######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.Riwaya.Hindawi81791725 #META# Tags: novels #META# ID: 81791725 #META# Title: الرواية #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # الرواية‏ # ثمن الكتابة‏ # الرواية‏ # | الرواية # | الرواية # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو ms001 الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو ms002 كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق ms003 رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | الرواية # أحدثت الرواية غضبا عارما، الفتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، مجهولة الأب، ليس لها ~~أسرة ولا شهادة ولا بطاقة مختومة، كانت هي روايتها الأولى، تكتبها بقلمها دون أن تكون ~~كاتبة، دون أن تقرأ أساطير الأنبياء ولا الشعراء ولا الأدباء، لم يندرج اسمها ضمن ~~الكاتبات. # قوامها ممشوق من طول المشي سعيا وراء الرزق، يرتكز على عمود فقري صلب، تقاطيع وجهها ~~بارزة حادة من شدة النحافة، منحوتة في عظام قوية كالصخرة. # كان موسم الانتخابات على الأبواب، تسبقه فضائح الجنس والفساد للمرشحين والمرشحات، تحظى ~~النساء بنصيب أكبر بطبيعة الحال. # وكان هناك مجلس للشيوخ يسمونه مجلس الشورى، يضم الحكماء من الذكور المسنين، والحكيمات ~~من النساء المسنات، بطل الرواية عضو بالمجلس، في الرابعة والخمسين، أصغر الأعضاء سنا، ~~يبدو شابا رياضيا، يمارس لعبة الجولف كل يوم، بشرته ملوحة بالشمس، عيناه يكسوهما ~~بريق، يرتدي بدلة أنيقة، وربطة عنق زاهية الألوان، حليق الوجه بلا شارب ولا لحية، تفوح منه ~~رائحة معجون الحلاقة «لافندر»، خطوته واسعة سريعة يعمل في مؤسسة صحفية كبيرة، صدرت له ~~ثماني روايات، مشغول بكتابة الرواية التاسعة، اسمه «رستم». # كان رستم يتمشى على كورنيش النيل في الليالي القمرية الدافئة، يتوقف أمام الكشك على ~~الناصية، يسمونه «بوتيك»، صاحبه شاب من أبناء الشهداء، يرتدي جلبابا أبيض ولحية طويلة ~~سوداء، تتدلى المسابح فوق واجهة البوتيك، والمصاحف ذات الأغلفة الذهبية، والمباخر ~~وإمساكيات رمضان وأحجبة النساء. # يتهلل وجه الشاب كعادته حين يرى رستم قادما: أهلا سعادة الباشا! # يناوله الشاب القطعة الصغيرة مما توضع في الشيشة أو تحت اللسان، والرواية الملفوفة داخل ~~حجاب سميك من الورق لا يشف العنوان، وإمساكية الصيام. كان شهر رمضان على ms004 الأبواب، ومعه ~~معركة الانتخابات. ~~- الأخبار إيه يا محمد؟ # صوت رستم فيه بحة ذكورية خشنة، مملوءة بالرجولة مع الدخان الكثيف، تجذب الشابات ~~الصغيرات القارئات لرواياته الشائعة. ~~- الدولار طالع يا سعادة الباشا والجنيه نازل يرف. # يناوله رستم مظروفا بني اللون مرسوما عليه رأس النسر، مغلفا بشريط من ~~السيليوتيب، يحمله الشاب بيديه الاثنتين بعناية شديدة، كأنما طائر يخشى أن يحلق ~~بأجنحته ويطير، ثم يختفي وراء قبو خشبي داخل البوتيك، بعد دقائق قليلة يخرج حاملا كيسا ~~من البلاستيك الأسود. ~~- عدهم يا سعادة الباشا. ~~- أعد وراك يا محمد؟ ~~- يلزمك كم إمساكية يا باشا؟ ~~- حسب الناخبين ... ألفين ... ثلاثة ... أربعة. ~~- الناس كلها معاك وربنا معاك. ~~- ربنا فوق الجميع. # في الليل قبل أن ينام ينزع رستم الغلاف السميك عن الرواية، كأنما ينزع الملابس عن ~~امرأة، يعشق القراءة مع الدخان والكأس، تتحرك شهوته للمحرمات، مثل الآخرين والأخريات، ~~وكل ممنوع مرغوب كما يقولون. # فوق ظهر الغلاف كانت صورة المؤلفة الشابة، داخل مربع صغير، تسمرت عيناه فوق ملامح ~~الوجه، التقاطيع الحجرية البارزة، عيناها ثابتتان في عينيه ثاقبتان قاطعتان كحد ~~السكين، في الثالثة والعشرين، تصغره بواحد وثلاثين عاما، ولدت في الجائزة الأولى، تسلمها ~~في حفل كبير من يد الرئيس قبل اغتياله بخمسة شهور. # وأصبحت صورة الفتاة تظهر له في الحلم وهو نائم. ~~••• # هربت الفتاة إلى مكان بعيد تكتب فيه الرواية، لم تأخذ معها إلا حقيبة بها ملابسها ~~وأوراقها، والجنين تحمله في أحشائها، سافرت إلى الشاطئ البعيد لتقترب من البحر المفتوح، ~~تنشد الفرار من ظلام الجدران، وقرار القبض والإعدام. أرادت أن تهب الحياة لطفلتها، ثمرة ~~الحب المقدس، النطفة الإلهية في رحم العذراء. # في الليل حين تسكن الريح وتنام مياه البحر، ترقد الطفلة غير المولودة في أعماقها، غير ~~المعروفة النسب، مثل روايتها الأولى، لا تعرف اسمها. # كان الناس يعيشون في رعب. أكثر ما يرعبهم المجهول، والأشياء غير المعروفة الاسم، حتى ~~الشيطان عرفوا اسمه «إبليس»، والآلهة أيضا عرفوا أسماءها، وسقطت عنها الحجب. # تضغط الفتاة على مفتاح النور بجوار سريرها، تعود بذاكرتها إلى مدينتها ... اجتازت عرض ms005 البحر ~~من الجنوب إلى الشمال لتبتعد عنها، تحتاج الرؤية إلى بعد المسافة، بعيدا عن الضجيج ~~والأصوات الزاعقة، بعيدا عن الأزقة ولهيب الصيف، تنزع التلافيف الملفوفة حول رأسها، تنظر ~~إلى وجهها المكشوف لضوء الشمس، جسدها يسبح في البحر كالسمكة الفضية، عيناها مفتوحتان على ~~الأفق دون سقف. # في أذنها طنين يذكرها بالذباب في حي السيدة زينب، ودقات المنبه القديم بجوار ~~وسادتها، وابتهالات الشحاذين والشحاذات أمام باب المسجد، يطلبون الرحمة والعدل من السماء، ~~دون جدوى، تبقى السماء ممدودة فوق رءوسهم في صمتها الأبدي، إلا بعض لحظات نادرة في ~~الشتاء، تنذر بصوت الرعد، يتساقط رذاذ مطر خفيف، لا يلبث أن يجف. # كانوا يجلسون في المقهى الصغير بالقرب من ميدان التحرير، يرشفون النبيذ. بعد الكأس الأولى ~~تنتابها نشوة حزينة. إلى جوارها يجلس سميح، داخل بدلة رمادية من دون ربطة العنق، وجهه شاحب ~~نحيف، عيناه خضراوان. أمامها تجلس كارمن، داخل ثوبها الملون، شعرها بني اللون كثيف، ~~يهتز مع رأسها وضحكاتها المنطلقة. إلى جوارها رستم بوجهه الملوح بالشمس، داخل بدلة ~~سماوية، وربطة عنق حمراء بها دوائر زرقاء، عيناه شاردتان، يملأ الكئوس الفارغة، يناولها ~~كأسها، تتلاقى عيونهما في لحظة سريعة ثم يعود إلى شروده، تبقي عيناها في عينيه، وإن ~~غابت، ثابتتين ثاقبتين قاطعتين كحد السكين ... مقلتان كبيرتان زرقتهما سوداء، مثل أعماق ~~المحيط، تذوب فيهما الألوان والأجناس تكسبهما جاذبية خاصة تعلو فوق الجنس. # مدينة القاهرة في الليل مؤنثة الاسم، عقلها الظاهر في النهار يؤمن بالإله الذكر، عقلها ~~الباطن تعيش فيه الإلهة الأنثى، تجوب شوارعها سيرا على قدميها، أو داخل السيارة المرسيدس، ~~بلون البدلة، يقودها رستم، أول مرة يدعوها وحدها، كانت كارمن في نيويورك تشارك في مؤتمر عن ~~الرواية «ما بعد الحديثة»، سميح كان في أسيوط يلقي محاضرة في الجامعة عن «بيولوجيا ~~الثقافة». # في شارع الهرم تعلقت عيناها بقمم الأهرامات، تلمح وجه رستم ... أنفه مرفوع فيه كبرياء، ~~شفتاه ممتلئتان غليظتان كالشفاه الأفريقية، يداه كبيرتان يغطيهما شعر أصفر ملوح بالشمس، ~~تتحركان فوق عجلة القيادة في ثبات وثقة. # المرة الأولى يدعوها وحدها، ms006 تعودوا أن يكونوا معا هم الأربعة، شيء خفي يحدث بينهما، ~~تيار من الأحاسيس المبهمة تثير القلق. # حين تكون الفتاة وحدها يجتاحها إحساس جارف بالحزن، من حولها جدران الشقة الضيقة في ~~الزقاق المسدود، تشاركها الشقة «جمالات»، صحافية متوسطة العمر، ضخمة الجسم، شعرها المصبوغ ~~بالحنة الحمراء ملفوف بطرحة بيضاء، وجهها أبيض سمين تغطيه بالمساحيق والألوان، عيناها ~~سوداوان ترسمهما بالكحل، حاجباها رفيعان مرسومان بسن القلم على شكل قوس، أنفها عريض، ~~وشفتاها رقيقتان مصبوغتان باللون الأحمر. # الشقة من غرفتين، واحدة للفتاة والثانية لجمالات، بكل غرفة سرير عريض من الخشب الكالح، ~~ودولاب قديم للملابس، ومنضدة صغيرة للأكل والكتابة، والضرب عليها بقبضة اليد عند الغضب، ~~الصالة ضيقة مظلمة، نافذة واحدة تطل على المنور، والمطبخ أشد ظلمة، لا يتسع إلا ~~لغسل الصحون في الحوض، والوقوف أمام النار للطبخ. # قال رستم وهو يقود سيارته المرسيدس، القاهرة مدينة لا تقهر إلا الضعفاء، يتخفى ~~فيها الفساد تحت حجاب الشرع، ويرتدي حاكمها ثوب الإله الرب. كانت تشعر بتأنيب الضمير؛ لماذا ~~قبلت دعوته؟ كانت تبحث عن عمل مثل الشباب العاطلين والعاطلات، أملهم الوحيد هو الهجرة، أو ~~السفر خارج الوطن، كلمة الوطن تقف في حلقها كالغصة. # كانت كارمن تأخذها بسيارتها حين يسافر زوجها، لم تكن تركب سيارته المرسيدس الكبيرة، ~~تفضل سيارتها الفيات الصغيرة، تخرجها من جراج البيت في جاردن سيتي، تجتاز شارع قصر ~~العيني إلى شارع المبتديان، تدخل الزقاق المسدود في حي السيدة زينب، تتوقف أمام الباب ~~الخشبي الكالح، تضغط على بوق السيارة مرتين، تهبط الفتاة السلالم المظلمة، تتفادى الدرجة ~~المكسورة قبل الدور الأرضي، تركب إلى جوارها، تنطلق بهما إلى صحاري سيتي، تركن كارمن ~~السيارة أمام الشاليه الصغير وسط الصحراء، تخلعان الأحذية وتمشيان فوق الرمال الناعمة، تحكي ~~لها كارمن عن رواية قرأتها، أو نكتة سمعتها، أو حادث وقع لها ... # توقفت فجأة عن الكلام، دوى صمت الصحراء في أذنها كالصفير الحاد، منذ طفولتها تخاف ~~الظلام. التلال الرملية تبدو من بعيد كالأشباح، كارمن واقفة ثابتة، عيناها تنظران بعيدا ~~ناحية قمم الأهرامات. # جاءها صوتها خافتا: رستم ms007 يحبك. ~~- زوجك؟ ~~- أيوه . # رغم مرور الأيام بقي صوتها في أذنها، «رستم يحبك»، الارتجافة مع المفاجأة، القشعريرة ~~والرعشة تحت ضلوعها، كيف عرفت ما لم تعرفه هي؟ ~~- أنا لا أعرف شيئا، أقسم. ~~- لا داعي للقسم، أنا أصدقك. # في غرفتها في زقاق السيدة فكرت كيف نطقت الكلمتين «أقسم بالله»، ليس من عادتها أن ~~تقسم بالله، لا تحترم الناس الذين يقسمون بالله، فهم كاذبون لا بد، وإلا ما كانوا في حاجة ~~إلى القسم. # عاد رستم من السفر، جاءها صوته عبر أسلاك التليفون يدعوها إلى ندوة عن رواية «بحر ~~سارجوسا»، لكاتبة من الكاريبيان اسمها «جين ريس». كانت تحب حضور هذه الندوات، تعقد في دار ~~النشر في مصر الجديدة، ورثها سميح عن أبيه، تفرغ لها وجعلها مركز إشعاع للأدب والفن. كان ~~سميح يملأ حياتها على نحو ما، تجمعها به علاقة حب، زال عنها الوهج والشوق الجامح، أصبحت ~~مثل نهر هادئ، لا شيء يدق تحت الضلوع، ولا شيء يثير الخيال. ~~••• # على الشاطئ البعيد كانت المدينة الأخرى، اسمها برشلونة، في الربيع تتغطى شوارعها ~~بالشباب والشابات، أجسام ممشوقة رشيقة، لا تعرف نوع الجنس من الملابس أو الشكل الخارجي، ~~لا شيء يفرق الأنوثة عن الذكورة إلا المشاعر العميقة غير المدركة بالعقل بالواعي، ~~برشلونة مؤنثة الاسم والجسم، وإن ظل عقلها ذكوريا، تؤمن بالإله الأب وابنه الذكر، ~~المحمول فوق صدر أمه العذراء، اختفى كيانها تحت اسم الشبح أو الروح القدس. # لم تستطيع كارمن أن تتخلص من إيمانها بالمسيح، كما أن زوجها رستم لم يؤمن بإله ~~سماوي، فقد ساعدته علوم الفلسفة على ذلك، سميح أدرك هذه الحقيقية في طفولته، قبل أن يدخل ~~المدرسة. # كانت الفتاة تعاني ما يشبه عقدة النقص، لم تدخل الجامعة ولم تحصل على شهادة، نشأت في ~~الفقر والحاجة إلى العمل، تنظر إلى الكون باعتباره موجودا منذ الأزل، وباقيا إلى الأبد، ~~لم يشغلها كثيرا كيف جاء، لم تقرأ الكتب الدينية، كانت تفضل قراءة الأدب والروايات، ~~تحرر عقلها وانطلق في الأفق الواسع، بقيت روحها حبيسة الجسد، يستهويها الحوار بين سميح ~~ورستم وكارمن، ms008 تشترك فيه بقلب بارد خال من الإيمان، أحشاؤها ترتعش حين ينطق أحدهم بكلمة ~~إلحاد. # كان ذلك في الأيام الأولى لعلاقتهما، قبل أن تعرف أنه يحبها، وقبل أن تعرف كارمن، أول ~~من عرف هو سميح، كانوا يجلسون كعادتهم في المقهى الصغير، يرشفون النبيذ على مهل، سميح ~~يتحدث عن بيولوجيا الفلسفة وكيمياء المشاعر. # بعد أن تركها رستم وكارمن تمشت مع سميح على كوبري قصر النيل، الموجات على سطح الماء ~~تلمع تحت الضوء كالأسماك الفضية ... كان سميح يقول ممسكا يدها: ألم تلاحظي شيئا على ~~رستم؟ ~~- تقصد إيه؟ ~~- أظن أنه يحبك. # اهتز حديد الكوبري تحت قدميها، توقفت، كيف يلاحظ سميح ما لم تلاحظه هي، مع أن الأمر ~~يتعلق بها. ~~••• # تطل الفتاة من نافذتها العالية على ميناء برشلونة، مياه البحر الأبيض تتابعها، تسبح ~~معها جنوبا وشرقا حتى شاطئ الإسكندرية، مهما ابتعدت يظل الحنين، ليس لها وطن أو مسقط رأس، ~~ليس لها أهل تعود إليهم، لم تكن لها طفولة ولا حكايات المارد والغولة، ينتابها الحنين ~~أحيانا إلى القضبان، ورائحة الأرض الأسفلت والمجاري تترامى رائحتها عبر البحر، يمحو الزمن ~~عفونة الماضي، ويستحيل الألم لذة على نحو ما. # تعيش الفتاة في غرفة صغيرة فوق سطح عمارة عالية، تملكها امرأة اسمها «يولاندا»، تسكن ~~الدور الأول، وتملك محلا لبيع الخمور في الدور الأرضي يطل على الميدان، ومطعما صغيرا ~~يشتهر بوجبة «باييلا مارنيرا»، خليط من قواقع البحر والجمبري والطماطم والبصل والثوم، مع ~~الأرز المطبوخ، لونه ذهبي أصفر، يلمع تحت الضوء، يتصاعد منه البخار، يثير شهيتها وهي تمشي ~~أمام المطعم، ثمن هذه الوجبة تسعة يورو، لم يكن لها عمل ولا مورد رزق. # يولاندا قصيرة سمينة، حول عينيها دوائر رمادية، بشرتها مترهلة بيضاء، تلف شعرها الأصفر ~~بشريط أسود، تبعثر أولادها وبناتها في بلاد العالم، إلا ولد واحد اسمه فرانسيسك، يتقمص ~~شخصية «سلفادور دالي» بشاربيه الضخمين، يقف في «الرامبلا» مثل تمثال، جسمه مدهون بمسحوق ~~أبيض، يؤدي حركات البانتوميم الصامتة، ثم يتجمد فجأة، يصبح تمثالا مصنوعا من الحجر أو ~~الجرانيت، يمر به الناس يرمقونه بإعجاب ms009 لا يخلو من الإشفاق، قد يلقي أحدهم بقطعة من النقود ~~في القبعة الراقدة فوق الأرض أمام قدميه. # أول مرة رأت يولاندا كانت جالسة في المطعم، تلتهم صحن الباييلا مارنيرا، رأتها ترمق ~~الجمبري المقلي والأرز الذهبي يتصاعد منه البخار، عقدت معها صفقة قبلتها بحكم الضرورة، أن ~~تشتغل في المطعم أربعة أيام في الأسبوع مقابل الغرفة فوق السطوح. ~~- ومن أين آكل يا يولاندا؟ # قالتها باللغة الكاتالانية الركيكة، مع الإشارات بيدها إلى فمها. هزت يولاندا رأسها ~~وأشارت إلى الغرفة الداخلية في المطعم. رمقت جسمها الناحل ووجهها الشاحب الطويل: لا أظن ~~أنك تأكلين كثيرا يا ابنتي. # نطقت كلمة ابنتي بصوت أمومي، لا ينم عنه مظهرها القاسي، له رنين معدني يشبه الآلة ~~الحاسبة، قدمت لها صحنا من الباييلا الساخنة، بدأت الفتاة العمل في هذا اليوم الأول حتى ~~منتصف الليل، ثم أخذت المصعد إلى الدور الأخير، ومنه صعدت السلالم إلى السطح، توقفت لحظة ~~تستنشق هواء البحر، تشهد ميناء برشلونة من بعيد، أطراف السفن الراسية عند الشاطئ، تمثال ~~كريستوفر كولومبس من طرفه، رافعا ذراعه مشيرا بإصبعه إلى البحر، ناحية الشاطئ الجنوبي، ~~شمال أفريقيا. # جاءها فرانسيسك ذات ليلة، وقف إلى جوارها فوق السطح يشمان الهواء، بدأ يعلمها ~~الكاتالانية وهي تعلمه العربية، قال إن كريستوفر كولومبس يشير بإصبعه إلى الاتجاه الخاطئ، ~~لأنه سافر شمالا إلى أمريكا وليس جنوبا إلى أفريقيا، أمسك يدها بيده، ينظر في عينيها ~~تحت ضوء القمر، عيناه زرقاوان تلمعان، تصبحان في الليل سوداوين، تشبهان عيني رستم، وأحيانا ~~عيني سميح. ~~••• # في النوم تسافر عبر البحر لتعود إلى غرفتها في الزقاق المسدود بحي السيدة زينب، تشبه ~~غرفتها في برشلونة، تطبق جدرانها الكالحة على روحها، والسرير الخشبي القديم يئن تحت الجسدين ~~المتلاطمين في الظلمة، تتعرف على أحدهما، إنه جسدها، تحمله معها منذ طفولتها حيثما ذهبت، ~~تعرفه عن يقين، تلامسه بأطراف أصابعها بالحنين القديم، تغترب عنه لحظة كأنما جسد امرأة ~~أخرى، ثم تعود إليه تتعرف عليه، الأصابع النحيلة السمراء، الأظافر الشاحبة المقصوصة بحسب ~~أوامر يولاندا، الرعشة الخفيفة الناجمة عن الحزن ms010 الغامض الغائر في أعماقها. # الجسد الآخر لا تكاد تعرفه، يتقمص في السرير حركات البانتوميم، قد يهمس في أذنها باسم ~~يشبه اسمها، ترد عليه من دون أن تعرف اسمه، تناديه فرانسيسك، وأحيانا رستم، أو سميح، أو ~~اسما آخر عالقا بالذاكرة. ~~••• # رغم تحررها تقبع في أعماقها امرأة حبيسة، انطلق عقلها وجسدها خارج القضبان، بقي جزء من ~~كيانها أسيرا، ربما هي الروح العاجزة عن التحرر. كلمة «الروح» مؤنثة في لغة القرآن ومع ذلك ~~ترمز إلى إله السماء. # كان رستم يقول: اللغة أقدم من الدين، حواء هي أصل الوجود، آدم ليس إلا الفرع ... ثم ~~يرمقها بعينيه ذات البريق، يدرس أثر كلماته عليها، تسبقها زوجته كارمن في الإعجاب به، ~~تصفق بيديها البيضاوين الناعمتين كالطفلة: برافو! أنت أجمل رجل في العالم يا رستم. # يرمقها بنظرة سريعة، تتلاقى عيونهما في لحظة ثم تشرد بعيدا، تنتابها أحاسيس غامضة، بعضها ~~حزن، بعضها فرح، عيناه عسليتان كبيرتان، مزيج من دماء الشمال والجنوب، كيمياء الشرق ~~والغرب ... درس الفلسفة في كامبريدج، ثم تركها ليكتب الرواية، في كيانه المزدوج تناقض الحياة، ~~شفتاه ممتلئتان بشهوة متدفقة، في عينيه نظرة محايدة باردة تشبه القضاء والقدر. # سميح كان مختلفا، عيناه الخضراوان فيهما نظرة دافئة، شفتاه رفيعتان باردتان، كانت أمه ~~راقصة في ملاهي الإسكندرية، تعشق الفن المصري القديم، بعد أن ترقص لا تعطي جسدها للرجال، ~~تشاركهم الحديث عن الفن والفلسفة حتى يطلع الفجر، وقع في حبها ضابط جيش يملك دارا للنشر، ~~قتلته قنبلة أثناء العدوان الثلاثي على بورسعيد عام 1956، كان سميح عمره ثلاثة أشهر، واصلت ~~أمه مهنة الرقص حتى تخرج في جامعة الإسكندرية، أرسلته إلى باريس حيث حصل على الدكتوراه في ~~علم الأنثروبولوجيا وثقافة الأجناس، في أعماقه حنين إلى الفن يشبه الحنين إلى الأم، ورث ~~عنها شقة على البحر في الإسكندرية، وشقة على النيل في جاردن سيتي، وورث عن أبيه دار النشر ~~في مصر الجديدة. # كانت كارمن تترك سيارتها الفيات في الجراج أحيانا، لا تحب القيادة في شوارع القاهرة ~~أثناء النهار، تفضل القطارات تحت الأرض: مترو الأنفاق، ms011 من محطة سعد زغلول إلى حديقة الحيوان ~~في الجيزة، تكتب رواية بطلها طبيب بيطري يعالج الحيوانات، كان اليوم دافئا في شهر أبريل، ~~ترتدي ثوبا ربيعيا يكشف عن ذراعيها وجزء من الصدر، شعرها البني الداكن مسدل فوق ~~كتفيها، في المترو كانت تجلس امرأة تختفي تحت عباءة سوداء، لا يظهر منها إلا عينان ~~سوداوان مشتعلتان بالغضب. # فجأة أخرجت المرأة من حقيبة يدها منديلا كبيرا أسود، اندفعت بحركة سريعة نحو كارمن ~~لتغطي شعرها وعنقها وهي تصيح: الحجاب مثل الصلاة واجب عليك! انتفضت كارمن واقفة، خلعت عن ~~رأسها المنديل وقذفت به المرأة، نشب العراك بينهما، نزعت كارمن عن المرأة حجابها، فانكشف ~~رأسها الأصلع أمام الناس. # ضحك رستم حين سمع الحكاية. ظل سميح صامتا واجما، ثم قال: اللعب بالدين في السياسة ~~كاللعب بالنار. القاهرة تعيش فوق بركان مكتوم. # عناوين الصحف ترمقها كارمن بطرف عين: بعض أعضاء مجلس الشورى يؤيدون عقوبات الرجم والجلد ~~وقطع يد السارق وتحريم شرب الخمر، أربعة عشر من الشباب المهاجرين يغرقون في البحر قرب شاطئ ~~برشلونة، الفتاة الشابة تقدم للمحاكمة بتهمة القتل والحمل السفاح وانعدام مشاعر الأمومة ~~... انهيار الأخلاق في عصر الديمقراطية والإصلاح. # يرمقها زوجها رستم بطرف عين، يتبادلان النظرات من تحت الجفون نصف المغلقة، يتبادلان ~~الاتهامات دون صوت، في الليل يتبادلان العناق في صمت، أصبح للزوجة حاسة شم أقوى من ~~الكلاب، تعرف رائحة المرأة الأخرى، خاصة رائحة الفتاة، عطر الصابون الرخيص في الأسواق، ~~وغسول الشعر الشامبوه من أرخص الأنواع، مع قطرات العرق والتعب، وذرات الشراب في الزقاق ~~المسدود بحي السيدة. ~~••• # يتألق سطح البحر عند شاطئ برشلونة، تتمدد الأجسام تحت أشعة الشمس الذهبية، ترتدي ~~الفتاة المايوه الأبيض من قطعتين، تسبح تحت الماء كالسمكة الفضية، مياه البحر دافئة في ~~الربيع، نسيت الفتاة حياتها الماضية، تلاشت الوجوه من ذاكرتها، إلا وجه القاضي الجالس فوق ~~المنصة في المحكمة، يدق بالمطرقة فوق المنضدة. # كل شيء في برشلونة يتفتح في شهر الربيع والزهور، عيون القطط المغمضة، عذراوات الشرق ~~والطيور المهاجرة، السماء زرقتها شفافة، سحابة واحدة داكنة تخفي ms012 وراءها العين الساهرة ~~التي لا تنام، تراقب سلوك البنات، لا ينافسها في يقظتها إلا عين إبليس، تتخفى أيضا ~~وراء السحابة. # تراقب الفتاة السحابة وهي تزحف، تقترب بحذر من رأس كريستوفر كولومبس، من ورائه الجبل ~~اليهودي، لا يرتفع إلى رأس التمثال الشامخ، في شارع الرامبلا، تتمشى الفتاة بين أكشاك ~~الزهور، تحرك ذراعيها وترقص على لحن تعزفه مجموعة من الشباب تقوم بأعمال بهلوانية، تطير ~~في الهواء مثل عصفورة، تنثني على الأرض مثل قطعة من العجين، في المقاهي يجلس الرجال ~~والنساء، يرشفون النبيذ والبيرة المثلجة، تلمع عيونهم تحت ضوء الشمس، يأكلون على مهل من ~~صحون تتصاعد منها رائحة السمك المشوي وقواقع البحر. # ترتدي الفتاة قميصا ربيعيا خفيفا وبنطلونا أسود واسعا، تنتعل حذاء كاوتش، تجري ~~تسابق الريح، من ميدان كاتالونيا حتى شاطئ الأولمبيك، رائحة العشب واليود تعيدها إلى شاطئ ~~سيدي بشر، كانت تسبح بجوار سميح، يسبقها إلى صخرة ميامي، تحبه داخل البحر أكثر مما تحبه ~~وهو يمشي فوق الأرض. أما هي! لم تعرف البحر في طفولتها، ولدتها أمها بين الجدران السوداء، ~~مسقط رأسها قطعة من الأسفلت. # بعد العشاء يسيرون هم الأربعة في شارع النيل - رستم وكارمن وسميح وهي - مروا بواحدة من ~~بنات الليل، واقفة تستند بجسمها الناحل إلى عمود النور، عيناها المكحلتان تتسعان لحزن ~~الكون، رمقها رستم وسميح بنظرة طويلة من الساقين إلى النهدين، مزيج من الشهوة ~~والإشفاق. # قالت كارمن: ينجذب الرجال إلى بنات الهوى، من الإله آمون حتى سيدنا موسى وعيسى ~~ومحمد. # رنت كلمة «محمد» في أذنها فانتفض جسدها بالخوف، لم تتخلص من رعب الطفولة والأجسام ~~المحروقة في نار جهنم. # تذكرها الأزقة في برشلونة بأزقة القاهرة، الفوانيس المعلقة فوق أبواب البيوت ~~العتيقة، الأنوار المتلصصة من الدكاكين تحت الأعمدة الحجرية، تشبه البواكي في شارع محمد ~~علي، أشباح رجال تمشي في العتمة، بنات الليل يتسكعن فوق كعوبهن المدببة، وجوههن مدهونة ~~بلون الشمع، عيونهن المكحلة تشوبها حمرة، تدندن إحداهن بأغنية مجهولة الكلمات تنتمي ~~لكل اللغات. ~~••• # لم تدم قطيعتها لرستم طويلا، جاءت كارمن إلى غرفتها في زقاق ms013 السيدة، فتحت جمالات لها ~~الباب، الفتاة في غرفتها تعاني من الصداع، تبتلع نوعين من الحبوب المانعة للحمل المضادة ~~للاكتئاب، أخرجت جمالات الزجاجة من صندوق تحت سريرها، قالت كارمن وهي ترشف النبيذ من حبات ~~الفول السوداني: أنا لا أملك رستم، وهو لا يملكني. # قاطعتها جمالات: ربنا هو الذي يملكنا يا كارمن! # رنت كلمة ربنا بصوت جمالات الحاد، ارتطمت بزجاجة النبيذ فاهتزت فوق المنضدة، ثم استعادت ~~توازنها، انفرجت شفتا كارمن عن ابتسامة ضيقة: رستم إنسان حر يملك نفسه، لا أستطيع أن ~~أمنعه، فالحب يقع دون إرادتنا، هذه لذته وألمه في وقت واحد. # هتفت جمالات بعد أن أصابتها نشوة النبيذ: كلامك عين العقل يا كارمن! # بعد أن خرجت كارمن وتلاشى أثر النبيذ، قالت جمالات: كارمن يمكن تقتلك يا عزيزتي، ما فيش ~~واحدة في الدنيا ما تغيرش على جوزها، ربنا خلقنا من لحم ودم، نأكل ونشرب ونحب ونكره ونموت ~~من الغيرة، ونقتل كمان، ربنا رفع الإنسان فوق الملايكة، ربنا حملنا مشقة جهاد النفس ~~الأمارة بالسوء، هي دي الأمانة، حملها الإنسان ولم تحملها الجبال، إيه رأيك نروح السينما ~~الليلة؟ فيه فيلم هايل اسمه «لهيب الحب»، يلا قومي من السرير خلينا نفرفش شوية قبل ما ~~نموت ونروح النار. ~~••• # جلست جمالات إلى جوارها في الظلمة، أحداث الفيلم تتتابع فوق الشاشة، الرجل العجوز يقع في ~~حب الخادمة الصغيرة، يستولى الحب على قلبه وعقله، تهدده زوجته، يطلقها ويتزوج ~~الفتاة، تهرب منه في الليل، تخاف العودة إلى أهلها في القرية، تتخلص من الجنين في بطنها ~~وتشتغل راقصة في أحد الملاهي حتى القبض عليها. # جمالات تسمع خفقات قلبها إلى جوارها، تلهث أنفاسها مع مشاهد الحب، تضغط بيدها على يد ~~الفتاة، يرتج جسدها لحظة اغتصاب الخادمة في المطبخ، أنينها خافت غير مسموع، تمسح دموعها في ~~الظلام، بعد انتهاء الفيلم وإضاءة الأنوار ترى عينيها محتقنتين بحمرة الدم، تحرك وجهها ~~بعيدا عنها، تحكم الحجاب من حول رأسها، تظل صامتة واجمة حتى تعودا إلى البيت. # تحت السرير في غرفتها سجادة الصلاة ملفوفة على شكل أسطوانة، ms014 جوارها يقبع الصندوق من ~~الكرتون، لم يبق به إلا زجاجة واحدة، تشدها جمالات من عنقها، تضعها فوق المنضدة، تنحني ~~مرة أخرى لتشد سجادة الصلاة من تحت السرير، تفرشها على الأرض، تسير إلى الحمام لتتوضأ، ~~بعد أن تؤدي الصلاة تظل راكعة رافعة كفيها إلى السقف، تدعو الله أن يغفر ~~ذنوبها. # تحفظ جمالات بعض أبيات عمر الخيام، تنشدها بصوت متهدج، تنشد بعدها قصيدة لأبي نواس، ~~تذكر المرحوم زوجها، تقول عنه المجحوم، تؤكد أن الله سوف يجحمه في نار جهنم، كان واحدا ~~من الدعاة الإسلاميين المشهورين، أصابته سكتة قلبية في اجتماع مع الرئيس، اكتشفت بعد موته ~~أنه متزوج من امرأة أخرى له منها ثلاثة أولاد ذكور، كتب لهم كل أملاكه، لم ترث عنه إلا ~~البيت القديم في زقاق السيدة. # دخل رستم حياة الفتاة وهي تعيش الاستقرار مع سميح، كانت حياتها مسرحا لتقلبات شتى، ~~قشة في الهواء تتنازعها الرياح، فتاة بلا عائلة ولا مال ولا جمال، ترمقها جمالات من قمة ~~رأسها حتى القدمين، تمط بوزها إلى الأمام تضرب كفا بكف: اللي اسمه إيه بيحب فيكي إيه؟ ~~سودة زي البرابرة وجلدة على عضمة، لله في خلقه شئون! # جمالات ترى نفسها جميلة، بشرتها بيضاء، جسمها مدكوك باللحم، شفتاها رقيقتان، ردفاها ~~سمينان، تحتفظ في مفكرتها بأرقام المعجبين بها بحسب الحروف الأبجدية، «أحمد أحمد أسامة»، ~~يأتي أول الأسماء، يليه «بهاء بهي الدين برعم»، تأتي صديقتها «مريم» الشاعرة تحت حرف الميم. ~~تدعوهما «مريم» في ليالي الصيف إلى السفينة الراسية على شاطئ النيل، الثلاثة يجلسن حول ~~المائدة القريبة من الماء، مفرشها ناصع البياض، يرص الجرسون أمامهن أكواب البيرة، جمالات ~~ومريم تفضلانها في الصيف على النبيذ، تتغنى مريم بأشعارها وهي ترشف البيرة المثلجة، ~~وتقول، نحن نشرب البيرة لأننا نعطش، لكننا نشرب النبيذ لأننا نحبه، يكسو البريق ~~عينيها السوداوين، بشرتها خمرية بلون الطمي، شعرها أسود بلون الليل، صوتها وهي تنشد ~~الشعر ينساب هادئا كموجات النيل. # ليالي الصيف في القاهرة يغلفها شيء من السحر، نسمة النيل الدافئة، يتخفى ضوء القمر ~~وراء سحابة شفافة، ms015 تلمع القطرات المكثفة فوق الكئوس البلورية، يرشفن البيرة ~~المثلجة على مهل، نشوة التلامس بين البارد والساخن، لذة الارتواء بعد الظمأ، تمدد ~~الفتاة ساقيها فوق سور السفينة الخشبي، تستمع إلى مريم تنشد الشعر، يقترب طفل يبيع عقود ~~الفل والياسمين. وجه طويل مبقع بنقط رمادية، فوق عينه اليسرى دائرة بيضاء، أصابعه نحيفة ~~محروقة بالشمس، تبدو سوداء مشققة إلى جوار الزهور الناعمة البيضاء، تفوح رائحة الياسمين، ~~يملأن بها صدورهن، تتنهد مريم، وتناوله ورقة بخمسة جنيهات، تلمع أسنانه البيضاء في ~~ابتسامة عريضة، يناولها ثلاثة عقود من الياسمين، تردها إليه برقة وحنان: خليهم لك يا ~~شاطر. # تختفي الابتسامة في الوجه الأسمر الداكن، تنفرج شفتاه الشاحبتان عن صوت خافت، مبتور ~~الكلمات: أنا ... مش ... شحات. # يضع عناقيد الياسمين الثلاثة أمامهن فوق المائدة، ويجري مبتعدا ينادي بصوت العصافير، ~~الفل والياسمين، الفل والياسمين. # على امتداد شارع الكورنيش تسير أسراب الشباب والشابات في نزهاتهم على شاطئ النيل، الذكور ~~رءوسهم محلوقة، البنات رءوسهن ملفوفة بالطرحة أو الإيشارب الأبيض أو الملون، العيون ~~مكحلة، الشفاه مصبوغة باللون الأحمر، السيقان داخل البنطلون الجينز الضيق، يتأرجحن فوق ~~الكعوب العالية الرفيعة، أيديهن متشابكة مع أيدي الشباب، فوق المقاعد يتبادلون القبلات ~~والعناق تحت الضوء المتسلل من وراء السحابة، وتتغنى مريم الشاعرة بكلمات من ~~تأليفها: # يكسر الحب قوانين الأرض والسماء، # ويسقط الحجاب عن وجه القمر. # تنتفض جمالات وهي نصف مغمضة، تفيق لحظة من غيبوبة النشوة، تتمتم بصوت ~~خافت: «أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.» # كان رستم يدعو الفتاة إلى العشاء في مطعم صغير فوق هضبة الأهرامات، تدخل متأخرة عن ~~الموعد، تتبع نصيحة جمالات. # يتأجج شوق الرجل إلى المرأة مع الانتظار، # الانتظار يشعل الحب مثل الزيت على النار. # تراه جالسا في يده كتاب، عيناه شاردتان، تتجاوزان رأس أبي الهول ~~والأهرامات، ترك كارمن في البيت تكتب روايتها، يحكي لها عن علاقاته باسم الصدق، يعود إليها ~~بعد منتصف الليل يعانقها في الفراش، يضاعف لها القبلات أملا في الغفران، يؤدي الصلاة ~~بحكم العادة، ينشد التوبة والإيمان. # حين يراها تدخل ينهض واقفا، ms016 يطبع فوق خدها قبلة بشفتيه، تحسها دافئتين فوق بشرتها، ~~أطراف أصابعها باردة رغم حرارة الجو، تقول لها كارمن، الأصابع الباردة تعني القلب الدافئ، ~~بحسب المثل الإنجليزي، لم تعرف كارمن أنها كانت تعاني فقر الدم أو الأنيميا، الناتجة عن ~~غياب فيتامين «ب» في الغذاء، مع نقص الحديد وزيادة الحزن. # يشد رستم الكرسي لها، لا يجلس حتى يراها جلست واستراحت، لم يعودها سميح على هذه ~~المعاملة الرقيقة، ربما فعل ذلك في أيام الحب الأولى، ثم سقطت علاقتهما في بئر الأيام ~~العادية، أصبحت الحياة فاترة مثل ماء الصنبور، راحت رعشة الجسد وخفقة القلب، نسي سميح وعد ~~الزواج أيام الخطوبة وهي تناسته تحت اسم الحرية والاستقلال. ~~••• # بدأت الفتاة روايتها في الأسبوع الأول لمجيئها إلى برشلونة، الجنين في أحشائها يتحرك، ~~قدم صغيرة ناعمة تدق جدار الرحم من الداخل، دقة وراء دقة، كلمة وراء كلمة، رواية مجهولة ~~تحاول أن تكتبها، تستعيد ملامح سميح، كان يعد حقيبته ليمضي دون عودة، كارمن كانت ترقد ~~في المستشفى النفسي، مربوطة بالحبال في أعمدة السرير، رأتها تدخل من الباب فأشرق وجهها ~~بالابتسامة، فقدت الكثير من وزنها، انطفأ البريق في عينيها، راحت رنة المرح من صوتها، ~~كانت تشكو من جهل الأطباء بحالتها: يتصورون أن زوجي هو مشكلة حياتي، وأنا أقول لهم ليس ~~رستم، وليس أي رجل، المشكلة أكبر من كل الرجال، المشكلة تتعلق بي، أنا كارمن، الكاتبة، ~~وليس المرأة! # تفادت الفتاة النظر إلى عينيها، بدت عيناها مرهقتين يشوبهما حزن دفين منذ الطفولة، تبذل ~~جهدا كبيرا في الكلام، مدت يدها الناحلة وأمسكت يدها، لا يمكن لرستم أن يفرق بيننا، ~~الصداقة بين النساء أقوى من الحب بين الجنسين، رستم يحبك يا كارمن، أنت حبه ~~الوحيد. ~~- لا يوجد شيء اسمه حب وحيد، الحياة بالطبيعة متعددة، الوحدانية مرض موروث منذ ~~العبودية. # أشارت بإصبع شاحب بلون الضباب إلى الدولاب في الحائط، افتحيه وخذي أوراق روايتي، أخذوها ~~مني بالقوة، أغلقوا عليها بالقفل، يقولون إنها من وحي الشيطان، الفنون كلها من وحي ~~الشيطان، حتى قصائد الشعر، الدكاترة في المستشفى ms017 مثل البوليس ... لولا رستم لأدخلوني ~~السجن. ~~- لازم تتأكدي يا كارمن من حب رستم. ~~- الحب لا يشغلني، عندي أشياء أهم. ~~- رستم لم يكذب عليك أبدا يا كارمن. ~~- الحب لا يعرف الكذب أو الصدق، الحب فوق الأخلاق. # ابتسمت في إعياء، شردت عيناها الزرقاوان تكسوهما سحابة شفافة، من خلال النافذة الزجاجية ~~كانت صحراء حلوان، بحر من الرمال الصفراء الممدودة إلى الأفق، تلمع كمياه البحر الأبيض ~~المتوسط تحت الشمس. # ظلت يدها ممسكة في يد الفتاة، أصابعها الطويلة الرشيقة ترتعش قليلا، إلى جوار سريرها ~~منضدة تحمل زجاجات الأدوية، أسماء كثيرة بالحروف اللاتينية، التقطت عيناها اسم سيروكزات، ~~لمحت هذه الكلمة فوق زجاجة دواء في غرفة جمالات، تأخذ منها حبة قبل النوم تعالج الأرق، أو ~~الكوابيس والخوف من نار جهنم بعد الموت. ~~••• # كان يوما من أيام الصيف، بعد رحيل سميح الأخير، تصورت الفتاة أن رستم سوف يعود إلى ~~كارمن، كلمة الفقدان كانت ترعبها، يمكن أن تحتمل فقدان رستم وليس سميح، الصداقة مطمئنة أكثر ~~من الحب، سفينة هادئة في بحر متقلب، جياش، كان سميح يقول: كارمن تحب رستم من دون ~~شريك، رغم إيمانها بالاشتراكية، أو الشراكة. ويضحك ساخرا: الأحادية سمة العقل الناقص، ~~التناقض بين الحب والحرية، الثنائية ومرض الانفصام، كان يتحول في خيالنا إلى الحزن أو ~~الشجن مع النسيان. ~~••• # في ليالي الوحدة داخل غرفتها الصغيرة لا تعرف الفتاة أين تكون، لا تسمع إلا النبض في ~~عنقها، ودقات المنبه بجوار رأسها، تفقد النطق باللغة العربية والكاتالانية، تمتنع عنها ~~الكلمات، لا تستطيع أن تكتب حرفا واحدا فوق الورق، تهجرها الرواية كما هي هجرتها، أشياء ~~كثيرة شغلتها عن الكتابة، هتاف المتظاهرين في شوارع برشلونة، في ميدان كاتالونيا، أصواتهم ~~تخترق نافذتها المغلقة، جيرانو جيرانو إيراك بالاستين، جورج بوش أساسين، توني بلير ~~أساسين، أزنار أساسين. كلمة «أساسين» تعني قتلة سفاحين، يندفع الدم في عروقها، ~~تحس سخونته في رأسها، تهبط إلى الشارع، تسير بخطوتها السريعة من ميدان أنتونيو لوبيز إلى ~~شارع كولومبس، على جانبيه الأشجار الباسقة، المباني على الطراز الكاتالوني القديم، الأعمدة ~~الضخمة تعلوها ms018 التماثيل، أبراج مستديرة تنطح السماء مدببة القمم، تمثال كولومبس ينتصب ~~شامخا من بعيد، تحوطه تماثيل لها شكل الملائكة ونساء بأجنحة، الأرض تغطيها أجساد البشر، ~~حشود لانهائية من النساء والرجال يسيرون من الراميلا حتى ميدان كاتالونيا، في كل الشوارع ~~يسيرون، من الراميلا حتى ميدان كاتالونيا، في كل الشوارع يسيرون، في كل الميادين يتجمعون، ~~آلاف، ملايين، يحملون اللافتات مكتوب عليها بالكاتالانية: جيرانو (لا للحرب) جيرانو. ~~أصواتهم ترج الأرض والسماء، أساسين، أساسين ... # يذوب جسدها في الأجساد، يرتفع صوتها مع الأصوات سفاحين، أساسين، تنهمر الدموع من ~~عينيها، تمسحها بيدها خلسة، منذ طفولتها تخجل من دموعها، كأنما هي عورة، تنهمر وحدها لحظة ~~الفرح، ولحظة الحزن تجف وتنحبس، يذوب الفرح في الحزن وتسيل الدموع في هدوء النهر، تعود ~~إليها صورة كارمن مربوطة بالحبال في السرير، عيناها شاردتان في رمال الصحراء، إلى جوارها ~~زجاجة سيروكزات، تسألها بصوتها المتلاشي: أقراص منومة يا كارمن؟ ~~- يسمونها مضادة للاكتئاب، ثلاثة ممرضين يفتحون فمي بالقوة، أخفيها تحت لساني أو في ~~حلقي، الحياة مع الاكتئاب أحسن من الحياة في المستشفى، يقولون عني مجنونة. ~~- عقلك يوزن بلد يا كارمن. ~~- أفكر في الانتحار! ~~- هذا هو الجنون. ~~- بل قمة العقل! # يترامى لها صوت كارمن في الليل عبر البحر، أمواج برشلونة تلامس الشاطئ برقة ثم تنسحب عنه، ~~كأنامل الأم الناعسة، تمد يدها لتلمس طفلها، تتأكد من وجوده، تخشى أن تفقده في النوم، ~~تمتد ذراعها فوق السرير، تتحسس الجنين في أحشائها، تتأكد أنه حقيقة ملموسة باليد، ليس ~~خيالا ولا وهما، قبل أن يدركها الوعي ارتفع بطنها بالحمل، أخذوها إلى عيادة طبية تحت ~~الأرض، ربطوها بالحبال، حقنوها بالمخدر، فتحت عينيها بعد زمن لا تعرفه، رأت قطعة من جسدها ~~في جردل الدم. # الجرح الغائر في أحشائها، تكاد تحسه تحت الجلد، كان رستم يقبله بشفتيه قبل أن ~~يقبلها. تبتلع كارمن حبوب منع الحمل، وتقول: العالم فيه ملايين الأطفال يموتون بالجوع وفي ~~الحرب، رستم يريد طفلا يحمل اسم أبيه وجده، يهمس في أذنها وهو يعانقها، عاوز طفل يحمل ~~ملامحك يا كارمن. ~~••• # من ms019 فوق السطح تطل الفتاة على البحر والجبل، وتمثال كولومب «كولومبس» والسفن الصغيرة ~~الراسية عند الشاطئ، الشوارع والميادين تطل منها رءوس التماثيل، لا يخلو شارع من تمثال ~~لرجل أو امرأة من الشخصيات التاريخية، أدباء وشعراء وفنانين، معارضهم في كل مكان. ~~تضم لوحات سلفادور دالي، بمناسبة مرور مائة عام على مولده، إعلانات عن فيلم بيدرو ~~ألمودوفار بعنوان «تعليم سيئ» (لا مالا إيديو كاسيون). # أناجيل تدق جرس الباب، طالبة في جامعة برشلونة، تأتي يوم الأحد لتمسح السطح والسلم، ~~تدفع لها يولاندا بصحون الباييلا وليس باليورو، تتطوع بمسح غرفة الفتاة دون أجر، تصنع لها ~~كوب شاي أخضر مع قطعة من الكيك، تجلسان فوق الدكة الخشبية على السطح، تغمرهما أشعة الشمس ~~وهما ترشفان الشاي الساخن، تحكي أناجيل بقصتها بالإشارة مع الكلمات، خليط من العربية ~~والكاتالانية، والفتاة تحكي لها قصتها. # اسمها أناجيل كارلوس إيزابيل، تحمل اسم أبيها كارلوس، واسم أمها إيزابيل، بحسب القانون في ~~كاتالونيا. ~~- أنا أعتز باسم أمي أكثر من اسم أبي، وأمي هي التي ربتني بعد أن هجرها أبي، وأنت ~~أتحملين اسم أمك؟ ~~- القانون عندنا لا يعترف باسم الأم. ~~- هذه كارثة. # تحركت عينا أناجيل الزرقاوان فوق ارتفاعة بطن الفتاة غير الواضحة تحت القميص الواسع: من ~~أجلها جئت إلى برشلونة؟ # وأشارت إلى أوراق روايتها المكومة في غرفتها على الأرض. ~~- ومن أجلها أيضا جئت. # لم تكن الكتابة في حياتها شيئا هاما، تبدو لها عملا عديم الجدوى، كلمات على الورق مثل ~~كلمات في الهواء، لا تتحول إلى فعل حقيقي مثل كلمات الحب. # أول من نبهها إلى الكتابة هي مريم الشاعرة. كانت تقول: لا يمكن لجروحنا أن تلتئم ~~إلا بالكتابة، لا شيء يهزم الجنون أو الموت إلا الكتابة. # تستعيد صوتها وهي تنطق هذه الكلمات، عيناها السوداوان تتألقان بالضوء في الليل المظلم، لا ~~قمر ولا نجوم، كأنما الضوء ينبع من بؤرة في رأسها خلف العينين، كانت كارمن أقل قوة تستعيدها ~~قبل أن تدخل المستشفى، تريدها أن تكون كما كانت، أن يعود الضوء إلى عينيها، وتستعيد وجه ~~سميح الأسمر الشاحب، ms020 عيناه خضراوان صافيتان مثل الزرع في الربيع. # قبل لقائها برستم كانت تعيش حياة هادئة، يمنحها سميح من الحب ما يكفيها ويزيد، تجمعها به ~~علاقة ناعمة متينة كخيط من الحرير الممدود إلى الأبد، ينالها السأم من الأشياء الدائمة إلى ~~الأبد، لم يستطع سميح أن يكسر الشرنقة حول روحها، لم يفجر في أعماقها الينبوع المجهول، ~~يستبد بها الضجر من الحياة وهو معها، تشتاق إليه وهو غائب، تختفي من حياته فترة لتفهم ~~نفسها، ثم تعود إليه، تلوذ به من اليأس والرغبة في الموت، تتهم نفسها بالجحود وتطلب منه ~~الصفح، يتلقاها بين ذراعيه كالأم، لا يلومها ولا يؤنبها، يقول لها أنت إنسانة حرة ~~تذهبين وتعودين كما تشائين ... لكن الحرية تبدو لها مثل المرض تريد الخلاص منها، وتمشي في ~~الشوارع جائعة، لا عمل ولا أمل، ولا مكان آمن تنام فيه بعمق، أو تحمي نفسها من عيون الرجال، ~~تمر الأيام دون أن تأكل، يملأ أنفها وفمها تراب الأزقة والشوارع. # دخل سميح حياتها مثل نسمة تدخل صدر المرحوم من الهواء، ألقت نفسها بين ذراعيه بحكم ~~الضرورة، بالرغبة في الحياة والطمأنينة، بالحنين إلى الحب غير الموجود، كالأرض الصحراء ~~تحن إلى قطرات المطر، تلتقطها هدية من السماء، تعجز عن رد الهدية، لانعدام الماء وليس ~~عجزا عن العطاء. # تعودت أن ترى سميح، أصبحت عيناه الخضراوان جزءا من حياتها، يحملها بسيارته الرمادية ~~الرينو إلى مكتبها، حصلت على وظيفة في ملجأ الأيتام، مبنى آيل للسقوط في زقاق مسدود، ~~تفضل السير على قدميها على ركوب السيارة، تقطع المسافة بين بيتها ومكتبها في عشرين ~~دقيقة بالخطوة السريعة، من الزقاق المسدود في حي السيدة إلى الزقاق المسدود في فم ~~الخليج. # في الصباح الباكر يكون الهواء منعشا قليلا، تبدأ العمل من الثامنة صباحا حتى الرابعة ~~مساء، ثماني ساعات تقضيها وسط هياكل أشباح لها وجوه أطفال وعيون عجائز، تجلس معهم في ~~الغرفة المعتمة ذات الجدران السوداء، أو في الفناء الضيق تلفحهم الشمس والتراب، يتغذى ~~بدمائهم الذباب والبراغيث، ترتدي قميصا واسعا وسروالا من الكتان، وحذاء جلديا ~~قديما تمشي ms021 به، تدخر ثمن الأوتوبيس لتشتري كتابا أو رزمة ورق أبيض، في خيالها رواية ~~مجهولة، لا تعرف كيف تكتبها وما بدايتها. # مكتبة الشرق كانت عند الناصية، حيث تقاطع شارع قصر العيني مع فم الخليج، صاحبها اسمه ~~«حافظ»، قصير نحيف مقوس الظهر، عيناه جاحظتان تتذبذبان من وراء قعر زجاجة، يرشف الشاي ~~الأسود مع شفطات من دخان الشيشة، يرفع وجهه عن الكتاب حين تدخل، تمر على الرفوف تتطلع ~~إلى العناوين، يمسح التراب عن الكتاب قبل أن يناولها إياه، تدس يدها في جيوبها تبحث عن ~~النقود غير الموجودة، تعيد إليه الكتاب، يدفعه إلى يدها في ضجر. ~~- ادفعي اللي معاكي، والباقي المرة الجاية. # إن لم يكن معها شيء يبتسم في إعياء. ~~- خذيه على سبيل الاستعارة بشرط أن ترجعيه بعد أسبوع واحد. # قابلت الفتاة سميح أول مرة في هذه المكتبة، كان يتردد عليها لشراء الكتب القديمة، يدعوه ~~«حافظ» إلى كوب شاي، يجره إلى الحديث عن الفلاسفة العرب، أهمهم عنده ابن سينا، صاحب ~~القانون في الطب، يسأم سميح الحديث معه، يتأمله طويلا كأنما يتأمل قطعة من الآثار ~~القديمة في المتحف، يرشف الشاي الأسود على مضض، دون أن يظهر الضيق، نوع من المجاملة أو ~~الرقة، والإحساس المرهف بمشاعر الآخرين. # في يوم كانت تتصفح كتابا قديما بعنوان «مقدمة ابن خلدون»، سمعت الصوت من خلفها: إيه ~~رأيك أهديك الكتاب ده؟ # لم تكن تعرف شيئا عن ابن خلدون، ولا تعرف شيئا عن سميح، رأته مرة وأكثر في المكتبة من ~~دون أن تنتبه، ملامحه هادئة لا تثير الدهشة، لا تحدث صدمة الإفاقة من بحر الحياة اليومية، ~~كان اليوم يمضي وراء اليوم من دون أن يستوقفها شيء خارق للعادة، لا وجها يثير خيالها، ولا ~~كتابا يحرك عقلها، يمضي بها الزمن ساكنا مثل سطح بركة ماء لا يتحرك، مثل النيل في ~~أيام الحر، لا نسمة واحدة تحرك أوراق الشجر، الهواء معدوم والشجر مقطوع، البيوت متلاصقة ~~بالخرسانة المسلحة، الخضرة متلاشية، الشوارع من الزفت أو القطران الأسود، مدينة القاهرة ~~تقول عنها مريم الشاعرة مدينة الأسمنت المسلح، ms022 في قصيدة لها بعنوان، قاهرتي. # قرأت الفتاة مقدمة ابن خلدون من الغلاف إلى الغلاف، لم تفهم من الكتاب إلا القليل، ~~كان هو أول من جمعهما هي وسميح، داخل مكتبة الشرق المكتومة الهواء، المكتظة بالكتب ~~والتراب ودخان الشيشة من رائحة الحشيش. # كان سميح يختلف عنها، أنيق الشكل والملابس، هي لا تنظر إلى المرآة، تعيش القلق وعدم ~~الاستقرار، يتمتع هو بالهدوء والراحة، يسكن في شقة واسعة تطل على النيل في جاردن سيتي، ~~بجوار بيت كارمن ورستم، هي تعيش في غرفة مظلمة داخل الزقاق تحوطها الميكروفونات الزاعقة ليل ~~نهار. # انجذب سميح إليها كما ينجذب الشيء إلى نقيضه، وهي انجذبت إليه كالفراشة تنجذب إلى النور، ~~ليس كالمرأة تنجذب إلى الرجل. ~~••• # الطلقة ترمقها بعينها الواسعتين كأنما هما عيناها، رأتهما وهي طفلة في المرآة وفي الخيال، ~~جلبابها بلون الأرض، ذراعاها الناحلتان بلون الخشب المحروق، عظام ركبتيها بارزة صخرة، يتيمة ~~وحيدة في الصحراء، مقلتاها السوداوان نجمتان تلمعان في سماء مظلمة. # مديرة الملجأ وراء مكتبها الخشبي الكالح، يحتل نصف مساحة الغرفة، يختفي جسمها الضخم تحت ~~خيمة سوداء من الرأس إلى القدمين. عيناها ثقبان غائران داخل الخضم الأسود، عينا ثعلب أو فأر ~~داخل المصيدة، لا تكفان عن الحركة والذبذبة، في يدها عصا من الخيزران طويلة رفيعة مثل ~~الكرباج، تلسع بها أرداف الأطفال، تشبه الغولة والمارد الأسود الجبار في الأساطير وقصص ~~ألف ليلة وليلة، وحكايات الجان والعفاريت الزرق. # في أيام الحر ولهيب الصيف، تجلس في الفناء تحت ظل شجرة الكافور، ترفع نقابها الأسود عن ~~فمها لترشف الشاي الأسود، تمسح حبات العرق عن أنفها بيد داخل القفاز الأسود، تدس بوز ~~الشيشة في فتحة فمها، ليخرج الدخان من ثقبي عينيها. لو رآها «سلفادور دالي» يرسمها على شكل ~~خفاش ضخم أو قنفد أسود. ~~- شايفة البنت اللي واقفة هناك وعينيها بتطق شرار خلي بالك منها، أصلها بنت حرام، شوفي ~~واقفة تبحلق إزاي وكل عين تندب فيها رصاصة! ~~- دي بنت غلبانة يا أبلة بعبع. ~~- إيه؟ بتقولي إيه؟ ~~- متأسفة يا ست المديرة، زلة لسان! ~~- يعني إيه ms023 زلة لسان يا اسمك إيه؟ ~~- غلطة يا ست المديرة، سبحان من لا يسهو. # اشتعلت عيناها المدفونتان في الحفرتين بالغضب، كان الأطفال ينادونها «أبلة بعبع» من وراء ~~ظهرها، كلمة البعبع تعني المرعب، نادتها الفتاة بالاسم من دون أن تنتبه، بسبب السهو، ~~وسبحان من لا يسهو، تردد هذه العبارة حين تنسى شيئا، الله سبحان وتعالى هو الذي لا ~~يسهو. تتظاهر المديرة بنسيان اسمها، تحت حجة مشاغلها الكثيرة: # اسمعي يا اسمك إيه، أنا لا أسمح مطلقا إنك تنطقي كلمة أبلة بعبع دي تاني ... مفهوم؟ # تظل شفتاها مطبقتين، لا تهز رأسها وتقول، أيوه مفهوم، لا تريد الاستسلام لجبروتها كما ~~تفعل المرءوسات، يظل جسدها الضخم ينتفض تحت الخيمة السوداء ... مفهوم؟! # زوجها يشبهها على نحو مدهش، ضخم الجثة، يرتدي عباءة سوداء فوق جلباب أبيض، رأسه كبيرة ~~يغطيه شعر أسود أكرت، يختفي وجهه تحت غابة سوداء من الشعر الكثيف، عيناه ضيقتان ~~غائرتان داخل خضم السواد، لحيته كثيفة طويلة تتدلى فوق صدره، شعرها نافر منتصب ~~كالأسلاك. # يجلس في غرفة مكتبها، ينتظرها حتى تنتهي من أعمالها الهامة، تتعمد أن تنشغل عنه ~~بالأوراق المكدسة فوق مكتبها، تدق الجرس وتنادي على الشغالات والمرءوسات، تصدر إليهن ~~الأوامر والنواهي، يرتفع صوتها بالتأنيب والتوبيخ، ترمق زوجها بطرف عين، تنتفض أحشاؤها ~~بالبهجة، تمارس السلطة أمام عيني زوجها، يمارس عليها السلطة في البيت، لا تعرف كيف تنتقم ~~منه إلا بهذه السلطة في مكتبها وبطريقة غير مباشرة. # اختفت الطفلة من الملجأ ذات يوم، عيناها انحفرت في ذاكرة الفتاة، البريق مثل لمعان النجم، ~~تقاطيع الوجه الصخرية، كان اسمها صباح، سألت عنها المديرة، تذبذبت عيناها داخل الثقبين، ~~شوحت بيديها داخل القفاز الأسود: هربت راحت في ستين داهية! # كان في الملجأ مئات الأطفال، يلفظهم العالم إلى الملجأ كما يلفظ الكلاب المشردة، لا ~~أحد يزورهم، لا أحد يعالجهم إن مرضوا، لا أحد يدفنهم إن ماتوا، لا أحد يبحث عنهم إن ~~هربوا، أو تم بيعهم في سوق الرقيق ... عصاباتها داخل المافيا، تحت الأرض وفوق الأرض، تشبه سوق ~~السلاح والمخدرات والجنس، يتغير أسعار ms024 الأطفال مع تغيرات العملة والبورصة، ورحلات النساء ~~العاقرات من الشمال إلى الجنوب، لشراء طفل أو طفلة، سمراء عيونها سوداء، تحت اسم ~~الأمومة. # تقبض السيدة المديرة المبلغ بالعملة الصعبة، تشتري تذكرة إلى مكة كل عام، تطوف بالكعبة، ~~تقبل الحجر الأسود، ترمي إبليس بالجمرات في منى، تشرب من بئر زمزم، تعود طاهرة الذيل، ~~ذنوبها ممسوحة كالمولودة من بطن أمها. # قال سميح وهو يعانقها: الوظيفة في الملجأ لا تليق بك، تستحقين عملا أفضل. قالت: العمل ~~الأفضل يحتاج إلى واسطة كبيرة! قال: سأبحث لك عنها. # كان رستم قد دعاهم لتناول الغداء في النادي حول المائدة في «الليدو»، حمام السباحة ~~الصغير، جلست هي وسميح ورستم، كانت كارمن تسبح في البيسين، جسمها ممشوق داخل المايوه الأحمر ~~فيه زهور بيضاء، تتحرك ذراعاها وساقاها تحت الماء كزعانف السمكة الذهبية. # ترفع الفتاة وجهها نحو الشمس وعيناها مغمضتان، تترك الأشعة الدافئة تمشي فوق جفونها، ~~الهواء محمل برائحة الشجر والماء والكلور، أجسام النساء والرجال ممدودة فوق الكراسي، ~~يتجاذبون أطراف الحديث، يدلكون بشرتهم بالكريم، يرشفون الليمون المثلج على مهل، أمامهم ~~صحون الفراخ المشوية، مكرونة في الفرن، ريش ضاني محمرة، صلاطة خضراء يلمع فيها الخيار ~~والخس والطماطم الحمراء، تتصاعد رائحة الشواء مع الضحكات، تنتقل الفتاة من زقاق السيدة ~~إلى الليدو في النادي كأنما تسافر من بلد إلى بلد، يأتي الجرسون حاملا قائمة الطعام ~~«المينيو»، شاب نحيف طويل، تلمع أسنانه البيضاء في وجهه الأسمر، يناولها رستم «المينيو»، ~~مكتوبا بلغة لا تعرفها، وأنواع أطعمة لم تسمع عنها. تتطلع إلى سميح. مستغرق في الحديث ~~مع رستم حول رواية بحر سارجوسا، للكاتبة «جين ريس»، من منطقة الكاريبيان. # الإحساس بالغربة يزحف على جسدها كالهواء البارد، ينتابها الحنين إلى غرفتها في الزقاق، ~~رائحة شوربة العدس تتصاعد من المطبخ، صوت جمالات يرتفع يناديها: أنا عملت شوية شوربة تاكلي ~~صوابعك وراها. # جاءها الجرسون يسألها ماذا تطلب. من فضلك، شوربة عدس وصلاطة خضراء. سميح طلب سمكا ~~مقليا وصلاطة طحينة، رستم طلب لنفسه ولكارمن مكرونة اسباجتي وإسكالوب بانيه، وشيئا آخر ~~لم تلتقط اسمه. ms025 # خرجت كارمن من الحمام، تمددت تحت الشمس يتقاطر من جسمها الماء دهنت ذراعها وساقيها ~~بالكريم، يتحرك جسمها داخل المايوه على نحو طبيعي، كأنما ترتدي ملابسها كاملة، التهمت ~~الطعام بشهية الطفلة، ثم ألقت بنفسها في الماء من جديد، غطست مسافة طويلة ثم ظهرت. ~~سمعتها تناديها: تعالي خدي غطس المية حلوة! # همس سميح في أذنها: تحاول أن تغيظك، تجاهليها. # غربتها كانت أشد في ملجأ الأيتام، معلقة كالقشة بين الأجواء، لا تحب الفقر ولا ~~الثراء، تريد أن يضمها قلب كبير دافئ وبيت صغير هادئ، تريد أن تنام بعمق دون أن تلدغها ~~البراغيث، دون أن تزعجها الميكروفونات، تريد أن ترى الشجر من نافذتها ومياه البحر، تريد أن ~~تحقق حلم طفولتها الذي لا تعرفه، لم تكن لها طفولة، لا أم ولا أب، لا إخوة ولا أخوات، ولا ~~جدة تحكي لها قصة الشاطر حسن، وتلعب معها التعلب فات فات. # كان سميح يقول: أنت تتكلمين عن الحرية دون أن تتحرري، تفكرين في المستقبل وتعيشين ~~في الماضي، أنا وأنت تعاهدنا على الصدق والاختيار الحر، لا أجبرك على شيء، أنت حرة ~~تماما، حرة! # كلمة «حرة» ترن في أذنها «عرة»، الفرق بين حرف الحاء والعين يتلاشى. في أعماقها ترقد ~~المرأة الأسيرة، لا تعرف الحرية، لا تملك جسدها، لا تعطي نفسها دون ورقة مختومة ومبلغ من ~~المال، المهر والخاتم، ودفع ثمن الكهرباء والسرير والإيجار. # جمالات تقول: الرجل لا يعرف قيمة امرأة لا يدفع فيها ثمنا غاليا، كلما ارتفع ثمنك ~~ارتفعت قيمتك، تعترض مريم الشاعرة، لا! أنا قيمتي تعلو فوق العقارات والمال، أنا لست بضاعة ~~في السوق للبيع والشراء. # تضحك جمالات في سخرية وتهز رأسها الملفوف بالحجاب: ومن أنت يا عزيزتي؟ ~~- أنا مريم الشاعرة! # يرن صوتها في أذن الفتاة قويا مملوءا بالكرامة: أنا مريم الشاعرة. عيناها السوداوان ~~يشتد بريقهما، بشرتها الخمرية بلون طمي النيل، شعرها يهتز بثقة فوق كتفيها، ~~يتحرك رأسها بكبرياء وهي تنشد: # أنا مريم الشاعرة، # خرجت كالزرع من بطن الأرض، # لا أسرة ولا أم ولا أب، # لا وطن ولا عشيق ms026 ولا زوج، # إلا الشعر! # جالسة في كازينو النيل، تحس جسدها يرتفع فوق المقعد، ومعه روحها وعقلها، ~~كأنما قوة مجهولة ترفعها فوق السفينة والنهر، فوق أسطح البيوت والعمارات العالية، فوق مدينة ~~القاهرة وحقول الدلتا، تغمض عينيها كأنما في النوم، تحلق في الفضاء دون أجنحة، تطير فوق ~~السحاب، فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، ترسو على شاطئ جديد لا تعرف اسمه، كل شيء من حولها ~~جديد حتى وجهها. # تنظر إلى وجهها في المرآة، ليس هو الحزين القديم، تهبط السلالم جريا تلتهم الباييلا ~~الساخنة، تجتاز شارع كولومبس، تسير في الرامبلا بين الزهور وأسراب الشباب، تدخل من شارع إلى ~~شارع، تتأمل المباني التي تشبه المتاحف، لا بيدريرا، بالوجويل، كازاميلا في شارع جراسيا، ~~الفنان أنتونيو جاودي مات منذ سنين، لكنه يعيش في كل عمل تركه وراءه، حتى البناء الضخم ~~الجديد، يسمونه «ساجرا فاميليا» مات قبل أن يكمله. # في المكتبة الكبيرة خلف ميدان كاتالونيا تقضي الساعات، تقرأ قصة دون كيشوت، أشعار كارلوس ~~باربل ولوركا، تتأمل لوحات بيكاسو، وسلفادور دالي، وجون ميرو. قبل العودة إلى بيتها تسير ~~إلى شاطئ الأولمبيك، تخلع ملابسها إلا المايوه الصغير، لا يخفي عن أشعة الشمس إلا شعر ~~العانة الأسود، تأخذها أناجيل إلى شاطئ آخر لا يرتدي فيه الناس المايوه، تسري الأشعة ~~الذهبية الدافئة إلى الجسد كله، نساء ورجال يسبحون في البحر كالأسماك، يتمددون تحت ~~الشمس دون غطاء، لا أحد ينظر إلى أحد، يتحركون على نحو طبيعي، كما ولدتهم أمهاتهم، ~~أقدامهم تترك على الرمال علامات متشابهة، لا فرق بين ذكر وأنثى وفقير وغني وملحد ومؤمن ~~وأسود وأبيض. # تنهيدة طويلة تخرج من أعماقها، راقدة فوق ظهرها تتلقى شعاع الشمس، يتخلل ثنايا جسدها ~~ويفتح المسام المسدودة، منذ آلاف السنين، منذ الفرعون الأول حتى الفرعون الأخير، يطاردها ~~وجهه في النوم، تتسرب صورته في الجريدة من تحت عقب الباب، تلتقطها جمالات بأطراف أصابعها من ~~فوق البلاط، كأنما تلتقط صرصارا ميتا، تمر بعينيها نصف المغلقتين على الصورة في ~~الصفحة الأولى، تفتح فمها الواسع تتثاءب، تطقطق عظامها بصوت مسموع، وتقول: ms027 الطاغوت ربنا ~~يأخذه ... يا رب! # ثم تلقي بالجريدة على الأرض، تدوس عليها بكعب شبشبها البلاستيك كما تدوس على الصرصار. ~~كانت الشقة مليئة بالصراصير، مثل غيرها من الشقق في حي السيدة، تنتمي إلى فصيلة الحشرات ~~الزاحفة، تطورت عبر الزمن وأصبح لها أجنحة مثل الفراشات، لونها أسود أو أصفر داكن كالحديد ~~الصدئ، تتغذى بالبراغيث والنمل والجبن والزبدة، تدخل البالوعة وتسبح في الماء دون زعانف، ~~شواربها مثل قرون الاستشعار، تعرف رائحة الطبيخ الحامض، تمر عليه دون أن تأكل، تجذبها ~~رائحة المسك في وسادة جمالات، قبل أن تنام تخلع شبشبها البلاستيك، تنهال فوق الصراصير، ~~تضربها واحدا وراء الآخر، وهي تصرخ: إلهي تأخذ الصراصير يا رب ... ومعاهم الطاغوت. # لا يستجيب الله لدعائها، بل يرسل إليها مزيدا من الصراصير، يتوالدون في غرفتها تحت ~~السرير، ويظل الطاغوت جالسا فوق العرش، يسير الله معه في كل خطوة، يبارك أعماله المجيدة، ~~يتدخل عند اللزوم لإنقاذه من ورطة، يضاعف خيراته وأصواته في الانتخابات الحرة. تصرخ ~~جمالات وهي تضرب الصرصور: الحرة وإلا العرة؟! # مريم الشاعرة تندهش حين تسمع جمالات تخاطب الصراصير، أو حين تسمعها تدعو الله أن يأخذ ~~الطاغوت. ~~- يا جمالات ربنا مع كل الطواغيت بره وجوه! ~~- أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم! # تنطلق ضحكة مريم الشاعرة في الجو، ترن في أذن الفتاة صافية رقيقة كالماء المقطر، تخرج من ~~قلبها وأعماق صدرها، لا تستطيع أن تضحك مثلها، إن ضحكت تخرج ضحكتها مبتورة، مكتومة، ترتفع ~~يدها إلى فمها، تكاد تخفيه، تحول بينه وبين الضحك، كأنما الضحك متراكم في صدرها منذ ~~الطفولة، ما إن تفتح فمها حتى ينطلق متدفقا دون توقف. # حين تشكو جمالات من الصراصير، تقول لها مريم، احمدي ربك لأنها مجرد صراصير وليست ~~عقارب ولا تعابين. ~~- أعوذ بالله يا مريم من العقارب والتعابين، جسمي يرتعش إذا سمعت اسمها، كأني أسمع اسم ~~إبليس. ~~- عمرك شفتي إبليس؟ ~~- أبدا والحمد لله. ~~- عمرك شفتي عقرب أو تعبان؟ ~~- أبدا والحمد لله. ~~- عشان كده بتخافي منهم يا جمالات. # تقرأ مريم قصيدتها بعنوان «الخوف» ... نحن نخاف الله ms028 لأننا لا نراه ، نحن نخاف الشيطان لأننا ~~لا نراه، نحن نخاف الموت لأننا لا نراه ... لهذا يتخفى الله وراء السحابة، ويتخفى ~~الشيطان، ويتخفى الموت، ويتخفى صاحب العرش داخل القصر العالي الجدران، يتمكن الخوف ~~منا في الطفولة، ومعه الجهل، تغيب عن عقولنا البديهيات، ولا نعود نرى الضوء في ~~النهار. # قبل أن تنام الفتاة تجلس جمالات على طرف سريرها، تقدم لها النصائح كالأم: لا تسمعي كلام ~~مريم الشاعرة، الشعراء يغويهم الشيطان، الله أمرك بتغطية كل شيء إلا وجهك وكفيك، ~~الحجاب قبل الحساب، واجب عليك مثل الصلاة، إن أردت دخول الجنة يا عزيزتي. # لم تؤمن جمالات بالنقاب الذي يغطي الوجه، حجابها من النوع الحديث، يتطور مع العصر ~~ويتغير شكله وألوانه، تعشق الزينة والتجميل، الله جميل يحب الجمال يا عزيزتي، وإذا ~~بليتم فاستتروا، القبح عورة تستوجب الستر مثل رأس المرأة. # تنتقل جمالات من الدنيا إلى الآخرة بكلمة أو حرف، هزة واحدة من رأسها المحجب، تصبح في ~~السماوات العليا، حركة خفيفة برمشها الصناعية تعود إلى الأرض. تغمز بعينيها المكحلتين ~~وتقول: ساعة لربك وساعة لقلبك، اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وأعمل لآخرتك كأنك تموت ~~غدا. # كانت جمالات تعمل في جريدة حكومية إسلامية، مكتبها في عمارة عالية بالقرب من الكوبري، ~~نافذتها تكشف القاهرة من قمم الأهرامات إلى جبل المقطم وقلعة محمد علي، فوق مكتبها تتكدس ~~الأوراق والصحف والمجلات، تختلط صور رؤساء الدول بصور الراقصات والحاملات سفاحا، لها عمود ~~أسبوعي بعنوان «يا رب العالمين»، فوق الجدار كلمة الله جل جلاله، معلقة داخل برواز ~~ذهبي، المصحف الكريم غلافه مشغول بخيوط الذهب، يرقد في أحد أدراجها إلى جوار علب البودرة ~~والكحل، وأقلام الروج والحنة الحمراء، والمسك والعطور والقرنفل والنعناع واللبان الدكر ~~والنتاية. # لا يكف جرس التليفون عن الرنين، ولا يكف الزوار عن الدخول والخروج، صحافيون وأدباء ~~وشعراء، نساء ورجال من نجوم القاهرة، يتبادلون الأخبار والفكاهات، يحكي أحدهم آخر نكتة، ~~يهمس بها في أذنها، يدب الصمت لحظة، ثم تدوي ضحكتها العالية كاشفة عن صفين من الأسنان ~~البيضاء بين الشفتين الحمراوين الرقيقتين: ms029 الله يجازي شيطانك يا بهي! # اسمه بهي الدين برعم، يندرج في مفكرتها تحت حرف الباء، له باب ثابت في الجريدة بعنوان ~~«النقد الأدبي»، مربع الجسم الأبيض البشرة، أنيق الملابس، حذاؤه لامع بوزه طويل مدبب، ~~أنفه طويل ومدبب يشبه بوز حذائه. # مريم الشاعرة هي التي اكتشفت التشابه، تقول: يمكن الكشف عن شخصية الرجل من شكل أنفه ~~وحذائه ... تخالفها جمالات، تقول: لا يكشف عن شخصية الرجل إلا أصابعه. ~~- أصابع يديه يا جمالات؟ ~~- أعني أصابع قدمه، على العموم هناك تشابه بين الاثنين. # كانت كارمن ترى الأمر على نحو آخر، ربما لأنها تعيش في جاردن سيتي، تتمشى على ~~الكورنيش حيث يتمشى الأثرياء مع كلابهم، تتريض في النادي حيث تتريض الطبقة العليا ... ~~كل منهم يجر كلبا مربوطا في السلسلة. ~~- أنا لاحظت الشبه الكبير بين الكلب وصاحبه يا جمالات. ~~- هذه نكتة يا كارمن. ~~- لأ، حقيقة علمية، لأن الكلب وصاحبه يعيشان في مناخ واحد تحت سقف واحد، مثل الرجل ~~وزوجته، بعد العشرة الطويلة يتشابهان. تقهقه مريم بالضحك وتسألها جمالات: يعني رستم يشبهك ~~يا كارمن؟ ~~- أنا ورستم لا نعيش تحت سقف واحد، لا يمكن أن أعيش إلا وحدي، مع أوراقي وكتبي، رستم ~~يفهمني، لأنه بيكتب، وفاهم يعني إيه الكتابة. # يعني إيه الكتابة؟ السؤال يدور في رأس الفتاة وهي نائمة، تبدو الكتابة عسيرة على الفهم، ~~أغلب الناس يعيشون دون كتابة، يتزوجون وينجبون دون كتابة، ينجحون في أعمالهم ويمتلكون ~~العقارات والأراضي والأموال دون كتابة، يعيشون ويموتون ويذهبون إلى النار أو الجنة دون ~~كتابة، وفي جنة عدن لا توجد أوراق ولا أقلام. # يعني إيه الكتابة؟ # يدق السؤال رأسها كالمطرقة وفوق الأرض بجوار سريرها ترقد الرواية، أكوام من الأوراق ~~المتراكمة يغطيها التراب، جثة هامدة فاقدة الحياة، إن لمحتها بنظرة خاطفة تسري في جسدها ~~قشعريرة باردة كالموت. # لم تعد بها رغبة في الحياة، تفتقد القوة على المقاومة، مشلولة العقل والجسم والروح، ~~عاجزة عن كل شيء حتى الحب، انقطعت عن رؤية سميح ورستم وكارمن ومريم، تغلق باب غرفتها في ~~وجه جمالات، الحياة لا تساوي ms030 شيئا، لا تستحق أن تعيشها! فما بال أن تبذل جهدا في ~~الكتابة. # دق جرس الباب، كان ساعي البريد يحمل رسالة مسجلة، مكتوبة بحبر أسود، مختومة بالنسر، ~~موقعة من مديرة الملجأ: «نظرا لتغيبكم أكثر من خمسة عشر يوما، فقد تم الاستغناء عن ~~خدماتكم، وتفضلوا بقبول وافر الاحترام. المديرة العامة». # أمسكت الورقة بإصبعين كما تمسك جمالات الصرصار الميت، ألقت بها في بالوعة المرحاض، ~~تنفست الصعداء، أخذت حماما بالماء الساخن والصابون، تغتسل من وظيفتها بالحكومة، تمسح ~~عن ذاكرتها خيمة المديرة السوداء، ووجوه الأطفال الأحبة، وعيونهم الذابلة، إلا عينين ~~محفورتين في ذاكرتها، تطلان عليها في النوم، في الحلم، في المرآة وهي طفلة، كأنما هما ~~عيناها. ~~••• # تسير جمالات إلى مكتبها على قدميها، تخرج من الزقاق إلى شارع المبتديان، يعرفها الجميع في ~~الحي، أصحاب الدكاكين والبوابين، أكشاك السجائر والصحف والمجلات، مطاعم الفول والطعمية، ~~محلات عصير القصب والباعة الجائلين والشحاتين. تسكن جمالات هذا الحي قبل أن يشتهر اسمها في ~~عالم الصحافة، يلجأ إليها العاطلون من الشباب، يعتبرونها واسطة لدى السلطان للحصول على ~~وظيفة بالحكومة أو القطاع الخاص، أو عقد عمل بالخارج، يقبلون عليها وهي تمشي بحجابها ~~الأبيض الملفوف حول رأسها، وثوبها من القماش السميك الذي لا يشف ولا يرف، صيف شتاء، ~~يرتج تحته جسمها السمين، وحقيبة يدها الجلدية الصفراء، بلون حذائها ذي الكعب العالي، ~~وجهها المستدير الأبيض، حاجباها الرفيعان المقوسان، عيناها الكبيرتان المكحلتان، شفتاها ~~الحمراوان منفرجتان في ابتسامتها الدائمة وهي تحييهم بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ~~تبدو جمالات كأنما هي روح من السماء نزلت إلى الأرض لتحقق أحلامهم، ثم تصعد إلى السماء، ~~حيث تخلع عنها جسدها وتصبح روحا غير مرئية، لم يكن أحد في الحي يعرف شيئا عن حياتها ~~الأخرى، إلا أن زوجها مات شهيد الله والوطن وهي أرملته الطاهرة أخلصت له في الحياة ~~والموت ولم تتزوج من بعده أبدا. # تعرفت الفتاة أكثر على حياة جمالات الأخرى منذ شاركتها الشقة، جعلتها تطلع على ~~مفكرتها الخاصة، كانت تمنحها الثقة، تعاملها كابنتها أو أختها الصغرى، تقدم لها النصائح ~~في ms031 أمور الحب، بدت لها دائرة معارف في أمور الجنس، تشرح أدق الخفايا في شخصية الرجل، ترسم ~~فوق الورق ما يشبه التشريح العلمي لأعضاء الذكورة والأنوثة، وتحكي تجاربها بدقة بعد أن ~~تنتشي بالنبيذ، تتغنى بعمر الخيام وأبي نواس ورجوع الشيخ إلى صباه. # هي ابنة الشيخ الإمام الجمالي، الداعية الإسلامي الكبير، اشتهر اسمه بعد معاهدة كامب ~~ديفيد الأولى، أصبح نجما في أجهزة الإعلام، امتلك العمارات والعقارات، ثم تغيرت الأحوال ~~بعد أحداث الاغتيالات ومقتل السياح الأجانب، إذ تم القبض عليه بتهمة الشذوذ الجنسي ~~والفساد السياسي، مات في السجن من الكمد، توزعت أملاكه على زوجاته القديمات والجديدات ~~وأبنائه الذكور، لم يعرف عددهم بالضبط ... كانت جمالات ابنته الوحيدة من الزوجة الأولى، ~~تنازلت عن حقوقها خوفا من إخوتها الذكور، ماتت أمها قبل أن تحصل على وظيفتها في الصحافة، ~~لم يكن معها شهادة عليا، أصبح عليها أن تشق طريقها بالسلاح الوحيد الذي تملكه، الأنوثة ~~الفياضة وحجاب الفضيلة. # تحول مكتبها في المجلة إلى مكان للترفيه وقتل الوقت، ترشف القهوة المحوجة بالحبهان، ~~تصنعها هي بنفسها على بابور سبيرتو تخرجه من درج مكتبها السفلي، مع الكنكة وبرطمان ~~البن البرازيلي، وعلبة سجائر كليوباترة. في السنوات الأخيرة ظهرت الشيشة في الركن بجوار ~~المكتبة، تمتلئ غرفتها بالدخان ورائحة البن والبودرة، تتراكم أعقاب السجائر في الطفاية ~~فوق مكتبها، شفتاها مطبوعتان باللون الأحمر فوق كل عقب، لا يكف الزوار عن الدخول ~~والخروج، أصدقاء وصديقات، معجبون وعشاق، وبعض العشيقات من النساء، إن أصبحت وحدها تقرأ ~~الصحف والمجلات، أو تفتح الراديو أو التلفزيون الصغير المعلق على الرف بالجدار، أو تطل ~~من نافذتها العالية على الكوبري وميدان التحرير. # كانت جمالات تكتب عمودا أسبوعيا بعنوان: «يا رب العالمين»، يكتبه لها بهي الدين برعم، ~~يدخل في مفكرتها الخاصة تحت حرف الباء، يرتدي بدلة أنيقة صيف شتاء، بشرته بيضاء لم تلمسها ~~الشمس، قامته قصيرة مربعة، عيناه ضيقتان غائرتان، أنفه طويل مدبب، قدماه صغيرتان داخل ~~حذاء أنيق من الطراز الحديث ذي البوز الطويل المدبب. # يمتلك بهي الدين برعم باب «النقد الأدبي» في ms032 الجريدة، ينتفض جسده حين يرن التليفون ~~المحمول في جيبه، ينهض مسرعا إلى الركن البعيد، يده اليسرى مرفوعة فوقه أذنه اليسرى، يهمس ~~كلمات في الجهاز الصغير المختفي في بطن يده، أذنه اليمنى ناحية المكتب حيث تجلس جمالات، ~~عينه اليمنى ترى النظرة الخبيثة في عينيها، وضحكتها تتصاعد في الجو مع دوائر الدخان: ~~بتكلم مين يا بهي يا واد شقي! # لم ترث جمالات الفساد عن أبيها، كانت تحن إلى الفضيلة لو امتلكت الدوافع، تعاني الفتور ~~وغياب الحماس، مع الحنين إلى الشبق واللذة المفقودة، تدور حياتها حول محور واحد، الرجل، مثل ~~النساء المكبوتات، الواقعات في براثن الحب المستحيل، الأسيرات الأبديات داخل قبضة الرجل ~~الحمش، الغيور الفظ، الذي لا يقبل الشريك. # الرجل بالنسبة لها ليس جسدا تشتهيه ليلة أو عددا من الليالي المنتهية، بل هو الكون ~~اللامتناهي، الأكتاف القوية تحت حشو البدلة المتين، الصدور العريضة يطل شعرها الأسود ~~الغزير من فتحة القميص، الانتصابة تحت السروال أسفل البطن، الصوت الخشن يدغدغ الأذن بعبارات ~~الفاحشة المبدعة، الأصابع ذات المفاصل البارزة الزاحفة فوق الجسد، والعيون السود أو الزرق ~~أو الخضر أو العسلية، المليئة بالفجر، بالفضيلة، بالغضب، بالرضا، بالترغيب، ~~بالترهيب. # ما أكثر ما عرفت جمالات من أنواع الرجال، تقول إن ما يجذبها في الرجل هو الإنسان وليس ~~القضيب، لا تفرق بين الرجال على أساس الطبقة أو المهنة أو العائلة، لا تفرق بين عربي ~~وعجمي إلا بالتقوى، عرفت رئيس التحرير كما عرفت سائق سيارته، عرفت الأمير كما عرفت ~~الجرسون في مطعم الفول، ورثت عن أمها وجدتها فنون المخادع والجماع، تعلمت على يد البلانة ~~إعداد الفراش والحمام، دهان الأجساد وتدليك المناطق الحساسة، وأكثر الحركات إثارة وخلاعة، ~~وكيف يهيج الذكر ويضيع عقله، وماذا تقول ومتى، وكيف تخرج الأصوات من فمها وأنفها، بعبارات ~~عامية وسوقية، أو كلمات راقية فصحى. ضاجعت جمالات الرجال من الطبقة العليا والسفلى، وخبراء ~~أجانب، ورؤساء مؤسسات، وأزواج النساء المرموقات في العلم أو الأدب، أو الزوجات المحصنات في ~~البيوت، وشباب الجامعة العاطلين، وتلاميذ الثانوي المتمردين، وعمالا وفلاحين وجنودا ~~من فئات ms033 الشعب العامل. # تضحك جمالات وهي تقارن بين طريقة الوزير في الجماع وطريقة الجرسون في المطعم، أراد ~~الوزير المرعوب أمام الرئيس أن يطفئ النور، كان يخاف الضوء ويخجل من جسده العاري، وانكماش ~~عضوه من طول الكبت، ويخشى على محفظته المملوءة بالنقد، بخلاف الجرسون الذي خلع ملابسه في ~~الضوء، ألقى بالفانلة والسروال على الأرض، مطبوع فوقهما الحرف الأول من اسم طويل تظهر حروفه ~~في الضوء، الحرف وراء الحرف، م. ا. ك. د. و. ن. ا. ل. د. تضيء كلها لتصبح «ماكدونالد» ثم ~~تنطفئ وتعم الظلمة. # تقول جمالات: الرجال الساعون إلى الحكم ضعفاء في الفراش، مترددون، غير واثقين في ~~أنفسهم، أما الرجال الفقراء الزاهدون في السلطة فإنهم يتمتعون بقوة وسخونة عارمة، ~~ويبذلون أقصى جهدهم لإمتاع النساء. # تحكم جمالات على ذكورة الرجل من شكل أصابعه وأنفه. يتميز أصحاب السلطة بأصابع قصيرة ~~وأنف مكور تنقصه الحدة والارتفاع، يكاد يكون قضيبهم نسخة من الأنف، قصير ومكور، ~~متوسط أو أقل من المتوسط في الارتفاع أو الانتصاب ... وتقول: القوة في الفراش لا علاقة لها ~~بالسلطة، لأن الفحولة لا تحتاج إلى قوة خارجية. # تدربت جمالات على إدراك خفايا الرجال، ترهف أذنيها وهي تنصت إلى الخطب السياسية، تؤكد ~~أن صوت الرجل يعكس شكل جسده، الصوت الوقور القوي النبرة الضاغط على الألفاظ، في السرير ~~يؤكد العكس، أما الرجل الدون جوان، الذي يسمونه زير النساء، الذي ينتقل من امرأة إلى ~~امرأة، فهو أكثر الرجال هزيمة داخل الفراش. # سنوات من عمرها قضتها الفتاة في شقة جمالات، دربتها على الصلاة، خمس مرات في اليوم. ~~قالت: الصلاة تمسح الذنوب مثل زيارة قبر النبي في مكة المكرمة، لكن الصلاة لا تحتاج ~~إلى تذكرة طيران ولا إلى مصاريف، مجرد الممارسة اليومية حتى تصبح عادة لا يمكن ~~اقتلاعها. # أخذت عنها عادة الصلاة وعادة التدخين، تشتري لها السجائر مقابل بعض الخدمات، ليلة الخميس ~~هي ليلة السهر، ليلة المتعة، ساعة لقلبك وساعة لربك، يوم الجمعة هو يوم الرب والصلاة في ~~المسجد والتوبة. # ليلة الخميس يهدأ الزقاق وشارع المبتديان، حي السيدة ms034 يصبح هادئا، يقبع الفقراء في ~~البيوت يستريحون من عناء العمل طول الأسبوع، يشربون الشاي الأسود من دخان الشيشة، تدلك ~~أقدامهم نساؤهم بالماء الساخن والملح، تصعد أياديهن المشققة لتدلك أجسادهم المكدودة، ~~يسري الدم في الأعضاء المرهقة المتهدلة، قد يحدث الإنعاش أو الانتصاب بقدرة الله الواحد ~~الأحد. # تكون جمالات قد نامت نصف النهار، أعدت غرفتها لسهرة الخميس، تسميها ليلة الفرج، ~~تتعطر بالمسك بعد الحمام، تجلس على الشلتة فوق الأرض، التليفون المحمول فوق أذنها ~~اليسرى، أذنها اليمنى مرهفة لسماع جرس الباب. # كان سميح يأتي دائما حين تحتاج إليه الفتاة، يدخل حياتها مثل نسمة هواء في جو خانق، ~~لحظة الإفراج من طول الاحتباس، كان مثلها في أزمة يريد الخروج منها، يعاني الاثنان اليأس، ~~وصل كل منهما إلى نهاية الطريق المسدود، لم يكن أمامهما إلا أن يلقي أحدهما نفسه فوق ~~صدر الآخر، كالغريق تلامس أصابعه شاطئ النجاة. # كانت له امرأة أخرى يحبها، تركته إلى رجل آخر، ثم تركها الرجل الآخر إلى امرأة أخرى، ~~أرادت أن تعود إلى سميح، كاد أن يصفح عنها ثم تراجع، صفح عنها مرتين، هذه المرة الثالثة لن ~~يصفح ولن يعود، كان اسمها سوزان، اختصارها سوزي. # يقول عنها مجنونة بالرغبة لتحقيق ذاتها، مثل كارمن، ضميرها غير مستريح، تبحث عن منطق ~~لحياتها، تراودها أفكار غريبة لا تنتمي لعالم المرأة. ~~- وما هو عالم المرأة يا سميح؟ ~~- لا أعرف. # علاقة الفتاة برستم دخلت مرحلة الخطر والتناقضات، يسعى كل منهما إلى تحطيم الآخر عبر ~~الحب، هناك علاقة بين الحب والموت والجنون. # الجنون عند رستم يقوده إلى تدفق الأفكار والكتابة، تتغلب الفلسفة على الفن في ~~رواياته، يتأمل الكون، يتساءل، يعيد الأسئلة القديمة منذ أرسطو وأفلاطون، يحاول علاج ~~الفجوة بين الروح والجسد، أو بين الخير والشر، تشرد عيناه بعيدا ويسألها عن التناقضات في ~~الحب. # صوته تعتريه بحة السعي إلى الحقيقة، مبحوح بذكورة مشروخة، مع القلق المدمر إلى حد ~~الخوف، والرغبة في إنقاذ نفسه بأي شكل، وإنقاذ كارمن معه، كان يحبها أكثر لأنها كاتبة ~~ولأنه كاتب مثلها. ~~- أنت أنثى ms035 وأنا ذكر وقعت في حبك لأنقذ حبي لكارمن، لا أريد أن أفقدها ولا أريد أن ~~أدمر نفسي، أما أنت؛ أنت من نوع لا يدمره الحب. ~~- أي حب يا رستم؟ # جذبها إلى رستم ضعفه، تناقضه، تخبطه، تردده، لم يكن مثل سميح قادرا على إخفاء ~~حقيقته. ~~- الحب بيننا يا رستم شيء مختلف، جزء من شيء أكبر. ~~- وما هو الشيء الأكبر من الحب؟ # لم تعرف الفتاة أبدا لماذا بعد كل قطيعة يعودان إلى اللقاء، هي ورستم، يستغرقان في ~~الحديث طول الليل، يسيران حتى الفجر في شوارع القاهرة، سيرا على القدمين أو داخل سيارته ~~المرسيدس، يجلسان في المقاهي الصغيرة، في الأحياء الفقيرة، يشربان الشاي الأسود والشيشة، ~~يحاولان الاختفاء عن عيون كارمن وسميح، ضميرها يؤنبهما في كل لقاء، ويقرران القطيعة، ~~يقتربان أكثر بعد كل ابتعاد، يقربهما الافتراق أكثر من اللقاء، تتشابك أيديهما مثل ~~الأطفال ويمشيان، يقزقزان اللب والترمس على شاطئ النيل، يجلسان فوق الحجر والدكك الخشبية، ~~يستأجران الغرف على ساحل البحر، يتعانقان طول الليل ينشدان إفراغ الشحنة، دون جدوى، كأنما ~~الحب ليس الهدف، ولا الجنس، ولا أي شيء، إلا اكتشاف المجهول، دون جدوى، يظل المجهول ~~مختفيا وراء السحابة، يشعران بالحزن بعد العناق، مرارة الواقع وضرورة الفراق، الحب الكبير ~~يحتويهما، ومع ذلك يظل صغيرا لا يكفيهما. # في ذاكرتها رغم المسافة رائحة معجون الحلاقة «لافندر»، عناوين كتب الفلسفة فوق رفوف ~~المكتبة، الجدل بطول الليل عن وجود الله، حين تقبله لا يغمض عينيه، بل يفتحهما أكثر، ~~يملؤهما شكا أكبر يشبه الجنون، يحوط نفسه بكتبه ورواياته، مثل مريض يحوط نفسه بعلب ~~الأدوية، أو بزجاجات الخمر والنبيذ. في الليل تسمع أنفاسه تتردد، شيء في رأسه يدق، يمشي ~~الدم في عقله بصوت مسموع، مثل النبض ودقات الساعة فوق معصمه، تسمع فقرات عنقه تطقطق، جفونه ~~مسدلة ينبعث من تحتها ضوء، كأنما يرى وهو مغمض العينين، يطل في أعماقه على بؤرة القلق ... ~~يغلبها النوم ساعة أو أكثر، تفتح عينيها لتراه صاحيا، عيناه مفتوحتان محملقتان في وجهها، ~~يدرس ملامحها في النوم، يحاول اكتشاف شيء ms036 لا يراه في الضوء. # كانت كارمن تقول: لا يمكن أن أعيش تحت سقف واحد مع رستم، لا أريد أن أنام تحت عينه ~~المفتوحة، ترقبني مثل عين الله الساهرة لا تنام، لا شيء يقتل الحب إلا الحياة تحت سقف ~~واحد، المشاركة في السرير، الاقتراب إلى حد التلاصق، الحملقة في وجهك أثناء النوم، اقتحام ~~غرفتك أثناء الكتابة، يأكل معك كل يوم ثلاث مرات، يخترق جسدك في الليلة الواحدة مرتين، ~~ينام بعمق، يمنعك شخيره من النوم، يدخل معك الحمام، ترين عظامه البارزة المعوجة، يجلس أمامك ~~فوق المرحاض، تسمعين صوت أمعائه وحشرجة الكبد والطحال، والكحة والسعال، يؤلمك الصوت إلى ~~حد الأرق. # وكان رستم يقول: عشت حياة الحرية والاستقلال منذ طفولتي، لم يشاركني أحد غرفتي، لا أستطيع ~~الالتزام بقيود الحب أو الزواج، لا أسمح لأحد أن يسألني إلى أين أذهب، مع من أسهر، ماذا ~~أشرب وماذا أكتب، لا شيء يقتل الحب إلا التلازم الدائم أكثر من اللازم، وجود شخص آخر تحت ~~غطائي، وجود امرأة تحت جلدي، أسمع أنفاسها طول الليل، يزعجني انتظامها دون انقطاع، بقدر ما ~~يزعجني انقطاعها. ~~••• # على شاطئ برشلونة تتمدد الفتاة فوق الرمال تحت الشمس، يخرج من صدرها زفير طويل محمل ~~بالدخان والتراب، تأخذ شهيقا عميقا من هواء نقي، عبرت البحر الأبيض المتوسط من الجنوب ~~إلى الشمال، حملتها الطائرة أربع ساعات إلى عالم آخر، المباني المزينة بالتماثيل، ~~اللوحات الأصلية للفنانين، الكتب المطلة من نوافذ المكتبات، الموسيقى والغناء وأضواء ~~المصابيح، مطاعم السمك وقواقع البحر، المناضد فوقها مفارش مكوية بيضاء كالثلج الأطباق نظيفة ~~لامعة تبرق، الفوط مطوية على شكل الزهرة، الملاعق والسكاكين والشوك معقمة ملفوفة، الكئوس ~~البلورية تتألق تحت أشعة الشمس، زجاجات النبيذ الكاتالاني «ألباريتو ألبارينو» وبتريا ~~شاردونيه، أناجيل تحب النوع الأول، فرانسيسك يحب النوع الثاني، اختاروا منضدة بجوار ~~البحر، كان فرانسيسك يمر بفترة اكتئاب، يريد أن يفعل في حياته شيئا غير الوقوف كالتمثال ~~في الشارع، يرى نفسه في الحلم فنانا مشهورا مثل سلفادور دالي، يقيم معارضه في بلاد ~~العالم، يصبح من الأثرياء، تتهافت عليه ms037 الفتيات قالت له أناجيل: هذا حلم ذكوري مريض. # كانت أناجيل تتألق بالسعادة، كتفاها ناعمتان عاريتان تحت الشمس، ترتدي بلوزة رقيقة تكشف ~~عن بطنها الضامر، بنطلونها من الجينز الضيق مثل القفاز، مشدود تحت الخصر بحزام عريض من ~~الجلد الأخضر، تمطت وهي تفرد ذراعيها عن آخرهما. # أخيرا وجدت نفسي في كتابة الشعر، كنت ضائعة في الحياة حتى قرأت «ماريا ميرسيه مارسال»، ~~جاءت من القرية طفلة إلى برشلونة، كانت فقيرة مثلي، استطاعت أن تقهر الفقر والعالم بأبيات ~~الشعر. أحب قصيدتها التي تقول فيها: # تلقيت من الحياة هدايا ثلاث، # أنني ولدت امرأة، # وفقيرة، # ومقهورة ... # مما جعل تمردي ثلاثة أضعاف. # ماتت ماريا ميرسيه مارسال في ريعان الشباب مثل الزهور. قبل أن تموت، التقت ~~أناجيل بها صدفة، انحرفت ملامحها في عقلها، وقعت في حبها دون وعي، اكتشفت أن أمها ~~الميتة لم تمت، إنها تعيش وتمشي على قدميها، تقرأ ديوانها وسط الآلاف، وفي الليل ~~تحوطها بذراعيها تعيدها إلى طفولتها ورحم الأم. # يفرغ فرانسيسك كأسه في جوفه، ينهض واقفا هادرا كالبحر الغاضب، ينطق الكاتالانية بحروف ~~حادة كالرصاص، لا يطيق سماع أناجيل وهي تحكي عن حبيباتها النساء، يمط بوزه في اشمئزاز: ~~هؤلاء النسوة الليزبيات السحاقيات الباردات العاجزات جنسيا المقطوعات البظر! # لم تكن أناجيل مقطوعة البظر، كانت مكتملة الجسد، تقول إن فرانسيسك عاجز مثل الرجال في ~~الشمال، ينبع العجز من الخوف، أنا أحب ماريا مارسيه مارسال لأنها شاعرة وليس لأنها ~~امرأة، تستولي على خيالي أكثر من الرجال، رغم كونها ميتة، هناك شيء أكبر من الحب يا ~~فرانسيسك! # تذكرها أناجيل بمريم الشاعرة على شاطئ النيل، أثارت خيالها منذ لقائها الأول بها، ~~بشرتها خمرية بلون الفخار، صوتها وهي تلقي الشعر ناعما وصلبا كالرخام، ممشوقة القامة ~~متينة البنيان مثل شجرة جذورها في الأرض ورأسها في السماء، شعرها كثيف بلون الليل، عيناها ~~كبيرتان تتألقان تحت الضوء، يتغير لونهما مع حركة القمر، عنقها طويل قوي، يحمل رأسها دون ~~عناء، يتحرك جسمها على نحو طبيعي، لا يمثل ثقلا ولا عبئا، كأنما مصنوع من مادة ~~أخرى غير ms038 اللحم والعظم، ربما هي الروح. # كانت الفتاة يائسة، عاجزة عن تحقيق نفسها، يصيبها اليأس بالضعف والهزال، يفقد جسدها ~~مناعته الطبيعية ضد الأمراض، تهاجمها الفيروسات صيف شتاء، تتصبب عرقا في ليالي البرد، ~~وفي وطأة الحر ترتعش بالبرودة، انقطعت عن رستم وسميح وكارمن، تشاركها جمالات الشقة كأنما ~~تشاركها جسدها، تعيش معها تحت سقف واحد، يتوالد الصراع من طول الاحتكاك، التلازم الزائد بين ~~اثنتين عن الحد اللازم، ترى وجهها المترهل كل صباح بلا حاجبين وبلا رموش، تسمع صوتها في ~~الحمام تبسمل وتحوقل، تشغل المرحاض طويلا بسبب الإمساك المزمن، صوت الغاز المكتوم في ~~الأمعاء، الدهون المتراكمة مع الفول والطعمية والكوارع، شخشخة الأساور حول معصميها، وحبات ~~السبحة تصطك بين أصابعها، وصرير ضروسها وهي تردد أسماء الله الحسنى، تشعر بالبهجة حين ترى ~~الفتاة مريضة في الفراش، تزداد قوة بازدياد ضعفها، تتزين وتتعطر وتتبخر أمامها وهي ~~راقدة، تليفونها المحمول ملتصق بأذنها، تطارد الرجال من عشاقها، تفتتح حديثها بسم الله ~~والسلام عليكم، وتخمته بالصلاة على سيدنا محمد، يرن صوتها العالي وإن أغلقت الفتاة ~~الباب، وإن سدت أذنيها بالقطن، وإن دفنت رأسها تحت الوسادة، يأتيها صوتها المتأجج ~~باللذة، يغلي الدم في عروقها، إقبالها على الحياة يؤكد اكتئابها، إحساسها بالمرح يزيد ~~من حزنها، تفتح الباب وتجلس على طرف سريرها، تفوح منها رائحة البودرة والمسك والعطور، حول ~~حجابها عقد من اللؤلؤ، بين شفتيها الحمراوين سيجارة مشتعلة، يدخل دخانها في صدرها يزيدها ~~مرضا. تنقلب على الجنب الآخر تعطيها ظهرها، خشب السرير يئن تحت ثقلها كحيوان ~~مريض. # تحاول جمالات التخفيف عنها، تقول لها إنها تذبل مثل زهرة لا يرويها إلا الإيمان، والمرض ~~يأتي عبر الشيطان: كفاية يا جمالات أرجوك! ~~- تحجبي تسلمي، لا تسمعي كلام إبليس، أنا كنت مثلك قبل أن يهديني الله، الإيمان حماية ~~من الأمراض، الله يعاقبك في الدنيا وفي الآخرة، ولا علاج لك يا عزيزتي إلا ~~بالحجاب. # خرجت جمالات إلى مكتبها، تسللت الفتاة إلى غرفتها تبحث عن زجاجة الحبوب المنومة، فوق ~~المنضدة إلى جوار سريرها أدوية متعددة الأنواع، مكتوبة بحروف أجنبية ms039 مع الترجمة ~~العربية ، حبوب طاردة للغازات، حبوب تمنع الحمل، حبوب مضادة للاكتئاب، مانعة للإمساك، مسهلة ~~للهضم، حبوب السعادة ... أخيرا وقعت يدها على الحبوب المانعة للأرق، أخذت ثلاث حبات مع كوب ~~ماء وسقطت في غيبوبة النوم. ~~••• # أفاقت على صوت أناجيل، اليوم عيد سان جوردي، لا أحد يبقى في البيت، إنه يوم الحب، شربتا ~~النبيذ فوق السطح تحت أشعة الشمس هبطتا السلالم حتى الدور الأرضي، الساعة الثانية عشر ~~ظهرا، يولاندا جالسة في المطعم تلتهم صحن الباييلا الساخنة، تمثال أنتونيو لوبيز لا زال ~~منتصبا داخل المعطف، عن يمينه قصر ضخم، له برجان عاليان، قمته تزينها التماثيل، ملائكة ~~ونساء لهن أجنحة، أربعة أعمدة مستديرة ترتفع فوق المدخل، السلالم رخامية بيضاء، حروف ~~كاتالانية منقوشة على الحجر: # correos y telegrafos ~~، ~~تذكرت أن سميح ينتظر منها ردا على رسالته. ~~- أريد أن أرسل فاكس إلى القاهرة يا أناجيل. # دخلتا إلى البناء الضخم، كتبت الفاكس بالقلم الأسود الجاف: ~~«عزيزي سميح، # أشكرك على رسالتك الرقيقة، وعلى جهودك من أجل العثور لي على عمل لائق، لم أحصل هنا على ~~أي عمل، لم أكتب شيئا في الرواية، سأعود إلى القاهرة بعد أن أضع مولودتي، سأعطيها اسمي ~~واسم أمي، القانون هنا لا يفرق بين اسم الأب والأم، أغلب الأطفال يحملون أسماء أمهاتهم ~~حتى رئيس الحكومة الجديد «زاباتيرو»، كلمة «زاباتيرو» هي اسم أمه يا سميح، أيأتي يوم في ~~بلادنا يحمل فيه الرجل اسم أمه دون أن يشعر بالعار؟» # أمسكت أناجيل بيدها، سارتا تشقان الزحام في شارع الرامبلا، عيد سان جوردي هو عيد ~~الحب، الأرض مفروشة بالزهور والكتب، يشتري الرجل زهرة حمراء، يهديها إلى المرأة التي ~~يختارها من دون النساء، تشتري المرأة كتابا تختاره من دون الكتب، تهديه إلى الرجل الذي ~~تختاره من دون رجال العالم، توقفت أناجيل أمام مكتبة بلاسا كاتالونيا، اشترت ديوان ماريا ~~مارسيه مارسال، أهدته للفتاة مع الوردة الحمراء، هي اشترت ديوان شعر الخنساء باللغة ~~العربية، أهدته لأناجيل مع وردة حمراء، أصبحت أناجيل تقرأ وتكتب بالعربية، كانت تعد دراسة ~~مقارنة بين الشعر ms040 العربي والكاتالوني، في مجال الحب والحرية ، حفظت عن ظهر قلب قصائد ~~الخنساء، تقول عنها الشاعرة العربية الحرة، لم تخضع لحكام في القبيلة أو زوج في الأسرة، ~~أكثر ما أعجب أناجيل في التاريخ العربي القديم هو شجاعة النساء حتى الجاريات. ~~- أتعرفين هذه الحكاية؟ ~~- أي حكاية يا أناجيل؟ ~~- دخلت على أمير المؤمنين جاريتان إحداهما جارية قديمة لديه والأخرى جديدة اشتراها ~~حديثا، اشتعلت نار الغيرة بين الجاريتين، قالت الجارية القديمة: إن الله فضلني على تلك ~~الأخرى بقوله «والسابقون الأولون»، ردت الجارية الجديدة: بل فضلني الله على القديمة ~~بقوله «والآخرة خير لك من الأولى»، ضحك أمير المؤمنين واستلقى على قفاه من شدة الضحك، ~~وأمر بالمساواة بين الجاريتين القديمة والجديدة، كما كان رسول الله يفعل. # ترن ضحكات أناجيل في أذنها، تتذكر ضحكات جمالات في بابها الثابت في الجريدة، تحت عنوان: ~~«يا رب العالمين»: # بعد أن استمعت إلى بيان الحكومة في مجلس الشعب حول مشروع الخطة العامة للدولة والموازنة، ~~وهي حكومة مجاهدة في سبيل الله من أجل الإصلاح على الطريقة الأمريكانية، لا أملك إلا أن ~~أرفع كفي إلى السماء داعية المولى عز وجل أن يفرج عنا الغلاء الفاحش، ويأخذ إليه سبحانه ~~وتعالى المتاجرين باللحوم الفاسدة والمبيدات السامة، والشركات المباعة، وعرق الشعب الكادح، ~~والاستثمارات الوهمية، والشباب المهاجر، والجنيه المصري المنكمش خزيا أمام الدولار ~~الفاحش، والآثار المنهوبة في الغرف المظلمة، ونواب القروض ومهربي البلايين، وطوابير ~~النسوة أمام الطوابير، وفقاقيع الوعود المتبخرة في الهواء، يا رب العالمين يا أرحم الراحمين ~~يا سميع يا كريم. ~~- ومن هي جمالات؟ ~~- شريكتي في البيت. # رمقتها أناجيل بنظرة متسائلة، كلمة «شريك البيت» تعني بالكاتالونية الزوج أو الزوجة، أو ~~العشيقين دون عقد زواج، الأسرة عندنا لها شكل واحد يا أناجيل، رجل وامرأة يعيشان تحت سقف ~~واحد، يجمعهما عقد زواج مكتوب مختوم، أما جمالات فهي صديقة تشاركني الشقة، تكتب بابا ~~أسبوعيا في الصحافة، تنفس به عن غضبها، وهي مؤمنة بالله والرسول محمد بحسب المذهب ~~السني، تغضب لأن المسلمين الشيعة يورثون البنت مثل الولد، ولأن المسلمين في ms041 الصين ~~يصلون الظهر ست عشرة ركعة ، والمفروض أنها أربع ركعات، ما عدا صلاة الجمعة فهي ركعتان، ~~وهي شديدة التمسك بالحجاب والوحدانية في أمور الدين، أما في أمور الدنيا فهي تؤمن ~~بالتعددية. # كان الزحام شديدا في شارع الرامبلا، ضاعت أناجيل في الزحام، جرفتها أجسام الناس بعيدا، ~~بينما توقفت الفتاة تتطلع إلى امرأة واقفة مثل التمثال، تؤدي دور البانتوميم، بشرتها ~~مدهونة بلون أسود يشبه القطران، ملابسها بيضاء شفافة، فوق رأسها مظلة بيضاء مفتوحة، ~~رموشها ثابتة كثيفة سوداء. تجمع حولها الأطفال فابتسمت، ظهرت أسنانها بيضاء مشرقة كالشمس، ~~عيناها سوداوان مليئتان بالسواد، ثم تجمدت مرة أخرى مثل تمثال من الحجر، ألقى الأطفال ~~بعض النقود في القبعة البيضاء الكبيرة عند قدميها. # وسط الأطفال رأتها، ترتدي ثوبا زاهي الألوان، حول عنقها عقد من الزهور، عيناها الكبيرتان ~~يكسوهما البريق، نجمتان تلمعان بالضوء، تقاطيع وجهها بارزة كأنما منحوتة في صخرة، في ~~عينيها النظرة الحزينة وإن ابتسمت، تراها في النوم منذ طفولتها، تطل من المرآة منذ نظرت ~~إلى وجهها في المرآة. ~~- صباح؟ # التفت الطفلة ناحيتها مندهشة، مترددة، شدتها من يدها امرأة ضخمة الجسم، ترتدي قبعة ~~رمادية فيها ريشة حمراء، فوق عينيها نظارة سوداء، تشبهان العينين المدفونتين داخل ثقبي ~~النقاب الأسود. # قضت الفتاة الليل مفتوحة العينين، تسترجع الوجوه في ملجأ الأطفال، في الصباح جاءت أناجيل، ~~قالت أرخص الأطفال من إثيوبيا ومصر والسودان، أغلى الأطفال من روسيا والصين وإسرائيل، وفي ~~المتوسط لا يقل ثمن الطفل أو الطفلة عن ثلاثين ألف «دولار». ~~••• # جاءتها رسالة من سميح، يطلب منها العودة، ينتظرها بشوق كبير ومعها طفلتها، «هي طفلتنا ألا ~~تذكرين! وبأي اسم تختارين، «زباتيرو» يحمل اسم أمه، وهو أفضل من الملوك والرؤساء الحاملين ~~لاسم الأب.» # وجاءتها رسالة من كارمن، تطلب منها العودة إلى الوطن، ومعها الطفلة، «هي طفلتنا نحن ~~الثلاثة، أنت وأنا ورستم، أنت الأم الأصلية وأنا الأم الفرعية، والأب الأصلي هو رستم، ~~وإن شئت يمكن إضافة سميح، هذه الطفلة محظوظة لها أمان اثنتان وأبوان.» ~~••• # الحنين إلى الوطن تحسه تحت ضلوعها، ضربات القلب القوية ms042 في تتابع وانتظام، مع الضربات ~~الأخرى تحت جدار البطن، داخل الأحشاء تحولت فلذة الكبد إلى طفلة تشبهها، رأت صورتها من ~~خلال الأشعة، وابتسم الطبيب الكاتالاني، مبروك يا نورية، كان يناديها باسم أمها «نورية»، ~~«ستكون طفلة جميلة ماذا تسميها؟» قالت «سيكون لها اسم أمي»، قال الطبيب، «يمكنك إضافة اسم ~~أبيك إن شئت»، «لم يكن لي أب»، ضحك الطبيب، «أنت محظوظة مثلي، لم أعرف إلا أمي مثل ~~«زباتيرو» ... أحمل اسمها وأشعر بالفخر.» ~~••• # حملقت يولاندا طويلا في عيني الطفلة السوداوين يكسوهما البريق، ثم شهقت، باسم الأب ~~والابن والروح القدس، هذه الطفلة هي حفيدتي، عيناها بالضبط هما عيناه، حين كان طفلا، ابني ~~فرانسيسك، هاجر إلى أستراليا، انقطعت عني أخباره، رسمت يولاندا الصليب على صدرها، الحمد ~~لله والشكر لك يا رب، عوضتني عن ابني بهذه الطفلة، عيناها بالضبط هما عيناه، كأنما أراه ~~أمامي، ابني، فلذة كبدي. # حضنت يولاندا الطفلة بذراعيها، دموعها تنهمر، أنفاسها تلهث، صوتها يرتعش متمتمة بآيات من ~~الإنجيل، «أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك في السماء كذلك ~~على الأرض، لك الملك والمجد إلى الأبد ... آمين»، تجهش بالبكاء، تغيرت يولاندا منذ نظرت في ~~عيني الطفلة، كأنما عثرت على نفسها الضائعة، كأنما استردت أبناءها وبناتها المهاجرين، في ~~بلاد العالم، أبوها المسيح هو الذي ردهم إليها دفعة واحدة، في نظرة واحدة من عيني ~~الطفلة، اسمها نورية باسم ابنتها الغائبة، باسم الإلهة الكاتالانية القديمة نورية، لك الملك ~~والمجد إلى الأبد يا رب العالمين. # وأرسلت إليها مريم الشاعرة قصيدة بعنوان نورية الشجاعة، التي جاءت إلى الدنيا رغم أنف ~~الدنيا، ضد إرادة الجميع، جاءت نورية مثل شعاع الشمس، لا تقدر القوى النووية أن تمنع ظهور ~~الشمس، خفقة القلب تحت الضلوع، فلذة الكبد في الأحشاء، وكلمة الحب في قصيدة الشعر. # أما جمالات فلم ترسل شيئا، إلا الباب الذي تكتبه في الجريدة كل أسبوع، أعطت له عنوان: ~~ضياع شرف الأمة الإسلامية. يا رب العالمين أنقذ شرف الأمة من الضياع، تزايد الفساد في ~~بلادنا وامتلأت الملاجئ والشوارع باللقطاء ms043 والأطفال غير الشرعيين، يا رب العالمين أنقذ شرف ~~الرجل من عبث النساء السافرات، خلقت المرأة من ضلع أعوج كما قال الرسول عليه السلام، إن ~~حاولنا إصلاحه انكسر، فارحمنا يا رب العالمين، ولا تكشف الفضائح والمخازي وانتهاك العرض في ~~سجن أبي غريب، واحتلال الأرض في فلسطين، وخديعة رئيس الحكومة لمجلس الشعب، وعجز الموازنة ~~وتضخم الديون، وعدم تطبيق الشريعة القوانين، وانصر يا رب رجال المقاومة في العراق ~~ونساءها، فالمرأة المسلمة المقاتلة تنقذ شرف الأمة، سبحانك يا رب تضع سرك في أضعف خلقك، ~~وتجعل شرف الأمة في يد الأنثى، تنقذه إن ماتت شهيدة الوطن، وتهدره إن سقطت وغواها ~~الشيطان. ~~••• # وهما ترشفان الشاي فوق السطح تحت أشعة الشمس، قالت أناجيل: لا تعودي أبدا يا نورية، إن ~~عدت ربما تتعرض طفلتك للخطف أو للقتل، وهي مولودة بريئة لم تفعل شيئا، وأنت أيضا ~~ستنالين العقاب، أرجوك لا تعودي، أنت هنا في وطنك، فالوطن هو حيث يكون الحب وحيث تكون ~~الحرية. # يولاندا حوطت الطفلة بذراعيها، حفيدتي الوحيدة ليس لي في الدنيا غيرها، لا تعودي وإن ~~عدت فهي ستبقى هنا في وطنها وسط أهلها، هذا حقها ولن تسلبها هذا الحق أية قوة وإن كانت ~~نووية. # في الليل يرفرف الشيء تحت ضلوعها، يعود إليها وجه سميح ورستم وكارمن ومريم، حتى جمالات ~~تعود بحجابها الملفوف حول رأسها، وحاجبيها الرفيعين المرسومين بسن القلم، وضحكتها ~~المجلجلة، وصوتها يقول: ألف مبروك على الشغل الجديد يا حبيبتي. # كان سميح قد عثر لها على وظيفة، أمينة المكتبة في النادي الرياضي، اشترت الفتاة حذاء ~~كاوتش متينا، أصبحت تمشي في الصباح الباكر أربعين دقيقة من بيتها إلى عملها، تخرج من ~~الزقاق الغارق في المجاري إلى شارع المبتديان، تغرق في الزحام، والتراب المتصاعد تحت عجلات ~~السيارات والأتوبيسات والموتوسكلات والدراجات وعربات الكارو، تجتاز شارع قصر العيني كمن ~~تغوص في دوامة البحر، تظهر على البر في الناحية الأخرى، تنفض عنها الغبار والهلع، تدخل ~~إلى حي جاردن سيتي كأنما تدخل إلى مدينة أخرى في عالم آخر، حيث يعيش الناس في هدوء، ms044 ~~وراء الأسوار العالية تظللها الأشجار وزهور البوجانفيليا الحمراء دم الغزال، المباني ~~الحديثة أو القصور القديمة ذات الأعمدة الرخامية أو الحجرية على الطراز الأوروبي، السفارة ~~البريطانية بأسوارها العالية تشبه القلعة في العصور الوسطى، السفارة الأمريكية أسوارها أكثر ~~ارتفاعا، تعلوها الأسلاك المكهربة والعيون الإلكترونية وأجهزة المراقبة والرادار، تخرج من ~~مدينة الحديقة (جاردن سيتي) إلى كورنيش النيل، تملأ صدرها بالهواء، تمشي فوق الرصيف، فندق ~~الميريديان الضخم يحجب السماء، سائحات أمريكيات بالقبعات الملونة والصدور العارية، رجالهم ~~يرتدون الشورت والتيشرت، ونساء خليجيات تحت الخيمة السوداء، تبرق عيونهن السود من الثقوب، ~~رجالهم يرتدون البدل أو الجلابيب مع اللحى والذقون، أصابع أقدامهم تطل من الصنادل ~~المفتوحة، وحبات السبحة الصفراء تتراقص بين الأصابع، بحسب المذهب أو الحزب، يمين أو يسار أو ~~وسط، يتأرجح رستم بين اليسار واليمين، ينتقل سميح ما بين المعارضة والحكومة، تقف كارمن على ~~الحياد، وتقول الفن للفن وليس للسياسة، أما مريم الشاعرة فهي تنشد قصيدتها بعنوان: عصر ~~الهزيمة والنفاق، يعقدون الصفقات في لندن ونيويورك وتل أبيب، يدبجون المقالات الطويلة عن ~~التنمية والاكتفاء الذاتي، يتنافسون على تقبيل يد الرئيس والسيدة الأولى ... وأنا اسمي مريم ~~باسم العذراء الطاهرة، ابنة حواء الآثمة، أعاقر الخمر وأعاشر الشيطان، لأكتب الشعر. # قبل كوبري قصر النيل، ترقد العوامات فوق الماء، تتثاءب في استرخاء، وقوارب صغيرة مزركشة ~~بالألوان والأعلام جاهزة لنزهات السياح، يحرسها صبية من الصعيد، عظامهم بارزة تحت البشرة ~~السوداء المقشفة، عيونهم صفراء واسعة مملوءة بالحزن. عن اليمين فندق شبرد الأبيض، مكان ~~الفندق المحروق منذ نصف قرن أو أكثر، يوم حريق القاهرة في نهاية العصر الملكي، يبدو قزما ~~إلى جوار فندق الإنتركونتنال الضخم مكان سميراميس القديم، تنحرف إلى اليسار فوق الكوبري ~~المهيب، يحرسه الأسدان المتوحشان، ترتفع فوقه الأعلام وصورة الرئيس، بالحجم الطبيعي، ~~معلقة فوق قوس النصر، يلفحها الهواء الشمال والجنوب، ومن الشرق والغرب، لكن الله سبحانه ~~وتعالى كما تقول جمالات يثبتها بالمسامير، وبالانتخابات الحرة والاستفتاءات، حيث يقول ~~الشعب الوفي الأمين، نعم، نسبة 98,80٪، تطورت الأحوال في عصر الديمقراطية، وانخفضت النسبة ~~عن 99,90٪. ms045 # مبنى الأوبرا الأبيض يظهر عند نهاية الكوبري، ينتصب على أبوابه الحراس من الطبقة ~~الدنيا، ملابسهم لامعة، عيونهم شاحبة، لا يدخل الأوبرا إلا النخبة، المثقفون والمثقفات، ~~المفكرون والمفكرات، يدخلون الانتخابات تحت اسم فئات، من التيارات والأحزاب المتعددة، ~~يرتدي الرجال ربطات العنق الملونة، يسمونها الكرافتة، ترتدي النساء فساتين السهرة مع ~~حجاب الرأس، المتطور على شكل التيربون، وقد يكون الشعر عاريا دون غطاء والعنق مكشوفا ~~حتى الشق العميق بين النهدين، وكلمة «الله» تتدلى فوق الصدر من سلسلة ذهبية، وخمسة خميسة ~~لصد عين الحسود. # تسير في الشارع المظلل بالأشجار حتى الباب الخلفي، تدخل منه مع العمال في النادي، ~~أصبحت لها بطاقة عليها صورتها واسمها الثلاثي وحالتها الاجتماعية، متزوجة، أو مطلقة أو ~~عذراء، والحالة الانتخابية، عمال أو فئات، وغيرها من الخانات، الديانة ومهنة الأب والزوج، ~~وعدد الأطفال، وبصمة الإبهام والخلو من السوابق، كانت تترك هذه الخانات خالية، حتى خانة ~~الجنس، أنثى أو ذكر لم تكتب فيها شيئا. حملق الحارس في بطاقتها طويلا متشككا وسألها: ~~إنتي جديدة هنا؟ ~~- أيوه. ~~- بتشتغلي إيه؟ ~~- في المكتبة. ~~- مع سيادة اللوا صبحي باشا. # أربع كلمات مرعبة مرهبة، أكثرها رعبا ورهبة هي «باشا»، من الألقاب القديمة في عصر ~~الإمبراطورية العثمانية، كان يحملها الوزراء ورؤساء الوزراء والمماليك وقيادات الجيش، وكلمة ~~«اللوا» بالعامية تعني «اللواء» بالفصحى، من ألقاب الجيش الرفيعة في عصر الجمهورية تحت ~~الحكم العسكري، لا تقل رهبة عن «الأميرالاي» في العصر الملكي. # تشق طريقها عبر مشتل الزهور، عن يسارها نادي الفروسية، طفل مدلل (في فمه بزازة) ~~يركب حصانا صغيرا أبيض، يجره السايس، رجل عجوز نحيف الجسم محروق بالشمس أسود مجفف مقشف، ~~يبربش بجفون متآكلة سقطت رموشها. # تواصل السير في الممر المخصص لسباق الخيل، يسمونه «التراك»، عن يسارها وعن يمينها ~~تمتد المساحات الخضراء الواسعة لملاعب الجولف، تخرج من التراك إلى الساحة الكبيرة حيث ~~مدخل النادي الرئيسي، تسير إلى المبنى الآخر حيث المطعم الجديد واللاونج المكيف في الدور ~~الأول، تصعد السلالم الرخامية العريضة إلى الدور الثاني، حيث المكتبة. # أصبحت تجلس في غرفة المكتبة النظيفة ms046 المطلة على حديقة الشاي، يسمونها في النادي «تي ~~جاردن» كلمة «تي» تعني شاي بالإنجليزية، لم يتغير الاسم منذ الاحتلال البريطاني في نهاية ~~القرن قبل الماضي، أصبحت جمالات من عضوات النادي، تمارس رياضة المشي بحجابها الأبيض، تسبح ~~في الماء، بحجاب أسود غير قابل للبلولة، تنطق كلمة «تي جاردن» بطرف لسانها، وكلمة أخرى ~~«الليدو» تنطقها بصوت خافت، كأنما هي كلمة نابية، تقول «الليدو» أصلها في العربية ~~«اللايده»، وهي المرأة المصابة بالنيمفومانيا. ~~- يعني إيه نيمفومانيا يا جمالات؟ ~~- يعني لايده. ~~- لايده يعني إيه؟ ~~- يعني ليدو بالمذكر. # تضحك جمالات حتى تدمع عيناها، تمسحهما بطرف طرحتها البيضاء، عرفت الفتاة أن كلمة ~~«الليدو» تعني حمام السباحة الصغير المخصص للكبار من أعضاء النادي، وعضواته، لم يكن مسموحا ~~للعاملات أو العمال في النادي أن يسبحوا في الحمام الصغير أو الكبير، ولا أن يجلسوا على ~~الكراسي في ال «تي جاردن» أو أي مكان آخر، أو يستخدموا دورات المياه المخصصة للأعضاء ~~والعضوات ولا المطاعم ولا الملاعب. غرفة المكتبة أصبحت المكان المحدد للفتاة، تبقى داخلها ~~من الثامنة صباحا حتى الرابعة بعد الظهر، الساعات نفسها التي كانت تقضيها في ملجأ الأطفال ~~بفم الخليج، لكن المكتبة نظيفة خالية من البراغيث، تحوطها الرفوف المليئة بالكتب، تطل ~~من النافذة الكبيرة على الأشجار وحديقة الشاي، من خلفها ملاعب الكروكيه، كلمة الكروكيه ~~تنطقها جمالات الكركوبة، تقول إن الكركوبة تلعب الكروكيه، فهي لعبة العجائز غير القادرين ~~على الجري، المسنين والمسنات في مجلس الشورى أو المجالس الأخرى العليا، أغلبهم من الطبقة ~~المستريحة، خطوتهم على الأرض بطيئة، أجسامهم سمينة وأردافهم ثقيلة، من طول الجلوس في ~~المقاعد الوثيرة، يتناقشون في أمور السياسة، بعضهم في حزب الحكومة، بعضهم في حزب اليسار، ~~وبعضهم في الحزب الإسلامي، أصبحت جمالات من لاعبات الكروكيه، تنثني بجسمها السمين فوق الكرة ~~مسافة متر واحد أو نصف متر، تتبعها جمالات بخطوات بطيئة، شامخة رأسها الملفوف بالتيربون ~~الأنيق، يتبعها من خلفها ردفاها الكبيران محشورين داخل السروال الجينز الضيق. # لم يكن يتردد على المكتبة إلا القليل النادر من الأعضاء والعضوات، يتغيب سيادة ms047 ~~اللوا صبحي باشا معظم النهار، مربع الجسم أصلع الرأس يرتدي البدلة الرياضية لونها أصفر ~~فيها خطوط سوداء، يسميها «تريننج سوت» يضع بين شفتيه سيجارا من هافانا، يقول عن نفسه ~~إنه بطل ثورة يوليو وليس عبد الناصر، عنده الوثائق والبراهين، يعرف أسرار النظام التي يشيب ~~لها الولدان، يمنعونه من الكلام في أجهزة الإعلام، كان بطل التنس والاسكواش، وظيفة أمين ~~المكتبة لا تليق بمكانته، لم يقبلها إلا لأنها في النادي العريق، يأتي إليه كل يوم من ~~أجل الرياضة ومقابلة الأصدقاء والصديقات. # لم يكن أمامها إلا القراءة، في تمام الرابعة بعد الظهر تحمل حقيبة يدها الصغيرة، تهبط ~~إلى الدور الأول، تمر على المطبخ في المطعم، لتشرب كوب ماء، يقدمه لها جرسون اسمه محمد، ~~شاب طويل نحيف في عينيه حنان، تسير تحت المظلة الخشبية حيث ترقد السيارات، كالتماسيح ~~النائمة في الظل، ظهورها المقوسة لامعة، تجتاز المساحة الخضراء الكبيرة لملاعب الجولف، ~~كلمة «الجولف» ترن في أذنها غريبة، تحورها جمالات إلى كلمة «جلنف»، تقول الجلنف يلعب ~~الجولف، تعني به رئيسها في الصحافة، كان أبوه ماسح أحذية يجلس أمام باب السيدة، حصل على ~~الابتدائية ودخل الصحافة وهو صبي صغير، يجري في الشوارع بين السيارات يبيع الجرائد، ~~تعرف إلى صبي يعمل شيالا في محطة السكة الحديد، نمت بينهما صداقة، بعد سقوط الملكية ~~تسلل عبر الصداقة إلى الجمهورية، أصبح يحمل لقب رئيس تحرير، كان صديقه قد دخل الجيش وأصبح ~~يحمل لقب الرئيس. # في يوم لمحت «رستم» من ظهره يلعب الجولف، كان واقفا مستعدا لضرب الكرة، ساقاه طويلتان ~~مشدودتان داخل بنطلون أسود، ضرب الكرة بحركة قوية رشيقة، طارت مثل البيضة الصغيرة، حلقت ~~في الجو وهو يتابعها بعينيه حتى هبطت بعيدا بالقرب من نادي الفروسية، انطلق يسير إليها ~~بخطوات واسعة، من خلفه يهرول الصبي يجر العربة الصغيرة، تطل منها المضارب الطويلة ~~النحيفة. وجه الصبي طويل نحيف محروق بالشمس، يشبه الوجوه في ملجأ الأيتام. # أسرعت الفتاة الخطى تخفي وجهها بحقيبة يدها، تخشى أن يلمحها رستم قبل أن تخرج من الباب ~~الخلفي، تسير ms048 بالخطوة السريعة مسافة عشر دقائق حتى كوبري قصر النيل، تتراخى عضلاتها وهي ~~تمشي فوق الكوبري، تتأمل الأمواج الصغيرة المتعاقبة كالأسماك الذهبية تحت الشمس، تقف عند ~~منتصف الكوبري تملأ صدرها بالهواء، تتطلع بالهواء، تتطلع إلى المباني العالية على جانبي ~~النيل، أكثرها ارتفاعا فندق سميراميس إنتركونتننتال، ترفرف الأعلام من حوله، تسير حتى ~~نهاية الكوبري، تنحرف إلى اليمين في شارع الكورنيش، تعود في الطريق ذاته الذي جاءت منه، ~~تخترق حي جاردن سيتي الهادئ إلى شارع قصر العيني الصاخب، تدخل إلى شارع المبتديان ثم إلى ~~زقاق السيدة زينب، كأنما تنتقل من شاطئ إلى شاطئ. # ذات صباح دخل رستم المكتبة، كان يرتدي تريننج سوت رمادية وحذاء كاوتش أديداس، كانت الفتاة ~~مستغرقة في القراءة، رفعت عينيها من فوق الكتاب رأته أمامها واقفا، بشرته ملوحة بالشمس، ~~عيناه يكسوهما بريق القوة والصحة. # تتسع عيناها في دهشة، يسألها عن سبب القطيعة! كان القرار هو قرارهما معا في لقائهما ~~الأخير، كيف ينسى، مشاغله الكثيرة، الانتخابات ومجلس الشورى، الرواية الجديدة التي يكتبها، ~~مشاكله في البيت مع كارمن؟ ~~- إزاي نسيت يا رستم؟ ~~- نسيت إيه؟ ~~- القرار كان قرارنا إحنا الاثنين وبإرادتنا. ~~- وهل الحب يخضع للإرادة يا حبيبتي؟ ~~- يمكن. ~~- إرادة خارج إرادتنا؟ ~~- مش عارفة. ~~- هل فيه إرادة خارج إرادتنا؟ ~~- يمكن. ~~- قصدك قوة إلهية؟ ~~- مش عارفة. # لم يكن رستم يؤمن بوجود الآلهة، لكنه يعتقد أن هناك قوة ما خارج الإنسان، يقول عنها ~~روحية، تسأله الفتاة عن معنى الروح، تشرد عيناه بعيدا، يتنهد طويلا، ويهمس، علمها عند ~~ربي، يكاد يشبه جمالات حين تشرد عيناها في السماء وتقول، الروح لا يعلمها إلا الله، لكن ~~سميح لم يكن مذبذبا، لديه يقين أن لا شيء يتجاوز الإنسان، كارمن مثل سميح تؤمن بالعقل، ~~أما مريم الشاعرة فهي تتساءل دائما لماذا تنتصر إرادة إبليس دائما ولماذا يخرج الشعر ~~الجميل من وحي الشيطان؟ أما الحب فهو مثل الشعر يعلو على الرذيلة والفضيلة، لا يخضع إلا ~~لقانونه الخاص! # كلمات مريم الشاعرة تشجعها على الحياة، تملأها شجاعة الإقدام على كل شيء تحبه، كانت ~~الفتاة ms049 تحب الجلوس على شاطئ النيل تحت ضوء القمر ، تستمع إلى أبيات الشعر وكلمات الحب، ~~تعشق القراءة والسباحة في البحر، لم يكن مسموحا بحسب قانون النادي أن تسبح في حمام ~~«الليدو» أو أي حمام آخر، يسمونه «البيسين»، لم يكن مسموحا أن تجلس على الكراسي في ~~حديقة الشاي، «تي جاردن»، ولا أن تشرب فنجانا من القهوة في أي مكان يجلس فيه الأعضاء ~~والعضوات، كانت تحمل في حقيبتها ساندويتش، إن شعرت بالجوع تلتهمه بسرعة جالسة في المكتبة، ~~مع كوب الماء من المطبخ، أو كوب شاي يحمله الجرسون محمد، بشرته السمراء بلون طمي النيل، ~~أسنانه البيضاء تلمع كإشراقة الشمس في وجهه النحيل، عيناه سوداوان مليئتان بالحنان، تخرج ~~محمد في جامعة القاهرة، كلية الآداب، حصل على الماجستير في الأدب العربي المعاصر، لم يعثر ~~على عمل إلا جرسونا في مطعم النادي، لا يحصل على راتب شهري، يعيش على ما يقدمه الأعضاء ~~والعضوات من «البقشيش»، كلمة يلفظها بطرف لسانه، «بقشيش»، لا يتلقاه إلا الخدم، أراد أن ~~يتحرر من الفقر والمهانة، مزق شهادته الجامعية وألقى بها في صفيحة القمامة. # يختلس محمد بضع لحظات، يقفز السلالم إلى الدور الثاني، يدخل من باب المكتبة مترددا، وجهه ~~مشرق بالابتسامة، يستعير كتابا لمدة يوم أو يومين، يناولها كوب الشاي الساخن، يتبادل معها ~~وهو واقف بضع كلمات، قبل أن يراه أحد من الملاحظين، يطلق عليهم في النادي اسم ~~«الكونترول». ~~••• # ذات يوم رفعت عينيها من فوق الكتاب، رأتها واقفة أمامها متحفزة كالنمرة، أول مرة ~~تراها، رسمت ملامحها في خيالها كما وصفها لها سميح، كانت وحدها بالمكتبة، وقفت صامتة ترمقها ~~بعينين نفاذتين، ساقاها مفتوحتان داخل بنطلون ضيق من جلد النمر، لم تر في حياتها نمرا ~~إلا في الصور، ظلت واقفة ترمقها، من قمة رأسها حتى القدمين، توقفت عيناها عند حذائها ~~القديم المعفر بتراب السيدة زينب، إصبعها أبيض له ظفر أحمر طويل مدبب يشير ~~إليها. ~~- جربوعة زيك تاخد سميح مني أنا؟ # لم تستطع أن تنظر في وجهها المبقع بالمساحيق، بيضاء وحمراء وظلال خضراء على الجفون، خطوط ms050 ~~بالقلم الأسود حول العينين، بياضها جاحظ، صفراوين تشوبهما حمرة، شعرها أصفر منقوش أطرافه ~~حمراء، شفتاها رفيعتان مصبوغتان بالروج، منفرجتان عن أسنان مدببة لامعة، أنفاسها تلهث، ~~صوتها حاد له رنة معدنية: أنت جربوعة! ~~- وانتي مين؟ ~~- أنا ستك وتاج راسك سوزان هانم. # كأنما مشهد كوميدي في المسرح، وهي جالسة في مقعد ضمن المشاهدين، ليس لها علاقة ~~بالمسرحية. # قدمت لها مقعدا لتجلس، ترددت مندهشة ثم جلست بحركة قوية، واضعة ساقها اليمنى فوق ~~اليسرى، قدمها المرفوعة تهتز أمام وجهها بحركة لا إرادية، داخل حذاء أحمر لامع، له بوز ~~مدبب. # تعلقت عيناها بذبذبة القدم، لم ترفع عينيها إلى وجهها المبقع بالمساحيق. ~~- انتي يا ... اسمك إيه؟ # تذكرت صوت المديرة في ملجأ الأطفال، اللهجة نفسها والطريقة وحركة الرأس وملامح الوجه ~~المختفي تحت حجاب من القماش أو طبقة سميكة من المساحيق، تلاقي الأضداد في مشهد واحد، ~~توقفت قدمها عن الاهتزاز حين رأتها تبتسم. منذ التحقت بالمكتبة قررت الانسلاخ عن حياتها ~~القديمة، توقفت عن لقاء سميح ورستم وكارمن، أدركت أنهم ينتمون إلى طبقة أخرى لا تريد ~~الانتماء إليها، ربما عقدة النقص، أو الإحساس بالذنب، أو لأنها اكتشفت عالما جديدا داخل ~~المكتبة، عالم القراءة والكتابة، كأنما عثرت على نفسها الضائعة منها، متعة جديدة تفوق متع ~~الحياة الدنيا، عالم جديد ينفتح أمامها، تسير فيه إلى الأمام لا تنظر إلى الخلف، عالم ~~القراءة والكتابة، كأنما تولد من جديد، من أم أخرى من وطن آخر، شاطئ جديد ترسو عليه بعد ~~الضياع في المحيط. ~~- لازم تقطعي علاقتك بسميح! # رنت كلمة سميح في أذنها فانتبهت، بدت كلمة غريبة بصوتها المعدني كادت تسألها من هو ~~سميح، ثم عادت إليها الذاكرة، رأت وجه أمها وهي طفلة تحبو، كأنما «أمها وسميح» اسم واحد ~~لشيء في الماضي البعيد. # أطرقت طويلا تبتلع الدمعة الحبيسة، أغمضت عينيها كأنما تسقط في النوم، أفاقت على صوت ~~خائر منهزم، أنا غلطت في حق سميح، عرفت قيمته بعد ما فقدته، أرجوك ساعديني لأسترده. # اختنق صوت سوزان، حركت رأسها نحو النافذة وابتلعت الدموع، نهضت واقفة تشد ms051 عضلات جسمها ~~الممشوق، رأسها مرفوع تهزه بقوة، كأنما تنفض عن نفسها لحظة الضعف، خرجت من الباب تدق ~~الأرض بكعب حذائها من دون أن تستدير. # كانت الفتاة تلتقي بها أحيانا وهي تلعب الجولف، تجتاز المساحة الخضراء بسرعة لتخرج من ~~الباب الخلفي، إن لمحتها تهز رأسها بالتحية، تهز سوزان رأسها بحركة سريعة لا إرادية، ~~ثم تنثني بجسمها الرشيق لتضرب الكرة، تتبادلان الابتسام حين تلتقيان وجها لوجه، ذات يوم ~~توقفتا لحظة على وشك الحديث، دون أن تملكا الشجاعة، لم يكن هناك ما تتحدثان عنه إلا ~~سميح، وهو اسم تحاول كل منهما أن تنساه. # رأتها الفتاة مرة جالسة تحت ظل الشجرة، على أطراف ملاعب الجولف، تستريح بعد الجهد، ~~جالسة على الحشيش الأخضر، فوق فوطة النادي البيضاء أطرافها خضراء، محنية على نفسها، جفونها ~~مغلقة، كأنما ناعسة، نهدها الأيمن متهدل تحت قميصها الأبيض، ركبتها اليسرى مرفوعة يستند ~~إليها كوعها، رأسها مطرقة يستند إلى كفها. # بدت وحيدة حزينة، أرادت الفتاة أن تربت على رأسها بحنان، أن تلقي رأسها فوق صدرها وتبكي، ~~ما إن فتحت سوزان جفونها حتى ابتعدت الفتاة لتخرج من الباب الخلفي دون أن تراها. # تمنت الفتاة في يوم أن تحظى بالثقة في نفسها، أن تخطو على الأرض كما يخطو رستم وهو ~~يمشي، يدخل إلى المطعم الصغير فوق هضبة الأهرامات، يشق طريقه بين الموائد الصغيرة ذات ~~المفارش البيضاء، يجلس إلى المائدة عند الحافة العالية المطلة على المدينة، من خلال ~~النافذة تشرد عيناه بعيدا، يحركهما نحو المدخل من حين إلى حين، يتوقع مجيئها كما ~~وعدت. # كانت تفي بالوعد رغم قرار القطيعة، لا يؤدي التباعد إلا لمزيد من التواصل، شحنة من ~~الطاقة في الروح، في الجسد، في العقل ... أو شيء آخر، تتجمع في بؤرة ما داخل الصدر، تضغط ~~على القلب مثل الدم المحبوس، ثم تندفع في لحظة مفاجئة بقوتها الذاتية كالبخار يحرك ~~القطار. تذهب إليه متأخرة عن الموعد، علمتها جمالات بعض فنون النسوة: «الحلوة تتأخر، ~~كلما تأخرت اشتد شوق الرجل إليك، دعيه ينتظرك طول العمر، في أعماق الذكر ms052 تقبع غزيرة ~~الصياد، لا تثيره الفريسة السهلة السقوط .» وتقول جمالات: لا تكوني غبية مثل الحور العين أو ~~حبة العنب في جنة عدن، تسقط وحدها من الشجرة في فم الرجل الصالح، دون أن يبذل أي جهد! ثم ~~تطلق ضحكتها المجلجلة المحملة بالجراثيم مثل الأمراض المعدية، ينتاب الفتاة الضحك رغم ~~إرادتها كالمرض المفاجئ، تضحك معها دون وعي حتى تغرق عيونهما في الدموع. # يملأ رستم كأسيهما بالنبيذ، يملآن صدريهما بهواء الصحراء، تتملكها رغبة جارفة للحديث، ~~يتبادلان الأفكار فيما يقع من أحداث، الحرب في العراق وأفغانستان، المذابح في فلسطين، مآسي ~~المهاجرين والمهاجرات، الفساد والرشوة في جهاز الدولة، الأكاذيب المنشورة، انهيار الأخلاق ~~وزيادة الجرائم تحت اسم الشرف، والانتخابات القادمة في مجلس الشورى. # يتحدثان مثل الصديق والصديق، يبدآن بأحداث السياسة والحرب، ينتهيان بأخبار الفن ~~والأدب، كان يكتب رواية طويلة لا يعرف نهايتها، وهي تكتب روايتها الأولى لا تعرف بدايتها، ~~لا تكاد تذكر من هذه الأحاديث شيئا، إلا ضوء القمر المنعكس على تلال الرمال البعيدة، ~~تشبه موجات البحر الصغيرة، رائحة الصحراء المحملة برائحة النبيذ، مع نكهة كولونيا ما بعد ~~الحلاقة، اللافندر، حين يقرب وجهه من وجهها، قبل أن يقبلها، محفورة هذه اللحظات في ~~ذاكرتها رغم مرور السنين، تعود إليها تقتحم خيالها أكثر من لحظات العناق، والشبق المجنون في ~~الفراش، راحت هذه اللحظات في العدم رغم ما كان فيها من عنفوان، لم يبق في الذاكرة إلا ~~اللمسات الرقيقة، ونكهة النبيذ الخفيفة، وكولونيا اللافندر المتلاشية في الهواء، كأنما هي ~~اللحظات الحقيقية الوحيدة. # تسترجع الفتاة هذه اللحظات وهي على الشاطئ الآخر من البحر الواسع، تحاول الإمساك بها تحت ~~سن القلم، دون جدوى، تكسبها الحروف بريقا على الورق ثم تطفئها كما تنطفئ النجوم في ضوء ~~الشمس، لتولد من جديد من رحم الليل، لتعود تنطفئ. # في غرفتها بشارع المبتديان كانت تنام بين ذراعي سميح فوق السرير الخشبي القديم، يئن ~~تحت جسميهما مع تبادل العناق، يترامى إليهما من خلال الباب المغلق شخير جمالات، خافتا ~~منتظما مثل دقات المنبه بجوار السرير، قبل أذان الفجر ms053 يصحوان على خرير الماء في الحمام، ~~وصوتها يردد أسماء الله وهي تتوضأ، تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، يزحف شبشبها ~~البلاستيك فوق البلاط، تشد سجادة الصلاة من تحت سريرها، تفرشها على الأرض في اتجاه الكعبة ~~في مكة، ينطلق صوت يؤذن لصلاة الفجر، تتبعه آلاف الميكرفونات المعلقة على الجوامع ~~القديمة والجديدة، تدوي في الجو مثل طلقات المدافع. # سميح ينام بعمق لا يؤرقه شيء، تتأمله وهو مغمض العينين، يبدو هادئا وادعا مبتسما في ~~النوم، يحلق في الأحلام، مثل طفل مطمئن إلى وجود أمه وأبيه، مثل ملاك من السماء لا يعرف ~~إلا الخير. # كان رستم مختلفا، تنطوي أعماقه على شيء من الشر، له أعمال نبيلة وله سقطات كبيرة، يمكن ~~أن يكون قاسيا مثل قطعة حجر، ربما كان يشبهها أكثر من سميح ... # في أعماقها قسوة على نفسها والآخرين، يمكن أن تقول لرستم دون أن يطرف لها جفن: «علاقتنا ~~يجب أن تنتهي»، تدرك خطورة ما تموج به أعماقها، تريد تجميد ما بينهما عند العقل، يقول إنه ~~أخطر مما يحدث في الفراش. # كارمن كانت حبه الكبير، تشعر الفتاة نحوها بالحب، يرتعد خيالها لهذه الفكرة وهي معه، ~~جالسة إلى جواره في المطعم فوق الهضبة، عيناها شاردتان بامتداد الصحراء، تقول لنفسها: ما ~~جدوى هذه العلاقة؟ عاملة فقيرة منهوكة القوى بلا شهادات، وأستاذ كبير ينتمي إلى الطبقة ~~الحاكمة، زوجته كاتبة مرموقة من النخبة الرفيعة، تتنبأ الفتاة بوقوع فضيحة، تضج بها ~~المدينة، تتحطم حياته وحياتها، ثم ينتهي الأمر إلى القطيعة، بإرادتهما أو بغير إرادتهما، ~~تعبر الفتاة عما يجول في خاطرها، جالسان يطلان من الحافة الصخرية العالية إلى الهاوية ~~السحيقة، ترقد بيوت القاهرة في القاع المظلم، ترتعش الأنوار الصغيرة المتناثرة، نجوم توشك ~~على الانطفاء. # يحرك عينيه بعيدا عنها، يقول بعد صمت طويل: وهل الأمر باختيارنا؟ صوته تعتريه بحة ~~خشنة، أدمنت أذناها سماع هذه البحة الذكورية، لها وقع خاص يسري في أعماق الجسد، يحرك ~~شيئا مجهولا في أعماق العقل. ~~- لا أنا ولا أنت نملك القوة للاختيار، لأنها خارج إرادتنا، ليست خارج إرادتنا تماما، ms054 ~~بل هي جزء من إرادتنا الكامنة في العقل الباطن. # يدب الصمت بينهما، يسمعان أزيز طائرة في الجو، بوق سيارة من بعيد، يشعل سيجارة بعود ~~كبريت، يتركه مشتعلا، يتأمل اللهب بعينيه الكبيرتين، تنعكس الشعلة الحمراء على المقلتين ~~الزرقاوين، تذوب الحمرة في الزرقة، كما يغرق قرص الشمس عند الغروب في مياه البحر، ويطغى ~~اللون الأسود على عينيه الشاردتين، ينتبه فجأة حين يحرق اللهب أصابعه، يطفئه بنفخة واحدة، ~~تعم الظلمة ولا تكاد الفتاة تراه، فقط تسمع صوته المبحوح: وعدت كارمن مائة مرة، وفي ~~كل مرة أخون الوعد وأعود إليك. # أطرق برأسه طويلا، دب صمت الصحراء في أذنها صفيرا ممدودا، مثل رياح من الرمال تهب ~~من الشرق في الربيع. ~~- وسميح! ما رأيه؟ # كان سميح يقول: هذه أمور لا تنفع فيها الوعود ولا النيات الحسنة، لا يمكن أقف بينك وبين ~~رستم كما تفعل كارمن، ليس لأنها تحب رستم أكثر مما أحبك، وليس لأنني أعقل منها، ~~فهذه الأمور تتجاوز العقل. ~~- أنت يا سميح لا تؤمن بشيء يتجاوز العقل. ~~- أعني العقل الكلي، ويشمل الجسم والروح واللاوعي. ~~- اللاوعي؟ ~~- أعني الذاكرة المنسية الجماعية. # يدور الحوار بينها وبين سميح في الفراش، يتبادلان الكلام بلذة أكبر من تبادل العناق، يقول ~~إنها مصابة بالبرود الحسي رغم رهافة الحس وسخونة العقل، لم تكن علاقتها برستم تؤلمه، بل ~~يراها ضرورية. ~~- أنت من معدن يتجاوز الرغبة في الامتلاك، وعقلك يتسع لأكثر من شخصية أو ثلاثة أو ~~أكثر. # يبتهج عقلها في الحوار معه داخل الفراش الدافئ، تغمرها لذة تفوق الجنس، تعلو فوق الروح، ~~فوق مشاعر الحب والذكورة والأنوثة، لكن هذا الابتهاج يظل ناقصا لا يتجاوز اللحظة ~~الحاضرة، لا يكاد يهبط من رأسها إلى جسدها، تحت ضلوعها تحس شيئا ينخس كالإبرة، تحت الرئة ~~اليسرى، تحت الشريان الذي يغذي القلب بالدم، كأنما دمها مسمم بمرض مزمن، عميق ومجهول، ~~صوت في أعماقها يهمس، سميح لا يحبك، لا يؤلمه أن تقعي في حب رجل آخر. تخبط صدرها بقبضة ~~يدها، تريد أن تصد عنها هذا الصوت، هذا الفحيح الواصل إليها من ms055 الزمن السحيق، وعصر الجواري ~~والعبيد. ~~••• # أناجيل تمسك يدها ، تسيران في شوارع برشلونة، الشمس ساطعة في الربيع، أصوات الآلاف تهتف، ~~جيرانو جيرانو، أساسين أساسين، إيراك بالاستينا، الشوارع تغطيها أجساد النساء والرجال ~~والشباب والأطفال، يحملون اللافتات مكتوب عليها، جيرانو، لا للحرب، جورج بوش أساسين، توني ~~بلير وشارون وأزنار، أساسين! # بدأت المظاهرة في الساحة الكبيرة عند فونتانيلا في شارع لوتانا، سارت إلى قلب المدينة، ~~تلتحم بها مظاهرات قادمة من جميع الشوارع والميادين، يذوب جسدها في الأجساد، صوتها المشروخ ~~تخنقه الدموع، تختلط الكلمات العربية بالكتالانية، والضحك بالبكاء، تبكي على نفسها المفقودة ~~ووطنها الضائع، ويغمرها الحزن والفرح في آن واحد، جيرانو جيرانو، إيراك بالاستينا، يهتفون ~~للعراق وفلسطين، رغم أنهم على الشاطئ الآخر في الشمال، من أجناس أخرى وأديان أخرى وألوان ~~أخرى، لا يفرقهم شيء، ملايين الأجسام مثل أمواج البحر، ترتفع وتتلاقى في موجة واحدة تنطح ~~السماء، طائرات هيلوكوبتر تحلق في الجو، ترقب المظاهرة بالعيون البوليسية، يتلاشى ~~أزيزها الحديدي في هدير الأمواج البشرية ... جيرانو جيرانو، أساسين أساسين! # كانت الشمس عمودية ثم انكسرت ومالت نحو الغروب، جفت حلوقهم والتهبت أقدامهم من المشي، ~~قالت أناجيل، ما رأيك نستريح ونأكل ساندويتش؟ # كان المقهى يواجه مبنى البرلمان، طلبت الفتاة فنجان شاي بالنعناع مع ساندويتش بيض وجبنة. ~~طلبت أناجيل قهوة باللبن مع ساندويتش جانبوه، بينما هما تأكلان سألتها أناجيل: هل رأيت ~~البرلمان؟ ~~- لا. ~~- هل عندكم برلمان؟ ~~- أيوه، لكن ... # لم تكمل الفتاة العبارة، أرادت أن تقول: لكن البرلمان عندنا يختلف عن البرلمان عندكم، ~~الانتخابات عندكم لا يمكن تزويرها، استطعتم في الانتخابات الأخيرة إسقاط أزنار. ~~- نجح زباتيرو وقرر سحب جنودنا من العراق، كان أزنار مثل جورج بوش وتوني بلير، ~~أساسين. ~~- أساسين يعني سفاحين. ~~- زباتيرو اسم أمه. ~~- عندكم انتخابات حقيقية وبرلمان حقيقي، لكن ... # أطبقت الفتاة شفتيها، عادت إليها صورة المبنى في شارع مجلس الأمة، ومن خلفه المبنى ~~الآخر يحمل اسم مجلس الشورى، رأت رستم خارجا من المبنى يمشي على مهل، شاردا بعينيه، بين ~~أصابعه السبحة، حبات السبحة الصفراء ناعمة، تشبه السبحة في يد جمالات، ms056 وقد دخلت جمالات ~~أيضا مجلس الشورى، كما دخلت النادي الرياضي، أصبحت من الأعضاء والعضوات. # توقفت الفتاة أمام البرلمان لحظة دون أن تدخل، المبنى أبيض له أعمدة على الطراز ~~الكتالاني، أمامه بحيرة صغيرة زهورها وأوراقها الخضراء طافية فوق سطح الماء كالأسماك ~~الميتة، وسط البحيرة تمثال من الحجر لامرأة جالسة، محنية على نفسها بحركة منكسرة، جسدها ~~العاري يلمع تحت رذاذ المطر، رأسها مدفون في صدرها بين ذراعيها الممدودتين إلى الأمام، ~~ركبتها اليمنى ترتكز فوق الأرض، ركبتها اليسرى مرفوعة تحاول أن تخفي بها شعر العانة أسفل ~~البطن، نهدها الأيسر يختفي، والنهد الأيمن يطل من تحت ذراعها على استحياء، عنوان التمثال ~~محفور على القاعدة الحجرية بحروف كاتالانية، دسكونسول ~~( # Desconsol ~~) وتعني «الحزن»، إنه أحد تماثيل الفنان ~~جوزيف ليمونا ( # Joseph Limona ~~) نحته عام 1903، منذ قرن ~~كامل. # توقفت الفتاة أمام المرأة المحنية، تذكرت سوزان وهي جالسة تحت الشجرة في النادي، محنية ~~على نفسها في هذه الجلسة الحزينة، أدركت لأول مرة أن حبها لسميح كان أكبر من حبها له، ~~كانت تفتقده أكثر منها، كانت تستحقه أكثر منها، تذكرت سميح بعد أن أعد الحقيبة، ظل ~~واقفا عند الباب، لم ترفع وجهها إليه، تركته يمضي دون عناق، دون كلمة وداع أخيرة، كانت ~~تخشى أن تنظر إليه، إن التقت عيونهما ربما يغلق الباب ويعود، فالحب الكبير يبقى محفورا في ~~شغاف القلب، كالجرح العميق الغائر في الجسد. # في المستشفى النفسي كانت كارمن غاضبة من الأطباء، تقول بصوت خائر: هؤلاء الأغبياء يفرضون ~~علي ابتلاع حبوب السعادة، يمنعوني من منبع سعادتي، سعادتي الوحيدة تنبع من الكتابة، يشرب ~~الناس النبيذ بحثا عن السعادة وأنا أرشفه ليغمرني الحزن، لا شيء ينقصني بعد أن عاد رستم ~~إلي، لكن جروح القلب لا تلتئم مثل جروح الجسد، إنها غائرة تحت الدماغ، فيما وراء العقل، ~~ربما هي جروح الروح. # ترن كلمة «الروح» في رأس الفتاة مثل حجر يلقى في بحيرة، يحدث الدوائر بلا عدد، ~~الكبيرة داخلها دوائر صغيرة، وهذه داخلها دوائر أصغر، والكبيرة من حولها دوائر أكبر، لا ~~نهائية، تدور ms057 الدوائر حول بؤرة عميقة في الوسط مثل دوامة البحر، ويدق السؤال في رأسها ~~الدائر بسكرة النبيذ الأحمر، وما هي الروح يا كارمن؟ السؤال المزمن منذ الأزل. ~~••• # سميح كانت تجري في عروقه دماء مختلطة، أبوه كان مؤمنا بالله والرسول، أمه كانت تؤمن ~~بالثالوث - الأب والابن والروح القدس - يحق للرجال المسلم أن يتزوج أي امرأة بشرط أن ~~تكون من أهل الكتاب. # يمشي سميح بخطوة هادئة ثابتة، يعرف بالضبط أين يضع قدمه، ملامح وجهه عاقلة موزونة، يؤمن ~~بالعلم والبرهان، والتجربة والاستنتاج، والخطأ والصواب، عيناه خضراوان بلون الزرع في حقول ~~دلتا النيل، فيهما سكون أو حركة خفيفة مع نسمة الهواء، تلمع تحت الضوء حين تسطع ~~الشمس. # جمالات كانت تقول ملامحه علمية ... عقلانية خالية من العواطف، تسميه «البروفيسور»، تؤكد ~~للفتاة أنه انجذب إليها بالعقل وحده، ترمقها من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، تمط بوزها ~~الأحمر، عيناها المكحلتان تضيقان تبحثان في كيانها عن شيء مما تسميه الأنوثة تضرب كفا ~~بكف ... لله في خلقه شئون. مقاييس جمالها لا تنطبق على الفتاة، تراها نحيفة جلدة على عضمة، ~~سمراء زرقاء مثل الأقباط ... تقول عنهم كفرة، عضمة زرقاء. صوتها مبحوح فيه شرخة ذكورية، ليس ~~لها ثديان بارزان، ولا ردفان مثل ردفيها المكورين يرتجان بالأنوثة في كل خطوة. # أول مرة زارها سميح رمقته جمالات من باب غرفتها الموارب، بعد أن خرج سألته: مسلم ولا ~~قبطي؟ ~~- لا كدة ولا كدة. ~~- يا خبر أسود! يهودي؟ ~~- لأ. ~~- بوذي ولا هندوكي؟ ~~- لا كدة ولا كدة. ~~- يا مصيبتي ... يا خرابي؟ # لم تتصور جمالات أن واحدا من البشر يمكن أن يعيش من دون هوية دينية، فما بال أن ~~يكون من سكان القاهرة، مدينة الألف مئذنة، التي توالدت لتصبح مليونا وأكثر. # ثلاثون عاما تغيرت فيها المدينة والناس، لم تكن جمالات ترتدي الحجاب في الستينيات، ~~كانت تصفف شعرها عند الكوافير، ترفع صوتها بكلمات الاشتراكية وتذويب الفوارق بين الطبقات، ~~تردد عبارات الاتحاد الاشتراكي، تخرج طرف لسانها وتقول يعني واللا ... وما إلى ذلك، ثم ~~انقلبت في يوم وليلة مع المنقلبين في ms058 عصر الرئيس المؤمن، أصبحت من الداعين إلى الإسلام ~~والانفتاح، والتعددية والعلم والإيمان، تسافر في موسم الحج لتزور قبر الرسول والسوق ~~الحرة، تعود محملة بالبضائع المستوردة والأحجبة والمسابح والمباخر، وملابس أنثوية داخلية ~~من القماش الشفاف المشغول بالدانتيلا، وأشرطة فيديو من الممنوعات ... وفي موسم الانتخابات ~~تحمل المنشورات عن تاريخها المجيد، وأخيها الشهيد، توزعها على الناخبين والناخبات، مع ~~إمساكية شهر رمضان. وبعد حادث المنصة والاغتيال تبرأت من الطاغوت القديم، انزلقت مثل ~~الصابونة الناعمة إلى الحزب الجديد، يحمل اسم القومي الوطني العروبي الإسلامي المعتدل، يؤمن ~~أعضاؤه بالواقعية والشراكة في كل شيء إلا الشرك بالله، حزب حكومي ونصف حكومي، ومعارض شرعي ~~... يقولون في الانتخابات «نعم»، وفي أجهزة الإعلام والصحف يقولون «لا»، يعارضون الجميع إلا ~~الله والرئيس، أغدق الله عليهم النعم، لا أحد يحاسب أحدا، فالمال مال الله، والله يعطي من ~~يشاء بغير حساب! # لم تكن جمالات من المقربين إلى الله، رغم صلاتها كل يوم وحجابها السميك. لم تنل جمالات ~~من متاع الدنيا إلا الباب الأسبوعي في الجريدة، وراتبا شهريا من المجلس، ومكافأة رمزية ~~من اللجنة الدائمة. تمط شفتيها الحمراوين وهي تتمتم، ولا داوم إلا الله سبحانه ~~وتعالى. # سميح كان يملك دار النشر في مصر الجديدة، ورثها مع البيت في جاردن سيتي، شغلته أعماله ~~الطباعة والنشر والتوزيع عن حلم حياته، كان يرى نفسه في الحلم روائيا مثل تولوستوي أو ~~دوستوفيسكي، يؤرقه الحلم في الليل، في النهار يؤلمه العمل، ورثه عن أبيه وجده، كالسلسلة ~~الحديدية تربطه بالماضي، يلقي بنفسه في خضم «البيزنس» وتجارة الكتب، يكره الحسابات ~~والأرقام ومقادير الربح والخسارة، يخسر أكثر مما يكسب، يزداد وجهه نحولا وشحوبا، كأنما ~~ينزف الدم من القلب وهو جالس في مكتبه. # كان يزور الفتاة في غرفتها بزقاق السيدة، يبدو غريبا عن المكان بحذائه النظيف اللامع ~~والبدلة المكوية، يميل إلى الألوان الزرقاء الفاتحة أو الرمادية الهادئة، تزوره في دار ~~النشر أحيانا، تراه جالسا وراء مكتبه الكبير بجسمه الناحل ووجهه الشاحب، كالحبيس داخل ~~الجدران، غارق في الأوراق، حوله رفوف الكتب من الأرض حتى ms059 السقف، يرفع وجهه ويراها، ينهض ~~مبتسما، قامته صلبة، ظهره مستقيم، يصافحها برقة تنم عن قوة الإرادة، نظرته مباشرة ليس ~~فيها التواء، تجمعه بالعاملين معه صداقة حميمة كأنهم زملاء. # في الصالة الكبيرة كانت تعقد الندوات، عن الكتب والروايات، يشارك فيها الكثيرون، رجال ~~ونساء، منهم رستم وكارمن، تراهما جالسين وسط الجمهور، رأسه إلى جوار رأسها، يدخلان معا ~~ويخرجان معا ذراعه تحوط خصرها، جاء وحده ذات يوم، كانت الندوة عن رواية «بيت الأشباح» ~~لإيزابيل أليندي، أدار الحوار ناقد معروف، قال إنها رواية من الأدب النسائي، لا تغوص في صلب ~~المشاكل الإنسانية، وتضيع في التفاصيل النسوية الصغيرة. # كان سميح قد أعطاها الرواية من قبل، عاشت الفتاة مع الرواية عددا من الليالي والأيام، ~~قرأتها جمالات ومريم الشاعرة، تجتمع الصديقات الثلاثة في السفينة على شاطئ النيل، يتحدثن ~~عن الرواية، قالت مريم إنها رواية جميلة، لم تقرأ رواية مثلها منذ سنين طويلة، قالت جمالات ~~إنها رواية هابطة، تتعارض مع ثوابت الدين والأخلاق، أما الفتاة فقد قرأت الرواية أكثر من ~~مرة، توقفت عند بعض الأجزاء لتعيد القراءة، لتستعيد المعنى وراء الكلمة، تحت السطر، أو ما ~~بين السطر والسطر، ثم قرأت عن حياة المؤلفة إيزابيل أليندي، من شيلي في أمريكا ~~اللاتينية. # كان الناقد الكبير جالسا فوق المنصة، قصيرا سمينا أبيض البشرة، تلمع صلعته الحمراء تحت ~~الضوء، ربطة عنقه فاقعة الألوان، يخرج طرف لسانه ويقول: رواية نسوية فيمنيست. # رفعت الفتاة إصبعها وأخذت الكلمة، عارضت الناقد الكبير، لم تكن المعارضة مألوفة إلا بين ~~الكبار من النخبة، رمقها بنظرة جاحظة من وراء النظارة السميكة، لم تكن هيئتها تنم عن ~~الانتماء إلى النخبة، فتاة مجهولة الاسم شاحبة الوجه ... شوح بيده كأنما يطرد عن وجهه ~~ذبابة. # غمرها العرق والإحساس بالمهانة، كأنما تلقت صفعة على وجهها، أصبحت تجري كأنما ~~تطاردها الأشباح، توقفت عند نهاية شارع الحرية، كان هناك مقهى صغير يبيع الساندويتشات، جلست ~~تسترد أنفاسها، من خلال الزجاج كانت ترى الشارع، وأشعة الشمس الغاربة من وراء المباني، ~~بيوت مصر الجديدة لها أعمدة حجرية تشبه البواكي ms060 القديمة، شرفتها كبيرة، نوافذها واسعة ~~تتدلى فوقها الستائر، من خلفها يتحرك أفراد الأسرة السعيدة، آباء وأمهات وأطفال يضحكون، ~~أولاد وبنات، أمامهم فوق المائدة صحون الطعام، يتصاعد البخار في الجو ومعه الضحكات. # تطرق الفتاة في الحزن، خيالها يئن بالألم، ليس لها أسرة، لم تكن لها طفولة، لم تأكل ~~شيئا منذ الصباح، جاء الجرسون، على وجهه ابتسامة حانية كالأم، يسألها ماذا تطلب، اختنق ~~صوتها بدموع حبيسة. ~~- ساندويتش جبنة بيضة وزيتون أخضر، وكوباية شاي من فضلك. # وهي ترشف الشاي رأت من خلال الزجاج سيارة مرسيدس تتوقف عند الرصيف، هبط رستم من بابها ~~الأمامي، تركه مفتوحا، اتجه إلى باب المقهى بخطوات واسعة سريعة، وقف أمامها متكئا ~~بيده فوق المنضدة، صوته متحشرج مبحوح قليلا: كلامك أعجبني جدا، الرواية مدهشة ... والناقد ~~ده معروف إنه مالوش في الأدب، خصوصا الأدب النسائي! # كان بين أسنانها زيتونة خضراء، سقطت من فمها قبل أن ترد، تدحرجت الزيتونة فوق المنضدة ~~حتى لامست يده، التقطها بإصبعين وقذف بها في فمه وهو يضحك: باحب الزيتون الأخضر أوي. ~~••• # أنا سايب العربية دايرة، هاتي الساندويتش والزيتون وتعالي معايا أعرفك بكارمن مراتي، ~~وسميح جاي بعد ما يخلص الشغل. ~~••• # جلست الفتاة في المقعد الأمامي إلى جواره، تحركت المرسيدس في نعومة مثل سفينة بيضاء ~~تنزلق على الماء، موسيقى خافتة تنبعث من مكان ما، استرخى جسمها المرهق داخل المقعد المريح، ~~زجاج النافذة عن يمينها مزدوج متين، يحجب عنها الضجيج، تبدو القاهرة في الخارج كالبحر ~~المتلاطم الأمواج، زحام البشر والسيارات والدراجات والموتوسكلات، تموج المدينة بالحركة ~~تراها دون أن تسمعها، كالصور المتحركة في فيلم قديم، قبل أن تصبح السينما ناطقة. عن ~~يسارها ترى وجهه من الجانب، «البروفيل»، جبهته عريضة ملوحة بالشمس، عظمة الأنف قوية مملوءة ~~بالثقة، شفتاه مطبقتان في استغراق، عيناه شاخصتان إلى الطريق فيما يشبه الشرود، جذور الشعر ~~في وجهه نابتة لم يحلق منذ أيام. # يتبادلان الكلمات القليلة من حين إلى حين، يتابع أدب أمريكا اللاتينية، الرجال منهم ~~والنساء يعتبر إيزابيل أليندي في مستوى جابرييل جارسيا ماركيز، تستحق جائزة نوبل، ms061 لو أن ~~هناك عدالة. # فجأة رأتها تمشي في الشارع، جمالات، قبل أن تنحرف السيارة يمينا في شارع قصر العيني إلى ~~جاردن سيتي، كانت خارجة من محل البقالة على الناصية، يتدلى من يديها كيسان كبيران من ~~البلاستيك الأسود، رأسها ملفوف بطرحة بيضاء، ظهرت صورتها أمامها فجأة كأنما تخرج من بطن ~~الأرض حيث كانت تعيش معها في الماضي السحيق. # توقفت السيارة أمام فيلا بيضاء اللون تطل على كورنيش النيل، باب الحديقة الحديدي ~~تتدلى فوقه فروع شجرة البوجانفيليا الحمراء دم الغزال، رائحة الياسمين والفل، والممر ~~الطويل حتى باب البيت، في المدخل بهو له أعمدة حجرية منقوشة، تتدلى من السقف نجفة كبيرة ~~لمباتها الصغيرة كثيرة كالنجوم، فوق الجدران لوحات وصور داخل براويز ذهبية، صالة صغيرة تقود ~~إلى صالة كبيرة، ثم صالة أخرى بها المائدة، الشموع فوقها مضاءة، سفرجي أسود الوجه بلون ~~الليل، ثوبه أبيض كالثلج، حزامه أحمر من القطيفة، يرص الكئوس البلورية والملاعق والشوك ~~والسكاكين الفضية. # كانت كارمن، في غرفة المكتبة، ممدودة فوق الأريكة الجلدية تقرأ، من حولها صفوف الكتب ~~تطل من وراء الزجاج تتصاعد حتى السقف، سجادة عجمية مزركشة من الصفوف الناعم تلين تحت ~~حذائها. # نهضت كارمن بحركة بطيئة تتمطى، بدت طويلة القامة ممشوقة أنيقة نضرة مستريحة، الفتاة ~~منكمشة داخل ثوبها القديم وحذائها المعفر بالتراب وحقيبتها الباهتة تفوح منها رائحة الزيتون ~~المخلل وساندويتش الجبنة. # غمرها شعور بالخزي، كارمن صافحتها على نحو طبيعي، فتح رستم زجاجة النبيذ، تصاعدت رائحة ~~الشواء من غرفة الطعام، أصابها حزن يشبه الحنين إلى جو الأسرة الحميمة داخل بيت من ~~الطمأنينة. # جلست كارمن على رأس المائدة، عن يمينها جلس رستم، والفتاة عن يسارها، بدت كارمن رب البيت، ~~بدا رستم إلى جوارها منطفئا، وأكثر شرودا. # دار الحديث حول الندوة ورواية إيزابيل أليندي، والناقد المعروف. ضحكت كارمن، وقالت مالوش ~~في الأدب، ثم سألتها، هل أنت من الكاتبات الشابات الجديدات؟ هزت رأسها علامة ~~النفي. ~~- أنا مش كاتبة يا أستاذة. ~~- أرجوك بلاش أستاذة دي. ~~- أنا مش كاتبة. ~~- ناقدة؟ ~~- ولا ناقدة. ~~- أمال إيه؟ ~~- ولا حاجة. ms062 # تأملتها كارمن طويلا بعينيها الكبيرتين، من القدمين إلى الرأس، نظرتها تكاد تشبه ~~جمالات، حين تفتش بعينيها في جسمها عن شيء يجذب العين، لم تجد شيئا ذا بال، فانسحبت ~~نظرتها إلى زوجها، كأنما تراه لأول مرة، تفحصه جيدا بعينيها البراقتين، توقفت نظرتها ~~عند ربطة العنق الزاهية الألوان، مربوطة بعناية شديدة، لا يربطها بهذا الاهتمام إلا في ~~مناسبات معينة، في موسم الانتخابات وموسم الربيع حين تتفتح الزهور ويخفق الشيء تحت ~~الضلوع. # هبطت عيناها إلى صدره داخل القميص الحريري، وبطنه المشدود بالحزام الجلدي له مقبض فضي ~~مغلق، وأزرار البنطلون الأربعة مغلقة، أصبح زوجها مثل الكتاب المفتوح تحت عينيها، تقرأ ~~الشيء في عينيه قبل حدوثه، تعرف متى ينسى إغلاق الزر الرابع في البنطلون، يحدث ذلك حين يشرد ~~طويلا في قصة حب جديدة، أو بسبب ضيق الوقت أيام الانتخابات مع ضيق المرحاض في بيوت ~~الناخبين والناخبات. # كان رستم جالسا في استرخاء، يرشف النبيذ على مهل، فاتحا ساقيه، وكارمن عيناها ثابتتان ~~فوق الشيء تحت البنطلون المشدود، ترمقه بنظرتها الفاحصة، مع خيالها الأدبي، تكشف بوضوح عن ~~أسراره الخفية. # انتبه رستم من شروده على كارمن تقول: أنت روائي كبير، موهبتك الأدبية نادرة، لكنك لا ~~تعرف بها، وتضيعها في الانتخابات والعلاقات. ضحكت بعد أن أفرغت الكأس في جوفها، خصوصا ~~النساء، لا أقول إنك زير نساء، على الإطلاق. ثم تحركت عيناها نحو الفتاة تخاطبها، رستم ~~إنسان يحترم المرأة ولا يمكن أن يسيء إليها أو يسبب لها أي ألم. # أطبقت الفتاة شفتيها في صمت طويل، لم تسمع فيه إلا احتكاك السكين بالصحن الصيني في ~~يد كارمن وهي تقطع من اللحم المشوي قطعة صغيرة، أمسكتها بأسنان الشوكة دون أن تقربها من ~~فمها، أصابعها الرشيقة تهتز قليلا والشوكة معلقة في الهواء، تقول بصوت خافت كأنما ~~تكلم نفسها، رستم إنسان رقيق حساس، ثم قذفت بقطعة الشواء في فمها. ~~••• # جمالات في شقة السيدة لا يفوتها شيء، مثل رجال المباحث، تعرف عن حياة الفتاة أكثر مما ~~هي تعرف، تبدو جمالات مخيفة بعد أن تغسل وجهها من ms063 المساحيق، يصبح وجهها أبيض مفلطح مثل بطن ~~قدمها، يختفي الحاجبان تماما والرموش والعينان والشفتان، الملامح كلها تختفي على نحو غريب، ~~شعر رأسها بعد أن تخلع الحجاب يبدو خفيفا منقوشا مصبوغا بالحنة الحمراء، تغسله بالشامبو ~~مرة واحدة في الأسبوع، ليلة الجمعة المفترجة، يتساقط شعرها مع رغوة الصابون ويسد بالوعة ~~الحمام، تتركها مسدودة حتى تسلكها الفتاة وهي تلعنها، الله يلعن حجابك يا جمالات، ما له ~~الحجاب يا سافرة يا كافرة! الحجاب سبب سقوط شعرك لأنه بيمنع عنه الشمس والهواء، فين ~~الهواء ده؟ قصدك التراب والقرف والزفت وخطب الطاغوت، اسكتي يا جمالات الحيطان لها ودان، ~~ودان إيه يا عزيزتي، إنشالله يكون لها أنياب هيعملوا فينا أكثر من كده إيه؟ # تضحك جمالات بصوتها العالي المرح، تبدو سعيدة لا تعرف الاكتئاب، إلا لحظات قليلة تغرق ~~عيناها في حزن مفاجئ وهي ترسمها بالقلم الأسود، أو حين تحلق ذراعيها وساقيها بالموسى، أو ~~حين تمسك طرفي الفتلة لتنزع الشعر عن حاجبيها، تتقلص عضلات وجهها بالألم، تتذكر أمها التي ~~حرقت نفسها في الحمام، تتنهد بعمق وتشير بإصبعها إلى رأسها، المرحومة أمي طار عقلها لما ~~أبويا اتجوز عليها، كان راجل مؤمن صالح، ربنا حلل له الجواز بأربعة، أمي اعتبرتها خيانة ~~عظمى، أستغفر الله العظيم يا رب، كفرت أمي وحرقت نفسها بالجاز، أبويا مات بعدها بأسبوع واحد ~~من الحزن. # تقهقه بالضحك حتى تدمع عيناها، يتهدج صوتها في نشيج يرتج له جسمها الممتلئ، تتقطع ~~أنفاسها يخرج صوتها مشروخا، أبويا لم يخلص لأمي إلا بعد ما ماتت، الله يرحمه ويحسن ~~إليه ... يا رب! # جمالات تأخذ من الفتاة نصف راتبها ثمن إيجار الغرفة، تضيف مصاريف الكهرباء والماء والغاز، ~~لا يبقى للفتاة إلا ما يكفي الوجبات الثلاث، في الفطور فنجان الشاي مع نصف رغيف بالجبنة ~~البيضاء، في الغداء نصف رغيف بالبيض والزيتون الأخضر بدون فنجان شاي، أو مع كوب شاي يحمله ~~إليها محمد جرسون النادي، في العشاء رغيف كامل محشو بالفول المدمس أو الطعمية، تعرفت ~~جمالات على كل من تعرفهم الفتاة، لها طريقتها في الدخول ms064 إلى عمق حياتها، تتشمم علاقات ~~الحب قبل أن تقع، تدخل غرفتها تدس أنفها في وسادتها وتقول: سميح كان عندك إمبارح؟ # لديها حاسة شم قوية، يهتز الشعر الأسود في فتحة أنفها الغليظ الأفطس، يكاد يشبه أنوف ~~الكلاب البوليسية، تقرأ سورة يس فوق سريرها لتطرد عنه الشياطين غير المسلمة، تقول إن ~~شيطانها مسلم مثل شيطان النبي عليه الصلاة والسلام، وتردد الحديث النبوي الشريف، تنظر في ~~حقيبة الفتاة، تسألها إن كان معها ورقة بعشرة أو عشرين جنيه، حين لا تجد شيئا تمصمص ~~شفتيها، يعني مش عارفة تاخدي حاجة من سميح أو رستم، قصدي سلفة قابلة للسداد مثل قروض البنك ~~الدولي، أو منحة لا ترد مثل المعونة الأمريكية! تطلق ضحكتها المرحة الصاخبة، كانت الفتاة ~~تغضب وتطردها أحيانا من الغرفة، ثم تعودت على طريقها في المزاح، تقول جمالات عنه مزاح ~~إسلامي بريء، على غرار الذبح على الطريقة الإسلامية، تذبح الفرخة في حوض المطبخ وهي تقرأ ~~شهادة ألا إله إلا الله، تفصل رأسها عن عنقها من دون أن يطرق لها جفن، تضعها في الماء ~~المغلي، تنتف ريشها بأصابع ثابتة قوية كما تنتف حاجبيها وشعرات الشنب فوق شفتها ~~العليا. # كانت جمالات تتقبل الهدايا من أصدقائها الرجال، أو قروضا طويلة الأجل. تقول: النبي قبل ~~الهدية يا عزيزتي. أراد سميح أن تترك الفتاة الغرفة وتعيش معه في شقته بجاردن سيتي، التي ~~تطل على كورنيش النيل، واسعة من سبع غرف وثلاثة حمامات، يسكن فيها وحده بعد انفصاله عن ~~صديقته سوزان، كانت رسامة تشكيلية أقامت عروضا داخل الوطن وخارجه، جدها الأكبر كان من ~~البشوات في العصر الملكي، يملك الأراضي والعقارات، أقيمت عليه الحراسة في العصر الجمهوري، ~~آلت أملاكه إلى مؤسسة الرئاسة، مات بانفجار في المخ. عاش أبوها وأمها في الفقر، تمردت ~~سوزان في الطفولة عن طريق الرسم، لمع اسمها وهي طالبة في معهد الفنون الجميلة، تعرف عليها ~~سميح في أحد المعارض الفنية، جذبها إلى دار النشر لترسم أغلفة الكتب، وجذبته إلى الفراش في ~~شقتها في حي المهندسين، أصبحت تنتمي إلى الطبقة ms065 العليا، تسبح في الحفلات والمهرجانات ~~الثقافية، في عروقها تجري دماء البشوات ، اشتهر اسمها في المجتمع الراقي باسم سوزي ~~هانم. # كانت سوزي مثل سميح لا تؤمن بقانون الزواج، تقول عنه قانون متخلف من بقايا العبودية، ~~جمعهما الحب دون ورقة، بدأ ساخنا ملتهبا وانتهى باردا متجمدا، وأصبح كل منهما يتطلع ~~إلى شيء جديد، أو خفقة ما تحت الضلوع. ~~••• # أشارت جمالات بإصبعها إلى ثديها الأيسر، فوق القلب مباشرة، وقالت، هنا الألم ينخس مثل ~~الإبرة، تصورت الفتاة أن الأمر يتعلق بحب جديد، لكن الطبيب قرر دخولها المستشفى، ~~لعمل الفحوصات والأشعات، هناك ورم ينمو في ثديها، من النوع الخبيث، أصبحت جمالات تبكي ليل ~~نهار، تخفف عنها الفتاة وتقول، الله سبحانه وتعالى أعلم من الأطباء يا جمالات، وهو على ~~كل شيء قدير، يقول للشيء كن فيكون، وأنت مؤمنة ومحجبة تواظبين على الصلاة والصيام، ~~لن يخذلك الله يا جمالات وسوف يقول للورم كن حميدا فيكون. # تجفف دموعها، تبتسم في إعياء، تهمس بصوت خائر، كلامك يعيد إلي الثقة بالله، فقدت ~~الثقة فيه، إزاي يبتليني بالمرض ده؟ إن كان امتحان يا رب يبقى امتحان صعب، أصعب من الثانوية ~~العامة، أنا ساقطة في الثانوية، كنت بكره المدرسة كره العمى، كرهت القراية والكتابة طول ~~عمري، كنت طايشة وعملت ذنوب كثيرة، وأنت يا رب غفور رحيم، بتغفر الذنوب جميعا إلا أن ~~يشرك بك، وأنا يا رب لم أشرك بك، ليه تعاقبني بالشكل ده؟ يعني كنت بتضحك علي يا رب، ~~أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، يظهر إني كفرت يا إله العالمين يا أرحم الراحمين، ~~اغفر لي يا رب وابعد عني الشيطان والمرض الخبيث. # خرجت جمالات من المستشفى بعد أيام قليلة، كأنما ولدت من جديد، كانت الفتاة في غرفتها ~~تقرأ حين سمعت باب الشقة يفتح، رأت جمالات أمامها مشرقة بالفرح، حوطتها بذراعيها وهي ~~تشهق! ~~- ربنا كبير سمع دعوتي، والورم طلع حميد والحمد لله. # راحت الفرحة بعد دقائق قليلة. ~~- دفعت للمستشفى ألف جنيه وباقي ألف جنيه. ألفين جنيه يا رب على شوية تحاليل ms066 فاضية؟ وأجيب ~~الألف التانية منين يا رب؟ ~~- ربنا كريم يا جمالات . ~~- أيوه ربنا كريم في كل حاجة إلا الفلوس يا عزيزتي! ~~- أستغفر الله العظيم. ~~- بلاش كلام كثير، السماء لا يمكن تمطر جنيهات، روحي لسميح والا رستم وهاتي سلفة بألف ~~جنيه. ~~- أنا عمري ما استلفت فلوس من حد، أنا أفضل الجوع عن إني أستلف من حد خصوصا سميح أو ~~رستم. ~~- السلف مش حرام ربنا حلل الاقتراض! # لم تكف جمالات عن الإلحاح، حتى طلبت الفتاة الألف جنيه من سميح، كان سميح أقرب إليها، ~~وعلاقتها برستم لا تزال متأججة بمشاعر الحب المتناقضة، ما بين الإقبال والإدبار، والقطيعة ~~والوصال، وتضخم الكرامة مع انكماش الإرادة، محاولة التحرر والاستغناء مع الخضوع ~~والاستسلام للرغبة، وموجات التقلب بين الألم واللذة، والعار والإثم. # علاقتها بسميح هادئة باردة، خالية من المشاعر الجياشة، كالعلاقة الزوجية الناجحة ~~المستقرة، ناولها سميح الألف جنيه على نحو عادي، كأنما هو أمر طبيعي، لم تفتح المظروف، ~~أخفته كالعورة، ما إن وصلت البيت حتى تخلصت منه، فتحت جمالات المظروف بأصابع قوية ثابتة، ~~عدت الجنيهات الألف لا تنقص شيئا، ثم دستها في حقيبة يدها وهي تصيح: يا ريتني طلبت ألف ~~وخمسمية! ~~••• # الفيلا في جاردن سيتي كانت تمتلئ بالزوار والضيوف، تتلألأ الأنوار في الصالة داخل الصالة، ~~تتألق الوجوه بالسعادة، تتصاعد الضحكات مع دوائر الدخان والقفشات المضحكة والأصوات الناعمة ~~مع نكهة الياسمين والعطور الأنثوية وماء الكولونيا، تسبح كارمن في الجو كالسمكة الفضية ~~تجيد السباحة، رستم يرشف النبيذ شاردا كعادته، سميح ينهمك في الحديث في أحد الأركان، ~~جمالات ومريم الشاعرة تقفان في الشرفة تطلان على النيل وتتهامسان، الفتاة جالسة وحدها ~~كعادتها تشعر بالغربة، تتمشى أمام المكتبة الكبيرة، تتطلع إلى صفوف الكتب، تنشغل بقراءة ~~العناوين، يأتي رستم يتمشى إلى جوارها، كأس النبيذ في يده اليسرى، والسيجار بين شفتيه: ~~هربانة دايما كده؟ # يخاطبها دون أن ينظر ناحيتها، وهو ينفث الدخان، عيناه تدوران على الكتب، تتوقفان أمام ~~عنوان، يشد الكتاب ويناوله لها، الرواية دي جميلة جدا، أحب أناقشك فيها بعد ما ~~تقرئيها. # خلسة تلمح ms067 كارمن ترمقها بطرف عينها، ترن ضحكتها في الجو، مرحة مجلوة كرنين إناء من ~~الفضة، منهمكة في الجدل مع بعض الضيوف، رستم منهمك في النظر إلى صفوف الكتب، يخاطب الفتاة ~~دون أن ينظر ناحيتها: إيه رأيك نتعشى سوا ونتكلم في الرواية، مشغولة الخميس الجاي؟ ~~- أيوه. ~~- مشغولة بإيه؟ ~~- حاجات كتير. # تتصاعد رائحة الشواء، ترتفع الأصوات تدعوهم إلى العشاء، تجلس كارمن على رأس المائدة، رستم ~~يفتح زجاجات النبيذ، تطلب جمالات عصير فاكهة لأن الله حرم الخمر ولحم الخنزير، يهمس سميح ~~في أذنها، صديقتك دمها خفيف. تعزف الموسيقى لحنا جميلا لا تعرفه، تقول كارمن، اسم المؤلف ~~تشايكوفسكي، تهز رأسها، تمر بعينيها على الوجوه، تلتقي عيناها بعيني رستم، يبتسم يرفع ~~كأسه نحوها قائلا «في صحتك». # مرة بعد مرة ضاع رونق هذه الدعوات، أصبحت الفتاة تشعر بالملل والاغتراب، لا تنتمي إلى هذه ~~الفئة، وإن اشتاقت أحيانا لما يدور فيها من أحاديث، تلبي دعوة رستم للعشاء، تشعر بالإثم ~~مع اللذة وهما يتحاوران حول رواية من الروايات، يتمشيان معا في الظلمة، يدخلان إلى الشاليه ~~البعيد في الصحراء، يخلع رستم عن وجهه القناع، يخلع ربطة العنق والحذاء، يمشي فوق الرمال ~~حافيا، يلعبان كالأطفال «التعلب فات فات، وفي ديله سبع لفات»، يعانقها تحت ضوء القمر ~~شاردا بعينيه في السماء، «سئمت حياتي المليئة بالنفاق، أرجوك خديني.» # هو الذي يقول خديني، كأنما هي الرجل وهو المرأة، يصبح بين ذراعيها شخصا آخر، لا تكاد ~~تعرفه، يطفئ اللهب في جسدها، لم تتدرب في حياتها على أن تأخذ الرجل، تجربتها في الحب ~~أحادية، يأخذ الذكر الأنثى وليس العكس، كان يدربها على أشياء جديدة، يفتح عينيها على ~~حقائق لا تعرفها، وروايات لم تقرأها، وموسيقى لم تسمعها، بدأت الحياة تبدو لها أكثر ثراء، ~~ألوانها متعددة مثل الطيور، مثل الزهور البرية في الغابات تنمو وحدها وتتشعب وتعلو دون ~~أسوار. # في مكتبة النادي كانت تقضي النهار في القراءة، إن أصابها الملل أو التعب تتمشى قليلا ~~في حديقة الأطفال، تتبادل الحديث مع خادمة أو مربية يسمونها «دادة ماجدة»، لا تجلس ms068 بجوار ~~حوض الرمل، حيث يلعب الأطفال، لم يكن مسموحا لها أن تجلس فوق الكراسي التي يجلس عليها ~~الأعضاء والعضوات، نمت الصداقة بينهما، اسمها ماجدة، اختصار ماجدولين، ولدت في قرية قرب ~~لاهور، من أب باكستاني مسلم وأم هندوكية، اغتصبها ابن عم أبيها وهي في الحادية عشرة، ارتفع ~~بطنها بالحمل، هربت قبل أن يقتلها أبوها، ركبت القطار في ظلمة الليل إلى لاهور، تخلصت من ~~الجنين وأصبح اسمها ماجدولين بدلا من خديجة، حذفت اسم أبيها، قالت لها صاحبة مكتب التشغيل ~~أنا أمك فوفو، ترسل إليها نصف راتبها كل شهر بحسب العقد. # لا تكف ماجدة عن الكلام، في أعماقها مخزون من الحكايات، عيناها سوداوان مسحوبتان، فيهما ~~بريق جذاب، خليط من دماء آسيوية عربية إسلامية هندوكية، ومسحة من الشجن أو الحزن الجميل، ~~خيالها واسع، سافرت إلى بلاد العالم عبر أسواق الرقيق، من لاهور إلى مانيلا في الفلبين، ومن ~~الرياض إلى مكة إلى إسرائيل، ومن لندن إلى باريس إلى نيويورك إلى بيروت ثم القاهرة، تعرف ~~أسرار القصور والبيوت، دخلت الفراش مع الوزراء والسفراء والسفرجية والطباخين والزبالين، ~~تسرد الحكايات عن أعضاء النادي وهي جالسة في حوض الرمل، عيناها ترقبان الطفلين بانتباه رغم ~~استغراقها في الحكاية، أبوهما شخص مهم في المجلس الأعلى، يشاركها الفراش حين تسافر زوجته، ~~عجوز متصاب يصبغ شعره وشنبه بالحنة البغدادي السوداء، يبتلع حبوب الفياجرا الزرقاء، ترى ~~صوره أحيانا في الصفحة الأولى مع الرئيس. له ابن من زوجته الأولى خبير بالبورصة، وابن من ~~الزوجة الثانية رجل أعمال يشارك أبناء الرؤساء في الشركات الكبرى، أما الزوجة الثالثة فهي ~~قريبة وكيل المجلس النيابي، المسئول عن المرشحين ونتائج الانتخابات، لا أحد ينجح دون جهوده، ~~كان من المعدمين أصبح من ذوي البلايين. # كانت ماجدة تزودها بالحكايات، وقطع من تورتة الشكولاتة (بلاك فورست)، وأنواع الفاكهة ~~المجففة مع اللوز والفستق، وأشياء أخرى لا تقول عنها سرقة، بل جزء من حقها المسلوب، ~~تضحك وتهز شعرها الأسود الطويل الناعم، ضريبة الحب المجاني في غياب ست البيت، تقولها ~~بمزيج من العربية والإنجليزية والباكستانية، ثم ms069 تنهض تنفض عن ثوبها الرمل، تمسك الطفلين، كل ~~طفل في يد ، يحاولان الفكاك من قبضتها الحديدية، عيناها وهي ترمقهما تمتلئان بالكراهية، تصفع ~~أحدهما على قفاه، تلكز الآخر في كتفه، ثم تجرهما وراءها كالأرنبين من الأذنين. ~~••• # كانت ليلة صيفية دافئة، السيارة المرسيدس يقودها رستم، القمر غائب وراء غلالة شفافة، تملأ ~~الفتاة صدرها بهواء الصحراء في الليل، جاف وناعم كالحرير، يملأها بالحنين إلى شيء مجهول، ~~أوقف السيارة عند باب الشاليه، جلسا فوق الرمل يرشفان البيرة المثلجة مع قطع الخيار ~~المخلل الأخضر والزيتون الأخضر، كان شاردا وكانت صامتة، ترقب السماء والشعاع الأبيض ~~يتسلل من وراء السحابة، وجه القمر من الفضة اللامعة في خضم السواد، تعلوه ابتسامة ماكرة ~~متنكرة وراء الإله، كان يتنكر على شكل القمر، يتألق في السماء ثم يهبط في بطن الأرض، ~~ليصبح إله الموت، تذكرت أمها الميتة، كل شيء مصيره الموت حتى هي، عقلها عاجز عن استيعاب ~~الفكرة، أن تموت وتنتهي مثل هذه النملة الزاحفة بين الرمل، عقلها عاجز أيضا عن استيعاب ~~فكرة البعث أو الحياة بعد الموت، اجتاحتها رغبة عنيفة أن يحوطها ويغرقها بالحب قبل أن ~~تموت. ~~- هل فكرت في كتابة رواية؟ # فاجأها السؤال، صوته مبحوح فيه ذبحة، كأنما يعاني ألما في صدره، أو التهابا في ~~الحنجرة، واهتز رأسها وحده علامة النفي، لم تفكر أبدا في كتابة رواية أو أي شيء آخر، ~~ربما خطرت لها الفكرة وهي غارقة في النوم، أو في الطفولة قبل أن يدركها الوعي، فكرة غامضة ~~تتسلل من وراء سحابة سوداء، ترعبها الفكرة كالموت. # سمعته يتنهد بصوته كالأنين. ~~- آه من الكتابة، هي الجحيم بعينه، عذبتني طول حياتي، خيالي عاجز بارد بالنسبة لسخونة ~~الأحداث، كل يوم فيه حدث سياسي مهم، ومشاغل المجلس والانتخابات، الكتابة عاوزة معاناة وتعب ~~وجوع وشقاء، وأنا شبعان ومستريح أربعة وعشرين قيراط، ويعني الكتابة بتعمل إيه؟ كلام على ~~الورق، مجرد تنفيس عن الغضب المكبوت زي العادة السرية. # رنت كلمة العادة السرية في أذنها نابية، لم يعودها على سماع هذه الكلمات الخارجة عن ~~الأدب. ~~- أنا آسف ms070 إذا كنت جرحت شعورك. # قالها وهو يقترب منها بجسده، يلتصق بها كالغريق يتشبت بقارب نجاة، أنفاسه تلهث، الكلمات ~~تخرج من بين شفتيه مبتورة متقطعة. ~~- أحيا... أحيانا ... با... با... باحسدك. ~~- ليه؟ ~~- لأنك سعيدة. ~~- أنا؟ ~~- على ... الأقل ... غير مؤرقة ... غير مؤرقة ... بال... بال... بالكتابة. # أصابعه ترتعش باردة كالثلج، عيناه متسعتان شاردتان ينعكس عليهما ضوء القمر الخافت، شفتاه ~~منفرجتان عن ابتسامة واهنة: أنا تعبان ... أنا غير ... غير مخلوق للكتابة ... أنا في الحقيقة ... في ~~الحقيقة ... غير ... غير موهوب ... عملوني كاتب كبير بالوراثة ... بالواسطة ... بالفلوس ... وحفلات ~~العشا والخمرة والنسوان ... # رنت كلمة النسوان في أذنها نابية، لم تسمعها منه من قبل، كلمة سوقية تنم عن عدم ~~احترام النساء، وهي واحدة منهن، كان يحوطها بذراعيه يحاول الضغط بشفتيه الباردتين على ~~وجهها الساخن، سرت البرودة في جسدها كالقشعريرة، دفعته بيدها بعيدا عنها، شدها إليه ~~بقوة، حاول اغتصابها بعنف وقسوة، كأنما ينفس عن غضبه المكبوت في جسدها، نجحت في الإفلات ~~من قبضته، فقدت شهيتها للحب، ابتلعت المرارة والإحساس بالمهانة ... تذكرت كارمن، كانت ~~تقول لها: رستم ضعيف، متناقض، طفل كبير يبحث عن ثدي أمه، يعجز عن حب المرأة فما بال ~~الكتابة؟ # محاولة فاشلة لاختراق جسدها، عقلها منتبه منتصب يسد عليه الطريق، وتهمس الفتاة بصوت ~~مخنوق: أنت طفل يا رستم. ~~- كل الرجال أطفال بين ذراعي المرأة. ~~- أرجوك لا تتكلم مثل سميح. ~~- وأرجوك لا تتكلمي مثل كارمن. ~~- كارمن كاتبة موهوبة. ~~- وأنا مش موهوب؟ ~~- في السياسة. ~~- وفي الكتابة؟ ~~- لأ، يا رستم. # يقبض على جسدها بعنفوان الغضب، وعنفوان الحب، كأنما الحب والغضب وجهان لشيء واحد، ~~كأنما الحب بالوعة تمتص الغضب والحسد والغيرة واليأس والحزن الموروث في الطفولة، كأنما ~~الحب ليس بين اثنين، هي وهو، ولكن بين أربعة أشخاص كارمن ورستم وسميح وهي، يزيد عليهم ~~الأربعة الآخرون، أو صورة كل منهم عن نفسه، يزيد عليهم صورة كل منهم عن الآخر، يصبح ~~العدد الكلي اثني عشر شخصا، لكل منهم وجه مزدوج، تتراءى لها الوجوه كلها وهو يعانقها، ~~شفتاه باردتان وأنفاسه ساخنة، تلامس عنقها مع نسمة الصحراء ms071 الجافة في الليل، صوته يهمس في ~~أذنها كأنما من مكان بعيد : باحبك، باحبك، إلى الأبد. # ترن كلمة إلى الأبد في الفضاء خاوية كالصحراء، يتردد الصدى في أذنها، تذكر مريم ~~الشاعرة، وهي تنشد قصيدتها على شاطئ النيل في الليل تحت ضوء القمر: # ما معني أن تقول إلى الأبد؟ # هل نعيش إلى الأبد ولا نموت؟ # وإن عشنا فكم من الزمن نعيش؟ # خمسين أو سبعين أو مائة سنة؟ # لا يقاس العمر بالأعوام والسنين، قد تساوي لحظة الحب في ضوء القمر، ألف عام. # يتسرب ضوء القمر إلى جسدها من تحت الثوب الخفيف، كانت راقدة فوق الرمال، عيناها شاخصتان ~~إلى السماء، ترقب القمر يختفي وراء السحابة ومعه الرب، إلى جوارها يرقد جسد شخص لا تعرفه عن ~~يقين، ربما هو رستم أو شخص آخر من الاثني عشر، عاريا كما ولدته أمه، قطرات العرق تلمع فوق ~~ظهره تحت ضوء القمر، كأنما هي فصوص من اللؤلؤ. يعود إليها صوت مريم تتغنى: لحظة الحب في ~~ضوء القمر تساوي ألف عام، أعذب الحب أكذبه مثل الشعر. # وكانت مريم تقول الحب مثل الشعر يعلو فوق الصدق والكذب، لا توجد فضيلة ولا رذيلة في ~~الشعر والحب، ولا خير ولا شر، ولا إله أو شيطان، إن أراد الرب أن يهبط إلى الأرض فسوف يكون ~~شاعرا غارقا في الحب مثل قيس مجنون ليلى، يعارضها سميح ويقول إن أراد الرب أن يهبط إلى ~~الأرض فلا بد أن يهبط على شكل رغيف الخبز وإلا أعرض عنه الملايين، أما كارمن فكانت تقول، ~~لو كان هناك رب في السماء فسوف لا يموت الأطفال من الجوع أو في الحروب ... يبتسم رستم في ~~إعياء ويقول: أتمنى أن يهبط الرب على شكل النائب العام ليقبض على المسئولين وأعضاء مجلس ~~الشورى. # في القاعة الفسيحة كانت مريم تنشد قصيدتها، آلاف العيون تتطلع إليها، تتغنى بالحب مثل ~~كوكب الشرق، تخفق القلوب مع النبض في عروقها، تلتهب كفوفهم بالتصفيق، ترتج أجساد الرجال ~~والنساء بالنشوة، ينزعون عن رءوسهم كل الأغطية، طرابيش وبرانيط وأحجبة وعقالات وطاقيات من ms072 ~~أرض الحجاز، وعمائم بيضاء ملفوفة حول رءوس الشيوخ، وسوداء اللون مما يرتديها القس في ~~الكنائس. # كانت مريم تتألق تحت الأضواء، مرتدية ثوبها الأخضر المزركش بزهور الياسمين البيضاء، حول ~~شعرها الأسود الغزير عقد من اللؤلؤ، حول عنقها الطويل عقد من الفل الأبيض، يتنافس على ~~حبها الرجال والنساء، كانت زاهدة في كل شيء إلا الشعر، محصنة ضد الإغراءات في أي ~~حزب، رفضت دخول مجلس الشورى والمجلس الأعلى للشعراء، وجوائز الرئيس والتفوق، يتطلعون ~~إليها كالنجم في السماء صعبة المنال، امتلاكها من المحال. # ترمقها جمالات بحسد، تقول عنها ملحدة مصيرها نار جهنم، تضحك مريم وتسألها: وانتي مصيرك ~~إيه يا جمالات؟ تؤكد جمالات أن مصيرها جنة عدن خالدة فيها إلى الأبد، تمط الفتاة شفتيها ~~حين تسمع كلمة إلى الأبد، كانت النساء الثلاث جالسات في كازينو السفينة على شاطئ النيل، ~~ترشف مريم النبيذ مع حبات الفول السوداني، تكسو عينيها دموع حبيسة، تلمع تحت ضوء القمر، ~~تعود إليها صورتها وهي طفلة، كانت في العاشرة من عمرها حين فتحت عينيها في ظلمة الليل، رأت ~~أمها واقفة منتصبة داخل ثوبها الأسود، لم تكن ترتديه إلا في الكوارث. # وتسألها جمالات وهي منتشيه بعد الكأس الرابعة أو الخامسة. ~~- كوارث زي إيه يا مريم في حياة الست والدتك؟ ~~- مثلا موت أمها اللي كانت جدتي، أو انتحار أختها اللي كانت خالتي، أو دخول أبوها السجن ~~اللي كان جدي، أو قيام الحرب، أو خناقة كبيرة بينها وبين جوزها. وتسألها جمالات بلسان ثقيل ~~وعقل نصف غائب: وجوز أمك كان أبوك؟ ~~- أيوه، وكان دايما يتخانق مع أمي على أقل حاجة، لو أنها بصت من الشباك، لو أنها ~~اتنهدت أو نسيت ورسمت على صدرها الصليب ... أصلها كانت قبطية وهو مسلم، دبت بينهم خناقة ~~كبيرة ليلة ميلادي، أبويا صمم يسميني «خديجة» على اسم السيدة خديجة أم المؤمنين، أمي ~~صممت تسميني «مريم» على اسم العذراء الطاهرة، استمرت المعركة بينهم وأنا في اللفة ستة ~~أيام، في اليوم السابع عملوا هدنة مؤقتة، ومعاهدة صلح، على أساس إن أبويا يسمي الأولاد، ~~وأمي ms073 تسمى البنات، أبويا تصور إنه خرج منتصرا من المعركة، لأن الولد أهم من البنت عند ~~الله بحسب الآية «وليس الذكر كالأنثى»، وأمي تصورت إنها انتصرت على أبويا، لأن مريم لها ~~سورة كاملة في القرآن، هي الوحيدة من دون نساء العالمين ذكرها الله في القرآن باسمها، حتى ~~السيدة خديجة أم المؤمنين ربنا ما جبش سيرتها في آية واحدة. # كان النصف الثاني من عقل جمالات قد غاب من الكأس التاسعة أو العاشرة، يصبح لضحكاتها رنين ~~في الجو مثل الآنية الفضية المجلوة، ومريم تشاركها الضحك ورأسها مرفوع في ثقة بالنفس، ~~إلى جوارهما تجلس الفتاة منكمشة حزينة، لم يكن لها أب وأم يتعاركان حول اسمها، لا أحد ~~يذكر اسمها، وهي نفسها تنساه، حتى سمعت الطبيب في برشلونة يناديها نورية، رن اسمها في ~~أذنها جميلا، نورية، اسم نادر مثل قطرات المطر في الصحراء، وسألها الطبيب عن اسم ابنتها، ~~قالت ستحمل ابنتي اسم أمها نورية كما يحمل زباتيرو اسم أمه. ~~••• # في برشلونة تتفتح الزهور في الربيع، يتغير الطقس في الفصول، في الخريف تتساقط الأوراق ~~عن الأشجار، قبل أن تسقط تكتسب جميع الألوان، الأحمر والأصفر والأخضر والبرتقالي والذهبي ~~والفضي والزمردي والياقوتي والمرجاني، يتغلب الأحمر متفجرا يملأ السماء بحمرة الدم، ~~والأرض تصبح مفروشة بألوان الطيف. # تدوس الفتاة فوقها وتمشي، تتحرك الأوراق الملونة تحت قدميها مثل الكائنات الحية، ~~تتلوى تنثني تنتصب يشتد لمعانها تحت أشعة الشمس، تعلوها قطرات الندى ورذاذ المطر الخفيف ~~في الربيع. # انتزعت يولاندا الطفلة من حضنها، ملامحها تشبه ابنها الغائب فرانسيسك، تحاليل المعمل ~~والحامض النووي يمكن أن تثبت علاقات الدم، أرضعتها يولاندا من ثديها، وضعت الحلمة السوداء ~~في فمها، انهمر اللبن غزيرا مثل النهر، أو الشلال تسقط أمامه السدود، تغيرت يولاندا، عاد ~~إليها الشباب وغريزة الأمومة، لم يعد في حياتها شيء إلا هذه الطفلة، اسمها نورية، باسم ~~أمها وجدتها، تستعيد يولاندا وجه أمها وجدتها، تنظر في وجه نورية فترى ابنها الغائب وابنتها ~~المهاجرة، وكل أولادها وبناتها المبعثرين في بلاد العالم. ~~- سأعطيك نصف المطعم والشقة في العمارة ms074 وآخذ نورية. ~~- اسمعي يا يولاندا، أنا لا أبيع ابنتي! ~~- سأعطيك ثلاثين ألف يورو نقدا. ~~- ابنتي ليست للبيع. ~~- ليست ابنتك وحدك، ابني فرانسيسك هو أبوها. ~~- ليس لها أب لا فرانسيسك ولا غيره. وأنا الأم أقرر من هو الأب! # لم تكن جمالات تحب الربيع في القاهرة، تقول عنه موسم الخماسين والزعابيب، تهب ~~الرياح من الصحراء محملة بالرمال، يصبح الكون لونه أصفر، تلتهب عيناها يصبح بياضهما ~~أحمر. # ترتدي نظارة سوداء، ترى كل شيء أسود، تلعن الدنيا والدين وكل شيء، بما في ذلك ~~نفسها. ~~- أنا منافقة زي كل الناس، لازم أكذب عشان أعيش، لازم أكتب الباب بتاعي كل أسبوع، لازم ~~أقول أي حاجة حسب الجو، والجو في بلدنا ملوث بالسموم والتراب والدخان، حتى الربيع، موسم ~~الحب والزهر والفرح في العالم، أصبح عندنا موسم القرف والزفت والقطران! # ثم تنفجر بالبكاء والضحك، تدمع عيناها الحمراوان، تمسحهما بمنديل من الورق، تشده من ~~فتحة العلبة الكرتون المستطيلة، مكتوب عليها «كلينكس» بحروف أجنبية، تتحول الضحكات ~~المبتورة إلى نشيج متقطع، صوتها متحشرج يخرج من أنفها الذي يرشح مثل صنبور ماء بليت ~~جلدته، تجففه بمناديل الورق تملأ بها صفيحة القمامة. ~~- حتى الزكام بييجي في الربيع، وفيروس سي، وفيروس الأبيض المتوسط، ومشروع الشرق الأوسط ~~الكبير، حتى المناديل اللي بنمسح بيها مناخيرنا ما نعرفش نعملها، نستوردها بالعملة الصعبة ~~من أمريكا زي القمح والعيش والفول المدمس، الله يخرب بيتك يا طاغوت ويخرب بيت صاحبك في ~~البيت الأبيض! # دق جرس الباب، دخل بعض أصدقاء جمالات وزملائها في الصحافة، منهم بهي الدين برعم، يحمل ~~باقة ورد ملفوفة بورق شفاف، في يده الأخرى كتاب جديد من تأليفه في النقد الأدبي، يشتمل على ~~فصل كامل من الكاتبة الكبيرة جمالات، جلس على المقعد إلى جوارها وهي مريضة في الفراش، يقرأ ~~لها مقدمة الفصل. ~~- تختلف الكاتبة الكبيرة جمالات عن غيرها من الكاتبات النسويات، فهي لا تكتب عن الجنس، أو ~~الرغبات الجسدية للمرأة، لديها اتزان أدبي رفيع، وحرص على الأخلاق والأسرة وقيم الدين ~~الحنيف، تتوجه في بابها الأسبوعي دائما إلى الله ms075 خالق الكون، وإلى الرئيس الحبيب حامي ~~الوطن، وإلى السيدة الأولى للبلاد محررة النساء وقائدة الثقافة والإصلاح ~~والتنوير. # لطمت جمالات خديها وهي تصرخ، كان الزكام والصداع يسد أنفها وأذنيها، رنت الكلمة ~~الأخيرة في رأسها «التزوير»، نهارك إسود يا بهي يا برعم، عاوز توديني في داهية؟! # لم تطمئن جمالات حتى ناولها الكتاب، ارتدت نظارة النظر ذات الشنبر الذهبي، تأكدت عن يقين ~~أن الكلمة هي التنوير وليس التزوير، وضعت الكتاب تحت وسادتها، عاد الدم إلى وجهها الشاحب، ~~وعاد المرح إلى صوتها. ~~- اللغة العربية خطيرة جدا، نقطة واحدة على حرف واحد تدخلك السجن، ودي غلطة مطبعية ~~مقصودة مية في المية، عمال المطبعة بقوا من أتباع العرب الأفغان والقاعدة وأسامة بن لادن، ~~عاوزين يشتموا النظام على حسابي وحسابك يا بهي، منافقين وجبناء وعملاء لرئيس التحرير، ~~الدنيا كلها بقت ملخبطة وأنا عيانة ودماغي واجعاني! # من الشارع يرى سميح النور مضاء في غرفتها، كانت الفتاة تحاول الكتابة أو تقرأ رواية، ~~يصعد إليها حاملا كيس برتقال أو موز، أو رزمة ورق وأقلام سوداء جافة، كان يشجعها على ~~الكتابة، في أيام الصيف يأخذها إلى الإسكندرية، ورث عن أمه شقة تطل على البحر في سيدي ~~بشر، كان يعلمها السباحة، تبدو الأمواج مخيفة مثل الكتابة، تحاول أن تكسر الخوف دون ~~جدوى، لا تعرف كيف تطفو فوق الماء، في الليل تواجهها الصفحة البيضاء مرعبة مثل سحابة فوق ~~عينيها. # تتمشى مع سميح على كورنيش البحر، الهواء النقي وهدوء الليل بعد أن ينام الناس، يتمشيان ~~حتى تظهر نجمة الصباح، أحيانا ترتفع الأمواج، تصبح مخيفة في الليل، مثل جبال من الرمال ~~السوداء، هديرها يدوي، يرج السماء، مثل هتاف المظاهرات في الشوارع وميدان التحرير، يحوطها ~~سميح بذراعيه كالأم الحنون، أنامله الرقيقة تلامس وجهها، تضع رأسها فوق صدره وتنام بعمق، ~~تفتح عينيها في الظلمة، يدها تلمس يده، تريد التأكد أنه جسم حقيقي وليس فكرة في الخيال، ~~في الصباح بعد الفطور، يصنع الشاي بعناية، والخبز التوست، مربى البرتقال أو الفراولة، اللبن ~~المنزوع الدسم، البيض المسلوق أربع رقائق، تبدو ms076 الحياة مستقرة تخضع لنظام ثابت، تغمض جفونها ~~في استرخاء، تود أن تستمر الحياة المطمئنة إلى الأبد، أن تلد منه أربعة أطفال، ~~ولدين وبنتين، تود أن تعبر له عن كل ما في نفسها، وحبها لرستم، كأنما علاقتها برستم ~~شيء خارج حياتها الحقيقية، مجرد قصة أو رواية فوق الورق تحكيها لسميح وتنتهي منها. # كان سميح مثل الجدار تستند إليه، يحميها من الوحدة والحزن والفقر، في الأعياد يأخذها إلى ~~الحدائق، في شم النسيم، في العيد الكبير والصغير، يتمشيان في حديقة الحيوان، وحديقة ~~الأورمان، يمسك يدها في يده وسط الزحام، قريب منها إلى حد التلاصق، هي وهو وحدهما في ~~العالم الكبير، يشتري لها اللب الأبيض والفول السوداني، على شاطئ النيل، يسيران المسافات ~~دون أن ينال منهما التعب دون أن يشعرا بمرور الوقت، يجلسان على الدكك الخشبية يقزقزان اللب، ~~تمر بهما الطفلة الشحاذة، يناولها سميح قطعة من النقود، تدعو الله أن يحميهما من الأشرار، ~~يأتي الصبي الذي يمسح الأحذية، يعطيه سميح قطعة أخرى من النقود دون أن يمد له قدمه، يشعر ~~بالحرج، كيف يمكن لأحد أن يمسح لأحد حذاءه! وتذكرت قصيدة لمريم الشاعرة بعنوان ~~الزعيمة: # أعلنت الزعيمة والفخر يملأها، # أنها تمسح حذاء زوجها كل صباح، # وتركع له كل ليلة بعد صلاة العشاء، # فالزوج يأتي في المرتبة بعد إله السماوات. # وقال الرسول عليه الصلاة والسلام، # لو أمرت أحدا أن يسجد لغير الله، # لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. # كانت قصائد مريم ممنوعة بقرار من اللجنة الدائمة العليا بالأزهر، جاء في ~~مذكرة المنع أن الشاعرة تتجاوز حدود الشريعة، وتحرض النساء على عدم الطاعة، وظل ~~القرار حبرا على الورق، وكل ممنوع مرغوب، تتلهف الجماهير لانتهاك المحاذير، تسعى إلى ~~الممنوعات والمحرمات. والقرارات التي تصدر لتحريم الرقص والغناء وشرب الخمر، لا تؤدي ~~إلا لمزيد من الرقص والغناء وشرب الخمر. تطلق جمالات ضحكتها المجلجلة وهي تفرغ كأسها في ~~جوفها، وداوني بالتي كانت هي الداء يا بهي يا برعم، يا برغل، يا أبهى خلق الله، اسقني مما ~~أعطانا الله حتى نسمع أذان الديك ms077 في الفجر، فالخمر ليست محرمة بل هي مكروهة فقط، وأنا ~~أكرهها وأحبها مثلك يا بهي، وهل هناك حب دون كره، هل هناك ليل دون نهار؟ هل هناك ~~جنة دون نار؟ # وسأل رستم الفتاة أكثر من مرة: هل فكرت في كتابة رواية؟ # كانت تسأله: ماذا يهمه في أن تكتب فتاة مغمورة مثلها رواية؟ وإن كتبتها هل يقرأها أحد؟ ~~في المكتبة وهي جالسة وحدها ترمق رفوف الكتب من الأرض إلى السقف، مئات الكتب، لا أحد من ~~أعضاء النادي يدخل إلى المكتبة، وهي تمشي في الشارع ترى مئات الكتب مفروشة فوق الأرصفة، ~~آلاف الكتب، ملايين الكتب تطل من الأكشاك والمكتبات وأرصفة الشوارع والأزقة، يمر بها ~~الناس بعيون مغمضة، تتوقف طوابيرهم أمام المخابز يتقاتلون ويتدافعون بالمناكب، تخرج ~~المرأة منهم أو الرجل مكرمش الملابس معفر الوجه يتصبب عرقا، يلعن الدنيا والدين، يتدلى ~~من يده كيس بلاستيك أسود مملوء بالأرغفة. # تقول الفتاة لنفسها في الليل وهي غارقة في النوم، سأكتب الرواية حين أصحو، في الصباح تطبق ~~شفتيها لا تستطيع أن تنطق الكلمة: «رواية»، كأنما هي سر دفين لا تبوح به لأحد حتى نفسها، ~~إلا في غيبوبة الحلم، كأنما هي عورة تستوجب الإخفاء، مثل الثقب الصغير في بطن حذائها ~~القديم. # في دار رستم أثناء الندوة، تجلس الفتاة بين رستم وسميح، يبدو رستم أكثر تألقا، أقل ~~شحوبا من سميح، يقترب سميح منها أكبر مما كان، يمسك يدها في يده، أصابعه نحيلة رقيقة، ~~يغمرها الحنين إلى ذارعيه والحنان، حين تراه جالسا وراء مكتبه الضخم، يمتلئ قلبها بالشفقة ~~عليه، كالسجين بين الجدران، يراجع الحسابات والأرقام، يبدو رستم تحت الأضواء بعيدا عنها، ~~مثل بطل قصة قرأتها في كتاب منذ زمن بعيد. # في الليل تتأمل وجه سميح الشاحب، تعلوه نظرة حزينة وهو نائم، تقبله فوق خده فيفتح ~~عينيه، يحكي لها عن طفولته وحلم حياته، كان يمكن أن يكون كاتبا كبيرا مثل رستم، لو امتلك ~~الوقت، لكنه مرهق في دار النشر، يكره التجارة وحسابات المكسب والخسارة، يود أن يغلقها ~~إلى الأبد، دون أن ms078 يملك الشجاعة، مثل زوج يعيش مع زوجة يود فراقها دون أن يملك الإرادة، ~~كالمدمن يتجرع السم كل يوم يحاول التخلص منه دون جدوى، ويهمس في أذنها وهو يعانقها ~~في الفراش: أنت تستحقين رجلا أفضل مني! ~~- من هو؟ ~~- مش عارف. ~~- يمكن مش موجود! ~~- يمكن. # وتشرد عيناه الحزينتان بعيدا عنها، ترقد إلى جواره غارقة في الصمت، غارقة في العرق في ~~ليالي الصيف، تشعل سيجارة بعود كبريت، مكتوب على العلبة اسم كيلوباترة، سرقتها من خزين ~~السجائر في غرفة جمالات، أصبحت تعشق الدخان، تنفثه من أنفها وفمها إلى السقف، لم يكن سميح ~~يحب رائحة السجائر، خاصة من نوع كليوباترة، تذكره بجمالات، يشد السيجارة من بين ~~شفتيها، يحملها معه إلى الحمام، يغسل لها ظهرها بالليفة والصابون، يرشها بالماء ويضحكان ~~كالأطفال يلعبون على شاطئ البحر في إجازة الصيف. ~~- إيه رأيك نعيش سوا في شقتي؟ ~~- تحت سقف واحد؟ ~~- أيوه. ~~- إلى الأبد! ~~- أيوه. ~~- مستحيل. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. # بعد أن يمضي سميح تستلقي الفتاة، من حولها البشكير الأبيض، تدفن وجهها في الوسادة التي ~~نام عليها، تستعيد رائحة شعره وأنفاسه، ينتابها الحنين إلى جسده من جديد، تشتاق إليه في ~~غيابه أكثر من حضوره، تبدو اللحظات الماضية خارج عمرها، خارج قدرتها على الإمساك بها، تنزلق ~~من بين أصابعها كالسمكة في الماء، تذوب في أعماق الذاكرة مثل فص الملح في البحر. # ويعود إليها صوت كارمن: لا يمكن للمرأة أن تعيش مع الرجل تحت سقف واحد فما بال الكتابة؟ ~~يدور السؤال في رأسها، وما الفرق بين المرأة والكاتبة؟ وهل تغير الكتابة من فصيلة ~~الإنسان؟ # لم تكن موارد الفتاة تسمح لها أن تعيش وحدها، كانت حياتها تحت سقف واحد مع جمالات أمرا ~~مزعجا، لا تكف جمالات عن إطلاق الأصوات، من غرفتها، ومن الصالة ومن المرحاض، ربما هي ~~جمالات السبب في عجزها عن الكتابة، ما إن ترى وجهها في الصباح بلا حاجبين حتى ينتابها ~~الفزع، لكن الانتقال إلى شقة سميح تفزعها أكثر، وأكثر ما يفزعها أن تعيش مع زوج إلى ~~الأبد، لم تعرف في حياتها ms079 زوجين سعيدين، كان رستم يقول الزواج مؤسسة التعاسة، وتقول كارمن ~~لا يستمر الزواج السعيد إلا بسبب العادة أو الكسل، يتنافس الاثنان رستم وكارمن على قلب ~~الفتاة، تنجذب إليهما الفتاة بدرجة متساوية، يكشف كل منهما عن عيوب الآخر، تنصت إليهما ~~كأنما ابنة تنصت إلى شكوى أبيها من أمها، وشكوى أمها عن أبيها، تحفظ السر لا تبوح به ~~لأي منهما، تدرك عن يقين أنهما بعد كل خصام يتصالحان، وتصبح هي الضحية وحدها. # يضع رستم رأسه فوق صدرها، يكبرها بثلاثين عاما، من عمر ابنه محمد إدريس، لم تعرف شيئا ~~عن هذا الابن، كان ينساه بإرادته وبغير إرادته، تسمع صوت أنينه وهو راقد إلى جوارها، ينفض ~~عن ذاكرته الماضي، يدفن وجهه بين نهديها، يصب في جسدها أحزانه القديمة، يهمس في أذنها ~~بصوته المبحوح: الماضي ميت والمستقبل غير موجود، هذه اللحظة الحاضرة هي عمرنا الوحيد، هي ~~كل ما نملك، علينا الاستمتاع بها حتى نفقد الوعي. # وينسى اسمها لحظة فقدانه الوعي، يناديها باسم كارمن، وأحيانا يقول لها يا كريمة، بطلة ~~روايته الأولى، كان شابا في مقتبل العمر، يرى في الحلم فتاة أحلامه، ابنة خاله الباشا، ~~سوف يتزوجها بعد عامين اثنين، حين يتخرج في الجامعة ويحصل على الشهادة، عامين كاملين ~~ينتظرها على حرارة الجمر، يعانق في الليل جسدها، لا يرى وجهها في الظلمة، لا يريد أن يرى ~~وجهها، يتعانقان خلسة من وراء الوعي، بعيدا عن العيون بما فيها عينيه، لا يملك شجاعة النظر ~~في عينيها، فهي واحدة من الخادمات في البيت، فتاة فقيرة من الريف، لا تعرف القراءة ولا ~~الكتابة، تناديه وهي راقدة تحته سيدي رستم، عيناها مغمضتان لا تملك الشجاعة لتفتحهما وتنظر ~~في عينيه، أنفاسه الساخنة تلفح وجهها، وصوته يسري في أذنها متحشرجا كأنين حيوان مريض، ~~يسترد عافيته بعد أن ينفث فيها السم، ويصب في جسدها الأنين، ينهض من فوقها بحركة سريعة، ~~مستعيدا قوته ومكانته الأولى. # لم تكن الضحية واحدة، بل اثنتين أو ثلاثة أو أكثر حتى حصوله على الشهادة العليا، وكانت ~~خالته تطرد الخادمات، الواحدة ms080 بعد الأخرى، تختفي كل منهن في غياهب الدنيا والآخرة، لا أحد ~~يعرف مصيرها، قد تصبح راقصة بطن في أحد الملاهي، أو خادمة سرير لأحد العجائز أو واحدة من ~~بنات الهوى، أو تعود إلى أهلها ليغسلوا العار بدمها، أو تركب البحر مع الطيور المهاجرة إلى ~~الشاطئ الآخر. # إلا واحدة منهن أكثر سذاجة، كانت في الخامسة عشرة من عمرها، طفلة بريئة من الريف، حين ~~يزورها رستم في الليل تظن أنه الإله، وهي العذراء الطاهرة، تحمل نطفته المقدسة في ~~رحمها، لم تفقد براءتها إلا بعد أن ولدت الطفل، حملته فوق صدرها وذهبت إلى سيدها تزف ~~النبأ، طردها من القصر في جاردن سيتي هي وابنها، أصابتها الصدمة بهبوط في القلب، ماتت وتركت ~~الطفل لرعاية الله، أصبح يقضي الليل والنهار فوق الرصيف، تحت قبة السماء بلا غطاء ولا ~~طعام، مثل أطفال الشوارع، أصبح يسرق ليأكل، ويشم مع الشمامين من أجل النسيان، لم يبق ~~بذاكرته إلا اسم أبيه والعنوان، كانت أمه قبل أن تموت قد اعترفت بالحقيقة، حين أدركه ~~الوعي ذهب إلى أبيه يطلب الرعاية، منعه الحراس من الدخول، صفعه أحدهم على قفاه، ضربه الآخر ~~في بطنه، فسقط على الأرض، حوطه البوابون والسفرجية والخدم، جاء رجال الآمن، وحملوه إلى ~~القسم، كان يلعن الدنيا والدين، ويكيل السباب لأبيه وأم أبيه التي ولدته من ضلع أعوج، ضربه ~~رجال البوليس ووضعوه في التخشيبة. ~~- اسمك إيه يا ولد؟ ~~- محمد إدريس ابن رستم باشا. ~~- اخرس يا ابن الشرموطة. ~~- أمي كريمة وأبويا هو الشرموط. # لم تكن كلمة «شرموط» مألوفة في اللغة، فهي في الأصل مؤنثة غير قابلة للتذكير، وانتشرت ~~الحكاية في المدينة، تلقفها المنافسون لرستم في مجلس الشورى، كان موسم الانتخابات على ~~الأبواب، تسبقه فضائح المرشحين والمرشحات، ظهرت منشورات مجهولة المصدر بعنوان القرموط (على ~~وزن الشرموط)، وكان محمد إدريس قد خرج من السجن، أخذوه في حزب المنافسين لأبيه، يحملونه ~~معهم في جولاتهم الانتخابية، كان نسخة طبق الأصل من أبيه: الوجه، الجبهة، العينان، ~~الحاجبان، الأنف، الشفتان، القامة، الصوت بالبحة الذكورية الجذابة للنساء، وما ms081 إن يظهر ~~محمد إدريس أمام الناخبين حتى يهللون: «رستم باشا» طبق الأصل، وأمه كريمة بنت الدايرة، ~~كان مرشح الدائرة يضرب عصفورين بحجر واحد، غريمة الأول رستم، وغريمته الأخرى كريمة، إحدى ~~الصحفيات من زميلات جمالات، يقولون عنها بنت الدايرة، تعني باللغة العامية ابن امرأة «دايرة ~~على حل شعرها، أي عاهرة» وتعني باللغة الفصحى «ابنة الدائرة»، الانتخابية للمجلس ~~الموقر. ~~••• # وكانت كارمن تتابع الحملة من بعيد، لم تكن تعرف أن لزوجها ابنا غير شرعي، حكى لها عن ~~مغامراته قبل الزواج، إلا حكاية كريمة التي أعطت الطفل اسم أبيها إدريس وأضافت إليه اسم ~~محمد، بأمل أن يضفي اسم النبي على ابنها الشرف والشرعية، دون جدوى ... ظل محمد إدريس فاقدا ~~الشرف والشرعية حتى مات، بعد انتهاء الانتخابات، صدمته سيارة وهو يجري في الشوارع يوزع ~~الصحف والمجلات، سقط تحت العجلات، من حوله تناثرت الأوراق، غارقة في الدم والحبر، وصدى صوته ~~يردد: أهرام أخبار جمهورية وخطبة الرئيس في العيد. ~~••• # في الليل يدفن رستم رأسه في صدر كارمن، يحاول أن ينسى وجه ابنه، والمنشور الملزوق فوق ~~الجدران على الورق المصقول: انتخبوا القرموط، السابح مع التيار في كل العصور، من ~~الاشتراكية إلى الخصخصة إلى القصقصة وكتابة الروايات، الشديد الجاذبية للنساء، من ملعب ~~الجولف إلى حرب الخليج وخريطة الطريق، من البورصة إلى إسرائيل إلى مكة، يمسح ذنوبه في موسم ~~الحج، وفي شهر رمضان يزكي عن أمواله بموائد الرحمن. # تحوطه كارمن بذراعيها، تهدهده كالأم، لم تكن تؤنبه، ولم يكن يعتذر عن شيء. يقول لها، ~~وهو في حضنها: الخيانة الزوجية ليست خيانة، فالرجل كما خلقه الله لا تكفيه امرأة واحدة، لا ~~يذكر الله إلا في هذه الحالة حين تكتشف زوجته القصة الجديدة، وكانت كارمن تعرف متى تكون ~~البداية، يبدو رستم مهموما مملوكا للشعور بالإثم، يتعمد أن يؤلمها حتى تغضب، لتنفجر ~~بالغضب وتلعن اليوم الذي عرفته فيه، يتراخى جسده ويسقط في نوم عميق، يصحو خفيفا كأنما ~~تخلص من العبء. تقول له كارمن: اسمع يا رستم، أنا سئمت هذه اللعبة، عليك أن تتحمل آثامك ms082 ~~ولا تحملني أنا مسئولية تطهيرك منها. يحملق في وجهها كأنما يراها لأول مرة، يفزعه أن ~~تكشف عن أعماقه الخفية، يدخل في حضنها كالأم، يدفع وجهه في صدرها ويجهش بصوته المتحشرج: ~~اغضبي مني يا كارمن، طهريني من ذنوبي لأحبك أكثر، ثم يضيف بلا صوت، ولأكرهك أكثر. # تدفعه بيدها بعيدا عنها ثم تشده إليها، تنجذب إليه وتنفر منه في آن واحد، ينهض من ~~الفراش ويجلس بجوارها ينفث الدخان إلى السقف، ثم يرتدي ملابسه ويخرج، كان يلتقي بالفتاة إن ~~لم يجد امرأة سواها، إن غابت أو تمنعت يجول بالمرسيدس في شوارع المدينة، يلتقط واحدة من ~~بنات الهوى، يحملها إلى الشاليه في صحاري سيتي، يفرغ فيها الغضب والهوان، يضغط بأسنانه على ~~شفتيها حتى تنزف، يعضها في كتفها مثل كلب مسعور، إن تأوهت يضربها بقبضة يده، في صدرها ~~وبطنها، تتوهج ذكورته بازدياد أنينها، يتحشرج صوته هامسا في أذنها، خديني يا لبوة، وتصعد ~~الفتاة فوقه وتأخذه بالقوة كما يأخذ الرجل المرأة ... كانت جمالات تقول: لا يشعر الرجل باللذة ~~إلا مع امرأة تؤلمه، يتلاشى الفاصل بين الألم واللذة. وتقول مريم الشاعرة: المرأة مثل ~~الرجل تتأرجح بين الخضوع والاستبداد إلا النساء اللبؤات، الأكثر قوة من الأسد. ~~••• # كان يوما من أيام الشتاء الممطرة، تتحول الأزقة في حي السيدة إلى برك صغيرة، تختفي ~~الفئران والصراصير داخل الشقوق، ويأوي الناس في الشقق المغلقة منذ الغروب، كانت الساعة ~~تجاوزت منتصف الليل، الظلمة كثيفة بلا قطرة ضوء، هبت الفتاة من نومها على الصرخة، رأت ~~جمالات واقفة عند الباب بملابس الخروج، وجهها متهدل شاحب بلا مساحيق ولا حاجبين، تلطم ~~خديها بيديها الاثنين: ليه يا رب؟ ليه يا رب؟! ~~- حصل إيه يا جمالات؟! # لم يكن هناك وقت للإجابة، انطلق بهما التاكسي يشق الأزقة الغارقة في الوحل والظلمة، ~~يلعن السائق الدنيا والدين، جمالات صامتة على غير عادتها، الفتاة جالسة إلى جوارها غارقة في ~~أفكارها، توقف التاكسي داخل زقاق في مدينة الموتى أسفل جبل المقطم، لم تستطع السيارة ~~التحرك إلى أكثر من ذلك، هبطت جمالات ومن خلفها ms083 الفتاة، غاصت أقدامهما في الطين من زقاق ~~إلى زقاق، ثم توقفت جمالات أمام شق في الجدار، أخرجت من جيبها منديلا وضعته فوق أنفها، ~~كانت الرائحة غير محتملة، تشبه اللحم المشوي مع العظام والشعر والأظافر والجلد، في المدخل ~~كانت امرأة واقفة ترتدي خيمة سوداء، عيناها تطلان من الثقبين الغائرين في السواد، إلى ~~جوارها رجل داخل جلباب أبيض طويل، وثلاثة رجال بملابس البوليس، تقدم أحدهم نحو جمالات، ~~يسلط على وجهها كشاف النور: إنتي أمها يا مدام جمالات؟ ~~- أيوه. # نطقت الكلمة أيوه كأنما تلفظ النفس الأخير، تساقط جسدها إلى الأرض، رفعوها لتنهض ~~واقفة، بدأت تنقل القدم وراء القدم وهم يسندونها، تتوقف مترددة تلتقط أنفاسها، من خلفها ~~الفتاة تتحرك كمن في النوم، الظلمة شديدة إلا من ضوء الكشاف الصغير على شكل دائرة ~~صفراء، سقطت فوق كتلة متفحمة بحجم الطفل المولود، إلى جوارها كتلة أخرى أكثر تفحما ~~أكبر حجما، شعر رأسها محروق، لم يبق من وجهها إلا العظام، احترقت بعض أجزائها وانطفأت ~~داخل بركة من الماء والطين، إلا شيء واحد كالجمرة تحت الرماد، بلون الدم الأحمر، يلمع في ~~الظلام، عين مفتوحة بلا رموش ولا جفون ترمقهم دون أن تطرف. ~~••• # رقدت جمالات في الفراش ليل نهار، لا تخرج إلى مكتبها ولا تقابل الزوار، نشرت إحدى ~~زميلاتها القصة باسم مستعار، وهي قصة شائعة متكررة، الابنة غير الشرعية تخلصت منها ~~أمها، تركتها أمام باب الجامع، التقطها رجل من الزبالين عاشت البنت داخل القمامة كالجرذان، ~~قفز عليها الذكور منهم قبل أن يدركها الوعي، أصبحت أما وهي طفلة، أفزعتها الحقيقية إلى حد ~~الموت، بإرادة الله، أو بعود كبريت. # تماثلت جمالات للشفاء، نهضت من الفراش، مدت ذراعها تحت السرير وشدت الزجاجة من عنقها، ~~أفرغت الكأس وراء الكأس في جوفها، خاطبت الرب حين غاب عنها الوعي، تسأله السؤال القائم منذ ~~الأزل، ليه يا رب؟ ولا يأتيها الرد إلى الأبد. # في الليل تتقلب الفتاة في فراشها، في أحشائها شيء ينمو، لا تعرف ما هو، وكيف تسرب إلى ~~أعماقها، تظنه وهما مصنوعا من الخوف، ms084 أو ورما من الأورام الحميدة أو الخبيثة. تذكر ~~لقاءها الأول بسميح ، كان ذلك في دار النشر في مصر الجديدة، تمتلئ الدار بفتيات من الهاويات ~~الحالمات بالكتابة، والفتيان الهاوين الحالمين، يحدث النقاش في الندوات حول القصة والرواية، ~~كانت الفتاة تسعى إلى المعرفة، لم يكن الحب هدفها بل زيادة الإدراك، ومن أجل الكتابة كانت ~~تضحي بالجسد، يتضاءل جسدها إلى جانب إشباع العقل. # ما تصوره سميح شبق الحب لم يكن إلا شبق المعرفة، تلقي نفسها بين ذراعيه ليس لأنها ~~امرأة، بل لأنها كاتبة، لم تكتب شيئا في حياتها، ولا أحد يعرف أنها كاتبة، حتى هي لا ~~تعرف، وإن عرفت فهي تخفي السر في أعماقها كالعورة. # ربما هو رستم، الذي كشف لأول مرة عن عورتها، قال لها وهو يحوطها بذراعيه، عقلك متقد مثل ~~كارمن زوجتي، نحن نتعانق عناق الكاتب للكاتبة، داخل عالمنا الخاص، عالم الكلمات، ترتفع فيه ~~لذة الخيال على الواقع ... # كانا يتعانقان حتى بلوغ القمة، تنحبس أنفاسهما عند الذروة، يتجمدان في الفراش دون حراك، ~~يخشى كل منهما إن تحرك أن ينطفئ الوهج، وكانت كارمن تقول: أنا ورستم تجمعنا علاقة ~~مدمرة لنا نحن الاثنين، وأنا لن أهدأ حتى أدمره تماما، وأحوله إلى رواية من رواياتي، وهو ~~بالمثل لن يهدأ حتى يدمرني. # كانت مباراة للتدمير من أجل ما يمكن أن يبقى، محاولة للبقاء بعد الموت، لم يكتشف أحدهما ~~السر، ربما كان هو الحب وليس الكتابة، أراد الاثنان إخفاءه تحت اسم الأدب، وإضفاء هدف نبيل ~~للدخول معا في السرير. # كان رستم يعرف أنها تحب رجلا آخر، وكارمن تعرف أنه يحب امرأة أخرى، تجاهل الاثنان ~~مشاعر الغيرة أو الامتلاك تحت اسم الحرية أو التعددية، تتملكهما أحيانا غريزة الاستطلاع، ~~يحاول كل منهما أن يعرف أسرار الآخر، ربما بدافع المعرفة وليس الغيرة، يريد رستم أن يعرف ~~من أقدر منه على إقناع زوجته، وهي تريد أن تعرف من أقدر منها على إقناع زوجها، وكان إشباع ~~الجسد أكثر سهولة من إشباع العقل. # كانت كارمن تقول: الكتابة شيء جميل لإخفاء أشياء قبيحة، ms085 في روايتها انتقمت من زوجها، ~~جعلته مؤرقا بالغيرة، يستأجر الجواسيس لمعرفة حياتها السرية، يطارد أي رجل تحبه بمسدس ~~مكتوم الصوت. وتقول مريم الشاعرة: نحن نكتب لنعبر عن الخرس في أعماقنا، نخاف اللامنطوق ~~أكثر من الموت، ولا تفكر في الانتحار إلا حين نعجز عن الكتابة. # تطوعت جمالات للتجسس على حياة رستم، كانت تحب الكشف عن الجرائم الخفية، تجد فيها ~~نوعا من السلوى، وتقول: خلق الله الخير والشر، وخلق الشيطان من أجل الغواية والضلال. تضحك ~~جمالات وهي ترشف النبيذ، وخلق الله الخمر من أجل سعادتنا يا عزيزتي، وإلا لما امتلأت ~~الجنة بأنهر من الخمر. اكتشفت جمالات قصص الحب في حياة رستم، بطلاتها من الفتيات ~~المجهولات الاسم في عالم الكتابة، تسعى الواحدة منهن إلى الشهرة من خلال الحب، ينتقل رستم ~~من امرأة إلى امرأة كما ينتقل من رواية إلى رواية، يخلط بين الحلم والواقع، يقول في إحدى ~~رواياته على لسان البطل: أنا رجل مثل الأنبياء ينطوي على فحولة خمسين رجلا، فهل أكتفي ~~بأربعة نساء؟ # وتحكي جمالات عن المرحوم زوجها، ضبطته ذات ليلة في فراشها مع امرأة أخرى، لطمت خديها ~~صارخة: في فراشي وفي بيتي يا خائن؟ صوتها كان عاليا، قفز زوجها من فوق المرأة، أغلق فمها ~~بيده، اسكتي يا جمالات اسكتي وإلا سمعك الجيران! جيران إيه وزفت إيه يا راجل، صحيح ~~الخيانة في دمكم، على رأي المثل، «يا مآمنة للرجال يا مآمنة للمية في الغوربال.» وتقول مريم ~~الشاعرة حين تسمع الحكاية: لا يشبع الرجال من ثلاثة: المال والسلطة والنساء، ولا تشبع ~~النساء من ثلاثة: الألم والندم والعار. ~~••• # في برشلونة كان الربيع هو مهرجان الحب، جاءت أناجيل إلى الفتاة في صباح مشرق وقالت: هنا ~~رجل يحبك اسمه جوردي، رآك وأنت تمشين على الشاطئ، أتؤمنين بالحب من أول نظرة؟ قالت ~~الفتاة: الحب ليس له قانون عام، لكل قصة قانونها، ولكل رواية أسلوبها الخاص. وقالت ~~أناجيل: جوردي شاب من عمرك، يحاول الكتابة مثلك دون جدوى، يدق الطبلة في الرامبلا أمام ~~المطاعم ويغني، تتطلع إليه عيون النساء، ms086 يجذبهن الفن والفقر، كلاهما ساحر في عيد ~~الحب. ~~- وما هو عيد الحب يا أناجيل؟ # هو عيد سان جوردي، كان شابا فقيرا حالما أنقذ الأميرة الجميلة من الغول، أو المارد ~~المتوحش، الذي أحب الأميرة وأراد افتراسها، لكن الشاب انتصر عليه، انتزع منه الأميرة، ~~حملها فوق حصانه الأبيض، وطار بها إلى شاطئ الحب في برشلونة، أهداها في عيد زواجهما وردة ~~حمراء، وهي أهدته كتابا، كانت الأميرة تعشق القراءة والكتابة، وأصبح الناس في برشلونة ~~يحتفلون بعيد سان جوردي، يسمونه عيد الحب، يتبادلون الزهور الحمراء والكتب. # وأقبل جوردي يحمل إليها الوردة الحمراء، يشبه فتى أحلامها وهي طفلة تمشي على شاطئ النيل، ~~قال لها أنا جوردي، وأنت؟ قالت طفلتي اسمها نورية أخذتها يولاندا. وقال جوردي: الأطفال في ~~كل مكان يولدون ويموتون ويولودون من جديد، أنت في غير حاجة إلى الولادة مثل الأرنبة، أنت ~~في حاجة إلى شيء آخر، هل حاولت الغناء أو الرقص أو النحت أو الكتابة ...؟ ~~- الكتابة؟! # ترن الكلمة في أذنها فتصحو من النوم، تراه واقفا أمامها يكاد يشبه سميح أو رستم أو ~~فرانسيسك أو اسما آخر عالقا بذاكرتهما المنسية، يكاد يشبه كارمن ومريم وجمالات، ملامحهم ~~جميعا تذوب في الوجه الواحد، يجمع بين الرجولة والأنوثة، أمه من برشلونة وأبوه من طنجة، ~~طويل القامة نحيف، بشرته سمراء تشوبها حمرة، بلون الصخور الفاصلة ما بين شمال أفريقيا وجنوب ~~إسبانيا، عند مضيق جبل طارق، يتكلم العربية والكاتالانية، يدرس النقد المقارن بين الأدب ~~العربي والأدب الكاتالاني، يشتغل في المساء في المطعم «موروكا كاتالانا» يقدم الوجبات ~~المغربية والكاتالانية، في زقاق صغير متفرع من الرامبلا كاتالونيا ... ويحدثها جوردي عن ~~ابن بطوطة، وابن رشد، عن أدب الأندلس، وعن روايته الأولى يكتبها، بدأت الفتاة تتقن اللغة ~~الكاتالانية، وهي أقرب إلى اللغة الفرنسية منها إلى اللغة الإسبانية، لأن فرنسا أقرب إلى ~~كاتالونيا من مدريد. يشرق وجهه الأسمر بالابتسامة حين يراها، تذكر ابتسامة محمد الجرسون في ~~النادي، تقول له: أحب ابتسامتك يا جوردي، كلمة «سومري»، بالكاتالانية تعني ابتسامة، قريبة ~~من كلمة ابتسامة بالفرنسية «سوري» ms087 أنت تعيد إلي الأمل في الحياة يا جوردي، كلمة أمل ~~بالكاتالانية هي «إسبرانسا» قريبة من كلمة أمل بالفرنسية، وتحتفل برشلونة بعيد الأمل في ~~نهاية أبريل، بعد انتهاء عيد الحب. # في الاحتفال بعيد الأمل تسير الفتاة مع جوردي على شاطئ برشلونة، الرجال والنساء الأطفال ~~والشباب والعجائز يتمددون على الرمال تحت الشمس، أجسادهم عارية تلمع برذاذ الماء، يتساوى ~~الجميع بصرف النظر عن العمر أو اللون أو الجنس أو الجنسية، تمددت الفتاة فوق الرمل ترمقهم ~~من بعيد، يمتلئ قلبها بالحزن الغامض، تبكي دون دموع على أمها الميتة، وأختها المحروقة في ~~الحمام، وجارتها الملفوفة تحت الخيمة السوداء، ثم تنهض فجأة، تنفض عن جسدها الرمال، تقذف ~~بنفسها في البحر، تسبح مع جوردي داخل العمق، يحوطها بذراعيه تحت الماء، يسألها عن الحزن في ~~عينيها، لا تعرف الرد على السؤال، ربما هو الحنين الجديد المتجدد، رغم الألم والحزن يا ~~جوردي، أحلم بالعودة إلى الأهل، وهل ينفصل الظفر عن اللحم؟ # كان جوردي يسبح أمامها، يضرب الماء بذراعيه، يذكرها بسميح، الملامح تتشابه والحركة مع ~~الرقة، يتسابقان تحت الماء مع مجموعة من الشباب والشابات، يضحكون ويلعبون مع الأمواج، ~~يخرجون إلى الشاطئ ينفضون رذاذ الماء تحت أشعة الشمس، يجلسون في المطعم يأكلون الشرائح ~~«المشوية»، شرائح من السمك اللذيذ يعيش بين الصخور، اسمه «لييورنا» وتعني السمكة المضيئة، ~~تكسبها الصخور مع الماء المالح قوة ورشاقة، يرشفون النبيذ الكاتالاني، اسمه كريستين ديسروش ~~نوبل كورت، يتبادلون الورود الحمراء والكتب والروايات ... ويسأل جوردي: ما العلاقة بين الوردة ~~الحمراء والكتاب في عيد الحب؟ وهل هناك علاقة بين الحب والكتابة؟ # تتذكر الفتاة لقاءها الأول مع رستم، كان ذلك في دار النشر في مصر الجديدة، كان جالسا ~~وحده يقرأ، شعره أسود غزير تتناثر فيه شعرات بيض، يكسبه الشيب المبكر نوعا من السحر، ~~جذبتها إليه خطوته الحائرة بين رفوف الكتب، كان شاردا حزينا وحيدا، رأسه مطرق مثقل ~~بالأفكار، لم يكن هو رستم عضو مجلس الشورى، ولا هو الزوج ورجل الأعمال، كان شخصا آخر ضمن ~~أشخاص آخرين يسكنون جسده، بدا لها ms088 روحا محلقة بين الكتب والروايات، لم تملك الشجاعة ~~لتتحدث إليه، وهي فتاة مجهولة مغمورة بلا أب ولا أم. # لم يكن سميح مثل رستم، كان يفهمها أكثر، يعرف أن في أعماقها حنينا إلى شيء آخر أكبر ~~من الحب، ليس الحب بين الرجال والنساء، شيء آخر في خيالها حبيس لا يخرج إلى الواقع، ويقول ~~لها سميح: أنت تبحثين من خلال الحب عن نفسك، عن معنى الحياة، عن الحكمة الأبدية، ما يسميه ~~الناس «الله»، هذا البحث الطبيعي، يفعله كل إنسان وكل إنسانة، بوعي أو بدون وعي، أنت لا ~~تقعين في الحب من أجل الجنس، ولكنك تفعلين الجنس من أجل هدف آخر، ليس ولادة الأطفال، بل ~~هدف آخر ربما يتعلق بالكتابة، أو ... ~~- الكتابة؟! # أو شيء آخر تعرفينه أكثر مني، لا يمكن لرجل أن يملأ خيالك أو يشبع عقلك أو حتى جسدك، ~~ربما لهذا السبب لا يمكن للحب أن يحولك إلى زوجة أو جارية أو عبدة، أو أن يتخلى عنك ~~المنطق، عقلك هو الشاطئ الأخير حيث ترسو عواطفك الجارفة، أنت عشت الألم والحزن والفقر، ~~تحاولين التعويض عن الحب والحرية بالكتابة، تدخلين أي تجربة حتى الموت من أجل المعرفة، لا ~~تخلصين إلا لعقلك، ولا تشعرين بالطمأنينة إلا مع نفسك. ~~- وأنت يا سميح؟ ~~- أنا أعطيك حنان الأم الغائبة، لا تشعرين معي أنك في حاجة إلى سياج العقل، ولا ~~السلاح الذي تشهرينه في وجه رستم، أنت ترينني مثل الحصن تحتمين فيه من الوقوع في الحب، ~~فأنا لست فتى أحلامك. # تطرق الفتاة في صمت طويل، كان رستم أقرب إلى فتى أحلامها من سميح، يتكون فتى الأحلام ~~في حياة البنات من قصص الأفلام، من القيم السائدة عن الذكورة والفحولة، يتكون خيال البنت ~~من الشبق أو الحنين لرجل يغتصبها، تتراكم صور الخضوع في ذاكرتها منذ الطفولة كالمرض ~~المزمن. ~~- لكني أحبك يا سميح، يمكن أن أعطيك كل شيء، أن أهبك حياتي كلها، فأموت من أجلك كما ~~يموت الشهيد أو الشهيدة فداء الله والوطن. ~~- الحب ليس هو الموت فداء شيء آخر، نحن لا ms089 نموت حبا في الله أو الوطن بل خوفا منهما، ~~لا أحد يذهب إلى الحرب إلا تحت سلطة التجنيد، ولا أحد يذهب إلى الكنيسة أو الجامع إلا ~~خوفا من النار، لا يموت في الحروب إلا أبناء الفقراء، ولا تكتظ الكنائس والجوامع إلا ~~بالعجائز والمرضى والمريضات. # في أعماقه كان سميح يتساءل، لماذا هي قادرة على الموت من أجلي وليست قادرة على أن تحبني؟ ~~لماذا لا تشعر نحوي بالشبق؟ لماذا تتجه شهوتها إلى رجل آخر مثل رستم لا يعرف المبادئ ولا ~~الأخلاق؟ # وتقول الفتاة لنفسها: عاطفتي لسميح أقوى من العواطف الأخرى كلها، ربما لأنها تتعلق ~~بشيء آخر غير الجنس، ربما بالروح، الأسمى من الجسد، أو هي الجسد في التحامه بالروح. # وكانت كارمن هي المرأة التي أحبها رستم، ولم يكن هو الرجل الذي تحبه، كانت مشغولة برجل ~~آخر لا تكاد تعرفه، وفي أغوار نفسها مشاغل أخرى تصرفها عن الجنس والحمل والولادة، لم تكن ~~الأمومة في نظرها غريزة بل قانون مفروض، وكان لديها غريزة أخرى ضرورية، تدفعها إلى البعد ~~عن زوجها، غريزة تجبرها على أن تعيش وحدها، أن تفكر بعقلها، أن تتطلع نحو الكتابة بشهوة ~~تفوق الشهوات الأخرى. # في خياله كان رستم يتخيلها في الفراش مع الرجال الآخرين، لم تكن مدربة على إثارة ~~شهوة الذكور، كانت أقرب إلى الفتاة العذراء، لا تفقد عذريتها وإن تعددت تجاربها مع ~~الرجال، أو مع النساء، تخرج من كل تجربة بمزيد من خيبة الأمل مع الصداع، عجز الأطباء عن ~~شفائها من الصداع المزمن، والاكتئاب الذي تستسلم له كأنه الحب، أصبحت أدراج مكتبها مملوءة ~~بزجاجات الأدوية، وكذلك أدراج الدولاب، والمنضدة بجوار سريرها، أصبحت الأقراص المانعة ~~للصداع والمضادة للاكتئاب تحوطها مثل الكتب والأوراق والأقلام، تحتمي فيها من ضجيج الأصوات، ~~وعناوين الصحف، والزحام وصراخ الأطفال، تجلس وراء نافذتها المغلقة بالزجاج المزدوج، تطل ~~على المدينة من بعيد، ترى الناس من دون أن يراها أحد، مثل الإله في السماء تعاني الوحدة، ~~تعشقها وتكرهها في آن واحد، تنفر من الناس ويستبد بها الحنين إليهم، تنادي في ms090 الليل على ~~رستم، فيأتي إليها، ما إن تراه حتى تبتعد وتقول : آه ليس أنت. وإن جاءها الشخص الآخر تقول: ~~ليس أنت. تبكي وحدها لأنها وحيدة، تبحث عن الحب دون جدوى، تبدو لغزا لكل من يعرفها، ~~مثل الحياة، مثل الموت، مثل كل شيء غائب وحاضر! يقول عنها رستم: هي رمز لكل شيء صعب ~~المنال، هي رمز لشيء بعيد جدا كالنجم في السماء، لا يمكن امتلاكها، وكلما ازدادت بعدا ~~ازداد الشوق إليها حتى الموت. # وكتبت كارمن في إحدى رواياتها على لسان البطلة تقول: الموت في الحب ليس إلا رمزا لشيء ~~آخر، ومن الغباء أن يموت الإنسان من أجل الرمز. # وكانت كلمة الرمز مقدسة، فهي ترمز إلى كل ما يعبده الناس من المهد إلى اللحد، إلى ~~كل ما يحفظه الأطفال عن ظهر قلب، وما ينشدونه في طوابير المدرسة كل صباح، الثالوث ~~المقدس، الأب والابن والروح القدس، أو الله والوطن والملك، وقد تم حذف كلمة الملك بعد ~~سقوط الملكية، وحل مكانها كلمة أخرى هي الرئيس، دائما كان هناك فرد مقدس. # وكان موسم الانتخابات على الأبواب، لم تهدأ حكاية الابن غير الشرعي حتى بدأ المتنافسون في ~~مجلس الشورى ينقبون عن فضائح أخرى، عثر بعضهم على نسخة من الرواية بخط زوجته كارمن، ~~توقفت عيونهم عند العبارة الأخيرة: «من الغباء أن يموت الإنسان من أجل الرمز»، في اليوم ~~التالي ظهرت المنشورات والملصقات فوق الجدران في الشوارع، أصبحت الزوجة متهمة بالعداء ~~للرمز المقدس، وانتقلت التهمة إلى زوجها، فهو المسئول عن زوجته، وكل راع مسئول عن ~~رعيته، أصبح رستم عدو الله والوطن والرئيس. # دب العراك بين رستم وكارمن في البيت، يضرب الهواء بقبضة يده غاضبا، أنت السبب في كل ~~المشاكل، أنت السبب في فشلي في كل حاجة، في السياسة والأدب والكتابة ... # في أعماقه جرح عميق لا يلتئم، جرح قديم مزمن لا يعرف متى بدأ، منذ أول لقاء أصابه ~~السهم، والألم في صدره بدأ كالإبرة تنخس، لا يهدأ الألم حتى يراها تبتسم في وجهه، وتعترف ~~أنها تحبه، لم تكن تعترف ms091 وتسأله يعني إيه الحب؟ يرد برسالة يكتبها إليها، يصف لها ~~خفقان قلبه، تسأله عما يعني بالقلب؟ وهل ينفصل عن الجسد والعقل؟ يرد في رسالة أخرى يسألها ~~ماذا تعني؟ وتقول كارمن، كلنا مرضى بالانفصام بين الجسد والقلب والعقل والروح، ويدور الحوار ~~بينهما من ليلة الزفاف حتى الموت، لا شيء يشفيهما من المرض إلا كلمة الحب، مع رشفات ~~النبيذ في الشرفة المطلة على النيل، كان رستم حائرا بين العقل والوجدان، يؤمن بوجود روح ~~خالقة ليس لها جسد، وكانت كارمن ترى أن الكون تطور عبر ملايين السنين، على شكل الدائرة ~~وليس الخط المستقيم، ويقول رستم في البدء كانت الكلمة، تسأله كارمن: أي كلمة؟ يقول كلمة ~~الله. يعترف وهو بين ذراعيها أن الفكرة لم تدخل عقله لكنها دخلت وجدانه العميق منذ ~~الطفولة، تسأله كارمن عما يعني بالوجدان! يتحير رستم قليلا ثم يقول: الوجدان هو الشعور ~~أو اللاشعور، حيث تسكن الروح جسد الطفل وتنمو معه من المهد لتفارقه بالموت. # يذوب الخلاف بينهما في الفراش مع العناق، يلتحم الجسدان في جسد واحد، تصبح الكلمات بلا ~~معنى، وتهمس كارمن عند بلوغ القمة: في البدء كان الجسد وليست الكلمة يا رستم، أعني الجسد ~~الكلي ويشمل العقل والروح والقلب والوجدان والنخاع والعظام، ويكون رستم قد أعياه الجهد وراح ~~في النوم العميق. # وقالت كارمن للفتاة حين زارتها في المستشفى النفسي: ما جدوى أن يربطوني بالحبال في أعمدة ~~السرير؟ ما جدوى أن يحبسوا روايتي في الدولاب المغلق بالضبة والمفتاح؟ # كانت كارمن راقدة في الغرفة رقم 1438، بعد أن سلط الأطباء على عقلها التيار ~~الكهربائي، لم تفقد الذاكرة رغم قوة الكهرباء، تعرفت على وجهها في ملامح الفتاة، تشبه ~~ابنتها الغائبة من الذاكرة، ولدتها في مكان وزمان لا تدري عنهما شيئا، راقدة وحدها في ~~الغرفة المغلقة الأبواب بالقضبان الحديدية، تشبه الزنزانة في السجن، على رأس السرير تتدلى ~~ورقة مكتوب عليها اسم المرض، زارتها الفتاة في وقت متأخر من الليل، بدت المستشفى جسدا أبيض ~~راقدا في الفراغ، المرضى نائمون غائبون عن الوعي، مخدرون بالسم المحقون ms092 في الدم، أو ~~التيار المسلط على الدماغ، يبدو المكان مهجورا والزمن منتهيا، المبنى كله غارق في ~~غيبوبة النوم أو الموت، مرضى ومريضات، أطباء وممرضات، إلا هي كارمن كانت واعية صاحية ~~تنتظر الفتاة، لم يعد أحد يزورها إلا الفتاة، ملامحها تشبه طفلة رأتها في الحلم، أو في ~~المرآة، وهي طفلة صغيرة، كانت راقدة مربوطة بالحبال، إلى جوارها فوق المنضدة علبة الأدوية ~~والحبوب المنومة والأقراص المضادة للاكتئاب، وإبريق الماء وصحون طعام، وكل ما يحتاجه ~~الإنسان إلا الورقة والقلم، وفوق جبينها المكتوب قبل أن تولد، قرار الاتهام والإدانة ~~... # لم يعد في إمكانها أن تنام رغم المنومات، تسرق من الليل ساعة أو نصف ساعة، ثم تفتح ~~عينيها المفتوحتين منذ الولادة، وتبقى شاردة في الأفق حتى تظهر نجمة الصباح، يصبح النهار ~~طويلا كالعبء تحمله وتمشي به، رغم أنها راقدة في السرير، تركب سيارتها الفيات الصغيرة ~~وتجول بها في شوارع المدينة، إلى جوارها تجلس الفتاة، يختلسان من وراء الزمن ساعة أو نصف ~~ساعة، يغار زوجها من الفتاة كأنما هي العشيق السري، أو الورقة والقلم والصفحة البيضاء، ~~يتقرب إليها بأمل إبعادها عن الكتابة، من دون جدوى. ظلت الرواية تطاردها حتى الموت، ~~وكانت الغرفة في المستشفى مظلمة، صف طويل من الغرف المغلقة، أبوابها من الخشب المطلي باللون ~~الأبيض، كل شيء في المستشفى أبيض حتى الكفن، وأعمدة السرير والأروقة، والأنين المسموع وراء ~~الجدران، وكعوب أحذية الأطباء فوق البلاط، وجاء رستم في زيارة بوجه كالملاك ثم تلاشى تحت ~~الضوء مثل سحابة الصيف. وقالت كارمن للفتاة وهي مربوطة بالحبال: افتحي الدولاب واقرئي ~~الرواية، إن الكتابة تمرين منذ الولادة حتى الموت، وتدريب على النطق من دون خوف، وهذا ~~مستحيل لأننا نعيش ونموت في خوف، النار الحارقة والكهرباء الصاعقة والأقراص المانعة ~~للاكتئاب. # وتواصل كارمن الكلام، لا خلاص ولا أمل إلا بالكتابة، ترى الفتاة في عينيها الدموع، لم ~~تهزمها إلا دموعها، تبقى إلى جوارها متجمدة داخل السكون، إن مدت يدها لتلامسها تنتفض ~~وتصحو من الغيبوبة، تبتسم في وجهها فتدرك أنها ابنتها الضائعة منها، تريد ms093 أن تطلق سراحها من ~~أكذوبة الحب، كأنما في يدها أن تطلق سراحها، وفي يدها مفتاح سجنها! # لعبة الحب كانت ترهق رستم، مثل لعبة الكتابة والانتخابات. كان يقول: الثلاثة تنقصها ~~الأمانة وصدق النوايا، أقبح ما في الثلاثة أن وجوه اللاعبين تنم عن الجد والرصانة، ~~يتشدقون بكلمات فخمة مفخخة بالعدل والحرية، يتناثر لعابهم في الجو من شدة ما يضغطون ~~على الألفاظ، يستعيرون من كتب الله ما يشاءون ويتركون ما يشاءون، كلهم ضحايا وآثمون، ~~رجال خونة، إلا زوجته الوحيدة دون العالمين يحبها، بعد أن يغرقها في الحب يسرع إلى نساء ~~أخريات، كأنما الخيانة ليست إلا تأكيدا للحب، يريد أن يشرب كئوس العالم ليعود إلى كأسه ~~المفضل، وهي تكتب عنه روايتها، تناديه باسم رجل آخر، تخلقه بشكل آخر يروقها، لم تجذبها ~~ملامحه الحقيقية، ولا رواياته المجلدة بأغلفة براقة، ولا صورته المنشورة على الناس، تحاول ~~التخلص منه في صورة الرجل الآخر، تهزها دموعه حين يعود إليها تائبا، يركع بين يديها ~~كأنما يصلي، يطلب الرحمة والمغفرة، كالطفل الباكي بين ذراعي أمه، أو العبد المؤمن بين ~~يدي الإله المعبود، وفي الصباح تفتح عينيها لتجده بين ذراعيها، تنفرج شفتاه عن ابتسامة ~~حين يراها، ابتسامة خاصة به وحده، لا تشبه ابتسامة أي رجل آخر، تدرك عن يقين أنها تحبه، ~~لن تحب أحدا غيره، تريد منه أن يرتدي ملابسه ويخرج دون عودة. # وقال رستم للفتاة ذات يوم: أنت وكارمن نقيضتان، لا شيء يجمعكما إلا جنون الكتابة، لا ~~يتسع فراش الواحدة منكما لرجل أو نصف رجل؛ فالمساحة كلها مشغولة بأوراق الرواية، والأقلام ~~المقصوفة والدموع الجافة، تحتضن كل واحدة منكما روايتها وهي نائمة كأنما رجل تعشقه، ~~تريد أن تلتهمه حتى النخاع، لتلد منه طفلها ثم تلقيه بعيدا مثل مصاصة قصب. # لم تكن مريم الشاعرة مثل زوجته، يشعر الرجال في حضورها أنها لا تشبه النساء، لا تنطبق ~~عليها مقاييس الأشياء، لا يمكن لرجل أن يملكها وإن كانت بين ذراعيه، لم تكن زوجة ولا ~~عشيقة ولا حبيبة ولا عاهرة ولا فاضلة، كانت هي مريم ms094 الشاعرة، وما هو غير ذلك، كانت المستحيل ~~والسراب الذي يجري وراءه الرجال والنساء من دون جدوى، كانت قادرة على الاستغناء عن كل ما ~~يقود إلى الفناء مثل الخنساء، أو الشاعرة الزباء، تردد أبياتها بعد أن اختارت الزباء ~~الشعر بدلا من أملاك الأرض وخزائن الخلق: # أمن بعد أن أمسي وأصبح حرة # وليس علي للرجال يدان # أصير لزوج مثل مملوكة له # لبئس إذن ما يكتب الملكان # لعيش بضر أو بضنك وحاجة # مع العز خير من صروف لسان # وشاعرة أخرى، هي عائشة القرطبية، قالت لرجل يريدها ولا تريده: # أنا لبوة لكنني لا أرتضي # نفسي مناخا طول دهري من أحد # ولو انني أختار ذلك لم أجب # كلبا وكم غلقت سمعي عن أسد # كانت الشاعرة تقول عن نفسها اللبوة التي لا تقبل إلا بالأسد، وهي أكثر من ~~ذلك، لأنها لا ترضى أيضا بالأسود. # عائشة القرطبية كانت من قرطبة، جرت في عروقها دماء عربية وإسبانية، عاشت الحرية وكتبت ~~الشعر، والشاعرة عفيرة الشموس، اغتصبها عمليق الطاغوت، فخرجت إلى الناس تسب الرجال من دون ~~الإحساس بالعار: # أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم # وأنتم رجال فيكم عدد النمل # ولو أننا كنا رجالا وكنتم # نساء لكنا لا نقر بذا الفعل # فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم # ودبوا لنار الحرب بالحطب الجزل # فللبين خير من تماد على أذى # وللموت خير من مقام على ذل # فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا # ويختال يمشي بيننا مشية الفحل # وتنشد مريم الشاعرة أبيات الخنساء، التي ترفض الزواج من رجل يقولون عنه سيد العرب، وهي ~~تراه غير ذلك: # معاذ الله ينكحني حبركي # قصير الشبر من جشم بن بكر # ولو أصبحت في جشم هديا # إذن أصبحت في دنس وفقر # والشاعرة هند أم الخليفة معاوية، شاركت في حروب قريش ضد النبي محمد، وبقرت بطن عمه ~~حمزة: # شفيت من حمزة نفسي بأحد # حتى بقرت بطنه عن الكبد # والشاعرة ليلى الأخيلية فرضوا عليها الزواج من رجل لا تريده فاستمرت على حبها للرجل ~~الآخر واسمه توبة، تلتقي به في العلن وليس الخفاء، وتكتب له ms095 أبيات شعرها، كانوا يرونه رجلا ~~قبيحا وهي تراه أجمل البشر: # لو رأيت توبة بأم عينيك لتمنيت أن تحمل منه كل امرأة في بيتك طفلا. # وسألها الخليفة عبد الملك بن مروان: ما رأى توبة فيك حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك ~~حين ولوك. # والشاعرة أم الورد التي سخرت من زوجها وقالت: والله لا يمسكني بضم ولا بتقبيل ولا ~~بشم. # والشاعرة رابعة العدوية، اغتصبوها وهي طفلة في سوق الإماء، هجرت الرجال وأجسادهم، وعاشت ~~مع الشعر وحبها لرمز العدل، والله: # قد هجرت الخلق جمعا أرتجي # منك وصلا فهو أقصى منيتي # تتألق مريم الشاعرة وهي تنشد أبياتها، وأبيات غيرها من الشاعرات، يشرئب عنقها الطويل وهي ~~واقفة خلف الميكروفون، تتألق تحت الأضواء، يضمر لها الرجال والنساء الكراهية والإعجاب، ~~يرمقونها بحسد، عيناها تتجاوزان رءوسهم، ترتفع فوق الأنوثة والذكورة وحدود الأشياء، يقولون ~~عنها مزدوجة الجنس متعددة الهويات، يفتشون في حياتها عن شيء يخدش الحياء، أو فضيحة تمس ~~الكبرياء، يغتابونها من خلف ظهرها، يكيلون الثناء في حضورها، لا تهتم بالمديح أو الهجاء، ~~تستمد قيمتها من نفسها، ولا يعرف رأسها الانحناء. ~~••• # فوق رمال الصحراء في ليلة دافئة، قال رستم للفتاة وهي بين ذراعيه: عاوز أعترف لك بشيء لم ~~أعترف به لنفسي. لم تر في عينيه مثل هذه الدموع، قلبه كان ينوء بإثم ثقيل، في العاشرة من ~~عمره كان راقدا في السرير، إلى جواره خالته، زوجها كان في السجن بتهمة قلب نظام الحكم ~~بالقوة والعنف، لم يحمل زوجها في حياته آلة قتل، كان يحمل القلم ويكتب قصائد شعر، أحد ~~أبياته قال فيه: نحن شعب من العبيد، نسعى وراء لقمة الخبز، في ظل صاحب الجلالة، الجالس فوق ~~العرش مدى الحياة. همست خالته في أذنه، أنت جميل يا رستم، لم تكن أمه موجودة بالبيت، قال ~~أبوه إنها تركته من أجل رجل آخر، وقالت خالته إن العكس هو الصحيح، طلق أبوه أمه بسبب ~~امرأة أخرى، لم يعرف رستم الحقيقة وهو طفل، تحوطه خالته بذراعيها الحانيتين، يبكي فوق صدرها ~~على أمه الغائبة، وهي ms096 تبكي فوق صدره على زوجها المحبوس، تمسح دموعه بشفتيها وهي تقبله في ~~خديه، تهبط شفتاها إلى فمه تلثمه وتهمس، أنت جميل يا رستم، ينام فوق صدرها وهي تهدهده، ~~يغمض عينيه متظاهرا بالنوم، مستسلما لذراعيها، مستشعرا لذة تلامس الجسد بالجسد، يدرك على ~~نحو غامض أنها من جنس آخر، ربما هي الأنثى وهو الذكر، ربما تكون اللذة آثمة عقابها النار ~~بعد الموت، لم تكن فكرة الموت تطرأ له وهو طفل، فما بال وجود نار بعد الموت، ينام في حضنها ~~حتى الصباح، تعد له الفطور واللبن الحليب، يشربه وهو مطرق الرأس، لا يقوى على النظر في ~~عينيها، يراها الشيطان الذي أخرج آدم من الجنة، في الليل تبدو له كالملاك الطاهر، تسري ~~الحرارة من جسدها إليه، تهمس في أذنه: أنت جميل والله يحب الجمال ... تقترن اللذة بالجمال ~~بالحب بالله وخالته، ماتت بعد عام واحد من موت زوجها في السجن، ارتدت ملابس الحداد السوداء، ~~بدت له امرأة غريبة لا يعرفها، لم تعد تحوطه بذراعيها في الليل، ولم يعد يشعر باللذة مع ~~امرأة غيرها، يستعيدها بعد موتها عن طريق الخيال، كانت حبه الأول والأخير، انحفرت صورتها في ~~وجدانه، مع صوتها الهامس في أذنه. ~~- وأنت ما ذكريات طفولتك؟ ~~- لم تكن لي طفولة. ~~- أنت محظوظة. ~~- ليه؟ ~~- ليس عندك ذكرى مؤلمة تشوه لذة الحب، والرجل في حياتك إنسان من البشر، لكن المرأة في ~~حياتي مجرد وسيلة لاستعادة لذة قديمة في الطفولة. ~~- غياب الطفولة يعني غياب الجذور، يعني شجرة معلقة في الهواء تذروها الرياح. ~~- أو هووه! أنت من تلميذات سيجموند فرويد! الطفولة ليست كل شيء، أعظم المبدعين في العالم ~~لم تكن لهم طفولة، لم تكن لهم أسرة، لا أب ولا أم ولا شيء، تنشأ الإرادة الإبداعية من ~~الحرمان وليس من الشبع، أنا أعاني من الشبع وفقر الروح. # يدور الحوار بينهما داخل حلقة مفرغة، ينتهي دائما بكلمة غامضة، مثل الروح، تحس به ~~بعيدا عنها، رغم وجوده معها في الفراش، كأنما هو روح بغير جسد، غير قابل للإمساك به، وإن ~~مدت ذراعها ms097 وأمسكت به يظل بعيدا عنها، يزيد البعد من شوقها إليه، تتأجج شهوتها ~~لجسده حين لا يكون جسدا، تفكر في هذا التناقض وهي بين ذراعيه، تريد أن تعيش الحب دون أن ~~تفكر، تريد أن ينفصل عقلها عن جسدها من دون جدوى، ربما كانت تنشد امتلاكه من خلال الحب، ~~أو تنشد تحرير نفسها من فكرة الامتلاك، رغم استحالة الشيء، أصبح رستم في حياتها ضرورة لا ~~تستطيع الاستغناء عنه، رغم ضرورة الاستغناء، تضعف إرادتها مع كل قطيعة وابتعاد، تعود إليه ~~أكثر خضوعا وأكثر حبا، وأكثر غضبا منه ومن نفسها، وأكثر كراهية له ولنفسها. # وقالت جمالات: هذا الحب مريض يا عزيزتي، اخلعي هذا الرستم من حياتك، اخلعيه كما تخلعين ~~الحذاء، اجعليه حذاء في قدمك ليجري وراءك، ولا تجعليه تاجا فوق رأسك ليلوي عنقك. # إن جاءها صوته عبر أسلاك التليفون فسوف تتلاشى نصائح جمالات في الفضاء، مثل أوراق الشجر ~~في الخريف تذروها الرياح، ويعود إليها صوت مريم الشاعرة، لحظة الحب في ضوء القمر تساوي ألف ~~عام ... وفي المستشفى النفسي تقول لها كارمن: الحب مثل الحياة لا يعرف إلا الأمل، ولا يكف ~~عن ولادة الحياة من جديد. لم تكن كارمن تطيق كلمة الولادة، تقول: النساء يفكرون في الولادة ~~طول الوقت، أعني ولادة الأطفال، تخاف الواحدة منهن كلمة عاقر كالموت، وأخطر منها كلمة عانس، ~~تجري النساء وراء الرجال ليس بسبب الحب، ولكن من شدة الخوف، ليس له علاج إلا ... # وتطبق كارمن شفتيها في إعياء، تتعلق بهما عينا الفتاة، قلبها يدق تحت ضلوعها، تلهث وهي ~~جالسة إلى جوارها، المستشفى غارقة في الظلمة والصمت، الكون كله نائم إلا هي جالسة في ~~مقعدها، وكارمن راقدة في سريرها، يأتيها صوتها كأنما من أفق بعيد، كأنما تمسك روحها ~~بيدها، وتحلق بها فوق المدينة، تنفرج شفتاها عن صوت هامس كمن تتكلم في النوم، تخشى إن ~~رفعت صوتها أن تصحو: إلا إيه يا كارمن؟ # ويأتيها الرد بصوت لا يشبه صوت كارمن قبل أن تدخل المستشفى، قبل أن يسلطوا على رأسها ~~تيار الكهرباء: إلا الكتابة ms098 يا ابنتي. # ترن كلمة ابنتي في أذنيها، أول مرة تسمعها بصوت كارمن، صوتها أصبح ضعيفا خائرا، مثل ~~صوت امرأة مكسورة الجناح، زوجة مهجورة أو أم مكلومة، ليست هي كارمن التي عرفتها. # كانت الفتاة حائرة، يدور السؤال في رأسها، هل تختلف أحزان المرأة عن أحزان الكتابة؟ ~~ويسألها رستم وهل تختلف أحزان الرجل عن أحزان الكاتب؟ # تلجأ الفتاة إلى سميح، يقول لها: الكتابة ترفع الرجل عما يسمى الرجولة، وترفع المرأة ~~عما يسمى الأنوثة، الكتابة ترفع الإنسان إلى مستوى أعلى من الفروق القائمة بيننا. # وتقول مريم الشاعرة: يضحي النساء بالكتابة من أجل الرجل، وبالحرية من أجل الحب! منتهى ~~الغباء. # كلمات مريم ترفع الفتاة إلى أفق جديد، كأنما تمسك روحها بيدها وتحلق بها فوق السحاب، ~~تسبقها في التحليق فوق قمم الأهرامات، ثم تتركها خلفها تتخبط بين السماء والأرض، معلقة ~~في الفضاء مثل السؤال المعلق في رأسها، هل أحب رستم خالته ولم يحب امرأة غيرها؟ كان ~~يقول عنها أجمل امرأة، لم يعرف امرأة أرق منها، لم يكن ما فعلته إثما، بل الحب النادر، ~~أكبر من حب الأم، تعيده إليها لتلده مرة أخرى أكثر تجددا. # تنهشها الغيرة من خالته الميتة، غريمتها ليست امرأة لها جسد، بل خيال أو صورة يحلم بها ~~رستم في الليل! فهل يمكن لها أن تنافس خيالا أو صورة تعيش في ذاكرته مثل الروح؟ وتقول ~~جمالات: أنت مجنونة ومكانك المستشفى مع كارمن. ويقول سميح: الكتابة مثل الحب تنبع من قمة ~~الجنون. لكن مريم الشاعرة تقول: الكتابة مثل الحرية تنبع من قمة العقل. ~~••• # كان يوما من شهر أغسطس، أسفلت الشارع يلين تحت حذائها من شدة الحرارة، التراب يتصاعد ~~إلى أنفها مع رائحة المجاري وزيت يغلي على النار، الزحام شديد، وجوه شاحبة مبللة بالعرق ~~مثقلة بالحزن، نظرات غاضبة مكتومة تختفي تحت غطاء أملس ساكن مثل سطح البركان، رءوس النساء ~~ملفوفة بحجاب أبيض أو أسود، أو متعدد الألوان، عيونهم مطرقة إلى الأرض، خطواتهم ثقيلة ~~بطيئة، السيارات تتسابق وأصوات الأبواق تزعق مع أصوات الميكروفونات وصراخ الأطفال، وعويل ms099 ~~النسوة وراء نعش ميت، الشمس عمودية ترسل لهبا، الرطوبة بلغت ذروتها وضاعفت الحرارة. # توقفت الفتاة لتمسح العرق عن وجهها بمنديل من الورق، لمحت في هذه اللحظة رأس رستم داخل ~~السيارة المرسيدس، شعره الأسود الغزير تتخلله الشعرات البيض، بشرته الملوحة بالشمس، ~~يداه فوق عجلة القيادة تتحركان بثقة وثبات، إلى جواره امرأة شعرها أبيض، ينظر إليها ويداه ~~فوق عجلة القيادة، في عينيه ابتسامة لم ترها أبدا، سألته عنها حين التقت به في الليل، ~~أنكر أول الأمر، ثم اعترف أنها صديقة له منذ سنين طويلة، تجمعه بها علاقة خاصة، وقال خاصة ~~جدا. # بصوتها الخائر في المستشفى كانت كارمن تقول: رستم كان يعيش أسيرا للماضي، مثلي، كنت ~~حبيسة الخيال الذي يعجز الواقع عن بلوغه، أحاول عن طريق الكتابة أن أسد الهوة بين الخيال ~~والحقيقة، من دون جدوى، ما إن أنتهي من كتابة رواية حتى أبدأ رواية أخرى، كأنما الكتابة ~~محاولة لتحرير الجسد من قبضة الروح. ~~- الروح؟! ~~- أحاول البحث عن كلمة أخرى غير الروح، لأن الكلمات القديمة لم تعد صالحة، الماضي ~~حقيقة ميتة، نحاول إحياءها بالخيال عن طريق الكتابة، وكان رستم يخلط دائما بين الأشياء، ~~مثلي تماما، نحن نتوارى خلف الكتابة لنفعل ما نشاء، لنعيش الحرية بصرف النظر عن ~~الأخلاق. ~~- وما هي الأخلاق؟ ~~- الوفاء بالوعد أو الإخلاص في الحب، لأن الحب لا يخلص إلا للحب، والصدق لا يخلص ~~إلا للصدق حتى في الخيال. # تطرق الفتاة برأسها في صمت طويل، تفكر في هذه الكلمة: الصدق! لم تعرف في حياتها الصدق، ~~لم تحب رستم ولا سميح، في خيالها رجل من مادة أخرى غير الجسد وغير الروح، تتفادى كلمة الصدق ~~في روايتها، ربما لأنها ليست كاتبة مثل كارمن، ولا شاعرة مثل مريم، ولم تقرأ كلمة الله ~~كما قرأتها جمالات، لا تستطيع أن تخلق من خيالها قصة حب لم تحدث، تبدو لها قصص الحب من وحي ~~الخيال المصنوع بأوهام الطفولة. # كان سميح يبعث في نفسها الطمأنينة، تلجأ إليه حين يستبد بها الوهم، حين يشتد حنينها إلى ~~رستم تسعى إلى ms100 سميح، يعرف أنها لا تقصده هو بالذات، ليس هو الوحيد في حياتها، وليست هي ~~الوحيدة في حياته. # الشمس غربت في ليلة صيف رقيقة، والفتاة تمشي على الشاطئ في جاردن سيتي، لمحت الضوء في ~~غرفة رستم المطلة على النيل، ترددت لحظة، هل تسير إلى بيته وتدق الجرس؟ تخيلته جالسا ~~يكتب، أو شاردا يرشف النبيذ وحده، توقفت عند الباب، ارتفعت يدها نحو الجرس ثم هبطت، الأفضل ~~أن تستدير وتعود من حيث أتت، كان سميح في معرض الكتاب في دمشق، وكارمن في المؤتمر الأدبي في ~~نيويورك، يبدو الحي خاليا من سكانه، يهربون من الحر إلى الساحل الشمالي، أو شواطئ البحر ~~جنوب أوروبا، جمالات كانت تقضي الصيف مع أختها في رأس البر، تصبح الشقة لها وحدها، تأخذ ~~حماما بالماء الساخن وتتمدد في سريرها، تغمرها لذة الوحدة، تشعر برغبة في شيء غامض، ~~تمتد يدها إلى القلم، ترسم فوق الورقة وجوها بلا ملامح، وأشكالا لا معنى لها. # وهي جالسة ممسكة بالقلم سمعت دقة الجرس، دخل رستم يرتدي قميصا أبيض ناصع البياض، جدران ~~الشقة بدت داكنة سوداء، في يده وردة حمراء وكتاب غلافه أزرق، كان عائدا لتوه من شاطئ ~~البحر، بشرته ملوحة بالشمس، صوته متحشرج قليلا كأنما أفرط في شرب النبيذ، وحرقته الشمس ~~مع مياه البحر المالحة، كلماته تتلعثم على لسانه، ثم قال بصوت قاطع: عاوز أقولك كلمة ~~أخيرة. # اخترقت كلمة أخيرة أذنها مثل شفرة الموسى، بدت الصالة ضيقة مكتومة الهواء، جدرانها ~~كالحة مبقعة، المقاعد مهترئة، برزت أسلاكها من القماش الأصفر الباهت، قميص نومها مكرمش ~~أكمامه ممزقة، تفضح فقرها، نامت فيه وبكت أكثر من ليلة، ربما تفوح منه رائحة عرق ودموع، ~~لم يكن عندها وقت لترتدي شيئا آخر، فوق المنضدة ورقة بيضاء مرسوم عليها نغبشة وحروف ~~مبتورة، تفضح عجزها عن الكتابة. # هرب الدم من وجهها وهي جالسة، تتلقى كلمته الأخيرة مثل مطرقة، تضرب رأسها ضربة واحدة، ~~ويدب الصمت، لم تسمع إلا خرير ماء يتساقط من الصنبور البالي فوق بلاط الحمام، ومن شارع ~~المبتديان جاء صوت ميكروفون حاد، ms101 ثم عاد الصمت ثقيلا، وهي جالسة وهو إلى جوارها جالس، داخل ~~الجدران الأربعة، كأنما يضمهما سجن واحد. # الصالة والشقة كلها تنتمي إلى جمالات، تحلق روحها عليهما من السقف والجدران، باب غرفتها ~~مفتوح، سريرها عريض يعلوه لحاف أحمر لامع، فوق نافذتها ستارة سميكة رمادية بلون حجابها، ~~ثلاثة أحذية تحت السرير، كعوبها عالية رفيعة مدببة، حذاء منها مقلوب فوق وجهه، كعبه ~~مكسور، التسريحة بجوارها النافذة، فوقها باروكة شعر ومكحلة وأصابع روج وعلب بودرة وقلم ~~حواجب وزجاجات عطر، عود بخور منطفئ عند المنتصف، وفنجان قهوة رشفت نصفه قبل أن تخرج، وتركته ~~فوق المنضدة، مرسوم على حافته آثار شفتيها الحمراوين. # غمرها الحنين إليها وهي جالسة صامتة، بدا رستم داخل المكان الأليف رجلا غريبا، لا ينتمي ~~إليها ولا تنتمي إليه، من جنس آخر وزمان آخر أو ربما من كوكب آخر. # لأول مرة تشعر أن جمالات أقرب إليها من رستم، تلفهما عاطفة حقيقية، كالأم وابنتها، ~~ورستم مجرد طيف، يظهر ويختفي، ولا يمنحها إلا الخيال. # اقترب منها وأمسك بيدها، حوطها بذراعيه، تركت له جسدها مثل وسادة يضع عليها رأسه ~~وينام، لم تشعر بشيء إلا أن الجسد شيء ما تملكه مصنوع من الوهم، وتذكرت كارمن، كانت ~~تراقبهما من بعيد، استأجرت جاسوسا يتبع زوجها أينما يذهب، يرقبهما من منظار في السقف له ~~عدسة سحرية، كان يعانقها وهي تفكر في كارمن، يصرفها التفكير عن الإحساس باللحظة الحاضرة، ~~صوته مشروخ متحشرج تخنقه دموع، كلماته مبتورة: # أخيرا ... فكرت ... الحل الوحيد ... نقطع العلاقة ... تمادينا فيها ... أكثر من اللازم ... دي ~~كلمتي الأخيرة ... الأخيرة ... # كلمة الأخيرة مثل السوط يضرب به وجهها المرة بعد المرة، تلتقي الضربات بشيء من الألم لا ~~يخلو من اللذة، تدرك عن يقين أنها لن تكون الأخيرة، وإن رددها مئات المرات، آلاف ~~المرات، لن تكون أبدا الأخيرة. وتهمس بصوت غير مسموع: أنت تتلاعب بالكلمات لتنال ما ~~تشتهي، ويغمرها بقبلات محمومة، فوق رأسها وشعرها وعنقها، يزحف بشفتيه الساخنتين فوق ~~جسدها، والدموع في عينيه، مسحتها بكف يدها، قبلته بحنان الأم، ابتعد عنها وهو يساوي ms102 شعره ~~ويعدل قميصه الأبيض: آسف، أنا مجنون، وأنت عاقلة جدا، عاقلة زيادة عن اللزوم، أنت كاتبة ~~فعلا. # وقال لنفسه بلا صوت: هي باردة مثل كارمن، أو فاترة، كانت المرة الأولى التي يقبلها فوق ~~الشفتين، ربما هو الخجل مثل العذراوات، أو الخوف، أو شيء آخر تراه في عينيه وعيناها ~~مغمضتان، أصابعه ترتعش زاحفة فوق جسدها، عيناه مغمضتان وذاكرته مفتوحة على الماضي، يقبلها ~~بحرارة الذكرى الطفولية، ابتعدت عنه قليلا وهي تساوي شعرها المنكوش، صوتها لا يكاد يسمع: ~~نسيت اللي قلته؟ ~~- قلت إيه؟ ~~- قلت لازم نقطع علاقتنا. ~~- آه صحيح. # اعتدل في جلسته وابتسم، ذاكرتك قوية تحسدين عليها، وهي موهبة تساعدك على ~~الكتابة. ~~- آه صحيح، لازم نقطع هذه العلاقة، لا يمكن أن نخون ثقة كارمن وسميح، دي أنانية مطلقة ~~خالية من الضمير! ~~- الضمير؟ ~~- أيوه الضمير! ~~- الحب لا يعرف شيء اسمه الضمير، الحب هو الضمير نفسه. ~~- أرجوك كفاية تلاعب بالكلمات. ~~••• # قبل أن تدخل كارمن المستشفى قررت أن تنهي الرواية، بدت لها رواية خالية من الأحداث ~~العظيمة، الحرب في العراق والمذابح في فلسطين، المظاهرات الشعبية في بلاد العالم، حركات ~~المقاومة ضد الحرب، وضد الفقر والعولمة، رواية تافهة غارقة في حياة أفراد لاهين بالحب ~~والنبيذ والخيانات، أمسكت الرواية لتلقي بها في صحيفة القمامة، ثم تذكرت أن رستم كان ~~يخوض معركة الانتخابات، وهي معركة حامية تشبه الحرب في ساحة القتال، زمن الحرب عند رستم هو ~~زمن الحب، في طفولته يغمره الحنين إلى أمه وهو يهتف في المظاهرات: لا للحرب لا ~~للاستبداد. ~~••• # استيقظت الفتاة من النوم على صوت المفتاح يدور في الباب، كعب جمالات العالي يدق بلاط ~~الصالة، تهمس بصوت خافت وهي تدخل الحمام، بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم، تطرد الأرواح الشريرة القابعة في جدران المرحاض، تتشمم الإثم في هواء الشقة ~~الراكد، ترتدي شبشبها البلاستيك، تزحف قدماها فوق البلاط، تبسمل وتحوقل، تمط أنفها هنا ~~وهناك تتشمم الهواء. ~~- رستم كان هنا؟ # تتفادى الفتاة النظر في عينيها، تهز رأسها علامة النفي أو الإيجاب، سيان، لم تعد ~~جمالات ms103 تحتل في عقلها مساحة كبيرة، لم تفهمها على حقيقتها أبدا، تتربع في سريرها في ~~ليالي الشتاء متدثرة بلحافها الأحمر، إلى جوارها فوق الكوميدينو طفاية السجاير، مليئة ~~بالأعقاب حتى الحافة، تدس السيجارة بين شفتيها الحمراوين، تتمتم بآيات القرآن، ترشف ~~النبيذ الرخيص يلسع الحلق كالسبيرتو، تتبع كل رشفة بشفطة دخان، تكيل الحمد لله على ما ~~أعطاها من نعم الدنيا، وما يغفر لها في الآخرة من ذنوب، تفسح للفتاة مكانا إلى جوارها في ~~السرير، وتحكي عن المرحومة أمها وزوجها المجحوم. ~~- كان جوزي راجل حمش، في ليلة سمعني بتكلم وأنا نايمة، كان المسدس تحت مخدته من أيام ما ~~كان في الجيش، يظهر سمعني بحلم بواحد غيره، الدم غلي في راسه وضربني بالنار، ربنا ستر ~~والطلقة طلعت أوت، قال لهم في التحقيق إنه عمره ما سمع مراته بتتأوه معاه زي ما سمعها ~~بتتأوه مع الراجل الثاني، ودمهم غلي زي دمه وطلعوه براءة، قوليلي إنتي بتكتبي ~~رواية؟ ~~- رواية؟ # تتفادى الفتاة النظر في عينيها، تهز رأسها علامة النفي، لم تفكر أبدا في كتابة ~~رواية، تحذرها جمالات من الكتابة، الله يلعن الكتابة واللي عمل الكتابة، ممكن أشيل الحجر ~~على ضهري أسهل من الكتابة، لولا الواد بهي برغل ما كانش الباب بتاعي يطلع كل أسبوع، طول ~~عمري أكره القراية والكتابة، لكن أعمل إيه؟ ربنا كتب علي إني أكون جمالات الكاتبة الكبيرة ~~... وتطلق جمالات ضحكتها العالية المرحة، تبدو جذابة في عين الفتاة حين تضحك، يكسو البريق ~~عينيها حين تتحدث عن الحب، تهوى قصائد العقاد وشوقي ورامي، تدندن بأشعار مريم وهي في ~~الحمام. # ذات ليلة والفتاة جالسة إلى جوارها في السرير، امتدت يدها إلى جسدها، أرادت أن تدربها ~~على ما تسميه فنون الحب، حوطتها بذراعيها وقبلتها فوق الشفتين قبلة حارة طويلة، ثم زحفت ~~يدها إلى صدرها وبطنها، حتى المنطقة المحرمة. # شدت الفتاة جفونها لتفتح عينيها، كأنما تصحو من حلم أو كابوس، وسمعت جمالات تقول: ~~الحياة الدنيا محطة قصيرة بين النوم والموت، والإنسان حيوان وقف على قدمين، إيه رأيك تدخلي ~~معانا المجموعة. ms104 ~~- مجموعة إيه؟ ~~- مجموعة بحث في علم الروح. ~~- الروح؟ ~~- ورستم معانا في الجمعية. ~~- لا يمكن! ~~- ليه؟ # لم تملك الفتاة الشجاعة لترد على السؤال، لم يؤمن رستم بوجود إله سماوي، فهل يؤمن بوجود ~~الروح؟ ترن كلمة الروح في أذنها مراوغة غامضة تتخفى وراء غلالة، تكاد تشبه وجه رستم حين ~~يقربه من وجهها، تلامسها شفتاه لحظة ثم تنسحبان مثل الخيال أو الوهم، لا شيء يبدو ~~حقيقيا إلا رائحة ماء الكولونيا اللافندر، تبقى في ذاكرتها مع نكهة النبيذ في الهواء، ~~يجمع بينهما الفراق أكثر من اللقاء، يقرر كل منهما أن يفارق الآخر من دون عودة، ثم ~~يعودان بقوة أكبر من إرادتهما، لا يعرفان ما هي، ومن أين تأتي، من السماء، من الأرض، من ~~الجسد، من الروح، من شيء آخر لا تعبر عنه الكلمات؟ # يرتعش صوت رستم حين تسأله عن الجمعية، يقول إنه عضو غير عامل، لا يرشح نفسه ولا يدخل ~~معركة الانتخابات، لا يؤمن بوجود الروح إلا في الخيال، في طفولته كانت خالته هي الروح ~~المحلقة فوق رأس السرير، كأنما هي أمه الغائبة أو أبوه، تكاد تشبه صورة الله في خياله، ~~يحبها ويخافها في آن واحد، يتغلب الخوف على الحب مع إدبار الطفولة، لم يعد يحب ~~النساء في شبابه، لا ينجذب إلى أجسادهن، لا تثيره أردافهن الممتلئة المهتزة مع كل خطوة، ~~ولا عطورهن النفاذة، رغم قوتها لا تخلو من نكهة الحيض، ربما ينجذب أكثر إلى أجساد الشباب ~~والفتيان، عضلاتهم مشدودة، سيقانهم رشيقة خالية من الشحم، وأردافهم نحيفة قوية. # وتضرب جمالات المنضدة بقبضة يدها، هذا الرستم عرفته من أول نظرة، يشتهي الرجال أكثر من ~~النساء مثل قوم لوط، ثم تضحك حتى تدمع عيناها، تمسحهما بمنديل ورق كلينكس، قوم لوط ذكرهم ~~الله في القرآن، مما يؤكد وجودهم في الحياة الدنيا، مصيرهم نار جهنم يا عزيزتي، لن يدخل جنة ~~عدن إلا الرجال الصالحون الذين ينجذبون للنساء فقط، والنساء الصالحات المنجذبات للرجال ~~فقط، لكن معصية الرجال أكبر من معصية النساء، لأن قوم لوط ورد ذكرهم، أما اللوطيات من ms105 ~~النساء فلم يذكرهم الله على الإطلاق في أي آية من الآيات ... إيه رأيك تدخلي معانا المجموعة، ~~عندنا اجتماع الجمعة الجاية، تعالي معايا شوفي بنفسك وبعدين قرري على مهلك. ~~••• # في الزقاق المظلم وراء جامع السيدة، داخل غرفة سقفها منخفض معبأة بالدخان، ورائحة ~~المسك والبخور، الشيشة المعمرة تدور عليهم بالدور، جمالات تجلس في الوسط، حيث بقعة الضوء ~~الساقطة من لمبة معلقة، حول السلك الكهربائي ذباب أسود ميت، فوق الأرض البلاط كليم رصاصي ~~اللون، مفروش من الجدار إلى الجدار، يتربعون فوقه على شكل الدائرة، تحت أردافهم شلت مربعة ~~ملونة، أمامهم مائدة منخفضة مستديرة تشبه الطبلية، من حولهم رفوف خشبية مشققة، تحمل الكتب ~~والمجلات، وأوراق قديمة صفراء، ومصاحف جديدة مصقولة الأغلفة، ومسابح ومباخر وإمساكية ~~الصيام، وخمسة وخميسة لطرد عيون الحساد. # أعضاء المجموعة ثلاثة وعشرون رجلا وامرأة، لا شيء يجمعهم إلا الرغبة في كشف سر ~~الروح. امرأة في الثمانين من عمرها، حفيدة لأحد الأمراء القدامى من أسرة محمد علي، طالب ~~في العشرين من إندونيسيا يدرس الفقه في الأزهر، أرملة متوسطة العمر من الإسكندرية مات ~~زوجها في الحرب، وزير سابق من مصر الجديدة هرب بأمواله ثم عاد، كيميائي صاحب صيدلية يعمل في ~~مؤسسة الأدوية، راقصة من التائبات المعتزلات مريضة بسرطان الثدي، أستاذ جامعي متخصص في ~~الطب النفسي، شيخ جامعي من حي الزمالك، قسيس كنيسة من شبرا البلد، و... # جمالات تتربع فوق الشلتة، يتسرب الوجع من جسدها والقلق، تسري في روحها طمأنينة، تشع ~~من حولها هالة من الضوء، يتطلعون إليها بعيون نصف مغلقة، تبدو لهم مثل الروح ~~المحلقة. # كانوا صامتين وهي تتكلم، صوتها في الضوء الخافت كأنما يأتي من عالم آخر، فيه بحة ~~منتزعة من شيء في صدرها تحت الضلوع، ليس القلب ولا الرئة ولا الكبد ولا الطحال، لا ينتمي ~~إلى أعضاء الجسم، كأنما يخرج من الروح. ~~- الروح لا يعلمها إلا الله، الروح غير محدودة بشكل أو جوهر أو مكان أو زمان، عقلنا غير ~~قادر على اختراق الجسد ونزع الحجاب عن الروح. # كلامها قديم ومكتوب منذ الأزل، ms106 لكن صوتها وبريق عينيها، وطريقة نطقها الكلمات وترتيبها، ~~الكلمة وراء الكلمة مع حركة الأصابع واليدين، كأنما تعزف على آلة موسيقية غير مرئية، تخرج ~~الكلمات العادية من فمها غير عادية، تحدث في رءوسهم رنينا أثيريا مثيرا للحنين القديم، ~~ونوعا من الخدر الغامض اللذيذ، مع شفطات الشيشة العميقة حتى القاع، ورشفات النبيذ ~~المعتق منذ بداية الزمن، ويبقى صوتها في رءوسهم حتى تكف عن الكلام. تتوالى أمام عيونهم ~~ذكريات الطفولة حتى يغادروا المكان. # كان رستم متربعا فوق الشلتة، متجمدا في جلسته، لا يحول بصره عنها، مشدودا بصوتها ~~والبريق في عينيها، كأنما هي الساحرة في ألف ليلة وليلة، أو العرافة القديمة التي كشف ~~الله عنها الحجاب، تعود إليه صورة أمه أو خالته الميتة، وصوت أبيه حين كان يرتل الآيات في ~~مولد النبي. # وكانت هي ليلة المولد، يعود إليه صوت أبيه يشبه صوت جمالات وهو طفل صغير، كرم الله ~~الرسول محمد في بطن أمه، رأت أمه في المنام كأنما خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وقيل ~~لها إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل ~~حاسد. وقال أبوه إنه رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، لها طرف في السماء وطرف ~~في الأرض، وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها ~~نور. # وتتسع عيناه الكبيرتان كعينيه وهو طفل، مع دوائر النور الساقطة من السقف، ورائحة البخور ~~والصندل المحروق والند، وظلال الأشباح المنكسة على الجدران، والتمتمة الهامسة بالآيات ~~المقدسة، والإحساس الطاغي بالإثم، يضم ركبتيه وهو جالس فوق الشلتة، كما كان يفعل وهو ~~طفل في الفراش، يتكور كالقنفذ حول نفسه، يستشعر اللذة والخوف من الله، والحنين إلى أمه، ~~تتجسد أمامه على شكل أختها التوأم، يعود جنينا في بطنها، تهمس في أذنه، أعوذ بالواحد من ~~شر حاسد، رأيت في المنام كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهري، لها طرف في السماء، وطرف في ~~الأرض، ثم أصبحت شجرة على ورقة منها نور، ms107 ستكون يا رستم سيد هذه البلاد تنقذها من الطغيان ~~والفساد. # وتذكر رستم حلم طفولته، كان يرى نفسه نبيا حملت به أمه تنفيذا لأمر الله، من أجل ~~إنقاذ العالم، أراد أن يدخل الجيش ويتدرب على السلاح، لم يكن يحب القتل ومنظر الدماء، ~~كان عقله مرتبا يميل إلى التفكير العميق، وقراءة كتب الفلسفة والروايات، لم يستطع إنقاذ ~~العالم عن طريقة الفلسفة ولا كتابة القصص ... وقال سميح: لا يمكن إنقاذ العالم إلا عن طريق ~~مجلس الشورى أو النواب. ~~••• # لم تدخل مريم الشاعرة هذه المجموعة، لم تكن تبحث عن الروح، تجمعها بجمالات صداقة قديمة ~~منذ الطفولة، عرفت جمالات الحرمان والشقاء والاغتصاب، كانت طفلة في الحادية عشرة حين أصبحت ~~أما لطفلة غير شرعية، لم تنظر في وجهها بعد أن ولدتها إلا لحظة خاطفة، انحرفت فيها ~~عيناها إلى الأبد، تراهما وهي في غيبوبة النوم، وتراهما وهي تمشي في الشارع، أي شارع وأي ~~زقاق، حين تلتقي عيناها بأي طفل أو طفلة. لم تلجأ إلى الله أو الصلاة من أجل الغفران، بل ~~بهدف النسيان، من دون جدوى، بقيت العينان في عينيها ثابتتين، قاطعتين كحد السكين، وإن ~~أغرقت عقلها بالنبيذ، وأحرقت صدرها بالدخان، وداست على قلبها بالحذاء، ونامت مع النساء ~~والرجال، وضحكت وقهقهت وتهتكت وتعرت وتحجبت وفعلت الخير أو الموبقات، تظل العينان في ~~عينيها كأنما أصبحت جزءا منهما أو كأنما هما عيناها. # وتبتلع مريم الشاعرة دمعة كبيرة حبيسة، تخفي بيدها عينيها لحظة طويلة كأنما نامت، ~~تتحرك يدها قليلا من شدة الإعياء، تظهر عين واحدة، واسعة وحمراء، شاخصة إلى السماء ~~ثابتة لا يطرف لها جفن، كأنما بلا جفون ولا رموش، كأنما احترقت جفونها ورموشها من البكاء، ~~تكاد تشبه عين الفتاة المحروقة بالكبريت والجاز. # تنحدر الدمعة الحبيسة فوق وجه مريم الجالسة مثل تمثال، لا شيء يتحرك فيها إلا شفتاها ... ~~جمالات صديقة عمري، أحبها بجنونها، وهي مشعوذة مثل قارئات الكف والفنجان، وضاربات الودع ~~والكوتشينة، قرأت في المدرسة وهي طفلة شيئا في علم النفس، تدربت على أن تلمس في الناس ~~نقطة الضعف، تعزف ms108 عليها مثل الوتر المشدود في العود، تحاول من خلال المجموعة أن تكسر قوقعة ~~الحزن، أن تحطم جدران الخوف، أن تطلق سراح ذاكرتها الطفولية، أو روحها الحبيسة. # رنت كلمة «روحها» في أذن الفتاة، اتسعت عيناها بذهول كأنما تصحو من نوم طويل عميق، ~~ترددت الكلمة في رأسها: روحها، روحها. أتؤمن مريم الشاعرة بوجود الروح؟ ترى السؤال في ~~عينيها، تواصل كلامها كأنما سمعتها. ~~- الروح هي الحرية، نحن ننشد الحرية منذ الولادة حتى الموت، نحن ننشد الحرية في الحب وفي ~~الكره، حتى يصل الجسد إلى قمة اللذة أو قمة الألم، تنطلق المعرفة الحبيسة في العقل على ~~شكل الصرخة الممدودة إلى الأبد، لا تختلف صرخة اللذة عن صرخة الألم، فالهدف واحد، الانطلاق ~~من القيود والأغلال المزمنة منذ الأزل. # وتنهدت مريم الشاعرة تنهيدة عميقة، وأنشدت بصوت الحالمة في النوم، قدماها ممدودتان على ~~حافة السور الخشبي للسفينة على شاطئ النيل: # الحرية هي المعرفة، # والهدف من كل شيء، # حتى الشعر والرواية! # وإلا لماذا # تكون الطبنجة في السجن # أكثر براءة # من الورقة والقلم؟ # مطار القاهرة يكاد يكون خاليا قبل طلوع الفجر، سحابة سوداء وشبورة كثيفة تمنع الرؤية، ~~الجو مشبع بالرطوبة والدخان وبخار الماء، منتصف شهر أغسطس، صوت عجلات الطائرة تنزلق فوق ~~أسفلت الممر بسرعة الضوء، تنفصل عن الأرض في لحظة خاطفة وتحلق في السماء، كأنما يفرد ~~سميح ذراعيه ويطير بجناحين، يرتفع فوق بيوت المدينة، والعمارات والمآذن والأبراج، وكل ~~الأشياء، يدب رجال البوليس بكعوب حديدية على الأرض، يظهرون ويختفون كالأشباح، والصحف ~~الصفراء تغرق الأسواق بلون الوباء الكبدي، تتوالد وتتكاثر مثل الذباب، العناوين الكبيرة ~~بالحبر الأحمر، عن الدم المراق في فلسطين والعراق وأفغانستان، والأموال المهربة خارج ~~البلاد، وتزايد الفقر والهوة بين العبيد والأسياد، وانتشار كلمة الهوية في الكتب والمقالات، ~~والتسابق لنشر الأخبار عن بنات الهوى والحمل السفاح، ومخادع الرؤساء والملوك في العصور ~~السابقة، أو في البلاد البعيدة فيما وراء البحار. # عند بوابة المطار وقفت ثلاث نسوة بالجلاليب والطرح السود، ينتظرن وصول الميت داخل ~~الصندوق، ورجل عجوز محني الظهر يمسك بيد طفلة ms109 ناعسة تبربش بعينيها فيما حولها من دون وعي، ~~والفتاة كانت واقفة عند باب الخروج تحملق في ظهر سميح وهو يمشي، يجر من خلفه حقيبة كبيرة ~~لها عجلات، ملمس شفتيه على وجهها لحظة الوداع، شفتان دافئتان ناعمتان تنسحبان عنها في رقة ~~الهواء، كانسحاب الروح من الجسد. ~~- سميح؟ # توقف لحظة ثم استدار، رآها واقفة عند الباب، عيناها شاخصتان إليه، ثابتتان، قاطعتان ~~كحد السكين، انفرجت شفتاها وابتسمت، لوحت له بيدها، رفع ذراعه ولوح بيده، صوته يسري ~~في أذنها منذ الليلة الماضية، في جيبه الورقة مكتوب عليها العنوان بخط يدها، اسم يولاندا ~~واسم الشارع، ورقم البيت، والمطعم، سوف تدعوه يولاندا إلى صحون الباييلا مارنيرا والنبيذ ~~الكاتالاني وتمنعه من الانفراد بالطفلة، تخشى أن تهرب بها إلى المطار، تتشبث بها وتقول ~~بكلمات كاتالانية وإشارات بيدها إلى قلبها، وسميح يرد عليها بالإشارات وكلمات عربية. ~~- نورية حفيدتي ابنة ابني فرانسيسك. ~~- نورية ابنتي أنا. ~~- ومن أنت؟ ~~- أنا سميح ... أبوها. ~~- وكيف عرفت أنك أبوها؟ ~~- ملامحها تشبهني بالضبط، نسخة طبق الأصل مني. # وتضحك يولاندا في سخرية، تلفظ كلمة «ملامح» بطرف لسانها، ليس عندنا كلمة ملامح في القانون ~~الكاتالاني، فالملامح تتشابه؛ يخلق من الشبه أربعين كما يقولون عندنا في كاتالونيا، القانون ~~عندنا يعتمد على حقائق العلم. # تقصدين تحاليل الدم وال... # DNA ~~؟ ~~- أيوه، أثبت التحليل في المعمل أنها ابنة فرانسيسك. ~~- العلم مثل أي شيء في الحياة لا يمكن أن يكون مائة في المائة، هناك دائما ما ينقص الشيء ~~ويمنعه من أن يكون كاملا إلا الله، هو وحده الكامل. ~~- أتؤمن بوجود الله يا سميح؟ نحن هنا في كاتالونيا لا نؤمن إلا بالعلم والحقيقة. ~~- الحقيقة ليست مطلقة يا يولاندا، الحقيقة نسبية وهناك دائما شيء ينقص الحقيقة يمنعها من ~~أن تكون كاملة. # تتذكر الفتاة هذه العبارة الأخيرة، كان رستم يقولها عن الحب، إن هناك دائما ما ينقص ~~الحب ليكون صادقا، وما ينقص الفضيلة لتكون فضيلة. وكانت كارمن تقول: هناك دائما ما ينقص ~~الرجل ليكون رجلا، ورستم يسعى لتبرير الفساد بنظرية النسبية. ~~••• # فوق السرير في المستشفى رأتها ms110 راقدة في غيبوبة، فكوا عن جسدها الحبال، رأسها مربوط ~~بتيار الكهرباء، ذراعها مرفوعة فوق الوسادة، داخل الوريد إبرة تنقل إليها السائل من زجاجة ~~معلقة في الهواء، شفتاها لونهما أبيض، صدرها ساكن إلا من حركة غير مرئية. # نادت بصوت خافت: كارمن ارتعشت رموشها المتلاصقة فوق الجفون المغلقة، لم تنفرج شفتاها عن ~~صوت، جلست إلى جوارها على طرف السرير داخل الصمت كأنما إلى الأبد، بدت اللحظة الحاضرة ~~ممدودة في الماضي الميت والمستقبل غير الموجود، مدت يدها لتلمسها فارتجفت، كأنما تلمس ~~جسدا ميتا، جاءت الممرضة وهمست في أذن الفتاة: كانت بتسأل عنك طول الوقت. ~~- عني أنا؟ ~~- كنت فين؟ ~~- في برشلونة. ~~- كلميها يمكن تسمعك. ~~- هي صاحية؟ ~~- عقلها صاح، كلميها يمكن ترد عليك. # ناولتها الممرضة شيئا وعيناها ترقبان الباب، وضعته في يدها، وهمست في أذنها، افتحي ~~الدولاب قبل ما يوصلوا، الرسالة أمانة، خدي الرواية واهربي، كان نفسها تشوفك وطول الوقت ~~تسألني بنتي راحت فين. # كان الظلام يهبط، والمستشفى يصبح في الكون الأسود نقطة بيضاء، والرجال الثلاثة داخل ~~سيارة طويلة سوداء، تتحرك على مهل من وراء الحجاب، تبدو من بعيد كالشبح، أو الروح ~~القدس، وكان الشارع مليئا بالحفر والمطبات، على حافة بين الأرض الأسفلت ورمال ~~الصحراء. # من النافذة رأتهم الفتاة، واقفة منتصبة مثل تمثال، تقاطيع وجهها حجرية بارزة، عيناها ~~ثابتتان ثاقبتان قاطعتان كحد السكين، من خلفها سمعت صوت كارمن يهمس، بكلمات مبتورة: ... إه... ~~إهر... اهربي ... يا ... يا ... بن... بنتي ... يا بنتي. رنت كلمة «بنتي» في أذنها وهي واقفة وراء ~~النافذة، كان ضوء الكشاف يسقط فوق رأسها، اهتزت خلية في عقلها، تدور فيها كلمة واحدة مثل ~~نقطة ضوء في الظلام: أمي. # فوق السرير كان الجسد الميت يتحرك، انفتحت عيناها الكبيرتان عن آخرهما، رأت الرجال ~~الثلاثة يدخلون من الباب على أطراف أصابعهم، يتقدم الأول في يده الكشاف، لا يظهر منه ~~إلا قبعة فوق رأسه، أو شيء مما يرتديه رجال الجيش أو البوليس، يده ممدودة أمامه ممسكة ~~بشيء أسود مدبب، رأس الرجل الثاني ملفوفة بالقماش، اللفة، مثل تلافيف العمامة، ms111 أو شيء ~~مما يرتديه الرجال من ذوي القداسة، الرجل الثالث كان عاري الرأس، بين شفتيه سيجار سميك لونه ~~بني داكن، ساقاه الطويلتان الممشوقتان داخل بنطلون جينز ضيق، لم تره إلا من ظهره بعد أن ~~دخل، ووقف خلف الفتاة فاتحا ساقيه المشدودين داخل البنطلون الجينز الأزرق، رافعا يده ~~اليمنى، مصوبا الشيء الأسود المدبب إلى ظهرها، وقبل أن تسمع طلقة النار، سقط ضوء من ~~خارج النافذة كاشفا إليتيه المضغوطتين تحت الجينز المستورد، الشبيه بجلد النمر، فوق الإلية ~~اليمنى قطعة مربعة من القماش ذاته، لونها أكثر زرقة، مثبتة في البنطلون كأنما قطعة ~~منه، تعلوها حروف بارزة مشغولة بخيوط حمراء، يظهر الحرف وراء الحرف حتى تكتمل الكلمة، مثل ~~الإعلانات فوق الأعمدة في الشوارع والأزقة، تضيء كلها بقوة، ثم تنطفئ لتضيء من جديد، من ~~الحرف الأول إلى الأخير حتى تكتمل الكلمة، ثم تنطفئ ويظلم الكون. # أضاء عقلها كأنما لأول مرة، قبل أن تنطلق الرصاصة، تحركت ذراعها اليمنى من فوق ~~السرير، امتدت يدها إلى الزجاجة المعلقة فوق رأسها في الهواء، أمسكتها بأصابعها الخمسة، ~~كان السائل يرتج داخلها، جدرانها من الزجاج الشفاف اللامع، يتدلى منها خرطوم طويل أسود، ~~ينتهي بالإبرة المغروسة في ذراعها اليسرى، كانت هي لحظتها الأخيرة لإنقاذ ابنتها، لا شيء ~~بعدها إلا العدم، وانتزعت القوة من براثن الموت، قوة خارقة للعادة، لا يعرفها إلا ~~الموتى قبل النفس الأخير، يتلاشى الخوف من الموت والنار والسجن والجوع والجنون وكل شيء، ~~تنطلق الروح الحبيسة بقوة غير بشرية، كأنما قوة إلهية أو شيطانية أو الاثنتان ~~معا. # وبهذه القوة قذفت كارمن الزجاجة باتجاه الرجل، انطلقت كالقذيفة بسرعة أكبر من سرعة الضوء، ~~ثم انفرجت في مؤخرة رأسه، محدثة صوتا خارقا لقوانين الصوت، أيقظ الأطباء والممرضات من ~~النوم، وأفاق المرضى والممرضات، الغائبين والغائبات عن الوعي. # واختفت الفتاة في تلك اللحظة، لم يلحق بها أحد، ابتلعتها شوارع المدينة والأزقة، كأنما ~~هي جزء من المدينة والأزقة، تشق الليل بجسمها النحيف الممشوق، تقاطيع وجهها كأنما نحتت في ~~الحجر، عيناها ثابتتان ثاقبتان قاطعتان كحد السكين، وكانت ms112 السماء سوداء إلا من الشفق ~~الأحمر، عند خط الأفق البعيد، يتصاعد في بطء مع نور الفجر. ~~••• # عندما صدرت الرواية كانت الأرض غارقة في الدماء، وكانت السماء زرقاء صافية، غير مبالية ~~بما يحدث فوق الأرض، والقتلى يتساقطون والقتيلات، تختلط أجسادهم بعضها بالبعض الآخر، لا ~~يمكن التعرف على الذكر من الأنثى، أو المسلم من القبطي، أو العربي من الأعجمي، وبدا الموت ~~جميلا في عيون الأطفال، لأنه لا يفرق بينهم. كانت الطفلة تلعب في الشارع، حين برز فوق ~~صدرها ثديان صغيران، وضغط الرجل الكبير على ثديها قبل أن يدركها الوعي ثم رفع بيده جلبابها ~~القديم، فانكشف عنها الغطاء، رمقته بعينيها الثاقبتين، وانحفرت نظرته في ذاكرة الطفلة إلى ~~الأبد، أصبحت تعرفه وتتعرف عليه وإن تغير وجهه، لم يكن له وجه واحد، كانت الوجوه متعددة ~~مع تعدد الأحزاب وتعدد المجالس القومية العليا والانتخابات الحرة، يتغير وجهه من موسم ~~إلى موسم ... لا يتعرف عليه أحد إلا هي، تعرفه من عينيه، من رائحة معجون الحلاقة، ودون ~~بقية الملامح. # وأحدثت الرواية غضبا عارما. المؤلفة صغيرة مجهولة الاسم، بلا أب ولا أم، ولا هوية ~~مختومة ولا ملامح معروفة، لا تعرف القراءة ولم يندرج اسمها ضمن الكاتبات، قوامها ممشوق من ~~طول المشي سعيا وراء الرزق، يرتكز على عمود فقري صلب، وكان موسم الانتخابات على الأبواب، ~~والصحف الصفراء تتكاثر كالذباب، وهناك المجلس القومي يسمونه المجلس الأعلى، بطل الرواية ~~عضو اسمه رستم، في الخامسة والخمسين، يبدو شابا رياضيا، يمارس لعبة الجولف كل يوم، ~~يرتدي بدلة أنيقة، وربطة عنق سوداء علامة الحداد، يتمتع بسمعة طيبة، والوفاء لزوجته ~~الميتة، حليق الوجه تفوح منه رائحة الكولونيا «لافندر». # توقف رستم تلك الليلة القمرية أمام الكشك على الناصية، صاحب الكشك شاب من أبناء ~~الشهداء، تتدلى المسابح والمصاحف فوق واجهة البوتيك، والمباخر وإمساكيات رمضان وأحجبة ~~النساء. تهلل وجه الشاب كعادته حين رأى رستم: أهلا سعادة الباشا. # يناوله الشاب الرواية الممنوعة ملفوفة بحجاب، وقطعة صغيرة مما توضع في الشيشة أو تحت ~~اللسان. ~~- الأخبار إيه يا محمد؟ ~~- اليورو طالع يا ms113 سعادة الباشا والدولار نازل. # يناوله رستم المظروف، يختفي الشاب وراء القبو الخشبي ، ثم يعود حاملا الكيس البلاستيك ~~الأسود. ~~- عدهم يا سعادة الباشا. ~~- عيب يا محمد. ~~- يلزمك كم إمساكية يا باشا؟ ~~- مالوش لزوم يا محمد، النجاح مضمون. ~~- الدولة كلها معاك يا باشا وألف مبروك ع الجايزة. ~~- الله يبارك فيك يا محمد. # في الليل، قبل أن ينام، ينزع الحجاب عن الرواية، كأنما ينزع الملابس عن امرأة، كان يعشق ~~القراءة مع الدخان والكأس، تتحرك شهوته للمحرمات، بحسب المثل الشائع: كل ممنوع ~~مرغوب. # على الغلاف كانت صورة المؤلفة الشابة، داخل مربع صغير، تسمرت عيناه فوق العينين ~~الثاقبتين، كأنما رآهما من قبل في الحلم وهو نائم، أطفأ النور بجوار السرير، دفن وجهه في ~~الوسادة وراح يبكي حتى سقط في النوم. ~~••• # صدرت الرواية وأحدثت غضبا عارما، زعقت الأصوات عبر الميكروفونات، وأبواق السيارات ~~وصفارات البوليس. انتشر رجال بالسراويل الكاكي في الشوارع والميادين، والأزقة المسدودة، ~~يفتشون عن الرواية داخل المكتبات والأكشاك، فوق الأرصفة على النواصي، تحت مراتب الأسرة ~~في البيوت، إلا بيت رستم، كان يتمتع بالحصانة كعضو في مجلس الشورى، لا أحد يسأله عن شيء ~~مثل غيره من أصحاب المكانة، كلما ارتفعت المكانة نقصت المسئولية، بحسب اللائحة والقانون، ~~وتزيد المسئولية في حالة المرأة، وإن كانت ميتة. # لم تكن كارمن ميتة، فهي تعيش في روايتها، أو على الأقل في ذاكرة رستم، يضع مقعدها على رأس ~~المائدة، لن تجلس عليه كارمن أو أية امرأة غيرها، يزيد الإخلاص الزوجي بعد الموت، سيقيم ~~رستم لروايتها حفلا الليلة، سيضع الرواية فوق المنضدة الرخامية محاطة بباقات الورد، وعيون ~~المعجبين والمعجبات، لن تنهشه مشاعر الغيرة، يبدو الموت جميلا، أكثر جمالا من الحياة، ~~يقضي الموت على الغيرة وكل المشاعر الخسيسة، يصبح القلب أبيض نقيا مثل صفحة بيضاء غير ~~مكتوبة. # دق جرس الباب، أوه! مفاجأة سارة أو غير سارة، لم يعد السرور شيئا هاما، تقاطيع ~~وجهها منحوتة حجرية غير قابلة للموت، عيناها ثاقبتان كحد السكين، تكاد تشبه عيني كارمن وكل ~~العيون الميتة، يكسبها الموت رهبة الآلهة والشياطين ms114 والأرواح الخفية، تأتي من الباب الخلفي ~~من دون موعد، لا تتبع تقاليد العائلات الراقية في جاردن سيتي، تدخل بخطوة واسعة سريعة، تدوس ~~الأرض بحذائها القديم المترب، ترمقه بعينيها ولا يطرف لها جفن، ينجذب إليها بقوة غير ~~منطقية، يقول لنفسه، انجذاب غير مفهوم لفتاة مجهولة الاسم مجهولة الأصل، لا يندرج اسمها ضمن ~~الكاتبات المحترمات، تعيش في زقاق مسدود في حي السيدة، عاملة فقيرة من الفئات الدنيا، ~~تحمل سفاحا منه أو من سميح أو رجل آخر، غير معروف الاسم، انجذاب غير معقول يمتد إلى ما ~~وراء العقل، ربما إلى الروح، تنجذب روحه إلى جسدها الطويل الممشوق، وملامح وجهها المألوف ~~الغريب، المذهل في غرابته وألفته، يكاد يشبه الوجه الذي يطل عليه من المرآة كل يوم، الوجه ~~ذاته الذي يظهر له في النوم، مثل إبليس، الوجه الملزوق على الملصقات فوق الجدران، في موسم ~~الانتخابات، المنافسون له في المجلس يذكرون ابنه غير الشرعي، يتهامسون قبل فرز الأصوات بما ~~يلهب خيال الناخبين، يصبح له بدل الابن الواحد ثلاثة أو أربعة أو أكثر، وابنة واحدة غير ~~شرعية يلتقي بها سرا في الشاليه في صحاري سيتي، يرسمون صورته إلى جوار تمثال رمسيس ~~الأكبر، يندفع منه خرطوم البول ليغرق المدينة، كان الفرعون العظيم يقدس ذاته، وكل ما يمتد ~~خارج الذات، وإن كان على شكل الماء، كان يسكب ماءه المقدس في رحم أي واحدة من الحريم، ~~وإن كانت أخته وابنته، وكل ما يفعله الإله فرعون يندرج تحت الشرع والقانون ... آه يا رمسيس ~~الأكبر، يا من تعيش إلى الأبد، بجسدك الحجري وملامحك المنحوتة في الصخر، ونظرتك الثابتة لا ~~يطرف لها جفن، يا رمسيس يا ... يا نرسيس يا عابد ذاتك. # تدخل الفتاة، هي نفسها بجسمها وملامحها كما كانت، وكما هي بالضبط، الوجه الشاحب الدم ~~تنقصه الفيتامينات، الملامح الحجرية الحزينة إلى الأبد، الظهر المنتصب فوق عمود فقري صلب، ~~تزهو بنفسها رغم الفقر وانعدام الأصل، يرتج الشيء تحت ضلوعه حين يراها، ارتجاجة غير ~~مفهومة، مزيج من لذة جسدية جديدة وشعور قديم بالذنب، خليط من ms115 عذاب الروح وتأنيب ضمير غير ~~موجود، عيناها مرفوعتان بنظرة استعلاء، كأنما مشبعة بشبق العقل، وما هو أكثر من ذلك، لا ~~شيء يشبعها وإن كانت قمة اللذة في الفراش، عقلها التواق المراوغ الشبقي إلى الأبد، ~~ملابسها المهملة الرخيصة تبدو غالية، رباطة جأشها مثل لبؤة لا يرضيها الأسد، ليست عذراء ولا ~~غير عذراء، ولا أنثى ولا ذكر، لا شيء يغيرها وإن اجتازت البحار، وحملت سفاحا من بذور ~~الأشجار، تعود كما كانت من دون أن تبللها قطرة ماء، أو تعلق بأهدابها قطرة دمع. # يردد رستم بصوته المتحشرج: ياه! إيه المفاجأة السارة؟ # يتعانقان في اللحظة الحاضرة قبل أن تنزلق إلى الماضي، وتروح في العدم، يمسكها بيديه ~~الاثنتين كأنما طائر يخشى أن يفرد جناحيه ويطير، يقبض عليها كمن يقبض على الهواء أو شبح من ~~الماضي، يتراجع رستم خطوة إلى الوراء، أو نصف خطوة، يرى نفسه في المرآة المثبتة في الحائط، ~~عيناه رماديتان مبللتان بدموع حبيسة، يختزن وراء عينيه دموعا كثيرة، يخشى أن ينام حتى لا ~~يبكي في الحلم. ~~- رجعت إمته من برشلونة؟ ~~- من شهرين. ~~- ياه! من غير ما أعرف؟ ~~- كان لازم تعرف ... يعني؟ ~~- طبعا والا إيه؟ ~~- إيه. # يضحك رستم على النكتة، ويقول لنفسه صدفة غير معقولة، تغيب وتعود منذ شهرين، ولا تأتي ~~إلا هذه الليلة. ~~- الليلة عندنا حفلة كبيرة. ~~- حفلة؟ # تقول لنفسها، غير معقول أن يقيم حفلة كبيرة بعد موت كارمن بثلاثة أيام، لكن الأمر يبدو ~~معقولا، هناك شيء في الموت يستوجب الاحتفال، شيء جميل في الموت لا تراه العيون المغلقة، لا ~~يفتحها إلا الموت، لا يرى رستم نفسه في المرآة، هناك شخص آخر يقف وراء المرآة، يرتدي ~~ربطة عنق زاهية الألوان، خلع الربطة السوداء بعد ثلاثة أيام الحداد، ومن أجل الاحتفال ~~بالرواية، لا تليق الربطة السوداء بحفل كبير تحصل فيه كارمن على جائزة الرواية. ~~- أي جائزة؟ ~~- جائزة غير معروفة لا تكتب عنها الصحف. ~~- غير معقول يا رستم! ~~- معقول جدا؛ فالصحف تكتب عن جوائز الدولة، وهذه الجائزة لا تملكها أي دولة. ~~- ومن يملكها؟ ~~- لا أحد. ms116 أعني كل الناس. # يتلاعب رستم كعادته بالألفاظ، فالكلمات لعبته في السياسة في السلم وفي الحرب، في الحب ~~والكره وكل شيء، أتقن رستم قواعد الألعاب منذ الطفولة. ~~- على أي حال أنا سعيد بعودتك إلينا. # يردد كلمة إلينا بالجمع، يعني هو وكارمن وسميح، ينسى أن كارمن ماتت وسميح سافر، ينسى ~~غيابهما كما كان ينسى وجودهما. يكرر بدون وعي: أنا سعيد بعودتك، كأنما السعادة تستوجب ~~غياب الوعي. ~~- صدفة غير معقولة. ~~- كل الصدف غير معقولة. ~~- بما فيها لقاؤنا الأول. ~~- يمكن. ~~- ولقائي الأول بكارمن؟ ~~- وسميح وسوزي. ~~- وجمالات ومريم الشاعرة وكل الناس. # ويكاد يضيف بلا صوت: ودخولي رحم أمي بالصدفة في لحظة حب عابرة بينها وبين أبي، وبالصدفة ~~أيضا جاء ابني محمد إدريس الذي يحمل اسم رجل آخر بالصدفة، ويهمس لنفسه من دون أن ينظر ~~إليها، الحياة كلها صدفة والموت صدفة، والرواية الجيدة صدفة، لولا ظهور الفتاة صدفة في حياة ~~كارمن ما كانت الرواية. ~~- قرأت الرواية؟ ~~- أيوه. ~~- أعطتنا جميعا أسماءنا. ~~- يمكن. ~~- إلا أنت. ~~- لست أنا بالضبط. ~~- ما معنى ذلك؟ ~~- ربما فتاة لها ملامحي. ~~- كنت أتمنى أن تكون كارمن موجودة في الحفلة. ~~- كارمن موجودة على العموم. ~~- بالروح على الأقل. ~~- الروح ليس أقل من الجسم. # ترد عليه بثقة أكبر، يكبرها بثلاثين عاما، تبدو أكبر منه، على الأقل فيما يخص الروح، ~~كلمة الروح مراوغة يمكن أن تقوده إلى الهاوية، أنقذ عقله بمشقة كبيرة من الجمعية، كاد ~~أن يفقد الوعي ويقع في حب جمالات. ~~- جمالات؟ # تخفق روحها لسماع اسم جمالات، يتحطم قلبها حين تراها راقدة في السرير، أصابها شلل نصفي ~~ناحية اليمين، بقي النصف الأيسر من جسدها على قيد الحياة، ومات النصف الآخر، أصبحت تتكلم ~~بنصف لسانها ونصف عقلها ونصف روحها، تغيرت جمالات في بضعة شهور، لم يعد جرس الباب يدق، ~~ولا جرس التليفون، انفض عنها الرجال والنساء، إلا مريم الشاعرة، وسميح ... آه يا سميح! ~~يتحطم قلبها لسماع اسمه، تعود إليها صورته من ظهره، وهو يمشي على أرض المطار، يجر ~~الحقيبة ذات العجلات، تبدو الصورة محفورة في خيالها منذ الطفولة، ms117 أو قبل أن تولد وهي داخل ~~الرحم، سافر سميح إلى ابنته المولودة على الشاطئ البعيد، هو الوحيد الذي سافر إليها، ربما ~~هي مشاعر الأبوة الغامضة المراوغة منذ آلاف السنين، ربما هي الرغبة في طفلة أو طفل يحمل ~~اسمه واسم أبيه، ويرث من بعده دار النشر. # كانت لا تزال واقفة في مدخل البيت، رستم يقودها إلى الصالة، ثم يفسح لها الطريق لتمشي ~~أمامه، بحسب التقاليد في جاردن سيتي، تسبق المرأة الرجل بخطوة أو خطوتين، يرمق رستم ظهرها ~~وهو يتبعها إلى غرفة النوم، تبدو من الظهر أكبر من عمرها، كأنما بلغت الكهولة فجأة لمجرد ~~دخول غرفة النوم، يا له من شيء غريب، ربما هي الجينات الموروثة عن كارمن، أو فيروسات ~~الكتابة، تفترس الأنوثة والذكورة وما هو أكثر منهما، تفترس العمر من الطفولة إلى الكهولة ~~مباشرة دون مرحلة الشباب، جينات الكتابة الجهنمية تأكل خلايا الجسد، تقفز فوق سياج العقل، ~~ويذعن لها العمر. # يندهش رستم في هذه اللحظة وهي تدخل غرفة النوم، ربما يكمن هوان المرأة في السرير، ربما لا ~~يمكن إخضاعها، إلا في النوم، هذه الانحناءة المفاجئة لظهرها المشدود الصلب، تكاد تشق قلبه ~~نصفين، يكاد يقرب فمه من ظهرها ليلثم الانحناءة بشفتيه، كما كان يلثم الجرح العميق في بطنها ~~قبل أن يقبلها من الشفتين. # لم يكن رستم مستعدا لانكسارها، أو فقدانها في اللحظة الحاضرة، كان يبذل الحب والجهد ~~واللذة والألم والإخلاص الأبدي لهذه اللحظة الحاضرة، بإرادته وبغير إرادته، لم يكن يملك من ~~عمره شيئا إلا هذه اللحظة الحاضرة، فالماضي ميت والمستقبل غير موجود، هذه كلمات كارمن ~~في روايتها، آه، كل تلك السنين مع كارمن، ثلاثون سنة، قصة حبه الوحيدة من بين مئات القصص، ~~بعد كل ذلك الأرق والإرهاق والصفحات المكتوبة وغير المكتوبة، في ليالي الصيف والشتاء، ترقد ~~كارمن في مقبرة أسفل جبل المقطم، لا تشهد ظهور روايتها إلى النور، ولا تشهد الاحتفال ~~بالجائزة. ماتت كارمن وحدها في المستشفى كما ماتت مي زيادة، وكما تموت كل النساء الكاتبات ~~بإرادتهن أو بغير إرادتهن. # يلمس رستم ms118 رأسها بطرف إصبعه، يرى روح كارمن المحلقة فوق رأس السرير، يطردها بيده كمن ~~يهش ذبابة، تبدو الروح أكثر هشاشة من الجسد، يمكن طردها بحركة سريعة من اليد، يبتهج قلبه ~~لهذه الحقيقة، كأنما يكتشفها الآن فقط ويكتشف معها أنه تخلص من كارمن، على الأقل من ~~جسدها، وهو الأهم، ثلاثون عاما يحلم بالخلاص، منذ ليلة الزفاف، قال لها: خذيني، فلم تبذل ~~الجهد لتأخذه، كما كانت خالته توأم أمه تفعل. # يملأ رستم كأسها بالنبيذ، كما كان يملؤه في كل لقاء، كأنما الزمن متصل الحلقات في سلسلة ~~واحدة، لا فاصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، سيدعوها الخميس القادم على العشاء كما كان ~~يدعوها لمناقشة الرواية، ويجلسان في المطعم فوق هضبة الأهرامات، بعيدا عن عيون كارمن ~~وسميح، كان يدعو الله أن تزول عيونهما من الوجود، أن يأكلهما فيروس أو رمد صديدي، لم يكن ~~الله يستجيب لدعائه، فهو يعرف ما يدور في عقل رستم من أفكار، ومنها أنه غير موجود في ~~الوجود. ~~- هذا النبيذ لذيذ، من كاتالونيا؟ ~~- لأ، من إسبانيا. ~~- كاتالونيا في إسبانيا يا رستم. # لم يعرف رستم أن كاتالونيا مقاطعة في إسبانيا، عاصمتها برشلونة، يذهب إلى المطبخ، يشرب ~~كوب ماء، يبتلع الغيظ بشيء من الماء، والغيرة يكتمها في أعماقه من أي امرأة تعرف أكثر ~~منه، أو أي رجل أيضا، لكن غيظه من المرأة أكثر، وإن كانت كاتبة يصبح الغيظ مضاعفا ~~وأكثر. في أعماق عقله فكرة راسخة غير معقولة: إن المرأة تنقص عنه في العقل، وإن كانت زوجته ~~يصبح النقص مضاعفا وأكثر، يشاركه هذه الفكرة كل أعضاء المجلس الأعلى والمجلس الأدنى، ومجلس ~~الشورى ومجلس النواب، ومجلس الوزراء، والكونجرس، والكينيست، والكنائس، والجوامع، ودور ~~العبادة، ودور البغاء، وجميع الدور فوق الأرض الدائرة. # ويمسك رأسه بيديه الاثنين، يحس به يدور رغم استقرار جسده فوق السرير، كانت كارمن ترقد إلى ~~جواره هنا، وكانت تنهض من السرير إلى الحمام، تبتلع حبة منومة من خزانة الأدوية، كأنما ~~وجوده معها في بيت واحد أمر غريب، وأغرب منه وجوده في السرير. # حين تسافر كارمن يتمدد ms119 فوق الكنبة الجلدية الكبيرة، يرقد فوقها في غيابها مع النساء ~~الأخريات، أو فوق السجادة العجمية الثمينة، يمسح رائحة المرأة بفوطة صفراء كأنما زجاج ~~سيارة، يزيل البقع الداكنة المعكرة بحزن النساء، وقطرات مائه المراوغ بآلاف الحيوانات ~~المنوية، وخيط العرق السائل من مؤخرة رأسه إلى الشق بين الإليتين عبر أخدود عموده ~~الفقري. # كان يعرف بالضبط متى تعود كارمن من السفر، تكون الكنبة الجلدية ممسوحة والسجادة مغسولة، ~~ولا رائحة لشيء أنثوي أو ذكوري إلا معجون الحلاقة، وماء الكولونيا لافندر، يرشه من فوق ~~السطح، كما لو أنه مطهر للإثم مثل السبيرتو الأبيض. # مرة واحدة عادت كارمن من دون إنذار سابق، رأته طريح الأرض فوق السجادة، ومن فوقه المرأة، ~~نهض من تحتها متلعثما، متأسفا معلنا في النهاية أنها ليست خيانة زوجية بحسب العرف، ~~ولا عقاب لها في القانون إلا إذا وقعت داخل الفراش في غرفة النوم، وليس في المكتبة على ~~سجادة عجمية فوق الأرض، وكان يزعق بصوت عال، كأنما هو الزوج المغلوب على أمره، لأن ~~زوجته عادت فجأة دون علمه. ~~••• # ينحني رستم أمامها: وجهه بين يديه، يبكي بصوت مكتوم يشبه النشيج. تحوطه بذراعها ~~وتتذكر جمالات، أصبحت جمالات تنشج بهذا الصوت المكتوم في الليل، لم تعد تصرخ ولا تضرب ~~المنضدة بقبضة يدها القوية، تسربت منها القوة ومعها اليقين، لم تعد تؤمن بشيء خارج ~~جسدها نصف الميت، منذ احتراق ابنتها غير الشرعية لم تسترد جمالات صحتها، تربت الفتاة على ~~رأسها وتفكر، كيف يعيش نصف جسدها ويموت النصف من الجسد؟ كانت راقدة فوق سريرها مثل تمثال ~~نصفه حجر والنصف الآخر من اللحم، نصف وجهها ميت بلون الجرانيت بعين واحدة نصف مغلقة، ~~والنصف الآخر له عين واسعة مفتوحة، ونصف أنف منتبه، ونصف فم معووج. الغرفة مظلمة إلا من ~~ضوء مصباح قديم في الزقاق المسدود، يعلوه إعلان جديد ينطفئ ويضيء، وميكروفون جديد مثبت ~~فوق العمود، الساعة الثالثة صباحا، قبل أن تنفجر الأصوات بأذان الفجر، قبل أن تطرقع ~~الأبواب والقباقيب والشبابيك، قبل أن يصحو الشحاذون والشحاذات على باب السيدة، قبل أن ms120 ~~تفرقع عجلات السيارات في شارع المبتديان، وتزعق الأبواق والصفارات وصراخ الأطفال وعويل ~~النسوة، والتراتيل والتواشيح ودقات الطبول. # ترمقها جمالات بعينها الواحدة، تشد عضلات فمها المرتخي وتقول، حمد لله ع السلامة يا ~~بنتي، وأصبحت تناديها بكلمة بنتي، تسألها عن ابنتها، تقول في برشلونة مع جدتها يولاندا، ~~تشهق جمالات رافعة يدها غير الميتة إلى نصف رأسها غير الميت: يولاندا اسم نصراني؟ ~~- اسم كاتالوني يا جمالات. ~~- كاتالونيا دي فين يا بنتي؟ ~~- في إسبانيا. ~~- آه، وأبوها مين؟ ~~- يمكن سميح، تسعين في المية. ~~- تسعين في المية؟ ~~- ما فيش حاجة مية المية غير ربنا. ~~- أيوه يا بنتي. # تتنهد جمالات، يرتفع نصف صدرها غير الميت بالنهد الواحد المفلطح تحت كشاكيش القميص، ~~أنفاسها تلهث قليلا وهي راقدة فوق السرير، النافذة مغلقة بالزجاج والشيش، الهواء مكتوم ~~معبأ بالرائحة المألوفة، رائحة جمالات، مزيج من النبيذ والقرنفل والجنزبيل، والدموع ~~الجافة والعرق القديم، مع المسك والعطور الأنثوية، والبودرة والكحل واللبان الذكر والنتاية، ~~ودخان الشيشة والسجائر والنشيج المكتوم. ~~- قربي يا بنتي عشان أبوسك. # تقترب من وجهها أكثر، تراه في الضوء المتسلل من شقوق الشيش، لونه رمادي بلون الحجاب ~~الملفوف حول شعرها، ممسوح الملامح بلا حاجبين ولا رموش مثل صفحة خالية في رواية غير ~~مكتوبة. ~~- كنت خايفة أموت قبل ما شوفك. ~~- ... ... ~~- كنت عاوزة أقولك حاجة ... # تصمت جمالات لتأخذ نفسا عميقا، تمد يدها غير الميتة وتمسك يد الفتاة. ~~- سامحيني يا بنتي عشان أموت مرتاحة ... ماليش غيرك بعد المرحومة بنتي، آه يا بنتي، قلبي ~~انحرق عليها، أوعي يا بنتي تسيبي بنتك، روحيلها هناك أو هاتيها هنا، أوعي تسيبيها زي أنا ما ~~سبت بنتي ... شايفة الظرف اللي فوق التسريحة؟ ~~- الظرف أنهوه؟ ~~- الأبيض المركون ع المراية. ~~- أيوه شايفاه. ~~- خديه وافتحيه، فيه رسالة كتبتها لك بإيدي الشمال، كنت خايفة أموت من غير ما أشوفك ... ~~بركة يا بنتي اللي جيتي. # وأغمضت جمالات عينها اليسرى، وبقيت العين الأخرى المتحجرة نصف مغلقة كما كانت. ~~••• # وغابت جمالات عن الوجود، لم يبق منها إلا الرسالة المكتوبة بخط يدها اليسرى، فوق ورقة ~~مسطرة منزوعة من ms121 كراسة المدرسة، خطها متعرج حروفها تصعد فوق السطر وتهبط، مثل تلاميذ ~~السنة الأولى الابتدائية، تعودت جمالات أن تكتب بيدها اليمين، التي ماتت وهي على قيد ~~الحياة، كانت تؤمن أن اليد اليمنى خير من اليد اليسرى، لأن إبليس يقف دائما على ~~اليسار، بعد أن أصابها الشلل النصفي اليميني أصبحت تؤمن أن إبليس يقف على اليمين. وتقول ~~مريم الشاعرة: جمالات صديقة عمري، قلبها من ذهب وعقلها من صفيح، كان يمكن أن تكون كاتبة مثل ~~كارمن، ومي زيادة، وأكبر، لو لم يصبها المرض. ~~- المرض الأخير؟ ~~- لا لا، المرض الأول في بداية العمر، يصيب الأطفال منذ الولادة، أو قبل الولادة، عن طريق ~~الوراثة والأسلاف. # في غرفتها أضاءت الفتاة اللمبة بجوار السرير، كانت جالسة ... فوق ركبتها الرسالة ومن خلف ~~ظهرها الوسادة، تركت جمالات حروفها المتعرجة فوق الورقة، وشيء من رائحتها المميزة في ~~الهواء. المزيج الغريب الأليف من كل شيء ولا شيء، يسبح مع ذرات الهواء مثل الروح الخفية، ~~يحوم حول رأسها وهي جالسة تقرأ الرسالة، وفي أذنيها يسري صوت جمالات كأنما يأتي من بطن ~~الأرض. # ابنتي الحبيبة، دعيني أناديك ابنتي، فهي كلمة جميلة يفرح بها قلبي الحزين، رغم غيابك كنت ~~حاضرة في خيالي طول الوقت، لم يكن لي أحد في الدنيا إلا صديقتي مريم، كانت لي الأم والأب ~~والأخ والأخت والصديقة والصديق، هي الوحيدة التي كانت بجانبي وقت الشدة، أردت أن أكتب لها ~~الشقة قبل أن أموت، اعترضت وقالت، عندي شقتي ولا أريد المزيد، لم تكن تحب المزيد من أي ~~شيء إلا الشعر، شاعرة مجنونة يا ابنتي، أحببتها بجنونها يا ابنتي، قلبها من ذهب وعقلها ~~مفقود، وقالت مريم اكتبي الشقة باسم ابنتك، كانت تعرف أن ابنتي الوحيدة ماتت محروقة، قالت ~~عندك ابنة أخرى في برشلونة، ستكون في حاجة إلى الشقة حين تعود، قلت لمريم، آه يا مريم يا ~~رتها تعود، كنت أحس أنها ابنتي، شيء غريب. وقالت مريم، ليه غريب؟ ليس من الضروري أن ~~نحبل ونلد ليكون لنا بنات وأولاد، وليس من الضروري أن يكون ms122 الأولاد والبنات من اللحم ~~والعظم، قد تعيش قصيدة الشعر أكثر من اللحم والعظم، كنت أسمعها وأنا راقدة في السرير، نصف ~~جسمي ميت، والنصف الآخر في طريقه إلى الموت، وأقول لنفسي، ربما ما تقوله مريم هو الحقيقة، ~~ربما لا يبقى بعد موتي إلا رسالتي إليك بخطي المتعرج بيدي اليسرى، تعودت أن أكتب ~~بيدي اليمنى منذ أمسكت القلم في المدرسة، كانت لي زميلة اسمها أنجيل، تكتب بيدها اليسرى، ~~تضربها المعلمة بالمسطرة لتكتب بيدها اليمنى، وتضحك على أنجيل حين تبكي، بعد أن تخرج ~~المعلمة تعود أنجيل وتكتب بيدها اليسرى، وتعود المعلمة لتضربها بالمسطرة على أصابع هذه اليد ~~اليسرى، وتقول لها المعلمة: لازم تكتبي بإيدك اليمنى زي كل المسلمين، كانت المعلمة مسلمة ~~تقول إن أنجيل نصرانية، وإن النصارى يكتبون باليد اليسرى لأن إبليس يقف على اليسار ~~دائما، كان عمري سبع سنين، وأنجيل صديقتي ولا أعرف يعني إيه نصرانية ومين هو إبليس، وكتبت ~~مريم قصيدة شعر على المعلمة في المدرسة، وكان جزاؤها الطرد من الفصل ثلاثة أيام مع إخطار ~~ولي الأمر، المهم يا بنتي إني كتبت الشقة باسمك، وفي درج الكوميدينو جنب سريري فيه ألف ~~جنيه، القرض الواجب السداد لسميح، آه يا بنتي، لا تتصوري الألم لأني أجبرتك على طلب ~~الفلوس من سميح أو رستم سامحيني يا بنتي، كنت زي العميان مش شايفة حاجة، وماشية في الصف مع ~~صفوف القطيع، العبيد، خدي الألف جنيه ورجعيها لسميح، خدي بنتك في حضنك، وأوعي تضحي بيها ~~لأي سبب، زي ما أنا ضحيت بأهم شيء في الوجود من أجل شيء غير موجود. ~~••• # ويملأ رستم كأسها بالنبيذ، يقول لها حمد لله ع السلامة، ويسألها، صحتك جيدة؟ تقول، ~~أيوه، يسألها، سعيدة؟ تقول، أيوه، يسألها، لا ينقصك شيء؟ تقول، ينقصني شيء واحد، يبتهج ~~رستم قليلا يخفق الشيء تحت ضلوعه بحركة خفية، يتمنى أن تقول: لا ينقصني إلا حبك يا ~~رستم، وحشتني، عدت من أجلك. لكنها لا تقول شيئا من هذا، تفكر في طفلتها نورية على ~~الشاطئ الآخر وراء البحر، لا شيء يعوضها ms123 عنها، إن أغمضت عينيها تراها تبكي على فراقها، ~~إن فتحت عينيها ترى أصابعها الخمسة ملفوفة حول إصبعها، مثل خيوط من الحرير، ملفوفة حولها ~~تتشبث بها، طفلة عمرها بضعة شهور، لها قبضة أصابع أصلب من الحديد، لم تستطع الخلاص من ~~قبضتها، ورغم المسافة وعرض البحر العريض، لا تزال أصابع الطفلة الخمسة ممسكة بإصبعها، ~~السبابة، الإصبع الأساسي المقابل للإبهام، كادت تقطعه بالسكين لتمحو عنه أثر الأصابع ~~الطفولية الخمسة، من دون جدوى. # يبدو وجه رستم أمامها طويلا شاحبا كأنما في نهاية العمر، أنفه أصبح أكبر حجما بالنسبة ~~لبقية الملامح، أكثر طولا مدببا منقاريا، عيناه مندهشتان رماديتان، حاجباه ~~الكثيفان يتساقط شعرهما مع شعر رأسه من الأمام، أصبحت جبهته أعرض مما كانت، تمتد حتى منتصف ~~الجمجمة مثل رئيس دولة أو كاتب كبير، أو عضو في مجلس الشورى أو النواب، لحم رقبته تهدل، ~~عروقها نفرت تحت ذقن مزدوجة، يكاد يشبه جورج بوش الأب، أو الابن، تعود إليها صورة ~~يولاندا وهي ترسم الصليب فوق صدرها، وفرانسيسك وهو واقف كالتمثال في الرامبلا، وأناجيل ~~وجوردي وهما يهتفان مع الجماهير، جيرانو لا حرب، جورج بوش أساسين، توني بلير أساسين، ~~أزنار أساسين، سفاحين، خلعوا أزنار في الانتخابات الأخيرة، جاء زباتيرو، وأعلن جيرانو، لا ~~حرب، وسحب الجنود الإسبان من العراق. ~~- زباتيرو اسم أمه يا رستم. ~~- غير معقول. ~~- معقول جدا. # يضحك كما كان يضحك على سذاجتها، يقول لنفسه فتاة عذراء بريئة، غير مثقلة بعد بالآثام، ~~وتقول لنفسها رجل مراوغ لا يعرف قيمة المرأة إلا بعد أن يفقدها، وتقول أيضا سأجعله ~~يفقدني ليعرف قيمتي. ~~- أرجوك ابقي معي هنا. ~~- لا بد أن أذهب إليها. ~~- مين؟ ~~- بنتي. ~~- عندك بنت؟ # ينسى رستم كل شيء عنها، كانت في حياته قصة من قصص الحب، لحظة عابرة متأججة تشتعل ~~وتنطفئ وتسقط في العدم، لا يتصور رستم أن شيئا يبقى من اللحظات العابرة في حياة ~~الرجال، لا شيء يبقى وإن كانت الذكرى، العالقة بالخيال في النوم. ~~- أيوه عندي بنت. ~~- فين؟ ~~- في كاتالونيا. ~~- كاتالونيا دي فين؟ ~~- في إسبانيا. ~~- آه. # قال آه بصوت ms124 كالأنين، وقالت لنفسها لا بد أنه يعاني الوحدة في غياب كارمن، تتأمله ~~بعينيها في صمت، تراه رجلا عاديا يجلس على كنبة جلدية عادية، يتردد رستم طويلا ثم يقترب ~~منها، يحوطها بذراعيه كأنما كانت بين ذراعيه بالأمس، تدفعه بيدها برقة وتسأله، هل قرأت ~~الرواية؟ ~~- أي رواية؟ ~~- رواية كارمن. ~~- آه ... طبعا. ~~- رواية بديعة. ~~- فعلا. ~~- تنتهي بموتها في المستشفى. # يزحف رستم بجسده فوق الكنبة الجلدية بعيدا عنها، يتذكر أن كارمن ماتت في المستشفى، ~~قبل أن تموت بلحظة واحدة قتلت رجلا لتنقذ ابنتها من الموت. ~~- كانت ابنتها؟ ~~- في الراوية على الأقل، أو من بنات أفكارها. # ينحني رستم ويملأ لها الكأس مرة أخرى، ترتعش يده قليلا، تسقط بضع قطرات من النبيذ فوق ~~السجادة العجمية، يسرع إلى المطبخ، يعود بفوطة يمسح البقع فوق السجادة، حمراء قانية تكاد ~~تشبه بقع الدم، يمسحها بعناية شديدة، كأنما كارمن سترى البقع بعد أن تصحو من النوم أو من ~~الموت، يبتسم رستم مشفقا على نفسه، ويقول انظري إلى ... رجل عجوز يمسح البقع من فوق ~~السجادة. # تتعجب الفتاة قليلا، تتساءل بينها وبين نفسها، إن كان رستم يعرف نفسه، إن كانت معرفة ~~النفس مراوغة مثل عدم المعرفة، رستم يقرأ أفكارها مثل كتاب مفتوح، بالضبط كما وصفتها كارمن ~~في الرواية، عيناها ثاقبتان تجرده من سلاحه، يعرف رأيها فيه، يعاني مرضا مزمنا منذ ~~الطفولة يتعلق بالروح، ويقول لها أنا مريض وأنت قادرة على شفائي. # لم يصل جسده إلى درجة المرض، لكن عقله كان مثقلا بالإثم، ربما هو في حاجة إلى ~~الأقراص المهدئة أو المثبطة للعقل، التي يولع بها أطباء النفس. ~~- حالتك خطيرة. ~~- ولكني رستم. # كان يدرك عن يقين أنه لا يزال هو رستم، بذاته الخاصة، الخاصة جدا، المختلفة عن كل ~~الرجال، ومنهم سميح. ~~- سميح؟ # لا يكاد ينطق الاسم بصوت مسموع، يحاول أن ينساه، وهي أيضا تحاول النسيان. ~~- كنت تحبين سميح؟ ~~- ... ... # لم يكن في حاجة إلى الرد، كان يعرف أنها تحب سميح، وكان يتمنى أن يراه ميتا، كما ~~كان يتمنى أن يرى كارمن ميتة! ~~- قلبك أسود ms125 يا رستم. ~~- الحب يجعل القلب أسود. ~~- غير صحيح. ~~- أنت فتاة ساذجة. ~~- وأنت مجنون. # يضحك رستم حين يسمع كلمة مجنون، تبدو له كلمة مديح وأكثر من المديح، يقولون عن أعظم ~~الأدباء مجانين، يتمنى أن يصل جنونه إلى جنون إرنست هيمنجواي، ويفرغ في رأسه الرصاصة بعد ~~أن يكتب الرواية، أو على الأقل يبلغ درجة جنون زوجته، ويكتب رواية مثل روايتها، لم يكتب ~~أبدا رواية مثل روايتها، رغم كل ما كتب من روايات. ~~- هي دي المشكلة؟ ~~- أيوه، هي دي المشكلة. # كان جالسا إلى جوارها على الكنبة الجلدية، من الغريب أنه لا يزال جالسا، من الغريب ~~أن الكنبة الجلدية لا تزال موجودة، والنافذة موجودة، وشعاع القمر يدخل من النافذة، ومن ~~بعده الظلام، ثم الشمس في الصباح، تدخل الشمس من هذه النافذة وتغادرها كل يوم، لا يظهر في ~~الظلمة إلا ضوء الإعلان المثبت بالمسامير فوق العمود في الشارع، يومض الحرف وراء الحرف ثم ~~ينطفئ ليعود الضوء من جديد، من دون توقف، إلى الأبد. # ويقول رستم أحب الجلوس على هذه الكنبة الجلدية، ومن حولي رفوف الكتب، أحب رائحة الكتب كما ~~كانت تحبها كارمن، أيوه، رائحة الكتب كانت عندها أجمل من رائحة أي رجل، أرادت أن تموت وهي ~~جالسة في المكتبة وليس راقدة في السرير. ~~- احك لي عن كارمن. # تنتابه الغيرة، لم تقل له أبدا احك لي عن نفسك، كان يريد أن يضمها بين ذراعيه ويحكي ~~لها عن نفسه منذ الولادة حتى الموت، حتى طلوع النهار يريد أن يحكي لها عن نفسه، ويضمها بين ~~ذراعيه حتى يتلاشى جسدها. ~~- احك لي عن برشلونة. ~~- مدينة مثل القاهرة قبيحة وجميلة بمطاعم كثيرة وناس يأكلون طول الوقت. ~~- لا تعودي إلى برشلونة. ~~- سأعود. ~~- هنا وطنك. ~~- الوطن حيث أكون سعيدة. ~~- سأجعلك سعيدة. # يحوطها بذراعيه، يبدو أنه سيحملها إلى السرير بدلا من الكنبة الجلدية، سيحملها إلى ~~الدور العلوي حيث غرفة النوم، حيث يكون العري كاملا من دون خوف من كارمن، ليس عري الحب ~~بل الحرب تحت الماء فوق قشرة الوعي، كل منهما جريح ينزف ms126 وإن لم يشعر بالألم، كانت ~~النوافذ مغلقة والستائر مسدله، تمنع عنهما الضجيج في الخارج، أزيز الطائرات وهتاف ~~المظاهرات، قاذفات القنابل المسيلة للدم والدموع، زئير الأسود في حدائق الحيوان، قعقعة ~~الرياح والخماسين وابتهالات الشاحتين، زعيق الميكروفونات والأبواق وصفارات البوليس، دقات ~~الطبول في ليالي الزفاف وعويل الشهيدات وأرامل الشهداء، كانت النوافذ مغلقة بالزجاج المزدوج ~~لا ينفذ منه صوت، كأنما العالم الخارجي مات، ولم يبق على قيد الحياة إلا رستم وهي بين ~~ذراعيه يهمس في أذنها، باحبك والله العظيم باحبك. ~~- وليه تحلف بربنا إذا كنت بتقول الحق؟ # يميل رستم بجسده بعيدا عنها قليلا، يقول لنفسه تتكلم في الفراش مثل كارمن، ربما تكون ~~هي كارمن، أو أختها الصغرى، أو ابنتها، نسخة طبق الأصل منها، وصوتها يكاد يكون هو الصوت ~~... ~~- لا تدفن رأسك في الرمال يا رستم وتترك مؤخرتك عارية، كم عرفت من النساء وكم عدد أبنائك ~~غير الشرعيين؟ # ويقول رستم لنفسه، لها حق أن تقول عني ما يقوله المنافسون لي في الانتخابات والحاقدون ~~والحاقدات، ولكني في نهاية الأمر رجل مثل الرجال، ولا يعيب الرجل إلا جيبه. ~~- كفى يا رستم، أنت كهل فاسق مثل ثمرة فاسدة سقطت من الشجرة وأكلها الذباب. # لا يسمع ما تقول، مجرد عبارة عابرة في الرواية، كتبتها كارمن في لحظة غضب، أراد أن يصفع ~~عينيها الثاقبتين لا يطرف لها رمش، أراد أن يبكي أمامها لولا الخجل والعار، رجل مثله يبكي ~~أمام فتاة مثلها؟ لمعت الدموع في عينيه رغم إرادته، كشفها ضوء خافت يتسلل من شقوق الشيش، ~~هناك شيء يفوق إرادته دائما، مثل دمعة ساخنة حبيسة من وراء عينيه، تفاجئه إلى أذنيه أغنية ~~في عيد الأم، يتذكر أمه الغائبة وأختها التوأم، أو حين يتمشى على شاطئ النيل ويرى كلبا ~~عجوزا مربوطا بسلسلة، تفر الدمعة الحبيسة من وراء عينيه كأنما هو هذا الكلب العجوز ~~المربوط. # يتمتم رستم بصوت متحشرج، أنا أخطأت في حقك، سامحيني، أنا أخطأت في حق كارمن وكل امرأة ~~عرفتها، أنا ملعون مطرود من الجنة مثل إبليس، أنا مثل إبليس بدون ms127 أم، لو كان لإبليس أم ربما ~~لم يكن إبليس! آه من الهلاوس ... ما دخل إبليس بما أنا فيه، وهل آمنت أنا بوجود ~~إبليس؟ # فتح رستم عينيه عن آخرهما وصاح: كل شيء عبث! كان يردد هذه العبارة دائما في لحظات ~~الفشل، حين تهجره كارمن، حين يسقط في الانتخابات، حين يتسلم جائزة عن رواية تافهة، حين ~~ينجذب إلى امرأة لا تنجذب إليه، وحين يرى صورة ابنه غير الشرعي ملزوقة على جدار بيته، يضرب ~~الهواء بقبضة يده صائحا، كل شيء عبث في هذا العالم! ويشوح بيده ويتحشرج صوته: عبث! # من وراء جفونه يراها تنظر إليه، عيناها ثاقبتان ملامحها منحوتة في الحجر، كأنما ميتة، ~~يجهد عينيه في السيطرة على عينيها، يفكر في سميح، لماذا أحبت سميح ولم تحبه هو؟ يستدير ~~ويواجهها، يرفع يده عاليا ليصفعها فوق عينيها، يريد أن يشق قلبها بسكين، ويرى من هو ~~الرجل داخل قلبها، هي كارمن عن يقين أو نسخة منها طبق الأصل، الوحيدة من النساء التي أحبها، ~~والوحيدة من النساء التي لم تحبه. ~~••• # سيارته المرسيدس تجتاز شوارع القاهرة، تتحرك عجلة القيادة وحدها تحت يده النائمة، ~~المقعد إلى جواره خاليا، يرمقه بطرف عين مندهشا، كأنما كارمن كانت جالسة في هذا المقعد ~~منذ لحظة، ثم غادرته في الحلم، أو دخل حلم مضى منذ سنين، تبدو الوجوه في الشوارع نائمة، نصف ~~ميتة، محنطة بطريقة غريبة، مثل الفراشات التي كان يحنطها داخل الكتب في المدرسة، دوائر ~~رمادية حول عيونهم نجت من الموت، ترمقه العيون من وراء سحابة سوداء، يسوق رستم المرسيدس وهو ~~نائم بكفاءة أكبر، لا يبطئ ولا يسرع، بالاتزان المعهود فيه حزب الحكومة، يمسك العصا من ~~الوسط، لا يحب اليمين ولا اليسار، لا يمشي أبدا إلى نهاية الطريق، يخاف النهاية كأنما ~~الموت، يفحص وجهه في مرآة السيارة، لا يحب هذا الوجه منذ رآه في الطفولة، كانت خالته تقول ~~إنه جميل، يحقد عليه الرجال لأنه جذاب للنساء، ينافسونه في الانتخابات وفي الحب سيان، ~~من خلفه امرأة تشبه كارمن تقود سيارتها الفيات الصغيرة، تطارده ms128 كارمن في الحياة وفي ~~الموت، كان المفروض أن تمضي من دون أثر كما يمضي كل البشر، لكنها تركت وراءها الرواية، ~~لتنغص عليه عيشته، لتؤكد له أنها موجودة وإن ماتت، وهو غير موجود وإن دخل المجلس ~~الأعلى ونال أعلى الجوائز، أصابه الذعر رغم اتزانه، كأنما لم يكتب أية رواية، كأنما كتبه ~~المقررة على المدارس تلاشت من الوجود، شوارع المدينة ترمقه بعيون مزدوجة وظلال مراوغة، ~~تمتلئ الشوارع بالعيون والأنوف والأفواه، يقبض بيديه على عجلة القيادة، تهتز الأرض تحت ~~العجلات، هل أصابه الجنون أم أنه زلزال حقيقي؟ ملايين الأفواه تهتف بصوت يرج الأرض، يسقط ~~رستم! هي مظاهرة ضده نظمها المنافسون له في المجلس؟ # وضع رأسه فوق عجلة القيادة، نام بضع لحظات، يشعر بما يشبه الإرهاق، لا يصيبه الإرهاق ~~إلا عند الفشل، يفتعل خناقة مع زوجته لأي سبب، يتصور على نحو عجيب أنها السبب وراء ~~فشله، يزعق بأعلى صوته حتى يسقط في النوم، ماتت زوجته ولم يعد له أحد يزعق فيه، يصحو رستم ~~من النوم فجأة، لا تزال يداه فوق عجلة القيادة، لم تكن زوجته امرأة، كانت كاتبة، تزعق فيه ~~بمثل ما يزعق فيها، يرتفع صوتها على صوته، فيسكت، لا شيء يسكته إلا الصوت الأعلى منه، ~~يستقر في النهاية بين ذراعيها، لم تكن تشتهي شفتيه، كانت تشتهي شيئا آخر، رجلا آخر أو ~~امرأة أخرى، أو ربما هي شهوة الكتابة، تفوق الشهوات الأخرى، وكان هو يشتهي شهوتها، يحاول أن ~~يكتب مثلها وهو لا يحب الكتابة، لا يندم على شيء في حياته إلا الكتابة، كانت الصفحة ~~البيضاء ترمقه بعين حمراء، مثل عين إبليس، أو عين أبيه وهو طفل، عين مفتوحة ترقبه، لا تكف ~~عن مراقبته، تؤنبه لأي حركة، أو من دون حركة، لمجرد الجلوس أمام الصفحة البيضاء من دون ~~أن تكتب حرفا، ويقول رستم لنفسه: ربما عين أبيه هي السبب وراء فشله في الكتابة، أو ربما هي ~~عين زوجته. لو كانت كارمن امرأة وليست كاتبة ربما أصابه النجاح، كأنما الكتابة فيروس يأكل ~~خلايا المرأة. # تنحرف السيارة ms129 لتدخل جاردن سيتي، كأنما تعرف الطريق وحدها، لا يزال الحي هادئا كما كان ~~إلا ميكروفون ضخم أصبح معلقا فوق مئذنة طويلة برزت فجأة كأنما من بطن الأرض، ومحل جديد ~~لبيع الهامبرجر ظهر فجأة أيضا عند ناصية الشوارع، بالإعلان الذي تضيء حروفه وتنطفئ ثم تضيء ~~وتنطفئ، لتعود تضيء من جديد، من دون توقف إلى الأبد. يتنهد بصوت مسموع متذكرا قصيدة ~~مريم الشاعرة، ليس هناك إلى الأبد حتى الحب، ويضيف بصوت غير مسموع، حتى ماكدونالد. ~~••• # يتقلب رستم فوق سريره العريض مؤرقا، أصبح السرير بعد غيابها أعرض مما كان، هذه المرة ~~لا تغيب كارمن على نحو مؤقت، بل هو غياب إلى الأبد، تتوقف كلمة إلى الأبد في حلقه ~~كالغصة، لا يتخيل شيئا إلى الأبد، ربما هي في الحمام، يكاد يسمع صوتها تغني داخل ~~البانيو، لم تكن تغني بهذا الصوت العذب إلا بعد أن تنتهي من الرواية، كأنما بلغت قمة ~~الأورجازم ودخلت تستحم، تملأ البانيو بالماء الدافئ، تدعك جسدها بالليفة والصابون، كأنما ~~تغسل عن نفسها إثم اللذة. # يضغط رستم على زر النور، يرى الرواية إلى جوار السرير فوق الكوميدينو، مكتوب عليها اسمها: ~~كارمن الحرف وراء الحرف محفور، يكاد يشبه تقاطيع وجهها الحجرية، كأنما منحوتة في الصخر، ~~وعيناها ثاقبتان لا يطرف لهما جفن. # فتح رستم الرواية عند الفصل الأخير، لم يبق أمامه إلا آخر فصل، بدت حروفها غير واضحة. ~~التيار الكهربائي يضعف أم عيناه تضعفان؟ يتذكر فجأة أنه لا يرتدي نظارة القراءة، يبحث ~~عنها في غرفة النوم، في المكتبة، في أدراج المكتب، في صالة الداخلية، في أي مكان البيت، من ~~دون جدوى، اختفت نظارة القراءة، لا شيء يغضبه مثل اختفاء نظارة القراءة قبل النوم، ويزعق ~~بصوت غاضب: راحت فين النضارة؟ ~~- ... ... ~~- فين النضارة؟ ~~- ... ... ~~- طبعا مش سمعاني! غرقانة في الرواية! ~~- ... ... ~~- فين النضارة يا ست هانم؟ ~~- ... ... # لم تكن كارمن ترد عليه، تقول لنفسها، رجل يسأل زوجته أين وضع نظارته، المفروض أن يسأل ~~نفسه لو عنده منطق، لكن المنطق يغيب عن عقل الرجل المتزوج، يتصور أن زوجته مسئولة ~~عن ms130 نزواته وزلاته وضعف ذاكرته، وسقوط شعر رأسه، واختفاء نظارته أو مفتاح سيارته أو ~~زجاجة الحبوب الخافضة لضغط الدم، أو الرافعة للمعنويات، أو الحبوب المقوية زوجيا أو ~~جنسيا. # ينسى رستم أن زوجته ماتت، ويزعق بصوت أعلى، يشعر في غيابها بحرية أكبر للغضب منها، أو ~~ربما بشجاعة أكبر. ~~- فين النضارة؟ سامعاني؟ ~~- ... ... ~~- تسمعيني إزاي وانتي غرقانة في الرواية. ~~- ... ... # الرواية، الرواية، الرواية. # لم يكن رستم يكف عن ترديد هذه الكلمة حتى تضج كارمن وتقذف بقلمها إلى الأرض زاعقة: ~~وماله لما أغرق في الرواية؟! حرام إني أغرق في الرواية؟! هي الرواية دي راجل تاني؟ ~~- لو كانت راجل تاني كان أحسن، على الأقل يأخذ نص عقلك وأنا آخذ النص الثاني، كده بالعدل ~~والقسطاس. ~~- أيوه، زي العدل بين الزوجات. # تسيطر نوبة الغضب على رستم وهو يقرأ الفصل الأخير، يدون الحوار بين الزوجين في الرواية ~~كما كان يدون بينه وبين زوجته، ثم تنقضي لحظة الغضب، يعثر رستم على الشيء الضائع منه كان ~~ينسى أحيانا ويضع النظارة في الثلاجة، ويقول لكارمن العباقرة مصابون بداء النسيان، ~~لأن عقلهم مشغول بالأشياء الأهم، يحكي لها عن ليسنج العظيم، ذات مرة عاد في الليل إلى ~~بيته ودق الباب (كان قد نسي المفتاح) فأطل خادمه من النافذة، منعته الظلمة من رؤية ~~سيده، تصور أنه زائر، فقال معذرة يا أستاذ، سيدي ليس بالمنزل، فاستدار ليسنج ~~مبتعدا، وهو يقول حسنا سأعود مرة أخرى. # وتضحك كارمن على هذه الحكاية في كل مرة تسمعها من زوجها، تقول لنفسها: لا بأس من إظهار ~~الإعجاب بقصص الزوج المعادة مثل كل الزوجات السعيدات، وهي زوجة ليست غير سعيدة، تحظى بحرية ~~أكبر من النساء، لكنها أقل من الحرية الضرورية للكتابة، تحس بشيء في أعماقها محبوس، ليس ~~الروح ولا الجسد ولا العقل، شيء مجهول بداخلها في العمق، تحاول أن تفك قيوده، يشبه المارد ~~المربوط بالحبال، تسعى بالكتابة لتحريره من دون جدوى، كأنما المرأة لا يمكن أن تكون حرة ~~بينما النساء مكبلات، ولا يمكن للكتابة أن تحرر في عالم تغيب منه الحريات. # يتنهد رستم ms131 وهو يقرأ، آه صحيح، يبدو كلام كارمن معقولا بعد موتها، ربطوها في المستشفى ~~بأعمدة السرير، سلطوا على رأسها تيار الكهرباء، كان هدفهم هو رأسها وليس الجسد أو الرحم ~~أو الروح، فقط رأسها وما هو داخل الرأس، عقلها كان هو المطلوب ليسحقه التيار الكهربائي، ~~جريمتها كانت في عمق الرأس حيث مركز العقل، وانتصرت عليهم كارمن في اللحظة الأخيرة قبل ~~الموت، انطلق المارد من أعماقها، بقوة مجنونة، كافية لتدمير العالم، كانت حركتها هي الأخيرة ~~قبل انعدام الحركة، قمة اليأس حين تصبح الحركة الأخيرة هي ذروة الأمل، وتصبح الكلمة ~~المكبلة بالقيود منطوقة. # أنهى رستم الفصل الأخير من الرواية، أصبح جالسا في السرير خلف ظهره الوسادة، لا يريد أن ~~ينام ولا يريد أن يصحو، يتمنى الظلام الكامل ليفقد الوعي، ضغط على الزر ليطفئ النور لكن ~~الظلام لم يتحقق، هناك ضوء يتسرب من شقوق الشيش، يضيء الحرف وراء الحرف وينطفئ، ويعود ~~يضيء من جديد، من دون توقف، يقول لنفسه: لن يبقى بعد موته شيء إلا هذا الإعلان، وهناك شيء ~~أفظع من الموت، وهو الأرق، عدم القدرة على النوم، لا يستطيع أن ينام إلا في الظلمة ~~الكاملة، كان ينام كل ليلة من دون جهد، ربما ليس هو رستم الذي كان، ربما لم يكن هو رستم ~~أبدا، كان شبيها برجل اسمه رستم، زوج كارمن في الرواية، عضو المجلس الأعلى صاحب أعلى ~~الجوائز، ليس هو هذا الرستم المتكور حول جسده في السرير، تفوح منه رائحة ماء الكولونيا ~~لافندر، ورائحة أخرى تشبه العرق يلتقطها أنفه لأول مرة. # ينهض رستم ليدخل إلى الحمام، يغسل جسده بالماء والصابون داخل البانيو، يتعكر الماء ~~بلون أصفر له رائحة العرق، يخرج رستم من البانيو، ينظر في المرآه فوق الحوض، يرى شخصا يقف ~~خلفه يزغلل عينيه بضوء في يده، يستدير بسرعة مستعدا للدفاع عن نفسه، لا أحد هناك، مجرد ~~ضوء الإعلان في الشارع يتسلل خلف نافذة الحمام، يستدير رستم وينظر إلى وجهه في المرآة، ~~يعود الشبح إلى الظهور من خلفه، وجه رجل نسخة منه يقف ms132 خلفه مباشرة، بعد الاستدارة أدرك ~~الخدعة، مد يده إلى الفرشاة، غمر وجهه وذقنه بمعجون الحلاقة، ملأت أنفه اللافندر، سيعود ~~إلى السرير لينام مع زوجته، ليأخذها بقوة دون إرادتها، لا شيء يعالج الأرق إلا العنف ~~والعرق الغزير إلى حد الغرق. # ويرفع رستم رأسه إلى السقف، أبيض مصقول إلا من نقطة سوداء تتحرك خفية، ربما ذبابة أو ~~بعوضة، لم يكن يستطيع النوم في مكان واحد مع ذبابة أو بعوضة، كان يصعد فوق السلم ويطاردها ~~بالملطشة، تهرب منه في مكان خفي، لا يعثر عليها أبدا في أي مكان، ربما هربت إلى غرفة ~~النوم تحت السرير، ينثني ليبحث عنها تحت السرير، وراء الدولاب، من دون جدوى ... معركة تدور ~~بينه وبين البعوضة، يهمس لنفسه بلا صوت، عقلها أذكى من عقلي، لو سمعه المنافسون له هذه ~~اللحظة؟ أو لو رأوه وهو يزحف تحت السرير باحثا عن بعوضة؟ طرد الفكرة من رأسه بحركة من يده، ~~ولماذا لا يتطور عقل البعوضة كما تطور عقل المرأة، وأصبحت كاتبة؟ # ويقفز رستم فوق السرير بحركة طفولية، في أعماقه طفل وإن أصبح جسمه طويلا عريضا، يكاد ~~يدفن وجهه في الوسادة كأنما صدر أمه أو أختها التوأم، يرفع رأسه عن الوسادة فجأة، خطرت له ~~فكرة لم تخطر له من قبل، عاد إلى الحمام، فتح خزانة الأدوية، هناك زجاجة من البلاستيك ~~داخلها الحبوب، كان يأخذ حبة واحدة أو نصف حبة قبل النوم، أفرغ الزجاجة كلها فوق الرف ~~الزجاجي، كان عددها أربعا وثلاثين حبة، قال لنفسه: ربما تكفي، الأمر سهل، مع كوب من الماء ~~أو نصف كوب، أمر سهل جدا، يبتلعها كلها دفعة واحدة. # تلفه العتمة وهو يدخل إلى غرفة النوم، كل شيء كما كان، حتى كارمن راقدة في السرير تنتظره، ~~تفسح له مكانا بجوارها، تحوطه بذراعيها وتقول: أقسم أنك حبي الوحيد. ~~- من يقول الحق لا يحتاج إلى القسم. ~~- أجمل الحب أكذبه كما تقول مريم الشاعرة. # يبدو أنها تتلاعب بالكلمات المراوغة، وفي هذه اللحظة تختفي كارمن، كما كانت تختفي لتكتب ~~الرواية، لم تكن تستطيع الكتابة ms133 في وجوده، جسده يبدو كأنما لم يعد موجودا، مثل شبح أو ~~روح تفكر من دون أن يكون لها جسد، وعين تراقب من دون أن ترى ... ومن بعيد، من بعيد جدا ~~ينبعث ضوء من وراء النافذة يضيء وينطفئ ويضيء وينطفئ ... ثم ينطفئ دفعة واحدة ... دفعة واحدة ~~ينطفئ ولا يعود يضيء. ms134