######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.TacallamtuHubb.Hindawi31738379 #META# Tags: literature #META# ID: 31738379 #META# Title: تعلمت الحب #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # الإهداء‏ # تقديم للأستاذ يحيى حقي‏ # تعلمت الحب‏ # لعله الحب‏ # شيء جديد‏ # نسيان‏ # هذه المرة‏ # المقامر‏ # شيء آخر‏ # ضعف‏ # الماضي‏ # تحت الملاءة‏ # لن أكون رخيصة‏ # أحلام‏ # لست أنا‏ # زوجي، لا أحبك!‏ # كلنا حيارى‏ # ثمن الكتابة‏ # الإهداء‏ # تقديم للأستاذ يحيى حقي‏ # تعلمت الحب‏ # لعله الحب‏ # شيء جديد‏ # نسيان‏ # هذه المرة‏ # المقامر‏ # شيء آخر‏ # ضعف‏ # الماضي‏ # تحت الملاءة‏ # لن أكون رخيصة‏ # أحلام‏ # لست أنا‏ # زوجي، لا أحبك!‏ # كلنا حيارى‏ # | تعلمت الحب # | تعلمت الحب # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها ms01 فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو ms02 خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم، في بداية ms03 الربيع يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | الإهداء # كلما أمعنت النظر في مشاكل حياتنا زدت اقتناعا بأننا في حاجة إلى مزيد من الحب والرحمة؛ ~~فالحب يجعل الحياة مقبولة بما يثيره فينا من أحاسيس، والرحمة تلطف الحياة برقتها ~~وخيرها. # والحب الذي أنشده ليس هو الحب العادي بين رجل وامرأة، أو أب وولده، فهذا حب لا فضل لنا ~~فيه وكلنا فيه سواسية، ولكني أنشد الحب الذي نبذله لغيرنا دون أن نأخذ شيئا، اللهم إلا تلك ~~السعادة النفسية التي تعلمنا كيف نقبل الحياة بما فيها من خير وشر، فنحب الأخيار، ونعطف ~~على الأشرار حتى يتلمسوا السبيل إلى أن يكونوا أخيارا. # فإلى من يرى في كل صباح يشرق على العالم فرصة جديدة لمزيد من الحب والرحمة أهدي هذا ~~الكتاب. # نوال السعداوي # | تقديم للأستاذ يحيى حقي # قد لا يرضى علي أساتذة النقد حين يرونني وأنا أتناول بترحيب قصة بقلم واحدة من بنات ~~حواء أجعل أول همي لا أن أتدبر شكلها ومضمونها والمذهب الذي تنتسب إليه، بل أن أعرف أكان ~~حديثها حديث المرأة عن المرأة فأفرح به، أم حديثا يعتنق لغة الرجل ومنطقه فأقول علينا ضاعت ~~الفرصة وعليها؟ فأنا وليد مدنية ألفت وهامت بأن تصف المرأة بأنها لغز، هيهات لذكاء الرجل ~~الفطن أن ms04 يسبر غوره! كل ما يعرفه منها أو يكتبه عنها نوع من الرجم بالغيب، وضرب من الحدس ~~والتخمين، قد يكون في هذا الوصف كثير من الوهم الغافل أو النصب المتعمد. # ولكنه هو هذا الذي استقر في الأذهان من فرط تردده على الألسن. وقد دارت حول هذا المعنى ~~قصص كثيرة، فكيف لا أفرح حين تفتح لنا المرأة بيدها نافذة نطل منها على أسرارها، سنجد أكبر ~~المتعة حين تحدثنا عن المرأة في نفسها وفي غيرها، بل سنجد متعة أيضا حين تتحدث المرأة عن ~~الرجل، فنحن نحب أن نرى صورتنا في مرآتها، ولعل هذه الصورة هي التي تعنينا قبل الصورة التي ~~نراها لنا في مرآة ترفعها يد الرجل أو يدنا نحن. # فلما فرزت مجموعة الدكتورة نوال - وهي من خمس عشرة قصة - وجدت هذا المطلب الذي أهيم به ~~متوفرا لحسن الحظ في غالبيتها العظمى؛ إذ أقامت على حديث المرأة عن المرأة ثماني قصص، ~~ووصفت المرأة مع الرجل في قصتين، ووصفت الرجل وحده في ثلاث قصص، فهي مجموعة نسائية دما ~~ولحما. ~~••• # وتنطق المجموعة بوضوح أن الدكتورة نوال حين اهتدت إلى طريقها الصحيح اعتزمت أن تنبري ~~لتقدم لنا جوانب مختلفة من غريزة المرأة وطبعها، وعاهدت المؤلفة نفسها أن تقول الصدق بشجاعة ~~قد يتهيبها كثيرات غيرها من بنات جنسها؛ فما تهربت أو لجأت إلى المواربة، ولا قصدت الدفاع ~~أو الاتهام، فليست المرأة كما رسمتها ملاكا خالصا أو شيطانا خالصا، بل اكتفت بوصف إحساس ~~المرأة بنفسها وبالرجال وبالعالم الذي تعيش فيه. كتبت كل هذا بأسلوب مهذب ليس فيه أقل دمامة ~~أو خدش للحياء، فإذا بنا نجد المرأة عندها شديدة الانتباه لمعركة الجنس الدائرة بين الرجال ~~والنساء، تقف المرأة في هذه المعركة في أغلب الأمر موقفا سلبيا وتحس أنها فريسة مطاردة، ~~انظر بطلة «قصة تحت الملاءة» إنها تعد على أصابعها تحت الملاءة عدد الرجال الذين طاردوها ~~فإذا بعددهم يبلغ عشرين رجلا (أرجو أن يكون هذا العدد رقما قياسيا!) وانظر كيف تصف صورة ~~الرجال المتحككين بالمرأة في عين تلك المرأة، إنها ms05 ترى لهم صورة مقززة. وانظر إلى هذه ~~الطبيبة الشابة التي تتنكر للطب لأنه عجز عن شفاء أمها وأبيها وترتد إلى معدنها الأصيل - ~~معدن الفنانة الهائمة بمشاكل القلوب (قصة كلنا حيارى). ولكن المرأة في أحوال قليلة تملك ~~نفسها وتحاول أن تكون هي التي تقبل وهي التي تختار، ولكنها تتقدم في حذر وتهيب. # وكذلك في بعض صور المرأة عند الدكتورة نوال نجدها مترددة بين الضعف والقوة، وبين الصدق ~~والكذب، فهي ضعيفة في يد الرجل؛ يخونها فإما تتحمل وحدها عار الحمل سفاحا ولا ينقذها منه ~~إلا الانتحار (قصة أحلام)، وإما تنحدر إلى مزالق الرذيلة، لا لعيب فيها بل بسبب هذه الخيانة ~~(قصة هذه المرة)، وهي أحيانا قوية تطغى شخصيتها على شخصية الرجل بل ترسم للحب هدفا أسمى ~~من هدفه (قصة لن أكون رخيصة)، سنجد شابا ضعيفا يهرب من فتاة لا لشيء إلا لأنها أقوى منه ~~(قصة ضعف)، وفتى خجولا مضيعا في الحياة لا يجد نجاته إلا على يد امرأة قوية (قصة لعله ~~الحب)، سنجد كاتبا مغرورا بنفسه وشهرته تقابله امرأة قوية فتكشف زيفه (قصة شيء جديد). ~~المرأة أحيانا تجمع بين الضعف والقوة في وقت واحد؛ هذا هو حال بطلة قصة نسيان، وهي تصدق ~~فتصارح زوجها بأنها أحبت رجلا غيره (قصة زوجي لا أحبك) وتكذب وهي تلفق لنفسها الأعذار وهي ~~ذاهبة لموعد غرام (قصة نسيان). # وقد وصفت الدكتورة نوال كل واحدة من نسائها وصفا جميلا جعلنا نحس بهن وننفذ إلى ~~ضمائرهن. ~~••• # واللون الغالب على هذه المجموعة ليس هو التفاؤل أو التشاؤم، بل نوع من الإشفاق والحسرة ~~(حتى حادثة الانتحار في قصة «أحلام» لا تكون إلا أضغاث أحلام)؛ فالدنيا عند الدكتورة نوال ~~كحديقة الملاهي يركب الناس فيها مراجيح دائرة: موسيقى وأنوار وضجة وبهجة، ولكن ركاب هذه ~~المراجيح أغلبهم فرادى يدورون ويدورون دون أن تتريث المرجيحة لحظة حتى يتم لقاء وتزدهر من ~~بذرته زهرة جميلة؛ فالدكتورة نوال تلح على الناس إلحاحا شديدا أن يفيقوا لأنفسهم من هذا ~~الدوران المدوخ فإنهم لو فعلوا لتكشف لهم في الدنيا ms06 والناس جوانب غير قليلة من الجمال ~~والخير، حتى في نفوس ومواقع لا يظن فيها الجمال. هذا هو شأن الطبيبة الشابة التي تذهب ~~للريف فلا تعمى عن طيبة بعض أهله (قصة تعلمت الحب)؛ فهذه القصص المتفرقة تصدر عن نظرة ~~إنسانية شاملة. ~~••• # هناك صفة إذا تحققت في القصة تضاءلت بعدها نداءات المطالب الأخرى، هي أن تكون مقروءة، أن ~~يجوس القارئ خلالها فلا يشعر بتعب أو ملل أو نكد أو إرهاق، لا يكربه تعقيد والتواء وحشو ~~ومبالغة. وأشهد أن هذه الصفة قد تحققت في أغلب قصص هذه المجموعة، ثم أعجبني فيها ما رأيته ~~من محاولة رفع أسلوب السرد إلى مستوى المعالجة الفنية، يتجلى هذا في بدايات القصص، وهي ~~دائما أحسن من خواتيمها؛ فالكلمات مختارة باقتصاد لا فضول فيه، ثم هناك محاولة طيبة أيضا ~~لاصطناع تعبيرات خاصة غير منقولة ولا مقتبسة من مألوف الكلام، يدل على أن الدكتورة نوال ~~تصوب للدنيا وللناس نظرة مستقلة غير مقلدة مما يبشر لها بمستقبل نير، إنها لا تهيم ~~بالدمامة بل تتطلع إلى الجمال والخير. # وما السر في هذا كله إلا أنها صاحبة نفس معتدلة حساسة فنانة. ومما أعانها على الصدق أنها ~~عرفت كيف تنتفع بتجربة تعيشها - وهي ممارسة تطبيب مرضى الصدور - شأنها في ذلك شأن الدكتور ~~مصطفى محمود، فدخلنا معها العيادات، وعرفنا حكايات الأطباء والممرضات، وما أكثر وأسهل رواية ~~حكاية الأطباء والممرضات. وذهبنا معها للريف إلى وحدة مجمعة، بل يخيل إلي أن المحامية في ~~قصة تحت الملاءة قناع تختفي وراءه طبيبة، كأنما خشيت الدكتورة نوال من معرة التكرار، وما ~~هو عيب إذا التزمت الصدق. ~~••• # إذا جاريت النقاد قلت للدكتورة نوال بصراحة إن بعض قصصها قد خرج عن شكل القصة إلى شكل ~~اللوحة، عمادها الوصف والتسجيل أو الاكتفاء بإيراد خبر؛ قد يكون رسما لذيذا ولكنه فاقد ~~النمو والحركة. ولست أخاصم هذا النوع لو سمي باسمه خصاما شديدا، فإنني أجد بعضا منه في ~~مؤلفات بعض كبار الأدباء السابقين - كديكنز وتشيكوف - ويكون عذر قبولها هو غناؤها بالأفكار ~~وبراعتها في الصياغة والصنعة، ms07 لعلهم كانوا يلجئون إلى كتابة هذه اللوحات كلما أطبقت عليهم ~~مطالب القصة وشروطها، ولكني أحب على كل حال لكل قصاص أن يفطن لما يكتب ويدرك الفرق بين ~~اللوحة والقصة ويحاسب نفسه وهو يتلمس طريقه، فإذا كان هذا حاله فقد أمنا عليه ورجونا ~~له أن يهتدي إلى نور أعم يكشف له طريقه في المستقبل، وإلا فلنا العذر أن نخشى عليه من أن ~~تنزلق قدمه وهو غافل. ولا يظنن الكاتب أن النقاد لا يغفرون له ما يغفرونه للأدباء الكبار، ~~وأحب له أن يفهم من هذا أن خير رد له على النقاد هو أن يملك أولا قدرته واعتدال صنعته، ~~ثم له بعد ذلك أن يتبهنس كما يشاء. # | تعلمت الحب # هبطت بي العربة السريعة في الطريق الزراعي المترب، واختفت العمارات العالية والمداخن ~~السوداء وظهرت بشائر الريف، ورأيت حقول «الذرة» تقترب من جانبي الطريق، بعضها أخضر وبعضها ~~أصفر، يتخللها النخيل الطويل الهزيل، وسحبت زجاج النافذة إلى أسفل لأشم رائحة الريف بما ~~فيها من تراب وزرع وماء، تلك الرائحة العجيبة التي أعشقها، والتي أشمها أحيانا في القاهرة ~~حينما أمر في ليالي الخريف بعربات «الذرة المشوي» أو عندما تأتي إحدى القريبات من الريف ~~فأشم حولها رائحة الفطير، أو حينما تأتي عربة الرش في ليالي الصيف وتندي شارعنا ~~بالماء. # وطلبت من السائق أن يتمهل، وجذبت أنفاسا طويلة فامتلأ صدري بهذه الرائحة الحبيبة، ~~وانتشيت وذاب بعض الوحشة التي أحسستها وأنا أفارق القاهرة، وشعرت كأنني أعود إلى وطني، إلى ~~أصلي، كأنما أزحف بجسمي على الأرض السوداء المبللة بالماء وأتحسسها بلساني لأرتوي منها ~~وأغمس رأسي في شقوق الأرض أشم باطنها وأضع خدي الملتهب على سطحها الرطب. # وطافت برأسي فكرة أصل الإنسان: ماذا كان؟ حيوان من خلية واحدة يزحف على هذه الأرض! أو ~~قطعة طين من هذا الطين الذي يغطي الأرض؟ وتنبهت فجأة وقد أحسست أن العربة وقفت، ورأيت عددا ~~كبيرا من الفلاحين يحيط بالعربة، وسمعت أصواتا خشنة تقول: «الست الدكتورة وصلت.» # وهنا صحوت من غفوتي وتذكرت أنني الست الدكتورة التي وصلت، ms08 وأنني قدمت من القاهرة لأتسلم ~~عملي اليوم بوحدة طحلة المجمعة. # ونزلت من العربة، وما إن استقرت قدماي على الأرض حتى رأيت رجالا بالجلاليب ونساء ~~بالطرح ينحنون على يدي يقبلونها، وقادوني إلى البيت المخصص لي في مظاهرة حارة من آلاف ~~التسليمات والترحيبات. # ودخلت البيت، ووجدتني داخل صالة كبيرة منسقة في وسطها منضدة كمائدة الطعام وضعوا عليها ~~حقائبي! ~~- ده بيت لطيف فعلا، مين اللي رتب الفرش ده؟ # وسمعتهم يقولون في صوت واحد: «محمود.» ~~- محمود مين؟ # وأشاروا إليه، كان رجلا ريفيا جاوز الخمسين من عمره، قصير القامة يلبس جلبابا ليس له ~~لون معين، وطاقية صفراء من الصوف، وكان شكل وجهه غريبا علي، فيه قبح شديد منفر، أنفه ~~كبير على قمته شعر أسود قصير، وعيناه مدفونتان في حفرتين شديدتي الضيق، وأهدابه متلاصقة ~~كأنها لزجة، وشفته العليا أعرض من السفلى على عكس الناس. # وأدرت وجهي عنه بسرعة، وطلبت منهم أن ينصرفوا لأستريح. وانصرفوا جميعا إلا هو ذلك ~~المحمود، رأيته يأخذ حقائبي ويقول بلهجة ريفية: الشنط دي نطلعها فوق يا ست الدكتورة؟ # وكدت أقول له دعها وانصرف، ولكني كنت متعبة فعلا وفي حاجة إلى بعض الملابس التي بداخل ~~هذه الحقائب فقلت له: «أيوه، طلعها فوق.» # وأخذ الحقائب وصعد السلم، وكان البيت مكونا من طابقين: طابق علوي فيه حجرة النوم ~~والحمام، وطابق سفلي فيه حجرة الطعام والمطبخ. # ووضع محمود الحقائب بجوار الدولاب وتراجع إلى الوراء وهو يقول: الست الدكتورة تطلب إيه ~~للغدا؟ # ونظرت إليه ورأيت وجهه، كان قبيحا، لكني لم أشمئز منه كالمرة الأولى، وكنت أريد أن ينصرف ~~لأستريح فقلت: «لا أنا مش حاتغدى دلوقت، روح انت يا محمود.» # ولكنه لم ينصرف وقال لي كأنه يعزمني في بيته على الغداء: «لا مش ممكن إزاي سعادتك تقعدي ~~من غير غدا والسفر متعب.» # كنت أسمعه وظهري له لأتفادى دمامة وجهه، لكني أحسست أن في صوته شيئا مألوفا لدي، كأنما ~~سمعته قبل اليوم. # واستدرت إليه، ورأيت وجهه، واهتزت عيناي على ملامحه لا ترغبان في الاستقرار على شيء منها، ~~وقلت له ms09 في عزم وغضب : «أنا مش حاكل دلوقت!» # وانصرف، وزحزحت السرير بجوار النافذة، وألقيت جسمي عليه، ومددت ساقي، وثنيت الوسادة تحت ~~رأسي لأتمكن من رؤية المزارع من خلال النافذة وأنا نائمة، وأغمضت عيني وأنا أجذب نفسا ~~عميقا هادئا. # آه! ما أجمل الاسترخاء! وما أشق أن أساق في تيار متدفق، لا أتوقف لأن كل ما حولي لا ~~يتوقف: الساعة تدق دائما، والعربات والقطارات تجري بسرعة وتصفر، وحياة المدينة الجارفة - ~~حياة القاهرة - بنهارها وليلها وعملها ولهوها تبتلع اليوم، وتجعلني أتلفت حولي في قلق ~~وأقول: هل من مزيد، هل يصبح اليوم أربعين ساعة؟ # ومددت ذراعي وساقي وتثاءبت في تراخ شديد. # آه! ما أحلى التوقف بلا ساعة وبلا زمن! اليوم أمامي طويل عريض، بلا مواعيد، والأرض ~~الواسعة الخضراء حولي جميلة بلا مواصلات، والناس الطيبون قريبون مني في أية لحظة يلبون ~~طلباتي. # ووضعت يدي تحت رأسي وتمطيت، أنا هنا ملكة، ملكة نفسي قبل كل شيء. # وسمعت طرقا على الباب فقمت من فراشي ونزلت وأنا أحس أنني خفيفة كالريشة، وفتحت الباب، ~~ودخل محمود بوجهه القبيح، لو لم يكن له هذا الوجه المنفر؟! إنه الشيء الوحيد الذي يتلف ~~مزاجي في هذا الهدوء. # وسمعته يقول: يا ست الدكتورة الغدا جهز. ~~- غدا؟! هو أنا طلبت غدا؟ ~~- أنا قلت مش معقول حضرتك تفضلي من غير غدا، ودي حاجة بسيطة مش قد المقام يا ست ~~الدكتورة. # ودخلت امرأة ريفية تحمل على رأسها صينية كبيرة مغطاة بفوطة بيضاء نظيفة، ووضعت الصينية ~~على المائدة وانصرفت، وأخذ محمود يرتب الأطباق، ويعد الأكواب، وما إن تأكد أن كل شيء في ~~مكانه حتى تراجع نحو الباب في حركة خفيفة وقال: تطلبي حاجة تاني يا ست الدكتورة؟ # ولا أدري بم ذكرتني لهجته، وكأنما سمعتها قبل اليوم، ورفعت عيني إليه ورأيت وجهه. ~~ولأول مرة تبينت عينيه، كانتا سوداوين ضيقتين فيهما نظرة مألوفة لدي كأنما رأيتهما من ~~قبل، من سنين بعيدة، ربما وأنا طفلة، وأحسست كأنه قريبي، وقلت له وأنا أبتسم: لا، كتر خيرك ~~يا عم محمود. # ورن صدى «عم ms10 محمود» في نفسي ، لماذا قلت له عم محمود؟ لست أدري، لكني لم أستطع أن أقول له ~~محمود «حاف» كالمرات السابقة. # وأكلت بشهية تشبه الشهية التي كنت آكل بها وأنا في العاشرة من عمري حينما كنت أعود من ~~المدرسة وألقي حقيبتي وأجري لألحق بكرسي على المائدة، وما إن يمتلئ فمي بالطعام حتى أسمع ~~أمي تهتف بي كعادتها من المطبخ: غسلتي إيديك يا آمال! # وتذكرت أنني لم أغسل يدي، فقمت وغسلتهما، والتهمت بقية الطعام ثم نمت، نمت أيضا بشهية ~~تشبه شهيتي وأنا طفلة، ولم أستيقظ إلا في الصباح التالي لأجد كل شيء مشرقا متألقا. # الشمس الدافئة تدخل إلى نصف السرير وحقول الذرة تلمع وتهتز مع النسيم الوادع، ونظرت من ~~النافذة التي تطل على الوحدة فوجدت المرضى الفلاحين يقفون أمام حجرة الكشف متجمعين، ولمحت ~~التومرجية - النساء والرجال - بملابسهم البيضاء يروحون ويجيئون في مباني الوحدة، وأحسست ~~بالنشاط والحماسة فلبست المعطف الأبيض ونزلت مسرعة. # وعلى باب حجرة الكشف وجدت عم محمود يلبس ملابسه البيضاء النظيفة ويبدو فيها «تومرجي» ~~متمرنا قديما وليس الفلاح الذي رأيته أمس. # وبدأت الكشف، ودخل المرضى واحدا واحدا بنظام دقيق وعم محمود يروح ويجيء بينهم في حماس ~~غريب، يحمل على الأم طفلها، ويحمل على الرجل ملابسه، وعيناه ببريقهما العجيب تتبعان كل شيء ~~باهتمام شديد. وانتهى الكشف وذهبت إلى حجرة الغيار حيث وجدت كل شيء معدا، الحقن معقمة، ~~والعمليات وغيرها جاهزة، وبعد حجرة الغيار صعدت إلى القسم الداخلي، فوجدت العنابر نظيفة ~~تلمع، وأسرة المرضى مرتبة، والملاءات بيضاء، وكل شيء يدعو إلى السرور والدهشة. # واستدرت لمن حولي من التمورجية وسألت: «مين اللي نظف هنا؟» # فقالوا في صوت واحد: «عم محمود.» # إنه يفعل كل شيء، ويحب أن يفعل كل شيء. # ونزلت واتجهت إلى بيتي، وعند الباب سألني عم محمود بلهجته المألوفة: حضرتك تحبي تتغدي ~~إيه؟! # ونظرت إليه، إنه أيضا لا ينسى شيئا، وأطلت النظر إلى عينيه، فرأيت فيهما شيئا عجيبا ~~لم ألحظه من قبل، شيئا ربما رأيته من قبل، في عيني أبي أو أمي، حنان ms11 غريب. # وتذكرت لهجته ، وعرفت لماذا أحسست أنني سمعتها من قبل، إنها تشبه لهجة أمي، أو أبي. # وناولته جنيها وأنا أقول: فرخة سمينة يا عم محمود وعليها أي حاجة، كفاية شوية شوربة، ~~واوع تنس تحط فيها «ضرس الساقية» وضحك، وضحكت. # وذات صباح نزلت إلى الوحدة كعادتي فوجدت المرضى غير منتظمين ككل يوم والوحدة مهملة، ~~وصفقت وناديت عم محمود وجاءني تمورجي آخر يقول: عم محمود غايب النهاردة يا ست الدكتورة، ~~يلزم خدمة؟ # ونظرت إليه، أحسست بفرق هائل بينه وبين عم محمود. ~~- نظم العيانين دول بسرعة، وخلي حد من التمورجية يكنس الطرقة، وواحد تاني يجهز الغيار ~~وعمليات الفتح، يلله بسرعة دخل العيانين واحد واحد. # وكان يوما قاسيا علي، أحسست في كل لحظة من لحظاته أنني أفتقد شيئا ضخما، المرضى ~~يدخلون بلا نظام، وحجرة الغيار لا تصلح لشيء، والتمورجية على كثرتهم يروحون ويجيئون بغباء ~~شديد وبلا نتيجة. # وانتهى العمل بعد أن تعبت وبح صوتي، وذهبت إلى بيتي، وعند الباب تلفت كالتائهة ~~حولي كأنما أبحث عن شيء مفقود، عن الحنان. # ووجدتني أسرع إلى العربة دون أن أدخل بيتي، وأركب فيها وأنا أقول للسائق: «اطلع يا أسطى ~~محمد بسرعة، على بيت عم محمود!» # وأحسست بالفرح وأنا أراه، وكنت على وشك أن أرتمي على صدره وأقبل جبهته كما أفعل مع أبي ~~أو أمي، لكني تراجعت وتذكرت أنني الست الدكتورة وهو عم محمود التمورجي. ~~- ما لك يا عم محمود؟ انت عيان صحيح؟ ~~- أبدا يا ست الدكتورة شوية حمى خفيفة، سعادتك تعبت نفسك وجيتي لغاية داري، ده شرف كبير، ~~هو احنا قد المقام؟ ~~- مقام إيه يا عم محمود، مفيش فرق بين الناس وبعض. # وخرجت هذه الكلمات من فمي وحدها دون مجهود، كلمات أحسست أنها صادقة وليست كتلك المجاملات ~~الشاقة التي ألفتها في القاهرة، وشعرت أنني لا أجد فرقا بيني وبين عم محمود، بل أحسست ~~أنني أحبه، ذلك التمورجي الفلاح الذي يلبس جلبابا ليس له لون وطاقية صفراء ويرقد على ~~الحصيرة، وأحب أيضا زوجته الفلاحة التي تلبس ملابس سوداء وتجلس ms12 إلى جواره على الأرض، وأحب ~~أيضا طفله الذي يسيل لعابه على ذقنه ويلعب في التراب بيديه. # وفي اليوم التالي، وجدتني أتفرس في وجوه المرضى وكأنني أراهم لأول مرة، وخيل إلي ~~أنني أرى في كل رجل منهم عم محمود، وفي كل امرأة منهن زوجة عم محمود، وفي كل طفل منهم طفل ~~عم محمود، ورأيت عيونهم جميعا مليئة بالحب والحنان، وأحسست أنه يربطني بهم عاطفة جديدة ~~قوية، وسمعتني أقول للتمورجي الذي أمرته بتنظيمهم والشخط فيهم: حاسب يا حسنين شوية، بلاش ~~شخط في العيانين، دول ناس زينا برضه. # وحينما عدت إلى فراشي في تلك الليلة أحسست براحة غريبة تسري في كياني، وسعادة دافئة تتمشى ~~في جسمي، وأغمضت عيني ليستقبل قلبي حبا جديدا. # وتنفست بهدوء وأنا أحس أن متاعب الدنيا كلها تذهب عني شيئا فشيئا مع أنفاسي الهادئة، ~~والقاهرة، بصخبها وضجيجها وبسكانها المتخشبين كأنهم الآلات أو التماثيل، تتلاشى من إحساسي، ~~والمستشفى الكبير الذي كنت أعمل فيه هناك ذاب من ذاكرتي، حتى حبي، حبي الذي تركته خلفي في ~~القاهرة أصبح الآن لا شيء في رحاب ذلك الهدوء القوي الذي يغمرني، وفي غمرة تلك العاطفة ~~الجديدة التي عرفتها. آه، قلتها وأنا أمد ساقي، لقد وجدت سعادتي. # وجدت حبي، إنه هنا، في كل شبر من هذه الأرض الخضراء الوادعة، وفي كل عين من هذه العيون ~~الحانية الدافئة، وفي كل قلب من هذه القلوب الطيبة البريئة. # | لعله الحب # منذ سنين طويلة، في كلية تجمع البنات والأولاد بعد فرقة عشرة أعوام أو أكثر في مدارس ~~الابتدائي والثانوي، تجمعهم في تلك السن الحادة من عمر الإنسان، تلك الفترة الطائشة المعلقة ~~بين الطفولة الساذجة والشباب الناضج - المراهقة - فترة قصيرة سريعة لاهثة تتأرجح من العمر ~~في الهواء لا ترسو على قدمين. # وفي فناء هذه الكلية الواسع ترى أسراب البنات يمشين بعضهن وراء بعض في سرعة وخوف كأنما ~~ستخطف الحدأة إحداهن! # وترى الولد منهم يبحلق حواليه كالمذهول، يكاد يلتهم بعينيه كل بنت يراها، ويهمس بصوت خافت ~~وبلهجة ريفية خشنة في أذن زميله: «الله ms13 يا وله! ده بنات الجامعة حلوين قوي!» # ويظل الأمر في الشهور الأولى من الدراسة معلقا هكذا بين البنات والأولاد، يتباعدون عن ~~عمد ويتقاربون عن عمد، ويتخابثون في اختلاس البسمات والتقطيبات، وينتهي النصف الأول من ~~الدراسة، ويبدأ شهر أبريل، ويختفي الهواء البارد وتختفي معه المعاطف الواسعة والأكمام ~~الطويلة. # وتسطع الشمس، وتسري حرارة الربيع في السماء والأرض فتظهر الفساتين الهفهافة بلا أكمام ~~والصنادل المفتوحة، ويكون الثلج قد ذاب بين البنات والأولاد، وتبدأ تحيات الصباح والإيماءات ~~والإشارات وتبادل البسمات، وكشاكيل المحاضرات! # ويتطور الأمر يوما بعد يوم، وتقل الكلفة بين الأولاد والبنات، وتبدأ مراحل الزمالة ~~والصداقات، وتختفي أسراب البنات التي تمشي وحدها، ويختلط الأولاد والبنات، وتكتب مجلات ~~الطلبة مقالات عن الروح الجامعية، وفوائد الاختلاط وتغيير التقاليد القديمة و... و... # كل شيء في الكلية يتطور ويتغير إلا «سعيد»، يجلس كعادته في أول مقعد في أول صف على ~~اليمين، ونظارته البيضاء السميكة تهتز إلى اليمين وإلى الشمال مع حركات الأستاذ الكبير، ~~والقلم الحبر في يده والكشكول مفتوح أمامه، ومن حين إلى حين ينكفئ برأسه حتى يكاد يلتصق ~~أنفه بالورقة، ويكتب. # ولم يكن لسعيد صديق ولا صديقة، حتى في فترات الراحة بين المحاضرات كان يجلس على أريكة ~~بعيدة في الفناء، وينكفئ على المحاضرات يراجعها، وتمر عليه زمر الطلبة تمطره بتعليقات ~~ساخرة معظمها حقد على جده واستقامته، أكثر مما هي سخرية من انطوائه. # كانت كل الكلية ضده، تتهكم عليه، وتحكي عنه الأمثال والنوادر، إلا واحدة، فتاة طويلة ~~نحيفة، لونها أصفر شاحب وعيناها السوداوان الواسعتان تنسحبان إلى أعلى كالصينيات، كانت هي ~~الأخرى وحيدة، تدخل وتخرج مع الطلبة في صمت وهدوء لا يحس بها أحد. # وذات يوم كانت تجلس في قاعة المحاضرات حينما سمعت وراءها همسا عاليا، كان بعض الطلبة ~~يتنافرون ويسخرون من سعيد، ووجدت نفسها تهمس في أذن سعيد: «ولا يهمك!» # ومن ذلك اليوم وإحسان تحرص على أن تجلس بجوار سعيد، تأتي كل صباح مبكرة وتحجز له مكانا ~~بجوارها، وحينما يحضر سعيد ويجلس تبتسم له وتقول له في رقة: ms14 «صباح الخير يا سعيد.» # ويحمر وجه سعيد ويتلعثم ويفتح حقيبته ثم يغلقها ثم يفتحها ثم يقول بصوت منخفض: «صباح ~~النور يا آنسة إحسان!» # وبعد أيام قليلة تعود سعيد على أن يرد تحية الصباح دون خجل شديد، وأصبح هو وإحسان حديث ~~الكلية، يجلسان في المحاضرات معا ويخرجان إلى الفناء معا، وينفردان على الأريكة البعيدة ~~ويراجعان المحاضرات، ويكملان ما فيها من نقص. وكان سعيد بطيئا في الكتابة، بطيئا في ~~الفهم، وإحسان سريعة كالآلة الكاتبة، تختزل الكلمات وتفهم المحاضرات بمجرد سماعها؛ ولهذا ~~ارتاح سعيد لهذه الصداقة. لم تعد الكلية شبحا مخيفا ثقيلا، ولا الطلبة «عفاريت» تلاحقه ~~لتسخر منه وتشد منه حقيبته وتنفخ في قفاه. ولم تعد المحاضرات كالطلاسم في نظره، ولا ~~الأساتذة عمالقة بالنسبة له أو جبابرة يركبون في حناجرهم أجهزة ذرية للكلام! # أصبحت علاقة سعيد بإحسان أكثر من صداقة، أصبحت حاجة ملحة لم يعرفها سعيد إلا حينما غابت ~~إحسان عن الكلية ثلاثة أيام كاملة. نظر إلى جانبه في المدرج فلم يجدها، خيل إليه أن ليس ~~مقعدا واحدا خاليا بجواره وإنما خرابة كبيرة إلى جواره، وشعر بالوحشة والخوف، وكأن ~~الطلبة والأساتذة سينقضون عليه كالوحوش، وأخذ يفكر ماذا يفعل؟ هل يذهب إليها في بيتها؟ ~~لقد أعطته العنوان على قصاصة ورق ذات يوم. وأخرج الورقة الصغيرة من جيبه يحملق فيها، كيف ~~يقدم على عمل جريء كهذا، وجلس على الأريكة البعيدة وحده يشد شفته السفلى كعادته كلما تورط ~~في أمر من الأمور. # وأخيرا وقف وتأبط حقيبته وقرر الذهاب إليها. إنه بدونها ضائع وحيد ضعيف أعزل، كأنما هي ~~التي تحوطه وتكلؤه برعايتها وتحميه، وسار في الطريق يستمع إلى وقع حذائه على الأرض، ويرى ~~المارة كأنهم أشباح متحركة. # وأحس في أعماقه بشعور قاتم غريب، يشبه نفس الشعور الذي أحسه حين مات أبوه وهو طفل صغير، ~~شعور باليتم والضياع، رغم ما كانت تعوضه أمه من حنان ورعاية، وكانت لا تزال شابة في الخامسة ~~والثلاثين. وتذكر دموعها ذات ليلة وهي تنام إلى جواره في السرير، ولم يكن قد رأى أمه ms15 تبكي ~~من قبل ، حتى حينما مات أبوه لم ير لها دموعا، ولم يدهش «سعيد» لأنه هو نفسه لم يكن يحب ~~أباه، كان يخافه ويرتجف كلما سمعه يرغي ويزبد في البيت، وتتكهرب معدته وتتقلص، ويشعر ~~برغبة في القيء والبكاء معا. # بل إنه ليذكر أنه قال لأمه مرة بعد موت والده: «يعني أفرح يا ماما وأنت كمان تفرحي، فيه ~~واحدة ست قالت إنك فرحانة عشان حتورثي سبعين فدان، فدان يعني إيه يا ماما؟» # ولم تقل أمه شيئا، أخذت تربت على ظهره حتى استغرق في النوم، ولم يفهم سعيد شيئا إلا ~~بعد سنوات قليلة. وكانت الليلة التي رأى فيها دموع أمه لأول مرة، كانت تنام بجواره على ~~السرير كعادتها تكلمه عن أشياء كثيرة وتحكي له القصص، ثم رآها تسكت وتمسح دموعها بمنديلها، ~~ونظر إليها في دهشة وهو يقول: «إيه ده؟ إنت بتعيطي يا ماما؟» # وأفهمته أمه ليلتها وهي تبكي أن رجلا يريد أن يتزوجها، لكنها رفضته لأنها صممت على أن ~~تكرس حياتها لابنها، وأفهمته أيضا أنهما ورثا عن أبيه سبعين فدانا وبيتا؛ ولذا فهي ليست ~~في حاجة إلى الزواج، وأن كل من يتقدم لها لن يكون إلا طامعا في هذه الثروة. # واحتضن سعيد أمه بكل قوته، وأطبق عليها ذراعيه الصغيرتين وقال لها وهو يبكي: «أنا باحبك ~~يا ماما، الناس كلهم وحشين، أنا مش بحب حد غيرك إنت بس.» # وسمع أمه تقول له وهو يغالب النوم: «خليك شاطر يا سعيد وخد بالك من المدرسة عشان ما حدش ~~يسبقك.» # ومن يومها وسعيد يحس بالنفور من الناس والكراهية لهم، خيل إليه أنهم وحوش تريد أن تخطف ~~منه أمه، وتستولي على بيتهما وأرضهما، حتى زملاؤه في المدرسة لم يحبهم، ولم يشاركهم اللعب ~~والمرح، كان يجلس وحده ويضع حقيبة كتبه على ركبتيه، ويراقبهم وهم يمرحون. وأصبح يحب ~~المذاكرة؛ فهي ليست إنسانا حتى يكرهه، وأصبحت هي عمله وهوايته وتسليته حتى وصل إلى ~~الجامعة. # ولم يعرف سعيد كيف تسربت هذه الذكريات إلى نفسه وهو سائر في الشوارع يبحث عن بيت ms16 إحسان، ~~وكانت أول مرة في حياته يغير الطريق الوحيد الذي يمشي فيه، الطريق من بيته إلى الجامعة ~~وبالعكس. وأحس أنه تائه غريب وسط عالم واسع ليس له فيه أحد، لكن احتمال عثوره على بيت إحسان ~~شجعه على المسير، وراح يدخل في شارع ويخرج من شارع ويسأل، وأخيرا وصل إلى بيتها، وأخذ يبحث ~~عن جرس ولم يجد، فنقر بأصابعه في وجل على الباب، وخفق قلبه حين سمع صرير الباب وهو ينفتح، ~~وتظهر طفلة صغيرة ووجهها نحيل وملابسها قذرة، رمقته بنظرة خائفة حادة من عينين واسعتين ~~غائرتين وسألته بحدة: «عاوز مين؟» # فقال لها وهو يمسح جبهته وأنفه: «الآنسة إحسان موجودة؟» # وردت عليه الطفلة بسرعة: «أيوه.» # وجرت إلى الداخل وسمعها تقول بصوت رفيع: «أبله إحسان فيه واحد راجل عاوزك.» # ثم رأى «إحسان» نفسها أمامه في فتحة الباب، وكان يظن حتى هذه اللحظة أنه أخطأ العنوان، ~~ورأى في عينيها مسحة غريبة من الحزن لم يرها من قبل في الكلية، كانت تلبس رداء واسعا أصفر، ~~وشعرها ملموم داخل منديل أبيض، وبدت طويلة نحيلة شاحبة، بل أكثر طولا وشحوبا مما كانت في ~~الكلية، وصافحته بيد باردة، ودخل وراءها إلى حجرة صغيرة فيها بعض الكراسي. # وجلس أمامها ينظر إلى أرض الحجرة ثم قال في تلعثم: «حبيت أطمن عليكي، قلت يمكن تكوني ~~عيانة، قلت لازم برضه أسأل، قلت لازم ...» # كان مرتبكا، وكلماته متقطعة متكررة، كان خائفا كأنه أخطأ التصرف، وتهور في الاهتمام ~~بها، ولم يعرف أتلومه أم تعنفه، أم تطلب منه الخروج، لكنه سمعها تقول في هدوء وعلى وجهها ~~ابتسامة ضعيفة: «أشكرك يا سعيد، أنا توقعت برضه إنك ح تسأل عني.» # وأعاد صوتها إليه اطمئنانه، إنه نفس صوتها الممتلئ الحاني الذي يحتويه في الكلية ويحميه ~~ويؤنسه ويشجعه، وقال يحاول أن يستعيد هدوءه: «أنا مش عارف، الحقيقة قلت لازم أشوف إنت غبت ~~ليه، يمكن ...» # وبلع ريقه وسكت ونظر إليها، كانت تجلس بجواره وعيناها شاردتان تفكر في شيء بعيد، وأخذ ~~يتأملها، رأى صدرها يعلو ويهبط، ولمح لها نهدين صغيرين بارزين ms17 يظهران ويختفيان تحت الرداء ~~الواسع، وأحس بسخونة تلسع رأسه وصدره، وشعر برغبة في أن يقترب منها أكثر، ويحوطها بذراعيه، ~~ويدفن رأسه في صدرها ويبكي، لكنه لم يتحرك من مكانه، وإنما اغرورقت عيناه بدمعة كبيرة ~~ابتلعها بسرعة، وقال لإحسان وهو يحاول مداراة شعوره: «على فكرة أنا جبت لك محاضرات النهارده ~~عشان تنقليها.» # وقالت في إعياء وعيناها منكسرتان: «أشكرك يا سعيد.» ورأى لأول مرة منذ عرفها أنها ضعيفة، ~~وأنه يستطيع أن يساعدها. وشعر بفرحة جديدة تغزو قلبه كأنه بلغ سن الرشد وأصبح رجلا. # وقضى سعيد يومين آخرين في الكلية بلا إحسان، لكنهما لم يكونا كاليوم الأول، اطمأن عليها ~~وتلاشى معظم ضعفه ويتمه، وقال لنفسه وهو عائد إلى بيته: «أنا رجل قوي مثل كل هؤلاء ~~المتغطرسين.» وعادت إحسان إلى الكلية، واستقبلها بحرارة، وضغط على يدها، وسارا جنبا إلى ~~جنب في فناء الكلية، حتى وصلا إلى مكانهما المعتاد وجلسا: إزيك النهاردة؟ ~~- الحمد لله. # وسكتا طويلا، ثم قال سعيد وهو ينبش بحذائه في الأرض: مين اللي فتحت لي الباب؟ ~~أختك؟ ~~- أيوه. # وسكتت لحظة ثم قالت: «أظن ما كنتش تتصور إني فقيرة كده؟» # قال بسرعة: «أبدا، أبدا عمري ما فكرت في حاجة زي كده.» # وغابت عنه في شرود طويل، ثم قالت كأنها تكلم نفسها: «كان بابا موظف كويس، وبعدين فجأة ~~جاله شلل ونام في السرير.» # ولمعت عيناها بدموع حبيسة ثم قالت: «مسكينة أمي، ليل نهار تعبانة، إحنا ثلاثة، أخويا ~~الكبير وأنا واختي الصغيرة، أخويا في كلية الطب وبيشتغل بعد الضهر في شركة أدوية، وانا كمان ~~باشتغل في شركة بعد الضهر.» # وكان سعيد يجلس ويستمع إلى صوتها وهي تتكلم في دهشة، ولم يستطع خياله الساذج الذي لا يعرف ~~سوى بيته وكليته أن يتصور أن هناك أناسا يتألمون ويشقون من أجل رغيف العيش على هذه الصورة، ~~وأن في الدنيا هموما وأعباء كثيرة. لقد كان يظن أن الاستذكار هو العبء الوحيد الموجود في ~~هذا العالم، فإذا به يجد «إحسان» تحمل أعباء أخرى أخطر من الاستذكار بكثير. وكان يظن أن ms18 كل ~~فرد من الناس يسكن فيلا أنيقة، مثل فيلته، ويطل على شارع نظيف مثل شارعه، ويجد في الصباح ~~إفطارا، وفي الظهر غداء، وفي المساء عشاء، وله حجرة نظيفة وفراش مريح، وأم حنون ترعاه، ~~وتعطيه من النقود ما يريد، وله خدم يغسلون ملابسه ويلبون طلباته. # كان يظن أن هذه أشياء عادية تخلق عند كل الناس كما تخلق لهم أذرع وأرجل. وتذكر منظر ~~الحارة القذرة التي تسكن فيها إحسان، وبيتها الصغير المتهدم، وأختها المسكينة ذات النظرات ~~الجائعة الخائفة. والتفت ناحية إحسان، ورآها تجلس شاحبة نحيلة شاردة، وشعر برغبة في أن يمسك ~~يدها ويضغط عليها ويقول لها: «معلش يا إحسان، بلاش تزعلي نفسك، تعالي عيشي معايا، أنا عندي ~~بيت وعندي سبعين فدان، وعندي فلوس كتيرة قوي.» # لكنه لم ينطق بحرف واحد، لم يتحرك لسانه في فمه، كان يريد منها أن تتكلم، أن تشجعه كما ~~كانت تشجعه دائما، لكن إحسان ظلت صامتة. كانت تحس أنها بعد أن كشفت حالتها أمامه أصبحت ~~ضعيفة عاجزة فقيرة، تحتاج إلى شفقته وعطفه. لم تعد إحسان القوية التي تدافع عنه وتساعده ~~وتقويه، وسألت نفسها أتراها أحبته؟ ولم تعرف الجواب، كانت تشفق عليه من انطوائه، وتآمر ~~الطلبة عليه، أرادت أن تساعده وتحميه، تماما كما تفعل مع أبيها المشلول المريض، لكنها الآن ~~عاجزة عن أن تمنحه شيئا، لقد زال عنه انطواؤه وخجله وضعفه، وأصبح مثل باقي الرجال، وخيل ~~إليها أنه بصمته هذا يعبر عن استيائه لفقرها، ربما كان يظن أنها غنية، ربما كان يطمع فيها، ~~ربما، ربما. # ولم تطق إحسان مزيدا من الظنون؛ فوقفت وأمسكت حقيبتها، ونظرت إليه ثم قالت وهي تعطيه ~~يدها: «طيب يا سعيد أنا مروحة البيت.» # وصافحته وانصرفت، ووقف ينظر إلى ظهرها، وشعر برغبة في أن يجري خلفها، ويمسكها من يدها ~~ويقول لها: لا تذهبي، لا تتركيني، إني أحبك، تعالي نعش معا، لكنه تسمر في مكانه ~~كالتمثال وظل يتابعها بنظراته حتى اختفت في الشارع الواسع. # وفي اليوم التالي غيرت إحسان مكانها في المدرج، بعيدا عن سعيد ولم تقل ms19 له صباح الخير ، ~~ولم تحاول أن تسلم عليه بعد المحاضرة. # وكثر همس الطلبة: إحسان وسعيد اتخانقوا، زعلوا، يا عيني! شوفوا سعيد رجع غلبان تاني! لكن ~~ليه؟ إيه السبب؟ لعلها لم تحبه، لعله لم يحبها، لعل ... # وكان سعيد يسأل نفسه: إيه السبب؟ ولا يجد لديه الجرأة ليذهب إلى إحسان ويسألها، إنها ~~تتجاهله، لعلها كانت لا تحبه، لعلها أحبت شخصا آخر، لعل ... لعل ... # وتفككت علاقتهما، واتسعت الفرقة بينهما، وتراصت بينهما كالمتاريس كلمة «لعل»، هي ~~تقول «لعل»، وهو يقول «لعل»، وطلبة الكلية يقولون «لعل». ولم يعرف أحد الحقيقة ~~أبدا، حتى بعد أن تخرجوا واشتغلوا، وكبروا، وتزوجوا، وأنجبوا، لم يفهموا الحقيقة. وكلما ~~جاءت سيرة الكلية وأيام زمان وسنين المراهقة والحب الأول، و... و... يبتسمون في سخرية ويقولون ~~لأنفسهم: كانت أوهام، كلام فارغ، طيش. # وينظرون إلى أبنائهم في حذر ومكر ليكتشفوا مقدار ما ورثه أبناؤهم من هذه الأوهام، وهذا ~~الطيش. # | شيء جديد # في صباح كل يوم كان يسير في الشارع من بيته إلى مكتبه، وفي أول كل ليلة كان يسير في ~~الشارع من بيته إلى حيث يغيب حتى منتصف الليل. # وكانت له شخصية كل شيء فيها يوحي بالإهمال والفتور؛ مشيته البطيئة، وخطواته الطويلة وهو ~~يحرك ذراعيه وساقيه بلا اكتراث كأن الأرض من صنعه، وجفناه المتدليان على حافتي عينيه في ~~تكاسل من لا يهمه أن يرى شيئا لأنه عرف كل شيء، وبذلته الرمادية البسيطة كأنها بلا خياطة، ~~من تحتها ياقة قميصه مفتوحة بلا ربطة عنق، والسيجارة، أو نصف السيجارة، في فهمه دائما ~~تحترق وحدها ببطء دون أن يدخنها، كأنه نسيها أو أشفق من أن يضغط عليها، فتركها تنهار وحدها ~~بين شفتيه. # كل يوم وكل ليلة يسير في هذا الشارع أربع مرات، نصفها ذهاب ونصفها إياب، ولا شيء فيه ~~يتغير، هو هو، بالأمس كاليوم كأول أمس، سائر كأنه نائم، سارح في ذهابه وإيابه، حتى تظن من ~~فرط إهماله أنه لا ينظر أبدا إلى المرآة، لولا تلك الوسامة الغريبة التي يتميز بها قوامه ~~وملامحه. # حتى كانت ليلة من ms20 ليالي الصيف، واللون الرمادي الذي يصحب أول الليل يغلف كل الأشياء بضوء ~~خافت، لا هو نهار ولا هو ليل، ونوافذ البيوت والعمارات مغلقة «بالشيش» وقد لفظت من الحر كل ~~سكانها إلى الشوارع والكباري والكازينوهات. الضجة كلها في الخارج، لكنه كان في بيته، لم ~~يلبس بذلته ويخرج ككل ليلة. # كان بالبيجاما البيضاء الخفيفة، مستلقيا على أريكة بجوار السرير، ولأول مرة يبدو متحمسا ~~رغم أنه لا يمشي ولا يتحرك، وكان حماسه في عينيه، ارتفع لأول مرة الجفنان المتدليان، وظهرت ~~عيناه بنيتين قاتمتين تغرقان في بياض محمر، لهما نظرات متكبرة، فيها لمعة عميقة تروح ~~وتجيء في ثبات وبطء تحت حاجبين كثيفين. # كل شيء فيه تغير، وكل ملامحه تحمست، إلا السيجارة التي احترق نصفها في فمه مهملة كما هي ~~في مكانها، تلوذ متهالكة بطرف شفتيه، كأنه أراد أن يبقيها هكذا من فرط غروره ليتحدى بها ذلك ~~الحادث الجديد الذي سلبه رغما عنه إهماله وفتوره. # ودارت عيناه الحمراوان في اهتمام حول محتويات الشقة، كأنه يتأملها لأول مرة، ولا يعجبه ~~نظامها. وكان لشقته طابع خاص يشبه إلى حد كبير شخصية صاحبها، في نظامها المهمل طبيعته ~~المغرورة، وفي ذوقها البسيط أناقته المتكبرة. # وقام عن الأريكة فجأة، جاءته فكرة نقل تمثال المرأة العارية من مكانه بجوار السرير، ووقف ~~قليلا أمام التمثال يتأمله. كان هو أول شيء يسترعى انتباه أية امرأة تدخل معه حجرة النوم ~~فتقف أمامه تتأمل النهدين البارزين في صلابة، والخصر الضامر اليابس، وتنظر خلسة إلى نهديها ~~وتتحسس خصرها. ويبتسم هو لنفسه في مكر خبيث؛ لقد تعمد أن يضع هذا التمثال الناعم الرشيق ~~والمبدع في نعومته ورشاقته، ليطفئ غرور أية امرأة تدخل معه حجرة النوم فيستمتع بكل ضعفها ~~وكل أنوثتها دون شوائب، لكنه الليلة تراوده فكرة نقل التمثال من جوار السرير، هذه المرأة ~~الجديدة القادمة الليلة ربما لا تراه في مكانه هذا، يغلب على ظنه أنها لن تدخل معه حجرة ~~النوم. ووضع يده على التمثال يتحسسه ثم بدأ يزحزحه وهو يتلفت حوله لا يعرف أي مكان يختاره ms21 ~~له. وابتسم لنفسه في مكر شديد وهو يضعه برفق بجوار المكتبة الزجاجية في الصالة، وجلس على ~~الكرسي الكبير المواجه لها وراح يتأمل منظر التمثال وهو يقف عاريا رشيقا بجوار صفوف الكتب ~~المتراصة وراء الزجاج. # وابتسم، إنها ستجلس حتما على الكرسي، إنه يفهمها ويستطيع أن يخمن تصرفاتها. # ودارت عيناه الحمراوان مرة أخرى حول محتويات الشقة، وامتقع وجهه قليلا. إن الشقة تبدو ~~منظمة ونظيفة أكثر من اللازم، ويظهر عليها واضحا الانتظار والاهتمام الساذج. وقام بسرعة ~~على غير عادته وفتح أحد الأدراج وألقى منه بعض المجلات على الأرض، ودخل المطبخ وأحضر فنجان ~~القهوة التي شربها في الصباح ووضعه دون أن يغسله على المنضدة في وسط الصالة، وفتح صفيحة ~~القمامة، وجمع منها بعض أعقاب السجائر، ثم ملأ بها المطفأة ووضعها على يد الكرسي ~~الخشبية. # وعاد وجلس على الكرسي الكبير يتأمل المنظر، وابتسم في مكر، إنه يفهم المرأة الجديدة، إنها ~~تختلف عن كل النساء اللائي عرفهن. لقد أثارها منه شيء واحد فقط هو إهماله، مشيته المستهترة، ~~ونظرته المتكبرة في إطراقها معرضة عن كل شيء، ونص السيجارة التي ينساها بين شفتيه كأنه تائه ~~عن نفسه، أو ضائع عن وجوده. # لم تثرها جاذبيته التي فتن بها كل امرأة من قبل، وكانت جاذبيته كالصواريخ يطلقها على ~~النساء الآمنات من بعيد، وهو مستلق على ظهره يتثاءب ويتمطى وفي يده ورقة وقلم. كان كاتبا ~~وأديبا مشهورا، يكتب بطريقة ماكرة يثير بها النساء وكأنه لا يثيرهن، ويختار كلماته ~~ومعانيه بذكاء غير مألوف، فتأتي