######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.MudhakkiratTabiba.Hindawi82913072 #META# Tags: novels #META# ID: 82913072 #META# Title: مذكرات طبيبة #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # مذكرات طبيبة‏ # ثمن الكتابة‏ # مذكرات طبيبة‏ # | مذكرات طبيبة # | مذكرات طبيبة # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من ~~نصف صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، ~~لا تهتم بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال ~~الغياب، أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس ~~وأغرقتها الأمطار في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، ~~متينة العجلات قوية العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات ~~والمحطات، تنزلق وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث ~~الحفر والمطبات، مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، ~~داخل قطعة من البلاستيك الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم ~~في وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت ~~القائمة السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا ~~لتستريح وكوب ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو ~~داعش أو حزب الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة ~~الحجر الصحي؛ حيث تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا ~~الخنازير ms01 ، وبعضهم مصاب بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي ~~بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا ~~مدهشة في الرءوس التي تغوص فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، ~~نساء ورجال من المثقفين أو الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين ~~من فصيلة الثدييات على رأسها الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس ~~وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ~~ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى ~~والجدد في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن ~~البلدي والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك ~~والأتراك، كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده ~~الكبير، الذي حكى له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب ~~من ثقلها حرك رأسه ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن ms02 بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، ~~نامت على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن ~~يسرقها أحد وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون ~~سابق إنذار، يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض ~~المعتقلين والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون ~~النسيم في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة ~~وسواحل البحر الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب ms03 الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | مذكرات طبيبة # 1 # بدأ الصراع بيني وبين أنوثتي مبكرا جدا، قبل أن تنبت أنوثتي وقبل أن أعرف شيئا ~~عن نفسي وجنسي وأصلي، بل قبل أن أعرف أي تجويف كان يحتويني قبل أن ألفظ إلى هذا ~~العالم الواسع. # كل ما كنت أعرفه في ذلك الوقت أنني بنت كما أسمع من أمي. بنت! # ولم يكن لكلمة بنت في نظري سوى معنى واحد؛ هو أنني لست ولدا، لست مثل ~~أخي! # أخي يقص شعره ويتركه حرا لا يمشطه، وأنا شعري يطول ويطول، وتمشطه أمي في اليوم ~~مرتين، وتقيده في ضفائر، وتحبس أطرافه بأشرطة. # أخي يصحو من نومه ويترك سريره كما هو، وأنا علي أن أرتب سريري وسريره ~~أيضا. # أخي يخرج إلى الشارع ليلعب بلا إذن من أمي أو أبي ويعود في أي وقت، وأنا لا أخرج ~~إلا بإذن. # أخي يأخذ قطعة من اللحم أكبر من قطعتي، ويأكل بسرعة، ويشرب الحساء بصوت مسموع، ~~وأمي لا تقول له شيئا. # أما أنا، أنا بنت! علي أن أراقب حركاتي وسكناتي. علي أن أخفي شهيتي للأكل ~~فآكل ببطء وأشرب الحساء بلا صوت. # أخي يلعب، يقفز، يتشقلب. وأنا إذا ما جلست وانحسر الرداء عن سنتيمتر من فخذي، فإن ~~أمي ترشقني بنظرة مخلبية حادة فأخفي عورتي. # عورة! # كل شيء في عورة وأنا طفلة في التاسعة من عمري! # حزنت على نفسي. # أغلقت باب غرفتي علي، وجلست أبكي وحدي. # لم تكن دموعي الأولى في حياتي لأني فشلت في مدرستي، أو لأني كسرت شيئا غاليا، ~~ولكن لأني بنت! # بكيت على أنوثتي قبل أن أعرفها. # فتحت عيني على الحياة وبيني وبين طبيعتي عداء. ~~••• # قفزت درجات ms04 السلم ثلاثا ثلاثا لأهبط إلى الشارع قبل أن أفرغ من عد عشرة. # إن أخي ورفاقه من أولاد وبنات الجيران ينتظرونني لنلعب عساكر وحرامية، ولقد أخذت ~~إذنا من أمي بالخروج. أحب اللعب! أحب الجري بأقصى سرعة، أشعر بسعادة طاغية وأنا ~~أحرك رأسي وذراعي وساقي في الهواء، وأنطلق في قفزات عالية لا يحد منها إلا ثقل ~~جسمي تشده إليها الأرض. # لماذا لم يخلقني الله طائرا أطير في الهواء مثل هذه الحمامة وخلقني بنتا؟ ~~خيل إلي أن الله يفضل الطيور على البنات! # ولكن أخي لا يطير! # واستني هذه الحقيقة بعض الشيء، أحسست أن الولد بالرغم من حريته الواسعة فهو ~~عاجز مثلي عن الطير. وأصبحت أفتش دائما عن مواطن العجز في الرجل لتعزيني عن ~~ذلك العجز الذي تفرضه علي أنوثتي. # لا أدري ماذا حدث لي وأنا أقفز؛ أحسست برجفة عنيفة تسري في جسدي ودوار في رأسي، ~~ورأيت شيئا أحمر اللون! # ما هذا؟ # انخلع قلبي من الهلع وانسحبت من اللعب، وصعدت إلى البيت وأغلقت على نفسي باب ~~الحمام لأبحث في الخفاء سر هذا الحادث الخطير. # ولم أفهم شيئا، وظننت أن في الأمر مرضا مفاجئا ألم بي، وذهبت إلى أمي ~~أسألها في ذعر. # ورأيت أمي تضحك في سعادة! وتعجبت كيف تقابل أمي هذا المرض الفظيع بتلك ~~الابتسامة العريضة؟! # ورأت أمي دهشتي وحيرتي، فأخذتني من يدي إلى غرفتي حيث قصت علي قصة النساء ~~الدامية. ~~••• # لزمت غرفتي أربعة أيام متتالية لا أملك الشجاعة على أن أواجه أخي أو أبي أو ~~حتى الخادم الصغير. # لا بد أنهم اطلعوا جميعا على عورتي، ولا شك أن أمي فضحت سري الجديد. وأغلقت ~~الباب علي أفسر بيني وبين نفسي هذه الظاهرة الغريبة؛ ألم تكن هناك طريقة ~~أخرى تنضج بها البنات غير هذه الطريقة الملوثة؟ أيمكن لإنسان أن يعيش أياما تحت ~~سيطرة عضلاته اللاإرادية الغاشمة؟ لا بد أن الله يكره البنات فوصمهن جميعا بهذا ~~العار. # وشعرت أن الله قد تحيز للصبيان في كل شيء. # ونهضت من فراشي أجر كياني الثقيل ونظرت في المرآة. ما ms05 هذا؟ نتوءان صغيران ~~نبتا على صدري؟ # آه، ليتني أموت! # ما هذا الجسم الغريب الذي يفاجئني كل يوم بعار جديد يزيد ضعفي ~~وانكماشي؟! # ترى أي شيء آخر سينبت في الغد على جسدي؟ أو ترى أي ظاهرة أخرى جديدة تتفجر ~~عنها أنوثتي الغاشمة؟! ~~••• # كرهت أنوثتي. # أحسست أنها قيود؛ قيود من دمي أنا تربطني بالسرير فلا أستطيع أن أجري وأقفز، قيود ~~من خلايا جسمي أنا، تسلسلني بسلاسل من الخزي والعار فأنطوي على نفسي أخفي كياني ~~الكثيف. لم أعد أجري، ولم أعد ألعب. # هذان النتوءان على صدري يكبران ويهتزان كلما مشيت. # وقفت حزينة بقامتي الطويلة الفارعة أخفي صدري بذراعي، وأنظر في حسرة إلى أخي ~~وزملائه وهم يلعبون. # كبرت، كبرت عن أخي مع أنه أكبر مني سنا! كبرت عن أمثالي من الأطفال فانسحبت من ~~وسطهم وجلست وحدي أفكر. # انتهت طفولتي، طفولة قصيرة سريعة لاهثة. لم أكد أحس بها حتى أدبرت وخلفت لي ~~جسد امرأة ناضجة، يحمل في حناياه طفلة في العاشرة من عمرها. ~~••• # رأيت عيني البواب وأسنانه تلمع وسط وجهه الأسود سواد الفحم، واقترب مني وأنا ~~أجلس وحدي على دكته الخشبية أتابع بعيني أخي ورفاقه وهم يجرون ويقفزون. # وأحسست بطرف جلبابه الخشن يلمس ساقي وشممت رائحة ملابسه الغريبة، فابتعدت في ~~اشمئزاز، لكنه اقترب مني مرة أخرى، وحاولت أن أخفي عنه خوفي بمراقبة أخي ~~وزملائه وهم يلعبون، لكني أحسست أصابعه الغليظة الخشنة تتحسس ساقي ~~وتتسلقهما من تحت ملابسي! # ووقفت مذعورة واندفعت أجري بعيدا عنه. # هذا الرجل الأسود الكريه أيضا يتطلع إلى أنوثتي؟! # وأخذت أجري حتى دخلت البيت، وسألتني أمي عن سبب انزعاجي، ولم أستطع أن أقول لها ~~شيئا. لعلي شعرت بالخوف أو الخزي، أو كليهما، أو لعلي ظننت أنها ستعنفني ~~وأنه لن يكون بيننا ذلك الود الذي يجعلني أحكي لها أسراري. ~~••• # لم أعد أخرج إلى الشارع، ولم أعد أجلس على الدكة الخشبية. # هربت من تلك المخلوقات الغريبة ذات الأصوات الغليظة والشوارب التي يسمونها ~~رجالا، وخلقت لنفسي عالما خاصا من صنع خيالي؛ جعلت من نفسي فيه إلهه، ms06 وجعلت ~~من الرجال مخلوقات عاجزة غبية تقوم على خدمتي. # وجلست في عالمي على عرشي الرفيع أرتب العرائس فوق الكراسي، وأضع الصبيان على ~~الأرض، وأحكي لنفسي القصص والحكايات. # ولم يكن ينغص علي حياتي في وحدتي مع خيالي وعرائسي سوى أمي، بأوامرها الكثيرة ~~التي لا تنتهي، أعمال البيت والمطبخ؛ دنيا النساء المحدودة القبيحة التي تفوح منها ~~رائحة الثوم والبصل. # لم أكن أهرب إلى عالمي الصغير حتى تجرجرني أمي إلى المطبخ وهي تقول: مصيرك إلى ~~الزواج. يجب أن تتعلمي الطبخ. مصيرك إلى الزواج. الزواج! الزواج! # تلك الكلمة البغيضة التي كانت ترددها أمي كل يوم حتى كرهتها، ولم أكن أسمعها ~~حتى أتمثل أمامي رجلا له بطن كبير في داخله مائدة طعام. # ارتبطت في ذهني رائحة المطبخ برائحة الزوج. # وكرهت اسم الزوج، وكرهت رائحة الأكل. ~~••• # سكتت جدتي العجوز عن الثرثرة ونظرت إلى صدري، ورأيت عينيها المتآكلتين ~~تتأملان البرعمين الجديدين البارزين وتزنهما. ثم رأيتها تهمس لأمي ~~بشيء. # وسمعت أمي تقول لي: ارتدي الفستان اللبني لتدخلي وتسلمي على الضيف الذي مع أبيك ~~في الصالون. # وشممت رائحة مؤامرة في الجو. # وكنت أقابل معظم أصدقاء أبي وأقدم لهم القهوة، وأحيانا أجلس معهم وأسمع أبي ~~وهو يحدثهم عن تفوقي في المدرسة، فأشعر بالفرحة وأحس أن أبي باعترافه بذكائي ~~ينتشلني من دنيا النساء الكئيبة التي تفوح منها رائحة البصل والزواج. # ولكن لماذا الفستان اللبني؟ ذلك الفستان الجديد الذي أكرهه. في صدره كشكشة غريبة ~~تستقر على نهدي وتزيد من بروزهما. # ونظرت إلي أمي تتفحصني، وقالت: أين الفستان اللبني؟ # ورددت في غضب: لن ألبسه! ولمحت بوادر التمرد في عيني، فنظرت إلي في ~~أسى وقالت: ساوي حاجبيك إذن. # ولم أنظر إليها، وقبل أن أفتح باب الصالون لأدخل، عبثت بأصابعي في شعر حاجبي ~~فنكشتهما. # وسلمت على صديق أبي وجلست، ورأيت وجها غريبا مخيفا، له نظرة مدققة فاحصة ~~تشبه نظرة جدتي. # وقال أبي: إنها أولى فرقتها هذا العام في الابتدائية. # ولم أر في عيني الرجل أي تعبير عن إعجاب بهذا الكلام، ورأيت نظراته الفاحصة ~~تحوم حول ms07 جسدي وتستقر في النهاية على صدري، فوقفت مذعورة وخرجت من الحجرة أجري ~~كأنما عفريت يطاردني. # وتلقتني أمي وجدتي على الباب بلهفة وشوق، وقالتا في نفس واحد: هيه، ماذا ~~فعلت؟ # وصرخت في وجهيهما صرخة واحدة، وجريت إلى غرفتي وأغلقت الباب علي، وذهبت إلى ~~مرآتي أنظر إلى صدري. # كرهتهما! هذان البروزان! تلكما القطعتان الصغيرتان من اللحم اللتان تحددان ~~مستقبلي! وددت لو أجتثهما من فوق صدري بسكين حاد! # ولكني لم أستطع. استطعت فقط أن أخفيهما، أن أضغط عليهما بمشد سميك ~~ليبطهما. ~~••• # هذا الشعر الطويل الثقيل، الذي أحمله فوق رأسي في كل مكان، يعطلني كل صباح، ~~ويرهقني في الحمام، ويلهب رقبتي في الصيف. # لماذا لا يكون قصيرا حرا كشعر أخي؟ لا يحمله فوق رأسه، ولا يعطله، ولا ~~يرهقه؟ # ولكن أمي تتحكم في حياتي ومستقبلي وجسدي حتى خصلات شعري. # لماذا؟ # لأنها ولدتني؟ ولكن أي فضل لها في أنها ولدتني؟ كانت تمارس في حياتها ~~الطبيعية كأي امرأة، ثم جئت أنا بغير إرادتها في لحظة من لحظاتها السعيدة. جئت ~~دون أن تعرفني، ودون أن تختارني، ودون أن أختارها. # لقد فرضت عليها ابنة، وهي فرضت علي أما. # أيمكن لإنسان أن يحب مخلوقا فرض عليه؟ وإذا كانت أمي تحبني رغما عنها ~~بغريزتها، فأي فضل لها في هذا الحب؟ وهل هي ترتفع كثيرا عن القطة التي تحب ~~أولادها حينا وتأكلهم حينا آخر؟ # أليست هذه القسوة التي تعاملني بها أمي أكثر إيلاما لي مما لو أنها ~~أكلتني؟! # وإذا كانت أمي تحبني حبا حقيقيا هدفه سعادتي وليس سعادتها، فلماذا تكون كل ~~أوامرها ورغباتها تتعارض مع راحتي وسعادتي؟! # أيمكن أن تحبني وهي تضع السلاسل كل يوم في قدمي، وفي يدي، وحول رقبتي؟! ~~••• # خرجت لأول مرة في حياتي من البيت دون أن آخذ إذنا من أمي. # مشيت في الشارع وقد منحني التحدي نوعا من القوة، ولكن قلبي كان يخفق من ~~الخوف. # ولمحت لافتة كتب عليها: حلاق للسيدات. # ترددت لحظة ثم دخلت. # نظرت إلى خصلات شعري وهي تتلوى بين فكي المقص الحاد، ثم تهوي إلى ms08 ~~الأرض. # أهذه الخصلات هي التي تقول عنها أمي إنها تاج المرأة وعرشها؟ أيخر تاج ~~المرأة هكذا صريعا في لحظة إصرار واحدة؟ وشعرت باستخفاف شديد نحو النساء؛ رأيت ~~بعيني رأسي أنهن يؤمن بأشياء تافهة لا تساوي شيئا، ومنحني هذا الاستخفاف بهن ~~قوة جديدة جعلتني أعود إلى البيت وأنا أسير على قدمين ثابتتين، واستطعت أن ~~أشد قامتي، وأن أقف أمام أمي بشعري القصير. # صرخت أمي صرخة عالية وناولتني صفعة حادة على وجهي، ثم تلتها صفعات ~~وصفعات، وأنا أقف كما أنا. # كأنما تجمدت، كأنما جعل مني التحدي قوة لا يهزها شيء، كأنما جعل مني انتصاري ~~على أمي جسما صلبا لا يحس بالصفعات. # كانت يد أمي ترتطم بوجهي ثم ترتد عنه كأنما هي ترتطم بصخرة من الجرانيت. # كيف لم أبك؟ أنا التي كانت تبكيني «الشخطة» الواحدة أو الصفعة ~~الخفيفة! # لكن دموعي لم تسقط. عيناي مفتوحتان تنظران في عيني أمي في جرأة وقوة. # ظلت أمي تصفعني، ثم تهاوت على الأريكة جالسة وهي تردد في ذهول: لقد ~~جنت! # أشفقت عليها حين رأيت ملامحها ترتخي في انهزام وضعف، وشعرت برغبة قوية في أن ~~أعانقها وأقبلها وأبكي بين ذراعيها، وأقول لها: ليس العقل هو أن أطيعك ~~دائما. # ولكني أبعدت عيني عن عينيها حتى لا تعرف أنني شهدت هزيمتها، وجريت إلى ~~حجرتي. # ونظرت في المرآة وابتسمت لشعري القصير، ولبريق الانتصار في عيني. # عرفت لأول مرة في حياتي كيف يكون الانتصار، الخوف لا يفعل شيئا إلا الهزيمة، ~~والانتصار لا يكون إلا بالشجاعة. # زال مني الخوف الذي كنت أشعر به نحو أمي، سقطت عنها تلك الهالة الكبيرة التي ~~كانت تجعلني أرهبها. أحسست أنها امرأة عادية، وصفعاتها التي هي أقوى ما فيها لم ~~أعد أخشاها؛ لأنها لم تعد تؤلمني. ~~••• # كرهت البيت ما عدا حجرة مكتبي، وأحببت المدرسة ما عدا حصة التدبير المنزلي، ~~وأحببت أيام الأسبوع ما عدا يوم الجمعة. # واشتركت في كل نشاط المدرسة؛ دخلت جمعية التمثيل، وجمعية الخطابة، وجمعية ~~الرياضة، وجمعية الموسيقى، وجمعية الرسم. ولم يكفني ذلك، بل اجتمعت ببعض ~~زميلاتي ms09 وكونت جمعية أطلق عليها اسم جمعية الأنس. لماذا اخترت كلمة ~~الأنس؟ لم أدر! ولكنني شعرت أن في أعماقي رغبة شديدة إلى الأنس؛ إلى أنس ضخم ~~كبير لا يؤنسه شيء، إلى مجاميع هائلة من الناس تؤنسني وتحدثني وتستمع إلي ~~وتنطلق معي إلى السماء. # خلت أن أي ارتفاع لن يكفيني، لن يطفئ تلك الشعلة المتأججة في نفسي. وكرهت ~~الدروس المتكررة المتشابهة. كنت أقرأ الموضوع مرة واحدة، واحدة فقط؛ أحسست أن ~~التكرار يخنقني، يقتلني. كنت أريد شيئا جديدا ... جديدا ... دائما. ~~••• # لم أشعر به حين دخل إلى حجرتي ووقف إلى جواري وأنا أجلس إلى كتابي، إلا حين قال: ~~ألا ترغبين في الترويح عن نفسك قليلا. # وكنت قد قرأت طويلا وشعرت بالتعب، فابتسمت قائلة: أريد أن أتمشى في ~~الخلاء. ~~- البسي معطفك وهيا بنا. # أدخلت نفسي في المعطف بسرعة وجريت إليه. كنت على وشك أن أضع يدي في يده وننطلق، ~~نجري معا كما كنا نفعل ونحن أطفال، لكن عيني تعلقتا بعينيه فتذكرت ~~فجأة السنين الطويلة التي لم ألعب فيها، ونسيت خلالها قدماي الجري، ~~وتعودتا السير البطيء كالكبار، فوضعت يدي في معطفي وسرت إلى جواره في ~~بطء. # وسمعته يقول: لقد كبرت. ~~- وأنت أيضا. ~~- هل تذكرين أيام كنا نلعب معا؟ ~~- كنت تسبقني في الجري دائما. ~~- وكنت تكسبين دائما في «البلي». # وضحكنا طويلا، ودخل هواء كثير إلى صدري فأنعشني وجعلني أحس أنني أسترجع بعض ~~طفولتي المدبرة. # وقال: أريد أن أسابقك في الجري. # قلت في ثقة: سأسبقك. # قال: لنر! # ورسمنا خطا على الأرض، ووقفنا متجاورين، وصاح قائلا: واحد ... اثنين ... ثلاثة. ~~فانطلقنا نجري الشوط. # كنت على وشك أن أصل إلى النهاية قبله، لكنه أمسكني من ملابسي من الخلف، ~~فتعثرت قدمي ووقعت على الأرض ووقع إلى جواري. ورفعت عيني إليه وأنا ألهث، ~~فرأيته ينظر إلي نظرة غريبة جعلت الدماء تصعد إلى وجهي، ورأيت ذراعه تمتد ناحية ~~خصري، وهمس في أذني بصوت غليظ: سأقبلك. # انتفض كياني انتفاضة عنيفة غريبة، وتمنيت في لحظة ومضت في أحاسيسي ~~كالبرق أن تمتد ذراعه أكثر وتضمني بقوة ... بقوة، ms10 ولكن رغبتي العجيبة الخفية ~~تحولت حين خرجت من أعماقي إلى غضب شديد. # وزاده غضبي إصرارا، فأمسكني بيد من حديد. ولم أدر من أين واتتني هذه ~~القوة التي جعلتني أقذف بذراعه في الهواء بعيدا عني، وأرفع يدي إلى فوق، ثم ~~أهوي بها على وجهه في صفعة عنيفة! ~~••• # تقلبت في فراشي حائرة؛ مشاعر غريبة تجتاح كياني، وخيالات كثيرة تمر أمامي، ~~لكن خيالا واحدا يستقر أمام عيني. # ابن عمي وهو راقد على الأرض إلى جواري، وذراعه تكاد تلتف حول خصري، ونظراته ~~الغريبة تخترق رأسي. # وأغمضت عيني لأسبح مع خيالي الذي راح يحرك ذراعه حتى التفت حول خصري ~~بقوة، وحرك شفتيه حتى لامستا شفتي وضغطتا عليهما بعنف. # ودسست رأسي تحت الغطاء. # أيمكن أن أصدق؟! يدي هذه التي ارتفعت وصفعته، هي نفسها يدي التي ترتجف في ~~يده الموهومة؟! # وأحكمت الغطاء حول رأسي لأحول بينه وبين هذا الوهم الغريب، لكنه تسرب من تحت ~~الغطاء إلي، فوضعت الوسادة على رأسي وضغطت عليه بكل قوتي لأخنق فيه ذلك الشبح ~~العنيد، وظللت أضغط على رأسي حتى خنقني النوم. ~~••• # فتحت عيني في الصباح حين بدد نور الشمس الظلام بكل ما يجوس فيه من ~~أشباح. # وفتحت النافذة، ودخل الهواء المنعش إلى صدري، فقضى على الآثار العالقة بخيالي من ~~أوهام الليل. # ابتسمت في سخرية من نفسي؛ هذه النفس الجبانة التي ترتعد خوفا مني وأنا يقظة، ~~ثم تتسلل إلى فراشي في الظلام، فتملأ السرير في حولي خيالات وأوهاما! ~~••• # انتهيت من دراستي الثانوية وكنت أولى فرقتي، وجلست أفكر ماذا أفعل؟ # ماذا يمكن لي أن أفعل وأنا أكره أنوثتي، وأنقم على طبيعتي، وأتبرأ من ~~جسدي؟! # لا شيء سوى الإنكار ... التحدي ... المقاومة! # سأنكر أنوثتي، سأتحدى طبيعتي، سأقاوم كل رغبات جسدي. # سأثبت لأمي وجدتي أنني لست امرأة مثلهما، أنني لن أعيش حياتي في المطبخ أقشر ~~البصل وأفصص الثوم، أنني لن أقضي عمري من أجل زوج يأكل ويأكل. # سأثبت لأمي أنني أكثر ذكاء من أخي، ومن الرجل، ومن كل الرجال، وأنني أستطيع أن ~~أفعل كل ما يفعله أبي، ms11 وأكثر، وأكثر. # 2 # كلية الطب ؟! نعم الطب. # للكلمة وقع رهيب في نفسي، يذكرني بنظارة بيضاء لامعة، من تحتها عينان نافذتان ~~تتحركان بسرعة مذهلة، وأصابع قوية مدببة تمسك بإبرة طويلة حادة مخيفة. # أول طبيب رأيته في حياتي. # كانت أمي ترتجف من الخوف وتتطلع إليه في ضراعة وخشوع، وكان أخي ينتفض من الهلع، ~~وكان أبي راقدا في الفراش ينظر إليه في استجداء واسترحام. # الطب شيء رهيب، رهيب جدا. تنظر إليه أمي وأخي وأبي نظرة احترام وتقديس. # سأكون طبيبة إذن، سأتعلم الطب، وسأضع على وجهي نظارة بيضاء لامعة، وسأجعل عيني من ~~تحتها نافذتين تتحركان بسرعة مذهلة، وسأجعل أصابعي قوية مدببة أمسك بها إبرة ~~طويلة حادة مخيفة. # سأجعل أمي ترتجف من الخوف وتتطلع إلي في ضراعة وخشوع، وسأجعل أخي ينتفض أمامي ~~من الهلع، وسأجعل أبي ينظر إلي في استجداء واسترحام. # سأثبت للطبيعة أنها بالرغم من ذلك الجسد الضعيف الذي ألبستني إياه، وبالرغم ~~مما في داخله وخارجه من عورات، فسوف أتغلب عليه، وسوف أضعه في زنزانة من حديد ~~عقلي وذكائي، ولن أمنحه فرصة واحدة ليشدني إلى صفوف النساء العجماوات. ~~••• # وقفت في فناء كلية الطب أتلفت حولي؛ مئات العيون تصوب إلي نظرات فاحصة ~~لاذعة. # رفعت رأسي ورددت عليهم بمثل سهامهم. # لماذا ينظر إلي الطلبة فأغض طرفي؟! لماذا يرفعون رءوسهم وأطرق رأسي؟! ~~لماذا يدبون على الأرض في كبرياء وثقة وأنا أتعثر في خطاي؟! أنا مثلهم، ~~وسأكون مثلهم، بل سأتفوق عليهم. # فردت قامتي الطويلة عن آخرها. نسيت النهدين وتلاشى ثقلهما من فوق صدري. ~~شعرت أنني خفيفة، وأنني أستطيع أن أتحرك بسهولة كما أشاء. # لقد رسمت لنفسي طريق حياتي، طريق العقل، ونفذت قرار الإعدام على جسدي، فلم ~~أعد أشعر له بوجود. ~~••• # وقفت على باب المشرحة. # رائحة نفاذة عجيبة؛ جثث آدمية عارية، فوق مناضد رخامية بيضاء. حملتني قدماي إلى ~~الداخل في وجل، واقتربت من إحدى الجثث العارية ووقفت إلى جوارها. جثة رجل عارية ~~تماما. # الطلبة من حولي ينظرون إلي ويبتسمون في مكر، وينظرون ماذا أفعل. # كدت أشيح بوجهي عن الجسد ms12 العاري وأجري خارجة من المشرحة . ولكن لا، لن أفعل ~~ذلك. # ونظرت إلى جانبي ورأيت جثة امرأة عارية، وإلى جوارها بعض الطلبة وينظرون إليها في ~~جرأة وقوة. # سلطت نظراتي على جثة الرجل في جرأة وقوة، وأمسكت المشرط في يدي. ~~••• # كان هذا هو أول لقاء سافر لي بالرجل والرجولة؛ فيه فقد الرجل هيبته ~~وجلاله وعظمته الموهومة، نزل الرجل من فوق عرشه وارتمى على منضدة التشريح بجوار ~~المرأة. # لماذا كانت أمي تضع هذه الفروق الهائلة بيني وبين أخي، وتصنع من الرجل إلها، ~~علي أن أقضي عمري كله أطبخ له طعامه؟ # لماذا يحاول المجتمع دائما أن يقنعني بأن الرجولة امتياز وشرف، وأن الأنوثة ~~مهانة وضعف؟ # هل يمكن لأمي أن تصدق أنني أقف وأمامي رجل عار، وفي يدي مشرط أفتح به بطنه ~~ورأسه؟ # هل يمكن للمجتمع أن يصدق أنني أتأمل جسد الرجل وأشرحه وأمزقه دون أن أشعر ~~أنه رجل؟ # ومن هو المجتمع؟ أليس هو رجالا مثل أخي ربته أمه منذ طفولته على أنه إله؟ ~~أليس هو نساء مثل أمي ضعيفات عاطلات؟ # كيف يمكن لهؤلاء أن يصدقوا أن هناك امرأة لا تعرف عن الرجل شيئا سوى أنه عضلات ~~وشرايين وأعصاب وعظام؟ # جسد الرجل! ذلك الشيء الرهيب الذي تخيف به الأمهات البنات الصغار، فيحترقن بنار ~~المطبخ لأجل إشباعه، ويحلمن بشبحه الليل والنهار! ها هو الرجل ملقى أمامي ~~عاريا قبيحا ممزقا. # لم أتصور أن الحياة سوف تكذب لي أمي بهذه السرعة، أو تنتقم لي من الرجل على ~~هذا النحو. ذلك الرجل الكئيب الذي نظر إلى نهدي يوما ولم ير من كياني شيئا ~~سواهما. # ها أنا ذي أرد سهامه إلى صدره. # ها أنا ذي أنظر إلى جسده العاري وأشعر بالغثيان. # ها أنا ذي أهوي عليه بمشرطي فأمزقه إربا. # أهذا هو جسد الرجل؟! # يغطيه الشعر من الخارج ويمتلئ من الداخل بالعفونات؟ يعوم مخه في سائل أبيض ~~لزج ويغرق قلبه في دم أحمر غليظ؟ # ما أقبح الرجل! من خارجه ومن داخله أشد قبحا! ~~••• # تأملت المرأة الشابة التي ترقد تحت مشرطي على ms13 المنضدة الرخامية البيضاء؛ شعرها ~~طويل ناعم مصبوغ باللون الأحمر لكنه مغسول بالفورمالين، أسنانها بيضاء لامعة وفي ~~وسطها سنة ذهبية حمراء لكن جذورها صفراء، أظافرها طويلة مدببة مطلية باللون ~~الأحمر لكن منابتها بيضاء، ونهداها فوق صدرها ولكنهما ضامران متهدلان. # قطعتا اللحم اللتان عذبتاني في طفولتي، اللتان تحددان مستقبل البنات وتشغلان ~~عقول الرجال وعيونهم ... # ها هما تستقران تحت مشرطي يابستين مجعدتين كقطعتين من جلد الأحذية! # ما أضحل مستقبل البنات! وما أتفه ما يملأ عقول الرجال وعيونهم! والشعر الطويل ~~الناعم الذي عذبتني أمي من أجله سنين طفولتي، تاج المرأة وعرش جمالها الذي ~~تحمله فوق رأسها وتضيع نصف عمرها في تصفيفه وتنعيمه وصباغته؛ ها هو يستقر أمام ~~عيني في جردل المشرحة إلى جوار عفونات الجسد وفتافيت الشحم المهملة! ~~••• # أحسست بمرارة في حلقي، فقذفت بقطعة اللحم من فمي، ووضعت قطعة الخبز تحت ~~أسناني، وحاولت أن أمضغ، لكن أسناني كانت تتحرك بصعوبة. حاولت أن أبلع، أحسست ~~بقطعة الخبز وهي تحتك بجدار بلعومي وتسير في خشونة إلى معدتي، أحسست بمعدتي وهي ~~تفرز أحماضها لتهضم الخبز، وأحسست بأمعائي وهي تنتفخ لتستقبل الأكل، وشعرت بشيء ~~يجثم على صدري، وتبينته فعرفت أنه قلبي ينقبض وينبسط طاردا الدم إلى شراييني. ~~وأحسست بالدم وهو يزحف في عروقي، وأحسست بالنبضات الخافتة التي تصنعها الشعيرات ~~الدموية الدقيقة في أطرافي، وأحسست بالهواء وهو يدخل إلى أنفي ويجتاز حنجرتي ليملأ ~~رئتي وينفخهما، ينفخهما كالبالونة، حتى توقف الهواء في صدري، وأحسست أنني ~~أختنق؛ شفتاي لا تتحركان، وذراعاي لا تمتدان، وعضلات قلبي لا تنقبض، وعروقي لا ~~تنبض بالدم! # آه، لقد مت! # وقفزت مفزوعة. # لا! لن أموت وأصبح جثة كهذه الجثث الممدودة أمامي فوق المناضد! # وألقيت المشرط من يدي وخرجت من المشرحة أعدو، ونظرت إلى الناس في دهشة وهم ~~يسيرون في الشارع ويحركون أذرعهم وأرجلهم بلا تفكير، ويجرون وراء الأتوبيس ~~بسهولة، ويفتحون أفواههم، ويحركون شفاههم، ويتكلمون، ويتنفسون، ويفعلون كل شيء ~~بسهولة شديدة. # وعادت إلي السكينة. # إن الحياة لا تزال قائمة، وأنا لا زلت أعيش. وفتحت فمي عن آخره وملأت ms14 صدري ~~بهواء الشارع وتنفست، وحركت ذراعي ورجلي وسرت وسط أمواج البشر. # آه، ما أيسر الحياة حين يمارسها الإنسان على سجيتها! ~~••• # شيء كروي صغير، قطعة بيضاوية من اللحم ترتج تحت مشرطي، أمسكتها بيد واحدة ~~ووضعتها في كفة الميزان. # تحسست سطحها بأصابعي؛ سطح أملس متعرج، كملمس مخ الأرنب الذي كنت أخرجه ~~على المائدة من جمجمته الصغيرة. # هل يمكن أن يكون هذا مخ الإنسان؟ هل يمكن أن تكون هذه القطعة الطرية من اللحم هي ~~عقل الإنسان الجبار الذي قهر الطبيعة، فدخل إلى باطن الأرض، وصعد إلى مدارات ~~الشمس والقمر؟! # عقل الإنسان الذي استطاع أن يفتت الصخر، وينقل الجبال، ويخرج من ذرات الهواء ~~نارا تكفي لتدمير الأرض؟! # وأمسكت المشرط وقطعت المخ إلى أجزاء، ثم قطعت الأجزاء إلى أجزاء، ونظرت ~~وتحسست وبحثت ولم أجد شيئا؛ مجرد قطعة من اللحم الناعم التي تذوب تحت ~~أصبعي. # ووضعت شريحة منها تحت الميكروسكوب ونظرت، ولم أر شيئا سوى خلايا مستديرة في ~~داخلها نويات مستديرة أيضا كحبات العنب. # كيف تشتغل هذه الخلايا فتجعل الإنسان يعي ويفهم ويحس؟ # وفتحت الكتاب، ونظرت إلى الرسومات التي تشرح عمل المخ. # ما هذا؟ كأنما هي رسومات جهاز معقد كالتليفزيون أو الطائرة أو الغواصة، أو كأنما ~~هي خريطة العالم؛ مئات من المراكز الرئيسية والفرعية، مئات من المحطات، ملايين من ~~الخطوط والأعصاب. وعرفت أن قطعة اللحم التي في يدي هي التي تدير كل هذا؛ إنها ~~تتلقى الرسالات من جميع أعضاء الجسم، ثم ترسل إليها الأوامر، تحملها حبال من ~~الأعصاب. كيف هذا؟ هذه القطعة من اللحم تعطي أوامر إلى القلب والذراعين ~~والساقين؟ # تقول للقلب: تحرك. وتقول للذراع: انخفضي، أو ارتفعي. وتقول للساق: امشي أو قفي؟ ~~كيف تدير كل الشبكة المتشابكة من الأعصاب دون أن تصطدم واحدة بالأخرى؟ # ما الذي يجعلها تفهم سر الرسالة التي ترسلها إليها العين أو الأنف أو الأذن أو ~~اللسان أو أطراف الأصابع، دون أن تخلط بين واحدة وأخرى؟ # ونظرت من خلال العدسات المكبرة إلى الخلية الصغيرة المستديرة، لا شيء فيها سوى ~~كمية ضئيلة من ms15 البروتوبلازم! # كيف تدب الحياة في هذه الكمية الميتة من البروتوبلازم فتتحرك وتدرك ~~وتفهم؟ # وفتحت كتب الكيمياء والطبيعة والفسيولوجيا لأبحث عن هذا السر. الكيمياء تقول: ~~إنها قد تكون بعض التفاعلات الكيميائية التي تغير من جزئيات المادة فتنشط وتتحرك. ~~والطبيعة تقول: إنها قد تكون نوعا من الكهرباء التي قد تغير من ذرات المادة ~~فتنطلق منها الحياة. والفسيولوجيا تقول: إنها انعكاسات وإفرازات. # أخذت أقرأ وأبحث وأقلب حتى حفظت تركيب الجهاز الذي اسمه الإنسان عن ظهر ~~قلب. # حفظت أسماء الأعصاب كلها، وحفظت خط سيرها؛ من مركز إرسالها في المخ، إلى ~~محطة استقبالها في العضو، وبالعكس. حفظت أسماء الشرايين والأوردة، وعرفت طولها ~~وعرضها وملمس جدرانها. عرفت تركيب العظام والنخاع والدم. عرفت كيف آكل، وكيف أرى، ~~وكيف أسمع، وكيف أشم، وكيف أنام، وكيف أحلم. # عرفت كيف يدق القلب، ولماذا تحمر الوجنة. وعرفت كيف أشعر بلسع النار، وكيف ~~أبعد ذراعي عنها. # عرفت لماذا أعرق خجلا، ولماذا تبرد أطرافي خوفا. # القلب كالبيت؛ له حجرات، الحجرات لها جدران اسمها عضلات، ولها أبواب اسمها ~~صمامات. # جدران الحجرة تنقبض فينفتح بابها ويطرد الدم خارجها، ثم تنبسط العضلات فتسحب الدم ~~داخلها وينغلق الصمام. إن دقات القلب هي ذلك الحفيف الذي يحدثه الدم في دخوله ~~وخروجه من حجرة إلى حجرة، وهي تلك الأصوات التي تحدثها الأبواب وهي تفتح ~~وتغلق. # ولكن ما الذي يجعل عضلات القلب تفهم متى يجب أن تنقبض، ومتى يجب أن تنبسط؟ رسالة! ~~برقية يحملها إليها عصب من الأعصاب، يتصل بمركز في الصدر يقود إلى مركز من مراكز ~~المخ. # وكيف يصل الدم من الرئتين إلى القلب؟ وكيف يعود إلى الرئتين مرة أخرى لينقى ~~ويصفى ويقطر مما علق به من غازات الإنسان الملوثة؟ # كل هذا له نظام دقيق محكم، وكل تجويف في الجسم له غلاف خاص، وله ضغط ثابت معين ~~حيث ينتقل الدم من وعاء إلى وعاء دون أن يتوقف لحظة واحدة. لماذا أشعر بلسع ~~النار في أصبعي؟ لأن أعصاب الجلد الذي يغطي أصبعي أرسلت برقية، حملها عصب إلى ~~مركز في المخ، ms16 ترجم الرسالة أنها ألم الحرق ، فأرسل برقية سريعة إلى عضلات ذراعي ~~يأمرها أن تنقبض وتبعد أصبعي عن النار. # من منا كان يظن أن الرسائل والبرقيات تروح وتجيء بين الأصبع في نهاية الذراع ~~أو القدم، وبين مركز المخ في قمة الرأس، في تلك اللحظة الخاطفة التي تنقضي بين ~~إحساسنا بلسع النار وبين إبعادنا لذراعنا عنها؟ # أنا لا أعرق خجلا إلا بعد أن تتم المفاوضات بين مركز المخ وبين غدة العرق، وتنتهي ~~إلى أن يأمر المخ الغدة بأن تسكب دموعها. # إن أطرافي لا تبرد إلا بعد أن تصل برقية الخوف إلى المخ، فيصدر أمره إلى شعيرات ~~الجلد أن تنكمش على نفسها لتهرب ما فيها من دماء استعدادا لما قد يصيبها من ~~جراح. # عرفت كيف تنتقل الصورة من العين إلى المخ ليراها ويفهمها، ثم يبرق إلى العين ~~يأمرها بالرؤية. عرفت كيف ينتقل الصوت من الأذن إلى المخ ليترجمه ويفهمه، ثم يأمر ~~الأذن بالسماع. عرفت أن النبات الحي يصبح داخل نار الفرن خبزا ميتا، وأن الخبز ~~الميت يتحول في جوف الإنسان الساخن إلى نسيج حي. # عرفت أنني حين أنام فإن جزءا من مخي يظل ساهرا يرعاني، ويرعى دقات قلبي، ~~ويشرف على همسات أنفاسي، وينظم مناظر أحلامي. يرعاني ويحرص علي ألا أقع من ~~فوق السرير، وأنا أمتطي صهوة الجواد صاعدة إلى السماء، أو حين أسقط من طبقات ~~الجو وأغرق في شلالات المحيط. ويوقظني من قبل أن أبلل فراشي فزعا حين يغرز ~~وحش الغابة أسنانه في جسدي. # وانفتح أمامي عالم واسع جديد، وشعرت بالرهبة أول الأمر، ولكني سرعان ما أوغلت ~~فيه بنهم وقد استولى علي جنون المعرفة. كشف لي العلم سر الإنسان، وألغى تلك ~~الفروق الهائلة التي حاولت أمي أن تضعها بيني وبين أخي. # أثبت لي العلم أن المرأة كالرجل، والرجل كالحيوان. المرأة لها قلب ومخ وأعصاب ~~كالرجل تماما، والحيوان له قلب ومخ وأعصاب كالإنسان تماما، ليست هناك فروق جوهرية ~~بين أحد منهم، وإنما هي فروق شكلية تتفق جميعا في الأصل والجوهر. # المرأة تحتوي في أعماقها ms17 على رجل، والرجل يخبئ في أعماقه امرأة. المرأة لها ~~أعضاء الرجل، بعضها ظاهر وبعضها ضامر، والرجل تجري في دمائه هرمونات مؤنثة. # الإنسان يغلق قفص صدره على وحش غابة كاسر، والحيوان في داخله إنسان. # الإنسان له ذيل، ذيل قصير مبتور في فقرة صغيرة في مؤخرة عموده الفقري، والحيوان له ~~قلب يدق وله دموع تسيل. # وفرحت بهذا العالم الجديد الذي يضع المرأة إلى جوار الرجل إلى جوار ~~الحيوان. # فرحت بالعلم، وأحسست أنه إله قوي جبار عادل، يعرف أسرار كل شيء، فآمنت به ~~واعتنقته. ~~••• # لم أكن أرى منه إلا وجهه الصغير، وعينيه الكليلتين تبحثان في يأس عن ملامح ~~تعبر عن الرحمة، وذراعيه الرفيعتين العاريتين ترتجفان من البرد، وقد اختفى جسده ~~الصغير تحت أقراص معدنية صلبة، تخرج منها خراطيم طويلة من المطاط، تنتهي في آذان ~~آدمية تشبه آذان الأرانب. وترفع السماعات لتكشف لحظة عن أجزاء من صدره العاري، ~~ثم تهبط مكانها سماعات أخرى؛ تضغط على ضلوع الطفل الصغير، تهبط هي الأخرى تحت ثقل ~~الأقراص المعدنية الصلبة، تلتف حولها أصابع آدمية؛ بعضها غليظ مفرطح، وبعضها ~~ناعم طليت أظافره باللون الأحمر. # وسمعت صوت الأستاذ الطبيب يقول: تقدمي واسمعي دقات هذا القلب. # ودفعتني الأيادي المتزاحمة على الطفل المريض، ووقفت أنتظر والسماعة في أذني حتى ~~تخلو مساحة صغيرة من الجسد النحيل، وارتفعت إحدى السماعات عن صدر الطفل فرأيت ~~مكانها دائرة حمراء محفورة في الجلد المحتقن. # وترنحت السماعة في يدي لا أستطيع أن أضعها على الجسد الملتهب، وشعرت بيدي ~~تهتز بلا وعي، ودفعتني في تلك اللحظة يد قوية، وجرفني الزحام بعيدا عن ~~السرير، واستولى على مكاني طالب على عينيه نظارة سميكة، دس سماعته بسرعة كأنه ~~لا يبصر الدائرة المحفورة على صدر الطفل! # آه! # انطلقت الأنة الضعيفة الواهية من بين شفتي الطفل اليابستين، ضاعت في الزحام ~~الصاخب المتلاطم ولم يسمعها أحد. # وشعرت برغبة في الصراخ بأعلى صوتي، وأحسست بيدي تقاومان عقلي، وترغبان في ~~الانطلاق من عقالهما، وتنهالان ضربا ولطما على هذه الأصابع القاسية الملتفة حول ~~السماعات؛ تبعدانها عن صدر الطفل. ms18 # لكني لم أستطع، لم أفتح فمي ولم أحرك يدي. لا زال في رأسي عقل يقظ قوي يؤمن ~~بالعلم، وإله العلم جبار لا يعرف الرحمة. ~~••• # وقف أمامي بساقيه العاريتين المعوجتين يغطيهما الشعر الكثيف، ونظر إلي نظرة ~~اعتراض وقال: هل أخلع السروال أيضا؟ # ونظر إليه الأستاذ نظرة جامدة قاسية وقال آمرا: اخلع كل ملابسك! وتطلع ~~المريض إلي في ذعر، وأمسك حزام سرواله في تردد وخوف. ولم يمهله الأستاذ، ~~فاندفع نحوه وشد سرواله إلى أسفل، فأصبح الرجل أمامنا عاريا تماما. # ارتديت القفاز واقتربت منه، وتململ الرجل في خجل واستياء؛ كيف تعريه امرأة ~~وتفحصه؟! وحاول أن يبتعد عني، لكن الأستاذ ناوله صفعة عنيفة على وجهه جعلته ~~يستسلم لأصابعي الفاحصة كجثة ميتة. # إله العلم لا يعرف الرحمة ولا يعرف الحياء. # ما أقساه! وما أشد عذابي في محرابه! # وفقد الجسم الحي احترامه وهيبته؛ أصبح في نظري وتحت أصابعي كالميت سواء بسواء، ~~وتفكك في عقلي إلى مجموعة من الأجهزة والأعضاء. ~~••• # الليل بارد موحش، والظلمة ساكنة ميتة، والمستشفى الكبير بأنوار نوافذه قابع في ~~السواد كضبع متوحش، وأنات المرضى وسعالهم الممزق يهتك ستائر الليل الداكنة. ~~وأنا ... أنا أقف في نافذة حجرتي، وحيدة، أتأمل الزهرة البيضاء الصغيرة التي تتفتح ~~إلى جواري في زهرية الورد، وألمسها بأصابعي، فينتفض كياني كأنني ميت يحس لأول مرة ~~بملمس شيء حي. وأقرب أنفي منها أشم عبيرها، وأشعر كأني سجين مؤبد يضع أنفه ~~بين أسلاك نافذته الحديدية ويشم عبير الحياة. وتحسست رقبتي، ولمست أصابعي ~~ذراعي السماعة المعدنيتين وهما تلتفان حول رقبتي كحبل المشنقة، والبالطو الأبيض ~~يجثم على جسدي وتفوح منه رائحة الكحول والأثير وصبغة اليود. # آه! # ماذا فعلت بنفسي؟! # ربطت حياتي بالمرض والألم والموت. أصبح عملي كل يوم هو أن أكشف أجساد الناس، ~~وأرى عوراتها، وأتحسس أورامها، وأحلل إفرازاتها. # لم أعد أرى في الحياة إلا مرضى راقدين في الفراش، ذاهلين أو باكين أو غائبين عن ~~الوعي، عيونهم كليلة صفراء أو حمراء، أطرافهم مشلولة أو مبتورة، أنفاسهم متقطعة، ~~أصواتهم حشرجة أو أنين. # أيمكن أن أحتمل هذه الحياة ms19 إلى أمد طويل ... طول عمري ؟! # وشعرت بانقباض شديد يشبه الانقباض الذي يشعر به السجين المؤبد، حين تختفي بارقة ~~الأمل في الإفراج. # وخرجت من حجرتي، وجلست في الصالة الكبيرة، وفتحت مجلة طبية وحاولت أن أقرأ، ~~لكن أفكاري تسربت بالرغم عني إلى جناح الأطباء؛ حيث ينام زميلي الطبيب، وقد ~~قسمنا نوبتجية الليل بيننا؛ هو ينام الست ساعات الأولى، وأنا الست ساعات ~~الأخيرة. # فكرت من حيث لا أدري أنني أجلس وحدي في منتصف الليل مع رجل لا يفصلني عنه إلا ~~باب حجرته المغلق. # جاءتني هذه الفكرة وأنا يقظة مفتوحة العينين كوهم من أوهام الليل؛ فشعرت ~~بالخوف. لا، ليس الخوف، ولكن القلق. لا، ليس القلق، ولكن الرغبة. لا، ليست الرغبة، ~~ولكنه شعور مزعج غريب أرغم عيني على اختلاس النظر إلى الباب المغلق من حين إلى ~~حين. ~~••• # دق جرس التليفون إلى جواري، وجاءني صوت الممرضة النوبتجية يدعوني إلى إغاثة ~~مريضة. # انقضت لحظة خاطفة ووجدتني أقف في عنبر من عنابر المستشفى بجوار سرير أبيض ترقد ~~عليه المريضة، وكانت عروسا شابة. # وضعت السماعة على صدرها وسمعت صوت دقات قلبها. كانت صمامات قلبها مثقلة بتلك ~~الألياف والأنسجة التي تراكمت عليه بفعل الروماتزم، وأصبحت تحدث أصواتا ~~نشازا لا تتفق مع ذلك النغم السابق الذي كنت أسمعه لدقات القلب السليم. # غلظت الصمامات وضاعت مرونتها، فعجزت عن أن تغلق حجرات القلب بإحكام، ~~فأصبح الدم يتسرب منها في خرير يشبه خرير الساقية الخربة. # ونظرت إلى المرأة الشابة، ورأيت بريق الأمل في عينيها، وقالت لي في فرحة: ماذا ~~أسميه؟ إنه أول ابن لي. # قلت لها وأنا أخفي عينيها بقناع التخدير: لا أدري، إننا لا نعرف بعد هل ~~سيكون ولدا أم بنتا؟ # ومرت لحظات، لحظات رهيبة، ورأيت شعر الطفل الأسود الناعم يطل من الظلام ~~إلى النور، يحوطه فكا العلم المعدنيان الصلبان. ووضعت السماعة على قلب ~~المرأة، إن قلبها يناضل ويئن، والدم يخر خريرا ضعيفا، والصمامات تصفق ~~تصفيقا شديدا. ثم رأيت الطفل يندفع إلى الخارج بقوة ويصرخ صرخة عالية، ~~وتهلل وجهي في فرحة ودهشة وأنا ms20 أرى الإنسان وهو يفتح عينيه الصغيرتين لأول ~~مرة في حياته، ويرى العالم الواسع. # لكني أفقت بعد لحظة على سكون رهيب كسكون القبور؛ ضاع خرير الدم، وتوقفت ~~الصمامات عن التصفيق، ونظرت إلى المرأة ... # كان وجهها صامتا باردا كتمثال من الجرانيت، وكان صدرها هامدا لا يعلو ولا يهبط ~~كصندوق من الخشب! # ماذا حدث؟ # لقد كانت منذ لحظات تتكلم وتتحرك وتتنفس؟ # وأسرعت أستنجد بكل ما يعرفه الطب لانتشال حياة الإنسان من براثن الفناء. # حقنت في وريدها المحاليل والمنبهات، دفعت إلى أنفها الهواء والأكسجين، استعنت ~~بالتنفس الصناعي لأحرك رئتيها، غرست في قلبها إبرة طويلة ليتحرك، فتحت ~~صدرها وأخذت أدلك القلب لتعود إليه الحياة، نفخت في فمها ولطمتها على وجهها ~~لتحس؛ كل شيء عاجز، عاجز عن أن يجعل هذا الجفن الصغير المغمض يرتفع عن العين مرة ~~واحدة ... واحدة فقط. # وتأملت المولود الصغير وهو يرفس بقدميه بين يدي الممرضة ويبكي ~~ويصرخ. # أليس هذا عجيبا؟ عجيبا جدا؟ أن تخرج هذه القطعة الإنسانية الحية من هذا الجسد ~~الميت الجامد الراقد على هذه المنضدة المعدنية الباردة؟! # وأمسكت رأسي بيدي، وتهاويت على مقعد بجواري. # لماذا يعجز العلم؛ ذلك الإله الجبار الذي حنيت له رأسي؟ لماذا يعجز عن أن يفسر ~~لي كيف تفسد صمامات القلب بفعل الروماتزم؟ # كيف توقف قلب المرأة الشابة إلى الأبد؟ كيف ولد طفل حي من جسد امرأة تموت؟ ~~كيف تدب تلك الشرارة الصغيرة من الحياة في المادة الميتة؟ كيف تندلع الحياة وكيف ~~تنطفئ؟ من أي عالم يخرج الإنسان؟ وإلى أي عالم يذهب؟! # خرج الصراع الذي في أعماقي من نطاق الرجولة والأنوثة إلى الإنسانية جمعاء. # رأيت الإنسان تافها بالرغم من عضلاته وخلايا مخه وتعقيدات شرايينه ~~وأعصابه. # ميكروب صغير لا يرى بالعين يدخل مع الهواء إلى أنفه، فيأكل خلايا رئتيه ~~أكلا! # فيروس مجهول يصيبه من حيث لا يدري، فيجعل خلايا كبده أو طحاله، أو أي شيء آخر، ~~تتكاثر بجنون وتلتهم كل ما حولها التهاما! # قطرة صغيرة لزجة تنتقل من إحدى لوزتيه في الحلق لتصل إلى قلبه فتشل ~~حركته! # نقطة ms21 دم واحدة يصيبها التجلط في إحدى خلايا مخه، فيرقد في الفراش بلا ~~حراك! # شكة إبرة رفيعة في أصغر أصبع من أصابعه تفقده السمع والبصر والكلام! # فقاعة صغيرة من الهواء تتسرب إلى دمه صدفة، فيصبح جثة هامدة كجثث الخيول ~~والكلاب تتعفن وتتحلل! # هذا الإنسان المغرور الجبار، الذي لا يكف عن الحركة والضجيج والتفكير والابتكار، ~~هذا الإنسان يحمله على الأرض جسد بينه وبين الفناء شعرة رفيعة جدا، إذا قطعت - ~~ولا بد لها أن تقطع - فما من قوة في العالم تستطيع أن توصلها. # نزل العلم من فوق عرشه، ووقع أمامي صريعا عاريا عاجزا كما وقع الرجل من ~~قبل. # وتلفت حولي حائرة قلقة. # لقد حطم العلم إيماني القديم ولم يهدني إلى إيمان جديد. # وأدركت أن طريق العقل الذي عاهدت نفسي أن أسلكه طريق ضحل قصير، في نهايته سد ~~كبير. # وفتحت عيني. ترى ماذا أفعل؟ # هل أعود أدراجي، أم أتكور إلى جوار هذا السد، وألتصق به، وأحتمي فيه؟ ولم يكن لي ~~مجال للاختيار؛ فقد أسلمني التحدي والمقاومة إلى نوع من القوة والإرادة لم أستطع ~~معهما أن أتكور إلى جوار شيء، أو ألتصق بشيء، أو أحتمي في شيء. فما بالك إذا كان ~~هذا الشيء سدا كبيرا ليست له منافذ. # ووجدت قدمي تتجهان بي إلى طريق جديد. # 3 # حزمت متاعي القليل وركبت القطار ليحملني بعيدا عن المدينة، بعيدا عن أساتذة ~~العلم ومعامله، بعيدا عن أمي وأهلي، بعيدا عن الرجال والنساء على السواء. # وفي إحدى القرى النائية الهادئة اتخذت لنفسي مسكنا صغيرا، جلست في شرفة بيت ~~ريفي أنقل بصري من الحقول الخضراء الفسيحة الآمنة إلى السماء الزرقاء الصافية، ~~وأشعة الشمس الدافئة تسقط على جسدي الممدود على الأريكة المريحة، وتمطيت وتثاءبت ~~في تكاسل لذيذ. # لأول مرة أجلس وحيدة مع نفسي، وأحسست أنني أخلع عن نفسي كل أثوابها التي ~~تراكمت عليها طوال السنين الماضية من حياتي. ووقفت نفسي أمامي عارية ... عارية ~~تماما، وبدأت أتفقدها وأتحسسها، وأكشف عليها كشفا دقيقا. # لم أمسك المشرط في يدي، ولم أضع السماعة في أذني، ولكني ms22 تجردت من كل شيء؛ ~~تجردت من علمي وطبي، وتجردت من السنين التي عشتها، من الناس الذين رأيتهم ~~وعرفتهم، من الصراعات التي عاصرتني وأسلمتني إلى ذلك السد الهائل الذي وقف في ~~طريق تفكيري. # وتجردت من تفكيري أيضا، وبدأت أحس، لأول مرة في حياتي أحس دون أن أفكر، ~~أحس بوقع الشمس الدافئة على جسدي، أحس بتلك الخضرة الآمنة الجميلة التي تكسو ~~الأرض، أحس بتلك الزرقة العميقة الفاتنة التي تغلف السماء. # لأول مرة في حياتي ألتقي بالطبيعة وجها بوجه، ولأول مرة أرى لها وجها جميلا ~~ساحرا لا يفسده شيء؛ لا يفسده ضجيج المدينة الأجوف، ولا تفسده أنوثة ~~المرأة الذليلة الأسيرة، ولا رجولة الرجل المغرورة المتغطرسة، ولا ثرثرة العلم ~~القاصر العاجز. # أيقنت أن الطبيعة إله جبار جميل، يحاول الإنسان الضئيل المغرور أن يلبسه ~~أثوابا رخيصة قبيحة لمجرد أن يرضي غروره، ويشعر أنه يفعل بعمره القصير شيئا ... ~~أي شيء. # وأحسست أن قلبي يخفق، وأن خفقاته تملأ نفسي بشحنات غريبة من العواطف ~~والمشاعر. # لأول مرة يخفق قلبي فأحس دون أن أفكر، دون أن يشتغل عقلي ويرسم عضلات القلب ~~وشرايينه، ويزن كميات الدم التي تندفع منه. # أصبحت لخفقات قلبي لغة جديدة لا يستطيع أن يفسرها العلم أو الطب، لغة ~~أفهمها بأحاسيسي الغضة البكر، ولا أستطيع أن أفهمها بعقلي المجرب ~~العجوز. # أحسست أن العاطفة أكثر ذكاء من العقل، وأكثر رسوخا في قلب الإنسان، وأكثر ~~اتصالا بتاريخه البعيد، وأكثر صدقا وتجاوبا مع طبيعته وبشريته. # وتمددت على الأريكة أكثر، فردت ساقي عن آخرها، فاستسلمت لعاطفتي الدافئة ~~الجديدة تدغدغ جسدي. # وتنبهت ... ها هو جسدي الذي حكمت عليه يوما بالإعدام؛ جسد المرأة الأنثى الذي ~~ذبحته ذبحا عند قدمي إله العلم والعقل. ها هو جسدي تدب فيه الحياة من ~~جديد. # واكتشفت أنني ضيعت عمري الذي فات في صراع ليس له أرض، ضيعت طفولتي وصباي ~~وفجر شبابي في عراك عنيف؛ ضد من؟ ضد نفسي، ضد إنسانيتي، ضد غريزتي. # من أجل ماذا؟ لا شيء. ها أنا ذي الآن أترك كل شيء وأبدأ من جديد؛ أبدأ ms23 من أول ~~الحياة، أبدأ من الأرض البسيطة البدائية التي تنبت من تلقاء نفسها الحب والقمح، ~~أبدأ من الطبيعة البكر التي تغلف الأرض منذ ملايين السنين، أبدأ من الإنسان ~~الريفي الساذج الذي يأكل النباتات من الأرض، ويمارس غريزته تحت الشجر، ويأكل ويشرب، ~~ويلد ويمرض ويموت دون أن يسأل لماذا أو كيف. # ابتسمت، ثم ضحكت، بصوت عال سمعته بأذني. # كانت الضحكة تتقلص على شفتي وتموت دون أن أسمع لها صوتا؛ فقد كانت أمي تقول لي ~~دائما إن البنت يجب ألا تضحك بصوت عال يسمعه الناس. # وفتحت فمي عن آخره ورحت أضحك وأقهقه، ودخل الهواء إلى صدري؛ هواء نقي نظيف، ليس ~~فيه دخان، وليس فيه كربون، وليس فيه علوم الطب، وليس فيه آداب المجتمع. # هواء لا يهمني تركيبه ولا مضمونه، ولكني أحس أنه هواء منعش يرطب جوفي ~~الساخن. # واستسلمت لأشعة الشمس وتركتها تسقط على جسدي؛ أشعة نقية صافية، لا تشوهها ~~تحاليل العلم إلى أشعة بنفسجية أو حمراء، حارقة أو غير حارقة. # وجاء الرجل الريفي الطيب الساذج يحمل صينية الأكل؛ فطير مشلتت، وقشدة، وزبدة، ~~وبيض. وأكلت بشهية تشبه شهيتي وأنا طفلة قبل أن أبلغ التاسعة من عمري، نسيت ~~تعاليم أمي عن كيف تأكل البنت، ونسيت تحذيرات الطب من القشدة والزبدة، وملأت فمي ~~بالطعام على آخره. شربت الماء البارد من الكوز الفخاري بصوت عال، وسقط الماء من ~~بين شفتي وبلل ملابسي. # أكلت حتى شبعت، وشربت حتى ارتويت، ثم تركت الأريكة الساخنة وتمددت على الأرض ~~الرطبة. ووضعت وجهي على التراب، ورحت أشم باطن الأرض وأنتشي بذلك الإحساس ~~الدفين؛ أنني من الأرض وإلى الأرض. # وهبت نسمة رقيقة رفعت الرداء عن ساقي، ولم يصبني ذلك الذعر القديم الذي ~~كنت أحس به حينما تتعرى ساقي. # كيف استطاعت أمي أن ترسب في نفسي ذلك الإحساس البغيض بأن جسدي عورة؟ إن الإنسان ~~يولد عاريا ويموت عاريا، وما تلك الأثواب التي يلبسها إلا زيف يحاول أن يغطي ~~به حقيقته. # وتركت الهواء يرفع عني أرديتي، وأحسست في تلك اللحظة أنني ولدت من جديد ms24 ~~وولدت معي عاطفتي، ولدت لتوها حقا ، ولكنها ولدت عملاقا جبارا يريد أن ~~يعيش ويطالب بحقه في أن يعيش. ~~••• # سمعت صوت طرق شديد على باب بيتي في منتصف الليل، ورأيت بعض الفلاحين يحملون ~~رجلا عجوزا مريضا. # فتحت لهم بابي وارتديت معطفي الأبيض ووضعت السماعة على صدر المريض. # اختلط في أذني دقات القلب بصوت أنين، فرفعت عيني إليه، ورأيت عيني الرجل ~~تتعلقان بعيني وتتشبثان بهما كغريق على وشك الموت يتطلع إلى طوق ~~النجاة. # وكأنما نسيت الطب، كأنما لم أكشف على مريض قبل اليوم، كأنما أرى لأول مرة في ~~حياتي عيني إنسان يتعذب، كأنما أسمع لأول مرة صوت الأنين. # كيف كنت أكشف على المرضى كل تلك السنوات التي مضت؟ كيف استطاع أساتذة الطب أن ~~يوهموني أن المريض ليس إلا كبدا أو طحالا أو مجموعة من الأمعاء أو المصارين؟ ~~كيف جعلوني أنظر في العيون فلا أرى نضارتها، وأصوب إليها كشافي الكهربي وأقلب ~~جفونها بأصابعي؟ كيف جعلوني أفتح حلوق الناس وأنظر فيها ولا أسمع الأنين؟ # وأحسست برجفة عنيفة تهز كياني. # لأول مرة في حياتي أحس أن المريض إنسان كامل، كل لا يتجزأ. # لأول مرة يجتاز صوت الأنين المسافة بين أذني وقلبي. # ووقفت أمام المريض كالمشدوهة، عيناي مشدودتان إلى عينيه، وأذناي مرهفتان ~~تلتقطان همسات أنينه الخافت، وروحي خرساء ترقب مشهد عذاب الإنسانية العجيب، وعقلي ~~صامت متوقف يستوعب معنى الحياة الجديد. # ووضعت يدي على قلبي، وأسندت رأسي إلى الحائط. # شيء في العينين الفاترتين اليائستين يجعل قلبي يتمزق، شيء في الأنين الخافت يجعل ~~نفسي تخور، شيء غريب لم أعرفه من قبل، لم أحسه، لم أعانيه. # الألم؟! نعم الألم. # لأول مرة في حياتي أتألم؛ شعور أليم، ولكنه عميق ... عميق، نفذ إلى طبقات نفسي ~~البعيدة حتى بلغ مجال اللذة. # تألمت ولكني شعرت بلذة الألم، شعرت بلذة إنسانيتي وهي تمارس إمكانياتها ~~المعطلة وتستكشف أبعادها المجهولة. # وكأنما شرب كياني إحساسي باللذة عن آخره، وكأنما امتصت روحي إحساسي بالألم ~~كله، فأحسست بدوار شديد وتهاويت على مقعد إلى جواري وأغمضت عيني ... و... وبكيت ... ~~بكيت ms25 كما لم أبك أبدا، كأنما لم تعرف عيناي الدموع. # انهمرت دموعي الساخنة المكبوتة كسيل عاصف كاسح، وتركت العنان لدموعي، لم أحاول ~~أن أقف في طريقها. # فلأبك كما تشاء عيوني، ولأغسل عقلي من ذلك الغبار الكثيف الذي تراكم ~~عليه، ولأزح عن قلبي تلك الغشاوة المعتمة العازلة، ولأطلق سراح روحي من ~~قلب تلك الزنزانة الحديدية القاتلة. # واستسلمت للألم. # وأفقت على صوت ... صوت ضعيف خائر، ولكنه صوت دافئ. سمعته يقول: لا تبكي يا دكتورة، ~~أنا بخير. # وفتحت عيني ونظرت إليه، فرأيت على وجهه ابتسامة ... ابتسامة هادئة واهنة، ولكنها ~~تحمل في ثناياها العطف والحنان. # كأنما هو الذي يحنو علي، كأنما هو الذي يريد أن يأخذ بيدي ويعطيني من عنده، ~~كأنما هو الذي يملك العلم والصحة والقوة وأنا لا أملك شيئا، كأنما تضاءلت علة ~~الجسد إلى جوار علة الروح، فأحس أنه الطبيب وأنا المريضة. # لم أكن أتخيل في تلك اللحظة التي فقدت فيها إيماني بالإنسان، وأيقنت أن فقاعة ~~هواء أقوى منه ومن حياته، أنني سأعود أومن به من جديد! # لم أتخيل أنني أفقد إيماني بالإنسان وأنا وسط المدينة الباهرة بحضارتها ومبانيها ~~وطائراتها وصواريخها، ثم أعود أومن به في كهف مظلم! # لم أتخيل أنني أفقد إيماني بالإنسان وأنا بين أساتذة الطب وأئمة العلم، ثم أعود ~~فأومن به على يد رجل ريفي عجوز مريض، لا يملك إلا جلبابه وابتسامته! # ابتسامة صغيرة انفرجت عنها شفتان يابستان، ولكنها كانت تحمل في طياتها معنى ~~الحياة بأسرها؛ ذلك المعنى الذي يضيع من الناس في الزحام، ذلك المعنى الذي يضل ~~عنه العلم وسط ضجيج الآلات، ويقصر عن تفسيره العقل ... الحب. # حب الحياة بكل ما فيها من لذة وألم، من صحة ومرض، من مجهول ومعلوم، من بداية ~~ونهاية. # الحب؟! # خفق قلبي للكلمة الجديدة، وسرت الرجفة في أوصالي، ودب الحنين في جسدي ~~واندلع اللهيب في قلبي. ~~••• # كيف يمكن لي أن أعيش الآن؟ # أنا الطفلة المهتمة بعواطفي البكر، وأنا الطبيبة المجربة بعقلي العجوز؟ # خمس وعشرون سنة مضت من عمري دون أن أشعر لحظة واحدة أنني ms26 امرأة! دون أن يخفق ~~قلبي مرة واحدة لرجل! دون أن تمس شفتي تلك الأعجوبة التي اسمها القبلة! دون ~~أن أعرف الفترة، تلك الفترة الملتهبة من عمر الإنسان؛ المراهقة. # ضاعت طفولتي في صراع ضد أمي وأخي ونفسي، والتهمت كتب العلم والطب مراهقتي ~~وفجر شبابي، وها أنا ذي الآن طفلة في الخامسة والعشرين من عمرها، طفلة تريد أن ~~تجري وتلعب وتنطلق وتحب. ~~••• # حزمت متاعي القليل، وركبت القطار ليحملني بعيدا عن نفسي. لقد تعرفت عليها ~~وعرفتها، ولم أعد بحاجة إلى أن ألتصق بها ذلك الالتصاق الشديد الذي يفصلني وإياه ~~عن الحياة؛ الحياة التي التقطت جوهر معناها من تراب الأرض كما تلتقط الحمامة ~~بمنقارها حبة القمح، الحياة التي أصبحت أحبها بكل خلية من كيان روحي وجسدي، ~~وأحس برغبة عارمة في أن ألتصق بها التصاقا شديدا. # كيف لي بعد كل هذا أن أغلق نفسي داخل تلك العزلة الموحشة؟ # كان لا بد أن أعود. وعدت، عدت إلى بيتي وأهلي وعملي وعيادتي، فتحت ذراعي ~~للحياة وعانقت أمي، ولأول مرة أحس أنها أمي. وعانقت أبي، وفهمت معنى بنوتي. ~~وعانقت أخي وعرفت شعور الأخوة و... وتلفت حولي أبحث عن شيء، شيء لا زال ~~ينقصني، عن أحد لا زال غائبا عني. من هو؟ # أعماقي تناديه، وروحي تهتف به. من هو؟ من؟! ~~••• # حنين جارف عنيف يهز روحي وجسدي؛ حنين روح ظامئة للحب أطلق العقل سراحها، ~~حنين جسد بكر انطلق لتوه من زنزانته الحديدية. # ترى ماذا يكون اللقاء بين المرأة والرجل؟! # الليل أصبح طويلا، والأوهام والخيالات تعشش كل ليلة حول سريري. # ذراع طويلة قوية تلتف حول خصري، ووجه رجل يقترب مني؛ له عينان تشبهان عيني ~~أبي، وله شفتان تشبهان شفتي ابن عمي، ولكنه ليس أبي وليس ابن عمي. # ترى من يكون؟ # أحاديث البنات في المدرسة تطفو على سطح ذاكرتي؛ التنهدات، الشهقات، أحلام ~~المراهقات. # كأني لم أشرح جسد الرجل، كأني لم أعره، كأني لم أر قبحه وبشاعته. # هل نسيت؟ لا أدري، ولكني نسيت، وعاد إلى الجسد الحي سحره وغموضه. كيف نسيت؟! لعل ~~أنوثتي ms27 خرجت من زنزانتها عنيفة جامحة طوحت في طريقها بكل ذكريات العقل، أو لعل ~~حنين روحي الجارف نزع من مخيلتي صور الجسد القبيحة، أو لعل انتفاضة القلب القوية ~~نفضت علوم الطب عن رأسي. # والصباح لم يعد يطلع، ودفء السرير أصبح لهيبا، وأوهام الليل لم يعد ~~يبددها نور. # 4 # دق جرس التليفون بجوار رأسي، ففتحت نصف عيني ونظرت في الساعة، كانت الثانية ~~صباحا. ورفعت السماعة في كسل، وجاءني صوت ملهوف يقول: أنقذي أمي من الموت ~~يا دكتورة. # قفزت بسرعة من السرير الدافئ، وارتديت معطفي، وخطفت حقيبتي الصغيرة المعدة ~~لحالات الإسعاف السريع، وركبت عربتي، وانطلقت إلى بيت المريضة. # وضعت السماعة على قلبها؛ فسمعت دقات ضعيفة خائرة، دقات قلب عجوز أصابه الوهن ~~والشيخوخة، وقد أوشكت الحياة أن تفلت منه. # خلعت السماعة وتلفت حولي، وتنبهت إلى وجود رجل طويل واقف إلى جواري في ~~عينيه نظرة قلق شديد. # وسألني: حالتها خطيرة يا دكتورة؟ # وخرجت من الحجرة دون أن أرد عليه، فخرج ورائي. ووقفت في صالة البيت، فوقف أمامي ~~وسألني مرة أخرى في لهفة شديدة: حالتها خطيرة يا دكتورة؟ # وقلت له في هدوء: لا، ليست خطيرة، إنها تموت فقط. # وحملق في فزع ودهشة وقال: تموت؟ لا! لا يمكن! # وأمسك رأسه بيديه وتهاوى على مقعد إلى جواره وأخذ يبكي بصوت مكتوم. # انتظرته حتى فرغ من نشيجه ورفع عينيه إلي وقلت له: كل الناس يموتون. ~~- ولكنها أمي يا دكتورة؟ ~~- لقد أدركتها الشيخوخة، ومن غير الطبيعي ألا تموت. # وجفف عينيه، فمددت يدي لأصافحه وأنا أقول: دعها في حجرتها تودع حياتها ~~في هدوء. # وغلبته دموعه مرة أخرى، ففتحت الباب وخرجت. ~~••• # كنت أجلس في مكتبي وبين يدي كوب الينسون الدافئ الذي يصنعه التمورجي لي بمجرد ~~أن يخرج من العيادة آخر مريض، وأصابعي المتعبة تلتف حول الكوب تلتمس من دفئه ~~بعض الراحة والاسترخاء، ووجهي المرهق يقترب من البخار المتصاعد من الكوب لأشم ~~الينسون الذي أحب رائحته أكثر من مذاقه؛ حين دخل التمورجي وأعلن عن وجود رجل ~~يريد مقابلتي. # ودخل الرجل، وعرفته، فوقفت وصافحته ms28 وجلس أمامي، ولمحت الربطة السوداء حول عنقه ~~فقلت له: البقية في حياتك. # قال وهو مطرق: أشكرك يا دكتورة. # وظل مطرقا لحظة طويلة، فأمسكت كوب الينسون وأخذت منه رشفة، ورفع عينيه ~~ونظر إلى الكوب في استطلاع، فسألته: أتشرب كوبا من الينسون؟ # ونظر إلي مندهشا وقال: ينسون؟ # وضحكت لدهشته فابتسم وقال: جئت لأشكرك. ~~- لم أفعل شيئا. ~~- نزلت من بيتك في هذا الوقت المتأخر. ~~- إنه واجب الطبيب. ~~- قلت لي الحقيقة. ~~- الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها. ~~- إنه شيء مؤلم جدا. # ولم أرد ... ونظر إلي لحظة ثم قال: ألا تتألمين لمنظر الإنسان وهو ~~يموت؟ ~~- هذا هو أخف ألم في حياتي. ~~- وما هو أقسى من الموت؟ ~~- المرض الذي ليس له دواء، العجز الذي ليس له شفاء، التشويه الذي يصيب الإنسان في ~~جسده أو عقله. ~~- هل رأيت كل هذا؟ ~~- هذه حياتي وحياة كل طبيب. ~~- اعذريني يا دكتورة ... أنا لا أتعامل مع الإنسان الذي هو معرض للمرض والموت، إني ~~أتعامل مع الصحة. ~~- مهندس؟ ~~- نعم. # وسكتنا لحظة ثم قلت له: أنت لم تعرف الألم. ~~- أول مرة في حياتي أرى إنسانا يموت، وأول مرة في حياتي أبكي. # هذا شيء فظيع! إن الحياة قاسية، أشد قسوة من الصخر! ~~- أنت لم تعرف الحياة بعد. # نظر في عيني وهم بأن يقول شيئا ولكنه لم يقل، وخيل إلي أني رأيت في ~~عينيه نظرة غريبة. # لعلها نظرة احتياج وضعف فيها طفولة وسذاجة جعلتني أتحمس لعمل شيء من ~~أجله. # ووقف ومد لي يده قائلا: أشكرك مرة أخرى يا دكتورة. # واستدار وسار إلى الباب، ولكنه لم يخرج والتفت ناحيتي، ولاحظت أنه يبذل مجهودا ~~كبيرا كي يقول شيئا، وسمعته يقول: أريد أن أتحدث معك مرة أخرى، ولكن ... # وسكت لحظة ثم قال وهو ينظر بعيدا عني: أعرف أن وقتك ضيق، ولكن ... # ولم أرد، فقال متلعثما وهو يتفادى النظر إلي: هل يمكنني أن أراك مرة ~~أخرى؟ # وتأملت عينيه. # في عينيه نظرة تشغلني، ولكن ملامحه لا تقنعني. وهو لم ير الموت إلا موت أمه، ~~ولم يعرف الألم والمرض. # أيمكن له أن ms29 يرضي هذا العقل العجوز المجرب؟ أيمكن له أن يثير هذه الطفلة النهمة ~~المنطلقة بلا حدود؟ # ولكنه أول رجل تقع عليه عيناي. # وقلت: يمكنك أن تراني مرة أخرى. ~~••• # جلست إلى جواره على صخرة كبيرة من صخور الهرم، وامتدت نظراتي إلى الأفق البعيد، ~~وأخذت أراقب قرص الشمس الأحمر وهو يتسلل من وراء السحب الرمادية الكثيفة، ~~وسمعته يقول: فيم تفكرين يا دكتورة؟ ~~- لماذا تناديني يا دكتورة دائما؟ ~~- ألا تحبين هذا اللقب؟ ~~- إنه يذكرني بالأنين والمرض. ~~- إنه لقب ساحر، أحس وأنا أناديك به بالفخر. أنت أول طبيبة أعرفها. ~~- حقا؟! ~~- حين طلبتك في التليفون لتنقذي أمي لم أتصور أن صوتك صوت الطبيبة، وحين رأيتك ~~تدخلين حجرة أمي لم أصدق أنك الدكتورة. ~~- لماذا؟ ~~- كنت أتصور أن الطبيبة لا بد أن تكون قبيحة أو عجوزا، ترتدي على عينيها ~~نظارة بيضاء سميكة، وظهرها محني من كثرة القراءة والإجهاد. لم أتصور أن الطبيبة ~~يمكن أن تكون امرأة جميلة. ~~- لماذا؟ ~~- من الصعب أن تجمع المرأة بين العقل والجمال. ~~- لماذا؟ ~~- لا أدري. ~~- لأنهم يربون البنت الصغيرة منذ طفولتها على أنها جسم فقط، فتنشغل به طول حياتها، ~~ولا تعرف أن لها عقلا أيضا يجب أن تنميه. ~~- لماذا يفعلون ذلك؟ ~~- لأن الرجل الذي يمسك بمقاليد الحياة لا يريد من المرأة إلا أن تكون حيوانا ~~غبيا جميلا يرقد بين قدميه. ~~- لماذا؟ ~~- الرجل لا يريد أن تكون المرأة ندا أو شريكا له، ولكنه يريدها تابعا له أو ~~خادما. وضحك وضحكت. # ورأيته يقترب مني ويقول: أنا لست هذا الرجل، أنا أريد من المرأة أن تكون شريكتي ~~وليست خادمتي. إني فخور بعقلك، لا يمكن لك أن تتصوري مبلغ سعادتي حين أدخل ~~عيادتك وأشهد بعيني ذلك العدد الكبير من النساء والرجال الذين ينتظرون أن ~~تمنحيهم الصحة والشفاء، ويتلهفون على رأيك وخبرتك. هل يمكن لامرأة لها مثل عقلك ~~أن تحبس في البيت لتطبخ؟ # هل يمكن لامرأة لها مثل علمك وذكائك أن تنفق حياتها في إرضاع الأطفال مثل النساء ~~الجاهلات، بل مثل القطط والكلاب؟ لا، مستحيل. إن هذا ظلم لك ms30 وللإنسانية ~~جمعاء. # نفذت كلماته إلى أعماقي الثائرة فهدأتها، ودخلت إلى قلبي الحائر فطمأنته، ~~وأحسست أن الصراع الذي كان بيني وبين الرجل يذوب حتى آخر قطرة فيه. # وأسندت رأسي المرهق إلى صخور الهرم في راحة واسترخاء. لماذا لم تقل أمي هذا ~~الكلام؟ لماذا لم يعترف المجتمع بهذا المعنى؟ # ها هو رجل يعترف به، ها هو رجل يعترف بعقل المرأة، ها هو رجل يقول إن المرأة ~~كالرجل لها جسم ولها عقل، ها هو رجل يقول الكلام الذي تقوله أعماقي منذ فتحت ~~عيني على الحياة! # ونظرت إليه، أحاول أن أرى من أين تخرج هذه الكلمات الناضجة العادلة؛ من أعماقه أم ~~من حنجرته؟ ولم أستطع أن أرى شيئا؛ المسافة بين أعماقه وحنجرته لم تكن موجودة، ~~لعلي لم أر له أعماقا، أو لعل قرص الشمس قد سقط في تلك الهاوية السحيقة التي ~~يسقط فيها كل ليلة، فأخفت الظلال معالم الأشياء. # وأحسست بيديه الباردتين، فنظرت في وجهه؛ ابتسامته الهادئة المستسلمة تثير ~~أمومتي، لكن نظراته الضعيفة المستجدية تخمد أنوثتي. لماذا؟ هل لأنه ضعيف، أضعف مني؟ ~~أم لأنه لم يعرف الألم مثلما عرفت؟ أم لأن عينيه تفتقدان تلك القوة العميقة ~~الخفية التي أريدها في الرجل؟ أم أنه لا تزال تجري في دمائي أنوثة امرأة الغاب ~~الفجة التي تعشق الرجل الذي ينتصر عليها؟! ولكنه يرضي شيئا في؛ لعل ضعفه ~~يؤكد لي قوتي، لعل نظرة الاحتياج في عينيه ترضي عقلي الذي يصر على ~~التفوق. # قال لي وهو يبتسم: ماما كانت لها نفس هذه النظرة القوية، ولكن عينيها كانتا ~~خضراوين. # خرجت كلمة ماما من تحت شاربه الكث شاذة منفرة جعلت ملامحه تبدو كملامح ~~طفل صغير على شفته العليا حشرة سوداء ميتة. # وسمعته يقول: لماذا تنظرين إلي هكذا؟ # وقلت له: كنت تحب أمك؟ # اغرورقت عيناه بالدموع لحظة ثم قال: جدا. # ولم تهزني دموعه. وقال: بعد موتها أحسست أن الدنيا فرغت. # ثم سكت لحظة وقال: ولكني وجدتك، فشعرت أن الدنيا امتلأت من جديد. ~~- شيء غريب! ~~- ما هو الغريب؟ ~~- أن تفرغ الدنيا في نظرك ms31 بعد موت شخص. ~~- كانت أمي، وكنت أحبها حبا شديدا. كانت تفعل كل شيء من أجلي. وأنت؟ أما ~~كنت تحبين أمك؟ ~~- كنت أحبها، ولكنها لم تملأ حياتي قط. ~~- ربما كنت تحبين أباك أكثر؟ ~~- كنت أحبه كما أحب أمي. ~~- من هو إذن الذي ملأ حياتك؟ ~~- لم يكن شخصا. ~~- ماذا كان؟ ~~- لا أدري، لعلها لم تمتلئ أبدا، أو لعلي كنت أسعى إلى تحقيق شيء. ~~- ما هو هذا الشيء؟ ~~- لا أدري، لعلي أريد أن أعمل عملا عظيما. ~~- علاج المرضى؟ ~~- لعله أكبر من ذلك. ~~••• ~~- هل ترغبين في العيش معي إلى الأبد؟ # سألني وهو ينظر إلي نظرة طفل يتيم؛ فأثار أمومتي وإنسانيتي ورغبتي العنيفة في ~~البذل والعطاء، وأحسست أن حاجته إلي تشدني إليه وتربطني به، ونظرت إليه في ~~حنان. # فسألني مرة أخرى: هل ترغبين في الزواج مني؟ # وارتطمت كلمة الزواج برأسي فقهقرت أفكاري إلى الوراء. حينما كنت طفلة ماذا ~~كانت كلمة الزواج تعني لي؟ رجل له بطن كبيرة في داخله مائدة طعام، وقد ارتبطت في ~~ذهني رائحة المطبخ برائحة الزوج، وكرهت اسم الزواج، وكرهت رائحة الأكل. # وسألته دون أن أدري: هل تحب الأكل؟ # ونظر إلي مندهشا وقال: الأكل؟ ~~- نعم. ~~- ما هذا السؤال الغريب الآن؟ ~~- الرجل يتزوج ليأكل. ~~- من قال لك هذا؟ ~~- كل الناس. ~~- هذا خطأ. ~~- لماذا لم تفكر في الزواج وأمك تعيش معك؟ ~~- لم تكن أمي تصنع لي الأكل فقط، ولكنها كانت تمنحني كل ما أريد. ~~- أنت تتزوج ليمنحك أحد كل ما تريد؟ # قال: لا. وكأنه يقول: نعم. # الرجل العجوز على رأسه عمامة بيضاء كبيرة ينظر إليه نظرة احترام بالغة، ويستمع ~~إليه، ولا يراني ولا يسمعني كأن وجودي تلاشى من أمام عينيه. في يده قلم وأمامه ~~دفتر مسطر كبير. ~~- كم المقدم يا سيدي البك؟ وكم المؤخر؟ # ما هذه الألفاظ الكئيبة التي تخرج من بين شفتيه اليابستين؟ مقدم؟ مؤخر؟! هل ~~هو الذي سيدفع لي ليتزوجني؟ هو الذي لا يملك ما يمنحني إياه؟ # ولكن الرجل المعمم لا يعرف من منا الذي يملك. إنه يراه رجلا، ويراني امرأة، ~~والرجل ms32 في نظره هو الذي يملك. # ونظرت إلى الشيخ في استعلاء وقلت له: اكتب لا شيء. # ونظر إلي الرجل في استنكار شديد؛ كيف تتكلم امرأة في حضرة الرجل! # وقال بلهجة العلماء: العقد يصبح باطلا. # وسألته: لماذا؟ # قال: الشرع أمرنا بهذا. # قلت: أنت لا تعرف الشرع. # وقفز الرجل من مقعده، وقفزت عمامته من فوق رأسه، فأمسكها بكلتا يديه صائحا: ~~أستغفر الله! أستغفر الله! ~~••• # بلل الشيخ المعمم أصابعه بطرف لسانه وغمس القلم في الحبر، وبسمل ~~وحوقل واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وشمر كمه الواسع ثم كتب قسيمتي ~~الزواج، ومد لي يده بإحداهما وقال: وقعي بإمضائك هنا. # وقلت له في عناد: دعني أقرأها كلها أولا. # ونظر إلي في غيظ وترك لي الورقة أقرؤها. # ووقعت عيناي على كلمات غريبة تشبه الكلمات التي تكتب في عقود إيجار الشقة ~~والدكاكين وقطع الأرض الزراعية! ~~«إنه في يوم كذا ... بحضوري وعن يدي أنا فلان ... مأذون الجهة كذا ... التابعة لمحكمة ~~كذا ... للأحوال الشخصية. تزوج فلان ... فلانة ... على صداق قدره كذا ... الحال منه ~~مبلغ ... والمؤجل منه مبلغ ... زواجا شرعيا على كتاب الله وسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم # بإيجاب وقبول شرعيين صادرين من الزوج المذكور، وذلك بعد تعريفهما المعرفة ~~الشرعية، والتحقق من خلو الطرفين من كل مانع شرعي ونظامي، والتحقق أيضا أن ~~الزوجة ليس لها معاش أو مرتب بالحكومة، وليس لها مال يزيد على مائتي جنيه بشهادة ~~كل من فلان ... وفلان ...» # أمسكت الورقة بكلتا يدي لأمزقها، لكنه أخذها مني ورأيت في عينيه نظرة ~~الضعف والاحتياج التي تجعلني أخجل من التمرد عليه وأترفع عن عصيانه، وقال في ~~هدوء: إنه إجراء شكلي ليس إلا. # ووقعت باسمي على العقد. ~~••• # وكأنما وقعت على شهادة وفاتي. # اسمي الذي تفتحت أذني على سماعه، وارتبط في عقلي الواعي والباطن بوجودي ~~وكياني، أصبح ملغيا، ووضع اسمه على غلافي. # وجلست إلى جواره، أسمع الناس وهم ينادونني باسمي الجديد، فأنظر إليهم وإلى نفسي في ~~دهشة شديدة كأنهم لا ينادون علي أنا، كأنني مت، وتقمصت روحي امرأة أخرى ~~تشبهني وتحمل اسما غريبا. ms33 # عالمي الخاص؛ حجرة نومي لم تعد حجرتي وحدي، وسريري الذي لم يكن يشاركني فيه ~~أحد، أصبح هو يشاركني فيه، كلما تقلبت أو تحركت ارتطمت يدي برأسه الخشن أو ~~بذراعه أو ساقه اللزجة، وصوت أنفاسه إلى جواري يملأ الجو من حولي بالعويل. لا شيء ~~يربطني بهذا الرجل وهو مغمض العينين، لا شيء أراه فيه إلا جثة هامدة كتلك الجثث ~~التي رأيتها في المشرحة. # ولكن إذا ما فتح عينيه ونظر إلي بنظرته الضعيفة المستجدية التي تثير أمومتي ~~وتخمد أنوثتي، أشعر أنه طفل صغير ولدته من صلب كياني في مكان وفي زمان لا أدري ~~عنهما شيئا. ~~••• ~~- أنا الرجل. ~~- ما معنى أنك الرجل؟ ~~- أنني صاحب السلطة. ~~- أي سلطة؟ ~~- سلطة هذا البيت بكل ما فيه حتى أنت. # بوادر التمرد تظهر عليه، شعوره بالضعف أمامي انقلب في أعماقه إلى رغبة في ~~السيطرة علي. ~~- لا أريد أن تخرجي كل يوم. ~~- أنا أخرج للعبث؟! أنا أعمل. ~~- لا أريد أن تكشفي على أجساد الرجال وتعريهم. # نقطة الضعف التي يرتكز عليها الرجل في محاولته السيطرة على المرأة؛ حمايتها من ~~الرجال، غيرة الذكر على أنثاه. يدعي أنه يخاف عليها وهو يخاف على نفسه. # يدعي أنه يحميها ليستحوذ عليها ويغلق عليها أربعة جدران. ~~- لسنا بحاجة إلى إيراد العيادة. ~~- أنا لا أعمل من أجل المال. أنا أحب عملي. ~~- يجب أن تتفرغي لزوجك وبيتك. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أغلقي العيادة. # ظن أن عملي هو الذي يمنحني القوة التي تحول بينه وبين السيطرة علي، ظن أن ~~تلك الجنيهات القليلة أو الكثيرة التي أكسبها كل شهر هي التي تجعلني شامخة، لم ~~يعرف أن قوتي ليست لأني أعمل، وأن شموخي ليس لأن لي إيرادا خاصا، ولكن لأني لا ~~أشعر نحوه باحتياج نفسي كذلك الذي يشعر به نحوي، لأنني لم أشعر باحتياج لأمي أو ~~أبي أو أي أحد، لأنني لا أنتمي إلى أحد، وهو كان ينتمي إلى أمه ثم أصبح ينتمي ~~إلي. # ولكنه يرى نفسه رجلا، فيه ملامح الرجل؛ صوته غليظ، وشاربه كثيف، الرجال يعملون ~~حسابه، والنساء يختلسن النظر إلى ms34 شاربه، والعيال في الشوارع والحواري لا ~~يستطيعون التعليق عليه بالألفاظ النابية أو قذفه بالحجارة. ~~••• ~~- أغلقي العيادة. ~~- والمرضى؟ والإنسانية التي ستظلم؟ ~~- هناك أطباء غيرك. ~~- ومستقبلي في الطب؟ وعلمي الذي دفعت فيه نصف حياتي؟ ~~- حياتك هي أنا. ~~- والكلام الذي قلته لي؟ ~~- لم أكن أعرف. # فتحت عيني ونظرت إليه؛ عيناه باهتتان ضحلتان، وكفه قاسية غليظة، أغلظ مما كنت ~~أتصور، وأصابعه غبية قصيرة، أقصر مما كنت أتخيل. من هذا الرجل الغريب الذي ~~إلى جواري؟ # ما هذا الكتلة البشرية التي اسمها زوجي؟ # واقترب مني وأمسك يدي، وهمس في أذني، وقرب وجهه من وجهي. حاولت أن أنسى نظرة ~~عينيه المتغطرسة، حاولت أن أنسى كلماته المتناقضة، حاولت أن أكذب أذني، حاولت ~~أن أكذب عيني، حاولت ... حاولت ... ولكن هيهات، ذاكرتي صاحية واعية تذكر كل كلمة ~~وكل حرف، وعقلي يقظ ... يقظ ... يشدني إلى صور من واقعه الكئيب، وعيناي مفتوحتان ~~تريان أسنانه وأذنيه، وكانت أذناه كبيرتين مفلطحتين كأذني الأرنب. # وابتعدت عنه، لكنه حوطني بذراعيه اللزجتين هامسا في أذني بصوت مبحوح كئيب، ~~وأبعدته عني في ضيق وقلت له في غضب: لماذا كذبت علي؟ ~~- كنت أريد أن أمتلكك. ~~- مستحيل! أنا لست قطعة أرض! ~~- بيدي أنا الأمر! أنا الزوج! # ضاعت من عينيه نظرة الضعف والاحتياج، فانقطع الخيط الذي كان يربطني به، وبرزت ~~من قاع عينيه الضحلتين نظرة قاسية متغطرسة، ليست هي نظرة الرجل القوي، ولكنها ~~نظرة الرجل الضعيف حين يشعر بعقدة النقص، عقدة الرجل الذي يرى نفسه الطرف الأقوى ~~بين الناس في الشارع، ثم يشعر أنه الطرف الأضعف بين جدران بيته. ~~••• # وجلست في عيادتي ووضعت رأسي بين يدي واعترفت بيني وبين نفسي بالخطأ. نعم لقد ~~أخطأت، صدقت كلام الرجل في الظلام دون أن أرى أعماقه، غرتني نظرة الضعف ~~والاحتياج ولم أعرف أن الإنسان الضعيف يخفي تحت جلده عددا من العقد والصفات ~~الدنيئة التي يترفع عنها الإنسان القوي. نعم لقد أخطأت، عصيت قلبي وعقلي ~~وطاوعت الرجل ووقعت على عقد الزواج الذي يشبه عقود الشقق والدكاكين. # ألم أجعله بهذا العقد الغريب صاحب السلطة علي؟ # ألم ms35 يجعله هذا العقد زوجي؟ # هذه الكلمة التي لم أنطقها أبدا! زوجي! ما تعني لي كلمة زوجي؟ # هذا الجسد السميك الذي يحتل نصف السرير، هذا الفم الواسع الذي يأكل ويأكل، ~~هاتان القدمان المفلطحتان اللتان تلوثان الجوارب والملاءات، هذا الأنف الغليظ ~~الذي يؤرقني طول الليل بالشخير والصفير. # ولكن ماذا أفعل الآن؟ هل أحمل على كاهلي وزر خطئي وأعيش معه إلى الأبد؟ # ولكن كيف أعيش معه؟ كيف أتحدث إليه؟ كيف أنظر في عينيه؟ كيف أترك له شفتي؟ كيف ~~أمتهن روحي وجسدي معه؟ # لا، لا، إن الخطأ الذي وقعت فيه لا يساوي كل هذا العقاب ... لا يساويه! # كل الناس تخطئ، الحياة تشتمل على الخطأ والصواب، بل إننا لا نعرف الصواب إلا من ~~خلال الخطأ. ليس في الخطأ ضعف أو غباء، ولكن الاستمرار في الخطأ هو الضعف، هو ~~الغباء ... ~~••• # الناس يفتحون أفواههم في دهشة واحتجاج: كيف تركت زوجها؟ ولماذا؟ # ما أجرأهم! # هؤلاء الناس الذين يسلمون لي أجسادهم وأرواحهم فأنقذها من الهلاك والموت، كيف ~~لهم أن يحتجوا على شيء خاص بي؟ بل كيف لهم أن يبدوا لي الرأي؟ أنا التي أشير ~~عليهم بما يأكلون وبما يشربون، وأشرح لهم كيف يتنفسون، وكيف ينامون، وكيف يعيشون، ~~وكيف يتكاثرون ... # هل نسوا؟ أم إنهم يظنون أنني حين أخلع سماعتي ومعطفي الأبيض أخلع معهما عقلي ~~وذكائي وشخصيتي؟ # ما أجهلهم! # لقد ضيعت أمي طفولتي، والتهم العلم صباي وفجر شبابي، ولم يبق لي من ~~شبابي إلا سنوات تعد على الأصابع، لن أضيعها! ولن أدع أحدا ~~يضيعها. # 5 # عالمي الصغير الذي كنت أبنيه من الكراسي والعرائس وأنا طفلة صغيرة أصبح حقيقة ~~واقعة، في جيبي مفتاحه السحري العجيب، أدخل متى شئت وأخرج متى شئت بلا إذن من أحد. ~~أنام في سرير وحدي بلا زوج، أتقلب كما أشاء من اليمين إلى الشمال، ومن الشمال إلى ~~اليمين، وأتمرغ كما يحلو لي. # أجلس على مكتبي لأكتب أو أقرأ، أو لأتأمل وأفكر، أو لا أتأمل ولا أفكر ولا أفعل ~~شيئا على الإطلاق. # أنا حرة، حرة تماما في عالمي هذا ms36 الصغير، أغلق علي بابي وأخلع عني حياتي ~~المزيفة مع الناس، وأخلع معها حذائي وأتجرد من ملابسي وأتجول في بيتي كما ~~أشاء. # أنا وحدي ... وحدي تماما ... في بيتي، لا أسمع أصواتا ولا أنفاسا، ولا أرى وجوها ~~ولا أجسادا. # لأول مرة في حياتي ينزاح عن قلبي عبء ثقيل؛ عبء العيش في بيت يشاركني فيه ~~أحد. ~~••• # فتحت عيني في منتصف الليل على دقات قلبي تدب في صدري دبيب جيش مفلول، وأنفاسي ~~تصر تحت ضلوعي صرير ساقية خربة، وعيناي مفتوحتان ولا تريان إلا سوادا، وأذناي ~~تطنان في سكون رهيب ميت، وشعرت بالخوف، كأنما خفت أن يتوقف قلبي عن الدبيب، ~~وتختنق أنفاسي مع الصرير، ويطفئ الظلام نور عيني، ويضيع سمعي في الطنين. # وحملقت في الظلام أمتحن بصري، وأرهفت أذني في السكون أختبر سمعي، ورأيت كتلة ~~السواد الكبيرة تتمزق إلى كتلة صغيرة، لها رءوس ولها قرون ولها أذناب، ودبت ~~الأصوات في السكوت الميت؛ بعضها همس، وبعضها حفيف، وبعضها عويل. # وأخفيت رأسي تحت الغطاء لأسد عيني وأذني، وتلاشت الأشباح والأصوات، وهدأ ~~الدبيب في صدري وضاع الصرير، وسرى دفء الفراش في أطرافي وأوصالي، فتثاءبت في ~~استرخاء ومددت ذراعي أتحسس النوم، لكن النوم لم يكن هناك. وعانقت ذراعي ~~شيئا آخر، له عينان تشبهان عيني أبي ولكنه ليس أبي، وله شفتان تشبهان شفتي ~~ابن عمي ولكنه ليس ابن عمي. ترى من هو؟ من؟ # وبدأ الطيف الذي أرق ليالي صباي يزورني، والليل عاد طويلا، والسرير أصبح ~~واسعا، والوحدة لم تعد ساحرة. ~~••• # أين أجده؟ # كيف أعثر عليه في هذا العالم الواسع المزدحم؟ # هذا الطيف الذي تعرفه أعماقي، هذا الرجل الذي يعيش في خيالي ويتربع. # أعرف نظرة عينيه، وأعرف نبرة صوته، وأعرف شكل أصابعه، وأعرف دفء أنفاسه، وأعرف ~~أعماق عقله وقلبه ... أعرف ... أعرف ... أعرف ... كيف أعرف؟ لا أدري! ولكني أعرف. # ترى هل له وجود في الحياة أم ليس له وجود على الإطلاق؟ # ترى هل سألقاه يوما أم سأظل أنتظره إلى الأبد؟ # وهذا العملاق الراقد في أعماقي؟ ماذا أفعل به؟ هل أتركه يعيش في ms37 حرمان إلى الأبد، ~~أم أحاول أن أرضيه؟ ولكن كيف أرضيه وهو يفضل أن يعيش في حرمان كامل دائم ~~على أن يرضى إرضاء مزيفا أو ناقصا. نعم، أريد رجلا كاملا كما في خيالي، وأريد ~~حبا كاملا كما في أعماقي، ولن أتنازل عن شيء مما أريد مهما طال بي الحرمان. ~~الكل أو لا شيء، هذا هو مبدئي، لن أقبل أنصاف الأشياء أبدا. # قررت أن أبحث عنه في كل مكان؛ في القصور وفي الكهوف، في الملاهي وفي الأديرة، ~~في معامل العلم وفي معابد الفن، في الأضواء الساطعة وفي الظلام الدامس، في القمم ~~الشاهقة وفي الحفر المنخفضة المغمورة، في المدن العامرة وفي الغابات المهجورة ~~الموحشة ... # لماذا ينظر الناس إلي في دهشة؟ ما الذي يدهشهم هؤلاء الناس؟ # ألم يكفهم ما ضاع من عمري؟ وماذا هم يريدون؟ أيريدون مني أن أضع يدي على خدي ~~وأنتظر في عقر داري حتى يأتي أي رجل من أي شارع ويشتريني كما تشترى ~~البقرة. # أليس من حقي الطبيعي في الحياة أن أختار رجلي؟ # وكيف أختاره؟ # ومن بين الناس، أم من بين صور الكتب، أم أختار الرجل الواحد الذي يختارني؟ # أليس من الضروري أن أبحث عنه بين الرجال؟ وكيف أبحث عنه إذا لم أنتقل هنا وهناك ~~أنظر في وجوه الرجال وعيونهم، وأسمع أصواتهم وأنفاسهم، وألمس أصابعهم وشواربهم، ~~وأكشف عن أعماق قلوبهم وعقولهم؟ وهل يمكن لي أن أعرف رجلي في الظلام أو من وراء ~~الشيش أو من على بعد كيلومتر؟ # أليس من الضروري أن أراه في النور؟ وأختبره وأعرفه؟ # أليس من الضروري أن تسبق التجربة المعرفة؟ أم إنهم يريدون مني أن أقع في الخطأ ~~مرة أخرى؟ # كان لا مفر لي من أن أخوض التجربة، أخطر تجربة في حياة المرأة؛ تجربة اختيار ~~الرجل، تجربة البحث عن الحب. ~~••• # لم أكن أرى منه إلا عينيه؛ كانت ملامح وجهه تختفي دائما تحت قناع الوقاية ~~الأبيض، وأصابع يديه تختفي تحت القفاز الجلدي المعقم، وملامح جسمه تختفي تحت رداء ~~العمليات الواسع، وقدماه تختفيان في حذاء كبير له رقبة طويلة، ms38 وأنفاسه تختفي في ~~أنفاس جهاز التخدير الذي يملأ الحجرة برائحة الأثير. # رأيته ينظر إلي خلسة، ولم يكن معنا في الحجرة إلا رجل واحد فاقد الوعي من أثر ~~المخدر، يرقد على منضدة العمليات مغمض العينين وقد ظهرت أمعاؤه من فتحة كبيرة في ~~بطنه. # لماذا يختلس النظرات؟ ممن يخاف؟ من هذا الرجل الغائب عن الوعي، أم مني، أم من ~~نفسه؟ أم إنه تعود على أن يخاف وعلى أن يختلس النظر؟ # وسمعته يقول: لماذا أنت سارحة؟ فيم تفكرين؟ ~~- في الرجل. ~~- أي رجل؟ ~~- هذا الرجل الذي فتحنا بطنه. # وضحك، ولم أر شفتيه أو أسنانه من تحت القناع الأبيض، ولكني سمعت ضحكته؛ ضحكة ~~قصيرة تنم عن السخرية. # وسكت، وأخذ يعبث بأصابعه في بطن الرجل باحثا عن المصران الغليظ، وقال بعد لحظة ~~وهو يمسك المصران بالملقط: لا فائدة من بتره؛ لقد أكله السرطان وانتشر في الغشاء ~~البريتوني. ونظرت إلى وجه الرجل النائم وأحسست بسكين حاد يمزق صدري، فأطرقت ~~إلى الأرض لأبتلع دموعي في صمت. # وسمعته يضحك ويقول: ألم تتعودي بعد على هذه الآلام؟ ~~- أنا لا أتعود أبدا على هذه الآلام. # ونظر إلي وسكت. وبدأنا نغلق بطن المريض في صمت، وفجأة سمعته يقول: هل تعرفين ~~فيم أفكر؟ ~~- لا. ~~- أفكر فيك. # ضغط على حروف الكلمات وثبت عينيه، فلم أطرق إلى الأرض ودققت النظر في ~~عينيه. ~~••• # نظر إلي نظرة طويلة حاول أن يودع فيها كل معاني الرغبة للمرأة. # وقال: المرأة بعد أن تتزوج تصبح أكثر حرية من الفتاة العذراء. # ونظرت إليه في غضب قائلة: إن حريتي لا أستمدها من خلايا ضعيفة من خلايا جسدي، ~~وإن قيودي لا تنبع من خوف على عذرية واهية تمزقها خبطة عشواء وتوصلها غرز ~~العلم. قيودي أضعها بنفسي حين أريد القيود، وحريتي أمارسها بإرادتي كما أفهم ~~الحرية. # ونظر إلي نظرة خبيثة وقال: ولماذا إذا تخافين؟ ~~- من أي شيء؟ ~~- مني؟ ~~- أنت؟! # ما الذي يريده مني؟ أو ما الذي أريده منه؟ لا أدري، ولكني أريد أن أعرف شيئا؛ عن ~~الرجل، أو عن نفسي؛ شيئا لا زال غامضا. ms39 ~~••• # حملتني قدمان ثابتتان إلى باب بيته، وضغطت يدي الواثقة على الجرس. وابتسم ~~ابتسامة عريضة تنم عن الرضى والانتصار، وقال: كنت أظن أنك لن تأتي. ~~- لماذا؟ ~~- كنت أظن أنك لا تثقين في بعد. ~~- أنا لا أثق فيك بعد. # وجلست. فجأة جلس إلى جواري حتى كادت ساقه تلمس ساقي، فقمت وجلست ~~أمامه. # قال وعلى وجهه ابتسامة ماكرة: لما لا تجلسين إلى جواري؟ # قلت وأنا أنظر مباشرة إلى عينيه: أفضل أن أجلس أمامك. ~~- لماذا؟ ~~- لأرى عينيك. # وسكت وضبطت نظراته وهي تهرب بعيدا عن عيني، وفكر لحظة ثم نهض ودخل إلى إحدى ~~الغرف وعاد ومعه زجاجة طويلة وأفرغ كأسا. # قلت له: ما هذا؟ # قال: إن عقلك حاد كالسيف! # ونظر إلى ساقي في شراهة وقال: أريد أن أتخلص من عقلك هذا! # عقلي حاد كالسيف! يريد أن يتخلص من عقلي! لماذا؟! هل هي معركة؟ ما الذي يريده ~~هذا الرجل؟ # ورأيته يبتسم ابتسامة غريبة، ودققت النظر إلى ابتسامته فشعرت أنه يستعد ~~لمعركة يريد أن يكون هو الفائز فيها. # معركة الرجل المرأة؛ تلك المعركة المزيفة العجيبة. # تقف المرأة فيها أمام الرجل وحدها، ويقف الرجل فيها أمام المرأة ومن ورائه متاريس ~~من التقاليد والقوانين والأديان، وسدود من التاريخ والأحقاب والأجيال، وصفوف من ~~الرجال والنساء والأطفال، يحملون ألسنة ممدودة حادة كأسنان السيوف، ويصوبون ~~عيونا مفتوحة كفوهات البنادق، ويفتحون أفواها واسعة كالمدافع الرشاشة. # يقف الرجل أمام المرأة مستندا بظهره إلى العالم، يقبض بيده على صولجان الحياة، ~~يملك الماضي والحاضر والمستقبل، يملك الشرف والكرامة والأخلاق وأوسمة معاركه مع ~~النساء، يملك الدين والدنيا، بل يملك تلك النطفة الصغيرة التي قد تنبت في أحشاء ~~المرأة عقب العراك؛ يعترف بها أو لا يعترف، يمنحها اسمه وشرفه أو لا يمنح، يحكم ~~عليها بالحياة أو يحكم عليها بالإعدام. # وتقف المرأة أمام الرجل وقد سلبها العالم حريتها وشرفها واسمها وكرامتها ~~وطبيعتها وإرادتها، سلبها الدين والدنيا، بل سلبها تلك الثمرة الصغيرة ~~التي تصنعها في أعماقها بدمائها وخلاياها وذرات عقلها وقلبها. # ورأيته يبتسم مرة أخرى. # لماذا تبتسم هكذا يا رجل؟ ms40 هل يمكن أن تسمي هذه معركة؟ # واقترب مني ولفحت أنفاسه الساخنة وجهي وابتعدت، فجاء ورائي زاحفا على قدميه ~~ويديه، فوقفت وابتعدت. # ما هذا؟ لماذا ينهار الرجل هكذا أمام رغبته؟ لماذا تتلاشى إرادته بمجرد أن يغلق ~~عليه باب مع امرأة، فيرتد حيوانا أعجم يمشي على أربع؟ أين قوته؟ أين عضلاته؟ ~~أين سيطرته وزعامته؟ # ألا ما أضعف الرجل! لماذا كانت أمي تصنع منه إلها؟ # ونظرت إليه؛ إلى عينيه، وإلى أصابع يديه وقدميه، سلطت عليه كشافي ~~الكهربي ودققت النظر إلى أعماق عقله وقلبه، فرأيت أعماقا خاوية جائعة، ورأيت ~~عقلا هزيلا، وقلبا مزيفا. # وعرفت لماذا أراد أن يتخلص من عقلي. أحسست أنه لص يريد أن يختلس شيئا من ~~وراء عقلي. # ونظرت إليه في ترفع وإشفاق. أشفقت عليه فانسحبت من المعركة ترفعا مني من ~~منازلة شخص أضعف مني. # أحسست أنني أقوى منه، بالرغم مما يجر وراءه من متاريس، وبالرغم مما يحوط ~~نفسه به من سدود، وبالرغم مما يدعم نفسه من أسلحة. شعرت أنني لست بحاجة إلى ~~متاريس أو سدود أو أسلحة، فإن قوتي في أعماقي، في ذاتي. # لو أغلقت علي أربعة جدران عالية مع رجل لا أريد أن أعطيه لمسة واحدة من ~~يدي، فلن أعطيه. وإذا أردت أن أعطي الرجل نفسي، فسوف أعطيها له أمام العالم دون ~~تلصص أو اختلاس. # إن إرادتي هي التي تحكمني، وليس المكان أو الزمان أو الناس. # ورأيته يقترب مني مرة أخرى، ووضع يده على يدي، فشعرت ببرودة الجليد تزحف على ~~روحي. # لا شيء يجدي أيها الرجل فأبعد يدك الغريبة عني، إن قلبي يقنع عقلي، وعقلي ~~يقنع جسدي، ولا سبيل لإقناع أحدهم إلا عن طريق إقناع الآخر. # وأمسكت حقيبتي ووقفت. # وسألني في دهشة: هل تذهبين؟ # قلت: نعم. # قال في دهشة شديدة: لماذا؟ # ماذا أقول له؟ لماذا لا يفهم؟ هل يمكن له أن يصدق؟ # هل يمكن لرجل أن يصدق أن هناك امرأة تستطيع أن تنفذ إلى داخله وتكتشف أعماقه؟ ~~هل يمكن له أن يصدق أن هناك امرأة تستطيع أن تخضع جسدها لقلبها ms41 ~~وعقلها؟ # أن ينظر في عينها ولا ترمش؟ أن يمسك يدها ولا تهتز؟ أن يغلق عليها معه ~~أربعة جدران فلا تعطيه شيئا وتتركه وتمضي قائلة: لا، لست الرجل الذي ~~أريده؟ # هل يمكن لرجل أن يدرك أن هناك امرأة يمكن لها أن تفحصه وتختبره، ثم يسقط في ~~الاختبار؟ # لا، لقد تعود الرجل على أنه هو وحده الذي يفحص المرأة ويختبرها، هو وحده الذي ~~له حق الاختبار والاختيار. # أما المرأة فليس لها إلا تقبل الرجل الذي يختارها؛ رجل واحد أوحد، ويعيش ~~حياته كلها يقنع نفسه أنه هو هذا الواحد الأوحد. # أليست المرأة مثل الرجل أيها الطبيب العبقري الفذ؟ هل نسيت العلم، أم إن عقلك ~~منفصل عن جسدك؟ # ولكن الغرور يصنع من الرجل مخلوقا غبيا. ~~••• # المجتمع يرشقني بنظرات حادة كالخناجر، ويمد في وجهي ألسنة سليطة حامية مثل ~~كرابيج الخيول. # كيف تعيش امرأة وحدها بلا رجل؟ لماذا تخرج؟ لماذا تدخل؟ لماذا تبتسم؟ لما تتنفس؟ ~~لماذا تستنشق الهواء؟ لماذا تتأمل القمر؟ لماذا ترفع رأسها؟ لماذا تفتح عينيها؟ ~~لماذا تدب على الأرض في تشامخ وثقة؟ ألا تخجل؟ ألا تحتمي في رجل؟ # هاجمني الأهل والأقارب، وتبارى في قذفي الأصدقاء والأحباء، ووقفت في مهب ~~الرياح أفكر. # منذ طفولتي وأنا أخوض سلسلة من المعارك لا تنتهي، وها أنا ذي الآن إزاء معركة ~~جديدة؛ معركة مع المجتمع، المجتمع الكبير؛ ملايين الناس ومن أمامهم ومن خلفهم ~~ملايين الملايين. # لماذا لا تسير الأمور في الحياة كما ينبغي لها أن تسير؟ لماذا لا يكون هناك إدراك ~~وفهم للحقيقة وعدالة؟ لماذا لا تعترف الأمهات بأن البنت كالولد؟ لماذا لا يعترف ~~الرجل بأن المرأة ند وشريك؟ لماذا لا يعترف المجتمع بحق المرأة في ممارسة الحياة ~~الطبيعية كعقل وجسم؟ # لماذا يضيعون عمري في هذه المعارك؟ # وضعت رأسي بين يدي وجلست أفكر؛ هل أخوض المعركة مع المجتمع الكبير، أم أخضع له ~~وأنساق وراءه وأحني له رأسي وأغلق على نفسي جدران بيتي وأحتمي في رجل ككل ~~النساء؟ # لا، مستحيل! لن أخضع للمجتمع، ولن أنساق وراءه، ولن أحني له رأسي، ms42 ولن أحتمي في ~~رجل! # سأخوض المعركة وسأحتمي في نفسي، في ذاتي، في قوتي، في عملي، في نجاحي. ~~••• # تركت كل شيء؛ تركت الأهل والأصدقاء، تركت الرجال والنساء، تركت الطعام ~~والشراب، تركت النوم والأحلام، تركت القمر والنجوم، تركت الهواء والماء، ~~وارتديت معطفي الأبيض وعلقت السماعة في رقبتي ووقفت في عيادتي. # قررت أن أناضل، أن أكافح، أن أعرق وأغرق في عرقي. قررت أن أقف أمام المجتمع على ~~قدمين من حديد. ~~••• # دخلت علي عيادتي وجسمها الصغير يرتعد من الهلع، وملامحها البريئة الطفلة تلهث ~~وتتلفت خلفها في فزع، ونظراتها الحائرة المستغيثة تتطلع إلى عيني في استجداء ~~واسترحام. # سألتها: ماذا بك يا طفلتي الصغيرة؟ # فارتجفت كالمحمومة وأجهشت بالبكاء، واستطعت أن ألتقط من بين شفتيها ~~المرتجفتين بضع كلمات ممزقة مبتورة. # خدعني ... ذئب ... الصعيد ... سيقتلونني ... ليس لي أحد ... أنقذيني ... يا دكتورة! # لم يكن معها منديل فأعطيتها منديلي، وانتظرتها حتى أفرغت كل ما في قلبها ~~الصغير من دموع، وجففت عينيها وتشبثت نظراتها الفزعة بشفتي تتلهف على تلك ~~الكلمة الصغيرة التي سأنطق بها، فأمنحها الحياة أو أحكم عليها بالموت. # ونظرت إليها؛ كانت طفلة تبلغ الرابعة أو الخامسة عشرة لا تزيد، وكانت بريئة ~~طاهرة ضعيفة بلا معين ولا نصير، ولم يكن لي مجال للاختيار. # كيف يمكن لي أن أتخلى عنها وليس لها أحد سواي؟! كيف يمكن لي أن أحكم عليها ~~بالإعدام وأنا أومن ببراءتها واستحقاقها الحياة؟! كيف أترك رقبتها تحت سكين أبيها ~~وأنا أعلم أن أباها وأمها وأخاها وعمها هم أصحاب الخطيئة؟! كيف أعاقبها وحدها وأنا ~~أعلم أن المجتمع كله مشترك في الجريمة؟! كيف أعجب لوقوعها في الخطأ وأنا أعلم أن كل ~~الناس يخطئون؟! كيف لا أحميها وهي الضحية، والمجتمع يحمي المجرم الحقيقي؟! كيف ~~أستنكر سقوطها في الخطأ وأنا نفسي سقطت في الخطأ؟! أنا التي عشت ضعف ما عاشت، ~~ورأيت أضعاف ما رأت، وتعلمت أضعاف ما تعلمت. كيف لا أبرئها وقد ~~برأت نفسي من قبل؟! # لا بد لي أن أنقذ الطفلة المسكينة! أنقذها من براثن التقاليد والقوانين، وأنتشلها ~~من بين أنياب ms43 الوحوش والأفاعي والجرذان والصراصير. # سأنقذها، وليصلبوني إذا عن لهم أن يصلبوا، وليرجموني بالحجارة إذا شاء لهم ~~أن يرجموا، وليسوقوني إلى المشنقة إذا لاح لهم أن يسوقوا؛ ولكني سأقبل مصيري وألقى ~~حتفي وأنا راضية النفس مستريحة الضمير. ~~••• # كل مآسي المجتمع دخلت عيادتي، كل نتائج التخفي والخداع استلقت أمامي على منضدة ~~الكشف. الحقائق المرة التي ينكرها الناس جاءت وتمددت تحت يدي على منضدة ~~العمليات. # وأشفقت على الناس. # أليس هذا الرجل الذي يذبح أخته المخطئة هو نفسه الذي يخطئ مع أخوات ~~الرجال؟ # أليس هذا الذئب الذي يخدع الطفلة البريئة هو نفسه الأب الذي يحبس ابنته ~~ويقيدها؟ # أليس هذا الرجل الذي يخون زوجته هو نفسه الزوج الذي يقتل زوجته دفاعا عن ~~شرفه؟ # أليست هذه الزوجة التي تخون زوجها هي نفسها المرأة التي تطلق الشائعات على ~~النساء؟ # أليس هذا المجتمع الذي يذيع أغاني الحب والغرام هو نفسه المجتمع الذي ينصب ~~المشنقة لكل من وقع في الحب والغرام؟ # أشفقت على الناس، كل الناس؛ فهم الضحايا وهم أيضا الجناة. ~~••• # امتلأت عيادتي بالرجال والنساء والأطفال، وامتلأت خزينتي بالذهب والمال، وأصبح ~~اسمي لامعا كأسماء النجوم، وأصبح رأيي ينشر على الناس كأنه دستور. # ظهر لي من الأغراب أقارب، وتحول الأعداء إلى أصدقاء وأحباء، وتكاثر حولي الرجال ~~كالذباب، وانقلب الهجوم إلى تأييد ودفاع، وامتلأ درج مكتبي بالتوصيات والرجوات ~~والاستعطافات. # وجلست على قمتي العالية أنظر تحت قدمي إلى المجتمع. # وابتسمت له في إشفاق. المجتمع! ذلك المارد الجبار الذي يقبض على أعناق النساء ~~ويلقي بهن في المطابخ أو المجازر أو القبور أو الوحل! ها هو المجتمع ملقى في درج ~~مكتبي ضعيفا منافقا مسترحما! ألا ما أصغر المجتمع الكبير! # جلست وحدي ونظرت إلى الساعة، كانت لا تزال التاسعة مساء، أول الليل، والحياة ~~على أشدها في الطريق. # ووقفت وأخذت أتمشى في الحجرة حائرة، ووصلت إلى النافذة فلفحت وجهي نسمة ~~الليل الدافئة الحالمة. # ونظرت إلى الشارع فرأيت الناس يسيرون متلاصقين يتكلمون ويعبسون ويضحكون، ~~ونظرت إلى نفسي فوجدت أنني أطل عليهم من فوق؛ من مكان عال حقا، ms44 ولكن ~~بعيد. # وأحسست ببرودة شديدة، كأنني أجلس على قمة عالية يكسوها الجليد. أنظر فوق رأسي فلا ~~أرى إلا السحب والسماء، وأنظر تحت قدمي فأرى مسافة طويلة تبعدني عن الوديان ~~السهلة المنبسطة، عن السهول المنخفضة الدافئة بأنفاس البشر وأجسادهم، وأرى الناس ~~وهم يلوحون لي بأيديهم من بعيد ولكن أحدا لا يصل إلي، ويعزفون لي الألحان ~~ولكن الصوت لا يصل إلى أذني، ويلقون لي بالورود ولكن العبير يضيع في ~~الهواء. # ووضعت رأسي على سور النافذة. # ما أبرد الوحدة! ما أقسى السكون! ماذا أفعل؟ هل أقفز من فوق قمتي؟ ولكن عنقي ~~سيدك في الأرض دكا. # هل أعود أدراجي؟ ولكن عمري سينقضي ولن أبلغ ما أريد. # انتهت المعارك وآن لي أن أجلس بلا حراك. # آه، ما أفظع الفراغ! # لماذا قفزت فوق سلم حياتي؟ لماذا لم أرشف كأس حياتي رشفة رشفة؟ لماذا لم أقضم ~~عمري قضمة قضمة؟ لماذا جريت شوطي قفزا ولهثا؟ لماذا تركت مكاني في الصف وقفزت ~~فوق الصفوف؟ # إن صفوف الناس تزحف في الطريق، تزحف كالسلحفاة ولكنها ستصل يوما، وإن الحياة تسير ~~إلى الأمام، تسير ببطء ولكنها ستبلغ حتما ما تريد. لقد انقضت ملايين السنين حتى ~~أصبحت الهيولة هواء، وحتى أصبح الهواء ماء، وحتى أصبح الماء جمادا. وانقضت ~~ملايين أخرى حتى أصبح الجامد أميبا تتحرك، وحتى أصبح للأميبا زوائد حية. وانقضت ~~ملايين أخرى لتصبح الزوائد زعانف، ثم لتصبح الزعانف أجنحة، ثم لتصبح الأجنحة ~~أذرعا وذيلا. وانقضت ملايين أخرى ليصبح للأذرع أصابع، ولينقرض الذيل ويقف القرد ~~على قدمين اثنتين. # لماذا حزنت في طفولتي لأني لا أطير في الجو كالحمامة؟ لماذا ضقت بتلك الأيام ~~الدامية التي تلوث النساء كل ثلاثين يوما؟ لماذا تمردت على التاريخ ~~والقوانين والتقاليد؟ # لماذا ثرت لأن العلم لم يكتشف سر البروتوبلازم الحي؟ # سوف تنقضي السنون ويغير الزمن التاريخ والقوانين والتقاليد. # سوف تنقضي السنون وتكتشف الحياة طريقة نظيفة جميلة تنضج بها البنات الصغار، سوف ~~تنقضي السنون ويخف جسم الإنسان فيطير، سوف تنقضي السنون ويهتدي العلم إلى سر ~~البروتوبلازم الحي. إن ركب الزمن ms45 يسير، وإن الحياة تعثر كل يوم على شيء ~~جديد. لماذا استبطأت الزمن فنهشت تروسه أوصال عمري؟ # لماذا تعجلت الحياة فلفظتني عجلاتها وقذفت بي إلى فوق ... فوق ... إلى قمة ~~عالية حقا، ولكن الوحدة تغلفها ويكسوها الجليد. # آه ... # ما أقسى الصمت! وما أرق أصوات البشر ولو كانت ضجيجا! # ما أبرد الوحدة! وما أدفأ أنفاس الناس ولو كانت مريضة! # ما أقبح السكون! وما أجمل الحركة ولو كانت معارك! # ما أفظع الفراغ! وما أحلى التفكير والانشغال حتى بالفشل! ~~••• # حل الفراغ بأعماقي فوجد العملاق مكانا ليتحرك. تلاشى الزحام داخل نفسي ففرد ~~العملاق ذراعيه وساقيه وبدأ يتثاءب ويتمطى. # ماذا تريد؟ تمردت على كل شيء ورفضت حياة النساء، سعيت وراء الحقيقة فقادتك ~~الحقيقة إلى أن تغلق على نفسك جدران نفسك. والرجال ... قلبت فيهم وفتشت وبعثرت، ثم ~~مصمصت شفتيك في ازدراء! # ماذا تريد؟ رجلا يعيش في خيالك ولا يمشي على الأرض؟ # رجلا يتكلم ويتنفس ويفكر وليس له جسد الرجال؟ أيمكن لك أن تنسى؟ هذه الأجساد ~~الملقاة على مناضد التشريح؟ هذا الشخير الكئيب القريب من وسادتك؟ هذه النظرات ~~اليائسة العاجزة المسكينة؟ هذا الموت الذي يحصد الأطفال؟ # ألا تغلق عليك باب زنزانتك وتنام مرة أخرى؟ # لكن الليل أصبح طويلا، وأوهام الليل عادت تعشعش حول السرير، والسرير أصبح واسعا ~~باردا مخيفا، والعملاق لا يريد أن ينام، والنجاح ليس له طعم، والشهرة ليس لها ~~معنى، والمال مجرد أوراق ميتة لا تدب فيها الحياة. # 6 # لمحت بين الخطابات والأوراق بطاقة صغيرة، مددت لها يدي والتقطتها، ووجدت أنها ~~دعوة لي من إحدى الهيئات لحضور حفل عشاء. نهضت بسرعة وركبت عربتي وانطلقت إلى ~~مكان الحفل. # دخلت إلى القاعة الفسيحة، ورأيت الأنوار تتلألأ براقة، والمدعوين يرتدون ~~ملابس مكوية منشاة، ووجوها رسمية مشدودة. # وجابت نظراتي في المكان الواسع وبين الناس الكثيرين كأنما تبحث عن شيء، ورأيت ~~الرجال يختلسون النظر إلى النساء، والنساء يختلسن النظر إلى الرجال، ومشيت بين ~~المدعوين أهز رأسي لاهتزازات رءوسهم كما تهز الدمية رأسها من فوق ~~الزنبرك. # وفجأة ساد الهرج بين المدعوين ورأيتهم يندفعون ms46 ويتدافعون ويلتفون حول رجل ~~قصير بدين، الكل يريد أن يمشي إلى جواره، الكل يريد أن يظهر في الصورة معه، الكل ~~يريد أن يظهر على شاشة التليفزيون بالقرب منه، الكل يريد أن يذكره بوجهه وصوته ~~ووجوده. # تركت الزحام ووقفت في ركن هادئ، والتفت إلى جانبي فرأيت رجلا واقفا؛ رجلا ~~عاديا، يلبس ملابس عادية، ويقف وقفة عادية، ليس قصيرا وليس طويلا، ليس نحيلا ~~وليس بدينا، ولكني أحسست أن شيئا غير عادي يحيط به؛ لعل ملامحه كانت طبيعية ~~مريحة بخلاف تلك الملامح المشدودة المنشاة، لعله كان أنيقا بالرغم من بساطته، لعله ~~كان مترفعا عن الالتفاف حول ذلك الرجل، لعله ... لعله ... # والتفت ناحيتي، والتقطت عيناه عيني، وشعرت بهزة غامضة في أعماقي، وابتسمت ~~عيناه ابتسامة خفيفة غامضة. # وقال بصوت فيه الكثير من حركة عينيه: إنهم يجرون خلفه! # وسألته في بساطة: لماذا؟ # قال: إنه رئيس الهيئة. # وظل يتأمل الناس لحظات وفي عينيه نفس الابتسامة الخفيفة الغامضة؛ أهي نظرة ~~إشفاق أم سخرية؟ أهي نظرة احترام أم استخفاف؟ لم أعرف! # والتفت ناحيتي مرة أخرى، ونظر في عيني مدققا ثم قدم لي نفسه في بساطة ~~وطبيعية، فقدمت له نفسي على نحو ما فعل. # وقال وهو يشير إلى مائدة صغيرة منفردة: لنجلس إلى هذه؛ إنها أبعد مائدة عن رئيس ~~الهيئة. # وضحك وضحكت، وسرنا معا إلى المائدة وجلسنا متقابلين، ونظر إلى أطباق الطعام ~~ثم نظر إلي وقال باسما: أنا لا أجيد تقاليد الحفلات. هل أساعدك؟ # ماذا في عيني هذا الرجل؟ # وقلت له: لا، أشكرك، أنا لا أحب تقاليد الحفلات. وبدأنا نأكل في صمت، وقال بعد ~~لحظات: هل تجدين وقتا لسماع الموسيقى؟ # فقلت: قليلا ... لم أسمع لحنك الأخير، ولكني قرأت عن نجاحه وإعجاب الناس ~~به. # وتاهت نظراته بعيدا عني ثم نظر إلي وقال: لست راضيا عنه. # قلت: ولكن الجمهور راض. # قال: الفنان لا يستريح إلا إذا رضي هو. # قلت: لماذا تذيع لحنا لست راضيا عنه كل الرضا؟ # قال: هذا ما يعذبني. إن ما يرضيني أنا لا يفهمه الجمهور. # قلت: ولماذا لا تؤلف ms47 الألحان التي ترضيك بصرف النظر عن الجمهور؟ # قال: هذا ما أفعله أحيانا. # وأطرق إلى الأرض لحظة كأنما يفكر، ثم رفع إلي عينيه العميقتين وقال: ~~تكلمنا عن الموسيقى كثيرا وأنت لم لا تتكلمين عن الطب؟ # قلت: إن الحديث عن الطب لا يناسب جو الحفلات. # قال في دهشة: لماذا؟ # قلت: إنه حديث عن الألم والمرض، عن وجه الحياة الحزين. # قال: لا، إن آلامه عظيمة حقا، ولكن سعادته أعظم. إني أتصور سعادتك حين تنقذين ~~إنسانا من الموت؛ إنها أسعد لحظة في حياة الطبيب. # قلت: وما هي أسعد لحظة في حياة الفنان، حياتك؟ # قال: حين أخلق لحنا يرضيني، أو حين أسمع لحنا رائعا. ونظر إلي نظرة عميقة ~~وقال باسما: أو حين أعثر على صديق جديد. # حاولت أن أتفادى عينيه. # لكنه لم يدعني أهرب منهما، ورأيت نظراته تحوطني وتحاصرني في قوة وثقة؛ فأحسست ~~بقلبي يخفق خفقة واحدة هائلة. ~~••• # تقلبت في فراشي مؤرقة، أصبح السرير خشنا مليئا بالحصى والمسامير. # تركت الفراش وأخذت أمشي في الحجرة. أحسست أن الحجرة ضيقة كالزنزانة، والجو ~~خانق كحبل المشنقة. # خرجت إلى الشرفة ووقفت، لكني لم أطق الوقوف. جلست، لكن لم أطق ~~الجلوس. فوقفت ومشيت إلى حجرة الطعام، حاولت أن آكل شيئا، لكن مذاق الطعام كان ~~متغيرا غريبا، كأنه مصنوع من المطاط! # أصبحت لا أحتمل أي شيء؛ لا الجلوس، ولا الوقوف، ولا المشي، ولا النوم. أصبحت ~~لا أجد طعما لأي شيء؛ لا الطعام، ولا الماء، ولا الهواء. # والأشياء التي كانت تملأ وقتي أصبحت تافهة فارغة، واهتماماتي التي كانت تبتلع ~~نهاري ابتلعها شعوري الجديد. # سؤال واحد يجوب آفاق عقلي وروحي. # هل أطلبه؟ هل أكلمه؟ هل أبدأ أنا الحديث؟ # ونظرت إلى الآلة الصغيرة؛ تلك الكتلة المربعة السوداء التي كنت أنقلها بيد ~~واحدة من مكان إلى مكان، وأخرسها بأصبع واحد حين أريد. تلك الكتلة أصبحت الآن شيئا ~~رهيبا، جهازا سحريا خطيرا، أنظر إليها من بعيد في حذر، وأقترب منها في وجل، ~~وألمسها بأصبعي فتمس عقلي كهربة عنيفة كأنما مست يدي سلكا كهربيا ~~عاريا. # أتتغير الأشياء ms48 إلى هذا الحد حين تتغير نظرتنا إليها؟ # وجلست إلى جوار التليفون أفكر، وتذكرت كلمات حين كتب لي رقمه، قال: ~~اطلبيني حين تريدين. # إنه يحترم إرادتي، لماذا لا أحترم إرادتي إذن؟ # لقد كنت أحترم إرادتي دائما؛ أليست إرادتي هي التي تحكمني وليست إرادة الغير؟ ~~ألم يحاول رجل أن يمتلك حياتي فلم أملكه شيئا لأني لم أكن أريد؟ ألم يحاول ~~رجل أن يعطيني حياته فلم آخذ شيئا لأني لم أكن أريد؟ أليست إرادتي هي التي ~~تحدد عطائي وأخذي؟ # وأنا أريد أن أراه الآن، نعم أريد. # ودارت أصابعي الثانية في ثقوب القرص ست دورات، وجاءني رنين عال متواصل، وفجأة ~~انقطع الرنين فانقطع الدم من قلبي، وسمعت صوته العميق يقول: ألو. # لم أفكر في أساليب الدلال، لم ألجأ إلى ما تلجأ إليه النساء من لف ودوران، ~~لم أتظاهر بأنني أسأل عليه لمجرد السؤال، لم أضع البرقع على وجهي وأغمز له من وراء ~~الباب، لم أصطنع السذاجة والغباء. # قلت له في صراحة وصدق: أريد أن أراك. ~~- متى؟ ~~- الآن. ~~- أين؟ ~~- أي مكان ... لا أهمية للمكان. ~~- أين أنت الآن؟ ~~- في بيتي. ~~- سأكون عندك بعد قليل. # تهاويت على المقعد كأنما انسحبت مني الحياة، وتلفت حولي أنظر إلى أثاث بيتي ~~وجدرانه كأنما أنظر إليها لأول مرة. # ودب النشاط والحماس في كياني فجأة. # باقة من الورد، ولبست الفوطة ووقفت في المطبخ، وصنعت كعكة بالبيض واللبن وضعتها ~~في الفرن، وصنعت قالبا من الجيلي وضعته في الثلاجة. # أخذت أجري كالطفلة الصغيرة من الفرن إلى الثلاجة، ومن الثلاجة إلى زهرية الورد، ~~ومن زهرية الورد إلى صورة الحائط، ومن صورة الحائط إلى الفرن. # تصبب العرق من وجهي وسال إلى فمي، لكني وجدت له طعما جديدا لذيذا. ارتفع ~~صدري وانخفض في أنفاس لاهثة متقطعة كجواد سباق لكني نسيت أن لي رئتين. وضعت ~~يدي داخل الفرن ولم أشعر بلسع النار كأنما نسيت خلايا مخي ألم الحرق. # التوى ظهري من الانحناء تحت الموائد والانثناء فوق الرفوف، كأنما تلاشت عظام ~~عمودي الفقري. ثم دق جرس الباب دقة واحدة ms49 رنت في قلبي رنينا غريبا رهيبا ~~كأني أسمع صوت الجرس لأول مرة في حياتي. ~~••• # جلس في حجرة الاستقبال وعيناه العميقتان الباسمتان أبدا تتجولان بين صور ~~الحائط، وملامحه الجادة الرصينة تتلفت حوله في استطلاع واهتمام، وأنا أجلس على ~~غير بعد منه أحاول أن أخفي ذلك الشعور العجيب الذي يهز أعماقي، وأحاول أن ~~أكتم الفرحة الغريبة التي تملأ قلبي، وأحاول أن أتجاهل تلك الرجفة العنيفة التي ~~أصابت روحي. # ولكن هيهات؛ عيناي تفضحانني بنظراتهما المتعثرة، وشفتاي تخونانني برعشتهما ~~المضطربة، وصوتي يكشفني بنبرته الوجلة، ورأيته يبتسم في رقة ويقول: بيتك جميل ... ~~بيت فنانة. # قلت: أنا أحب الفن، ولكن الطب يستولي على كل وقتي. # قال: إن الطب فن في حد ذاته. # ونظر إلي. # ماذا في عيني هذا الرجل؟ بحر عميق ليس له قرار؟ # وقلت له: أتشرب فنجانا من الشاي؟ فهز رأسه في إيماءة خفيفة وهو يبتسم، ~~فتركته وذهبت أعد الشاي، ونظر إلي الخادم في دهشة وريبة وهو يراني لأول ~~مرة منذ دخل بيتي وأنا أقف في المطبخ أعمل شيئا. # وفتحت الفرن وأخرجت الكعكة وقطعت منها قطعة وضعتها في طبق إلى جوار الشاي ~~وعدت إليه، ونظر إلى الكعكة الطرية وقد ظهر أنها لم تنضج بعد، وابتسم. لكني لم ~~أستطع أن أقاوم الضحك فضحكت وضحك معي، وأخذنا نضحك طويلا كأننا نريد أن نضحك إلى ~~الأبد. ومزقت الضحكات الطبيعية الطلقة ذلك الستار الرقيق من الحرج الذي كان ~~يفصل بيننا، ورأيته ينظر في عيني نظرة عميقة رصينة وقال: لم أر امرأة مثلك ~~أبدا. # قلت: لماذا؟ قال: النساء دائما يخفين مشاعرهن أو ملامحهن بستائر كثيفة ~~مصنوعة، أما أنت فلا تخفين شيئا، حتى وجهك لم تضعي عليه المساحيق! # قلت: أنا أحب حقيقتي، أثق فيها ولا أستطيع إخفاءها. # قال: أنا أحب المرأة الصريحة الصادقة. # قلت: كثير من الرجال يعتقدون أن الصراحة تفسد أنوثة المرأة ... # إنهم يحبون المرأة المتخفية المراوغة فيمارسون معها غريزة المطاردة ~~والصيد. # قال: إنهم لا يفهمون من المرأة شيئا سوى أنها متعة حسية. # قلت: قليل من الرجال من يفهم أنوثة ms50 المرأة الذكية ذات الشخصية القوية. # قال: أعتقد أن المرأة مهما بلغ جمال جسمها فإنها تفتقد الأنوثة إذا كانت غبية ~~أو ضعيفة الشخصية أو متصنعة أو كاذبة. # قلت: وماذا عن الرجولة؟ # قال: معظم النساء لا يعرفن عن الرجولة شيئا سوى أنها كفاءة الرجل ~~الجنسية. # قلت: الرجل في رأيي يفتقد الرجولة مهما بلغت كفاءته الجنسية إذا كان غبيا أو ~~ضعيف الشخصية أو متصنعا أو كاذبا. # ونظر إلي طويلا وقال: أين كنت كل هذه السنين؟ ~~- كنت مشغولة بالبحث. ~~- عن أي شيء؟ ~~- عن كل شيء. ~~- ألم تنالي ما تريدين؟ ~~- الذي أريده لم أنله أبدا. ~~- نحن لا نحصل على كل شيء في الحياة. ~~- عشت في حرمان دائم. ~~- الحرمان يجعل أوتار أعصابنا مشدودة نستطيع عليها العزف، أما الإشباع فيجعلها ~~ترتخي فلا تخرج لحنا. # كان يكلمني، وكان ينظر في عيني دائما، لم أره مرة ينظر إلى ساقي، لم أره ~~مرة يختلس النظر إلى صدري، وكنا وحدنا، والأربعة جدران مغلقة علينا، لكني لم أشعر ~~أنه يرى الجدران أو يحس بها؛ كان يحلق في سماء عالية، وكنت أجلس إلى جواره بلحمي ~~ودمي، لكني لم أحس أنه يخاطب جسدي، كان يخاطب عقلي وقلبي. # وأغمضت عيني في راحة واطمئنان. ~~••• # جلست إلى جواره أنظر إلى أصابعه الطويلة الذكية وهي تمسك بريشة الكمان في ثقة ~~وبراعة، والأنغام تترامى إلى أذني عالية هابطة، فرحة حزينة، صاخبة هامسة، ضاحكة ~~باكية، وقلبي معها دقة بدقة، يعلو ويهبط، ويرقص ويبكي، ويئن ويضحك. وتوقفت ~~أصابعه عن العزف، وسألني: ما رأيك؟ ~~- رائع. ~~- وضعته الآن فقط. ~~- فيه بكاء وفيه فرح. ~~- هذه حياتنا. ~~- ما أجمل الفن! ... ليتني تعلمت الموسيقى لأخلق هذه الألحان. ~~- ليتني تعلمت الطب لأشفي كل الناس. ~~- الطب يشفي فقط ولكن الفن يشفي ويخلق. ~~- يمكنك أن تخلقي في الطب جديدا؛ هناك أمراض ليس لها علاج حتى الآن. # ونظرت إليه ... ~~- أين كنت كل هذه السنين؟ ~~- كنت أبحث عنك. ~~- كانت لك تجارب؟ ~~- بالطبع. ~~- وأنت؟ ~~- بالطبع. ~~- بالتجربة وحدها نتعلم. # وسمعت صوته العميق يناديني، وسألني: ماذا في عينيك؟ # ووقف فوقفت، وقفنا متواجهين تفصلنا خطوة ms51 واحدة، وسمعته يقول بصوته الدافئ: ~~أحبك. فشعرت بكل شيء في كياني يغوص إلى أعمق بعد من نفسي، ثم يرتفع فجأة إلى ~~أعلى قمة منها، وابتسم، وقطع الخطوة التي بيننا في لحظة وأخذني بين ذراعيه، ~~ووضعت رأسي على صدره. ~~- لم هذه الدموع؟ ~~- أحبك؟ # وضمني إليه، ضمني حتى ضاع كياني في كيانه، وتلاشى وجوده في وجودي. ~~••• # دق جرس التليفون، هبط بي رنينه العالي من السماء إلى الأرض؛ فوقفت على قدمي ~~وسرت إليه ورفعت المسماع: ألو. # وجاءني صوت ملهوف يقول: أنقذيه من الموت يا دكتورة، إنه يموت ... # أمسكت المسماع في يدي ونظرت إليه، وقال على الفور: مريض؟ ~~- نعم. ~~- ستذهبين؟ ~~- فورا. ~~- هل آتي معك؟ ~~- إذا شئت. # ركبت إلى جواره في عربته وانطلق بسرعة مذهلة. وصلنا بيت المريض، ولم يكن بيتا، ~~وإنما كان حجرة ضيقة رطبة في بدروم مظلم أسفل إحدى العمارات الكبيرة، ورأيت ~~شابا نحيلا يرقد على مرتبة قذرة على البلاط وإلى جواره بركة صغيرة من ~~الدماء. وضعت السماعة على صدره وعرفت أنه مريض بالدرن الرئوي، وأن حياته تتوقف ~~على زجاجة دم. وتلفت حولي ورأيته إلى جواري وقال على الفور: هل تريدين ~~شيئا؟ ~~- زجاجة دم الآن من مركز الإسعاف. # وجرى إلى الباب وهو يقول: سأذهب بالعربة وأحضرها حالا. # وجلست على صندوق خشبي إلى جوار المريض وحقنته ببعض الدواء، وأعددت أدوات نقل ~~الدم، وكشفت عن فصيلة دمه. # ثم رأيته يدخل مندفعا وفي يده زجاجة دم، ونهضت مسرعة، وأمسك ذراع المريض، ~~وظل إلى جواري يساعدني حتى أدخلت الإبرة في الوريد وثبتها. # ونظرت إليه؛ رأيت العرق يتصبب من وجهه، ورأيت رأسه قريبا من رأس ~~المريض. # وهمست في أذنه: ابتعد أرجوك. ~~- لماذا؟ ~~- قد تنتقل العدوى إليك. ~~- وأنت؟ ~~- هذا واجبي، علي أن أقوم به تحت أسوأ الظروف. # ونظر إلي في صمت، ولم يتحرك من مكانه حتى انتهيت من تركيب جهاز نقل ~~الدم. # جلسنا متجاورين على الصندوق الخشبي نرقب قطرات الدم وهي تتساقط في لهفة وسرعة ~~من الزجاجة إلى الخرطوم الطويل إلى وريد المريض، وكأنما دبت الحياة في تلك ~~القطرات ms52 الحمراء القانية، فشاركتنا لهفتنا على إنقاذ المريض. # ونظرت إليه وابتسمت، فابتسم في رقة وهو صامت. # وقلت: لو لم تكن معي لما استطعت أن أفعل كل هذا وحدي. # قال: بل كنت تستطيعين. # وأشار إلى زجاجة الدم وقال: لم يبق بها إلا القليل. # ونظرت إلى عيني المريض فرأيت نظراته أقل ذهولا وأكثر تركيزا، وأنفاسه أقل ~~سرعة وأكثر انتظاما. # ونزعت الإبرة من الوريد، وفتح المريض شفتيه اليابستين وقال بصوت ضعيف وهو ينظر ~~إلينا: أشكركم. # ودس يده في إعياء تحت الوسادة القذرة ومد لي ذراعه النحيل وقد قبضت على ~~جنيه. # لا أدري ماذا حدث لي في تلك اللحظة؛ فقد دارت الدنيا بي حتى كدت أفقد الوعي، ~~ولم أشعر إلا بيد حانية تسندني، وقال لي في حنان: هل تشعرين بتعب؟ # ونظرت إليه، ولم أدر ماذا أقول له؛ فلم أكن أشعر بتعب، ولكني كنت أشعر بخجل ~~شديد وعار. # هل استنكرت ذلك الموقف المزري العجيب؟ لا أدري! ولكني شعرت في تلك اللحظة أنه ~~ليس من الشرف ولا العدل ولا المنطق أن يتلقى الطبيب أجرا من المريض. # كيف كنت أمد يدي كل تلك السنين الماضية وآخذ من المرضى مالا؟ أي مال؟ كيف ~~كنت أبيع في عيادتي الصحة الناس؟ # كيف ملأت خزينتي من عرق المرضى ودمائهم؟ # آه ... # وأحسست بيده الحانية تسندني وتجلسني في العربة، وانطلق بي إلى البيت. # وقال باسما بعد أن وضعني في السرير: هل أستدعي طبيبا؟ # وأحسست بدموعي ساخنة على وجهي، وأمسك يدي في رقة وقال: لم هذه ~~الدموع؟ ~~- لم أكن أفهم شيئا. ~~- لماذا؟ ~~- كنت عمياء. ~~- لماذا؟ ~~- لم أكن أرى إلا نفسي. ~~- لماذا؟ ~~- كانت المعارك تحجب عني الحقيقة. ~~- أية معارك؟ ~~- معارك الناس جميعا ابتداء من أمي. ~~- ألم تحققي شيئا؟ ~~- لا. # لا، لم أحقق شيئا؛ فليس الطب هو أن أشخص الداء وأصف الدواء وأقبض الثمن، ~~وليس النجاح هو أن تمتلئ عيادتي بالناس وخزينتي بالذهب ويلمع اسمي كالنجوم. # ليس الطب سلعة، وليس النجاح مالا وشهرة. # الطب هو أن أمنح الصحة لكل من يحتاج الصحة بلا قيود ولا شروط، والنجاح ms53 هو أن ~~أمنح من عندي للآخرين. # ثلاثون عاما مضت من عمري دون أن أعرف الحقيقة، دون أن أفهم الحياة، دون أن ~~أحقق ذاتي. وكيف كنت أحققها وأنا لا أفكر إلا في أن آخذ وآخذ، وتحقيق الذات ~~لا يكون إلا بأن أعطي وأعطي؟! ولكن كيف كان يمكنني أن أعطي شيئا ليس له عندي ~~وجود؟ # ونظر إلي في حنان وقال: حاولي أن تنامي. ~~- لا أستطيع. ~~- إنه سيشفى بعد زجاجة الدم. ~~- لن يشفى أبدا. ~~- إنك لم تأخذي منه الجنيه. ~~- آه ... لا تذكرني. # ولكن هل يمكن أن أنسى؟ # تلك الحجرة الضيقة في البدروم؟ تلك المرتبة القذرة على البلاط؟ تلك البركة ~~الصغيرة من الدماء؟ ذلك الوجه الشاب النحيل؟ تلكما العينان الغائرتان اليابستان؟ ~~وتلك الذراع النحيلة الطويلة ممدودة في وجهي، قابضة على مدية حادة تشطر عقلي وقلبي ~~شطرين؟ # آه ... # وأخفيت رأسي في صدره، أحتمي فيه، وألتصق به. أحسست أنني تجردت من عمري الذي ~~فات وعدت طفلة تحبو وتتعلم المشي! # أصبحت في حاجة إلى يد حانية تسندني. لأول مرة في حياتي أشعر بالحاجة لأحد، حتى ~~أمي لم أكن أشعر بالحاجة إليها. # ودفنت رأسي في صدره وبكيت، بكيت في راحة وهدوء. ms54