######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.MudhakkiratTiflaIsmuhaSucad.Hindawi79130941 #META# Tags: biographies :: novels :: literature #META# ID: 79130941 #META# Title: مذكرات طفلة اسمها سعاد #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # مقدمة‏ # مذكرات طفلة اسمها سعاد‏ # ثمن الكتابة‏ # مقدمة‏ # مذكرات طفلة اسمها سعاد‏ # | مذكرات طفلة اسمها سعاد # | مذكرات طفلة اسمها سعاد # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ms01 ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء ms02 العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات ms03 العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # هذا الرسم هو الرسم نفسه الذي وجدته على غلاف الكراسة، ورأيت أن ~~أتركه كما هو. # | مقدمة # وأنا أرتب أوراقي القديمة في أحد الأدراج المهملة في مكتبتي عثرت على كراسة من ~~الكراريس، وأنا في السنة الأولى بالمدرسة الثانوية، مكتوب عليها: «واجب الإنشاء.» # كان ذلك عام 1944، وقد طلب منا مدرس اللغة العربية أن نختار موضوعا نكتب عنه ثلاث ~~صفحات لحصة الإنشاء المقبلة، واخترت هذا الموضوع: «مذكرات طفلة اسمها سعاد»، وأمضيت أسبوعا ~~كاملا أكتب، وملأت الكراسة كلها وأعطيتها للمدرس، فقرأها وأعطاني صفرا، ورد إلي ~~الكراسة على أن أقدم له موضوعا آخر من ثلاث صفحات فقط. # وبقيت الكراسة ضمن أوراقي خمسة وأربعين عاما تقريبا، حتى عثرت عليها منذ أيام وقرأتها، ~~ودهشت كيف كتبتها في ذلك الوقت المبكر من حياتي، وكيف أعطاني المدرس صفرا؟! # لا زلت أذكر شكله، كان قصيرا سمينا يرتدي طربوشا مكرمشا يسقط حتى أذنيه، وفي يده عصا ~~من الخيزران يلسعنا بها، وعيناه (من وراء النظارة البيضاء السميكة مثل قعر الزجاجة) جاحظتان ~~تنظران إلي بغضب وهو يصيح قائلا: صفر! # ربما هذا هو «الصفر» الذي جعلني أتوقف عن الكتابة سنين طويلة، والذي جعلني أدخل كلية الطب ~~بدلا من كلية الآداب، والذي لولا أبي وأمي لانتهت حياتي بمثل ما انتهت حياة سعاد. # ولهذا رأيت أن أنشر هذه الأوراق القديمة، وأن أهديها إلى كل طفلة (أو طفل) تراودها فكرة ~~الكتابة أو تشعر برغبة في ذلك. # وكم من المواهب المبكرة تضيع بسبب التربية والتعليم والتقاليد البالية كما ضاعت موهبة ~~سعاد. # نوال السعداوي # القاهرة: مارس 1990 # | مذكرات طفلة ms04 اسمها سعاد # اللذة، هو الشعور الذي عرفته سعاد حين كانت تجري فوق الأرض الدافئة المشبعة بالشمس، ~~والهواء النقي المنعش يدخل صدرها، وحركة جسمها لا يعوقها شيء، ذراعاها وساقاها وظهرها ~~وعنقها ورأسها، كل شيء فيها يتحرك، والحركة تصل إلى كل خلية في جسدها وعقلها في وقت واحد، ~~فإذا بكيانها كله يتحرك كأنه خلية واحدة مترابطة الأجزاء في انسجام كامل مع بعضها البعض ومع ~~الكون الكبير الذي يحوطها. # أدركت منذ زمن بعيد لا تعرف مداه أن هذه الحركة تبعث في جسدها وعقلها لذة غريبة، ألذ من ~~طعم اللبن الدافئ الذي ينساب في فمها حين تلامسها أمها، وألذ من دفء الدم الذي ينساب في ~~جسدها حين تلامس يدها، وألذ من ملمس الكرة الناعم حين تمسكها بيديها. # ما إن تمسك الكرة بيديها حتى تقذفها مرة أخرى لتجري وراءها وتمسكها، وحين تمسكها تعود ~~فتقذفها وتجري وراءها وهي تصرخ من اللذة، لذة تحريك ذراعيها وساقيها وظهرها وعنقها ورأسها، ~~تلك الحركة التي تهز جسدها وعقلها والكون من حولها بلذة عجيبة، تجعلها تضحك بصوت عال ~~وكأنها تصرخ. # وتظن أمها أنها تصرخ لأنها تريد الكرة، فتلتقط الكرة من الأرض وتضعها بين يديها، لكنها ~~تغضب من أمها وتبكي وترفس الكرة بقدمها بعيدا، فالكرة ليست هدفها، وإنما هدفها هو أن تتحرك ~~إليها، أن تحرك ذراعيها وساقيها وظهرها وعنقها ورأسها، أن تصل الحركة إلى كل خلية في جسدها ~~وعقلها في وقت واحد، وتهز كيانها وكأنه خلية واحدة بتلك اللذة العجيبة. # لم تكن أمها تفهم لماذا تبكي حين تعطيها الكرة في يدها، كانت تظن دائما أنها تريد ~~الكرة، ولم تكن تعرف أنها تريد أن تتحرك، وأنها حين تعطيها الكرة تجهض حركتها، أو ~~تسلبها الشيء الذي تبرر به الحركة وتفسد لذتها، وكان يمكن لأمها أن تفهمها لو أنها رأت ~~أنها تقذف الكرة بمجرد أن تمسكها، أو لو أنها تذكرت طفولتها وهي في مثل عمرها، وتلك اللذة ~~المحرمة التي نسيتها أو خيل إليها أنها نسيتها، فهي لا تزال في مكان ما من رأسها، ~~حين تنام ms05 تحلم أحيانا أنها تطير في الجو، وتحرك ذراعيها وساقيها وظهرها وعنقها ورأسها بتلك ~~اللذة العنيفة، وجسدها ينساب في الكون كعصفور حر طليق، لا تعرف إلى أين تطير لكنها تطير، ~~فالحركة هي هدفها وهي لذتها، الكون من حولها فسيحا ممتدا لا شيء يعوقها عن الطيران، تقفز ~~فوق أطراف الأشجار وأسطح البيوت، لا الليل يخيفها ولا الشمس تحرقها، وتظن أنها ستبقى سابحة ~~في الكون إلى الأبد، لكنها سرعان ما تحس جسدها يثقل ويثقل حتى يلامس الأرض، وتحاول الطيران ~~مرة أخرى فلا تستطيع، جسدها ملتصق بالأرض عاجز عن الحركة، وترى الشبح الطويل قادما نحوها، ~~عيناه حمراوان كالنار، تحاول أن تحرك ذراعيها وساقيها لتجري أو تطير لكن جسدها لا يتحرك، ~~وتحاول أن تصرخ لكن صوتها لا يخرج، وفي اللحظة التي يهم فيها الشبح بابتلاعها تنتفض لتنقذ ~~نفسها، فإذا بها تصحو من النوم مبللة بالعرق شبه مجهدة. ~~••• # لم تكن تعرف بعد هذا النوع المخيف من الأحلام، ولا أي نوع آخر من الأحلام، تنام الليل ~~كله بعمق وبغير حلم، ثم تصحو بوجه مشرق، تبتسم لوجه أمها بمثل ما تبتسم للشمس، بمثل ما ~~تبتسم للقمر، لا تفرق بين النهار والليل، ولا تعرف شيئا اسمه الظلام أو الخوف، تلعب الكرة ~~لتجري وتحرك ساقيها وذراعيها، أو ترص المكعبات الملونة الصغيرة بعضها فوق البعض، وتبني ~~بيتا يعلو شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى قمته، فتهزه بيدها لتتأكد من صلابته، فإذا بجدران ~~البيت تنهار وتتساقط وتعود مكعبات صغيرة، فتبدأ ترصها من جديد لتبني البيت مرة أخرى، أمها ~~تراها وهي تبني ثم تهد وتبني ثم تهد، وحين تأخذ منها المكعبات لتنام تبكي، فهي لا ~~تريد أن تنام الآن، عقلها لا زال نشطا مستغرقا في البناء والهدم، مستسلما لتلك اللذة ~~المتكررة المتعاقبة، في كل مرة تظن أن جدران البيت أصبحت أكثر صلابة، وحين تهزها بيدها ~~تسقط، وتحاول مرة أخرى بأمل أن تبني بيتا لا يسقط مهما هزته بيدها، بيت حقيقي كالبيت الذي ~~تسكن فيه، وجدران حقيقية كالتي تهزها بيدها فلا تسقط أبدا. # وتقبض ms06 بأصابعها على أحد المكعبات بكل قوتها، وتحاول أمها أن تفتح يدها لتأخذ منها المكعب، ~~لكنها تضغط عليه بأصابعها، وحين تنجح أمها في فتح أصابعها وتأخذ المكعب تبكي، وتضعها في ~~السرير وهي تبكي ثم تنام وتحلم أن أمها لم تستطع أن تفتح أصابعها وأن المكعب لا زال في ~~يدها. # أول ما تفتح عينيها في الصباح تنظر في يدها فلا تجد شيئا، فتقفز من السرير باحثة عن ~~صندوق المكعبات، لكن صوت الجرس يصلصل في الشارع خارج الشرفة، فتجري نحو الصوت لتعرف من أين ~~يأتي، الشرفة سورها عال، أعلى من رأسها، والسور له أعمدة حديدية، تدس رأسها بين العمودين ~~لتطل خارج السور، لكن يد أمها تشدها من الخلف وهي تصرخ: رأسك أثقل من جسمك، وقد تسقطين في ~~الشارع. لكنها تريد أن ترى من أين يأتي ذلك الجرس الذي يصلصل، وهي لا تخاف السقوط في ~~الشارع، ورأسها ليس أثقل من جسمها لأنها تدرك أن جسمها هو الذي يحمل رأسها وليس رأسها هو ~~الذي يحمل جسمها، وما إن تختفي أمها داخل المطبخ حتى تجري إلى الشرفة وتدخل رأسها بين ~~العمودين، أو تشب على أطراف أصابعها فتعلو رأسها على حافة السور وتستطيع أن ترى ~~الشارع. # الشارع يبدو تحت عينيها واسعا بغير بداية ولا نهاية، والناس السائرون كثيرون بغير عدد ~~كالنجوم، وعواميد النور طويلة ولا أول لها ولا آخر، والسيارات تجري بأقصى سرعة، والترام ~~بعرباته كعربات القطار يسير فوق القضبان ويصلصل بذلك الجرس الذي يهز أذنيها وجسدها بنشوة ~~عجيبة، وأصوات الشارع كلها تبعث في نفسها نشوة، أبواق السيارات بنغماتها المتعددة، أصوات ~~الباعة وهم ينادون، دبيب أحذية الناس فوق الأسفلت، عجلات الترام وهي تصطك بالقضبان، ضحكات ~~الأطفال وصراخهم وهم يجرون ويلعبون. # تدس رأسها بين العمودين وتود لو قفزت إلى الشارع ولعبت معهم، لكن يد أمها تشدها من الخلف ~~وهي تصرخ: ستسقطين في الشارع وتموتين، لكن فكرة الموت لم تكن دخلت عقلها بعد، وعقلها لا زال ~~منطلقا بغير قيود، وبغير خوف، تريد أن تتحرك وتعرف كل شيء، وجسدها أيضا ms07 يريد أن يكسر قيود ~~البيت الضيق ويقفز من فوق الشرفة ليتحرك ويجري ويلعب في الشارع الواسع اللانهائي. # أحيانا كان يأخذها أبوها معه إلى الشارع، فتقفز من اللذة وهي تسير إلى جواره، تحرك ~~ذراعيها وساقيها وتكاد تجري، لكن اليد الكبيرة تقبض على يدها، تحاول أن تشد يدها من يد ~~أبيها لكنها لا تستطيع، الأصابع طويلة وقوية، تلتف حولها كالقبضة الحديدية، تكاد تخنقها، ~~وتحاول أن تخلص نفسها دون جدوى، لكن ما أن ترتخي الأصابع قليلا حتى تشد يدها وتجري منطلقة ~~في الشارع، فيجري أبوها وراءها ويمسكها مرة أخرى وهو يصرخ: ألا تخافين من هذه السيارة التي ~~قد تدوسك؟! # لكنها كانت لا تزال لا تخاف شيئا، لا تخاف الشارع، ولا تخاف السيارات، ولا تخاف الناس، ~~عقلها يتوثب بغير قيود ليعرف ويستكشف، وجسدها يتحرك بحرية، ذراعاها وساقاها وهي تمشي كأنها ~~تطير، كعصفور طليق في الجو، حركتها كحركة الهواء تنسجم مع الكون، فإذا بها والكون شيء واحد، ~~والحركة تصل إلى عقلها وجسدها في وقت واحد، تهز عقلها بلذة التفتح للحياة، وتهز جسدها بلذة ~~الطيران مع حركة الكون. # لكن يد أبيها سرعان ما تمسكها، ويدها الصغيرة تقع في قبضة تلك الأصابع الحديدية، القادرة ~~على تجميد حركة جسدها وعقلها، تقاومها لحظة، وتستسلم لها لحظة، واستسلامها لها ليس كاملا ~~لأنها ما أن تشعر بها تتراخى وتلين حتى تندفع من بينها كالصاروخ الصغير. # حين يشتري لها أبوها قطارا أو سيارة تجلس على الأرض وتحركها، تدهشها الحركة ولا تعرف من ~~أين تأتي، من بطن السيارة أم من مقدمتها أم من مؤخرتها! وتبحث بأصابعها عن سرها، وتعثر ~~يدها على المسامير فتفككها واحدا وراء الآخر وراء الآخر، وفي كل لحظة تتصور أنها ستصل إلى ~~السر، لكن المسامير تنتهي والسيارة تتحول إلى قطع صغيرة من الصفيح ليس داخلها شيء، وتفعل ~~بالقطار ما فعلته بالسيارة، ثم تبحث عن لعب أختها الصغيرة وأخيها الأصغر، ولم يكن لأختها ~~إلا عروسة كبيرة ترتدي ملابس على شكل كرانيش، طبقة فوق طبقة فوق طبقة، تخلعها واحدة وراء ~~الأخرى وراء ms08 الأخرى حتى تصل إلى جسد العروسة العاري، فتخلع عنها ذراعيها وساقيها ورأسها ~~وعنقها، وتدس أصبعها في فتحة العنق لتعرف ما بداخلها، فلا تجد إلا الهواء. # وتبكي أختها حين ترى أشلاء عروستها الممزقة، فتربت عليها، وتكف أختها عن البكاء وتلعب ~~معها، وينضم إليهما أخوهما الأصغر، لكن أخوها ليس مثلها وبين فخذيه ذلك الشيء الصغير، والذي ~~تسميه أمها «العصفورة»، وتحاول أن تعرف التشابه بينها وبين العصفورة التي تطير في الجو، ~~لكنها لا تجد بينهما أي تشابه، فالعصفورة لها أجنحة ترفرف في الجو وهذه ليست لها أجنحة، ~~وكانت ترى أن الطائرة في السماء لها أجنحة مثل الطيور، لكن القطار يجري فوق العجل، تدفع ~~القطار بيدها فيجري فوق القضبان وتضحك من شدة اللذة. ~~••• # إلا أن لذتها كانت تشتد أكثر حين تجد نفسها داخل قطار حقيقي، والقطار يتحرك وحده ويندفع ~~فوق القضبان بتلك السرعة العجيبة، والصفارة والدخان الكثيف ينطلق في الجو، والأعمدة الطويلة ~~تتراجع إلى الوراء بسرعة جنونية، وعيناها مشدودتان إلى الحركة، تتابعها بالسرعة نفسها، تكاد ~~تلهث مع القطار بتلك الحركة العنيفة التي تهز جسدها وعقلها بلذة عجيبة. # تظل اللذة في عقلها وجسدها حتى تصل إلى بيت جدتها ذي الباب الخشبي الكبير، تفرح بذلك ~~البيت الذي يشبه الشارع، فسيح كالشارع، وأرضه تراب ترشها جدتها بالماء وتفرش فوقها الحصيرة ~~الكبيرة، ترقد فوقها هي وأولاد عمتها خديجة، ويتدحرجون ويتمرغون ويضحكون، تترك الحصيرة ~~وتتمرغ فوق الأرض، وجهها وشعرها يغرق في التراب، تملأ كفها بالتراب وتضعها في فمها، تمضغه ~~بلذة وتبتلعه. # لكن يد أمها تشدها من الخلف وصوتها الحاد يصرخ في أذنيها: لا تأكل الطين وإلا وجعتك بطنك ~~... وتبكي وترفس، وتأتي جدتها تربت على ظهرها بيدها السمراء المعروفة، وتقرب وجهها بين وجهها ~~لتقبلها فتشم رائحة الفطير واللبن والتراب، وترى فمها بغير أسنان وعينيها بغير رموش، ~~وبشرتها سمراء مليئة بالتجاعيد، وليس لها شعر فوق رأسها وإنما طرحة سوداء من تحتها منديل ~~رأس أسود، وليس لها صدر مثل أمها، وجلبابها الأسود الواسع يتهدل طويلا حتى الأرض، وتشد ~~الطرحة من فوق رأسها ms09 لترى هل لها شعر ، ويظهر شعرها الأحمر الخفيف بجذوره البيضاء، لكنها تشد ~~الطرحة فوق رأسها وتغطيها، وتسألها: أين ذهبت أسنانك يا جدتي وأين صدرك؟ وتضحك جدتها حتى ~~تدمع عيناها وتمسحها في طرف طرحتها، ثم تقول لها: الغولة أكلتهم يا حبيبتي، ويلتف أولاد ~~عمتها خديجة حولها قائلين: احكي لنا قصة الغولة يا ستنا الحاجة. # لم تكن حتى ذلك الوقت تخاف من جدتها، لكنها أصبحت تخاف من فمها الواسع بغير أسنان حين ~~تحكي عن الغولة، ووجهها الأسمر المجعد يزداد سمرة في الليل ويصبح أسود كالظلام، وفي منتصف ~~الليل حين تصحو فجأة لتبول ترتعد وتظل راقدة مكانها، يخيل إليها أن الغولة ستنقض عليها ~~بمجرد أن تخرج جسدها من تحت الغطاء، وتشد الغطاء فوق رأسها حتى لا تراها الغولة، وتغمض ~~عينيها وتنام، ويضغط البول على جدرا بطنها وهي نائمة، فتحلم أنها جرت إلى دورة المياه، وفي ~~الصباح تجد ملابسها مبتلة والحصيرة من تحتها مبتلة، فتتسلل من تحت الغطاء على أطراف أصابعها ~~إلى فناء الدار الواسع الذي تغرقه الشمس وتقف تحت الشمس لتجف، لكن ما أن تسمع نهيق الحمار ~~وصوت زوج عمتها وهو يقود الحمار خارج الزريبة حتى تجري إليه، وتتعلق بالحمار لتركبه وتذهب ~~إلى الحقل. # في الحقل تجري بين أعواد الذرة وشجر البرتقال، تشد الفأس من يد ابن عمتها زكي وتضرب به ~~الأرض كما يفعل عمها عبد الله، تجري وراء زكي وتمسكه من جلبابه الذي يشبه جلباب البنات، ~~يجمع زكي بعض أعواد الذرة الجافة ويشعل فيها النار، ويشويان أكواز الذرة ويأكلان، لكنهما ~~سرعان ما يسمعان أزيز الساقية، فيجريان إليها ويركبان على أحد تروسها، ويدوران معها وهما ~~يصرخان. # صرختها كانت تنم عن اللذة، ذلك الإحساس الذي عرفته حين كانت تحرك قدميها الحافيتين فوق ~~الأرض الدافئة المشبعة بالشمس، والهواء النقي المنعش يدخل صدرها، وحركة جسمها لا يعوقها ~~شيء، وحركتها جزء من حركة الكون، كأنها تسبح أو تطير في ذلك الفضاء اللانهائي. # وتعود فوق ظهر الحمارة إلى الدار، والدار تفوح منه رائحة الخبيز والفطير المشلتت، وتجري ~~لتجلس ms10 إلى الطبلية بجوار أولاد عمتها، وتأكل معهم من صحن واحد، لكن أمها تشدها من يدها، ~~وتأخذها إلى فناء الدار حيث الزير الكبير المملوء بالماء، تفرغ لها الماء من الكوز لتغسل ~~يديها، ثم تجلسها إلى طبلية أخرى خاصة بهم، فتجلس إلى جوار أختها وأخيها ويأكل كلا ~~منهم في صحنه. # وترمق أولاد عمتها وهم يأكلون من بعيد، وتتبادل النظرات هي وزكي ويبتسمان عبر المسافة ~~التي تفصل بينهما، وتسأل أمها: لماذا لا تأكل مع أولاد عمتها؟ وتهمس لها أمها في أذنها ~~قائلة إنهم فلاحون، يأكلون بأيديهم القذرة من صحن واحد. # لكنها كانت تريد أن تأكل مع زكي أكثر مما تريد أن تأكل مع أختها وأخيها، وتحب أن تلعب مع ~~زكي أكثر مما تلعب معهما، زكي يعرف أشياء كثيرة، ويركب الحمار وحده، ويعرف الطريق إلى الحقل ~~وحده، وله أصدقاء كثيرون من أولاد الجيران يلعبون معا في الشارع أو يمشون على جسر النيل ~~حتى تغرب الشمس وتظلم الدنيا، فيجلسون في ضوء القمر أمام الدار، يحكون الحكايات التي لم ~~تسمعها من قبل، حكايات عن العفريت الذي يظهر بالليل على شكل مارد طويل له عينان حمراوان، أو ~~على شكل قط أسود ضخم يموء، أو ذئب يعوي بصوت غريب، أو على شكل سمكة كبيرة لها رأس امرأة ~~ويسمونها «الجنية»، وهي تخرج من قلب النيل وتتمشى على الجسر بالليل، وإذا وجدت أحدا ~~خطفته وأخذته معها إلى قاع النيل، وتلهث أنفاس سعاد وهي تستمع إلى هذه الحكايات، وتمتلئ ~~الظلمة من حولها بالأشباح، فتقترب من زكي وهو جالس على الأرض وتلتصق به متكورة حول نفسها ~~مخبئة ذراعيها وساقيها تحت جسدها خشية أن يشدها العفريت بعيدا. # وتأتي عمتها خديجة، وحين تراها جالسة على الأرض مع الأولاد تقول لها: لو رأيت أمك وأنت ~~جالسة على الأرض هكذا فسوف تضربك، وتحسد زكي لأن أمه لا تضربه إذا جلس على الأرض، وتقول ~~لها: ولماذا لا تضربين زكي فهو جالس على الأرض مثلي؟ وتضحك عمتها خديجة وتخفي فمها بطرف ~~طرحتها السوداء وتقول: زكي فلاح، ابن عمك ms11 عبد الله الفلاح وعمتك الفلاحة، لكن أنت بندرية، ~~وأمك بندرية، وأبوك موظف كبير قد الدنيا. # لم تكن تعرف بعد ماذا تعني كلمة فلاح أو بندري أو موظف، لكنها كانت تظن أن عمتها خديجة ~~تحبها أكثر مما تحب ابنها زكي، أو أي أحد من أولادها، لكنها تحب أخاها أكثر مما تحبها، ~~وتعطيه الحمارة ليركبها ولا تعطيها لها، وتقول لها: الولد يركب والبنت تمشي؛ لأن البنت في ~~رجليها حديد. # وتنظر إلى قدميها وساقيها كأنما تبحث عن الحديد، فتضحك عمتها وهي تحجب فمها بطرحتها ~~وتقول: أقصد يا حبيبتي أن البنت تتحمل عن الولد، وتسألها: يعني البنت أقوى من الولد يا ~~عمتي؟ وترد عمتها: البنت لها سبع أرواح مثل القطط، لكن الولد له روح واحدة فقط. # ولا تفهم ماذا تعنيه عمتها، لكنها تقول: يعني البنت أحسن من الولد؟ وترد عمتها على الفور: ~~لا يا حبيبتي، الولد أحسن من عشر بنات. # وتلاحظ سعاد أن زكي يرتدي جلباب بنت، فتقول لعمتها: إذا كان الولد أحسن من البنت، فلماذا ~~يرتدي زكي جلباب بنت؟ ولماذا البنت لها سبع أرواح والولد له روح واحدة؟ # وترد عمتها: لأن الولد نجمه خفيف، الناس تحسده بسرعة ويصيبه المرض ويموت وهو صغير، ~~ثلاثة صبيان ماتوا مني قبل زكي، جدتك الحاجة قالت لي يا خديجة، الناس في كفرنا عيونهم مثل ~~الرصاص على الولد، إنما البنت لا أحد يحسدها، البنت تجلب الهموم، لكن الولد يجلب السعد ~~لأهله، والولد الذي يرتدي جلباب بنت لا يحسده الناس لأنهم يظنون أنه بنت، أنا عندي ثلاثة ~~أولاد وخمس بنات «كبة» بنات مثل الهم على القلب. # تندهش سعاد وعمتها تذم البنات وتقول لها: ولكنك بنت يا عمتي، فهل تكرهين نفسك أيضا؟ ~~وتضحك عمتها وتقول: يا حبيبتي، والنبي أنت عقلك نبيه يا سعاد، ربنا خلقني بنتا، وأنا راضية ~~بنصيبي، ماذا أفعل؟ إرادة ربنا، الله هو الذي يخلق البنت وهو الذي يخلق الولد. # وأحست سعاد أن الله يحب أخاها أكثر منها؛ لأنه خلقه ولدا وليس بنتا، وأصبح أخوها يحب ~~اللعب مع الأولاد ms12 مثله، ويطرد البنات من اللعبة، وكانت تبكي حين يطردها من اللعب وتصعد إلى ~~البيت تشكو وتسمع أبوها يقول لها: لا تلعبي في الشارع مع الأولاد. # لم تكن سعاد تحب العودة إلى تلك الشقة الضيقة المليئة بالأثاث، وليس بها فناء واسع، وليس ~~هناك حقل تجري فيه ولا حمارة تركبها، ولا شارع تلعب فيه مع الأولاد ويجلسون على الأرض في ~~ضوء القمر يحكون الحكايات عن تلك العوالم المسحورة الغريبة. # الشارع تحت الشرفة كان مليئا بالسيارات والناس والباعة والترام، هي لا تهبط إلى الشارع ~~لتلعب، فأمها تحذرها دائما من الخروج من باب الشقة وحدها، وإلا فهناك في الشارع رجال غرباء ~~يسرقون الأطفال. # وتدور سعاد كالسجين الصغير في حجرات البيت الثلاثة الضيقة، ثم تخرج لعبها من الصندوق ~~وتلعب مع أختها وأخيها، أو أي أطفال يأتون مع أهلهم لزيارة أمها وأبيها. # وظل صليل جرس الترام يجذب سعاد نحو الشرفة، لكنها أصبحت تقف على عتبة الباب الذي يقود إلى ~~الشرفة، وترمق بعينيها الشرفة المجاورة، حيث تجلس امرأة تمشط شعرها الأسود الطويل، وحين ~~تراها تبتسم وترى فمها واسعا كبيرا كفم الغولة، فتجري داخل البيت وهي تصرخ: الغولة ... ~~وتقول لها أمها إنها ليست الغولة، وهي جارتهم لكنها لم تعد تستطيع الخروج إلى الشرفة وحدها، ~~وتظن إذا ما اقتربت من الشرفة أن هذه المرأة سوف تمد يدها أو شعرها الطويل من بين الأعمدة ~~الحديدية وتمسكها وتأكلها. # وأصبح الخروج مع أبيها إلى الشارع هو الذي يذكرها باللذة القديمة، وتسير إلى جواره، تحرك ~~ذراعيها وساقيها وتشعر برغبة في القفز والطيران، لكنها تقاوم الرغبة، فالشارع مليء ~~بالسيارات السريعة، وإحدى السيارات قد تدوسها، وهي تمسك بيد أبيها وتتشبث بها، تخاف أن تفلت ~~يدها من يد أبيها وسط الزحام، وتفقد أباها وسط الناس، وألا تعرف الطريق إلى البيت فتتوه في ~~الشوارع الواسعة الممتدة اللانهائية، ويأتي الليل وهي تمشي وحدها في الظلام، ولا تجد حجرتها ~~ولا سريرها الذي تختبئ داخله تحت الغطاء من العفاريت، ولا تجد أمها التي تلف ذراعها حولها ~~حتى تنام، وتبكي من ms13 الخوف والجوع، فيراها أحد اللصوص الذين يسرقون الأطفال فيأخذها ولا يعرف ~~أحد مكانها. # وتلف أصابعها الصغيرة حول يد أبيها، فإذا ما فلتت منه في الزحام جرت وأمسكت بها قبل أن ~~تفقدها، لكن ما أن تقترب من البيت وترى أمها وهي تطل عليهما من الشرفة تترك يد أبيها وتجري ~~وحدها، وتصعد السلم وحدها، ثم تدق الباب بيدها بقوة. # وركوب القطار أيضا كان يذكرها بلذتها القديمة، وتلك الحركة السريعة التي تبعث في جسدها ~~النشوة، وعقلها يتساءل لماذا تجري أعمدة السواري إلى الوراء بينما يجري القطار إلى الأمام؟ ~~وكيف تجري الأعمدة فوق الأرض بغير عجلات وبغير قضبان كالقطار؟ لكن أباها يقول لها إن ~~الأعمدة ثابتة في الأرض ولا تتحرك، وتندهش وهي تراها تجري إلى الوراء واحدة وراء الأخرى، ~~وما أن يقف القطار حتى تقف هي الأخرى. # هذه المرة لم تر بيت جدتها ذي الباب الخشبي الكبير، ولا عمتها خديجة ولا أولادها ولا ~~الحقل ولا الحمار، وإنما رأت بيتا كبيرا تحوطه حديقة، وباب حديدي كبير يعلوه جرس، يدق ~~كلما فتح الباب أو أغلق. # دخلت وراء أمها وأختها، ومن ورائهما دخل أبوها وأخوها، وأقبل الكلب الكبير ينبح فاتحا ~~فمه الكبير كاشفا عن أنياب طويلة مدببة، التصقت بأمها مذعورة، لكن أمها نهرت ~~الكلب بصوتها العالي: امش يا وولف، وهدأ الكلب على الفور ومسح أنفه في ساق أمها البيضاء ~~السمينة فربتت على رأسه، ودار الكلب عليهم واحدا واحدا يشمه من الأمام والخلف، وتجمدت في ~~مكانها حين لعق الكلب ساقها بلسانه، خشيت أن تحرك ساقها فيفتح الكلب فمه ويلتهمها، في حقل ~~عمها عبد الله كان هناك كلب، لكنه ليس ضخما كهذا الكلب، وفمه ليس كبيرا وليس مخيفا كهذا ~~الفم، وصوته حين ينبح ليس مفزعا ولا غليظا كهذا النباح. # وأقبل رجل نحيف قصير، شعره أبيض، وصوته عال غليظ، يرتدي بيجاما صفراء حريرية، من فوقها ~~معطف حريري أخضر، وسمعت أمها تقول لها: سلمي على جدك يا ~~سعاد، وقبلها جدها على خدها، وشمت رائحة غريبة، ليست مثل رائحة أبيها ولا رائحة ms14 أمها ولا ~~رائحة جدتها ، ولكنها مزيج من الدخان والكولونيا وشيء آخر مثل وابور السبرتو، وأقبل شاب طويل ~~وجهه أبيض وشعره أسود غزير، وقالت أمها: سلمي على خالك حسنين، وسلمت عليه، وسمعت صوته ~~العالي الغليظ يشبه صوت جدها. # وجدت بيت جدها واسعا، فيه حجرات كثيرة، وأثاث كثير، والأرض تلمع، ومن فوقها سجاجيد ~~سميكة، والجدران ملونة، علق عليها صور كثيرة لها براويز سميكة مذهبة، وسمعت أباها ينادي ~~جدها «علي بيه» وجدها ينادي أباها «حسن أفندي». # أما جدتها فكانت صامتة طول الوقت، جالسة بجسمها الأبيض الممتلئ داخل رداء حريري أسود، ~~وساقاها السمينتان البيضاوتان داخل جورب شفاف أسود، وجهها مستدير أبيض، بشرتها مترهلة بغير ~~تجاعيد، وعيناها ليس لهما سواد أو بياض مثل عيون الناس، وإنما لهما لون واحد رمادي، كأنما ~~لم تريا النور أو الشمس أبدا، أو كأنما ذاب سوادهما في بياضهما من كثرة البكاء أو طول ~~النوم، يدها البيضاوان السمينتان راقدتان في حجرها، صغيرتان لكنهما مترهلتان بزمن طويل أو ~~بانتظار أطول من الزمن. # لم تكن ترى جدتها إلا جالسة صامتة في ركن الصالة الفسيحة، تتطلع بعينيها الرماديتين من ~~حين إلى حين إلى رقعة الضوء التي تظهر حينما يفتح باب البيت، أما خالتها دولت فلم تكن تراها ~~إلا تتحرك في البيت من حجرة إلى حجرة، تتحدث بصوت عال للخادمة، لم تكن خالتها بيضاء البشرة ~~مثل أمها، ولم تكن ممتلئة الجسم، لكنها كانت نحيفة سمراء وقصيرة مثل جدها، وصوتها عال مثل ~~صوتها، وعيناها واسعتان بياضهما كبير وجاحظ، وسوادهما صغير يتحرك بسرعة داخل البياض كحركة ~~شفتيها وهي تتكلم، وكحركة يديها وذراعيها وهي تمشي وراء الخادمة من حجرة إلى حجرة، تنهرها ~~لأنها لم تنظف النوافذ كما يجب، أو أنها لم تشد ملاءة السرير كما دربتها، أو أنها لم تمسح ~~التراب عن الراديو الكبير بحجم الدولاب في ركن الصالة. # وكان هذا الراديو هو الشيء الوحيد الذي أحبته سعاد في بيت جدها، ولم تكن رأت راديو من ~~قبل، وحين أدار خالها أحد مساميره وانطلق منه الغناء والموسيقى اتسعت عيناها ms15 بالدهشة ~~والاستطلاع، وإلى جوار الراديو كان هناك دولاب كبير آخر يسمونه الفونغراف، في أحد جانبيه يد ~~خشبية، يحركها خالها فإذا بالأسطوانة تدور ومن فوق الأسطوانة تدور إبرة رفيعة ثم ينبعث ~~صوت الغناء والموسيقى. # بمجرد أن يصلصل جرس باب الحديقة حتى يرفع خالها الإبرة من فوق الأسطوانة، ويدب الصمت في ~~الصالة الفسيحة، وصوت خالتها العالي ينقطع، وتتوارى الخادمة في المطبخ، وكل شيء داخل البيت ~~يصبح ساكنا صامتا لا يتحرك من مكانه، حتى جدتها تزداد صمتا فوق صمت، وعيناها الرماديتان ~~تكفان عن الحركة وتثبتان، فتصبح بردائها الأسود وجسمها الأبيض كتمثال من الشمع المتشح ~~بالسواد. # وأدركت من بعد أن صلصلة الجرس تعني أن جدها فتح الباب ودخل، ولجدها حين يفتح الباب حركة ~~معينة تجعل الجرس يصلصل بنغمة معينة يعرفها كل أفراد الأسرة، ولحذائه فوق السلم عند مدخل ~~البيت وقع معين، وعصاه الصغيرة ذات الرأس كرأس الثعبان تقرع زجاج الباب الخارجي، ثم يدخل ~~إلى الصالة بجسمه النحيف القصير، ورأسه الأبيض الكبير، أنفاسه العالية وهو يتحرك تعلن عن ~~وصوله، وتلك النحنحة أو السعال أو التمخط، أو صوته العالي حين ينادي على ابنه أو ابنته أو ~~الخادمة لتأخذ منه العصا، وتحمل عنه المعطف أو تخلع عنه الجاكتة وتعلقها على ~~الشماعة. # لم يكن ينادي على زوجته أبدا، وخيل لسعاد أن جدها وجدتها لا يتحدثان مع بعضهما البعض ~~أبدا، وأن خالها لا يكلم خالتها، وأن الكلام الوحيد الذي يدور داخل البيت هو بين خالتها ~~والخادمة أو الطباخة في المطبخ، وهو ليس كلاما وإنما أوامر أو ملاحظات غاضبة. # لم تكن سعاد تحب الأيام التي تمضيها في بيت جدها، فالحديقة واسعة وبها زهور جميلة، لكن ~~الكلب «وولف» يتربص بها كلما همت بالنزول إليها، فإذا ما ربط الجنايني الكلب في السلسلة فإن ~~حذاءها يتسخ بالطين، وعيني خالتها دولت تتربصان بحذائها كلما صعدت من الحديقة إلى الصالة، ~~وصوتها العالي الغاضب يرن في البيت معلنا أن أرض الصالة قد اتسخت. # ولم يكن أمامها إلا أن تجلس بجوار الراديو حين يحرك خالها المسامير وينبعث ms16 الغناء ~~والموسيقى، عيناها تتابعان أصابع خالها، تحاول أن تكتشف السر، كيف ينبعث الصوت من ذلك ~~الدولاب الخشبي؟ وبلغ بها الاستطلاع مرة أن مدت يدها في غياب خالها وحركت المسامير، وانتفض ~~جسدها بنشوة عجيبة حين انطلق فجأة صوت رجل يغني، كادت تصرخ من اللذة، لكن صوت خالتها دب ~~في أذنيها كالرعد: لا تلمسي الراديو وإلا أفسدتيه! فانكمشت داخل مقعدها الكبير في الصالة، ~~وأقبلت خالتها بعينيها الجاحظتين الغاضبتين، تطرقع بكعب حذائها فوق أرض الصالة، ومدت يدها ~~الكبيرة السمراء، وبأصابعها الرفيعة المرتعشة المدببة أغلقت الراديو. # في الليل قبل أن تنام تهمس في أذن أمها قائلة: متى نعود إلى بيتنا يا أمي؟ وتربت أمها ~~على ظهرها وتقول: حين تنتهي إجازة أبيك، وتلف ذراعيها حولها وهي تقول: ولكني لا أحب هنا، ~~وتقول أمها: لماذا يا سعاد، وهنا حديقة جميلة وبيت جدك واسعا وليس مثل بيتنا الضيق؟ وتقول ~~سعاد: ولكني لا أحب جدي، وتضع أمها يدها على فمها وتهمس لها: لا تقولي هذا أمام أحد هنا، إن ~~جدك يحبك ولا بد أن تحبيه يا سعاد. # وتغمض عينيها وتنام، وفي منتصف الليل تصحو، لا تجد أمها إلى جوارها في السرير، ولا أختها ~~ولا أخيها، هي وحدها تماما، والظلام الكثيف يحوطها، عيناها تبحثان في الظلمة عن بقعة ضوء، ~~ترى ظلالا تتحرك فوق الجدار، ظلالا سوداء ولها عيون حمراء كالعفاريت، تخفي رأسها تحت ~~الغطاء، وتكور ذراعيها وساقيها حول بطنها، لكن البول يضغط على بطنها ويؤلمها، ترفع الغطاء ~~قليلا وتطل برأسها لتنهض وتسير إلى دورة المياه، لكن الأشباح الغريبة لا تزال متربصة لها ~~عند الباب، ووراء الباب ممر طويل مظلم، ودورة المياه بعيدة، ولها نافذة مفتوحة تطل على ~~الحديقة، ومن يدري ربما يقفز من النافذة شبح أو عفريت أو لص ويأخذها بعيدا إلا حيث لا يعرف ~~طريقها أحد! وأخفت رأسها مرة أخرى تحت الغطاء وأغمضت عينيها ونامت، ورأت وهي نائمة نفسها ~~وهي تلعب في الحديقة، ويضغط البول على بطنها وهي تلعب فتجري إلى السلم الخلفي الذي يقود إلى ~~دورة المياه، ms17 وتجلس وتبول، وتشعر بلذة البول الدافئ، ويضيع الألم الضاغط على بطنها حتى ~~يتلاشى تماما مع آخر قطرة دافئة، وتفتح عينيها فجأة وتمتد يدها بسرعة من تحتها، وحين تحس ~~البلولة تنتفض من الذعر، تحاول أن تنام مرة أخرى، لكن البلولة من تحتها تشعرها بالبرد، فتدس ~~جزءا من الغطاء بينها وبين البلولة، لكنها لا تنام، وسؤال ملح يشيع في قلبها الخوف: ماذا ~~ستفعل خالتها حين ترى سريرها في الصباح؟ # لم تكن تريد أن يطلع الصباح، ودعت الله أن يطول الليل ويمتد حتى يجف فراشها، وقد كورت ~~الملاءة من تحتها لتشرب البلولة، لكن الصباح طلع، ولا شيء جف، فلم تغادر فراشها وظلت في ~~سريرها مختفية تحت الغطاء، حتى جاءت خالتها ومن ورائها الخادمة لتنظيف الحجرة، وتسللت من ~~الفراش هاربة إلى حجرة أمها وأبيها، لكنها سرعان ما سمعت صوت خالتها العالي يرن في جميع ~~حجرات البيت معلنا أنها بللت فراشها، فاختفت داخل الدولاب في حجرة أمها. # لكن خالتها استطاعت أن تعرف طريقها، وشدتها من يدها خارج الدولاب وهي تقول لها: اطلعي يا ~~فلاحة يا أم شخة! # لم تكن تعرف بعد ماذا تعني كلمة فلاحة، لكنها ارتبطت في عقلها بشعور الخزي لأنها بللت ~~الفراش، وأصبحت تبكي كلما قالت لها خالتها: يا فلاحة، وتشعر بالخزي حتى وإن لم تبلل ~~الفراش. ~~••• # وجدت سعاد نفسها في بيت آخر بغير شرفة وبغير شارع واسع تراه من الشرفة، وإنما نافذة كبيرة ~~تطل على بيت آخر عال، وفوق النافذة أعمدة حديدية، رأسها أصبح كبيرا ولا يمكن له أن ينفذ ~~بين العمودين الحديديين، فأصبحت تضغط وجهها بين العمودين وترى الشارع الصغير الضيق تحت ~~النافذة، ورجل واقف إلى جوار عربة من فوقها أكوام عالية من الفول السوداني واللب، في وسطها ~~مدخنة سوداء يتصاعد منها دخان كثيف، تخف كثافته وهو يعلو حتى يتلاشى في الجو. # عيناها تتعلقان بآخر خيوط الدخان في الفضاء، وترى السماء زرقاء متوهجة بضوء الشمس، ~~وعصفورة ترفرف بجناحيها تحت الضوء الذهبي وتطير بتلك الحركة الحرة العجيبة التي ليست عندها. ~~لو أن ms18 الله خلقها عصفورا، ألم يكن ذلك أفضل بكثير؟ كان يمكنها أن تنفذ بجسمها الصغير من ~~بين هذه القضبان، وتطير في الجو دون أن تراها أمها وأبوها، ودون أن تفتح باب الشقة ~~المغلق. # وكانت أمها تغلق الباب بالمفتاح دائما، وتسمعها تقول إن اللصوص كثيرون، وفي الليل تحكم ~~إغلاق النوافذ، ولم تكن تعرف كيف يمكن أن ينفذ اللص من بين القضبان الحديدية فوق النوافذ، ~~وهي لا تستطيع أن تنفذ من بينها، لكنها لم تكن تفرق كثيرا بين اللص والعفريت، والعفريت كما ~~سمعت من عمتها ليس له جسد وإنما هو روح لا يراها أحد، وقد يغير العفريت شكله فيصبح طويلا ~~رفيعا كالثعبان ويدخل من أي شق في الباب أو النافذة، وقد يكون ضخما كبيرا وله رأس كبيرة ~~أكبر من رأس الفيل وعيناه حمراوان بوهج كالنار. # لم تكن تحب الليل؛ لأن الليل مظلم والعفاريت لا تظهر إلا في الظلام، وكانت تحب النهار، ~~والشمس حين تسطع وتملأ الكون بالنور والدفء، لكن البيت العالي المجاور لهم كان يحجب عنها ~~الشمس، ولا تراها إلا في السماء من بعيد، وأشعتها الذهبية تسقط بالقرب من نافذتها ولا تدخل ~~أبدا، وتمد ذراعها من بين القضبان لكن يدها لا تصل إليها. # أكثر شيء كانت تحبه هو أن تخرج من البيت إلى الشارع مع أبيها أو أمها، والشارع هو الشارع ~~الذي رأته من قبل، واسع وممتد بغير بداية أو نهاية، والسيارات تنطلق بسرعة فوق الأسفلت ~~اللامع، والناس الكثيرون يسيرون، والباعة ينادون، وأبواق السيارات تزعق، وأجراس الدراجات ~~تصلصل، وتذكرت جرس الترام الذي كان يصلصل، وأدركت أن هذا الشارع ليس هو الشارع القديم؛ لأن ~~الشارع القديم كان فيه ترام يجري على قضبان، وهذا الشارع ليس فيه ترام. # ووجدت سعاد نفسها في يوم من الأيام في المدرسة، بكت أول يوم حين تركتها أمها وأصبحت وحدها ~~وسط الوجوه الغريبة، وخشيت أن يسرقها أحد، لكن اليوم انتهى دون أن يسرقها أحد، وجاء أبوها ~~وأخذها إلى البيت. في اليوم التالي ظلت خائفة من الوجوه الغريبة، متصورة أن أحدا ms19 سيأخذها ~~إلى مكان بعيد ولن يعرف أبوها مكانه، لكن اليوم انتهى وجاء أبوها وأخذها إلى البيت. # وتآلفت سعاد مع الوجوه في المدرسة، عرفت وجوه الأطفال في فصلها، وعرفت وجه المدرسة ~~التي تعلمهم حروف الكلمات، في الفصل يجلس إلى جوارها طفل اسمه «محمد»، يضع في حقيبته كيسا ~~به قطعة من الكعك، أعطاها مرة قطعة منها وكانت جائعة فأكلتها، وأصبحت تلعب مع محمد في فناء ~~المدرسة، ويتزحلقان معا، ويركبان المرجيحة معا. # وفي يوم صعدت من الفناء إلى الفصل قبل الجميع، كانت جائعة، ورأت حقيبة محمد بجوار ~~حقيبتها، ففتحتها وأخذت قطعة الكعك ووضعتها في فمها قبل أن يراها أحد، وأقبل محمد وفتح ~~حقيبته، وحين فتحها لم يجد الكعكة، تلفت حوله متسائلا: من أخذ كعكتي؟ وسمعته المدرسة ~~وهي تمر بين الصفوف، فقالت بصوت عال رن في كل أنحاء الفصل: من أخذ كعكة محمد؟ صوتها كان ~~عاليا كصوت خالتها، والعصا الرفيعة تهتز بين أصابعها الرفيعة المرتعشة المدببة، وأطبقت ~~سعاد شفتيها بقوة، وكتمت أنفاسها حتى لا يفوح منها أي رائحة للكعكة، وقلبها كان يدق بسرعة، ~~وأصابعها وهي تمسك القلم ترتعش فوق الورقة. # لكن الحصة انتهت والمدرسة خرجت من الفصل دون أن تعرف من الذي أخذ الكعكة، وانتهى اليوم ~~وعادت إلى البيت، وكانت قد عرفت الطريق من البيت إلى المدرسة، وأصبحت تذهب إلى المدرسة ~~وحدها، خطوتها سريعة وهي تمشي كأنها تجري، تريد أن تصل بأقصى سرعة قبل أن يختطفها أحد، ~~وخوفها يزداد حين ترى ذلك الشحاذ العجوز الذي ينظر إليها بعينين فاحصتين ضيقتين، ثم يدب ~~خلفها بعكازه الخشبي، وتنطلق سعاد تجري بأقصى سرعتها. وفي صباح كل يوم تضع أمها في حقيبتها ~~كيسا به نصف رغيف داخله بيضة مسلوقة أو قطعة جبن، تأكله حين تجوع، ~~لكنها لا تشبع، وفي بعض الأحيان حين تكون في ~~الفصل وحدها تفتح حقيبة محمد وتلتهم بسرعة قطعة من الكعك قبل أن يراها أحد. # وكان محمد يسكن في البيت العالي المجاور، وينادي عليها من نافذته العالية أحيانا ليلعبان ~~معا في الشارع أمام البيت، وتفتح ms20 أمها لها باب الشقة وهي تقول: لا تلعبي بعيدا عن البيت ~~حتى لا تتوهي ويسرقك أحد. # وكانت أمها تخرج مع أبيها آخر النهار، وتغلق الشقة بالمفتاح، فتضرب الباب بيدها بكل قوتها ~~وتصرخ تريد أن تفتحه، ويظل الباب مغلقا، وتؤلمها يدها، وقد يصاب أحد أصابعها بجرح أو كف ~~يدها تلتهب وتحمر، فتترك الباب وتدخل لتلعب مع أختها وأخيها أو تلعب مع الخادمة ~~فتحية. # فتحية كانت أكبر منها قليلا، رأسها بغير شعر بعد أن حلقت أمها شعرها حتى آخره لأنه كان ~~مليئا بالقمل، ترتدي فوق رأسها منديلا يشبه المنديل الذي ترتديه جدتها وعمتها، لكنه ليس ~~أسود، ولم تكن سعاد تلعب مع فتحية إلا حين تخرج أمها، تشدها من جلبابها الواسع وهي واقفة ~~أمام الحوض تغسل الصحون وتقول لها: تعالي نلعب يا فتحية. ~~لكنها تظل واقفة مكانها وهي تقول: لا يا ستي سعاد، ستي تضربني. فتقول لها: ماما خرجت هي ~~وبابا. وتجفف فتحية يديها المبللتين في جلبابها ثم تخرج معها إلى الصالة أو إلى حجرتها ~~حيث تلعب معها الأستغماية، أو تجلس على الأرض وتربع ساقيها تحت الجلباب وتحكي لها حكايات ~~العفاريت التي كانت قد سمعتها من جدتها وأولاد عمتها، وفي مرة سألتها: من أين تأتي ~~العفاريت؟ فقالت لها إن العفريت يظهر بعد أن يموت الإنسان، وأبوها طلع عفريته بعد أن مات، ~~ورأته أمها واقفا عند باب الزريبة فصرخت من الخوف. # ولم تكن تعرف أن فتحية مثلها ومثل كل الناس لها أب وأم، وتصورت أنها جاءت من الشارع، ~~وسألتها: هل لك أم يا فتحية وهي التي ولدتك مثلما ولدتني أمي؟ وقالت فتحية: طبعا يا ست ~~سعاد، كل واحد في الدنيا له أم ولدته. وسألت: وكل واحد في الدنيا له أب؟ وقالت: طبعا كل ~~واحد في الدنيا له أب؛ لأن الأم لا يمكن أن تحمل وتلد بدون الأب. وانفرجت شفتاها عن دهشة ~~خفيفة، فقد خيل إليها أنها تعرف ذلك من قبل، لكن سؤالا آخر تجمع في عقلها: وكيف تحمل ~~الأم ويدخل الطفل في بطنها؟ وضحكت ms21 فتحية وأخفت فمها بيدها بالحركة نفسها التي تخفي عمتها ~~فمها بطرف طرحتها حين تضحك، وقالت: الأب ينام مع الأم، وتكبر بطن الأم لأن الطفل ينمو ~~داخلها، وبعد تسعة شهور يولد الطفل، وكلنا أولاد تسعة يا ست سعاد. # ويدور المفتاح داخل باب الشقة، فتنتفض فتحية من الذعر: ستي جاءت! وتجري إلى المطبخ، وتدخل ~~أمها وأبوها، وتأخذها أمها إلى سريرها لتنام، وتسألها لماذا ظلت ساهرة حتى ذلك الوقت ~~المتأخر، لكنها لا تقول لها إنها لعبت مع فتحية، وتغمض عينيها متظاهرة بالنوم، وتظن أمها ~~أنها نامت، فتخرج من حجرتها على أطراف أصابعها. # الصباح، كان يوم الجمعة، وكل يوم جمعة تركب العربة الحنطور وتذهب إلى البحر مع كل من في ~~البيت بما فيهم فتحية، فتحية كانت تحمل السلة الكبيرة مليئة بالطعام وتمشي خلفهم، قدماها ~~تغوصان في الرمل، فتتخلف عنهم، وتستدير أمها من حين إلى حين وتحثها على السير. # لم تكن تعرف السباحة بعد، لكنها كانت تلعب في الرمل مع أختها وأخيها، وأحيانا تقذف ~~بنفسها في الماء لتسبح مثل الأطفال الآخرين، لكن يد أمها تشدها من الخلف وصوتها العالي يرن ~~في أذنيها: ستغرقين وتموتين! # ولم تكن تعرف بعد معنى الموت، وبمجرد أن تستدير أمها تقذف بنفسها في الماء، تحرك ذراعيها ~~وساقيها بكل قوتها، تود لو سبحت في الماء كما تطير العصفورة في الجو، لكن جسمها سرعان ما ~~يثقل والماء يدخل أنفها وفمها، فتمسك الأرض بيديها، وتقف على قدميها ثم تلقي بنفسها في ~~الماء مرة أخرى وتحاول أن تحرك ذراعيها وساقيها. # وتكاد تسبح في الماء، لكن يد أمها من الخلف تشدها وهي تصرخ: ستغرقين وتموتين! وتجلس إلى ~~جوارها تحت الشمسية وتلعب في الرمل مع أختها وأخيها، وحين تشعر بالجوع تنادي أمها على ~~فتحية، فتخرج لها من السلة شيئا من الطعام. # وكانت فتحية تجلس بالقرب منهم وإلى جوارها سلة الطعام، وحين تذهب أمها مع أبيها ليسبحان ~~في البحر تجري وتجلس إلى جوارها لتحكي لها الحكايات، وفي مرة رأتها تبكي، وسألتها لماذا ~~تبكي، فقالت إنها تريد أن ترى ms22 أمها، ويخيل إليها أنها لو مشت فوق هذا الشاطئ حتى نهايته ~~فسوف تجد الطريق إلى قريتها، لكنها تخاف أن يكون الشاطئ طويلا أو أنها لا تجد قريتها في ~~نهايته ويأتي الليل فتنام وحدها في الظلام، وقد يسرقها أحد من الذين يسرقون الأطفال، أو ~~يطلع لها عفريت من العفاريت، لكنها تفكر في أن تبدأ السير في الصباح الباكر حتى تصل قريتها ~~قبل غروب الشمس. # وفي اليوم التالي فتحت سعاد عينيها في الصباح فسمعت صوت أمها العالي يقول: فتحية هربت. ~~وارتدى أبوها البدلة والطربوش وخرج ليبلغ البوليس، وانتهى النهار وأقبل الليل دون أن تعود ~~فتحية، وأغمضت سعاد عينيها لتنام، ورأت فتحية سائرة على الشاطئ الطويل حتى نهايته، وأدركها ~~الظلام قبل أن تصل إلى أمها، ونامت وحدها على الشاطئ في سكون الليل، وجاء إليها أحد اللصوص ~~وسرقها أو خرجت «الجنية» من قلب البحر وانقضت عليها، وسمعتها أمها في منتصف الليل تهب ~~مذعورة من نومها وتصرخ: فتحية! وجاءت أمها إلى سريرها ورقدت إلى جوارها وهي تربت على ظهرها، ~~وسألتها أمها عما أفزعها، فحكت لها أن فتحية قالت لها إنها ستمشي على الشاطئ حتى ~~نهايته، وهناك ستجد قريتها وأمها. # وهبت أمها من جوارها فجأة وهي تقول: هل قالت لك ذلك؟ وردت بصوت خائف: نعم. وارتفع صوت ~~أمها: ولماذا لم تقولي لنا هذا ونحن نبحث عنها طول اليوم؟ وأطبقت شفتيها في خوف، ورأت أمها ~~تسرع إلى أبيها، وخلع أبوها جلباب النوم وارتدى البدلة والطربوش وخرج. # وفي الصباح دخلت فتحية يمسك بيدها أحد رجال البوليس، كان جسدها يرتعد وعيناها مبللتان ~~بالدموع، وأمسك أبوها الكرباج الرفيع وقال لها: لماذا هربت؟ وفتحت فتحية فمها لترد، لكن ~~صوتها لم يطلع، وضربها أبوها وهي تصرخ حتى كفت عن الصراخ. # واختفت سعاد في حجرتها تحت السرير، كانت خائفة من أبيها، ولم تكن تتصور أن فتحية ستنجو من ~~اللصوص وتعود إليهم، ولم تعرف كيف تركها اللصوص؟ وخيل إليها أنهم تركوها لأنها خادمة ~~فقيرة وليس لها أم، فاللصوص لا تسرق إلا الشيء الثمين، وخيل ms23 إليها أن أمها تخاف عليها ~~لأنها شيء ثمين، وشعرت بنوع من الزهو الخفي، الذي سرعان ما تلاشى حين تذكرت أنها كلما ارتفع ~~ثمنها كلما أصبحت معرضة لأن يسرقها اللصوص، وخيل إليها أنها تحسد فتحية، إلا أن هذا ~~الحسد سرعان ما تلاشى حين سمعت صراخها وهي تضرب، وحمدت الله بينها وبين نفسها لأن الله لم ~~يخلقها خادمة مثلها يضربها أبوها وتضربها أمها، وتمسح الأرض وتغسل الصحون، وتنام على الأرض ~~في المطبخ وتأكل بقايا طعامهم، وتعيش بعيدا عن أمها ولا تراها كما ترى أمها كل يوم، وسمعت ~~صوت أبيها الغاضب يناديها، فخرجت من تحت السرير وهي ترتعد، واقتربت من أبيها الواقف في ~~الصالة طويلا عريضا، عيناه حمراوان بالغضب وأصابعه المرتعشة الطويلة تلتف حول الكرباج، ~~وسمعته يقول: لماذا لم تقولي لنا ما قالته لك فتحية؟ ولسعها بالكرباج على ذراعيها وساقيها ~~وهو يقول: لا تخفي عنا أي شيء بعد اليوم. وردت بصوت مرتعش: نعم. وجرت إلى أمها تحتمي ~~فيها. # كانت تقفز من الفرح حين تسمع صوت صديقتها سميرة أو صديقها محمد يناديها، فتجري لتلعب ~~معهما في الشارع، وتشتري كيسا من اللب من الرجل الواقف بعربته، كانت تحب اللب، وأمها ترفض ~~أن تعطيها أي نقود وتقول لها: لا تأكلي شيئا من الشارع وإلا وجعتك بطنك. وفي كل مرة تملأ ~~يدها باللب وتأكله ولا تشعر بأي وجع في بطنها، بل تشعر بطعمه اللذيذ المملح، وبعد أن ينتهي ~~اللب تلعب مع محمد وسميرة الاستغماية أمام البيت، وتختفي تحت دكة البواب حتى لا يراها محمد ~~أو سميرة، وكان البواب رجلا طويلا أسود الوجه يرتدي عمامة بيضاء كبيرة، وحين يرى أباها ~~داخلا أو خارجا ينهض من فوق دكته ويرفع يده ويلامس بها رأسه وهو يقول: صباح الخير يا بيه، ~~وأدركت سعاد أن أباها رجل محترم؛ لأن البواب يناديه باسم «بيه»، مثلما ينادي أبوها جدها ~~ويقول له يا علي بيه. # وكانت سعاد ومحمد وسميرة يجلسون على الدكة الخشبية بجوار البواب، ويحكي لهم البواب عن ~~قريته البعيدة قرب أسوان عند نهاية ms24 النيل، وأنه وهو طفل كان يسبح في النيل ويصطاد السمك ~~ويشويه على النار، ورأتها أمها مرة وهي جالسة إلى جوار البواب، فشدتها من يدها وأدخلتها ~~البيت وهي تقول لها: لا تجلسي مرة أخرى مع البواب، إنه مريض بصدره وقد تنتقل الجراثيم إليك ~~عن طريق سعاله وأنفاسه. # ولم تعرف سعاد ما هي الجراثيم، لكنها تصورتها أشياء صغيرة ورفيعة كالثعابين، وأصبحت كلما ~~اقتربت من الدكة التي يجلس عليها البواب تجري وهي كاتمة أنفاسها واضعة يدها على أنفها ~~وفمها. # وفي يوم كانت عائدة من المدرسة تسير في الشارع بخطوتها السريعة تكاد تشبه الجري، تريد أن ~~تصل إلى البيت قبل أن يخطفها أحد من الذين يسرقون الأطفال، والمسافة بين المدرسة والبيت ~~تبدو لها طويلة، والشارع واسع عريض لا أول له ولا آخر، ووجوه الناس تبدو لها غريبة، وعيونهم ~~حين تنظر إليها مخيفة، لا تحاول النظر إليها، ولكنها تنظر أمامها كما قالت لها أمها، وإذا ~~ابتسم لها أحد أو حاول أن يكلمها فلا ترد عليه؛ لأن هؤلاء اللصوص لهم طرق متعددة في جذب ~~الأطفال إليهم. # وبينما هي سائرة بخطوتها السريعة، وعيناها الشاخصتان إلى الأمام لا تتحركان إلى اليسار أو ~~اليمين أو الخلف، سمعت من خلفها صوتا غريبا مفزعا كصوت الرعد، واستدارت إلى الخلف بسرعة ~~بحركة غريزية فرأت الشارع وقد امتلأ برجال لا عدد لهم، يدبون على الأرض بأحذيتهم في عنف، ~~عيونهم متسعة جاحظة في غضب، يلوحون بقبضة أيديهم في الهواء، ويصرخون بصوت واحد بكلمات لم ~~تفهمها، وارتعد جسدها من الخوف، وظنت أنهم سينقضون عليها، فجرت مذعورة حتى رأت باب بيت ~~مفتوح فدخلت واختفت وراءه، وسمعت من خلفها صوت امرأة تقول لها: لا تخافي يا ابنتي، إنهم لن ~~يفعلوا لك شيئا، ولم يطمئنها كلامها، بل أن صوتها الغريب زاد من فزعها، وظنت أنها ستخطفها، ~~لكن جسدها ظل متجمدا وراء الباب عاجزا عن الحركة مبللا بالعرق، وظلت مختفية وراء الباب ~~حتى ابتعدت أصوات الرجال، فخرجت من مخبئها وانطلقت تجري كالصاروخ حتى وصلت إلى البيت وهي لا ~~تزال ms25 ترتعد، وسألتها أمها عما حدث، فحكت لها ما رأته، فضحكت أمها وقالت: إنها مظاهرة ضد ~~الإنجليز. # وكانت هذه هي المرة الأولى التي سمعت فيها كلمة الإنجليز، وسألت أباها من هم الإنجليز؟ ~~فقال لها: الإنجليز أعداؤنا، وسألته: وهل الإنجليز ناس مثلنا؟ وقال أبوها: إنهم ناس مثلنا، ~~ولكن وجوههم بيضاء محمرة بالدم، وهم كفرة وليسوا مسلمين مثلنا، ويسرقون أموال بلدنا ويطلقون ~~الرصاص علينا حين نقول لهم: اخرجوا من بلدنا، واذهبوا إلى بلدكم. # أكثر الأشياء من حولها كانت تبعث على الخوف، والعالم خارج البيت تكتنفه المخاوف والمخاطر، ~~وأشد ما كان يخيفها في ذلك الوقت هو أن تتوه في الشارع ولا تجد أباها ولا أمها، لم يعد ~~أبوها يمسك يدها وهو سائر إلى جوارها، وعيناها تظل متعلقتين بأبيها تخشى أن يتوه منها أبوها ~~في زحام الشارع، وساقا أبيها كانتا طويلتين، وخطوته واسعة، ولا يمكنها أن تلحق بأبيها إلا ~~إذا جرت، خطوة أبيها أسرع من خطوتها، فتتشبث عيناها بظهر أبيها، تخشى أن تفقد بين ظهور ~~الناس، وكان الشارع واسعا مليئا بالناس، وظهور الرجال من الخلف تشبه ظهر أبيها، ويضيع ~~منها أبوها في الزحام، وعيناها تتسعان بالذعر كأنما هي تغرق في بحر كبير، ولا أحد يعرفها ~~ولا أحد ينقذها، ويخيل إليها أن عيون غريبة كثيرة تحاصرها، فتجري وهي تصرخ: بابا، ~~ويسمع أبوها صرختها من الخلف فيلتفت وراءه بسرعة، وما أن تلتقط عيناها وجه أبيها حتى تنطلق ~~إليه وتمسك بيده ولا تدعها تفلت منها مرة أخرى. # وعلى شاطئ البحر لم تعد أمها تمسك يدها، وتتركها تسبح في الماء أمامها، لكنها لم تبتعد ~~عنها كثيرا، وإذا ابتعدت فإن عيناها تظلان متعلقتين بوجهها وهي جالسة تحت الشمسية، تخشى أن ~~يضيع وجهها بين الوجوه وتفقد مكانها، وإذا نزلت الماء فهي تظل قرب الشاطئ، تحرك ذراعيها ~~وساقيها في الماء، ثم تقف على قدميها بسرعة لتطمئن أن الأرض لا تزال تحت قدميها، وفي كل ~~مرة تخشى أن تقف على قدميها فلا تجد الأرض تحتهما وتغرق في البحر. # في سريرها قبل أن تنام، ms26 لم تكن تنام إلا وهي ممسكة بيد أمها، تلف أصابعها حول أصابعها، ~~وكلما غلبها النوم وارتخت أصابعها من حول أصابعها نهضت أمها من جوارها بهدوء، ولكنها سرعان ~~ما تسمع صوت السرير يهتز؛ فتدرك أن أمها تتركها وتقبض بأصابعها على يدها مرة أخرى، لا تدعها ~~تفلت منها، وتغني لها أمها بصوت خافض أو تحكي لها حكاية أم طرطور أحمر حتى يغلبها النوم ~~تماما، وحين تسحب أصابعها من يدها تظل أصابعها مرتخية ولا تقبض على يدها، فتنهض من سريرها ~~وتغطيها وتطفئ النور وتذهب إلى حجرتها. # لم تكن تحس بها وهي تتركها، لكنها كانت تحلم أن أمها ضاعت منها في الشارع ولم تجدها، ~~وأنها ظلت تائهة في الشوارع تبكي، حتى رأت وجه أبيها، فقفزت من الفرح وأمسكت يده، لكن يد ~~أبيها أفلتت من يدها، وضاع أبوها في الزحام، وحاصرتها من كل جانب عيون غريبة واسعة، وأفواه ~~غريبة واسعة، وارتعدت وتراجعت إلى الخلف لتختفي في البيت، ولكنها لم تجد أمها في البيت، ~~وإنما امرأة غريبة شعرها طويل وفمها واسع كالغولة، وقالت لها إن أمها ماتت، وتحاول أن تصرخ ~~لكن صوتها لا يخرج، ومن شدة الفزع تصحو من النوم فجأة، وتجد نفسها وحدها في الظلام، فتنادي ~~على أمها بصوت عال: ماما ... وحين ترى وجه أمها تدرك أنها كانت تحلم، وتفرح لأن أمها لم تمت، ~~وفي الصباح تنسى الحلم تماما فكأنه لم يكن. ~~••• # وفي المدرسة كانت تحب الفسحة ولا تحب الفصل، فهي في الفسحة تجري وتلعب وتحرك ذراعيها ~~وساقيها، لكنها في الفصل تجلس ساكنة وأمامها الورقة والقلم، وتمر المدرسة بين الصفوف ~~وأصابعها الطويلة الرفيعة تلتف حول العصا، تلسع بها أصابع أي طفل يتكلم أو طفلة تتكلم بغير ~~إذن أو تتحرك من مقعدها أو تضحك، وتقول لهم إن الضحك بغير سبب قلة أدب، وكلما خطر في عقلها ~~شيء مضحك أطبقت شفتيها أو أخفت وجهها داخل الكراسة، وكان يخطر لها أشياء مضحكة، وأحيانا ~~تضحك بغير سبب، لمجرد أن يلتفت إليها محمد أو سميرة وتبتسم، أو حين يقع قلمها ms27 على الأرض ~~ويحدث صوتا عاليا، أو إذا عطس أحد التلاميذ بصوت عال، أو إذا صدر عن معدة جارها تلك ~~الأصوات التي تشبه مواء القطط، أو أطلقت أمعاء أحدهم الهواء بتلك الصفارة المكتومة. # وأشد ما كانت تكرهه في الفصل هو أن تجلس في مكانها ثابتة بغير حركة، وأحيانا كانت ترفع ~~أصبعها وتقول للمدرسة إنها تريد أن تذهب إلى دورة المياه، فتأذن لها بالخروج، وتنهض من ~~مقعدها مسرعة، وتجري إلى الفناء، وتشعر بلذة كبيرة وهي تحرك ذراعيها وساقيها وتفتح فمها ~~وتملأه بالهواء والضحك، وتتساءل بينها وبين نفسها: هل من الضروري أن يكون للحركة سبب وللضحك ~~سبب؟ ولماذا يحرمونها من الضحك ومن الحركة التي تبعث في جسدها اللذة؟ وأليست اللذة سببا ~~كافيا للضحك أو للحركة؟ # لكنها بدأت تدرك أن اللذة القديمة التي كانت تحس بها حين تجري أو تضحك لما تعد كما كانت، ~~وإحساس بطيء غامض أصبح يساورها بأن اللذة وحدها ممنوعة أو محرمة، ولا بد من سبب آخر غير ~~اللذة لتبرير الحركة أو الضحك أو اللعب، وكانت قد بلغت السابعة من عمرها، وجاء شهر رمضان، ~~أبوها يقول إنه بدأ الصيام والصلاة حين كان في مثل عمرها، وبدا لها الصيام لعبة طريفة ~~جديدة، وأحسن ما فيها أن النظام ومواعيد النوم واليقظة المفروضة عليها تنقلب رأسا على عقب، ~~فالليل الذي كان للنوم أصبح للسهر والأكل، والشوارع والبيوت كلها تظل ساهرة والأنوار مضاءة ~~والأغاني تنبعث من الراديو، ويقبل المسحراتي يدق طبلته ليوقظ النائمين، وتجهز أمها مائدة ~~السحور وترى أنواع الأطعمة اللذيذة المتعددة التي لم تراها من قبل، وأنواع جديدة من الحلوى ~~والكنافة والقطايف، ولفائف قمر الدين، والجوز واللوز وعين الجمل، وصواني الأرز باللحم ~~المحمر، وبينما هي تلتهم الطعام تتساءل لماذا يسمى شهر رمضان بشهر الصيام، فيقول لها ~~أبوها: لأن الناس تصوم عن الأكل أثناء النهار، ولماذا يصوم الناس يا أبي؟ لأن الله أمرهم ~~بالصيام يا ابنتي، ولماذا أمرهم الله بالصيام يا أبي؟ لأن الله يريد منهم أن يجربوا الجوع ~~وكيف يتألم الفقراء. # وكانت سعاد قد ms28 ملأت معدتها بالأكل، فقالت لأبيها: ولكنني يا أبي لا أشعر بالجوع، وأحس ~~أنني آكل وأشبع أكثر من أي وقت آخر، وكان فم أبيها في تلك اللحظة مملوءا بالطعام، ويده ~~تقبض على قطعة لحم محمرة وتوشك أن يرفعها إلى فمه، فاهتزت يده قليلا قبل أن تقترب من فمه، ~~ولم يستطع أن يفتح فمه ليرد على سؤال ابنته، وانتظر حتى مضغ الطعام وابتلعه ثم قال ~~لها: ولكننا نأكل يا ابنتي بالليل فقط ونصوم النهار كله طوال شهر رمضان، أما في الشهور ~~الأخرى فنحن نأكل بالنهار، وقالت سعاد: ونصوم بالليل يا أبي، لأننا ننام بالليل ولا نأكل ~~كما نأكل الآن، سكت أبوها لحظة أخرى وقال لها: هذا صحيح يا سعاد، ولكننا لا نشعر بالجوع ~~بالليل لأننا لا نحس أثناء النوم، ولكن في النهار نحس بالجوع، ونحس العطش أيضا في الأيام ~~الحارة. # وخيل إليها أن الفقراء يمكن أن يجوعوا، ولكنهم لا يمكن أن يعطشوا لأن الماء كثير ~~جدا وبغير ثمن، في الصنابير وفي البحر وفي النيل وفي الترع، وتساءلت بشيء من الدهشة: وهل ~~يعطش الفقراء أيضا يا أبي؟ لكن أباها كان قد أنهى طعامه فنهض، ولم تبق إلا أمها التي كانت ~~تختم طعامها بقطعة من الكنافة المحشية بالزبيب واللوز، فقالت لها: هل يعطش الفقراء يا أمي؟ ~~وقالت أمها وفمها مملوء: إنهم يجوعون فقط، ولكن الله فرض علينا الجوع والعطش في رمضان لنشعر ~~بالألم ونشفق على الفقراء ونحبهم ونعطيهم شيئا مما أعطانا الله، ونحمد الله على ما أعطانا ~~من طعام، وهل الله هو الذي أعطانا الطعام يا أمي؟ نعم يا ابنتي، الله هو الذي يرزق ويعطي من ~~يشاء ولا يعطي من يشاء، ولماذا أعطانا الله يا أمي؟ لأن الله يحبنا يا سعاد. # وشعرت سعاد بنوع من السرور، وحمدت الله بينها وبين نفسها لأن الله يحبهم ولم يجعلهم فقراء ~~يشحذون في الشوارع مثل ذلك الرجل الأعرج العجوز الذي تراه كل يوم وهي ذاهبة إلى المدرسة ~~وتخاف منه، وخيل إليها أن الله يكره الفقراء لأنه لم يعطهم ms29 شيئا، لكنها تساءلت: لماذا ~~يكره الله الفقراء؟ وإذا كان الله يكرههم ولم يعطهم شيئا، فلماذا يريد منا أن نحبهم ~~ونعطيهم مما أعطانا الله؟ # وكان أبوها قد عاد إلى المائدة ليتناول الحلوى بعد أن غسل يديه من أثر اللحم المحمر، ~~وسمعها وهي توجه أسئلتها لأمها، فقال لها: اسمعي يا ابنتي، الله له حكم كثيرة في هذه ~~الدنيا، وخلق الله كل شيء لحكمة معينة، وخلق الخير والشر، وخلق الفقر والغنى، إنه لا ~~يكره الفقراء ولكنه خلقهم ليمتحن الأغنياء ويرى هل سيعطون الفقراء أم لا، وهل نحن أغنياء يا ~~أبي؟ وابتسم أبوها وهو يقول: نحن لسنا أغنياء ولسنا فقراء، ولكننا مستورون والحمد لله، ما ~~معنى «مستورون» يا أبي؟ معناها أن ما عندنا يكفينا والحمد لله، وخيل لسعاد أن ما عندهم ~~يكفيهم فقط وليس لديهم ما يعطونه للفقراء، وأن الله فرض الصيام على الأغنياء فقط ليشعروا ~~بجوع الفقراء، لكن أباها قال لها إن الله فرض الصوم على جميع الناس أغنياء وفقراء ومتوسطين ~~مثلهم، وعلى كل إنسان أن يزكي من أمواله للفقراء بما يستطيع أن يدفع، ولكن لماذا يفرض الله ~~على الفقراء أن يصوموا في شهر رمضان وهم يشعرون بالجوع في الشهور الأخرى وليس عندهم طعام ~~يعطونه للفقراء؟ وسكت أبوها لحظة طويلة ثم قال: إن الصيام يا ابنتي ليس له غرض واحد، ~~وهذه هي حكمة الله، فالأغنياء يصومون ليتألموا كما يتألم الفقراء، والفقراء يصومون ليتعلموا ~~الصبر أكثر وأكثر ويذكروا الله، ولأن الصيام أحد أركان الإسلام، وهو واجب على كل مسلم ~~مثله مثل الصلاة والزكاة وحج بيت الله لمن استطاع إلى ذلك سبيلا. # ولم تستطع سعاد أن تفهم هذه الكلمات الأخيرة التي قالها أبوها، لكنها كانت قد عرفت أن ~~هناك كلمات وآيات يجب أن تحفظ عن ظهر قلب، وليس من الضروري أن تفهم بالعقل؛ لأن عقل ~~الإنسان أصغر من عقل الله، ولا يمكن أن يفهم كل حكم الله، وأن هناك أشياء سوف تفهمها حين ~~يكبر عقلها وتصبح امرأة كبيرة مثل أمها. # إلا أن أهم ما كان ms30 يشغلها في ذلك الوقت هو أن النهار يصبح طويلا في شهر رمضان، والحر ~~يزداد، والعطش يزداد، وتحس لسانها جافا داخل فمها، وشفتيها ملتهبتين بعد أن تجري وتلعب في ~~الشمس، وسمعت من أبيها أن الغرغرة أو مضمضة الفم بقليل من الماء لا تفسد الصيام، بشرط ألا ~~يبتلع الإنسان شيئا من الماء، وأصبحت حين يشتد جفاف لسانها وفمها تقف أمام الحوض وتملأ ~~فمها بالماء، ثم تبصقه وتكرر ذلك عدة مرات، وفي كل مرة تبتلع قليلا من الماء مع الهواء ~~الذي تتنفسه، وتتظاهر أنها نسيت أنها صائمة أو أن عضلات حلقها انقبضت رغم إرادتها، وتبصق ~~بقية الماء وهي تردد: أستغفر الله. # وفي يوم من الأيام، وقبل أن يضرب مدفع الإفطار، رأت أمها في المطبخ، ولمحتها وهي تقذف ~~داخل فمها شيئا وتبتلعه، وأدركت أن أمها تخدع الله كما تخدعه هي، وشعرت بنوع من الراحة، ~~ولم تكشف سر أمها لأحد، لكن أمها ضربتها تلك الليلة؛ لأنها لم تسمع كلامها ولم تغسل ~~قدميها قبل النوم، ونامت وقد قررت أن تكشف سرها لأبيها في الغد، لكن أباها قال لها: إن ~~أمها تفطر بضعة أيام في الشهر بسبب مرض معين، وذعرت سعاد وتصورت أن أمها مريضة وسوف ~~تموت؛ لكن أباها طمأنها وقال: إن هذا المرض يصيب كل النساء وكل البنات بعد سن معينة، ~~وتساءلت: هل جدتها وعمتها وخالتها أيضا يصيبهن هذا المرض؟ وقال أبوها: بالطبع، ثم سألت: ~~وهل أنا أيضا؟ وقال أبوها: إنها لا تزال صغيرة، ولكن بعد بضعة سنوات سيصيبها المرض كل ~~شهر مثل جميع النساء، وأصابها فزع شديد وسألت: وهل الرجال يصابون؟ وهل أخوها سيصاب حين ~~يكبر؟ وأكد لها أبوها أنه لن يصاب حين يكبر لأنه ولد وليس بنتا. # وحزنت سعاد وحسدت أخاها؛ لأنه خلق ولدا وليس بنتا، وشعرت أن الله يحبه أكثر منها؛ ~~لأنه لا يصيبه بهذا المرض حين يكبر، ولم تكن تعرف بعد ما هذا المرض، لكنها ظنت أنه ليس ~~مرضا بسيطا مثل البرد الذي يصيبها أحيانا، وإنما مرض آخر غامض، وهذا الغموض يشعرها ms31 بأنه ~~سر خطير، وظل عقلها قلقا يبحث عن السر إلى أن عرفته من زميلتها سميرة، وبدأت تلاحظ بقع ~~الدم أحيانا على ملابس أمها من الخلف، لكنها ظلت لا تفهم ما سر ذلك المرض الذي يجعل أمها ~~تنزف الدم ولا تصوم ولا تصلي. ~~••• # وعلمها أبوها الوضوء والصلاة، فأصبحت تتوضأ خمس مرات في اليوم وتصلي خمس مرات، الصبح ~~والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وحفظت عدد الركعات في كل صلاة، ومجموع الركعات في اليوم ~~سبع عشرة ركعة، وأثناء الوضوء تغسل وجهها ثلاث مرات، وأذنيها ثلاث مرات، وتمسح رأسها بيدها ~~ثلاث مرات، وتمضمض فمها ثلاث مرات، وتغسل ذراعيها وساقيها وقدميها ثلاث مرات، على أن تردد ~~وهي تغسل كل عضو عبارة: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، ثلاث مرات. # وتدربت سعاد على الصلاة، فهي تبدأها بعبارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تقرأ ~~الفاتحة وإحدى الآيات القرآنية التي حفظتها مثل «قل ~~أعوذ برب الناس» ~~أو «قل هو الله أحد»، وتنحني بظهرها إلى الأمام دون أن ~~تثني ركبتيها، ثم ترفع ظهرها وترفع ذراعيها إلى أعلى لتصبح يداها في مستوى رأسها وتقول: ~~الله أكبر، ثم تنحني وتثني ركبتيها وتركع حتى تلامس جبهتها الأرض وهي تقول: سمع الله لمن ~~حمده، وترفع رأسها من فوق الأرض لكنها تظل في وضع السجود وتقرأ إحدى الآيات، ثم تنهض ~~وتكرر هذه الركعات حسب كل صلاة، وقبل أن تنهي الصلاة وهي ساجدة تلتفت ناحية اليمين وتقول: ~~السلام عليكم ورحمة الله، ثم تلتفت ناحية اليسار وتقول: السلام عليكم ورحمة الله. # لم تكن تفهم بعد معنى الكلمات التي ترددها، لكنها حفظتها عن ظهر قلب، وعرفت من أبيها أنها ~~حين تصلي تصبح واقفة بين يدي الله، وعليها أن تكون خاشعة خافضة رأسها واضعة يديها فوق ~~صدرها، وعليها أن تطرد الشيطان من رأسها حتى لا يوسوس لها بأي شيء أثناء الصلاة، فالشيطان ~~يلازم الإنسان كظله ولا بد من طرده أثناء الوقوف بين يدي الله، ولا يصح للإنسان أن يجمع ~~بين الشيطان والله في وقت واحد؛ لأن صوت ms32 الشيطان قد يصرف ذهن الإنسان عن صوت الله، وأثناء ~~الصلاة لا بد من أن يفرغ الإنسان ذهنه بأكمله لله سبحانه وتعالى، ليسمع صوته، ويحس وجوده، ~~ووجود الملائكة من حوله، وعلى الأخص هذين الملاكين اللذين يقفان عن يمينها وعن يسارها ~~ليحفظانها أثناء الصلاة من الشيطان وغيره من الأرواح الشريرة، وعليها أن تودعهما في ختام ~~الصلاة وتلتفت إلى كل منهما وتقول له: السلام عليكم ورحمة الله. # استمعت سعاد إلى أبيها وهو يتحدث عن الله، وصوت أبيها حين يتحدث عن الله يصبح منخفضا ~~مهيبا له رهبة، تملأ قلبها بإحساس غامض من الخوف، وحين تبدأ الصلاة وتقول: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم لا تعرف إذا ما كان الشيطان قد طرد أم لا، فترددها عدة مرات لتطمئن أنها ~~طردته ولم يبق له أثر، وتسري فوق جسدها قشعريرة حين يصور لها عقلها أن الله أصبح واقفا ~~أمامها، وأن صوته يمكن أن يصل إليها، ويخيل إليها وهي تسجد أن صوتا ما يهمس لها، وترتجف ~~من الخوف، فهي لا تعرف هل هو صوت الله أم أن الشيطان لا زال ملازما لها كظلها. # وظلت متحيرة لا تعرف كيف تفرق بين صوت الله وصوت الشيطان، وسألت أباها يوما، فقال لها ~~أبوها أن صوت الله يأمرها بالطاعة وصوت الشيطان يأمرها بعدم الطاعة، وأن الذي يطيع ~~أباه وأمه يذهب إلى الجنة، والذي يطيع الشيطان يحرق في نار جهنم، وأن الله يراقب الإنسان ~~ويراه في كل لحظة من النهار والليل، ولا يمكن للإنسان أن يكذب على الله لأن الله يعرف كل ~~شيء ولا يمكن لأحد أن يخفي عنه شيئا. # ويزداد فزعها بعد هذه الفكرة؛ لأنها تعرف أنها تخفي عن الله أشياء كثيرة، وكانت تظن أن ~~الله لا يراها ولا أحد يراها، أما الآن فهي لا تعرف ماذا تفعل، بل لا تعرف ما الذي سيفعله ~~بها الله بسبب ما مضى، وبسبب ما اقترفته من ذنوب كثيرة، وهي لم تفعل هذه الذنوب إلا أنها ~~كانت تظن أنه حين تكون وحدها تكون وحدها، وأن أحدا لا ms33 يراها حين تكون في حجرتها المغلقة، ~~أو حين تصعد إلى الفصل وتفتح حقيبة «محمد» لتأكل الكعكة قبل أن يدخل أحد، أو حين تخفي يدها ~~باللب دون أن يراها البائع، أو حين تختفي تحت السرير مع أختها وأخيها ويلعبون، أو حين تبتلع ~~بعض الماء قبل أن يضرب المدفع في شهر رمضان. # لكنها أصبحت الآن تدرك أنها لا تكون وحدها أبدا، وأن الله يراها في كل لحظة، وقد رآها في ~~كل مرة أكلت فيها كعكة محمد، ورآها في كل مرة ملأت يدها باللب، ورآها في كل مرة تحت السرير، ~~ورآها في كل مرة ابتلعت فيها الماء قبل المدفع. # إلا أن عقلها ظل لفترة من الوقت عاجزا عن تصديق أنها حين تكون وحدها لا تكون وحدها، وأن ~~عينين أخريين تريانها مع أنها لا تراها، لم تستطع أن تدرك كيف يمكن لتلكما العينين أن ~~تخترقا السقف والجدران والباب وتصل إليها وهي جالسة وحدها في حجرتها، أو تحت السرير، وهل ~~يمكن أن يكون الله مثل الأرواح الشريرة والعفاريت التي تدخل من ثقوب النافذة وشقوق ~~الباب؟ وتصورت أول الأمر أن الله قد رآها وهي تسرق اللب؛ لأنها كانت واقفة في الشارع بجوار ~~عربة اللب، ولا يفصلها عن السماء سقف، ويمكن لله وهو في السماء أن يراها بسهولة، لكن أسئلة ~~كثيرة خطرت لعقلها، كيف يقف الله في السماء؟ وهل هو يقف أم يجلس، وهو في كلا الحالين سواء ~~الجلوس أو الوقوف لا يستطيع أن ينظر إلى الأرض، ولا بد له أن ينام أو ينبطح ليتجه وجهه ~~إلى أسفل ليستطيع أن يرى الأرض ويراقب الناس وهم سائرون في الشوارع أو واقفون بجوار عربات ~~اللب، وكيف يمكنه أن يراقب كل هذا العدد الكبير من الناس في كل تلك الشوارع الطويلة الواسعة ~~الممتدة بلا نهاية، وخيل إليها أن الله لم يرها حين سرقت اللب؛ لأنه كان مشغولا بغيرها ~~من الناس في الشارع الواسع، أو لأن هناك عربات لب أخرى في الشوارع الأخرى، وربما كانت ~~محظوظة فاتجهت عيني الله إلى عربة ms34 أخرى في اللحظة التي ملأت بها يدها باللب. # إلا أن كل هذه التساؤلات لم تجد الإجابة عنها في عقلها، وأصبحت تتخوف من أن يراها الله ~~حتى وهي داخل دورة المياه والباب مغلق عليها، وتتحرج حين تخلع السروال لتبول متصورة أن عيني ~~الله تريانها، بل كان يخيل إليها أن الله يقف وراءها وتكاد تحس أنفاسه فوق عنقها من ~~الخلف، وتسري فوق جسدها قشعريرة، وتلتفت وراءها بسرعة متصورة أنها ستجد شخصا خلفها لكنها ~~لا تجد أحدا، وسألت أباها مرة: كيف ينفذ الله من خلال الجدران والباب؟ فقال لها أبوها: إن ~~الله روح فقط وليس له جسد، أما الإنسان فله روح وجسد، وخيل إليها أن الإنسان يملك أشياء ~~أكثر مما يملكها الله؛ لأن الله له روح فقط أما الإنسان فله روح وجسد، لكن أباها أمرها أن ~~تستغفر الله ثلاث مرات، فالله يملك السموات والأرض ويملك الكون كله بما فيه الناس، أما ~~الإنسان فهو أحد مخلوقات الله ولا يملك شيئا، بل لا يملك حياته لأن الله يستطيع أن يميته ~~في أي لحظة شاء. # في كل مرة تسمع أباها يتحدث عن الله يزداد خوفها، ويزداد إحساسها بالذنب، وأن الله رآها ~~وهي تفعل كل الذنوب السابقة، وأنها لا محالة ذاهبة إلى النار، ولن تنجو من عقاب الله مهما ~~فعلت، ومهما صلت وصامت، لن الله رآها وانتهى الأمر، ولا يمكن لها أن تخدع الله بذلك السجود ~~والركوع، فالله يعرف أنها مذنبة وأنها تستحق العقاب، وسوف يوقع عليها العقاب سواء صلت أم ~~لم تصل، وأعطاها هذا اليأس راحة كبيرة، فانقطعت بضعة أيام عن الصلاة، ونسيت الكثير مما ~~قاله أبوها، وتخفف قلبها من مشاعر الخوف والذنب التي كانت تلازمها، وعادت تستسلم للذائذ ~~والأشياء التي تحبها، لكنها ظلت تشعر بالذنب كلما مدت يدها لتملأها باللب، وتحس أن الله ~~قد يراها حين تدخل تحت السرير، لكن الإحساس بالذنب سرعان ما يفارقها، ويخيل إليها أن ~~الله لم يرها، وعقلها لا زال عاجزا عن تصور كيف يمكن لله أن يراها، أو أنها تصورت ms35 ذلك من ~~قبل، ولم يعد هناك أي أمل في دخول الجنة مهما فعلت، وبدت لها الآخرة بعيدة جدا وموتها ~~بعيدا أو مستحيلا، فلم يكن عقلها قادرا بعد على إدراك أنها يمكن أن تموت. # ولاحظ أبوها انقطاعها عن الصلاة والصوم، وسألها عن السبب، ولم تستطع أن تقول لأبيها إنها ~~اقترفت ذنوبا كثيرة وأن الله رآها وسوف يعاقبها، وقالت لأبيها إنها لا تصلي لأنها لا تعرف ~~كيف تطرد الشيطان، ولا تعرف كيف تفرق بين صوت الله وصوت الشيطان، وهي تحس أنها مذنبة وسوف ~~تدخل النار وصلاتها لن تنفع، وقال لها أبوها إنها لا زالت صغيرة السن ولم تقترف أي ذنوب ~~خطيرة بعد، وأن كل الناس تخطئ، والإنسان بطبيعته يميل إلى الشر ويذنب، لكن الله يغفر ~~الذنوب لمن يصلي ويستغفر الله، وقد خلق الله الصلاة ليعطي الإنسان فرصة ليطلب مغفرة الله، ~~والله غفور رحيم. # وأحست سعاد بالراحة، وعادت إلى الصلاة، وفي كل مرة تتوضأ ترفع صوتها عاليا وهي تردد: ~~أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، وفي بدء الصلاة تردد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~وتسري فوق جسدها قشعريرة حين يصور لها عقلها أن الشيطان ~~لا زال يلازمها، وأنها لن تعرف صوت الشيطان من صوت الله، لكنها بدأت تدرك أن صوت الشيطان هو ~~الذي يهمس لها بالأشياء اللذيذة التي تحبها، مثل سرقة اللب، أو ممارسة تلك اللعبة تحت ~~السرير، أو التهام كعكة محمد، أو ابتلاع الماء قبل موعد الإفطار، وخيل إليها أنها كلما ~~أحست بلذة ما فهذا دليل على أنها فعلت شيئا بأمر الشيطان وليس بأمر الله، ولكن إحساسها ~~بالذنب سرعان ما يتلاشى بعد أن تصلي وتستغفر الله. # وبينما هي تتناول طعام الغذاء ذات يوم، ~~وكانت أمها أعطتها نصف حمامة محشوة بالفريك، وهي تحب الحمام المحشو بالفريك أكثر من أي طعام ~~آخر، وكانت جائعة تلتهم الطعام بلذة شديدة، فجأة تذكرت الشيطان، واعتقدت أنه هو الذي يوحي ~~إليها بهذه اللذة، ونهضت إلى المطبخ وأعطت نصف الحمامة لفتحية، ولأول مرة في حياتها وقد ~~استطاعت أن ms36 تقاوم اللذة التي وسوس لها بها الشيطان، كما أنها أعطت فتحية شيئا مما أعطاها ~~الله. # ولم تستطع أن تكتم خبر هذا الانتصار عن أبيها، لكن أباها قال لها: إن الله لم يقل لها ~~أن تعطي طعامها للخادمة، فالخدم لهم طعامهم الذي يعطيه الله لهم، وأصحاب البيت لهم طعامهم، ~~وأن لذة الأكل ليست محرمة، فسألت سعاد عن اللذائذ المحرمة حتى تقاومها، فسكت أبوها لحظة ~~ثم قال لها إنها ستعرف هذه الأشياء حينما تكبر، وأن لذة الأكل ليست ضمن اللذائذ ~~المحرمة. # ومنذ ذلك اليوم أصبحت تأكل بحرية، بل وبشراهة أيضا، فقد أيقنت أن لذة الأكل مباحة، ~~تمارسها دون أن تشعر بالذنب الذي كان يلازمها حين تشعر بلذة أخرى. ~~••• # ظلت سعاد تشعر بتلك اللذة العارمة حين تركب القطار، وتحس حركته السريعة، هو مندفع إلى ~~الأمام، يصفر وينفث الدخان الكثيف، وعجلاته تصطك بالقضبان، وأعمدة السواري تجري متراجعة إلى ~~الخلف بسرعة جنونية، وكانت تقفز على مقعدها من الفرح متصورة أنهم مسافرون إلى بيت جدتها، ~~وأنها ستلعب في الحقل مع زكي وأولاد عمتها، لكن أمها قالت لها إنهم ليسوا مسافرين إلى بيت ~~جدتها في كفر الباجور، ولا إلى بيت جدها في العباسية، ولكن أباها انتقل من الإسكندرية إلى ~~بلدة أخرى اسمها دسوق. # ولأول مرة يلتقط عقلها تلك الأسماء: كفر الباجور، العباسية، الإسكندرية، دسوق، وسألت ~~أمها: هل دسوق فيها بحر مثل الإسكندرية؟ وقالت لها أمها إن دسوق ليس فيها بحر، ولكن فيها ~~نيل مثل النيل في كفر الباجور، وفيها حقول، وفيها بيوت جميلة نظيفة وليست مثل بيوت كفر ~~الباجور، وفرحت سعاد بحجرتها الجديدة في البيت الجديد، وكانت لها نافذة كبيرة عليها القضبان ~~الحديدية، لكنها كانت تطل على حقل كبير تسطع فيه الشمس على سنابل القمح الذهبية، تحوطه ~~أشجار كثيفة تطير فوقها العصافير، وحمام أبيض يقف على أسطح البيوت المنخفضة، وبط يعوم في ~~فناء الماء الصغيرة المجاورة للحقل. # وفي الحقل كان هناك ولد اسمه صبري، يرتدي جلبابا طويلا فيه خطوط حمراء وبيضاء، يشمر ~~الجلباب ويرفعه حتى بطنه، ثم ms37 ينزل بساقيه في القناة ويصنع بيديه في الطين فتحة كبيرة ~~يندفع منها الماء من القناة إلى الحقل ويروي الزرع، وفي بعض الأحيان يمسك الفأس الصغيرة ~~ويضرب الأرض بقوة. # وأصبحت سعاد تنزل إلى الحقل، تراقب صبري وهو يحرك ذراعيه بقوة ويضرب الأرض بفأسه، وتطلب ~~سعاد من صبري أن يعطيها الفأس لتفحت الأرض مثله، فيضحك صبري ويقول لها إنها ترتدي فستانا ~~وحذاء، ولا يمكن أن تفحت الأرض بالفستان والحذاء، وتخلع سعاد حذاءها بسرعة، وتشمر فستانها ~~وتأخذ الفأس من صبري وتضرب الأرض. # حركة ذراعيها وهما ترتفعان في الهواء ثم تنخفضان بقوة تشعرها بلذة عجيبة، وملمس الطين ~~تحت قدميها الحافيتين يبعث في جسدها نشوة، وساقاها وهما تجريان بأقصى سرعتها تسابق الحمام ~~وهو يطير، وكأنها على وشك أن تطير في الجو، وصدرها ينفتح ويمتلئ بالهواء المنعش، وسنابل ~~القمح الذهبية تهتز وترقص تحت الشمس، وحركة جسمها لا يعوقها شيء، والحركة تصل إلى كل خلية ~~في جسدها وعقلها في وقت واحد، فإذا بكيانها كله يتحرك كأنه خلية واحدة مترابطة الأجزاء في ~~انسجام كامل مع ذراعيها وساقيها، ومع أجنحة الحمام وهو يطير، وسنابل القمح وهي تهتز ~~وترقص. # أكثر ما كانت تحبه في دسوق هو النزول إلى الحقل، وأشد ما كانت تكرهه هو الذهاب إلى ~~المدرسة والجلوس في الفصل، الساعة وراء الساعة تقضيها وهي جالسة إلى درجها الخشبي، جسدها ~~محشور بين لوحين من الخشب، واحد منهما يضغط على ظهرها من الخلف، والثاني يضغط على بطنها من ~~الأمام، ومن تحته المقعد يضغط على أليتيها، وقدماها مرفوعتان تحت الدرج على عمود خشبي، ~~والمدرس واقف عند السبورة يشير بعصاه الطويلة المدببة، أو يتمشى بين صفوف التلاميذ وعصاه ~~خلف ظهره تهتز، وزر طربوشه من الخلف يهتز، وتطبق سعاد شفتيها حتى لا تفلت من بينهما الضحكة، ~~ويهتز جسدها بالضحك المكتوم، فيلسعها المدرس على ظهرها بالعصا ويقول: اجلسي على بعضك ولا ~~تهتزي كالزنبلك. # أمامها كانت تجلس تلميذة اسمها «مختارة» لم يكن المدرس يضربها بالعصا مهما ضحكت، وإنما ~~يقول لها: لا تضحكي يا «مختارة»، وانتبهي للدرس، ms38 وإلا قلت لأبيك. ووراءها كان يجلس تلميذ ~~اسمه «فتحي»، يضربه المدرس أكثر من أي تلميذ آخر، ويقول له دائما: يا حيوان يا ابن ~~الحيوان. وإلى جوارها ناحية اليمين كانت تجلس تلميذة عرجاء اسمها «فاطمة»، تضع تحت إبطها ~~عكازا حين تمشي، وحين تجلس تركن العكاز إلى الجدار المجاور لها، ولم تكن سعاد تقترب من ~~هذا الجدار، وتخاف من منظر العكاز الغريب، ويذكرها بعكاز الشحاذ العجوز الذي كان يدب ~~خلفها وهي تسير في الشارع، وتتصور أنه سينقض عليها من الخلف. # إلى جوارها ناحية اليسار كان يجلس تلميذ اسمه «ميشيل»، ابتسم لها أول ما رآها وقال لها: ~~ما اسمك؟ فقالت: سعاد، وفي الفسحة أعطاها ميشيل نصف الساندوتش الذي كان معه، ولعبا معا في ~~الفناء، وصعدا إلى الفصل معا، وفرحت سعاد لأنها أصبح لها صديق آخر. # وفي اليوم التالي جاءتها تلميذة طويلة اسمها «زينب» تجلس في الصف الأخير، وقالت لها: ما ~~اسمك؟ قالت: سعاد. قالت لها: هل أنت مسلمة؟ قالت: نعم. فقالت: الحمد لله، كنت أظنك عضمة ~~زرقاء. ولم تفهم سعاد ما معنى كلمة عضمة زرقاء، فقالت لها إن عضمة زرقاء يعني قبطي، والقبطي ~~ليس مسلما وإنما كافر، والكفرة كلهم سيدخلون النار لأنهم لا يؤمنون، وحياتهم كلها حرام في ~~حرام، وفلوسهم حرام، وأكلهم حرام، وميشيل قبطي مثلهم، وسوف يدخل النار معهم، وأكله ~~حرام. # وأحست سعاد برعدة خفيفة تسري فوق جسدها، وحينما التفت إليها ميشيل وابتسم لم تبتسم له، ~~وحينما مد يده بنصف الساندوتش قالت له بصوت مرتعش إنها ليست جائعة، وفي الفسحة حين قال ~~لها هيا نلعب في الفناء، ردت بأنها لا تريد أن تلعب. # وحين عادت سعاد إلى بيتها ذلك اليوم سألت أباها: هل صحيح أن الأقباط كفرة وسيذهبون إلى ~~النار؟ وقال أبوها: إن المسلمين فقط هم الذين سيدخلون الجنة؛ لأنهم يؤمنون بالله وبسيدنا ~~محمد رسول الله، أما الأقباط فلا يؤمنون بسيدنا محمد، ويؤمنون بسيدنا عيسى ويسمونه المسيح، ~~ويعتقدون أن المسيح ابن الله، وهذا كفر شديد عقابه نار جهنم؛ لأن الله واحد أحد ms39 لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له شريكا أحد. # وأصبحت سعاد كلما تتعرف على تلميذة جديدة أو تلميذ جديد تسأله: هل أنت مسلم أم قبطي؟ ~~وحمدت الله لأن الفصل كله لم يكن فيه إلا ميشيل، القبطي الوحيد، وكانت تراه جالسا في ~~الفناء وحده يراقب التلاميذ وهم يلعبون، وأحيانا كانت الشمس تسقط على وجهه فيبدو وجهه ~~محمرا، ويخيل لسعاد أن الله سيجعل الشمس تتحول إلى نار لتحرق وجه ميشيل، وترتعد أحيانا ~~من احمرار وجهه تحت الشمس، وتظن أن الأشعة ستنقلب نارا بين لحظة وأخرى، وتبتعد عنه، وتقف ~~في الركن الآخر من الفناء، والذي لا يمكن أن تصل إليه النار، أو أنها تستطيع أن تجري قبل أن ~~تصلها. # وفي يوم جاء ميشيل وسأل سعاد قائلا: لماذا تخاصميني يا سعاد؟ وردت عليه سعاد بأنه كافر ~~وسيدخل النار، وهي مسلمة وستدخل الجنة، وهي لا تريد أن تكلمه لأن الله قد يدخلها النار معه ~~إذا صادقته، وقال لها ميشيل إنه ليس كافرا، وإنه سيدخل الجنة مثلها لأنه يؤمن بالله ~~وبالمسيح ابن الله، وقالت سعاد إن الله لم يلد المسيح ولم يلد أي حد، ورد ميشيل أن المسيح ~~ابن الله، وإلا فمن أين جاء المسيح، وهل يمكن أن يولد أحد بدون أب؟ ولم تعرف سعاد كيف ترد ~~على السؤال، وكانت تعرف من قبل أن الطفل لا يولد إلا إذا نام الأب والأم في سرير واحد، ~~وانتظرت حتى عادت إلى البيت وسألت أباها، وقال لها أبوها: إن سيدنا عيسى ولدته ستنا مريم ~~العذراء بغير أب؛ لأن الله نفخ من روحه فيها، وهذه هي إحدى معجزات الله، والله قادر على كل ~~شيء، وهو الذي خلق الإنسان، وهو الذي خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل شيء في ~~الكون، خلقه كله في سبعة أيام، ويستطيع أن يهده كله في لحظة واحدة بأن يأمر السماء فتسقط ~~فوق الأرض ويموت كل الناس. # وتتساءل سعاد بدهشة: هل يمكن أن تقع السماء على الأرض يا أبي؟ ويرد أبوها: طبعا يا ~~ابنتي، وسوف يحدث ms40 هذا في يوم القيامة حينما يأمر الله الشمس والقمر والسماء فتسقط كلها فوق ~~الأرض، ويموت كل الناس، ثم يصحون مرة أخرى ليحاسبهم الله على أفعالهم في الدنيا، ويمشون ~~على الصراط المستقيم، وهو حبل طويل رفيع كالشعرة مشدود فوق النار، وفي نهايته الجنة، وتفتح ~~سعاد فمها مشدوهة وتقول: وكيف يسير الناس على هذا الحبل الرفيع يا أبي؟ ألا يسقطون؟ ويقول ~~أبوها وهو يفرك يديه في حماس: الذين يسقطون هم الكفرة والمشركون والذين لم يطيعوا الله من ~~المسلمين، وهؤلاء يترنحون ويسقطون في النار، أما هؤلاء المسلمين الذين أطاعوا الله ورسوله ~~فيمشون فوق الصراط المستقيم بسهولة ويصبح جسمهم خفيفا، ويعرفون كيف يحفظون توازن جسمهم، ~~ويجرون فوق الصراط إلى أن يصلوا إلى الجنة. وتظل سعاد فاتحة فمها في دهشة، ويظل السؤال ~~يتردد في عقلها: كيف يمكن لإنسان أن يمشي بقدميه فوق شعرة رفيعة؟ ألا تنقطع الشعرة؟ ألا ~~يسقط جسم الإنسان من فوقها؟ وكيف يمكن أن يحفظ الجسم توازنه؟ # السؤال كان يخطر في عقلها حين تجتاز قناة الماء فوق تلك الماسورة الرفيعة، وهي أغلظ بكثير ~~من الشعرة، ومع ذلك فإن جسدها يترنح وتكاد تسقط في القناة، لولا أن القناة ضيقة، وهي تقفز ~~بسرعة إلى الناحية الأخرى قبل أن تسقط في الماء. # وفي يوم من الأيام ذهبت سعاد مع أبيها وأختها وأخيها إلى السرك الذي نصب خيمة كبيرة بجوار ~~الكوبري على الناحية الأخرى من النيل، وجلست سعاد إلى جوار أبيها تتابع ألعاب الحيوانات في ~~سعادة ولذة، إلى أن جاء دور الرجل الذي يسير على الحبل المشدود بين شجرتين عاليتين، وتذكرت ~~سعاد على الفور الصراط المستقيم، وتعلقت عيناها وأنفاسها بقدمي الرجل وهما يتأرجحان فوق ~~الحبل، وكلما هم الرجل بالسقوط صرخت سعاد من الفزع، لكن أباها طمأنها وقال لها: إن ~~الرجل مدرب على السير فوق الحبل ولن يقع. واطمأنت سعاد وسألت أباها فجأة: هل الصراط ~~المستقيم مثل هذا الحبل يا أبي؟ وقال أبوها: إن الصراط المستقيم أرفع من الحبل لأنه شعرة. ~~وسكتت سعاد قليلا، وأحست أن من الضروري ms41 أن تلتحق بالسرك لتدرب نفسها على السير فوق ~~الحبال الرفيعة جدا حتى لا تسقط من فوق الصراط المستقيم، لكن أبوها أكد لها أن التدريب لن ~~ينفع أحدا في يوم القيامة، ولكن الذي ينفع الإنسان في ذلك اليوم هو صلاته وزكاته وصيامه ~~وطاعته لله ولأبيه وأمه. ~~••• # كثيرا ما كانت سعاد تنسى الصراط المستقيم وتنسى الجنة والنار، وتنطلق تجري في الحقل ~~وتلعب، لذتها وهي تحرك ذراعيها وساقيها في الهواء تفوق أي لذة، وتطغى في عقلها على كل شيء، ~~وتنسيها كل شيء حتى الأكل، فلا تشعر بالجوع، وحينما تنادي أمها عليها من النافذة لأن موعد ~~الغذاء قد حان، تختفي وراء الشجرة وتظل تجري في الحقل، وتحرك ذراعيها وساقيها في الهواء، ~~وتلعب. # وأشد ما كانت تكرهه أن ينادي عليها أبوها لتذاكر، ولا يمكنها أن تختفي وراء الشجرة أو أي ~~شيء، فهي تخاف من أبيها أكثر من أمها، ويد أمها مهما ضربتها فهي لا تؤلمها، وعيناها حين ~~تغضب منها لا تكسوهما تلك الحمرة المخيفة التي تجعل عيني أبيها ليس عيني أبيها وإنما عينا ~~رجل آخر لا تعرفه، وتتراجع إلى الوراء مبتعدة عن أبيها محاولة الالتصاق بأمها، فأمها هي ~~أمها، ومهما أخطأت ولم تسمع كلامها تظل أمها، وحين رسبت في امتحان نصف السنة وحبسها أبوها ~~في حجرتها بغير غذاء ولا عشاء، أحضرت إليها الطعام في حجرتها، وربتت عليها قبل أن تنام، ~~فلفت ذراعها حولها وقالت لها: أنا أحبك يا ماما. فقالت لها: وأنا أحبك يا سعاد. وقالت لها: ~~ولكن أبي لا يحبني. وقالت لها: أبوك يحبك يا سعاد، ولكنك حين تلعبين ولا تذاكرين وترسبين في ~~الامتحان فإنه لا يحبك لأنه يريدك ناجحة. وقالت سعاد: ولكنك يا أمي تحبينني سواء رسبت أو ~~نجحت. وقبلتها أمها وهي تقول: أنا أحبك سواء رسبتي أو نجحتي، ولكني أحبك أكثر حين تنجحين. ~~وقالت سعاد: ولكني لا أحب المذاكرة ولا أحب المدرسة. وتسألها أمها: ولماذا يا سعاد لا تحبين ~~المدرسة ولا تحبين المذاكرة؟ # وتطبق سعاد شفتيها في صمت، لا تعرف لماذا تكره ms42 المدرسة ولماذا تكره المذاكرة ، كل ما تعرفه ~~أنها تكره الجلوس كل تلك الساعات بغير حركة، وتكره تلك الكلمات التي تحفظها وتسمعها أمام ~~المدرس دون أن تفهم منها شيئا، وإذا نسيت جملة أو أخطأت في كلمة لسعها المدرس بالعصا على ~~يدها ويقول لها يا حمارة، وزميلتها مختارة لا يضربها المدرس ولا يقول لها يا حمارة مهما ~~نسيت ومهما أخطأت، ولم تكن تعرف لماذا لا يضربها المدرس كما يضرب كل التلاميذ حتى قالت ~~زميلتها فاطمة أن مختارة بنت المأمور، وكل الناس في دسوق تخاف من المأمور وتعمل له ألف ~~حساب. # وسألت سعاد أمها عن المأمور، وهل المأمور أحسن من أبيها، ولماذا يخاف الناس من المأمور ~~ولا يخافون من أبيها، وقالت أمها: إن الناس تخاف من المأمور لأنه يستطيع أن يدخلهم السجن، ~~وعنده عساكر، أما أبوها فليس عنده عساكر. # وأغمضت سعاد عينيها لتنام ولتحلم أن أباها أصبح مأمورا، وأصبح لديه عساكر كثيرون يحملون ~~البنادق وكل الناس تخاف من أبيها، وفي الفصل يبتسم لها المدرس ويربت على ظهرها كما يفعل مع ~~مختارة، ولا يضربها ولا يقول لها يا حمارة. # وفي الصباح جاء أبوها إلى حجرتها وربت على ظهرها، وقال لها إن أمامها فرصة جديدة للمذاكرة ~~حتى لا ترسب آخر العام، وإنه سيشتري لها إذا نجحت هدية جميلة، ولفت سعاد ذراعها حول أبيها ~~وقالت له: أنا أحبك يا بابا. وقال أبوها وهو يربت عليها: وأنا أحبك يا سعاد، ولكني لن أحبك ~~إذا رسبت مرة أخرى. # وتوضأ أبوها ليصلي، وكانت سعاد قد نسيت الصلاة، فذكرها أبوها بها وقال لها إن الله سوف ~~يرضى عنها وينجحها إذا صلت وأطاعت الله، وطاعة الوالدين من طاعة الله. # وانتظمت سعاد في الصلاة مرة أخرى، وبدأت تحبس نفسها في حجرتها وتجلس إلى مكتبها الصغير ~~وتحفظ الدروس، لكنها ما أن تسمع صوت الأطفال تحت النافذة حتى تقفز وتجري لتلعب معهم في ~~الحقل. # حركة جسمها وهي تجري تبعث فيها اللذة، وتشتد اللذة حين تمسك الفأس وترفعه عاليا في ~~الهواء ثم تهوي به على ms43 الأرض في ضربات قوية ، وتلك البذور الصغيرة التي تدفنها في التراب ~~وترويها بالماء، فإذا بها بعد بضعة أيام تبرز فوق الأرض خضراء ناعمة، تلمسها بأطراف ~~أصابعها، وفي كل يوم تراها تنمو وتكبر وأوراقها الخضراء تحت أشعة الشمس تلمع وتهتز كأنما ~~ترقص، وتغوص بيديها في طين القناة لتصنع فتحة تجري فيها المياه من القناة لتروي الزرع ~~الأخضر، ويراها أبو صبري فيقول لها: يا ست سعاد، ملابسك اتسخت بالطين، وأبوك سيغضب منك ~~ويضربك، اذهبي يا بنتي وذاكري دروسك واتركي هذا العمل القذر لنا نحن الفلاحون، وتقول سعاد ~~إنها تحب هذا العمل عن المذاكرة، ويقول لها صبري إنه يود ألا يشتغل في الحقل ويذهب إلى ~~المدرسة ويقرأ ويكتب، ويصبح موظفا محترما وليس فلاحا فقيرا، وتقول له سعاد إنها تحسده؛ ~~لأنه لا يذهب إلى المدرسة ولا أحد يقول له يا حمار، ولا أحد يحبسه داخل الحجرة أو داخل ~~الفصل ويجري طوال النهار في الحقل الواسع مع الحمام والعصافير، يحرك ذراعيه وساقيه تحت ~~الشمس، ويملأ صدره بالهواء المنعش، ويقول صبري إنه مستعد لأن يبادلها حياته، فيأخذ أباها ~~الموظف ويعيش في البيت النظيف، وينام في السرير تحت البطاطين ويأكل البيض والدجاج ويذهب إلى ~~المدرسة ويرتدي الحذاء والبدلة، وتذهب سعاد لتعيش في كوخهم الطيني على حافة النيل، وتنام ~~على الأرض، وتأكل المش الحراق، وتأخذ أباه الفلاح الذي يسير حافيا ويرتدي الجلباب الممزق ~~والطاقية الجرباء. # ولم تكن سعاد تتصور أن أباها يمكن أن يكون فلاحا فقيرا، وكانت تتصوره مأمورا أو وزيرا ~~أو حتى ملكا، لكنها كانت تكره المدرسة وتكره أن يحبسها أبوها في حجرتها لتذاكر، وتحب الحقل ~~وفحت الأرض بالفأس وتحريك ذراعيها وساقيها والجري فوق أرض واسعة. # وفي يوم ذهبت مع صبري إلى بيتهم الطيني على حافة النيل، ورأت أمه بجلبابها الطويل الأسود ~~تعلوه بقع الطين، وأخوته الصغار أردافهم عارية، مغطاة بالطين، وأنوفهم وعيونهم سائلة ومغطاة ~~بالذباب، والبيت ليس بيتا فيه حجرات، ولكنه حجرة واحدة سقفها من الطين والبوص وأرضها تراب، ~~وأشار صبري إلى ركن في الحجرة وقال ms44 لسعاد: أنا أنام هنا ، ~~وأتغطى بهذه الزكيبة في الشتاء، ولم تعرف سعاد ما هي الزكيبة، لكنها رأت شوالا فارغا من ~~الخيش، نفضه صبري من التراب وفرشه على الأرض قائلا: تفضلي اجلسي يا سعاد، وقالت أمه وهي ~~تجفف يديها السمراوين المشققتين في جلبابها وتمسح العرق عن وجهها الطويل النحيل: يا مرحب يا ~~ست سعاد. # قبل أن تنام سعاد تلك الليلة، وإلى جوارها أمها تربت عليها بيدها البيضاء السمينة وجسمهم ~~الناعم الأبيض داخل قميص نوم حريري، وسريرها دافئ، وهي راقدة تحت البطاطين الصوفية، حمدت ~~الله بينها وبين نفسها لأن الله لم يجعلها مكان صبري، وكانت قد نسيت وهي تتأرجح بين النوم ~~واليقظة المدرسة والمذاكرة والامتحان وكل شيء. # لكن ما أن تشرق الشمس، ويلمع الزرع الأخضر تحت الأشعة الذهبية كأنه يرقص، ويرفرف الحمام ~~بأجنحته في الهواء، وتلمح صبري من النافذة مشمرا عن جلبابه يضرب الأرض بالفأس، أو يروي ~~الزرع ويحرك يديه في ماء القناة أو يجري وراء الحمام ويحرك ذراعيه وساقيه في الهواء، حتى ~~تتململ سعاد وهي جالسة إلى مكتبها تذاكر، وتحس بجسدها محشوا بين المقعد والمكتب، والخشب ~~يضغط على بطنها من الأمام وظهرها من الخلف، وقدماها وساقاها لا تتحرك، ثابتة تحت المكتب ~~كأنما مقيدة بالحديد، ولا شيء فيها يتحرك، وعقلها أيضا لا يتحرك، عيناها ثابتتان فوق ~~الأرقام أو الكلمات، تحفظ شكلها، وتصنع لها ذيولا لتربطها بعضها بالبعض فيسهل حفظها، فهي ~~تبدو لها أرقام متفرقة، وكلمات لا يربط بينها شيء، وقواعد غير مفهومة، وتضاريس في الشرق ~~والشمال والجنوب والغرب، وحوادث منذ قرون في بلاد لا تعرفها، وملوك وغزوات ومواقع لا أول ~~لها ولا آخر، وقواعد النحو والإعراب والممنوعات من الصرف والمبني للمجهول ونون النسوة وجمع ~~التكسير. # وكان أبوها قد أحضر لها مدرسا خاصا بالبيت، يهز رأسه وهو يقرأ قواعد النحو كأنه ~~يرتل القرآن، ولسانه ثقيل، ويغمض عينيه ويفتحهما ثم يغمضهما ويفتحهما، وهو يردد: أأأأ ~~فهمت؟ وتقول سعاد: لا، ويربش المدرس بعينيه قائلا: ليس من الضروري أن تفهمي، عليك ~~بالحفظ! # وفي المدرسة، كان المدرس ms45 يقف بجوار السبورة وفي يده العصا الطويلة المدببة أو يمر بين ~~الصفوف يلسع التلميذات والتلاميذ على ظهورهم، ~~وهو يقول: انتبه يا ولد أنت وهو، وانتبهي يا بنت أنت وهي، وتلتقط أذنا سعاد المدرس وهو ~~يتكلم عن بلد اسمها الصين، والصينيون بنوا حول الصين سورا كبيرا، وهم يربون دود القز ~~ليصنع لهم شرانق الحرير، وتتذكر سعاد دود القز الذي تشتريه أحيانا وتضعه في صندوق من ~~الكرتون، وبضع ورقات من شجرة التوت، وتثقب جدار الصندوق عدة ثقوب ليدخل الهواء ولا يموت ~~الدود، وكان الدود يزحف داخل الصندوق ويصعد حتى الحافة محاولا الخروج، لكن سعاد تهز ~~الصندوق فيسقط الدود مرة أخرى إلى القاع. # وفجأة لسعها المدرس على ظهرها وهو يسألها: لماذا بنى الصينيون السور الكبير حول الصين؟ ~~وانتصبت سعاد واقفة وهي تقول: حتى لا يهرب دود القز إلى بلد أخرى، فلسعها المدرس عدة لسعات ~~أخرى. # وجاء امتحان آخر العام، ولم تنجح سعاد، وضربها أبوها وحبسها في حجرتها يومين بدون طعام، ~~وجلست إلى مكتبها وأمامها الكراريس والكتب، لكن عيناها كانتا تهربان بعيدا وتنفذان من خلال ~~النافذة إلى الحقل، على حافة القناة رأت صبري يروي الزرع مع أبيه ويضحكان، وحسدت صبري لأن ~~أباه يضحك معه ولا يضربه ولا يحبسه، وقد نسيت في تلك اللحظة بيت صبري الطيني وأمه وأخوته، ~~وتمنت لو أن صبري أعطاها أباه وأعطاها الفأس والحقل، وأخذ منها الكراريس والكتب وأخذ ~~أباها أيضا. # وقبل أن تنام سعاد لم تأت أمها لتربت على ظهرها حتى تنام، ولم تحضر إليها أي طعام، ونامت ~~وهي جائعة، وحلمت أن أباها مات، وأن أمها تبكي، وهي تحاول أن تبكي لكنها لا تستطيع، وتحاول ~~أن تتحرك لكن قدماها ثابتتان في الأرض، وهي وحدها في شارع واسع مظلم، وتحاول أن تجري لكن ~~ساقاها عاجزتان عن الحركة، وفجأة ترى ذلك الشبح الطويل، عيناه حمراوان فيهما الشرر، وتصرخ ~~لكن صوتها لا يخرج. # وتفتح عينيها فجأة فترى أمها إلى جوارها، وتسألها في فزع: أين أبي؟ وتقول لها إنه نائم في ~~حجرته، وتحمد الله ms46 بينها وبين نفسها أنه لم يمت، وأنها كانت تحلم، ثم تغمض عينيها وتنام ~~من جديد. # وفي المدرسة وجدت سعاد نفسها في الفصل القديم، ووفدت عليها التلميذات والتلاميذ الجدد ~~الأصغر منها، وأحست فجأة أنها كبيرة الجسم وطويلة، وأصبحت تحني قامتها قليلا وهي تسير في ~~الطابور حتى لا يلحظ أحد أنها أكبر تلاميذ فصلها، وفي الفصل أجلسها المدرس في الصف الخلفي ~~مع التلاميذ والتلميذات الراسبين، وسمى هذا الفصل بصف الساقطين، وبمجرد أن يخطئ الواحد منهم ~~في جملة أو ينسى كلمة حتى تلسعه عصا المدرس وترن في أذنيها كلمة: يا ساقطة. # واشتدت كراهية سعادة للمدرسة والدروس والمذاكرة، وارتبطت في ذهنها بنوع من المهانة والخزي ~~من طول قامتها، وتنظر إلى نفسها في المرآة وتكره جسمها الكبير، وتود لو كانت صغيرة الجسم ~~مثل فاطمة التي رسبت معها ومع ذلك جسمها صغير، ولا يمكن لأحد أن يفرق بينها وبين التلميذات ~~الجدد، وتلعب معهم في الفناء وكأنها واحدة منهم. # لكن سعاد كانت تقف في الفناء وحدها، تخجل من اللعب مع تلاميذ وتلميذات فصلها الصغار، وقد ~~تلعب أحيانا مع بعض زملائها القدامى، ومنهم مختارة بنت المأمور التي لعبت معها الكرة بعض ~~الأوقات. # وكانت تشعر بنوع من الزهو وهي تلعب مع مختارة، وأحيانا تجلس معها بعد انتهاء الحصص على ~~الدكة الخشبية في الفناء وتتحدثان، وقد تنضم إليهما سميرة صديقة مختارة، ويرن في الجو صوت ~~بوق السيارة، فتتركهما سميرة وتركب السيارة الحمراء إلى جوار أبيها دكتور الصحة، وما هي إلا ~~لحظات حتى يقبل العسكري الذي يحمل حقيبة مختارة، ويأخذها إلى البيت داخل العربة البوكس، ~~وتعود سعاد إلى بيتها سيرا على قدميها وحقيبتها تحملها في يدها، وتشعر بينها وبين نفسها أن ~~أباها فقير ليس عنده عربة وليس عنده عساكر. # وتتساءل بينها وبين نفسها وهي سائرة: لماذا أعطى الله المأمور عربة وعساكر ولم يعط أباها؟ ~~وهل الله يحب المأمور أكثر مما يحب أباها، مع أن أباها يطيع الله ويصلي له كثيرا ويصوم، ~~وهي أيضا تصلي وتصوم، وأمها تصلي وتصوم كل شهر رمضان ms47 ما عدا تلك الأيام القليلة التي تمرض ~~فيها؟ وينتابها إحساس غامض بالغضب من الله، وأن الله لا يحب أباها حبا كافيا، أو يفضل ~~المأمور عليه، ويفضل عليه دكتور الصحة، وأن الله يحب مختارة أكثر منها لأنه جعلها ابنة ~~المأمور، ويحب سميرة أكثر منها لأنه جعلها ابنة دكتور الصحة. # وتخبط سعاد الأرض بقدمها في غضب وهي تمشي على قدميها في الشمس المحرقة، وأصابع يدها ~~متورمة من ثقل الكراريس والكتب داخل الحقيبة، وتتخيل مختارة وهي جالسة في العربة والعسكري ~~يحمل عنها حقيبتها. # إلا أن هذا الغضب سرعان ما يتلاشى حين تلمح زميلتها «فاطمة» وهي تتأرجح على عكازها ~~الخشبي، تلهث وهي تعرج بخطوتها البطيئة الثقيلة، يتصبب من جبهتها العرق. # وتحمد سعاد الله بينها وبين نفسها وهي تدب بقدميها القويتين على الأرض، وتجري إلى البيت ~~وهي تحرك ذراعيها وساقيها في الهواء. # ودعتها مختارة إلى بيتها في يوم عيد ميلادها، ولأول مرة تحضر حفل عيد ميلاد، لم يكن أبوها ~~ولا أمها يحتفلان بعيد ميلاد أحد، وكل ما تعرفه هو العيد الصغير بعد شهر رمضان حين تصنع ~~أمها الكحك، والعيد الكبير حين يشتري أبوها الخروف ويأتي الجزار ليذبحه عند الفجر. # ودخلت سعاد بيت مختارة، ووجدت أنه أحسن من بيتهم بكثير، وحوله حديقة كبيرة، وفيه كراسي ~~كبيرة مذهبة تشبه الكراسي في بيت جدها، وساعة كبيرة معلقة على الحائط، ومائدة كبيرة مضاءة ~~بالشموع، ومن فوقها أنواع من الحلوى والفطائر التي لم ترها ولم تتذوقها من قبل. # وتأكدت سعاد في ذلك اليوم أن الله يحب مختارة أكثر مما يحبها؛ لأنه أعطاها كل هذه ~~الأشياء، وتساءلت بينها وبين نفسها: هل مختارة تصلي أكثر منها؟ وبينما هي جالسة إلى ~~المائدة وإلى جوارها مختارة سألتها فجأة: هل تصومين رمضان يا مختارة؟ وقالت مختارة إنها لا ~~تصوم لأنها لا زالت صغيرة، وسألتها سعاد مرة أخرى: وهل تصلين؟ وقالت مختارة إنها لا تصلي، ~~ولكنها حين تكبر ستتعلم الصلاة وتصلي، وهنا رفعت سعاد رأسها بنوع من الزهو وقالت: أبي علمني ~~الصلاة وأنا أصلي كل يوم، ms48 وقد صمت رمضان العام الماضي والعام الذي قبله أيضا. # وأحست سعاد بنوع من الرضا، فقد تميزت على مختارة بشيء، وإذا كانت مختارة أغنى منها إلا ~~أنها تعلمت الصلاة قبلها، وهي تصلي وتصوم ومختارة لا تصلي ولا تصوم، لكن هذا الإحساس سرعان ~~ما تلاشى، وخطر لها سؤال حيرها، وقالت لنفسها: إذا كانت هي تصلي وتصوم ومختارة لا تصلي ولا ~~تصوم، فلا بد أن الله يفضلها على مختارة، وإذا كان الله يفضلها على مختارة، فلماذا أعطى ~~مختارة أكثر مما أعطاها؟ # وظل السؤال يحيرها حتى عادت إلى بيتها وقالت لأمها أن الله ليس عادلا؛ لأنه أعطى ~~مختارة أكثر مما أعطاها مع أنها تصلي وتصوم ومختارة لا تصلي ولا تصوم، وقالت أمها إنها يجب ~~أن تستغفر الله وتردد عبارة: أستغفر الله، ثلاث مرات؛ لأن الله عادل، والله يعطي من يشاء ~~ولا يعطي من يشاء، وهو حر في عباده، وأن الله أعطاهم والحمد لله ما يكفيهم، وليسوا طماعين، ~~ويجب عليها ألا تكون طماعة وتقنع بما أعطاها الله، فالله يعطي كل إنسان حسب ما ~~يستحقه. # لكن عقل سعاد كان حتى ذلك الوقت عاجزا عن إدراك ما قالته أمها، ولا تتصور كيف يكون الله ~~عادلا حين يعطي التي تصلي له أقل ممن لا تصلي له، وإذا كان الله يعطي كل إنسان حسب ما ~~يستحقه، فلا بد أن الله رأى أن مختارة تستحق أشياء أكثر منها، وأن مختارة أحسن منها، وهي ~~أقل من مختارة. # وانتابها شعور غامض بالمهانة والضآلة وعدم استحقاق شيء، والله يعرفها على حقيقتها لأن ~~الله يعرف كل شيء، واستقر هذا الشعور في نفسها، واستراح له عقلها، فهو الشعور الوحيد الذي ~~يقنعها بعدالة الله؛ لأنه لو شعرت أنها مثل مختارة وتستحق ما استحقته مختارة فلا بد أن ~~الله ليس عادلا لأنه لم يعطها ما أعطى مختارة، وحيث إن الله لا يمكن إلا أن يكون عادلا ~~فلا بد أنها أقل من مختارة، ولم تستحق ما استحقته مختارة. # وهدأ عقلها واستراح ضميرها وتخفف من الشعور بالذنب، فلم تكن ms49 تحب أن يسيء من قريب أو بعيد ~~لنزاهة الله، والأفضل أن تسيء إلى نفسها وتلصق بها صفة الضآلة على أن تتهم الله بالظلم، ولم ~~تكن الإساءة إلى نفسها تشعرها بالذنب أو الخوف، وإنما هو إحساس غامض بالمهانة تكبته في ~~نفسها ولا تكاد تعيه؛ إلا حينما تذهب إلى المدرسة وتقف في الطابور وتجد أنها أكبر تلميذة ~~في فصلها، وأن رأسها تطل من فوق رءوس التلاميذ الواقفين في الطابور، فتخفض رأسها وتحني ~~ظهرها، وتظل خافضة رأسها حانية ظهرها إلى أن تصل إلى مقعدها في الصف الخلفي، حيث تنكمش ~~وتكور ذراعيها وساقيها لتدخل بجسمها الكبير في المساحة الضيقة بين المسند الخلفي والدرج ~~الأمامي. # ولاحظت أمها انحناءة ظهرها حين تمشي فأصبحت تنبهها إلى أن ترفع ظهرها، ولا تتعود على هذه ~~المشية المنحنية وإلا أصبح لها سنام مثل سنام الجمل، وكانت قد رأت من قبل سنام الجمل، ~~وأفزعها أن ينمو في ظهرها مثل هذا السنام، فأصبحت تشد عضلات ظهرها لترفعه كلما تذكرت كلمات ~~أمها، لكنها ما أن تدخل المدرسة حتى تعود الانحناءة إلى ظهرها دون أن تعي، وحين تجلس إلى ~~مكتبها تظل الانحناءة، وتزيد عليها انحناءة رأسها فوق الكراسة أو الكتاب، ويحتفظ جسدها بهذا ~~الوضع طالما هي في الفصل أو طالما هي جالسة إلى مكتبها في حجرتها تذاكر، أو يبدو لمن يراها ~~أنها تذاكر؛ لأنها بينها وبين نفسها لم تكن تذاكر، عيناها فقط شاخصتان في الكتاب، لكن عقلها ~~يفكر في الأشياء الأخرى التي تحبها، وهي تحب الجري واللعب في الحقل، لكنها لم تعد تنزل إلى ~~الحقل، وأقسم أبوها أنها لن ترى الحقل ولن تلعب وتضيع الوقت، فقد كبرت وأصبحت كالبغلة ومن ~~العار أن ترسب مرة أخرى. ~~••• # في القطار لم تعد سعاد تقفز من الفرح، ولم تعد تجري لتجلس بجوار النافذة، لكن قلبها لا ~~زال يدق وهي تحس حركة القطار السريعة، واللذة القديمة تسري في جسدها وهي تتابع بعينيها ~~أعمدة السواري وهي تتراجع إلى الخلف في سرعة جنونية، وقالت أمها إنهم مسافرون إلى بيت ~~جدتها في ms50 كفر الباجور، وأنها سوف ترى أيضا جدها وخالها وخالتها في الدوار الكبير، ولم ~~تعرف سعاد ما هو الدوار الكبير، وقالت أمها: إن أباها له بيت كبير في كفر الباجور يسمونه ~~الدوار، كان يعيش فيه جدها الكبير الشيخ الباجوري، وكان غنيا عنده أرض كثيرة وعبيد ~~سود، لكنه مات وترك أولادا كثيرين من زوجاته الثلاثة، وباع أبوها نصيبه من الأرض؛ لأنه لم ~~يكن يحب مشاكل الأرض والفلاحين، ولأنه كان ينفق أموالا كثيرة على نفسه وعلى مزاجه، ويحب ~~السهر وشرب الخمر، ولم ينزل إلى كفر الباجور منذ وفاة أبيه إلا مرة واحدة، وهذه هي المرة ~~الثانية، وهي ليست زيارة لأقاربه الفلاحين، ولكنها هجرة من القاهرة إلى القرية؛ لأن القرية ~~فيها حرب والقنابل تسقط من السماء على البيوت فتهدها وتحرقها. # أذناها تتابعان صوت أمها، وتلتقطان لأول مرة كلمات جديدة لم تسمعها من قبل: الحرب، ~~القنابل تسقط من السماء، وعيناها تتسعان في دهشة تنظران إلى السماء في وجل، كيف تسقط ~~السماء القنابل؟ ومن الذي يسقطها؟ هل هو الله؟ وهو الوحيد الذي يسكن السماء، ولماذا يهد ~~الله البيوت ويحرقها؟ هل يعاقب الناس الذين لم يطيعوه ولم يصلوا أمثال مختارة ولم يصوموا؟ ~~أم يعاقب جدها لأنه يحب السهر وشرب الخمر، وشرب الخمر حرام كما سمعت من أبيها؟ أم أن الله ~~يهد البيوت لأن يوم القيامة سيقوم، وكل الناس ستموت، وهي ستموت، وأبوها وأمها وأخيها ~~وأختها؟ وكلهم سيموتون؟ واتجهت عيناها إلى أمها فيهما نوع من الفزع الغامض، والحيرة، ~~والتساؤل، لماذا يعاقبهم الله كما يعاقب الآخرون الذين لا يصلون ولا يصومون، مع إنها ~~تصوم وتصلي، وأبوها يصوم ويصلي، وأمها تصوم؟ ... لكن أمها تقول لها إن الله لا يسقط القنابل ~~على البيوت والناس، وإنما تسقطها طائرات الأعداء، وترن كلمة «الأعداء» في أذنيها فتتذكر على ~~الفور كلمة «الإنجليز»، فتقول: الإنجليز هم أعداؤنا، ويتدخل أبوها في الحديث ويقول لها: ~~الإنجليز هم أعداؤنا يا سعاد، لكننا نساعدهم الآن في ~~حربهم ضد الألمان، وطائرات الألمان هي التي تسقط القنابل على مصر. # ولا تفهم سعاد ms51 شيئا مما قاله أبوها ، فكيف يكون الإنجليز أعداؤنا ثم نساعدهم، ولماذا ~~يسقط الألمان القنابل علينا، هل هم أعداؤنا أيضا؟ ويقول أبوها إن الألمان والإنجليز ~~أعداؤنا، لكننا نكره الألمان أكثر من الإنجليز، ونساعد الإنجليز ضد الألمان، وبعد أن نطرد ~~الألمان سنطرد الإنجليز، وتصبح بلدنا حرة وليس فيها أعداء. # وأطبقت سعاد شفتيها في صمت، محاولة أن تبتلع شعور الخوف في أعماقها، والعالم من حولها ~~يبدو رهيبا غامضا مليئا بالأعداء، إنجليز وألمان وعفاريت ولصوص وجنيات تخرج من قلب ~~البحر، والسماء أيضا تبدو رهيبة غامضة، تعجز عيناها عن الوصول إلى قاعها، وعقلها عاجز عن ~~تصور الله، وكيف يمكن أن يجلس أو ينام فيها ويظل معلقا هكذا في الفضاء ليل نهار، وماذا ~~يحدث لو أن طائرة من طائرات الألمان اصطدمت بالله في السماء، أو أن قنبلة من القنابل انفجرت ~~في الجو وأحرقت الله؟ هل يموت الله؟ وإذا مات الله فهل هي تواظب على الصلاة وتذهب إلى ~~المدرسة؟ أم أن القيامة تقوم والناس كلها تموت، بما فيهم المدرسين والتلاميذ، ولا تصبح ~~هناك مدرسة ولا دروس ولا امتحانات ولا سقوط ولا أي شيء؟ # صدرها كان يعلو ويهبط كأنما قلبها يدق دقات سريعة، مزيج من الخوف والفرح، لكن الفرح أكثر ~~من الخوف، والخوف غامض غموض الموت، والموت بعيد، أبعد من أن تتصوره أو تعقله، لكن المدرسة ~~والدروس والامتحانات ماثلة في ذهنها كجزء منها، كأكبر جزء من عقلها، لا تفارقها بالليل أو ~~بالنهار، فهي بالنهار تجلس وتذاكر دون أن تفهم، وهي بالليل تجلس في الامتحان دون أن تجاوب ~~والموت في عقلها غامض وبعيد، بل ومستحيل، لكن الامتحان قريب والمدرسة قريبة، لا تبعد عن ~~البيت إلا بضع خطوات، وقلبها يدق بالفرح متصورة أن قنبلة سقطت من السماء فوق المدرسة فهدتها ~~وأحرقتها، وأحرقت الأدراج الخشبية والكتب والكراريس وأسئلة الامتحان. # وقفزت من مقعدها وقد سمعت صوتا يشبه صوت الانفجار، لكنه لم يكن قنبلة، وإنما بوق السيارة ~~يدوي، وصراخ الأطفال وقد ركبوا على مؤخرة السيارة وحوطوها من كل جانب وهم يهللون ويصرخون ~~ويغنون: ms52 حسن بيه يا حسن بيه، نورت الكفر يا حسن بيه، ولمحت من بين وجوههم المغطاة بالذباب ~~وجه زكي ابن عمتها، فابتسمت له، وجرى زكي بقدميه الحافيتين ومد يده خلال نافذة السيارة ~~وأمسك يد أبيها وقبلها وصوته يهتف بنشوة: الدنيا نورت يا خالي البيه، حمدا لله على ~~السلامة. # وتوقفت السيارة أمام بيت جدتها الطيني، وخرج من البيوت الطينية المجاورة رجال بالجلاليب ~~ونساء بالطرح السوداء، ووقفوا يطلون على السيارة بعيونهم المتسعة وأفواههم المفتوحة، فهم لا ~~يرون سيارة إلا مرة أو مرتين في العام، حين ينزل إلى كفر الباجور موظف كبير مثل حسن بيه أبو ~~زيد. # ويزدحم الزقاق الضيق بالرجال والنساء والعمات والأعمام وأولاد العمات وأولاد الأعمام، ~~والكل يهتف: ألف مرحب، يا ألف مرحب، الكفر نور، الدنيا نورت، وأصوات الرجال تختلط بأصوات ~~النساء بأصوات الأطفال، والتراب يتصاعد مع الأصوات في الجو. # وتكون الحاجة آمنة قد سمعت زمارة السيارة، والتقطت أذناها اسم ابنها حسن بيه، فخرجت إلى ~~الشارع وسارت بين الجمع بقامتها الطويلة النحيلة، والأصوات من حولها تهتف لإفساح الطريق لأم ~~البيه، وتشد عضلات ظهرها في كبرياء لترفعه، وترفع رأسها فوق الرءوس، وعيناها الضيقتان بغير ~~رموش تتسعان وتبحثان عن ابنها، تلتقطانه من بين الوجوه، عيناها تسبقان قدميها، وذراعاها ~~مفتوحتان قبل أن تصل إليه، وما أن يهبط من العربة حتى تتلقفه بين ذراعيها، تقبله وتلثمه، ~~تلثم وجهه ورأسه وطربوشه وعنقه وتشم رائحته، رائحة ابنها الوحيد، وحيد على ست بنات، تركه ~~أبوه صغيرا وهي التي علمته، شقيت وتعبت وجاعت لتعلمه، والحلم أصبح حقيقة، وهو الآن بلحمه ~~ودمه ببدلته وطربوشه، يأتي إلى الكفر في سيارة وليس على حمارة، ومن حوله أولاده الثلاثة ~~صلاة النبي أحسن، وزوجته الست الهانم بنت البيه الكبير. # ويأتي الدور عليها بعد أبيها وأمها لتعانقها جدتها، تلف ذراعيها الطويلتين المعروقتين حول ~~صدرها، وتقبلها عدة مرات وهي تضغط عليها، وتخنقها أنفاسها المختلطة برائحة التراب والعرق ~~واللبن والقشدة والفطير المشلتت، وتحاول التملص منها فتتسلمها عماتها واحدة وراء الأخرى، ~~تقبلها وتلثمها وهي تردد: اللهم صل على النبي، ms53 صلاة النبي أحسن، الدنيا نورت يا حسن ~~بيه، الدنيا نورت يا ست سعاد. # تخنقها الأنفاس برائحة التراب والعرق والفطير، لكن فرح جدتها وعماتها يهز قلبها، وهي تقف ~~بين أولاد عماتها الحفاة بحذائها الجلدي اللامع وفستانها الحريري، وتشعر أنها ست سعاد، ~~وأبوها بيه حقيقة، وتمشي إلى جوار أبيها ممسكة بيده وتحمد الله بينها وبين نفسها لأن الله ~~جعلها ابنة أبيها، ولم يجعلها ابنة عبد الله الفلاح أبو زكي. # لكن هذا الزهو لم يدم طويلا، فقد ذهبت سعاد مع أمها وأبيها إلى دوار جدها، وهبط أبوها ~~فجأة من حسن بيه إلى حسن أفندي، وهبطت هي من ست سعاد إلى سعاد أو البنت سعاد، وبيت جدها ~~واسع به حجرات كثيرة، وأرضه ليست تراب فوقها حصيرة وإنما مفروشة بالسجاجيد، وحجرة النوم بها ~~سراير ودواليب، ودورة المياه فيها صنبور وماء، وجدها جالس في الصالة الواسعة مرتديا بيجاما ~~حريرية، وجدتها جالسة صامتة لا تقبلها ولا تكلمها، وخالتها لم تعانقها ولم تقبلها وعانقت ~~أمها وقبلتها، وخالها صافحها بيده البيضاء السمينة وقال لها: أهلا يا سعاد، ثم جلس ~~يتحدث مع أبيها وجدها. # وظلت «سعاد» جالسة في ركن الصالة، عيناها تتنقلان من جدها إلى خالها إلى أبيها، وكان ~~أبوها يرتدي الجلباب الأبيض الذي ينام فيه، وبدأ بجلبابه إلى جوار جدها وخالها كفلاح فقير، ~~ولا أحد هنا يفرح بقدومهم، ولا أحد يقول الدنيا نورت. # وسمعت جدها يتكلم عن الحرب والقنابل، وخالها يقول إنه يكره الإنجليز ويحب الألمان، وأبوها ~~يقول إنه يكره الإنجليز ويكره الألمان، وقال خالها إن الألمان أفضل من الإنجليز، وأن الملك ~~مع الألمان ويريدهم أن ينتصروا في الحرب، وقال أبوها أن الملك لا يعمل من أجل البلد وأن ~~النحاس يعمل من أجل البلد، وجاءت خالتها وقالت إنها تحب الملك لأن شكله حلو، ولا تحب النحاس ~~لأن شكل عينيه لا تعجبها، وإحدى عينيه لا تنظر إلى الأمام كالعين الأخرى، ويبدو لها في ~~الصور وكأنه ينظر بعين واحدة. # ولم تكن سعاد تعرف بعد من هو «النحاس»، لكنها كانت تريد أن ms54 تذهب إلى بيت جدتها حيث عماتها ~~وأولاد عماتها، وقالت لها أمها أن تبقى في بيت جدها لتنام على سرير مريح نظيف، وأنها في بيت ~~جدتها ستنام على الحصيرة، والبراغيث تلدغها طول الليل، لكن سعاد قالت لأمها إنها لا تريد أن ~~تبقى في بيت جدها، وتريد أن تذهب إلى بيت جدتها وتنام على الحصيرة وتذهب إلى الحقل مع زكي ~~ابن عمتها، وتأكل الفطير الساخن الذي تخبزه جدتها في الفرن، وسمعتها خالتها فقالت لها: يا ~~فلاحة، وانتابها شعور قديم بالخزي، وأحست أن كلمة فلاحة هي نوع من الإهانة أو ~~السباب. ~~••• # تربعت جدتها الحاجة آمنة على الأرض في فناء الدار، وأمامها حصيرة فرش عليها القمح، تلمع ~~حباته الصفراء تحت الشمس، تمد جدتها يدها وتملأ كفها بالقمح، ثم تقربها من عينيها لتلتقط ~~حبات الحصى السوداء، تلتقط الحصوة بالسبابة والإبهام وتلقي بها بعيدا على الأرض، حصوة وراء ~~الحصوة. # عيناها وهي جالسة إلى جوارها تتابعان حركة أصابعها، كأصابع أبيها طويلة وسمراء، لكن جلدها ~~مجعد وعروقها نافرة كالثعابين الرفيعة، جلبابها الأسود الواسع مغلق عن عنقها المعروقة بزرار ~~أحمر، ولا يظهر من تحت الجلباب وهي متربعة إلا قدميها الكبيرتين المشققتين، وأصبع قدمها ~~الكبير يشبه أصبع قدم أبيها، غليظ وطويل، والأصابع الأخرى قصيرة ومقوسة. # وكانت تفعل مثلها، تملأ كفها بالقمح ثم تلتقط الحصوة السوداء وتلقي بها بعيدا، وتسابق ~~جدتها، فهي ترى الحصوة بأسرع مما تراها، وتلقي بأربع أو خمس حصوات في الوقت الذي تلقى هي ~~فيه حصوة واحدة، لعبة لذيذة تستهويها، وحبات القمح تتراقص ذهبية تحت الشمس، والعصافير تطير ~~وتصوصو، تتسابق لتلتقط بمنقارها حبة قمح، وصوت جدتها الخافت يصل إلى أذنيها تحكي وتحكي دون ~~أن تتوقف: أبوكي وهو صغير كان مثلك، يحب أن يجلس معي ويساعدني وأنا أنقي القمح، كنت أقول ~~له: قم يا ابني وذاكر دروسك لتنجح وتتفوق، فيقول لي: إنه ناجح ومتفوق وإنه الثاني على فصله، ~~وأقول له: ولماذا لم تكن الأول؟ وهل الأول أحسن منك؟ ألم تلده امرأة مثل أمك؟ وفي الكفر كله ~~لا توجد امرأة ms55 مثل أمك، تشتغل في الحقل والدار وتساوي عشرة رجال، جدك مات وهو شاب صغير وترك ~~لي ولدا واحدا على ست بنات، ولم يترك لنا إلا هذه الدار وثلاثة فدادين بور، والكل قال لي ~~يا آمنة خلي ابنك يطلع فلاح مثل أبيه، يمسك الفأس ويشيل عنك الشغل في الحقل، لكن أنا قلت ~~ابني لا يمكن يكون فلاح، كفاية أبوه مات ناقص عمر من وقفته طول النهار تحت الشمس، قلت ~~لنفسي: يا آمنة، طول ما أنت عايشة وفيك نفس لا يمكن ابنك يمسك الفأس، أرسليه إلى مصر يتعلم ~~ويتوظف ويبقى أفندي محترم مثل إبراهيم أفندي ابن ~~جارتك حسنية، وهي حسنية أحسن منك يا آمنة؟ حسنية امرأة وحيدة مثلك لا راجل ولا أرض ولا ضهر، ~~وباعت كردانها وخلخالها وعلمت ابنها في مصر، ولبس البدلة والطربوش، وينزل الكفر في سيارة ~~لها زمارة، والكل يشاور عليه ويقول إبراهيم أفندي ابن حسنية. # عيناها لا تزال ترقبان لمعان الحبوب الذهبية، ورفرفة أجنحة العصافير تحت الشمس، وحركة ~~السبابة الطويلة المعروقة والإبهام الغليظ المجعد، يلتقطان الحصوة بعد الحصوة، وصوت جدتها ~~الخافت مستمر متصل كأنفاسها وهي تنفخ القش من القمح الذي يملأ كفها، شفتاها مليئتان ~~بالكراميش والتجاعيد، وأنفها طويل مرتفع كأنف أبيها، وعيناها الضيقتان بغير رموش تتطلعان ~~إليها تملأ عينيها من وجهها الأبيض المستدير كوجه أمها، وعيناها الواسعتان السوداوان كعيني ~~أبيها، ويدها الصغيرة تلعب بحبات القمح وتلقي بها إلى العصافير، وأذناها تسمعان صوت جدتها ~~البطيء كأنفاسها، والكلمات أصبحت تعرفها وتحفظها عن ظهر قلب، فهي تكررها كل يوم بغير انقطاع ~~وبغير تعب أو ملل، وما أن تبلغ نهايتها حتى تبدأ من جديد، كبكرة من الخيط تدور وتدور، فلا ~~البكرة تنتهي ولا الخيط ينقطع، وحبات الحصى فوق حصيرة القمح لا تنتهي، وأصابع جدتها لا تكف ~~عن الحركة كشفتيها وهي تنفخ القش والكلمات معا: كان أبوك هادي ومطيع، وكنت أقوله ذاكر يا ~~ابني لأجل ربنا ينجحك ويتوب عليك من عيشة الفلاحين، ويبقى لك «حس» في الدنيا، وتفتح بيت ~~وتتجوز واحدة من بنات البندر ms56 أبوها بيه، وأخواتك البنات يعيشوا على «حسك»، وإذا واحدة منهم ~~غضبت من جوزها أو جوزها طلقها تلاقي بيتك مفتوح. # لم تكن ترى جدتها إلا وهي جالسة في فناء الدار تنقي القمح، وتحكي الحكاية لها، أو لنفسها ~~إذا لم تكن جالسة إلى جوارها، تسمعها تكلم نفسها كما تكلمها، وأحيانا تغني لنفسها بصوت ~~خافت وتهز رأسها وتقول: عطشان يا صبايا دلوني على السبيل، أو تكور يدها وتلوح بقبضتها في ~~الهواء وتغني: يا عزيز يا عزيز كبة تأخذ الإنجليز، وتضحك سعاد وتقول لها: أرأيت الإنجليز يا ~~ستي الحاجة؟ وتقول لها: أنا لم أرهم يا ابنتي، لكن أبوكي رآهم وضربهم في ثورة 19 بالحجارة ~~والطوب، وضربوا عليه الرصاص، ضربة في قلوبهم، وهرب أبوكي منهم النبي حارسه وجاء إلى الكفر ~~على عربة كارو، ولم يذهب إلى مصر إلا بعدما أفرجوا عن سعد زغلول، وندر أبوكي ربنا أن أول ~~ابن له يسميه سعد. # وكفت جدتها عن الكلام والغناء بعد بضعة أيام، وأصبحت تجلس صامتة تنظر إلى السماء بعينين ~~شاردتين، وتمصمص شفتيها الجافتين، ثم لم تعد تخرج من حجرتها إلى الفناء، ولم تعد تنقي ~~القمح، كانت تلمحها من الباب راقدة فوق الحصيرة، عيناها مفتوحتان وفمها مفتوحا وشفتاها ~~تتحركان وكأنها تكلم أحدا، وقال لها أبوها أن جدتها مريضة وتريد أن تراها، لكن قشعريرة ~~غريبة سرت فوق جسدها، وأصبحت تخاف من الاقتراب من حجرتها، ويخيل إليها أنها ليست نائمة، ~~وإنما هي ماتت، وسوف يظهر عفريتها بالليل. # وكان الليل في كفر الباجور مظلما مخيفا، وليس في الدار «كلوب» نور كالذي في دوار جدها، ~~وإنما لمبة صغيرة لها لهب طويل تملأ الجدران السوداء بظلال الأشباح والعفاريت، وعلى الجدران ~~تزحف حشرات سوداء كالخنافس، والضفادع تنقنق، والناموس يزن، وطنين الصراصير كالصفارات ~~الحادة، والخفافيش تدخل من النوافذ وترتطم بالجدار، وتقول لها عمتها خديجة أن تخفي وجهها ~~بيديها؛ لأن الخفاش أعمى ويلتصق أحيانا بوجه الإنسان. # وكانت تسمع أمها تصرخ إذا ما رأت صرصارا يجري، وتضحك عمتها وتخفي فمها بطرحتها وهي تضحك ~~بغير صوت، وتقول إن ms57 أولاد البندر يخافون من الصراصير ، والصراصير لا تعض ولا تلدغ مثل ~~الثعابين، ولم تكن سعاد رأت ثعبانا، لكن زكي ابن عمتها خديجة قال لها إن الثعبان طويل ~~وذيله رفيع كالكرباج، ويزحف على بطنه فاتحا فمه وأنفاسه لها صوت بالليل كالصفارة ~~الخافتة. # تلك الليلة انتفضت سعاد من نومها فجأة، وقد سمعت الصفارة الخافتة، وحملقت في الظلام ~~مذعورة، ورأت صرصارا كبيرا يزحف إلى جوارها، وأصبحت تخاف من الصراصير وتصرخ كما تصرخ أمها ~~كلما رأت صرصارا، وتضحك عمتها خديجة حين تسمعها تصرخ وتخفي فمها بطرف طرحتها، تضحك بدون ~~صوت حتى تدمع عيناها من شدة الضحك، ويخيل إليها أنها تبكي، وتمسح عينيها بطرحتها، وهي ~~تقول: اللهم اجعله خير يا رب، وتسألها: ماذا تعني؟ فتقول لها إن الضحك يجلب الشر دائما، ~~وهي تدعو الله أن يجعله خيرا. # وأدركت سعاد من بعد أن كل أقاربها الفلاحين لا يضحكون، وإذا ضحكوا فهم يضحكون بغير صوت ~~ويتوجسون شرا من الله بعد الضحك، وكأنما الضحك نوع من الإثم، يستحقون عليه العقاب تكفيرا ~~عن الذنب. ~~••• # في القطار العائد إلى دسوق لم تكن سعاد مبتهجة كعادتها، فهي تحب كفر الباجور رغم العفاريت ~~والبراغيث، وهي تحب أقارب أبيها الفلاحين رغم جلاليبهم المتسخة بالطين وأيديهم السمراء ~~المشققة، وهي تحب زكي ابن عمتها وتحب ركوب ~~الحمارة والذهاب إلى الحقل، وأكل الذرة المشوي على نار الحطب، والفطير الساخن لحظة خروجه من ~~الفرن، وهي تكره دسوق؛ لأن العودة إلى دسوق تعني العودة إلى المدرسة والمذاكرة والانغلاق ~~داخل حجرتها، أو داخل الدرج الخشبي، رأسها منكفئ فوق الكتاب، وجسدها محنط فوق المقعد، منضغط ~~بين المسند عند ظهرها من الخلف، والمكتب عند بطنها من الأمام. # وتدخل أمها إليها بصينية الطعام وتقول لها: ارفعي ظهرك وأنت جالسة وإلا طلع لك سنام، ~~وتتحسس ظهرها بيدها متصورة أن سناما برز في ظهرها كسنام الجمل، وتقول لها إنها تريد أن ~~تخرج وتلعب في الحقل مع صبري، وتسمح لها بالخروج واللعب بشرط أن تعود قبل أن يعود ~~أبوها. # وتقفز سعاد من فوق مكتبها وتنطلق ms58 إلى الحقل كالصاروخ، تجري وتلعب وتحرك ذراعيها وساقيها ~~في الهواء، تود لو تطير كما تطير العصافير وتهرب من بيتها وأبيها والمدرسة، لكن سرعان ما ~~تلمح أباها قادما من بعيد، تتعرف عليه من بعيد بقامته الطويلة ومشيته البطيئة، وحركة ~~ذراعيه إلى الأمام وإلى الخلف والمنشة تهتز في يده اليمنى، ويده اليسرى ثابتة داخل ~~جيبه. # في قفزة واحدة تصبح سعاد داخل البيت، وفي قفزة أخرى تصبح داخل حجرتها، جالسة فوق المقعد ~~إلى مكتبها ورأسها منكفئ فوق الكتاب بغير حراك. # يبتسم أبوها حين يراها، ويربت على كتفها ويقول لها إن الله سينجحها؛ لأنها تواظب على ~~المذاكرة وتواظب على الصلاة، وتطيع أباها وأمها، ولا تضيع وقتها في اللعب. # وتذكرت سعاد أنها انقطعت عن الصلاة فعادت إليها، وأصبحت تصلي كل يوم الوقت بوقته، وقد ~~خيل إليها أن الله هو الذي جعلها ترسب العام الماضي؛ لأنها لم تكن تصلي بانتظام، وفي ~~الركعة الأخيرة تظل ساجدة بضع دقائق كما يفعل أبوها، وتردد بصوت خفيض مثل صوت أبيها: يا رب ~~خذ بيد سعاد ونجحها هذا العام. وحين تنطق اسم «سعاد» يبدو لها أنها تحدث الله عن بنت تدعى ~~سعاد، وأن هذه البنت ليست هي، ثم لا تلبث أن تدرك أنها هي لكنها تردد: يا رب خذ بيد ~~سعاد. وكأنها ليست هي. # وفي مرة وهي تدعو الله وتقول: يا رب خذ بيد سعاد ونجحها هذا العام. تذكرت فجأة أن في ~~فصلها ثلاث تلميذات غيرها اسمهم سعاد، فهتفت على الفور: يا رب خذ بيد سعاد حسن أبو زيد. وقد ~~خشيت أن يخطئ الله وينجح سعاد أخرى غيرها. # وفي مرة أخرى اشتد خوفها من السقوط في الامتحان، فأخذت تكلم الله وهي راكعة وتقول له: ~~والنبي يا رب لا تجعل سعاد تسقط هذا العام أيضا، والأفضل أن تجعلها تموت لأن الموت عندها ~~أهون من السقوط. وأحست بدموعها الساخنة تنهمر على وجهها، وأدركت أن الله لا بد يراها ويرى ~~دموعها، لكنها كانت لا تزال تتشكك في أن الله وهو في السماء يمكن أن ms59 يراها وهي داخل حجرتها، ~~وخيل إليها أن الله قد يسمعها؛ لأن الصوت يمكن أن يخرج من النافذة المفتوحة إلى السماء ~~مباشرة، وكانت دموعها تنهمر على وجهها بغير صوت، فأخذت تنشج بصوت عال وتقرب رأسها من ~~النافذة وهي ترفع يديها وتقول: يا رب خذ بيدي ونجحني. ~~وأحست أنها تخدع الله بدموعها، مع أن رغبتها في البكاء حقيقية، وهي تكبتها منذ زمن بعيد، ~~وتريد أن تبكي وتبكي، لكن عقلها أدرك بطريقة خفية ماكرة أنها تبكي لتستدر عطف الله عليها ~~فينجحها، لكن أحدا لا يستطيع أن يخدع الله، والله يكشف ما في الصدور، وسرت فوق جسدها رجفة، ~~وخيل إليها أن الله سيغضب منها ويسقطها في الامتحان عقابا لها على خداع الله، ~~واستغفرت الله ثلاثا واستعاذت به من الشيطان الرجيم ثلاثا، وقطعت الصلاة وجففت دموعها ~~ثم بدأت من جديد بغير بكاء، وفي الركعة الأخيرة رفعت يديها عاليا وقالت: يا رب خذ بيدي ~~ونجحني، ولو نجحتني هذا العام فسوف أصلي بانتظام ولا أخلف يوما واحدا، وأطيع أبي وأمي ~~طاعة عمياء. # إلا أنها ما أن نطقت بهذه الكلمات حتى أصابتها رجفة، فقد رنت الكلمات في عقلها، كأنما ~~الصلاة والطاعة رشوة تقدمها لله ثمن نجاحها، مع أن الصلاة واجبة والطاعة واجبة كما ~~قال أبوها، سواء سقطت أم نجحت، ومهما حدث للإنسان من مصائب وكوارث وسقوط فلا يفقد ثقته في ~~الله، ويظل يعبده ويصلي له حتى آخر العمر. # وخيل إليها أن صلاتها أصبحت باطلة، فكيف تفكر في رشوة الله، بل كيف تتصور أن الله ~~يقبل الرشوة مثله مثل أي شخص بغير ضمير، واستغفرت الله ثلاث مرات واستعاذت بالله من الشيطان ~~الرجيم ثلاث مرات، ثم قطعت الصلاة وبدأتها من جديد، واختتمتها بدعاء قالت فيه: أشكرك ~~يا رب وأحمدك سواء نجحتني أم سقطتني. # وظلت الكلمات الأخيرة تتحرك في عقلها، وتقول لنفسها إن الله هو الذي ينجحها وهو الذي ~~يسقطها، والنجاح أو السقوط مكتوب عليها بإرادة الله قبل أن تولد، وكل شيء في حياتها كتبه ~~الله قبل أن تأتي إلى الحياة ms60 كما قال لها مدرس الدين ، وشعرت بنوع من اليأس وهي تردد هذه ~~الكلمات بينها وبين نفسها، وأدركت أنه مهما ذاكرت ومهما بذلت من جهد فلن تنجح إذا كان الله ~~قد كتب لها السقوط، وانتابها إحساس بالراحة والاستسلام للمصير المحتوم وأنها مغلوبة على ~~أمرها، وليس لها يد ولا إرادة لو أنها سقطت هذا العام، لكن شعور الراحة سرعان ما أعقبه شعور ~~بالخوف من عقاب أبيها، وأعقب الخوف نوع من التمرد، فلماذا يعاقبها أبوها إذا كان الله هو ~~الذي أراد لها السقوط؟ وهل كان يمكن لها أن تنجح ضد إرادة الله مهما ذاكرت ومهما صلت وصامت ~~ورفعت يديها بالدعوات؟ # قبل أن تنام تلك الليلة همس لها عقلها بأن تكف عن الصلاة والدعوات والمذاكرة وكل شيء، فما ~~فائدة أي شيء، بل ما فائدة السقوط أو النجاح؟ وما فائدة الحياة كلها إذا كانت نهايتها ~~الموت؟ وهي ستموت في النهاية سواء نجحت أم سقطت، وأغمضت عينيها ونامت بعمق وهي ~~سعيدة. ~~••• # في الصباح تبخرت فكرة الموت من عقلها وتلاشت بمثل ما تلاشى الظلام تحت أشعة الشمس، ورأت ~~مكتبها ومن فوقه الكتب والكراريس، وصوت أبيها في الصالة يناديها لتصحو من النوم وتبدأ ~~المذاكرة قبل أن تشتد حرارة الشمس. # وما إن يخرج أبوها من البيت حتى تقفز من فوق مكتبها، وتجري إلى أمها لتأذن لها بالخروج، ~~لكنها لم تعد تأذن لها باللعب، وتهددها بأنها ستبلغ أباها إذا خرجت، وتبقى سعاد داخل البيت ~~تتجول في الحجرات، أو تطل من النافذة أو تساعد أمها في المطبخ أو تمسك الشاكوش والكماشة، ~~وتدق أحد الكراسي المكسورة، تمسك الشاكوش كأنه فأس وترفعه إلى أعلى ثم تهبط به بكل قوتها ~~فوق رأس المسمار، تكرر الضربات وتحرك عضلات ذراعها وكتفها وعنقها وظهرها، تحركها بكل قوتها ~~حتى يتساقط العرق من جبتها، تستشعر في الحركة لذة عجيبة ونوعا من الراحة، كأنما في جسدها ~~ألم دفين لا يضيع إلا بالحركة، أو طاقة ضخمة مخزونة كالبخار المضغوط، تضغط على صدرها وعقلها ~~وذراعيها وساقيها، تود لو حركت ساقيها بكل قوتها ms61 وضربت الأرض والجدار، أو حركت ذراعيها ~~بالشاكوش وضربت مكتبها الخشبي بكل قوتها، وأحيانا كانت تضرب المكتب بقبضة يدها متصورة أنها ~~قادرة على تحطيمه، لكن المكتب يظل كما هو ويدها هي التي تحمر وتلتهب. # داخل جسدها طاقة مكبوتة تسعى نحو الحركة، وداخل عقلها حركة لا تعرف كيف تخرج، وكلما جاء ~~إلى البيت نجار أو سباك وقفت إلى جواره، عيناها تتابعان يديه وهو يشتغل، تراقب النجار كيف ~~يدق المسامير وكيف ينشر الخشب بالمنشار، وأحيانا تأخذ منه المنشار لتحرك يديها مثله وتدق ~~معه المسامير، وتتعلم من السباك كيف يفك صنبور الماء وكيف يركب داخله قطعة الجلد، وتلف في ~~حجرات البيت تبحث عن شيء تدقه أو تفكه أو تصلحه. # وأكثر ما كانت تحبه هو أن تراقب الكهربائي حين يأتي لإصلاح بعض أسلاك النور، أو لإصلاح ~~الراديو، وتعلمت منه كيف يشتغل الراديو، وكيف يكتشف اللمبة التي حرقت، وكيف يوصل الأسلاك ~~التي قطعت. # وفي صباح يوم أدارت أمها مسمار الراديو فلم ينطق، وكانت تحب سماع الراديو، وتسهر إلى ~~جواره لتسمع حفلات أم كلثوم أو الريحاني، وأرسلت أمها الخادمة لتستدعي الكهربائي، لكن ~~الخادمة عادت بدون الكهربائي وقالت إنه سيحضر بعض الظهر. # وسيطر على سعاد إحساس بأنها تستطيع أن تصلح الراديو، فما إن دخلت أمها المطبخ حتى حملت ~~الراديو إلى حجرتها، وفتحته من الخلف كما يفعل الكهربائي، وبدأت تبحث بين الأسلاك واللمبات، ~~أصابعها تنتقل بين الأسلاك الرفيعة بحذر ودقة، وحركة عقلها وهو يبحث عن سر العطل تبعث في ~~جسدها لذة غريبة، والعرق يتصبب من جبهتها، والساعة تمر وراء الساعة وهي مستغرقة بين الأسلاك ~~الكثيرة الملتوية المعقدة، تمسك كل سلك على حدة وتتتبعه من بدايته إلى نهايته، واللمبات ~~تجربها وتختبرها واحدة وراء الأخرى، واكتشفت أن لمبة الصوت قد حرقت، فأسرعت إلى أمها متهللة ~~الوجه، وقالت لها إن الراديو يمكن أن يتكلم لو أنها اشترت لمبة صوت جديدة وركبتها. # وصرخت أمها حين رأت الراديو في حجرتها وقد خرجت أسلاكه وأحشاؤه: ما هذا الذي فعلتيه! تركت ~~المذاكرة وأخذت تلعبين في الراديو ms62 حتى أفسدتيه! # ولم يفسد الراديو ذلك اليوم، وجاء الكهربائي وركب لمبة صوت جديدة، واشتغل الراديو كما ~~كان. # لكن أحدا بالبيت لم يعرف هذه الحقيقة، حتى سعاد نفسها لم تعرفها، فهي لم تقف إلى جوار ~~الكهربائي وهو يعمل بل كانت واقفة أمام أبيها في حجرتها، خافضة رأسها كالمذنبة، وعينا أبيها ~~حمراوان بالغضب، يؤنبها لأنها تركت المذاكرة ولعبت في الراديو. # ذلك اليوم أعطاها أبوها درسا قاسيا، قال لها: إنها لم تعد صغيرة لتلعب، ولا بد أن ~~تنجح هذا العام وتحصل على الابتدائية لتدخل المدرسة الثانوية، وتحصل على شهادة عالية، وقال ~~لها إنها لو رسبت هذا العام، فسوف يحرمها من التعليم لتبقى في البيت تمسح البلاط، فهو لا ~~يملك أرضا ولا مالا ولا بيوتا ولا أي شيء سوى مرتبه، وإنه لن يعيش إلى الأبد لينفق ~~عليها، وسيأتي يوم ويموت ولا تجد أحدا ينفعها، وثبت عينيه وهو ينظر إليها ويقول: ألا ترى ~~أنك كبرتي وأصبحتي كالبغلة؟ فأنت لست شاطرة إلا في الأكل، ولكني لست على استعداد لأن أطعم ~~البغال، ولا زال أمامي أختك وأخيكي الصغير لأنفق عليهما. # لا بد أن شيئا ما تغير في سعاد بعد هذا الدرس، لم يضربها أبوها هذه المرة كما كان ~~يضربها، لكنه كان جالسا هادئا ينظر إليها بعينين ثابتتين، وبدا لها وهو ينظر في عينيها ~~كأنه ليس أباها، وسرت فوق جسدها قشعريرة، فقد خيل إليها أنها عاشت كل تلك السنوات مع أب ~~ليس هو أبوها، وأنه لا يريد أن يطعمها ويمكن أن تبقى في البيت لتمسح البلاط أو يطردها ~~وتبيت على الرصيف في الظلام، وتنقض عليها اللصوص أو العفاريت، إلا أنها لم تكن إلا لحظة ~~خاطفة وعادت إلى عيني أبيها نظرته المعتادة، وتلك السحابة الخفيفة من الحزن الدفين يشبه ~~العاطفة الغامضة وكأنه حنان مكبوت، وحين قال إنه سيأتي يوم ويموت، لم تستطع سعاد أن تنظر في ~~عيني أبيها، ودق قلبها بحب مكتوم كالبخار المضغوط، ونوع من الخوف على أبيها أن يموت، وقد ~~بدت كلماته الهادئة الباردة أنه سيموت فعلا، ms63 وأن موته أصبح حقيقة واقعة ، أو ستقع عما قريب، ~~ولم تكن سعاد حتى ذلك الوقت تدرك معنى «الموت» بعقلها، لكن جسدها أدرك معناه، وسرت فوقها ~~قشعريرة نفذت إلى أحشائها وشعرت برغبة في القيء أو البكاء، ولم تكن تستطيع أن تفصل بين رغبة ~~القيء ورغبة البكاء، وكانت إذا رغبت في البكاء تقيأت، وإذا تقيأت انهمرت دموعها بغير إرادة ~~منها، ولم تكن تحب أن يرى أحد دموعها، وعلى الأخص أختها الصغرى، فالدموع تجعلها تهبط إلى ~~مستوى أختها الصغرى، وقد تعودت أن تكبت البكاء وتبتلع دموعها، وتتكوم الدموع في بطنها وتضغط ~~عليها فإذا بها تتقيأ. # تصورت أمها أن كثرة القيء بسبب مرض في معدتها؛ لأنها تأكل الزرع بطينه من الحقل وتأكل ~~اللب بقشره الذي يقف عليه الذباب، وأخذها أبوها إلى طبيب، وقال الطبيب ما قالته أمها، ~~وأعطاها دواء مرا، لم تكن تشربه، وإنما تفرغ ملعقة الدواء في الحوض بدلا من أن تفرغها ~~في فمها، وضبطتها أمها مرة وهي تفعل ذلك، فأمسكتها هي وأبوها ليشرباها الدواء بالقوة، ~~فأغلقت فمها بكل قوتها، لكن أباها سد أنفها بيده، وأحست أنها ستختنق وتموت، وفتحت فمها عن ~~آخره لتتنفس، فسكب أبوها ملعقة الدواء داخل حلقها. ~~••• # ونجحت سعاد في الامتحان ذلك العام، وحصلت على الشهادة الابتدائية، وفرحت أمها وفرح أبوها، ~~واشترى لها هدية النجاح ساعة يد، ووفد على البيت أصدقاء أبيها يهنئون، وسمعت أبوها يقول ~~عنها إنها أصبحت ابنة مطيعة، وأصدقاء أبيها يقولون إن الله لن يتخلى عنها وسوف ينجحها ~~دائما. # ولم تنقطع سعاد عن الصلاة بعد النجاح، حتى لا يظن الله أنها كانت تصلي من أجل الامتحان ~~فقط، وواظبت على الدعاء أيضا، ترفع يديها عاليا وتقول: أشكرك يا رب لأنك نجحتني. # ويناديها أبوها لتسلم على الضيوف، وتتلقى سعاد التهاني، لكن قلبها ثقيل وإحساس غامض ~~يساورها بأن الذي نجح في الامتحان ليست هي، وإنما الله، أو مندوب من عند الله على شكل ملاك ~~هبط من السماء وأجاب عن الأسئلة أو لقنها الأجوبة، وحينما يهنئها أصدقاء أبيها بالنجاح ~~يخيل إليها ms64 أنها لا تستحق التهنئة ولا تستحق الهدية ولا تستحق أي شيء، وينتابها إحساس ~~بالمهانة والضآلة، ودمعة كبيرة تزحف عند زاوية عينها، تبتلعها بسرعة قبل أن يراها أحد، ~~ثم تبتسم لأصدقاء أبيها متظاهرة بالسعادة، متخوفة أن يكشف أحد منهم ما يدور في ~~عقلها. # وكان يدور بعقلها أسئلة كثيرة لا تجد الإجابة عليها، وكان السؤال الذي شغل بالها ذلك ~~الوقت هو: إذا كان الله هو الذي قرر نجاحها أو سقوطها، فهل تستحق العقاب إذا سقطت؟ وهل ~~تستحق الهدية إذا نجحت؟ # وقال لها أبوها إن الله يقرر السقوط والنجاح، ويقرر الخير والشر، ولكنه أعطى الإنسان ~~عقلا ليميز به بين الشر والخير، وتساءلت سعاد: ما فائدة أن يفكر الإنسان ويختار الخير ~~مثلا إذا كان الله قد قرر له الشر؟ وهل يمكن أن يفعل الإنسان الخير ضد إرادة الله؟ وقال ~~أبوها أن الله لا يقرر الشر إلا للأشرار، أما الأخيار فالله يقرر لهم الخير، وقالت سعاد إن ~~الله هو الذي يخلق الأشرار ويخلق الأخيار، وهل يمكن للأشرار أن يصبحوا أخيارا ضد إرادة ~~الله؟ وقال أبوها إن لا شيء في الكون يمكن أن يحدث بغير إرادة الله، وتساءلت سعاد: لماذا ~~يعاقب الله الأشرار إذا كان هو الذي خلقهم أشرارا، وهو الذي قرر لهم الشر؟ # وارتفع صوت أبيها في شيء من الغضب وقال: هذه هي حكمة الله في خلقه وهو حر في عباده، يعطي ~~الرزق لمن يشاء ولا يعطي من يشاء، ويعطي الهداية لمن يشاء ويعطي الضلال لمن يشاء، كل شيء ~~بمشيئته وهو العليم الحكيم. # ورغم ارتفاع صوت أبيها وغضبه إلا أن سعاد ظلت عاجزة عن الفهم، وظل عقلها غير قادر على ~~الاقتناع بأن الأشرار يستحقون دخول النار وهم لا يد لهم في أي شيء، والأخيار أيضا لا ~~يستحقون دخول الجنة بالمثل؛ لأن الله هو الذي جعلهم أخيارا وهم لم يجعلوا أنفسهم ~~أخيارا. # وازداد ارتفاع صوت أبيها وبدأت حمرة الغضب تشوب بياض عينيه، وهو يقول لها إنه لا بد أن ~~تطرد الشيطان من عقلها وروحها، ولا بد ms65 أن تؤمن بحكمة الله كما هي ولا تحاول أن تتشكك في ~~حكمة الله، فالله هو الذي خلق الإنسان، والخالق أعظم من المخلوق، ولا يمكن للمخلوق أن يسأل ~~الخالق عن سر حكمته، والله وحده هو العليم بالأسرار، وعليها أن تؤمن بالله وحكمته إيمانا ~~لا يزعزعه أي شك، والإيمان القوي بالقلب وليس بالعقل؛ لأن عقل الإنسان عاجز عن إدراك قدرة ~~الله سبحانه وتعالى. # وتركت سعاد السؤال معلقا في عقلها بغير جواب، وسرعان ما نسيته ولم تعد تفكر فيه، ~~وكلما وقفت بين يدي الله لتصلي سرت فوق جسدها قشعريرة الخوف أو الرهبة، ولا تعرف هل قرر ~~الله لها دخول الجنة أم دخول النار، وهل سيجعلها من الأخيار أم من الأشرار، وفي بعض الأحيان ~~كانت ترفع يديها إلى أعلى وتسأل الله عما قرر لها في حياتها، ويخيل إليها أنها تسمع ~~صوتا يهمس لها، ولا تعرف أهو صوت الله أم صوت الشيطان، ومن شدة الخوف لا تسمع ماذا يقول ~~لها الصوت، وتنهي الصلاة بسرعة لتتخلص من الخوف. # وفي صباح يوم رأت أمها تبكي بصوت مكتوم، وقد ارتدت ثوبا أسود، وعرفت أن جدها مات، ~~وخيل إليها أنه مات لأنه كان يشرب الخمر كثيرا وأنه سيدخل النار، لكن أمها قالت لها إنه ~~شرب الخمر في شبابه ثم تاب إلى الله، وكان يصلي في أواخر أيامه، وسوف يدخل الجنة، وحمدت ~~سعاد الله بينها وبين نفسها لأن جدها لن يدخل النار، ولم تكن تحب أن يحترق أي واحد من ~~أقاربها في النار. # وظلت أمها مرتدية الثوب الأسود أربعين يوما، والراديو أيضا أغلقته، ولم تعد تسمعها تضحك ~~بذلك الصوت العالي الذي كان يصل إلى أذنيها حتى وهي في الحقل، إلا أن كل شيء عاد إلى ما كان ~~عليه بعد أربعين يوما، وخلعت أمها الثوب الأسود، وعادت ضحكتها ترن في البيت. # أمها كانت لها ضحكة عالية مميزة، تسمعها وهي في الشارع فيبتهج قلبها وتشعر بالاطمئنان، ما ~~دامت أمها تضحك فلا بد أنها لا تزال على قيد الحياة، وأبوها أيضا لا زال ms66 على قيد الحياة، ~~وكل شيء في بيتهم كما كان. # إحساس عميق دفين كان يلازمها منذ الطفولة، إنها في لحظة ما مفاجئة لن تجد أمها، أو أن ~~أباها سيموت أو يختفي فجأة، وتصبح بلا مأوى ولا عائل يطعمها أو يدفع لها المصاريف. # وبقدر ما كانت تخاف على أبيها أن يموت بقدر ما كانت تتصور أن الموت وحده هو الذي يمكن أن ~~يحررها من أبيها، ويحررها من المذاكرة والمدرسة. # ولم يكن بدسوق مدرسة ثانوية للبنات، ففرحت سعاد وتصورت أنها لن تذهب إلى المدرسة، لكن ~~أمها اقترحت أن تلتحق بمدرسة العباسية الثانوية للبنات وتعيش في بيت المرحوم جدها. # بيت جدها لا زال معلقا في ذاكرتها بسحابة قاتمة من الكراهية، وهي لا تحب جدها، وجدها ~~لم يعد موجودا في البيت لأنه مات، لكنها لا تحب خالتها أيضا، جدتها لا تكرهها ولا تحبها، ~~وخالها مثل جدتها وإن كانت تحبه أكثر. # وأهم من هذا كله فهي ستعيش في العباسية، بعيدا عن دسوق وبعيدا عن أبيها، وإحساس حاد ~~بالفرح يهز قلبها في الخفاء لمجرد أنها ستعيش في بيت ليس فيه أبوها. ~~••• # الليلة الأخيرة قبل أن تغادر دسوق جاءت أمها ورقدت إلى جوارها في سريرها، يدها البيضاء ~~البضة تربت على ظهرها كما كانت تفعل وهي طفلة، وصوتها الناعس يهمس في أذنها: ستكونين مسئولة ~~عن نفسك يا سعاد في بيت جدك، وتذاكرين دروسك دون أن يقول لك أحد، وقد كبرتي ولم تعودي في ~~حاجة أن يقول لك أحد ما هي مصلحتك، ومصلحتك يا ابنتي هي ~~في المدرسة والتعليم، فالتعليم يرفع الإنسان إلى أعلى مرتبة، وكنت أحب التعليم وأنا مثلك، ~~وأتمنى أن أتعلم كل شيء إنجليزي وفرنساوي وأضرب بيانو وأركب خيل، لكن المرحوم جدك كان رجلا ~~صعبا، يعلم البنت حتى تبلغ خمسة عشر عاما فيخرجها من المدرسة ويبقيها في البيت حتى ~~يأتيها العريس، وبكيت حين أخرجني من المدرسة، وكنت أكره البيت ولا أطيق الحياة فيه، وبالذات ~~حين يكون أبي بالبيت، فهو لا يكف عن الشجار مع أمي، وإذا خرج أفرح، ms67 وحين يعود أدخل حجرتي ~~ولا أظهر، وقول لنفسي: يا رب أتزوج أي واحد وأخرج من هذا البيت، وكنت في السادسة عشر حين ~~جاء أبوك ليخطبني، وأختي دولت كانت تغيظني وتقول لي إن العريس فلاح وأهله فلاحين، وقلت لها: ~~فلاح فلاح، أنا راضية بأي واحد لأترك بيتكم ومن فيه، يوم الخطوبة نظرت من وراء الشيش لأرى ~~شكل الرجل الذي سأتزوجه، ولم أر إلا ظهره لأنه كان جالسا وظهره ناحية الشيش ووجهه الناحية ~~الأخرى، وقلت: المهم أتزوج وأخرج من البيت وليس المهم أن أراه، وعملوا الخطوبة، وبعدها ~~كتبوا الكتاب، ودخلت وأول سكن لنا كان في كوبري القبة، الشقة اللي ولدتك فيها، وأول ما دخلت ~~حملت فيك، وجدتك الحاجة أم أبيك رأتني وأنا حامل وقالت لي: أنت في بطنك ولد يا ناهد، قلت ~~لها: كيف عرفت يا حماتي؟ قالت: أنا أعرف أم الولد من نضارة عينيها وأم البنت أعرفها من لون ~~وجهها الأصفر، وكنت أضحك وأقول لها: حرام عليك يا حاجة، ~~البنت مثل الولد، وتغضب مني جدتك الحاجة وتقول إن الولد يساوي عشر بنات، وأقول: بالعكس، ~~البنت أحسن من الولد، وأدعو الله أن يرزقني ببنت. # وتغمض سعاد عينيها وتنام، وهي تحمد الله؛ لأنه سمع دعاء أمها وجعلها بنتا وليس ولدا، ~~وتصورت أنه كان من الممكن أن تكون ولدا لولا دعاء أمها، وحمدت الله مرة أخرى الذي جعل أمها ~~تتذكر مثل هذا الدعاء وهي حامل، وكان من الممكن أن تنسى، فهي تنسى أشياء كثيرة، وتنسى ~~دائما أين وضعت مفتاح الدولاب. # وتعجب عقلها وهي نائمة كيف يتحدد مصائر الأولاد أو البنات بمثل هذه الصدف، ولمجرد أن الأم ~~تذكرت الدعاء أو نسيته، وقالت لنفسها: ولكن إذا نسيت أمي الدعاء وكانت النتيجة أنها ولدتني ~~ولدا، فهل أكون مسئولة عن هذا الخطأ أم أن أمي هي المسئولة؟ ومن المسئول، أمي أم الله؟ لأن ~~الله هو الذي يتقبل الدعاء أو يرفضه، وهو الذي يخلق الناس ويحدد مصيرهم ونوع أعضائهم ~~أولادا أو بناتا. # وفي الصباح حمل عنها أبوها حقيبة ملابسها، ms68 ولوح لأمها بيده وهي تقف تطل عليهما من ~~النافذة، كانت تبتسم له لكن عينيها كانتا تلمعان كأنما تدمعان، وأحست بشيء يشد قلبها إلى ~~أسفل، وأرادت أن تستدير وتعود إلى أمها لتحوطها بذراعيها وتقبلها، واستدارت فعلا، ورأت ~~وجه أمها من بعيد كقطعة ضوء مستديرة صغيرة تلمع في النافذة. # وتوقفت عن السير، فالتفت إليها أبوها وقال لها: أسرعي وإلا فاتنا القطار. # وفي القطار لم تبهجها حركة أعمدة السواري وهي تتراجع إلى الخلف، ولم تفرحها حركة القطار ~~السريعة، كانت تحس أن القطار يحملها بعيدا عن أمها بسرعة جنونية، وهي تحب أمها رغم كل شيء، ~~ورغم أنها أصبحت تطيع أباها طاعة عمياء وتقف معه ضدها، لكنها تحس أنها تحبها، وتحزن لفراقها ~~إلى حد البكاء، وهي تحزن لفراقها أيضا لكنها لا تبكي مثلها، ولا يجوز لها أن تبكي مهما ~~حدث، لقد كبرت ولم تعد تبكي كما كانت تفعل وهي صغيرة، وقلبها كان صغيرا يتأثر بسرعة ويتألم ~~بسرعة، أما الآن فقد كبر قلبها وتحجر ولم يعد يؤلمها شيء. # وابتلعت دموعها وهي جالسة إلى جوار أبيها في القطار، وأبوها كان صامتا، وظل صامتا حتى ~~وصلا إلى بيت جدها في العباسية، ورأت جدتها جالسة في الصالة بثوبها الأسود، وانفرجت شفتاها ~~حين رأتهما وقالت بصوت منخفض: أهلا وسهلا، ورد أبوها قائلا: أهلا بك، ودب الصمت مرة ~~أخرى، وجاءت خالتها ترتدي ثوبا أسود وقالت بصوت منخفض حزين: أهلا وسهلا، ورد أبوها ~~قائلا: أهلا بك، ودب الصمت في الصالة الواسعة. # بعد أن شرب أبوها القهوة قال إنه سيعود إلى دسوق، وقالت جدتها بصوتها المنخفض: لماذا لا ~~تبيت الليلة هنا وتسافر في الصباح؟ وقال أبوها إن عنده عمل في الصباح ولا بد أن يسافر ~~الليلة، ونهضت جدتها وصافحته، وصافحته خالتها أيضا، وأقبل أبوها نحوها ومد لها يده وهو ~~يقول: سأعود إلى دسوق يا سعاد وأتركك هنا في رعاية جدتك وخالتك، وأود أن أسمع عنك منهما كل ~~خير وأنك تذاكرين ولا تضيعين الوقت. # وظل أبوها ممسكا يدها، وهم بأن يعانقها، لكنه لم يفعل، ms69 وارتعشت عضلة صغيرة تحت أنفه ~~وأدركت من عيني أبيها أنه يكبت في أعماقه شيئا يشبه الحب، كأنما هو يحبها حقيقة، لكنه يخجل ~~من أن يظهر هذا الحب لنفسه أو للآخرين. # وترك أبوها يدها واستدار ليخرج من الباب، ورأت ظهره تشوبه انحناءة خفيفة لم ترها من قبل، ~~وهمت بأن تجري وراءه وتقول له: لا تتركني، لكنها خجلت من نفسها، فهي لم تعد طفلة، وكل من ~~يراها يقول إنها كبرت وأصبحت فتاة كبيرة. # وظلت عيناها متعلقتين بظهر أبيها حتى هبط السلم وخرج من باب الحديقة، واستدار أبوها قبل ~~أن يختفي ولوح لها بيده، فرفعت يدها ولوحت له بقلب ثقيل، ثم استدارت ودخلت إلى الصالة ~~حيث رأت جدتها جالسة وظلت واقفة إلى جوارها لا تعرف ماذا تفعل، إلى أن سمعت صوتها المنخفض ~~يقول لها: تعالي يا سعاد اجلسي إلى جواري، لماذا أنت واقفة هكذا؟ # قبل أن تنام تلك الليلة جلست جدتها إلى جوارها وراحت تحدثها عن أيام زمان، قالت إن جدها ~~كان رجلا غنيا، وكانت له عزبة كبيرة، والخديوي إسماعيل كان صديقا حميما له، لكن هذه ~~الصداقة جلبت لهم الفقر، فالخديوي كان مسرفا وفاسدا إلى حد الإفلاس والاستدانة من أصدقائه ~~الأثرياء، ومنهم جدها الذي باع عزبته وأقرض الخديوي ثمنها كله، ولم يأخذ منه إلا ورقة صغيرة ~~على شكل إيصال، ولم يرثوا عن جدها إلا هذا الإيصال الذي حفظوه في درج له قفل، بأمل أن ~~يخرجوه يوما ويطالبون بحقهم. # عرفت سعاد من جدتها أن الإيصال لا زال موجودا في أحد الأدراج في بيت أحد رجال أسرتها، ~~وأن الأمل في استرداد العزبة لا زال موجودا عندها، فهي تثق أن الله عادل ولن يتخلى عن حق ~~عباده أبدا، وهي سوف ترث حقها في العزبة، وبعد أن تموت سوف ترث أمها نصيبها بالكامل، ~~وتنهدت جدتها وهي تقول لها: وبعد عمر طويل، وبعد أن تشبع أمك من الدنيا سوف ترثين أنت نصيبك ~~بعد وفاتها يا سعاد. # كانت سعاد قد بلغت الحادية عشرة من عمرها، وقد سمعت من قبل ms70 مثل هذه القصة من أمها ، وشعرت ~~بنوع من الزهو والغبطة لأنها تنتمي إلى أسرة غنية بهذا الشكل، وحكت لزميلاتها في المدرسة ~~عنها، وأن الخديوي اقترض أموال أجدادها، ومعنى ذلك أنهم كانوا أغنى من الخديوي، وعرفت من ~~التاريخ أن الخديوي كان جد الملك، فازدادت زهوا وخيل إليها أنها في مستوى الملك بل ~~ربما أفضل منه؛ لأن جد الملك استدان من جدها، لكن جدها لم يستدن من أحد. # وكانت جدران بيت جدها مغطاة بالصور، تعرفت في إحداها على صورة الخديوي؛ لأنها تشبه صورته ~~في كتاب التاريخ، وتأكدت حين رأت الصورة أن الخديوي أخذ العزبة فعلا، وأنه كان صديقا ~~للأسرة وإلا فلماذا يعلقون صورته في البيت؟ ورأت ضمن الصور أيضا صورة سعد زغلول، وحكت ~~هذا أيضا لزملائها في المدرسة وهي تشعر بالزهو. # كانت دائمة البحث عن قصص تحكيها لزميلاتها حتى تشعر أنها أفضل منهن، فقد كانت تحس دائما ~~أنها أقل منهن، وأنهن أكثر منها ذكاء، وأقدر منها على حفظ الدروس، ولم تكن كل تلك القصص عن ~~أجدادها وأمجاد أسرتها تصنع شيئا، وإحساسها بأنها أقل من غيرها مكتوم في صدرها، عميق ~~يؤلمها، وأشد ما يؤلمها إحساسها بأنها أقل من أخيها الأصغر مصطفى، وكثيرا ما سمعت أمها ~~تقول إن مصطفى ذكي جدا، وأبوها كان يقول دائما إن مصطفى ورث الذكاء عنه، لأنه كان ~~دائما أول فصله مثل مصطفى. # ولم يكن أبوها يقول صراحة إن مصطفى أذكى منها لكنها كانت تحس من نظراته وهو ينظر إليهما ~~أنه يقارن بينها وبين أخيها وأنه معجب بأخيها، وغير معجب بها، وإعجابه بأخيها لا يساويه إلا ~~عدم إعجابه بها، وتكبت المرارة والألم في نفسها، وتتظاهر بأنها لم تفهم نظرات أبيها، وقد ~~تشترك مع أبيها في الإعجاب بذكاء أخيها، وبالفرح بهذا الذكاء، ولم تكن في الحقيقة تشعر بأي ~~فرح، واشتراكها مع أبيها في مدح أخيها يبدو لها كالاعتراف الضمني بأن أخاها أفضل منها، وهو ~~اعتراف لا تفصح عنه لكنه يشعرها بالإهانة المضاعفة، فكأنها تشترك مع أبيها في عدم الإعجاب ~~بنفسها، وتشعر ms71 بالضيق لأنها تكذب لترضي أباها وتوافقه على رأيه، وإن كان هذا الرأي ضد ~~نفسها، هذه النفس التي أصبحت تحتقرها لأنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها وإبداء رأيها ~~الحقيقي. # وكان رأيها الحقيقي أنها لا تحب أخاها، وكلما زاد إعجاب أمها وأبيها به زادت كراهيتها له، ~~وكانت ترى في عيني أخيها نظرة لا تعجبها، فالمفروض أنه أصغر منها بأربعة أعوام، لكنه لا ~~يعاملها كأخت كبرى، «والأخت الكبرى» لقب محترم يعوضها عن شعورها بأنها أقل منه، وتردد أمامه ~~دائما أنها الأخت الأكبر وللأخت الأكبر الاحترام، لكن أخاها مصطفى لم يكن يهابها ويثبت ~~عينيه في عينيها كأنه يتحداها، ويغلي الدم في عروقها غضبا وتضربه، وتحس وهي تضربه أنه أقوى ~~منها، ويتفوق عليها جسدا، ويزيدها هذا الشعور من إحساسها الدفين بأنها أقل منه. # وتعلقت سعاد بجدتها؛ لأنها كانت تعلن دائما في الصالة الواسعة حيث تجلس عن إعجابها ~~بها، وعدم إعجابها بخالها حسنين الذي تقول عنه إنه شاب طائش يضيع فلوسه في الذهاب إلى ~~السينما والمشي مع البنات، ولم تعرف أول الأمر لماذا تعجب بها جدتها، لكنها قالت إنها ~~معجبة بها لأنها تواظب على الصلاة، أما خالها حسنين فهو لا يصلي ولا يصوم ولا يعرف ربنا، ~~وقد ورث أخلاق المرحوم أبيه، وسوف يعاقبه الله ولن يفتح عليه أبدا لأنه لا يطيعها، وقالت ~~لها جدتها إنها ورثت ملامح أمها، وليس خالها حسنين والحمد لله، وحذرتها من أن تقلد خالها أو ~~تجلس معه في حجرته حين تأتي له صديقاته البنات، وأمها وأبوها أيضا حذراها، ونصحها أبوها أن ~~تغلق حجرتها على نفسها وتذاكر، ولا تضيع وقتها بالذهاب إلى السينما، فالسينما تفسد الأخلاق ~~وقد حرم الله الفساد وحرم علاقة الرجل بالمرأة إلا بعد الزواج. # وكانت سعاد قد أصبحت تسمع كلام أبيها وتصدقه وتطيعه بغير مجهود أو تفكير، فأبوها هو الذي ~~يعرف مصلحتها وهي لا تعرف مصلحتها كما قال لها أبوها دائما، وأبوها هو الذي ينفق عليها، ~~وهي لا تستطيع أن تعيش بغير أب ينفق أو بغير بيت أو أسرة، فالحياة ms72 واسعة والناس الأشرار ~~كثيرون، والليل مظلم ومليء باللصوص والقتلة، والعباسية مدينة كبيرة ضخمة ليست مثل دسوق، ولا ~~تعرف من شوارعها الكثيرة إلا الطريق من البيت إلى المدرسة، وحين تسير في الشارع وحدها تحس ~~أنها غريبة ولا أحد يعرفها ولا هي تعرف أحدا، وتخاف من الخروج وحدها بالليل، وتتعجل إجازة ~~العيد لترى أمها وأباها وأختها وأخاها، وقد أصبحت تحبهم كلهم وهم يحبونها ويكتبون إليها ~~رسائل يقولون فيها إنهم يشتاقون لرؤيتها، أما العباسية فلا أحد فيها يشتاق لرؤيتها في البيت ~~أو في المدرسة، وشوارعها غريبة ومجهولة ومملوءة بوجوه مجهولة، ولا بد من بينهم لصوص ~~ونشالون، ومملوءة أيضا بالفساد من سينما ورجال وخمر وملاهي حرمها أبوها والله وأمها وجدتها ~~جميعا، وليس أمامها إلا أن تغلق عليها باب حجرتها وتذاكر وتواظب على الصلاة ليحميها الله ~~من كل مكروه كما نصحها أبوها. # وأصبحت تحب الإجازات الطويلة لتسافر إلى دسوق، فإجازة الصيف أطول إجازة وتفضلها على ~~الجميع، وإجازة العيد الكبير أفضل من إجازة العيد الصغير لأنها أطول منها، كما أن مشاهدة ~~الجزار وهو يذبح خروف العيد لها عندها متعة أكثر من مشاهدة أمها وهي تصنع الكعك قبل العيد ~~الصغير، وصلاة العيد تهز قلبها، وذلك الدعاء الذي تتفتح أذناها فجر العيد عليه، وصوت الآلاف ~~يهتفون في صوت واحد: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ... ويد ~~أبيها تمتد لها بمصروف العيد، أكبر من أي مصروف في أي يوم، وترتدي الحذاء الجديد والفستان ~~الجديد، وتخرج إلى الشارع مزهوة بين بنات أولاد الجيران، وتشتري بالمصروف كله زمامير وبمب ~~وبالونات ملونة. # إلا أن أكثر ما كان يثيرها تلك اللحظة التي يهوي بها الجزار على عنق الخروف، ويندفع الدم ~~الغزير كالنافورة فوق بلاط الحمام، والأقدام الأربعة من الجسد تنتفض وتتقلص بشدة، وعينا ~~الخروف الواسعتان مفتوحتان تنظران إليها في ألم وحزن وعتاب، كأنما يقول لها: لماذا لم تقولي ~~لي إنهم سيذبحونني وأنت تطعمينني البرسيم؟ هل تآمرتي معهم ضدي مع أنك كنتي تربتين على ~~ظهري؟ # ويتلاشى الفرح من قلب سعاد، ms73 وتحس قلبها ثقيلا وبهجة العيد تتبخر، ولحم الخروف الذي تحمره ~~أمها في السمن ثقيل في معدتها، تأكله بغير فرح، وترى وهي تأكله عيني الخروف تنظران إليها في ~~حزن وتساؤل: لماذا يذبحونني؟ # ولم تكن تعرف الإجابة على هذا السؤال، فسألت أباها، وحكى لها أبوها قصة سيدنا إبراهيم ~~الذي فاجأه الله ذات يوم بأمر غريب لا بد أن يطيعه على الفور دون أن يسأل أو يناقش، ~~فأوامر الله تطاع ولا تناقش، وليس على الإنسان أن يعرف أسبابها وحكمتها، فالله له حكمته ~~التي تعلو فوق عقل الإنسان، وكان الأمر الذي تلقاه سيدنا إبراهيم هو أن يذبح ابنه إسحاق ~~بسكين فوق الجبل، وساق إبراهيم ابنه إلى الجبل ليذبحه ... # وارتعدت مفاصل سعاد وهي تستمع لأبيها، وقد تخيلت الابن الصغير صاعدا إلى جوار أبيه نحو ~~الجبل يتحسس عنقه في رعب، ولا يعرف لماذا يذبحه أبوه وهو لم يخطئ ولم يقترف ذنبا يغضب ~~الله منه، وتساءلت سعاد بصوت مرتجف: ولماذا يعاقب الله إسحاق بالذبح وهو لم يفعل أي ذنب؟ ~~وقال أبوها: إن الله لم يكن يعاقب إسحاق، ولكنه كان يمتحن أبوه إبراهيم بهذا الأمر الصعب ~~ليرى هل سيطيع أمر الله أم لا، وقد نجح سيدنا إبراهيم في الامتحان وأطاع أمر الله، ووضع ~~السكين فوق عنق ابنه ليذبحه ... (وأسرعت دقات قلب سعاد، وتعاقبت أنفاسها وهي تتحسس عنقها ~~بأصابع مرتجفة) ... وفي اللحظة الأخيرة وقبل أن تقطع السكين عنق الابن، وقد تأكد الله من طاعة ~~إبراهيم له، أنزل الله من السماء خروفا ليذبحه إبراهيم بدلا من ابنه مكافأة له على طاعة ~~الله، فالطاعة يا ابنتي هي أعظم الفضائل. # كانت سعاد لا تزال ترتعد، وعقلها لا زال مشغولا بالابن الصغير الذي أسلم عنقه للذبح، ~~والذي كان لا بد قد مات من الذعر حين اقتربت السكين من عنقه، لكن أحدا لم يكن يفكر في ~~حالة الابن النفسية، حتى الله نفسه لم يكن يهتم إلا بامتحان طاعة الأب على حساب الابن، ولم ~~يتردد الأب في إظهار هذه الطاعة ونجح في الامتحان، أما الابن ms74 فماذا حدث له إثر هذه ~~التجربة المخيفة؟ وإذا تردد الأب وسقط في الامتحان، فهل يذبح الابن لأن أباه غير مطيع لله، ~~وكيف يرضى الله أن يعاقب الابن بسبب ذنب أبيه، وهل هذا عدل؟ # أنفاسها كانت تلهث وشفتاها تنفرجان على وشك أن تسأل أباها، لكنها لم تسأل، فقد عودها ~~أبوها منذ سنين كثيرة ألا تسأل وألا تفكر كثيرا في حكم الله، وكانت تحاول أن تنهي عقلها عن ~~التفكير، لكن عقلها كان يفكر رغم إرادتها، وقلبها أيضا يدق بسرعة رغم إرادتها، ونوع من ~~الرعب يزحف فوق جسدها وعنقها، وعيناها تختلسان النظر إلى أبيها، تحاول أن تختبر بعينيها ~~ملامح أبيها، وهل يمكن لأبيها أن يذبحها لو أمره الله بذلك؟ ولماذا يأمر الله الآباء بمثل ~~هذه الأوامر المفزعة للأبناء، ولماذا لا يفكر الله في مشاعر الأبناء ولا يفكر إلا في الآباء ~~فقط؟ # أسئلة كثيرة قديمة منذ الطفولة لم تعد تسألها لنفسها، فقد أدركت أن الأسئلة حرام ومثل هذا ~~التفكير نوع من الكفر بالله، وعدالة الله، فالله عادل سواء عدل أم ظلم أو بطش، والله رحيم ~~سواء ذبح الأبناء أم لم يذبحهم. # وفي بيت جدها الواسع لم تعد مثل هذه الأفكار الطفولية تراودها، وعقلها أصبح مشغولا ~~بالدروس الكثيرة، فالمدرسة الثانوية أصعب من الابتدائية، والكتب أكبر حجما، والامتحانات ~~أصعب، وبمجرد أن تعود من المدرسة تجلس في حجرتها وتذاكر حتى يأتي الليل، والليل في بيت جدها ~~الواسع الصامت مخيف، وروح جدها قد تظهر في أي ليلة على شكل عفريت، والعفريت مثل الجن يعرف ~~ما لا يعرفه الإنسان، وقد يعرف عفريت جدها أنها لم تكن تحب جدها، فينقض عليها في إحدى ~~الليالي لمجرد الانتقام. # من شدة الخوف كانت تجلس بالقرب من جدتها حيثما تكون في الصالة أو في حجرتها، وأحيانا ~~تتبعها حتى دورة المياه وتنتظرها أمام الباب حتى تخرج، لم يكن منظر جدتها يطمئنها كثيرا، ~~رأسها مغطى بالسواد، وجسمها مغطى بالسواد، ولا يظهر منها إلا وجه غريب الملامح، عينان ~~رماديتان لا تعرف منهما هل هي تراها أم لا ms75 تراها، وشفتان منقبضتان لا تعرف منهما هل هي ~~صامتة أم تتحدث أم تتنفس أم توقفت عن التنفس، وحين يدب الصمت في البيت ترهف أذنيها لسماع ~~صوت أنفاسها، أو لمراقبة صدرها وهو يعلو ويهبط، تخشى أن يتوقف كل شيء فيها فجأة وتموت هي ~~الأخرى كما مات جدها، وهي لا تريد منها أن تموت إلا بعد أن تتخرج من المدرسة الثانوية، ~~فهي الوحيدة التي تسليها في هذا البيت، وهي لا تسليها بالكلام لأنها صامتة معظم الوقت، ولكن ~~صوت أنفاسها يبدد خوفها من عفريت جدها، كما أنها لو ماتت هي الأخرى فسوف يصبح في البيت ~~عفريتان اثنان بدلا من عفريت واحد. ~~••• # في مكتبة المدرسة الثانوية عثرت على كتب كثيرة مليئة بقصص الحب، وكانت كلمة «الحب» تفزعها ~~فتغلق الكتاب وتكف عن القراءة، وتتوضأ وتصلي وتطلب من الله أن يغفر ذنبها. # بعد الصلاة تشعر بنوع من الراحة، كأنما تقبل الله توبتها وغفر ذنبها وأعادها إلى ملكوته ~~مع الصالحات والصالحين، إلا أنها تدخل إلى المكتبة مرة أخرى لتقرأ، وتشعر بلذة وهي تقرأ ~~الكتب والقصص، لكن اللذة يصاحبها نوع من الذعر خوفا من عقاب الله والحرق في النار، وتسرع ~~إلى الوضوء والصلاة والتوبة. # وتتكرر القراءة مع اللذة مع الفزع والألم يعقبها إحساس بالذنب أشد عنفا، وشعور بالمهانة ~~والضعف والفساد، والخوف من عقاب الله، وصوت أبيها يأتيها وهي نائمة يقول لها بغضب: لا بد ~~أن تطردي الشيطان من عقلك وروحك، وتغمض عينها تحاول النوم وتحاول أن تطرد الشيطان الذي ~~يدفعها إلى قراءة الكتب خارج المنهج المقرر في المدرسة. # كانت الدروس التي يلقيها عليها المدرسون والمدرسات مملة كئيبة خالية من المعنى، مفككة لا ~~يربطها شيء، ولا يمكن لها أن تفهم شيئا، وما عليها إلا أن تحفظ الدروس عن ظهر قلب كما تحفظ ~~آيات القرآن. # وفي نهاية العام نجحت في الامتحان بتفوق وعادت إلى دسوق لتمضي الإجازة الصيفية مع أبيها ~~وأمها وأختها وأخيها، كانت قد أتمت الحادية عشرة من عمرها، وأصبحت طويلة القامة، وفوق صدرها ~~نبت برعمان صغيران، بحجم حبة ms76 العنب أو الزيتونة. # وجاءت جدتها في الإجازة وعمتها وخالتها وسمعت الهمس يدور من ورائها، ولم تعرف ما الذي حدث ~~تماما، وحين جاء أول العام الدراسي لم يطلب منها أبيها أن تعد حقيبتها، وبدءوا ينادونها ~~بالعروسة، وجاء رجل غريب الشكل كانوا ينادونه بالعريس، وفي ليلة مليئة بالضجيج والزحام ~~والطبل جعلوها تمشي إلى جوار هذا الرجل ويده في يدها، كانت ترتدي ثوبا أبيض ووجهها أبيض ~~بلون الثوب. # وانغلق الباب عليها وحدها مع هذا الرجل، كانت طفلة في الحادية عشرة والنصف، حين انفتح ~~الباب في الصباح لم تكن هي سعاد الطفلة، في ليلة واحدة قفزت من الطفولة إلى الشيخوخة، ثم ~~ماتت بعد أن أنجبت طفلة تشبهها، سمتها سعاد. ~~(تمت بحمد الله) ms77