسها: يا ترى أين أنت الآن يا جلال يا ابني، حي أنت أم ميت؟ لو أعرف ~~أنه مات يا رب لاستراح قلبي، وهذا كفراوي أيضا يذهب، يا ترى سيعود إلينا أم لن يعود، يا رب ~~ألم يكف جلال ونفيسة، فيصبح كفراوي أيضا؟ لم يعد لنا أحد يا رب، والدار أصبحت خالية، ~~وزينب لا تزال صغيرة، وأنا أصبحت عجوزا ... ومن سيرعى الجاموسة والحقل؟ # ترد زينب وهي تجفف عرقها بطرف طرحتها: أنا كبرت يا عمتي، وسوف أرعى الجاموسة والحقل ~~والدار وكل شيء حتى يعود أبي. أبي سيعود، وسيعود جلال أيضا، ونفيسة ... # وترد زكية: من يذهب هناك لا يعود يا ابنتي. # تقول زينب: ربنا يعرف حالنا ولن يتركنا يا عمتي. تهمس زكية كأنها تكلم نفسها لن يعود ~~أحد. الذي يذهب لا يعود. وكفراوي أيضا لن يعود. # وتقول زينب بحماس: أبي سيعود يا عمتي. سيقول لهم إنه لم يقتل أحدا وسوف يصدقونه. كل ~~الناس تعرف أن أبي رجل طيب لا يمكن أن يقتل. # تتنهد زكية: الناس هنا تعرفه يا زينب، ولكن هناك لا أحد يعرفه. لو كان جلال هنا لذهب معه؛ ~~جلال يعرف الناس هناك وكان يمكن أن يساعده، لكن جلال ليس هنا. جلال كان يساعد الغرباء، فما ~~بال خاله كفراوي؟ # ردت زينب: ربنا سيساعده. # تنهدت زكية: ربنا لا يكفي يا ابنتي! # رمقتها زينب بعينيها السوداوين اللتين اتسعتا في دهشة وقالت: أستغفر الله العظيم. ربنا ~~كبير يا عمتي، ويساعد كل مظلوم. قومي توضئي وصلي وادعي الله ليساعدنا. # أشاحت زكية بيديها: ياما صليت وياما دعيت يا زينب، وكل يوم لا نرى إلا مصيبة وراء ~~مصيبة! # لم يكن صوتها غاضبا، بل كان خافتا ms50 هادئا وباردا كقطعة الثلج. لكن عيني زينب اتسعتا ~~بالدهشة حين نظرت في عينيها، ورأتهما مرفوعتين شاخصتين نحو السماء في نظرة غريبة، جعلت ~~الشعر فوق جسدها ينتصب بقشعريرة غامضة، وارتجفت يدها وهي تمتد لتمسك يد زكية، وقالت لها: ~~ما لك يا عمتي؟ يدك باردة كقطعة من الثلج؟ # لم ترد زكية عليها، وظلت عيناها السوداوان مفتوحتين، متسعتين، شاخصتين في ~~الفراغ، فارتعدت يد زينب وهي تهزها في كتفها: ما لك يا عمتي؟ # حينما لم ترد زكية وعيناها ظلتا واسعتين سوداوين لا يرمش لهما جفن، صرخت زينب صرخة ~~عالية وهي تلطم وجهها: عمتي يا ناس! عمتي زكية!! # لم تسمع زكية الأصوات ولم تر الأجسام التي ملأت مدخل البيت الترابي والدار والحارة وحجبت ~~عن عينيها الباب الكبير، لكن الأعمدة الضخمة ظلت أمام عينيها كالسيقان الحديدية الطويلة ~~تزحف نحوها ببطء وهي راقدة على بطنها في المدخل الترابي، تلعق التراب بلسانها، واللعاب يسيل ~~من فمها وأنفها وعينيها، وتبكي بصوت عال لتسمعها أمها وتأتي لتحملها بين ذراعيها بعيدا ~~عن أقدام الجاموسة، لكن الجاموسة تقترب منها وتكاد تدوسها، لولا أن أمها تأتي أخيرا ~~وترفعها. حلم غريب ظل يتردد على نومها، أحيانا ترى جسدها يسقط من فوق جبل عال ثم ~~يغرق في النيل، لكنها تسبح بكل قوتها رغم أنها لا تعرف السباحة وتكاد تصل إلى نهاية الطريق ~~لكنها ترى بابا أو نافذة عليها قضبان من الحديد، وهي راقدة على الحصيرة بين زوجها عبد ~~المنعم وابنها جلال. تفتح عينيها وهي نائمة بينهما على صوت أنفاسها؛ ترى من وراء النافذة ~~الحديدية رجلا غريبا يجر عربة يد عليها كوارع ورأس وكرشة، العربة لا يزال يتساقط منها ~~الدم، عينا الرجل تنظران إليها وهو يقترب منها، وتمتد يده الطويلة ليشد الخلخال من قدمها. ~~حين يقترب ترى أن عيني الرجل هما عينا أم صابر، وأم صابر تشدها من ساقها وتشد فخذها ~~لتبعده عن الفخذ الآخر، ثم تضع الموس البارد على عنقها وتذبحها، تحاول أن تصرخ لكنها لا ~~تستطيع، وتحاول أن تجري هاربة لكنها لا تستطيع، كأنما ms51 تسمر جسدها في الأرض ... تحرك رأسها ~~فترى ابنها جلال نائما إلى جوارها، تحاول أن تضمه إليها لكن يدها لا تصل إليه، تحس من ~~الناحية الأخرى يدا تقبض عليها وترى زوجها عبد المنعم راقدا، لكنه ينهض بسرعة ويضربها على ~~رأسها وصدرها وبطنها، وترتطم قدمه ببطنها الحامل فتصرخ، لكن صوتها لا يخرج، وتراه يقترب ~~منها ويشق جلبابها بأصابعه، وتضغط أصابعه على ثديها، ثم تزحف إلى بطنها وتهبط إلى ~~فخذيها، وتحس جسده القوي الثقيل فوقها يضغط ويضغط، ويهز الأرض هزا شديدا. لم يستيقظ ~~ابنها جلال على صوت هزات الأرض، لكنها فتحت عينيها ولم تر وجه عبد المنعم زوجها وإنما وجه ~~كفراوي أخيها، فشهقت مذعورة وندت عنها صرخة لم يسمعها أحد، وأخفى كفراوي وجهه في الحصيرة ~~وسمعت صوته وهو ينشج بالبكاء كأنفاس متقطعة؛ مدت يدها وأمسكت رأسها، ورفعت وجهه من فوق ~~الحصيرة، فرأت أنه وجه جلال ابنها. مسحت دموعه بكفها، وغسلت له فمه وأنفه بماء الزير، لكن ~~أنفه يظل يسيل، وفمه يظل مفتوحا يندفع منه الماء، ومن حوله على الأرض يتجمع الماء ~~وبراز سائل كالماء، يتجمع على شكل بركة صغيرة، لا تلبث أن تجف، ويجف أيضا جسد ابنها وينكمش ~~كالأرنب الصغير، تنبش الأرض بأصابعها وتدفنه كما الأرنب الميت. يعود زوجها عبد المنعم من ~~الحقل، وحين لا يجد ابنه يضربها في رأسها وبطنها، في كل مرة يموت لها ولد يضربها، وفي كل ~~مرة تلد له بنتا يضربها، ولدت عشرة أولاد وست بنات، ماتوا جميعا إلا جلال، الوحيد الذي ~~كبر وعاش. # تتلفت زكية حولها وترى عيونا تحدق في وجهها فتقول كأنما تكلم نفسها: «جلال الوحيد ~~الذي كبر وعاش، ولكنه ذهب هو الآخر ولم يعد. وكفراوي ذهب، ونفيسة ذهبت، والدار أصبحت ~~خالية، وزينب لا تزال صغيرة، وأنا أصبحت عجوزا، ولا أحد سيرعى الحقل والجاموسة.» # وتسمع أصواتا كثيرة ترد في نفس واحد: «ربنا كبير يا زكية، ادعي ربنا يرجعهم ~~بالسلامة.» # وترد وهي لا تنظر إليهم: «ياما دعيت، ياما صليت، وياما قلت يا رب، ولا أحد يرد ولا أحد ms52 ~~يسمع.» # وتهتف الأصوات الكثيرة في نفس واحد: أستغفر الله. # أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~••• # زكية لا تزال جالسة على الأرض، تغمض عينيها ثم تفتحهما، ثم تعود وتغمضهما. إذا ~~أغمضت عينيها تراءى لها الباب أو النافذة ذات الأعمدة الحديدية والرجل ذو العربة يحمل ~~عليها الكوارع والرأس المذبوح، يشد قدمها ثم ساقها ثم فخذها، يحاول أن يذبحها؛ تفتح ~~عينيها مذعورة وترى وجوها كثيرة لا تعرفها، تتعرف من بينها على وجه زينب، وإلى جوارها أم ~~صابر جالسة القرفصاء أمام وعاء من الصفيح، فوق موقد تتصاعد منه أبخرة البخور، والأصوات ~~كثيرة، لا تكاد تتبين الكلمات لكنها ترى الحركات، لا تعرف تماما ماذا يفعل هؤلاء الرجال ~~والنساء، مجموعة من النساء كانت تدور حول نفسها كأنما ترقص حول الأبخرة المتصاعدة، أردافهن ~~وأثداؤهن تهتز مع دقات الطبول القوية، وشعورهن الطويلة انطلقت من الضفائر وأصبحت تهتز بعنف، ~~وأفواههن مفتوحة عن آخرها ينشدن في نفس واحد: «شيخ محضر يا شيخ محضر، اللي عليه عفرت ~~يحضر!» ومجموعة أخرى من الرجال كانوا يرقصون ويهتزون على دقات الطبول، وعلى رءوسهم غطاء ~~أبيض طويل يتدلى وراء ظهورهم. # أم صابر تروح وتجيء بين النساء والرجال بملاءتها السوداء وجسدها القصير النحيل بغير ثديين ~~لكن ردفيها كبيران يهتزان بعنف. من يراها من الأمام يظن أنها رجل، ومن يراها من الخلف ~~يقول إنها امرأة، من يرى جسمها وحركتها السريعة النشيطة يظن أنها شابة، ومن ينظر في ~~وجهها يدرك أنها عجوز، تحرك جسمها وسط الرجال كما تحركه وسط النساء، وتضرب الرجال على ~~أفخاذهم كما تضرب النساء، ترقص وتضحك وتلطم وتولول، تحكي النكات النابية بالطريقة نفسها ~~التي تتلو بها التعاويذ والآيات القرآنية، لا أحد يظن بها سوءا؛ فهي في نظر أهل كفر الطين ~~أم صابر الداية، ليست امرأة وليست رجلا، كائن بغير جنس، وبغير أسرة، وبغير أقارب. تعيش ~~وحدها في بيت طيني مظلم إلى جوار بيت نفوسة الغازية وراء الخرابة خلف الجامع، لا يعرفون ~~من أين جاءت ولا متى ولدت ms53 ولا يتصورون أنها يمكن أن تموت؛ فهم يرونها في حركة مستمرة لا ~~تنقطع ليل نهار، تخرج من بيت لتدخل إلى بيت، تولد النساء، تطهر البنات، تثقب الآذان ~~وترش الملح في السبوع، وتحمي الأم في الأربعين، تشترك في جميع الأفراح والأحزان، في ~~الأفراح تزغرد وتصبغ أقدام النساء والبنات بالحنة الحمراء، وفي ليالي الزفاف تفض بكارة ~~العروس أو تصبغ البشكير بدم دجاجة أو أرنب، وفي الأحزان تندب وتلطم خديها وتغسل الميت ~~إذا كان أنثى، وتحل مشاكل النساء والبنات، فتجهض الحوامل بأعواد الملوخية، تخنق المولود ~~أو تترك حبله السري ينزف ولا تربطه بالفتلة الحرير. أهل كفر الطين جميعهم يعرفونها؛ فهي ~~جزء من كل بيت، لا يقوم أي بيت بدونها. توفق الرءوس في الحلال، تخطب العرسان وتزوج ~~البنات، تحمي الشرف والعرض وتتستر على الشرف والخيانات والفضائح والمصائب. تعالج المرضى ~~بوصفاتها البلدية وتشترك في الزار؛ ترقص وتغني وتذبح الذبيحة، وترش الدم وتحرق البخور ~~وتأخذ الأثر. وحينما لا يكون هناك فرح ولا حزن ولا مرض ولا مصيبة ولا زار تحمل سلتها ~~الكبيرة وتدور على البيوت؛ تبيع المناديل والبخور واللبان، وتشوف البخت والفنجان. # العرق يتصبب من وجه زكية وهي راقدة أو جالسة أو واقفة لا تكاد تعرف، ومن حولها ~~الأجساد تهتز، تترنح، وتسقط على الأرض ثم تنهض مرة أخرى. العرق يتصبب من ~~الأجساد، الرجال والنساء على السواء، تتعرف على النساء من أثدائهن وأردافهن الكبيرة التي ~~تهتز بعنف، وتتعرف على الرجال من شواربهن السوداء أو لحاهم ذات الشعر الطويل ~~الغزير. # العرق يتصبب من وجهها وجسدها أيضا، وترفع يدها لتمسح العرق، لكنها ترى العرق أحمر ~~بلون الدم، وأم صابر تملأ كفيها بدم الديك المذبوح ثم ترش وجهها وعنقها وصدرها ~~وبطنها. أيادي الرجال والنساء تعتصر جسد الديك المذبوح وترشها بالدم. أحد الرجال ملأ كفه ~~بالدم، ثم رش عنقها وصدرها، امتدت يده داخل فتحة جلبابها ودهن ثدييها بالدم. تزاحمت ~~الأيدي فوق جسدها ترشه وتدهنه وتدلكه وتقرصه. امتدت يد غليظة، لم تعرف يد رجل هي أم يد ~~امرأة، ورشت الدم بين فخذيها ms54 ثم قرصتها. صرخت ولطمت خديها وسمعت الجميع من حولها ~~يصرخون: «شيخ محضر يا شيخ محضر، اللي عليه عفريت يحضر!» اختلط الصراح والعويل في أذنيها ~~بدقات الطبول وإيقاع الأقدام، واختلط العرق بالدم، واختلطت الوجوه، لم تعد تعرف وجه أم ~~صابر من وجه الشيخ متولي، ولم تعد تعرف زينب من نفوسه الغازية. أصبح جسد زينب طويلا ~~ملفوفا يتثنى ويتمايل ويترنح كجسد نفوسة الغازية، وشعرها أصبح كشعرها بغير ضفائر، طويلا ~~منكوشا تقذفه إلى الأمام فيصبح فوق نهديها البارزين المدببين، ثم تقذفه مع جسدها إلى ~~الخلف فينسدل فوق ظهرها وتضرب أطرافه ردفيها المستديرين البارزين، جلبابها أصبح مشقوقا من ~~الذيل حتى خصرها، تضرب الأرض بقدمها فينفتح الجلباب وتظهر استدارة فخذها الناعمة البيضاء، ~~ترفع ساقها في الهواء ثم تضرب الأرض بقدمها الأخرى؛ فيتسع الشق وتظهر من الجانب باستدارة ~~ثديها الناعم، هابطة إلى بطن ناعم مستدير، يرتعش وينتفض مع دقات الطبول في هزات عنيفة، ~~والأجساد من حولها تترنح وتسقط ثم تنهض مرة أخرى. اختلطت أجساد النساء بالرجال، وأصبحوا ~~يدورون في حلقة واحدة، يتوسطها جسد نفوسة الغازية ومن حوله يدور الشيخ متولي، ترتطم يده أو ~~قدمه أو ركبته في كل دورة بثديها أو فخذها أو بطنها، وهي تشد شعرها الطويل وتصرخ، والشيخ ~~متولي يصرخ، والجميع يصرخون في نفس واحد: «شيخ محضر يا شيخ محضر، اللي عليه عفريت ~~يحضر!» # خيل لزكية أن جسدها أصبح يتحرك وحده، وأنها رأت قدميها تسيران نحو الحلقة الراقصة ~~وجسدها يدس نفسه بين الأجساد، يتحرك معهم، يهتز ويترنح، وشعرها سقطت عنه الدوبارة ~~الصوفية وانسدل فوق وجهها كالغمامة السوداء، وأحست أصابع قوية تلدغها في ثديها لدغة ~~عنيفة كلدغة ثعبان بل أشد، صرخت بأعلى صوتها، فتحت فمها عن آخره وظلت تصرخ وتولول بغير ~~توقف، صرخة حادة طويلة امتدت طول عمرها الذي مضى، صرخة مكبوتة مختزنة في جسدها منذ ~~ولدت، منذ سمعت أباها يضرب أمها لأنها لم تنجب ذكرا، منذ تعلمت المشي وسارت وراء ~~الحمارة فوق الأرض الملتهبة تلسع بطن قدميها، منذ تعلمت الأكل وحرقت معدتها الشطة والمخلل، ms55 ~~منذ شدتها أم صابر وطهرت ما بين فخذيها، منذ أصبح لها ثديان يقرصها فيهما الرجال، منذ ضربها ~~عبد المنعم زوجها ثم صعد فوقها بجسده الثقيل الضخم، منذ حملت وولدت ونزفت ودفنت ~~أولادها واحدا وراء الآخر، منذ ارتدى جلال بدلة الجيش وذهب ولم يعد، منذ أن غابت نفيسة ~~وغنى الأطفال نفيسة وعلوان، منذ أن جاءت العربة بالأفندية والكلب ثم ذهبوا ومعهم ~~كفراوي. # صرخة طويلة ممدودة بامتداد عمرها، أطلقتها وهي تمزق شعرها وجلبابها وتغرز أظافرها في ~~لحم جسدها لتمزقه، وأم صابر لا تزال تملأ كفيها من دم الديك المذبوح وترش وجهها وعنقها ~~وثديها وبطنها وظهرها: اصرخي يا زكية ليخرج العفريت من جسدك، اصرخي يا زكية بأعلى صوتك! ~~وتصرخ زكية، وتصرخ أم صابر وتصرخ نفوسة الغازية، وتصرخ زينب، ويصرخ الشيخ متولي، ويصرخ كل ~~الرجال وكل النساء في كفر الطين صرخة طويلة حادة ممطوطة وممدودة بامتداد أعمارهم منذ ~~ولدوا ومنذ ضربوا ومنذ قرصوا، ومنذ لدغوا، ومنذ حرقت الأرض أقدامهم، وحرق الملح بطونهم، ~~وكوى المر أكبادهم، وأخذ الموت صبيانهم وبناتهم. ~~••• # لكن العفريت لم يغادر زكية، ظل راكبا جسدها جاثما فوق صدرها، تلهث وهي جالسة، وتراه ~~راقدا على صدرها، وحين يرفع وجهه إليها ترى ابنها جلال؛ فتشد ثديها من فتحة ثوبها وتدس ~~الحلمة السوداء في فمه، لكنها سرعان ما تكتشف أنه ليس ابنها، وإنما هو زوجها عبد المنعم؛ ~~فتبعده عنها بحركة قوية من يدها، وحينما ينظر إليها ترى عيني كفراوي؛ فتشهق مذعورة، ~~ويختفي لحظة وراء الباب أو النافذة الحديدية، ثم يعود يجر عربة اليد ومن فوقها الكوارع ~~والرأس المذبوح يتساقط منه الدم. تنكمش في جلبابها وتبصق في فتحة جلبابها وتنادي على ابنة ~~أخيها زينب، وتمسك يدها وهي تتلفت حولها بعينيها السوداوين المذعورتين: زينب يا بنتي لا ~~تتركيني وحدي ... أنا خائفة. العفاريت تطاردني من وراء النافذة الحديدية. # وتنظر زينب حولها فلا ترى شيئا وتقول لعمتها: ليس هنا نافذة حديدية يا عمتي. # وتشير زكية بأصبع مرتجف ناحية الباب الحديدي الكبير قائلة: هي النافذة. # وتتبع عينا زينب أصبع عمتها ms56 وترى باب بيت العمدة الحديدي؛ فتقول لها وهي تربت على كتفها: ~~إنه باب بيت العمدة يا عمتي. لا تخافي، وحاولي أن تنامي. سآخذ الجاموسة إلى الحقل وأعود ~~إليك قبل المغرب. # وتتشبث زكية بجلباب زينب: لا يا زينب يا ابنتي، لا تتركيني وحدي. # وترد زينب: ومن سيذهب إلى الحقل يا عمتي؟ ومن سيطمعنا إذا بقيت إلى جوارك هنا في ~~الدار؟ # وتقول زكية: جلال أخذ الجاموسة وذهب إلى الحقل، وأنت يا زينب ابقي هنا معي، لا تتركيني ~~وحدي. وتمسح زينب دموعها وهي تقول: جلال يا عمتي لم يذهب إلى الحقل، ولا بد أن أذهب أنا ~~لأجمع المحصول وأسد دين الحكومة، وإلا أخذوا منا الأرض وأصبحنا نشحذ على أبواب ~~الناس. # ورن صوت رجل من فوق عتبة الباب يقول: كيف تشحذ زينب وزكية ونحن في كفر الطين؟ # واستدارت زينب لترى وجه الحاج إسماعيل، ينظر إليها بعين واحدة وعينه الأخرى تهرب في ~~الاتجاه الآخر. # وقالت زينب: لا بد أن أذهب إلى الحقل يا حاج إسماعيل، وعمتي زكية كما ترى مريضة، ولم ~~تعد تأكل ولا تشرب، ولا تنام، وترى من حولها خيالات وتسمع أصواتا وتخاف. # رد الحاج إسماعيل: زكية ركبها عفريت يا زينب، ولن يترك جسدها إلا إذا سمعت كلامي ~~وعملت الوصفة التي سأدلك عليها. # ردت زينب وهي تمسح دموعها: أنا مستعدة أعمل أي شيء يا حاج إسماعيل من أجل أن تشفى عمتي ~~زكية. # فتح الحاج إسماعيل حقيبته القديمة وأخرج ورقة طويلة كتب عليها بعض الآيات، فقرأ عليها ~~بعض التعاويذ غير المفهومة ثم طواها وأدخلها في كيس قذر من الدمور وعلقها في عنق ~~زكية، وهو يتلو الآيات والتعاويذ ويتمتم ويبسمل ويحوقل ويمسح رأسها ووجهها وصدرها ~~بكفيه وظهر يديه. # مسح وجهه بيديه وقال لزينب التي جلست إلى جوار زكية: هذا الحجاب له فعل السحر، ثمنه فقط ~~خمسة قروش. والآن اسمعي يا زينب كلامي جيدا، ونفذيه بالحرف الواحد من أجل أن تشفى ~~زكية. يوم الخميس القادم تأخذين عمتك وتركبين الكافوري إلى باب الحديد، ومن باب الحديد ~~تأخذين الترام ms57 إلى السيدة زينب ؛ ستجدين المولد والذكر وأهل الله الصالحين، وتبيتين ليلة ~~الجمعة أنت وعمتك في حضن السيدة. صباح الجمعة ترفعين يديك لله وتقولين: يا رب! اسمعني يا ~~رب! عمتي زكية تابت إليك من كل ذنوبها، فاغفر لها أنت الغفور الرحيم. سيسمع الله دعوتك، ~~وترين وليا من أولياء الله يقبل نحو عمتك زكية، ويرفع عن عنقها هذا الحجاب ثم يعلقه ~~مرة أخرى وهو يقول لها وصية معينة، بعد أن يقول الوصية لعمتك يجب أن تعطيه عشرة قروش فضية ~~ثم تعودي بعمتك إلى هنا لتنفذي ما قاله بالحرف الواحد. احفظي كلامه جيدا لأن ما ~~يقوله لك هو أمر الله، إذا لم تنفذيه ظل غضب الله على عمتك زكية باقيا والعفريت يظل راكبا ~~جسدها. # ردت زينب بأمل وحماس: ربنا يطيل عمرك يا حاج إسماعيل. أنا مستعدة آخذ عمتي إلى السيدة ~~(شي الله يا ست) ومستعدة أن أفعل أي شيء يأمر به الله. # ليلة الخميس جاءت أم صابر وحممت زكية بماء النيل الطاهر، وربطت زينب طرف طرحتها حول بضعة ~~قروش جمعتها لها بعض الجارات، ثمن الكافوري وثمن الترام، وخمسة قروش ثمن الحجاب وبريزة ~~(عشرة قروش) فضية الثمن الذي ستدفعه لتعرف أمر الله. همست زكية تكلم نفسها: «حتى الله يريد ~~أن ندفع له يا زينب يا بنتي، وهو يعلم أننا لا نملك شيئا.» # وترد زينب: لا تحملي هم شيء يا عمتي، خير ربنا كثير، وأهل الخير كثيرون، المهم أن ~~يغفر الله لك، ويطرد عنك هذه الروح الشريرة. ~~••• # قبل أن يظهر ضوء الشفق الأحمر ناحية الشرق، وقبل أن يرتفع في الظلام صوت الديك أو أذان ~~الشيخ حمزاوي لصلاة الفجر، انفتح الباب الخشبي الكبير، محدثا ذلك الصرير كصرير الساقية ~~العتيقة، وظهر شبحان طويلان، تنسدل فوق رأسيهما وظهريهما الطرحة الطويلة السوداء. سقط ضوء ~~الفجر على وجه زينب الطويل الشاحب وظهرت عيناها السوداوان الواسعتان مرفوعتين في غضب أشبه ~~بالتحدي أو في تحد أشبه بالغضب، وإلى جوارها وجه زكية نحيلا هزيلا مليئا بالتجاعيد، ~~وعيناها واسعتان شاخصتان إلى الأمام غير مستسلمتين. ms58 # تنقشع الظلمة قليلا عن وجه النيل؛ فتبدو أمواجه الهزيلة كتجاعيد وجه عجوز منكسرة وشبه ~~مستسلمة للقضاء والقدر. يهب الهواء ويتطاير التراب من فوق الجسر إلى المنخفض حيث ترقد ~~البيوت الطينية السوداء بأسطحها المتعرجة، تعلوها أكوام القش والحطب والجلة، ونوافذها ~~الصغيرة كثقوب في الجدران، وأبوابها الخشبية، وجدرانها مدهونة بالطين، فيما عدا بيت ~~العمدة الكبير، جدرانه حمراء بنيت بالطوب الأحمر، وبابه حديدي كبير، ونوافذه عالية ~~واسعة، وسطحه مرتفع يزيد في ارتفاعه عن مئذنة الجامع، ولا يغطيه قش ولا حطب ولا جلة، ~~أرضه نظيفة لامعة بنيت بالأسمنت المسلح. # سارت زينب وإلى جوارها زكية، تنظران إلى الأمام، ومن خلفهما يرتسم فوق الجسر الترابي ~~أربعة أقدام كبيرة بأصابعها الخمس، أصابع زينب أصغر قليلا من أصابع زكية، تضغط على الأرض ~~بقوة أكثر، وساقاها الطويلتان تضربان الجلباب من الخلف ضربات قوية منتظمة، وعيناها ~~تمتدان بامتداد النيل وامتداد شريط الحقول الموازي للنيل، لا ترى لهما نهاية، ولا تكاد تعرف ~~أين يمكن أن تكون السيدة، وأين يمكن أن يظهر الكافوري الذي سيحملهما إلى باب الحديد. زكية ~~إلى جوارها أصبحت تلهث؛ أسندت ذراعها على كتف ابنة أخيها وواصلت السير صامتة. # عند المنحنى، كانت هناك شجرة جميز ورجل عجوز وامرأة شابة جالسان تحت الظل ومعهما قفص ~~صغير. توقفت زينب وسألت عن الكافوري، فقال لها الرجل العجوز: نعم يا ابنتي، انتظري معنا ~~هنا؛ نحن أيضا ذاهبان إلى السيدة. # جلست زينب وزكية على الأرض الترابية إلى جوارهما. أخذ الرجل العجوز ينقل عينيه من زينب ~~إلى زكية، ثم سأل زينب: أمك مريضة يا ابنتي؟ # ردت زينب: عمتي زكية، أمي ماتت من زمن يا عم. # رد الرجل: الله يرحمها يا بنتي، كلنا سنموت. الموت مكتوب علينا، ولكن المرض ربنا يكفيك ~~شر المرض. # نظرت زينب إلى المرأة الشابة الجالسة إلى جواره، رأت عينيها تمتدان بعيدا نحو الأفق، ~~ولا يبدو عليها أنها تتابع الحوار الدائر أو حتى تسمعه. # وسألت زينب: أهي ابنتك يا عم؟ # رد الرجل: إنها زوجتي. كانت في أحسن صحة، ولكن لا أعرف ما الذي ms59 حدث لها، في يوم وليلة ~~تغيرت وأصبحت لا تأكل ولا تشرب ولا تنام، تلكم نفسها، وترى خيالات وتصرخ بالليل، ذهبت بها ~~إلى كل المشايخ وعملت لها زارا وأحجبة، وصرفت كل ما عندي ولم ينفع شيء. قال لي الشيخ ~~عباس: خذها إلى الحجاز لتحج إلى بيت الله ويغفر الله ذنوبها ويطرد عنها الروح الشريرة. ~~لكني قلت له: يا شيخ عباس أنا رجل فقير، وصرفت كل ما عندي على المشايخ، ولا أملك مصاريف ~~السفر إلى الحجاز. فقال لي: خذها إلى السيدة، وادع السيدة زينب (شي الله يا ست) أن تتوسط ~~لدى الله ليغفر ذنوبها، وخذ معك قفص تين برشومي للسيدة. والله يا بنتي شحذت على الأبواب ~~مصاريف السفر واشتريت قفص التين، وها أنذا ذاهب معها إلى السيدة (شي الله يا ست) على أمل أن ~~يشفيها الله. # ردت زينب: ربنا كبير يا عم. # نظر الرجل إلى زكية التي كانت تنظر بعينيها الواسعتين السوداوين نحو الأفق لا تتابع ~~حوارهما ولا يبدو أنها تسمعه. # وقال الرجل لزينب: ستأخذينها إلى السيدة؟ # ردت زينب: نعم يا عم. # سأل الرجل: ليس لها رجل يسافر معها؟ ليس لكما أحد يا ابنتي؟ # قالت زينب: ليس لنا إلا الله، وجاموسة تركناها تشتغل في حقل جارتنا أم سليمان نظير أن ~~تطعهما حتى نعود. # رد الرجل: ربنا معكما يا ابنتي. ربنا يساعدكما ويساعد كل محتاج. # رفعت زينب يديها للسماء وهمست: يا رب. # صعد قرص الشمس في السماء؛ وأصبحت الدنيا ملتهبة، والهواء توقف عن الحركة، وأسندت زينب ~~رأسها إلى جذع الشجرة وأغمضت عينيها لتنام، لكنها صحت فجأة على صوت الكافوري الذي جاء ~~محدثا من حوله زوبعة كبيرة من التراب، يميل على جانبه الأيسر كأنما سينقلب، ويخر الماء ~~من جانبيه، ويندفع دخان أسود كثيف من مؤخرته السوداء كالهباب. استندت زكية على زينب وصعدت، ~~واستندت الزوجة الشابة على الرجل العجوز وصعدت. دخل الجميع في جوف العربة المكدسة ~~بالأجساد والأقفاص والأنفاس والتراب، جلست زكية على الأرض بين الأقدام بجوار السائق، وجلست ~~إلى جوارها الزوجة الشابة. وقفت زينب ms60 والرجل العجوز مع الواقفين. تحرك الكافوري فجأة ~~فسقطت زينب فوق الرجل وسقط الاثنان فوق الواقفين، وسقط الواقفون فوق الجالسين واختلط اللحم ~~والأنفاس بالأنفاس ثم اعتدل الكافوري فوق الجسر واعتدلت الأجساد، وأصبحت زينب واقفة مرة ~~أخرى فوق قدميها وإلى جوارها وقف الرجل العجوز. # سار الكافوري بحمله الثقيل يترنح، زجاج نوافذه المكسور يتطاير قطعة قطعة، وأبوابه ~~ومقاعده مخلخلة انخلعت بعض أجزائها وراحت تهتز مع اهتزازات العربة فوق الأرض المتربة ذات ~~الحفر والمطبات، ترتفع وتنخفض، والأجساد والأقفاص تهتز، ومفاصل الكافوري تطقطق بصوت عال ~~كأنما ستنكسر، والماء يسيل من بين عجلاته كأنه يبول على نفسه، ويترنح كرجل سكير ~~عربيد، ويملأ الجو بدخان أسود. وعند كل ثنية في الجسر يميل على أحد جانبيه ويوشك أن ينقلب ~~في النيل، لولا أن السائق العجوز يهب واقفا وهو يلف عجلة القيادة بسرعة ومهارة فائقة، ~~فتنحرف العربة إلى الناحية الأخرى وتكاد تسقط في بطن الجسر، لولا حركة أخرى مشابهة يقوم بها ~~السائق المدرب، فتستقر العربة فوق عجلاتها الأربع وتعتدل بعض الشيء فوق الجسر سائرة في ~~طريقها، ويعود السائق إلى وضعه الأول فوق مقعده، ويطل وجهه من بين الأجساد والأقفاص، شديد ~~الشحوب كثير التجاعيد، وعيناه نصف مغلقتين كأنما على وشك النوم. # أغمضت زكية عينيها وهي جالسة على أرض العربة، لا تقوى على النظر إلى كل هذه الوجوه وكل ~~هذه الأجساد المتلاصقة؛ لم تركب في حياتها عربة من قبل ولم تشهد في حياتها مثل هذا العدد من ~~الأجساد المتكدسة، ولم يهتز جسدها مثل هذه الاهتزازات العنيفة. لكنها سرعان ما كانت تفتح ~~عينيها مذعورة على هزة عنيفة، ويخيل إليها أن الأرض ستنقلب فوق العربة أو العربة ~~ستنقلب فوق الأرض، وتبصق في فتحة جلبابها وهي تتشهد قبل أن تموت: «أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله»! وترن في أذنيها أصوات أخرى كثيرة تتشهد مثلها وكأنما يهتف ~~الجميع في نفس واحد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # يخيل إليها أنها ماتت ثم صحت ولا تزال العربة تسير ms61 فوق الجسر بحذاء النيل. رفعت ~~رأسها لترى النيل، لكن الأجساد من حولها كانت تسد النوافذ والأبواب، ولم تر إلا سقف ~~الكافوري الأسود كهباب الفرن. # لم تعرف زكية أن الكافوري وقف إلا حينما شدتها زينب من يدها وهي تقول: انزلي يا ~~عمتي. # استندت بيديها على زينب ونزلت. زاد وجهها شحوبا وزادت عيناها اتساعا وسوادا، وهي ~~تتلفت حولها فلا ترى الجسر ولا النيل ولا البيوت الطينية الصغيرة، وإنما شوارع فسيحة ~~لامعة وعمارات عالية شاهقة، وسيارات تجري وتتسابق في جنون، وترامات تصلصل بصوت عجيب، ~~ونساء عاريات الأفخاذ والأثداء، يسرعن فوق كعوب عالية، ورجال أفندية بلا عدد، ودكاكين ~~وأصوات عالية حادة وحركة سريعة مجنونة؛ أمسكت يد زينب بقوة والتصقت بها وهي تهمس: رأسي ~~يدور يا زينب. امسكي يدي، لا تتركيني؛ لا أعرف هل رأسي يدور أم أن الدنيا هي التي تدور يا ~~ابنتي. # كان رأس زينب هي الأخرى يدور، وعيناها السوداوان مفتوحتان واسعتان تتلفتان حولها في دهشة ~~وعجب، والرجل العجوز أصبح هو الآخر يستند إلى زينب، والزوجة الشابة تستند إلى الرجل العجوز، ~~وجميعهم الأربعة وقفوا متلاصقين يستند أحدهم على الآخر، وأفواههم مفتوحة كأنما تلهث وعيونهم ~~تدور حول نفسها بحركة سريعة شبه مجنونة كتلك الحركة التي تدور من حولها. # التصقوا هم الأربعة بالجدار العالي وساروا بجوار الحائط ينقلون قدما وراء قدم في حذر، ~~ينظرون أين تقع قدمهم، يخيل للواحد منهم أن قدمه ما إن تقع فوق الأرض حتى تلتهمها عجلة ~~من تلك العجلات التي تجري بغير توقف. سألت زينب أحد الرجال عن الترام الذي يذهب إلى السيدة، ~~فأشار الرجل إلى عمود طويل رشق في الأرض وقال لها: قفي هنا حتى يأتي الترام. # وقفوا هم الأربعة حيث أشار الرجل. كان المكان مزدحما بالناس الواقفين، ورفعت زينب عينيها ~~فرأت الأسلاك الطويلة فوق رأسها بطول الشارع، ومن وراء الأسلاك رأت على البناء الضخم ~~المواجه لمحطة الترام صورة كبيرة لامرأة عارية، ساقاها مفتوحتان وأمامها ثلاثة رجال ~~يمسكون مسدسات. # أخفت وجهها بطرف طرحتها وهي تهمس لنفسها: يا عيب الشوم! # جاء ms62 الترام وتزاحمت الأجساد الصاعدة والهابطة فوق السلم الصغير المضغوط تحت الأقدام، ~~أمسكت زينب بالحديد وصعدت ثم شدت من خلفها زكية، وصعدت الزوجة الشابة ثم صعد الرجل ~~العجوز وشد من خلفه قفص التين البرشومي، لكن القفص سقط بين العجلات، فقفز الرجل خلف القفص، ~~وانطلقت صرخة ثم صرخات، وتبعثر التين فوق السلم وعلى الأرض الأسفلت، سحقته الأحذية ~~الجلدية، وصفر الكمساري وتوقف الترام. # لم تعرف زكية ما الذي حدث، وهل الترام يتحرك أم أنه واقف، لكنها أغمضت عينيها ليكف ~~رأسها أو تكف الدنيا عن الدوران. حين فتحت عينيها مرة أخرى أحست أن جسدها يهتز مع ~~اهتزازات الترام، وزينب إلى جوارها جالسة، وأمامها نافذة صغيرة ترى منها الشارع والزحام، ~~والبيوت العالية رسمت على جدرانها نساء عاريات راقدات وواقفات وجالسات مفتوحات السيقان ~~ورجال أفندية وجميعهم يحملون مسدسات. أمسكت يد زينب وهمست: إيه الحكاية يا بنتي؟ # وردت زينب: الرجل العجوز يا عمتي وقع تحت الترام وذهب إلى القصر العيني ولم يذهب إلى ~~السيدة (شي الله يا ست). # وأشارت زكية بيدها خارج نافذة الترام: لا حول الله يا رب، الدنيا هنا يا بنتي مجنونة أم ~~أنا المجنونة؟ # وردت زينب: ربنا يكملك بعقلك يا عمتي، أنت بخير والحمد لله، وسوف يشفيك الله بعد زيارة ~~السيدة. # وهمست زكية لنفسها: «شي الله يا ست.» ~~••• # ذاب جسد زينب ومن خلفه جسد زكية في كتلة اللحم البشرية الممتدة داخل السيدة وخارجها ومن ~~حولها، الزاحفة إلى الشوارع الجانبية وإلى الشارع الرئيسي حتى قضبان الترام بل حتى الميدان، ~~كتلة لحم بشرية جميعها بالجلاليب الطويلة والرءوس أو الطرح السوداء التي تفرق الإناث عن ~~الذكور، والأقدام حافية، أصابعها غليظة مفلطحة، والكعاب مسودة مشققة، والكفوف خشنة ~~حفر عليها مقبض الفأس أو المحراث أو الطنبور، والوجوه طويلة نحيلة شاحبة، والعيون واسعة ~~سوداء مفتوحة عن آخرها في شبه ذهول، أو نصف مغمضة في شبه نعاس أو غيبوبة، والأفواه فاغرة ~~أيضا عن آخرها كأنما في شهقة كبيرة واحدة أو شهيق دائم لا يتبعه زفير. # كانت أصابع زكية تلتف بقوة حول ms63 أصابع زينب، وجسدها يلتصق بجسد زينب، تخشى الانفصال عنها ~~والضياع تماما وسط ذلك الخضم، لكن سرعان ما اندفعت بعض الأجساد بينهما، فانفصلت الأصابع ~~وأصبحت زكية عاجزة عن أن ترى زينب ... غير أنها لم تعد خائفة، ولم تعد وحيدة؛ كل شيء من ~~حولها مألوف، والجلاليب تشبه جلبابها، والأجساد لها الرائحة نفسها التي تشمها في جسدها، ~~والأقدام والوجوه والأصابع وكل شيء يشبهها تماما، فكأنما هي جزء منها. وهي لم تعد خائفة، ~~ولم تعد تبحث بعينيها عن وجه زينب، فالوجوه كلها تشبه وجه زينب، والغريب أيضا أن الأصوات ~~تشبه صوتها، والكلمات وطريقة النطق، وطريقة رفع الكفين نحو السماء، والدعاء نفسه: «يا رب، ~~ساعدنا يا رب.» # مرضى وعميان وعجائز وشباب وأطفال ومشايخ طرق وأهل ذكر وشحاذون ونشالون، وصانعو أحجبة ~~وأولياء الله والوسطاء بين الناس والله والحارسون الباب بين الدنيا والآخرة، جميعهم ومعهم ~~زكية وزينب يرفعون أكفهم الخشنة نحو السماء ويهتفون بصوت واحد ونفس واحدة: «يا ~~رب.» # لم تكن زينب هي الأخرى تبحث بعينيها عن وجه زكية، كان وجهها قد ذاب في الوجوه، وجلبابها ~~ذاب في الجلابيب، وأصبحت جزءا من الكون المحيط بها، وأصبحت كفاها مرفوعتين نحو السماء مع ~~الأكف وصوتها يهتف مع الأصوات: «يا رب.» صراخ أكثر مما هو هتاف، وصوت زكية وهي تنطق «يا رب» ~~يخرج كالصرخة الحادة الممدودة من صدرها إلى السماء، مبحوحة وحادة في الوقت نفسه، كأنفاس من ~~عنق مذبوح، أو شهيق من صدر يختلط فيه الهواء بالدم. # وقلب زينب أصبح يخفق وهي تهتف يا رب، دقاته تهز صدرها ويهتز نهداها الصغيران المدببان ~~تحت الجلباب، وعيناها تلمعان بضوء غريب، وينتفض جسدها انتفاضة كقشعريرة الحمى، والدم يصعد ~~إلى وجهها في حمرة عذراء يعرف قلبها لأول مرة الخفقان: «يا رب.» # أحست زينب من حيث لا تدري أن الله سمع صوتها، وهي سمعت صوته، وأحس أنفاسها، وهي ~~أحست أنفاسه، وأن جسدها أصبح متصلا بجسد الله وأنها ترتعد من خوف أشبه بالحزن، وتشعر ~~براحة أشبه باللذة، وأنها تريد أن تبكي وتريد أن تزغرد، وتريد أن ms64 تغمض عينيها وتنام في حضن ~~الله من شدة الراحة واللذة، لكنها في الوقت نفسه عاجزة عن أن تغمض عينيها أو تنام من شدة ~~الخوف وشدة التعب وشدة الحزن. # في تلك اللحظة سمعت صوتا يناديها: «يا زينب!» فأدركت على الفور أنه صوت الله يناديها كما ~~نادته. قالت له: «يا رب.» فرد عليها: «يا زينب!» اقتربت من الصوت وهي لا تدري أتسير على ~~قدميها أم تطير على أجنحة، وتلاشت من حولها الأجساد والأصوات ولم يعد أمامها إلا ذلك ~~الصوت: «يا زينب!» ثم برز لها الوجه كأنما من ضباب أو دخان كثيف، ليس وجه رجل ولا وجه ~~امرأة ولا وجه طفل ولا وجه عجوز، بل وجه بغير جنس وبغير عمر، كوجه أم صابر، لكن الرأس لا ~~تغطيه طرحة سوداء، وإنما عمامة بيضاء كبيرة تخفي نصف الجبهة السمراء ذات البقع السوداء، ~~والوجه تنتشر فوقه البقع والحفر كآثار مرض الجدري القديم، والعينان صغيرتان بغير رموش أو ~~بغير جفون كأنما هما ثقبان صغيران ثابتان فوق وجه زينب لا يتحركان: أنت زينب بنت ~~كفراوي؟ # شهقت بدهشة: «نعم»، وصوت داخلها يهمس: «كيف عرفني من بين هؤلاء الآلاف أو الملايين؟» لكن ~~صوتا آخر رد بسرعة: «سبحانه يعلم كل شيء.» # قال الرجل: أين عمتك زكية؟ # وهمس الصوت داخلها مرة أخرى: «ويعرف أيضا أن عمتي اسمها زكية ... يا للعجب!» # تلتفت حولها تبحث عن وجه عمتها بين الوجوه فلم تجده، لكنها أدركت بعد لحظة أن يد زكية ~~تمسك بيدها، وجسدها المرتعد ملتصق بجسدها وصوتها المرتجف يتمتم بآيات وكلمات غير ~~مسموعة. # اقترب الرجل من زكية، مد يده السمراء المعروفة في فتحة جلبابها وأمسك الحجاب، خلعه عن ~~عنقها وقرأ عليها بعض الآيات، ثم أعاده إلى عنقها. عينا زكية تتابعان حركته في شبه خشوع ~~تكاد تخر فوق ركبتيها وتركع، وحينما توقفت يده عن الحركة انكفأت فوقها وقبلتها ولثمتها ~~وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة. ترك الرجل يده السمراء المعروفة تحت شفتيها، وقال موجها ~~الكلام لزينب: عمتك زكية مريضة يا زينب. وسبب مرضها أنك عصيت الله كثيرا ms65 وهي شجعتك على هذا ~~العصيان، لكن الله غفور رحيم، وسوف يغفر لك ولها إذا أطعتما أمره، ويشفيها من مرضها بإذنه ~~تعالى. # رفعت زكية وزينب عينيهما وكفيهما للسماء هاتفتين في نفس واحد: نحمدك يا رب! يا من أنت ~~كريم يا رب! # وقال الرجل: عليكما بالمبيت الليلة في حضن السيدة (شي الله يا ست)، وغدا قبل شروق الشمس ~~تعودان إلى كفر الطين، تستحمان قبل النوم وأنتما تتشهدان بماء نظيف من النيل وتنامان بعد أن ~~تصليا أربع ركعات الفرض وأربع ركعات السنة، وتقرأ كل واحدة منكما آية الكرسي عشر مرات. ~~في الصباح الباكر تستحم زينب مرة أخرى بماء النيل النظيف وتتشهد وهي تستحم ثلاث مرات وتصلي ~~الفجر حاضرا، ثم تفتح باب البيت قبل أن تشرق الشمس، وتقف على عتبة الباب، وجهها ناحية ~~الشمس، وتقرأ الفاتحة عشر مرات. سترى أمامها بابا حديديا كبيرا، تسير إلى هذا الباب ~~وتفتحه وتدخل. لا تخرج زينب من الباب الحديدي مرة أخرى إلا حينما يأمرها صاحب البيت، وهو ~~عظيم ابن عظيم، من سلالة صالحة طيبة يرضى عنها الله ورسوله! أما زكية فتأخذ الجاموسة إلى ~~الحقل، تربط الجاموسة في الساقية، وتمسك الفأس وتشتغل في الحقل حتى تسمع أذان الظهر، فتترك ~~الفأس وتصلي أربع ركعات الفرض وأربع ركعات السنة. بعد الصلاة تظل راكعة وتقرأ الفاتحة ~~عشر مرات. بعد المرة العاشرة ترفع يديها للسماء وتقول «اغفر لي يا رب» ثلاثين مرة، بعد ~~المرة الثلاثين تنهض وتمسح وجهها بكفيها فإذا بها قد شفيت بإذن الله. # انكفأت زكية بوجهها على يده السمراء المعروقة مرة أخرى وراحت تقبلها وتلثمها وهي تهمس: ~~أحمدك يا رب! أحمدك يا رب! # وانفرجت شفتا زينب وهي تتمتم بآيات الحمد لله! ونسيت من فرط خشوعها أن تعطي الرجل ~~القطعة الفضية ذات العشرة قروش كما أوصاها الحاج إسماعيل، لكن الرجل طلبها منها، فارتفعت ~~يدها تفك طرف طرحتها بأصابع لا تزال مرتجفة، وقدمت له البريزة الفضية وهي تقبل يده كأنما ~~تقدم قربانا للإله، والصوت داخلها يهمس في تعجب: «يا إلهي! إنه يعرف كفر ms66 الطين، ويعرف ~~بيتنا ، ويعرف أن أمامه بابا حديديا كبيرا.» # اختفى الرجل بين الأجساد كما ظهر، وظلت زكية وزينب واقفتين في مكانهما متلاصقتين ~~خاشعتين ومشدوهتين، كل منهما تنظر إلى الأخرى من حين إلى حين، لتؤكد لها أو تتأكد منها أن ~~ما حدث كان حقيقة ولم يكن خيالا، وأنهما سمعتا صوت الله، أو ربما رأتاه أيضا أو رأتا أحد ~~رسله أو أوليائه الصالحين الذين كشف الله عنهم الحجاب، وشعرت زكية أن جسدها أصبح أخف مما ~~كان، وأن القبضة الحديدية التي كانت تخنقها خفت قليلا ولم تعد تستند بيدها على ابنة ~~أخيها زينب، وقدماها لم تعودا ضعيفتين كما كانتا. # اتسعت عينا زينب في دهشة أكثر وأكثر حين رأت عمتها زكية تسير إلى جوارها دون أن تستند ~~إليها، وهمست في خشوع: عمتي! لقد تحسنت! انظري كيف تسيرين؟! # وهمست زكية وهي مشدوهة: جسمي يا زينب لم يعد ثقيلا كما كان. يا من أنت كريم يا ~~رب! # ردت زينب: ربنا كبير يا عمتي. ألم أقل لك مرارا أن الله سيساعدنا، وأن عليك أن تصلي ~~له وتصبري؟ # قالت زكية: نعم يا ابنتي، قلت لي كثيرا. # ردت زينب: أنا عصيت الله، وأنت أيضا عصيت الله ورفضت الصلاة يا عمتي. # قالت زكية: أنا لم أرفض الصلاة يا ابنتي. العفريت الشرير الذي ركبني هو الذي رفض الصلاة ~~ولست أنا. # ردت زينب: سوف يغادرك العفريت بإذن الله حين ننفذ ما أمرنا الله به. # سألت زكية: هل حفظت يا ابنتي ما قاله الشيخ؟ جسدي كان يرتعد ولم أحفظ ما قاله. أخشى أن ~~يفوتنا شيء مما قاله. # ردت زينب: لا تحملي هم أي شيء يا عمتي، لقد حفظت كل كلمة وكل حرف عن ظهر قلب. # هتفت زكية: ربنا يبارك فيك يا ابنتي! ~~••• # سكبت زينب ماء النيل النظيف من الزلعة فوق رأسها وصدرها، ودعكت ثدييها بالماء وهي تتشهد ~~«أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ثلاث مرات. هبط الماء فوق بطنها ~~وفخذيها فدعكتهما وهي تتشهد مرة أخرى ثلاث مرات. جففت شعرها ms67 الأسود الطويل، وضفرته ، ثم ~~ارتدت الجلباب النظيف والطرحة وسارت بخطوات وجلة نحو الباب. # كان الشفق الأحمر قد ظهر في الأفق ولم يبرز بعد قرص الشمس، فوقفت على عتبة الباب، وجهها ~~ناحية الشمس، وقرأت الفاتحة عشر مرات، سارت نحو الباب الحديدي بخطوات وجلة، لكنها ثابتة ~~واثقة شديدة الثقة. عند الباب أحست فوق جسدها رعدة ليست هي رعدة تردد أو تشكك بقدر ما ~~هي رعدة الإيمان والثقة. حين دخلت من الباب الحديدي أصبح قلبها يدق تحت ضلوعها وصدرها ~~يعلو ويهبط، شفتاها منفرجتان تلهثان، وساقاها ترتعدان تحت الجلباب الواسع الطويل، وعيناها ~~السوداوان واسعتان مرفوعتان، تترقبان حدوث ذلك الأمر الجلل، أمر الله. # اتسعت عينا العمدة الزرقاوان فيما يشبه الدهشة حين رآها؛ عرف على الفور أنها زينب من ~~وجهها وعينها وشفتيها ونهديها وساقيها. # هتف بدهشة وهو يفرك عينيه: من أرسلك يا زينب؟ # انفرجت شفتاها وظلت عيناها مرفوعتين وقالت: الله! # لم يصدق العمدة أذنيه، فسألها مرة أخرى: لماذا جئت الآن يا زينب؟ # همست كأنما تكلم نفسها: أمر الله. # ابتسم العمدة ونهض من سريره وسار إلى الحمام. غسل وجهه ودعك أسنانه بالفرشاة والمعجون، ~~ثم نظر إلى وجهه في المرآة. ابتسم مرة أخرى وكاد أن يضحك وهمس لنفسه: «عفريت ابن ~~عفريتة، الله يلعنك يا حاج إسماعيل!» # خرج من الحمام وبحث عن ساعته حتى وجدها على إحدى المناضد الصغيرة. نظر في الساعة، وجدها ~~السادسة، ابتسم وهو يهمس لنفسه: «لم يحدث أن أتت امرأة إلي في مثل هذا الوقت المبكر من ~~الصباح، ولا بد أن أشرب أولا فنجانا من الشاي لأفيق قليلا.» # كانت زينب لا تزال واقفة حيث تركها، فاقترب منها وقال لها كأنما يكلم طفلة صغيرة: اسمعي ~~يا زينب، أريد فنجانا من الشاي. أتعرفين كيف تعملين الشاي؟ # قالت بحماس من هي مستعدة لعمل أي شيء: نعم يا سيدي. # وقال العمدة: تعالي معي لأدلك على طريق المطبخ، وعليك أن تصنعي لي الشاي حتى آخذ ~~حماما. # شهقت زينب وهي ترى الأحواض البيضاء وصنابير المياه الفضية اللامعة، والجدران الملونة، ~~والستائر والموقد الذي ms68 يشتعل وحده، وغلاية الماء التي تصفر حين يغلي الماء، والفناجين ~~ذات النقوش والألوان، وملاعق الفضة، وكل شيء من حولها كانت تراه لأول مرة، فكأنما هي انتقلت ~~إلى العالم الآخر، ولم تعد في الدنيا التي تعرفها، وإنما أصبحت الآن في ملكوت الله سبحانه ~~وتعالى، وارتجفت أصابعها وهي تمسك الأشياء، وقلبها يخفق، وصدرها يعلو ويهبط، وساقاها لا ~~تزال فوقهما الرعدة. # انزلق فنجان الشاي من بين أصابعها وسقط على الأرض، فانطلقت من بين شفتيها شهقة وضربت كفها ~~فوق صدرها: «يا خبر!» والتصقت بالجدار تحتمي فيه شاخصة بعينيها المذعورتين إلى الفنجان ~~الثمين الذي أصبح قطعا صغيرة بلورية فوق البلاط الأبيض اللامع. سمع العمدة وهو يقف في ~~الحمام تحت رذاذ الماء الدافئ صوت ارتطام الفنجان بالأرض ثم الشهقة العالية، فابتسم وهو ~~يدلك صدره وبطنه بالصابون المعطر هامسا لنفسه: «كم تثيرني مثل هؤلاء البنات الساذجات! ~~وكم هو لذيذ أن أغزو جسد العذراء منهن، فكأنما يقطف الواحدة زهرة يانعة تتفتح لأول ~~مرة.» ~~«وكم أكره هؤلاء النساء القاهريات المتعلمات المتحذلقات، من أمثال زوجتي التي انكشف ~~وجهها بغير حياء ولم يعد يخجلها شيء ولم يعد يثيرها شيء، ولم يعد جسدها البارد يرتجف ~~تحت أية لمسة أو ضغطة أو حتى عضة!» # خرج من الحمام مرتديا منامة حريرية وردية، وسار إلى المطبخ فرأى زينب لا تزال واقفة ~~ملتصقة بالجدار، شفتاها منفرجتان بالشهقة، وكفها فوق صدرها، وعيناها شاخصتان نحو القطع ~~البلورية الصغيرة فوق الأرض، التي كانت منذ لحظات فنجانا ثمينا لا تستطيع أن تقدر ~~ثمنه بالقروش أو الجنيهات. # تأملها طويلا بعينيه الزرقاوين اللامعتين بالصحة والراحة، تأملها ببطء كما يتأمل ~~المرء تحفة مثيرة؛ شعرها أسود غزير على شكل ضفيرتين فوق عنقها وظهرها، وجهها طويل أسمر ~~ملوح بالشمس فيه رجفة العذراء، شفتاها ممتلئتان نديتان ورديتان بلون طبيعي وليس ~~بأحمر الشفاه، نهداها مدببان نافران بحدة طبيعية وليس بسبب مشد من المطاط، يعلوان ~~ويهبطان ويعلوان ويهبطان بغير توقف، كان القلب تحتهما لا يكف عن الخفقان بعنف، وعيناها ~~السوداوان واسعتان ومرفوعتان تجري فوقهما دمعة كدموع طفلة خائفة. ms69 # اقترب منها وهو يبتسم: أتبكين يا زينب؟! # أطرقت رأسها وهي تهمس: وقع من يدي. سامحني يا سيدي! # مسحت دموعها بكفها وأحس بتيار ساخن من الدم يمشي في صدره، فاقترب منها أكثر، ومد يده ~~برفق حتى لامست عينيها ومسح بأصبعه الناعمة دموعها وهو يهمس: لا تخافي يا زينب، فداك ~~الفنجان وصاحب الفنجان أيضا! # كاد أن يضمها ويضغط نهديها في صدره، لكنه خشي أن يفزعها أكثر، ورأى أن ينتظر عليها بعض ~~الوقت حتى تألف الأشياء الجديدة التي تراها لأول مرة. # كانت زكية في ذلك الوقت قد سحبت الجاموسة إلى الحقل، وربطتها في الساقية، ثم أمسكت ~~الفأس وراحت تشتغل في الحقل، وأذناها مرهفتان تلتقط أي صوت يشبه الأذان. حينما رن في ~~أذنيها أذان الشيخ حمزاوي لصلاة الظهر كان قرص الشمس قد أصبح ملتهبا فوق رأسها، والعرق ~~يتصبب من جذور شعرها ويهبط غزيرا فوق عنقها وصدرها وظهرها، ويسيل بين فخذيها، ولا تكاد ~~تعرف أهو العرق أم البول ... بعد أن انقطع الأذان تركت الفأس وسارت إلى الترعة فغسلت وجهها ~~وعنقها وتوضأت ثم صلت على حافة الترعة أربع ركعات الفرض وأربع ركعات السنة. بعد الصلاة ~~ظلت راكعة، وقرأت الفاتحة عشر مرات، ثم رفعت يديها للسماء وقالت: «اغفر لي يا رب!» ~~ثلاثين مرة. بعد المرة الثلاثين مسحت وجهها بكفيها، فإذا بها تشعر براحة غريبة تشبه الرغبة ~~في النوم، وثقل جفناها وسقط فوق عينيها، فنامت حيث كانت على حافة الترعة. # لم يكن قرص الشمس الملتهب في مثل هذا الوقت من الظهيرة يستطيع أن يخترق جدران بيت العمدة ~~السميكة المبنية بالأسمنت المسلح، لكن العمدة كان يشعر بحرارة تسري في جسده ساخنة وملتهبة ~~كأنه يقف عاريا تحت قرص الشمس، كان لا يزال بالمنامة الحريرية الوردية مسترخيا في مقعد ~~وثير يقرأ الجريدة، ولمح صورة أخيه فوق الصفحة، فقلب الصفحة بسرعة وقرأ أخبار المجتمع. عرف ~~أن توحة الرقاصة طلقت من زوجها، وأن نوسة الممثلة تزوجت للمرة الرابعة، وأن عبد الرحمن ~~المغني دخل المستشفى ليستأصلوا له الزائدة الدودية. وقلب الصفحة ليقرأ أخبار الرياضة، ms70 لكن ~~الصفحة انقلبت إلى الناحية الأخرى ورأى صورة أخيه مرة أخرى، فعرف أن الوزارة تغيرت وأن ~~أخاه أصبح في مركز أقوى. مصمص شفتيه وهو يهمس لنفسه: «لا أحد يعرفه كما أعرفه أنا؛ فهو ~~أخي، كم هو غبي، بطيء الفهم! ولكنه حمار شغل، تربطه بأي ساقية فيدور كبقرة غميت ~~عيناها!» # ألقى الجريدة إلى جواره، وأغمض عينيه قليلا وتذكر فجأة أنه كان ينوي الاتصال بزوجته ~~تليفونيا ليسأل عن نتيجة امتحان ابنه الأصغر، وكادت يده تمتد إلى التليفون، لكنه سمع صوت ~~ماء ينسكب فوق أرض الحمام، وتذكر فجأة أن زينب جاءت إلى بيته فجر اليوم، وأنها كنست ومسحت ~~البيت ولم يعد أمامها إلا الحمام. خطرت له فكرة سريعة، وهي أن ينهض ويدخل إليها في الحمام ~~ويحاول، لكنه طرد الفكرة. إنه يشعر أن زينب ليست مثل أختها نفيسة، نفيسة كانت سهلة وبسيطة ~~لا تسبب له هذا التردد والحذر. لم يعرف لماذا هو متردد مع زينب، أو حذر، بل شبه خائف. ربما ~~لأنها أخت نفيسة، وحكاية نفيسة لم تنكشف، ولكن هذه المرة من يدري ربما تنكشف. وهمس لنفسه ~~ليطرد خوف: «من ذا الذي يمكن أن يكتشف؟» إنه فوق الشبهات وفوق القانون وفوق الأخلاق، ولا ~~أحد في كفر الطين يمكن أن يشك فيه. إنهم قد يشكون في الله ولا يشكون فيه. # وتذكر أن ثلاثة رجال في كفر الطين يعرفون سره، شيخ الخفر وشيخ الجامع وحلاق الصحة، ~~بدونهم هم الثلاثة لا يستطيع أن يحكم كفر الطين؛ فهم أدواته وأجهزته ومساعدوه، ولا يمكن أن ~~يحكم بدونهم، ولكنهم يعرفون سره، وهم أمناء على السر، وإن شعر في أعماقه أنهم غير أمناء ~~على شيء، وأنه لو أغمض عينيه لحظة لخانوه أو نهبوه، لكنه لا يغمض عينيه عنهم، ويعرف كيف ~~يشعرهم دائما أنه يستطيع أن يسمع أنفاس الواحد منهم وهو نائم، وأنه لو لاح لأحد منهم أن ~~يلعب بذيله فهو قادر على قطع الذيل بل الرأس أيضا. # ابتلع لعابه وأدرك أنه مر، وأنه يريد أن يبصق، وأن يتخفف من تلك الكراهية ms71 التي تضغط ~~على صدره؛ فهؤلاء الرجال الثلاثة هو يمقتهم ويزدريهم، ويزيد من كراهيته لهم أنه يحتاج إليهم ~~ولا يستطيع أن يعيش بدونهم، فيضطر في كثير من الأحيان إلى السهر معهم والسمر وإقناع نفسه ~~بأنهم أصدقاؤه، بل ليس له من أصدقاء سواهم. # نهض من مقعده الوثير وسار إلى الحمام وبصق في الحوض، وغرغر فمه وحلقه بالماء، ثم بصق ~~مرة أخرى طاردا من فمه المرارة. رفع عينيه إلى المرآة فرأى صورة زينب وهي تغسل البانيو ~~وتدعكه كما لو كان صحنا من البلور، جلبابها الواسع كان قد ابتل بالماء والتصق من الأمام ~~بنهديها ومن الخلف التصق بردفيها وفخذيها، وأصبحت أمام عينيه كالعارية تماما. أحس تيار ~~الدم الساخن يمشي في صدره ويهبط إلى بطنه وفخذيه، ولم يعد قادرا على أن يحرك عينيه بعيدا ~~عنها. # رفعت زينب رأسها من فوق البانيو ورأت العينين الزرقاوين تحملقان فيها بنظرة ثابتة غريبة، ~~ارتعدت متراجعة إلى الوراء لتلتصق بالجدار وتحتمي به، لكن قدمها انزلقت فوق البلاط المبلل ~~الناعم، فشهقت فيما جسدها يهوي على الأرض. # وقبل أن تسند كفيها على البلاط لترفع جسدها وتنهض، كانت ذراعه قد أصبحت حول خصرها تسند ~~جسدها، ولامست أطراف أصابعه استدارة ثديها الناعمة، فارتعدت يده وهي تزحف برهبة، وأصبحت كفه ~~فوق الثدي كله ضاغطة عليه بكل قوتها. # انطلقت منها الشهقة كصرخة مكتومة، بعضها ألم بسبب الضغطة القوية على ثدي ما زال برعما ~~صغيرا حساسا، وبعضها خوف لا يزال يسري فوق جسدها كالرعدة، وبعضها لذة غريبة جديدة ~~أشبه بالسعادة، سعادة الخلاص من عبء ثقيل تريد أن تلقي به بين يدي الله، وتترك له جسدها ~~ونفسها وتفي بالعهد وتستريح. # امتدت يده فوق ساقيها، ورفع الجلباب المبلل عن فخذيها وهمس في أذنها بصوت حان رقيق: ~~اخلعي جلبابك المبتل يا زينب حتى لا تأخذي بردا. # زحفت يداه فوق فخذيها وبطنها، محاولا أن يخلع عنها الجلباب، لكن الجلباب كان باليا ~~ومبللا ملتصقا بجسدها، حاول أن يشده فإذا به يتمزق تحت يده إلى نصفين. شهقت بفزع: ~~الجلباب، ليس عندي غيره! # فهمس ms72 في أذنها وهو ينزع عنها بقايا الثوب ويلف ذراعه حولها: سأشتري لك بدل الجلباب ~~عشرة! # مد يده وفتح صنبور الماء الدافئ، فهبط رذاذ الماء فوق جسدها العاري. غسل بيديه تراب ~~الكنس وبلولة مسح الأرض من فوق شعرها وكتفيها ونهديها وبطنها وفخذيها. # جففها ببشكير كبير معطر كما تجفف الأم طفلها، ثم حملها بين ذراعيه الكبيرتين إلى ~~السرير. ~~••• # قبل أن يرتفع في الجو أذان الديك، كان الشيخ حمزاوي قد فتح عينيه، أو أن عينيه كانتا ~~مفتوحتين من قبل، ثابتتين على ذلك المنظر الذي يراه كل يوم ويدهش، ليست الدهشة العادية ~~النقية من أي شوائب أخرى، ولكنها دهشة أقرب ما تكون إلى الشك، أو هو شك أقرب ما يكون إلى ~~اليقين والإيمان بأن ما يراه شيء حقيقي، وحقيقته ثابتة مائة بالمائة كحقيقة وجود ~~الله. # شريط رفيع من ضوء الفجر كان يسقط من شق النافذة على وجه فتحية، يضيء نصف وجهها بشعاع ~~رمادي، كانت عيناها نصف مغمضتين كأنما ترى وهي نائمة، وكان أنفها مرتفعا حادا، وشفتاها ~~مطبقتين مزمومتين كأنما على شيء لا تريد أن يفلت منها أثناء النوم، ويكشف الضوء الرمادي ~~عن عنقها الناعم الأبيض الذي يهبط إلى ثدي ناعم أبيض خرج من فتحة جلبابها وقبض الطفل عليه ~~بفمه وأسنانه ويديه الاثنتين، ومن حول كتفيه الصغيرتين تلتف ذراع فتحية متقلصة العضلات ~~تشد الطفل إليها بكل قوتها، كأن هناك قوة أخرى تنتزع منها الطفل. # ثبتت عينا الشيخ حمزاوي على نصف وجهها من الجانب مندهشا ومتحيرا، أيكون هذا النصف ~~مختلفا إلى هذا الحد عن النصف الآخر الذي لا يكشفه الضوء الآن، والذي يحمل ملامح فتحية ~~زوجته التي يعرفها؟ لم يكن يعرف إلى أي حد يختلف هذا النصف عن النصف الآخر، أو ما وجه ~~الخلاف تماما، لكن الملامح التي يراها الآن ليست بالتأكيد ملامح زوجته فتحية ولا تشبهها في ~~شيء، وإن كان الأنف هو الأنف، والفم هو الفم، والعنق هو العنق، والثدي هو الثدي ... ويزيد من ~~دهشته وحيرته أنه واثق تمام الثقة أنها ليست سوى فتحية، وأنها ms73 زوجته، وأنه متأكد من هذه ~~الحقيقة مائة بالمائة كتأكده من حقيقة وجود الله. # من ير وجهه في تلك اللحظة يرى أنه غير متأكد من شيء؛ عيناه رغم أنهما مفتوحتان ثابتتان، ~~إلا أن عضلة حولهما ترتعش، وضوء الفجر قد سقط من النافذة فوق وجهه فأصبح شاحبا، وصنع من ~~تحته ظلا طويلا فكأنما أصبح وجهه وجهين؛ وجها أعلى هو وجهه الحقيقي الذي يعرفه كل أهل ~~كفر الطين، ومن تحته وجه آخر لا يعرفه أحد ولا يمكن أن يتعرف عليه أحد؛ فهو لا يشبه أي ~~أحد في كفر الطين، ولا يشبه أي أحد من الإنس أو الجن، وقد يكون وجه شيطان أو ملاك، بل قد ~~يكون وجه الله ذاته إذا عرف أحد كيف يكون وجه الله. # لكن الشيخ حمزاوي كان يشعر في تلك اللحظة أنه أبعد ما يكون عن الله. أحيانا كان يشعر ~~بقرب شديد من الله، وبالذات ظهر الجمعة أثناء الصلاة حين يصطف من خلفه جميع رجال البلد ~~وعلى رأسهم العمدة ذاته، يقفون جميعهم من ورائه، لا يستطيع الواحد منهم أن يحرك ذراعه أو ~~يده أو حتى أصبعه إلا بعد أن يبدأ الشيخ حمزاوي، ولا يستطيع الواحد منهم أن يفتح فمه أو ~~يهمس لنفسه بآية من الآيات إلا بعد أن يبدأ الشيخ حمزاوي. # في تلك اللحظات يدرك الشيخ حمزاوي أنه أقرب إلى الله من أي رجل منهم، وإن كان هو العمدة، ~~وتسري فوق جسده قشعريرة أشبه باللذة أو السعادة النادرة التي لم يعرفها إلا وهو طفل صغير ~~حين كان يضرب أطفال الجيران بالطوب، فيجرون بعيدا عنه خائفين. يتعمد أن يتلكأ في قيامه ~~وقعوده وركوعه، وينظر من حين إلى حين بطرف عينيه إلى الخلف ليرى العمدة وصفوف الرجال وهم ~~ينتظرون في خشوع أية حركة من رأسه أو يده أو حتى أصبع يده الصغير. # على أن الصلاة مهما تلكأ وأبطأ كانت تنقضي بعد دقائق، وينفض الرجال عنه، بل إن بعضهم ~~قد يدوس على قدمه وهم يهرولون خلف العمدة وفي أيديهم التظلمات والرجوات مكتوبة على ms74 «عرض ~~الحال» أو ورقة طويلة بيضاء ألصقت عليها الدمغة؛ يلعن في سره هؤلاء القوم الكفرة الذين ~~لا يعرفون ربنا ولا يجرون إلا وراء متاع الدنيا الزائل، ويسير بخطواته البطيئة وحيدا إلى ~~بيته، عصاه تدق الأرض وسبحته الصفراء تهتز بين أصابعه المرتجفة. تدق رجفة أصابعه حين ~~يرى زوجته فتحية، لكنه يخفي الرجفة بصوت عال غليظ يحاول أن يجعله أغلظ مما هو، ويسعل ~~ويتنحنح بصوت الرجال المعهود ليؤكد لها وللجيران أنه عاد إلى البيت وأنه الزوج ورجل ~~البيت. # حين لا تسمعه فتحية يلكزها في كتفها قائلا: أصبحت عمياء وطرشاء منذ جاء هذا الطفل ~~المعلون إلى بيتنا. ليس لك من شاغل في الحياة إلا هو، مع أنه ليس إلا ابن حرام، مددت له ~~يدي الرحيمة، ويا ليتني تركته يموت في العراء. منذ دخل بيتنا هذا الملعون، ثمرة الزنا ~~والخطيئة، والمصائب تنهال علي، والناس تلومني لأنني فتحت بيتي لابن حرام، والألسنة ~~تلوكني، وهيبتي ضاعت في كفر الطين، وانفض عني الأصدقاء، والعمدة لم يعد يطلبني للسهر معه، ~~وقد نصحني مرارا أن أرسل هذا الولد إلى بيت اللقطاء، وقد وعدته بذلك، لكنك ترفضين. لا أدري ~~لماذا تتعلقين بهذا الطفل كل هذا التعلق؟! # ينقطع صوته بعد هذا السؤال، الذي يجهل جوابه، ويجهل سبب تعلق فتحية الشديد بالطفل. لكن ~~رجفة السبحة بين أصابعه تزداد، وكأنما يعرف السبب، ليست تلك المعرفة اليقينية، وإنما هو نوع ~~من الشك الغامض الذي يسري في جسده كقشعريرة باردة، كريح تنفذ إليه من شق النافذة مع ~~ضوء الفجر، يسقط الضوء على وجه فتحية وعنقها وثديها الذي يقبض عليه الطفل. ويزحف السؤال في ~~رأسه بطيئا بارد الملمس كبطن ثعبان: «كيف يدر ثديها اللبن وهي لم تحمل ولم تلد؟» لم يكن هو ~~الذي يسأل السؤال، لكنه سمعه من أحد، لا يذكر من هو الذي سأله، لكنه سمعه من أحد، بل لا ~~يذكر أنه كان سؤالا، بل مجرد خبر بسيط، يلقى بصوت خافت، وهذا الخفوت هو الذي جعله أشبه ~~بسكين يغمد في صدره: فتحية ترضعه؟ حاول أن ms75 ينكر، فهو لم يرها ترضعه، لم ير ثديها في ~~فمه. كانت تشتري له لبن الجاموسة كل صباح، لكن الصوت الخافت كان مصرا على ما يقول، ~~متأكدا منه تأكدا لا يقبل الشك. # ويسمع الشيخ حمزاوي الصوت الخافت حين يمشي، ويرى رءوس الرجال تتقارب حين يمر بهم ويبدأ ~~الهمس. يقرئهم السلام قائلا: «السلام عليكم»، فيتلكئون في الرد عليه، ويقولون بصوت ~~خافت بارد: «وعليكم السلام»، وبعضهم لا يرد. وحين يمر بدكان الحاج إسماعيل يرى العمدة ~~جالسا ومن حوله شيخ الخفر وحلاق الصحة والرجال، فيرفع صوته بالتحية والسلام قائلا: ~~«السلام عليكم.» ويدب الصمت لحظة، ثم يأتيه الرد خافتا باردا: «وعليكم السلام!» لا ~~يلتقط فيه صوت العمدة، ولا صوت شيخ الخفر، ولا صوت الحاج إسماعيل، وإنما هو صوت رجل آخر، ~~ولا يدعوه أحد للجلوس معهم. ويسير الشيخ حمزاوي منكس الرأس عائدا إلى بيته، ويرى فتحية ~~تحتضن الطفل، فيكاد ينتزعه من بين ذراعيها ويلقيه من النافذة، لكنه يكتفي بأن يرمقه بنظرة ~~حادة كما ينظر إلى غريم أقوى منه لا يعرف كيف ينتصر عليه. # في ليلة من الليالي ظل ساهرا حتى نامت فتحية، فتسلل على أطراف أصابعه وحاول أن يحمل ~~الطفل، لكن ذراعها كانت ملفوفة حوله متقلصة العضلات، تمسكه بقوة، رغم أنها تغط في النوم، ~~وأصابع يديه الصغيرة وفمه وأسنانه تمسك ثديها لا تتركه. حاول أن يشده منها بالقوة فصرخت: ~~عيب عليك يا شيخ حمزاوي، أنت رجل تعرف ربنا، إنه طفل صغير لا يعرف شيئا. # ويرد الشيخ حمزاوي وهو ينتفض غضبا: لا أريد ابن الحرام في بيتي. # وترد فتحية: وأنا أيضا سأذهب معه. # يرتجف الشيخ حمزاوي: أنت لست أمه، ولن تذهبي معه. # تقول فتحية: لن أتركه للناس يا شيخ حمزاوي، الناس ليس في قلوبها رحمة، وهو طفل لا ذنب ~~له. # ويرد الشيخ حمزاوي: لن يجر لنا ابن الحرام إلا المصائب، ومنذ جاء هذا الطفل والمصائب ~~تتوالى علينا وعلى كل البلد. الدودة أكلت المحصول، وسمعتهم يهمسون أن ابن الحرام هو السبب. ~~لم يعد أحد يقرئني السلام يا فتحية، ms76 وأخشى أن يصدر العمدة قرارا بفصلي من الجامع ~~ويعين شيخا للجامع غيري. أحدهم همس له بأن الرجال يستاءون حين أتقدمهم في الصلاة، وأن ~~صلاتهم قد تكون باطلة إذا كان الإمام يؤوي في بيته أولاد الزنا والإثم. سنموت من الجوع يا ~~فتحية لو أصدر العمدة قرارا بفصلي. # وتقول فتحية: الله يتولانا يا شيخ حمزاوي إذا فصلك العمدة. # ويرد حمزاوي: إن الله لا ينزل من السماء خبزا. # وتصيح فتحية: أأنت الذي تقول هذا الكلام عن ربنا يا شيخ حمزاوي؟ ألا تقول دائما إن الله ~~يتولى عباده من الفقراء؟ لماذا لا يتولانا نحن أيضا إذا فصلك العمدة؟ هل تلقي طفلا ~~بريئا في الشارع يا شيخ حمزاوي لأنك خائف من أن يفصلك العمدة؟ ألا تثق في الله يا شيخ؟! هل ~~تيئس من رحمة الله، أنت الذي تعلم الناس كيف لا ييئسون من رحمة الله! قم يا شيخ وتوضأ ~~وصل وادع الله أن يغفر لك ولي وللناس. # ويتوضأ الشيخ حمزاوي ويصلي، وبعد الصلاة يظل جالسا فوق سجادة يقرأ القرآن، ويزحف الطفل ~~الصغير إلى جواره ويجلس أمامه ينظر إليه بعينيه الصغيرتين المستطلعتين، لكن عيني الشيخ ~~حمزاوي الغاضبتين المليئتين بالكراهية تفزعانه فيبتعد عنه بسرعة وهو يصرخ، وتجري إليه ~~فتحية تحمله بين ذراعيها وتهدهده: «ما لك يا حبيبي ما لك؟ أبوك وهو يحبك، وحين تكبر ~~قليلا سوف يعلمك قراءة القرآن وتصبح مثله شيخا للجامع تتقدم الناس في الصلاة وتخطب ~~فيهم.» # ويرد: أنت تحلمين يا فتحية! أتتصورين أن الناس هنا يمكن أن يوافقوا على أن يكون شيخ ~~جامعهم ابن حرام؟ # وترد فتحية بإصرار: وما ذنب الطفل؟ # ويقول الشيخ حمزاوي: لا ذنب للطفل يا فتحية، ولكن الناس هنا لا يفكرون كما نحن ~~نفكر. # وتتساءل فتحية: لماذا؟ ألسنا مثل الناس هنا؟ # ويرد الشيخ حمزاوي: نعم، ولكن الناس مثل موج البحر، لا أحد يعرف متى تهيج أو لماذا. ما ~~من أحد إلا ويقول لي: «ما ذنب الطفل؟» لكنهم حين يتجمعون يقولون شيئا آخر. هؤلاء الناس ~~يا فتحية قوم كفرة لا يعرفون ربنا، ms77 ولا يهمهم دين أو آخرة، ولا يخافون من الله، لكنهم ~~يخافون من العمدة؛ فهو الذي يمسك رزقهم في يده، وهو الذي يستطيع أن يمنع عنهم لقمة العيش، ~~وهو الذي إذا غضب تضاعفت ديونهم وجاءتهم الإنذارات الحكومية المتتالية، إما الدفع وإما ~~الاستيلاء على الأرض. أنت لا تعرفين العمدة يا فتحية؛ إنه رجل خطير، لا يخاف الله، ولا ~~يخاف أحدا، ويمكن أن يظلم، ويحبس بدون وجه حق، بل يقتل أبرياء. # وصاحت فتحية: لا حول الله، ولماذا كنت تقول إنه رجل مؤمن بالله يحب الخير؟ كل يوم جمعة ~~كنت أسمع صوتك يجلجل من الجامع وأنت تخطب في الناس، وتدعو للعمدة بطول العمر وتقول عنه ~~إنه أفضل عمدة جاء إلى كفر الطين، وأن عهده أحسن عهد، وأنه يسعى دائما إلى الحق والعدل. ~~أكنت تضحك على عقول الناس يا شيخ حمزاوي؟ # سكت الشيخ حمزاوي طويلا ثم قال: أنت لا تعرفين شيئا يا فتحية عن الدنيا خارج هذا ~~البيت. إن الحياة وسط الرجال وفي دنياهم ليست سهلة، وقد قال الرسول: «اعمل لدنياك كأنك تعيش ~~أبدا»، وخطبة الجمعة يا فتحية لا يمكن أن تكون كلها لوجه الله، لا بد من تخصيص جزء منها ~~للدنيا، والدنيا التي نعيش فيها هي ملك العمدة، ولا يمكن نعيش فيها إلا إذا رضي عنا ~~العمدة. أما الآخرة فلست أشك في أنني ذاهب إلى الجنة مائة بالمائة؛ يكفي أنني أتحمل ~~عداء العمدة وعداء أهل البلد من أجل حماية طفل بريء، أليس كذلك يا فتحية؟ # ردت فتحية بسرعة: نعم يا شيخ حمزاوي، سوف يجازيك الله خيرا على تبني هذا الطفل ~~البريء، وعلى حمايتك وحنانك ورعايتك له. # وانتهزت فتحية الفرصة وجلست إلى جوار الشيخ حمزاوي وأجلست الطفل في حجره وهي تقول: انظر ~~إلى عينيه يا شيخ حمزاوي، انظر كم هو يحبك كما يحب الطفل أباه. امسك يده يا شيخ حمزاوي، ~~انظر كم هي ناعمة وصغيرة، وكيف تلتف أصابعه الصغيرة حول يدك كأنما يقول لك: «لا تتركني يا ~~أبي؛ فأنا صغير وضعيف وأحتاج إليك.» # ويمد الطفل ms78 يده ويلمس وجه الشيخ حمزاوي، وينكس الشيخ حمزاوي رأسه مستسلما لمداعبات ~~الطفل، مستمتعا بنعومة أصابعه الصغيرة وهي تعبث بشاربه ولحيته. # وذات مرة شد الطفل شعرة من شاربه، فضربه على يده قائلا: «عيب.» وحينما بدأ الطفل ينطق ~~الحروف كانت أول كلمة قالها: «إيب.» لكن الشيخ حمزاوي أصبح يجلسه إلى جواره على سجادة ~~الصلاة ويعلمه القرآن. ومرة أمسك الطفل القرآن بكلتا يديه ونظر فيه بعينيه الصغيرتين ~~المستطلعتين، لكن الكتاب كان ثقيلا فسقط من بين يديه على الأرض، وانتفض الشيخ حمزاوي ~~غاضبا، رفع القرآن بسرعة من فوق الأرض وقبل ظهره وبطنه، ثم ضرب الطفل على يده ~~قائلا: «أتلقي كتاب الله على الأرض يا ابن الحرام؟» جاءت فتحية تجري على صوت صراخ الطفل، ~~وحينما حكى لها الشيخ حمزاوي ما حدث قالت: وهل يفهم الطفل شيئا يا شيخ حمزاوي؟ # ورد: لا بد أن يتعلم من الآن يا فتحية كيف يحترم كتاب الله. # ومرة أخرى، كان الجو حارا وقت الظهيرة، وكان الشيخ حمزاوي كعادته جالسا وفي يده القرآن ~~يقرأ، لكن النوم غلبه والقرآن في يده، وزحف الطفل إليه وجلس في حجره فوق الكتاب. وما هي إلا ~~لحظات حتى أحس الشيخ حمزاوي بالبول الدافئ يجري بين فخذيه، ففتح عينيه مفزوعا متصورا ~~أول الأمر أنه يبول على نفسه، لكنه سرعان ما رأى الطفل جالسا في حجره متربعا فوق كتاب ~~الله الذي أصبح مبللا. وانتفض الشيخ حمزاوي واقفا ملقيا الطفل على الأرض، ثم ركله ~~بقدمه في بطنه صائحا في غضب: أتبول على كتاب الله المقدس يا ابن الزنا؟ # وشحب وجه الطفل وعجز عن التنفس لحظة كأنما اختنق أو مات، لكنه سرعان ما شهق شهقة عالية ~~حادة وجاءت إليه فتحية تجري فزعة: ماذا حدث يا شيخ حمزاوي؟ ماذا فعلت بالطفل؟ # وحكى لها الشيخ حمزاوي ما حدث وهو يلهث من الغضب، فحملت الطفل بين ذراعيها وصاحت في غضب: ~~وهل يفهم الطفل شيئا يا شيخ؟ كيف تضربه بقدمك الكبيرة في بطنه بهذا الشكل؟ كان من الممكن ~~أن يموت لولا عناية الله. # ورد ms79 حمزاوي: يا ليته يموت ويريحني من هذا العذاب! لم أعد أستطيع أن أعيش في هذه الدنيا ~~وهذا الملعون يعيش فيها. أصبحت أعيش بين أربعة جدران كالنسوان، لا أحد يزورني ولا أزور ~~أحدا، وحين أسير في الشارع يتجنب الناس طريقي حتى لا أقرئهم السلام. # يوم الجمعة التالي خرج الشيخ حمزاوي من بيته كعادته متجها إلى الجامع ليؤم صلاة الجماعة، ~~لكنه ما إن اقترب من باب الجامع حتى اعترض طريقه ثلاثة رجال ومنعوه من دخول الجامع. غضب ~~الشيخ حمزاوي وصاح بصوت عال: أنا شيخ الجامع، كيف تمنعونني من الدخول؟ # ورد أحدهم: لم تعد شيخ الجامع يا حمزاوي؛ لقد أصدر العمدة قرارا بفصلك وعين شيخا ~~آخر. # وصاح حمزاوي في غضب: لن يمنعني أحد من الدخول، الله وحده هو الذي يستطيع أن ~~يمنعني. # واتجه نحو الباب ليدخل، لكن أحد الرجال شده من قفطانه فرفع الشيخ حمزاوي عصاه وضرب ~~الرجل على رأسه فسقط على الأرض. انقض الرجلان الآخران على حمزاوي؛ فسدد أحدهما قبضة يده ~~القوية وضربه على رأسه كأنه يضرب رأس الشيطان، أما الآخر فقد انهال على وجهه بالصفعات ~~متصورا أنه يصفع وجه أبيه الذي كثيرا ما صفعه وهو طفل قائلا له: «سيحرقك الله في نار ~~جهنم لأنك لا تطيع أباك.» في إحدى الصفعات ارتجفت يده، فقد خيل إليه أن الوجه الذي يصفعه ~~ليس وجه أبيه، وإنما هو وجه الله ذاته، الذي أفزعه وهو طفل باللهب ونار جهنم تكويه حتى يذوب ~~جلده فيصنع له جلدا آخر ليحرقه ثانية وثالثة وعشرا وعشرين حتى يتعلم الطاعة العمياء ~~والخضوع الأبدي. وانهالت الصفعات على وجه الشيخ حمزاوي عشرا وعشرين، وكلما اشتد فزع الرجل ~~اشتدت صفعاته. # تجمع الرجال الذين جاءوا لصلاة الجماعة يتفرجون على العراك؛ حاول أحدهم أن يخلص ~~الشيخ حمزاوي، لكن قبضة قوية دفعته إلى الخلف وكادت تهشم أسنانه؛ فتراجع إلى الوراء ~~هامسا لنفسه: «لا ينوب المخلص إلا تمزيق ملابسه.» # همس أحدهم في أذن الآخر: العمدة فصل الشيخ حمزاوي وعين شيخا آخر للجامع. هيا بنا قبل ~~أن تفوتنا الصلاة. ms80 # دخل الاثنان الجامع ، ودخل خلفهما عدد من الرجال، وقفوا خلف الإمام الجديد، وبعض منهم ~~يهمس لنفسه: ~~«ليس لي أن أعترض ما دام القرار قد صدر من الجهات العليا.» والبعض الآخر يقول لنفسه: ~~«جميعهم سواء وليس لي إلا أن أصلي خلف أحدهم.» # لم يبق خارج الجامع إلا بعض الرجال، نسوا الصلاة ونسوا كل شيء، ووقفوا يستمتعون بالفرجة ~~على الضارب والمضروب سواء بسواء، لا يهمهم من هو الضارب أو من هو المضروب، وإنما هي تلك ~~المتعة الإنسانية الغريبة لأي صراع بين قوتين، كصراع الثيران، أو سباق الخيول؛ متعة يدفع ~~البعض من أجلها الكثير، يتلهون بمشاهدة الصراع في العالم الخارجي عن الصراع الداخلي في ~~أنفسهم. # سقطت عمامة الشيخ حمزاوي على الأرض، داستها الأقدام، وتمزق قفطانه، وسال الدم من أنفه ~~وفمه، وهو يصيح بغضب: يا كفرة! يا من لا تعرفون الله! أتضربون رجل الله الذي كرس حياته ~~لخدمة بيت الله؟! # قال واحد من المتفرجين: إذا كان هو رجل الله، فلماذا لا يدافع عنه الله ويتركه يضرب ~~بهذا الشكل؟ # رد آخر: ومن قال إنه رجل الله؟ إنه ليس رجل الله! # تساءل واحد آخر في غضب مدافعا عن الشيخ: وكيف عرفت أنه ليس رجل الله؟ إنه رجل ~~الله! # ورد الرجل في غضب: وكيف عرفت أنه رجل الله؟ إنه ليس رجل الله! # واشتبك الرجلان بالأيدي في عراك: لكن أحد الرجال وقف بينهما وهو يقول: لا أنت ولا هو الذي ~~يعرف أنه رجل الله أو ليس رجل الله. # وتساءل الرجل: ومن هو الذي يعرف؟ # رد واحد: العمدة هو الذي يعرف! # دب الصمت بين الرجال. لم يستطع أحدهم أن يعترض، لكن صبيا صغيرا كان بينهم فصاح بصوت ~~حاد رفيع يشبه صوت البنات: وكيف يعرف العمدة؟! # وأحس الصبي بكف أبيه فوق فمه وسمعه يقول له: اخرس يا ولد. لا تتكلم في حضرة ~~الرجال! # لكن السؤال كان قد رن في رأس أحدهم فهمس لنفسه: ~~«لا بد أن الله يقول للعمدة. ولكن هل يكلم الله العمدة كما كلم سيدنا محمدا عليه ~~الصلاة ms81 والسلام؟ ربما ... إن الله يكلم أولياءه الصالحين، والعمدة رجل صالح ...» # وهنا أصبح الرجل يلهث كأنه يجري. ولم يعرف لماذا هو يلهث مع أنه واقف على قدميه يتفرج على ~~العراك. لكن الصوت داخله كان غريبا، وكان مفزعا مع أنه يقول له: «العمدة رجل صالح»، ~~لكن كلمة «صالح» رنت في أعماقه بصوت غريب أشبه بصوت الشيطان، فأصبحت كلمة «صالح» فجأة ~~أشبه بكلمة «فاسق»، وأفزعه أن يسب العمدة بينه وبين نفسه، وزاد من فزعه أنه لم يعد ~~متأكدا أن الصوت كان همسا، وأن أحد الرجال إنما سمعه وهو يقول إن العمدة رجل فاسق. ~~وهز الرجل رأسه ويده طاردا الشيطان وقال بصوت عال: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم. # ورد رجل بغضب: نعم إنه الشيطان، هذا الذي يضرب الشيخ حمزاوي شيخ جامعنا. # وقال رجل: إنه لم يعد شيخ جامعنا يا أخ. # ورد آخر: إن الله بريء منه ومن أمثاله. # وتساءل رجل: لماذا يا أخ؟! ما الذي فعله الشيخ حمزاوي؟! # ورد رجل في غضب: ألا تعرف يا أخ؟ ألست من البلد؟ الدودة أكلت المحصول والمصائب توالت ~~علينا منذ آوى الشيخ حمزاوي في بيته ابن الحرام. نحن لا نقبل أن يؤمنا في الصلاة رجل ~~يؤوي أولاد الزنا والخطيئة. # كاد الرجل أن يقول: «ما ذنب طفل صغير بريء؟» لكنه لم يستطع. وقفت الكلمة في حلقه ~~وابتلعها حين رأى العيون من حوله ترمقه في غضب، وتذكر على الفور صوت أبيه الذي سمعه ~~مرارا يقول: «أولاد الحرام لا يجلبون إلا المصائب.» فإذا به يرد على الرجل بصوت يشبه صوت ~~أبيه قائلا: معك حق يا أخ، أولاد الحرام لا يجلبون إلا المصائب. # وابتلع ريقه وأسرع إلى حقله وهو يهمس لنفسه: «أنا جبان.» لكنه سرعان ما مط عنقه وسحب ~~الكلمة قائلا: «معه حق، أولاد الحرام لا يجلبون إلا المصائب، وإلا فلماذا توالت المصائب ~~علينا منذ آوى الشيخ حمزاوي في بيته ابن الحرام؟!» # عاد الشيخ حمزاوي إلى فتحية عاري الرأس بغير عمامة، ممزق الملابس، ينزف من أنفه وفمه. ~~أدركت فتحية بالغريزة أن حياة ms82 طفلها أصبحت مهددة ، فضمته إلى صدرها تخفيه تحت طرحتها ~~وهمست: لم يعد لنا عيش في هذا البلد. # ورد حمزاوي في إعياء: لا أعرف بلدا آخر، وأنا أفضل الموت في فراشي على الموت في أرض ~~غريبة؛ في الأرض الغريبة؛ لن يمد لنا أحد يد العون. # قالت فتحية: الله يتولانا يا حمزاوي. أتظن أن الله سيتخلى عنا؟ # رد حمزاوي في يأس: لا أدري. لقد تخلى الله عني منذ آويت هذا الطفل. # قالت فتحية: أتقول ما يقوله الناس يا حمزاوي؟ # رد حمزاوي: نعم يا فتحية. ألست واحدا من الناس، ألست بشرا؟ # أنا لم أدع في يوم من الأيام أني ملاك أو إله! # تساءلت فتحية: ماذا تعني يا حمزاوي؟ إذا كنت لا تريد الطفل بعد اليوم، فلن تراه في بيتك ~~من صباح الغد، ولكنني سأذهب معه يا حمزاوي. # رد حمزاوي في ضعف: أنت حرة يا فتحية. اذهبي معه أو ابقي هنا. أنا لم أعد أريد شيئا ~~من حياتي سوى أن يتركني الناس وحدي. # قالت فتحية وهي تمسح دموعها: لا أريد أن أتركك وحدك يا حمزاوي، لكن الناس لن تسكت عنا. ~~كل مصيبة تقع في البلد يتصورون أن سببها هذا الطفل الصغير البريء. مال الطفل ومال الدودة ~~يا حمزاوي؟ هل الطفل هو الذي قال للدودة كلي المحصول؟ إن عقل الجواميس أفضل من عقل الناس ~~هنا في كفر الطين. ولكن إلى أين أذهب وأنا لا أعرف بلدا آخر غير كفر الطين؟ # نسيت فتحية هذا التساؤل بعد بضعة أيام. سكت عنهم الناس، فظنت أنهم نسوا كل شيء ~~عنهم، أو اكتفوا بما فعلوه بالشيخ حمزاوي. وربما كان من الممكن أن ينساهم الناس تماما لولا ~~أن الهواء اشتد في يوم من الأيام، مطيرا إحدى الشرارات من أحد الأفران حيث جلست إحدى ~~النساء تخبز؛ طارت الشرارة الصغيرة، بحجم رأس عود الكبريت أو أصغر قليلا، وكان من الممكن ~~أن تنطفئ وحدها لو أنها سقطت على الأرض الترابية، لكنها لم تسقط على الأرض، طيرها الهواء ~~فوق أحد السطوح، واستقرت قبل أن تنطفئ ms83 تماما بين أعواد القش الجافة. لو هب الهواء في تلك ~~اللحظة لأطفأها قبل أن تمسك بالقش، لكن الهواء سكت لحظة، وفي هذه اللحظة أمسكت الشرارة بعود ~~القش، وحينما هب الهواء مرة أخرى لم يطفئ الشرارة؛ لأنها لم تعد شرارة، وإنما أصبحت ~~عودا طويلا مشتعلا، سرعان ما أمسك بالأعواد الأخرى المجاورة. وزحفت النار إلى أقراص ~~الجلة ثم إلى الحطب ثم إلى أطراف القش المتدلية من الأسطح المجاورة. # رأى الناس النار فوق الأسطح، فلطمت النساء وصرخ الأطفال وجرى الرجال بعضهم حول البعض لا ~~يعرفون ماذا يفعلون. صرخ فيهم حلاق الصحة قائلا: «جرادل ماء يا بهائم!» وراح يلقيها على ~~النار، لكنها كانت تفرغ ماءها قبل أن تصل إلى النار؛ أخذ كل منهم يعد عياله، أو يخرج من ~~بيته جاموسته أو حمارته، أو تحويشة العمر من حفرة في الجدار. # شيخ الخفر جرى إلى بيت العمدة الذي كان قد أبلغ عن الحريق بالتليفون. وجاءت سيارة الحريق ~~الحمراء بأجراسها ومن خلفها سيارة الإسعاف، وكان الأطفال قد شبعوا من منظر النار الحمراء ~~فوق الأسطح، وانجذبت عيونهم إلى سيارة الحريق الحمراء الضخمة، وذلك السلم الطويل الذي ~~يمكن أن يصعد إلى السماء. وما إن استقرت السيارة على الأرض حتى حوطها الأطفال من كل جانب، ~~أردافهم عارية، وأقدامهم حافية، وأنوفهم تسيل، والذباب فوق وجوههم الشاحبة النحيلة كالدمامل ~~السوداء بغير عدد. # قبل أن يهبط قرص الشمس ناحية الغرب وراء رءوس الأشجار من خلف النيل، كان كل شيء في كفر ~~الطين يعود إلى ما كان عليه، فيما عدا أن بضعة أسطح أصبحت عارية يغطيها رماد أسود، وطفل ~~رضيع اختنق بالدخان وهو نائم، وأطراف بعض النوافذ الخشبية احترقت أو اسودت. والسيارة ~~الضخمة الحمراء لم تترك إلا آثار عجلاتها على الأرض المتربة؛ تلك الآثار التي سرعان ما ~~تلاشت هي الأخرى تحت أقدام الجاموس والبقر والفلاحين العائدين من الحقول. # لم تغمض فتحية عينيها ولم تفك ذراعيها من حول الطفل؛ أدركت بالغريزة الخطر المحدق ~~بهما، وألصقت أذنها من وراء الجدار تتسمع ما يقوله الناس، تكاد تعرف ms84 ما الذي سيقولونه ، ~~والتقطت أذنها الكلمات، تماما كما توقعت: «النار كانت ستأكل البلد لولا ستر الله. منذ ~~جاء ابن الحرام والمصائب تتوالى علينا! لن نسكت بعد الآن.» # دق قلبها تحت قلب الطفل الذي تخفيه في صدرها تحت الطرحة، وفتحت الباب بهدوء حتى لا ~~يسمع صريره أحد من الجيران. جرت على أطراف أصابعها وكادت تصل إلى الجسر. لكن العيون لمحتها، ~~وحاصرتها من كل ناحية. توقفت لحظة تلتقط أنفاسها. سمعت الصوت يقول بغضب: أين الطفل يا ~~فتحية؟ # خبأت الطفل في صدرها وقالت: ليس معي. إنه نائم في الدار. # استدارت بسرعة لتسير في طريقها، لكن الأصوات اقتربت منها، ووقع الأقدام الكثيرة أصبح ~~خلفها. # وسمعت الصوت الغاضب: الطفل معك يا فتحية، وأنت تكذبين! # ردت بفزع: لا، ليس معي! # حاولت أن تجري مسرعة، لكن إحدى الأيادي امتدت إليها وشدت عنها الطرحة السوداء، فظهر الطفل ~~فوق صدرها قابضا بفمه وأسنانه على ثديها. # صرخت فتحية في هلع: إنه ابني! لا تأخذوه! # رد الصوت الغاضب: إنه ابن حرام يا فتحية، ونحن قوم لا نحب الحرام! # وامتدت اليد الخشنة القوية تنزع منها الطفل، لكن فتحية أصبحت هي والطفل جسدا واحدا. ~~تكاثرت الأيادي الخشنة تحاول أن تفصل الطفل عن ثديها، لكنها لم تستطع، أصبح الطفل وثديها ~~جزءا واحدا. # تحول المشهد فوق جسر النيل إلى عراك غريب. كان قرص الشمس قد اختفى تماما في بطن الأرض ~~ناحية الغرب من وراء رءوس الأشجار خلف النيل، وهبطت الظلمة فوق بيوت كفر الطين السوداء ~~ثقيلة كأنفاس أخيرة، وأصبح الرجال المتجمعون فوق الجسر كأشباح الليل خرجت من قاع النيل، ~~وجسد فتحية الأبيض العاري بعد أن مزقوا جلبابها عن آخره أشبه ما يكون بجسد جنية النيل التي ~~تخرج من الماء في منتصف الليل. وجهها أبيض شاحب وعيناها واسعتان مملوءتان بإصرار أشبه ~~بالجنون، أو جنون أشبه بالإصرار، وجسدها رغم نعومته واستدارته الأنثوية أصبح كجسد جنيات ~~الليل، قويا رهيبا ومجنونا، تضرب الرجال بقدميها وركبتيها وفخذيها وكتفيها على حين تظل ~~ذراعاها ملفوفتين حول ثديها حيث يرقد الطفل. # تزاحمت على ms85 جسدها الأيدي الخشنة ذات الأصابع الغليظة، حفر عليها مقبض الفأس، والأظافر ~~الطويلة السوداء كحوافر الجاموس والبقر نشبت في ثديها، تمزق اللحم عن اللحم، وعيون ذكور ~~تلمع بشرر الحرمان والجوع تلتهم الثدي الناعم الأبيض ... من يراهم من فوق الجسر يظن أنهم جمع ~~من الرجال التفوا حول صحن كبير من اللحم، وكل منهم يحاول أن يلتهم نصيبه قبل أن يلتهمه ~~الآخر. الأيادي تتحرك بسرعة، والعيون تلمع بنهم، وجسد فتحية أصبح ممزقا تنزف منه الدماء ~~الحمراء الساخنة، أما جسد الطفل فقد تناثر في الجو كذرات من الرماد الناعم. # على أن الجسر أصبح بعد قليل كما كان يصبح كل ليلة، جزءا من الظلمة الساكنة الجاثمة فوق ~~النيل، وفوق شريط الحقوق الممتد بامتداد النيل، وفوق البيوت الطينية السوداء، والأزقة ~~المتعرجة بأكوام السباخ. وأصبح رجال كفر الطين داخل بيوتهم، راقدين فوق الأرض بجوار ~~بهائمهم وزوجاتهم كالجثث الهامدة، إلا رجلا واحدا هو الشيخ حمزاوي، لم يرقد ولم يغمض له ~~جفن؛ ظل ملتصقا أذنه بالجدار حتى انقطعت الأصوات ودب الصمت فوق القرية ثقيلا مخيفا ~~كما يدب الموت؛ فدفع الشيخ حمزاوي بابه الخشبي برفق حتى لا يحدث الصرير المعهود، وسار ~~بخطواته البطيئة وعصاه تسبق قدميه تكتشف الطريق، وتلقى من حين إلى حين قطعة طوب أو زلط، أو ~~أرنبا أو جروا ميتا. # وارتطمت عصا الشيخ حمزاوي بشيء أدرك أنه ليس جروا ميتا ولا أرنبا، وإنما هو جسد لا ~~يزال حيا، ولا تزال دماؤه ساخنة؛ توقف الشيخ كالشبح فوق الجسر، لا شيء فيه يتحرك، حتى ~~السبحة الصفراء كفت عن الحركة بين أصابعه، وعيناه أصبحتا جامدتين ثابتتين فوق جسد زوجته ~~العاري الممدود فوق الجسر. # كانت فتحية لا تزال تئن بصوت خافت، وصدرها لا يزال يعلو ويهبط في أنفاس بطيئة ~~متقطعة. # جلس الشيخ حمزاوي إلى جوارها وأمسك بيدها: فتحية ... فتحية ... أنا حمزاوي. # فتحت عينين حمراوين بلون الدم، وانفرجت شفتاها كأنما تحاول النطق، لكن صوتها لم يطلع. ~~رأى الشيخ حمزاوي رجلا قادما من بعيد؛ فخلع قفطانه وغطى جسدها العاري. وحينما اقترب الرجل ~~تعرف الشيخ ms86 حمزاوي عليه؛ هو الشيخ متولي. وقال له حمزاوي: إنها تلفظ أنفاسها الأخيرة؛ هل ~~يمكن أن تحملها معي إلى البيت لتموت في فراشها؟ # وأسرع الشيخ متولي يعاونه على حمل جسد فتحية النازف، وقبل أن يحركاها من مكانها فوق ~~الجسر فتحت عينيها وتلفتت حولها كأنما تبحث عن شيء. # وهمس الشيخ متولي: إنها تبحث عن شيء. # ورد الشيخ حمزاوي: إنها فاقدة الوعي، فلنحملها معا إلى البيت. # لكن جسد فتحية ظل ملتصقا بالأرض، وكلما حاول الرجلان رفعها إلى فوق فتحت عينيها وتلفتت ~~حولها كأنما تبحث عن شيء. # وقال الشيخ متولي: إنها ترفض التحرك يا شيخ حمزاوي، ولا بد أنها تبحث عن شيء. # وتلفت متولي حوله؛ فالتقطت عيناه شيئا صغيرا ملقى فوق الجسر على مسافة غير بعيدة؛ ~~ذهب إليه، ثم عاد به؛ فإذا به جسد الطفل الصغير الممزق. ووضع الشيخ متولي الطفل فوق ~~صدر فتحية، فالتفت ذراعاها حوله بشدة، ثم أغمضت عينيها وأصبح جسدها خفيفا قابلا لأن ~~يحمل إلى أي مكان. # حملها الشيخ حمزاوي والشيخ متولي إلى البيت. وفي صباح اليوم التالي دفناها كما هي بالطفل ~~بين ذراعيها بعد أن اشترى لها حمزاوي كفنا حريريا أخضر. وبعد أن أهال حمزاوي ومتولي ~~التراب على جسد فتحية وطفلها، مسح متولي عينيه بكفه فإذا هما مبللتان بدموع لم تبلل ~~عينيه منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما. وكان كفن فتحية هو الكفن الوحيد الذي لم يسرقه ~~متولي، وكانت جثتها هي الجثة الوحيدة في كفر الطين التي لم يقربها. ~~••• # اتكأ على الأرض المتربة بكفيه الكبيرتين الساخنتين، ثم جلس مسندا ظهره إلى جذع شجرة، ~~ممدا ساقيه المنهوكتين من طول السير، وظهرت قدماه الكبيرتان في ضوء الشمس الغاربة ~~وارمتين مشققتين ملتهبتين. # أغمض عينيه لينام لكنه لم يستطع، وظلت عيناه مفتوحتين شاخصتين إلى شريط النيل الطويل ~~ممتدا بغير نهاية، يوازيه شريط الحقول ممتدا أيضا بغير نهاية. امتدت عيناه بين ~~الشريطين اللانهائيين تبحثان عن أول معالم كفر الطين؛ شجرة الجميز الكبيرة في بطن الجسر، ~~والرائحة التي يستطيع أن يميزها من كل شيء في العالم، ms87 تشبه رائحة التراب حين يرش بماء ~~الترعة، أو ثمرة الجميز حينما يعلوها تراب الجسر، أو الروث الممزوج مع خبيز الفرن، أو طرحة ~~أمه زكية حينما يحركها الهواء، وهي تسير إلى جواره أو صدرها حينما كان يرقد عليه وهو ~~طفل. # رائحة غابت عن أنفه أربع سنوات، منذ ترك كفر الطين وأخذوه إلى الجيش. قبل أن يأخذوه وقبل ~~أن تغيب عنه الرائحة لم يكن يعرفها، بل إنه لم يعرفها بعد أن أخذوه وبعد أن أصبح يعيش في ~~خيمة صغيرة على بعد أميال قليلة من السويس؛ أصبح يشم البارود والجلد المحروق والصفيح ~~الصدئ، ورمال سيناء حينما تهب الغارة أو العاصفة. لكنه فتح عينيه مرة في منتصف إحدى ~~الليالي، فإذا بالرائحة تملأ أنفه! لم يعرفها أول الأمر لكنه أحس بسعادة غامضة تسري فوق ~~جسده كالمخدر، وود لو أنه أغمض عينيه ونام على صدر أمه. لكنه فتح عينيه واكتشف أن رأسه ~~ليس على صدر أمه، وإنما فوق صرة صغيرة أرسلتها له أمه مع أحد زملائه الجنود. قبل أن يفتح ~~«الصرة» قربها من أنفه، ولأول مرة أيضا يعرف الرائحة التي عاشت معه سنين وسنين منذ ولد ~~وعاش في كفر الطين وغادرها دون أن يعرفها. # مد أنفه بين شريط الماء وشريط الحقول يحاول التقاط الرائحة، التراب الممزوج بماء الترعة ~~الطيني، لكن أنفه لم يلتقط الرائحة، وعيناه بين الشريطين اللانهائيين لم تصلهما إلى أول ~~معالم كفر الطين. # أدرك أن المسافة ما زالت طويلة، وأن أمامه مسيرة طويلة قد تستغرق ساعات أو أياما. ~~انغلقت عيناه وحدهما، فتحهما بعد قليل فوجد الشمس عالية في السماء؛ فأدرك أنه نام يومين ~~متصلين. اتكأ على الأرض بكفيه الكبيرتين انحفر عليهما مقبض البندقية، ومن تحته مقبض ~~الفأس القديمة. نهض يجر جسده الطويل النحيل فوق قدمين كخفي الجمل تورمتا من طول المسير، ~~أصبح الدم والصديد ينز من شقوقهما السوداء الطينية. أصبح قرص الشمس الملتهب فوق رأسه، ~~وتراب الجسر الساخن يلسع قدميه كرمل الصحراء الملتهب، وشريط الماء الرفيع هو قناة ~~السويس. # أسرعت أنفاسه، وبدأت الدوائر الحمراء ms88 تتراقص أمامه، وأغمض عينيه ليكف رأسه عن الدوار، ~~دب في أذنيه الصوت الرهيب الذي لا يخطئه؛ صوت يشبه الرعد، يشبه الزلزال، أو انقضاض ~~السماء على الأرض أو الأرض على السماء؛ قفز في أقل من اللحظة متكورا حول نفسه حاميا ~~رأسه بذراعيه، زاحفا فوق الأرض حتى عثر على حفرة دخل فيها، وسكنت حركته تماما كأنما ~~تجمد أو مات. # اختفى الصوت ودب السكون من حوله، ففتح عينيه بحذر، مختلسا نظرات فزعة نحو السماء ~~كأنما يبحث عن شيء؛ لم ير في الجو شيئا، لا طائرة، ولا نارا، ولا دخانا، ولا رمادا، ~~ولا أي شيء سوى قرص الشمس الملتهب، وهبطت عيناه إلى الأرض، وحينما رأى النيل والحقول أدرك ~~أنه ليس في الصحراء، وأن الحرب انتهت، وأنه عائد إلى كفر الطين سيرا على قدميه. رأى ~~أيضا مجموعة من الأطفال تجمعوا حوله، وكانوا قد رأوه وهو يقفز فجأة ويختفي في بطن ~~الجسر. عيونهم المتسعة من تحت الذباب كانت تتطلع إليه في دهشة واستغراب. وسار بضع خطوات ~~مبتعدا عنهم متأرجحا فوق قدميه الوارمتين الداميتين. سمع من خلفه صوت الأطفال يضحكون ~~ويتغامزون، وسمع أحدهم يهتف وراءه: «العبيط أهه!» وسرعان ما انضم إليه بقية الأطفال، يهتفون ~~في نفس واحد: «العبيط أهه!» وأخذوا يقذفونه بالحجارة. # حين أصبح فوق جسر كفر الطين، كان قرص الشمس قد اختفى وراء رءوس الأشجار ناحية الغرب خلف ~~النيل، والظلمة تزحف ببطء فوق البيوت المنخفضة السوداء، وأسراب الجاموس والبقر تزحف ببطء ~~فوق الجسر عائدة من الحقول، ومن خلفها رجال تشققت أقدامهم وانحنت ظهورهم يسيرون نحو ~~بيوتهم الطينية بخطوات بطيئة ثقيلة. # وكانت زكية قد عادت من الحقل هي والجاموسة، وجلست كعادتها كل ليلة في مدخل الدار الترابي ~~صامتة ساكنة، عيناها السوداوان الواسعتان تحملقان في الظلمة، مفتوحتين عن آخرهما أو ~~مغلقتين، فالظلمة واحدة، لا تكاد تعرف أهي يقظة أم نائمة، وما تراه أهو حلم أم حقيقة، أهو ~~كفراوي أم جلال. لم يكن ابنها جلال يشبه أخاها كفراوي. آخر صورة في ذاكرتها لابنها جلال ~~كانت في ذلك اليوم حين ms89 أخذوه إلى الجيش ؛ رأته يسير بين الرجلين شابا قويا مرفوع الظهر ~~مرفوع العينين، وآخر صورة في ذاكرتها لكفراوي كانت في ذلك اليوم حين أخذوه إلى السجن؛ رأته ~~يسير بين الرجلين كهلا عجوزا محني الظهر منكسر العينين. لا يمكن لها أن تخلط بين ~~جلال وكفراوي، لكنها الآن لا تعرف من منهما الذي تراه أمام عينيها؛ فالوجه هو وجه جلال ~~ابنها، لكن الظهر محني والعينين منكسرتان كعيني كفراوي. # سمعت صوتا يشبه صوت جلال ابنها يهمس بنبرة ضعيفة خافتة: أمي! ألا تعرفينني؟ أنا جلال، ~~عدت من سيناء. # ظلت زكية تنظر إليه بعينيها السوداوين المفتوحتين أو المغلقتين، لا تدري أحلم أم ~~حقيقة؟ مدت يدها في الظلمة لتلمسه؛ كان يتبدد كل ليلة حين تمد يدها ولا تقبض أصابعها ~~إلا على الظلمة، لكن يدها هذه المرة أمسكت يدا من لحم ودم، يدا كبيرة ساخنة تشبه يد ~~جلال. قربت اليد من وجهها، فدخلت أنفها رائحة ابنها التي لا تخطئها، رائحة تشبه رائحة ~~ثديها أو لبنها قبل أن يجف الثدي ويجف اللبن. # هتفت بصوت ضعيف مبحوح وهي تضع وجهها في كفه: جلال ابني! أهو أنت؟! # دفن رأسه في صدرها: نعم يا أمي. أنا جلال. # مرت بكفها الكبيرة الخشنة فوق رأسه وعنقه وكتفيه وذراعيه وساقيه وقدميه تبحث عن جرح ~~أو جزء مفقود. # همست: أنت بخير يا ابني؟ # رد هامسا: نعم يا أمي أنا بخير، وأنت؟ هل أنت بخير؟! # ردت هامسة: نعم يا ابني، أنا بخير. # سأل وهو ينظر إليها بعينين قلقتين: ولكنك لست كما تركتك منذ أربع سنين. # قالت وهي تتنهد: الزمن يا بني. وأنت يا جلال لم تعد كما كنت، ماذا حدث يا بني؟ # قال: لا شيء يا أمي، أنا متعب من السير الطويل، أريد أن أستريح. # تمدد إلى جوارها فوق الأرض الترابية، دلكت قدميه بالماء الدافئ والملح ولفتهما ~~بطرحتها. ظلت عيناه مفتوحتين شاخصتين إلى السقف الطيني، جلست إلى جواره، شفتاها مطبقتان ~~في صمت. انفرجت شفتاها مرة لتحكي له ما حدث، لكنها أطبقتهما وآثرت الصمت، لكنها سمعت صوته ms90 ~~بعد فترة يسألها : كيف حال خالي كفراوي؟ # ظلت صامتة، ثم انفرجت شفتاها الجافتان عن كلمة خافتة: بخير. # وسمعته يسأل مرة أخرى: ونفيسة، وزينب؟ # ترددت لحظة ثم قالت بصوت خافت نصف مسموع: بخير. أتريد أن تأكل؟ لا بد أنك لم تأكل ~~منذ أيام. # ونهضت لتحضر له مشنة الخبز وقطعة جبن قديمة وقطعة مخلل. قالت وهي تسير إلى الباب: سأشتري ~~لك بقرش حلاوة طحينية من عند الحاج إسماعيل. # أدرك أنها تخفي شيئا، فرمقها بعينين قلقتين، ثم قال: لا أريد أن آكل. تعالي اجلسي ~~إلى جواري واحكي لي. أنت تخفين شيئا عني؛ لست كما تركتك. ما الذي حدث؟! # هربت عيناها من عينيه، وظلت صامتة، وعيناها مفتوحتان شاخصتان في الظلمة، ثم انفرجت ~~شفتاها الجافتان عن كلمة خافتة غير مسموعة: نفيسة هربت. # دب الصمت ثقيلا كالظلمة، وأطبقت شفتاها طويلا، ثم تحركت شفتاها ببطء، منفرجتين عن ~~كلمة خافتة وغير مسموعة: وكفراوي في السجن. # وانغلقت شفتاها تماما، وظلت عيناها بعيدتين عن عينيه. سمعت صوته الخافت بعد فترة طويلة ~~يأتيها من الظلمة كأنما من بئر عميق: وزينب؟! # ارتعش صوته وهو ينطق كلمة «زينب»، رعشة الصوت المتردد الخائف الذي يريد أن يسأل ولا ~~يريد أن يسأل، الذي يريد أن يعرف ولا يريد أن يعرف. إحساس غريب عميق استولى عليه حين رأى ~~وجه أمه أنبأه بأن شيئا خطيرا حدث في غيابه؛ كفراوي خاله ونفيسة ابنة خاله، لكن زينب شيء ~~آخر؛ شيء فيه كان يرتعش إذا سمع صوتها وهي تنادي على عمتها زكية، أو حين تلتقي عيناها ~~بعينيه، يشعر بخدر في ساقيه، ورعشة تشبه ضعف العضلات المرهقة حين تنشد الراحة، يود لو وضع ~~رأسه المرهق فوق نهديها الصغيرين وأغمض عينيه طويلا. لكنه ما إن يلمح ساقيها وهي جالسة ~~إلى جوار أمه تخبز أمام الفرن، أو حين يتعرى جزء من فخذها وهي جالسة القرفصاء تعجن؛ حتى ~~تتحول الرعشة إلى تيار ساخن من الدم يصعد في رأسه ثم يهبط إلى صدره وبطنه وفخذيه، يود ~~لو انتزعها من أمام الفرن بعيدا عن عيني أمه ms91 وأغلق عليها الباب واحتواها بين ~~ذراعيه. # كانت أمه زكية تحس به حين يرتعش صوته وهو ينادي زينب، وترى عينيه وهما تبحثان عنها حين ~~تغيب في الحقل، وتلمعان باللهب حين يلتقط صوتها قبل أن تدخل، والدم الساخن يصعد إلى رأسه ~~بعد أن تدخل وتجلس إلى جوارها في المدخل الترابي أو أمام الفرن. # ذات ليلة، وهو راقد إلى جوارها فوق الحصيرة، سمعته يئن أنينا خافتا؛ همست في أذنه: ~~ما لك يا جلال يا ابني؟! # همس في أذنيها دون أن يفتح عينيه: أريد زينب ابنة خالي يا أمي. # ردت وهي تغطيه وتربت على رأسه: سنزوجها لك يا بني حين تعود من الجيش. # ظلت زكية صامتة. رفع رأسه ونظر في عينيها رغم الظلمة الكثيفة التي تفصل بين جسديهما. رأى ~~عينيها مفتوحتين وشاخصتين في الظلمة إلى الباب الحديدي البعيد المواجه لبابها. سأل مرة ~~ثانية بصوت أخفى منه الرعشة: وزينب؟ ماذا فعلت بعد غياب كفراوي ونفيسة؟! # ردت أمه: زينب تشتغل الآن عند العمدة. # ارتعش صوته: ماذا تشتغل؟ # ردت أمه: تكنس وتمسح وتغسل. # سرت الرعشة فوق ذراعيه وساقيه: وأين تبيت؟! # ردت زكية: تبيت معي هنا يا بني. إنها هنا، نائمة فوق الفرن. ابتلع ريقه، هدأت رعشة جسده. ~~ضغط بكفيه على الأرض كأنما سينهض، لكنه ظل في مكانه. سأل أمه بعد صمت طويل: أعندك جلباب لي ~~نظيف؟ # ردت زكية: نعم يا بني. جلبابك الجديد كما هو منذ تركته قبل أن تذهب إلى الجيش. # سرى فوق جسده شيء من النشاط: سخني لي صفيحة ماء. أريد أن أستحم. ~~••• # ما إن دخل شيخ الخفر ورأى وجه العمدة حتى أدرك على الفور لماذا أرسل إليه على هذا النحو ~~العاجل؛ منذ أن تزوج جلال زينب والشيخ زهران يستعد لهذا اليوم حين يرسل إليه العمدة. همس ~~إلى الحاج إسماعيل بمخاوفه، لكن إسماعيل طمأنه قائلا: لا تقلق يا شيخ زهران. جلال عاد من ~~الحرب منكسرا، ولن يجرؤ على أن يخالف العمدة؛ إنه سيشعر بالفخر لأن زوجته تشتغل عند أكبر ~~رأس في البلد. # ورد الشيخ زهران: ms92 أنت لا تعرف جلال يا حاج إسماعيل كما أعرفه أنا. إنه من هذا النوع ~~الغبي من الرجال الذي يغار على زوجته، وهو يحب زينب منذ كانت طفلة. # قال الحاج إسماعيل: ما دام هو غبيا، فلن يشك في شيء، الأذكياء فقط هم الذين يعرفون ~~الشك. # رد الشيخ زهران: ولكنه رفض أن يرسل زوجته إلى بيت العمدة. # قال الحاج إسماعيل: هذا النوع الغبي من الرجال يفضل أن يأكل الخبز المقدد بالملح على ~~أن يرسل زوجته لتشتغل خادمة في بيت. إنه يتصور أن الخدمة في البيوت عيب كبير. # رد شيخ الخفر: ولكنه ليس أي بيت، إنه بيت العمدة. # قال حلاق الصحة: الأغبياء من الرجال لا يفرقون كثيرا بين البيوت يا شيخ زهران. # سأل الشيخ زهران: وما العمل لو أنه منع زينب من الذهاب؟ # رد الحاج إسماعيل: لا تقلق من الآن. ربما يكون العمدة نفسه مل زينب ولا يرسل في ~~طلبها. أنت تعرف أن العمدة سريع الملل، لا تستمر معه الواحدة منهن طويلا. # لكن مخاوف الشيخ زهران تحققت، وجاء اليوم الذي قال له العمدة آمرا: اذهب، ثم عد ~~ومعك زينب. # وجلس الشيخ زهران مع الحاج إسماعيل أمام الدكان يفكران ويشربان الشيشة. # قال الشيخ زهران: أنت لا تعرف جلال يا حاج إسماعيل كما أعرفه أنا. صحيح أنه غبي ككل رجال ~~كفر الطين، ولكنا لا نعرف مدى تنوره بعد أن سافر إلى مصر وعاش وسط جنود الجيش هذه السنين. ~~لا أظن أنه يمكن أن يخدع بالأحجبة الآن، وعلينا أن نفكر في طريقة أخرى. # قال الحاج إسماعيل: الرجال هنا في هذا البلد يخافون ولا يختشون؛ خوفه يا شيخ زهران وأنت ~~تملك القدرة على تخويفه. # رد الشيخ زهران: نعم، ولكنني أفضل مع أمثال جلال الطرق الودية. أنت لا تعرفه، إنه ليس ~~كفراوي. ومن يدري؟ فقد يسبب لنا مشاكل كثيرة في البلد، والناس هنا قد بدءوا يفتحون عيونهم ~~بعد أن ساءت الحالة وارتفعت الأسعار وتراكمت على الفلاحين ديون الحكومة، والعمدة لم يعد ~~محبوبا كما كان. # قال الحاج إسماعيل: ولكنك ms93 سبق أن جربت معه الطرق الودية، وليس أمامك الآن إلا الطرق ~~الأخرى. # سكت الشيخ زهران طويلا كالغارق في تفكير عميق. # سأله الحاج إسماعيل بعد فترة: فيم تفكر يا شيخ زهران؟ # قال: أفكر في أخف الطرق؛ لا أريد أن أستعمل الضغط. # تأمله الحاج إسماعيل قليلا ثم قال: أنت تخاف من جلال يا شيخ زهران. # رد وهو يدلك شاربه بأصبعه: جلال لا يخوفني، ولكني أحس هذه المرة بأن شيئا سيحدث. لا ~~أدري ما هو، ولكني لست مطمئنا. الناس تغيرت يا حاج إسماعيل؛ الفلاح الذي لم يكن يستطيع ~~أن يرفع عينيه في عيني أصبح يرفع عينيه، وبعضهم أصبح يرفع صوته. بالأمس فقط رفض أحد ~~الفلاحين أن يدفع شيئا مما عليه للحكومة، وقال لي غاضبا: «يا شيخ زهران، نحن نعمل ليل ~~نهار طول العام ولا نخرج إلا بديون للحكومة.» مثل هذا الكلام لم أكن أسمعه من قبل من أي ~~رجل منهم. الفلاحون جوعى لا يجدون إلا الخبز المقدد بالمش والدود، والجوع يجعل الناس لا ~~تعرف أحدا، وتتجرأ علينا بل على ربنا أيضا؛ الجوع كافر يا حاج إسماعيل. # رد الحاج إسماعيل: طول عمرهم جوعى بهذا الشكل، طول عمرهم يأكلون المش والدود، ولا ~~يعرفون شيئا آخر. # سكت الحاج إسماعيل لحظة كأنما خطرت له فكرة، ثم قال: # بدلا من التخويف يا شيخ زهران، هل جربت الإغراء؟ زكية وجلال تراكمت عليهما ديون ~~الحكومة وأنت الذي تطالبهما بالسداد. لو لمحت لجلال بأنك قد تتساهل معه بعض الشيء ربما ~~لان قليلا. # رد الشيخ زهران: أنت لا تعرف يا حاج إسماعيل، ماذا فعلت منذ علمت أن جلال تزوج ~~زينب. لو استطعت أن أمنع الزواج لمنعته لكني فوجئت به وقد تزوجها، كنت أعرف أن اليوم ~~سيأتي حين يرسل إلي العمدة في طلب زينب، وحاولت مع جلال لأقنعه بألا يجعل زينب تنقطع ~~عن الخدمة في بيت العمدة، لكنه قال لي إن زينب ترفض الذهاب. # تساءل الحاج إسماعيل: أهي التي ترفض أم هو؟ # رد الشيخ زهران: أغلب الظن أنه هو الذي يؤثر عليها لأنها ms94 كانت تذهب قبل زواجها ~~منه. # قال الحاج إسماعيل: لا بد أنها أحبت زوجها، أو أنها تشعر بالإثم لو أنها ذهبت إلى ~~العمدة وهي متزوجة. # قال الشيخ زهران: على أية حال، إن وجود جلال إلى جانبها يشجعها على الرفض. # تساءل الحاج إسماعيل: وماذا فعلت بعد ذلك؟ # رد الشيخ زهران: جربت الإغراء، ولمحت لجلال بأنني سأتساهل معه بشأنه ديونه للحكومة، ~~لكنه لم يظهر أي تجاوب، وليس أمامي الآن إلا أن أستخدم سلطتي. # سأل الحاج إسماعيل: وماذا تستطيع أن تفعل؟ # رد الشيخ زهران: إما الدفع فورا، وإما أن آخذ منهم الأرض. # قال الحاج إسماعيل: الأرض حياتهم، وإذا أخذتها منهم فقد قتلتهم، وربما ينكشف الأمر لأن ~~كل الفلاحين عليهم ديون للحكومة، فلماذا تهدد جلال بالذات؟ عليك أن تفكر في شيء آخر يا ~~شيخ زهران. # ظل الشيخ زهران صامتا. لم يكن أمامه حل سوى أن يتخلص من جلال كما تخلص من كفراوي. ~~ولكن كيف له أن يزج بجلال في السجن؟! # لم يسمع الحاج إسماعيل هذا السؤال، لكنه فهمه حين نظر في عيني زهران، وصمت الرجلان ~~طويلا، ولم يسمع إلا كركعة الشيشة، ونحنحة من حين إلى حين عندما يسعل الحاج إسماعيل أو ~~يتمخط. وكانت الظلمة قد هبطت على كفر الطين ثقيلة، وهواء النيل لا يكاد يتحرك فوق الجسر، ~~والبيوت الطينية السوداء والأزقة المسدودة بأكوام السباخ أصبحت كلها صامتة ساكنة سكون ~~الموت. ~~••• # كانت زكية كعادتها جالسة في المدخل الترابي، عيناها السوداوان مرفوعتان، حينما سمعت الضجة ~~ورأت الرجال يتقدمهم شيخ الخفر يدخلون من الباب. رن صوت شيخ الخفر في أذنيها قائلا: ~~ادخلوا فتشوا البيت! # قبل أن تسأل أو تفهم شيئا كان الرجال قد انتشروا في البيت الطيني الصغير، يفتشون وراء ~~الأبواب وفوق الفرن وفي فتحات الجدران وفوق السطح. لم تعرف عم يبحثون، وظلت واقفة تنظر ~~إليهم بعينين مفتوحتين متسعتين، ظهر أحد الرجال وهو يحمل صرة صغيرة وقال مخاطبا شيخ ~~الخفر: وجدناها يا شيخ زهران. كان يخبئها تحت الفرن. # صاح شيخ الخفر في غضب: اللص! اقبضوا عليه! أين ابنك ms95 يا زكية؟ # ردت زكية في هلع: إنه في الحقل. لماذا تريده؟ ماذا فعل؟ # رد الشيخ زهران في غضب: ابنك جلال لص كبير يا زكية! لقد سرق هذه الصرة من بيت العمدة، ~~وهي مليئة بقطع النقود الفضية. انظري! # فتح لها الصرة ودهشت حين رأت قطع النقود الفضية الكثيرة وصاحت: ابني جلال لا يسرق يا شيخ ~~زهران. إنه لم يدخل بيت العمدة أبدا! # ضحك الشيخ زهران في سخرية: أنت لا تعرفين شيئا عن ابنك يا زكية، أو أنك تعرفين ~~وتتجاهلين. ألم يخبرك بمسألة هذه الصرة؟ # ردت بسرعة: لا يا شيخ زهران، أقسم لك إنني لا أعرف عنها شيئا، وابني جلال لا يمكن أن ~~يكون السارق. # رد الشيخ زهران في سخرية: ومن إذن الذي سرقها يا زكية؟ من إذن الذي خبأها في بيتكم تحت ~~الفرن؟ عفريت؟ # لطمت زكية على خديها وهي تقول: أبدا أبدا، ابني جلال ليس لصا، لن تأخذوه كما أخذتم ~~كفراوي! # لكنهم أخذوه. لم يعرف جلال ما الموضوع، ساقوه بجلبابه إلى القسم، من حجرة إلى حجرة، ومن ~~تحقيق إلى تحقيق. كان مذهولا وعيناه مفتوحتان متسعتان لا يكاد يعرف شيئا مما يدور حوله. ~~خيل إليه أنه كابوس ثقيل أو حلم غريب، ولم يكن يعرف بماذا يجيب على الأسئلة سوى أن ~~يقول: «لا أعرف شيئا، لا أعرف لماذا أنا هنا، لا أعرف شيئا عن هذه الصرة، لم أدخل بيت ~~العمدة أبدا.» # وجاء الشهود، ومنهم شيخ الخفر، أحدهم رآه خارجا يجري من الباب الخلفي لبيت العمدة، ~~والآخر رآه يحمل شيئا في يده كالصرة، وواحد حاول أن ينادي عليه فلم يرد، وظل يجري حتى ~~دخل بيته المواجه لبيت العمدة. وتكلم شيخ الخفر في نهاية الشهود قائلا إنه كان يحترم ~~جلال كأحد الجنود الذين يدافعون عن أرض الوطن، وكان يثق به، لكنه اضطر إزاء كلام الرجال أن ~~يذهب إلى تفتيش بيت جلال حيث عثروا على الصرة. وقال إن هذه هي المرة الأولى لجلال أن يسرق، ~~وإنه لا يعرف ما الذي دعاه إلى السرقة سوى أن الديون ms96 تراكمت عليه، وأنه كان يضطر إلى دفع ~~جزء من الدين وإلا تعرض لإجراءات الحكومة التي تتخذ فورا حين يرفض الفلاح الدفع. # كان شيخ الخفر مدربا على الكلام أمام رجال البوليس، يعرف لغتهم ويعرفون لغته. وما إن ~~أنهى الشيخ زهران شهادته حتى اتجه المحقق إلى جلال وسأله: ألديك أقوال أخرى؟ # ورد جلال والعرق يتصبب منه والكلمات تتعثر على شفتيه والذهول يملأ عينيه: أنا لا أعرف ~~شيئا عن هذه الصرة. أنا لم أسرق ولم أدخل بيت العمدة. # لكنهم ساقوه إلى السجن؛ ووجد جلال نفسه داخل حجرة مظلمة، مليئة بالأنفاس والأجساد. وما إن ~~تعودت عيناه الظلمة حتى استطاع أن يرى وجوها سمراء نحيلة وطويلة، والعيون السوداء واسعة ~~تنظر إليه في مذلة وانكسار. وخيل إليه أنه رأى وجها يشبه وجه خاله كفراوي، فهتف كأنه ~~في حلم: خالي كفراوي؟! # رد عليه الصوت: من هو كفراوي يا بني؟ ~~••• # كانت زينب قد تشبثت بذراع زوجها تصرخ: «لا تأخذوا زوجي، خذوني معه.» لكن أذرع الرجال ~~القوية الخشنة شدت زينب بعيدا عن جلال وأدخلوه في العربة الصغيرة المغلقة. # ظلت زينب صامتة ثلاثة أيام متتالية، لا تذهب إلى الحقل، ولا تسحب الجاموسة، ولا تملأ ~~الجرة من النيل، ولا تطبخ. ظلت جالسة إلى جوار عمتها زكية في مدخل البيت الترابي، عيناها ~~شاخصة صامتة ثابتة على الطريق الذي اختفى فيه جلال. # في اليوم الثالث نهضت زينب، سارت إلى الزريبة، سحبت الجاموسة إلى الخارج، ثم عادت بغير ~~الجاموسة، وبين ثدييها كانت تخفي صرة صغيرة بها بعض النقود، ثم عادت وجلست إلى جوار ~~عمتها زكية صامتة. # فجر اليوم الرابع نهضت زينب مرة أخرى، وخرجت وحدها، وسارت إلى محطة الكافوري، ركبت ~~الكافوري حتى باب الحديد. في باب الحديد سألت عن السجن، وظلت تسأل إلى أن عرفت الطريق، ~~وركبت القطار، ثم سارت حتى باب السجن، لكن الرجل الواقف على الباب قال لها إن الزيارة ~~ممنوعة إلا بتصريح. # سألت: «كيف أحصل على تصريح بالزيارة؟» وصف لها الرجل الطريق؛ فعادت أدراجها إلى باب ~~الحديد، ثم ركبت الترام وسارت ms97 نحو بناء ضخم مزدحم بالناس والمكاتب والأوراق. دخلت من ~~الباب الحديدي الكبير وابتلعها البناء، ودخلت من مكتب إلى مكتب، وأصبحت كالتي تدور حول ~~نفسها عدة أيام، حتى نفدت النقود معها، وأخذها أحد الرجال الطيبين الذين يهوون مساعدة ~~النساء لتبيت في السيدة (شي الله يا ست)، وبدلا من يأخذها إلى السيدة أخذها إلى البيت ~~لتبيت هناك. # ولم يعرف أحد من كفر الطين شيئا عنها بعد ذلك. ~~••• # منذ أخذوا جلال وذهبت زينب وراءه وزكية جالسة في المدخل الترابي وحدها، صامتة، عيناها ~~السوداوان مفتوحتان وشاخصتان في الظلمة، فيهما غضب غريب، أشبه بغضب الحيوانات الكاسرة. في ~~رأسها شيء بطيء جدا يحدث، أشبه بالتفكير، أشبه بالضوء الخافت، يظهر كنجم صغير مضيء ~~في سماء مظلمة، يظهر لحظة ثم يختفي. تحاول أن تمسك به كأنما تمسك بأول الخيط، لكنه ~~سرعان ما يفلت منها ويصبح رأسها مظلما. # على أن الظلمة داخل رأسها لم تعد هي الظلمة السابقة، وهذا الضوء الخافت رغم أنه خافت ورغم ~~أنه يختفي بعد قليل، فإن رأسها لم يعد هو رأسها. شيء في عقلها بدأ يتحرك؛ سؤال لم يكن ~~يخطر على بالها أصبح يرن تحت عظام رأسها: ليس هو جلال بالتأكيد، من هو إذن؟ # تذكرت فجأة اليوم حينما أرسل العمدة في طلب زينب، كانت زينب منذ تزوجت قد عاهدت الله على ~~ألا تذهب إلى العمدة. ركعت فوق سجادة الصلاة، وخاطبت الله قائلة: «لقد نفذت أمرك يا رب ~~وأحمدك لأنك شفيت عمتي، والآن أنا زوجة على سنة الله ورسوله، ولن أذهب إلى هناك مرة أخرى.» ~~وفي تلك الليلة سمعت زينب صوتا يأتيها من السماء يقول لها: «نعم يا زينب، أنت زوجة الآن، ~~وقد حرم الله ذهابك إلى هناك.» # وكأنما منحها هذا الإدراك الجديد قوة جديدة؛ فلم تعد هناك قوة فوق الأرض تستطيع أن ~~تقنعها بالذهاب. وحينما جاءها شيخ الخفر قالت في إصرار: لا، لن أذهب! لن أعصي الله يا شيخ ~~زهران. # ورد شيخ الخفر: من قال لك إن هذا عصيان الله؟ بالعكس، لقد أمرك الله بالذهاب، ms98 أليس ~~كذلك؟ # صاحت زينب: كان ذلك قبل أن أتزوج، ولكني الآن زوجة، وقد حرم الله ذهابي إلى ~~هناك. # كانت زكية جالسة في مكانها المعتاد تنصت إلى الحوار. # وفجأة أضاء نجم آخر صغير في رأسها المظلم. لم تفهم شيئا أول الأمر، لكن الحركة ~~البطيئة كانت مستمرة في رأسها، حركة التفكير التي إذا بدأت لا يمكن أن تتوقف، كخيط فوق ~~بكرة، ما إن يشد طرفه حتى يستمر في الحركة إلى نهايته. # لم يكن النجم الصغير إلا سؤالا آخر رن في رأسها: «كيف عرف شيخ الخفر بحكاية أمر ~~الله؟» # في منتصف الليلة، بعد غياب جلال، أحست زينب بلكزة قوية من يد عمتها زكية، وحينما نظرت ~~في عينيها سرت فوق جسدها رعدة. كانت عيناها واسعتين فيهما نظرة مخيفة، وسمعت صوتها يهمس ~~بحشرجة غريبة: زينب! يا زينب! # همست زينب بفزع: ماذا حدث يا عمتي؟ # ردت زكية هامسة: كنت عمياء وفتحت. # قالت زينب وهي لا تزال ترتعد من منظر عينيها: لم تكوني عمياء يا عمتي، عيناك كانتا بخير. ~~ما الذي حدث؟ # خيل لزينب أن المرض عاد إلى عمتها زكية، فأمسكت يدها وهي تقول: استريحي يا عمتي، أنت ~~متعبة، لم تنامي منذ أخذوا جلال. # ظلت النظرة شبه المجنونة في عيني زكية، وظل صوتها يهمس: عرفته! عرفته يا زينب! # همست زينب وهي لا تزال ترتعد: من هو الذي عرفته يا عمتي؟ # رددت زكية كالشاردة: الله يا زينب. # زادت الرعدة فوق جسد زينب، وأمسكت يد عمتها فوجدتها باردة كالثلج، فقالت: استغفري الله يا ~~عمتي وتوضئي وصلي، لعل الله يرحمك ويرحمني. # ردت زكية بغضب مفاجئ: اسكتي يا زينب، أنت لا تعرفين شيئا، أنا التي أعرف. ~~••• # لم تغمض زكية عينيها، ظلت جالسة في مكانها المعتاد في المدخل الترابي؛ عيناها ~~الواسعتان السوداوان شاخصتان في الظلمة، تخترقان الظلمة وتصلان إلى الباب ذي الأعمدة ~~الحديدية، لم تكن تعرف بالضبط ماذا تنتظر، لكنها ما إن رأت العينين الزرقاوين تظهران من ~~خلف الباب حتى نهضت. لم تكن تعرف ما الذي تنوي أن تفعله، لكنها دخلت الزريبة ms99 حيث كانت الفأس ~~ملقاة في الركن. انثنى جسدها الطويل النحيل وقبضت يدها الكبيرة الخشنة على مقبض الفأس، ~~سارت قدماها الكبيرتان الحافيتان وحدهما خارج الزريبة، ثم خارج البيت، اجتازت الحارة ~~الصغيرة التي تفصل بين بابهم والباب الحديدي، رآها العمدة قادمة نحوه؛ فظن أنها إحدى ~~العاملات في أرضه، ولكنه ما إن اقترب منها حتى رأى ذراعها الطويلة ترتفع في الهواء وفي ~~نهايتها الفأس. قبل أن يسقط الفأس فوق رأسه ليهشمه، كان قد رأى عينيها وفقد الوعي من شدة ~~الذعر. ~~••• # تحركت العربة وزكية داخلها جالسة صامتة كما كانت تجلس في المدخل الترابي، والعربة تسير ~~في شوارع لم ترها ولم تعرفها؛ دنيا أخرى غير الدنيا، رأت من خلال شق في النافذة نيلا يشبه ~~نيل كفر الطين، لكنه ليس هو النيل الذي عرفته. توقفت العربة أمام بوابة ضخمة؛ سارت مع ~~الرجال ومن حول يديها الحديد، عيناها السوداوان الواسعتان شاخصتان إلى الأمام، وشفتاها ~~الجافتان مطبقتان ملتصقتان، كمن نسي الكلام أو رفض النطق، لكنهم كانوا يرون شفتيها تنفرجان ~~من حين إلى حين عن شق صغير، وصوتها الهامس يسمع كأنما تكلم نفسها قائلة: «عرفته! ~~أنا عرفته!» وفي منتصف الليل وهي نائمة إلى جوار المسجونات، تظل عيناها مفتوحتين ~~شاخصتين في الظلمة وشفتاها مطبقتين في صمت. سمعتها ~~إحدى المسجونات في ليلة من الليالي تهمس لنفسها قائلة: «عرفته!» فسألتها في استطلاع: عرفت ~~من يا خالة؟! # ردت زكية كأنما في حلم: الله يا بنتي. # تنهدت السجينة في أسى، وهي تقول: أين هو يا خالة، ليرحمنا من هذا العذاب؟ # وردت زكية بصوت هادئ، وابتسامة واهنة: إنه هناك يا بنتي، يرقد في حضن النيل. ms100