######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.UghniyyaDairiyya.Hindawi79175947 #META# Tags: literature #META# ID: 79175947 #META# Title: الأغنية الدائرية #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # الأغنية الدائرية‏ # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # الأغنية الدائرية‏ # | الأغنية الدائرية # | الأغنية الدائرية # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام ms01 وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو ms02 كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد ms03 . # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | إهداء # إلى طفلي المجهول، الذي ولدته وحدي منذ قرون، وتركته بالليل في حضن الجسر، وفي ~~الصباح وجدت مكانه شجرة خضراء باسقة، جذرها في الأرض ورأسها في السماء، شامخة كالإلهة ~~الأنثى القديمة، ربة الحياة والموت. # إليه وإلى كل الشجرات الباسقات في العالم، وإلى كل أطفال الآلهة، أهدي هذه ~~القصة. # نوال السعداوي # | الأغنية الدائرية # كانت دائرة من أجساد الأطفال الصغيرة تلف وتدور حول نفسها أمام عيني، كل يوم وفي أي وقت ~~أنزل فيه من بيتي، وصورة غنائهم الحاد الرفيع يدور مع حركة أجسادهم في أغنية واحدة، لها ~~مقطع واحد، يتكرر في دورة متصلة لا تنقطع: # حميدة ولدت ولد، # سمته عبد الصمد، # سابته على الأنايا، # 1 # خطفت راسه الحدايا، # 2 # حد يا حد ... # يا بوز القرد! # حميدة ولدت ولد، # سمته عبد الصمد، # سابته على الأنايا، # خطفت راسه الحدايا، # حد يا حد ... # يا بوز القرد! # حميدة ولدت ولد، # سمته عبد الصمد. # ويكررون الأغنية، ما إن يصلوا إلى الجملة الأخيرة حتى ~~تأتي الجملة الأولى، وما إن تنتهي الجملة الأولى حتى تأتي الأخيرة؛ ولأنهم يدورون ويغنون ~~بغير انقطاع، فلا يمكن للأذن أن تعرف بداية الأغنية من نهايتها، ولا يمكن للعين أن تعرف ~~بداية حركتهم من نهايتها، فهم كعادة الأطفال يمسكون بأيديهم بعضهم البعض على شكل دائرة ~~مغلقة. # ولكن لا بد لي أن أبدأ القصة، فكل شيء له بداية، لكن نقطة البداية في هذه القصة لا أستطيع ~~تحديدها، فالبداية لا تبدأ بنقطة محددة؛ لأن البداية في حقيقة الأمر غير موجودة، أو أن ~~البداية والنهاية يتصلان في خيط واحد دائري من الصعب تحديد أوله من آخره. ms04 # ومن هنا صعوبة البدء بشيء ، وعلى الأخص إذا كان قصة حقيقية أي قصة صادقة كل الصدق، دقيقة ~~غاية الدقة، والدقة الدقيقة تقتضي من الكاتب - أو الكاتبة - أن يراعي وألا يهمل أي نقطة. إن ~~نقطة واحدة قد تقلب كيان معنى من المعاني، وبالذات في اللغة العربية، الذكر يصبح أنثى بسبب ~~نقطة أو شرطة، والبعل بغلا، والوعد وغدا وهكذا. # ومن هنا لا بد أن توجد نقطة محددة أبدأ بها، والنقطة المحددة هي النقطة المحددة، لا يمكن ~~أن تكون شرطة أو دائرة، وإنما لا بد أن تكون نقطة حقيقية، أي نقطة هندسية. وبمعنى آخر لا ~~بد من دقة علمية في العمل الفني الجيد الذي هو هذه القصة. لكن العلم يفسد الفن، وهذا ~~الإفساد هو بالضبط ما أريده في هذه القصة لتصبح جيدة، أو لتصبح حقيقية وصادقة صدق الحياة ~~الحية. وإنني لأصر على هذا التعبير «الحياة الحية» أكتبه بسبق إصرار وليس من قبيل الصدفة؛ ~~لأن هناك حياتين: حياة حية وحياة ميتة، والحياة الميتة كالإنسان الذي يمشي على الأرض دون أن ~~يعرق، أو دون أن يبول، أو دون أن ينبعث من جسده شيء فاسد. الفساد والإفساد والتفسد كلها ~~أشياء ضرورية للحياة الحية، وللإنسان الحي. لا يمكن للإنسان الحي أن يحبس بوله في مثانته ~~إلى الأبد، وإلا مات، حينئذ يستطيع أن يحبس فساده في الداخل ويصبح من الخارج جسدا ميتا ~~نظيفا من الناحية العلمية، أما من الناحية الفنية فإن الفساد المحتبس بالداخل أشد تفسدا ~~من الفساد المنطلق إلى الخارج، وهذه حقيقة أو ظاهرة طبيعية لا تخفى على أحد، فإن رائحة ~~الجسد الميت أشد سوءا من رائحة الجسد الحي. # خيل إلي (والخيال في تلك اللحظة كان حقيقة) أن طفلا من الأطفال المنشدين المتماسكين ~~بالأيدي على شكل دائرة تدور خرج فجأة من الدائرة، رأيت جسمه الصغير ينفصل عن الخط الدائري ~~المنتظم في دورانه كنقطة لامعة محددة، كنجم فقد توازنه الأبدي فانفصل عن الكون اللانهائي، ~~واندفع بحركة عشوائية سريعة متوهجا بشعلة كالشهب قبل أن يحترق. # وباستطلاع غريزي تابعت عيني ms05 حركته، وحين توقف كان قد أصبح بالقرب مني، ورأيت وجهه. لم ~~يكن طفلا ذكرا، كان أنثى، لم أعرف عن يقين أنها أنثى؛ فوجوه الأطفال كوجوه العجائز لا جنس ~~لها، وبين الطفولة والشيخوخة مرحلة يضطر فيها الإنسان إلى الإعلان عن جنسه بوضوح ~~أكثر. # الوجه (للغربة الشديدة) لم يكن غريبا علي، كان مألوفا بدرجة أثارت دهشتي إلى حد عدم ~~التصديق، فليس من المعقول أن يخرج الإنسان من بيته في الصباح ذاهبا إلى عمله، فإذا به ~~يصطدم بشخص آخر، ما إن يرفع وجهه إليه حتى يرى وجهه هو، وليس أي وجه آخر. # أعترف أن جسدي ارتج، نوع شديد من الذعر يشل قدرة الإنسان على التفكير، ومع ذلك فكرت: ~~يذعر الإنسان حينما يرى وجهه وجها لوجه؟ لعلها الغرابة الشديدة، أو لعلها الألفة ~~الشديدة، حينئذ يختلط على الإنسان كل شيء، وتصبح الأشياء المتناقضة متشابهة إلى حد ~~التماثل، فالأسود يصبح أبيض، والأبيض أسود، ومعنى ذلك أن يواجه الإنسان بعينيه المفتوحتين ~~حقيقة أنه أعمى. # فركت عيني بأصابع مرتجفة، ونظرت في وجهه مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة، وربما لا زلت ~~أنظر في وجهه حتى هذه اللحظة، وفي كل لحظة، كأنه يلازمني كظلي، أو يلتصق بي كقطعة من ~~جسدي، كذراعي أو ساقي. # والذعر بطبيعته يولد الكراهية، لا أنكر أنني كرهت هذا الوجه، وقد يظن بعض الناس أنني ~~لست صادقة فيما أقول، ويتساءلون: كيف يمكن لإنسان ما أن يكره وجهه أو جسده أو قطعة من هذا ~~الجسد؟ وهؤلاء الناس هم - ولا شك - على حق، إنهم أقدر مني على رؤيتي، ليست هي محنتي وحدي ~~ولكنها محنة كل إنسان؛ فالآخرون يرونه أكثر مما يرى نفسه، يرونه من الأمام ومن الجانب ومن ~~الخلف، يرونه من ظهره، أما هو فلا يرى نفسه إلا من الوجه ومن خلال مرآة. # المرآة تظل هناك دائما، قائمة كالشخص الآخر بين الإنسان ونفسه، ومع ذلك فأنا لا أكره ~~المرآة، بل أكاد أحبها حبا شديدا، أحب النظر فيها طويلا، والحملقة، أحب أن أرى وجهي، ~~الحقيقة أني لا أمل النظر إلى ms06 وجهي، فهو وجه جميل، أجمل من أي وجه آخر رأيته على ظهر ~~الأرض، وفي كل مرة أنظر إليه أرى جمالا جديدا يكاد يسحرني. # قد لا يستغرب بعض الناس هذا الصدق الشديد؛ فالصدق الشديد يصبح مقززا في بعض الأحيان، أو ~~في كل الأحيان، ولكني عاهدت نفسي على أن أقول الصدق، أنا أدرك أن الاستمرار في الصدق مجهد، ~~يتطلب دائما مزيدا من الجهد والتضحيات، كأن يضحي الإنسان بأن يكون جميلا أو مقبولا في ~~كل لحظة، وأن يتحمل أحيانا درجة من القبح، في نظر الناس، أعترف أنه قد يكون قبحا شديدا ~~يصل إلى حد التقزز، ولكن هذا هو الكفاح المطلوب في العمل الفدائي وفي العمل الفني الجيد، ~~الذي أكتبه الآن. # بهرني في الوجه بالذات العينان؛ فأنا أعشق العيون، وأعتقد (وقد يكون اعتقادي بغير نظرية ~~علمية معترف بها) أن عيني الإنسان جهاز حساس، بل إنه أكثر أجهزته حساسية، يليه الجهاز ~~التناسلي بطبيعة الحال، شدتني إلى العينين نظرة لها لمعة متحركة في كل الاتجاهات والزوايا ~~كإشعاعات فص الماس الحقيقي، وهي نظرة محيرة فعلا؛ لأنها ليست نظرة واحدة، يستطيع ~~الإنسان أن يحدد معناها، نظرة حزن مثلا، أو نظرة فرح، أو نظرة عتاب، أو نظرة خوف، ليست هي ~~نظرة واحدة، وإنما هي نظرة متعددة النظرات، وإن بدت من السطح وحيدة النظرة، إلا أنه سرعان ~~ما تنطوي النظرة الأولى وتتلوها الثانية والثالثة كصفحات كتاب وكطيات نسيج رقيق وضعت طبقاته ~~الطبقة فوق الطبقة ... # انشغلت بالعينين عن بقية ملامح الوجه، لم أر الأنف ولم أر الخدين ولا الشفتين ولا اليد ~~الصغيرة التي ارتفعت في الهواء ولوحت لي بحركة ناعمة مألوفة كأنها تعرفني. # سألتها: ما اسمك؟ # قالت: حميدة. # وارتفع صوت الأطفال بحركتهم وأغنيتهم الدائرية بغير بداية أو نهاية. # حميدة ولدت ولد، # سمته عبد الصمد، # سابته على القنايا، # خطفت راسه الحدايا، # حد يا حد، # يا بوز القرد! # حميدة ولدت ولد. # ضحكت كعادة الكبار حين يداعبون الصغار وقلت: يغنون لك؟ # لكنها لم ترد؛ لأنها كانت قد اختفت من أمامي في اللحظة التي اهتز ms07 فيها رأسي أثناء ضحكي، ~~استطعت فقط أن ألمح ظهرها الصغير المحني بعض الشيء وهو يختفي داخل باب خشبي داكن اللون ~~علقت فوقه يد آدمية خشبية كمطرقة. # لم أمسك المطرقة كعادة الغرباء حين يدقون الأبواب المغلقة، كنت أعرف طريقي، رغم الظلمة ~~الشديدة التي تقبع دائما في مداخل تلك البيوت، ولأن الشمس أيضا كانت قد غربت منذ زمن ~~طويل، عن يميني رأيت رأس الماعزة يطل من خلف الجدار، وعن يساري كانت هناك عتبة صغيرة مرتفعة ~~بعض الشيء، تعثرت في العتبة ككل مرة، وكدت أسقط على وجهي لولا خفة جسمي المعهودة وقدرته ~~العجيبة على الاحتفاظ بتوازنه المختل. # ورأيتها نائمة فوق الحصيرة، مستغرقة في النوم، جفناها نصف مغلقين، وشفتاها نصف مفتوحتين، ~~تتنفس من فمها أنفاسا عميقة كأنفاس الأطفال العميقة، وذراعاها متكورتان حول رأسها، ويدها ~~اليمنى مطبقة على قرش أو تعريفة، وجلبابها الطويل انحسر عن ساقيها الناعمتين الرفيعتين حتى ~~الركبتين، ورأسها الصغير يهتز بحركة ضئيلة غير مرئية، وفكاها الصغيران يضغط أحدهما على ~~الآخر ضغطة هينة توحي بلذة تذوب في فمها من قطعة الحلوى مختبئة تحت لسانها. # كان الليل مظلما بغير قمر، والمصباح المشتعل منذ أول الليل احترق شريطه، أو نفد زيته، ~~فأصبح ذؤابة ضئيلة أطفأتها نفحة هواء قوية وساخنة اندفعت فجأة من ناحية الباب، الذي لم يكن ~~بابا، فالغرفة لم يكن لها إلا عتبة صغيرة مرتفعة بعض الشيء، لكن ذؤابة الضوء كانت قد ~~انطفأت فأصبحت الظلمة شديدة، الأرض كالجدار كالسقف، لا شيء يظهر في السواد الداكن إلا سد ~~كبير يسد فتحة الباب تماما فيما عدا ثقبين صغيرين مستديرين يتوسطان الرأس، وينفذ منهما ~~ضوء أصفر تشوبه حمرة بلون جذوة النار حين تتقد. # لم يكن الشفق قد طلع بعد في تلك اللحظة الساقطة ما بين آخر خيوط الليل وأول خيوط النهار، ~~فتعثرت قدمه الكبيرة الحافية في العتبة المرتفعة بعض الشيء، لكنه استعاد توازن جسده الطويل ~~العريض، ووثب كالفهد على أطراف أصابعه المطاطية، ثم سار على مهل وحذر متخطيا شيئا يشبه البلغة. # 3 # وبالثقبين اللذين ينفذ منهما الضوء ms08 المشوب بالحمرة حدد مكانها فوق الحصيرة ، كعيني قط ~~وحشي لم تستأنس حدتهما وقدرة حدقتيهما على الاتساع في الظلام، وحينما امتدت أصابعه ~~الغليظة المفلطحة لترفع جلبابها عن فخذيها البيضاوين كانت لا تزال مستغرقة في النوم استغراق ~~الأطفال، وقد تغير الحلم، وذابت قطعة الحلوى تحت لسانها، وبدأ البائع يطالبها بالقرش، ~~وفتحت يديها فلم تجد قرشا، وأمسك البائع الفظ العصا وراح يجري خلفها. # كان جسدها خفيفا صغيرا يطير في الهواء كأجساد ~~العصافير، وكان من الممكن أن تسبق البائع (لو كانت عصفورا) لكنها أحست فجأة وكما يحدث في ~~الأحلام تماما أن جسدها أصبح ثقيلا كأنه تحجر على شكل تمثال تسمرت قدماه في الأرض، ~~وثبتت ذراعاه بالحديد والأسمنت، والفخذان أصبحتا من الرخام، وكل فخذ شدت إلى ناحية، ~~وتصلبت الساقان في الجو منفرجتين كالمصلوب، وضربات العصا تنهال بينهما بعنف لم تعرفه من ~~قبل. # صرخت، لكن صوتها لم يطلع، يد كبيرة مفلطحة سدت فمها وأنفها فاختنقت، وأدركت أنها لا تحلم، ~~وأن جسدا كبيرا له رائحة التبغ ملاصق لجسدها، كانت عيناها مغمضتين، لكنها استطاعت أن ترى ~~ملامح الوجه، وتدرك أنها تشبه ملامح أبيها أو أخيها أو عمها أو خالها أو ابن خالها أو أي ~~رجل آخر. # وكانت حميدة تستيقظ كل صباح ككل الأطفال ناسية أحلامها، وتقفز من فوق الحصيرة كالعصفور، ~~تجري إلى أمها، وتشدو بصرخات الأطفال السعيدة حين يستقبلون اليوم الجديد بجسم نام حتى شبع، ~~ومعدة خوت حتى تفتحت شهيتها لكل شيء، وإن كان قطعة خبز مقدد تكسر الأسنان اللبنية، أو شفطة ~~لبن من ضرع، أو قطعة مش من قاع الزلعة. # ذلك الصباح استيقظت حميدة ككل صباح، لكن الحلم لم ينس كالأحلام السابقة، وأصابع غليظة ~~تركت آثارا حمراء وزرقاء على ذراعيها وساقيها، وضربات العصا لا تزال تؤلمها بين فخذيها، ~~ورائحة التبغ لا تزال عالقة بجلدها. # ظنت أمها أنها مريضة بالحمى، فربطت رأسها بمنديل وتركتها راقدة فوق الحصيرة طول اليوم، ~~ونامت حميدة النهار والليل، واستيقظت في اليوم التالي، وظنت أنها نسيت الحلم، وأنه ضاع في ~~الزمن وتبخر في الهواء، ms09 كأنما لم يكن، فقفزت من فوق الحصيرة قفزتها المعتادة، فيما عدا ثقل ~~خفيف في ساقيها سرعان ما راح حين ارتدت المريلة وجرت مع الأطفال إلى المدرسة. # كنت أستطيع دائما أن أميز حميدة من بين الأطفال، فالمريلة من الدمور، ولونها سمني فاتح، ~~عليها بقعة من الخلف كانت حمراء من أيام، حين تسربت نقطة دم من سروالها الصغير إلى المريلة ~~وهي جالسة في الفصل، أمها كانت تنبهها دائما لتحتاط للأمر، وأن تضع الفوطة الدمور بعناية ~~بين فخذيها، فهي لم تعد طفلة صغيرة، وكثيرا ما سمعت أمها تقول: «في مثل سنك تزوجت ولم يكن ~~ثدياي قد ظهرا بعد.» # خجل كالعرق كان يندي جبهتها المستقيمة الصغيرة حين تستدير وترى البقعة فوق المريلة، ~~فتجري على أطراف أصابعها وتخلع المريلة وترتدي الجلباب الطويل، وتجلس إلى الطشت، وتغسل ~~مريلتها الوحيدة، ثم تنشرها على الحبل في الشمس لتجف قبل اليوم التالي. # وذات يوم أصبحت المريلة ضيقة، بصعوبة أدخلت فيها جسمها، وبالذات من الأمام، عند بطنها، ~~واستقرت عينا أمها على بطنها بنظرة غريبة لم ترها من قبل، ومخيفة إلى حد أن رعدة خفيفة ~~سرت في جسدها الصغير، والتفت أصابع أمها الكبيرة حول ذراعها النحيل وصاحت: اخلعي ~~المريلة. # خلعتها وارتدت الجلباب، وجلست في الشمس بجوار الحائط، كانت أمها تناديها لتساعدها في ~~العجين أو الخبز أو الطبخ أو كنس الدار، أو كان أبوها أو خالها أو عمها يرسلها إلى الدكان ~~لتشتري دخانا، أو كانت خالتها أو عمتها تناولها طفلها الرضيع لتحمله عنها حتى تعود من ~~الحقل، أو جارتها كانت تناديها من فوق السطح لتملأ لها الجرة من البحر، أو أخوها أو خالها ~~كان يلقي إليها بجوربه وسرواله القذرين لتغسلهما، وعند الغروب يلتف حولها البنات والصبيان ~~من أولاد الجيران فينزلون إلى الشارع ويلعبون «المساكة» أو «عسكر وحرامية» أو «الثعلب ~~فات فات» أو «حبة ملح»، أو «حميدة ولدت ولد». # أي شيء من ذلك لم يحدث في ذلك اليوم، وتركوها وحدها جالسة في الشمس، ولم تجد بدا من ~~التحديق في قرص الشمس طويلا، وحينما ms10 غابت الشمس ظلت جالسة مكانها في الظلام، جسدها الصغير ~~يرتعد، شيء ما تحسه ولا تعرفه، شيء ما رهيب يحدث من حولها، في الظلام، وفي