######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.Zarqa.Hindawi40835726 #META# Tags: plays #META# ID: 40835726 #META# Title: الزرقاء #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # الشخصيات‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # الشخصيات‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # | الزرقاء # | الزرقاء # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من ms01 البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في ms02 اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية ms03 والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | إهداء # قطعة نابضة من نفسي أمنحها إلى أستاذي الكبير الدكتور فهيم فهمي الذي استطاع أن ~~يعلمني الطب وعجز عن أن يعلمني الإنسانية فاستطعت أن أمنحه كل شيء عندي إلا ~~نفسي. # د. نادرة # | الشخصيات # د. نادرة: # شابة في الخامسة والثلاثين، قوية الملامح فيها جمال طبيعي ~~وجاذبية. # شهدي: # تمورجي في الأربعين، قوي الملامح، في وجهه إنسانية وطيبة. # د. شرف الدين: # شاب في الثلاثين، رقيق الملامح. # أ.د. فهيم فهمي: # رجل في الخامسة والأربعين، له ملامح قوية جذابة. # د. توفيق: # شاب في الثلاثين، عادي. # تفيدة: # امرأة في الأربعين، ترتدي باروكة وملامحها صناعية أو مصنوعة. # السجان: # رجل في الأربعين، ضخم الجثة، قوي الجسم. # الوالي: # رجل في الخمسين، له هيئة الحكام. # مارة في الشارع. # عمال. # عاملات. # أطفال. # الفصل الأول: 9 مشاهد ~~(1) # د. شرف الدين، التمورجي شهدي، عامل يحتضر (في حجرة الطبيب بالمصنع بها ~~سرير). ~~(2) # د. توفيق، د. شرف الدين (في حجرة الطبيب بالمعمل، بها ~~ميكروسكوب). ~~(3) # د. فهيم فهمي، الوالي (في مكتب الوالي الفاخر). ~~(4) # د. فهيم، د. شرف الدين (في حجرة بالمعمل، بها ميكروسكوب). ~~(5) # د. توفيق، د. شرف الدين (في نفس الحجرة السابقة). ~~(6) # د. شرف الدين، التمورجي شهدي، عامل يحتضر (في حجرة الطبيب بالمصنع بها ~~سرير). ~~(7) # التمورجي شهدي يسير حاملا على كتفيه عاملا، المسرح خال ومظلم (موسيقى ~~حزينة). ~~(8) # امرأة ترتدي السواد تجري مهرولة وتجتاز المسرح ومن خلفها أطفال يجرون ~~خلفها. ~~(9) # أصوات تسمع فقط (حسب النص) المسرح خال ومظلم. # المسرح مظلم # الصالة تضاء. استراحة قبل الفصل الثاني. # تستمر الموسيقى الحزينة خلال الاستراحة والمسرح يظل مظلما. # الفصل الثاني: 8 مشاهد ~~(1) # طفل صغير يجلس ms04 وحيدا على خشبة المسرح . المسرح مظلم وخال. المسرح يمتلئ ~~بالمارة في كل اتجاه. المسرح يضيء. ~~(2) # د. فهيم، زوجته تفيدة (في حجرة نومها الفاخرة). ~~(3) # التمورجي شهدي، د. شرف الدين يحتضر، د. توفيق (في حجرة الطبيب ~~بالمصنع بها سرير). ~~(4) # التمورجي شهدي، السجان (في زنزانة). ~~(5) # شهدي، د. نادرة (في نفس الزنزانة السابقة). ~~(6) # د. نادرة، د. فهيم (في مكتب د. فهيم الفاخر). ~~(7) # د. فهيم، د. توفيق (في المكتب السابق). ~~(8) # نادرة، شهدي، شرف الدين، فهيم، توفيق، تفيدة، السجان، الوالي يدخلون ~~المسرح بهذا الترتيب ويخرجون منه بهذا الترتيب؛ نادرة في المقدمة والوالي ~~في المؤخرة. # الملابس # د. شرف الدين، ود. توفيق، ود. نادرة يظهرون دائما بالبالطو الأبيض. # د. فهيم فهمي يرتدي حلة أنيقة بغير بالطو أبيض. # الملابس الأخرى حسب الشخصية. # الديكور # بسيط للغاية؛ سرير، ميكروسكوب، كراس، فيما عدا الأثاث الفاخر الآخر. # | الفصل الأول # 7 مشاهد # المشهد الأول ~~(د. شرف الدين طبيب المصنع جالس إلى مكتبه. يدخل التمورجي شهدي حاملا أحد العمال ~~يساعده اثنان من العمال. يضعون المريض على السرير. د. شرف الدين يسرع إلى إسعافه. شهدي ~~يساعده. المريض في حالة سيئة يتنفس بصعوبة. شفتاه زرقاوان.) ~~(د. شرف الدين يجس النبض.) # د. شرف الدين ~~: # هات لي حقنة كورامين بسرعة. # شهدي ~~: # حاضر يا دكتور. ~~(يجري شهدي، يحضر الحقنة، وشرف الدين يعطيها للمريض في ~~ذراعه.) ~~(العاملان لا يزالان يقفان، ينظران إلى زميلهما المريض في ~~حزن.) # شهدي ~~: # اتفضلوا انتم يا رجاله شوفوا شغلكم عشان احنا نشوف شغلنا. # أحد العمال ~~: # فيه أمل يا عم شهدي؟ # شهدي ~~: # طول ما هو بيتنفس يبقى فيه أمل، مفيش أمل ازاي؟ فيه أمل. فيه. ~~(يخرج العاملان.) ~~(د. شرف الدين يجس النبض.) # د. شرف الدين ~~: # هات كمان حقنة يا شهدي. ~~(شهدي يجري ويحضر الحقنة الثانية.) ~~(المريض يموت قبل أن يأخذ الحقنة.) ~~(د. شرف الدين يقف أمامه حزينا ممسكا بالحقنة في ~~يده.) ~~(شهدي يغطي الميت بالملاءة.) ~~(الاثنان يقفان في صمت وحزن.) # شهدي ~~: # البقية في حياتك يا دكتور، الموت مكتوب علينا، ما حدش بيموت ناقص عمر. # د. شرف الدين ~~: # أيوه. ms05 # شهدي ~~: # بس أنا بفكر في ولاده ومراته، كان هو اللي بيجري عليهم ويوكلهم، مالهوش حد ~~غيره، حيعملوا إيه بعد ما راح؟ # د. شرف الدين ~~: # لازم نجمعلهم حاجة يا شهدي لغاية ما يصرفوا المعاش. # شهدي ~~: # معاشه هيصرف على عيل واحد من خمسة؛ ربنا معاهم، أنا حلملهم من العمال قرشين ~~لحد ما ربنا يفرجها. ~~(يسكت لحظة.) # أنا لسه لامم منهم الأسبوع اللي فات عشان ولاد المرحوم متولي وقبل كده لميت ~~منهم عشان ... ~~(يسكت لحظة.) # أهو كله بثوابه، مفيش حاجة بتضيع، القرش اللي تدفعه النهارده بيتحوش ~~لولادنا بكرة، حد عارف بكرة حيحصل إيه. ~~(يعود إلى حيث يجلس د. شرف الدين ساهما حزينا.) # شهدي ~~: # عاوز أقولك حاجة يا دكتور. # د. شرف الدين ~~(بصوت حزين) ~~: # إيه يا شهدي؟ # شهدي ~~: # أنا ملاحظ ... # د. شرف الدين ~~: # ملاحظ إيه يا شهدي؟ # شهدي ~~: # ده رابع واحد بيموت الشهر ده يا دكتور. # د. شرف الدين ~~(بصوت قلق) ~~: # أيوه الرابع يا شهدي. # شهدي ~~: # قبليه كان محمد وقبله كان علي، ومتولي. # د. شرف الدين ~~: # أيوه يا شهدي. # شهدي ~~: # أنا ما بقولش حاجة يا دكتور، الأعمار بيد الله، لكن أنا لاحظت إن كلهم ... # د. شرف الدين ~~(ينهض) ~~: # كلهم إيه يا شهدي؟ # شهدي ~~: # مش عارف يا دكتور. هو حضرتك ما لاحظتش إنهم الأربعة تقريبا ... # د. شرف الدين ~~(قلقا) ~~: # تقريبا إيه يا شهدي؟ # شهدي ~~: # بقول يعني تقريبا ماتوا موتة واحدة. ~~(شهدي يبدو عليه التوتر والقلق.) # د. شرف الدين ~~: # انت كمان لاحظت يا شهدي؟ أنا كنت باكدب نفسي وأقول إنها جايز تكون صدفة، لكن ~~انت كمان لاحظت؟ # شهدي ~~: # أيوه لاحظت يا دكتور. # د. شرف الدين ~~: # قولي لاحظت إيه؟ # شهدي ~~: # شفايفهم يا دكتور ازرقت. # د. شرف الدين ~~: # هيه، وإيه كمان؟ ~~(الدكتور يكشف الملاءة عن وجه العامل الميت الراقد على ~~السرير. ينظر في وجهه لحظة ثم يغطيه.) # شهدي ~~: # لما «محمد» شفايفه ازرقت قلت لازم من رطوبة المصنع والدنيا شتا، وهو طول عمره ~~خفيف وما يستحملش حاجة. ولما «علي» شفايفه ازرقت قلت يمكن برضه الشتا ورطوبة ~~البلاط اللي بيقف ms06 عليه سبع ساعات. ولما «متولي » راخر قلت إيه الحكاية؟ # والنهارده، الرابع في شهر واحد؛ الفار لعب في عبي. ~~(د. شرف الدين يمشي في قلق وتوتر، يفكر.) # د. شرف الدين ~~: # أنا برضه شكيت. # شهدي ~~: # شكيت في إيه يا دكتور؟ ~~(شرف الدين صامت لا يرد.) # شهدي ~~: # طمني يا دكتور عشان أطمن العمال أحسن ... # د. شرف الدين ~~: # أحسن إيه، حد منهم لاحظ كمان؟ # شهدي ~~: # حضرتك عارف يا دكتور العمال مشغولين على الآخر وكل واحد منهم ملهي في حاله ~~وعياله، كل واحد فيهم مش لاحق ياخد نفسه عشان يجيب لقمة العيش لولاده، لو طب ~~اللي واقف جنبه ما حدش حيلاحظ حاجة. أنا يا دكتور اللي لاحظت الزرقان الغريب ده ~~في الشفايف. # د. شرف الدين ~~: # ولاحظت إيه كمان يا شهدي؟ # شهدي ~~: # مفيش غير زرقان الشفايف. هو إيه ده يا دكتور؟ مرض ده ولا إيه؟ # د. شرف الدين ~~: # ما لاحظتش الكحة تاني يوم؟ # شهدي ~~: # لا يا دكتور؛ أصلهم كلهم بيكحوا. فيه حد ما بيكحش كحة طبيعية كده أو كحة ~~سجاير. # د. شرف الدين ~~: # لا، بس دي كحة من نوع تاني؛ زي ما يكون حاجة مشروخة في الصدر، وتالت يوم نفسهم ~~ينكرش. # شهدي ~~: # دي حاجة غريبة يا دكتور، تفتكر هم الأربعة ماتوا بعيا واحد؟ # د. شرف الدين ~~: # ده اللي مخوفني يا شهدي؛ وعشان كده لازم آخد عينة من الرئة المرة دي ~~وأبعتها المعمل عشان تتفحص. هات لي مشرط يا شهدي. # شهدي ~~: # حاضر يا دكتور. ~~(يناوله المشرط. د. شرف الدين يكشف صدر الميت ويأخذ ~~العينة.) ~~(ظلام.) # المشهد الثاني ~~(د. توفيق في مكتبه، جالس وأمامه الميكروسكوب، ينظر فيه. د. ~~شرف الدين واقف إلى جواره.) # د. توفيق ~~: # تعالى يا شرف الدين بص كده! ~~(د. شرف الدين ينظر في الميكروسكوب.) # د. توفيق ~~: # شايف إيه؟ ~~(شرف الدين يرفع وجهه إلى توفيق في صمت وقلق.) # د. توفيق ~~: # إيه؟ شفت إيه؟ ساكت ليه؟ # د. شرف الدين ~~: # أنا مش ساكت. # د. توفيق ~~: # ما انت ساكت اهه! # د. شرف الدين ~~: # بس عاوز اتأكد تاني. ~~(د. شرف ms07 الدين ينظر مرة أخرى في الميكروسكوب.) # د. توفيق ~~: # باينة زي الشمس. # د. شرف الدين ~~: # الزر... # د. توفيق ~~: # الزرقا. # د. شرف الدين ~~: # الزرقا؟ # د. توفيق ~~: # أيوه الزرقا. # د. شرف الدين ~~: # المسألة تبقى خطيرة يا توفيق. # د. توفيق ~~: # طبعا خطيرة، أنا مش عارف الميكروب ده جه للمصنع منين؟ # د. شرف الدين ~~: # يمكن من دفعة الأرانب الأخيرة التي جت من استراليا. # د. توفيق ~~: # لازم هي دفعة الأرانب الأخيرة. وحتعمل إيه يا شرف الدين؟ # د. شرف الدين ~~: # دي مشكلة كبيرة؛ الزرقا مرض معدي، الأرانب تنقله للإنسان في تلات ايام يكون ~~انتهى. # د. توفيق ~~: # ومالوش علاج لغاية النهارده. # د. شرف الدين ~~: # مفيش علاج، لكن ممكن نحمي العمال من العدوى. # د. توفيق ~~: # ازاي؟ # د. شرف الدين ~~: # طبعا في المصنع الحالي مش ممكن؛ المصنع قديم، أصله ماتبناش عشان يبقى مصنع، ~~المصنع ده لازم ينهد، رطوبة وضلمة وغير صحي بالمرة، لازم ينهد ويتبني مصنع جديد ~~يفصل بين الأرانب والعمال، انت عارف الزرقا بتنتقل عن طريق الهواء، ولو فصلنا ~~الأرانب عن العمال حنمنع العدوى منهم. المصانع في استراليا كلها بالشكل ده. إيه ~~رأيك يا توفيق؟ # د. توفيق ~~: # والله أنا مافهمش في الحاجات دي، إحنا لازم نروح نقول للدكتور فهيم؛ هو ~~المسئول وعليه هو اللي يفكر ويشوف الحل. # د. شرف الدين ~~: # يالا بينا بسرعة. ~~(ظلام.) # المشهد الثالث ~~(الوالي جالس إلى مكتبه الفاخر. الأستاذ الدكتور فهيم جالس ~~أمامه في تأدب واحترام.) # الوالي ~~(قلق) ~~: # والأرانب يا دكتور فهيم، مفيش أي خطر على الأرانب؟ # د. فهيم ~~: # لا يا فندم زي ما أكدت لسيادتك الأرانب تحمل الميكروب بس ولا تعياش أبدا. # الوالي ~~: # برضه مش قادر أفهم إزاي الميكروب يعيش جوه رئة الأرانب وما يعملش حاجة ولما ~~ينتقل للبني آدم يجبله الزرقا، أو البلا الأزرق ده؟ # د. فهيم ~~: # دي حاجات معروفة في الطب يا فندم، وفيه ميكروبات كتير بالشكل ده؛ تعيش جوه ~~الحيوان ولما تنتقل للإنسان تسببله المرض. # الوالي ~~: # الأرانب هم ثروة البلد، راسمالنا الوحيد، مش عاوز يكون عندي أي شك إنها ممكن ~~تكون معرضة ms08 لأي خطر. # د. فهيم ~~: # من ناحية الأرانب يا فندم مفيش أي خطر، الخطر على العمال. # الوالي ~~: # احنا عندنا كام أرنب السنة دي؟ # د. فهيم ~~: # 13 مليون يا فندم. # الوالي ~~: # أفتكر انهم بيزيدوا بمعدل كويس. # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # يبدو إن حبوب زيادة النسل إلي انتم بتدوها لها من السنة اللي فاتت جابت ~~نتيجة. # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم، الحبوب زودت نسل الأرانب إلى حوالي 50٪. # الوالي ~~: # كويس خالص، والنسل الجديد قوي وصحته كويسة؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # والدفعة الجديدة من الأرانب الأسترالي كلها كويسة؟ # د. فهيم ~~: # كلها كويسة. # الوالي ~~: # وهي اللي جابت الزرقا؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # انتم مش بتاخدو منها عينات قبل ما تحطوها مع الأرانب التانية؟ # د. فهيم ~~: # أخذت عينات يا فندم، وكانت كلها سلبية. سعادتك عارف إن العينة وبالذات في ~~الزرقا جايز تكون سلبية لكن الميكروب يكون كامن جوه الرئة. # الوالي ~~: # شيء غريب فعلا! ومفيش أي أرنب ظهرت عليه أي أعراض؟ # د. فهيم ~~: # لا يا فندم مش ممكن تظهر عليه أي أعراض لأن الأرانب مش بتعيى بالزرقا. من ~~ناحية الأرانب سعادتك تكون مطمن وعلى مسئوليتي أنا، الخوف على العمال. # الوالي ~~: # ازاي؟ # د. فهيم ~~: # الزرقا في 3 أيام بتقضي على العامل. # الوالي ~~(قلق) ~~: # يعني ممكن تخلص على العمال بتوعنا؟ # د. فهيم ~~: # لا يا فندم، الزرقا مش بتنتشر بسرعة، انتشارها بطيء. # الوالي ~~: # بطيء ازاي؟ # د. فهيم ~~: # يعني بتصيب عدد قليل من العمال؛ العامل القوي اللي صحته كويسة ممكن يقاومها، ~~لكن العامل اللي جسمه ضعيف بتقضي عليه، وكمان الميكروب ميتحملش الحرارة والشمس؛ ~~وعشان كده تقريبا بيموت في الصيف. # الوالي ~~: # لله في خلقه شئون. # د. فهيم ~~: # الشهر اللي فات مات أربعة من العمال. # الوالي ~~: # اشمعنى يعني أربعة؟ # د. فهيم ~~: # كان ممكن يبقى أقل من كده أو أكثر شوية، لكن على العموم تقريبا نسبة انتشار ~~الزرقا زي ما قلت لسعادتك انتشارها بطيء لكن بتستمر سنوات كتيرة. # الوالي ~~: # سنوات طويلة؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # وكل شهر ms09 تموت أربع عمال؟ # د. فهيم ~~: # تقريبا يا فندم. # الوالي ~~: # أربعة في 12 شهر يعني حنفقد حوالي خمسين عامل في السنة. # فهيم ~~: # تقريبا يا فندم. # الوالي ~~: # وقلت لي إن مفيش علاج لها لغاية النهارده؟ # د. فهيم ~~: # أيوه. # الوالي ~~: # إذن مفيش في إيدنا حاجة نعملها يا د. فهيم. # د. فهيم ~~: # مفيش، لكن ... ممكن نمنع المرض. # الوالي ~~: # مش فاهم. # د. فهيم ~~: # المصنع الموجود مصنع قديم زي ما سعادتك عارف، ماتبناش في الأصل عشان يبقى ~~مصنع. # الوالي ~~: # لكن بقى مصنع وشغال كويس والإنتاج بيزيد. مش كده ولا إيه؟ # د. فهيم ~~: # أيوه بيزيد يا فندم. # الوالي ~~: # إحنا زدنا أد إيه السنة دي؟ # د. فهيم ~~: # حوالي 50٪ يا فندم. # الوالي ~~: # يعني زي نسبة زيادة الأرانب. # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # كويس خالص. ~~(الوالي يصمت ويفكر لحظة.) # الوالي ~~: # تعرف يا دكتور فهيم؟ أنا لسه مش متصور ازاي الميكروب يعيش جوه رئة الأرانب، ~~وما يسببش لها أي مرض. # د. فهيم ~~: # ربنا خلقه كده يا فندم. # الوالي ~~: # ربنا كبير، عالم بحالنا، لو جرى أي حاجة للأرانب البلد تضيع يا دكتور فهيم. ~~فاهم تضيع يعني إيه؟ # د. فهيم ~~: # فاهم يا فندم، سعادتك تكون مطمن خالص على الأرانب، أنا احب افكر سيادتك إن ~~احنا فقدنا أربعة من العمال. # الوالي ~~: # اشمعنى الأربعة دول اللي جالهم الزرقا؟ # د. فهيم ~~: # جايز جسمهم أضعف، جايز مناعتهم أقل، سنهم أكبر ... # الوالي ~~: # يعني الميكروب بيختار الأضعف؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # ميكروب عنده عقل! والميكروب ده يستمر كده؟ # د. فهيم ~~: # هو بيزيد في الشتا عشان البرد والعطس؛ الميكروب زي ما قلت لسعادتك بينتقل عن ~~طريق الهوا. ~~(الوالي ينظر إلى الهواء في قلق وفزع.) # الوالي ~~: # الهوا؟ يعني ممكن يوصل لغاية عندنا؟ # د. فهيم ~~: # لا يا فندم مش ممكن؛ الميكروب بيموت بسرعة في الجو، وخصوصا إذا كان فيه شمس ~~وهوا، الميكروب لا يمكن يقدر يخرج بره المصنع. # الوالي ~~: # الكلام ده أكيد مية المية؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم، دي حاجة معروفة في الطب. # الوالي ~~: # يعني مفيش خطر علينا، ms10 أي احتمال لأي خطر؟ # د. فهيم ~~: # مفيش أي خطر يا فندم، الخطر بس على اللي جوه المصنع، أو اللي يدخل المصنع. # الوالي ~~: # كان لازم تنبهني للمسألة دي يا د. فهيم؛ أنا كنت نازل مرور للمصنع بكرة. # د. فهيم ~~: # ما كنت حقول لسعادتك. # الوالي ~~: # وانت كمان يا د. فهيم بلاش تروح المصنع، إدي تعليماتك من مكتبك؛ إنت راجل كفء ~~ومخلص للبلاد ولازم نحافظ عليك. # د. فهيم ~~: # أشكرك يا فندم. # الوالي ~~: # انت قلت حنخسر كم عامل تقريبا في السنة؟ # د. فهيم ~~: # حوالي 50 عامل. # الوالي ~~: # عدد مش كبير بالنسبة لعدد العمال عندنا، وممكن تعويضهم من الدفعات الجديدة ~~اللي بتاخدوها كل سنة، بيتقدم لكم طلبات كثيرة مش كده؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # الأيدي العاملة عندنا كثيرة قوي، وكل سنة بتزيد عن السنة اللي قبلها، ~~وإمكانياتنا محدودة ومصنعنا ما بيقدرش يشغل كل دول، بنواجه مشكلة بطالة، ~~ومشكلة عيال بيتولدوا وبيزيدوا يوم ورا يوم، لا لهم شغل ولا لهم أكل، أجيب منين ~~يا د. فهيم؟ أنا قلت لك تشفلي حل في المشكلة دي. # د. فهيم ~~: # أنا كلفت الدكتور المختص اللي اكتشف الحبوب اللي زودت نسل الأرانب، إنه يعمل ~~بحوث ويحاول يشوف دوا يقلل نسل البني آدمين. # الوالي ~~: # وعمل إيه؟ # د. فهيم ~~: # هو اكتشف دوا تشربه الست من دول معلقة تلات مرات في اليوم الواحد، بعد أسبوع ~~واحد نسلها يقل 50٪. # الوالي ~~: # يعني الست من دول اللي كانت بتولد عشر عيال تولد خمسة؟ # د. فهيم ~~: # أيوه، النسبة طلعت كده من التجارب بتاعتنا. # الوالي ~~: # برضه مش كفاية يا د. فهيم، أنا عاوز الست الي كانت بتولد خمسة تولد واحد بس. ~~كفاية عيل واحد؛ احنا عندنا نسبة بطالة كبيرة. انت بيتقدم لك كام طلب كل سنة ~~عشان يشتغلوا في المصنع؟ # د. فهيم ~~: # حوالي ألفين طلب يا فندم. # الوالي ~~: # وبتقدر تشغل كام؟ # د. فهيم ~~: # حوالي 200 أو 250، بالكتير 300 حسب حاجة المصنع. # الوالي ~~: # يعني بتشغل العشر. # د. فهيم ~~: # تقريبا. # الوالي ~~: # يبقى عيل واحد برضه كتير يا د. فهيم. ms11 احنا عاوزين نخفض عدد الناس للعشر؛ ~~يعني الست اللي كانت بتولد عشرة تولد واحد بس، واللي بتولد خمسة تولد نص. # د. فهيم ~~: # نص؟ # الوالي ~~: # النسبة لازم تبقى كده عشان نقضي على البطالة. # د. فهيم ~~: # أنا حكلف الدكتور المختص يبحث عن دوا تاني أكثر فاعلية. # الوالي ~~: # متشكر يا د. فهيم. لازم وراك شغل. # د. فهيم ~~(ينهض) ~~: # أيوة يا فندم، بس كنت عايز آخد رأي سعادتك في موضوع الزرقا. # الوالي ~~: # رأي في إيه؟ # د. فهيم ~~: # قصدي حكاية أربعة أو خمسة من العمال يعيوا ويموتوا كل شهر دي جايز تخلي ~~العمال يلاحظوا إن فيه حاجة مش طبيعية. # ثم إن الدكاترة حللوا وعرفوا الميكروب. # الوالي ~~: # وإيه فايدة ما عرفوا؟ هل عندهم علاج؟ # د. فهيم ~~: # مفيش علاج للمرض نفسه، لكن الدكاترة بيقولوا إن العلاج الوحيد هو إن احنا ~~نمنع المرض. # الوالي ~~: # إزاي؟ # د. فهيم ~~: # كان عندهم اقتراح؛ بيقولوا إن احنا نهد المصنع القديم ونبني مصنع جديد يتصمم ~~بطريقة حديثة، بحيث إن الأرانب تعيش في غرفة خاصة معزولة عن العمال. أستراليا ~~عملت كده. # الوالي ~~: # واحنا زي استراليا يا د. فهيم؟! أنا مش عارف الدكاترة بتوعك عايشين معانا ولا ~~في المريخ. تفكيرهم ده يدل على إنهم يجهلوا الواقع بتاعنا، يجهلوا إمكانياتنا. ~~التفكير العلمي هو التفكير اللي يتمشى مع الواقع، أما الأحلام والأفكار الخيالية ~~دي كلها دليل الجهل والرعونة. أنا حاهد المصنع وابني مصنع جديد بأد إيه وعشان ~~إيه؟ حادفع كام وآخد كام؟ الهد والبنا يكلفنا أد إيه؟ # د. فهيم ~~: # حوالي 10 مليون جنيه. # الوالي ~~: # أدفع عشرة مليون جنيه منين وعشان إيه؟ عشان أوفر خمسين أو ستين عامل في السنة ~~بيجيلي بدلهم كل سنة ألفين؟ # د. فهيم ~~: # هو فعلا اقتراح خيالي شويه يا فندم؛ أصلهم شباب. # الوالي ~~: # مش خيالي بس، ده اقتراح يدل على عدم الوعي. أنا مش عارف الدكاترة ليه دايما ~~أفكارهم قاصرة بالشكل ده؟ ده لأنهم معزولين عن المجتمع، مش فاهمين المشاكل اللي ~~بتواجهنا. # د. فهيم ~~: # أصلهم محصورين في أبحاثهم الطبية. هم يفهموا في الميكروبات والأمراض ms12 ~~والهرمونات ده تخصصهم يا فندم. # الوالي ~~: # وهم عرفوا إن فيه زرقا في المصنع؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم؛ هم اللي حللوا وعرفوا. # الوالي ~~: # تدي أوامر لهم إن ما حدش يقول حاجة للعمال؛ مش عاوز العمال يعرفوا. لو عرفوا ~~حيهربوا من المصنع والبلد كلها تجوع. احنا كلنا عيشين على المصنع. مش كده ولا ~~إيه؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # صوف الأرانب بتعنا واخد سمعة طيبة في كل حتة، مش عاوز العمال تعرف حاجة، لو ~~عرفوا حيهربوا والمصنع يقفل، العمال مش حيفكروا في مصلحة البلد، هم حيفكروا بس ~~ازاي يهربوا من المصنع، مفيش عندهم روح التضحية من أجل البلد، كل واحد حيفكر ~~في نفسه وبس. مش كده ولا إيه يا د. فهيم؟ وعشان كده عاوزكم تعملوا لهم توعية ~~وطنية، والعامل منهم لازم يبقى فوق مصلحته الخاصة، يبقى عنده إحساس بالصالح ~~العالم ومستعد يموت وهو واقف قصاد آلته في المصنع، عشان مصلحة البلد، بالظبط زي ~~الجندي اللي بيموت على مدفعه وهو بيحارب من أجل الوطن. فاهمني يا د. فهيم؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم. # الوالي ~~: # والدكاترة بتوعك يا د. فهيم لازم يعرفوا إن مفيش حاجة اسمها زرقا في مصنعنا، ~~مصنعنا نضيف زي الفل وشغال عال العال؛ إذا كان فيه تلاتة أو أربعة من العمال ~~بيعيوا أو بيموتوا كل شهر فده شيء طبيعي، ما حدش ما بيعياش ومفيش حد ما بيمتش. ~~في كل بلاد العالم فيه ناس بيعيوا وناس بتموت، ربنا اللي بيموت مش الزرقا، لا ~~يمكن حتة ميكروب مفعوص يموت بني آدم واحد من غير إرادة ربنا. مش عارف ليه يا ~~دكتور فهيم أنا بلاحظ إن الناس اللي بيدرسوا الطب بيبعدوا شويه عن ربنا! غرور ~~يا د. فهيم، غرور؛ بيتصوروا انهم ما دام عرفوا حاجة عن الأمراض أو الميكروبات ~~أو قدروا ينقذوا بعض الأرواح، خلاص عرفوا سر الكون، مع إني متأكد ومؤمن إيمان لا ~~يقبل الشك إن مفيش روح واحدة يقدر الدكتور ينقذها إلا إذا ربنا أراد، وإذا ~~ربنا ما أرادش لازم ms13 العيان يموت غصب عن أي دكتور. مش كده ولا إيه يا د . فهيم؟ # د. فهيم ~~: # تمام يا فندم. # الوالي ~~: # عشان كده أنا عاوزك تعمل شوية توعية دينية للدكاترة بتوعك؛ أنا بصراحة حاسس ~~إنهم بيبعدوا عن الدين شوية شوية. # د. فهيم ~~: # لا يا فندم، كلهم مؤمنين وكويسين والحمد لله، لكن برضه زي ما سعادتك أمرت؛ ~~نعمل لهم توعية. ~~(الوالي ينهض. يقترب مع د. فهيم ناحية الباب.) # الوالي ~~: # وزي ما قلت لك، تدي أوامرك من مكتبك وما تنزلش المصنع، أنا عارف إنه أحيانا ~~بتجيلك نوبات عاطفية غريبة، أنا شخصيا بسميها تهور، تقوم تتهور وتنزل مرور ~~المصنع. أنا بمنعك بالأمر من نزول المصنع؛ حياتك مش ملكك، دي ملك البلد، ولازم ~~نحافظ عليها، لازم نحافظ على العقول البشرية تمام زي ما أنا مؤمن باستثمار ~~الثروة القومية بتاعتنا. فكرتني! أنا كنت عاوز أسألك سؤال صغير؛ يا ترى هل ~~الحبوب اللي بتزود نسل الأرانب ممكن تزود نسل الإنسان؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم، بس بدل ما نستخدم هرمون أرنب نستخدم هرمون إنسان. # الوالي ~~: # يا سلام! الطب ده علم عظيم خالص. الحقيقة أنا عاوز اسألك كمان سؤال؛ انت يا ~~دكتور راجل علمي ولا حياء في العلم، الجماعة بتاعتي، قصدي يعني السيدة زوجتي ~~تموت موت في الأطفال، ومش مكفيها الولدين اللي عندنا، ودايما تزن على دماغي ~~عاوزة عيال تاني، عاوزة تاني، وتقعد تقولي: واحد والي عظيم زيك لازم يجيب عشر ~~عيال على الأقل يورثوه ويحملوا اسمه ومجده. لكن مش عارف يا د. فهيم، انت دكتور ~~وراجل علمي ولا حياء في العلم، مش عارف، أنا يظهر عجزت ~~(يبتسم في حياء) # أو يمكن من الإرهاق وكتر الشغل، ~~الواحد ما بقاش زي الأول، لكن الغريبة يا د. فهيم، وانت راجل علمي ومفيش ~~حياء في العلم، الغريبة إن الرغبة زي ما هي، بل بالعكس يمكن زادت عن الأول، ~~الرغبة عندي كويسة خالص إنما ~~(يبتسم في ~~حياء) # انت فاهمني يا د. فهيم؟ # د. فهيم ~~: # أيوه فاهم سعادتك. # الوالي ~~: # تفتكر يا د. فهيم الدوا ms14 ده اللي بيزود النسل يفيد في الحالة بتاعتي؟ # د. فهيم ~~: # أيوه يا فندم، لازم يفيد، وإن ما كنش يفيد أكلف الدكتور المختص إنه يبحث عن ~~حاجة أكثر فاعلية. ~~(الوالي يضحك.) # الوالي ~~: # متشكر قوي يا د. فهيم، أنا باعتبر الناس اللي عندهم عقل زي عقلك ثروة، ثروة ~~قومية لازم الحفاظ عليها. ~~(الوالي يضحك بانشراح.) # المشهد الرابع ~~(د. فهيم جالس وأمامه الميكروسكوب ينظر فيه، في حجرة الطبيب ~~بالمعمل، د. شرف الدين والدكتور توفيق واقفان إلى جواره.) ~~(د. فهيم يرفع رأسه ببطء من فوق الميكروسكوب وينظر إليهما وهو ~~يبتسم ابتسامة الأساتذة الكبار.) # د. فهيم ~~: # مين اللي قال إن ده ميكروب الزرقا؟ # د. شرف الدين ~~: # أنا يا فندم. # د. توفيق ~~: # وأنا كمان شفته. # د. فهيم ~~(بلهجة الأساتذة الكبار) ~~: # انتم نسيتم الطب ولا إيه؟ ميكروب الزرقا طويل زي العصايا مش ممكن يكون بيضاوي ~~بالشكل ده، وكمان مالوش ديل، ومش ممكن يكون ~~«أسد ~~فاست» # بالشكل ده، ماقدرش أقول إن ده زرقا، ماقدرش أحلف إن ده ~~زرقا؛ انتم عارفين إن في الأمراض الخطرة زي الزرقا الدكتور مننا لازم يتروى ~~وما يصدرش أي حكم إلا وهو متأكد كل التأكد. # د. شرف الدين ~~: # والعمال الأربعة يا د. فهيم، الأربعة جات لهم نفس أعراض الزرقا، شفايفهم ازرقت ~~والكحة. # د. فهيم ~~: # هي كل شفايف تزرق تبقى من الزرقا يا شرف الدين؟! فيه ناس شفايفهم تزرق من ~~البرد، وانت عارف المصنع بلاط ورطوبة والعمال بيهملوا في صحتهم، وطبعا حالتهم ~~المالية تعبانة، ما يقدروش يشتروا بلوفرات صوف زي ده ~~(يشير إلى بلوفر توفيق) ~~، وما يقدروش ياكلوا زبدة في الفطور، ~~زائد انهم بيبقوا مرهقين من الشغل والإرهاق طبعا بيقلل مقاومتهم للبرد، وجسمهم ~~ضعيف وخصوصا إذا كانوا كبار شوية في السن. الزرقا مش لعبة، ده مرض قاتل وخطير ~~وعشان أقول إن في زرقا لازم أكون متأكد. أنا كأستاذ طب لازم أكون متأكد، أنا ~~كأستاذ طب لا يمكن أقول إن ده ميكروب الزرقا مية في المية. # د. توفيق ~~: # مفيش حاجة مية في المية يا دكتور فهيم، ms15 مفيش حقيقة في الدنيا لا تقبل ~~الشك. ومع ذلك فإن كل الأعراض والتحليل بتقول إنها زرقا. # د. فهيم ~~: # مين قال مفيش حاجة مية في المية؟ مين قال إن مفيش حقيقة لا تقبل الشك؟ انت ~~مثلا، انت توفيق، الدكتور توفيق مية في المية. حد يقدر يقول غير كده؟ أهي ~~دي حقيقة مية في المية. إنما إنك تبص لي في الميكروسكوب وتشوف حاجة طويلة زي ~~العصايا تقوم تقول عليها زرقا! فيه ستين حاجة طويلة زي العصايا بنشوفها تحت ~~الميكروسكوب، فيه ستين سبب في الطب بيخلي الشفايف تزرق في الشتا، فيه ستين سبب ~~للموت، والأمراض عندنا كتيرة والميكروبات أشكال وألوان، اشمعنى بس الزرقا اللي ~~جت في دماغكم؟ إحنا ناقصين أمراض؟ انتم مش مقدرين خطورة المرض ده، مش عارفين ~~زرقا يعني إيه! زرقا يعني المصنع يتقفل. مش فاهم ازاي تقولوا ببساطة كده وبدون ~~أي إحساس بالمسئولية إن دي زرقا؟ ~~(ينظر إلى شرف ~~الدين) # وانت كمان يا شرف الدين، تلميذي اللي علمته الطب واللي ~~علمته ازاي يفكر كويس قبل ما يصدر أي حكم؟! # د. شرف الدين ~~: # كل إنسان بيغلط يا د. فهيم؛ أنا آسف. # د. توفيق ~~: # وحنعمل إيه دلوقت يا د. فهيم؟ # د. فهيم ~~: # حنعمل إيه في إيه؟ كل حاجة تمشي زي الأول، وعاوزكم تطمنوا العمال خالص، ولو ~~حد سأل عن أي حاجة تفهموهم إن ده كله من برد الشتا والشتا عمره قصير وقرب يخلص ~~وكل حاجة تبقى عال، وعاوزكم تقعدوا مع العمال وتثقفوهم؛ لازم تبقى عندهم ثقافة ~~عامة، ويهتموا بالمسائل العامة أكتر من اهتمامهم بمسائلهم الشخصية. أنا عمري ما ~~قعدت مع العمال في اجتماع إلا وكل طلباتهم مطالب خاصة. ~~(ينظر في ساعته) # ياه، أنا ضيعت وقتكم. ~~(ينهض) # أسيبكم بقى عشان تشوفوا شغلكم وربنا ~~يوفقكم. ~~(يخرج.) # المشهد الخامس # في نفس المكان ~~(د. شرف الدين ود. توفيق وحدهما ينظران إلى بعضهما البعض في ~~صمت.) # د. شرف الدين ~~: # إيه رأيك يا توفيق؟ # د. توفيق ~~: # رأيي هو رأي د. فهيم. # د. شرف الدين ~~: # يعني الميكروب اللي شفته مش ms16 الزرقا؟ # د. توفيق ~~: # د. فهيم بيقول إنه مش زرقا يبقى مش زرقا ، ده رأيه. إيه رأيك انت؟ # د. شرف الدين ~~: # د. فهيم أستاذي وماقدرش غير إني أصدقه، لكن الحقيقة الواحد اتلخبط؛ أنا شفته ~~بعيني، زي الزرقا تمام، لكن د. فهيم مش ممكن يغلط في حاجة زي دي. # د. توفيق ~~: # طبعا هو مش ممكن يغلط في حاجة زي دي، لكن ممكن إنه ما يقولش الحقيقة. # د. شرف الدين ~~: # هو ما قلش الحقيقة؟ # د. توفيق ~~: # طبعا ما قلش الحقيقة. أنا متأكد إنها زرقا، متأكد زي ما أنا متأكد اني واقف ~~قدامك كده. # د. شرف الدين ~~: # مش معقول! وليه ما قلتش للدكتور فهيم كده؟ ليه سكت؟ # د. توفيق ~~: # وانت ليه سكت؟ # د. شرف الدين ~~: # أنا لما سمعت كلامه غلطت نفسي، قلت لازم هو اللي صح وأنا اللي غلط، هو أستاذي ~~ويعرف أكتر مني في الطب، لكن انت ازاي تبقى متأكد أنك صح وتسكت؟ # د. توفيق ~~: # حقول إيه يا شرف الدين؟ أنا فهمت كل حاجة. # د. شرف الدين ~~: # فهمت إيه؟ # د. توفيق ~~: # د. فهيم جاي من عند الوالي ودي أوامر عليا لازم نقبلها. # د. شرف الدين ~~: # مش ممكن يا توفيق، د. فهيم ما يعملش كده، مش ممكن يكدب علينا بالشكل ده، مش ~~ممكن يكون عارف إنها زرقا ويقول إنها مش زرقا. # د. توفيق ~~: # ده شايفها بعينه يا شرف الدين، وده أستاذ كبير ومش ممكن حاجة بسيطة زي دي ~~تفوت عليه، دي باينة زي الشمس. # د. شرف الدين ~~: # د. فهيم مش ممكن يكدب في حاجة خطيرة زي دي، لو كان واحد غير د. فهيم كنت أنا ~~أصدق، لكن أنا أعرف الدكتور فهيم من 15 سنة، كان أستاذي واشتغلت معاه كتير، كان ~~مثلي الأعلى، كان يشجعني على إني أكون صادق دايما، مش ممكن د. فهيم يكذب علي. # د. توفيق ~~: # ما تحكمشي عليه كان زمان إيه، احكم عليه دلوقت بعد ما قعد على الكرسي وبقه ~~مسئول كبير؛ الكرسي بيغير الناس يا شرف الدين. # د. شرف الدين ~~: # مفيش ms17 أي كرسي يقدر يغير د. فهيم. كان دايما يقوللي الناس نوعين يا شرف ~~الدين؛ ناس الكرسي يغيرها وناس هي اللي تغير الكرسي. # د. توفيق ~~: # كلهم كده، طول ما هم على البر شاطرين في الكلام. ويا سلام الواحد منهم يتهيأ له ~~إن آخر قوة. اللي على البر شاطر يا شرف الدين ولما الواحد منهم يقعد على الكرسي ~~ويحس بيه ويملاه ويريح جواه، خلاص بقه واحد تاني. # د. شرف الدين ~~: # مش كلهم يا توفيق؛ فيه ناس بتقاوم. # د. توفيق ~~: # أيوه يمكن تقاوم القوة اللي تقدر تقاومها، لكن القوى اللي أكبر منها ما تقدرشي ~~تقاومها، وده بالطبع منطق راجل علمي زي د. فهيم؛ الدكتور فهيم راجل عنده عقل، ~~مش مجنون، عاوزه يقاوم الوالي؟! وانت عارف الوالي يعني إيه! الوالي يعني الجيش ~~والبوليس والمباحث والفلوس والعلم والفن والحرية والهوا والميه والأكل، أكلنا ~~وأكل ولادنا وكل حاجة في حياتنا؛ مفيش غير المجنون هو اللي يقدر يصارع كل ~~القوة دي، ده كأنه بيصارع الطبيعة تماما. ~~(د. شرف الدين يطرق مفكرا لحظة ويهز رأسه بالنفي.) # د. توفيق ~~: # برضه لسه ما اقتنعتش يا شرف الدين؟ # د. شرف الدين ~~: # مش قادر اقتنع يا توفيق، مش قادر أتصور إن د. فهيم عارف إنها الزرقا ويقول ~~مش زرقا، مش ممكن يسيب العمال يعيوا ويموتوا. # د. توفيق ~~: # لاحظ إن الزرقا بتمشي ببطء، وكون أربعة أو خمسة يعيوا ويموتوا في الشهر مسألة ~~بسيطة، الناس عندنا على قفا مين يشيل والعدد في اللمون، البني آدم عندنا رخيص ~~يا شرف الدين، رخيص لأنه موجود ومتوفر وزيادة عن اللازم، زي قطع الغيار ~~الموجودة في السوق في أي وقت وبأي تمن، لما تخسر قطعة غيار من دول ترميها ~~وتشتري غيرها؛ لأن تمن الجديدة أرخص من تصليح القديمة، المسألة في كل حتة في ~~العالم بتتحسب بالشكل ده، هو ده الحساب المنطقي في كل الأسواق العالمية، العرض ~~والطلب، المكسب والخسارة. # د. شرف الدين ~~: # الدكتور فهيم تفكيره مختلف يا توفيق؛ د. فهيم عمره ما حسب المسائل بالشكل ~~ده، طول عمره ms18 يحترم الإنسان وعمره ما استرخصه حتى وهو عيان أو غلبان، لسه فاكر ~~ازاي كان بيغطي العيان لما يكشف عليه قدامنا واحنا طلبة، لسه فاكر ازاي كان ~~بيخلي تلاتة بس منا يكشفوا على العيان عشان ما يتعبش. غيره من الأساتذة كانوا ~~بيعملوا إيه؟ مش فاكر الأستاذ اللي كان يسيب خمسين طالب يضغطوا بالسماعات على ~~قلب الطفل الصغير لغاية ما تحفر السماعات على صدره حفرة مدورة غويطة وحمرا؟ مش ~~فاكر الأستاذ اللي ضرب العيان الشاب قلم على وشه لأنه رفض يقلع هدومه كلها قدام ~~الطلبة والطالبات؟ مش فاكر الأستاذ اللي كان يعري العيانة قصادنا كلنا في عز ~~البرد وخمسين واحد مننا يفعص بصوابعه في جسمها؟ الدكتور فهيم ما كانش بيعمل ~~كده، عمره ما عمل كده، ولولا الدكتور فهيم أنا كنت كرهت الكلية وسبت الطب لكن ~~هو اللي خلاني أكمل. # د. توفيق ~~: # يا سلام على السذاجة والبراءة! لولا إنك كنت زميلي في الكلية ولولا إني عارف ~~مية المية إنك اتخرجت معايا من الطب، لا يمكن بتفكيرك ده أقول عليك دكتور. انت ~~دخلت الطب ليه يا ابني؟ اللي زيك دول ما ينفعوش في الطب، أحسن لك تروح تكتب ~~روايات أو شعر أو حاجات كده من بتاعة الخيال والعواطف؛ الطب علم، والعلم واحد + واحد = اتنين، اتنين بالظبط، لا يمكن يكونوا تلاتة ولا يمكن يكونوا واحد ونص، ~~اتنين بالظبط، ده علم الحساب، الدكتور فهيم راجل علمي وشاطر في الحساب ولولا ~~إنه شاطر في الحساب ما كانش نجح في عالم بيحسب ليل نهار، ما كانش نجح ووصل في ~~وسط ناس بيجروا ويتنافسوا والأشطر يكسب. وطبعا مفيش مانع من شوية عواطف كده ~~زي البهارات تتحط من فوق وما تكلفش حاجة، زي إنك تغطي عيان غلبان عشان ما ~~يبردش، أو ما تحطش رجلك على سرير العيان، حاجات كده ظريفة وإنسانية ترضي ضمير ~~الواحد وتخليه يحس بالسعادة، زي ما تدي قرش لشحات وانت ماشي في السكة، صدقة ~~حلوة تخلي أمثالك من السذج يبصوله بإعجاب وحب. إنما عند الجد، لما الكرسي ms19 اللي ~~قاعد عليه يهتز، لما رزقه ورزق عياله يبقى مهدد بالقطع، المسألة تبقى عاوزة ~~تفكير وعاوزة عقل وعلم وحساب، حساب دقيق جدا جدا، واحد + واحد = اتنين، ~~اتنين بالظبط، لا يمكن يكونوا تلاتة ولا يمكن يكونوا واحد ونص. وفي الحالة دي ~~مفيش حاجة اسمها عواطف، مفيش حاجة اسمها إنسانية، مفيش زرقاء. العواطف ~~هنا اسمها سذاجة، رعونة. والإنسانية هنا طيش، جنون. إنما العقل، يا سلام على ~~عقل الدكتور فهيم فهمي؛ أحسن واحد يعقل في الحالة دي. ~~(د. توفيق يضحك بسخرية.) # د. شرف الدين ~~: # انت طول عمرك كده يا توفيق، ما تفرقشي بين الإنسان الكويس والوحش، كل الناس ~~عندك وحشين، كل الناس عندك يضعفوا قصاد الفلوس والدرجات والكراسي. أنا معاك فيه ~~ناس كتيرة كده، لكن الدكتور فهيم غير دول مش ممكن أنخدع فيه 15 سنة، مش ممكن. ~~انت دخلت عيادته؟ لو دخلت عيادته تلاحظ إنه مش معلق يافظة الأسعار زي ما ~~الدكاترة بيعملوا؛ ده بقرش وده بقرشين. عمره ما تاجر بالطب، عمره ما أخد فلوس من ~~عيان غلبان مش قادر يدفع. أظن يعني كل الناس عارفة عنه الحكاية دي. # د. توفيق ~~: # ما هي برضه ضمن العواطف اللي تنفع أكتر ما تضر؛ على السمعة الحلوة دي عيادته ~~مليانة كل ليلة زي الرز واللي يقدر يدفع أكتر من اللي ما يقدرشي يدفع. دول ناس ~~بحورهم غويطة يا شرف الدين، ناس يعرفوا يحسبوا كويس، كل حاجة عندهم لها تمن ~~ولازم تجيب تمنها حتى ولو كانت عاطفة كده، عابرة. # شرف الدين ~~: # كلامك دايما يتعبني يا توفيق، كلامك دايما يخنقني، بيخلي كل حاجة في عيني ~~وحشة والدنيا كلها وحشة، ازاي انت قادر تعيش بكل الأفكار السودة اللي جواك دي؟ # توفيق ~~: # انت بتسمي الأفكار الواقعية العلمية أفكار سودة؟ بقول لك يا شرف الدين يا ~~ابني انت أطيب من انك تفهم العلم! ظلموك اللي عملوك دكتور. الناس اللي طيبين ~~زيك يروحوا يشتغلوا بالمسائل الروحانية أو في الفن، ده انت كمان أطيب من انك ~~تكون فنان؛ لأن الفنان لازم يكون شرير ms20 عشان يفهم شرور الحياة ويصورها للناس، ~~انت أطيب من انك تكون حاجة خالص، أطيب من إنك تكون إنسان. حقك تكون ملاك بجناحين ~~وتطير فوق فوق وتعيش في السما. # شرف الدين ~~: # أنا مانيش ملاك ولا حاجة يا توفيق، أنا عارف كويس إن الدنيا مليانة شرور، ~~لكن بالنسبة للدكتور فهيم بالذات ... انت ما تعرفشي الدكتور فهيم في نظري إيه! ~~أنا كنت باعتبره مثلي الأعلى في الحياة، أنا كنت بلف وادور في الحياة وبعدين ~~أرجع ألاقيه الإنسان الوحيد اللي يقف جنبي وانا مهزوم، كان هو الشيء الوحيد ~~اللي بيخليني أحس إن الدنيا فيها خير، وفيها حب وإنسانية. كان هو إيماني الوحيد، ~~كانت بتمر بي ظروف قاسية وخت مقالب كتيرة من ناس كتيرة لكن هو! أفتكر إنه بس ~~موجود كنت باطمن واستريح. أرجوك يا توفيق ما تهزش ثقتي فيه، وخصوصا في حاجة ~~خطيرة زي دي، لا يمكن الدكتور فهيم يسيب العمال تعيا وتموت، لا يمكن يكدب علي ~~ويقول مفيش زرقا. مش يكدب، حيكدب ليه؟! # توفيق ~~: # حيكدب ليه؟! أما انت ساذج صحيح! حيكدب لأنه مش قادر يعمل حاجة. حيعمل إيه؟ فكرة ~~إنك تهد المصنع وتبني مصنع جديد مش مسألة سهلة، فين الفلوس اللي حيبني بها؟ # شرف الدين ~~: # يعني مفيش عشرة مليون جنيه في البلد، يعني ما نقدرش نبني مصنع جديد؟ # توفيق ~~: # ما نقدرش نبني، وفيه حاجات كتيرة بنقدر نبنيها، فيه بيوت جميلة بتتبني ويسكن ~~فيها ناس محترمين، فيه بيوت زي القصور بتنبني للناس المحترمين الغاليين، اللي ~~تمنهم غالي قوي، مش زي قطع الغيار الرخيصة، بني آدمين كل حتة فيهم غالية؛ ~~بيوتهم غالية، هدومهم غالية، ضوافرهم غالية، اللون اللي بيدهنوا بيه ضوافرهم ~~غالي، كحتهم غالية؛ الواحد منهم يكح كحة واحدة بس ويصرف عليها الآلافات. فيه ~~فلوس مش مفيش يا شرف الدين، لكن هي فين ومع مين وبتندفع في إيه؟ فيه أولويات ~~للدفع يا شرف الدين، أولويات. مش عارف أولويات يعني إيه؟ باين عليك ما درستش ~~تخطيط. ~~(شرف الدين شاردا صامتا.) # توفيق ~~: # سرحان في إيه يا شرف ms21 الدين؟ # شرف الدين ~~: # برضه أنا متأكد إن الدكتور غير دول كلهم؛ د. فهيم لا يمكن يسيب الزرقا بين ~~العمال في المصنع ويسكت، لا يمكن يسيبني أنا ~~(يسكت ~~لحظة) # لا يمكن يسيبني أنا كمان أروح المصنع وهو عارف إن فيه زرقا، ~~كان على الأقل ينبهني. صدقني يا توفيق لازم تصدقني، أنا متأكد من د. فهيم، ~~أعرفه أكتر ما اعرف نفسي، أقسم لك بشرفي وحياتي، أقسم لك بكل ذرة من وجودي وكل ~~فكري وكل قلبي إن د. فهيم إنسان مختلف عن اللي انت بتصوره، إنسان مختلف، لا ~~يمكن يسبني أروح المصنع وهو عارف إنه بيعرض حياتي للخطر، كان على الأقل يقولي ~~أو ينبهني عشان آخد احتياطي. ~~(توفيق يسكت طويلا مفكرا متأثرا.) # توفيق ~~(بصوت رقيق) ~~: # كلامك خلاني اتلخبط، يمكن صحيح مفيش زرقا يمكن، مش ممكن! فهيم يكدب ويكدب ~~عليك بالذات في حاجة خطيرة زي دي، أنا قربت اعتقد فعلا إنه مش ممكن يكدب، ~~إيمانك القوي بيه عداني، الإيمان القوي زي المرض المعدي، أنا ابتديت أحس إن ~~اللي أنا شفته بعيني في الميكروسكوب مش الزرقا، أنا حاسس دلوقت براحة، يمكن ~~لأول مرة أحس بالراحة دي، تستعجب يا شرف الدين لو قلت لك إن الراحة اللي أنا ~~باحسها دلوقت عمري ما حستها أبدا، لأ وانت صادق حسيتها مرة واحدة بس لما شفت ~~اسمي في كشف الناجحين في نهائي الطب، حسيت إن عبء كبير بيتشال من على أكتافي ~~وحسيت براحة، لأ برضه ما كانتش زي دي، فاكر إني اتضايقت ساعتها لأني ما كنتش من ~~الأوائل وعرفت إن النيابة في القصر العيني راحت مني ~~(يسكت لحظة مفكرا) # لكن أنا متأكد إني حسيت الإحساس ده مرة قبل ~~كده، امتى وفين مش فاكر بالظبط، أيوه افتكرت ~~(يبتسم ~~لنفسه) # كنت في أولى طب وأول ليلة أروح فيها لواحدة ست، حسيت زي ~~ما يكون جسمي ده تقل جسمي كله بينشال من على كتافي، ~~(يسكت لحظة) # لأ برضه ما كانش زي دي، فاكر إني ساعتها اتضايقت. ~~(يضحك) # كانت أول تجربة في حياتي ms22 وما كنتش عارف إني لازم أدفع قبل ما امشي، الحقيقة كنت عارف بس نسيت أو انكسفت ~~أديها فلوس، وتصور هي اللي فكرتني، فكرتني بصوت غريب وحاد لسه في وداني، ~~أحيانا أسمعه، لما بيجي العيان يخرج من الباب وينسى يدفع أقوم أفكره وأقول له ~~هات الكشف، لحظتها صوتي يرن في وداني غريب وحاد شبه صوتها. تصور أول مرة أقول ~~الحكاية دي لحد، ويمكن أول مرة أقولها لنفسي، عمري ما فكرت فيها وتصورت إني ~~نسيتها ~~(توفيق ينظر في ساعته) # يا خبر أنا ~~ضيعت وقتك يا شرف الدين في كلام فارغ، كان لازم تكون في المصنع ~~(يسكت لحظة متذكرا) # انت رايح المصنع برضه؟ # شرف الدين ~~: # أيوه. ~~(توفيق يتجه ناحية الميكروسكوب.) # توفيق ~~: # طيب استنى لما ألقي نظرة أخيرة. ~~(توفيق نظر في الميكروسكوب لحظة، ينهض فجأة.) # توفيق ~~: # هو بعينه الزرقا، مش ممكن عيني تخدعني بالشكل ده، مش ممكن تضيع سبع سنين طب ~~وسنتين دبلوم وتلاتة دكتوراه، أنا شايف إنها الزرقا يا شرف الدين. تعالى بص ~~تاني كده. ~~(شرف الدين يسير إلى الميكروسكوب وينظر بهدوء.) # د. شرف الدين ~~(بصوت هادئ يشبه صوت د. فهيم) ~~: # ميكروب الزرقا يا توفيق زي العصايا، مش ممكن يكون بيضاوي بالشكل ده، وكمان ~~مالوش ديل، ومش ممكن يكون «آسد فاست» بالشكل ده. ~~(يتجه ناحية الباب) # أنا تأخرت ولازم أروح المصنع بسرعة. # المشهد السادس ~~(في حجرة د. شرف الدين بالمصنع.) ~~(د. شرف الدين والتمورجي شهدي يسعفان عاملا يحتضر راقدا على ~~السرير، العامل يموت، شهدي يغطيه بالملاءة، د. شرف الدين يجلس منهارا من التعب على ~~الكرسي، العرق يتصبب منه، يبدو عليه الإرهاق الشديد.) ~~(شهدي ينظر إليه طويلا في صمت وتأثر.) # شهدي ~~: # تعرف يا دكتور شرف الدين انت وانت قاعد كده بتفكرني بمين؟ # د. شرف الدين ~~(في إعياء) ~~: # مين؟ # شهدي ~~: # الدكتورة نادرة، كانت في شغلها زيك بالظبط، تموت نفسها من الشغل، ليل نهار، ~~كانوا العمال يحبوها حب، ما كناش نحس انها دكتورة؛ تاكل معانا وتسهر معانا، ~~ووشها دايما يبتسم، عمرها ما كشرت في وش عيان. ms23 والله يا دكتور شرف الدين اللي ~~يشوفك يقول أخوها ولا قريبها. حضرتك تعرف الدكتورة نادرة؟ # شرف الدين ~~: # لأ، ما عرفهاش يا شهدي؛ الدكاترة كتير والدكتورات كتير. # شهدي ~~: # لأ لأ، هي مش زي الدكاترة، ولا الدكتورات، هي واحدة تانية خالص يا دكتور شرف ~~الدين، خسارة انك ما تعرفهاش، خسارة يا دكتور شرف الدين لأنها الخالق الناطق ~~شبهك بالظبط، حتى قعدتها على الكرسي ده لما كانت يا عيني تقع من التعب، تمام ~~هي القعدة، يا سلام ربنا ده كبير يخلق من الشبه أربعين! ~~(يسير شهدي نحو العامل الميت ويحاول أن يحمله.) # المشهد السابع # المسرح مظلم. ضوء خفيف يظهر عند مدخل المسرح من ناحية اليمين. يظهر في الضوء شهدي ~~حاملا العامل على كتفيه ويسير به ببطء مجتازا خشبة المسرح. موسيقى حزينة، يخرج شهدي ~~بحمله من الناحية اليسرى. # المسرح يظل مظلما خاليا، ضوء خفيف يظهر، تظهر من ناحية اليمين امرأة ترتدي السواد ~~تجري بسرعة المذهولة ومن خلفها أطفال صغار يجرون خلفها، يجتازون المسرح بسرعة ويخرجون ~~من الناحية اليسرى. # المسرح مظلم وخال تماما، صمت. # تسمع صرخة امرأة مكتومة: آه يا ضنايا. # صمت وظلام والمسرح خال. # يسمع صوت نحيب مكتوم: آه يا ربي. # صمت وظلام. # تسمع صرخة طفل صغير يبكي. # صمت وظلام والمسرح خال. # يضاء المسرح في استراحة قصيرة. # | الفصل الثاني # 8 مشاهد # المشهد الأول # المسرح مظلم تماما وخال. # يسقط ضوء خفيف على منتصف خشبة المسرح ويظهر طفل صغير جالس وحده في الظلام، يده ممدودة ~~فارغة. # يبدأ الضوء يغمر المسرح تدريجيا، ويبدأ الناس المارة يملئون خشبة المسرح. الكل يجري ~~بسرعة إلى عمله وحاله، لا أحد يرى الطفل الجالس بيده الممدودة الفارغة. أحد المارة يلقي ~~في اليد الصغيرة الممدودة الفارغة قرشا دون أن ينظر إلى الطفل ويسرع في طريقه. الضوء ~~يخفت تدريجيا على المسرح، والناس تقل تدريجيا حتى يظلم المسرح تماما ويخلو من ~~المارة. لا يبقى إلا الطفل الصغير جالسا مكانه ويده ممدودة أمامه في الظلام. # المشهد الثاني ~~(الضوء القوي في حجرة نوم فاخرة جدا، هي حجرة ms24 نوم د. فهيم وزوجته تفيدة.) ~~(د. فهيم بملابس البيت جالس إلى كرسي «فوتيل» يدخن بكثرة ويبدو عليه التفكير العميق والضيق. تفيدة جالسة على السرير بشعرها الصناعي وملامحها المصنوعة وحركتها المصنوعة.) # تفيدة ~~: # برضه مش قادرة اعرف إيه اللي مضايقك في الحكاية دي. الكلام اللي انت قلته ده ~~كله مش شايفة فيه حاجة تضايق أبدا. # د. فهيم ~~(في ضيق) ~~: # بقه كل اللي حكيته ده ومش قادرة تعرفي إيه اللي مضايقني؟ كل الجهد اللي بذلته ~~ده في الكلام وأنا باحكيلك ما قدرتيش تعرفي إيه اللي مضايقني؟ انت إيه؟ انت ~~إيه؟ ما بتحسيش ولا إيه؟ # تفيدة ~~: # اسمع يا فهيم، إذا كنت عاوز تقلبها غم زي كل ليلة تقفل الموضوع ده خالص، ستين ~~مرة قولتلك، كفاية طول النهار قاعد في مكتبك تتكلم في الشغل، الساعة الوحيدة ~~اللي نقدر نقعد فيها مع بعض آخر الليل تتكلم برضه في الشغل؟ دي حاجة تكفر، وبرضه ~~مستحملة ومستزوقة وقاعدة باسمع لك. بقى لك ساعة تتكلم وانا قاعدة اسمع لما طلعت ~~روحي، وانا مالي ومال الأرانب؟ يولدوا ما يولدوش؛ والأرانب الأسترالي إيه! ومش ~~عارفة ميكروبات إيه! ومش عارفة الدكتور شرف الدين إيه! والوالي مبسوط مني ~~(تقلد د. فهيم بصوتها) # والوالي يقولي أنا نوع نادر من البشر ولازم نحافظ عليك، ~~ونخاف عليك. تلات اربع كلامك عن إن الوالي مبسوط منك وخايف عليك؛ عاوزني اعرف ~~منين إنك مضايق؟ وعاوزني كمان اعرف إيه اللي مضايقك؟ هو أنا باضرب الودع ولا ~~بافتح كوتشينة؟ كنت بتتكلم وانت مبسوط، ما حستش في صوتك ريحة الزعل لكن ازاي؟ ~~ازاي ليلة واحدة تمر من غير زعل، لازم تنكد علي كل ليلة، لازم تخلق حاجة تزعل ~~عشان تتحجج وتديني ضهرك، اللعبة ما بقتش تنطلي علي يا فهيم، ما تقولها كده ~~بصراحة وشجاعة انك بتحب واحدة تانية. انت فاكرني مش عارفة؟ أنا عارفة كل حاجة ~~والناس كلها بتيجي تقوللي. # د. فهيم ~~(في ذعر) ~~: # إيه الكلام اللي انت بتقوليه ده يا تفيدة؟ # تفيدة ~~: # ده مش كلام، دي حقيقة، الناس كلها عارفاها ms25 مش أنا بس. # د. فهيم ~~(في قلق) ~~: # عارفة إيه؟ # تفيدة ~~: # اعمل نفسك مش عارف حاجة ، مثل علي دور آخر من يعلم، لكن أنا خلاص استحملت ~~كتير وسمعت كتير، وكل مرة أقول بلاش أقولك، كلام الناس كتير وما يسبوش حد في ~~حاله، خصوصا لما يكون واحد زيك ناجح وواصل والوالي راضي عنه، كل الناس بتحقد ~~عليه، وقلت يمكن الستات غيرانين لأنك متجوز واحدة ست راقية من عيلة كبيرة ~~وعوزين يوقعوا بيني وبينك، قلت لنفسي حاجات واستحملت، لكن أنا خلاص عرفت. # عرفت انك مش ممكن تكون بتحبني زي الأول، طول النهار برة البيت ولما تيجي البيت تبقى ~~مش طايق تقعد معايا قعدة هادية ورايقة، لازم تعكر الجو بأي حاجة بأي كلمة. ~~وامبارح تقولي شكلي وحش في الباروكة الجديدة؟! طبعا بقيت وحشة بالنسبة للست ~~الدكتورة! # د. فهيم ~~: # مين دي؟ # تفيدة ~~: # ذات الشعر اللي مالوش وصف، بيقولوا إن شعرها مقصوص زي الرجالة ومشيتها زي ~~الرجالة ورجليها معوجة ومقفعة وبالبلا! # د. فهيم ~~: # تقصدي مين بالكلام ده؟ # تفيدة ~~: # لكن الحب وحش، الحب أعمى. والغريبة إنهم مش عارفين مين اللي بيحب التاني؛ إنت ~~اللي بتحبها ولا هي اللي بتحبك. # د. فهيم ~~: # مين هي دي اللي انتي تقصديها؟! # تفيدة ~~: # الست الدكتورة اللي انت سيبتها شغلها في المصنع وعملتها قال إيه؟ سكرتيرة خاصة، ~~خاصة قوي! # د. فهيم ~~: # دكتورة نادرة؟ تقصدي الدكتورة نادرة؟! # تفيدة ~~(تصفق في سخرية) ~~: # برافو! ازاي عرفت اسمها؟ # د. فهيم ~~: # اعقلي يا تفيدة خلي في مخك شوية عقل؛ د. نادرة كانت تلميذتي، ودي إنسانة طيبة ~~وشغالة ومن عيلة مكافحة ولها تقاليد. انت ما تعرفيش العائلات المكافحة دي ~~تقاليدها ازاي، مش زي العائلات اللي من الطبقة الراقية بتاعتك؛ البنت في ~~الطبقة دي حياتها كلها تنهدم لو سمعتها ساءت. نادرة بنت شغالة ومخلصة في شغلها ~~عشان كده أنا جبتها معايا في المكتب. بتشيل عني شغل كثير، بتموت نفسها في الشغل. ~~وهي تلميذة في الطب كانت بتشتغل بعد الضهر علشان تدفع مصاريف الكلية، كانت ~~تلميذتي واعرفها كويس واعرف أخلاقها، حرام ms26 عليكي يا تفيدة ما تسوئيش سمعة ~~البنت، أنا عارفك لما تدبئي واحدة. فاكرة مدام علية اللي طفشتيها من البلد كلها ~~عشان اتهيأ لك انها كانت بتبص لي؟ # تفيدة ~~: # ما هي كانت بتبص لك، وانت كنت بتشجعها. عاوز تنكر؟ # د. فهيم ~~: # يا تفيدة بلاش نفتح المواضيع دي، احنا متجوزين بقه لنا عشرين سنة وعندنا ولد ~~شاب في كلية الطب، عيب! عيب تفضلي تتكلمي كده زي بنت صغيرة، انتي كبرتي يا تفيدة ~~على الكلام ده! # تفيدة ~~: # كبرت؟ كبرت يعني إيه يا فهيم؟ أنا كبرت؟ شوف كلامك اللي زي الطوب! طبعا كبرت ~~بالنسبة للبنت الكتكوتة اللي عندك في المكتب. # د. فهيم ~~: # أووه! # تفيدة ~~(تقلد صوته) ~~: # حرام عليك يا تفيدة ما تسوئيش سمعة البنت. مين اللي قال إنها بنت؟ ومين اللي ~~قال إن سمعتها نضيفة قوي! مش هي دي اللي هربت من أهلها عشان تتجوز عامل في ~~المصنع، ويا ريته كان جواز! بقى يا أستاذ فهيم تبص لواحدة بالشكل ده؟! طب نقي ~~حاجة كويسة تستاهل! # د. فهيم ~~(غاضبا) ~~: # اقفلي يا تفيدة الموضوع ده أحسن لك! # تفيدة ~~(تهدأ) ~~: # تقصد إيه؟ مالك زعلت كده؟ # د. فهيم ~~(غاضبا) ~~: # سيبيني لوحدي خالص، مش عاوز اسمع صوت، أنا تعبان وطول النهار باشتغل، ستين ~~حاجة في دماغي، ستين مشكل، بلاوي متلتلة فوق دماغي ~~(تفيدة تغادر السرير وتسير نحو الباب ببطء) ~~. # فهيم ~~(يكلم نفسه) ~~: # وكمان زادت البلوى دي، الميكروب ده اللي جه المصنع؛ مشكلة كبيرة مش عارف لها ~~حل، واضطريت أكدب على كل الناس، حتى على شرف الدين. # تفيدة ~~(بصوت منخفض تكلم نفسها) ~~: # ما هو أصل الكدب في دمك، إذا كنت بتكدب علي أنا مش عاوز تكدب على الناس ~~الغرب، أنا اللي عشت معاك عشرين سنة، وكل ليلة ~~(تمسح دموعها) # وكل ليلة، ~~كنت بتكدب علي واحنا مع بعض، واحنا سوا في سرير واحد، اخص عليك يا فهيم، يا ~~خاين يا غدار ياللي مطمرش فيك العيش والملح. # د. فهيم ~~(بصوت هادئ) ~~: # يا تفيدة اعقلي، خلي الليلة تفوت على خير، خلينا عايشين زي ms27 ما كنا عايشين. ~~بقول لك أعصابي تعبانة ومش مستحمل عكننة، وبلاش حكاية الكدب دي أرجوكي لأنك ~~عارفة مين اللي كدب على التاني، أنا ولا أنتي، نسيتي حكاية ... فاكرة أما ... ~~(يسكت لحظة) # على العموم أنا نسيت وقلت ~~عشان الولاد نعيش، مفيش داعي نمرمط الولاد بينا، خلينا عايشين يا تفيدة ~~(تمسح دموعها وتخرج) ~~. ~~(فهيم وحده يمسك رأسه بيده يكلم نفسه.) # فهيم ~~: # يا رب، أنا تعبان، دماغي! مش ناقص تعب. ~~(يفكر لحظة في صمت.) # لو كان واحد تاني غير شرف الدين كانت بقت المسألة أسهل، إنما شرف الدين! ~~حيقول إيه علي لو عرف إني ... لو كان يقدر يفهم كنت شرحت له موقفي، لكن ده لا ~~يمكن يفهم، لا يمكن يتصور إني ممكن أضعف، إني زي أي بني آدم تاني. كان بيبص لي ~~على إني إله، وأنا اللي كنت باشجعه على كده، كان بيرضيني إني أحس إني إله، أنا ~~اللي رسبت الفكرة دي في نفسه؛ إني واحد تاني غير الناس، ماقدرش، ماقدرش ~~أنزعها منه دلوقت، ماقدرش أنزعها منه بسهولة، بس لو كان واحد تاني غير شرف ~~الدين، كانت المسألة بقت أسهل. ~~(يمسك رأسه.) ~~(ظلام.) # المشهد الثالث ~~(د. شرف الدين راقد على السرير بحجرته بالمصنع يلفظ أنفاسه الأخيرة وإلى جواره ~~التمورجي.) ~~(شهدي يحاول أن يسعفه.) # شهدي ~~: # دكتور شرف الدين، يا نهار اسود! أعمل إيه بس؟ أنا مانيش دكتور، أسعفه ازاي ~~بس؟ ~~(يقرب كوبا من الماء من شفتي شرف الدين. شرف الدين يفتح عينيه.) # شهدي ~~: # د. شرف الدين، أنا شهدي. # شرف الدين ~~: # شهدي، فين توفيق؟ اندهله. # شهدي ~~: # ندهلته، جاي حالا في السكة، زمانه يوصل حالا. # شرف الدين ~~: # لو جه توفيق وأنا ما كنتش ... قوله يا شهدي شرف الدين بيقولك إنها الزرقا ~~(يدخل توفيق مهرولا مسرعا) ~~. # توفيق ~~: # شرف الدين، مالك؟ هات كورماين يا شهدي بسرعة. ~~(يعطيه حقنة.) # شرف الدين ~~(بصعوبة) ~~: # د. فهيم كدب علي يا توفيق، دلوقت بس عرفته، ازاي ما عرفتش قبل كده؟ عرفت ~~دلوقت بس، عرفت متأخر قوي، خلاص الفرصة راحت يا توفيق، الأمل راح ms28 ~~(يلفظ أنفاسه) ~~. # توفيق ~~(في اضطراب) ~~: # لا يا شرف الدين، الأمل ما راحش، لسه فيه أمل ، لسه فيه فرصة، هات كمان حقنة ~~كورماين يا شهدي. ~~(شهدي يجري كالملسوع ويأتي بالحقنة، توفيق يغرزها في ذراع شرف الدين.) # توفيق ~~: # شرف الدين اصحى، اصحى يا شرف الدين، لسه فيه فرصة، لسه فيه أمل، يا شهدي هات ~~كمان حقنة. ~~(شهدي يجري ويأتي بحقنة أخرى.) # توفيق ~~: # شرف الدين، اسمعني، قاوم الموت يا شرف الدين زي ما كنت بتقاوم كل حاجة. قاوم ~~ما تستسلمش. عمرك ما استسلمت. قاوم يا شرف الدين، فيه فرصة، فيه أمل، مش ممكن ~~تموت، مش ممكن الملاك يا ناس هو اللي يموت. ~~(توفيق يلقي الحقنة على الأرض فتنكسر ويبكي.) ~~(شهدي يغطي جسم شرف الدين الميت وهو ينظر إليه في ذهول وحزن ~~شديدين.) # توفيق ~~: # شرف الدين مات يا شهدي، شيله، شيله على كتافك، الملاك اللي رفض إنه يبات ~~ليلة واحدة خارج المصنع، كان بيسهر عليكم ويشيلكم واحد ورا واحد. شيله يا شهدي ~~في عينك، شرف الدين كان مؤمن، كان مؤمن بشيء غير موجود وعمره ما فقد إيمانه، ~~حتى كلامي اللي زي السم ما أثرشي فيه، كان عايش في وهم، الدكتور فهيم ما يكدبش، ~~مفيش زرقا يعني مفيش زرقا، والزرقا عمالة تنهش في لحم العمال، والزرقا ~~عايشة في المصنع، عايشة وعمالة تكبر وتترعرع، الميكروب عايش ويترعرع والملاك ~~الطاهر مات، ربنا رحمه واستريح، شرف الدين استريح يا شهدي، وعاش كمان مستريح، ~~كان مصدق إن فيه خير في الدنيا دي وإن د. فهيم بيقول الحق، وشرف الدين مات ~~واستريح، إنما أنا ... أنا اللي عايش وتعبان، أنا اللي مش مؤمن بحاجة خالص؛ دنيا ~~وحشه وكلهم كدابين، كلهم كدابين، والصادق النهارده بكرة يكدب لما الظروف تتغير، ~~والشجاع النهارده بكرة لما يقف قصاد الأكبر منه يبقى أرنب، أنا مش مؤمن بحاجة ~~يا شهدي، مش مؤمن حتى بنفسي، أنا جبان، أنا عارف إنها الزرقا وساكت، أيوه ~~ساكت ومقدرش أقول. اشمعنى انا دونا عن الكل اللي اقول؛ عاوز ولادي يا شهدي ~~يعيشوا ms29 وياكلوا ويروحوا المدارس. ولادي هم السبب يا شهدي! هم السبب، يمكن لو ~~مكانشي عندي أولاد يمكن كنت أقول، لكن برضه ما اعرفش، أنا باخاف يا شهدي، أنا ~~جبان يا شهدي ~~(يبكي) ~~. ~~(شهدي يواسيه.) # شهدي ~~: # ما تعملش في نفسك كده يا دكتور توفيق. # توفيق ~~: # دي كانت آخر فرصة يا شهدي، كان آخر أمل، خلاص الفرصة راحت، الأمل راح. # شهدي ~~(في عزم) ~~: # لأ ما راحش، الأمل ما راحش ولسه فيه فرصة طول ما احنا عايشين، طول ما فينا ~~نفس فيه فرصة وفيه أمل. فيه! فيه! # المشهد الرابع ~~(شهدي راقد على الأرض في زنزانته. السجان يضربه السوط.) # شهدي ~~(يصيح) ~~: # فيه! # السجان ~~(يضربه) ~~: # مفيش! # شهدي ~~: # فيه! # السجان ~~: # مفيش! ~~(يستريح السجان قليلا من الضرب، يجفف عرقه يمسك ذراعه الذي آلمه من ~~رفع السوط والضرب مدة طويلة.) # السجان ~~: # آه يا دراعي، دراعي انخلع من الضرب وانت لسه ما حستش؟ قول مفيش زرقا. # شهدي ~~: # فيه زرقا. # السجان ~~: # قول مفيش. # شهدي ~~: # فيه. ~~(السجان يبدأ بضربه مرة أخرى.) # السجان ~~: # مفيش. # شهدي ~~: # فيه. # السجان ~~: # مفيش. # شهدي ~~: # فيه. ~~(يستريح السجان قليلا، يجفف عرقه، يدلك ذراعه من التعب.) # السجان ~~(في غضب) ~~: # انت إيه؟ انت مش بني آدم ولا إيه؟ والله والله العظيم لو كان بغل كان حس. # شهدي ~~(بصوت متعب جدا) ~~: # أصل أنا مانيش بغل، أنا شهدي، أنا إنسان، عشت وسط الناس في المصنع، كنت ~~بشيلهم على إيديا دول، كنت بحس جسمهم وهو سخن زي النار وبعدين يبرد ويتلج زي ~~حتة اللحمة، شيلتهم بإيديا دول وشيلت عيالهم، شيلتهم بإيديا وشفتهم بعيني؛ ~~كنت اشوف العيل من دول ينبش في صفيحة الزبالة زي الكلب عشان يعتر في عضمة، على ~~لقمة بايتة ومعفنة، على شوية رز فضلوا من الجيران ورموهم في الزبالة. وشفت ~~الدكتور شرف الدين، كان زي الشعلة المنورة، يروح ويجي ويكلم كل واحد ويضحك، ~~تمام شبه الدكتورة نادرة. يا ترى انت فين يا نادرة؟! ~~(السجان يضربه بالسوط.) # السجان ~~: # قول مفيش زرقا. # شهدي ~~: # فيه. # السجان ~~: # مفيش. # شهدي ~~: # فيه. ~~(السجان يستريح ويبصق عليه ويتركه قليلا.) ms30 # السجان ~~: # أقسم بشرفي لو بغل كان حس. # شهدي ~~: # أيوه، لو كنت بغل ما كنتش حسيتهم بإيديا دول وشفتهم بعيني دول. أعمل إيه؟ ~~ذنبي إيه؟ أنا بني آدم، لي إيدين بتحس ولي عينين بتشوف. ~~(السجان يلسعه بالسوط.) # السجان ~~: # بني آدم إيه؟ لو كنت بني آدم كنت حسيت لسعة الكرباج ده! # شهدي ~~: # لسعة الكرباج مش بتوجع زي لسعة الألم والجوع، مش بتوجع زي لسعة عنين على يتيم ~~بيدور على لقمة في التراب! # السجان ~~: # دراعي انخلع ودمك ساح على الأرض ولسه مش عاوز تسمع الكلام! شايف اللي على ~~الأرض ده؟ ده دمك بص شوفه. # شهدي ~~(يتحسس جسمه) ~~: # ده دمي ده، مش عارف إنه دمي، حتى جسمي ما بقتش حاسس بيه، اضرب زي ما انت عاوز؛ ~~خلاص أنا مش حاسس بجسمي. ~~(السجان يضربه بشدة.) # السجان ~~: # قول مفيش زرقا. # شهدي ~~: # فيه زرقا. # السجان ~~: # مفيش. # شهدي ~~: # فيه، فيه، فيه. ~~(يصرخ وهو يقول بجنون) ~~: فيه، فيه! ~~(ظلام.) ~~(يسمع فقط صوت السوط وهو يضرب وصوت شهدي يئن بضعف ويقول مرددا بصوت ~~خافت جدا: «فيه، فيه، فيه.» صوته يخفت تدريجيا دون أن ينقطع.) # المشهد الخامس ~~(شهدي راقد في حالة سيئة على الأرض في الزنزانة السابقة، يفتح فمه بصعوبة ~~ويقول بصوت خافت ضعيف جدا.) # شهدي ~~: # فيه، فيه يا دكتورة نادرة. ~~(دكتورة نادرة واقفة إلى جواره تنظر إليه في ألم وذهول.) # شهدي ~~: # فيه يا د. نادرة، بقى لي زمان بدور عليكي يا د. نادرة، كتر خيرك اللي تعبتي ~~نفسك وجيتي لغاية هنا، لكن أعمل إيه يا د. نادرة، ما حدش راضي يجيب رباط شاش ~~محدش سائل عني، عشان كده سألت عليكي وقلت لهم يدوروا عليكي؛ انت الوحيدة اللي ~~حتقدري ... حتقدري تعرفي ازاي لما الجرح يبقى مفتوح لازم يتربط برباط شاش، انت ~~اللي حتقدري تجيبيلي رباط شاش أربط دراعي، الجرح مفتوح والدود بياكل فيه ~~وما حدش راضي يجيب لي رباط شاش، خايفين يجيبوه أقوم ألفه حوالي رقبتي وأموت نفسي. ~~قولي لهم يا د. نادرة شهدي مش ممكن يموت نفسه، شهدي مش ممكن ms31 ينتحر، لو كان ~~عاوز كان موت نفسه من زمان. انت عارفاني يا د. نادرة عارفاني ، عارفة ازاي أنا ~~عاوز اعيش، عاوز اعيش عشان ارجع المصنع، عشان ارجع واقول للعمال إن فيه زرقا، ~~فيه، فيه، يا د. نادرة فيه. ~~(د. نادرة واقفة جامدة كالتمثال تنظر حولها في ذهول وألم وحزن وغضب.) # د. نادرة ~~(صوتها يعبر عن كل هذه الانفعالات) ~~: # ازاي؟! ازاي ده حصل؟! ازاي قدر يسكت ولا يقولش؟! ازاي قدر ما يقولش؟ الدكتور ~~فهيم؟! ازاي قدر يسكت؟ ازاي؟! # المشهد السادس ~~(في مكتب د. فهيم الفاخر.) ~~(د. نادرة واقفة أمام د. فهيم. فهيم جالس يبدو عليه التعب والانكسار.) # د. نادرة ~~(نفس صوتها السابق) ~~: # ازاي؟! ازاي قدرت تسكت؟! ازاي ما قلتش؟ # د. فهيم ~~(بصوت منكسر) ~~: # كان شيء فوق طاقتي يا نادرة، ما تتصوريش لما شرف الدين مات أنا حزنت أد إيه. # نادرة ~~: # شرف الدين؟! بس شرف الدين اللي انت حزنت عليه، بس شرف الدين اللي انت بتفكر ~~فيه، لأنه شرف الدين، لأنه التلميذ اللي كان بيبص لك على إنك فوق فوق، التلميذ ~~اللي كانت عينيه تلمع من الفرح لما يشوفك ويبص لك على إنك إله، كنت بتحب شرف ~~الدين لأنه كان بيعبدك، كنت بتحب عبادته ليك، كنت بتحب إيمانه بيك، بتحب ~~«الأنا» بتاعتك فيه، لكن عمرك ما حبيته هو؛ وعشان كده قدرت ترميه للموت لما ~~خفت، لما المسألة بقت أنا ولا هو، اخترت «الأنا» بتاعتك وكنت دايما تختار ~~«الأنا» بتاعتك، عمرك ما اخترت حد غير الدكتور فهيم. # د. فهيم ~~: # أرجوكي يا نادرة حاولي تقدري موقفي، موقفي كان صعب، صعب جدا. لو كنتي مكاني ~~يا نادرة كنت حتعملي إيه؟ # نادرة ~~: # كنت لازم أقول، لازم أقول! وحاقول. ماقدرش ما قولش، ماقدرش! أنا غيرك يا د. ~~فهيم، انت قدرت تسكت، إنما انا ماقدرش. # د. فهيم ~~: # يمكن بعد عشر سنين يا نادرة لما تبقي في سني يمكن تقدري تفهمي موقفي، فيه ~~حاجات في الدنيا يا نادرة انت لسه ما تعرفيهاش، احتياجات كثيرة بتتولد في حياة ~~الإنسان لما ms32 يكبر، أنا سكت عشان الولاد يا نادرة، يمكن لو جربتي إنك تكوني أب ~~أو أم يمكن تعرفي. أنا خفت مش على نفسي، لو كانت نفسي كانت المسألة سهلة، ~~لكن الولاد، تصوري لو كنتي أم وجت قوى كبيرة أقوى منك عاوزة تحرمك من طفلك وتحرم ~~طفلك منك! أم أو أب؛ شعور الأب زي شعور الأم واكتر، وخصوصا لما يحس بإنه ~~مهدد، فيه حاجات في الدنيا يا نادرة لسه حتعرفيها، لما تبقي أم حتقدري تعرفيها ~~وتعذريني. # د. نادرة ~~: # مين قالك إني ما كنتش أم؟ أنا كنت أم من 18 سنة، كنت تلميذة في آخر سنة في ~~ثانوي، فتحت عيني لقيت نفسي نايمة على مرتبة قديمة في أوده بلاط، ما كنش معايا ~~محمود، كان في المصنع، بصيت جنبي لقيت طفل صغير قوي ومد إيده الصغيرة، صوابعه ~~كانت صغيرة قوي، لكنها كانت تشبه صوابعي، ومديت إيدي عشان امسكه، بصيت لقيت ~~إيده لفت حوالين صباعي ومسكته قوي قوي، حطيته في صدري وبصيت في وشه، وشه كان ~~أسمر محمر، وعينيه كانت مدورة والنني كبير، وبيلمع، بيلمع، زي فص الألماز، كنت ~~عاوزة محمود يرجع بسرعة من المصنع عشان يشوفه، لكن محمود ما رجعش، وسمعت من ~~زمايله في المصنع إنه مات بالزرقا، كنت لسه صغيرة، سبعتاشر سنة، وهربانة من كل ~~الناس، وهربانة من أبويا وأمي وكل الناس؛ كانوا عاوزين يمسكوني ويحطوني في ~~القفص، لكن أنا هربت، أخدت شنطة هدومي الصغيرة وهربت في نص الليل وهم نايمين، ~~ومشيت لوحدي في الشارع الطويل الضلمة. كانت الدنيا مطر وبرد والدنيا ضلمة، في ~~لحظة خفت، ووقفت، وفكرت ادور وارجع، كان الطريق قدامي طويل وضلمة وفي كل ركن ~~شبح واقف يتربص، وقفت في وسط الطريق وحركت قدمي عشان ادور وارجع، قلت لنفسي ~~لحظتها: القفص أرحم، السجن برضه فيه أمان عن الدنيا الضلمة الواسعة، السجن له ~~أربع حيطان تحميني وتخبيني. لكن ماقدرتش ارجع؛ كان فيه حاجة غريبة بتزقني ~~لقدام، حاجة غريبة لا إرادية زي القدر، أبدا ما كانش القدر، أبدا ما كانش ~~حاجة لا ms33 إرادية، ما حدش ضربني على إيدي وقالي اهربي، كنت ماشية على رجليه بإرادتي، ~~كنت عارفة إني رايحة للأوده البلاط والمرتبة القديمة والشباك المكسور بتبص منه ~~عنين الناس، وألسنة الناس وإيدين الناس حتنهش في زي حتة لحمة، لكن ما قدرتش ~~ارجع، كان فيه حاجة بتزقني لقدام؛ حاجة أقوى من الإرادة، حاجة أقوى من الحب ~~والجنس. في الليلة دي بالذات ما نمناش سوا، في الليلة دي بالذات ماكنتش عاوزة ~~محمود، كنت عاوزة اهرب من القفص، قفص المجتمع المزيف، التقاليد المزيفة، والشرف ~~المزيف، والحب المزيف، والكلام المزيف، والوجوه المزيفة، والزواق الكدب. كنت ~~عاوزة اهرب واحرر نفسي، كانت أصعب لحظة في حياتي، دست عليها بقدمي ومشيت عليها ~~ومشيت. كان ممكن في كل خطوة اقف وادور وارجع؛ أرجع لأبويا ولأمي ولبيتنا ~~الدافي واتجوز ابن عمي زكريا تاجر الموبليات الغني وأجيب جهاز وعيال وأعيش زي ~~الناس ما هما عايشين، لكن مارجعتش، كنت شايفة الطريق قدامي ضلمة وطويل وصعب ~~لكن مارجعتش، دست على قدمي ومشيت، دست على أصعب لحظة ومشيت. فيه ناس ما تقدرش ~~تدوس على اللحظة دي وتمشي، تفضل واقفة عندها، ماسكة فيها وخايفة، متبتة فيها ~~وخايفة، يفضلوا أسرى اللحظة دي، اللحظة هي اللي تمسكهم وتأسرهم وتدوس عليهم ~~ويفضلوا واقفين، الدنيا من حواليهم تمشي والزمن يمشي وهم واقفين في مكانهم عند ~~اللحظة دي، دايساهم، حبساهم زي الفيران في القفص. دي اللحظة اللي حررتني، لا ~~أبدا، ما كنش برضه هي دي، دي كانت تيجي نقطة تانية، لحظة بس، أول خطوة على ~~الطريق، كانت نقطة البداية وبعد كده تيجي نقطة تانية، لحظة تانية وتالتة، خطوة ~~ورا خطوة نقطة فوق نقطة، لغاية ما الدورق يتملي، طريق طويل، وكل لحظة فيه صعبة ~~وطويلة زي الدهر، تخلي جدور الشعر تقف والشعر يشيب والعمر يتملي ويكبر وإن ما ~~فاتش فيه كتير، عدد اللحظات دي هي اللي بتعمل العمر مش عدد السنين. لحظة ورا ~~لحظة بالتدريج، لحظة ورا لحظة بالتدريج زي المية على النار تسخن شوية شوية ~~وبعدين تيجي لحظة تغلي وما تبقاش ms34 ميه؛ تبقى بخار، كذلك الإنسان لحظة تتراكم على ~~لحظة على لحظة تراكم كمي بالتدريج، وبعدين تيجي لحظة يتغير النوع، يفتح الواحد ~~عينه يحس إنه بقى واحد تاني، إنسان جديد، غير الأولاني، يفتح دراعاته ويحس إنه ~~يقدر يحضن الهوا والسما والدنيا والناس، يحس إنه يقدر يحضن كل الناس، يفتح ~~دراعاته عن آخرها ويحس إنه مالك الدنيا، مالك كل لحظة في عمره، مالك كل حتة في ~~نفسه، مالك نفسه ومالك جسمه ومالك عضلات وشه، يقدر يفتح بقه ويضحك ويقهقه بصوت ~~عالي، يقدر يفتح بقه ويقول اللي هو عاوزه. صوت يخرج لوحده طبيعي بدون مجهود ~~ويقول: فيه زرقا، أيوه فيه زرقا. شوف أنا بقولها سهلة ازاي؟ سهلة علي، ~~طبيعية زي الهوا ما بيدخل جوه الصدر ويطلع. ازاي كانت صعبة عليك؟! ازاي ما ~~قدرتش تقولها؟ ازاي؟! # د. فهيم ~~: # ما قدرتش أقولها يا نادرة؛ كانت صعبة علي، أصعب حاجة قابلتها في حياتي، ~~أصعب حاجة. # نادرة ~~: # لأنك ما عشتش لحظة أصعب منها، لأنك ما مشتش في الطريق الصعب. مش كل واحد يقدر ~~يمشي فيه، فيه ناس بتاخد الطريق السهل القصير، بتبقى مستعجلة تزق غيرها وتبقى ~~عاوزة توصل، عاوزة تنجح، عاوزة، عاوزة، عاوزة ... العوزان النهم، أنا عاوز أنا أريد، ~~أنا أريد ... الإرادة الجشعة السريعة. المسألة مش إرادة بس، المسألة مش أنا ~~أريد، المسألة مش أنا عاوز، فيه ناس بتعوز تاكل وغيرها يجوع، فيه ناس إرادتها ~~حديد؛ تقتل عشان تملا بطنها وغيرها يجوع. المسألة أكبر من الإرادة واللاإرادة، ~~وأصعب من الإرادة أو اللاإرادة. المسألة ازاي الإنسان يمشي في الطريق الصعب ~~لحظة ورا لحظة ورا لحظة ويحرر نفسه، يحرر نفسه من جوه ذاته ويخليها تخرج بره ~~جسمه وتحس غيره، يحررها من «الأنا» ويحس غيره زي ما تحس جسمه! ويبقى في الوقت ده ~~يعوز غيره ياكل زي ما بياكل، يبقى ممكن يقتل عشان غيره ياكل زي ما هو بياكل. من ~~أربع سنين بس مريت باللحظة دي؛ كان عندي نوبتشية حوادث في المصنع وخرجت راجعة ~~بيتي قبل الفجر بشوية صغيرين، كانت ms35 الدنيا شتا ومطر ومالقتش حاجة اركبها فمشيت. ~~وأنا بعدي كوبري عباس شفت حاجة صغيرة ملفوفة ومحطوطة على الرصيف، وقفت وبصيت شفت ~~إيد صغيرة وصوابعها صغيرة، مديت إيدي بصيت لقيت الصوابع الصغيرة بتلف حوالين ~~صباعي وتمسكه قوي قوي، حطيته في صدري وبصيت في وشه، وشه كان أسمر ومحمر وعينه ~~كانت مدورة والنني كبير وبيلمع، بيلمع زي فص الألماز. حسيت إنه ابني، أنا اللي ~~ولدته اتولد من صلبي أنا، ولدته فين أو إمتى معرفشي! لكن أنا اللي ولدته، عمرك ~~ما جالك الإحساس ده؟ عمرك ما وقفت العربية بتاعتك على كوبري عباس وبصيت؟ لو ~~كنت وقفت مرة لو كنت بصيت مرة يمكن كنت عرفت، يمكن كنت عرفت إن كل الأطفال ~~بيتولدوا شكل بعض، كل الناس بيتولدوا زي بعض، لكن بعد كده بيختلفوا؛ ينقسموا ~~نوعين: نوع بيدور على الطريق الصعب ويمشي فيه ويعرف الألم ونوع يدور على ~~الطريق السهل ويهرب من الألم وما يعرفوش. الألم ده هو الإنسان، نفس الإنسان، ~~القوة، الروح، الإله اللي جوه الإنسان، هو الفرق بين إنسان وإنسان، فرق رفيع ~~وشفاف، أحيانا ما ينشافش ويفوت علينا، يفوت زي الشعرة في العجين بتفوت. # د. فهيم ~~(بصوت متأثر) ~~: # أنا فعلا يا نادرة عمري ما عرفت الألم، كنت باجي لغاية عنده واهرب. حياتي ~~كلها كانت سهلة، أبويا علمني وصرف عليا في كلية الطب، كنت ارجع ألاقي عشاي جاهز ~~وسريري جاهز وأودتي نضيفة، كان عندي كل حاجة، عمري ما عرفت يعني إيه واحد يجوع، ~~وبقيت دكتور وأستاذ طب. ما عرفش كل حاجة كانت سهلة ازاي؛ عشان كده كان متهيأ لي ~~إن كل حاجة سهلة والدنيا مافيهاش ألم. حتى لما كنت بسأل العيان وأقوله فين ~~الألم يا ابويا؟ ويشاور على صدره أو بطنه، أحط إيدي على جسمه وما احسش بالألم. ~~وأنا صغير لما كانوا يغرزوا في دراعي حقنة التطعيم كنت اصرخ من الألم، وفضلت ~~طول عمري اكره آخد الحقن. أصعب ألم شفته في جسمي هو إبرة التطعيم، لكن لما كنت ~~أغرز الحقنة في دراع العيان ويشد ms36 إيده أستغرب ليه بيشدها، وأقول له ما تشدش إيدك ~~وخليك شجاع وخليك راجل، مع إني كنت عارف بعقلي كطبيب ازاي الجسم يتألم، لكن ما ~~كنتش عارف بإحساسي يعني إيه ألم، العقل سهل يعرف ويتملي معلومات عن أكبر ~~المعضلات اللي في الدنيا والعلوم، سهل إن العقل يتعلم، لكن الإحساس! أصعب حاجة إن ~~الإحساس يتعلم. ذنبي إيه يا نادرة؟ ذنبي إنه ظروفي كانت سهلة وكويسة؟ ذنبي إيه؟ # نادرة ~~: # كنت لازم تقلق وتدور، كنت لازم تقلق وتحس بنقص، اللي عمره ما اتألم ويكون ~~إنسان لازم يحس إنه صغير ووحيد وقلقان، لازم يحس إن حياته ناقصة وحاجة في حياته ~~ناقصاه، حاجة في حياته ضايعة ومش لاقيها، حاجة مهمة خالص مش لاقيها، ما يحسش ~~طعم الأكل ولا الشرب ولا النوم ولا الجنس وكل حاجة تبقى من غير طعم زي المية ~~الفاترة. فيه ناس تعيش وتسكت وترضى بالعيشة الناقصة وتقول أدي احنا عايشين، ~~وفيه ناس تقلق وتدور على الحاجة الضايعة، وتفضل تلف وتدور وتدور زي ~~الأسد المحبوس جوه القفص، يفضل يدور ويدور ويدور، يفضل حاسس إنه وحيد، وإن ~~حواليه سور بيعزله عن غيره، سور تخين وهو جواه وحيد محبوس مخنوق. يفضل يدور ~~ويموت وهو بيدور عن إنه يقعد جوه القفص. فيه ناس تموت وهي تدور عن إنها تفضل ~~وحيدة محبوسة لوحدها جوه «الأنا» لكن إذا ما ماتتش، إذا قدرت تكسر الباب وتخرج ~~برة «الأنا» حتلاقي أغلى حاجة في الدنيا؛ حتلاقي نفسها. # د. فهيم ~~(يقترب من نادرة في حب) ~~: # دلوقت بس فهمتك، دلوقت بس عرفت ليه أنا كنت بحبك، ليه دونا عن كل طالبات ~~الكلية، دونا عن كل البنات والستات كنت بحبك. لما كنت ابص في عينيكي كنت باخاف، ~~ما كنتش بعرف أنا باخاف ليه، ولما تمشي من قدامي اضحك لنفسي واقول عبيط، ما هي ~~واحدة زي كل الباقيين. لكن لما أشوفك من بعيد ابقى عاوزك تقربي مني عشان اشوف ~~عينيكي وابص فيها واعرف أنا باخاف من إيه، كنت عاوز أعرف أنا باخاف من إيه، كنت ~~أستاذك ms37 وانت تلميذة، تلميذة مبهدلة؛ شعرها منكوش وفستانها قديم وجزمتها كعبها ~~متاكل ومعوج، ولما تمشي من قدامي أضحك لنفسي وأقول عبيط، لكن لما ألمحك من بعيد ~~أبقى نفسي تقربي عشان اشوف عينيكي وابص فيها واعرف ليه أنا باخاف. دلوقت بس ~~عرفت إني كنت بخاف من نفسك، نفسك دي اللي لقيتيها بعد ما مشيتي مشوار طويل وقطعتي ~~الطريق، نفسك دي اللي لقيتيها وماسكاها بإيديكي واسنانك ومتبتة فيها ومش ممكن ~~تخسريها، نفسك دي اللي كنت باشوفها جوه عينيكي من جوه ومقدرش امسكها، أمسك إيدك ~~وماقدرش أمسكها، أمسك جسمك كله بين إيديا ومقدرش أمسكها. فاكرة الليلة الوحيدة ~~اللي مضناها سوا، ما تتصوريش يا نادرة أنا الليلة دي حسيت بإيه، حسيت إنك ~~بتديني كل حاجة، كل حاجة في جسمك إلا نفسك، حسيت ليلتها إنك غالية قوي، نفسك ~~غالية قوي، مش ممكن أقدر آخدها، ما حدش يقدر يأخدها، بأي تمن، أغلى من أي تمن، ~~أغلى من إنها تتشري أو تتباع بالعملة المتداولة في عالمنا، العملة اللي بتحسب ~~واحد + واحد = اتنين. وخفت يا نادرة، لقيت الطريق لك صعب وغالي، واستسهلت ~~واسترخصت؛ اشتريت تفيدة بكل فلوسي وخفت اتجوزك، عاوز مراتي تكون أنيقة ومن عيلة ~~وراقية وأبوها مركزه كبير مش عامل في المصنع. سامحيني أنا عرفت دلوقت بس، أنا ~~فهمت دلوقت بس، أنا اتعلمت دلوقت بس. صحيح اتأخرت في التعليم، بعد ما كبرت وشبت ~~وبقيت أستاذ كبير، اتعلمت دلوقت بس وتلميذتي هي اللي علمتني. ~~(يركع عندها) # سامحيني يا نادرة لأن أنا اللي خسرت مش انت، أنا خسرت نفسي، وعشرين سنة من ~~عمري ~~(يبكي) ~~. # المشهد السابع ~~(نفس المنظر السابق.) ~~(د. فهيم جالس، يقف أمامه د. توفيق.) # د. فهيم ~~: # بتقول إيه يا توفيق؟ # د. توفيق ~~: # التمورجي شهدي يا فندم مستمر في إضرابه عن الأكل، مش عارف طالعة في دماغه ~~حكاية الزرقا دي، مش راضي يبطل ليل نهار يقول فيه زرقا، لا نافع فيه تخويف ولا ~~نافع فيه ضرب؛ باين عليه مسكين فقد عقله. # د. فهيم ~~(بصوت هادئ جدا) ~~: # لا يا توفيق، ms38 شهدي ما فقدش عقله، احنا اللي فقدنا إحساسنا، شهدي كنا ~~بنشوفه تمورجي صغير وهو في الحقيقة كان الإنسان، النفس، الروح، القوة، الإله، ~~اللي جوه الإنسان. وأنا، أنا الأستاذ الدكتور فهيم كانوا بيشوفوني، إله مع إني ~~في الحقيقة كنت صغير، كنت أسير، كنت عبد من العبيد. شهدي هو الحقيقة، شهدي ~~بيقول الحقيقة، أيوه فيه زرقا، فيه زرقا يا توفيق ~~(توفيق ينظر إليه مذهولا) ~~. # توفيق ~~(بصوت ذاهل) ~~: # د. فهيم اللي بيقول فيه زرقا؟ أنا مش مصدق وداني! # د. فهيم ~~: # لا صدق ودانك يا توفيق، أخيرا الأستاذ الدكتور فهيم فهم واتعلم. التعليم ~~اللي احنا بنتعلمه في المدارس والكليات والوظايف ده مش تعليم، دي كلها مجرد ~~معلومات بنحشي بيها مخنا زي الكوسة لما تنحشي بالرز، أو الكيس الدمور لما ينحشي ~~بالقطن، مجرد حشو، ويفضل إحساسنا زي ما هو، إحساس جاهل غير متعلم، إحساس ما ~~عندوش إحساس، ما بيحسش، ما بيحسش حاجة إلا جسمه، جسمه هو وبس، ما يحسش إلا ~~الإبرة اللي بتغرز في جسمه، إنما الإبرة اللي تدخل في جسم غيره! السكاكين اللي ~~تتقطع بيها أجسام الناس التانية هو ما يحسش بيها، طالما هي بعيدة عن جسمه. ~~(د. توفيق يمسك رأسه ويبكي بصوت مكتوم.) # د. فهيم ~~: # الكلام ده يا توفيق لازم يخليك تبتسم وتضحك مش تبكي. # توفيق ~~: # أنا بابكي لأني أنا اللي عايش وباسمع الكلام ده، كان نفسي شرف الدين هو اللي ~~كان عايش وهو اللي يسمعه، هو اللي بيسمعه من أستاذه الدكتور فهيم، أستاذه اللي ~~صدقه وآمن بيه، آمن بيه لغاية آخر نفس، لغاية آخر لحظة من عمره. # د. فهيم ~~: # شرف الدين فهمني قبل ما أفهم أنا نفسي، شرف الدين حس بي قبل ما أحس أنا ~~بنفسي، شرف الدين سبقني. فيه ناس بتسبق يا توفيق، دايما فيه ناس بتسبق واحنا ~~بنتعلم من اللي سبقونا، واللي جايين ورانا يتعلموا منا، هي دي الحياة يا توفيق، ~~واحد ورا التاني، واحد ورا التاني، والإنسان هو اللي يسبق. # المشهد الأخير ~~(المسرح مضاء جيدا وخال.) ~~(تدخل من ناحية ms39 اليمين نادرة ومن خلفها يسير شهدي ثم شرف الدين ثم فهيم ثم توفيق ثم ~~تفيدة ثم السجان ثم الوالي. يجتازون خشبته بهذا الترتيب؛ نادرة في المقدمة والوالي في ~~المؤخرة، حين تصل تفيدة إلى منتصف المسرح يتقدم السجان خطوة ويمسك ذراعها ويسيران معا. ~~حين يصل الوالي إلى منتصف خشبة المسرح يقف ويستدير مواجها الجمهور.) # الوالي ~~: # بقى أنا اللي دايما كنت امشي قدامهم آجي على آخر الزمن امشي وراهم؟! أما ~~مؤلف جاهل صحيح، مؤلف غبي غير عملي، ما يفهمش الأصول، ما يعرفش البرتوكول، ~~المؤلف ده لازم يترفد، هاتوا لي المؤلف، هاتوه وارفدوه. ~~(النهاية) ms40