كتاباته خليطا مقنعا من المثالية والإباحية، والطيش ~~والعقل، والقوة والضعف. يكتب فيودع كلماته كل رجولته بتناقضها، ويترك سطوره على الورق لها ~~وهج وفيها لهيب يقنعان الناس بأن الأبيض يمكن أن يكون أسود، والأرض يمكن أن تكون فوق، ~~والسماء تحت، ولا شيء في ذلك يبدو غير طبيعي. كانت هذه هي جاذبيته، التي عرفها ~~وصقلها. # وأصبحت لياليه محجوزة، ككراسي سينما مترو في أول عرض، في كل ليلة يعتصر بذراعيه العريضتين ~~جسد امرأة، وشفتاها بين شفتيه ترددان عن ظهر قلب كتاباته، ms22 وفي بعض لياليه كان يحس أنه إله ~~فعلا، وأحيانا يتواضع فيكتفي بأن يكون ملكا للأرض ويترك للسماء إلهها، لكنه الليلة لا ~~يحس أنه إله أو حتى ملك، هذه المرأة الجديدة لها عينان سوداوان واسعتان كعدستي المنظار ~~المكبر، تستقر نظراتهما اللامعة الكاشفة في جوفه كأنها سكين حاد يشطر داخله كالبطيخة شطرين، ~~فيحس أنه ينزل عن عرشه، ويقف بجوار الناس الذين يسميهم عاديين. # وحينما دقق إليها النظر لأول مرة، من حيث لا تراه، رآها تجلس بشعرها الأسود الناعم يميل ~~إلى الوراء قليلا، تضع ساقا على ساق وتنقر بأناملها المسحوبة على حافة الكرسي. # ولم يدر لماذا بدت كل الوجوه حولها باهتة كأنها مرسومة بالقلم الرصاص أو ممسوحة ~~بالأستيكة وملامحها هي مرسومة بالحبر! كانت تمتد عند أنفها العالي الدقيق وتستدير عند ~~شفتيها الممتلئتين، وكانت في جلستها تبدو ذات قوام ممشوق، كتفاها العاريتان من الأمام ~~والخلف، وصدرها المحبوس داخل فستان السهرة الضيق، وخصرها النحيل، وساقاها الممتلئتان تحت ~~ذيل الفستان الخفيف، وكل ما في جسمها يميل إلى استدارة جذابة مثيرة، وعيناها السوداوان ~~اللامعتان بنظراتهما القوية المتوهجة التي تعيد أجرأ المفتونين إلى رشده. # ورآها بعد ذلك كثيرا، وحينما سمعها تتكلم لأول مرة بهت. كان صوتها يجمع بين الضدين ~~العنيفين في شخصيتها، منتهى الرقة والضعف، ومنتهى المنطق والعقل. وهو لا يحب المرأة التي ~~تتكلم، ويكون كلامها معقولا، إنه يريدها بلا منطق، بلا عقل، المرأة في رأيه لم تخلق لها ~~شفتان لتقول شيئا سليما، وإنما لتهذي، لتهرف، لتفتح فمها وتقول أي شيء، أو لا تقول شيئا، ~~وعليه هو أن يقفل فمها بشفتيه. # ورغم ذلك كان يحب أن يسمعها وهي تتكلم، ويتحرق شوقا إلى شيء فيها لا يدريه، لكن منطقها ~~العنيد كان يقف دائما بينه وبينها. # لهذا كان حضورها إليه الليلة مثيرا، مع أنه تعود ألا يثيره شيء، وملامحه المتكبرة ~~الزاهدة في كل شيء مشتاقة ومتلهفة إليها، وعيناه الحمراوان تدوران على محتويات نفسه من ~~الداخل والخارج في قلق تشوبه لذة جديدة منعشة. # وأخيرا دق جرس الباب ودخلت هي، كانت تلبس ms23 ثوبا رماديا بسيطا ، وتضع على رقبتها ~~«إيشارب» خفيفا أحمر يلهب لونها الأسمر المحروق وخديها البارزين. وخطت إلى داخل الصالة، في ~~رشاقة طبيعية، وجلست على الكرسي الكبير المجاور لمكتبه في بساطة كأنها تجلس على مقعد في ~~الأتوبيس. # وكانت عيناها تبتسمان في كبرياء عنيد، وفي نظراتها رغم ذلك سحر غريب جامع للسذاجة والذكاء ~~معا، وابتسم في حذر، وهو يثبت عينيه في عينيها ويقول لها بصوت جعله متزنا: «أهلا ~~وسهلا.» # وابتسمت ابتسامة جريئة، وقالت وهي تنظر إلى جبهته العريضة: «أهلا بك.» # ولم يقل شيئا بعد ذلك، أحس من لهجتها الجادة ونظرتها الجريئة أنها مسلحة أكثر من ~~اللازم. # وسمعها بعد دقائق تقول: «فين الحاجات اللي عندك وعاوز تفرجني عليها؟» # وخيل إليه أنه ارتبك أوتلعثم، لكنه أجاب بسرعة: «حاضر، حالا أجيبها.» # وقام واختفى في حجرة النوم، وفتح الدولاب ونظر إلى وجهه في المرآة، لقد كذب عليها، ~~وأوهمها أن لديه أشياء فنية تستحق أن تراها، وكان يريد أن يحضرها إلى بيته فحسب، كان يظن ~~أنها بمجرد أن تضمها الشقة معه وحده ستنسى هذه الأشياء ولا تسأله عنها. # وتذكر جاذبيته التي تعشقها النساء فأغلق الدولاب، وأخذ من أحد الأدراج مجلة صغيرة، ثم عاد ~~إليها وقال وهو يناولها المجلة: «قرأت العدد ده؟» # ونظرت إلى غلاف المجلة ثم قالت: «أيوه.» # وسألها: «وإيه رأيك في المقال بتاعي؟» # وقالت في بساطة: «كله كدب.» # وخيل إليه أنه أهين، لكنه سألها في اهتمام: «كدب ازاي؟» # وابتسمت في ذكاء وهي تقول: «معرفش ازاي؟ لكن على العموم كتاباتك مش إنت، أو إنت مش ~~كتاباتك.» # وأحس من هذه الكلمات القليلة أنها نفذت إلى شيء في أعماقه، إلى النبع العميق في نفسه الذي ~~يغمس فيه قلمه ويكتب عكس ما يحس، لكنه قال في حماس من يدافع عن تهمة حقيقية: «بالعكس، أنا ~~عمري ما اكتب غير ما احس.» # وابتسمت في عدم مبالاة وكأنها تنهي المناقشة: «جايز.» # وأحس بالغيظ منها، أو على الأصح من نفسه، ما هذه المناقشة السخيفة التي تدور بينه وبينها، ~~وهي الآن في بيته بلحمها ودمها؟ ms24 كيف يضيع الوقت في كلام كأنه في الأتوبيس! # وصمت قليلا وتغيرت ملامحه وارتسمت عليها ابتسامة عريضة، وقام وهو يتجه إليها قائلا: ~~تعالي افرجك على شقتي. # وقامت معه، ودار بها في أنحاء الشقة، وعند مدخل حجرة النوم توقف قليلا وهو ينظر في ~~عينيها: «ودي أودة نومي.» # ودخلت أمامه بجرأة بلا ارتباك، ونظرت بعينين ثابتتين إلى السرير والدولاب والشماعة، ثم ~~تعلقت عيناها بالحائط، كانت صورته داخل إطار أنيق، وأطالت النظر في الصورة، وكان هو يقف ~~وراءها يرى شعرها الأسود الناعم من الخلف، ويرى ظهرها وخصرها، وتملكته رغبة جارفة في أن يلف ~~ذراعيه حول ذلك الخصر النحيل، لكن إحساسا غريبا جعله يدلي ذراعيه إلى جانبيه في تأدب ~~وتعفف، وسمعها تقول: «الصورة حلوة بس ناقصة حاجة.» # وسألها بلهجة متأدبة: «ناقصة إيه؟» # قالت: «النظرة الطبيعية بتاعتك.» # ولم يدر لماذا تغير شكل عينيها وهي تنظر إليه، واختفت منها النظرة القوية المتحدية، ~~وأحس كأنما شحن جسمه فجأة بسخونة لاسعة، وسمع دقات قلبه، وأنفاسه تتلاحق، ورأى ذراعيه غير ~~الواعيتين تتحركان ناحية خصرها وجذبها إليه، ومال بشفتيه عليها وهو يضغط على كلمات خافتة ~~غير مسموعة، ولم تصل شفتيه إلى شيء، وأفلتت منه وخرجت إلى الصالة. # وخرج وراءها، وجلسا متقابلين كل منهما مطرق كأنه يفكر، وأخيرا رفعت إليه نظرة جادة وقالت ~~بلهجتها القوية: «أنا كنت عارفة إنت عاوزني آجي ليه!» # وتظاهر بالدهشة: «ليه؟» # وتأججت عيناها ببريق جديد وقالت: «أنا كنت متأكدة إنك بتكدب علي، وانت بتقول عندي حاجات ~~لازم أفرجها لك، لكن جيت عشان أفهمك.» ~~- يا ترى «فهمتيني»؟ # وأجابت بسرعة: «طبعا.» # وسألها: «فهمتي إيه؟» # وقامت واقفة كأنها تهم بالخروج وقالت: «لا ده موضوع طويل وأنا اتأخرت، بعدين نتكلم ~~فيه.» # ولم يستطع أن يصبر عليها بعد ذلك، إنها تستخف به أكثر من اللازم، كأنه حشرة أو حيوان صغير ~~تجري عليه تجربة ما، وأحس بالغيظ؛ لأول مرة في حياته تستخف به امرأة، ولأول مرة يفقد ثقته ~~بنفسه، وحينما رآها تقف لتخرج كان لا بد أن يقف هو الآخر، لكنه كان يعرف أنه ms25 لن يدعها ~~تخرج بهذه السهولة بعد أن أصابت كبرياءه فقال لها: وأنا كمان كنت عاوز أفهمك. # وابتسمت في سخرية: «وعشان كده جبتني هنا!» # ونظر في عينيها بمثل نظرتها الجريئة الساخرة: «فعلا.» # وسألته: «ويا ترى فهمتني؟» # ورد بسرعة: «طبعا.» # وهزت كتفيها في عدم اكتراث، وقالت وهي تنظر إلى الباب ليفتحه لها: «الحمد لله.» # ووضع يده على مقبض الباب ليفتحه، لكن إحساسا في أعماقه جعله يستدير إليها، إحساسا بأن ~~زيارتها لم تنته بعد، وأن شيئا ضخما لا يزال ناقصا بينه وبينها، ورآها وهي تربط ~~«إيشاربها» الخفيف حول عنقها، ولم يعرف كيف اقترب منها، وكيف التفت ذراعاه العريضتان حول ~~خصرها، وكيف انتزع شفتيها من تحت يديها وأهوى عليها بشفتيه، لم يعرف كيف فعل ذلك، لكن حدث ~~هذا في لحظة خاطفة، كان يحس أنه لا بد أن ينتصر عليها بأي شكل ولو بالقوة. # وبعد أن أغلق خلفها الباب ألقى بنفسه على الأريكة وأخذ يتحسس بيديه شعره وجبهته، وخيل ~~إليه أنه يحاول أن يمسك بأصابعه شيئا في رأسه أو في عقله أو في إحساسه؛ إنها أول مرة في ~~حياته يغتصب قبلة من امرأة. # لقد تصرف الليلة بطيش غريب عنه، بعيد كل البعد عن شخصيته المتكبرة المهملة لكل شيء، لكنه ~~يحس أنه يقترب من نفسه، من حقيقته، من النبع العميق الذي يغمس فيه قلمه ويكتب عكس ما ~~يحس. # وقام بسرعة إلى مكتبه، وأمسك بالورقة والقلم، وأخذ يرسم بعض الخطوط والمثلثات كعادته عند ~~بداية الكتابة. # ثم كتب، كتب شيئا جديدا. # | نسيان # «مستحيل، مستحيل!» # خرجت هذه الكلمة من فمي، وخرجت معها أنفاسي لاهثة متقطعة. # كنت أجلس ورأسي على كفي، وعيناي مليئتان بالدموع. # حزينة، تعسة، لا أرى شيئا أمامي سوى ظلام يتراكم كأنما فقدت بصري. # فقدت كل الأشياء ألوانها، واصطبغت بلون واحد، السواد! # وأحسست أني أختنق. # هل نفد الهواء من حولي؟ هل انطبقت أضلاعي بعضها على بعض؟ مستحيل، إني لا أطيق، لا ~~أحتمل. # وقمت من مكاني ونظرت إلى النافذة، كانت الشمس تهبط منكسرة وراء الأهرام الثلاثة، والسحب ~~الرمادية تغشى ms26 الفضاء، والنخل الطويل الهزيل يمتد متهالكا بين الأشجار، لا نسمة تهب، ولا ~~شيء يتحرك، الطبيعة كلها ساكتة كأنها ميتة. # وأغلقت النافذة، وألقيت بجسدي المتداعي على السرير دون أن أغير ملابسي أو حتى أخلع ~~حذائي. # وتقلبت على جنبي في ضعف يائس. # أود لو أخلص نفسي من تلك الستارة الحديدية التي تحول بيني وبين الهواء. # ونظرت إلى السقف بعينين ذابلتين، ولمحت الدائرة الصفراء الصغيرة وسط السقف يتدلى منها سلك ~~النور. وتعلقت عيناي بالدائرة التي أخذت تتسع شيئا فشيئا، وظهرت داخلها عينان واسعتان ~~سوداوان وأنف مستقيم وشفتان رقيقتان. # واقترب الوجه قليلا، قليلا، وانتفضت واقفة أخفي وجهي بكلتا يدي، وندت مني صرخة ~~مكتومة. # آه، مستحيل، لا أحتمل! # أريد أن أنساه، أريد أن أنسى وجهه، لماذا يطاردني؟ لماذا لا يفارقني؟ # إني أحبه، نعم أحبه! # كنت أسمع صوته في التليفون كل يوم: هدى حبيبتي، أنت لي، أنت حياتي، أنت سعادتي، أنا أحبك، ~~أحبك. # وذهبت إليه خائفة مترددة. # لماذا كنت خائفة؟ لا أدري، لعلي كنت أفكر في مدى ما يحدث بيننا إذا خلا كل منا ~~بالآخر. # لكني كنت مشتاقة إليه، أردت أن أجرب ولو مرة واحدة وجودي معه على انفراد، كنت أتخيل ذلك ~~كثيرا، وأرى نفسي بين يديه وفي أحضانه، وأحس بشفتيه وهما تضغطان على شفتي، وأحس بصدري وهو ~~يلامس صدره، وأسمع همه الهادئ «أحبك، أحبك» فأغيب في سعادة غامرة حتى أفيق أخيرا على ~~واقعي، فأشعر بالضيق وأحاول أن أعود مرة أخرى إلى أحلامي، فأعود ثم أفيق، حتى مللت هذه ~~الأحلام التي لم تعد تعطيني أكثر مما أعطتني من سعادة. # وتعودت هذه السعادة حتى فقدت لذتها، وأحسست أني أشتاق إليه، إليه هو، بلحمه ودمه، فذهبت ~~إليه، قدماي تتعثران، وقلبي يصعد ويهبط. # كنت أريد أن يمنحني الواقع سعادة جديدة، أو لعلي كنت أريد أن أعرف مكان الخيال من ~~الحقيقة، أو مكان الحقيقة من الخيال. # ووصلت إليه وأنا ألهث وأرتعد، فأخذني بين ذراعيه، وظللت في أحضانه، وبعد مدة لا أدري ~~مداها، أرخى ذراعيه من حولي وتباعدنا قليلا. # وخرجت من ms27 عنده وفي نفسي أحزان غريبة غامضة لا أدري ما هي، هل كانت الحقيقة أقل من الخيال؟ ~~أم هو إحساس بضعفي وقد استرددت قوتي الضائعة؟ أم هو فتوره وهو يودعني، وقد غاب الوجد القديم ~~الذي فتنني؟ # وسرت أتخبط في ظلام وقد سيطر على نفسي شعور واحد، إنني لن أعود إليه. # وفي اليوم التالي استيقظت من نومي وأنا أحس بانتعاش، وعاد إلي حماسي القديم للسعادة، ~~ولكني تذكرت الأمس، لا، لن أعود إليه، وقلت لنفسي: حينما يكلمني في التليفون سأرد عليه في ~~فتور. # وشعرت براحة لهذه الأفكار، تلك الراحة التي تعقب الأخذ بالثأر. # وجاء ميعاده، ولم يدق جرس التليفون، وأحسست ببوادر قلق تحوم في خجل حول نفسي. # لماذا قلقت؟ ألم أقل إني لن أعود إليه؟ ولكن ماذا لو تكلم؟ حسبي أن أرد عليه في ~~فتور! # وأحسست بالقلق فعلا، فأخذت أقوم وأجلس، وأتمشى وأذهب إلى التليفون، وألقي عليه نظرة ~~فاحصة، ثم أعود فأنظر من النافذة. # وأحسست بثورة عليه تملأ نفسي، ثورة غريبة لا تعرف حدودا. # وذهبت إلى التليفون مرة أخرى، وأحسست أن هذه الثورة تستحيل شعورا غامضا يشبه ~~التمني. # كنت أتمنى أن تبعث الحياة في هذه الكتلة السوداء، فيخرج منها صوت، لكنها ظلت جامدة ~~ميتة! # وكانت لحظات قاتلة رحت أضيعها في جولات مضطربة في أنحاء البيت. # ورأيت أمي تصنع كعكة بالبيض، وحاولت أن أملأ فراغي بشيء، فأخذت مضرب البيض ورحت أضرب ~~الخليط بشدة، ووضعت يدي في الدقيق وأخذت أخض وأحرك ذراعي بقوة وعنف، كأني أود أن أستنفد كل ~~قوتي، قوتي التي أفكر بها فيه. # وأخذت أغني وأنا أعمل، أغني بصوت عال جدا، كأني أحيي حفلة كبيرة مليئة بالناس، وأحرك ~~رأسي وذراعي في الهواء، وأرقص وأهتز إلى اليمين وإلى الشمال على نغمات الأغنية المرحة ~~الصاخبة. # وعانقت أمي وقبلتها وأنا أقول لها: «يا سلام عليكي يا ماما، الكعكة حاتطلع جنان!» # كنت أصيح من أعماق نفسي، وأحرك الجو حولي في اهتزازات عنيفة. # لكن في اللحظة التي كنت أسكت فيها قليلا لأستريح، كانت صورته تتجسم أمامي وصوته يهمس ms28 في ~~أذني، فأسد أذني وأشيح بوجهي وأنغمس في لهوي وصخبي. # وأحسست أن البيت ضيق لا يتسع لحركاتي وانطلاقاتي، ولم أستطع الخروج وحدي. # كنت أريد أن أجمع أكبر عدد من الناس حولي لنتكلم في صوت واحد، ونضحك بفم واحد، ثم يعلو ~~صوتي وضحكي عليهم جميعا. # وخرجت معي جماعة كبيرة من إخوتي وأصدقائي، وذهبنا إلى الهرم. # وهناك، في الفضاء الواسع، وعلى الرمال الدافئة، خلعت حذائي وطوحت به في ذلك الفضاء الهائل ~~الذي يفصل بين الأرض والسماء، ونسيت نفسي. # أحسست أن جسمي لم يعد لحما، وإنما أصبح مادة غريبة مثل الريش وأني أستطيع أن أبقى معلقة ~~في الهواء دون أن تمس قدمي الرمال! # وانعدمت فجأة كل الصلات التي تربطني بالبشر، ونظرت حولي، وأخذت ألف وأدور حول نفسي، ~~وتنبهت إلى صوت يرتطم في جدار الهرم الأكبر، وتفقدته، فعرفت فيه صوتي. # كنت أضحك وأقهقه، فأحس أن الهواء الذي يملأ هذا الفضاء العريض يدخل كله إلى صدري. # وأحسست أني أخف وأعلو، حتى أصبح رأسي في مستوى لا يبعد كثيرا عن قمة الهرم، ونظرت تحت ~~قدمي، فرأيت القاهرة نائمة متكورة مثل بقعة من السواد! # القاهرة، المدينة الباهرة الصاخبة، ترقد على الأرض وفوقها ملاءة سوداء رقيقة، كشحاذ معدم ~~يبيت على الرصيف! مسكينة ضعيفة، فاقدة الوعي. # وأحسست بقوى غريبة تجتاح نفسي. # كل شيء في هذه المدينة تافه، صغير، حقير، إنه لا يزيد على أن يكون جزءا من هذه الكتلة ~~السوداء الملقاة في عرض الطريق، كل شيء فيها تافه، صغير، حتى عمري الذي قضيته في جوفها، ~~ماضي وحاضري، ومستقبلي، وكل شيء، كل شيء لا يزيد عن ذرة في هذه الكتلة السوداء، حتى هو: ~~هو الذي كان يمنحني السعادة والشقاء، هو الذي أعيش على فرحة لقائه، وأحيا بخفقات ~~أنفاسه. # هو الذي كنت أضيع يومي وأمسي وغدي وأنا أفكر فيه، هو، من يكون؟ لا شيء سوى ذرة في هذه ~~الكتلة السوداء الملقاة في عرض الطريق. # واحد من هذه الأجسام المسترخية في غيبوبة تشبه الموت، في مربع صغير من هذه المربعات التي ~~يتساند ms29 بعضها على بعض ! إنه نائم الآن لا يحس بشيء، ذراعاه متراخيتان إلى جوار جسده، ذراعاه ~~اللتان التفتا حولي ذات يوم، وأفاضتا علي اللذة والسعادة. # كم كانت لذتي صغيرة، وسعادتي ضئيلة، تنبع من ذراعين عاجزتين! # وعدت إلى بيتي وصدري مليء بالهواء، ورأسي ممتلئ بالأفكار، ولمحت التليفون قابعا في ركنه ~~كحشرة سوداء صغيرة، فرشقت بطنه المنقطة بنظرة احتقار بالغة، وذهبت إلى فراشي، وأغمضت عيني ~~ثم فتحتهما، ورشقت الحشرة السوداء بسهم آخر مسموم، ثم أغمضت عيني وفتحتهما. # كانت الحشرة لا تزال أمامي. # وجمعت قواي وأنفاسي وقذفتها بسهم آخر، وأغمضت عيني ونمت، وقد نسيت كل شيء. # وأشرق الصبح، وكان كل شيء حولي متألقا، الأثاث، والسقف، والجدار، ونفسي. # ما كان أشبهني بآنية من الفضة، نظيفة مجلوة، ليست فيها بقعة واحدة من الصدأ! # وكنت أشعر بصوتي طلقا مثل رنين الفضة. # واسترخيت في فراشي، وقد غمرتني السعادة، سعادة الخلاص من ذلك الكابوس الذي اسمه ~~الحب. # لم يعد لأحد سلطان على قلبي، لقد تحررت. # ما أجمل القلب الخالي، وما أمتع الحياة حرة طليقة خالية من القيود والأغلال. # يا إلهي! ما أحلى الحرية. # وأغمضت عيني في راحة. # ودق جرس التليفون، فانتفضت، وشملتني رجفة من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، وامتدت يدي بلا وعي ~~لتلتقط المسماع، وجاءني صوته يقول لي: يا حبيبتي! # وسمعت لساني يجيب في غيبوبة: يا حبيبي، يا حياتي! # وسمعت صدري يلهث، وصوتي يفتر ويتهدج، وتدركه بحة! # وتقلبت في فراشي في ذعر، وأنا أتشبث بالغطاء، كأنما أخشى على شيء غال في نفسي، شيء عزيز ~~أخشى عليه الهوان. # آه، يا لضعفي! # | هذه المرة # خرجت نفيسة من المستشفى تحمل حقيبة ملابس صغيرة في يدها، وعلى وجهها وعينيها علامات إجهاد ~~وإرهاق، وسارت محنية إلى الأمام بعض الشيء، مطرقة رأسها تفكر في أشياء كثيرة حتى وقفت ~~قدماها أمام محطة الأتوبيس. # ووضعت الحقيبة على الأرض بين ساقيها، وشبكت ذراعيها حول صدرها، ووقفت تنظر إلى شارع الهرم ~~العريض، وترقب بنظرات فاترة سيل العربات وهي تنحدر بسرعة آخذة في الهبوط مع الطريق الأملس ~~الذي يهبط ms30 تدريجا إلى نفق قطار الصعيد. # وكان قرص الشمس يميل على مهل بعيدا جدا عند رأس شارع الهرم ويصبغ باللون الأحمر كل ~~الأشياء، السماء والأرض والبيوت وأعمدة النور، ومقدمات العربات الصاعدة نحو الهرم، ومؤخرات ~~العربات الهابطة إلى النفق، كل شيء كان أحمر بلون الخدود! # وسقطت الأشعة الحمراء على وجه نفيسة وهي تقف وقفتها الحائرة: فزادت عيناها السوداوان ~~حزنا وعمقا، وبدت شفتاها المطبقتان كأنهما قد انطوتا على جرح ينزف دما أحمر ~~خفيفا. # وفكت ذارعيها بسرعة من حول صدرها لتطرد «بعوضة» لدغت ساقها فلمست يدها الجورب الجديد الذي ~~تلبسه، ومالت برأسها إلى الأمام قليلا لتنظر كيف يبدو الجورب على ساقيها، فوجدت أن لونه لا ~~يناسب بشرتها السمراء، ولكن ماذا تفعل؟ إن الدكتور رشيد هو الذي اختاره لها! # وصعد الدم إلى وجهها بمجرد أن تذكرت هذا الاسم، وأحست بانقباض شديد، وتمنت لو فقدت ~~ذاكرتها، أو فقدت خيالها، حتى تنسى هذا الاسم. # الدكتور رشيد، الذي كانت له معها قصة حب لم تدم سوى ثلاثة أشهر، ابتدأت بنظرات طويلة منه ~~إليها، فحديث طويل في حجرة العمليات، فحديث قصير في كشك الغيار، ثم نزهة طويلة في عربته ~~الصغيرة في شارع الكورنيش، آه، ثم ... # وصعد الدم مرة أخرى إلى وجهها، لكنه ما لبث أن هرب وترك عليه صفرة بائسة حزينة. # إنها لا تعرف ما الذي دفعها إلى كل ما حدث، كانت تسمع أحاديث زميلاتها الممرضات فيقشعر ~~بدنها، وخصوصا حينما تحكي فاطمة عن علاقتها بالدكتور فتحي، وكيف أنه يحبها ويطلبها كل ليلة ~~في المستشفى ويظل يحدثها مدة طويلة. وكان التمورجي، في وقت معين من كل ليلة، يطرق باب بيت ~~الممرضات ويقول بصوت عال لا يخلو من الضجر والضيق: الست فاطمة، تليفون. # وتقفز فاطمة من على سريرها وهي تطرقع باللبان كعادتها، وتضع على قميص النوم الرخيص ~~مريلتها البيضاء، وتسمع نفيسة صوت حذائها المفكوك وهو يطرقع على درجات السلم في سرعة هوجاء، ~~وبعد ساعة أو أكثر يعود صوت الحذاء المفكوك وهو يرتقي السلم في تثاقل وبطء شديدين، ثم تدخل ~~فاطمة بخدين ms31 محمرين وعينين براقتين ، وتلقي جسمها على السرير وهي تتأوه في حنين وميوعة: «يا ~~ختي عليه الدكتور فتحي، تصوري يا نفيسة بيقولي عنده مفاجأة لي بكرة!» # وتستلقي فاطمة على ظهرها وتبدأ تحكي في تراخ وصوت ناعس ما يفعله معها الدكتور فتحي حينما ~~يركن العربة على جانب شارع النيل، ويقترب منها، ثم ... # وتحس نفيسة، وهي تسمع، بقشعريرة عنيفة تسري سريعا في بدنها، وتحس معها إحساسا جديدا ~~بلذة جديدة، وتبيت تحلم أحلاما غريبة منها أنها ترى شبحين في الظلام يتعانقان وتتبين في ~~ملامحهما وجهي الدكتور فتحي وفاطمة، وأحيانا ترى نفسها مع رجل غريب لا تعرف ~~ملامحه. # وكان يدور برأسها سؤال واحد كلما جلست إليها فاطمة، وراحت تحدثها عن حب الدكتور لها، ~~ولكنها كانت تخجل من أن توجه إليها هذا السؤال، حتى انتهزت فرصة استخف فيها الفرح فاطمة، ~~فأخذت تقفز حافية على قدميها ويديها، وقد كادت تطير من السعادة: «شوفي يا نفيسة الدكتور ~~فتحي جاب لي إيه؟» # وتناولت نفيسة هدية الدكتور فتحي، كانت حقيبة لا يقل ثمنها عن جنيهين، ونفيسة لا تحمل ~~حقيبة يد، وتكتفي بكيس النقود النايلون، وأحست نفيسة بالغيظ، إنها لا تحقد على فاطمة ولا ~~يهمها أن تحمل حقيبة يد؛ لأن كيس النقود يكفيها، ولكنها لا تملك الجرأة لتسأل فاطمة السؤال ~~الذي يلح عليها دائما. وأعادت الحقيبة إلى فاطمة وهي تمتدح ذوق الدكتور فتحي، ثم سألتها ~~فجأة: «هو الدكتور فتحي بيحبك يا فاطمة؟» # وأدارت فاطمة رأسها بسرعة إليها ونظرت في عينيها نظرة غريبة بلهاء، ثم أطلقت ضحكة ساخرة ~~متصلة: «أمال بيحبك انتي يا اختي؟!» # واحمر وجه نفيسة من الغيظ وسألتها دون خجل: «طيب ليه مش بيجوزك؟» # وتأودت فاطمة ولوت خصرها ورفعت حاجبها الأيمن، وخرج من فمها صوت يشبه الشهقة، وقالت وهي ~~تتثنى: ليه مش بيجوزني يا روحي! دا انت لسه خام قوي، خام قوي! # وراحت تتثنى في طول الحجرة وعرضها وهي تردد بصوت مخمور قبيح: خام، خام قوي! خام ~~قوي! # وبعد هذه الليلة بدأت نفيسة تفهم من فاطمة أشياء لم تكن تعرفها ms32 من قبل، فهمت أن الحب شيء ~~والزواج شيء آخر، وأنها ما دامت تسكن في حارة «شق التعبان» وأبوها المعلم حنفي المنجد، ~~وأمها أم إبراهيم بنت الفران، فلن يتزوجها سوى ابن عمها علي الجزماتي، أو جارهم متولي ~~المكوجي الذي يغازلها من الشباك، ولكنها تستطيع أن تحب الدكتور رشيد طبيب القسم الذي تعمل ~~فيه، وتستطيع أن تركب عربته، وترى الدنيا، وتحس لمسات يديه النظيفتين، وتكسب هداياه ~~الثمينة، من حين إلى حين، كما تفعل فاطمة مع الدكتور فتحي. # ودخلت رأس نفيسة الصغير مفاهيم كثيرة لم تكن تعرفها، واتسعت مساحة الأرض في عينيها، وتعدت ~~حارة شق التعبان وعنابر المستشفى. # وروضت أفكارها، وأصبحت المبادئ والفضيلة في تفكيرها الجديد شيئا مطاطا يمتد مسافات ~~بعيدة. # وذات يوم، لاحظت نفيسة أن الدكتور رشيد يصوب لها نظراته الطويلة، فسألت نفسها هل كان ينظر ~~إليها هكذا من قبل حين كانت لا تزال «خام قوي» كما قالت فاطمة، أم أنها بدأت تطبق مفاهيمها ~~الجديدة بطريقة عملية! # وانتبهت نفيسة فجأة إلى نفسها، وتذكرت أنها تقف على محطة الأتوبيس، فضمت ساقيها قليلا ~~لتتأكد من أن حقيبة الملابس لا تزال موجودة، وكانت الظلمة قد أوغلت، فرفعت نفيسة ذراعها ~~اليسرى إلى عينيها لترى الوقت في ساعتها الرجالي الكبيرة، وكانت هذه الساعة أيضا هدية من ~~الدكتور رشيد، وإنها لتذكر كلماته حين قدمها لها: «أنا جايبها كبيرة مخصوص علشان تشوفي بيها ~~سرعة نبض القلوب!» ثم نظر إليها نظرته المتلهفة دائما. # واسترجعت نفيسة في ذاكرتها هذه الكلمات وهي تنظر إلى رأس الشارع كأنما تتلهف على قدوم ~~الأتوبيس، وهي في الحقيقة لا تتعجل الأتوبيس، ولا تشعر برغبة في العودة إلى حارة شق التعبان ~~لتقضي فيها إجازة الخميس والجمعة، ولا تريد أن تدخل بيتها المظلم وتصعد السلالم المتهدمة، ~~وتقابل وجه أمها بعظامه البارزة وفمها المدبب كفم الفأر، وتشم الرائحة الكريهة المنبعثة من ~~حجرة «الكرار» ممتزجة برائحة الطبيخ البايت وهو يغلي على وابور الجاز. إنها تحس بغليان في ~~دمها كلما دخلت هذا البيت، وخصوصا حجرة نومها المظلمة الرطبة، والسرير القذر والسقف ms33 ~~«بعيدانه» الخشبية المتوارية التي عشش عليها العنكبوت، ثم اصطادت خيوطه الماهرة البعوض، ~~والفراش، والصراصير، وحشرات أخرى لا تعرف أسماءها! فرق كبير بين حجرة نومها هذه وحجرة ~~الدكتور رشيد، سرير نظيف وسقف أملس ناعم ليس فيه عنكبوت وهواء طلق ليس فيه أثر لرائحة ~~الطبيخ. # وأحست أنها تشمئز من بيتها وبيئتها، وأنها تفضل البقاء في الشارع على أن تعود إليهما. ~~ورفعت عينين فاترتين فيهما دموع كثيرة، وراحت تحملق في العربات المارة أمامها كالسهام، كل ~~عربة فيها رجل وامرأة يضحكان في سعادة، لقد مرت هي مرة، بل مرات، مع الدكتور رشيد في عربته، ~~وكانت تضحك في سعادة، لكنها الليلة حزينة باكية. لقد أحبها الدكتور رشيد ثلاثة أشهر فحسب، ~~مارس وأبريل ومايو، ثم بدأ يتهرب منها، بعد أن منحته كل شيء لديها، وكانت تحس أنها لا تعطيه ~~شيئا، كانت تحس أنها ضئيلة فقيرة بالنسبة له، فكانت تبذل أحسن ما عندها في خزي، ونسيت ~~نفسها في حرارة الحب، ونسيت أباها المعلم حنفي المنجد وأمها و... و... ونسيت كل المفاهيم التي ~~تلقتها من زميلتها فاطمة، وانطلقت منها دون وعي طبيعتها الطيبة الساذجة شديدة الصدق ~~والإخلاص. # أحبت نفيسة الدكتور رشيد، أحبته بقوة، وتغلغل حبه في أعماقها، واحتل أمكنة كثيرة من نفسها ~~وحياتها حتى أحست أنه كل شيء في دنياها، وأنه لو غاب عنها لما ترددت في الانتحار دون تفكير، ~~وصدقت في غمرة نسيان نفسها كل ما كان يقوله لها من كلمات الحب والهيام. # وتساقطت حبات العرق من جبهتها على أنفها وخديها وذقنها، وتساقطت معها دموع من عينيها ~~وانحدرت إلى رقبتها، فأخرجت من جيب فستانها منديلا وجففت أنفها، إنها لا تعرف لماذا تركها ~~الدكتور رشيد دون أن يبدي لها أعذارا مفهومة، وإنما ألقى بها فجأة بعيدا عنه كما تلفظ ~~مصاصة القصب بعد مصها في عرض الطريق. # وانتبهت وهي تدخل منديلها في جيبها إلى صوت بالقرب منها، فرفعت رأسها لترى سيارة طويلة ~~تقف أمامها، وبداخلها رجل يشير لها بيده أن تدخل، ونظرت إليه بقوة وجرأة تتأمله ثم رشقته ~~بنظرة ms34 احتقار بالغة، أودعتها كل ما كانت تشعر به في تلك اللحظة من احتقار لنفسها وللدكتور ~~رشيد ولأمها ولأبيها وكل سكان هذه الأرض. ونظرت بين ساقيها لتطمئن على الحقيبة ثم رفعت ~~عينيها فلم تجد العربة، ورأت سيلا من العربات ينثال في سكون الليل كرذاذ المطر، وفي كل ~~عربة رجل وامرأة يضحكان في سعادة. # ولم يأت الأتوبيس الذي سيحملها كالذبيحة إلى حارة شق التعبان، ومدخل البيت المظلم، ~~والسلالم المتهدمة، ورائحة حجرة الكرار والطبيخ البايت، والسقف والعنكبوت والصراصير، وابن ~~عمها الجزماتي والأسطى متولي المكوجي، وأحست أن قلبها يخفق ويديها ترتعشان، لا يمكن أن تعيش ~~في هذه البيئة يوما واحدا، لا تستطيع أن تنظر إلى أصابع ابن عمها الغليظة المشققة بعد أن ~~أحسست لمسات الدكتور رشيد الرقيقة الحنون، ولن تطيق رائحة ملابس «الجزماتي» بعد أن خدرتها ~~أنفاس الدكتور المعطرة، لا، لن تطيق شيئا من هذا! # ورفعت رأسها إلى السماء في تحد، أحست أنها يجب أن تتحدى هذه الظروف السيئة التي تحيط ~~بها، وأن تختار لنفسها حياة أخرى، فيها نظافة، وليس فيها حرمان ولا هموم، وهزت كتفيها ~~مستخفة بحزنها ودموعها، وأطلقت ضحكة قصيرة ساخرة فيها شيء من الهستريا، وأخذت تدندن أغنية ~~مرحة كان يغنيها الدكتور رشيد معها. # وأحست كأن كابوسا ثقيلا ينزاح عن صدرها فجأة، وأن السحابة القاتمة التي كانت تغشي ~~عينيها اختفت تماما، وأحست براحة، راحة عجيبة تصحب دائما الشعور بفقدان الضمير. # وابتسمت لنفسها ابتسامة جديدة وقالت بصوت عال: «يا سلام! ده أنا كنت عبيطة!» ~~••• # بعد أيام قليلة وعلى نفس محطة الأتوبيس كانت تقف ممرضة جديدة من نوع خام قوي! وبين ساقيها ~~حقيبة ملابس صغيرة، يداها مضمومتان إلى صدرها، ونظراتها التائهة الدامعة تعلو وتهبط مع ~~الطريق الأملس، الذي تنزلق عليه العربات الأنيقة مارقة كالسهام، وفي كل منها رجل وامرأة ~~يضحكان في سعادة. # وداخل إحدى هذه العربات كانت «نفيسة» تجلس وبجوارها رجل تضحك له، وكانت ضحكتها طلقة مجلوة ~~تخرج من بين أسنانها البيضاء رنانة كرنين صندوق فارغ، يبدو أنها لم تنس نفسها هذه المرة في ms35 ~~غمار الحب. # | المقامر # في إحدى ليالي يناير الباردة، والبيوت كلها مغلقة النوافذ والأبواب تحمي سكانها من هواء ~~الليل البارد، والملاهي خالية من الناس تبدو بمناضدها وكراسيها الشاغرة كشجرة عجوز تساقطت ~~عنها أوراقها، وشارع النيل الواسع يلمع نظيفا وقد غسله ماء المطر، والكون كله ساكن إلا من ~~صرير عربات الليل وهي تنزلق على الكوبري القريب. # وبدا القمر هلالا رفيعا، يضفي على الأرض ضوءا باهتا، لا يخفف شيئا من ظلمة الليل، بل ~~لعله ينشر على الأرض ظلالا خافتة تبدو كالأشباح وتزيد من روعة الليل ورهبته. # وكان عباس ينقل خطاه بطيئة على أرض الشارع، ويضع يديه في جيبي معطفه، ويرفع وجهه إلى ~~السماء؛ حتى يؤنس وحدته ذلك الهلال اليتيم الهائم في خضم السواد، وتلفح وجهه نسمة ~~الليل الباردة، فتخفف من لفح اللهيب الذي يجري تحت بشرته. # ودارت عيناه تنتقلان من السماء إلى الماء، ومن الماء إلى السماء، ورأى الهلال الهزيل في ~~قاع النيل يتهالك في اهتزازات عنيفة، تنكسر عليها أشعته الخافتة، وأشفق على الهلال أن ~~يختنق، فاقترب من صفحة الماء ونظر فيها، واقشعر بدنه، وسرت في أوصاله رجفة؛ لقد رأى وجهه، ~~لكن ملامحه لم تكن هي ملامحه، انقلبت عيناه إلى بؤرتين عميقتين تشعان مرارة وأسى، وأصبحت ~~شفتاه شريطين من الجلد المشدود تقطران هما وكآبة، وانقبض قلبه، ورفع رأسه فرأى شبح الموت ~~يجثم على الأرض والسماء، الهلال يحتضر والبيوت قبور، وهو ... هو يشم رائحة الموت في كل نفس ~~من أنفاسه. # وانكمش عباس في معطفه السميك، وأخذ يجر هيكله الطويل النحيل، ويستمع إلى وقع قدميه، وهو ~~يفكر في أمر نفسه، ما الذي يدفعه إلى كل هذا؟ ولم يعرف بماذا يجيب، واكتفى بأن واصل سيره، ~~وهو يمصمص شفتيه ازدراء، وشعر في هذه اللحظة أنه يحتقر كل شيء، نفسه، والناس، والدنيا، ~~والليل، حتى ذلك الهلال الهزيل الذي يحتضر يحتقره، لأنه ضعيف عاجز. # وانحرف إلى يسار شارع النيل، ودخل في شارع ضيق، سار فيه بضع خطوات، ثم توقف أمام بيت ~~صغير، وقبل أن يضع يده على الجرس نظر ms36 إلى ساعته، كانت الواحدة، وتردد قليلا، هل يضع إصبعه ~~على الجرس، أو يستدير عائدا من حيث أتى، ووقف أمام الباب المغلق يتساءل عن هذه الأحاسيس ~~الغريبة التي سرت إلى نفسه، وهذه الكلمات الجديدة التي ترن في أذنيه، احتقار، كراهية، ضعف، ~~تردد، لم يسبق له أن احتقر أحدا طوال حياته، ولا حتى نفسه، كان يجد مبررا لكل شيء يفعله، ~~ويلتمس الأعذار لكل الناس. # ولم يكن يشعر بشيء اسمه الكراهية لأي شيء، ولا حتى للقضاء والقدر، بل لعله كان يجد فيهما ~~ملاذا لكل أخطائه، إذا كانت هناك أشياء يمكن أن يسميها أخطاء. # ولم يكن يشعر بالضعف أبدا، وكيف يشعر بالضعف وهو يترك نفسه للقدر، يحركه ولا يكاد يستعمل ~~قوته؟ # ولم يكن يعرف التردد، وكيف يعرفه، وهو لا يذكر أنه احتاج مرة إلى ما يسميه ~~«إرادته»؟ # وقد كان يعيش رغم ذلك كله، يعيش حياته، ويعتبر نفسه ظاهرة طبيعية كالشمس، والقمر، ~~والهواء، كلها تعيش حياتها، ولا تعرف ما يعرفه الناس عن تلك الأشياء التي يسمونها الإرادة، ~~أو القوة، أو الضعف، أو التردد، أو الاحتقار، الشمس تدور حول الأرض اليوم، كالأمس، كالغد، ~~بلا تفكير ولا إرادة، وهو أيضا يدور على الأرض اليوم، كالأمس، كالغد بلا تفكير ولا ~~إرادة. # ونظر إلى جرس الباب في تردد، هل يضع إصبعه أو يعود من حيث أتى، ولكن من أين أتى، إنه لا ~~يكاد يذكر تماما أين قضى الوقت من الظهر حتى الآن، لكنه يعرف أين قضى فترة الصباح من ~~الثامنة حتى الثانية بعد الظهر، وكيف ينسى حجرة مكتبه الضيقة الرطبة في «وزارة المالية» ~~التي يذهب إليها كل صباح، منذ عشرين سنة؟ # وتراءت له صورته وهو بعد شاب في العشرين، طويل نحيل، جبهته عريضة أكثر من اللازم، ~~وعيناه غائرتان أكثر من اللازم، وظهره مقوس أكثر من اللازم، لكن كل ذلك لم يكن مشكلة ~~بالنسبة له، بل كانت المدرسة هي مشكلة حياته، لا يرى داعيا لها، ولا يطيق أن يجلس حصة ~~واحدة، دون أن يفرك يديه وقدميه، ويتلفت حوله، ويفتح درجه ms37 ويغلقه عشرات المرات ، وقضى ~~بالمدرسة ثماني سنوات، ثم فصل، وبعد أيام قليلة سمع صوت أبيه الثائر يقول: هو أنا حاصرف ~~على بغال؟ كفاية بقى كفرتني، سيبني أربي دستة العيال اللي ورايا! # ووجد نفسه في الطريق يتسكع بين المحلات، يلتهم بنظراته الجائعة أسياخ اللحم على النار، ~~ويجذب أنفاسا عميقة من بخار الشواء اللذيذ، ولا يذكر عباس كيف وصل إلى وزارة المالية، وكيف ~~حصل على وظيفة كاتب هناك، ربما كان خاله «عبد الله بك» هو الذي توسط له، أو لعله أبوه هو ~~الذي دبر له ذلك، ومع ذلك فإنه لم يرفض العمل ما دام سيقبض آخر الشهر سبعة جنيهات كاملة ~~يستطيع أن يدخن بها، ويأكل، وبالطبع لن يكون هناك مذاكرة، ولا حصص، ولا جرس، ولا امتحانات، ~~ولا رسوب! # وأشعل عباس سيجارة أخرى، ونظر إلى جرس الباب، لماذا يتردد الليلة في الدخول؟ ألم يواظب ~~على الحضور كل ليلة إلى هذا البيت، ولكنه أحس أنه لا يستطيع أن يواجه العينين الحانقتين ~~اللتين ترقبانه وهو يدخل في كل مرة، وشعر بالخجل منهما، لأول مرة، يحس شعور الخجل، لقد عاش ~~حياته بلا خجل، وقلب كلمة الخجل في رأسه، ومصمص شفتيه وهو يقول لنفسه: خجل! # غريبة، لم تخطر هذه الكلمة بباله قط، حتى حينما كان يزجره أبوه، ويتهمه بأنه ما بيحسش ~~وماعندوش دم، ولا خجل! بخلاف أخيه الأصغر، كان يسمع كلام أبيه، ولا يحس شيئا، ويتساءل بينه ~~وبين نفسه عما يكون الخجل، وهل المفروض أن يخجل؟ وما الذي يضيره لو سبقه أخوه أو لم يسبقه، ~~إنه يأكل، ويشرب، ويلبس، وفي النهاية يجد سجائر يدخنها. # ونفث الدخان من أنفه، وألقى عقب السيجارة على الأرض، وقال لنفسه: لماذا لا أدخل الليلة؟ ~~ما الذي تغير حتى لا أدخل؟ وكيف أقضي الليل إذا لم أدخل؟ # ورفع يدا نحيلة معروقة، وضغط على الجرس، وتجاهل العينين الحانقتين الناعستين، ودخل ~~بقامته الطويلة، المنحنية، النحيلة، كالمارد المسلول، واخترق الصالة الواسعة إلى باب الحجرة ~~المعهودة، ودفع الباب فانفتح ودخل، وارتد الباب خلفه. # ووجد جو الحجرة مليئا ms38 برائحة يعرفها جيدا ، فهي مزيج من رائحة الدخان، والويسكي، والجبن ~~الرومي، والزيتون المخلل، رأى الخمسة جالسين حول المائدة، هم الخمسة أنفسهم لا يتغيرون، ~~كانوا يلعبون، ودعاه أحدهم إلى مشاركتهم كعادته، ولكنه اعتذر بأنه «مالوش مزاج»! # ونبهته تلك الكلمة الجديدة التي استعملها دون أن يحس، مزاج! ماذا يعني بتلك الكلمة؟ وهل ~~اختار أي شيء في حياته بمزاج؟ حتى البوكر، تلك اللعبة السحرية، التي تلتهم ساعات ليله ~~التهاما، هل اختارها بمزاج ما؟ # وسمع صوتا مبحوحا يصيح: فلوس! # وتبعته شهقة ثم زفرة، وامتدت يدان معروقتان على المائدة، وسحبت أوراق البنكنوت إلى جانب، ~~وابتدأت يدان نحيلتان تفرقان الورق مقلوبا على المائدة، وامتدت عشر أياد تلتقط الورق بخفة ~~الحواة، وعادت الهمهمة، وتتابعت الأصوات المبحوحة المختلفة: جوزين آس، كرت، اثنين كرت، كنت ~~رويال و... و... و... # وجلس عباس يراقب بنظراته الفاترة سيل الورق، وهو يدور من يد إلى يد، ويسأل نفسه كيف بدأ ~~هذه اللعبة، ولم يذكر بالضبط متى بدأ، إذ كان ذلك منذ عشرين سنة، في السنة نفسها التي تسلم ~~فيها وظيفته، وتعرف على «عبد السميع أفندي» باشكاتب المصلحة، وكانت تبدو على عبد السميع ~~أمارات الثراء، فقد كان يمتلك ثلاث بدل، أو أربع، ويدخن بكثرة، ويعزم بالسجائر على الكتبة، ~~ولا يركب إلا الدرجة الأولى في الأتوبيس، وشعر «عباس» بالغبطة حينما اختاره عبد السميع ~~صديقا له من دون الكتبة الآخرين، وفي مرة قال له عبد السميع: تعرف أنا باصرف كام في ~~الشهر؟ وحياتك ستين جنيه. # وفتح عباس فمه مندهشا وصاح: ستين جنيه؟ ليه؟ بتسرق؟ ولا وارث؟ # وقال عبد السميع: لا باسرق، ولا وارث، إنما حظ! # وسحبه عبد السميع من يده ليطلعه على الحظ، ودخل عباس الحجرة المليئة بالدخان، لأول مرة، ~~ورأى العيون المحمرة، والأيادي المعروقة وأرواق البنكنوت وهي تدور وتدور، ودار رأس عباس، ~~ولم يعد إلى بيته إلا مع الصباح، عاد معجبا بما قاده إليه «عبد السميع أفندي». # وكان عبد السميع يكسب على طول الخط، وهو يخسر على طول الخط، تماما كما كان ينجح أخوه كل ms39 ~~عام، ويرسب هو كل عام. # ولكن ما السبب؟ هل لعبد السميع حظ؟ ولأخيه حظ، وهو بلا حظ؟ وهل المسألة حظ فقط؟ # وأحس بالاختناق في جو الحجرة المشحون بالدخان، فقام وخرج إلى الصالة وفتح الباب الخارجي، ~~ونزل إلى الشارع، ومشى بضع خطوات قليلة حتى وصل إلى شارع النيل الواسع، ورأى الهلال الهزيل ~~كما تركه، وحيدا وسط الظلام، وحيدا مثله تماما؛ فهو ليس له أحد، مات أبوه من سنين كثيرة، ~~وتزوج أخوه، وبقي هو بلا أحد؛ حتى أصدقاؤه الخمسة يجلسون الآن حول المائدة، ولا يعرفون أين ~~هو، هل يجلس معهم على المائدة، أو يهيم على وجهه في الشوارع، أو يرقد تحت عجلات ~~قطار. # وارتجف عباس، لو أدركه الموت الآن لما افتقده أحد، سيموت على قارعة الطريق كالجراء ~~الجرباء، وتلفت حوله في ذعر، ورأى البيوت مظلمة ساكنة، والحوانيت مغلقة، والشوارع ~~خالية، إن الحياة نائمة، كل الناس في بيوتهم وسط أهليهم ينامون بعضهم بجوار بعض، حتى أخوه ~~الصغير الذي كان يعلمه المشي في يوم ما، ينام الآن بجوار زوجته. # وازدرد عباس لعابه وهو يشعر بمرارة، لماذا نجح أخوه في المدرسة وفشل هو؟ وتذكر كلام أبيه ~~وهو يقول إن المسألة «ليست إلا إحساسا، أخوه يحس وهو لا يحس، أخوه يخجل، وهو لا ~~يخجل.» # ولكن، لماذا لم يكتشف أبوه مسألة الحظ، وهل المسألة حظ أو خجل؟ أو أنها ليست هذا ولا ذاك؟ ~~وإذا لم تكن هذا ولا ذاك فماذا تكون؟ # وأشعل سيجارة أخرى، وهو يبحث في رأسه عما تكون المسألة، ولم يعرف شيئا، لكنه أحس أنه ~~يريد أن يكون له شيء، يريد أن يكون له أحد، يريد. # وكأنما أفاق على شعور جديد، وكأنما عثر على جزء ضائع من نفسه أو قلبه، أو رأسه، ولم يشعر ~~إلا وهو يلقي السيجارة من فمه، ويشد عضلات جسمه، ويعدل قامته المقوسة، وهرش رأسه، أخيرا ~~قال، قال وهو في الأربعين ما كان يقول أخوه الصغير وهو في العاشرة. # | شيء آخر # خرج الدكتور رجب من باب شقته، وأغلق الباب وراءه، وتقدم بخطوات ms40 ثقيلة إلى المصعد ، ثم هبط ~~إلى الدور الأرضي، ووقف له عم عثمان البواب، وحياه تحية الصباح، ورد عليه الدكتور برأسه في ~~حركة كسول. وعند باب العمارة رأى العربة «الكاديلاك» الفاخرة تنتظر كعادتها كل صباح، عربة ~~«سيد بك الحناوي»، ورأى هو الفيات الصغيرة تقف خلفها في خجل، إنه يرى هذا المنظر المؤلم كل ~~يوم كأنه لوحة ثابتة لا تتغير. وفتح الدكتور سيارته وحنى قامته الطويلة ليدخل من الباب ~~الصغير، وسارت السيارة ببطء ليس فيه حماس، ودخلت من شارع جانبي ثم خرجت إلى شارع آخر، ثم ~~دخلت في حارة ضيقة، ثم خرجت إلى خرابة كبيرة، وانحرفت إلى اليسار، وأخرج الدكتور رأسه من ~~النافذة وبصق على الأرض. # كل يوم يمشي في هذا الطريق السخيف ويشم رائحة الخرابة العفنة، ويرى أولاد الحارة بأثوابهم ~~القذرة، يتشاجرون بألفاظ قبيحة، وحينما يرون عربته يجرون خلفها ويقذفونها بالطوب ويصنعون ~~خلفها قطارا يصفر ويهلل: «الدكتور أهه أهه»، ولا ينقذه منهم إلا توفيق عبده «التمورجي» ~~الذي يلمح عربة الدكتور من بعيد وحولها العيال، فيشمر جلبابه، ويمسك طرفه بأسنانه ويجري ~~نحوه، ويهب في الأولاد كالكلب المسعور، وينزل عليهم ضربا بالعصا، ويتفكك قطارهم نصف ~~العاري، ويختبئون في شقوق على الأرض كالأرانب. ويسترد توفيق أنفاسه، ويبلع ريقه في زهو، ~~ويقترب من عربة الدكتور، ويحييه بيده، ويبتسم ويقول: «صباح الخير يا سعادة البيه، أصلهم ~~كلهم ولاد حرام.» # ويبصق الدكتور على الأرض، وينظر إلى توفيق في غيظ: «صباح الزفت والقطران إنت لسه عايش، ~~طول ما بصطبح بوشك العكر ده طول ما ربنا مش حيتوب علي من القرف بتاعكم.» # ويبتسم توفيق ويقول: «ليه يا بيه، ده انت الخير والبركة، ربنا يخليك لنا.» # ويرد الدكتور بسرعة: «ربنا يخرب بيتك، امشي انجر، اسبقني على المستوصف، وزيح البلاوي من ~~سكتي.» ~~- حاضر يا بيه. # ويجري توفيق وطرف جلبابه في فمه، إن البيه الدكتور مبسوط النهاردة هكذا يقول له ~~«الترمومتر»، والترمومتر هو كلمة صباح الخير يا سعادة البيه، فإذا لم يرد عليه البيه بتاتا ~~فكأنه لم يسمع، ومعنى ذلك أن الحالة ms41 «ج» ومزاج البيه كالقنبلة المضغوطة التي ستفرقع بعد ~~قليل، على دماغه طبعا ودماغ كل هيئة المستوصف بما فيهم الحكيمة ست عنايات، وإذا قال له ~~صباح الزفت والقطران وسكت فإن مزاجه نص نص، وإذا كمل الزفت والقطران بوشك العكر والقرف ~~بتاعكم وربنا يخرب بيتك فمعنى ذلك كله أن البيه «مبسوط» وآخر مزاج. # ووصل الدكتور إلى المستوصف، وركن سيارته بجوار الرصيف أمام الباب بعد أن أحكم إغلاقها ~~بالزجاج والمفتاح، والتفت حوله ونادى بصوت عال: يا فيشاوي. ~~- أيوه يا سعادة البيه. ~~- انت فين يا حمار، خليك واقف جنب العربية اوع تنتقل، أحسن ولاد أخوك وولاد اختك وولاد ~~المحروسة خالتك يركبوها حمار، فاهم يا حمار؟! ~~- حاضر يا سعادة البيه. # ويبتسم فيشاوي لنفسه في سعادة، هذه هي تحية البيه الدكتور له كل صباح. # وقف الدكتور رجب على باب المستوصف، وفي عينيه نظرة اشمئزاز وقرف، ورأى «توفيق» وهو يخترق ~~كوم اللحم البشري المتجمع أمام الباب: وسع السكة للبيه، وسع يا جدع انت خلي عندك دم، لمي يا ~~ولية ولادك من السكة، اتلحلح يا أخي اتلحلح، البيه واقف مش عارف يفوت، اتفضل يا بيه، وسع يا ~~جدع، اوعي يا ولية، ابعد شوية يا راجل، اتفضل يا بيه. # وينشق الكوم البشري الملتصق بالأرض عن شق ضيق يفوت منه الدكتور رجب وهو يكتم أنفاسه حتى ~~لا يشم رائحة الجراثيم الملوثة بالتراب، ورائحة العرق المريض والأنفاس العفنة. # ووصل الدكتور إلى حجرة مكتبه، واستقبلته ست عنايات بابتسامة عريضة: صباح الخير يا ~~بيه. ~~- صباح الزفت يا ولية. # ونظر إليها شزرا ثم قال: «انت مالك يا بت بتسمني كده؟! يظهر انكم بتيجو على العيا، جاتكم عيا.» ~~- اسكت والنبي يا بيه أحسن طول الليل عندي كحة وعاوزة أعمل أشعة عشان اطمن. ~~- تطمني على إيه يا ولية؟ هي الجتة دي كلها يجيلها سل؟ امشي غوري من قدامي، سل لما ~~يلهفك. # وابتسمت ست عنايات وخرجت، لقد تعودت على هذه الشتيمة اللذيذة من البيه الدكتور، بل إنها ~~حينما ينسى الدكتور رجب وسط شغله الكثير أن يشتمها تحاول ms42 أن تجر شكله بطريقة خفية فتدخل ~~إليه تمشي في دلال كأنها مكسوفة وتقول بصوت ناعم فاتر: تسمح لي والنبي يا بيه آخد أجازة ~~بكرة. # وتسكت وتنظر إليه وهي تعرف أنه سيبدأ بالشتيمة، وفعلا ينظر إليها في عجب، ويهز رأسه في ~~سخرية: ليه عاوزة أجازة بكره؟ ناوية تموتي بكره؟ إلهي ربنا ياخدك ويريحنا منك. # وتبتسم ست عنايات، ولا تكتفي بهذا النصيب الضئيل من الشتيمة فتقول في دلال: والنبي يا بيه ~~ربنا يخليك أصل كل سنة وانت طيب حاعمل الكحك بكره. ~~- كحك؟ الناس مش لاقية العيش وانت بتعملي كحك؟ وكمان لك عين تطلبي أجازة، غوري، غوري من ~~قدامي، آل كحك آل! انزاحي يا ولية شوفي لك شغلة. # وتخرج عنايات، ويجلس الدكتور إلى مكتبه، ويخرج المفاتيح من جيبه ويفتح ثلاثة أدراج من ~~المكتب، ويخرج رزمة من الورق ورزمة من الدوسيهات والأشعات وثلاثة أقلام حبر ودباسة وعلبة ~~سجائر وعلبة كبريت، ثم يقوم ويفتح دولاب صغير، في الحائط، ويخرج منه بالطو أبيض، ويضع ~~جاكتته وينحني بقامته الطويلة إلى رف سفلي ويخرج منه فوطة وصابونة وكوب زجاج فارغ، ثم يعود ~~إلى المكتب ويجلس ويضغط على زر بجواره فيضيء فانوس الأشعة، ويفتح أول «دوسيه» أمامه وينظر ~~فيه، ثم يفتح الباب ويدخل توفيق عبده: «سعادة البيه فيه واحد عاوز يقابل سعادتك.» ~~- والله سعادتي مش فاضي يقابل حد، مش شايف يا أعمى أنا قدامي إيه؟ مش شايف يا بهيم أنا مش ~~باين من الدوسيهات؟ ~~- حاضر يا سعادة البيه. # ويخرج توفيق ويغلق الباب، ويضع الدكتور صورة أشعة على الفانوس وينظر فيها بدقة، ثم يقلب ~~في أوراق الدوسيه، ويكتب في إحدى الصفحات: «درن رئوي مزدوج - حالة سيئة - لا يقدر على العمل، يستحق إعانة.» # ويفتح الباب ويدخل توفيق: ~~يا سعادة البيه فيه واحدة بره عاوزة تقابل سعادتك ومعاها جوزها مريض عندنا. ~~- خليها تدخل. # وتدخل امرأة في الثلاثين تقريبا ناشفة كعود الذرة المقطوع، وثيابها مهلهلة، ويستند على ~~ذراعها الطويل الرفيع هيكل رجل عيناه غائرتان في رأسه وفمه مفتوح على آخره يلهث: والنبي يا ms43 ~~بيه الرجل ده وراني المر، ومعايا منه ست عيال، إلهي يكفيك شر العيا تدخله المصحة. ~~- اسمه إيه؟ ~~- عباس عبد الله محمد. # ويفتش الدكتور في الدوسيهات أمامه، ثم يخرج من بينها دوسيه بنفس الاسم، وينظر فيه بضع ~~دقائق، ثم يقول: يا ستي ده كان في المصحة! ~~- أيوه يا بيه قعد في المصحة كام شهر وبعدين خرج. ~~- طيب يا ستي وأنا أعمل إيه، مفيش سراير فاضية دلوقت، خليه في البيت لغاية ما سرير يفضى، ~~والمصحة تبعت له يبقى يروح. ~~- والنبي يا بيه ربنا يخليك، أنا باشتغل وبأكل العيال الستة واحنا غلابة قوي و... ~~- مش في إيدي يا ستي، لما المصحة تبعت تقول فيه سراير فاضية حابعت لك، ده كل اللي ~~عندي! ~~- ربنا يخليك يا بيه. ~~- ربنا ياخدني أحسن، قلت لك مش في إيدي! ~~- يا سعادة البيه إحنا فقرا و... ~~- أيوه، حكاية فقرا دي مش شغلتي يا ستي، أنا شغلتي دكتور، طبيب، حكيم صدر، أفهم في السل ~~بس! ~~- ربنا يخليك يا بيه. ~~- أوه! مش عاوز دعاوي، يا توفيق، يا هباب! يا زفت الطين، خد الست دي من هنا، خليني أعرف ~~أشتغل. # ويأخذها توفيق خارج الحجرة، وفي ذراعها الرجل اللاهث، ويغلق الباب وراءه، ويشعل الدكتور ~~سيجارة، ويفتح «دوسيه» آخر، وينظر في الأشعة، ثم يكتب تقريره، وينتقل إلى دوسيه ثان، ~~وثالث، ويدق جرس التليفون بجواره على المكتب: آلو. ~~- الست عنايات موجودة؟ ~~- مين عاوزها؟ ~~- حسين. ~~- يا سي حسين اطلبها والنبي بعد الساعة اتنين، أصل ده تليفون حكومة، تليفون مستوصف يا ~~خويا، ويقفل السكة. # وتدخل عنايات ومعها طفلة: والنبي يا بيه، بنت أختي بقالها يومين بتكح، وفي النازل، والنبي ~~تشوفها بالأشعة عشان أمها تطمن. ~~- شافك ربنا بدري! مين يا ولية اللي اسمه حسين اللي بيطلبك في التليفون ده؟ مش عيب عليك ~~وانت كركوبة وشعرك شايب تدي مواعيد في التليفون؟ # وتبتسم عنايات في سعادة، ثم تضحك ضحكة قصيرة رنانة، وتقول وهي تنظر إليه في دلال: كركوبة ~~إيه يا بيه، ده أنا من مواليد واحد وتلاتين! ~~- يا بت بلاش ms44 كدب، بقى ما حضرتيش ثورة 19؟ بس بلاش كدب، مين الواد اللي اسمه حسين ~~ده؟ ~~- ده جوز اختي كان عاوز يطمن على بنته. ~~- غوري، خليهم يحضروا حجرة الأشعة. ~~- حاضر يا بيه. # وتخرج عنايات ومعها الطفلة، ويعود الدكتور إلى الدوسيهات والأشعات، ثم يفتح الباب وتدخل ~~تمورجية بملابس زرقاء وتقول بصوت خائف: خلاص يا سعادة البيه أودة الأشعة جهزت. # وتدخل عنايات، وتقترب من المكتب وتقول له: «أودة الأشعة جهزت اتفضل يا بيه.» # ويقف الدكتور، ويلبس النظارة السوداء، ثم يقول في حدة: خليكي هنا جنب المكتب، مش عاوز ~~ورقة تضيع هنا ولا هنا، المحفظة في الجاكتة في الدولاب، الكباية قدام عنيك أهه على المكتب، ~~عاوز الثلج يتغسل بالصابونة، مفهوم؟ ~~- حاضر يا بيه. # ويدخل الدكتور إلى حجرة ضيقة، متر ونصف في مترين ونصف، لها شباك واحد، عليه ستارة سوداء، ~~وجهاز الأشعة يبتلع نصف مساحة الحجرة، والنصف الآخر يشغله عشرة من المرضى متلاصقين كأنهم ~~مربوطين بحبال، ويرن صوت نفيسة الرفيع، وهي تقول للمرضى: الزقوا في بعض شوية كمان، خلي ~~الدكتور يعرف يمر. # ويمر الدكتور بصعوبة، كأنه يفلت من خرم إبرة، ويقف أمام جهاز الأشعة، وينادي على أول ~~مريض، ويضغط على زر فينطفئ النور، ثم يضغط على زر آخر فيضيء الجهاز، وينظر إلى صدر المريض ~~من خلال الجهاز في دقة، ويقول له: خذ نفس. # لكن المريض يكتم نفسه، فيقترب منه الدكتور ويقول له: مش بتفهم عربي، خذ نفس يعني تعمل ~~كده. # وفتح الدكتور فمه على آخره، وجذب من هواء الحجرة نفسا، وقبل أن يخرجه إذا بالمريض الواقف ~~أمامه يكح في فمه، ويتراجع الدكتور إلى الوراء في غيظ شديد، ويخرج منديله ويمسح رذاذ اللعاب ~~الذي تناثر على وجهه، ويبصق في الحوض المجاور له: الله يقرفك يا شيخ! بقى مالقتش حتة تكح ~~فيها غير زوري؟ تعالى اقف تاني ورا الجهاز، اقف كده وقفت عليك حيطة! # وانتهى الدكتور من الكشف على المرضى العشرة، وفتحت الممرضة الباب، ودخل عشرة آخرون وقالت ~~له: تاني دفعة يا بيه. # وانتهى الكشف على ثاني دفعة، ms45 ثم ثالث دفعة ، ثم الحريم، ثم المخالطين، والدكتور يجفف عرقه، ~~ويبصق من حين إلى حين في الحوض. وأخيرا انتهى الكشف، وأقفل الدكتور الجهاز، وخرج من ~~الزنزانة مسرعا. ~~- أف، الله يلعن أبو ده شغل! # كانت أول كلمات ينطق بها الدكتور، وهو يجلس على مكتبه، ويجفف عرقه. # وفتح الباب، ودخل توفيق: فيه واحد مريض عاوز يقابل سعادتك. # وانفجر فيه الدكتور صائحا: يا حمار! يا مغفل! مش شايف أنا شكلي إيه، مش شايف أنا لسه ~~يدوبك طالع من إيه؟ خلي عندك دم! سيبني شوية آخد نفسي، أشم شوية هوا من غير سل! اقفل الباب ~~يا حمار لغاية ما عرقي ينشف. # ثم نظر إلى عنايات في غضب: فين يا ولية المية الساقعة؟ غسلت التلج بالصابونة؟! اعملي ~~فنجان قهوة مظبوط. # ويذهب الدكتور إلى حوض صغير بجواره، ويغسل يديه ويجففهما، ويدخل توفيق عبده في حماس، ~~ويقول: فيه واحد بيه عايز يقابل سعادتك، بيقول إنه ... # وقبل أن يكمل توفيق كلامه، دخل من الباب رجل طويل أنيق، وصافح الدكتور رجب في حرارة، ~~والدكتور ينظر إليه كأنه لا يعرفه، وجلس الضيف بجوار الدكتور، وقال وهو يفرك يديه: أهلا ~~أهلا، إزي الدكتور؟ # ووضع الدكتور رجب القلم من يده على المكتب، وقال في برود: رضا، أدحنا عايشين. # ورد الضيف بسرعة: الحمد لله، طبعا سيادتك متعرفنيش؟ ~~- لا والله مش متذكر. ~~- أنا علي الدهان. ~~- أهلا وسهلا. ~~- أهلا بك. ~~- علي الدهان مين يا فندم؟ ~~- أنا من أعيان الحي ده! ~~- أيوه أهلا وسهلا. ~~- برضه ما سمعتش عني؟ ~~- لا والله ما حصليش الشرف. ~~- إزاي ده؟ ده مصطفى أمين كتب عني كذا مرة في الأخبار. ~~- أصلي والله مش بشوف الأخبار. ~~- أمال بتقرا إيه؟ ~~- المساء. ~~- يا خبر؟ وجرائد الصباح؟ ~~- أصلي والله ما عنديش صباح، أقصد وقت الصباح زي ما انت شايف شغل مالوش آخر! ~~- ربنا يكون في العون، ده الطب مهنة إنسانية نبيلة، يا سلام ده أنت بتخدم الناس المرضى ~~والفقراء، يا سلام ده ربنا حايجازيك أحسن جزاء، ده ربنا. ~~- ربنا ياخدني أحسن، سيادتك عاوز خدمة؟ ~~- أيوه فكرتني، ms46 أنا جاي عشان البنت الخدامة بقى لها يومين بتكح، وخايف يكون عندها حاجة ~~تعدي الأولاد بتوعي، قلت أجيبها لك تشوفها. ~~- قوي قوي أي خدمة، هاتها أي يوم يعجبك. ~~- متشكر قوي يا دكتور، على فكرة هو المستوصف ده تبع الصحة ولا الأوقاف؟ ~~- الصحة! ~~- كده! كويس خالص، أنا أعرف ناس كتير في الصحة، لو عزت أي خدمة يا دكتور بس قوللي. ~~- متشكر قوي. ~~- فرصة سعيدة يا دكتور. ~~- مع السلامة. # ودخلت عنايات ومعها القهوة ووضعت الفنجان أمام الدكتور على المكتب: إنت رحت فين؟! تجيبي ~~المية من الترعة، غطي الفنجان بالطبق ورشي شوية «فليت» أحسن الدبان بيزن في ودني زي ~~الضبابير. # وخرجت عنايات وجلس الدكتور يفكر، وينظر إلى الدوسيهات المتراكمة على المكتب، ويسمع ضجة ~~مئات المرضى الذين يطلبون مقابلته خارج الباب، وكل واحد منهم له طلب، وكل طلب عبارة عن ~~مستحيل رابع. # أسرة المصحات لا تكفي المرضى، آلاف من مرضى السل يتجولون في الشوارع بلا عمل، بعد أن ~~فصلوا من أعمالهم، ولا يجدون مكانا مناسبا يجتذبهم سوى مستوصف الصدر، يتكومون فيه كما ~~تتكون الصراصير في صفيحة الزبالة، ولكن ماذا يفعل هو لهم؟ إنه بائس مثلهم، وشعر الدكتور رجب ~~بانقباض شديد، كل يوم يرى هذه المناظر البشعة، بقايا هياكل بشرية يابسة كالخشب، لاهثة ~~دائما، بلا توقف، ونظر الدكتور حوله في يأس وملل، لقد مل عمله، مل الطريق الذي تسير فيه ~~حياته، بل مل حياته كلها، ماذا فيها من جديد؟ كل يوم مثل سابقه ومثل لاحقه، الحياة كلها ~~يوم واحد طويل، روتين يتنقل فيه بلا وعي، ليس هناك تغيير حقيقي وإنما تغيير مزيف، تغيير في ~~الأسماء فقط لا غير، السبت، الأحد، الإثنين، إلخ، أسماء متعددة لشيء واحد هو اليوم، سبتمبر، ~~أكتوبر، نوفمبر، إلخ، أسماء مختلفة لشيء واحد هو الشهر، سعاد، وفتحية، وخديجة، وسهير، كلها ~~فساتين مزركشة ملونة من تحتها شيء واحد ثابت هو جسم امرأة، حتى الكوسة، والملوخية، ~~والباميا، والبطاطس أسماء متعددة، لشيء واحد اسمه الأكل! # وشعر الدكتور رجب بصداع شديد، يكاد يفلق رأسه نصفين، فأمسك ms47 رأسه بيديه، وقال لنفسه بصوت ~~ملول مكتئب: آه يا دماغي! # ونظر إلى ساعته، ووجدها الثانية والربع، فقام، وغسل يديه، وخلع المعطف ولبس الجاكتة، ووضع ~~الكوب، والفوطة والصابونة، داخل الدولاب، وأغلقه، ثم وضع أدوات المكتب والدوسيهات في ~~الأدراج، وأغلقها، وخرج من المستوصف يحف به بعض التمورجية وكثير من المرضى، وأصواتهم تختلط ~~بعضها ببعض، والنبي يا بيه كلمة واحدة أنا راجل غلبان، وسع يا جدع خلي البيه يفوت، ربنا ~~يخليك يا بيه شوفلي سرير عندكم، يا راجل اوع من السكة خلي البيه يمر، و... ويركب الدكتور رجب ~~عربته، ويأخذ نفسا طويلا عميقا، من هذا الشارع العريض بعد أن يخرج من «الخرابة» ~~والحفرات. # ودخل إلى باب العمارة، ووقف، ورأى العربة الكاديلاك تقف في اعتزاز كعادتها، والسائق يمسح ~~عليها كأنه يدللها، وتنهد الدكتور في حسرة وقال لنفسه: سيد بك الحناوي، المقاول، ساقط ~~توجيهي!! يا خسارة السبع سنين طب! # وصعد إلى شقته يجر جسمه الطويل في ملل، كأنه يود لو تخلص منه هو الآخر، ودخل شقته، وقابله ~~خادمه محمد النوبي بابتسامة بيضاء ناصعة: أهلا سي رجب! ~~- عملت أكل إيه؟ ~~- كوسة يا سي رجب! # وقال له في غيظ: كوسة؟ كل يوم كوسة كوسة، مفيش حاجة تانية في السوق؟ انت امبارح عامل ~~كوسة! # قال الخادم: أبدا يا سي رجب، امبارح عامل بطاطس، وأول امبارح فاصوليا، وأول أول بسلة ~~وقبلها كانت كوسة. # ولم يرد عليه الدكتور، بل دخل إلى حجرة نومه، وهو يفكر في هذه الأيام التي تمر متشابهة، ~~فلا يفرق بين أمس وأول أمس، هل أصبح إلى هذا الحد لا يشعر بمرور الزمن؟ # وأخذ يخلع ملابسه في تثاقل وبلادة، لا شيء في الدنيا يثير الحماس. # ولم يدر ما حدث، فقد أخذ يتلفت حوله ويأخذ نفسا عميقا، وهو يقول: الله! ريحة ~~إيه؟ # ورأى خادمه، واقفا على الباب، يقول: خلاص يا سي رجب الأكل على السفرة، وعرف الدكتور أن ~~الرائحة التي هبت فجأة وأنعشت رئتيه لم تكن إلا رائحة اللحم المحمر في السمن البلدي. # وبخطوات سريعة نشطة قفز الدكتور ms48 إلى حجرة المائدة ، وقد ذاب كل شعوره السابق بالملل ~~والكآبة، ولم يشعر إلا وهو جالس أمام أطباق الأكل يشم كل طبق على حدة، وفي عينيه لمعان ~~جديد. # وانطلق صوته في نشوة مجلجلا: يا محمد! يا محمد، جبت فلفل أخضر؟ # وجاء صوت محمد من المطبخ يقول: أيوه حاضر جاي أهه. # وفاضت سعادة جديدة في أعماق الدكتور رجب لمجرد أنه علم أن هناك فلفا أخضر، والتهم الأكل ~~في لذة، وشرب كوب الماء المثلج، ثم قام وغسل يديه، وأسرع إلى السرير، وتمدد في سعادة، وهو ~~يفكر في سهرة الليلة، كيف وأين يمضيها؟! وهرش رأسه، وهمس في نفسه: النهاردة إيه؟ النهاردة ~~إيه؟ آه! النهاردة الخميس، أيوه الخميس، يا خبر! ده أنا عندي ميعاد الليلة مع سهير، أنا ~~مغفل صحيح، كنت حانسى سهير! # وانفرجت شفتاه قليلا عن ابتسامة هانئة، واقتربت جفونه في تراخ شديد، وراح في سبات ~~عميق. # | ضعف # حبيبتي سعاد. # كم كنت قاسيا معك آخر مرة، وكم قضيت أياما حزينة بسببي يا حبيبتي وأنت بريئة طاهرة ~~تستحقين كل سعادة الدنيا، لكن شيئا واحدا يطمئنني عليك، هو قوتك، كنت أقول دائما سعاد ~~لا يهزمها شيء. # أذكر يا حبيبتي كلامك آخر لقاء، واتهامك لي بالكذب والخداع، وأذكر عينيك الجميلتين وهما ~~ترفضان في كبرياء وقوة أن تفرجا عن دمعات حبيسة ظلت تترقرق وتتوسل ثم اختفت تدريجا لا أدري ~~كيف، أنت «إنسانة» قوية يا سعاد، لا تخافين شيئا، الحياة بالنسبة لك بكل مصاعبها ومشاكلها ~~لعبة صغيرة كالشطرنج، تنقلين قطعها بهدوء وثقة، فإذا انتصرت لم تفرحي كأنما الانتصار عادتك، ~~وإذا فشلت بدأت من جديد مرة أخرى بهدوء وثقة وكأن شيئا لم يحدث. # حتى الحب، ذلك السر الضخم الذي ترتعد له الفرائص، الحب، تلك الكلمة الرهيبة التي تطوي في ~~أعماقها عالما كله ألغاز، الحب أنت تمارسينه ببساطة وسهولة كما تنقلين قطعة الشطرنج من ~~مربع إلى مربع. # لا أقول إنك مخادعة، لكنك أقوى من الحياة التي حولك حتى إن أصعب ما فيها لا يخرجك عن ~~وعيك. # كنت أتمنى أن أرى في ms49 عينيك يوما خوفا مني، لا أدري لماذا؟ لعلي كنت أريد منك تأكيدا ~~لقوتي، لكني كنت ألمح فيهما شيئا آخر، يجعلني أرهب ما ينطوي في أعماقك، أرهب شيئا خيل ~~إلي أنه أقوى مني وأنني سأظل أبدا ضعيفا أمامه، وكنت أهرب دائما من هذا الشيء، وأطلق ~~ساقاي للريح بعيدا عنه. # لا تدهشي يا سعاد، كنت تتهمينني دائما بالقسوة معك، وقسوتي لم تكن إلا ستارا لضعفي ~~أمامك. # كنت أعلم أنك تحبينني وأحس كأنما نظراتك الرقيقة تضمني إلى صدرك، لكنني أيضا كنت أحس في ~~عينيك قوة تصلين بها إلى أعماق نفسي من خلال جلدي ولحمي، وكأنما نظراتك اللامعة تجردني حتى ~~من ملابسي الداخلية وتنظر إلي وأنا عار! وأحسست أنني أخجل من منظر جسمي أمامك وخصوصا ~~ساقاي الرفيعتين! # هل تذكرين يا حبيبتي حينما التقينا أول مرة وقدم كلا منا إلى الآخر زميلي فريد، ووقفنا ~~نتكلم أكثر من ساعة تحت ظل شجرة الكافور بجوار محطة الأتوبيس؟ رأيت يومها في عينيك عاطفة ~~ضخمة مكبوتة، وتملكني شغف كبير بعد أن تركتك، وتمنيت أن تكون هذه العاطفة كلها لي، وسيطر ~~علي شوق غريب دفعني إلى أن أجرب لحظة سعادة نفسي وهي تتلقى منك كل هذا الحب الكامن في ~~عينيك. # لا تسيئي فهمي يا سعاد، لم أكن إنسانا أنانيا إلى هذا الحد، ولم أقصد أبدا أن أمر معك ~~بتجربة حب ثم تنتهي، أقسم لك أنني إنسان غير ما تتصورين؛ أنا مسلوب القوى، مسكين، في نفسي ~~صدع كبير من حب قديم فشلت فيه. لست - كما قلت - قادرا على نسيان كل شيء، أنا لا أملك هذه ~~القوة التي تستطيع أن تقامر بنفسها على موائد الحب، وتنتقل من مائدة إلى أخرى تخسر وتكسب، ~~وتكسب وتخسر، إنما أنا إنسان ظامئ إلى الحب فقط لم أرتو منه أبدا، إلا معك، وكلما كنت ~~أنظر إلى عينيك أرى فيهما تلك العاطفة الآسرة الحبيسة. # لقد كنت قادرة على إرواء كل ظمئي، وإشباع مختلف رغباتي، دون أن تنقصي شيئا ودون أن تفرغ ~~كأس واحدة من كئوس نفسك، كأن فما ms50 واحدا لم يخطف منها جرعة واحدة. # وخجلت من نفسي يا سعاد، أحسست كأني كائن صغير يقف على حافة بحر ليشرب منه، وثرت على نفسي، ~~وعليك، وكنت قاسيا غريبا في قسوتي، لكني لم أتحمل إحساسي القاهر بأنني أضعف منك، ولقد ~~عرفت قبلك عددا كبيرا من النساء، فلم أحس مرة واحدة بهذا الإحساس البغيض القاتل، كانت كل ~~واحدة منهن كأسا واحدة أفرغها في جوفي وأستريح، وحينما يعاودني الظمأ أبحث عن كأس ~~أخرى. # لم أك خائنا، لا تظلميني يا سعادة، ولكن أي منطق وأي عدل يقيدان الظمآن أمام كأس فارغة ~~وبجواره كئوس أخرى مليئة؟ # ليتك كنت أقل قوة وأكثر ضعفا فأكون أنا إلى جانبك نصفك الآخر القوي، وتصورت كيف أعيش معك ~~وإحساسي بضعفي يزيد ويتأكد يوما بعد يوم، وكلما تفانيت أنت في حبي ومنحتني مما عندك شعرت ~~أنا بأن زادك أغزر من زادي ونفسك أعمق من نفسي. # كنت أود أن أظلك بجناحي، وأحميك بنفسي وحياتي، وأحس أنك خائفة فأطمئنك، وأنك ضعيفة ~~فأظاهرك وأسندك. كنت أريد أن أحس أنني أنا الذي أعطيك، وأغدق عليك. # لكني كنت غير قادر على منحك أي شيء. # وبدأت أحس بالخوف، بدأت أخاف من نفسي ومنك، وخشيت أن ينقلب إحساسي الخفي بضعفي أمامك إلى ~~حقيقة تحسينها أنت أيضا، وتصورت هذا اليوم، اليوم الذي أنظر فيه إلى عينيك فأكتشف أنك لمست ~~ضعفي، وأحس حنانا جديدا يتدفق منك إلي، ويزيد قلقي كما زاد حنانك؛ لأنني أعرف أن الماء ~~لا يزيد تدفقه إلا إذا فاض وعلا، وأحس بذراعيك الحانيتين وهما تطوقانني وشفتيك على شفتي، ~~وأتوهم أنك تهمسين لي في حنان قوي متدفق: إنني أحبك رغم كل شيء. # ويزيد قلقي، وأحس بغيظ منك، وثورة عليك، فكأنك تخدعينني، وأدفعك بعيدا عني، لكنك لا ~~تبكين، ولا تتوسلين وإنما تعودين إلي وفي عينيك ذلك الحنان القاتل، وتزحفين نحوي وتمسكين ~~بي، وتحيطينني بكل جسدك الدافئ، وتقسمين إنك تحبينني، وأقف حانقا عليك، وأدفعك بعيدا عني ~~في قسوة، وألطمك على عينيك اللامعتين الصغيرتين وأركل حنانك في إباء وشمم، اغفري لي ms51 يا ~~حبيبتي كل هذه الأوهام فأنا لا أطيق الحنان، لأن في نفسي كبرياء، كبرياء الضعفاء. # لا أدري لماذا أعبر عن كل هذه الأشياء الغريبة، إنني لم أشك في قوتي قبل أن أعرفك. # كنت دائما واثقا منها إلى درجة الغرور، وكنت في كل مرة أهرب من الحب لأنه لا يكفيني، ~~أما هذه المرة فإنني أهرب منه لأنني لا أكفيه، كنت أود يا حبيبتي أن أحتضنك وأهصر عودك بين ~~ذراعي، وأحس أنك تذوبين في كياني فيتلاشى كيانك، وأن أكون أنا، أنا الأقوى، أنا البحر ~~الواسع وأنت الكائن الصغير الذي يغيب في أعماقه ولججه، هل فهمت؟ # وداعا يا حبيبتي، وداعا إلى الأبد. # | الماضي # حجرة النوم الأنيقة مضاءة بنور خافت من شمعة صغيرة تداعبها نسمة الليل الحار، والنافذة ~~المفتوحة عليها ستائر شفافة بلون السماء تهتز مع الهواء في خفة بالغة، وعلى الحائط صورة ~~مكبرة لوجه طفل لا يزيد عمره عن العام، وبجوار السرير في جوف كرسي كبير يغطس جسم مصطفى ~~الطويل الذي كانوا يسمونه منذ دقائق بالعريس، ينظر أمامه في مرآة الدولاب حيث يرى جزءا من ~~وجه «إلهام» وهي جالسة على طرف السرير، ويتأمل أنفها من جانب وهو ثابت في المرآة لا يتحرك ~~كأنه خط مستقيم في وجه تمثال. # وابتسم مصطفى لنفسه وهو ينظر إليها، لأول مرة يرى على ملامحها علامات خجل وارتباك، كانت ~~دائما جريئة وكان يحب جرأتها. # وضغط بيده على يد الكرسي ليهم بالوقوف، لكنه تراجع وأسند ظهره إلى الكرسي. # لماذا يتردد؟ ألم يقبل في حياته العريضة الواسعة مئات الفتيات؟ # ألم يدبر الحيل، وهو طالب بالجامعة ليقنع أباه بأن جو البيت لا يشجعه على المذاكرة، وأنه ~~- كي ينجح - يجب أن يؤجر شقة مستقلة ليذاكر فيها مع صديقه فتحي؟ وفعلا ظل يسعى حتى تحققت ~~أمانيه، وأصبحت له شقة خاصة، وأصبحت له صديقات وعشيقات، وشهدت الشقة الصغيرة بطولته معهن ~~جميعا بلا استثناء! # ولكنه الليلة يتردد كأنه يخاف، هذه إلهام حبيبته منذ عشرة أعوام أصبحت زوجته وحلالا له ~~كما قال الشرع، فما باله متردد خائف؟ ms52 أم أن حماسه لا يثيره إلا الحرام؟ لا، ليست هذه ~~شخصيته، إنه يكره الحرام وما حوله من تلصص وكذب واختفاء، لكنه الآن وبالنسبة لإلهام لا ~~يعتبرها مثل أي امرأة أخرى، إنه يحبها، هي حب حياته الضخم الكبير، ولكن هل كونه يحبها يجعله ~~مترددا خائفا كما هو الآن؟ # والتفت إليها وأخذ يتأملها، عينيها، أنفها، شفتيها، ذراعيها، ساقيها، إنها مثل سائر ~~النساء لا تختلف عنهن في شيء. # وضغط بيده على يد الكرسي ليقف لكنه تردد وبقي مكانه، لماذا فارقته شجاعته التي اشتهر بها؟ ~~لماذا هو جبان الآن؟ هي مثل سائر النساء، ولكن عينيها تختلفان عن كل النساء، فيهما أشياء ~~تجعله يتردد ويخاف، كانت عيناها كذلك بالنسبة له دائما، وفي الكلية كان يرفع الكلفة سريعا ~~بينه وبين زميلاته، ويتحدث معهن بطلاقة وفصاحة إلا هي، بمجرد أن يرى عينيها كانت الكلمات ~~تقف في حلقه كأن كلامه لم يعجبها أو كأنها ستصدر عليه حكما قاسيا، وماذا كان يهمه منها أو ~~من رأيها، لم يكن يدري. # كانت نظرتها قوية ثابتة، والطالبات بجوارها كالأفراخ الصغيرة يذعرها أي شيء فتجري وتتجمع ~~وتختفي بعضها في بعض كأنما ستخطف الحدأة إحداها. # أما هي فكانت دائما نافرة، تمشي وحدها رافعة رأسها في كبرياء طبيعي، ملابسها بسيطة لا ~~تفترق كثيرا عن ملابس الرجال، وشعرها قصير يشبه شعر الطلبة، ومشيتها الخالية من التكلف ومن ~~الرشاقة أيضا تجعل لها شخصية متميزة جذابة، ورغم قوة مظهرها وهيبته، إلا أنها حينما تبتسم ~~- ودائما ما تفعل - تحس كأنما خلقت شفتاها لتبتسم فحسب، والغمازتان في خديها، تظهران ~~بسرعة، وتختفيان بسرعة، حتى حينما لا تبتسم تظن أنها تبتسم، من فرط البريق اللامع في عينيها ~~كأنهما يدمعان من الضحك أو السعادة. # والتفت نحوها، وأحس بشيء في أعماقه يخفق ويرتعد، ورآها تجلس وسط فستانها الأبيض المنفوش ~~تنظر أمامها كأنها نائمة تحلم، وشعر بأنه يريد أن يندفع نحوها، ويأخذها بين ذراعيه، وينظر ~~في عينيها بجرأة ويضغط على شفتيها بجرأة، إنها زوجته ولن تصفعه إذا فعل ذلك. # ولكنه لم يتحرك من داخل الكرسي. ms53 # ماذا فيها يجعله مترددا ضعيفا، كما هو الآن؟! # ماذا فيها؟ وضغط بأسنانه على شفته وهو يقول لنفسه في غيظ: ماذا فيها؟ # وأفلتت أسنانه شفته، وجفف جبهته، إنها مثل كل الفتيات، ليس فيها شيء زائد عنهن، بل ربما ~~يكون فيها شيء ناقص عنهن، كما قالت له أمه: إلهام؟ لا يا ابني إلا إلهام، دي اتجوزت مرة ~~ولها ولد وإنت لا اتجوزت ولا خلفت عيال، دي البنات كتير يا ابني، يا خبر اسود تاخد واحدة ~~اتجوزت قبل كده، ليه؟ ده جوازها يبقى زي أكل الطبيخ البايت! # إلهام إذن في نظر أمه أقل من البنات، وأقل أيضا من النساء اللائي بلا أطفال، إنها أقل في ~~نظرها من أن تتزوج ابنها الشاب الناجح الوسيم الذي لم يتزوج أبدا، وتغازله كل بنات ~~الجيران! # وابتسم مصطفى لنفسه، كل أم تظن أن ابنها لم تنجبه امرأة من قبل، والحقيقة قد تكون عكس ~~ذلك؛ لأن مصطفى لم يظن في نفسه يوما أنه ناجح أو وسيم أو مستقيم، لقد تخرج معه في الجامعة ~~آلاف مثله، وسبقه في الترتيب آلاف، وسبقه في الوظيفة آلاف، وهو ليس وسيما كما تقول أمه ~~لأنه يرى وجهه في المرآة طويلا نحيفا، وأنفه كبيرا جدا، والدنيا فيها ملايين من الرجال ~~أكثر منه وسامة ورشاقة، وهو ليس مستقيما كما تؤمن أمه لأنه تمرن على الزواج، وتزوج مئات ~~المرات بلا عقود! # لكنه الليلة، ليلة زواجه الرسمي المسجل في دفتر مأذون الحي، يخيل إليه أن كلام أمه صحيح، ~~وأنه لم يقرب النساء! # هل لأنه يحبها؟ لقد أحبها منذ عشرة أعوام حينما رآها لأول مرة ذات ليلة تمشي مشيتها ~~الخالية من التكلف والرشاقة! تلبس ملابسها التي تشبه ملابس الرجال وتقص شعرها مثل الطلبة، ~~وتبتسم دائما كأنما خلقت شفتاها للابتسام، والغمازتان في خديها تظهران بسرعة وتختفيان ~~بسرعة، وعيناها بنظرتهما اللامعة كأنما تضحكان من فرط السعادة. # أحبها في كل وقت، وكل ظرف، حتى حينما خطبت كان يحبها، وحينما تزوجت كان يحبها، وحينما ~~طلقت كان يحبها، ظل يحبها من قريب ومن بعيد، ms54 وهي تكاد لا تعرفه، وكل ما تذكره أنه كان ~~يوما زميلا لها بالكلية، إلهام التي أحبها كل هذا الحب تجلس بجواره الآن لا يفصلها عنه ~~سوى عرض ذلك السرير! ما أغباه أن يضيع كل هذا الوقت بعيدا عنها، ألم يكفه ما ضاع من ~~أعوام وأيام؟ # ووقف على قدميه، وتحرك نحوها في خطوات بطيئة يحاول ألا تلتقي عيناه بعينيها، واقترب ~~منها، وجلس إلى جوارها على طرف السرير، ومد يده على رأسها يتحسس شعرها الأسود الناعم، ~~وانتقلت يده من شعرها إلى جبهتها، إلى خديها، إلى ذقنها، ورفع وجهها إليه ليرى عينيها، وأحس ~~بقوة جارفة تجتاح كيانه حينما رأى لأول مرة جفنيها مسدلين على عينيها تخفيانهما ~~تماما. ~~••• # وفي الصباح فتح مصطفى عينيه وهو يتمطى ويتثاءب كأنه يفيق من حلم سعيد، ونظر حوله في دهشة، ~~كانت الشمس تدخل من النافذة، وكل ما في الحجرة يتألق بضوء مشرق جميل، ونظر إلى جواره فرأى ~~«إلهام» نائمة، ومد يده بسرعة ولمس يدها ليتأكد أنها هي بلحمها ودمها، وأن ليلة أمس لم تكن ~~حلما، وإنما كانت واقعا حيا يعيش فيه. # وتثاءب وتمطى في سعادة ولذة، آه، كم هي رائعة، هذا ما أحسه نحوها منذ رآها لأول مرة، حتى ~~في أشد ملابسها شبها بالرجال، وفي أشد مواقفها الجدية التي تماثل جد الرجال كان يحس أنها ~~امرأة، امرأة تفيض بالأنوثة. # ووضع يده على جبهته وانقبضت ملامح وجهه، تذكر زوجها الأول، الرجل الذي قالوا إنها أحبته، ~~ماذا فعل معها؟ وماذا فعلت معه؟ وقد عاشت معه عشرين شهرا لم تنقص ليلة واحدة. # وجلس في السرير وهو يمسك جبهته بيديه، ألم يقل إنه لا يغار وإن ما مضى قد انتهى؟ ما باله ~~الآن يكاد يجن كلما تصور أنها أخذته الليلة الماضية بين أحضانها الدافئة الحانية كما فعلت ~~مع زوجها السابق، أجل فعلت ذلك عشرين شهرا لم تنقص ليلة واحدة؟ وأنجبت، آه، أنجبت هذا ~~الطفل. # ورفع عينين محمرتين زائغتين إلى الحائط، فرأى وجه الطفل المكبر يبتسم له، وخيل إليه أنه ~~يبتسم له في سخرية، ms55 كأنه يسخر منه ومن سذاجته ويقول له في تهكم: ألا تراني؟ ألا تحس بوجودي؟ ~~أنا حبها الأكبر، أنا قطعة منها، بل أنا نفسها التي تعيش بها. # وأحس بالدم يصعد إلى رأسه ويغلي فيه، فقذف الغطاء بقدميه، وانتقلت ارتجاجته العصبية إلى ~~السرير فأخذ يهتز. # ونظر إلى ناحية إلهام دون أن يشعر، فرآها تهتز على السرير وتحرك ذراعيها ثم تفتح ~~عينيها. # وحينما رأته ابتسمت شفتاها التي كأنما خلقتا للابتسام فحسب، وظهرت الغمازتان في خديها ~~بسرعة، ولمعت عيناها بالبريق كأنهما يدمعان من فرط السعادة. # إنها هي، إلهام نفسها، ذاتها، لم تتغير، لم تفقد شيئا، هي التي أحبها منذ عشرة ~~أعوام. # أخيرا أصبحت له؟ إنه لا يصدق. # وزحف إليها، واحتواها بين ذراعيه، وحينما أحس بدفئها وحرارتها أمسك وجهها بيديه وابتعد ~~عنها قليلا وهو ينظر في عينيها بجرأة لأول مرة في حياته ويقول لها: «إلهام، أحبك.» # والتفت - بغير إرادته - ناحية الوجه المكبر على الحائط، ورآه وهو يبتسم في براءة الملاك، ~~وضعف الطفل، واحتياج الوليد، والتفت إليها وهو يقول: «وأحبه أيضا لأنه قطعة منك.» # وضمها إليه، ثم نظر إلى عينيها المليئتين بالبريق الدامع، نفس البريق، لكن الدموع كانت ~~حقيقية هذه المرة، ولم يعرف هل هي تبكي أو تبتسم؛ لأن كل ملامحها - رغم دموعها - كانت تبتسم ~~في سعادة وفي صدق، لقد خلقت لتكون سعيدة. # | تحت الملاءة # كان ذلك في فصل الصيف، والدنيا ليل، أول ليل، والناس في كل مكان إلا في السرير. # لكن «هيام» كانت في السرير وحدها، تخفي وجهها وجسمها تحت الملاءة البيضاء الرقيقة، وتخرج ~~أنفاسها في هدوء واطمئنان، وتحرك ذراعيها وساقيها، وتتمطى في رضا عن نفسها، إنها اليوم ~~ليست على ميعاد مع أحد، تستطيع أن تغمض عينيها وترخي بدنها هكذا تحت الملاءة دون أن يزعجها ~~شيء. # وبدأت تعد على أصابعها الرقيقة: واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة، وتوقفت عن العد بعد برهة ~~وصلت فيها إلى رقم يقرب من العشرين، ووضعت يدها تحت رأسها الصغير وابتسمت لنفسها وهي ~~تتثاءب: لماذا أحبني كل هؤلاء الرجال؟ # سألت نفسها وهي ms56 تراجع صورهم الباهتة في ذاكراتهم، فقد انقطعت صلتها بهم وانقطعت صلتهم ~~بها، لكنها لا تزال تذكر أن أحدهم كان غريب الأطوار غليظ الشفتين اسمه فتحي، كان إذا تكلم ~~انقلبت شفتاه وانطلق كلامه مبللا بلعابه، وكان فيما عدا هذا رجلا وسيما، غاية في ~~الأناقة. # كان كثير الكلام، رغم أنه يتكلم بصدق ودقة، ويميل إلى التحليل والشرح، لكنه، كان إذا ذكر ~~الحب احمر وجهه النضر الناصع البياض، وحاول أن يلتقط شفته السفلى بأسنانه كأنما يخشى أن ~~تقع منه، وتدمع عيناه عندما يتأثر، فيبدو في جثته الضخمة وشفتيه الحمراوين أقرب إلى السرور ~~منه إلى الحزن. وكانت هيام تشفق عليه، وتحتمل في صمت ثرثرته، وتمسح خلسة بمنديلها ما يصيب ~~وجهها من رذاذ كلماته وشفتيه. # وتنفست هيام في استرخاء تحت الملاءة؛ إن في ذاكرتها صورة أخرى لرجل كان زوجا ذا أولاد، ~~لكنه أحبها وظل يطاردها عاما كاملا، ويسافر إليها ويبثها غرامه. # وكان قصيرا بدينا، له نظرة حادة، وأنف مقوس حتى ليشبه وجهه وجه الحدأة. # وكان ذا سلطان وجاه، يزورها في مكتبها ومعه حرس من رجاله المقربين الذين يتعاونون معه على ~~حل مشاكل قلبه، وهو يبدو بينهم قويا عنيفا، وسرعان ما يتسللون الواحد تلو الآخر بطريقة ~~غبية، ويبقى هو وحده معها، وهنا تحس أن قوته تسربت هي الأخرى مع من تسربوا، وتركته لاهثا ~~صامتا، لكنه يهدأ بعد قليل ويختلس نظرة إليها ثم يرتد إلى الوراء، فيسند ظهره إلى الكرسي ~~ويقول لها كلمته المأثورة في كل زيارة: «إنك جميلة يا هيام، لكنك قوية، وأنا أحب ~~الضعف.» # وتبتسم هيام ابتسامة عنيدة أكثر منها قوة وهيبة. # وظل هكذا عاما كاملا يذهب ثم يعود. # وتصادف ذات يوم أن أتى لزيارتها كعادته فوجد عندها رجلا آخر، وكان ضابطا، وأحست «هيام» ~~أنه يصوب نظراته النارية إلى الضابط الشاب الذي كان يبدو في قوامه الفارع وملابسه الرسمية ~~رجلا مكتملا يملأ العين، وحينما خرج الضابط سألها مستطلعا فردت عليه «هيام» في غيظ ~~قائلة: «إنه صديق عزيز.» ~~- وما سبب زيارته لك؟ ~~- وما سبب زيارتك أنت؟ ms57 # وتقلبت هيام تحت الملاءة، ولفحت أنفاسها الساخنة خديها الملتهبين، وابتسمت لنفسها، لقد ~~تخلصت من واحد، وبقي آخرون، منهم ذلك الضابط الشاب الذي أصبح يتردد عليها لأسباب تافهة ~~غريبة، وكان رغم ردائه العسكري وشاربه الأسود يبدو كغلام صغير لا يفتأ يسأل ويستفهم! # وفي كل مرة يسألها عن شيء جديد، حتى الملوخية سألها هل تعرف طريقة طهوها. وابتسمت هيام ~~وهي تسأله: «ولماذا تريد أن تعرف؟» ~~- لأني أحبك، وأحب الملوخية أيضا! ~~- ولكني لا أحب الملوخية، ولا أحبك أيضا! # وضحك من النكتة، لكنه سرعان ما فهمها فاختطف الكاب من على المكتب ووضعه على رأسه ثم ~~اختفى. # وتمطت هيام، وفردت جسمها تحت الملاءة وهي تستعرض أصناف الرجال الذين مروا بمكتبها، وهي ~~محامية ناشئة في السادسة والعشرين، شديدة الجاذبية. ومن العجيب أنك لا تستطيع أن تحدد مركز ~~الجاذبية فيها، هل هو في عينيها السوداوين اللامعتين؟ أم في صوتها العميق الدافئ كأنها ~~تتكلم من أعماقها، وليس من حبالها الصوتية؟ أم في قوامها الفارع وخصرها النحيل، وهي تمشي ~~مشيتها الخفيفة كأنها لا تلمس بقدميها الأرض؟ # ولم تكن هيام ترى شيئا من جمالها أو جاذبيتها في المرآة، وإنما ترى صورة مشوشة هي صورة ~~نفسها من الأعماق، وكانت هذه الأعماق مضطربة، ونفسها ضائعة في التيه الواسع الذي يمتد في ~~أعماقها. أشياء كثيرة تدركها بإحساسها ولا تفهمها بعقلها، أشياء كثيرة تراها هامة جدا، ~~وهي في نظر الناس تافهة، وكانت تسأل نفسها كثيرا لماذا لم تحب واحدا من هؤلاء الرجال؟ لقد ~~كانت صديقتها سميرة تصفها دائما بالعبط إذ تراها تتخلص من رجل بعد آخر، وخصوصا حينما رأت ~~عندها «حافظ» ذلك المهندس الطويل العريض الذي أعجبت به سميرة! # لماذا لم تحبه؟ أليست كباقي النساء؟ ألا يعجبها في الرجل ما يعجبهن؟ # ولم تشك هيام في قلبها؛ إذ كانت تعرف أي قلب يغفو في أعماقها مستسلما إلى نعاس خفيف، ~~يتثائب كالعملاق الكسول من وقت إلى آخر، ويرفع رأسه من نعاسه أحيانا كأنما يتشمم شيئا ما، ~~لعله رائحة حب انتشرت بالقرب منه، ويزم شفتيه ويمط عنقه ms58 ويجذب نفسا طويلا ثم يخرجه زفيرا ~~طويلا، ويضيع حماسه، وينحني رأسه على صدره ويعود إلى نعاسه. # لهذا لم تشك أبدا في قلبها، كانت تحس به وتعرف ما يريد، وأي نوع من الرجال يخرجه من ~~غفوته، ولم تهتم بكلام سميرة: «أليس لك قلب؟!» # وتخلصت هيام أيضا من المهندس الطويل العريض الذي أعجبت به سميرة، كان يدعوها للعشاء في ~~نادي الصيد، وحينما كانا يأكلان اللحم البارد ويشربان الجعة، كانت هيام تختلس إليه النظرات ~~فترى يديه البيضاوين الناعمتين بأظافرهما التي شذبها بعناية فائقة، وتراه وهو يأكل برقة ~~وأناقة ويمضغ بخفة ولين، ويجتهد ألا يبلل شفتيه، وإذا ابتلت شفته السفلى مسحها بالشفة ~~العليا في دقة وبلا صوت. وكان فيه شيئان يلمعان دائما بشدة، الخاتم في إصبع يده اليمنى ~~الصغيرة، ودبوس ربطة العنق، ويلفت نظرها شكل رقبته وهو يبلع، كانت سميكة، محاطة قبل نهايتها ~~بياقة منشاة، يرسم طرفها المنشى مع لحمه النظيف دائرة حمراء خفيفة. ~~- مش بتاكلي ليه يا هيام؟ ~~- أبدا، أنا باكل. ~~- إنت سرحانة خالص. ~~- لا أبدا. ~~- لا أبدا، إيه يا أمورة؟ # وتحس هيام أنه يقول «أمورة» بطريقة مائعة غاية في الميوعة، لا تلبث أن تتميع معها أمعاؤها ~~ويدركها الغثيان. ~~- ليه بتتكلم كده؟ ~~- عشان باحبك يا أمورة! ~~- لكن إنت مش على طبيعتك. ~~- إزاي؟ ~~- بتغير حاجة في نفسك، في صوتك، في شكلك، فيك إنت، من بره أو جوه، مش عارفة! # والغريب أنه كان يضحك من هذه الكلمات، ويدعوها دائما إلى صحبته، وفي بعض الأحيان كانت ~~تمتنع، منتحلة أسبابا متعددة، كقضية مستعجلة، أو كتاب تريد أن تقرأه، أو راحة تنشدها في ~~النوم، أو أنها على موعد آخر. # وأحست هيام أن أنفاسها الساخنة تحت الملاءة قد ألهبت جسدها فأخرجت رأسها خارج الملاءة في ~~حذر، لكن سرعان ما أعادتها داخل الملاءة ثانية، إن سلسلة الذكريات تنقطع من ذاكرتها بمجرد ~~أن يضيع الجو الحار تحت الملاءة. وودت أن تنهض لتذهب إلى صديقتها سميرة في مجلة «عالم الفن» ~~ذلك أن الدكتور عبد العظيم كان قد وعد بزيارة أسرتها اليوم. # والدكتور ms59 عبد العظيم صديق حميم لأبيها رغم أنه في الخامسة والثلاثين، إن ابنة خالته تزوجت ~~من شهور بابن عم زوجة خالها؛ لهذا يعده أهلها من الأسرة، فضلا عن أنه يحتل مركزا مرموقا، ~~فهو أستاذ مساعد في الجامعة، وقد سافر إلى أمريكا منذ عامين، ولم يكن يسعد «هيام» بزيارة ~~الدكتور عبد العظيم سوى تلك الفرحة التي تبدو في عيني أبيها وهو يجلس معه ويناقشه في العلم ~~والسياسة والدين، في الوقت الذي تسمع فيه كركبة في المطبخ، وصينية تلمع بالفيم وأكوابا ~~تغسل بالليفة والصابون مرة ومرتين وثلاثا، وفي كل مرة تشمها الأم وتعيدها إلى الخادمة ~~الصغيرة مع سبة أو سبتين توزعهما بالعدل بين أبي الفتاة وأمها! # وتسمع هيام صوت أبيها: «يا أستاذة هيام تعالي سلمي.» # وتدخل هيام وتسلم وتجلس، وتستمع إلى حديث الدكتور عن أمريكا ومصر، وترى أسنانه الصفراء ~~المشرشرة عندما يضحك، ويقفز لحم وجهه حول عينيه الضيقتين فيسدهما تماما، وتمتلئ صلعته ~~وخداه بخطوط كثيرة. # كان الدكتور عبد العظيم رجلا مثاليا في نظر أبيها، والرجل الوحيد في العالم بعد أبيها ~~في نظر أمها، فهو قريب الأسرة، وهو حائز على جميع شهادات مصر، ومعظم شهادات «بلاد برة» وهو ~~يملك عربة «ستروين» سوداء. # وكان الدكتور عبد العظيم فصيحا جدا وواثقا من كل شيء فيه، إلا شكله! وكانت «هيام» تحس ~~أنه يخجل حينما يسير منفردا أمام مجموعة من الناس، وظل الدكتور عبد العظيم يتردد عليهم حتى ~~أحست هيام أن شيئا جديدا حدث، فقد زادت الفرحة يوما في عيني أبيها، وزادت كركبة المطبخ، ~~وأخذ الحماس أمها، وهي تشم رائحة الأكواب وتعيدها إلى الخادمة بقدر سخي من السب تعدى أباها ~~وأمها وشمل أسرة الخادمة جميعا، وهمست أمها في أذنها وهي فرحة: «الدكتور عبد العظيم خطبك ~~من بابا، ده عريس أد الدنيا! قومي البسي الفستان الوردي وحطي شوية بودرة واحمر، ياللا ~~قومي!» # وقامت العاصفة في البيت بعد هذا اليوم، عاصفة شديدة، تشنجت الأم، وارتعش الأب، وصممت هيام ~~على الرفض، وهدأت العاصفة شيئا فشيئا، وتركت خلفها آثارها، البيت صامت مكتئب، ms60 والأب عاكف ~~على كتاب، والأم حزينة لا ترمش لها عين من على مفرش تطرزه، وهيام هاربة من هذا البيت إلى ~~مكتبها، أو إلى مجلة «عالم الفن». # ومددت هيام ساقيها تحت الملاءة، وتثاءبت في خمول، لقد رفضت الدكتور عبد العظيم، لم تكن ~~تتصور كيف ترى منظره يلبس «البيجاما» بجوارها على السرير؟! # وفي مجلة «عالم الفن» كانت صديقتها سميرة تعمل محررة، ولم تكن سميرة حائزة على شهادة في ~~الأدب أو الفن، لكنها كانت حائزة على أنف جميل، وعينين خضراوين ناعستين، وقوام ملفوف ~~رشيق. # وكانت، فوق جمالها ورشاقتها، تعرف كيف تستغل أنوثتها وتصوب سهامها، ولا بد لها أن تصيب ~~هدفا. # وكان رئيس التحرير معجبا بها، أو محبا لها، فما من أحد كان يعرف الحقيقة. # وكانت سميرة تحب المرح، وتضحك ضحكة ناعمة تنتشي لها الأجسام وتتحمس للاستهتار بكل شيء، ~~وللاستمتاع بأي شيء، وإذا وجدت امرأة بهذه الصورة، وسط مجموعة من الرجال، فلا بد أن ~~يكون الجو مسليا! # وذات يوم كانت شلة سميرة تجلس كالمعتاد، بين سخرية ولهو وتهكم، وهيام بينهم واجمة تحس ~~أنها تضيع عمرها في قضايا تافهة وتسلية فارغة. # وفجأة خرج من الحجرة المجاورة شاب طويل يلبس قميصا وبنطلونا، ويمسك في يده لوحة، واتجه ~~إلى أحد المحررين وجلس إلى جواره، وأخذا يتفرجان معا على اللوحة ويتحدثان بصوت ~~خفيض. # وأحست هيام أن شيئا ما أو حادثا ما، يحيط بهذا الشاب، ورأت في عينيه وملامحه شبها ~~كبيرا بفكرة في رأسها، كأنما هو يعبر عنها بحركاته ونظراته. # واستعرضت هيام المحررين أمامها، كانوا يتكلمون ويحركون شفاههم، ولفت نظرها أشكال آذانهم، ~~ووجدت شبها كبيرا بينهم وبين الأرانب، والتفتت نحو الشاب الجديد، كانت لا ترى منه سوى ~~ظهره، لكنها أحست أنه بسيط، واثق من نفسه، طبيعي جدا، لا يلقي بالا شديدا لمن حوله، ~~وأحست هيام أنها تريد أن تكلمه وأن تسمع صوته، وأن تعرف آراءه. # وحينما وقفت لتودع سميرة صافحت زملاءها، وصافحته هو أيضا، وهي تنظر في أعماق عينيه لترى ~~شيئا تبحث عنه. # وتقلبت هيام تحت الملاءة وتثاءبت وتمطت، ms61 إنها الليلة ليست على ميعاد مع أحد، ويمكنها أن ~~تظل تحت الملاءة كما تريد، لكنها شبعت من النوم، والجو حار لا يغري بالبقاء في ~~السرير. # ولكن إلى أين تذهب؟ # وطافت برأسها فكرة، ليست جديدة، ولكنها بدت جديدة: أروح لسميرة، لمجلة عالم الفن. # وخيل إليها أنها تتردد، وعرفت هيام لماذا تتردد، لقد أحست أن ذهابها هذه المرة لن يكون ~~من أجل سميرة، ولا من أجل فراغ تريد أن تقضيه بأي شكل. # وتثاءبت هيام في تراخ وكسل: آه يا تعبي! # وأغمضت عينيها كأنما ستنام، ولكنها لم تنم، كانت تنظر في أعماقها وتختلس نظرة حذرة إلى ~~العملاق الناعس في هذه الأعماق. # ترى كيف حاله؟ هل آن له أن يستيقظ؟ # وتشبثت أصابعها الرفيعة بالملاءة لا تدري أهي تدفعها عنها أم تحكم أطرافها حول رأسها، ~~لكنها أحست كأنها تتمنى شيئا. # ورفعت بقدميها الملاءة عن جسدها، ووقفت حافية على الأرض، تفرك عينيها وتهذب شعرها ~~بأصابعها، ومشت تترنح حتى وصلت إلى المرآة فألقت نظرة على أعماقها، نظرة سريعة، وهمست ~~للراقد الناعس في هذه الأعماق متسائلة مشفقة: ترى هل سنستريح معا من النوم؟ # وارتدت ملابسها، وذهبت إلى مجلة «عالم الفن»! # | لن أكون رخيصة # - هل تؤمنين بالحب؟ ~~- الحب؟ ~~- نعم الحب! ~~- وهل أومن بشيء آخر؟ ~~- ماذا تعرفين إذن عنه؟ ~~- كل شيء! ~~- لا، أريد شيئا واحدا. ~~- إنه عين أرى فيها نفسي. ~~- أنت تحبين نفسك! ~~- إذا لم أحب نفسي فلن أحب! ~~- بل لأنك تحبين نفسك فلن تحبي! ~~- وهل تفهمين نفسك؟ ~~- إلى حد كبير. ~~- إذن ماذا تريدين مني؟ ~~- أريد أن أراك دائما، أن أنظر في عينيك كثيرا. ~~- وهل هذا يكفيك مني؟ ~~- كل الكفاية. ~~- أنت طفلة، أنت مراهقة. ~~- لا، لست طفلة ولا مراهقة. ~~- أنت لا تحبينني إذن. ~~- بل أحبك كما لم أحب من قبل. ~~- أنت إذن تكذبين! ~~- أنا لا أعرف الكذب. ~~- إن عينيك تكذبانك، أرى فيهما كل ما تريدين. ~~- وماذا أريد؟ ~~- تريدين أن أترك مكاني البعيد هذا وآتي إلى جوارك، وآخذ رأسك الصغير على صدري، وأتحسس ~~شعرك ووجهك، وأهمس في أذنك: «إنني أحبك، إنني ms62 أريدك بكل كياني ووجودي!» ~~- أنت تحبني لأنك تريدني. ~~- وهل تريدين أن أحبك لأنني لا أريدك. ~~- أنت تحبني بحواسك. ~~- وهل أستطيع أن أحبك بغير حواس؟ ~~- أنت لا تحب ذاتي، أنت لا تحب روحي الكامنة في أعماقي. ~~- هذه الروح هي أنت، هي شعرك، ووجهك، وعيناك، وشفتاك، وذراعاك، وكل خلية فيك، كيف كنت ~~أراك إذا لم تكوني جسدا؟ وكيف كنت أحبك إذا كنت خيالا هائما لا يرى ولا يحس؟ ~~- أود أن تحب عقلي، وتفكيري، وصوتي، وكلامي، إنك لا تستمع إلي، إنك لم تستمع إلي ~~أبدا. ~~- أنت لست رجلا، وأنا لست مراهقا، لقد عشت أربعين عاما يوما بيوم، لم أضيع من عمري ~~ساعة واحدة أعرف فيها نفسي إلا وعرفتها، إنني أحبك بكل تجاربي، ونضوجي، ووعيي. إن حبي لا ~~يمكن إلا أن يكون كاملا. ~~- وماذا تريد مني؟ ~~- أريدك بكل ما فيك، أريد شعرك، وعينيك، وشفتك، وصوتك، وكلامك، وذراعيك، أريد روحك، وجسدك ~~معا. ~~- وإذا لم تنل جسدي، هل تكرهني؟ ~~- لا أستطيع أن أهجرك. ~~- هل تهجرني؟ ~~- لا أستطيع أن أهجرك. ~~- هل ستبقى على حبك لي؟ ~~- الحب كالزهرة لا تحيا إلا إذا رواها قلبان. ~~- سوف يموت حبك إذن؟ ~~- الحب لا يعيش في الحرمان! ~~- ولكنهم يقولون: الحرمان أجمل ما في الحب. ~~- هذا صحيح، الحرمان أجمل ما في الحب؛ لأن الحب الكامل الصادق يظل في حرمان دائم، يظل ~~دائما ظمآن، متلهفا إلى متعة جديدة. ~~- إلى امرأة جديدة؟ ~~- لا، إلى متعة جديدة في الحبيبة نفسها. ~~- وحينما ينضب معين اللذات. ~~- معين اللذات لا ينضب في الحب. ~~- لكل شيء نهاية! ~~- أنت لا تثقين في نفسك. ~~- الرجل يعاف المرأة بعد أن ينالها. ~~- إذا لم يكن يحبها. ~~- وإذا كان يحبها؟ ~~- يحبها أكثر وأكثر. ~~- أنت رجل مادي. ~~- أنا من لحم ودم. ~~- أنت رجل وجودي. ~~- ما معنى «وجودي»؟ أنا أعيش حياتي، أنا رجل طبيعي، أمارس طبيعتي بلا عقد، لماذا ~~أقيدها؟ لماذا أعقدها؟ لماذا؟! ~~- هل تسمي العفة قيدا؟ ~~- ما معنى العفة؟ ~~- هي الترفع عن الابتذال. ~~- وما هو الابتذال؟ ~~- هو الرخص، هو الاستسلام للشهوة. ~~- وما شأن ذلك بالحب؟ الحب ms63 لا يعرف الابتذال ، ليس فيه شيء رخيص، الحب هو الشرف، الابتذال ~~في الحب هو الخيانة، والعفة في الحب هي البذل الصادق، والأخذ الصادق، أي التبادل ~~الصادق. ~~- إن لك في الإقناع أسلوبا غريبا. ~~- لأنني أقول الصدق. ~~- أعرف أنك صادق. ~~- اقتنعت إذن؟ ~~- عقلي هو الذي اقتنع. ~~- وشعورك؟ ~~- وشعوري اقتنع ولكن. ~~- ولكن ماذا؟ كوني طبيعية، كوني صادقة، كوني نفسك! ~~- ولكن، لن أكون رخيصة! # | أحلام # كانت سهير تريد أن تختفي، على الأقل من مكتبها، لتفكر بعيدا عن ضجة البيت، وما فيه من أم ~~وأب وإخوة وأخوات. # وأخذت كتابا تحت إبطها، وقامت في تثاقل تجر جسدا منهكا لم ينم ليالي كاملة. وأغلقت ~~باب حجرة المكتب بالمفتاح إشارة لمن في البيت إلى أنها ستراجع دروسها، ولا تريد أية مشاغل ~~خارجية. وما إن اطمأنت إلى أنها وحدها حتى ألقت بالكتاب على المكتب في ضجر، وتمددت في إعياء ~~على الأريكة القصيرة التي لا تسمح لها بأن تمدد جسمها الطويل عليها، إلا إذا أطلت قدماها من ~~نهايتها، وتعلقتا في الهواء. # وبين سهير وبين هذه الأريكة عداء شديد، لا تدري له سببا، ولعل طول قامتها أيام المدرسة ~~الثانوية كان مساويا لطول الأريكة فلم تكن قدماها حين ذاك تتعلقان في الهواء، أو لعل ~~الأريكة كانت أحسن حالا منها الآن، فلم تكن أسلاك التنجيد تبرز من بطنها وتشك ظهرها وهي ~~نائمة، ورغم كل ما تعرفه سهير عن هذه الأريكة فإنها لم تفكر فيها حينما ألقت جسدها المتعب ~~عليها، كانت في رأسها الصغير معركة حامية يكاد لهبها يذيب مادة مخها ويفتتها، كما فتت الأرق ~~جسمها النحيل أربع ليال كاملة. # وأخفت سهير وجهها بكفيها وخرجت رغما عنها كلمة أصبحت تلازمها في خطواتها: يا رب. # ورفعت كفيها عن وجهها وعينيها نحو السقف وشفتاها ترددان كأنها في غيبوبة: يا رب. # وأخذت تفكر، هل يمكن أن يصنع ربنا من أجلها شيئا؟ هل يستطيع أن يمحو من الوجود ما حدث ~~لها، وهو على كل شيء قدير؟ ~~- أستغفر الله العظيم. # نطقت بها سهير في وجل كأنها تخاف أن تكفر ms64 بالله فلا يبقى أمامها أمل، وأملها الوحيد ~~الباقي هو الله، أن يصنع من أجلها معجزة ليقتل هذا المخلوق الثقيل الذي يتمسك بالحياة كأنها ~~قطعة من الحلوى، والذي رغم ما فعلته من قفز وجري وخبط على بطنها، يصر على أن يظل متشبثا ~~بأحشائها ملتصقا بكيانها لا يتزحزح أبدا. # ورفعت سهير جفنين متورمين من السهر والبكاء، ونظرت حولها في دهشة، كيف حدث لها ذلك؟ إنه ~~لم يخطر ببالها قط أن تقع في مشكلة كهذه، خصوصا هي، هي التي لم ترسب في المدرسة أبدا، هي ~~التي يقول عنها أبوها إنها أحسن البنات، كيف تصبح سهير بعد هذا كله أما بلا زواج لجنين ~~غريب لا تعرف شكله ولا تعرف حتى كيف جاء؟! فهي لم تكن تحب، ولم تكن تفكر في الحب. # وحينما كانت تخلو إلى نفسها لم تكن تفكر في الرجال مثل فتحية وزينب وإلهام، وإنما كانت ~~تفكر في نفسها بعد أن تتم علومها وتتخرج. # ولم تدر كيف تسلل إليها ذلك الولد، أجل ذلك الولد! كان زميلا لها في الدراسة واشتهر ~~بسلوكه المستهتر، تساعده عليه عربته الزرقاء الصغيرة التي يملكها، وإن سهير لتعرف جيدا أنه ~~لم يلفت نظرها، لا هو ولا عربته، رغم أن فتحية وزينب وإلهام كن دائما يغمزنها كلما أقبل ~~بعربته الزرقاء، ويشهقن جماعة قائلات: ياختي عليه، شكله حلو، شوفي يا سهير العربية بتاعته، ~~مش الفقر بتاعنا وركوب الأتوبيسات! # وتعرف حق المعرفة أنها لم تكن تتأثر بكلامهن ولا بشهقاتهن، بل كانت تلقي عليهن دائما ~~نصائح في المبادئ والمثل، وأن الفقر ليس عيبا، وأن الأتوبيس ليس متعبا، وأن الحياة لذتها ~~الكفاح، وأن الرجل لا يقاس بشكله الحلو، أو عربته الزرقاء وإنما بشخصيته. # شخصيته! هذه الكلمة التي كانت تسمعها من أبيها أحيانا، وتقرؤها في الروايات، وهذه ~~المبادئ التي كانت تلقنها لزميلاتها، كانت فعلا تؤمن بها في قرارة نفسها، ولا تمثل دور ~~القديسة أو النبيلة، كانت هي كذلك! ولكن كيف حدث لها ما حدث؟! # ورغم المخلوق الصغير، الذي لم يكتمل، والذي يعيش في أعماقها منذ ms65 شهور، ورغم أنها تعرف أن ~~هذا المخلوق لا يأتي هكذا من عند الله، لأنها ليست مريم العذراء، ورغم أنها تخاذلت فعلا في ~~لحظة ضعف قصيرة مرت كالبرق، رغم كل هذا فهي تحس أنها بريئة، وأنها وإن أخطأت دقيقة فيكفي ~~عذابها وأرقها ليالي طويلة ليكفرا عن هذا الخطأ، ولا داعي أبدا لأن تعيش في مشكلة لا حل ~~لها إلا أن تشرب سما وتموت ويموت معها هذا المخلوق الغريب، أو تعيش، ولكن كيف تعيش؟ لا ~~تدري! وماذا يقول أبوها الذي يؤمن بها وباستقامتها كما يؤمن بالله، وماذا تقول أمها، ~~وأقاربها، والجيران، والناس، و... و... # وأخفت سهير وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء. # ومرة أخرى تقول يا رب، الأمل الوحيد في أن يصنع معجزة، أي معجزة، أن يأخذها إليه أو يتصرف ~~في ذلك المخلوق ويأخذه قبل أن تنتهي من عد عشرين، وأخذت تعد على أصابعها قائلة بصوت عال: ~~واحد، اتنين، تلاتة، يا رب، أربعة، خمسة، ستة، يا رب، سبعة، يا رب، تمانية، يا رب، لا يمكن ~~أن تنتهي سهير هذه النهاية، وما من أحد يتصور ذلك، فتحية ممكن أو زينب أو إلهام، فهن ~~معروفات بالعفرتة والضحك الكثير، والنكات والحديث عن الرجال، ولكن «سهير» سهير؟! يا سلام! ~~نحس! نحس! # صحيح نحس، حظها نحس، وظروفها نحس، ومعرفتها بهذا الولد، كما تسميه، نحس، ما الذي ساقه ~~إليها؟ وفي أي ظرف نحس تعرف إليها؟ لم تكن تذكر، كان في نظرها مجرد ولد غني مهرج يتسكع ~~بعربته الزرقاء ويستعرض قمصانه الحريرية وبدله الغالية أمام البنات، وليس في رأسه عقل ولا ~~ينتظر أن يتابع دراسته أبدا. # ما الذي غير هذه الفكرة؟ وما الذي جعله يتقرب إليها؟ وما الذي جعله يحدثها عن المبادئ وعن ~~المثل العليا، إن المظلوم يجب ألا يظلم، يجب أن يكون له من يدافع عنه، وإن الحق يجب أن يسود ~~دائما، كان يكلمها وكانت تستمع إليه وهي مشدوهة، أيمكن أن يخرج هذا الكلام الجميل من ذلك ~~الولد؟ صحيح أنها خدعت، لقد ظلمته في فكرتها عنه، ليست العربة الزرقاء ms66 ولا البدل الغالية ~~دليلا على الاستهتار والفساد، وبدأت تقترب منه، وبدأت تحس أنه رجل، رجل قوي، جريء، غني، ~~ليس فيه عيب، أي عيب! # لم تدر متى بدأت تحبه لكنها تذكر أنه غاب ذات يوم فأحست أنها لم تستطع أن تركز انتباهها ~~في الدرس، وظلت قلقة حائرة حتى قابلته في اليوم التالي وقلبها يقفز من الفرح، لم تعرف أن ~~هذا هو الحب الذي يكتبون عنه، ويهمسون به، وإن كانت تسأل نفسها حينما تخلو إلى حجرتها: هل ~~هذا هو الحب؟ # ولم تعرف أنه الحب إلا بعد ذلك اليوم، كان يوم جمعة وشمس الشتاء تشيع الدفء في الأجسام ~~وتشجع على الخروج، أول موعد في حياتها، وأول مرة تكذب على والدها، وخرجت متعللة بزيارة ~~صديقة لها، وقابلته، كان ينتظرها بجوار الرصيف داخل عربته الزرقاء، ودخلت بسرعة، وجلست إلى ~~جواره، ولأول مرة يمسك يدها فترتجف، ولأول مرة في حياتها يقبلها رجل. # كانت تنتفض ومناظر الطريق خارج العربة تتراقص أمام عينيها كأنها ذاهبة في غيبوبة. # ولم تفق إلا حينما عادت إلى بيتها ودخلت في السرير وشدت على رأسها الغطاء، أفاقت من ~~غيبوبتها وسألت نفسها بعنف كيف سمحت له بأن يقبلها؟ إنها إذن مثل الفتيات اللائي يقبلهن ~~الرجال وتروى عنهن الشائعات، وتنظر إليهن باحتقار حينا وبإشفاق أحيانا. وأغمضت عينيها، ~~وقرأت سورة «يس» كعادتها وقالت لنفسها في عنف إنها لن تسمح له بأن يقبلها مرة أخرى. # وفي اليوم التالي لم تدر لماذا نسيت هذا العزم، وكيف ضغطت بإصبع الروج على شفتيها رغم ~~أنها لم تكن تحب الأحمر الثقيل وتكتفي بأحمر خفيف، وكيف كانت سعيدة وهي تمشي في الشارع، ~~وكيف كانت تحرك رأسها هنا وهناك طول الصباح تبحث عنه. # وطبيعي أنها لم تستطع بعد كل هذا أن تقول له لا، حينما طلب منها نزهة ثانية في العربة، ~~وطبيعي أيضا أنها لم تستطع أن تقول له لا، حينما طلب منها قبلة ثانية. # ولكن غير الطبيعي أنها قالت له نعم، حينما طلب منها أن تأتي معه إلى بيته، ولم يكن ~~طبيعيا ms67 أيضا أنها لم تعرف بالضبط ماذا حدث هناك، كان أول رجل يعانقها، وكانت أول مرة تحس ~~فيها أنها أنثى، ومضت اللحظة سريعة كالبرق لم تحس بها تماما. # وعادت إلى بيتها ووضعت رأسها تحت الغطاء وفكرت، وتساءلت، كيف حدث هذا؟ كانت خائفة، تحس ~~أنها تدخل حياة أخرى غير التي كانت تعيشها، كانت مبهورة، مذهولة، لكنها لم تفكر أبدا أن ~~شيئا كهذا سيحدث، وأن مخلوقا جديدا سيبدأ الحياة في أعماقها بعد هذه اللحظة، لم تكن ~~تتصور أن الناس يخلقون بهذه السهولة، وبهذه السرعة. # ولكن ماذا تفعل الآن وقد حدث ما حدث، وتكون مخلوق جديد سخيف؟ لا شيء أمامها سوى أن ~~تنتهي، تموت، ويموت معها ما بداخلها وما بخارجها. # وقامت عن «الأريكة» وظهرها يؤلمها من السلك البارز، وفتحت الباب وتسللت إلى غرفة النوم، ~~ولبست فستانا قديما لا تلبسه إلا في البيت، ونظرت إلى فستانها الجديد المعلق في الدولاب ~~والدموع في عينيها وقالت لنفسها: خسارة! خسارة الفستان الجديد في الموت، خليه لوفاء ~~تلبسه. # إنها تفكر في أختها وفاء وهي في طريقها إلى الموت، هذا دليل على أنها طيبة وأنها بريئة، ~~وأنها قديسة! # وتسللت إلى الخارج دون أن يحس بها أحد، ودون أن تستأذن أباها، إنها أول مرة في حياتها ~~تخرج من البيت بدون إذن، ولكن هل يجب أن تستأذن قبل الموت؟ ومشت في الطريق كالتائهة، ووصلت ~~إلى كوبري الجامعة، وألقت على من حولها نظرة وداع حزينة، وسارت في خطى بطيئة على الكوبري ~~وهي تحاول ألا تفكر في شيء، إنها ستموت، ويجب أن تموت، لا لتعاقب نفسها، ولكن لأن الحياة ~~سخيفة، ليس لها معنى، والناس أيضا كلهم سخفاء؛ فهم يخلقون بطريقة سخيفة، وفي لحظة تافهة ~~سريعة، والموت بالطبع أحسن من الحياة، وأحسن من الناس، والآخرة لا بد جميلة، والله ~~يعرفها جيدا ويعرف أنها بريئة، ولا شك في أنه سيدخلها الجنة، لأنها ليست ساقطة، لقد عاشت ~~متدينة دائما. # وعند منتصف الكوبري وقفت، ونظرت إلى الماء بقوة غريبة كأنها تتحدى الحياة، وصعدت على سور ~~الكوبري، ثم ألقت ms68 بنفسها في الماء . # آه، تحركت سهير، استيقظت من نومها عندما صاحت، وفتحت عينيها: ما هذا؟ أين أنا؟ ونظرت ~~حولها، ورأت المكتب وساعة المنبه عليه تشير إلى الثامنة، كيف؟ لقد قضت الليل كله على ~~الأريكة، ورفعت جسمها عن الأريكة وهي تدلك ظهرها من وجع السلك، ورأت الكتاب بجوارها ما ~~يزال مفتوحا عند آخر صفحة وقفت عندها قبل أن يغلبها النوم، وتأملت الصفحة، ثم ابتسمت ~~لنفسها وهي تغلق الكتاب بهدوء. # | لست أنا # كان الحفل صاخبا زاخرا بالضجيج، ناس يروحون، وناس يجيئون، ناس يتكلمون، وناس لا يسمعون، ~~راقصة ترقص، ومطربة تغني، رجال يصفقون ويقهقهون ويترنحون، ونساء يتبخترن في ملابسهن البراقة ~~الهفهافة، وكل منهن تنظر إلى فستان الأخرى من طرف خفي. # الكل مشغول، الكل منهمك، الموسيقى تصدح، والفرح يبدو على الجميع، إلا أنا. # كنت أجلس كالعجائز في ركن غير بعيد، أحاول أن أخفي حذائي القديم تحت الكرسي الذي أجلس ~~عليه، وأجتهد ألا تصدر مني حركة قد تلتفت إليها «سنية» زميلتي في المدرسة منذ عشرة أعوام، ~~وأخذت ألوم نفسي، وأعنفها، لماذا حضرت هذا الحفل؟ كان يمكن أن أعتذر، أو لا أعتذر، فمان كان ~~أحد سيذكر هذا أو ذاك، لكني جئت لأسري عن نفسي بالنظر إلى الناس والأنوار والطرب، وكنت ~~قبل أن أرى «سنية» سعيدة بما أرى، أجلس وسط جمع من الناس لا يعرفونني ولا يدقق أحد منهم في ~~منظري، وكدت أنسجم تماما مع هذا الجو المرح لولا وقوع نظري بغتة على سنية تسير مع بعض ~~صديقاتها، كانت تلبس ثوبا أنيقا للسهرة وترفع شعرها إلى أعلى في تسريحة جذابة. # كانت تلمع وتبرق، وكل ما فيها يلمع ويبرق. # وأخفيت رأسي بين رءوس المدعوين أتظاهر بأنني أفتح حقيبتي وأخرج المنديل وأدخله، ثم أخرجه ~~وأدخله عشرات المرات وأنا أضيع الوقت بإطراقي حتى تمر «سنية» بجواري. # ومرت سنية ولم ترني، كانت مشغولة بالحديث مع صديقاتها، وتنهدت بارتياح، فكم يكون خجلي لو ~~رأتني ورأت فستاني الأجرب الذي أخرج به في الصباح والظهر والمساء، ووجهي الكالح الباهت الذي ~~بقعته طبقة من المساحيق ms69 الرخيصة؟ # وجلست سنية وصديقاتها - لسوء الحظ - في مكان قريب مني، بحيث أسمع منه حديثهن ~~وضحكاتهن. # وسمعت صوت سنية ينطلق عذبا رنانا، فيه جرس السعادة والنعيم، فذكرني بصوتها منذ عشرة ~~أعوام حينما كنا ندخل السرير لننام، وكان سريرها إلى جوار سريري، ودولابها جزء من دولابي، ~~وكانت ضابطة الداخلية صارمة قاسية تحتم علينا أن ننام حينما يدق جرس النوم، لكن النوم كان ~~يطير بمجرد سماع هذا الجرس، وتطل كل واحدة منا برأسها من تحت الأغطية، ونواصل الهمس والضحك ~~المكتوم ساعات طوالا، وحينما تمر علينا الضابطة تسترق السمع لتفتش على نومنا وأحلامنا نخفي ~~رءوسنا في الأغطية بسرعة البرق، كما تفعل السلحفاة حينما تحس بالخطر. # وكانت الضابطة بالنسبة لي شيئا مرعبا، ولقد دهشت كثيرا عندما علمت أن لها زوجا ~~وأولادا، فقد خيل إلي أنها ليست مثل سائر الناس، وكنت أقضي وقتا طويلا وأنا أفكر ماذا ~~تفعل في بيتها، وأتخيلها وهي تأكل، وهي تستحم، وهي تلاعب أولادها، وهي تنظر إلى زوجها، وكنت ~~أسائل نفسي كثيرا، هل هي تحب زوجها؟ وهل تقبله أحيانا؟ هذا ما لم أتخيله أبدا، حتى ~~رأيتها في يوم تقبل علي وتمسك في يدها بخطاب، وكان وجهها غريبا علي، إذ شاعت في عينيها ~~تلك النظرة الجامدة، واختفى من جبينها ذلك الخط الرأسي العميق، وانفرج فمها الرفيع كأنه بلا ~~شفتين، وظهرت أسنانها في ابتسامة، وناولتني الخطاب وهي تربت على كتفي: والدك باعت يقول إن ~~مامتك تعبانة شوية، وحضرة الناظرة صرحت لك بالسفر النهاردة. ~~- السفر؟ النهاردة؟ # وتسمرت أمامها لحظة من الفرح، ثم أطلقت ساقاي للريح فوصلت في لمح البصر إلى حقيبتي ودسست ~~فيها بعض الملابس، وعانقت ثلاثا من صديقاتي دفعة واحدة وأنا أصيح: سعاد، آمال، فتحية، ~~تصوروا، أنا مسافرة دلوقت. # وانفتح باب سجن الداخلية أمامي، وقفزت إلى الطريق، وأخذت أحرك ساقي وذراعي وأنا أسير ~~لأتحقق من أنني أسير، وأحملق في وجوه الناس في الطريق لأتأكد أنني فعلا خارج من المدرسة، ~~وركبت القطار، وجلست بجوار النافذة لأطل منها وأسرح كيفما أشاء في أبي وأمي وإخوتي، وتذكرت ms70 ~~الخطاب وأمي المريضة ، وقلت لنفسي: لا بد أنها متعبة قليلا فهي أحيانا تشكو من ركبتيها ~~ومفاصلها. # ووصلت البيت، وصافحت إخوتي، ولاحظت أنهم لا يبتسمون كعادتهم، وأحسست أن تغييرا كبيرا قد ~~طرأ على بيتنا، وخفق قلبي، ولم أستطع أن أفكر في ذلك الذي وقع، فأحدث كل هذا التغيير، ~~وبادرت إلى أختي أسألها في جزع ولهفة: «نجوى، جرى إيه؟!» # ونظرت إلي نظرة حزينة غريبة، وارتمت علي وهي تجهش بالبكاء، ولا أدري لماذا لم أفهم، ~~أهو الغباء أم أنني لم أكن أتخيل أبدا أن ماما تموت. # وأخذت أدور في حجرات البيت أبحث عن أمي، وأحسست أنها في مكان ما في البيت كما عهدتها ~~دائما، وكان كل شيء من البيت يؤكد لي أنها موجودة. # ولم أفق إلا في اليوم التالي، على صوت أبي وهو يضمني إليه ويقول: أنا فكرت أنك تسيبي ~~المدرسة يا عفت وتقعدي في البيت، إخواتك عاوزين رعايتك دلوقت وإنت الكبيرة، واللا ~~إيه؟ # وكانت كارثة أخرى بالنسبة لي تماما كموت أمي، فقد كنت أحب المدرسة رغم ضابطة الداخلية، ~~وأشعر أنها الفرجة الوحيدة في حياتي التي أخرج منها رأسي وأطل على الدنيا وأشم عبير الحياة، ~~وبقيت في المنزل رغم أنفي أربي أخوتي، وأحضر لهم الطعام وأغسل ملابسهم، وأصبر على ~~متاعبهم، وأتحمل قسوة أخي المغرور الذي كان يتدرب على رجولته معي، فيفرض علي أحكاما ~~غريبة حمقاء كنت أعرف أنهم يلقنونها له في جمعية دينية، وكان عمري تسعة عشر عاما، لكني كنت ~~أشعر أنني امرأة في الثلاثين أو الأربعين تحمل هم بيت كبير بأولاده وبناته. # وجاءني أبي يوما وهو يبتسم، ويربت علي وفي عينيه بريق جديد: أنا حاسس يا بنتي إنك ~~تعبانة قوي في البيت وإنت عارفة إن الماهية ما تستحملش خدامة. # وضمني إليه في حنان وعطف، وقد رأى دموعي، ثم اغتصب كلماته قائلا: عشان كده فكرت إني ~~أتجوز، واحدة ست كبيرة عندها حوالي أربعين سنة وطيبة جدا وحتساعدك كتير. # وتزوج أبي هذه المرأة، وبعد زواجه زاد من أخدمهم وأعد لهم الطعام، وزاد عدد الأطباق ms71 ~~والملاعق التي أغسلها كل يوم ثلاث مرات، وبعد أن كنت المتصرفة في شئون البيت أصبحت الخادمة ~~التي تتلقى الأوامر فتطيع، وإذا لم أطع جاءني أبي متأثرا يقول لي: دي ست كبيرة، وإنت زي ~~بنتها لازم تسمعي كلامها يا عفت. # وكان لا بد أن أصبر وأصبر حتى اعتدت هذه الحياة وأصبحت لا أحس بالتعاسة والذلة اللتين ~~كنت أحس بهما، ولم أعد أنظر إلى سقف المطبخ وأنا أغسل الأطباق والملاعق وأشكو لربي وأنا ~~أبكي في صوت مكتوم وأمسح دموعي قبل أن تراني واحدة من أخواتي. # ولم تعد مناظر البنات في الشارع بملابسهن الأنيقة تثير في مشاعر الحرمان والشقاء، وعرفت ~~أن الذل لا يولد مع المرء، بل يتسرب إليه شيئا فشيئا حتى يصل إلى درك لا يليق به، لكنه ~~لا يحس بشيء لأن التغير يكون بطيئا، فإذا صادفه شيء يذكره بما كان عليه قبل هذا الانحدار ~~تجلت أمام عينيه الهوة التي فصلته عن مستوى حياته الأولى. # هذا ما حدث لي، حينما رأيت سنية زميلة الدراسة، تذكرت نفسي الحقيقية فيها، وأحسست أنني لا ~~يمكن أن أكون هذه الفتاة التي تنزوي في ركنها الخفي، وكعب حذائها قد تآكل واعوج، وشاب ~~فستانها هذه البقع السوداء والصفراء. # وأحسست أن الجو يخنقني وأن وخزا كوخز الإبر ينخس قلبي، من أنا؟ لا أكاد أعرف من ~~أنا. # لست أبدا أنا، أبدا. # وتحركت من مكاني دون أن أشعر فلمحتني سنية والتفتت نحوي، وأسبلت جفنيها قليلا لتتأكد ~~مني. # وخفق قلبي وارتعشت أحشائي، وتقابلت عيناها اللامعتان بعيني المهزوزتين، ثم استدارت نحو ~~صديقاتها وانهمكت معهن في الحديث كأن شيئا لم يحدث. # وبلعت ريقي، وهدأت دقات قلبي وأنفاسي، وقمت وخرجت من الحفل وسرت في الطريق المظلم الموصل ~~إلى بيتنا، ولفحت وجهي نسمة باردة فأحسست بشعور غامض غريب عرفت بعد ذلك أنه الحزن. # | زوجي، لا أحبك! # أتخيلك الآن يا زوجي العزيز، وأنت جالس على حافة السرير، وعلى وجهك تلك الابتسامة البلهاء ~~الغريبة التي لا تعبر عن شيء. # آه، كم كرهت ابتسامتك! لم أر فيها شيئا، لا ms72 الرضا، ولا الضيق ، ولا الفهم، لم أر لها ~~لونا، فلا هي صفراء، ولا حمراء ولا خضراء! # لماذا؟ لماذا تعجز شفتاك الرقيقتان عن التعبير؟ # أتخيلك وأنت جالس تقرأ اعترافي هذا، وتتسع عيناك الزرقاوان الواسعتان، وتمتلئان سذاجة ~~شديدة وتصرخ بعبارتك المألوفة: «مش معقول!» # كم كرهت نظرتك الزرقاء الضحلة، كأنها حفنة ماء في قاع بركة كبيرة. # أتخيلك يا عزيزي وأنت جالس وساقاك تتدليان على حافة السرير، وقدماك الصغيرتان الناعمتان ~~تقززان عيني وتهتزان وحدهما، بلا سبب، وحينما تصل إلى نهاية اعترافي تهزهما أكثر ~~وأكثر. # لماذا تنزعج يا صديقي لصراحتي؟ ألم تتخيل أن توجد امرأة بهذه الصراحة؟ ولكن لماذا أكذب؟ ~~من أجل الزواج؟ ولكن ما هو الزواج؟ رجل يشتري امرأة! امرأة تبيع نفسها لرجل! في سبيل أي ~~شيء، المؤانسة، ملء الفراغ؟ # هل تذكر حينما لقيتك لأول مرة؟ كان ذلك منذ عشر سنوات، عدت من المدرسة يومها فوجدت أمي ~~تنتظرني، وفي عينيها نظرة قلقة، وقالت لي في همس: «مع أبيك في حجرة الاستقبال ضيف.» # وفهمتها رغم أنني كنت في السادسة عشرة، إن ضيوفا كثيرين يزورون أبي، ولا تهمس لي كما ~~تهمس الآن. # وقلت: «لا! لا أريد أن أتزوج، أريد أن أتعلم، أريد أن أدخل الجامعة، أريد أن أصبح ~~شيئا!» ~~«إنني لا أعرفه، إن ملامحه غريبة، غريبة جدا، لا أستطيع أن أعيش معه، سأقتل نفسي، ~~ارحموني!» # وبكيت، وصرخت، وضربت الأرض بقدمي، وأضربت عن الطعام، وطفت بالصيدليات أبحث عن سم قاتل، ~~ولكنهم كانوا أكثر قوة مني، أخرجوني من المدرسة وساقوني إليك، كما تساق البهيمة إلى ~~الجزار. # جزاري العزيز، لماذا عجزت عن أن تفهمني؟! لماذا قلت لي في أول ليلة وأنا أبكي: «كل البنات ~~يبكين، كل البنات يتمنعن، ثم ذبحتني!» # آه يا رأسي! أريد أن أنسى! أريد أن أنسى منظر جثتك الضخمة وهي غارقة في بحر من العرق، ~~وعلى فمك تلك الابتسامة البلهاء، وفي عينيك نفس النظرات الخاوية، وقدماك الصغيرتان ~~الناعمتان تهتزان وحدهما، وتبعثان في نفسي شعورا بالتقزز والغثيان. # ثم نمت، نمت وأنت راقد على ظهرك، وتوقفت قدماك عن ms73 الاهتزاز، وبدأت شفتاك ترتعشان، وقلت ~~لنفسي وأنا أرتعد من الخوف: «يا إلهي! لماذا ترتعش شفتاه؟ هل هو مصاب بداء ما؟ آه يا ربي! لماذا تركني أهلي مع هذا ~~الرجل الغريب؟» # واهتزت شفتاك أكثر وأكثر، وانخلع قلبي من الخوف، وخيل إلي أنك مصاب بداء المشي أثناء ~~النوم، والانقضاض على الناس وذبحهم، وتلفت حولي في ذعر، أين أختبئ منك قبل أن تقوم ~~وتنقض علي! وفجأة سمعتك تقول شيئا، وقفزت مذعورة من السرير إلى الأرض، كيف هذا؟ إنه يتكلم ~~وعيناه مغمضتان؟ هل يكلم الشياطين والجان؟ وظلت عيناي مثبتتين على يديك وشفتيك ترقبان أي ~~حركة. # حتى رأيتك تتقلب وتتمطى وتتثاءب، ثم تفتح عينيك، وسمعتك تقول لي: «صباح الخير»، وزال عني ~~خوف الليل حينما رأيت نور الصباح يملأ الحجرة. # جاء أبي وأمي وأقاربي، وسمعتهم يقولون لي مبروك، مبروك علي أي شيء؟! من هؤلاء القوم؟ هل ~~هم أبي وأمي وأقاربي حقا؟ أم هم غرباء جاءوا ليطمأنوا على سلامة الذبيحة؟ # وبكيت في حجر أمي، وتشبثت بملابسها، وتوسلت إليها: لا تتركيني، لا تتركيني هنا، خذيني ~~معكم، لا أحبه، لا أتصوره، سأموت! وتركوني، تركوني لك، لم أمت كما ترى، فأنا ما زلت أتنفس، ~~وما زلت قادرة على أن آكل وأشرب وأنام، وأنت تسمي هذه حياة، وتتعجب حينما ترى دموعي تسح من ~~عيني، وتسألني وفي عينيك تلك النظرة الباهتة الضحلة: ماذا يحزنك؟ إنني أوفر لك كل شيء، ~~تأكلين أجود طعام، وتلبسين أغلى ملابس، وتسكنين أرقى حي، عندك الخدم، وبيتك كامل من كل شيء، ~~ماذا يمكن أن ينقصك بعد ذلك؟ # لماذا تبكين؟ هل أنت مريضة؟ # ولم أقل لك شيئا، وماذا أقول وأنت لا تعرف شيئا عن الحياة سوى أنها أكل جيد، وملابس ~~ثمينة، وبيت لا ينقصه شيء، ولا تتصور أن شيئا ما يمكن أن ينغص علي حياتي إلا أن أكون ~~مريضة، آه، ليتني كنت مريضة، فلا آكل ولا أشرب حتى أموت، ليتني كنت مريضة بعقلي، وقلبي، لا ~~أبكي، ولا أفهم، ولا أحس، ولكن ماذا أفعل، وفي أعماق قلب سليم عنيد يريد ms74 أن يعيش، وأن يعيش ~~بعنف، لماذا إذن أقتله؟ لماذا؟ دعني، دعني يا صديقي أعش حياتي أنا، لا حياتك أنت، دعني ~~وشأني، فأنا لا أحبك، أنا لست زوجتك! لست قريبتك، لست من فصيلتك، أنا من جنس وأنت من ~~جنس! # زوجي العزيز، هل تريد الصراحة المطلقة؟ إنني أحببت، نعم، أحببت رجلا، ماذا تقول؟ أنا ~~خائنة؟ لماذا؟ لأنني صادقة لا أكذب، ولكن ماذا تسمي زواجنا؟ إنه خيانة، أكبر خيانة، لنفسي، ~~ولك، وللحياة، ولكل شيء، أتسمي هذه الورقة التي كتبها بخطه الرديء، ذلك الرجل المعمم، ~~زواجا؟ هل استطعت بها أن تمتلك نفسي وروحي وعقلي وقلبي؟ بل جسدي، جسدي هذا الذي تظن أنك ~~امتلكته؟ إنك لم تمتلكه! لم تحركه! لم تمسه! # إنه يعيش في عذرية دائمة لم تفقده منها شيئا، لأنها عميقة بعيدة، في أعماقي، ليس في ~~مقدورك أن تصل إليها. # هل كان زواجنا بعد ذلك شريفا؟ وكيف يكون وهو عقد بيع وشراء بين طرف أول قوي مستكبر، وطرف ~~ثان، ليس له إلا أن يبصم؟ # أيها الشريف الغالي، ما هو الشرف؟ أن تبيع المرأة نفسها للرجل في طيات ورقة الزواج، ~~ووجبات الطعام الثلاث؟ وما الفرق بينها وبين تلك التي تسميها ساقطة؟ كل منهما تبيع نفسها، ~~ولكن الثمن فحسب هو الذي يختلف. # لا يا سيدي! لست ساقطة! أنا لا أبيع نفسي! # لست رخيصة! هل تعرف ما هو الرخص؟! إنه حياتنا معا، إنه زواجنا، إنه رجل وامرأة يجتمعان ~~بلا حب، بلا عواطف، بلا قلب، وماذا يبقى لنا بعد ذلك؟ # جسد الحيوان؟ # لا، لا تغضب يا عزيزي، ولا تثر، لم هذا الغضب؟ ولم هذه الثورة؟ من أجل كرامتك ~~وكبريائك؟ من أجل عرضك واسمك؟ من أجل الناس الذين سيتكلمون ويتكلمون، ولكن ما شأن ذلك كله ~~بي أنا، بما أحسه وبما أفعله؟ ألست «إنسانة» مثلك لي اسمي وكرامتي وكبريائي؟ لماذا لا ~~ينسبون أعمالي إلي أنا؟ لا أريد أحد يحمل عني أخطائي، أو فضائلي. # أتخيلك الآن يا صديقي وقد استبد بك الغضب تهز قدميك الصغيرتين الناعمتين في عصبية وتقول ~~لنفسك: ولكنها ms75 لا تملك شيئا ، حتى حريتها لا تملكها، إن كل شيء في يدي، أنا الرجل! أعرف ~~ذلك، أعرف أن القانون معك، والناس يقفون في صفك، لأنك الرجل، ولكني أنا لست معك، حتى لو ~~أوثقت قيدي ووضعتني في بيتك وغلقت دوني الأبواب لن أكون معك، لأنني سأجلس في سجني أفكر ~~فيه، وأعيش له، وأحبه أكثر وأكثر، حتى أموت. # لا تسخر يا صديقي، أعرف أنك لا تعترف بشيء اسمه الحب، وكيف تعترف بشيء لا تحسه ولا تفهمه؟ ~~لكني أعترف به، بل لا أومن بشيء آخر في الحياة. # كان ذلك منذ ثلاثة شهور في حفل رأس السنة الجديدة، وحينما رفع رأسه وثبت عينيه في عيني ~~دارت الدنيا من حولي بكل ما تحتويها، رأيت الرجال والنساء يرقصون وينسابون بعضهم وراء بعض ~~كالأشباح الخافتة، وسمعت أصواتهم وضحكاتهم تصل إلى أذني كأنها آتية من عالم بعيد ~~جدا. # أما أنت فقد نسيتك تماما، نسيت ملامحك، نسيت أنني رأيتك من قبل، نسيت وجودك إلى جانبي، ~~ونسيت أنني تزوجتك وعشت معك في بيت واحد ثمانية أعوام كاملة! # يا إلهي! أهكذا يضيع الزمن بحوادثه وأيامه ولياليه؟! أهكذا يفقد العقل ذاكرته ووعيه؟! ~~أهكذا يفقد الحس ماضيه؟ كيف؟ كيف تتلاشى ثمانية أعوام كاملة من حياتي أمام لحظة قصيرة ~~عابرة؟ # ولكن كان هناك بحر، بحر في عينيه عميق، عميق ليس له قرار، وعالم في نظراته واسع، واسع ليس ~~له مدى، رأيت الدنيا حوله تافهة باهتة ضيقة. # وعرفني، كأنما التقطت نظراته نظراتي كالمغناطيس، عرفني، وفهمني، وأحس بس وأنا أدخل عالمه ~~وأغرق في بحره، وانتشلني في رفق، وضمني في حنان، وتركت له نفسي يحميها، يرعاها، يربت عليها، ~~وأحسست بدموع حارة في عيني، دموع غريبة، ليست كتلك الدموع التي بللت وسادتنا. # ووضعت رأسي على صدره وبكيت، وبكيت بفرح، ورفع رأسي إليه ونظر في عيني وابتسم، وحلقت بي ~~ابتسامته في أجواء غريبة، إنها تحكي له قصصا وقصصا، وتروي لي تجارب وتجارب، وأخذني بين ~~ذراعيه وقبلني فضاع وجودي في وجوده، وتلاشى كياني في كيانه. # ثم أفقت، فتحت عيني فوجدتني ms76 أعود إلى حفل رأس السنة الجديدة كأنما بعد غيبة طويلة، ورأيت ~~الرجال والنساء يرقصون ويمرحون، ورأيتك تملأ الكرسي الكبير وتنام وأنت جالس، وذراعاك ~~متراخيتان إلى جوارك وقدماك الصغيرتان الدقيقتان تهتزان. # اغفر لي يا صديقي العزيز، اغفر لي صراحتي وصدقي، أنا لا ألومك ولا أعاتبك، فأنت ضحية ~~مثلي، ضحية وهم كبير يعيش فيه الناس ويعيشون فيه بإصرار وعناد. # لماذا؟ لماذا لا يكف الناس عن الأوهام؟ لماذا يغمضون أعينهم عن الحقيقة؟ # ولكني لن أدعهم يصنعون حياتي، سأصنع أنا حياتي، سأرسم مستقبلي، لن أكون عجيبة في أيديهم، ~~لن أعيش حياة مزيفة، وداعا يا صديقي، وداعا إلى الأبد. # | كلنا حيارى # أنا حائرة دائما، حائرة مع العذاب، وحائرة مع الهوى، وحائرة مع الألم، وحائرة مع ~~المرض. # لا أدري لماذا اخترت هذا اللون من الحياة، اللون القاتم الحزين والجانب المليء بالألم ~~والدمع والدم، منذ سنين كثيرة عندما كنت على أبواب الجامعة فكرت فيما أكون، وكنت أحب الأدب، ~~والرسم، والموسيقى، والغناء، والتمثيل، لكني وجدت نفسي أختار كلية الطب كلية المرض، ~~والأنين، والموت! # وأثناء دراستي للطب جاءتني أمي تسألني في بساطة عن ورم صغير ظهر في ثديها، وتجمد الدم في ~~رأسي، وبردت أطرافي، وقلت لها وأنا أخفي انزعاجي: لا شيء، مجرد كيس دهني. # وعاشت أمي بعد هذا اليوم عشرين شهرا كاملة في ألم مبرح أشد عذابا وقسوة من الموت، ثم، ~~ماتت، عجز الطب عن شفائها. # وراجعت نفسي، وهوايتي للطب، وثقتي في الطب، وبعد شهور قليلة، وفي يوم نسيت فيه الألم ~~والموت والطب، وجلست مع أبي نتحدث في السياسة، وقمت لأفتح الباب، وعدت لأجد أبي راقدا على ~~الأرض ميتا. # ولم أبك، ومضيت إلى حقنتي فكسرتها، وألقيت سماعتي من النافذة، ومزقت كتب الطب، وأغلقت ~~عيادتي بالشمع الأحمر، وجلست في البيت أفكر. # وعرفت بعد تفكير طويل أن هوايتي للطب والمرض والألم هواية مزيفة، وتذكرت هواياتي القديمة ~~للأدب والتمثيل والموسيقى والغناء، وتأكدت أنني أخطأت عندما اتجهت إلى الطب، كان يجب أن ~~أكون فنانة أو شاعرة أو كاتبة. # وابتسمت ثم ضحكت، وشر البلية ms77 ما يضحك، ثم أمسكت بالقلم وكتبت قصة وقصتين وثلاثا، ووجدت ~~أن كتابة القصص ألذ من مجرد التفكير والتأمل وأمتع من الكشف على المرضى، فهي تتيح لي أن ~~أصور الحياة، والموت، والفرح، والحزن، والسعادة، والألم. # وعدت إلى عيادتي، وفتحتها مرة أخرى، ومارست كتابة القصص والطب جميعا، ولا أدري ما هي ~~الظروف التي عادت وألقت علي بنوع جديد من الألم، إذ أصبحت مسئولة عن حل مشاكل القلوب ~~الحائرة المعذبة في «مجلة الحب»، وتلقيت خطابات الحائرين والحائرات، وتكومت على مكتبي ~~بالعيادة، وشرعت أقرأ، شاب يحب فتاة لا تبادله الحب، ويستحلفني أن أدله على طريقة للانتحار ~~تميته دون أن يشعر بالألم، ويسأل أيهما أفضل: حامض الفينيك أم سطح المجمع؟! وفتاة خدعها ذئب ~~وسلبها أعز ما تملك، وتريد مني أن أساعدها، وزوجة تقول: أختي سرقت مني زوجي، ماذا أفعل؟ ~~وشاب يحب خالته! ويسألني عن اسم الرجل الذي منع زواج الخالات، ولماذا؟ ألوان عدة من ~~المشاكل. # وأمسك بالخطابات وأحبسها في درج المكتب وأقفله بالمفتاح، وأفكر في حل يخلصني من هذه ~~المشاكل، وليتها كانت جميعا مشاكل على الورق أو على هيئة خطابات، ولكنها كانت أحيانا ~~تتجسد متخذة صورة رجل أو امرأة، وأعيش أنا في مشاكل غريبة لا تخطر ببال، منها مشكلة عيادتي؛ ~~إذ أصبحت عيادة من نوع خاص، فيها صنوف عجيبة من الزبائن، واحدة تشكو ألما في أمعائها، ~~وأخرى تقول: يا حر قلبي! وشاب يقول: يا لعذاب روحي! وكثر عدد مرضى القلوب والأرواح، وغلب ~~مرضى الأرواح على مرضى الأجسام. وضربت كفا بكف، وأنا أشكو ضياع نقودي! بل إن بعض المشاكل ~~كانت تضعني في مأزق حرج، وتعرض حياتي للخطر أحيانا؛ فقد فوجئت يوما بسيدة أنيقة تقتحم ~~علي العيادة، وتقف أمامي، وترفع حاجبا وتخفض آخر، وتنظر إلي من فوق لتحت! وتقذف شعرها ~~المصبوغ إلى الخلف بحركة تشنجية، وتقول كأنها تتشاجر معي: حضرتك تبقي اللي بيقولوا عليها ~~الدكتور هدى؟ # وكنت على وشك أن أتلقى علقة ساخنة لولا ستر ربنا، وفهمت بصعوبة أن زوجها لجأ إلي منذ ~~أيام وشكا لي من ms78 أنها تترك بيتها وأولادها، لتتسكع طول النهار في الشارع، وأنها تسرف وتبالغ ~~في الإنفاق على ملابسها وشعرها وأحذيتها، وقالت إنني حرضت زوجها عليها إذ نصحته بأن يكون ~~شديدا وحازما ولا مانع من علقة إذا لزم الأمر، وقالت وهي تنتفض في عصبية إن زوجها عمل ~~بنصيحتي كلها. # والغريب أن هذه الزوجة هدأت بعد قليل، وراحت تعترف لي بأنها لا تحب زوجها، وأن أهلها ~~أرغموها على الزواج منه وهي في سن السابعة عشرة، وأنها تحب رجلا آخر متزوجا أيضا، وفي ~~النهاية سألتني ماذا تفعل؟! ووجدتني إزاء مشكلة جديدة! # ولعل أغرب ما حدث لي، كان مع أحد الشبان، جاءني العيادة ذات يوم، وجلس يتكلم عن نفسه، ~~وحياته، وآلامه، وأنه يبحث من سنين عن الفتاة التي ينشدها، وتستطيع أن تشاركه حياته، فلا ~~يجدها. ونصحته بأن يوسع دائرة أصدقائه ويدخل المجتمعات المختلطة وسوف يلتقي بفتاته يوما. ~~وبعد أيام قليلة عاد الشاب وجلس يحدثني، وعلى شفتيه ابتسامة فيها سعادة وقال لي: أشكرك، ~~أخيرا وجدتها. وقمت وأنا أصافحه قائلة: مبروك، أهنئك. # ونظر إلي نظرة غريبة كأنني صدمته، وقال وهو مطرق: ألا تعرفينها؟ # وقلت: بالطبع لا، وكيف أعرفها وأنت لم تعرفني بها؟ # وأطرق إلى الأرض أكثر وأكثر وقال: إنها، أنت! # ولم أدر ماذا أفعل أو ماذا أقول؟ فسكت واكتفيت بأن أشير له في هدوء إلى الدبلة التي في ~~إصبعي، فقام مسرعا وهو يعتذر، وخرج ولم يعد. ms79