######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.SuqutImam.Hindawi19492482 #META# Tags: novels #META# ID: 19492482 #META# Title: سقوط الإمام #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # الإهداء‏ # تقديم‏ # بداية البحث‏ # لا يعرفون القراءة‏ # نداء الأم‏ # أطفال الله‏ # وجه البابا القديم‏ # مرة واحدة في التاريخ‏ # رئيس الأمن‏ # الزوجة الشرعية‏ # الله مع الإمام‏ # البودي جارد‏ # وجه مزدوج‏ # أول حروف الحب‏ # الزوجة الشرعية لا تدخل الجنة‏ # خيانة مشروعة‏ # وكل شيء بغتة‏ # نشوة الحب‏ # حين كان الحب أعمى‏ # معا في الخندق‏ # الخوف الجماعي‏ # حب إلى الأبد‏ # الكاتب الكبير‏ # الإمام متنكرا‏ # الفيلسوف‏ # الحب القديم‏ # إحياء التراث‏ # بنت الله مع الإمام‏ # الإفاقة بعد النشوية‏ # الكاتب الكبير‏ # دليل البراءة‏ # القاضي‏ # الشكوى‏ # القوى العظمى‏ # انتظار الأم‏ # لقاء الزوجة الأخيرة والابنة غير الشرعية‏ # الحب المحرم‏ # العشيقة‏ # جواهر‏ # الأم والابنة‏ # المحاكمة‏ # ثمن الكتابة‏ # الإهداء‏ # تقديم‏ # بداية البحث‏ # لا يعرفون القراءة‏ # نداء الأم‏ # أطفال الله‏ # وجه البابا القديم‏ # مرة واحدة في التاريخ‏ # رئيس الأمن‏ # الزوجة الشرعية‏ # الله مع الإمام‏ # البودي جارد‏ # وجه مزدوج‏ # أول حروف الحب‏ # الزوجة الشرعية لا تدخل الجنة‏ # خيانة مشروعة‏ # وكل شيء بغتة‏ # نشوة الحب‏ # حين كان الحب أعمى‏ # معا في الخندق‏ # الخوف الجماعي‏ # حب إلى الأبد‏ # الكاتب الكبير‏ # الإمام متنكرا‏ # الفيلسوف‏ # الحب القديم‏ # إحياء التراث‏ # بنت الله مع الإمام‏ # الإفاقة بعد النشوية‏ # الكاتب الكبير‏ # دليل البراءة‏ # القاضي‏ # الشكوى‏ # القوى العظمى‏ # انتظار الأم‏ # لقاء الزوجة الأخيرة والابنة غير الشرعية‏ # الحب المحرم‏ # العشيقة‏ # جواهر‏ # الأم والابنة‏ # المحاكمة‏ # | سقوط الإمام # | سقوط الإمام # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء، حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود ms001 إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات، قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي، حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج ms002 منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العذرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها ms003 وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- إزاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | الإهداء # إلى: # شهربانو شيراز الإيرانية # وفاطمة تاج السر السودانية # وكوليت عيتاني اللبنانية # واعتدال محمود المصرية # وإلى جميع البنات والأولاد # في الطفولة وأول الشباب وآخره، # أهدي هذه الرواية. # ن. س. # | تقديم # وأنا طفلة كنت أرى وجه الله في أحلامي كوجه أمي شديد العدل، وكوجه أبي شديد الرحمة، لكن ~~زميلتي فاطمة أحمد في المدرسة كانت ترى ms004 وجه الله في أحلامها كوجه أبيها شديد القسوة، وكوجه ~~عمها شديد الظلم. # واكتشفت وأنا طفلة أن وجه الله يتراءى لزميلاتي الأطفال كوجه الأب أساسا، وكوجه الأم ~~أحيانا؛ فالمشكلة أن الله لا يرى بعين الأطفال ولا الكبار، وما من وسيلة لرؤيته إلا في ~~النوم، وبالوجوه التي نراها لأقرب الناس لنا. # وقد حاولت أن أكتب هذه الرواية وأنا تلميذة بالمدرسة، لكني لم أعرف كيف أكتبها. الفكرة في ~~رأسي والأحاسيس والشخصيات، لكن اللغة لا تساعدني. وعاشت معي هذه الرواية تطاردني، وزاد ~~إلحاحها علي في السنين العشر الأخيرة، ترمقني عيون أشخاصها في اليقظة وفي النوم، وحين أسافر ~~خارج الوطن أو داخله، وحين التقيت بشهربانو شيراز الإيرانية، وحكت لي عن اغتصاب ابنتها ~~الطفلة في السجن، وحين التقيت بفاطمة تاج السر السودانية، ورأيت ابنها الغلام وزملاءه في ~~جمعية مقطوعي الأيدي بعد تطبيق الشريعة، وبعد أن عشت ثلاثة شهور في السجن في مصر مع اعتدال ~~محمود وغيرها من البنات، كانت هذه الرواية تطاردني، وكلما رأيت وجه أحد الحكام يطل من ~~الصورة، أو رأسه يطل من تحت العمامة المقدسة أو القبعة العسكرية، أو عيونه ترمقني في الحلم ~~وأنا نائمة، وكلما سافرت إلى لبنان ودوت في أذني قنابل حزب الله، ترد عليها من الناحية ~~الأخرى قنابل حزب الشيطان، وحين سافرت إلى مكة وقرأت الإعلانات فوق الجدران أهلا بضيوف ~~الرحمن، ومن وراء الجدار أرى الرجل والبنت كالغلام وثالثهما الشيطان، وفي قريتي كفر طحلة ~~حين كنت أرى وجوه بنات عماتي الفلاحات، وفي القناطر حين رأيت وجوه القاتلات المؤبدات، وفي ~~مشرحة كلية الطب ومستشفيات وزارة الصحة، وفي الأردن والسلط وشريط القنال حيث جبهة القتال، ~~وفي وجوه الأطفال يشربون اللبن ويموتون بالخوف من الإشعاع النووي، أو يخافون الضوء كأنه ~~الإشعاع، وفي وجوه الأطفال البنات المختفية وراء حجاب أسود، أو في احتفالات الأعياد ~~ومهرجانات الانتخابات والاستفتاءات، أو في جلسات استحضار الأرواح وطرد الجان وظهور العذراء، ~~ورش أثواب النساء المحجبات بصورة الصليب، وألسنة النيران تطل من قباب الكنائس ومنارات ~~الجوامع، وظلت الرواية معي وأشخاصها تطاردني. ms005 وكلما جلست لأمسكها وأكتبها تفلت من بين ~~أصابعي، وتنزلق كالزئبق، وخاصة شخصية الإمام؛ فهي شخصية زئبقية، اتبعت معي أسلوب الكر والفر ~~والإقبال والإدبار. إذا اقتربت منها تبتعد، وإذا ابتعدت عنها تقترب. وشخصية المعارض الشرعي ~~أيضا راوغت كثيرا، إلى حد أنني فكرت في حذفها والاستغناء عنها، لكن يد الإمام كانت تمتد ~~وتجذبها إلى جواره يمسكها لا يريد حذفها، وإلا افتقدت الرواية الديمقراطية. # كانت شخصيات البنات والنساء أكثر ثباتا واستقرارا، لكن اسم بنت الله أثار في القلق ~~ليالي طويلة، وحاولت أن أغير اسمها؛ فهو اسم ينتهك المحرمات في حد ذاته، فكيف تجرؤ فتاة أن ~~تحمل اسما محرما (إلى جانب حملها جنينا غير شرعي)؟ وقد يباح في المسيحية أن نسمع اسم ابن ~~الله وهو المسيح، لكن أن نسمع اسم بنت الله فهذا غير وارد تماما، لكن بنت الله سألتني في ~~الرواية: ماذا لو كنت مريم العذراء، وولدت بنتا وليس ذكرا، ألا تكون ابنتي هي بنت الله ~~ويسمونها المسيحية، وتصبح واحدة من الأنبياء؟ # ووجدت صعوبة في تغيير اسم بنت الله؛ لأن الناس كانت تناديها بهذا الاسم منذ ولادتها حتى ~~موتها رجما بالحجارة. وانتهى بي الأمر إلى ترك الرواية ونبذها تماما من حياتي، فكيف تفرض ~~علي الشخصيات نفسها وأسماءها؟ وأغرب شيء أنني حين نبذتها وتركتها بدأت تأتي إلي وتسلم ~~لي قيادها، تعطيني نفسها طواعية، وحين جلست إلى الورق وجدتها وكأنما هي تكتب نفسها بنفسها، ~~ولم أحاول التدخل في حياة الشخصيات الخاصة أو العامة، إلا لأمنع بعض المحرمات اللغوية، أو ~~انتهاك بعض القيم الإنسانية، وخاصة من جانب شخصية الإمام ذاته، ولم يكن في مقدوري أن أترك ~~له السلطة المطلقة في الرواية كما في الدنيا، وقلت لنفسي: في روايتي على الأقل يكون لي بعض ~~الحرية وبعض السلطة. # القاهرة، فبراير 1987م # | بداية البحث # ليلة العيد الكبير، بعد المطاردة الطويلة وقبل أن يطلع الفجر، أصابني أحدهم من الخلف. كنت ~~أجري في الظلمة أبحث عن أمي وليس معي إلا كلبي. أصابوني بالطعنة في ظهري. استدرت وأعطيتهم ~~وجهي فإذا بهم يتلاشون، ms006 لا يستطيعون النظر إلى ضوء الشمس، ينامون النهار، وفي الليل ينهضون، ~~لا يعرفون شرف المبارزة أو الحرب، وفي الظهر يضربون. # قبل أن أسقط وأنسى الحروف تساءلت: لماذا تتركون الجاني وتقتلون الضحية، ولا زلت في أول ~~الشباب وأمي ماتت عذراء؟ قالوا: أمك ماتت مرجومة بالحجارة وأنت بنت الزنا. قلت قبل أن أنسى ~~الحروف وأفقد الوعي: لم أكن بنت الزنا، وكانوا ينادونني في بيت الأطفال «بنت الله»، ومهما ~~فقدت الذاكرة لا أنسى وجه أمي، تركتني منذ ولدتني لتحارب الأعداء، ماتت شهيدة الوطن. قالوا: ~~لم تعرف أمك الولاء للوطن والله والإمام، وماتت كافرة مأواها النار. قلت قبل أن يخلو الدم ~~من عقلي وتضيع الذاكرة: لم تكن أمي خائنة، وهرب منها أبي قبل أن أولد. قالوا: ومن هو أبوك؟ ~~قلت: إنه الإمام. قالوا: اخرسي قطع لسانك. # قبل الموت حكموا عليها بقطع اللسان، كان الإمام يحكم بشريعة الله؛ رجم الزانية وقطع يد ~~السارق، وقطع لسان كل من يردد إشاعة الموت بالإشعاع وإلقاء الخمور في النهر. # ليلة العيد بعيدا عن عيون الإمام يهبطون إلى النهر ويشربون إلى حد فقدان الوعي، ثم ~~ينهضون وقد عاد إليهم الوعي، يندمون، يطلبون المغفرة. يعفو عنهم الإمام ليلة العيد الكبير. ~~تفتح أبواب السجون والمعتقلات، يخرج منها الموتى وشهداء الحرب والإشعاع والمرجومات ~~والمقطوعو الأيدي والأرجل من خلاف، ويأتي دورها لتخرج إلى الحرية، لكن عيون الإمام تلمحها. ~~تجري هاربة في الظلمة ومن خلفها كلبها، تكاد تفلت قبل طلوع الفجر لكن الطعنة تصيبها في ~~ظهرها. قبل أن تسقط تتساءل: لماذا تتركون الجاني وتذبحون الضحية؟! وتتلاشى الأصوات، ويصبح ~~عقلها بلون الظلام، وذاكرتها سوداء أو بيضاء بلا حرف إلا اسم أمها. # | لا يعرفون القراءة # الظلمة داكنة، لا شمس ولا قمر، لا يعرفون هل هو الليل أم نهار مظلم في غابة كثيفة ~~الشجر، ضوء خافت ينفذ يشبه الكشاف في يد الخفير أو رئيس الأمن. في الضوء يرون الجسم يركض ~~جريا، يدركون من حركة الجري فوق ساقين اثنتين أنها إنسان وليست من ذوات الأربع، يرون ~~أنها امرأة وليست ms007 رجلا؛ نهدان بارزان منتصبان فوق الصدر، شابة في أول الشباب، عظامها ~~صغيرة، وبشرتها ناعمة كبشرة الأطفال، سمراء بلون طمي النهر، طويلة الوجه مسحوبة العينين ~~كالإلهات القديمة، عيناها واسعتان والنني أسود كعين الليل، قدماها صغيرتان حافيتان لا تكفان ~~عن الجري، يدها اليمنى تمسك شيئا طويلا يشبه الغصن، عارية كما ولدتها أمها، عورتها مختفية ~~في الظلمة تحت ليل أسود أو ورقة داكنة الخضرة، جسمها يلمع في الضوء وهي تجري كالسمكة تشق ~~الكون نصفين، وميض برق يظهر ثم يعود الليل كما كان، تختفي هي وكلبها وتكاد تفلت. # لكن الظلمة تنشق عن فرقة من عيون الإمام يتقدمهم رئيس الأمن، طابور من الرجال أجسامهم ~~ضخمة يغطيها الشعر، يمسك كل منهم في يده اليمنى قطعة حجر أو آلة قتل مدببة، يجرون في إثر ~~البنت. هي أقدر منهم على الجري، هي أدرى منهم بأسرار المكان، المكان مكانها حيث ولدت وحيث ~~ماتت. # كادت تفلت لولا أنها توقفت تملأ صدرها بهواء المكان. # لم تطل دهشتي حين توقفت لأول مرة بعد الهزيمة في الحرب الأخيرة، منذ ماتت أمي، في منعطف ~~طلعة الهضبة بين البحر والنهر، في الطريق من البيت إلى الجبهة، فلتت مني شهقة حين صعدت ~~الهضبة، سقط الغصن من يدي وارتج قلبي، وهتفت بأختي التي كنت أعلم أنها قادمة بعدي. عشرون ~~عاما منذ ولدت وأنا أحلم بهذه الطلعة، رائحة الهواء لم تغب عن ذاكرتي، أتذكر كل منعطف في ~~الأرض، وهذه النخلات الثلاث، وشجرة الجميز، والهضبة فوق الوادي الأخضر، وهواء البحر. إنني ~~أستنشق رائحة أمي. هذه الأرض وطني. # كادت تفلت لولا أنها توقفت لتملأ صدرها برائحة حياتها. أصابتها الطلقة في ظهرها. نفذت ~~كالسهم من الظهر إلى القلب. سقطت إلى الأرض تنزف وإلى جوارها كلبها. فزعت العصافير وملأت ~~صيحاتها الكون. ارتفع صياح الديكة والغربان. والحمير صعد نهيقها في السماء. شاركت الكلاب ~~النباح. كان الفجر على وشك الطلوع. نهض رجال يرتدون جلاليب بيضاء ولحى طويلة سوداء. ركبوا ~~مكبرات الصوت فوق المنارات، والقباب تتدلى منها أسلاك الكهرباء، وانطلق الصوت كالرعد يحث ~~الناس على ms008 الصلاة ومبايعة الإمام، ثم انقطع الصوت فجأة بانقطاع التيار الكهربائي. عاد ~~الهدوء والصمت وظل الناس نياما، انتهت الجريمة في الظلام لم يشهدها أحد، لكن الكون شهدها ~~والأشجار والهضبة بين البحر والنهر. ظلت محفوظة في قلب صخرة في بطن الأرض، العام وراء ~~العام. ظلت تعيش على شكل صخرة وإلى جوارها كلبها، تحجر الجسم الحي (هذه حقيقة علمية. وفي ~~التاريخ عاش أهل الكهف مع كلبهم في بطن الأرض ثلاثمائة عام). # لكنها بنت وحيدة وليس معها رفيق إلا كلبها (وأخوات قادمات من بعد)، والكون يشبه الكون ~~الذي نعيش فيه اليوم، السماء والأرض والشجر والبيوت والنهر والبحر، قلت: أهو البحر الأبيض ~~المتوسط، أهو نهر النيل؟ قالوا: الأسماء هنا تختلف، والزمن يختلف، لكن المكان واحد، والشمس ~~واحدة، وسنابل القمح واحدة، والجاموسة سوداء البشرة لها أربع أرجل، أراها من بعيد وهي تهبط ~~إلى النهر، تسبح في الماء وظهرها يلمع تحت أشعة الشمس، تغمض عينيها في راحة واستمتاع، تخرج ~~من النهر تتمشى في استرخاء، تقف عند حقل البرسيم وتأكل، تمضغ على مهل وتهز ذيلها، ترهف ~~أذنيها لصرير الساقية وترمق المرأة المربوطة بالحبل وعيناها معصوبتان، تدور مع الساقية ومن ~~خلفها رجل في يده عصا من الخيزران، يلسعها على ردفيها كلما توقفت، أفلتت مني الشهقة ~~كالدهشة، المرأة تدور في الساقية والجاموسة تتنزه. قالوا: القانون هنا العرض والطلب، ثمن ~~الجاموسة في السوق أغلى من ثمن المرأة، يملك الرجل أربع نساء وليس له إلا جاموسة واحدة، ~~والحقول الخضراء ممتدة كالشريط الطويل بحذاء النهر، طابور من الجاموس يسبح تحت الشمس، من ~~وراء الشريط الأخضر الصحراء ثم جبل الرمال الأصفر، إذا ذهبت ناحية الهضبة هناك قطاع الطرق، ~~الضبع والنسر كلاهما لا يأكل إلا الميت، لا يأكل اللحم الحي إلا ابن آدم، النمور تأكل ~~الغزلان وتأنف لحم الإنسان. لحم الغزلان نادر، ولحم بني آدم كثير بلا عدد. التماسيح خائنة، ~~والثعابين ملتوية ناعمة من السطح وسمها قاتل. لا يعرف الوفاء هنا إلا الكلاب. والظلمة لا ~~تزال داكنة. حشرات على شكل بعوض أو جراد أو فئران. ms009 زواحف وكائنات تجري فوق أربع أرجل. أين ~~الناس؟ لا أرى أحدا. البنت المقتولة اختفت، والقتلة اختفوا أيضا. قلت: ألا يوجد هنا بشر؟ ~~قالوا: البشر هنا بالملايين، كالهوام في الجو، لا ترينهم بالعين المجردة. يعيشون في كهوف في ~~بطن الأرض، بيوت على شكل قبور، يخافون الضوء، يتصورون أنه النار. يخافون شعاع الشمس، يظنون ~~أنه الإشعاع النووي، شر قادم من وراء البحار، ترسله القوى العظمى في لبن الأطفال، أو غضب ~~من عند الله، ولماذا يغضب عليهم الله؟ لا أحد يعرف. لا يعرفون جريمتهم. لا يعرفون كلمة ~~الله؛ فهي كلمة مكتوبة، وهم لا يعرفون القراءة ولا الكتابة ولا الكلمات، مجرد همهمات أو ~~صيحات أو هتاف أو صراخ. قلت: ألا يمكن الحديث إليهم؟ قالوا: نعم، إذا عرفت لغتهم، وإذا ارتديت ~~زي رجل أو أخفيت عورتك وراء حجاب. قلت بدهشة: أي عورة وأنا أرتدي ملابسي كاملة؟ وأشاروا ~~بأصابعهم المدببة إلى وجهي. أصابني ذعر، وارتج لساني، قلت: من قال لكم هذا؟ قالوا: إنها ~~كلمة الله. قلت: كلمة الله مكتوبة وأنتم لا تعرفون القراءة، فكيف عرفتم كلمة الله؟ سكتوا ~~طويلا، نظر بعضهم للبعض، رفعوا عيونهم نحو السماء، أشاروا إلى الصورة المعلقة فوق قوس ~~النصر. قلت: من هو؟ شهقوا بدهشة: ألا تعرفينه؟ صورته معلقة في كل مكان؛ في الشوارع، على ~~الجدران، في الدكاكين، فوق أقواس النصر، اسمه «الإمام»، وهو في كل مكان. قلت: من يكون في كل ~~مكان لا يكون في أي مكان. قالوا: بايعناه مدى الحياة، سيدنا الإمام رأى الله وعرف كلمته. ~~قلت: وأين رأى الإمام الله؟ قالوا: زاره الله في المنام. # | نداء الأم # في طفولتي وأنا نائمة كان الله يزورني، وله صوت حنون كصوت أمي. وحين سمعت دوي الطلقات ~~ورأيت صورة الإمام تسقط بدأت أجري. لم أكن أخاف الموت؛ فالموت أمره سهل إذا حدث في لحظة ~~خاطفة؛ فصل الرأس عن العنق بضربة سيف، اختراق الرصاصة القلب بطلقة واحدة. أما الموت البطيء ~~فهو الرعب الحقيقي؛ يربطونني بالحبال داخل حفرة في الأرض، يقذفونني بالحجارة حجرا وراء ~~حجر، يوما ms010 وراء يوم، خمسين يوما أو مائة أو ألفا، وإن مات جسمي فلن تستسلم روحي. يرهقهم ~~الرجم بالأحجار قبل أن أموت، تنزف أيديهم الدم قبل أن تفرغ شراييني، تمتص روحي ذرات التراب ~~والرمل، يتحول جسدي إلى صخرة يرتد عنها الحجر. ومن بعيد أرى الصخرة منتصبة فوق الهضبة بين ~~البحر والنهر، واقفة في الظلمة تنتظرني، منذ ولدتني وهي واقفة تنتظرني، عشرون عاما وهي لا تزال منتصبة وظهرها مرفوع، صوتها كالهمس، كحفيف الهواء والشجر، كالنداء الخافت ينبعث من بطن ~~الأرض: بنت الله، تعالي. كانوا يسمونني بنت الله، وكلبي اسمه مرزوق، رافقني منذ ولدتني أمي، ~~ظل معي حتى النهاية، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، لم يقرأ كلمة الله، لكنه الوحيد الذي ~~يعرف الحقيقة، يعرف أنني بريئة من دم الإمام. وكيف أقتله وهو أبي المجهول، ولولاه (بالإضافة ~~إلى أمي المجهولة) ما كان وجودي؟ لم يعرف أحد أنني ابنته إلا أمي ومرزوق. رآها وهي راكعة ~~فوق الأرض تنشج ببكاء مكتوم، ورآه وهو يخرج هاربا في الظلمة. عرف وجهه وحفظ ملامحه، أصبح ~~كلما رأى صورته معلقة في الجو ينبح بصوت عال. لم يفهم الناس نباحه؛ فالناس لا تعرف لغة ~~الكلاب، لكن الكلاب تفهم لغة البشر، ولها مثل البشر ذاكرة تحفظ التاريخ. وظل مرزوق يحفظ ~~شكله وهو يخرج هاربا. جرى خلفه وأمسكه من الخلف. مزق سرواله من فوق الإلية اليسرى، واستقرت ~~قطعة من القماش الدمور بين نابيه. لونها كاكي كملابس عساكر الجيش، ورائحتها عرق وعطر رخيص. ~~ترك القطعة وراءه وانطلق يجري خائفا من الكلب، قدماه وهو يجري لهما وقع مسموع، في كعب ~~حذائه حدوة من الحديد. لم يكف عن الجري ووجهه نحو السماء، أمله في الله كبير، انصرني يا رب ~~على أعدائي وحقق لي آمالي. عيناه الجاحظتان مملوءتان بالآمال العريضة. شفتاه سميكتان فيهما ~~نهم لامتلاك الكون. عرش في السماء وعرش في الأرض. قصر يطل على البحر في الصيف، وقصر ~~الشتاء في الجنوب، وقصر في الجنة تجري من تحته الأنهار وغلمان وحور. طرف لسانه جاف وظمؤه ~~شديد. فمه مفتوح ms011 يلهث ويجري بلا توقف . حرمانه قديم منذ الطفولة لا يهدأ، ورغبة الامتلاك ~~كالمرض المزمن لا تشبع، والأمل في الله بغير حدود. علامة الإيمان فوق جبهته دائرة محفورة ~~مرسومة، في يده اليمنى مسبحة حباتها صفراء، فوق ردفه الأيمن الجراب الطويل داخله السيف، يده ~~اليسرى فوق الردف الأيسر تخفي الثقب في السروال. # اختفى في الظلمة يتمتم بآيات الحمد لله. أنفاسه تفوح بالخمر وعرق امرأة فقيرة. ارتفع ~~نباح مرزوق في الليل، لم يسمعه أحد. كانت صواريخ العيد تدوي في الآذان، والإمام يخطب في ~~مكبرات الصوت. يبدأ باسم الله وينتهي بالصلاة على النبي. يتفرقون بعد الخطبة ويختفون في ~~البيوت، في رءوسهم نشوة النصر، وفي حلوقهم مرارة الهزيمة. يظهر في الشوارع رجال يحملون ~~السكاكين، كل منهم ينادي بصوت عال: جزار. ويعم الصمت والوجوم، ثم يرتفع من كل بيت صراخ ~~الضحية، ودخان كثيف، ورائحة شواء اللحم. بعد الأكل يرتدون الملابس الجديدة، وأحذية في كعبها ~~حديد كالحدوة. يدبون فوق الأرض حامدين الله على النعم. في اليد اليسرى مسبحة، وفي اليد ~~اليمنى حجر. حان موعد رجم الشيطان. # ربطوها بالحبال، صنعوا من حولها دائرة، تسابقوا في الرماية وإصابة الهدف، نقطة الوسط فوق ~~علامة الشيطان، الفائز الأول له وسام الشرق وقصر صغير بجوار قصر الإمام وحوريات. # الأرض من تحتها باردة، رائحة تراب في أنفها، مربوطة في الأرض، صدرها مكشوف، الركبتان ~~والذراعان مفتوحتان، في أذنيها صوت الطبول، صواريخ العيد، ضحكات الأطفال والبالونات ~~الملونة. تفتش في وجوه الأطفال عن وجه ابنتها، تلمح الوجه الصغير الشاحب، تلوح لها بيدها ~~وتنادي بصوت كالحفيف: بنت الله، تعالي. # منذ ولدتني أسمع نداءها مع حركة الهواء وأوراق الشجر. صوتها في ذاكرتي نقش فوق الحجر. ~~واقفة في الظلمة بلا حركة، صخرة على شكل تمثال، متشحة بغلالة سوداء تخفي معالم الجسم. من ~~حولها دائرة ضوء مجهولة المصدر. يداها الكبيرتان فوق صدرها، تخبئان شيئا عن الكون. أصابعها ~~منقبضة على موضع القلب. ملامح الوجه ثابتة في ارتخاء. وهبت حياتها دون مقابل. ألم الاكتشاف ~~في العينين. الصدمة راحت ولم يبق إلا الحزن، ms012 كالضوء أو الرؤية الجديدة للكون. جسمها نحيل ~~بريء من اللحم، كالروح أو الخيال، بلا حاجة إلى حركة أو لغة. ملموسة باليد داخل كتلة من ~~الهواء. رأسها مرفوع. فقدت كل شيء ولم تخسر نفسها، على شفتيها ابتسامة. عرفت السر وهتكت حجب ~~السماء. عذابها محفور فوق عظام الوجه. عيناها واسعتان مملوءتان بالبريق، ترقبان انطفاء ~~الضوء الأخير. # وأغلق حارس الإمام آخر أبواب القصر. تمتم بآية الكرسي يطرد الشياطين وأرواح الجان. دب ~~السكون في الليل. نام الإمام ونامت عيونه، الشياطين نامت، والملائكة نامت، والآلهة نامت، ~~وأوراق الشجر نامت، وهي لا تزال واقفة تتلفت حولها. لا أحد يراها. انثنى جسمها وكاد رأسها ~~يلامس الأرض. انتزعت من صدرها الشيء المخبوء. ساوت الأرض بكفها الكبيرة الحانية مثل كف ~~الله. أبعدت قطع الطوب والحصى. فرشت الأرض بتراب ناعم كصدر الأم، وأرقدتني. # كنت نائمة. وجهي شاحب يطل من فتحة ثوب أبيض. عيناي مغمضتان. صدري يعلو ويهبط في أنفاس ~~الأطفال العميقة. يدي تطل من فتحة الكم مفتوحة الكف. ابتهال في النوم كالنداء الصامت. خلعت ~~شالها الصوفي الأسود وحوطتني. لامست يدي إصبعها فأمسكته بأصابعي الخمس لا أتركه. تركت ~~إصبعها في يدي طويلا بطول الليل، بطول النفس العميق في صدر الأم، ثم بدأت تسحبه شيئا ~~فشيئا، والدم ينسحب من قلبي قطرة قطرة. ارتج جسدي لحظة الانفصال، وصحوت من النوم. رأيتها ~~واقفة تطل علي، رأسها في السماء وعيناها نجمان يلمعان في الليل، ثم استدارت، ظهرها مرفوع، ~~خطوتها واسعة، لا سريعة ولا بطيئة، تحرك ذراعيها في الهواء كأنما تملك الهواء. ابتعدت شيئا ~~فشيئا ثم اختفت دون أن ينقص حجمها. # | أطفال الله # حين دوت الطلقات رأيته يسقط، وفي لحظة السقوط تغير وجهه. أصبح له وجه آخر. ليس هو ~~الوجه الذي عرفته؛ وجه غريب لم أره من قبل. ليس وجه رجل ولا أب ولا إمام، ليس وجه إنسان ~~ولا حيوان، كالوجه المخيف في كوابيس الطفولة، وحكايات الجدة العجوز أرضعتني مع اللبن حكايات ~~العفاريت والجان. جدتي الحقيقية لم أرها مثل كل الأطفال في ذلك البيت. أطفال كثيرون ms013 بلا أم ~~ولا أب ولا جدة، يسمونهم أطفال الله، وأنا اسمي بنت الله. لم أكن رأيت الله وجها لوجه. ~~تصورت أن الله هو أبي، وأمي هي زوجة الله. وفي النوم أرى أمي واقفة تنتظر الله. الليل ~~مظلم والناس نامت وهي واقفة، وأنا راقدة ورأسها عال في السماء. عيناها مليئتان بالضوء ~~وصوتها كالهمس: بنت الله، تعالي. أنهض من سريري وأسير حافية نحو الصوت. يأتي من بعيد من ~~وراء الباب. أفتح الباب وأنظر، لا أحد. أسير في الممر الطويل حتى نهايته، لا أحد. باب آخر ~~مغلق لا ينفتح. النافذة مفتوحة تطل على الفناء. أصعد إلى النافذة بقفزة واحدة. أسير على ~~حافة الجدار. أمد ذراعي أمامي وجسمي يحفظ توازنه. حركتي خفيفة كالريشة. قدماي لا تلامسان ~~الأرض. كالروح بغير جسد أسير على الحافة دون أن أقع، ثم أقفز في الفناء فوق يدي وقدمي ~~كالقطة. أتوقف في الظلمة أتسمع الصوت. من وراء الباب يأتيني الهمس. باب من الخشب طلاؤه أخضر ~~بلون الزرع، مفتوح عن شق صغير ينفذ منه ضوء. ~~- من هناك في الظلام؟ ~~- أنا. ~~- مين انت؟ ~~- بنت الله. ~~- تعالي يا بنت الله. # أدخل إلى الغرفة الصغيرة نصف المعتمة. زوجة الحارس واقفة وراء الباب. يداها ممدودتان ~~نحوي بلون الأرض. جلبابها أسود واسع. رأسها مربوط بمنديل أبيض. عيناها واسعتان تلمعان. ~~وجهها ناعم كصدر الأم. أنفاسها تعلو وتهبط في نشيج خافت. ثدياها مملوءان باللبن. الحلمة ~~السوداء منتصبة نافرة، تضغطها بين إصبعين تعتصر الألم. قطرات اللبن تتساقط قطرة قطرة. فراش ~~طفلتها إلى جوارها خال. زوجها نائم شخيره مسموع. وجهه مليء بالتجاعيد والشعر، متكور تحت ~~بطانية منحولة الوبر. رأسه يطل من تحتها منحول الشعر. جفناه مغلقان انفتحا فجأة ورآني بين ~~ذراعيها. حملق في وجهي بعينين حمراوين، وصاح: ليست بنتي، بنت مين هي؟ قالت إنها بنت الله. ~~ارتفع كفه في الهواء وسقط على وجهها: يا زانية يا بنت الزانية. ~~••• # فتحت عيني في الظلمة. أسرة كثيرة تطل منها رءوس الأطفال. إلى جواري سرير طفلة من عمري ~~اسمها نعمة الله، أقول لها أختي. ms014 شعرها أسود ناعم يطل من تحت الغطاء. عيناها مفتوحتان. ~~أنفاسها متقطعة كالنشيج، تهمس بصوت خافت: بنت الله، تعالي. أنهض من سريري وأنام إلى ~~جوارها. تحوطني بذراعيها وجسمها يرتعد: أنا خائفة. ماذا تخافين؟ أخاف الله. لماذا؟ لا أعرف. ~~ألا تخافين الله؟ أنا بنت الله، فهل أخاف من أبي؟ تلف ذراعيها حولي، وتحت أذني قلبها يدق. ~~صدرها ناعم كصدر الأم. ننام متعانقتين حتى الفجر. قبل شروق الشمس توقظني: بنت الله، عودي إلى ~~سريرك. # كانت الأوامر مشددة. النوم له موعد محدد وجرس، لا أحد يغادر السرير بعد النوم. إذا ضبطت ~~اثنتان في سرير واحد فالعقاب شديد. غرفة التأديب في الفناء الخلفي. سمعت عنها قصصا مخيفة. ~~أمام بابها يقف رجل طويل ضخم. رأسه يلمع تحت الشمس بغير شعر. وجهه عريض يغطيه الشعر. ~~عيناه ضيقتان غائرتان. في يده اليمنى عصا طويلة، وفي اليد اليسرى مسبحة صفراء. # في الليل تحوطني أختها بذراعيها. تنشج بصوت مكتوم وتحكي قصة أمها. زارها الله في الحلم ~~وحملت منه مثل مريم العذراء. ارتدت ثوبا واسعا لتخفي ارتفاع البطن. ولدتها في الليل بعد ~~أن نام الناس، لكن عيون الأم رأتها. ربطوها بالحبال ورجموها حجرا حجرا. قلت لها وأنا ~~أعانقها: إذا كان الله هو السبب، فلماذا يقتلونها؟ ولا تعرف نعمة الله الجواب. يغلبني النوم ~~دون أن أعرف السر. في الحلم يتراءى لي الله على شكل رجل. واقف في الظلمة ويده اليمنى خلف ~~ظهره. رأسه يلمع تحت الضوء بغير شعر ووجهه يغطيه الشعر. يرتعد جسمي تحت الغطاء وعيناي ~~مغلقتان. يحرك يده اليمنى خلف ظهره، يرفعها أمامي ويفتح أصابعه. ليس في يده العصا. يهمس ~~بصوت ناعم: بنت الله، تعالي. يقترب مني حتى يلامسني بيده. أتحسس كفه الكبير الحاني. بشرته ~~ناعمة كصدر الأم. أضع رأسي على صدره وأغمض عيني. يده تربت على وجهي، ثم تهبط لتربت على صدري ~~وبطني. رجفة غامضة تهزني وقشعريرة. يهمس بصوت ناعم: لا تخافي، أنا الله وسوف تلدين ~~المسيح. # أصحو من النوم والدنيا ظلام. جسمي مبلل بالعرق وله رائحة الله. الرجفة لا ms015 تزال ~~والقشعريرة. يدي تزحف فوق بطني أتحسس الحمل. شيء في أحشائي يتحرك كالجنين. قلبه يدق تحت ~~يدي مع دقات قلبي. الظلمة كثيفة والفجر لم يطلع. ضوء خافت يتسلل من شقوق النافذة. السقف ~~عال رمادي، يتدلى منه سلك النور. فوق السلك ذباب أسود ناعم. رءوس الأطفال سوداء صغيرة تطل ~~من تحت الأغطية. أختي نائمة وشعرها يغطي وجهها. أغمضت عيني لأنام. رائحة الله في أنفي. صوته ~~كالهمس في أذني، يده خلف ظهره، لكني لم أعد أخاف؛ فهو لا يحمل العصا، ويده ناعمة كصدر أمي. ~~ما زال يقترب مني بخطوات بطيئة. وجهه يظهر تحت الضوء. ليس الوجه الذي رأيته. عيناه حمراوان ~~فيهما شرر، وأصابع يده غليظة حديدية تلتف حول عنقي. أحاول الجري وجسمي مربوط في الأرض. ~~أفتح فمي لأنادي على أمي، صوتي لا يطلع، وفي أذني الدوي. # ما هذا الصوت؟ صواريخ العيد؟ زغاريد أم صراخ؟ # | وجه البابا القديم # سمعت الطلقات بأذني ورأيت الإمام يسقط. وجهه كان معلقا في السماء يعكس شعاع الشمس. دوى ~~الصوت كالرعد وتحول الضوء إلى إشعاع نووي. أصبح وجهه ناحية الأرض بلون التراب. فوق المنصة ~~كان وجهه مضيئا كوجه الله. انقلب عند السقوط وأصبح داكن اللون كوجه الشيطان. لم أكن رأيت ~~الشيطان من قبل وجها لوجه، لكني رأيته في الحلم وحكايات الجدة العجوز. نتجمع حولها في ~~الليل قبل جرس النوم. تحكي لنا عن الشياطين وأرواح الجان. كنت لا أزال في بيت الأطفال، لا ~~أعرف وجه أمي ولا أبي. وجه الله أراه في النوم مزدوج الوجه، ناعما كصدر الأم من ناحية، ومن ~~ناحية الأخرى مخيفا يغطيه الشعر. يتجسد لي دائما على شكل رجل؛ أول رجل رأيته في حياتي. ~~كان الأطفال يسمونه «البابا». يظهر فجأة. لا أراه داخلا أو خارجا من الباب الخارجي. يقف ~~وسط الفناء فاتحا ساقيه كأنما انشقت عنه الأرض أو سقط من السماء. عضلات وجهه لا تتحرك. ~~رأسه بغير شعر يلمع تحت الضوء، وجهه يغطيه الشعر ولحيته طويلة. يرتدي قميصا أبيض مفتوحا ~~عند الصدر. يطل من فتحة العنق شعر ms016 كثيف أسود. عظام صدره كبيرة، والثدي عريض مشدود العضلات ~~بغير لحم. فوق كل ثدي نقطة سوداء كالحلمة الضامرة، يشف سوادها من تحت القميص الخفيف. حول ~~خصره حزام عريض من الجلد، يضغط بطنه في عظام الظهر. ردفان ضامران داخل سروال من الجلد. ~~عظام ساقيه بارزة مقوسة تحت الركبة. فخذاه متقلصان كفخذي النمر، يلتقيان أسفل بطنه في ورم ~~صغير بحجم الليمونة. # لم تكن يده اليمنى تخلو من العصا، واليد اليسرى تقبض على ذراع طفل أو طفلة. يجرها خلفه ~~إلى غرفة التأديب. يغلق عليها الباب ثم يعود إلى الفناء. يجلس على الكرسي الخيزران وينادي ~~على الأطفال. نتجمع من حوله فوق الدكك الخشبية، وتبدأ حصة الدين. يقرأ بصوت بطيء غليظ. يد ~~تمسك العصا، واليد الثانية تمسك كتاب الله: # قل أعوذ برب ~~الفلق * من شر ما خلق * ومن شر ~~غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد ~~. أغمض عيني وأنام. أرى ~~النفاثات في الحلم على شكل نسور سوداء تحلق في الجو. أصحو على صوته كهدير الطائرة ~~النفاثة، يسأل: ما عقاب السرقة؟ ويهتف الأطفال في نفس واحد: قطع الذراع. وما عقاب الزنا؟ ~~ويرن صوتنا في الفناء: الرجم بالحجارة حتى الموت. ويدب الصمت حتى يسمع كل منا أنفاس الآخر. ~~نعمة الله جالسة إلى جواري، ترمقني بعينين تتسعان لذعر العالم: ما هو الزنا؟ وأغمض عيني ~~كاتمة أنفاسي هاربة في النوم، ثم أصحو على صوته يقرأ مرة أخرى: # قل ~~هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ~~ولم يولد * ولم يكن له ... ~~. وتقترب مني نعمة الله ~~حتى يلتصق رأسها برأسي، وتهمس في أذني: ألم يلد الله المسيح؟ # صوتها كان خافتا كزفير يخرج من الصدر، لكن عينه الغائرة اتجهت نحونا، وارتفع صوته في ~~الجو: من التي تكلمت؟ ولم أعد أسمع شيئا إلا صوت العصا تلسع الهواء، ورأيت خروف العيد ~~مربوطا من ساقه الأمامية بحبل في الأرض. يشد ساقه محاولا الخلاص ويمأمئ بصوت عال. عيون ~~الأطفال تتجه خلسة ناحية الخروف. آذانهم تتابع الصوت البطيء الغليظ يقرأ القصة. ms017 في النوم ~~زار الله الأب وأمره أن يذبح ابنه. أمسك الأب عنق الابن ووضع فوقه السكين. # وانكمش الأطفال متكورين بعضهم داخل البعض فوق الدكة الخشبية. امتدت العصا طويلة لامعة ~~كالسكين، واستقرت فوق عنق فضل الله، جالس إلى جواري متكور حول نفسه كالجنين. يده في يدي ~~باردة مثلجة وأظافره زرقاء. ركبتاه مرفوعتان فوق الدكة عاريتان، يشد عليهما طرف جلبابه ~~الدمور. وجهه خال من الدم. الدكة الخشبية من تحته تهتز. صوت الصرير كالأسنان تصطك بالبرد. ~~أمسكت يده في يدي وتساءلت بصوت غير مسموع: ماذا فعل الابن ولماذا يذبحه أبوه؟ لكنه سمعني. ~~كان يسمعنا قبل أن ننطلق ويرانا دون أن نراه، وصاح بصوته العالي: الأب لا يسأل الله لماذا، ~~والابن لا يسال الأب لماذا، طاعة الله واجبة، وطاعة الأب أو الزوج من طاعة الله. # رفع العصا من فوق عنق فضل الله، وأشار بطرفها المدبب إلى الخروف المربوط، وقال: هذا هو ~~ضحية العيد الكبير نذبحه ونأكل لحمه؛ لأن سيدنا إبراهيم أطاع الله، ولأن إسماعيل أطاع أباه. ~~وانتهت حصة الدين، واختفى من الفناء كما ظهر، ولم ينهض فضل الله من مكانه فوق الدكة. ساقاه ~~مشلولتان. رأسه بين ركبتيه. # دق جرس النوم. نهضت من فوق الدكة ونهض معي فضل الله. جلبابه من الخلف ملتصق بجسمه، ومكانه ~~فوق الخشب مبلل. مسحته بكفي قبل أن يراه أحد. فاحت رائحة البول في أنفي. جففت يدي في جلبابي ~~واختبأت في دورة المياه. من النافذة رأيت من بعيد غرفة التأديب، ومن خلفها تطل قبة الكنيسة ~~ومنارة الجامع. شجرة كبيرة تحجبها عن الضوء، وتلقي عليها غلالة سوداء تخفي معالم الجدران، ~~وتضفي عليها مسحة غامضة، شبه إلهية كأنها في العالم الآخر. بابها خشبي أصفر اللون، مقبضه ~~معدني أبيض تعلوه بقع سوداء كالدم القديم. # عيناي ثابتتان فوق المقبض، لم يتحرك ولم تخرج نعمة الله. أغمضت عيني ونمت ثم صحوت. لا زال ~~الباب مغلقا. إلى جواري فضل الله. أخرج الرغيف من تحت جلبابه. نفذت رائحة الخبر إلى أنفي. ~~لم آكل منذ حصة الدين. جلسنا فوق ms018 النافذة متعانقين. جلبابي يفوح برائحة بوله، وفي جلبابه ~~رائحة عرقي. نعمة الله لم تخرج من غرفة التأديب. همست بصوت غير مسموع: سأقتله حين ~~أكبر. # كأنما كانت تسمعنا أذناه. انشقت عنه الأرض وظهر أمامنا طويلا عريضا كالمارد. عضلات وجهه ~~متقلصة. الشعر يطل من فتحة القميص منتصبا. عضلات الصدر مشدودة، وحلمة الثدي نافرة. ساقاه ~~مفتوحتان كفكي المقص. عيناه ثابتتان علينا، ونحن راقدان فوق النافذة. أنفه يتشمم الرائحة، ~~والفتحتان الكبيرتان تتسعان داخلهما الشعر الأسود. # وجاء دوري وأسلمت له نفسي كأنه الله، يقودني حيث شاء إلى قدري المحتوم، ثم صحوت من النوم. ~~وجدت نفسي في السرير من تحتي البلولة، وخيط دافئ يسري ناعما فوق ساقي كالعرق. تحسسته ~~بإصبعي من تحت الغطاء، ثم قربت يدي إلى عيني تحت الضوء، كان إصبعي مبللا بالدم ~~الأحمر. # | مرة واحدة في التاريخ # أصابتني الطلقة من الخلف وأنا أجري ومن خلفي مرزوق. قبل أن أنسى الحروف وأفقد التاريخ ~~تذكرت. كنت أرتدي ملابسي كاملة، ورأيتهم يشيرون بأصابعهم إلى وجهي: عورتك هي هذا. وارتج ~~جسدي رغم الموت. قلت: من قال لكم هذا؟ قالوا: إنها كلمة الله. قلت: لكنها كلمة مكتوبة وأنتم لا ~~تعرفون القراءة. سكتوا طويلا. نظر بعضهم إلى بعض. رفعوا عيونهم نحو السماء. أشاروا إلى ~~الصورة المعلقة فوق أقواس النصر. قالوا: سيدنا الإمام رأى الله وعرف كلمته. قلت: وأين رأى ~~الإمام الله؟ قالوا: زاره الله في المنام. وتذكرت قبل أن تضيع الذاكرة، قلت: وأنا أيضا زارني ~~الله في المنام. قالوا: الله لا يزور امرأة ولا يظهر لها في الرؤيا. قلت: زار الله مريم ~~العذراء وهي امرأة. قالوا حدث ذلك مرة واحدة في التاريخ، والله منزه عن التكرار. قلت: زار ~~الله النبي محمدا وظهر في الرؤية لإبراهيم، فلماذا لا يكرر الزيارة للإمام؟ سكتوا طويلا. ~~نظر بعضهم للبعض. رفعوا عيونهم نحو الصورة المعلقة في السماء، وقالوا: إنه رأى الله وهم لم ~~يروا الله. # | رئيس الأمن # الظلمة داكنة كأنما انطفأت الشمس، وهي تجري هاربة ومن خلفها كلبها يجري. يحرك بأقدامه ~~الأربع تراب الأرض. يلهب ms019 التراب عيون الإمام وهم يجرون خلفها، ومن خلفهم كلابهم تنبح، ويخرج ~~رئيسهم من جيبه منديلا حريريا من أجود الأنواع، ويمسح عينيه وزجاج النظارة. منذ منحه ~~الإمام المنصب واللقب وهو يرتدي النظارة السوداء، يرى الناس والناس لا تراه، يرقب حركة ~~عيونهم دون أن يروا حركة عينيه؛ فهو رئيس الأمن، واجبه حماية أمن الإمام وأعضاء حزب الله. ~~وفي الصف الأول يقف عن اليمين لا يفصله عن مقعد الإمام إلا جسد الإمام ذاته، وعن اليسار يرى ~~الكاتب الكبير واقفا إلى جوار المعارض الشرعي. يطل القلم من جيبه العلوي. عينه اليمنى على ~~العرش، واليسرى تتجه إلى شرفة الحريم. وفي الصف الثاني صفوف الوزراء تتلاصق أكتافهم ~~وأقدامهم وأيديهم فوق قلوبهم مربوطة من خلاف، والأجانب واقفون صامتون بوجوه لامعة وأحذية ~~براقة، ونساؤهم إلى جوارهم في شرفة الحريم، وكبيرات نساء الدولة تتوسطهن الزوجة الشرعية، ~~ترتدي وجه الملاك وفوق صدرها وسام الشرف. # يرمقها بطرف عين ويراها وهي ترمق الكاتب الكبير بعيون مشتعلة، وهو يبادلها الإشعاع بإشعاع، ~~والإمام عيناه شاخصتان نحو الله، والمعارض الشرعي عينه اليمنى على العرش، وعينه اليسرى على ~~رئيس الأمن. يتبادلان الابتسام، وفي الليل يشربان نخب الصداقة والولاء. صديقان لدودان؛ واحد ~~في حزب الله، والثاني في حزب الشيطان، وكلاهما شرعي أنجبته الإرادة العليا، كالأخوين غير ~~الشقيقين أمهما واحدة، والأب رجلان عدوان تجمعهما الكراهية وحب امرأة واحدة. # كنت واقفا في الصف الأول والهتاف يدوي مع مدافع العيد، والإمام شاخص نحو السماء، وأنا ~~شاخص من تحت النظارة السوداء أرقب عيون الناس. ألتقط الحركة قبل أن تقع، وألحظ اليد قبل أن ~~ترتفع، والإصبع قبل أن يدوس على الزناد. أعرف وجوههم واحدا واحدا، وأرى رءوسهم وهي تندس ~~بين الرءوس. ملامحهم محفوظة في درج مكتبي داخل الملفات رجالا ونساء، ولمحتها وهي واقفة خلف ~~الصفوف تخفي رأسها وراء الرأس أمامها، وعرفتها على الفور. وجهها نحيل شاحب كوجه أمها، زانية ~~بنت زانية، لا تتحرك إلا تحت الأرض مع الأحزاب السرية والمعارضة غير الشرعية. فقيرة معدمة ~~لا تملك إلا جسمها، تبيعه بثمن طعامها. ذهبت ms020 إليها مرة وأنا شاب . فتاة صغيرة كالطفلة. قبل ~~أن أبدأ الجولة الأولى قالت: أخرج قروشك. قلت: ألا تثقي في؟ قالت: أنت من النوع الذي يأكل من ~~عرق النساء. وانعقد لساني كيف عرفت الطفلة حقيقتي وانكشف عنها الحجاب؟ وأخرجت من جيبي ~~القروش ووضعتها في الدرج. صعدت فوقها المرة وراء المرة حتى أعياها الجهد فنامت. دسست يدي في الدرج، ~~سحبت إيرادها، وخرجت قبل أن تصحو. جمعت القروش العام وراء العام، وبنيت بيتا من الطوب ~~الأحمر ثلاثة أدوار. تزوجت بنت الوزير ودخلت حزب الله. لم أر زوجتي قبل الزواج، محجبة ~~طاهرة لا تنكشف على الرجال. تزوجتها على عهدة الوزير وسنة الله والرسول. اشتريتها بمهر ~~عال، ودخلت عليها بعد حفل كبير بحضور الإمام. ظلت ملاءة العرس بيضاء من غير سوء. قلت لنفسي: ~~سبقني إليها غيري وعوضي على الله. شرف الوزير فوق شرفي، والله غفور رحيم، ولست فوق الإله. ~~ضربتها حتى اعترفت بالإثم، ثم غفرت لها كما يغفر الله. أصبحت معبودها وهي عابدتي. تعشق موضع ~~رأسها عند قدمي. أملكها ولا تملكني، وأرفضها فتعشقني، ولا أعشق إلا من ترفضني. كنت أسمع أمي ~~تقول لأبي: أنت ظلي فوق الأرض، إذا هربت منك تبعتني تجري خلفي. وسمعت الإمام يقول: لا يشغل ~~بالي إلا من يعارض أمري بغير أمر مني. وألمح عينيه من تحت نظارتي السوداء تتجهان نحوها وهي ~~واقفة خلف الصفوف. عيناها مليئتان بالرفض، وعيناه يملؤهما العشق. وقلت لنفسي: لن يقتلك سواها، ~~وفي التاريخ لم يسقط أعظم الملوك إلا بسبب امرأة ساقطة. # | الزوجة الشرعية # الهتاف يدوي «الله معك» يرج أذنيها، يتدلى منها قرط الماس. يهتز مع دوي الصوت ومن حوله ~~الإشعاع ملايين الأضواء، وعنقها الأبيض كالرخام يرتج ومن حوله عقد اللؤلؤ الحر خمسة أدوار، ~~وفوق صدرها الوسام على شكل «بروش» يعكس الضوء كقرص الشمس، وأصابعها تحوطها الخواتم والفصوص ~~كالنجوم تملأ الكون بالضياء، وهي واقفة في شرفة الحريم ومن حولها كبيرات نساء الدولة، ~~يرتدين وجوها مشدودة، وثيابا حريرية مرتخية، وعوراتهن مختفية تحت حجاب مستورد من أجود ~~الأنواع، وهي واقفة ms021 في الشرفة عنقها مشرئب نحو زوجها الإمام، وعنقه مشرئب نحو الله. قلبها ~~تحت ضلوعها يدق، وفوق القلب تحت النهد صليب محفور في الجلد فوقه المسيح مدقوق بالمسامير. ~~رفعت يدها ورسمت فوق صدرها الثالوث، الأب والابن والروح القدس: احفظيه من أعدائه يا ستنا ~~العذراء. أستغفر الله. احفظه يا رب ويا رسول الله؛ فأنا تركت المسيح من أجل الحب، تركت اسمي ~~واسم أبي، أهلي وبلدي وديني، وألقيت بهم جميعا في البحر. كنت مرهقة أغسل الصحون وأتنفس في ~~القطارات تحت الأرض هواء تنفسه قبلي الملايين. أبتسم في الوجوه والوجوه لا تبتسم لي. أذهب ~~إلى الكنيسة كل يوم أحد وأدعو المسيح لينقذني من الفقر. عشرون عاما ولم ينقذني الأب أو ~~الابن أو الروح القدس، ثم جاء الإمام وأنقذني. رأيته جالسا فوق العرش، ووقعت من أول نظرة في ~~الحب. حملني بين ذراعيه وارتفع رأسي في السماء. عرفت الجنة فوق الأرض. آمنت بالله والرسول. ~~حدائق وقصور وخدم وحشم وأنهار من العسل والخمر. أرفع رأسي والرءوس من حولي تنخفض. يبتسمون ~~في وجهي ولا أبتسم. أمشي أمام الوزراء ومن حولي الأضواء. أفتتح المستشفيات وملاجئ الأطفال. ~~اسمي في التاريخ محفور بحروف من النور. زوجة الإمام ليس لها شريكة فوق العرش، ولا تعلو ~~عليها امرأة في جمال أو علم أو جاه. # الله معك. لا زال الهتاف يدوي في أذنيها وهي شاخصة ناحيته وهو شاخص الناحية الأخرى. ~~مدافع النصر تضرب، ومع كل ضربة قلبها يضرب. حاملات الصواريخ تحلق فوق رأسه العاري إلا من ~~طاقية الإمام، وصدره مكشوف بغير قميص الوقاية، واقف فوق المنصة ولا شيء يحميه إلا الله ~~ورسوله. احفظيه من الشر يا ستنا مريم. تلعثمت واستغفرت. لسانها يذكر الله والرسول، وقلبها ~~يذكر المسيح. احفظه يا رب من أعدائه، من الحاسدين والحاسدات من شر النفاثات في العقد، ~~وأولهن زوجته القديمة. مختفية وراء الصفوف تخبئ في جلبابها ورقة السحر، مطوية فوق صدرها على ~~شكل حجاب، تدعو الله أن يسخطه على شكل قرد. احفظه يا رب من كيد النساء إن كيدهن عظيم. ~~وابنته ms022 غير الشرعية تضمر له الموت منذ ولدت، تخفي رأسها بين الرءوس وفي يدها اليمنى شيء ~~طويل كآلة القتل. # ضربات قلبها تدوي في أذنيها مع دوي الهتاف. ما هذا الصوت؟ طلقات رصاص؟ عيناها الزرقاوان ~~بلون البحر ترى وجهه يسقط فجأة من السماء إلى الأرض، والوجوه من حوله تختفي، وذرات تراب تملأ ~~الجو بالعفار، وتفتح عينيها لتصحو من النوم، لكن عينيها الزرقاوين مفتوحتان، وهي ليست نائمة ~~وليست جالسة، وليس من تحتها كرسي العرش. اختفى هو الآخر، أو انقلب رأسه إلى أسفل وأرجله ~~الأربع إلى أعلى. رسمت الصليب على صدرها. ماذا حدث يا أمنا العذراء مريم؟ وأغمضت عينيها حين ~~رأت وجه أمها كبيرا مدورا كقرص الشمس: الأم والابنة والروح القدس. أستغفرك يا رب: الأب ~~والابن والروح القدس. # | الله مع الإمام # سمعت الطلقات بأذني وكنت رافعا عيني نحو عرش السماء. هي لحظة واحدة غفلت فيها عن عرش ~~الأرض. انتهز غفلتي وأطلق النار. لم أر وجهه ولم أعرف من هو على وجه التحديد. واحد من ~~أعضاء حزب الشيطان. أعرفهم وجها وجها وأعرف رئيسهم. كان مهملا منسيا، فأخرجته من الظلمة ~~إلى النور. منحته الوجوه من العدم وأصدرت الأمر، فأصبحت رئيس المعارضة الشرعية. قلت له: ~~تعارض كل القرارات إلا قراراتي؛ فأنا الحاكم الوحيد فوق الأرض والرئيس الأعلى لحزب الله، ~~وأنت لك قصر في ميدان الحرية، ومعونة شهرية، وجريدة يومية، ومقعد في مجلس الشورى ~~والبرلمان. # رأيته يبتسم ووجهه أشرق. كان زميلي في المدرسة، يغمض عينيه ويحلم بصورته منشورة في الصفحة ~~الأولى. حلم يتكرر كل يوم، وأنا مثله يراودني الحلم ذاته، والصفحة الأولى لا تنشر إلا صور ~~رؤساء الدول، أو رؤساء الأحزاب، أو صور السفاحين والسفاحات والحاملات السفاح. وفي المدرسة ~~كان يجلس إلى جواري وسرواله من الصوف الغالي، وسروالي مثقوب من الخلف أخفيه بيدي. أبي كان ~~فلاحا فقيرا يراني في الحلم خفيرا في بلاط الإمام. أبوه كان غنيا سافر للتعلم وراء ~~البحار. عرف اللغات الأجنبية، وارتدى ملابس الأفندية. تزوج امرأة تؤمن بالمسيح ولا تعرف ~~العربية، شقراء بيضاء الساق، يشف ms023 بياضها من تحت اللحم كحوريات الجنة. أرمقها بعين محروم لم ~~يعرف في حياته المرأة. # عرفت من النساء كثيرات، لكن الفقر يحوطني كجلدي، والخوف من الجوع يلازمني، ومهما أكلت لا ~~أشبع، ومهما أمنت المستقبل لا آمن، وكل يوم أرى صورتي منشورة في الصحف، معلقة في كل مكان تحت ~~الأضواء، وأغمض عيني ليراودني الحلم القديم؛ أن أجلس على عرش الأرض والسماء. منذ الطفولة ~~وأنا نائم أرى الله. له وجه أبي مليء بالتجاعيد؛ خطوط الزمن والجدري القديم. فوق النني ~~الأسود في عينه اليمنى نقطة بيضاء بقايا الرمد الصديدي. يرتدي جلباب الفلاحين وطاقية رأس ~~منحولة الصوف. يناديني بصوت أبي الجهوري: يا إمام. وأقول: نعم يا ربي. سأعطيك الرزق بغير حساب ~~في الدنيا والآخرة بشرط واحد، وأقول: ما هو يا ربي؟ يمد يده نحوي قابضا على شيء. أصابعه ~~سمراء مشققة كأصابع أبي. يفتح أصابعه وأرى المسبحة حباتها صفراء، ثلاث وثلاثون حبة، إذا حركت ~~الحبة الواحدة ثلاث مرات يكون عددها تسعا وتسعين. مع كل حبة اذكر اسما من أسمائي. هذا هو ~~أمري، ومن لا يطيعك عليك بهذا. ما هذا؟ وشد من جراب طويل في جلبابه سيفا لامعا، وكاد ~~بوزه الحاد يدخل صدري. تراجعت إلى الوراء، وفي حركة التراجع فتحت عيني وصحوت من النوم. رأت ~~أمي وجهي شاحبا وفي قلبي رعدة. قالت: ما لك يا ابني وجهك ليس هو وجهك؟ قلت لها: رأيت الله. ~~قالت: خير، فلماذا ترتعد؟ قلت: كان معه سيف، وكاد السيف يخترق صدري. بصقت في فتحة جلبابها ~~الأسود وقالت: إنه الشيطان وليس الله. انهض واغتسل وصل ليغفر الله لك. # أمي كانت تصلي الفجر قبل أن تذهب إلى الحقل، وتعود بعد المغرب لتصلي العشاء. أبي لم أره ~~يركع ركعة واحدة، وفي رمضان يأكل ويشرب ويدخن الشيشة، ويوزع لياليه بين أربع زوجات بغير ~~عدل، يعطي الزوجة الأخيرة ثلاث ليال، وأمي ليلة واحدة، وأسمعه يقول: يغفر الله الذنوب جميعا ~~إلا أن نشرك به. إله واحد في السماء هو الله، وحاكم واحد فوق الأرض هو الإمام. قبل أن ms024 ~~يموت زار قبر الرسول في مكة، ثم عاد يرتدي عباءة بدل الجلباب، وسمعته يقول: زيارة قبر النبي ~~تمسح الذنوب ولا يبقى منها شيء. ومات أبي طاهرا بغير ذنوب. وقبل أن تموت أمي قلت لها: لماذا ~~لا تزورين قبر الرسول لتلحقي بأبي في الجنة؟ قالت: باع أبوك المحصول ولم يعطني شيئا، ليس ~~معي ثمن التذكرة إلى مكة. ولم تمسح أمي ذنوبها. مسحت دموعها بكفها وقالت: إذا فتح الله عليك ~~يا ابني أبواب الرزق، فاشتر لي تذكرة إلى قبر النبي. قلت: هذا وعد يا أمي لن أنساه. ونسيت ~~الوعد ونسيت وجه أمي. مضت السنة وراء السنة، عشرون سنة دون أن أراها. كانت تسكن في بيت ~~بعيد في أقاصي الجنوب، وأنا أرفع رأسي ناحية السماء، لا أرى إلا الله وأعضاء حزب الله. نسيت ~~أن هناك حزبا آخر هو حزب الشيطان، ولولا أمري ما كان له وجود ولا شرعية. قلت لنفسي: إذا لم ~~يكن هناك شيطان بين الناس فلن يكون هناك خوف، وإذا لم يكن هناك خوف فلن يبقى حاكم ولا إمام ~~فوق العرش، وهو يلعب في مجلس الشورى دور المعارضة. يقول لا أمام الناس، وفي أذني يقول نعم. ~~ورث عن أبيه الأرض والمال ولم يبق أمامه إلا الشهرة ودخول التاريخ. زار الرسول في قبره ~~وأطلق على نفسه اسم الحاج. قلبه خال من الإيمان، وزوجته لا تعرف التوحيد. ترسم الصليب على ~~صدرها وتركع للثالوث، الأب والابن والروح القدس، بيضاء كالشهد، ممشوقة كالغصن، تتكلم سبع ~~لغات. يتفاخر بها أمام الناس، وتجلس إلى جواره في الحفلات. زوجتي كنت أخفيها تحت الحجاب، وفي ~~الشارع تمشي ورائي. لا تكتب ولا تقرأ كتاب الله. ناقصة العقل مملوءة بالشحم. رأسها صغير ~~وردفها ثقيل. مخلوقة من ضلع أعوج بلا حسب ولا نسب. تزوجتها قبل أن يفتح الله لي أبواب ~~الرزق، جمعنا الفقر كالرباط المقدس، وبعد اعتلاء العرش لم تعد الزوجة القديمة تناسب حياتي ~~الجديدة. وفي مجلس الشورى قالوا: الإمام له الحق في بيت جديد، وزوجة جديدة، وعباءة جديدة من ~~أجود الأنواع. ms025 وجاءوا لي بالصوف المستورد الغالي، وزوجة مستوردة من أجود الأنواع، بيضاء ~~كالشهد، وعيون بلون البحر، تتكلم لغات الأرض. قالوا: هذا حق الإمام؛ فهو أفضل الرجال، وزوجته ~~أفضل النساء، لا تعلو عليها امرأة في جمال أو علم أو مال. تصاحبني في رحلاتي وتنوب عني في ~~الافتتاحات. ترتدي الزي الرسمي وتهتف مع الجماهير في الحفلات. وفي أعياد النصر تتلقى فوق ~~صدرها الوسام، وفي الهزائم تلبس زي الممرضات، تقدم لمشوهي الحرب «البونبون»، وتغني مع أرامل ~~الشهداء والشهيدات. ومن فوق أقواس النصر ترفرف صورة الإمام، وعيناي مرفوعتان نحو السماء، ~~رأيت الله وانكشف عني الحجاب. أتمتم بآيات الحمد وبين الشفتين ابتسامة تتسع لحب الشيطان، ~~وتدوي في أذني الهتافات فأحرك يدي اليمنى في الهواء، وتنحني شفتي السفلى فوق ذقني بتواضع ~~الأنبياء، وأنا واقف فوق المنصة ممشوق القوام مرتديا وجه الإمام. فوق جبهتي علامة الإيمان، ~~وفوق صدري وسام النصر. عن يميني رئيس الأمن، وعن يساري كاتبو الكبير ثم معارضو الشرعي. ومن ~~خلفنا صفوف الوزراء ومندوبو القوى العظمى والكبراء. # الله معك. دوى الهتاف من حناجر الرجال والنساء وتلاميذ المدارس بزي الكشاف، والبنات ~~بملابس الممرضات، والجنود بالسراويل الكاكي، والعمال بالبدل الزرقاء، والفلاحين بالجلاليب ~~والطواقي، وفرق الفنون الشعبية بالراقصات والصاجات. يرتفع الهتاف والأناشيد ودقات الطبول ~~وصواريخ العيد تملأ الدنيا بآلاف الألوان. تنطلق في السماء حمائم السلام، تتلوها الطائرات ~~حاملات القنابل من نوع انتهى مفعوله منذ مائة عام، وفي أذنيه يسري الهتاف «الله معك»، ~~وعيناه نحو الله تسألان: إذا كنت معي يا رب، فلماذا الهزيمة، ولماذا تحجب عني سر القنبلة ~~النووية؟ لماذا تعطي السر لأعدائنا الكفار وتحرم عبيدك المؤمنين المخلصين؟ أستغفرك فأنت لا ~~تسأل عن الحجج والعلل، هذه إرادتك وليس لي أن أعارضك؛ فالمعارضة ضررها أكثر من نفعها. وكنت ~~أظن أن هذا الشيطان الواقف إلى جواري سيلعب دور المعارض الشرعي في حدود إرادتي العليا، ~~ويضع على صدري وسام الحرية والديمقراطية، لكنه افترى وتكبر وملأ الصحف بصورته فوق صورتي. ~~يبتسم في وجهي كالملاك، ومن الخلف يصوب لي الضربات. يقف إلى جوار القوى ms026 العظمى في الحفلات، ~~ويصوب إلى شرفة الحريم النظرات. # زوجتي الجديدة درست علم السياسة وراء البحار، ولها نظرية في الحكم وترويض الرجال. قالت: ~~امسك العصا من الوسط ولا تضرب طول الوقت. أربت على الكتف مرة بحنان الأم، والمرة الثانية ~~أضرب فوق الرأس. وأنا وأنت نتبادل الأدوار؛ فإذا ضربت أنت جئت أنا باسمة كالملاك، وإذا ~~تهاونت أنت أو تنازلت أمسكت أنا العصا واللجام. قلت لها: عليك بالمعارضة وأعضاء حزب الشيطان. ~~قالت: سأروض الرجال منهم؛ فالرجل طفل بريء وإن رفع راية العصيان، والمرأة هي الحية والشيطان ~~وإن تلفعت بالحجاب ودخلت حزب الرحمن. قلت: أعدائي كلهم رجال يضمرون الحقد منذ الطفولة، وبين ~~النساء ليس لي أعداء إلا اثنتان؛ زوجة قديمة خلعتها عني مع جلبابي القديم، وابنة غير شرعية ~~جاءت في نزوة طيش مع الخمر. قالت: زوجتك القديمة مكسورة الجناح وليس منها خطر، لكن ابنتك ~~تضمر لك السوء، ولن يشفي غليلها إلا القتل. قلت: لا تقتل البنت أباها وإن اغتصبها كالذئب، وهي ~~تحبني وتعترف لي بالولاء. قالت: أنت تحبها والحب أعمى، وأنت واقف تحت الضوء، وهي خلف الصفوف ~~في الظلمة تنتهز الفرصة لتصوب الضربة. قلت: لن يضربني إلا عضو من حزب الشيطان، أو مأجور من ~~الأحزاب السرية، أو عدو من خارج البلاد. قالت: أعداؤك كثيرون، وكلما رفعك الله زاد أعداؤك، ولا ~~تخرج إلى الشارع بدون قميص الوقاية. قلت: الواقي هو الله. قالت: الله وحده لا يكفي إذا انطلق ~~الرصاص. قلت: أستغفر الله العظيم. يا لك من كافرة لم تنزعي عن صدرك الصليب، ألا تثقين في ~~قدرة الله على حمايتي؟ ألا تؤمنين بالله والنبي محمد؟ قالت: منذ ليلة زفافنا أخرجت من قلبي ~~المسيح، وآمنت بك وبالله والرسول، ولكني أخاف عليك من أعدائك، والوقاية خير من العلاج. قلت: ~~لست ذاهبا للقاء الأعداء، سألتقي بشعبي الحبيب وجنودي الأعزاء، قلوبهم تفيض بالحب والولاء، ~~وأصواتهم تهتف بحياتي إلى الأبد، ألا تسمعين الهتاف يا امرأة؟ # | البودي جارد # لم يكن البودي جارد (الحارس الجسدي باللغة العربية) يعرف شيئا عن أمور الحكم أو ms027 الخلافة، ~~كانت مهمته محددة ، وهي الوقوف بجوار الإمام مرتديا وجه الإمام المطاط وجسده الممشوق، ولم ~~يكن في قدرة أحد إلا الله ورئيس الأمن أن يكتشف الإمام الحقيقي من الإمام المصنوع، وأذن ~~«البودي جارد» كانت تشرئب مرهفة؛ فإذا ما سمع طلقة نارية قفز بخطوة واحدة أمام الإمام، ~~يستقبل الرصاصة في صدره نيابة عنه، وفي سعادة طاغية يموت فداء الوطن، وفي عنقه مفتاح الجنة ~~معلقا داخل السلسلة. يفتح باب الجنة ويدخل مع الأنبياء والشهداء، وتحصل زوجته على لقب ~~أرملة الشهيد، ويصرف لها معاش مضاعف ووسام من الدرجة الثالثة. # في كشوف خدم الإمام كان له لقب رسمي: «البودي جارد.» ولا يمكن لأي رجل أن ينال هذا ~~المنصب؛ فهو منصب رفيع خطير أخطر منصب في الدولة، يقتضي الإخلاص للإمام والإيمان به مائة في ~~المائة دون تفكير يؤدي إلى التردد، والتردد ولو للحظة خاطفة قد يودي بحياة الإمام. إذا ~~انطلقت الرصاصة وتردد «البودي جارد» في الموت نيابة عن الإمام، فهذه كارثة أكبر الكوارث. ~~«عدم التفكير على الإطلاق» كان هو المؤهل الأول للحصول على هذا المنصب. ويختار الإمام بنفسه ~~البودي جارد، يتقدم المرشحون للوظيفة على شكل طابور. يمرون أمامه وهو جالس على الأرجيحة في ~~حديقة القصر. يتم الاختيار بعد اختيار دقيق لخلايا العقل. تسجل النتائج فوق ورقة بيضاء ~~ناصعة البياض. أي نقطة سوداء فوق البياض تعني أن هناك شبهة وإحدى خلايا المخ تفكر. ~~- هل أنت مستعد للموت من أجل الإمام؟ ~~- نعم بكل سرور. # كلهم يقولون نعم ولا أحد يقول لا، لكن الإمام لا يثق في كلام أحد، ولا يمنح ثقته إلا ~~للجهاز الإلكتروني، يقدر وحده على اكتشاف الصدق من الكذب. امتحان صعب لم يكن ينجح فيه إلا ~~رجل واحد في المليون. وبعد اختبار العقل يأتي اختبار الجسم، وهو امتحان لا يقل صعوبة. ~~قدرة الأذن على أن تشرئب وتسمع الطلقة قبل أن تنطلق. قدرة الجسم على القفز واستقبال الموت ~~في خطوة واحدة. القدرة على تقمص جسد الإمام والوقوف أمام الناس كأنه الإمام لا فرق. القدرة ~~على السقوط ms028 والموت دون أن يلحظ أحد، ودون أن يسمع أحد صوت الطلقة؛ فهي طلقة خافتة تنطلق ~~عادة من آلة قتل حديثة كاتمة للصوت. والهتاف يكون عاليا يغطي على الصوت إذا كان هناك صوت. ~~الله معك. ويرفع الإمام رأسه نحو السماء غافلا عن الأرض، وفي هذه اللحظة الخاطفة تنطلق ~~الرصاصة. يتلقاها البودي جارد بصدر رحب، ويسقط بين قدمي الإمام دون أن يلحظ أحد. يختفي ~~جسده على الفور، ويحل مكانه جسد آخر، له الملامح ذاتها والوجه ذاته من المطاط، يرتديه فوق ~~وجهه فيصبح هو الإمام، ولا يمكن لأحد أن يفرق بينهما حتى زوجته. # في كل مرة يخرج البودي جارد من باب بيته يعلم أنه لن يعود، ومع ذلك يخرج بكل إرادته ~~ووعيه مستبشرا بالموت وفي عنقه مفتاح الجنة، يتدلى من سلسلة فضية، وله ذنب رفيع أسنانه ~~مشرشرة. كيف يفتح الجنة بهذا المفتاح؟ وهل للجنة باب مثل البيوت؟ ورضوان حارس الجنة هل ~~يتركه يفتح الباب؟ أسئلة كثيرة تخطر له وهو واقف يسمع الهتاف. تطردها خلايا عقله السؤال ~~وراء السؤال. لا أحد يلحظه وهو يفكر. الجهاز الإلكتروني معطل، والتيار الكهربائي مقطوع، ~~ورئيس الأمن عينه على الصفوف الخلفية، والإمام شاخص إلى أعلى نحو السماء، وهو أيضا يرفع ~~رأسه بالحركة نفسها. وحين يهز الإمام يده تحية للجماهير يهز يده بالحركة ذاتها، لا يمكن ~~لعين أن تلحظ الفرق. وحين يمشي الإمام فوق الأرض يقلد مشيته، مشية مميزة فيها عرج خفيف، ~~يدوس بقدمه اليمنى على الأرض بقوة أكثر من اليسرى. عظام ساقه اليسرى فيها اعوجاج منذ ~~الطفولة، نقص الكالسيوم في لبن الأم. لم تعرف أمه شيئا عن مرض الكساح، تصورت أنه عين ~~الحسود، وحوطت عنقه بدوبارة تتدلى منه خرزة زرقاء، وألبسته ملابس البنات. # كان الإمام قادرا على التواجد في مكانين مختلفين في وقت واحد، ولا أحد يعرف السر إلا ~~البودي جارد. يهمس الإمام في أذنه: اذهب نيابة عني إلى هذا الاجتماع أو هذا الحفل أو إلى ~~مجلس الشورى أو صلاة الجمعة أو إلى هذه المهمة خارج البلاد. # يسير أمام ms029 الكبراء والوزراء ولا أحد يشك أنه ليس الإمام، حتى هو لا يشك في نفسه. وإن ~~ساوره الشك لحظة فإن هتاف الجماهير يعيد إليه الثقة، ويمشي مرتديا وجه الإمام المطاط ~~رافعا رأسه. يلتقي بالسفراء والخبراء الأجانب. يقص الشريط مفتتحا الملاجئ، وفي اجتماع ~~مجلس الشورى يظل صامتا كالإمام، ينصت إلى تقارير الوزراء ويهز رأسه علامة الفهم، أو يشرد ~~بعينيه ناحية السماء كأنه يفكر، ولا يلحظ أحد أنه لا يفكر، وأن عقله يترك جسده في مقعد ~~الإمام ويهرب إلى الدور الأرضي، يخلع الوجه المطاط ويدلك بطرف الإصبع أنفه المضغوط تحت ~~الأنف الآخر. ومن الباب الخلفي للقصر يخرج مع الخدم متنكرا بوجهه الحقيقي، يقفز في ~~الأوتوبيس قبل أن يقف، ويهبط قبل أن يدفع التذكرة. يسير بين الأزقة، يضرب ببوز حذائه قطعة زلط ~~حتى يصل البيت. تحوطه أمه بذراعيها، ويشم رائحة الخبيز والروث. أتنسى أمك عشرين سنة؟ هل مرت ~~عشرون سنة يا أمي؟ كنت هنا بالأمس، وتقول أمه: من تغطى بالأيام عريان، ومن ابتعد عن السلطان ~~سلطان. يجلس على ركبتها تهزه كالمرجيحة وتحكي له الأخبار. هذا الشتاء ماتت الكتاكيت ~~بالشوطة، عمتك الله يرحمها ماتت بالكوليرا، خالك سافر إلى الحج ولم يعد، بنت خالتك عضها ~~كلب مسروع، وأبوك زارني في المنام وقال إنه ينتظرني في الجنة، أنسيت يا ابني الوعد، وأين هي ~~تذكرة السفر إلى قبر النبي؟ # يدفن رأسه في صدرها، أبدا يا أمي لم أنس ولكنها المشاكل، مشاكل يا أمي مشاكل بغير حل. ~~الله سبحانه هو الوحيد القادر على حلها. ديون خارجية يا أمي، وصراع القوى العظمى، وحرب ~~الكواكب وأعضاء حزب الشيطان وأولاد الحرام وبنات الحرام، والألم هنا يا أمي تحت يدك في ~~صدري. تتحسسه كف الأم المشققة حتى تعثر على الجرح النافذ من الصدر إلى القلب، تسده بتراب ~~الفرن أو مسحوق البن وينام بين ذراعيها، حتى يلتئم الجرح وصوتها في أذنه يغني ~~كالنشيج. # صوتها عميق يأتيه من بعيد وهو واقف مرتديا وجه الإمام قبل السقوط، كصوت في حلم أو حلم ~~داخل الحلم. وكثيرا ما ms030 نام وحلم أنه يحلم ، ويصحو وهو لا زال في الحلم، ثم ينام ويحلم مرة ~~أخرى أنه يحلم، وفي الحلم يعرف أنه يحلم، ويرتدي الوجه المطاط وهو لا زال يحلم، ويهبط سلالم ~~القصر كمن يمشي وهو نائم، ويركب سيارة الإمام ويلوح للناس بيده، وفي المجلس يراه الوزراء ~~منصتا باهتمام وهو لا يسمع، ويهز رأسه علامة الفهم وهو لا يفهم، ويهرش شعر رأسه كأنه يفكر ~~وهو لا يفكر، فلم يكن التفكير شرط المنصب، وحين دوت المدافع وعم الظلام تجمد الدم في عروقه؛ ~~فهو يخاف الظلمة منذ الطفولة، ويخاف صوت الهتاف ودقات طبول النصر، في مثل هذه اللحظات تنطلق ~~الرصاصة دون أن يلحظ أحد، ولا يسقط أحد إلا هو. يموت وحده ولا يموت معه أحد. يسقط جسده بين ~~قدميه ويختفي في السر، وتنتقل السلطة بسرعة بانتقال الوجه المطاط من وجه إلى وجه، ولا يشعر ~~الناس أن شيئا حدث أو تغير، والإمام يظل واقفا فوق المنصة رافعا رأسه نحو السماء، ~~وصواريخ العيد تفرقع والهتاف يدوي «الله معك». # | وجه مزدوج # طفولتي من بعيد تبدو سعيدة، يأكل الزمن الألم ولا يترك في الذاكرة إلا الفرح، ودموع الحزن ~~تتحول في العينين إلى نافذة للرؤية. وجه أختي لا زلت أراه. عيناها في عيني تلمعان في ظلمة ~~الليل. ذراعاها حولي. صدرها ناعم كصدر الأم. وأخي يلازمني كرائحة جسدي، أشمه في العرق وأشمه ~~في الزهر؛ فهو جسمي ورائحته هي رائحتي. # في مدرسة الممرضات رأيت نفسي أرتدي ثوبا أبيض، وشعري ملفوف داخل غطاء أبيض، كالملاك ~~أنتقل من سرير إلى سرير، خفيفة الحركة لا تكاد تلامس قدماي الأرض، كالروح بغير جسم طويلة ~~نحيلة كالخيال. صوتي همس، وأنفاسي عميقة كالأطفال. ثدياي تحت الثوب الأبيض صغيران نافران. لي ~~سرير أبيض في عنبر كبير، ودرج من الخشب عليه حروف اسمي بنت الله، وإلى جواره اسم اختي نعمة ~~الله، وجهها نحيل أبيض، وعيناها حين تراني تمتلئان بالضوء. # مدرسة الممرضات كانت بناء ضخما قديما اسود لونه من القدم، أول مدرسة للبنات لا تدخلها ~~إلا اليتيمات بغير أب ms031 أو أم، إلى جوارها المستشفى الحربي يطل على النهر بنوافذه المدهونة ~~وشرفاته الزجاجية، ومن خلف النهر بناء ضخم قديم قدم العبودية، اسود لونه وعفره التراب ~~فأصبح بلون الأرض، نوافذه عالية تسدها قضبان حديدية كالسجن، عيون أطفال تطل من خلف النوافذ ~~لامعة كالنجوم في كون أسود، أطفال الله أو الأطفال غير الشرعيين باللغة الرسمية، ومن خلف ~~بيت الأطفال مساحة من الأرض صفراء مستوية كالصحراء، ثم ترتفع الأرض على شكل هضبة منخفضة ~~تعلوها أشجار شوكية، يسمونها النباتات الشيطانية، يتصورون أنها تنمو وحدها بإرادتها ضد ~~إرادة الله. في بطن الهضبة ينتصب مبنى ضخم أسود اللون قديم قدم الشيطان. ترتفع جدرانه ~~السوداء عالية تخرق السحاب كأنما تتحدى السماء. نوافذه عالية تسدها القضبان كبيت الأطفال. ~~ومن وراء النوافذ تطل رءوس النساء مربوطة بالمناديل أو محلولة الشعر، والشعر غزير طويل ~~مجعد أو ملبد من النوم، يسري فيه القمل بأقدام دقيقة. يلمع الشعر تحت الشمس بأضواء كألوان ~~الطيف. «بيت السعادة» باللغة الدارجة، و«بيت المومسات» في ملف رئيس الأمن. # من نافذتها في مدرسة الممرضات لم تكن ترى النهر ولا الهضبة وراء النهر، كان المستشفى ~~الحربي ضخما كبيرا يحجب عنها الكون، إلا قطعة من السماء تطل من فوق الجدار، وشعاع رفيع من ~~الشمس يصل إليها قبل الغروب. # ولم يكن مسموحا أن تطل من النافذة، شرفات المستشفى الحربي تواجه نوافذ الممرضات. يطل ~~أطباء الجيش على البنات، يبتسمون، يهزون رءوسهم أو يصفرون، يرتدون البدل العسكرية. فوق ~~صدورهم وأكتافهم النجوم والنياشين، وفوق رءوسهم قبعات حربية. وفي الليل بعد جرس النوم تطل ~~أختي برأسها من السرير وتحكي لي قصة حب. تحت النور الخافت تخرج الصورة من صدرها، صورة رجل، ~~فوق رأسه قبعة عسكرية، فوق صدره وسام مستدير كالقرص. حافة القبعة تلقي على نصف وجهه الأعلى ~~ظلا رماديا، يخفي معالم العينين والأنف. تحت الأنف شارب أسود، مقصوص بعناية، مربع الشكل ~~يشبه شنب هتلر. تقبل الصورة وتخبئها في صدرها فوق القلب، وتحكي لي القصة من جديد. كان ~~مصابا برصاصة في صدره، ورقد في السرير وهي ms032 واقفة. كان يسميها ملاكي الحنون، وأصابعها فوق ~~الجرح ناعمة. تسهر إلى جواره طول الليل، فإذا فتح عينيه رآها واقفة أو جالسة، وإن نامت ودق ~~الجرس جاءت في غمضة عين، وإذا لم يدق الجرس تدخل على أطراف أصابعها، تغطيه إذا تعرى، وتسقيه ~~إذا عطش، وتقرأ له قبل أن ينام، ولم يكن يقرأ إلا كتاب الله وأخبار الحرب، ولم يحدثها عن ~~شيء إلا القتال والموت. قتل ثلاثة رجال وهرب الرابع بعد أن أصابه برصاصة في صدره. منحه ~~الإمام الوسام في عيد النصر. تدرب على القتل منذ الطفولة. كان يقتل العصافير وهي واقفة فوق ~~الشجر. يثبت البندقية فوق كتفه، وفي منتصف رأس العصفورة يصوب، ثم يدوس بإصبعه على الزناد، ~~وتسقط العصفورة بطلقة واحدة. # وأحوطها بذراعي كالأم. جسمها نحيل كعصفورة. في أعماقي حنين لصدر الأم. أدفن رأسي بين ~~نهديها وأنشج: لا أريد أن يقتلك الرصاص. وتتوهج عيناها بالضوء: سيقتلني الحب وليس ~~الرصاص. # لم أكن أعرف شيئا عن الحب. قلبي يخفق بالحنين لذراعين يضمان جسمي دون ألم، وعيناي تنظران ~~إليها وتلمعان بالنور. في درجي رسائل بخط يدي أكتبها ولا أرسلها لأحد. في أعماقي خوف عميق ~~من الحب، وخوف أشد من الله. في بيت الأطفال كنت أصلي، ويتجسد الله في أحلامي على شكل رجل، ~~يمر بيده الحانية على صدري ويرتفع بطني بالمسيح. في الصباح وأنا أصلي أسمع صوت الله غاضبا، ~~يلعنني ويهددني بالعقاب. أستغفره وأسجد حتى يلامس الأرض رأسي. أكرر الركوع والسجود والتوبة ~~لكن صوته يظل غاضبا. خمس مرات في اليوم أصلي، وفي كل صلاة أركع وأسجد وهو غاضب ساخط لا ~~يهدأ. وفي الليل أتكور حول نفسي تحت الغطاء وأراه يأتي، بصوت آخر هادئ بلا غضب، ووجه ناعم ~~كضوء القمر، وذراعه كذراع الأم حانية، يهدهدني ويملأ روحي بالحب الطاهر، ويرتفع بطني بالحمل ~~المقدس، ثم أراه يستدير، أظن أنه ذاهب بلا عودة. أنادي عليه بصوت خافت ويستدير عائدا إلي ~~بوجه آخر، قاتم اللون، داكن الغضب، في عينيه الشرر. أفتح فمي لأصرخ، لكن جسمي مربوط في ~~الأرض، وأصحو ms033 من النوم مبللة بالعرق، وعلى ورقة بيضاء أكتب أول حروفي فوق أول رسالة إلى لا ~~أحد: رأيت الله في المنام، له وجهان؛ وجه ناعم حنون كالأم، والوجه الآخر كالشيطان. # | أول حروف الحب # لم يكن مسموحا أن نطل من النافذة، شرفات المستشفى الحربي تواجه نوافذ الممرضات. يطل رجال ~~الجيش على البنات، والمبنى الضخم يحجب عنا ضوء الشمس، ومن فوق الجدار العالي يتسرب الشعاع ~~الرفيع وأنا واقفة خلف النافذة، ومن خلفي أحس الأصابع الغليظة تشدني إلى الخلف؛ أصابع رئيسة ~~الممرضات، متوسطة العمر قصيرة القامة، ترتدي طرحة بيضاء وثوبا طويلا أبيض كالراهبات، ~~وجهها عريض أبيض ويداها سمينتان، فوق صدرها ثلاث نجوم ووسام البر والإحسان، قرص ذهبي على ~~شكل النجمة، تشبكه بدبوس في الفستان. صدرها تحت الحرير ارتجاج بارز. ثديان سمينان يسبقانها ~~في المشي، ومن الخلف يتأخر في السير ردفان كبيران. يهبط الردف الأيمن إذا ارتفع الأيسر، ~~ويرتفع الأيسر بهبوط الثاني، كأنما كل نصف ليس في المكان الصحيح. وذراعاها حين تقف يلتصقان، ~~وحين تمشي تحرك ذراعا واحدة، وتبقى الثانية ملتصقة بالجسم من الجانب، وفي النهار تطرقع فوق ~~البلاط بكعبين رفيعين من النحاس. وفي الليل تمشي حافية على أطراف أصابعها بغير صوت، تمر على ~~العنابر في الظلمة كالروح الضائعة بغير جسد، وحفيف ثوبها كصوت الهواء. وجهها ثابت بغير ~~عضلات، وعيناها في كل اتجاه تتحركان، رماديتان مستديرتان، وفوق كل عين حاجب مرسوم بالقلم ~~الرصاص على شكل قوس، وأنفها من الجانب مرفوع نحو السماء. تظهر وتختفي كروح من العالم ~~الثاني، أو واحدة من الأحياء كانت أو ستكون في زمن آخر. # في الليل وأنا نائمة أرهف أذني لصوت الهواء، ألتقط حفيف الثوب ولمسة القدم للأرض غير ~~المرئية، والمقبض يدور في الباب وحده تحركه الأرواح أو الشياطين، ثم أراها تدخل العنبر ~~كالشبح الأبيض. تمر بين الأسرة تفتش على أحلام البنات. تدور عيناها فوق الرءوس النائمة ~~مثل الكشافات، رأس واحد في السرير. تعد الرءوس على أصابعها كمن يعد رءوس الخرفان، فإن غاب ~~رأس أو ظهر في السرير الواحد رأسان انطلقت ms034 زمارة الإنذار. # كنت في سريري، ونعمة الله في سريرها. عيناها مفتوحتان ليل نهار. وجهها يزداد شحوبا، وعيناها ~~تزدادان سوادا واتساعا. إذا همست في أذنها بالليل لا ترد، وإذا مررت بشفتي فوق وجهها لا ~~تتحرك عضلات الوجه. حوطتها بذراعي ونمت. وفي منتصف الليل فتحت عيني. كان سريرها خاليا، ~~ومكانها إلى جواري خاويا. الممر الطويل مظلم وأنا أمشي فوق الجدران ولا أقع. من وراء ~~الباب المغلق أسمع الأنين. أدفع الباب بيدي ولا أرى إلا البلاط. وفي الركن المظلم خلف الباب ~~أجدها، متكورة حول نفسها كالجنين، ومن تحتها الخيط الأحمر. أصابعها بيضاء خالية من الدم، ~~فوق الورق حروف سوداء، مكورة في يدها وأصابعها متقلصة كالحجر. لا أحد يستطيع أن يفتح يدها. ~~ماذا كتبت في الورقة؟ سألتني الرئيسة ومن خلفها طابور الرجال يرتدون القبعات الرسمية، قلت: ~~لا أعرف. قالوا: كيف لا تعرفين وهي معك الليل والنهار؟ قلت: كانت معي لكنها كانت تعيش في ~~عالم آخر. قالوا: أي عالم هذا؟ قلت: لا أعرف، لم أذهب إليه بعد. # وفي الليل حين تتلاشى الوجوه ويكف الهواء عن الحفيف، أراها واقفة في الظلمة. أفتح ~~أصابعها الحجرية وأستخرج الورقة. تحت ضوء القمر أرى حروفها فوق الورقة بالحبر ~~الأسود. # | الزوجة الشرعية لا تدخل الجنة # الهتاف يدوي في أذني، وفوق رأسي عرش السماء، وتحت قدمي عرش الأرض، وحولي الحراسة مشددة. ~~أعدائي كثيرون يتطلعون للعرش، وأصدقائي قليلون ينتهزون فرصة موتي. عن يميني رئيس الأمن يتربص ~~بي أكثر من الأعداء، وعن يساري كاتبي الكبير. عينه اليمنى على رئيس حزب الشيطان، وعينه ~~اليسرى على زوجتي الشرعية. وهي واقفة في شرفة الحريم من حولها الزوجات المثاليات والأمهات ~~الشهيدات، والهتاف يدوي في أذنيها وصواريخ العيد وطلقات الرصاص. ترى وجهي يسقط من فوق جسدي ~~لكنها تظل واقفة. عينها اليمنى على العرش، وعينها اليسرى على صديق العمر. # منذ الطفولة وأنا أضمر له الحقد. يسبقني في امتحانات آخر العام ولا تروقه إلا فتاة ~~أحلامي. يكتب لها الشعر ورسائل الحب وأنا لا أكاد أفك الخط. منحته لقب الكاتب الكبير، وصفحة ms035 ~~كاملة في جريدة الصباح، وصورة داخل برواز يبتسم فيها للبنات، ومع ذلك لا يكف، لا يهدأ ~~والنار في قلبه منذ الطفولة لا تبرد، وهو واقف إلى جواري يسمع الدوي، ويرى رأسه يهبط من ~~السماء إلى الأرض، والقيامة تقوم وهو واقف ثابت في مكانه كأبي الهول، ويختفي الأصدقاء ~~والأعداء ولا أرى إلا وجوه رجال غرباء. يقتربون مني وأنا أخفي وجهي في الأرض. لم ألتق بأي ~~واحد منهم وجها لوجه. يعرفون وجهي من الصورة فوق طوابع البريد والدمغة. أحدهم يقلب رأسي ~~من فوق الأرض وينظر إلى وجهي، يقول لهم: ليس هو الوجه الذي عرفناه. قالوا: وجه من إذن؟ قال: ~~لا أعرف، الله أعلم! # في عيونهم بدا وجهي أكثر رهبة من وجه الإمام، أكثر عظمة من أن يكون وجه إنسان، أبيض ~~البشرة بغير دم، وعظام الرأس صخرية ثابتة. سرت القشعريرة في أجسادهم وسجدوا خاشعين، هتفوا: ~~إنه الله. واقترب أحدهم مني أكثر، ورأى وجهي داكن السمرة بلون الأرض، فابتعد يجري صائحا: ~~إنه الشيطان. وتبعه الآخرون يجرون هاربين. داس أحدهم وهو يجري على يدي، وداس آخر على الوسام ~~بجوار قدمي اليمنى، وأخفيت وجهي في الأرض حتى لا يراني أحد، ثم أحسست بيد ناعمة فوق رأسي، ~~ورأيت وجوها أعرفها. وحين رفعوا وجهي إلى أعلى ونظروا في الملامح، لم يتعرف واحد منهم على ~~وجهي، وهمس صوت ناعم مألوف يشبه صوت رئيس الأمن أو صوت زوجتي الشرعية: ليس هو. وهتف صوت ~~آخر يشبه صوت كاتبي الكبير أو معارضي الشرعي: أنقذه الله؛ فالله معه. ورأيت زوجتي تترك شرفة ~~الحريم بخطوات ثابتة وجأش كالأسد، وحين اختفت عن العيون بدأت تجري على كعبيها الرفيعين ~~حتى غرفة النوم. # كانت الستائر مسدلة وجثتي فوق السرير، ومن حولي أبنائي الشرعيون وغير الشرعيين، ووزير ~~الصحة يرش فوق جثماني محلولا مطهرا يمنع العفن، وفي الغرفة المجاورة أعواني في حزب الله ~~يتقاسمون الميراث. ودخلت زوجتي الشرعية، وسقطت عيناها على الفور فوق وجه ابنتي غير الشرعية ~~الواقفة إلى جواري، وعن يمينها أمها «جواهر»، وعن يسارها زوجتي القديمة، وانقلب ms036 الجو الذي ~~كان صافيا، ويدي كانت في يد ابنتي الناعمة أقبلها وألثمها، ورأيت زوجتي الشرعية تنقض كالنمر ~~واختفت الوجوه من حولي إلا وجهها. وفي المخبأ تحت الأرض في حديقة القصر، خبأت جسدي بعد أن ~~خلعت عني ملابسي الرسمية، وجردت جيوبي من الفكة، ونزعت من أصابعي خواتم الزواج ~~والعرش. # وظلت الجماهير تهتف باسمي وأنا في المخبأ، وفي الوقت ذاته واقف فوق المنصة ألقي خطبة ~~العيد، ولا أحد يدرك وجودي في مكانين مختلفين في وقت واحد إلا زوجتي الشرعية ورئيس الأمن، ~~وصواريخ العيد تفرقع والناس تهتف، ولا أحد يتصور أنني لست الإمام، وأنا نفسي لا أتصور وأظن ~~أنني الإمام والزعيم. وأغمض عيني في راحة أستمتع بالزعامة دون أن أكون زعيما، وأتحرك ~~بحرية دون أن أرتدي قميص الوقاية ودون أن أخشى الاغتيال؛ فأنا أعرف أنه قد تم اغتيالي من ~~قبل، والأفضل أن أكون إماما مغتالا على ألا أكون إماما على الإطلاق، وأصبح اسمي الجديد ~~الإمام الشهيد، وأكسبني اللقب قدسية أكبر؛ فأنا أكبر من الموت، وعلى العرش أجلس إلى الأبد، ~~لا أخشى الأعداء ولا الأصدقاء، ولي قدرة على التحليق في الجو، والانتقال من العالم الأول ~~إلى العالم الثاني والثالث، لا أخشى القوى العظمى ولا الصغرى، وأجلس مع أكبر زعيم واضعا ~~ساقي اليمنى فوق اليسرى، وفي الصباح أشرب القهوة في أرض الشمال، وفي الظهيرة أتناول الغذاء ~~مع أهل الجنوب، وفي المساء لي سهرتي الخاصة تحت الأرض مع «جواهر» في بيت السعادة، وإلى ~~جواري صديق العمر نشرب نخب الحب والصداقة. أنعمت عليه باللقب، وله صفحة كاملة وصورة داخل ~~برواز. وليلة الخميس من كل أسبوع نسهر حتى الفجر، نستعيد ذكريات الشباب. ~~- فاكر يا وله البت اللي اغتصبناها سوا؟ # وأقهقه بصوتي الجهوري ضاربا بكفي على فخذه، ويقهقه هو الآخر رافعا كفه ليضرب فخذي، ~~ويتردد لحظة متذكرا أنه فخذ الإمام، وتظل يده معلقة في الهواء، وأقهقه مرة ثانية ضاربا ~~بكفي على فخذه، متذكرا أنه كان في المدرسة يجلس إلى جواري داخل سرواله الغالي، يضربني بكفه ~~من الخلف فوق الثقب ms037 المخبوء تحت يدي ، وأقهقه للمرة الثالثة وفوق فخذه المشدود كفخذ النمر ~~أضربه وأنا أقول: فاكر يا وله اسم هذه البت؟ ويقول مقهقها كان اسمها «جواهر»، بيضاء ~~كالقشدة، يشف بياضها من تحت الساق، وعيناها سوداوان واسعتان كعيون الحور. وينتقل عقلي على ~~الفور من هذا العالم إلى العالم الآخر، وأرى الجنة ممتدة خضراء وأنا ممدود فوق السندس، ومن ~~حولي الحوريات سابحات في النهر عاريات تحت الشمس، وفي الضوء أتعرف على ملامحهن وليس من ~~بينهن وجه زوجتي الشرعية، ويرتفع صوتي وأنا أقهقه للمرة الرابعة أو الخامسة، وأضربه على ~~فخذه المشدود متسائلا: كم للرجل المؤمن من حوريات؟ ويقول: سبعون أو سبعة وسبعون والله ~~أعلم. وكم للزعيم المؤمن أو الإمام؟ # وقهقه الكاتب الكبير وضرب رقما خياليا، لكن خيال الإمام كان أكبر، ثم سأله فجأة: وماذا ~~عن زوجاتنا الشرعيات إذا دخلن الجنة معنا؟ وقال صديق العمر: زوجاتنا لن يدخلن الجنة. قلت: ~~لكن إذا حدث ودخلت إحداهن؟ قال يستبدلها الله بحورية عذراء؛ فالجنة لن يكون بها زوجات ~~شرعيات، وإلا فما الفرق بين الجنة والأرض؟! # | خيانة مشروعة # منذ ماتت أختي بالحب تذكرت أنني لم أر وجه أمي منذ ولدتني، والجدة العجوز نناديها ستنا ~~الحاجة. نتجمع حولها في بيت الأطفال تحكي لنا عن أرواح الجان. جنية البحر تمشي في الليل على ~~حافة البحر. رأسها امرأة، وذيلها سمكة. يتحول الرجل بين يديها إلى مخلوق آخر، تسحره أو ~~تسخطه فيصبح قرموط سمك أو عجلا صغيرا أو خروفا. يمأمئ بصوت خافت ويتمسح بساق امرأة أخرى ~~قادرة على السحر، تفك طلسم المرأة الأولى وتعيده بشرا. يصبح رجلا من جديد. يسير مختالا ~~برجولته ناسيا المرأة التي خلقته. يسعى إلى امرأة أخرى تسخطه من جديد قردا أو جروا ~~صغيرا مقطوع الذنب. يمسح برأسه بين قدمي امرأة جديدة ساحرة. وتدور حكايات ستنا الحاجة، ~~الليلة وراء الليلة، ألف ليلة وليلة تذوب البداية في النهاية كما يذوب النهار في الليل، ~~وصوتها لا ينقطع، وحكاياتها لا تنتهي حتى تبدأ من جديد، تخشى الانقطاع، كأنما انقطاع الحكاية ~~يعني انقطاع حياتها ms038 مثل شهرزاد. من هي شهرزاد يا ستي الحاجة؟ وتبدأ الحكاية من جديد. ترك ~~الزوج امرأته إلى امرأة أخرى، وحين عاد وجد امرأته بين أحضان العبد الأسود. قتل الزوجة ~~وأقسم أن يقتل كل ليلة عذراء. كان الزوج أبيض البشرة من سلالة الملوك يجلس على عرش الأرض، ~~وفي كل ليلة يمتطي سيفه ويسأل الله: كيف تفضل المرأة عبدا أسود على الملك شهريار؟ ويأتيه ~~صوت من أعماقه يشبه صوت أبيه: لأن النساء خائنات بالطبيعة مثل أمهن حواء. # وقاطعتها وهي لا تكف عن الحكاية: لكن الملك كان يخون الملكة مع جارية سوداء. وقالت: وما ~~له يا بت؟ خيانة الرجل مشروعة بأمر الله، لكن خيانة المرأة من الشيطان. # تساءلت وأنا طفلة: لماذا كانت بشرة الملوك دائما بيضاء، وبشرة العبيد سوداء؟ كانت بشرتي ~~سمراء، فهل أنا من سلالة العبيد؟ بصقت ستي الحاجة في فتحة جلبابها وصاحت: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم، الشر بره وبعيد، أنت من سلالة الأسياد. # منذ فتحت عيني على الحياة في بيت الأطفال وأنا أسمعهم ينادونني بنت الله، ومنذ ماتت ستي ~~الحاجة وأنا أنظر إلى بشرتي السمراء في المرآة، وفي أحلامي أرى وجه أبي أبيض كوجه الملك ~~شهريار. من أين جاءتني البشرة القاتمة؟ هل خانت أمي أبي مع عبد أسود؟ هل أنا بنت الشيطان ~~ولست بنت الله؟ # وأرى نفسي أجري هاربة في الظلمة وليس معي إلا كلبي مرزوق، ومن خلفي رجال كثيرون يجرون ~~ورائي فوق رءوسهم قبعات عسكرية، ومن خلفهم كلاب تلهث، وأكاد أفلت حين أصعد الهضبة بين البحر ~~والنهر. يملأ صدري هواء المكان. في صدري حنين منذ الطفولة لهذا الهواء ورائحة أمي قبل أن ~~تموت، وقدم أبي محفور فوق المكان قبل أن يهرب. كان يمكن أن أفلت منهم وأنجو، لكني تذكرت ~~وتوقفت، وفي الوقفة أصابتني الطفلة في ظهري. كانوا يضربون من الخلف وأبدا لا يواجهونني ~~وجها لوجه، وقبل أن أنسى الحروف وتتلاشى الذاكرة سمعتهم يقولون: ثمرة الخطيئة، ولمن يقتلها ~~جائزة في الدنيا والجنة في الآخرة. # | وكل شيء بغتة # كنت رافعا رأسي إلى ms039 السماء مرتديا وجه الإمام وفوق صدري النياشين، وفي يدي المسبحة ~~المقدسة من الكعبة الشريفة، وأضواء العالم الأول والثاني كالمرايا الدائرية من حولي، وهتاف ~~شعوب العالم الثالث والرابع يدوي في أذني: يحيا الإمام مطبق الشريعة. وأرى وجهي في المرايا ~~مائة وجه إلا وجها واحدا، تسعة وتسعين وجها بعدد أسماء الله الحسنى. وكلما حركت رأسي يمينا أو ~~يسارا تضاعف عدد وجهي، وأنا واقف تحت الأضواء ومن تحتي العرش، ومن حولي الأعوان من حزب ~~الله، والمعارضة الشرعية من حزب الشيطان، والقوى العظمى والصغرى وأعلام الحرية ~~والديمقراطية، وصوتي يدوي بخطبة النصر وصواريخ العيد تفرقع، وتسكرني النشوة بغير خمر ~~فأترنح، وفي لحظة الترنح يسقط وجهي من فوق رأسي بغتة، ويستقر بين قدمي تحت المقعد. أقدام ~~تجري فوق الأرض وتدوس على قدمي بغتة، ومقعدي مقلوب فوق ظهره بغتة، وأرجله الأربع نحو ~~السماء. أتلفت حولي، ماذا حدث بغتة؟ # هل قامت القيامة بغتة؟ # كان المعارض الشرعي واقفا إلى جواره لا يفصله عن العرش إلا رئيس الأمن، وبغتة سمع الصوت ~~يسأل: هل قامت القيامة بغتة؟ وأدرك أنه صوت الإمام، وأنه راقد إلى جواره تحت المقعد، واشتد ~~ذكاء المعارض الشرعي، وربط بغتة بين مقاعد سفينة سيدنا نوح واكتشاف الإشعاع النووي وقيام ~~الساعة. كان الكاتب الكبير قد وضع رأسه بين قدميه بغتة، وأغمض عينيه في راحة أبدية، وقال ~~فاتحا عينيه نصف فتحة: إن التفكير في يوم القيامة بعقل دنيوي غير جائز في الشريعة، وإن يوم ~~القيامة لا علم لنا عنه إلا من خلال كلام الله في القرآن، ومن يقرأ كلام الله بقلب مؤمن ~~يدرك أن يوم القيامة حادث كوني، لا يخص الأرض والناس وحدهم، بل يشمل أيضا بقية الكون. قال ~~سبحانه: # ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله ~~. ولا يقبل كلام الله الجدل أو المعارضة ~~الشرعية أو غير الشرعية؛ فالقيامة تشمل الكون كله السموات والأرض، والاستثناء الوحيد بأمر ~~الله هو خليفة الله في الأرض؛ أي الإمام في عالمنا البشري. ويشير كلام الله إلى أن ms040 سكان ~~الكواكب والقمر والشمس والأجرام الكونية الأخرى مصيرهم فيها كمصير أهل الأرض من حيث الموت ~~بغتة، وأوضح الله أن مجيء يوم القيامة سيكون بغتة، وقال سبحانه: # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم ~~الساعة بغتة ~~. والله ليس في حاجة إلى أسباب كالإشعاع النووي لقيام ~~الساعة، ولا تنقصه الوسائل لتدمير الكون حين يشاء بغتة. # وظهر الإعجاب في عيني الإمام ببلاغة كاتبه الكبير، واتساع ثقافته الدينية وإلمامه ~~بالشريعة، وتحول الإعجاب في عيني المعارض الشرعي إلى غيرة أشبه بالحقد، وبدأ يلقي له ~~خطابا أطول من خطاب الكاتب الكبير، وأثبت فيه أن الصلة بين يوم القيامة وبين الإشعاع ~~النووي أمر وارد، وإن لم يرد له نص في القرآن. ونهض رئيس الأمن ينفض عن ملابسه ذرات ~~التراب، تلمع في الضوء كالإشعاع، وبدأ يجري مطلقا ساقيه للريح، تاركا رئيس حزب الله ورئيس ~~حزب الشيطان راقدين في أمان الله، لا يفصل بينهما إلا الكاتب الكبير فاتحا فمه في انبهار، ~~وقد أدهشته شجاعة المعارض الشرعي في طرحه لقضية الساعة وعلاقتها بالإشعاع النووي، وأنها ~~واردة رغم غياب النص. وتبادل الكاتب الكبير مع رئيس المعارضة ابتسامة عريضة، امتدت من الأذن ~~اليسرى إلى اليمنى، ورأس كل منهما بين قدميه، وبينهما الإمام صامت لا ينطق، وأطبق كل منهما ~~شفتيه منتظرا كلمة الإمام؛ فكلمته نهائية لا يعقبها سؤال ولا جدل. وظل الإمام صامتا كأنما ~~إلى الأبد، وتشجع زعيم المعارضة وسأل: هل الإمام موجود؟ وبدا السؤال كفرا وكأنه يسأل هل ~~الله موجود؟ وهو سؤال لا ينم عن الكفر بقدر ما ينم عن الإيمان المضاعف، أو الرغبة في تدعيم ~~إيمان القلب بإيمان العقل، وأصبح السؤال حدثا رغم أن كل طفل يسأله، وصاحب السؤال بطلا من ~~أبطال المعارضة. رمقه الكاتب الكبير من تحت المقعد بحسد، وعاد إلى زوجته الرابعة منفرج ~~الشفتين، وأقسم لها بالطلاق ثلاثا أنه الوحيد الذي فتح جفنيه، وشهد بعينيه اللحظة ~~التاريخية، وأن جميع الرجال من أعضاء حزب الله أو حزب الشيطان لم يجرءوا على فتح عيونهم، ~~وظلت جفونهم مغلقة كأنما ماتوا ms041 بغتة، فيما عدا رئيس الأمن الذي اختفى بغتة. # | نشوة الحب # كنت لا أزال في مدرسة الممرضات، وأختي نعمة الله فقدتها فداء الحب، وأخي فضل الله ذهب إلى ~~الحرب فداء الوطن، وأنا لا أريد الموت كبش الفداء، وأقوم الليل أحفظ الكلام عن ظهر قلب ~~لأقوله في الامتحان، ثم جاء حفل التخرج وتوزيع شهادة الخدمة والطاعة. تمشي الممرضات على شكل ~~طابور أمام المنصة. تحصل الناجحات على لقب «الخادمة المثالية». ترتدي الثوب الأبيض، وتلف ~~شعرها برباط من الشاش، وتسير في الصف بخطوات بطيئة، وحين تقترب من المنصة تنحني بالتحية، ~~ومن فوق المنصة تجلس كبيرات نساء الدولة، وزوجة الإمام في الوسط فوق مقعد له ظهر عال، وعن ~~يمينها رئيسة الجمعيات الخيرية ترتدي وجهها المطاطي، وعن يسارها رئيسة الممرضات ووسام البر ~~والإحسان مشبوك فوق الصدر بالدبوس، ومن بعدها تأتي الصفوف، أرامل الشهداء والأمهات ~~المثاليات والنساء المتطوعات للخير، كلهن شكل واحد ولا يمكن أن تفترق الواحدة عن الأخرى، ~~جالسات صامتات واجمات، وأياديهن مشبوكة فوق الصدر، وحين تنهض زوجة الإمام ينهضن واقفات، ~~وتظل أيديهن كما كانت فوق الصدر مشبوكة، وأقترب من المنصة بخطواتي الجنائزية، وأرى الزوجة ~~الجديدة أقصر قامة في الوقوف عنها في الجلوس، رأسها لا يكاد يظهر من وراء المنصة، ومن حوله ~~حجاب ملفوف من الحرير المستورد، يلتف حوله عقد من الماس يعكس الشمس، وعقد آخر حول العنق، ~~و«البروش» فوق النهد، والأساور حول المعصم، والخواتم في الأصابع، وكلما امتدت يدها إلى ~~الأمام أو الخلف اهتز الكون بآلاف الأضواء. # رأيت هذا المشهد من قبل حين تخرجت في بيت الأطفال، وكان في مقعد الرئيسة رجل لا أكاد ~~أذكره، رأسه كبير بغير شعر، وصدره يغطيه الشعر، وكانت الزوجة الجديدة أكبر حجما، حليقة الرأس ~~بغير حجاب، ونساء الجمعيات الخيرية كلهن شكل واحد، جسم مربع كبير ممتلئ باللحم، ورأس صغير ~~ملفوف الشعر بالدبابيس، وقدمان سمينتان تهتزان أثناء الجلوس في الهواء، وتطرقعان أثناء ~~السير فوق الكعب الرفيع بصوت عال. # وجاء دوري لتسلم الشهادة، واقتربت من المنصة، وامتدت اليد الناعمة نحوي ومن حولها ms042 تشع ~~النجوم ، والأجسام المربعة على الجانبين واقفات فوق الكعوب الرفيعة ثابتات، وأياديهن البيضاء ~~مشبوكة فوق الصدر، ومع كل جائزة أو شهادة تتحرك اليد من فوق الصدر لتلامس اليد الأخرى في ~~حركة ثقيلة، ويسمع التصفيق كحشرجة أنفاس متقطعة بطيئة. # تسلمت الشهادة وفي قلبي ارتجاج، وأطراف الأنامل لامست أصابعي لمسة كهرباء، وانطلقت في ~~طريقي فياضة الحماس، أحمل العلم وأرفع صوتي بالهتاف: الله والوطن ويحيا الإمام. أختي ماتت ~~لرجل واحد وأنا أعيش لكل الناس. الاستقلال التام أو الموت الزؤام. وفي النهار أنتقل من ~~جريح إلى جريح، أحمل وعاء البول والبراز، وفي الليل أظل ساهرة أرهف السمع لصوت الأنين. ~~أراه في الضوء الخافت راقدا شاخصا نحوي بوجه شاحب، في صدره جرح غائر، وفي عينيه حنين، وفي ~~الظلمة أسير إليه وأقول: فضل الله ذهب إلى جبهة القتال، أرأيته هناك، وهل لا زال يعيش؟ ~~ويقول: من هو فضل الله؛ أهو زوجك؟ وأقول: إنه أخي في الرضاع، وفي بيت الأطفال كان. وأسكت لا ~~أكمل الكلام، ويقول: لماذا سكت؟ وأقول: ماذا أقول؟ يقول: احكي لي عن نفسك. ماذا أحكي؟ احكي كل ~~شيء. ولا أعرف ماذا أحكي. حياتي تبدو مليئة بالأسرار، وحين أبدأ الكلام تبدو خالية ولا شيء ~~فيها يقال. وحوطني بذراعيه كالأم وقال: نامي ولا تخافي. وأغمضت عيني ونمت. وفي النوم ذهب عني ~~الخوف. بدأت أحكي حياتي، ومع كل حكاية يتحرر لساني، وقلبي يخف، وجسمي يطير كالروح بلا جسم. ~~وفي الطلعة فلتت مني الشهقة وأنا أحلم بالصعود، عشرون عاما منذ ولدت وأنا أرى هذه الهضبة ~~بين البحر والنهر، وأمي واقفة تنتظرني، ورائحة الهواء لم تغب عن ذاكرتي، والشجرة، والصخرة، ~~وذرات الهواء، أستنشقها؛ فهي وطني ورائحة حياتي. أحوطها بذراعي، أملأ صدري كأول نفس عند ~~الولادة، وآخر نفس قبل الممات. ولأول مرة أشم البحر وملوحة الماء واليود، وأنفاس العشب ~~والقواقع والسمك الطازج، وتركت نفسي لهواء البحر يملؤني ويغرقني، وأمواجه ترتفع في الليل ~~بيضاء في السماء تحوطني كأذرع الله، وهو إلى جواري يعانقني يحدثني: أتحبين السمك ~~المشوي؟ ~~- جدا جدا. ~~- أتحبين الرأس ms043 أم الذيل أكثر؟ ~~- أحبهما، الاثنين معا. # وترن ضحكتها الطفولية في الكون كمحارة تنفتح للشوق، وهواء البحر أصابها بجوع للحياة ~~كالنهم، وحواسها الخمس تستيقظ كالموج، وأنوار النجوم تلمع فوق البحر كفصوص اللؤلؤ، وأوراق ~~الشجر مع الأمواج مع الهواء تذوب في نداء واحد، وعيناها السوداوان الواسعتان تتسعان لنشوة ~~الحب حتى الإغماء، وتغمض عينيها تنام فوق صدره كالطفلة يهدهدها، وصوته في أذنها يأتيها من ~~بعيد: أحبك. # | حين كان الحب أعمى # كنت لا أزال في نشوة الحب، وأغمض عيني حين يلامسني الحب فلا أراه، وأحس قلبي كبيرا بحجم ~~قرص الشمس، وجسدي محارة تتفتح للشوق، وهواء البحر يوقظ حواسي الخمس، وصوته في أذني كالهمس، ~~يأتيني من بعيد كنداء الأم، وأنوار النجوم في الليل كفصوص الماس. وكنت لا أزال أسير في ~~طابور الممرضات، وأحمل لقب الخادمة المثالية، وأهتف في عيد النصر: «الله والوطن والإمام.» ~~وفي غمرة الحب والحماس نسيت أن أختي ماتت بالحب، وأخي ذهب إلى الحرب ولم يعد، وقلت الحب هو ~~الحياة وليس الموت، والحرب من أجل الوطن هي الحب، وفي جبهة القتال رأيتني واقفة وسلاحي على ~~كتفي، جاهزة للموت أصوب الطلقة للأعداء، وفي الليل أركض إلى جوار الزملاء، أركض وأركض، وفي ~~الخندق أختبئ ثم أعود أركض، وفي الخندق أختبئ ثم أخرج من بطن الأرض أركض وأركض، وفي الظلمة ~~أرى وجه العدو. أعرف الوجه لا أخطئه. أصوب الطلقة في نقطة الوسط بين العينين وأضغط على ~~الزناد. يسقط الوجه إلى الأرض، ومن خلفي أسمع وقع الأقدام تدب بأحذية حديدية. أظن أنهم ~~الأعداء فأركض وأركض. وعند منعطف الطلعة بين البحر والنهر أتوقف؛ فهذه منطقة الأمان. أعرف ~~المكان، وأعرف رائحة الشجر والماء، وأسير بخطى بطيئة أستنشق الهواء، وأسمع من خلفي وقع ~~الأقدام. قلت إنهم الأصدقاء لا بد وجنود الوطن، وفي مقدمتهم رئيس الأمن ومعه الوسام يحمله ~~إلي نيابة عن الإمام. وحين أصابتني الطعنة في ظهري استدرت وتساءلت باندهاش: # لماذا تضربوني وقد ضربت العدو؟ قالوا: إنه الصديق وليس العدو. # قلت: كان هو العدو بالأمس. # قالوا: كان ذلك الأمس، واليوم ms044 غير الأمس . # | معا في الخندق # عيناها سوداوان واسعتان تتسعان لدهشة الكون، تدوران حولها في الظلمة الداكنة. نجم واحد ~~تراه في مساحة هائلة سوداء، يتحرك بسرعة الضوء، وصوته يدوي كالرعد. يقترب من الأرض ويسقط ~~منفجرا شعلة نار. بحر من اللهيب الأحمر. وعيناها مفتوحتان لا تعرف الليل من النهار. انطفأت ~~النار ولم يبق إلا دخان أسود ورائحة تراب في أنفها. تحت يدها اليمنى ملمس السلاح، ويدها ~~اليسرى في يده. صوته في أذنها: أطلقت عليه النار وسقط ... انظري. أطلت برأسها من حافة الخندق، ~~لم تر شيئا. دخان كثيف كالليل بغير نقطة ضوء. وجهه أيضا لا تراه. قالت: لا أراك. قال: وأنا ~~أيضا لا أراك. حملقت في الظلمة، رأته واقفا إلى جوارها في الخندق يده على الزناد، وسلاحه ~~لا زال نحو السماء. قال: سقط واحد ولا زال آخرون. وفي الظلمة رأت يده ممدودة إليها قابضة ~~على ورقة مطوية، وقال: لو مت اذهبي إلى أمي وأعطيها هذه الرسالة. # همست: من أمك؟ قال: هي أمي، وبيتها إلى جوار بيت الأطفال، واسمه بيت السعادة. وعرفت أنه ~~فضل الله، وأنه لا زال يعيش، ولا زال ممشوق الظهر مرفوع الرأس. بشرته سمراء بلون الطمي، ووجهه ~~شاحب نحيل. ينظر في عينيها مباشرة دون أن يحرك عينيه إلى أسفل. في بريق عينيه انبهار ~~الطفولة، ونظرته ثابتة لا يبهره شيء. قالت: هل تراني بوضوح في الظلمة فأنا بنت الله؟ وعرفها ~~من وجهها وعينيها ورائحة شعرها. سألها عن نعمة الله، قالت: ماتت بالحب. قال: وأنت؟ قالت: أنا ~~أعيش بالحب. وحوطته بذراعيها، وقالت: ماذا كتبت لي في الرسالة؟ قال: كتبت أقول لك لا تحزني يا ~~أمي؛ لأني لم أرك منذ ولدت، ولم أدخل بيت السعادة، حيث أنت وحيث الحب، لكن الموت في سبيل ~~الوطن هو الحياة من أجلك، فهل تغفرين لي غيابي الطويل إلى الأبد؟ وأغمضت عينيها. قالت: أراك ~~كما كنت كأنما غيابك كان بالأمس، ولم يفارقني وجهك يوما. وأغمض عينيه، ونام على صدرها كما ~~كان يفعل وهو طفل، ثم استيقظ فجأة وأدرك أنه ms045 لم يعد طفلا، وهي أصبحت امرأة مكتملة النضج، ~~وحوطها بذراعيه في الخندق، فأصبح الخندق ضيقا بذراعيه، والكون في عينيه كبيرا كقرص الشمس. ~~وحوطته بذراعيها في الخندق والمكان يضيق، وعناقهما يملأ الأرض. وحين كشفهما الضوء ظلا ~~متعانقين، وفي لحظة العناق توقف العالم يرقب مشهد الحب، وهما متعانقان كشخص واحد، ولا أحد ~~منهما ينفصل عن الآخر أو يخاف الضوء أو يخاف الموت؛ فكلاهما قد مات من قبل. # وهو يلتصق بها أكثر وأكثر يريد الفناء فيها، وهي تلتصق به أكثر وأكثر تريد الفناء فيه، ~~وكل منهما قد أصبح هو الآخر، هي أصبحت هو، وهو أصبح هي، ولم يعد في الكون قوة تفصل الواحد ~~منهما عن الآخر، لا دوي المدافع ولا الصواريخ، ولا هدير العدو ولا الصديق، ولا صوت الإمام ~~أو الشيطان أو رئيس الأمن. # ثم فتحت عيني، ووجدتني واقفة في الخندق وحدي وفي يدي الرسالة مطوية. أين اختفى فضل الله؟ ~~هل مات في الحرب أم أخذوه ومات في السجن؟ ومن بعيد سمعت أنفاسهم تلهث يركضون خلفي، وأقدامهم ~~تدب على الأرض بأحذية حديدية، وبدأت أركض في الظلمة أنجو بحياتي، وهم من خلفي يجرون ومن ~~خلفهم كلابهم تنبح، وأنا أجري ولا أعرف لماذا أجري، وكدت أفلت منهم عند منعطف الطلعة قبل ~~طلوع الفجر، لكن أحدهم أصابني من الخلف، وقبل أن أسقط وأنسى الحروف قلت: كان معي في بيت ~~الأطفال، وهو أخي في الرضاع. قالوا: جريمتك مضاعفة في الدنيا والآخرة؛ فأنت بنت حرام، وهو ابن ~~حرام، وليس له في حزب الله أو حزب الشيطان اسم. ~~••• # لا زلت أجري والظلمة داكنة. أسمع دبيب أقدامهم الحديدية تركض خلفي. أتحسس بطني في الظلام. ~~تحت كفي الارتفاعة الناعمة دافئة كالحب، وصوته يأتيني من بعيد في الظلمة كصوت أمي يناديني: ~~بنت الله، تعالي. يقترب مني حتى يلامسني. أحوطه بذراعي ويحوطني. رجفة غامضة تهزني، قشعريرة. ~~يهمس بصوت ناعم: لا تخافي، أنا الله، وسوف تلدين المسيح. الظلمة داكنة، وأنا أجري وفي يدي ~~الرسالة مطوية. أحوطها بأصابعي وأخبئها في صدري. أسمع أنفاسهم كاللهاث من ms046 خلفي. قلت لن ~~يصلوا إلي قبل أن أبلغ الرسالة. سأخاطر بحياتي لأنجو بها؛ فهي حياتي. سأخاطر بالموت رجما ~~بالحجارة كما فعلت مريم العذراء لتلد المسيح، وكما فعلت أمي لتلدني. وعند منعطف الطلعة بين ~~البحر والنهر عند علامة الأمان عرفت رائحة المكان، وتوقفت أشكر الله على النجاة. وكان يمكن ~~أن أنجو لولا أنني توقفت لأصلي، وأصابوني من الخلف. دائما يضربون من الخلف، وحين أستدير ~~يهربون، أبدا لا يواجهون. وقبل أن أسقط وأنسى الكلمات قلت: كنت أصلي وأنا أحمل ثمرة الحب. ~~وقال رئيس الأمن: لا شيء اسمه الحب، إنها ثمرة الخطيئة. # | الخوف الجماعي # في ليلة العيد وطبول النصر تدق والزمامير، عثروا على جسدها ملقى في الطريق من البيت إلى ~~الجبهة، عند منعطف الهضبة بين البحر والنهر. وجدوها ملقاة فوق ظهرها وعيناها سوداوان ~~مفتوحتان ثابتتان في السماء. وجهها ساكن بلا حركة، والكون كله ساكن يطل عليها، وهواء الليل ~~لا يحرك شعرة واحدة من رأسها. وعند فتحة الأنف سكنت الشعيرات. بشرتها سمراء بلون الطمي، ~~يسقط عليها ضوء القمر فتصبح بيضاء كحورية الجنة أو جنية البحر. عارية تماما كما ولدتها ~~أمها، لا ثوب ولا قميص ولا سروال. وبدت في عريها آثمة رغم موتها؛ فالمرأة لم تكن تتعرى في ~~حياتها أو موتها، وإن خلعت الطرحة تظل بالجلباب، وإن خلعت الجلباب تظل بالقميص، وإن خلعت ~~القميص تظل بالسروال، ولا يمكن أبدا أن تتجرد من السروال قبل الموت أو بعده. كان ظهرها ~~للأرض ووجهها ناحية السماء، وحلمة الثدي نافرة كالزبيبة السوداء، وبين الساقين جرح عميق في ~~اللحم، ويدها اليمنى فوق الجرح كأنما تخفيه، وما دامت تخفيه فهي التي صنعته، وهي التي قتلت ~~نفسها، وقتل النفس جريمة، تمرد على إرادة الله؛ فالله وحده هو الذي يقتل. وأصبحت جريمتها ~~بعد موتها في نظرهم جريمتين؛ العري والقتل. وأضافوا إليها الجريمة الثالثة؛ فهي ولدت بغير أب ~~وبغير أم، وكان اليتم عندهم عيبا، وبات اسمها الثلاثي بغير أب ولا جد داخل ملف أزرق في ~~مكتب الأمن منسوب إلى الأم، وأمام كل اسم جريمة ms047 ثلاثية؛ القتل والعار واليتم. # وكانت الليلة عيدا. دارت السنة وجاء عيد الأضحى مع عيد النصر، وأصبح العيد عيدين اثنين، ~~والناس تجمعوا تحت المصابيح وجلسوا القرفصاء. وجوههم طويلة شاحبة رمادية، وعظام الرأس يشتد ~~بروزها عند عظمة الأنف، ومن فتحات الوجه ينفثون الدخان والكلام، ومن تحت الشوارب الممدودة ~~فوق الشفة العليا تخرج أنفاسهم كالسعال، يبتلعونه في صدورهم مع الدخان ومعه الكلام. يعطسون ~~ويرمقون السماء بحذر، ويحكون الحكايات عن الملوك والآلهة والعفاريت والجان، ويقول أحدهم: إيه ~~يا جدعان والله زمان حين كنا نعبد الشمس وإله الفيضان. ويرد أحدهم: أي والله لم يكن إله ~~الفيضان يسكت عنا إلا بعد أن نرضيه بالبنت العذراء، لم يكن يحب المرأة التي تزوجت من قبل أو ~~المرأة الأرمل أو المطلقة. ويقول أحدهم: أما إله لئيم يا جدعان. ويقول الآخر: كل الآلهة ~~كانوا كده، ويطوف الجنود بيوت الفلاحين يمسكون العذراء البكر. تختفي البنات فوق الأفران أو ~~تحت التبن داخل الجرن، ويظل الإله غاضبا لا يهدئ غضبه إلا دم العذراء. ويقول أحدهم: ولا ~~الملك شهريار في زمانه. ويرد الآخر: الملك شهريار بس، كل الملوك كده لغاية النهاردة، يصمتون ~~فجأة يبتلعون أصواتهم مع أنفاسهم مع الدخان ويرمقون بوابة الأمن بحذر، وأجسامهم مسنودة فوق ~~عظمة الكوع تصنع حفرة في الأرض، يزحف إليها طابور من النمل على شكل خط طويل منتظم تتقدمه ~~الملكة. ترى الكوع الأسمر بلون الأرض. تدرك أنه ليس الأرض، ويمكن أن يتحرك فجأة ويهبط فوق ~~رأسها يهشمها. تغير الملكة اتجاهها وتلف حول الكوع، وتسلك الطريق الآخر بعيدا عن الحفرة، ~~ويلتوي الخط المنتظم وراءها ليصبح دائرة منتظمة ثم يعود خطا طويلا منتظما. # النني الأسود في عيونهم تحت الضوء ثابت فوق جيش النمل المنتظم يضربون كفا بكف، يمصمصون ~~شفاههم. جيش من الذكور يتبع الأنثى؟! حكم الله عليهم بالعبودية والزحف فوق بطونهم إلى ~~الأبد. يقبلون بطن أياديهم وظهرها ويشكرون الله. طابورهم لا ينتظم وإن جاء الحارس بالعصا، ~~ورئيسهم ذكر وليس أنثى. يعطسون ويسعلون ويرصون الدخان في الجوزة، ويغيرون مركز ارتكازهم فوق ~~الأرض من ms048 الكوع الأيمن إلى الكوع الأيسر. في آذانهم أصوات الصواريخ والهتاف والأناشيد. ~~يذكرون أنه عيد النصر وعيد الأضحى معا، ودارت السنة وجاء مع العيدين عيد ميلاد الإمام، ~~وأصبح العيد «ثلاثة أعياد»، والليل يجيء داكن الظلمة، وجفونهم تثقل بالنعاس، وقلوبهم ثقيلة ~~كالحجر، والنار تخبو في الجوزة، ويذكرون موتاهم في الحرب والمفقودين لا ماتوا ولا عادوا، ~~والمقطوعي الأيدي والأرجل من خلاف، والمرجومين والمرجومات، والمعتقلين والمعتقلات، ومشوهي ~~الحرب والشهداء، والذين شربوا الموت مع لبن الصباح وماتوا بالإشعاع، والذين لم يموتوا بعد ~~لكنهم حتما موتى بأمر مولانا، ويشفطون آخر نفس في الجوزة، وينتهي الدخان وتنطفئ شعلة النار. ~~يبتلعون آخر الكلام في معدة خاوية بغير عشاء ولعاب طعمه مر، واكتشاف أخير قبل غيبوبة ~~النوم أن مركز ثقلهم فوق الأرض ليس هو الكوع الأيمن ولا الكوع الأيسر، وأنهم ليسوا جالسين ~~وليسوا واقفين، يتحركون بخطى زاحفة كالنمل إلا أن طابورهم متعرج. يتدافعون بالأيدي والأرجل ~~وكوع كل منهم يصنع في بطن الآخر حفرة، ورأس كل منهم يمتد فوق الرأس أمامه وعنقه يشرئب، ~~يحاول أن يرى أول الطابور، ولا أحد يرى شيئا؛ فالطابور طويل متعرج كاللولب يمتد بطول ~~البصر، وينتهي عند الأفق بالتقاء السماء، والنني الأسود داخل عيونهم يدور حول نفسه، والصوت ~~يرن في آذانهم لا يعرفون دوي الصواريخ من دوي الهتاف، ويختلط الصراخ بالزغاريد، ويفيقون فجأة ~~فاتحين جفونهم متذكرين أنه العيد، وأنهم يرتدون أحذية جديدة يدبون بها على الأرض، وفي كل ~~حذاء حدوة حصان من الحديد، منحة العيد بأمر الإمام، وعلاوة الغلاء آخر الشهر. دبيبهم فوق ~~الأرض مسموع. الصف وراء الصف متعرج كجيش نمل بلا ملكة. وعيونهم تدور باحثة في الكون عن ~~الرب. أين أنت يا رب؟ وفي منعطف الطلعة بين البحر والنهر يتوقفون ينظرون ويشهقون. كانت ~~ممدودة فوق الأرض، وجهها للسماء، وعيناها السوداوان مفتوحتان. هزوا رءوسهم الملفوفة وقالوا: لا ~~إله إلا الله، ماتت موتة ربنا؛ فربنا يميت الناس. ثم قال أحدهم: ليست موتة ربنا؛ فأنا أعرف ~~القاتل، والقاتل ليس ربنا. استغفروا الله بعد كلامه؛ فلا أحد يموت بيد ms049 أخرى غير يد الله. ~~وكتموا أنفاسهم محملقين في السماء متصورين أن الله له يد يرونها بالعين، وسجدوا حتى لامست ~~جباههم الأرض، سبحانه ليس له يد ولا لسان. قربوا رءوسهم وهمسوا في آذان بعضهم بعضا، ثم ~~رفعوا عيونهم مستغفرين الله هاتفين: الله والوطن والإمام. إن بعض الظن إثم يا جدعان، ولا أحد ~~يموت بغير إرادته سبحانه. وصاحوا في نفس واحد: لا إله إلا الله. ثم دفنوها في التراب، وفي ~~التراب ظل قلبها ينبض. قالوا: ثلاثة أيام ظل قلبها ينبض بعد الموت، وسبعة أيام روحها ظلت ~~تحوم حول القبر، وفي اليوم الثامن تركت روحها القبر، وبدأت تسير نحو الطلعة بين البحر ~~والنهر، وأقسموا بالله العظيم أنهم رأوها بعيونهم تسير فوق قدميها الاثنتين. خطوتها السريعة ~~لم تتغير، ورأسها المرفوع، ومن خلفها كلبها مرزوق. قالوا: إنهم لم يرونها إلا من الخلف، ولا ~~أحد استطاع أن ينظر إليها من الوجه. وأقسموا بالله والوطن والإمام ثلاثا أنها هي ولا أحد ~~غيرها، وأن روحها خرجت من القبر لتنتقم منهم، وبات كل منهم يرتعد. أصبح الخوف يلازمهم ليل ~~نهار كأجسامهم، لا يحول بينهم وبين الخوف غطاء ولا جلباب. يخافون حتى وهم داخل المرحاض ~~والباب مغلق. يتصورون أنها يمكن أن تخترق أي باب وتنفذ من أي جدار، وتراهم من حيث لا ~~يرونها؛ فإذا تسلل الواحد منهم من فراش زوجته لامرأة أخرى رأته، وإذا مد يده في جيب الآخر ~~رأته، وإذا خلع ملابسه وبات عاريا رأته، وإذا أمسك عورته وهو نائم رأته. أصبحوا يخافون ~~منها كما يخافون الله، وبدت لهم في النوم كأنما هي الله، ولا أحد يشعر بالبراءة وكل منهم ~~قذفها بحجر، وقلوبهم ثقيلة بالذنب، وجفونهم ثقيلة بالنوم، وفي الليل يرقدون متلاصقين، يخاف ~~الواحد منهم أن ينام وحده، أو يفتح الباب ويخرج في الظلمة وحده. جميعهم يخافون إلا اثنين لم ~~ينالاها بالأذى؛ أمها وكلبها مرزوق. تظل الأم واقفة في الظلمة تنتظرها، ثابتة في مكانها ~~كالصخرة، وجهها إلى السماء ورأسها مرفوع، يداها كبيرتان مضمومتان فوق قلبها، إلى جوارها ~~يرقد مرزوق ms050 متكورا كالأطفال ، وجهه طويل شاحب، وعيناه خاليتان من الدمع، زاوية كل عين تلمع ~~في الظلمة كالدمعة المتجمدة، أذناه منتصبتان مرهفتان تلتقطان وقع قدميها قبل أن تظهر، عنقه ~~ممدود وأنفه مشرئب يلتقط رائحتها من الكون، وعيناه تلتقطان عينيها من بين ملايين النجوم. ~~وقبل أن يراها يجري إليها يشب بأقدامه كالطفل يشب على صدر أمه. يمسح عينيه في ذيل ثوبها ~~ويلهث ويمسح لهاثها، ويرى خيط الدمع بلون الدم والطعنة في ظهرها. # | حب إلى الأبد # قال لها: أنا أحبك إلى الأبد. # قالت: لا تقل إلى الأبد حتى أصدقك. # قال: صدقيني، حبي لك مستمر إلى الأبد. # قالت: أرجوك لا تقل إلى الأبد كي أصدقك. # قال: أقسم لك أني أحبك إلى الأبد. # قالت: وبماذا تقسم؟ # قال: أقسم بالله والوطن والإمام. # قالت: أصدقك وإليك حياتي. عقلي وقلبي وجسدي هو أنا وأنا في الحب شيء واحد. وفي الصباح ~~رأت صورته منشورة في الجريدة داخل برواز كبير، وخبر زفافه لابنة رئيس الأمن، ووسام الشجاعة ~~فوق صدره في عيد النصر. # قالت: قلت لي بالأمس إنك تحبني. # قال: كان ذلك بالأمس، واليوم غير الأمس. # قالت: هل تخلص للوطن وتخونني؟ # قال: أنا لست رجلا واحدا. أنا رجلان اثنان. ومن كان معك بالأمس ليس أنا، وإنما الرجل ~~الثاني. ولا زلت أحبك؛ فالحب شيء والزواج شيء ثان. # قالت: تزوجتها بغير حب؟ # قال: كان أبوها يطاردني كالشيطان، وقلت آمن شره وأمتلك قرة عينيه، فتصبح في يدي وطوع ~~بناني. كنت في حاجة إلى امتلاكها، وإذا كانت هناك حاجة فليس هناك حب. # وفي الليلة الثانية رآها بين أحضان رجل آخر، وارتعد حين رأى وجهه، كان هو رئيس الأمن ~~ذاته. # قال: أتخونيني مع رجل آخر؟ # قالت: أنا لست امرأة واحدة. أنا امرأتان اثنتان. ومن كان معك الأمس ليست أنا، وإنما ~~المرأة الأخرى. ولا زلت أحبك إلى الأبد؛ فالحب شيء والزواج شيء آخر. قال: أهو زوجك؟ قالت: ~~كان يهدد أبي بالسجن، وقلت آمن شره وأتزوجه، فيصبح في يدي وطوع بناني. كنت في حاجة إلى ~~امتلاكه، وإذا كان هناك ms051 امتلاك فليس هناك حب. # وتعانقا في الليل الهادئ بعيدا عن العيون، وكلاهما يقسم بالله والوطن والإمام أنه يحب ~~الآخر إلى الأبد. وفي قمة النشوة قال لها: يمكن للرجل أن يجمع في الشريعة بين أربع زوجات في ~~وقت واحد، أما في الحب فهي امرأة واحدة. وسألته: أنت في حزب الله أم في حزب الشيطان؟ قال: ~~أنا في الحزبين. قالت: ولماذا تدخل حزب الله وحزب الشيطان معا؟ قال: أومن بوجود الله ~~وأومن بوجود الشيطان، وقلت آمن شرهما وأدخل حزبيهما. # قالت: أنت تعيش في خوف إلى الأبد. # | الكاتب الكبير # ضعي يدك على رأسي ولا تفارقيني؛ فأنت الوحيدة في العالم التي يمكن أن تراني وأنا أموت دون ~~أن أشعر بالخزي، وإذا جاءت زوجاتي الأربع فأغلقي بيني وبينهن الباب حتى لا يشمتن في موتي، ~~وإذا جاء الرجل ومعه جردل الماء ليغسلني امنعيه من الدخول. منذ مات أبي ورأيت الرجل يقلبه ~~على وجهه ويدس إصبعه في الثقب أسفل الظهر قررت الموت دون غسل. ولماذا يغسلون جسدي الميت ثم ~~يضعونه في التراب؟ لكن هؤلاء الناس يا أمي يعيشون بلا عقل ويموتون بلا عقل. ومنذ منحني ~~الإمام لقب «الكاتب الكبير» أصبح لي بيت جديد وزوجة جديدة، وأثاث من أجود الأنواع لا أشعر ~~بالخزي إذا رآه الإمام لو زارني في يوم من الأيام. ومنذ منحني اللقب والوسام في عيد الأدب ~~والفن وأنا لا أفارقه في الحياة أو في الموت. قال لي: إخلاصك لي إلى الأبد، وجعلني أقف أمامه ~~ممسكا بكتاب الله وأقسمت له بالولاء. قال: أنا الإمام ولا شريك لي في الحكم، وأنت الكاتب ~~الكبير ولك في الجريدة كل يوم صفحة، وصورة داخل برواز، ومقعد إلى جواري لا يفصلني عنك إلا ~~رئيس الأمن، وفي الليل لا يكون فاصل بيننا، نشرب نخب الصداقة القديمة منذ الطفولة، ولم أدرك ~~يا أمي وأنا واقف إلى جواره في الصف الأول، ومن حوله الأضواء والهتاف يدوي، وأقواس النصر ~~مرفوعة أنه يمكن أن يسقط أو يموت كما يموت البشر، وكنت لا أزال أملك عقلي داخل ms052 رأسي، لكنه ~~كان معطلا، لا أدري كيف، ونسيت أن أبي مات وآخرين ماتوا أمامي، وصفحات الجرائد تمتلئ كل ~~يوم بأسماء الموتى، وفكرة الموت لا تبارح ذهني، ومع ذلك لم أتصور أبدا أنني سأموت. وكنت ~~أقف إلى جواره، وأسمع دوي الرصاص، وأراه يسقط إلى جواري وأنا إلى جواره أسقط، ومع كل ذلك ظل ~~عقلي عاجزا عن الإدراك، مؤمنا أنه باق إلى الأبد، وأنا أيضا باق، لا أتصور نفسي ميتا في ~~يوم من الأيام، وإذا تصورت نفسي ميتا فإن الصورة تتلاشى على الفور. حين أسمعهم ينادونني ~~وأرى اسمي محفورا كل يوم بالخط العريض، فأتصور نفسي خالدا إلى الأبد، وأحاول أن أرى نفسي ~~ميتا دون جدوى. وإذا رأيت نفسي ميتا فأنا لا أستطيع أن أراه هو ميتا، وصورته تطل علي ~~من كل مكان فوق الأرض وفي السماء وفوق الأقواس، وفي الصفحة الأولى كل صباح وكل مساء، واسمه ~~على كل لسان، وصورته في الآذان، وكلمته تحدد الصواب والخطأ والفضيلة والرذيلة والشرف والعيب، ~~وصوته في أذني وهو واقف على المنصة يخطب وصواريخ العيد تطرقع، ينطق الكلمات بطيئة ممطوطة، ~~وبعد كل كلمة يتهته والناس تهتف، وأنا واقف أسمع الهتاف والتهتهة وعقلي أيضا واقف، وذهني ~~غائب في الماضي حين كان يجلس إلى جواري في المدرسة، وكلما سأله المدرس سؤالا فتح فمه عن ~~آخره وبدأ يتهته، وتلاميذ الفصل يضحكون، وفي الفناء يسيرون خلفه يشدون يده من فوق الثقب في ~~السروال، وفي الامتحان يجلس إلى جواري، ومن تحت المقعد يهمس في أذني: فاهم حاجة يا وله؟ ولا ~~أدري يا أمي كيف دارت الأيام وأصبح هو الإمام، وأنا كاتب صغير مجهول، لكن أواخر التلاميذ ~~كانوا يدخلون الجيش والبوليس، ومنهم يتخرج الزعماء والرؤساء، ولم يكن للواحد منهم ما يزهو به ~~عند التخرج إلا البدلة الرسمية ونجمة فوق الكتف، وكنت أنا قد دخلت كلية الحقوق وأبي يناديني ~~بالوزير، وأهمس في أذنك أنني لا أحب القانون ولا العدالة ولا أحب أبي، وتشهقين في وجهي بذلك ~~الصوت الغريب، يذكرني بأول شهقة لك وأنا واقف ms053 عار أمام المرآة. وفي المرآة ذاتها رأيت أبي ~~عاريا بين ذراعي امرأة ليست أنت، ولمحني أبي وأنا واقف وراء الستار، فنهض وشدني من أذني ~~وقذفني في سريري، وهو يصيح: أتمشي وأنت نائم؟ وفي الصباح حين جلسنا إلى مائدة الفطور، وقدمت ~~لي كوب الحليب فلم أشربه، ضربني وهو يقول: اشرب اللبن. ولم أشرب، فأمسك فمي وفتحه بالقوة ~~وسكب اللبن في حلقي، وما إن جلس يأكل حتى تقيأت اللبن في صحنه، وسألتني: ماذا حدث؟ وكنت أحب ~~حليب الصبح، وسمعته يقول: إنه مريض يمشي وهو نائم. وأرقدني في السرير، وسكب الدواء في فمي ~~بالقوة له مرارة السم، وقلت: أبي يريد موتي حتى لا أقول ما رأيت. وقلت: ماذا رأيت؟ ولمحت ~~الموت في عينيه، فتجمد لساني ولم ينطق، وحملت الثقل في قلبي يزداد يوما وراء يوم، وأراك ~~تغسلين ملابسه تدعكين البقعة الصفراء في سرواله دون جدوى، وتظل البقعة تحت عينيك وفي أنفك ~~تشمين رائحة المرأة الأخرى وتغسلين وتطبخين، وحتى يعود آخر الليل تنتظرين، وفي عينيك حين ~~أنظر إليك أدرك أنك تعرفين. ترين الخطأ في الكون وتصمتين. لو أنك نطقت مرة، لو أنك رفضت أن ~~تغسلي سرواله الملوث بعرق امرأة أخرى، لو أنك ذهبت إلى رجل آخر، ربما أصبح الخطأ في الكون ~~أقل، ربما نما لدي منذ الطفولة إحساس بالعدالة، ربما دخل قلبي الإيمان بالله؛ فالله في ~~طفولتي كان هو العدل، وتمنيت أن أراك بين ذراعي رجل آخر غير أبي. لو فعلت ذلك مرة ربما ~~اعتدل ميزان العدالة في الكون، وكنت أسمع مدرس الدين يقرأ كلام الله، ويقول العين بالعين ~~والسن بالسن والخيانة بالخيانة والوفاء بالوفاء، وظلت خيانة أبي محفورة في الكون بلا خيانة ~~منك تمسحها، وتزداد الخطيئة حين أراك في وجهه تبتسمين، وأتلفت حولي باحثا عن وجه العدل دون ~~جدوى، وإلى جواري أراه جالسا في الفصل مطرقا رأسه، واضعا يده على سرواله من الخلف. وإذا ~~سأله المدرس سؤالا تلفت حوله متحيرا وبدأ يتهته. وحين يضحك التلاميذ يقول: لو كانت هناك ~~عدالة في الكون لما ms054 خلقني الله أتهته وجميعهم لا يتهتهون. وهمس في آذني بصوت خافت: الله ~~غير موجود لأن العدالة غير موجودة. وهمست في أذني بدوري: لو كان الله موجودا لما كان ~~الوفاء يقابله الخيانة، والخيانة يقابلها الوفاء. وكنت يا أمي تلميذا في التاسعة من عمري ~~وهو زميلي، وربط بيني وبينه الإيمان العميق بعدم وجود الله، وظلت قدرتي على الإيمان بالله ~~مرتبطة بقدرتك على خيانة أبي، ولم يكف أبي عن خيانتك، ولم تكفي عن الوفاء له. وقلت لك مرارا ~~إنه خائن، لكنك يا أمي لم تسمعي. وإذا سمعت تصمتين ولا تردين. ولم أعرف لماذا تقابلين ~~الخيانة بالوفاء، ثم عرفت أنك كنت تخافين، وكل ليلة تبكين، وفي النوم تحلمين أنك قابلت رجلا ~~آخر، لكنك في الصباح تتراجعين. كنت تخافين الناس وتخافين أباك، وأكثر ما كنت تخافين هو ~~الله. وقلت لك يا أمي العين بالعين والحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة، لكنك أبدا لم تسمعي، ~~وإذا سمعت لا تدركين، وإذا أدركت لا تفعلين. يمر اليوم وراء اليوم وتستسلمين. لو أنك قاومت ~~الظلم مرة، لو أنك دافعت عن حقك، ربما عرفت أنا العدالة، وإذا عرفت العدالة عرفت الله، لكنك ~~يا أمي عجزت عن الدفاع عن حقك، ربما عرفت أنا العدالة، وإذا عرفت العدالة عرفت الله، لكنك يا ~~أمي عجزت عن الدفاع عن حقك، وإذا عجزت عن الدفاع عن نفسك، فهل تدافعين عن الآخرين؟ فاقد ~~الشيء لا يعطيه يا أمي. وعجزت عن الدفاع عن حقي. ترين أبي وهو يظلمني فتسكتين، وفي كل صراع ~~بيني وبينه تقفين تتفرجين. وإذا اشتد الصراع تنحازين إليه وعنه تدافعين، هو على صواب ~~دائما، وأنت عن الحق لا تدافعين. لو أنك قلت مرة إنه أخطأ، لو أنك حكمت مرة بالعدل، ربما ~~عرفت أنا العدل، ربما عرفت الله، ربما قابلت الوفاء بالوفاء، لكني أصبحت مثلك يا أمي أقابل ~~الخيانة بالوفاء، وأصبحت مثل أبي أخون من تخلص لي وأخلص لمن تخونني. وهربت من فتاتي الأولى ~~حين أحبتني، وتزوجت أول امرأة رفضتني، وأصبحت كاتبا كبيرا بأمر الإمام، لا يروقني ms055 من نساء ~~العالم إلا زوجته، ولا أكتب إلا ما يروق الإمام. قسمة عادلة يا أمي. هو يملك قلوب الجماهير ~~عن طريقي، وأنا أملك قلب زوجته عن طريقه. وكان يدرك وهو جالس بيننا أن قلبها وعقلها معي، ~~ولم يكن يهمه من المرأة القلب أو العقل، ويقول لي المرأة الجسد ولا شيء بعد ذلك يهم، ولم ~~أكن أرى منها إلا العينين الزرقاوين، أراهما بالليل والنهار، وحين تنظر إلي زوجتي الجديدة ~~يستحيل سواد عينيها زرقة بلون البحر، وأحوطها بذراعي فتستحيل سمرة جسدها نعومة بيضاء، ~~وتلتقط زوجتي اسمها وأنا أهمس به لحظة النشوة وتسألني: من «كاتي» دي؟ ويرتج لساني: مين قال ~~الاسم ده؟ وتقول: أنت قلته لحظة الغيبوبة. أهي فتاتك الأولى؟ وأمسك لساني قبل أن أقول إنها ~~فتاتي الأخيرة، ولم تكن فتاتي الأولى اسمها كاتي، ولم أعد أذكر اسمها ولا شكلها، وكل ما ~~أذكره أن وجهها كان نحيلا شاحبا، وبشرتها سمراء فيها بقع بيضاء ولهجتها ريفية، وحين تشمر ~~جلبابها وتنثني لتمسح البلاط يصعد الدم إلى رأسي، ثم يهبط ساخنا أسفل بطني متجمعا أعلى ~~الفخذين في غدة الشيطان. وتغلقين عليها باب المطبخ بالمفتاح، فأسرق المفتاح من جيبك وأنت ~~نائمة. وحين ارتفع بطنها بالحمل السفاح أمسكت العصا الخيزران وعلى قدميها الحافيتين ~~تضربين، واعترفت لك أنه أبي فزال عني الخوف، وكنت أراه وهو يسرق منك المفتاح ولم أقل لك ~~شيئا، وإذا قلت فأنت لا تسمعين، وإذا سمعت فأنت تصمتين، وأصبحت أصمت مثلك وأخاف أن أنهض من ~~النوم فأراه مع المرأة الأخرى، وأحبس البول حتى الصباح، أو أتركه ينساب كالخيط الناعم ~~الدافئ، ويقول أبي إنني مريض أبول في الفراش وأمشي وأنا نائم، وأقول إنني رأيته مع المرأة ~~الأخرى، وأراك ترتعدين ولا تصدقين. وإذا ضربني وقفت معه وعن الحق لا تدافعين. لو أنك وقفت ~~مع الحق مرة ربما فعلت مثلك، لكن أبدا لم تفعلي. وفعل بي أبي ما شاء فأصبحت مثله، وما يفعله ~~أفعله، ومن جيبك أسرق المفتاح. وحين يراني يصمت، وحين أراه أصمت. وفي يوم العيد رأينا صورتها ms056 ~~في الصحف منشورة بوجهها الشاحب وعينيها السوداوين، وذراعاها مفتوحتان نحو السماء في ابتهال ~~صامت، وركبتاها مفتوحتان، وفي نقطة الوسط تتلقى الحجر وراء الحجر، يرجمونها فوق علامة ~~الشيطان، وطبول العيد تدق، وصواريخ النصر تفرقع، وفي حلقي مرارة الهزيمة وهي تنظر إلي، ~~وسواد العين يخرق الجريدة كالنار السوداء. # وفي الصف الأول أقف تحت الأضواء لا يفصلني عن العرش إلا رئيس الأمن ومن بعده الغمام، وفي ~~أذني يدوي الهتاف: «الله معك.» وهو يتهته بخطبة العيد، وأنا واقف إلى جواره صامت، وعقلي ~~غائب، والهتاف يختلط في أذني بدوي الرصاص، ووجهه يسقط من فوق جسده الممشوق تحت الشمس، ~~ووجهي يسقط هو الآخر إلى جوار وجهه، وينظر إلي ويسألني وهو يتهته من تحت المقعد، كما كان ~~يفعل ونحن في المدرسة: فاهم حاجة يا وله؟ وكنت أقول له الإجابة عن كل سؤال في الامتحان، ~~لكني هذه المرة لم أعرف الإجابة ولم أرد، وبقيت راقدا إلى جواره، ووجهي أخفيه في الأرض، ~~وظلمة الليل تجيء محملة بثقل الموت، وجدران جسدي كالصخر تحوطني وأنا راقد، وصوت الرصاص في ~~أذني ممدود كالهتاف، وأنادي عليك يا أمي كما كنت أنادي وأنا طفل، وتأتي إلي في الظلمة ~~كالضوء، وينحني جسدك نحوي، وأرى وجهك أمامي، وأكتشف أنني لم أرك منذ عشرين عاما، وأنحني عند ~~عينيك الصغيرتين أمسح عنهما الأرق، وأناديك فلا تردين، ومن نافذة بعيدة تطل على الكون ~~الصامت، أقول كنت هنا وأنا طفل وقلبي كان بحجم الشمس، وكنت أحبك كما أحب حليب الصبح، لكني ~~فتحت عيني في الليل ورأيت أبي عاريا كالشيطان، وعاقبني الله لأنني فتحت عيني، وكان يجب أن ~~أغمضهما وأظل نائما، ولم أعد أحب حليب الصبح ولا ضوء الشمس، وأصبح الإمام رفيقي، وآمنت ~~بوجود الله، وأهتف مع الناس: الله والوطن والإمام. # | الإمام متنكرا # لا زال الصوت يدوي والناس تهتف، وأنا واقف فوق المنصة ألقي خطبة النصر، ويرن صوتي في ~~أذني فأدرك أنه ليس صوتي، وإنما هو صوت الرجل الآخر يقاسمني شخص الإمام، وأرى وجهه عاليا ~~في السماء، معلقا فوق أقواس النصر ms057 تحت كشافات الضوء، يشد عضلات وجهه المتقلص ليبتسم بفم ~~واسع، يسع حب الله وعبيده فوق الأرض، وأحمد الله أنني أرقد في مكاني بعيدا عن الضوء وعيون ~~الناس، وأحرك ذراعي بحرية وقلبي مملوء بالسعادة؛ فأنا في نظر الشعب والدولة والقوى العظمى ~~لا زلت واقفا أخطب في عيد النصر، ومن حولي أعواني من حزب الله، وزوجتي الجديدة، وكاتبي ~~الكبير، ومعارضي الشرعي، وأعوانه من حزب الشيطان، وأنا في الوقت نفسه راقد مستريح البال، لا ~~أحمل هموم الدولة أو الديون أو الهزيمة أو الإشعاع النووي، ويمكنني أن أرقد هكذا فوق ظهري ~~أو بطني، أو أخلع ملابسي الرسمية وأرتدي ملابس رجل عادي من الشعب، وأسير وحدي دون حاجة إلى ~~حماية رئيس الأمن وأعوانه من أرواح الجان والشياطين. أتمشى الهوينى، لا أسرع الخطى دون ~~حاجة إلى إيهام العالم أن وقتي ثمين، وأستنشق الهواء بملء صدري، وأترك عضلات وجهي مرتخية ~~مستريحة دون حاجة إلى تكشيرة لائقة بهيبة العرش وحزم الإمام، أو ابتسامة تتسع لحب الله ~~والوطن والشعب. أحرك ذراعي في الهواء وأنا أسير متنكرا متخففا من ثقل النياشين ~~والأوسمة، وقميص الوقاية الملفوف حول صدري وبطني كحزام العفة الحديدي، ولا أحد من العالم ~~يعرفني أو يستوقفني راكعا يطلب البركة أو علاوة أو توصية. أحرك ساقي في الهواء داخل ~~سروال قديم من الدمور مثقوب من الخلف، وأتمشى غير مكترث بشيء؛ فلا أحد يعرفني ولا أخاف أن ~~يعرفني أحد، وعضلات وجهي مرتخية غير مشدودة، بلا هيبة أو شجاعة أو خوف أو ضعف أو قوة، وإنما ~~هي الراحة الكاملة وسعادة الآلهة والثقة والاطمئنان إلى أن العالم يسير بدوني، ومع ذلك فأنا ~~موجود، وصوتي تنقله الإذاعات والأقمار الصناعية إلى جميع أنحاء العالم، وأيضا إلى العالم ~~الآخر، وصورتي في كل مكان ترفرف إلى جوارها الأعلام، والهتاف يصل إلي من بعيد وأنا أسير ~~الهوينى. أستمتع بمنصب الإمام دون أن أكون الإمام، وأسمع الهتاف دون أن يؤلم الدوي ~~أذني. # على بعد غير قليل لمح شبحا يتحرك على شاطئ النهر. ظنه أحد أعضاء حزب الشيطان، وقد ms058 تعرف ~~عليه ، وسوف يغتاله. كان يخاف أن يتعرف عليه أحد وهو متنكر، وكان يخاف أكثر أن يتعرف عليه ~~أحد وهو غير متنكر. واختبأ وراء شجرة يلهث، عيناه مذعورتان تراقبان الشبح. دقق النظر. بدا ~~له من بعيد كأنه صخرة بارزة في الأرض لا تتحرك. دقق النظر أكثر ورأى أنها تتحرك. بدت ~~حركتها أول الأمر كصخرة تتدحرج وحدها. دقق النظر أكثر. رأى لها أربع قوائم. ظن أنها ~~جاموسة تتمشى على النهر، لكن رأسها لم يكن به قرون، وإنما شعر ملفوف تحت عمامة بيضاء. ظنه ~~شيخا عجوزا يسجد على يديه وركبتيه في خشوع للإمام. خرج من وراء الشجرة مطمئنا إلى أنه أحد ~~أعضاء حزب الله، واقترب منه أكثر فرأى أنه امرأة وليس رجلا. عرفها من وجهها الطويل النحيل ~~وعينيها السوداوين الواسعتين، وجلبابها الأسود الطويل، وشعرها الملفوف داخل المنديل وفي يدها ~~الفأس. كانت تفحت الأرض، ولم تكن رأته بعد، وحلا له أن يراقبها دون أن تراه، ورآها تمهد ~~الأرض بكفها الكبيرة. أبعدت قطع الطوب والحصى. فرشت الأرض بتراب ناعم. انتزعت من صدرها ~~شيئا صغيرا وضعته في بطن الأرض. عمقت له مكانا، ثم ساوت الأرض وغطتها بتراب ناعم. قال ~~لنفسه: واحدة من عبيد الأرض مات زوجها في الحرب أو في الوباء. اقترب منها وحياها وأثنى على ~~جهدها، وسألها عما زرعت، فقالت: شجرة بندق. وكان يعرف أن شجرة البندق لا تطرح إلا بعد مائة ~~عام، وقال: أتمنى لك العمر الطويل والصحة والعافية، لكن أتتوقعين أن تذوقي ثمار ما زرعت؟ ~~وأدركت المرأة دون أن ترفع عينيها إليه أنه الإمام، وقالت: لن أعيش حتى أشهدها وهي تنمو. ~~وقال: إذن لماذا تزرعين وفيم تبذلين من جهد؟ قالت: أنا أواصل الجهد ولم أبدأ الزرع، وأمي هي ~~التي بدأت، ولولا أنها فعلت ما كنت أنا أعيش. وكاد يقول أنا الذي منحتك الحياة وليس أمك، ~~لكنه كان متنكرا ولا يريدها أن تتعرف عليه، وكبح جماح الرغبة في أن يكشف عن سطوته، وقال ~~لنفسه الأفضل أن أجمع عنها المعلومات، وأعرف هل هي في ms059 حزب الله أم في حزب الشيطان، ثم ~~أتركها لرئيس الأمن، ورسم على وجهه ابتسامة، وقال برقة فائقة وكأنه يداعب طفلة: أنت في حزب ~~الله أم في حزب الشيطان؟ وظلت صامتة لا ترد ولا ترفع عينيها إلى وجهه، وتصور أنها في حزب ~~الله وتخشى أن تعترف له متصورة أنه الشيطان، أو واحد من أرواح الجان. وسكتت طويلا حتى ظن ~~أنها تتخابث وقد تورطت في الكشف عن نفسها، وأنه سيعرف عنها ما لا تريد أن تبوح به، ودقق ~~النظر إليها ولم ير في ملامحها خبثا، والبراءة مرسومة على وجهها كالطفلة. وكلما رأى ~~البراءة مرسومة على وجهها ازداد يقينا أنها غير بريئة، وأنها بنت حرام تتظاهر بالبراءة، ~~وظل يداعبها ويناولها غصن شجرة، وقال: خذي وقتك يا شاطرة ولا تخافي. إذا كنت في حزب الشيطان ~~فهو حزب بأمر الإمام مثله حزب الله سيان، ولا تظني أنني أجمع عنك المعلومات لأضرك والعياذ ~~بالله، إنما لأكافئك على جهد تبذليه دون مقابل، وهذا بالضبط هو إنكار الذات وفق تعاليم ~~الله والوطن والإمام. وظلت المرأة صامتة وعلى وجهها البراءة تتضاعف، والفرح في قلبها يتضاعف، ~~ورفعت رأسها إليه ولم تكن رأته من قبل. رأت رجلا غريبا رأسه بغير شعر، ووجهه يغطيه الشعر، ~~وحاجباه كثيفان يلتقيان فوق عينيه في زبيبة سوداء، وأنفه مقوس، وفمه كبير معوج على ناحية، ~~وذقنه مثلثة في وسطها حفرة كالثقب يتدلى منه الشعر، وقالت لنفسها: يشبه وجه الإمام كما رأته ~~في الصورة. وكذبت نفسها؛ فالإمام لا يمشي في الطرقات كالبشر، وليس في سرواله ثقب ... وظلت ~~صامتة، وسألها لماذا هي صامتة. قالت: تصورتك الإمام ولست أنت الإمام. واشتد ذكاؤه وتذكر ~~سلاح المعلومات، وقال لنفسه: الآن يمكنني أن أعرف مدى حبها لي ومدى إيمانها بالله والوطن، ~~وهكذا أعرف أغوار قلبها. واشتدت غبطته وهو يدرك أن التجسس على قلبها أصبح في مقدوره، ولم ~~يكن في مقدور رئيس الأمن ولا القوى العظمى أن تتجسس بعد على أغوار القلب. ومن شدة الغبطة ~~نسي أنه متنكر، وتصور أنه الله؛ فهو القادر وحده ms060 على كشف القلوب، وكاد يكشف لها عن حقيقته، ~~لكنه خاف أن ينكشف أمره، وهو يريد أن يظل متنكرا حتى يعرف حقيقة شعورها، ومدى الإيمان في ~~قلبها لله والوطن والإمام، وبالغ في تنكره وإخفاء صوته الخشن بصوت آخر ناعم، وإظهار الثقب ~~في سرواله من الخلف. وكلما ازداد تنكرا وإخفاء لحقيقته ازداد يقنيا بأنها ستكشف عن ~~حقيقتها وأغوار قلبها. # كان لا يزال واقفا أمامها، وأدرك أنه يرتعد وأنه خائف، ولم يعرف لماذا هو خائف، لكنه أدرك ~~من صمتها ومن عينيها الثابتتين في عينيه أنها لا تؤمن بالله والوطن والإمام، وأنها ليست ~~عضوا في حزب الله ولا حزب الشيطان، وأنها بنت حرام وأمها بنت حرام، وقال لنفسه: إذا كانت ~~بنت حرام فلا عجب أن تفعل أية فاحشة، وليس لها من علاج إلا الرجم. # | الفيلسوف # سحر غامض يجذبني إلى هذا العالم الآخر. هربت إليه كاتي حبيبتي القديمة. سمعت عنه ~~الأساطير وحكايات ألف ليلة وليلة. الشبق في العيون، والذهب السائل في بطن الأرض، وأنا في ~~غرفتي الباردة بغير تدفئة، أنتقل من قطار إلى قطار تحت الأرض. موظف صغير في شركة صغيرة ~~أتطلع لابنة المدير. أحببتها فرفضتني، وتزوجت امرأة رفضها غيري، تكبرني بعشر سنوات، وصدرها ~~أملس بغير أثداء، ردفها نحيل ضامر، ورأسها كبير، وعقلها ساخن، والرحم بارد. تلد الكتاب وراء ~~الكتاب، ولا تؤمن إلا بأطفال الأنابيب. قلت لها: أعظم امرأة ليست من كتبت أعظم كتاب، إنما من ~~ولدت أعظم رجل. قالت: مريم العذراء ولدت ابن الله، وأنا فقدت عذريتي في الطفولة ولا أومن ~~بالمسيح. قلت: وبماذا تؤمنين؟ قالت: أومن بعقلي وبأي شخص يخاطب العقل وليس الرحم. وقلت: عوضي ~~على الله والمسيح. وبقيت معها أدفئها في الشتاء وتبردني في الصيف. وفي الصباح أجري في ~~السراديب تحت الأرض. أركب قطارات طويلة ضيقة كأنابيب الأطفال. الناس محشورة كقطع السردين. ~~ويحملني السلم الآلي، أترك له جسدي وأغمض عيني. يلفحني الهواء فوق سطح الأرض. أجري فوق ~~الأسفلت من فوق رأسي مظلة المطر. أدخل إلى مكتبي أنفض الماء عن معطفي، وأساوي شعري ms061 في ~~المرآة . لن يدق جرس التليفون بصوت أنتظره، لا رجل ولا امرأة. لم أعد أنتظر أحدا إلا صوت ~~المدير؛ هذا التقرير عاجل، هذا الخطاب هام، أين الملف؟ عشرون نسخة من هذه الورقة، اطلب هذا ~~الرقم، احجز لي في هذه الطائرة، اكتب هذه المذكرة. أصابعي تتحرك وحدها فوق الأزرار، دقات ~~متكررة كدقات الساعة، لا جديد، لا حب، لا صداقة، لا وقود، لا أمل، واليأس أيضا راح. # قلبي جدره ثلج أبيض. كوب القهوة بارد في يدي. جدران غرفتي داكنة؛ لون رمادي قاتم تشوبه ~~زرقة باهتة. منذ عشرين عاما لم أجدد الطلاء. ادخرت مبلغا من المال، نويت تجديد الطلاء في ~~عيد الكريسماس. جاء العيد وذهب ولم أجدد الطلاء. أرسلوا الصواريخ في الليل، لن تبقي الحرب ~~النووية على جدار، فما بال الطلاء؟ جداري خال من الصور، لا أب ولا أم. صورة أبي في خيالي ~~كما وصفته لي جدتي يرتدي الزي العسكري. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى حملني واختفى في ~~جوف البحر. رست السفينة عند جبل الثلج. تركني مع أمه وسافر إلى حرب أخرى. مات دون أن يحكي ~~لي قصة ولادتي، وجدتي لم تعرف شيئا. وإذا سألتها تقول: كنت طفلا وسيما داخل الأنبوبة. وفي ~~أحلامي أسبح في الأنبوبة باحثا عن أمي، يبتلعني حوت ضخم وأصحو من النوم مبللا ~~بالعرق. # أطراف أصابعه مثلجة حول الكوب، قهوة سوداء بغير لبن، يبتلعها كل صباح على معدة خاوية. ~~شهيته للطعام راحت، وشهيته للحب راحت وشهيته للقراءة. لم يعد يقرأ إلا عنوان الصفحة الأولى ~~في جريدة الصباح، ينتظر خبرا واحدا من ثلاث كلمات: إعلان الحرب النووية. # الساعة التاسعة إلا خمس دقائق. لم أعد قادرا على النهوض، ولماذا أنهض؟ ليس خارج غرفتي إلا ~~الشارع الأسفلت والمطر وسراديب الأرض، وقطارات كأنيب الأجنة الصناعية، والسلم الآلي يستسلم ~~له جسدي، والأزرار أدق عليها بأصابعي، وصوت المدير تقرير عاجل، خطاب سريع، اكتب هذا، لا ~~هذا الملف. مقعد في الطائرة الدرجة الأولى بدون تدخين. هو يدخن لكنه لا يحب رائحة دخان ~~الآخرين. دعاني مرة على العشاء. ms062 قال إنه معجب بذكائي. وعيناه على امتداد ساعة العشاء تمتد ~~إلى جسدي. بعد العشاء حوطني بذراعيه. أبعدت وجهي عن أنفاس دخانه. قلت: أشكرك على الحب، لكني ~~أحب شخصا آخر. سألني: امرأة أم رجل؟ قلت: ليس من حقك أن تعرف شيئا عن حياتي الخاصة، وماذا ~~يهمك من أحب إذا كنت لا أحبك أنت؟ ولم أكن أحب أحدا، لا امرأة ولا رجل. تحررت من الحاجة ~~إلى الحب. تحررت من الانتظار، والوعود دون تحقق. لم يعد جسمي ملكا لأحد، ولا أريد أن أمتلك ~~أحدا. لا زلت أحتاج إلى مبلغ من المال كل شهر، أسدد إيجار الغرفة وأشتري القهوة والخبز. ~~إذا فقدت وظيفتي فلن يكون لي مورد آخر. وحين حوطني بذراعيه في اليوم التالي همست في أذنه ~~بالحب، وسألني هل أنت بخير، وجهك غير الأمس. وتذكرت أنني مريض، وفي حلقي مرارة القهوة ~~السوداء. قال: هل ذهبت إلى طبيب نفسي؟ قلت: لا. قال: اذهب؛ فهذه أعراض الاكتئاب. # سألني الطبيب النفسي عن حياتي. حكيت له كل شيء. قال: علاجك السفر؛ فأنت في حاجة إلى دفء ~~الحب والشمس، وجريان المال بين أصابعك. وأعددت الحقيبة وقلت لزوجتي سأسافر. قالت: إلى أين؟ ~~قلت: إلى العالم الآخر. قالت: أي عالم آخر؟ وأشرت بطرف إصبعي إلى الخريطة. ارتدت نظارتها ~~السميكة كقعر الزجاجة، وقالت: وراء البحار هناك؟ قلت: سأعود إليك محملا بالجواهر. قبلتها ~~فوق فمها الخالي من الشفتين، وانطلقت بدونها إلى حبي القديم وحياتي الجديدة. قلبي يخفق ~~لرنين الذهب، وفي المرآة أرى نفسي الملك شهريار. أغتصب كل ليلة عذراء، وقبل الفجر أقتلها قبل ~~أن تقتلني. ~~••• # من الجو لمعت الأرض تحت الشمس كبحر من الذهب وهضبة خضراء بين النهر والبحر. هبطت الطائرة ~~بعد الغروب، وملأت أنفي رائحة عتيقة، عرق وشحم وجاز محترق، دخان في الجو والوجوه رمادية. ~~لغة الكلام لا أفهمها، وعيون خالية من الشبق. كتل مربعة من اللحم داخل عباءات سوداء. أطفال ~~وجوههم كالعجائز، وعيونهم يأكلها الذباب. رجال يرتدون الجلاليب هجموا علي وأنا خارج من ~~المطار. يتنافسون على حمل الحقيبة وكل منهم ms063 يشد ذراعي . دفعني أحدهم داخل التاكسي، واندفعت ~~حقيبتي من ورائي. انطلقت السيارة في الظلمة وأبواق كثيرة تزعق. أصوات تدوي كالصواريخ أو ~~مدافع الحرب. توقفت السيارة عند الإشارة الحمراء، وهجم أطفال يمسحون الزجاج بالفوط الصفراء. ~~مدوا أياديهم السمراء المشققة تحت وجهي. طردهم السائق بصوت غليظ. وصلت إلى الفندق مهدود ~~الروح. قلت: هل سأل عني أحد؟ قالوا: لا. قلت: أنتظر موعدا مع الإمام. قالوا: إنها ليلة ~~العيد، والإمام يخطب، والعالم كله في إجازة. قلت: وماذا أفعل حتى تنتهي الإجازة؟ قالوا: لا شيء؛ ~~فالأماكن كلها مغلقة. قلت: ألا يمكن أن أرى شيئا هذه الأيام؟ قالوا: يمكنك أن ترى العذراء؛ ~~فقد ظهرت في الكنيسة القديمة، قرب الجامع الجديد، وكل الناس هناك. وقبل أن أقرر شيئا دفعني ~~أحدهم داخل التاكسي، ووجدتني أسير نحو الكنيسة، وأنا أرسم فوق صدري الصليب، الأب والابن ~~والروح القدس. لا أكاد أصدق عيني. أجساد البشر كيوم الحشر تجمعوا من كل الأنحاء، رجال ~~ونساء وأطفال، جالسون على الأرض أو الكراسي القش. # جلاليب الريف وبدل الأفندية. نساء محجبات ونساء نصف عاريات. وجوه شاحبة مريضة، ووجوه ~~متوردة تفيض حياة. عيونهم مرفوعة نحو قبة الكنيسة ينتظرون ظهور العذراء. قرءوا في الصحف ~~خبر ظهورها. كل من فاته رؤيتها العام الماضي جاء، والأجانب أيضا جاءوا يشهدون المعجزة، ~~وإلى جوار كل منهم كلب أسود. عينا الكلب مرفوعتان نحو القبة مليئتان بالخشوع. همس رجل في ~~أذن جاره: أيدخل الإيمان قلوب الكلاب؟ رد الرجل: ولم لا؟ قال الجار: إذا عرفت الكلاب ~~الوفاء، فلماذا لا تعرف الإيمان؟! وهذا الكلب من أجود الأنواع، مستورد من وراء البحار، كشف ~~الله عنه الحجاب، ويعرف المذنب من البريء، يأكل كبد الحوت ويبتسم في الصورة. ويقول الرجل ~~الأول: لم نر في بلادنا كلبا يبتسم. ويقول الرجل الثاني: بلادهم غير بلادنا، وكلابهم غير ~~كلابنا. قوى عظمى، كفانا الله شرها، يرسلون إلينا الموت في علب الأكل. وصواريخ تدك المدن ~~تحت الأرض، وطائرات تسافر إلى القمر. يندهش الرجل: القمر؟ عيناه تتعلقان بالقمر. لا زال ~~القمر معلقا في السماء بدون ms064 أعمدة في الأرض. لا زال الله أقوى من القوى العظمى. الله فوق ~~الجميع. أعندهم رجال سافروا إلى القمر؟ أي والله، وامرأة أيضا سافرت إلى القمر. تزداد دهشة ~~الرجل: امرأة؟ ويقول الرجل الثاني: أي والله امرأة. ولا يصدق الرجل الأول: امرأة؟ وما ~~شكلها؟ وهل لها ثديان مثل النساء عندنا؟ مثل زوجتي وزوجتك؟ وهل سافرت وحدها بدون رجل معها؟ ~~بدون محرم؟ ويقول الرجل الثاني: وحدها تماما سافرت بدون محرم وبدون حجاب؛ فالقمر ليس فيه ~~رجال، فلماذا تتحجب؟ لا يوجد على سطح القمر رجال، أو هناك رجال من نوع آخر لا تثيرهم مفاتن ~~الحريم. تزداد دهشة الرجل: إذا لم تثرهم مفاتن الحريم، فماذا يثيرهم؟ ويقول الرجل الثاني: ~~الله أعلم بما يثيرهم يا أخي. وقد انتصف الليل ولم تظهر العذراء. لماذا تأخرت في الظهور؟ ~~غيرت رأيها وظهرت في بلاد أخرى. لم تكن تختار من بلاد العالم إلا بلادنا. وإذا لم تظهر ~~عندنا فأين تظهر؟ نحن لا نؤمن بابنها المسيح، وقد تظهر في بلاد أخرى، لكنها ظهرت بالأمس وهي ~~لا تفرق بين المؤمنين بالمسيح أو المؤمنين بمحمد؛ فهي لا تشجع الفتن الطائفية. وفي الصحف ~~قرأنا خبر ظهورها، ورأينا صورتها منشورة فوق قبة الكنيسة. ألم تقرأ الصحف؟ لا؛ فأنا لا أعرف ~~القراءة، لكن أليست العذراء مريم روحا بغير جسد؟ نعم إنها روح طاهرة. وهل تنشر الصحف صورة ~~الأرواح؟ ولم لا يا أخي؟ إنها صحف الإمام، وهي قادرة على كل شيء. # وصرخت طفلة مشلولة تحملها أمها، وانتفضت واقفة على قدميها، وهب الجميع واقفين مهللين ~~مكبرين باسم الله والعذراء، ووقف الرجلان مع الواقفين وكبرا مع المكبرين، وهمس الرجل ~~الأول في أذن الثاني: هل ظهرت العذراء؟ وصاح الثاني: طبعا، ألا تراها؟ انظر! ونظر حيث ينظر ~~الناس فوق قبة الكنيسة. وحين لم ير شيئا ارتج جسده متصورا أنه أعمى. طرد الشك وحملق في ~~الظلمة، وصاح مع الناس: رأيتها رأيتها. # هز الإمام رأسه علامة الإعجاب، وقال: مشروع عظيم يحول جبل الرمل إلى جنة عدن. منحني لقب ~~الخبير وميناء يطل على البحر، ms065 ولم يكن أمامي إلا التوقيع باسمي فوق العقد. قالوا: ما اسمك؟ ~~قلت: «جوزيف.» قالوا: في الأصل كان «يوسف»، وعليك تغيير الاسم. قلت: ليكن اسمي «يوسف»، وعوضي ~~على الله والمسيح. قالوا: أتؤمن بالمسيح وليس الرسول محمد؟ قلت: يمكنني ترك المسيح من أجل ~~المشروع. قالوا: ما اسم أمك؟ قلت: لا أعرف، وأنا من أطفال الأنابيب. قالوا: ما هي الأنابيب؟ ~~قلت: إنها الأرحام الجديدة تنتج الأطفال الأبرياء من الإثم، بغير جنس ولا نكاح ولا جماع، ~~اللهم إلا التلقيح الصناعي. قالوا: أعوذ بالله من الشيطان. هذا محرم بأمر الإمام؛ فهو ~~الزنا والفاحشة وخلط الأنساب. قلت: وما ذنبي وكنت جنينا في بطن أنبوبة، لا أعرف شيئا عن ~~الزنا والفاحشة. قالوا: عليك بالتطهير من الإثم وإعلان التوحيد والإيمان بالله والرسول. ~~قلت: آمنت بالله والرسول من أجل المشروع، لكن ما هو التطهير؟ قالوا: قطع جزء من الجلد فوق ~~رأس العضو. قلت: كل شيء ممكن إلا قطع جزء من جسمي. قالوا: لا بد من التطهير إذا أردت بركة ~~الله ونجاح المشروع. قلت: ليكن التطهير وقطعة من الجلد لا تساوي شيئا إذا جاء ~~الذهب. # وجاء الحلاق يحمل الحقيبة، وحدث التطهير بالقطع بالمشرط دون مخدر إلا زجاجة خمر، وأقبل ~~أطفال كثيرون يرغبون التطهير، ووجدت نفسي الكيبر الوحيد المختون بين الأطفال، وأخفيت وجهي ~~في الأرض، وأعلنت إيماني في الصحف، وأطلقوا علي اسم الخبير المؤمن، وكل صباح أرى صورتي ~~داخل برواز، ورأيي منشور كأنه دستور، ولكل سؤال جواب، ولكل مشكلة حل، والحل الناجع الوحيد ~~هو العودة إلى حظيرة الدين والإيمان بالله والرسول. قالوا: والإشعاع النووي ما علاجه؟ قلت: ~~الصلاة وصوم رمضان. قالوا: ومشكلة الغلاء والجوع؟ قلت: قطع يد السارق وتحجيب النساء. ومنحني ~~الإمام لقب الفيلسوف وضاعف الله لي الربح. وفي نهاية العقد حملت حقائب الذهب، وهربت ~~بالطائرة دون دفع الجمرك، ومعي كاتي حبيبتي القديمة. # | الحب القديم # من شرفة الحريم الوردية بلون الشمس أطل على الهضبة بين البحر والنهر. اتسعت مساحتها ~~وامتدت إلى المحيط، ومن خلف النهر أرى الجامع الكبير في المنخفض حيث ms066 كان بيت الأطفال، ومن ~~خلفه المسرح العائم، وكان بيت السعادة وراء الخرابة في الخندق، وبينهما المستشفى الحربي في ~~الطريق إلى الجبهة، وشرفاته الزجاجية تلمع تحت الضوء، ومن خلفها أطباء الجيش يضحكون ويصفرون ~~للبنات في بيت الممرضات، وفوق رءوسهم القبعات العسكرية، وفي أيديهم بنادق أطفال يصطادون ~~العصافير من فوق الشجر، وفي جيوبهم «بمب» العيد. يمسك الواحد منهم بمبة ينفخها في يديه ~~ويضربها في الأرض، تنفجر مفرقعة في الجو، ويدوي الهتاف وصواريخ العيد. وصوت الإمام يلقي ~~خطبة النصر، وأنا واقفة في شرفة الحريم تحوطني باقات الورد، وتلميذات المدارس كالملائكة ~~البيضاء يرقصن، ونساء الجمعيات الخيرية واقفات كالغربان السوداء يصفقن، والأمهات المثاليات ~~وشهداء الحرب والشهيدات الصف وراء الصف، وهو واقف فوق المنصة يتهته وعيناه نحو الله، ~~والهتاف يدوي كطلقات الرصاص، ووجهه المطاط يسقط بين قدميه يخفيه في الأرض، وأنا أخفي وجهي ~~أدعو الله والرسول أن تبتلعني الأرض، وأدعو المسيح وأمه العذراء أن أصبح الروح القدس. أحلق ~~في الجو بغير جسد تراه العيون، وأعود إلى أمي أختفي في الرحم، وأصعد السلم القديم جريا ~~وأمي عند الباب تنتظرني، تتلقاني ذراعاها الممدودتان وتقول: تأخرت، أين كنت؟ وأقول: كنت عند ~~الرجل الغريب. تقول: ولماذا يا ابنتي تعطي حياتك للغريب؟ وأقول: معه العرش والخدم والجواري، ~~وأنا تعبت من غسل الصحون والابتسام في وجوه لا تبتسم والاعتراف بأب لا يعترف. وتقول: غسل ~~الصحون يا ابنتي أخف من غسل الجسد بعد الموت، واعتراف الأم أفضل من اعتراف الأب. وأتركها ~~لأجري في الطريق القديم في نهايته البيت الصغير بجوار الكنيسة أدق الباب، وقلبي يدق الدقة ~~وراء الدقة، وينفتح الباب عن وجه المسيح. أعرفه ولا أخطئه، وهو يعرفني ولا يخطئني. تتلقاني ~~ذراعاه ويقول: تأخرت، أين كنت؟ وأقول: كنت عند زوجي الإمام. ويقول: أتخونيني مع زوجك يا ~~«كاتي»؟ وأقول: ليست خيانة يا «جوزيف»؛ فأنا أحبك أكثر، وأنا معه وحين أعانقه أغمض عيني، ~~وأراك أنت بين ذراعي. ويقول: أنت حبي الوحيد، ومن بعدك لم أحب إلا الرجال أو نساء بغير أثداء ~~يلدن الكتب. وفي النوم ms067 أنشد الحب ، لكن الحب لا يأتي، وتأتي مكانه غيبوبة تشبه النوم، تفتح ~~العقل للنسيان دون إغلاق العين. نوم ثقيل يشبه الموت دون ضياع الذاكرة. ولا أنساك ولا أنسى ~~المسيح ولا اسمي ولا جسدي دون الجرح. وأقول: أي جرح؟ ولا يقول شيئا ويعانقني، وأراه في ~~المرآة المستديرة فوق سرير الإمام يعانقني. يصبح داخل المرايا كأنما هو مائة رجل يعانقونني ~~في آن واحد، وأعانقه من جديد كأنما أعانق رجال الكون. وأضع يدي على الجرح، ملتهب تحت ~~السروال بعد التطهير، وله رائحة الخشب القديم. وأقول: كانت لك رائحة الشجر الأخضر. ويقول: ~~كان ذلك أيام الحب، لكنك تركت الحب من أجل الذهب، وجئت وراءك أفعل مثلك. وعانقني داخل المرايا ~~وأنا أمسح عرقي بالعطر. تشممه بأنفه وسألني: هل غيرت عطرك؟ قلت: إنه العطر القديم، لكن جسدي ~~لم يعد له رائحة الطفولة. وأسندت رأسي إلى مسند السرير، ووضعت الوسادة بين رأسي والسرير، ~~وسرت الرائحة في جسدي أغسلها بالعطر دون جدوى، لا تذهب عني رائحة الموت. وقال لي: ما عليك، ~~أنا أحبك أكثر وأنت فوق العرش، ولا تغيري منك شيئا، ولا تخفي التجاعيد والشيخوخة. واهتز ~~الكأس المثلج في يدي، وانسكب الخمر فوق السرير، وضحكت كطفلة تسكب كوب اللبن، لكن البقعة ~~فوق الملاءة لونها قاتم، لا تضيع بالغسيل ولا التطهير، وجسدي في الفراش ثقيل مترهل أرفعه ~~بصعوبة، وأمشي لأجلس فوق مقعد العرش. أخفي جسدي خلف المكتب الضخم، وأحتمي في الورق والكتب، ~~وأرى اسمي منقوشا بالفضة فوق غلاف لم أفتحه، وزوجي اسمه منقوش بالذهب فوق كتاب لم ~~يكتبه. ويدخل الإمام تفوح منه رائحة الخمر وعرق المرأة الأخرى، ولا أقول شيئا؛ فأنا لست ~~المرأة الوحيدة في حياته، وهو ليس الرجل الوحيد في حياتي. هربت إليه من الفقر، وهو يهرب ~~إلي من الفشل والهزيمة. تسري في جوفي مرارة الحقيقة، ويحوطني الإدراك من كل جانب كالهواء ~~الساخن، وذرات التراب تدخل أنفي، ومقعد العرش لا أعرف أين ذهب، وهو راقد إلى جواري يده ~~ممدودة إلي يحاول أن يمسكني، ويدي ممدودة نحوه أحاول أن ms068 أعانقه، والمسافة بيننا تتسع كلما ~~نقترب؛ فإذا تلامسنا وتعانقنا أصبح أبعد مما كان، وأنا أبعد مما كنت. وأحوطه ويحوطني دون ~~جدوى؛ فالمسافة قائمة منذ أول عناق. وفي الفراش الناعم كنت أحب القراءة قبل النوم. يزحف نحوي وفي يده الكأس يحدثني عن أحداث اليوم. يقول ~~شيئا وأقول شيئا، ويدور بيننا حوار لا يخلو من لذة. وحين يحوطني بذراعيه تختفي اللذة. ~~أفضل حديثه على عناقه، كأنما بين جسده وجسدي حوار مقطوع أو لغة غير مفهومة. وفي الحديث ~~يفهمني وأفهمه، نتبادل الكلام ونأخذ ونعطي. وفي العناق يختل التعادل؛ فهو حركة من طرف واحد ~~وهجوم مباغت، وانسحاب مباغت كأنما اللذة حرام، والشهوة عبء يحمله فوق جسده يود الخلاص ~~منه بخبطة واحدة. وفي المرآة أراه راقدا في السرير على شكل رجلين؛ أحدهما الإمام، والثاني ~~صورة طبق الأصل. وفي بهو القصر أراه سائرا ومعه البودي جارد، وفي الليل حين يعانقني يختلط ~~علي الأمر، وأقول: هل أنت الإمام أم البودي جارد؟ ويقول: أنا الإمام. وأقول: إنه يشبهك ~~تماما، ولا أكاد أعرف الأصل من الصورة. ويقول: أنا أقوى منه عقلا، وهو أقوى مني جسدا. ~~وكلما تقدم بي العمر يكبر عقلي ويضعف جسمي، وأنت شابة في عمر ابنتي، وأخشى أن أعود من السفر ~~كما عاد شهريار فأجد في فراشك البودي جارد. وقلت: من هو شهريار؟ قال: ألا تعرفين شهريار؟ ~~ألم تقرئي كتاب ألف ليلة وليلة؟ قلت: لا. قال: أنت إذن لا تعرفين التراث، وهذا نقص في ~~الثقافة، وعليك بالقراءة. وغادر السرير وسار بخطوات بطيئة نحو المكتبة. وقف طويلا أمام ~~الكتب يقرأ الحروف فوق الأغلفة بصعوبة، ومن الانحناءة الخفيفة في ظهره تأكدت أنه الإمام ~~وليس البودي جارد، وأدركت أنني أعرفه من ظهره أكثر مما أعرفه من وجهه، وأصابني الإدراك ~~بصدمة لا تخلو من لذة؛ فالإدراك وإن كان قاسيا أفضل من الجهل، وخير لي أن أعرفه من ظهره ~~من ألا أعرفه على الإطلاق. سرت نحوه على أطراف أصابعي، وحوطته بذراعي من الخلف، أحبه من ظهره ~~أكثر مما أحبه من وجهه، وأحبه ms069 أكثر وهو غائب. # واستدار مبتعدا عن الكتب وفي يده كتاب كبير يحمله بصعوبة إلى السرير. يثبت النظارة فوق ~~أنفه تتدلى منها سلسلة ذهبية. يغمض عينيه حين يقرأ وينام والنظارة فوق رأسه، وفمه نصف مفتوح ~~يرتل آية الكرسي يطرد الشياطين وأرواح الجان، والكتاب بين ذراعيه يحتضنه كالمرأة يعشقها. ~~وفي الظلمة يتسلل من الفراش ويذهب إليها. أراه من حيث لا يراني وهو يعانقها. تصيبني الرؤية ~~بألم لا يخلو من متعة؛ فالرؤية رغم قسوتها أفضل من عدم الرؤية، والاكتشاف كاللذة الآثمة ~~أختلسها وحدي دون أن يراني. ولا أشعر بالغيرة أو الغضب، وإنما هو الإحساس بالذنب، كأنما أنا ~~أخونه أكثر مما يخونني، وأستمتع بعناقه للمرأة الأخرى أكثر من عناقه لي. # | إحياء التراث # في الفراش وأنا نائم كنت أعشق قراءة كتب التراث، وأكثر ما كنت أعشق هو كتاب ألف ليلة ~~وليلة. أرتدي نظارة القراءة وأخلع وجه الإمام. وفي المرآة أرى وجهي مستديرا تحت الضوء ~~الأبيض، وبشرتي تصبح بيضاء، وأسناني بيضاء تلمع كأسنان الملك شهريار، وقلبي أبيض مثل قلبه ~~يعشق الجواري السود، وروحي بريئة مثل روحه لا تعرف أن المرأة يمكن أن تعشق رجلا غير زوجها، ~~ويرتعد جسدي حين أرى زوجة شهريار في الفراش مع العبد الأسود، وفي أحلامي أرى زوجتي في ~~الفراش مع عبد من عبيدي، فأفتح عيني فجأة وأراها نائمة وحدها تحتضن الكتاب وعيناها ~~مغمضتان، تسري الطمأنينة في جسدي كالدم الدافئ، وأتسلل من الفراش إلى جاريتي السوداء، وفي ~~الطريق إليها أتوقف تحت ظل شجرة كما كان الملك شهريار يتوقف، أستنشق الهواء، وأستمتع بالخروج ~~وحدي دون حرس، ودون أن يعرفني أحد. كنت أملأ صدري بالهواء حين رأيت ماردا طويلا يحمل فوق ~~رأسه صندوقا كبيرا، تصورته عفريتا من الجان أو أحد أعدائي من حزب الشيطان. تسلقت الشجرة ~~كما كنت أفعل وأنا طفل، واختبأت بين الأغصان. رأيت المارد يجلس تحت ظل الشجرة، ويفتح أقفال ~~الصندوق القفل وراء القفل، سبعة أقفال. داخل الصندوق رأيت صندوقا آخر، فتحه وأخرج منه ساحرة ~~الجمال، وقال لها: يا زوجتي الوفية، أريد أن ms070 أنام قليلا . ووضع رأسه على ركبتها ونام. ورأيت ~~الحسناء ترفع رأسها إلى أعلى الشجرة وتهمس بصوت خافت: انزل ولا تخف من هذا العفريت؛ فهو من ~~بني آدم وليس من الجان. ونزلت إليها، فرفعت رأس زوجها من فوق ركبتها، ووضعته على الأرض، ~~وعانقتني كما تعانق الزوجة زوجها، وحدث لي كل ما يمكن أن يتمناه الرجل الصالح مع حورية ~~الجنة. وقبل أن أودعها أخرجت من جيبها كيسا، أخرجت منه عقدا فيه تسعمائة وتسعون خاتما، ~~وقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا أدري. قالت: أصحاب هذه الخواتم كلهم فعلت معهم على غفلة من ~~زوجي ما فعلته معك، فأعطني خاتمك أنت الآخر. خلعت من يدي خاتمي وأعطيته لها، فقالت: إن هذا ~~الرجل اختطفني ليلة فرحي ووضعني في صندوق، ورمى على الصندوق سبعة أقفال، وجعلني في بطن ~~الأرض، ولم يعلم أن المرأة منا إذا أرادت أمرا لم يغلبها شيء. ارتعد جسدي، وارتج قلبي، ~~وانصرفت مسرعا إلى القصر، فوجدت زوجتي في الفراش ومعها عشيقها. رميت عنقها بالسيف كما فعل ~~شهريار بالضبط، وصرت إلى زوجاتي القديمات أضرب عنق الواحدة بعد الأخرى، وصرت كل شهر حين ~~يصبح القمر بدرا أتزوج بنتا بكرا، أزيل بكارتها وأقتلها في ليلتها، وبقيت على هذه الحال ~~عشرين عاما حتى ضجت الناس، وهربت بناتها ولم يبق في الدنيا بنت تتحمل الوطء. وفي ليلة ~~العيد ناديت على رئيس الأمن وقلت له: أريد جارية عذراء لا يكون في زمانها أحسن منها. وقرأت ~~عليه الأوصاف الواردة في كتب التراث. قلت: أريدها رشيقة القد، قاعدة النهد، كحيل الطرف، رأسها ~~صغير، وردفها ثقيل، ريقها زهر بستان أتقنت صناعة الحب، لم يمسسها رجل، وبياضها أربعة؛ وجهها ~~وفرقها وثغرها وبياض عينيها، وسواد أربعة؛ أهدابها وحاجبها وعيناها وشعرها، وحمرة أربعة؛ ~~لسانها وخدها وشفتاها مع لعس وإشراب بياضها بحمرة، وغلظ أربعة؛ ساقها ومعصمها وعجيزتها، ~~وسعة أربعة؛ جبهتها وجبينها وعيناها وصدرها، وضيق أربعة؛ فمها ومنخرها ومنفذ أذنيها والمنفذ ~~الآخر وهو المقصود الأعظم من المرأة. # حين سمع رئيس الأمن هذه الأوصاف انسحب الدم من وجهه، وأصبح ms071 لونه أبيض كوجوه الموتى، وآمن ~~بتناسخ الأرواح، وقال هذه هي روح الملك شهريار تركب جسد الإمام، أو روح الإمام تركب جسد ~~شهريار، وظل صامتا يخفي وجهه في الأرض، وصوت الإمام يدوي في أذنيه مرددا الأوصاف، وعلى ~~أصابعه يعدها وينتهي بضيق أربعة؛ فمها ومنخرها ومنفذ أذنيها والمنفذ الآخر وهو المقصود ~~الأعظم من المرأة. ويقول رئيس الأمن: لكن هذه الجارية يا سيدي الإمام لا يقل ثمنها عن تسعين ~~ألف دينار، وخزانة الدولة خاوية والديون الخارجية ... وقاطعه الإمام مناديا على حارس ~~الخزانة، وقال الحارس: إن الخزانة عامرة بإذن الله. وتساءل عن بند الصرف. وقال الإمام: ما ~~هي بنودك الخاوية؟ قال: جميع البنود خاوية فيما عدا بند العشق، لكن العشق يا سيدنا الإمام ~~مجهول لا يعرف، ومعروف لا يجهل. هزله جد، وجده هزل، والله أعلم. وصاح الإمام مناديا على ~~الكاتب الكبير، وقال له: ما هو تعريف العشق في علم التراث؟ قال الكاتب الكبير: العشق تحريك ~~الساكن، وتسكين المتحرك. ليس بمنكر في الدين، ولا بمحظور في الشريعة. وهو دواء لكل داء. مقام ~~مستلذ، علة مشتهاة. لا يلذ سليمها البرء، ولا يتمنى الإفاقة. يزين للرجل ما كان يأنفه. يحيل ~~الطبائع المركبة. يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته. كامن في الصدور كمون النار في الحجر. إن ~~قدحته أورى، وإن تركته توارى. إن لم يكن طرفا من العبادة فهو عصارة الإيمان، ورمق الإمام ~~كاتبه الكبير منبهرا باتساع ثقافته وإلمامه بالتراث. دخل المعارض الشرعي صامتا على غير ~~عادته يخفي وجهه في الأرض منتظرا دوره لإبداء الرأي الآخر. وجاء عليه الدور آخر الجلسة، ~~فقال: العشق يا سيدنا الإمام بخار رديء يرتفع إلى الدماغ عن مني محتقن بعد عشوة دسمة ~~ملوثة بالإشعاع، وهو تلبيس إبليس، يورث نحافة البدن وانقطاع النفس ونبض القلب غير المنتظم، ~~يترك الرجل منا في العالم السفلي وعدواه قاتلة. أوله لعب، وآخره عطب. وما بعث الله نبيا ~~إلا وتخوف عليه من فتنة النساء، وإذا قام ذكر الرجل ذهب نصف عقله. وقيام الذكر بلية ~~غالية، إذا هاج لا يقاومه عقل ولا ms072 دين، وهو حرب يحتاج إلى كر وفر، وإقدام وإدبار، ~~والمرأة تأتي في صورة ملاك، وتدبر في صورة شيطان، وتسحر الرجل جروا أو خروفا يزحف على ~~بطنه، ولا يطأ الرجل معشوقته إلا وتقول قتلتني، وصاح الإمام منفعلا: اقتلها وعلي إثمها. ~~وقال المعارض الشرعي: وهل في الخزانة ما يكفي لي ولك يا سيدنا الإمام؟ وظل حارس الخزانة ~~صامتا، وقال رئيس الأمن: وأنا يا سيدنا الإمام، أليس لي نصيب من العشق؟ ولمعت عينا الكاتب ~~الكبير وهو يرمق الجميع. وقال حارس الخزانة بعد صمت طويل: ليس في الخزانة إلا ما يكفي ~~الإمام، ورجلا واحدا آخر يختاره الإمام. وتوقع حارس الخزانة أن يختاره الإمام، وقال: لا يمر ~~الماء على عطشان. ونظر الإمام متحيرا إلى الأعمدة الأربعة، يقوم عليهم حكمه لا يملك إغضاب ~~واحد منهم، وفي يد رئيس الأمن حياته، والخزانة في يد الحارس، والديمقراطية في يد المعارض ~~الشرعي، والتراث في يد الكاتب الكبير. وانتهى الأمر بأن تنازل الأربعة عن نصيبهم للإمام؛ ~~فهو يستحق زينة الحياة الدنيا، وله من الجواري ما يشاء، وفي الآخرة له سبع وسبعون حورية، ~~وليس لأحد أن يتساوى معه في الحقوق، وفيما عدا الإمام فنحن جميعا أمام القانون سواء، ومن ~~حدث في أمرنا ما ليس فيه فهو بدعة وتلبيس إبليس. # وحمل رئيس الأمن التسعين ألف دينار، وخرج إلى السوق يبحث ويوصي السماسرة، وأصدر الأمر ~~بألا تباع جارية يزيد ثمنها عن تسعين ألف دينار دون أن تعرض عليه للفحص. ولم تكن حركة ~~السوق نشطة بعد الهزيمة في الحرب، وهاجرت الجواري والبنات إلى بلاد الله الواسعة، ودار رئيس ~~الأمن يفتش البيوت وفي يده كشافات الضوء، ومن خلفه الحراس وكلاب الصيد، ولم يعثر على عذراء ~~واحدة تنطبق عليها الأوصاف، وكاد يستدير عائدا خاوي الوفاض لولا أنه لمحها تجري بخطوات ~~سريعة كالغزال ومن خلفها كلبها، فانطلق وراءها يجري ومن ورائه الحراس والكلاب. لم يرها إلا ~~من ظهرها وهي تركض رشيقة القد، ممشوقة الظهر، نحيلة الخصر، ملفوفة الجسم، وانطبقت صورتها من ~~الظهر على المقدس والخيال والتراث، ورفع ms073 يديه إلى السماء شكر الله، ولم يكن لها أن تفلت من ~~قضاء الله. ~~••• # رآها الإمام تدخل عليه وكان لا يزال في الفراش، وزوجته الأخيرة تحت وهو ينخر في الجماع، ~~فطلقها وهي تحته محركا شفتيه هامسا: طالق ثلاث مرات. وارتدى سرواله الجديد، ودخلت إليه ~~ممشوقة الظهر، مرفوعة الرأس، ومن خلفها كلبها مرزوق. ورفع الكلب عينيه إلى وجهه، وتذكره على ~~الفور رغم مرور السنين، ولم تكن الكلاب تنسى التاريخ أو التراث. # وراح مرزوق ينبح ويشده من سرواله بحركة بدت كأنما هي إعادة التاريخ، ولم يكن للكلاب أن ~~تعيد التاريخ، فأمسكه رئيس الأمن من عنقه وربط قدميه ويديه بالسلاسل، وفي سكون الليل بعد أن ~~نام الهواء أطلق عليه الرصاص دون صوت، وكانت هي قد أصبحت بين ذراعي الإمام، وليلة واحدة في ~~عمرها باقية هي ليلة العيد واكتمال البدر. تمددت تحت الضوء الأبيض عارية كما ولدتها أمها. ~~رأت وجه أمها في الضوء شاحبا أبيض، فقالت: إما أن أعيش أو أن أكون فداء لبنات الوطن، وسببا ~~لخلاصهن من بين يديه. ~~••• # من ثقب الباب تعجب رئيس الأمن غاية العجب حين رآها ترشه بكوز فيه ماء، وقالت: اخرج من ~~هذه الصورة إلى صورة خروف. فصار في الحال خروفا يمأمئ طول الليل. وقبل شروق الشمس أمسكت ~~الكوز وتكلمت فيه ورشته بالماء، وهي تقول: اخرج من هذه الصورة إلى صورتك الأولى. فعاد إلى ~~صورته القديمة وله وجه الإمام. # وارتعد رئيس الأمن وهو ينظر من ثقب الباب. إنها قادرة على السحر كالنساء في كتب التراث، ~~وتعجب غاية العجب كيف تقدر الجارية على أن تخرج الإمام من صورته الأولى، وتجعله من ذوات ~~الأربع، ولا يستطيع هو أن يغير من صورتها شيئا، وضرب كفا بكف وقال: لعلها إرادة الله ~~سبحانه يضع سره في أضعف خلقه. واستغفر الله وقال: إنها إرادة الشيطان؛ لأن الله مع الإمام، ~~ولا يمكن أن يرضى الله بهذا. واستغفر الله مرة أخرى، وقال: إرادة الله فوق إرادة الشيطان، ~~ولا يمكن للشيطان أن يفعل شيئا دون إرادة الله. وهنا أطبق ms074 شفتيه وسكت كأنما إلى الأبد، وظل ~~ينظر من ثقب الباب. # | بنت الله مع الإمام # ليلة العيد والفرح لم يكن هو اختياري. ساقوني إليه في يدي سلسلة، ومن حولي ثوب أبيض بلون ~~أرواح الملائكة وكفن الموتى، وفي سرير مزركش من الرخام الغالي كقبور الملكات، وجدت نفسي ~~عارية كما ولدتني أمي، وتذكرت، لم أر أمي منذ ولدت، وفي بيت الأطفال كنت أمشي في النوم، ~~أبحث عن وجهها في الظلمة، وفي الحلم أسمع صوت الله كصوت أمي يناديني فأجري إليه أعانقه، ~~أحتمي في صدره من أرواح الجان والشياطين، وأنام الليل والله معي، وأصحو في الصباح ومعي ~~المسيح. أحسه في أعماقي يتحرك بأرجل ناعمة كالقطيفة. أحوطه بذراعي من تحت جدار البطن، ~~وأرفعه إلى أعلى تحت ضوء الشمس ليراه الله والوطن والإمام. أبتسم في الوجوه والوجوه لا ~~تبتسم. تتقلب العيون داخل الجفون، وتسقط الوجوه من فوق الرءوس، وتصبح الرأس حمراء بغير شعر، ~~والوجه يغطيه الشعر، والصوت الناعم الحنون يصبح عواء الذئب يطاردني في النوم، وأنا أمشي في ~~الظلمة أبحث عن أمي، ومن خلفي أسمع الصوت يدوي كصوت الشيطان، وأنا أجري وأقدام كثيرة من ~~ورائي تجري، مائة قدم أو ألف كدبيب جيش لا يكف، مائة يد أو ألف تمتد تضربني من الخلف. وحين ~~أستدير يهربون. يخافون المواجهة وجها لوجه، يخاف الواحد منهم أن يسير وحده، لا يشعر بالقوة ~~إلا وفي يده آلة قتل. يسيرون على شكل صفوف متعرجة، وسيقانهم متعرجة، وعيونهم معوجة. أعرفهم ~~واحدا واحدا، وأعرف وجه رئيسهم ووجوه كلابهم. يرتدي الكلب في النهار وجه الحمل، وفي الليل ~~يرتدي وجه الذئب. يسير الرجال في المقدمة، ومن خلفهم الحراس، ومن خلفهم الكلاب، والقطط أيضا ~~تأتي تكشف عن أنيابها، وتدب فوق الأرض بأقدام صغيرة مليئة باللحم خالية من العظم، عيونها ~~تلمع بالشبق، وبطونها منتفخة يملؤها الحرمان، كالهواء الراكد في الغرف المغلقة. # كنت أجري، ومن بعيد أرى أمي واقفة عند الصخرة، تنتظرني فوق الهضبة بين البحر والنهر، ~~ذارعاها ممدودتان نحوي، وأكاد أصل إليها وأنجو لولا أنني توقفت عند الطلعة ms075 أملأ عيني ~~بالمكان، حيث علامة الأمان وحيث ولدت. وأصابوني من الخلف بالطعنة، واستدرت قبل أن أسقط وأنسى ~~الحروف، وقلت: أتقتلون الضحية وتتركون الجاني؟ قالوا: من هو الجاني؟ وأشرت إلى وجهه المعلق ~~فوق عمود طويل ممدود في السماء. # وانكمشت تحت الغطاء كما كنت أفعل في بيت الأطفال. رأيته واقفا أمامي عاريا كما ولدته ~~أمه، وقلت: من أنت؟ قال: أنا الإمام، ألا تعرفين وجهي؟ قلت: لا أعرفك. قال: ألم تري وجهي من ~~قبل؟ قلت: لا أعرفك. قال: ألا تقرئين الصحف؟ ألا ترين الشاشة؟ ألا تنظرين إلى الصورة فوق ~~أقواس النصر؟ ألا تشترين طابع البريد أو ورقة دمغة؟ قلت: ما هي الدمغة؟ قال: ألا تعرفين ~~الدمغة؟ قلت: أول مرة أسمع هذا الاسم. قال: أنت لا تعيشين في هذه الدنيا، ولست واحدة منا. ~~وإذا لم تعرفي الإمام فأنت لا تعرفين الوطن، وإذا لم تعرفي الوطن فأنت لا تعرفين الله. ~~وقال: ألم تسمعي الهتاف «الله الوطن الإمام»؟ قلت: لم أسمعه. وضرب كفا بكف، وتعجب غاية ~~العجب، وقال: أنت في حزب الله أم في حزب الشيطان؟ قلت: لا هذا ولا ذاك. قال: هذا عجيب، هل قرأت ~~كتاب التراث؟ قلت: أنا لا أقرأ. قال: إذا كنت لا تقرئين أفلا تسمعين؟ ألم تسمعي عن حكايات ~~ألف ليلة وليلة والملك شهريار؟ قلت: من هو شهريار؟ قال: ألا تعرفين الملك شهريار الذي ~~خانته زوجته البيضاء كالشهد مع عبد أسود؟ قلت: لا أعرفه. قال: أتعرفين لماذا تفضل الزوجة ~~البيضاء عبدا أسود على زوجها الملك الأبيض؟ قلت: لأنها تحبه أكثر من زوجها. وضرب كفا بكف، ~~وتعجب غاية العجب، وقال: هل يمكن للمرأة أن تحب رجلا أكثر من زوجها؟ قلت: نعم. قال: حتى ~~ولو كان زوجها الملك أو الإمام؟ قلت: نعم. قال: وماذا يكون عند هذا العشيق ولا يكون عند ~~الإمام؟ قلت: الحب. قال مقهقها بصوت كجلاجل طبول العيد، فاردا ذراعيه يحتضن الكون: عندي ~~من الحب ما يكفي جميع الناس، وقلبي يتسع للجميع. قلت: إذا اتسع قلبك للجميع فلا أحد ~~فيه. # كان راقدا ms076 على وسادة مزركشة من ريش النعام، مستندا بكوعه الأيمن على الأرض فوق سجادة ~~من العجم عليها صور الكعبة، وفي يده اليسرى كأس الخمر، وكوعه يصنع في الكعبة حفرة عميقة. ~~اهتز الكأس في يده قليلا، وانسكب قليل من الخمر في الحفرة داخل الكعبة, اعتدل قليلا ~~بجسده العاري يغطيه الشعر، وثبت عينيه فوق جسدي العاري الخالي من الشعر، وقال: لماذا لا ~~تركعين بين قدمي؟ قلت: لم أركع في حياتي لأحد. قال: لست أي أحد، وجميع النساء تركع. قلت: ~~ألست أي واحدة. قال: وماذا تكونين أنت؟ قلت: امرأة بلا اسم ولا أب ولا أم، ولا أكتب ولا ~~أقرأ، ولكني لا أحبك، وفي قلبي حب آخر. # وهنا اهتز الكأس في يده، وانسكب الخمر كله مغرقا الحرم والكعبة وقبر الرسول، وانتصب ~~واقفا عاريا والشعر فوق جسده منتصبا، وعظامه أيضا انتصبت حتى النخاع. هاجت شهوته، وعقله ~~ذهب، فلا شيء يلهبه ويأخذ عقله قدر امرأة غير مملوكة له، ولا يطفئ النار إلا أن يمتلكها بين ~~يديه ورجليه، ولا يستبقي منها شيئا حتى اللحم فوق العظم. ~~••• # جان جالسا أمامها يمصمص عظامها، ويكسر العظمة كعود القصب فوق ركبته، يمص النخاع وهي ~~أمامه ترقبه كما ترقب خروف العيد. يدخل دكان الجزار وعيناه غائرتان في الوجه حتى العظام، ~~ولا شيء يملؤهما إلا الخوف، لا يشبع مهما أكل، ومهما أمن لا يأمن. وهي تناول العظمة وراء ~~العظمة، ولوحة الكتف والإلية والطحال، امتلأت معدته حتى الحافة، وانتفخت كقربة من جلد ~~الماعز، وهي تناوله لا تكف، حتى سمعت صوت الانفجار، ورأت وجهه يسقط إلى الأرض، وعيناه ~~تتسعان بالدهشة، لا يكاد يصدق، وقالت: أوله لعب، وآخره عطب. وانطلقت كالغزال تركض ومن خلفها ~~كلبها. # | الإفاقة بعد النشوية # في ظلمة الليل امتدت يدي اليمنى إليها، فأمسكت يدي بأسنانها كأسنان القطة. ناديتها قطتي ~~الصغيرة باسم زوجتي القديمة كاتي. هربت مع الحب القديم وراء البحار، وتركتني وحدي في العالم ~~الآخر. قالت: لست قطتك الصغيرة. قال: إذا لم تكوني قطتي فأنت من فصيلة النمور. وضغطت بأسنانها ~~على يدي حتى قطعت ms077 اليد عن الذراع. لم يخل القطع رغم القسوة من لذة. ومددت لها يدي الثانية، ~~أمسكتها بأسنانها وقطعتها. قلت: ليس الأمر بهزل. مددت لها ساقي اليمنى فأمسكتها، وفعلت بها ~~ما فعلته باليد اليمنى واليسرى، وفتحت عيني وأنا راقد وجهي ناحية الأرض، ورأيتها واقفة ~~أمامي. عرفتها على الفور. الوجه الشاحب النحيل، والعينان السوداوان تتسعان لجرائم العالم، ~~وقلت: أنت بنت الله، أتتنكرين بوجه آخر وجسد آخر؟ ولم تفتح شفتيها، وظلت واقعة أمامي صامتة. ~~قلت لنفسي إذا ظلت صامتة فهي تفكر أكثر مما تضي به الشريعة؛ فالمرأة خلقت من ضلع أعوج ~~ناقصة العقل والدين. وحاولت الاقتراب منها أتأكد من ملامحها، واكتشفت أن لي ساقا واحدة، ~~وأنني لا أسير فوق الأرض، وبدأت أزحف فوق بطني وهي واقفة لا شيء فيها يتحرك. قلت لنفسي إنها ~~ساحرة رشتني بكوز الماء وأنا نائم، وأصبحت خروفا أو سحلية. لم يكن لها وجه الساحرات، وفي ~~عينيها بريق أسود كعيون الشياطين وأرواح الجان. قرأت آية الكرسي لأطردها لكنها لم تذهب، ~~واقفة في مكانها كالصخرة، شفتاها مطبقتان في صمت داخل الصمت، ويدوي الصمت في أذني كزلزال ~~الموت، وأمد يدي نحوها لتمسكني فتختفي ذراعي، وأمد لها ساقي فيختفي الساق ومعه الجسد ومعه ~~شهوات الدنيا، وأقول: امسكي يدي يا ابنتي وقد شبعت من الدنيا حتى الزهد، ولا أريد منك شيئا ~~إلا الاعتراف أنني أبوك. ~~••• # اتسعت عيناي بالدهشة، وقلت: ولدتني أمي بغير أب. قال: لا يولد ولد أو بنت بغير أب، وأنا أبوك ~~الإمام. قلت: أنا لا أعرفك، ولم أر وجهك إلا الآن، وأبي هو الله، وأنا بنت الله. قال: اخرسي، قطع ~~لسانك، سبحانه لم يلد ولم يولد. صوته كالنائم لا يطلع، ويلوح في الهواء بذراعين غير مرئيتين ~~وصوت غير مسموع. يقول: شبعت من شهوات الدنيا ولم تبق إلا شهوة واحدة، وهي أن أفتح رأس هذه ~~المرأة وأسحق عقلها لتصبح امرأة مثل كل النساء المثاليات؛ جسد غير مرئي لا يحتوي إلا ~~الرحم. وكان لا يزال يرى صورته الأولى في المرآة، قبل أن تسحره خروفا للعيد، ms078 وصوته لا زال ~~يدوي في أذنيه وهو يلقي الخطبة، وصواريخ العيد تفرقع، ومن حوله الرجال والأعوان، وحزب الله ~~يرقص، وحزب الشيطان يهتف. ويحرك رأسه من السماء إلى الأرض محولا عينيه عن السماء؛ فالله معه، ~~والشيطان معه، وهو لم يعد يخشى من معه. وتمر عيناه دون توقف على وجوههم جميعا، وكل منهم ~~يدفع الآخر بكوعه إلى الوراء ويحتل مكانه في الصف الأمامي. يحرك رأسه بعيدا عنهم، وعيناه ~~تبحثان عن الوجه الشاحب، والعينان بلون سواد الليل. من يكون؟ من تكون؟ رجل أو امرأة؟ إنس أو ~~جن؟ وأغمض عينيه لينام مرة أخرى، وأدرك أنه كان نائما من قبل، وأن نومه عميق أعمق من نوم ~~السحالف، ولا شيء يوقظه، لا دوي الرصاص ولا الصواريخ. # | الكاتب الكبير # في الصف الأول وأنا واقف تحت الضوء إلى جوار الإمام، والهتاف يدوي في أذني، وصواريخ ~~العيد تفرقع، لم يكن يفصلني عن مقعد العرش إلا جسد رئيس الأمن عن يميني، وجسد المعارض ~~الشرعي عن يساري، وأنا واقف بينهما كنقطة الوسط بين حبلين مشدودين. إذا ارتخى اليمين ملت ~~برأسي إلى اليسار، وإذا اشتد اليسار أرخيت عنقي وملت بجسدي إلى اليمين. وأنا واقف مرفوع ~~الظهر أرتدي بدلة العيد بلون البن المحروق من الصوف المستورد، دليل ولائي لليمين، وربطة عنق ~~حمراء دليل تعاطفي مع اليسار، وفي يدي القلم أمسكه كالعصا من المنتصف، وأثبت قدمي في مركز ~~فوق الأرض بين حزب الله وحزب الشيطان، وأظل واقفا في نقطة التعادل فوق قدم واحدة، أثبتها ~~لا أحركها، ومهما اهتزت الأرض لا أحركها؛ فالرجل منا إذا وضع قدمه في الصف الأول لا يتركه، ~~وإن سقطت السماء على الأرض أو سقط وجه الإمام من فوق رأسه إلى تحت المقعد؛ فالأقدام كثيرة، ~~والمكان ضيق، وما إن يحرك الواحد منا قدمه حتى تحتل مكانه قدم أخرى، وكل قدم تدفع القدم ~~أمامها في كعبها، وكل كوع ينغرس في البطن خلفه كالمسمار، وأنا واقف في مكاني لا أتحرك، ~~ورأسي متوازن مع جسدي، وجسدي في وضع عمودي مع الأرض، ووجهي ناحية الإمام، ms079 والإمام وجهه ~~الناحية الأخرى. لا ينظر إلي، وأنا أنظر إليه. وكان الوضع معكوسا في المدرسة وهو جالس ~~إلى جواري في الفصل، ينظر إلي وأنا أنظر إلى الناحية الأخرى، وكان ترتيبي الأول وهو من ~~خلفي، وإذا مشيت يسير ورائي. سبحانك مغير الأحوال. جعلته يسير أمامي، واللهم لا اعتراض على ~~البلاء، ولا يحمد على مكروه سواك، وإن كنت أومن يا رب أنك لا تخلق إلا الخير، والشيطان ~~يخلق الشر. أستغفرك يا رب. فالشيطان ليس خالقا، والخالق هو أنت لا شريك لك، لكن لماذا يا رب ~~تضع سرك في أضعف خلقك، وتعطي الحكم لمن لا يفكر، وتعطي الفكر لمن لا يحكم؟ وهذا هو البلاء، ~~والبلاء شر. إذا جاء من عند الله فهو امتحان، وعلينا القبول والطاعة. وتذكر كلام الله # ونبلوكم بالشر والخير فتنة ~~. وإذا جاء الشر من ~~عند الشيطان وجبت المقاومة والعصيان، لكن كيف نعرف من أين يأتينا البلاء، من عند الله أم من ~~عند الشيطان؟ اللهم لا اعتراض، ولا أحد سواك يجعل البلاء خيرا، والخير بلاء. سبحانك مغير ~~الأحوال. وكنت أنا بالأمس قوي الجسد ضعيف الروح، وأصبحت بعد النضوج ضعيف الجسد وروحي صعدت ~~إلى السماء. ولم تعد زوجتي الشرعية الأخيرة تقرأ ما أكتب. ترفض قانون الطاعة والشريعة ~~وتجادلني في المقدسات. تضع رأسها برأسي وعقلها بعقلي. وهذه بدعة لم أعرفها مع زوجاتي ~~القديمات الشرعيات وغير الشرعيات المستديمات منهن والمؤقتات. لم يكن صوت الواحدة منهن يعلو ~~على صوتي، وإذا ضحكت تضع يدها على فمها وتستغفر الله، وإذا ضربتها حسب الشريعة للتأديب لا ~~تعرف الشكوى، وإذا تسللت من فراشها إلى عشيقتي تتظاهر بالنوم، وإذا كانت نائمة أصلا غابت ~~في نوم أعمق، لكن هذه الزوجة الأخيرة تفتح عينها وهي نائمة، وسواد عينيها أسود بلون وجه ~~الشيطان، وتضحك بصوت عال أعلى من صوتي، وتلقي برأسها إلى الوراء بحركة لم أصل إليها بعد، ~~وتقهقه بكل رئتيها طاردة الهواء من صدرها وبطنها، ويرن صوتها في أذني أكثر انطلاقا من ~~صوتي حين أقهقه، وأدرك أن في أعماقي هواء مكبوتا منذ ms080 الطفولة أحاول أن أطرده دون جدوى، ~~وصوتها وهي تضحك وتقهقه يثير في الغيرة أكثر مما يثير الشهوة، وأتركها فوق السرير عارية ~~وأجري إلى عشيقتي. تحاول أن توقظ ذكورتي دون جدوى بالخضوع والاستماتة وهي تحتي، وتقول لي ~~إنها الشيخوخة وقوة الروح، أو موات الجسد ويقظة العقل. وأعارضها وأقول بل هو غياب الدين ~~والأخلاق وخلع النساء برقع الحياء. وتطلق بأنفها صوتا كحشرجة الشخير أول النوم، وتستدير ~~فيصبح ظهرها ناحيتي ووجهها ناحية السماء. أرتدي سروالي وأعود إلى زوجتي فلا أجدها في ~~الفراش، وأرقد وحدي أحملق في السقف، وأرى وجه أبي معلقا داخل البرواز فوق الجدار. وجه ~~مستدير مليء باللحم مشرب بالدم والحياة كوجهي، وأنفه مستقيم عاقل يشبه أنفي، يؤكد دون شك ~~أبوته لي وإخلاص أمي له. رأسه متزن مع جسمه في وضع عمودي كرأسي دون انحراف إلى اليسار أو ~~اليمين. خير الأمور الوسط يا ابني. لكنه لم يعرف الوسط مع أمي، يضربها بالنهار وفي الليل ~~تضربه. أسمعها تئن طول اليوم، وفي ظلمة الليل أسمعه يئن، ويقول: يا ابني، الرجل منا مع المرأة ~~ضارب أو مضروب، عابد أو معبود، ولا وسط بينهما. وتقول أمي: يا ابني، المرأة منا مع الرجل ~~إما زوجة محترمة غير مرغوبة، أو عشيقة مرغوبة غير محترمة، ولا وسط بينهما. وتطفو فوق وجهها ~~سحابة رمادية بلون الشبورة، وتنام ووجهها للحائط، وأبي ينام ووجهه ينام ناحية الله في السقف، ~~وأنا بينهما فوق السرير العريض أتكور حول نفسي كالجنين، وأسمع صوت أبي يقرأ كتاب الله قبل ~~أن ينام، ويردد آية الكرسي ثلاث مرات يطرد الشياطين وأرواح الجان. وإذا غلبه النوم مد يده ~~تحت الوسادة ووضع كتاب الله إلى جوار المسدس، هدية من العيد من أبيه وهو طفل، يتحسسه بأطراف ~~أصابعه وهو نائم إذا سمع نباح الكلب. وإذا تحركت غدة الشيطان تحت سرواله وهو نائم مد إليه ~~يده اليمنى، ويده اليسرى تمتد إلى أمي من تحت الملابس، وتلمح أمي طرف المسدس من تحت الوسادة ~~فتخلع ملابسها وهي تستغفر الله، وتستعيذ بالله من الشيطان والإثم، ms081 وتتوضأ خمس مرات بالماء ~~والصابون، وتصلي لله سبع ركعات قبل أن تنام، وتلف رأسها بالحجاب وتغمض عينها وتروح في النوم ~~كالملائكة الأطهار. وأغيب أنا في نوم عميق كالأطفال، لا أسمع ولا أرى إلا الأشباح وأرواح ~~الجان، ويغمرني الخوف من كل جانب كالهواء البارد، وأثبت جسدي في منتصف السرير لا أتحرك إلى ~~اليمين أو إلى اليسار، وأبتعد عن جسد أبي وجسد أمي، أخافهما، هما الاثنان، ومع الخوف تتسرب ~~الكراهية إلى جسدي تحت الغطاء في الهواء. ومهما عانقتني أمي أبتعد، ومهما أحبني أبي لا ~~أحبه. وكان أبي شيخ طريقة يكتب للنساء الأحجبة في الغرفة المظلمة. مهنة فرضها عليه أبوه ~~ليحقق في عالم الدين ما لم يحققه في مزرعة الأرانب والفراخ. يعلق في رقاب النسوة كلام الله ~~داخل حجاب تتدلى منه خرزة زرقاء. يدخل إلينا باللحم والخضار، وفي جيوبه القروش تفوح بعرق ~~النساء. وأغلق الباب على نفسي أذاكر دروسي، ويوم الامتحان أتذكر الصلاة، أسجد لله ثلاث ~~ركعات وأطلب منه النجاح، يسمع الله دعائي وأنجح العام وراء العام. ~~••• # كنت أعيش النجاح لا أعرف الفشل ولا الهزيمة. يتساقط الكاتب وراء الكاتب وأنا في مكاني إلى جوار ~~الإمام ثابت. لا أكف عن الكتابة ولا أقرأ ما أكتبه، وأنظر إلى صورتي داخل البرواز. والنهار ~~أقضيه كمساحة من العمر بين الحلم والحلم، والليل طبقات من النوم أقضيها في السهر مع ~~الإمام، نشرب نخب الصداقة القديمة، ونتسلل في الظلمة معا إلى بيت السعادة. وفي الحفلات ~~والأعياد أقف إلى جواره أسمعه وهو يتهته تحت الشمس، وعين السماء مفتوحة بألوان الطيف والناس ~~تهتف، وأدرك أن في الكون إرادة فوق إرادة الشيطان تدفعني إلى دخول حزب الله والهتاف مع ~~الناس، وأتلفت حولي وأنا واقف تحت الضوء أبحث في الكون عن هذه الإرادة فوق إرادتي. لا أعرف ~~من أين تأتي؛ فهي تأتي من مكان خارج كياني، من قبة السماء أو من بطن الأرض، من الشوارع أو ~~الأزقة والحواري، من البيوت كالقبور ومن فوقها الدخان، من عيون الناس المكسورة، من وجوه ~~الأطفال يغطيها الذباب، ms082 من العلم المرفوع يوم الهزيمة، من صواريخ العيد تدوي في أذني كطلقات ~~الرصاص، وأنا واقف إلى جوار الإمام وقدمي فوق الأرض ثابتة لا أحركها. أخشى إن حركتها أن ~~يضيع مكاني. وأرى عين السماء فوق الرءوس ترعاها. وحين سقط وجه الإمام من السماء إلى الأرض ~~تظل السماء كما كانت، والهتاف يدوي وصواريخ العيد تفرقع، وأنا راقد إلى جواره أخفي وجهه في ~~الأرض كأنما لم أر شيئا، وكأنما الإمام الجديد ليس هو القديم؛ فالوجه هو الوجه ولم يتغير ~~إلا الجسد، وهو إلى جواري راقد، وأمام عيني سحابة شفافة كالضباب، وذرات تراب تدخل أنفي، ~~ورأسي لم يعد متوازنا مع جسدي، وجسدي لم يعد في وضع عمودي مع رأسي، وقدمي دفعتها قدم ~~أخرى واحتلت مكاني. عيناي تتحركان من تحت الجفون المغلقة ناحية اليمين واليسار، ولا أثر ~~لأحد من حزب الله أو حزب الشيطان، وجسد الإمام أيضا اختفى، وأنا راقد وحدي تحت عين السماء، ~~وملمس الأرض تحت صدري بارد، وصوت أبي يدوي في أذني كصوت الإمام، وأنا أمد إليه بصري لكن ~~بصره ممدود إلى الناحية الأخرى، ويسري الفشل في عروقي كالدم البارد، وأغمض عيني في راحة ~~أبدية. أستنشق التراب على مهل لا أتعجل الموت، وفي عنقي مفتاح الجنة لا أتعجل السعادة أو ~~الفردوس، وفي خيالي سبع وسبعون حورية شقراء وسمراء لا أعرف كيف أختار، وفي حلقي يسري الموت ~~بطيئا لا يخلو من اللذة، أرشفه على مهل رشفة رشفة كالخمر. أوله مر، وآخره حلو. وأضحك بصوت ~~عال وأقهقه طاردا الهواء من صدري وبطني، ويرن صوتي في أذني أكثر انطلاقا من صوت زوجتي ~~الأخيرة. لم يعد في أعماقي هواء مكبوت منذ الطفولة، ولا شيء يثير في الغيرة أو الشهوة. ~~شبعت من شهوات الدنيا حتى الزهد، ولم يبق على وجهي إلا بسمة الملاك. ~~••• # حملوه في الصندوق المزركش إلى زوجته الأخيرة، وعلى ظهر الصندوق اسمه بالبنط العريض، وصورة ~~داخل برواز يبتسم فيها كالفتاة العذراء. وظلت هذه الابتسامة في ذاكرة الزوجة الأخيرة تكشف ~~لها عن أعماق زوجها الحزينة، وعن ظهر ms083 قلب حفظتها كدليل مادي على أنه قادر على الحزن. لم ~~تكن تسمعه إلا وهو يضحك ويقهقه، وجمعهما الحزن وهو غائب كالحب. كان يغيب العام وراء العام ~~وهي تذكره. وفي كل لقاء تحوطه بذراعيها فينزلق من بينهما كالسمكة. تحاول الإمساك به دون ~~جدوى. تخرج يدها من البحر خاوية ولا ترى منه إلا الصورة داخل البرواز، وحروفه المطبوعة فوق ~~الصحيفة لا تقرؤها ولا هو يقرؤها، ولا أحد يقرؤها إلا الإمام. وفي الليل تراه راقدا مفتوح ~~العين يرمق أنف الطفل النائم بعيون يملؤها الشك. الأنف ليس أنفه ولا أنف أبيه ولا جده. يمسك ~~أنف الطفل بين أصابعه كمن يقبض على دليل الخيانة. يفتح الطفل في الظلمة عينين واسعتين ~~تتسعان لخوف العالم، يغمضهما على الفور حين يرى عين أبيه حمراء كعين الشيطان. وسمع أباه ~~يسأل أمه: ابن من هذا؟ قالت أمه: ابن الحب. وأدرك وهو طفل أنه ليس ابن أبيه. أغمض عينيه ~~ونام في سعادة حتى الصباح. # | دليل البراءة # كان واقفا ممشوق الظهر رأسه في السماء تحت الشمس، فوق جبينه علامة الإيمان، وفوق صدره ~~نجمة النصر، وفي أذنه يدوي الهتاف «الله معك». يهتز رأسه من شدة الدوي، ويرتخي وجهه، وينحني ~~ليسقط بين قدميه وهو يخطب، وعن يمينه رئيس الأمن، وعن يساره المعارض الشرعي وكاتبه الكبير، ~~وصواريخ العيد تفرقع. رأسه لم يعد عاليا تحت الشمس، ووجهه يتجه ناحية الأرض وذرات التراب ~~تدخل أنفه، ورئيس الأمن ينظر إليه في صمت كأنما لم يحدث شيء. يفتح فمه ليسأل قبل أن ينسى ~~السؤال: إيه جرى في الكون؟ ويفتح رئيس الأمن فمه ليرد: ولا حاجة يا فندم كله تمام والله ~~معك. ويرتج جسده بالغضب. معي إيه يا أعمى ألا ترى؟ ويشد رئيس الأمن جفنيه ليفتح عينيه ويشد ~~النني من داخل العين، وينظر حواليه في الظلمة يلمحها تجري كالغزال، ويضم عضلات شفتيه مطلقا ~~زمارة الخطر. تنشق الأرض عنهم جميعا من حزب الله وحزب الشيطان. يأتون من جميع الأركان ~~يتدافعون بالمناكب ويتراشقون بالاتهامات، ومن خلفهم كلابهم تنبح، وأمامهم رئيس الأمن يجري ms084 ~~وفي يده الكشافات، وهم من خلفه يجرون. لا يعرفون لماذا يجرون، لكن الأمر صدر، وحين يصدر ~~الأمر فلا سؤال ولا جدال؛ فالجدل بدعة أجنبية لم ترد في التراث، ومن أحدث في أمرنا ما ~~ليس في التراث فهو فتنة، والفتنة أشد من القتل، ولا يجادل في ذلك إلا كافر بالله خائن ~~للوطن والإمام. وإذا صدرت الخيانة من الأنثى فهي تزيد عن الكفر وخيانة الوطن إلى الفاحشة ~~وفقدان الشرف. والشرف عندنا هو الأرض، والأرض هي العرض، ولا شيء أثمن عندنا من امتلاك أجساد ~~نسائنا، فلا يتسرب الشك إلى قلوب الرجال في النسب. تظل الأبوة معلومة باليقين، ويتم الفصل ~~بين الطفل الشرعي والآخرين المجهولي الأب. ولا يجوز لطفل أن يكون ابن أبيه إلا باعتراف ~~أبيه، وإذا أنكر الأب ابنه فليس للابن حق إلا الصلاة والصوم والتكفير عن الذنب. وذنب البنت ~~ضعف ذنب الولد، وفي غير ذلك من الحقوق يكون للبنت نصف حقوق الولد. ~~••• # أقدامهم من خلفها تدب بأحذية حديدية، وأنفاسهم تلهث، ومن خلفهم كلابهم تلهث. وهي تجري لا ~~تعرف لماذا تجري، والظلمة داكنة. وفي الضوء البعيد ترى أمها واقفة تنتظرها وصوتها يناديها: ~~بنت الله، تعالي. ذراعاها ممدودتان نحوها لا يفصلها عنها إلا ثلاث خطوات. قفزت الخطوة الأولى ~~والثانية، ولم تبق إلا الأخيرة. وتوقفت عند منعطف الطلعة بين البحر والنهر، تملأ صدرها ~~برائحة المكان حيث ولدت وحيث تموت. أصابتها الطعنة من الظهر، وقبل أن تسقط وتنسى الحروف ~~استدارت وقالت: ما هي جريمتي وأنا عذراء لم يمسسني بشر؟ قالوا: الأنثى إذا ماتت وهي عذراء ~~تدخل الجنة، ولن نرسلك إلى العالم الآخر إلا وأنت غير عذراء. ~~••• # مسح رئيس الأمن العرق وهو يلهث بمنديل حريري من أجود الأنواع، ومسح الطابور من خلفه العرق ~~بمناديل أقل جودة. كلابهم من خلفهم مسحت العرق بكفوفها السمراء المشققة دون مناديل. دوت ~~أصوات السلاسل تجلجل بصوت عال كدوي الهتاف في عيد النصر وجلاجل الضحك في يوم الزفاف، وهي ~~بين السلاسل تزحف كخروف العيد، وعين السماء حمراء تحت الشمس، والملائكة في الأثواب البيضاء ms085 ~~تصفق. حزب الله على الدفة يضرب، وحزب الشيطان على الدفة يرقص. وهي مربوطة في الأرض. ذراعاها ~~مفتوحتان، وقدماها مشدودتان؛ قدم إلى أقصى اليمين، والقدم الأخرى إلى أقصى اليسار، وفي نقطة ~~الوسط حيث علامة الشيطان يقذفون الحجر وراء الحجر. وهي في مكانها ثابتة لا تتحرك. وجهها ~~نحيل شاحب، وعيناها واسعتان تتسعان لثبات العالم، والنني أسود بلون الليل، وعقلها صاف كماء ~~النهر. # في الغرفة المظلمة في بطن الأرض ظلت عيناها مفتوحتين لا تكفان عن الرؤية، وذاكرتها واعية ~~لا تفقد الوعي. وجه أمها كوجه الله لا يغيب، وصوتها الناعم في أذنها ينادي: بنت الله، تعالي. ~~ترفع عينيها إلى السماء، ويختفي وجه الله بين السحب، ويظهر وجه الشيطان، مليء بالشعر، وجلدة ~~الرأس حمراء تحت الشمس. وتسمع صوت رئيس الأمن يقول: ما اسمك؟ قالت: اسمي بنت الله. قال: ~~اسمك في حد ذاته جريمة كفر. من أعطاك هذا الاسم؟ قالت: كانوا ينادوني في بيت الأطفال بنت ~~الله، وكانت لي اخت اسمها نعمة الله ماتت وهي طفلة، وكان لي أخ اسمه فضل الله مات فداء ~~الوطن، فهل لك أخت ماتت وهي طفلة أو أخ مات في الحرب؟ قال: ما اسم أخيك بالضبط؟ قالت: اسمه ~~فضل الله. هز رأسه ومسحه بالمنديل الحرير مرتين، واستعاذ بالله ثلاث مرات، وقال: أنا أعرفه، ~~وله عندي صورة في الملف، وليس له اسم في حزب الله أو حزب الشيطان، وهذا دليل على أنه ليس ~~واحدا منا، ومن ليس منا فهو تلبيس إبليس. قالت: مات أخي فداء الوطن، وحاربت معه في خندق ~~واحد، ورأيته بعيني وهو يحارب الأعداء. قال: ماذا قلت؟ كنت معه في خندق واحد؟ قالت: نعم. ~~قال: أنتما الاثنان فقط؟ قالت: نعم. قال: إنها جريمة أخرى، لا يجتمع رجل وامرأة في خلوة ~~غير شرعية إلا والشيطان ثالثهما. قالت: إنه أخي. قال: أنت أخته في الرضاع، وحبكما حرام. ~~قالت: لم يكن لنا أم ولا مرضعة، وشربنا لبن الجاموسة معا في بيت الأطفال. قال: جاموسة أو ~~امرأة سيان؛ فهي ترضع ولها أثداء، وهو أخوك ms086 في الرضاع بأمر الإمام، وعقابك الرجم حتى الموت. ~~قالت: أنا بريئة عذراء ولم يمسسني أحد. قال: سنكشف عليك لنرى دليل العذرية؛ فلا براءة بغير ~~دليل مادي. # | القاضي # في الغرفة المظلمة في بطن الأرض رأيت وجه القاضي تحت الضوء. عرفته على الفور، وقلت قبل أن ~~يختفي الضوء: أنت الإمام. قال: أنا القاضي ولست الإمام. قلت: أيكون القاضي هو الجاني؟ قال: ~~أنا الذي أسألك، وأنت ليس لك حق السؤال. وانطفأ الضوء الأخير، وأصبح الليل أسود. عيناي ~~أفتحهما وأغلقهما سيان. السواد هو السواد. والهواء بارد كالبحر الأسود، وصوته في أذني ثقيل ~~الكثافة كالذهب السائل، وهو واقف أمامي يرتدي وشاحا أسود فوق اللحم، ورأسه يلمع بغير شعر، ~~ووجهه يغطيه الشعر، وعيناه غائرتان حتى القاع. قال: ألا تعرفين وجهي؟ قلت: نعم أعرفه، إنه ~~وجه الإمام. قال: أنا لست الإمام، أنا القاضي، ألا تعرفين القاضي؟ قلت: لا أعرفه، لم أر في ~~حياتي قاضيا. قال: ألم تري وجهي في الصحف أبدا؟ قلت: لا أشتري الصحف. قال: ولماذا لا ~~تشترين الصحف؟ قلت: ثمن الصحيفة يطعمني الخبز ثلاثة أيام. قال: هل يعيش الإنسان المتحضر ~~بالخبز فقط؟ ألا تهتمين بالثقافة؟ هل أنت جاموسة أم امرأة؟ قلت: ثمن الجاموسة أغلى من ثمن ~~المرأة، ويملك الرجل جاموسة واحدة وأربع زوجات، ولم يكن لي أم ترضعني، أرضعتني الجاموسة في ~~بيت الأطفال، وكان لي أخت ماتت وهي طفلة، وأخ مات في الحرب، فهل ماتت لك أخت وهي طفلة؟ وهل ~~مات لك أخ وهو يقاتل؟ قال: مات الإمام وهو يقاتل، ومات الرسول وهو يقاتل، ومات المسيح وهو ~~يقاتل. وأنا القاضي أقاتل مثل الأنبياء، جعلني الإمام قاضيا في الدورة الأخيرة، وأمرني أن ~~أوضح للناس ما علمني إياه منذ صباي، والنفس البشرية لها أربع دورات؛ منها من تعشق الضلال ~~والكفر مثل نمرود وسفروت وعازوراء الذي قاد الكفر في عهد النبي. وقد رأيت الله في المنام ~~قبل أن يراه أحد من حزب الشيطان، وشاهدت الرسول في ليلة الوضوح قبل العيد الكبير، ورأيت ~~جميع الرسائل ابتداء من آدم إلى ms087 نوح ويوسف وهارون وداود وسليمان وزكريا وعيسى وموسى، ~~ووقفت بين يدي الرسول مرفوع الرأس أنكمش في تواضع داخل ذاتي، ويأتي جبريل عليه السلام على ~~شكل الملاك الطاهر، فيحملني على جناحيه إلى ممتد المشاهدة، وأغمض عيني ثم أردهما فإذا بي في ~~الملكوت الأعلى وهو سدرة المنتهى، وأسمع صوت الله يناديني: يا قاضي القضاة، الآن أكشف عنك ~~غطاءك ليكون بصرك حديدا، ووجهك جديدا، وذاتك جديدة. وتنكشف ذاكرتي تماما، وأدرك أنني ذات ~~الإمام أو الإمام ذاته في دورات سابقة، والله أعطاني أسرار الكون والعلوم والطب؛ فأنا أعرف ~~الداء وأصف الدواء، وأعرف الصادق من الكاذب، وأعرف صوت الله من صوت الشيطان، وأعرف المرأة ~~الحامل من غير الحامل، وأعرف العذراء من غير العذراء، وأعرف نوع الجنين قبل أن يولد، وأعرف ~~الأب الشرعي من غير الشرعي، وأداوي النساء من آلام الطمث أو الحرمان أو الشبق الزائد عن ~~الحدود المشروعة، وأعطي كل امرأة من الأسرار بقدر ما تعطيني من خير وما تتصدق به لوجه ~~الله، ولا يضيع أجر من تدفع بسخاء، وإذا أعطيت مما أعطاك الله فسوف أقول لك إذا كنت عذراء ~~أو غير عذراء، وإذا كان الجنين في بطنك ذكرا أو أنثى، وإذا كان ابن حلال أو ابن ~~حرام. # انسحب الدم من وجهها الشاحب، وقالت: أقسم لك أنني عذراء لم يمسسني رجل، وإذا وجدت في بطني ~~جنينا فلا بد أنه المسيح، وقد زارني الله في الحلم عدة مرات. قال: اخرسي، قطع لسانك، اخلعي ~~ملابسك لأفحصك؛ فأنا الذي أعرف إن كان لمسك أحد من الإنس أو الجن، وهناك أرواح من الجان ~~تقترن بنساء من البشر في ظلمة الليل، فاخلعي ملابسك ولا تخافي. # ارتعد جسدها وخلعت ملابسها وأسنانها تصطك، ورقدت فوق المنضدة تحت يده الكبيرة، تصنع فوق ~~الجدار ظلا أسود من خمسة أصابع. # وامتدت يدان طويلتان غير مرئيتين، وربطت ذراعيها وساقيها في الأعمدة الأربعة، أربعة أعمدة ~~للمنضدة من الرخام الأبيض البارد، نفذت برودتها إلى عظام الظهر حين رقدت عارية ووجهها ~~للسقف. ظل واقفا أمامها في صمت، وأرخى الستارة ms088 فوق الباب . أظلمت الغرفة بظلام أسود من ~~الظلام. لم تستطع رؤيته وهو قريب منها يكاد يلمسها. هو واقف، وهي راقدة تنصت إلى الكون ~~والكون صامت. فجأة سمعت صوت يدين تمشيان صوب جسدها الراقد فوق المنضدة، ثم رأت جسدها ينقلب، ~~وصوت شيء يكسر وهي تحاول أن تشد جسمها من تحت كثافة الظلمة، لكن جسمها مربوط بالحبال. ~~وسمعته ينفخ وينفخ. وجسدها يزداد موتا فوق موت كأجساد الموتى المثلجة في المشرحة، وهو ~~يزداد توهجا كحطب يسقط فوق الجمر، وهي راقدة ذراعاها مفتوحتان في ابتهال صامت لله، وهو ~~لا يكف كإله الدمار يطلب المزيد من الضحايا. في الضوء الخافت من شق صغير في بطن الأرض، رأت ~~الإصبع الكبير بغير ظفر، والإصبع الصغير ظفره طويل، وبطن اليد أملس بغير شعر، وظهر اليد قاتم ~~اللون مكرمش الجلد، وفوق الجلد عروق ملتوية زرقاء ونقط سوداء كالنمش أو جذور شعر مات وسقط. ~~وسمعت صوته يطلب منها أن تنفخ الهواء من صدرها، ونفخت الهواء حتى لامس وجهها الحائط، وحركته ~~ببطء ناحيته لا تقوى على النظر إليه. رأت ظله فوق الحائط طويلا كالمارد واستدار عائدا. ~~امتدت اليد غير المرئية، واعتصرت أنفها أو حلمة الثدي لم تعرف أيهما، ثم عاد إلى المزيد من ~~النفخ، واندلع لسان من اللهب كان قصيرا، ثم نما طويلا ثم قصيرا، وتلوى ورقص ملتهما ~~قطعة من اللحم. # ظلت راقدة في الظلمة وفي جسدها الجرح غائر حتى العظم. من تحتها شريط أحمر بلون الدم، وفي ~~أذنيها أغاني العيد وأصوات الملائكة تنشد، وجرس الكنيسة يدق، وصياح الديكة قبل الفجر، ودوي ~~الأذان للصلاة وذبح الضحية، والهتاف في مكبرات الصوت: الله، الوطن، الإمام. وهو واقف فوق ~~المنصة يخطب، وعن يمينه حزب الله، وعن يساره حزب الشيطان. في شرفة الحريم انتصبت الزوجات ~~الشرعيات فوق الكعوب الدقيقة، ونساء الجمعيات الخيرية وأرامل الشهداء والأمهات المثاليات، ~~وأطفال الله بالجلاليب الدمور، وتلاميذ المدارس بملابس الكشافة، والبنات من بيوت السعادة ~~ببدلة الرقص والصاجات في أيديهن تطرقع، وصواريخ العيد تفرقع، والطبول تدق، والزمامير ~~والزغاريد والصراخ وطلقات الرصاص. # الدوي ms089 في أذنيها كالصمت لا تسمعه، والجرح في جسدها ينزف بلا ألم. تتركه وراءها بلا ندم، ~~وتنهض من جديد فوق قدميها. تمشي على الأرض بلا جسد، كالروح أو الخيال. قدماها لا تلامسان ~~الأرض. وجهها نحيل شاحب خال من الدم، وعيناها واسعتان، والنني أسود كالليل، وعقلها صاف ~~كالماء الرائق في النهر. ~~••• # على الباب الخارجي رأيت طوابير النساء بالجلاليب السوداء، واقفات ينتظرن دورهن للدخول ~~إلى القاضي، يتنافسن إلى الدخول، وكل واحدة تدفع الأخرى بكوعها لتصل إليه قبل الأخرى. يده ~~المباركة تلمس المريضة فتشفى، والعاقر فتحمل، والحامل فتجهض، والمذنبة فتبرأ، والعانس ~~تتزوج، والمشلولة تنهض، والراقدة تقف، والواقفة تقعد، والمجنونة تعقل، والعاقلة يشفيها الله ~~من عقلها، والعين المفتوحة تغلق، والعين المغلقة تفتح؛ فهو القاضي بأمر الإمام، أعطاه الله ~~أسرار العلوم والقانون والطب، وهو يعطي من السر بقدر ما تعطيه المرأة من الخير. ~~••• # وتذكرت أنني دفعت قبل أن أدخل إليه. في الظلمة رأيت الصندوق المعلق، وكل من تدخل تدفع دون ~~أن يراها أحد، وصوت المنادي كالهمس يدور على الطوابير الواقفة عند الباب: ادفعوا يا عبيد ~~الله. ومن يدفع اليوم يقبض غدا في الجنة إن شاء الله، ويقبض في الدنيا أيضا من بنك ~~الإيمان تحت رعاية الإمام. والله هو مالك الملك، وهو الغني الذي يرث الأنبياء، والمال مال ~~الله جعل للناس حق الاستخدام فقط، والمال عندنا مملوك لرب العالمين، ومع ذلك يطلب الله من ~~الناس الصدقة والقروض، # من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~. ادفعوا يا عباد الله إلى ~~صندوق بنك الإيمان الذي باركه الله، وفائدة القرض خمسون في المائة، فنحن نضارب في الذهب ولا ~~نخشى الإفلاس. تقدموا دون خوف أيها المؤمنون والمؤمنات، وعند الله تزيد فائدة القرض إلى ~~سبعين ضعفا. ادفعوا في السر دون أن يراكم أحد؛ فإن صدقة السر تطفئ غضب الرب وتشفي المريض، ~~والعاقر تحمل، والمشلولة تنهض، والمذنبة تبرأ، وعلى كل واحدة منكن أن تعطر المال قبل أن ~~تلقيه في الصندوق. وكانت فاطمة بنت الرسول تعطر الدينار قبل أن تعطيه ms090 صدقة. وسئلت : لماذا؟ ~~فقالت: سمعت الرسول يقول إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير. ~~••• # ربطت الحزام فوق بطني لا آكل ولا أشرب، وألقي القرش وراء القرش في يد الله، وأغمضت عيني ~~ورحت في نوم عميق كنوم الأطفال. في الظلمة أفتح عيني وأسمع صوت الله يناديني كصوت أمي ناعم ~~ودافئ كصدر الأم، وأجري إليه أظنه أمي. ومن بعيد أراها واقفة في الظلمة تنتظرني وذراعاها ~~ممدودتان، ولا يبقى بيني وبينها إلا خطوة، أتوقف عن الجري لحظة ألتقط أنفاسي، فتصيبني ~~الطعنة من الخلف، ولا أعرف لماذا يطعنون في ظهري، وقبل أن أستدير إليهم وأنسى الحروف ~~والكلمات، أقول: لماذا تضربونني وكنت أدفع كل ما معي لله؟ ويقولون: كنا نضارب في الذهب، وبنك ~~الإيمان أفلس؛ لأنك بنت حرام، وفألك سيئ، وطالعك نحس، ولن ينصرنا الله ويضاعف لنا الربح إلا ~~بعد إزالتك من الكون. # | الشكوى # قلت: لمن أشكو وأحتكم؟ قالوا: للإمام؛ فهو حاكمنا. قلت: هل أشكو منه إليه؟ قالوا: كلنا ~~نشكو منه إليه، والشكوى لغير الله مذلة. وطويت الشكوى في صدري لا يراها أحد. لمحتني عيون ~~الإمام، وكانت عيونه في كل مكان. قالوا: ماذا تخبئين في صدرك؟ قلت: لا شيء. وفتحوا صدري ~~ووجدوا الشكوى مطوية، وفوقها الحروف بخط يدي. أطبقوا عليها أصابعهم وقالوا: وجدنا الدليل ~~المادي على الجريمة الكبرى، فكيف تكتبين فوق الورق بخط يدك شكوى ضد الله؟ قلت: إنها شكوى ضد ~~الإمام. قالوا: ألا تعرفين أن الإمام هو خليفة الله في الأرض، وما هو ضد الإمام يكون ضد ~~الله. قلت: لا أعرف. قالوا: كيف لا تعرفين؟ ألا تقرئين الصحف؟ ألا تعيشين في هذه الدنيا؟ ~~قلت: لا أقرأ الصحف ولا أعيش في دنياكم. قالوا: هذه جريمة أخرى وبدعة جديدة، ومن أبدعت ~~فينا ما ليس فينا فهي شر وفتنة، والفتنة أشد من القتل. # نطق القاضي الحكم بالإعدام، وجرائهما ثلاث؛ الفتنة والعار والكفر. وقبل تنفيذ الحكم ~~والصلاة على روحها الغائبة، قالوا بصوت حنون: ماذا تريدين قبل أن تودعي هذه الدنيا؟ قالت: ~~أريد محاكمة ms091 علنية ومحاميا شرعيا. قالوا: عندنا معارض شرعي، ولم نسمع عن محام ~~شرعي. # وذهبوا وعادوا وفي أيديهم المعارض الشرعي. وقف أمامها ورأسه ملفوف بعمامة بيضاء، دليل ~~الولاء للعدل، ونجمة حمراء فوق الصدر، الشعار الرسمي لحزب الشيطان. وقال بصوت رخيم: أفندم؟ ~~قالت: أنا بريئة بغير ذنب، وبغير أم وبغير أب و... وقاطعها باضطراب: بغير أب؟ قالت: نعم. قال: ~~هذا بلاء من عند الله، # ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة ~~. أتعرفين هذه الآية؟ لا أعرفها. قال باندهاش: إنها آية مشهورة ~~جدا، الآية الخامسة والثلاثون من سورة الأنبياء، ألا تعرفينها؟ قلت: لا أعرفها. قال: جهلك ~~بهذه الآية إثم كبير، وعليك حفظ الآية عن ظهر قلب قبل الموت لتدخلي الجنة بدل ~~النار. # وضع يده في جيب سرواله الغالي من أجود الأنواع، وأخرج ورقة وقلما له غطاء من الذهب. ~~أمسك القلم بأطراف أنامله الناعمة كأنامل الزوجات الشرعيات، وكتب بخط يده على الورقة حروفا ~~دقيقة سوداء: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة ~~. ~~وأغلق القلم بالغطاء الذهبي ولفه ثلاث مرات، ثم وضعه في جيب سرواله الغالي، وخرجت أنامله ~~الخمسة من جيب السروال ناعمة بيضاء من غير سوء، وقال بصوت رخيم: رددي هذه الآية ثلاث مرات ~~في اليوم قبل الأكل وبعده، وفي اليوم الثالث تجدين نفسك في الجنة بإذن الله. # أمسكت الورقة بأصابعها كالطفلة تمسك قشة في مهب الريح، وحفظت الآية عن ظهر قلب ترددها ~~الليل والنهار. ومن الشق كالثقب في الباب رأتهم يحفرون لها الحفرة في الأرض، وربطوها ~~بالحبال وهي تردد: «ونبلوكم بالخير والشر فتنة.» وسمعتها آذان الإمام، وكانت له آذان في كل ~~مكان، وقال غاضبا: حتى كلام الله تخطئين في تلاوته؟ قلت: ما الخطأ وهي آية في القرآن؟ قال: ~~كل الأخطاء مغفورة إلا الخطأ في كلام الله؛ فهذه إحدى الكبائر. قلت: وما هو الخطأ في الآية؟ ~~قال: ألا تعرفين الآية الصحيحة؟ قلت: لا أعرفها. قال: الآية الصحيحة هي: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة ~~. وأنت تعكسين الآية وتقولين: ~~«ونبلوكم بالخير والشر فتنة.» وهذا خطأ جسيم في حق الله؛ لأن بلاء الله يكون بالشر ms092 وليس ~~بالخير . قلت: لم أعرف الآية الصحيحة. قال: ومن أين لك بالآية الخاطئة؟ قلت: من المعارض ~~الشرعي. قال: أنت كاذبة، والمعارض الشرعي لا يخطئ في كلام الله. دق الإمام الجرس بطرف إصبعه ~~الصغير، فظهر المعارض الشرعي على الفور، رأسه ملفوف بالعمامة البيضاء، وفوق صدره النجمة ~~الحمراء، وقال: أفندم؟ سأله الإمام عن الآية الخاطئة، وأنكر المعارض الشرعي صلته بالمرأة، ~~وقال: أنا لا ألتقي إلا بالنساء الصالحات. وصدقه الجميع من أعضاء حزب الله والشيطان، ولم ~~يصدقوا المرأة الآثمة. أخرجت من صدرها الورقة المكتوبة بخط يده. قالوا: هذا ليس خط يده، وهذه ~~جريمة أخرى، وهي التزوير في آيات الله والأوراق الرسمية. قلت: أقسم لكم أنه كتبها أمامي ~~بقلم له غطاء من الذهب. قالوا: ماذا قلت؟ غطاء من الذهب؟ قلت: نعم، رأيته بعيني. قالوا: ~~أتتهمين المعارض الشرعي بالاختلاس؟ قلت: لا أتهمه بشيء، ولكنه ... وقالوا: ألا تعرفين أن ~~المعارض الشرعي معين بأمر الإمام؟ قلت: لا أعرف، ولكني أريد أن أقول ... وقالوا: وماذا تقولين ~~بعد هذا الذي قلته بلسانك الآن؟ وهذا دليل جديد على أن لسانك هو مصدر الإشاعات، ووجب قطعه ~~من جذوره وفق الشريعة. ~~••• # كانت أذناها قد كفت عن سماع الأصوات، وظلت ثابتة في مكانها بغير حراك، عيناها تلمعان ~~كالنجمين في سماء سوداء، ورأسها مرفوع نحو الله، وإلى جوارها كلبها مرزوق، مرفوع الرأس ~~مثلها، وأذناه منتصبتان مرهفتان يسمع أصواتهم ويتعرف على وجوههم، وينبح بصوت عال حين ~~يرى وجه الإمام. يشده من الخلف من السروال، يمسكه بأسنانه لا يتركه، وهم يشدونه بعيدا عنه ~~دون جدوى. أطلقوا عليه الرصاص في ظهره. سقط إلى جوارها يقبض بين أسنانه قطعة من السروال ~~الغالي من أجود الأنواع. # | القوى العظمى # كنت رافعا رأسي نحو السماء رافعا يدي نحو ملايين البشر يهتفون لي حين دوت الطلقات، ~~ورأيت وجهي يسقط من فوق رأسي العاري تحت مقعد العرش. أخفيه في الأرض بعيدا عن عيون الناس. ~~أستبدل به الوجه الآخر له ملامح الإمام، وأنهض مرة أخرى فوق المنصة. لم يلحظ أحد السقوط ~~ولا النهوض، لكن ms093 العالم من حولي ليس هو العالم، وفوق صدري لا أرى النياشين ولا الأوسمة، ولا ~~نجمة العدل مشبوكة بالدبوس، ولا خاتم الحكم في إصبعي، ولا أحد حولي من أعواني، ولا أعضاء ~~حزب الله أو الشيطان، حتى زوجتي الشرعية اختفت، وأنا وحدي لا أحد معي، ومن حولي أرض ~~كالصحراء، والنهر على مدى البصر تطل من ورائه هضبة خضراء. قلت أنا في العالم الآخر، وهذه هي ~~الجنة تلوح من بعيد. حلقي جاف منذ الطفولة، والظمأ شديد، وثقتي في دخول الجنة مائة في ~~المائة مثل ثقتي بالله. في جيبي توصية من النبي وبعض صكوك التوبة من بنك الإيمان، أخرجتها ~~كلها من جيبي لحارس الباب رضوان عليه السلام. كان أميا لا يقرأ الحروف المكتوبة. قلت له: ~~أنا الإمام. وألقيت عليه إحدى خطبي المعروفة. لم يفهم شيئا؛ فهو لا يتكلم اللغة العربية. ~~تركني عند الباب أنتظر طويلا تحت شمس حارقة ورأسي عار. سألته: ما بالك لا تحفل بخطبي ~~وكان يحفل بها الناس في كل أنحاء العالم؟ هز رأسه علامة عدم الفهم، ثم لمحت وجه امرأة يقترب ~~من بعيد. تصورت أنها أمي فأسرعت نحوها. لم تكن أمي. كانت زوجتي القديمة. توسلت إليها أن ~~تتوسط لي لدى رضوان. قالت: لن تشفع لك إلا زوجتك الجديدة. قلت: وأين هي؟ عليك بها. ورأيت ~~المنادي ينادي: يا أهل الآخرة غضوا أبصاركم حتى تمر زوجة الإمام. ومرت امرأة بيضاء ملامحها ~~أجنبية في عمر ابنتي، ولها ملامح زوجتي الشرعية، فسلمت عليها وقلت لها: لقد كتبت في الدنيا ~~خطبا كثيرة، كنت أبدؤها باسم الله، وأختمها بالصلاة على النبي، فحق لي بذلك دخول الجنة. ~~وأشارت إلى الصليب فوق صدرها، وقالت: المسيح ومريم العذراء، ألم يرد ذكرهما في القرآن؟ قلت: ~~توسطي لي لديهما. وأشارت إلي أن أتبعها فتعلقت بذيل فرستها. ولم تكن الفرسة تمشي على ~~الأرض لشدة الزحام وكثرة إشارات المرور. رأيتها تطير في الجو لها أجنحة من الفولاذ، ورأس ~~صغير مدبب كرأس صاروخ في آخر طراز. قلت: ما هذا؟ قالت: أنعم الله عليك بطائرة جديدة ms094 بدل ~~الفرسة القديمة. ركبت في مقعدي في الصف الأول وإلى جواري رئيس الأمن. ومن شق الباب لمحت وجه ~~قائد الطائرة، مستدير أبيض مليء باللحم ونقط سوداء كالنمش، ولهجته أجنبية. رحبت به كعادتي مع ~~مندوبي القوى العظمى، وقدم لي قطعة من الكافيار في صحن من الفضة، وزجاجة خمر معتقة من ~~أجواد الأنواع. عند الإقلاع جاءنا صوته من سقفها بعون الله، وانبعث من سقف الطائرة لحن ~~راقص وأصابع امرأة تطرقع بالصاجات. تعرفت على وجهها وقلت: جواهر؟ قالت: من هي جواهر؟ قلت: ~~كانت في «بيت السعادة»، وكنت في سن البراءة والطيش. اهتزت الطائرة فربطنا الأحزمة على ~~البطون، وعاد الصوت من السقف يقرأ القرآن، ويدعو الله أن يحمي الطائرة من السقوط أثناء ~~الهبوط، وانزلقت عجلات الطائرة فوق أرض خضراء ملساء ناعمة كالسندس، وقلت: وصلنا ~~الجنة؟ # قالت زوجتي الشرعية: ليس بعد، ولن تدخل الجنة قبل أن يشفع لك المسيح وتسدد ديونك في ~~الدنيا. وقال الرجل ذو النمش الأسود في وجهه: ألم تسدد ديونك بعد؟ قلت: أمهلني عاما واحدا ~~وسوف أطلب من الله أن يمد أجلي حتى أسدد الديون. وناولته الكأس لنشرب نخب الصداقة. رفضها ~~وقال بلهجة أجنبية إن الخمر حرام، وإنه أمر بإلقاء الخمور من نوافذ الطائرة. ولماذا تحرم ~~ما حلل الله يا خواجة؟ انظر إلى جنة الله وما فيها من خمور تجري كالأنهر وحوريات بياضهن ~~كالشهد؟ وأطل بعينيه من فوق السور ولم ير شيئا، وقال: أين هي الجنة يا سيدنا الإمام؟ قلت: ~~انتظر. إن الصبر طيب، ولا يمكن لأحد أن يتعجل الله، وسوف ندخل الجنة معا بإذن الله. وقال: ~~اذهب وحدك وسأنتظرك هنا بالطائرة، وموعد الإقلاع في السادسة تماما بتوقيت جرينتش، واعلم ~~أنني في انتظارك لأطير بك لو أصابك مكروه لا قدر الله. # تأبطت زوجتي الشرعية ذراعي وسرنا معا حتى المسيح. همست في أذنه بلغة لم أفهمها. هز ~~المسيح رأسه، وشفع لي، وأمرنا بالسير إلى الصراط المستقيم. وحين وضعت قدمي على الصراط لم ~~أستطع السير قيد إصبع، وقالت زوجتي الشرعية: هنا أتركك في رعاية ms095 الله والرسول . وتركتني ~~وجسدي يرتعد. ورأيت امرأة سوداء مقبلة تجري فوق الصراط. أمسكتني من يدي قبل أن أقع، وعرفتها ~~من وجهها، كانت جاريتي قبل أن يفتح الله لي أبواب الرزق. هربت منها في الليل قبل أن تلد ~~ابنتي. قلت لها: أنت حبي الأول والأخير. وسرت إلى جوارها تسندني من ناحية اليمين فأميل ~~ناحية اليسار، وتعود تسندني ناحية اليسار فأميل إلى اليمين، حتى أعياها ذلك وأعياني، فقلت ~~لها: يا جواهر، إن أردت سلامتي فاستعملي معي قول القائل في الدنيا: ستي إن أعياك أمري ~~فاحمليني زقفونة. قالت: وما زقفونة؟ قلت: أن يطرح الإنسان يديه على كتفي الآخر، ويمسك بيديه ~~ويحمله وبطنه إلى ظهره. أما سمعت قول الجحجول من أهل الدنيا: صلحت حالتي إلى الخلف حتى صرت ~~أمشي إلى الوراء زقفونة. قالت: ما سمعت بزقفونة ولا الجحجول، ولكني سأحملك إلى الرسول محمد. ~~وحلمتني فوق صدرها كالطفل، فلما وصلنا النبي عليه السلام قال: وهبنا لك هذه الجارية، فخذها ~~كي تخدمك في الجنة. حين صرت إلى باب الجنة قال لي رضوان: هل معك جواز؟ قلت: لا. قال: لا ~~سبيل للدخول إلا به. وانتظرت طويلا تحت الشمس الحارقة ورأسي عار، وموعد الطائرة أزف، ثم ~~لمحت على باب الجنة شجرة صفصاف. قلت: أعطني ورقة من هذه الصفصافة حتى أرجع إلى النبي بسرعة ~~فآخذ عليها جوازا. قال: لا أخرج ورقة من الجنة إلا بإذن من صاحب الجلالة. قلت: لو رآني ~~فسوف يعرفني، وكان في الدنيا دائما معي، وكان لي في الدنيا أعوان كثيرون في حزب الله، ~~وأصدقاء بلا عدد داخل البلاد وخارج البلاد من الملوك والزعماء، وجميعهم جاءوا وساروا في ~~جنازتي، كان المشهد مهيبا. ألم تر الصورة على غلاف النيوزويك؟ قال رضوان: ما سمعت عن ~~النيوزويك إلا الآن. قلت: إذا كنت لا تعرف النيوزويك فأنت لا تعرف العظماء ولا القوى ~~العظمى. # | انتظار الأم # كان الصوت يدوي في أذني كالصمت، وأنا واقف تحت لهيب الشمس ورأسي عار. ألم غامض في صدري ~~كالجرح أو الثقب الغائر حتى القلب، وباب العالم ms096 الآخر مغلق ، والعالم الأول والثاني والثالث ~~والرابع كلها تسير بدوني، وجماهير الناس تهتف لغيري، وصواريخ العيد تفرقع، وحارس الجنة لا ~~زال ينظر في جواز سفري، عيناه تفحصان صورتي من تحت نظارة سوداء، يسألني السؤال وراء ~~السؤال. قلت: معي توصية من النبي، وأريد لقاء الله. وسألني: هل عندك موعد سابق؟ قلت: لا، ~~ولكنه سيعرفني حين يرى وجهي. وسألني: أهي مقابلة شخصية أم لمصلحة عامة؟ قلت: لمصلحة عامة. ~~وسكت عن الكلام، لم أعرف ماذا أقول. قال: المصلحة العامة لا تكون سرا. يرمقني من تحت ~~النظارة السوداء بنظرة متشككة، كرئيس الأمن يتدخل فيما لا يعنيه. تركني أمام الباب أنتظر ~~طويلا، وأمسك في يده سماعة التليفون، وانهمك مع امرأة في حديث هامس، يضحك ويقهقه بصوت ~~عال ويخاطبها بلغة المذكر. انتظرت صامتا لا أعكر عليه صفوته، وحين انتهى رآني واقفا وقال: ~~أتزال هنا؟ قلت: أرجوك دعني أقابله. قال: لماذا تريد أن تقابله؟ قلت: لأطلب تأجيل موتي ~~عاما واحدا. قال: عام كامل؟ يا لك من مفتر. قل شهرا أو شهرين. قلت: يا سيدنا رضوان لن ~~يكفي شهر لإعادة تسليح الجيش، وتسديد الديون، ومقاومة الهزيمة في نفوس الناس. لا أريد هذا ~~العام من أجل لذائذ الحياة الدنيا، ولكن من أجل الله والوطن. # دق جرس التليفون، وبدأ الحديث مع امرأة أخرى بصوت عال حاد النبرة، وأنهى الحديث بسرعة، ~~وعرفت أنها زوجته الشرعية. قلت قبل أن يدق التليفون مرة أخرى: لا زلت أنتظر أمرك يا سيدنا ~~رضوان. وكان قد انهمك في قراءة الأوراق فوق مكتبه، ورفع إلي عينيه من تحت النظارة ~~السوداء، وقال: فوت علينا بكرة. وأسعفتني تجاربي الماضية في مثل هذه المواقف مع حراس الأمن، ~~وأخرجت من جيبي شيئا على شكل الهدية، وقلت: خذ هذه هبة مضاعفة قدمها لسيدك، واستعجله كي ~~يقابلني اليوم؛ فأنا وقتي ضيق، وعلي أن ألحق بالطائرة. نظر رضوان في الساعة وهو يدس الهبة ~~في جيبه، وقال: لم يبق على الطائرة إلا دقائق، ويمكنك الإسراع، وسأرسل إليك استدعاء بالبريد ~~إذا تركت لي عنوانك. ورمقته بنظرة ms097 متشككة، لكني عدت وتذكرت أنه سيدنا رضوان، ولا يمكن أن ~~يكذب، وإذا وعد فلا بد أن يفي بوعده. وتركت له عنواني وصرت أجري إلى المطار، وفي أعماقي ~~إدراك أنه لن يرسل إلي شيئا، وتجاوزت مرحلة اليأس وأبطأت السير، ولم يعد يهمني أن ~~تفوتني الطائرة، وجلست مرهقا، وما إن وضعت رأسي على الأرض حتى نمت، ولم أسمع صوت الطائرة ~~حين هبطت ثم أقلعت بدوني، وصحوت وأنا أعرف أن لا شيء سيأتيني، ولن يبعث إلي رضوان بالرسالة، ~~وأنا أيضا لم أتوقعها، وإذا رأيته قادما نحوي ومعه الرسالة فلن أصدق أنها لي أنا، وإذا ~~كانت لي فلا بد أن هناك خطأ في حسابات الله، وإن رأيته قادما وفي يده الرسالة فلن أمد يدي ~~لآخذها، وسأقول له: استمر في طريقك؛ فأنت تبحث عن رجل آخر غيري، ولا يمكن أن تكون الرسالة ~~لي؛ فأنا لا أستحقها. وابتسمت في راحة هانئة زاهدة في كل شيء حتى لقاء الله، وقلت: يا ربي ~~أريد حقي فقط دون زيادة أو نقصان، وقد امتلكت الشجاعة لأعلن على الملأ تطبيق شريعتك، ونفذت ~~أحكامك كلها، وحدود الزنا والسرقة وإلقاء الخمور في النهر، ولم يملك أحد شجاعتي ممن يتقربون ~~إليك وعيونهم تبربش، وأصواتهم تهمس، فلا أحد منهم يقف إلى جوارك بمثل ما وقفت، ولا يطبق ~~شريعتك بمثل ما طبقت. # أمسكت وجهي بيدي وعيناي تدمعان، ولم أسمع الصوت من خلفي يأمرني بصوت عال: انهض وارفع ~~ذراعيك إلى أعلى. ولم ألتفت ورائي مدركا أن لا أحد يخاطبني بهذه اللهجة الآمرة إلا من هو ~~أعلى مني. ونهضت رافعا ذراعي غير مستدير منتظرا الطعنة في ظهري، لكن الصوت أمرني بأن ~~أستدير، ولم أصدق أن أحدا حين يرى عدوه من ظهره يعطيه الفرصة للاستدارة؛ فالاغتيال من ~~الظهر أسفل من الاغتيال من الوجه، ولا يعني الأمر بالاستدارة إلا الاستهانة بالرجل، ~~والاستهانة بالرجل العادي أشد من الإهانة، فما بال الإمام؟! ولم أستدر ولم أعطه وجهي؛ فأنا ~~أريد أن أموت إماما مغتالا وليس إماما مهزوما. وبقيت في مكاني واقفا رافعا عيني ms098 ~~وذراعي إلى فوق، ثم سقطت منكفئا على وجهي وفوق شفتي ابتسامة المقاتل حتى آخر رمق، والزاهد ~~في شهوات الدنيا حتى الموت. سمعت حفيف الشجر في أذني، ونقيق الضفادع كاللحن الراقص، ونسمة ~~الليل رطبة منعشة محملة برائحة البحر، وأنا ثابت في مكاني لا أجري ولا ألهث؛ فالوقت ليس ~~ضيقا، ولن يفوتني شيء هام أو غير هام، ولا أشعر بألم ولا يأس، ولا أفكر في حزب الله أو حزب ~~الشيطان، ولا أرى أحدا إلا نفسي حين كنت طفلا وأمي ترضعني، واللبن دافئ ناعم يسيل من ~~زاوية فمي، وفجأة تصيبني الشرقة، وتصدر عني الشهقة. أفتح فمي وأغلقه، وأرفس بيدي وقدمي في ~~الهواء، ووجهي أزرق مختنق، وأكاد أموت في تلك اللحظة، فلا يكون في الدنيا إمام ولا خليفة ~~الله في الأرض، لولا أن أمي تضربني بكفها المشققة الكبيرة فوق ظهري، وتطرد اللبن من قناة ~~الهواء، أو تطرد الهواء من قناة اللبن، ويعود الدم إلى وجهي، ويعود إلي الوعي، فأرى وجه أمي ~~وتعود ذاكرتي فجأة، وأدرك أنني لم أرها منذ عشرين عاما. أنهض فوق قدمي أسد الجرح بيدي ~~أمنع نزيف الدم، وأسير في الطريق القديم أعرفه لا أخطئه. أدق بابها الخشبي الداكن، وأسمع ~~الصرير كالساقية العتيقة، ومن وراء الباب أسمع صوت بطن قدمها تزحف فوق الأرض، وصوتها في ~~أذني أعرفه لا أخطئه: مين؟ وأقول: أنا. ومن وراء الخشب أسمع قلبها يدق، وأنفاسها تلهث، ويدها ~~الكبيرة ترتعد وهي تفتح الباب، ودموعها كالسحابة البيضاء فوق عيون تبربش بغير رموش، وظهرها ~~محني. كانت رموشها طويلة حين رأيتها في آخر لقاء، وظهرها مرفوع، وقالت تحوطني بذراعيها ~~ودموعها تبلل البدلة الرسمية من الصوف الغالي: عشرون سنة يا بني لا أراك؟ وقلت: مشاغل يا ~~أمي، ومشاكل بغير حل لا يقدر عليها إلا سبحانه. قالت: وجهك مخطوف يا ابني كأنك لم تأكل منذ ~~عشرين عاما؟ وسارت إلى المطبخ بخطواتها السريعة القديمة وظهرها القديم المرفوع، وجسمها ~~خفيف لا تكاد قدماها تلامسان الأرض، وعادت تنظر إلي بعيون تلمع بالفرح، أهدابها طويلة، ~~وفوق يديها تحمل ms099 الصينية عليها الفطير وعسل النحل وحليب الصباح. أقبلت نحوي تسير وأنا جالس ~~فوق الكنبة القديمة بجوار النافذة، حيث كنت أجلس وأنا طفل، أرقب النجوم وأرى وجه الله بين ~~السحب كوجه أبي. وسمعت ضربات قلبها وهي تقترب مني، وعيناها تلمعان بالفرح، ويداها تهتزان، ~~والصينية فوق يديها تهتز، ولم يبق بينها وبيني إلا ثلاث خطوات، ورأسها من الفرحة يدور، ~~والدنيا تدور به، وخطت الخطوة الثانية، ولم تبق إلا الخطوة الأخيرة، ومدت قدمها إلى الأمام ~~لكن قدمها لم تمتد. رأيت جسمها يسقط وهي واقفة أمامي، لا تبعد عني إلا امتداد الذراع. ومددت ~~ذراعي لأمسكها لكن يدي لم تمتد، والمسافة بيننا تمتد. وكلما أمد ذراعي لأحوطها تزداد بيننا ~~المسافة، وتصبح هي أبعد مما كانت، وأنا أبعد مما كنت. # | لقاء الزوجة الأخيرة والابنة غير الشرعية # لم أكن أتعجل رحيله داخل الصندوق؛ فهو رغم الموت يضيف إلى حياتي نوعا من «الحوار»، وكان ~~لا «يحاورني» في حياته، ويكتب عن «الحوار» المقال وراء المقال. صامت طول الوقت، أو يتكلم ~~طول الوقت ولا شيء بينهما. لا يسمع إلا نفسه، ولا يرى إلا صورته داخل البرواز فوق مقبرة من ~~الرخام، ويمارس الكتابة بحكم العادة. يمسك القلم بيده اليمنى، ورأسه يمسكه بيده اليسرى ~~كأنما يحمي عقله، وتمتنع عنه الكتابة بألم ودون ألم كالمرض الشهري. ويجلس في الصيف يرشف ~~الخمر مع حبات الفول، وفي الشتاء يتمطى تحت الشمس، ويتثاءب المرة وراء المرة يطرد الهواء ~~الفاسد من رأسه ويسترد وعيه الغائب. في الدور العلوي في أكبر بناية يجلس إلى مكتبه ينظر إلى ~~الأوراق والصور. يرى صورته إلى جوار الإمام في اجتماعات القمة، ومجالس البرلمان والشورى، ~~وحفلات الأعياد والأفراح، واختيار ملكات الجمال وعارضات الأزياء والشهيدات المثاليات، وتوزيع ~~الجوائز في عيد الأدب والفن على أعضاء حزب الله وحزب الشيطان، وهو واقف في الصف الأول تطل ~~عليه من شرفة الحريم عيون الزوجات المحصنات، وأرامل الشهداء والأمهات المثاليات ونساء البر ~~والإحسان، تتوسطهن زوجة الإمام. تمد يدها الصغيرة الناعمة تلمع في أصابعها فصوص الماس ~~كالإشعاع، تقدم إليه جائزة ms100 الأدب الرفيع وحسن السير والسلوك، وترتفع الأكف السمينة البضة ~~بالتصفيق، والأجسام المربعة داخل ملابس الحداد منتصبة فوق الكعوب الرفيعة، وقلوبهن تخفق ~~داخل الصدور يهتفن في نفس واحد: «الله. الوطن. الإمام.» # ولا يكف جرس التليفون عن الرنين فوق مكتبه، يرفع السماعة ويعطيني ظهره، وفي الأسلاك يهمس ~~الساعة وراء الساعة، وبعد أن ينتهي يقول لي: لا يجوز للزوجة الشرعية أن تفاجئ زوجها في ~~مكتبه كرئيس الأمن. وأضحك وأقهقه بصوت عال وأقول: ليست مفاجأة، ولكن لا يجوز للمرأة ألا تمر ~~على زوجها الشرعي في طريقها إلى موعد الحب. ويرفع رأسه إلي ويستدير بكل جسمه في المقعد ~~نحوي، عيناه تلمعان بالشبق، يرغبني أكثر كلما رغبت غيره، وينظر إلي بكل وجهه وأنا أنظر إلى ~~الناحية الأخرى. وفي الليل يحاول امتلاكي دون جدوى، ويمسك القلم ليكتب فلا يكتب شيئا. وفي ~~الصباح يرى المقال نفسه منشورا للمرة المائة أو الألف، ووجهه داخل البرواز قديما أقدم من ~~وجه آدم عليه السلام، ويغزوه الفشل كالعرق من جميع مسام الجسم، وأراه يغالب الهزيمة كذبابة ~~سقطت في صحن العسل. يمسح وجهه بالمنديل ويبتسم فجأة، كأنما غلبه الحزن بغتة، ويقول: أنا ~~مريض بالكتابة، والكتابة كالحب تقتل. وأقول: الكتابة لا تقتل، ولا يقتل إلا غياب الوعي. ~~والحب لا يقتل، ولا يقتل إلا غياب الحب. ويرمقني بعينين مليئتين بالغيرة، يود لو عاد إليه ~~الوعي لتعود إليه الكتابة، يود لو عرف الحب كما أعرف فأحياه الحب بعد الموت، وتظل الابتسامة ~~فوق وجهه ثابتة، وأدرك أنه أخفى الحزن في قلبه حتى الموت. وكنت أسمعه يضحك ويقهقه، وأظن أنه ~~غير قادر على الحزن. أتركه في الغرفة يكتب وهو لا يكتب. وفي الصباح أرى المقال يملأ الصفحة ~~وصورته داخل البرواز، وأظن أنه وجهه الجديد، فإذا به الوجه القديم. ~~••• # رفعت رأسي إلى فوق، ورأيت وجهها الشاحب النحيل وعينيها السوداوين تلمعان في الليل ~~كالنجمين. قلت: من أنت؟ قالت: أنا ابنته. قلت: أنا زوجته الشرعية، ولم تكن له ابنة. قالت: هرب ~~من أمي وأنكرني وأنا طفلة. قلت: أنت ابنته غير الشرعية؟ ms101 قالت: نعم . وارتدت عيناي إلى الوراء ~~عن عينيها، وفي ارتدادة العين عن العين ارتج الجسد، وفي ارتجاجة الجسد ارتج العقل، وعاد إلى ~~الوعي، وأدركت أنه ميت داخل الصندوق، وأنها شابة عذراء مثلي، تقف على ساقين اثنتين وليست ~~من ذوات الأربع، ولها ذراعان ويدان، وفي كل يد أصابع خمس، ويدها ممدودة نحوي بلا خوف، وصدرها ~~مكشوف. ومددت يدي نحوها وفي قلبي رعدة، والتقت أيادينا فوق جسده الممدود في الصندوق. أمسكت ~~يدي في يدها بقوة، وأمسكت يدها في يدي صغيرة الكف كالطفلة بحجم كفي. وملمسها دافئ بحرارة ~~جسمي. وامتدت الأذرع الأربع بعد امتداد الأيدي وتعانقت، ومن بعدها تعانق الجسم مع الجسم، ~~وقلت: أين كنت؟ ومتى ولدت؟ وهل أنت على قيد الحياة؟ وظلت صامتة لا ترد، تنظر إلي بعينين ~~تتسعان لحزن العالم، وسارت نحو النافذة بخطى بطيئة. أطلت على الكون تفرد ذراعيها كأنما تنشد ~~الله أو الأم أو الأب، وتعلقت عيناها بالصورة داخل البرواز المحفور على الصندوق، ثم ارتفعت ~~إلى السماء وأقواس النصر وقباب الكنائس ومنارات الجوامع، ثم هبطت إلى الأرض والشوارع ~~والبيوت والدكاكين، والناس يشربون العصير، والأطفال بملابس العيد يطيرون البالونات، وترتفع ~~البالونات في السماء تحت الشمس مع صيحات الأطفال ومع هواء النهر وهواء البحر، يسري صوت ~~الأطفال في جسدها يرجه كالضحك، وتفرد ذراعيها تحتضن الصوت، وتحتضن معه الشمس كأنها ~~الأم. ~~••• # كنت واقفة أشهدها وهي تطل من النافذة، وسمعت أنفاسها تلهث كالنشيج المكتوم، أو الضحك ~~المتقطع كالشهقات، ولهاثها لا يهدأ كمن كانت تجري دون توقف، وقلبها يدق بصوت مسموع في أذني، ~~ويدها فوق قلبها تحت الثدي الأيسر فوق الجرح الغائر في اللحم، ووجهها شاحب بغير دم، ~~وعيناها جافتان بغير دموع، والنني أسود لامع كعين السماء في الليل. سمعتها تقول بصوت هامس ~~كحفيف الشجر: لم أكن أبكي حين تصيبني الضربة من الخلف. أستدير وأتلفت حولي باحثة من أين ~~جاءت الطعنة، وأنهض واقفة ويدي فوق الجرح أوقف نزيف الدم، وأسير رافعة ظهري ووجهي نحو ~~الشمس. أجتاز الشوارع والبيوت والنوافذ المغلقة والأبواب المغلقة، وأتوقف عند ms102 الباب الوحيد ~~المفتوح، يعلوه الاسم: «بيت السعادة.» وأقول إنه الباب إلى الله. لم أكن رأيت أمي منذ ~~ولدتني. قالوا: إن الله أخذها. وقلت: إذا وجدت الله وجدت أمي. في النوم أمشي وذراعاي ممدودتان ~~أمامي في الظلمة باحثة عن أمي، ولم أكن رأيت الله وجها لوجه إلا في الحلم، وفي بيت ~~الأطفال كانوا ينادونني «بنت الله». ومن فوق السور العالي أرى قبة الكنيسة ومنارة الجامع. ~~وقال حارس المنارة: إن الله ليس له بنت ولا ولد. وقال حارس القبة: إن الله هو الأب والابن ~~والروح القدس. ولم يسمع أحد عن بنت الله، ولم أكن رأيت أبي منذ ولدت. تصورت أنه الله، لكنني ~~سمعت أنه كاتب كبير في بلاد الإمام، وله مال وبنون، وسمعة طيبة، وليس له أعداء في حزب ~~الله أو حزب الشيطان، ويحبه الجميع أصدقاء وأعداء، ويعيش مع زوجته الأخيرة حياة الزهد ~~كالمسيح، لا يقربها إلا ليلة الخميس. وصباح الجمعة يخرج إلى الصلاة وراء الإمام بغير وضوء. ~~وبعد الصلاة وهو راكع يهز رأسه ناحية اليمين يقدم فروض الطاعة والولاء لحزب الله، ثم يهز ~~رأسه ناحية اليسار يلقي التحية على أعضاء حزب الشيطان. ويستغفر الله ثلاث مرات قبل السجود ~~وبعد السجود، ثم ينهض خفيف الجسم كالمولود الجديد طاهرا من كل الذنوب. يغادر غرفة العبادة ~~وراء الإمام. يسير الهوينى مطرق الرأس بخطوات بطيئة يتمتم بآيات الله. يردد أسماءه الحسنى ~~على حبات المسبحة. يجتاز السرداب الرفيع كالصراط المستقيم بين غرفة العبادة وغرفة الخمر في ~~الدور الأرضي بالقصر. يسبقه الإمام بخطوة يدخل أمامه، وهو من خلفه يدخل. يشربان نخب ~~الصداقة القديمة، ويسترجعان ذكريات الصبا في بيت السعادة. # | الحب المحرم # حديقة خضراء من حول غرفة الخمر في القصر، وسور عال من الحديد، وكلب من نوع «الوولف» ~~المستورد، له في الليل نباح مخيف، لا يقرب السور أحد إلا قطاع الطرق أو أرواح الجان ~~والعفاريت. يختفون في النهار داخل القبور أو في بيوت كالقبور، وفي الليل يخرجون. وفي الضوء ~~الأحمر الناعم يجلس الإمام في يده الكأس، وإلى جواره ms103 صديق العمر ، بينهما فوق الأريكة مسافة ~~امتداد الذراع، والذراع من تحته وسادة من ريش النعام، ومن تحت الوسادة كتاب الله بخطوط ~~الذهب، ومسدس كاتم الصوت من أجود الأنواع. وحين ينبح الكلب بصوت عال تمتد يد الإمام وحدها ~~تحت الوسادة تتحسس المقبض، ويرتج قلب الكاتب الكبير تحت ضلوعه. أنامله الناعمة لا تعرف إلا ~~ملمس القلم. يخاف الظلمة منذ الطفولة، وليس له أعداء، وأصدقاؤه كثيرون في حزب الله وحزب ~~الشيطان، يغدق عليهم مما أعطاه الله، ويغذي الصداقة بالمال، والناس تناديه بالكاتب الكريم، ~~وفي البيت تناديه زوجاته بالرجل البخيل. يدخل ليلة العيد بلا هدية، يداه فارغتان، وفي ~~الصباح ينسى مصروف البيت، ويعود آخر الليل فاقد الوعي خاوي الجيب. تفوح أنفاسه برائحة الخمر ~~وعرق النساء، وتنطبق الشفتان في وجوه الزوجات الشرعيات، لا تفتح الواحدة منهن فمها، وإذا ~~فتحته فهي طالق، ينطقها ثلاث مرات وهو راقد، وفمه مفتوح وعيناه مغلقتان. تحمل الزوجة صرة ~~ملابسها وتخرج إلى الشارع، وتأتي الزوجة الثانية تخاف الطلاق كالموت. يعرف الناس عن زوجها ~~كل شيء وهي آخر من يعلم. تسمع الإشاعات لا تصدقها. تطرد من حياتها الوهم، أو تكتمه في ~~الأعماق. تخشى أن تبوح به لنفسها فينقلب الوهم حقيقة، وتطبق فمها لا تفتحه؛ فإذا فتحته وقع ~~عليها اليمين كالقضاء والقدر. وتأتي الزوجة الثالثة تخاف القضاء والقدر كأنه الله، وتصمت ~~إلى الأبد ولا تسمح لنفسها حتى بالوهم، لكن الطلاق يأتيها كالمصير بلا سبب. وتأتي الزوجة ~~الرابعة شابة صغيرة مرفوعة الرأس، ممشوقة القد كالغزال، تتربص للقضاء والقدر كالأسد، وعينها ~~مفتوحة سوداء كالشيطان. قرأت الكتب وتاريخ الملوك والتراث وألف ليلة وليلة وجميع الكتب ~~المقدسة. عرفت الله والشيطان وعرفت الجنة والنار، ولم تكن تخاف الموت، ولا تتعجل الذهاب إلى ~~الجنة؛ فلم يكن في الجنة مكان لغير العذراوات. # تقدم إليها بعقد الزواج يرتدي وجه العذراء، يعرض صورته الكبيرة داخل البرواز، يخفي البخل ~~بالكرم، ويخفي الخوف بالحب، ويعشق كأبيه في السر، ولا يذكر وجه أمه إلا عند الموت. وكان ~~لأمه حب آخر خلاف الطبخ والزوج، تخفي الورق ms104 تحت السرير وتكتب القصص. جمعت القصة وراء القصة ~~في كتاب واحد، أول كتاب لها وآخر كتاب. ومنذ الزواج لم تعرف أناملها ملمس القلم. وفي الليل ~~بعد أن ينام أبوه تفتح الدرج أسفل المكتب، تتحسس يدها الغلاف، واسمه محفور فوق الورق ~~كالكنز. تتلفت حولها متوجسة أن تراها عين، وتلتقي عيناها بعين ابنها الطفل، مفتوحة في الليل ~~كعين الله ترقبها، وتخفي الكتاب في الدرج تقفل عليه القفل، وفي السرير ترقد على الطرف بجوار ~~الحائط، وفي الطرف الآخر يرقد زوجها وبينهما الطفل، يغمض عينيه متظاهرا بالنوم. وفي الصباح ~~يضربه أبوه ليحفظ دروس الأمس، ويخفي الطفل كأمه حبه لكتابة القصص. يدرس العلم كأنما العلم ~~نقيض الأدب، ويحفظ كتاب الله عن ظهر قلب، وكلما حفظه أحبه أبوه وراحت عنه شبهة الفن. وفي ~~الليل يحس أذن أبيه فوق صدره يتسمع خفقات القلب، يلتقط أي خفقة أو أي قطرة تسربت مع لبن الأم ~~إلى الدم. # | العشيقة # جاءت من بيت السعادة تلقي عليه نظرة أخيرة، وهو راقد يبتسم في الصندوق، ينظر إليها وفي ~~عينيه بريق العشق. قالت نزوة يائسة أخيرة لا تفعل شيئا، وعشقه للنساء كمحاولاته اليائسة مع ~~الفشل. دخلت واقفة تحوط رأسها بشعرها الكثيف تربطه بمنديل أبيض يتدلى منه الترتر، وحولت ~~بصرها عنه إلى زوجاته الشرعيات، واقفات يرتدين ملابس الحداد. وجوههن متشابهة، وأياديهن ~~الصغيرة البضة معقودة فوق قلوبهن، وأنفاسهن مكتومة، وسيقانهن فوق الكعوب الرفيعة ملتصقة، ولا ~~تكاد تفرق الواحدة عن الأخرى إلا بدبوس فوق الصدر أو شارة على الكتف، والملامح ممسوحة، ~~والرأس صغير، والردف ثقيل، والروح غائبة. واقفات صامتات ينظرن إليها بعيون جاحظة كعيون ~~الضفادع أو السمك تحت الماء، وانفرجت الشفاه المطبقة في آن واحد، وسألن: من أنت؟ قالت وهي ~~ترفع رأسها فوق عنقها بحركة كالشمخة، لم تعرفها الزوجات الشرعيات: أنا العشيقة جواهر. ~~وارتجت أجسادهن فوق الكعوب الرفيعة، ومع ارتجاجة الجسد عادت الروح ومعها الوعي، ورأين في ~~عينيها السوداوين بريقا موجعا كالصدق، اخترق عيونهن، ونفذ رغم الوجع إلى بؤرة في القلب، ~~وهتفن بصوت واحد: عشيقة من فيهم؟ ms105 قالت: كلهم ، ابتداء من الإمام إلى حارس القبة والمنارة. ~~واتسعت عيونهن بذعر، أخفينها تحت الأيدي، والتفت الأذرع حول الصدور تحكم إغلاق القوقعة، ~~وهتفن بصوت كاللهاث: أنت الشيطان، وعقابك الموت. وأطلقن سيقانهن السمينة للريح، والكعوب ~~المدببة تطرقع كالصواريخ، ولم يبق في الغرفة إلا اثنان؛ الزوجة الأخيرة والابنة غير ~~الشرعية، واقفتان والأيدي متشابكة، وامتدت إليهما يد العشيقة، والتقت الثلاث في عناق. تشابكت ~~الأذرع الست فوق الجسد الراقد في الصندوق، والابتسامة فوق شفتيه راحت، وملامح الوجه تلاشت، ~~لم يعد يشبه وجه الإمام ولا الكاتب الكبير ولا رئيس الأمن ولا المعارض الشرعي، ولا أي رجل ~~من حزب الله أو الشيطان. أصبح بلا وجه، أو هو وجوههم جميعا في وجه واحد ممسوح المعالم، لا ~~تميز الواحد منهم عن الآخر إلا بشارة فوق الصدر، أو نجمة على الكتف، أو شيء على ~~الرأس. # وفي مرايا الكون ظهرت صورة لثلاث نساء مرفوعات الرأس، مفتوحات العيون، والعيون واسعة ~~سوداء كعين الليل، والقلوب تخفق بالحب، والأذرع متشابكة، والأيدي متماسكة، والثلاثة واقفات ~~متعانقات ثابتات في الكون بلا حركة. # | جواهر # في الصندوق وهو راقد كان ينظر إليها وعيناه تلمعان بالعشق، ويدها تدور على رأسه من القمة ~~إلى السفح، ثم تزحف بطيئة فوق العنق. تدور حول رقبته كالخيط الحرير تشده حتى يشهق ويختنق، ~~لكنه يضحك فتشده أكثر حتى يكف عن الضحك وتشوبه زرقة، فترتخي أناملها الناعمة من حول عنقه، ~~وتزحف بين الشعر الأشيب الناحل فوق صدره لتمسك الخرزة الزرقاء باقية، لم يخلعها منذ علقتها ~~أمه في الطفولة. تلتقطها بطرف الأنملتين كفكي الملقاط، وتقول: أمك خافت عليك من العين، وأنا ~~أخاف عليك من الأذن. ثم تشده من أذنه وتضحك، وتلقي بشعرها الكثيف خلف ظهرها، وأذنه تشرئب ~~مرهفة لصوتها يهمس بالعشق، وعينها ثابتة في عينيه حتى ينتصب الشعر في جذور الرأس، ويخفي ~~منابت شعره الأبيض بلون أسود، صبغة من الحنة السوداء ترسلها إليه أمه في كيس من الدمور، ~~يذيب المسحوق في الماء، ويصبغ خطوط الشيب حتى يصبح شعره بلون الليل، لكن الشعر الأبيض فوق ~~صدره ms106 وأسفل بطنه يكشف حقيقة العمر. يتحسس التجاعيد فوق وجهه، وعيناه تتسعان بالدهشة، كأنما ~~الشيخوخة تسربت إليه خلسة وهو غارق في النوم. وتلتقي عيناه بعينيها في المرآة، فتحرك ~~رأسها بعيدا تخشى العدوى، كأنما الشيخوخة مرض تنتقل بتلامس العيون، وفي عينيها يرى نظرة ~~الإشفاق على نفسها؛ فهي شابة تعيش، وهو عجوز ميت. ويحوطها بذراعيه ينشج بين نهديها: أنا ~~مهزوم يا جواهر. وبيدها تبعده عنها. في أعماقها تدرك أنه يريد أن ينقل عجزه إليها، وبعد كل ~~لقاء يزداد فشله، ومع ذلك يأتي إليها لا يكف، كنوع من الإدمان، كالخمر يشتاق إليها ولا ~~يعيش أو يموت بغيرها. # لم يعترف لها بالهزيمة أبدا. كان قد أدمنها إلى حد الإحساس بالنصر، كالسم يبتلعه المدمن ~~بلذة متزايدة. وحين يلتقي بها يرمق جسدها من تحت الثوب، في عينيها بريق كنصل السيف. تنظر ~~إلى جسده الميت فتدب فيه الحياة تحت بريق العين، وينتفض بين ذراعيها كالفرخ المذبوح وهي لا ~~تنتفض، ويقول: أنت امرأة غير النساء. وتقول: كيف؟ يقول: أنت امرأة لا تشعر بجسمها مع ~~إحساسها الدائم بعقلها. ويتثاءب كأنما يداهمه النوم فجأة، ثم يفتح عينين مليئتين بالغيرة، ~~يغار من عقلها أكثر من أي شيء آخر. يحاول اغتصابها، كأنما بالاغتصاب يستعيد التوازن، لكن ~~عجزه يتأكد المرة بعد المرة، ويخرج من عندها يجري إلى زوجته الشرعية، يدفن رأسه بين نهديها ~~وينشج كطفل في حضن الأم. تحوطه بذراعيها وهي غارقة في النوم. لا تفتح جفنيها، وتحس أنفاسه ~~الساخنة فوق عنقها، فتدرك أنه محموم بالحب، ليس لها، وإنما لامرأة أخرى يعجز عن امتلاكها. ~~وتكتشف وهي نائمة أن المرأة غير المملوكة لأحد هي معبودة الرجال؛ فهي الوحيدة القادرة على ~~إيلامهم. وتقول لنفسها في النوم: # لا يحب الرجال إلا تلك التي تؤلمهم. # | الأم والابنة # في المرآة رأت نفسها واقفة ممشوقة القد، من حول رأسها هالة بلون الليل، والعين واسعة كقرص ~~الشمس، وجسمها ملفوف يتوهج بألوان الطيف، يمتد فوق الهضبة الخضراء بين البحر والنهر، تفرد ~~ذراعيها وتحتضن الكون، وتحرك ساقيها فوق الأرض. قدماها تدبان باللحن، وأنغام ms107 الصبح كأنغام ~~الليل تحركها. عقلها لا يعرف السكون، وجسدها لا يكف عن الرقص، والهواء من حولها يصبح اللحن ~~تعشقه، والنغم في صدرها كالهواء يملؤها، وتطير في الجو كالروح بلا جسد. تدور بالرقصة دون ~~ردف ولا بطن، وترفع رأسها في السماء تمسك السماء ولا أحد يمسكها، وفي أذنها تسمع الدقة ~~وراء الدقة ثلاث دقات تعرفها لا تخطئها، والوجه الصغير يطل من بين السحاب تعرفه لا تخطئه، ~~ومن ملايين الوجوه في الكون تميزه، واليد الصغيرة تطل من الكم، شاحبة بيضاء بلا دم، وأصابع ~~الكف مفتوحة تشبه أصابعها في ابتهال صامت أبلغ من الصوت، والعين واسعة سوداء كعين السماء ~~في الليل، وفي صدرها تخبئها وتجري ولا تكف عن الجري، وأقدامهم من خلفها تدب بأحذية من ~~الحديد، في كل كعب حدوة كحوافر الخيل، وفي يد كل منهم حجر أو آلة قتل، وهي في صدرها مخبوءة ~~تحت القلب. قلبها الصغير يدق الدقة وراء الدقة مع النبض، وأصابعها الخمس تنقبض وتمسك إصبع ~~الأم، والأم تجري تحتمي بالظلمة قبل طلوع الشمس. تأخرت الشمس في الطلوع لتحمي الأم في ~~الليل، والقمر أيضا أغمض عينه، والنجوم راحت في النوم، وانطفأ في الكون كل ضوء. أغلق الحارس ~~آخر أبواب القصر، وتمتم بآية الكرسي، ونام الإمام وحزب الله وحزب الشيطان، والهواء نام، ~~وأوراق الشجر نامت، وهي واقفة تتلفت حولها تخشى أن تلمحها عين. لم تر في الظلمة أي عين، ~~فانتزعتها من صدرها وساوت الأرض ببطن الكف، وأبعدت الطوب والحصى، وفرشت الأرض بتراب ناعم ~~كصدر الأم، وأرقدتها. وجهها صغير شاحب يطل من فتحة الثوب. أسنانها تصطك بالبرد. خلعت الشال ~~الصوفي الأسود وحوطتها. لامست يدها الصغيرة إصبع الأم فأمسكته بأصابعها الخمس لا تتركه، ~~وتركت الأم إصبعها في يدها بطول الشهيق العميق في صدر الأم، ونسيت أنهم وراءها، والمسافة ~~بينها وبينهم ضاقت، لكنها تركت إصبعها في يدها لا تسحبه حتى آخر نفس، وظلت واقفة تطل عليها ~~من فوق، وفي ظهرها يضربون الطعنة وراء الطعنة، والأم لا تحول وجهها عن وجه البنت، لا تستدير ~~إليهم، ms108 ومهما ضربوا لا تسقط؛ فهي ساقطة من قبل، وسقوط السقوط صعود. ومهما تصايحوا لا تعطيهم ~~إلا ظهرها؛ فهي تعرف أنهم يهربون من وجهها إذا استدارت إليهم. يخافون أن تسقط عيناها على ~~وجوههم؛ فهي تعرفهم واحدا واحدا ابتداء من الإمام إلى الحارس والخفير، وجميعهم كانوا ~~يأتون إليها في الظلمة بوجوه تنكرية، وفي فراشها في بيت السعادة يخلعون الوجوه المطاط وشعر ~~الشارب واللحية والعباءة والسروال، وتراهم واحدا واحدا بغير لباس ولا شارة على الكتف أو ~~نجمة فوق الصدر، وجميعهم شكل واحد، ورائحة واحدة، وحركة واحدة من طرف واحد، كالهجوم بغتة ~~والتراجع بغتة، ورفع علم الهزيمة ينتصب بغتة كعرف الديك. صواريخ النصر تفرقع، والهتاف يدوي، ~~وهي واقفة تحت الضوء، نصف عارية ترتدي بدلة الرقص، والصاجات بين أصابعها تطرقع، وجسمها ~~ساخن تحت الشمس، يحتضن عقلها البارد كنصل السيف، وعينها مفتوحة حمراء كعين السماء في ~~القيظ. ترمقهم واحدا واحدا وهم وقوف يغضون البصر في الأرض. ولكل واحد منهم وجهان اثنان؛ ~~وجه حلو التقاطيع، تنهمر الدموع من المآقي، والوجه الثاني داكن اللون جاحظ العين مدبب الأنف ~~كالسيف. # وصوتها وهي تغني كان هو الطرب، وجسدها الممشوق كالغزال كان هو العشق. إنها لا تبالي ~~الطعنة تأتي من الأمام أو الخلف؛ فهي ترقص ولا تبالي الموت، وهي ليست في حزب الله أو ~~الشيطان، وليست بالمرأة أو الرجل، وليست بالإنس أو الجن، ولكنها كل ذلك، وإن سقط منها شيء ~~يبقى الكل. # | المحاكمة # قبل أن يقتلعوا رأسها من الجسد رأوا جذورها ممتدة في بطن الأرض، وبلغ بهم التعب كالخوف، ~~وأخفوا الخوف في التعب، وجلسوا تحت الظل يحمون رءوسهم من الشمس. يمسحون وجوههم بالمناديل، ~~ومن تحتها تطل الملامح ممسوحة بلا أثر، ولا شيء يميز الوجه عن الوجه، ولا تكاد تعرف الواحد ~~من الآخر إلا بشارة على الرأس أو الكتف. وتعرفت على كتف رئيس الأمن وهو واقف أمامها يمسح ~~وجهه بالمنديل ويقول: # ألك أقوال أخرى قبل تنفيذ الأمر؟ قالت: أي أمر؟ قال: أمر الله والوطن والإمام. وظلت صامتة ~~لا ترد. وقال: ألا تؤمنين ms109 بالله والوطن والإمام؟ قالت: الثلاثة كلهم في آن واحد؟ قال: نعم، ~~الإيمان بالكل أو لا شيء. وظلت صامتة لا ترد. ودون في الدفتر بالقلم: الصمت يعني أنها تفكر، ~~وكونها تفكر يعني غياب الإيمان. ومسح وجهه بالمنديل وقال: ألك أقوال أخرى؟ قالت: أريد أن ~~أقول إنني بريئة بلا ذنب، ولي أم واحدة هي الشمس، وآباء كثيرون بلا عدد، لا أعرف منهم لا ~~الاسم ولا الوجه، ولا أقرأ الحروف فوق الورق، وأعيش في بيت السعادة وليس في قلبي إلا الحزن. ~~النهار عندكم هو الليل عندي، والسعادة عندكم هي حزني، واللذة عندكم هي عندي الألم، والنصر ~~عندكم هو هزيمتي، وجنتكم هي جحيمي، وشرفكم هو عاري، وعاري هو شرفكم، وعقلي هو جنونكم، ~~وجنوني هو عقلكم. وإذا مات جسدي فلن يموت قلبي. وآخر ما يموت في هو العقل؛ فهو يعيش على ~~أقل شيء، وكل شيء يموت في قبل العقل، ولا أحد فيكم نال عقلي، لا أحد. ومهما نلتم جسدي ظل ~~عقلي بعيد المنال، كعين الشمس في النهار، كعين السماء في الليل. # ورأتهم واقفين أمامها في طابور طويل يضربون كفا بكف، ويتعجبون غاية العجب، وقالوا: ~~ليست ساحرة ولا مجنونة، وإنما عاقلة، وكلامها عين العقل، وأصبح عقلها أخطر من جنونها. فحكموا ~~عليها بالموت بطريقة أسرع من الرجم، وعدم إعطائها أي فرصة أخرى للكلام، وعدم نشر المحاكمة ~~في الصحف، وإغلاق الملف ودفنه في بطن الأرض إلى الأبد. ms110