الصمت، وفي ~~العيون، كل العيون، حتى الدجاج الذي كان يلتف حولها، لم يقترب منها، والقط الأسود الكبير ~~الذي كان يتمسح بها أصبح واقفا بعيدا عنها، يرمقها بنظرة وجلة من عينيه الواسعتين، ~~وبانتصابة من أذنيه الطويلتين المدببتين. # سقط رأسها فوق ركبتيها وهي جالسة، وربما غفت لحظة أو عدة ساعات، أفاقت بعدها على أصابع ~~طويلة تمسك ذراعها، انتفضت مذعورة، وكادت تصرخ، لولا أن يد أمها أصبحت فوق فمها، وصوتها ~~الخافت أصبح كالفحيح: تعالي ورائي على أطراف أصابعك. # الليل مظلم بغير القمر، والشفق لم يطلع بعد، وكل شيء في القرية ساكن نائم في تلك اللحظة ~~الساقطة ما بين آخر الليل وأول النهار قبل أذان الفجر، وقدما أمها الحافيتان الكبيرتان ~~تنتقلان فوق الأرض المتربة بسرعة كبيرة، توشك أن تجري، وحميدة خلفها تكاد تلمس طرف ~~ثوبها. # أرادت أن تفتح فمها وتسأل أمها عن السبب، لكن أمها توقفت عند سور صغير يفصل الطريق ~~الزراعي عن قضبان القطار، وراء هذا السور كانت تختفي حميدة حين يلعبون المساكة، ناولتها ~~أمها طرحة سوداء. # وضعت حميدة الطرحة على رأسها فانسدلت فوق عنقها وكتفيها وصدرها وبطنها وظهرها وأصبحت تشبه ~~نساء القرية، فتحت فمها لتسأل، لكن صفارة القطار جعلت جسد أمها يرتعد رعدة عنيفة هزت ~~الأرض من تحتها، وبعنف أيضا اندفعت قبضتها الكبيرة في ظهر حميدة، وقذفت بها ناحية القطار، ~~وصوتها الهامس المنخفض كالفحيح: القطار لا ينتظر أحدا، اهربي! # اندفعت حميدة نحو القطار، لكنها استدارت لحظة قبل أن تركب، ورأت أمها واقفة في مكانها، ~~متسمرة في الأرض، ثابتة لا تتحرك، والطرحة السوداء فوق رأسها وكتفيها وصدرها ثابتة أيضا، ~~فلم يكن صدرها في تلك اللحظة يتحرك، ولا شيء فيها يتحرك، ورموشها ثابتة متجمدة، كتمثال ~~حقيقي منحوت من الحجر. # كان القطار يدخل المحطة برأسه الأسود الضخم ينبعث منه الدخان، وبعينه الوحيدة الكبيرة ~~المضيئة بنور قوي كشف المحطة، وكشف حميدة وهي ms11 واقفة، فاختبأت وراء عمود، وقف القطار بعد أن ~~اصطدمت عرباته بعضها بالبعض، واصطكت عجلاته الحديدية بالقضبان الحديدية محدثة صوتا عاليا ~~فاضحا، خيل إليها أنه أيقظ كل أهل القرية، فاندفعت نحو القطار تخفي وجهها بذيل ~~طرحتها. # مدت قدمها اليمنى الصغيرة لتضعها فوق سلم القطار، لكن السلم كان بعيدا عن الرصيف، ولم ~~تكن قد ركبت قطارا من قبل، فلم تصل قدمها إلى السلم. # عادت بقدمها إلى الرصيف، وتلفتت حولها في ذعر، خشيت أن يتحرك القطار ولا تركب، رأت بعض ~~الرجال والنسوة يركبون العربة الأمامية فأسرعت ووقفت خلفهم، راقبتهم وهم يصعدون السلم ~~واحدا وراء الآخر، كل واحد منهم كان قبل أن يضع قدمه على السلم يمسك بيده اليمنى مقبضا ~~حديديا على جانب الباب لم تره من قبل، مدت حميدة ذراعها وأمسكت المقبض بكل قوتها ثم شدت ~~جسمها فأصبحت قدمها فوق السلم، وصعدت إلى الداخل. # جلست على أول مقعد قابلها، ورأت جوارها نافذة فأطلت منها، كان القطار قد تحرك ببطء، ~~وتصلب رأسها خارج النافذة وهي ترى أمها لا تزال واقفة في مكانها، ثابتة لا تتحرك، وطرحتها ~~ورأسها وصدرها ورموشها وكل شيء فيها جامد ثابت. # انفجرت شفتاها لتناديها، لكنها تذكرت أنها لم تعد أمها، وإنما هو تمثال الفلاحة القائم ~~عند مدخل القرية منذ سنين لا تعرف عددها، فقد رأته منذ ولدت، ولا بد أنه كان هناك دائما ~~قبل أن تولد. # كان رأسها لا يزال خارج النافذة، لكن أنفاسها أصبحت تدخل وتخرج، تلهث وهي جالسة في ~~مكانها، ولأول مرة تعرف ملمس دموعها فوق بشرة وجهها، ومذاقها في فمها، لكنها لم تتحرك ولم ~~تمد يدها بطرف جلبابها أو كمها لتمسحها، تركتها تنساب وتجري وتدخل فمها، ثم لعقتها ~~بلسانها دون أن تتقلص في وجهها عضلة واحدة، ودون أن يخرج من فمها صوت، ودون أن يتحرك جفناها ~~أو تهتز رموشها، وكل شيء أصبح أسود، وذاب القطار في السواد وامتزج بالليل، كالقطرة تذوب في ~~جوف البحر. ~~••• # في تلك اللحظة كان حميدو لا يزال راقدا فوق الحصيرة، كان نائما وعيناه مغمضتان، ms12 لكنه ~~كان يرى عيني أبيه في الضوء الخافت، واقفا بقامته الطويلة كجذع شجرة كافور ضربت بجذورها في ~~بطن الأرض. # سرت في جسده الصغير برودة ثقيلة، خدرت ساقيه وذراعيه، وبذلك الثقل الذي يصيب الأطراف ~~أثناء الحلم المزعج، وظل راقدا في مكانه لا يتحرك، شاخصا نحو ذلك الشبح الطويل الواقف ~~الثابت بغير حراك، وأدرك أن شيئا خطيرا قد حدث أو سيحدث، كتم أنفاسه واختفى تماما تحت ~~اللحاف المسود القذر، أصابعه الصغيرة تشد الغطاء حول رأسه، وأذنه اليمنى فوق الوسادة الصلبة ~~ترتج من تحته بدقات قلبه، تنبعث من رأسه وليس من صدره. # توقع في كل لحظة أن تمتد الأصابع الطويلة وتشد الغطاء عن رأسه، وتستقر العينان ~~الواسعتان في عينيه تصب فيهما الشيء الخطير، لكن اللحاف ظل مشدودا حول رأسه، ودقات قلبه ~~مسموعة في الصمت، وحركة صدره مرئية، كرءوس الأشجار في ليل ساكن بغير نسمة هواء واحدة، وبغير ~~قمر، والظلمة كاللحاف الأسود تلف السماء والأرض في تلك اللحظة الساقطة ما بين آخر الليل ~~وأول النهار، قبل أن تبدأ خيوط الفجر ويزحف الظلام صاعدا ببطء، كحوت ضخم يسبح في محيط لا ~~نهائي، ترقد في قاعه بيوت القرية الطينية الصغيرة المتلاصقة ككوم من السباخ الأسود. # وحين فتح حميدو عينيه كان ضوء النهار يملأ الغرفة، وأيقن أن ما رآه لم يكن إلا حلما، ~~فقفز من فوق الحصيرة وجرى إلى الشارع، كان أصدقاؤه من أطفال الجيران يلعبون كعادتهم في ~~الحارة الضيقة الممتدة أمام البيوت، يمسك كل واحد منهم بذيل جلباب الآخر ويصنعون قطارا ~~يصفق ويرقص، ثم يتفككون ويلعبون المساكة، يختبئون وراء أكوام السباخ، وفي الزرائب، وخلف ~~زير الماء، وداخل فتحة الفرن. # رأى حميدة تجري وسط الأطفال، وتختفي وراء كوم السباخ، جلست القرفصاء حتى لا يظهر رأسها من ~~خلف الكوم، فظهر فخذاها البيضاوان يتوسطهما شريط رفيع من الدمور الأسمر هو سروالها، خبأت ~~رأسها الصغير بشعرها الأسود الناعم في التراب حتى لا يراها أحد، لكن حميدو كان يراها، وكان ~~هو «المساكة» هذه المرة، فانطلق يجري نحوها مثيرا بقدميه الحافيتين زوبعة ms13 من ~~التراب. # ثبت عينيه على كوم السباخ، متظاهرا بأنه لا يراها، وسار على أطراف أصابعه بخطوات بطيئة ~~حذرة، واستدار ليختفي وراء الكوم، ثم وثب وثبة واحدة كالفهد، وأمسكها من شعرها بيده اليمنى، ~~أما يده اليسرى فقد امتدت بسرعة البرق واستقرت فوق فخذها، وراحت أصابعها الصغيرة الصلبة تشد ~~سروالها، لكن حميدة رفسته بقدمها، ونطحته برأسها، كما تفعل في كل مرة حين يمسكها ~~المساكة، واستطاعت أن تتخلص من قبضته وجرت لتختبئ وراء كوم آخر. # لم تكن حميدة وحدها تلعب المساكة، كل البنات والأولاد يلعبونها، وحين تجري البنات ~~ليختبئن ويجلسن القرفصاء تتعرى أفخاذهن الصغيرة البيضاء، وتظهر سراويلهن الرخيصة القذرة ~~كالشريط الرفيع الأسود بين الفخذين، يحاول المساكة أن يمسكه ويشده إلى أسفل، لكن البنت ~~تعرف كيف ترفسه بقدمها، أو بقدميها الاثنتين، وهو أيضا لا يستسلم، وإنما يقاومها بقدمه ~~أيضا، أو بقدميه الاثنتين، معركة صغيرة غير مرئية؛ فكوم السباخ يخبئ جسديهما الصغيرين، لكن ~~الأقدام الأربع تطل من وراء الكوم، صغيرة وناعمة لا تعرف قدم البنت من قدم الولد؛ لأن ~~الأقدام في سن الطفولة كالوجوه، لا جنس لها، خاصة إذا كانت أقداما حافية، فالحذاء وحده هو ~~الذي يحدد الجنس. # انكفأ على ظهره حين رفسته بقدمها، لكنه نهض بسرعة، وكانت هي أيضا قد نهضت، ورأى وجهها، ~~لم تكن حميدة، تلفت حوله، في وجوه البنات والأولاد، جرى إلى البيت يبحث عنها في الزريبة، ~~أو في فتحة الفرن، أو خلف زير الماء، أو تحت الحصيرة، خرج من البيت جريا يبحث عنها وراء ~~أكوام السباخ، خلف جذع الشجرة، فوق النخلة، في بطن جسر الترعة، أدبر النهار وهبط الليل ولم ~~يعثر لها على الأثر. # وقف في الظلام على جسر الترعة، ظله الوحيد منعكس على صفحة المياه الراكدة العكرة. ظل ~~طفل لا يزال طفلا، لكن وجهه لم يعد كوجوه الأطفال الناعمة الملساء لا تعرف الذكر فيها من ~~الأنثى، لو كانت صفحة المياه نقية كالماء العذب ربما أصبحت مرآة صافية وانعكس وجهه على ~~صفحتها بطريقة أفضل، لكن الترعة كانت كجميع الترع، يختلط طينها ms14 بمائها، ويتعرج سطحها البطيء ~~الحركة بثبات وتجاعيد كبشرة الوجه العجوز الموغل في الزمن. # أما عيناه فقد أصبحتا أيضا واسعتين، عجوزين، شاخصتين في الظلام، ثابتتين، الجفنان لا ~~يتحركان، والرموش تجمدت، ودمعة كبيرة تجمدت فوق السطح. # لأول مرة تتجمد الدمعة فوق السطح، وكانت من قبل كدموع الأطفال لا تكف عن الحركة ~~المستمرة إلى حد الرعشة كرعشة النجم المتلألئ، ويخلط المرء في الطفولة بين لمعة الدموع ~~ولمعة الابتسام. # لكن أحدا لم يكن يخطئ في تلك اللحظة. إنه حميدو الآن الواقف بجسده على جسر الترعة. إنه ~~ليس طفلا، وهذه الدمعة الكبيرة ليست دمعة طفل، وإنما هي دمعة حقيقية، لها ملمس مادي فوق ~~الوجه، ولها طعم الملح في الفم. # ملح حقيقي، فالدموع ككل سوائل الجسم تحتوي على الملح، وحميدو لا يعرف كيف يعيش بغير ~~حميدة؛ فهي ليست أختا عادية، ولكنها توأمه، والتوائم نوعان؛ نوع ينشأ عن الجنينين يعيشان ~~في رحم واحدة، ونوع آخر ينشأ ذكر وأنثى داخل جنين واحد. # وكان حميدو وحميدة جنينا واحدا، ينمو داخل رحم واحدة، منذ البداية كانا شيئا واحدا، ~~أو خلية واحدة، ثم أصبح كل شيء ينقسم اثنين، والملامح انقسمت اثنين، أدق الملامح انقسمت ~~اثنين، حتى العضلة الضئيلة الصغيرة تحت كل عين انقسمت، ولم يعد ممكنا لأحد أن يعرف حميدو ~~من حميدة، حتى أمهما كانت تخلط بينهما. # لكن حميدو كان يعرف أنه شيء آخر غير حميدة، وأن جسده منذ الولادة انفصل عن جسدها، غير أن ~~الشبه كان شديدا، والخلط بينهما شديدا إلى حد أن الأمر كان في بعض الأحيان يختلط عليه هو ~~أيضا فيظن أنه حميدة، ويختفي وراء جدار، ويرفع جلبابه عن فخذيه وينظر بينهما، وحينما تسقط ~~عيناه على الشق الرفيع الصغير يدرك أنه حميدة، وتسقط فوقه العصا تمسكها اليد الكبيرة فيشد ~~الجلباب عليه، ويبكي بدموع حقيقية، تختفي بسرعة كدموع الأطفال، ويرى العصا ملقاة على الأرض، ~~فيجري إليها ويأخذها، ويدسها في جيب جلبابه الطويل، ومن حين إلى حين تمتد يده إلى جيبه ~~يتحسسها، وتسري صلابتها في أصابعه وتنتقل الصلابة إلى ذراعه ms15 وكتفه وعنقه، ويشد عضلات عنقه ~~فإذا برأسه ينثني إلى الوراء في حركة تشبه حركة أبيه، ويتكلم من حلقه بصوت غليظ يقلد به صوت ~~أبيه. # وحينما تسمع حميدة صوته الغليظ تدرك أن العصا معه. لم تكن ترى العصا بطبيعة الحال لكنها ~~كانت تعرف أنه يخبئها تحت جلبابه، في مكان ما تحت الباب. وتجري لتهرب منه، فيجري وراءها، ~~ويظن من يراهما أنهما يلعبان، لكن حميدو لم يكن طفلا، وفي جيب جلبابه شيء يخبئه، شيء صلب ~~يتدلى بحذاء فخذه كالعضو الغريب. # وحينما ترفع حميدة عينيها إليه وترى وجهه لا تعرف أنه حميدو وتتسمر في مكانها من شدة ~~الدهشة أو الذعر، لا تتحرك من مكانها، تتجمد كتمثال يضع حميدو كفه فوق سطحه، ويلمس الجفنين ~~الحجريين ويضع أصبعه بين الجفن والعين، كأصبع كل الأطفال حين يمسكون رأس دمية كبيرة الحجم ~~لها شعر ولها رموش تكاد أن تكون حقيقية. # ولم يكن حميدو قد أمسك في حياته قط برأس دمية كبيرة أو صغيرة، فالأطفال في الريف لا ~~يلعبون بالدمى، ولا يلعبون بالعرائس، ولا يلعبون بالقطارات أو مراكب الورق أو الكرة أو أي ~~شيء آخر. إنهم لا يعرفون اللعب، فاللعب للأطفال، وهم ليسوا أطفالا. إنهم يولدون كبارا ~~كيرقات الذباب ما إن تعرف ملمس الأرض حتى تطير، أو كدود المش تنفصل الدودة الجديدة عن ~~الدودة الأم فلا تكاد تفرق بين الدود الجديد والدود القديم. # ورأى حميدو وجه حميدة مقبلا من بعيد على جسر الترعة، وخفق قلبه بفرحة الأطفال القديمة، ~~لكنها اقتربت منه، وعرف طرحة أمه السوداء تلف الرأس وتنسدل فوق الكتفين والصدر والبطن، جرى ~~إليها ووضع رأسه على بطنها. لم يكن رأسه وهو واقف إلى جوار أمه يرتفع لأكثر من خصرها، امتلأ ~~أنفه برائحة أمه المميزة تمتزج برائحة خبيز الفرن وتراب الحقل والجميز، كان يحب الجميز ~~ويجري نحو أمه حين تعود من الحقل تلف الجميز في طرحتها، ثم تجلس على الأرض إلى جواره، ~~وتناوله الجميز واحدة واحدة بعد أن تنفخ عنها التراب. # دفعته أمه بيدها، لكنه ظل ملتصقا بها، ms16 متشبثا بجسمها، واستطاع أن يضع رأسه تحت ثديها ~~الأيسر، في هذا المكان بالتحديد كان يحب أن يضع رأسه حين ينام إلى جوارها كل ليلة، كانت ~~تنام بعيدا عنه، في الطرف الآخر من الحصيرة، لكنه كان يصحو في منتصف الليل، وحينما لا ~~يراها إلى جواره يزحف إليها، ويدفن رأسه تحت ثديها. # لم تكن تبعده عنها دائما، وتمتد ذراعها وتلتفان حوله وتضغط عليه بقوة، بكل قوتها إلى حد ~~أنها تؤلمه، ويسري في جسده إحساس غامض بأنها ليست أمه، وليست خالته، وليست عمته، وليست أية ~~واحدة من قريباته، وإنما هي غريبة عنه، وجسدها غريب عن جسده، غرابة تجعله يقشعر، والقشعريرة ~~تسري من السطح إلى العمق، ترج جسده كرعدة الحمى. # ولف ذراعيه حولها من شدة الرعدة، لكنه أحس قبضة يدها الكبيرة القوية كقبضة أبيه تدفعه ~~بعيدا وكاد يسقط في حضن الجسر، ورفع وجهه إليها، ورأى عيني أبيه الواسعتين العجوزين يجري ~~فوق بياضهما الكبير شعيرات دموية حمراء، اشتدت الرعدة وكاد يصرخ من الفزع، لولا أن يد أبيه ~~الكبيرة أصبحت فوق فمه، وصوته الغليظ أصبح كالفحيح: تعال ورائي. # الليل مظلم بغير قمر، والشفق لم يطلع بعد، وكل شيء في القرية ساكن نائم في تلك اللحظة ~~الساقطة ما بين آخر الليل وأول خيوط النهار قبل أذان الفجر، وقدما أبيه الحافيتان الكبيرتان ~~تنتقلان فوق الأرض المتربة بسرعة كبيرة، يوشك أن يجري، وحميدو خلفه، يكاد يلمس ذيل ~~ثوبه. # أراد أن يفتح فمه ويسأل أباه، لكن أباه توقف عند سور صغير يفصل الطريق الزراعي عن قضبان ~~القطار، وراء هذا السور كان يختفي حميدو حين يلعبون «المساكة»، ناوله أبوه شيئا طويلا، ~~صلبا وحادا، لمع في الظلام كالسكين. # دس حميدو السكين في جلبابه فسقط في قاع جيبه وتدلى بحذاء فخذه، أحس طرفه المدبب الحاد ~~فوق لحمه فتقلصت عضلات فخذيه وساقيه وقدميه، وتسمر في مكانه، لكن صفارة القطار الحادة ~~جعلت الأرض تهتز تحته، فثبت قدميه في الأرض يقاوم أي حركة كجواد جامح، لكن يد أبيه ~~الكبيرة دفعته في ظهره بقبضتها القوية، وصوته الغليظ ms17 المنخفض كالفحيح: العار لا يغسله إلا ~~الدم، اذهب وراءها! # واندفع حميدو نحو القطار، لكنه استدار لحظة قبل أن يركب، ورأى أباه واقفا في مكانه، ~~متسمرا في الأرض، ثابتا لا يتحرك، والجفنان أيضا ثابتان، والشعيرات الدموية فوق البياض ~~تجمدت كخيوط من الدم رسمت باليد فوق لوحة حقيقية. ~~••• # في تلك اللحظة كانت حميدة تضع قدمها فوق سلم القطار لتهبط منه، وكأنما سقطت في بحر، بحر ~~هائج، الأمواج ليست ماء ولكنها بشر. رجال ونساء وأطفال يرتدون الأحذية الجلدية السميكة، ~~وعربات كالقطارات تجري صفوفا فوق شوارع لامعة بغير تراب، تتفرع وتتشابك ثم تتفرع بغير ~~نهاية كشجرة رأسها في السماء وجذرها في بطن الأرض، والبيوت عالية شاهقة متراصة في كتلة ~~واحدة ضخمة تحجب السماء، فلا ترى فيها العين شبرا واحدا، والضجيج والأصوات والأبواق تصم ~~الآذان، فلا تعود حميدة تسمع شيئا، لكن قدميها الحافيتين كانتا تنتقلان وحدهما فوق ~~الأسفلت، القدم ومن خلفها القدم الأخرى، تلك الحركة الطبيعية، حركة المشي التي يتعلمها ~~الإنسان منذ الصغر، وكان من الممكن أن تستمر على هذا النحو دون توقف، فهي لا تعرف طريقها، ~~ولا تعرف أين يبدأ وإلى أين تنتهي، لكن حذاء جلديا سميكا داس على أصابع قدمها اليسرى ~~وكاد يفرمها، فترنحت لحظة، فإذا بعربة ضخمة تكاد تدهمها، وصرخت حميدة، انفتح فمها عن آخره ~~وخرج منه صوتها المكتوم في صرخة حادة طويلة، طول صرختين أو ثلاث صرخات، أو عشر، أو مائة، أو ~~ألف صرخة متتابعة متعاقبة متصلة في صرخة واحدة طويلة. # ابتلع الضجيج الصاخب صرختها كما تبتلع أمواج البحر قطرة أو قشة أو فراشة أو عصفورا ~~وليدا لا يطير، لم يسمع صوتها أحد، وظلت الدنيا كما كانت تهدر كالشلال، تفتت مياهه ~~الساحقة أجساد التماسيح وأشلاء السفن، وتذيبها، وتظل مياهه هي مياهه، بيضاء كما ~~كانت. # سارت حميدة تعرج بقدمها الجريحة، وجلست في ركن بجوار سور بعيد عن العربات والناس، أسندت ~~رأسها إلى السور وحملقت بعينيها أمامها، كل شيء من حولها يدور في غموض، يلفه الضباب، ~~كالحلم أو الكابوس، الذي ستفيق منه بعد ms18 قليل، وتقفز من فوق الحصيرة كالعصفورة ، اتكأت بيدها ~~لتقفز، لكن كفها لمس بطنها، فانقشعت فجأة عن عينيها غمامة، ولأول مرة يصبح كل شيء أمامها ~~قابلا للفهم، ليس ذلك الفهم المدرك لحقائق جديدة، ولكنه الفهم الغريزي المبهم الذي ينبعث ~~من خلايا الجسد المرهقة في لحظات الراحة أو الاسترخاء الشديد. # نامت في مكانها ثم صحت جائعة، لمحت إلى جوارها مخبزا، رصت أمامه أرغفة الخبز ~~صفوفا صفوفا، مدت ذراعها النحيلة وأمسكت بأصابعها الصغيرة رغيفا، قربته بسرعة إلى فمها ~~وكادت تقضمه بأسنانها، لكن يدا كبيرة لها أصابع طويلة التفت حول ذراعها. # شهقت ... ارتفع صدرها بالشهقة فظهر ثدياها الصغيران من تحت الجلباب الواسع كزيتونتين، وبرز ~~بطنها المنتفخ كبالونة الأطفال، والطرحة السوداء لا تزال تغطي رأسها وشعرها وتنسدل على ~~كتفيها حتى أسفل ظهرها قبل ردفيها الصغيرين بقليل. # رفعت عينيها المذعورتين ورأت أمامها عينين واسعتين تحملقان فيها، شدت طرحتها وأخفت بها ~~نصف وجهها كما تفعل نساء قريتها، ظهرت عينها الوحيدة واسعة سوداء فيها نظرة مشدوهة لا تزال ~~بها لمعة طفولة ساذجة، لمعة عين كانت مغمضة، ففتحت لأول مرة على عالم بغير حدود، وصنع الذعر ~~حولها عضلة مشدودة بدت كالدائرة المفتوحة أو كعلامة استفهام مبتورة الذيل، والدموع الجافة ~~خلعت فوقها طبقة كالسحابة الخفيفة، يزحف نحوها من زاوية الأنف إحساس جديد بأنها أنثى وليست ~~ذكرا، أنوثة لم تكتمل بعد، ولم يعرفها أحد بنفسها، ولكنها هي التي اكتشفت نفسها بنفسها ~~منذ لحظات، فإذا بها فجة طازجة لا يزال يعلوها الندى. # تملصت من اليد الكبيرة واستطاعت أن تفلت، وانطلقت تجري، جرى وراءها، دخلت في شارع ~~واختبأت وراء باب من الأبواب، أطلت برأسها فلم تجد أحدا، خيل إليها أنها نجت، لكن ~~الذراع الطويلة امتدت من الخلف وأمسكتها من رقبتها، وصوت خشن غليظ دب في أذنها: قبضت عليك ~~يا لصة! أمامي إلى القسم! # استسلمت، تركت ذراعها النحيلة البيضاء في قبضته، قبضة يد غليظة كبيرة، لها خمسة أصابع، ~~مفاصلها بارزة وعظامها مقوسة، والعروق من تحت الجلد نافرة، وتحت الأظافر السميكة طبقة طينية ~~سوداء، زحفت ms19 عيناها فوق ذراعه الطويلة ورأت كتفه ، كتفان عريضتان، فوق كل كتف صف أفقي من ~~خمسة أزرار نحاسية، يفصل بينهما عنق غليظ، التفت حوله ياقة عالية، اسودت من الداخل بسبب ~~التراب الذائب في العرق، تدور الياقة حول عنقه بإحكام، ثم تهبط من الأمام فوق صدره في صف ~~رأسي من عشرة أزرار نحاسية، كانت حميدة قد تعلمت شيئا من الحساب في المدرسة الإلزامية، ~~فأخذت تعد الأزرار، خمسة فوق كل كتف، أي عشرة فوق الكتفين، وعشرة فوق الصدر، فيكون المجموع ~~عشرين زرا. # النهار كان قد انتصف، والشمس أصبحت متوهجة، ينعكس قرصها الأحمر فوق الأزرار النحاسية ~~المستديرة، فتبدو كعشرين قرصا شمسيا تدمع العين لمجرد النظر إليها، ولا تقوى على الحملقة ~~فيها فتطرق إلى الأرض، لكن الأرض تلتهب تحت قدميها الحافيتين بسخونة لم تعهدها في الأرض من ~~قبل، وحذاؤه ذو الرقبة الطويلة يدب بصوت معدني غريب، يشبه احتكاك الحديد بالحديد، وخطوته ~~واسعة، وقدمه حين ترتكز على الأسفلت تصبح ثابتة، والقدمان ترتفعان إلى ساقين طويلتين داخل ~~بنطلون من قماش سميك له جيب طويل كالسرداب تختفي فيه آلة صلبة حادة، وتتدلى بحذاء ~~فخذه. # دخلا من الشارع الواسع إلى شارع ضيق، الأصابع الطويلة لا تزال تلتف حول ذراعها، لكنها ~~ليست خمسة أصابع كما كانت، أصبحت أربعة أصابع، أما الأصبع الخامس فقد انفصل عن بقية الأصابع ~~وصعد وحده إلى أعلى، فوق الذراع الناعمة، حذرا متلصصا، ثم دفن رأسه الأسود الغليظ تحت ~~الإبط الأملس الطفولي الذي لم ينبت فيه الشعر بعد. # شدت ذراعها، لكن الأصابع الأربع تقلصت على لحمها الطري، والأصبع الخامس امتد من تحت ~~الإبط واصلا ببوزه الأسود المدبب حتى الارتفاعة الناعمة لبرعم الثدي، يضغط عليه ضغطات حذرة ~~مرتعشة متقطعة، تزداد شدة في ثنية شارع، أو خلف جدار، وتخف أو تنعدم تماما في وسط ~~الشارع، وأحيانا يتراجع الأصبع الخامس سريعا ويلتصق بإخوته الأربعة حين يمران أمام حشد من ~~الناس. # ملأت أنفها فجأة رائحة نتنة، ووجدت نفسها في زقاق ضيق مظلم، أمام باب خشبي صغير، رأته ~~يتوقف، أخرج من جيبه ms20 مفتاحا، دفعها أمامه إلى الداخل ثم أغلق الباب. # لم تر شيئا أول الأمر؛ فالظلام دامس، أشعل بعود ثقاب مصباح جاز صغير فظهرت على الفور أرض ~~بلاط ضيقة، في أحد أركانها بساط يشبه الحصيرة ونافذة حديدية صغيرة فوقها قلة ماء، جدران ~~الحجرة تبدو في الضوء الخافت رمادية يعلوها سواد كالهباب الذي يحدث من موقد الجاز، على أحد ~~الجدران مسمار عليه بدلة من قماش سميك يشع من فوقه صدرها وكتفيها العريضتين المحشوتين أزرار ~~نحاسية صفراء، لمعت في الظلام كعيون مفتوحة مريضة بالتهاب الكبد الفيروسي، على الأرض استقر ~~الحذاء الضخم برقبته الطويلة كحيوان بغير رأس، وإلى جواره سروال أبيض اصفر ظهره واسود ~~بطنه، تفوح منه رائحة بول قديم. # رفعت رأسها من فوق البلاط فرأته واقفا عاريا، كتفاه العريضتان أصبحتا نحيلتين ضامرتين ~~عظامهما بارزة، وساقاه أصبحتا نحيلتين ضامرتين عظامهما بارزة، وساقاه أصبحتا رفيعتين ~~معوجتين، وقدماه الضخمتان السميكتان المرتفعتان عن الأرض أصبحتا لا يفصلهما عن البلاط ~~شيء، والآلة الحادة الصلبة التي كانت مختفية في جيبه أصبحت ظاهرة. # شهقت بدهشة مليئة بالذعر، قاومت الذعر برد فعل غريزي، لكنه طرحها على الأرض، وشد بأصبعه ~~الغليظ جلبابها من فتحة العنق فانشطر الثوب البالي شطرين، ولم يكن هناك ملابس داخلية تحت ~~الجلباب. # قالت بصوت ضعيف مشروخ: أنت مين؟ # رد بصوت آمر غليظ: أنا الحكومة. # قالت: ربنا يطول عمرك سيبني أروح. # رد بصوت آمر غليظ: تروحي فين يا بت، أنتي محكوم عليكي. # كل شيء أصبح يتحرك بسرعة فائقة، بسرعة الأنفاس التي تلهث، وبسرعة العضلات التي تنقبض ~~وتنبسط، سرعة غير عادية لا تحدث إلا في الأحلام، لكن الحلم لم يختلط هذه المرة، لم يكن هناك ~~بائع يضرب بالعصا، وإنما هو ذكر له شارب خشن يحتك بوجهها، وتسد رائحة التبغ أنفها، وشعر ~~صدره غزير، تلاحمت شعراته الطويلة والتصقت فوق الجلد بعرق سميك لزج. # وكل شيء توقف فجأة، لحظة سكون تشبه لحظة الموت، رفعت رأسها من فوق البلاط وتلفتت حولها، ~~رأته راقدا على ظهره، عيناه مغمضتان ولا يتحرك، ظنت أنه مات، لكن شخيرا ms21 خافتا بدأ ينبعث ~~من فمه المفتوح ، ما لبث أن ارتفع وأصبح كخرير ساقية عتيقة يجرها ثور منهك مريض، رفعت جسمها ~~بهدوء من فوق الأرض، وشدت طرفي جلبابها المشطور فوق صدرها وبطنها، سارت على أطراف أصابعها ~~إلى الباب، حركت رأسها بهدوء ونظرت خلفها، رأت العيون العشرين الصفراء مفتوحة تحملق فيها، ~~فتحت الباب بسرعة. # رأت الشارع الواسع أمامها، فانطلقت فيه بكل قوتها تجري هاربة بغير توقف. ~~••• # في تلك اللحظة، كان حميدو قد هبط من القطار، وأصبح ظهره ناحية الجنوب ووجهه ناحية الشمال، ~~وعيناه أمامه تنظران، تحملقان في الوجوه المحتشدة خارج محطة باب الحديد، المحطة الرئيسية ~~القديمة لمدينة القاهرة، وقدماه الحافيتان تنتقلان فوق الأرض الأسفلت، وجلبابه طويل واسع، ~~تهتز من تحته السكين، وتتدلى بحذاء فخذه كطرف صناعي أو عضو مزروع. # ارتطم بوز السكين الحاد المدبب بلحم فخذه فاقشعر جسده، وسرت القشعريرة في عنقه ورأسه، ~~ترنح، وكاد يسقط بين الأحذية الجلدية السميكة، لكنه شد عضلات ساقيه وظل منتصبا فوق قدميه ~~الحافيتين، وعيناه تائهتان في الخضم الواسع المتلاطم، ترتفعان مع قمم العمارات الشاهقة، ~~وتهبطان مع شعاع الشمس المنعكس على الأسفلت اللامع، وتدوران مع حركة الميدان المستدير، وفي ~~مركز الدائرة تمثال حجري ضخم له رأس إنسان، التف حوله صفوف من البشر، والأعلام، وصفوف من ~~العربات، تلف وتدور ثم تتفرع منتشرة في خطوط مستقيمة متعددة لا تلبث أن تتشابك وتصب في ~~ميدان آخر، ثم تتفرع، وتنقسم الفروع إلى فروع، تتفرع، وتتشابك، وتتفرع بغير نهاية. # أخفى عينيه بيديه، وأسند رأسه إلى عمود نور، غلبه النوم فنام وهو واقف على قدميه، فتح ~~عينيه على صوت، تلفت حوله، رأى الشارع الواسع هادئا خاليا من الناس والعربات، غارقا في ~~ظلمة الليل، ثقب الظلمة بعينيه الحادتين، لمح شبحا يجري من بعيد، قدماه حافيتان، والجلباب ~~الواسع الطويل يرتفع فوق البطن ارتفاعة مرئية واضحة. # انفرجت شفتاه وتدافعت أنفاسه لاهثا: حميدة، وانطلقت قدماه فوق الأسفلت، يده اليسرى ~~مرفوعة أمامه تشق الظلمة، ويده اليمنى في جيبه تتحسس النصل الحاد الصلب، توقف الشبح في ركن ~~مظلم، اقترب ms22 منه حميدو بخطوات بطيئة حذرة، أصبحت المسافة بينهما خطوة واحدة، سمع الصوت ~~الخشن يهمس كالفحيح: «العار لا يغسله إلا الدم»، انتزع السلاح من جيبه وأخفاه خلف ظهره، كشف ~~الركن المظلم فجأة ضوء كشاف متحرك، رأى وجه أمه من تحت الطرحة السوداء، صرخ، دوت صرخته في ~~الليل فتوقف الضوء فوق وجهه، اقترب منه شخص لم ير عينيه في الظلام، لكن على كتفيه وفوق ~~صدره رأى صفين من العيون المحملقة المستديرة تشع ضوءا أصفر. # انفرجت شفتاه ليسأل، لكن كفا كبيرة غليظة سقطت فوق صدغه، تبعتها كف أخرى فوق الصدغ ~~الآخر، رفع ذراعه ليقاوم الصفعات لكن خمسة أصابع التفت حول ذراعه، استعان بذراعه الثانية ~~فارتفعت في الجو ذراع خشبية كالشومة سقطت فوق رأسه. # حينما فتح حميدو عينيه شعر بصداع شديد، تحسس رأسه وعثر بين الشعر على الجرح تغطيه قشرة من ~~الدم الجاف، هرشها فسقطت على الأرض إلى جوار حذاء ضخم يرتفع إلى رقبة جلدية تحوطها ثنية ~~بنطلون من قماش سميك، والساقان طويلتان ترتفعان إلى صدر مربع عريض رشق عليه من الأمام وفوق ~~الكتفين صفان من الأزرار الصفراء المستديرة ينعكس عليها ضوء مصباح خافت. # داس الحذاء الضخم على قشرة الدم وهرشها بوحشية، ثم دب فوق الأرض فارتفع في الجو صوت ~~غليظ خشن: ما اسمك؟ ~~- حميدو. # مشت الموسى الحادة فوق جلدة رأسه فأصبحت صلعاء، وسقط شعر رأسه الغزير في جردل مع جلبابه ~~الطويل الواسع، كانت الشمس مائلة في أول الصباح المبكر، فرأى ظل شخص طويل عريض الكتفين ~~يتبعه فوق الأرض، توقف الظل، تحرك فتحرك، ضرب الأرض بقدمه فسمع صوتا معدنيا غريبا لم ~~يعهده من قبل حين كان يضرب الأرض بقدمه الحافية، نظر إلى قدميه. رأى الحذاء السميك الضخم ~~يرتفع في الرقبة الجلدية الطويلة والبنطلون من القماش السميك وداخل كل منهما ساقه الخفيفة ~~النحيلة، والساقان ترتفعان إلى صدر عريض مربع مغلق بصف من الأزرار النحاسية، والكتفان ~~عريضتان محشوتان بالقطن أو القش. # داس بحذائه على الأرض في خطوات بطيئة وجلة، داخل كل فردة حذاء ترقد قدمه النحيلة ms23 الصغيرة ~~منكمشة، منضغطة تحت الجلد السميك ، أصابعها رفيعة بيضاء، لا يجري فيها دم، ولا تسري فيها ~~حركة، ميتة أو شبه ميتة، وحركتها داخل الحذاء معدومة، الحذاء هو الذي يحركها، يرفعها ~~ويخفضها، وينقلها فوق الأرض خطوة خطوة، وفي كل خطوة يصطك حديد الكعب بالأسفلت محدثا صوتا ~~معدنيا وبطيئا كاصطكاك حافر عجل مريض مسوق إلى المذبح. # توقف، فتوقف الظل الأسود المرسوم بعناية فوق الأرض، رأسه حليق أملس انعكست عليه الشمس، ~~والعينان ثقبان في الرأس ينفذ منهما الضوء، والعنق عضلاته مشدودة، وعضلات الظهر مشدودة، ~~وجدار البطن مشدود من تحته معدة مشدودة ضامرة لم يدخلها إلا دخان أسود، ولعاب أسود، وكسرة ~~خبز مقددة غمست في عسل أسود، مع قطعة من بصل، أو قطعة مخلل تلسع كالعلقم، يصلح بالعلقم طعم ~~العسل الأسود، ثم يصلح طعم العلقم بالدخان الأسود، يشفطه بأنفه وفمه وبلعومه ليملأ به صدره، ~~ويضيق به على معدته فيتجشأ كالذي شبع. # لسعه كرباج رفيع خلف عنقه فتحركت قدماه فوق الأرض، القدم اليمنى أولا ثم القدم اليسرى، ~~اصطك الحديد بالأسفلت في دقات منتظمة كدقات الساعة أو ضربات القلب، كب، دب، كب، دب، شمال، ~~يمين، شمال، يمين. # دوى الصوت القوي الخشن في الجو: قف. # اصطكت فردتا الحذاء بعضهما بالبعض، والتصقت ساقاه وفخذاه بعضلات منقبضة، امتدت يده اليمنى ~~في جيبه واستقرت فوق آلة القتل الصلبة، تمتد صلابتها بحذاء فخذه وتنتهي برأس معدني مدبب ~~ومثقوب. # صاح الصوت الخشن: انتباه! # التفت أصابع يده اليمنى حول آلة، أربعة أصابع فقط وانفصل الإبهام ليصبح وحده فوق ~~الزناد، وإحدى عينيه صوبت إلى النقطة المحددة الثابتة في منتصف المسافة بين العينين ~~المفتوحتين. # فتح فمه ولهث، لكن يدا قوية ضربته على بطنه والصوت الخشن دب في أذنيه: أغلق فمك واكتم ~~نفسك. # أغلق فمه وكتم نفسه. # صاح الصوت الخشن الآمر: العار لا يغسله إلا الدم! # وضغط بإبهامه على الزناد. # سمع دويا لم يسمعه من قبل، ورأى جسدا يسقط على الأرض يجري من تحته سائل أحمر عرفه على ~~الفور؛ إنه دم الشاة؛ فاليوم هو العيد، وهو ms24 لا يزال واقفا يحملق في العينين المفتوحتين ~~الساكنتين لا يرمش لهما جفن، ثابتتين بنظرة ميتة، اتسعت وامتلأت بالذعر، وانتقل الذعر إليه ~~فارتجفت ساقاه النحيلتان تحت الجلباب الواسع، وجرى ليدفع رأسه في صدر أمه ويبكي. # ومسح دموعه في صدر أمه ثم رفع عينيه إليها، ورأى عيني أبيه تكسوهما الشعيرات الدموية، ~~والأزرار النحاسية الصفراء فوق الصدر والكتفين كانت لها لمعة خاصة، والصوت الأجش كانت له ~~خشونة آمرة مخيفة: أتبكي كالنسوان؟! # وعاد حميدو إلى مكانه من الصف، وقف منتصبا تحت قرص الشمس، عيناه بلون ضوء الشمس حمراوان، ~~سوادهما هرب تحت في الظل، في المكان الأمين الرطب، الجو في الخارج شديد الحرارة، الأسفلت ~~ملتهب، أذابته السخونة الشديدة فأصبحت كعوب الأحذية تنغرز فيه كما تنغرز في الأرض ~~الطينية. # توقف حميدو لحظة ليشد حذاءه، تخلف خطوة عن الصف، لسعة الكرباج على قفاه، قفز ليلحق ~~بالصف لكنه انكفأ على وجهه وسقط على الأرض. # قبل لحظة السقوط كان حذاؤه قد انخلع، وكان الهواء الساخن قد اندفع في صدره على شكل كلمة ~~منطوقة لها صوت أدرك أنه صوته حين ينطق، وأدرك أن جسده هو الذي سقط على الأرض وليس جسدا ~~آخر، وأن الدقات المنتظمة المسموعة في أذنه تنبعث من صدره، وشعر بزهو لقدرته على تمييز جسده ~~عن جسد الشاة. # ظهر الزهو في عينيه، وكان وجهه لا يزال ناحية الأرض، فطارت البصقة من الفم الغليظ واستقرت ~~فوق مؤخرة رأسه، تبعتها سبة مألوفة للأذن (اسم من أسماء الأعضاء التناسلية المؤنثة)، ~~تبعتها لكمة قوية ببوز حذاء سميك في ظهره فوق الكلية مباشرة. # هذه اللكمة ببوز الحذاء لم تكن تحدث كل مرة بهذه القوة نفسها، وكنت أرى حميدو ينهض بعدها ~~ويجري ويدخل الصف، لكن اليوم كان العيد، وسيده سيحضر الحفل بشخصه لا بمندوب، ومن الطبيعي أن ~~أي خطأ لا يغتفر، وإن كان زلة قدم، لم تكن زلة القدم في ذلك اليوم مجرد زلة قدم، ولكنها ~~تصبح شيئا آخر أشد خطورة؛ لأن الصف يصبح مشوها، وحين يشوه صف تشوه الصفوف الأخرى ~~بطبيعة الحال، وهذه ms25 كارثة. # واختلطت الأشياء أمام عيني حميدو ، لم يكن ذلك لقصور في قدرته على الملاحظة، بسبب ضيق ~~الوقت أيضا، فالوقت في مثل هذا اليوم الهام يصبح ضيقا، ووقع الحياة يصبح سريعا لاهثا، ~~فلا يمكن لإنسان أن يتنفس التنفس الطبيعي ولا بد أن يلهث الجميع. # ولهث حميدو كغيره من البشر فلمحته عين، دائما هناك عين تلمح، ترقب الأشياء، وتدس أنفها ~~بتطفل شهواني في حياة الغير أو موتهم، لا تترك الحي يستمتع بحياته، ولا الميت يستمتع ~~بموته. وضم حميدو ساقيه باستحياء (كان قد اكتسب قدرا من الحياء)، وأفسح الطريق لموكب ~~العربات، لكن الوقت كان ضيقا إلى حد أن ساقه اليسرى لم تجد متسعا من الوقت لتتحرك وظلت ~~ممدودة في الطريق، حافية، أصابع القدم الخمسة منتصبة، تهتز بحركة مرئية بالعين ~~المجردة. # توقف الموكب مشدوها أمام المشهد الذي لم يحدث من قبل ولا من بعد، لم تذكر كتب التاريخ ~~حادثة من هذا القبيل، لكن ما يكتب في التاريخ شيء والذي يحدث في الواقع شيء آخر، وما حدث ~~في الواقع كان يستحق أن يدخل التاريخ لجسامته، لكن التاريخ بطبيعته لا يفتح بابه للحوادث ~~الجسيمة، خاصة إذا كان بطلها حميدو. # لم يشعر حميدو ببطولته رغم الزحام الذي أصبح حوله، أعداد هائلة من البشر تجمعت في لحظة ~~خاطفة، وامتلأت المساحة الخالية بين العمارات بالأجساد، وانسدت الأبواب والنوافذ بالرءوس، ~~وترك الناس مكاتبهم ودواوينهم وأغلقوا حوانيتهم واصطفوا صفوفا متلاصقة يستمتعون بالمشهد، ~~لا أظن أن أحدا تخلف، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، من الطبقة العليا أو من الطبقة ~~الدنيا، فالكل يريد أن يستمتع، واللذة عامة، ومشروعة بشرط أن تكون في الخفاء. # وكان حميدو لا يزال في موقعه من الأرض، وعيناه مغمضتان بطبيعة الحال بسبب الموت، لكنه رأى ~~(ورؤية الميت أشد حدة من رؤية الحي) رجالا كثيرين من حوله، عرف أنهم رجال بسبب رءوسهم ~~الحليقة، وخراطيمهم المطاطة، وأزرارهم النحاسية، وآلات القتل الصلبة المتدلية بحذاء ~~أفخاذهم. # حاول أن يفتح فمه ليدافع عن نفسه، ليحكي قصته منذ ولدته أمه، لكن سيده كان حاضرا، ms26 وفي ~~حضور سيده يصبح الوقت ضيقا ، ولا يكون هناك متسع لأحد، والحكم بطبيعة الحال لا بد أن يصدر ~~أولا، ويوقع عليه بالعلم، وينفذ، ثم يتسع الوقت بعد ذلك لأي شيء آخر. # وصدر الحكم ضد حميدو فوق صفحة كاملة من صفحات دفتر الأحكام، وكان القانون يقضي بأن يقرأ ~~حميدو المحضر قبل أن يوقع عليه بالعلم، ولم تكن الحروف واضحة بسبب رداءة الخط والسرعة في ~~كتابة المحضر، وأصبح من الصعب على حميدو أن يفك الخط ولم يكن حميدو قد تعلم القراءة. # لكنه استطاع أن يلتقط كلمة أو كلمتين من كل سطر، ودهش لقدرة رجال البوليس على تحويله من ~~جندي مجهول إلى بطل، وأن تكون بطولته خارقة للعادة إلى حد أن حركة أصابع قدمه الحافية في ~~وجه سيده أصبحت حركة تمرد، ولم يعد حميدو قادرا على كتمان زهوه، وراح يحرك أصابع قدمه حركة ~~بطيئة مليئة بالكبرياء. # وارتفعت جميع الأكف بالتصفيق، وكان سيده في الصف الأول، فارتفعت كفاه أيضا بالتصفيق ~~(حركة سيده كحركة التاريخ لا يمكن أن تتجاهل الجماهير)، وحينما تحركت ذراعاه إلى أعلى وهو ~~يصفق، سقط فوق الأرض الساندويتش المحشو بلحم الشاة الذي كان يخفيه تحت إبطه، التقطه على ~~الفور طفل كسيح كان يزحف بين الصفوف بأكياس اللب. # وابتسم حميدو رغم أنه لم يدرك شيئا مما يدور حوله، فالمشهد لا إرادي ولا فضل له فيه، ~~وغير متقن أيضا، يفتقر إلى الخبرة، وتنقصه الثقافة الضرورية، والاطلاع على التراث، ولم يكن ~~حميدو قد قرأ كتب التراث، وعلى الأخص قصص الحب العذري، حين كان الحب نظيفا والإنسان ~~شريفا، لم يخلق له بعد أعضاؤه التناسلية. # لكن آدم اقترف الخطيئة العظمى (كما كانت تحكي له أمه) فإذا بعضو قبيح المنظر ينمو بين ~~فخذيه، انتقام إلهي عادل على حد قول أمه، وهنا خطر له سؤال لم يخطر له من قبل (ولعل سبب ذلك ~~أن جسده كان ميتا فأعطى نفسه حق التفكير في المقدسات)، وكان السؤال هو: كيف اقترف آدم ~~الخطيئة قبل أن يخلق له هذا العضو؟ # وأراد أن يطرد ms27 عنه هذه الفكرة، فالتفكير في مثل هذه الأمور عمل غير أخلاقي، خاصة في حضور ~~سيده، واختلس حميدو نظرة سريعة بين فخذيه فلم يجد العضو، ووجد مكانه شقا صغيرا يشبه الشق ~~الذي كان يراه في جسم حميدة، واعتقد أن في الأمر خطأ ما، وأن أجساد الموتى اختلطت بعضها ~~بالبعض، وعند الفرز النهائي أعطوه جسد امرأة، دائما هناك خطأ في الفرز النهائي، فالموظف ~~الذي يفرز ضعيف البصر بسبب الدرن الرئوي، وهو الوحيد المكلف بالفرز، (الميزانية لا تسمح ~~بموظف آخر) وعليه أن ينقل الأسماء من كشوف الفرز الابتدائي إلى كشوف الفرز النهائي، وحروف ~~بعض الأسماء متشابهة، وأسماء الإناث لا يفرقها عن أسماء الذكور إلا التاء المربوطة، أمين ~~يصبح أمينة، وزهير يصبح زهيرة، ومفيد يصبح مفيدة، وحميدو يصبح حميدة؛ أي إنها ليست إلا جرة ~~قلم ويصبح الرجل امرأة. # وكان حميدو يحب أن يكون امرأة أحيانا، وفي أحيان أخرى يقاوم ذلك مقاومة شديدة، فالمرأة ~~في ذلك الوقت كانت تكلف بأعمال الخدم المهينة، كأن تمسح حذاء الرجل بعد أن يخرج من دورة ~~المياه أو تناوله كوب ماء وهو راقد فوق ظهره يتجشأ بصوت عال (كان مسموحا للرجل فقط أن ~~يتجشأ بصوت عال)، أو تغسل جوربه النتن، أو سرواله الأكثر نتانة بسبب البول وعدم توافر ~~الماء والصابون. # ويحاول حميدو تصحيح الأمر، لكن التصحيح لم يكن سهلا بأي حال من الأحوال، إذ عليه دائما ~~أن يثبت أنه ليس امرأة، وفي كل مرة يستدعون الطبيب الشرعي، الذي ينزع سرواله القذر بتأفف، ~~وينظر فخذيه بكل وقاحة، وأحيانا لا يستوثق تماما من مجرد النظر، فيمد أصابعه الأنيقة ذات ~~الأظافر المشذبة ويفحص العضو المنكمش المذعور، ويقيسه من جميع الزوايا بمسطرة مدرجة من ~~البلاستيك، ويسجل الأرقام بقلمه الباركر في دفتر خاص، ثم يرسلها داخل مظروف مغلق بالشمع ~~الأحمر إلى قسم الفيش والتشبيه. # وهذا هو القسم الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، وتختلط فيه بصمات أصابع اليد مع أصابع ~~القدم مع غيرها من أعضاء الجسم، وتتشابك ذيول الأرقام مع رءوسها، ويسقط منها أجزاء، وتنطمس ~~أجزاء ms28 والسبب في ذلك رداءة الحبر المغشوش (الغش كان منتشرا في ذلك الوقت ويمكن لجردل ماء ~~أن يضاف إلى زجاجة حبر). # وظلت حقيقة أمره بهذا الشكل معلقة لبضع سنوات، لا يقطع أحد فيها برأي، ولا يستدعيه أحد ~~لإعادة الكشف، وظن حميدو أن الموضوع أصبح منسيا أو كأنه ما كان، وسار في الشارع باطمئنان، ~~إلى حد أنه دخل محلا للحلاقة ليحلق لحيته الطويلة، وجلس على الكرسي المريح المتحرك، وهز ~~قدميه باسترخاء، وشد إحدى الجرائد القديمة من فوق المنضدة، وقلب صفحاتها بغير اهتمام، لكنه ~~ما إن وصل إلى الصفحة الأخيرة حتى اتسعت عيناه بالدهشة، كانت صورته منشورة في ذيل الصفحة ~~ضمن صور المشبوهات، ولم يكن البغاء محروما في ذلك الوقت، فأمسكوه وأعادوه إلى ~~الخدمة. ~~••• # كانت حميدة في ذلك الوقت قد اهتدت إلى مهنة شريفة (الشرف في ذلك الوقت كان معناه الخدمة ~~بالبيوت)، تلقنت أول درس في الخدمة، وهو أن تنادي الإناث بكلمة «ستي» وتنادي الذكور «سيدي»، ~~وأدركت أن رضا أسيادها عليها يزيد كلما زادت إطراقة رأسها وهي تمر أمامهم، وأصبحت تثني ~~نصفها الأعلى فوق النصف الأسفل بصفة دائمة، فالبيت يحميها من الشارع، والشارع فيه رجل يتربص ~~بها ولا يكف عن مطاردتها. # المطبخ كان حياتها، وبالذات البقعة المربعة الرطبة أمام الحوض، ويداها الصغيرتان في الماء ~~الجاري في الصنبور، ليل نهار، وصيف شتاء، وعيناها السوداوان تواجهان الحائط من تحت طبقة ~~الدموع الجافة، تذيبها من حين إلى حين نظرة ملتهبة حادة كالسيف، تشق الحائط، وتنفذ إلى حجرة ~~الطعام، حيث مائدة الأكل المستديرة تحوطها تسعة أفواه، تنفتح وتتعلق على شدقين منتفخين، ~~يتحرك الفك الأعلى فوق الفك الأسفل، والأسنان كتروس الطاحونة تصطك وتهرس، ويتراكم في الحوض ~~صفوف الصحون الفارغة، تعلوها طبقة دهنية متجمدة، وتمتلئ صفيحة القمامة حتى الحافة ببقايا ~~الأكل غير المهضوم، وتنسد ماسورة المرحاض ببقايا الأكل المهضوم. # وفي منتصف الليل، وبعد أن تمسح أرض المطبخ، تدس في فمها قطعة خبز، وتشد بأسنانها على ~~قطعة جلد أو قطعة عظم داخلها بقايا نخاع، ثم تضع جسمها الصغير بجلبابها المبلل ms29 فوق الدكة ~~الخشبية وراء باب المطبخ ، وتترك أصابعها المتورمة المحتقنة تنز سائلا أصفر بمثل حرارة ~~الدم، وأذنيها الصغيرتين تتابعان الفحيح الذكري العدواني المنبعث من حجرة النوم يتبعه ~~الأنين الأنثوي الذليل وقعقعات مفاصل السرير حين يرتج. # أغمضت عينيها ونامت، تخفف جسدها من العبء، وزال الألم من يديها وقدميها، وأصبحت تتنفس ~~بهدوء، هدوء مألوف، تسربت من خلاله صور مألوفة، راقدة في قاع الجمجمة، قاع مظلم، تتراقص فيه ~~ذؤابة متهالكة من الضوء، وتبدو الجدران طينية سوداء يلمع فوقها قش التبن الأصفر، ترتفع إلى ~~فتحة مستديرة كالنافذة، وتهبط إلى بساط كالحصيرة، ترقد على الطرف البعيد أمها، طرحتها ~~السوداء حول رأسها، ويدها كالوسادة تحت صدغها، وفي الطرف الآخر تنام حميدة، عيناها نصف ~~مغلقتين كعيون الأطفال حين ينامون على قصة عفاريت مخيفة، وشفتاها نصف منفرجتين عن أسنان ~~صغيرة شفافة نبتت حديثا مكان الأسنان اللبنية، وأنفاسها لها رائحة الأطفال حين يتنفسون ~~كتنفس الزهر المغمض قبل طلوع الفجر وسقوط الندى، ونهداها مدببان تحت الجلباب الواسع ~~كبرعمين نبتا منذ لحظات ثم انضغطا فجأة تحت اليد الكبيرة المفلطحة كالبلطة، التي أصبحت ~~تزحف متسللة تحت الجلباب، ترفعه عن الساقين الصغيرتين والفخذين، والأشياء تختلط في شيء ~~واحد، في عصا واحدة غليظة في يد البائع، يضرب، ويضرب على رأسها، وصدرها، وبين فخذيها، وهي ~~تصرخ، لكن صوتها لا يخرج، وتبكي وحدها بالليل بنشيج مكتوم، وتبتلع دموعها كلها قبل الفجر، ~~وفي الصباح الباكر تبصقها كلها في دورة المياه، قبل أن يصحو أحد، وتشد قامتها، وتنظر في ~~المرآة إلى عينيها المغسولتين المرفوعتين في تساؤل. # تساؤل لا أحد يجيب عليه، رغم ظهرها المحني بعض الشيء، وأصابعها المتورمة المتقيحة، ~~وكعبيها المشققين، وقدميها الحافيتين تصعدان سلم الخدم، وسلم الخدم حلزوني وملتو متعرج، ~~وعند كل ثنية شق مظلم يتسع لجريمة سرية، وصفيحة قمامة فاضت بها القمامة وملأت الأرض بذباب ~~وصراصير صغيرة تزحف من تحت عقب الباب إلى الشقق الأنيقة الفاخرة. # من يرى حميدة وهي صاعدة السلم أو هابطة لا يرى عليها سمات الخدم؟ ما هي سمات الخدم؟ ~~عيناها مغسولتان مرفوعتان ms30 إلى أعلى، بعد العينين لا شيء يهم، وكل شيء يمكن أن يكون متقرحا ~~مغلقا على الصديد، وقدماها تغوصان حتى الركبتين في القمامة، قمامة عضوية لأن أصحابها من ~~أكلة اللحوم، ورائحة اللحم الميت أشد فسادا من النبات الميت، ومع ذلك تدوس حميدة بقدميها ~~على الرائحة وترفع عينيها للسماء، وتدرك ما لا يدركه أحد. # ذلك أن قمامة الإنسان تزداد بازدياد مكانته في المجتمع، فالمعدة التي تأكل بفتحتها ~~العلوية أكثر من غيرها تخرج من فتحتها السفلية بطبيعة الحال أكثر من غيرها، ومعدة سيدها ~~بغير جدال أكبر معدة، وقمامته بالطبيعة أضخم قمامة، يضعها الخدم في صفائح، تحملها عربات ~~مصفحة، وتجمع على شكل هرم عال في مكان بعيد في الصحراء، يتفرج عليه السياح بانبهار. # أهرامات صغيرة من القمامة في ركن كل شارع، يفد إليها من حين إلى حين جرذان، وكلاب ضالة، ~~وقطط صغيرة عيونها مستديرة لامعة مرفوعة إلى أعلى كعيون الأطفال وأصابعها متقيحة كأصابع ~~حميدة، تفتش بسرعة عن قطعة خبز، وشيء من غموس لم يتعفن بعد. # وخرجت أصابعها من صفيحة القمامة تلتف حول شيء، فتحت يدها لتراه، لكن ضوءا مفاجئا سقط ~~فوق كفها، اختفت بسرعة وراء الجدار، لكن الضوء تبعها، وظل طويل ارتسم فوق الأرض، رأسه ~~حليق أصلع، وكتفاه عريضتان، فوق كل كتف صف أفقي من خمسة أزرار صفراء تلمع، عرفته على ~~الفور فشهقت بصوت عال، وفتحت عينيها على صوت سيدها الخشن: حميدة، ورأت الشاة تدخل من الباب ~~يسوقها الجزار، أدركت أن اليوم عيد لذكرى وفاة سيدتها. # التقت عيناها بعيني الشاة، توقفت الشاة، تسمرت قوائمها الأربع في الأرض، ظلت عينا ~~حميدة تحملقان في الدائرتين السوداوين ومن حولها البياض الصافي، تكسوه لمعة مفاجئة، تتحرك ~~فوق سطح العينين، تترقرق، كدمعة كبيرة ثابتة لا تتبخر ولا تسقط، اتسعت عيناها بالدهشة، تلك ~~الدهشة التي تحدث لإنسان يرفع رأسه فجأة فيرى عينيه في مرآة لم تكن موجودة. # شد الجزار الشاة من حبل قصير يلتف حول عنقها، تبعته الشاة، لكن عنقها ظل ملويا إلى ~~الخلف، ناحية حميدة التفت أصابع الجزار الكبيرة ms31 الغليظة حول العنق، رفسته الشاة بيديها ~~وقدميها الصغيرتين، امتدت نحوها أربع أياد قوية، شدت ذراعيها وساقيها بعيدا، وأصبحت ~~الشاة ممدودة فوق ظهرها، وعيناها السوداوان الواسعتان مفتوحتان بالذعر، تبحثان في العيون ~~حولها عن عيني أمها، كانت أمها تقف على مسافة غير بعيدة، عيناها هادئتان ثابتتان ورموشها ~~ثابتة، والطرحة السوداء فوق رأسها وكتفيها وصدرها ثابتة لا تتحرك. # ارتعشت عضلة طويلة نحيلة تمتد بامتداد الفخذ النحيل الصغير، امتدت الرعشة حتى أعلى الفخذ، ~~حتى الزاوية المنفرجة، كفم طفل مفتوح يلهث، شفتاه ناعمتان ورديتان يشف من تحتهما لون الدم ~~الأحمر، نديتان بلعاب شفاف كدموع الأطفال، واللسان الدقيق بدأ يرتعش كرعشة لسان عصفور ~~يذبح. # رفعت عينيها السوداوين المذعورتين مرة أخرى تبحثان في العيون المتزاحمة حولها عن عيني ~~أمها، نظرت إليها بعينين غريبتين فيهما نظرة باردة كنصل السكين، حولت عينيها إلى السقف ~~بعيدا عن النصل، لكن السكين كان يقترب منها رويدا رويدا، وبحركة سريعة خاطفة كالبرق ~~شطرها نصفين. # لم تشعر حميدة بالألم، عيناها ظلتا جافتين لم تسقط منهما دمعة واحدة وتركت جسدها راقدا ~~على الأرض التراب، ومن تحت فخذيها شريط طويل من الدم، أحمر قاتم، يلمع في الشمس، زحف إليه ~~النمل، وتكاثف فوق ظهره المتجمد المقوس كظهر ثعبان ميت، نفخت النمل فدخل التراب في أنفها، ~~عطست فاندفع من فمها قطعة دموع متجمدة في حلقها، مدت يدها إلى التراب وردمت النمل، اندفن ~~الدم وأصبحت بقعة الأرض مرتفعة بعض الشيء كالقبر، داست ببطن قدمها على الجزء البارز من ~~المدفن، لم تعد الأرض مستوية كما كانت، داست فوقها بقدميها الاثنتين، وبكل قوتها المستعادة ~~مشت فوقها، وعند ثنية الجدار أطلت برأسها ونظرت خلفها، وحينما لم تجد أحدا رفعت جلبابها ~~عن ساقيها ونظرت، لم يكن هناك العضو المألوف وإنما شق صغير كالجرح القديم المسدود. # وصل أذنيها الصوت الخشن المألوف: «حميدة»، فأسدلت بسرعة ثوبها فوق ساقيها، ورفعت الجردل ~~المملوء بالماء وسكبته فوق الشاة، غسلت عنقها من الدم المتجمد، وأدخلت خراطيم الماء في ~~بلعومها المقطوع فاندفع الماء من فمها وأنفها كالنافورة، ضحك الأطفال السبعة ms32 في سعادة، ~~فاليوم هو العيد، والشاة قد ذبحت، والأواني والصحون فوق المائدة أعدت. # وحل موعد الغداء، وجلس الجميع يأكلون فيما عدا الأم، التي كانت قد ماتت في حجرة النوم، ~~وحميدة التي كانت لا تزال بجوار الجردل، تسكب الماء على الجسد الميت، وتملأ كفها الصغيرة ~~بالشامبوه، وتدلك الشعر الغزير، وتدخل أصبعها الصغير في الأذن الكبيرة وتغسلها، والعين ~~المغمضة ترفع عنها الجفن المسدل وفتحة الأنف، والفم، والعنق، والشعر الأسود تحت الإبطين، ~~وأسفل البطن. # غسلت الفخذين بعناية من تحت ومن فوق ومن الوسط، اتسعت عيناها بالدهشة، كان الوسط أملس ~~بغير عضو، مسدودا يعلوه شق طويل كالجرح القديم. # هبطت أصابعها المرتجفة إلى الساقين، ودست الليفة بين الأصابع الملتصقة وغسلت الحوافر، ~~كانت بقايا طين لا تزال عالقة بالحافر، طين أسود تتخلله خطوط صفراء كقش التبن الذي يفرش به ~~الزرائب. # سمعت من خارج الباب الصوت الخشن الآمر: لا تضيعي الوقت في الحوافر، سنعطيها صدقة ~~للجزار. # شدت من فوق رف الكتب جريدة الصباح ولفت بها الحوافر، فوق الصفحة الأولى لمحت صورة ~~مليئة بالوجوه المستديرة، المكتظة باللحم، تعرفت في الوسط على وجه سيدها، كانوا يجلسون على ~~شكل دائرة، الصحون أمامهم ممتلئة مرتفعة كأهرامات مدببة وسكاكين لامعة تتهاوى في انتظام فوق ~~الأهرامات، وتناقصت الأهرامات بسرعة كبيرة حتى اختفت ولم يبق في الصحون إلا فتات. # ظنت أن الأهرامات تلاشت، لكنها دققت النظر في الجريدة فوجدت الأهرامات كما كانت مرتفعة ~~وعالية ومدببة، ولكنها أصبحت في مكان آخر من الصورة، في موقع آخر بين المائدة والمقاعد ~~ترتفع من أسفل فوق الفخذين وتعلو حتى المثلث المنفرج في نهاية الضلوع، تحت القلب ~~مباشرة. # وانزلقت أصابع حميدة فوق القلب الأملس، ارتجفت يدها وهي تقطع الشريان العلوي وتشطر القلب ~~بالسكين لتغسله من الداخل، كثيرا ما فعلت ذلك بقلوب الدجاج والأرانب والإوز، ولكن قلب ~~الشاة كبيرة الحجم لا يزال ساخنا، وعضلاته لا تزال تنبض بذبذبة مرتعشة خفية، تسري في ~~أصابعها الصغيرة، وتنتقل الرعشة إلى ذراعها وصدرها وقلبها الذي أصبح يدق بسرعة أكثر. # سقطت من جوف القلب المشطور ms33 جلطة دم حمراء، انزلقت فوق رخام الحوض، وسقطت فوق قدمها ~~الصغيرة، انثنت ومدت يدها لترفع الجلطة عن قدمها، لكن عينيها ارتطمتا ببطن ساقها الطويلة ~~النحيلة يجري فوقها شريط طويل رفيع أحمر، ظنت أنه شريان تحت الجلد لكنه كان يتحرك هابطا ~~فوق البشرة، لمسته بطرف أصبعها، ثم قربته من عينيها، كان الأصبع مبللا بدم حقيقي. # رفعت جذعها إلى فوق، فالتقت عيناها المذعورتان بعيني أمها، عينان خاليتان من الفزع، ~~باردتان كبركة ماء آسنة، صامتتان كالقبر، ثابتتان كعيني إنسان ميت، أسدلت الجفنين فوق ~~العينين الميتتين وأسدلت الغطاء فوق الرأس والجسد، سمعت صوت أمها الخافت من بعيد كأنما ~~يأتي من تحت الأرض: «بلغت يا حميدة!» وناولتها سروالا من الدمور الأسمر، لبسته حميدة تحت ~~الجلباب مرة ولآخر مرة، فلم يحدث أن خلعته بيديها، وإنما هما يدان أخريان، أصابعهما غليظة ~~مفلطحة، ورائحتهما غريبة يفوح منهما التبغ. التبغ تعرف رائحته حميدة، كانت تشتريه من الدكان ~~لأبيها أو أخيها أو خالها أو عمها أو أي رجل آخر من الأسرة، وحينما تقربه من أنفها تعطس ~~وتسعل. # وحين تسعل ينتفخ شدقاها كشدقي أبيها، وتقلد صوته الخشن، وتقف في صحن الدار كما يقف، وتلقي ~~برأسها إلى الوراء في خيلاء كما يفعل، نافخة شدقيها، واضعة يدها اليمنى في خصرها. # من يرها في تلك اللحظة كان يظن أنها حميدو، هي نفسها كانت تظن أنها حميدو وتدب على ~~الأرض بقدمين قويتين وتشمر جلبابها عن ساقيها الرفيعتين الصلبتين، وتجري نحو الصبيان صائحة: ~~أنا حميدو. ويلعبون عسكر وحرامية، أو لعبة القطار، يمسك كل واحد منهم بذيل الآخر، وينطلقون ~~يدبون على الأرض ويصفرون. # وترتفع الصفارة في الليل، ويرتج جسد حميدة الصغير وهي واقفة قرب القطار، وتتكثف الظلمة من ~~خلفها على شكل يد كبيرة تندفع بقوة في ظهرها وتدفعها إلى الأمام، وتجري حميدة في الظلام، ~~لكن الظلمة تنشق بعد لحظة عن عشر عيون صفراء تلمع كالأزرار النحاسية، ونصل أبيض حاد يتدلى ~~في الخفاء بحذاء الساقين الطويلتين، وتلف طرحتها السوداء حول رأسها وكتفيها وصدرها وبطنها، ~~وتنزلق في سواد الليل ms34 كقطعة من سواد الليل، لكن الساقين بنصلهما الحاد تجريان خلفها، ~~والقدمين الكبيرتين تدبان وراءها، دبيبا له رنين كاصطكاك الحديد بالحديد. ~~••• # حميدو كان لا يزال في الخدمة، في كعب حذائه قطعة من ~~الحديد تدق على الأسفلت في بطء وثقل كحافر بغل مصاب بضربة شمس، الشمس كانت حارقة، فالمدينة ~~هي القاهرة والوقت هو الظهيرة والشهر أغسطس، ورأس حميدو أملس حليق بغير شعرة واحدة، القرص ~~الملتهب الأحمر يلتصق بجلدة الرأس، وعيناه ثقبان تنفذ منهما النار المتجمعة داخل الجمجمة، ~~وأنفه أيضا له ثقبان يقذفان اللهب وأذناه بالمثل، وفتحة الفم، وفتحة الشرج، كل فتحات جسمه ~~تفرز النار الحمراء قطعا متجمدة صغيرة وساخنة كالدم المتجلط. # حملق في القرص الأحمر الدائري، رآه قرصين اثنين أحمرين، داخل كل قرص دائرة سوداء كالنني ~~تلمع، وحول النني دائرة بيضاء صافية كعيون الأطفال، حملق في العينين وتعرف على اللمعة، صاح: ~~«حميدة»، وشد الآلة الصلبة من جوار فخذه إلى فوق، وصوبها في النقطة المحددة بالضبط، في ~~منتصف المسافة بين العينين، وسمع صوت أبيه الخشن: «اضغط»، وضغط على الزناد. # سقط الجسد متضرجا بالدماء، والعينان مفتوحتان ثابتتان مرفوعتان إلى السماء، والسماء ~~مكتظة بالآلهة، وقد جلس كل منهم واضعا ساقا فوق ساق، والساق العلوية متدلية من بين السحب ~~(وبذلك تكون مرئية بالعين المجردة) تهتز بحركة أفقية منظمة كبندول الساعة، والشمس كانت قد ~~غابت والليل هبط فعزفت الموسيقى النشيد الوطني احتفالا بالنصر، وارتفعت الأكف بالتصفيق ~~حاملة الجسد الميت إلى فوق، لامس أنف الميت بطن قدم أحد الآلهة وشم الرائحة المألوفة التي ~~تنبعث من الأقدام التي لا يغسلها أصحابها، أشاح الميت بأنفه بعيدا عن الآلهة، فارتفع ~~الهتاف وانشق الجراب الأسود عن وسام الاستشهاد في ميدان الشرف. # مد الميت يده الملوثة ببقع سوداء (بسبب جفاف الدم) ليتسلم الوسام، امتدت بسرعة يد أخرى ~~نظيفة وأظافرها مشذبة وأخذت الوسام، لوح الميت يده في الهواء في غضب فامتلأت الظلمة بكشافات ~~الضوء الأصفر مستديرة وجاحظة كالأزرار النحاسية. # وانفرجت شفتا حميدو في اندهاش، وسقط جسده الميت بين السيقان الطويلة يتدلى من بينها آلات ms35 ~~القتل الصلبة، وانفرمت قدمه الحافية تحت الأحذية السميكة ذات الرقبة، وأصبحت الأرض كالعجين ~~غاصت به قدمه الثانية، وساقاه غاصتا إلى الركبتين، ثم إلى منتصف فخذيه، حتى أعلى الفخذين، ~~إلى منتصف بطنه، بالتدريج كان يغوص إلى منتصف صدره، والتفت قبضة الأرض حول عنقه، فأرخى ~~رأسه فوق الأرض، ووجدها دافئة حانية كصدر أمه، فدفن وجهه بين ثدييها واستطاع أن يضع أنفه ~~تحت الثدي الأيسر، المكان الأمين القديم المفضل لديه، لكن أمه أبعدته بيدها القوية كيد ~~أبيه، ورفع رأسه إلى فوق فرأى يد أبيه الكبيرة بأصابعها الطويلة تلتف حول الوسام، وعيناه ~~الواسعتان السوداوان ذات الشعيرات الدموية تحملقان في عينيه، مد حميدو يده، لكن يده رغم ~~الزحام ظلت ممدودة في الهواء، حملقت العيون في أصابعه الملوثة بالدم ولم يصافحه أحد (كان ~~الناس في ذلك الوقت يحتقرون المقتول ويحترمون القاتل)، وحميدو لم يكن قاتلا، هو الذي حدد ~~النقطة في منتصف المسافة بين العينين وهو الذي ضغط على الزناد وهو الذي قتل، لكنه قتل بغير ~~أن يصبح قاتلا، فالقاتل هو صاحب العار الذي لم يلوث يديه. # لكن العار لم يكن عار حميدو، وكان عليه أن يغسله فحسب (توزيع الاختصاصات كان إحدى سمات ~~التقدم، فالبعض يقوم بالعار والبعض يقوم بعملية الغسل)، يسكب الماء من الجردل ويغسل كل شيء ~~بعناية، الشعر والرأس والأذرع والأرجل، وثنيات الجلد تحت الحوافر، ويسمع الصوت الآمر من ~~الداخل يقول: «خذ الحوافر فهي نصيبك»، وتستقر الحوافر داخل جريدة من الجرائد اليومية، وتدخل ~~التاريخ باسم الزكاة، يحملها حميدو تحت إبطه، ويسير في الشارع مزهوا بها، ومن حين إلى حين ~~ينظر تحت إبطه، ويرى الشعر الأسود الغزير ينشق عن وجه أبيض بغير دم، والعينان الميتتان ~~واسعتان مرفوعتان إلى السماء. # وباستطلاع غريزي حملقت عينا حميدو في السماء، ورأى النجم الوحيد المحترق، ذيله الطويل ~~الرفيع يمشي لامعا فوق السواد كخط من الدم الطازج الذي لم يتجمد بعد، ثم هبت نسمة جففت ~~الدم، وأصبح النجم لونه أسود، والسماء كتلة واحدة مصمتة بغير مسام على الإطلاق. # وهبط رأس حميدو فوق ms36 صدره، فهبط من عينيه خيط طويل ساخن وانزلق من زاوية فمه يجري تحت ~~لسانه بطعمه الملحي المألوف كماء المخلل. # ضغط فكه العلوي فوق السفلي وابتلع العلقم، لا مهرب له من الكراهية، إنها تغزوه من جميع ~~منافذ جسده، وتدخل إليه بطعمها المملح المر من شقوق جلده وفتحات جسمه، وتتكوم في جوفه ~~يوما بعد يوم، وسنة بعد سنة، ويصبح جوفه كقاع زلعة المش، فيملأ فمه بالدخان الأسود، ويطرد ~~الهواء من صدره، ويبتلع الدخان وحده. # عرفت حميدة رائحة الدخان، التبغ كانت تشتريه من الدكان، لكن الرائحة هذه المرة مختلفة، ~~ممتزجة برائحة أخرى لا تعرفها كرائحة دورة المياه بعد أن يحلق سيدها ذقنه، تناوله المنشفة ~~بأصابعها الصغيرة، وترى عينيه في المرآة، واسعتين تشعان من البياض ومن السواد ضوءا ~~نحاسيا أصفر. # ويستقر الضوء عليها، رغم أنها تختبئ وراء باب المطبخ، جسدها الصغير منكمش تحت جلبابها ~~المبلل، وكتفاها غير مستويتين، الكتف اليسرى أعلى من الكتف اليمنى، وجذعها يميل ناحية ~~اليمين، بسبب سلة الخضار الثقيلة، تشد ذراعها اليمنى إلى أسفل، وقدمها اليسرى تلمس الأسفلت ~~الملتهب بأطراف الأصابع، والقدم اليمنى تلمسه بمؤخرة كعبها الحافي، من يراها يظن أنها ~~عرجاء، لكن حميدة لم تكن عرجاء، كانت جائعة فحسب، فمدت يدها في السلة وتسللت أصابعها ~~الصغيرة الرفيعة تحت الخضار حتى أحست ملمس اللحم الطري، شدت قطعة ودستها بين أسنانها قبل أن ~~يراها أحد. # أسنان حميدة صغيرة بيضاء لكنها حادة، تقطع اللحم النيئ وتهرس العظم، أسنان بدائية نبتت ~~فوق فكيها منذ قرون، قبل أن تخترع الشوك والسكاكين وغيرها من الأجهزة الحديثة (بسبب هذه ~~الأجهزة فقدت أسنان سيدها قوتها وأصيبت لثته بمرض البيوريا)، وعيناها أيضا بدائيتان ~~قويتان، تريان الأشياء من على بعد، وأذناها قادرتان على التقاط أي صوت مهما بعد (أذنا سيدها ~~فقدتا أيضا هذه القدرة بسبب اكتشاف المخابرات للأجهزة السمعية الحديثة). # وسمعت حميدة صوتا، فرفعت عينيها إلى فوق، ورأت رأس سيدتها يطل من النافذة المزركشة في ~~العمارة العالية، بسبب الارتفاع الشاهق كان رأس سيدتها بحجم رأس الدبوس، لكن حميدة رأته ~~بوضوح، ms37 ولمحت العضلة السمينة المكتظة باللحم تتقلص تحت فتحتي الأنف الواسعتين نبت فيهما ومن ~~حولهما الشعر، أدركت من اهتزاز الشعر أن سيدتها شمت رائحة اللحم المهروس تحت ضروسها، أنكرت ~~بطبيعة الحال، لكن قطعة لحم صغيرة كانت لسوء حظها قد انحشرت بين ضرسين، شدتها من بينهما ~~أصابع سيدتها البضة بالملقاط، ووضعتها فوق كفها تحت أشعة الشمس وارتدت نظارتها الطبية ~~وفحصتها. # لم تضربها سيدتها هذا اليوم، حدثت مشادة بين سيدها وسيدتها بعد الغداء الدسم، انتهت ~~بالاتفاق على مبدأ مساواة المرأة بالرجل في الإشراف على الخدم، وأصبح على سيدها أن يقوم ~~بعملية الضرب هذه المرة. # رقدت حميدة على أرض المطبخ، سمعت وقع القدمين الكبيرتين، أغمضت عينيها وانتظرت، أحست ~~الأصابع الطويلة ذات الأظافر المشذبة ترفع عنها الجلباب المبلل، تعرت ساقاها الصغيرتان ~~وفخذاها وردفاها حتى منتصف الظهر والبطن، حملقت العينان الصفراوان في البطن لامعتين بضوء ~~نحاسي، سقط الضوء الأصفر على البطن، بطن مشدود، عضلاته تنقبض بقوة، يهبط إلى فخذين ~~بدائيتين، قادرتين على الحركة في أي اتجاه، وبكل قوة تقاومان وترفسان، واندفعت قدمها ~~الصغيرة في بطنه العالي المترهل ذي الثنيات الطويلة، أمسك قدمها في يده الكبيرة، وأدرك لأول ~~مرة شكل قدم المرأة، فالقدم لها أصابع، خمسة أصابع ينفصل كل أصبع عن الآخر، قدم سيدتها لم ~~يكن لها أصابع، إذ إن أصابعها التصقت بعضها البعض في كتلة لحمية طرية كخف الجمل. # وزحفت يداه فوق الساقين، وأحس حركة العضلات القوية تحت كفه، تنقبض وتنبسط، عضلات سيدتها ~~لم تكن لها حركة، خامدة، ساكتة، تغوص فيها أصابعه بغير مقاومة كما تغوص في كيس من القطن ~~(كان ذلك طبيعيا بسبب موت سيدتها السابق في حجرة النوم). # بهرته حركة اللحم الحي، كخنزير يخرج فجأة من خرابة عاش فيها سنوات على الرمم وأطراف ~~الجثث، انتفض بالنشوة فسقطت عنه ملابسه، ولامس جسده الساخن البلاط البارد المبلل بماء ~~المسح، تقلصت عضلاته المرتخية المترهلة وسرى في عموده الفقري تيار كهربي، دبت الحياة في ~~حواسه الخمس وبدأ أنفه المرتعش بفتحتيه الواسعتين يختلس من تحت الحوض رائحة القمامة، جذب ms38 ~~بكل قوته شهيقا عميقا وملأ صدره بالرائحة النتنة، سرت الرائحة في جسده وسرت معها ذكرى ~~قديمة منذ الطفولة لأول لذة جنسية. # لكن حميدة منكمشة في الركن، ملتصقة بالجدار، تسري فوق جسدها رعشة، وذكرى قديمة لأول ضربة، ~~وعيناها السوداوان المتسعتان بالذعر، ثابتتان فوق العصا الغليظة من الخيزران، كانت العصا ~~مختفية تحت ملابسه أو وراء ظهره، ثم في لحظة خاطفة شدها ورفعها في وجهها منتصبة صلبة، ~~وبسرعة تفوق سرعة الضوء صوبها على النقطة المحددة في منتصف المسافة بين عينيها، وضغط ~~الزناد. # صرخت حميدة، دوت صرختها في الليل المظلم الساكن كصوت الطلقة، تقلبت سيدتها في كفنها ~~الحريري من جنب إلى جنب، هب بعض الناس (بسبب نومهم الخفيف فحسب) وأضيئت الأنوار، وانفتحت ~~النوافذ المغلقة والأبواب المغلقة، واشرأبت الأعناق وامتدت. # لكنها لم تصل إلى شيء، المطبخ له أربعة جدران وسقف وباب، والباب له قفل حديدي وسلسلة ~~حديدية، وكل شيء عاد إلى ما كان عليه، أطفئت الأنوار، وانغلقت النوافذ والأبواب، كل ~~الأشياء انغلقت وعم السكون، وتجمعت الظلمة فوق بلاط المطبخ، وتكثفت في الركن وراء الباب ~~على شكل جسد صغير عار، يجري من تحته خيط طويل رفيع من الدم، وعينان واسعتان دامعتان تبرقان ~~في الظلمة كعيني طفل. ~~••• # اللمعة عرفها حميدو من على بعد، منذ كان طفلا، تجذبه نحوها كضوء النجم، نجم وحيد ساهر ~~في سماء سوداء مصمتة بغير مسام، وحميدو يسير وحده في الظلام بكعبه فوق الأسفلت، عيناه ~~مرفوعتان نحو النجم، ويداه فوق صدره ملوثتان بدم قديم أسود، وتحت الأظافر سواد كالطين، ومن ~~حول الأصابع بقع بنية قاتمة بلون التبغ، يمزق سعاله الليل، ويشق الظلمة بصاقه الأبيض ويستقر ~~على الأسفلت بجوار قدميه، مكورا كقطعة من اللحم الأبيض تتخللها شعيرات رفيعة من ~~الدم. # اقتفوا أثره المدمم فوق الطريق وأمسكوه وأعادوه إلى الخدمة، رفع الطبيب بأطراف أصابعه ~~النظيفة ذات الأظافر المشذبة سرواله الدمور، فاحت رائحة الجسد الميت، فأشاح الطبيب بوجهه ~~بعيدا عنه، وكتب بقلمه الباركر التشخيص: «لا يصلح إلا للخدمة بالبيوت»، وأصبح حميدو ~~مراسلا (اللقب القديم لخادم البيت). # وأخذوا ms39 منه العدة: الحذاء الجلدي بالرقبة والكعب الحديد، البدلة والكتفين المحشوتين ~~بالقطن والقش، والأزرار النحاسية الصفراء، خمسة أزرار فوق كل كتف، وعشرة فوق الصدر، والحزام ~~الجلدي العريض ويتدلى منه الجراب يخفي النصل الحاد كالسكين. # تحسس حميدو جسده في الظلام، وجد الجلباب الواسع القديم، يتدلى فوق فخذيه كجلابيب النساء، ~~وكتفاه نحيلتان وغير واقفتين، ككفي ميزان غير معدول، الكف اليمنى هابطة إلى أسفل تشد معها ~~الذراع والكتف ونصف الرأس الأيمن، والسبب معروف (خدم البيوت كانوا يحملون سلة الخضار باليد ~~اليمنى)، ولأن السلة كانت دائما ثقيلة، مملوءة حتى الحافة بالبطاطس والطماطم والخرشوف، وفي ~~القاع يرقد الجسد المذبوح، والدم الساخن الأحمر ينشع من الورق الأبيض المصقول، والقلب لا ~~زال يرجف بحركة غير مرئية، والعينان السوداوان الميتتان مفتوحتان مرفوعتان إلى أعلى، ~~دامعتان، تلمعان في الظلمة كعيني طفل. # حملق حميدو في عيني الطفل في دهشة، لم تكن لهما لمعة عيون الأطفال، كانت لمعتهما نحاسية ~~كعيون الكبار، ركب الطفل فوق ظهره، الركبتان فوق العنق، والفخذان حول الظهر وكل ساق على كل ~~جانب، وكعب الحذاء بحذاء البطن. # هز الطفل ساقيه كما يفعل الأطفال حين يركبون الحمير، سار به حميدو على يديه وركبتيه، ~~والطفل من فوقه يهتز في سعادة، وفي يده عصا رفيعة من الخيزران، الشمس كانت في منتصف المسافة ~~بين العينين، والشارع أسفلت أحمر ملتهب، والحصى أحمر ملتهب، حصاة حمراء دخلت في الركبة ~~اليمنى فتوقف حميدو ليسعل وعجزت عضلات صدره عن أن تنقبض وتطرد الحصاة. # تدلى رأسه فوق صدره كرأس الحمارة المريضة، فاندفع الحذاء في بطنه مدببا كالسكين، صرخ، ~~لكن عضلات بطنه عجزت عن أن تنقبض وتطرد الصرخة، لف يديه حول بطنه ليحميه من الحذاء فانقض ~~عليه الطفل وعضه في بطن ساقه. # دخلت الأنياب في لحمه، وصلت العظم حتى النخاع، ضغط فكه العلوي فوق السفلي وابتلع الألم، ~~تكوم الألم في النخاع مدببا صلبا كقطعة زلط، ضحك الطفل في سعادة وضرب قطعة الزلط ببوز ~~حذائه، طارت الزلطة في الهواء ثم استقرت في البطن، البطن كان ساخنا، والصدر ساخن مملوء ~~بالدم، ms40 والرأس حليق بغير شعرة واحدة تفصله عن قرص الشمس. # مشت النار في جسده، استسلم لها تماما وتركها تغزوه من جميع منافذ جسده، فاتخذ وضع ~~الحمارة المريضة وزحف على قدميه وركبته ودخلت الكراهية بطعمها الحارق من مسام جلده وتراكمت ~~في القاع متجمدة وحمراء كقطعة الفحم المتقدة، مد يده ليشد آلة القتل، ارتطمت أصابعه بفخذيه ~~الميتتين، العضلات مرتخية متهدلة تحت الجلباب، اختفى وراء باب المطبخ ورفع الجلباب، لم يجد ~~الآلة الصلبة بحذاء الفخذ، وارتطمت عيناه بالشق المسدود الأسود كالجرح القديم، فسقط رأسه ~~فوق صدره. # ورن الصوت الآمر ينادي حميدة، خرجت حميدة مطرقة من وراء باب المطبخ، جلبابها المبلل ~~يلتصق بجسدها، وعلى جدار بطنها علامة محفورة في الجلد، على شكل حذاء، وتحت الجدار تنمو ~~الكراهية كالجنين، تتكور كالعجين، وتعلو يوما بعد يوم، تنتفخ بالماء وتتخمر وتفوح ~~الرائحة. # التقطت أجهزة الأمن الرائحة، دائما هناك أجهزة للأمن، لها عيون ترقب، وأنوف تشم، كتمت ~~حميدة أنفاسها ومسحت بطن يديها بكفيها قبل أن تمد يدها الصغيرة من بعيد بكوب الماء، التفت ~~أصابع سيدها ذات الأظافر الشذبة حول الكوب البلوري، وأشاح بوجهه بعيدا عن الرائحة، لكن ~~الرائحة نفاذة وصلت إلى أنف سيدتها الميت في حجرة النوم، فانتصبت شعيراته المرتخية وأصبحت ~~صلبة مدببة كالدبابيس. # أنكرت حميدة بطبيعة الحال، لكن جسدها كان الجريمة، أخذوا منها الجسد وتركوا لها الجريمة، ~~كالنحل يمص الزهرة، يرشف الرحيق، ثم يلقي المصاصة بعيدا بيد قوية، اندفعت اليد في ظهرها ~~كاللكمة، الطريق كان مظلما، والليل أسود فحملقت في الظلمة. # تعرفت على قبضة أمها في ظهرها، فرفعت عينيها إلى عينيها، وكادت تناديها، لكن أمها كانت ~~واقفة بغير حراك، صدرها ثابت، ورأسها ثابت، وعيناها ثابتتان ورموشها ثابتة. # سارت حميدة بجوار التمثال الحجري وتركته خلف ظهرها. دب الصمت في الليل وأدركت أنها ~~وحيدة، جلست على دكة حجرية بجوار النيل، ملأت صدرها بهواء النيل، هواء راكد حزين، دخل الحزن ~~صدرها مع الظلمة، فأدركت أنها ولدت بغير أم، وأن جدتها لأبيها كانت جارية في بلاط سيدها، ~~وأنها ماتت مقتولة بسكين أبيها. ms41 # تركت جسدها فوق الدكة مرتخيا، مفتوح المسام، يغزوه الحزن من جميع المنافذ، ملأها الحزن ~~حتى الثمالة، وأعطاها قوة، والحزن لا يعطي دائما، إنه نادرا ما يعطي، يختص بعطائه نوعا ~~نادرا من الناس، قادرا على مبادلته العطاء، وحميدة قادرة على أن تعطي الحزن نفسها كاملة، ~~تتفرغ له وتعيش عليه، تأكله وتشربه وتهضمه وتجري عصارته في دمها، وتفرزه أمعاؤها، وتفرزه ~~مسام جسدها، ويسيل فوق جلدها كخيوط رقراقة، تلعقها بلسانها وأنفها وتبتلعه مرة أخرى في ~~جوفها، وتهضمه ثم تعود تفرزه. # من يراها واقفة منتصبة في الليل وحدها يظن أنها تمثال رمسيس، ذيل الماء يمشي فوق خديه ~~وعنقيه وكتفيه وفخذيه وقدميه، يمشي بهوادة، دون أن يشعر بحركته، ويظل هناك فوق الجلد، ورغم ~~نسمة الليل الجافة لا يتبخر، بل يدخل مسام الجلد، ويعود من حيث أتى إلى منبعه الأصلي في رحم ~~الأم. # الحزن هو ولا شيء غيره، الجنين الأبدي في رحمها تعيش له ويعيش لها، ويدخل أو يخرج حيثما ~~تشاء له أن يدخل أو يخرج، وحينما تريد له الخروج يصبح طفلها. طفل طبيعي ليس كالأطفال ~~الصناعيين الذين يولدون بشهادة مكتوبة بالحبر ويجري الحبر الأسود حيث الدم الأحمر، وأعضاؤهم ~~التناسلية تبتر والشعر يجتث من فوق الرأس، وبحذاء كل فخذ لعبة أطفال على شكل مسدس. # طفلها لم يعرف اللعب بالمسدسات أو العرائس أو أي لعب أخرى، فاللعب للأطفال وهو ليس طفلا، ~~يولد واقفا على قدميه، ويجري بين أكوام السباخ ويضحك وحده. # هذه الضحكة هي التي تميزه عن الأطفال، فهي ضحكة بغير صوت، بغير حركة في عضلات الوجه، ~~لكن عينيه الصغيرتين تكسوهما دمعة كاللمعة، تشع من تحتها نقطة ضوء، كنجم وحيد ساهر في ~~سماء بغير قمر. # سارت حميدة في الليل تبحث عن طفلها، دارت حول أكوام السباخ، نظرت خلف صفائح القمامة، رأت ~~بجوار الجدار جسدا صغيرا متكورا حول نفسه، عرفته على الفور، مدت ذراعيها في الظلام ~~لتحوطه بصدرها، شق الظلمة ضوء أصفر وظهرت العين النحاسية، دائما هناك عين مستديرة ترقب ~~بغير جفن كعين الثعبان، رأت آلة القتل مختفية ms42 تتدلى بحذاء الفخذ، لم يكن ثعبانا ، كان حية ~~أنثى، لكن حميدة كانت تدرك أن أي شيء يقتل لا بد أن يكون مذكرا، فصرخت لطفلها: «احترس منه، ~~سيقتلك!» # دخلت الأنياب في بطن الساق الصغيرة الرفيعة، سال الدم كذيل طويل رفيع، بلل أصابعها ~~الصغيرة، وهبط إلى بطن قدمها، رفعت رأسها فوق، ورأت عيني أمها الواسعتين السوداوين ثابتتين ~~في عينها، تنظران إليها في صمت، والطرحة السوداء تغطي رأسها وصدرها وبطنها، فتحت فمها ~~لتسأل، لكن الكف الكبيرة أصبحت فوق فمها، والأنفاس والهواء وحفيف الشجر كلها أصبحت بغير ~~صوت، تجمدت في كتلة سوداء صماء بغير مسام، والطرحة السوداء ذابت في الليل كما تذوب قطرة ~~الماء في البحر. # لكن الساقين تدبان من خلفها، طويلتين شاهقتين كالموجة العالية، تتبعها في الخضم، ترصد ~~مكانها، تغوص معها إلى القاع، وتطفو كالجثث فوق السطح، وتتوه معها في وسط البحر، ثم تعود ~~تظهر عند الشط، وترتد معها فوق حافة الصخر، وتضيع في الزبد الأبيض، تتأرجح معها بين المد ~~والجزر. # المد كان ضعيفا والجزر أضعف، فالبحر لم يكن بحرا، وإنما نهر النيل ومياهه راكدة في ~~القاع، حركتها بطيئة، ثقيلة، كقدم نصف مشلولة، تدوس فوق الأرض وتثبت ولا ترتفع مرة أخرى لكن ~~حميدو يشدها بكل قوته، بكل عضلات الساق الرفيعة المعوجة، وترتفع القدم فوق الأرض وتثبت، ولا ~~تهبط مرة أخرى، لكن الأرض تشدها بكل قوتها فتسقط فوقها ثقيلة كقدم من حجر. # الصباح كان مبكرا والشمس لا تزال مائلة، فارتسم ظله فوق الأرض، طويل ورفيع معوج، كقوس ~~قزح، الرأس حليق، والكتفان غير مستويتين، كتف أعلى من كتف، وساق أطول من ساق، كالأعرج، ~~والأطفال من خلفه يضحكون، ويركبون فوق ظهره. # أصوات الأطفال وصراخهم يترامى إليه من فوق رأسه، وأقدامهم تدب فوق ظهره كعجلات القطار، ~~كل واحد يمسك بذيل الآخر، ويصفرون، وترتفع الصفارة في الجو فيجري كل منهم ليختفي من ~~«المساكة» وراء كوم سباخ أو في الزريبة أو خلف عمد النور. # عمود النور كان طويلا ممتدا في السماء ورأسه يلتصق بالقمر، القمر كان نوره أبيض، سقط ms43 ~~على وجه حميدة وهي مختفية وراء العمود، فأصبح وجهها أبيض، وذراعاها بيضاوين، وساقاها ~~بيضاوين، وجسدها أبيض أملس منزوع الشعر، لكن منابت الشعر ظلت بارزة في قشعريرة، سرت فوق ~~جلدها. # امتدت يدها البيضاء ولمست جلدها، جسدها وحده هو الذي يطمئنها، كل الأشياء الأخرى خارج ~~جسدها غير مطمئنة، أجسام غريبة تكمن في الأركان، ووراء الجدران وخلف الأبواب، وفي ثنيات ~~الشوارع المظلمة، وفي زوايا كل شيء، الزوايا من الخارج تبدو ملساء بريئة، كأنما لا شيء ~~داخلها، ولكن حينما ينفرج الضلعان وتتباعد الساقان تظهر آلة القتل بوضوح صلبة ~~ومنتصبة. # تصرخ حميدة، صرختها غريبة، ليس لها صوت الصرخة المألوف حين يصرخ الإنسان فزعا أو طلبا ~~للاستغاثة، فلم تكن حميدة تستغيث بأحد، كانت تعرف أن الطريق خال ليس فيه أحد، والنوافذ ~~مغلقة والأبواب مغلقة والأنوار مطفأة والأصوات معدومة، وكل شيء معدوم كالصوت. # لم تكن صرخة استغاثة، ولكنها حادة وطويلة وممتدة، كأنها ملايين الصرخات اتصلت والتحمت في ~~صرخة واحدة تمتد بامتداد الليل، وتلتحم بملايين الذرات السوداء التي تصنع الظلمة ~~والصمت. # ولم تكن أيضا صرخة فزع أو خوف، لم تكن حميدة تخاف الظلمة أو الصمت أو حتى الموت، فهي جزء ~~من الظلمة، وصوتها هو الصمت، أما الموت فهو يعيش معها، تحمله كالجسد الثاني على جسدها، كشخص ~~آخر ميت يعيش داخلها، يحتل الفراغ في جوفها ويفرد ذراعيه وساقيه ويتمدد، وتفوح رائحته من ~~عينيها وأذنيها وأنفها وفمها وجميع فتحات جسمها، وفي الليل حين تشتد الظلمة وتشتد الوحدة ~~تمتد يدها فتحسه إلى جوارها، ملاصقا لها، وفي حضنها أنفاسه تختلط بأنفاسها وحرارته ~~كحرارة جسمها. # وضعت حميدة يدها على ظهرها فشعرت بالأمان، جسدها ساخن أملس الزوايا، من يراها من الخلف ~~يظن أنها طفل، وحين تستدير ويرى عينيها يدرك أنها عجوز، ووجوه العجائز كوجوه الأطفال ليس ~~لها جنس، وحين تهبط العين إلى بطنها النامي بالجنين الحي يعرف أنها امرأة، ويحتار المرء في ~~تحديد عمرها، فالحقيقة أن حميدة ليس لها عمر، وهذا هو حال الأطفال الذين يولدون رغم أنف ~~الموظف الحكومي الذي يحدد تاريخ الولادة، ms44 وإنهم يعيشون فوق مستوى الحكومة، وفوق مستوى ~~التاريخ، وفوق مستوى الزمان والمكان، لا ينتقلون كالبشر العاديين من مرحلة الطفولة إلى ~~الشباب إلى الشيخوخة، ويعيشون رغم أنف الموظف الحكومي الذي يحرر تواريخ الوفاة، ينجون من ~~الزمن كالآلهة، ويعيشون إلى الأبد، حياة واحدة ممتدة بغير مراحل. # يولدون كبارا ثم يصبحون عجائز بغير مرحلة طفولة أو شباب، ثم يرتدون فجأة من الشيخوخة إلى ~~الطفولة أو من الطفولة إلى الشباب، يرتدون في لحظة سريعة خاطفة أسرع من قدرة العين على ~~الرؤية، فإذا بالعين عاجزة عن اكتشاف حقيقتهم، ويبدو الواحد منهم طفلا وشابا وعجوزا في ~~اللحظة نفسها والمكان نفسه. # وأحيانا يسيرون في الطرقات وهم موتى وتكاد تزكم رائحتهم الأنوف، ومع ذلك تظل العين عاجزة ~~عن التفرقة بينهم وبين الأحياء. # التجاعيد في تلك الأحوال لا تهم كثيرا، لأنها لا تبدو للعين تجاعيد وإنما تلك الخطوط ~~الطبيعية التي تظهر على وجه الطفل حين يضحك بشدة وبغير صوت مسموع. # حميدة كانت لا تزال وراء عمود النور، وجهها متورم مستدير تحت الضوء، أبيض بلون الدقيق، ~~تخفي تحت المسحوق التجاعيد، وشفتاها المشققتان (بسبب الجوع) تغطيهما قشرة حمراء مدممة، ~~وصدرها بارز من فتحة ثوب مقطوع، وبطنها بارز، وكعباها المشققان بارزان من حذاء كالشبشب بغير ~~كعب، وشعرها غزير أسود كقطعة من الليل يغطي بالسواد رأسها وصدرها وكل جسدها، ويطل من تحته ~~عنقها الأبيض كجذع شجرة تخرج من غابة نبتت جذورها في أرض رطبة. # من يرها يظن أنها امرأة ليل، مع أنها لم تكن امرأة ولم يكن الوقت ليلا، كانت الشمس رأسية ~~في منتصف المسافة بين العينين، وحميدة تحملق في القرص الملتهب الأحمر، لا يطرف لها جفن، ولا ~~تخلج في وجهها عضلة، تنظر إليه بكل قدرتها على الصبر، وتراه بوضوح في مركز الدائرة كالقوس، ~~طويل ورفيع ومعوج، يتحرك أمام عينيها بحركته البطيئة، كتف أعلى من كتف، وساق أطول من ساق، ~~كالأعرج، عرفته على الفور وكادت تهتف: حميدو، لكنها خشيت أن يكتشف مكانها وراء العمود، ~~ويتعرف على بطنها المنتفخ، ويشد آلة القتل. # أطبقت شفتيها ms45 وكتمت أنفاسها، لكنه شم رائحتها (رائحة حميدة قوية نفاذة كرائحة الموتى) ~~فتوقف عن المسير، ومد يده الطويلة الرفيعة إلى عمود النور، لم تمسك يده شيئا، ناداها ~~بصوت مألوف غير مسموع مقلدا صوتها: «حميدة»، وثنى جذعه فالتوى نصفه الأعلى فوق الأسفل ~~مقلدا شكل جسدها، كان التقليد مصنوعا بإتقان شديد (بسبب تقدم الصناعة والتكنولوجيا) إلى ~~درجة أن حميدة اختلط عليها الأمر، وظنت أن الصوت صوتها، والجسد جسدها، فخرجت من وراء العمود ~~مطمئنة، وسارت كعادتها مطرقة رأسها، وحينما رفعت رأسها إلى فوق ارتطمت عيناها بالعينين ~~الصفراوين، فرأتهما من هول المفاجأة أربع عيون، وتضاعف العدد في لحظة خاطفة، وحوطتها ~~العيون الصفراء، عشرا فوق الصدر من الأمام مستديرة ومتراصة في وضع رأسي، وفوق كل كتف خمس ~~في وضع أفقي، تشع كل عين ضوءا نحاسيا أصفر. # ورن الصوت المعدني فوق الأسفلت كاصطكاك الحديد بالحديد: ما اسمك؟ # قالت بصوت غير مسموع: حميدة. # مشت الموسى الحادة فوق جلدة رأسها وسقط شعرها الناعم الغزير في الجردل، ومشت فوق جلدها ~~تجتث الشعر، وحينما وصلت إلى أسفل البطن عثرت بين الشعر الأسود على البرعم الصغير الأبيض، ~~كالعصفور الوليد، فاجتثته من جذوره، وتركت مكانه جرحا عميقا في اللحم كالشق المسدود ~~(سميت هذه العملية الجراحية ب «الطهارة» في ذلك الوقت وكان هدفها أن يصبح الإنسان «طاهرا» ~~بغير أعضاء جنسية). # رقدت حميدة فوق الأرض الأسمنت، تحوطها أربعة جدران من الأسمنت، وذراعاها وساقاها مشدودة ~~مربوطة في حزمة واحدة، وحزام من المعدن الصلب، يتدلى قفله الحديدي من بين فخذيها (دخل ~~التاريخ باسم حزام العفة)، وتصطك سلسلته بالأرض الأسمنت كلما حركت ساقيها أو ~~ذراعيها. # جسدها الناعم الصغير من تحته بركة من الدم، تدخل في شقوق الأرض، وفوق الجدران دم على شكل ~~أصابع آدمية، دم أسود قديم، كالبقع، ملايين البقع، من كل عمر ومن كل جنس، أطفال ورجال ونساء ~~وعجائز بيض وسود وصفر وحمر ولكل واحد بقعة مميزة كبصمة اليد. # وضعت حميدة طرف أصبعها الصغير في الشق، فخرج مبللا ~~بالدم، مسحته في الجدار، وطبعت فوق الأسمنت بصمتها كالختم ms46 (الأميون جميعا أمثال حميدة ~~يختمون على الوثائق الرسمية بهذا الشكل)، وتمتد الأصابع السوداء الملوثة بالدم تطبع ختما ~~فوق الوثائق، ملايين الوثائق ومن فوقها ملايين الأختام، أختام سوداء خطوطها متعرجة مشرشرة ~~كأرجل الصراصير، أو الذباب أو الجراد، كثيرون ومنتشرون فوق الأرض، بالليل والنهار، فوق ~~الكباري، فوق السواري، عند ثنية كل شارع، وراء كل بيت، خلف كل جدار، داخل كل شق من شقوق ~~الأرض، رءوسهم العارية الحليقة تطل فوق السطح، وأجسامهم النحيلة مقوسة داخل الشق وبطونهم ~~مجوفة خالية من الأحشاء الداخلية، بغير كبد وبغير قلب وبغير معدة، وبغير مصارين، والجوف ~~الواسع الخاوي أصبح مخزنا سريا يعبئون فيه الكراهية (المكان الوحيد الذي لا تصل إليه ~~أجهزة الأمن في ذلك الوقت، تقدمت الأجهزة العسكرية حديثا واخترع في الطب جهاز للأشعة يكشف ~~عن الأجسام الغريبة في جسم الإنسان، ومنظار إلكتروني يوضع في فتحة الشرج ويكشف عن محتويات ~~التجويف الداخلي). # سقطت أشعة إكس فوق بطنها المنتفخ، ظهر التجويف مملوءا حتى الحافة بالكراهية، طبقة فوق ~~طبقة، فوق طبقة، ملايين الطبقات الرقيقة كرقائق من معدن شفاف، تكونت بعضها فوق بعض في ~~كتلة معدنية مصمتة وصلبة، تحسسها الطبيب بأصابعه الناعمة المشذبة الأظافر ثم صرخ: بارود، ~~فانهالت المعاول تشق الأرض وقلبوا الشقوق رأسا على عقب، وعثروا على خزائن البارود جميعا ~~(أشاد التاريخ بالانتصار الذي حققته أشعة إكس في علاج الأورام السرطانية في الجسم). # لكن السرطان مرض خبيث، أخبث من التاريخ، الورم ظل ينمو داخل بطن الأرض، وحينما تضع حميدة ~~يدها تحتها تحسه ساخنا فوق كفها، سخونة جسمها، وتشعر بالطمأنينة فتقترب أصابعها من أنفها، ~~وتشم الرائحة المألوفة، كرائحة كوم السباخ، أو صفيحة ~~القمامة، أو قطعة اللحم الميتة، تشمها بفتحتي أنفها وتملأ بها صدرها، فهي رائحة ~~حياتها. # حرك حميدو رأسه ناحيتها، جذبته الرائحة المشتركة، كان من الممكن أن يبتعد ويهرب ولكنه ~~اتجه نحوها بحكم المصير المشترك، توقف عند الجثة الميتة فاردا قامته الطويلة راسما ظله ~~على الأسفلت، طويلا ورفيعا ومعوجا، وبحذاء الفخذ يتدلى النصل الأبيض وعليه بقع سوداء ~~كالدم. فتح صدره وملأه ms47 بهواء الليل، أدرك أنه ولد بغير أم، وأن جده لأبيه كان جنديا في ~~جيش محمد علي، وأنه قتل في السجن. # عرف فجأة أن السجن مصيره، وكأنه حقيقة قديمة يعرفها كالموت، فلم يقاوم، ترك جسده مرتخيا ~~في قبضة اليد الحديدية، تدرب في سنوات الأسر أن ارتخاء الجسد يضعف التوتر، مسام الجلد ~~متمددة وتتفتح ويخرج من عينيه وأذنيه وأنفه وفتحة الشرج، يصبح كل شيء أقل ضراوة، الضرب أقل ~~ضراوة، والنفخ أقل ضراوة، والكي بالنار (قبل اكتشاف الكهرباء) أقل ضراوة. # ويسقط جسده مرتخيا فوق الأرض، يتمدد بكل قدرته على التمدد، وتجري من تحته ذيول رفيعة من ~~الدم، تدخل شقوق الأرض وفوق الجدران بقع سوداء كالدم، كل بقعة على شكل خمسة أصابع وكف، ~~ملايين البقع، من كل عمر ومن كل جنس، أطفال ورجال ونساء وعجائز بيض وسود وصفر وحمر، ولكل ~~واحد بقعة مميزة خاصة به. # نهض حميدو يستند على الجدار، وطبع بصمته فوق الأسمنت كالختم (المحكوم عليهم جميعا أمثال ~~حميدو يختمون على محاضر البوليس بهذا الشكل) وتمتد الأصابع السوداء الملوثة بالدم تطبع ~~ختمها فوق المحاضر، ملايين المحاضر بعضها فوق البعض، متكدسة كأجساد الموتى في يوم الحشر ~~(قبل اكتشاف الأتوبيس) أجساد مرصوصة في خطوط أفقية مصفوفة في وضع عكسي، الرأس بجوار ~~المؤخرة، والمؤخرة بجوار الرأس، متراصة في كل شبر من الأرض أو السقف، متلاصقة بغير مسافات ~~ولا مساحات خالية تسمح بمرور الهواء أو امتداد الساق أو الذراع. # أغمض حميدو عينيه وفتح فمه وتأوه، تبعه الآخرون بصوت مماثل، ارتفعت ملايين الأصوات في ~~الفضاء المظلم وصنعت صمت الليل، ضغط الصمت بكثافته وثقله على أذنيه ففتح عينيه ورأى في وجهه ~~القدمين المشققتين، عرفهما على الفور وهمس بصوت مقلدا صوتها: حميدة، لكنها لم ترد، كانت ~~ميتة، جسدها ممدود فوق الأرض، ووجهها ناحية السماء، يسقط عليه ضوء القمر الأبيض، فيبدو ~~مستديرا متورما كالمثانة المنتفخة. # فتحت فمها وتأوهت (بسبب ضغط البول)، ارتفعت ملايين التأوهات في الفجر وصنعت النشيج ~~الوطني (كانوا يسمونه النشيد الوطني). # سمع حميدو النشيد فأدرك أن النهار طلع، جر ms48 ساقيه من تحت الحزام الحديدي وسار إلى دورة ~~المياه، المكان الوحيد من العالم حيث يشعر بالتفاؤل، ويتبادل من وراء الحائط بضع كلمات، ~~وينبعث من نصفه الأسفل خيط البول، رفيعا ومقوسا كقامته، ونفاذ الرائحة كرائحته، فيشعر ~~بمرح مفاجئ، ويرمق من حوله خيوط الماء الصفراء تلمع في الضوء كأقواس النصر فيضحك ~~مقهقها. # ترتفع القهقهات من دورة المياه، قهقهات عالية، ملايين القهقهات، فالأعداد تتزايد يوما ~~بعد يوم، وكل الأجهزة يمكن أن تتعطل في ذلك الوقت إلا الأجهزة التناسلية والأجهزة اللاسلكية ~~بطبيعة الحال. # ويسري الصوت كما يسري أي صوت وبالسرعة نفسها (عن طريق أحد الأجهزة)، ويدخل الأذنين ~~الكبيرتين كالحصاة المدببة، ويرتفع الأصبع النظيف ذو الظفر المشذب ويسلك الأذنين، وتسقط ~~الحصاة المدببة في كفه السمينة المكتظة باللحم، فيرفع عينيه في عيني الموظف المختص ويقول: ~~أيضحكون؟ # يخفض الموظف عينيه - كعادة الموظفين - في حضرة سيده: لا يا مولاي، يبولون فحسب. # حميدو كان لا يزال واقفا في دورة المياه، وخيط الماء لم ينقطع بعد، حين رأى الموظف ~~مقبلا يفتش، شعر بالخوف، والخوف كالموت كائن عضوي من لحم ودم، سحب الدم من رأسه وذراعيه ~~وساقيه وأحشائه الداخلية، وتجمع في نقطة واحدة أسفل البطن، انتفخت وتمددت كالمثانة، وكان ~~الموظف لا زال واقفا أمامه، فاتحا ساقيه في غطرسة، شاخصا في عينيه بشجاعة الموظفين في ~~غيبة سيده، وفمه مفتوح، ولثته متقرحة مصابة بالبيوريا (كلثة سيده). # وشعر بألم حاد أسفل بطنه، وتلفت حوله، كانوا يضيقون الخناق عليه، والأجساد تضغط عليه ~~من كل جانب، بغير مسافة أو مساحة خالية، ولم يجد مكانا خاليا سوى الفم المفتوح المتقرح، ~~فصوب نحوه شريط الماء، وأفرغ الخوف كله من جسده. # فتح حميدو عينيه، وأحس من تحته البركة، دافئة كجسده، نفاذة الرائحة كحياته، أدرك أنه لا ~~زال حيا، وتفتحت شهيته للأكل، مد يده في الصحن فانتفضت ملايين الحشرات السوداء الصغيرة ~~وهاجت من حوله في مرح، بعضها يطير، وبعضها يجري، وبعضها يزحف، التصق بعضها بالسقف ووقف على ~~الجدران، ودخل آخرون الشقوق وبقيت واحدة في كفه. # نظر بين ساقيها ورأى الجرح ms49 القديم المسدود فأدرك أنها أنثى، وأنها ميتة، ضغط عليها بالكف ~~الأخرى فماتت مرة أخرى، طرقع أصابعها الميتة فالتقط جهاز التسجيل صوت الطرقعة (كان هناك ~~جهاز للتسجيل من آخر طراز بحجم الحمصة ثبت في عضو من جسمه)، طرقع أصابع قدمه اليمنى ~~بكبرياء وزهو، حركته في التاريخ لها أهمية، والأهمية هي سبب ذلك الذعر الذي يراه في عيون ~~موظفي الدولة، حين تصوب نحوهم العدسات المفتوحة، فإذا بأي حركة تصدر عنهم تدخل التاريخ ~~على الفور، وإن كانت مجرد طرقعة أصبع (بسبب تيبس المفاصل بعد الأربعين)، أو أصبع يرتفع لهش ~~ذبابة وقفت على الأنف. # هز أصابع قدمه بحركة مبتكرة، إنه رغم كل شيء يحب الأصالة ويكره التقليد، كم سجل ركاما ~~من الحركات المقلدة غير الأصلية كحركات القرود، ووجوه وأصابع متشابهة مكررة كلها تقليد في ~~تقليد، ركام مكدس بعضه فوق البعض ككوم السباخ، كل يوم ترقد البقرة، وفي الفجر تدخل أمه ~~تلم الروث، ثم تجمعه تحت الشمس بعضه فوق البعض، وحين يجف في اليوم التالي يصبح راسخا في ~~التاريخ. # ظهر العسل الأسود متجمدا في قاع الصحن، واستقر في قاع معدته كقطعة من القطران، قضم قطعة ~~بصل وأصلح بها طعم العلقم، أشعل قطعة تبغ وملأ بالدخان صدره وبطنه فشعر بما يشبه الشبع، ~~وتجشأ بصوت عال ينم عن الثقة بالنفس (الذكور فقط هم الذين كان يحدث لهم ذلك). # سمعت حميدة الصوت، تعرفت فيه على رائحة التبغ، كانت تشتريه من الدكان لأبيها أو أخيها أو ~~خالها أو عمها أو أي رجل من الأسرة، ويناولها البائع قطعة حلوى، تضعها في فمها، وتخفيها تحت ~~لسانها، وحين يطالبها بالقرش تفتح يدها فلا تجد شيئا، وتفتح عينيها فتجد المصباح كذؤابة ~~الضوء، تحتضر ثم تموت بنفخة هواء واحدة، وتسد الظلمة الباب كالجسد الطويل الضخم إلا ~~من ثقبين مستديرين في أعلى الرأس ينفذ منهما ضوء أحمر بلون الشفق. # همست بصوت خائف غير مسموع: «من أنت؟» رد بصوت كصوتها خائف وغير مسموع: «حميدو.» أغمضت ~~عينيها حتى لا يتعرف عليها، تركت ذراعيه الطويلتين تحوطانها، وأنفاسه الساخنة ms50 تدفئها، كان ~~الفصل شتاء وأذناها الصغيرتان الناعمتان كقطعتين من الثلج. # همس في أذنيها بنفسه الساخن: من أنت؟ تركت أذنها تحت فمه ولم ترد، تظاهرت بالنوم وخبأت ~~رأسها في شعر صدره الغزير، وحينما أحست بالأصابع الكبيرة ترفع عنها الثوب كتمت أنفاسها، ولم ~~يعد صدرها يعلو أو يهبط، وأصبحت ميتة. # لكن الشمس في الصباح سقطت فوق عينيها، ورأت الجسد الطويل إلى جوارها، طويلا ورفيعا ~~ومعوجا، كتفاه غير مستويتين تشبهان كتفيها، وأصابع يديه متورمة متقرحة من ماء الغسيل ~~كأصابع يديها، وأظافره سوداء كأظافرها، عرفت على الفور أنه جسدها فاحتضنته بكل قوتها، ~~وضغطت صدرها، فأحست المحفظة الجلدية تحت ثديها الأيسر، كانت جائعة فمدت يديها وسحبت ~~المحفظة بسرعة قبل أن يراها أحد. # اختبأت وراء جدار وفتحت المحفظة، رأت صورتها بالطرحة السوداء تشبه أمها ليلة زفافها، ~~ووصية بخط أبيها يذكره بغسل العار، وأربعة جنيهات وبريزة (البريزة هي العشرة القروش في ذلك ~~الوقت). # أكلت بالبريزة، واشترت بجنيهين ميني فستان (وهو الفستان المصغر الذي كان شائعا في ذلك ~~الوقت بين الزوجات المحصنات حتى لا يظهر من أجسادهن المحرمة إلا الأذرع والأكتاف والصدور ~~والأفخاذ فحسب)، واشترت بالجنيهين الباقيين حذاء له كعب عال رفيع وليس له وجه، (اختفاء ~~وجوه الأحذية في ذلك الوقت كان هدفه الكشف عن طلاء الأصابع الأحمر بلون الدم، أما الكعب ~~فكان موجودا ليخفي تشقق أقدام النساء بسبب الخدمة بالبيوت). # وسارت حميدة في الشارع تتأرجح على الكعب العالي، وذراعاها عاريتان، وفخذاها عاريتان، ~~وعنقها عار حتى منتصف ثدييها، أصبحت تشبه سيدتها، ومرت بحذاء الشاويش (الاسم الشائع للشرطي ~~في ذلك الوقت) فلم يقبض عليها، وتركها تمر أمامه مطرقا رأسه وخافضا عينيه ناحية الأرض ~~(كان اسم هذه الحركة «غض البصر» أمام المحصنات من النساء، وقد تدرب عليها في سنوات ~~الدراسة). # رفعت رأسها إلى فوق، وسارت بخطوات متأرجحة مهتزة، اهتزت كتفاها العاريتان وظهرت الكتف ~~اليسرى أعلى من الكتف اليمنى، والثدي الأيسر أعلى من الثدي الأيمن (كان ذلك بسبب المحفظة ~~المنتفخة المختفية تحت الثدي الأيسر)، واهتز الردفان أيضا، وأحدهما أعلى من الآخر. ms51 # ابتعدت عن الشرطي بضع خطوات وتحسست المحفظة، جلدها ناعم كاللعاب يجري فوق أصابع اليد بعد ~~قضمه فطيرا بالسكر، وتيار من الدم الساخن يسري من ثديها الأيسر إلى بطنها وفخذيها ~~وقدميها، ثم يصعد إلى رأسها وأذنيها وأنفها، ويهبط مرة أخرى إلى قلبها، في دورته العادية ~~المتكررة، باعثا في الخلايا الساكنة حركة جديدة لها لذة. # حركت فكها العلوي فوق السفلي ومضغت اللذة، ذابت اللذة في اللعاب فابتلعتهما، اختلطت ~~اللذة بالدم ودارت معه من الرأس إلى القدمين ومن القدمين إلى الرأس، وبدأ رأسها يدور، ~~فأسندت ظهرها إلى عمود نور، وأسدلت جفنيها فوق عينيها، فأصبح الشارع مظلما، والسماء ~~سوداء بغير قمر، سقط الضوء المستدير الأزرق فوق وجهها، عرفته على الفور (كان سيدها يطلي ~~فوانيس عربته بطلاء أزرق حتى لا يراه أحد أثناء جولاته الليلية). # فتح بابه وهبط من العربة، ثم استدار حولها وفتح لها الباب، انتظر حتى دخلت وجلست، فأغلق ~~الباب، ثم استدار مرة أخرى حول العربة حتى وصل إلى بابه، ففتحه ثم جلس وأغلق الباب (كان ~~سيدها قد تدرب على هذه الحركة الدائرية في كلية الآداب). # انغرز كعبها العالي الرفيع في بساط سميك طري كالعجين فانخلع حذاؤها، وظهر كعباها المشققان ~~فأخفتهما تحت الملاءة الحريرية، كان جسدها قد أصبح في وضع أفقي فوق شيء طري، أكثر طراوة من ~~العجين، فارتخى ردفها المشدود العضلات (بسبب طول الوقوف وراء العمود)، وبدأ جسدها يغوص في ~~العجين، القدمان، ثم الساقان، ثم الفخذان، ثم الصدر فالعنق، ولم يبق إلا الرأس بارزا فوق ~~السطح. # بدأ الرأس يغوص بالتدريج، الذقن، ثم الفم، ثم الأنف، انعدم الهواء، فاتسعت عيناها ~~السوداوان وملأهما الرعب، والرعب كائن عضوي من لحم ودم، تجسد أمامها على شكل مخلوق غريب ~~مشوه، رأسه إنسان وجسده قرد، رأسه عار حليق أملس، وصدره غابة شعر وإليتاه كرأسه عاريتان ~~ملساوان تشف بشرتهما عن لون الدم الأحمر كبشرة وجهه، وشفتاه حمراوان، منفرجتان، يظهر بينهما ~~لسانه الطويل الحاد كنصل أبيض له حافة معدنية صلبة، وفي نهايته ثقب مظلم يكمن فيه ~~الموت. # صرخت صرختها المكتومة ms52 غير المسموعة، وأسدلت جفنيها فوق الرعب ، زحف الرعب إلى حلقها (خلال ~~القناة الدمعية التي تصل العين بالأنف) وتكور كالغصة، شدت عضلات حلقها وبصقته بكل قوتها ~~فانبعثت من فمها وأنفها وأذنيها خيوط رفيعة كالنافورة. # ضحك سيدها في سعادة الأطفال، فقفز خده الممتلئ باللحم وسد عينيه تماما، أدركت أنه ~~سينام بعد لحظة (كان السلام الملكي قد دق معلنا انتهاء الحفل الترفيهي)، وحينما ارتفع ~~شخيره في الفضاء فتحت الأزرار الذهبية فوق صدره ورفعت المحفظة الجلدية الثقيلة الضاغطة على ~~قلبه. # فتحت الباب بهدوء، وسارت على مهل بخطوات واثقة، فتحت باب سيارتها بمفتاح فضي لامع كمفتاح ~~سيدتها، انزلقت العربة فوق الأسفلت الناعم كقارب رشيق يسبح، مرت بحذاء الشرطي الواقف على ~~الرصيف منتصبا كعمود النور، فاهتز (كأنما به مس كهربي) وارتفعت سبابة يده اليمنى ولامست ~~طرف أذنه اليسرى (حركة مقدسة في ذلك الوقت ترمز إلى حب الوطن). # أطلت من نافذة السيارة برأسها، سقط ضوء القمر على وجهها، كان الطريق خاليا إلا من ~~أعمدة النور، منتصبة على جانبي الطريق في وضع رأسي، ومن ناحية اليمين ترتفع الأذرع عاليا، ~~ومن ناحية اليسار رشقت في كل أذن أصبعا. # تعرفت على البقع السوداء فوق الأصبع، فهمست بصوتها الخافت: حميدو! لم يسمع حميدو شيئا، ~~وظل واقفا منتصبا، رأسه مرفوع نحو السماء، وأصبعه الأسود في أذنيه (جميع المسافرين إلى ~~الخارج كانوا يرون في مدخل كل بلد هذا النصب التذكاري للجندي المجهول). # مدت يدها وأمسكت يده، أصابعه كأصابعها والخطوط فوق كفه تشبه خطوطها، أشفقت عليه بحكم ~~المصير المشترك، وحاولت أن تثني ذراعه المرفوعة في إعياء، لكن الذراع الحجرية أبت الانثناء ~~وظلت مرفوعة في الهواء، رفعت عينيها إلى فوق ورأت العينين الواسعتين السوداوين تلمعان ~~بدمعة حقيقية كدمعة الأطفال، سقطت الدمعة على خدها ساخنة، وزحفت من زاوية فمها مرة ~~كالعلقم تحت لسانها، فابتلعتها، سقطت واحدة أخرى ساخنة على خدها، وزحفت إلى زاوية أنفها ~~مرة كالعلقم فابتلعتها، وبدأ الحزن يغزو جسدها من جميع المسام والفتحات، يدخل أنفها ~~وفمها وأذنيها كمسحوق ناعم، مدبب الذرات، كقطع الزجاج المبشور، ms53 تمزق الأغشية الرقيقة التي ~~تغلف الأنف والفم والشعب الهوائية، فتسعل بشدة، وينز من صدرها سائل أبيض يجري في قناة ~~طويلة ضيقة تصل القلب بالأنف بالأذنين بالعينين، فإذا بها تمخط لعابا من عينيها، وتبصق ~~دموعها من أنفها وفمها وأذنيها، وكلها بيضاء تخللها شعيرات من دم. # رفعت وجهها إلى ضوء القمر، أصبح بياضه شديدا خاليا من شعيرات الدم، وملامحه غريبة تشد ~~البصر لتناقضها الشديد، فالذقن صغير مستدير وناعم كذقن طفل، والجبهة بارزة خشنة مجعدة كجباه ~~العجائز، الشفتان عذراوان منفرجتان عن حرمان لا يرتوي كشفاه الزوجات العفيفات، والخدان ~~بارزان في شراهة حادة لا تشبع كخدود الأزواج المحترمين، والأنف مستقيم عال في كبرياء، سفيه ~~كسفاهة المجرمين والخارجين على القانون، والأذنان صغيرتان مستكينتان بغير حركة كآذان موظفي ~~الحكومة، والعينان سوداوان واسعتان، فيهما نظرة بدائية وقحة مرفوعة إلى أعلى وثابتة، لا تغض ~~البصر كعيون النساء المحتشمات المطرقات إلى الأرض حياء من أفكارهن الوقحة. # ملامح غريبة شديدة التناقض، والتناقض لشدة الغرابة كان منسجما مع الملامح على نحو متسق ~~مألوف، ويبلغ من شدة انسجامه واتساقه درجة من الجاذبية غير المألوفة، تشد إليها البصر ~~شدا، كأنما ليس لها وجه واحد وإنما وجهان أو ثلاثة أو أربعة، أو أن وجهها ليس وجها وإنما ~~شيء آخر. # شيء آخر مثير للحيرة والارتباك، والقلق بل والغضب، فالإنسان يغضب بطبيعة الحال حين ينظر ~~في وجه إنسان آخر فلا يرى نفسه وإنما عورته، ويشتد غضبه بطبيعة الحال أيضا إذا كانت عورته ~~غير مألوفة في شكلها أو غير طبيعية، والطبيعي أن يكون للعورة شكل مخجل مخل بالشرف، وأن ~~يكون لها رائحة نجاسة (كرائحة العرق أو البول أو غيرها من إفرازات الجسد السامة)، ولكن أن ~~تكون الرائحة طيبة معطرة فهذا هو الغريب، لأن الجسد في تلك الحالة يحتفظ في جوفه بالعرق ~~والسموم، فيصبح الجوف عفنا تفوح منه رائحة النجاسة، أما الوجه فيظل نظيفا أبيض تكسوه ~~ملامح النبل وعراقة الأصل (وغيرهما من السمات الرفيعة التي تظهر بوضوح على وجوه النبلاء ~~أمثال سيدها). # وتحرك وجه سيدها نحوها وهي واقفة ms54 في ضوء القمر، ظلت عيناها في عينيه سوداوين واسعتين ~~مفتوحتين لا تغضان البصر، أراد أن يبصق في وجهها من شدة الغضب، لكنه كان قد تعود أن يكظم ~~الغضب، فأصبح الغضب لا يحرك في وجهه إلا عضلة صغيرة عند زاوية أنفه، تتقلص فجأة، وتشد ~~شفتيه في انفراجة، تبدو للعين المجردة كالابتسامة. # لم يكن لديها موعد آخر فصعدت إلى السيارة، مرت السيارة من أمام بيته الرئيسي في ~~الزمالك، رأت سيدتها تطل من النافذة العالية المزركشة، كان رأسها بحجم الدبوس (بسبب ~~الارتفاع الشاهق)، لكنه رآها فأخفى وجهه بيده اليمنى وداس على البنزين بقدمه اليسرى فانطلقت ~~السيارة ولم يره أحد، سار على مهل في شارع النيل واجتاز الكوبري، فأصبح على مشارف حي بولاق، ~~حيث بيته الفرعي (كان لكل زوج محترم في ذلك الوقت بيت فرعي إلى جانب البيت الرئيسي، ويزيد ~~عدد بيوته الفرعية كلما زادت درجته). # وتجرد من ملابسه بسرعة (كعادة المشغولين بأمور هامة)، ثم رفع قدمه ووضعها على طرف السرير، ~~وبقيت القدم الثانية فوق الأرض (كان قد تدرب على الوقوف على ساق واحدة في سنوات الخدمة ~~العامة)، تصادف في هذه اللحظة أن حركت رأسها ناحيته فلم تجد آلة القتل، وإنما الجرح القديم ~~المسدود، كان يمكن أن تتسع عيناها السودوان في دهشة، لكن شيئا لم يكن يدهشها، فحركت رأسها ~~ناحية الحائط بغير اكتراث، رأت فوق الحائط سيدتها بملابسها العسكرية داخل إطار مذهب، ~~وعيناها شاخصتان فوق الكتلة العارية، تتابعان حركتها بنظرة الحكام الوقورة المتجهمة، ~~وتلتقطان الصور من جميع الزوايا (ملحوظة: حفظت هذه الصور في أرشيف المخابرات ~~المركزية). # وأصبح وجهها معروفا، حين تطل من نافذة العربة تلتوي ناحيتها الأعناق حانية الرءوس ~~بطبيعة الحال، وأصبح وجهها فوق الجدران، في ناصية كل شارع، حين كانت تقف تنتظر، وأحيانا ~~حين يطول بها الانتظار ترفع رأسها إلى فوق، وترى صورتها معلقة، شفتاها منفرجتان في ابتسامة ~~عريضة، ومن بينهما (عند ركن الفم) خيط طويل أبيض من اللعاب الدافئ يجري صاعدا إلى زاوية ~~الأنف ثم يدخل في الركن بين الأنف والعين. # وتمسح ms55 البلولة من فوق وجهها بكفها، ثم تمسح كفها في الجدار، وترسم على الجدار الكف وخمسة ~~أصابع آدمية، تهب عليها نسمة الليل، وتطلع عليها الشمس فتجف وتصبح بقعا سوداء بلون الدم ~~القديم. # سقطت أشعة الشمس فوق عيني حميدو وهو نائم في وضع رأسي بجوار الجدار، فتح عينيه ورأى ~~الكف والأصابع السوداء الممدودة، أصابعها كأصابعه والخطوط فوق كفها تشبه خطوطه، انفرجت ~~شفتاه هاتفا: حميدة! وشد آلة القتل بفخذه، لكن رأى المفتاح الفضي اللامع يتدلى من بين ~~أصابعها، فأدرك أنها سيدته، وأخفى الآلة في جيبه في لمح البصر، وتركها تتدلى مرتخية وراء ~~فخذه، ووقف في مكانه منتصبا، عضلات ظهره مشدودة، وذراعه اليمنى مرفوعة، وجفناه مرتخيان ~~متدليان فوق عينيه كالحجاب. # حين ابتعد صوت العربة رفع جفنيه، ورأى مؤخرة العربة المدببة تشق الظلمة، ثم ابتلعتها ~~الظلمة، ترك عضلات ظهره ترتخي، وذراعه تهبط، وشعر براحة، فملأ صدره بهواء الليل، وحاول أن ~~يتذكر وجهه وهو طفل، وشكل ملامحه حين كان يبتسم أو يضحك، فلم يتذكر شيئا، لم تكن هناك ~~طفولة ولا ابتسامة ولا ضحكة. # سمع وقع قدميه الثقيلتين فوق الأرض، يمين، شمال، يمين، شمال، لب، دب، لب، دب، الضربات ~~البطيئة المنتظمة، تتخللها مسافات من الصمت الأسود بلون الموت، سعل وبصق على الأرض البصاق ~~المدمم، سقطت الخيزرانة الرفيعة على ظهره ولسعته، فأدرك أنه عار وأنه لم يمت بعد، فقد ~~تفاؤله وبصق مرة أخرى، سمع الصوت الآمر المألوف فشد الآلة من الجراب الأسود، نظر بعين ~~واحدة في الثقب، وحدد النقطة في منتصف المسافة بين العينين، صاح الصوت الخشن: اضرب. ~~ضرب. # سقط الجسد الطويل المعوج، وفي منتصف جبهته البارز ثقب يجري منه خيط طويل من الدم، يخترق ~~العينين والخدين والأنف والشفتين ويدور حول الذقن الصغيرة المستديرة كذقن الطفل. # لم يكن طفلا واحدا، وإنما آلاف الأطفال أو ملايين، أجسادهم سقطت، فوق وجه كل منهم خيط ~~طويل من الدم يجري من العينين إلى الأنف والفم وبالعكس، والشمس سقطت فوق الأسفلت، والسماء ~~أصبحت زرقاء صافية وظهر فيها بوضوح الآلهة المكدسون الجالسون صفوفا، ساقا ms56 فوق ساق، يدخنون ~~النرجيلة. # مد حميدو ساقه فارتطمت بساق أخرى، مد ذراعه فارتطمت بذراع أخرى، أصبح غارقا في بحر ~~من الأجسام الميتة، بدأ يسبح بذراعيه وساقيه في الخضم الكبير، توقف لحظة ليلتقط نفسه، ~~وتلفت حوله ليعرف أين هو أو من الذي أتى به إلى هنا، لم يتذكر شيئا سوى أنه كان طفلا، وأن ~~قبضة يد قوية اندفعت في ظهره، وقذفت به في البحر، رأى اليد مرسومة فوق الجدار، الكف الكبيرة ~~ككف أبيه، والأصابع متورمة مشققة كأصابع أمه، انفرجت شفتاه وهتف: أمي! نظرت إليه أمه ~~بعينيها السوداوين، والطرحة السوداء على رأسها وعنقها وكتفيها وبطنها. # كانت واقفة بقامتها الطويلة لا تتحرك وصدرها العالي ثابت بحذاء رأسه، وضع رأسه على صدرها، ~~ودفن أنفه بين ثدييها، أبعدته أمه بيدها القوية، فرفع رأسه إليها، ورأى عيني أبيه ~~الواسعتين تلمع فوق بياضهما الكبير الشعيرات الحمراء كالثعابين الرفيعة، وسمع صوته الغليظ: ~~العار لا يغسله إلا الدم. # اقترب من أبيه، وعيناه ثابتتان في عينيه لا ترمشان، ارتجفت الشعيرات الحمراء فوق البياض ~~الكبير (الإنسان يفزع إذا ما رأى عينا مفتوحة تنظر إليه دون أن ترمش، معنى ذلك أنها تفحصه ~~جيدا لتراه على حقيقته). # تراجع أبوه خطوة إلى الوراء فسقط ضوء المصباح على وجهه، رفع كفه الكبيرة وأخفى وجهه، لكن ~~الضوء كان يكشف جسده الطويل الضخم وهو واقف يسد الباب، نفخ ذؤابة الضوء فانطفأت، وأصبحت ~~الظلمة شديدة، الأرض كالجدار كالسقف، فتعثرت قدمه الكبيرة الحافية في العتبة المرتفعة بعض ~~الشيء، لكنه استعاد توازنه، ووثب كالفهد على أطراف أصابعه المطاطية، ثم سار على مهل وحذر ~~متخطيا شيئا يشبه البلغة (الحذاء بلغة أهل الريف). # صرخ حميدو بصوت الأطفال، لكن جسده لم يكن جسد طفل، وامتدت يده في جيبه الطويل كالجراب، ~~وشد الآلة المعدنية الصلبة، حدد النقطة في منتصف المسافة بين الدائرتين البيضاوين تلمع ~~فوقهما الخيوط الحمراء، كتم نفسه وأغمض عينيه وضغط على الزناد. # فتح عينيه ورأى الجسد المعوج ممددا تحت الشمس، عيناه الواسعتان مرفوعتان إلى أعلى ~~وذراعه اليمنى متدلية إلى جواره تقبض على ms57 شيء، فتح حميدو أصابعه، فسقط القرش في كفه، أغلق ~~عليه يده، وذهب إلى الدكان ليشتري تبغا، اشترى قطعة من الحلوى ووضعها في فمه، استدار ~~ليعود، لكن البائع طالبه بالقرش، فتح يده المغلقة فلم يجد شيئا، أمسك البائع العصا وجرى ~~خلفه. # كان جسده خفيفا صغيرا يطير في الهواء كأجساد العصافير، وكان من الممكن أن يسبق البائع ~~(لو كان عصفورا)، لكنه أحس فجأة (وكما يحدث في الأحلام) أن جسده أصبح ثقيلا كأنه تحجر على ~~شكل تمثال، تسمرت قدماه في الأرض، وثبتت ذراعاه بالحديد والأسمنت، والفخذان أصبحتا من ~~الرخام، وكل فخذ شد إلى ناحية، ودق في كل قدم مسمار كالمصلوب، وارتفعت العصا الرفيعة ~~من الخيزران في الجو، طويلة ورفيعة ومعوجة كالقوس، ثم هوت على شيء طري ساخن كاللحم ~~الحي. ~~••• # حين فتح حميدو عينيه، كان ضوء النهار يملأ الغرفة، وأيقن أن ما رآه لم يكن إلا حلما، ~~فقفز من فوق الحصيرة وجرى إلى الشارع، كان أصدقاؤه من أطفال الجيران يلعبون كعادتهم في ~~الحارة الممتدة أمام البيوت الطينية، يمسك كل منهم يد الآخر ويصنعون دائرة تلف وتدور، ~~وصوت غنائهم الحاد الرفيع يدور مع حركة أجسادهم في أغنية واحدة، لها مقطع واحد، يتكرر في ~~دورة متصلة لا تنقطع: # حميدة ولدت ولد، # سمته عبد الصمد، # سابته على الأنايا، # خطفت رأسه الحدايا، # حد يا حد يا بوز القرد. # ولأنهم يدورون ويغنون بغير انقطاع، فلا يمكن للأذن أن تعرف بداية الأغنية من نهايتها، ولا ~~يمكن للعين أن تعرف بداية حركتهم من نهايتها؛ لأنهم أطفال، ولأن الأطفال حين يلعبون يمسكون ~~بأيديهم بعضهم بالبعض على شكل دائرة مغلقة. ~~••• # ولكن لا بد لي أن أنهي القصة، فكل شيء له نهاية، لكن نقطة النهاية في هذه القصة لا أستطيع ~~تحديدها، فالنهاية لا تنتهي بنقطة محددة، لأن النهاية في حقيقة الأمر غير موجودة، أو أن ~~النهاية والبداية تتصلان في خيط واحد دائري من الصعب تحديد أوله من آخره. # ومن هنا الصعوبة في إنهاء شيء، وبالأخص إذا كان قصة حقيقية، أي قصة صادقة كل الصدق، ms58 دقيقة ~~غاية الدقة، والدقة تقتضي من الكاتب أو الكاتبة أن يراعي كل حرف، وألا يهمل أي نقطة. إن ~~نقطة واحدة قد تقلب كيان معنى من المعاني، وبالذات في اللغة العربية، الذكر قد يصبح أنثى ~~بسبب نقطة أو شرطة، والبعل يصبح بغلا، والوعد وغدا، وهكذا. # ومن هنا أهمية النقطة الدقيقة المحددة؛ أي النقطة ~~الهندسية، وبمعنى آخر، لا بد من دقة علمية في العمل الفني الجيد، لكن العلم يفسد الفن، ~~وهذا الإفساد هو بالضبط ما أردته في هذه القصة لتصبح جيدة، أو لتصبح حقيقية وصادقة صدق ~~الحياة الحية؛ لأن الحياة قد تكون ميتة في بعض الأحيان، كالإنسان الذي يمشي على الأرض دون ~~أن يعرق، أو دون أن يبول، أو دون أن ينبعث من جسده شيء فاسد، لا يمكن للإنسان الحي أن يحبس ~~فساده في داخله، وإلا مات، وأصبح وجهه أبيض ناصع البياض، وجوفه عفنا عفونة الموت. # خيل إلي (والخيال في تلك اللحظة كان حقيقة)، أن طفلا من الأطفال المنشدين ~~المتماسكين بالأيدي على شكل دائرة تدور خرج فجأة من الدائرة، رأيت جسمه الصغير ينفصل عن ~~الخط الدائري المنتظم في دورانه كنقطة لامعة محددة، كنجم فقد توازنه الأبدي فانفصل عن الكون ~~اللانهائي، واندفع بحركة عشوائية سريعة متوهجا بشعلة كالشهب قبل أن يحترق. # وباستطلاع غريزي تابعت عيني حركته، وحين توقف كان قد أصبح بالقرب مني، ورأيت وجهه، لم يكن ~~طفلا ذكرا، كان أنثى، لم أعرف عن يقين أنها أنثى، فوجوه الأطفال كوجوه العجائز ليس لها ~~جنس. # الوجه (للغرابة الشديدة) لم يكن غريبا علي، كان مألوفا بدرجة أثارت دهشتي إلى حد عدم ~~التصديق، فليس من المعقول أن يخرج الإنسان من بيته في الصباح ذاهبا إلى عمله، فإذا به ~~يصطدم بشخص آخر، ما إن يرفع وجهه إليه حتى يراه وليس أي وجه آخر. # أعترف أن جسدي ارتج، نوع من الذعر شديد، يشل قدرة الإنسان على التفكير، ومع ذلك فكرت، ~~لماذا يذعر الإنسان حينما يرى وجهه وجها لوجه؟ ربما هي الغرابة الشديدة، أو ربما هي الألفة ~~الشديدة، حينئذ ms59 يختلط على الإنسان كل شيء، وتصبح الأشياء المتناقضة متشابهة إلى حد ~~التماثل، فالأسود يصبح أبيض، والأبيض أسود، ومعنى ذلك أن يواجه الإنسان بعينيه المفتوحتين ~~حقيقة أنه أعمى. ms60