######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.Dikhrayat1.Hindawi57405807 #META# Tags: biographies #META# ID: 57405807 #META# Title: ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الموضوع والمنهج والتقسيم والدلالة1‏ # 1 - الطفولة: الكتاب، المدارس ~~الأولية والابتدائية والثانوية ~~(1935-1952م)‏ # 2 - التعليم الجامعي (1952-1956م)‏ # 3 - السفر إلى فرنسا (1956-1966م)‏ # 4 - الأستاذ الجامعي (1966-1971م)‏ # 5 - السفر إلى أمريكا (1971-1975م)‏ # 6 - إعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية ومقاومة الانقلاب على الناصرية ~~(1976-1982م)‏ # 7 - التدريس في المغرب والبحث ~~الدولي في اليابان ~~(1982-1987م)‏ # 8 - رئاسة القسم ومحاولة تكوين ~~مدارس فكرية (1987-1995م)‏ # 9 - «التراث والتجديد» وأحزان ~~خريف العمر (1996-2011م)‏ # 10 - الثورة المصرية، والربيع العربي (2011-2018م)‏ # 11 - كل نفس ذائقة الموت (2018م-...)‏ # الإهداء‏ # الموضوع والمنهج والتقسيم والدلالة1‏ # 1 - الطفولة: الكتاب، المدارس ~~الأولية والابتدائية والثانوية ~~(1935-1952م)‏ # 2 - التعليم الجامعي (1952-1956م)‏ # 3 - السفر إلى فرنسا (1956-1966م)‏ # 4 - الأستاذ الجامعي (1966-1971م)‏ # 5 - السفر إلى أمريكا (1971-1975م)‏ # 6 - إعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية ومقاومة الانقلاب على الناصرية ~~(1976-1982م)‏ # 7 - التدريس في المغرب والبحث ~~الدولي في اليابان ~~(1982-1987م)‏ # 8 - رئاسة القسم ومحاولة تكوين ~~مدارس فكرية (1987-1995م)‏ # 9 - «التراث والتجديد» وأحزان ~~خريف العمر (1996-2011م)‏ # 10 - الثورة المصرية، والربيع العربي (2011-2018م)‏ # 11 - كل نفس ذائقة الموت (2018م-...)‏ # | ذكريات # | ذكريات # | 1935-2018م # تأليف # حسن حنفي # | الإهداء # إلى مصر # ذكريات عبرت أفق خيالي # بارقا يلمع في جنح الليالي # نبهت قلبي من غفوته # وجلت لي ذكرى أيامي الخوالي # كيف أنساها وقلبي # لم يزل يسكن جنبي # إنها قصة حبي # شعر: أحمد رامي # تلحين: رياض السنباطي # غناء: أم كلثوم # حسن حنفي # مدينة نصر، 30 أبريل 2018م # | الموضوع والمنهج والتقسيم والدلالة1 # «الذكريات» ما تبقى من السيرة الذاتية. هي ما رسخ في الذاكرة، ولم يطوه النسيان. ~~أما السيرة الذاتية فهو سجل لتاريخ حياة، يمكن أن يتم عن طريق شريط تسجيل، لا حياة ~~فيها، يعتمد على التوثيق والتنسيق والاختيار، ما يدخل في السيرة وما لا يدخل، الحيرة بين ~~الذاتي والموضوعي، رؤية سجل الذاتية الشعورية أو اللاشعورية، الرسالة التي يريد أن ~~يوصلها للناس. أما «يوميات» فهو اللفظ الذي استعمله جابريل مارسيل في «يوميات ~~ميتافيزيقية»، وعثمان أمين في جزء من «الجوانية». والعنوان «ذكريات» ليس ذكرياتي حتى أضفي ~~طابع الموضوعية عليها؛ فالعصر يتكلم ms001 من خلالي، هموم الفكر والوطن. # وتتداعى الذكريات بطريقتين: الأولى زمنيا، من الطفولة الأولى حتى الشيخوخة الأخيرة في ~~مراحل زمنية تميزها مراحل التعليم أو الأسفار أو النضال السياسي على النحو ~~الآتي: ~~(1) # الطفولة: الكتاب، المدارس الأولية والابتدائية والثانوية ~~(1935-1952م). ~~(2) # التعليم الجامعي (1952-1956م). ~~(3) # السفر إلى فرنسا (1956-1966م). ~~(4) # الأستاذ الجامعي (1966-1971م). ~~(5) # السفر إلى أمريكا (1971-1975م). ~~(6) # إعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية ومقاومة الانقلاب على الناصرية ~~(1976-1982م). ~~(7) # التدريس في المغرب والبحث الدولي في اليابان (1982-1987م). ~~(8) # رئاسة القسم ومحاولة تكوين مدارس فكرية (1987-1995م). ~~(9) ~~«التراث والتجديد» وأحزان خريف العمر (1996-2011م). ~~(10) # الثورة المصرية، والربيع العربي (2011-2018م). ~~(11) # كل نفس ذائقة الموت (2018م-...). # والطريقة الثانية، التقسيم الموضوعي للذكريات، مثل: الجامعة، السياسة، الاستبداد، الدين، ~~الفن، الوطن، الهزيمة والنصر، القومية العربية، الحب. وعيب هذه الطريقة تجاوز التطور ~~الزماني، وتقطيع التجربة الذاتية عبر مسار العمر لمعرفة مدى نضجها وكأن صاحبها قد ~~مات. هذه الطريقة أشبه بالجسد الحي الذي يقطع بعد الذبح حرصا على الأجزاء، وليس ~~خوفا على الحياة. قد تفيد تعليميا، ولكنها تقضي على الحياة العضوية للجسد. # 2 # كما تبدو هذه الطريقة وكأنها تأليف في عدة موضوعات متناثرة، وفي هذه الحالة ~~تقضي على موضوعيتها وعلميتها. # وفي كلتا الطريقتين تأتي الذكريات وتذهب لاإراديا في سريانها، وإن كان يمكن أن تبقى ~~في خطوطها العريضة، مراحلها أو موضوعاتها؛ فالذكريات تعوم في محيط من الحرية، وتسبح مع ~~التيار، لا يمكن إيقافها بالقوة إن أتت، ولا يمكن استدعاؤها إن هربت؛ فالشعور تيار ~~جارف كما يقول هوسرل وبرجسون: ميزتها الصدق في الحضور والغياب. # ومن ثم يكون السؤال: هل الذكريات علم أو فن؟ فلسفة أم أدب؟ هي كلاهما لأنها تحليل نفسي ~~لصاحبها؛ فهي أقرب إلى علم النفس وتداعي المعاني والصور. وهي فن لأنها لا تخضع إلا لفن ~~الكتابة وفن الرواية. ونموذج ذلك «قصة نفس» و«قصة عقل» و«حصاد السنين» لزكي نجيب محمود ~~مقارنة ب «حياتي» لعبد الرحمن بدوي التي هي أقرب إلى السجلات والمدونات؛ لذلك كانت ~~«اليوميات» إحدى وسائل كتابة الذكريات. يكتب الذكريات الأدباء مثل لويس عوض، والفلاسفة ~~مثل رسل وياسبرز وسارتر، ms002 والعلماء مثل أينشتاين. والفنون التشكيلية سير ذاتية لأصحابها؛ ~~مثل تماثيل نهضة مصر لمختار مؤرخا لثورة 1919م بالفن ومعبرا عنها بالحجر والإزميل، ~~وموسى لمايكل أنجلو؛ فعندما تكتمل «ذكريات» من أي نوع ستكون؟ # العنوان «ذكريات» وليس الذكريات؛ فربما لم أتذكر كل شيء؛ فالاسم النكرة أكثر دلالة من ~~المعرفة. وربما يستحيل على الإنسان أن يتذكر كل شيء، وتلك فضيلة النسيان عند برجسون، ~~ذكرى تأتي وأخرى تذهب وإلا لانفجرت الذاكرة لكثرة ما اختزن فيها من ذكريات. وإذا تذكرها ~~فلن يستطيع أن يكتب كل شيء فيها حياء وخجلا في مجتمع ما زال الحب بكافة أنواعه: الحسي ~~والمعنوي، الجسدي والروحي، ما زال غير مقبول صراحة كما يغني عبد الوهاب في أغنية «عاشق ~~الروح» في آخر فيلم «غزل البنات». # والذكريات تجارب ذاتية، قد يعيشها شخصان قريبان مثل الأخوين، ولكنهما يعبران عنها ~~بطريقتين مختلفتين مثل يوسف وإخوته؛ فالذكريات لا تتعلق فقط بالذاكرة، هي إحدى وظائف، ~~العقل، ولكنها ترتبط بالعواطف والانفعالات بل والمصالح والأهواء؛ فالحاضر هو الذي يتحكم ~~في الماضي كما يتحكم الماضي في الحاضر؛ فالذكريات ليست فقط رواية للقديم بل هو تحريك من ~~الجديد. # وهي ليست «ذكرياتي» لأن الموضوع ليس ذاتيا خالصا، إنما هي «ذكريات» أكثر من ثمانين ~~عاما؛ فهي ذكريات عن عصر بأكمله: سبعة عشر عاما قبل الثورة، ثورة 1952م وتقلباتها من ~~الناصرية (1956-1970م)، والانقلاب عليها منذ 1970م حتى بعد اغتيال رئيس الجمهورية عام ~~1981م، ثم استمر الانقلاب على الناصرية لأن الرأسمالية ليست جريمة حتى الثورة الشعبية في ~~يناير 2011م والتموجات فيها بين الإسلاميين والعسكريين والفلول، جمعا بين الاستبداد ~~والفساد، ووضعا للإسلاميين واليساريين في السجون والمعتقلات، انتظارا لثورة الجياع ~~أو الجرابيع والعشوائيات، والعودة إلى الناصرية روح الثورة الأول، وتحقيقا لشعار الخبز ~~والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. # وليس العنوان «حياتي» أو «سيرتي الذاتية»؛ فكلها تحول الذكريات إلى جانب ذاتي خالص، ~~وتنسى أنها تعبير عن عصر بأكمله يمكن الرجوع إليه. وليست «يوميات» تدون أحداث يوم ~~بيوم؛ لأن هذه الأحداث لها مسار موضوعي. وليست مجرد حوادث متفرقة، وإن كان أحمد ms003 ~~رامي في الإهداء يقصد حبيبته؛ فربما أقصد أنا مصر، حبيبتي الكبرى، بالرغم من كل ما طرأ ~~عليها من تطورات جعلت الناس تندم على أيام زمان أو الزمن الجميل؛ فهذا واجب المثقف ~~الوطني الذي يحمل «هموم الفكر والوطن». ظننت أنها ستأخذ وقتا طويلا؛ عاما تقريبا، ~~فلما قفزت على الجزء الأخير من «التراث والتجديد» «التفسير الموضوعي»، كما قفز «هيجل ~~والهيجليون الشبان» من قبل، بدأت في الكتابة لاستراحة محارب من توثيق الآيات والموضوعات ~~التي ربما أكون قد نسيتها حتى أصبت بضعف النظر أو إحساسا بدنو الأجل. # وإذا كانت الذكريات هي استدعاء الماضي، والماضي منصب في الحاضر، فيتداخل الماضي في ~~الحاضر، الموتى مع الأحياء. تذكر الموتى ليس به حرج، ولكن الحرج مع الأحياء في ~~المراجعة والتأويل المضاد على أحسن تقدير، وفي الخصام أو التقاضي على أسوأ تقدير. ~~وفي تذكر الأحياء في الحاضر تشتد أزمة الاختيار بين الذكريات: أيها يذكر، وأيها لا ~~يذكر؛ فتتدخل الإرادة في انتقاء الذكريات منعا للإحراج. وربما يختلط المستقبل أيضا مع ~~الماضي والحاضر في ذكر ما كان الإنسان يود فعله ولم يفعله وهو قد فعله بالفعل. وهنا ~~تتداخل الأبعاد الثلاثة للزمان؛ الماضي والحاضر والمستقبل. وقد تنسى بعض تجارب الحاضر، ~~فلا تدخل في الذكريات التي تحتوي على التجارب الحية التي تبقى في الذاكرة، سواء في الماضي ~~أو في الحاضر. # والتقسيم إلى إحدى عشرة مرحلة هو تقسيم زمني وموضوعي في آن واحد؛ فبدأت بالموضوع ~~والمنهج والتقسيم والدلالة، ثم أولا: الطفولة: الكتاب، المدارس الأولية والابتدائية ~~والثانوية (1935-1952م) حيث بدأ الوعي بالعالم عن طريق اللعب والفن والفكر. ثانيا: التعليم ~~الجامعي (1952-1956م) حيث بدأ الوعي العلمي متزاوجا مع الوعي الوطني، والتطلع إلى أفق ~~أوسع. ثالثا: السفر إلى فرنسا (1956-1966م) حيث توازنت الشخصية بين الدين والدنيا، تجارب ~~الأنا والآخر، وصياغة مشروع «التراث والتجديد» (بالفرنسية). رابعا: الأستاذ الجامعي وفلسفة ~~المقاومة (1966-1971م) ودرء الهزيمة أو النكسة في 1967م بعد النكبة في 1948م وقبل صفقة ~~القرن في 2017م أشبه بنداء إلى الأمة الألمانية لفشته لمقاومة نابليون الذي احتل ألمانيا. ~~خامسا: ms004 السفر إلى أمريكا (1971-1975م)، لمعرفة العالم الجديد؛ أمريكا، تدريسا ودراسة، ~~قراءات وزيارات وتوسيع المعرفة بالدين من المسيحية إلى اليهودية، والفلسفة، من الفلسفة ~~الأوروبية إلى الفلسفة الأمريكية. سادسا: إعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية ومقاومة ~~الانقلاب على الناصرية (1975-1982م) خاصة بعد مظاهرات يناير، 1977م «انتفاضة الحرامية»، ~~وإعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية عام 1976م بعد أن أسسها منصور فهمي باشا في ~~1944م وتوقفت بعد الحرب العالمية الأولى، وزيارة القدس نوفمبر 1977م لإيجاد أحلاف ~~خارجية، وكامب ديفيد 1978م، واتفاقية السلام 1979م، وطرد أساتذة الجامعات والصحفيين ، ~~وتحويلي موظفا في وزارة الشئون الاجتماعية، وسجن هيكل، وإبعاد الأنبا شنودة إلى الصحراء ~~في سبتمبر 1981م مما كلفه حياته في أكتوبر من نفس العام. وقد كتبت «مقدمة في علم ~~الاستغراب» عام 1982م وأنا خارج الجامعة وفي ذهني # وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~. سابعا: فلسفة المشرق والمغرب، ~~بالتدريس في المغرب وتولي الإشراف على البحوث الدولية في جامعة الأمم المتحدة في اليابان ~~(1982-1987م). ثامنا: رئاسة القسم ومحاولة تكوين مدارس فكرية (1987-1995م). تاسعا: ~~«التراث والتجديد» وأحزان خريف العمر (1996-2011م). عاشرا: الثورة الشعبية والربيع والعربي ~~(2011-2018م). الحادي عشر: كل نفس ذائقة الموت (2018م-...). # ويختلف طول المراحل من حيث المكان: أطولها مرحلة 167 شارع الحجاز (1970-1995م) خمسة ~~وعشرين عاما، ثم مرحلة باب الشعرية (1935-1956م) واحدا وعشرين عاما في شارع البنهاوي، ~~درب الشرفا، عطفة البنهاوي رقم 4، ثم مرحلة مدينة نصر (1995-2018م) ثلاثة وعشرين عاما في ~~18 شارع لوزاكا متفرع من أحمد فخري، ثم مرحلة فرنسا (1956-1966م) عشرة أعوام، ثم مرحلة ~~العباسية الشرقية (1966-1970م) مع الوالدين 13 شارع الجنزوري منذ العودة من فرنسا 1966م حتى ~~الزواج 1970م. إلا أن أكثرها عمقا في استدعاء الذكريات الماضية والأحلام الحاضرة هي ~~المرحلة الأولى (1935-1956م) مرحلة الميلاد والكتاب والمدارس الأولية والابتدائية ~~والثانوية والجامعية؛ فما زالت الشقة التي ولدت فيها، والغرفة التي ذاكرت فيها، ~~وكنت فيها مع أخي سيد وأعز الأصدقاء محمد وهبي عبد العزيز هي أعمق الذكريات، وتعود ~~دائما أكثر من أطولها في شارع الحجاز (1970-1995م)؛ فذكريات الطفولة ms005 أكثر عمقا في ~~النفس من ذكريات الشباب في فرنسا أو الرجولة بعد الزواج أو الكهولة في مدينة نصر. # وكانت الذكريات في الصياغة الأولى تسترسل دون جهد كبير؛ فالخطوط العريضة تظهر، والمراحل ~~الزمنية لا شك فيها. وفي الصياغة الثانية بدأت تظهر ما أسقطه النسيان في الصياغة الأولى؛ ~~فبدأت بتجسيد أكثر، يملأ فراغاتها. وفي القراءة الثالثة بدأت تظهر موضوعات جديدة من دائرة ~~النسيان إلى دائرة التذكر. ولو كانت هناك قراءة رابعة لخرجت بعض الذكريات من جوف ~~النسيان؛ فالذكريات بئر له أعماق متعددة، وكلما نزل الدلو أعمق أخرج الماء؛ لذلك ~~يستطيع من عاصروا الأحداث من الأقارب والأصدقاء، التلاميذ والزملاء، بالقراءة الجماعية، أن ~~يصححوا أو أن يزيدوا ما نسيت؛ فالذكرى بارق يلمع ثم يختفي كما صور أحمد رامي في ~~الإهداء. وما كنت أحاول أن أتذكره بالإرادة في قراءة أولى يأتي طواعية في القراءة ~~الثانية؛ فتسلسل الذكريات ليس فعلا إراديا بل هو تيار جارف يأتي ويذهب. وهناك فرق ~~بين الذكريات السطحية؛ أي مجرد تسجيل الأحداث، والذكريات العميقة التي أثرت في ~~الوجدان، وتركت آثارا في الشخصية. الأولى سرعان ما يأتيها النسيان، وتكون على هامش ~~الذاكرة. والثانية تكون في أعماق الذاكرة ولا تنسى، وتكون جزءا من الشخصية. # وهناك إشكال يظهر خاصة في الجزأين الأخيرين وهو: هل تستدعي الذكريات الأحياء مع ~~الأموات، الحاضرين مع الراحلين؟ لا حرج في استدعاء ذكريات الراحلين، ولكن ماذا عن ذكريات ~~الحاضرين؟ وكيف تستدعي ذكريات الحاضرين وقد تكون بعض المثالب مما يستدعي الحرج أو ما ~~يظن أنه تجريح وتعرض بالمذكور؟ وكلهم أصدقاء وزملاء في الظاهر أو في الظاهر ~~والباطن. ويصعب ألا يتعرف عليهم، بالرغم من عدم ذكر أسمائهم. والحل الوسط ذكر النماذج ~~الجامعية دون إشارة إلى أحد بالاسم، ومع ذلك يمكن تعيين الأسماء بهذه الطريقة عن طريق ~~هذه العلاقات مثل التخصص أو النشاط العلمي أو العلاقات الاجتماعية. ومع ذلك ظل استدعاء ~~أسماء الأعلام مسألة مثارة لا أدري ماذا أفعل فيها رغبة في أكبر قدر من العمومية، ~~ورفعا للإحراج، والزمالة الطويلة التي تجاوزت نصف القرن؛ ms006 فإذا ذكرت أحرجت، وإن لم ~~أذكر تاهت الذكريات ووقعت في ضبابية، وهي مصدر المعرفة. وسألني أحد الأقارب أو ~~الأصدقاء: لماذا لم تذكرني؟ ذكرت ثم شطبت ثم عدت إلى الذكر من جديد؛ فالأفضل أن ~~يكون الإحراج لي وليس إلغاء الحوادث والأشخاص التي نشأت فيها الذكريات. ثم أحسست في ~~قراءة ثالثة أنه لا بد من ذكر الأعلام حتى تتضح الذكريات في الراحلين فقط دون الحاضرين، ~~ولكن في الهامش؛ نفورا مني من وضع أسماء الأعلام في النص. وأخيرا في قراءة رابعة وأخيرة ~~عدت إلى الخيار الأول بإعادة أسماء الأعلام إلى المتن بمحاسنها وعيوبها؛ ففي العلوم ~~الإنسانية لا يوجد صواب مطلق أو خطأ مطلق . وقد استدعى ذلك إسقاط الألقاب ورموزها ~~مثل «أ.» للأستاذ، «د.» للدكتور، «أ.د.» للأستاذ الدكتور؛ فالذكريات لنماذج بشرية وليس ~~لشخصيات اجتماعية تحرص على ألقابها. ويظل التردد حتى الآن قبل أن أدفع الكتاب إلى ~~المطبعة، وربما يوجد حل نهائي. ووصلت إلى حل وقتي، وهو ذكر أسماء الراحلين دون ~~أسماء الحاضرين، ثم تبرز قضية تلميذي نصر حامد أبو زيد، هل هو من الراحلين أو من ~~الحاضرين؟ هل يدخل في النماذج أم إنه لا تصنيف له؟ # وتتفاوت الذكريات في الأعماق. الذكريات الأولى هي الخطوط العامة للسيرة الذاتية والتي ~~تأتي في القراءة الأولى، وعادة تكون ذكريات الطفولة. والثانية ذكريات فرنسا التي كونت ~~الشخصية بعد ثقلها من اختيار النص إلى اختيار الواقع، ومن التقليد إلى الاجتهاد. والثالثة ~~ذكريات العودة إلى مصر خاصة ذكريات الفترة الأخيرة بعد السفر إلى أمريكا والمغرب واليابان، ~~وبعد مزيد من التعرف على الوطن العربي. وأعمق الأعماق هي الطفولة الأولى ومحل ~~الولادة والسكن قبل المغادرة إلى فرنسا، وهي مرحلة الأمل في الاستقلال أو الموت الزؤام ~~ومقاومة الاستعمار والفقر والإقطاع قبل أن تنقلب على نفسها في المرحلة الأخيرة في قرب ~~النهاية؛ مرحلة اليأس بعد عديد من تجارب الإحباط في محاولات النهضة والإصلاح والتجديد ~~والثورة إلى مرحلة الاستبداد والاعتراف بإسرائيل وإقامة كافة العلاقات معها والارتماء في ~~أحضان أمريكا والخليج ووضع نفسها في صفقة القرن. # والخطورة ms007 في الذكريات أن يتناولها أحد بالزيادة والنقصان؛ زيادة ما يحب، وإخفاء ما لا ~~يحب؛ الكشف عما يريد أو التستر على ما لا يريد ظانا منه أنه يحافظ على مركز صاحب ~~الذكريات. ويتم ذلك إراديا وليس بالفعل الطبيعي للذاكرة والنسيان، بل إن إكمال الصورة ~~وإبرازها على نحو غير ما هي عليه يقرب من المغالاة؛ فقد توصف بالكذب إذا زادت عن ~~حدها، وأصبحت أكبر من جزء للصورة الأولى، تعظيما للنفس أو إقلالا من شأن ~~الآخرين. # ومن القضايا المنهجية الصلة بين الخاص والعام؛ فهل كل ما يحدث وتستدعيه الذاكرة هي ~~ذكريات؟ وماذا يفيد الناس أنني جعت أم شبعت، نمت أم استيقظت، عريت أم لبست؟ لا ~~يهم إلا ما له من دلالة على الفقر، ونشأة الوعي مبكرا؛ فالذكريات هو مجموع الدلالات ~~للأحداث وليس الأحداث ذاتها كما يفعل الخبر الصحفي للناشئين. لا يهم إلا ما له علاقة ~~بالفكر أو الوطن كما عرضت في «هموم الفكر والوطن»، وهو ما يشغل كل الناس في اللاشعور بعد ~~أن انشغل الشعور بمشاكله في الحياة اليومية كالغذاء واللباس والإسكان والمرض، وكيفية تكييف ~~حاجاته مع دخله المحدود. ومع ذلك لا تنفصل الذكريات عن البيئة الاجتماعية والسياسية ~~والثقافية التي نشأت فيها؛ فهي أقرب إذن إلى علم النفس الاجتماعي عن الوصف ~~التقريري. # والخطورة أيضا في عدم ضبط الميزان بين الذاكرة والخيال؛ فقد يتذكر الإنسان شيئا إلى ~~المنتصف دون النصف الآخر، فيأتي الخيال لتكملة الصورة؛ فالموضوع نصفه ذاكرة ونصفه ~~خيال. والسؤال هو: هل الخيال يكمل الذاكرة أم إنه يفارق الذاكرة بدافع الإبداع الفني؟ ~~نصفه فلسفة ونصفه فن، بدايته صدق ونهايته أقل صدقا ولا أقول كذبا؛ فالذاكرة تحتاج ~~أحيانا إلى ضبط وتوضيح وإكمال. لا يطبق على التذكر مقياس الصدق في العلوم الطبيعية ~~المتطابق مع التجربة ولكن الصدق مع النفس. لا يعني ذلك وجود منطق للتذكر فإنه يظل فعلا ~~حرا يقوم على الاستبطان والتداعي، بصرف النظر عن الترتيب الزماني، وهذا سبب التكرار ~~أحيانا كما هو الحال في الموسيقى؛ إذ يتكرر اللحن من المقدمة إلى الوسط إلى ms008 النهاية. وكما ~~هو الحال في القرآن الكريم مثل # فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان # في سورة الرحمن؛ لذلك يصعب ذكر فهرس تفصيلي بحوادث معينة؛ لأن ~~ذلك يفصل المتصل كما يقول برجسون. يكفي المراحل الكبرى التي تختلف الذاكرة عليها. # وبالرغم من حرصي الدائم على التوازن الكمي بين الأبواب والفصول إلا أن الذكريات حكمت ~~نفسها بنفسها؛ فهناك تجارب شكلت شخصيتي مثل إقامتي في باريس عشر سنوات ورئاستي للقسم ~~ومحاولة تأسيس مدارس فكرية ولا أقول فلسفية، وتعمقت في شعوري وأصبحت لا تنسي، في ~~حين كانت أجزاء أخرى أصغر مثل أحزان خريف العمر وتمنياتي المتفائلة، والمستقبل ~~المفتوح. # ومعروف في دراستي «التراث والتجديد» أنني لا استعمل ضمير المتكلم المفرد «أنا» أو ~~«الجمع»؛ فالعلم موضوع وليس ذاتيا. أما الذكريات فإنها تجمع بين الذات والموضوع من خلال ~~الذات؛ ومن ثم لا ضير في استعمال ضمير «الأنا المتكلم»؛ فالتجربة ذاتية، وهو مصدر ~~الذكريات الذي يجمع بين الذات والموضوع في علاقة متبادلة بينهما. إذا رأى الكاتب سكنه ~~القديم هاجت فيه الذكريات، وإذا تذكر شيئا أكمله بالخيال الذي هو الوجه الآخر ~~للذكريات. # وقد تتكرر بعض الإحالات، ولكن لكل سياقها ومدى عمومها أو تفصيلها؛ فالذاكرة لا تعرف ~~التنظيم والتنسيق والرسم الهندسي؛ فالكتابة هي استدعاء تلقائي طبقا لمدى عمقها واتساع ~~حضورها في اللاشعور. والحكم بالتكرار هو عدم تميز كاف بين التقرير الصحفي والسيرة ~~الذاتية، بين الوصف والتقرير والإبداع الذاتي. # إن هذه الملاحظات المنهجية لم تأت استنباطا من منهج معد سلفا، بل هي نتاج ~~استقراء كل إشكال صادفني في كتابة الذكريات، وحاولت التعبير عنها تجريبيا، ثم ~~رصدتها نظريا كتمهيد منهجي، أسوة بباقي أجزاء «التراث والتجديد»، وأنا أول من ~~ينقدها، كما تم أيضا من قبل في «محاولة للنقد الذاتي». ومع ذلك أتمنى أن تصل هذه ~~الملاحظات إلى حد «خطوات في المنهج» بعد وضعه موضع النقاش مع من ما يزال يجد فائدة في ~~النقاش الفلسفي. # الفصل الأول # | الطفولة: الكتاب، المدارس ~~الأولية والابتدائية والثانوية ~~(1935-1952م) # أنا من مواليد 1935م حي باب الشعرية الذي به جامع الشعراني الذي كان ms009 يؤذن فيه محمد عبد ~~الوهاب. ومن شارع الجيش الشارع الرئيسي في باب الشعرية الذي يربط بين العتبة والعباسية، ~~يتفرع منه شارع البنهاوي الذي به جامع البنهاوي الذي يصل إلى باب الفتوح ثم باب النصر. ~~وتتفرع من وسطه تقريبا حارة درب الشرفا ثم عطفة العبساوي والمنزل رقم 4 الدور الأول فوق ~~مخازن السحار للبقالة. عنوان طويل مقارنة بالعناوين الطبقية الأخرى، رقم المنزل واسم ~~الشارع ثم اسم الحي كما حدث بعد ذلك في 167 شارع الحجاز، مصر الجديدة. وكنت أستحي من هذه ~~العناوين الطويلة التي بها الدروب والعطفات. وكنت أذهب إليه بين الحين والآخر؛ أذهب ~~لرؤية البيت الذي ولدت فيه، والشقة التي قضيت فيها طفولتي وصباي قبل سفري إلى ~~فرنسا. وما زلت أحلم بها وبسطوحها الخاص وجملوناته الخشبية التي كانت سقف مخازن ~~السحار للبقالة. وكنت أنزع قعدتها الخشبية السوداء لعمل «عوامة» التي يسير بها ~~الأطفال. رجل فوقها، ورجل أخرى على الأرض ترفعها بعد تركيب عجلتين صغيرتين، أمامية ~~وخلفية، ومتصلة بين العمود الرأسي والقاعدة الأفقية، تربطهما مفصلة - على أحسن تقدير - ~~للانحراف بها يمينا ويسارا مثل دريكسيون العربة. # وكان أول وعي بالناس بعد الأقارب هم الجيران؛ ففي مدخل المنزل هناك غرفة واحدة في ~~الحوش، وهي التي تحولت في المنازل الحديثة إلى حجرة البواب، كانت تسكنها نساء فقط؛ ~~فهيمة الأم والتي كانت تلبس السواد طول الوقت لتكشف عن ذراعيها وساقيها البيضاء، وصالحة ~~الابنة الطويلة الفارهة، والتي كنت أشعر نحوها بشيء ما لا أعرفه. ولما ضاقت الحجرة، ~~سكنوا تحت بير السلم المظلم الذي تسكنه العفاريت؛ فقد كان به الحوض ودورة المياه. وكانت ~~صالحة تعمل وتعول الأسرة. وينظر إلينا على أننا من الأغنياء لأننا نسكن بالدور الأول ونذهب ~~إلى المدارس والجامعات. كانت أرض الحوش من الطين؛ فلم يكن السيراميك قد عرف بعد، وإن وجد ~~فمن يقدر على شرائه؟ وكان في مدخل شقتنا على يمين الحمام البلدي والمطبخ. وفي الواجهة ~~غرفة داخلية مظلمة لا تطل على شيء إلا سطح المخزن على مستوى أدنى والذي كان يستخدم ~~ملعبا «للعوامة». ms010 وعلى اليمين غرفة لأخي سيد وأنا الصبيان في المنزل. وعلى اليسار ~~غرفة لأخواتي البنات الخمس: نبيهة، سعاد، فاطمة، علية، نادية، وكلهن من خريجات مدارس ~~المعلمات التي كانت في ذلك الوقت أنسب تعليم للإناث وأسهل وظيفة لهن مدرسات. ~~وعلية الوحيدة التي تفوقت في دراستها، وأخذت الثانوية العامة من المنازل، ثم ليسانس ~~الآداب من قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، ثم الماجستير والدكتوراه حتى أصبحت رئيسة ~~القسم، وسافرت إلى اليونان، وتزوجت وهي طالبة صديقا لي طبيبا، د. عبد المحسن حسين ~~عبد الله. أما نادية الصغيرة فقد تخرجت من مدرسة التجارة، وأصبحت موظفة في بنك حيث ~~تعرف عليها زميلها محمد وتزوجها، وأصبحت ربة منزل. وهي التي قمت بتكاليف الإعداد ~~لزواجها بعد أن قام أخي سيد بتكاليف إعداد أخواتي الثلاث الأخريات نظرا لغيابي في فرنسا، ~~وحجج الوالدين مرتين. وكانت أكبر الغرف تطل على العطفة، وتحتها مخازن السحار. ~~أما الوالدان، فكان الوالد في غرفة الأولاد والوالدة في غرفة البنات. أما الصالة ~~الوسطى فكانت غرفة المعيشة والاستقبال، وبجوارها شقة الجزار والكبابجي، وفوقها غرفة ~~الفران عم توحيد وابنه صلاح، وبجواره اللبان الذي ~~كان أبناؤه في الدراسة، وكنت أعطيهم دروسا في الثانوية العامة اتقاء لشرهم. ~~وأما جارتنا نعيمة فكانت جميلة بيضاء وطويلة، وزوجها يعمل في «الأورنس»؛ أي الجيش ~~الإنجليزي، كما يصور نجيب محفوظ في «زقاق المدق». # كان الوالد موسيقيا بالجيش بفرقة البيادة المصرية، يلعب الترمبون، يرفض اللعب في ~~الأفراح لأنه كان يعتبر ذلك إهانة له وللفن وللجيش، يشارك كضيف نعم، أما كلاعب فلا، ~~باستثناء حفل التخرج السنوي لمدرسة الجزويت بالفجالة التي كان يقدرها؛ ربما لحضورها ~~الأجنبي أو للغتها الفرنسية أو للعشاء الفاخر الذي كان يقدم للموسيقيين، وكان ~~يأخذني لأتفرج على عالم جديد غير عالم المدارس الحكومية الفقيرة والتي يحرم كل شيء ~~فيها. وقد كان هو أستاذ الموسيقار الشهير لفرقة رضا، علي إسماعيل، ولما رأى فيه النبوغ ~~نصحه باللجوء إلى المعهد العالي للموسيقى الذي كان يشترط الحصول على التوجيهية؛ أي شهادة ~~الثانوية العامة، فقمت بالتدريس له، نظام الثلاث سنوات في سنة ms011 واحدة. كنت أذهب إليه في ~~حي الدقي. ولما نجح أصبح أشهر لاعب كلارينيت في مصر. ظهر في أغنية «عاشق الروح» الأخيرة ~~في فيلم «غزل البنات». ولما أنشئت فرقة رضا للفنون الشعبية أصبح ملحن أغانيها ~~الراقصة الشعبية، وقائد فرقتها. وكنت أذهب إليه أحيانا في مسرح البالون أنا وصديقي محمد ~~وهبي عبد العزيز، فيدخلنا مجانا، وكان أخوه رجب مجرد عازف للأبوا في الفرقة، وكان ~~كلاهما يحبان الجنس الآخر؛ رجب لابنة عمه، وعلي للفنانات شأن معظم الفنانين في ذلك ~~الوقت. # وكانت ستي يامنة وخالتي أم عبد الله تحضران من بني سويف إلى القاهرة لحضور حادث الولادة. ~~وكانت ستي من قبيلة بني مر في أسيوط، جنوب بني سويف، ثم نزحت إلى الشمال، وهي القبيلة ~~التي منها الزعيم عبد الناصر. وكان جدي قد نزح من الأندلس إلى المغرب ثم انتقل شرقا ~~واستقر في بني سويف عائدا من الحج، وأصبح تاجر دقيق بجوار محطة القطار، وما زلت أذكر ~~شعره الأشقر ووجهه الأحمر. وأراد أن يزوج أبي قبل الذهاب إلى التجنيد، فأخذ بيده إلى ~~منزل ستي بجوار مدرسة زعزوع خلف المركز، وطلب من ستي يد ابنتها، وكانت نائمة، فرفعت ~~الغطاء من على وجهها ثم سأل جدي أبي إذا كانت تعجبه فأجاب بالإيجاب. واستيقظت ~~والدتي فوجدت نفسها قد تزوجت وهي نائمة؛ فالاختيار ليس لها. ثم نزحا معا إلى القاهرة، ~~حي السيدة زينب، بجوار مدرسة السنية، ثم بعد ذلك انتقلا إلى باب الشعرية حيث ولدنا ~~أنا وأخي وجميع أخواتي. وما زلنا جميعا نحن إلى هذا الحي الذي أصبح رمزا للأصالة كلما ~~أحسست أنني انتقلت من طبقة لأخرى، وكلما أحسست أنني اغتربت عن أصالتي وعن سلوكي ~~الشعبي. # وكانت خالتي لا تنجب، ولا تحتاج إلى أموال ستي أو أن ترثها، فكانت ستي تعطي والدتي ~~ما تيسر من مال ليساعدها على المعيشة. كان لستي عدة بيوت ريفية قسمتها مناصفة بين ~~أمي وخالتي، ونحن في الجامعة وفي حاجة إلى مصاريفها. كانت والدتي تذهب إلى بني سويف وتهمس ~~في أذن ستي فتوافق على بيع ms012 أحد البيوت. بيعت أربعة بيوت ونحن في أربع سنوات الجامعة، ثم ~~اندارت ستي وأقنعت خالتي ببيع بيوتها وهي عاقر بالرغم من زواجها وطمع زوجها في ~~صيغتها في يديها. ولما اقتنعت وتوفت ستي أقنعت والدتي خالتي ببيع آخر بيوتها، وتأتي ~~لتعيش معنا في القاهرة حتى تجد من يساعدها، وكانت عرجاء؛ رجل طويلة وأخرى قصيرة بعد أن ~~وقعت من على السطح وهي تطعم الدجاج، فانزلق بها السلم، ولم يكن في ذلك الوقت أطباء، ~~فاكتفت بالوصفات البلدية والجبيرة ولكن ظل العظمان متفرقين. وبالفعل عاشت خالتي آخر ~~سنواتها معنا في 13 شارع الجنزوري بالعباسية بعد أن أصبح المنزل الذي ولدنا فيه معرضا ~~للانهيار. وبالفعل هدمت الأدوار العليا الأربعة وبقي الدور الأول الذي ولدت ~~فيه. # وكان أبي قد توفي فيها، ورأيته أنا وزوج أختي الكبرى في لحظته الأخيرة، ورأيت الروح ~~وهي تصعد وأبي يتألم إلى أن فتح فمه ثم توقف عن الحراك. وما زلت أتساءل: هل الروح ~~في لحظتها الأخيرة تخرج من الفم؟ وكنت أسمع وأنا صغير دون أن أشاهد أن الروح تبدأ بأخمص ~~القدمين وتنتهي تدريجيا إلى أعلى. وما إن خلت غرفة في الشقة حتى استدعيت خالتي ~~للعيش فيها، وكانت سعيدة، بينها وبين أفراد الأسرة منافسة على الطعام. كانت تعتبر أولاد ~~أختها أولادها، يأخذون منها العيدية في كل عيد. الوالدة ليس لها شهادة ميلاد؛ فلم يكن ~~مطلوبا منها ذلك، ولكنها كانت تقول إنها أصغر من الوالد بحوالي عشر سنوات. # والوالد وهو من مواليد 1900م بسبب الخدمة العسكرية كان شاويشا بالجيش في فرقة البيادة ~~(المشاة) للموسيقى العسكرية، لاعب ترومبون الأول، ثم رقي صول (شرف). وكان علي ~~إسماعيل وهو قريب لنا من تلاميذه. وكان يرفض دعوات اللعب خارج الجيش احتراما لهيبته، وما ~~كان يسود الأفراح من هزار وتدخين الممنوعات لا يليق. ورفض أن ينتقل إلى أي مكان آخر مثل ~~السودان ليس فقط كي يترقى بل أساسا حفاظا على البقاء في القاهرة مع أسرته. كان يحب ~~الجلوس على المقهى مع زملائه في الجيش ويشرب الشيشة حتى كبر ms013 أولاده، وظن أن ذلك عيب وهم ~~على أبواب الجامعة. ولما قامت ثورة يوليو 1952م، أرادت إفساح المجال للشباب في الجيش، ~~فأخرجته وحولته إلى وزارة الشئون الاجتماعية، كما انتقلت أنا إليها عندما أخرجنا ~~الرئيس المغدور بقرار منه في سبتمبر 1981م خارج الجامعة مع الإعلاميين وعلى رأسهم هيكل ~~وإبعاد البابا إلى دير في الصحراء؛ لأنهم كانوا يعارضون سياساته التي انقلب فيها على ~~عبد الناصر، والتي بلغت قمتها في مقاومة مظاهرات يناير 1977م (انتفاضة الحرامية) ~~بالقوة وزيارته إلى إسرائيل في نوفمبر من نفس العام، ثم اتفاقية كامب ديفيد في 1978م، ثم ~~معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979م والذي أدى إلى اغتياله في أكتوبر 1981م. ثم أحيل ~~إلى المعاش كموظف في الدولة 1960م ثم توفي 1980م، ومعاشه ستة جنيهات. # وبعد أن توفت خالتي، وكان أبي قد اشترى قبل أن يتوفى مقبرة بالبساتين كان هو ~~أول من دفن فيها. كان أبي باستمرار يمازح خالتي ويخطف منها طبق الطعام وهي تمنعه من ~~ذلك عن طريق البصق فيه، وتضحك عليه بأنها هي التي كسبت المعركة. وكانت والدتي ترجوه أن ~~يتركها في هدوء «سيبها يا أبو السيد.» كانت تحبني وتعتبرني ابنها الوحيد؛ فقد حضرت ~~ولادتي عندما أتت من بني سويف إلى القاهرة، وكنت أنا أقرب إخوتي لها، كانت تؤثرني ~~بالمصروف المدرسي اليومي قرشا أو قرشين عليهم. وكنت أدافع عنها باستمرار إذا مسها أحد ~~بسوء، وتحزن وتقول لوالدتي: «ياللي بيعتيني بيتي.» وأنها خسرت كل شيء بسببها وأولادها، ~~ولم أكن أدري هل هذا مزاح أم جد. لقد كانت تحن إلى بيتها الأخير في بني سويف، وحجة ~~والدتي أنه دخل في التنظيم؛ أي سيهد عن قريب؛ لأنه بارز في الشارع عن صف البيوت الأخرى. ~~وبيت عصمت المقابل الذي يحدث اختناقا مع بيت خالتي، لا يهد لأنه أكثر جدة، وعصمت ~~ذو شأن في المدينة، ولأول مرة أرى الحاج وهو يضع كفيه في دماء الضحية ويطبعها على ~~الحائط كي يعرف الجميع أنه حاج وينادونه بلقب «حاج» في «الحاج عصمت»؛ لأن عصمت بمفردها ms014 ~~أو عصمت أفندي لا تعطيه حقه. # وأصبحت مقبرة البساتين مدفن العائلة؛ بها أبي وأخي وزوج أختي فاطمة وأمي وخالتي وحماتي ~~وأحد الأقرباء لأمي وأخيرا زوجة أخي، والموت ليس به ازدحام كالحياة، وربما أكون أنا أو ~~أختي الأصغر مني أول زائريها. ومع ذلك فكرت أخت زوجتي في شراء مقبرة لهما بطريق ~~السويس، لم يدفن بها أحد حتى الآن، وربما أكون أول زائريها، والأمر متروك لزوجتي ~~الحبيبة؛ إما أن أدفن في مقبرة العائلة حيث بها أمها أو في المقبرة الجديدة لآل مرعي. ~~الأولى طرقها غير أسفلتية وكلها مطبات، وتتسرب إليها مياه عين الصيرة بين الحين ~~والآخر. والثانية طرقها أسفلتية، نظيفة، أعدها الجيش. الأولى داخل القاهرة، والثانية ~~خارج القاهرة. # وكانت شقة العائلة بالعباسية التي توفي بها أبي وأمي وخالتي مطمع أختي لتزوج ~~بها ابنها الأكبر الذي يسير بعصوين، فلم يعترض أحد نظرا لحالته الصحية، فتزوج بها ~~وأنجب، ورعت زوجته والدتي في سنواتها الأخيرة، فكانت الشقة استحقاقا لها بالرغم من تساؤل ~~جميع البنات. # كانت الأخت الكبيرة «طيبة»، «بنت حلال» أنجبت أربع بنات وولدين، يعشون من معاش من ~~أمي. وكانت من بعدها أيضا طيبة وفي حالها، تزوجت وأنجبت ولدين وثلاث بنات. ~~والثالثة كانت تعشق الدنيا، ثم بعد ذلك تدينت وقرأت القرآن، ومسكت بالمصحف، ولبست ~~البياض، وغطت رأسها، تعظ الناس، تزوجت وأنجبت، ولها ثلاثة ذكور وأنثى واحدة شبيهة ~~بأمها مثل أحد الذكور. والصغرى جمعت بين الطيبة وسلامة النية، وزادت الهبالة ~~فتزوج عليها زوجها المتدين امرأة متدينة نصابة طمعت فيه، وأخيرا عاد إلى ~~الحب الأول. وأولاده أربع إناث تزوجن وأحببن إلا واحدة، أصابتها عقدة نفسية ~~لشدة الرقابة عليها من أبيها المتدين. كلهن الآن جدات لهن أحفاد، أطال الله في ~~عمرهن. تفوق الذكور والإناث جميعا بين أستاذة جامعية ومحاسب ومهندس. وكانت أمي ~~تسميها «من تشاركني في حياتي» باعتبارها ابنتها البكر. # وكانت الوالدة أمية، لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها في الحياة عالمة كبيرة، سواء في ~~شئون المنزل أو مع الأقارب والجيران والأصدقاء. كانت تستيقظ في الفجر مثل الوالد وتبدأ ms015 في ~~إعداد شئون المنزل من عجين وطبيخ وغسيل وتنظيف. كان من عادة الأسرة المصرية أن تعجن في ~~المنزل؛ تشتري الدقيق وتعجنه وتخمره وترصه وتقدمه على طاولات من الفران ~~الذي يأخذه وينقله إلى الفرن ويستخرجه طازجا بالعدد. وكانت تعرف كم كيلو دقيق يستخرج ~~منه رغيف، الطري والملدن، وكان هذا يتم مرة في الأسبوع؛ فما دام هناك عيش في ~~«المشنة» تكون الدنيا مستورة. وكنا نشتري الدقيق من السحار على باب درب الشرفا وشارع ~~البنهاوي، وهو يسجل التاريخ، ومرة واحدة أخطأ في عدد المرات في الشهر، ولكن الوالدة ~~هي التي صححته بذاكرتها؛ فليس مقياس الصواب والخطأ المكتوب في دفتر البقال بل ~~المسجل في ذاكرتها. كانت تعد ثلاث وجبات يوميا لتسعة أفراد؛ الوالد والوالدة، وأخي ~~سيد وأنا ، وخمس بنات: نبيهة، سعاد، فاطمة، علية، نادية. وكلنا نأكل الصنف من طبق واحد. ~~ولم تكن هناك عادة أطباق الغرف المشتركة ولكل فرد طبق يأكل منه بعد أن يغرف ما ~~يريد. وكانت المشكلة ما بعد الطعام، تتكاسل أخواتي البنات عن تنظيف الأطباق، والرجال؛ ~~الوالد وأخي وأنا، ليس المطلوب منهم شيئا، فيقع العمل كله على الوالدة، فتعبت. ومرة ~~سمعتها تصرخ عاتبة على أولادها البنات: «أصل انا العبدة اللي اشتراها لكم أبوكم»، ~~فأحسست بالظلم الاجتماعي الذي يقع على المرأة. أما الرجل فلم يكن مطلوبا أن يفعل ~~شيئا، عكس ما رأيت في أمريكا فيما بعد، عندما دعانا أستاذ الفلسفة إلى العشاء، زوجتي ~~وأنا. ولما انتهينا قام هو ولبس مريلة المطبخ وظل يغسل الأطباق وزوجته ~~تسامرنا! # وكان الوالد يغار عليها من أي رجل يأتي لزيارتنا؛ فقد كان يراها أجمل امرأة في ~~العالم. كان يغار خاصة من عم إسماعيل (والد علي) الذي كان يأتي لزيارتنا لرؤية بنت خالته ~~متأنقا، على شعره الناعم كريم يجعله يلمع ليجذب النساء إليه، في حين كان والدي ~~بسيطا في لبسه بالجلباب ولا يضع فوق شعره أية مساحيق. وكان عم إسماعيل متكلما ~~مبتسما في حين كان الوالد أقصر في الكلام، ولا يبتسم أو يضحك إلا عند الضرورة. والوالدة ~~تريد ms016 أن تظهر قدرتها على الكلام، فتتبارى مع عم إسماعيل، ووالدي لا يستطيع أن يجاريها، ~~فأحس بالغيرة، فقام وانتفض وصرخ في وجه أمي لأن الضيف ضيف وعم إسماعيل يهدئ فيه حتى ~~تهبط نار الغيرة منه. وكانت عائلة عم إسماعيل كلها تحب النساء؛ علي، ورجب، وجمال. ~~وهذا طبيعي. أما بالنسبة للوالد فهذا غير طبيعي؛ فالنساء كلهن في الوالدة. مع أن زوجة ~~عم إسماعيل كانت بيضاء، وضاحكة بالرغم من قصرها وبدانتها. وكانت ابنتها خديجة، هيفاء، ~~بيضاء، في غاية الجمال، أحببتها عن بعد، وحضرت يوم زفافها على ابن عمها الذي أخذها ~~في الحجرة المجاورة وهي تصرخ، وقام بالواجب، وفي الخارج يطبلون ويزمرون. وعندما ~~خرجت رأيت الألم على وجهها، وحزنت لها وعليها، على هذا الحبيب الذي انتهكت ~~كرامته ، وعلى وجه الرجل علامات بؤس وشقاء لأنه لم يجد أي لذة أو سرور في ذلك. # أما الأخ فهو سيد الذي كان أستاذا للأدب العربي في جامعة القاهرة، وتلميذا لشوقي ضيف، ~~تلميذ طه حسين، ثم وكيلا للكلية، ثم عميدا لآداب بني سويف، ورئيسا لقسم اللغة العربية، ~~وبها كان إداريا ماهرا، يغلب مصلحة الطلاب على قوانين الإدارة. أما الأخت الكبرى ~~فكانت مدرسة، بدأت التعيين في دشنا بمحافظة قنا، وكانت هذه أول مرة تبتعد فيها عن ~~أفراد الأسرة، وكان والدي يذهب لزيارتها بين الحين والآخر بزيه العسكري، وله صور في آثار ~~الأقصر. وبالرغم من قصر أختي الكبرى وسمنتها فقد جاءها خطيب من هناك، أحول العينين، ~~طويل وأسمر، أكبر منها سنا، يسمونه «علي أفندي»، يعوج الطربوش بزره الأسود ~~المتدلي، معجبا بنفسه كما هو الحال في الأفلام المصرية، وكانت الوالدة تقابله ~~بالترحاب، وهو لا يتوانى في خدمة الأسرة ليبين مهارته الاجتماعية، يعرف فلانا وعلانا ~~من علية القوم؛ فكان على صلة بالدولة وإدارتها حتى إنه جهز إجراءات دفن أخي الأصغر ~~علي الذي مات وهو رضيع بنزلة معوية، وحملته جارتنا في البدروم على يديها وهي تتصنع ~~البكاء، وذهبت معهما مصاحبة إلى المدافن لا أدري أيها، ولو عاش لكان لي أخان. وتقدم ~~لخطبة أختي الكبرى، ms017 لا أدري رسميا أو غير رسمي، ورفضت أمي. كيف تفارق ابنتها الكبرى ~~إلى الأبد وتعيش في الصعيد؟ وكانت الجارة التي لم تكن على وفاق دائم مع أمي، وكانت جميلة ~~بيضاء، كلما تعاركت مع أمي بالكلام، كما هو الحال في العادات الشعبية، تقول لها: «يا ~~بتوع علي أفندي.» وتقول لها أمي بعد أن أحست بالإهانة: «اخرسي، قطع لسانك من لغلوغه.» ~~وكان زوجها طيلة النهار خارج المنزل، ولا يخرج إلا في الصباح الباكر. وفي يوم خرج والدي ~~لشراء خبز فتقابل معه ويبدو أنهما تشاجرا بالكلام، وأحست والدتي بتأخر والدي، فخافت ~~أن يكون قد اصطدم بخروج جارتها، وعاد والدي مكفهر الوجه، وسألته الوالدة: هل تقابلت ~~معه؟ فقال لها: نعم، وتشاجرنا. فخرج الموضوع من أيدي النساء، ووقع في أيدي الرجال، ولكن ~~بسلام. وفي يوم من الأيام وجدت الشرطة على باب المنزل ثم على باب الشقة المجاورة لي ~~ويأخذ جارتنا مكبلة بالحديد. وكانت التهمة أنها خلعت بلاط الحمام، وعملت هوة ~~تسمح بنزولها إلى مخزن البقالة وسرقة صفائح الجبن والزيت وأشولة الأرز، ففرحت. وكنا ~~نعايرها بعد أن رجعت إلى المنزل، بأنها «حرامية»، وهي تعايرنا بأننا «بتوع علي ~~أفندي». # وأخيرا تزوجت أختي الكبرى، وكانت تدعى نبيهة واسم الدلع «بخاطرها»، وكانت أمي ~~تسمى «أم بخاطرها» نسبة لها أو أم سيد نسبة لأخي الأكبر سيد؛ تزوجت من قريب ~~لوالدتي، سيد حامد، مثالا في الأخلاق والمساعدة الأسرية. وهو الذي كنت أعتمد عليه دائما ~~في مصالحتي مع الأسرة عندما كانت لا تستجيب لطلباتي مثل شراء الكمان أو في الاشتراك في ~~حمام السباحة حتى لا أغرق، وكانت طريقتي في الخصام هي الصوم؛ لذلك كانوا يسمونني ~~«غاندي». هو الذي يصمم لي المكتبة والرفوف لوضع الكتب. وهو الذي تابع طبع رسالتي الأولى ~~الفرنسية بالمطابع الأميرية بعد موافقة الأمين العام للمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم ~~الاجتماعية في ذلك الوقت، ثم شحن مائة نسخة إلى باريس كما تتطلب السربون في ذلك الوقت. ~~وهو الذي جاء معي لمحل الموبيليات للتفاوض على ثمن غرفة النوم مع زوجتي وتخفيضها ms018 من ~~مائتين وعشرين جنيها إلى مائتين وعشرة جنيهات، وأصر عامل المحل على أن يأخذ خمسة جنيهات ~~إكرامية له لوقوفه إلى جانبنا ضد صاحب المحل صدقا كان أم نقاقا. كانت حالتنا المالية لا ~~تسر؛ فكان معاش الوالد ستة جنيهات، نأخذ الدقيق، وهو الأهم، من بقال على ناصية الحارة، ~~وهو السحار، مع تأجيل الدفع حتى أول الشهر، حوالي أربع مرات؛ فالخبز أهم شيء في الأسرة، ~~وكان الفرن قريبا من المنزل على مدخل عطفة العبساوي، ويسكن صاحبه فوقنا. # انتظرت والدتي مرة أختي الكبرى على باب المدرسة بعد أن سعت لنقلها إلى القاهرة بعد ~~زواجها، ونجحت في ذلك، وعاتبتها على أنها تركت أسرتها دون أي معونة مالية، فقصت ~~أختي القصة إلى حماتها التي عايرتنا بهذه الطريقة في الشحاذة مع أنها موافقة على أن تعطي ~~أختي والدتها جنيها أو اثنين شهريا. # ولما توفت زوجته وهي شقيقتي الكبرى لم يستطع العيش بدونها، وتوفي هو بعد شهر، ~~وكانت مقبرته بجوار مقبرتنا، وفي آخر الطريق مقبرة علي إسماعيل، وترك من بعده ذرية ~~صالحة، ولدين وأربع بنات، تزوجن جميعا وأصبح لهن أحفاد يحفظون الود ~~لخالهم. # وكنت مرتبطا بأولاد شقيقتي الكبرى: سوسن، وسهير، وسهام، وسلوى، وأحمد، ومحمد. وكنت آخذ ~~سوسن وسهير سيرا على الأقدام من باب الشعرية إلى شبرا لإرجاعهما إلى والديهما بعد أن ~~تكونا قد قضتا الليل عند جدهما وجدتهما وخاليهما. وكنا نطوي المسافة طيا دون ~~أي ألم في الأقدام خشية من ركوب المواصلات العامة، مثل الترام، الذي كان في ذلك الوقت ~~خيرا مما هو عليه الآن. كما كنت آخذ شقيقاتي؛ سعاد، وفاطمة، وعلية، إلى سينما مصر، ~~وكنا نرقص على سلم المنزل ونقول: «رايحين السيما.» ولما كبرت شقيقاتي، ووالدي ~~محافظ، كن يقصرن الرداء بالحزام فوق الركبة تقليدا للكبار. # أما الأقارب فأتذكر تاجر الجلود بالصنادقية الذي كان قريبا للوالدة، وكنا بين الحين ~~والآخر نذهب إليه لاقتراض بعض المال، خاصة في أوائل العام الدراسي، سيرا على الأقدام خلال ~~شارع المعز لدين الله الفاطمي وخلال القاهرة القديمة. وكانت أخت الحاج حسنين جدي ms019 أفقر ~~منا، تعيش أسرتها من عمل اللعب، الوز الملون المتحرك؛ الأب يقطع الأخشاب، والابن يبيع ~~في الأسواق، والثالث غادر هذه الحياة البائسة ليبحث عن رزق أوسع نجارا، ويأتي لزيارة ~~الأسرة بين الحين والآخر. لم يتزوج بائع اللعب، ومرة أتانا إلى المنزل مصاحبا ~~بامرأة مدهونة بالأصباغ وعلى رأسها قبعة ظانا أن ذلك أعلى قيمة في الحداثة، ~~وقدمها على أنها زوجته التي يتباهى بها. وكان له أخ آخر سائق بين القاهرة والإسكندرية، ~~أتانا مرة وانفجر بالبكاء لأننا أسرة مفككة، فقدمنا له العشاء والمنامة حتى ضحك ~~وجفف دموعه، ولم نره بعدها! وكان أبي له أخ علمه الموسيقى فكون فرقة موسيقية ~~متواضعة يشارك فيها في الأفراح. وكان يزورنا في هذه الفترة «عم إسماعيل» أنيقا لامع ~~الشعر لزيارة الوالدة قريبته، فكانت تلقاه بالحفاوة المطلوبة ولكن الوالد كان يغار ~~منه على والدتي ويفتعل خناقة مع الوالدة، ثم تتم المصالحة، وكان الوالد لا يحب ~~كثيرا أن يأتي. وكان عم حسين حما شقيقتي النابغة يحب الحديث مع الوالدة، هو كثير الكلام ~~وهي تسمع، وكان حلو الحديث. لم يكن أبي يغار منه لأنه لم يكن متأنقا مثل عم إسماعيل، ~~كان بجلباب فضفاضة، أهتم الأسنان. كلاهما تجاوزا السبعين؛ الوالدة، أما عم حسين ~~فقد جاوز الثمانين. اثنان من كبار السن لا خطر من أن يتحادثا لشغل أوقات ~~الفراغ. # وكان الجيران على أنواع: الصديق، في الظاهر والباطن، والمنافق؛ أي الصديق في الظاهر ~~والعدو في الباطن، والعدو في الظاهر والباطن؛ فالصديق في الظاهر والباطن في الشباك الذي ~~أمامنا، وكانت صالحة على مستوى معين من الجمال، بيضاء هيفاء، قليلة الكلام، وعينان ~~براقتان، وفم ضاحك، وقلب نابض. والصديق في الظاهر والعدو في الباطن من فوقنا، زوجة ~~الفران، التي لديها ابن (صلاح) الذي كان متقدما في شئون المرأة عنا، وهو الذي ~~علمني كيف أعاكس المطلقة التي في السطح، بإطفاء نور السلم وتقبيلها. ولما كان ~~ذلك كثيرا علي، انتظرتها وهي خارجة من المنزل وأنا في الشباك وقذفتها بالماء، وهي ~~حركة عدو لا صديق، فمسحت قدمها بمنديلها وواصلت ms020 السير. نظرت إلى أعلى ولسان ~~حالها يقول: هل هكذا يفعل العاشقون؟ وندمت وعرفت أنه ليس كذلك تكون المعاكسة؛ أي ~~الغزل. وبعد كل فشل ترن في أذني أغنية محمد عبد الوهاب «عاشق الروح» في آخر فيلم «غزل ~~البنات»: «وعشق الروح ما لوش آخر، لكن عشق الجسد فان.» فهل هناك عشق صادق أم تعويض عن ~~الفشل؟ وقد كان صلاح غير موفق في دراسته وليس له في العلم رغبة لأنه هو الذي سيرث ~~أباه في الفرن. اختلف مع والده مرة عندما عاتبه أنه ليس ناجحا مثل من تحته، وهم نحن، ~~فسكب على نفسه الجاز فأشعلها، ثم أطفأته الجيران، وبقي تأثير الحريق في وجهه، وذهب إلى ~~قريبة له في مدخل درب الشرفا حتى يتصالح مع والده. وكان الوالد فتوة، يدخل المعارك ~~بالعصا بين الأسر أو الأحياء عندما يبدأ الصراع بين درب الشرفا حيث أسكن والعطوف. وعادة ~~ما تكون الغارة علينا لأنهم هم الأقوى، قوة وعددا، وكما صور نجيب محفوظ في «التوت ~~والنبوت» في الحرافيش. وكانت أخته ليلى جميلة ذات صدر بارز يكاد يقع من بروزه. ~~وتثني ظهرها بدعوى التنظيف والكنس. # وكان في وسط الحارة امرأة فتوة، نفيسة، يخشاها الجميع، ولم أكن أعرف لماذا؟ وهي ~~طويلة بيضاء مثل تحية كاريوكا في فيلم «سمارة» و«عفريت سمارة». في يديها صيغة من اليد ~~إلى الكوع، تجلس على باب المنزل أكثر مما تعيش في شقتها. وكان في آخر العطفة ميدان مغلق، ~~سكانه أكثر رقيا، كان لي فيه أصدقاء لم يعيشوا طويلا في صداقاتهم. وكان جمال إسماعيل في ~~الخديوية الثانوية يأتينا لزيارة فريق التمثيل في خليل أغا الثانوية، وكان أخي أحد أعضائها، ~~يتحدثون عن التمثيل، وكان العزبي يغني، واستمر جمال إسماعيل في التمثيل، وتحولت ~~الهواية إلى مهنة، أما أخي فاستمر في السلك الجامعي، وكان أبو زهرة مع هذا الفريق، وأنا ~~مثله تركت الموسيقى إلى الدراسة. # وكنا ونحن صغار في سن ما قبل المدرسة نلعب في الحواري والشوارع. وكانت اللعبة ~~المفضلة لدينا في ذلك الوقت «العوامة» وتتكون من عمودين من الخشب؛ ms021 واحد أفقي نضع ~~عليه رجلا والأخرى تدفع بها على الأرض، والثاني رأسي في آخر خشبة أخرى أصغر مثل ~~(الدركسيون) وعجلتين رولمان بلي؛ الأولى أمامية والثانية خلفية. وإذا كان الطفل ميسور ~~الحال وضع عجلة أخرى، الأولى يمينا، والثانية يسارا. وإذا كان ميسورا أكثر ربط ~~العمودين بمفصلة حديدية تسمح بالتحول يمينا أو يسارا. وكان في سطح المنزل الخاص ~~الذي تحته مخازن السحار جملونات للضوء محملة على عواميد خشبية، فكنت أخلع عمودين ~~وبالتالي يكتمل جسم العوامة. وكنا نلعب بها منذ ساعات الفجر الأولى، والشوارع خالية. وفي ~~صباح باكر قام شيخ جليل ذو ذقن بيضاء وفي يده شيشة من على الكرسي على رصيف المقهى وجرى ~~نحوي وأخذ العوامة ورفعها ثم ضربها على الأرض فتفتتت؛ فقد صلى الفجر وأراد أن ~~يجلس على المقهى في هدوء ويدخن الشيشة، وهؤلاء الأطفال يسببون الصخب له. فمنذ ~~ذلك الوقت كرهت المشايخ ونفاقهم، والدين الذي لا يرحم. وكيف لي أن أصلح العوامة من ~~جديد؟ واللعبة الثانية أن شقتنا كان بها غرفة تطل على سطح مخازن السحار، فإذا كنا ~~ميسورين نلبس قباقيب عجل ونسير في السطح، وفي وسط العام الدراسي نأخذ كتبنا للمذاكرة ~~هناك. وعندما قام الصراع بين الإخوان والثورة في 1954م أخفيت منشورات الإخوان في إحدى ~~مواسير الحائط حتى اكتشفها والدي وأخذها وحرقها خوفا علي، وانتابني حزن ~~كبير. # وكنا نلعب في الحارة السباق جريا بالعرض من شرطي «امسك حرامي»، وهي مسافة لا تتجاوز ~~خمسة أمتار، وكانت بالنسبة لنا كافية للسباق. وفي لعبة أخرى نقذف بصفيحة إلى أعلى ~~ونتلقفها باليدين، ومن ينجح في ذلك يكون أبوه ملكا. فعلت ولم يصبح أبويا ملكا، ~~بل دخلت أنا المستشفى لإجراء جراحة عاجلة في الرقبة ما زال أثرها حتى الآن، في شارع ~~عبد العزيز تحت إدارة وزارة المعارف العمومية وهو الاسم القديم لوزارة التربية والتعليم. ~~أما كرة القدم «الكرة الشراب» فكنت أكرهها ولا أحب لعبها لأنني لم أعلم أين الفن ~~فيها، وأحيانا يكون الدفع فيها هو الأساس، وأين الحارة التي تغلق نفسها للاعبين؟ ومهما ~~كبرت ms022 الكرة الشراب فلن تتجاوز قبضة اليد، وليس لدينا مال لشراء كرة النفخ، وكانت ~~الخسائر فيها كثيرة؛ الوقوع على الأرض وجروح الركبتين، وولولة الأم، وقسمها أني لن ~~أنزل لألعب في الحارة من جديد، ولكننا كنا نجعلها تحنث بالقسم. ولعبة أخرى هي نط ~~الحبل، ولكنها كانت للبنات أكثر مما هي للصبية. ولعبة «السيكة» التي كانت ترسم على ~~الأرض بالطباشير الأبيض عدة مسافات، ووضع قطعة من الطوب في كل مسافة، ثم القفز عليها ~~من أجل زحزحة الطوب من خانة إلى أخرى، وتسمى أيضا «النطة». ولم تكن الرياضة أمنية ~~الأطفال في ذلك الوقت. # ثم وقعت كنبة على ساقي فانكسر، وتم تجبيره عند برسوم، طبيب الشعب، في ميدان رمسيس. ~~وكانت والدتي تحملني على كتفيها كالحصان من باب الشعرية إلى ميدان رمسيس لتشتري السمك ~~الطازج من رجل مشهور هناك، في الخلفاوي أو الحلفاوي، كان يقعد «بالمشنة» على ~~الرصيف، وتعود والدتي إلى المنزل، وكنت أستغرب كيف حملت هذا الحمل الثقيل ذهابا ~~وإيابا، وتحمل السمك؟ ولما كبرت عرفت أن ذلك هو إخلاص المرأة المصرية ~~لبيتها. # وكان والدي يرسلني إلى محل الطرشي بدرب البزازرة أمام جامع البنهاوي لشراء طرشي، ~~وأوصي البائع بمزيد من ماء اللفت، فكنت أذهب بطبق مفتوح وأعود وقد انسكبت منه معظم ~~مياه اللفت على الأرض. وفي المرة الثانية أردت أن أعرف طعم ماء اللفت هذا الذي ~~يصر عليه والدي، فقمت بتذوقه بدلا من انسكابه على الأرض بفعل المشي، فوجدت طعمه ~~لذيذا، وذهبت إلى الوالد وماء اللفت ناقص أيضا. ثم أرسلني الوالد إلى بائع الطرشي ~~لأقول له إني أتيت من طرف عم حنفي، فزاده إلى الثمالة. ولم نكن نعرف في ذلك الوقت أن ~~طبق الشراب في حاجة إلى غطاء لكي يحفظه داخل الإناء. # وأرسلني والدي إلى الكتاب في سن الرابعة لأن الحكومة لا تقبل في المدارس الأولية قبل ~~الخامسة، وكان الكتاب يسمى باسم مدرسة «الشيخ سيد»، ويقع في آخر درب الشرفا، عطفة ~~العبساوي. صالة في الدور الأرضي مفروشة بالحصير، تستخدم للصلاة أيضا. وكانت التكاليف ~~رغيف خبز وطبق ms023 مخلل بشرابه أو طبق سلطة. وكان التدريس بطبيعة الحال تحفيظ القرآن، ~~وتعليم بعض قواعد اللغة العربية، وعلامات الإعراب. وكان الجلوس على الأرض تربيعا وحافين. ~~والأطفال بالجلابيب مثل الشيخ بالجبة والقفطان والعمة. وكان صوت الأطفال جماعيا ~~مرتفعا حتى يسمع الحاضر الغائب. وبمجرد أن ينتهي الدرس يهرع الأطفال بالخروج إما ~~للعب أو إلى أهله. وكانت عيون الشيخ تروغ يمينا ويسارا إذا ما أحضرت الأم طفلها ~~بنفسها، وسلمته للشيخ كأمانة فتقترب من الشيخ أكثر فأكثر، ولا ينسى الشيخ أن يبلغ ~~السلام لأم الطفل مع ابنها في نهاية الأسبوع أو بدونها. لم أستسغ هذه الطريقة، ولم ~~أستطع أن أكمل الكتاب، ولا طريقة الشيخ في تحفيظ القرآن، ولا العصا (الخرزانة) التي في ~~يده، ولا صمت الأطفال إلا من صوت ترديد آيات القرآن وراءه، ولا هذه العلاقة بين السيد ~~والعبد؛ علاقة العصا. فقدت اللعب، ولم أجد شيئا أفضل منه؛ حارة مسدودة، وعقل شارد، ~~ولكن القلب ما زال ينبض. # وتروي الوالدة أنني بعد الطهارة كنت كلما أتانا ضيف أرفع الجلباب وأقول له: «أنا ~~اطاهرت.» كنت فرحا بالحدث، وكنت أريد أن تشارك الضيوف فرحتي، وكان رباط الشاش ما ~~زال موجودا، وكنت أسمع من يقول: «عيب يا ولد.» ولا أدري من القائل، ولكن لزقت في ذهني ~~أن هذه المنطقة عيب أعريها، وأنني يجب أن أغطيها، وهكذا بدأت التفرقة بين مناطق ~~الجسد؛ بين «التابو» الذي يجب أن يختبئ، وباقي مناطق الجسد التي يمكن أن تعرى. ورأيت ~~ذلك في غسل الميت فيما بعد، عندما كانوا يخبئون هذه المنطقة بالمنشفة. # ولما بلغت الخامسة في 1940م انتقلت إلى المدرسة الأولية، مدرسة سليمان جاويش، في ~~شارع مواز لدرب الشرفا من ناحية وشارع الحسينيين من ناحية أخرى، ويفتح على باب الفتوح ~~وشارع المعز لدين الله الفاطمي في وسط زقاق ضيق. والمدرسة ذات فناء واسع، وفصولها ~~خشبية «داير داير» الفناء، والإدارة بعد الباب بعدة سلالم يمينا ويسارا. وكان ~~التلاميذ في الفسحة يخرجون من الباب ليشتروا الصميط من صابر الذي وضع بضاعته على صاج ~~أسود كبير على ms024 الأرض، والتلاميذ يتسابقون للشراء؛ منهم من يدفع، ومنهم من يتظاهر بالدفع. ~~ولا يستطيع صاحب الصاج في الزحام والصراخ أن يضبط كل شيء، كل يد ممدوة إلى صاجه، ~~وأحيانا أكون واحدا منهم ما دام الأمر سهلا. يكفي صاحب الصاج أن يجمع التعريفات في ~~حجره، وهو كسبان في النهاية. وكانت الغاية من المدرسة ليس التعليم بل الحفاظ على التلاميذ ~~من ألعاب الطريق. فإذا أكمل التلميذ سنوات المدرسة الأولية الخمس فإنه يكون في الطريق إلى ~~المدرسة الأزهرية، وليس الجامعة. وكنت ألبس البدلة والطربوش كي أكون أفنديا، ~~والطربوش كان مغريا كي يكون كرة قدم، فأرجع إلى المنزل والطربوش قد تمزق، فآخذ ~~درسا في أن الطربوش رمز النضج والكبر، فكيف ألعب به كرة في لعبة كرة القدم؟ ~~وفرق بين الطربوش المطبق الذي يظهر من خوصة فتحات القماش الأحمر والطربوش المكوي ~~المستقيم جنباته، وأحيانا تضاف رابطة العنق إلى البدلة حتى تكتمل صورة الأفندي. ~~واكتشفت الأسرة أن عندي قصر نظر لأني لا أرى إلا القريب دون البعيد، وقمت بعمل ~~نظارة طبية. وكانت العدسات في ذلك الوقت من الزجاج، ينكسر بسهولة إذا وقعت ~~النظارة على الأرض. ولما كنت سريعا ما أصطدم بصبي آخر لضعف بصري وأنا أجري فتقع ~~النظارة على الأرض، وينكسر الزجاج، ويصرخ الأهل ليس خوفا من التكاليف ولكن قد يدخل ~~الزجاج في عيني، ولم أكن أدري ما العمل للجمع بين النظارة واللعب جريا واصطداما؟ ~~لم يكن هناك تلفزيون في ذلك الوقت، والذي دخل فقط عام 1960م كي أتشبه بأفنديته. ~~وكنا نذهب إلى بني سويف في الصيف خوفا من غارات الألمان على القاهرة وأصوات المدافع. ~~ولما توفت ستي نقلناها إلى مقابرنا في الضفة الأخرى للنيل. أما خالتي فدفنت في ~~القاهرة في المقابر التي اشتراها أبي، وساعدناه ماليا، أخي سيد وأنا، ودفن فيها، وعليها ~~اسمه حتى الآن حنفي حسانين أحمد. وبها، بالإضافة إلى خالتي، أمي، وحماتي، وشقيقتي فاطمة ~~وزوجها فريد، وأخي سيد، وعلي النجار من أقرباء أمي، ثم أخيرا زوجة أخي. # ولما كانت المدرسة الأولية طريقا مسدودا إلا ms025 نحو مدرسة المعلمين العليا، ولا ~~تؤهل للثانوية والجامعة، انتقلت إلى مدرسة السلحدار الابتدائية في أول شارع المعز ~~لدين الله الفاطمي من ناحية باب الفتوح، وهو جزء من السور القديم، وكانت مملوءة بالآثار ~~الإسلامية في النحت، نلعب بها، ولا ندري ما قيمتها، نختبئ وراء رءوس الرخام، وعواميد ~~القصور. بها فضاء فسيح نلعب فيه، وفيها بدأ التعليم. ومدرسون يعطون مجموعات تقوية ~~بدلا من الدروس الخصوصية بخمسين قرشا في الشهر. وكنت التلميذ الوحيد الذي رفض أولا ~~لأنني لا أحتاج. ثانيا أن الثمن كان خمسين قرشا، وهو كثير على مصاريف الأسرة. أوقفني ~~المدرس ووجهي للحائط عقابا لي، وكأنني المسئول عن ذلك. كنا نخرج كل يوم 11 فبراير كل عام ~~في طوابير للذهاب إلى قصر عابدين، بقيادة مدرس اللغة العربية أو الدين، بالعمة ~~والقفطان، جمعا بين الدين والسياسة بدلا من الجمع بين الدين والعلم والوطن؛ للهتاف ~~بحياة الملك، وهو النشيد الآتي: # للمليك اهتفوا # يا أسود الحمى # للمليك اهتفوا # دائما دائما # للمليك يا بلادي اسعدي # للمليك كلنا نفتدي # نحن في ظله # قد ملكنا الزمن # نحن من حوله # فدية للوطن # وكان التلاميذ في ذلك الوقت وفي هذه السن المبكرة يشاركون في المظاهرات دون انتظار ~~حتى ما بعد الجامعة لو أمكن الصبر بالرغم من أن للصبر حدودا. وسمعنا أن في الجامعة ~~مظاهرات «لجنة الطلبة والعمال» فخرجنا من المدرسة في مظاهرة ونحن نهتف، وذهبنا إلى باب ~~الشعرية حيث كان يسير الترماي، وأمرنا السائق: «دور يا أسطى.» إلى الجامعة، فذهبنا إلى ~~جامعة القاهرة، وشاركنا في المظاهرات التي فتح عليها القصر الكوبري، كوبري عباس، فسقط ~~الطلبة في النيل واستشهد البعض الآخر برصاص الجنود، كما هو واضح في بداية فيلم «في بيتنا ~~رجل»، قصة إحسان عبد القدوس. وسمعنا باستشهاد عمر شاهين وعبد الحكيم الجراحي. وقد سمي ~~مدرجان بآداب القاهرة على اسميهما قبل أن يتغيرا إلى مجرد أرقام 74، 78 حتى لا ~~يتذكر الطلبة الحركة الوطنية، ومع ذلك النصب التذكاري أمام بوابة جامعة القاهرة ~~الرئيسية، وفي آخر كوبري الجامعة تمثال نهضة مصر. وأخفيت ذلك ms026 عن الأسرة، وعدت من نفس ~~الطريق إلى المنزل وكأنني عائد من المدرسة. وكانت هذه أول مرة يكون لي فيها نشاط سياسي ~~في هذه السن المبكرة. وقضيت في مدرسة السلحدار الابتدائية ثلاث سنوات ~~(1945-1948م). # وفي عام 1948م انتقلت إلى مدرسة خليل أغا الثانوية بشارع الجيش، وكان بها أيضا بعد ~~الظهر «مدرسة تحسين الخطوط الملكية» في البدروم. ويلاحظ أن أسماء المدارس كانت كلها تركية ~~أو مملوكية مثل: سليمان جاويش، السلحدار، خليل أغا. وفيها ازدادت نسبة التعليم والنضج. وكان ~~بها قسط من الرياضة البدنية، واشتركت في «الجمباز» وأخي سيد في المصارعة، كما اشتركت في ~~فرقة الرسم، وكنت أهوى رسم «البورتريه» صور الموسيقيين، مثل بيتهوفن وشوبان، أو ~~الشعراء، مثل شوقي وحافظ. وكانت طريقتي هي تقسيم الصورة الصغيرة إلى مربعات أصغر، ثم أبدأ ~~الرسم بتكبير هذه المربعات عشر مرات تقريبا، ثم أبدأ برسم كل مربع حتى تكتمل الصورة ~~على فرخ ورق كبير. وقد علقت صور بيتهوفن وشوبان وشوقي وحافظ على حائط غرفتي أنا وأخي ~~سيد، التي كانت تطل على السطح. وعندما غادرت إلى فرنسا في عام 1956م لم أعرف ماذا أفعل ~~بهذه الصور؟ أتركها معلقة على الحائط أم أخلعها وأحتفظ بها في مكان ما؟ السطح وفوق ~~أحد الجملونات. وفعلت، وأفسدتها مثل كل البلي. ويا ليتني احتفظت بها في مكان أمين ~~كجزء من الذكريات المبكرة والجلوس على المنضدة هذا الوقت الطويل كما فعلت ذلك فيما ~~بعد من أجل الفلسفة. كان همي أن آخذ أوراق الأفكار المتناثرة التي أدون فيها ~~أحلامي بمجرد الاستيقاظ! وأخذتها معي إلى فرنسا عن الفكر والواقع، وتركتها في حقيبة في ~~غرفة الحقائب في بيت الطلبة الألمان بالمدينة الجامعية بباريس. كما اشتركت في فرقة ~~الموسيقى وأخي في التمثيل مع أبو زهرة. أما جمال إسماعيل فقد كان في المدرسة الخديوية، ~~وكانت فرقتا التمثيل بالمدرستين تلتقيان لتكوين فرقة مشتركة. وتعلمت النوتة ~~والصولفينج. وكنت أنا ورفيق العمر محمد وهبي عبد العزيز، الذي أصبح مستشارا في جامعة ~~الدول العربية، نذهب إلى معهد شفيق للموسيقى في عابدين والملاصق لسور ms027 القصر، وكان ~~عم وهبي - وهو عازف كمان في فرقة أم كلثوم - يدفع له المصاريف، وأنا لا أستطيع أن أدفع ~~شيئا ولو خمسين قرشا في الشهر. وهناك تعرفنا على العلمي عازف الكمان، ثم قدم لنا عم ~~وهبي في معهد الموسيقى العربية في شارع رمسيس ببنائه العربي، وكان هناك امتحان قبول في ~~مادتي العزف والصولفينج، وأوصى عم وهبي المدرس الأرمني على وهبي فنجح، وأنا نجحت في العزف ~~ولكني لم أستطع تقليد الأصوات؛ فقد كنت أسمع جيدا نغمة البيانو ولكني لا أستطيع تقليدها، ~~وذهبت إلى علي إسماعيل ليوصي علي، ولم أدر إذا كان فعل أم لا. حزنت انفعالا، وقد ~~تكون هذه التجربة إحدى علامات الاتجاه كلية نحو الفلسفة. وقد تكرر هذا الخيار بين ~~الموسيقى والفلسفة وأنا في فرنسا بتجربة مرضية، إرهاق سنتين بدراسة كليهما واحتمال ~~الإصابة بالسل في الرئتين. وتذكرت # ألا تعدلوا ~~. ~~وقد حاولت العدل ولكني لم أستطع. وتذكرت تجارب أخرى دفعتني إلى الفلسفة طبقا للمثل ~~الشعبي: «أبو بالين كداب» وكان معنا أيضا المغني الأول العزبي الذي غنى في فرحي، ~~وترددت هل أعطيه أجرا أم لا؟ وإذا أعطيت، خمسة أم ثلاثة جنيهات؟ وكان لدينا نظام ~~الثقافة بعد أربع سنوات؛ حيث لا تخصص، والتوجيهية بعد خمس سنوات؛ حيث يختار الطالب بين ~~ثلاث شعب: علمي، أو رياضة، أو فلسفة. لم أكن أفضل العلم؛ فهو دراسة للطبيعة. ويبدو أن ~~اتجاهي كان دراسة الإنسان دون أن أعرف. ولما كان أدبي به شعبتان أدبي رياضة وأدبي فلسفة، ~~وكان العقل أحد ملكات الإنسان، فاخترت أدبي رياضة. ودخل أستاذ الرياضيات، وكان أعرج ~~عبوسا، وملأ السبورة السوداء بمعادلات بالطباشير الأبيض لم أفهم منها شيئا، ~~فحولت في الحصة الثانية إلى أدبي فلسفة، ثم صرح المدرس بعد ذلك أنه قصد أن ~~«يعقد» الطلبة؛ فمن كان هشا ترك، ومن كان صلبا بقي، ثم شرح هذه المعادلات التي ~~هربتني منه بعد ذلك معادلة معادلة # وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم ~~. وذهبت إلى أدبي واستمعت لأول مرة إلى ~~الشعر العربي فتذوقته. بدأت أتذوق الآداب، القصة ms028 والرواية والشعر. وكان أستاذ الأدب ~~يتكلم من قلبه، يريد أن يسمعه الطلبة ولا يكتبون وراءه شيئا. وكان أستاذ الفلسفة ~~عقلانيا، يشرح تاريخ الفلسفة، ويعيرنا كتب أفلاطون وأرسطو، والبعض منا لم يشأ أن ~~يرجع كتب الأستاذ بعد التخرج، فمنع تسليم شهادته حتى يرجع الكتب، وهو ما حدث ~~بالفعل. وكان مدرس التاريخ «أبانوب» ضخم الجثة ولكنه حلو الحديث، يبدأ الدرس بآخر نكتة، ~~يضحك هو أولا قبل التلاميذ حتى يضحكوا ويأخذون عليه. كنا نحبه إنسانيا واجتماعيا، ~~ولكن التاريخ لديه رصد للحوادث، وهو ما لا تشتهيه النفس؛ لأنه خال من النزعة ~~الإنسانية. والعقل والفن - أي الفلسفة والفن - عوضاني حنيني للموسيقى، في حين أن هيجل هو ~~الذي اعتبر الأوبرا أعلى الفنون لجمعها بين الشعر والموسيقى. وفي هذه الأيام أعلن عن ~~مسابقة التوجيهية في الشعب الثلاثة ، ومن الأدبي الفلسفة، فدخلت المسابقة وكان ترتيبي ~~الأول على القطر مما شجعني على دخول قسم الفلسفة بآداب القاهرة بالجامعة. وأقامت ~~مدرسة خليل أغا الثانوية حفلا لتكريمي، دعي فيه أستاذ الفلسفة عثمان أمين، وكنت أراه ~~بوجهه الضاحك الأشقر، وكان هو الذي وضع سؤال المسابقة عن مقارنة الشك بين ديكارت ~~والغزالي. وأحضر مدرس الفلسفة جاتوه وحلوى للمناسبة، وقمت بعزف قطعة من الموسيقى الشرقية ~~أمام الجميع، وسارت شائعات بأنني أخذت ما تبقى من الحلوى في علبة الكمان! ولا أدري كيف ~~تدخل الحلوى داخل جراب الكمان وهي موجودة! ووضع اسمي في لوحة الشرف مع أوائل الطلاب ~~والناجحين في مسابقة العلوم والرياضيات على مدخل المدرسة بجوار حجرة الناظر. وأخذت مكافأة ~~عشرين جنيها وزعتها، خمسا لوالدي، وخمسا لإخوتي، واشتريت كمانا بخمسة جنيهات، ~~وساعة بخمسة أخرى. وكانت الجامعة ما زالت بمصاريف إلا للمتفوقين كما ثبت من مسابقة ~~التوجيهية ثم من امتحان الثانوية العامة الذي حصلت فيه على 77,5٪. ثم قامت الثورة في ~~يوليو 1952م، وقررت أن يكون التعليم الجامعي مجانا مثل التعليم العام الذي قرره طه ~~حسين وزيرا وفديا للتعليم بعبارته الشهيرة: «التعليم كالماء والهواء.» # واكتشافي المرأة كان تدريجيا. البداية بصالحة أخرى في الشباك الذي أمامنا بجمالها ms029 ~~وبياضها وكانت لها أولاد، وأكبر مني سنا، لكنه كان حب المراهقة. أما التجربة التي ~~هزتني هي تجربة جارتي (الشابة) نعيمة بنت الكبابجي الذي على ناصية الشارع البنهاوي ~~ودرب الشرفا. ولم يكن جزارا باللحم بل كان بائع كبدة يعدها في المنزل ويقليها في ~~الدكان فتجلب الزبائن. كانت الشقة السكنية بجوارنا، وقلي الكبدة في الحوش فتملأ ~~المنزل كله، وكانت رائحة الثوم تسيل اللعاب على نقيض الكبدة الإسكندراني المطبوخة والتي ~~لا يمكن التمييز فيها بين المطبوخ والنيئ؛ فكلاهما بدمه. كانت تساعد أباها مع أمها في ~~إعداد الكبدة، وكانت الأم تقوم بكل شيء، وتكون الشابة بمفردها في السكن، وكنت أنا لا ~~أذهب إلى المدرسة لإعدادي مسابقة التوجيهية. وكان هناك شباك في الحائط الفاصل أصعد ~~إليه لأناجيها. لا أدري إن كنت أحبها أم أحب صفاتها: البياض، الطول ، الحيوية، ~~الابتسامة، وربما لا أدري ما هو الحب إلا إحساس باطني يدفع الإنسان إلى فعل لا إرادي ~~بصرف النظر عن الخطأ والصواب وبصرف النظر عن الهدف والمستقبل، يرانا الطالع والنازل على ~~السلم ونحن نتناجى، والشباك الآخر الرئيسي بجوار شباكها نتكلم من خلالهما، ونحن ~~مكشوفان للجار في الحارة ولأبي صلاح صاحب الفرن الذي فوقنا، وفرنه أسفلنا على ناصية درب ~~الشرفا وعطفة العبساوي؛ ففضحنا أنفسنا بأنفسنا إلى أن جاء يوم زواجها وانتقالها إلى بيت ~~«العدل»، غنت لي أنها تتركني على عينها. وكان الجيران يحذرونها من «يد الهون» ولم ~~أفهم الرمز وقتها كما يحرم السلفيون الآن، بعضهم وليس كلهم، استعمال المنقار ~~لتكوير الكوسة والبطاطس والباذنجان. وكانت فترة حزن شديد، رجف القلب آخر يوم لها في ~~المنزل. خرجت معها مرة واحدة، هي بالملاية اللف وأنا بالبدلة والكرافتة يسير كل منا ~~بجوار الآخر، ووجهها في الأرض، وأنا أسمع تعليقات المارة: «مش كده يا أستاذ!» وذهبنا ~~إلى المصوراتي وأخذنا صورة معا، وكان هذا أقصى ما يستطيع الحبيبان الغشم أن يفعلاه في ~~الأحياء الشعبية. عرف ذلك الوالد ومنعني، وقال إنه يخشى على أخواتي مني، وشتان بين ~~الموقفين، الأخت والحبيبة، عشق الروح وعش الجسد. كنت أحب ms030 الجمال والحيوية والظرف؛ أي ~~القدرة على النكات مع المرأة، وأنا فنان، رسام وموسيقي. أرسمها وألحن لها، ولو ~~كنت شاعرا لغنيتها في قصيدة حسن ونعيمة. كان مصيري هو مصير نجيب الريحاني ومصيرها ~~مصير أنور وجدي في «غزل البنات». # وكنت قد تعلمت وأنا في الثانية الثانوية بعد البلوغ وبطريقة تلقائية عندما احتك ~~القضيب بفخذي فقذف، وبلل البنطلون، وشعرت بلذة فائقة. وما جاء مصادفة تحول ~~إلى فعل قصدي طوال مرحلة الثانوية، ثم قرأت بعد ذلك عن عيوبها، وتوقف بعد مغادرتي ~~إلى فرنسا بأربع سنوات عام 1961م عندما أدركت أن العمل الطبيعي أفضل من العمل الصناعي؛ ~~فالعمل الطبيعي به أنس وضحك وتعرف على الآخر، في حين أن العمل الاصطناعي خوف ووحدة ~~وتأنيب ضمير. # وكان العمل السياسي ما زال مستمرا؛ فقد كانت الأربعينيات هي الثورة الوطنية ضد القصر ~~والإنجليز. وكان الأستاذ علاء مدرس الرياضة البدنية في حيرة من أمره مع الطلاب في ~~المظاهرة أم مع النظام المدرسي والدفاع عنه؟ كان في مصر في ذلك الوقت أربعة تيارات ~~رئيسية: الأول، الوفد وهو التيار الرئيسي الأول، وكان يقود المظاهرات. وكان اليسار الوفدي ~~قد بدأ في الظهور وبه مصطفى موسى الذي كان يسير في شوارع باب الشعرية يسلم على الناس في ~~انتخابات عام 1951م، وهذا ما فعله معي وأنا سائر على الرصيف، وتساءلت: هل لي هذه الأهمية ~~الكبيرة؟ وهو ما يحدث حتى الآن من المرشحين بالإعلان عن ذلك تأييدا لهم. الثاني، ~~الإخوان المسلمون بشعار «الله أكبر ولله الحمد». والثالث، مصر الفتاة وكان متهما بإقصاء ~~خصومه السياسيين عن الحكم. والرابع «حدتو» وهو اختصار للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ~~شبه الماركسي الذي كانت تحية كاريوكا عضوا فيه. وكان الطلبة لا يحبون الوفد لأنه حزب ~~القصور والباشوات والتخلي عن ثورة 1919م وحادثة 4 فبراير، ولا يقدرون قيمة أحمد حسين ~~ومصر الفتاة، ويخافون العنف والأعمال السرية، وكانوا تحت الفكرة الشائعة بأن الماركسية ~~مادية وإلحاد، ولا تتفق مع المجتمع المصري، فلم يبق لديهم إلا الإخوان المسلمون، ~~فانضموا تحت لوائهم، واستمعوا لنداءاتهم في المظاهرات. وفي ms031 باب الشعرية كان هناك سيد ~~جلال مرشحا في انتخابات 1951م، بنى مستشفى باسمه، ولم يكن وفديا بل كان سعديا - على ~~ما أذكر - مناهضا للوفد، فكنت في صراع أكون مع من ضد من؟ ولماذا عارض السعديون ~~الوفد؟ هل صراع على السلطة؟ وما عيب يسار الوفد؟ ولم تكن فكرة الائتلاف قد بزغت ~~بعد. وهنا ظهر الإخوان المسلمون وكأنهم المظلة الوحيدة للعمل السياسي دون علم ~~بالخبايا والصراعات الداخلية والتنظيم السري ومقتل السيد فايز، وكنا نسمع عنه أنه كان ~~يمثل يسار الإخوان أو على الأقل المعارضة العاقلة بوضع قنبلة على نافذته. # وفي عام 1951م ونحن على مشارف الإخوان بدأت حرب الفدائيين في قناة السويس، ~~وتعرف الإخوان على كمال الدين رفعت الذي كان يقود حرب الفدائيين، وكان من الضباط ~~الأحرار الذين قادوا ثورة 1952م، وكان الشهداء ينقلون من الإسماعيلية للصلاة عليهم في ~~جامع الكخية بميدان الأوبرا، وكان إخوان مدرسة خليل أغا يقودون المسيرة بلباسهم الكاكي ~~والعصا وراء ظهورهم تشبيها بالسلاح. وكنت أسمع الناس يهتفون على الجانبين «حماكم ~~الله»، «حرسكم الله»، فكان ذلك امتدادا للتعاون بين الإخوان والثورة منذ 1948م في فلسطين؛ ~~فليست العلاقة بين الاثنين صفحة سوداء دائما. وكان عمري وقتئذ ستة عشر عاما، وكان ~~المقاتلون أنفسهم لا يظهرون، ولم يكن الضباط الأحرار معروفين في ذلك الوقت. ونمت في ~~روح الوطنية استمرارا للاشتراك - وأنا بمدرسة السلحدار الابتدائية - في مظاهرات جامعة ~~القاهرة مع لجنة الطلبة والعمال عام 1946م. وفي يناير 1951م وقع حريق القاهرة، ولم أكن أفهم ~~معنى الحدث، لماذا؟ وما الهدف؟ هل ثورة أم فوضى كما يقال الآن؟ هل نضال وطني أم «انتفاضة ~~حرامية» كما وصفت - فيما بعد بربع قرن - انتفاضة يناير 1977م ضد غلاء الأسعار؟ هل ~~لإقالة حكومة الوفد التي تناضل ضد القصر والإنجليز، من تدبير القصر والمعارضة؟ لم يكن ~~هناك تلفزيون في ذلك الوقت كي أراها، ولكني نزلت شارع الجيش حتى ميدان الأوبرا سيرا على ~~الأقدام؛ فقد تعطلت المواصلات، ورأيت فندق الكونتننتال وهو يحترق، والناس تجري، ~~معظمهم بجلابيب، وتساءلت: شعب أم لصوص؟ مع ms032 الشعب أم ضده؟ ولم أكن أفهم في التحليل السياسي ~~كما يحدث الآن. # وفي ~~صيف 1952م في 23 يوليو انقلبت الموازين، واندلعت الثورة المصرية، وكنا في بداية ~~الصيف. وظهر لنا محمد نجيب زعيما وطنيا مصريا سودانيا، وحوله مجموعة من الضباط ~~الأحرار، فانتهت الحيرة بين التيارات السياسية الأربعة، وانضم الجميع تقريبا إلى الثورة ~~خاصة وأن بياناتها الأولى تتحدث عن القضاء على الاستعمار والإقطاع والملكية والتحقيق في ~~اغتيال حسن البنا، وإعداد جيش قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، فانضم الجميع إليها. ~~وكان خطابه الأخير يتحدث عن وحدة الأمة الإسلامية وليس فقط وحدة مصر والسودان. وكان الإخوان ~~مع الثورة في البداية لأنها أبقت عليهم، ولم تحلهم كما حلت باقي الأحزاب خاصة الوفد ~~حتى لا يكون خصما للثورة المباركة. وجاء نجيب إلى جامعة القاهرة، وألقى خطابا دعا فيه ~~إلى الوحدة الإسلامية الجامعة، فضجت القاعة بالتهليل والتكبير. وكان بجواره أو وراءه ~~قليلا ضابط واضع يديه على صدره، وهو يرى هذا المنظر ولا يشارك في الإعجاب أو التصفيق ~~أو يحيي الطلاب، عرفنا بعده أنه عبد الناصر الذي استطاع تصفية معارضيه من الضباط ~~الأحرار، بما فيهم الإخوان، مع أنه كان قد جعل رشاد مهنا، وهو من الإخوان، وصيا على ~~العرش. وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة اثني عشر، نصفهم من الإخوان مثل كمال الدين حسين ~~الذي عين وزيرا للتربية والتعليم وصاحب شعار «مدرستان في يوم واحد»، ثم استقال عندما ~~وجد عبد الناصر ينفرد بالحكم. وجاءت مأساة 1954م، واتهام الإخوان بمحاولة اغتيال عبد الناصر ~~بعد أن أطلق أحد أعضائهم في شعبة إمبابة النار عليه وهو يخطب في المنشية متطوعا بنفسه ~~دون أخذ أمر مباشر من مرشد الجماعة حسن الهضيبي والذي كان ضد استعمال العنف، فحلت ~~الجماعة، وفك التنظيم السري لعبد الرحمن السندي، وقبض على معظم قيادات الإخوان بمن ~~فيهم المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد وسيد قطب، وحوكموا أمام محكمة الثورة، وهي ~~محكمة عسكرية، إما بالإعدام مثل المفكر القانوني المستشار عبد القادر عودة صاحب ~~«التشريع الجنائي الإسلامي»، وكانت كل جريمته أنه استقبل ms033 المتظاهرين في ميدان عابدين، ~~ورفع قميصين ملطخين بالدماء تنديدا بهذا الفعل الوحشي. وكان حسن الشافعي أحد أعضائها ~~وبرياسة جمال سالم، وما زال الشافعي يتهرب من هذه الذكريات الأليمة. وفي السنة الثانية ~~شاركت في مظاهرات 1954م بعد أن كان عبد الناصر قد وقع مع بريطانيا اتفاقية الجلاء التي ~~تخرج بريطانيا طبقا لها من قاعدة التل الكبير ومن منطقة القناة، وتجلي معسكرها الأحمر ~~على ضفاف النيل مكان الجامعة العربية حاليا، ولكنها تسمح بالعودة إلى مصر في حالة ~~«الضرورة القصوى»، خطوة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. وما زلت أذكر الشهيد عبد القادر ~~عودة وهو يهز قميصا ملطخا بالدماء من شرفة عابدين قائلا إن هذه هي أخلاقهم. كنا ~~نهتف في المظاهرات: «يا جمال للصبر حدود.» وأتذكر أغنية أم كلثوم «للصبر حدود»، وفيما ~~بعد قرأت آية # فما أصبرهم على النار ~~. وكان هذا ~~هو أحد الدوافع التي جعلتني أتحدث عن ذلك في «من الفناء إلى البقاء». وقد اختفيت في ~~فندق سيمراميس الذي كان يطل على ميدان التحرير الذي كان قبل الثورة يسمى ميدان ~~الإسماعيلية نسبة إلى الخديوي إسماعيل في القاهرة الخديوية، وسط البلد. وفرحنا بالثورة ~~وبقوانين الإصلاح الزراعي، والقضاء على الإقطاع، وتحرير الفلاح، وإعطاء كل فلاح خمسة فدادين ~~ملكا له والقضاء على الملكيات الكبيرة وأولها أراضي القصر وأبعديات الباشوات التي ~~كان يسير فيها القطار بالساعات، مجتمع النصف في المائة. وكان القصد ليس فقط تميلك الفلاح ~~الأرض بل تحرير الفلاح من عبوديته للباشا والملك عن طريق ملكية الأرض. فإذا قيل لقد ~~تفتت الملكية وأصبح من الصعب «ميكنة» الزراعة قيل إن هناك الجمعيات التعاونية التي نشأت ~~من أجل ذلك. وقررنا أنا وبعض الأصدقاء: عبد المحسن حسين عبد الله الذي أصبح طبيب عظام ~~وزوجا لأختي علية، محمد وهبي عبد العزيز صديق العمر من الجامعة العربية، العطار أستاذ ~~الرياضة البدنية، فيما بعد، الذهاب من القاهرة إلى الإسكندرية سيرا على الأقدام، نرى ~~الريف قاع المجتمع، والفلاح عماده. واتفقنا على أن المبيت في مقار هيئة التحرير، التنظيم ~~السياسي الجديد للثورة والذي طلب ms034 عبد الناصر من سيد قطب أن يرأسه فرفض. وأخذ كل منا ~~حقيبة صغيرة فوق ظهره، وكانت أول محطة بنها، وسألنا عن مقر هيئة التحرير، فأشاروا إلى ~~بدروم عليه يافطة «هيئة التحرير» تحوط به المياه الطافحة، حتى جاء رجل، وحسب أننا من ~~الحكومة فارتعد، وطمأناه أننا لسنا من الحكومة بل طالبو معرفة بأحوال الريف حبا في ~~الثورة، ونمنا الليلة على الأرض، ولم نجد أحدا نحادثه أو نسأله عن شعور الفلاحين بعد ~~الثورة. وفي الصباح استأنفنا السير حتى طنطا، وسألنا نفس الشيء: أين مقر هيئة ~~التحرير؟ فأشاروا علينا بدور أول في مبنى فارغ ليس به أحد إلا اليافطة. واستأنفنا ~~السير في اليوم الثالث من طنطا إلى كفر الزيات، وهنا أشاروا علينا بمصنع زيت وصاحبه بلا ~~يافطة. ولما ظن أننا من الثوار انتابه الفزع والفرح في آن واحد، وأمر بالكباب، وكان ~~يسمى ناشد، وطلب منا أن نستريح ليلة لديه بدلا من الاستئناف إلى كفر الدوار ثم إلى ~~دمنهور، فوافقنا لإجهادنا، وقلنا له إننا سنخطر القيادة في مصر بحسن الاستقبال حتى ~~تتأكد رياسته لهيئة التحرير، ثم صعوده بعد ذلك إلى أعلى سياسيا. واستأنفنا السير إلى ~~دمنهور، وهناك أحسسنا بالتعب بالفعل، وبدأت أقدامنا تلتهب، ومع ذلك وصلنا إلى ~~الإسكندرية، وذهبنا إلى هيئة التحرير في ميدان المنشية، فوجدنا أخا عبد الحكيم عامر، ~~فرحب بنا، وتركنا ننام في شرفة ميدان المنشية الذي تمت فيه محاولة اغتيال عبد الناصر. ~~وبعد الاستراحة عدة أيام، أخذنا القطار عائدين إلى القاهرة، وكانت ذكرى علاقة التنظيم ~~السياسي الذي لا وجود له بالشعب الذي لا يعرف عن هيئة التحرير شيئا، والدولة التي لا تعبأ ~~بشيء. وعلمنا في هذه السن المبكرة أنه لا يمكن بناء تنظيم سياسي من فوق على عكس الإخوان ~~أو حتى قيام نخبة عسكرية بالثورة. # وكنت أذهب إلى شعبة الإخوان بباب الشعرية مساء بين الحين والآخر، ثم تعلمت كيف أذهب ~~إلى المركز العام بالحلمية الذي أصبح الآن قسم الدرب الأحمر. وهناك تعرفت على سيد قطب ~~وسألته أنني أريد أن أحول الإسلام ms035 إلى منهاج إسلامي عام، فنصحني بقراءة أبا الأعلى ~~المودودي. وتعرفت أيضا على علال الفاسي الزعيم والمفكر المغربي، وسمعته بلهجته ~~المغربية، ورأيته بلباسه المغربي. وكانت المحاضرة الأسبوعية كل يوم ثلاثاء، وكنت صغيرا، ~~وكانوا كبارا. وكنت وأنا ذاهب إلى الشعبة بباب الشعرية أحمل كماني معي فيقول لي ~~أحد الإخوة: ألا تعلم يا أخ حسن أن الموسيقى حرام؟ كيف حرام وهناك موسيقى القرآن؟ وقد ~~استقبل الأنصار المهاجرين بالدفوف والغناء كما حفظنا ونحن صغار، وكما ينشد في الأفلام ~~المصرية: # طلع البدر علينا # من ثنايات الوداع # وجب الشكر علينا # ما دعا لله داع # أيها المبعوث فينا # جئت بالأمر المطاع # جئت شرفت المدينة # مرحبا يا خير داع # ولما قامت ثورة مصدق عام 1953م ضد الشاه وأمريكا ~~لتأميم البترول، وهرب الشاه، اعترض الإخوان في شعبة باب الشعرية وهاجموا مصدق، ووصفوه ~~بأنه شيوعي، وأيدوا آية الله الكاشاني صديق الشاه، وعلقوا على جريدة الحائط الهجوم على ~~مصدق ومدح الكاشاني، فغضبت وطلبت الكلمة بأن هذا اتجاه يميني، وأن الإسلام مع ~~التأميم وضد حكم الملوك، وأن الأفضل جعل الشعار كتابا وقلمين وليس مصحفا وسيفين؛ ~~فالمصحف والسيفان دعوة للقتال، والكتاب والقلمان دعوة للعلم. # الفصل الثاني # | التعليم الجامعي (1952-1956م) # وأعلن عن مجانية التعليم في الجامعة، فحصلت على المجانية في الجامعة لثلاثة أسباب: ~~الأول، مجموعي في التوجيهية كان 77,5٪ أي فوق السبعين مما يؤهل للجامعة. والثاني، أنني ~~كنت الأول على القطر في مسابقة الفلسفة التي تؤهل للمجانية. والثالث، قرار الثورة ~~بمجانية التعليم الجامعي أسوة بالتعليم العام. ولم يكن هناك تردد في الالتحاق بكلية ~~الآداب، قسم الفلسفة، وكان قسما واحدا مع علم النفس والاجتماع في السنتين الأولى ~~والثانية، ثم انفصل الاجتماع عن الفلسفة بعد السنة الأولى، ثم انفصل علم النفس عن الفلسفة ~~ونحن في السنة الثالثة. وبقي كلا العلمين كمقررين دراسيين بحيث يدرس علم الاجتماع ~~في السنة الثانية وعلم النفس في السنة الرابعة. ولم يخبرني أحد من أساتذة علم الاجتماع ~~وعلم النفس أو حتى الفلسفة حتى انفصال الفلسفة في السنة الثالثة عن القسمين الآخرين، ربما ms036 ~~لأن القرار لم يكن قد اتخذ بعد. وهنا استرعي انتباهي عثمان أمين الذي كان يدرس ~~الفلسفة الحديثة خاصة ديكارت، وكانت طريقته التعليق على ديكارت وتطبيقه على الواقع العربي ~~المعاصر، وكان يقول «بين قوسين» كان ضاحكا مبتسما، يركز على «مقال في المنهج» ~~و«التأملات في الفلسفة الأولى»، وفي الفصل الدراسي الثاني كانط. وكان يطيل في شرح معنى ~~كلمة ترنسندنتال والفلسفة الترنسندنتالية، والتقابل بين البعدي والقبلي. ~~وفي «نقد العقل العملي» كان يركز على الواجب ~~والأخلاق عند كانط، وكناقد فني في «نقد ملكة الحكم». في السنة الثانية في علم الأخلاق، ~~ويقوم بتدريسه توفيق الطويل الأستاذ الثاني الذي استرعى الانتباه من على المنصة، بينما ~~عثمان أمين كان يقف في أسفلها في منتصف القاعة، يدرس واقفا وسائرا على الأقدام، ينقد ~~الأخلاق الوضعية بجميع أنواعها، ويدافع عن الأخلاق المثالية بجميع أنواعها وفي مقدمتها ~~كانط. وكان يسمح بالاختلاف في الرأي وتبادل وجهات النظر، وإذا قرر كتابات في الفلسفة ~~الخلقية فإنه يطلب قراءته ومناقشته بابا بابا أو فصلا فصلا في المدرج. # وكانت الجامعة بالنسبة لي عالما جديدا، سواء من حيث العلاقات الاجتماعية المفتوحة أو ~~من حيث التعليم الذي كان يتراوح بين الإملاء والكتب المقررة من ناحية والتفكير الحر دون ~~إملاء أو تقرير كتاب من ناحية أخرى، وهم غالبا من الشبان، الجيل الجديد؛ مثل أستاذ ~~الاجتماع الذي كان يرتجل ويناقش، وكان ماركسيا يسمى شريف، وتم تطهيره من الجامعة مثل ~~محمود أمين العالم، ولويس عوض، وعبد العظيم أنيس، أو الإخوان مثل توفيق الشاوي من الحقوق في ~~أزمة مارس 1954م. وكان يدرس واقفا أيضا زكريا إبراهيم الذي عاد من فرنسا عام 1955م، ~~وفي صوته بحة أو انسداد سرعان ما ينفتح. وكان السؤال الباطني الذي يدور في نفسي: وما ~~عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ وهل ينفع تدريس العلوم الإنسانية ~~كالاجتماع والقانون والفلسفة دون أيديولوجيا؟ وما العيب إذا ما أدت الأيديولوجيا إلى ~~العمل السياسي؟ وما العيب في أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدلا من أن ~~يحفظ كتابا مقررا؟ # في ms037 السنة الأولى كنا في مدرج 74 أو 78، مدرج كبير متدرج مهيب جدير بالجامعة، ~~ومنصة طويلة عريضة تضطر الأستاذ المفكر أن يقوم وراءها، ويتمشى وهو يلقي الدرس. ~~أما الأستاذ الذي يملي فيكفيه الجلوس؛ فضعف الجسد من ضعف العقل. وكانت التقاليد لا ~~تسمح بالاختلاط الكلي؛ فالطالبات في ناحية، والطلبة في ناحية أخرى، ~~ومن يخل بالتقاليد ينظر إليه على أنه ~~يتحرش بالبنات أو إليها أنها تتحرش بالصبيان. وكان أستاذ الاجتماع أحمد الخشاب ~~شابا أبيض قصيرا عازبا يملي ببطء، ويكتب الطلبة والطالبات وراءه، والكل سعيد. وكان ~~ينظر بعين الإعجاب إلى فتاة بيضاء جميلة اسمها إيفون، باستثناء بعض المراسلات ~~العلنية، حادثها مرة علنا؛ قال لها بحنان بالغ: «اسكتي يا إيفون.» فردت عليه ~~بدلال: «مش أنا يا أستاذ.» بالنسبة لي كانت حبا بلا روح في حين أن مواصفاتها كانت ~~تجمع بين الروح والجسد معا وهي الصفات التي أحبها. وتساءلت: ماذا كان جمال حواء؟ وهل ~~أغرم بها آدم وهي الوحيدة الموجودة على الساحة ولم يقارن بينها وبين غيرها حتى ~~يختارها، أم إنها كانت مفروضة عليه؟ وكانت هناك فتاة فلسطينية طويلة بيضاء، بنت عم الأولى، ~~ذات وجه مشرق وصدر بارز، ولها ضحكة أنثوية لدرجة أنني تساءلت فيما بعد: هل أحببت ~~الذات أم الصفات كما تساءل علماء الكلام والصوفية بالنسبة للذات الإلهية؟ ولما سألت عرفت ~~أنها مسيحية من فلسطين، فأهديتها في عيد ميلاد السيد المسيح نسخة من كتاب «عبقرية ~~المسيح» للعقاد مع إهداء فأرجعته لي مع صديق كنت أجلس معه مع قطع مربع الورقة ~~الأولى التي عليها الإهداء، فحزنت؛ فإلى هذا الحد كان البعد ولا أقول الكراهية. حاولت ~~فلم أفلح، كانت متكبرة، تعرف قيمة نفسها، شغلت قلبي، ولكن كيف الوصول إليها وكأنها ~~كانت تهرب كلما اقتربت. وكان يأتيها قريب أو خطيب من كلية الحقوق ليصاحبها؛ فقلبها ~~مشغول، فتدب الغيرة منه، كانت أقرب إلى الصمت منها إلى الكلام. وبعد أن انفصل القسمان، ~~الفلسفة والاجتماع، في السنة الثانية لم أعد أراها كثيرا، وكانت كلما رأتني فرت، لا ~~أدري ما السبب: هل ms038 كراهية لي، أم لا تعرفني، أم لأنها مخطوبة لزميلها أو قريبها أو حبيبها ~~الحقوقي، أم للتقاليد الاجتماعية؟ وفي السنة الرابعة علمت أنها النهاية؛ فستغادر إلى ~~فلسطين وتتزوج هناك، وأغادر أنا إلى فرنسا، وتنتهي قصة هذا الحب الصامت. وبعد خمسين ~~عاما كنت بعمان وعرفت إحدى صديقاتي الأردنيات أنها هنا، فدعتها إلى المقهى، أتت ~~لحظات في المقهى ومعها زوجها، مع أني كنت أعد قصة حياتي منذ أن افترقنا؛ فلا خوف مني. ~~وهربت كالعادة وهي تنظر إلى الوراء بأن هذا موضوع انتهى، وأنا أنظر إلى الأمام بأن ~~حب وعشق الروح لا ينتهي كما غنى عبد الوهاب في غزل البنات: «وحب الروح ما لوش آخر لكن ~~عشق الجسد فان.» ثم انتهى كل شيء في زحمة الحياة التي هي أوسع كثيرا من دائرة الحب كما ~~تصور الأفلام المصرية. # وكانت مجموعات الإخوان تقعد في حلقات على الحشيش الأخضر في حرم الجامعة قبل أن تحاط ~~بسياج حديدي كما هو الحال الآن، يتدارسون، وكان يمر عليهم حسن دوح خطيب الجامعة ~~المفوه، ويلقي التحية، وبالمثل كان عبد المنعم أبو الفتوح الذي أصبح مرشحا رئاسيا ~~منذ سنين. وفي يوم داخل الحرم الجامعي انقلبت سيارة مشتعلة نارا، ولا أدري إذا كانت ~~سيارة الأمن الذي كان لا يسمح له بدخول حرم الجامعة أو سيارة الإخوان بها نواب صفوي زعيم ~~حركة فدائيان إسلام الإيرانية، وهو تنظيم ثوري سابق بإيران على الثورة الإيرانية في فبراير ~~1979م، فأدركت منذ البداية العلاقة بين الإخوان والعنف كما رأيت، وليس كما سمعت، ~~فتراجعت قليلا لأن حرق عربة داخل حرم الجامعة لا يدخل ضمن النشاط الفكري للحرم. ~~وقبض على كل زملائي الإخوان بالجامعة؛ منهم فلسطيني في قسم الدراسات اليونانية ~~واللاتينية، وقضي على مستقبله بعد أن أخذ مؤبدا لاشتراكه في المظاهرة، ولم ~~أره حتى الآن، ولا أدري إن كان حيا أو ميتا. وتساءلت: لماذا لم يقبض علي أنا ~~أيضا؟ صحيح أنني لم أكن نشطا إلى هذا الحد، واخترت الإخوان اختيارا فكريا أكثر منه ~~سياسيا. كان هناك ضابطان بالكلية: الأول مبتسم ms039 أبيض البشرة، طويل ونحيف نسبيا ~~يصادق الطلاب ليأخذ منهم المعلومات عن زملائهم بدافع الصداقة والحماية. والثاني أسمر ~~عبوس الوجه، مكفهر، مملوء وقصير يخبرنا الأول عنه أنه خطر على أمن الطلاب، ومن ~~الأفضل أن يكونوا ضده، وهو يساعدهم في القبض عليهم. وأخبرني الأول أنهم بحثوا عني، ~~واقتفوا أثري، وتتبعوا حركاتي وسكناتي، فوجدوني إخوانيا مسالما، ولست خطرا، ~~وأن جمع التبرعات لأسر الشهداء والمعتقلين ليس عملا مضادا لأمن الدولة بل إنه ~~يخفف عنهم هذا العبء. هذه رواية. وافتراض آخر أنهم لم يقبضوا علي لأن أخي من ~~الضباط الاحتياط؛ ومن أجل بسالته «وعشان خطره» تركت حرا بشرط ألا أعود إلى ~~المظاهرات من جديد. وبالفعل لم تكن هناك مظاهرات حتى عام 1956م سنة التخرج والمغادرة ~~إلى فرنسا بحرا. وظللت صامتا، كاتما الخوف في قلبي وفي سلوكي، ومقسما العالم إلى ~~أبيض وأسود، حق وباطل، صواب وخطأ، كما فعل سيد قطب في مرحلته الأخيرة بعد أن كان ~~شاعرا، قصاصا ناقدا أدبيا ثم إسلاميا اشتراكيا ثم إسلاميا إخوانيا. # لقد كان الجو متوترا بين الإخوان والثورة على مدى سنتين منذ اندلاع الثورة. وحدث ~~الانفجار في عام 1954م بمناسبة رفض الإخوان المعاهدة التي عقدها عبد الناصر مع بريطانيا ~~بالانسحاب من قناة السويس ولكن لها الحق في العودة في حالة «الضرورة القصوى». وكان خوف ~~القوى الوطنية من عبارة «الضرورة القصوى» التي يمكن أن يكون لها عشرات التفسيرات؛ فهو ~~جلاء مشروط. كنت أوزع نقد المعاهدة في الجامعة، وفي مظاهرات كبرى خرجت من الجامعة ~~إلى كوبري الجامعة وهي تهتف بسقوط اتفاقية الجلاء. ويهتف الطلبة السودانيون يسقط «صلاح ~~الرجاص» ويقصدون صلاح سالم من أعضاء مجلس قيادة الثورة، والذي هو اسمه على طريق جديد ~~يربط بين شمال القاهرة وجنوبها، والذي يعزى إليه فصل السودان عن مصر، وجنوب الوادي عن ~~شماله كما فصل أخيرا جنوب السودان عن شماله. وسمي «رجاص»؛ لأنه لبس سودانيا، وركب ~~حصانا يرقص على إيقاع الدفوف. وكان عبد الناصر وزيرا للداخلية في ذلك الوقت وعينه على ~~السلطة فأمر بإطلاق النار على الطلبة المتظاهرين ms040 على كوبري الجامعة فتفرقوا وأعادوا ~~التجمع في ميدان عابدين، وكان ذلك عام 1954م، وكنت في السنة الثانية. وشاركت في مظاهرات ~~1954م بعد أن كان عبد الناصر قد وقع مع بريطانيا اتفاقية الجلاء التي تخرج بريطانيا ~~طبقا لها من قاعدة التل الكبير ومن منطقة القناة، وتجلي معسكرها الأحمر على ضفاف النيل ~~مكان الجامعة العربية الحالي. ومع ذلك تسمح بالعودة إلى مصر في حالة «الضرورة القصوى»، خطوة ~~إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. # كنت فرحا بالجامعة ليس فقط بما يلقى في المحاضرات التي كان يغلب عليها الطابع ~~المدرسي، ولكن أيضا بالنقاشات خارجها، على الحشائش في الحرم الجامعي، هايد بارك أخرى. وإذا ~~كان فكري بارزا في المحاضرات فإنه يستحسن في مناقشات الحرم الجامعي. وظللت أفكر ~~كيف تكون حديقة الأورمان ساحة يتناقش فيها الطلاب إن عز على الجامعة ذلك، كيف تكون ~~«هايد بارك» القاهرة وكلها أراضي فاطمة إسماعيل بما فيها الجامعة وحديقة الحيوان؟ # ومنذ ذلك الوقت فرض نظام الفصلين الدراسيين في العام ، ليس لأسباب علمية بل حتى ~~ينشغل الطلبة في المذاكرة ولا يكون لديهم وقت للمظاهرات. ومع ذلك، ظلت عقلية الفصل ~~الدراسي الواحد موجودة، نبدأ في أكتوبر، وتنتظم الدراسة في نوفمبر حتى مايو في السنة ~~الثالثة باستثناء إجازة نصف السنة. في حين أن نظام الفصلين يقتضي أن تبدأ الدراسة في ~~أوائل سبتمبر، وتتوقف عند عيد الميلاد ورأس السنة، ثم يبدأ الفصل الدراسي الثاني في ~~يناير، وينتهي في يونيو، أربعة أشهر كل فصل دراسي على الأقل؛ أي ستة عشر أسبوعا، فأضر ~~نظام الفصلين بالعلم، ولم يمنع المظاهرات؛ فالوطن أحيانا تكون له الأولوية على العلم، ~~بدليل شهداء كوبري عباس، وكما يحدث الآن بتطبيق نظام الساعات المعتمدة أو اختيار الطالب ~~بين الدروس الإجبارية والاختيارية؛ فيصبح هم الطالب تجميع درجات # A ~~. ويكاد الاختياري لا يحضر فيه الطالب لأنه اختياري ~~ولا الأستاذ؛ فكيف يقود سيارته من مدينة 6 أكتوبر حتى الجامعة لطالب أو طالبين وقد تعود ~~على القاعة المملوءة ولو نسبيا لتوزيع كتابه. وفي الإجباري لا يتورع الأستاذ عن ~~توزيع ms041 الكتاب المقرر. ويبقى الحال هكذا لمدة سنتين عليها 60٪ من درجة الماجستير أو ~~الدكتوراه، ثم يكتب رسالة صغيرة عليها 40٪ معظمها معلومات منقولة من الإنترنت. # خرجت من السنة الأولى خاوي الوفاض، لم أتعلم شيئا. وفي السنة الثانية نظرا لغياب ~~زكي نجيب محمود في أمريكا درس نيابة عنه مصطفى سويف المنطق. ولما كان أستاذا لعلم ~~النفس وليس المنطق إلا أنه اختار موضوعا ~~هزني لغويا وهو «المفاهيم العلمية وضرورة الدقة في استخدامها» مثل الفرق بين التقدم ~~والتطور، وكان يرتجل. كان جادا عبوسا لدرجة أن أحدا لا يستطيع أن يمزح معه، وكان يمشي ~~في الطرقات مستكبرا مع أنه لم يكن قد أخذ الدكتوراه بعد. وقد توفي منذ عامين، وحضر ~~العزاء كثير من طلابه ومريديه. وهو الذي بنى أكاديمية الفنون، وقام باختبارات نفسية ~~للقبول، وهو مؤسس علم النفس الاجتماعي. أما درس الفلسفة الإسلامية فكان يلقيه علينا - ~~وهو جالس - أحمد فؤاد الأهواني، وهو درس تقليدي في الفلسفة الإسلامية، يركز على ~~الفلسفة بالمعنى الدقيق، الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. كان ضاحكا مبتسما ~~اجتماعيا «ابن نكتة»، ولكنه لم يثر في ذهني أي مشكلات، ولا ربط بين الماضي والحاضر. ~~كان قريبا لعيسى البابي الحلبي صاحب المكتبة الشهيرة بالأزهر، يمده بالنصوص التقليدية، ~~وقريبا من الأب جورج قنواتي، وهو من نفس الروح، وهي روح يوسف كرم التي كتب بها «تاريخ ~~الفلسفة اليونانية»، و«تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط»، و«تاريخ الفلسفة الحديثة»، روح ~~جيلسون؛ فالفلسفة عمل الفلاسفة، ولكل فيلسوف منهج، مع أن جيلسون قد تجاوز هذا المنهج ~~بكتاب «روح الفلسفة في العصر الوسيط»، ولم تكن هناك فلسفة مسيحية أو يهودية، ولم تؤثر ~~في أحد من أساتذة الفلسفة تأثيرا كبيرا، وهي نظرة استشراقية للفلسفة الإسلامية. كانت ~~روحه أقرب إلى وزارة التربية والتعليم؛ فقد كانت رسالته للدكتوراه «التعليم عند القابسي» ~~بين التعليم والتراث الإسلامي. # وكنت طالب قسم امتياز، وهو القسم الذي يدخله الطلبة الحاصلون على جيد جدا أو أكثر في ~~السنة الثانية، ويأخذون فيه مادة زائدة، ويكتبون بحثا، وكان لا يتجاوز عددهم طالبين، ~~وأحيانا لا ms042 أحد. فإذا حافظ عليه الطالب بعد الحصول عليه في السنوات الثالثة والرابعة ~~يعد الماجستير مباشرة دون سنة تمهيدية، ويكون مرشحا كي يكون معيدا بالقسم، وهو ~~شيء مهيب كالضابط في الجيش أو الشرطة، وهو مثل أمين الشرطة اليوم. # وفي السنة الثالثة بدأت اليقظة الفلسفية مع عثمان أمين الذي كان يعشق الفلسفة ويعيشها، ~~وكان يبتسم ويريد أن يوصل الفلسفة للطلاب بسهولة ويسر. كان حبيبه ديكارت، وترجم له ~~«التأملات في الفلسفة الأولى»، وكان «مقال في المنهج» قد ترجم من قبل، وكذلك «مبادئ ~~الفلسفة»، وكان يطيل في شرح النصوص، ويطبقها على الواقع العربي، وهو ما كان يسميه ~~«بين قوسين»؛ أي خارج الموضوع، بينما هو في صلب الموضوع. وفي الفصل الدراسي الثاني كان ~~يدرس كانط، ويطيل النظر، ويشرح ويضرب الأمثلة في معنى «الترنسندنتال» في مقابل ~~«الترنسدنت». وهو ما سماه فيما بعد في فلسفته الخاصة «الجوانية» في مقابل ~~«البرانية»، العقلي في مقابل الحسي، القلب في مقابل العقل، الباطن في مقابل الظاهر. كان ~~يركز على «نقد العقل الخالص» لكانط وبدرجة أقل على «نقد العقل العملي» باعتبار أنه ~~موضوع علم الأخلاق، ولا يذكر تقريبا. و«نقد ملكة الحكم» عن الحكم الغائي والحكم الجمالي ~~باعتبار أن ذلك موضوع علم الجمال في السنة الرابعة. وبعض الدارسين يرجعني إلى الظاهريات ~~أصلا ومرجعا خارجيا، مع أنه من الأسهل إرجاعي إلى الجوانية كإطار مرجعي داخلي. كانت ~~كلماته تدخل في قلبي مباشرة، فتوقظه، وتزيد من حرارته، وهو أحد معاني «ذكريات» إهداء ~~الكتاب. وما زالت ذكرياتي معه هي الذكريات، ليس فقط في المدرج الجامعي بل في ساحات ~~الحسين حتى الفجر، ونحن نطلب منه أن يتصل بزوجته الفرنسية كي تطمئن عليه، وهو يقول: لو ~~اتصلت بها لقلقت؛ فالأفضل ألا أتصل حتى تطمئن. ولا غرابة في أنها تركته وأخذت ~~أولاده، وعادت إلى فرنسا، موطنها الأصلي، واعتنت به شقيقته، ولكن شتان بين الزوجة ~~الأقرب إلى القلب والشقيقة الأقرب إلى العقل. وعندما كنت أزوره في الفيلا التي يقطن فيها ~~في ميدان أعضاء هيئة التدريس بالدقي كنا نتسامر حتى الصباح. زوجته ms043 تعرف عادته فتنام ~~وابنه، أما الشقيقة فكانت تذكره دائما بأن الوقت قد تأخر فيقول لي: «سيبك منها.» ~~وعلمت بعد ذلك أنها كانت تريد السيطرة عليه عندما زرته عام 1960م أثناء زيارتي ~~للقاهرة آتيا من باريس وأهديته «نقد العقل الجدلي» لجان بول ~~سارتر الذي صدر حديثا. وبقيت ترجماته ~~لتأملات ديكارت آية في الإبداع والجمال اللغوي. كان يعرف قدره، يجمع بين الفلسفة ~~والحياة، بين علمه وذكرياته. كان يعظم محمد عبده أكثر من اللازم، وهو موضوع رسالته ~~للدكتوراه في باريس، وأنا أنقده لأنه يعتبر أن العقل في حاجة إلى وصي وهو النبي كما ~~يصرح بذلك في «رسالة التوحيد»، وكنت قد كتبت على السبورة مرة: «أحب محمد عبده ولكن ~~حبي للحق أعظم.» وهي العبارة الشهيرة التي قالها أرسطو عن أستاذه أفلاطون. وكنت وما ~~زلت أقرب إلى الأفغاني الثوري أستاذه والذي كان يمسك بتلابيبه ويقول له: «والله إنك ~~لمثبط.» ومع ذلك كان بالنسبة لمشايخ الأزهر من يغرد خارج السرب. # وأخيرا أتى زكريا إبراهيم، وكان قد عاد من فرنسا عام 1955م مشبعا بروح الظاهريات ~~والفلسفة الوجودية. ولما سألناه من الذي أثر فيه وهو في فرنسا كتب على السبورة السوداء: ~~هيدجر، ياسبرز، مارسل. وكنت أسمع عن هوسرل والقصد المتبادل، وعندما يخرج أنظر من النافذة ~~وأشعر بهذا الإيحاء المتبادل بيني وبين الطلبة في الفناء. سمعت عن التجربة المشتركة ~~لأول مرة منه. وكان لا يقرأ من ورق أو يقرر كتابا مع أن له - فيما بعد - عدة ~~مؤلفات عن مشكلات فلسفية مثل مشكلة الفلسفة، مشكلة الحب، بأسلوب سهل شعبي لدارسي ~~ومحبي الفلسفة على السواء. أحبه الطلبة، وكان منزله في مصر الجديدة مفتوحا لهم ~~جميعا. ولم ينس الفلسفة الإسلامية؛ فكتب عن البيروني وآخرين. وكان هو الفيلسوف بعد ~~عثمان أمين، تمت إعارته إلى جامعة الخرطوم، فرع جامعة القاهرة وإلى الأردن حيث كتبت ~~عنه عدة رسائل، وإلى المغرب مثل نجيب بلدي وحبيب الشاروني. لم يعش طويلا، ولو عاش لكان ~~أثره في مصر والوطن العربي أكبر، وأشد وأعمق كما حدث معي. # وبقدر ما كنت ms044 فرحا في السنة الرابعة بدراسة الفلسفة المعاصرة مع زكريا إبراهيم ~~حدثت عدة أحداث قاسية. أعطانا يوسف مراد درسا في «علم النفس الصناعي»، وكيفية استعمال ~~علم النفس في إدارة المصانع، فاعترضت على المقرر، وأنه استخدام العلم لخدمة المجتمع ~~الرأسمالي، وقياس قدرات العمال لاختيار أحسن عامل لأحسن آلة. وأتانا سؤال آخر العام في ~~الموضوع، وأجبت بنفس الطريقة فعرف ورقتي وأعطاني 12 / 20. وكان لا يوجد أستاذ لعلم ~~الجمال، وكلف الأهواني بتدريسه، وكان السؤال: كيف تختار رابطة العنق؟ وكنت ثائرا على ~~هذا النوع من علم الجمال؛ فقد كنت أنتظر علم الجمال عند هيجل وكانط، فعرف ورقتي وأعطاني ~~12 / 20. وكان عثمان أمين يدرس محمد عبده في الفلسفة المعاصرة، وكنت ناقدا لحركة ~~الإصلاح بأنها لم تطور نفسها، وأن محمد عبده ~~ليس عقلانيا كما يقال لأن العقل يحتاج إلى وحي ومعه النبي. ولما كان محمد عبده إلها، ~~وبالنسبة لي يمكن تحويل الإصلاح إلى ثورة، فعرف ورقتي وأعطاني أيضا 12 / 20. وبدلا من ~~أخذ 18 / 20 في ثلاث مواد خسرت 18 درجة في السنة الرابعة. وبدلا من أن أنجح بامتياز ~~في السنة الرابعة وأكون طالب امتياز نجحت بدرجة جيد. وكان لدي ست عشرة درجة وفرا في ~~المواد الأخرى أضيفت إلى الناقص فبقيت درجتان تبيح لجان التعويض منحها. وكان ~~الأول في السنة الرابعة هو أخي وصديقي رشدي راشد الذي أصبح عالما كبيرا في تاريخ ~~الرياضيات، ونال العديد من الجوائز العربية، وهو الآن باحث بمركز البحوث العلمية في فرنسا ~~قبل أن يحال إلى المعاش، أتمنى له الصحة وطول العمر والبقاء. وقبل أن تعلن النتيجة ~~النهائية قابلني رئيس القسم يوسف مراد وهو قبطي مصري على السلم الرئيسي وأنا صاعد ~~وهو نازل: أين ستذهب يا حسن بعد التخرج؟ قلت: سأطلب تعييني معيدا بالقسم، ثم أعاد ~~السؤال: في أي موضوع؟ قلت: أحول الإسلام إلى منهج عام للفرد والجماعة. فسأل لماذا؟ ~~قلت لأصلح به حال الأمة، وأنهض من شأنها، وهو مشروع ~~الأفغاني ولكن على المستوى الفكري أولا. فرد قائلا: «كده، طيب.» لا أتهم أحدا ~~بالطائفية ms045 ولكني سمعت - فيما بعد - أنه أقيل من الجامعة محالا إلى المعاش بتهمة ~~تغيير نتيجة أحد الطلاب المسيحيين؛ فأعطاه درجات أعلى من طالب مسلم كي ينجح بتفوق، ~~وهذه تهمة أخلاقية أشنع ما يتهم بها الأستاذ الجامعي. # كما حدثت لي صدمة كبيرة في حرية الفكر في الجامعة، وهي الصدمة الثانية. كانت في امتحان ~~اللغة الألمانية التي كانت مقررة علي في آخر سنتين باعتباري طالب امتياز يأخذ ~~لغة أخرى ومادة زيادة. كان مقررا أن آخذها مع الدراسات العليا في قسم التاريخ بينما ~~وضعتنا إدارة الامتحانات بالكلية مع قسم اللغة العربية. وفي الامتحان وجدت الأسئلة ~~مختلفة، فطلب مني المراقب، وكان قبطيا من حرس الجامعة، أن أكتب طلبا للعميد أشرح فيه ~~الموقف. وبالفعل أخذت اكتب طلبا للعميد وبدأ بعبارة «الأخ الفاضل» عميد كلية الآداب، ~~فانتزع مني المراقب الورقة معترضا: هل يكتب لعميد الكلية بأنه الأخ الفاضل، وليس ~~السيد العميد؟ فقلت له: «إن البشر جميعا إخوة لا سائد فيهم ولا مسود.» ويبدو أنه أراد ~~إخراجي من القاعة فلمس قلم الحبر ذراعه وترك أثر الحبر فيه، وحولني إلى العميد، ~~وكان هو يحيى الخشاب (زوج سهير القلماوي)، فحولني إلى رئيس الجامعة بتهمة «قلة ~~الأدب»، الذي كون مجلس تأديب من خمسة أساتذة من ضمنهم أساتذة حقوق طبقا للقانون. وسألني ~~أحد أعضاء اللجنة: هل العميد أخوك؟ فأجبت بحديث الرسول نعم «وأنا شهيد على أن عباد الله ~~إخوان.» ثم سأل: هل تعتقد ذلك قولا وعملا، فكرا وسلوكا؟ فأجبت نعم، أنا لا فرق عندي ~~بين رئيس الجمهورية وجامع القمامة في الشارع؛ فكلاهما يؤدي وظيفة طبقا لتقسيم العمل في ~~المجتمع. فسأل: هل ستبقى على هذا الاعتقاد طول العمر؟ قلت نعم. وأنا الآن في طريقي إلى ~~فرنسا لإتمام دراسة الماجستير والدكتوراه، فطالبوني بالقيام مع التوفيق والنجاح بالموافقة. ~~وعلى هذا الأساس أخذت الورقة البيضاء وهي تعادل تأشيرة الخروج. وبعد عدة استطلاعات ~~وجدت أن أرخص طريقة للذهاب إلى فرنسا هي المركب من الإسكندرية على ظهرها 588222. وكان ~~ثمنها اثني عشر جنيها استطعت توفيرها. وكان معي في ذلك ms046 الوقت بهاء طاهر بقسم التاريخ، ~~والسيسي عازف البيانو من قسم اللغة الإنجليزية، وعبد الجليل حسن الذراع اليمنى لتأسيس مجلة ~~«الكاتب»، وكان في قلبه «اليسار الإسلامي»، والذي غادر ~~إلى ليبيا، وربما هو الذي كتب «النظرية ~~الثالثة» بأجزائها الثلاثة للقذافي - وهو تلميذ ~~عبد الناصر - قبل أن يستبد ويتجبر فيعود عبد الجليل إلى القاهرة، ويموت في وطنه. وقد ~~سبقني بدفعة نبيل زكي الكاتب الصحفي بجريدة الأهالي، وجاء بعدي حلمي النمنم الكاتب الصحفي ~~الذي أصبح وزيرا للثقافة، ومكرم محمد أحمد الصحفي الشهير ونقيب الصحفيين السابق، وطه ~~حنفي المليجي الذي كان مدرسا للغة الفرنسية في وزارة التربية والتعليم ثم أصبح موجها ~~عاما لها. جاء لزيارتي بالكلية مرة وأنا أمين اللجنة العامة لترقيات الأساتذة والأساتذة ~~المساعدين برئاسة الجوهري، وكنا ندرس موضوعا هاما لا أستطيع أن أترك الجلسة، وما إن ~~انتهت الجلسة وخرجت وجدته قد غادر. خطئي أنني لم أطلب منه الانتظار في الغرفة ~~المجاورة للعميد، ولم أخرج لتحيته أولا وسط الجلسة، وحزنت حزنا شديدا لأنني لم ~~أره منذ أن غادرت إلى فرنسا. يبدو أنه شعر بالإهانة لأني لم أخرج على التو. وقرأت ~~نعيه في الأهرام بعد شهر. يبدو أن التاريخ كان يريد أن يجمعنا من جديد، ولكن الإرادة ~~البشرية عاقت دون ذلك. وكان أقرب الأصدقاء إلي في الجامعة في سنوات الدراسة الأربع. ~~ونظر إلى عيني مرة وأنا في المسجد قبل السفر إلى فرنسا وقال لي: «عيناك تبرقان.» ~~وربما كان ذلك من الحزن لما حدث في الجامعة، والفرح للسفر إلى فرنسا. أما أحمد ~~الكاشف فقد بدأ بهيئة التحرير وانتهى إلى سكرتير محافظ القاهرة. ذهبت إليه مرة لأحل ~~بعض مشاكل رخصة بناء بيتي العربي. بعد أن امتلأت شقتي بشارع الحجاز، وملأت الحوائط ~~رفوفا لاستيعاب الكتب، بنيت منزلا عربيا بمدينة نصر الفارغة في ذلك الوقت؛ بناه نجل ~~شقيقتي علية، وهو المهندس محمد عبد المحسن بعد أن جربت مهندسين ومقاولين آخرين؛ ~~منهم من استولى على كتابي عن المدينة العربية ولم يرجعه. وكنت قد اشتريت الأرض من ~~مفتشة في وزارة التعليم ms047 التي كانت تمتلك الأرض وتقسمها على موظفيها بستين قرشا ~~للمتر، واشتريتها أنا حسب إعلان الجريدة بقيمة 180 جنيها للمتر، وكانت تريد المبلغ ~~فوريا ونقدا، فأخذت المبلغ، وظلت هي وأختها يعدون هذا المبلغ الكبير في الحجر ~~وأنا أريدهم أن يقوموا بذلك في المنزل، ثم طمعت في المبلغ والأرض معا، وذهبت إلى كل ~~الهيئات الحكومية لإبطال العقد: المياه، الكهرباء، رصف الطرق، تنظيف الأرض. ولما ظلت ~~تماطل رفعت عليها قضية، فكسبتها، وجعلت الدور الأرضي (البدروم) كله لتنظيم ~~مكتبتي في دواليب جديدة، وأضيف إليها قسم من الدور الأول وبينهما سلم خشبي داخلي. وفي ~~هذا القسم العلوي وضعت الفكر العربي والإسلامي المعاصر؛ مصر، والوطن العربي والعالم ~~الإسلامي، ثم في الجانب الآخر العلوم الإسلامية؛ أصول الدين، وأصول الفقه، وعلوم الحكمة. ~~ولم يبق مكان لعلوم التصوف فنزلت إلى الطابق السفلي، وفيه الفلسفة الحديثة والمعاصرة ~~ابتداء من الفلسفة اليونانية ثم العصور الوسطى، المسيحية واليهودية ثم الإصلاح الديني، ثم ~~عصر النهضة؛ القرن السابع عشر، ثم القرن الثامن عشر، ثم القرن التاسع عشر الذي استغرق ~~جناحا بأكمله، ثم القرن العشرين؛ منهم من قضى نحبه، ومنهم ما زال حيا، ومكتبي وسط هذا ~~التاريخ للفلسفة. وفي طرقة أخرى فلسفة الدين بداية بالاستشراق، ثم الفكر الشرقي القديم ~~ثم المسيحية. وفي آخر الطرقة العلوم الإنسانية؛ علم النفس، وعلم الاجتماع، وما تبقى من ~~العلوم الفلسفية؛ المنطق، وفلسفة العلوم، والفلسفة العامة، وعلم الجمال. وفي الطرقة ~~الأخيرة التي يجلس فيها مساعدي الأول توجد العلوم السياسية والاقتصادية، ومصر والوطن ~~العربي وأمريكا؛ حيث كنت أزمع الكتابة عنها «أمريكا، الحقيقة والأسطورة»، ثم فلسطين ~~وإسرائيل، ثم تأتي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأخيرا بجوار الحديقة الأدب؛ الرواية، ~~والقصة، والشعر، ثم النقد الأدبي. ومنذ عدة سنوات عندما بدأ العمود الفقري يضعف وتغيير ~~بعض مفصلات الفخذ خصصت غرفة بدور السكن، الدور الأول، للبقاء بجوار الأسرة، ولأنني ~~لم أعد قادرا على نزول السلم الخشبي الداخلي أو صعوده. ولما أوشكت أجزاء «التراث ~~والتجديد» على الاكتمال، ولم يبق إلا الجزء الأخير، «الجبهة الثالثة» «النص والواقع»، ~~التفسير الموضوعي ms048 للقرآن الكريم الذي أكتبه في الغرفة المأخوذة من شقة السكن، وبعد ~~إلقاء الأساس الأسمنتي وشرعت في بناء الدور الأول رفض مهندس الحي إعطائي التصريح ~~لأنني بعد أن رخصت الأساس كان يجب أن أرخص الأدوار فوقه، «إلا إذا» ولم أفهم. وأنا لم ~~أكن قد بدأت إلا في البدروم حسب نصيحة المقاول، فجاء معي اثنان للموقع للتحقق من صحة ~~أنني لم أبن بعد الدور الأول، فطلب مساعده أن يدخل دورة المياه، فأشرت عليه في ~~المنزل المقابل، ووقف ينتظرني، يشير بيديه، كما فعل حسن يوسف مع نادية لطفي في فيلم ~~الخطايا؛ لأنه يريد أن يأخذ منها موعدا للقاء حبيبها عبد الحليم حافظ نظرا لاعتراض الأب ~~الذي رباه وليس أنجبه، فلم أفهم ماذا يريد. فهمت بعد ذلك أنه كان يريد رشوة للإمضاء، ~~فلما لم أفعل رفض إعطاء الترخيص. ورفعت الأمر إلى القضاء مرة ثانية. فكسبت القضية ~~وخسر. أما موظفة الحي فقد طلبت مني أن أسعى في منحة من معهد الخدمة الاجتماعية ~~لابنتها، وكنت على صلة بأساتذتها، فسعيت ونجحت، ولم تفعل شيئا، كما أشار مهندس الحي ~~الذي بيده الموافقة من عدمها إلى مفتاح عربته وهزه؛ مما يعني أنه في حاجة إلى تكاليف ~~الطريق من منزله إلى الحي، فلم أفهم الإشارة، ولم يرخص البناء. # وكان معنا كامل يوسف سلامة من كلية الحقوق. وفي الصيف كنا نجلس على المقهى للعب الطاولة، ~~وبمشروب واحد (حاجة ساقعة). نجلس طول المساء نتحدث عما سنفعل بعد التخرج. كامل كانت له ~~رؤية واضحة في أن يصبح وكيل نيابة، وكان هذا اللقب في جيلنا له هيبة كبيرة. وبينت ~~أنا أنني سأصبح معيدا لتكملة الدراسات العليا في الداخل أو في الخارج. وطه لم يكن له ~~رؤية واضحة؛ فالأمر يتوقف على مجموع درجاته حتى التخرج. وقد سكنت الدور الأول ~~ومكتبتي في البدروم، وأبنائي فوقي، لكل دور. وبعد أن اكتمل بناء البيت العربي وانتقلت ~~إليه عام 1994م، كتبت على الحائط في البدروم «المكتبة الفلسفية المتخصصة». وفي يوم من ~~الأيام جاءتني مصلحة الضرائب كي تعرف كم مكسبي ms049 في اليوم منها، فشرحت لها أنها خدمة عامة، ~~فطلبوا إزاحة العنوان، كما أتى مندوب الضرائب العقارية الآن كي يبلغني كذبا، مع أنه ~~بذقن واطمأننت إليه، أنه هناك لجنة أتت وقررت ضرائب ألفين وخمسمائة جنيه على كل ~~ساكن، وعلى البدروم الذي به مكتبتي اثني ~~عشر ألفا ونصف جنيه باعتبارها مخزنا، فاستغربت لأن السكن ليس عليه ضرائب عقارية، ~~ومكتبتي أين أضعها بعد أن اتسعت على مدى ستين عاما؟ فأخبرني أن الموضوع في «حاجة إلى ~~فلوس» وفرك إصبعيه، أدفع له النصف والباقي بعد الطعن. ثم جاء مرة ثانية يطلب صراحة ~~الفلوس فطردته من المنزل صائحا «لعن الله الراشي والمرتشي.» وأبلغته أن الأمر في يد ~~المحامي الآن وأعطيته اسمه ورقم تليفونه. فخرج منكس الرأس أن الحيلة لم تنفع بعد أن ~~ظن أنني ميسور الحال وأن مكتبات الجامعة ليس بها مثل مكتبتي. ولم يلق اهتماما إلى أن ~~مصاريف الموظفين عندي؛ الممرض، وربة المنزل، واثنين من السكرتارية، والبواب، تبلغ ~~اثني عشر ألف جنيه ومعاش أربعة آلاف جنيه، غير تكاليف الأدوية والأطباء والحياة اليومية ~~وأنا عاجز لا أتحرك إلا على كرسي متحرك. # وفي يوليو 1956م سنة التخرج، ونحن جالسون في شقتنا بباب الشعرية، وكانت غرفة الصبيان ~~تطل على السطح الداخلي الذي هو سقف مخازن السحار، وكنا ثلاثة: أنا وأخي سيد وصديق ~~العمر محمد وهبي عبد العزيز، إذ سمعنا خطاب عبد الناصر في تأميم قناة السويس، فقفزنا من ~~الفرح، وظل بعضنا يقذف بعضا بالمخدات، ومن يومها أصبحنا ناصريين، ونسينا الخلاف بين ~~الثورة والإخوان. وبدأت المؤتمرات؛ مؤتمر لندن وعلي صبري ممثلا للثورة، ولم تنجح مفاوضات ~~القناة؛ فلا حلول وسط بين ملكية فرنسا وإنجلترا لها، وملكية مصر وهي على أرضها. وبدأت ~~تلوح في الأفق بوادر الحرب. # كانت المرحلة الجامعية هي مرحلة الانفتاح على العالم، ورؤية عدة طرق فأيهما أختار، مرحلة ~~الضوء الجلي والمطلوب سلوك أي طريق فيه، وهي مرحلة اختيار أي الإمكانيات أنا مدفوع ~~إليها؟ لم يكن عندي اختيار حر، بل كنت مدفوعا بمصير تحدد من قبل، من البداية إلى ms050 ~~النهاية. لم أكن شقيا بل كنت سعيدا لأن الطريق واضح وما علي سوى السلوك فيه. # الفصل الثالث # | السفر إلى فرنسا (1956-1966م) # عشر سنوات في فرنسا غيرتني كلية، وعمقت تجربتي العلمية والحياتية. كان الإصرار ~~على السفر إلى فرنسا دون بعثة أو تكاليف خاصة يحزن الأسرة كلها، وبالأخص الوالدة، كيف ~~سأعيش؟ ومتى سأرجع؟ وأنا أعد عدة السفر ملأت حقيبة كبرى بكتب السنة، وفي ~~حقيبة أخرى مذكراتي التي كنت قد بدأت كتابتها في الصلة بين الفكر والواقع، وأحلامي ~~التي كنت أدونها بمجرد الاستيقاظ. كتب السنة اشتراها لي أخي سيد حتى قبل أن يعين ~~معيدا، واكتفى بالباحث قبل المعيد بعشرين جنيها؛ فمعاش أبي الخمسة جنيهات كانت لا ~~تكفي حتى لإعاشة الأسرة، وكان هناك جوال به خبز جاف وعلبة جنبة صفراء من المعونة ~~الأمريكية. حاولت الأسرة إقناعي بكل الطرق بعدم السفر، وكان هناك طالب أعرف أسرته ~~بدرب البزازرة بجواري اسمه عبد الحليم، وكان بدينا مثل أمه، وكان عقله كذلك، وأبوه ضعيف ~~الشخصية مقارنة بأمه، وكان يأتيني بين الحين والآخر لأشرح له كل مادة عن طريق وضع ~~نسق له لمذاكرتها، أوحوا إلى أمه لمنعي من السفر، فأخذت الحقيبتين والجوال، ~~وأصررت على السفر. وطلب مجمع التحرير أن يأتي الوالد شخصيا ويوقع أمام ~~الموظف المسئول على موافقته على السفر، ~~فذهب الوالد سعيدا حتى أعلم أنه ما زالت السلطة بيديه؛ فهو رب الأسرة مهما عاق الابن ~~الجامعي المتعلم. وذهب معي إلى ميناء الإسكندرية أخي سيد والوالد قبل السفر بيوم. وكان ~~لنا قريب للأسرة ترزي عربي بالمنشية، وهو أخ جدي حسانين تاجر الدقيق ببني سويف؛ فقد كان ~~النزوح دائما من الجنوب إلى الشمال، كما يتم النزوح الآن من الشرق إلى السعودية والخليج أو ~~إلى الغرب ليبيا أو إلى الشمال والأردن، وكما ينزح الإخوة السودانيون والأفارقة من الجنوب ~~إلى الشمال، وكما ينزح كل العرب الآن إلى الشمال، أوروبا بحرا، وكان له ولد في شبه ~~سني أو أصغر، وكان اسمه رشاد، دخل قلبي من أول لحظة، كان طيبا خجولا مثلي، وكنا ~~نسير ms051 إلى الميناء وارتبطنا بصداقة نادرة وأنا على وشك المغادرة. ولما أخبرني أخي سيد ~~أنه على صلة بهم كما كان على صلة بباقي أقاربنا ببني سويف، أعطتني زوجة أخي رقم تليفون ~~وعنوان شركته «أولاد المصري» لمواد البناء عرفت أنني سأستعيد صداقة رشاد والأقارب، ~~فاتصلت فرحب بي وسألت عن أفراد الأسرة فتوفي معظمهم، وسألته عن المواد التي تقاوم ~~رطوبة أكبر فقال بخشونة: «معرفش.» ظانا أنني سأستخدمه مجانا بعد أن صرح لي أنه ~~هو الذي جهز شقة أخي على البحر وأنه تغذى معه، فحزنت. # كانت الأسرة ترى المركب تغادر وأنا أرى الرصيف وعليه الأسرة. وغادرت السفينة يوم ~~11 / 10 / 1956م وهي تبعد شيئا فشيئا، ووصلت مارسيليا. وكانت الوالدة تريد أن ترمي ~~نفسها في البحر لحاقا بابنها، ولكن منعوها. وفي الليل وبعد التوصية كانت توضع لي ملاية ~~على كنب المطعم لأنام، وكنا نطعم مما تبقى من موائد الأغنياء. وفي الليل أرى النجوم ~~في السماء وهي تتقلب يمينا ويسارا طبقا لحركة المركب. ولما كانت المركب يونانية ~~فإنها تبقى أربعا وعشرين ساعة في ميناء بيريه في أثينا ، يلتقي فيها البحارة مع ~~أسرهم، وينزل من يريد، فنزلت بعدما رأيت شيئا كسائح، الأكربولوس، وسجن سقراط، ورأيت ~~أثينا الحديثة وميدان الشهيد الذي به البرلمان. وكانت منظمة أيوكا تعمل من أجل استقلال ~~قبرص، وكانت جزءا من نضال العالم الثالث، وكنا نهتف باسمها باعتبارنا طلبة ~~وطنيين. # وفي اليوم الثاني مرت السفينة من مضيق مسينا الذي كنت أقرأ عنه في الجغرافيا في ~~الثانوية. وكان همي الوصول من مرسيليا إلى باريس، وتعرفت على فرنسية كبيرة في السن ~~وأقرضتني مائة فرنك، ما قيمته عشرة جنيهات، ثمن تذكرة القطار من مارسيليا إلى باريس. ~~ولما تأخرت عليها في السداد هددتني في خطاب بأنها ستشكوني إلى رئيس جامعة باريس. ~~ورددت إليها ما اقترضته منها في أول دخل لي من تدريس اللغة العربية للإخوة ~~الجزائريين. # ولما وصل القطار محطة باريس نزلت منه وأنا لا أدري أين أذهب. وقابلني أحد الفرنسيين ~~وسألني إن كنت أريد سكنا، فوافقت، وأخذني معه ms052 إلى منزله، غرفة صغيرة يؤجرها كي ~~يعيش منها. وأعطاني هذه الليلة طبق شربة ساخن حتى أستمر في السكن معه ومع زوجته العجوز ~~مثله. وبدأ الهوام يهرشني؛ فالملابس ما زالت في الحقيبة لم أغيرها منذ أن غادرت ~~القاهرة. ودفعت له ليلة وطلبت الانتظار للباقي حتى تستقر أموري في الجامعة. وما زلت ~~أذكر الحساء الساخن في الليلة الباردة. # وكانت القضية الثانية أين سأقضي الليلة، فذهبت إلى بواب السفارة المصرية في الحي ~~السادس عشر؛ فهو لن يرفض أن أسكن معه عدة ليالي حتى أجد مسكنا لي. وأخبرني أنه ممنوع ~~لأن بواب السفارة موظف في الخارجية، ولا يجوز استضافة أحد عند بواب السفارة. وهناك بيت ~~السفير المجاور المكون من عدة غرف، ولكن سيكون نفس الرد، فاستغربت، ألا يقبل بواب ~~السفارة طالبا سيغير العالم بأفكاره، وهو مشروع «التراث والتجديد». فذهبت إلى مسجد باريس ~~كي أقيم فيه على عادة الطلاب القدامى، فأخبرني الإمام أنه ممنوع؛ فهو مستخدم للصلاة ~~فقط، وسلمني إلى أحد الجزائريين كي أنام معه، وكانت غرفة في فندق في الحي العشرين ~~الذي يقطنه العمال الجزائريون ، ستة على سرير واحد. وطلبوا مني أن أعطيهم دروسا في ~~اللغة العربية؛ فقد كانت فرنسا تريد فرنستهم، استعمار اللغة بعد استعمار الأرض. وكنت ~~أشرب فنجانا من القهوة كل صباح حتى لا يشعر صاحب الفندق أنه لا يستفيد مني شيئا ببقائي ~~مع الإخوة الجزائريين. وكان في وجه أحدهم حب الشباب يهرشها طوال الوقت، وتواعدنا ~~مرة في محطة لوكسمبورج، وفجأة رأيته قبل الموعد بيوم، وأخبرني أنه ظن أنني قد آتي اليوم؛ ~~أي قبل الموعد بيوم؛ فالزمن ليس له مسار، الأمس واليوم والغد يتساوون. # وكنت قبل المغادرة من مصر، أعطاني أحمد ~~فؤاد الأهواني خطابا لأحد تلاميذه في باريس يوصيه مخ بي خيرا، فذهبت إليه وأعطيته ~~الرسالة، فكتب هو رسالة إلى مدام رامبارك مديرة مكتب البعثات التعليمية الفرنسية بالسفارة ~~المصرية بباريس. ولما قرأت الخطاب وضعته على مكتبها مستغربة أنها لا تملك أي ~~سلطة في ذلك، هي فقط مديرة إدارية تنفيذية لما يأتي إليها ms053 من تعليمات من إدارة البعثات ~~في مصر. وأدركت ما أسهل الكلام الشفهي أو المدون وما أصعب الأفعال، فأحسست بالحرج ~~أمامها وهي تقول لي إنها لا تستطيع فعل شيء. وقد كنت أضع أملا كبيرا فيها وفي خطاب ~~التوصية الذي كنت أخشى أن يضيع ويضيع معه مستقبلي. # وفي الطريق إلى السفارة أوقفني شرطي طالبا أوراقي، فأخرجت له جواز السفر فنظر إلي ~~مستغربا وهو يقول: ولكن وجهك الآن «معضم» أو بتعبيرنا الشعبي «مقفع» أو «مفقع». ~~فقلت له: لأني وصلت هذا الأسبوع، ولم أستقر بعد، فأرجع إلي جواز السفر ~~مستغربا، بعد أن اطمأن أنني لست من المهاجرين غير الشرعيين كما يحدث الآن. # وبعد أسبوع في 25 / 10 / 1956م وأنا ما زلت في مرحلة الاستقرار بدأ العدوان الثلاثي على ~~مصر حيث تجمعت أساطيل الدول الكبرى في البحر الأبيض المتوسط. وبالاتفاق مع إسرائيل بدأ ~~العدوان في أكتوبر، وهاجمت إسرائيل من الشرق، فاحتلت سيناء وذلك لحصار الجيش المصري بين ~~فكي الكماشة، إسرائيل في سيناء والقوات البريطانية والفرنسية في قناة السويس بدعوى تأمين ~~حرية الملاحة البحرية، وشهد الجيش تدميره. وقد طالب الشيوعيون والإخوان عبد الناصر وهم في ~~السجون بإخراجهم وتسليحهم للدفاع عن بورسعيد التي لم يكن قد تم احتلالها نظرا للمقاومة ~~الشعبية في القضاء على جنود المظلات، ففعل عبد الناصر، ثم طالبوا بإعادتهم إلى السجون من ~~جديد ففعل أيضا. وكان الشعب معه لا فرق بين إخوان ووفد وماركسيين ومصر الفتاة؛ فالكل ~~واحد لإنقاذ الوطن. وغادر معظم الطلاب الدارسين في فرنسا، بعد أن اجتمعوا في السفارة ~~المصرية بباريس لمعرفة ماذا عليهم أن يفعلوا؟ البعض قال يعود إلى مصر للدفاع عنها، فيرد ~~السفير عبد النبي مع المستشار الثقافي ثروت عكاشة: هناك من هم أقدر منكم على الدفاع. وقال ~~البعض الآخر نغادر هذه الدولة الاستعمارية، وندرس في ألمانيا. وبالفعل حزموا أمتعتهم، ~~وغادروا إلى ألمانيا. وفريق ثالث فضل استمرار الدراسة في فرنسا؛ فهذا أكبر رد فعل ~~على الدولة الفرنسية. أما أنا فلم يكن عندي إمكانيات للعودة إلى مصر ولا إلى السفر إلى ms054 ~~ألمانيا، ففضلت البقاء في فرنسا. وذهبت إلى اللوفر ورأيت آثار مصر ومسلة ~~الكونكورد في الواجهة وسط الميدان المسمى باسمها، وأنا أبكي مصر والعدوان عليها. وكنت ~~أسير في الشوارع وأنا أغني «لك يا مصر السلامة». وتذكرت تدمير الأسطول المصري غرب ~~الإسكندرية بعد حصاره من القوات البحرية الفرنسية والبريطانية في موقعة نوارين الشهيرة ~~لإسقاط محمد علي بعد أن أصبح قوة تهدد القوى الغربية، تريد تجديد روح الإمبراطورية ~~العثمانية والغرب طامع في إرث الرجل المريض؛ فالتاريخ يعيد نفسه. ولم نسترح نفسيا إلا ~~بعد أن انسحبت جيوش الدول الثلاث من مصر. البعض يقول بفضل التهديد الأمريكي بالتدخل أو ~~تهديد بولجانين، أو قرار الأمم المتحدة بإيقاف العدوان، كل طرف يريد أن يأخذ الحق في جانب ~~الانسحاب الذي تم في ديسمبر من نفس العام. والبعض الآخر يقول بفضل الإنذار الروسي. وفي كلتا ~~الحالتين يظل رنين خطب عبد الناصر في الأزهر «سنقاتل». وطالب صلاح سالم عبد الناصر ~~بتسليم نفسه لقوات الاحتلال واتهام زملائه له بالخيانة العظمى. # وكان هناك أحد الأنظمة الإسكانية للطلاب؛ ففي 15 شارع سوفلو # Souflant # في الحي اللاتيني هناك مكتب جامعي يقدم خدمة سكنية للطلاب ~~يقوم على أساس التبادل # Au Pair # سكن مجاني في مقابل ~~خدمة طلابية لأحد أطفال الأسرة، وهي غرفة فوق السطح كانت مخصصة للشغالات. ~~ولما لم يعد نظام الشغالات يتبع كل شقة سكنية قائما قدمت الأسرة غرفة السطح ~~إلى أحد الطلاب أو الطالبات. وكنت أستيقظ في الصباح الباكر وأسير من الحي العشرين حيث ~~كنت أسكن مع الجزائريين كي أكون أول من يقرأ قائمة الغرف المعطاة للطلاب في ~~مقابل التدريس لأحد أطفال الأسرة أو مقابل أجر زهيد لا يتعدى فرنكات في الشهر ~~للطلاب الفقراء. ونجحت مرة في الحصول على غرفة السطح مقابل تدريس العربية والإنجليزية ~~لطفل الأسرة. وفي يوم وأنا عائد من الجامعة وجدت غرفة السطح قد كسر بابها، ونقل ~~عفشها وكتبها إلى غرفة أخرى في فندق مع دفع ليلة واحدة! فاستغربت، وذهبت إلى صاحب ~~الشقة، فأخبرني أنهم في مصر طردوا أخاه، وكان ms055 موظفا في شركة قناة السويس، وليس من ~~المعقول أن يبقى مصري في غرفة تبعه، وأنا مصري وأخوه مطرود من مصر، مع أن الطفل فرح ~~بمدرس له مصري. وبعد الفرح بحل قضية السكن المجاني حزنت، وسألت مكتب الطلاب في ~~الجامعة ما العمل؟ فأخبروني أن هذا عمل غير قانوني، وعلي أن أرفع قضية على صاحبها في ~~قصر العدالة Palais de Justice # في الحي. وبالفعل ~~بالرغم من أنه لم يكن معي إلا أربعون فرنكا وهو ثمن القضية، كسبتها، وأخذني صاحب ~~الشقة جانبا واعتذر، وعلي بعد ذلك أن أذهب إلى المحكمة، وهذا يتوقف على مهارة ~~المحامين، عندي وعنده! وأنا ما زلت أبحث عن الطعام والسكن. وحدث ذلك في إليزيا # Alesia # بجوار دانفير ~~روشيرو # Danfere Rocherot ~~، وأسدها الذي في الميدان الذي نحته نفس المثال الذي نحت ~~أسدي كوبري قصر النيل في عصر إسماعيل. وأدركت أن الحق فوق القوة أو أن العدل فوق أهواء ~~البشر. # ومرة أخرى وجدت غرفة رخيصة في محطة رانلاج # Ranlagh # بجوار غرفة تشوين الفحم في البدروم بلا نوافذ، وكنت لا احتاج إلى تدفئة. وكانت جارتي ~~على الشارع موظفة في المترو الذي آخذ محطته كل يوم، وهي تختم لي البطاقة الأسبوعية، ولا ~~أكلمها لأني لم أكن قد تجرأت على مخاطبة النساء بعد، وأنا الإخواني القديم. ~~وفاجأتني هي بالحديث مرة: ألست جاري؟ قلت نعم، ولم أستمر في الحديث بالرغم من محاولتها ~~مع صديقة في زيارة لها إسماعي صوتها لي ليلا، ثم فقدت الأمل مع أن الأمور ميسرة. ~~كانت غرفتها بجواري بها نافذة تطل على الشارع، أجمل وأفضل عندما كنت أجد الباب مفتوحا. ~~كانت الأسرة مالكة حجرتي لطيفة وودودة، ترحب بالطلبة الأجانب، تسألني كل مرة عندما أحضر ~~لدفع الإيجار وهو أربعة جنيهات شهريا إذا كنت أحتاج شيئا أو إذا كان هناك شيء ينقصني، ~~فأشكر ربة الأسرة. ورأيت المصعد الحديدي مثل المصاعد التي في الأبنية التي على ساحل ~~الإسكندرية مثل فندق سوفيتيل أو المعهد السويدي، وكنت أحس به تدريجيا أنني في فرنسا، ~~بالإضافة إلى المترو المريح ms056 الذي يغطي كل شوارع باريس في أنفاق تحت الأرض بحديده ~~المشغول على فتحات النزول والخروج، والأبواب التي تغلق آليا إذا وصل المترو إلى الرصيف ~~ثم تفتح بعد ذلك بعد المغادرة بلا زحام أو خطورة. وأجد أحيانا على كنبات الاستراحة ~~الخشبية متشرد # Clochaet # وفي يده زجاجة النبيذ الأبيض ~~والأخرى الرغيف الفرنسي الطويل باجيت Paguette # لا يسأل ~~إلحافا. وأحيانا أجد بين الدهاليز تحت الأرض الموسيقيين يعزفون أو بعض الفنانين ~~يرسمون، وقبعته مقلوبة على الأرض بجواره، والناس تقذف فيها الفرنكات المعدنية. ~~وأحيانا أجد في هذه الدهاليز بعض الشعارات السياسية لبعض الأحزاب. وفي نفس الغرفة حاولت ~~صديقة أحد المصريين إغرائي لما عرفت أنني أيضا في الكونسرفتوار، ولكني لم أكن بعد ~~قد تعلمت مخاطبة النساء. وقالت لي مرة وهي في زيارة لي أريد أن أقضي الليل هنا، ولم ~~أفهم ما تريد كما أفهم الآن، ورجوتها الذهاب إلى سكنها الذي كان على التبادل في حي آخر ~~باعتبارها طالبة في الكونسرفاتوار. وبعد عدة سنوات ذهبت إليها في غرفتها بعد أن ~~تعلمت كيفية الخروج من ثقافتي الإخوانية الإسلامية الأولى. وفي هذه المرحلة الرومانسية ~~كنت أركب المترو من رانلاج في الحي السادس عشر، وأغير المترو إلى آخر محطة دانفير ~~روشيرو. وكان الباريسيون يتقنون فن التغيير لاختصار الوقت، فإما أن يركبوا القطار من ~~الأمام إذا كانت محطة التغيير بالقرب منه أو من الخلف إذا كانت محطة التغيير بالقرب منه. ~~وأحسنت هذا الفن، وكنت أركب عربة المترو الأخيرة لأن التغيير كان من هناك. وكانت هناك ~~فتاة فرنسية بيضاء ذات وجه جميل بالرغم من أنها قصيرة ألتقي بها كل يوم، وفي نفس المعاد، ~~وفي نفس المكان، ينظر كل منا إلى الآخر، كانت تنتظر أن تأتي المبادرة مني كالعادة، ~~ولكني لم أفعل. ولما أتت الفترة الواقعية عام 1960م تركت المكان والزمان إلى المدينة ~~الجامعية في الحي الرابع عشر، وأدرس في منزلي وآكل في مطعم المدينة الجامعية، فحزنت ~~لتأخري. وكانت ترن في أذني آية # وكان الإنسان ~~عجولا ~~. فأطمئن إلى ما فعلت. بعد ذلك وفقت ms057 في السكن في المدينة ~~الجامعية في الحي الرابع عشر في غرفة مزدوجة مع أمريكي في منزل الولايات المتحدة ~~الأمريكية، وكان بالقرب من محطة المترو بهذا الاسم، وعلى الشارع بضجته، وسألت زميلي ~~بالغرفة: كيف تنام في هذه الضجة؟ فأجاب: أنا أسكن في شيكاغو فوق محطة القطار؛ فأنا ~~متعود على ذلك. لا يوجد منزل للمصريين، بل هو نزل الطلبة الأرمن عندما كان نوبار ~~باشا الأرمني وزيرا للتعليم في مصر؛ فبناه على نفقة مصر باسم الطلبة الأرمن. وقانون ~~الإسكان في المدينة النصف من البلد الذي بنى. والنصف الآخر من باقي الجنسيات حتى يتحقق ~~الترابط العالمي، كما لا يسمح قانون الإسكان بأكثر من أربع سنوات حتى يسكن الجميع. وبعد ~~عام انتقلت إلى البيت الألماني لأني أدرس الفلسفة الألمانية؛ ولا بد أن أعيش مع الطلبة ~~الألمان كي أكسب مزيدا من المهارة في اللغة الألمانية. ومكثت في البيت الألماني ثلاث ~~سنوات (1960-1963م)، وبالفعل زادت مهارتي في الحديث باللغة الألمانية، وانتخبني الطلاب ~~رئيسا لاتحاد الطلاب الألمان. وجاءت زيارة الرئيس الألماني لوبكه # Lübke # ورحبت به باللغة الألمانية، فاستغرب! مصري رئيس لاتحاد ~~الطلبة الألمان يلقي خطابا بالألمانية ترحيبا بالرئيس الألماني! ورد عليه الدكتور ~~شتيفن # Steffen # مدير المنزل: هذه هي الديمقراطية . وفي ~~المدينة الجامعية حيث يقطن طلاب العالم كله تطورت شخصيتي وتفتحت، فانتقلت من ~~المرحلة الرومانسية إلى المرحلة الواقعية بعد عدة صدمات؛ ففي غرفة الدراسة في بيت ~~الولايات المتحدة، كانت هناك طالبة في غاية الجمال تجلس بجواري على المائدة المجاورة ~~وبيننا الباب، ينظر كل منا إلى الآخر دون حديث، وفي يوم رأيتها وقد التقطها طالب ~~مغربي، وكانت هي من فنلندا، فندمت على تأخري في التعرف عليها. بعد ذلك تعرفت على ~~أمريكية كبيرة في السن ضخمة الجثة ودعوتها إلى غرفتي في بيت ألمانيا، فقبلت ~~بسهولة. ولما دخلت الغرفة ورأت حالي المتواضع، لا عربة ولا منحة ولا سكن وبمجرد جلوسي ~~بجوارها على الكنبة قذفت بالملابس، وقررت المغادرة، فاستغربت. ومرة رأيتها ~~مصادفة بشارع راسباي # Raspail # في تقاطع بول ميش وهي تسير ~~معجبة بنفسها ms058 لعلها ترزق بصديق، فذهبت إليها وهي تعبر الشارع ودون أن أشعر ~~لكمتها، وأنا الشرقي الذي لا يطيق الهجران، فرآني أحد الفرنسيين المارين ~~الرياضيين، هرع إلي وضربني لكمة كادت أن تخرج فكي من وجهي قائلا: هكذا أنتم يا ~~أهل الشرق تضربون نساءكم، أما هنا في فرنسا فذلك جريمة كبرى، وتحاورنا نحن الثلاثة حول ~~هذا الدرس. ومرة أخرى رأيتها مع فيتنامي قصير رفيع، فسألت من هذا؟ فقالت لديه ~~موتوسيكل وسكن ومال وسنجوب فرنسا محافظة محافظة سويا، فتمنيت لها التوفيق. وكنت ~~معجبا بطالبة ألمانية أخرى ذات أنوثة أخاذة، وانتظرت هذا المصري الألماني أن ~~يبادر، فلم أفعل، فالتقطها لبناني كان أخوه معنا في المنزل، ووعدها بالزواج ثم ~~خدعها، وتركها في أثينا حيث أخذ الباخرة إلى بيروت، وعادت إلى ألمانيا كسيرة القلب، ~~لديها فكرة سيئة عن العرب الخادعين، وحزنت. وفي هذه المرحلة الرومانسية كانت تدعوني بعض ~~العائلات الفرنسية للعشاء عشما في زواج ابنتها، فكنت أذهب وآخذ الورد مما كان يكلف ~~الكثير، وعلى العشاء في الساعة السادسة تنتهي منه في العاشرة. والابنة ذهابا وإيابا إلى ~~المطبخ كما هو الحال في الأفلام المصرية تحضر صينية القهوة دون أن ترتبك. واعترفت لي ~~الوالدة مرة بأزمة الزواج في فرنسا، فإذا وضعت المال في كفة وابنتها في الكفة الأخرى ~~لشاب لاختار كفة المال، ونظل نرغي في مثل هذه الموضوعات التي تهم الأسرة ولا تهمني ~~هذا الوقت الطويل، وأصاب بالصداع، وتقول والبنت وهي تودعني إلى الباب: نرجو أن نراك ~~مرة أخرى، فأقول: إن شاء الله، آمل كذلك، ولا يرون وجهي بعد ذلك، مع أن العروس تجمع ~~بين المال والجمال. حدث ذلك أكثر من مرة، وأحتار بين قبول الدعوة إلى العشاء وما ~~يتعلق بها أو الاعتذار، وقلت في نفسي: ليتها عرفتني فتأخذ فكرة عن الشهامة العربية. ~~وتعرفت على طالبة ألمانية نشطة، كانت تريد الزواج، وهو ليس في ذهني، فتركتني إلى ~~طالب ألماني فصدمت، وبعد خمس سنوات أتت إلى باريس، فدعوتها إلى غرفتي، وانتظرت هي ~~عريس المستقبل فلم تجد إلا شابا شقيا، يفعل ms059 ما يفعله جميع الطلاب، فخرجت ولم أرها ~~بعدها؛ فلم تعلم أنني قد تغيرت، وأنني لم أعد الشاب الرومانسي القديم، ثم كتبت لي ~~بعد عودتي إلى القاهرة بعد أن قرأت عني في الصحف الألمانية، فرددت عليها بالذكريات ~~الجميلة التي انتهى عصرها. وكان مبدئي في ذلك الوقت: صادق أجنبية وتزوج مصرية، وإلا ~~فلمن تترك المصريات؟ ثم عرفت ألمانية أخرى من البيت الألماني كان يحوم حولها ~~الكثيرون، وظلت معي لمدة عام، لم تكن ذكية، عادت بعدها إلى موطنها الأصلي في ساربروكن # Saarbrücken # ثم عادت إلى باريس بعد عام لتعرف موقفي، ~~وبعد أن بينت لها أن لا موقف لي إلا العلم، قالت: يا عبيط! وعادت إلى ألمانيا، ولم ~~أرها بعد ذلك. والألمانية الأخيرة التي عرفتها وأنا في باريس ظلت معي حتى عدت إلى ~~مصر، وجاءت بعدها إلى مصر لزيارتي، وطلبت من والدتي أن أتقدم لها ووافقت والدتي، فأجابتها: ~~ولكنه لا يريد، وذهبت بمفردها إلى الأقصر وأسوان، ثم رأيتها في إحدى زياراتي إلى باريس، ~~وتصورت أنها ما زالت صديقتي، فاستغربت؛ فإن الزمن قد ولى، ثم تلقيت منها رسالة ~~أخيرة بعد أن قرأت عن فكري في إحدى الصحف الألمانية، ذاكرة إياي بالاسم بأنني أصبحت ~~من كبار مفكري الوطن العربي من خلال مشروع «التراث والتجديد». رددت عليها وشكرتها، ~~ولا أظن في العمر بقية حتى نتذكر ما مضى. وقد ازدادت معرفتي باللغة الألمانية منها على ~~مدى أربع سنوات، وزرتها في هيلدسهايم # Hildesheim ~~، ~~وتعرفت على أخيها المزارع ومربي الخنازير. زرت معها أرجاء فرنسا في الصيف وألمانيا ~~وإسبانيا، تسوق عربتها، ثم نقتسم باقي المصاريف مناصفة. وفي ليلة استيقظت على ضجة ~~في المزرعة، فأيقظتها وسألت: ما هذه الضجة؟ فقالت: مجرمون لصوص الخنازير. فقلت: ~~ولماذا لا يطاردهم أخوك؟ قالت: لأنهم مسلحون قتلة، والأفضل أن نفقد خنزيرا أو ~~اثنين على أن نفقد أخي، فتساءلت في نفسي: أين الشجاعة الألمانية؟ # وبعد أربع سنوات إقامة بالمدينة الجامعية أقمت سنتين بغرفة مزدوجة مع مبعوث مصري في ~~القانون الدستوري، وكان لديه صديقة روسية يقضي لديها عطلة نهاية ms060 الأسبوع، وأخرى فرنسية ~~التي كان يراها وسط الأسبوع والتي زارته في مصر رغبة في الزواج منه، وكانت جميلة شقراء. ~~وكانت لها صديقة فرنسية حاولت مصادقتها فلم أفلح بالرغم من جمال تسريحتها الأسبوعية؛ ~~فلم أكن أستطيع التعرف عليها ولو حتى الصداقة. وكانت له صديقة طياري ثالثة جاءته مرة ~~لزيارته. ولم يكن موجودا، فقالت وماذا أفعل الآن؟ فأجبت أنا موجود، فأجابت أيكما يقضي ~~الأمر، ويقوم بالواجب. وأدركت حاجة المرأة للجنس بصرف النظر عمن يقوم به. وكانت الصديقة ~~الروسية تود الزواج به بعد أن كان يقضي عطلة الأسبوع في منزل والديها، وتقدمه لهما ~~على أنه صديقها، ولما لم يحدث ذلك قاطعته، فحزن حزنا شديدا، ولم يفرغ حزنه ~~وهمه إلا صديقته الفرنسية. وبعد أن استنفدت جميع حقوقي كطالب في المدن الجامعية، سكنت ~~من جديد في دانفير روشيرو آخر عام في غرفة السطح، وما زال اسمي على لوحة أسماء السكان ~~للبريد؛ فالصداقة لها حقوقها مثل الزواج في بلادنا؛ فلا تجوز خيانتها. وفي السنة الأخيرة ~~تعرفت بالمصادفة على فتاة فنزويلية قصيرة سمراء ولكنها مملوءة بالحيوية، تعلو فوق ~~وجهها ابتسامة شرقية. ولما كنت من أنصار لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية دخلت ~~قلبي في التو واللحظة. دعوتها إلى غرفتي فاستجابت، وكانت على علاقة بفرنسي يبدو ~~أنه وعدها بالزواج. علمتني الحياة. كونت شخصيتي التجارب. ولا أدري إذا كنت قد ~~أحسنت. # وبالرغم من أنني تزوجت عن حب وكنت موفقا في زواجي، وكانت زوجتي موضع ثقة ~~وتملأ علي حياتي إلا أنني كنت أشعر بين الحين والآخر ببعض الضعف تجاه الجنس الآخر، ~~فأتذكر قول الرسول «إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.» عندما ~~شعر بشيء تجاه امرأة زيد ابنه المتبنى، فأسرع بالخروج. حدث ذلك لي عدة مرات ~~عندما بهرتني مخرجة مسرحية بشخصيتها وفنها بل وعقليتها في المسافر خانة، فكنت أذهب ~~للعرض المسرحي كل يوم، وأنفعل كفنان بالغناء المسرحي وأنا الموسيقي القديم، ثم ~~اكتشفت استغلالها مقدما. أتاها ضيوف أجانب فدعتني، وأخذنا العشاء على النيل، ~~وطبعا دفعت التكاليف، كانت تستغلني، ms061 فأخبرت زوجتي التي كانت تضحي بنفسها من أجلي. ~~ومرة أخرى دعتني جامعة الإمارات على العشاء في قبو فندق يسيل الماء من أعلاه، وكانت ~~بجواري فلسطينية ذات رداء بلا أكمام، أرى ذراعها الأبيض وصمتها كالملاك، وفي نفس ~~الليلة كان تلميذي قد دعاني إلى العشاء بمنزله على خروف مشوي واقف، وفاجأني بالدعوة ~~ليلتها طبقا للتقاليد، وكان ذراع الفلسطينية الأبيض الغض يجذبني أكثر من الخروف الذي لا ~~أراه. وهنا أدركت أهمية الإدراك الحسي كما لاحظ ميرلوبونتي في «ظاهريات الإدراك الحسي»، ~~فغضب مني الطالب، ولم تشعر بي الفتاة الفلسطينية. ومرة ثالثة جذبتني امرأة بيضاء ~~ضاحكة بالرغم من قصرها تعمل في الإعلام، حاولت أن أراها عدة مرات، ولكن لم يعد ~~لدي ولا لديها وقت لذلك، فأخذ الزمان ما أحضر؛ فكلما رأيت امرأة حتى لو كانت ~~شغالة أو امرأة بواب أكون لطيفا معها، أمازحها بلا أي هدف مما كان يغضب زوجتي ~~أحيانا، فأقول لها هذا هو الطابع الفرنسي، اللطيف مع النساء ومغازلة المرأة من حيث هي ~~امرأة دون أي قصد أو هدف. وعلى النقيض من ذلك كنت عندما أزور باريس أذهب إلى شارع ~~القديس دينيس # Saint Denis # وأرى النساء واقفات على ~~الصفين. شجعني أحد تلاميذي مرة فتعرفت على واحدة، وكانت عربية؛ فالدم يحن، ومرة ~~أخرى فرنسية، أدت دورها بحرفية دون عواطف أو انفعالات. وكنت أستمع إلى اللغة العامية ~~الفرنسية الشعبية فأتعلم مصطلحاتها وشتائمها إذا ضايقني أحد، مجرد فرجة بلا ~~شراء. وقد يكون الغزل بالكلام تعويضا عن العجز بالفعل. # حزنت لوضع الطالبات المصريات وحصارهن بين التقاليد القديمة ومتطلبات الحياة ~~العصرية؛ فلا هن يستطعن أن يقلدن الطالبات الغربيات وسط زميلاتهن الغربيات، ولا هن ~~يستطعن أن يقلدن زميلاتهن الغربيات وسط زميلاتهن المصريات. ومن حاولت ذلك - الصمود ~~بين القديم والجديد معا - أصيبت بمرض عقلي؛ فمع من ستقضي نهاية الأسبوع؟ لم يبق لها ~~إلا حجرتها ذات الأربع حيطان تحادث نفسها؛ فلو خرجت بمفردها وسارت في الطريق أو جلست ~~في مقهى يتقرب إليها الشباب، إن حادثت يطلبون المزيد، وإن صمتت يهجرونها إلى ms062 غيرها. ~~وقد حدث نفس الشيء للشباب أيضا الذين لا يريدون التوافق مع ضرورات العصر، كما حدث ~~لشاب عندما رأى ابنة أستاذه مرة وهو يزوره، فتصور أنه يحبها وأنها وقعت هي الأخرى ~~في حبه، وانتهى من الرسالة وناقشها وعاش أعزب، فإذا سئل: لماذا لم تتزوج؟ قال: إنه ~~ينتظرها. هل تحادثت معها أو راسلتها أو تعلم بوجودك؟! قال: لا؛ فالحبيبان يشعر كل ~~منهما بالآخر. وقد تزوجت وأنجبت، وهو ما زال أعزب، في الانتظار. # كنت آكل بمطاعم المدينة الجامعية، ويقتضي ذلك كارنيه مع صورة، وكان يقتضي شهادة نجاح، ~~مدته ثلاث سنوات يجدد مرة أخرى. ولما كنت أعد رسالة فكان ريكير يكتب شهادة بخط ~~يده أنني أعد معه رسالة، ولم تنته بعد، فأحصل على الكارنيه. وكانت تذكرة الطعام بسبعة ~~قروش ونصف، فإن كنت طالبا فقيرا أعطوني تخفيضا لتصبح التذكرة بأربعة قروش ونصف، وإن ~~كنت فقيرا جدا أعطوني تخفيضا ثانيا وتصبح التذكرة بثلاثة قروش ونصف. وكنت آكل ~~مرة واحدة في اليوم، هي وجبة الغذاء، وأذهب في نهاية الفترة التي تبدأ في الحادية عشرة ~~والنصف وتنتهي في الواحدة والنصف عندما يترك ما تبقى من طعام، يأخذ منه الطالب ما يشاء. ~~وكنت أبيع التذكرة التي كان ثمنها ثلاثة قروش ونصف على باب المطعم بسبعة قروش ونصف، وهو ~~السعر العادي، وأكسب كل يوم أربعة قروش. ومرة أحرجني طالب فرنسي قائلا: أنت تاجر ~~جيد، وهو لا يعلم أنني أفعل ذلك بدافع الفقر. ومرة رأيت طالبا يبيع تذاكر المطعم ~~بنصف الثمن، وأنا تذاكري بنصف الثمن عن طريق المشرفة الاجتماعية التي كانت ترى ملابسي، ~~فتوافق على الفور. سألته: كيف؟ فقال إن الموظف الذي يأخذ التذاكر قبل أن آخذ صينية ~~الطعام يضعها خرقا في عامود معدني طويل كي يرميها بعد ذلك، وكان لا يرميها، بل يضع قليلا ~~من الماء مكان الخرم، ثم يكويها، فتعود صالحة للاستخدام مرة ثانية، وكأنها جديدة، ~~فعرفت أن الفساد عند الأوروبيين أيضا، وليس كما نتصورهم أمناء شرفاء، ولم أشأ أن ~~أقول للطالب الذي يبيع التذاكر المستعملة كما قيل ms063 لي: «أنت تاجر ماهر.» # وكانت المطاعم نوعان: الأول مطاعم ~~عادية للأصحاء. والثاني مطاعم خاصة للمرضى الذين يحتاجون رعاية خاصة زائدة # Diedetique ~~. وكانت الأخصائية الاجتماعية هي التي ~~تقرر لأي نوع تستحق؟ وما إن تراني بوجهي المعظم حتى توافق على إعطائي بطاقة ~~المرضى. وكانت نوعان من البوفيه المفتوح: آكل كل ما أشاء من لحوم أو أسماك، وأشرب اللبن ~~وليس الماء كما أشاء. وكان معظم الرواد من الأفارقة المتمارضين. وكان المطعم ~~يقدم لحما آخر غير لحم الخنزير إذا قلت للتي تغرف إنك من المسلمين. وكانت ~~تتعرف عليهم بسمارهم أو سوادهم؛ فلم يكن يوجد مسلمون بيض في هذه الأيام. فإذا قال ~~طالب أبيض إنه من المسلمين لأنه لا يحب لحم الخنزير نظرت إلى عينيه وابتسمت؛ أي إنها ~~تعرف أنه من غير المسلمين ولكن «معلهش»، فأعطته ما يريد إذا كانت «بنت حلال». أما إذا ~~كانت قاسية القلب فإنها ترفض، وتطلب منه أن يتقدم بسرعة ولا يجادل لأن الطابور وراءه ~~طويل. وكان ذلك بداية ظهور «كرشي» الذي لم أستطع التخلص منه إلا وأنا في حالة مرضي ~~الحالية حتى نقص الهيموجلوبين، وأحاول رفعه من جديد. وكان مطعم المرضى في محطة ~~لوكسمبرج للمترو قبل أن يتم تجديدها بالتذاكر الممغنطة وليس بعاملة تخرقها. كانت مطاعم ~~الجامعة تقدم الغداء والعشاء دون الإفطار، فكنت لا أفطر، وأكتفي بكوب من الشاي ~~واللبن في أنبوبة كالدواء. وكانت الكوب مستعملة لا أغسلها إلا إذا حضر أحد الضيوف. وكنت ~~أترك دراجتي مربوطة على باب المبنى في عامود. وفي مرة في الصباح وجدت أن العجلة ~~الأمامية قد سرقت كما يحدث في مصر دون جسم الدراجة المربوط. وأفهمني الزملاء كيفية ~~ربط العجلة من الأمام أو العجلة الأمامية مع جسم الدراجة في العامود؛ فالسرقة تتعدى ~~حدود الأوطان. والوطن يبقى في القلب وإن هاجر الجسد. # وفي ~~نفس الوقت الذي أدبر فيه حياتي الشخصية كنت أكتب مشروع الدكتوراه، الرسالة الكبيرة أو ~~الأولى «المنهاج الإسلامي ~~العام» # La Méthode Islamique Générale ~~. وقدمته إلى هنري لاوست الذي كان أستاذا بالكوليج دي فرانس # Collège ms064 de France # والتي كانت تعطي العلم دون ~~الدرجات العلمية، والتي كانت نشأتها منافسة للسربون وراعية للفكر الحر في مقابل الفكر ~~التقليدي. كان فيها برجسون وميرلوبونتي ورينان وماسنيون. فقرأه وأعجب به، ولاحظ نقص ~~المصلحين؛ فهو مؤرخ، يهتم بالتاريخ، وليس فيلسوفا تجذبه الأفكار. وكنت قد كتبت ~~مقدمة تاريخية طويلة عن مفكري الإصلاح الديني؛ فقد كنت أعتبر نفسي امتدادا لهم ~~مع مزيد من الجرأة والشجاعة، فعرضته على ماسنيون، وكان أيضا أستاذا بالكوليج دي فرانس ~~فأعجب بالأفكار وسألني: ألم تقرأ أصول الفقه الذي أوصى عندكم مصطفى عبد الرازق بقراءته؟ ~~ودعاني إلى منزله كل يوم في مكتبته للاطلاع على علم أصول الفقه؛ فبحثي «المنهاج ~~الإسلامي العام» أقرب إلى محاولة في علم أصول الفقه. وكان يقوم على تصورين، ~~ثابت # Statique # ومتحرك # Dynamique ~~. والثابت يتكون من عنصرين، التصور # Concept # والنظام # Ordre ~~. والنظام يتكون ~~من شيئين، الطاقة # Énergie # والحركة # Movement ~~. وأدركت فيما بعد أن التصور هو علم أصول الدين، والنظام هو ~~علم أصول الفقه. أما الطاقة والحركة فيقعان في التصوف. وكانت قراءتي الشاطبي في ~~«الموافقات» فتحا جديدا، ثم «المستصفى» للغزالي الذي تغيرت صورته في ذهني من الصوفي ~~إلى المنطقي الأصولي. وكنت قد سمعت عن العلم ولكني لم أقرأه، وسمعت عن رسالة علي ~~سامي النشار في «مناهج البحث عند المسلمين»، رسالته للماجستير بتوجيه من أستاذه مصطفى عند ~~الرازق، ولكني لم أقرأها. وذهبت إلى كوربان # Corbin # الذي ~~كان يجمع بين الفلسفة والدراسات الإسلامية والتصوف الشيعي. ولاحظ أن الموضوع هو ~~«التأويل». وكان هو المستشرق الذي يتخصص في التشيع والفيلسوف الذي كان أول من ~~ترجم أجزاء من «الوجود والزمان» لهيدجر إلى الفرنسية، ثم حذرني ماسنيون من كوربان ~~قائلا: حذار من التأويل الشيعي الباطني الذي قد تتوه فيه، ونصحني أن أظل في علم أصول ~~الفقه؛ فهو علم عقلي مضبوط. واتفقنا على أن يكون الموضوع «مناهج التأويل: دراسة في علم ~~أصول الفقه» # Les Méthodes d’Exégèse, Essai sur la Science des fondements ~~de la compréhension, Ilm Usul Al Fiqh ~~، ثم طلب من برنشفيج مدير مركز ms065 ~~الدراسات الإسلامية أن يسجل الموضوع تحت إشرافه لأنه جزء من السربون. وقرأ الفلاسفة ~~الخطة، فقال جان فال: إني أحب الإسلام ولكني لست متخصصا فيه. وقرأ جان جيتون الخطة ~~فقال هذا برجسون، الطاقة والحركة، ولكنه ليس متخصصا في الإسلام، لا يستطيع أن يشرف ~~علي، وحولني إلى رينان الذي جمع بين الاستشراق والفلسفة الهيجيلية. ولما رأى ماسنيون ~~هيئتي المتواضعة سأل: كيف أعيش؟ فقلت له: بلا شيء. وكانت العلاقات بين مصر وفرنسا مقطوعة ~~بسبب العدوان الثلاثي عام 1956م، ومع ذلك كتب إلى أندريه ميكيل بالعلاقات الثقافية بوزارة ~~الخارجية أن لديه طالبا ممتازا يحب أن يحصل على منحة دراسية. ولما كان ذلك ممنوعا ~~رسميا أعطيت لي نصف منحة عشرون جنيها، بدلا من أربعين عام 1959م، ثم تحولت إلى ~~منحة رسمية بعد أن أعيدت العلاقات مع مصر عام 1960م حتى عام 1964م. وفي نفس الوقت ~~عينت مدرسا للهجة المصرية في مدرسة اللغات الشرقية الحية مع كساب، سوري ~~الجنسية، لتدريس اللهجة الشامية، مع لوسيرف # Le Serf ~~. ~~وكنت أذهب إليها كل يوم لعدة ساعات في الأسبوع، بالإضافة إلى ما كنت أترجمه من ~~وثائق صغيرة من العربية إلى الفرنسية، التي كان يتركها حاجب المحكمة الفرنسية كوثائق ~~مقدمة إلى القاضي، ثم يدفع إلي ثمنها في المرة التالية، دون أن ينتظر بواب المبنى ~~أي «بقشيش». وكنت أخصصها لشراء النصوص الفلسفية. وكان تعليم اللهجات يتم عن طريق ~~سماع الطلاب مقتطفات لعبد الحليم حافظ أو أم كلثوم أو لمشاهير المغنين الشعبيين ~~المصريين أو السوريين. وكانت هذه أول مرة أحب فيها الغناء الشعبي بينما كنت ~~متعودا على الموسيقى «الكلاسيكية» الغربية مثل بيتهوفن وشرقية مثل سيد درويش. ولما ~~أتى المشير إلى باريس 1965م، وشكونا إليه قطع المنح أعطت مصر العشرين جنيها حتى عدت ~~عام 1966م. وكنت أعبر نهر السين من مدرسة اللغات الشرقية حتى المكتبة الوطنية # Bibliothèque National # مارا بمسرح الكوميدي فرانسيز # Française Comédie # إلى المكتبة الوطنية حيث كنت ~~أقرأ مخطوطات علم أصول الفقه، وأتغدى في مطعم الجامعة المجاور، وأركن رأسي على ذراعي ~~على ms066 المنضدة مستلقيا بعض الشيء، أقوم بعدها للوضوء والصلاة في دورة المياه النظيفة، ~~وأستمر بها حتى السادسة مساء، وهي أغنى بكثير من مكتبة السربون؛ أي كلية الآداب. وكان ~~الطلبة يذهبون إلى المقهى المجاور أمام المكتبة لشرب القهوة بعد الغداء وأنا لا أستطيع ~~دفع ثمنها. وعرفت مصطلح القهوة السوداء # Café Noire ~~. ~~أما # Cappuccino # فلم أجرؤ الاقتراب منه أو طلبه لأنه أغلى ~~ثمنا. وكان المقهى مكانا للتعارف بين الدارسين للصداقات الوقتية أو الدائمة مثل ~~مطاعم الجامعة. # وبالنسبة للرسالة الثانية كتبت خطة تقارن بين الدين العقلي والدين الوجودي عند ~~كانط وكيركجارد، ثم أتينا مع بول ريكير فيما بعد أن فكري أشبه بظاهريات التأويل ~~وتأويل الظاهريات، فسجلت الرسالة الثانية بعنوان «من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات ~~التأويل». ولما قرأ دي جاندياك # De Gandillac # الخطتين ~~قال إنه متخصص في فلسفة العصر الوسيط، ورفض أن يكون الإسلام جزءا منه لأن له مساره ~~التاريخي الخاص. وتكونت لجنة المناقشة من مستشرقين؛ لاوست الإصلاحي، وبرونشفيج ~~الفقيه، وفيلسوفين غربيين؛ بول ريكر الظاهرياتي، وجان جيتون البرجسوني، ورئيس اللجنة دي ~~جاندياك الذي يجمع بين الفلسفة والاستشراق. وهددهم جيتون إن لم يناقشوني كفيلسوف ~~ويحاورونني كمفكر وليس كمؤرخ فسيغادر اللجنة، فاقتنعوا ولم يجرؤ أحد على أن ~~يقول لي هذا ناقص أو ذاك زائد. واستمرت المناقشة من الواحدة حتى السابعة مساء مع نصف ~~ساعة استراحة بين الرسالة الأولى والرسالة الثانية. وأقام مركز ريشيليو # Centre Richelieu # في ميدان السوربون، وهو مركز ثقافي ~~كاثوليكي، حفل استقبال للأساتذة المناقشين الخمسة والطلاب. وحضر إتين جيلسون مؤرخ ~~فلسفة العصر الوسيط الشهير، وكان تقليديا محافظا مثل أستاذنا جان جيتون ؛ فالحقيقة لديه ~~في العصر الوسيط. كل ما قاله العصر الحديث بالنسبة للمسيحية انحراف عن توما الأكويني، وهو ~~الحق ودونه الباطل. وأنا على العكس، ما قاله العصر الوسيط عن المسيحية اجتهادات للقضاء على ~~اغتراب المسيحية في العصر الوسيط. لم يبتسم ولم يجلس حتى النهاية؛ فالجو ليس جوه، والعالم ~~ليس عالمه. بدأت مناقشة الرسالة الأولى «مناهج التأويل في علم أصول الفقه»؛ بدأها لاوست ~~بإبراز معلوماته عن ms067 الحركة الإصلاحية ثم برنشفيج المشرف بإبراز معلوماته في الفقه، ثم ~~عقدت الاستراحة والحضور يصيحون عجبا، ولا تقدم مشروبات أو مرطبات للحضور أو ~~للمنصة أو توضع الورود كما هو الحال في مصر، ثم بدأت مناقشة الرسالة الثانية «من تأويل ~~الظاهريات إلى ظاهريات التأويل» ناقشها ريكير بهدوئه وعلمه ودقته في اختيار ~~المصطلحات، ودي جاندياك رئيس اللجنة بين الحين والآخر يعلق على ما يسمع، ثم انسحبت ~~اللجنة كالعادة وعادت لتعلن حصولي على دكتوراه الدولة # Tres Honorable ~~Doctorat d’Etat # وهي أعلى تقدير. وقالت إن هذه رسالة بمعنى الكلمة؛ أي ~~تحمل قضية مثل رسالة الأنبياء. # كنت أريد تسجيل المناقشة منذ البداية وأحضرت ~~جهاز التسجيل للقسم في ذلك الوقت، فمنع رئيس اللجنة التسجيل لأن هذا ضد قواعد المناقشة، ~~فرجوته أن يتركه للذكرى ففعل. وتوقف التسجيل في منتصف المناقشة فأغلقه الصديق رشدي ~~راشد، فأعدت تشغيله، راجيا رئيس اللجنة أن يتركه للذكرى، وما زال عندي في مكتبتي ~~الضخمة، يجده من يبحث عنه من الجيل الجديد. وتم الاحتفال بالدرجة العلمية، وأفرغت ~~الزجاجات. وكانت السوربون قررت لأول مرة أن تطبع رسائل دكتوراه الدولة (الرسالة ~~الأولى) قبل مناقشتها، والدولة الفرنسية تساعد الطالب الفرنسي على طباعتها، أما الأجانب ~~فتعاونه فرنسا في إحدى دور النشر؛ المطابع الجامعية الفرنسية. وكتبت إلى المجلس الأعلى ~~للثقافة في ذلك الوقت برئاسة يوسف السباعي، فوافق على طباعة الرسالة الأولى في المطابع ~~الفرنسية الأميرية، وأرسل لي زوج أختي الكبرى سيد حامد مائة نسخة بحرا كما طلبت ~~السوربون قبل المناقشة، وقد كان القائم بأعمال الأسرة كلها. وكتب لها برونشفيج ~~مقدمة يقارنني بالفاروقي، وكانت هذه أول مرة أسمع عنه قبل أن أقابله في مصر ~~أولا مدعوا إلى قسم اللغات الشرقية عام 1970م، ثم بالولايات المتحدة حيث عشت أربع ~~سنوات معه. ثم طبعت أنا الرسالة الثانية بالفرنسية في مصر بعد العودة في الأنجلو المصرية ~~«من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل» في جزأين، ومهداة إلى بول ريكير مثال الأستاذ ~~العقلاني المتأمل الهادئ، # 1 # ثم ترجمتها بنفسي إلى العربية. وقد انتشرت الرسالتان في الغرب ms068 لكل من يريد ~~معرفتي، وبسرعة جعلوني أنتسب إلى المنهج الظاهرياتي عند هوسرل. وعندما قرءوا كتابي ~~بالإنجليزية «الإسلام في العصر الحديث» (جزءان) والحضارات في صراع أم في حوار، انتشرت ~~أفكاري، ونسبوني إلى لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وآسيا، طبقا لمنهج الأثر ~~والتأثر، من المركز للأطراف. # وقد كتبت رسالتي الأولى مرتين: الأولى كانت مركزة للغاية، وتصل درجة التركيز إلى ~~درجة الألغاز؛ فلا يفهم العبارة إلا من كان يفهم الموضوع من قبل، فلما قرأها المشرف ~~برنشفيج قال: غامضة، وضح وفصل أكثر، فكتبتها مرة ثانية، فجاءت رد فعل على الصياغة ~~الأولى، مفصلة للغاية بحيث أفضت في الفكرة التي أريد توصيلها وسط الركام ~~الهائل من التنسيق، وهو ما أعاني منه حتى الآن. وتم حل هذا الصراع الطويل بين المستوى ~~العلمي في التحليل المسهب الطويل والمستوى الثقافي المباشر الذي يدخل في الفكرة مباشرة ~~دون جذورها وتطورها وغايتها. وقد استغرب السيد يس من هذا الطالب الذي يكتب رسالتيه ~~مرتين، وهو لا يستطيع كتابتها ولو لمرة واحدة. وكتبت هذه الرسالة الثانية بهذه الطريقة ~~العلمية الموثقة، فخرجت في جزأين «تأويل الظاهريات» و«ظاهريات التأويل». الأول ~~شرح للمنهج الظاهرياتي عند هوسرل وتلاميذه، وبيان كيفية تطبيقه في ظاهرة الدين انتهاء ~~بالتأويل. والثاني «ظاهريات التأويل، محاولة لتأويل وجودي ابتداء من العهد ~~الجديد». # وإذا كان ماسنيون هو الذي أرشدني إلى ~~علم أصول الفقه، وكوربان الذي اقترح موضوع «التأويل» وريكير هو الذي وضع يدي على ~~الظاهريات، فإن جيتون هو الذي علمني الفلسفة وتاريخها. هو مثل عثمان أمين في قسم الفلسفة ~~بجامعة القاهرة، يدخل كلامه إلى القلوب، الفلسفة لديه تجارب حية يعيشها الأستاذ وينقلها ~~إلى الطالب. وهو من تلاميذ برجسون، كان يعطي ثلاث محاضرات أسبوعيا: الأولى لطلاب ~~الفلسفة وتاريخ الفلسفة، ولم أفقد واحدة منها. كان أوغسطينيا، فكانت رسالته للدكتوراه ~~«الزمان والخلود عند أوغسطين وأفلوطين»؛ فالزمان موجود لا يتجزأ. منه تعلمت تاريخ ~~الفلسفة، وكان يوم الإثنين صباحا. والثانية حلقة بحث للدراسات العليا، يتكلم فيها الطلاب، ~~ويعترض الأستاذ، كان ذلك يوم الإثنين من العاشرة حتى الثانية والثالثة. ومحاضرة ms069 عامة يوم ~~الأربعاء مساء لمحبي الفلسفة، وكان يعرض ما يأتيه من رسائل من المستمعين؛ فالفلسفة ~~رسالة وليست مهنة. طلب مني مرة أن أعرض موضوعا لطلاب الليسانس وهو بجانبي، عن ~~إسبينوزا، كما فعلت مع تلميذي علي مبروك فيما بعد، فعرضته داخل إطار الفلسفة الغربية، ~~والفلسفة الغربية داخل إطار الفلسفة العامة ومنها الفلسفة الإسلامية، والفلسفة داخل مسار ~~الحضارات، والحضارات متغيرة، تنهض وتسقط مثل الحضارات الشرقية الصينية والهندية ~~والفارسية ثم اليونانية والرومانية ثم الإسلامية ثم الغربية، وسطى وحديثة، وهو ما أصبح فيما ~~بعد «مقدمة في علم الاستغراب». أعجب الأستاذ بسعة أفق الطالب، واتخذني صديقا له، ~~وليس فقط طالبا. وكان لوي ألتوسير مؤسس البنيوية أحد تلاميذه وموجودا في مستشفى ~~الأمراض العصبية، فأخذني معه لزيارته، وكانت معه صديقته، وقارنت بسرعة بين مرضانا ~~ومرضاهم وحقوقنا وحقوقهم. ظننت أننا سنتكلم في البنيوية ولكنها كانت زيارة ودية خالصة، ~~وفضل الذهاب مع صديقته عن البقاء معنا، وتطورت الصداقة بيننا حتى بعد أن عدت إلى ~~أرض الوطن في يونيو 1966م. قدمني إلى الدوائر الفلسفية الباريسية خاصة 104 شارع تورنون ~~وهي جماعة فلسفية أخرجت كتابا عنه. وهو الذي قدمني إلى البابا يوحنا بولس أثناء ~~انعقاد الدورة الرابعة للمؤتمر الفاتيكاني الثاني، وقد كان صديقا له عندما كان الكاردينال ~~مونتيني كاردينال ميلانو، وكان ذلك في عام 1964م. وطلب مني البابا بولس السادس أن أجلس مع ~~الجماعات المتخصصة لكتابة بيان الكنيسة عن الديانات غير المسيحية، ولأول مرة أجلس مع ~~الكرادلة بأروابهم الحمراء في بدروم الفاتيكان، ونحن نتناقش في الموضوع. ورأيت انفتاحا ~~اشتهر به المؤتمر الثاني والعشرين الذي بدأه يوحنا الثاني قبل أن يتوفى. وسألت أحد ~~الكرادلة الأفارقة: كيف تناقش موضوعا وأنت غير متخصص فيه؟ فأجاب: إن الروح القدس ~~تجيب بدلا عني! وأنا عندي العلم وليس الروح القدس. ومع ذلك خرج بيان الديانات غير ~~المسيحية يعترف لأول مرة ربما بالأديان الأخرى، موحى بها أو غير موحى بها. وأنشئت ~~سكرتاريا لغير المسيحيين كان جيتون أول من يرأسها، ويفخر بأن تلميذه يشاركه فيها. ~~وأعطيت منديلا أبيض عليه ms070 شعار البابا هدية من المؤتمر، وأقمت في روما عند عائلة ~~إيطالية، وأهديتها مجلدا عن مصر الفرعونية. وأهداني البابا بولس السادس الأناجيل ~~المتقابلة وكتب عليها: «فليكن الله ~~معك.» # Que le Seigneur soit avec Vous # وقد دعاني جيتون إلى مسقط رأسه بوسط فرنسا لإحدى الاحتفالات ~~بعيد ميلاده في كليرمونفيران # Clermont-Ferrand ~~. ولما ~~توفت زوجته ماري تيريز، قامت بالعناية به بعدها شابة بولندية شقراء. وفي كل مرة أكون في ~~باريس أزوره في منزله 1 ش فليريس # Fleuris # على جانب حديقة ~~لوكسمبورج حيث كان يقطن أيضا برجسون وبيير دي شاردان، وهما على طرفي نقيض. وظللنا ~~نتراسل حتى قرأ في الجرائد الفرنسية تأسيس لاهوت التحرير الإسلامي # Théologie Islamique de la Libération # الذي ~~تعلمته من جنوب أفريقيا في عصر التحرر من النظام العنصري الأبيض، وما كتب عنه في ~~الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت الكنيسة ضده، وتتهمه بالماركسية بعد أن انتشر في أمريكا ~~اللاتينية عند الرهبان الشبان مثل كاميليو توريز، والذي عرضت أعماله في مصر، الذي ~~كان يمثل اليسار المسيحي مثل مونييه وريكير. وقد أسسا مجلة روح # Espirt # معا، ثم أقام مونييه الشخصانية التي درسها المفكر المغربي محمد ~~عزيز لحبابي ثم هشام جعيط من تونس فيما بعد، وبدأت مراسلاتنا تقل تدريجيا، وكنت ~~أنقد مشروعه الضخم «الفكر المعاصر والكاثوليكية» (12 جزءا) دون توثيق لأنه كتب وهو في ~~المعتقل في ألمانيا بعد أن أسره الألمان واحتلالهم باريس. كان من أنصار المارشال ~~بيتان Pétain # الذي تقهقر حتى وسط فرنسا في مقابل ~~ترك باريس مدينة مفتوحة، في مقابل ديجول الذي انتقل إلى لندن وأسس المقاومة الفرنسية ~~ضد الاحتلال الألماني، أخذ إلى فريبورج وحيث كان يعيش الفيلسوف الألماني هيدجر المتهم ~~بالنازية. كان يرى أن يترك باريس مدينة مفتوحة للألمان في مقابل عدم تحريرها والإفراج عن ~~نصف المعتقلين من المقاومة شفاعة لهم بدلا من إعدامهم كلهم. وبعد نقدي له ونقده لي ~~كانت آخر رسالة منه صورة له وفي ظهرها تبرير لموقفه. وما زالت ترن في أذني آخر عبارة ~~له: «كان يجب الرهان» # Il faut parier ms071 ~~. وما زالت هي الذكرى ~~الأولى من أساتذة باريس التي ما زالت في القلب، وإن بقي غيرهم في العقل مثل بول ~~ريكير. # وفي إحدى زياراتي إلى ألمانيا على دراجة في هيدلبرج صعدت إلى أعلى «طريق الفلاسفة» ~~حيث كان يسكن جادامر، فتناقشنا سويا في الهرمونطيقا. كان مبتسما مرحبا، يريد ~~الإطالة في الحديث، وصلني إلى الباب، وأخذت دراجتي نزولا في المدينة. رأيت البساطة ~~والوضوح والتواضع والكرم. صحيح أنه لم يقدم لي شيئا أشربه كما كنت أتوقع، ولكن كان ~~يكفي استقبالي وأنا لست شيئا، وهو كل شيء. ورجعت إلى بيت الشباب، وكتبت ذكرى ~~اللقاء. # وكنت في ألمانيا أبحث عن بيوت الشعراء والأدباء والفلاسفة والموسيقيين فأجدها جميعا ~~قد تحولت إلى متاحف في ذكراهم أو انهدمت تماما مثل الكلية الحربية في فرانكفورت ~~التي تخرج منها الشاعر شيللر. ورأيت منزل بيتهوفن في بون وفيينا، ونزل موزار في ~~سالزبورج بالنمسا، أصبح مصنعا للشيكولاتة؛ حيث وضعت صورته على غلاف القطع والعلبة ~~الخارجية. وذهبت إلى فرايبورج حيث عاش هوسرل وهيدجر. ومالبورج مكان المدرسة الفلسفية ~~الشهيرة. ورأيت نورنبرج حيث تمت المحاكمات الشهيرة. من المدن من حافظ على طابعها ~~التاريخي مثل المدن المذكورة، ومنها ما تم تجديده تماما مثل فرانكفورت وبرلين. استهواني ~~الجنوب أكثر من الشمال، وبافاريا أكثر من همبورج. # وكنت أستمع إلى فلاسفة فرنسا في ذلك الوقت، وكان الحضور عاما أو خاصا؛ إذ أعطى جان ~~بول سارتر محاضرة عامة استغرقت ثلاث ساعات بأكملها، وهو يتكلم ويتأمل في قاعة ~~موبيرميتيواليتيه # Maubert Mutualite ~~، وسميت محطة ~~المترو المجاورة على اسمها. كانت نظرية مجردة للغاية، وصعب على الحضور فهمه. وبعد ~~المحاضرة ذهبت إليه على المنصة، وأعطيت ما معي من كتاب كنت أقرأ فيه وهي بعض أعمال ~~مارتن لوثر، فلما نظر إلى الكتاب قبل أن يوقع عليه قال لي باستعجاب وباستهجان لا ~~أدري: لوثر! وحضرت محاضرات ميرلوبونتي في الكوليج دي فرانس بجوار السوربون والتي أنشئت ~~لمنافستها. العلم للعلم وليس للدرجات العلمية، وحرية الفكر وليس للفكر التقليدي، ~~والاتجاهات الجديدة وليس لتاريخ الفلسفة. وكان يدخن ويستبطن نفسه وكأنه ms072 في مكتبه، بلا ~~جمهور، فلا يثير شوق أحد. وحضرت في منزل جابريل مارسل كل يوم جمعة لقاءه بجوار مسرح ~~الأوديون، وكان يمينيا خالصا يدافع عن احتلال فرنسا للجزائر، ولم أر فيه شيئا يثير ~~الانتباه، ولا تدخلاتي أثارت انتباهه. وحضرت سيمينار بول ريكير المشرف على الرسالة ~~الثانية، وكان يغلب عليه الصمت والأدب الجم والصوت المنخفض إذا تكلم. يحضر حلقة بحثية ~~في السربون ما يزيد عن الثلاثين، وكانوا هم الذين يتكلمون، ويعرضون شروحهم وآراءهم في ~~النصوص التي يقرءونها باليونانية واللاتينية والألمانية والإنجليزية والفرنسية بطبيعة ~~الحال؛ فمن تنقصه لغة يدرسها عدة أشهر، ثم يعود كي يكون على نفس المستوى. يعلق ريكير ~~على منهج الطالب وتأويله للنصوص في جمل قصيرة دون تعالم أو استعلاء. زرته آخر مرة في ~~شاتناي ما لابري # Châtenay-Malabry ~~، وأنا أعرض عليه ~~الرسالة الثانية والثالثة لأنها من جزأين، فاستمع إلي بكل انتباه دون تعليق؛ أي إنه ~~موافق على منهجها ونتائجها، تأويلي للظاهريات وتطبيقها في فلسفة الدين عند هيرنج # Hering # البروتستانتي، وديميري # Dumery # الذي كان راهبا ثم خرج من الكنيسة. أولتها من خلال علم أصول ~~الفقه، وقرأت علم أصول الفقه من خلالها، وهما ما كونا شعوري الفلسفي حتى الآن. ~~واستمعت إلى ماكسيم شول في الفلسفة اليونانية، كان أبيض أشقر مبتسما فيلسوفا، يقرأ ~~الفلسفة اليونانية من خلال الفلسفة. واستمعت إلى جانكلفيتش أستاذ الأخلاق، وكان من أوروبا ~~الشرقية محمر الوجه، يتكلم بإتقان، يوقظ النائمين والسارحين من الطلاب. واستمعت ~~إلى جان فال أستاذ تاريخ الفلسفة والميتافيزيقا، كان فيلسوفا مهنيا أمامه أوراق كثيرة، ~~يبتسم وهو ينظر إليها، يحبه الطلاب المهنيون مثل كلكل # Kelkel # مترجم «بحوث منطقية» لهوسرل، وشاتل # Chattel # المنطقي الميتافزيقي، الفيلسوف ذو الشعر المنكوش الواقف والذي ~~كان يخيف. وجاك دريدا الذي كان أقرب إلى الصمت، ربما كان يستمع كي يعرف كيف يفكك ما ~~يسمع، وهو مترجم «أصل الهندسة» لهوسرل، وقد ظل عشر سنوات يدرس كيفية إعادة بناء ~~العلوم الإنسانية، وهو موضوع رسالته للدكتوراه، فكتبت له السربون رسالة رقيقة دون ~~تهديد بشطب رسالته من سجل الدراسات ms073 العليا كما يحدث عندنا بعد خمس سنوات وسنة إضافية، ~~أنه تجاوز الوقت المحدد، وسيعطى عشر سنوات أخرى، فلما انقضت كتبت له السربون أن ~~العشر الثانية قد انتهت ولا بد أن يقدم الرسالة، فكتبها في شهرين، وحصل على ~~الدكتوراه بدرجة # Tres Honorable ~~. وكان الأستاذان الأقل ~~إغراء هما كانجييم أستاذ فلسفة العلوم والذي عمل معه رشدي راشد، وأوصى به كي يكون ~~باحثا بالمركز ~~الوطني للبحث العلمي # Centre National de Recherche Scientifique (CNRS) ~~. ودي جاندياك وهو أيضا أستاذ فلسفة العصور الوسطى، ~~وكان مجرد عارض لتاريخها كما فعل يوسف كرم عندنا في «تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر ~~الوسيط». وكان يتكلم وكأنه يحمل حملا ثقيلا على كتفه، مطأطأ الرأس، مقوس ~~الكتفين، مكفهر الوجه، خاصة وأنه كان قصيرا لا يرى من وراء المنصة لو جلس، لم ~~يستمر معه كثير من الطلاب. وأما المستشرقون فلم يكونوا يثيرون في شيئا، مثل هنري ~~لاوست في الكوليج دي فرانس الذي كتب أطروحته للدكتوراه عن ابن تيمية، والذي اعتبرني ~~مثله مؤرخا للفكر الإصلاحي ليس مطورا له أو مبدعا فيه. وروبير برنشفيج الذي كان ~~متخصصا في الفقه الحنفي. أما بلاشير # Blachere # فكان ~~أقرب إلى الأدب العربي، يدرس معه بعض الأساتذة من شمال أفريقيا، وهو الذي ترجم القرآن ~~إلى اللغة الفرنسية، وطبعه طبقا لأوقات النزول، وهي الدعوة التي نادى بها خلف الله أحمد ~~خلف الله من مدرسة أمين الخولي مثل سيد قطب الثاني، الناقد الأدبي (الأول هو الشاعر ~~والقصاص، والثالث هو المفكر الإسلامي الاجتماعي، والرابع هو صاحب «معالم في الطريق») ~~اعتقادا أن ترتيب القرآن من توقيف عثمان لإبراز الجانب الإنساني في التدوين. وكان هناك ~~رودنسون صاحب «الإسلام والرأسمالية» زرته بين رفوف مكتبته، واعتذر أنه لن يطيل معي لأن ~~صديقته ستأتي، وأنه لا بد أن تكون له صديقة تخفف عنه عناء الكتابة. # وإذا كان وعيي قد ازدهر مع جان جيتون، فإن وعيي ~~السياسي قد تكون في مظاهرات الحي اللاتيني مع الطلبة المسلمين من شمال أفريقيا # Mena # ومقره 115 شارع سان ميشيل # B4 Mich ~~115 ms074 # ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر، ثم ضد انقلاب بو مدين على الرئيس ~~بن بلا بعد الاستقلال، ومظاهرات أخرى ضد قذف أمريكا فيتنام بالقنابل بعد أن خرجت ~~فرنسا، وكانوا بؤرة لتجمع طلاب العالم الثالث بالاشتراك مع طلبة أمريكا اللاتينية ~~والطلبة العرب. وكان المطعم الإسلامي مكانا للتجمع خاصة يوم الجمعة، يوم «السكسك» # Socsoc # وبتعبير المصريين «الكسكوسي» باللحم والخضار. ~~ومكان آخر للتجمع هو مسجد باريس، وكان أقرب إلى التجمع اليميني وجماعة البشير ~~الإبراهيمي؛ فالوطن قد جمع الجميع بالرغم من الشقاق بين المجموعتين، قبل الشقاق بين ~~حماس وفتح الآن في المقاومة الفلسطينية؛ فالوطن لا شقاق أو فرقة فيه. وفي المظاهرات ~~تعرفت على علي شريعتي الذي كان ينادي بالثورة الإيرانية ضد الشاه، وكان أستاذه جاك بيرك ~~يشكو منه ومن ضياع وقته، ولا ينجز رسالته ~~الجامعية # Doctorat d’université # دون التطلع إلى دكتوراه الدولة. وعند الأستاذ برونشفيج مشرف ~~رسالتي الأولى تعرفت على محمد أركون الذي كان يعد رسالته لدكتوراه الدولة # Doctorat ~~d’etat # عن الأخلاق عند ~~مسكويه، كما تعرفت على ناصف نصار في المطعم الجامعي، وكان قد أوشك على الانتهاء من ~~رسالته لدكتوراه الدولة ويعدها للطباعة في المطابع الجامعية الفرنسية Press Universitaire De Francais (PUF) ~~. ~~وتعرفت على كمال يوسف الحاج اللبناني الذي قتل أثناء الحرب الأهلية، وكان مفكرا ~~بالإضافة إلى كونه باحثا، وانتقل إلى بيروت. وقد تكونت الآن جماعة في بيروت للاحتفال ~~بعيد ميلاده المئوي وللحفاظ على تراثه. وتعرفت على حميد الله، العالم الهندي الذي ~~كان مطلوبا في حيدر آباد بعد رفضها التنازل عن استقلالها لصالح الهند، وكان يسكن مع ~~امرأة فرنسية عجوز، وكان يعد مخطوط «المعتمد في أصول الفقه» لأبي الحسين البصري. ~~ولما علم برنشفيج ذلك الذي كان يعد نفس المخطوط للطباعة مع طالبين له، أنا ومحمد بكير ~~من تونس، تنازل لحميد الله عن العمل. واحترمت أخلاق المستشرق الذي تنازل عن عمل يقوم ~~به زميل له في نفس الوقت. وكانت البحوث العلمية غير مسيسة. وطبع في جزأين في ~~المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في دمشق عام 1964م، ثم صورته ms075 دار التراث في بيروت في ~~طبعة جديدة دون أن تأخذ إذنا من أحد. وقد توفي حميد الله الذي كان يعمل باحثا في ~~المركز الوطني ~~للبحث العلمي # Centre National de Recherche Scientifiques (CNRS) ~~. وبكير أستاذ الأدب العربي في جامعة تونس، وتوفي ولم ~~يبق إلا أنا. # وكان نظام حياتي اليومي هو الاستيقاظ مبكرا، وبعد كوب الشاي مع اللبن المسكر في ~~الأنبوبة أبدأ في القراءة والتعليق على ما أقرأ على هامش الكتاب؛ لذلك كنت لا أقرأ إلا ~~الكتب التي اشتريتها. وظهرا متأخرا أذهب للغداء لسببين: الأول أني أستلقي بعد الغداء ~~قليلا. والثاني أن مطعم الجامعة في آخر الوقت، حوالي الواحدة والنصف، يترك الصواني لمن ~~يريد أن يستزيد، وأنا منهم طبعا لأني كنت لا أتناول العشاء مع أنه موجود في مطاعم ~~الجامعة. وأعمل حتى التاسعة مساء برغم محبتي للنوم. وعجبت كيف يروى عني في القاهرة أنني ~~في باريس كنت أقضي النهار في اللعب من الصباح إلى المساء إلا بدافع الغيرة بعد أن عمت ~~الجميع. وقد كان يضرب بي المثل في العمل من الصباح إلى المساء، وكنت لا أرى في المقاهي أو ~~الشوارع، وأنا المجتهد الذي لا يسمح بضياع وقته على المقاهي، مع أن المقهى في باريس ~~جزء من الحياة الثقافية؛ ففيه يتم التعرف على المثقفين، ولقاء من يريد غير ~~الثقافة. أما بعد التاسعة مساء فأفعل أي شيء. وما زال هذا النظام اليومي سائدا حتى ~~الآن. # وفي عام 1959م عندما كانت العلاقات بيننا وبين فرنسا ما زالت مقطوعة منذ العدوان الثلاثي ~~على مصر في 1956م. كان أخي وزوجه في طريقه إلى كولومبيا بأمريكا اللاتينية بحرا متوقفا ~~في مارسيليا، فذهبت مع صديقتي الألمانية كي أراهما؛ فليس من المعقول أن يكون كلانا على ~~الأراضي الفرنسية ولا يرى بعضنا بعضا. وكان في عرف قبطان السفينة أن يهبط إلى أرض فرنسا ~~من يريد، ولكن لا يجوز لمصري على أرض فرنسا أن يغادرها ويصعد السفينة، فقلت له هذا ~~حق، لكن من حق أي راكب أن يغادر السفينة لمدة ساعة ثم ms076 يستكمل الرحلة فيما بعد ، ~~وأريته بطاقتي السفر إلى كولومبيا فاقتنع، فغادرنا إلى باريس، وزرنا سويا أشهر ~~معالم باريس؛ برج إيفل، كنيسة نوتردام، قوس النصر، مسلة الكونكورد، متحف اللوفر، قصر ~~فرساي، حي منمارتر، مقبرة نابليون، السربون، البانثيون. وأخذ أخي معه تسجيل أم كلثوم «أنت ~~عمري»، وكانت أول أغنية يلحنها لها عبد الوهاب، وكانت فيها كلمة «اللي شوفته»، ~~وكانت صديقتي الألمانية عندما أسألها ماذا تحبين أن تسمعي من الموسيقى العربية تقول ~~«اللي شوفته»، ثم أوصلناهما إلى السفينة بمارسيليا ليكملا الرحلة إلى أمريكا اللاتينية. ~~وجاء إلى زيارتي بعض الأصدقاء مثل الطاهر مكي من مدريد وإبراهيم راشد من القاهرة. وزارني ~~علي إسماعيل، فأخذت تصريحا من المستشفى بالخروج ولو لست ساعات، فأخذته لشراء بعض ~~الهدايا المشهورة من باريس مثل رابطة العنق «أرجانس» بجوار الأوبرا. ~~وكنت في المستشفى في الصيف آكل وأشرب وأستريح ~~بعد اشتباه في مرض السل في الرئتين في مراحله الأولى، وهو التهاب الرئتين. ورفض مدير ~~المستشفى إخراجي، ولو لمدة ثمان وأربعين ساعة. ولما شرحت له السبب، وصول أخي وزوجه ~~إلى مرسيليا وافق، وعدت إلى المستشفى كما وعدت. # وفي صيف 1959مكنت قد شعرت بإرهاق شديد وأنا أصعد أي سلم. فلما ذهبت إلى ~~عيادة المدينة الجامعية وكشفوا علي بالأشعة وجدوا التهابا في الرئتين، وهو مقدمة ~~لمرض السل، فحجزوني في العيادة لمدة أربعة أشهر بعد مقاومة طويلة. شرحت للطبيب كيف ~~أعيش: آكل مرة واحدة في اليوم ظهرا، وأجهد نفسي في العلم والفن؛ فأنا طالب في السربون ~~أدرس الفلسفة، وطالب في الكونسرفتوار أدرس الموسيقى، في الصباح في الجامعة، وبعد الظهر في ~~معهد الموسيقى، وفي المساء أقرأ في أوله، وأعزف مع كاتم الصوت على الكمان في آخره، ~~فاستعجب أنني أحيا حتى الآن، وطلب مني أن أبقى في العيادة أربعة أشهر، آكل أربع ~~مرات في اليوم، وأشرب العصائر، وآكل الفاكهة بين الوجبات، وأغذى بالمحاليل في ~~الشرايين لأنه عندي مرض # BBC ~~، وهي المرحلة السابقة على السل، ~~فسألت: وماذا عن حجرتي في بيت ألمانيا؟ فقيل: تخليها وتستعيدها عندما تخرج. قلت: ~~وماذا ms077 عن كتبي التي أشتريها كل شهر ، النصوص الفلسفية؟ قال: نشتريها لك وتقرؤها في العيادة. ~~ولما حان وقت الخروج وزاد وزني، قال: عليك أن تكتب تعهدا بالاستقالة، إما من الجامعة ~~وتتخصص في الموسيقى أو باستقالتك من معهد الموسيقى وتتخصص في الجامعة؛ أي الفلسفة. ~~وإن لم تفعل فسنرسلك إلى جبال الألب حيث تعيش في قمتها حيث الهواء النقي. وإن لم تفعل ~~هذا ولا ذاك فستنتحر وتقضي على حياتك بنفسك. وكانت لحظة اختيار قاسية. وكيف أترك إحدى ~~معشوقاتي؟ الموسيقى بلا فكر لحن خالص، والفكر بلا موسيقى تجريد خالص. وأخيرا اخترت ~~الجامعة؛ فللفلسفة أتيت، وكتبت التنازل عن المعهد المطلوب وقلبي ينفطر حزنا. وأنا حتى ~~الآن عندما أسمع موسيقى شرقية أو غربية أحن إليها، وأتساءل: هل أحسنت الاختيار؟ وبعد ~~انقضاء العمر وجدت نفسي قد وقعت في الفلسفة الرومانسية، هيجل، فشته، شلنج، برجسون. وقد ~~تكون الظاهريات؛ أي الفينومينولوجيا، التي يقال إنني وقعت فيها هو جمع بين الفلسفة ~~والفن، بين العقل والذوق كما يفعل الصوفية المتأخرون حتى محمد إقبال. وما زالت آثار هذا ~~المرض موجودة على الرئتين كلما قمت بكشف إشاعة على الصدر. # وكانت هناك مشكلة كارت الإقامة الذي يجعل وجودي في فرنسا شرعيا في حال قام شرطي بطلب ~~أوراقي. وأخبرني المخضرمون في باريس بأن هذا أمر سهل، علي أن أفتح حسابا في أحد ~~البنوك، وأضع فيه أي مبلغ، وآخذ دفتر شيكات، فإذا سئلت في المحافظة عن مصادر المعيشة قلت ~~لهم عندي دفتر شيكات، ولا يسألون كم رصيده. وبالفعل فتحت حسابا في # Société ~~Générale # ووضعت فيه فرنكا واحدا، وأخذت كارت الإقامة الذي ~~يتجدد كل عام بنفس الطريقة. # وبعد أربع سنوات عدت إلى مصر لحضور حفل زواج شقيقتي المتوسطة فاطمة؛ إذ إن الشقيقة ~~التي كانت بعدي، سعاد - أطال الله في عمرها - لم تكن قد تزوجت بعد. أما الشقيقة التي ~~بعدي فقد كانت ما زالت تعد الدكتوراه. أما الصغرى فكانت ما زالت طالبة في مدرسة ~~التجارة المتوسطة وليس المعلمات التي تخرجت منها جميع الإخوة البنات. فقررت أن ~~أعود إلى ms078 القاهرة في صيف 1960م، وتركت غرفتي بالبيت الألماني للإيجار حتى أعفى من ~~إيجارها الصيفي. وكان علي أن أشتري هدية لأختي العروس وباقي الأخوات وأخي والوالدين. ~~وجاءت سامية أسعد من قسم اللغة الفرنسية التي كانت تسكن ببيت الطالبات بشارع بول ميش، ~~يولفار سان ميشيل، وذهبنا إلى السوبر ماركت لافاييت عند سيفر بابليون، واشترينا أقمشة ~~فساتين للبنات. وكان أحد الطلبة الألمان، كبير السن، قد قرر أن يذهب إلى مارسيليا ~~بالسيارة، فذهبت معه كي آخذ السفينة من هناك إلى الإسكندرية، وكان يقود ليلا وبسرعة، فأرى ~~الأشجار يمينا ويسارا تتوالى في ضوء كشافات العربة. أما أنا فكنت أنام بين الحين ~~والآخر، فيوقظني غاضبا حتى لا ينتابه النوم هو أيضا. ووصلنا في الصباح، وذهبت إلى ~~ميناء مارسيليا، وأخذت السفينة إلى الإسكندرية. وكان أخي بانتظاري والوالد والوالدة وزوج ~~شقيقتي الكبرى سيد. ووصلنا إلى القاهرة، وكانوا قد غيروا السكن من باب الشعرية إلى ~~العباسية، من شارع البنهاوي درب الشرفا إلى شارع أحمد سعيد في فيلا ذات دور واحد ~~بحديقة مكثت فيها شهرين، وحضرت العرس. وأردت توزيع الهدايا على إخوتي فردا فردا، ~~فأخذتها أختي العروس كلها بحجة أنها هي التي تحتاج إلى الأقمشة، ولم يحزن أحد. وفي ~~ليلة العرس لبست شقيقتي الأكبر من العروس فستانا عاري الصدر، فرفض والدي وأخي، ~~وأقنعتهما أن هذا طبيعي؛ فالأصغر منها تتزوج وهي الأكبر لم تتزوج؛ فلعل في هذا العرس ~~يأتيها من يطلب يدها، وأنا قادم من باريس ولا حرج. وفي طريق العودة حيث كانت السفينة تتوقف ~~ليلة في أثينا حيث يرى البحارة ذويهم، رأيت عبد المعطي شعراوي الذي كان يدرس فيها، ~~وقضيت الليلة معه حتى عدت في الصباح إلى السفينة لاستئناف الرحلة إلى مرسيليا، ومن هناك ~~أخذت القطار السريع إلى باريس، ولا يتوقف إلا في ليون بعد اختراع القطارات فائقة السرعة، ~~أربع ساعات بدلا من ثمان. # وبعد العودة إلى فرنسا عام 1960م، والرجوع من مصر بعد رؤية العائلة، وحضور حفل زفاف ~~شقيقتي فاطمة أحسست بتغير في نفسي في طريقة رؤيتي للعالم وسلوكي ms079 في الحياة؛ فبدلا ~~من أن أبدأ بالفكر بدأت بالواقع، وهو ما سميته بعد ذلك «من النص إلى الواقع». وبعد أن ~~كنت مثل باقي الإخوة المسلمين أتطلع إلى أعلى أصبحت أتطلع إلى الأمام. وهو ما سميته ~~فيما بعد «من الفناء إلى البقاء». وبدلا من حرصي على الشعائر كمظاهر أبقيت على ~~مضمونها الاجتماعي وهو ما سميته فيما بعد «من أحكام الشريعة إلى أحكام الوجود». وبدلا ~~من أن أهاب وأخشى المرأة بدأت بالمغامرة معها والتعلم من التجارب معها. وبدلا من ~~قراءة النصوص بدأت أعيش الحياة، التجربة الحية. وبدلا من حرصي على الصلاة اليومية أو ~~الأسبوعية أصبحت حريصا على زيارة الأوبرا باعتباري طالب كونسرفتوار مجانا؛ فكان لطلبة ~~الموسيقى بنوار خاص لخمسة أفراد. كنت أرى الطالب يأخذ صديقته الطالبة، تخلع حذاءها وهو ~~يهرش لها قدميها، وأنا أبكي على حالي، وأحزن لثقافتي. ورأيت جميع الأوبرات، وشاهدت ~~جميع المسرحيات، واستمعت إلى مقطوعات الموسيقى السيمفونية مجانا باعتباري طالبا في ~~المعهد. ومرة وأنا أسمع حفلة موسيقية وضعت ما معي من كتب اشتريتها على الأرض، ~~وأزيحها بقدمي تحت جاري، وهو يرجعها بقدمه تحتي حتى شخط في، فأدركت قبح ما ~~فعلت. # وعرفت طبيعة الأوروبي دون تعميم على كل أوروبي؛ فقد عرفت جاك فاندنبرج عندما أتى إلى مصر ~~في كتابة رسالته عن الاستشراق، ولما عاد إلى هولندا واحتجت أعمال هوسرل التي طبعت في ~~هولندا، فأرسلها لي، وكان ل «الفلوران» العملة الهولندية سعران، واحد رسمي وآخر في السوق ~~السوداء، أصر على موقفه، السوق السوداء، وأصررت على موقفي، السعر الرسمي. ولما ذهب ~~إلى مصر حاول أخي إعطاءه المبلغ بالسعر الرسمي فرفض، فجمع له بعض العملة الهولندية وأعطاها ~~له، ومن بعدها وقد سقط من عيني، مع أنه أصبح من كبار المستشرقين الآن، ويعمل في سويسرا، ~~وبذقنه السوداء الطويلة، وشفتيه الحمراء تخيلت أنه دراكولا، مصاص الدماء. # وطالب آخر كان جاري في مدينة أنطوني الجامعية التي كنا نذهب إليها بالصيف حتى تقوم ~~المدينة بإصلاح ما عاب من منازلها، سمعت أنه مريض، فأخذت بعض الفاكهة لزيارته لأن الحائط ms080 في ~~الحائط، فشكرني وقال لي للأسف لا يستطيع أن يقدم لي شيئا لأن علبة السكر بها ثلاثون ~~ملعقة، واحدة كل يوم، وعلبة الشاي بها ثلاثون ملعقة، ولا فائض له كي يعمل كوب شاي لي، ~~فاعتذرت أنني لا أشرب الشاي، وتذكرت المثل العربي «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في ~~الغيب.» فما الضامن أنه سيعيش إلى آخر الشهر وهو مريض؟ # كانت ألمانيا وبرلين في ذلك الوقت مقسمة إلى قسمين: الغربية والشرقية، وبينهما حائط ~~من الجهة الغربية مكتوب عليها كل ما ينكر حرية الغرب واستبداد الشرق، قبل أن يتحطم حين ~~انهيار الكتلة الشرقية في أوائل التسعينيات. وكان هناك ترام يربط بينهما من خلال فردرش ~~شتراسه. وبعد أن زرت المتحف الذي به رأس نفرتيتي الشهير داخل صندوق من الزجاج والذي يقف ~~أمامه الألمان طوابير من الصباح، ورأيت باقي الآثار المصرية القديمة ذهبت إلى برلين ~~الشرقية كي أرى جزيرة المتاحف التي بها كم كبير من الآثار الفرعونية والبابلية ~~والآشورية. ورأيت أهم شارع، وهو طريق ستالين، بعرضه وطوله ومنازله المتشابهة على ~~خط واحد. وكان المارك الغربي بستة دراهم شرقية تقريبا، مع صعوبة نقل أعمال ماركس ~~وإنجلز، فاشتريتهما مع صورته، ونقلت ذلك على الدراجة عائدا إلى باريس. ولما توجهت ~~وأردت العودة إلى باريس أخذت القطار من ستراسبورج عائدا إلى باريس، وهي المدينة التي ~~عليها خلاف بين الألمان والفرنسيين. ولما كنت مغرما بالألمان فقد لففتها ~~بالدراجة ثلاث مرات، من الغرب إلى الجنوب حتى منشن والتي يسمونها ميونخ، ومن الغرب إلى ~~الوسط حتى فرانكفورت ونورنبرج، ومن الغرب حتى الشمال حتى همبورج حتى حفظتها عن ظهر قلب. ~~وما زالت آثار الحرب والتدمير في ذهني ومنها تسمية كنيسة الذكرى # Gedächtnis Kirche ~~. # وكنت أريد أن أذهب إلى برلين بالدراجة، فأوقفتني شرطة ألمانيا الشرقية عند الحدود في ~~هلمشتت وسألوني: إلى أين؟ قلت: إلى برلين. قالوا: ممنوع تمر عبر ألمانيا الشرقية إلى برلين ~~كمدينة مفتوحة. قلت: وما المانع؟ قالوا: لا يمر إلا من كانت سرعته مائة كيلومتر. كم سرعة ~~دراجتك؟ قلت: عشرين! قالوا: ms081 إذن ممنوع. ولا تمر إلا من ثلاثة طرق دولية، من الجنوب ~~ومن الغرب ومن الشمال. فتركت الدراجة في المدينة الحدودية، وأوقفت عربة ذاهبة إلى ~~برلين وركبتها أتوستوب # Autostop ~~، والرجل لا يتكلم فهو ~~في أرض العدو، وقد عبر لي عن ضيقه بهذا الكبت للحريات. وبعد شهر في برلين عدت إلى ~~المدينة الحدودية بنفس الطريقة، وأخذت الدراجة راكبا القطار من ستراسبوج الفرنسية ~~عائدا إلى باريس. وقد ساعدني على اكتشاف الحياة الصداقات التي أخذتها من الحب ~~الرومانسي، وسكني ببيت ألمانيا، وصديقتي الألمانية والإغراء بها. وكانت العادة القيام بحفلة ~~رقص كل يوم جمعة مساء، وإظهار المهارات في هذا الفن الذي يعتبره البعض غير رفيع، تظهر ~~كل فتاة ممارستها، ويظهر كل فتى براعته، فكنت أعمل مثلهم خاصة أنني كنت رائد اتحاد ~~الطلبة في المنزل الألماني. وكانت هناك ثلاجة بها جميع المشروبات خاصة البيرة، لا يوجد ~~أمامها بائع ولكن مجرد صندوق، يكتب كل شارب ما يشرب في بطاقة باسمه، ويدفع آخر الشهر ~~من نفسه. ولما كنت مصريا متعودا على وجود بائع أدفع له مباشرة، فإنني كنت أشرب ما ~~أريد دون تسجيل بطاقة، وكان من يجمع الحساب آخر الشهر من كبار الشاربين يجد المجموع أقل ~~من المستهلك، وأولهم هو، ليس لأنه لص ولكن لأنه سكير لا يدري ما يفعل، وكان المنزل ~~يدفع ما نقص من ميزانية البار المفتوح «اخدم نفسك ~~بنفسك» # Self-Service ~~. وكنت أشارك في حفلات رأس السنة بتزيين المنزل وزجاجه ~~بالألوان. وكانت الموسيقى بالبدروم، فكنت آخذ كماني ليس فقط لأعزف ولكن أيضا للتعرف على ~~باقي العازفات، وكانت إحداهن تعزف تشيللو، ومرة توقفت، وقالت: زهقت، قلت لها: وأنا ~~أيضا، فتركنا الآلات وقمنا نعزف شيئا آخر. وكان معنا في المنزل طالب تمثيل «بانتوميم» جاء ~~ليدرس مع جان لوي بارو أشهر ممثل للبانتوميم في العالم، وكان يدخل خشبة المسرح في ~~المنزل، ويقوم بالتمرين، ولكنه كان يريد من ينظر إليه، فكان يناديني باعتباري فيلسوفا ~~فنانا: يا حسن تعال انظر، فأحسست بضرورة وجود إدراك الذات حتى يتحقق ~~الموضوع. # وكنت أفتعل مناسبة ms082 للتعرف على الجنس الآخر بالمطاعم الجامعية والمقاهي والأندية ~~الرياضية؛ ففي المطاعم أفضل وسيلة للتعرف على جارتي الطالبة هو سؤالها: هل تريدين أن ~~أصب لك الماء؟ هل تريدين قطعة خبز؟ فدورق المياه وسلة الخبز مشتركان على المائدة. ~~ولما طلبت من جارتي: هل تريدين كوب ماء؟ وهي تعلم قصدي، قالت: أنا لا أعاشر، واللفظ ~~الفرنسي أكثر وضوحا # je ne pense pas ~~. ومرة أخرى بعد ~~الغداء ذهبت إلى المقهى أسفل المطعم بعد أن سألتها ونحن في المصعد: أتشربين القهوة معي؟ ~~قالت: إلى اللقاء، وهي تنظر إلي بحب أنها شربت قهوة على حسابي دون أن تعطيني ~~شيئا. مرة ثالثة تقابلنا وأعطتني موعدا على ناصية شارع بول ويش وشارع المدارس، وأتيت في ~~الموعد تماما، وانتظرت ولكنها لم تأت وبتعبير المصريين «فرقعتني» أو «ادتني زومبة» أو ~~«ادتني بومبة». وكان حمام السباحة في الدور الرابع تحت الأرض في بيت الرياضيين الذي ~~سكنت فيه في غرفة مزدوجة، وكانت حارسة الحمام سيدة جميلة، ذات صدر بارز، والسباحون ~~ذوو عضلات بارزة؛ فأين أنا من هذه المنافسة غير العادلة، فعدت إلى الرومانسية من جديد ~~مثل نجيب الريحاني مع ليلى مراد في «غزل البنات». # وفي برلين الغربية زرت جامعة فون همبولت ~~وبحيرة البط، وسكنت ببيوت الشباب، وكنا في الإفطار أنا والشباب نجمع من الموائد ~~المتبقية الخبز والبيض ونفطر به. وما تبقى يكون طعاما لليوم. وعلى الخروج من محطة ~~متحف دالم كانت عربة واقفة تبيع السجق والمسطردة مثل عربات الفول عندنا على نواصي الشوارع ~~والطرقات. وكان أحد الأصدقاء الألمان في باريس قد قدمني لأحد أصدقائه في برلين، فدعاني ~~الصديق في برلين إلى العشاء واستقبلني هو وزوجته احتفاء بالضيف الباريسي. ولما نفدت ~~النقود ولا أعرف أحدا، ذهبت إليه أطلب قرضا، فنظر إلي كيف تحولت من ضيف إلى سائل! ~~وأعطاني ما طلبت. وأخبرني أحد الطلبة ببيوت الشباب أنه يمكنني العمل بالمعارض، وما ~~أكثرها في ألمانيا! أفرد السجاجيد أو أنظم الكراسي، واليومية عشرون ماركا، فعملت ~~وأرجعت ما اقترضت. ولما كان العمل ممكنا نهارا وليلا، فقد كنت ms083 أزور برلين ~~صباحا وأعمل ليلا، وأنام في أحد حوائط المعرض كما يفعل الآخرون، ورأيت الألماني ~~وصديقته يفعلان ذلك ، ولا أحد ينتبه إليهما؛ فقد جمعهما الحب والفقر. # أما فرنسا فقد زرتها مقاطعة مقاطعة مع صديقتي الألمانية بالعربة؛ غربا وشرقا، ~~وجنوبا وشمالا. ورأيت نيس وكان، وهما ما كنت أسمع عنهما في المهرجانات الدولية للسينما. ~~وأذهب إلى الأحياء القديمة التي لم تطلها يد التدمير في الحرب. وفي طولون تذكرت ~~المدينة التي خرجت منها الأساطيل الفرنسية والبريطانية لهزيمة محمد علي غرب الإسكندرية. ~~ومرة ذهبت إلى سافوا العليا # Lu Haute Savoie # الشهيرة ~~بجبال الألب، ومكان للاستشفاء، ورأيت الثلج في قمتها صيفا وشتاء. وذهبنا إلى لوزان ~~وجنيف لرؤية بحيرة لوزان الشهيرة والقصور على ضفافها، وفيها قصرا الرئيس المخلوع ~~ونجله في زيارتي لجنيف. # وقد زرت إنجلترا بدعوة من جامعة أكسفورد، ووصلت إليها عن طريق النفق البحري تحت ~~الماء الذي يربط فرنسا بإنجلترا، وكنت أخشى في البداية، ولكني لم أخش في النهاية، ~~وتذكرت نفس النفق في إستانبول الذي يربط بين الجانبين الأوروبي والآسيوي. وأخيرا زرت ~~الكوبري المعلق الذي يربط بين الجانبين، وعرفت أن التكنولوجيا ليست وقفا على الغرب، ~~وكانت تركيا حليف الألمان في الحرب العالمية الأولى، وفيها امتد قطار الشرق السريع من ~~برلين إلى بغداد. # كنت أجد نفسي نائما في محاضرات الطلاب ~~المسلمين بشمال أفريقيا؛ فكانت علمية سياسية، في حين عند حميد الله علمية خالصة. وكنت ~~أشعر أنني طليق اللسان عندما أتحدث عن الاستعمار والاستقلال والحرية للشعوب، ومع زميلي ~~رشدي راشد. وفي صيف 1965م أتى المشير عبد الحكيم عامر إلى باريس للإعداد لزيارة الرئيس جمال ~~عبد الناصر إلى باريس للقاء ديجول، وأعدت له السفارة المصرية في باريس استقبالا، وكتبت ~~اليافطات، ورفعت الأعلام، ونظم السفير عبد المنعم النجار استقبالا، وكان من الضباط ~~الأحرار، وجاء الطلاب من كافة أرجاء الدول الأوروبية للمشاركة في هذا الاستقبال. وذهبت ~~وجلست في الصف الأول أمام المنصة. وكان عليها المشير، ود. محمود فوزي رئيس الوزراء، ولطفي ~~الخولي الصحفي بالأهرام، ورئيس تحرير مجلة الطليعة الماركسي المعروف. ms084 وبمجرد ما انتهى ~~المتحدث الأول من إلقاء كلمته بعد أن راجع السفير كل الكلمات خشية أن يكون في إحداها ما ~~يغضب النظام ، أحسست بشيء يدفعني، فأخذت الميكروفون وقلت: سيادة المشير، كل هذه ~~الزفة واليافطات والكلمات مزيفة؛ فقد راجعها السفير، ولا تعبر عما يجيش في نفوس ~~الطلاب، ما يدور في نفوسنا جميعا هو منع تجديد جوازات السفر للبعض منا، وعدم تجديد ~~المنح الدراسية لأننا مصنفون بأننا ضد النظام. وسرعان ما اختطف الميكروفون المتحدث ~~الثالث من ورائي وأكد ما قلت، ووقف الطلاب طابورا للحديث في نفس التيار، وأنزلوا ~~اليفط التي ترحب، وعلت الأصوات بالمنع من السفر، والحرمان من حضور جنازة الوالد، ~~فأخذ المشير على غرة، ولم يعرف كيف يرد، وطلب من لطفي أن يرد على هؤلاء ~~الطلبة العاقين الذين لا يعرفون أحوال بلادهم، فرد لطفي أنه اعتقل وعذب، وما زالت ~~آثار التعذيب والكرابيج على ظهره، وكان د. محمود فوزي يبتسم ليعلن عن سروره العميق بخطاب ~~الطلاب وأنه ما زال في مصر رجال. # وعاد المشير إلى القاهرة ليخبر ناصر بما رآه وسمعه في باريس، فطلب منه دعوة ممثلي ~~الطلاب الدارسين في أوروبا ليناقشهم بنفسه في القاهرة في الصيف القادم، وهو ما سمي ~~«مؤتمر المبعوثين». واستدعاني السفير في باريس كي يستفسر مني عما فعلت، فأخبرته أني ~~قلت كلمة صدق، وبدأ في تكوين جماعة طلابية تجتمع في السفارة أسبوعيا لندرس فيها أحوال ~~البلاد استعدادا للقاء عبد الناصر في الصيف القادم في القاهرة. واستعدادا لذلك كنا ~~نجتمع في السفارة «مجموعة باريس»، وأسسنا نادي الطلبة الاشتراكيين من: حسن حنفي، رشدي ~~راشد، حسام عيسى، # 2 # السيد يس، محمد عمران، فكنا نمثل الطلبة الدارسين في فرنسا، اثني عشر ~~طالبا، ثمانية اشتراكيون وأربعة لا يهتمون إلا بمصالحهم الخاصة مثل الإعفاء من جمارك ~~العربات، توفير سكن مناسب أو سرعة التعيين. وقد اختير هذا الوفد بناء على انتخابات عامة ~~من جميع الطلاب الدارسين في فرنسا، وحدث نفس الشيء في ألمانيا وإنجلترا، وكان التجمع ~~الرئيسي في فرنسا، ومنها الطائرة التي نقلت الطلبة من ms085 باريس إلى القاهرة في يونيو 1966م ~~وأعادتهم إليها، ينتقلون بعدها بالقطار إلى مقار دراساتهم في فرنسا أو خارجها؛ فما ~~أسهل المواصلات الأرضية داخل أوروبا ! # وفي هذا العام قمنا بنشاط سياسي في الموضوعات التي تحدثنا فيها مع المشير مثل الطبقة ~~الجديدة في مصر، طبقة كبار الضباط والمديرين ورجال القطاع العام، واتساع الهوة بين ~~الأغنياء والفقراء، والخوف من هذه الطبقة أو تضخمها. وكان تجمعا للطلبة ~~التقدميين، نستعد فيه للقاء جمال عبد الناصر، وكان كل منا يكتب بحثا في تخصصه في ~~أحوال مصر الاقتصادية والسياسية والثقافية؛ فكتب حسام عيسى عن أحوال مصر السياسية، ومحمود ~~عبد الفضيل عن أحوالها الاقتصادية، والسيد يس عن أوضاعها الاجتماعية، # 3 # ورشدي راشد عن أحوالها الثقافية، وحسن عبد الحميد وأبو زيد رضوان ومحمد عمران ~~عن أوضاعها القانونية، وأنا عن استقلال الجامعات، وكان البعض الآخر يجهز نفسه لخطاب ~~شفاهي دون أن يكتب. وكان سيد يس في إحدى الجامعات الإقليمية مثل ديجون، وكان يأتي إلى باريس ~~فأترك له غرفتي ليقضي الليلة فيها في البيت الألماني، وكنت أذهب لآخر الليل في مكان آخر، ~~يقول هو مع صديقتي. والجوهري كان مدرس الطبيعة النووية. وأعددنا ملفا كاملا عن أحوال ~~مصر لإعطائه إلى الرئيس عبد الناصر في الصيف عندما نقابله، ونحذره فيه من أي مواجهة مع ~~إسرائيل لن تكون في صالح مصر. وكنا نغني: «لك يا مصر السلامة، وسلاما يا بلادي، إن رمى ~~الدهر سهامه، أتقيها بفؤادي، واسلمي في كل حين.» وكان اللقاء في أغسطس 1966م في أكبر ~~مدرج بجامعة الإسكندرية، وهو في قصر الطاهرة، واستمر لمدة أسبوع، انتهى بتصويرنا معه ~~صورة تذكارية أمام قصر الطاهرة. وكان من أبرز التساؤلات: هل ما يحدث في مصر اشتراكية ~~غربية أم تطبيق عربي للاشتراكية؟ فالاشتراكية واحدة نظريا، وإن كانت متعددة عمليا. وهو ~~نفس السؤال الذي سأله سيد قطب في مرحلته الأخيرة: هل هم المسلمون أم جماعة من المسلمين؟ ~~وسلمناه ملف الدراسات عن أحوال مصر، فأتانا اليوم التالي يعبر عن إعجابه بها، ولكنه ~~يخشى من التطرف من الاشتراكيين كما ms086 يقال الآن عن تطرف الإخوان. وطلبنا منه أن يعاد ~~كتابة الميثاق حتى لا يسمح بالفارق الطبقي أكثر من 1:10 والذي هو الآن واحد إلى عدة ملايين ~~بل مليارات. وفي نهاية المؤتمر نشأ بيني وبين رشدي راشد حوار؛ أنا أستعد للعودة إلى مصر، ~~وهو مصمم على البقاء في فرنسا حتى أصبح عالما كبيرا في تاريخ الرياضيات، وحصل على ~~الدكتوراه لأبحاثه # Sur Travaux ~~. وحاول إنشاء معهد لتاريخ ~~العلوم بمكتبة الإسكندرية، ولكن لم تنجح الفكرة لغياب صاحبها. وحاولت إقناعه بتأسيس شيء ~~في جامعة القاهرة من الجوائز التي يحصل عليها الطلاب ولكنه لم يستسغ الفكرة على خلاف ~~مجدي يعقوب وأحمد زويل، بالرغم من توفر المال لديه من الجوائز التي نالها خاصة جائزة فيصل ~~الإسلامية، بينما تقدم ناشر «من النص إلى الواقع، محاولة لإعادة بناء علم أصول الفقه» ~~لنيلها فحجبت الجائزة هذا العام. ودعوته أستاذا زائرا بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، ~~فكان بينه وبين الطلبة فرق شاسع في المستوى. ودعوته إلى إلقاء محاضرة عامة في المجلس ~~الأعلى للثقافة باسم لجنة الفلسفة، فحضر القليل، وغادر أمين لجنة الفلسفة احتجاجا على هذه ~~المحاضرة التي يعلو مستواها على مستوى الحاضرين. وتذكرت كلمة جان جيتون التي كتبها في ~~آخر صورة بعثها إلي: «يجب الرهان» # Il Faut Parier ~~؛ فقد ~~راهنت على مصر والجامعات العربية والإسلامية، ونلت أعلى الجوائز في مصر، جائزة الدولة ~~التقديرية 2007م ثم جاءت جائزة النيل 2016م والجائزة البولندية من رئيس جمهورية بولندا، ~~وجائزة الشيرازي من الرئيس خاتمي في إيران. وهو راهن على فرنسا، ونال أعلى الجوائز من ~~السعودية، فيصل، وأصبح من أشهر علماء تاريخ الرياضيات في الغرب - أطال الله في عمرينا ~~لمزيد من العطاء. لا نتراسل كثيرا ولكني أراه كلما أتى في اجتماع مجلس إدارة مركز ~~المخطوطات العربية بمكتبة الإسكندرية؛ فكلانا عضو في الإدارة السابقة. وكان قد أتاني مرة ~~في مكتبة مدرسة اللغات الشرقية يعرض علي إذا كان يحجز لي من دخله الشهري الذي كان ~~يحول إليه جزءا، وأخرج من يده ورقة فرنكات وقعت على الأرض، فاعتذرت، ~~وشكرته. ms087 # وكان الطلب الوحيد الشخصي من وزير التعليم حسين كامل بهاء الدين هو نقل مكتبتي من باريس ~~إلى القاهرة بعد أن كنت سلمت مفتاح غرفة السطح التي كنت أسكن فيها إلى السفير؛ لأنني ~~سأغادر بالطائرة ، فطلب مني الوزير أن يوافق عبد الناصر، فانتظرته وهو خارج من المدرج ~~وشرحت له الأمر، فوافق ومضى على الطلب على الفور، وانتظرت حوالي ستة أشهر، من يونيو حتى ~~ديسمبر. وعاد الزملاء في مؤتمر المبعوثين إلى باريس في سبتمبر 1966م، وتخلفت أنا في مصر ~~بعد أن كنت قد ناقشت رسالة دكتوراه الدولة في السربون في يونيو من نفس العام. ولأول ~~مرة بعد المناقشة أسير في شارع بول ميش خاوي الوفاض من هموم العلم وكأني سائح، كان همي ~~فقط شراء النصوص الفلسفية التي تنقصني من مكتبات النصوص الفلسفية خاصة عند فران # Vrin # وأوبيي # Aubier # والمطابع الجامعية ~~الفرنسية Press Universitaire de France (PUF) ~~. وغيرها، وكنت آخذ قوائمها وأعلم عليها باليد وأجمعها ~~وأعطيها لمكتبة في شارع فورجيرار # Vaugerar # تعطي تخفيضا ~~20٪، جاء صاحبها مصر ليزورني، وهو الذي دعاني إلى الغداء. وتم شحن الكتب في ثلاثة صناديق ~~خشبية ضخمة ووصلت للإسكندرية، وذهبت مع والدي وأخي لاستلامها، وفي الجمرك انتظر ~~الموظف «بقشيشا»، ولما فتحها ووجدها كتبا قال: كتب! حزن. واكتفى بصندوق واحد ووقع ~~بالموافقة على كتاب أورتيجا إي جاسيه «ثورة الجماهير». وبعد شحنها إلى القاهرة ساعدني زوج ~~أختي الكبرى سيد حامد في شراء ألواح الأخشاب ونجارتها من قريب لي توفي أخيرا هو علي ~~النجار لعمل مكتبة لتصنيف الكتب عليها في غرفة من شقة الأسرة في شارع الجنزوري ~~بالعباسية التي ما زال يقطن فيها ابن شقيقتي بعد أن توفي الوالدان والخالة. وفي هذه ~~الأشهر الستة كتبت «التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم»، وهو مجرد مقدمة ~~لرسالتي الأولى «مناهج التفسير في علم أصول الفقه» التي كتبت عام 1965م قبل «نحن ~~والتراث» لمحمد عابد الجابري الذي ظهر عام 1980م والذي يسميه تلميذي أنور مغيث «مانيفستو ~~حسن حنفي». وقد ظهر عام 1980م في دار نشر محمود الشنيطي ms088 رئيس الهيئة العامة للكتاب السابق ~~والمؤسس لها، بعد أن جمعنا من شلة من المثقفين حوالي ستين ألف جنيه لبناء ~~ملحق في فلته بمدينة نصر وإحضار آلات الطباعة، والبداية بتصوير النصوص القديمة مثل ~~مذكرات أحمد عرابي، وأمده أخوه فتحي بآلات الطباعة التي كان يريد الاعتماد عليها في ~~إنشاء مطبعته الخاصة في بدروم فلته. وبعد مدة توقف المشروع، وضاع رأس المال، وأخذ ~~فتحي آلاته، ورد لي محمود خمسائة جنيه من خمسة آلاف تعويضا عن خسارة المشروع، وقال لي ~~إن ذلك من ماله الخاص. # الفصل الرابع # | الأستاذ الجامعي (1966-1971م) # ولا يعني الأستاذ الجامعي هنا درجة أستاذ، بل تعني بداية التدريس بالجامعة كمدرس 1967م ثم ~~أستاذا مساعدا 1973م ثم أستاذا 1980م. ولا يعني نهايته عام 1995م بل التعيين كأستاذ ~~متفرغ حتى عام 1980م، يجدد التعيين مرة كل سنتين بطلب القسم حتى الثمانين وكفى. ~~ألغي الفرق بين المتفرغ وغير المتفرغ، ويستطيع الأستاذ أن يستمر أستاذا سواء درس ~~أم منعته صحته عن التدريس على ما أذكر. وقد يكون القانون قد تغير. # تعرفت على سامي النشار بالإسكندرية وسعاد عبد الرازق ابنة علي عبد الرازق صاحب ~~«الإسلام وأصول الحكم»، وكان من أشهر أساتذة الفلسفة بآداب الإسكندرية، وطلب مني أن ~~أزامله في قسم الفلسفة بالإسكندرية، فاعتذرت لأن الشوق كان لجامعة القاهرة بعد حرمان ~~طويل، عشر سنوات، وظللنا نتعاون علميا في فلسفة العصر الوسيط، وساعدني في تقديمي لدار ~~الكتب الجامعية، ونشر أول كتاب لي «نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط»، ~~يحتوي على ترجمات «المعلم لأوغسطين»، «أومن كي أعقل لأنسليم»، «الوجود والماهية لتوما ~~الأكويني». وقد كلفت بتدريس الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى بجامعة القاهرة، بعد أن ~~تركها فتحي الشنيطي لأنه لم يكن راغبا فيها. وعندما عدت من الإسكندرية واقتربت من قسم ~~الفلسفة بآداب القاهرة كان رئيس القسم أحمد فؤاد الأهواني الذي كنت قريبا منه وأنا طالب، ~~واصطحبني معه إلى مكتبة عيسى البابي الحلبي في الأزهر الذي كان نسيبا له، وكان يعد لأن ~~ينشر مخطوطا كلفني بنقله أولا بخط اليد، ولم ms089 يكن هناك كومبيوتر في ذلك الوقت، وحزنت ~~عليه عندما غادر إلى الجزائر ولم يلق معاملة طيبة، ثم توفي بعد نشر رسائل ابن سينا ~~في النفس، وكتب كتابا مقررا عن الفلسفة الإسلامية، وكان أولا في وزارة التربية ~~والتعليم، فسر بعد لقائي بعشر سنوات، وأراد أن يعينني بالقسم بلا إعلان، ولكن الإدارة ~~رفضت؛ فلا بد من إعلان، والإعلان عن درجة، والدرجة لا توجد، ولا بد من نقلها من قسم آخر ~~مما يستدعي موافقة القسم صاحب الدرجة، وطلب القسم الذي يريد الدرجة، وعميد الكلية، ~~ورئيس الجامعة، ووزير المالية! وهذا يحتاج عاما للحصول على كل هذه الموافقات دون أن ~~يعترض أحد. وقابلت عبد الرحمن بدوي وكان في طريقه إلى إيران، ويريد من يحل محله، ~~وأعلن عن درجة علمية شاملة في تاريخ الفلسفة حتى ينطبق علي الإعلان، فوافقت وأنا ليس ~~لي عمل. وتقدم اثنان؛ عزمي إسلام في المنطق تلميذ زكي نجيب محمود وأنا، وبالطبع فضلني ~~بدوي. ولما طلب مني القيام بإجراءات التعيين اللازمة لم أكن أشعر بأي شيء تجاه المبنى، ~~مبنى كلية الآداب، جامعة عين شمس بالطوب الأحمر والمعمار الهندسي الصوري الشكلي، فذهبت إلى ~~بدوي وأخبرته بأن الحيطان لا تكلمني، فسخر مني قائلا: وهل الحيطان بتتكلم يا أستاذ؟ ~~واعتذرت له، فأخذ عزمي إسلام. وذهبت إلى سهير القلماوي التي كانت رئيسة قسم اللغة ~~العربية لأرجوها مساندتي في مجلس الكلية في نقل درجة من قسم إلى قسم الفلسفة، فقالت ~~بجفاء وهي تنظر إلى الكتاب المفتوح بين يديها: «عندما أعين طالبي أولا.» وتقصد ~~عبد المنعم تليمة. رددت عليها في سري: ولكن طالبها لن يرفض؛ فأنا وهو واحد. وهي زوجة ~~يحيى الخشاب الذي أحالني إلى التحقيق وأنا في السنة الرابعة لأني رفضت أن أدعو العميد، ~~السيد العميد لأنه لا سيد إلا الله، وقول الرسول: «لا تسيدوني.» وكانت فيلتها في ~~ميدان الجيش حيث أسكن في الشارع بجواره، شارع الجنزوري. # وطلب مني رئيس القسم أن أقوم بتدريس الفلسفة في العصور الوسطى منتدبا، وكان فتحي ~~الشنيطي يقوم بها وهو لا يحبها، ففرح ms090 لأن أحدا غيره سيقوم بذلك، ولم تعرف الحسابات كيف ~~تدفع لي أجرا؛ فأنا لست منتدبا من جهة حتى تعاملني بالمثل. وفي هذا العام زادت ~~معرفتي بمصطفى حلمي، وكنت أذهب إليه كي أصحبه إلى الجامعة، كما كان يفعل أحمد مرسي مع ~~عبد الحميد يونس، وعرفني بابنته ربما لغاية في نفسه، وما زلت أذكر معركتي معه عندما ~~كان يعطيني بحث قسم الامتياز وأنا في السنة الرابعة، طلب مني أن أكتب بحثا عن نظرية ~~المعرفة والسعادة عن الغزالي، وهو موضوع تقليدي، ولم أكن أحب الغزالي ولا التصوف، ~~وفي الخاتمة بعد عرض البحث كتبت رأيي عن «السقوط والانعراج»، وعنيت به السقوط السياسي ~~والاجتماعي في عصر الفتنة الكبرى ثم رد الفعل عليه بالتصوف بالصعود إلى أعلى، وهو ما ~~شرحته بعد ذلك في «من الفناء إلى البقاء، محاولة لإعادة بناء علوم التصوف»، فلما ~~قرأه قال لي اقطع هذه الخاتمة لأنها خارج الموضوع، فاعترضت بأن هذا هو رأيي الخاص، فرفض، ~~وأعطاني المقص، وقصصت الخاتمة وكأنني أقطع قلبي. رزعت الباب بقوة، لا أدري إراديا ~~أم لا إراديا، شعوريا أم لا شعوريا، وخرجت وكنت أخشى أن ينكسر الزجاج من وراء ~~الحاجز الحديدي. لم ينتقم مني كما يفعل آخرون، وأعطاني امتياز، ثم حدثت هزيمة يونيو 1967م ~~وكنت خجولا للسعي في مصلحة شخصية، والوطن كله في نكسة، ومع ذلك تمت إجراءات تمويل ~~درجة مدرس، وتم الإعلان، وتقدمت، ولم يكن هناك منافس غيري، وعينت رسميا مدرسا ~~بقسم الفلسفة بآداب القاهرة بثلاثين جنيها شهريا، وكنت أدفع نصفها للأسرة تكلفة إقامتي ~~معها، والنصف الآخر قسط موبيليات أختي الصغرى حتى الزواج؛ لذلك كنت أكتب في «الفكر المعاصر» ~~بعشرة جنيهات و«المجلة» بثمانية جنيهات و«تراث الإنسانية» بعشرين جنيها، و«الكاتب» بستة ~~جنيهات، وكان المجموع مواصلاتي وثمن كتبي بالعربية، وحصيلة ذلك نشر بعد ذلك في «قضايا ~~معاصرة» (جزءان): الأول «في فكرنا المعاصر». والثاني «في الفكر الغربي المعاصر»، أسلوب ~~ثقافي سياسي عام 1968م، 1970م. وحذرني رئيس القسم: إياك أن تصبح مثل أنيس منصور؛ أي تترك ~~الفلسفة إلى الصحافة، و«التراث والتجديد» ms091 لم يكن قد ظهر بعد إلا في الرسالتين بالفرنسية، ~~فكان التحذير ليس في مكانه. وكان الموضوع الغالب فلسفة الدين، وفلسفة السياسة، والواقع ~~العربي المعاصر، وهي الأضلاع الثلاثة في مشروع «التراث والتجديد». ووصلتني دعوة من المعهد ~~الفرنسي في روما برياسة كاستيلي لحضور مؤتمر عن التأويل والهرمونطيقا في يناير 1968م، ~~ورفضت السلطات الأمنية بالمجمع سفري، فأرسلت برقية إلى عبد الناصر أخبره بالأمر، فتم ~~الرد مع راكب موتوسيكل بعد أربع وعشرين ساعة بالموافقة على سفري، وقدرت الرئيس، ~~وأدركت خطورة أجهزة الأمن الموازية لسلطة الرئيس. # ودرست معظم المواد تقريبا: الفلسفة العامة للسنة الأولى، وفلسفة العصر الوسيط ~~وعلم الكلام في السنة الثانية، والفلسفة الحديثة في الثالثة، وفلسفة التاريخ، والفكر العربي ~~المعاصر في السنة الرابعة؛ فقد كنت شابا متحمسا يشعر بالخجل من الهزيمة 1967م، ويقرأ ~~تاريخ الفلسفة من خلال المقاومة ابتداء من الدوناتيين ضد أوغسطين، ضد سلطة دفاعا ~~عن الإمبراطورية الرومانية حتى فشته ونداءاته للأمة الألمانية ضد احتلال نابليون ~~لألمانيا، وكان يحضر محاضراتي جميع الطلاب من جميع الكليات ورجال الأمن. # وكانت قبة جامعة القاهرة تبدو لي من شارع الجامعة ~~وأنا داخل إليها مثل معبد البانثيون وقبة السربون. وكنت أشعر بالفرح داخلي أنني في حضرة ~~العلم والعلماء في الصباح، وأحزن وأنا أغادرها في المساء، ولسان حالي يقول: هذه هي ~~الجامعة التي تعلمت فيها منذ عشر سنوات والآن أنا أدرس فيها «عود على بدء»، أعود ~~إليها منتصرا بعد أن غادرتها مهزوما ومتهما بقلة الأدب في مخاطبة العمداء، أعطي ~~مثلا جديدا للطلاب بدلا من تقليد الجيل القديم، يكفي الارتجال دون كتاب مقرر وإعطاء ~~الأسئلة من أول العام مكتوبة بالطباشير الأبيض على السبورة السوداء، وجامعا بين الفكر ~~والواقع، ومعطيا خطابا من القلب إلى القلب ~~يجمع بين العقل والوجدان. ومن هنا بدأ مشروع «التراث والتجديد»، كنت أشعر بانتمائي ~~المطلق له؛ لذلك جعلت وديعة باسم كلية الآداب للصرف من عائدها على البحث العلمي ~~والمؤتمرات التي تربط بين الأقسام مثل اللغة، «النص والتأويل»، وتشجيع الأقسام على عقد ~~مؤتمراتها السنوية للخروج من العلم إلى ms092 الثقافة، وأنا سعيد بذلك، وما زلت حتى الآن ~~أتوحد معها، ولا أدري إذا كانت هي تتوحد معي أم لا. # وكانت هزيمة 1967م طعنة في قلب كل مواطن. وتحولت من باحث فلسفي إلى مفكر وطني كما ~~حدث لفشته بعد احتلال نابليون لألمانيا؛ إذ تحولت محاضراته كلها إلى فلسفة للمقاومة، ~~الأنا في مقابل اللاأنا من أجل الوصول إلى الأنا المطلق، وهو الجدل الهيجلي. # 1 # وقد كتب هيجل ضمن مؤلفات الشباب مقارنة بين فشته وشلنج. وكان طلاب الكليات ~~الأخرى مثل كلية الحقوق يأتون إلى الآداب لسماعي، ومنهم جابر نصار رئيس جامعة القاهرة السابق. # 2 # وملأت المجلات الثقافية ضجيجا فلسفيا عن المقاومة لتقوية الروح المعنوية ~~للشباب. وشاركت في مظاهرات مارس 1968م ضد ما يسمى بأحكام الطيران التي كانت ~~مخففة مقارنة بحجم الهزيمة، وقبض على كثير من المتظاهرين. وكنت أدعو للتحقيق ~~في أسباب الهزيمة، والمشاركة في حرب الاستنزاف (1968-1969م) حتى توفي عبد الناصر عام ~~1970م، وشاركت في عزائه. وحزنت على تصفية الناصريين في 15 مايو 1971م، ثم استدعاني ~~رئيس الجامعة محمد مرسي أحمد معترفا بأن محاضراتي عن المقاومة مسجلة في قسم الدقي، ~~وهناك تحذيرات لي عن طريق رئاسة الجامعة بأنني موضوع تحت المراقبة، والأفضل أن أصمت أو ~~أن أخفض الصوت أو أن أقبل الدعوة التي أتتني من إسماعيل الفاروقي لأزامله في التدريس في ~~الولايات المتحدة، فقبلت الرحيل. # وكان الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم ظاهرة تنتقد الأوضاع السياسية، وتدعو إلى المقاومة ~~لما بعد الهزيمة. استمعت إليه لأول مرة في كلية الحقوق خاصة «جيفارا مات» التي كان ~~ينهي بها الغناء. وكانوا ثلاثة بعد أن انضم إليهم محمد علي الطبال، كانوا فقراء لأنه لا ~~وظيفة لهم، وكانوا يسكنون في حوش آدم بشارع المعز لدين الله حيث نشأ نجيب محفوظ بالجمالية، ~~وحيث نشأت أنا بباب الشعرية بجوار باب الفتوح. كان يحيي الطلبة والعمال مثل لجنة ~~الطلبة والعمال التي تكونت في عام 1946م ضد الإنجليز والقصر، والمناداة بالاستقلال التام أو ~~الموت الزؤام. وكان أمن الجامعة يود القبض على هذا الثلاثي ms093 الثائر وعلى حشد الطلاب، ولكن لم ~~يكن قادرا؛ إذ كان يختبئ في عربة دخول الجامعة وفي الخروج منها، فكتبت لأول مرة عن هذه ~~الظاهرة مقالا في «الكواكب»، المجلة الأسبوعية التي كان يرأسها رجاء النقاش، وكان المقال ~~بعنوان «الشيخ إمام إمام المثقفين»، ولكن رئيس التحرير غير العنوان إلى «الشيخ إمام ~~والمثقفون»، وكأنه قد استكثر عليه أن يكون إماما، وكان أول مقال أكتبه، وكان مثل ~~الشيخ سيد درويش في ثورة 1919م. وكلاهما له لقب الشيخ، وكانت ألحانه يغنيها الطلاب معه ~~أو بدونه مثل «يا بهية»، وانضم إليه زين العابدين فؤاد بأشعاره الثورية مثل: # اتجمعوا العشاق في الزنزانة # اتجمعوا العشاق في باب الخلق # والشمس من الزنازين طالعة # والغنوة طالعة من الحلق # اتجمعوا العشاق في زنزانة # مهما يطول القهر مهما يطول الفقر # مهما يطول القهر بالسجانة # مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟ # وكنت أشارك في تهريبه وإحضاره إلى كلية الآداب في إحدى المدرجين الكبيرين 74 أو 78. ~~وكان العميد لا يستطيع أن يفعل شيئا أمام حشد الطلاب وشعورهم بالهزيمة والقهر ~~والفقر. # وكان هناك نظام الأسر الطلابية ومنها أسرة مصر التي كان يغلب عليها الطابع الشيوعي. ~~وكان لا بد لكل أسرة من عضو هيئة تدريس يكون مسئولا عن نشاطها، وكان رضوان الكاشف هو رئيس ~~أسرة مصر، ولا تجد رائدا لها حتى تصبح شرعية، فتطوعت لذلك. وكان نشاطها يتعلق بتحرير ~~مصر واستقلالها كما كانت الحركة الوطنية في الأربعينيات. وكان رضوان الكاشف قد اختار ~~عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية موضوعا للماجستير وأنا المشرف عليه. وكانت الخطة ~~في صياغتها وأسلوبها مثل خطب النديم، فطلبت منه أن يحول الخطابة إلى برهان، ويبدو أن ~~الطلب كان صعبا، فتوجه إلى معهد السينما، وتخرج منه، وأصبح مخرجا ناجحا، له عدة ~~أعمال يشار إليها بالبنان مثل «عرق البلح». وأنوي الكتابة عنه إذا أمد الله في ~~العمر، كما فعلت مع المخرج توفيق صالح إعجابا وتقديرا لأفلامه الجادة مثل «درب ~~المهابيل». # واستدعاني صوفي أبو طالب رئيس الجامعة وسألني: هل أنت شيوعي مثل هؤلاء الذين تجلبهم ms094 ~~للجامعة؟ فأجبت لا، ولكني مثل جمال الدين الأفغاني، فرد قائلا: الشيوعي! وهو نفس ~~السؤال الذي سألني إياه الرئيس السابق محمد مرسي عندما استدعى بعض المثقفين إلى قصر ~~الاتحادية لمناقشتهم، وسأل: أين د. حسن؟ فقمت، فقال: يقولون عنك شيوعي! وكان يظن أني من ~~الإخوان، وقد سافرنا سويا في مجموعة حوار في ألمانيا قبل أن يصبح رئيسا، فأجبت: لا، ~~بل أبو ذر الغفاري. فأجاب أحد الحاضرين : شيوعي! فقد كانت صورتي في الإخوان أني شيوعي، ~~وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني، وصورتي في أجهزة الأمن أني إخواني شيوعي. ولم يكن «اليسار ~~الإسلامي» قد انتشر بعد ليحل التناقض بين الإسلام والشيوعية أو الاشتراكية أو ~~الأيديولوجيات العلمانية كالليبرالية والقومية. وما زالت أغاني الشيخ إمام ترن في أذني ~~كلما اكتأبت أو شعرت بالإحباط. # ولما كنت ما زلت أعزب، وقربت التزاماتي الأسرية على الانتهاء حتى أفكر في ~~نفسي، ومنذ أن عدت من فرنسا وعينت بقسم الفلسفة بآداب القاهرة التقيت بمجموعة من ~~الشباب مثلي وعلى رأسهم عبد المنعم تليمة، ومنهم عبد الغفار مكاوي، وعبد المعطي شعراوي، ~~والنعمان القاضي. كان من ينظم الشعر، ومن يكتب القصص، ومن يترجم عن الآداب الأجنبية، ~~ومنا من ينظر للثورة وهو عبد المنعم تليمة الذي استفدت منه كثيرا في استعمال ~~المصطلحات الثورية ومناهج التحليل الثوري. وكنا نقضي ليلة أسبوعيا في منزل أحدنا، ~~نحاول التعرف على أسباب الهزيمة ومقومات النصر. وفي نفس الوقت كنا نحتاج إلى الحب، ~~ومن أقرب إلى الحب من معيدات الكلية اللاتي ربما يعشن نفس القضية؟ وكن ثلاث معيدات ~~تخرجن من قسم الإعلام عندما كان ما زال جزءا من كلية الآداب. كانت أكثرهن جمالا ~~ونشاطا وحيوية ورياضة وسباحة في حمام نادي التوفيقية متزوجة من ضابط شاب، وتريد ~~الانفصال عنه، وكان أكثر المرتبطين بها زميلا من قسم الفلسفة، وكان يعد رسالة ماجستير ~~في علم الجمال عند كانط في «نقد ملكة الحكم»، كان يسكن في غرفة في شبرا، وليلة لا ~~تنسى قضيناها، وهي ترقص لنا، وأنا أقول في نفسي ما أحلى الحب والزواج! ولكن هاتفا ms095 ~~داخليا كان يقول لي دائما احذر من المطلقات وانتظر العذراء، ومن جرب الطلاق ~~أول مرة لا يستبعد أن يمر به مرة ثانية. وكان الارتباط بالعذراء من بقايا الرومانسية ~~القديمة، وقد تزوج الرسول مطلقة، خديجة، وأحب عائشة العذراء؛ فلا تعارض بين ~~الاثنين. ومن منا قادر على أن يكون مثل الرسول؟ # وقد بدأت التفكير في الزواج بعد أن بدأت في تسديد آخر قسط في جهاز شقيقتي الصغرى ~~نادية، خمسة عشر جنيها شهريا، ولم يبق إلا خمسة عشر جنيها؛ فقد كان مرتبي ثلاثين ~~جنيها كنت أساعد بها الوالد والوالدة لأن معاش والدي، خمسة جنيهات، لا يكفي. وكان أخي ~~سيد قد تكفل بزواج باقي أخواتي، سعاد وفاطمة وعلية، بعد أن تزوجت أختي الكبرى نبيهة ~~على اسم والدتي قبل أن يتوظف أخي. وكنت أعيش من دخلي من المجلات الثقافية، «الفكر ~~المعاصر» و«الكاتب»، و«تراث الإنسانية»، و«المجلة»، وبعض الأحاديث التلفزيونية أعيش من ~~دخلها وأعول أسرتي منها وما تبقى لشراء الكتب، نصوص الفكر الإسلامي؛ فقد كان لدي من ~~الفكر الغربي الأوروبي ما يكفي. وكان البيت مرة خاويا من أي نقود، ورجعت من التلفزيون ~~بأربعة جنيهات، ومررت على والدتي ووالدي، فقالت الوالدة: «عاوزين نبيض الشقة يا أبو ~~علي.» فأعطيتها ما معي، وعدت إلى المنزل خاوي الوفاض كما نزلت، وكانت زوجتي تفعل نفس ~~الشيء مع أسرتها، ولكن كنا سعداء، ونعيش بأربعة جنيهات في الأسبوع بما فيها المواصلات، ~~وكانت الأشياء رخيصة وليس كما هو الآن. كنت سعيدا بشبابي وبشبابها، وكان الحب بيننا هو ~~المانع من أي شقاق نسمع عنه في الأسر الحديثة التكوين وكما تصور الأفلام ~~المصرية. # وأخيرا قدمني عبد المنعم تليمة إلى ~~طالبة دراسات عليا، تدرس المسرح المصري عند يعقوب صنوع بإشراف شكري عياد، وفي نفس الوقت ~~طلبت من أستاذها من يترجم لها بعض العبارات بالفرنسية التي وردت في أعمال يعقوب ~~صنوع، فنصحها بالذهاب إلى شاب أتى حديثا من فرنسا، ويستطيع مساعدتها. وتقابلنا في ~~مكتبة الجامعة، وكنت أقوم بما تطلب وأنا بجانبها أنظر إليها فأرى العينين مع # Eye Liner # الأزرق، ms096 وأشعر بالرقة والاحترام. وعرفت ~~أنها تعمل أيضا في مكتبة الجامعة الأمريكية، فتواعدنا مرة في حديقة الجامعة الأمريكية ~~بجوار النافورة، ورأيت جمال القوام وطريقة الحوار المتحضر والرشاقة، وكان ذلك في يوم ~~7 أغسطس 1969م، وما زلنا نتذكره كل عام، ونحتفل به. وفي نفس الوقت كان لقاء مع محمد حسن ~~خليفة قبل سفره إلى جامعة تمبل لاستكمال الدراسة، وهي الجامعة التي كان فيها إسماعيل ~~الفاروقي الذي دعاني إلى مصاحبته في التدريس بالجامعة بعد أن تعرفت عليه في جامعة ~~القاهرة أستاذا مدعوا من يحيى الخشاب، بقسم اللغات الشرقية، وكان متخصصا في فلسفة ~~الدين أو تاريخ الأديان. ثم تواعدنا على الغداء في نادي التوفيقية الذي كان يحق ~~لأساتذة جامعة القاهرة الاشتراك فيه بخمسة جنيهات، وكانت وجبة الغداء بسبعة عشر قرشا ونصف، ~~وأنا أسبح لأعرض قدراتي الرياضية، حدث ذلك عدة مرات. ومرة وأنا خارج ظهرا لاحظت ~~والدتي أنني لا أتغدى في المنزل، وهي تطبخ لي، وقالت لي: «حاسب ولاد الناس يا أبو علي.» ~~فطمأنتها بأن الموضوع جاد. وسألتها مرة: أتريدين أن تعيشي معي دائما؟ فأجابت: «يا ~~ريت.» فاطمأننت إلى صدق العواطف المتبادلة. وسألت مرة أخرى: ولكني إنسان صاحب ~~رسالة، أعد مشروعا قد ينقذ الأمة من كبوتها، وذلك يقتضي الجلوس على المكتب طيلة ~~العمر، لا زيارات لأقارب أو أصدقاء؛ فوقتي كله للعلم ولأداء الرسالة، فوافقت. ستعيشين ~~مع ضرة، وهو العلم، فوافقت، فاستغربت! وفرحت أن فتاة مصرية لها هذا الوعي العلمي. ~~ولم تطلب هي شيئا، لا خطوبة ولا مهرا ولا سكنا! ولما كانت دفعة جابر عصفور وقد أصبح ~~صديقي طلبت منه أن يذهب معي إلى أسرتها للتعارف فوافق، واتفقنا على الالتقاء في ميدان ~~التحرير، وذهبت قبلها إلى شارع معروف واشتريت بطة، وطلبت من «الفرارجي» لف ~~رقبتها بشريط أحمر وفي آخره «فيونكا»، فطلب من صبيه أن يفعل ذلك، فتردد، وصفعه ~~الفرارجي على وجهه، وقال له: «وأنت مالك.» البيه عاوزها كده، ووضعتها زوجته ثريا وهي من ~~نفس الدفعة في كيس تحت القدمين وهي جالسة. ووصلنا إلى المنزل ووضعته ثريا ms097 على الأرض وهي ~~«تقاقي»، فخاف الجميع أولا ثم ضحكوا، ودعتني والدة العروس لأن أذوق منها بعد أن طبختها ~~فاستجبت. # وسافرت إلى مرسى مطروح في رحلة مع بيوت الشباب، وراسلتها شوقا إليها، وجاءتني بهدية ~~صغيرة للذكرى أشبه ما يكون بالإناء العربي، أرضيته خضراء وعليه زينة ذهبية صفراء، ثم ~~دخلت مستشفى هليوبوليس لعملية جراحية، وذهبت لزيارتها مع أخي سيد، وقمنا بما يقوم به ~~المحبون في الواقع أو في السينما. واتفقنا على موعد رسمي للقاء الأسرتين، كان والدها ~~متوفى ولها شقيقة مطلقة ولديها ابن وبنتان والكل يسكن في شقة واحدة بالقرب من ميدان ~~الحجاز بمصر الجديدة، وكنت أنا من مواليد باب الشعرية قبل أن ننتقل إلى العباسية، وكانت هي ~~من مواليد ميدان الجامع قبل الانتقال إلى ميدان الحجاز، فكنا متقاربين من حيث أصولنا ~~الاجتماعية. كانت المشكلة هو الرصيد المالي، لم يكن لدي إلا مرتبي، وهي أيضا مرتبها ~~الذي كان يبلغ ضعف مرتبي، هي تعول أسرتها، وأنا أعول مع أخي سيد أسرتي، فأين لي بالشبكة ~~والمهر والسكن؟ وأين لي بتكاليف الخطوبة وكتب الكتاب والزفاف؟ أخبرها أحد أصدقائها الذي ~~يعمل في الإعلام والسياسة بوجود شبكة للخطوبة بثلاثة جنيهات مثل الماس تماما، وذهبنا ~~إلى الصاغة، واشترينا دبل الخطوبة، وكنا بها فرحين. وعدنا إلى مقهى أعلى سينما ريفولي ~~للاحتفال بها، والنادل ذهابا وإيابا ينظر إلينا وهو يحمل الطلبات، ثم أقمنا ليلة الخطوبة ~~في منزلها، وكان معظم المدعوين من كلية الآداب وفي المقدمة أحمد مرسي وهو يرقص الرقص ~~الشعبي. وجاء أحد أقربائها، قريب عمر مكرم، وكان هو رجل العائلة الحاضر شاهدا على كتب ~~الكتاب، وقد تم في نفس الليلة الخطوبة. وأحيط الدور الأرضي بساتر من محلات الفراشة، ~~وكانت ليلة، الكل فيها سعيد، الوالدان وأخي وزوجته والأخوات المتزوجات وأزواجهن وأولادهن، ~~وشقيقتها وأولادها وأم العروس التي طالما انتظرت زواج ابنتها، وطبعا أنا والعروس. كان ~~الحفل بسيطا، ولم يقدم إلا المشروبات والجاتوه. وقبل انتهاء الحفل رأيت ربما من الأفضل ~~أن آخذ عروسي للسهر في مكان ما. ولما كان جيبي خاويا طلبت ms098 من زوج أختي علية د. محسن ~~الطبيب إذا كان معه نقود، فأجاب: خمسة جنيهات، أخذتها سلفا، وذهبت والعروس إلى شارع ~~الهرم في باريزيانا، ورقصنا ثم عاد كل منا إلى منزله. # وكان علي أن أدبر بعض المال للمهر ثم لتأسيس شقة السكن دون أن أفقد الوقت. وكنت ~~قد قرأت «رسالة في اللاهوت والسياسة» لإسبينوزا وأنا في باريس. وكنت أقبل نفس أفكارها ~~خاصة عن العنوان الفرعي «في أن حرية الفكر ليست خطرا على التقوى، ولا على سلامة الدولة، ~~بل القضاء على حرية الفكر فيه قضاء على التقوى، وسلامة الدولة.» وكنت آتي بهذا العنوان ~~الفرعي كسؤال آخر العام في مادة الفلسفة الحديثة، للسنة الثالثة أطلب فيها شرح العبارة. ~~وقمت بترجمتها، وكانت ترجمة جيدة بفضل الصديق فؤاد ذكريا الذي راجع وصحح الترجمة، ~~فكانت من أفضل الترجمات. وله عشرات الطبعات التي لا أعلم عنها شيئا، ومقرر على معظم ~~الجامعات في درس الفلسفة الحديثة. وكانت المكافأة أربعمائة جنيه لم تصرف إلا بعد الزواج ~~والإنجاب بمناسبة حرب أكتوبر 1973م. وكانت الخطوبة عام 1969م، والزفاف في 30 أبريل 1970م في ~~نادي التوفيقية حول موائد وأطباق في كل منها إصبع موز وبجواره زجاجة كوكاكولا، وفي ~~الطبق قطعة من الحلوى، وتورته دورين أحضرها أخي سيد. وأنجبنا حازم الطفل الأول عام 1971م، ~~وهو الآن وزير مفوض وقنصل مصر في بورتسودان بالخارجية. وقد غنى فيه العزبي الذي كان ~~زميلا لنا في الثانوية، خليل أغا، مع أبو زهرة، وغنت مها صبري بدون «نقطة» لأن أخي سيد ~~كان أستاذا لشقيقتها، وطلبت فقط أربعين جنيها للعازفين دفعها أخي سيد. وصاحبنا ~~مصور إلى منزل الزوجية في عدة أوضاع منها العريس يحمل العروس. ولولا أخي سيد ما كان ~~الفرح قد تم. كان معظم الحضور من الأقرباء وزملائي في كلية الآداب وزملاء العروس في الجامعة ~~الأمريكية، وأقارنه الآن بالأفراح في الفنادق خمسة نجوم والتي تنفق فيها عشرات ~~الآلاف. # وكانت الشقة السكنية على ناصية شارع ~~الحجاز وميدان الحجاز كبيرة، أربع غرف وصالة، قفلنا البلكونة فأصبحت خامسة منها حجرة ~~مكتبي، ms099 كانت مشغولة قبلي، وأعطاني صاحب المنزل أسبوعين مجانا لو شئت لبياض الشقة ~~لما علم أننا عروسان، كان الإيجار أحد عشر جنيها طبقا للجان تقدير الإيجارات منذ أيام ~~عبد الناصر، وكان يملك مصنعا بشبرا الخيمة، وجاءني مرة وهو حزين لأن أخاه قد قتل، ~~والعائلة تطالبه بالثأر من القاتل وعائلته، وهو في حيرة، هل يفعل أم لا يفعل، وطلب نصيحتي ~~باعتباري أستاذ فلسفة، فنصحته بألا يفعل لأن الثأر حلقة لا تنقطع، وأن هناك قانونا ~~يأخد له حق القتيل من القاتل، فاستمع الرجل إلى النصيحة، ولكن صورته أمام أهله لم تكن ~~كريمة، فاغتم ومات. وتركتها بعد خمسة وعشرين عاما، وفيها ولد الأولاد الثلاثة، حازم ~~1971م، حاتم 1976م، حنين 1979م، وفيها ظهرت «قضايا معاصرة» (جزءان)، الأول «في الفكر العربي ~~المعاصر»، والثاني «في الفكر الغربي المعاصر»، كما ظهرت «من العقيدة إلى الثورة» (خمسة ~~أجزاء)، «من النقل إلى الإبداع» (ثمانية أجزاء)، و«الدين والثورة في مصر» (ثمانية أجزاء)، ~~وما زلت أحن إليها كلما مررت بها، وقد أصبحت مرة محل كاوتشوك ومرة كوافير. وندمت ~~على تغير رسالة المكان، وقد ملأت طرقاتها بالرفوف لوضع كتبي حتى تراكمت على الأرض، ~~وأحسست بضرورة توسيع المكان، وتركت الشقة لأصحابها دون أن أتقاضي مليما واحدا (خلو ~~رجل) لأنه لم يطلب مني شيئا عندما سكنت فيها، واحدة بواحدة، رجاني فقط أن أسلم الشقة ~~لوالدته لأنها ستكون كبيرة السن، ولا تستطيع صعود السلم في منزل ليس به مصعد. # وكان أقرب الأقسام إلي قسم اللغة العربية حيث كان يدرس أخي سيد وأصدقائي الأوائل مثل ~~عبد المنعم تليمة ونعمان القاضي، ونبتت أفكاري الثورية معهم عندما صفيت المعارضة من ~~الجامعة عام 1981م، كان ستة منها من قسم اللغة العربية حيث كانت تدرس زوجة الرئيس، وأنا ~~من قسم الفلسفة وأمينة رشيد من قسم اللغة الفرنسية وزوجة رشدي راشد السابقة، ثم قسم ~~الدراسات اليونانية واللاتينية، والشباب فيه مثل عبد المعطي شعراوي وأحلامنا في عمل سلاسل ~~للأعمال الأدبية اليونانية واللاتينية المترجمة، ثم كلية دار العلوم حين كانت عمادته في يد ~~محمود ms100 قاسم عندما كانت الكلية في المنيرة، وتعرفت على شباب الأساتذة هناك، قلبي مع دار ~~العلوم، وعقلي مع الآداب، ولكن كلا الطريقين يؤديان إلى نفس الغاية، وبلغة العصر الوسيط ~~المسيحي «أومن كي أعقل»، منهج دار العلوم، «وأعقل كي أومن»، منهج كلية الآداب. يعرفون ~~الحقيقة ويبرهنون عليها، وأنا أبحث عن الحقيقة كي أبرهن عليها. يدافعون عن الله وأنا أدافع ~~عن الناس. لا خلاف بين الإثنين؛ فالله هو رب الناس، ملك الناس، إله الناس. ومن دار العلوم ~~تخرج إبراهيم بيومي مدكور، وسيد قطب، ومحمد غنيمي هلال. وقد تبرعت بجائزة الدولة ~~التقديرية، ربعها لقسم اللغة العربية باسم أخي سيد، والربع الثاني لقسم الدراسات اليونانية ~~واللاتينية، والربع الثالث للجمعية الفلسفية المصرية، والربع الأخير وزعته على الأقارب ~~الذين كانوا يستحقون العون. # وكنت أعجب من الأساتذة الذين يدرسون من كتاب لهم مقرر على الطلاب، والطلبة لا ~~حيلة لهم إلا حفظ الكتاب واستذكاره، فإذا جاء السؤال خارج المقرر اعترضوا؛ فكانوا ~~يذاكرون الفلسفة على أنها واجب للحفظ. أما أنا فكنت أتساءل مع الطلاب عن إشكالات ~~الفلسفة والتي لا إجابة لها عندي أو عند أحد؛ فعندما كنت أدرس أوغسطين في الفلسفة ~~المسيحية كنت أتساءل: هل العلم يأتي من الخارج أم من الداخل؟ (محاورة المعلم). هل ~~المسيحية ديانة وطنية أم ديانة عالمية؟ (دوناتوس). هل أومن كي أعقل أم أعقل كي أومن؟ ~~(أنسليم). هل الوجود له ماهية أم الماهية لها وجود؟ (توما الأكويني). وكنت أعطي الأسئلة ~~أول العام حتى يفكر فيها الطالب. وعندما كنت أدرس الفلسفة الحديثة للسنة الثالثة: هل ~~حرية الفكر خطر على الإيمان وعلى سلامة الدولة أم إن القضاء على حرية الفكر فيه قضاء على ~~الإيمان وسلامة الدولة؟ (إسبينوزا). هل الشك له استثناءات أم شك في كل شيء؟ (ديكارت). ~~اشرح معنى العبارة الآتية: «كان لزاما علي هدم المعرفة لإفساح المجال للإيمان» (كانط). ~~وفي السنة الرابعة في فلسفة التاريخ: كيف ظهرت فلسفة التاريخ في الغرب؟ لماذا غابت فلسفة ~~التاريخ في تراثنا القديم؟ في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ ولم تكن ms101 هناك إلا نصوص ~~يقرءونها كديكارت، وإسبينوزا، وكانط، ولسنج، وابن خلدون. والآن في الجامعة المفتوحة أصبحت ~~الجامعة وسيطا بين الأستاذ والطالب في الكتاب المقرر، تشتري الكتاب من الأستاذ وتطبعه ~~وتعطيه للطالب، وتأخذ المكسب المقرر للناشر، ويظل الطلاب في هذه الدائرة، وكنت أحسبهم ~~مثلي. # وأثناء حياتي الجامعية لم أرفض أي انتداب ابتداء من قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة ~~عين شمس، عندما كان فؤاد زكريا رئيسا للقسم، وكنا ما زلنا أصدقاء، ثم قسم الفلسفة بكلية ~~الآداب بجامعة الإسكندرية عندما كان فتح الله خليف رئيسا للقسم قبل أن يغادر إلى قطر، ~~وانتدبني على الرغم من منع صوفي أبو طالب رئيس جامعة القاهرة له، وكان العميد أحمد أبو ~~زيد رئيس القسم. وانتدبت للتدريس في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة بني سويف والتي ~~كانت حينئذ فرعا من جامعة القاهرة، وكان أخي عميدا لها، وانتدبت للتدريس في فرع ~~الخرطوم قبل أن تستقل الآن وتسمى جامعة النيلين. وعرفت عن قرب الشخصية السودانية، ~~طيبتها وبساطتها وحبها للشعر والأدب. وكانت فرصة أرى فيها بعض المفكرين ~~السودانيين وصوفيتهم؛ مثل محمد محمود طه الذي شنقه النميري بتهمة الإلحاد. ورأيت بعض ~~الأولياء وهم يقبلون أيديهم وأرجلهم ويأخذون بصاقهم ليدهنوا به أجسادهم، ومؤلف ~~أحدهم الرئيسي مجرد تجميع للآيات والأحاديث. ورأيت موالدهم ~~للذكر ليلا في ضوء القمر. وفي الجامعات ~~الأجنبية درست أستاذا زائرا لمدة فصل دراسي واحد أو شهر في جامعات بريمن وفرانكفورت ~~وتمبيريه # Tempere ~~(فنلندا)، وروما، وميلانو، وصقلية، ~~وشاهدت آثار المسلمين فيها. # الفصل الخامس # | السفر إلى أمريكا (1971-1975م) # سمعت نصيحة رئيس الجامعة بأن أقبل دعوة إسماعيل الفاروقي لمزاملته في التدريس في جامعة ~~تمبل بمدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا؛ لأنه قد لا يستطيع حمايتي، بعد أن انتقل إسماعيل ~~من جامعة سيراكوز # syracuse # إلى جامعة تمبل. واستعددت ~~للرحيل، زوجتي وأنا وطفلي حازم وعمره حوالي ستة أشهر؛ إذ كان السفر أول سبتمبر، وهو موعد ~~بداية الدراسة في الجامعات الأمريكية. أرسلت الجامعة لي تذكرة السفر، واقترضت من زوج ~~أختي الكبرى سيد حامد ثمن تذكرة زوجتي حوالي ألف دولار، وكان ms102 الدولار وقتئذ بأربعين قرشا ~~أو أقل. وكان مرتبي حوالي ألف دولار، وأرسل إلى أسرتي جزءا. وكانت الجامعة قد ~~حجزت لي سكنا بيورك تاون # York Town ~~. وهو سكن لطلاب ~~الدراسات العليا، وكان في البدروم على الشارع رقم 13 الذي أعبر لكي أكون بالجامعة. بعدها ~~بأشهر قليلة انتقلت إلى سكن آخر في المواجهة للأساتذة في كوني هول # Coony Hall # بالدور الأول، شقة فسيحة بغرفتين مع حائط ~~زجاجي يطل على الحديقة في فناء المنزل، وركب فيه المدير شواية لحفل تعارف كل ~~نهاية أسبوع، وكان هو من تعرف على طالبة كندية تذهب معه إلى غرفته بعد حفل الشواء ~~والبيرة. كانت زوجتي فريدة وابني حازم معي، وكنت أتعرف على الشباب والشابات في الحفل. ~~وكان حازم يمسك شعر الفتيات المستلقيات على الحشيش، وكانت فرصة للتعارف أكثر، وكان ~~ينتظرني خلف الزجاج، ويهلل ويخبط بيديه وقدميه عندما يراني قادما، وأدخل فيشتكي لي ~~أمه، فاستجيب له وأقول: ضربتك أنا عارف حتى يكف عن البكاء. # وجامعة تمبل في فيلادلفيا في وسط الحي «الأسود». وكان إسماعيل الفاروقي حريصا أن يجعل ~~دروسه للطلبة المسلمين في الجامعة مع لقاءات لهم حرة في مركز النشاط الطلابي # Student Activity Center # الذي كنا نؤدي ~~فيه صلاة الجمعة. وفي الغرفة المجاورة جمعية اللواطيين يغنون ويرقصون. ولا تعارض بين ~~المجموعتين في عرف الجامعة طبقا لحرية الرأي، واستقلال الجامعات، والنشاط الطلابي الحر. ~~وكان حريصا على إسلام الآسيويين والأفارقة والعرب والأمريكيين، وهو إسلام تقليدي ~~عقائدي شعائري، على عكس إسلامي أنا الاجتماعي السياسي الثوري، وهو التقابل التقليدي بين ~~اليمين واليسار. كان حريصا على تقوية إيمانهم، والحرص على شعائرهم، وكنت حريصا على ~~تقوية عقولهم، وثورتهم على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وفي مقدمتها الفقر والظلم. ~~نعيد الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة. وكانت هناك محاضرات عامة، نشاط حر للجامعة أشارك ~~فيه ويحضره جميع الناس خدمة للمجتمع، وكنت أخشى من ضعف إنجليزيتي ولكني كنت مفهوما. ~~وكان بيته مفتوحا للطلبة والزملاء وهو ما لم يتعوده الأمريكيون، زوجته أمريكية مسلمة ~~(بيضاء) مثله في العقيدة والسلوك. وكنا نذهب إلى مساجد ms103 المسلمين في الشارع الثالث عشر ~~لنخطب فيهم الجمعة ونصلي، ونعطي درس العربية. كان من الأساتذة من يتعاطفون مع ~~إسرائيل مثل فرانك ليتل # Frank Little ~~، يكرهون العرب، لله ~~في الله، وهكذا يفسرون المسيحية. وكان منهم العلماء الذين يفسرون الدين نفسيا ~~واجتماعيا ولغويا وتاريخيا. فتعلمت منهم ما هي المداخل المختلفة لدراسة الدين، ليس ~~فقط وحيا من عند الله إلى الرسول بواسطة جبريل، وأن التاريخ عامل حاسم في تكوين التوراة ~~والإنجيل. وهو ما نتحرج منه حتى الآن؛ فكل شيء يأتي من السماء ولا شيء يصنع في ~~الأرض. # وبعد أن غادرت بعشرة أعوام تقريبا بعد خصام طويل معه من اتجاه المسلمين نحوي، وأنني ~~طالب مكانة عندهم، وأبحث عن عمل دائم في أمريكا، اغتاله هو وزوجته أحد المسلمين السود ~~المتعصبين لأنه لا يعلم الإسلام كما يجب. ورواية أخرى تقول إنه تدبير صهيوني لخشية ~~إسرائيل من أفكاره ووقوف المسلمين ضدها. وهو فلسطيني الأصل من حيفا، من مهاجري ~~1948م، واعتدوا على ابنه صخر لما علموا في الجيش أنه من المسلمين البيض، واختفت ~~البنتان في الدواليب ليلة العدوان، فنجتا، وإلا كانت الأسرة كلها قد قضي عليها. وقد ~~علمت بعدها أن القاتل كان جيمس جون أحد المسلمين السود المتعصبين، وحكم عليه ~~وأعدم. وقابلته آخر مرة في دولة الإمارات العربية المتحدة في جامعة العين، كنت أستاذا ~~لفصل دراسي، وكان هو مدعوا من أحد أصدقائه كمحاضر عام، نظر كل منا إلى ~~الآخر دون حديث طويل. حاول أحد الطلبة السودانيين الاعتداء علي، وقذفني بالكرسي ~~أثناء الصلاة، يبدو أنه اعتقد أنني من الكافرين، ولا يجوز الصلاة معه أو خلفه ولا حتى ~~الحديث معه أو الاستماع إليه. لم نسمع عن أحد من طلبته كان له شأن كبير في العلم، إما ~~وصل إلى الإدارة أو إلى الإعارة الطويلة أو إلى بناء فندق على الساحل ليعيش منه. مكثت ~~أربع سنوات بالجامعة، وأرادوا تجديد عقدي ثلاث سنوات أخرى، فرفضت لأنني لا أستطيع البعد ~~عن مصر؛ فطلابي أولى بي، ووطني أحق علي من الغربة. ولما أرادت زوجتي إكمال ms104 ~~دراساتها في الأدب المقارن، ويستحيل ذلك لوجود طفل، قررنا إرساله إلى مصر مع والدتها ~~وخالته. وكانت لحظة فراق وهو يبكي في المطار تاركا أباه، ووجوده بين يدي مضيفة غريبة ~~عنه. واستقبلوه في مطار القاهرة وهو يبكي حتى نسي الأصل، وارتبط بالفرع. وكان عمره يومئذ ~~ستة أشهر يكاد يمشي، ويستقبلني بفرح من وراء النافذة وأنا عائد من الجامعة، ويأخذ كتبي ~~ويفرق أوراقها تقليبا كما أفعل، فنقلناه من السعادة إلى الشقاء، وهو لا ينسى لنا تلك ~~القسوة، ونحن لا ننسى جرم ما فعلناه. وبعد عام ذهبنا إلى زيارته في الإجازة الصيفية، لم ~~يتعرف علينا، وكان يهرب منا إلى أولاد خالته الأطفال الكبار. وأخذناه إلى الإسكندرية ~~فلم ينم طيلة الليل وهو ينادي: «ماما سعاد.» وهي حماتي. ثم تكررت المأساة عندما تركناه ~~مرة ثانية وغادرنا، وربما تساءل: من هؤلاء الناس الذين عشت معهم أولا، وناس آخرون ~~ثانيا، ثم ظهر الأولون وغادروا؟ فإلى أي جماعة أنا أنتسب؟ ولما كنت أدخل الحمام ~~وأغلق الباب كان يدخل يداه تحت عقب الباب لعلي أفتحه أو أرى يده، ونتكلم سويا من ~~وراء الجدران حتى يطمئن إلى وجودي ثم خروجي له. # وكان الحدث الأكبر هو اكتشاف أمريكا، قوتها وضعفها. وكان هناك خدمة تؤديها الجامعة ~~للطلبة تسمى خدمة النشاط ~~الطلابي # Student Activity Service # لركوب الجراي هاوند # Gray Hound # لمدة شهر ب 99 دولارا وإعطائهم خطة السير، ويعرفونك على أسر في كل محطة تتعرف ~~عليهم، ويتعرفون هم عليك كنوع من التعارف الثقافي والحضاري بين الشعوب، فاستخدمنا هذا ~~النظام، زوجتي وأنا، ثلاث سنوات متتالية عبرنا بها أمريكا من الشرق إلى الغرب، من ~~فيلادلفيا إلى سان فرنسيسكو، ومرة ثانية من الشرق إلى الشمال الغربي هانكوفر عبر كندا ~~وشلالات نياجرا، ومرة ثالثة من الشرق إلى الجنوب عبر أورلاند ثم إلى المكسيك ذهابا ~~وإيابا. وتعرفنا على عديد من الأسر الأمريكية شبابا وشيوخا، وتناقشنا في أسلوب ~~الحياة الأمريكية، واكتشفنا الشعب الطيب الكريم المرحب بالأجانب غير صورة الحكومة، ~~العدوان والاستعمار للآخرين. وما زلنا نحتفظ بأجمل الذكريات للأسرة الأمريكية: ms105 زوجة ~~خرجت بطفلها قبل أن يكتمل أسبوعا ونحن لا نخرج قبل أربعين يوما. وأسرة كبار السن تبحث ~~عن الزوج، فرد علينا من فوق شجرة تسلقها وهو حوالي السبعين عاما، ولا أحد يخشى ~~عليه من الوقوع فتنكسر رقبته. أدركنا مدى التنوع في الجغرافيا الأمريكية بين الساحل ~~والصحراء، الجبل والسهل. عرفنا مدينة القمار رينو لجلب السكان وتعميرها في نيفادا. رأينا ~~ترام سان فرانسيسكو، ورأينا فخامة لوس أنجلس وبناياتها، ورأينا المنخفضات والمرتفعات، كما ~~رأينا مستوطنات الهنود الحمر، السكان الأصليين. وقررت أن أكتب عن أمريكا، الوجه الآخر ~~الذي لا يعرفه الناس. وجهزت مكتبتي إلى هذا الغرض للكتابة عن أمريكا، الأسطورة والحقيقة، ~~عن الفقر وليس الغني، العنصرية وليس التسامح. وما زالت النية موجودة لولا التراث والتجديد ~~استغرق كل حياتي، ولا أدري إذا كان في العمر بقية أو إذا كنت قادرا على النزول على ~~السلم الخشبي الذي يربط بين السكن والمكتب وأفحص دولاب المراجع عن أمريكا. وأحيانا ~~أقول: ربما تغيرت أمريكا بعد أربعين عاما، وقدمت مراجعي، وأصبح كتابي المزمع تأليفه ~~«أمريكا، الأسطورة والحقيقة» في مهب الريح إذا كان جوهرها أو بنيتها ما زالت مستمرة. # ومرة رابعة من الشرق إلى الغرب عبر كندا، من تورنتو وشلالات نياجرا إلى أوتاوا العاصمة. ~~قابلنا تحسين بشير سفيرنا في كندا، وحاولت التعرف على قضية كيبك # Quebeque # والرغبة في الاستقلال عن فرنسا. صحيح أن اللغة الفرنسية رابط بين ~~كيبك وفرنسا الأم، ولكن كان هذا جزءا من التاريخ الاستعماري الفرنسي لأمريكا الشمالية، مثل ~~الاستعمار البريطاني لأمريكا الوسطى، والاستعمار المكسيكي للجزء الجنوبي من أمريكا ~~الشمالية، والبرتغالي إلى أمريكا الجنوبية. وتعرفنا في فانكوفر على طبيب أسنان ~~ونحات، وشرح لي أن الأسنان فيها طريقة التعامل مع عظام مثل التعامل مع الحجارة في فن ~~النحت، مثل التعامل مع العظام. ومررنا بتورنتو في وسط الصحراء الممتدة من الشرق إلى ~~الغرب. ورأينا المدن التي نسمع عنها في الجغرافيا. # وإذا كنت وأنا في باريس اهتممت بالمسيحية والنقد التاريخي للأناجيل الأربعة بسبب ~~جيتون، فإنني في أمريكا أكملت دراستي في تاريخ الأديان ms106 باليهودية، خاصة التوراة وتاريخها ~~وكل نتائج النقد التاريخي للكتب المقدسة التي نخشى من تطبيقها، كما طبق طه حسين نظرية ~~مارجليوث في الشعر الجاهلي، وجمعت كل المؤلفات في الموضوع. وفي باريس اطلعت على ~~معظم المؤلفات الفلسفية الفرنسية والمترجمة عن الألمانية. وتركت في نفسي وعدا بأنه ~~سيأتي وقت أحصل فيه على المؤلفات البريطانية والأمريكية في أصولها الإنجليزية، وأتى ~~هذا الوقت وأنا في أمريكا، واشتريت معظم المؤلفات الإنجليزية لرسل ولوك وهوبز وهيوم ومل ~~مثلا والأمريكية لجيمس وبيري ورويس. وكان النظام أن أطلب ما أريد عن طريق مكتبة الجامعة ~~والحصول على 20٪ تخفيضا باعتبارها كتبا دراسية، فأكملت مكتبتي حتى جاء وقت المغادرة، ~~فطلبت من شركة شحن أن تقوم بذلك، وما أسهل الشحن في أمريكا! فالصناعة تجارة، والتجارة شحن ~~ونقل وضبط مواعيد وثقة متبادلة بين البائع والشاري، دون فساد، فجاءت بثلاثة صناديق ~~كبيرة من الخشب وشحنتها إلى مصر قبل مغادرتي أنا وزوجتي إلى القاهرة. وأحس حازم ابني ~~بالغربة مرة ثانية، واستمر في النوم عند حماتي أمامنا حتى الغداء، وعلم أننا أبواه، ~~وكان عمره أربع سنوات. كانت زوجتي قد حملت قبل المغادرة، ومن إرهاق البحث عن الهدايا قبل ~~السفر أجهضت، وحزنا لأننا كنا نريد طفلا ثانيا. وذهبنا إلى نيويورك في الحي ~~التجاري الذي تباع فيه الصناعات الأمريكية للتصدير بكهرباء قوة 220 كما هو الحال في بلادنا ~~وليس 110 كما هو الحال في أمريكا. # وتعرفت على الفلسفة الشرقية في الصين والهند. وقرأت نصوص كونفوشيوس ومنشيوس وبوذا، ~~وتياراتها المعاصرة، كما تعرفت على لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا؛ ~~فالفلسفة في أمريكا كانت مفتوحة على فلسفات العالم كلها، وشاعت ترجمة نصوصها إلى ~~الإنجليزية، وتوافرت طبعاتها؛ فأمريكا تمتد من ساحلها الشرقي إلى أوروبا عبر الأطلنطي، ومن ~~ساحلها الغربي إلى آسيا عبر الهادي، ومن وسطها إلى أفريقيا منذ أخذ العبيد إلى العالم ~~الجديد، ومن جنوبها إلى المكسيك وأمريكا اللاتينية، مستعمرات إسبانيا والبرتغال ~~القديمة. # وسمعت عن اعتصام الطلبة في ميدان التحرير للمطالبة بتحرير سيناء والأرض العربية ~~المحتلة، وحزنا لبعدنا عن مصر. وبعدها ms107 بعام اندلعت حرب أكتوبر 1973م، وكنا ~~باستمرار أمام التفلزيون نشاهد مناظر العبور، ونفرح، والأساتذة والطلبة اليهود حزانى ~~حتى يوم 16 أكتوبر، وقوع الثغرة. نحن نسمع أنها لا شيء، وأن الجيش المصري قادر على ~~محاصرتها. ورأي آخر يقول إن الجيش الثالث محاصر، ويمكن القضاء عليه. وصعقنا عندما ~~علمنا أن الهدنة قد وقعت وما زلنا بعد العبور لم نستمر على الأقل حتى المضايق. وطبقا ~~لاتفاقية الكيلو 104 انسحبت إسرائيل من الثغرة، وانسحب الجيش المصري غرب القناة. وكان ~~الجمصي والشاذلي يبكيان؛ فقد سلب منهما النصر. وقسمت سيناء إلى ثلاثة أقسام: أ، ب، ج. ~~الأولى قبل الممرات، والثانية وسط سيناء، والثالثة الثلث المحاذي لإسرائيل، وفي كل جزء ~~قوات محدودة. وفتحت قناة السويس بعد أن أغرقت فيها سفينة لمنع الملاحة. في عام 1974م ~~بدأ الانفتاح الاقتصادي، وانقلب النظام على الناصرية، واعتمد الاقتصاد الحر؛ فالرأسمالية ~~ليست جريمة. وبدأ التوجه نحو الغرب، الولايات المتحدة الأمريكية، وطرد الخبراء ~~الروس. # والمرأة الأمريكية بالرغم من تحررها في الظاهر إلا أنها مسيحية عقائدية في الباطن؛ ~~فلا تعارض بين الحرية والإيمان، بين الجنس والتقوى، بين لذة الجسد وصفاء الروح. وليس ~~كالثنائية الشرقية كما غناها عبد الوهاب في فيلم أغنية «عاشق الروح» في آخر فيلم «غزل ~~البنات»: «وعشق الروح ما لوش آخر، لكن عشق الجسد فان.» تعرفت على إحداهن كانت تدعو ~~الأساتذة إلى منزلها، تريد صداقة كاملة تؤنسها في وحدتها. وأين لي بذلك وزوجتي تقلق ~~علي إذا تأخرت عن العودة إلى المنزل دقائق معدودة؟ والصداقة تريد وقتا. ومرة أخرى ~~تعرفت على فتاة تسكن بعيدا عن حي الجامعة، فتأخرت في العودة، فقلقت زوجتي، ~~وسألت القاصي والداني أين أنا؟ خاصة وحوادث العنف شائعة، والصداقة تحتاج إلى راحة وليس إلى ~~قلق على قلق. # وفي هذه الفترة ترقيت من مدرس إلى أستاذ مساعد عام 1973م بعد أن قضيت ست سنوات ~~مدرسا، متأخرا سنة واحدة؛ رقتني اللجنة عن جدارة واستحقاق. ولما كنت من ~~المشاغبين في السياسة فقد رفض مجلس الكلية بالألاعيب الإدارية والدينية لأن إيماني أيضا ~~به شكوك. ms108 وكنت قد تقدمت بترجمتي لكتاب إسبينوزا «رسالة في اللاهوت والسياسة» وترجمتي ~~لمحاورة «المعلم» لأوغسطين، و«أومن كي أعقل» لأنسليم، و«الوجود والماهية» لتوما الأكويني في ~~«نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط»، كما تقدمت بالجزء الثاني من «قضايا ~~معاصرة» بعنوان «الفكر الغربي المعاصر»، وبعض المقالات في مجلة «تراث الإنسانية». وأعاد ~~مجلس الكلية إلى اللجنة العلمية التقرير، وكان رئيسها الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، فرد ~~عليه قائلا عبارة واحدة، وكان معروفا بإيجازه «إن ناقل الكفر ليس بكافر.» فاضطر مجلس ~~الكلية إلى الموافقة ثم مجلس الجامعة. وعرفت كيف تستغل الاتهامات الدينية لتغطية ~~الاتهامات السياسية، كانت رئيسة القسم معادية لي، وباقي الأساتذة خائفين منها، ~~يتملقونها ، فوافقوا على عدم موافقتها على الترقية؛ فكانت هي القسم. وكان هناك من ~~يقول: إنها ليست اتهامات دينية ولا سياسية بل هي الغيرة، قاتلها الله. واحتفظ العميد ~~بالتقرير حوالي ستة أشهر وهو ينكر وصوله واستلامه، فذهبت إلى البريد وعرفت أنه استلمه ~~مسجلا بتوقيعه، فنظر إلى مجموع المراسلات ورآه، واعتذر أنه كان مختبئا بينها، ~~وعرض على مجلس الكلية في آخر الوقت، والأساتذة قد غادروا، وأيد قرار القسم بأني مشاغب، ~~وأرسل إلى الجامعة، فلم تدر ماذا تفعل: قرار بالترقية من اللجنة العلمية، ولها الكلمة ~~الأولى والأخيرة، وقرار بعدم الترقية لأني مشاغب من مجلس القسم ومجلس الكلية، فأعاد مجلس ~~الجامعة الموضوع إلى القسم لرفع التناقض بين قرار اللجنة العلمية بالترقية وقرار المجلسين ~~الإداريين بعدم الترقية. وقرر مجلس الكلية إرجاع الموضوع إلى اللجنة العلمية من جديد ~~لعلها تغير رأيها، وتحكم بعدم الترقية؛ وبالتالي يرتفع التناقض المطلوب بين القرار ~~العلمي والقرار الإداري، فأعادت اللجنة العلمية نفس تقريرها بأن المتقدم يرقى بجدارة، ~~وأنه هو المحك في الترقية وليس القرارات الإدارية، ووصل إلى الكلية وكان رئيس القسم قد ~~تغير، وأتى آخر قاوم الضغوط عليه بالرفض، ثم عرض على مجلس الكلية، وكان العميد قد تغير، ~~وقاوم المجلس الضغوط عليه بالرفض، ورفع الأمر إلى مجلس الجامعة، وكان العميد السابق قد ~~أصبح نائبا لرئيس الجامعة، فأصر على الرفض، ومعه عميد العلوم، فطلب ms109 رئيس الجامعة ~~إبراهيم بدران بالتصويت، فصوت كل مجلس الجامعة لصالحي باستثناء العميد السابق وعميد ~~العلوم. وكان رئيس الجامعة قد نصحني بألا أذيع الأمر إلى الإعلام حتى يمر بهدوء لأن ورائي ~~أساتذة مثل عواطف عبد الرحمن ستكون في نفس الموقف. # وأتى منزلنا أحمد فخري عالم المصريات وقص علينا اكتشافاته بواحة سيوة، فقدرت أكثر ~~فأكثر علماء مصر. وأنا أسكن الآن في شارع لوزاكا المتفرع من أحمد فخري بعد أن سمي الشارع ~~باسمه، ولوزاكا في العهد الناصري والانفتاح على أفريقيا. كما زارني عالم الرياضيات الشهير ~~رشدي راشد والذي زاملني منذ أيام الدراسة في جامعة القاهرة ثم جامعة باريس، واستقر ~~هناك. وتعرفت على مالك بن نبي الذي زار فيلادلفيا بدعوة من جمعية الطلبة المسلمين، ~~وشرح لي أن انفصال باكستان عن الهند عمل استعماري طبقا لقاعدة «فرق تسد»، وأن هذه ~~القسمة هي التي حجزت الإسلام في الهند بعدما كان كالسكر في الماء. وقد كنت من أنصار ~~محمد إقبال، ومحمد علي جناح، فأعدت التفكير في موقفي، وقد يكون مالك بن نبي على حق. وظل ~~السؤال بالنسبة لي: وماذا عن كشمير؟ فمعظم سكانها مسلمون، ولا تريد الهند ضمها إلى ~~باكستان، وما زالت تحت وصاية الأمم المتحدة، وبعد ذلك قسمت باكستان إلى جزأين، الشرقية ~~والغربية، باكستان وبنجلاديش. وما زال مخطط التقسيم جاريا حتى الآن في الوطن العربي ~~للدول الوطنية وتفتيتها إلى دويلات عرقية وطائفية بحيث تكون إسرائيل هي الدولة القومية ~~الأقوى وسط هذا الركام من التفتيت. # وانتدبت إلى كلية الإعلام كي أدرس الفكر العربي المعاصر للسنة الرابعة عامي 1976م، ~~1977م. وكنت أربط الفكر بالواقع؛ أي بالسياسة. وكان الطلاب في غاية النضج، يناقشون ~~ويجادلون. وكنت أتخلى عن المنصة، وأجلس مع الطلاب، وأكلف بعض الطلاب بالحديث بدلا ~~عني حتى أبين لهم أن الفكر ليس له أستاذ. وكان حمدين صباحي، رئيس نادي الفكر الناصري، ~~يجلس في آخر صف ليسمع ويناقش. سعدت بهذا المستوى العالي من الوعي الفكري والسياسي، ثم ~~ألغي المقرر بعد مظاهرات يناير 1977م، ما سميت «انتفاضة الحرامية»، عندما خرج ms110 شعب ~~مصر كله من الإسكندرية إلى أسوان يطالب بخفض الأسعار التي رفعتها حكومة ممدوح سالم، ~~فتراجع على الفور بعد أن استعد الرئيس المغدور إلى الهرب بطائرته من أسوان إلى طهران عند ~~صديقه الشاه، وحليف أمريكا. وذكرني كثير من الإعلاميين الآن بهذه السنوات، كما ذكرني ~~رئيس الجامعة جابر نصار بالستينيات بعد هزيمة يونيو 1967م عندما كنت أتحدث عن فلسفة ~~المقاومة، وكان طلبة الجامعة من كل الكليات خاصة كلية الحقوق التي أمام الآداب يحضرون ~~لسماعي. # وكنت أعجب من الزملاء الذين يعارون للخارج، ويقضون سنوات الإعارة ثم سنوات مرافقة ~~الزوجة، فإذا انتهت يبحثون عن أي عقد عمل لاستمرار الإعارة. ولما كانت القوانين لا تسمح ~~للتفرقة بين الرجل وزوجه فإنهما يستمران في الخارج حتى سن المعاش، ويفقد فرصة ذهبية في ~~القاهرة لتعليم الطلاب من أجل آلاف الدولارات يبني بها منزلا حين العودة النهائية؛ فيفقد ~~وجوده في جامعته، وأثره في طلابه، وتضيع ذكراه في نفوسهم، ثم يقضون نحبهم فلا ~~يتمتعون بما أثروا، ولا تكون لهم ذكرى في قلوب أحد. # الفصل السادس # | إعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية ومقاومة الانقلاب على الناصرية ~~(1976-1982م) # أراد النظام السياسي الذي انقلب على الناصرية، من القطاع العام إلى القطاع الخاص، ومن ~~التحالف مع روسيا إلى التحالف مع أمريكا أن يبين أنه نظام ديمقراطي في السياسة، كما ~~أنه نظام حر في الاقتصاد؛ فالليبرالية ليست فقط في الاقتصاد بل هي في السياسة أيضا، ~~فأسس المنابر: الوسط واليمين واليسار. ولما كنت صاحب اليسار الإسلامي فانضممت عام ~~1976م إلى منبر اليسار ويمثله حزب «التجمع الوطني التقدمي الوحدوي» برياسة خالد محيي ~~الدين من الضباط الأحرار الماركسي الذي اختلف مع عبد الناصر فأرسله إلى لندن، ثم عاد، ومنذ ~~أن شنق زعماء العمال خميس والبقري الذين طالبوا بحقوقهم أثناء الثورة، وكان يمكن أن ~~يكونوا نصيرا شعبيا له، وكان يتكون من خمس قوى سياسية: الماركسيون، القوميون، ~~الليبراليون، الناصريون، والإسلام المستنير. وبطبيعة الحال كنت في الإسلام المستنير، ولو ~~أنني أفضل الإسلام الثوري، عودا من محمد عبده إلى الأفغاني. والفكرة كانت ms111 لكمال الدين ~~رفعت من الضباط الأحرار وقائد المقاومة الشعبية في قناة السويس ضد الإنجليز في 1951م الذي ~~كان إذا ذهب إلى العمل يلبس لبس العمال وهو في الوزارة. ذهبت إليه مع محمد عودة لعرض بعض ~~أمور التجمع عليه، وكنا قلة يرأسنا محمد أحمد خلف الله وأنا وزين العابدين السماك ~~ومحمد عمارة الذي تركنا بسرعة. وكان ضعيف الأثر أمام الماركسيين الذين يسيطرون على ~~قيادة الحزب بما فيهم رئيس الحزب؛ فكان الرأي الواحد هو السائد، وكان الاستبداد هي بنية ~~المجتمع بما في ذلك الأحزاب الليبرالية والشورى الإسلامية. وكنت عضوا بمجلس إدارة صحيفة ~~«الأهالي» ولي فيها عمود كل أسبوع، وكانت تصادر دائما من القاضي أبو سحلي. ومرة زار ~~رئيس البهرة من الهند مصر وزار السيدة زينب، وحول مقبض المقصورة إلى جوهرة، والمقصورة ~~نفسها طلاها بالذهب، فكتبت «ذهب المقصورة أم جوع الفقراء»، وكانت قلعة الكبش خلف حي ~~السيدة، وهي عشوائية أولى بهذا الذهب، فأحزن ذلك الحزب التقدمي! وقال رئيس الحزب الذي ~~كان مسافرا: لو كنت بالقاهرة لمنعت هذا المقال؛ فمعظم أعضائنا في الحزب التقدمي من ~~قلعة الكبش، وهم يقدسون السيدة! وبالتالي سنخسرهم، فكتبت: دور الحزب التقدمي في ~~البلاد المتخلفة، وطلبت مناقشته، وأعطاه إلى يحيى الجمل، فقرأه، ولم يعلق شيئا، ~~وبعد ذلك خرج يحيى الجمل مثلي من الحزب. وفي نفس الوقت اعتبر الحزب ثورة مصدق في إيران ~~التي أمم فيها البترول وهرب الشاه إلى إيطاليا، اعتبرها ثورة شيوعية لأن مصدق كان ~~شيوعيا مع أنه قد صرح أنه تعلم الثورة من عبد الناصر؛ فلم يكن هناك فرق بين الإخوان ~~والتجمع في رفضهم ثورة مصدق واتهامها بالشيوعية، كما اعتبر ثورة الجماهير بقيادة ~~الخميني ثورة رجعية «متأسلمة» بتعبير أحد قيادات الحزب الماركسيين رفعت السعيد. مع أن ~~عبد الناصر كان يمد «مجاهدي خلق» بالسلاح عن طريق بغداد عندما كان أمين هويدي سفيرا، وهو ~~عضو بالحزب، وكان «مجاهدو خلق» مثل حماس في منظمة التحرير الفلسطينية، تمثل يسارها، في ~~حين تمثل فتح يمينها، فأوقفت نشاطي في الحزب دون أن أخرج رسميا ms112 منه، وما زال معظمهم ~~أصدقاء ورفاق نضال. # وهنا بدأت فكرة «اليسار الإسلامي» في الظهور. كيف أحافظ على التراث الإسلامي كثقافة ~~شعبية وفي نفس الوقت أستخدمه للدفاع عن مصالح الجماهير، وحقوق الفقراء، وكل ما يدعو إليه ~~الإخوة التقدميون. وهو مشروع «التراث والتجديد» على مستوى الثقافة السياسية الشعبية. وهو ~~ما رأيته في جنوب أفريقيا في لاهوت التحرير واللاهوت الأسود. وما رأيته في المشاريع ~~النهضوية في ماليزيا وإندونيسيا. وما رأيته في جماعة 15 / 21، الجناح اليساري في حزب ~~النهضة في تونس. وهو ما يحدث في تركيا بعيدا عن أيديولوجية الجيش بعد ثورة كمال أتاتورك ~~الذي أراد تقليد الغرب والقطيعة مع التراث الإسلامي، ثم التحول إلى الضد، إلى ~~الأيديولوجية الإسلامية مع أربكان ، والقطيعة مع مظاهر تقليد الغرب، ثم الآن حزب العدالة ~~والتنمية لأردوجان الذي يجمع بين التراث والتجديد، بين الإسلام والتقدم. وهو ما أحاوله ~~في مصر إلا أنه لم يجد قبولا لأن الصراع بين التيارين شديد، ولا أحد يريد أن يحاور ~~الآخر؛ فالتقدم عند الإسلاميين علمانية وتقليد للغرب، مادية وإلحاد. والإسلام عند ~~التقدميين غيبيات واغتراب عن الواقع، ويمين سياسي. ولا يمكن الجمع بين الاثنين، كما ~~لا يمكن فصل تيار الإسلام المستنير عن حزب التجمع كقوة سياسية عن القوى الخمس ~~المكونة له كما أراد كمال الدين رفعت صاحب الفكرة. كنت إخوانيا فخرجت بسبب موقفهم ~~السلبي من ثورة مصدق، ثم كنت يساريا وخرجت بسبب موقفهم من الإسلام التقدمي أو ~~الإسلام الثوري. وبدأت في تصور اليسار الإسلامي على المستوى النظري الخالص دون ~~إمكانيات تنظيمية أو رغبة في السلطة والحكم، كما تريد كل الأحزاب. # وكان الرئيس قد صفى الناصريين من الحزب ومن الدولة فيما سماه ثورة 15 مايو عام ~~1974م، كما صفى الرئيس الحالي بعد 30 يونيو جهاز الدولة من الإخوان. وكان السؤال: هل ~~الناصرية أيديولوجية فوقية يسهل تصفيتها؟ أين جماهيرها التي نزلت لتوديعه إلى مقره ~~الأخير؟ وهل الدولة كانت مستعدة لهذا الانقلاب من الاشتراكية العربية إلى الرأسمالية ~~الأمريكية؟ وهو الشعار المستمر حتى الآن والتي ولدت الفساد والاستبداد والفقر ms113 والإحباط ~~والتشاؤم انتظارا لثورة الغلابة ثم ثورة الجياع، وثورة «الجرابيع». # وقامت مظاهرات 18-19 يناير 1977م ضد الانقلاب على الناصرية. ورفعت الجماهير صور عبد ~~الناصر من الإسكندرية إلى أسوان، واستولت على الجمعيات التعاونية، وهي ثورة الفقراء ضد ~~سياسة الانفتاح. واستعد الرئيس بطائرته إلى الهرب من أسوان، ولكن الجيش تدخل، وقمع ~~المظاهرات، وأعاد الرئيس إلى قصر الرياسة. وخطب الرئيس، وسمى المظاهرات «انتفاضة ~~الحرامية»، وقبض على زعمائها من قادة اليسار. ولما شعر بضعف موقفه في الداخل أراد ~~الاعتماد على الخارج، فزار إسرائيل في نوفمبر 1977م داعيا للسلام، ثم ذهب إلى كامب ديفيد ~~في الولايات المتحدة الأمريكية للقاء رئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجن، رئيس جماعة أرجون ~~الإرهابية في 1978م، ثم عقد اتفاقية السلام عام 1979م، والأراضي العربية في الضفة الغربية ~~والجولان ما زالت محتلة، وسيناء منزوعة السلاح، فأصبح مغضوبا عليه من كل القوى الوطنية، ~~إسلامية ويسارية في مصر والوطن العربي، وقاطعته جامعة الدول العربية والتي انتقلت من ~~مصر إلى تونس. ولم يتصور المصريون وجود سفارة إسرائيلية وسفير إسرائيلي على ضفاف النيل ~~بالقرب من جامعة القاهرة مهد الوطنية والمقاومة ضد الاحتلال. واشتدت المقاومة للنظام حتى ~~أصدر الرئيس قرارات سبتمبر 1981م الشهيرة بإخراج حوالي سبعين أستاذا معارضا من الجامعة، ~~وتحويلهم إلى وظائف إدارية في المصالح الحكومية مع خصم كل الزيادات الجامعية. وحولني ~~إلى وزارة الشئون الاجتماعية، وكنت أستاذا فأصبحت درجتي وكيل وزارة، واحتاروا في الوزارة ~~أين يضعونني، فطلبوا مني البقاء في المنزل. وفصل حوالي سبعين صحفيا، وحولوا إلى ~~وظائف إدارية، وقبض على محمد حسنين هيكل مع غيره من الصحفيين، وأرسل الأنبا شنودة إلى ~~دير في الصحراء. # ومرة أخرى سلمني زوج أختي الصغرى كتيبا ~~مكتوبا من عدة مشايخ لتكفيري لخروجي من الإسلام، ويوزع في المساجد، وكان هو من ~~روادها، فقرأته، كله سب ولعن في الكافر الملحد على طريقة المشايخ وليس حوارا ~~موثقا مطالبا اللقاء، ثم كتبت مجلة روز اليوسف تقريرا عن محاولة اغتيالي؛ إذ ~~قبضت المخابرات العامة على ثلاثة من أصحاب الذقون، يحومون حول منزلي القديم، شارع ms114 ~~الحجاز بمصر الجديدة، وكانوا تحت المراقبة؛ فقد كانوا مطلوبين في حوادث أخرى، فقبض ~~عليهم واعترفوا بأنهم أتوا للاعتداء علي، وحوكموا، ولا أدري ماذا كان الحكم. وفوجئت ~~يوما بضابط مدني يأتيني كي يتفقد منزلي الجديد بمدينة نصر من الداخل والخارج، ~~ويتفقد الأسوار وكل الأماكن التي يحتمل أن تخترق للدخول إلى المنزل. وقال إنه كلف من ~~الداخلية بوضع حراسة دائمة على المنزل يوميا، صباحا ومساء، ليلا ونهارا، أربعة حراس ~~في اليوم على التعاقب، كل منها ست ساعات، مجانا، فبنيت لهم كشكا خشبيا بمقعد ~~داخله، داخل المنزل، وراء البوابة الحديدية مباشرة، وكانت الحراسة مسلحة، وطبعا أعطيتهم ~~مكافأة شهرية من عندي، فضلا عن مرتبهم من الداخلية، بالإضافة إلى ما أستطيع من طعام. ~~وظلت هذه الحراسة حوالي تسع سنوات كنت أنام فيها أنا والأسرة مطمئنين. وعندما ~~كتبت مقالا عن «التوريث في القرآن الكريم» رفعت الحراسة في اليوم التالي. وكان التوريث ~~قد أصبح شائعا لخلافة الرئيس الذي قامت ثورة يناير 2011م ضده. وكان الابن قد سيطر على ~~أجهزة الأمن، وهو الذي أعطى أمرا برفع الحراسة. والآن أستعمل كاميرات المراقبة الخفية ~~بدلا عنهم. # وفي خضم الحزن من أجل كامب دافيد ومعاهدة السلام مع العدو الإسرائيلي اندلعت الثورة ~~الإسلامية في إيران، وعاد الإمام الخميني من منفاه في باريس زعيما لها. وكان هذا حلم ~~حياتي أن تقوم ثورة باسم الإسلام أو أن ينتشر الإسلام كثورة للمضطهدين. وهرب الشاه من ~~جديد، ولم يجد مكانا يقله إلا مصر، ثم يدفن فيه، ورئيس مصر أمريكي الاتجاه، استقبل ~~الشاه أمريكي الاتجاه مثله. وكنت بالكويت مرة على بعد خطوات من إيران، وكان فهمي هويدي ~~هناك أيضا، فطلبت منه أن أذهب إلى طهران، فتكلم مع المهري زعيم الشيعة في الكويت الذي ~~راسل طهران، فرحبوا، وأرسلوا بطاقة سفر، الكويت-طهران، فذهبت وأنا طائر من الفرح. ~~وذهبت مباشرة إلى حارة داخل حارة حيث يقطن الخميني، وكان يصعد فوق السطح ليحيي ~~القادمين جماهير أو بالموسيقى، ويخطب فيهم. ودخلت إليه وكان معه الشيخ إشراقي زوج ابنته ~~والإمام تسخيري الذي يود ms115 التقارب بين السنة والشيعة، فأنشأ لذلك مجلة «التقريب». كان ~~الخميني يستمع وأنا أتكلم، فخجلت من نفسي. ألا أستمع إلى هذا الإمام الكبير والقائد ~~العظيم؟ فقال لي من حوله: هو هكذا لا تنتظر منه أن يقول كثيرا. طلبت منه أن أنشر ~~«الحكومة الإسلامية» في مصر فهل لديه شروط. قال: لا، انشره في كل مكان. وطلب ممن حوله ~~أن يكون اللقاء مع العلماء في المنزل المقابل. وكان ورائي قائد من القيادة الليبية ~~يتكلم كثيرا، والإمام الخميني يسأله سؤالا واحدا: أين الصدر؟ وهو الزعيم اللبناني ~~الشيعي موسى الصدر الذي أخفاه القذافي سجنا أم تعذيبا أم قتلا، والخميني لا ينظر إلا إلى ~~الأرض. وذهبت إلى قم وقابلت علماءها، الشيرازي، ورأيتهم وهم يصدرون الموسوعات. ورأيت ~~شابا عراقيا مهاجرا من حكم صدام يصدر مجلة إسلامية أعطيته فيها حديث: قم تسأل ~~والقاهرة تجيب، مما أحزن العلماء؛ فكيف قم تسأل وهي كعبة العلم والقاهرة تجيب؟ وهل القاهرة ~~أعلى من قم؟ # وفي ذكرى فيلسوف الإشراق صدر الدين الشيرازي الذي ~~توفي 1050ه الذي يعتز به الإيرانيون لأنه أتى بعد ابن رشد بأربعة قرون، ويعتبرون الإمام ~~الخميني تلميذا له، دعاني الرئيس خاتمي لزيارة طهران والاشتراك في هذه الذكرى. ولما ~~كنت عقلانيا رشديا فجادلت العلماء في الإشراق وفي مسار الشيرازي: من الحق إلى الحق ~~فناء، ومن الحق إلى الخلق نزولا، وليس من الخلق إلى الحق صعودا ومن الخلق إلى الخلق ~~تقدما، فنقدت من الحق إلى الحق لأن أحدا لا يعرفه، كما نقدت من الخلق إلى الحق ~~صعودا طبقا لمحاولتي إعادة بناء التصوف في «من الفناء إلى البقاء»، ونقدت من الحق ~~إلى الخلق نزولا؛ فهذا هو التنزيل، وقد انتهى زمنه بخاتم الرسالات، وأبقيت على من الخلق ~~إلى الخلق، عالم الحياة، والخلاف بين الناس، فأعطاني الرئيس خاتمي جائزة الشيرازي خمسة ~~آلاف دولار، وخصموا منها ألفين نتيجة استضافتي أنا وزوجتي. وسأل عني عندما أتى إلى ~~القاهرة بدعوة من هيكل ولكني لم أكن موجودا بها. وظللت أعتبر صديقا للثورة الإسلامية ~~في إيران بالرغم من معرفتي ببني ms116 صدر في باريس، ومجاهدي خلق «اليمين واليسار في الثورة». ~~وبلغت الصداقة القمة في حرب حزب الله ضد إسرائيل، وإطلاق الصواريخ عليها عام ~~1997م، ثم قاطعتها لما انحرفت، وتحولت من ثورة ~~إلى دولة بفعل الظروف، غزو صدام لها، ثم خاصمتها تأييدا لشعب العراق وسوريا واليمن حتى ~~الآن. وأرفض الذهاب إلى احتفال السفارة الإيرانية عندما أتلقى دعوة للاحتفال بعيد ~~الثورة في فبراير من كل عام. ودعاني رئيس الجامعة مرة وسألني: ما هذه الثورة التي تدعو ~~إليها؟ فقلت له: مثل جمال الدين الأفغاني. فأجاب: شيوعي! ولم أشأ أن أستمر في هذا الاستجواب ~~على هذا المستوى. # وفي 6 اكتوبر 1981م ووسط العرض العسكري بطريق ~~النصر، وأمام المنصة، هبطت جماعة من عربة مدججة بالسلاح، وأطلقت النار على الرئيس ~~فأردوه قتيلا، وجرى من بالمنصة ومن هم خلفه. وحمل جثة هامدة بالهليوكوبتر إلى ~~المستشفى العسكري بالمعادي. وكانت جماعة الجهاد، وخالد الإسلامبولي قائد الفريق الذي صوب ~~بمهارة نحو رقبة الرئيس؛ فقد كان بطلا من أبطال الرماية، وتم إعدامه بعد محاكمة عسكرية. ~~ويوم الجنازة لم يحضر إلا بعض الرؤساء الأجانب، وكان الموكب عربة حنطور، ليس جنازة ~~عسكرية، وليس بها أحد من أفراد الشعب. ومن يقارن جنازة الرئيس عبد الناصر وتابوته على ~~أكتاف الشعب بالملايين وهذه الجنازة يدرك معرفة الشعب بالفرق بين الاثنين. # وكان المفصولون أساتذة وصحفيين قد رفعوا أمر فصلهم بقرار جمهوري من الرئيس ~~المغدور بغير وجه حق إلى القضاء ليدرس الأمر. وأصدر الرئيس التالي في يناير 1982م ~~قرارا بإرجاع «من ثبت ولاؤهم» إلى وظائفهم في الجامعة، ورفض هؤلاء العودة إلا مع الجميع ~~وبحكم من القضاء. وبالفعل صدر الحكم بأن الرئيس المغدور قد أخطأ في قرار الفصل، وتجاوز ~~حدود سلطاته لأن الجامعة بها نظامها الرقابي ولجانها القضائية، والصحافة حرة. وعدنا جميعا ~~في أبريل 1982م، وأرجعت إلينا مخصصاتنا، وخرج المعتقلون من السجون إلى القصر ~~الجمهوري ليحاوروا الرئيس في الحريات العامة، وكان فرحا واستبشارا بقدوم عصر الحريات. ~~وفي هذا العام الذي فصلت فيه من الجامعة تفرغت لكتابة «مقدمة في علم الاستغراب» ms117 ~~ونشر في عام 1982م بين ناشر وآخر، وكان يمثل الجبهة الثانية من مشروع التراث والتجديد وهو ~~الموقف من التراث الغربي. # وبعد نشر «التراث والتجديد» و«اليسار الإسلامي» جاءني إعلان من المحكمة بطلب من وزير ~~الأوقاف محمد متولي الشعراوي، بأنني مطالب في قضية كفر، ولم أكن قد دخلت المحاكم من ~~قبل إلا مرة واحدة إلى مجلس الدولة في مقاضاة رئيس الجمهورية الذي فصلني وزملائي من ~~الجامعة والصحفيين ومحمد حسنين هيكل والبابا شنودة في مذبحة سبتمبر 1981م. وطلب مني ~~الشنيطي رئيس الهيئة العامة للكتاب الذي نشر «التراث والتجديد» أن آخذ فتحي رضوان محاميا ~~معي. أما «اليسار الإسلامي»، مجلة غير دورية، فلم يصدر منها إلا عدد واحد، وقد نشرته ~~على نفقتي الخاصة، فرفضت بأني قادر على الدفاع عن نفسي. وذهبت باب الخلق، ودخلت على ~~قاض شاب ومدعي الاتهام محامي الحكومة. وشرحت «التراث والتجديد»، وأن هذا الكتيب هو ~~المقدمة لهذا المشروع، وأنه محاولة لإعادة قراءة التراث القديم في ضوء ظروف العصر. ~~أما مجلة «اليسار الإسلامي» فهي نفس الأفكار، ولكن على المستوى الشعبي السياسي المباشر، ~~وهو ما حاول المصلحون جميعا فعله؛ كيف أتقدم محافظا على شخصيتي الإسلامية وفي نفس ~~الوقت أواجه قضايا الاستقلال والتحرر والحرية والوحدة والهوية والتنمية، فسأل القاضي ~~محامي الحكومة: لماذا تريد أن تصادر هذين الكتابين؟ فأجاب: لأن الحكومة طلبت مني ذلك، ~~ولم يقل كلمة واحدة في الموضوع، فأصدر القاضي حكما قانونيا ببراءتي، والإفراج عن كتاب ~~«التراث والتجديد» ومجلة «اليسار الإسلامي». والحكم تاريخي فيه الإشادة بالمفكرين ~~المصريين الشبان، وجهدهم الثقافي. وخرجت من المحكمة وأنا في نفسي أحيي القضاة ~~الشبان المصريين ولعدم وجود دليل لدى الحكومة ضدي للمصادرة. وأعادت الشرطة ما ~~أخذوه من مطبعة الشنيطي التي كانت في خلفية منزله. وسينشر الحكم مع وثائق أخرى في الجزء ~~الثاني من هذه الذكريات «مقالات ممنوعة». # واقترحت جريدة اليوم السابع أن تجري حوارا بيني وبين محمد عابد الجابري في رسائل ~~متبادلة تنشر في اليوم السابع، وقبلنا الاقتراح، ونشر الحوار بعد ذلك في «حوار المشرق ~~والمغرب»، وله الطبعة المغربية ms118 الأولى، ثم توالت الطبعات له نظرا لشهرته وصعوبة الحصول ~~على نسخة منه. وقد ترجم إلى عديد من اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية، وذاعت ~~شهرته لدرجة إجراء عدة رسائل علمية عليه؛ فالفكر العربي ليس مجزئا، ولا ينعزل عن ~~بعضه البعض؛ فهذه من الحوارات النادرة التي تربط الفكر العربي مشرقا ومغربا؛ فقد تمغرب ~~المشرق وتمشرق المغرب. لقد تعلم الجابري في دمشق. ودرست أنا بالمغرب، وكلاهما جناحا ~~الوطن العربي، ولبنان الرأس الذي حمل لواء الثقافة والصحافة العربية على مدى قرنين من ~~الزمان. ثم تكرر الحوار بيني وبين منصف المرزوقي صاحب «إصلاح العقل» من تونس، ولكن لم ~~تبلغ شهرته شهرة «حوار المشرق والمغرب». كان مفتعلا، تقليدا للحوار الأول، ليس له ~~موضوع. ومع ذلك قامت حولهما رسالة دكتوره في الصين من د. فوزية عميدة كلية الآداب في جامعة ~~بيكين ، وكانت تلميذتي بالقاهرة بعد أن ترجم الحوار الأول إلى الفرنسية والألمانية، وأثيرت ~~حوله عدة دراسات. ومرة ثالثة أجري بيني وبين صادق جلال العظم من دمشق حول «ما ~~العولمة؟» وظلت الحوارات التالية للحوار الأول تقليدا ~~له. ويبدو أن الفكر العربي لم يتعود على استمرار مثل هذه الحوارات. # ودعيت مرة إلى الجمهورية العربية اليمنية لإلقاء محاضرات على طلاب جامعة صنعاء ~~واستدعاني الشيخ الزنداني لقضاء أمسية مع جماعته، وكان رئيس جماعة الإخوان المسلمين ~~اليمنيين، فذهبت، فوجدت جماعة من ثلاثين فردا تقريبا في وسطهم الشيخ الزنداني وبيده ~~«المداعة»؛ أي شيشة ذات خرطوم طويل ملفوف تدور حول أفواه الجميع، فرحبوا بي، وطلبوا ~~مني أن أعرف بنفسي، فبدأت أتحدث عن مشروع «التراث والتجديد»، وكيف أنه يحاول إعادة ~~بناء التراث القديم طبقا لظروف العصر، وهم يسمعون، فتبدو على وجوههم الموافقة وهز الرأس ~~والترحاب بي، وظلوا يسألون وأنا أجيب على مدى ثلاث ساعات أتجنب الدخول في الغيبيات ~~والعقائديات وأضعها بين قوسين، ولا أجيب إلا على المسائل الاجتماعية من عدل وظلم، ~~وحرية واستبداد، وفقر وغنى، وكانوا يمضغون القات، ولا يناقشون وودعوني. وفي الغد، ~~وجدت عربة مصفحة أمام الفندق الذي أسكن فيه كي تأخذني إلى الجامعة، فسألت: ms119 لماذا؟ ~~فقالوا: رئيس الجامعة أمر بذلك. واتضح فيما بعد أن الزنداني وأصحابه أعدوا بيانا ~~بتكفيري يبدأ باسم الله والصلاة والسلام على رسوله لأنهم بعد أن استمعوا إلي وقرءوا، ~~تأكدوا أنني كافر ملحد، أستحق العقوبة، فخاف علي رئيس الجامعة، وأمر بحراستي ذهابا ~~وإيابا من الجامعة إلى الفندق، وأن أغادر في الغد ضمانا لحياتي. وكان معي جابر عصفور، ~~ونصحني بسماع كلام رئيس الجامعة، فغادرت في الغد مسلحا حتى المطار. # وأثناء انتفاضة 18-19 يناير 1977م التي كان اليسار ~~هو الذي يوجهها قبض على عبد المنعم تليمة، أودع سجنا في طرة، وذهبنا أنا وزوجتي ~~لزيارته، وكان سعيدا، ولما طلبنا منه ماذا يريد قال: ينقصنا الخضار. وفي المرة الثانية ~~جهزت له زوجتي صينية قرنبيط باللحمة المفرومة، وذهبنا إليه، وأفرغناها في أواني السجن، ~~واسترددنا الصينية فارغة. ونحن في طريق العودة نزلت العربة في حفرة فكسر محورها # Axe ~~. وكلفتنا الكثير، لكن كنا سعداء بأننا قمنا ~~بواجبنا تجاه المعتقلين؛ فعلى الأقل نحن أحرار، مطلقو السراح. # وفي يوم استدعيت إلى قسم مصر الجديدة وأنا ساكن بشارع الحجاز، فذهبت، فقابلني ~~ضابط، وظل يسألني أسئلة لا معنى لها ولا هدف؛ فمن ضيقي كنت أحرك إصبعي السبابة في ~~يدي اليمنى المسنودة على يد الكرسي. ويبدو أنه كان دارسا لعلم النفس، فقال: تحريك إصبعك ~~يدل على أن فيه شيئا تخفيه، فأجبته: أنا لا أخفي شيئا، وأنا أعترف أني من ~~المعارضة، وهذا شيء مشروع. # ودعتني وزيرة الثقافة في البحرين لإلقاء محاضرة عن تجديد الفكر الديني، وقيل لي إنها ~~من الأسرة الحاكمة، وكنت أنا مع الثورة في البحرين، وفهمت بعد الزيارة أن الثورة يقوم ~~بها الإخوة الشيعة الذين يمثلون الأغلبية في البحرين. لقد كنت مع الثورة في أي مكان وفي ~~أي طائفة مثل تروتسكي وجيفارا، ثم فهمت أن الغرض من الثورة في البحرين ليس الثورة بل ~~القضاء على عروبة البحرين؛ وبالتالي تكون البحرين امتدادا لإيران، فقلت إن عرب الأهواز لا ~~يمثلون خطرا على فارسية الجانب الشرقي للخليج، فشرحوا لي أن عرب الأهواز يمثلون أقلية ~~في ms120 إيران، أما الشيعة في البحرين فهم الأغلبية؛ فهل من المعقول أن يكون الشيعة هم الثوار ~~وأهل السنة العرب هم المطيعون للحاكم؟ ألا يوجد سنة ثوار؟ وهو نفس الوضع في كل أنحاء ~~الخليج حتى اليمن. أما عمان، الإباضية، فقد كانوا ثوارا في البداية مثل علي بن أبي ~~طالب دون أن يكونوا شيعة. وعرفت جماعة في البحرين يسمون «الشراة»، يبدو أنهم ثوار ~~على الثورة، وهم الذين شروا أنفسهم للشهادة في سبيل الحق. وفي المرة الثانية توقفت في ~~البحرين، ومددت إقامتي يوما زائدا، فأنكروا أنفسهم، فكنت أخشى أن تكون صفة الغدر أيضا ~~قد لحقت بهم كما لحق بدار الأمير، دار نشر شيعية ببيروت، وهي التي قدمتني إلى العالم ~~حسين فضل الله، مؤسس حزب الله، بعد أن غادره، وتبادلنا المؤلفات. المخلصون منهم من هم ~~في معهد الدراسات الفلسفية، للشيخ حراجي ؛ حيث تعاونت معهم في وضع برنامج المعهد، وما زال ~~غير معترف به في نظام التعليم اللبناني، طبعوا كتابي «قضايا معاصرة» (الجزء الثاني) في ~~«في الفكر الغربي المعاصر» للقراءة داخل المعهد، وليس للاتجار به مثل باقي الناشرين ~~اللبنانيين. أقمت لهم عدة محاضرات، واستمعت إلى الشيخ حسن قائد الحزب بمناسبة تحرير ~~أحد أسرى الحزب من السجون الإسرائيلية، وكان جمهورا واسعا، لم أر تنظيم حزب سياسي ~~مثله. ورأيت ما قامت به إسرائيل من دمار في جنوب بيروت، في المخيمات الفلسطينية. ~~وتصورت نفسي هناك ينازعني الولاء بين الحزب والدولة، بين الإسلام والوطن. ورأيت السجون ~~المنفردة التي أقامتها إسرائيل في الجنوب، مترا في متر؛ فيخرج المقاتل من السجون وقد ~~انحنى ظهره إلى الأبد من هذه الأقفاص الفولاذية. # الفصل السابع # | التدريس في المغرب والبحث ~~الدولي في اليابان ~~(1982-1987م) # وبعد كل هذا الشد والجذب تعبت، فعرض علي ~~صديقي حبيب الشاروني الذي كان يدرس بالمغرب بفاس أن أحل محله لأنه سيعود إلى مصر، ~~وبالفعل قبلت. وغادرت إلى فاس مع زوجتي وأطفالي الثلاثة: حازم، حاتم، حنين. وأدخلناهم ~~المدارس بجوار المنزل الذي كان أقرب إلى فيلا في حديقة في شارع بن عائشة رقم 12. وشرح ms121 ~~إلي الإخوة المصريون والسوريون والعراقيون أن أوراقي ستتوقف في الوزارة، ولا تسير ~~وتأخذ طريقها إلا إذا دفعت ما نسميه في مصر «رشوة»، فرفضت، وظللت بلا مرتب، ~~وكان لا يزيد عن ألف دولار شهريا. وبعد تدخل الأصدقاء مثل محمد عزيز لحبابي صرفوا إلي ~~المتأخر كله. ولما علمت موظفة البنك أنني مصري، وقد أرجع إلى مصر، طلبت مني ~~أن أحضر لها قماش «بوبلين»، وكنت سمعت هذا اللفظ من والدتي وأنا صغير، كما طلب مني ~~العميد «المعلوم» حتى أسوي أموري بالكلية والجامعة، فأخرجت رزمة من الأوراق فئة ~~المائة درهم. ولما أخذت زوجتي العربة السيات التي اشتريناها من إسبانيا ونزلت وسط ~~المدينة لشراء بعض المواد الغذائية خاصة اللحوم، وعادت، وجدت الشرطي واقفا ب «الكلبش» ~~بجوار العربة، فعفي عنها لأنها سيدة مصرية وإلا لكان له شأن آخر. وكنت قد ذهبت إلى ~~إسبانيا ، الدولة المجاورة، واشتريت عربة سيات # Seat # وهي ~~فيات الإسبانية، فيات الإيطالية المصنعة في إسبانيا كي أتحرك بها إلى الجامعة وأزور ~~المغرب. وكنت أدرس للسنة الرابعة لطلاب غاية في العمق والشجاعة والجرأة في المناقشة. ~~ولم أر طالبا عربيا في مثل هذه الثقافة والوعي العربي والجرأة مثل الطالب المغربي. ~~وكنت أعطي درسا ثانيا للسنة الأولى التي كان يحضر فيها حوالي أكثر من أربعمائة طالب ~~من كل السنوات والكليات. وكنت أسمح لمن يريد الحديث أن يتحدث، وطلب الأمازيغيون الحديث ~~كثيرا، وكذلك الماركسيون، ولم يكن هناك سلفيون، وكنت لا أرفض أي دعوة للحديث خارج ~~الجامعة مثل حزب الاستقلال. وحاضرت في سلا ومكناس والرباط والدار البيضاء ومراكش في ~~الجنوب، وتطوان في الشمال. واتصلت بالأحزاب التقدمية والجرائد والمجلات الماركسية مثل ~~«أنوال». # وقمنا بالسياحة، زوجتي وأنا وأولادي الثلاثة عبر المغرب جنوبا وشمالا وشرقا؛ فذهبنا ~~إلى الشمال عبر تطوان، وعبرنا جبل طارق إلى إسبانيا. ورأينا الآثار الإسلامية، قصر الحمرا ~~في غرناطة، جامع قرطبة وجيرالدا في إشبيلية، وهي بقايا المئذنة لمسجدها الكبير، بل ذهبنا ~~إلى مدريد وقبلها طليطلة لنرى سورها وآثارها الإسلامية، وفخامة العاصمة مدريد. ثم ذهبنا ~~مرة أخرى إلى الجنوب إلى ms122 بلاد الأمازيغ حتى مراكش وجبالها من حولها. ثم نزلنا إلى الجنوب، ~~مدينة العيون والحدود الموريتانية، وهناك حدثت حادثة للعربة؛ إذ أسقط علينا عامل على ~~جبل حجارة فجاءت تحت العربة، فأوقف محرك السيارة تماما. وكان هذا العامل جنديا ~~بالجيش، فاستدعى الونش وجرها إلى توكيل فيات بالمدينة، وانتظرنا حتى تم إصلاحها. ~~ودعانا هذا الجندي إلى منزله بالطقوس المغربية، المائدة والمناديل البيضاء إرضاء لنا، وإلا ~~كان الجيش وقع عليه عقوبة الإهمال. وعدنا إلى فاس، ومرة ثالثة إلى الشرق، من فاس إلى ~~وجدة على الحدود الجزائرية بعد أن تلقيت دعوة من المؤتمر العربي للقاء في تونس. فذهبنا عبر ~~المغرب العربي كله. وعجبنا من غلق الحدود بين المغرب والجزائر، ودقة التفتيش وخلع ~~الأحذية. وكان موظف الجمارك يريد خلع باب العربة لعلي أخفيت فيها شيئا، وأخذوا ما ~~لدينا من عملة مغربية نستلمها حين العودة ، ورأينا المهربين عبر الحدود. ومررنا ~~عبر الساحل الشمالي بعد أول مدينة، مغنية، وكان جبليا، وخافت الأسرة، وفضلت طريق ~~الأصنام الجنوبي حتى عبرنا الحدود الجزائرية التونسية. ووصلنا إلى تونس، وعدنا من نفس ~~الطريق الذي فيه السلامة والأمان دون التوقف في تلمسان غرب تونس، وعدنا من نفس الطريق ~~إلى فاس؛ لغضبي أننا لم نرجع عن طريق الساحل الجبلي كي تزداد معرفتنا به. # والمرأة المغربية في هذا الوقت كانت حديثة في لباسها وسلوكها؛ فلم تكن الحركة السلفية قد ~~انتشرت بعد، تعتني بجمالها، شعرها، و«مكياجها». وكانت اجتماعية يسهل الحديث معها، يغلب ~~عليها الطابع الفرنسي، وليس الشرقي. وكان معي أخي وصديقي محمود إسماعيل أستاذ التاريخ ~~بجامعة عين شمس، معارا إلى المغرب. وكنا نذهب إلى المقهى، ونطلب قهوة بالحليب، ونحادث ~~الفتيات على الكراسي المجاورة أو السائرات في الطريق، فلا يمانعن من تبادل الحديث. وكان ~~المصري محبوبا للغاية، خاصة اللهجة المصرية من خلال الأفلام السينمائية؛ فكثير من العرب ~~جذورهم مغاربة، نزحوا من الأندلس مثلي؛ فاسمي حسن حنفي حسنين أحمد حسنين المغربي؛ فقد نزح ~~جد جدي من الأندلس، واستقر في المغرب. وكان كثير من المغاربة في طريقهم إلى الحج يمرون ms123 ~~بمصر، ويستقرون بها حين العودة، وهناك حي بالإسكندرية يسمى حارة المغاربة، وما زال ~~الأقارب يسكنون فيها ويعملون بالمهن العربية مثل الحياكة. وكثير من مشايخ الصوفية نازحون ~~من المغرب مثل السيد البدوي بطنطا، والمرسي أبي العباس في الإسكندرية من مدينة مرسيا ~~الأندلسية؛ فالتصوف المغربي رد فعل على انسحاب المسلمين من الأندلس وهزيمتهم أمام ~~فرناندو إيزابيلا لآخر المعاقل في غرناطة، وتسليم عبد الله بن الأحمر قصر الحمراء لهما دون ~~قتال بشرط عدم قيام المارشال بيتان بتسليم باريس للألمان في الحرب العالمية الثانية شرط ~~عدم تدميرها، كنائسها، ومتاحفها، وقصورها. # والعادات المغربية فريدة في نوعها خاصة في شهر رمضان؛ فالصوم واجب ديني. وما إن ينطلق ~~أذان المغرب حتى يبدأ المغربي بأكل الحلوى وشرب الشيشة وربما لعب الطاولة والدومينو وربما ~~المعاشرة الجنسية. ويبدأ الإفطار في الساعة الحادية عشرة ليلا بعد صلاة التراويح ، ثم يبدأ ~~الخروج إلى الشوارع للسمر ولقاء الأصدقاء. أما السحور فقبل الفجر بقليل مع صلاة الفجر. ~~يوم الجمعة أكل السكسك «الكسكسي»، مقدم بالخضار واللحم وليس بالسكر والزبيب في الأفراح ~~كما هو الحال عندنا في مصر، ويقدم على مائدة مستديرة يجلس عليها الضيوف وما تبقى ~~يعطى لأصحاب المنزل، ثم يقدم الشاي الأخضر. واللباس المغربي للسيدات جلباب أخضر ~~طويل، عليه نقوش من خيوط الذهب الصفراء، وتضع السيدة جميع أنواع الحلي في وجهها وعلى ~~صدرها. أما الرجل فيلبس القفطان المغربي الطويل وعلى رأسه الطربوش الأحمر ذو الزر ~~الأسود، وفي قدميه الخف المغربي، لم يتفرنس كما هو الحال في الجزائر وتونس. الحديث عن ~~الدين يسبق الحديث عن السياسة، مؤمن بالقلب ومنفتح حر في السلوك، يتكلم العربية ~~الفصحى قدر الإمكان بالرغم من وجود اللهجة المغربية. # والفقر في المغرب مثل الفقر في مصر، وسكان العشوائيات في المغرب مثل سكان العشوائيات في ~~مصر، والقصور في المغرب مثل القصور والتجمعات الجديدة في مصر، والبطالة في المغرب مثل ~~البطالة في مصر، ومغادرة الأوطان إلى أوروبا في المغرب مثل مغادرة الأوطان في مصر. المرأة ~~في المغرب تعمل ربات بيوت، وتسمى في مصر «شغالة»، ms124 وأكثرهن في المغرب، ولكنها ~~تتأنق وتلبس خير ما عندها من حلي وجلاليب مغربية، عملت لدينا أكثر من واحدة تطبخ ~~وتغسل وتنظف. وإذا خرجت الزوجة من المنزل لعملها فإن الشغالة تقوم بباقي الواجبات ~~للرجل مثل إعداد القهوة وغير ذلك، وقد تقوم بما تقوم به الزوجات حين غيابها. والمنزل ~~المغربي منزل عربي أصيل، الديكورات العربية والأرابيسك والأقواس العربية، ما تبقى من ~~الأندلس. في قلب كل مغربي يسكن قصر الحمرا بأعمدته ونوافذه ونوافيره المتسقة. ~~والخضرة في ربوع المغرب تجعله جنة على الأرض، الورود بكافة ألوانها، والروائح العطرة ~~التي تنافس روائح الورود. وتمتد المغرب من طنجة شمالا إلى العيون جنوبا إلى وجدة شرقا، ~~جبال وتلال ونخيل وأشجار. من يعشق الحياة يحب أن يعيش فيها، ومن يعمل عقله؛ فالطالب ~~المغربي خير محاور، ولغته العربية الفصحى سليمة، والابتسامة على وجهه، لا يعبأ ~~بالزمن ، يفضل الاستمرار في الجامعة على أن يتخرج ويصبح عاطلا، وبالرغم من بعده عن ~~الوطن العربي مثل مصر إلا أنه يحمل همومه، وفي قلبها فلسطين، وكما قال الجابري: تمشرق ~~المغرب وتمغرب المشرق. وما زالتا مدينتا سبتة ومليلة تحت الاحتلال الإسباني، لا تثاران في ~~السياسة المغربية خشية أن تطرد إسبانيا المغاربة من على أرضها، طابعها أوروبي وليس عربيا، ~~العرب فيها يهربون ما يستطيعون رجالا ونساء، ولهم أسواقهم، تتركهم إسبانيا في ~~المدينتين يدخلون ويخرجون في مقابل الاحتفاظ بهما إسبانيتين، وتتحول المدينتان إلى ~~غصة في القلب، وأنا ابن جيل التحرر الوطني. # كانت طنجة مثلهما ثم تحررت، فلماذا لا تتحرر المدينتان أسوة بطنجة وسنغافورة ~~وهونج كونج وكيب تاون وربما أيضا قناة السويس قبل اتفاقية الجلاء 1954م والتأميم ~~1956م. # ومرة دعاني حزب الاستقلال لألقي محاضرة في فندق ~~فاس عن «نظام الحكم في الإسلام». فقلت ما يعرفه الجميع، صغيرا وكبيرا، مؤمنا وملحدا، ~~أنه ليس نظاما إلهيا أو ملكيا أو وراثيا. واستشهدت بآية # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة ~~، وأن نظام الحكم في الإسلام شورى، وأن مقاومة الحاكم ~~الظالم جزء من واجب العلماء بناء على الأمر بالمعروف ms125 والنهي عن المنكر، فغادر بعض ~~الأساتذة من الصفوف الأولى، ولم أفهم ما السبب. وأضفت أنه لا يجوز تقبيل يد الحاكم أو ~~قدمه أو حافر حصانه لأن قدره لم يصل بعد إلى تقبيل القدم. وجاءت الشرطة إلى المنزل ~~لاستجوابي في قسم الشرطة، وسألوني: إذا كنت أقصد فعلا ملكا بعينه؟ ألا أقبل يد ~~الوالد أو الوالدة؟ فأجبت بالنفي. وما كان أسهل من الرد علي بالقول بأن سياق هذه ~~الآية هو النظام الفارسي، نظام الكياسرة، والنظام الروماني، نظام الأباطرة! وقد كان داود ~~ملكا على بني إسرائيل، وكانت سبأ ملكة على شعب اليمن وآمنت بنبوة سليمان، ولكن «اللي ~~على رأسه بطحة يحس بها» أو «لك الكلام يا جارة». وظللت تحت الاستجواب، ورفضوا أن أتصل ~~بالأسرة لأطمئنهم علي خاصة وأن حادثة بن بركة في الأذهان. وظل محمود إسماعيل وطه ~~المصري الأستاذ الذي كان لصيقا بالعميد الفاسي يبحثون عني. وأخيرا جاء القرار بأن أترك ~~البلاد في ظل أربع وعشرين ساعة، ثم أفرج عني، وذهبت إلى المنزل والأسرة تبكي. وهنا ذهب ~~محمد عزيز لحبابي إلى بن سودة المسئول عن الجامعات في القصر، وأخبرهم أنها ستكون فضيحة ~~لو طرد هذا الأستاذ الكبير من المغرب، فطلبوا مني الاعتذار، وعن أي شيء أعتذر؟ عن آية ~~قرآنية لست مؤلفها؟ وأخيرا رضي الملك أن يؤخر مغادرة البلاد حتى 30 يونيو نهاية ~~العام الدراسي من أجل الأولاد في المدارس، وطلبوا من زوجتي التي كانت تدرس اللغة ~~الإنجليزية الاستقالة، واشترطوا علي ألا أتكلم خارج الجامعة. ووقعت مظاهرات الشمال، ~~في الحسيمة والناضور يناير 1984م، مظاهرات الفقراء مثل 18-19 يناير 1977م في مصر، واتهم ~~الملك من جديد الأساتذة المشارقة، مصريين وسوريين وعراقيين بنشر الأفكار ~~الاشتراكية في البلاد، أمر بطردهم جميعا في نفس التاريخ. وأنا أعد العدة للرحيل أعددت ~~بيانا لشعب المغرب: «أتيت المغرب طائعا، وأتركه مكرها». وزع على جميع الطلاب ~~والجامعات. وأرسلت الأولاد الثلاثة: حازم، حاتم، حنين جوا إلى القاهرة، بالرغم من رغبة ~~حازم العودة معنا بالعربة. ولما كنا نخاف عليه وعلى أنفسنا فرجوناه أن يعود ms126 مع إخوته ~~بالطائرة. وقد أخبرني المؤرخ الاجتماعي والمؤرخ المغربي علي أومليل الذي أصبح سفيرا ~~لبلده في لبنان أن الفكر الفلسفي يؤرخ قبل قدوم حسن حنفي وبعد مغادرة حسن حنفي، وما زال ~~أثري في المغرب مشهودا، أتلقى اتصالات هاتفية، أساتذة الفلسفة، وكانوا يوما ما طلابي ~~في فاس، ينقلون رسالتي إلى طلابهم؛ فالمغرب هو البلد العربي الوحيد الذي درست فيه ~~سنتين، وتحملني النظام السياسي على مضض هذه المدة. وما زلت أرى أن الطالب المغربي ~~هو أفضل من رأيت من الطلاب العرب. أتوق للحياة في المغرب، أنا والأسرة، ونعتبر هاتين ~~السنتين أجمل عمر قضيناه من حياتنا. بنيت منزلي تقريبا أندلسيا، والسكسك والبسطيلة ~~أحضرهما معي كلما دعيت إلى المغرب. لم أوضع على القائمة السوداء ليحجزوني في المطار ~~كما حدث في تونس في عصر زين العابدين بن علي أو في وقت ما في مصر قبل ثورة 2011م، خاصة إذا ~~كنت عائدا من إيران. وما زال الجلباب المغربي لي ولزوجتي أفضل ما ترتديه في القاهرة. وبعد ~~ذلك بعشر سنوات دعيت إلى عمالة فاس لألقي محاضرة، وكنا كأننا في مظاهرة بميدان ~~التحرير. بعدها دعتني عاملة فاس وكانت من حزب الاستقلال للزيارة في لقاء مفتوح مع طلابي ~~القدامى، وأهدتني إبريقا وصينية وأكوابا ستة فضية، وقالت: إن جلالة الملك يهديك ~~التحية، ويهديك ذلك ليعتذر لك عما بدر منه من عشر سنوات. وأقبل الدعوة لزيارة المغرب ~~دائما، مثل ذكرى الأربعين لصديقي محمد عابد الجابري التي أقامها له الحزب الاشتراكي. وكان ~~الطلبة يصفقون ويهتفون كلما ذكرت مثلا اشتراكيا من القرآن الكريم مثل الأخ الذي ~~له تسع وتسعون نعجة ويريد أن يأخذ نعجة أخيه الوحيدة حتى يستولي على كل شيء. رأيت ~~للأسف بعض الأصدقاء الشيوعيين وقد مالوا إلى الحكومة، وتركوا المعارضة، كما رأيت انتشار ~~الحركة السلفية، ووضع بوابات حديد بين طرقات الجامعة لمنع الطلاب من التجمع مثل ~~الحواجز الحديدية في حرم جامعة القاهرة. وفي عام 1984م قبض على ثمان وثلاثين من طلبة ~~السنة الرابعة من قسم الفلسفة لأول مرة، وكنت أهرب لهم ms127 الكتب داخل السجن لعل وعسى. ~~وتلقيت دعوة أخرى للاحتفال بمحمد شكري صاحب «الخبز الحافي»، وكنت من أوائل من كتب ~~عنه بعد أن زرته في طنجة ولكني لم أستطع الذهاب؛ فقد كبر السن، وضعف الجسد، وأصبحت ~~جالسا على كرسي متحرك: غادرت المغرب ولكنه لم يغادرني. # وتلقيت دعوة في الصيف لزيارة اليابان، جامعة طوكيو، زميلا لإيزوإتاجاكي لتدريس فلسفة ~~الغرب والشرق، دراسة مقارنة، ويركز هو على تدريس الفكر الإسلامي في الوسط، فذهبت أنا ~~وزوجتي وأولادي الثلاثة إلى طوكيو. دخل حازم وحاتم المدرسة الفرنسية ذاهبين بالمترو، وحنين ~~إلى الحضانة نوصلها على دراجة مثل معظم اليابانيين. وسكنا في بيت للجامعة، وفي ~~البيت المجاور إيراني وزوجته من المعارضين للثورة. وعجبت من سهولة الحياة، بجوارنا ~~ست أوان، في كل آنية نوع من المخلفات: الزجاج، البلاستيك، الكانز، الكارتون، ~~الجرائد، ثم مخلفات المطبخ. وهذا يسهل على تدويرها لإعادة استعمالها. والمواصلات في ~~طوكيو عن طريق المترو تحت الأرض، وتذاكر إلكترونية تفتح البوابات آليا، لا أحد يدفع ~~أحدا أو يسابقه، لا أحد يعاكس أحدا أو يتحرش به، الشوارع نظيفة، وكل ياباني يكنس ~~الرصيف أمام بيته بمن في ذلك رئيس الوزراء. والمطاعم وما أكثرها! بين كل مطعم ومطعم ~~مطعم، وأمامنا كرة حمراء معلقة، والأكلة الشهيرة إسباجيتي بالمرقة، تؤكل بالعصايتين ~~الشهيرتين. والياباني لا يأكل مع زوجته رسميا إلا في نهاية الأسبوع عندما يلبس الكيمونو ~~الياباني، ويذهب الجميع إلى المعبد. والطالب الياباني يستمع جيدا للأستاذ ويدون ~~ملاحظاته، ولكنه لا يناقش ولا يعبر عن تساؤلاته للأستاذ، بل لرئيس الشركة التي يأتي ~~منها؛ فالفائدة عملية له وليس نقاشا حرا بغية العلم مع الأستاذ، والبحث عن الحقيقة ~~أو كيفية البحث عنها؛ فالأستاذ يحاضر وكأنه يكلم نفسه. # وبعد أن انتهى عام جامعة طوكيو دعتني ~~جامعة الأمم المتحدة، وهي الجامعة التي أنشأها يوتانت سكرتير عام الأمم المتحدة الفيتنامي ~~من أجل ربط العالم الثالث بمجموعة من الباحثين الشبان، تنشر الجامعة أعمالهم، وتخرج ~~الجامعات اليابانية من عزلتها، وليست جامعة طلاب وشهادات ودرجات علمية، كي أشرف على ~~الأبحاث في العلوم الاجتماعية فيها، ms128 أنسق بينها بدلا من تناثرها، فذهبت لمدة عامين ~~1985-1987م. وكان هناك مشروعان كبيران: الأول لأنور عبد الملك بعنوان «البدائل الاجتماعية الثقافية» # Socio-Cultural Alternatives (SCA) ~~. ~~والثاني عن التنمية الوطنية لعالم نرويجي كبير استقر في اليابان وتزوج يابانية، ويدور ~~على العالم شرقا وغربا، ويشرف عليه أزنييرو. وكان حسام عيسى قبلي في هذا المنصب، وكنت ~~أزور مواقع البحث العلمي في أفريقيا وآسيا وفي أفريقيا في غانا حيث كان سمير أمين يقوم ~~ببحث في المكتب التابع للأمم المتحدة. وكان هناك مكتبان: الأول في القاهرة يشرف عليه ~~أبو سيف. والثاني في كوناكري-نانا يشرف عليه سمير أمين، يستعملان المنهج الماركسي، كانا لا ~~يقبلاني بسهولة وأنا لست ماركسيا بل يساريا إسلاميا. قابلت سمير أمين في إحدى ~~المسيرات الشعبية في روما ضد الاستعمار، وجها لوجه وكأنه لا يعرفني، وكنت في مكتب القاهرة ~~كنت أشعر أنني غريب عنه، ولسان حاله يقول: ما الذي أتى به إلى هنا ؟ كان الأول معروفا ~~برسالته للدكتوراه بعنون «النمو ~~اللامتكافئ» # Unequal Development ~~، يأتي إلى مصر بين الحين والآخر، تستقبله دار نشر عين لعدة ~~أسباب، علمية وغير علمية، كما عرف لبنانية كثيرة الكلام كمثقف لبعض هذه الأسباب. ~~ويحمد له أن جمع حوله عديدا من الباحثين الشبان الأفارقة. # وفي الهند عند الباحثين الشبان ~~الجدد، وفي مصر في المكتب التابع للأمم المتحدة. وكانت كل هذه البحوث تحت إشراف موشاكوجي، ~~عالم ومفكر وباحث منفتح على العالم الثالث خاصة أمريكا اللاتينية. وكان رئيس الجامعة ~~من إندونيسيا، المرشح لرئاسة الجمهورية. كان مفكرا من مفكري العالم الثالث. وفي كل ~~مرة أذهب إلى أحد مراكز البحث في أفريقيا أمر على القاهرة لأرى الأسرة. ولم أنقطع عن ~~طلابي فكان نصر حامد أبو زيد في أوساكا أستاذ اللغة العربية، وكنا نتهاتف كل يوم، وهو ~~يكتب «مفهوم النص»، ودعوته إلى مؤتمرات الجامعة عن الثقافة العربية حول مفهوم النص. وبعد ~~سنتين في جامعة الأمم المتحدة وسنة في جامعة طوكيو وسنتين في المغرب يكون المجموع خمس ~~سنوات، وهو ما تسمح به قوانين الجامعة المصرية، فعدت. وكان يمكنني ms129 أن أجدد إقامتي ~~بجامعة الأمم المتحدة باعتبارها مهمة قومية، وعلى صلة دائمة بسفير مصر في اليابان ~~وبمستشارها الثقافي الذي كان لا صوت له تقريبا، والمعار من إحدى الجامعات المصرية خاصة ~~قسم اللغة اليابانية بكلية الآداب. وكان أحد الماركسيين المصريين يحوم حول المنصب كي ~~يخلعني مع تشجيع ومؤازرة من كانوا قبلي في المنصب. وكانت أسرتي قد غادرت طوكيو بعد عام ~~واحد نظرا لأن ابني الكبير حازم قد وصل إلى مرحلة الثانوية العامة، وهي شهادة لا يمكن ~~امتحانها في الخارج مثل باقي السنوات السابقة في السفارة المصرية. وكان أحمد عبد الحليم ~~يراسلني في فيورباخ، وأرسل لي رسالته لقراءتها وإعداد الملاحظات عليها. وقبل العودة ~~النهائية، عادت زوجتي إلى طوكيو لتساعدني في الإعداد للعودة النهائية. وأثناء العودة ~~وبمصاحبة زوجتي بدأنا ببانجوك، والمعبد الكبير لبوذا ثم مانيلا وحي اللهو، ثم جاكرتا ~~إندونيسيا وكولالمبور وماليزيا وسنغافورة. وفي كل دولة أتعرف على جامعاتها وأساتذتها ~~ومدى ما وصل إليه المسلمون من مناصب. تعرفت على عبد الرحمن وحيد رئيس جماعة نهضة ~~العلماء بإندونيسيا والذي أصبح رئيس جمهوريتها فيما بعد. دعاني إلى القصر الجمهوري وألقى ~~محاضرة عن فكري والحاضرون ينظرون إلي بإعجاب. وكان قد أتى إلى القاهرة من قبل وهو طالب ~~واستمع إلى محاضراتي قبل أن يكمل دراسته، وغادر إلى العراق. وتعرفت على زين العابدين ~~رئيس جماعة المسلمين بسنغافورة والذي أصبح فيما بعد عمدة لها؛ فقبل العودة إلى القاهرة ~~كان الطواف بالشرق الآسيوي بعد الطواف في المغرب العربي. # وكان الصراع في جامعة الأمم المتحدة التي أسسها ~~يوتانت السكرتير العام للأمم المتحدة السابق بين الإداريين والأكاديميين. وقد كتبت ~~مذكرة إلى رئيس الجامعة الإندونيسي، ورئيس قسم العلوم الإنسانية الذي أعمل به برئاسة ~~موشاكوجي. كان الإداريون لهم رؤية إدارية محضة، وكان الأكاديميون لهم رؤية أكاديمية ~~خالصة، وأصروا على تغليب الرؤية الإدارية على الرؤية الأكاديمية، كما أصررت على ~~إقامة سيمينار مرة أسبوعيا ندعو فيه المتخصصين في الجامعات اليابانية ونقضي على عزلة ~~جامعة الأمم المتحدة التي أنشأها يوتانت كجامعة للعالم الثالث، بحيث تفتحها عليه، وتفتح ms130 ~~اليابان عليها. # وكانت الفائدة الكبرى هي السياحة في اليابان خاصة رؤية هيروشيما ونجازاكي، وأثر القنبلة ~~النووية عليهما حتى بعد أن أعيد بناؤهما إلا جزءا صغيرا للذكرى. وما يميز الحكم ~~الياباني بالإضافة إلى الديمقراطية الشديدة الحرفية، تقديس الإمبراطور كما هو الحال في ~~المغرب العربي؛ فهو خارج لعبة الديمقراطية، يعيش في قصر في طوكيو هو وعائلته، ولا يكاد يراه ~~أحد إلا نادرا. وناطحات السحاب الطويلة في وسط المدن لا تنفي البيت الياباني التقليدي في ~~ضواحيها، ويظهر الإحساس بالجمال في كل شبر فيها، والخضرة والورود تحوط كل شيء. والكل ~~يشهد بالنبوغ الياباني: أربع جزر بين آسيا والمحيط الهادي لا مواد أولية فيها ولا طاقة ~~ولا أرض، تستورد الطاقة من الخارج، والحديد من جارتها، لديها فقط العقول والسواعد، وأصبحت ~~تنافس أمريكا الممتدة من الأطلنطي إلى الهادي. والصين التي أصبحت الآن الأولى في ~~التصدير نظرا لمساحتها من المحيط حتى أواسط آسيا، أشار إليها المصلحون كنموذج ~~للمسلمين. # وامتحن الأولاد الثلاثة سنواتهم الدراسية قبل الثانوية العامة في السفارة المصرية، وحين ~~أتت الثانوية، اضطرت الأسرة إلى العودة إلى مصر. وكان الأولاد قد دخلوا المدرسة ~~الفرنسية وتعلموا ما استطاعوا، اللغة والعلوم الإنسانية. واضطررت إلى مغادرة منزل ~~الجامعة الكبير والسكن في غرفة أرضية في منزل ياباني بكيشيجوجي. وكنت قد تعرفت على ~~ممرضة يابانية في إحدى العيادات التي تملأ الأحياء، ورحبت أن أعلمها الإنجليزية، ~~واتفقنا على أن تأتي مرة أسبوعيا في نهاية الأسبوع، وفي المقابل تعطيني هي درسا في ~~أساليب الحياة اليابانية، تنسيق الزهور والرقص والموسيقى والرسم. وكانت تأتي ومعها بعض ~~الحلوى والفاكهة من السوبر ماركت القريب من محطة المترو، وتتصل تليفونيا أنها وصلت، ~~فأذهب إلى المحطة على الدراجة لأصطحبها وهي تجلس على المقعد الخلفي كما نفعل في مصر. ~~وبعد الغداء نستريح، ونسمع الموسيقى السيمفونية، حفل السادسة مساء، ثم تغادر. ومرة أتت ~~وهي جادة أكثر من اللازم، فلما سألت: ما الخبر؟ قالت كنت في عملية جراحية. ولما ~~كنت أعلم ضعف مرتبها ساهمت معها بالنصف، وعندما غادرت بعد سنتين كانت تبكي. وأتت ms131 ~~زوجتي من القاهرة إلى طوكيو لمصاحبتي في رحلة العودة النهائية، فبكت أكثر لأنني لم أستطع ~~أن أراها بعد ذلك. وغادرت طوكيو في عام 1987م. وراسلتني عندما قرأت عني في صحيفة # Japan Times ~~، وهي صحيفة بالإنجليزية، ورددت عليها ~~مرة، ثم انجرف كل منا في تيار الزمن. والمرأة اليابانية على الرغم من أدبها وإخلاصها ~~لزوجها إلا أنها تحب الاستطلاع، وتغيير إيقاع الرتابة التي تعيش فيها، والصداقة نوع من ~~المعرفة وحب الاستطلاع، إذا صادقت أحدا فلمرة واحدة، ثم تختفي وكأنه لم يعرفها حتى لا ~~يكون لها سجل وتاريخ؛ فهناك فرق بين الأبدي لزوجها وأسرتها والحب الوقتي العابر لمن ~~لاقته مصادفة وأعجبت به وتريد معرفته. # وكانت فرصة ونحن في اليابان أن نزور كوريا الجنوبية والعاصمة سيول والتي أصبحت نموذجا ~~للتنمية، ورأينا المعابد البوذية. وفي معبد يتكرر بوذا اثني عشر مرة أو يزيد من الكبير ~~إلى الصغير، والابتسامة على وجهه، يد مفتوحة إلى السماء ويد موجهة نحو الأرض كما نقول ~~نحن # رب السموات والأرض ~~، ولكن يدينا الاثنتين ~~مفتوحتان كالشحاذ إلى السماء. ومنها إلى جزيرة هاواي في وسط المحيط الهادي، سيادة ~~أمريكية ولكن شعورا يابانيا. ما أسهل السكن هناك في فيلات، وليس في فنادق! وما أسهل أكل ~~اللحوم، الاستيك الأمريكي، والأيس كريم الأمريكي! وركبنا الطائرة السياحية لنرى الجزيرة «من ~~فوق» وأشجار الموز. صحيح أنها تربط بين الشرق والغرب. طالبتي وزميلتي وصديقتي يمنى طريف ~~الخولي أخبرتني كم هي معجبة بجامعة هاواي، ومحاولة التعرف على الفكر العربي المعاصر بما ~~فيه فكري. # وكثيرا ما توقفت في جاكرتا إندونيسيا؛ فقد كان عندي في الولايات المتحدة طلبة ~~إندونيسيون من جماعة نهضة العلماء التي كان يرأسها عبد الرحمن وحيد الذي كان طالبا عندي في ~~الستينيات، ثم ذهب إلى العراق، ثم عاد إلى إندونيسيا. وقد بدأت هذه الجماعة صوفية ثم ~~تطورت فأصبحت عقلية، تسير في تيار محمد عبده. وكانت الجماعة الثانية المحمدية، ~~بدأت عقلانية ولكنها انتهت صوفية بزعامة الريس، تعمل بالسياسة مباشرة في حين أن نهضة ~~العلماء تعمل بها بطريق غير مباشر، يكفي ms132 استنارة الجمهور ووعيه بالوضع السياسي. تجاوزهما ~~محمد مهاتير العقلاني التجريبي في ماليزيا، وأصبح قادرا على أن يصبح رئيسا للوزراء، وقد ~~عرفته في معهد الفكر الإسلامي الذي أسسه وأداره في كوالالمبور، وعملت معه في كيفية ~~تطوير المعهد، بعمل برامج تنموية محددة، وعندما أتى مصر طلبني، فحادثته عبر التليفون في ~~برنامج معه. كان يلتف حوله السلفيون والإصلاحيون والماركسيون؛ فالتحدي هو التنمية ~~وبناء البلاد. ولما اطمأن إلى مشروعه التحديثي 2020م استقال، ونادرا ما يحدث ذلك في ~~الوطن العربي؛ فالرئيس في الحكم إلى أن يقضي نحبه بشكل طبيعي أو اغتيالا أو إزاحة من ~~الحكم بانقلاب أو بثورة شعبية، وهو في سجن أو مستشفى أشبه بفندق من النجوم ~~الخمسة! # ولما ذهبت إلى المغرب واليابان (1982-1987م) كان أبو الوفا التفتازاني هو رئيس الجمعية ~~الفلسفية، فلم تنشط الجمعية، وعدت ووجدت في محمود حمدي زقزوق خير صديق ورئيس ~~للجمعية، وما زال حتى الآن يباشر نشاطه خاصة المؤتمر السنوي من كل عام في الجلسة ~~الافتتاحية مع رئيس القسم والعميد ورئيس الجامعة وكلمة الضيوف العرب. وكان أول رئيس للجمعية ~~هو إبراهيم بيومي مدكور، وهي الجمعية التي أسسها منصور فهمي باشا ثم انقطع نشاطها بسبب ~~الحرب، ثم استأنفه علي عبد الواحد وافي ومحمود قاسم وعثمان أمين وعثمان نجاتي، وكانت تجمع ~~بين الفلسفة والاجتماع وعلم النفس، كان يقتصر نشاطها على الإصدارات، ولم يكن لها مقر ولكن ~~كان يديرها محمود قاسم من كلية دار العلوم بالمنيرة، ثم انقطع من جديد. وكنت أنا قد أعدت ~~نشاطها، وبحثنا عن مكان ووجدناه في مساكن هيئة التدريس بجامعة القاهرة بالدور الأرضي، ~~شقة كان يمتلكها أستاذ في كلية الهندسة، فاتفقنا على تقسيط التسعين ألفا. واستمر ~~النشاط بتأييد من جامعة القاهرة في المؤتمر السنوي، وبدعم من وزارة الثقافة التي خفضت ~~الثلاثين ألفا من فاروق حسني إلى المنتصف عندما كلمه محمود حمدي زقزوق رئيس الجمعية في ~~ذلك الوقت ووزير الأوقاف، فتبرع للجمعية، وأعطانا على مدى خمس سنوات كل سنة ثلاثين ~~ألفا سددنا بها أقساط الشقة، وأسسناها، وفتحنا صالة كبيرة للمحاضرات، ms133 وصنعنا ~~دواليب للكتب ومكتبا للكومبيوتر والتليفون والإنترنت، وعينا موظفة ثم موظفتين. ~~وبدأنا في طباعة مجلة الجمعية السنوية، ومطبوعات الجمعية، وندوات الجامعة الشهرية، والندوة ~~السنوية التي أصبحت تجمعا للتفلسف للوطن العربي خاصة الوطن الشقيق، الجزائر والسودان، ~~ثم قطعها جابر عصفور، ثم عادت بفضل صابر عرب وشاكر عبد الحميد وحلمي النمنم مع تخفيضها إلى ~~النصف من صندوق التنمية الثقافية، مع تقديم كل الوثائق اللازمة في كيفية الصرف. وقد بدأنا ~~بعدة محاضرات للأساتذة، ثم بمؤتمر سنوي في الجامعة أيدته الكلية بخمسمائة جنيه. ~~واستمر نشاط الجمعية على هذا المستوى الصغير بدفتر توفير في البريد في يد الزميل أحمد ~~عبد الحليم كان فيه أربعون جنيها قبل أن تتحول إلى الحساب البنكي حينها لرغبة وزارة ~~الشئون الاجتماعية التي تخضع لها الجمعيات الأهلية. ونظرا لشدة خلافي مع النظام ~~السياسي حول سياساته خاصة كامب دافيد، فقد أمرنا العميد في ذلك الوقت بالمغادرة؛ فنحن ~~جمعية أهلية والمكان مؤسسة حكومية، فاستغربت لأن معظم الجمعيات الفلسفية تمارس نشاطها ~~من خلال أقسام الجامعة المماثلة. وأنا أدير الجمعية منذ نشأتها الثانية 1976م منذ أربعين ~~عاما متواصلة، فإذا افتقرت لأسباب مالية دفعتها من الجوائز التي آخذها، التقديرية ~~والنيل. والآن نفكر في تغيير الأجيال حتى نطمئن على استمرارها من جيل آخر بعد اعتلال ~~صحتي، وقد وصلت أربعا وثمانين عاما. وما زال زقزوق يتحمل أعباء الجمعية واستشارته فيما ~~يطرأ عليها من مصاعب. وحاولنا أن ننقل مسئولياتها على جيل، ولكن عين البعض كان على الرئاسة، ~~يريد أن يأخذ أكثر مما يعطي، فظللنا كما نحن عمودين للجمعية، ولو بصفة شرفية حتى يقل ~~طمع الطامعين خاصة بعد أن أصبح لها وديعة في البنك نصرف من عائدها على النفقات الشهرية ~~للموظفين وفواتير الكهرباء والماء والإنترنت والإيميل وصيانة العمارة التي بها شقة ~~الجمعية لاتحاد الملاك. واستقال أمين الصندوق سمير أبو ~~زيد وقاطع الجمعية لأنه رفض صرف هذا القسط الكبير ~~للشقة من ميزانية الجمعية، فأخبرته أن المقر ضروري، وأن البديل بعد أن تركنا الجامعة هو ~~الشارع. واستلمها صديق عمر منذ عودتي من ms134 باريس وهو أحمد الأنصاري كسكرتير عام، ولم أر ~~إنسانا مخلصا مثله في العمل التطوعي، وهو خريج قسم فلسفة، وقد أشرفت على ~~رسالتيه، الماجستير والدكتوراه، وراجعت ترجماته العديدة لمؤلفات رويس، فتطوع ~~باستلام الجمعية وأصبح دعامتها الأولى ماليا وإداريا، وكان وفيا في الإشراف على ~~حساباتها وطباعة مجلتها وأعمال ندواتها السنوية، والاشراف على الجمعية العمومية السنوية، ~~والاستجابة لمطالب وزارة الشئون الاجتماعية التي لا تنتهي، فكان ذراعي الأيمن الذي حاول ~~آخرون قطعه، أستشيره في كل شيء، وأعرف أن نصيحته خالصة لوجه الله. أما السابق فقد كان ~~يكتب عدة مقالات في الأهرام ويمضي باسمه عضو الجمعية الفلسفية المصرية، ولما نصحته ~~بالعودة إلى نشاطه بالجمعية اعترض بأن واحدا فقط هو المسيطر عليها، فطلبت منه أن يحاضرنا ~~في اعتراضاته على سير الجمعية، فأتى ولم يقل شيئا ذا قيمة. وأذكر إخلاص رشا ماهر ~~وقدرتها على الإدارة التنفيذية للجمعية حتى شعرت بالتعب، وفضلت إكمال رسالتها ~~للماجستير واختفت، فخلفتها ليزا سعيد وآلاء شلتوت بقيمتهما الفائقة في إدارة الجمعية، ~~والاتصال بالأعضاء، والترتيب الإداري للندوات الشهرية، الأحد الثاني من كل شهر، والمؤتمر ~~السنوي في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر من كل عام. والجمعية تبارك للسكرتيرة الأولى ~~بالزواج والإنجاب من المهندس كريم، وترجو لآلاء أن تلحق بها عن قريب. # الفصل الثامن # | رئاسة القسم ومحاولة تكوين ~~مدارس فكرية (1987-1995م) # عدت إلى الجامعة وأنا في شوق إليها، إلى الطلبة والقسم، خاصة وأنها السنوات الأخيرة ~~قبل أن أحال إلى المعاش. تسلمت رئاسة القسم عام 1988-1994م على فترتين متتاليتين، كل ~~فترة ثلاث سنوات. وكان همي هو ربط القسم فلسفيا، وتعاون الأساتذة مع بعضهم البعض لأداء ~~الفلسفة كرسالة، وليس فقط كمهنة. كانت مهمة صعبة، كيفية التعامل مع الزملاء ومع تضارب ~~المصالح وتدخل الأهواء البشرية مثل الغيرة والحقد. وكنا نضع في لجان الامتحانات أسماء ~~زكي نجيب محمود صوريا ويأخذ القسم مكافأته للصرف على المناسبات التي تمر بالقسم، فذهب ~~أحد الأساتذة ومضى بالاستلام من الصراف بعد أن أعطاه «بقشيشا» كبيرا ليزيحني مع أنه ضد ~~القانون، وذهب إلى الأستاذ الكبير وأعطاه ms135 مكافأته، وأبلغه أن رئيس القسم هو الذي يأخذ هذه ~~المكافأة وليس القسم، فذهبت إليه، وشرحت إليه هذا الأمر وقال لي: «كان من المستحسن ~~إبلاغه، وعمل ذلك بطريقة أفضل.» فاعتذرت إليه. وحاول بعض الأساتذة مقاطعة جلسات مجلس ~~القسم حتى لا يكتمل النصاب فيبطل الاجتماع، لكن كان النصاب باستمرار مكتملا؛ فبعد عام ~~عادوا لحضور مجلس القسم مثل العصا في العجلة الدائرة. تحملت كل شيء بحكمة وعدل، فأدخلت ~~في القسم عدة مواد جديدة أو حاربت من أجل إدخالها، فلسفة التاريخ للسنة الرابعة، وكنت ~~أدرس المادة فأثير سؤال: في أي مرحلة من التاريخ أنا أعيش؟ بعد عرض فلسفات التاريخ في ~~الغرب. وسؤال: لماذا لم يظهر موضوع التاريخ في تراثنا باستثناء ابن خلدون؟ كما أدخلت ~~الفكر العربي المعاصر حتى يتخرج الطالب وهو على علم بما يدور حوله وبماذا يفكر الناس. ~~وحاربت من أجل إدخال فلسفة اللغة التي أصبحت أحد المداخل للفكر الغربي المعاصر. وأدخلت ~~فلسفة الدين في السنة الأولى بحيث يعرف الطلاب أن الدين علم يمكن دراسته في علم تاريخ ~~الأديان. وجاهدت من أجل إدخال اليهودية مع المسيحية في فلسفة العصور الوسطى. ويحاول البعض ~~الآن إدخال «فلسفة البيئة»، و«فلسفة المرأة»، و«فلسفة حقوق الإنسان» ولو في الدراسات ~~العليا. واستدعيت أساتذة زائرين مثل حسام الدين الألوسي من العراق في الفلسفة العامة، ~~أنور عبد الملك من مصر في الفلسفة السياسية، ورشدي راشد من مصر ومن المركز الوطني للبحث ~~العلمي بباريس في فلسفة الرياضيات، وسيد حسين نصر من العراق في الفلسفة الإسلامية حتى يسمع ~~الطلاب أصواتا جديدة في الفلسفة. # ولما أصبح رئيس الغيورين رئيسا للقسم لم أستطع الجلوس فيه حتى تقل هذه الغيرة وينضج ~~من كل كلمة يقولها أو فعل يفعله؛ فكنت أجلس في قسم اللغة العربية المجاور، ولي فيه ~~أصدقاء، يقابلني الزملاء والطلبة هناك، ولا أحضر مجالس الأقسام حيث الكراهية تشع من ~~العينين. وأزيح من رئاسة القسم، ولم يكمل دورته، فعدت إليه، وكان القسم ما زال في ~~المبنى القديم، وكان في حالة يرثى لها؛ فالأساتذة مع الرئيس أيا ms136 كان بحثا عن مصالحهم ~~الخاصة كما يحدث في الدولة. وتحول القسم إلى عصابة، ورئيس قسم آخر يفتح الباب بدفعة من ~~قدمه احتقارا له، وثالث يساند في جانب ومثله في جانب آخر كما يفعل المنافقون، وآخر ~~عقله في القسم، ولكن قلبه مع منصب أعلى يتطلع إليه؛ فرئاسة القسم سلم للعمادة، والعمادة ~~سلم لرئاسة الجامعة، ورئاسة الجامعة سلم للوزارة، والوزارة خطوة نحو رئاسة الحكومة، ~~بل أصبح رئيس القسم موضوعا للتندر والسخرية في المسرحيات الذكية مثل «أستاذ ورئيس ~~قسم». # وكان همي إنما هو تكوين مدرسة فكرية في القسم كما فعل طه حسين وأمين الخولي بقسم اللغة ~~العربية، ومصطفى عبد الرازق بقسم الفلسفة، ومحمد أنيس بقسم التاريخ، ومحمد صقر خفاجة بقسم ~~الدراسات اليونانية واللاتينية، ورشاد رشدي بقسم اللغة الإنجليزية. # وفي نفس الوقت كنت رئيسا للجان العلمية لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين في ~~الفلسفة، حاربت فيها «التربيطات» من أجل ترقية أحد الزملاء بتشكيل لجنة ثلاثية للفحص ~~موالية أو أخذ اللوم لأن أستاذا لم يرق، بل والخصام والعداء، وقد كنت عضوا ثلاث ~~سنوات عندما كانت لجنة فلسفة وعلم نفس واجتماع ثم أمينا لها ثلاث سنوات أخرى، ثم ست ~~سنوات رئيس لجنة الفلسفة معي في الدورة الأخيرة أمين الفلسفة فيصل بدير عون صامدين ضد أي ~~تدخل خارجي لصالح أحد المتقدمين، ثم جاءت اللجنة الثالثة تسير في نفس الطريق حتى ~~وهنت. وكانت لجنة التظلمات هي الباب الخلفي والتي يرقى فيها من لا يرقى في اللجنة ~~العلمية. # أما الأبناء فسأذكر ابني البكر الذي أصبح نجما من نجوم الفلسفة العربية والإسلامية. ~~وقد سرني أن كتب عني مقالا يقارن فيه بين «من العقيدة إلى الثورة» و«اليسار الإسلامي»، ~~والمقارنة بين الاثنين خاطئة. «من العقيدة إلى الثورة» المستوى العلمي لمشروع «التراث ~~والتجديد». أما «اليسار الإسلامي» فهو المشروع الشعبي. الأول للخاصة والثاني للعامة. ومع ~~ذلك فرحت لأن أحد تلاميذي تجرأ ونقد الأستاذ على غير من يتكلمون في الموضوع ولا يذكرون ~~الأستاذ أبدا، مع أن ذلك من أصول البحث العلمي للدراسات السابقة. وقد رجوته أن يستمر ms137 في ~~نقده لي حتى يحدث التراكم العلمي الكافي لإحداث تيار فلسفي، فكان يكتفي بالنقاش الشفاهي ~~بيني وبينه. وسرني أن تصلني عدة دراسات ورسائل للماجستير عني في كل أرجاء الوطن ~~العربي ومن المغرب العربي، الجزائر وتونس وليبيا، والأردن والعراق ولبنان، حتى كل المشرق ~~الآسيوي، اليابان والصين وإيران، تقريبا بمنهج العرض للتعريف بمشروع «التراث والتجديد» ~~وبفكري أو ناقدا إياه من وجهتي النظر الماركسية أو السلفية، ومنهم من يأخذ جزءا من ~~المشروع ويفنده مثل «مقدمة في علم الاستغراب» دفاعا عن الغرب ظانا أن الكتاب به نقد ~~للغرب دون أن يتأكد من هذا الجانب في نظرية المعرفة، وقلب الذات إلى الموضوع، والموضوع إلى ~~الذات، استكمالا لحركة التحرر الوطني على المستوى الثقافي والفكري والحضاري. وقد كنت أحد ~~أفراد اللجنة الخماسية التي شكلها مجلس الكلية مع مصطفى سويف للرد على تقرير اللجنة بعدم ~~الترقية التي تدخلت في ضمير الباحث وحكمها عليه بالإلحاد والكفر بأن ذلك خارج اختصاصات ~~اللجنة العلمية ردا على تقرير اللجنة الثلاثية الذي وافقت عليه اللجنة العامة، ولكن الأمر ~~قد تسرب إلى الإعلام. ودخل تلميذي في مباراة إعلامية ضد من ردوا عليه، ودخل المتخصص ~~وغير المتخصص، من يريد الشهرة ومن يريد الإثارة الصحفية. وبالرغم من نصيحتي لتلميذي ألا ~~يرد، وألا يتكلم في الإعلام فذلك شأن جامعي خالص، ولا يناقش إلا في الجامعة بين ~~متخصصين، ولكنه أصر على مواجهة الإعلام؛ فلا فرق بين معركة الجامعة في الداخل ومعركة ~~حرية الفكر في الخارج، فأبلغته أن الأمر ما زال مبكرا. يكفينا أن نكون كتيبة في ~~الداخل مثلي ومثله قبل أن تخرج إلى المجتمع. نحن الآن نقوم بحرب عصابات «اضرب واجري»، ولا ~~نستطيع أن نكون جبهة مثلهم. علينا أن ننتظر عدة أجيال؛ فكما اكتشفته أنا فعليه أن ~~يكتشف آخرين من طلابه حتى نكون جبهة في مقابل جبهة. أما الآن فالمعركة ما زالت مبكرة. ~~وقد كانت هذه هي نصيحة إبراهيم بدران رئيس الجامعة لي. ليس للمجالس الإدارية وليس للجنة ~~العلمية الحق في النيل منا حتى لا نصفى واحدا تلو ms138 الآخر، ثم حدث ما حدث بتركه البلاد، ~~ثم استمع إلى نصيحتي أن يعود إلى الجامعة ولو ليوم واحد قبل المعاش أي سن الستين، حتى ~~يعين أستاذا متفرغا، وهو ما حدث. # وهناك عدة نماذج جامعية، زملاء وطلابا أصبحوا أساتذة يمكن تصنيفها ~~كالآتي: ~~(1) # الغيرة التي تتحول إلى كراهية ثم إلى كراهية بدلا من المنافسة الشريفة، ~~نموذج الغيرة من العلماء دون التقدير أو حتى المنافسة الشريفة والتحدي ~~المهني؛ فتتحول هذه الغيرة إلى كراهية، والكراهية إلى عداوة علنية، خاصة ~~إذا كان في اليد سلطة وقدرة على الإيذاء، بتعاون مع الإدارة لتحويل هذه ~~الأهواء إلى قرارات إدارية مثل المنع من التدريس أو عدم الموافقة على تقرير ~~اللجنة العلمية للترقية في مجلس القسم حينما يكون الأستاذ الوحيد أو يخاف منه ~~باقي الأساتذة اتقاء لشره، وحرصا على مصالحه. وتتدرج الكراهية من مجلس القسم ~~إلى مجلس الكلية إلى مجلس الجامعة؛ فهذه المجالس تأتمر بأمر الأمن لمعاقبة من ~~يقف ضد النظام. ويعود القرار بالترقية إلى اللجنة العلمية فتعيده إلى المجالس ~~الإدارية فإنها قالت كلمتها؛ فإن القرار بالترقية هو قرار اللجنة العلمية وليس ~~موافقة المجالس الإدارية، فتسقط الأهواء الذاتية أمام موضوعية العلم، وينال هذا ~~النموذج جزاءه من الدنيا قبل الآخرة بالإهمال وعدم نيل أي استحقاق علمي، ~~وتفرق الطلبة عنه وإصابته بالكسور والأمراض وعدم التوفيق الأسري، وينتظر ~~نهايته منبوذا من الجميع إلا ممن استمر على النفاق والمداهنة بدافع الإخلاص ~~والوفاء. # ويتكرر هذا النموذج حتى في التلاميذ ضد أساتذتهم والذي قد يصل إلى حد الإحالة ~~إلى التحقيق لتوقيع العقاب أو مرة إلى القضاء إذا كان العقاب الجامعي لا يكفي، ~~«الفاضي يعمل قاضي»، يشعر أنه أخذ الماجستير أو الدكتوراه بغير حق، ويفرح أنه ~~تمت ترقيته إلى أستاذ مساعد وأستاذ وهو لا يستحق، وينال مناصب إدارية لأنه ~~ينفذ ما يطلب منه من ممثلي النظام، ليس له مؤلف يعرف به أو يقوم بها ~~تخصصه، وليس له دور في الثقافة العامة، يستمر في الإيذاء لإثبات الوجود، ~~وهو محط احتقار الجميع. ويتحول هذا النموذج إلى خارج الجامعة، ms139 من الغيرة ~~والكراهية والعدوان إلى الاستعلاء والاستكبار على الآخرين؛ فهو الأجمل والأعلم ~~والأقدر على الصعود على أكتاف المشاهير وعن طريق صداقاته العليا أو ~~الأيديولوجيات التقدمية ليعلو ويستكبر به على الجهلاء، يتوسط به الصغار حتى ~~ولو كانوا من الأساتذة لقضاء مصالحهم، ويرقى في الدرجات العلمية باختيار ~~لجان فحص أقل علما وقدرة. وقد انتشر هذا النموذج خارج القسم في الأقسام ~~المشابهة في جامعات المحافظات؛ فالنموذج يتحول من فرد مؤسس إلى عصبة تتبادل ~~المصالح. وهو قادر على الفهم، ولكنه كما يستعلي على الزملاء يستعلي على النص، ~~وينظر إليه من عل، ويعيد التعبير عنه بلغته الخاصة، كتب عدة مقالات في إحدى ~~المجلات العربية الشهيرة عن طريق الواسطة، وتوسط لمن أشرف عليه في الدكتوراه ~~كي يأخذ جائزة الدولة التقديرية بعدي بعام، كان يرى أنه مخلوق من جنس آخر غير ~~بني آدم، من ذهب وليس من طين، تأخر في ترقيته والتي تمت أخيرا عن طريق ~~لجنة اثنان يميلان ويتحيزان له، الأولى لضعفه العلمي، والثانية لصداقته ~~لأستاذه، وما زال يخاصم ويصادق طبقا لأهوائه ومصالحه مثل أستاذه، وأرجو أن ~~يرقى إلى أستاذ قبل أن يحال إلى المعاش، وأعتذر أيضا لذلك. قد يكون الانطباع ~~خاطئا، وقد يكون الأمر أفضل بكثير مما أتصور. وهل من الضروري الحكم على ~~الأشخاص بما يجب أن يكون أم يكفي بما هو كائن؟ وبماذا يجيب كانط؟ أعتذر للجميع ~~مرة ثانية، وأذكرهم بأنني معهم وليس عليهم؛ فأنا بمثابة الأب، وأذكرهم ~~بآية: # ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما ~~كما ربياني صغيرا ~~. # ومن ينتمي إلى النموذج الأول كان أول من أوصت دار نشر بمراجعة ترجمتي ~~لكتاب جان بول سارتر «تعالي الأنا موجود»، وكان يحسن استعمال المصطلحات ~~الفلسفية، وله قاموس بالاشتراك عن المصطلح الفلسفي. لم يكن قد ظهر اتجاهه ~~السياسي بعد إلا أنه ماركسي، وأنا لم أشعر أنه كذلك. يبدو أنه كان كذلك ms140 عندما ~~كانت الماركسية رائجة من خلال الاشتراكية العربية. والآن يعيش على قضيتين: أن ~~ابن رشد ليس مثله من قبل ولا من بعد، وهو ممثل العقلانية. والثانية الهجوم ~~على الأصولية، والدفاع عن العلمانية الغربية. ارتبط بالدوائر الفلسفية الغربية ~~أكثر من العربية، ويكتب أسبوعيا في الأهرام ويكرر نفسه. لم يحصل على أي ~~جائزة، وهو الآن مفكر الجامعة للهجوم على الإسلاميين. # وهناك أيضا زميل من خارج القسم هو صديق تاريخي من أيام باريس ومؤتمر ~~المبعوثين، وظللنا على صداقة مستمرة نحضر المؤتمرات سويا، وكل منا معجب ~~الآخر، ثم أتت فترة بان فيها الخلاف. هو من المعجبين بالرئيس الجديد، ~~واتهمني بأنني بعد خمسين عاما أنني من الإخوان، وأنا لا أعجب بأحد، بل مهمتي ~~نقد الحكم بناء على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أطالب بالحريات، ~~والإفراج عن المعتقلين، وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية بعد أن ارتفعت ~~الأسعار، فاغتنى الأغنياء وافتقر الفقراء. اتهمني في صحيفة لا يقرؤها أحد، ~~ورددت عليه مواجهة بأنه يعمل لحساب الدولة «عميل الدولة». كاتب مراوغ لا ~~يوجد فيما يكتب أي نقد للوضع الحالي، وكل ما يكتبه مستمد من الإنترنت لعرض ~~آخر النظريات في العلوم السياسية والاجتماعية، ونبهته على ذلك أكثر من مرة، ~~فإذا لم يجده في الإنترنت طلب مني أن أكتب له هذا الموضوع في عدة أوراق. نال ~~عدة جوائز من الخليج لأن كلامه لا يضر ولا ينفع في حين أنني منعت جائزة ~~الملك فيصل في علم أصول الفقه، وألغيت في العام الذي تقدم فيه الناشر ~~بكتابي في الموضوع «من النص إلى الواقع»؛ فمقالي الحسن هو ما لا يتعرض للنظام ~~ويقول كلاما في الهواء لا يصيب، ومقالي السيئ هو الموجه ضد النظام، رئيسا ~~أو مؤسسات لأنه يصيب. وعندما نكون على منصة واحدة يتكلم كلاما ليس ~~موجها ضد أحد، فأحسست أنه أيضا غيور مثل باقي الزملاء الذين أعيش بينهم ~~منذ خمسين عاما، وما زلنا متخاصمين؛ فأنا لا أحب التابع للنظام، وهو لا يحب ~~الناقد له، طريقان مختلفان. وكثيرون غيرهم كونوا جماعة مضادة لي ms141 في مؤتمرات ~~وندوات، ولكني لا أرد. لم يزر إسرائيل مثل غيره من الاجتماعيين ولكن لا ~~مانع لديه من استقبال صحفيين إسرائيليين في مكتبه بالرغم من الثورة ~~عليه. # ومنهم من كان صديقي الأول في مصر أستاذا ورئيس قسم الفلسفة بعد تعييني في ~~القاهرة، استقبلني استقبالا حارا، وانتدبني للتدريس بالقسم بعد سفر رئيس ~~القسم السابق إلى إيران ثم إلى باريس، وقراره بعدم العودة نهائيا إلى مصر لأن ~~القسم طلب منه أن يكتب طلبا للعودة بعد جوازه السنوات المقررة بالإعارات ~~فرفض لأن كرامته لا تسمح بذلك. وكنت أهديه أول نسخة من أي كتاب يصدر لي، ثم ~~غادر في إعارة، وتجاوز المدة المقررة بخمسة أضعافها، وعاد وهو يريد أن يصبح ~~صحفيا مثل هيكل، فكتب مرة أو مرتين في الأهرام فلم يلتفت إليه أحد؛ ~~فشتان بين الكاتبين. ونظرا لطول إقامته في الإعارة بمفرده استعمل حريته إلى ~~أقصى حد حتى بعد العودة، وعلمت أسرته بذلك فأتتني باعتباره صديقي الأول في ~~مصر ، وأسرت لي بما يدور في خلدها وهي تبكي، فلم أستطع إلا أن أتعاطف ~~معها، ثم جاء الصديق ليقنعني بموقفه، ويأخذني إلى صفه كما فعل كل زملائه ~~بالقسم رغبة في الإعارة أو مدها. ولما كنت أبغي الحق فلم أغير موقفي، ~~فما رأيت منه إلا أن كتب مقالا طويلا ضدي، وضد «اليسار الإسلامي»، واتهمني ~~بأنني زعيم الحركة السلفية وممثل الإمام الخميني في مصر ومن أنصار الثورة ~~الإسلامية في إيران في وقت كان النظام السياسي في مصر يعادي الثورة خوفا من ~~الإخوان. وكان الرئيس يغالط في كلماته، ويتهم الخميني بأنه يقول «الله أكبر، ~~الخميني أكبر.» أي إنه أكبر من الله مع أن الكلمة الفارسية «هربر» تعني قائدا ~~أو زعيما. وظل الرئيس يعتمد على هذه المغالطة لتملق الحس الديني ~~للجماهير، فتعادي الثورة الإيرانية. فحزنت أن ذلك يأتي من أعز صديق لي في ~~مصر، فقاطعته. وعلم صديق مشترك بيننا علماني الاتجاه مثله، ودعانا إلى ~~العشاء عنده لعلنا نصطلح، وأدخلنا الشرفة وأغلقها علينا. وانتظر هو أن ~~أفاتحه في الأمر مع أني ms142 هو المعتدى عليه، وانتظرت أنا ليبدأ بالاعتذار، ~~ويوضح موقفه، ولكنه لم يفعل استكبارا؛ فمن مثله يعتذر؟ ومن مثلي حتى يتم ~~الاعتذار له؟ وبعد مدة لا نعرف ماذا نقول وفي أي موضوع نتحدث غادرنا الشرفة، ~~والصديق المشترك يتعجب من عدم إتمام المصالحة. ورأيته مرة واحدة في عزاء ~~زميل مشترك آخر بالمجلس الأعلى للثقافة، يسنده اثنان لأنه لا يستطيع السير، ~~ومن يومها لم أره حتى وفاته. تحدثت إليه مرة واحدة تليفونيا عندما علمت ~~أنه قد هدد من الجماعات الإسلامية بالقتل، وأطمأننت عليه، وأعلنت ~~مساندتي له، ووقوفي بجانبه. ~~(2) # الصداقة التي تنقلب إلى غيرة وعداوة في فترتين من العمر، من النقيض إلى ~~النقيض. وهو النموذج الثاني الذي تبدو عليه علامات النبوغ الفكري كمفكر وليس ~~كباحث، والبحث العلمي أداة للتفكير الحر. وجد صعوبات في حصوله على الماجستير ~~لأن الفلسفة الإسلامية كانت تتم بشكل تقليدي تاريخي. وكرر نفس الشيء في ~~الدكتوراه معي، فكر جيد ولكن بحث علمي ضعيف غير موثق، فنصحته أنه يمكن ~~أن يحصل على الدكتوراه معي، ولكن المهم ما بعد الدكتوراه أن يعيد النظر في ~~منهجه لأنه لا يحفر بيديه ويستخرج النفط من البئر بنفسه دون أن يعتمد على ~~أفكار الآخرين، ويعيد إنتاجها بأسلوب جديد؛ فجيد أن يكون الإنسان مفكرا ~~بعد البحث والتمحيص والحفر باليدين، وليس قبله، ولم يستمع. كان يريد الشهرة ~~بسرعة، فالتصق بتلميذي الآخر نصر حامد أبو زيد لأنه لم يعترض على الشهرة ~~السريعة أو مخاطبة الإعلام. وبدأ الخروج إلى الإعلام، وكتابة أفكاره في الصحف، ~~فكان يأخذ قطعة من «النداغة» من فمي فيكون منها بالونة كبيرة حتى تكبر ~~ويراها الناس ثم تنفجر بسرعة لأنها لا تستمد هواءها من ذاتها. كان هدفه ~~الشرب من بئري لينال شهرة نصر حامد أبو زيد؛ فهو خليفته، مع أنه على النقيض؛ ~~فنصر حفر بيديه بعد أن أخذ الشرارة مني. ونبهته إلى أن ذلك ليس بحثا ~~علميا، ونبهته إلى أن البحث العلمي ليس أخذ قطعة من السكر أو الملح من ~~ماء غيره ويذيبها، فلم يستمع، وتقدم ببحوث من ms143 هذا النوع، العلم مني والشهرة ~~من نصر حامد أبو زيد، وأسمع من الزملاء أنه كان كثير النقد والتجريح لي. ومرة ~~أراني زميل ما كتبه على الفيسبوك بأنني كاهن الفلسفة في مصر، ورجل النساء ~~والشهرة والمال والأسفار، وأنني لا أعرف الموضوعية ولا الملوخية، وأنني سبب ~~تعطيله في الترقية إلى أستاذ مساعد. وعندما كلفته بجمع أوراق «التراث والتجديد» ~~تقدم بها للترقية إلى أستاذ مساعد عن «الثيولوجيا والأنثربولوجيا»، وأخذ من ~~نصر حامد أبو زيد «النص والخطاب». مع أنه طلب الأوراق التي وصلت إلى الجمعية ~~فأعطيناها له؛ فالعلم ليس فيه احتكار. وقد وجد صعوبة في الترقية، وتقدم أربع ~~مرات، ورفضت الترقية لعيب في المنهج، فتقدم إلى لجنة التظلمات التي ~~كونت لجنة ثانية «مطبوخة» فرقته. وأنا لا أعطي لذلك أي اهتمام حتى إنه ~~قال إني أغار منه! وعرف العميد ذلك وسألني هل يقدمه إلى التحقيق، فرفضت؛ ~~فكيف يشكو الأب أبناءه؟ كما أن الزمن سيعلمه. وقد تقرب من أحد الأساتذة ~~الغيورين مني والذي أعطى زوجته رسالة ماجستير عن «إخوان الصفا» في إحدى ~~الجامعات الإقليمية. اخترته عضوا في لجنة مناقشة طلب لرسالة دكتوراه، وما إن ~~علم العضو الثالث حتى أراد الاعتذار، وخفت أن يأتي الإعلام فيصور ~~المناقشة، ويشهر في اليوم الثاني بنا، فطلبت تغييره إلى أستاذ آخر بناء ~~على طلبه. وجاء مدرس كاره، وكان تلميذا لي من قبل، ويظن أنني وقفت ضده في ~~ترقيته إلى أستاذ مساعد منذ عدة سنوات، يطعن في أمام القسم دون أن يتحدث ~~هو بأنه هو الذي طلب الانسحاب. وقد صاحب نصر حامد أبو زيد في رحلته الأخيرة ~~من إندونيسيا إلى القاهرة، ثم توفي نصر بعدها بعد أن طلبت منه زوجته نقله ~~إلى القاهرة، وليس إلى هولندا. قال نصر قبل أن يغادر هذا العالم: «علينا ألا ~~نترك أستاذنا وحيدا، وأن نقف معه، ونتعلم منه.» وحينها اتصل بي الأستاذ آخر ~~مرة، وقال إنه يريد أن يحتفل بعيد ميلادي ليس بالطريقة المعهودة، فأفرغت ما في ~~قلبي تجاهه، مددت له ذراعي فقطعه. كانت كتابته أشبه بالمقالات ms144 الثقافية ~~المطولة، يعرض أفكاري وكأنها أفكاره، ولم يشر إلي ولو لمرة واحدة في ~~إحالاته المرجعية، وكأن هذا الماء قد خرج من بئره. لم يهدني أي كتيب من ~~كتيباته ظانا أنني لم اكتشف خداعه ومصادره غير المعلنة. كان القسم ~~يعتبره خير من يخلفني، ولكني اكتشفت باطنه كما عرفت ظاهره؛ فقد كان يبدي ~~إخلاصا لي في الظاهر، ويبطن عداوة في الباطن، ثم توفي بعدها رحمه الله ~~دون أن ينال لقب باحث أو مفكر، وسمعت أنه قال وهو في النزع الأخير: حسن ~~حنفي هو أستاذي في النهاية. وتكونت حلقة معادية لي من تلاميذي الذين ~~أصبحوا أساتذة بأنني السبب في إجهاضه بل وموته شهيدا للفلسفة بسبب كراهية ~~القسم له. وتقرب إلي أستاذ كان في معيته، وكان يسعى إلى نحو الشهرة ~~والمال، وكان يكتب في «الأهرام» و«القاهرة»، وجعلوه نائب رئيس لجنة الاحتفال ~~بنصر حامد أبو زيد بعد أن كانت زوجته رئيسا، ولكنه كان يريد أن يكون الرئيس ~~ولا أحد غيره. أتى مرة إلى مؤتمر الجمعية الفلسفية المصرية، وحضر يوما واحدا ~~لأن هناك عربة ستغادر إلى القاهرة، وكان سؤاله: «هل أنت رئيس كل الجلسات ~~دائما؟» وقد أراد زحزحتي عن درس التأويل في الدراسات العليا، ولو كان طلبه ~~بمحبة لكنت تركته له. كان إذا أتاني الطلبة الإندونيسيون عندي كما يفعلون ~~كل عام أدعوه للمشاركة. ودعا هو رئيس جمعية نهضة العلماء إلى الأهرام مع أحد ~~كتابه الغيورين وسأل: «طبعا أنت راجع من السفر وتعبان ولا تستطيع أن تأتي ~~إلى «الأهرام»؟» فأجبته: نعم. أراد أن يحل محلي ومحل نصر حامد أبو زيد، كان ~~يريد أن يسير على طريق شقه غيره، وكانت الدراسات العليا عند فلان، مثل «من ~~محمد عبده إليه» لوصف مسار الفكر الإصلاحي. هذه شهادة للحق وأعتذر له وهو في ~~السماء حيث يسود الحق والعدل إن كنت قد ظلمته في شيء، وليرد علي أحد من ~~مجموعته. وقد يحدث هذا في الطبعة الثانية من الذكريات يردون فيه على تجربتي ~~مع الراحلين؛ فربما أكون قد أسرفت أو أولت أو ظلمت. ms145 والله أعلم. ~~(3) # الازدواجية بين القول والفعل، بين اللسان والقلب، صداقة باللسان، وعداوة ~~بالقلب والفعل، إظهار غير ما يبطن؛ باللسان صداقة وحب وتقدير وعرفان بالجميل، ~~وبالقلب كراهية دفينة، وبالفعل إيذاء وانتقام. يقضي حياته في إيذاء الآخرين، ~~يشعر بضعف الشخصية والعلم النسبي، ويتخفى وراء الآخرين، ويعمل تحت أجنحتهم، ~~لا يستطيع أن يعمل بمفرده أو يقوم بواجباته إلا من وراء آخر، في تربيطات ~~ومحاور. هو «تافه» في رأي أحد من يحتمي وراءه، لم يسمع حديث الرسول: «لا تأتوني ~~بأنسابكم، وأتوني بأعمالكم.» ولم يسمع عن آية: # وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا ~~. يترك العلم مع أنه قادر عليه ~~لو أخلص له، لم ينل إلا أصغر التقديرات وهو التقدير الذي يناله أصغر الباحثين ~~تشجيعا له. ويتشكل هذا النموذج بطريقة أخرى معاكسة، ظل وقتا حتى أصبح ~~نجما من نجوم الفلسفة العربية، له نشاطه وتعبيراته واتصالاته ومؤتمراته، ولكنه ~~أصبح «أجوف» الفلسفة. ولما بدأ ينتشر في الوطن العربي، كنت قد أردت أن ~~أشركه في عملية الانتقال من جيل زقزوق وجيلي إلى جيل آخر، مع أنه لم يصبح ~~عضوا في الجمعية الفلسفية لأنه لم يدفع اشتراكاته على مدى ثلاثين عاما، ولم ~~يشارك تقريبا في أي ندوة شهرية. وكنت قد استبعدته جانبا منذ ذلك الوقت ~~عندما لاحظت أنه بدأ يغلب مصالحه الخاصة على العامة، يعمل لصالحه الخاص ~~وليس للصالح العام. وقد حاول هذا النموذج الاستيلاء على النشاط بعضوية جديدة ~~لعشرات المعيدين والمعيدات في الجامعات الإقليمية وبعض الأساتذة في القسم، ~~وتم التصويت لصالحهم، وكانت انتخابات باطلة لأن العضوية الجديدة في هذا النشاط ~~الفلسفي، ولم يمر عليها ستة أشهر. وعاد النشاط إلى إدارته القديمة، ثم ~~قدمت شكوى إلى وزارة الشئون الاجتماعية بأن الانتخابات باطلة، وأتى ~~المفتشون ووجدوا أنها صحيحة، وعاد من جديد عندما وجد أنه ليس رئيسا ولا ~~نائبا ولا حتى سكرتيرا للجمعية، اشتكى بأنها ستنهار، وهدد موظفات الجمعية ~~أنه يمكن هدمها بخطاب صغير بثلاثة تعريفة؛ أي يشكونا كما فعل من قبل إلى ~~وزارة الشئون الاجتماعية التي تشرف على الجمعيات العلمية الخاصة، وأخذها ms146 ~~عدوا له. واتهمني في مجلس القسم أنني من الإخوان. ويشترط في عقد المؤتمر ~~السنوي بالاشتراك مع القسم ألا تشترك أي منظمة أخرى، ويعني المعهد السويدي ~~بالإسكندرية التي تعقد فيه أيامها الثلاثة الأخيرة بعد عقد الأيام الثلاثة ~~الأولى في جامعة القاهرة، ويصرح بأن العميد هو الذي طلب ذلك، وكأنه يمثل ~~العميد لدى القسم ولا يمثل القسم لدى العميد. مع أني أعتبر هذا النموذج تلميذي، ~~وأعتمد عليه في تحريك النشاط الفلسفي في القسم، هو نموذج صامت لا يتكلم، لا ~~يسمع له صوت. وقد حامت حوله بعض الشبهات وأحيل إلى التحقيق، وكنت أدافع عنه ~~في اللجنة العلمية للترقيات، ساعدته ماليا عندما تراكمت عليه ديون المطبعة. ~~ولم يأت المؤتمر السنوي لهذا العام، بل إنه سوأ سمعتي لدى بعض الزملاء ~~وجعلني مسئولا عن عدم اشتراكهم في المؤتمر، عرفت أن الطبع غلاب. ومع ذلك ~~أحضر كتبه ومجلته ووضعها على منضدة يبيعها بنفسه دون تكليف أحد الفراشين ودون ~~فصل بين كتبه وكتب الجمعية، بالرغم من التنبيه عليه من موظفات الجمعية ألا ~~يرتكب الأستاذ أخطاء البيع والشراء والحسابات. هذا ليس نيلا من أحد ولكن وصف ~~لما يحدث كل عام مع التقدير الكامل لجهده في إصدار الكتب والمجلة، ولم ينل أي ~~جائزة تقدير ولم يستدع في أي إعارة. ~~(4) # اللعب على الحبلين حتى يكسب الجميع ولا تعادي أحدا، إيثارا للسلامة؛ فمنه ~~من عين في منصب ثقافي كبير ثم طرد منه، له صديقة بالقسم، وتلميذة له، يقول ~~ما لا يبطن، ويبطن ما لا يقول حتى لو كان عالما، وكما استبعد هو من أمانة ~~المجلس الأعلى للثقافة، استبعدت من أمانة لجنة الفلسفة فيه، وعين بدلا ~~مني زميل مريض لم يحضر، فأصبح أقدم من في اللجنة أمينا ثم توفي، ثم أصبح ~~زميلا عائدا من الخارج بعد عشرين عاما، وإقالته من جامعته تأسيا ببعض ~~أساتذة القسم. ~~(5) # الابتعاد وإقصاء النفس عن الاختيار طبقا للمثل الشعبي «اللي يجيلك منه الريح ~~سده واستريح» وهو نموذج الابتعاد والعزلة وتجنب المشرف بعد الحصول على ~~الدرجتين العلميتين؛ فقد تحقق الهدف ms147 بعد أخذ درجة الماجستير، وكان لا يعرف ~~كيفية الكتابة، وأرسلته إلى الكلية العلمية ببرلين # Kolleg ~~Wissenschaftliche # لمدة عام ليتعلم الألمانية، ويدرس ~~اليهوديات وتجميع نصوصها خاصة الفلسفة اليهودية العربية المكتوبة بالعربية ولكن ~~بحروف عبرية، ولم يفعل شيئا في الدراسات اليهودية، وهو المشروع الذي بدأته ~~أنا وأحمد هويدي من قسم اللغات الشرقية. وكان يريد العودة بعد شهر لولا منعته ~~كما منعه نصر حامد أبو زيد الذي كان هناك يقضي أيضا عاما في سيمينار علوم ~~القرآن، فاتفقنا مع أساتذة اللغات السامية أن يشتركوا معي في ذلك، فوافقوا. ~~وأصدر أحمد هويدي وأنا جزأين لم أرهما، وبعد أن كان يقول أستاذي اختفى، ولا ~~أدري عن المشروع شيئا. ولما رأيتهما أعجبت بالنشر في مركز اللغات ~~والترجمة ولكني صعقت أنني رأيت علم إسرائيل على غلاف الجزء الثاني! فعاتبته ~~أن هذا الشعار ضد المشروع الذي يقوم على نشر التراث العربي اليهودي، ونقله من ~~الحروف العبرية إلى الحروف العربية. وكان يجب أن يراجع أغلفة الكتب . ويسير ~~المشروع الآن ببطء للغاية نظرا لكثرة المعروض على المركز القومي للترجمة، وقلة ~~الإمكانيات. وقد نشر هذا التراث من قبل في إسرائيل بحروفه العبرية كما هو ~~تحت عنوان «التراث اليهودي»، وفي أوروبا وأمريكا إلى اللغات الأوروبية تحت ~~عنوان «التراث اليهودي في العصور الوسطى». وهو خطأ تاريخي لأنه لا ينتمي إلى ~~العصور الوسطى المسيحية الأوروبية، بل إلى الحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها ~~الأول في الأندلس. وإذا كانت الماجستير في علم الكلام اليهودي، فقد كانت ~~الدكتوراه في زوهار # Zohar ~~، في التصوف اليهودي. ~~ولما لم يكن قد تعلم شيئا وهو في برلين بل تعرف على مجرد صديقات، لم ~~يفهم النص الإنجليزي الذي صوره من عندي، ولم يعرف ما المقصود من الرسالة، وما ~~التصوف اليهودي مقارنة بالديانات الأخرى، خاصة التصوف الإسلامي. كتب رسالة لا ~~تقرأ، فأعدت له لصياغتها حتى حصل على درجة الدكتوراه، وبعد ذلك اختفى، لم ~~يكتب مقالا واحدا! ولم يشارك في بحث واحد إلا نادرا تحت ضغط مني، ولم يكن له ~~مشروع لدراسة الفلسفة اليهودية العربية ms148 في إسبانيا. وقد قارب على المعاش، وما ~~زال مدرسا، وهو فرح بطبع كتابه عن الفلسفة اليهودية دون أن يشير إلى أنها ~~رسالة الماجستير، وأن طبعاتها متعددة لأنها مقرر في مادة الفلسفة اليهودية ~~في القسم وفي التعليم المفتوح، ثم طبع رسالته الثانية عن «زوهار» وهو كتاب ~~«الضياء»، ولم يشر إلى أنها رسالته للدكتوراه، ولا إلى المشرف على رسالتيه، ~~ولا حتى إلى أن الاسم مشتق من الفعل العربي «ظهر»، ولم يساهم في تنمية هذا ~~الفرع في الفلسفة وهو الفلسفة العربية اليهودية. ويبدو أن الأستاذ يضع كثيرا ~~من الآمال في طلبته، وأعتذر له إن كنت قد أخطأت في حقه # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ~~. # ونوع آخر من هذا النموذج الخامس البداية بالعلم الجاد يقرأ ويكتب بمهنية ~~عالية، وبمجرد الحصول على الدرجتين العلميتين لم يكتب مقالا أو أثار ~~قضية، وما أكثر القضايا الفلسفية قبل اليونان مثلا! وماذا عن حديث «اطلبوا ~~العلم ولو في الصين.» لو كان صحيحا؟ في كل مؤتمر أدفعه هو وزملاءه للاشتراك، ~~تأخر في الترقية، وما زال مدرسا، وسمعت أخيرا أنه تمت ترقيته. رفعت ~~صوتي عليه لأنه لا يحضر ندوات الجمعية الفلسفية المصرية، الأحد الثاني من كل ~~شهر، فزعل. كان يستعملني أحيانا كمساعد باحث، أبحث له في مكتبتي عن مراجع في ~~التخصص، وأكلف أحد مساعدي بالقيام بذلك، يقرأ له الفهارس وسرعان ما ~~يحكم لا، لا، فعجبت! ومكتبتي مفتوحة للجميع، والتصوير مجانا. ربما لم ~~يستقر أسريا ولا عاطفيا فأثر ذلك على الناحية العلمية. وكان فيه ~~العيب الرئيسي لهذا النموذج، لسانه معي وقلبه وسلوكه مع غيري طبقا للمصلحة، ~~ليس لديه الشجاعة الكافية لمواجهة الظلم حتى لو أتى من رئيس القسم خوفا على ~~مصالحه. وأستاذه كان يواجه الظلم بمفرده حتى لو ازداد الظلم ظلما؛ فالعدل في ~~النهاية هو الذي ينتصر؛ لذلك اختصر المعتزلة أصولهم الخمسة في اثنين: ~~التوحيد، والعدل. سمعته مرة في مجلس القسم وهو يجلس بجواري يدافع عن ~~الكتاب المقرر. ومرة كنت أحاول المصالحة بين رئيس القسم وأحد الأساتذة ~~الذي أحيل إلى ms149 التحقيق، وطلبت التصويت على إرجاعه للقسم، والقيام بالتدريس، ~~فلم يصوت مع الاقتراح إلا اثنان. وقام هو وزميله التابع له بمغادرة حجرة ~~القسم حتى لا يصوتا بنعم أو لا خوفا أو جبنا. والفريق الثالث قال إن ذلك ~~يترك للجامعة وليس في يد القسم. وعجبت! وأرجو معذرتي إذا كنت أخطأت في شيء، ~~إذا كنت لم أقدر الظروف الأسرية التي يعيش فيها الزميل. كان علي أن أختار ~~إما الصمت تماما عن تجربتي الحية وأنا أكتب ذكرياتي أو أن أكون منافقا ~~أعبر عما لا أعتقد، وهو ضرر بالتاريخ، أو أن أكون صادقا مهما أسأت في ~~التأويل أو في التقدير، والثالث أفضل. # ومن هذه النماذج من فضل الابتعاد بعد تحقيق غرض وهو نيل الدرجتين ~~العلميتين. لقد تعب من العمل الجاد، ولا يريد الاستمرار فيه، وغير قادر على ~~النموذج السابق وهو الازدواجية إلا عن بعد لأنه يعتبره سلوكا لا أخلاقيا ~~فيؤثر الابتعاد الكلي أو النسبي تحت حجج كثيرة مثل الخلافات في القسم. ومنه ~~من يظهر بين الحين والآخر ليبرر انقطاعه عن الأستاذ ويغرقه بالكلام الذي ~~لا يفهم منه شيء، وبينه وبين نفسه هو غير قادر على كتابة شيء غير رسالتيه ~~العلميتين. ومنه من يتخفى كلية لأنه يخجل من نفسه لأنه لم يكن قادرا على ~~كتابة رسالته الثانية خارج الترجمة، فكتبها له الأستاذ بأسلوب عربي سليم ~~ومفهوم، وأفكار متسلسلة. لم يعرف كيفية التعبير باللغة العربية، بالجملة ~~الاسمية أو الفعلية، لها بداية ونهاية، نقل وترجم صفحات دون التعبير عن ~~أفكار. لا يشارك في ندوة أو في مؤتمر أو يلقي محاضرة عامة أو يكتب مقالا ~~في جريدة. هو فيلسوف من منازلهم، لا يشارك في حياة عامة أو خاصة. ويتكرر ~~هذا النموذج كثيرا بحجة الخلاف مع القسم أو بعد المكان أو الإعارات ~~المتتالية أو عدم الاهتمام بالعمل العام. وهو أقرب إلى المرأة منه إلى الرجل، ~~حقيقة أم تمثيلا، هادئ الطبع. تعلم الألمانية، ولكنه لم يستطع السفر إلى ~~الخارج لأنه لا يعرف الكومبيوتر والإنترنت، وهي وسائل الاتصال الحديثة لطالب ~~البعثات. غالى ms150 في استعمال منهج تحليل المضمون، فاكتفى بمجرد الإحصاء دون البحث ~~عن الدلالة. اعتمد على «قال ... يقول» نقلا عن الدارسين للموضوع. ومن يوم ~~المناقشة حتى الآن لم يتصل بي، وقاطعني إما خوفا أو خجلا أو حرجا، وادعى ~~أن هناك خلافات في القسم وهو بعيد عنها. ولم أر له حتى الآن كتابا عن ~~الهيجليين الشبان ولا حتى طبع رسالتيه، ولا أدري ماذا يفعل في محاضراته؟ ~~وكيف يواجه الطلاب؟ وقد قيل إن أحد الزملاء الشبان ضبط وهو يراسل زوجته على ~~الإنترنت، وأنه محال للتحقيق، لا يحضر مجالس الأقسام، ولا يشارك في ~~المؤتمرات، ولم يكتب ولو مقالا واحدا، ولا يعتني بالشئون العامة. كان أقرب ~~إلى مدرس الابتدائي، حاولت عدة مرات أن أخرجه من هذا الطابع، ولكنه احتج ~~بخلافات القسم! وأي قسم خال من الاختلافات؟ ولماذا لم يأت ويدافع عن الحق؟ ~~وأعتذر إن كنت قد أخطأت في الوصف والتقدير. قد يكون هو غير ذلك، ولكن ما ~~الدليل؟ # ونوع آخر من هذا النموذج ، طالب عانى ~~الأمرين في الماجستير في الإشراف، وساعدته قدر الإمكان في إشرافي على ~~الدكتوراه بعد أن كانت هناك محاولات لإيقاف مناقشتها إما بالحديث مع بعض ~~أعضاء اللجنة للاعتذار أو مع السلطة الدينية «الفاتيكان» لبيان خطورة الرسالة ~~أو مع إدارة الكلية، وكان هناك زميل يعاديه، ربما كان هناك في الذهن شخص آخر ~~في نفس التخصص يراد تعيينه ولم يكتف بتعيينه لمدة سنتين، من خارج هيئة ~~التدريس، وهي مسيحية أقدر على أن تقوم بتدريس الفلسفة المسيحية، ولم تنجح ~~هذه المحاولات، واستطاع أن يناقش. وظننت أنه سيحفظ الجميل على الأقل حتى ألقى ~~الله أو ربما يحافظ على ذكراي. وظننت أنني أستطيع أن أعتمد عليه كذراعي ~~اليمنى، ظل هكذا عامين أو ثلاثة أعوام. ولما كلفته بالقيام ببحث في ~~المؤتمر السنوي للجمعية الفلسفية المصرية عن مناهج البحث في العصر الوسيط ~~وشرحت له ماذا أقصد بذلك «أومن كي تعقل» أو «أعقل كي تؤمن» وهو موضوع شهير ~~للغاية خاصة عند أنسليم تكلم في معركة أوغسطين مع الدوناتيين الذين كانوا ~~يودون ms151 الاستقلال بشمال أفريقيا عن روما، فانفعلت عليه علنا بأن هذا خارج ~~الموضوع، فاعتبر التعليق إهانة! وبدأ ينسحب شيئا فشيئا مني حتى اختفى تماما. ~~وعهدته أن يقبل اليد عندما يسلم علي مصادفة، ورأيته يقبل يد رئيس ~~القسم ونهرته. ورأيت له كتابا في الفلسفة المسيحية مقررا على طلبة ~~التعليم المفتوح. لم يشارك في أي معركة ثقافية في الفلسفة المسيحية أو أعد ~~مشروعا فيها للدراسة والبحث. # وهناك زملاء سلبيون لا يهتمون إلا ~~بمصالحهم، دروسا أو توزيع كتب أو الإشراف على رسائل أو التعليم المفتوح، ~~عذرهم أنهم يسكنون خارج القاهرة. أحدهم علمه محدود لكن أخلاقه تبدو طيبة. ~~ومنهم من يتخذ العلم سلما للإدارة؛ فالعلم يتوقف بعد الدكتوراه، ويبدأ ~~البحث عن الإدارة في السلم الجامعي، ولا تتوقف الإدارة إلا عند الوزارة. ~~وهو نموذج يتكرر في جميع الأقسام، العلم وسيلة، والمنصب غاية، يستحق التقدير ~~في العلم، والحزن في السعي إلى الإدارة أو الحزن على فقدانها. العلم الهدف ~~القريب، والمنصب الهدف البعيد. وما أسهل أن يقع الرجل في حب هذا النموذج إذا ~~كان امرأة! ولا نكتفي بالمظاهر؛ فإننا لا ندخل قلوب الناس. إنهم نموذج من ~~الأساتذة الذين يتركون غيرهم للقيام بدورهم في الظلم أو في العدل، ويتخلون ~~عن أخذ المواقف، وكما يقال في المثل المصري «معاك معاك، عليهم عليهم» باهتون في ~~اللون أو يتلونون، وأحيانا يكونون كالعقرب يلدغون من وراء ستار، بالرغم من ~~مدح اللسان. ينشطون في تكوين الجبهات والمحاور من أجل إشعال النار، بالرغم من ~~براءة الوجه وسماحة الكلام، وينضم إليهم جماعة من المظلومين بالرغم من تباين ~~المواقف. لا يدافعون عن حقوقهم، ولا يقومون بمعاركهم، ويتركون غيرهم يقومون ~~بها؛ فمن يتقدم ويعلي صوته دفاعا عن الحق غير من يتراجع ولا يسمع دفاعا عن ~~الحق ضد المتخاذلين الذين يحبون غيرهم القيام بدورهم بدلا عنهم. لا يعني ~~ذلك أن هؤلاء الزملاء لا فضائل لهم؛ فلكل إنسان فضيلته التي تتغلب على أهوائه ~~وانفعالاته؛ فالإنسان ليس شيطانا ولا ملاكا، وإنما السؤال أي الجانبين يتغلب ~~على الآخر حتى يمتلك الفضيلة. بالفضائل ms152 تبنى الحضارات والرذائل تنهدم. ولما ~~كان الإنسان هو صانع الحضارة فإنه هو المسئول عن بنائها بفضائله وعن هدمها ~~برذائله. ويمكن أن أقلب الصفحة فأجد الصور والنماذج الأخرى للفضائل، وما ~~منعني من ذلك هو أنني أخشى أن أكون من المداحين، وما أكثرهم في عصرنا! ~~بالرغم من قول الرسول: «احثوا التراب في أفواه المداحين.» وهناك قلة من ~~الأساتذة يدافعون عن الحق، ويدينون الباطل، لا يؤخذ برأيهم مهما علت أصواتهم، ~~وتكررت تهديداتهم، أصوات تضيع في الهواء مهما علت؛ فلا أحد يستمع إليها، ~~وإذا استمعوا إليها فإنها تدخل من أذن وتخرج من الأذن الأخرى. لا تعرف كيف ~~تكون الجبهات مع الصامتين، مع ما يسمى في السياسة «حزب الكنبة» ~~الممتنعون عن التصويت بيديها، متباطئة أو بالخروج بسرعة من القاعة حتى لا يأتي ~~عليهم الدور، فيصوتوا بنعم أو لا. سمعت مرة أن هناك صراعا بين رئيس مجلس ~~القسم وأحد الأعضاء الأساتذة كان قد خسر الانتخابات أمامه عندما كانت الرئاسة ~~والعمادة بالانتخاب، وينتظر أن تلحق به رئاسة الجامعة، حاولت الإصلاح بينهما ~~قبل أن ينتهي التحقيق باعتباري أقدم الأساتذة وأطولهم عمرا، فأصر رئيس ~~القسم على عدم التنازل عن التحقيق، وضرورة توقيع العقاب عليه. ولما ذكرته ~~بآية # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ~~، واعتذر له ~~الزميل عدة مرات فلم يقبل الاعتذار، ولما صدرت العقوبة عليه من الجامعة ~~باللوم رفض الاعتراف، وأصر ألا يوزع عليه حقه في جدول التدريس، والكل وافقه ~~باستثناء أستاذتان، فأحسست أنني في عصبة، ولست في مجلس قسم علمي، وأن الكل ~~يريد أن يأخذ نصيبه من الميراث. وذكرني ذلك برواية «علي بابا والأربعين ~~حرامي»؛ فشتان ما بين أحلامي والواقع المعاش. ولم أدخل القسم بعدها حتى لا ~~أشارك في ألاعيب المدرسين مع ناظر المدرسة. وتعبت من سياسة المحاور في ~~القسم؛ فلا أنا قادر على مواجهة العداء بالعداء، ms153 ولا أنا قادر على أن أعطي ~~محور الصداقة ما يريد من تحقيق المصالح. وظللت قائما على ساقي حتى انتهت ~~المدة مع سن المعاش. ولا يوجد معاش في الجامعة، بل يعين الأستاذ بعد الستين ~~أستاذا متفرغا، له نفس الحقوق للأستاذ العامل إلا المناصب الإدارية. وبعد ~~السبعين يعين أستاذا غير متفرغ كل سنتين مرة بطلب القسم يقوم بالإشراف ~~على الرسائل، ثم ألغي الفرق بين الأستاذ المتفرغ وغير المتفرغ، وأصبح الكل ~~متفرغا حتى ينتقل إلى رحاب الله. ولا أدري هل يجازونه الفرق بين المرتب ~~والمعاش كما سمعت أم إنه من لا يعمل لا ينال كما قال أحد العمداء، وقد جاءني ~~خبر الآن أنهم يفعلون. فلم أتعرف على أحد منهم، ولا هم حاولوا التعرف ~~علي بالرغم من أن الطلبة والأساتذة الشبان يأتون إلي من أقاصي الأرض ~~للتعرف علي. يعرفون طريقهم منذ البداية: اختيار أستاذ يختار لهم موضوعا ~~مضمون النجاح فيه مع درجة الشرف الأولى في الدكتوراه، وممتاز في الماجستير، معي ~~لا شيء مضمون في الدرجات إلا العلم، يهابونني قبل التعرف علي. لم تعد ~~الإدارة الجامعية ولا طلبة الدراسات العليا يقرءون شيئا. ~~(6) # الصداقة الهوجاء الانفعالية التي تضر ~~أكثر ما تنفع، تقوم على التمركز على الذات. وهو عكس النموذج الأول، الغيرة ~~والكراهية والعداوة العلنية، أحيانا ينفعل بصداقته لدرجة أنه قد ينقلب في ~~يوم من الأيام إلى خصام دون عداوة، وقطيعة دون تواصل، مما يثير في الذهن ~~المثل القائل: «عدو عاقل خير من صديق جاهل.» ولا مانع لديه من التقرب من ~~الزميل الأعلى إداريا، يمدحه بقدرته على الكتابة بحيث لا يكون هناك فرق بينه ~~وبين رجال الإعلام، يتعصب لرأيه، يصيح ويصرخ ويتشنج، لا يحاور لأنه لا يسمع ~~الرأي الآخر، ولا يسمع إلا صوته، لا يعمل إلا تحت جناح أستاذ، فإذا توفي ~~انتقل إلى غيره. كون ثلاثيا مع أستاذ غيور وأستاذة دون شخصية أو علم، ~~حاولت أن تغطي هذا النقص بعد أن أصبحت في منصب إداري أعلى، وهي آخر ~~رئيس بالانتخاب، نافقها كل الأعضاء طلبا للمصالح الخاصة للتدريس ms154 في التعليم ~~المفتوح ومكافآت الجودة، حاول كل عضو أن يسيطر عليها بمن فيهم المدرسون، ~~ولكنهم كتلة صماء في القسم. لم ينل من تحت الجناح الأخير إلا أقل ~~الجوائز شأنا بتربيط مع أعضاء لجنة الفلسفة، وعندما رشح إلى جائزة أعلى ~~لم ينل إلا صوتا واحدا. نادرا ما يتحقق هذا النموذج في شخصيات سوية، ~~قادرة على الحوار، والأخذ والعطاء، تعاديه باقي النماذج لأنه لا يسير طبقا ~~للمصالح الخاصة، ولا يحقق إلا المصالح العامة. # ومن هذا النموذج السادس من كان انفعاليا، يغضب بسرعة، كان يدي اليمنى في ~~الجمعية الفلسفية بعد قطع يدي اليمنى الأولى، وأدى واجبه خير أداء بالنسبة ~~لجمع الاشتراكات، والإشراف على الأعداد الأولى للمجلة، ثم غضب من أحد ~~الأعضاء عندما كان يمزح معه وهو يدفع اشتراكه، فظن أن ذلك إهانة! وغادر ~~الجمعية بلا رجعة. ومع ذلك أعتذر له إن كنت قد أخطأت في حقه حتى لا يحمل ~~لي إلا المعروف وجميل الذكرى. ~~(7) # الصداقة العاقلة التي تعرف عيوب النماذج السابقة وتحكم بالعقل الهادئ على ما ~~ينفع وليس على ما يضر حرصا على المصلحة العامة، وهي صداقة مخلصة صريحة، ~~تتفق معي في تحليل أحوال الجامعة وأحوال البلاد. كل منا يصرح بهمومه ~~إلى الآخر، ويتحسر على الزمن القديم، زمن الأساتذة الكبار الذين تعلمنا على ~~أيديهم قبل أن تتحول الجامعة إلى وسيط تجاري بين الطالب والأستاذ خاصة في ~~التعليم المفتوح. تعترض على جامعة الكتب المقررة والملازم والتلقين والحفظ ~~في مرحلة الليسانس، كما تعترض على النظام الأمريكي للدراسات العليا، نظام ~~الساعات المعتمدة؛ فيكون هم الطالب هو تجميع أكبر قدر ممكن من # A ~~، ثم ينقل رسالته من الإنترنت ويتخرج ~~حاملا الماجستير أو الدكتوراه يبحث عن عمل، ويتظاهر أمام دور الحكومة ~~ليسمع صوته، كما تتحسر على النظام السياسي كله؛ فهذه الجامعة صورة منه. ~~أتينا ومصر تقاوم الاستعمار والقصر والباشوات، ونغادر الآن ومصر ترزح تحت ~~عبء التدخل الخارجي والانهيار الداخلي، وترك مركزها للخليج وإسرائيل؛ فقد ~~تحول الصديق إلى عدو، والعدو إلى صديق. وما زالت تشعر بغربة في الجامعة ~~واغتراب ms155 في الوطن. # وأما المعيدون الجدد فمنهم من يحتمي بالأستاذ المشرف الذي يساعده على فرض الحماية طبقا ~~للسلوك الشعبي في حماية النبوت لأنصاره كما هو الحال في الحرافيش «التوت والنبوت» لنجيب ~~محفوظ. ومنهم من يظل صامتا حتى يدرس الموقف ويعرف من أين يؤكل الكتف، يفرض عليه ~~موضوع الماجستير والدكتوراه، فلا يعيش المعيد تجربة الاختيار، ولا معاناة البحث العلمي، ~~فيتخرج شخصية باهتة، وعلمه منقول من الإنترنت، والموضوعات المنقولة من الغرب مثل ~~«الفلسفة والبيئة» في مجتمع لا يعرف كيف يجمع القمامة، و«فلسفة المرأة» لأن الغرب يتكلم عن ~~النسوية # feminism # في مجتمع يضرب الرجل فيه المرأة ~~ويطلقها باللسان دون أن نتعرض إلى وضعها في التراث كنصف شاهدة، وربع زوجة، ~~وسبية في نكاح الجهاد. ومنهم من يظهر علمه وهو طالب، ويحضر دروس الدراسات العليا وهو ~~ما زال في الثالثة أو الرابعة ليبين علمه، وما إن يتخرج ويعين معيدا حتى يختفي. ~~ومنهم من يبحث بجهده الخاص على منحة للسفر واستكمال الدراسات العليا بالخارج، وما إن يسافر ~~حتى يقاطع الأساتذة، وقلما يعود، يتكبر ويستعلي، رأسا برأس. وأعتذر لهذا الجيل ~~الجديد كله الذي لم يتعود بعد على سلوك الجيل القديم، وأهمية النقد الذاتي. # فما أضاع القسم وجعله مفككا، لا هدف له يسعى ~~إلى تحقيقه ولا قضية يدافع عنها هو الانفعالات البشرية، وليس العواطف؛ فالانفعالات سلب ~~والعواطف إيجاب. # 1 # وكانت الغيرة أقوى الانفعالات، مع أنها كان يمكن أن تتحول إلى منافسة علمية ~~وجادة. الغيرة تدمر، والمنافسة تبني. تكون جريمة بأفعال مرئية أو تكون باطنة مكتومة. ~~وثاني الانفعالات هي المصلحة الخاصة وتغليبها على المصلحة العامة. ويتغير السلوك طبقا ~~لتغير المصالح. وهنا أدركت أهمية ما كتبه هابرماس عن «المعرفة والمصلحة» # Knowledge and interest ~~. وثالثها الجبن عندما ~~تعرف الحقيقة ولا يتم الدفاع عنها حفاظا على المصلحة أو لضعف الشخصية، ويتم العمل العدائي ~~من وراء ستار وتحت جناح القوي القادر على الفعل، ويتغير الحامي ولا يتغير المحمي، فتضعف ~~شخصيته حتى لو كان ذا علم؛ فالانفعالات مترابطة، كل منها يجر الآخر. ورابعها النفاق ~~عندما ms156 يتكلم اللسان بما ليس في القلب، ويكتم القلب ما لا يقوله اللسان. وخامسها الخوف من ~~الرئيس مع أنه لا ينفع ولا يضر، وموافقته على ما يقول وما يقرر، والتنازل عن حق ~~المراجعة، وشجاعة الرأي، وهو ما يسمى في التراث «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ~~والخوف هو وهم مما لا وجود له، الخوف من المخيف للأطفال. وسادسها السلبية أو الانزواء ~~والانطواء على النفس عملا بالمثل الشعبي «الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح»، وبذلك ~~يخلق الأستاذ عالمه الخاص الذي يعيش فيه، ولا شأن له بالقضايا العامة. # وقد حاولنا أن نعيد الترابط للقسم بين أعضائه ~~بدعوتهم إلى اللقاء مرة شهريا عند أحدهم. وحضروا عندي مرة، وكان ناجحا للغاية؛ إذ إنهم ~~نسوا الخلافات بينهم والمصالح المتعارضة. ولما حاولوا تكرارها عند أحد الأعضاء وحدد ~~موعدا ثم أجله إلى موعد آخر ثم أجله إلى موعد وحدد موعدا ثالثا، ثم أجله إلى ~~أجل غير مسمى، فعرفت أن ما خرج عن الطبيعة لا تعيده الصنعة، ثم جمع رئيس القسم ~~فريقا مختارا من أنصاره إلى منزله احتفالا بحصول أحد أنصاره على درجة علمية، فقسم ~~القسم فريقين: الأنصار، والأعداء. # وعندما جاء الفيلسوف اليوناني موتسوبولوس إلى ~~القاهرة، وهو الذي أشرف على رسائل أستاذة الفلسفة اليونانية بالقسم، دعوته إلى منزلي مع ~~أعضاء القسم جميعا للعشاء كما تقضي بذلك التقاليد في الجامعات الأوروبية والأمريكية خاصة، ~~لم يحضر أحد إلا تلميذة الأستاذ، هدى الخولي رئيس القسم الحالي، ولم يقدموا حتى ~~الاعتذار، وهو أهم فيلسوف يوناني. كان مدير جامعة أثينا، يجمع بين الفلسفة وعلم الجمال، ~~بين الفكر والموسيقى. خجلت، ولا أدري إذا كان الآخرون قد خجلوا مثلي. ولما طلب مني ~~أحد رؤساء الأقسام أنه يريد أن يدعو سيدة فرنسية لديها تسجيل مع جان بول سارتر كي ~~ترينا إياه وأن الجامعة ليس لديها ميزانية لذلك أعطيته ما يكفي لشراء بطاقة سفرها ~~باريس-القاهرة، ذهابا وإيابا، وعندما أتت لم تقل جديدا عما نعرفه عن الفيلسوف، مع أنها ~~أتت وكأنها تحمل أسرار الدنيا والآخرة. صحيح أن رئيس القسم ms157 دعاني على العشاء معها في نادي ~~العاصمة ولكن الفائدة منها كانت قليلة، فعزمتها على طبق من الكشري في مدينة أعضاء هيئة ~~التدريس، ولم أكن محرجا، وقبلت هي عن طيب خاطر الأكلة الشعبية. وأثناء إقامته مؤتمر ~~القسم عن التأويل حاملا العبء بمفرده طلب مني مبلغا من المال يكفي لدعوة الضيوف على ~~عشاء في باخرة نيلية ففعلت. ولما طلبت منه هذه الأيام تحكيم بحث في علم الجمال ~~للنشر أم لا في مجلة الجمعية الفلسفية رفض أن يأخذ أجرا. # وإذا أحس بعض الزملاء أن ما قلته على القسم تعريض بهم، فالرد أمامهم مفتوح. وأعد ~~أن ما سيكتبونه ردا سأنشره في الطبعة الثانية، تلك شيمة العلماء، الردود والاعتراضات. ~~ويا ليتهم يكتبون انطباعاتهم عني وذكراي في نفوسهم كما حاولت أن أفعل. لا يعني ذلك أني ~~غاضب عليهم أو أنني لا أتعاون معهم في أي نشاط علمي بالقسم بل إني أكن لهم كل تقدير ~~واحترام. ويا ليتني أقرأ صورتي عندهم في ذهنهم كما قال عمر بن الخطاب : «رحم الله من أسدى ~~إلي عيوبي.» # وأتى زوار آخرون أعرفهم ويعرفونني؛ فقد كنت عضوا بلجنة حوار الأديان التي أسسها ~~هانزكونج # Hans Küng # برياسة هلموت شميت رئيس ألمانيا ~~السابق. وأصدرنا البيان الدولي لحوار الأديان ونشر وترجم إلى كل اللغات. وجاءت اللجنة ~~في مصر لرؤية رئيسها وإطلاعه على مهامها. ولما رأت الخارجية المصرية اسمي ضمن قائمة ~~اللجنة رفضت؛ فما لهذا المصري بشأن اللجنة؟ واستعجبت وانتهى العجب لأنه لا يكرم نبي ~~في وطنه، ورن في ذهني بيت الشاعر: # أحرام على بلابله الدو # ح حلال للطير من كل جنس؟! # وكنت أدعى للمؤتمر السنوي لحوار الأديان الذي يعقد ~~في روما كل عام، وأجد عز الدين إبراهيم من مصر، وزين العابدين السماك من لبنان، نجتمع فيما ~~بيننا ونتحاور؛ فلا حوار مع الآخر إلا لمن هو قادر على الحوار مع النفس أولا، ونصلي، ثم ~~نسير بالشموع في الطريق الطويل المؤدي إلى الفاتيكان، وبعدها تعقد عدة ندوات. ورأيت مرة ~~شيخ الأزهر حاضرا في وفد رسمي؛ فقد حول ms158 الأزهر نفسه إلى كهنوت إسلامي. وأنا حاضر كالعادة ~~في لاهوت التحرير والعقيدة والثورة أمام دهشة المسلمين واستعجاب المسيحيين. وبعد عمر ~~طويل في حوار الأديان أدركت أن الهدف البعيد هو الإقلال من التوتر بين الاستعمار ~~والتحرر، بين الغرب والإسلام باسم الدين، التخفيف من العداوة بين الشعوب المتحررة ~~حديثا والشعوب الاستعمارية القديمة. تأتي المبادرة من القوي، وليس من الضعيف، وليس على ~~الضعيف إلا مصافحة اليد الممدودة وإلا اتهم بالتعصب والإرهاب. ويتم ذلك على مستوى ~~الشكليات، أداء الشعائر، حمل الشموع، المسيرات، الغناء، حشد الجماهير وكأنها مظاهرة ~~إسلامية. فإذا ما طلبت أن يتحول ذلك إلى مساعدة الفقراء والمساكين واليتامى وتخصيص بعثات ~~تعليمية، وفك الارتباط بين التبشير والاستعمار كان ذلك سياسة، والحوار لا سياسة فيه. يبدأ ~~الحوار مع المحتاجين حتى تمد لهم يد العون وبالتالي قد يحدث تحول في الاعتقاد كما حدث ~~لعبد الجليل المسلم الجزائري الذي تحول إلى راهب مسيحي لاعتباره مكتشفا للحقيقة. وقد ~~تكرر نفس الشيء مع محمد عثمان السوري الذي كان باحثا بالمركز الوطني للبحث العلمي في ~~باريس والذي قضى حياته في دير الآباء الدومينكان لنشر «الفتوحات المكية» لابن عربي، نشرة ~~جديدة موثقة في عشرات المجلدات كي يعرف مزايا الرهبنة. # ولما أتى رئيس وزراء تركيا السابق مع داود أوغلو وكنت أعرف الاثنين من القاهرة، ~~وأساهم معهما في الانتقال من التوجه نحو الغرب، حلف الأطلنطي، إلى التوجه نحو الشرق، ~~العرب والمسلمين، رفضت الرياسة أن أجلس على المائدة الرئيسية، وجلست مع موظفي ~~الخارجية في البلدين على مائدة مجاورة، فقام داود أوغلو ليجلس بجواري فمنعه ~~البروتوكول. # وكبر الأنجال، وقاربوا على الزواج؛ فتزوج حازم خريج العلوم السياسية من الجامعة ~~الأمريكية بعد أن قضى في جامعة بولدر عاما دراسيا يحسب له، وماجستير من لندن في موضوع ~~الفيدرالية. وهو ناصري قومي عربي، ثم عاد وأصبح موظفا بالخارجية المصرية. من مستشار ثان ~~إلى مستشار أول إلى وزير مفوض، ثم أصبح قنصلا عاما لمصر في بورسودان هذا العام. لم ~~يوفق في زواجه الأول، وانفصل بعد عام، وهو الآن على استعداد ms159 لزواجه الثاني. هوايته ~~الغطس، يذهب تقريبا كل نهاية أسبوع من الخميس مساء إلى الأحد صباحا إلى دهب لممارسة ~~هوايته، ويريد أن يصل فيها إلى أعماق منافسة. ذهب إلى سفاراتنا في نيبال وسيدني ~~وطرابلس-ليبيا وعمان وصوفيا-بلغاريا. أراد أن يؤسس مركزا للدراسات الفيدرالية في ~~سيناء أشبه بابن خلدون بالقاهرة، ثم حاول تأسيس المركز في الدور الثاني في المنزل الذي ~~نسكن فيه بجوار مركز والدته لتاريخ السينما المصرية، ولكن الغطس الآن هوايته ~~الأولى. # أما حاتم فهو خريج هندسة عين شمس، مهندس اتصالات، تعرف على التيار الإسلامي هناك، ~~إسلامي الاتجاه هو وزوجته، عمل في شركة سويرس، ثم تركها لما أغلقت. كان مسئولا عن ~~الاتصالات الخارجية وامتداد الشركة في باكستان، وبعد بيع شركة سويرس لشركة روسية ظل يبحث ~~عن عمل آخر حتى جاءه عمل بالسعودية ثم تركيا التي استقر بها هو والأسرة، وأسس هو وصديق ~~له شركة اتصالات صغيرة للاستيراد والتصدير. وهو الآن سعيد بإستانبول، نذهب لزيارتهم بين ~~الحين والآخر. وهو متزوج وله ثلاثة أطفال: أنس في الثانوية، وعلي في الإعدادية، وخديجة في ~~الابتدائية. وهو أكثر الأولاد التزاما بالقضية التي اختارها مثل ما اختاره أبوه في أول ~~حياته، الفكر والسياسة. # وأما حنين الصغرى فهي خريجة الجامعة الأمريكية، قسم الأدب العربي، والماجستير علوم ~~سياسية. أرادت أن تتزوج عن تجربة حب؛ فالزواج بالطريقة التقليدية بارد لا طعم له، ووجدت ~~ذلك في رئيسها في شركة للتنمية البشرية، وهو دكتور أطفال. وهي ما زالت مليئة بالحيوية، ~~وعمرها الآن ثمانية وثلاثون عاما، أنجبت طفلة «لارا» أربع سنوات الآن حبيبة كل الأقارب. هي ~~وزوجها ماركسيا الاتجاه. سافرت إلى عدة بلاد أوروبية وعربية، وهي ملتزمة مثل أخيها ~~الأوسط لولا الزواج وأعباء الحياة والإعداد للدكتوراه ورعاية الابنة «لارا» والبحث عن عمل ~~بعد أن أغلقت الحكومة معظم المنظمات الأهلية المتعلقة بالتنمية البشرية. وقد كان ~~لمنظمتهم حضور كبير في الريف، وتقوم بأبحاث ميدانية حتى تقدم الأحكام النظرية على ~~تحليلات إحصائية وموثقة. # وكانت زوجتي أمينة مكتبة بالجامعة الأمريكية، خريجة قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، ~~وماجستير من ms160 قسم الأديان من جامعة تمبل بالولايات المتحدة. والآن هوايتها السينما، النقد ~~والتوثيق. وحصلت على بكالوريوس المعهد العالي للسينما، ثم أسست مركزا لتوثيق السينما ~~العربية في الدور الثاني في منزلنا الجديد «البيت العربي»، ونشرت من قبل أعمال حسن جمعة ~~في ثلاثة أجزاء. بدأت ليبرالية وانتهت ليبرالية إسلامية. والأب يساري إسلامي. نتعايش ~~سويا في حوار مستمر؛ فعندي في المنزل كل الاتجاهات السياسية ممثلة، والكل مسموح له أن ~~يمارس نشاطه بحرية تامة. مرة حاول الابن الأصغر أن يضع على باب الشقة السكنية «لا إله إلا ~~الله»، فمنعته لأن هذه الشقة بها تيارات مختلفة، توضع فقط على باب غرفتك، وعلى الحائط ~~معلق «يا يهود، يا يهود، جيش محمد سوف يعود»، «إن الأقصى قد نادانا: من سيعيد القدس ~~سوانا؟» وفي حجرة ابني الأكبر صورة عبد الناصر فوق خريطة الوطن العربي. وفي حجرة ابنتي ~~الوحيدة صورة ماركس ولينين. والأب يساري إسلامي يجمع بين الإسلام والتقدم، وهو ما سمي ~~علميا «التراث والتجديد». # وإذا كان قد تم اللجوء إلى نظام الفصلين الدراسيين منذ أيام عبد الناصر لإشغال الطلبة ~~بعيدا عن المظاهرات، فإن الجامعة تحولت من النظام الفرنسي في الدراسات العليا، كتابة ~~رسالتين لدكتوراه الدولة إلى النظام الأمريكي، الساعات المعتمدة مع بحث صغير، فأصبح هم ~~الطالب أن يجمع أكثر من # A # حتى يكتب الرسالة معتمدا على ~~الإنترنت بمئات المراجع التي لم يقرأ منها شيئا أو رسائل لا هدف منها ولا قضية، وفي نفس ~~الوقت يدفع قدرا من المصاريف، ويدفع الطالب العربي أضعافا مضاعفة؛ فلم تعد الجامعة ~~تهتم بالعلم، ولا الأستاذ المشرف، وأصبح هم الطالب هو نيل الدرجة العلمية، وما أسهلها! ثم ~~تقوم المظاهرات في الشوارع بعد ذلك لأن مئات الحاصلين على شهادتي الماجستير والدكتوراه ~~بلا عمل، فامتنعت عن الإشراف على رسائل جديدة، ولكني ما زلت أناقش بعض الرسائل القديمة ~~التي يشرف عليها الزملاء. أما «التعليم المفتوح» فهو مشروع تجاري خالص، يدفع فيه الطالب ~~آلاف الجنيهات، والطالب العربي الضعف ثمنا للكتب التي تشتريها الجامعة من الأستاذ، وتكون ~~وسيطا تجاريا بين ms161 البائع والمشتري، ويأخذ الشهادة الجامعية، ولم تنطبق عليه شروطها وهو ~~المجموع الكلي المطلوب في الثانوية العامة. وتتساوى الدرجتان العلميتان، التعليم المشروط ~~والتعليم المفتوح؛ فالجامعة أصبحت تحمي الكتاب المقرر، وتتاجر فيه قبل الأستاذ. ~~أصبح التعليم الجامعي حفظا وتلقينا لمعلومات يدرسها الطالب على الإنترنت، والطالب ~~يغيب، والأستاذ يغيب، والدرجة العلمية مضمونة. ولا يمكن دعوة أستاذ من خارج الجامعة لإلقاء ~~محاضرة إلا بموافقة سلطات الجامعة وعلى رأسها الأمن. ولا يمكن عمل أي نشاط علمي خارج ~~المقررات الدراسية إلا بموافقة السلطات الجامعية. وعربات الأمن المركزي تحيط بالجامعة، ~~وقد سأل أحد الزوار الأجانب رئيس الجامعة لما شاهد هذا المنظر: هل أنتم في حالة ~~حرب؟! # وقد أعطيت عدة جوائز في مصر وخارجها. أعطيت ~~جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، والفلسفة جزء منها عام 2007م، ولم يرشحني ~~قسمي بل رشحني قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، في حين رشح القسم محمود حمدي إبراهيم ~~من القسم الذي رشحني! وأعطيت جائزة النيل الكبرى عام 2015م وليس من قسمي بل بترشيح من ~~الجمعية المصرية للدراسات التاريخية وأتيليه الإسكندرية. وكان رئيس الدولة هو الذي يسلم ~~الجوائز للمفكرين في عيد العلم، وفي حالتي كان رئيس الجامعة ونوابه عندما بدأ التوتر ~~المكتوم بين الرئيس والمثقفين. وأعطيت جائزة «المفكر الحر» من بولندا وسلمها لي ~~رئيس جمهورية بولندا، وقدمني لمفكري بولندا، وألقى خطابا في حرية الفكر، ولما عرف ~~أني أعزف الكمان طلب من الفرقة عزف كونشرتو الكمان لموزار، وطلب مني أن أعزف شيئا، فعزفت ~~«الكمان» على العشاء في القصر، من موسيقى سيد درويش. # وقد شاركت في معظم نشاطات المجلس الأعلى ~~للثقافة منذ إنشائه حتى حكم العسكريين، أي حتى الآن؛ فكنت أحد أعضائه البارزين قبل تشييد ~~البناء الخاص به في أرض الأوبرا. وكان في البداية يسمى المجلس الأعلى للثقافة والآداب ~~والعلوم الاجتماعية برئاسة يوسف السباعي. وبعد اغتياله تولى رئاسته في لجنة الفلسفة زكي ~~نجيب محمود وفؤاد ذكريا ومحمود أمين العالم وأنا وأخيرا أنيس منصور كما طلب من فاروق حسني. ~~كانت اللجنة في مبناها القديم تصدر «الفكر المعاصر»، «تراث ms162 الإنسانية»، «المجلة»، كما ~~كانت تصدر «الكاتب»، وكانت متنوعة الاجتهادات، وشاركت في معظمها والتي جمعتها بعد ذلك ~~في «قضايا معاصرة» (جزءان)، الفكر العربي المعاصر، الفكر الغربي المعاصر. رأستها وهي في ~~المبنى الجديد وبعد عام أزحت عنها دون إبداء أسباب. وجاء من بعدي زميل مريض لم يحضر ولا ~~جلسة ثم زميل آخر بالنيابة حتى توفي. والآن يرأسها من قضى في الكويت معظم عمره بعد أن ~~كان أستاذا في الفلسفة اليونانية في جامعة عين شمس، ويصرح بأنه يعد مشروعا للفلسفة ~~المصرية. ولم أكن أقبل أنيس منصور مفروضا علينا من وزير الثقافة لأن تعليقاته على الأساتذة ~~وكأنهم جهلاء بأورتيجا وغيره من الفلاسفة، وكنت لا أقدره لأنه كان أنيس الرئيس ~~المغدور، وكان يفتخر أن معاهدة كامب دافيد قد تم توقيعها بقلمه الذي يحتفظ به للذكرى. وفي ~~اليوم الذي قرر فيه مناقشة كتابي فشته، فيلسوف المقاومة تعاركنا، وقذف بالكتاب أحد ~~الأعضاء على المنصة مستهجنا حتى انتقل الاثنان إلى الرفيق الأعلى، ومن يومها لم أدخل ~~المجلس. ولم أدع إلى حضور نشاط فيه بعد أن استولى عليه التيار المعادي للإسلاميين، ~~وصنفت بأني من الإخوان، وأنتسب إليهم، ثم عزلت عن نشاطاته تماما وكأنني لم أعد ~~مثقفا، وقد كانت الرئاسات السابقة لا تفرق بين إسلامي ويساري. لقد أصبحت كل مؤسسة ~~ثقافية أو سياسية أو اقتصادية تسير على ساق واحدة، فتسير عرجاء، وترى العالم بعين واحدة ~~فتكون عوراء، وتتنفس برئة واحدة فتختنق. وما عابوا عليه الحكم الإسلامي، أحادية الطرف، ~~وقعوا فيه. الخطورة اليوم هو التبعية لنظام الحكم مثل الإعلام، وربما كل مؤسسات وزارة ~~الثقافة، وهو ما جعل الثقافة خاوية؛ فالثقافة حوار بين تيارات مختلفة حتى لو كانت ~~متعارضة أحادية، الفرقة الناجية تموت. # وكان ~~أثري في ماليزيا وإندونيسيا وأوزباكستان وكثير من جمهوريات آسيا الوسطى كبيرا. وعرفت في ~~إندونيسيا عبد الرحمن وحيد رئيس جماعة نهضة العلماء، والرايس رئيس جماعة المحمدية، وهما ~~أكبر مجموعتين إسلاميتين في إندونيسيا. وأفكار اليسار الإسلامي منتشرة هناك، بدأت نهضة ~~العلماء يسارية وانتهت يمينية، وبدأت جماعة المحمدية يمينية ثم أصبحت ms163 يسارية، وكان همي ~~الجمع بين الجماعتين في اليسار الإسلامي، إلا أن الرغبة في الرئاسة منعت من هذا التواصل. ~~وما زالت إندونيسيا ترسل لي سنويا في الصيف حوالي عشرين طالبا وطالبة دراسات عليا كي ~~أستمع إلى رسائلهم وأصححها لمدة شهرين مرة أسبوعيا لعدم قدرتي على الحركة، وعندي ~~قاعة للاجتماعات تكفيهم وأكثر. وماليزيا أكثر تحررا وعلمانية بفضل محمد محاضر رئيس ~~الوزراء السابق بالرغم من خلافه مع أنور إبراهيم على السلطة، وقد عرفت الاثنين، ولكن الشعب ~~كان مع محاضر. وذهبنا إلى كابل عن طريق موسكو؛ فروسيا هي الطريق الوحيد لأفغانستان، وفنادق ~~موسكو كلها نمطية، جادة، لا زواق فيها، بين الحين والآخر تشاهد فتاة روسية شقراء ~~بكعب طويل وميني جيب لا أدري ماذا يفعلن في بهو استقبال الزوار. وفي مطار موسكو وقفنا ~~بالساعات للتفتيش، الأوراق، الجوازات، تأشيرات الدخول، صحيحة أو مزيفة حتى كدت أصرخ فيهم: ~~نحن ضيوف منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. لا يدل على وجوه الموظفين والموظفات الذكاء، ~~يريدون فقط أن يؤدوا واجبهم بحرفية مطلقة، لا توجد أي شبهة في أي من أعضاء الوفد، ومع ~~ذلك التفتيش هو التفتيش. وفحص الأوراق هو فحص الأوراق، ولا يهم أوراق من؟ معنا مرافق يرسم ~~له الطريق، ولا يستطيع أن يغيره، معه كاميرا خاصة للتصوير لبيان مدى ترحاب روسيا بالوفد. ~~وحاضرت علماءهم وأهدوني العباءة الوطنية الأفغانية، ثم أخذوها لأني رفضت الذهاب إلى ~~السفارة الأمريكية. وذهبت إلى جامعة كابل، ورأيت تمثال جمال الدين الأفغاني، مفجر الثورة ~~العرابية في مصر وواضع أيديولوجية التحرر الوطني للعالم الإسلامي. وبعد كابل من أواسط آسيا ~~زرنا أوزبكستان وطشقند وسمرقند وباكو، وتعرفت على علمائهم، يبدءون الطعام بالفاكهة، ~~طلبوا مني في المسجد أن أتلو القرآن؛ فأنا من جوار الأزهر الشريف، حاولت لكن ليس مثل القراء ~~المحترفين. وفي بخارى رأيت مدرسة بخارى. وفي طشقند توجد المدارس والمساجد العالية. وفي ~~سمرقند مرصد أولوغ بك، والبوابة الكبيرة على مدخل المدينة. فرحت للحضارة الإسلامية، ~~وانتشارها في أواسط آسيا، والحفاظ على آثارها، ثم حزنت على ضياعها وتحولها إلى إحدى ~~جمهوريات ms164 الاتحاد السوفيتي مع محاولة استقلال الشيشان. # وقد امتد أثري إلى أمريكا اللاتينية، المكسيك وفنزويلا والأرجنتين. ورأيت مدى التشابه ~~بين حياتهم العامة والخاصة مع حياة العرب، كانوا يتوقون إلى التحرر من سيطرة الولايات ~~المتحدة الاقتصادية. وفي المكسيك حياة إسبانية، بها بقايا الأثر العربي القديم. وامتد أثري ~~في جامعات أوتوا العاصمة الكندية وتورنتو وكاليجري. وحاضرت هناك مع الأساتذة العرب ~~والكنديين. ورأيت كيف أن الأمريكتين الجنوبية والشمالية مرتبطتان بالوطن العربي ~~والثقافة العربية، ولا خوف من تكفير أو حكم بالردة؛ حيث يسمع الطلبة والأساتذة هذا الفكر ~~الجديد من أحد ممثليه. ولما قابلوني بعد ذلك في مؤتمرات قبلوني ومنهم من قبل يدي ~~وكأنني شيخ طريقة جديد، سمعوا عني وقرءوا لي قبل أن يروني، وقد جاءت المناسبة الآن ~~للتصوير معي، كي تبقى لهم ذكرى في التاريخ. ولا يعرف معظم الناس في مصر عن أمريكا اللاتينية ~~إلا لاعبي كرة القدم. # وأثر دعوة لبعض المفكرين المصريين للحج، دعوة من الملك عبد الله مباشرة، ذهبت ~~أنا ومحمود أمين العالم وآخرون وعشنا في المخيم مثل باقي الحجيج. ودعينا إلى الغداء ~~مرة على مائدة الملك، فوجدنا الخراف المشوية المنتصبة واقفة على الموائد وتحتها الأرز، وفي ~~صدر المائدة جلس الملك. وقام أحد المدعوين بإلقاء كلمة نيابة عن المدعوين، وكان ~~فلسطينيا بليغ اللسان وهو بلال الحسن. وبعدها أردنا أن نجالس المثقفين السعوديين من ~~مكتبة الملك عبد العزيز، فلم يستجب إلى الطلب، تحادثنا مع أنفسنا. وكان الشباب السعودي ~~يأتوننا في المساء بلا دعوة ليجالسوا بعض المفكرين العرب الذين يسمعون عنهم، ووجدنا ~~روحا جديدة راغبة في السماع والتعلم ومناقشة الأفكار المثيرة التي نمثلها، وكانت ~~الجلسات تستمر حتى الصباح في بهو الفندق. وكان السؤال: هل نفتح قلوبنا لهم كما فتحوا قلوبهم ~~لنا أم نحترس؟ ففتحنا قلوبنا بلا خوف، وتحدثنا عن مضمون الإسلام وليس شكلياته، وأنه ~~بنية اجتماعية وليس أحكاما شرعية. وتفرجت على شعائر الحج، والطواف، والسعي بين الصفا ~~والمروة، ورمي الجمرات، والصعود إلى عرفات من شرفة بناء مجاور، وأنا في ملابس الإحرام. ورفض ~~محمود أمين العالم ms165 أن يلبسها أو أن يشارك في شيء، ولم يأخذ ملابس الإحرام الخاصة به؛ فهو ~~صاحب مبدأ لا يتنازل عنه. ولما عدت كتبت «خواطر حاج» في «أخبار الأدب». ودعوت فيها ~~إلى أن عرفات يجب أن يكون في القدس، بهذه الملايين الصاعدة فوقه خاصة وأن القدس كانت أولى ~~الحرمين. وعجبت من أخي الذي أخذ الوالدين على نفقته الخاصة للحج مرتين، وكانت مرة ~~واحدة تكفي من أجل إرضاء رغبات الطبقات الشعبية. # وفي هذه الفترة كان لي أصدقاء، معظمهم من «حزب ~~التجمع» مثل محمد عودة والذي كان شيخ حارة يعرف الأصدقاء بعضهم ببعض، وكان معظم ~~الأصدقاء الذين عرفتهم في مصر عن طريقه مثل فيليب حلاب وزوجته الصحفيين وكمال الذين رفعت ~~والذي كان من الضباط الأحرار، وعائلة النقاش ومحمد الفولي، وكنا نجمع بين الثورة ~~والحياة، فذهبت إلى مزرعة مجدي حسنين في بنها معهم والذي كان محافظا للبحيرة أيام ~~عبد الناصر لنأكل البط الأصيل. وكان لي أصدقاء يعيشون في فرنسا ولكن يأتون إلى مصر خاصة بعد ~~حرب 1973م ليساهموا في بناء مصر التي انتصرت وأزاحت عن كاهلها عار هزيمة 1967م، مثل أنور ~~عبد الملك الذي غادر مصر في أزمة الشيوعيين مع عبد الناصر في 1958م، وأقام في باريس، وعمل ~~بالمركز الوطني للبحث العلمي، ورشدي راشد. وبعد عام 1973م أراد أن يشد الرحال إلى مصر، ~~ولكن أين؟ بالجامعة وهي مغلقة على أهلها بقوانينها أو في «الأهرام» وهي جريدة الدولة أو في ~~المركز القومي للبحوث الاجتماعية وهو ما زال تقليدي الاتجاه. كان مديرا لمشروع البدائل ~~الاجتماعية الثقافية في «جامعة الأمم المتحدة» بطوكيو، وكان على صلة قوية بمفكري العالم ~~الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وانتخب نائب رئيس الجمعية الدولية لعلم ~~الاجتماع، وهو خريج قسم الفلسفة بجامعة عين شمس، وتلميذ عبد الرحمن بدوي، وآخر كتبه ~~«الوطنية هي الحل». وقد كتب فيه وفي أمثاله ~~لطفي الخولي مقال «العابرون بعد العبور». وكان في وداعه الأخير في الكنيسة بضعة أفراد ~~معدودة على الأصابع، كانت القاعة شبه خالية، ولم يحضر المتحدثون ولم يعتذروا، ms166 وكما هو في ~~المثل: «البعيد عن العين بعيد عن القلب.» # الفصل التاسع # | «التراث والتجديد» وأحزان ~~خريف العمر (1996-2011م) # لا يعني بروز هم العلم تواري هم الوطن أو البعد عن السياسة التوقف عن ~~ممارستها أو عدم الاهتمام بها، بل يعني عدم وقوع أحداث كبرى تجعل المفكر يتجه بشعوره ~~نحو الواقع المباشر، ونحو تحليل الحوادث الحاضرة. هذا الاستقرار السياسي الذي دام ثلاثين ~~عاما كان ربما في الظاهر، ولكن الباطن كان يسخن على نار هادئة حتى درجة الغليان في الثورة ~~الشعبية الكبرى في يناير 2011م، باستثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م والحرب بين حزب ~~الله وإسرائيل وإطلاق صواريخه عليها عام 2006م. وتملكني إحساس بأن النهاية قد قربت وأن ~~إكمال «التراث والتجديد» ما زال بعيدا، والعلوم النقلية التي أردت تحويلها إلى عقلية أو ~~على الأقل إلى علوم نقلية عقلية مثل أصول الدين وأصول الفقه وعلوم الحكمة وعلوم التصوف. # 1 # وقد أخذ مني «من النقل إلى العقل» خمسة عشر عاما مثل ~~أولى أجزاء «التراث والتجديد»، «من العقيدة إلى ~~الثورة». والعلوم النقلية خمسة: القرآن، الحديث، السيرة، التفسير، الفقه. # 2 # وهو موثق توثيقا دقيقا مع تحليل كل مساهمة للقدماء في كل علم، وتضخم ~~جزء «التفسير». والفقه أكثر حساسية لأنه يحكم الناس شرعيا. ولم أشأ أن أخرجه إلى ~~الإعلام في مقالات أو مراجعات صحفية حتى لا يجده صحفي شاب يريد الترقي في جريدته، ~~ويثير زوبعة إعلامية تدخل فيها الاتجاهات المحافظة، وأصبح ضحية الإعلام مثل نصر حامد ~~أبو زيد، ومن الأفضل أن يكون ضحية الصمت عن أن يكون ضحية الإعلام. # وقد ركزت في هذه السنوات على إخراج أجزاء «التراث والتجديد». وكنت أكتب فيه منذ ~~المغرب العربي، ثم بدأت «من النقل إلى الإبداع» لإثبات أن علوم الحكمة؛ أي الفلسفة، ليست ~~نقلا عن اليونان بل فيها قدر من الإبداع في تسعة أجزاء عن طريق تحليل المضمون. الثلاثة ~~الأولى عن النقل، الترجمة، التعليق والشرح أو التفسير. والثاني عن التحول، في التأليف في ~~الوافد دون الموروث ثم التأليف في الوافد مع غلبته على ms167 الموروث ثم التأليف في الوافد ~~مساويا بالموروث. والثالث الإبداع، التأليف في الوافد مع غلبة الموروث مع اختفائهما، ~~اختفاء الوافد والموروث تماما مثل العلوم الرياضية والطبيعية دون الاعتماد على أي من ~~الرافدين والذي اكتمل في عام 2002م بعد أن كان الكومبيوتر قد دخل عالم الطباعة. وجمعت ~~كتاباتي الصحفية في «الدين والثورة في مصر (1952-1981م)» في ثمانية أجزاء؛ الأول: الدين ~~والثقافة الوطنية. والثاني: الدين والتحرر الثقافي. والثالث: الدين والتنمية الثقافية. ~~والرابع: الدين والتنمية القومية. والخامس: الحركات الإسلامية المعاصرة. والسادس: الأصولية ~~الإسلامية. والسابع: اليمين واليسار في الفكر الإسلامي. والثامن: اليسار الإسلامي والوحدة ~~الوطنية، وصدر عام 1988م. طبعة أيضا لينوتيب بالرصاص. # وهناك ثلاثة مستويات لمشروع «التراث والتجديد». أولا: المستوى العلمي للمتخصصين. وهو ~~ما سماه القدماء خاصة الخاصة والذي لا يمكن عرضه في ~~الصحافة وأجهزة الإعلام التي تبغي الإثارة، المدح أو ~~القدح، وقد يصل الأمر إلى التكفير والاغتيال، ولا يناقش إلا في الجامعات والمراكز ~~والمعاهد المتخصصة. والثاني: المستوى الفلسفي والثقافي للفلاسفة والمثقفين من أجل نشر ~~الوعي الفلسفي وبيان أثر المشروع في الثقافة. والثالث: المستوى السياسي الشعبي للعامة ~~الذي يحول المشروع إلى ثقافة شعبية سياسية؛ فلا يجوز الخلط بين هذه المستويات الثلاثة. ~~والحفاظ على كل مستوى لأهله. # 3 # لم تثر أجزاء «التراث والتجديد» في علم أصول الدين أو أصول الفقه أو علوم الحكمة أو ~~التصوف قدر ما أثاره «من النقل إلى العقل»؛ فقد حدث أن أقامت مؤسسة آل البيت الملكية ~~الفكرية للفكر الإسلامي بعمان-الأردن مؤتمرها السابع عشر عن علم السيرة. وقدمت بحثا ~~بعنوان «السيرة بين الواقع والخيال». ووصفت مراحل كتابة السيرة من المرحلة الأولى، مرحلة ~~المغازي، إلى الثانية مرحلة الشمائل إلى الثالثة مرحلة التعظيم والتبجيل مما يصل إلى درجة ~~التأليه، والرابعة مرحلة القراءة؛ فكل عصر له احتياجاته في السيرة. وهي دراسة لتطبيق ~~الرواية، وليس لشخص الرسول، في حين أن كل الأوراق تقريبا كانت حول شخص الرسول وطاعته، ~~فتصور العلماء الأجلاء أنني أطعن في الرسول، ومما يدل على ذلك عدم ذكري « # صلى الله عليه وسلم ~~» أو «عليه ms168 ~~الصلاة والسلام». وشرحت أن الأمر يتعلق بالرواية وليس بمضمونها كما هو الحال في علم أصول ~~النقد التاريخي للكتب المقدسة؛ فماذا سيحدث إذن في الجزء الخامس عن «الفقه»، وهو يحاول ~~وضعه في إطاره الزمني وفي مرحلته التاريخية من أجل التحول من فقه الأحكام إلى فقه الوجود؟ ~~وعرضت الأمر على دور نشر أخرى فطلبت مني المساهمة في ثمن الورق فوافقت. وعلى هذا ~~النحو نشر «الواقع العربي المعاصر»، ثم رد إلي ما اقترضته ليس بعد عام كما وعدت بل ~~بعد أربعة أعوام مع بعض الحقوق. ولما عرضت باقي أجزاء «من النقل إلى العقل» على صاحب ~~الدار طالب بدفع كافة التكاليف، عشرون ألف جنيه مصري لكل جزء. ولا يرد منها شيء إلا 33٪، ~~وبالمثل الموزع 33٪ والناشر 33٪. والبعض رفض النشر لأن سوق الكتاب واقف ولا يستعيد الناشر ~~حتى تكاليفه. فكيف يربح؟! وأخيرا بدلا من أن ألف على الناشرين كالشحاذ قررت ~~طباعة الجزأين الأخيرين على نفقتي الخاصة، وتركت قضية التوزيع للمستقبل، وربما ما بقي ~~من مؤلفاتي سأطبعها على نفقتي الخاصة «الثورة المصرية في أعوامها الخمسة الأولى»، ~~«ذكريات» و«هيجل والهيجليون الشبان أو اليسار الهيجلي »، ثم أنشغل بعد ذلك بإعادة طباعة ~~ما نفد من مؤلفاتي الأولى. اقترح أحد الأصدقاء المقربين: لماذا لا أنشئ دار نشر باسمي ~~مثلا، «دار حنفي للطباعة والنشر والتوزيع». ولكني خشيت أن أدخل في مشاريع تجارية ~~وقوانين الشركات والضرائب ومهايا الموظفين. إن ما يهمني طبع الكتاب وترك الباقي للتاريخ. ~~ليتني أستطيع أن أجد ناشرا واحدا لجميع مؤلفاتي يقصدها الناس كما وجد الجابري «مركز ~~دراسات الوحدة العربية» ببيروت، ينشر كتبه ويوزعها، ويحفظ له حقوقه في حياته وبعد مماته؛ ~~فقد لاقيت الأمرين عند الناشرين. بدأت ببيروت # 4 # وهي شيعية الهوى، ثم توقفت الدار عن النشر بعد الجزء الأول «علوم القرآن، ~~من المحمول إلى الحامل». وصادقني صاحبها الذي هدمت دار نشره في حرب 2006م بين حزب الله ~~وإسرائيل، وعرفني بالسيد حسين فضل الله، وهو المؤسس الفعلي لحزب الله والذي أهداني بعض ~~مؤلفاته، ورأيت أن موضوعاته عن الطاقة والحركة والقوة ms169 تشبه أفكاري الأولى وأنا أضع خطة ~~رسالتي للدكتوراه، الصورة الاستاتيكية، التصور والنظام، والصورة الديناميكية، الطاقة ~~والحركة، وهو ما سميته يومئذ «المنهاج الإسلامي العام». وهو نوع العنوان تقريبا ~~لكتيب لأبي الأعلى المودودي، ثم غيرته إلى «مناهج التفسير في علم أصول الفقه». وظنت ~~أننا سنبقى أصدقاء إلى الأبد، صاحب دار النشر وأنا، ثم توقف بعد الجزء الأول «علوم ~~القرآن» لأنه فيما يبدو لا يعبر عن عقائد الشيعة في الإسلام، ثم توجهت إلى الهيئة ~~العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة في عهد محمود الشنيطي مؤسسها والتي طبعت لي عملي ~~الثاني وهو ترجمتي لإسبينوزا «رسالة في اللاهوت والسياسة» والذي راجعه فؤاد زكريا. وقد كان ~~عملي الأول 1968م «نماذج في الفلسفة المسيحية» (أوغسطين، أنسليم، توما الأكويني) بمساعدة ~~علي سامي النشار في «دار الكتب الجامعية» بالإسكندرية. وبعد طول انتظار، طبعت الهيئة ~~العامة للكتاب ضمن مؤلفاتي الكاملة الجزء الأول «علوم القرآن، من الحامل إلى المحمول»، ~~والجزء الثاني «علم الحديث، من نقد السند إلى نقد المتن»، والجزء الثالث «علوم السيرة من ~~الرسول إلى الرسالة»، ثم توقفت، ربما خشيت من الجزأين الأخيرين «علم التفسير»، و«علم ~~الفقه». ولكي أشجع الهيئة تنازلت عن كل حقوقي بشرط إصدار كتاب كل شهر أو شهرين، ~~ووقع العقد رئيس الهيئة أحمد مجاهد. وانتظرت سنتين ولم يصدر شيء، ربما لأسباب رقابية، ~~فذهبت إلى مدبولي الابن فلم يطبع الجزء الأول «علوم القرآن». وربما خاف من العنوان بعدما ~~حدث للكثيرين بالاغتيال أو التقديم إلى القضاء أو مغادرة البلاد. وأنا في هذه السن ~~المتأخرة، أربع وثمانين عاما، لا أتحمل هذه النتائج بالرغم من أني لا آخذ أي حقوق عن ~~مؤلفاتي، يكفي نشرها، وكان مدبولي الأب يقول: لماذا تريدون حقوقا؟ نحن تجار، نستثمر ~~مكسبنا في بناء العقارات، وأنتم مؤلفون، تشتهرون وتنشرون أفكاركم عن طريقنا، فلا ~~تزاحمونا في المال، ونحن لا نزاحمكم في الشهرة. ثم أصدرت الهيئة العامة للكتاب القسم ~~الأول من «مناهج التفسير» بعد أن قررت طبعه في قسمين لكبره وصعوبة تغليفه، وإلى ~~الآن لم يصدر شيء، وتأخرت سنوات، وكانت الحجة ms170 أنني ذكرت سيد قطب في كتابه الأخير ~~«معالم في الطريق» الذي كتبه تحت آثار التعذيب وتكفير النظم السياسية، والقول بالحاكمية مع ~~أنه الشاعر في «الشاطئ المجهول» والقصاص في «أشواك» و«طفل من القرية». والناقد الأدبي في ~~«النقد الأدبي، أصوله ومناهجه»، و«التصوير الفني في القرآن الكريم» و«مشاهد القيامة في ~~القرآن الكريم» وسبق ذلك كله «الإسلام حركة إبداعية في الفن والحياة». والاشتراكي في ~~«العدالة الاجتماعية في الإسلام» و«الصراع بين الرأسمالية والإسلام»، ثم المفكر الإسلامي ~~في «المستقبل لهذا الدين» و«خصائص التصور الإسلامي ومقوماته». # ويمكن تصنيفهم إلى أنواع طبقا لدرجة صدقهم؛ فهناك الصدق المطلق مثل الهيئة العامة ~~للكتاب ولكن تتأخر في الطباعة عدة سنوات قد تصل إلى خمس سنوات لأنها هيئة حكومية. ومنها ~~بعض دور النشر في جيل الآباء المؤسسين مثل الأنجلو المصرية قبل أن تتحول مثل باقي ~~الناشرين. ومثل دار غريب التي أسسها الأب فكان له طموح اللجنة المصرية العامة للتأليف ~~والترجمة والنشر، وما إن توفي حتى اختلف الأبناء على الإرث، فتفرقوا، ولم يحافظ أحد ~~على تراث الأب، وأسس أحدهم الشركة المصرية السعودية. ودار الطليعة في بيروت التي ~~حاسبتني بالجنيه المصري بدلا من الدولار عندما انخفض الجنيه وارتفع الدولار. وثانيا ~~هناك الكذب المطلق الذي أخذ الكتب ولم يعط الحقوق، دار التنوير التي نشأت في 1982م ~~ببيروت، أسسها أحد تلاميذي السوريين بلبنان. وطبع كتبي الأولى ووزعها، وتوسع في ~~توزيعها، وأقام الصفقات، وطبع بعض مؤلفاتي مثل «من العقيدة للثورة» في بيروت بالتعاون مع ~~المركز الثقافي العربي المغربي اللبناني، المركز يقوم بالطباعة، وهو يدفع حقوق المؤلف، ~~رأيته عدة مرات في بيروت والقاهرة، واختفى. وسمعت أنه نصب على غيره من الناشرين، ~~وظل يهرب حتى سمعت أخيرا أنه قضى نحبه. ومثل دار ماي اللبنانية الليبية، وطبع لي «محمد ~~إقبال» و«من الفناء إلى البقاء» و«من النص إلى الواقع»، وأعطاني حقي في الكتاب الأول ثم ~~اختفى بالكتابين الأخيرين، وطباعته الفاخرة يبيعها في الخليج. وقد أخذت منه وعدا ~~بطباعة كتبي طبعة شعبية لفقراء العرب، وتحجج بأنني طبعت الكتابين طبعة مصرية رخيصة ~~توزع ms171 في الوطن العربي، فغرقت السوق. وأخيرا قررت الطباعة على نفقتي الخاصة، الجزأين ~~الأخيرين: من «النقل إلى العقل: مناهج التفسير، من التفسير الطولي إلى التفسير الموضوعي»، ~~و«علوم الفقه: من أحكام الفقه إلى أحكام الوجود» ثم «الثورة المصرية في أعوامها الخمسة ~~الأولى» ثم «التفسير الموضوعي للقرآن الكريم». وأنا الآن أفكر في طباعة هذه «الذكريات» ~~على نفقتي الخاصة. وهناك الصدق النسبي الذي يعطي جزءا من الحقوق ثم يختفي. # 5 # والثالث المحايد الذي لا يأخذ ولا يعطي مثل دار «الكتاب للنشر» ودار «عين». ~~وهناك من يأخذ ولا يعطي مثل دار «الكتاب المصري» الذي أخذ كل ما لدي من مؤلفات من دار ~~«غريب للتوزيع»، وبعد أن أعلن صداقته لي، وأنه يريد أن يكون ناشري وموزعي مثل ~~«مركز دراسات الوحدة العربية» ببيروت وتعاقده مع الجابري ليكون ناشره وموزعه والمحافظ ~~على حقوقه. وهناك دور نشر صادقة في سوريا حمى الله شعبها وخلصها من حكامها الظالمين ~~وقادتها المنتخبين. أما المغرب فقد نشر «حوار المشرق والمغرب»، وتونس «التراث ~~والتجديد» ولم آخذ حقوقا نظرا لاعتزازي بثقافتهم وتقديري لمثقفيهم. # وكما تعبت مع الناشرين تعبت مع السكرتارية التي تساعد في المنزل؛ فقد أتت سكرتيرة ~~من دار قباء تعمل وقتا إضافيا عندي على نفقتي الخاصة، وكانت مدعية الإسلام، وتتظاهر ~~بأشكاله وعباراته النمطية في الصلاة والسلام على الرسول، واقترضت مبلغا من المال تعمل ~~به، ثم لم أرها بعد ذلك، بل إنها أخذت الكومبيوتر الخاص بي للعمل في المنزل اختصارا ~~للوقت، ولم تعد. وتكررت الواقعة مع العديد من السكرتارية الآخرين، يقترضون المال ~~للعمل به، ثم لا يعودون. وآخر يعمل لحسابه الخاص حتى استهلك ما لدي من إنترنت مدعيا ~~أنه يقوم بما كلفته به من أعمال. وكل له دينه، ولا فرق في النصب والاحتيال بين دين ~~وآخر؛ فالأخلاق تجمعهم. ومنهم من اقترض آلاف الجنيهات واختفى. وعلمت أنه كان يسرق قطع ~~الكومبيوتر من مركز الدراسات الاجتماعية مما اضطر مديره إلى ترقيمها. كما علمت ممن ~~يليه أنه أصيب بفشل كلوي، وأنهم يجمعون له المال في القصر العيني، ثم ms172 اقترض من أتى بعده ~~بحجة أنه صعيدي أمين، ثم اختفى. وكنت أحمل لهم بنفسي الإفطار في رمضان، فكان يأتي ~~بعد عمله، ويصل قبل الإفطار، ويفطر ثم يعمل لمدة ساعة ثم يغادر نظرا لزحام المواصلات. ~~وسمعت أنه ضرب امرأته وطردها من المنزل. وكنت أعطيهم جميعا العيديات والمكافآت في ~~المناسبات. # وباستثناء اثنين، بقي أحدهما معي ما يفوق العشر سنوات، مثال في الأمانة والصدق والإخلاص ~~وهو شريف صبري، وما زال يمثل ذراعي الأيمن، هو الذي يرد على المراسلات، ويكتب الخطابات. ~~ويعد أوراق الدعوات للمؤتمرات، بالإضافة إلى الأبحاث والأوراق المقدمة في الندوات. وما ~~تبقى له من وقت يساعدني في كتابة الأبواب والفصول للمؤلفات. والثاني محمد فاروق ~~مثال آخر في الصدق والأمانة والولاء بالرغم من صعوبة وضعه المالي الاجتماعي. بدأ كل يوم ~~بعد الظهر، ولما مرض عمل ثلاثة أيام. ولما أرهق عمل يومين في الأسبوع، ويحدد ~~بنفسه حقه آخر الشهر، يكتب أيضا الأبواب والفصول لمؤلفاتي، ويراعي المكتبة، ويسجل ~~ما يأخذه الناشرون. وما زلت أبحث عن ثالث لطباعة «ذكريات» الذي انتهيت منه هذا ~~الأسبوع، وقد تكون ابنتي. ثم وجدت أخيرا شريف سعد، وقد كنت مشرفا وعضوا في مناقشة ~~رسالته للماجستير، وهو أيضا مثال الكفاءة والأمانة، بالإضافة إلى ثقافته الفلسفية. وأرجو ~~أن يظل الشريفان، صبري وسعد معي حتى أغادر هذا العالم، أمناء على مكتبتي واستمرارا في ~~الرد على المراسلات التي تأتيني، واستقبال الزيارات التي تأتيني، وتصوير النصوص التي ~~يشاؤها الطلاب. وجميعهم يدخلون المنزل ويخرجون بمفاتيح خاصة بهم، أستأمنهم في كل شيء في ~~حياتي العامة والخاصة. # وكان الخاسر الأكبر في هذه الرحلة الطويلة هو الجسد؛ فقد بدأ الوهن يدب فيه: عملية ~~القلب المفتوح لتغيير أربعة شرايين بعد أن اكتشفت ابنة أختي د. داليا عندما رأت وجهي ~~أصفر في زيارة لأخي سيد، وأخذتني عنوة على القصر العيني، وقرروا إجراء العملية ~~فورا، ولم يشأ الجراح أن يقوم بها في القصر العيني حيث يعمل بل في مستشفى السلام الدولي، ~~أول طريق المعادي، ثم أجريت عملية جراحية أخرى لاستئصال المرارة خوفا من ms173 تجمع ~~حصاوي فيها، كما أجريت عملية البروستاتا خوفا من كبرها في المستقبل. وأجريت عملية ~~العمود الفقري بعد أن تداخلت الفقرة الرابعة والثالثة معا في انزلاق غضروفي. ~~ولما وقعت في المنزل وأنا خارج من الحمام ~~وانكسر فخذ الرجل اليمنى المرتبط بالحوض غيرته بمفصل حديدي، وبعدها لم أستطع السير ~~بسهولة. ولما تعب البصر من كثرة إجهاده أجريت عمليات الماء الزرقاء والماء البيضاء. ~~ولما لم يتحسن البصر حقنت ثلاث مرات في العين. ولما لم يتحسن البصر كثيرا أجريت ~~عملية في العينين بالليزر. ولم يتحسن البصر حتى الآن؛ فالعصب قد ضعف بسبب السكر، ولا حل ~~لذلك إلا القطرات طول العمر حتى لا يضعف أكثر. ولبست نظارة ميكروسوبية لتكبير الحروف، ~~مستوردة من ألمانيا، ولكن عيناي كانت تدمعان، ثم وضعت عدسة مكبرة على الصفحة ولكن ~~الأمل ضعيف في أن أرى بسهولة ويسر، وأنا الآن لا أرى الألوان، كل شيء أبيض وأسود أمامي، ~~ولا أتحمل ضوء الشمس، ولا أتعرف على من يأتيني للتحية، كما أنني أجلس على كرسي متحرك ~~في الذهاب وفي الإياب. ويرافقني ممرض قدير أطال الله في عمره، محمود محمد الدهروطي، ~~ثقافته العامة والفنية واسعة، ضحوكا، قادرا على القيام بكل ما يطلب منه في شئون المنزل، ~~يوفر لي كل وسائل الراحة أربعا وعشرين ساعة يوميا، بل إنه يصاحبني في الحل والترحال ~~مثل أبو ظبي وعمان والسودان وتونس وتركيا، في المنزل والجامعة، وزوجته وأولاده في بني مزار ~~بمحافظة المنيا، والتي منها مصطفى عبد الرازق. يذهب إليهم كل شهر مرة. ويأتي بديل له ليس ~~له نفس القدرات، ويصعب عليه أن يتعود علي في عدة أيام، وهذا جزاء من يجلس على كرسي ~~متحرك. # وأصبحت زوجتي وأنا من كبار السن، لا يستطيع كل منا أن يقوم بشئون نفسه؛ فلا أنا ~~أستطيع الحركة بعد الوقوع على الأرض، ولم تعد هي قادرة على القيام بشئون المنزل، وفي حاجة ~~إلى من يساعدها. وقد عانينا الأمرين مع الشغالات؛ فالمصرية تسرق حتى ولو كانت كفؤا، ~~والنيجيرية تصر على أخذ أجرها بالدولار بعد ارتفاعه، والسودانية ms174 أفضلهن، ومع ذلك لا يوجد ~~منهن أحد خاليا من العيوب. فالكل بشر مع أننا نقف بجوارهن دائما في حالة الاحتياج. جاءت ~~إحداهن معي إلى البنك وأنا أسحب بعض المال من حسابي، واستكثرت المبلغ مع أني أصرف حوالي ~~خمسة عشر ألفا من الجنيهات، مرتبات شهرية، المرافقين والسكرتيرين والبواب وصيانة المصعد ~~والكهرباء والمياه والأدوية، والغذاء آخرها وأقلها كلفة، فأخبرتني أن أمها بالمستشفى ~~تجري عملية في المخ، وبأن المطلوب منها ثلاثون ألفا من الجنيهات، وإلا تقضي نحبها، ~~فتأثرت، وأعطيتها ما طلبت، وكتبت على نفسها وصل أمانة، فقطعته أمامها، كما فعل ~~نجيب الريحاني مع تحية كاريوكا في «لعبة الست»؛ فالعمل الإنساني لا يحتاج إلى أوراق. وكنت ~~قد ركبت في أسنانها طاقما لأنها يبدو أنها ضربت عند من كانت تعمل عنده قبلي، ثم ضبطت ~~وهي تبيع مسروقات شرقية في خان الخليلي. فقبضت عليها الشرطة التي اتصلت بي كضامن لها ~~فرفضت. وقدمت للمحاكمة، ولا أدري كم شهرا سجنا كان الحكم. والثانية كانت مرحة تعتبر ~~نفسها من أهل البيت، تجلس معنا وتسافر معنا. ومرة أخبرتني أن سقف غرفتها فوق السطح قد وقع، ~~وهي في العراء، وأن ثلاجتها قد توقفت عن العمل، وهناك تخفيض لا يعوض لشراء ثلاجة ~~جديدة، فأعطيتها ما أرادت، ثم سرقت أموالا من درج مكتبي، آلاف الجنيهات، ثم غادرت، ~~ولم ترجع، وغيرت أرقام تليفوناتها. وثالثة كانت تسرق من المطبخ ما تشاء من أوانيه، ثم ~~اختفت فجأة، وعلمت أنها هاجرت إلى أمريكا، وتزوجت أمريكيا رأسماليا أقام لها مصنع ~~مشغولات شرقية، وأنها أصبحت من الرأسماليين. ورابعة كان يأتيها زوجها في الصباح ~~الباكر، وتسلم له ما تستطيع من أواني المطبخ من الشباك، ونحن في الدور الأرضي. القصص ~~كثيرة، ولا أدري ما السبب، الأخلاق كما يقال أم الفقر؟ لا يعني ذلك أنني لم أعرف ~~الأمينات؛ فقد عرفت بعضهن منذ ثلاثين عاما في شقتي القديمة: قبطية، تعمل هي وابنتها، ~~وتجلس بعد أن تنهي العمل في انتظار عودتنا من العمل، صامتة لا تتكلم، كفوء وأمينة في ~~عملها. فهل تغير الزمن؟ # ولما ms175 كنت لا أستطيع قيادة السيارة فلزمني سائق كان يعمل لابني حاتم وزوجته وأولاده ~~وأصدقائه. ولما غادرت الأسرة استعملته أنا، وكنت كريما معه. وفي يوم طلب أن ~~أقرضه ستة آلاف جنيه لحاجته الماسة لها، ويردها كل شهر ألفا، ففعلت لأني لم أر ~~منه شيئا قبيحا، وكان في كل مرة أحتاج شيئا يحضره لي وأكافئه الضعف، ورد ثلاثة ~~أشهر متتالية، وفي الشهر الرابع قال لي: هل تصبر علي هذا الشهر؟ ففعلت. وحتى أسهل ~~عليه رد المبلغ المتبقي، وهو حوالي النصف، طلبت منه أن يعمل به، في كل مرة يوصلني إلى ~~الجامعة أو إلى الجمعية الفلسفية المصرية أخصم الأجر سدادا لما عليه من دين، واعترض ~~على ذلك، كيف يعود إلى أسرته مساء وجيوبه فارغة؟ ولما رأيت كثرة التلاعب منه أوقفت ~~التعامل معه، ولم يرد باقي السلفة حتى الآن. # أما البوابون فكان جميعهم من الصعيد، وكانت الوظيفة بالنسبة للبواب مجرد مظهر، ~~كان ينظف عربات سكان المنازل، ويقضي حاجاتهم من الأسواق، فيأخذ ضعف المرتب أو الثلاثة ~~أضعاف، وكانت زوجاتهم تعملن عند السكان في النظافة. يأخذ أحدهم أجر الجرائد الأسبوعية، ~~ولا يسلمها لصاحب الكشك حتى أتى يشتكي أن علي ديون شهرين! وسرق سيراميكا من تحت ~~السلم، وكان يقترض ثم يقترض على الاقتراض، ثم عمل عند غيري لمدة شهر سايس عربات، ثم ~~غادر إلى بلدة سوهاج. # وبائع الجرائد الذي كان يفرشها على الرصيف في كل مناسبة يأتي لطلب الإكرامية، وليس فقط ~~العيدين، ويضيف نصف شعبان، ليلة القدر، أول السنة الهجرية، عيد ميلاد المسيح. طلب سلفة ~~ثم سلفة يدفعها من ثمن الجرائد الأسبوعية، وغالط في الحساب أكثر من مرة، فغيرته إلى ~~آخر أكثر أمانة، وأكثر تعليما. وكان يأتي عمال النظافة والصرف الصحي لطلب مبالغ كبيرة ~~ليزوجوا أولادهم وبناتهم، ثم عرفت أنهم كاذبون. فهل هو الفقر؟ # ومرة أخرى سمعت عن طبيب يذهب إلى كبار السن في منازلهم ويكشف عليهم ويعالجهم بخمسمائة ~~جنيه للزيارة للفرد، فاستدعيته وأنا في المنزل، وأخذ ألف جنيه، وكتب أدوية أعرفها من ~~قبل، ولم أره بعد ms176 ذلك. وقال إنه يحب المال، فكنت ضحية عدة مرات، واعتبرت ذلك من جانب ~~التعلم. # وكما تحكي القصص والروايات عن العلاقة المتميزة بين الطالبة والأستاذ، وكما هو الحال في ~~فيلم «غزل البنات»، بين ليلى مراد ونجيب الريحاني، كانت هناك طالبة شقراء تدور حولي منذ ~~السنة الثالثة، لم تظهر علما، ولم تسأل سؤالا، وفي الدراسات العليا ظلت صامتة، ~~وظلت تلاحقني في كل خطوة بالمشروب البارد أو الشيكولاتة حتى في معرض الكتاب. ولم ينقطع ~~تليفونها يوميا حتى تساءلت زوجتي: ما الخبر؟ وسجلت معي رسالة عن «الزمان والسرد عند ~~بول ريكير»، وهو موضوع صعب. وفي إحدى رحلاتي إلى الخارج أحضرت لها ترجمة إنجليزية للكتاب ~~موضوع الرسالة، وبعد مدة جاءتني برسالة كلها شرح Paraphrase # للكتاب. استغربت! كيف عرفت ذلك كله؟ ومتى قرأت؟ ومتى فكرت؟ ~~يبدو أن أحد الزملاء قد قام بذلك نيابة عنها وأعطته بعض المال، وربما قام بذلك مكتب من ~~مكاتب بين السرايات المتخصص في كتابة الرسائل نظير كثير من المال. وظلت تعطيني ~~هدايا، دبوس ذهب لا أعرف أين هو الآن، ورابطة عنق. ولما رأيتها مرتبطة بي إلى هذا ~~الحد أعطيتها صوري في ماليزيا وإندونيسيا مع الطلبة، وصورا أخرى لا أذكرها، واشتريت ~~ألبومين، وطلبت منها أن ترتب هذه الصور بالمئات في هذين الألبومين، فأخذتهما مع كيس ~~الصور وعينيها تبرقان. لم أفهم ذلك إلا بعد أن سألتني: متى ستأتي إلى المنزل؟ لم أفهم ~~القصد إلا مؤخرا؛ أي متى تطلبني من أبي؟ وكان أخوها نجما في الحزب الوطني، ويتطلع إلى ~~المزيد. أحضر إلي صناديق من المانجو رصها في عربتي، لا أذكر كم صندوقا، فظننت أن ~~الأسرة كريمة ومضيافة، ولها مزارع في الفيوم. وكانت الطالبة تسألني عن خطابها، المهندس ~~وغيره، وأنا أنصحها بألا تقبل إلا المثقف الذي يفهم طبيعة عملها في الدراسات العليا. ~~وبعد ذلك سمعت أنها ذهبت إلى قسم الفلسفة متنازلة عن الرسالة، وتشتكي من الأساتذة ~~الذين يغرون الطالبات، وغيرت الطالبة رقم تليفونها، ولم أرها حتى الآن. ولما كنت ~~حريصا على صوري التذكارية طلبت زوجتي من ms177 والدتها أن ترجع ابنتها صور الأستاذ، فإذا ~~بالأم تطلب أن أدفع عشرة آلاف جنيه تكاليف مصاريفها في الدراسات العليا! وكادت زوجتي أن ~~تسبها. يبدو أن التخطيط كان بين الطالبة وأمها على أن تستدرجني للزواج، وأنا قاربت ~~الثمانين، والطالبة في العشرينيات، وعيناها على البيت العربي الذي بنيته خمسة أدوار ~~لأولادي الثلاثة ودور للسكن ودور كمركز للدراسات السينمائية لزوجتي والنصف الآخر للدراسات ~~الفيدرالية لابني الكبير حازم، وهو تخصصه في الماجستير. وسأكتب في وصيتي رجاء لها أن ~~تعيد الصور وأضعها في مكتبتي لأنني سأحولها ربما إلى متحف للزيارة وقد سميتها ~~«المكتبة الفلسفية المتخصصة». # ووسط هذا الهدوء وهذا السكون السياسي انهار برجان بنيويورك بفعل طائرة اصطدمت بهما. ~~وسقط رمزان من رموز الإمبراطورية الأمريكية، وهما ناطحتا سحاب، وانهار البناءان، وتصاعد ~~الدخان والأتربة. وبدأت أصابع الاتهام توجه إلى القاعدة وبن لادن الذي اغتالته ~~الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات، وألقت بجثته في المحيط حتى لا يعرف له أثر، ~~وبدأت تفكر في الانتقام لنفسها لاسترداد هيبتها، فوجدت حجتها في حصول العراق على ~~السلاح النووي، وهذا ضد قرارات الأمم المتحدة. وبدأ العدوان 2003م من الجنوب والشمال والوسط ~~بالبوارج الحربية والقوات الأرضية بمساعدة المياه الإقليمية لبعض الدول العربية، والقوات ~~الجوية، بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، واحتلت العراق كلها، واستشهد الآلاف. وتم ~~البحث عن صدام فوجدوه في مغارة تحت الأرض، وعقدوا له محاكمة صورية، يعرف حكمها قبل أن ~~تبدأ. ووقف صدام في المحاكمة متحديا قضاته إلى أن حكموا بالإعدام شنقا، ونفذ الحكم في ~~وقفة عيد الأضحى، وكأنه ضحية، يدفع العرب ثمنها من الإهانة والتحقير. وكان صدام قد اعتدى ~~على إيران بدعوى تحرير الأهواز حيث تقطن أغلبية عربية كما يقطن في شرق الخليج خاصة في ~~البحرين أغلبية شيعية، وضحى بالآلاف، ولم ينضم عرب الأهواز إلى العراق بل ظلوا على ~~هويتهم الإيرانية، ثم اعتدى صدام على الكويت بدعوى ضم المناطق البترولية التي عليها خلاف، ~~ودخل الكويت لعدة أشهر سالبا ناهبا. # وانتفضت الجامعات ضد العدوان الأمريكي على العراق، واستمرت عدة أسابيع حتى توقف ms178 ~~العدوان. وبدأت الحركات الوطنية تطالب بانسحاب المعتدي، وحكم العراق أمريكي واستولى على ~~أموال النفط، وترك وراءه حكومة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية. وأثار العدوان ضجة، ~~وتركت مصر العراق دون أن تتحرك، وإذا تحركت ففي الاتجاه المضاد، استعمال مياهها ~~الإقليمية لمساعدة القوات الأمريكية في إطلاق صواريخها على جنوب العراق. وظهر مخطط تقسيم ~~العراق إلى ثلاث دول: شيعية في الجنوب وعاصمتها كربلاء، المدينة المقدسة. ووسطها السنة ~~وعاصمتها بغداد، عاصمة العباسيين. وشمالها الأكراد وعاصمتها كركوك. وتدخلت إيران ~~بقواتها لمناصرة شيعة العراق، وبدأ تنفيذ مخطط التفتيت في المنطقة، والقضاء على الدول ~~الوطنية وتحويلها إلى دويلات طائفية؛ سنة وشيعة، وعرقية؛ عرب وأكراد، بداية بالعراق، ولا ~~نهاية له إلا في مصر التي استعصت على التفتيت نظرا لوحدتها منذ الملك مينا موحد ~~القطرين، الشمال والجنوب حتى الملك فاروق، ملك مصر والسودان، وقول النحاس باشا: تقطع ~~يدي ولا أفصل مصر عن السودان، حتى عبد الناصر، زعيم القومية العربية. # ثم ظهرت بارقة أمل عندما نشبت حرب بين حزب الله وإسرائيل عام 2006م، وطالت صواريخ ~~حزب الله تل أبيب وبعض المدن الإسرائيلية الأخرى، ورفعت صور جمال عبد الناصر بجوار صور حسن ~~نصر الله. وأيقظت الحرب في العرب روح النصر وإمكانياته وتكرار حرب 1973م من جديد، بين حزب ~~ثوري ودولة مغتصبة أرض العرب، ثم غير حزب الله وجهه بانضمامه إلى الأسد ضد الثورة ~~الشعبية السورية في 2011م بالربيع العربي. وانضمت إليه إيران التي كانت أول من أشعل ~~الثورات في المنطقة في فبراير 1979م، انضماما إلى الحكم الطائفي العلوي؛ فكان لحزب الله ~~وجهان. الأول ثوري ناصري ظهر في 2006م، ووجه طائفي علوي ظهر في 2011م. # وهدأت الأمور من جديد، وظل السؤال يدور في ذهن الجميع: إلى متى يبقى هذا النظام في سوريا ~~ومصر؟ وقد بقي حوالي ثلاثين عاما وما زال يريد أن يستمر، إما عن طريق الأب أو عن طريق ~~الابن عن طريق التوريث، ولا الجيش ولا الشعب قابل له. وبدأت الروايات عن نهب أموال مصر من ~~الرئيس ونجليه بل وامرأته وصحبه، وتهريبها ms179 إلى الخارج بالمليارات. وكما كان الشعار في ~~الجمهورية الثانية التي انقلبت على الناصرية «الرأسمالية ليست جريمة» أصبح الشعار «الفساد ~~ليس جريمة». وكما قال الشاعر: # إذا كان رب البيت بالدف ضاربا # فشيمة أهل البيت كلهم الرقص # وانتشرت الرشوة والفساد في مؤسسات الدولة والمصالح الحكومية لقضاء أي مصلحة ~~خاصة. وما زالت قضايا الحريات مثارة، وأهمها استشهاد خالد سعيد الذي قتلته المخابرات، ~~وهو يشبه بو عزيزي البائع المتجول الذي كان يسعى إلى قوته اليومي فصفعته شرطية على وجهه ~~ليفسح الطريق لأصحاب العربات فكان الشرارة التي أوقدت الثورة التونسية التي كانت الشرارة ~~التي انطلقت منها ثورات الربيع العربي في مصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن. اختزن خالد ~~سعيد في قلوب المصريين حتى اختمر في ثقافة شعب شيمته الصبر، وكما قيل له: «أنتم شعب ~~صبور.» كما كثر الحديث عن حياة البذخ في شرم الشيخ التي يحياها الرئيس المخلوع وأسرته، ~~والبذخ في تزيين منزل الرئيس وراء الشيراتون في الوقت الذي لا يجد فيه الفقير قوت ~~يومه. # الفصل العاشر # | الثورة المصرية، والربيع العربي (2011-2018م) # وفجأة وبلا سابق انتظار انفجر القدر بضغط البخار الصاعد منه في يناير 2011م، عيد ~~الشرطة. وقد تطورت المظاهرات الشعبية تدريجيا من عيد الشرطة إلى المطالبة بالإفراج ~~عن المعتقلين الذين احتجزتهم الشرطة بلا سبب وبلا محاكمة، ثم تعالت المطالب حتى وصلت ~~إلى ضرورة استقالة الرئيس الذي رفض الاستجابة لمطالبهم أو حتى لقاء وفد من المتظاهرين ~~الذين كانوا يؤلفون كل القوى الوطنية في البلاد. وجيء بالجمال لتدهس المتظاهرين في ~~ميدان التحرير بما يسمى «موقعة الجمل» ومعارك أخرى مثل معركة «محمد محمود» وهو الشارع ~~المجاور للجامعة الأمريكية وكذلك معركة «ماسبيرو» حول مبنى الإذاعة والتلفزيون، واستشهد ~~المئات. وفي 11 فبراير قدم الرئيس استقالته، وعين عمر سليمان نائبا له. واستمرت ~~المظاهرات تطالب باستقالة الرئيس بعد أن حاصروا قصر الرئاسة، ورفض الجيش التدخل لصالح ~~الرئيس لأنه كان حانقا على التوريث، وسلم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ~~وعمت الفرحة الشعب. ونظرا لعدم وجود قيادة للثورة الشعبية وعدم وجود تنظيم لها، ms180 وإن ~~كانت تطالب بمبادئ أربعة: الخبز، الحرية، العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية، ظلت ~~الثورة تتأرجح بين العسكريين والإسلاميين. وبدأ الجدل حول وضع الدستور أولا ثم ~~الانتخابات أم الانتخابات أولا ثم الدستور؟ تنظيم انتخابات برلمانية أولا ثم انتخابات ~~رئاسية، أم انتخابات رئاسية أولا ثم انتخابات برلمانية؟ وكل هذه الدوائر المغلقة التي ~~تدور حول نفسها تهدف إلى إرباك الثورة، ووضع الدستور المؤقت تسير عليه البلاد ~~ثم تجرى الانتخابات، وعين رئيس المحكمة الدستورية ~~العليا رئيسا مؤقتا. وأجريت الانتخابات بين: أحمد شفيق ممثل النظام السابق، محمد مرسي ~~مرشح الإخوان، عبد المنعم أبو الفتوح «إخواني مستقل»، عمرو موسى «ناصري قومي»، حمدين صباحي ~~«ناصري»، وأربعة آخرين، لا ذكر ولا لون لهم، ونجح المرشحان الأولان، ثم أجريت ~~انتخابات الإعادة بين شفيق ومرسي. فانتخب الناس مرسي بأغلبية ضئيلة خوفا من شفيق صديق ~~الرئيس المخلوع وإلا فلماذا كانت الثورة؟ # وبعد عام تقريبا لم يسجن فيه أحد، ولم تكبت الحريات، ولكن بدأت أخونة الدولة. وكان ~~الرئيس الجديد يتلقى توجيهاته من مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين. كانوا قد رفع العريان ~~شعار «مشاركة لا مغالبة»، ولكن في الواقع مارسوا «مغالبة لا مشاركة». فبدأت القوى ~~السياسية الأخرى، الليبراليون والقوميون والناصريون والماركسيون بالضجر من هذا الحكم ~~الفردي والذي يمد يده إلى قطر وإيران وتركيا، إلى الخارج قبل الداخل، إلى المحيط قبل ~~المركز على عكس البنية الثقافية التي تعطي الأولوية للمركز على المحيط. وأجريت الانتخابات ~~البرلمانية، فأخذ الإخوان الأغلبية، واختير رئيس المجلس إخوانيا، وأظهر بعض السلوك ~~الديمقراطي، ومنع النداء على الصلاة وضبط الجلسات؛ فالصلاة يمكن أن تكون على التراخي وليس ~~على الفور، قضاء وليس أداء؛ أي آجلا وليس عاجلا كما حدد علماء الأصول منعا للمزايدة؛ ~~فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ورعاية مصالح المسلمين لا تقل إيمانا عن ~~الصلاة. لم ترتفع الأسعار، ولم يقبض على أحد، ومع ذلك تجمعت القوى المناهضة للإخوان ~~بعد عام واحد لعمل ثورة مضادة لحكم الإسلاميين الذين أتوا بالانتخاب الشعبي الحر ~~المباشر في 30 يونيو 2013م، ثم ساندها الجيش بقيادة وزير الدفاع ورئيس ms181 المخابرات السابق. ~~ولم يقبل الإخوان انتخابا مبكرا لمعرفة اختيار الشعب تمسكا بالشرعية، ورفضوا إنذار ~~الجيش، مما اضطر الجيش إلى تولي الحكم في 3 يوليو. وقبض بعد ذلك بأيام على الرئيس، وأودع ~~في السجن، من القصر إلى المعتقل مع الاتهام بالتخابر مع قطر. في حين أن الرئيس السابق عليه ~~أودع في جناح في المستشفى العسكري بالمعادي، وله كل الحقوق في زيارات الأسرة والأصدقاء، ~~وهو الآن يطالب بالعودة إلى منزله في شرم الشيخ حتى مع الإقامة الجبرية. كما قبض على معظم ~~أعضاء مكتب الإرشاد من أول المرشد العام حتى كبار الشخصيات في الجماعة. أطلقت الاتهامات ~~بالتكفير والعنف والاغتيالات، وطالت قوائم الممنوعين من السفر، وزادت نسبة الهاربين إلى ~~الخارج، وكانت تركيا هي الأقرب ثم قطر. # 1 # ونشأ الجدل: هل ما حدث ثورة أم انقلاب؟ وبعد أربع سنوات وتكشف السياسات التي ~~اتبعت منذ 2014م يعود السؤال مرة أخرى: هل ما حدث انقلاب أم ثورة مضادة؟ فكما كانت ~~هناك أخونة الدولة من الإخوان كما كانت تفعل كل الأحزاب، أصبح هناك عسكرة للدولة من الجيش؛ ~~فهو الذي يقوم بحل كل الأزمات: المواد الغذائية، رصف الطرق، بناء المساكن الاجتماعية، إقامة ~~المزارع السمكية. ويقف الضابط في حفل الافتتاح ويضرب كعبي الحذاء، ويرفع يده إلى الرأس ~~ليحيي الرئيس معرفا بنفسه «العقيد فلان قائد خط الجمبري»، بالإضافة إلى الأمن ~~القومي. وأضيف إليه القبض على المعتقلين مثل زوار الفجر. وأصبح الجيش أكبر شركة ~~استثمارية في البلاد، وبدأ يقابل العنف بالعنف في سيناء. وسألت دماء المصريين من ~~الطرفين، مع أن إسرائيل احتلت سيناء ست سنوات ولم نسمع عن قتال بين بدو سيناء وجيش ~~إسرائيل، بل استطاعت إسرائيل كسب قلوب السيناويين بأداء الخدمات: المستشفيات والمدارس ~~والأندية، وتوفير المواد الغذائية اللازمة والتي تنقص الوادي؛ فهم مواطنون إسرائيليون ~~وليسوا مواطنين مصريين. والمواطنة حيث المصلحة، والمصلحة حيث المنفعة. # وارتفعت الأسعار إلى أكثر من الضعف وأحيانا الأربعة أضعاف بلا مبرر معقول، كما زادت ~~فواتير الكهرباء والغاز، وتذاكر المواصلات، والمترو قادم. وزادت نسبة الفساد ابتداء من ~~الوزراء وكبار ms182 المسئولين بالملايين حتى صغار الموظفين بالجنيهات. وأصبح الفقير غير قادر ~~على أن يعيش حتى بالفول والطعمية. وبدأ التجار يخبئون السكر الذي به حياة المصريين ~~ليبيعوه بسعر أعلى، والشعب يخطفه من على الشاحنات. ومن ناحية أخرى يكسب كبار التجار ~~بالتعاون مع رجال التفتيش، يرفعون الأسعار، ويكسبون الملايين. أما الوزراء وكبار رجال ~~الأعمال فيكسبون بالمليارات بطرق غير شرعية. وتم سفر الفقراء على مراكب بحرية فيغرقون، ~~ويزداد عدد المعتقلين بالآلاف. وكان كل شيء لا يحل إلا بالجيش. وبدأ البحث عن التمويل ~~شرقا وغربا من الأشقاء العرب والبنك الدولي. وتركت المليارات تنهب في الداخل، مع أنه ~~يساوي الاقتراض من الخارج عشرات المرات، ولكن رجال الأعمال مثل رجال الأمن هم سدنة النظام. ~~والاستقواء في الداخل تعويض عن الضعف في الخارج. والوطن العربي تسيل دماؤه ومصر لا تتحرك، ~~وهي المناطق التي امتدت إليها الناصرية، سوريا والعراق شمالا، وليبيا غربا، واليمن ~~جنوبا. وتعقد المؤتمرات من أجل تحقيق السلام في سوريا شقيقة مصر التي حملت عربة ~~عبد الناصر على الأكتاف عندما زارها، دون دعوة مصر، وكأن سوريا أقرب إلى روسيا وأمريكا ~~وإيران وتركيا من مصر، وهي القوى التي تتحكم في مصير سوريا على الأرض، بل إن مصر تؤيد ~~«الأسد إلى الأبد» دون الشعب السوري الذي ثار ضد نظام الاستبداد والظلم بدعوى الخوف على ~~وحدة سوريا من التفتت، وكأن وحدة الأوطان لا تتحقق إلا بالاستبداد، وأن الديمقراطية وحكم ~~الشعب يجلبان التفتت والتجزئة. # 2 # وبدأ القدر يغلي من جديد، ولكن لم يتصاعد البخار بعد، والضجر الموجود في القلب لم ~~يحن له أن ينفجر؛ فلم يأت الوقت بعد، أصبح الوطن طاردا لأبنائه. أما الخصومة ~~السياسية فلم تجد لها حق التعبير عن نفسها، وتخشى الاعتقال. والبطالة والفقر، لا حل لهما في ~~سنوات الثورة. ولا يفي النظام بما يعد مثل تكوين لجنة من الشباب للإفراج عمن يستحق ~~الإفراج من السجون. وهل الحرية منتقاة للبعض دون البعض الآخر؟ وربما هو كلام في كلام. وفي ~~الواقع يزداد عدد المعتقلين، ويزداد بناء السجون مثل الإسكان الشعبي. ms183 ووزارة الداخلية ~~تصرح بأنها لم تتلق أي طلب للإفراج عن المعتقلين أو على الأقل إعداد قائمة بمن يستحق ~~الإفراج باسم الشباب ومن لا يستحق. ومرة ثانية يتم الاجتماع مع تنظيمات حقوق المرأة، ~~والوعد بتحقيق ما تبقى منها ولم يحدث شيء. ومرة ثالثة الاجتماع مع المعاقين، والوعد ~~بتسهيل حياتهم المعيشية، ولم يحدث شيء. في حين أن عبد الناصر بعد الثورة بسبعة أسابيع أصدر ~~قانون الإصلاح الزراعي لتمليك الأرض للفلاح، وتوزيع أراضي الملك والباشوات على فلاحيهم في ~~الأرض، بدلا من العمل فيها كعبيد، وأقام محاكم الثورة، فأصدرت أحكامها على رجال العهد ~~البائد، ولم ينتظر سنين طويلة، والمثار ضدهم يعيشون في أجنحة في مستشفى المعادي أو في ~~قصورهم سنوات وسنوات قبل أن يبرئهم القضاء كما حدث بعد ذلك. # وكان مصير الثورة العربية في تونس وسوريا والعراق وليبيا واليمن ليس بأفضل حال من مصيرها ~~في مصر. منذ اندلعت الثورة في تونس بدأ التذبذب في الحكم بين العلمانيين ~~والإسلاميين. ولما لم يختف العنف تماما راجع الإسلاميون المعتدلون في حزب النهضة ~~أنفسهم وتجربتهم السياسية، وقرروا عدم العمل السياسي لفترة قادمة، والاكتفاء بالعمل ~~الاجتماعي والتربوي. وما زال الجمع في حكومة واحدة بين الإسلاميين واليسار يتأرجح؛ ~~فالماضي ما زال حاضرا في الأذهان. وفي سوريا بدأت الثورة سلمية، ولما بدأ النظام ~~مقاومتها بالسلاح وليس بالحوار، اضطر الثوار إلى استعمال السلاح حتى تطورت إلى حرب ~~أهلية، تدخلت فيها روسيا وإيران وحزب الله بجانب النظام. ولم تجد الثورة من يقف بجانبها إلا ~~الشقيقة السعودية إلى حين وأحيانا تركيا، ووقفت مصر، كعبة العرب، بجوار النظام السوري، ~~وتمت التضحية بالشعب السوري في سبيل السلطة، قتل نصفه أطفالا ونساء وشيوخا ورجالا، ~~وهاجر النصف الآخر، ومن بقي ينتظر مصيره المحتوم، ويبكي على سوريا الوطن الحبيب. والعراق ~~منذ الغزو الأمريكي وهو يصارع من أجل البقاء؛ فقد بدأت الطوائف، سنة وشيعة، والأعراق، ~~أكراد وأرمن وتركمان في الصراع على السلطة المركزية في بغداد أو في تشكيل دويلات مستقلة ~~طائفية وعرقية، مستقلة تماما في إطار السلطة المركزية في بغداد. ms184 وما زال الصراع دائرا ~~حتى الآن. وفي ليبيا بعد انتصار الثورة انقسمت القبائل فيما بينها تطالب بالاستقلال أو ~~بالعودة إلى الملكية أيام السنوسي قبل الوحدة، ودخلت في حرب أهلية لم تنته حتى الآن. ~~وبعد أن نجحت ثورة اليمن، انقلب فريق من الثوار وهم الحوثيون على الثورة من أجل تولي ~~السلطة في صنعاء، وانضم إليهم الرئيس السابق ناسيا جهاده من أجل توحيد اليمن بين الشمال ~~والجنوب. وكون الفريقان ثورة مضادة. واحتلت صنعاء. وما زالت الحرب دائرة بين الوطنيين ~~من جهة والحوثيين وصالح من جهة أخرى، ثم قتل بعد أن رقص على كل الحبال حفاظا على ~~الكرسي. وضاع الشعب اليمني بينهما قتلا وذبحا وتنكيلا. وأصبح العالم كله يشهد جريمة قتل ~~وتجويع ومرض ملايين الأطفال باسم الإسلام! وتصارعت أمريكا وإيران على باب المندب الذي ~~جعله عبد الناصر بحيرة عربية؛ من الشمال قناة السويس، ومن الجنوب اليمن، ومن الشرق ~~السعودية، ومن الغرب مصر. # وقد تنازلت مصر عن سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير اللتين حارب من أجلهما عبد الناصر ~~في 1967م، ثم تنازلت عن ألف كيلو متر مربع للسعودية لبناء مدينة «نيوم» في ملتقى مصر ~~والسعودية والأردن وإسرائيل مثل إيلات، وهي مدينة أم الرشراش المصرية التي احتلتها إسرائيل ~~في 1948م، مصر بالأرض، والسعودية برأس المال، وإسرائيل بالتكنولوجيا والأردن بالسكان لتخفيف ~~الضغط على غزة المحاصرة برا وبحرا، شرقا وشمالا إلا مصر جنوبا؛ فإليها الهجرة وتوطين ~~الفلسطينيين، وحل القضية الفلسطينية في صفقة القرن. ويصبح الشرق الأوسط الكبير أو الجديد ~~إقليما واحدا وسط إسرائيل التي يتودد الكل إليها وتؤازره أمريكا حليف المنطقة، فتبتلع ~~إسرائيل المنطقة كلها، تربة وأرضا وسكانا وعقولا، وتكسب الحروب السابقة كلها بلا حروب ~~قادمة. # وأخيرا عقد اتفاق بين مصر وإسرائيل على أن تشتري مصر الغاز من إسرائيل بخمسة عشر مليار ~~دولارا، ومصر تعيش وسط بحيرة غاز، من السعودية والخليج شرقا، وليبيا غربا، وحقل «ظهر» ~~شمالا. ومصر تدين ملياراتها للاستثمار، وهو ما فعله صديق الرئيس المخلوع عندما كان يصدر ~~الغاز إلى إسرائيل بالمليارات، والحجة تصنيع الغاز، ms185 فتصبح إسرائيل مسيطرة على مداخل ~~البحر الأحمر من الشمال في خليجي السويس، وأمريكا وإسرائيل على باب المندب، ويتحول البحر ~~الأحمر من بحيرة عربية إلى بحيرة إسرائيلية. والآن يتم التخطيط لشق قناة بين البحر الميت ~~والبحر الأحمر لضرب قناة السويس في مقتل التي من أجلها أضاعت مصر استقلالها وحفرتها بسواعد ~~فلاحيها، وتم العدوان عليها في 1956م بعد تأميمها. # ورأيت فيما يرى النائم أنني دعيت للقاء الرئيس في معرض الكتاب وتسليم الجوائز، جائزة ~~النيل، ومناقشته كما يفعل الرؤساء السابقون كل عام في عيد العلم. وغلب على تنظيم المعرض ~~الجانب الأمني، وليس الجانب العلمي الثقافي. ووضعت الكراسي بالمئات بالقطيفة الحمراء وهي ~~مكسوة بالأبيض وفارغة من أي زائر. وفات الموعد، والناس في الانتظار في الصفوف الخلفية ~~يأكلون ما قدم لهم من طعام، ملء فراغ أو رشوة، فسرت بين الطرقات، وأنا أصيح: من ~~ينتظر من؟ الرئيس في الاستقبال والمثقفون هم المستقبلون؟ وإلى الآن لم يظهر الرئيس! ~~وهذه إهانة للمثقفين المدعوين، فجاء رجال الأمن، بعد أن قالوا لي كفاية يا أستاذ، ~~ليستجوبوني: هل أنت إخواني؟ هل لك صلة بالإخوان؟ هل أحد الأصدقاء من الإخوان؟ وكأن أحدا لا ~~يعترض على شيء إلا إذا كان من الإخوان! ولم يحضر الرئيس . وفي الحلم، رأيت أنهم أدخلوني في ~~حافلة داخل سرداب طويل حتى جاءت استراحة لتناول المشروبات، وجاء من يعلن أن الرئيس مشغول ~~اليوم! يبدو أن الأمن أخبره بشيء جعله يغير رأيه. وبعد ذلك بأيام عرض التلفزيون ~~مقابلة قديمة مع بعض المثقفين، وكأنها حدثت في معرض الكتاب! # وبعد عام بدأت الرئة الأخرى التي يتنفس منها الشعب في الضيق؛ فقد غلت الأسعار إلى ~~الضعف أو ثلاثة أضعاف في كل المواد خاصة المواد الغذائية التي منها يقتات الشعب مثل الفول ~~والعدس، وزادت أسعار الخضار المجمد والطازج، وارتفعت أسعار اللحوم والأسماك والدواجن بحجة ~~ارتفاع سعر الدولار حتى الفجل والجرجير والكراث والخيار والطماطم، وتعويم الجنيه. وبدأ ~~النقد علنا، يخرج من القلوب إلى الأفواه، يد تعتقل في الداخل، ويد ممدودة للخارج. يد ~~تسرق في الداخل، ms186 ويد فاسدة تهرب المليارات إلى الخارج. لا فرق بين رجال الأعمال ورجال ~~الأمن ورجال السلطة. والأخطر من ذلك كله التفريط في أرض الوطن، والتنازل عن جزيرتي تيران ~~وصنافير. وأصدرت محاكم بكافة درجاتها أحكاما بإبطال العقد، عقد البيع، ثم صدر حكم ~~أخير للمحكمة الدستورية العليا بإبطال كل الأحكام القضائية السابقة، وأن ذلك من حكم ~~السيادة! # إن الحطب جاف، فأين الشرارة؟ تلمع بين الحين والحين ثم تنطفئ، وآخرها هتف الشعب في ~~استاد القاهرة بعد القبض على بعض المواطنين «حرية، حرية، حرية». وتصفيق الحاضرين في مدرج ~~بعد أن سأل أستاذ في مناقشة رسالة الطالب عن حال التمدن والمدنية، وهو موضوع الرسالة ~~الآن، فأجاب الطالب بالكتب في الموضوع. وطلب الأستاذ، ليس الكتب بل ما يشعر به الناس، ~~سائق سيارة الأجرة، بائع الخضار، المواطن العادي؟ فلم يعرف الطالب المقصود لأنه تعود على ~~العلم في كتاب. فساعده الأستاذ: ألا تشعر بأنك إذا وضعت أذنك على قلبك وجدت أنه ينبض ~~بالفقر والاستبداد؟ فضجت القاعة بالتصفيق. ويظل السؤال قائما: متى ينتهي السقوط، ومتى ~~يبدأ الارتفاع من جديد؟ خاصة وأنا أنتمي لجيل بدأ حياته بالارتفاع بحركة التحرر الوطني في ~~الخمسينيات وينهي حياته الآن بالقهر السياسي، لا اليد تكتب، ولا اللسان يتحدث ، ولكن القلب ~~ما زال ينبض. # وأحس الشعب بالإحباط كما أحس بعد ثورة 1919م عندما استولى عليها القصر والإقطاعيون ~~والباشوات، واحتاجت إلى ثورة جديدة؛ ثورة الضباط الأحرار في 1952م. لم يعرف أحد تموجات ~~الثورة متى ترتفع ومتى تنخفض، والكل يعرف أن ثورة الجياع قادمة، وما ثورة الغلابة في ~~11 / 11 / 2016م إلا بروفة، كيف تستطيع ثورة الآلاف أن تجند نصف مليون جندي وشرطي وأمن ~~مركزي؟ # والأخطر من ذلك كله الإحساس بالإحباط واليأس، وترك السياسة كلية والبحث عن لقمة العيش، ~~ويساعد الإعلام على إيجاد البديل لهم؛ فهل يستطيع الإرهاب أو الإخوان أن يكون عدوا بديلا ~~عن إسرائيل؟ احتار الناس من العدو ومن الصديق؟ هل العدو فيما بيننا والصديق خارجا عنا أم ~~إن العدو على الحدود والصديق داخل الحدود أم إن ms187 العدو خارجنا والصديق داخلنا؟ فلا فرق بين ~~بدو سيناء وفلاحي الوادي، بين الجيش والشعب، بين الشرطة والخارجين على القانون؛ فكلهم ~~مصريون. # كان الناس يظنون طبقا لما يشاهدون أن الشعب قد مات؛ فلا هو قادر على إفراز جيل جديد ~~من الضباط الأحرار، مثل ثورة عرابي 1882م، وثورة 1952م، ولا هو قادر على أن يقوم بنفسه كما ~~فعل في ثورة 1919م ثم ثورة 2011م، وبين الاثنين حوالي قرن من الزمان. ويتساءل: ماذا عن ثورة ~~المفكرين الأحرار التي بدأت بها معظم الثورات وعلى رأسها الثورة الفرنسية؛ فتحرير ~~العقول سابق على المجتمعات، ولو تحررت المجتمعات دون العقول لعادت إلى استبدادها الأول ~~وأظلمت العقول؛ فهل من ثورة يقودها المفكرون الأحرار؟ لذلك يشتد التعتيم على الفكر، ولجم ~~اللسان، وتقييد اليد، ولكن لم يشق أحد على قلوبنا. # الفصل الحادي عشر # | كل نفس ذائقة الموت (2018م-...) # والآن وقد اكتملت ذكريات الماضي دون الحاضر، فماذا عن المستقبل؟ لم يتحقق المستقبل بعد، ~~ولكن هل يمكن للاستباق أن يحل محله؟ هل يمكن بناء على ذكريات الماضي وربما الحاضر ~~التنبؤ أو على الأقل الإحساس بما سيحدث في المستقبل قبل أن يتحول إلى ذكريات قد لا يعيش ~~صاحبها؟ فالماضي مستقبل الحاضر، والحاضر والمستقبل هما الماضي قبل أن يتحققا، والمستقبل لا ~~يمكن تحديد نهايته ولا بدايته ؛ فالبداية هو الحاضر، ونهايته الموت، ولا يتحول إلى ذكريات ~~إلا يوم الحساب. ومع ذلك يمكن مراجعة الماضي، هل حقق كل ما أراده «التراث والتجديد» ~~بمستوياته الثلاثة: العلمية الفلسفية، والثقافية، والسياسية الشعبية؟ صحيح أنني أسمع صداه ~~في كل مكان، وعند عدة أجيال، والواقع يسير في منطقه الخاص، لم يغير مساره في شيء؛ فالصراع ~~بين أنصار القديم، الإسلاميين، وأنصار الجديد، اليسار، ما زال قائما من أجل الاستيلاء ~~على السلطة في الحاضر. أنصار الماضي هم السلفيون، وأنصار المستقبل هم المدنيون، ما زالوا ~~يتصارعون على الحاضر. والشعب الفقير هو الذي ضاعت مصالحه، ويحتاج إلى خدماته، ولم ينفع في ~~ذلك لا المستوى العلمي للعلماء، ولا المستوى الفلسفي للمثقفين، ولا المستوى السياسي ~~الشعبي للجماهير. ms188 ربما علي الانتظار حتى يكتشف التاريخ أهمية «التراث والتجديد»، ~~ويحركه، وينقله من مرحلة ماضية إلى مرحلة آنية، من مرحلة السقوط في القرون السبعة ~~الأخيرة إلى مرحلة النهوض في القرون السبعة التالية لحاقا بالقرون السبعة الأولى، من ~~الأول إلى السابع، مرحلة النهضة الماضية الأولى إلى مرحلة النهضة الثانية الحديثة من القرن ~~الرابع عشر حتى الواحد والعشرين، وابن خلدون علامة فارقة بين الاثنين. # استرسلت في الذكريات قدر المستطاع. قد أكون نسيت بعضها أو أولت البعض الآخر، ولكني ~~لم أظلم أحدا، ومن يحس بالظلم بعد قراءتها فليرد علي، وتجمع هذه الردود وتطبع ~~في نهاية الذكريات في الطبعة الثانية. الذكريات تسيل كنهر دافق، أكتبها كي أستريح من الكتب ~~العلمية الموثقة في أجزاء «التراث والتجديد»، وتنتهي براحة نفسية بعد التخلي عن ثقل ~~التاريخ وهمومه. هو علاج نفسي أعطيه لنفسي عن طيب خاطر، وأجربه لعلي أعود إلى «الروح ~~الطائر». كنت أظن أنها ستأخذ مني سنينا، ولكنها أخذت مني شهرين في صياغتها الأولى، ثم ~~شهرا ثالثا في الصياغتين الثانية والثالثة. وأنا أكتب كل يوم مرتين، صباحا ومساء، ~~لعلي أترك للأجيال القادمة قصة حب مفكر لا يفرق بين هموم الفكر وهموم الوطن. ~~الحمد لله أنني لم أسجن أو أعذب، ولكن السجن كان إراديا؛ سجن البدن بين أربعة جدران، ~~وسجن الروح وعذابه في حمل الهموم دون التخلي عنها لحساب نظام سياسي أيا كان. لقد ~~كنت أشعر دائما بواجب العلماء، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعد مناقشتي ~~لعبد الناصر في مؤتمر المبعوثين صيف 1966م في المدرج الكبير بجامعة الإسكندرية. ولم ~~أستطع أن أفعل ذلك على من خلفه في معرض الكتاب لأني اعتبرته قد تخلى عن الأرض بمعاهدة ~~كامب دافيد واتفاقية السلام مع إسرائيل، ولكني ناقشت من أتى بعده في معرض الكتاب مبينا ~~أهمية حرية الفكر والاستقلال الوطني للبلاد ضاربا المثل برمسيس، وصلاح الدين، وعبد الناصر، ~~فسأل: وأين السادات؟ فلم أشأ أن أرد قائلا إنه عقد السلام مع العدو قبل أن ينسحب من ~~الأراضي المحتلة. وكان عبد الناصر يقول دائما: ليست ms189 القضية سيناء؛ فأنا أستطيع أن ~~استردها في أربع وعشرين ساعة، ولكن عيني على الضفة الغربية والجولان. # والآن وقد اكتمل المشروع، وقاربت حياتي على الانتهاء؛ إذ لما سمع أبو بكر آية: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا ~~، قال: «إن الرسول ينعى نفسه.» ولم يبق ~~لي إلا هيجل واليسار الهيجلي أو الهيجليين الشبان؛ لبيان أهمية هذه الفترة من الفلسفة ~~الغربية؛ فقد استطاع هيجل أن يحول الدين إلى فكر، والعقائد إلى حياة؛ فالتثليث هو الجدل ~~الهيجلي، والتجسد هو الروح في التاريخ، والمطلق في الدولة. والدين والمثالية قرينان منذ ~~كانط، وهيجل في النهاية هو أحد تلاميذه جمع بين كتبه النقدية الثلاثة، نقد العقل النظري، ~~ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم في عقل واحد، لا يفرق بين الظاهر والشيء في ذاته؛ ~~فالعقل والغائية في التاريخ؛ فالماركسية هي التطور الطبيعي للدين، من العقائدية إلى ~~المثالية إلى الإنسانية إلى الواقعية الاجتماعية. ولا فرق بين الإيمان بالمسيحية والإيمان ~~بهيجل؛ فهيجل هو المسيحية العاقلة، والمسيحية المثالية هي هيجل التاريخي. ثم جاء تلاميذه ~~ونقدوا مثاليته، مثالية الأستاذ والتي لا فرق بينها وبين الدين المسيحي؛ فالحقيقة تحت ~~المثالية في الواقع، في المجتمع وحياة الناس، الفرد عند شترنر، والوعي الذاتي عند باور، ~~والإنسان عند فيورباخ. ثم جاء تلميذ آخر، كارل ماركس، فنقد التلاميذ، العائلة المقدسة؛ ~~فهم ما زالوا مثاليين مثل الأستاذ. أما الحقيقة لديه فهي الحياة المادية، الصراع بين ~~الفقراء والأغنياء، بين من لا يملكون ومن يملكون، بين الحرية والاستعباد. # وكان بودي أن أنجز تفصيلات لما تركته عاما مثل «مقدمة في علم الاستغراب»؛ ~~فالإعلان عن كونه مقدمة يوحي بأن أجزاء أخرى ستأتي؛ فقد أعلن في مشروع «التراث والتجديد» ~~أن موقفنا من التراث الغربي وهو علم الاستغراب يشمل ثلاثة أجزاء: الأول، مصادر الوعي ~~الأوروبي خاصة المصادر الأفريقية والآسيوية كما فعل مارتن برنال في الجزء الأول من «أثينا ~~السوداء» لتحليل المصدر الأفريقي للحضارة الأوروبية. والثاني، تكوين الوعي الأوروبي؛ أي ~~مراحله القديمة اليونانية والرومانية، الوسطى المسيحية، الحديثة في عصر الحداثة، ms190 وبالتوثيق ~~اللازم كما فعلت في «موقفنا من التراث القديم». وكان هذا يحتاج عمرا جديدا لا أملكه، ~~وعوضا عن ذلك ساندته ببعض الترجمات مثل «نماذج من المسيحية في العصر الوسيط» والجزء ~~الثاني من «قضايا معاصرة في الفكر الغربي المعاصر»، و«دراسات فلسفية»، كما ساندته ببعض ~~الترجمات مثل «رسالة في اللاهوت والسياسة» لإسبينوزا، و«تربية الجنس البشري» للسنج، و«تعالي ~~الأنا موجود» لجان بول سارتر؛ حيث يضع التقابل بين «الأنا ~~أفكر» # Cogito # في بداية عصر الحداثة و«الأنا ~~موجود» # Ego # في نهايته أو ما أسماه هوسرل الكوجيتاتوم # Cogitatum ~~؛ فالأنا ذات وموضوع، وبينهما إحالة متبادلة. ولو امتد بي ~~العمر لنقلت إلى العربية «جوهر المسيحية» لفيورباخ حيث يحول فيه الثيولوجيا إلى ~~أنثربولوجيا، وذلك لمساندة محاولات المعاصرين بمشروع مشابه داخل الحضارة ~~الإسلامية، وكتابي الأخيرين عن «برجسون، فيلسوف الحياة»، «فشته، فيلسوف المقاومة». وكان ~~بودي الكتابة عن فلاسفة الحياة، ليس بالضرورة كتبا، ولكن يكفي المقالات العلمية كما ~~كنت أفعل في بداية حياتي العلمية الفلسفية في «الفكر المعاصر» و«تراث الإنسانية» ~~و«الكاتب» و«المجلة». وقد جمعت فيما بعد في «قضايا معاصرة» (جزءان)؛ الأول «في الفكر ~~العربي المعاصر»، والثاني «في الفكر الغربي المعاصر»، وأيضا في «هموم الفكر والوطن» ~~(جزءان). كنت أود أن أكتب عن فلاسفة الحياة الذين أتوا ليملئوا الفراغ بين ~~العقليين والحسيين مثل دريش # Driesch ~~، دلتاي # Dilthey ~~، جويو # Guyau ~~، ~~فوييه # Fouillée ~~، ثم فلاسفة الشخصانية مثل مونييه بعد ~~أن قدمها محمد عزيز لحبابي في المغرب باسم الشخصانية، وهو مؤسس مجلة «روح» # Espirit # مع بول ريكير، ويمثل اليسار المسيحي. كما كنت ~~أود الكتابة عن فلاسفة الوجود مثل هيدجر، وياسبرز، ومارسيل، وميرلوبونتي. وكنت أود ~~الكتابة عن أورتيجا إي جاسيه بعد أن كتبت عن «ثورة الجماهير»، ونيتشه فيلسوف القوة والعدم ~~بعد أن قدمه فؤاد زكريا. # كنت أود أن أنشط اتحاد الجمعيات الفلسفية العربية، كما فعلت مع الجمعية ~~الفلسفية المصرية، وبعد الاجتماع الأول، بدأت الصعوبات؛ أولها عدم وجود جمعيات ~~فلسفية إلا في تونس والمغرب والأردن ولبنان، وعدم وجود التمويل اللازم لنفقات سفر الأعضاء ~~أو الإقامة، وعدم وجود النية الصادقة ms191 والحماس اللازم للعمل الجماعي. وكنت أود أن ~~أحول قسم الفلسفة عندنا إلى مركز للتفلسف، وخلق مدارس فلسفية يحاور بعضها بعضا، ~~بدلا من الخصام والتوتر والمقاطعة بين الأساتذة. كما كنت أود أن أجمع أقسام ~~الفلسفة في مصر في مؤتمر سنوي من خلال الجمعية الفلسفية المصرية أو بدونها بدلا من هذا ~~التشتت الذي جعل بعضنا لا يعرف البعض الآخر. كنت أود أن أضع لكل قسم خطة بحث علمي ~~للماجستير والدكتوراه بدلا من الاختيار العشوائي والمكرر. وكنت أود أن يظهر أثر ~~هذه الرسائل في الواقع المعاش حتى لا يكون مكانها مجرد وضعها على الرفوف؛ فالفلسفة ليست ~~بأقل أثرا من الأدب، بل إن استمرار غالبية المؤتمرات السنوية في جامعة القاهرة بدأ ~~يشق على النفس، وتظن باقي أقسام الفلسفة أنها استكبار بالقاهرة على باقي المدن. ولم ~~تتردد الجمعية الفلسفية المصرية ولا كلية الآداب في أن تستضيفها إحدى الجامعات المؤتمر ~~السنوي تدعيما لنشاطها كما فعلت جامعة الإسكندرية، وجامعة بني سويف، وجامعة المنيا، وكلية ~~أصول الدين بجامعة الأزهر، وما زال الباب مفتوحا للجميع، وإلا فإن قسم الفلسفة بكلية ~~الآداب بجامعة القاهرة يشرفه أن يكون بؤرة النشاط الفلسفي في مصر والوطن العربي ~~والجامعات العربية. # كنت أود أن أقرأ أكثر وأكتب أقل خاصة من مكتبتي الزاخرة بكل فروع الفلسفة، ~~تاريخها اليوناني والروماني والوسيط والحديث والمعاصر، والفكر الشرقي القديم وفلسفة الدين، ~~والفلسفة العامة وفلسفة الفن، وباقي العلوم الإنسانية، المنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع. ~~كنت أود إكمال ثقافتي في الفلسفة السياسية وأن أقرأ العلوم السياسية والاقتصادية. ~~وكنت أود أن أكمل ثقافتي في تاريخ مصر وتاريخ العرب الثقافي. وكنت أود إكمال ~~ثقافتي للعالم الثالث، أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وكنت أود الكتابة عن «أمريكا، ~~الأسطورة والحقيقة» بعد أن أعددت مراجعها ولم ينقصني إلا الوقت والناشر الجيد. كنت ~~أود أن تجمع مؤلفاتي في دار نشر واحدة، أعمالا كاملة أم مجزأة حتى يسهل ~~الحصول عليها كما هو الحال مع أعمال الجابري الموجودة في مركز دراسات الوحدة العربية؛ فقد ~~تناثرت دراساتي بين دار الفكر العربي، دار ms192 الكتب الجامعية، الهيئة العامة للكتاب، دار ~~عين، مركز الكتاب للنشر، مدبولي، الأنجلو المصرية، مركز الكتاب المصري الحديث، وغريب، وقد ~~طبعت على نفقتي الخاصة منعا لهذا التشتت ظانا أن ذلك يجمع المؤلفات في مكان ~~واحد مثل: «الحكومة الإسلامية»، «جهاد النفس»، «اليسار الإسلامي»، «من النقل إلى العقل»، ~~الجزءان الرابع: «علوم التفسير»، والخامس: «علوم الفقه»، و«محمد إقبال»، «من النص إلى ~~الواقع»، «وطن بلا صاحب». وما زلت أنوي طباعة «هيجل واليسار الهيجلي»، «ذكريات» على نفقتي ~~الخاصة؛ فأنا لم أعد قادرا نفسيا على التسول أمام أبواب الناشرين، بل هم الذين يأتون ~~إلي سائلين. وكيف لي أن أستمر في التعامل مع رجال أو نساء لا هم لهم سوى الربح، ولا ~~شأن لهم بالثقافة الجادة ونشرها؟ لقد انتهى العصر الذي تم فيه تكوين اللجنة المصرية ~~العامة للتأليف والترجمة والنشر التي أسسها زكي نجيب محمود وأحمد أمين وثالث لا أذكره، ~~ولم تستطع الهيئة العامة للكتاب أن ترثها؛ فقد تغير عصر الثقافة إلى عصر التجارة. # كنت أتمنى ألا يعاديني أحد في القسم غيرة أو حسدا يتحولان إلى كراهية مستمرة ~~وعداوة ظاهرة. لم أفعل شيئا يضر أو يؤذي أحدا، بل كنت طيبا وكريما مع الكل، إلا أن ~~الأهواء البشرية كثيرا ما تطغى على طيبة القلب وصفائه، والأخطر من ذلك تكوين محور ضدي ~~في مجلس القسم حتى لا يكتمل النصاب، فتبطل قراراته. وكانت العداوة تظهر في اللجان ~~المشتركة لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين من أجل تكوين محور معاد للمتقدم أو في ~~صفه بغض النظر عن الأعمال العلمية وتقييمها. وفي إحدى جلسات المجلس الأعلى للثقافة ~~عندما قررت مناقشة كتابي عن «فشته فيلسوف المقاومة» ووزع الكتاب على أعضاء اللجنة، ~~أخذ أحد الأعضاء الحاسدين النسخة ورماها أمامه، وكان يبيع كتبه المقررة على معظم ~~الجامعات التي ينتدب إليها، ويوزع الدرجات العلمية، الماجستير والدكتوراه، على الأصدقاء ~~بتسجيلها في الجامعات الإقليمية التي يدور عليها، ولما نلت جائزة الدولة التقديرية عام ~~2007م سعى بالواسطة إلى أن ينالها هو الآخر. ونجح في ذلك، وقضى نحبه وهو خارج من أحد معاهد ms193 ~~التدريس. # أتمنى أن أعيش لكي أرى الجامعة وقد عادت إلى مركز البحث العلمي، بعد أن تحولت إلى ~~معهد لإعطاء الدرجات بالمصروفات بعد أن طبقت النظام الأمريكي، الساعات المعتمدة وإعطاء # A B C D E ~~، فأصبح هم الطالب الحصول على الدرجات، ~~وكتابة رسالة صغيرة مادتها من الإنترنت، ووضع مئات المراجع في آخرها وهو لم يقرأها. وأصبح ~~هم الأستاذ يبيع الكتب المقررة ليس فقط في مرحلة الليسانس بل أيضا في مرحلة الدراسات ~~العليا. وشاركت الجامعة كوسيط تجاري بين الأستاذ والطالب، تشتري المقرر من الأستاذ، ~~وتطبعه وتبيعه للطالب فيما يسمى بنظام «التعليم المفتوح» الذي لا يتعلم فيه شيئا منه، ~~لا منهجا ولا موضوعا، بل يحفظ الكتب التي اشتراها بآلاف الجنيهات، ويدفع فيه الطالب ~~العربي عشرات الآلاف؛ كل ذلك من أجل الحصول على الدرجة العلمية التي لا تؤهل لأية وظيفة ~~أو مهنة بل تزيد أعداد العاطلين. كنت أريدها جامعة أحمد لطفي السيد وطه حسين ومصطفى ~~عبد الرازق وأمين الخولي، أساتذة لمدارس علمية، يجمعون بين العلم والفكر، بين هموم الفكر ~~وهموم الوطن. # كنت أتمنى أن أكون أكثر نشاطا في العمل العام، وأكثر فاعلية في تضحياته، ولا أكتفي ~~بالعمل العلمي في «التراث والتجديد» أو العمل الثقافي: في «قضايا معاصرة»، «هموم الفكر ~~والوطن»، «حصار الزمن»، «حوار الأجيال»، «دراسات فلسفية»، «دراسات إسلامية»، ولا بالثقافة ~~السياسية الشعبية مثل «الدين والثورة»، «من منهاتن إلى بغداد»، «جذور التسلط آفاق ~~الحرية»، «الثورة المصرية في أعوامها الخمسة الأولى»، «الواقع العربي المعاصر»، «نظرية ~~الدوائر الثلاث»، ولا أكتفي بانضمامي إلى الإخوان المسلمين في الخمسينيات أو بحزب ~~يساري «التجمع» في السبعينيات، ولا اكتفائي بالتنظير السياسي في «اليسار الإسلامي» في ~~الثمانينيات. وتأتيني الآن خطابات عديدة من تيارات مجهولة كي أكون عضوا مؤسسا فيها ~~مثل الحزب الشيوعي المصري، وحركة شباب الإخوان، فأرد بالاعتذار لكبر السن، واكتفائي ~~بالعمل النظري. و«اليسار الإسلامي» ما زال ضعيفا على مستوى الممارسة العملية، وإن كان ~~موجودا في حزب النهضة في تونس وحزب الاستقلال والتنمية في المغرب وفي تركيا، وهو موجود ~~أيضا في رؤية ماليزيا ms194 وإندونيسيا. والأهم من ذلك أنه موجود في قلوب الناس وتمنياتهم ~~بدلا من صراع التيارين الإسلامي واليساري على السلطة التي يستولي عليها ~~العسكريون. # كنت أتمنى أن تحكم مصر حكما ائتلافيا بين القوى السياسية الرئيسية في البلاد؛ ~~الإسلامية (الإخوان)، والقومية (الناصريون)، والليبرالية (الوفد)، واليسارية (الماركسيون) ~~من أجل خلق برنامج سياسي وطني موحد للقضاء على المشاكل الاجتماعية التي لا يختلف ~~عليها اثنان مثل: التحرر الوطني، والحرية الفردية، والعدالة الاجتماعية، والوحدة العربية، ~~والهوية، وحشد الجماهير؛ فما زالت مصر تحكم في عصرها الحديث بطرف واحد قبل الثورات ~~العسكرية أو بعدها، إما الوفديون أو العسكريون، إما العسكريون أو الإسلاميون، إما ~~قريش وإما الجيش. أحدهما وطني، والآخر خائن. أحدهما ناج، والآخر هالك. فهل الحقيقة ~~واحدة يمتلكها فرد واحد أم هي وجهات نظر لأفراد متعددين، والحقيقة افتراض نظري ~~يعمل عليه الجميع؟ # كنت أتمنى أن تكون مصر كما كانت في الستينيات زعيمة للأمة العربية وقائدة لنهضتها ~~القومية والاشتراكية، قادرة على تجميعها، وتكون العالم حولها، كما فعلت في تكوين دول ~~عدم الانحياز والحياد الإيجابي، ودول العالم الثالث، والشعوب الآسيوية والأفريقية وأمريكا ~~اللاتينية، تكون لها الأغلبية في الأمم المتحدة، ولا يجرؤ أحد على المساس بها أو غزوها ~~أو تكوين قواعد عسكرية فيها أو إدخالها في أحلاف مثل حلف بغداد أو حلف القاهرة والرياض ~~وتل أبيب أو صفقة أو صفعة القرن التي يتم تنفيذها الآن بعد تغيير اسم الشرق الأوسط الجديد ~~أو الشرق الأوسط الكبير تكون إسرائيل مركزه بديلا عن مصر. وكما كنا في الستينيات بؤرة ~~للعالم الثالث مركزه مصر والهند ويوغسلافيا، ناصر ونهرو وتيتو، نكون الآن بؤرة لتحالف ~~جديد بين مصر وتركيا وإيران، نملأ الفراغ في الشرق الأوسط بدلا من مشاريع الشرق الأوسط ~~الجديد أو الكبير الذي تملؤه أمريكا وإسرائيل، فلا نخسر دولتين لنا معهما إرث ثقافي ~~وسياسي مشترك بسبب وجود الإخوان في تركيا والثورة الإسلامية في إيران، فيعود الخيال السياسي ~~ليتحرك في مصر بدلا من أن تظل يدها ممدودة غربا وشرقا كي تعيش. تركت العراق مجزأة، ~~وسوريا مدمرة، وليبيا متقاتلة، ms195 واليمن مشتتة الصف. وقد توفي عبد الناصر وهو ~~يصالح الأردن مع المقاومة الفلسطينية من كثرة الإجهاد للذهاب للمطار لاستقبال الرؤساء ~~وتوديعهم، بدلا من أن يذهب رئيس أكبر دولة عربية لاستقبال ولي عهد دولة عربية أخرى ~~مخالفا قواعد البروتوكول السياسي. تخلت مصر عن دورها المركزي في قلب الوطن العربي، ~~فانهالت عليها الضربات من الشرق، روسيا، ومن الغرب، أمريكا، ومن الشرق، إيران، ومن الجنوب، ~~الحبشة. # أتمنى أن أعيش عاما أو عامين لأكمل «هيجل ~~والهيجليون الشبان» (اليسار الهيجلي)؛ وبالتالي أكون قد أديت مهمتي للفكر وللوطن، ~~للجامعة والمجتمع. لا أغضب من أحد، وأسامح الجميع، وأشعر بالسيد المسيح في قلبي يدفعني إلى ~~التسامح والمحبة، عفا الله عما سلف، وأحاول أن تنتشر هذه الروح في القسم؛ المصالحة. # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم ~~. وضعت وديعة باسمي في الكلية للصرف من ريعها السنوي على النشاط ~~العلمي للكلية والأقسام في إقامة ندوات ومؤتمرات حتى لا يعيش كل قسم في عزلة عن الآخر، ~~وكلها تدرس نفس الموضوع «اللغة»: اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية ~~واليابانية والصينية، أو العلوم الإنسانية، علوم النفس والاجتماع والفلسفة والتاريخ ~~والجغرافيا، كما جعلت للأقسام ودائع أخرى، قسم اللغة العربية ذكرى لأخي سيد، وقسم ~~الدراسات اليونانية واللاتينية الذي رشحني لجائزة الدولة التقديرية، وربما قسم الفلسفة ~~الذي عشت فيه أستاذا خمسين عاما منذ 1966-2018م، وقبلها أربع سنوات أخرى طالبا ~~(1952-1956م)؛ لأنه لم يرشحني لأي شيء، ومن رشحه القسم لم ينل إلا صوتا واحدا ~~أو صوتين في مجلس الكلية. ووزعت الربع الأخير على عمال الكلية بالتساوي. واكتشفت ~~بعد أن قررت الدولة التعامل بالفيزا أن الفرق بين المرتب والمعاش لم يصلني منذ هذا ~~النظام؛ أي منذ أكثر من سنتين. وحولتني الشئون المالية بالكلية إلى إدارة المعاشات في ~~أول شارع الهرم لأن ذلك ليس من اختصاصهم. وذهبت مع سائق تاكسي حدثني عن صدقه وأمانته ~~ونسيان أحد أثرياء العرب لفة بها الملايين من الجنيهات أو الدولارات لا أذكر، ووجد ~~فيها بطاقته، وذهب إليه ليعطيه إياها، وعرض عليه المكافأة الكبرى التي رفضها وطلب ms196 ~~فقط نسبته الشرعية وهي 10٪، وهو سائق لواء بالجيش، ولا يعمل سائقا، وقادر على تصليح كل ~~شيء؛ نجارة وحدادة وسباكة وكهرباء. ومكثت في إدارة المعاشات دقائق معدودة لأن إدارتي في ~~كوبري القبة، ورأيت سائق التاكسي في انتظاري مع أني لم أطلب منه ذلك، وأوصلني إلى مدينة ~~نصر، وأعطيته ضعف الأجر لأنه بلا عداد، وطلب المزيد فأعطيته ما أراد. وطلب بيته، ~~وكان يتكلم في المحمول ولم يشعر أن العربة التي أمامه قد توقف صاحبها فجأة لوجود مطب ~~على الكوبري، فاصطدمت عربته بالعربة الخلفية. وإلى الآن ما زالت الإدارة المالية تحيل ~~من يذهب إليها بخصوصي إلى المعاشات مع أن المعاش يحول إلي عن طريق البنك بانتظام. ~~وأخشى أن يكون في الأمر فساد بعد أن أصبح هو المصدر الأول للرزق للفقراء والأغنياء على ~~حد سواء، فساد بالمئات أو فساد بالآلاف أو فساد بالملايين أو فساد وتهريب إلى الخارج ~~بالمليارات كما حدث من المخلوع وأنجاله وصحبه، وأقاربه. ثم عرفت أنهم كانوا يحولون ~~الفرق بين المرتب والمعاش إلى البنك عندما تكاثرت عليه الأسئلة من الزملاء. # كنت أتمنى أن أعيش أطول ولو أني راض من أني تجاوزت الثمانين، كي أعطي أكثر مما ~~أعطيت، وأن أقوم بواجبي تجاه حقوق الشعب وواجبات الدولة وأمانة الوطن. وكنت أسر في ~~رحلاتي إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي عندما أرى أجيالا جديدة قرأتني وهي في ~~الثانوية حتى قبل الجامعة وأسعدتها رؤيتي، تريد أن تتصور معي وكأني أحد النجوم، وكأنني ~~أحد المشايخ، ورئيس طريقة صوفية. وأنا وزوجتي كذلك؛ فزوجة مولانا مثل مولانا في الاحترام ~~والتقديس، وتقارن بين فكري الثوري وشخصيتي الهادئة، كيف يعاديني المحافظون وأنا أرد ~~عليهم في هدوء شديد وبمحبة لهم وعذرهم، وتمنياتي أن يفتح الله عليهم، وأن ينير عقولهم، ~~يحيون أوطانهم، ويعبرون عن عصرهم؛ فكل إنسان هو ابن وقته كما يقول الصوفية. ومع ذلك ~~إني راض تمام الرضى في هذه الثمانين عاما. والحمد لله أنني أعطيت وأخذت، ولي أسرة ~~وأحفاد وأصدقاء ومحبون. والأهم، أثري على الناس وفي التاريخ والذكرى الطيبة. # أتمنى أن ms197 أدفن بجوار من أحببت طيلة حياتي، توفيق في الاختيار وسعادة في طول ~~البقاء. ولن يحزن من في مقبرة أبي وأمي وأخي وزوجته وشقيقتي وخالتي وحماتي وزوج أختي وعلي ~~النجار من أقربائي؛ فالروح لا مكان لها، تتزاور بين البساتين وطريق السويس. أتمنى أن ~~تكون ضغطة الموت خفيفة؛ فقد تعبت في حياتي، وأرجو ألا أتعب في وفاتي. وأتمنى أن ألقى ~~من كتبت عنهم، فشته وبرجسون، والأفغاني وإقبال. وأتمنى أن ألقى أساتذتي عثمان أمين وجان ~~جيتون وطلابي، نصر حامد أبو زيد وعلي مبروك. وأتمنى أن أرى أولادي حازم وحاتم وزوجته ~~وحبيبة الأسرة مروة وحنين وأحفادي، أنس وعلي وخديجة ولارا. أتمنى أن يغفر الله الذنوب، ~~ويعفو عني، وأن آتيه بنية صافية # يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم ~~. أتمنى ~~ألا تكون في القبر وحشة بل أنس. أتمنى أن أرى النور في الظلام، نور القلب في ظلام ~~المكان. أتمنى أن أشم رائحة الورود بدلا من رائحة الجسد المتحلل. أتمنى أن يكون ~~اللقاء الأخير معك أنت دون رؤية بصرية، بل يكفي حضورك وحديثك. أتمنى أن تعفو عني في جميع ~~من آذيتهم عن غير قصد، وأعود إليك صافيا مثل آدم ومحمد. # يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب ~~سليم ~~. # الإهداء‏ # مقدمة: هل كانت التعليقات على الجزء الأول نقدا ؟‏ # 1 - الفقر السعيد‏ # 2 - المواهب الثلاث‏ # 3 - الحب العذري‏ # 4 - القضاء والمحاكمات‏ # 5 - الاضطهاد العلمي‏ # 6 - الدين والسياسة‏ # 7 - العلم والعالم‏ # 8 - التأليف والمؤلفات‏ # 9 - المساعدون والمساعدات‏ # 10 - العواطف والانفعالات‏ # 11 - ضرورات الجسد‏ # 12 - مثوى أخير أم بداية جديدة؟‏ # الخاتمة‏ # الإهداء‏ # مقدمة: هل كانت التعليقات على الجزء الأول نقدا؟‏ # 1 - الفقر السعيد‏ # 2 - المواهب الثلاث‏ # 3 - الحب العذري‏ # 4 - القضاء والمحاكمات‏ # 5 - الاضطهاد العلمي‏ # 6 - الدين والسياسة‏ # 7 - العلم والعالم‏ # 8 - التأليف والمؤلفات‏ # 9 - المساعدون والمساعدات‏ # 10 - العواطف والانفعالات‏ # 11 - ضرورات الجسد‏ # 12 - مثوى أخير أم بداية جديدة؟‏ # الخاتمة‏ # | ذكريات (الجزء الثاني) # | ذكريات (الجزء الثاني) # | 1935-2021م # تأليف # حسن حنفي # جزيل ms198 الشكر للسيدة حنان عقباوي التي قامت بكتابة هذه المذكرات ~~بعد إملائها عليها بسبب ضعف بصري؛ فهي التي حولت قلبي نورا بعد أن ~~أظلمت عيناي. # | الإهداء # ذكريات عبرت أفق خيالي # بارقا يلمع في جنح الليالي # نبهت قلبي من غفوته # وجلت لي ستر أيامي الخوالي # كيف أنساها وقلبي # لم يزل يسكن جنبي # إنها قصة حبي # ذكريات داعبت فكري وظني # لست أدري أيها أقرب مني # هي في سمعي على طول المدى # نغم ينساب في لحن أغن # بين شدو وحنين وبكاء وأنين # كيف أنساها وسمعي لم يزل يذكر دمعي # وأنا أبكي مع اللحن الحزين # كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي # إنها صورة أيامي على مرآة ذاتي # عشت فيها بيقيني وهي قرب ووصال # ثم عاشت في ظنوني وهي وهم وخيال # ثم تبقى لي على مر السنين # وهي لي ماض من العمر وآتي # شعر: أحمد رامي # غناء: أم كلثوم # حسن حنفي # | مقدمة: هل كانت التعليقات على الجزء الأول نقدا؟ # منذ أن صدر الجزء الأول «ذكريات»، وبالرغم من قلة توزيعه؛ لأنه طبع ~~على نفقتي الخاصة جاءتني بعض التعليقات؛ معظمها شفاهية، وأقلها ~~كتابة، وتركز على الفصل الرابع، وهي ذكرياتي في قسم الفلسفة؛ مدرسا، ~~وأستاذا مساعدا، وأستاذا، ورئيس قسم، وأستاذا متفرغا. # و«ذكريات» أشمل من ذلك بكثير؛ إذ تشمل ذكريات الطفولة، المدرسة، ~~الجامعة، السفر إلى فرنسا، والعودة إلى الكلية، والسفر إلى أمريكا، ثم ~~إلى المغرب، ثم إلى اليابان، ثم محاولة تكوين مدارس فكرية، وإنشاء ~~«الجمعية الفلسفية المصرية»، ثم «التراث والتجديد»، والثورة المصرية، ~~والربيع العربي . # وكل قارئ رأى «ذكريات» من خلال لماذا لم يذكر؟ أو لماذا ذكر ~~قليلا؟ أو هل أنا هو من تصفونه؟ لأنني لم أذكر الأسماء. # وترك الكل من أجل الجزء، والمصلحة العامة من أجل المصلحة الخاصة. ~~وجاءت تعليقات أخرى خلقية: هل كان من الضروري ذكر مرحلة البلوغ أثناء ~~المدرسة؟ هل كان من الضروري أن تذكر علاقاتك النسائية المتعددة؟ هل كان ~~من اللياقة أن تصف إحدى الشقيقات بأنها «طيبة القلب وساذجة إلى حد ~~كبير»؟ فالحياة الخاصة لا تدخل في ms199 الذكريات العامة لما فيها من إحراج ~~شخصي أكثر مما فيها من فائدة عامة. # فيعاتب الكاتب العربي على ذكرياته، في حين يمدح الكاتب الغربي ~~عند كتابة ذكرياته، وذكر فيها ما لا يذكر أخلاقيا واجتماعيا ~~وسياسيا ودينيا، وكأن الغرب هو الذي يتمتع بحرية التعبير، ولا لوم ~~عليه، بل يصبح من كبار الكتاب مثل جان بول سارتر في «الكلمات». أما ~~صاحب الذكريات العربي فإنه لا بد أن يعمل بمقص الرقيب أو بتدخل الإرادة ~~الشخصية التي تحيط به، والنظم السياسية التي يعيش تحت سلطتها؛ فهي ~~ذكريات تفتقد الصدق، وتكون أقرب إلى التأريخ، وليست تجربة إنسانية ~~لفرد يعيش أيضا في جماعة. # ولا يعني الجزء الثاني تتبع المراحل التاريخية؛ لأن الفرق بين الجزء ~~الأول والجزء الثاني ثلاث سنوات لا يكفي لإتمام مرحلة، ويعني الجزء ~~الثاني إعادة كتابة الذكريات من المراحل التاريخية إلى الموضوعات ~~الإنسانية مثل: الفلسفة والموسيقى، العلم والعالم، الدين والسياسة، ~~التأليف والمؤلفات. # و«ذكريات» نوع أدبي مستقل بين الأدب والفلسفة وعلم النفس ~~والاجتماع، والسياسة، والأخلاق، والدين. فهو نص أدبي مثل باقي ~~الأنواع الأدبية: القصة، والرواية، والشعر، والمسرح. يطبق عليه معايير ~~النقد الأدبي ومناهجه، وهو نص فلسفي يدل على تصورات فلسفية عامة، ~~ورؤى للإنسان والوجود في العالم، وفي البيئة الاجتماعية. وهو تحليل ~~نفسي أيضا؛ لأن الذكريات تجارب حية في وعي الكاتب، كانت في ماضيه ~~ولم يجرفها النسيان، وظلت في الذاكرة جزءا من الشخصية التاريخية التي ~~تكشف عن العصر بأفراحه وأحزانه، وهو نص اجتماعي يكشف عن البيئة ~~الاجتماعية التي عاش فيها المؤلف؛ فالإنسان ابن بيئته، وأفكاره صدى ~~لها، تمر أحلامه بها، وتصاحبه إذا ما تغيرت البيئة وانتقل إلى بيئة ~~أخرى. # وهو نص سياسي؛ لأن المجتمع حامل للسياسة؛ فالذكريات صرخات في ~~الهواء السياسي، ظلما وعدلا، غنى وفقرا، ظالما ومظلوما، ~~استبدادا وحرية، إصلاحا وفسادا، صدقا وكذبا، شجاعة وجبنا، ~~سلطة أو معارضة، جلادا أو ضحية؛ فكل نص هو سياسي بالضرورة، مباشر ~~أو غير مباشر، باستثناء بعض الأفلام المصرية المعلقة في الهواء؛ لا ~~يربط بين شخصيات أبطالها إلا المحبة والكراهية، والوفاء والغدر، ms200 والخير ~~والشر، دون بيئة اجتماعية لمعرفة الأسباب، أو سياسية لمعرفة ~~الهدف. # والنص ليس موعظة خلقية تطبق عليه مقاييس الأخلاق في الحجاب ~~والسفور، واللباس والعري، والذكر والأنثى. بل إن النص كثيرا ما ينقد ~~هذه الثنائيات ويكشف عن المستور الذي يخبئه الناس، ولا يظهرون إلا ~~عكسه؛ فالكل يعشق المرأة ويتمناها ويتظاهر بالقدرة على البعد عنها؛ ~~خوفا على فضيلته من الشر القادم، وهم كثيرا ما يقبلون الرشاوى، ~~ويطلب من الراشي الانتظار لحين الانتهاء من الصلاة. # وإذا كانت الفضيلة في كل سلوك فمن أين تأتي الرذيلة؟ وإذا كان ~~الإصلاح عاما في كل هيئة فمن أين يأتي الفساد؟ وإذا كان كل البشر ~~آلهة أو ملائكة فمن أين تأتي الشياطين؟ # والنقد الأدبي للنصوص لا يعني الدفاع عنها أو الهجوم عليها، مدحها أو ~~ذمها، إبقاءها أو استبعادها؛ فتلك أحكام مسبقة على النص وعلى كاتبه، ~~طبقا لمواقف الناقد الأخلاقية أو الدينية أو السياسية الشخصية، وكلها ~~مواقف متغيرة للناقد قبل أن يتناول موضوع النقد وهو النص. يحتاج النص ~~إلى قراءة محايدة بصرف النظر عن آراء الناقد أو آراء المؤلف الشخصية؛ ~~فالنقد عمل حرفي خالص، يحلل النص في بنيته اللغوية، وفي مدى تصويره ~~للبيئة الاجتماعية، وفي مدى حمله لنداء مستقبلي؛ فالنص عالم مستقل ~~بذاته، وحياة خاصة؛ لا يمكن وضعه في قالب آخر، وإعطاؤه لونا ليس له؛ ~~فالقالب أو اللون يأتي من الناقد؛ فيصبح النقد قراءة على أحسن الظروف، ~~وتأويلا في أسوأ الظروف. والنقد المتغير ضد الأمانة العلمية؛ إذ لا ~~يكفي طلاء المنزل من الخارج، بل لا بد من الدخول فيه، ومعرفة أدواره ~~وحجراته وحوائطه؛ فالنقد ليس إسقاطا من الناقد على النص، بل هو دخول ~~على النص دون أحكام مسبقة، واعتمادا على البداهة الفعلية والفطرة ~~الإنسانية. # ويبدأ النقد بمحبة الناقد للنص وتعاطفه المبدئي معه، كالمحب في أول ~~تعرفه على الحبيبة يحتاج إلى عدة جلسات معها؛ يظهر التعاطف من الناقد ~~تجاه النص، حتى تتكشف جوانبه، ويظهر دلالاته. بين الناقد والنص علاقة ~~متبادلة، من الناقد إلى النص، وهو فتح الساعدين. ومن النص إلى ms201 الناقد، ~~وهو الارتماء في الأحضان. يخاطب بعضهما بعضا. # 1 # والتحدي الكبير للذكريات هو استرسال ذكريات الحياة الشخصية مع الحياة ~~العامة، فكلاهما ذكريات، فلا يمكن استبعاد ذكريات الحياة الشخصية لصاحب ~~الذكريات ونفسه أو أسرته الصغيرة أو أسرته الكبيرة، ولا تبقى إلا ~~الحياة العامة؛ خاصة الوظيفية؛ فالخاص دون العام تمركز على الذات ~~وكأن الذات هي مركز العالم. والعام دون الخاص تاريخ صرف، ووصف لحوادث ~~ووقائع محايدة، أشبه بالتقرير الصحفي أو الوثيقة التاريخية، وقد وقع ~~كثير من أصحاب الذكريات في هذين الخطأين. وقع الكتاب العرب في الخطأ ~~الأول، أي الذكريات كتاريخ (بدوي). ووقع بعض الكتاب الغربيين في الخطأ ~~الثاني (جان بول سارتر). # وحاولت القلة الجمع بين الاثنين (عثمان أمين، زكي نجيب محمود). ويظل ~~التحدي قائما. رؤية الذات من خلال الموضوع أو رؤية الموضوع من خلال ~~الذات. # وهذه الذكريات قراءة النص كعلاقة متبادلة بين الذات ~~والموضوع. # الفصل الأول # | الفقر السعيد # نشأت في أسرة تحت المتوسطة وفوق الفقيرة؛ فعشت لا فقيرا ولا ~~غنيا، ولكني كنت للفقر أقرب. # كان والدي شاويشا في الجيش المصري في «فرقة البيادة» أي الفرقة ~~العسكرية الموسيقية التي تتقدم صفوف الجيش، وكان يلعب «الترمبون» وهي ~~آلة نفخ طويلة، تتغير نغماتها بضم المنفاخ نحو الفم أو إبعاده ~~عنه. # كان مرتبه أقل من عشرة جنيهات شهريا، ونحن أسرة مكونة من تسعة ~~أفراد: الأب والأم، وولدان، وخمس بنات. وكانت والدتي تطلب منه أن يعزف ~~بعد الظهر في فرق خاصة في الأفراح والملاهي الليلية أسوة بزملائه؛ كي ~~يزداد دخلنا، وكان يرفض؛ لأن ذلك عيب لا يليق بموسيقي الجيش، ولا ~~يستطيع أن يأخذ العدة الموسيقية من المعسكر إلى المنزل ثم يعيدها في ~~الصباح، واغتنى زملاؤه من العزف ليلا بآلات الجيش ليزداد دخلهم، إلا ~~والدي الذي فضل أن يكون فقيرا مكتفيا بمرتبه على أن يترك أسرته ~~صباحا ومساء. # ولد والدي ووالدتي في بني سويف، وكان جدي والد الوالد تاجر دقيق، ~~وله محل بجوار محطة القطار، ما زال موجودا حتى الآن، ساعدته في ~~العمل زوجته الثانية النشطة بعد وفاة ms202 زوجته الأولى، وكان الحاج حسنين ~~جدي أحمر الوجه، وليس أسمر كباقي سكان المحافظة، فلما سألته عن السبب ~~قال لأنه نازح من الأندلس بعد خروج العرب منها، فاستقر في المغرب ~~العربي، ثم نزح إلى مصر وهو في طريقه إلى الحج، وسكن حي المغاربة بجوار ~~جامع الشيخ في الإسكندرية، ذهب إلى الحج وعاد واستقر في بني ~~سويف. # ولدت شقيقتي الكبرى في بني سويف، وكان لجدتي أم أمي (الحاجة يامنة) ~~أربعة منازل ريفية في وسط العاصمة، كل منزل من دورين، تعيش من ~~دخلهما، كما كان لها بنتان؛ والدتي وخالتي، وابن ثالث توفي في حادثة لا ~~أذكر كيف، غرقا أم انهيار منزل عليه. # ولما كبر والدي ووصل إلى سن الجندية أراد أن يزوجه والده قبل أن ينزح ~~إلى القاهرة؛ فذهب إلى الحاجة يامنة وطلب منها ابنتها نبيهة لابنه. ~~وكانت الطفلة نائمة، فكشفت جدتي الغطاء عن وجهها، ونظر إليها؛ فسألوه: ~~هل تعجبك؟ قال: نعم. فاستيقظت أمي وكانت قد خطبت وتستعد للزواج. # وكانت منازل جدتي خلف المركز بجوار مدرسة زعزوع، وكان جدي والد والدي ~~يقيم في آخر شارع الجبالي بالقرب من محطة القطار، وذلك قبل ~~زواجهم. # أما خالتي فقد تزوجت عدة مرات ولكنها كانت عقيما، وكانت جدتي ~~«يامنة» قد قسمت منازلها الأربعة على ابنتيها؛ نبيهة أمي، وخالتي أم ~~عبد الله، وكانت خالتي تشتري بنصيبها أساور ذهبية ترتديها طوال الوقت؛ ~~ولذلك طمع فيها الأزواج وهم يعلمون أنها عقيم ويتزوجونها طمعا في ~~مصاغها. # أما والدتي فكانت تأتي بنصيبها إلى القاهرة، تعين به والدي على ~~الصرف، واحتياجات الأسرة. # وكان هناك رجل طويل القامة، أحول العين، يضع طربوشا مائلا على ~~رأسه كما يفعل الأفندية الكبار، كان زميلا لشقيقتي الكبرى في دشنا ~~بمحافظة قنا، أتى إلى القاهرة في الصيف؛ ليتعرف على أسرتنا قبل أن يطلب ~~يدها للزواج، وكان كريما يحضر لنا الهدايا، خاصة الحلوى للصغار، ~~واعترضت والدتي على هذا الزواج الذي يجعل ابنتها البكر تعيش بعيدا ~~عنها في أقصى الصعيد؛ فرفضت. # وكان لي أخ صغير توفي بعد ولادته، وليست لنا مقابر ms203 في القاهرة؛ ~~فأخذته جارتنا، ودفنته في مقابر أسرتها، وبكت عليه بكاء مصطنعا. وكان ~~زميل شقيقتي الكبرى حاضرا في مراسم الدفن، ويبدو هو الآخر متأثرا بما ~~حدث، وكان اسم الطفل «علي». # كانت هذه الجارة تسكن في الطابق الأرضي، في غرفة تقع على مدخل الباب ~~الأيمن، مع أسرتها وبلا رجال، كانت الغرفة أقرب إلى الظلام منها إلى ~~النور، يبدو أنها كانت غرفة لسكن البواب، ولكن لم يكن هناك بواب. ولما ~~تعددت أفراد الأسرة أخذوا مكان تحت بير السلم وجعلوه غرفة ثانية. وكان ~~به دورة مياه، كنت أخاف ممن يسكن تحت بير السلم، فقد كانت الأساطير ~~تقول يومئذ إن العفاريت يخرجون منه للقبض على من يصعد. فعجبت كيف يعيش ~~هؤلاء وينامون في هذا المكان المسكون بالعفاريت! # ولما علمت والدتي أن جارتنا الأخرى قد حركت بلاطة من أرض الغرفة أو ~~بلاطتين كي تصطاد صفائح السمن من المخزن أسفل شقتها، وبعد أن عرف صاحب ~~تجارة الجملة وأحضر الشرطة للتحقيق، فوجدوا أن البلاط قد خلع من الشقة ~~التي فوقها، ولما علمت والدتي بهذه الواقعة استخدمتها في مشاجراتها مع ~~صاحبة الشقة، كما هي العادة في الأحياء الشعبية عندما يتشاجر النساء ~~لأتفه الأسباب لكي تبين كل واحدة مهارتها في السباب كما يبين الرجال ~~مهاراتهم في الضرب بالعصا. # وفي صبيحة يوم خرج والدي إلى الشارع كي يشتري شيئا ما، وفي الوقت ~~نفسه الذي خرج فيه زوج الجارة سارقة صفائح السمن من المخزن، خافت ~~والدتي أن يصطدم الرجلان، وقفت تنتظر وتنظر من الشباك عودة والدي، ~~وبالفعل كان والدي ضخم الجثة لكنه طيب القلب، لا يعرف متى يتشاجر؟ ومتى ~~يبتعد عن المشاجرة؟ ولما رأى والدي زوج المرأة السارقة يتقدم إليه ~~ليعاتبه على هذه المشاجرة وكان الزوج قويا يعمل بمعسكر الإنجليز قال ~~لوالدي: «أنت مجرد عنزة» فاضطرب ولم يكن ينتظر مثل هذا القول. وعاد ~~إلى المنزل، وفرحت والدتي بعودته سالما تماما؛ إذ إنه شعر بالإهانة ~~وهو الشاويش بالجيش، له زملاء وطلبة كثيرون علمهم العزف على ~~«الترمبون» ومنهم «علي إسماعيل». فشعرت أنا أيضا ms204 بالإهانة لأنني كنت ~~أحترم والدي، وأكره الجارة السارقة بالرغم من جمالها وبياض ~~بشرتها. # وفي مرة من المرات في حوش المنزل رأيت عدة دجاجات تلتقط حبات الذرة ~~الكثيرة والمفروشة على الأرض؛ فرشت جلبابي وأخذت ما تبقى من حبات الذرة ~~كي نطبخها ونأكلها. رأتني صاحبة الدجاجات التي تسكن بالغرفة الأرضية ~~وقالت لي: «عيب يا ابن الباش شاويش» فألقيت بحبات الذرة التي كانت في ~~جلبابي، وصعدت إلى أعلى حيث نسكن في الطابق الأول وأنا أشعر بالحزن لما ~~فعلت. فهل أنافس الدجاجات في حبات ذرتها وأنا أكثر منها قدرة على جلب ~~الطعام لنفسي؟ # وكان والدي لا يترك شقيقاتي الصغيرات يذهبن إلى دور السينما بمفردهن، ~~فيطلب مني أن أصاحبهن؛ فتفرح البنات، ويلبسن أجمل ما عندهن، ويتزين ~~ويفرحن لرؤية الشارع والخروج. كنا بمجرد خروجنا من باب المنزل يرفعن ~~التنورات ويربطنها بالحزام حتى يقصرن من طولها، ويرقصن على السلم طربا ~~وفرحا يهتفن «هانروح السينما.» وفي سينما مصر بشارع العباسية كان ~~الزحام أمام شباك الرجال أكثر من شباك النساء اللاتي كن يدخلن من باب ~~السينما، ويقطعن التذاكر بعد الدخول حرصا عليهن من زحمة الرجال. ولما ~~نقرت على الباب وفتح لي المسئول ورأى رجلا وأنا مجرد صبي. قلت له «معي ~~نساء» وأشرت إلى شقيقاتي، فأدخلنا من باب النساء، واشترينا بطاقات ~~الدخول للسينما، وسعدنا بالفيلم، وكان عرضا صباحيا. # وأثناء العودة يفك شقيقاتي الأحزمة فتطول التنورات من جديد، وندخل ~~المنزل وكأن لم يحدث شيء قبل دخولنا، وينشرح وجه والدي؛ لأننا عدنا ~~بسلام. # وكان ابن الفران غير موفق في دراسته ويرسب باستمرار على العكس ~~منا، وذات مرة ضربه والده فأحس بالإهانة، وسكب الجاز على نفسه وأشعل ~~النار؛ فأسرعت الأسرة بإطفاء النيران، ولكنها كانت قد تمكنت منه فاحترق ~~ساعداه ووجهه، أخذوه إلى صيدلية الحارة، عالجوه بالزيت، ونصحوه بألا ~~يعرض نفسه للمياه، وهم يربطون ساعديه، ويضعون القطن والشاش على ~~وجهه، أقسم الابن ألا يعود للمنزل من جديد، وكانت له عمات أو خالات ~~يسكن في شارع البنهاوي على مدخل الحارة، فقمنا بزيارته هناك، أكد لنا ms205 ~~على عدم عودته بسبب الإهانة التي تلقاها من والده، أجبناه أن الثمن ~~الذي دفعه كان غاليا. # كانت له شقيقة جميلة سمراء ذات صدر بارز، تبدو عليها الجدية، كنت ~~أود أن أقبلها ولكني لم أستطع ولم أعرف كيف. # كان لي صديق عزيز، لا يعرف شيئا في العلم، وكان يأتيني؛ لكي أشرح له ~~الدروس التي نأخذها في الجامعة، فكنت أفعل ذلك، وشعرت أمه بالجميل ~~فكانت ترده إلينا بإرسال بعض المأكولات، كانت امرأة سمينة على عكس ~~زوجها، وكان الصديق سمينا مثل أمه، ولما رأت الأم أن والدتي حزينة في ~~إحدى زياراتها لنا لأنني نويت السفر إلى فرنسا ولا تدري كيف سأعيش ~~هناك؛ أرادت أم صديقي أن تخفف عن أمي، وأخذت حقيبة السفر التي أعددتها ~~وخرجت بها من المنزل، وذهبت بها إلى منزلها في محاولة منها لمنعي من ~~السفر، ذهبت إليها شارحا لها ضرورة الذهاب إلى فرنسا؛ لأنه لا مستقبل ~~لي هنا في مصر؛ فلست معيدا في الجامعة بعد اضطهاد الأساتذة لي، ولا ~~أرغب أن أكون مدرس ثانوي لتدريس الفلسفة للطلبة في المدارس، بعد أن ~~وصلني بالفعل خطاب تعيين بإحدى مدارس بنها الثانوية. # وشرحت لها أنني أريد مواصلة تعليمي هناك، والحصول على أعلى الشهادات، ~~وأنني أريد أن أجرب حظي، وأنه لا خوف من عدم وجود المال اللازم؛ فأنا ~~قادر على اكتسابه هناك عن طريق تدريس اللغات العربية والإنجليزية ~~والفرنسية لإجادتي إياها. خجلت أم صديقي من نفسها، وأعجبت بطموحي؛ ~~لأنها ترى أن ابنها غير موفق في دراسته وأنه لولا مساعدتي له في ~~المذاكرة لما استطاع أن يتخرج من الجامعة. # ولما انتقلت شقيقتي الكبرى الابنة البكر لأمي من دشنا في محافظة قنا ~~بعد خطبتها من أحد أقاربنا، انتقلت إلى مدرسة شبرا بجوار سكنها ~~الجديد. وكانت والدتي تنتظر أن تساعد الأسرة بجزء من مرتبها؛ لأن مرتب ~~والدي كان لا يكفي، ولكن شقيقتي الكبرى لم تفعل، فذهبت والدتي إلى باب ~~المدرسة، وانتظرتها حين الخروج، وكما تقول الرواية دفعتها من صدرها ~~وقالت لها شيئا يبين عدم وفاء الشقيقة/الابنة لأسرتها ms206 الأولى، ~~والتضحية لصالح أسرتها الثانية. # فعادت الشقيقة الكبرى إلى منزلها وقصت ما حدث على حماتها التي كانت ~~تسكن معها في منزلها الجديد، قالت الحماة: «إذا كنا نريد جنيها أو ~~اثنين من مرتبك فيكون ذلك بالتراضي.» فازداد حزن أمي من هذه الكلمة ~~واعتبرتها إهانة لها؛ فالأم ليست شحاذة، بل تريد أن تشارك الابنة ~~الكبرى في تربية إخوتها الأصغر وخاصة أن مرتب والدي يكاد أن يكون أقل ~~من مرتب الشقيقة الكبرى. # فأرسلوني إليها وقابلتني بالبكاء قائلة: «تلوموني بدلا من أن ~~تهنئوني بالانتقال من دشنا إلى القاهرة!» ولم أعرف من منا على حق، ~~ولكني أدركت أن الإخلاص للأسرة الجديدة أقوى من الوفاء للأسرة القديمة، ~~فلم أعرف ماذا أفعل! وإلى أي جانب أنضم! ولكن الواقع فرض نفسه، فقد كان ~~مرتب زوج شقيقتي الكبرى لا يكفي بمفرده لإعالة أسرته الكبيرة؛ أسرة بها ~~والدته وزوجته وأطفاله القادمون. # وأدركت أن الأسرة القديمة، أسرتي التي أعيش بينها تستطيع حل مشكلتها ~~بالذهاب إلى بني سويف، وطلب العون من جدتي أو خالتي، فانتهى الأمر على ~~خير، وعاد الوفاق بين الأسرة الجديدة والأسرة القديمة. # كنا نذهب إلى بني سويف في الصيف ونحن صغار، وكان وقت الحرب العالمية ~~الثانية، خوفا من الغارات الجوية التي كان يقوم بها الألمان ضد ~~معسكرات الإنجليز في مصر، مع أن الفكرة الشائعة كانت أن الألمان يحبون ~~المصريين، ولا يقوم بالغارات الجوية إلا الإنجليز المستعمرون. وكانت ~~الكشافات الضوئية تبرق في ظلمة السماء، تبحث عن الطائرات الألمانية، ~~وصحيح أن المجتمع المدني المصري لم يصب بأي سوء وقتها. وسمعت أن ~~المصريين كانوا يهتفون أثناء معركة العلمين في غرب مصر «إلى الأمام يا ~~روميل». وكان عزيز المصري وصحبه في مثل هذا الموقف المتعاطف مع الألمان ~~ضد الإنجليز، وهو قائد عسكري في الجيش المصري. # ونحن في بني سويف كنا نلعب مع أطفال الشارع؛ شارع أبو عزيزة بمياه ~~صنبور مطفأة الحريق الموجود وسط الشارع، كما كنا نلعب بأقفال شبابيك ~~مدرسة زعزوع، حيث كنا نتخيل أنها رجال صغار وهي في مكانها، دون أن ~~نخلعها، ms207 فكنا نحركها من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل، وكأنها ~~لعبة للأطفال. # وكنت أسير في شارع الجبالي إلى آخره كي أجلس مع جدي في دكان الدقيق ~~الذي كان يتاجر فيه. وبعد أن توفي، رفض والدي تقسيم هذا الدكان لمن ~~يستحقون الإرث، وأعطاه بكامله إلى زوجة جدي الجديدة؛ لأنها كانت ساعده ~~الأيمن في العمل، وكان لي عمات في الجهة المقابلة للشارع، لم نكن نذهب ~~إليهن كثيرا بسبب عدم وجود أطفال. وفي منزل جدتي أي «ستي» وخالتي كنت ~~أصعد على الفرن المبني من الطين لأجلب لها فروع قصب السكر الخضراء لكي ~~تشعل بها الفرن بالإضافة إلى «قوالح الذرة». وكانت خالتي التي تخبز ~~الخبز (الأرغفة) وتسويها. وأنا أنظر إلى الفرن والنار المشتعلة داخله ~~وأتذكر ما يقوله الشيخ عن النار الحارقة يوم القيامة. # كانت جدتي بين الحين والآخر تعطيني سرا قرشا أو قرشين؛ لأشتري ما ~~أريد وكذلك كانت تعطي لأخي، وكانت خالتي غير متزوجة بعد، وكانت عرجاء ~~بسبب وقوعها من على السطح، ولم يحسن علاجها، فكان لها ساق طويلة ~~والأخرى قصيرة، وكانت الخالة بأموالها من جدتي تشتري المصوغات والأساور ~~الذهبية تلتف حول ذراعيها، وليس لها عائلة تنفق عليها، كان الرجال ~~يطمحون للزواج منها ليس لشخصها ولكن لذهبها، ومرة تزوجها رجل، رأيتها ~~بعد الزواج وهو لا يأتي المنزل ولا ينام عندها، فكانت تحزن، وكانت تغلف ~~السرير بقماش أبيض مثل الشاش، تضع عليه كرات زجاجية ملونة بالأحمر ~~والأخضر والأزرق تضعه حول القماش الأبيض. فكان مشهدا مبهجا لي ، وحسدت ~~زوجها لتمتعه بهذا السرير الأبيض ذي الكرات الملونة والذي لا يراه أحد ~~غيرهم. وأحيانا يأتي لزيارتها، وتنفرج أساريرها. فينظر لأساورها، يطلب ~~أن تعطيه إحداها لحاجته إليها تساعده في عمله، وكانت حائرة بين طاعة ~~الزوج وبين تسليمه مصاغها. # نبهتها جدتي إلى ذلك، كما نبهتها أمي، ولكن يبدو أن خالتي كانت ~~امرأة ضعيفة أمام الرجل، فضلت أن يبقى بجوارها ويأخذ مصاغها على أن ~~تعيش وحيدة والمصاغ في ذراعيها. # أخذت أفكر في ذلك، وفي المثل الشعبي عندنا «الرجال ولا ms208 ~~المال». # وكان أمامنا منزل به حاج وعلى واجهة المنزل وحوائطه طبعت كفوف ~~بأصابعها الخمس الواضحة، طبعت بدم الذبيحة والتي كانت تذبح احتفالا ~~بعودته من الحج، كانوا يغمرون يدهم بالدم ويطبعون بكفوفهم على الجدار، ~~ويكتبون «حج مبرور وذنب مغفور» بجوار الكف ذي الأصابع الحمراء، وكان ~~الاعتقاد الشعبي أن هذه الكفوف الحمراء تقي من الحسد وتبعد شروره، وكان ~~هذا الحاج من طبقة اجتماعية أعلى منا، فكنا نلجأ إليه إذا ما ساءت ~~العلاقة بيننا وبين رجال الحي؛ فمثلا كان بيت جدتي نصفه مع نظام ~~الشارع، والنصف الآخر بارزا يحتل نصفه، فكان عقبة أمام مرور عربات ~~الكارو أمام الشارع الذي أصبح أضيق من تلك المنطقة البارزة والتي كانت ~~أشبه بعنق الزجاجة، يصطدم به من يمر به، ذهبنا إلى الحاج نطلب منه ~~التدخل لدى رجال الحي بعدم هدم هذا المنزل، لكنه لم يستطع فعل شيء. ~~وهدم نصف المنزل البارز في الشارع. # وبعد نزوح والدي إلى القاهرة بسبب الجهادية أي التجنيد العسكري، سكن ~~أولا في حي السيدة زينب، وبعد ذلك انتقل إلى حي باب الشعرية دون أن ~~أعلم السبب، وسكنا في شارع البنهاوي المتفرع من شارع الجيش ~~بالعباسية. وهو الشارع الذي ينتهي بميدان باب الفتوح من ناحية سور صلاح ~~الدين، وقبل آخره بقليل كانت هناك حارة درب الشرفا التي تخرج فيها عطفة ~~العيساوي. وأول منزل على اليسار فيها رقمه «4» وهو المنزل الذي ولدت ~~فيه وفي الطابق الأول منه، وكان على يساره مخازن السحار تاجر الجملة ~~للمواد الغذائية. # وكان سطحنا هو نفسه سطح المخازن، وكنا نلعب فيه بلعبة مشهورة ~~«العوامة»، التي كنا نصنعها بأيدينا بعد أن نشتري عجل الرولمان بلي ~~الصغير؛ اثنان على القاعدة يمينا ويسارا، وواحدا في المقدمة، تحت ~~المفصلة التي تربط العمود بالقاعدة فتتحرك العوامة بفضله يمينا ~~ويسارا. وكنت آخذ الخشب من «الجملون» الذي يدخل الضوء على مخازن ~~السحار، وكانت عليه ثلاثة قوائم خشبية، وكنت أنزع القائمة الوسطى، وكان ~~لونها أسود فكنت أحك الطلاء بالسكين حتى يظهر الخشب بلونه الطبيعي، ~~وكنا نلعب «بالعوامة» في الصباح ms209 الباكر قبل الفجر والشوارع ما زالت ~~فارغة، ولكن المقاهي كانت مفتوحة، ويجلس عليها المدخنون للشيشة. وفي ~~صباح باكر كنت ألعب ب «العوامة» في الشارع، وأمام جامع البنهاوي على ~~اليمين ودرب البزازرة على اليسار، قام شيخ من على مقعده رفع العوامة ~~وهوى بها على الأرض لتنزل محطمة وهو يقول «بلاش دوشة على الصبح»؛ ~~فحزنت، وكرهت هذا الشيخ الذي لم يقدر لعب الأطفال، لملمت عوامتي ~~المكسورة إلى البيت ثم إلى السطح حتى أستطيع إصلاحها وألملم خشبها ~~المتكسر. # وكنا نلعب أيضا بالكرة الشراب في الحارة مع باقي الأطفال، وكان ~~غيرنا يلعبون «السيكا» بعدما يخططون على الأرض مربعات بالطباشير. ~~ويضعون حجرا ويقفزون عليه، ويدفعونه إلى المربع التالي، وكانت البنات ~~تشارك في هذه اللعبة. # وكان يأتينا «جمال إسماعيل» قريبنا والطالب بمدرسة الخديوي إسماعيل ~~في حي باب الخلق. وكان يلعب معنا فوق السطح، يركب فوق ظهري؛ إذ تستطيع ~~«العوامة» أن تحمل شخصين. # وكنا نذهب إلى المركز الثقافي الأمريكي بميدان قصر الدوبارة الذي يقع ~~في أول منطقة جاردن سيتي، كنا نأخذ المجلات التي تبدو كدعاية لأمريكا ~~في مجالات العمارة، والصناعة، والتجارة. وكانت المجلات ذات ورق فخم ~~وملون ولامع، وكان الهدف منها دعاية لأمريكا عند الشباب، أما نحن فكنا ~~نأخذ هذه المجلات والتي توزع مجانا؛ لنعطيها لبائع الكبدة والكرشة ~~يستخدمها في لف المأكولات التي يبيعها، وكان يفضلها على ورق الجرائد ~~التي ينشع منها الزيت، يزنها ليقدر ثمنها، ويعطينا ما نريد من مأكولات ~~مقابل ثمن ورق المجلات، نأكل قبل الصعود إلى المنزل ؛ لأن الوالدة ترفض ~~أن نأكل خارج المنزل وخاصة هؤلاء الباعة الذين كانت تظن أنهم يخلطون ~~أحشاء القطط والكلاب بمأكولاتهم، وكنا لا نهتم ولا نسأل عن ~~المصدر. # ولم نكن جوعى، وكانت ماهية الوالد تكفي لإطعام الأسرة الكبيرة على ~~الرغم من قلتها، كنا نشتري الدقيق من السحار؛ أي البقال على ناصية ~~الحارة «شكك»؛ أي نأخذ الدقيق وندفع آجلا، ويكتب السحار في كراسة عدد ~~المرات وحساب كل مرة، ثم يعطيه الوالد حسابه في أول كل شهر. ثم لاحظت ~~الوالدة يوما ms210 زيادة مرة لم تأخذها، فقد كانت نسبة المرات هي مرة كل ~~أسبوع أي أربع مرات كل شهر، ورأينا هذا الشهر أن الكراسة بها ست مرات، ~~فذهب والدي إلى السحار ليحيطه علما بالأمر، فاقتنع الرجل وقال: «علشان ~~خاطرك يا عم حنفي.» # وكانت الوالدة تقوم بالعجين في الصباح الباكر في الماجور، تأخذ ~~العجين وترفعه وتخفضه عدة مرات حتى يصبح كالمطاط بعد أن تضع فيه ~~الخميرة، وتترك العجين داخل الماجور حتى يصعد وينتفخ ويصير كالقبة. ~~فتعرف حينها أن العجين قد اختمر؛ فتطلب «الطوالي» من الفرن أي الطاولات ~~الخشبية، فترش الوالدة بعض الدقيق على سطحها، ثم تقرص العجين إلى ~~قطع متساوية، وتضغطه لكي تكون القطع رقيقة، ثم تضعه على سطح الطوالي، ~~وترص عليها الأرغفة بنظام، ويأتي صبي فران ليحملها على رأسه إلى ~~الفرن لخبزها. حيث يدخله الفرن ويخرجه، حيث يرصه على أقفاص من الجريد ~~لتوصيله إلينا، حيث نتناوله، وكان من حق صاحب الفرن أن يأخذ رغيفا من ~~كل خبزة وهذا غير الأجرة. وكنت أقوم بعد الأرغفة التي يحصل عليها ~~الفران كل يوم آخر النهار، فكنت أجد أنه يتناول الخبز هو وأسرته ~~مجانا. # وكانت والدتي تقوم بعمل قراقيش وتضعها في «صاجات» حيث يأخذها صبي ~~الفران أيضا، وبعد خروجه من الفرن يأخذ صاحب الفرن من كل صاج قرقوشة ~~بالإضافة إلى أجره، ومرة أخطأت الوالدة في عدد القراقيش في كل صاج، ~~وظنت أن صاحب الفرن أخذ أكثر مما يستحق؛ فأرسلتني إليه لكي أبلغه، ففتح ~~درج المكتب الذي يجلس عليه، ورأيت فيه عددا قليلا من القراقيش بدلا ~~من النقود تساوي ثمنه، ودفع به على الأرض، كي يقول لصبيه عدوا معه؛ ~~فأحرجت، وأحرجت والدتي، خاصة أن صاحب الفرن كان جارا لنا، يسكن في ~~الطابق الأعلى، وكان ابنه صديقا لي، وبناته صديقات لأخواتي. # كنا نلبس الطربوش كالعادة في هذا الزمان، فنحن أفندية «صغار»، وعندما ~~لا نجد كرة نلعب بها، كنا نلعب بالطربوش، نقذفه بأرجلنا ككرة قدم ~~فيهترئ، وينكسر الخوص الذي بداخله، ونعود إلى المنزل خائفين، وكان ~~الوالدان لا يستطيعان أن ms211 يشتريا طربوشا جديدا. فكانوا يأخذون القديم ~~إلى دكان «مكوى» الطرابيش ليصححه قدر الإمكان، وينذرني الوالدان بأن ~~هذه آخر مرة يقومون بكي الطربوش الذي كان يكلفهم أموالا. فكنت أمتنع ~~عن اللعب به حتى لا أدخل المدرسة بغير طربوش كما هددوني بذلك. # ولما كثرت علينا المصاريف خاصة ونحن في المدرسة أو في الجامعة كانت ~~والدتي تذهب إلى بني سويف حيث تغمزها جدتي ببعض المال. وتحزن خالتي لأن ~~جدتي تفضل أمي عليها وتعطيها أكثر منها. كانت جدتي تقول لها: «أختك ~~صاحبة عيال ولكن أنت لا تحتاجين.» وعلى مدى أربع سنوات، خاصة ونحن في ~~الجامعة، كانت والدتي تذهب كل عام إلى بني سويف، كي تبيع منزلا من ~~منازلها بمبلغ أربعمائة جنيه. وتأتي بالأموال كي نشتري البدلة والحذاء ~~والحقيبة المدرسية الجديدة. كما كنا نطلي منزلنا من الداخل بالجير، ~~ونشتري ما نحتاج إليه والذي لم نكن نستطيع الحصول عليه بمرتب الوالد ~~القليل. # وبعد أن باعت والدتي منازلها كلها، طلبت جدتي من «خالتي أم عبد الله» ~~أن تبيع منازلها وتعطي ثمنها لوالدتي لأنها أكثر احتياجا، وبالرغم من ~~أن اسم خالتي «أم عبد الله» كانت عادة في الريف قديما، يطلقون اللقب ~~على السيدة التي لم تتزوج ولم تنجب حتى لا تحزن وتشعر بالدونية تجاه ~~الأم الولود. # وكانت خالتي تبيع منزلا كل عام وتعطي ثمنه لوالدتي، ولما توفيت جدتي ~~وباعت خالتي منازلها إلا منزل جدتي عاشت فيه أولا بمفردها والمصاغ في ~~يدها، خشينا عليها من الاعتداء والسرقة، وطلبنا منها أن تعيش معنا في ~~القاهرة، مع أختها - والدتي - وفي حماية زوج أختها، ووسطنا. فرفضت في ~~البداية ولكنها بعد ذلك وافقت، وأتت إلى القاهرة، وعاشت معنا في نفس ~~المنزل في غرفة خاصة نخدمها، ونعتني بها ونسليها، فإذا غضبت منا ~~يوما قالت: «ياللي بيعتوني بيوتي». وكان والدي يمزح معها، ويخطف ~~طبق طعامها، وكانت هي تبصق في الطبق حتى لا يستطيع أحد أن يأكل منه ~~بعدها. # ولما توفيت دفنت في مقبرة العائلة التي كان اشتراها والدي في منطقة ~~البساتين وكانت خالتي أول من ms212 دخلها. # وكانت خالتي دائما ما تتهم بأنها تفضلني على أخي، وأنها ~~تعطيني، سرا، بعض المال ولا تعطيه هو. ولما عاتبها والدي ووالدتي ~~قالت: «أتيت للقاهرة لأكون بجوار أختي التي أوشكت على الولادة، ولما ~~تأخرت عدت إلى بني سويف وبمجرد أن دخلت إلى المنزل وجدت خبرا؛ تعالي ~~بسرعة أختك بتولد؛ فركبت القطار من جديد وعدت إلى القاهرة.» وكانت ~~بجوار أمي وهي تلدني، لذلك سموني «حسن». فكانت خالتي تشعر دائما بأنني ~~ولدها وأن لا ولد لها غيري. # فكانت والدتي حين تشعر بضيق ذات اليد وليس هناك إمكانية الذهاب إلى ~~بني سويف، وكان لها خال والدتها، تاجر جلود في «الصنادقية» وهو شارع ~~متفرع من آخر شارع المعز لدين الله الفاطمي، بالقرب من جامع ابن طولون؛ ~~كانت ترسلني إليه لنقترض منه بعض الجنيهات لا أظنها كانت تزيد عن ~~الاثنين أو الثلاثة جنيهات، فكنت أذهب إليه في محله وهو جالس ينتظر ~~الزبائن من تجار الأحذية والصناعات الجلدية الأخرى. وكانت شخصيته جادة ~~أقرب إلى العبوس منه إلى الابتسام، وكنت أسأله ما كلفتني به الوالدة، ~~فكان يدخل يده في جيبه ويعطيني ما أطلب، ولما تكرر الاقتراض منه مع ~~أننا كنا نرجع ما اقترضناه في ظرف شهر على الأكثر عندما يستلم والدي ~~مرتبه؛ كان يعطيني ويقول لي أو في نفسه «دي فلوس ناس» أي رأس المال ~~الذي يتاجر به حيث يبيع الجلود وبثمنها يشتري أخرى جديدة، والفرق بين ~~البيع والشراء كان ضئيلا يكفيه بالكاد هو وأسرته، وكانت له بنتان ~~جميلتان على «وش جواز». # وكانت والدتي لا تقترض أبدا من الجيران؛ حفاظا على كرامتها ~~وكرامتنا. مع أنهم كانوا ميسوري الحال. ومع ذلك كان لدينا مصروف يومي ~~وهو أجرة الأتوبيس للجامعة ذهابا وإيابا، وكان المبنى الثاني للكلية ~~الذي به قسم التاريخ الآن وقسم اللغة الإنجليزية، كان بوفيه للطلاب، ~~والذي كان ثمن الوجبات زهيدا فيه، الوجبة بسبعة قروش ونصف، وتسمى ~~«وجبة العميد». والمشروب كان بقرش واحد، وبعد تحول هذا المبنى إلى ~~قاعات للدرس لقسمي اللغة الإنجليزية والتاريخ، تحول البوفيه إلى عربات ms213 ~~للمأكولات والمشروبات حول مباني الكلية وطرقاتها. # ولما كانت الوالدة تذهب إلى بني سويف كي تزور جدتي وخالتي، وكانت ~~شقيقاتي يدرسن بمدارس المعلمات، وكان والدي يعمل في الجيش، كان أخي ~~الكبير يقوم بدوره في رعايتنا وأثناء سفر أمي. # وفى يوم من الأيام ملأ أخي صفيحة الماء إلى آخرها، وقام بوضعها على ~~وابور الجاز لاستعمالها في الغسيل، ولما بدأت المياه بالصفيحة في ~~الغليان، رفعها من على النار، فانبعجت الصفيحة لرقة حوافها وسخونة ~~المياه؛ فانسكب الماء المغلي على ساعده، أسرعنا به إلى الصيدلية، ~~فأعطوه علاجا بالزيت، وربطوها له، وأدركت مسئولية الأخ الكبير أو ~~الأخت الكبيرة، وهي مسئولية صعبة وشاقة تصل لدرجة التضحية بالنفس في ~~سبيل رعاية الأشقاء. # وفى يوم طلب مني أستاذي أحمد فؤاد الأهواني أن أقابل عبد الفتاح ~~الديدي لمساعدتي في السفر، والذي عاد من فرنسا بعد عشر سنوات دون أن ~~يحصل على شهادة الدكتوراه، وهو يعمل الآن مديرا لتحرير مجلة «المجلة» ~~التي كان يرأسها الأديب الكبير يحيى حقي. وكان مقرها ملاصقا لسور قصر ~~عابدين من ناحية باب اللوق، فكتب لي خطابا أقدم به نفسي إلى مديرة ~~المكتب الطلابي في السفارة المصرية في باريس «مدام راتمباك». ولما وصلت ~~باريس قدمت الخطاب لها وفتحته وعرفت المطلوب وهو مساعدتي، طأطأت رأسها ~~إلى الأرض، وفهمت أنها لن تستطيع مساعدتي؛ فقد قطعت العلاقات بين مصر ~~وفرنسا وبداية الاستعداد للعدوان على مصر أكتوبر 1956م، أي بعد وصولي ~~إلى باريس بأقل من شهرين. # وحين غادرت إلى فرنسا عام 1956م وهو عام التخرج بدأ الفقر يظهر بشدة، ~~من أين لي بتذكرة الباخرة إلى فرنسا لاستكمال الدراسة؟ وكيف سأعيش هناك ~~بدون منحة دراسية لا من مصر ولا من فرنسا؟ ومع ذلك أخذت الباخرة وكان ~~ثمن البطاقة عشرة جنيهات فوق السطح ودون غرفة نوم، وكانت لي توصية أن ~~أنام في غرفة الطعام بعد فرش ملاءة على إحدى أرائكها. وأخذت معي حقيبة ~~بها عدد من الأرغفة الجافة وعلبة جبن أصفر كانت توزع مجانا من ~~المعونة الأمريكية. وكانت الرحلة من ميناء الإسكندرية إلى ms214 مارسيليا ~~تستغرق ستة أيام. وكانت الباخرة تتوقف ليلة واحدة في ميناء بيريه ~~بجوار أثينا، وكان السؤال: وما العمل في كيفية الذهاب من مارسيليا إلى ~~باريس؟ # وعلى ظهر الباخرة تعرفت يوما على سيدة فرنسية، ولما رأت طيبة ~~الوجه بادية على ملامحي، وسلامة القلب، وإخبارها بمشكلتي؛ تعاطفت معي ~~وأقرضتني مائة فرنك لأشتري تذكرة القطار من مارسيليا إلى باريس على أن ~~أردها إليها بعد الوصول، وأعطتني عنوانها في باريس، ولما وصلت إلى ~~باريس وجدت رجلا طويل القامة حسن الهندام واقفا على المحطة وقال لي: ~~«أتريد غرفة يا أستاذ؟» قلت له: نعم. فقال أنا عندي غرفة بشقتي، وصحبني ~~إليها. كانت غرفة صغيرة بها مكتب وسرير وكنت لا أطلب أكثر من ذلك، ~~وقال لي إيجارها في الليلة عشرة فرنكات، فوافقت. وظللت بملابسي أستخرج ~~الأوراق التي سأكتب فيها خطة البحث الذي سأقدمه للأساتذة للموافقة عليه ~~لنيل درجة الدكتوراه ووجدت الباب ينفتح ويأتي الرجل وبيده طبقا من ~~شوربة الخضار الساخنة يقدمها لي؛ فشكرته وكانت خير جزاء لي بعد مغادرتي ~~الباخرة والقطار. إلا أنني لم أقض فيها غير ليلة واحدة؛ لأنني لا ~~أملك المال فذهبت في الصباح التالي إلى السفارة المصرية، ذهبت إلى ~~السفارة المصرية لأسكن مع البواب الذي أخبرني بأن هذا لا يجوز؛ لأن ~~السفارة مبنى دبلوماسي؛ لا يجوز لأحد أن يسكن فيه إلا موظفوه، وطلب أن ~~أذهب لمنزل السفير المجاور حيث ذهبت إليه ولكني وجدته مغلقا بالكامل ~~لا أحد فيه. حيث كان ذلك بسبب تأميم قناة السويس في يوليو 1956م وسحب ~~السفير المصري وقطع العلاقات مع فرنسا، فذهبت إلى مسجد باريس لكي أقضي ~~به ليلتي طبقا للعادات القديمة، ولكن إمام المسجد اعترض وأخبرني بأن ~~هذا لا يجوز؛ لأن المسجد له تصريح خاص بأسماء موظفيه. وسلمني الإمام ~~لأحد الجزائريين لكي يعتني بي. أخذني الجزائري وكان وجهه مملوءا بحب ~~الشباب، وصحبني إلى الفندق الذي يقيم فيه في الحي السادس عشر شمال ~~باريس كي أنام معه في غرفته؛ فذهبت وكانت الغرفة بها ستة جزائريين ~~آخرين ينامون متعامدين، ثلاثة يمينا ms215 وثلاثة يسارا. وكان في وسط ~~الغرفة مدفأة من الفحم. قضيت فيها ما يقرب من شهر، وكان صاحب المقهى ~~تحت غرفتي في الفندق ينظر إلي صباحا ومساء حين أغادر وأعود دون أن ~~يستنفع مني بشيء. فشربت فنجان قهوة في الصباح التالي وأنا لا أملك ثمنه ~~إلا بصعوبة؛ وأذهب إلى منزل الخدمات الطلابية في الجامعة والذي لديه ~~كشف بأسماء الغرف الخالية، وهي على أنواع: غرفة مجانية في مقابل إعطاء ~~دروس لابن صاحب الشقة ومساعدته في المذاكرة، وكانت الغرفة فوق السطح ~~مخصصة للشغالات، وغرفة أخرى إيجارها قليل لكرم صاحب الشقة أو لضيقها أو ~~لبعدها من الجامعة. وكنا كطلبة نذهب منذ الصباح الباكر حتى نكون أول ~~الواقفين في الطابور لنحظى بما نريد من الغرف، وبطبيعة الحال كنت أبحث ~~عن الغرفة المجانية؛ فأخذت مرة عنوان غرفة وذهبت لمقابلة صاحب الشقة ~~الذي يملكها، فلما رأى هيئتي وأنني أجنبي اعتذر، وقال لي صراحة: «شكلك ~~سيضايق ابني.» # وفى مرة أخرى ذهبت لمكان آخر أبحث عن غرفة في مقابل إعطاء دروس ~~لطفلهم الصغير، ولما رآني صاحب الشقة اعتذر أيضا دون إبداء السبب؛ ~~فقررت أن أختار غرفة بأجر زهيد وهو النوع الثاني من الغرف التي يؤجرها ~~أصحابها، وكانت قريبة من الجامعة، فقبل صاحبها أن يؤجرها لي، وكانت ~~غرفة في السطح، فسررت. وبعد عدة أيام ذهبت للغرفة كعادتي فوجدتها مغلقة ~~ومفتاحها لا يفتح وورقة على الباب تقول: «أغراضك التي في الغرفة ~~أخذناها، وحجزنا لك غرفة في فندق قريب.» فذهبت لصاحب الشقة وسألته: ~~«لماذا فعل ذلك؟ فقال: بأن أخاه كان موظفا في شركة قناة السويس وبعد ~~تأميمها أخرجوه بحقيبة ملابسه من مصر وعاد إلى فرنسا.» وسألني: «هل ~~تقبل أن أقبل بمصري يسكن في غرفة سطحي وأخي مطرود من مصر؟» # وبينما أنا في الطريق للذهاب من السفارة المصرية إلى مسجد باريس، ~~قابلني شرطي أمن وطلب مني أوراقي الثبوتية إذ كان يبدو علي الإرهاق ~~والتعب والبهدلة، فلما أعطيته جواز سفري وثبتت له صحة ما فيه وتحقق من ~~شخصيتي قال لي مقارنا وجهى بالصورة التي ms216 في جواز السفر: «وجهك نحيف، ~~ألا تأكل؟» فأجبت: «عن قريب.» قال ذلك لأني نحفت كثيرا خلال تلك ~~الفترة القصيرة. # وذهبت إلى الجامعة في اليوم التالي إلى مكتب الخدمات الطلابية؛ كي ~~أجد غرفة زهيدة الثمن حتى لو كانت بعيدة عن الجامعة؛ فوجدت عنوان غرفة ~~كانت بعيدة عن الجامعة في الحي السادس عشر وهو حي «الأغنياء». وبدلا ~~من أن تكون في السطح كانت في الطابق الأرضي. وبجوارها مخزن فحم تستعمله ~~العمارة للتدفئة، وكانت الغرفة ليس بها نوافذ، بها فقط سرير ومكتب، ~~وكانت الحوائط دافئة، فقبلتها ومكثت فيها حوالي سنة وأنا أكتب وأقرأ ~~وأدرس فيها متمتعا بالدفء والسكون. وفي نفس الوقت كنت قد قدمت طلبا ~~للمدينة الجامعية؛ كي أحصل على غرفة بأحد منازلها؛ فوجدت غرفة مزدوجة ~~في منزل الولايات المتحدة الأمريكية مع طالب أمريكي شاب. والمنزل ~~يطل على الشارع الرئيسي حول طريق باريس الرئيسي، تمر به الناقلات ~~الضخمة ليل نهار، وأمام محطة مترو المدينة الجامعية. مكثت فيها سنة ~~أيضا، وأنا لا أستطيع النوم ليلا من ضجيج الطريق وهدير عربات النقل ~~الثقيل، وسألت الأمريكي: «كيف تنام في هذه الضجة؟» فقال إن منزله في ~~شيكاغو فوق محطة قطار حيث اعتاد على الضجيج. # وكان هناك منزل للطلبة المصريين داخل المدينة ولكنه يسمى منزل ~~الطلبة الأرمن عندما كان نوبار باشا وزيرا للتعليم، فرفض الطلب. قدمت ~~طلبا إلى المنزل الألماني لأني أدرس الفلسفة الألمانية «الظاهريات» ~~وأتكلم الألمانية وأريد أن أزيد فيها بالتحدث مع الطلبة الألمان، فوافق ~~مدير المنزل؛ وانتقلت إلى غرفة مفردة حديثة، حوائطها من الزجاج ~~الشفاف، تدخل منه الشمس، وفي الصباح يصير سريري أريكة أفتحها، وفي ~~المساء أفرد الأريكة فتصير سريرا أنام عليه. وعشت في هذا المنزل ثلاث ~~سنوات إذ يحق للطالب أن يسكن ويقيم في المدينة الجامعية لمدة أربع ~~سنوات. # بعدها انتقلت إلى منزل الطلبة الرياضيين في بور رويال في غرفة ~~مزدوجة مع أحد الطلاب المصريين الذين يدرسون الحقوق، والذي أصبح الآن ~~أستاذا بجامعة عين شمس ومحاميا مشهورا. ووضعنا ستارا لقسمة الغرفة ~~إلى اثنين. مكثت في ms217 هذا المنزل عامين، وتجاوزت المدة المقررة؛ فبحثت عن ~~غرفة أخرى تكون قريبة من الجامعة في منطقة «دانفير روشيرو». وفي ~~الميدان تمثال الأسد الكبير كالذي على واجهة كوبري قصر النيل، والذي ~~بني في عصر الخديوي إسماعيل؛ فالنحات واحد، وكانت غرفتي فوق السطح ~~ودورة المياه خارجها، وكان فيها المكتب والسرير، وصممت لها رفوفا من ~~الحديد لكي أرتب كتبي، وما زال اسمي حتى الآن موجودا على اللوحة ~~الخارجية للعمارة، قضيت فيها السنة الأخيرة من وجودي في باريس وقبل ~~العودة إلى القاهرة. # وبعد العودة من فرنسا عشت مع الوالد والوالدة والشقيقة الصغرى من ~~1966-1970م حيث كان دخل الأسرة حينها معاش الوالد الذي يبلغ أربعة ~~جنيهات في ذلك الوقت، وعلى عمل شقيقتي في البنك حيث يبلغ عشرة جنيهات، ~~وبمساعدة أخي الأكبر بحوالي خمسة عشر جنيها. # لم يكن لي دخل؛ لأنني لم أعين بعد في الجامعة، وحدث ذلك بعد عام ~~كامل؛ فاضطررت أن أقترض مبلغ مائة جنيه من صديق لي أستاذ في دار العلوم ~~كان يدرس في إسبانيا وتعرفت إليه في باريس حيث زارني. وأعدتها إليه ~~بعد عامين، واضطررت أن أكتب عدة مقالات في المجلات الثقافية التي كانت ~~تصدر في ذلك العصر؛ مجلة الفكر المعاصر، المجلة، الكاتب، ~~والطليعة. # وكان دخلي من مقال المجلة الأولى اثني عشر جنيها، ومن الثانية عشرة ~~جنيهات، ومن الثالثة ستة جنيهات، ومن الرابعة أربعة جنيهات. وكان دخلي ~~الشهري ما يعادل مرتبي لو كنت عينت بالجامعة. # وخشي علي أحد الأساتذة أن أتحول إلى صحفي وأترك الجامعة كما حدث ~~لأحد مشاهير الصحافة؛ فبددت خشيته بأن ذلك النشاط مؤقت حتى أستطيع أن ~~أعيش، فقرر أن يعينني بالجامعة بلا إعلان، وكانت العادة الإعلان في ~~الصحافة عن المنصب فيتقدم إليه الكثيرون، ثم تختار الجامعة الأفضل، ~~ولكن الإدارة الجامعية رفضت؛ لأن ذلك ضد القانون. لم تكن هناك درجة ~~خالية بالقسم، ولا بد من نقلي لدرجة خالية من قسم آخر، ثم موافقة مجلس ~~الكلية، ثم مجلس الجامعة، ثم وزير المالية، وقد تأخذ تلك الموافقات ~~عاما بأكمله، والآن يتم نقل ms218 درجة من قسم لآخر بموافقة مجلس الكلية فقط ~~دون هذا الطريق الإداري الطويل. # وقد جمعت هذه المقالات فيما بعد في جزأين من كتاب «قضايا معاصرة»؛ ~~الجزء الأول، في فكرنا العربي المعاصر، والثاني، في الفكر الغربي ~~المعاصر. # وطلبت من أخي أن يوقف إعانته للوالدين بعد تعييني بالجامعة وأنني سوف ~~أتكفل بجهاز شقيقتي الصغرى بعد أن تكفل هو بتجهيز شقيقاتي الثلاث ~~الأكبر منها. # كان مرتبي ثلاثين جنيها، أعطي نصفها لوالدي ووالدتي؛ لأنني أقيم ~~معهما، والنصف الآخر قسط لجهاز شقيقتي الصغرى، وكنت أعيش من دخلي الآخر ~~من كتابة المقالات، وظللت على ذلك الحال حوالي أربع سنوات من ~~1966-1970م. # وبمجرد انتهاء القسط الأخير لجهاز شقيقتي الصغرى، سمع أهل خطيبتي ~~بوجود شقة للإيجار في شارع الحجاز بمصر الجديدة، تطل على الميدان؛ ~~فذهبت وأجرتها حيث كان أجرها زهيدا؛ أحد عشر جنيها في الشهر. ولما ~~علم صاحب الشقة أن العروسين شابان في أول حياتهما لم يطلب «خلو رجل» بل ~~ترك لنا أسبوعين مجانا إذا ما احتاجت الشقة إلى طلاء جديد أو إعداد، ~~وكانت شقة واسعة جميلة. # في يوم استدعاني مالك العمارة وطلب النصح فرحبت بذلك، عرض علي أن ~~أخاه قد قتل غيلة في شبرا البلد وأن عائلته تطالبه بالثأر والقصاص، ~~بأن يقتل قاتل أخيه وإلا كان جبانا. وسألني: «فما العمل؟» نصحته بألا ~~يفعل ذلك؛ فهناك قانون يأخذ حق القتيل بمحاكمة القاتل، والحكم عليه ~~بالسجن المؤبد على الأقل. فاتهمته أسرته وأهل قريته بالجبن والخوف، ~~وكان محاصرا بين رأي أهل القرية فيه والنصيحة التي قدمتها له ~~واتبعها . فمات كمدا بعد شهرين، فحفظت للرجل جميله، وعندما تركت الشقة ~~بعد ربع قرن من إقامتي فيها وكانت الخلوات قد زادت بعشرات الآلاف رفضت ~~أن أستلم أي خلو من عائلته تقديرا له وعرفانا بجميله. # وعندما تعرفت على زوجتي الحبيبة أردت أن أتقدم لأهلها لخطبتها ~~والزواج منها، كنت مطالبا بالشبكة والمهر، وأنا لا أملك شيئا؛ فترجمت ~~كتابا ل «اسبينوزا»، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، وراجعه صديقي فؤاد ~~زكريا، ثم ذهبت إلى الهيئة العامة للكتاب حيث ms219 قابلني رئيسها محمود ~~الشنيطي وأبلغته أن أجر هذا الكتاب هو مهر زواجي، وكان يعرف زوجتي من ~~الجامعة الأمريكية حيث كانت تعمل أمينة لمكتبة الخدمة العامة، وكان هو ~~المشرف على المكتبة، ورجوته أن يعطيني الأجر بسرعة قدر الإمكان؛ ~~فأعطاني أربعمائة جنيه قبل إصدار الكتاب، وقدمته كله مهرا لخطيبتي، ~~أما الشبكة وكانت دبلتين من الذهب الأصفر المقلد وكان ثمنها ثلاثة ~~جنيهات، وأقمنا حفلا بسيطا في منزلها، حضره أساتذة قسم اللغة العربية ~~حيث تخرجت، وحضره أهلي بالطبع، وتعرفوا على خطيبتي لأول مرة، وبعد ~~الحفل كان علي أن آخذ خطيبتي للسهر في مكان ما لدعوتها للعشاء، ولم ~~يكن في جيبي مليم واحد؛ فأخذت من زوج شقيقتي دكتور العظام ما معه، ~~وكانت خمسة جنيهات لم أردها حتى الآن. وسهرنا أنا وخطيبتي ليلتها في ~~كازينو بارزيانا في أول شارع الهرم، وكان عشاء راقصا. # وكان علينا أن نعد الجهاز استعدادا للزواج بهذا المبلغ الضئيل ~~الذي معنا؛ فاشترينا «أنتريه» من شارع النزهة بحوالي مائة جنيه، ~~وصالونا من شارع رمسيس بحوالي مائة جنيه أخرى، وغرفة نوم بحوالي مائتي ~~جنيه من شارع محمد محمود أمام الجامعة الأمريكية وسط البلد، وأصر ~~صاحب المحل على أن ثمنها مائتا وعشرون جنيها. وظلت المفاوضات لمدة شهر ~~تقريبا حتى استطعنا شراءها بمبلغ مائتي وعشرة جنيهات. وتزوجنا دون ~~غرفة طعام، وظلت الغرفة فارغة لمدة عام كامل، حتى استطعنا تدبير مبلغ ~~بسيط يعادل المهر تقريبا. وكانت زوجتي الحبيبة في فترة راحتها من ~~عملها بالجامعة الأمريكية تسير في شارع سليمان باشا وتنظر في واجهات ~~محلات الأثاث حتى وجدت غرفة طعام جميلة مذهبة بمبلغ ثلاثمائة وخمسين ~~جنيها. فدخلت وحاولت المفاوضة والفصال وخفض الثمن، ولكن صاحب المحل ~~رفض، فأخذناها، فاكتمل جهاز المنزل. # وفى ليلة الزفاف الذي عقد بنادي التوفيقية بمدينة الأوقاف، وكان ~~لأساتذة جامعة القاهرة حق الاشتراك في النادي بقيمة خمسة جنيهات ~~سنويا. اشترى لنا يومها أخي «تورتة» متعددة الطوابق، وكان يدرس ~~لابنة الفنانة مها صبري؛ فجاءت لتهنئته والغناء في فرحي كمجاملة منها ~~لأخي، وكان الفنان المصري محمد العزبي زميلا ms220 لنا في مدرسة خليل أغا ~~الثانوية. وكان يعرفنا جيدا ونعرفه، قابلته مرة مصادفة، وأبلغته بحفل ~~زفافي؛ فأصر على أن يغني في حفل زفافي، وأتى وكان بجيبي خمسة جنيهات. ~~وتساءلت: «هل أعطيها له فيصبح جيبي فارغا؟ أم أعطيه ثلاثة جنيهات، ~~وأستبقى جنيهين؟» ففضلت الحل الثاني، ولم يعترض هو. # وبعد انتهاء حفل الزفاف حاوطني عمال النادي لأخذ البقشيش؛ فأعطيتهم ~~الجنيهين المتبقيين، ودخلت منزلي بعد العرس مباشرة وجيبي فارغ ~~تماما. # وصاحبنا مصور ليأخذ لنا صورا تذكارية، وهي الصور التقليدية التي ~~يحمل فيها العريس عروسه بين ذراعيه. كان المصور نفسه هدية أرسلها صديق ~~زوجتي والذي كان يعمل بالهيئة العامة للكتاب، ورفض المصور أن يأخذ أي ~~إكرامية مع أني لم أكن أملك مالا أعطيه له، فكانت «عزومة ~~مراكبية». # وفى صبيحة اليوم التالي أتى الأهل من العروسين لمجاملتنا، وأعطونا ~~«النقطة». وكانت كثيرة بما سمح لنا أن نعيش شهر العسل منها، وعشت عامنا ~~الأول من الزواج بأقل دخل ممكن، بضعة جنيهات في الأسبوع، طعامنا ~~ومواصلاتنا وحليب طفلنا، وكنت أساهم في مصاريف الوالد والوالدة، كما ~~كنت أفعل قبل الزواج، وكانت زوجتي الحبيبة تساهم هي أيضا في مصاريف ~~أهلها، فقد توفي والدها ولم يبق لها إلا أمها وشقيقتها الوحيدة وأطفال ~~شقيقتها، حيث كانت هي من تقوم بالصرف عليهم. # وكان هذا العام أصعب عام في حياتنا ولكننا كنا سعداء؛ فالحب يملأ ~~القلب، والطموح يملأ العقل، والمستقبل واعد وموعود. # وظل الفقر السعيد يلازمنا خاصة بعد إنجاب طفلنا الأول، وكانت ~~الجامعة تقدم لنا بطاقات للعلاج، تساهم الجامعة بالنصيب الأكبر منها ، ~~فكان الطبيب يشرف على زوجتي الحبيبة، ويتابع حملها مرة كل شهر، وكانت ~~عيادته بميدان التحرير، ولكنه قام بتوليدها بمستشفى الدقي، ورزقنا ~~بطفلنا الأول في مارس 1971م. وجاءتني دعوة من جامعة تمبل بفيلادلفيا ~~ولاية بنسلفانيا لأكون أستاذا زائرا هناك للفلسفة الإسلامية مع ~~إسماعيل الفاروقي والذي انتقل إليها من جامعة سيراكيوز. وأبلغني رئيس ~~الجامعة بأنه لا بد من قبول الدعوة والاختفاء بعيدا عن مصر؛ لأن ~~محاضراتي مسجلة لدى الشرطة في قسم الدقي القريب من ms221 الجامعة، خاصة بعد ~~النكسة والهزيمة في 1967م. وهو لا يستطيع أن يحميني إذا ما أنقضت ~~علي أجهزة الأمن؛ فشكرته، وقبلت الدعوة. # أرسلت لي الجامعة بطاقة السفر، واقترضت لشراء بطاقة سفر لزوجتي ~~الحبيبة من زوج أختي الكبيرة، أما ابني فكان ما يزال طفلا ~~صغيرا. # ووجدت الصديق إسماعيل ينتظرني في مطار فيلادلفيا، ويأخذني إلى سكن ~~الطلاب في مجمع يورك تاون، ثم انتقلت بعدها بعدة أشهر لمجمع ~~الأساتذة بجواره في «كونى هول» حيث أقمت في الطابق الثاني، وكانت شقة ~~واسعة بها غرفتان للنوم، وصالة متسعة، حوائطها زجاجية شفافة تطل على ~~الفناء والحديقة أمامي، وكانت الأرضية خشبية. كان طفلي يضرب عليها بما ~~يستطيع من أوان معدنية، فاشتكى الجيران من الضجة. # ولم يتوقف الفقر السعيد إلا بعد رجوعنا من الولايات المتحدة ~~الأمريكية بعد أربع سنوات كاملة حيث كونت رصيدا يسمح بشراء سيارة، ~~وكانت ماركة «نصر» بأربعة آلاف جنيه. # الفصل الثاني # | المواهب الثلاث # لم أكتشف مواهبي في الكتاب؛ «كتاب الشيخ سيد» ولا في المدرسة ~~الأولية؛ مدرسة سليمان جاويش، ولا في المدرسة الابتدائية؛ مدرسة ~~السلحدار، بل اكتشفت مواهبي في المدرسة الثانوية؛ مدرسة خليل أغا في ~~فرق النشاط المدرسي. # وفي كتاب الشيخ سيد، كنا نحفظ القرآن، نحضر للشيخ طبق سلطة كل يوم ~~أو مبلغ قرش واحد ندفعه له، وكنت أتساءل: «كيف يمكن حفظ القرآن في هذه ~~السن الصغيرة؟ وما الفائدة من حفظ شيء لا نفهمه؟ ولماذا نعاقب من ~~الشيخ بالضرب بالعصا إذا ما نسينا؟» # وكان الشيخ يجلس على الأرض مربعا أي واضعا ساقا فوق الأخرى، كنا ~~نرتدي الجلاليب مقلدين إياه في جلسته، لا يستطيع أحد منا أن يأتي ~~متأخرا وإلا ضربه الشيخ بالعصا. # وكانت الأمهات سعيدات بإرسال أطفالهن إلى الكتاب حتى يتفرغن لشئون ~~المنزل. # وفي المدرسة الأولية كنا نلعب في فناء المدرسة، وفي الفسحة كنا نخرج ~~ونقف على باب المدرسة لشراء «السميط» وهو خبز يعجن على شكل حلقة ~~مستديرة ينثر عليها السمسم، وكان ثمنها نصف قرش، وكان البائع يجلس ~~على الأرض يضع صاج «السميط» أمامه، ويفرد جلبابه أمامه؛ ms222 ليضع الأطفال ~~القروش عليه، كان الزحام عليه شديدا، وكان اسمه «صبحي». فيأخذ الطالب ~~«السميط» بيسراه ويدفع نصف القرش بيمناه. وتقع في حجره، ولم يكن معي ~~نصف قرش فكنت آخذ السميطة وأقول له: «السميط أهو يا صبحي.» وكان لا ~~يعرف كيف يسيطر على الزحام فلا يرد، ولا ينتبه، ولا يطالبني بالنصف ~~قرش، فكنت آخذه وآكله أثناء الفسحة ولكنني كنت أعرف أنني أعمل عملا ~~غير صحيح، فكنت بعد أن آكل السميط في الفسحة أشعر بالألم، ويتجهم ~~وجهي، وليس لي الرغبة في اللعب. # وفي المدرسة الابتدائية كنا نلعب كثيرا لكبر واتساع فناء المدرسة ~~المحاط بالأحجار والتماثيل التي تتساقط من سور صلاح الدين، وكان يتسع ~~للجري واللعب والاختباء وراء العواميد المهدمة. # بدأت بالفرق الرياضية، القسم المخصوص، وهي مجرد ألعاب سويدية لتحريك ~~وتسخين عضلات الجسد، ثم «العقلة والمتوازيين» لتقوية المهارة الجسدية، ~~حيث نتشعلق في العقلة ونلتف حولها، والوقوف على اليدين في ~~المتوازيين، وتغيير الوضع لتقوية عضلات الذراعين، ولعبت كرة السلة ~~قليلا، ولم تستهوني كرة القدم، ثم انضممت لفرقة الرسم بالأقلام ~~السوداء والملونة. وذات مرة جمعنا مدرس الرسم وطلب منا رسم فكرة ~~لغلاف كتيب عن الصحة المدرسية؛ فأسرعت بالاقتراح لرسم ممرضة، ترتدي ~~الأبيض وتحمل إبرة محقن كبيرة، وهي تسير على ساق واحدة وترفع الأخرى. ~~أعجب المدرس بالفكرة ونفذها مباشرة. وكانت الألوان بأبيض وأسود ~~وأحمر. # ومع ذلك تركت فرقة الرسم إلى فرقة الموسيقى، ولم تكن هناك آلات ~~موسيقية إلا البيانو والأكورديون والكمان والطبلة، وكلها ملك للمدرسة. ~~أعجبني الكمان وتمرنت عليه بمساعدة مدرس الموسيقى. أعجبني الكمان إذ ~~كان يصدر منه لحنا غنائيا متصلا، حادا وغليظا، وكان له رنين ~~عاطفي رومانسي. أما البيانو فكان متقطع اللحن، وقد يتميز البيانو عن ~~الكمان بأن أصواته مضبوطة في التون والنصف تون. في حين أن الكمان ~~أصواته غير مضبوطة؛ لأنها تصدر عند تثبيت الأصابع فوق الوتر في مكان ~~مخصص وإلا صدر الصوت نشازا. فرجعت إلى المنزل وأنا في حيرة بين ~~الرسم والموسيقى، ولكني جمعت بينهما في رسم الشخصيات الموسيقية، فكنت ~~آخذ صورة صغيرة ms223 لكبار الموسيقيين، وأقسمها مربعات صغيرة لا تتجاوز ~~الملليمتر. ثم آتي بلوحة كبيرة وأقسمها بدورها إلى مربعات، فيكبر ~~المربع الصغير الأول إلى سنتيمتر أو اثنين طبقا لحجم اللوحة البيضاء، ~~وأرسم مربعا مربعا فتخرج الصورة مكبرة طبق الأصل، وهو ما تفعله أجهزة ~~التصوير حاليا، وتلك كانت طريقتي في الرسم. وكنت أيضا أرسم باستخدام ~~الفحم الأسود، وكنت أجلس ساعات طوال على المنضدة، والوالد ينظر إلى ما ~~أفعل. رسمت شخصيات عالمية: بيتهوفن أشعث الشعر، وشوبرت بهندامه ~~الأنيق، وشوبان بوجهه المتألم، ثم حافظ إبراهيم شاعر النيل، وأحمد شوقي ~~أمير الشعراء. وعلقت هذه اللوحات على جدران غرفتي، حيث كنت أقطن فيها ~~مع أخي. ولم أدر ماذا أفعل بها عند مغادرتي إلى فرنسا؟ خشيت عليها، ~~وأنزلتها، ولففتها جيدا ووضعتها على سطح الجمالون فوق مخازن السحار. ~~ولا أدري أين هي الآن؟ هل طارت في الهواء أم أتلفها المطر؟ # أما عزف الموسيقى فيحتاج إلى شراء آلة الكمان التي كنت أحبها، وكانت ~~أسرتي لا تملك الثمن، ومهما أضربت عن الطعام أو اعتصمت في المنزل في ~~زاوية لا أتحرك بالساعات الطوال إلا أنني لم أستطع الحصول عليها. ~~وكانوا يطلقون علي اسم «غاندي» لأنه كان معروفا بإضرابه عن الطعام ~~حتى الموت لإجبار بريطانيا على الانسحاب من الهند. فنالت الهند ~~استقلالها، ولم أنل أنا الكمان. # وكان والدي يصاحبني معه في الحفلات الموسيقية التي تدعى لها الفرقة ~~الموسيقية بأكملها، وذلك كان في الحفلة الختامية لمدرسة الجيزويت ~~الثانوية في أول شارع رمسيس من ناحية محطة مصر. لم أكن أفهم شيئا من ~~خطب الترحيب والكلمات الرسمية للناظر والمدرسين والطلبة الأوائل. وما ~~إن ترتفع الآلات النحاسية والتي كانت تمثل جوهر الفرقة بموسيقاها، ~~ويرتفع معها والدي ب «الترمبون» وأسمع الأصوات الموسيقية وهي تصدح ~~بأنغام الفرح بتخرج الطلاب في الفرقة النهائية حتى تنفرج أساريري ~~وأرى الأضواء تنعكس على آلات النفخ النحاسية فيزداد فرحي بالموسيقى، ~~وتتألق مواهبي الموسيقية، وأقول في نفسي ليتني أكبر، وأصبح موسيقيا ~~مثل هؤلاء الموسيقيين! وبينما أنا أتأمل هذا الفرح أجد طبقا من الطعام ~~المزخرف بالألوان قد ms224 وضع على فخذي من جرسون المدرسة مقدما إياه لي ~~قبل الموسيقيين وهو يبتسم لهذا الصبي الذي لم يتجاوز عشر سنوات بصحبة ~~الموسيقيين رغبة في سماع الموسيقى. وأشار إلي والدي وهو يعزف أن ~~آكل؛ لأن الموسيقيين سيأكلون في فترة الاستراحة، فقد كنت في حيرة بين ~~هذا الطعام الذي لم أر في جماله كما رأيت قبل اليوم، والاستماع إلى ~~الموسيقى الفرحة التي أدخلت في قلبي السرور، وتمنيات ~~المستقبل. # وظللت أفعل ذلك حتى الثانوية العامة. ودخلت مسابقة التوجيهية في ~~الفلسفة، وكانت التوجيهية يومئذ إما علوم، وإما أدبي رياضة، وإما أدبي ~~فلسفة. وكنت الأول على القطر المصري كله في مادة الفلسفة. ووضع اسمي ~~على لوحة الشرف بجوار حجرة الناظر، وكانت الجائزة عشرين جنيها. ودعا ~~ناظر المدرسة يومها الملك فاروق لحضور حفل توزيع الجوائز، وحضر الملك ~~وأعطاني محفظة جلدية. فقدمتها لوالدي هدية حيث كان حاضرا للحفل، ~~وقسمت العشرين جنيها أربعة أقسام: خمسة جنيهات لإصلاح أسناني، وخمسة ~~لشقيقاتي البنات، وخمسة اشتريت بها ساعة، وكانت أول ساعة أشتريها ~~وأرتديها، وخمسة اشتريت بها الكمان. وبدأت أعزف عليه في فرقة المدرسة. ~~ثم دخلت معهد شفيق للموسيقى، والذي كان قريبا من سور قصر عابدين بباب ~~الخلق. # وبعد الحصول على الشهادة الابتدائية، وبعد اكتشاف موهبة الرسم؛ رسم ~~الشخصيات الشعرية والموسيقية، بدأت في رسم الخرائط؛ خرائط القارات ~~الخمس وتكبيرها، وكنت أنظر للعلاقة بين البر والبحر، وأتأمل تداخل ~~المياه في الأرض فتكون الأنهار والبحيرات، وكنت أتأمل موقع مصر بين ~~القارات الثلاث؛ أفريقيا وآسيا وأوروبا. ولم تكن أمريكا اللاتينية قد ~~برزت بعد إلى الوجود الثقافي كما هو الحال الآن، وكنت أندهش لاتساع ~~قارة آسيا مقارنة بقارة أوروبا وصغرها جغرافيا مع أنها أنشط وأقوى ~~حضاريا. وكنت أنظر إلى أفريقيا الممتدة جنوبا وأندهش من خط الاستواء ~~الذي يقسم القارة لشمال وجنوب. # وكان زوج شقيقتي الكبرى يعمل بمصلحة المساحة، فكنت أذهب لهناك. كانت ~~المصلحة قريبة من الجامعة، أستعين بخطاط المساحة للكتابة بالخط الثلث ~~العريض اسم القارة على ورقة ألصقها على أسفل الخريطة التي قمت برسمها، ~~وكأن سياحتي ms225 حول العالم فيما بعد بدأت بالسياحة على الورق وفي ~~الخيال. # وتقدمت بطلب للالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، والذي كان يسمى ~~حينئذ معهد فؤاد، وكان المعهد يتطلب الحضور يوميا ليس فقط لتعلم ~~العزف، ولكن لدراسة العلوم الموسيقية الأخرى مثل: الصولفيج، وتاريخ ~~الموسيقى إلى آخر المواد التي تدرس في المعهد. وكنت طالبا في كلية ~~الآداب في قسم الفلسفة، فكيف أحضر وأوفق بين دراسة المعهد والكلية، ~~وكيف أجمع بينهما؟ وبالرغم من أن أبي كان موسيقيا يعزف «الترمبون»، ~~وكان علي إسماعيل قريب والدتي موسيقيا أيضا يعزف الكلارنيت في ~~النوادي الليلية بعد أن ترك الجيش، فكان والدي يقول لي: «أتريد أن ~~تصبح مثل علي إسماعيل عازفا للراقصات في الملاهي الليلية؟» فلم ~~يشجعني على مواصلة دراسة الموسيقى، ولم يتبق لي إلا أن أواصل دراستي ~~في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكنت الأول على الدفعة في ~~كلية الآداب قسم الفلسفة طوال الأربع سنوات مدة دراستي الجامعية، وكنت ~~أتوق لأن أصبح معيدا بالقسم ثم أستاذا بالكلية. # وتكررت لحظات الاختيار بين الموسيقى والفلسفة عندما وصلت إلى باريس، ~~وسجلت بجامعة السوربون ومعهد الكونسرفتوار، كنت أحضر محاضرات الفلسفة ~~صباحا في السوربون، وبعد الظهر أحضر دروس الموسيقى في الكونسرفتوار، ~~وفي المساء أقرأ نصوص الفلسفة في نصفه الأول، وأعزف على الكمان الذي ~~أحضرته معي من القاهرة في النصف الثاني. وظللت على ذلك سنتين، آكل ~~مرة واحدة في اليوم بسعر مخفض في مطاعم الجامعة نظرا لقلة مواردي. ~~وبعد أن علمت المشرفة الاجتماعية بمركز خدمات الطلاب حالتي، ومرة لم ~~أستطع صعود السلم الصغير في المنزل الجامعي، وكنت أشعر بالإرهاق؛ فذهبت ~~للعيادة الطبية التابعة للمدينة الجامعة، وكشفوا على صدري بالأشعة، ~~فوجدوا بداية تجلط في الرئة اليمنى، وأخبرني الطبيب وقال لي لا بد أن ~~أمكث في العيادة عدة أيام لاستكمال الفحوصات الطبية؛ ففعلت، ثم جاء ~~الطبيب بطبيبة ما زالت أذكر اسمها «بون فونت» وسألتني كيف أعيش؟ فقلت: ~~في الصباح في السوربون وبعد الظهر في الكونسرفتوار، وفي المساء أقرأ في ~~النصف الأول وأعزف في النصف الثاني. وآكل مرة ms226 واحدة في اليوم. # ولم أكن أنا فقط الذي يشتري فيها الطالب دفاتر المطعم بأجور مخفضة. ~~أستعمل واحدة ظهرا، وأبيع الثانية في المساء بسعر كامل، وإهانتي من ~~أحد الطلاب الفرنسيين بقوله إنني تاجر جيد، ولكن كان مدير المطعم ~~الفرنسي يفعل ذلك أيضا وهو ليس فقيرا؛ كان يأخذ تذكرة المطعم بالسعر ~~الكامل وهو سبعة فرنكات ونصف، ويشبك التذكرة في عمود معدني رفيع ~~يخرق التذكرة، ولا يقطعها، ثم يأخذ هذه التذاكر إلى المنزل قبل تسليمها ~~إلى الجامعة ويرش مكان الخرم بالماء ثم يكويها فتعود صالحة للاستعمال ~~مرة ثانية، ويبيعها للطلاب الفقراء مثلي بأجر مخفض؛ لأنه لم يدفع فيها ~~شيئا، ويبيعها الطلاب الفقراء على باب الدخول للمطعم بثمن مخفض ~~ويعطى الثمن لمدير المطعم بعد أن يضع عليها نسبته، ولم يتهمه أحد من ~~الأجانب أو الفرنسيين بأنه تاجر جيد. # وكان مطعم كلية الطب مجاورا لمكتبة مدرسة اللغات الشرقية الحية التي ~~كنت أقرأ فيها أحيانا، وكنت أتناول وجبة الغداء فيه، وبعد الغداء وقبل ~~أن يغادر الطلاب المطعم وبعد غلق شبابيك الخدمة، وكان يوم أحد، يتبارى ~~الطلاب والطالبات في رفع سلطانية الشوربة إلى أعلى وإسقاطها على الأرض، ~~فإذا وقفت على قعرها ولم تنكسر صفق الطلبة وضحكوا إعجابا بالمباراة، ~~أما إذا سقطت على جانبها فإنها سرعان ما تنكسر ويهلل الطلاب بالفشل ~~وعدم المهارة، وكانت عاملات النظافة تنتظر لكي تلم قطع البلاستيك ~~المتناثرة من أثر انكسار سلطانيات الشوربة، ويضحكن على الطلبة، ولا ~~يهددن بنداء المدير بهذا التخريب القصدي كما نفعل في بلادنا، وكانت ~~الطالبات يسقطنها بين أفخاذهن لضبط اتجاه الوقعة من القعر إلى الأرض، ~~وكنت أهتم برؤية الفخذين أكثر من اهتمامي برؤية السلطانية وهي تقع ~~سليمة أو منكسرة. # وفى فترة الغداء يخرج الطلبة والطالبات من المكتبة الوطنية يتناولون ~~الغداء في أحد المطاعم الجامعية القريبة، ثم يذهب الجميع إلى المقاهي ~~المتناثرة حول المكتبة. يشربون القهوة قبل العودة للدراسة أو القراءة ~~في المكتبة، وكنت أرى من خلال زجاج واجهة المقهى، ومن الرصيف الطالب ~~يحتضن الطالبة ولا ينظر أحد إليهما إلا أنا، ms227 فدخلت مرة أحد المقاهي كي ~~أشرب القهوة، وكنت بمفردي، فجاءتني طالبة كانت تجلس بجواري، وحدثتني ~~وقالت: «هاللو!» فكنت أخجل وأدعوها إلى فنجان من القهوة، فكانت تقترب ~~مني أكثر وأكثر كما هو الحال في فيلم الخطايا. وكانت العادة أن يتقابلا ~~في المساء بعد الانتهاء من القراءة وإغلاق المكتبة عند السادسة مساء. ~~وكانت العادة أن أدعوها إلى العشاء في أي مقهى مجاور ونتحادث، ويشعر ~~كل منا برغبة في الآخر، وكنت إذا دعوتها إلى شرب القهوة في الظهر ~~فكيف لي أن أدعوها إلى العشاء مساء وأنا لا أملك من المال شيئا ~~يذكر؟ فلم أذهب إلى المقهى في المساء وغادرت المكتبة مسرعا إلى ~~الغرفة التي أسكن فيها على السطح وعيناي تدمعان؛ إما لفقري أو ~~لطيبتي. # وكان الطلبة الأفارقة يتظاهرون بالمرض كي يأخذوا التذاكر المخفضة ~~لدخول مطعم المرضى الذي لا توجد به عاملات للخدمة، بل يذهب الطلبة إلى ~~المنصة ويخدمون أنفسهم بأنفسهم، ويشربون اللبن بدلا من الماء، ولا ~~يتكلمون مع أحد، بل يستمرون في تناول الطعام حتى ساعة غلق المطعم، ~~وكانوا يأكلون بنفس الطريقة التي يأكلون بها في أفريقيا، فضخمت وبدنت ~~و«كرشت». وكان مدير المطعم لكثرة ترددنا عليه لا ينظر إلى بطاقاتنا ~~وتذاكر الدخول ولا تذاكر الطعام، ويرحب بنا منحنيا مادا ذراعه إلى ~~الأمام. # وكانوا قد أخبروني في العيادة أن رئتي اليمنى مصابة بالدرن وهي أول ~~مرحلة في السل، ولا بد أن أمكث في العيادة الطبية عدة أشهر حتى أعالج ~~من هذا المرض القاتل، عن طريق إدخال محاليل لازمة عن طريق الأوردة ~~والشرايين؛ ففعلت . فقالوا لي بعد مدة إني أحتاج إلى ثلاثة أو أربعة ~~أشهر أخرى للعلاج حتى يختفي الدرن. فقلت: وماذا عن غرفتي بالمنزل ~~الألماني؟ قالوا: ندفع نحن أجرتها. قلت: وماذا عن كتبي التي اشتريتها ~~ولم أدفع ثمنها بعد وموجودة في المكتبة؟ قالوا: نشتريها لك؛ فشكرتهم ~~على هذه التسهيلات. ومكثت في العيادة الطبية لمدة أربعة أشهر. كنت آكل ~~أربع مرات في اليوم، وأذهب للنوم مبكرا. فتحسنت صحتي، بل وبدنت. ~~وحين حان وقت الخروج أخبروني ms228 بأنني لن أستطيع أن أعود لأعيش بالأسلوب ~~الذي مضى. وعلي أن أختار بين دراسة الفلسفة أو الموسيقى؛ لأنني لن ~~أستطيع الجمع بينهما وإلا قضيت على نفسي بنفسي، وإن لم أفعل سيضطرون ~~إلى إرسالي لمصحة الجامعة فوق جبال الألب؛ لأستنشق هواء الجبل النظيف، ~~ولكني سوف أفقد الفلسفة والموسيقى معا. وكانت لحظة صعبة؛ لحظة ~~الاختيار بين حبيبين، بين طفلين. ولكن أصر الأطباء على حسم قراري. ~~وتوقيع شهادة أوافق فيها على شطب اسمي من الكونسرفتوار وأبقى في ~~السوربون، أو أن أوقع شهادة شطب اسمي في السوربون وأبقى في ~~الكونسرفتوار. تصورت نفسي مؤلفا موسيقيا مثل بيتهوفن وسيد درويش، ~~أو عازف موسيقى في أوركسترا غربي أو شرقي. وتساءلت ماذا قدمت إلى العزف ~~مع جماعة عازفين بألحان غيري؟ ثم تصورت نفسي مفكرا، أعطي للناس مناهج ~~للتفكير وسبلا للحياة. وأني مؤثر في الحركة الاجتماعية والسياسية ~~والثقافية للبلاد، وأن أكون جيلا جديدا من المفكرين والباحثين ~~يستطيعون إكمال الرسالة من بعدي، كما فعل الأفغاني ومحمد عبده وطه ~~حسين. # فاخترت الفلسفة وأنا أغنيها، وفضلت الفكر وأنا أصدح به، ~~واخترت الثقافة وأنا ألحنها، واخترت الجامعة وأنا أعزف لها؛ تركت ~~موهبة الرسم لصالح الموسيقى، ثم تركت الموسيقى لصالح الفلسفة، وما زلت ~~حتى الآن عندما أسمع بيتهوفن أو سيد درويش تدمع عيناي تأثرا بفراق ~~صديقين قديمين ما زالا يعيشان في الذاكرة. # جذبني إلى بيتهوفن إمكانية قراءة فلسفة موسيقاه والتي تقوم عليها ~~سيمفونياته التسع؛ فالسيمفونيتان الأولى والثانية كانتا أقرب إلى ~~موزار. ولم تظهر شخصية بيتهوفن إلا في السيمفونية الثالثة؛ سيمفونية ~~«البطولة»، وكان قد أهداها إلى نابليون. ولما كان قد وجد أنه نصب ~~نفسه إمبراطورا على فرنسا بعد الثورة الفرنسية فلم يعد هناك فرق بينه ~~وبين لويس السادس عشر الذي طارت رقبته تحت المقصلة. # وكانت الحركة الثالثة في هذه السيمفونية تمثل بطلا يعيش بين جنوده؛ ~~وهو ما جعل بعض النقاد العرب يقولون إن محمد عبد الوهاب قد قلدها في ~~إحدى أغنياته. # وبعد أن استراح بيتهوفن في السيمفونية الرابعة، عاد وانتفض في ~~السيمفونية الخامسة «القدر»؛ فافتتاح ms229 السيمفونية في الحركة الأولى هي ~~دقات القدر. ويقال إن محمد عبد الوهاب قلدها أيضا في افتتاح أغنية ~~«عاشق الروح» في آخر فيلم «غزل البنات». # وبعد أن استراح بيتهوفين في السيمفونية السادسة، ألف السابعة يغني ~~فيها للريف وجماله لدرجة أنها سميت سيمفونية الريف «الباستورال». وبعد ~~أن استراح بيتهوفين في السيمفونية الثامنة، ألف التاسعة عن «الفرح». ~~وختمها بأنشودة الفرح للشاعر «شيلر». # فسيمفونيات بيتهوفن مؤلفات فلسفية، وبالمثل يقال على فلسفة هيجل ~~التي كانت أشبه بسيمفونيات بيتهوفن وقد كانا متعاصرين. فكتاب «ظاهريات ~~الروح» سيمفونية الوعي الإنساني الذي يتطور من الحس إلى العقل إلى ~~القلب إلى الروح المطلق. # وأظن أنني قد أحسنت الاختيار؛ فمشروع «التراث والتجديد» الفلسفي يملأ ~~الآفاق في مصر، والوطن العربي، والعالم الإسلامي، بل وفي الغرب والشرق ~~على السواء. تمت ترجمة أجزاء منه إلى كثير من اللغات خاصة التركية، ~~والفارسية، والماليزية، والإندونيسية. وكتبت الدراسات عنه، وألفت ~~الكتب حوله، واختير موضوعا لكثير من الرسائل الجامعية، وأشعر بالراحة ~~النفسية عندما أسمع عنه وهو موضوع للمناقشة بين العلماء خاصة. وقد ~~كتبته على ثلاثة مستويات؛ المستوى العلمي للمتخصصين، والمستوى الثقافي ~~للمثقفين، والمستوى السياسي للجماهير. # وقد يكون أثره الآن محدودا، ولكن سيكون له أبلغ الأثر في المستقبل ~~وعلى مجرى التاريخ، فإذا كان تاريخ الحضارة الإسلامية في مرحلتها ~~الأولى يؤرخ بمقدمة ابن خلدون وهو يصف نشأة الحضارة الإسلامية ~~وتطورها وانهيارها. فإن تاريخ الحضارة الإسلامية في مرحلتها الثانية ~~يؤرخ بمشروع «التراث والتجديد»، بداية بعصر النهضة والإصلاح الديني، ~~ثم بالثورات العسكرية، ثم بالثورات الشعبية. ومن يدري متى تكون ثورة ~~المجتمع المدني؟ # وكتاب «علم المنطق» لهيجل وتقسيماته الثلاثية تعبير عن الجدل مثل: ~~«الوجود والماهية والصيرورة» أشبه بسيمفونية الصراع بين الخير والشر ~~وتحولهما للمحبة والديمومة، وهكذا فعل في باقي مؤلفاته. # وكما جعل بيتهوفن الشعر موسيقى الكلمة، فقد كان صديقا لجوته، كذلك ~~جعل هيجل الموسيقى أرفع أنواع الشعر، وجعل الأوبرا أرفع أنواع الفنون ~~كلها بعد أن جعل الفنون السمعية أرقى من الفنون البصرية. # كنت عندما أسمع «نشيد الفرح» في آخر السيمفونية التاسعة لبيتهوفن ~~وتكاد ms230 تصل متعتي للسماء. لم أكن أعرف أن هذا السمو والاستمتاع والرقي ~~بسبب الموسيقى، أم الشعر أم الفلسفة؟ فلقد عزفت الفنون الثلاثة الفرح. ~~وهو موضوع يجمع بين الموسيقى والشعر في الفلسفة. وكذلك فعل فاجنر في ~~أوبريتاته التي تجمع بين الموسيقى والشعر والفلسفة في «تريستان ~~وإيزولدا». وكما فعل فيردي في «أوبرا عايدة» في مارش «البطولة». ~~وراداميس عائدا منتصرا. # أما الموسيقى الكلاسيكية عند باخ فتشبه فلسفة توما الأكويني في ~~«الخلاصة اللاهوتية». وكما فعل بيزيه في أوبرا «كارمن» عن الحب ~~والتضحية؛ فالموسيقى شعر، والشعر موسيقى. ومعجزة القرآن الكريم في ~~الجمع بين الموسيقى والشعر والفلسفة. # وعندما استعملت الأوتار كآلات إيقاعية ولم تعد تغنى الألحان ~~المتصلة مثل «تقديس الربيع» لسترافنسكي تقطعت الفلسفة في «التفكيكية» ~~في الفلسفة المعاصرة، ولم تعد الفلسفة لحنا غنائيا طويلا كما هو ~~عند ديكارت في منهجه، وشيلينج في الوحدة بين الروح والطبيعة، وفشته في ~~خطابه إلى الأمة الألمانية. # فيمكن قراءة الموسيقى كفلسفة مثل: موسيقى باخ كفلسفة مدرسية، ~~وموسيقى بيتهوفن كالفلسفة الرومانسية، وبوليرو رافيل كفلسفة ما بعد ~~الحداثة التي تفكك كل شيء. # الفصل الثالث # | الحب العذري # وصلت إلى مرحلة البلوغ وأنا في المدرسة الثانوية، لا أذكر في الصف ~~الثاني أم الثالث. وعندما وصلت إلى السنة الخامسة «التوجيهية» جلست في ~~المنزل؛ لأستعد لامتحان الثانوية العامة بعد أن بدأ الحضور يتناقص داخل ~~حجرات الدراسة والفصول لنفس السبب، ولكي أستعد أيضا لامتحان المسابقة ~~في الفلسفة والذي كان يقام كل عام. وكانت مكافأته بالإضافة إلى ~~العشرين جنيها، الدخول للجامعة مجانا، فقد كانت مجانية طه حسين في ~~التعليم العام، ثم عممتها الثورة في 1952م إلى التعليم الجامعي؛ فدخلت ~~الجامعة مجانا لثلاثة أسباب: الأول؛ حصولي على الثانوية العامة بدرجة ~~77,5٪. والثاني؛ حصولي على المرتبة الأولى في امتحان المسابقة العامة ~~في الفلسفة. والثالث؛ قرار مجانية التعليم العالي بعد الثورة. # وكنت أمكث في المنزل ساعات طويلة بمفردي؛ فأخواتي البنات كن يذهبن ~~إلى المدارس، وشقيقي الأكبر في الجامعة، وأبي في عمله؛ موسيقى الجيش، ~~وأمي تزور أمها وأختها في بني سويف. # وكان لجارتنا ابنة ms231 أراها من الشباك الملاصق، كانت بيضاء، جميلة، ~~مبتسمة، نشطة. كلها حياة. وكانت تمازحني، وهي صفات كنت أحبها. فكنا ~~نتكلم من خلال النوافذ المفتوحة على الحارة دون أن نشعر بأن أهالي ~~الحارة يراقبوننا وفي مقدمتهم الفران الذي كان يسكن في الطابق ~~العلوي. يرانا وهو جالس أمام الفرن، ويتطلع إلينا، وكان هناك نافذة ~~خاصة في أعلى الحائط المشترك بين شقتنا وشقتها، فكنت أحضر كرسيا أصعد ~~عليه؛ لأجلس على حافة النافذة. وهي تجلس على الحافة الأخرى نتناجى. ولم ~~أكن أشعر أن الصاعد أو النازل على سلم المنزل يرانا؛ فأصبحنا حديث ~~المنزل والحارة. فأول حب عذري كان حب بنت الجيران، كما هو الحال في ~~الأفلام المصرية. لا تفكير عندي في زواج ولا صداقة إنما هو اكتشاف ~~الحديث ومتعته مع الجنس الآخر. # ومرة تشجعت وخرجنا معا إلى ميدان العتبة، أنا أفندي يرتدي البدلة ~~وهي فتاة بالملاية اللف، ذهبنا إلى محل تصوير، الذي أخذ لنا صورة ~~معا. وعدنا إلى باب الشعرية. فكان هذا أقصى طموح لنا. ونحن عائدان ~~كانت تنظر إلى الأرض وأنا أكلمها دون أن أراها. وسمعت أحد المارة من ~~أولاد البلد يقول مشاكسا: «مش كدا يا واد» فقلت في نفسي: وماذا فعلت؟ ~~وبماذا أجرمت؟ # فعلم الوالد بالحبيب الصغير؛ فنهرني وقال: «إنني أخاف على أخوتك ~~البنات منك!» ولم أفهم ماذا يعني بقوله! ولكنه خاصمني، وأنا شعرت ~~بالخجل. # كان أبوها جزارا يقلي الكبدة في مدخل درب الشرفا، الناحية الأخرى ~~من شارع البنهاوي. فكانت الحبيبة تدق الثوم في فناء المنزل وتغلي ~~الكبدة ويأخذها الصبي من البيت إلى المحل . # وجاءها عريس ذات يوم فقبلت به عائلتها، ويوم الفراق عندما غادرت إلى ~~منزل زوجها كانت تغني: «على عيني فايتاك». وكان الجيران يقولون: «كفاية ~~دق بالهون بكرة عريسك يدقك بالهون.» ولم أفهم كل ذلك؛ لأن الحزن ~~والشقاء كانا يخيمان علي، وما زلت أذكرها حتى الآن بأنها أول حب ~~عذري عشته بعد مرحلة البلوغ. وأتساءل: أين هي الآن؟ هل ما زالت شابة أم ~~أصبحت عجوزا؟ هل هي أم فقط أم أصبحت ms232 جدة أيضا؟ وقد بدأ هذا الحب ~~العذري عام 1952م وكان عمري وقتها سبعة عشر عاما. وانقضى حوالي سبعون ~~عاما وأنا ما زلت أذكرها؛ لأنها هي التي عرفتني بجمال المرأة، وبعد ~~أن غادرت إلى منزل زوجها كنت أرى وجهها في كل امرأة حولي من ~~الجيران. # وكان في المنزل المقابل امرأة صغيرة الحجم، ولكنها ضاحكة، عيناها ~~تبرقان، وابتسامتها جذابة. فكنت أنظر إليها من خلال الشباك، وأشعر ~~كأنها تقول: لا تحزن على فراق حبيبتك؛ فالنساء كثيرات، وأنا واحدة ~~منهن. كان الوصول إليها يقتضي عبور العطفة للناحية الأخرى، وهذا ما لا ~~أستطيعه احتراما لزوجها، فكنا نكتفي بالنظرات دون الكلمات؛ لأن الكلام ~~كان يقتضي منا رفع الصوت. # 1 # وأنا صغير قبل أن أنام كنت أسمع والدي يقول لوالدتي قومي أطفئي ~~الأنوار، فكانت تفهم ما يريد. ولم تكن هناك أنوار أصلا كي تطفئها. ~~وكان يقوم وراءها في الغرفة الصماء بلا نوافذ، ويدخل الغرفة وكان هناك ~~«ماجوران» ومقلوبان على الوجه نضع فراشا على قاعدته. ويبدو أنهما كانا ~~يفعلان شيئا ما، كنت أشعر بذلك. وبعد مدة قصيرة أسمع صوت صنبور المياه ~~يتدفق للاغتسال. حيث كانت شقتنا تتكون من صالة وأمامها الغرفة المصمتة، ~~ثم يليها الغرفة التي تطل على السطح ويسارها الغرفة المطلة على ~~الشارع. # وكانت هناك امرأة أخرى مطلقة تسكن في أعلى المنزل، جميلة ذات أنوثة ~~فياضة، جسمها بض أبيض، تخرج في الصباح، وتعود في المساء؛ فقد كانت ~~تعمل لتعول نفسها وأسرتها. وكان ابن الفران أكثر جرأة مني. ينتظرها ~~في الصباح وهي ذاهبة لعملها تحت بير السلم، أو عند عودتها من العمل. ~~ينتظرها تحت بير السلم كي يقبلها. وأنا أيضا معجب بها ولا أعرف كيف ~~أحيطها علما بإعجابي. فوقفت أراقبها من النافذة وهي ذاهبة لعملها، ~~فصببت عليها كوبا من الماء. فرفعت رأسها إلى أعلى تتعجب من هذا الحبيب ~~الساذج، ثم وقفت على ساق واحدة لكي تمسح الماء من على الساق الأخرى. ~~ولم أجرؤ بعد ذلك على فعل أي شيء تجاهها، سمعتها مرة وهي تقول في حفل ~~زفاف شقيقها، ms233 وكانت واقفة على السلم «على سنجة عشرة» قائلة: «اللي ~~يقولي تعالي دلوقتي مش هاقوله لا.» فرحت بهذه الكلمات، ولكني كنت لا ~~أجرؤ أن أقول تعالي دلوقتي. فأين ومتى وماذا أفعل معها؟ كل ذلك حرك ~~في ذهني حاجات المرأة، وخيبة الرجل. ومرة ثالثة كانت هناك امرأة ~~أرملة تسكن فوقنا، وجاءت عندنا لتأخذ شيئا من السطوح، فوقفت جانبها ~~لتصعد على الكرسي ومنه إلى السطح، فكادت أن تقع، فأمسكتها. وكانت هذه ~~أول مرة أشعر بصدر امرأة بالرغم من أنها كانت ترتدي جلبابا أسودا ~~فضفاضا. # وفي الجامعة في السنة الأولى التي كانت تضم أقسام علم النفس والفلسفة ~~والاجتماع معا، وحتى السنة الثانية، ولا تفترق الأقسام إلا في ~~السنتين الأخيرتين؛ الثالثة والرابعة. ففي السنة الأولى رأيت طالبة ~~لها نفس المواصفات التي أحببتها في بنت الجيران؛ الجمال والرشاقة مع ~~بعض السمنة، والوجه الصبوح، والصدر البارز. كنت أجلس في الصف الأول من ~~المدرج الكبير، وكانت هي تجلس في الصفوف البعيدة الخلفية. كانت ~~فلسطينية اللهجة، وكان يأتيها شاب من كلية الحقوق ليصحبها، وكنت لا ~~أدري إن كان حبيبها أو خطيبها أو قريبها أو صديقها أو جارها. لم تحن ~~الظروف كي أبادر وأكلمها مطلقا، وعرفت فيما بعد أنها مسيحية، وكان ~~العقاد في ذلك الوقت قد نشر «عبقرية المسيح»، فاشتريت نسخة، وأهديتها ~~لها واضعا إياها على مكان جلوسها، وبعد وقت قصير رأيت النسخة قد ~~انتقلت إلى مكان جلوسي والإهداء منتزع من الصفحة الأولى. فحزنت، وقلت ~~لنفسي: «حتى العلاقات الثقافية هي لا تريدها!» # وكان لها ابنة عم أجمل منها بابتسامتها الساحرة، وصدرها البارز. وكان ~~أستاذ علم الاجتماع يغازلها «من تحت لتحت». وكانت ترد عليه بدلال وخفة ~~دم. وأتساءل: «فلماذا حبيبتي قاسية القلب هكذا؟» وكنت بعد ذلك في عمان ~~بما يزيد على خمسين عاما. وعلمت صديقتي الأردنية بأن حبيبتي كانت وما ~~زالت حبيبتي أيضا أيام الدراسة. فاتصلت بها وجاءت ونحن في المقهى أو ~~في الفندق لا أذكر. ولم تسلم علي ولا كلمتني، وكان معها ذلك الشاب ~~الذي كان يقابلها ويصحبها أيام الدراسة، ms234 وفكرت ربما كان زوجها! وحزنت ~~أكثر لأن نصف قرن لم يغيروا طبعها. وغادرت دون أن تنظر في وجهي. وأنا ~~أتعجب من قدرة «ذكريات» على تحريك العواطف، وهي سعادة كبيرة عندما ~~يلتقي شخصان بعد نصف قرن على مرور أيام الدراسة، ولا أعرف كيف لا يحن ~~أحدهما للآخر! صورتها ما زالت في ذهني، وخيالها ما زال في ذاكرتي، لم ~~يمحها النسيان. # وأثناء البحث عن غرفة على التبادل أي مجانية في مقابل مساعدة ابن ~~صاحب المنزل في أداء واجباته المدرسية. وكانت لا توجد أي غرفة عند سؤال ~~مكتب الخدمات الطلابية «الكوبار»، بل غرفة أخرى تقع في وسط الحي ~~اللاتيني في «سان جيرمان» وكانت ذات أجر زهيد، حوالي مائة فرنك ~~شهريا. فذهبت لمقابلة صاحب الغرفة فقابلتني طالبة فرنسية في غاية ~~الجمال، وأخبرتني أنها المسئولة عن تأجير هذه الغرفة ولا شأن لصاحبها ~~بها والذي كان يسكن في الشقة المجاورة. وكنت أرى باريس من شرفتي من ~~أعلى، والسوربون والبانثيون «مقبرة العظماء» وحديقة لوكسمبورج، وكنت ~~أرى الجمال الفرنسي مجسدا أمامي وبجواري. وكان المبنى الذي أقيم به ~~يقع بجوار مبنى كلية الطب ومدرسة اللغات الشرقية الحية، والتي كنت ~~أستخدم مكتبتها للدراسة. وعندما رأيت الطالبة الفرنسية عقد لساني ~~لجمالها ولم أستطع التفوه بكلمة واحدة وأقرر هل آخذ الغرفة أم لا. ~~ولم أدر حينها السبب في عقدة لساني، هل الجمال الباهر الذي رأيته من ~~شرفة المنزل لباريس أم الجمال الباهر للطالبة الفرنسية بجواري، أم لقلة ~~المال وتوفير مبلغ المائة فرنك شهريا اللازم لإيجار الغرفة؟ ولما ~~لاحظت الطالبة الفرنسية صمتي وحيرتي، مسكت يدي وقالت : «لا تحزن سآتي ~~لرؤيتك مرة كل أسبوع.» فزاد ارتباكي من أين آتى إليها بالعشاء؟ وفي أي ~~مطعم أدعوها بالحي اللاتيني حيث كانت تكثر المطاعم؟ وماذا أرتدي ليلتها ~~وملابسي ليست بالأناقة المطلوبة لمثل هذه المناسبة؟ ومن أين لي بالنبيذ ~~الأحمر لنتناوله عند العودة معا؟ وهموم أخرى غيرها. ولما طال ترددي ~~في أخذ قرار بالنسبة لتأجير الغرفة نزلنا، وسار كل منا في سبيله. أنا ~~الريفي المصري الساذج، وهي الفتاة ms235 الفرنسية المتحضرة. # وفي فرنسا استمر الحب العذري في السنوات الأربع الأولى. في الغرفة ~~المقابلة التي تطل على الشارع كانت تسكن فتاة أسمع صوتها في المساء. ~~ولما كنت أعزف على كماني في المساء، فتحت الباب وقالت: «الوقت متأخر يا ~~أستاذ، اخفض صوت الآلة.» فوضعت «السوردين» على الكمان كي أخفض صوت ~~الأوتار. # وبعدها بأيام كنت أسمع صوت ضحكتها مع صديقاتها على الأستاذ المجاور ~~والذي لا هم له إلا الدراسة والعزف على الكمان. # وفي يوم بعد أن وصلت إلى محطة المترو وجدت سيدة تدخل البوابة ضاحكة ~~وهي «تخرم» بطاقة الصعود للمترو. ثم قالت بعد أن تعرفت علي: «أنت ~~جاري؟» قلت: «نعم.» وقلت لها: «وأنت جارتي؟» قالت: «نعم.» ثم دعتني ~~للقائها مساء. كنت خائفا طيلة اليوم. أفكر وأنا في الجامعة بالحي ~~اللاتيني، ماذا أقول لها مساء عند اللقاء، وأين أقابلها؟ في غرفتي ~~التي لا يراها أحد؟ أم في غرفتها التي تطل على الشارع؟ أم في الطرقة ~~التي بيننا فيرانا الطالع والنازل باتجاه السلم أو المصعد ~~الكهربائي؟ # وحين عدت إلى غرفتي لم أجد صوتا من غرفتها. فرحت بأن الموضوع قد تم ~~حله، وفهمت على الفور أنها لم تكن موجودة. وفي صباح اليوم التالي ~~قابلتها عند مدخل المترو. فاعتذرت لي عن غيابها بالأمس، وعادت تطلب ~~اللقاء مجددا اليوم مساء. # كانت ضاحكة بشوشة حية، تسعد من يصاحبها، ومع ذلك كنت مهموما ~~بالفلسفة في الصباح، والموسيقى بعد الظهر، والقراءة والعزف في المساء. ~~ولم أعرف في أي وقت أدعوها؛ فصمت، وعرفت هي أني ليس لي «مزاج» ~~لمعرفتها؛ فتحسرت عندما قابلتها في اليوم الذي يليه عند بوابة المترو، ~~حيث كانت تعمل، ولم تنظر لي، ولم تضحك، ولم تكلمني؛ فخجلت من نفسي، ~~ولم أدر هل ما فعلت بالابتعاد عنها كان صحيحا أم الأفضل كان ~~الاقتراب منها ومعرفتها؟ فالمعرفة لا تأتي فقط من الكتب، ولكن من تجارب ~~الحياة. # ومرة وأنا آخذ القطار كل يوم وأجلس في العربة الأخيرة لكي أكون ~~قريبا من الباب استعدادا لتغيير القطار إلى آخر، هذا الفن من الركوب ms236 ~~في مكان معين من العربة الأولى أو الوسطى أو الأخيرة كي يكون النزول ~~منها قريبا من الباب الذي يؤدي إلى القطار الآخر. وكانت هناك فتاة ~~فرنسية بيضاء، ولكنها قصيرة، تركب القطار في العربة الأخيرة مثلي، ~~وتنزل قريبا من بوابة التغيير مثلي، وبعد عدة أيام نظرت لي وضحكت، ~~وبادلتها النظرات الخجولة، لا أعرف كيف أبدأ، كانت العبارات على لساني ~~كي أقول: «أنت تأخذين القطار في نفس الموعد مثلي، وتركبين العربة ~~الأخيرة مثلي، وتغيرين القطار إلى آخر من نفس البوابة مثلي.» لكن لساني ~~لم يتحرك، ولم أقل شيئا، وتوالت الأيام بنفس التجربة، كل يوم حتى غابت ~~عني، وغبت عنها. # وفي فرنسا وأنا في منزل «الولايات المتحدة الأمريكية» بالمدينة ~~الجامعية، التقيت بطالبة في حجرة الدراسة بالمنزل. كانت جميلة للغاية، ~~مبتسمة مع بعض الجدية. تنظر في الكتاب أمامها، وربما عقلها شارد. تفكر ~~في هذا الطالب الذي يجلس في الطاولة بجوارها، ولا يفرقهما إلا الممر ~~الضيق والذي يقسم حجرة الدراسة إلى قسمين، وأنا أنظر لها، وهي تنظر لي ~~ولكني لا أقوى على الكلام، وكان يكفيني أن أتأمل جمالها الإنساني. ~~وعندما تقوم وتخرج من الغرفة إلى المطعم ألاحظ رشاقة حركاتها وجسمها ~~الرشيق، وكان من السهل أن أصاحبها إلى المطعم، ولكني لم أفعل؛ لأنني لم ~~أتعود على هذه الطريقة التي في ظاهرها صداقة وفي باطنها ما بعد ~~الصداقة. # وفي يوم من الأيام رأيت طالبا مغربيا طويلا عريضا يأتي إليها في ~~غرفة الدراسة، ويصحبها إلى المطعم الجامعي، كان يأتيها باستمرار وكل ~~يوم يسأل عنها في مكتب الاستقبال؛ فتنزل إليه. حزنت لأنني لم أستطع ~~المبادرة قبل أن يظهر، كنت أكتفي بالنظر إلى الجمال وكأنني «نجيب ~~الريحاني» في فيلم «غزل البنات» وهو ينظر لليلى مراد مستمعا لصوت عبد ~~الوهاب: «وحب الروح مالوش آخر لكن حب الجسد فاني». # ولما انتقلت إلى البيت الألماني شعرت بفتاة نشطة حية ضاحكة، وهي ~~نفس المواصفات التي كانت موجودة في حبي العذري، الأول والثاني والثالث. ~~وبالرغم من سمارها وقصرها، تجرأت وكلمتها بالألمانية؛ فاستجابت، ~~وكلمها ألماني آخر؛ ms237 فاستجابت، وخرجت مع ألماني ثالث. كانت تبحث عن ~~زوج وليس عن صديق، وأنا لست مؤهلا لذلك، وكانت تبعث بالغيرة في نفس كل ~~من يصاحبها وعندي أيضا. وظللت أعاني من هذا الحب العذري ثلاث سنوات، ~~ثم عادت إلى ألمانيا. وبعد عدة سنوات لا أذكر سنتين أو ثلاث، عادت إلى ~~باريس في زيارة، وعرفت مكاني حيث كنت أقيم في منزل الطلاب الرياضيين ~~في «بول رويال»، وجاءت إلى غرفتي. كنت قد تغيرت في النظر إلى المرأة، ~~وعرفت عيوب الحب العذري ووجعه؛ الذي استمر معي لأربع سنوات منذ ~~1956-1960م. كانت تنظر إلي محاولة إغرائي، كنت قد تغيرت ولم يعد ~~للحب العذري عندي قيمة أو مكانته السابقة؛ فاستبدلته ليلتها بالحب ما ~~بعد العذري. # رجعت بعدها لألمانيا، وظلت تراسلني، تظن أنني هذا الحبيب القديم الذي ~~كان في البيت الألماني؛ فأرسلت لها رسالة بأنني لست الرجل الذي تريد، ~~وليست هي المرأة التي أريد؛ فتعجبت في آخر رسالة لها من الحبيب الذي ~~تغير وكانت تظن أنه ثابت على عواطفه الأولى، وهي لا تندم على اللبن ~~المسكوب، وانتهت علاقتنا سواء في مرحلة الحب العذري أو ما بعده. # وظللت فارغا من الحب العذري على مدى ست سنوات منذ 1960-1966م. وعشت ~~كما يعيش الطلاب الذين يودون قضاء وقت طيب في نهاية الأسبوع. # كان بجوار البيت الذي أسكن فيه بيت للطالبات المغتربات وفيه طالبات ~~مصريات، عادت واحدة منهن إلى مصر؛ لتكمل رسالتها في الدكتوراه؛ لأنها ~~لم تتحمل حياة الطالبات في فرنسا والتي كانت لا تستطيع أن تقضي عطلة ~~نهاية الأسبوع بمفردها، وطالبة أخرى أرادت الصمود في باريس لتقضي ~~نهاية الأسبوع في حجرتها، لا يكلمها أحد، ولا تكلم أحدا، لا ترجع إلى ~~مصر، ولا تعيش كما تعيش الطالبات في فرنسا، وبعد عدة سنوات دخلت مستشفى ~~الأمراض العقلية، يبدو أنه للكبت الذي عاشته، والاكتئاب الذي أصابها؛ ~~فلا هي أكملت دراستها، ولا هي تمتعت بحياتها. # كان الحب ما بعد العذري شائعا وسط الطلاب والطالبات كنوع من استكمال ~~الدراسة وتعلم الحياة، ولا حرج في تغيير الصديق ms238 لصديقته بعد انقضاء ~~وقتهما معا، سواء قصر أم طال؛ فلقد قضيا وقتهما، واستكملا الدراسة، ~~وتعلما الحياة، وزيادة في الخبرة، وتقوية الشخصية. # ولا حرج أن تترك الصديقة صديقها لنفس الأسباب، ولا يوجد اتهام ~~بالخيانة، ولا تهديد بالقتل كما يحدث في الأفلام المصرية، ولا حرج عند ~~العائلة أن تصطحب الفتاة صديقها إلى منزلها؛ ليقضي معها الليلة، ولا ~~حرج أيضا أن يصطحب الصديق صديقته إلى منزله لتقضي الليلة معه؛ إذ تظن ~~العائلتان أن الصداقة جادة، وتؤدي إلى الزواج، فلا زواج بدون صداقة ~~قبله، وإن كانت الصداقة لا تؤدي للزواج. # ويقضي الصديقان نهاية الأسبوع معا، يسبحان في ربوع البلاد خلال ~~الإجازات الطويلة؛ مثل عيد الميلاد، عيد الفصح، والإجازات الصيفية. ~~والصداقة ليست فقط متعة، بل هي معرفة. ويختار الصديق أو الصديقة ما هو ~~أنفع وأصلح لكليهما. # ازدادت معرفتي للغة الألمانية والقدرة على التحدث بها في البيت ~~الألماني حيث أسكن داخل المدينة الجامعية ومع صديقاتي الألمانيات، وما ~~أسهل التعرف على المرأة في المطعم الجامعي! فقارورة الماء مشتركة وكذلك ~~سلة الخبز، فيختار الطالب مكانه بجوار طالبة، يقدم لها الماء أو الخبز ~~بداية للتعارف. # فمنهن من تستجيب، ومنهن من تصرح مباشرة بأنها لا تحب الصداقة. ~~فيلتزم الطالب بقرارها، غير أنه قد يحاول مرة أو مرات أخرى حتى تقبل ~~الماء أو الخبز الذي يقدم لها وتستجيب للقهوة فيشربانها معا في مقهى ~~المطعم حيث يعزمها عليها دافعا ثمنها الزهيد. # ويمكن التعرف على المرأة أيضا في المقاهي عندما تجلس المرأة بمفردها ~~فيأتيها الرجل ليحييها ويستأذن للجلوس بجوارها، فتقبل ويتحادثان، أو ~~ترفض فينسحب ويغادر إلى مائدة أخرى . فالمقهى في فرنسا جزء من الحياة ~~الاجتماعية، كما كان المقهى في عصر نجيب الريحاني وسيد درويش في شارع ~~عماد الدين. ولم تكن السينما مكانا أوليا للتعارف لاحترام المشاهدين ~~والالتزام بعدم الكلام أثناء العرض. إنما يمكن التعارف أثناء الخروج أو ~~الدخول أو أثناء قطع التذاكر أو حتى أثناء الاستراحة. # فكان يمكن كذلك التعارف في الحدائق العامة، خاصة حديقة لوكسمبورج في ~~وسط الحي اللاتيني وحول النوافير «الفسقيات» ms239 التي يضع الأطفال فيها ~~مراكبهم الورقية، فيساعد الشاب الطفل ويلاعبه وقصده ملاعبة الأم ~~والتقرب إليها. # وقدم لي مرة مصري انتهى من دراسته وسيعود إلى الوطن، قدم لي ~~صديقته الفرنسية والتي كانت تدرس الموسيقى؛ ففرحت لأننا سنتعاون معا ~~على دراسة هذا الفن، وأين سيكون التعاون إلا في منزلي أو في منزلها. ~~فجاءت إلى منزلي مرة لكي ندرس النوتة الموسيقية، وتأخر الوقت فقالت: ~~«لقد تأخر الوقت، أحب أن أقضي الليلة هنا.» لم أفهم جيدا ماذا تعني! ~~فاعتذرت وقلت لها «إن المترو ما يزال يعمل»؛ فخرجت محبطة. # وبعد وقت ليس بالطويل فهمت قصدها، وكنت أنا في طريقي للتغير من الحب ~~العذري إلى الحب ما بعد العذري؛ فذهبت إليها لكي نكمل دروس الموسيقى، ~~واعتذرت لها عما بدر مني عندما كانت عندي؛ ففرحت. وتركت الموسيقى، ~~وتهيأت إلى غيرها. وكانت تلك المرة الأولى التي يتم فيها هذا التحول ~~عندي. # وفى شهر أغسطس كانت المدينة الجامعة الرئيسية في «بولفار جاردان» ~~تغلق لعدم وجود طلبة وطالبات في هذا الشهر. وهي قمة الإجازة الصيفية، ~~ويرسل الطلبة الباقون إلى مدينة جامعية أخرى في جنوب باريس في ~~الطريق إلى مطار «أورلى» الأول قبل بناء مطار «شارل ديجول» في شمال ~~باريس. وكانت المدينة تسمى «أنطوني». ويعطى لكل طالب وطالبة غرفة ~~بديلة عن غرفهم في المدينة الجامعة المغلقة، وكان جاري بالمصادفة ~~أفريقيا طويلا ورفيعا. جاءته صديقته الفرنسية الطويلة البدينة في ~~نهاية الأسبوع ولم تجده في الغرفة. وبعد أن نقرت على الباب عدة مرات ~~ولم يفتح لها، نقرت على بابي؛ لتسأل عن صديقها الجار الأفريقي؛ ~~فأخبرتها بأنه ربما ما زال في المطعم وأنه سوف يحضر حالا، وبدلا من ~~أن أدعوها للجلوس في غرفتي انتظارا لصديقها تركتها واقفة على الباب ~~وهي متململة حتى جاء جاري وشكرني على حسن الرعاية لصديقته، وظللت أفكر ~~هل هذا الشكر سخرية مني لأنني لم أدعها للانتظار عندي، وتركتها واقفة ~~على باب غرفته؟ أم أنه شكر حقيقي؛ لأنني أخبرتها أنه سيأتي حالا، ~~وجعلتها تنتظر حتى لا تتركه وحيدا في نهاية الأسبوع؟ ms240 وأنا على مكتبي ~~أكتب الصياغة الأولى للرسالة. وحزنت على نفسي أنني في نهاية الأسبوع ~~أعمل ولا أروح عن نفسي مثل جاري. # وفي المساء عندما أظلم الليل وجدت نافذة في المنزل المقابل للمنزل ~~الذي أقيم فيه تطل منها فتاة برأسها، وكان على مكتبها مصباح. وكانت ~~تعمل مثلي. فأطفأت مصباح غرفتي وأشعلته عدة مرات؛ فقامت هي بنفس ~~الشيء، أطفأت مصباحها وأشعلته عدة مرات. وكان يمكن أن أشاور بيدي أن ~~تأتي إلي في المدينة الجامعية والتي كان يسهل الوصول إليها عن طريق ~~كوبري علوي فوق الطريق السريع. وظللت أقوم بهذه اللعبة إطفاء المصباح ~~وإشعاله عدة مرات حتى ضجت وأنزلت ستار شباكها. كنت قد تعلقت بها دون ~~أن أراها ودون أن تراني، واكتفيت بلعبة الأطفال. # وفي البيت الألماني تعرفت على صديقة أمريكية في المدينة الجامعية، ~~وبما لدي من خبرة سابقة دعوتها إلى غرفتي لكي نتناول معا القهوة؛ ~~فاستجابت، وبمجرد دخولها الغرفة وضعت يدي عليها، وتم المراد دون أن ~~ألمسها ثانية؛ فاستغربت، وخرجت محبطة، شقية. وانتابني أنا أيضا ~~الإحباط والخجل، كل ذلك كان بمثابة خبرة اكتسبتها؛ فلقد خرجت من بيئة ~~مصرية لا تؤهل للتعليم، وعشت أربع سنوات في فرنسا، والبيئة المصرية ما ~~زالت تحاصرني. # ويوم الجمعة مساء من كل أسبوع يكون هناك حفل راقص غنائي موسيقي ~~نقيمه في بدروم المنزل الألماني، وبعد أن نرسم حوائطه الزجاجية بكل ~~الألوان والصور من إبداع الطلبة والطالبات، وكانوا يشربون البيرة، ~~ويكتبون ما يشربون في بطاقة يتم دفع الثمن آخر الشهر. # فهاجت في نفسي موهبة الرسم، وكنت أقوم بالرسم على الحوائط الزجاجية ~~رسومات خيالية لنساء ضاحكات، فاتحات الأذرع، منكوشات الشعر، متهيآت ~~للقاء. وكان الطلبة والطالبات معجبين بهذا الرسم الخيالي، يحفزهم على ~~الانبساط والفرح، وكذلك مدير المنزل الألماني الدكتور الجامعي كان ~~سعيدا بهذه الموهبة، وأثناء الرقص والشرب والغناء والصياح، كنت أجلس ~~بجانب المائدة الصغيرة، وأنا أنظر إليهم. فشدتني طالبة وقالت لي: ~~«لماذا أنت جالس هكذا؟ قم، تعال ارقص معي!» قلت: «لا أعرف كيفية ~~الرقص.» قالت: «سأعلمك.» فقمت بين ذراعيها تتجه يمينا ms241 وأنا يسارا. ~~فإذا اتجهت يسارا، اتجهت أنا يمينا؛ فتعجبت من هذا الريفي المثقف! ~~لأن صورتي في المنزل كانت العاشق للندوات الثقافية والتي كنت أحرص على ~~حضورها وتنظيمها؛ لأنني كنت الفيلسوف الوحيد في هذا المنزل. وكانت ~~تناديني «يا ابني» حتى تشجعني كما تشجع الأم ابنها وتبتسم، وكانت هي ~~التي تتبع خطواتي، وفي آخر الحفل تنتظر حتى تأتي مرحلة ما بعد الرقص، ~~وإطفاء الأنوار، ولكنني وقفت ساهما لا أتحرك نفسيا؛ لأنني لم أقاوم ~~من أخذ حبيبتي مني! # ويوم السبت مساء يجلس طالب أو طالبة في مدخل المنزل على مكتب ~~الاستقبال، يغلق باب المنزل بعد العاشرة مساء. فإذا أتى طالب أو ~~طالبة متأخرا يدفع غرامة تبلغ قيمتها فرنكا واحدا نظير أن يفتح له ~~الباب، وكان دخل من يفتح الباب حوالي خمسة فرنكات في الليلة. # وكان الطلبة والطالبات يحبون الجلوس على مكتب الاستقبال خاصة نهاية ~~الأسبوع؛ لأن المتأخرين كثيرون، أما وسط الأسبوع فلا يأتي أحد متأخرا؛ ~~نظرا لحضور المحاضرات في الصباح المبكر والعمل بجدية. وينال جائزته ~~فقط في نهاية الأسبوع. # وكنت من الذين يجلسون في نهاية الأسبوع على مكتب الاستقبال؛ كي يزيد ~~دخلي واعتدت شرب «البيرة» في هذه الحفلات الراقصة دون أن أدون ما أشرب ~~في البطاقة لضعف دخلي الشهري. # وكنت أعزف الكمان في الدور الأرضي، وفي الغرفة المجاورة كانت طالبة ~~ألمانية تعزف «الهارب» وهي آلة مصرية قديمة، فتوقفنا عن العزف في نفس ~~اللحظة، وخرجنا من الباب في نفس اللحظة في الطرقة، وتقابلنا وقالت لي: ~~«لقد مللت من العزف، أريد أن أفعل شيئا آخر.» فأخذت أشرح لها أن ~~الإنسان لا يمل من الموسيقى، وأنها إن استراحت دقائق تنشط إلى العزف ~~من جديد. قالت: «ولكني أريد العودة إلى غرفتي، تعال معي؛ لنتحدث عن ~~الموسيقى.» قلت لها معتذرا: «لكني سأستمر في العزف.» غادرت وهي غاضبة، ~~ثم أدركت في نفس الوقت أن إجابتي برغبتي في استمرار العزف لم تكن ~~موفقة، وحاولت أن أقابلها من جديد لكي أعتذر لها ولكن اللحظة المناسبة ~~لم تأت، ويبدو أن العلاقة إن ms242 فات موعدها لا تعود من جديد؛ فالموسيقى ~~لحظة فن قصيرة، أما القراءة فزمانها طويل. وكانت العادة في البيوت ~~الجامعية أن تقام انتخابات للأسر الطلابية لتنظيم النشاط الثقافي ~~والفني في المنزل، وفي إحدى السنوات انتخبني الطلاب رئيسا لإحدى هذه ~~الأسر الثقافية الفنية. وكان من بين الطلاب طالب ألماني يدرس التمثيل ~~الصامت مع أشهر ممثل صامت في فرنسا في ذلك الوقت «جولدي بارو». طلبت ~~منه أن يشارك معنا بأمسية ثقافية يقوم فيها باستعراض لقطات وعرض لفن ~~التمثيل الصامت، فقام بعرض «السجين». وكانت تحكي قصة سجين معتقل يحاول ~~التحدث مع حوائط السجن والتعرف على ثغراتها لعله يجد مخرجا، وكان يمثل ~~أنه يسير على قدمين متعبتين، يتلمس الجدران المصمتة لعله يجد فرجة ~~يخرج منها فارا إلى الحرية. # وذات يوم زار رئيس جمهورية ألمانيا فرنسا وقابل ديجول في مهمة ~~رسمية، فدعاه الدكتور الألماني مدير المنزل لزيارة البيت الألماني ~~ومقابلة الطلاب، ولما كنت رئيس الاتحاد كان من واجبي أن ألقي خطابا ~~بالألمانية ترحيبا بالرئيس، فاستعجب كيف يكون طالبا غير ألماني يلقي ~~خطاب ترحيب لرئيس ألماني نيابة عن الطلاب الألمان في بيت ألمانيا ~~الجامعي، وتعجب من قدرتي وإجادتي للغة الألمانية، فشرح لي رئيس البيت ~~أنها قواعد الديمقراطية، يتعلمها الطلاب، وهي المساواة بين الطلاب ~~الأجانب والألمان، لا فرق بينهم في بيت الطلبة الألماني. وتساءلت متى ~~يزور الرئيس المصري فرنسا؟ ويزور بيت الطلبة المصريين الذي عرف باسم ~~منزل الطلبة الأرمن، ويحاول استعادته لمصر؟ # وتعرفت على فتاة ألمانية، لم تكن طالبة ولكنها كانت تعمل بإحدى ~~المستشفيات كممرضة، ودعاها صديقها الألماني إلى الحفل الراقص. ويبدو ~~أنه لم يكن مهتما بها كثيرا. فجلست بجواري، وتحدثنا بالألمانية ~~والتي كنت أجيدها تماما في ذلك الوقت، واتفقنا على أن نتقابل بعد ~~نهاية الحفل، في اليوم التالي وكانت هذه الفترة هي التي انتقلت فيها من ~~المدينة الجامعية في الحي الرابع عشر بعد انتهاء مدة الأربع سنوات ~~القانونية، انتقلت إلى مسكن الطلبة الرياضيين في «بور رويال». وكان شرط ~~بقائي الوحيد هناك أن أمارس السباحة، وكان حمام السباحة ms243 في الدور ~~الرابع تحت الأرض. # وفي اليوم التالي كنت قد انتقلت بالفعل، فجاءت لزيارتي في المنزل ~~الجديد، وأعجبت بلغتي الألمانية الواضحة السليمة. دعوتها إلى الغداء ~~أكثر من مرة في مطعم الجامعة حتى اطمأنت لي تماما؛ فساعدتني في ~~الانتقال من مرحلة الحب العذري إلى ما بعدها على مدى عدة سنوات؛ خمس ~~سنوات أو أكثر. # ودعتني إلى زيارتها في منزلها في ألمانيا والتعرف على أسرتها والتي ~~كانت مكونة من الأم والأخ. وكان أخوها صاحب مزرعة، كما كان يربي ~~الخنازير التي تأكل «الردة» وهي قشور القمح المعجونة باللبن، وكان لون ~~جلدها بين البياض والحمرة. فتعجبني وأتساءل: «ولم تحريمها؟» وسمعت ~~«خنخنة» صوت الخنازير. وسألت في الصباح: «ما هذه الأصوات التي سمعتها ~~ليلا وما سببها؟» فقيل: «إنهم اللصوص، يحاولون السرقة.» فقلت: «وأين ~~الأخ للدفاع عن المزرعة؟» قيل: «إنهم قتلة، ولا يضيرهم قتل من يوقفهم، ~~فمن الأفضل أن نتركهم يأخذوا خنزيرا أو اثنين على أن يقتلوا صاحب ~~المزرعة.» # ثم جاءت يوما لتزورني في مصر بحجة الذهاب لزيارة الأقصر وأسوان. ~~ودعوتها إلى الغداء في المنزل الذي أقطن فيه مع والدي ووالدتي وشقيقتي ~~الصغرى والتي لم تكن تزوجت بعد. فلما وجدت الأسرة أنها «بنت حلال» ~~سألتها والدتي: «لماذا لا تتزوجين ابني؟» فقالت: «اسألوه هو لماذا لا ~~يتزوجني؟» فلم أجب؛ فلقد كان عندي مبدأ هو التعرف على أكبر قدر من ~~الصديقات الأجنبيات ولكن الزواج من مصرية، فلو تزوج جميع الطلبة ~~المبعوثين إلى الخارج من أجنبيات فلمن نترك بنات البلد المصريات؟ وقد ~~يكون هناك استثناءات؛ فطه حسين تزوج من أجنبية تساعده على القراءة ~~والكتابة. # وزارت صديقتي الألمانية الأقصر وأسوان، وصاحبتها إلى الإسكندرية. ~~ورجعت إلى فرنسا وهي مبهورة بمصر وشعبها ورجالها، وظلت تراسلني كلما ~~وجدت اسمي موجودا في الصحف الفرنسية لنشاطي الثقافي والسياسي في مصر، ~~وكنت أرد على رسائلها باهتمام. وبعد عدة سنوات قد تزيد على العشر ~~وأثناء زيارة لي لفرنسا، رأيتها وقد بدت عليها آثار الزمن، وظلت بلا ~~صديق، بلا زواج، إخلاصا لصديقها المصري وإن لم يتزوجها؛ فدمعت ~~عيناي. # ولما ms244 كانت غرفتي في بيت الطلبة الرياضيين مزدوجة؛ وضعت ستارة لتفصل ~~بيني وبين زميلي المصري الذي يتقاسم معي الغرفة، وكان يذهب في نهاية كل ~~أسبوع يزور صديقته الروسية، ويقضي العطلة معها. وفي يوم كان الوقت ~~ليلا سمعت طرقا على الباب، فلما فتحت وجدت صديقته الفرنسية جاءت ~~لتبحث عنه؛ فأخبرتها بغيابه. فطلبت أن تمضي الليلة معي في الغرفة ~~مكانه حتى الصباح، وأزاحت الستارة التي تقسم الغرفة حتى أصبحنا في ~~غرفة واحدة كبيرة. خلعت حذاءها، ثم استلقت على السرير، وأنا جالس ~~على مكتبي أقرأ وأكتب. وبعد مدة سألتني: «متى تنتهي من المذاكرة؟» ~~فأجبتها: «عندما أتعب.» فجاءت ناحيتي، وضمتني إلى صدرها. وقالت: «ألم ~~تتعب بعد؟» فقلت: «أنت صديقة صديقي.» فأجابت: «كلاكما عندي سيان، من ~~يدخل البهجة إلى حياتي يكون هو الصديق، الحاضر هو الصديق، والغائب لا ~~صداقة ولا مكان له عندي.» فعشت لحظتها صراعا بين الوفاء لصديقي وبين ~~الاستجابة لها، خاصة وأن صديقي كان عند صديقته الأخرى. فمكثت عندي ~~حتى الصباح، وغادرت اليوم التالي وهي مبتهجة وسعيدة. # في يوم ما رأيت طالبة تقف عند باب منزل الطلبة الرياضيين، كانت ~~سمراء البشرة، قصيرة الطول، وقليلة الحجم، ولكنها كانت ضاحكة، تتحرك ~~يمينا ويسارا كانت تبحث عن شيء لا أراه. فسألتها: «عن أي شيء ~~تبحثين؟» فقالت: «أبحث عن صديقي المغربي.» فقلت: «هل هناك موعد معه؟» ~~قالت: «لا، ولكنه يسكن هنا.» فسألتها: «هل تعرفين اسمه؟» قالت: «لا.» ~~فدعوتها إلى الصعود إلى غرفتي فهناك طلاب مغاربة كثر يقيمون في نفس ~~الطابق؛ فصعدت، ودخلت معي الغرفة، وكان الطابق خاليا هادئا. وأعجبتني ~~حيويتها وقلة حجمها، فسألتها : «من أين أنت؟» قالت: «من فنزويلا.» قلت: ~~«نعم بلد النفط.» # طلبت أن تنتظر عندي حتى يأتي صديقها. ولكنه لم يأت، وطال الانتظار، ~~واستلقت على السرير، وفي آخر عبارة سألتني: «هل أهون عليك أن أغادر ~~الآن؟» فقلت: «لا بالطبع، أهلا وسهلا بك.» ثم غادرت في الصباح وهي ~~مبتهجة وسعيدة «مبسوطة». وبقيت أنا أفكر في أمريكا اللاتينية، وقد كنت ~~من أنصار العالم الثالث. ثم عدت إلى مصر، ms245 وعشت في البيئة التي تمنع ~~حرية الفرد وصدقه مع نفسه ومجتمعه، وما زالت في ذهني ذكريات باريس. ~~وتعرفت على طالبة ألمانية، كانت كبيرة الحجم، ريفية الطبع، تدرس ~~الأدب الفرنسي. أتت إلى باريس في منحة لمدة سنة واحدة، كانت تعيش في ~~منزل الطلبة الألماني والذي كنت قد غادرته، وكانت قادمة من مدينة تقع ~~على الحدود الفرنسية الألمانية، تعيش بمفردها هي وأمها، وكانت تعود إلى ~~ألمانيا مرة كل شهر أثناء دراستها بفرنسا؛ لتطمئن على أمها. وذات يوم ~~دعتني لزيارة ألمانيا، لأتعرف على أمها، وجدتهما كما توقعت؛ فلاحتين ~~ريفيتين طيبتين، يصعب على أي إنسان أن يتلاعب بهما أو يستغل علاقته ~~بهما. وبسرعة اعتقدت أنني سوف أطور معها الحب إلى ما بعد العذري ثم إلى ~~زواج دائم، ظنت أنني أفضل أن أعيش بألمانيا معها؛ فكتبت إليها أنني ~~لا أستطيع أن أفارق مصر للأبد، وإذا كانت تريد الارتباط بي فعليها أن ~~تأتي هي إلى مصر، وتعريفها بوالدي وإذا أعجبتهم فساعتها يمكن أن ~~أرتبط بها. فردت على الرسالة غاضبة، وقالت: «أيها الساذج كيف تقول ~~هذا؟» ولم أقل لها إنني قلت ذلك حتى أقضي على أي أمل لديها في ~~الارتباط؛ بمعنى «أطفشها». # وتعرفت على صديقة شقيقتي الصغرى، وكانت تسعى للحصول على تأشيرة ~~خروج، كانت تود العمل في الخارج، وأتعبها موظفو الأمن في المجمع، كل ~~منهم له أسبابه الوظيفية والشخصية، وكان البعض يريد أن يصادقها، يدعوها ~~للخروج معه، ثم يدعوها لمنزله. فكانت ترفض، وبالتالي كانوا يأجلون ~~الموافقة على إصدار التأشيرة. وحاولت مرة أن أزورها في بيتها، قابلني ~~البواب سائلا: «إلى أين يا أستاذ ؟» فأحرجت في الإجابة، ثم وجدتني ~~أتأسف له بأنني أخطأت في عنوان المنزل ورقمه. # وكانت الجامعة في مصر هي المكان الطبيعي الذي يمكن أن أعثر فيه على ~~شريكة للحياة وزوجة للمستقبل، فقد كنت قد بلغت أوائل الثلاثينيات وهو ~~عمر طويل للباحثين عن الزواج. وقد كانت الأقرب لي معيدة في أي قسم من ~~أقسام الكلية، تعرف واجبات العلم وانشغال العلماء. وكان قسم الصحافة ما ~~زال قسما بكلية ms246 الآداب قبل أن تشيد كلية الإعلام فينتقل إليها. ~~وكانت أول دفعة تخرجت منه ثلاث فتيات مؤهلات للدكتوراه ليكن نواة ~~لأساتذة بالقسم دون الاستعانة بأساتذة من أقسام التاريخ واللغة العربية ~~أو كليات الحقوق والعلوم السياسية. تخرجت ثلاث معيدات وشددن انتباهي؛ ~~إحداهن بجمالها، وبالرغم من صغر وقلة حجمها، كانت تسبح ذات يوم في حمام ~~سباحة نادي التوفيقية كالسمكة الفضية عندما تعكس الشمس أشعتها عليها، ~~ولما رأت الإعجاب في عيني أخبرتني أنها متزوجة من ضابط وتفكر في ~~الانفصال عنه، كان ما زال لي ترسبات وتراكمات شرقية، منها أن زوجة ~~المستقبل لا بد أن تكون عذراء، فلم أستطع التقدم لهذه المعيدة التي ~~تنوي طلب الطلاق من زوجها. # كان أحد المعيدين يحبها، وفي ليلة ليلاء سهرنا ثلاثتنا في منطقة ~~الأزهر والحسين. اشترينا لها عروسة المولد النبوي، فضمتها على صدرها، ~~وذهبنا بعدها إلى منزل المعيد، فرقصت لنا حتى الصباح. لم تستمر العلاقة ~~بينهما طويلا؛ لأن المعيد هاجر إلى الخارج. وما زال مهاجرا لم يعد ~~ولم يسمع أحد عنه خبرا، وربما غادر هذه الدنيا. وتركت أثرا ~~رومانسيا في قلبي ما زال حتى الآن عندما تراني أو أراها، أو تتصل بي ~~هاتفيا، أو أتصل أنا بها في إحدى المناسبات. تزوجت مرتين بعد ذلك، ~~وهي الآن جدة لها أحفاد. # وكانت هناك معيدة أخرى جميلة ولكنها منطوية على نفسها عكس المعيدة ~~السابقة؛ فخشيت منها؛ فأنا لا أريد فقط ربة منزل، ولكني أريد رفيقة ~~عمر وشريكة درب، وأنا منفتح على العالم، فلا بد أن تكون هي الأخرى ~~منفتحة على العالم. # كانت رقيقة، منخفضة الصوت، وأنا أريد زوجة قادرة على الدخول في ~~المناقشات والحوار الذي يحتاج إلى بعض الصلابة والقدرة على المحاورة ~~والمواجهة. ومع ذلك ظلت تثير في العواطف الرومانسية الأولى. # وكانت هناك المعيدة الثالثة، ذات شعر أسود، وذات قامة تميل إلى ~~الطول، وكانت ذات بشرة سمراء. لم تبتسم مطلقا، لم أرها تداعب أحدا، ~~أو تمازح الآخر من الزملاء؛ فانقبض قلبي منها، وأنا الضحاك المهزار، ~~المازح، المداعب، صاحب النكات. كانت تنظر إلى ms247 الأرض. وأنا الناظر إلى ~~السماء. # تعرفت على عميد دار العلوم الذي يقع بحي المنيرة، وتقول الرواية إن ~~له ابنتان؛ الأولى شقية، مرحة، حية، جذابة؛ والثانية أكثر هدوءا ~~واستقرارا ورزانة. وكأنني بين عائشة وخديجة في رواية «بين القصرين» ~~لنجيب محفوظ. لم أرهما، ولكن هكذا كانت تقول رواية أحد الأصدقاء بدار ~~العلوم. وكيف أحب الغائب؟ وكيف يحب القلب ما لا يراه؟ تساءلت وفكرت ~~مهما كانت مسافة القرب والبعد، ومهما قيل كما في الأغنية الشعبية: ~~«القريب منك بعيد، والبعيد عنك قريب» لنجاة، تظل حرارة اللقاء ~~غائبة. # وفي مرة أخرى كنت أصحب أستاذا في التصوف الإسلامي كما كان يفعل أحد ~~الأساتذة من قبل، من بيته إلى الكلية، وكنت أقدر له أنه لم يعطني ~~درجة سيئة في البحث المفروض على قسم الامتياز بالسنة الرابعة، والذي ~~كان موضوعه «المعرفة والسعادة عند الغزالي» وكنت في ذلك الوقت ضد ~~الغزالي؛ فالمعرفة عندي عقلية وليست تذوقية، والسعادة عندي في التمرد ~~وليست في الرضا. ورفضت المقامات والأحوال عند الغزالي. فجاء الأستاذ ~~بمقص وجعلني أقص هذه الخاتمة وأبقي على العرض فقط؛ فخرجت غاضبا، ~~وأغلقت خلفي الباب بعنف. # وكانت له ابنة تقف بين غرفة الاستقبال وغرفة المعيشة، رأيتها عدة ~~مرات، لم تكن جميلة ولا بيضاء، بل كانت قصيرة سمراء، فلم تدخل قلبي، ~~ولا أثرت في وجداني، وفي أحد الأيام قابلتها في المجلس الأعلى للثقافة، ~~ويبدو أنها كانت تعمل هناك، فسلمت علي وقالت: «ألا تذكرني؟» قلت: ~~«لا.» قالت: «أنا ابنة الأستاذ الجامعي.» فرحبت بها، يبدو أن ~~الذكريات لا تكون إلا نابعة من القلب. # وعندما كنت أذهب إلى العطوف لأنادي على صديقي وأصحبه إلى معهد شفيق ~~الموسيقي لتعلم العزف على الكمان، كنت أنادي عليه باسمه من أسفل ~~المبنى؛ فكانت شقيقته ترد علي من فوق. # وبعد عودتي من فرنسا اكتشفت أنها لم تتزوج بعد، وحينما كنت أزور ~~صديقي أصعد إلى شقته، كانت تأتي للسلام علي، كانت قصيرة وممتلئة ~~القوام، ولكن كانت بيضاء البشرة. لم يكن في ذهني الارتباط في هذا ~~الوقت، ولكنني كنت مشغولا بالاستقرار ms248 في مصر وتعييني بالجامعة، وتوفير ~~مبلغ من المال أستطيع به أن أكون لوازم الزواج. # ومرة أخرى ذهبت لزيارة صديقي الإخواني والمخلص للجماعة أيما إخلاص، ~~كنت قد سمعت أنه قد تم إلقاء القبض عليه ثم الإفراج عنه. فذهبت لزيارته ~~في منزله بالقرب من قصر عابدين، وكان دكانه أسفل المنزل، كنت أنادي على ~~صديقي من تحت، كانت تنزل شقيقته، كانت جميلة بيضاء، وكأن جسمها قطع ~~من البلور. كانت تصر أن أصعد، وتجذبني لأعلى مرحبة بي، كنت أقاوم ~~وأضع يدي على سور السلم وأمسك به، فكانت تحزن لأنني لم أكن أود الصعود، ~~كانت تريد أن تجلس معي وتعرفني على عائلتها، بالإضافة إلى الأب الذي ~~كنت أراه يقوم بعمله في الدكان، كنت أود أن أستجيب ولكن ظل المعوق كما ~~هو، لا مال ولا عمل ولا سكن لكي أفكر في الارتباط. كنت مهموما بالبحث ~~عن عمل وانتظار قرار التعيين بالجامعة، وكنت مهموما بمحنة الوطن بعد ~~هزيمة 1967م. أحمل هم الفكر والوطن من ناحية والحب والجمال من ناحية ~~أخرى. وهي هموم أتمنى أن أشاركها مع زوجة المستقبل؛ نحمل العناء ~~المشترك معا، فلم السرعة في الاختيار؟ # ومرة كنت في محاضرة عامة بها حضور كثر من المشايخ وعلماء الأزهر، ~~وأنا خارج من باب القاعة رأيت شيخا كنت أعرفه من قبل يمثل الجانب ~~اليساري من الفكر الإسلامي للعلماء. ففرحت لرؤيته وكانت معه ابنته، ~~وكانت متوسطة الجمال على وجهها مساحيق لتزيد من جمالها. وهو لا يعبأ ~~بنظرة زملائه المشايخ إليه، فقد كان من المتحررين من نقد المحافظين له، ~~كان ينتظر أن تأتي مني مبادرة تخص ابنته وأنا من التقدميين مثله، كان ~~عقلي وقلبي ما زال في المحاضرة التي ألقيتها للتو. لم أكن أستطيع ~~التفكير في موضوع آخر. # وكانت هناك معيدة بقسم اللغة الفرنسية على قسط متوسط من الجمال، ~~وقامة ممشوقة، متوسطة بين النحافة والبدانة، قدمها لي أحد أصدقائي ~~بقسم اللغة العربية شفهية، وكان والدها من الطبقة العليا، لم تتح لي ~~الظروف لمقابلتها على نحو طبيعي حتى أستطيع التعرف عليها، ولكننا ms249 ~~تقابلنا في فناء الكلية، نظرت إليها وهي تبتعد، وبادلتني النظرات بعد ~~أن ابتعدت، والتقت النظرتان، وانتهى الأمر عند هذا الحد. # وكانت هناك زميلة دراسة بقسم اللغة الفرنسية أقرب إلى السمار، ذات ~~شعر أسود فاحم، أقرب إلى القصر منها إلى الطول، ومن النحافة منها ~~إلى البدانة، عرفتها في باريس أثناء الدراسة، وعادت إلى القاهرة قبلي. ~~أتاني مرة زميل مصري يسأل عنها؛ فأخذته إليها في منزل الطالبات ~~المجاور لمنزلي ولا أعرف لماذا كان يسأل عنها، وهل تزوجها أم لا! ~~ولكنها انتقلت إلى رحمة الله بعد أن أصبحت أستاذة بالقسم الذي تنتمي ~~إليه. # وفي يوم وأنا جالس يرافقني أعز أصدقائي في قسم اللغة العربية جاءت ~~فتاة نحيلة بيضاء تسأل عن شيء ثم غادرت، ولكن صورتها انطبعت في ذهني؛ ~~فأخبرني صديقي بعد أن سألته عنها، قال: «إنها فتاة تدرس بالدراسات ~~العليا، وتعد رسالة الماجستير.» ورأيتها مرة أخرى تدخل المدرج الكبير ~~بالكلية لحضور مناقشة رسالة لأحد الأصدقاء، فتأكد انطباعي الأول، كانت ~~رسالتها عن «يعقوب صنوع»، وكان في بعض مسرحياته بعض العبارات الفرنسية، ~~فسألت مشرف رسالتها عن أحد يساعدها في ترجمة هذه العبارات، فأخبرها أن ~~هناك شابا عائدا من فرنسا مؤخرا يستطيع أن يساعدها، فاتصلت بي. ~~وتواعدنا في مكتبة الكلية، وتلاقينا عدة مرات، وأنا أترجم لها العبارات ~~الفرنسية. كانت تجلس بجواري وأرى وجهها من الجانب الأيسر، وكان يجذبني ~~ظل العيون الأزرق فوق جفنيها. # وفكرت كيف أبدأ هذا المشوار الطويل؟ فطلبت من أحد الأصدقاء في قسم ~~اللغة العربية، والذي كنا حضرنا مناقشة رسالته للدكتوراه من قبل، أن ~~يصحبني لبيتها كي يعرفني على أهلها ؛ ولأنني خجول لن أذهب بمفردي. ~~وجاءت معه زوجته، ولم أكن أعرف أي هدية أحضرها لها في أول زيارة. ولما ~~كانت نحيفة ظننت أنها تحتاج إلى غذاء، فذهبت إلى شارع التوفيقية. ~~واشتريت من الفرارجي بطة، وتساءلت بيني وبين نفسي: ما قيمة «بطة» فهي ~~يشتريها كل الناس؟ بطتي لا بد أن تكون مميزة، فطلبت من البائع أن أشترى ~~لها شريطا أحمر، نربطه حول رقبتها على شكل ms250 «فيونكة». فأرسل البائع ~~صبيه إلى المكتبة المجاورة ليشتري شريطا أحمر كما طلبت. ولما طلبت من ~~الصبي أن يلف الشريط حول رقبة البطة على شكل «فيونكة» رفض الصبي، فلطمه ~~البائع على وجهه وقال له: «وأنت مالك، الزبون عاوز كده.» وطلبت من ~~البائع أن يضع البطة في حقيبة صغيرة من الورق المقوى. وكانت تطل البطة ~~برأسها خارجها. # وركبنا أنا وصديقي وزوجته من ميدان التحرير، ووصلنا إلى ميدان الحجاز ~~حيث تسكن الحبيبة، ولما دخلنا ووضعنا الحقيبة الورقية على الأرض نطت ~~البطة خارجها وهي «تكاكي». فزعت أم حبيبتي؛ فشرحت لها أنها هديتي. ~~وتعرفت على أخت حبيبتي وأولادها الثلاثة، وكانت الحبيبة قد مهدت ~~لأسرتها من قبل عن سبب الزيارة، ثم دعتني والدتها بعد ذلك إلى الغداء، ~~وكانت البطة التي أحضرتها، وذهبت وأنا خجول لأنني كنت أتناول الطعام في ~~منزل لم أتعود عليه، ومع عائلة تعرفت عليها لأول مرة. # وقبل إتمام الخطبة، دخلت صديقتي المستشفى لإجراء عملية جراحية وكنت ~~خجولا كالعادة، اصطحبت معي أخي والذي كان أستاذا لها في قسم اللغة ~~العربية وزوجته المذيعة التليفزيونية لزيارتها في المستشفى وتهنئتها ~~بنجاح العملية وتمنيت لها الشفاء العاجل؛ فعرفت هذه المرة أن من ~~ينوي طلب يدها إنه شخص جاد، وكانت تبتسم، وعرفت جديتي في الارتباط ~~بها، وبعد تلك الزيارة بدأت إجراءات الإعداد للخطوبة. # وكانت على موعد لرحلة إلى مرسى مطروح مع الكلية أو بيوت الشباب لا ~~أذكر! أرسلت إليها رسالة أعبر فيها عن أشواقي وتمنياتي بالعودة ~~السريعة، وما زالت تحتفظ بهذه الرسالة حتى اليوم، وأحضرت معها من هذه ~~الرحلة هدية صغيرة لي؛ كأسا من البلاستيك الملون الأخضر المحاط ~~بزخارف صفراء توضع فيه الورود، وما زالت لدينا حتى الآن محتفظين بها ~~للذكرى، ودون أن نتنبأ أنه سيخلد في هذه الذكريات. # وبينما أنا أتعرف على زوجتي الحبيبة وعرفت بعد صحبة قصيرة أترجم لها ~~بعض العبارات الفرنسية الواردة في مسرح يعقوب صنوع؛ موضوع رسالتها ~~للماجستير، دعوتها إلى حضور حفل أوبرا عايدة الذي كانت تقيمه الفرقة ~~المصرية للموسيقى والأوبرا تحت سفح الهرم الأكبر، ms251 وكان الجو صيفيا ~~مريحا، وبعد الانتهاء من غناء راداماس وعايدة عند القبر بعد الحكم على ~~قائد الجيش المصري لوقوعه في حب عايدة ابنة إمبراطور الحبشة المهزوم ~~بعد الحكم عليه بالإعدام، قابلنا عند خروجنا الدكتور الأهواني، أستاذ ~~الأدب العربي بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، وهو أيضا خارج من ~~نفس المسرح المكشوف، حياني وسألني: «هل هذه خطيبتك؟» وكان يعلم أنني ~~رجعت من فرنسا حديثا ولم أتزوج بعد. فاحترت ماذا أقول! خطيبتي! ونحن ~~لسنا مخطوبين بعد، زوجتي! ونحن لم نتزوج بعد، صديقتي! والصداقة بين ~~الفتاة والرجل غير مستحبة في المجتمع المصري دون غطاء شرعي. فقلت: ~~«صديقتي» خوفا من أن أقول خطيبتي قبل الأوان فتحزن من هذا التسرع في ~~الإعلان عن علاقة ما زلنا لم نصل إليها، ويبدو أن الدكتور عبد العزيز ~~الأهواني شعر بنفس الحرج، هل يبارك لنا قبل الأوان؟ فلم يرد وحيانا، ~~وغادرنا. ونحن في طريق العودة ويبدو أننا من جمال الأوبرا واستمتاعنا ~~بها، تأثرنا، فمسكت بيدها ووضعت هي رأسها على كتفي ورآنا سائق التاكسي ~~في المرآة العاكسة فأدار لنا بوجهه وقال: «أنا لا أحب هذه الأشياء في ~~سيارتي.» فأصبنا بالخجل، وفي نفس الوقت شعرنا بالحزن؛ لأننا لم نكن ~~نفعل شيئا مريبا، وأن الحب البريء في هذا المجتمع ما زال حراما بلغة ~~الثقافة الشعبية. ولو أن الحبيب كان عربيا ذا عقال والحبيبة كانت ~~مأجورة من الشارع لما قال ما قاله وانتظر المقابل «البقشيش»، بل واقترح ~~عليهما فندقا في شارع الهرم وهو يعمل دليلا لهما. # وبدأت أنا وحبيبتي نستعد للخطوبة ونحن لا نملك المال لشراء دبلتين ~~من الذهب وأسورة من الذهب أيضا أو الألماس كشبكة لها؛ فأرشدنا أحد ~~الأصدقاء بأن هناك نوعا من الدبل من الذهب الأصفر «الفالصو» يبلغ ~~ثمنها ثلاثة جنيهات؛ ففرحنا، وقمنا بشرائها، وذهبنا نحتفل بشراء ~~الدبل في مقهى أعلى بناية أمام سينما ريفولي. جلسنا نتناجى ونحن نلبس ~~الدبل. وكنا نخشى من النادل أن يغضب من تصرفاتنا؛ فالحب عندنا مكروه في ~~العلن، محبوب في السر. # وحددنا موعد الخطوبة، ودعونا أساتذة قسم ms252 اللغة العربية، وأهلي بطبيعة ~~الحال، وكانت ليلة ما زلت أذكرها لبساطتها وصدقها، وسعادة الجميع ~~بالخطيبين، كان ذلك في أكتوبر سنة 1969م. وأثناء تعرفي على زوجتي ~~الحبيبة ومقابلتها في نادي التوفيقية لمدة أسبوع للغداء هناك، كانت ~~والدتي تعد الطعام لي ولوالدي في المنزل، فلما تعددت مرات خروجي وقت ~~الظهر ولا أحد يأكل ما تطبخ قالت لي مرة وأنا خارج: «ولاد الناس يا أبو ~~علي!» ظانة أنني ألعب بالبنات؛ فقلت لها: «لا يا نينة، هذه المرة ~~جادة.» وبعد الخطبة كنت أذهب إلى الجامعة الأمريكية لإحضار خطيبتي معي ~~للغداء في منزلنا مع الوالد والوالدة، ولما تكررت الزيارات لمدة ستة ~~أشهر ونحن نعد بيت الزوجية فاجأني والدي مرة وأنا خارج مع خطيبتي ~~لتوصيلها قال والدي المحافظ: «البنات على الذواق.» وكما عند الصوفية ~~«من تذوق عرف.» # وكنت أذهب لزيارتها يوميا بعدما أنتهي من الكتابة عند التاسعة ~~مساء، فأصل إليها التاسعة والنصف، فكانت والدتي تحتج أيضا ضاحكة: ~~«يا أبو علي حد يزور خطيبته بعد التاسعة والنصف مساء؟» فأقول لها: «يا ~~نينة، أنا عندي شغل لحد تسعة مساء ولا أستطيع التفريط في ذلك.» وهو ما ~~كنت أقوله لخطيبتي عند بداية التعرف عليها بأنها ستكون زوجتي الثانية، ~~والعلم زوجتي الأولى. ومن على ناصية الطريق الذي تمر به الحافلة من ~~العباسية إلى ميدان الحجاز حيث تسكن خطيبتي، كنت أشتري قطعا من الجبن ~~الرومي وأقفز إلى الحافلة، وكانت شبه فارغة، وكان شارع الحجاز شبه فارغ ~~أيضا حيث تسكن خطيبتي في آخره بالقرب من ميدان الحجاز، فكنت أخجل وأنا ~~أطرق الباب وأوقظ النائمين، والدتها وأختها وأولادها، فتفتح لي وتدخلني ~~وهي بنصف ابتسامة، ولا أدري مبتسمة لأنني أتيت، ونصف مبتسمة لأنني ~~تأخرت؟ فماذا سيقول الناس عنها إذا هم رأوني أجلس معها وهي تتناول طعام ~~العشاء وتستخرج لباب الخبز الرقيق أصلا من الرغيف الشامي وأنا أتأمل ~~هذا الوجه الجميل. وأسرع بالخروج لألحق بآخر مترو من ميدان الحجاز إلى ~~العباسية حيث كنت أقطن قريبا منه، وكنت أجد أهلي نياما وأنا أستلقي ~~وأنام بمجرد الدخول ms253 للمنزل ولكي أستيقظ مبكرا إما للكتابة أو الذهاب ~~إلى الجامعة في اليوم التالي. # وقبل الزواج وإعداد المسكن، أوصاني بعض الأصدقاء بالذهاب إلى حارة لا ~~أذكر اسمها وربما تكون «الصنادقية» المتفرعة من حي الأزهر وشوارعه التي ~~تشتهر بصناعة الأثاث من خشب «الأرابيسك». فذهبت إلى هناك ورأيت بالفعل ~~محلات الأثاث ومجموعة من الدواليب والكراسي والشبابيك من الأرابيسك دون ~~أن أجد مكتبا واحدا بهذا الأسلوب العربي. ورأيت محلا يجلس على بابه ~~صاحبه فسألني وهو ينظر إلي: «هل تبحث عن شيء معين؟» قلت: «أريد ~~مكتبا وكرسيا من الأرابيسك.» فقال: «أصنعه لك ويكون جاهزا في ظرف ~~شهر، وتكون تكلفته ألفي جنيه، تدفع النصف عربونا، والباقي عند ~~التسليم.» فرحبت بالعرض وأعطيته ما اتفقنا عليه. ثم مر شهر ولم يتصل ~~بي صاحب المحل، فذهبت إليه متسائلا عن المكتب. فأجاب: «في التشطيب يا ~~أستاذ ينقصه فقط الأدراج والمقابض والأقفال، فهي غالية الثمن، وصرفت ~~العربون كله في الخشب والعمل عليه.» وكان من أفضل أنواع الخشب ~~«الماهوجني». وطلب أن أدفع باقي المبلغ حتى يشتري باقي التجهيزات، ~~فأعطيته الألف الثانية وطلب شهرا آخرا. وبعد أن مر الشهر الثاني ذهبت ~~إليه فلم أجد شيئا. فسألته من جديد: «أين المكتب؟» فقال: «في التشطيب ~~يا أستاذ، نحن نشتري مستلزماته الآن.» ففرحت. وبعد مرور أسبوعين آخرين ~~ذهبت إليه فقال: «ما زال.» فعرفت أنه نصاب أخذ ثمن المكتب ولم يسلم ~~العمل. فذهبت إلى قسم شرطة الأزبكية وقصصت على الضابط ما حدث. فاستعجب ~~وقال: «لا تخف سآتي معك لهذا الرجل النصاب.» ففرحت لأن شعار «الشرطة في ~~خدمة الشعب» يتحقق أمامي بالفعل، ودخلنا الحارة. فقام جميع أصحاب ~~المحلات من النجارين يحيونه قائلين: «اتفضل يا بيه، اتفضل يا باشا.» ~~وهو يبادل التحية بأحسن منها، وبعد أن طفنا بالحارة ووصلنا عند النجار ~~النصاب وعد بتسليم المكتب في ظرف أسبوع. فشكرته، ولم يأت هذا الأسبوع ~~إلى الآن، فتركت الأمر وليس عندي وقت للذهاب للمرة الرابعة للسؤال عن ~~المكتب، وقلت لنفسي إنه سيلقى عقابه في الدنيا قبل أي مكان ~~آخر. # ونصحني بعد ms254 ذلك صديق بالذهاب إلى دمياط والتي تشتهر بصناعة الأثاث ~~وفيها أكبر المصانع والمحلات، فذهبت بصحبة أستاذ من جامعة المنصورة، ~~فدهشت لهذا الإتقان في الصناعات الخشبية، وتعرفت على شاب. وعرف مني ~~ماذا أريد، ووعدني بإنجاز العمل، المكتب وأربعة وعشرين كرسيا ومنضدة ~~اجتماعات من الأرابيسك، وهو لا يريد عربونا أو مقدما وأن كل ذلك ~~سيكون جاهزا في ظرف شهر، وبالفعل ذهبت إليه مع الصديق من جامعة ~~المنصورة ووجدت ما أطلب جاهزا على أكمل وجه ودون أن أدفع قرشا واحدا ~~كعربون. ففرحت هذه المرة وأحضر لي عربة لنقل الأثاث إلى القاهرة، وأتى ~~معي لتركيب طاولة الاجتماعات والتي بلغ طولها ما يقرب من الخمسة أمتار ~~وعرضها مترين، والكراسي الأربعة والعشرين، ومكتبي في الغرفة المجاورة. ~~وضعتهم في بدروم المنزل الذي بنيته وكان كل مساحة البدروم مخصصة ~~للمكتب والمكتبة والكتب. ودفعت للرجل الثمن دون مناقشته في التكلفة ~~والأسعار، يكفي حسن أخلاقه والتزامه وجودة ما صنع. # وبعد أن جهزنا المسكن، ونصف الجهاز بما كان لدي من مبلغ معقول ~~كمهر، حددنا موعد الزفاف في 30 أبريل 1970م. وأدركت أن الزوجة تجمع بين ~~الحب العذري وما بعده، بعد أن كانا منفصلين منطقيا بالنسبة لي. فالحب ~~العذري لا ينتهي بالزواج، والزواج لا يبدأ بالحب العذري. الأول شعور ~~إنساني رقيق، وعاطفة إنسانية جميلة، أقرب إلى الفن والشعر، نهايته ~~في بدايته، وبدايته في نهايته. أما ما بعد الحب العذري، فإنه قضاء وقت، ~~وانبساطة مؤقتة، لا يبدأ بالحب العذري، ولا ينتهي به. # أما الزواج فإنه يبدأ بالحب العذري، وينتهي بالزواج. # فالحب العذري مقدمة، والزواج نتيجة. # فالحب حرارة، والزواج تدفئة. # الحب نداء، والزواج تلبية. # فالحب صوت، والزواج صدى. # وطوال الحياة المشتركة تنشأ عاطفة ثالثة أقوى من الحب وما بعده، بل ~~وأقوى من الزواج نفسه. وهي العشرة أو المعاشرة، أي الحياة المشتركة ~~والتعاطف المتبادل والسير يدا بيد لمواجهة الصعاب. فالمراحل التالية ~~للحب قد ينقصها الاطمئنان. أما المرحلة الأخيرة أي العشرة فتقوم على ~~الاطمئنان المطلق. فلا خوف من الانفصال أو الحزن أو الزعل أو الملل. ~~فقد ms255 أصبحت العشرة هنا جزءا من التاريخ، ومن الذكريات المدونة كاللوح ~~المحفوظ. # ولا يعني ذلك انغلاق القلب انغلاقا مطلقا؛ فهذا يميت الحب في كل ~~مراحله، ويغلق الباب دون أن يترك مواربا حتى يتجدد الهواء. ويظل ~~القلب نابضا بتغييرات الحياة؛ فالحب في مرحلته الأخيرة أي العشرة تترك ~~القلب مواربا للشعور بتجدد الحياة والجمال المتغير المتعدد، والماء ~~النقي. وبإغلاق القلب تماما بدعوى أن الإخلاص يميته، ويمل القلب ~~الآخر منه، وإلا فلماذا كانت الغيرة تعيد شباب الحب؟ # فالماضي المعلوم أفضل من المستقبل المجهول، وإذا كان الحب مغامرة في ~~البداية فإنه استقرار في النهاية. فإذا تحول، تحول الاستقرار في ~~النهاية إلى مغامرة جديدة في البداية، فقد يخسر الحبيب البداية ~~والنهاية معا. # وبلغة السياسة المصرية فإن العشرة تكون 99,9٪ من العاطفة الإنسانية ~~والباقي إذا بقي شيء للرياح الجديدة التي قد تهب على القلب دون أن ~~يكون لها أي مخاطر على العشرة. # فالبرتقالة ليست خطرا على شجرة راسخة من البرتقال، وحبة العنب ليست ~~خطرا على عنقود العنب. # وقد حدث أنه في مرحلة ما بعد الحب العذري أن قلبي قد انفتح بما بقي ~~من حرية فيه نحو فنانة ومخرجة مسرحية ومناقشة سياسية. قامت بإخراج ~~مسرحية لها في المسافر خانة في حي الأزهر. لم يكن لديها المال لدفع ~~أجور الممثلين، ولم تأخذ من وزارة الثقافة شيئا. إلا أنهم تركوا لها ~~استخدام المسافر خانة مجانا، فكنت أعجب بنشاطها وإصرارها وفنها ~~وتعاون الممثلين والممثلات معها، والاعتماد على الجيل الجديد باستثناء ~~بعض المغنين الكبار، وفي مقابل ذلك وقفت أمام المسافر خانة لتنظيم ~~الدخول بأجور زهيدة لا تكفي لطعام العشاء للمخرجة الفنانة، فوضعت لها ~~بعضا من المال في صندوق بطاقات الدخول ليساعدها في عملها، وظللت أفعل ~~ذلك كل ليلة طيلة شهر رمضان والزوجة الحبيبة تتساءل عن هذا النشاط ~~اليومي الليلي؛ فأخبرها بما يحدث. وبدا الحزن على وجهها وهي تحمل طفلنا ~~الثاني بجمالها وصدق وفائها للأسرة؛ فانتابني الندم على إهمال الكثير ~~من أجل القليل، وكانت زوجتي الحبيبة حاملا في ذلك الوقت. فصاحبتها إلى ~~المستشفى، ms256 ومكثنا عدة أيام حتى يحين موعد الولادة. وكنت في صراع بين ~~البقاء معها وبجوارها أو الذهاب إلى المسافر خانة كالعادة؛ لأنظم ~~الدخول وأطرب بالغناء، وأستمتع بجمال الفنانة والمخرجة المسرحية، ~~وأستعرض في ذهني كل ما قيل عن تحرير المرأة والمرأة الجديدة لقاسم أمين ~~وغيره. بعد ذلك انطفأ الحب الرومانسي عندما شعرت أنه تحول إلى استغلال ~~مقصود يوم دعتني لمشاركتها العشاء مع ضيوفها الأجانب في المعادي على ~~ضفاف النيل. وتركتني أدفع ثمن العشاء وأنا ما زلت محدود الدخل، كانت ~~ترفض زيارتي لها في شقتها الجديدة حيث كانت تعيش في المعادي. فانتهت ~~هذه الفترة القصيرة الرومانسية، خاصة بعد أن دعتني مرة لإيصالها في ~~الصباح الباكر إلى محطة القطار في شارع رمسيس. أحسست باستغلالها لي وأن ~~الريح التي هبت علي من جهتها لم تكن نقية؛ فانغلق قلبي وربما ينفتح ~~أمام ريح أخرى بمرور الزمن. # وأنا جالس بالقسم في مصر كان باب مكتبي مفتوحا، رأيت طالبة كانت ~~شقراء تمر أمام باب غرفة مكتبي، ذهابا وإيابا. تنظر لي وتبتسم، ~~دعوتها إلى مكتبي، عرفت منها أنها طالبة بالسنة الرابعة، وكان مكتبي ~~نفسه هو الغرفة التي كنت أدرس فيها فلسفة التاريخ والفكر العربي ~~المعاصر. فسألتها إن كانت تريد شيئا أشرحه لها. قالت: «لا.» فسألتها ~~من جديد: «ألا يوجد شيء غامض من المادتين المقررتين أوضحه لك؟» قالت ~~مرة أخرى: «لا.» وهي تضحك؛ فدعوت لها بالتوفيق والنجاح. # وكانت كلما رأتني أركب سيارتي مغادرا القسم، أسرعت فاتحة باب ~~السيارة بجواري وتدخل وفي يدها قطعة شوكولاتة وزجاجة مياه غازية، ~~فأشكرها. وأنا خارج من بوابة الجامعة وهي تركب بجواري في يوم، قلت لها : ~~«أنا في طريقي إلى مدينة نصر.» فتقول هي ذاهبة إلى اتجاه آخر إلى شارع ~~الملك فيصل بالهرم؛ فسألتها إن كانت تريدني أن أوصلها؟ رفضت بحجة أن ~~المشوار طويل والمكان بعيد. وتكرر منها ذلك عدة مرات. وكنت قد اشتريت ~~شقة بمنازل هيئة التدريس بجامعة القاهرة، تقع خلف الجامعة على مسافة ~~قريبة منها، كي أستقبل فيها طلابي، فلم يكن بالقسم حجرات خاصة ms257 ~~للأساتذة، وبالفعل استقبلت فيها الطلبة والطالبات، وكنا نترك باب الشقة ~~مفتوحا حتى لا يظن أحد أن في الأمر شيئا. # ولما تخرجت الطالبة وأنهت السنة التمهيدية وهي ما زالت تلاحقني، ~~دعوتها مع غيرها إلى مكتبي الجديد في شقة الجامعة، فرفضت ظانة بي ظن ~~السوء، وبعد أن اتفقنا على موضوع وخطة رسالة الماجستير، وكان الكتاب ~~المطلوب باللغة الفرنسية ومترجما إلى اللغة الإنجليزية. والترجمة ليست ~~موجودة في مصر، وفي إحدى رحلاتي إلى الخارج اشتريت لها الترجمة ~~الإنجليزية في ثلاثة أجزاء، وأعطيتهم لها هدية مقابل قطع الشوكولاتة ~~وزجاجات المياه الغازية التي كانت تحضرها لي تقريبا كل يوم أحضر فيه ~~للجامعة. # كما أحضرت لي حلويات شرقية إلى معرض الكتاب الدولي حيث كنت أشارك ~~هناك بندوة، وكانت هيئتها تبدو على «سنجة عشرة» في لباسها وهيئتها، ~~فنهرتها بأنه يكفي ما أحضرته من قبل. # كانت رسالتها مكتوبة باللغة العربية ومجرد شروح على النص الإنجليزي ~~دون منهج أو موضوع أو تقسيم للرسالة، أو إشكال بها أو نتيجة، ويبدو أن ~~أحد المعيدين أو الأساتذة الشبان قد قام بكتابتها لها مقابل مبلغ من ~~المال، وربما مكاتب تصوير وترجمة المستندات المنتشرة بمنطقة «بين ~~السرايات» خلف الجامعة هي التي أعدت هذا الشرح مقابل الكثير من ~~المال. # وكنت قد لاحظت منذ البداية درجة التصاقها بي المستمرة؛ فأعطيتها ~~صورا لي تحتوي على رحلاتي لإندونيسيا مع الطلاب، وكانت مكدسة بأدراج ~~مكتبي بلا نظام، ابتعت «ألبومين» لجمع الصور لها وترتيبهما. أخذت ~~الحقيبة التي وضعت بها الصور والألبومين، وبعد مدة سألتها وهي تغادر ~~سيارتي: «هل انتهيت من ترتيب الصور؟» وبدلا من أن ترد نظرت إلي ~~وسألتني: «متى تأتي لمقابلة والدي؟ وانتظرت شهرين.» لم أفهم السؤال ~~حينها، ولذلك لم أجب عنه وغادرت إلى منزلي وأنا أفكر في سؤالها، وبعد ~~عدة أيام فهمت ماذا تقصد، جاء أخوها لكي يتعرف علي بالجامعة، كان ~~يضع في حقيبة سيارته كرتونة مملوءة بالمانجو لا أذكر عددها، كانت هدية ~~لي لأنهم لديهم مزرعة مانجو، فترددت في قبولها، فأصر، فأخذت المانجو ~~ونقلتها إلى سيارتي، وشكرتهما. وعرفت ms258 فيما بعد أنهما أعضاء في الاتحاد ~~الاشتراكي في مناصب كبيرة. # بعد ذلك لم أبادر بشيء تجاهها، وبعد مدة كنت حريصا على استرداد صوري ~~منها؛ فطلبت من زوجتي الاتصال بهم وطلب الصور، ردت والدتها بأنها ~~ربما فقدتها فهي لا تجدها، ثم اتصلت مرة أخرى وقالت بأنها تحتفظ بها ~~في أمان ولن ترجعها لي إلا بمقابل مادي نظير مصاريف ابنتها طالبة ~~الدراسات العليا بالجامعة، كانت زوجتي على وشك إهانتها، ولكنها لم ~~تفعل، وانتهى الأمر عند ذلك الحد والصور العزيزة علي ما زالت عندها، ~~وما زلت أرجو أن تعيدها لي لأضمها إلى مكتبتي التي أنوي تحويلها إلى ~~متحف باسمي. # وفي يوم من الأيام تعرفت على أستاذة شابة بكلية الإعلام، كانت بيضاء ~~البشرة، ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة. وكانت قصيرة الطول، دعوتها ~~إلى زيارتي بمكتبي في كلية الآداب، أتت متأخرة عن الموعد، وهي تسير ~~ببطء شديد، فلم أستطع الحديث معها. # وقابلتها مرة ثانية في الساحل الشمالي حيث كنا نصطاف في قرية «جامعة ~~القاهرة» حول حمام السباحة، عرفتها، وعرفتني، وجلسنا، كنت مبتلا ~~وتساقط الماء على هاتفي النقال؛ فأسرعت في نقل الأرقام. وكانت تدور في ~~دائرة سريعة نظرا لتعطل الهاتف، وبعد أن غادرت ذهبت إلى متخصص لكي ~~يحاول إصلاحه، قال إن هاتفي لم يعد صالحا للعمل بسبب المياه؛ فحزنت ~~عليه أكثر من حزني على ضياع رقمها وبالتالي فراقها، كانت مجرد ريح ~~خفيفة وليست ريحا عاتية، كان لقاء عابرا وليس علاقة دائمة. # وفي الولايات المتحدة الأمريكية أثناء وجود زوجتي الحبيبة، حيث عادت ~~مع طفلنا الأول لتوصله للقاهرة وتتركه هناك مع والدتها نظرا لأنها ~~كانت تود دراسة الماجستير في الجامعة التي أعمل بها، وكنت في ذلك ~~الوقت أقيم في الشقة بمفردي لمدة شهرين تقريبا، التقيت بأصدقائنا في ~~الجامعة عدة مرات كي يخففوا من وحدتي، ودعتني إحدى السيدات الموظفات ~~بالجامعة إلى منزلها في وسط المدينة كي أرى فيلاديلفيا من أعلى نقطة ~~فيها. كانت سيدة كبيرة في السن، تكبرني بحوالي خمسة عشر عاما. وتقترب ~~من سن المعاش، وكان معها صديقها ms259 الأمريكي الذي لا يبدو عليه أي علامات ~~للثقافة والمعرفة. وبعد أن غادر دعتني إلى الجلوس بجوارها لكي نتمكن من ~~النظر من النافذة معا، عرفت معها إحدى لحظات الحب غير العذري، ولكنني ~~فضلت الحب العذري؛ لأنه أحر من الجمر، في حين أن الحب ما بعد ~~العذري بالنسبة لي بارد ثقيل. # وفي المغرب بعد أن عادت زوجتي الحبيبة إلى مصر في زيارة لرؤية الأهل، ~~كانت بعض المغربيات سهلة المنال، أراهن في المنازل إذ كن يعملن ~~كخادمات، وإما في الطريق إذ يتهادين، أو حتى أستاذات شابات في الجامعة. ~~يكفي أن تناديها فتستجيب وتأتي. وكان معي صديق مصري يعرف النساء هناك ~~جيدا، كان متزوجا من مغربية. وكانت النساء المغربيات يمثلن روح ~~التحرر، ربما من بقايا الأندلس، أو من آثار الاحتلال الفرنسي، أو من ~~استقلالهن الفكري عن السلطات الدينية القوية مثل عندنا في مصر. # وفي اليابان كانت المرأة اليابانية تتشوق لمعرفة الأجنبي، ولكن لمرة ~~واحدة، ولا تعرفه بعد ذلك، ولا تسمي هذا خيانة لزوجها. تعرفه في الحياة ~~العامة، في القطار، أو في مكان العمل، أو في المحال العامة. # والمرأة اليابانية صغيرة الحجم، قصيرة - على عكس المرأة الغربية - ~~تميل إلى الصمت، لا تحب الكلام والثرثرة، لا تعرف اللغات الأجنبية ~~بدقة، وقد يكون لها سكن خاص، حتى لو كانت متزوجة، طيبة القلب منهن هي ~~التي تستمر في علاقتها بالأجنبي لمدة طويلة؛ فيصبح جزءا من حياتها، ~~تضحي من أجله بكل شيء، ولو أصابها منه مكروه تعاملت معه وحلته ~~بمفردها. وهي كريمة، وفية، مخلصة، تدمع عيناها حين الفراق. تظل ~~تراسله ربما حن إليها وعاد، وتستمر في المراسلة لعدة سنوات حتى تقل ~~الرسائل، فتتحول الصداقة إلى ذكريات. # الفصل الرابع # | القضاء والمحاكمات # كانت أول محاكمة في الجامعة وأنا في السنة الرابعة، كنت أدرس اللغة ~~الألمانية كلغة إضافية؛ لأنني كنت في قسم الامتياز. كنت أحضر دروس ~~اللغة الألمانية في قسم التاريخ؛ لأنه لا يوجد قسم للغة الألمانية في ~~الدراسات العليا في قسم الفلسفة. # وفى آخر العام وجدت ورقة الامتحان في اللغة الألمانية ms260 مع قسم الآثار ~~فاعترضت. وقلت: «إنني أدرس اللغة الألمانية في قسم التاريخ!» وكانت ~~نصوص الامتحان المطلوب ترجمتها غريبة تماما بألفاظها عما درست في ~~قسم التاريخ. فقال لي المراقب يوم الامتحان وكان ضابطا من الحرس: ~~«اكتب طلبا للعميد تشرح ما حدث فيه.» فبدأت بكتابة الطلب بجملة «أخي ~~الفاضل عميد كلية الآداب ...» فانزعج ضابط الحرس وصرخ: «هل العميد أخوك ~~الفاضل؟ ولماذا لا تكتب السيد العميد؟» فقلت: «لا سيد إلا الله.» وقال ~~الرسول: «وأنا شهيد على أن العباد إخوة.» وكان الضابط قبطيا فانزعج ~~أكثر وأكثر وقال: «أنت قليل الأدب!» فقمت محتجا وكان بيدي الريشة ~~التي أكتب بها. ويبدو أنها احتكت بذراعه العاري حيث كنا في الصيف، ~~فجرحت سن الريشة ذراعه، ولكن الحبر كان أكثر؛ فأخذني الضابط إلى ~~العميد. ولما رأى العميد ذلك حولني إلى التحقيق، فشهد الضابط علي ~~بالتهمة، وشهد رئيس قسم الدراسات اليونانية واللاتينية بأنني على حق في ~~طلب تغيير ورقة الامتحان، بدليل أنه ساعدني في ترجمة النص الغريب ~~لصعوبته. وحولني عميد الكلية للمحاكمة. فكونت الجامعة لجنة ~~المحاكمة طبقا للقانون من خمسة أساتذة من كلية الحقوق الذين يعرفون ~~القانون، وحددوا لي موعدا للجلوس في مجلس الجامعة للمحاكمة. وسألوني: ~~هل قلت للعميد «الأخ الفاضل»؟ قلت: «نعم». وكررت حديث الرسول: «وأنا ~~شهيد على أن العباد إخوة». فقالوا: «هل العميد أخوك؟» قلت: «نعم هو ~~أخي، ولا فرق بين العميد والكناس إلا في أداء الواجب، فإن لم يؤد ~~العميد واجبه وأدى الكناس واجبه، فالكناس أفضل.» فنظر الأساتذة ~~بعضهم إلى بعض، وقالوا: «هل ستعيش طوال حياتك تنادي الناس بالإخوة بصرف ~~النظر عن درجاتهم؟» قلت: «نعم، سأظل أفعل ذلك طيلة حياتي.» وعرفت بعد ~~ذلك أن الرسول قد قال: «لا تسيدوني» أي لا تقولوا سيدنا محمد، ومن ثم ~~فأنا لم أخطئ في رفضي وصف العميد ب «السيد». فأصدروا قرارا ببراءتي من ~~تهمة قلة الأدب. وكانت هذه أول محاكمة لي في الجامعة، وكانت صدق ~~العدالة. وكان بالإمكان حرماني من الحصول على ليسانس الآداب سنة أو ~~سنتين. # وكان وقوفي أمام المحكمة ms261 مرة ثانية في باريس عندما أخذ صاحب المنزل ~~حاجياتي من غرفتي التي كنت أجرتها منه فوق السطح. فتح الباب عنوة ~~وأخذ الحاجيات، وحجز لي ليلة في غرفة بفندق، وكان ذلك بسبب طرد أخيه ~~الموظف بشركة قناة السويس من مصر بعد تأميم الشركة. ولما ذهبت إلى ~~الجامعة في مركز الخدمات الطلابية لأخبرهم بذلك، نصحوني بأن أقاضيه في ~~قصر العدالة بالحي؛ فذهبت إلى هناك، ودفعت رسوم القضية وكانت أربعة ~~فرنكات؛ كل ما أملكه حينها. فاستدعته المحكمة، ووقفت أمام القاضي أشرح ~~له ما حدث، أما صاحب المنزل فكان خجولا، ولم يقل شيئا؛ لأنه يعلم أن ~~ما فعله ضد القانون. وأعطاني القاضي ورقة زرقاء بها الحكم لكي أقاضي ~~صاحب المنزل بالمحكمة العليا، ويبدو أن هذا الحكم كان ابتدائيا يتبعه ~~آخر نهائي، وكان الحكم أن أعود إلى غرفتي فوق السطح ما دمت أدفع ~~الإيجار بانتظام. وأخذني صاحب المنزل جانبا وقال: «سنرفع الأمر إلى ~~المحكمة النهائية، وتأخذ حقك، وتعود إلى غرفة السطح لا شك في ذلك.» ~~والأمر يتطلب محاميين يدافعان أمام القضاء، ويتطلب رسوما أخرى ~~للقضية. ففكرت من أين آتي بالمال اللازم، ومصاريف القضية، وأجر المحامي ~~المرتفع؟ وكنت قد حصلت على غرفة أخرى عن طريق مركز الخدمات الطلابية ~~بالجامعة. كما شعرت بأن صاحب المنزل ربما يكون قد ارتكب خطأ قانونيا ~~في حقي، ولكنه معذور نفسيا لطرد أخيه من مصر بحقيبة ملابسه، ومعذور ~~مصري يسكن في غرفة السطح التابعة لمنزله. فهو على حق من الناحية ~~النفسية. أما أنا فكنت على حق من الناحية القانونية؛ لأنه داهم غرفتي ~~في غيابي، وقدرت الحالة النفسية التي هو عليها، وتعاطفت معه ~~إنسانيا وهو واقف مطأطئ الرأس معترفا بخطئه، هل أحمله خطأ فوق خطأ؟ ~~الخطأ القانوني والخطأ النفسي؟ يكفيني نصرة الحكم الابتدائي لصالحي، ~~واسترداد كرامتي. وكيف أشغل نفسي بالمرحلة الثانية من القضاء، حتى وإن ~~كانت في صفي، وأنا ليس لي مال أدفعه للمحامي، وليس عندي وقت للانشغال ~~بشيء خارج العلم، وهي الرسالة التي أتيت من أجلها؟ فسلمت على صاحب ~~المنزل، وشرحت له ms262 أن تأميم القناة حق لمصر، وأن الملاحين الذين ~~يرشدون البواخر خرجوا من تلقاء أنفسهم لتعطيل الملاحة، وإثبات أن مصر ~~غير قادرة على إدارتها، وضرورة عودة هؤلاء الأجانب حينها، وأبلغته أن ~~المرشدين المصريين واليونانيين قادرون على تنظيم الملاحة في القناة ~~وإرشاد السفن ذهابا وإيابا، من بورسعيد إلى السويس، ومن السويس إلى ~~بورسعيد، ورجوت له الخير والسلام. # والمحاكمة الثالثة كانت في محكمة باب الخلق عندما رفع وزير الأوقاف ~~قضية بمصادرة كتابي الأول «التراث والتجديد»، ومجلة «اليسار الإسلامي». ~~فاستدعاني القاضي في يوم معلوم. ودخلت المحكمة لأول مرة وهي أمام دار ~~الكتب المصرية ومتحف الفن الإسلامي الذي كنت دائم التردد عليهما، والذي ~~كان يجلس في المقهى المجاور لها شعراء مصر العظام مثل «حافظ إبراهيم». ~~وقفت أمام القاضي وهو يسألني: «لماذا كتبت هذين الكتابين؟» فشرحت له ~~أنني أريد إعادة بناء العلوم الإسلامية القديمة طبقا لظروف العصر ~~الحديث ومطالبه. أما «مجلة اليسار الإسلامي» فتعبر عن نفس الهم ولكن ~~على المستوى الشعبي؛ كيف يمكن تحقيق التقدم والحرية الفردية والجماعية، ~~وتحرير الشعوب من نير الاستعمار والاستغلال، وتحقيق الوحدة الوطنية ~~والقومية، وإنجاز مشاريع التنمية الاقتصادية، والاعتماد على الذات، ~~وعلى قوة الجماهير؟ ثم سأل القاضي محامي الحكومة: «وأنت ماذا تريد؟» ~~فلم يقل شيئا، فسأله القاضي مرة أخرى: «لماذا تريد مصادرة هذين ~~الكتابين؟» قال: «إن الحكومة كلفتني بذلك.» فأصدر القاضي حكما ~~ببراءتي، والإفراج عن الكتابين المصادرين؛ فشكرت القاضي، وخرجت ~~وأنا مستريح الضمير. وأدركت أن كتابا صغيرا أو مجلة قادران على ~~إقلاق الحكومة، والتي لديها كل أساليب ومقادير السلطة؛ من شرطة، وجيش، ~~وأنا لا أملك شيئا. وقد طبعت المجلة على نفقتي الخاصة . # وما زالت حيثيات الحكم عندي سأنشرها يوما؛ ليعرف الناس أن القضاء في ~~مصر عادل وليس تابعا للحكومة بالضرورة. # والمحاكمة الرابعة كانت باليمن بعد أن انتشرت أفكاري وفلسفتي هناك، ~~وحاضرت بجامعته، وتأثر بي الطلاب، وانقسموا بين يسار مجدد ويمين ~~محافظ، دعاني أحد مشايخهم إلى منزله للحوار والنقاش فذهبت، ووجدت حلقة ~~متسعة وفي وسطها «مداعة» وهي الشيشة عندنا، بها خرطوم طويل يلف ms263 حول ~~الجالسين، يتبادلون الأدوار في شد الأنفاس منها، وأمام كل منهم ~~قدر من القات يمضغونه. وسألني الشيخ الكبير: «سمعنا عنك في مصر والآن ~~في اليمن، فماذا تقول؟» فشرحت لهم «التراث والتجديد» وكيف أنني أريد أن ~~أعيد بناء العلوم القديمة، وأنقلها من عصر الانتصار إلى عصر الانكسار ~~الذي نعيشه، فما المانع أن أربط الله بالأرض من أجل فلسطين؟ وفي القرآن # وهو الذي في السماء إله وفي ~~الأرض إله ~~، # رب السموات ~~والأرض ~~. فمن يأخذ أرضي كمن يأخذ نصف إلهي. وقد فعل ~~اليهود ذلك من قبل عندما ربطوا بين الله والشعب والأرض والمدينة ~~المقدسة وهيكل سليمان. فلا يستطيع اليهودي أن يعيش إلا في أرض الميعاد. ~~وإن مات خارجها يضع حفنة من ترابها تحت رأسه حتى يشعر بأنه مات في ~~فلسطين. وسموا ذلك «لاهوت الأرض». ويقولون عند المسلمين فالله في كل ~~مكان وليس في فلسطين. ويستعملون آية # فأينما ~~تولوا فثم وجه الله # فماذا أفعل باعتباري ~~عالما إسلاميا يتقطع قلبه لاحتلال فلسطين؟ وماذا أفعل وقد امتلأت ~~المعتقلات والسجون بالمعارضين السياسيين، وعانوا من كل أنواع التعذيب؟ ~~ألا يجوز لي أن أستعمل الشهادة وهي أول ركن من أركان الإسلام «أشهد الا ~~إله إلا الله»؟ وأشهد على ما يحدث في عصري من ألوان القهر والظلم ~~والاستبداد؟ وأفسر «لا إله إلا الله» بأنها فعل من أفعال الشعور: ~~الأول، فعل نفي للآلهة الكذبة في «لا إله»، والثاني فعل إثبات للإله ~~الحق «إلا الله». فلو حذفنا أداة النفي وأداة الاستثناء لبقي «إله ~~الله» وهو تحصيل حاصل لأنه تكرار لنفس اللفظ، وإن زادت أداة التعريف في ~~إحداها. # ولماذا لا أستعمل الله لبعث المسلمين على التقدم طبقا لآية # لمن شاء منكم أن يتقدم أو ~~يتأخر ~~؟ ولماذا لا أستعمل القرآن لإثبات العدالة ~~الاجتماعية بدلا من الفرق الشاسع بين الأغنياء والفقراء # والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم ~~، # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا ~~؟ ولماذا لا أربط الله بالناس ~~وبالشعب وبالجمهور وهو # برب الناس * ملك الناس * إله ~~الناس ~~؟ ولماذا لا أحول العلوم النقلية الخمسة: ms264 القرآن ~~والحديث والتفسير والسيرة والفقه، إلى علوم نقلية عقلية؟ أحكم فيها ~~العقل وهي العلوم المستبعدة من أقسام الفلسفة بالجامعات المصرية، ~~والأكثر تأثيرا في المساجد والمعاهد والجامعات الدينية. # لماذا لا أبرز أسباب النزول بأنها لها أولوية الواقع على الفكر، ~~والناسخ على المنسوخ، وأنهما يدلان على أولوية المتحول على الثابت؟ ~~ولماذا لا أقوم بنقد المتن كما قام القدماء بنقد السند في علم الحديث؟ ~~فقد يكون السند صحيحا والمتن غير صحيح، وقد يكون السند غير صحيح ~~والمتن صحيحا. ولماذا لا يفسر القرآن تفسيرا موضوعيا يجمع كل ~~الآيات حول موضوع واحد يهمنا مثل الظلم، والفساد، والفقر بدلا من ~~الشرح الطولي، من الفاتحة حتى الناس؟ # وكيف تتحول السيرة إلى تعظيم للرسول وطلب للقوت والمساعدة والشفاعة ~~منه؟ كما هو الحال في الأدعية الصوفية «أغثنا يا رسول الله، أعنا يا ~~رسول الله»؟ فالرسول صاحب رسالة للناس، وليس إلهيا بشخصه. # وكيف يظل الفقه في إطاره الاجتماعي القديم؛ يتناول قضايا الرق ~~والسبايا والأنفال وهي غنائم الحرب، والحدود مثل: الصلب والرجم والجلد ~~وقطع اليد وتعدد الزوجات؟ # فنظر الجالسون بعضهم إلى بعض يتعجبون من هذه الحقائق، والتساؤلات ~~التي قدمتها ووضعتها أمامهم، وهم لا يستطيعون رفضها أو الإجابة عليها ~~بالإثبات أو النفي. وبعد أن شكروني غادرت، وفي اليوم التالي رأيت حكما ~~قد صدر علي بالتكفير والخروج عن إجماع علماء الأمة المسلمين، والحكم ~~علي بالردة، والمطالبة بالقصاص بإمضاء علماء اليمن. وجاءت عربة ~~مصفحة تأخذني من الفندق إلى الجامعة وتعيدني إلى الفندق؛ خوفا على ~~حياتي ولحمايتي، وكان يمكن أن يناقشني علماء اليمن، ويدخلوا معي في ~~الحوار، لولا أنهم آثروا، وعقدوا النية مسبقا على تكفيري . وكانوا ~~يريدون أن يسمعوا فقط حيثيات الحكم. وغادرت اليمن وأنا حزين على مستوى ~~العلماء وعدم صدقهم وعدم صراحتهم معي، سواء في بداية الجلسة أو ~~نهايتها، وأنهم كانوا يبحثون عن عبارات التكفير والاتهام وليس النقاش ~~والحوار لمعرفة الحقيقة وقبولها حتى مع اختلاف الآراء. # وكانت المحاكمة الخامسة في المغرب، عندما دعاني حزب الاتحاد ~~الاشتراكي لإلقاء محاضرة عن «نظام الحكم في الإسلام». وعقدت ms265 المحاضرة ~~في نزل فاس، وكانت القاعة كبيرة ممتلئة عن آخرها بالحضور، وكانت شهرتي ~~عند الأشقاء المغاربة تملأ الآفاق. أديت المحاضرة بما يعرفه عني كل ~~الناس؛ قلت: «أما نظام الحكم في الإسلام فهو ليس ملكيا ولا سلطانيا ~~ولا إمارة ولا وراثة بل هو حكم شعبي جمهوري، من اختيار الناس، وهو ~~حكم دستوري يقيد سلطة الملك، ويؤكد على سلطة الشعب.» واستعملت الآية ~~المعروفة # إن الملوك إذا دخلوا ~~قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة # فقام أحد الأساتذة وخرج مسرعا ليبلغ السلطات ~~الأمنية بما قلت، وبعد المحاضرة ألقت الشرطة القبض علي، وأخذوني إلى ~~القسم، وتم استجوابي: «هل تقصد ملكا بعينه؟» قلت: «لا.» فقالوا: ~~«فلماذا قلت لا يجوز تقبيل رأسه أو وجنتيه أو قدميه أو حافر حصانه؟» ~~وكنت قد رأيت ذلك في تعامل القبائل مع الملك. قلت لهم: «بأن عمر بن ~~الخطاب في رحلته للقدس تبختر الحصان تحته فترجل مسرعا وابتعد عن ~~الحصان قائلا: غلبتني الزهوة فأردت أن أذل نفسي.» فسألوا: «ألا تقبل ~~يدي والديك أو قدميهما؟» فأجبت: «لا؛ فذلك استعباد وخضوع لا يجب أن ~~يكون.» # وانتظرت بعدها مدة طويلة محجوزا بالقسم، وأسرتي تبحث عني في كل ~~مكان، والأساتذة المصريون الزملاء يبحثون عني طوال الليل، حتى جاء ~~الأمر الملكي ليس فقط بإخراجي من القسم ولكن بإخراجي من البلاد كلها في ~~ظرف أربع وعشرين ساعة؛ فهرع أحد أصدقائي الفلاسفة إلى ممثل الجامعة في ~~القصر وأبلغه أن ذلك سيكون فضيحة كبرى، من نتائجها سوء العلاقات بين ~~مصر والمغرب، وأنني مفكر كبير لا يجوز التعامل معه بهذه الطريقة؛ ~~فأصدر الملك قرارا جديدا بتأجيل الطرد حتى آخر يونيو عند انتهاء ~~الدراسة لأولادي بالمدارس، وقد اتهم الملك الأساتذة المشرقيين بأنهم ~~السبب في اندلاع المظاهرات شمال المغرب في «الحسيمة والناضور» بأفكارهم ~~الاشتراكية. فعاد أصدقائي المغاربة إلى ممثل الجامعة في القصر، وقالوا ~~له بأن طردي سيكون خسارة للفكر الفلسفي. ورجوه بإلغاء قرار الطرد، ~~ورجوعي للتدريس بالجامعة، فطلب مني الملك الاعتذار؛ فأبلغته عن طريق ~~الوسائط «أعتذر عن ماذا؟ هذا هو نظام الحكم في ms266 الإسلام، نظام شوري لا ~~يجوز فيه تأليه السلطان.» ولم أعتذر. وظل قرار الطرد خارج البلاد ~~قائما، ثم طلبوا من زوجتي الاستقالة من وظيفتها الجامعية حيث كانت ~~تدرس اللغة الإنجليزية، وقبل المغادرة كتبت مقالا في جريدة ~~«أنوال» المغربية بعنوان «أتيت المغرب طائعا، وأتركه مكرها». وأرسلت ~~أولادي الثلاثة بالطائرة إلى القاهرة. وأخذت كتبي معي في السيارة ~~وتوجهت إلى شمال المغرب إلى طنجة كي أعبر جبل طارق ثم أكمل لجنوب ~~إسبانيا وفرنسا وشمال إيطاليا، زرت بلجراد عاصمة يوغسلافيا. # وفي بلجراد طلبوا مني أن أدفع ليلة الفندق بالدولار، وقلت لهم: ~~«لماذا لا أدفع بالعملة المحلية؟» قالوا: «تلك هي القاعدة للأجانب.» ~~قلت: «أنا مصري وهل أعتبر أجنبيا في يوغسلافيا؟ وماذا عن العالم ~~الثالث وعالم عدم الانحياز وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية؟» ~~فأصروا على الدفع بالدولار، وأصررت على الدفع بالعملة المحلية أو أن ~~يأخذوني إلى قسم الشرطة، أو إلى محافظ المدينة، ولما رأوا جديتي وعدم ~~تنازلي تركوني أدفع بالعملة المحلية؛ لأن المصري في يوغسلافيا ليس ~~أجنبيا. # ثم وصلت أثينا، وفي أثينا وجدنا احمرارا في الأفق؛ فسألت: «ما هذا؟» ~~فقالوا: «حرائق الغابات.» وبعد مدة قصيرة اندلعت النار، وانتشرت في ~~الغابات ومخيمات السياح؛ فأعطونا جوازات السفر وقالوا: «اذهبوا إلى ~~فندق آخر بعيدا عن النيران.» وذهبنا إلى فندق آخر. تكررت المأساة؛ ~~يريدون أن أدفع بالدولار وأنا أرفض وأريد أن أدفع بالعملة المحلية ~~لأنني مصري من أبناء العالم الثالث؛ فاستغرب موظف الاستقبال فأخبروه ~~أنني لن أدفع إلا بالعملة المحلية؛ فأخذوها مني على مضض. وفي اليوم ~~الثالث سرنا لاستكمال الرحلة إلى ميناء بيريه ومنها إلى ~~الإسكندرية. # وهناك أخذت الباخرة تحمل سيارتي إلى الإسكندرية؛ فوجدت والدي وأخي ~~بانتظاري، وأقمنا ليلة بالإسكندرية عند أقرباء لنا في حي المغاربة، وفي ~~اليوم الثاني قمنا بفتح صناديق الكتب في الجمرك، فحزن موظف الجمارك لأن ~~محتويات الصناديق مجرد كتب لا تساوي شيئا في نظره، قمنا بعد ذلك ~~بالإفراج عن سيارتي من رصيف الميناء، وفوجئنا بسرقة المرآة الجانبية ~~ومساحات الزجاج الأمامي؛ فاحتججنا أمام موظف الجمارك الذي قال: ~~«احمدوا الله ms267 أن السيارة لم تسرق أصلا.» فدفعنا الجمرك، وحملنا ~~صناديق الكتب في عربة النقل، ووصلنا القاهرة، استقبلنا أولادي بحب ~~وشوق. # وكانت المحاكمة السادسة في مصر عندما فصل رئيس الدولة أكثر من سبعين ~~أستاذا جامعيا، ومثلهم من الصحفيين ومن كبار الشخصيات؛ وذلك ~~لمعارضتهم معاهدة كامب ديفيد واتفاقية السلام مع إسرائيل. بعدها قدمنا ~~اتهاما للرئيس بأنه خرق حقوقنا الجامعية والإنسانية بقرار الفصل ~~لأسباب سياسية، وأن نصيبي العمل في وزارة الشئون الاجتماعية. وكانت ~~القضية جماعية رفعها جميع المفصولين في مجلس الدولة. وترافع عنا أحد ~~أساتذة كلية الحقوق المفصولين، وسمعت القاضي يقول: «ما مطالبكم؟» ويجيب ~~المحامي: «العودة إلى وظائفنا.» فأصدر القاضي حكما بالعودة إلى ~~وظائفنا. # وكان قد تم اغتيال الرئيس بعد قرارات سبتمبر التي تم فيها الفصل بشهر ~~واحد، وعندما علم خليفته أننا رفعنا قضية في مجلس الدولة أصدر قرارا ~~قبلها بعودة نصف المفصولين فقط إلى وظائفهم (الذين تم إثبات وطنيتهم). ~~ولم أكن واحدا منهم بالطبع، ورفض الجميع العودة إلى وظائفهم حتى يصدر ~~حكم مجلس الدولة، وبالفعل صدر الحكم بعودتنا جميعا وبأن الرئيس ~~المغتال قد خرق قانون الجامعة والدستور؛ ففي الجامعات مجالس تأديب ~~ولجان محاكمات جامعية، تقوم بهذا الدور وليس السلطة السياسية؛ فعدت ~~إلى الجامعة وردوا لي ما خصم من مرتبي وأنا موظف في الوزارة. جلست ~~بعدها في المنزل سنة منذ الفصل من الجامعة وحتى الرجوع إليها، أكتب ~~كتابي «مقدمة في علم الاستغراب». # لم تتم محاكمتي كعضو في جماعة الإخوان المسلمين أو في الحزب الشيوعي ~~المصري أو في الجماعات الإسلامية المتشددة، بل كمفكر له مؤلفات معروفة ~~ومشهورة ومؤثرة في الثقافة المصرية والعربية والإسلامية. وهذا يدل على ~~قصر نظر السلطات التنفيذية باتهام كل من خالفها بتهم سياسية لا أساس ~~لها من الصحة؛ فالمعارضة السياسية جزء من النظام. في المعارضة اليوم ~~وفي السلطة غدا، والسلطة قد تبقى اليوم وفي المعارضة غدا. كما هو ~~الحال في جميع الدول الديمقراطية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في ~~الولايات المتحدة الأمريكية، والمحافظين والعمال في بريطانيا. # وفي محاكمتين قام المحامي بالنيابة عني في ms268 الوقوف مدافعا عن حقي في ~~ساحة القضاء؛ الأولى عندما رأيت إعلانا في الأهرام في صفحة الإعلانات ~~عن بيع قطعة أرض حوالي خمسمائة متر في مدينة نصر. فاتصلت بصاحبة ~~الإعلان، واتضح أنها مفتشة في وزارة التربية والتعليم، وقد كانت قطعة ~~الأرض ملكا للوزارة والتي كانت قد قسمتها على المفتشين، كان ثمن المتر ~~حسب الإعلان مائة وثمانين جنيها، وبحضور محام عند توقيع عقد البيع ~~وبعد اطلاعه على أوراق ملكية الأرض للمفتشة عرف أن ثمنها كان ستين ~~جنيها للمتر أي إنها ستكسب ثلاثة أضعاف عند البيع لي، وقد كانت منطقة ~~مدينة نصر في ذلك الوقت في تسعينيات القرن الماضي لا يسكنها أحد ~~تقريبا، مجرد صحراء ورمال، وأثناء إعداد الأوراق لتوقيع العقد النهائي ~~طمعت المفتشة، وأرادت البيع بحوالي ستمائة جنيه للمتر؛ أي ثلاثة أضعاف ~~الثمن المعلن، وبالتالي تكسب تسعة أضعاف الثمن مرة واحدة، رفضت هذا ~~الاستغلال. وكانت الأسعار ترتفع تدريجيا حتى وصل سعر المتر ثلاثة ~~أضعاف السعر المعلن، وأثناء محاولات المحامي إقناع السيدة بأن هذا لا ~~يجوز قانونا فالاتفاق بين البائع والمشتري طبقا لإعلان الصحيفة؛ ~~فرفضت. واضطر المحامي أن يقيم عليها دعوى بما حدث، وحكم القاضي ~~لصالحنا؛ فأخذت المفتشة المبلغ المتفق عليه أولا، ووضعت المبلغ في ~~حجرها تحاول أن تعد الأوراق المالية رزمة رزمة؛ فقلت لها إن هذا ~~سيستغرق طيلة اليوم؛ فقد كان المبلغ حوالي مائة ألف جنيه، وطلبت أن ~~تعطيني رقم حسابها لكي يتم تحويل المبلغ من بنك إلى بنك، فرفضت. وكانت ~~السعادة تبدو عليها وهي تعد رزم الأوراق المالية وبجوارها أختها ~~التي فتحت هي الأخرى رزمة وبدأت تعد. ومع ذلك أقامت المفتشة دعوى ضدي ~~بأنني لم أذهب إلى ميدان محطة مصر حيث يوجد عقار أدفع لها مبلغا آخر ~~ثمن إشغال الرصيف بمخلفات البناء؛ فأقام عليها المحامي دعوى أخرى لعدم ~~توقيع العقد النهائي؛ لأنني لم أدفع ثمن رفع مخلفات البناء، وكسبنا ~~القضية بعد دفعنا المطلوب للحي؛ وبالتالي لم يعد أمامها حيلة إلا ~~التوقيع النهائي على عقد البيع. # والقضية الثانية، كانت عندما تأخرت الموافقة ms269 على الرسم الهندسي ~~الخاص بالبناء من مجلس الحي، وكان المقاول على علم بهذه القوانين وقال ~~إن كل ما يتم بناؤه تحت مستوى الأرض لا يحتاج إلى ترخيص مثل الأساسات؛ ~~فبدأ في بناء الأساسات والأعمدة القائمة عليها، ولما حضر مهندس الحي ~~ومساعده للتأكد من أن الأساسات قد تم بناؤها تحت سطح الأرض ورأى ~~الأعمدة وقد ارتفعت عن سطح الأرض فكتب في أوراقه عدم الموافقة؛ للحصول ~~على رخصة البناء. وبينما كنت أشاهد مهندس الحي والتفتيش وكتابة ~~الملاحظات، سألني مساعد المهندس عن دورة المياه، وكانت العمارة على ~~الصف الآخر قد بنيت بالفعل، فأشرت عليه أن يدخل الحمام بمدخل العمارة، ~~فدخل وخرج بسرعة وهو يغلق أزرار البنطلون ويشاور أن أتبعه، فلم أفهم ~~ماذا يريد؟ فكرر الإشارة، ولم أفهم أيضا، وكرر الإشارة للمرة الثالثة ~~كما فعل حسن يوسف لنادية لطفي حتى تتبعه لكي يتفق معها على زواجها من ~~أخيه عبد الحليم حافظ في فيلم «الخطايا». فهمت ذلك فيما بعد، ويبدو ~~أن الإشارة كانت تعني تعال إلى العمارة المقابلة لكي أقول لك ماذا ~~يكلفك أن تعطيني ومهندس الحي حتى نوافق على إعطاء الرخصة؟ وفهمت أنه ~~يعني الرشوة. وكنت في ذلك الوقت مثاليا حازما، وأخلاقيا ضد هذا ~~الفساد، فرفضت؛ فأصدر قراره بعدم الموافقة، وأيده المهندس المساعد ~~بحجة أني بدأت في البناء وإقامة الدور الأرضي دون انتظار الترخيص؛ فرفع ~~المحامي الخاص بي دعوة قضائية ضد الحي بأنه يجوز رفع الأعمدة وبدء ~~البناء ما دام لم تقم أرضية للدور الأرضي بعد، وكسبت القضية. وظلت ~~مفتشة التربية والتعليم تبحث في كل الدفاتر والقوانين عن وسيلة لإيقاف ~~البناء، خاصة بعد أن ارتفع ثمن المتر خمسين مرة في فترة قليلة وتصورت ~~أنها تستطيع مضاعفة السعر مرات أخرى كي تصبح مليونيرة هي وأختها. ولما ~~رأت أن البناء يرتفع طابقا فوق طابق وأن محاولاتها لإيقاف البناء ~~مرتين لم تنجح استسلمت. وعلمنا بعدها أنها قد توفيت، والبناء ما زال ~~يرتفع، فلا هي رضيت ولا أرضت الشاري. وكان بإمكانها أن تأخذ المبلغ ~~المتفق عليه؛ فالعقد شريعة ms270 المتعاقدين، وتعيش سلطانة زمانها. # وبعد أن أتممت بناء المنزل والذي كان تصريحه بسبعة طوابق، بنيت منها ~~خمسة فقط، طلب مني المقاول أن أبني طابقين آخرين ثم يشتري مني هذين ~~الطابقين، وبالتالي يكون البناء قد تم دون تكاليف تذكر؛ فرفضت. وقلت ~~إن المبنى كله لي ولأولادي، أنا أحتاج لطابقين؛ طابق كامل منهم ~~لمكتبتي، وطابق لزوجتي التي كانت تريد أن تؤسس به مركزا للنقد ~~السينمائي ومكانا للمكتبة السينمائية، ثم ثلاثة طوابق لأبنائي ~~الثلاثة. فلا أحتاج أكثر من ذلك. فقال لي: «ولكن الهواء ملكك فلماذا ~~ترفض الهواء؟ وسأتكلف أنا بناء الطابقين فلن يكلفك ذلك شيئا بل ستكسب ~~من بيع هذين الطابقين لي.» فشرحت له أن القضية ليست مكسبا أو خسارة ~~ولكنها قضية البحث عن الخصوصية والراحة لي ولزوجتي ولأولادي. ولما فشل ~~في إقناعي تآمر مع شركة اتصالات لكي نبني برجا طويلا فوق سطح المنزل ~~بإيجار قدره سبعين ألف جنيه شهريا في محاولة لإقناعي بالبيع. فتصورت ~~أن منزلي تحول لشركة وأنني سوف أحرم من الجلوس في سطح المنزل ~~والاستمتاع بالشمس الدافئة في الشتاء؛ لأنه سوف يكون تحت رحمة برج ~~الاتصالات، وبأن المنزل سيصبح مليئا بالغرباء الصاعدين والنازلين من ~~السطح والذين يعملون على هذا البرج؛ فشعرت بالقشعريرة، والمقاول اتهمني ~~بالغباء، وأنا أتأمل في أنني حاولت البناء في هذه الحياة وسأترك كل شيء ~~يوما ما، وتساءلت: «وكيف تم بناء هذه الأبراج العالية بجواري وفي ~~الميدان والكل سعيد، السكان والمقاول والمهندس والدولة؟» # والآن أسمع عن قوانين تسجيل العقارات والضرائب العقارية الجديد وقد ~~أخاطر بدفع الآلاف ثمنا لهدوء وخصوصية منزلي ولكي أتفرغ للتأليف، ~~ومكان أوسع لمكتبتي التي بلغ حجمها «ستين ألف كتاب» أضعت بينهم وفيهم ~~عمري وقد بلغت السابعة والثمانين عاما. والدولة تريد أن تأخذ كل ما ~~في جيوب المواطنين، لا فرق بين غني وفقير، بين من يعيش على الوطن، ومن ~~يعيش لأجله. # الفصل الخامس # | الاضطهاد العلمي # عرفت الاضطهاد العلمي من قراءة تاريخ الفكر الإنساني، فقد تم اضطهاد ~~أفلاطون عند كتابة كتابه «الجمهورية». وتم اضطهاد إخناتون لقوله ~~بالتوحيد. ms271 وما أكثر من اضطهد من رجال الفكر الإسلامي مثل ابن رشد، ومن ~~الفقهاء ابن حنبل وابن تيمية، ومن الصوفية الحلاج والسهروردي إلى حد ~~الإعدام! وقد استمر الاضطهاد في العصر الوسيط للمعارضين للعقائد ~~الكنسية، والمفكرين الأحرار حتى الإصلاح الديني. واضطهاد الكنيسة ~~الكاثوليكية لمارتن لوثر، ولكل المحتجين ضدها «البروتستانت». واستمر ~~الاضطهاد في القرن السابع عشر عند اسبينوزا الذي حاولت يد الإثم ~~اغتياله، وكوبرنيكس الذي أثبت دوران الأرض حول الشمس وليس دوران الشمس ~~حول الأرض بسجنه، وفي فكرنا الحديث أعدم عبد القادر عودة وسيد قطب، ~~وتوفي شهدي عطية من التعذيب في السجن، كما أعدم خميس والبقلي في أول ~~الثورة المصرية عام 1952م خوفا من ثورة العمال. # وكان أول اضطهاد لي وأنا طالب بالجامعة في قسم الفلسفة وبالسنة ~~الرابعة، كنت أؤدي امتحانا آخر العام في ثلاث مواد، ترتيبي الأول في ~~السنوات الثلاث الماضية. وكنت مرشحا لأكون معيدا، كنت معروفا ~~بالحرية الفطرية، ومناقشاتي للأساتذة، وبالاعتراض على بعض آرائهم. ففي ~~مادة علم النفس الصناعي، وكانت تقوم على اختيار أفضل العمال من حيث ~~القدرات البدنية والعقلية، وهو ما تحتاجه الصناعة المدنية والعسكرية. ~~ولم تكن الإلكترونيات قد ظهرت بعد، وكان المقرر كتابا باللغة ~~الإنجليزية في علم النفس الصناعي، كنت لا أحتمل هذا العلم؛ لأنه مرتبط ~~بالنظم الرأسمالية في المجتمعات الصناعية، يعتمد على قياس القدرات ونحن ~~في مجتمع زراعي لا يفيد معه هذا العلم في كثير أو في قليل. وكنت أدعو ~~إلى ممارسة علم شعوري كما فعل برجسون وهوسرل فيما بعد. كنت أهاجم علم ~~النفس الصناعي، وأدافع عن أنواع أخرى من علم النفس وعلى رأسها وفي ~~مقدمتها علوم النفس الشعورية ، الاجتماعية، والأدبية، والسياسية، ~~والثقافية. # وكانت تعرف ورقتي وإجابتي في الامتحان، ويتم تمييزها بسهولة؛ لأن ~~باقي الطلبة يكررون ما يقوله الأستاذ، ولما كان مجتمعنا لا يعتاد بعد ~~على الرأي والرأي الآخر، فكان يعامل الرأي الآخر على أنه تشويه للرأي ~~السائد؛ فأعطاني أستاذ المادة اثني عشرة درجة من عشرين أي مقبول. وفي ~~المادة الثانية؛ الفلسفة المعاصرة كان الأستاذ يعطي درسا عن ms272 محمد ~~عبده. وكنا ننبهه أن الفلسفة المعاصرة تعني بالغرب وليس بالفكر ~~الإسلامي المعاصر، ولكنه كان معجبا بمحمد عبده وكأنه المفكر الأول في ~~العالم، لا يمكن نقده بشيء. وكنت أنا من دعاة الأفغاني أستاذ محمد عبده ~~والذي كان يدعو إلى الثورة على الخديوي والدفاع عن مصالح الشعب. وهو ~~مفكر الثورة العرابية، واستأنف فكره عبد الله النديم كما هو الذي جعل ~~عرابي يقف في قصر عابدين أمام الخديوي توفيق قائلا: «إن الله خلقنا ~~أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا؛ فوالله لا نستعبد بعد اليوم.» ~~وهو الذي دعا إلى أن الأرض لمن يفلحها وقال: «أيها الفلاح عجبت كيف ~~تشق الأرض بفأسك ولا تشق قلب ظالمك؟» # ونفي عرابي إلى جزيرة سيلان لمدة ثلاثين عاما، أما محمد عبده فقد ~~أرسل إلى جمعية المقاصد الإسلامية أستاذا بها في بيروت لمدة ثلاث ~~سنوات، وكان الأفغاني يمسك بتلابيبه ويقول له: «والله إنك ~~لمثبط.» # لم يكن محمد عبده مثلي الأعلى في الفلسفة، وكان يعتبر في «رسالة ~~التوحيد» أن العقل في حاجة إلى وصي وأن هذا الوصي هو النبي، وأنا كنت ~~من أنصار العقل دون أي وصاية عليه، كانت مواقفي من محمد عبده معروفة في ~~قاعة الدرس، وكنت أكتب على السبورة قبل أن يدخل الأستاذ «أحب محمد عبده ~~ولكن حبي للحق أعظم.» فكان الأستاذ يغضب في نفسه، خاصة وأن العبارة ~~تحويل لعبارة أرسطو في أفلاطون والتي يستشهد بها الجميع على رفض ~~التبعية وإمكانية النقد؛ نقد التلميذ للأستاذ. وكانت العبارة هي: «أحب ~~أفلاطون ولكن حبي للحق أعظم.» وحصلت فيها أيضا على اثنتي عشرة درجة، ~~أي مقبول. # والمادة الثالثة هي علم الجمال الذي دخل حديثا في القسم، ولا يوجد ~~متخصص فيه، درسها أستاذ الفلسفة الإسلامية؛ فالجمال عنده كان جمال ~~الأشياء في الرسم والتصوير والطباعة على الأقمشة والسجاجيد، دون ~~الموسيقى والشعر، كان ينحاز إلى الفنون البصرية ضد الفنون السمعية. ~~وكان السؤال في الامتحان آخر العام: «لو أردت أن تشتري ربطة عنق فما هي ~~مقاييس الجمال التي تحدد لك الاختيار؟» فأجبت: إن الجمال ليس ms273 في ~~الأشياء فقط، بل في الأصوات أيضا، ليس في الفنون البصرية كالنحت ~~والتصوير فقط، ولكن في الفنون السمعية أيضا كالشعر والموسيقى. وقرأت ~~مثل ذلك عند هيجل في تصنيف الفنون وفي عصر بيتهوفن وجوته. فأعطاني ~~أيضا اثنتي عشرة درجة أي مقبول. ولما كان من المفروض أن أحصل على ~~الأقل على ست عشرة درجة في كل مادة فقد نقصتني أربع درجات في كل مادة ~~أي اثنتي عشرة درجة كاملة. ففقدت الامتياز وكان ترتيبي الثاني في ~~الدفعة بعد أن كنت الأول في السنوات الثلاث السابقة. # ومرة سألني رئيس القسم وأستاذ علم النفس الصناعي وكان قبطيا: «أين ~~تريد أن تكون يا حسن بعد التخرج؟» فأجبته بتلقائية تامة: «أريد أن ~~أصوغ منهجا عاما للمسلمين يوقظهم وينقلهم من مرحلة إلى أخرى، من ~~النهضة الأولى إلى النهضة الثانية. أريد أن أكون مثل الأفغاني في ~~إيقاظه للمسلمين، وإحداثه ثورة سياسية واجتماعية.» فأطرق برأسه وقال: ~~«نعم.» ولسانه لا يعبر عما في قلبه. # وبعد هذا الاضطهاد العلمي والفلسفي والمحاكمة الجامعية سافرت إلى ~~فرنسا، وتركت حلم المعيد وأستاذ الجامعة ورائي؛ ما دمت في مصر فلن أحصل ~~على شيء. # وكان الاضطهاد الثاني بعد عودتي من فرنسا وتعييني مدرسا في قسم ~~الفلسفة، وأثناء ترقيتي إلى أستاذ مساعد. كان حكم لجنة الترقيات بأن ~~أترقى، وكان القانون يومئذ ينص على موافقة القسم على قرار اللجنة، ~~ثم موافقة مجلس الكلية، ثم مجلس الجامعة. ولما كنت معروفا بنشاطي ~~السياسي وتعاوني مع الأسر التقدمية في الجامعة مثل «أسرة مصر» المعروفة ~~باتجاهاتها الماركسية، صدرت تعليمات من أجهزة الأمن داخل الكلية بتعطيل ~~قرار الترقية، وكان بالقسم أستاذ واحد يمثل القسم ويوافق على قرارات ~~اللجنة، فلم يوافق رئيس القسم، وذهب القرار إلى مجلس الكلية، فلم يوافق ~~مجلس الكلية، وذهب القرار إلى مجلس الجامعة، فاستغرب المجلس من قرار ~~اللجنة العلمية بالترقية والقرارات الإدارية بالقسم والكلية رافضة، وهو ~~لا يجوز؛ فالقرار الأول والأخير يكون للجنة العلمية. أما قرار القسم ~~ومجلس الكلية فهي مجرد قرارات إدارية؛ فأرجع مجلس الجامعة إلى مجلس ~~الكلية القرار لإعادة ms274 النظر فيه، وأرجع مجلس الكلية الموضوع إلى لجنة ~~الترقية؛ فأعادته لجنة الترقية إلى الكلية بأن لا تغيير في موقفها ~~فالأستاذ، والذي هو أنا، يستحق الترقية إلى أستاذ مساعد عن جدارة. في ~~هذه الأثناء تغير العميد، وأصبح نائبا لرئيس الجامعة، ورفض من جديد ~~رئيس القسم القرار بالترقية، ورفض مجلس الكلية من جديد قرار اللجنة ~~العلمية. وذهب الموضوع إلى مجلس الجامعة الذي يتكون من جميع عمداء ~~الكليات وكانوا أكثر من عشرين عميدا، فقام العميد السابق، والذي أصبح ~~نائبا لرئيس الجامعة، بالمطالبة برفض قرار اللجنة العلمية، كما قام ~~عميدا كليتي الهندسة والعلوم بمهاجمة قرار اللجنة العلمية بالترقية؛ ~~فالترقية ليست فقط علمية ولكنها أيضا أخلاقية، وهم يعتبرون أخلاقي لا ~~تتفق مع قيم الجامعة؛ فأنا مشاغب سياسي، ومعارض في قاعات الدرس، وذو ~~حضور قوي في الجمعيات الطلابية، كما أني معارض للنظام السياسي؛ فأصر ~~رئيس الجامعة أن هذه الاعتراضات ليست من شأن الجامعة، وأن المحك في ~~الترقية هو العلم فقط، واللجنة العلمية قد قررت ترقيتي بالفعل. وطلب ~~التصويت على الموضوع، فكان جميع العمداء في صف الترقية إلا هؤلاء ~~الثلاثة الذين بدءوا بنقدي. # وكانت أصوات العمداء الموافقين أكثر من عشرين صوتا، وذهبت إلى ~~رئاسة الجامعة لكي أعرف الخبر، فقال لي السكرتير وهو خارج من الاجتماع ~~بأنه قد تمت الموافقة على الترقية والحمد لله؛ ففرحت، وعلمت أن ~~الاضطهاد السياسي قصير الأمد، وأن الغيرة العلمية لا تؤدي إلى شيء، وأن ~~التبعية للنظام السياسي عار على الجامعة؛ لأن استقلال الجامعة هو أحد ~~مكوناتها وضمان حريتها. # وكان الاضطهاد الثالث في ترقيتي من أستاذ مساعد إلى أستاذ، والذي ~~حكمت اللجنة به عن استحقاق وجدارة، ولكن مجلس القسم والكلية رفضا لأنني ~~مشاغب سياسي ومعارض لكامب ديفيد ولاتفاقية السلام والتطبيع مع ~~إسرائيل، وأشترك في مظاهرات مع الطلبة وأساتذة جامعيين معارضين من ~~اليسار الوطني والجماعات الإسلامية. # أعادت اللجنة التقرير بالموافقة مرة ثانية إلى مجلس الكلية، وأخفى ~~العميد التقرير عدة أشهر بدعوى أنه لم يستلمه أو ربما استلمه وضاع وسط ~~أوراقه وملفات مكتبه، فذهبت إلى مكتب ms275 البريد وعرفت هناك أن العميد ~~استلم التقرير بل ووقع عليه بالاستلام أيضا، فأخبرته بذلك، فقال: «إذن ~~هو ضائع في مكتبي». وظل يبحث في الأظرف والملفات حتى وجده. ولم يكن ~~هناك بعد ذلك حيلة لهم إلا بالموافقة ولكن يكفي التعطيل حتى يسبقني ~~آخرون في الترقية فيصبحون رؤساء للقسم. # ولما كان توزيع الدروس على الفرق الأربعة بيد القسم وبموافقة مجلس ~~الكلية فقد تدخلت أجهزة الأمن من جديد لإعطائي أقل عدد من المحاضرات؛ ~~ساعتين أسبوعيا، في غير مواد فلسفية حتى لا أثير أذهان الطلاب وذلك ~~مثل اللغة العربية. لم أوافق على ذلك وتوقفت عن الذهاب إلى الجامعة، ~~وقررت استغلال الوقت في الكتابة والتأليف. # وكان الاضطهاد الرابع قبل حصولي على جائزة الدولة التقديرية، فلم ~~يرشحني القسم إليها بل رشحني قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، ~~ونلتها بالرغم من عدم موافقة قسم الفلسفة والذي أنتمي إليه. في سنة ~~أخرى رشح القسم أحد أعضائه فلم ينل إلا صوتا واحدا في مجلس الكلية، ~~ورشح أستاذا آخر في سنة أخرى، لم ينل إلا صوتين، بينما نال ترشيحي ~~أنا جميع أصوات مجلس الكلية؛ فحصلت على جائزة الدولة التقديرية، وتكرر ~~نفس الشيء قبل حصولي على «جائزة النيل الكبرى» والتي حصل على مثلها ~~«نجيب محفوظ». لم يرشحني القسم بل رشحتني الجمعية المصرية للدراسات ~~التاريخية، كما رشحني أتيليه الإسكندرية للفنون والآداب والعلوم ~~الاجتماعية. ونلت الجائزة بفضل هيئتين من خارج القسم، وأعطيت جميع ~~عمال الكلية لكل فرد منهم خمسين جنيها، وزعتهم سكرتيرة القسم ~~عليهم. # وفي الأعوام السابقة عندما شعرت أن الكلية انخفض صوتها في الأبحاث ~~العلمية المشتركة والندوات والمؤتمرات المختلفة وضعت وديعة بمبلغ مليون ~~جنيه مني للكلية لاستخدام عائدها السنوي لإقامة مؤتمرات وأبحاث علمية ~~للأقسام منفردة أو مجتمعة، ولمساعدة الطلاب في طبع رسائلهم، ولم يتقدم ~~أحد حتى الآن باستثناء الجمعية الفلسفية المصرية بعد عناء ومفاوضات مع ~~العميد على ضرورة دفع نفقات دار الضيافة والعلاقات العامة من هذا ~~العائد. # وكان هناك اضطهاد ضدي خالص، برفض التعيين في الكلية خشية أن تمتد ~~أفكاري عن الحرية للشعوب واستقلال ms276 الجامعة، وأنه ستحدث ثورات شعبية ~~وحركات طلابية تنادي بهذين المطلبين، وكانا نفس المطلبين اللذين ~~طالبت بهما عبد الناصر في مؤتمر المبعوثين بالإسكندرية في أغسطس ~~1966م. وضعتني أجهزة الأمن على القائمة السوداء بسببهما. كانت من ~~ضرورات التعيين بالجامعة موافقة أجهزة الأمن التي لم توافق. وكان أخي ~~مدرسا بقسم اللغة العربية وضابطا احتياطيا بالجيش يستدعى ساعة ~~الضرورة. وكان ضابط الأمن المسئول عن الموافقة أو عدم الموافقة على ~~تعيين المعيدين أو المدرسين القادمين من الخارج، فأقنعه أخي بأنني لست ~~مشاغبا وأن مناقشتي لعبد الناصر كانت مفتوحة أمام الجميع، ورد ~~عليها عبد الناصر وناقشتها الصحافة المصرية؛ فوضعي في القائمة السوداء ~~خطأ أمني؛ فاقتنع ضابط الأمن ووافق على تعييني بكلية الآداب بجامعة ~~القاهرة. # ومرة أخرى جاءتني دعوة من قسم الفلسفة في روما في يناير 1967م لحضور ~~مؤتمر دولي عن فلسفة الدين بعنوان «البراءة والخطيئة». وكتبت بحثا ~~بالفرنسية بعنوان «أسطورة الخطيئة وواقع البراءة». ولما كان السفر إلى ~~الخارج يتطلب موافقة الأمن، رفض الأمن لأن اسمي مدرج على القائمة ~~السوداء؛ فأرسلت برقية إلى عبد الناصر بذلك الرفض، فرد خلال أربع ~~وعشرين ساعة بالموافقة على السفر، وكان قد بعث خطاب الموافقة بالدراجة ~~البخارية. # ومنذ ذلك الوقت وأنا أدرك خطورة أجهزة الأمن، وقد تم إبعاد رئيسها ~~بعد هزيمة 1967م. بعد ذلك ألغي قرار «الورقة الصفراء» التي كانت ~~ضرورية عند سفر أي أستاذ جامعي للخارج خشية أن يقول أي شيء ضد مصر؛ ~~لأنها طلب غير دستوري. # الفصل السادس # | الدين والسياسة # ارتبط الدين بالسياسة في مصر منذ عصر النهضة والإصلاح الديني؛ فقد ~~كتب الطهطاوي «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» وهي سيرة للرسول، ~~وفي نفس الوقت كتب «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية» ~~وهو كتاب عن النهضة في مصر، كما كتب محمد عبده «رسالة التوحيد» في ~~الدين، و«الثورة العرابية» في السياسة. وكتب طه حسين في الدين كتاب ~~«على هامش السيرة» و«الفتنة الكبرى (عثمان)» و«مرآة الإسلام» و«الفتنة ~~الكبرى (علي وبنوه)». كما كتب في السياسة: «المعذبون في الأرض» ~~و«مستقبل الثقافة في مصر». ms277 وكتب العقاد في الدين «العبقريات» و«سعد ~~زغلول» في التراجم. كما كتب في السياسة كتاب عن المقارنة بين الإسلام ~~والشيوعية؛ فالدين والسياسة توأمان أو وجهان لعملة واحدة. # وبدأ الرسول ينشر التوحيد وتغيير البنية الاجتماعية للمجتمع العربي. ~~وانتهى بالقضاء على إمبراطوريتي الفرس والروم، وخلق إمبراطورية جديدة ~~من الأندلس غربا حتى الصين شرقا. # وبداية علاقتي بالدين وأنا طفل، كنت أقف مع الأسرة في شرفة في آخر ~~منزل درب البزازرة المطلة على شارع العباسية لرؤية «المحمل». وكان يوم ~~المحمل عيدا وطنيا وعطلة سنوية. والمحمل كسوة الكعبة التي تصنع في ~~مصر في منطقة الخيامية، وفي أجمل نقوش وألوان، وكانت تحمل فوق صندوق ~~كبير على ظهر جمل، يتهادى بها من منطقة الخيامية حتى السويس، ثم تأخذه ~~باخرة إلى جدة، ويأخذه جمل آخر من جدة إلى مكة لتغطى الكعبة بكسوة ~~جديدة بدلا من القديمة، التي ترجع إلى مصر إلى حي الخيامية مرة أخرى، ~~فتقص إلى قطع صغيرة تباع للمصريين لجلب البركة والتبرك بها. وكانت ~~الهتافات عندما يمر الجمل: «اللهم صل على النبي». وكانت موسيقى الجيش ~~تعزف أمامه طيلة الطريق من القاهرة وحتى ميناء السويس، وكانت الكسوة ~~تصنع في مصر على نفقة الدولة المصرية وتنقل إلى مكة. # نشأت متدينا، أصلي مع الوالد في المساجد، خاصة في شهر رمضان. ~~وذات يوم ونحن نصلي جنبا إلى جنب ونسجد، قام والدي بعد السجود ~~واقفا، وأنا ظللت ساجدا؛ دفعني أبي بقدمه كي أقوم فلم أقم، ظن أنني ~~قد أغمي علي، فسلم وخرج من الصلاة لكي يساعدني على الوقوف، وأنا لم ~~أكن مريضا ولا بي أي عائق للقيام بعد السجود ولكنه كان لعب ~~أطفال. # كنت أصوم رمضان مع باقي الأسرة، ولكن بين الحين والآخر وأثناء نهار ~~رمضان عندما يشتد العطش كنت أشرب دون أن أقول، وفي المدرسة الثانوية ~~كانت هناك أربعة تيارات أو أربع حركات سياسية للتلاميذ وهم في سن ~~الصبا: الأول الوفد، ولكنا كنا نعتبره حزبا إقطاعيا بالرغم من ~~وطينته. والثاني مصر الفتاة، وكان حزبا وطنيا ولكنه كان لا يتوانى ~~عن استعمال ms278 العنف. والثالث الحزب الماركسي، الحركة الديمقراطية للتحرر ~~الوطني «حدتو». وكان أقل التيارات تعرضا للشبهات. وكان الرابع الإخوان ~~المسلمون أكثر التيارات انتشارا وأقلهم نقدا. # وبالرغم من أننا كنا نخرج ونحن في المدارس الابتدائية لنشارك في ~~مظاهرات الجامعة، لكننا لم نكن نعرف لماذا نشارك؟ كنا نعرف فقط أننا ~~نتظاهر ضد الإنجليز، وأحيانا كنا نخرج بالقوة مع المدرسة، أساتذة ~~ونظارا لكي نذهب إلى قصر عابدين في عيد ميلاد الملك ونغني له. # 1 # كنا نخرج من الفصول إلى فناء المدرسة، ونحن نهتف بهذه الشعارات، ثم ~~نخرج إذا ما سمعنا أصوات تلاميذ مدرسة فاروق وفؤاد الأول اللتين كانتا ~~تقعان في شارع الجيش (العباسية سابقا). # كانت الفكرة الشائعة أن مدرسة فؤاد هي الأشجع، يخرج تلاميذها أولا. ~~ويذهبون إلى مدرسة فاروق في الجانب الآخر من الشارع؛ فيخرج تلاميذها ~~معهم، ثم يأتون إلى مدرسة خليل أغا الأقل شجاعة في المبادرة ~~بالخروج. # وكنا نسير في الشارع فيخرج معنا تلاميذ مدرسة باب الشعرية، ونسير حتى ~~العتبة، ونأخذ الترام بعد أن يغير اتجاهه بفضل تغيير «السنجة». ~~والذهاب إلى الجامعة كي نشارك في المظاهرات التي تعم البلاد ونحن ~~صغار. # كنا نركب الترام والبعض يقف على سطحه يحمل الأعلام، وهو يحركها ~~يمينا ويسارا محييا الناس. # كان ذلك في الأربعينيات أيام الحركة الوطنية المصرية، و«لجنة الطلبة ~~والعمال» عام 1946م. وفي يوم عند خروج طلبة الجامعة في مظاهرة ضد ~~الاحتلال البريطاني، والهتاف من أجل الحرية والاستقلال، فتحت الشرطة ~~كوبري عباس أثناء عبور الطلبة حتى لا يصلوا إلى الجانب الآخر ويزداد ~~عدد المتظاهرين، فغرق البعض، وأصيب البعض الآخر، وقبض على فريق ~~ثالث. وهو ما صورته «لطيفة الزيات» في روايتها «الباب المفتوح» التي ~~تحولت إلى فيلم فيما بعد. # في عام 1951م وعندما كنت أبدأ بالقراءة للمودودي وجدته يتكلم ~~بالطريقة التي أريدها وأنا ما زلت خاوي الوفاض، ورأيت علال الفاسي، ~~وسمعت محاضراته باللهجة المغربية. # وبدأت أقرأ سيد قطب نفسه في «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، ~~و«التصوير الفني في القرآن»، و«مشاهد القيامة في القرآن»، و«الصراع بين ~~الرأسمالية والإسلام»، و«خصائص التصور ms279 الإسلامي ومقدماته»، و«المستقبل ~~لهذا الدين». ولم يكن «معالم في الطريق» قد ظهر بعد. تأثرت بمواقفه ~~الاشتراكية والأدبية، وبحثت عن باقي كتبه، فقرأت «النقد الأدبي، أصوله ~~ومناهجه». ووجدت رسالة صغيرة له كتبت في الثلاثينيات بتقديم مهدي ~~علام عميد آداب الإسكندرية، بعنوان «الإسلام حركة إبداعية في الخير ~~والحياة» أثرت في هذه الرسالة كثيرا ومنها الفكر والإبداع الفني ~~وأنا كنت أتجه نحو الفلسفة والموسيقى، وشعرت أن سيد قطب هو الأديب ~~والمفكر الاشتراكي، وأن مكانه ليس في هذه الجماعة، بحثوا عن أمير جديد ~~للجماعة فلم يجدوا أحدا حتى عثروا على سيد قطب أخيرا عام 1951م. ~~وكانت كتاباته الإسلامية والأدبية معروفة، فقبل أعضاء الجماعة على مضض، ~~وعندما قامت الثورة المصرية في 1952م كانوا يبحثون أيضا عن أمين ~~للدعوة والفكر في هيئة التحرير، واقترح جمال عبد الناصر اسم سيد قطب ~~لكتابه عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، فرفض لأنه كان قد قبل منصب ~~أمير الدعوة والفكر بالجماعة. # وفي صيف 1952م قامت الثورة المصرية، وفي نفس الوقت أو قبلها بقليل ~~انضممت إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكنت أزورهم في شعبة باب الشعرية، ~~وكنت أذهب إلى ميدان الحلمية حيث المركز الرئيسي للجماعة، وأسمع ~~المحاضرات، وأشتري الكتيبات، وهناك قابلت سيد قطب لأول مرة، وأخبرته ~~أنني أريد القيام بتأليف منهاج إسلامي عام يحقق للمسلمين نهضتهم، ~~فسألني: «هل قرأت المودودي؟» قلت: «لا.» قال: «اقرأ المودودي أولا.» ~~وكانت كتيباته مترجمة في سوريا، ومعروضة للبيع بجوار المركز العام ~~للإخوان المسلمين فاشتريتها وقرأتها بحماس. # وبعد أن قامت ثورة 23 يوليو 1952م وفرحنا بها، وبقانون الإصلاح ~~الزراعي، أردنا زيارة الريف وأن نرى بأنفسنا فرح الفلاح بهذا القانون. ~~قررت أنا وثلاثة من الأصدقاء أن نذهب في زيارة من القاهرة إلى ~~الإسكندرية نمر بالريف سيرا على الأقدام، والحديث مع الفلاحين، ~~والاطلاع على دور هيئة التحرير والذي كان أول تنظيم سياسي بعد قيام ~~الثورة. # قضينا أول ليلة وصلنا فيها إلى بنها، والثانية في طنطا، والثالثة في ~~كفر الزيات، والرابعة كنا قد وصلنا الإسكندرية، كنا نضع حقيبة ملابسنا ~~فوق ظهورنا كما يفعل ms280 الرحالة، وفي كل مدينة كنا نصل إليها كنا نجد مبنى ~~هيئة التحرير مغلقا، ولم يكن هناك ما يدل عليه سواء يافطة معلقة فوق ~~أحد البنايات أو على بابها، ووجدنا نفس الشيء في طنطا، مجرد يافطات ~~معلقة بطابق أول من مبنى مغلق النوافذ، ولا أحد هناك، فزاد ~~استعجابنا، ولما وصلنا إلى كفر الزيات كنا قد تعبنا، وسألنا عن هيئة ~~التحرير فأرشدونا إلى صاحب مصنع زيت، فأخبرناه أننا من قادة هيئة ~~التحرير ونريد زيارة مقر الهيئات لنطمئن على أنشطتها، فأسرع صاحب ~~المصنع بالترحيب بنا، وطلب إحضار غداء لنا، وكانت أطباق مشويات من ~~الكفتة والكباب حتى نكتب عنه تقريرا جيدا لمركز الهيئة بالقاهرة وبأن ~~فرع مكتب الهيئة بكفر الزيات نشط وأن الأعضاء يذهبون ويأتون ويترددون ~~عليه، وأنهم متأثرون بعمل الهيئة، وموالون للثورة. وأدركنا مدى الكذب ~~والنفاق الذي تعيشه الهيئة ورؤساء فروعها، ووصلنا الإسكندرية. ووجدنا ~~أن رئيس الفرع هو شوقي عبد الناصر شقيق الرئيس، وغضب منا؛ لأننا لم ~~نخبره من قبل بزيارتنا حتى يستعد لها. # وقضينا الليلة في شرفة البورصة والتي علقت عليها لافتة بعنوان: ~~«هيئة التحرير»، والتي تمت فيها فيما بعد محاولة لاغتيال عبد الناصر ~~في عام 1954م. وعدنا بالقطار إلى القاهرة وقد عرفنا أن شيئا لم يحدث ~~ولم يتغير، ولا وجود ولا عمل لهيئة التحرير، ولا تأثير للثورة ~~وقوانينها على الريف المصري. # وفي حرم الجامعة كانت المظاهرات لجماعة الإخوان هي الأقوى تنادي ~~برئاسة محمد نجيب للجمهورية، وكان محمد نجيب قد أتى، وألقى خطبة ~~بالقاعة الكبرى بجامعة القاهرة، وبجواره ضابط واضعا ذراعه فوق ~~الأخرى. كان صامتا لا يتكلم، خالعا القبعة العسكرية، وبعد أن تكلم ~~نجيب عن الديمقراطية والثورة وأنه لا تعارض بينهما؛ فالديمقراطية بلا ~~ثورة تشتت في وقت تحتاج الأمة فيه إلى حسم، والثورة بلا ديمقراطية ~~طغيان واستبداد. # وكان قد أعلن أن الثورة المصرية ما هي إلا البداية لتكوين ثورات ~~بالأمة الإسلامية جميعها، والتي يجب أن تتوحد في جامعة إسلامية ~~واحدة. فضجت القاعة بتصفيق حاد، والضابط بجواره صامت ولا ~~يتكلم. # وكانت الجماعة تسيطر ms281 على الحرم الجامعي، ولأول مرة أسمع قادتها ~~يخطبون، مثل حسن دوح، وكنا نجلس في حلقات طلابية في وسط حرم الجامعة ~~للاستذكار، ويمر علينا قادة الجماعة، ويلقون السلام. # وفي يوم ما جاء نواب صفوي من إيران بعد ثورة «مصدق». ودخل بعربته إلى ~~حرم الجامعة، فتابعه الحرس الجامعي، وقلب عربته، فاشتعلت بالنيران، فقد ~~بدأت الجماعة تأخذ موقف المعارضة من الثورة، وقد دخل نواب صفوي إلى حرم ~~الجامعة دعما للجماعة. # وظل الخلاف بين الثورة والجماعة على مستوى القيادة، وعندما طلب ~~المرشد العام للجماعة ألا يصدر أي قرار من الثورة بدون موافقة الجماعة ~~عليه أولا، رفض عبد الناصر وكان من مجموعة الضباط الأحرار. # وازداد التوتر بين مجلس قيادة الثورة والجماعة حين أزيح الضباط ~~الإخوان من تنظيم الضباط الأحرار، ثم أزيح نجيب من رئاسة ~~الجمهورية. # وتفجر الخلاف حين عقد عبد الناصر معاهدة الجلاء مع بريطانيا في مارس ~~1954م والتي كانت تنص على انسحاب القوات البريطانية من قناة السويس ~~والتل الكبير، وتعود إلى مصر في حالة «الضرورة القصوى». وهي عبارة في ~~الفكر السياسي تعني عودة الاحتلال. # قامت المظاهرات من الجامعة بسبب ذلك تنادي بسقوط المعاهدة، ووزعت ~~الجماعة نقدا مكتوبا لبنود المعاهدة. # وشاركت في هذه المظاهرة، ليس حبا في الجماعة، ولكن خوفا من عودة ~~الاحتلال. # وأطلقت النيران على المظاهرة، وكنا فوق كوبري الجامعة، فقتل طالبان ~~على الفور، كان عبد الناصر وزيرا للداخلية، وهو الذي أمر بإطلاق ~~النار؛ فتفرقت المظاهرة، ثم تجمعت في ميدان عابدين مرة أخرى، ورفع عبد ~~القادر عودة قميصي الطالبين المخضبين بالدماء قائلا: «انظروا ماذا ~~فعلوا؟» جرى باقي الطلاب إلى ميدان التحرير، حيث مركز الحركة الوطنية؛ ~~فاختبأ بعضهم بفندق سميراميس المجاور للميدان، وكنت أنا منهم، وظل الجو ~~متوترا بين الجماعة وعبد الناصر حتى يوليو 1954م. وأثناء إلقاء عبد ~~الناصر خطبته من شرفة مبنى بورصة الإسكندرية في ميناء المنشية انطلقت ~~عليه رصاصات من الجمهور في محاولة لاغتياله، لم تصبه، وأكمل عبد الناصر ~~خطبته قائلا: «فليقتلوني ولكني لن أتخلى عن الثورة.» وقبض على الشاب ~~الذي أطلق الرصاص، ms282 وكان من الإخوان من شعبة إمبابة، كما قبض على ~~زملائه الخمسة، الذين دبروا هذه المحاولة، فقدموا للمحاكمة، ~~وأعدموا، كما أعدم عبد القادر عودة. لم يصدر مكتب الإرشاد قرارا ~~بالاغتيال، ولكن الفكرة كانت تدور في الأذهان؛ فأخذت شعبة إمبابة ~~القرار والقيام بالتنفيذ دون أن يصدر لها الأمر بذلك. # وحلت الجماعة كما حلت باقي الأحزاب في مصر من قبل، ولم تبق ~~إلا هيئة التحرير، حزب الثورة، ولم تجد قادة ولا جماهير لها، بل كانت ~~مجرد اسم يملأ به فراغ الأحزاب والجماعات. # كان نجيب محبوبا في القلوب لدفاعه عن الديمقراطية، وكان عبد الناصر ~~مكروها لطغيانه واستبداده، حتى أتى تأميم قناة السويس في يوليو 1956م ~~فتحول إلى بطل قومي، ونسي الناس نجيب وهو في الإقامة الجبرية. # وبدأ العدوان الثلاثي على مصر في أغسطس 1956م. وكنت قد غادرت إلى ~~فرنسا في نفس الشهر، وكنت أبكي وأنا أزور متحف اللوفر وبه قسم كبير عن ~~مصر الفرعونية. واجتمع الطلاب في السفارة المصرية مطالبين بالعودة إلى ~~مصر للدفاع عنها، فأخبرهم السفير أن في مصر رجالا يستطيعون الدفاع ~~عنها، أما الطلاب فمهمتهم استكمال دراستهم ليخدموا مصر بعد ~~عودتهم. # وأثناء دخولي لأحد المطاعم الجامعية في فرنسا، سمعت شابا يتكلم ~~العربية بلهجة غير مصرية، ففرحت بلقاء عربي، وسألته من أين هو؟ قال: ~~«من السعودية.» ولما كنت في ذلك الوقت ناصريا إلى أقصى درجة ومؤيدا ~~لعبد الناصر في قرار إرسال الجيش للدفاع عن الثورة في اليمن ضد الإمام ~~الذي كانت تساعده السعودية خشية من انتشار الثورة والوصول للسعودية، ~~قلت للشاب السعودي: «إن شاء الله تقوم الثورة في السعودية وتلحق ~~بالثورة العربية.» لم يعجبه الكلام ونظر غاضبا وقال : «ولماذا؟» ثم ~~انبرى بالدفاع عن النظام الملكي في السعودية. فعرفت أن الناس على أديان ~~ملوكهم، وأن خطئي هو التصور أن العرب كلهم ثوريون، وأن الجمهورية هو ~~النظام القادم الأفضل. ولم أكن أعلم أن الخيال شيء، وأن الواقع شيء ~~آخر. # هنا تحول الدين عندي إلى سياسة، وتحولت عواطفي من الانتساب إلى ~~الجماعة إلى الانتساب لمجموعة الضباط ms283 الأحرار، فقد كان الوطن عندي أغلى ~~من الدين، ومصر الوطنية عندي أعز من الوحدة الإسلامية العامة. ومع ذلك ~~كان صوت عبد الباسط عبد الصمد يرن في أذني جامعا بين الدين والموسيقى، ~~وكنت أذهب إلى صديق سوري يعيش في شمال باريس لأسمع قراءة عبد الباسط ~~عبد الصمد عنده، والذي سماه ملك المغرب «قيثارة السماء». كنت أذهب إليه ~~كل سبت في السادسة مساء، وكنت أيضا أذهب إلى مسجد باريس كل ظهر جمعة ~~لأداء صلاة الجماعة. ورأيت بداية الخلاف بين مجموعة البشير الإبراهيمي ~~ومجموعة هيئة التحرير برئاسة فرحات عباس. # كانت عندي سجادة صلاة أحضرتها معي من مصر، أفترشها وأصلي بين الحين ~~والآخر، وكنت أذهب إلى المطعم الجامعي الخاص بالطلبة المسلمين في شارع ~~سان ميشيل كل جمعة بعد الصلاة لأكل «الكسكسي» بالخضار واللحم، كان ~~الطلبة المسلمون يقودون تقريبا كل يوم المظاهرات ضد العدوان الفرنسي ~~على الجزائر، ويطالبون باستقلالها، وكانوا يقومون مع باقي الطلبة ~~بمظاهرات ضد الغزو الأمريكي على فيتنام. # في عام 1965م قامت مظاهرات ضد انقلاب بومدين في الجزائر ضد ابن بيللا ~~الزعيم الوطني ورمز الحرية والاستقلال. # وفي مظاهرات الحي اللاتيني تعرفت على «علي شريعتي» المفكر الثوري ~~الإيراني الذي كان يدرس «دكتوراه الجامعة» وليس «دكتوراه الدولة». ~~الأولى معترف بها من الجامعة فقط دون الدولة، وهي أشبه بالماجستير، ~~ومخصصة للطلبة الإيرانيين، والثانية معترف بها من الجامعة والدولة، ~~ومخصصة لباقي الطلاب؛ ومنهم الطلبة المصريون. وكانت تتطلب إجراء ~~رسالتين: رسالة رئيسية، ورسالة أخرى تكميلية. تناقشان معا في نفس ~~اليوم، وبينهما استراحة قصيرة. ولجنة المناقشة مكونة من خمسة ~~أساتذة. # وبدأ الدين يتوارى أكثر من أجل السياسة حتى رفعت السجادة من على ~~الأرض وعلقتها على الحائط وكأنها عمل فني. # وبعد أن أعيدت العلاقات السياسية بين مصر وفرنسا بعد انقطاعها بسبب ~~العدوان الفرنسي على مصر بعد تأميم قناة السويس، جاء المشير عامر إلى ~~باريس لمقابلة ديجول، وتهيئة جو الصداقة بين مصر وفرنسا، والحديث عن ~~استقلال الجزائر والقضية الفلسطينية. دعاه السفير إلى السفارة المصرية ~~ليرحب به الطلبة المصريون، ووضعت لافتات الترحيب ms284 على الحوائط ~~بالألوان، واختار السفير بعض الطلبة لإلقاء خطب ترحيبية بالمشير، ~~صححها بنفسه خشية أن يكون بها شيء معارض للنظام السياسي. دخلت السفارة، ~~ووجدت اللافتات في أزهى الألوان، وصعدت الطابق الثاني مكان اللقاء، ~~وكان المشير يجلس بجواره وزير الخارجية المصرية محمود فوزي والصحفي ~~لطفي الخولي رئيس تحرير «مجلة الطليعة». # وما إن بدأ أول طالب بقراءة خطاب الترحيب حتى وقفت وأخذت منه مكبر ~~الصوت قائلا: «أيها المشير كل هذه اللافتات التي تراها نفاق في نفاق، ~~كتبها السفير، وعلقها، كلها وكل الخطب التي ستسمعها راجعها السفير ~~بنفسه، أريدك أن تسمع ما يقوله الطلاب.» فأنزلت اللافتات، وبدأت ~~أقول: «الطلبة يتساءلون عن الحريات في مصر، وعن الطبقة الجديدة التي ~~نشأت في مجتمع اشتراكي من مديري البنوك، ورجال الأعمال، وضباط الجيش، ~~والمحافظين. وخلقت طبقة بين الحاكم والمحكوم. وقد وعد الرئيس جمال عبد ~~الناصر بألا يزيد الفرق بين الطبقات الاجتماعية أكثر من واحد إلى عشرة. ~~والآن الفرق واحد إلى مائة.» # فقام الطلاب ورائي كل منهم يعبر عن مأساة النظام معه، منهم من ~~قطعت منحته؛ لأنه إخواني أو ماركسي، ومنهم من لم يجدد جواز سفره؛ ~~لأنه متهم من أجهزة الأمن، ومنهم من وضع في قوائم الممنوعين من السفر. ~~وبعد حوالي نصف ساعة من انتقادي للنظام السياسي لم يعرف المشير ماذا ~~يقول؛ فطلب من لطفي الخولي أن يرد. فقال: «إن الطلبة هنا في باريس ~~مستريحون، يدرسون، ويطعمون بكل حرية، أما في مصر فهناك المعذبون ~~والمعتقلون ومن ضحوا بأنفسهم من أجل النظام.» ومحمود فوزي يبتسم ~~مسرورا من كلام الطلاب، وحزينا مما سمعه من دفاع عن النظام من أحد ~~الماركسيين المصريين والذي أصبح عمدة للنظام. # وبعد أن انتهت المقابلة استدعاني السفير إلى مكتبه قائلا: «ماذا ~~فعلت؟» قلت:«فعلت ما يمليه علي ضميري ضد النفاق.» قال: «ألا تخاف؟» ~~قلت: «لا، ومم أخاف وقد عبرت عما في قلوب الجميع.» ومنذ ذلك الوقت ~~كون الطلاب في باريس جماعة لدراسة الأحوال في مصر، وأقاموا ندوات ~~أسبوعية تناقش هذه الأحوال؛ فأقيمت ندوات عن الطبقة الجديدة، التي ms285 ~~أصبحت مفهوما شائعا، والفقر في مصر، ونقص الحريات في مصر. ولما عاد ~~المشير أخبر عبد الناصر بما سمعه من الطلاب في باريس؛ فطلب عبد الناصر ~~استدعاء ممثلي الطلاب في أوروبا كي يأتوه إلى مصر ومناقشتهم. وكان هذا ~~بعام 1966م. فأعددنا في باريس ملفات عن الأحوال السياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية والتعليمية والثقافية في مصر، وأقام الطلبة انتخابات في ~~جامعاتهم كي يختاروا من يأتي إلى باريس ومنها إلى القاهرة لمناقشة ~~الرئيس. وكنت رئيسا للوفد المصري، وحضرنا إلى القاهرة في أغسطس سنة ~~1966م. والتقينا في مدرج كبير بجامعة الإسكندرية، وكنا نغني في ~~الطائرة «لكي يا مصر السلامة»، و«اسلمي يا مصر». ناقشنا عبد الناصر ~~يوميا لمدة أسبوع تقريبا، وكانت مهمتي أن أكتب ورقتين؛ واحدة في ~~الحريات العامة، والثانية في استقلال الجامعات. # قدمنا الملف إلى عبد الناصر، وناقشناه علنا، وطلبنا الحريات لشعب ~~مصر واستقلال الجامعات، وقام واحد بالتحدث عن الأحوال السياسية في مصر، ~~وقام آخر بالتحدث عن الأحوال الاقتصادية، وثالث ورابع وخامس عن الأحوال ~~الاجتماعية والثقافية. وحذرنا عبد الناصر من حالة وقوع معركة بين مصر ~~وإسرائيل، فالخوف والخطر على مصر. وسألناه لماذا تم إعدام سيد قطب؟ وهو ~~الأديب، الناقد، المفكر؟ فرد عبد الناصر على أسئلتنا ومنها: «إن ~~مهمته توفير الخبز للشعب.» فرد عليه يوسف إدريس في اليوم التالي على ~~صفحات «الأهرام» قائلا: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.» # وأخبرنا عبد الناصر بأنه قرأ ملفاتنا بجدية واهتمام، ودعانا إلى قصر ~~الطاهرة لأخذ الصور التذكارية معه. # وعاد ممثلو الطلاب إلى باريس باستثنائي أنا؛ فقد كنت ناقشت رسالتي ~~الدكتوراه قبل ذلك بشهرين. # وعدت بحقيبة ملابسي، وتركت مكتبتي في الغرفة، وسلمت مفتاحها إلى ~~السفارة، وحادثت وزير التعليم العالي في الإسكندرية ذلك الوقت قائلا ~~له: «تركت مكتبتي في باريس، فكيف أنقلها إلى مصر؟» فقال لي: «اطلب ذلك ~~من عبد الناصر.» ففعلت مثلما قيل لي. فوافق عبد الناصر على نقلها من ~~باريس إلى القاهرة على نفقة الدولة، وأرسل ما يفيد إلى السفارة بذلك؛ ~~فكلف السفير شركة شحن لنقل مكتبتي، ووضعت الكتب في ثلاثة ms286 صناديق خشبية ~~استلمتها في ميناء الإسكندرية، وبعد أن فتح موظف الجمارك صندوقا ~~واحدا ووجد كتبا أغلق الصندوق ولم يطلب عليه جمركا؛ على الكتب بدعوى ~~أنها لا تستحق الجمارك عليها. # كان والدي وأخي في انتظاري بالميناء، فشحنا صناديق الكتب بعربة نقل ~~إلى منزلي بالقاهرة والذي كنت أشاركه مع والدي السكن به بالعباسية. ~~وقمت وزوج شقيقتي الكبرى بتركيب رفوف خشبية، ودهنها، ووضع الكتب ~~عليها. امتلأت حوائط الغرفة بالرفوف والكتب، وبها سرير ومكتب حتى لحظة ~~الزواج بعد أربع سنوات، نقلتها إلى شقة الزوجية بميدان الحجاز بمصر ~~الجديدة، ثم نقلتها بعد ربع قرن إلى بيتي العربي والذي شيدته على ~~الطراز الأندلسي بمدينة نصر. وخصصت لها مساحة البدروم بالكامل مع جزء ~~من الطابق الأول، صممت دواليب خاصة لها رفوف وأبواب زجاجية، ومن أسفل ~~رفوف ودواليب من خشب لحفظ الكتب بها. # بلغ عددهم ستين دولابا، وبصعوبة صنفت كتبي فيها: الأجنبية الواردة ~~من الخارج، والعربية التي اشتريتها من مصر، غرفة كاملة لنسخ مؤلفاتي، ~~وأخرى لمجلاتي العلمية، وكان مكتبي في البدروم ليس له سقف؛ لأنه مفتوح ~~على حجرة كبيرة على الطابق الذي يليه، بينهما سلم خشبي، ووسطهما فانوس ~~عربي كبير مدلى من السقف، يكاد يلامس الأرض. # وتم إدخال المكتبة بالكامل على جهاز «الحاسب الآلي» في ستة أقسام؛ ~~الأول: الفلسفة الغربية بمراحلها المختلفة: اليونانية، الرومانية، ~~والمسيحية، واليهودية، والإصلاح الديني، وعصر النهضة. ثم العصر الحديث: ~~السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، والعشرين. وقد أخذ القرن التاسع ~~عشر أكبر مساحة. # والقسم الثاني: الفلسفة الإسلامية ابتداء من علم الكلام، والتصوف، ~~وعلم أصول الفقه، ثم الفكر العربي الإسلامي المعاصر والذي ضم أربعة ~~دواليب عن مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي . وقد أخذت إيران أوسع ~~المساحات. # والقسم الثالث: فلسفة الدين، عن الفلسفة المسيحية واليهودية ~~والشرقية، والاستشراق، والفلسفة العامة، وعلم النفس، وفلسفة العلوم، ~~وعلم الاجتماع، وعلم الجمال. # والقسم الرابع: العلوم السياسية والاقتصادية، ابتداء من النظريات ~~العامة ثم مصر والوطن العربي والعالم الثالث؛ أفريقيا، وآسيا، وأمريكا ~~اللاتينية، والولايات المتحدة الأمريكية. ثم علم التاريخ والجغرافيا، ~~ثم خطب القادة ms287 العرب، ثم قسم عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. # والقسم الخامس: النقد الأدبي، الشعر، والرواية، والقصة، ~~والمسرح. # والسادس: المجلات العلمية بالعربية والإنجليزية. # أما القسم السابع والأخير: فيتكون من نسخ من مؤلفاتي العربية ~~والإنجليزية والفرنسية، والدراسات التي صدرت عليها، والرسائل العلمية ~~التي أشرفت عليها. # وبعد عام من عودتي من فرنسا وقعت هزيمة 1967م وهو ما كنا حذرنا ~~عبد الناصر منه قبل عام في مؤتمر المبعوثين الأول بالإسكندرية. # وعدت من فرنسا وأنا مملوء بالحيوية الفكرية والنشاط العلمي والحماس ~~للمستقبل والمساهمة في إعداد جيل جديد. # فلما وقعت الهزيمة وبشكل ساحق للجيش، خاصة الطيران وتدميره تقريبا ~~بالكامل وهو على الأرض، قمنا بمظاهرات مارس 1968م لمحاكمة المسئولين عن ~~الهزيمة، خاصة قادة الطيران الذين أغلقوا المدافع المضادة؛ لأن طائرة ~~المشير كانت في الجو، وحاول بعض الصحفيين من كتاب السلطان تبرير ~~مظاهرات مارس 1968م بأنها شبيهة بمظاهرات الطلاب في جميع أنحاء العالم ~~التي كانت سائدة في نفس الوقت، ودون تحليل الظروف الخاصة لغضب الطلاب ~~في مصر. وكتب أحمد بهاء الدين بيان 30 مارس الذي يعد بإصلاح الأمة ~~وتحرير الأرض والتنمية وتذويب الفوارق بين الطبقات ورفع مستوى المعيشة ~~وإطلاق الحريات، وتقريبا كل ما نادى به الطلبة في مؤتمر المبعوثين ~~قبلها بعام واحد في الإسكندرية، وطالبوا عبد الناصر بتحقيقه وإلا كانت ~~الهزيمة في أي صدام مع إسرائيل، وهو ما حدث بالفعل. وبينما كان عبد ~~الناصر يقود معركة التحرير، بدأ بحرب الاستنزاف 1968-1969م والتي أرهقت ~~إسرائيل، وعرفت أن الجيش المصري ما زال قادرا على المواجهة، ثم ~~انتقل عبد الناصر إلى الرفيق الأعلى عام 1970م. وخلفه نائبه، واضطر ~~تحت ضغط اعتصام الطلاب في ميدان التحرير وفي جامعة القاهرة عام 1972م؛ ~~اضطر إلى دخول الحرب بكفاءة القادة المصريين، وعبور قناة السويس، ~~وتدمير خط بارليف، والاستيلاء على الضفة الشرقية للقناة وحتى وإن لم ~~نصل إلى المضايق. # واضطرت إسرائيل إلى الدخول في مفاوضات الانسحاب من سيناء، حتى وإن ~~تجادلت حول طابا، ثم الانصياع أخيرا إلى قرار التحكيم بالانسحاب ~~منها. # كنت في الولايات المتحدة في جامعة تمبل ms288 بفيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، ~~منذ 1971م إلى 1975م. فحزنت لاستئصال الناصريين من الدولة والجيش، ~~استعدادا للانفتاح والقطاع الخاص، والتحالف مع الولايات المتحدة ~~الأمريكية. # وفي عام 1976م أنشئت المنابر لليمين واليسار والوسط، وكان حزب ~~التجمع الوطني التقدمي الوحدوي يمثل اليسار، وكان التصور لكمال الدين ~~رفعت بإنشاء حزب يجمع كل القوى الوطنية: الناصريين، والقوميين، ~~والليبراليين، والماركسيين، والإسلام المستنير؛ فدخلت الحزب عن الإسلام ~~المستنير مع بعض الأساتذة مثل محمد أحمد خلف الله، وكان من مدرسة أمين ~~الخولي بعد رسالته عن «الصورة الفنية في القرآن الكريم» والتي رفضتها ~~الجامعة. # كان الإسلام المستنير ضعيفا داخل حزب التجمع، وكذلك كان الناصريون ~~والقوميون والليبراليون. وكان الماركسيون هم الأكثر نشاطا وسلطة ~~وقدرة على التجمع، ابتداء من رئيسه خالد محي الدين. وكنت من هيئة ~~تحرير جريدة «الأهالي» التي أصدرها حزب التجمع. وذات مرة عندما أتت ~~جماعة «البهرة» الإسلامية من الهند لزيارة السيدة زينب وتبرعت لجعل ~~مقبض باب السيدة زينب من الذهب، وجعل نقطة الباء في «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» بالذهب الخالص أيضا. وكان رئيس الدولة يحب الصفقات؛ فكتبت ~~مقالا في جريدة الأهالي بعنوان «ذهب المقصورة وجوع الفقراء». وكنت قد ~~زرت حي «قلعة الكبش» وراء حي السيدة زينب، ورأيت فقره وبؤسه. وتساءلت: ~~«أيهما أولى بالمساعدة، هذا الحي الفقير أم الذهب في مقبض باب مقصورة ~~السيدة زينب؟» فغضب رئيس الحزب وقال: «لو كنت بداخل مصر لمنعت المقال ~~من النشر، فمعظم أصوات هذا الحي تأتي للتجمع.» فاضطر للتخلي عن الحق في ~~سبيل المصلحة. # وفي المرة الثانية عندما قامت الثورة الإسلامية بإيران بقيادة ~~الخميني، نشر الحزب مقالا في جريدة الحائط «ضد الخميني وضد الثورة ~~الدينية» لأن الحزب يعتقد أن الثورة يجب أن تكون «علمانية» أي ماركسية؛ ~~فالدين يأتي بالتأخر، في حين أن الثورة تأتي بالتقدم. وهاجم الحزب ثورة ~~مصدق عام 1953م التي أممت النفط، وهرب الشاه بعدها. وقد كان عبد الناصر ~~يؤيد الثوار في إيران، وأعلن مصدق أنه تعلم الثورة من عبد الناصر، ~~فكتبت مقالا بعنوان «دور الأحزاب التقدمية في البلاد النامية» وعن ~~الدين ms289 والثورة، وطلبت مناقشة المقال رسميا في الحزب، فلم أتلق ~~جوابا. فماذا أفعل؟ تركت الإخوان لأنهم عارضوا عبد الناصر البطل ~~القومي، ونافسوه في الصراع على السلطة، ولم يتآلفوا معه خاصة بعد أن ~~كتب سيد قطب 1949م «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، و«معركة ~~الرأسمالية والإسلام». وكنت قد بدأت في الانعزال عن الجماعة منذ وجودي ~~في شعبة باب الشعرية ومعي الكمان وأنا ذاهب إلى معهد الموسيقى أو عائد ~~منه عندما قال لي أحد الإخوة: «يا أخ حسن ألا تعلم أن الموسيقى حرام؟» ~~وكانت روحي في الموسيقى. وكان سيد درويش معبرا عن ثورة 1919م. وكان ~~بيتهوفن معبرا عن الوحدة الألمانية والرومانسية الألمانية. # تركت «الإخوان» أولا ثم «التجمع» ثانيا. وبدأت أفكر في «اليسار ~~الإسلامي» أي تحقيق أهداف اليسار في التقدم والتنمية والاشتراكية ~~والعدالة الاجتماعية عن طريق الإسلام باعتباره ثقافة شعبية وليس عن ~~طريق الأيديولوجيات العلمانية التي لا يفهمها الشعب ولا تتعامل معها ~~إلا النخبة المثقفة. # وكنت قد قرأت وأنا أستاذ بالولايات المتحدة الأمريكية عن «لاهوت ~~الأرض» و«لاهوت التنمية» و«لاهوت التحرر» و«لاهوت الشعب» وأنا في مرحلة ~~الإعداد لعلم الكلام الجديد ونقد نظرية الذات والصفات والأفعال ~~الأشعرية، ومتجاوزا الأصول الخمسة عند المعتزلة والإمامية عند ~~الشيعة. # فأصدرت مجلة «اليسار الإسلامي» على نفقتي الخاصة، صدر منها العدد ~~الأول قبل أن تصادر، ثم تعبت من العمل الشعبي، فخصصت وقتي لمشروعي ~~العلمي «التراث والتجديد». ومع ذلك انتشرت فكرة «اليسار الإسلامي» في ~~تونس والمغرب غربا، وامتدت إلى ماليزيا وإندونيسيا شرقا، وما زال هو ~~القادر على جمع الإسلاميين والعلمانيين والماركسيين في عمل سياسي ~~واحد كما هو الحال عند الإسلاميين التقدميين في تونس وحزب النهضة ~~والحكومة الحالية بعد ثورات الربيع العربي 2011م التي تجمع بين اليمين ~~واليسار. # وظللت أنشط سياسيا ضد الانقلاب على الناصرية بعد وفاة الزعيم. ~~وشاركت في انتفاضة يناير 1977م التي حملت الجماهير الشعبية فيها صور ~~عبد الناصر من الإسكندرية إلى أسوان مطالبين بالخبز بعد رفع الحكومة ~~الأسعار، بالرغم من تسمية رئيس الدولة لها «انتفاضة حرامية»؛ لأنها ~~فتحت المجمعات الاستهلاكية، ووزعت ما فيها ms290 على الفقراء، وهدمت كل ~~الإعلانات عن الفنادق الكبرى والعطور الغالية والملابس الجاهزة ~~واحتياجات الطبقة الغنية، وأبقت على إعلانات المستشفيات والمدارس ~~والنوادي الشعبية. # واستمرت كتاباتي عن الدين والثورة، الدين وسيلة، والثورة غاية. ~~وجمعت في ثمانية أجزاء بعنوان «الدين والثورة في مصر 1952-1981». ~~وكتبت عن «لاهوت التحرير» عند كاميلو توريز في أمريكا اللاتينية. ~~وأصدرت كتابا عن الأفغاني لنفس السبب. # وبعد نشري كتاب «الحكومة الإسلامية» للخميني صنفتني الحركة الإسلامية ~~بأنني شيوعي متخف، وصنفتني الحركة التقدمية بأنني إسلامي متخف، ~~وصنفتني أجهزة الأمن بأنني إخواني شيوعي. # وعارضت اتفاقية كامب ديفيد وزيارة الرئيس لإسرائيل، عارضت اتفاقية ~~السلام قبل أن تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وكان نصيبي الفصل من ~~الجامعة بعد قرارات سبتمبر الشهيرة 1981م، وتحويلي إلى وزارة الشئون ~~الاجتماعية كموظف بها، ثم جلست في المنزل مدة عام كتبت فيه «مقدمة في ~~علم الاستغراب». وما زلت أقوم بدوري في المعارضة السياسية بالقلم دون ~~استعمال أي وسيلة من وسائل العنف، ودون المعارضة السياسية في الإعلام ~~تجنبا للإثارة الصحفية. # وكنت أناقش رؤساء الدولة في المعرض الدولي للكتاب بالقاهرة، قبل أن ~~ينعزلوا خوفا من دور المثقفين في المعارضة السياسية العلنية. وكانوا ~~يحضرون مع مثقفي السلطان ويجلسون في حجرة مغلقة ليتم تصوير الجلسة ~~إعلاميا كدليل على حركة الفكر والانفتاح السياسي والثقافي بين الرئيس ~~وجمهور المثقفين. # كانت الدولة قد وضعت حول منزلي حراسة ليل نهار بعد أن اكتشفت إصرار ~~الجماعات الإسلامية المتشددة على اغتيالي لأنني كافر في نظرهم، وضبطوا ~~ثلاثة أعضاء منها حول منزلي يتفقدون المكان والزمان المناسب لتنفيذ ~~خططهم ضدي، وكتبت مقالا ضد التوريث معتمدا على تحليل لفظ «إرث» في ~~القرآن الكريم، وأنه لا يفيد أي ميراث سياسي، بل فقط ميراث النبوة؛ ~~فرفعت الحراسة عني عقابا لي بسبب كتابتي لهذا المقال، وقد كان ابن ~~الرئيس يستعد لوراثة أبيه في حكم مصر. # وبعد ثورة الربيع العربي في مصر عام 2011م تم افتتاح المركز العام ~~للإخوان المسلمين فوق هضبة المقطم، وحضر كثير من الزعماء السياسيين ~~مثل عمرو موسى وغيرهم، وفوجئت بأغاني وأناشيد الفترة ms291 الناصرية تذاع ~~على الهواء بمكبرات الصوت مثل نشيد «وطني الأكبر»، و«الله أكبر». ففرحت ~~بأن الوئام قد عاد بين أقوى تنظيم شعبي إسلامي في مصر وبين السلطة ~~الثورية الجديدة، وكان الشعار على واجهة المبنى «المصحف والسيفان ~~المتقاطعان» فحزنت لأن هذا الشعار لم يتغير منذ تأسيس الجماعة عام ~~1948م. وطالما اقترحت أن يكون الشعار «كتابا وقلمين»، الكتاب أي العلم ~~والقلمان أي تعدد الآراء. وحزنت لأن الإخوان أبعدوا المرشح الإخواني ~~المستقل عبد المنعم أبو الفتوح بعد أن رفعوا شعار «مشاركة لا مغالبة»، ~~ثم فرحت أنهم أصبحوا جزءا من الحركة الوطنية. ومع ذلك سار الإخوان ~~ورجعوا لوضعهم الأول وهو الحكم الانفرادي بعد نجاح مرشحهم لرئاسة ~~الجمهورية. # ثم دعيت في إحدى إفطارات رمضان بعد الثورة وقبل الانتخابات الأولى، ~~وبعد الإفطار ألقى كبيرهم خطبة لم يذكر فيها التوريث الذي كان على ~~قدم وساق. فسألته: «أين موضوع التوريث؟» فقال لي: «اسكت يا حسن.» وكان ~~قد تعرف علي عندما كنت عضوا في جماعة الإخوان في شعبة باب ~~الشعرية عند مرحلة الانتقال من الثانوية العامة إلى الجامعة، وسألت ~~نفسي: «هل تم اتفاق بين الرئيس المتطلع للرئاسة بعد أبيه والإخوان على ~~تدعيمه من قبل الإخوان؟» فحزنت لدخول الإخوان في صفقة سياسية لا ~~يرضاها الشعب. # وفي لقاء مع الرئيس الإخواني وبعد نجاحه في الانتخابات في القصر ~~الجمهوري سأل عني وكنت أعرفه من قبل والتقيته في جلسات الحوار الديني ~~وعلاقتها بالغرب فوقفت. فخاطبني قائلا: «يقولون عنك إنك شيوعي.» ~~فأجبت: «وماذا كان أبو ذر الغفاري؟» فأجاب أحد الحاضرين من الفنانين: ~~«كان شيوعي.» فضحك المثقفون والفنانون المدعوون للحوار معه. فقلت له: ~~أنا مثل الأفغاني مفجر الثورة العرابية، وصاحب الكلمة التي ألقاها أحمد ~~عرابي في وجه الخديوي توفيق في قصر عابدين «إن الله خلقنا أحرارا ، ولم ~~يخلقنا تراثا أو عقارا. والله لا نستعبد بعد اليوم.» وهو الذي كرر ~~عبارة ابن حزم «الأرض لمن يفلحها». وهو القائل: «عجبت لك أيها الفلاح! ~~تشق الأرض بفأسك، ولا تشق قلب ظالمك.» وقالت إحدى الفنانات: «ألا ~~تقدمون لنا شيئا نأكله؟» ms292 فحزنت. فالنقاش الفكري مع رئيس الدولة أولى ~~من ضياع الوقت في تناول الطعام. # وفي الصدام بين الإخوان والدولة بعد ذلك، وخوف الدولة من سيطرة ~~الإخوان على القطاعين؛ الصناعي والتجاري، أغلقت مصانع الشريف الإخواني ~~وغيره من مشايخ أصحاب رءوس الأموال الإخوانيين بعد أن استطاعوا تجميع ~~رءوس الأموال من مصر وإغراء المصريين بكسب نسب عالية من عائد المشاريع ~~تصل إلى عشرين في المائة، وأغلقت محال التجارة والبقالة الإخوانية بعد ~~أن كانت قد اشتهرت بين الناس باستثناء محلات «نور على نور»؛ محل ~~التجارة الكبير وفروعه المختلفة. كما أغلقت المستشفيات والعيادات ~~الإخوانية الملحقة بالمساجد، والمدارس التعليمية لحل مشكلة تكديس ~~الفصول، وبعد أن نجح الإخوان في إقامة دروس تقوية جماعية رخيصة الثمن ~~بدلا من الدروس الخصوصية الباهظة التكاليف، وانتهيت إلى النتيجة ~~القائلة: «يا ليت الإخوان ركزوا على الخدمات الاجتماعية للشعب، ~~واستحوذوا على قلوب الناس، وحلوا مشكلاتهم بدلا من الاصطدام بالسلطة ~~العسكرية.» فالسلطة في العقول وليست في القصور. # كنت أود أن أبقى عضوا في جماعة الإخوان، أكون تيارا يساريا ~~فيها، ولكن الجماعة كانت محافظة أشد المحافظة، ولا تقبل فيها حتى ~~الليبراليين، لا ترضى عن أي معارضة لمكتب الإرشاد. # وجاءني مرة خطاب من حزب شيوعي يطلبون مني رئاسة هذا الحزب، فلم أرد؛ ~~لأنني لست حزبيا، ولست شيوعيا، وأوجه كل طاقاتي إلى تربية جيل ~~جديد في الجامعة يعرف كيف يفكر، ويبحث، ويؤلف بين التيارات المتناقضة ~~لصالح الوطن. وهو الأتون الذي تنصهر فيه كل الأيديولوجيات؛ إسلامية ~~كانت أم ماركسية، سلفية كانت أم علمانية، محافظة كانت أم ~~تقدمية. # الفصل السابع # | العلم والعالم # منذ اكتشاف المواهب الثلاث وأنا في المدرسة الثانوية، ثم سفري إلى ~~فرنسا تراجعت موهبة الرسم وبقيت موهبتا الفلسفة والموسيقى، أي العلم ~~والفن، وكنت أشعر وأنا بالجامعة أن هناك أفكارا في رأسي يجب متابعتها ~~ومعرفتها وتحويلها إلى علم دقيق، وكانت تأتيني في الأحلام؛ لذلك كنت ~~أضع قلما وورقة بجواري لأكتب الحلم لعله يفيدني في يوم من الأيام وأنا ~~أستكمل الدارسة في الجامعة وما بعدها، وكانت أهم الألفاظ المتكررة: ~~الفكر، ms293 الواقع، الوعي، والشعور، العواطف والانفعالات، الدنيا والآخرة، ~~الله والعالم، الخير والشر، الجبر والاختيار، اليأس والأمل. وملأت ~~العديد من الأوراق بتواريخها حتى امتلأت حقيبة بأكملها عند السفر إلى ~~فرنسا. وبالفعل أخذتها معي، خاصة وأن ليس عندي ملابس أو كتب باستثناء ~~كتب السنة الخمسة التي وفرها لي أخي، والقرآن الكريم بطبيعة ~~الحال. # وفي باريس كنت أنتقل بها من منزل لآخر حتى استقر بي المقام في ~~المنزل الألماني بالمدينة الجامعية، وضعتها في غرفة الحقائب. ولما بدأت ~~في كتابة خطة الرسالة بعنوان «المنهاج الإسلامي العام»، وكانت الخريطة ~~تتكون من جانبين: جانب ساكن وآخر متحرك؛ الساكن يتضمن التصور والنظام، ~~والمتحرك يتضمن الطاقة والحركة، قدمت لخطة الرسالة بحديث عن الحركات ~~الإصلاحية وربما أكون أحد ممثليها، بل وخاتمها. قدمتها للأستاذ هنري ~~لاوست أحد المستشرقين المعروفين بتخصصه في الحركات الإصلاحية منذ ابن ~~تيمية، فأعجب من هذه الخطة وقال: الجزء الأول منها الذي يتكلم عن ~~الحركة الإصلاحية جيد بالرغم مما ينقصه من بعض ممثليها، أما القسم ~~الثاني، وهو فلسفتي الخاصة عن التصور والنظام والطاقة والحركة، فهو ~~أقرب إلى الفلسفة العامة ولا يدخل في نطاق الاستشراق الذي يدخل فيه ~~الجزء الأول. # فذهبت إلى أحد الفلاسفة وهو «بول ريكور» وقدمت له الخطة وقرأها ~~بعناية قائلا: «الجزء التاريخي الأول معلومات مفيدة لمن لا يعرف ~~الحركة الإصلاحية، والجزء الثاني أقرب إلى برجسون، فلماذا لا تدرس ~~برجسون وتعرف فلسفته في هذه الموضوعات الأربعة وتطورها وتنتهي إلى ~~فلسفتك الخاصة؟» وقرأها مستشرق آخر وهو عميد المستشرقين في باريس وهو ~~لويس ماسينيون وقال: «هل درست علم أصول الفقه؟» قلت: «لا.» قال: «إن ~~وضع منهاج إسلامي عام جدير بالاهتمام، فلماذا لا تربط ذلك المنهاج ~~المقترح بمناهج علم أصول الفقه وتطوره حتى تنتهي إلى منهجك الخاص؟ ألم ~~ينبه مصطفى عبد الرازق إلى أهمية علم أصول الفقه بأنه أهم العلوم ~~الإسلامية؟ فلماذا لا تأتي عندي كل يوم وتقرأ في علم أصول الفقه؟» ~~وأنزل لي كتاب «المستصفى في أصول الفقه» للغزالي من مكتبته الخاصة، ~~و«المقاصد في أصول الشريعة» للشاطبي، طلب أن ms294 أقدم إليه كل يوم صباحا ~~من التاسعة حتى الثانية عشر، وكان اكتشافا بالنسبة لي. # ولما كنت قد اتصلت بأستاذ آخر في مدرسة الدراسات العليا التطبيقية ~~في السوربون، وكان متخصصا في الإسماعيلية والتأويل الباطني، قرأ خطتي ~~الأولى عن الطاقة والحركة، قال لي: «لماذا لا تدرس التأويل عند ~~الإسماعيلية؛ فهم أقرب إلى تحليل الشعور كما تفعل؟» وكانت هذه المدرسة ~~تعطي العلم للعلم مثل الكوليج دي فرانس دون شهادات أو درجات ~~علمية. # واحترت بين الموقفين؛ الأستاذ الأول الذي يريدني أن أدرس علم أصول ~~الفقه وأطوره كي أقترب منه ويقترب مني، والموقف الثاني الأستاذ الذي ~~طلب دراسة التأويل عند الإسماعيلية أو الباطنية؟ فمقولاتي عن الطاقة ~~والحركة والتصور والشعور أقرب إلى التأويل الباطني. # وظللت في حيرة من الأمر، أعجبني تحليل علم أصول الفقه للنص، والمصلحة ~~العامة، وطرق الاستدلال، والتعليل. وأعجبني في نفس الوقت التأويل ~~الباطني وتحليل الشعور وتحويل النص إلى تجربة حية كما تفعل الظاهريات ~~«الفينومينولوجيا». وكان الأستاذ كوربان قد ترجم أجزاء من كتاب «الوجود ~~والزمان» لهيدجر تلميذ هوسرل مؤسس الظاهريات. # وقرأ خطتي الأولى فيلسوف ظاهرياتي ومن اليسار المسيحي وهو بول ريكور ~~مع مونييه، وقال لي: «يبدو أنك ظاهرياتي بالطبيعة؛ لأن منهجك يقوم على ~~تحليل الوعي والبحث عن الدلالات، فلماذا لا تدرس الظاهريات وتؤولها كما ~~تشاء وتطبقها على الظاهرة الدينية؟» وظللت حائرا. فكل النصائح أشعر ~~بجديتها وإمكان اتباعها. ولكن أين لي بالمستشرق الفيلسوف وليس ~~المؤرخ؟ وأين لي بالفيلسوف المستشرق دون الفيلسوف الخالص؟ # وقال لي أحد الأساتذة الذي قرأ الخطة لا يشرف عليك إلا فيلسوف ~~مستشرق، أو مستشرق فيلسوف وهو ما لا وجود له إلا عند رينان والذي كان ~~مستشرقا هيجليا، وهيجليا مستشرقا، وكان السؤال: وأين لي برينان ~~الآن وقد توفي في القرن الماضي؟ # وأخيرا سجلت الرسالة الأولى عن «مناهج التفسير في علم أصول الفقه» مع ~~مستشرق متخصص في الفقه وأصوله، وسجلت الرسالة الثانية عن الظاهريات ~~وتطبيقها على الظاهرة الدينية بعنوان «من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات ~~التأويل، دراسة في المنهج الظاهرياتي وتطبيقه على الظاهرة الدينية». ~~وكنت ms295 قد اقترحت قبل ذلك عنوان «الدين العقلي والدين الوجودي عند كانط ~~وكيركيجارد». ثم لم يعجبني العنوان، خاصة بعد أن سجلته في الدراسات ~~العليا بالجامعة وفضلت العنوان الأول «من تأويل الظاهريات إلى ~~ظاهريات التأويل». # وقد استفدت كثيرا من محاضرات أستاذ في تاريخ الفلسفة وهو جان جيتون ~~أشبه بعثمان أمين في مصر، يحاضر في تاريخ الفلسفة مع التحليل الشعوري ~~مثل برجسون. ومتخصص في المسيحية أي الكاثوليكية وفلسفة الدين، واعتقل ~~في الحرب العالمية الثانية منذ بدايتها. ولما عرف الحكم النازي أنه ~~فيلسوف قدموه إلى هيدجر تلميذ هوسرل في جامعة فرايبورج في الغابة ~~السوداء، وكتب دون مراجع وهو في المعتقل اثني عشر جزءا سماها «الفكر ~~الحديث والكاثوليكية». وهو يعيد بناء العقائد المسيحية بناء حديثا ~~طبقا للفلسفة المعاصرة. وكانت رسالته في الدكتوراه عن «الزمان والخلود ~~عند القديس أوغسطين». # وكان بعد محاضراته العامة يجلس في مكتب صغير ملحق بالقاعة الكبيرة ~~مع طلبة الدكتوراه لمدة ساعة، يتحدث فيها الطلاب وهو يراجعهم. فكنت ~~أستمع إلى محاضراته العامة في القاعة الكبرى، وأحضر في المكتب الصغير ~~الملحق بجواره مع طلاب الدراسات العليا، ومرة طلب مني أن أتكلم عن ~~برجسون بجانبه على المنصة أمام الطلاب؛ فقمت وشرحت برجسون في إطار ~~تاريخ الفلسفة الغربية نهاية به وبداية بديكارت والتقاء بالعقلانية ~~والتجريبية عند هيجل؛ فأعجب بتلك الرؤية العامة التي تضع الجزء في ~~الكل وهو ما قمت به بعد ذلك عند العودة إلى مصر في «مقدمة في علم ~~الاستغراب». # ومن حبي وإعجابي ببرجسون مثل هذا الأستاذ؛ ألفت كتابا عن برجسون ~~بالعربية بعد عودتي إلى مصر. لم يلتفت إليه أحد لأنه ليس كتابا مقررا ~~على الطلاب. # وأولت خطتي الأولى عن الطاقة والحركة من خلال كتاب برجسون «الطاقة ~~الروحية» وعن التصور والنظام في كتابه «منبعا الأخلاق والدين». # وقد تكون هذه الذكريات تعبيرا عن كتابه «المادة والذاكرة». وقد يكون ~~تحليلي للشعور من آثار رسالته للدكتوراه «المعطيات البديهية للوجدان». ~~وقد تكون أفكاري عن الحركة مثل كتاب «الفكر والمحرك». وأخيرا قد تكون ~~عزلتي عن أجهزة الإعلام أثرا مما فعل ms296 برجسون الذي كان لا يخاطب ~~الإعلام أو يعطي حديثا صحفيا خشية من أن يأخذ الناس كلامه الإعلامي ~~ولا يقرءون كتبه. # وقبل المناقشة، أحسست بعيوب الرسالتين وأوجه النقص فيهما وبالرغبة في ~~إعادة كتابتهما، وقد يحتاج ذلك إلى عشر سنوات أخرى، وصممت على ~~المناقشة بالحالة الراهنة للرسالتين، وبعد العودة إلى مصر أقوم بإعادة ~~كتابتهما بطريقة أفضل. فليس في حياتي عشر سنوات أخرى أقضيها بالخارج، ~~وأنا أريد العودة إلى وطني، وتأسيس جماعة علمية في الجامعة، تنقل ~~الرسالة إلى جيل آخر، كما أنقل رسالتي إليهم الآن، وكما أخذت الرسالة ~~من أساتذتي في مصر لأنقلها إلى جيلي هذا. # وكان لي صديق هو رشدي راشد، خرج معي من مصر إلى فرنسا في نفس العام، ~~اهتم بفلسفة العلم ثم بفلسفة الرياضيات، وأصبح باحثا في المركز الوطني ~~للبحث العلمي في فرنسا. تجادلنا أنا وهو؛ أريد الرجوع إلى مصر ولو نصف ~~عالم وأكمل النصف الآخر في وطني، كي أبدأ الزرع وأرى الحصاد في حياتي، ~~وهو يرى ألا يعود إلى مصر قبل أن يكون عالما كاملا وليس نصف عالم. ~~قلت له: «قد يستغرق ذلك العمر كله كي يكون الإنسان عالما كاملا، ~~والعلم لا نهاية له، في حين أن العمر له نهاية، فلنبدأ الزرع معا حتى ~~يأتي الحصاد.» وأصر على البقاء في فرنسا. وما زال فيها، وأصبح من ~~كبار العلماء في تاريخ الرياضيات، وحاول أن يقيم معهدا لتاريخ العلوم ~~في مكتبة الإسكندرية في إدارتها السابقة، ولكن شيئا لم يتم؛ فالسفينة ~~لا تسير دون ربان، ونحن الآن في نهاية العمر وقد تجاوزنا الثمانين، ولا ~~أدري إذا كان سيرجع يوما أم سيبقى حصاده في فرنسا والعالم. # وبعد العودة إلى مصر أعطيت درسا في الفلسفة المسيحية للسنة ~~الثانية. وكان لا يريدها أحد من الزملاء، وهو العام الذي صدرت لي فيه ~~نماذج من الفلسفة المسيحية «المعلم لأورسطين»، «أومن كي أعقل» لأنسيلم، ~~«الوجود والماهية» ل «توما الأكويني». وصدر في الإسكندرية بمساعدة علي ~~سامي النشار، وكان أهم شيء في الدرس هو قراءة النصوص ومعرفة اتجاهات ~~الفلسفة المسيحية ms297 وفلسفة الدين بوجه عام. وعندما أرادوا دفع مكافأتي ~~آخر العام طلبوا موافقة جهة العمل، وأنا لا أعمل! وطلبوا مفردات ~~المرتب، وأنا لا مرتب لي، لم يعرفوا كيفية تحديد مكافأة العام. وأخيرا ~~أعطوني مكافأة المدرس عندما تم التعيين مدرسا بالكلية. # وفي العام الذي يليه درست علم الكلام للسنة الثانية مع الفلسفة ~~المسيحية والفلسفة الحديثة للسنة الثالثة، مركزا على اسبينوزا للسنة ~~الثالثة، وفلسفة التاريخ والفكر العربي المعاصر للسنة الرابعة. وهما ~~مادتان جديدتان في القسم، أدخلتهما لإكمال مواد السنة الرابعة، واستمر ~~الأمر كذلك منذ سنة 1967-1971م وهو عام السفر لأمريكا أستاذا ~~زائرا. # وأنا في مصر قبل سفري الأخير أحسست بالغيرة والحسد من هذا الأستاذ ~~الشاب الجديد الذي يستطيع تدريس عدة مواد في تخصصات متعددة. وكنت أملأ ~~الدرس بربط الفكر بالوطن بعد الهزيمة، فعرفت محاضراتي. وكان يأتي ~~الطلاب لسماعها من كليات الحقوق والتجارة والعلوم والهندسة الذين ~~أصبحوا فيما بعد أساتذة وعمداء ورؤساء جامعات. # وفي أمريكا عبرت عن مواقفي الفكرية الوطنية في علم الكلام الجديد ~~الذي يربط الله بالأرض والحرية والناس؛ فأتاني طلاب كثيرون؛ مسلمون ~~أمريكيون، أفارقة، يستمعون إلى هذا الإسلام الجديد. وكنت أقوم بنفس ~~الشيء خارج الجامعة عندما أدعى إلى ندوات أو مؤتمرات علمية؛ فانزعج ~~المحافظون واعتبروني علمانيا ملحدا، بل وكافرا، في حين اعتبرني ~~الطلبة المسلمون الأمريكيون الأفارقة أنني مسلم وطني أدافع عن مصالح ~~المسلمين. كانت جامعة تمبل على حافة الحي الأمريكي الأفريقي، وعرف ~~الطلبة المسلمون الأمريكيون الأفارقة مكاني، وكان منهم أنصار «الإسلام ~~الأسود» و«القوة السوداء». وعرفوا أن العنف ليس هو الطريق الوحيد لنيل ~~الحقوق، بل يمكن ذلك عن طريق الحوار والجدل والبرهان. ونشأ أنصار ~~مالكولم إكس الذي خرج عن جماعة «الإسلام الأسود» ينادي بحقوق المسلمين ~~الأمريكيين الأفارقة مثلي، فكثر أنصاره عندي. وعقدت حوارا بين هذه ~~الجماعات الثلاث في مركز النشاط الطلابي للجامعة، وحدث التفاهم ~~واللقاء، وغابت شبهات العلمانية والكفر والإلحاد، وعرفوا أن الإسلام ~~قوة في ذاته بالعقل الصريح دون استعمال القوة والعنف. # كنت أصلي معهم في مساجدهم، وكانوا يصلون معنا في مركز الخدمات ms298 ~~الطلابية، وحين جاءت ساعة الفراق والعودة إلى مصر عام 1975م صاحبوني ~~إلى المطار بعرباتهم وهم يبكون. # وكان زميلي في الجامعة؛ الفلسطيني إسماعيل الفاروقية - محافظ يافا ~~سابقا - يشجعهم على التيار المحافظ، والذي يعطي الأولوية للدين على ~~السياسة، وللعبادات على المعاملات، فقل أنصاره؛ لأنه لا يتحدث بلغة ~~العصر، ولا يحقق مطالب المسلمين الأفارقة السود في المساواة بالمسيحيين ~~البيض، والعدالة الاجتماعية، والحصول على العمل والسكن الملائم، وسمعت ~~فيما بعد، بعد عشر سنوات تقريبا أنه قد تم اغتياله هو وزوجته ~~الأمريكية على يد مسلم أسود كان يعتبره لا يتكلم في الإسلام الحقيقي، ~~واختبأت ابنته في الدولاب، وفيما بعد تم اغتيال ابنه بعد انضمامه إلى ~~الجيش، وقد كان الذي اغتاله أمريكي الجنسية تفرض عليه الجندية. حزنت ~~كثيرا عليه وعلى إخلاصه للإسلام، ولخدمة المسلمين. حتى ولو كان ~~بطريقته الخاصة المحافظة كما يفعل علماء الأزهر عندنا، وكان من تواضعه ~~يحضر محاضراتي في الجامعة، ويتأثر بها، ويتغير بينه وبين نفسه. # وفي ندوة عامة بوسط المدينة سمعني أتكلم يوما وعرف أن الإسلام ~~التقدمي ليس به أي شبهات كما يقال عنه، فاحتضنني وقال للحاضرين: ~~«أرأيتم كيف يكون المفكر المسلم الحق؟» # وبعد عودتي إلى مصر بدأت التدريس من جديد في علم الكلام للسنة ~~الثانية، والفلسفة الحديثة للسنة الثالثة، وفلسفة التاريخ والفكر ~~العربي المعاصر للسنة الرابعة. # وكان القسم قد هدأت حرارته بالرغم من نصر أكتوبر 1973م، وعبور ~~القناة، وتحطيم خط بارليف المنيع، لم يشجع أحدا «تطوير فكره»، الربط ~~بين العلم والوطن كما كنت أفعل؛ فدبت روح الفلسفة من جديد في القسم ~~بعودتي، وربما تحولت الغيرة والحسد إلى كراهية وحقد البعض، فما كان ~~أجدرهم أن يستمروا في الكتاب المقرر دون أن يراني الطلاب ويروا إمكانية ~~وجود اكتشاف طريق ثان؛ «هموم الفكر والوطن»! # وجاء الانقلاب على الناصرية في عام 1974م والتحول من الاشتراكية إلى ~~الرأسمالية؛ فالرأسمالية لم تعد جريمة، ومن القطاع العام إلى القطاع ~~الخاص، ومن التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى التحالف مع الولايات ~~المتحدة الأمريكية، ومن القومية العربية إلى القطرية الانعزالية، ولو ~~أن ms299 أزمة الحرية في النظامين الناصري وما بعده ظلت قائمة. # خرج الإسلاميون من السجون والمعتقلات لإزاحة الناصريين والماركسيين ~~بعيدا عن جهاز الدولة والحياة العامة، واشتركت في مظاهرات يناير ~~1977م ضد غلاء الأسعار، ثم عارضت اتفاقية كامب ديفيد في 1978م، ومعاهدة ~~السلام مع إسرائيل في 1979م. وأصبح نشاطي العلمي مقرونا بالنشاط ~~السياسي، ولما حان الوقت للتقدم بالترقية من أستاذ مساعد إلى أستاذ في ~~هذا الجو المشحون، وافقت اللجنة العامة للترقية على ترقيتي وعادت ~~الألاعيب الإدارية في معارضة الترقية من القسم ومجلس الكلية ومجلس ~~الجامعة تبعا لتوجيهات أجهزة الأمن. ومع ذلك عندما عاد تقرير الترقية ~~إلى اللجنة العامة المختصة بالترقيات ثم أعادته بدورها إلى الكلية من ~~جديد، عارض القسم ومجلس الكلية للمرة الثانية الترقية لأنني من ~~المشاغبين، وذهب التقرير إلى مجلس الجامعة اللجنة العامة للترقيات، ~~فقررت أن ترقيني لأنى أستحق الترقية بجدارة. وكانت المجالس الإدارية ~~ترفض لأنني من المشاغبين بجدارة؛ فاستدعاني رئيس الجامعة وأخبرني أنه ~~لا يجب أن يخرج هذا الموضوع إلى الصحافة والإعلام وإلى الرأي العام ~~قائلا: «ستمر الأمور بسلام، وأخشى إن ثارت زوبعة إعلامية أن يؤثر ذلك ~~في ترقيات الأساتذة التقدميين الذين حانت ترقياتهم بعدك.» فسمعت ~~الكلام، وطلب رئيس الجامعة من جديد التصويت على ترقيتي. فرقيت ~~بالإجماع، فقد بدأ الأساتذة يتضجرون من تفريط النظام السياسي القائم، ~~الذي عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل قبل أن تنسحب من الأراضي ~~المحتلة. # وبعد أن فصلت من الجامعة بعد قرارات سبتمبر عام 1981م وعدت إلى ~~الجامعة من جديد في أبريل عام 1982م، أردت الاستراحة قليلا من العمل ~~في مصر، فتأتني دعوة من المغرب كي أكون أستاذا زائرا هناك بفضل صديقي ~~حبيب الشارونية الذي كان يدرس بالجامعة أستاذا زائرا ويريد العودة ~~إلى مصر. # فذهبت إلى المغرب مصاحبا زوجتي الحبيبة وأولادي الثلاثة، ودخلوا ~~المدارس هناك ، وأعطيت لهم دروسا خاصة في الفرنسية. مكثت سنتين حتى ~~أصدر الملك قرارات بمغادرتي البلاد نظرا لأنني أشرت في محاضرة إلى ~~النظام السياسي في الإسلام وآية: # قالت إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا ms300 ~~أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون ~~. # فأرسلت أولادي الثلاثة بالطائرة إلى مصر، ورجعت أنا وزوجتي برا ~~عبر جبل طارق وجنوب إسبانيا وجنوب فرنسا وشمال إيطاليا ويوغسلافيا حتى ~~أثينا بسيارتي الخاصة، ثم بحرا من أثينا إلى الإسكندرية. # وقبل أن أستلم عملي بقسم الفلسفة بكلية الآداب، جاءتني دعوة لأكون ~~أستاذا زائرا بجامعة طوكيو باليابان؛ فذهبت لأكون أستاذا زائرا، ~~فذهبت وزوجتي وأولادي، وسكنا بمنزل الجامعة، وعملت زوجتي أستاذا ~~بقسم اللغة العربية بالجامعة. # وكنت لأول مرة أدرس لطلبة يابانيين الذين كانوا يسمعون ولا ~~يتكلمون، يأخذون ولا يعطون، رأسهم في الأرض، ولا ينظرون إلى الأستاذ، ~~وكانوا يكتبون ولا يعرف الأستاذ ماذا يكتبون؟ كلامه أم نقد لكلامه؟ كنت ~~أود أن أسمع آراءهم فيما أقول في مادة الفلسفة بين الشرق والغرب والتي ~~كنت أدرسها لهم، ولم أسمع شيئا. وكأنني أغني وأرد على نفسي، فلما ~~اشتكيت إلى رئيس القسم الياباني ما يحدث في قاعة الدرس ضحك، وقال: «هذه ~~عادة اليابانيين، يأخذون منك ما يستطيعون، وإذا كانت لهم آراء أو ~~تعليقات أو نقد أو اقتراحات فإنهم لا يبلغونها لك بل لرؤسائهم في ~~الشركات التي يعملون بها؛ فولاؤهم لهذه الشركات التي يضعون شاراتها على ~~صدرهم تعبيرا عن ولائهم؛ فالفائدة لهم، وليست لك.» فحزنت بأن يتحول ~~العلم إلى تجارة، والولاء للجامعة إلى ولاء للشركة، ولم أستطع البقاء ~~طويلا في هذا الجو التجاري، فجاءتني دعوة إلى أن أكون مشرفا على ~~الأبحاث الإنسانية في جامعة الأمم المتحدة في طوكيو ما دمت هناك. وهي ~~جامعة أنشأها يوتاند من بورما في آسيا لتنشيط البحث العلمي في القارات ~~الثلاث؛ أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، تشجيعا للبحث في العالم ~~الثالث بدلا من أن يتركز في العالم الأول؛ أوروبا وأمريكا. فقبلت ~~الدعوة، وقرأت أبحاث الجامعة في العلوم الإنسانية، وكان لها عدة ~~مشروعات عن الثقافة والإبداع في أمريكا اللاتينية، يديرها د. أنور عبد ~~الملك؛ المصري الذي ترك البلاد في 1958م خوفا من اضطهاد الشيوعيين في ~~مصر، وكان هناك مشروع آخر «المستقبلات العربية البديلة» يديرها ~~إسماعيل صبري عبد الله وأبو سيف يوسف ms301 في مصر، ومشروع ثالث بعنوان ~~«التطور اللامتكافئ» يديره رمسيس نجيب من داكار عاصمة السنغال. # وكانت ثلاثة أبحاث منفصلة عن بعضها البعض؛ فاقترحت على نائب رئيس ~~الجامعة «موشي كوجي» الذي كان يشرف عليها، الربط بينهما لمعرفة ما إذا ~~كانت هناك رؤية واحدة تجمع بين القارات الثلاث أم رؤى متعددة؟ ففرح ~~بالاقتراح وطلب مني تنفيذه؛ فقمت بإجراء دراسة على المشاريع الثلاثة ~~وما الذي يجمع بينها، وتبين فيم تتفق كرؤية عامة، وفيم تختلف كرؤى ~~خاصة، ونشرتها في كتابي باللغة الإنجليزية «الحوار الديني ~~والثورة». # كانت هناك مشكلة رئيسية في الجامعة حاولت أن أساعد في حلها، وهي لمن ~~القيادة في الجامعة، للعلماء أم للإداريين؟ وكانت بعض قرارات العلماء ~~يوقفها الإداريون، فلم يشعر العلماء بأنهم في جامعة حرة. ولما كان ~~الإداريون بيدهم المال فكانوا هم الذين يسيطرون على نشاط الجامعة طبقا ~~لتكاليف المشاريع المادية. وظلت المشكلة قائمة حتى غادرت طوكيو عام ~~1987م. # وكان رئيس الجامعة في عهدي إندونيسيا، يهمه المنصب والرمز أكثر مما ~~يهمه حل المشكلات بين العلماء والإداريين، فقد كان هو القادر على الجمع ~~بينهما ولكنه لم يفعل شيئا. # وبعد سنتين عدت إلى القاهرة لأستمر في إلقاء المحاضرات في مواد ~~فلسفة التاريخ والفكر العربي المعاصر، واستمر ذلك إلى ما بعد سن المعاش ~~حتى عام 1995م. واستمررت في الدراسات العليا بالإشراف على حلقات البحث ~~حول علم الكلام والفكر العربي المعاصر وفلسفة التاريخ. وأشرفت على ~~رسائل كثيرة في الماجستير والدكتوراه، حتى بدأت أضعف جسديا. كان ~~الطلبة والعمال يحملون الكرسي المتحرك إلى قاعة الدرس أو مجلس الكلية، ~~ولما ضعف نظري وأصبحت شبه ضرير، توقفت عن الذهاب إلى الكلية، وكان ~~الطلبة الذين يريدون أن أشرف على رسائلهم يأتون منزلي، أقرأ خططهم، ~~وأصححها لهم قبل عرضها على مجلس القسم ثم لجنة الدراسات العليا ثم ~~موافقة مجلس الكلية ووكيل الجامعة للدراسات العليا. # وكنت أساهم في مناقشات الرسائل في الجامعة، وفي جامعات أخرى حتى ~~يستعد الجيل الجديد للعمل والكفاح كما فعلت، ولم أتوان عن الحضور ~~والمشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية داخل مصر ms302 وخارجها، والتعرف ~~على زملائي الفلاسفة في الجامعات الأخرى، وتقديم عدة أوراق بحثية ~~أجمعها فيما بعد في كتب لي، ومن تأليفي، واستمررت في ذلك أكثر من ~~عشرين عاما حتى ضعف جسدي وأصبحت ضريرا، فامتنعت عن الحركة قدر ~~استطاعتي، يكفيني ما قدمت، وبعد الإصرار أن أقدم من الحين إلى الآخر ~~تسجيلات بصوتي وصورتي في افتتاحيات المؤتمرات عبر «الفيديو كونفرنس» ~~أوافق على ذلك. # ولما أحسست أن الجامعة مشغولة بالمحاضرات والدرجات والامتحانات ~~والشهادات أكثر من العلم لذاته، أسست الجمعية الفلسفية المصرية ~~وأشهرتها سنة 1976م. وكانت المحاولة الأولى من منصور فهمي باشا عام ~~1944م، وتوقفت أثناء الحرب، ثم عادت بعد ذلك في الستينيات برئاسة علي ~~عبد الواحد وافي أستاذ علم الاجتماع والفلسفة. نشرت الجمعية عدة مؤلفات ~~لمحمود قاسم وعثمان أمين وعلي عبد الواحد وافي وعثمان نجاتي وغيرهم في ~~مكتبة الأنجلو المصرية. ثم توقف نشاط الجمعية. ولما حاولت إحياءها ~~ذهبت إلى محمود قاسم رئيس قسم الفلسفة وعميد كلية دار العلوم فقال لي: ~~«إن الزمن قد تغير.» فذهبت إلى عبد الرحمن بدوي رئيس قسم الفلسفة ~~بجامعة عين شمس فقال لي: «لماذا جمعية فلسفية تضم أساتذة الفلسفة في ~~مصر؟ أنا بمفردي جمعية ولا أحتاج إلى جمعية بجواري أعمل من ~~خلالها!» # وذهبت إلى إبراهيم بيومي مدكور رئيس مجمع اللغة العربية والفيلسوف، ~~فقال لي: «اذهب إلى سليمان حزين رئيس الجمعية الجغرافية الملكية فهو ~~خير من يعينك فيما أنت فيه.» # فذهبت إليه في الجمعية بمدخل شارع قصر العيني بميدان التحرير، بجوار ~~المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون أثناء الحملة الفرنسية على مصر، قال ~~سليمان حزين لي: «سأقول لك كلمة واحدة، ضعها حلقة في أذنك، الجمعيات ~~العلمية في مصر لا تقوم إلا على أكتاف رجل واحد، وكما تراني في ~~الجمعية الجغرافية الملكية، فلولا أنا لما قامت.» فحزنت. وذهبت بعدها ~~إلى عثمان أمين لكي أطلب منه رئاسة الجمعية وكانت الثورة قد قامت في ~~1952م، فقال ضاحكا: «هل يمكن إقامة جمعيات علمية في مصر في هذا ~~العصر؟» فأصررت على إقامتها، وفعلا قمت بذلك وأسستها في ms303 عام 1976م ~~وجعلت إبراهيم بيومي مدكور رئيسا لها. # لم يكن لي مقر إلا بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وهو دولاب صغير في ~~المقر يحفظ فيه الملفات، وكنا نضع لافتة «الجمعية الفلسفية المصرية» ~~على باب الدولاب، وكنا نقوم بنشاط الجمعية في الكلية بإلقاء المحاضرات ~~في المدرج الكبير، وكان دخلنا من اشتراكات الأعضاء لا يزيد على ~~الأربعين جنيها، نصعها في دفتر توفير بالبريد وكان قيمة الاشتراك خمسة ~~جنيهات. # وفى إحدى المرات استدعاني عميد الكلية وقال: «لا يجوز أن يكون مقر ~~الجمعية داخل كلية الآداب، وتمارس نشاطها داخل أسوار الجامعة؛ لأن كلية ~~الآداب مؤسسة حكومية في حين أن الجمعية مؤسسة أهلية مدنية لا يجوز ~~أن تعمل من خلال مباني الحكومة.» وطلب أن أبحث عن مقر آخر. # هذا كان مجرد عذر لإخراج الجمعية ووقف نشاطها؛ لأن جميع الجمعيات ~~الأخرى كان لها نشاط داخل أسوار الجامعة مثل: جامعات فيينا، وأكسفورد، ~~وكمبريدج، وفرايبورج. وكان السبب الحقيقي لطلب العميد هو نشاطي السياسي ~~في مناهضة الانقلاب على الناصرية ومعارضة اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة ~~السلام مع إسرائيل. # فأخذت أبحث عن مقر قريب من الجامعة حتى وجدت شقة في مساكن هيئة ~~التدريس وراء الجامعة، كان يعرضها صاحبها للبيع، وكان أستاذا بكلية ~~الهندسة، كان ثمنها تسعين ألف جنيه. وكان كل ما لدينا في صندوق البريد ~~حوالي مائة جنيه، طلبنا من صاحب الشقة أن يقسط لنا المبلغ على ثلاثة ~~أشهر كل شهر ثلاثين ألفا؛ فقبل الأستاذ، وكان رئيس الجمعية في ذلك ~~الوقت الدكتور زقزوق قد أصبح وزيرا للأوقاف؛ فعرض الأمر على وزير ~~الثقافة، فطمأنه بأنه مستعد أن يعطي الجمعية ثلاثين ألفا سنويا؛ ~~فاعترض أمين صندوق الجمعية على أن نصرف التسعين ألفا في شراء شقة ~~ونترك الصندوق شبه فارغ. فقلنا: وما العمل؟ وليس لدينا مقر، وإن لم ~~نحصل سريعا عليه تعرضنا لإلغاء الجمعية من قبل وزارة الشئون ~~الاجتماعية ، وأن قانون الجمعيات يشترط أن يكون لكل جمعية مقر؛ فأصر ~~أمين الصندوق على رأيه، وقلنا له إننا لا نستطيع أن نكون في الشارع بلا ~~مقر، فقدم ms304 استقالته لأنه لا يتحمل وزر صرف كل ميزانية الجمعية في بند ~~واحد هو شراء شقة لكي تكون مقرا للجمعية. # كانت الشقة مكونة من ثلاث غرف بمنافعها؛ المطبخ والحمام. ففتحنا ~~غرفتين بهدم الحائط بينهما؛ فأصبحت قاعة كبيرة للمحاضرات، وجعلنا ~~الغرفة الثالثة لإدارة الجمعية التي بها الآلات الحاسبة، والدفاتر، ~~والملفات والرسائل الإلكترونية، وغير ذلك من أوراق الجمعية. # صممت لها دواليب للكتب برفوف وأبواب زجاجية من أعلى وأخرى صغيرة من ~~الخشب من أسفل، وضعنا فيها الكتب الخاصة بالجمعية والتي كانت تصلنا ~~كهبة من الأساتذة، وصممت لها منضدة واسعة وكراسي عربية، ومنصة يجلس ~~عليها المحاضرون لإلقاء المحاضرات، وكذلك ابتعت جهاز تكبير للصوت ~~بسماعات ضخمة، ركبنا مرواح للسقف، وزدنا عدد المصابيح الكهربائية، ~~ثم ركبنا لافتة كبيرة علقناها على مدخل المبنى، ذات إضاءة قوية، ~~تسقط عليها مكتوب: «الجمعية الفلسفية المصرية، اتحاد الجمعيات الفلسفية ~~العربية». # وبعد عشر سنوات تقريبا من الاستقرار فكرت في جمع جميع الجمعيات ~~الفلسفية العربية بكل الأقطار العربية في اتحاد واحد يكون نشاطه على ~~الأقل مؤتمرا سنويا في الجمعية الفلسفية المصرية، وكانت هناك ~~جمعيات فلسفية في المغرب، وموريتانيا، وتونس، والأردن، ولبنان، واليمن ~~والسودان. ثم تكونت الجمعية الفلسفية الجزائرية فيما بعد، بعد حضور ~~عدد كبير من أساتذة الفلسفة الجزائريين المؤتمر السنوي في مصر. ورجوت ~~عمرو موسى أمين الجامعة العربية وقتها أن يعطينا عشر بطاقات للسفر ~~لرؤساء الجمعيات لحضور المؤتمر بمصر؛ ففعل. واجتمعنا لأول مرة في مصر، ~~وكما هي العادة اختلفنا على من هو الرئيس؟ ومن هو نائب الرئيس؟ ومن هو ~~السكرتير العام؟ ومن هو أمين الصندوق؟ ومن هم مجلس الإدارة؟ اختلفنا ~~على الشكليات دون المضمون. # وفى السنة التالية انتقل عمرو موسى إلى مكان آخر، ولم نستطع إرسال ~~بطاقات السفر لرؤساء الجمعيات الفلسفية العربية ولم يأت أحد، ثم نام ~~الاتحاد، ونشطت الجمعية الفلسفية المصرية، وكان يحضر أعضاء من الجمعيات ~~الفلسفية من الدول العربية التي ذكرتها سابقا، وكان الأكثر حضورا ~~أعضاء الجمعية الفلسفية الجزائرية، وكان جميع العرب يلتقون في مصر. ~~ولعلنا نستطيع في القريب العاجل أن ننشط ms305 اتحاد الجمعيات الفلسفية ~~العربية من جديد، حتى يجتمع العرب على شيء بدلا من الاقتتال بين بعضهم ~~والبعض في معظم الأقطار العربية الآن مثل سوريا، والعراق، واليمن، ~~وليبيا. # وأصبح للجمعية الفلسفية المصرية مجلة تصدر كل عام، ومجلد يحوي أعمال ~~المؤتمر السنوي في ديسمبر من كل عام، كما تم إقرار الجلسات نصف السنوية ~~لمناقشة أهم الكتب التي صدرت أثناء العام، وما زالت الجمعية تقيم ~~ندوات شهرية كل ثاني أحد من كل شهر، ولقد تبرعت لها بجزء من عائد ~~الجوائز التي حصلت عليها؛ جائزة الدولة التقديرية، وجائزة النيل ~~الكبرى. حتى بلغت ودائع الجمعية ربع مليون جنيه. نعيش على عائدها ~~الشهري، وندفع مرتبات موظفيها، وتكاليف خدماتها والاتصالات. وفي ~~المؤتمر السنوي نعتمد على عائد الوديعة التي وضعتها باسم النشاط ~~العلمي لكلية الآداب بمبلغ مليون جنيه. # وكان لي صديق مستشار ثقافي في وزارة الخارجية السويدية، متخصص في ~~الفكر العربي المعاصر، عرفني من خلال مؤلفاتي قبل أن يعرفني شخصيا، ~~ولما علم أنني أدير الجمعية الفلسفية المصرية بالقاهرة كمركز للتفلسف ~~في مصر والوطن العربي، دعاني لإكمال النقاش الفلسفي لمدة يومين ~~بالمعهد السويدي بالإسكندرية، وكان لقاء ناجحا للغاية، خاصة بالنسبة ~~للمدعوين العرب والذين كان يضايقهم بعد رحلات طويلة قضاء ثلاثة أيام ~~فقط في القاهرة. # ولما انتهت مدة عمل الصديق السويدي غادر إلى السويد، وأتى غيره وكانت ~~امرأة سويدية متزوجة من عراقي وتعرف بعض العربية، واستمرت اللقاءات ~~الفلسفية بالمعهد لمدة ثلاث سنوات هي مدة إقامتها بمصر، ثم جاء ثالث مع ~~كلبه، يهمه قضاء آخر سنتين له بالخارجية السويدية قبل أن يحال إلى ~~المعاش، وكان لا شأن له بالثقافة، وهمه إدخال السعادة على قلب الكلب ~~وسياحته في مصر، قضي سنتين مديرا للمعهد دون أن يفعل شيئا إلا رعاية ~~صحة الكلب كما عرض في فيلم «غزل البنات» والموظف الخاص لرعاية كلب ~~الباشا حين ظنه نجيب الريحاني أنه الباشا. وبدأ اهتمام السويد بمعهدها ~~يقل لعدم اهتمام مديري المركز بعملهم. فقررت إغلاقه واقتصاد تكاليفه ~~ومرتبات موظفيه المصريين، فقررت مصر وضعه الصوري والفعلي تحت سلطة ms306 ~~مكتبة الإسكندرية والتي اعتذرت عن استضافة الجمعية الفلسفية المصرية؛ ~~نظرا لارتفاع تكاليف إقامة الأعضاء؛ حيث كانوا أكثر من ثلاثين عضوا، ~~في حين كانت المكتبة تستضيف المئات من الشباب والمثقفين في موضوعات ~~تقررها السلطة السياسية في مصر، فقد فقدت مكتبة الإسكندرية استقلالها ~~الفكري في عهد إدارتها الجديدة بعد الإدارة القديمة. # وبعد أن كبرت في السن وضعفت صحتي وأصبحت شبه ضرير أرجو للجمعية أن ~~تستمر من بعدي بمجلس إدارة جديد ورئيسها المتعافي في خدمتها. كانت معظم ~~المؤتمرات الثانوية تقام في مبنى جامعة القاهرة، والقليل منها بجامعات ~~الإسكندرية وبني سويف وقناة السويس والمنيا؛ من أجل تنشيط أقسام ~~الفلسفة في هذه الجامعات. وتظل المؤتمرات السنوية تقام في جامعة ~~القاهرة؛ نظرا لأن ودائع الجمعية في كلية الآداب والتي لا تصرف إلا ~~في النشاط العلمي الخاص بها. # أما علاقتي بالعالم، فمنذ صغرى وأنا أحاول اكتشاف ما حولي في الحارة ~~والدرب والعطفة؛ أدور حول العطفة حيث كان آخرها من جهة اليمين ميدانا ~~مسدودا، وآخرها من جهة اليسار من بعيد يبدو ميدانا آخر مفتوحا على ~~نهاية الطريق. # كانت البيوت الداخلية المطلة على الدرب في ألوان واجهاتها نظيفة، ~~وراقية بسكانها، أما مدخل العطفة الذي كان به الفرن، والفران جالسا ~~على مكتبه، تأتيه عربة القمامة يوميا لتمده بما يحتاجه لإشعال ~~الفرن وتسوية الخبز. # وكان الفتوات يجلسون على باب المنازل تتصاعد أصواتهم بلا حدود، ~~وكأنهم يستعدون لمنافسة على المصارعة، وأحيانا يخرجون من درب الشرفا ~~لمصارعة فتوات الحسينية أو العطوف، ويرجعون إلى الدرب مضرجين بالدماء ~~وهم يتوعدون الخصوم بالنيل منهم قريبا، ينادون بالانتصار عليهم. ~~وأحيانا أخرى يأتي فتوات الحسينية أو العطوف للهجوم على الدرب فيتصدى ~~لهم الفتوات فيقع من يقع، وأنا أشاهد ذلك من النافذة وأتساءل: لماذا ما ~~يحدث؟ هل هم أعداء أم أصدقاء؟ وكنت أسير في شارع المعز لدين الله والذي ~~يخرج من باب الفتوح متجها لسوق الليمون والزيتون حتى أصل الجمالية ~~والصاغة وشارع الأزهر، وأرى سور صلاح الدين وهو يمتد حول القاهرة ~~القديمة بأبراجه للدفاع عنها، وأحيانا أسير إلى باب ms307 النصر المجاور ~~لباب الفتوح، وكان أقل ازدحاما، وتظهر بعده المقابر، وعلى يساره معامل ~~صناعة حلوى المولد النبوي؛ العرائس والأحصنة الملونة. ويمتد شارع ~~الحسينية المزدحم حتى ميدان عبده باشا. # فلما كبرنا قليلا ذهبنا إلى ميدان الظاهر، ودخلنا جامع الظاهر بيبرس ~~حيث الآثار الإسلامية المتناثرة حوله، فإذا ما سرنا في شارع الفجالة ~~وجدنا ميدانا به قصر المرعشلى المهجور، وكنا نتساءل: لماذا لا يستخدم ~~هذا القصر الأثري المملوكي كمتحف يزوره الناس؟ # وأول مرة أزور فيها الإسكندرية وأنا طالب في الثانوي لاستقبال النحاس ~~باشا على رصيف الميناء، ثم أعود للقاهرة في نفس اليوم، وكان القطار ~~مجانا لأننا طلبة ثوار، ورأيت أمواج البحر وهي تصعد إلى السماء، ~~وينطبق عليها عند الأفق البعيد. وكنت أعود لأزور قصر النحاس باشا في ~~ميدان الدوبارة أهنئه بسلامة الوصول، ويبدو أنه تضايق من كثرة الوفود ~~التي تأتي مهنئة، فسمعته مرة يقول من شرفة القصر: «ارجعوا إلى ~~بيوتكم.» فحزنت؛ لأنه كان بطلا شعبيا بالنسبة لي يقف ضد ~~الإنجليز. # وفى المرة الثانية لاكتشافي مصر، كانت رحلة مدرسية قيمة الاشتراك ~~بها خمسون قرشا، ذهبت لزيارة الأقصر وأسوان، وزيارة معابدها ~~الفرعونية. حضرنا عروض الصوت والضوء، وأعجبنا بهذه الآثار القديمة ~~والمعابد والأعمدة التي شيدها المصريون القدماء. # وكان هناك زيارات قصيرة لا تزيد على فصل دراسي واحد لكل من ~~جامعات فرانكفورت وبريمن في ألمانيا، والخرطوم في السودان، وكيب تاون ~~في جنوب أفريقيا. # كنت أعرف الشخصية الألمانية، وازدادت معرفتي بعد هذه الزيارات ~~بالشخصية السودانية وطرقها الصوفية، أما في جنوب أفريقيا فقد تعلمت ~~الرقص الأفريقي الإيقاعي؛ يرقصون فرحا بالتحرر الوطني، ويصدرون ~~أصواتا أثناء الرقص تخيف الرجل الأبيض، وكان معي زملاء أفريقيون من ~~أصول هندية أو ماليزية، وكانوا من أنصار «لاهوت التحرير» مثل: عبد ~~الله موسى، وعبد القادر الطيب، والحاج عمر، وفريد إسحاق. وكان ينظر ~~إليهم على أنهم مسلمون يغردون خارج السرب، يتفقون معهم في الغاية، وهي ~~تحرر جنوب أفريقيا من الحكم العنصري، ويختلفون في الوسيلة مع أغلبية ~~المسلمين الأمريكيين الأفارقة؛ يختلفون لأن الزملاء ينتسبون إلى اليسار ~~الإسلامي بينما ms308 تنتسب الغالبية الأمريكية الأفريقية لليمين الإسلامي ~~وهم أنصار «القوة السوداء» و«المسلمون السود» والذين لا يتورعون عن ~~ممارسة العنف. يركز الفريق الأول على النضال السياسي، بينما يركز ~~الفريق الثاني على الهوية الإسلامية، يركز الفريق الأول على المعاملات، ~~بينما يركز الفريق الثاني على العبادات؛ فالعبادات تعطى الهوية ~~الإسلامية. غادر عبد الله موسى جنوب أفريقيا، بعد محاولة الاعتداء ~~عليه، إلى الولايات المتحدة الأمريكية بينما بقي الآخرون، والحاج عمر ~~يركز على العبادات فهو إمام مسجد. أما عبد القادر الطيب وفريد إسحاق ~~فهما مثقفان مستنيران، كان الفكر الإسلامي لديهما له الأولوية على ~~العبادات. # وقد زرت في مدة أقل لحضور مؤتمرات كثيرا من الجامعات في ألمانيا ~~مثل: دوسلدورف وبون وكولونيا وهامبورج وهايدلبرج ومالبورج. كما زرت ~~جامعات أوروبية أخرى لفترة قصيرة في كامبريدج وأكسفورد ووارسو ~~وقرطبة وفيينا وموسكو. # وقد كون هانز كينج جماعة للحوار الديني برئاسة رئيس جمهورية ~~ألمانيا السابق هيلمولت شميت، وكنت عضوا فيها، وجاءت الجماعة إلى مصر ~~لعرض نشاطها على الرئيس المصري، فلما وجدت الرئاسة اسمي ضمن المجموعة ~~شطبت اسمي من الدعوة للعشاء مع أعضاء المجموعة، فلما سألوهم عني، ~~ولماذا لا أحضر معهم، لا أدري بماذا أجابوا! # وعندما زرت وارسو، أقام رئيس جمهورية بولندا حفل عشاء للوفد الذي ~~كنت عضوا فيه لمشاركة الحوار الديني كموضوع للندوة، وألقى الرئيس ~~البولندي خطاب ترحيب باللغة الإنجليزية. وطلب مني أن أرد عليه بخطاب ~~شكر، فقمت واقفا وألقيت خطاب الشكر، وبإعجابي بأهل السياسة عندما ~~يصبحون من أهل الثقافة طبقا لمبدأ «الفيلسوف الملك» أو «الملك ~~الفيلسوف» عند أفلاطون في الفلسفة اليونانية، والفارابي في الفلسفة ~~الإسلامية. # وأحيانا أجد بعض تلاميذي وقد أصبحوا يعملون كملحقين ثقافيين في ~~السفارات المصرية بالخارج، فيخاطبون سفراء بلادهم ويعلمونهم بوجودي في ~~بلادهم؛ فيدعونني لإلقاء محاضرة بالقاعة الكبرى لسفاراتهم. حدث ذلك في ~~فنلندا وكندا وأستراليا؛ فأجد التقدير خارج وطني ولا أجده في وطني لأن ~~«زمار الحي لا يطرب». # وفى العالم الإسلامي زرت جامعات إسطنبول وأنقرة، وطهران وقم، ~~وكوالالمبور في ماليزيا، وجاكارتا في إندونيسيا، وفي أواسط آسيا زرت ~~طشقند في ms309 أوزبكستان، وباكو في طاجكستان، وسمرقند، وغيرها من الجامعات ~~في أواسط آسيا، وفي الهند زرت جامعات بومباي ونيودلهي وحيدر ~~آباد. # وزرت إندونيسيا عدة مرات، آخرها عندما كان عبد الرحمن وحيد رئيس ~~جمعية نهضة العلماء رئيسا للجمهورية. فدعاني إلى القصر مع رجالات ~~الدولة، وألقى محاضرة عن أفكاري واتجاهي الإصلاحي، فكان الرجال ينظرون ~~إلى ويبتسمون تقديرا لدوري وامتنانا لما قاله رئيسهم في حقي، وقد ~~كان طالبا عندي في مصر، يستمع ويدرس محاضراتي قبل انتقاله إلى ~~بغداد. # وفى كوالالمبور تعرفت على جماعة «آليران» وهي أشبه باليسار الإسلامي ~~والذي أسسته في مصر. كما تعرفت هناك على «قاسم أحمد» المفكر الإصلاحي ~~والذي كتب «العودة إلى القرآن». كما تعرفت على «سيد حسين علي» المفكر ~~الماركسي الماليزي الذي أراد أن يطور الحركة الإسلامية من الإصلاح ~~إلى الثورة، وكما حاولت أنا في مصر. كما تعرفت على «أنور إبراهيم» ~~الزعيم الطلابي وزميل «محمد محاضر» الذي أصبح رئيس وزراء ماليزيا ووضع ~~برنامج «عشرين عشرين» للتنمية الماليزية. # وفى زيارتي لتركيا تعرفت على جماعة «ريح الشرق» التي كانت ترى رسالة ~~تركيا تمتد شرقا في آسيا بعد رفض الاتحاد الأوروبي عضويتها فشعرت ~~تركيا بالإهانة، وقد كانت إمبراطورية قديما تسيطر على شرق أوروبا، ~~ووصلت حتى أبواب فيينا. وكان من أعضاء هذه الجماعة الحكومة الحالية ~~برئاسة «أردوغان» و«داود أوغلو» الذي كان وزيرا للخارجية. ولما قدموا ~~إلى مصر لمقابلة الرئيس وضعوا اسمي مع من سيلتقي الوفد بهم، وحضور ~~العشاء الذي سيقام على شرفهم، وكان وزير الخارجية قد زارني سابقا في ~~مصر للتعرف على أفكاري الإصلاحية، وكان يعرفني جيدا فطلب أن يجلس ~~بجواري على مائدة العشاء، وعندما جاء الرئيس وبطانته من حوله أخذوني ~~إلى مائدة أخرى صغيرة بصحبة الموظفين الصغار في السفارة التركية؛ فغضب ~~«داود أوغلو» وترك مائدة الشرف وجاء بجواري على المائدة الصغيرة، ~~وأدركت بعد مثل هذه الحوادث بأنه لا كرامة لنبي في وطنه، وأن الخارج ~~يحترمني ويعرفني ويقدرني أكثر من أبناء وطني؛ فحزنت لذلك. وقد كان ~~باستطاعتي بسهولة أن أكون هنا من بطانة السلطان ذوي النفوذ ms310 ولكني لا ~~أفعل ذلك؛ فأنا لست من علماء بلاط السلطان ولا من بطانته. # وفي زيارتي السريعة لطهران وكان ذلك بعد الثورة الإسلامية قابلت ~~الخميني في منزله في «قم». وجلست معه على الأرض مربعا ساقي. كنت ~~أتكلم عن الإسلام والثورة، وكان هو ينصت، ولا يتكلم. طلبت أن أنشر كتاب ~~«الحكومة الإسلامية» في مصر فأعطاني الكتاب مترجما إلى اللغة العربية ~~وكذلك كتاب «جهاد النفس، أو الجهاد الأكبر». سألته عن حقوق النشر، قال: ~~«لا حقوق، انشر الكتاب على أوسع نطاق ويكفيني هذا حقا لي.» وتعرفت في ~~«قم» على الإمام «تسخيري» الذي أنشأ مجلة «تقريب» للحوار والتقارب بين ~~السنة والشيعة. وقابلت الإمام أحمد بن الخميني، والإمام طالقاني، ~~والإمام طباطبائي، والإمام جلبيجائي. وحضرت بعض ندوات الحوزات العلمية، ~~وتعرفت على «عبد الجبار الرفاعي» الفيلسوف العراقي الهارب من حكم صدام ~~والذي بدأ في نشر مجلة «قضايا إسلامية معاصرة» وأعطيته حديثا بعنوان ~~«قم تسأل والقاهرة تجيب» مما أغضب علماء الشيعة عندهم. فكيف من يسأل ~~هي «قم» والقاهرة هي التي تجيب؟ فهم يرون «قم» مدينة العلم ولديها ~~المعرفة، فالأصح هو «القاهرة تسأل وقم تجيب». فالقاهرة لديها السؤال، ~~وقم لديها الإجابة. وزرت مدينتي «مشهد» و«تبريز»، ورأيت الآثار ~~الإسلامية. # وفي سنغافورة تعرفت على زين العابدين رئيس الجامعة الإسلامية في ~~سنغافورة بوجهه الصبوح وعقله المستنير، فحسدته على شخصه وصفاته وقيادته ~~للمسلمين في الجزيرة. # أما في الوطن العربي فقد أعطيت فصولا دراسية كاملة في جامعة العين ~~بدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى معظم الجامعات العربية ~~لفترات قصيرة في المملكة العربية السعودية، وتطوان والرباط والدار ~~البيضاء بالمغرب، ونواكشوط في موريتانيا، والجزائر، وتونس، وصفاقس ~~بتونس، وليبيا، واليمن، وعمان، والكويت، وقطر، والبحرين، وبغداد، ~~وعمان، ودمشق، وبيروت. وكان أكثر الطلاب وعيا بالثقافة العربية ~~الطالب المغربي. # وفى ليبيا جلست مع القذافي في خيمته عدة مرات عندما كان يستضيف ~~المؤتمرات القومية وأعضاءها من المثقفين العرب، ولم أكن أحب الكلام ~~والمشاركة في هذه الجلسات؛ لأنه كان يستعلي ويستكبر على المثقفين ~~معتبرا نفسه نبيا لهذا العصر. # وفي بغداد قابلت الرئيس صدام ms311 حسين في الاحتفال بمرور سنتين على وفاة ~~ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العراقي، وفي هذه الفترة كان في صراع علني ~~مع أمريكا قد بدأ وعلى أشده بالتراشق اللفظي بينه وبين «بوش». وكان ~~صدام يمشي على المسرح متبخترا أيضا رافعا رأسه إلى أعلى في ثقة ~~محييا جمهور الحاضرين. واقتربت مني أجهزة الإعلام لمعرفة رأيي في ~~رئيسهم فرفضت التعليق لأنني لا أمدح ولا أذم الرؤساء العرب. # ودعاني الملك عبد الله مع بعض المثقفين المصريين الماركسيين لزيارة ~~المملكة العربية السعودية وأداء فريضة الحج؛ فذهبت وأعطونا ملابس ~~الإحرام وأقمنا في الخيام. ودعينا مرة للقصر للغداء، رأيت الخراف ~~واقفة على الموائد بكاملها؛ فخفت من المشهد أكثر مما استمتعت به؛ فقد ~~كان مشهد الخراف واقفة مشوية مهيبا. # وفى زيارتي للملكة العربية السعودية لم يطلب مني الملك الكلام، ولم ~~يتكلم هو كذلك، بل كان الأمر مجرد أداء واجب، وكانت المحاضرات التي ~~ألقيناها في جامعة الملك عبد العزيز في مكة، وزرنا المدينة المنورة ~~وقبر النبي، ومنازل الصحابة. وكان الحجاج يطوفون حول الكعبة في مكة ~~ويتقاتلون للمس الحجر السود. يومها لم أستطع الطواف ولا السعي ولا ~~الصعود إلى جبل عرفات لكبر سني، ورأيت الناس يقذفون الحجارة الصغيرة ~~ويرجمون بها؛ فأدركت أهمية ما قاله الصوفية بأن هذه كلها ما هي إلا ~~مشاهد رمزية للحج القلبي الخالص. وتمنيت لو أن هذه الملايين ذهبت إلى ~~القدس، وطافت بالمسجد الأقصى. كما أدركت أهمية خطاب العيد في الفضاء ~~وليس في مسجد مغلق لشرح وضع المسلمين اليوم. ورأيت عمال النظافة وهم ~~يسحبون الشباشب والقباقيب والصنادل والأحذية من على الأرض كي يضعوها في ~~صناديق القمامة، وتساءلت: فإذا خرج المصلون فأين سيجدون أحذيتهم؟ وكان ~~الحجاج الأفارقة والأسيويون أكثر من الحجاج العرب، كلها كانت مشاهد ~~للرؤية حتى لو لم تكن شعائر للحج. # وفى المملكة الهاشمية الأردنية، زرت عمان ورأيت الملك عبد الله عدة ~~مرات، وكان يكرم أعضاء مؤسسة «آل البيت» للفكر الإسلامي، وأنا عضو ~~بها؛ المرة الأولى بمناسبة الدعوة على الغداء والسلام على أعضاء ~~المؤسسة، والثانية لمجرد المقابلة ms312 فانتهزتها فرصة لأقول له: «متى تتم ~~الوحدة العربية؟» فقال: «عن قريب إن شاء الله.» # وفى زيارتي للبنان دعاني رئيس الجمهورية ووفدا نسائيا مشتركا، ~~وقد كنت عضوا في هذا الوفد، للحديث عن حقوق المرأة، وشرحت معظم نساء ~~الوفد آراءهن في هذه الحقوق، وكانت تطالب بحقوق أوسع؛ فرد الرئيس ~~بأنه موافق تماما على ما سمع من آراء مهمة، وقال: «إن المهم هو قبول ~~المجتمعات بأكملها لهذه الحقوق وإلا انقسم المجتمع إلى طوائف.» # وفى البحرين، كان معظم الثوار من الشيعة ضد الحكم السني العربي. ~~فكنت في حيرة بين خيارين: أن أكون ثوريا؛ لأن الثورة هي خياري الأول ~~حتى لو كنت أمارس الثورة مع الأغلبية الشيعية. والثاني أن أكون رجعيا ~~عربيا أحافظ على العروبة وأضحي بالثورة. وكان من الصعب خلق تيار ~~ثوري في الحكم العروبي؛ لأنهم أهل السلطة والمال. كما كان من الصعب أن ~~أكون ثوريا عربيا مع الجماعة الشيعية؛ فالولاء في الجماعة للتشيع ~~أولا ثم للثورة ثانيا، وكان ولائي للثورة أولا والعروبة ثانيا. ~~وبعد أن كنت صديقا للثوريين الشيعة في البحرين وزرتهم بعد ذلك للمرة ~~الثانية ترددوا في استقبالي لأنهم لم يريدوا خلق تيار ثوري عروبي ~~يزاحم التيار الثوري الشيعي. ولما كانت العروبة تقوم على السلطة وأموال ~~النفط فإنها كانت تخشى من الثورة باسم العروبة. وكان الشيعة الثوريون ~~يريدون الثورة في البحرين خاصة؛ لأنهم الأغلبية ويكونون امتدادا ~~للثورة الإيرانية، وبالتالي تضيع العروبة. والأمل في المستقبل في وطنية ~~البحرينيين في الجمع بين الثورة والعروبة بدلا من الخيارين ~~السابقين، الثورة مع التشيع أو الرجعية مع العروبة. # وفى مرة ثالثة وأنا أركب الباخرة مغادرا الإسكندرية إلى فرنسا، بعد ~~أن قضيت يومين في حي المغاربة عند جامع الشيخ بالإسكندرية حيث يعيش ~~أقرباء لوالدتي ووالدي. وهو أخ جدي الحاج حسنين، توقفت الباخرة في ~~ميناء بيريه بجوار أثينا. نزلنا لمدة يوم واحد؛ فقد كان البحارة من ~~اليونان، يحتاجون ليلة لقضائها مع أهليهم. زرت يومها الأكروبلوس الذي ~~كنت قد قرأت عنه، ومعبد ديلفي. وزرت أثينا والميدان الكبير الذي به ~~قصور ms313 الحكومة، ووجدت حيا مصريا بأثينا. وكانوا يتكلمون العربية على ~~المقاهي وكأنني في الإسكندرية. ويقابل هذا الحي المصري الحي اليوناني ~~بالإسكندرية؛ فالأجنبي في الأفلام المصرية يوناني مثل شخصية الخواجة ~~بيجو، يتكلم العربية بلهجة يونانية، وفرحت لهذا التقارب بين مصر ~~واليونان منذ أقدم العصور حتى الآن؛ فالإسكندر الأكبر في مصر يبني ~~الإسكندرية، وأفلاطون يتعلم في جامعة منف بالشرقية. # وغادرت الباخرة بعد يوم وليلة عبر مضيق «مسيينا» وجزيرة مالطة التي ~~أتى منها جوهر الصقلي إلى مصر، ووصلنا مارسيليا بعد ستة أيام قضيناها ~~في البحر، وأخذت القطار إلى باريس، ورأيت الحي اللاتيني، والبانثيون، ~~وشارع سان ميشيل، وجامعة السوربون، وكوليدج دي فرانس، وحديقة ~~لوكسمبورج، وكاتدرائية نوتردام، وكان الحمام أمامها يلقي له الفرنسيون ~~والأجانب بالبذور والطعام. # وزرت متحف اللوفر، وسرت في شارع الشانزليزية حتى قوس النصر، فعلت كل ~~ذلك وأنا أبكي؛ لأن العدوان الثلاثي على مصر كان قد بدأ بعد تأميم عبد ~~الناصر لقناة السويس، وقلت لعلي أرى باريس لأول وآخر مرة قبل العودة ~~إلى مصر، وقد وصلت لتوي إليها، ورأيت الكنيسة المعلقة في شمال باريس، ~~وزرت شارع القديس أونوريه وعلى جانبيه السيدات واقفات أمام أبواب ~~منازلهن، أو مطلات من النوافذ والشرفات، ينادين على الرجال، وكنت في ~~مرحلة انتمائي للإخوان المسلمين، ورأيت المكتبة الوطنية، والمقاهي ~~المتناثرة أمامها، والملاهي الليلية في آخر الشارع، والطاحونة الحمراء ~~«مولان روج» التي تقف على واجهة الملهى. ولم أستطع السياحة خارج باريس، ~~لمشاهدة قصور الملوك أو عبر رجوعي لفرنسا إلا مع صديقتي الألمانية التي ~~كان لديها سيارة صغيرة تبلغ قوتها حصانين، كنا نسيح في فرنسا في ~~الصيف شرقا إلى جبال الألب، لتسلقها حتى القمة وركوب التلفريك كي نرى ~~الجبال من أعلى، ونحن ننتقل من قمة جبل إلى قمة أخرى، ورأيت مدن تولوز ~~ومونبيلييه، وسرنا على الساحل الجنوبي لفرنسا فرأينا طولون، وكان، ~~ومارسيليا، وليون ، وكالييه في الشمال، وكنا نقتسم المصاريف ~~مناصفة. # وزرت انجلترا ولندن وأكسفورد وكمبريدج. وركبت القطار الذي يسير ~~أسفل بحر المانش من دوفر إلى كالييه لكي أعرف إلى أي حد وصلت ms314 ~~التكنولوجيا الغربية، وكنت أخشى من ثقل ضغط مياه بحر المانش على سقف ~~النفق فينهار، فأغرق، لكني خرجت سالما. # وكان عندي دراجة اشتريتها من ألمانيا، ركبت القطار حتى سالزبورج وهي ~~المدينة التي كان يتصارع عليها كل من فرنسا وألمانيا، وهي الآن تابعة ~~لفرنسا. كنت آخذ الدراجة، وأنزلها من القطار، أسير بها في جميع ربوع ~~ألمانيا بحثا عن منازل الشعراء والموسيقيين والفلاسفة. تجولت بها ~~من دوسولدورف في كولونيا وبون على نهر الراين حتى فرايبورج في الجنوب. ~~وقطعت كل جنوب ألمانيا ووسطها حتى وصلت فرانكفورت وهايدلبرج ومالبورج، ~~وصعدت إلى هامبورج في الشمال، وأردت الذهاب إلى برلين، وكانت مقسمة إلى ~~قسمين؛ شرقية وغربية، فتركت الدراجة في آخر مدينة في ألمانيا الغربية. ~~وقمت برحلة مستخدما طريقة الأوتوستوب لبرلين الغربية، وكانت معظم ~~الآثار في برلين الشرقية؛ المتحف والآثار المصرية القديمة، ومتحف دالم ~~في برلين الغربية لرؤية تمثال رأس نفرتيتي آية الجمال. كنت أسكن في ~~منازل الشباب وكانت على قمم الجبال، كان الصعود إليها بالدراجة صعبا، ~~والنزول سهلا. وفي البيت حيث نسكن كنت أرى شبابا من كل أنحاء العالم، ~~وكان الطعام زهيد الثمن، وكانت الأسرة مزدوجة ونظيفة. # وعبرت إلى برلين الشرقية عبر شارع فريدريش، ورأيت شارع ستالين ~~الطويل العريض، والمنازل كلها في طول واحد وشكل واحد متشابهة، ~~واشتريت كتب الفلسفة. وكان المارك الألماني الغربي يساوي ستة ماركات ~~شرقية، فكانت الكتب رخيصة. وأستعمل طريقة الأتوستوب رجوعا إلى دراجتي ~~التي كنت أركنها عند الحاجز بين ألمانيا الشرقية والغربية، واضعا كتبي ~~خلفي في ربطتها. # وكنت أعود إلى ستراسبورج في وسط ألمانيا، وآخذ القطار عائدا إلى ~~باريس، وكنا نأكل ما يفيض من الموائد في بيوت الشباب، حيث كان بعض ~~الطلبة لا يحبون البيض المسلوق، أو اللانشون، أو الجبن، أو الخبز؛ فكنا ~~نأكل كل ذلك وما يفيض نأخذه في حقيبة نأكله ساعة الغداء ، عشنا تقريبا ~~بلا مصاريف وبلا تكاليف في ألمانيا إلا أجرة ليلة الشباب كل نهاية ~~أسبوع، وكانت لا تزيد على مارك واحد. # وبعد عودتي إلى مصر كان انشغالي بعد هزيمة ms315 1967م بكيفية درء الاحتلال ~~ورفع إهانة الهزيمة؛ فكان همي في الكتابة عن الأنا والآخر الذي جمع ~~فيما بعد في جزأين «قضايا معاصرة». # وذهبت إلى مرسى مطروح في رحلة مع الجامعة، ورأيت ساحل عجيبة وغيرها ~~من السواحل، وأعجبت بالمناظر الطبيعية والجبال المتناثرة بطول ~~الساحل، وسمعت أن الجيش استولى على ساحل عجيبة لإقامة استراحات خاصة ~~به، وكان لجامعة القاهرة استراحة صغيرة، تطل مبانيها على البحر ~~مباشرة، وكنا نسبح في المياه الضحلة أمام الاستراحة. # وكنت أسمع عن الواحات الخارجة والداخلة وسيوة في علم الجغرافيا، ولم ~~أكن أتصور كيف تكون بقع خضراء في مساحات واسعة صفراء جرداء هي ~~الصحراء الغربية! ولما أعلنت الكلية عن رحلة إلى واحة سيوة انضممنا ~~إليها فرحين، أخذنا القطار من القاهرة إلى أسيوط، ثم أخذنا الحافلة إلى ~~واحة سيوة. رأيت شجرات نخيل باسقات، والجو مريح، والمنظر بديع، ودخلنا ~~مصنع تغليف البلح، ورأينا هناك فتيات بدويات يغلفن البلح في علب ~~كرتونية صغيرة باليد، وربما الآن دخلت الآلة، كن واقفات ولسن جالسات، ~~والبلح أكوام وأكوام يملأ المناضد أمامهن، وكان معنا في الرحلة نصر ~~حامد أبو زيد. وكنا نغني الأغاني الشعبية البدوية وغيرها. # كان أولادي ينقدونني بأنني لا أروح عنهم في نهاية الأسبوع، ولا ~~أصاحبهم في التنزه بالحدائق والمتنزهات مثلما يفعل الوالدان مع باقي ~~الصبية من سنهم، فكنت آخذهم لأريهم آثار مصر في القاهرة القديمة: ~~الأزهر والحسين، والقلعة، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، وجامعي السلطان ~~حسن والرفاعي، وليعلموا آثار مصر وتاريخها؛ فالنزهة في العلم، والتنزه ~~في التاريخ، ولم يعترضوا بل استحسنوا ما نفعل في نهاية الأسبوع. # وفى الولايات المتحدة الأمريكية وأنا أستاذ زائر بجامعة تمبل في ~~مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، وبعد أن أرسلنا طفلنا الأول إلى مصر ~~خوفا عليه من الرحلات الطويلة المتكررة، كان هناك دفتر للسفر في حافلة ~~جرايهاوند، كان بها عشر ورقات وثمنها تسعة وتسعون دولارا، نستخدمها في ~~أي وقت وأي مكان في ربوع القارة الأمريكية، وكان هناك نظام في مركز ~~الخدمات الطلابية بالجامعة بأن نبلغه بخط السير، ويعرفنا بدوره على ~~عائلات ms316 أمريكية نقضي عندهم الليلة، نتعرف عليهم، ويتعرفون علينا، ~~تحقيقا لمبدأ التضامن بين الشعوب. أعطينا أنا وزوجتي لمركز الخدمات ~~خطة السير والسفر من الشرق إلى الغرب، وأسماء المدن التي سنتوقف فيها، ~~وأعطونا دفترا به عناوين وأسماء العائلات التي سنقيم معها، وبالفعل ~~كنا ننزل من الحافلة في المدينة المعلومة، فنجد العائلة الأمريكية في ~~انتظارنا ومعهم أولادهم، يرحبون بنا، ويلعب أطفالهم معنا. ويصطحبوننا ~~إلى منزلهم للعشاء والإقامة ليلة واحدة أو أكثر إذا رغبنا، وفي صباح ~~اليوم التالي نزور المدينة بالسيارة وهم معنا، ثم نصل إلى الحافلة، ~~نستقلها إلى المدينة التالية، فنجد أسرة أمريكية أخرى في انتظارنا. ~~ويتكرر الموقف حتى وصلنا إلى لوس أنجلوس في كاليفورنيا، وكانت بعض ~~الهدايا التي أحضرناها من مصر مثل التماثيل الفرعونية الصغيرة لرمسيس ~~أو أخناتون أو أبي الهول والأهرامات، أو كتابا عن مصر الفرعونية، كنا ~~نترك عادة ذكرى واحدة منها عند الأسرة التي نقيم معها؛ فكانوا يزدادون ~~إعجابا بنا. # ذهبنا من لوس أنجلوس لسان فرانسيسكو، وعدنا إلى فيلادلفيا من طريق ~~آخر غير الطريق الأول، وقد استغرقت الرحلة شهرا، وكنا قد استهلكنا ~~خلاله جميع دفاتر السفر بالحافلة. # وفي الصيف الذي يليه سافرنا بنفس النظام من الشرق إلى الجنوب، من ~~بنسلفانيا إلى فلوريدا مارين بأهم المدن، وصلنا إلى المكسيك، ورأينا ~~المدينة المشهورة، وعدنا إلى فيلادلفيا من طريق آخر، واستغرقت الرحلة ~~شهرا كاملا ذهابا وإيابا. # وفي الصيف الذي يليه قمنا بالسفر من الشرق إلى أقصى الشمال الغربي، ~~من فيلادلفيا إلى سياتل، وعدنا من طريق كندا لنرى شلالات نياجرا في ~~تورينتو، وتعلمنا كثيرا خلال هذه الرحلات، وتعرفنا على كثير من ~~العائلات الأمريكية، ولمسنا عن قرب تلك الشخصيات وكرمها ومحبتها ~~للطبيعة، وكان ذلك بالنسبة لنا غير فكرتنا عن السياسة الأمريكية ~~المحتلة العنصرية، ورأينا الفرق بين الأمريكي البسيط الكريم الضاحك ~~وبين أمريكا الكريهة الاستعمارية العدوانية. # ومنذ ذلك الوقت قررت أن أكتب كتاب «أمريكا، الأسطورة والحقيقة»، وهو ~~ما تم بالفعل وصدر عام 2020م. وكنت من قبل وأنا في جامعة تمبل اشتريت ~~معظم الكتب عن أمريكا الموجودة ms317 بقسم المكتبة، والذي كان باسم دراسات ~~أمريكية. وعن طريق موسوعة الكتب المطبوعة في باب الدراسات الأمريكية، ~~والتي كنت أطلبها من المكتبة على أنها كتب دراسية حتى أحصل على تخفيض ~~يعادل عشرين بالمائة من ثمن الكتاب، وكذلك اشتريت كتبي عن العالم ~~الثالث: أفريقيا وآسيا، أمريكا اللاتينية استعدادا لإصدار كتاب بنفس ~~الاسم عن الفكر الوطني في هذه القارات الثلاث وهو ما حدث بالفعل، وصدر ~~في 2021م. # وفى المغرب كان معي أولادي الثلاثة، تجولنا في ربوعها إلى الشمال حتى ~~طنجة، وإلى الجنوب حتى العيون، وشاهدنا جمال الطبيعة في المغرب، وطيبة ~~شعبها وحبه للمصريين، ونحن في الطريق إلى الجنوب وقع علينا حجر كبير ~~من أعلى جبل، كان بعمل جندي مغربي، وقع الحجر تحت السيارة؛ فأبطلها. ~~أتت حافلة لجر السيارة إلى الورشة لإصلاحها، خاف الجندي وأخذنا إلى ~~منزله لتناول الغداء، وأصر قائد الفرقة أن يتم إصلاح السيارة على ~~نفقة الجيش المغربي، بالرغم من التأمين عليها، كانت سيارتي جديدة ماركة ~~«سيات» وهي النسخة الإسبانية من «فيات» الإيطالية. # وفى رحلة أخرى مع الأولاد، عبرنا جبل طارق بالسيارة، حيث شحناها ~~على سطح الباخرة ومنه شاهدنا الأندلس ومدنه الثلاث؛ غرناطة وإشبيلية ~~وقرطبة، وشاهدنا قصر الحمراء بغرناطة، ومسجد قرطبة، ومئذنة إشبيلية ~~«الخيرالدا». وذهبنا إلى طليطلة، ومدينة الزهراء بجوارها. وكانت تقع ~~قبل مدريد بسبعين كيلومترا فقط، وذهبنا إلى مدريد، ورأينا شوارعها ~~الفسيحة وأبنيتها الشاهقة، والمعمار الذي يجمع بين الشرق ~~والغرب. # ومرة دعيت إلى مؤتمر بتونس؛ فقررنا الذهاب بالسيارة، قطعنا شمال ~~المغرب حتى وصلنا وجدة، ودخلنا الجزائر حتى تلمسان، وعبرنا المغرب كله ~~من الغرب إلى الشرق عبر مدينة الأصنام، وكان الطريق ممهدا. # وفى الحدود بين المغرب والجزائر وقفنا طويلا؛ فقد كانت العلاقات بين ~~البلدين شبه مقطوعة لخلاف بينهما على واحة تندوف في الجنوب، وبعد أن ~~وصلنا إلى تونس وانتهى المؤتمر، أردت العودة إلى المغرب عن طريق ~~الساحل، وكان طريقا جبليا فخافت زوجتي، وأرادت أن نسلك نفس الطريق ~~الذي جئنا منه؛ لأنه آمن، فحزنت لعدم اكتشاف الطريق الساحلي على ساحل ~~البحر الأبيض المتوسط. ms318 # وفى اليابان لم يكن لدينا سيارة، وكنا نسمع عن هيروشيما ونجازاكي بعد ~~إلقاء القنبلة الذرية وتدميرهما بالكامل، وقتل ما يقرب من سبعين ألف ~~ياباني في هيروشيما وحدها، أخذنا الطائرة إلى هيروشيما، كانت قد بنيت ~~من جديد مع استبقاء جزء منها مدمرا للذكرى، ثم أخذنا القطار السريع ~~إلى نجازاكي، ورأينا نفس الشيء مدينة حديثة باستثناء جزء مدمر ~~صغير من أثر القنبلة الذرية. # وفى طوكيو زرنا المدينة وحدائقها الحديثة، وزرنا قصر الإمبراطور، ~~وزرنا ميناءها، ورأينا كباريها، وضواحيها. وأعجبنا بمنازل اليابان ~~التقليدية الصغيرة وعلى أسطحها مرايات براقة لتوليد الطاقة الكهربائية ~~من الشمس. وزرنا المعابد البوذية، رأينا كيف يشعلون الشموع حول تماثيل ~~بوذا. وعجبنا من هذا التناقض بين اليابان الحديثة المتقدمة في العلم ~~والصناعة، واليابان التقليدية في السحر والخرافة، وزرت أحد المعابد ~~البوذية، فسجدت زوجة الراهب على الأرض تحية لي، وكادت أن تقبل قدمي؛ ~~فانزعجت. وأدركت الصلة بين الدين والطاعة، بين الإيمان والخضوع، وكان ~~هذا شائعا في الشركات وأماكن العمل في اليابان، حيث سلطة الرئيس على ~~العاملين، وتبعية العاملين للرئيس، ورأيت الألوان الزاهية للباس المرأة ~~اليابانية وهي تذهب إلى المعبد وكأنه قطعة من الألوان المتحركة، أساسها ~~أبيض ونقوشها بالأحمر والأخضر والأزرق والأصفر، ألوان الطبيعة. # ورأيت الرقص الياباني الإيقاعي، والمصارعة اليابانية الحرة، وفي نفس ~~الوقت كانت الفرق الموسيقية تعزف موسيقى بيتهوفين والسيمفونيات ~~الألمانية. # الفصل الثامن # | التأليف والمؤلفات # المقدمة # وأنا طالب في باريس اقترح علي أستاذي المشرف على رسالتي الأولى ~~«برنشفيج» أن ننشر كتاب «المعتمد في أصول الفقه» لأبي الحسين ~~البصري، وهو مخطوط وجدته البعثة المصرية إلى اليمن بعد الثورة عام ~~1962م. فوافقت. واشترك معنا طالب تونسي كان يعد رسالة أخرى ~~تحت إشراف نفس الأستاذ. كان اسم الطالب بكير، وبعد أن قطعنا شوطا ~~في الإعداد لنشر المخطوط علمنا أن الأستاذ حميد الله كان بصدد نشر ~~نفس المخطوط، وهو أستاذ مسلم هندي كان يدرس في جامعة حيدر آباد ~~بوسط الهند، وعندما قسمت الهند بين المسلمين في الشمال في ~~باكستان والهنود في الجنوب، وكان المسلمون متمركزين في الجنوب ms319 في ~~حيدر آباد أيضا في وسط الهند، حول الجامعة العثمانية، أرادوا ~~الانضمام إلى الشمال حيث الأغلبية المسلمة رفض نهرو، وانقض على ~~الجنوب، واستولى عليه؛ فأصبح جزءا من الهند، كان حميد الله أحد ~~أفراد المقاومة الإسلامية، فهرب إلى باريس، وأصبح باحثا في المركز ~~الوطني للبحوث العلمية، وتزوج فرنسية هناك، تنازل لنا الأستاذ ~~برنشفيج عن إعداد المخطوط، وبقيت أنا والطالب التونسي نعمل مع حميد ~~الله، ونشر الكتاب في المركز القومي للبحوث الفرنسية وفي جامعة ~~دمشق، وأعيد نشره تحت أسماء أخرى دون أخذ موافقتنا، وكان الناشر ~~دار التراث ببيروت. # وكنت أبحث عن منهاج إسلامي عام كموضوع للدكتوراه في فرنسا، ~~وبعد أن تحول إلى ثلاثة موضوعات: الأول، «مناهج التفسير في علم ~~أصول الفقه»، والثاني، «تأويل الظاهريات»، والثالث، «ظاهريات ~~التأويل». طبعت الرسالة الأولى طبقا لقانون جديد قد صدر في ~~الجامعة بضرورة طبع الرسالة الأولى وليست فقط كتابتها على الآلة ~~الكاتبة؛ فلم يكن الحاسب الآلي قد تم اختراعه بعد، وكانت الحكومة ~~الفرنسية تتكفل بطبع الرسالة الأولى للطالب الفرنسي، أما الطالب ~~الأجنبي فعلى حكومته أن تقوم بذلك؛ فأرسلت رسالتي الأولى مكتوبة ~~على الآلة الكاتبة إلى «المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم ~~الاجتماعية»، وكان رئيس المجلس هو يوسف السباعي والذي أصدر قرارا ~~بطبع رسالتي على نفقة المجلس، وتولى زوج شقيقتي الكبرى بنقل مائة ~~نسخة مطبوعة إلى باريس، لأقوم بإرسالها للجامعة في فرنسا، ولولا ~~كرم يوسف السباعي العلمي، وجهد أسرتي وزوج شقيقتي الكبرى لما طبعت ~~الرسالة، ولا استطعت مناقشتها للحصول على الدكتوراه. # وبعد العودة إلى مصر بعد طباعة الرسالة باللغة الفرنسية، قمت ~~بترجمة رسالتي الثانية إلى العربية بنفسي والتي كانت تتكون من ~~جزأين: «من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل، الحالة الراهنة ~~للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في الظاهرة الدينية». # وبعد الانتهاء من الرسالتين. وطبعت الأولى في القاهرة، تنفيذا ~~للقانون الجديد، وطبعت الثانية على الآلة الكاتبة، فلم يكن الحاسب ~~الآلي قد أخترع بعد. كانت الرسالة الأولى «مناهج التفسير في علم ~~أصول الفقه» كما أشار علي «ماسينون». وتحت إشراف «برنشفيج». ~~وكانت الثانية بعنوان «من ms320 تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل، ~~الحالة الراهنة على المنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين». ~~وكانت الرسالة من جزأين. وسمعت أنه قبل المناقشة اختلف الأساتذة ~~الخمسة، وهي لجنة المناقشة على مناقشة الرسالة الثانية التي كانت ~~من جزأين، والاكتفاء بمناقشة جزء واحد هو «تأويل الظاهريات» وتحت ~~إشراف «بول ريكير»؛ فاعترض «جان جيتون» على استبعاد الجزء الثاني ~~من الرسالة الثانية «ظاهريات التأويل» والتي كان يشعر أنها أقرب ~~إليه ومن فكره وهو صاحب «الفكر الحديث والكاثوليكية» والذي قدمني ~~إلى البابا «بولس السادس» لحضور القسم الرابع للمؤتمر الفاتيكاني ~~الثاني. وقد لازمته عشر سنوات أستمع إليه وإلى محاضراته الخاصة ~~والعامة وحلقات بحثه حتى تعلمت منه الفلسفة وتاريخ الفلسفة، وكان ~~هو الكاثوليكي الوحيد الذي دعي إلى مؤتمر الفاتيكان، و«أوسكار ~~كولمان» البروتستانتي الوحيد الذي دعي لنفس المؤتمر. وكنت أنا ~~المسلم الوحيد الذي دعي إلى المؤتمر نفسه. وأخيرا تم الاتفاق على ~~أن يقوم «بول ريكير» بمناقشة الجزء الأول من الرسالة الثانية ~~«تأويل الظاهريات»، و«جان جيتون» الجزء الثاني من الرسالة الثانية ~~«ظاهريات التأويل»، ويناقش «برنشفيج» و«لاوست» الرسالة الأولى ~~«مناهج التفسير في علم أصول الفقه»، ويدير الجلسة «جاندياك». وكانت ~~مناقشة الرسالة الأولى استشراقية خالصة أي تاريخية. ومناقشة الجزء ~~الأول من الرسالة الثانية علمية صرفة لمدى فهمي «للظاهريات». أما ~~مناقشة «جان جيتون» للجزء الثاني من الرسالة الثانية فكانت حماسية ~~قلبية روحية تبين حسن فهمي لتاريخ الأديان، والمقابلة بين ~~اليهودية والمسيحية. وأعطيت درجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى. ~~وأعلم رئيس الجلسة أن هذه الرسالة هي المرة الوحيدة التي يتقدم ~~فيها الطالب بثلاثة رسائل بدلا من اثنتين لنيل درجة دكتوراه ~~الدولة. وبعد المناقشة أقام لنا مركز «بيشيليو» في وسط ميدان ~~السوربون حفلا ابتهاجا بهذا النجاح الباهر. وقدمت فيه المشروبات ~~عدة ساعات بحضور الأساتذة والطلاب المصريين والفرنسيين. تم ذلك في ~~16 يونيو 1966م. ولأول مرة لمدة شهر في يوليو كنت أسير في الحي ~~اللاتيني خفيف الوزن بعد أن نزل عن كاهلي هم الرسالة وكأنني سائح ~~يزور باريس لأول مرة، خاصة وأن موعد المغادرة للقاهرة بالطائرة ms321 ~~التي سيرسلها المشير عامر لأخذ ممثلي الطلبة في أوروبا ستصل في شهر ~~أغسطس لمناقشة الرئيس عبد الناصر عن أحوال البلاد في مؤتمر ~~المبعوثين الأول. # وأثناء انتظار وصول كتبي من فرنسا بعد قرار عبد الناصر في مؤتمر ~~المبعوثين في أغسطس عام 1966م بنقل مكتبتي على نفقة الدولة، كتبت ~~«التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم». وكان هذا تقريبا ~~مقدمة رسالتي الأولى «مناهج التفسير، محاولة في علم أصول الفقه». ~~وطبع طبعة صغيرة، بحروف دقيقة في المركز العربي للطباعة والنشر ~~والذي أسسه محمود الشنيطي في منزله بدعم عدد من الأساتذة المصريين ~~وأنا منهم. # وطبع الكتاب أكثر من مرة في عدة دور نشر أخرى، بعلمي أو دون ~~علمي. وكان يسمى «مانيفستو حسن حنفي» تشبيها لمانيفستو كارل ~~ماركس، ونظرا لأنني كنت أدرس الفلسفة المسيحية فقد ترجمت ~~نصوصا رئيسية في الفلسفة المسيحية تحت عنوان «نماذج من الفلسفة ~~المسيحية». وتحتها عنوان فرعى «المعلم» للقديس أوغسطين، و«أؤمن ~~لكي أعقل» للقديس أنسيلم، و«الوجود والماهية» لتوما ~~الأكويني. # ولما كنت مقدما على مشروع الزواج وليس لي مال للشبكة والمهر ~~وتأجير السكن. ترجمت كتاب اسبينوزا «رسالة اللاهوت والسياسة» الذي ~~طبع عدة مرات، ونشر في الهيئة العامة للكتاب مقابل أربعمائة ~~جنيه، وقد هزني الكتاب هزا عندما قرأته وأنا في باريس، ونويت ~~أن أترجمه فور عودتي إلى مصر كي يعلم الناس أنه لا استثناء في ~~المنهج العقلي الديكارتي لموضوعات لا يطبق فيها مثل الدين ~~والسياسة. # كما قمت بكتابة وتجميع عدة مقالات فلسفية في عدة مجلات ثقافية ~~في ذلك العصر مثل: «الفكر المعاصر»، «المجلة»، «الكاتب»، «الطليعة» ~~في جزأين: الأول «في فكرنا العربي المعاصر»، والثاني «في الفكر ~~الغربي المعاصر» الأول في الأنا، والثاني في الآخر. # وبمناسبة زيارة جان بول سارتر إلى مصر بعد هزيمة 1967م كي يعرف ~~أين الحقيقة في الصراع العربي الإسرائيلي، ترجمت «تعالي الأنا ~~موجود». وطبعته في دار الثقافة الحديثة، وكنت قد رأيته في باريس ~~وهو يلقي محاضرة عامة في قاعة «موبيرمو تيواليتيه» التي استغرقت ~~ثلاث ساعات، وكان معي كتاب مارتن لوثر الذي يضم نداءاته ms322 التسع ~~والتسعين. ذهبت إليه بعد المحاضرة عند المنصة، وقلت له: «هل تسمح ~~أن توقع لي على هذا الكتاب؟» فظن أنه أحد كتبه ولما وجده لمارتن ~~لوثر قال لي: «وهل تقرأ مارتن لوثر؟»، قلت له «نعم!» فاستغرب، وظهر ~~الاستغراب على وجهه، وتعلمت أننا ننتمي لحضارتين مختلفتين: ~~الأولى الغربية وهي في مرحلتها الأخيرة، والثانية الإسلامية وهي ما ~~زالت في بدايتها الثانية، «عصر الإصلاح الديني»، هو في نهاية ~~حضارة، وأنا في بدايتها. # وبعد عودتي من أمريكا عام 1975م ترجمت كتاب «تربية الجنس ~~البشري» للفيلسوف الألماني «ليسنج» وقد أعجبت بهذا الكتاب الصغير ~~المقسم لفقرات صغيرة مرقمة أشد العجب وأنا أقرؤه في باريس، ~~وصممت أن أترجمه إلى اللغة العربية بعد العودة. وهو كتاب في فلسفة ~~التاريخ، يقسم تطور البشرية إلى ثلاث مراحل: الأولى الطفولة وهي ~~اليهودية التي تقوم على الثواب والعقاب، والثانية: الصبا أو ~~المراهقة وهي المسيحية التي تقوم على المحبة والتسامح والسلام، ~~والثالثة: مرحلة الرجولة والتي تعتمد على العقل وحرية الإرادة، وهي ~~فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر في فرنسا وألمانيا. وفسرت ~~المرحلة الثالثة بأنها مرحلة الإسلام أي قبل التنوير باثني عشر ~~قرنا؛ فالإسلام دين يعتمد على العقل وعلى حرية الاختيار ~~والمسئولية الشخصية. ومهدت للكتاب بمقدمة طويلة في فلسفات ~~التاريخ عند هردر، وفيكو، وتورجو، وكوندرسيه، وهيجل، وروسو. وذلك ~~ليكون نصا رئيسيا في فلسفة التاريخ، ويفيد السنة الرابعة، ~~ونشرته أيضا في دار الثقافة الجديدة. # وكتبت عدة مقالات في جريدة الجمهورية كل أسبوع في برواز خاص بي. ~~وجمعتها مع عدة مقالات أخرى في «الدين والثورة في مصر 1952-1981» ~~في ثمانية أجزاء، وهو كتاب شعبي كما يوحي بذلك عنوانه، مكتوب ~~للعامة؛ الجزء الأول: الدين والتحرر الوطني، والجزء الثاني: الدين ~~والتحرر الثقافي، والجزء الثالث: الدين والتنمية القومية، والجزء ~~الرابع: الدين والوحدة القومية، والجزء الخامس: الحركات الإسلامية ~~المعاصرة، والجزء السادس: الأصولية الإسلامية، والجزء السابع: ~~اليمين واليسار في الفكر الديني، والجزء الثامن: اليسار الإسلامي ~~والوحدة الوطنية. نشرتها عند مكتبة مدبولي بميدان طلعت حرب. # وبين فصلي من الجامعة في قرارات سبتمبر ms323 1981م وعودتي إليها بقرار ~~من مجلس الدولة في أبريل 1982م قررت الاستراحة قليلا حتى أتفرغ ~~لإنجاز مشروع «التراث والتجديد». # وكان الجزء الأول عن علم أصول الدين، أو علم الكلام باسم «من ~~العقيدة إلى الثورة» يقع في خمسة أجزاء: الجزء الأول: المقدمات ~~النظرية. والجزء الثاني: التوحيد. والجزء الثالث: العدل. والجزء ~~الرابع: الأخرويات. والجزء الخامس: النبوة والإمامة. # وكنت أطبعهم على ورق الجرائد الأصفر الخفيف الوزن، الرخيص الثمن ~~حتى يكون الكتاب على مستوى دخل القراء الفقراء، وكنت أتنازل عن ~~حقوقي المادية كمؤلف، بل كنت أشتري الورق من تجار الورق في منطقة ~~العتبة ثم يرجع لي الناشر ثمنه من مبيعات الكتاب، والذي بدأت ~~الكتابة فيه وأنا في طريقي للمغرب، واستغرق خمس سنوات لإتمامه. ثم ~~بدأت بعده تأليف كتاب «من النقل إلى الإبداع» لإعادة بناء علوم ~~الحكمة في تسعة أجزاء. واستعملت منهج تحليل المضمون في كل النصوص ~~الفلسفية القديمة؛ لكي أعرف مدى صحة أن علوم الحكمة هي شروح ~~للفلسفة اليونانية وبالتالي لم يبدع المسلمون شيئا، كما يقول بعض ~~المستشرقين وأتباعهم من العرب، أم أن بها إبداعا أصيلا وإن أتى ~~في وقت متأخر؟ # فكان الجزء الأول: عن الترجمة عن اليونانية وكيف كانت تتم ~~تعريبا أولا ثم نقلا ثانيا؛ التعريب مثل قاطيغورياس، والنقل هي ~~المقولات. والثاني: التعليق، أي التعليق على الكلمة وليس فقط ~~ترجمتها. والثالث: الشروح، وكان شرحا للكلمة بعبارة طويلة. ~~وتعتبر هذه الأجزاء الثلاثة الأولى أقرب إلى النقل. وبعد ذلك بدأ ~~«التأليف» في الجزء الرابع، عندما يكون الوافد أكثر من الموروث، ~~وفي الجزء الخامس: التأليف أيضا ولكن عندما يكون الموروث أكثر من ~~الوافد. وفي الجزء السادس: عندما يتساوى الوافد والموروث. وتعتبر ~~هذه الأجزاء المتوسطة بين النقل والإبداع، ثم يأتي «الإبداع» عندما ~~يختفي الوارث والموروث كلية. ويعتمد الإبداع على العقل الخالص وهي ~~«المرحلة السادسة». ثم الجزء السابع والثامن والتاسع؛ الجزء ~~السابع: في العلوم الرياضية والطبيعية التي يختفي فيها الوافد ~~والموروث معا. والجزء الثامن: في الموضوعات الإسلامية الخالصة ~~وليست فقط المنطق والطبيعيات والإلهيات. وهي العلوم الوافدة. ~~والجزء التاسع ms324 والأخير: في علوم تعتمد على العقل البديهي أو ~~التجربة الطبيعية أو العلوم الإنسانية. وذلك مثل، مقدمة ابن خلدون ~~التي تؤسس علما جديدا وهو علم التاريخ الاجتماعي، أو علم ~~الاجتماع التاريخي. # ثم بدأت إعادة بناء علم أصول الفقه في «من النص إلى الواقع» في ~~جزأين، ويقوم بإعادة التفكير في علم أصول اللغة القديم منذ ~~«الرسالة» للشافعي حتى «الموافقات» للشاطبي، وما بعده بقليل. وهو ~~أفضل علم أبدعه القدماء وليس له أصول لا يونانية رومانية ولا ~~مسيحية ويهودية. به ثلاث قضايا: الأولى، مصادر الأحكام ومن أين ~~تأتي الأحكام الشرعية؟ وهي أربعة مصادر: الكتاب، والسنة، والإجماع، ~~والاجتهاد. فهذا الترتيب القديم يعطي الأولوية للنص على الواقع. ~~فإذا كانت لدي مشكلة مثل صعوبة المواصلات في القاهرة فكيف أجد ~~لها حكما؟ هل أذهب إلى الكتاب؟ فإن لم أجد فإلى السنة؟ فإن لم أجد ~~فإلى الإجماع؟ هل أجمع المحافظون أو مديرو المرور مثلا؟ هل أسألهم ~~كيف يحلون مشكلة المواصلات في القاهرة؟ هل بعمل كباري؟ أو بناء ~~تجمعات جديدة حول القاهرة، أو عاصمة إدارية جديدة لنقل الحكومة ~~إليها؟ أم أجتهد، رأيي كما تفعل المدن الكبرى مثل طوكيو والمكسيك؟ ~~وذلك يتم عند قياس مساحات الشوارع والطرقات، ومعرفة عدد السيارات ~~الخاصة، والناقلات العامة كي أعرف مقدار ما تتحمله الشوارع ~~والطرقات من عدد السيارات، فإذا زاد العدد عن قدرة الطرق على ~~استيعابها تنشأ الأزمة؛ فالحل يأتي من تحليل الواقع وليس من فهم ~~النص، وبالتالي ينقلب الترتيب القديم وتصبح مصادر الأحكام من ~~الاجتهاد أولا، فإن استعصى علينا أجمع أهل الخبرة العالمية الذين ~~حلوا قضية الازدحام في المدن الكبرى، فإن لم أجد حلا عندهم ~~أستطيع أن أقرأ النصوص عن تخطيط المدن القديمة وكيف كانت عربات ~~الكارو التي تجرها الأحصنة تسير جنبا إلى جنب مع الناس. ~~فالأولوية للواقع على النص. # والقضية الثانية: هي قضية اللغة؛ فالنص لغة أو قول أو خطاب ~~متشابه. فيه حقيقة ومجاز، ظاهر ومؤول، محكم ومتشابه، مجمل ومبين، ~~عام وخاص، فإذا اعتمدت على النص اللغوي احترت أي الجانبين آخذ؟ ~~الحقيقة أم المجاز؟ ms325 الظاهر أما المؤول؟ إلى آخر الاشتباه في ~~اللغة. # كما أن في اللغة لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، # 1 # وهو ما لا يدرك بالمعاجم والقواميس. # والقضية الثالثة وهي الأهم: هي قضية المقاصد والأحكام؛ فالشريعة ~~الإسلامية وضعت ابتداء للحفاظ على المقاصد الخمسة: (1) الحياة. ~~(2) العقل. (3) الحق [الدين]. (4) العرض [الكرامة]. (5) المال ~~والثروة الوطنية. # أما الأحكام فهي خمسة وهي أحكام التكليف، الأحكام التي تلزم ~~الإنسان على الفعل أو عدم الفعل وهي: (1) الواجب. ~~(2) المحظور (الحرام). (3) المندوب. (4) المكروه. (5) والحلال. # فأفعال الإنسان بين قطبين: أوله الواجب ونهايته المحظور؛ افعل ~~ولا تفعل «مثلا افعل الخير ولا تفعل الشر». وما بينهما المندوب ~~والمكروه، فالمندوب «افعل أفضل مما لا تفعل» والأمر متروك لك ~~للاختيار، والمكروه «لا تفعل أفضل مما تفعل» والأمر متروك لك ~~للاختيار. والأهم من ذلك الحكم الأوسط وهو الحلال، وهي الأفعال ~~الطبيعية، ولا يجوز السؤال عن حكمها، كما يحدث الآن في دار الإفتاء ~~ولدى مشايخ قنوات الفضاء، وفي أكشاك الإفتاء على نواحي الشوارع ~~ومحطات القطارات. # وكل محظور لسبب أو لعلة إذا امتنعت العلة غاب المحظور. وإذا ~~حضرت العلة حضر المحظور؛ فالأحكام تدور مع العلة وجودا وعدما. ~~حرمت الخمر لعلة السكر، فإذا أردت أن أعرف ما هو حكم شرب النبيذ؟ ~~فإذا أدى النبيذ إلى السكر أخذ حكم الخمر، وإذا لم يؤد إلى السكر ~~لا يأخذ حكم الخمر. # وكان سبب تحريم الخمر نزول الآية عندما رأى عمر بن الخطاب مسلما ~~مخمورا ضرب مسلما آخر بفخذ حيوان، فشق رأس صاحبه؛ فأنزل الله ~~الحكم بتحريم الخمر. # وكانت عائشة «تنبذ» للرسول ليلة عرسه أي تجهز له النبيذ، وهو ~~عصير العنب الذي ترك عدة أيام حتى يخمر. # وكانت الأفعال تؤتي طبقا لأحكام التكليف الخمسة ومع ذلك هناك ~~أحكام أخرى خمسة سماها القدماء أحكام الوضع؛ العزيمة: أي عندما ~~يأتي المسلم فعله عزيمة وقدرة. والرخصة: وهي عندما يفعل المسلم ~~شيئا محظورا فيكون رخصة له؛ أي ضرورة مثل شرب الخمر للعلاج، أو ~~أكل لحم الخنزير في أوقات المجاعات. والصحة والبطلان: أي ليس من حق ~~أحد أن يحكم على فعل ms326 يأتيه آخر بالصحة أو بالبطلان؛ فكل إنسان أدرى ~~بما يفعل دون مزايدة من أحد. وبالتالي تكون أحكام الوضع الخمسة: ~~السبب، وهو جلب المصلحة من الفعل. الشرط، وهو أن يكون قادرا على ~~الفعل. المانع، وهو أن يكون مانع عن إتيان الفعل. العزيمة والرخصة، ~~وهي مثل الصلاة وقوفا أو جلوسا، والصوم في رمضان أو الإفطار. ~~الصحة والبطلان، أي الصلاة بوضوء أو بدون وضوء. وإنما الأعمال ~~بالنيات وليست بالمظاهر؛ فالنية الصادقة يصدق الفعل بها؛ فالنية ~~جوهر الفعل. # رابعا: تأتي ضرورة إعادة بناء علوم التصوف، وتوقفت علوم التصوف ~~حتى «إحياء علوم الدين» للغزالي وهو أكثر الكتب مبيعا في ~~إندونيسيا بعد كتب السنة الخمس، تريد من المسلم أن يترك البقاء ~~في العالم إلى الفناء في الله. والسؤال: فحينئذ من يتولى أمور ~~المسلمين في الدنيا؟ وهل الله يقوم بذلك بدلا عنهم؟ طريق الصوفية ~~من «البقاء إلى الفناء» يبدأ بالزهد. وألغت طريق من «الفناء إلى ~~البقاء». وهل يملك المسلم الآن شيئا يزهد فيه ودخله لا يكاد يكفي ~~لقمة العيش؟ ودرجات السلم للصعود إلى أعلى كلها سلبية وتسمى ~~المقامات والأحوال مثل: الخوف، الرضا، التوكل، الشكر، الصبر ... إلخ. ~~فلماذا أخاف من السماء وعلى الأرض زوار الفجر ينتظرون على الباب كل ~~يوم يأخذوننا للمعتقلات والسجون عقابا لكل من يتكلم. # 2 # وكيف أرضى والاحتلال ما زال في فلسطين والحروب الأهلية ~~تمزق الأقطار العربية من أجل التكالب على السلطة؟ وكيف أرضى والبون ~~شاسع بين الأغنياء والفقراء؟ والفساد في كل مكان باسم الإصلاح؟ ~~وعلى من أتوكل؟ على الشرطة والجيش والأمن المركزي أو المخابرات ~~العامة في الداخل أو الغرب في الخارج دون الاعتماد على نفسي؟ وكيف ~~أشكر والصحافة تلهج ألسنتها بالشكر ليل نهار؛ حتى أصبح السلطان هو ~~الرئيس والأب والوزير والأمير والغفير والأخ الكبير ممن يجب ~~شكرهم؟! والصبر عجز مزدوج عن التفكير والفعل، ومخدر حتى لا يثور ~~الناس لنيل حقوقهم. # 3 # فكل ما يحدث لي وللوطن إنما يحدث بقضاء الله وقدره ولا ~~يجوز إلا الصبر عليه. فأنا لا أريد الخروج من العالم حتى لو ms327 كان ~~فناء في الله بل البقاء على الأرض حتى لو كان الثمن باهظا أدى ~~إلى الشهادة. وأخيرا تحول التصوف إلى فرق صوفية ترقص وتغني، تلبس ~~الألوان وتحمل الأعمال، ويعين الرئيس شيخ مشايخ الطرق الصوفية ~~حتى يكونوا بجانبه هم والمؤسسة الدينية بأكملها. # وقد احتاجت العلوم النقلية الخمسة إلى إعادة بناء كعلوم نقلية ~~عقلية، وإدخال بعض العقلانية فيها، وهي العلوم الأكثر تداولا في ~~المعاهد الدينية والكليات الأزهرية، يعتمد عليها خطباء المساجد، ~~ومشايخ القنوات الفضائية، وهي: القرآن، والحديث، والتفسير، ~~والسيرة، والفقه. وقد تركت نقلية أي لا يعتمد فيها إلا على «قال ~~الله» و«قال الرسول» دون تحكيم العقل لمدة خمسة عشر قرنا وحتى ~~الآن. ولم يجرؤ أحد على تحويلها على الأقل إلى علوم نقلية عقلية، ~~خاصة وأن الجميع يتساءل عنها. وما أسهل أن تستعمل هذه العلوم في ~~حركة الإصلاح لما في بعضها من إمكانيات للتقدم! فعلوم القرآن مثلا ~~لا تحتاج إلى السؤال عن مصدر القرآن من السماء أم من الأرض، وحي ~~أم شعر؟ بل يكفي الاستعانة بما فيه لحل قضايا الفكر والمجتمع. فإن ~~نجح كان من السماء، وإن لم ينجح كان من الأرض؛ فأسباب النزول تعني ~~أن الأولوية للواقع على الفكر، للسؤال على الجواب. وقد كان الوحي ~~مجموعة إجابات لمجموعة من الأسئلة. فكثير من آيات الأحكام تبدأ ~~بفعل «ويسألونك» عن الخمر والميسر والأنفال والمحيض، فيأتي الجواب. ~~وبالتالي يكون الفكر هو أجوبة عن أسئلة الواقع؛ عن الاحتلال، ~~والاستبداد، والفساد، والتنمية، والفقر، والظلم، والتجزئة، والحروب ~~الأهلية. فماذا تكون الإجابة وليست الأسئلة عن أكل البيض حلال أم ~~حرام، واللحم المعقم «اللانشون»، والنبيذ والبيرة، والسلام باليد ~~على المرأة، والحجاب والنقاب وغطاء الرأس، والاختلاط في الجامعة ~~بين الجنسين، وعمل أكشاك للإفتاء على نواصي الشوارع، بل وإقامة ~~دار للإفتاء وتعيين شيخ بعنوان «مفتي الديار المصرية» يجلس على ~~مكتبه في «دار الإفتاء». # ويعني الناسخ والمنسوخ أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، فلكل عصر ~~أحكامه. فإذا ما ثبت الحكم وتغير العصر تجمد الدين، ولما كان الزمن ~~يتغير فوجب تغيير الأحكام طبقا للزمن الجديد. ms328 # 4 # فالأولوية لتغير الزمن على ثبات الحكم، ويعني المكي ~~والمدني، التصور والنظام؛ فالمكي يحتوي على المبادئ العامة للإسلام ~~وتصور الحياة والكون. أما المدني فيعني تحول هذه المبادئ العامة ~~إلى تشريعات اجتماعية يستفيد منها الناس، وتحافظ على مصالحهم، وهو ~~ما عنيته في شبابي بتأسيس منهاج إسلامي عام يقوم على التصور ~~والنظام، والقوة والحركة. كما يعني الاشتباه في اللغة، إمكانية ~~تأويل الحقيقة إلى مجاز، والظاهر إلى مؤول، والمحكم إلى متشابه، ~~والمبين إلى مجمل، والخاص إلى عام. # أما علوم الحديث فقد أبدع القدماء منهجا للسند يفرق بين ~~التواتر والآحاد، بين اليقين والظني. والتواتر له شروط أربعة لكي ~~يكون المتن صحيحا: (1) تعدد الرواة. (2) تساوي انتشار الرواية في ~~الزمان، فلا تختفي في زمن وتكشف في زمن آخر. (3) استقلال الرواة ~~بعضهم عن البعض منعا للتدليس. (4) والإخبار عن محسوس، فإذا نقص ~~السند شرطا من هذه الشروط الأربعة يصبح آحادا. والسؤال هو: هل ~~إذا صح السند صح المتن؟ فقد يكون السند صحيحا والمتن غير صحيح. ~~وقد يكون المتن صحيحا والسند غير صحيح؛ لذلك لزم التحول من نقد ~~السند إلى نقد المتن أيضا. # وعلوم التفسير التي تشرح القرآن، تشرح القرآن لغويا وكلاميا ~~وفلسفيا وصوفيا وفقهيا وأصوليا دونما حاجة إلى ذلك الآن، ~~فنحن لا نحتاج إلى التفاسير طوليا، من سورة الفاتحة حتى سورة ~~الناس، فتقطع الموضوعات وتتكرر، ونحن في حاجة إلى تفسير موضوعي ~~عرضي يجمع الآيات كلها حول موضوع واحد يهم المسلمين مثل: الفقر ~~والغنى، الظلم والعدل، الإصلاح والإفساد، التقدم والتأخر، ~~المحسوسات والغيبيات. # 5 # وعلوم السيرة حولت الرسول من مجرد رسول حامل للرسالة وتوصيلها ~~إلى شبه آلهة، كما يظهر ذلك في الأدعية الصوفية: «أغثنا يا رسول ~~الله»، «أعنا يا رسول الله». كما لو كان يقوم بالمعجزات التي لا ~~تقل عن معجزات المسيح. # 6 # أما الفقه فما زال يكرر كتب الفقه القديمة، والأحكام المرتبطة ~~مثل: الصلب، الرجم، الجلد، قطع اليد ثم الرجل، وقطع اليد اليسرى ثم ~~القدم اليسرى، اليد اليمنى ثم القدم اليمنى. فماذا يبقى للإنسان ~~إلا جثة ملقاة على قارعة ms329 الطريق لا فائدة منها يقذف الناس ~~بالقروش المعدودة؟ وهذه الأحكام ضد حقوق الإنسان، امتلاك الإنسان ~~لجسده، وكما هو في الفلسفة الوجودية المعاصرة، الإنسان هو الجسد ~~وليس الروح. # ولما كانت الثقافة المعاصرة قد نشطت في العصر الحديث في القرون ~~الأربعة الأخيرة، وضمت جميع الاتجاهات الفلسفية؛ العقلية، ~~والتجريبية، والإنسانية، وكانت حضارتنا في طور الشروح والملخصات ~~وبدايات الإصلاح والنهضة؛ انتقلت الحضارة من المركز إلى الأطراف، ~~ومن الحضارة الغربية إلى الحضارة الإسلامية، وعن طريق الترجمة التي ~~كثرت فيها الألفاظ المعربة، خاصة في علوم الاتصال الحديثة. فحدث ~~مركب عظمة في الغرب، ومركب نقص في الشرق. وأصبح المثقف إن لم يحل ~~في ثقافته إحالات من الثقافة الغربية، وإن لم يستعمل بعض الألفاظ ~~المعربة مثل «أبستمولوجيا»، «أنطولوجيا»، «أنثربولوجيا» بدلا من ~~«المعرفة»، و«الوجود»، و«الإنسانيات» فإنه لا يصبح مثقفا. # لذلك وجب إنشاء «علم الاستغراب» في مقابل «علم الاستشراق» حتى ~~يتحول العربي الإسلامي الشرقي من موضوع للدراسة إلى ذات دارسة، ~~ويتحول الغربي، الأوروبي والأمريكي، من ذات دارسة إلى موضوع ~~للدراسة. فينخفض مركب العظمة في الغرب، ويرتفع مركب النقص في ~~الشرق، ويتساويان، حينئذ يمكن الحوار بين الشرق والغرب. # وهنا فقط تكتمل حركة التحرر الوطني، من الاستقلال العسكري إلى ~~الاستقلال الثقافي أيضا. # وصدر التفسير الموضوعي للقرآن الكريم لمعرفة العلاقة بين الفكر ~~والواقع وليس كنظرية في التفسير فقط بل كنسق فلسفي مؤيد بالآيات ~~القرآنية، يكون في مركزه الجسد، ثم نشأة الإدراك الحسي، ثم التفكير ~~العقلي، ثم الإحساس بالزمن، ثم تحليل العواطف والانفعالات، والصلة ~~بين الأنا والآخر، والفرد والمجتمع، والحاضر والمستقبل، والوعي ~~والتاريخ. فهو كتاب فلسفي وإن كان عنوانه «التفسير» يصف الإنسان ~~في العالم ومع الآخر. # وقد يصدر في العام القادم إذا ما كان الوعي ما زال يقظا، تفسير ~~شعوري للقرآن الكريم، لاستخراج ما يختبره الوعي ويحسه تجاه بعض ~~الآيات فتهزه، ثم تجمع هذه المشاعر في نسق لم يتم التفكير فيه ~~بعد، مثلا # وأصبح فؤاد أم موسى ~~فارغا # فالآية تشير إلى فراغ الفؤاد وفراغ الشعور ~~بعد أن ألقت أم موسى بطفلها في النهر، وهو ms330 ما سمي في علم ~~الظاهريات: فراغ الشعور، وملء الشعور، ووضع الطفل «الشيء» وعدم ~~إصدار حكم عليه بالوجود أو العدم. # ولما كان مشروع «التراث والتجديد» مشروعا علميا خالصا لا ~~يقدر عليه إلا المتخصصون حولته إلى مستوى آخر وهو المستوى ~~الثقافي الذي يستطيع من خلاله جميع المثقفين الاطلاع عليه، وذلك في ~~مؤلفات مثل «قضايا معاصرة» جزءان: الأول في فكرنا العربي المعاصر، ~~والثاني في الفكر الغربي المعاصر؛ لإبراز العلاقة بين الأنا ~~والآخر. # ثم صدر «هموم الفكر والوطن» جزءان، لبيان أن العلم هو علم ~~ثقافي حضاري بالضرورة، علم عملي يرتبط بهموم الفكر والوطن. ثم ~~صدر «حصار الزمن» ثلاثة أجزاء، لوصف الثقافة العربية المحاصرة بين ~~أضلاعها الثلاثة؛ الماضي، والحاضر، والمستقبل. # كما صدر أيضا «الواقع العربي المعاصر» استكمالا لقضايا معاصرة، ~~كما صدر أيضا «الوحي والواقع» في دمشق، وكان في الأصل عدة مقالات ~~في جريدة الوطن الكويتية من خلال الصفحة الثقافية بها قبل أن ~~تتوقف. # ولما كانت طبقة المثقفين ما زالت محاصرة بين النخبة والجماهير ~~كان لزاما علي تحويل مشروع «التراث والتجديد» العلمي من مستواه ~~العلمي إلى المستوى الثقافي وتحويل المشروع الثقافي إلى مشروع ~~سياسي للجماهير، حتى يكون أكثر تأثيرا في الحياة العامة طالما ~~أنني لا أتحدث إلى الإعلام ليس خوفا بل اتقاء للإثارة. فصدر ~~«الدين والثورة في مصر 1952-1981م» وهو تجميع لمقالات صحفية في ~~جو هادئ لتنوير الجماهير وجعلها أكثر وعيا للمطالبة بحقوقها. ~~وهو ثمانية أجزاء: «الدين والتحرر الوطني»، «الدين والتحرر ~~الثقافي»، «الدين والتنمية القومية»، «الدين والوحدة العربية»، ~~«الحركات الإسلامية المعاصرة» «الأصولية الإسلامية»، «اليمين ~~واليسار في الفكر الديني»، «اليسار الإسلامي والوحدة ~~الوطنية». # كما صدر «جذور التسلط وآفاق الحرية» إجابة على سؤال: لماذا نحن ~~لسنا أحرارا؟ # كما صدر «من منهاتن إلى بغداد» عن الغزو الأمريكي للعراق، وصدر ~~أيضا «الثورة المصرية في أعوامها الخمسة الأولى 2011-2015». ~~و«الثورة المصرية في أعوامها السادس والسابع والثامن». # وصدرت «ذكريات» الجزء الأول، تروي حياة المؤلف من طفولته حتى ~~مرحلته الحالية. كما صدرت: «نظرية الدوائر الثلاث» عن العالم ~~الثالث. # وأخيرا صدر «أمريكا، الأسطورة والحقيقة» ms331 لمحاولة تقليل الهجرة ~~للولايات المتحدة الأمريكية لما فيها من طغيان، واستبداد، ~~ورأسمالية، وعنصرية، وسيطرة أجهزة الأمن على الحياة العامة. # ويصدر الآن «الفكر الوطني في العالم الثالث» ثلاثة أجزاء؛ الجزء ~~الأول: أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. والثاني، مصر والوطن ~~العربي والعروبة والإسلام. والثالث، الإصلاح والنهضة، والصحوة ~~الآسيوية، والثورة الإسلامية. # والآن يصدر هذا الجزء الثاني من «ذكريات» طبقا للموضوعات وليس ~~لمراحل الحياة مثل: الفقر السعيد، اكتشاف المواهب، الحب العذري، ~~القضاء والمحاكمات، الاضطهاد العلمي، الدين والسياسة، العلم ~~والعالم، التأليف والمؤلفات، المساعدون والمساعدات، العواطف ~~والانفعالات، ضعف الجسد، مشروعات المستقبل. # ومن المؤلفات المساعدة لمشروع «التراث والتجديد» في مستواه ~~الثقافي، جمال الدين الأفغاني «فيلسوف الثورة» لإعجابي به منذ أن ~~كنت في المدرسة الثانوية ثم في الجامعة المصرية، وعباراته التي ما ~~زالت ترن في الآذان مثل عبارة أحمد لطفي السيد «مصر للمصريين.» ~~والتي أصبحت شعارا للتحرر الوطني، ثم «إن الله خلقنا أحرارا، ولم ~~يخلقنا تراثا أو عقارا، والله لا نورث بعد اليوم.» وهي العبارة ~~التي أطلقها أحمد عرابي أمام قصر عابدين عند مواجهة الخديوي توفيق، ~~و«عجبت لك أيها الفلاح تشق الأرض بفأسك، ولا تشق قلب ظالمك» ~~والتي تنادي بثورة الفلاحين ضد الإقطاع، و«الأرض لمن يفلحها» وهي ~~العبارة التي أقامت عليها الثورة المصرية في يوليو 1952م قانون ~~الإصلاح الزراعي. ومع ذلك أخطأ الأفغاني في الرد على الدهريين ~~بهجومه على «الماترياليست»، «السوسياليست»، «الكومونيست». فقد كانت ~~هذه الصورة لهذه المذاهب في القرن التاسع عشر. ولم يعرف الأفغاني ~~أن المادية هي أساس الرأسمالية أيضا، وأن الاشتراكية في الإسلام، ~~وأن الشيوعية نوع من الاشتراكية. # ومن الكتب الثقافية المساعدة «دراسات إسلامية» وبها محاولة ~~للإجابة على ثلاثة أسئلة: لماذا غاب مبحث الإنسان في تراثنا ~~القديم؟ ولماذا غاب مبحث التاريخ في تراثنا القديم؟ وعلم أصول ~~الفقه. # وأيضا كتاب «دراسات فلسفية» يحتوي دراسات عن فلسفة السؤال، ~~وماهية النص، و«ثورة الجماهير» عند أورتيجا، و«جوهر الدين» عند ~~فيورباخ ، وغيرها من المقالات الفلسفية في الفلسفة الغربية. # كما صدر أيضا كتاب «فيشته، فيلسوف المقاومة». وقد كان إعجابي به ~~منذ السنة الثالثة ms332 في قسم الفلسفة بآداب القاهرة. كان قد أصدر ~~نداءات للأمة الألمانية لمقاومة غزو نابليون لألمانيا. # كما صدر «برجسون، فيلسوف الحياة» # 7 # إعجابا بفكره منذ كنت طالبا، ولنقده «علم النفس ~~السيكوفيزيقي» في المعطيات البديهية للوجدان، ونقده التصور المادي ~~للنفس في «المادة والذاكرة»، وتأثير «الطاقة الروحية» و«الفكر ~~والمحرك» على المنهاج الإسلامي العام. وهي من نوع أفكاري الأولى ~~والتي تتكون من جانبين؛ الثابت ويشمل التصور والنظام، والمتحرك ~~ويشمل القوة والحركة. # وأخيرا كتب برجسون «منبعا الأخلاق والدين» مبينا أن هناك ~~نوعين من الأخلاق والدين؛ الأول ثابت شكلي مظهري لا حياة فيه. ~~والثاني جوهري مملوء بالحياة. وهو ما عبرت عنه بعد ذلك في كتابي ~~«من العقيدة إلى الثورة»؛ فالعقيدة من النوع الأول، والثورة من ~~النوع الثاني. وتدور معظم أعمال برجسون على هذا التصور «الثابت ~~والمتحرك» مثل كتاب «الديمومة والمعية» في تحليل الزمان. فهناك فرق ~~بين الديمومة عندما يتواصل فيها زمانان، والمعية عندما يتعاقب فيها ~~زمانان. فالزمان إما متصل أو منفصل، المتصل هو الحياة، والمنفصل هو ~~الموت. # كما كتب برجسون عن «الضحك» متسائلا: لماذا يضحك الإنسان؟ وكانت ~~الإجابة عندما يتوقع الإنسان المتحرك فيفاجأ بالثابت، مثل مشاهدة ~~إنسان يسير ثم ينزلق على الأرض كما هو الحال في الكوميديا على ~~المسرح. # وقد أجريت حوارا بعنوان «حوار المشرق والمغرب» مع محمد عابد ~~الجابري بناء على اقتراح قدمته جريدة اليوم السابع في باريس. ~~فتبادلنا الرسائل في عدة موضوعات فكرية وفلسفية واجتماعية وسياسية. ~~كان لها كبير الأثر على الجمهور، وجمعت الحوارات في كتاب صدر في ~~المغرب وكانت له عدة طبعات في بيروت وعمان والقاهرة. # وتكرر الحوار بيني وبين أبي يعرب المرزوقي صاحب كتاب «إصلاح ~~العقل» في تونس، لم يكن له نفس الشهرة التي نالها الحوار الأول؛ ~~فالتقليد دائما له جذب أقل من الإبداع. # وكانت لي مقالات عديدة باللغة الإنجليزية. جمعت في كتابين وكل ~~كتاب جزءان: الأول «الإسلام في العصر الحديث »، الجزء الأول «التراث ~~والثورة والحضارة»؛ والثاني «الدين والأيديولوجيا والتنمية». ~~والكتاب الثاني «الحضارات والمدنيات، في صراع أم في حوار؟» وقد صدر ~~في ms333 جزأين: الأول ثقافة البحر الأبيض المتوسط. والثاني الإبداع ~~الحضاري والحوار الديني. # وقد ترجمت هذه المؤلفات إلى العديد من اللغات الأجنبية مثل ~~«التراث والتجديد» باللغة التركية وحوار «المشرق والمغرب» باللغتين ~~الفرنسية والألمانية. # كما صدرت عدة دراسات عن المشروع بالعربية مثل: «حسن حنفي في عيد ~~ميلاده الستين» يحتوي على عدة مقالات من الأساتذة المصريين والعرب ~~تحت إشراف أحمد عبد الحليم. # وأيضا «كاهن الفلسفة» تحت إشراف قيس الجوادي مندوب العراق لدى ~~الجامعة العربية. # كما صدر كتاب «حسن حنفي في عيد ميلاده الخامس والثمانين» تحت ~~إشراف مصطفى النشار. # كما تم إصدار عدة رسائل عن فكري وفلسفتي بالعربية، رسائل ماجستير ~~مقدمة من جامعة طنطا، وطبعت وصدرت الرسالة عن «التراث والتجديد ~~عند حسن حنفي» في الجزائر وفي الأردن. # كما صدرت رسالة دكتوراه للأستاذ الهولندي مارين فان ديربوم في ~~جامعة أمستردام الحرة بهولندا بعنوان «تحرير الإنسان عند حسن ~~حنفي». # وباقي الإصدارات عن فكري وفلسفتي موجودة ويمكن الرجوع إليها على ~~المكتبات الإلكترونية بشبكة الإنترنت. # الفصل التاسع # | المساعدون والمساعدات # بدأت التأليف بمجرد عودتي من فرنسا عام 1966م. وكانت الطباعة الأولى ~~يومئذ على الآلة الكاتبة. وبعد ذلك تأخذ المطبعة الكتاب وتجمعه ~~يدويا بلصق الحروف المتفرقة بعضها بالبعض. وكانت كبيرة الحجم حتى ~~يسهل التعامل معها، ثم تحولت الطباعة بعد ذلك إلى جمع الحروف بالرصاص ~~في سطور تربط بحبل رفيع «الدوبارة». ويكون التصحيح بتغيير السطر كله ~~وليست مجرد الكلمة. ثم بدأت الطباعة أخيرا عن طريق الحاسب الآلي ~~«الكمبيوتر». وفي مرحلة الآلة الكاتبة كنت أذهب إلى مكتب لهذا الغرض في ~~ميدان الجامع بمصر الجديدة. وكانت طباعة الصفحة بقيمة خمسة قروش ثم ~~زادت إلى سبعة. ولما كنت لا أحسن استخدام الحاسب الآلي ولا أحب ~~التعامل معه وكانت تكفيني الكتابة بخط اليد سواء كان الخط حسنا أم ~~رديئا، مقروءا أم غير مقروء، صحيحا نحويا أم به أخطاء. وفي مكتبة ~~«غريب» التي بدأت بطباعة الأجزاء الأولى لكتابي «من النقل إلى ~~الإبداع» تعرفت على كاتبة تكتب على الحاسب الآلي بدار النشر، وطلبت ~~منها أن تعمل ساعات إضافية ms334 عندي لتحويل خط اليد إلى طباعة على الحاسب ~~الآلي وقبل أن أقدم ذلك إلى دار النشر. # وكانت تأتي وهي محجبة، وتطبع، وتساوم في ثمن الصفحة. ثم تقرأ القرآن ~~بعدها، لم تدم في العمل معي كثيرا لإحساسي بأنها تظهر غير ما تبطن، ~~وأن قراءة القرآن مجرد غطاء لنيل مكسب أكبر. # بعد ذلك تعرفت على موظف بشركة تعمل في مكان ليس بعيدا عني، كان يأتي ~~بعد الظهر ليساعدني فيما كتبته لطباعته على الحاسب الآلي. وظل معي حتى ~~الآن، حوالي تسعة عشر عاما، وهو نموذج للأمانة والكفاءة. # ولما كثرت مراسلاتي مع الخارج وتعبنا من كتابتها بخط اليد، اشتريت ~~جهازا آخر لإرسال الرسائل الإلكترونية، وساعدني في إرسال هذه ~~«الإيميلات». # ولما عرفت أنه يمكن عمل خط على الإنترنت وباسمي مباشر ترسل عن ~~طريقه الرسائل والردود عليها مباشرة وأتلقى الرسائل من الخارج خلاله ~~مباشرة. استعملت هذا النظام الجديد، ولما زاد وكبر حجم العمل عليه، ~~تعرفت على عدد من الشباب للكتابة على الحاسب الآلي؛ تعرفت على اثنين ثم ~~ثالث، وكانت مهمتهم بعد الطباعة على الحاسب الآلي أن يضعوا المكتبة ~~بعناوين كتبها ونقلها على الحاسب الآلي حتى أحسن تبويبها وترقيم كتبها ~~وسهولة التعامل معها. إذا أردت كتابا بعينه أجده بالرقم محفوظا دون ~~البحث اليدوي. # ولما توسموا في الطيبة وحسن المعاشرة اقترضوا مني المال مقدما، ~~فكانوا يأخذون أولا وقبل موعد الاستحقاق، وما زالوا يطلبون المال حتى ~~كثرت ديونهم، وقل عملهم، وبدءوا في الاختفاء التدريجي وعدم ~~الحضور. # وكان البعض يأتي لينفذ عمله الخاص على الجهاز عندي. ويستعمل شبكة ~~الاتصال الدولي «الإنترنت» حتى زاد الاستهلاك. وحذرتني شركة الاتصالات ~~بأنه لا بد من زيادة مبلغ الاشتراك طالما أن الاستهلاك يزيد وإلا انقطع ~~الخط. # وفي شهر رمضان كانوا يأتون بعد الانتهاء من أعمالهم عصرا، يعملون ~~لمدة ساعة ثم يؤذن المغرب بعدها؛ أحمل لهم «صواني طعام الإفطار» لأنني ~~أحب أن أفطرهم. ثم بعد الإفطار يعملون ساعة واحدة ويغادرون بعدها، ولو ~~أنه كان من الأولى أن يفطروا في منازلهم ثم يأتون عندي بعد الإفطار؛ ~~لأن ms335 الليل ممتد في أمسيات رمضان وحتى موعد السحور؛ مما يسمح بإنجاز قدر ~~أكبر من العمل. # وحضر طالب عندي، يدرس بقسم الدراسات العليا، ليساعدني في أعمال ~~الطباعة، فأخبرتهم جميعا بأن التدخين في المكتبة ممنوع حتى لا يقع ~~مكروه يؤدي إلى احتراق الكتب وأوراقي الكثيرة هناك. ومع ذلك كان لا ~~يستجيب ويدخن ويقرأ ما يجده من كتب ولا يقدم إنتاجا مقابل ذلك. # تعبت كثيرا مع مثل هؤلاء المساعدين غير الملتزمين، وكنت أخشى أن ~~أعطي مخطوطاتي لمكاتب الطباعة خارج مكتبي بالمنزل حتى لا تضيع لأي ~~سبب من الأسباب. # ثم وفقت لوجود شاب، كان يعمل عندي فترات بعد الظهر، يطبع المخطوط ~~على الحاسب الآلي. كان مثالا على الأمانة والكفاءة. ونظرا لارتباطه ~~بأسرته، زوجته وأبنائه، بدأ يقلل أيام حضوره من ستة أيام إلى خمسة، ومن ~~خمسة إلى أربعة، ومن أربعة إلى ثلاثة، ومن ثلاثة إلى اثنين. فتراكم ~~العمل ثم اعتذر عن الحضور كلية. # ظللت عدة سنوات أطبع مؤلفاتي بمعاونة مساعدي الأول، والذي أكمل معي ~~مدة أكثر من تسعة عشر عاما. أصبحنا صديقين أكثر من كوننا مؤلفا ~~وموظفا. وبعد عدة سنوات عاد الأخير يطلب العمل معي من جديد بعد أن ~~ازدادت عليه النفقات، وبعد انتقاله من مصر الجديدة في منزله الضيق إلى ~~سكن أوسع في التجمع الخامس، فرحبت به من جديد خاصة وأنه يتمكن من ~~قراءة ثم طباعة مخطوطي، ثم أصيب بالكورونا، وغاب عن العمل. وقد تماثل ~~الآن للشفاء وعاد من جديد. # وفي المرحلة الأولى من تكوين الجمعية الفلسفية المصرية، كانت لي ~~زميلة مساعدة من جامعة أخرى، أشرفت على رسالتها عن هيجل، وكانت تدير ~~جميع الجوانب الإدارية والمالية للجمعية بمفردها دون مقر عندما كنا لا ~~نزال نستخدم قسم الفلسفة بآداب القاهرة للالتقاء. ومقر الجمعية كان ~~دولابا صغيرا في حجرة القسم، عليه لافتة «الجمعية الفلسفية المصرية»، ~~به أوراق إشهار الجمعية، وفواتير الاشتراكات، وبعض المقالات استعدادا ~~لنشرها في مجلة الجمعية. كانت مخلصة في عملها، ومتفانية فيه، وتحمل عني ~~أعباء الإدارة. # ونشرنا الأعداد الخمسة الأولى لمجلة الجمعية. وفي يوم ms336 من الأيام وهي ~~تجمع اشتراك أحد الأساتذة ضحك معها كما نفعل في مصر قائلا: «أنت ~~تأخذين مالا كثيرا منا!» فحزنت بدلا من أن ترد على المزاح بمزحة ~~أخرى، وجاءت لي، ورمت كل أوراق الجمعية، ومستحقات الجمعية في البريد، ~~وغضبت غضبا شديدا، حاولت مرارا أن أشرح لها طبيعة «النكتة» ~~المصرية، والمزاح البريء، وأن المقصود من مزحة الزميل ليس اتهامها بأي ~~شيء. فقد كانت معروفة بالأمانة المطلقة، خاصة وأن قيمة اشتراك العضو ~~في ذلك الوقت كانت خمسة جنيهات سنويا فقط، ولم يكن لدينا أي فائض من ~~الأموال يستطيع أحد أن يستولي عليها. فقد كان كل ما في البريد أربعين ~~جنيها فقط ولا غير. وكنا في حاجة إلى مال للاستمرار في إصدار مجلة ~~الجمعية. حاولت إرضاءها بشتى الطرق نظرا لإخلاصها ووفائها وتفانيها ~~للجمعية، وصعوبة العثور على بديل عنها أيضا. كانت تعمل مجانا تقديرا ~~للفلسفة وللجمعية ولأستاذها. وكانت عابسة معظم الوقت، متشائمة من ~~الدنيا ومن الحياة. حاولت مرة إدخال البهجة عليها، وهي امرأة وحيدة، ~~سافر زوجها للعمل بالخليج ولجمع المال، تاركا إياها وابنتها تدبر ~~أمورها بنفسها، وكان إخلاص الزوج لوظيفته في الخليج أكثر منه لزوجته ~~وابنته في مصر، ومع ذلك لم ترجع للعمل في الجمعية. واستلم الوظيفة ~~بعدها مهندس معماري لا صلة له بالفلسفة ولكنه كان راغبا في المساعدة. ~~استلم الميزانية منها وأوراق الجمعية وإيصالاتها. وظل حلقة الاتصال ~~بيني وبين الناشر والأعضاء بالمجلة. وكان يحضر الندوات الشهرية ~~والمؤتمرات السنوية، يذهب إلى المطار لاصطحاب أعضاء الجمعية من ~~الأساتذة الجزائريين إلى الفنادق أو إلى دار الضيافة بالجامعة. وبعد ~~استقالته من أمانة الصندوق بسبب شرائنا مقرا للجمعية في مساكن هيئة ~~التدريس خلف الجامعة، اختفى ولم يتصل ولم نره. وبعد مدة نشر كتابا عن ~~دور العلم في عصر النهضة، وأعطاني نسخة من الكتاب، فعاتبته على ترك ~~الجمعية، وطلبت منه العودة للعمل، ومساعدتنا في شئون الإدارة كما كان ~~يفعل من قبل. فبدأ ينقد الجمعية، وقال إن شخصا واحدا يسيطر عليها، ~~وهو كان يعنيني أنا بذلك. فطلبت منه أن يأتي، ms337 ويلقي محاضرة على ~~الأعضاء، ويبين مهارته العلمية، ويحضر الجمعية العمومية، وقد ينتخب ~~عضوا في مجلس إدارتها ثم رئيسا لها. فألقى المحاضرة، وكانت عادية ~~بالنسبة لمستوى الأعضاء من أساتذة الفلسفة، وأقل من المتوسط في رأي ~~المتخصصين في فلسفة العلم. بعدها غادر ولم يعد. ثم رأينا له مقالا في ~~جريدة الأهرام، موقعا إياه باسمه وبأنه عضو في الجمعية الفلسفية ~~المصرية لأنه يتشرف بنا ويريد أن يظهر بأنه عضو في الجمعيات العلمية ~~المصرية. ومرة دعي إلى مؤتمر في الخليج من «مركز عزمي بشارة» العالم ~~والمثقف الفلسطيني الذي هاجر من فلسطين، والذي رشح نفسه رئيسا ~~لإسرائيل باعتباره مواطنا إسرائيليا له حق الترشح، ثم أخرجته ~~إسرائيل وطردته؛ لأنه عضو بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتلك كانت مأساة ~~عرب إسرائيل الذين يكونون خمس السكان. هم إسرائيليون جسدا، ~~وفلسطينيون روحا. في الظاهر يتبعون لإسرائيل، وفي الباطن ~~لفلسطين. # وجدنا أمين الصندوق السابق يجلس على مائدة الشرف مع مدير المركز ~~والأعضاء وبعض المثقفين العرب على مائدة واحدة، ويستمع إلى كلام ~~الآخرين، وينظر لمدير المركز ويبتسم وكأنه يقول: «أنا هنا، خذ بالك ~~مني.» وكنت أجلس بالمائدة المجاورة، بعد أن دعاني رئيس المركز إلى ~~الجلوس معه في مائدة الشرف، فرفضت لأنه من الأفضل أن أتعرف وأجلس ~~بجوار المثقفين العرب الذين أراهم لأول مرة. كنت أريد أن أستمع لما ~~عندهم، ويستمعون لما عندي. فعرفت أن هدف صديقنا المصري هو الرقي ~~الاجتماعي والعلمي بالمنتديات الثقافية ليظهر أنه مثقف، ومؤلف، وليس ~~فقط كمهندس معماري. # وبعد أن ضعف بصري وأنا في منتصف إنجاز كتابي الأخير «الفكر الوطني في ~~العالم الثالث»، وعدم تمكني من القراءة، تعرفت على صديقة لابنتي، تسكن ~~في منزل ابنتي التي سافرت لألمانيا لدراسة الدكتوراه. رأيتها لأول مرة ~~وسمعت صوتها واتصلت بها فلم تستجب لندائي. وبعد مدة شاءت الظروف أن ~~أراها ثانية، فعرضت عليها أن تساعدني في القراءة والكتابة لضعف نظري، ~~وهي تسكن في نفس المنزل في الطابق الأول؛ فلن تضيع وقتا في المواصلات ~~العامة. فرحبت. وبعد شهر تقريبا من العمل معي يبدو أنني رفعت ms338 صوتي ~~عليها بغضب شديد، فقيل لي إنها غادرت دامعة العينين. اتصلت بها في ~~اليوم التالي أعتذر لها عما بدر مني، ومع ذلك أخبرت زوجتي الحبيبة ~~أنها لن تأتي مرة ثانية. طلبت من إدارة الجمعية الفلسفية أن تنشر ~~إعلانا بحاجتي إلى مساعد أو مساعدة نظرا لضعف بصري؛ أتى أربعة، ثلاثة ~~يؤدون العمل بلا أجر؛ لأنهم يكفيهم أنهم بجواري. وكان الوقت المتاح ~~لديهم قليلا. وفضل موظف الجمعية الرابع خريج الأزهر أن يعمل عندي ~~فترة من الصباح، وحتى الثانية ظهرا. اتفقنا أن يحضر. كان شاعرا ~~أسمعني شعره، ثم اتصل في اليوم التالي بسكرتيرة الجمعية وأخبرها أنه ~~موافق على المرتب وساعات العمل. وطلب أن تكون الإجازة الأسبوعية يومين، ~~وهذا لا يناسبني، فماذا أفعل في اليومين؟ أحسست أنه تاجر لا يفكر كيف ~~يكون العمل عند باحث ومفكر وفيلسوف وأستاذ، ولكنه يحسب كل شيء ~~بحساب المكسب والخسارة. # وفي نفس الوقت اتصل مساعدي والمرافق لي بالجارة في محاولة ~~لاسترجاعها، فوعدتني أنها ستأتي. انتظرت حتى فات وقت الصباح ولم تأت؛ ~~فحزنت، حتى رآني ممرضي ومرافقي، طلب أن يترك له هذا الأمر. صعد ~~إليها ليتحدث معها، وطلب منها كوبا من الشاي، وتحدثا؛ فأصبحت أكثر ~~لينا، وعادت إلى العمل من جديد. وهي خريجة قسم علم النفس بآداب ~~القاهرة، مثقفة، ضاحكة، وملتزمة بمواعيد العمل التزاما دقيقا. وفي ~~أقل وقت كنا ننتج معا أكبر قدر من القراءة والكتابة. لديها هاتفها ~~النقال الخاص وبه «الإنترنت» فإذا احتجنا إلى معلومة أو تاريخ أو قصيدة ~~أو موضوع بحثنا عنه. ووفرت لي عناء البحث بين رفوف المكتبة، والبحث ~~عما أريد. أرجو أن تكون الخاتمة، هي بالكتابة بخط اليد والمساعدين ~~بالطباعة على الحاسب الآلي، حتى أنهي العمل على مؤلفاتي التي أقدمها ~~للناس، إحساسا بالواجب، ومسئولية جيلي عما حدث للبلاد من انكماش ~~وتقهقر. # وأول ناشر عرفته كان دار الكتب الجامعية بالإسكندرية التي نشرت لي ~~«نماذج من الفلسفة المسيحية ». وكان قد قدمني لها على سامي النشار ~~الأستاذ بقسم الفلسفة بآداب الإسكندرية بعد عودتي من فرنسا بعام واحد، ~~وقبل أن ms339 أستلم عملي في قسم الفلسفة بآداب القاهرة، وطمعا في قبول ~~التعيين بآداب الإسكندرية وأن أكون زميلا له، هو في تدريس الفلسفة ~~الإسلامية، وأنا في تدريس الفلسفة المسيحية. # وكان عبد الرحمن بدوي قد فعل نفس الشيء وأعلن أن القسم بحاجة إلى ~~مدرس في قسم الفلسفة بآداب عين شمس. فتقدم إليها اثنان، أنا وعزمي ~~إسلام، ففضلني. وفي اليوم الأول شعرت أنني غريب في هذه الدار. فليس لي ~~ذكريات فيها؛ فذهبت إلى بدوي قائلا: «إن الحوائط هنا لا تكلمني.» ~~فاستعجب، وقال «وهل الحوائط تتكلم؟» قلت له: «نعم، لا أشعر بتعاطف مع ~~المكان.» فاتهمني بأنني صبي صغير «عيل». وأخذ عزمي إسلام المتقدم ~~الثاني للوظيفة. فضلت بعدها الانتظار عاما لأعين مدرسا في قسم ~~الفلسفة بآداب القاهرة حيث نشأت وتعلمت واضطهدت وحوكمت. فأعطاني ~~ناشر الإسكندرية مائة جنيه دون أن أطلب ودون أن أذهب إليه مقابل نشر ~~كتابي. # أما «دار الثقافة الجديدة» التي نشرت لي بالقاهرة «تعالي الأنا ~~موجود»، و«تربية الجنس البشري» فلم آخذ أي مكافآت منها لأنها كانت ~~دارا تقدمية أي ماركسية ومرتبطة بحزب التجمع التقدمي الوحدوي والذي ~~كنت عضوا فيه. # أما «الهيئة العامة للكتاب» فقد أعطتني أربعمائة جنيه نظير ترجمتي ~~كتاب اسبينوزا «رسالة في اللاهوت والسياسة» والتي كانت مهرا ~~لزواجي. # وبعد ذلك تعبت كثيرا مع الناشرين. فقد طبعت لي «دار الفكر العربي» ~~«قضايا معاصرة» جزأين. ولم آخذ أي حقوق. اكتفيت بسعادتي لنشر أول كتاب ~~فلسفي من تأليفي وليس فقط من ترجمتي. # وبعد ذلك نشرت الأجزاء الأولى من كتابي «من النقل إلى الإبداع» في ~~«مكتبة غريب». وأعطاني حقي في الكتاب، وكان لا يتعدى أيضا مئات ~~قليلة من الجنيهات. وقبل أن يتوفى الأب المؤسس للمكتبة ويختلف الأبناء ~~على الميراث، انقسموا إلى عدة دور نشر مستقلين أو بالتعاون مع ~~السعودية. وانتهت علاقتي بهم، فقد بدأ جيل جديد من الناشرين التجار ~~يظهر، ويتعامل مع الكتاب على أنه بضاعة وليس رسالة. # ونشرت لي «مكتبة الأنجلو المصرية» «دراسات فلسفية»، و«دراسات ~~إسلامية»، و«هموم الفكر والوطن». وكانت سعادتي أيضا بنشر المؤلفات عن ~~طريق ms340 مكتبة لها شهرتها في مصر وفي الخارج. ونشرت رسالتي بالفرنسية من ~~«تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل»، جزءان «عن الحالة الراهنة ~~للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في الظاهرة الدينية». فسعدت برؤية رسالتي ~~الفرنسية، وترجمتها العربية في الأسواق، واعتبرتها تأسيسا «للظاهريات ~~العربية». ولم أطلب من صاحب المكتبة الأب أي حقوق، وعندما اتصلت ~~بأحفاده كي أنشر عندهم أحد كتبي امتنعوا، بحجة أن الكتاب الآن في مصر ~~يخسر، وهم لا يريدون المجازفة. # وطبع لي «مدبولي الأب» «من العقيدة إلى الثورة» (خمسة أجزاء) و«الدين ~~والثورة في مصر 1952-1981» في ثمانية أجزاء. وكنت أشتري له الورق ~~الأصفر الرخيص من ميدان العتبة لطبع الكتابين. ولا أذكر إذا كان رد لي ~~ثمن الورق أم لا؟ فكانت تكفيني سعادتي بطباعة كتبي ونشرها. وأعطيت له ~~كتابي «مقدمة في علم الاستغراب»، فقال لي: أعطيك ثلاثة آلاف جنيه بشرط ~~ألا تسأل على الكتاب بعد ذلك؛ سعرا أو طباعة أولى أو ثانية. وطلب أن ~~أنسى الكتاب. فرحت بالعرض، ولكني حزنت من الشروط؛ فذهبت إلى المطبعة ~~التي أرسل إليها الكتاب. وردوا بأنهم مستعدون لطباعته لي، فطبعته. ~~ولم آخذ أي حقوق منهم. وكان العرض الأول أفضل من العرض الثاني. # وطبعت كتب «نظرية الدوائر الثلاث»، و«الواقع العربي المعاصر» في ~~«دار نشر عين». دفعت ثمن الورق وحده أربعة آلاف جنيه. وردت لي بعد ~~ذلك ولم آخذ حقوقا من الكتابين. # ثم تدهور عالم النشر، فطلبت مني دار عين للنشر عندما قدمت لها أحد ~~كتبي من عدة أجزاء، وقامت بحساب ثمن الورق والطباعة، طلبت دار النشر ~~ستين ألف جنيه على أن ترد إلي من ثمن المبيعات، فرفضت. # وعرضت الكتاب على «دار سينا للنشر»، فكان الطلب مماثلا أن أدفع ثمن ~~تكاليف الكتاب، فرفضت أيضا. ولما تعبت من الناشرين وبأنني سوف أدفع ~~ثمن الورق، ولا أدري إن كنت سأسترد الثمن أم لا، قررت أن أطبع كتبي على ~~نفقتي الخاصة مثل: «الثورة المصرية في أعوامها الخمسة الأولى ~~2011-2015»، و«الثورة المصرية في أعوامها السادس والسابع والثامن»، ~~و«أمريكا الأسطورة والحقيقة»، و«ذكريات» الجزء الأول، و«التفسير ~~الموضوعي للقرآن ms341 الكريم»، و«من النقل إلى العقل» الجزء الرابع، عن ~~السيرة، والجزء الخامس في علم الفقه. وبعد أن طبعت «الهيئة العامة ~~للكتاب» الأجزاء الثلاثة الأولى من علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم ~~التفسير توقفت لذكر اسم سيد قطب في أحد الهوامش. # وكنت أطبع من كل كتاب ألف نسخة، ولما تراكمت النسخ في مكتبتي على ~~رفوف المكتبة أو في الصناديق، تعرفت على أحد الناشرين صاحب «دار ~~الكتاب المصري الحديث» حيث عرضت عليه إذا كان من الممكن أن يأخذ هذه ~~الكتب لتوزيعها ورد ثمنها لي بعد ذلك؛ لأنني طبعتها على نفقتي ~~الخاصة، وكان ثمنها ما يزيد عن سبعين ألف جنيه. ووعدته بأن يأخذ نصف ~~المبلغ في حال لو نجح في توزيع الكتب أي خمسين في المائة من ثمنها. مع ~~أن الموزع عادة لا يأخذ أكثر من ثلاثين بالمائة أو ثلاثة وثلاثين في ~~المائة على الأكثر. ففرح الرجل وأتى بصناديق، وأخذ معظم النسخ باستثناء ~~القليل من كل كتاب أحتفظ بها للذكرى. وكل مرة أسأله عما حدث يقول «ما ~~زالوا في عهدتي، لم أوزع منهم شيئا.» وعندما غضبت منه في إحدى المرات ~~أعطاني شيكا مقبول الدفع بأربعة آلاف جنيه، مع أن المطلوب كان حوالي ~~ثلاثين ألفا من الجنيهات. وجاءني مرة أخرى بعد سنوات قائلا: «إن ~~الكتب لم توزع!» وإنه سيأتي في مؤتمر الجمعية الفلسفية المصرية ~~ليوزعها هناك، ولكنه لم يأت. والآن انقطعت الصلة بيننا تماما ولم ~~أحصل منه على شيء. # أما «دار رؤية» وكان صاحبها يتظاهر بأنه صديقي، فأخذ مني بعض النسخ ~~القليلة، وكان يريد أن يوزعها، ولم يرد لي شيء من دخلها. وبعد عدة ~~سنوات طلب مني نسخا أخرى لتوزيعها وكان قد طبع لي كتاب «حوار من ~~المشرق والمغرب» و«التراث والتجديد». زارني في المنزل مع إحدى الصديقات ~~الكويتيات كي تضمنه، وأعطاني مقدما أربعة آلاف جنيه. ولم أستلم باقي ~~المبلغ بعدها حتى الآن. # أما في بيروت فقد طبعت لي «دار الطليعة» ترجمتي لكتاب اسبينوزا ~~«رسالة في اللاهوت والسياسة». وبعد عدة سنوات انخفض سعر الدولار في ~~بيروت فقالوا ms342 لي: «إن الكتاب يباع بالليرة اللبنانية وحولناها لك إلى ~~دولارات أمريكية.» وأعطاني مائة دولار فقط. # وطبع لي «مركز الكتاب للطباعة والنشر» «مقدمة في علم الاستغراب»، وتم ~~عرضه في معرض الكتاب، ووعدني أنه في العام القادم سيعطيني حقوقي، ثم ~~توفي. ولا أعرف نجله الذي كان يشرف على الدار لأسترد حقوقي منه؛ فلم ~~أستلم منه شيئا. # أما «دار مايا» التي يشرف عليها ناشر ليبي في بيروت، فقد طبع لي ~~ثلاثة كتب: «محمد إقبال، فيلسوف الذاتية»، و«من النص إلى الواقع» ~~(جزءان)، و«من الفناء إلى البقاء» (جزءان). أعطاني جزءا من حقوقي في ~~الكتاب الأول طبقا للمبيعات العامة. وعندما رأى الطبعة المصرية للكتاب ~~«من النص إلى الواقع» عام 2004م حجز على جميع حقوقي، لأنني أخللت ~~بشروط العقد وطبعت الكتاب مرة ثانية بالقاهرة دون الرجوع إليه؛ فمن ~~ثم لا أستحق أي عائد أو حقوق منه، مع أن الاتفاق الشفاهي كان من حقي ~~طباعة طبعتين؛ الأولى فخمة غالية الثمن في بيروت، والثانية متواضعة ~~رخيصة الثمن في مصر والوطن العربي مثل السودان والجزائر وموريتانيا ~~واليمن. # وكانت طباعته لكتاب «من النص إلى الواقع» عام 2005م. فهو الذي قام ~~بطبعه ببيروت بعد الطبعة المصرية عام 2004م وليس قبلها. وكنت قد اتفقت ~~مع الناشر المصري أنه لا مانع من أن تكون هناك طبعة أخرى لنشر الكتاب ~~في أي مكان دفعا بالثقافة العربية وليس طلبا للكسب. # فمعركتي مع الناشرين هي أن الناشر يرى أن الكتاب بضاعة يتاجر بها. ~~وأنا أرى الكتاب رسالة يقوم بها المؤلف بصرف النظر عن حسابات المكسب ~~والخسارة. وكنت قد طبعت «الحكومة الإسلامية»، و«جهاد النفس أو الجهاد ~~الأكبر للخميني»، و«مجلة اليسار الإسلامي» على نفقتي الخاصة، طبعت ~~مائة نسخة من كل كتاب ولم أعرف كيف أوزعها. ووجدت بائع الجرائد يجلس ~~على مدخل مقهى ريش بالقرب من ميدان طلعت حرب. فأعطيت له خمس نسخ من كل ~~إصدار، ومرة وأنا هناك لم أجد النسخ معروضة فسألته عن ثمنها؛ فنهرني ~~وقال لا يوجد؛ فعرفت أنه لا فرق بين الناشرين أصحاب الدور الكبيرة وبين ms343 ~~بائع الجرائد الصغير على ناصية الطريق. وكان مدبولي الأب يقول لي: «يا ~~دكتور لماذا تحزن من الناشر؟ أنت تريد طبع كتاب لنشر أفكارك، ونحن نقوم ~~لك بذلك. ونحن نريد أن نبني عمارة، وأنت تساعدنا في ذلك. فأنت لا ~~تنافسني في بناء العمارة، ولا نحن ننافسك في نشر الرسالة.» # ثم نشرت لي «دار الشروق الدولية» كتابين، الأول «جذور التسلط وآفاق ~~الحرية»، والثاني «من منهاتن إلى بغداد». وقد كنت استوحيت عنوان الكتاب ~~من مقال لمحمد أركون. وبدا لي أن صاحب الدار كان صادقا أمينا. وفي ~~مرة كنت على موعد معه في الدار، انتظرته، ولكنه لم يحضر. فاتصلت به كي ~~أعرف إذا ما كان سيأتي لمقابلتي أم لا؟ فعندما رد على اتصالي عرفت ~~أنه كان يتناول طعام الغداء مع اثنين من التجار الإندونيسيين، فلم ~~يستطع الحضور ولم يعتذر. وبعد ذلك عرفت أنه حول دار النشر إلى متجر ~~لتجارة السجاد مع إندونيسيا. وأرسل لي حقوقي لا أذكر كم كانت، وباقي ~~أعداد النسخ التي كانت لديه. فحزنت لأن الدافع لدور النشر هو المكسب، ~~فلما أتاه المكسب الأكبر ترك تجارة الكتاب إلى تجارة السجاد. # وتعرفت على سائق تاكسي أجرة كان يجمع بعض المهندسين في مكان عمل نجلي ~~المهندس ليوصلهم من وإلى مكان عملهم. وبعد أن قل عمله بالشركة لبيعها ~~لم يجد عملا لدى المهندسين هؤلاء والذين كان يوصلهم يوميا. طلبت منه ~~كمساعدة له أن يوصلني للجامعة مرة أو مرتين أسبوعيا. وذات يوم طلب ~~سلفة مبلغ ستة آلاف جنيه، وأنا ضعيف أمام المحتاجين. فوافقت وأعطيته ~~المبلغ. واتفقت معه أن يردها على ستة أقساط شهريا، كل شهر ألف ~~جنيه. التزم ورد لي قيمة ثلاثة أقساط، وفي الشهر الرابع طلب تأجيل ~~القسط ثم طلب تأجيلا آخر وآخر. وعندما لم يستطع تدبير باقي المبلغ طلب ~~مني ألا أدفع قيمة مواصلتي للجامعة، وأن أركب بها معه إلى أن تنتهي ~~الأقساط. لم يناسبني هذا الحل لأنني لم أكن أذهب للجامعة في تلك الفترة ~~كثيرا، ولم أكن أخرج من المنزل كثيرا. لم أستخدم ms344 التاكسي، ولم يرد ~~لي باقي المبلغ. فتوقفت عن التعامل معه، ولم أرغب في أن يستمر في العمل ~~لدي. فصرفته، وضحيت بباقي الأقساط. # وفى يوم أتى سباك ليصلح شيئا في الحمام، وبعد أن أتم عمله غادر. ~~ولما كان الحمام جزءا من حجرة النوم، وكانت عادة زوجتي أن تترك درج ~~الكومودينو الخاص بها في غرفة النوم نصف مفتوح تضع فيه مصاريف اليوم، ~~ولما رأى السباك هذا الدرج نصف المفتوح وهو خارج وبه أوراق مالية سهل ~~عليه أن يمد يده ويأخذها. وكان المبلغ في حدود الثمانمائة جنيه. ولما ~~اكتشفت زوجتي هذه السرقة ونحن لا نعرف السباك أسقط في أيدينا، ولم ~~نعرف ماذا نفعل؟ فنحن لا نعرف له اسما ولا عنوانا ولا رقم هاتفه. ~~وأدركنا أن العيب فينا، وعلى رأي المثل: «المال السايب يعلم ~~السرقة». # أما المساعدات؛ فالأولى ربة المنزل وهي زوجتي الحبيبة. كان تقريبا ~~عشر مساعدات على مدى نصف قرن باستثناء عشر سنوات كنت فيها خارج ~~مصر. # وكانت الشروط في المساعدة التي تعمل عندنا أنا وزوجتي شرطين ~~أساسيين: الأمانة والكفاءة. تأتي الأمانة أولا لأننا لا نحسن الحفاظ ~~على ما لدينا من مال أو مجوهرات. أما الكفاءة فتأتي وتذهب طبقا للتعلم ~~والخبرة وكسب المعرفة. وكن يقضين معظم الوقت بمفردهن في المنزل لأن ~~زوجتي كانت تعمل بالجامعة الأمريكية، وأنا كنت أذهب إلى الجامعة ثلاث ~~مرات أسبوعيا. وأولادنا الثلاثة في مدارسهم. ويمكن توزيع المساعدات ~~الأمينات وغير الأمينات على الإطلاق، يمكن توزيعهن على قطبي الأمانة ~~والخيانة. فكانت الأمينات التامات، مصرية قبطية تتصف بالأمانة، ~~والكفاءة المطلقة في إدارة شئون المنزل من طبخ وتنظيف. فإذا ما عدنا من ~~أعمالنا نجدها تجلس في المطبخ كالحارس الأمين. وإن تعبت تضع ذراعيها ~~وتحني رأسها على المائدة، لترتاح قليلا. وكانت لا تتكلم كثيرا، أقرب ~~إلى الصمت منها إلى الكلام. فلا تنقل ما يحدث في البيت إلى خارجه أبدا ~~سواء بين أفراد العائلة الواحدة من فرد فيها إلى آخر أو خارج المنزل، ~~كما يفعل معظمهن من الثرثارات واللواتي يمكن أن يسببن الانفصال بين ~~المرأة ms345 وزوجها بسبب ذلك. وكانت تصطحب معها ابنتها لتدربها على العمل. ~~وكانت لا تطلب أي زيادة في المرتب كما كانت تفعل قريناتها. # وفي أقصى القطب الآخر، هناك المساعدات غير الأمينات على الإطلاق ~~اللواتي كن يسرقن من المنزل كل ما تطاله أيديهن. وكن في الكفاءة على ~~درجة أقل نظرا لانشغالهن بسرقة ما خف وزنه وغلا ثمنه كالمال ~~والمصوغات. وكانت منهن وعلى رأسهن مصرية مطلقة ترعى أولادها، وتسكن في ~~غرفة فوق السطح، وكما كانت تقول تسقط عليها مياه الأمطار. وكانت تقدم ~~نفسها كخفيفة الظل وتضحك طوال الوقت. أصبحت كأنها عضوة في المنزل مع ~~باقي أفراد الأسرة وليست غريبة عليها. تجلس على الأريكة معنا، وتشاهد ~~التليفزيون معنا، مربعة ساقيها فوق الأريكة. تذهب معنا في الصيف إلى ~~قرية جامعة القاهرة بالساحل الشمالي، تسبح في حمام السباحة معنا، وتأكل ~~على المائدة معنا، تسافر إلى الخارج معنا. ونطلب من الجهة الداعية أن ~~تحول بطاقات الطائرة من درجة رجال الأعمال وهي الدرجة الأولى، إلى ~~الدرجة الاقتصادية وهي الدرجة الثانية حتى تأخذ بطاقة لها كي نصطحبها ~~معنا لترى العالم الخارجي، وحتى لا نتركها بمفردها في المنزل والأطفال ~~يقيمون مع جدتهم وخالتهم. اكتشفت سرقاتها؛ آلة التصوير التي تركناها ~~فوق «بوفيه» السفرة، وأوراقا مالية كنت تركتها في غرفة المكتب، ~~وزجاجات النبيذ التي كانت في الدولاب هدية من صديقي ممثل العراق ~~بالجامعة العربية. كانت قد طلبت «سلفة» مبلغا من المال كي تبني سقفا ~~من الحديد المسلح ليقاوم سقوط الأمطار بعد أن انهار سقف بيتها. # ولما أردنا أن نستعلم عن ماضيها سألناها فعرفنا منها أنها كانت تخدم ~~في شقة لدى الخليجيين العزاب. فخشيت على نفسها منهم بعد أن طالبوها ~~بما لا تستطيع، وخشية أن تكون الشقة مراقبة من قبل رجال الأمن وبوليس ~~الآداب؛ فتركت العمل عندهم. # وعملت لدينا امرأة سمراء الوجه جاءت بتوصية من أحد الأصدقاء. وكانت ~~متوسطة الكفاءة بل ومتوسطة الأمانة أيضا؛ إذ إننا عدنا مرة من أعمالنا ~~أنا وزوجتي فوجدنا الدولاب شبه مفتوح. فلما سألناها عن ذلك، أنكرت. ~~فهددناها، وأخذناها بالسيارة ms346 إلى قسم الشرطة. ولما عرفت أننا جادون في ~~اتهامها اعترفت بأنها سرقت أشياء من الدولاب، ووعدت أنها سترجعها ~~إلينا. عدنا إلى المنزل، وأرجعت هي المسروقات بعدها. وبعد مدة سمعنا ~~أنها مريضة بمرض عضال، ثم توفيت. وكنا نرسل إليها الأموال والعيديات ~~كل سنة. وكان نفس السؤال عندي يتردد بلا إجابة واضحة حتى الآن. ما ~~السبب في كل هذا، الأخلاق أم الفقر؟ # وذات يوم سمعنا أن ابنتها حلت محلها تعمل في خدمة العائلات التي ~~كانت تعمل عندها أمها. # وكنت أفكر في من المسئول عن هذه الطبقة من الشعب؟ الفقر أم الأخلاق؟ ~~دون استطاعة الإجابة عن السؤال حتى الآن. # وبين هذين القطبين المتناقضين إلى حد التطرف هناك درجات متوسطة ~~بينهما، الأقرب إلى الأمانة المطلقة، كانت سيدة مطلقة وأما لأولاد ~~تعمل عندنا حاليا. تأتي في موعدها في الثامنة صباحا، وتغادر بعد ~~موعدها في الخامسة مساء، تقوم بأعمال التنظيف والطبخ، ولم نر منها أي ~~مكروه، ولها من الكفاءة ما يؤهلها لخدمة الأسرة. # وكانت المساعدات الأجنبيات أقرب إلى الأمانة المطلقة، مثل ~~المساعدات النيجيريات. فأتت واحدة منهن تعمل بكفاءة، كانت تصاحبني في ~~المؤتمرات والندوات العامة في مصر وخارجها. وكانت تقوم بمساعدتي على ~~الاستحمام. وذات مرة وهي تقوم بذلك كانت ترتدي ملابس مفتوحة تكشف ~~صدرها، وقالت لي: إن المرة بخمسين دولارا «فسألتها» وماذا عن مرتبك ~~الشهري؟ «قالت» إن زوجها متزوج من أربع وله منزل كبير في وسط المنازل، ~~وأربعة منازل صغيرة حوله في كل منزل زوجة وأولادها، والزوجة مسئولة عن ~~إعالتهم. فمعظم العاملات من نيجيريا كن يأتين إلى القاهرة للعمل وإرسال ~~المال لأولادهن. وكان الزوج عادة يتزوج بأربع ليس من الإسلام ولكنها ~~عادة أفريقية. وتساءلت بيني وبين نفسي: هل هناك صلة بين هذه العادة ~~وبين الزواج بأربع زوجات في الإسلام وليس أكثر، في الفقه الإسلامي ~~القديم؟ # وعملت لدينا ذات مرة مساعدة سودانية مؤدبة غاية الأدب وكانت ~~كفئا. وحدث أن الممرض المرافق لي وقتها تشاجر معها ذات يوم وضربها. ~~وأخبرت أمها. جاءت الأم غاضبة، وبعد أن تشاجرت معنا أخذت ms347 ابنتها ~~وغادرت. ولا أدري حتى الآن لماذا لم نصرف الممرض بدلا من أن تذهب ~~المساعدة أو نرسله ليستبدلوه بآخر؟ # وكانت أقرب إلى عدم الأمانة المطلقة سيدة أبهرتنا بعملها وبنظافتها ~~ومهارتها في الطبخ. ولم نكن نعلم أن هذا مجرد غطاء لإخفاء جوهرها ~~الحقيقي. أخذت يوما ظرفا به بضع مئات من الدولارات، كان قد أحضرها ~~مندوب جريدة الخليج مكافأة لمقال نشرته، وتركت زوجتي المظروف على ~~حافة الأريكة بعد استلامه؛ لنجده وقد اختفى. وعندما سافرت معي إلى ~~عمان، كان في جيبي أيضا ظرف آخر به مئات الدولارات لم أجده صباحا. ~~وعندما أتت معي مرة أخرى في زيارة للخليج لحضور المائدة المستديرة ~~لكتاب الاتحاد. أعطي لكل باحث جهاز حاسب آلي «لاب توب» وكان به ~~الأبحاث التي سنناقشها في المائدة. أخذت جهازي وأخذت هي جهازا لها ~~دون أن تستشيرني أو تستشير القائمين على الندوة. ولما عدنا إلى القاهرة ~~أعطيت لزوجتي جهازي لأنها تستطيع التعامل معه أكثر مني. فوضعته زوجتي ~~بين كومة الجرائد الأسبوعية التي احتفظت لي بها لأقرأها بعد عودتي من ~~السفر. بحثت عن جهازي فلم أجده. فلما سألت المساعدة عنه، قالت إنها ~~أخذته لأولادها؛ فأصبح معها جهازان، وكانت تسير في ردهات وطرقات الفندق ~~في عمان كما تسير الملكة علياء؛ تضع على وجهها مساحيق التجميل، وترتدي ~~أحدث الأزياء، وزوجا من الأحذية ذات الكعب العالي، فتصبح محط أنظار ~~وإعجاب الجميع، وكنت أخجل أن أقول هذه مساعدتي؛ فقد يذهب الخيال إلى ما ~~هو أبعد. كانت تقف على سلم الفندق في وضع وكأنها مستعدة للتصوير، لا ~~فرق عندها بين المثقف المصري أو الأردني الذين يحضرون المؤتمر؛ ~~فبالنسبة إليها كلهم رجال. وعندما عدنا إلى القاهرة اكتشفت زوجتي ضياع ~~مبلغ من المال؛ فصرفناها من العمل بالمنزل. وكنت في مرة قد اصطحبتها ~~معي إلى البنك فأخذت تنظر للأوراق بتمعن لتعرف كم هي المبالغ الموجودة ~~بالضبط. وفي مرة أخرى ذهبنا لبنك آخر، كنت قد صرفت مبلغ ثلاثين ألف ~~جنيه، وبينما أستلم المال سمعتها تبكي فسألتها لماذا تبكي، قالت: «إن ~~أمها تحتاج المال، ms348 وإن أمها بالمستشفى تجرى لها عملية جراحية خطيرة ~~في المخ، وإنها ربما تتوفى لو لم نعط لهم أجرهم.» تصورت نفسي مسئولا ~~عن وفاة الأم لو لم أساعدها. فتبرعت لها بالمبلغ كله ورجعنا إلى ~~المنزل وسافرت هي إلى البلدة التي كانت تعيش بها. وقبل أن تغادر كتبت ~~إيصال أمانة على نفسها في حال لو لم ترد المبلغ. كنت أثق بها كثيرا ~~فأخذت منها الورقة ومزقتها. كنت أومن أن مساعدة المحتاج لا تحتاج ~~إلى وثيقة لإثباتها. # وبعد عدة شهور اتصل بنا قسم الشرطة في الصاغة بالأزهر وأخبرنا أنه تم ~~القبض على سيدة تحاول بيع بعض المصوغات وتقول إنها تعرفكم، ووجدنا رقم ~~هاتفكم في الموبايل الخاص بها، فأخبرت الضابط بأنها بالفعل كانت تعمل ~~عندنا وصرفناها لسرقاتها، وعلمنا فيما بعد أن تهمة السرقة قد ثبتت ~~عليها وأنها حوكمت بالسجن عدة أشهر. # وبعد مدة اتصلت بنا ذات مرة تلفونيا لتخبرنا أنها هاجرت إلى ~~أمريكا، وتزوجت من أمريكي، وأقام لها مصنعا لبيع المنسوجات الشرقية. ~~ويبدو أنها أرادت أن تقول لنا بشكل غير مباشر إن «الشغالة» التي كانت ~~تعمل عندكم ذات يوم أصبحت الآن سيدة أعمال، تعيش في أمريكا ولا حاجة ~~بها للعمل كشغالة مرة أخرى. وقد تكون الآن مليونيرة ومن سيدات ~~الأعمال. # وبين القطبين المطلقين والنسبيين كانت هناك مساعدات المنزل ~~اللواتي إما تكذب الكذبة بقول روايات غير صحيحة وتطلب بعض المال لعرض ~~الملابس المستعملة للبيع، أو في رواية أخرى لها اقترضت مالا لتقيم ~~«نصبة» للشاي والقهوة في آخر خط المواصلات للسائقين والمحصلين ~~والمارة من العمال. ثم اكتشفنا بعد ذلك أنها لم تقم بالمال المقترض ~~معرضا للملابس المستعملة ولا منصة للشاي والقهوة. ومرة أخرى غابت عدة ~~أيام وطلبت إجازة بسبب وفاة والدها، واتضح بعد ذلك أنه غير صحيح. وفي ~~أول عهدها بالعمل في المنزل، أخبرتنا أن هناك سائقا يريد الزواج منها، ~~فرحبنا بذلك، ولكنها كانت متزوجة بالفعل ولم تطلق بعد، قلنا هذه ~~جريمة تستحقين السجن عليها، فكيف يكون لك زوجان في نفس الوقت؟ وطلبت ~~مني المساعدة أن ms349 نقنع زوجها ليطلقها رسميا حتى تستطيع أن تتزوج للمرة ~~الثانية. واستطعنا ذلك، فعادت إلى المنزل ومعها ورقة الطلاق. ثم اختفى ~~السائق الذي وعدها بالزواج. ولكنها على الأقل استطاعت أن تنال حريتها ~~حتى وإن لم تتزوج ثانية. كانت ذات مرة تشتري لنا مواد غذائية من البقال ~~بجوار البيت والذي كان يعرفني فقال لي إنه أمسك بها تحاول سرقة شيء ما ~~من المحل، وحين قالت إنها تعمل عندي أطلق سراحها. وكانت زوجتي قد تعبت ~~من كذبها المستمر وعدم خبرتها بأعمال المنزل فصرفناها. سمعنا بعد ذلك ~~أنها تزوجت من عامل، وكانت وقتها تعمل في جمع صناديق القمامة وفرزها ~~وتصنيفها، بين الزجاج والعلب الصفيح وأوراق الكرتون في حقائب، والقيام ~~ببيعها لمصانع تدوير القمامة، وكانت تكسب في اليوم الواحد حوالي خمسين ~~جنيها، وتترك أولادها مع والدها. ولما أصبح زوجها عاطلا عمل مع زوجته ~~في جمع القمامة، وأصبحت موظفة في شركة تقوم بمثل هذا العمل. بعدها تأتي ~~في الأعياد بدعوى تهنئتي، فلقد قضت معنا ما يقرب من الثماني سنوات ~~فنعطيها العيدية لها ولأولادها. # وكانت هناك مساعدة أخرى لم تقم طويلا معنا. وكنا نسمع حركتها في ~~الفجر تقلب أواني المطبخ. ظننا أنها ربما تعد شيئا لها تشربه في ~~الصباح الباكر، ولكننا اكتشفنا بعد ذلك أنها تخرج الأواني واحدة تلو ~~الأخرى لزوجها لسرقتها، فتم ضبطها، وصرفناها رغم أنها أبهرتنا بتنظيف ~~المشربيات بعد أن فتحتها ومسحت الأتربة العالقة بين مربعاتها ~~الصغيرة. # ثم جاءت بعدها سيدة قصيرة مطلقة، وبينما كانت تساعدني على الاغتسال ~~والاستحمام مرة انزلقت من حافة «البانيو» ووقعت داخله ووقعت هي أيضا ~~بعد أن دفعت قدماي ساقيها، لا أتذكر لماذا غادرتنا بعد وقت ~~قصير؟ # وكان لدينا مساعدة مصرية في شئون المنزل، كانت جدة ريفية. وبينما ~~نحن في الساحل الشمالي تعاركت مع ممرضي المرافق الأول، ويبدو أنها ~~سبته هو وعائلته، فأصر على أن تغادر هي أو يغادر هو؛ إذ لا يستطيع ~~البقاء معها في نفس العمل. فصرفناها، ثم عادت واتصلت بنا عدة مرات ولم ~~نرد؛ فسألت البواب وأخبرها أننا ms350 أحضرنا أخرى غيرها. # ثم أتت سيدة أخرى، كانت كفاءتها في المطبخ أكثر منها في التنظيف. ~~كانت تعمل لدينا في الصيف لأنها كانت تعمل كمدرسة رسم في إحدى المدارس ~~الخاصة، ولما لم يتجدد عقدها في المدرسة، طلبت أن تستمر معنا في العمل ~~كمساعدة منزل. كانت أكثر المساعدات جمالا وشبابا وعناية بنفسها. ~~ويبدو أن المدرسة التي كانت تعمل بها جددت لها العمل؛ فاعتذرت عن ~~الاستمرار في العمل عندنا، فحزنا عليها كلنا خاصة رجال ~~المنزل. # ومرة أخيرة أتت جدة شابة تعمل كمساعدة خاصة لزوجتي، كانت لا تجيد ~~أعمال الطبخ أو التنظيف، طبخت الملوخية ونسيت أن تضع فيها «التقلية»، ~~وفي الصباح قدمت الفطير عجينا نيئا. وعندما سألت ممرضي ومرافقي ~~الدائم عن شيء لم يسمعها، فقال: «نعم!» قالت: «نعامة ترفسك.» غضب ~~وأصر على أن تغادر السيدة المنزل. قالت وهي تقدم نفسها إنها تحب ~~«تعامل باحترام» وإنها خدمت أسرة لمدة ثمانية عشر عاما. فعجبنا كيف أن ~~طبيخها بهذه الرداءة؟ وكيف أنها بعد يومين سبت الممرض؟ ولم تعرف ~~الأسرة ماذا تفعل. وكنت حريصا على الممرض المرافق الذي خدم عندي أكثر ~~من أربع سنوات ولا أستطيع أن أضحي به من أجل مساعدة لم تقض معنا سوى ~~يومين. نكتشف كل يوم منها أنها بلا كفاءة في الطبخ أو أدب في الحديث ~~فنصحت الأسرة بصرفها. # ونرجو أن يكون ذلك آخر تغيير في المساعدين والمساعدات، بعد أن ~~اطمأننا إلى من عندنا بما لديهم من كفاءة وأمانة. # أما حارس المنزل «البواب» هو الأخير ومن قبله لا يهمه إلا زيادة ~~الدخل فوق مرتبه الشهري، فكان يمسح العربات بالشارع. وفي إحدى المرات ~~كانت زوجة البواب لدينا تعمل عند سكان العمارات المجاورة كمساعدة في ~~شئون المنزل لتساعد زوجها على زيادة الدخل، كان أسوأ هؤلاء أحدهم وكان ~~من أسوان، سافرنا مرة في إجازة صيف وتركناه يتولى حراسة المنزل. ومنذ ~~أن انتهينا من بناء المنزل فاضت عدة بلاطات رخامية وبعض الأشياء ~~وضعناها بأحد جوانب المنزل من الخارج، وجدناه قد سرقها، وكنا قد تركنا ~~أيضا ثمن الجرائد الأسبوعية ms351 واليومية في عهدته لمحاسبة بائع الجرائد، ~~اكتشفنا أنه لم يدفع ثمن الجرائد وأنه أخذ الأموال لنفسه وبددها؛ ~~صرفته لعدم أمانته، كما صرف من عمله الآخر لنفس الأسباب. # الفصل العاشر # | العواطف والانفعالات # بالرغم من أن الفلاسفة العقليين مثل ديكارت كتب رسالة في الانفعالات، ~~وكذلك كتب الوجوديون في نفس الموضوع مثل جان بول سارتر كتب رسالة في ~~الانفعالات، فإن التفرقة بين العواطف والانفعالات تفرقة دقيقة، ~~وترجماتها إلى اللغة العربية صعبة، تتداخل فيما بينها؛ ففي اللغتين ~~الفرنسية والإنجليزية هناك لفظ مشترك مثل # passions # عواطف. وتعني انفعالات، ~~وهناك بالفرنسية كلمة عواطف # sentiments ~~، وهي بالإنجليزية نفس اللفظ ونفس المعنى. ~~وتزيد الإنجليزية لفظ # feelings # فيعني ~~مشاعر. ولا يوجد لها مقابل في الفرنسية. # وتشير كل هذه الألفاظ للجانب الوجداني للإنسان مقابل الجانب العقلي. ~~ويلاحظ أن العواطف إيجابية أكثر منها كونها سلبية مثل: السماحة ~~والاحترام والتقدير والتعاطف والمشاركة الوجدانية. # أما الانفعالات فهي سلبية أكثر منها إيجابية مثل: الغضب والكراهية ~~والحسد والغيرة والضيق والصراخ وربما أيضا الفرح والحزن اللذين يقعان ~~بين العواطف والانفعالات. # ويمكن القول بأن العواطف تدوم أكثر من الانفعالات؛ فالعواطف تبقى في ~~الشعور مدة طويلة، في حين أن الانفعال وقتي، يأتي بسرعة، وينتهي ~~بسرعة. # فالحب مثلا إذا كان دائما فهو عاطفة نبيلة، وإذا كان انفعالا ~~وقتيا فهو عاطفة هوجاء. # ولا تتعلق العواطف بالأشخاص المتعاطف معهم، كما لا تتعلق الانفعالات ~~بالأشخاص المنفعل تجاههم؛ فالأشخاص لهم كل التقدير والاحترام سواء ~~أكانوا من المتعاطف معهم أم من المنفعل ضدهم. # وتتعلق العواطف والانفعالات بالجانب الذاتي فقط؛ أي بإحساس الإنسان، ~~وبتجربته الحية تجاه بعض الأشخاص. وقد يكون مصيبا أو مخطئا في هذا ~~الإحساس. # فالعواطف والانفعالات إذن تقع خارج نطاق الأحكام العقلية أو ~~الخلقية، ولا تستحق الغضب منها؛ لأنها ذاتية خالصة ولا شأن لها ~~بالأشخاص الموضوعين بين قوسين. إنما هو الوعي الذي يحلل نفسه تجاه ما ~~يحدث فيه من ذكريات؛ فالذكرى ذاتية خالصة، وهي تجربة حية مضت كموقف ~~ولكنها بقيت منغمسة في الوعي، كما هو الحال في شعر أحمد رامي في قصيدة ~~ذكريات: ms352 # كيف أنسى ذكرياتي # وهي أحلام حياتي # إنها صورة أيامي # على مرآة ذاتي # ويعيش الإنسان بين دائرتين صغيرتين؛ الأولى دائرة الوالدين، ~~والثانية دائرة الأبناء والأحفاد. ففي الدائرة الأولى الصغرى وهي دائرة ~~الأسرة، الوالدان والأشقاء والشقيقات قبل الزواج والانفصال عنهما. ~~فالأب كان طيب القلب، يحافظ على أسرته وأبنائه وأحفاده، يلتقي بهم في ~~المناسبات عندما يكبرون ويتعاطف الأبناء معه طبقا للآية # وبالوالدين إحسانا ~~. وهو موضع ~~احترام وتقدير الجميع. كنت أزورهم مرة أسبوعيا هو والوالدة بعد ~~الزواج وتكوين أسرتي الصغيرة؛ الزوجة والأولاد ثم الأحفاد. رأيته وهو ~~في اللحظة الأخيرة وكان زوج شقيقتي موجودا والروح تصعد إلى بارئها، ~~وعلامات الألم بادية على وجهه وفمه المفتوح. # أما الوالدة فقد توفيت بعده بعشر سنوات، وكنت أزورها وهي مريضة على ~~الأقل مرتين في الأسبوع، وفي آخر مرة رأيت ظهرها وقد آلمها من قرحة ~~الفراش، وفي اليوم التالي كنت أحضر عزاء أحد الأقرباء ولم أستطع ~~زيارتها لتأخر الوقت. حزنت كثيرا وندمت لأنها توفيت ذلك اليوم ولم ~~أرها للمرة الأخيرة، ولم أسامح نفسي كيف لم أصعد لزيارتها حتى لو كنت ~~متعبا؟ # وتوفي أخي من دائرتي الأولى الصغيرة. كنت بجانبه أنا وابنته في غرفة ~~الإنعاش بمستشفى القصر العيني الفرنسي، وأخذنا عزاءه في مسجد المدينة ~~الجامعية. # أخشى من النفس الأخير الذي ينقطع بعده دخول الهواء إلى الرئتين. كنت ~~بجوار أبي وبجواري زوج شقيقتي الكبرى وهو في النزع الأخير، رأيت فمه ~~مفتوحا على آخره، ووجهه متألم. وبعد ذلك انتهى تعبير قسمات الوجه، ~~وانفض الصدر، وتوقف التنفس، قرأ زوج أختي الفاتحة عليه، ووضع الغطاء ~~على وجهه، وخرجنا من الغرفة، ورجونا من أمي ألا تصرخ؛ فقد قام أبي ~~بواجبه خير قيام، وربى سبعة من أولاده؛ ولدين وخمس شقيقات. وكان ~~فخورا بتلك البنايات السبع التي بناها. صحيح أنه من المحافظين، وكنا ~~إذا زرناه أنا وزوجتي الحبيبة لمساعدته في بعض الأعمال المنزلية؛ لأن ~~والدتي كانت في بني سويف، كان يجلس أمامنا، وكنا نشاهد في «التليفزيون» ~~جنازة عبد الناصر عنده، وكانت زوجتي ترتدي «جونلة» قصيرة فرمى لها ~~بغطاء ms353 التلفزيون قائلا: «استري نفسك.» # كان تقليديا، وكانت زوجتي تعد له الطعام أثناء غياب والدتي، ومرة ~~كانت تطبخ فاصوليا خضراء، وتقطعها بالعرض، ولما انتهت من الطبخ وأكل ~~منها رأينا عدم الرضا على وجهه. فسألناه: «ما الخبر؟» فقال: «إن زوجتك ~~قطعت الفاصوليا بالعرض، أما أمك فكانت تقطعها بالطول؛ ولذلك ففاصوليا ~~والدتك ألذ من فاصوليا زوجتك.» فقبلنا النقد عن رضا مع أنه لا فرق بين ~~تقطيع الفاصوليا بالطول أو بالعرض. # وكانت والدتي تطبخ لنا الكشك الصعيدي، وكنت أكتب على وجه الطبق ~~بالصلصة الحمراء اسم زوجتي؛ فيضحكان الوالدة والوالد رحمهما ~~الله. # وكان عندما يقرأ الجريدة الصباحية يعيد قراءة الأخبار لوالدتي التي ~~كانت أمية، وهو يمثل ما يقرأ كي تفهم ما يحدث في السياسة خاصة أنني ~~وأخي كنا من المسيسين. # وقبل أن أغادر إلى فرنسا سألت والدي: «أين هي كتيبات الإخوان؟ ~~والمجلة التي كانوا يصدرونها؟» قال: «أخفيتها داخل ماسورة حائط في ~~السطح فلا يستطيع أحد رؤيتها.» خشية علي من ملاحقات الأمن أو ~~الشرطة. # كان مخلصا لأسرته، ونحن في الإسكندرية والأسرة تودعني قبل ركوبي ~~الباخرة، أعطاني أخي عشرين جنيها مكافأة الباحث التي كان يأخذها في ~~الشهر، ولما رأى الوالد ذلك أخرج ما في جيبه وكانوا خمسة جنيهات. ~~فأعطاها لي، وفرحت. وحزنت في الوقت نفسه، فرحت لهذه العاطفة النبيلة في ~~الأسرة. وحزنت؛ لأنني أخذت كل ما معها وكل مصروفها في هذا ~~الشهر. # ومرة أخرى يبدو أنه تعارك مع والدتي فجاء يسكن عندي، وكنت قد ~~أغلقت نصف الشرفة حتى أصبحت كغرفة صغيرة إضافية. عاش فيها والدي عدة ~~أيام، وهو شارد الذهن؛ لأن شريط الذكريات يمر أمامه، وكنا نحاول أن ~~نصلح بينه وبين والدتي ولكنه كان يرفض. أما هي فأقل منه رفضا، وجاء ~~زوج شقيقتي الكبرى إلى منزل والدتي فأقنعها بأنه يجب عليها أن تبادر ~~وتصالحه؛ لأنها المرأة وهو الرجل، فأطاعته. وقدمت إلى منزلي، وأخذت ~~معها والدي إلى بيته، وانتهى الأمر. وكان والدي يحضر لنا معه الطحينة ~~من السرجة بشارع «الحسينية». وكان يركب الحافلة ذهابا وإيابا. وكنا ~~ندعوه أنا ms354 وزوجتي للغداء قبل أن يرحل، فكان يرفض. فنسأله: «ما الخبر؟» ~~فيقول لي: إن طبيخ زوجته أحسن من طبيخ زوجتي؛ فأعتذر له بأن زوجتي ما ~~زالت حديثة العهد بالزواج لا تحسن الطبيخ، أما والدتي فهي أكثر خبرة ~~منها، فتنبسط أسارير وجهه بهذا الاعتراف. # كان يحب أسرته، ولا يحب البقاء خارج المنزل، وكانت قوانين الجيش تحتم ~~عليه أن يبقى «نبطشية» مع فرقة الموسيقى في المعسكر مرة كل شهر حتى ~~الصباح، فكان يأتينا في المساء ويخرج في الصباح الباكر بعد الفجر ويصل ~~المعسكر مبكرا وكأنه قضى الليلة فيه. # ومرة أراد أن يستقل أول مترو عند بداية العمل، حتى يصل مبكرا وقبل ~~أن يستيقظ زملاؤه. كان الترام قد بدأ في التحرك، فجرى والدي خلفه، وسقط ~~على الأرض قبل أن يدركه، وسند على أصابع يده عند سقوطه فانكسرت لثقل ~~جسمه عليها، فلفها بمنديله، وأسرع إلى العمل في المعسكر. وقال ~~لزملائه الموسيقيين بأنه وقع في الحمام، فأرسلوه إلى المستشفى العسكري ~~حيث قاموا بخياطة الجروح، ولكن أصابعه ظلت ملتوية مدة طويلة. ومن حسن ~~الحظ أن ذلك لم يمنعه من العزف على «الترمبون» الذي كان بحاجة إلى اليد ~~والأصابع وليس الأصابع وحدها كالكمان. # وكان والدي غيورا جدا على والدتي لشدة حبه لها، فلا يتحمل زائرا ~~رجلا يتباسط مع أمي في الحديث، فيخلق والدي سببا لتعكير الجو حتى ~~يخرج الضيف، ويترك والدتي في سلام، رأيت ذلك لأول مرة عندما زارنا عم ~~إسماعيل والد «علي» الموسيقي و«جمال» الممثل. وكان يأتي أنيقا، وكان ~~شعره مصففا بقدر كبير من الكريمات والذي كان يلمع في الضوء، يتكلم ~~وهو يضحك، وكان قريبا لوالدتي؛ فتدخل الوالد لتعكير الجو، فقال له ~~عم إسماعيل: «صل على النبي يا عم حنفي» حتى يهدئ من روعه، ويخبره أنه ~~لا نية عنده في مغازلة والدتي وقد تجاوز الستين ووالدتي الخمسين، وكانت ~~ترن في أذني أغنية الفتيات صاحبات ليلى مراد في فيلم «غزل البنات»: ~~«أبجد هوز حطي كلمن. شكل الأستاذ بقى منسجمن». وفي كل مرة يزورنا حمو ~~شقيقتي يتكرر نفس الشيء؛ ms355 فقد كان متكلما ثرثارا ضاحكا، ولا يترك ~~لغيره فرصة للكلام. وبالرغم من أنه كان قصيرا بين السمار والسواد، ~~عجوزا، وأسنانه بين كل سن وسن فجوة، ودون أن يكون فيه أي نوع من ~~أنواع جمال الرجال، كان والدي يغار منه لقدرته على الكلام بينما والدي ~~أقرب إلى الصمت. فكان والدي يتهرب دائما من زيارة عم إسماعيل لنا ~~دفاعا عن أمي وغيرة منه. # ولما مرضت والدتي ولم يكن عندنا من يمرضها، أحضرنا سيدتين ~~تتناوبان العمل، اثنتي عشرة ساعة في اليوم، تذهب إحداهما فتأتي الأخرى، ~~كانتا تساعدانها في تنظيف ظهرها بالقطن والشاش من جروح قرح الفراش، ~~وكنت أزورها مرة كل أسبوع، وأنا عائد من الجامعة. وفي يوم الزيارة عدت ~~من الجامعة وكنت متعبا لأنني كنت في واجب عزاء فقررت أن أزورها في ~~اليوم التالي. وعرفت أنها قد توفيت؛ فحزنت، وندمت على أنني لم أزرها ~~في الموعد المحدد حتى لو كنت متعبا، وحضرت عزاءها، وكان صوان العزاء ~~بميدان الحسينية، وكان كبيرا. # وكان أبي قبل أن يتوفى قد ساعدناه في شراء مقبرة للأسرة بمنطقة ~~البساتين بجوار عين الصيرة، وكتبنا عليها لافتة باسمه. وكان هو أول من ~~دفن فيها، وكانت خالتي هي الثانية، وأمي هي الثالثة؛ لأن مقابر أسرة ~~أمي في بني سويف في الضفة الأخرى لنهر النيل، وحماتي فيما بعد. وظلت ~~تلك مقابر الأسرة حتى الآن، بها أخي وشقيقاتي، وأزواجهن. # ويعيش الإنسان مع دائرة الأسرة الأولى؛ الزوجة والأبناء، ذكورا ~~وإناثا. فأول عاطفة تركتها الزوجة الحبيبة في شعوري هي الوفاء، حاضرا ~~أم غائبا، مستريحا أم غاضبا، عاشقا أم معشوقا، صحيحا أم سقيما، ~~حرا أم سجينا، سعيدا أم شقيا. # فالوفاء عاطفة نبيلة لا تتغير، تعيش في الذكريات، ويسعد الإنسان ~~برؤية شروطها، فلا خوف مما يسمى الخيانة للزوجة أو تعدد الزوجات أو ~~الطلاق أو الهجر. # تدمع العيون في حالة التأثر إذا ما شعر صوابا أم خطأ أن الوفاء لا ~~يقابله وفاء آخر؛ فالوفاء علاقة متبادلة بين زوجين، خاصة إذا كانا ~~حبيبين، وبوجه أخص إذا كانا عاشقين. أمد لها ms356 العون فيما تحتاج، ~~وتمد لي العون فيما أحتاج، تغنيني عن العالم، وأغنيها عن العالم، كما ~~هو الحال في شعر نزار قباني في قصيدة قارئة الفنجان: «قد تغدو امرأة يا ~~ولدي يهواها القلب هي الدنيا». وبعد أن اكتشفت زوجتي الحبيبة موهبتها ~~في النقد السينمائي انضمت إلى معهد السينما بأكاديمية الفنون للدراسة ~~به حتى حصلت على البكالوريوس في السينما، وكونت مكتبة سينمائية ~~كاملة عن تاريخ السينما المصرية والعربية، وحضرت معظم مهرجانات ~~السينما في مصر والوطن العربي، وأسست مركزا لتاريخ السينما يقع في ~~الطابق الثاني من منزلنا الجديد. ونشطت في عقد ندوات شهرية عن نقاد ~~السينما المصريين قبل أن يرحلوا، وكانت الندوات مسجلة. ونشرت عدة ~~مجلدات عن تاريخ السينما المصرية مثل أعمال حسن جمعة. وهي بصدد جمع ~~مقالاتها في النقد السينمائي والتي تصدر عن قريب، ولولا اعتلال صحتها ~~لكان نشاطها أوسع، ومع ذلك أصبح مركزها السينمائي مكانا للباحثين في ~~تاريخ السينما المصرية يقدم خدماته مجانا وحبا في العلم ونشر ~~الثقافة السينمائية. # ولد الابن البكر بعد عام تقريبا من زواجي، وأخذناه معنا إلى ~~الولايات المتحدة الأمريكية عندما كنت أستاذا زائرا في جامعة تمبل ~~بولاية بنسلفانيا، وكان طفلا صغيرا ما زال يحبو. وما إن اشتد عوده ~~حتى أخذ يسير في الشقة ذات الأرضية الخشبية، ويدخل المطبخ ويحضر ~~الأواني يقرع بها الأرض؛ حتى انزعج الساكن الجار بالدور الأرضي، وبعد ~~أن استطاع أن يمشي دخل المطبخ وكانت زوجتي الحبيبة قد أشعلت الفرن لطهي ~~الطعام، فلما وضع يده على زجاج باب الفرن لسعه؛ فجرى مسرعا بعيدا ~~عنه. وكان كلما رآني أو رأى والدته حذرنا من لسعة الفرن قائلا: «يح!» ~~كان يقلدني في كل شيء وأنا أقرأ الكتب مقلبا الصفحات، كان هو يأخذ ~~أقرب كتاب من على الرف ويجلس على الأرض مقلبا صفحات الكتاب مثلي، ~~ليعرف لماذا أقلب صفحات الكتاب وكأني أبحث عن شيء بداخله، وعندما لا ~~يجد شيئا بين صفحاته يأخذ غيره ويقلب بين صفحاته فلا يجد شيئا فيرميه ~~هو الآخر مستغربا عن ماذا أبحث! وكنت إذا دخلت ms357 الحمام يريد أن يعرف ~~لماذا أغلق الحمام خلفي فيدفع بيده وأصابعه الصغيرة تحت عقب الباب فأرى ~~أصابعه الصغيرة. فلما لا يستطيع فتح الباب أو الدخول ورائي يغادر، كانت ~~واجهة غرفة الجلوس زجاجية، وكان يأتي بكرسي يصعد عليه؛ ليرى الفناء ~~الأخضر. ولما كان يراني عائدا من الجامعة يخبط بيده على الزجاج ويهلل ~~فرحا، ويأتي لانتظاري وراء باب الشقة ينتظر لأفتح الباب، ثم يتغير ~~الفرح إلى بكاء؛ فأحمله وأربت على كتفيه محتضنا إياه، وأقول له أعلم ~~أن أمك ضربتك فلا تحزن، فكان يفرح من جديد، كنت ألاعبه كثيرا، يجري ~~فوق السرير وأنا أحاول اللحاق به. وكلما فر من قبضة يدي فرح وضحك على ~~أنه انتصر علي. وتتكرر هذه اللعبة كل يوم؛ يصعد إلى السرير وكأنه ~~يدعوني أن وقت اللعب قد أتى وهو يراني على المكتب طيلة النهار. كانت ~~السعادة في هذا المنزل؛ سكن أساتذة الجامعة، كل سبت بعد الظهر أن يأتي ~~ببرميل البيرة، وكان بالفناء شواية، ويحضر كل ساكن قطع اللحم ليشويها، ~~ونشرب البيرة ونتعرف نحن الأساتذة الجيران بعضنا على البعض، وأحيانا ~~طلاب الدراسات العليا. ويحدث أن تستلقي فتاة على العشب الأخضر وهي تشرب ~~البيرة، وكنت لا أدري ماذا كان قصدها! وكان ابني قد بلغ السنتين، كانت ~~تدعوه ليلعب معها فيستجيب ويجد شعرها الناعم المنسدل على الكتفين ~~يبرق في الشمس فيتحسسه بيده، وكان يضع إصبعه في كوب البيرة الزجاجي ~~الخاص بها ثم يضع إصبعه في فمها وهي تتذوقه معجبة ومبتسمة بهذه ~~الشقاوة. ويرفض أن يغادر بعد نهاية الجلسة لكي نصعد إلى شقتنا، ~~وتعرفت على معظم الطالبات عن طريقه، فقد كان حلقة الوصل بيني ~~وبينهن. وكنت أرى مدير المنزل الشاب يأخذ طالبة كندية بعد أن شربا ~~البيرة إلى حجرته. لم أفهم كل ذلك لأنني كنت قد حضرت توا من مصر ~~متأثرا بمقولات العيب والحرام. ولما أرادت زوجتي إكمال دراستها ~~والحصول على الماجستير، ويصعب ذلك وابننا ما زال طفلا صغيرا يحتاج ~~إلى رعاية مستمرة وقضاء وقت طويل معه، قررنا إرساله إلى مصر ليبقى مع ms358 ~~جدته وشقيقة أمه، ولما ذهبنا إلى المطار لتسليمه للمضيفة بكى؛ فنصحونا ~~في الطائرة بأن تأتي والدته معه إلى القاهرة ثم تتركه مع الأقرباء ~~وتجلس معه شهرا أو أقل أو أكثر حتى يتعود على غيابها والعيش مع ~~أقربائه الجدد، وبدلا من أن ندفع ببطاقة السفر للمضيفة التي ستصحبه ~~ندفعها لأمه وكان هو يسافر مجانا؛ لأنه لم يبلغ السنتين. فعادت به إلى ~~المنزل لمدة ستة أشهر إضافية لأننا كنا بمنتصف العام الدراسي ولا ~~تستطيع ترك الدراسة والسفر شهرا للقاهرة. وفي هذه الشهور الستة أظهر ~~الطفل الصغير كل إبداعاته في اللعب والضحك والجري وملاعبة الفتيات ~~وبداية الكلام والنطق باللغة العربية، لدرجة أننا أنا ووالدته نحزن ~~لأننا كنا سنفترق عنه وهو لا يعلم ماذا ينتظره في نهاية العام الدراسي. ~~وبالفعل أخذته أمه إلى القاهرة ودربته كيف يعيش مع الأسرة الجديدة، ~~وكانت تختفي عن أنظاره بين الحين والآخر لتدربه على عدم وجودها، حتى ~~تعود على خالته وأولادها، ثم عادت زوجتي إلى أمريكا وكأننا في حداد ~~لغياب الطفل من وجوده معنا ولعبنا معه. ولكننا أدركنا أن العلم في حاجة ~~إلى تضحية. وكنا نأتي إلى القاهرة سنويا في الصيف في رحلات جماعية ~~«شارتر» كي نرى طفلنا. شعر أول مرة بالغربة نحونا، ورفض أن يبيت معنا ~~في شقتنا، وظل يعيش في منزل جدته وخالته كما تعود خلال العام. ~~وتدريجيا بدأ يتعود علينا من جديد، وأخذناه إلى الإسكندرية فقام في ~~الليل قائلا إياكم أن تظنوا أنني نسيت خالتي وأولادها، وبكى؛ فقد كان ~~لا يود أن يعيش في غربة مرتين. ونحن نغادر القاهرة عائدين إلى ~~فيلادلفيا قلنا له إننا سنشتري له اللعب وسنعود إليه عن قريب كاذبين ~~عليه. وفي كل صيف كنا نأتي للقاهرة لنراه حتى تعود على غيابنا وأن له ~~أسرتين: أمه وخالته، أبوه وأولاد خالته، يلعب مع كليهما. وبعد أن انتهت ~~زوجتي من دراسة الماجستير والحصول على الدرجة وكان قد تبقى لي سنة ~~واحدة للعودة إلى مصر، وكنا نريد أن نكتشف أمريكا كما فعلت في كتابي ~~الذي صدر ms359 أخيرا «أمريكا، الأسطورة والحقيقة»، خفنا عليه من الأسفار ~~الطويلة التي قمنا بها ثلاث مرات، من الشرق إلى الغرب، ومن الشرق إلى ~~الشمال عبر كندا، ومن الشرق إلى الجنوب وصولا لفلوريدا. وكنا نخاف أن ~~يمرض ولا يتحمل هذه الأسفار الطويلة فقررنا أن يبقى في القاهرة دون أن ~~نراه في الصيف كما اعتدنا. وزرنا في الصيف الولايات المتحدة، ولاية ~~ولاية قبل أن نعود نهائيا إلى القاهرة. ومنذ ذلك الوقت لا يفارقنا ~~الأولاد الثلاثة إذا سافرنا طويلا، سنتين في المغرب وثلاث سنوات في ~~اليابان. وذهب ابني البكر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو ~~طالب في الجامعة الأمريكية بالقاهرة؛ ليقضي فصلين دراسيين بجامعة ~~بولدر في ولاية أوهايو، وسنة أخرى في انجلترا للحصول على درجة ~~الماجستير في النظام الفيدرالي؛ إذ كان خريج العلوم السياسية. وبعد ~~عودته وقبوله في وزارة الخارجية المصرية عين في السلك الدبلوماسي، ~~وتدرج في المناصب في الوزارة حتى أصبح وزيرا مفوضا، وربما يصبح بعد ~~عام سفيرا لمصر. وكانت رسالته للماجستير في انجلترا عن النظام ~~الفيدرالي، وسجل رسالته للدكتوراه في موضوع مشابه في جامعة القاهرة ~~إلا أن الخارجية استهلكته ولم يعد لديه وقت لاستكمال الدكتوراه. وبعد ~~أكثر من خمس سنوات تنازل عن السلك الأكاديمي. # جوهر نجلي البكر الأكبر هو الإخلاص؛ الإخلاص في العمل؛ يخرج من ~~الصباح الباكر ويعود في المساء، متعبا في حاجة إلى الراحة بعد عناء. ~~يعطي نموذجا للإخلاص لزملائه الذين يعملون معه، أعلى منه رتبة أو ~~أقل، وكأنه كان يدور في وعيه اللاشعوري حديث الرسول «إن الله يحب من ~~أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه.» أصبح العمل هو بؤرة حياته، وربما لم ~~يعد يبقى لباقي الدوائر الأخرى في حياته أي مكان، ومع ذلك هو حسن ~~العشرة، مخلص للأصدقاء، صاحب «نكتة»، يلعب مع الأطفال وكأنه طفل مثلهم، ~~وتلعب الأطفال معه، يخلص لأسرته، ويؤدي معظم خدماتها بالرغم من ضيق ~~وقته، لم يلهه الإخلاص في العمل عن التمتع بالموسيقى والمسرح. # وهو متخصص في النظام الفيدرالي الذي قد يطبق في الوطن العربي أسوة ~~بالاتحاد ms360 السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السويسري، ~~والمملكة المتحدة، وألمانيا الاتحادية، والاتحاد الأوروبي؛ يجمع الدول ~~المتحدة مع جيرانها في منظمات إقليمية. وأول مظاهر هذه الاتحادات، ~~المرور الحر من وطن إلى آخر دون تأشيرة دخول، والاقتصاد الحر لكل دولة، ~~ويكون الاتحاد أساسا في السياسة الخارجية وفي الدفاع. # والابن الأوسط تدور حياته وحياة زوجته وأولاده الثلاثة حول محور ~~الإيمان؛ فالجميع متدين، يؤدون الصلوات، ويحترمون الشعائر، ويخلصون ~~للجد والجدة، والأعمام والأخوال. # وهو مخلص لعمله في علم الاتصالات، ولديه خبرة واسعة في مجال عمله ~~بتركيا وكندا، ولولا صعوبة عودته إلى الوطن وإيجاد عمل يليق بمستواه ~~الفني بعد أن كان مهندسا كبيرا في شركة للاتصالات يملكها نجيب ساويرس ~~والتي تم بيعها لشركة أخرى استغنت عن معظم مهندسيها الكبار. وينتظر أن ~~تسمح الظروف للعودة إلى الوطن، وإذا وجد عملا جديرا بمستواه التقني ~~كمهندس للاتصالات. # أما الابنة الصغرى فيمكن تلخيص شخصيتها، كما أشعر بها، في كلمة ~~واحدة هي «التمرد»؛ التمرد على بقايا المحافظة في الأسرة الأولى، ~~والتمرد في حياتها الأدبية والنقدية، وعلى أوضاع المجتمع السياسية ~~والاقتصادية. شاركت في الكثير من الندوات الأدبية، ولها اجتهادات أولى ~~في كتابة القصة القصيرة، ولها محاولات في النقد الأدبي، ولها مشاركات ~~في الحركات الوطنية، والأحزاب التقدمية. تعد الآن رسالتها للدكتوراه ~~بألمانيا في النقد الأدبي من مرحلة ما بعد التحرر من الاستعمار، تنقد ~~نظريات النقد الأدبي الصورية والاجتماعية لتقيم نقدا أدبيا يجمع بين ~~الأشكال الأدبية والبنيات الاجتماعية والحركات الوطنية، لها ابنة هي ~~حفيدتي، يبدو أنها ستكون مثل أمها وجدها، تنتقل من التمرد إلى ~~الثورة، كما انتقل جيل الإصلاح والنهضة إلى جيل الثورات العسكرية، ثم ~~انتقال الثورات العسكرية والنخب الدينية إلى الثورات الشعبية ~~الجماهيرية، ومنظمات المجتمع المدني، وجيل الشباب الذي عانى من التهميش ~~وغياب القيادات الثورية، ومثل الانتقال إلى ثورة 2011م. # وبعتاب رقيق لأولادي الثلاثة في طريقة اختيار أسمائهم، هناك ~~طريقتان؛ الأولى مركزية، وهي الطريقة القبلية التي ما زالت سائدة في ~~الصعيد وفي بعض المناطق من الوجه البحري وفي عديد من الأقطار العربية؛ ~~فلكل إنسان ms361 اسم ولكن الاسم الثاني اسم القبيلة. والطريقة الثانية هي ~~الطريقة الطولية الممتدة بلا مركز؛ فهناك الاسم واسم الأب واسم الجد، ~~الاسم الثلاثي، ونادرا ما يطلب الاسم الرباعي، فإذا طلب فإنه يكون ~~أبا الجد. فمثلا اسمي بالكامل حسن حنفي حسنين أحمد، حسن اسمي، حنفي ~~اسم الوالد، حسنين اسم الجد، وأحمد أبو الجد. وألاحظ ليس فقط في عائلتي ~~بل في عائلات غيرى بأنه يتبعون الطريقة المركزية في تسمياتهم بانتسابهم ~~لاسم القبيلة أو العائلة، ربما طلبا لأوراق رسمية في الغرب فيضطر ~~الشخص إلى اختيار اسم مركزي لا أدري كيف! هل هو اسم الأب أم الجد أم ~~أبو الجد ... إلخ. ويسقط الاسم الرباعي في حالة الأحفاد؛ فمثلا حفيدي ~~«أنس» اسمه «أنس حاتم حسن» ويسقط الاسم الرباعي حنفي، فإذا تزوج وكان ~~له ابن وسمي «محمود» يكون اسمه «محمود أنس حاتم» ويسقط الاسم الرابع ~~وهو حسن. وما آخذه على أولادي الثلاثة هو إسقاط اسم الأب والاكتفاء ~~باسم الجد وكأنه اسم العائلة؛ فيكون أسماء أولادي الثلاثة: حازم حنفي ~~دون حسن الأب، حاتم حنفي دون حسن الأب، حنين حنفي دون حسن الأب. وحنفي ~~هو ليس اسم العائلة بل هو اسم أبي؛ فأشعر بأن اسمي قد سقط وأنا الأب من ~~تسمية الأولاد لأنفسهم، فأحزن؛ فأنا لم أسقط اسم أبي من تسميتي فأنا ~~«حسن حنفي حسنين» وليس «حسن حسنين». # أما الدائرة الأوسع وهي الدائرة الثانية في أسرتي، فمعظمها من البنات ~~باستثناء أخ لي. يتخللها تياران: التيار المحافظ، والتيار التقدمي. ~~ويضم الاتجاه المحافظ معظم شقيقاتي البنات لأنهن لم يعملن بالسياسة ~~كثيرا، إنما التفتن إلى حياتهن العملية في الوظائف وتكوين الأسر ~~والحصول على الأبناء. وأما جيل الأحفاد هم الذين تأثروا بالجانب ~~التقدمي في الأسرة الأولى وعاشوا مرحلة انكماش مصر وتخليها عن مركزها؛ ~~قلب الوطن العربي. وقد تتستر إحداهن بغطاء الدين ولكن قلبها مع رعاية ~~المصالح لأولادها وتدعيمهم أسرهم الصغيرة. # وكان أخي نموذجا للرجل الطيب، صافي القلب، يحب الخير للجميع. قبل ~~أن يكون باحثا بقسم اللغة العربية قبل تعيينه معيدا بمرتب بسيط، ومع ms362 ~~ذلك استطاع أن يساهم في إعالة أسرته وتزويج شقيقاته وإرسال الوالدين ~~للحج مرتين، وكان تلميذا لأحد تلامذة طه حسين؛ فكان يحب العلم وفي نفس ~~الوقت كان ضابطا احتياطيا في الجيش. وكان يهوى لعبة المصارعة، وكنت ~~أشاهده وهو يصارع أحد الطلبة في مدرسة خليل أغا وكان قوي البنية، فكنت ~~أخشى عليه من أن يصيبه مكروه. كان طويلا مثلي يلعب كرة السلة وأحيانا ~~العقلة والمتوازيين، ويحب التمثيل؛ فانضم لفريق التمثيل بالمدرسة، وكان ~~يدخل في مسابقات وزارة المعارف لفرق التمثيل المدرسية. وكان المنافس ~~الأكبر في مدرسة خليل أغا لفريق تمثيل مدرسة الخديوية التي كان جمال ~~إسماعيل قريبنا طالبا بها، صاحبني إلى الإسكندرية هو والوالد عند سفري ~~لفرنسا بالباخرة فأعطاني عشرين جنيها وكانت مرتبه الشهري كله كباحث ~~لدى الجامعة. كما أعطاني الوالد الخمسة جنيهات التي كانت كل ما معه قبل ~~السفر، وظللت أحفظ له هذا الجميل حتى عودتي، وقمت بإعانة والدي ووالدتي ~~وشقيقتي الصغرى بعد الرجوع من فرنسا بدلا عنه، وعين وكيلا لكلية ~~الآداب بجامعة القاهرة، وكان يخدم الطلبة ويساعدهم لأقصى حد، لدرجة أنه ~~سمح لأحد الطلاب السوريين باستمرار تحضيره للدكتوراه وكانت عن هيجل ~~لمدة عشر سنوات، وكان القانون لا يسمح بأكثر من خمس سنوات. وهو الذي ~~أنشأ كلية الآداب بجامعة بني سويف، وكان عميدا للكلية ورئيسا لقسم ~~اللغة العربية، ثم كبرت الجامعة بإنشاء كليات أخرى مثل الحقوق، والآن ~~هي جامعة كبيرة تضم كلياتها العديدة ومبانيها الجديدة. وكان كثير ~~التدخين؛ مما أصاب رئتيه بمرض خطير، وكنت معه ليلة الوفاة في ~~المستشفى وبغرفة الإنعاش أنا وابنته الكبرى وهي تقول: «نحن نحبك يا ~~أبى!» وقرر قبل أن يتوفى أن يهدي مكتبته إلى كلية الآداب بجامعة بني ~~سويف؛ فهو عميدها الأول ورئيس قسم اللغة العربية الأول بها، وسمي أكبر ~~مدرج بالكلية باسمه. # وكانت علاقة شقيقتي الكبرى بزوجها القريب من والدتي علاقة مثالية ~~للعلاقات الزوجية من حيث التضحية والمحبة والفداء، وكانت أخت الزوج ~~عانسا وصلت إلى ما فوق الخمسين ولا أمل لها في الزواج، وكانت في ~~اللاشعور تحسد ms363 شقيقتي لحب زوجها لها وحب شقيقتي له. لم تفعل شيئا ~~كريها ولكنها لم تكن تحسن المعاملة، وتعوض نقصها باستعلاء على أسرتها ~~وربما في عملها، تسير بحذاء ذي كعب عال يخطف الأبصار، ولكن لا أحد ~~ينظر إليها، وكانت شقيقتي من الحكمة بحيث لم تصطدم بها على الإطلاق ~~بالرغم من وجود ثلاث نساء في منزل شقيقتي؛ هي وحماتها وشقيقة زوجها ~~العانس. فإذا أخطأت شقيقتي في شأن من شئون المنزل هاجت وماجت، ولم ترد ~~شقيقتي عليها، ولم تترك لها المجال لتعكير الصفو مع زوجها أو حماتها. ~~ولما توفيت شقيقتي وحضرت بطبيعة الحال مراسم الدفن في مقبرة اشتراها ~~زوجها انتظارا لهذا اليوم الكئيب، وجلست بجوار زوج شقيقتي وهو صامت ~~لا يتكلم؛ مهموم لفقدان رفيقة حياته، وعيناه تنظر إلى المقبرة بعد ~~الدفن وكأنه يقول: «لماذا تتركينني بمفردي وتغادرينني؟» وبعد شهر واحد ~~لم يحتمل زوج شقيقتي ألم الفراق وخلو المنزل من الحبيبة شقيقتي؛ ففارق ~~الحياة بعد شهر واحد من وفاة شقيقتي كي يلحق بها إلى نفس ~~المكان. # وكانت إحداهن طيبة القلب للغاية، خيرة، لا تعرف الشر، وكذلك ~~أبناؤها. وكانت أخرى في حالة متوسطة بين الطيبة وبين ما تدفعه إليها ~~الحاجات الاجتماعية، لها ابنة لم تتزوج حتى الآن وقد قاربت على الخمسين ~~نتيجة لظروف الضغط عليها من الاتجاه المحافظ في أسرتها، ولي شقيقة ~~أخرى طموحة في العلم، تجاوزت مدرسة المعلمات إلى كلية الآداب بعد ~~الثانوية العامة، وأصبحت رئيسا لأحد أقسامها، وهي الآن ما زالت وفية ~~لقسمها وتخصصها بعد أن قاومت الاتجاهات المحافظة في أسرتها القائلة بأن ~~البنات يكفيها التعليم المتوسط ثم الزواج. وأحد أبنائها وتقريبا ~~الوحيد الذي يمثل الاتجاه التقدمي في الدائرة الثانية للأسرة، يناقش، ~~ويحاور، وينقد، ويرفض. # أما الدائرة الثالثة في الأسرة وهم أبناء أولاد شقيقاتي فهم ذكورا ~~وإناثا أقرب إلى المحافظة الدينية والاجتماعية، باستثناء واحد منهم، ~~هو الغاضب دائما من عدم تحقيق هدفه في التمثيل في السينما أو المسلسلات ~~التليفزيونية، وكانت تلك هوايته الأولى خاصة بعد أن ظهر في البعض من ~~المسلسلات وأثبت جدارة دون ms364 واسطة في الصعود إلى درجات أعلى. # والجميع يرتبط فيما بينهم بأواصر القرابة والمحبة والصداقة، يلتقون ~~في المناسبات، ويتهافتون بين الحين والآخر، ولهم شبكة اتصال فيما بينهم ~~بعنوان «آل حنفي». # وإذا كانت العواطف تتم داخل الأسرة الواحدة بأبنائها وأحفادها، فإن ~~الانفعالات غالبا ما تظهر في جهة العمل، فعادة ما تتم الانفعالات بين ~~الموظفين تطلعا إلى منصب أعلى. # وتتوالد الانفعالات بعضها عن البعض الآخر مثل الغيرة التي تولد الحسد ~~الذي يولد الحقد الذي يولد الكراهية الذي يولد العدوان؛ فالغيرة شيء ~~طبيعي يمكن القضاء عليها بالمنافسة الشريفة، فلا يتولد منها حقد أو ~~كراهية. # وقد بدأ رئيس القسم يشعر بالغيرة مني بعدما عدت من فرنسا وعينت ~~مدرسا للفلسفة، وقد كنت أعجب به في أول سنة لي كطالب بالقسم، وهو في ~~آخر سنة، وكان له قسط من الجمال التركي، وينزل سلم الكلية ضاحكا ~~مبتسما، وكأنه يقول «انظروا لي.» # 1 # ونسي الآية الكريمة # ولا تمش في ~~الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا ~~. # فلما أصبحنا زملاء وأراد رئيس القسم أحمد فؤاد الأهواني أن يعينني ~~بلا إعلان، بدأت الغيرة تصب في قلب رئيس القسم التالي. ولما كنت أملأ ~~مدرجات الجامعة فكرا ووطنية بعد هزيمة 1967م امتلأت القاعات بالطلبة ~~والمدرسين الشبان. ولم يخف ذلك على أجهزة الأمن، وكنت أخبئ الشيخ إمام ~~في شنطة سيارتي وأدخله للجامعة؛ لأنه كان من الممنوعات. وكان أحمد فؤاد ~~نجم يدخل مخبئا عود إمام تحت قدميه فلم يكن يوقفه أحدا. ثم يبدأ ~~الغناء في مدرج الآداب والحقوق الكبير حتى الظهر، وتشتعل الجامعة فكرا ~~ووطنية. # فلما جاء موعد ترقيتي إلى أستاذ مساعد، رقتني اللجنة العلمية ~~العامة بالإجماع، وكان لا بد بعد ذلك من الحصول على موافقة الأقسام ~~الإدارية بالجامعة. لم يكن بالقسم إلا أستاذ واحد هو رئيس القسم الذي ~~اتصلت به أجهزة الأمن، وطلب منه عدم الموافقة على الترقية. وذهب إلى ~~مجلس الكلية فاتصلت أجهزة الأمن بالعميد لمطالبته بعدم الموافقة على ~~الترقية. وذهب الموضوع إلى مجلس الجامعة فلم يعرف ماذا يفعل؟ فأرسل ms365 ~~التقرير بالترقية إلى مجلس الكلية فأرسله العميد ثانية إلى اللجنة ~~العامة بدعوى الفحص لأنني كافر. ورد رئيس اللجنة العلمية على الجامعة ~~بالموافقة على الترقية بدعوى أن ناقل الكفر ليس بكافر. وكانوا يقصدون ~~ترجمتي لرسالة اسبينوزا «رسالة اللاهوت والسياسة». وفي مجلس الجامعة ~~أصر رئيس الجامعة بتطبيق قواعد الترقيات العامة وهو أن محك الترقية ~~قرار اللجنة العلمية وليس المجالس الإدارية، ومرت الترقية ~~بسلام. # هذا أحد مصادر الغيرة والحسد والحقد من هذا الشاب الآتي حديثا من ~~فرنسا وله أعمال علمية يرقى بها في لجان الترقية وبسرعة وعكس ما ~~تطالب به أجهزة الأمن بإيقاف ترقيتي. # ولم يكن الانفعال فقط تجاه زملائي في القسم، بل أيضا خارج القسم وفي ~~نطاق الكلية؛ فالنماذج مكررة داخل القسم وخارجه. وفي مرة دعوت أستاذا ~~كبيرا ووزيرا سابقا للأوقاف لإلقاء محاضرة عن «منهج الفلسفات ~~المقارنة» ومثال ذلك المقارنة بين شك الغزالي وشك ديكارت الذي كان ~~موضوعا لرسالته في ألمانيا منذ عدة عقود. وعقدت المحاضرة في مدرج ~~كبير بالكلية، وبينما كان المحاضر على وشك الانتهاء، فتح علينا أستاذ ~~الباب وكلمه - وأنا رئيس الجلسة - بأن موعد المحاضرة قد انتهى وأنه ~~سيشغل المدرج مع طلبته الآن؛ فأحرج المحاضر لهذا الطرد من المدرج، ~~وكان يمكن لهذا الأستاذ الذي لا يعرف الطرق اللائقة في التعامل مع ~~الزملاء أن يهمس لرئيس الجلسة - وهو أنا - في أذني بالموضوع، وكان يمكن ~~أيضا أن يكتب ورقة يعطيها لي يخبرني فيها أن الموعد قد فات، فقمنا ~~نحن الاثنان؛ المحاضر وأنا، ونحن نشعر بالخجل من عدم الاحترام. وبعد أن ~~خرجنا من المدرج دون أن ينهي المحاضر محاضرته بعبارة أخيرة جاءنا هذا ~~الأستاذ، وله لحية، لكي يعتذر لنا عما فعل، فلم نقبل اعتذاره. وربما ~~أعطته هذه اللحية الحق في التكلم وكأنه صاحب سلطة على الناس. # ولاحظت عدة مرات عندما أدعى لمناقشة رسالة في أحد أقسام الفلسفة ~~بكليات الآداب بعد أن يجلس أعضاء اللجنة الثلاثية وأنا في وسطها ~~باعتباري أقدم الأساتذة، لاحظت أن رئيس القسم يأتي ويجلس بجانب أحد ~~الأعضاء، ويأخذ مكبر الصوت، ms366 ويتكلم بدعوى أنه يقدمني ويقدم أعضاء لجنة ~~المناقشة للجمهور، ثم يعود مرة ثانية بعد انتهاء المناقشة وإعلان ~~النتيجة ليلقي الكلمة الختامية بدعوى شكر أعضاء اللجنة ورئيسها؛ وعلى ~~هذا النحو يكون هو الرئيس الذي يتكلم قبل رئيس اللجنة الفعلي، فهو ~~الرئيس على الرئيس. وتكرر ذلك في جامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس ~~وجامعة بني سويف، ولما أدركت أن هذا ضد الأعراف الجامعية. فليس من حق ~~رئيس القسم أن يتكلم واللجنة منعقدة ولها رئيس يستطيع أن يقدم أعضاء ~~اللجنة للجمهور، وبدأت أغضب، وفي المرة الرابعة في جامعة بني سويف بدأ ~~رئيس القسم يعتلي المنصة لكي يتكلم، فطلبت منه أن يعود إلى مكانه في ~~القاعة، وعاود ذلك في نهاية المناقشة؛ فطلبت منه للمرة الثانية أن يعود ~~لمكانه في القاعة، وعرفت أن الرئاسة ما زالت قيمة حتى لو كانت على ~~رئيس، وأحيانا أخرى في تنظيم لجنة المناقشة على المنصة يضعون صديق ~~رئيس القسم أو العميد في الوسط وأنا في الطرف، ويكون رئيسا للجنة وهو ~~أصغر مني، إن لم يكن أحد تلاميذي! فغضبت، وهددت بمغادرة اللجنة إن لم ~~يعد النظام العرفي؛ رئيس اللجنة في الوسط، وهو أقدم الأساتذة، وعلى ~~يمينه ويساره العضوان الآخران. وعرفت أن التقاليد الجامعية لا مكان لها ~~داخل الجامعة، وأن قيم الصداقة أو الرغبة في الظهور هي التي ~~تسود. # ثم تتحول الغيرة والحقد والحسد إلى كراهية، والكراهية إلى عدوان، ~~ويمتد هذا الانفعال الجديد إلى بعض أساتذة القسم المساعدين، كراهية ~~لصاحب رؤية جديدة للعلم، سواء كان في الفلسفة الإسلامية أو في الفلسفة ~~الغربية. # ولما كنا نضع أسماء الأساتذة المتفرغين في قائمة المشاركين في ~~الامتحانات لنيل مكافأة بسيطة، كانوا يرفضون استلامها؛ فنضعها في ~~صندوق القسم للصرف على المناسبات الخاصة المختلفة كالأفراح والأحزان. ~~وظهرت الغيرة لحد العدوان عندما ذهب أحد الأساتذة إلى صراف الكلية ~~واستلم مكافأة أحد الأساتذة المتفرغين بعد أن ترك جزءا منها للصراف كي ~~يوافق على تسليمه هذه المكافأة وهو غير مخول لذلك، لا كسكرتير للقسم، ~~ولا رئيس له، وأبلغه بأن يكتب اسمي في ms367 قائمة المصححين للامتحانات وأني ~~أخذت مكافأة التصحيح لنفسي، فلما علمت ذهبت إلى الأستاذ المتفرغ وشرحت ~~له الأمر فاستعجب من هذه الكراهية التي يشعر بها زميل تجاه زميل ~~آخر. # وتمثلت الكراهية في أنه كان يشرف على أكبر عدد من الرسائل في ~~الجامعات الإقليمية، ويوافق عليها في أسرع وقت بشرط أن يستخدم المدرس ~~الجديد مؤلفات الأستاذ ككتب مقررة، وانتشر هذا المستوى من الرسائل في ~~معظم الجامعات الإقليمية شمالا وجنوبا. وكان يقبل أي انتداب لجامعة ~~للتدريس بها لأنه سيقوم بتوزيع كتبه، وكان يفخر بأن كتبه لها الآن أكثر ~~من عشر طبعات ليوحي للناس بأن بها علما للقراءة والاطلاع وليس ~~للامتحان والنجاح. # وانفعال آخر كان يغمرني عندما كنت أشعر بأن المصلحة هي الدافع ~~الرئيسي لأي أستاذ بأن يفعل شيئا يدر عليه مصلحة خاصة، وشعرت ~~بأهمية كتاب هبرماس «المعرفة والمصلحة». كانت المصلحة هي الموجه ~~العام للسلوك مع التضحية بقيمة العلم ورسالة العلماء، وقد يصل حد ~~المصلحة إلى السرقات العلمية حين الترقية. وحين ضبط المخالف يقدم ~~للمحاكمة وتوجه التهم له، ويمنع من التقدم للترقية قبل عامين ~~عقابا له. وهذا النوع من الأساتذة تكثر اتصالاته وإصداراته، وهي ~~جميعا تعتبر إعادة طبع لمقالات سابقة وليست مؤلفات جديدة. # ولما كانت الغيرة والحسد والكراهية والعدوان يتوالد بعضها من البعض ~~الآخر، ولم يكن للجماعة العلمية أي هدف جماعي يذكر، لا مشروع بحث، ~~ولا المساهمة في أي مشروع في الكلية أو خارجها مثل عندنا في الجمعية ~~الفلسفية المصرية أو في اتحاد الجمعيات الفلسفية العربية بالقاهرة أو ~~المجمع الفلسفي العربي في بغداد، ولا سمعة لهم ولا أثر، وكانت شهرتي قد ~~امتدت خارج مصر إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي؛ بدأت هذه ~~الانفعالات الأربعة تكشر عن أنيابها. وكنت قد انتخبت أمينا للجنة ~~الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، ووضعت مشروعا لدراسة الفلسفة في مصر ~~من خلال أقسام الفلسفة بالجامعات المصرية ومشاريع للبحث العلمي يجمع ~~أساتذة الفلسفة للقيام بعمل مشترك مثل الجمعية الفلسفية المصرية، ولما ~~كان كل شيء في مصر يمر عن طريق الاتصالات والعلاقات (التربيطات) وجدت ~~نفسي ms368 وقد أزحت عن أمانة لجنة الفلسفة وتعيين آخر أصغر سنا أمينا ~~جديدا، فاستغربت. وكان أمين المجلس في ذلك الوقت هو من أعتبره أحد ~~تلاميذي. ولما لم يحضر الأمين الجديد لرئاسة اللجنة واعتذار لمرضه، ~~فعين آخر أصغر منه أمينا بالنيابة، وكان عضوا بلجنة الفلسفة، ولم ~~يستطع التقدم لانتخاب أمين للجنة، وتنازل عن ترشيح نفسه احتراما لي، ~~ولأنه كان يرى أنني الأجدر. ولما أصبحت له السلطة في رئاسة المجلس ~~أزاحني وعين أحد أصدقائه أمينا للجنة. وانتخبت أنا أمينا للجنة ~~بالإجماع، وتم تعيينه هو أمينا عاما للمجلس الأعلى للثقافة الذي ~~تندرج تحته جميع اللجان، وتساءلت لم الحزن ورئيس الجامعة بالتعيين، ~~وعميد الكلية بانتخاب ثلاثة، معين أحدهما، انتخاب في الظاهر وتعيين في ~~الباطن؟ ولم أحزن وكان يتم تجديد دورات متتالية لحكم الرئيس ~~بانتخابات مزورة؟ كما يتم انتخاب أعضاء مجالس الشعب والشورى في الظاهر ~~ويكون التعيين في الباطن نظرا لغياب المنافسة. فانقطعت عن حضور ~~اجتماعات لجنة الفلسفة ونشاط المجلس الأعلى للثقافة على العموم، ثم تم ~~تعيين صحفي خريج قسم فلسفة في الأربعينيات من عمره شغلته الصحافة عن ~~الفلسفة، وأصبح كاتب عامود صحفي في إحدى الجرائد اليومية أو كتاب ~~وثائق خلفاء الرئيس الأول لجمهورية مصر العربية، فحزنت وأعضاء اللجنة ~~من الأساتذة الكبار. وفي إحدى الجلسات سأل يوما هل تعرفون أحد ~~الفلاسفة؟ ونحن قد أشرفنا على عدة رسائل علمية حول هذا الفيلسوف ~~تحديدا فكيف لا نعرفه؟ يسألنا وكأننا تلاميذ. وكان يفتخر بأن التوقيع ~~على اتفاقية كامب ديفيد قد تم بقلمه هذا وأخرج القلم يرينا إياه، سكت ~~أفرغ ما في جوفي اشمئزازا. ودعانا ذات يوم إلى الغداء في مطعم بإحدى ~~البواخر النيلية الراسية على شاطئ النيل رشوة كي نقبل رئاسته للجنة. ~~ومن يومها غادرت اللجنة وقاطعتها ولم أنضم إليها مرة أخرى وحتى ~~الآن، ولم تدم رئاسته طويلا؛ لقضاء نحبه، وقبل أن تناقش اللجنة كتابي ~~«فيشته، فيلسوف المقاومة». وكان من مطبوعات المجلس، حيث قذف به أحد ~~الأعضاء أرضا بعد أن وزع مجانا على الأعضاء جميعا، استخفافا ~~بالكتاب، وإهانة لمؤلفه. ms369 وإلى الآن وأنا أتساءل: «لماذا لم يرشح قسم ~~الفلسفة أحد أعضائه لنيل إحدى الجوائز التشجيعية أو التقديرية، في حين ~~رشحتني هيئات علمية أخرى وأقسام أخرى بالكلية لنيل جائزة الدولة ~~التقديرية ثم جائزة النيل الكبرى والتي نال مثلها نجيب محفوظ وآخرون؟» ~~وعندما رشح القسم أحد الأساتذة الكبار في السن لم يأخذ إلا صوتين من ~~مجلس الكلية، وعندما رشح القسم أستاذا آخر أخذ صوتا واحدا من مجلس ~~الكلية. لم يهتم القسم إلا بإعطاء الأساتذة أكبر قدر من ساعات ~~المحاضرات لتوزيع كتبهم المقررة من خلال عمال القسم (فراشين) أو ~~الاهتمام بالإعارات لدول الخليج؛ فانقسم القسم إلى «شلل» وجماعات ~~مصالح متضاربة. ولتنشيط القسم من جديد دعوت بعض الأساتذة الزائرين يقيم ~~شهرا ويعطي محاضرات بالجامعة لكل منهم مثل: أنور عبد الملك والذي ~~ذاع صيته في العلوم الاجتماعية، ورشدي راشد الذي أصبح العالم الأول في ~~تاريخ الرياضيات العربية. لم يحضر كثير من الأساتذة أو طلاب الدراسات ~~العليا لسماع المحاضرات. كما دعوت حسام الدين الألوسي أستاذ الفلسفة ~~بالعراق ليعطينا تصوره عن تاريخ الفلسفة ولم يحضر الكثير أيضا. وفي ~~محاضرة لرشدي راشد في المجلس الأعلى للثقافة عندما كنت مقررا للجنة ~~الفلسفة فأعطانا درسا مهما عن لغة الرياضيات وأعطى نموذجا لتحويل ~~العبارة الفلسفية للطوسي إلى معادلة رياضية فغضب مقرر اللجنة التالي ~~وغادر القاعة ظانا أن المحاضر أعطى علمه لنفسه؛ لأن المحاضرين لم ~~يفهموا شيئا. وعندما حضر أحد الفلاسفة اليونان ورئيس جامعة أثينا ~~والموسيقي الشهير إلى مصر عن طريق تلميذته التي أصبحت زميلة لنا ~~بالقسم، وأعطى محاضرة للمجلس الأعلى للثقافة، كان من عادة رئيس القسم ~~أو أحد الأساتذة الأكبر سنا دعوة المحاضر الزائر للعشاء في بيته، هذا ~~ما رأيته في الولايات المتحدة الأمريكية. فأعددت وجبة عشاء له ولزوجته ~~ودعوت الأساتذة ليتحدثوا ويتناقشوا في مسائل فلسفية عامة أو في ~~الفلسفة اليونانية خاصة. ولم يحضر أحد من زملائي في القسم، ولم تحضر ~~إلا تلميذته المصرية والزميلة في القسم ومعها طبق من الحلوى الشرقية، ~~فحزنت على مدى تفكك القسم بحيث أصبح لا رابط ms370 علميا بين الأساتذة ~~والأساتذة الزائرين. وعندما طلب الأستاذ اليوناني رئيس جامعة أثينا ~~والفيلسوف أن يتناول وجبة عشاء شعبية مصرية؛ أخذته هو وزوجته إلى مطعم ~~«أبو طارق» للكشري في شارع مشهور بالقرب من ميدان التحرير، وتحادثنا ~~نحن الثلاثة عن العلاقات المصرية-اليونانية وعن الحي المصري في أثينا ~~والحي اليوناني في الإسكندرية ودور اليونان في السينما المصرية. # ولا حرج أن يتعامل بالعلم ظاهرا وبالمصلحة دافعا، ويحول المصلحة ~~العامة إلى مصلحة خاصة؛ فالمصلحة هي البداية والدافع والنهاية. وترتبط ~~بالمصلحة الوصولية أو الانتهازية فيتصل المعيد بالأستاذ ويظل معه ~~صديقا مخلصا وتلميذا راغبا في العلم حتى ينال الدرجتين العلميتين ~~بعد التخرج ثم ينتهي الأمر، ويسير في طريقه الخاص إما بحثا عن انتداب ~~في الداخل ليزيد دخله، أو يوزع كتابه المقرر، أو إعارة إلى الخارج، ~~خاصة لجامعات الخليج؛ لينال قسطا أوفر من المال ليكون ما يساعده على ~~الزواج والاستقرار؛ من شبكة ومهر وجهاز وسكن وسيارة، فينتقل من طبقة ~~اجتماعية إلى طبقة أعلى، ويهجر أستاذه وكأنه لا يعرفه، ويلتصق بدائرة ~~أستاذ آخر أقدر على تحقيق المصلحة. # وقد تكون الوصولية إدارية لا علمية فهي أسرع لتحقيق المناصب، ويعتمد ~~أستاذ آخر على التظاهر بالإخلاص إلى الأستاذ القديم الذي عمل معه ~~علميا، ولكنه في الباطن يسعى وراء لقمة العيش. يأخذ أفكاره من ~~الأستاذ، يضعها في بالونة بلون أستاذ آخر، وبدلا من أن يحفر البئر ~~بنفسه ليصل للماء، فإنه يشرب من بئر غيرها، ينقد أستاذه من وراء ظهره، ~~يبلغ الناس بأن أستاذه يمنعه من العلم والانتشار خوفا منه؛ فالتلميذ ~~قد أصبح أعلم وأقدر وأكثر شهرة من الأستاذ، فيتحول إلى منافق لأستاذه ~~ثم يطعنه في الظهر ظانا أنه يزحزحه من مكانه ليجلس هو عليه. # وآخر يبغي الشهرة، يتخلى عن تخصصه، ويتنقل بين الأدب والموسيقى ~~والشعر، ويستشهد بهيجل وبيتهوفن وجوته، يقنع الناس بأنه واسع الثقافة، ~~ومبدع الفلسفة، ويترك تخصصه الأول دون أن يبدع فيه شيئا. كنت قد ~~حاولت إرسال اثنين منهم إلى الخارج لمزيد من العلم، فذهب واحد وهو ~~يتكلم في علم لا يعرفه ms371 الأساتذة الأجانب، وعاد بعلم لا يعرفه الأساتذة ~~المصريون، فرفع نفسه فوق الحضارتين الغربية والإسلامية وما زال يتفاخر ~~بذلك. # ولم يستطع الثاني المغادرة إلى ألمانيا لأنه لا يعرف التعامل مع ~~الحاسب الآلي «الكمبيوتر» ورسب في هذه المادة مرتين، لم يعرف كيف يصوغ ~~جملة اسمية بها مبتدأ وخبر، أو فعلية بها فعل وفاعل. وكانت الجملة ~~عنده يبلغ طولها صفحة بأكملها، لا يعرف كيفية التنقيط والتقطيع لها ~~بالفاصلة والنقطة، يقرأ كثيرا، ويفكر قليلا على غير ما كان يقرأ ~~قليلا ويفكر كثيرا على أفكار أستاذه. # وقد أرسلت آخر إلى ألمانيا كي يحضر حلقات بحث في فلسفة الدين. وبعد ~~شهرين أراد الرجوع لأنه لا يفهم شيئا، ليس فقط لأنه لا يعرف اللغة ~~ولكنه أيضا لأنه لا يفهم موضوع البحث. وأكمل العام الدراسي دون أن ~~ينتج شيئا، يكفيه التعرف على زميلاته في السكن الجامعي. # لم يكتب أحد منهم مقالا فلسفيا في تخصصه أو في الفلسفة العامة، ~~بعد أن قارب أحدهما سن المعاش. وظلا مدرسين دون ترقية إلى أساتذة ~~مساعدين، لم يتصل هؤلاء الوصوليون بي ولا مرة بعد الحصول على شهاداتهم ~~العليا؛ فمهمتي بالنسبة إليهم قد انتهت، ويلتصقون بأستاذ آخر وبدائرة ~~أخرى لعلهم ينالون منهم أكثر مما نالوا مني. # لم أندم على شيء فقد قمت بواجبي تجاه العلم والوطن، ويبدو أن هذا ~~النوع من المعيدين هو الذي يقدمه العصر. فلماذا أبكي على الجامعة ~~وحدها، والوطن أحق بالبكاء عليه؟ # ولما أقمت الجمعية الفلسفية المصرية لتنشيط الفكر الفلسفي في مصر، ~~بعيدا عن الجامعات، لم يشارك واحد منهم في نشاط الجمعية، سواء بحضور ~~الندوة الشهرية، أو المشاركة في المؤتمر السنوي، أو ينشر كتابا ~~علميا خارج الكتاب المقرر. # وأخيرا انعزل البعض، وانكمش على نفسه، واكتفى بوظيفته التي يعيش ~~منها؛ فالعزلة أحب إليهم من المشاركة. العزلة بها أمان حتى ولو كان ~~زائفا، والمشاركة مغامرة غير محسوبة العواقب. # ويكون أحد الأساتذة جماعة حوله من تلاميذه، ومن يستطيعون تحقيق ~~مصالحهم الشخصية من خلاله؛ فتحولت الجماعة العلمية الكبيرة إلى ~~مجموعات أو «شلل» صغيرة، يتعاونون معا ms372 في الخير والشر، وإن كان في ~~الشر أكثر. وتكبر هذه الجماعات الصغيرة أو تصغر بناء على تحقيق ~~المصالح أو عدم تحقيقها، ويظل الباب مفتوحا لمن يشاء الانضمام، فتتفتت ~~الجماعة العلمية الكبيرة كما تتفتت الأوطان إلى أجزاء بالحروب الأهلية، ~~وكما هو الحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا، ومن لا يستطيع الدخول ~~في مثل هذه المجموعات الصغيرة علنا فإنه يدخل سرا، ويشترك في التآمر ~~المفضوح، وإن ظهرت البراءة على الوجه؛ فقد حدث أن تآمرت مجموعة صغيرة ~~أو «شلة» على اختطاف الجمعية الفلسفية المصرية من مؤسسها. وفي اجتماع ~~الجمعية العمومية أحضرت هذه «الشلة» أكبر عدد من المعيدين وطلاب ~~الدراسات العليا وانضموا إلى الجمعية قبل الانتخاب بساعة واحدة. ~~واختاروا بطبيعة الحال لرئاسة الجمعية ونائبها وأعضاء مجلس إدارتها من ~~تآمر عليها علنا أو سرا. وانطلقت «الزغاريد» لنجاح هذا التآمر ~~الجديد، وإخراج العضو المؤسس وأعضاء مجلس إدارتها منها. واختاروا ~~رئيسا ونائبا ومجلس إدارة جددا ممن اتفقوا عليهم سلفا. ولما رأت ~~وزارة الشئون الاجتماعية والمشرف على الجمعية أن كل من صوتوا في ~~انتخاباتها الأخيرة، أصواتهم باطلة؛ لأن الذي له حق التصويت هو من مر ~~على عضويته سنتان على الأقل. فرجعت الجمعية إلى رئيسها ومجلس إدارتها ~~الأول، وخرج المتآمرون. # أليست ترشيح الجماعة العلمية لأحد أعضاء «الشلل» ومنها شلة الغيرة ~~والحقد والحسد والكراهية والعدوان، ويأخذ الترشيح بالإجماع ثم لا يأخذ ~~في مجلس الكلية إلا صوتا واحدا جريمة خلقية؟ ولو أن أحدا من هذه ~~«الشلل» جلس وكتب شيئا ينفع الفكر والوطن لكان خيرا له من التآمر ~~والغيرة والحسد والحقد والكراهية والعدوان. إن محاولة أستاذ تجميع ~~أكبر قدر ممكن من المعيدين والطلاب للدراسة معه، وإعطاءهم الدرجات ~~العلمية في موضوعات متكررة، واستخدام الجيل الجديد لصالح الجيل القديم ~~عندما ينتشرون في الجامعات الإقليمية يسبحون بحمده ويفرضون كتبه في ~~طبعاتها العاشرة؛ هي جريمة كبيرة وانخفاض بمستوى التعليم جيلا وراء ~~جيل، ورغبة في المنفعة وجمع المال، دون أن يرثه أحد لأنه لا ذرية ~~له. # إن تكوين «شلل» صغيرة داخل الجماعات العلمية الكبيرة، تحقيقا ~~لمنفعة، أو ms373 تطلعا إلى سلطة، لهو قضاء على الجماعات العلمية نفسها، ~~وعدم إيجاد بديل عنها في «الشلة التسلطية» التي تكبر يوما وراء يوم، ~~بديلا عن الجماعة العلمية الكبيرة؛ وتصبح «الشلة التسلطية» وسيلة ~~للوصول إلى المناصب الإدارية لرئيسها بعد أن أظهر شعبيته ومدى انتشاره ~~وولاء الجماعة العلمية الكبيرة. ويبقى التمركز حول الذات جريمة كبرى ~~في الجماعة العلمية الكبيرة التي تقوم على البرهان وليس على الادعاء، ~~والانتقال بين الشرق والغرب لبيان أنه يعرف الثقافتين، وحين يكتب لا ~~يوجد موضوع محدد أو منهج ملائم أو الوصول إلى نتيجة بعد افتراض علمي ~~يكون البحث تحقيقا له. ويزداد صراخا في المناقشات العلمية لإقناع ~~السامعين برأيه. ويستعمل أكبر قدر ممكن من المصطلحات المعربة ليبين ~~أنه من أصحاب الثقافتين، كما يستعمل بعض المفاهيم الغربية الحديثة ~~ليبين أنه يعرف الحداثة. في حين أن الثقافة الإسلامية والثقافة ~~الغربية تمران بمرحلتين مختلفتين، الأولى في بداية عصر النهضة، ~~والثانية في نهاية العصر الحديث. ويدعي أنه من أنصار علم «الاستغراب» ~~الذي يقوم على التمييز بين الحضارتين، وتحويل الحضارة الغربية إلى ~~موضوع للدراسة بدلا من أن تكون دائما ذاتا دارسة، وتحويل الحضارة ~~الإسلامية إلى ذات دارسة بدلا من أن تكون دائما موضوعا للدراسة، ~~فهو يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول. ومن علامات الربط بين الغيرة ~~والحسد والكراهية والعدوان انتخبتني لجنة الفلسفة بالمركز الأعلى ~~للثقافة الذي كان يسمى سابقا المركز الأعلى للآداب والفنون والعلوم ~~الاجتماعية مقررا للجنة. وكان أحد أعضائها قد صرح بأنه لن يرشح نفسه ~~طالما أني سأرشح نفسي، ولما تغيرت طبيعة العلاقات الاجتماعية في ~~المجلس، وتغير الأمين العام له تم استبعادي من أمانة اللجنة وعين ~~آخر أصغر مني سنا. ولما كان مريضا فلم يكن يحضر إلا نادرا وحضر من ~~هو أصغر منه سنا بالنيابة، فحزنت لهذا العدوان وقاطعت المجلس حتى ~~الآن، والذي كانت قراراته ينقصها الاحترام والتقدير. ولما مر رئيس ~~المجلس الجديد ليفتش على اللجان وأمنائها قال للأمين إن حمامات المجلس ~~ليست نظيفة، وكأنه يقارن بين نظافة الحمام وعدم نظافة أعمال اللجان. ms374 ~~وكنت قد قدمت مشروعا مكونا من عدة أجزاء؛ أولا: دور أقسام الفلسفة ~~في مصر، ثانيا: رسالة أقسام الفلسفة في مصر، ثالثا: دور لجان الفلسفة ~~في المجلس الأعلى للثقافة، رابعا: رسالة الفلسفة في مصر، وخامسا: ~~رسالة الفلسفة في الوطن العربي. وربما خشي المجلس من هذا المشروع ~~الذي قد يتعرض إلى الأوضاع السياسية في مصر والوطن العربي والربط بين ~~الفلسفة والمجتمع، أو يخرج الفلسفة من القاعات الجامعية إلى الشوارع ~~والميادين العامة فيتحقق ما قاله الفلاسفة مثل أورتيجا إيجاسيه «ثورة ~~الجماهير» أو ما قاله لينين في «الفلسفة والثورة» و«الدولة والثورة». ~~ودخلت الفلسفة من جديد محجوزة بين الجدران الأربعة لقاعات ~~الدراسة. # وقد يكون التمركز على الذات فارغا بلا نتيجة، في بحث أو مقال أو ~~مشاركة في ندوة شهرية أو في مؤتمر سنوي. يكفي أنه تعامل مع الغرب ~~دراسيا واجتماعيا حتى يكون له الفضل على الآخرين، ويدل ذلك على ~~الرغبة في التحول من عقدة النقص إلى عقدة العظمة؛ فالتعامل مع الأجنبي ~~وتفوق علمه خير من التعامل مع المصري ونقص علمه. وهو أيضا كثير ~~الصياح ليغطي بصياحه على رؤيته بشكل سلبي، وهو ما يسمى في الثقافة ~~الشعبية «عقدة الخواجة». # ومن الانفعالات التي اختبرتها، إحساس البعض بالتمركز حول الذات، وأنه ~~لا يوجد في العالم إلا هو؛ فهو الأعلم الأحكم، والأدق، والأشجع، والأصح ~~في آرائه. وهو ما يحدث أيضا على المستوى السياسي عند الرؤساء الذين ~~يعتبرون أنفسهم هكذا «الأسد إلى الأبد». يصعب الحوار معه أو إبراز ~~رأي آخر بجوار رأيه؛ فالتمركز حول الذات يصل إلى مستوى مطلق، كما في ~~آية # ما علمت لكم من إله ~~غيري ~~. وهناك صيغة أخرى للتمركز حول الذات دون إفصاح ~~ودون دليل، إنما يكون الدليل في الدراسة بالخارج والحياة هناك مع ~~الأجانب. فيؤدي ذلك إلى الإحساس بالعظمة، والسمو فوق الآخرين، والتعالي ~~عليهم، وهم المكونون محليا. وقد ظهر ذلك منذ أن كان طالبا يأتي ~~متأخرا لقاعة الدرس في أبهى صورة حتى ينظر إليه الجميع؛ لأنه يظن أن ~~الأناقة والجمال تأتي منه وحده. # وقد تتضح الغيرة ms375 في رغبة أحد الأساتذة بعد عودته من الخارج ونسيان ~~الناس أنه كان موجودا، يكتب في الصحيفة الأولى في مصر، وبعد كتابة عدة ~~مقالات، اثنين أو ثلاثة، لم يتحقق الهدف. وفي كل اجتماع يتم في «مركز ~~الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية» السابق على «المجلس الأعلى ~~للثقافة» مع وزير الثقافة في حوار مع المثقفين، يرفع يده ليكون أول ~~المتكلمين حتى يعرفه الناس أكثر وحتى يلفت نظر الوزير إليه، ويكون ~~خطابه حتى يجذب أنظار المثقفين إليه، وعندما لم يتحقق الغرض من كل ذلك ~~يكتب مقالا يتهمني فيه بأنني من أنصار الثورة الإسلامية في إيران، ~~وأنني ممثل الخميني في مصر، في وقت كان رئيس الدولة يهاجم فيه الثورة ~~الإسلامية وقائدها، فقاطعته، وسميته صديق نصف العمر. ولما حاول أحد ~~الأصدقاء المشتركين جمعنا على العشاء في منزله، أدخلنا الصديق إلى ~~الشرفة لكي نتصافى، فانتظرت أن يبدأ هو بالاعتذار ومناقشة الموضوع، ~~وانتظر هو أن أكون البادئ بالكلام معاتبا إياه، فلم أشأ لأنني المظلوم ~~وهو الظالم. فخرجنا من الشرفة دون أن نحقق شيئا. ومع ذلك عندما ~~هاجمته الجماعة الإسلامية المتشددة وحاولت الاعتداء عليه كما حاولت ~~ذلك من قبل معي، هنأته بالنجاة، وقابلته مرة في تأبين أحد الزملاء، ~~وكان يسير شبه أعرج ولم نتحادث يومها. # ولما غادر الأستاذ الكبير بالقسم معارا إلى الخارج بإحدى الجامعات ~~العربية، أخذ هو رئاسة القسم بدلا عنه. ولما ترك الأستاذ الكبير مكانه ~~في الجامعة المعار إليها، خلفه الأستاذ الآخر. ودعا معه معظم أساتذة ~~القسم حتى فرغه ولم يعد به أحد تقريبا، فعل ذلك تقربا إلى الجامعة ~~الخليجية. ومنذ ذلك الوقت الذي بنى فيه الأستاذ قسم الفلسفة بالجامعة ~~الخليجية هدم القسم في جامعته الوطنية، ولم يعد للقسم قائمة بعد ذلك ~~حتى الآن. # ووقع من تبقى فيه في الخلاف والقضايا حتى وصل الأمر إلى المحاكم، ~~وبقي أستاذ وحيد ما زال يحمل الشعلة في القسم، اتهمته الجامعة، ولامته ~~على أنه كان سببا في عدم ترقية رئيسة القسم الحالية. # وحدث نفس الشيء في جامعة أخرى عندما غادر رئيس القسم ms376 إلى إحدى ~~جامعات الخليج وبقي حوالي عشرين عاما حتى تحطم قسمه في وطنه. وحاول ~~أعضاء القسم الحاليين إعادة بنائه قدر الإمكان. # وفى جامعتي كنت رئيسا في لجنة المناقشة باعتباري أقدم الأساتذة، ~~وأعطتني إدارة الدراسات العليا الظرف الذي به أسماء المناقشين، ~~واستمارات مكافآتهم كي يملئوها وأوقع عليها، فأخذته طالبة قديمة لي ~~أصبحت وكيلة للكلية، وأعطت الظرف الذي به أوراق المناقشة إلى أحد ~~الأعضاء. وفي المداولة بعد المناقشة أخذ مني العضو باللجنة الأوراق ~~طالبا مني وأنا رئيس اللجنة أن يقرأ هو النتيجة بنجاح الطالب والإعلان ~~عن درجته. كنت في حيرة هل أقبل ذلك ضد المتعارف عليه والقاعدة بأن ~~يعلن رئيس اللجنة النتيجة بنفسه؟ أم أترك العضو يقوم بذلك دون استئذان ~~مني؟ وقررت أن أتركه يأخذ شرف الإعلان عن النتيجة، وألا أمنعه من ذلك؛ ~~فهو يريد مزيدا من الشرف في إعلان النتائج. # ولما تمرد أحد الأساتذة الشبان على الأستاذ المنتشر في الجامعات ~~الإقليمية، وأراد أن يقيم لنفسه «شلة» في جامعته يكون هو رئيسها، صعد ~~الشبان على أكتافه وهو سعيد بهذه الرئاسة الجديدة، ولما أراد أن يكون ~~رئيسا بالفعل وفي مناقشة الرسائل الجامعية أراد أن يتكلم أولا قبل ~~رئيس اللجنة العلمية بدعوى تقديمه رئيس اللجنة وأعضائها لجمهور ~~المستمعين. فلما قبلت ذلك على مضض في أول جلسة، لم أقبله بعد ذلك في ~~جلسة أخرى للمناقشة، كي لا يكون رئيسا على رئيس، ومنعته من الكلام من ~~أول الجلسة لآخرها؛ فخاصمني حتى الآن وقد منعت عنه أن يكون رئيسا على ~~الرئيس. # وتكرر ذلك في جامعة أخرى يبدو فيها رئيس القسم وهو يريد أن يبين ~~لجمهور الحاضرين بأنه رئيس على الرئيس. وقد كان قد قدم لرئاسة اللجنة ~~من هو أصغر مني سنا، وجعله يجلس في وسط المائدة رئيسا، وأنا على ~~الطرف عضوا، فرفضت ذلك قبل المناقشة؛ وأرجعوا ذلك إلى العميد، فنزل ~~العميد مادا يده بالسلام علي دون أن يعتذر عما حدث ولكني اعتبرت ~~ذلك اعتذارا غير مباشر. # وفي جامعات أخرى تكرر نفس الشيء وأراد رئيس الجامعة أن يقدمني ms377 ~~للجمهور باعتباري رئيس اللجنة، وأن يختم المناقشة حتى يكون هو الأول ~~والأخير. # وفى جامعة أخرى كان الذي قدمني لا رئيس القسم بل عضو أقل مني في ~~الدرجة العلمية، وكان يتكلم باعتباره رئيسا على الرئيس. فحزنت، وهل من ~~المناسب تقديم أستاذ مساعد بالقسم أشرف على رسالة الطالب أن يقوم ~~بتقديم من هو أكبر منه سنا وأعلى درجة؟ # يبدو أن الرئاسة ما زالت مطلبا في ثقافتنا، وأن الوصول إليها يكون ~~بأي ثمن؛ مما جعلني أتذكر إزاحة نجيب عن السلطة وهو أقدم ضباط الجيش، ~~ورئيس جماعة الضباط الأحرار لصالح شاب أقل منه سنا ورتبة! # وفى إحدى جلسات مناقشة إحدى رسائل الدكتوراه لم يستطع رئيس إداري ~~ولو كان رئيس الجامعة نفسها أن يرأس الجلسة. وكانت طالبة لي قد وصلت ~~إلى منصب إداري بالكلية. وكانت تحمل خطابا من لجنة الدراسات العليا ~~يحتوي على أوراق إدارية مثل أسماء أعضاء لجنة المناقشة، واسم الطالب، ~~وموضوع المناقشة، وتحديد اسم رئيس اللجنة وأسماء الأعضاء. وكان الظرف ~~باسمي باعتباري رئيس اللجنة، لم تسلمني الطالبة الظرف بل سلمته لأحد ~~أعضاء اللجنة الذي كان يعمل بمنصب إداري رفيع، وبعد انتهاء المناقشة ~~طلب مني هذا العضو أن يعلن هو نتيجة المناقشة للحاضرين ثم انتزع ~~المظروف والأوراق دون أن ينتظر إجابتي لأنه عرف أن الإجابة ستكون ~~بالرفض. تعجبت من صاحب المقام الرفيع والذي لا يهمه سوى أن يزداد رفعة ~~على حساب أي شيء، حتى لو كان بإعلان النتيجة ليحظى بتصفيق الجمهور له. ~~كنت قد احترت في الأمر، هل أوافق على ما حدث أم لا؟ ولأن إعلان النتيجة ~~يكون من اختصاص رئيس اللجنة؛ تركته يفعل ما يشاء؛ فلن أصارع في قضايا ~~غير علمية أراها لا تستحق. فليأخذ التصفيق كما يشاء، ورنت في أذني ~~الآية: # بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~* والآخرة خير ~~وأبقى ~~. # وكنت قد قدمت استقالتي من القسم والكلية والجامعة لرفضهم دفع ~~تكاليف دار الضيافة العامة في المؤتمر السنوي الذي كان يقيمه القسم ~~بالاشتراك مع الجمعية الفلسفية المصرية، مع أن الجامعة لن تدفع شيئا. ~~والطلب كان ms378 سيتم دفعه من عائد الوديعة التي وضعتها باسم الكلية للصرف ~~منها على النشاط العلمي، لم يتم قبول الاستقالة ورفضها صاحب المقام ~~الرفيع. # وعندما كنت رئيسا للقسم، أتت سكرتيرة جديدة. وكانت ذات قامة ~~طويلة، وممتلئة الجسم، ترتدي حذاء ذا كعب عال، ولكنها جميلة من ~~تقاطيع وجهها، وكانت العادة إذا كانت لدي بعض المكافآت عند صراف ~~الكلية أن أرسل سكرتيرة القسم لتتسلمها نيابة عني وهي شخصية رسمية في ~~القسم، والتعامل مع الصراف جزء من وظائفها. فأرسلتها إلى الصراف لتسلم ~~مكافأة الامتحانات ورئاسة القسم الخاصة بي ونيابة عني، وكان مقدارها ~~خمسة آلاف جنيه. ولما كنت لا أحضر إلى الكلية كل يوم وحسب روايتها وضعت ~~المبلغ في درج المكتب الخاص بها وأغلقته بالمفتاح وخرجت وأغلقت باب ~~غرفتها والمضاف لحجرة السكرتارية وكان بالألمونيوم والزجاج. ولما أتيت ~~في اليوم التالي وجدتها تبكي وتقول إن لصا كسر الباب، وكسر درج ~~المكتب، وسرق المبلغ، والكلية تحقق معها. وكانت عروسا مقدمة على ~~الزواج وتجهز سكنها لهذا الغرض. وانتهى تحقيق الكلية بعد رفع بصماتها ~~أنها هي التي كسرت الباب وكسرت قفل الدرج وأخذت المبلغ. فطلبوا مني أن ~~أكتب طلبا للعميد لكي يرسلها إلى النيابة العامة لتأخذ جزاءها بعد ~~المحاكمة، فلم أفعل؛ فجزاء السرقة السجن وهي «على وش جواز». واكتفت ~~الكلية بإخراجها من القسم وتحويلها إلى وظيفة إدارية بعيدة عن علاقة ~~الأساتذة بالصراف. # الفصل الحادي عشر # | ضرورات الجسد # يظن الفلاسفة المثاليون أن الإنسان هو مجرد فكر «أنا أفكر فأنا إذن ~~موجود.» ويظن الفلاسفة المسلمون أن النفس التي تفكر مستقلة عن البدن، ~~وأن الحب الروحي أعمق من الحب الجسدي. # 1 # في حين أن الفلسفة المعاصرة في الغرب تقول: إن الجسد هو ~~جوهر الإنسان. فعند ميرلو بونتيه الإدراك الحسي في الجسد، والحركة ~~بالجسد، والسير في المكان بالجسد، والحب بالجسد، والحياة بالجسد، ~~والموت بالجسد. وقد نشأت مثاليا، ثم انتهيت وجوديا، بدأت بالعقل، ~~وانتهيت بالجسد. # تناوبت الصحة والمرض علي منذ الشباب وحتى الكهولة، فمنذ الطفولة ~~وأنا ألعب لعبة من يرفع الصفيحة إلى أعلى، ويمسكها بيديه ms379 يكون أبوه ~~ملكا. وبطبيعة الحال كنت أريد أن يصبح أبي ملكا؛ فرفعت الصفيحة إلى ~~أعلى وبدلا من أن أمسكها جيدا، وقعت على رقبتي، وكادت أن تشقها ~~بجوار العنق. فأسرعت والدتي بي إلى المستشفى، وعالجتني، وضمتني إلى ~~صدرها، وسألتني: «هل كان من الضروري أن يصير أبوك ملكا؟ وماذا أكسب ~~أنا لو فقدتك وأصبح أبوك ملكا؟» # ومرة ثانية كنت في السطح أقف بجوار طاولة ثقيلة من الخشب ويبدو ~~أنها كانت جزءا من سرير، وقعت على قصبة ساقي فكسرته وحملتني أمي إلى ~~برسوم المجبراتي بميدان محطة مصر، وجبرني، وظللت مدة طويلة لا ~~أستطيع السير على ساقي. # ومرة ثالثة عندما أجروا علي عملية الطهارة، وربطوني بالشاش ~~والقطن، وكان يأتينا زائر، قريب أو صديق لا أذكر، كنت أرفع الجلباب ~~وأقول له «بص اتطهرت.» فتقول لي والدتي: «عيب يا ولد!» # ولما لاحظت أسرتي أن نظري ضعيف، ذهبت إلى عيادة العيون. كشف علي ~~الطبيب، وأعطاني نظارة، فكنت أرى بطريقة أفضل. ولما كنت ألعب في ~~الحارة بالكرة كانت الكرة تقذف في وجهي فكسرت النظارة، وكانت في ذلك ~~الوقت عدساتها من الزجاج، فتتكسر باستمرار لكثرة لعبي في الحارة، ~~ووقوعي على الأرض، وكانت والدتي تقول: «من أين سنأتي لك بالمال في كل ~~مرة تكسر فيها نظارتك؟» # وبعد ذهابي إلى فرنسا، وتناول الطعام مرة واحدة في اليوم، كنت أجهد ~~نفسي بين دراسة الفلسفة في السوربون صباحا، والموسيقى في الكونسرفتوار ~~بعد الظهر، والقراءة وعزف الكمان مساء. تعبت وأحسست بالإرهاق، فذهبت ~~للكشف بعيادة المدينة الجامعية، كانت وجبة الطعام بسبعة فرنكات ونصف، ~~وكنا نستحق وجبتين، وكانت تخفض للطلاب دون منح إلى خمسة فرنكات ونصف، ~~ثم تخفض مرة ثانية للطلاب الأكثر فقرا مثلي إلى ثلاثة فرنكات ونصف، ~~وبما أنني كنت أتناول الطعام مرة واحدة فقط في اليوم، كنت أبيع بطاقة ~~الوجبة الثانية بمبلغ سبعة فرنكات ونصف؛ فكنت أكسب أربعة فرنكات في ~~الوجبة. وفي مرة وجه لي أحد الطلبة الفرنسيين الإهانة لأنه اشترى ~~البطاقة بسبعة فرنكات ونصف؛ فوصفني بأنني تاجر جشع ولكن ماهر؛ حيث ~~أشتري البطاقة ms380 بثلاثة فرنكات ونصف وأبيعها بسبعة ونصف. حزنت للإهانة ~~وقلت في نفسي يا ليته كان يعلم السبب. فاكتشف الأطباء أنني مصاب في ~~الرئة اليمنى بمرض الدرن أي السل. حجزوني مدة أربعة أشهر للعلاج ~~بمادة تنقط عن طريق الوريد مرتين يوميا. وطلبوا مني أن أعيش كما يعيش ~~باقي البشر، أن آكل لأعمل، وإلا قضيت على حياتي بنفسي. # وبعد عودتي إلى مصر كنت في منزل أخي. اكتشفت بنت أختي الطبيبة أن ~~لون بشرتي أصفر. وكنت أنهج عند صعودي السلم؛ فأخذتني بالضرورة إلى ~~مستشفى القصر العيني، فوجدوا أن أربعة شرايين في القلب مسدودة، وأنني ~~أعيش بشريان واحد. فأشاروا علي بضرورة إجراء عملية للقلب المفتوح، ~~وعلى يد أفضل جراح، ولكنه يجري العمليات بمستشفى السلام الدولي وليس ~~بالقصر العيني؛ لأنها كانت أفضل. مكثت أسبوعا بالمستشفى، وبعدها خرجت ~~محاولا ألا أجهد نفسي في العمل. # وفى مرة أخرى اكتشف الأطباء وجود حصوات صغيرة بالمرارة؛ فخشوا أن ~~تكبر وتسد قناة المرارة؛ وطلبوا إجراء عملية جراحية لاستخراج الحصوات ~~ولاستئصال المرارة، ثم وجدوا التهابا «بالبروستاتا» فطلبوا استئصالها ~~أيضا. # ولما أصبت بداء السكري وبدأت جروحه تظهر على قدمي، طلب الأطباء ~~مداواة الجروح وهو الأمر الذي استغرق مني عدة سنوات بعد أن عرضت الأمر ~~على أكثر من طبيب، ثم وجدوا السكر قد امتد لقدمي ووصل الالتهاب لقدمي؛ ~~فطلبوا استئصال الإبهام خشية وصول الالتهاب لكل القدم. # وبعد أن طال المرض وطالت رقدتي على الفراش عدة شهور متواصلة، ظهرت ~~قروح الفراش، أسفل الظهر، وعالجتها بصعوبة بالغة. ومنعني الأطباء من ~~الجلوس على مكتبي؛ فالساقان لا بد أن تكونا مرتفعتين إلى أعلى، حتى لا ~~يتدفق الدم والماء إلى القدمين فيتورمان. # ثم مرة أخرى أخذوا عينات من تحت إبطي لتحليلها، وجاءت النتيجة ~~سلبية. وكانت نتيجة تحليل الدم تظهر احتياجي للبلازما. # وبدأ نظري يضعف أكثر فحاولت علاجه بقطرات العين الدائمة صباحا ~~ومساء، ولكني ما زلت غير قادر على القراءة والكتابة؛ ولذلك أجريت ~~عمليتي المياه الزرقاء والبيضاء، وحقن الأطباء عيني ثلاث مرات ~~بعلاج يساعد على تحسن النظر، ولكن لم يقو ms381 بصري. # ثم لاحظ الأطباء عند تحليل الدم بأن نسبة البلازما قليلة، أقل من ~~المتوسط، نتيجة لالتهاب بالدم؛ فدخلت المستشفى عدة مرات لإجراء عمليات ~~نقل الدم. # ثم أصبت بهبوط ضغط الدم؛ فأوصى الأطباء بعلاج لتنظيم الضغط. # ومرة وقعت على الأرض كنت بغرفة النوم، فتعثرت بطرف سجادة فانكسر ~~الحوض بسبب الوقوع، فأجريت لي عملية لتركيب مفصل صناعي معدني بدلا ~~من الذي انكسر. رقدت بعدها على الفراش عدة أشهر وأنا غير قادر على ~~الحركة. لم أستطع حتى إجراء جلسات العلاج الطبيعي. # ثم زاد تدهور نظري إلى حد لم أستطع الرؤية سواء للقراءة أو الكتابة ~~ولا حتى النظر للشاشة الضوئية. فاستعنت بجليستي ومعاونتي على القراءة ~~والكتابة. # وما إن التأمت جروح السكر حتى استعنت بالعلاج الطبيعي لمساعدتي على ~~النهوض والجلوس والسير بمساعدة المشاية ولو لخطوات قليلة. # وبعد أن كنت أملأ العالم سياحة وحضورا للمؤتمرات والندوات في مصر ~~والخارج، استلقيت راقدا على الفراش شبه ضرير وشبه عاجز. فإذا قمت ~~فإنني أستعين بكرسي متحرك يدفعه مرافقي الممرض والمقيم عندي منذ خمس ~~سنوات. أنفعل عليه وينفعل علي ولكني لا أستطيع العيش بدونه. يرافقني ~~في كل مكان، في المستشفيات، وفي السفر إلى المؤتمرات بالخارج؛ فهو خير ~~رفيق وممرض، يعاونني على حياتي الخاصة، أتعب وأحزن لغيابه أثناء ~~الإجازات حيث يعيش بقرية الصفط بمحافظة المنيا، يغيب أسبوعا، أو أكثر، ~~وأستعين ببديل أقل خبرة ولكني أتحمل حتى يعود مرافقي وممرضي الأول. ~~وهو على مستوى عال من الثقافة والفن؛ يضحكني بالنكات، ويسرني بالغناء ~~لي، ويطلعني على أهم الأخبار في مصر والعالم، وآخرها تشبث الرئيس ~~الأمريكي بالبيت الأبيض، ورفضه تسليم الرئاسة لخليفته، وقيام أنصاره ~~بالهجوم على مبنى الكونجرس، وتحطيم زجاجه دون أن يقول آخر: «العنف في ~~أمريكا» كما يقال عن العنف عندنا في الوطن العربي والعالم الإسلامي. ~~وكان يحضر لي المراجع المطلوبة على رفوف مكتبتي ويرجعها بعد أن عجزت ~~عن النزول للمكتبة؛ وذلك لأن السلالم مرهقة نزولا وصعودا. يتحمل عناء ~~الأتربة نظرا لهجران المكتبة فترات طويلة، ولأنني كنت أستخدم مكتبي ~~بالطابق العلوي فلا أضطر ms382 للنزول والصعود. كان يعرف أماكن الكتب ~~وموضوعاتها، كان يكفيني أن أشير إلى الدولاب ورقم الرف المطلوب ومن بين ~~مئات الكتب وعشرات الدواليب يحضر المطلوب بشكل دقيق، يعرف النسخ ~~المطلوبة، وعناوين موضوعاتها الملصقة على كل رف كما هو الحال في ~~المكتبات العامة الضخمة، لم يكن يخطئ، ويحضر لي المطلوب فورا، فساعدني ~~ذلك كثيرا. # أدركت قيمة الصحة وقيمة الجسد، وندمت على إهماله، وكيف فرض علي ~~نفسه عندما أصبحت شيخا كبيرا. وماذا كنت أفعل وأنا في سن الشباب ~~وكلي حركة وحماس ونشاط للعمل، وكأن روحي لا جسد لها. وكنت أسخر من ~~الفلاسفة المعاصرين الذين يجعلون الجسد مركزا للكون؛ يتحرك في المكان، ~~ويتكلم، ويجادل، ويصارع، بل ويحب، وأتهمهم كما يفعل السلفيون حاليا ~~بأنهم ماديون. وعرفت بعد ذلك أن الجسد هو الذي يحمل العقل والروح، ~~فبدون الجسد يختفي العقل، وتختفي الروح، والجسد هو حاوي القلب، والقلب ~~هو الذي يمد الجسد بحرارته، كما قال عمر الخيام: # أولى بهذا القلب أن يعشقا، # وفي ضرام الحب أن يحرقا، # ما أضيع العمر الذي مر بي، # من غير أن أهوى وأن أعشق. # ومن أجل العلاج والعمليات الجراحية كنت نزيلا دائما بالمستشفيات. ~~وأدركت الفرق بين المستشفى الخاص والمستشفى الجامعي؛ فالمستشفى الخاص ~~أقرب إلى التجارة وليس إلى علاج للمرضى، يريدون منه المكسب أكثر مما ~~يعطونه من العلاج. كنت في أحد المستشفيات التي أخذت اسما إسلاميا ~~للتغطية على الكسب من المرض، والتجارة بالمريض. مكثت ليلة واحدة فيه، ~~وكان ثمنها ثلاثة آلاف جنيه؛ فعجبت من الثمن المرتفع. وطلب مني أحد ~~الأطباء أن أنتظر ليلة أخرى حتى يسأل الإخصائي أو الاستشاري عن ~~إمكانية المغادرة، فسألته عن سبب ارتفاع ثمن الليلة بالمستشفى؟ فأعطاني ~~كشف المصروفات، ورأيت أن علبة الزبادي الصغيرة التي أبتاعها من محل ~~البقالة بحوالي جنيه واحد ثمنها في المستشفى خمسة وسبعون جنيها؛ ~~فقررت الخروج بعد أن دفعت ثمن الليلة، وعدت إلى المنزل وأنا أفكر كيف ~~أصبحت تجارة كبيرة؟! # وفي مرة أخرى كنت في حاجة إلى نقل دم؛ فذهبت إلى مستشفى خاص ~~قريب في قسم ms383 الطوارئ. رأيت طابورا من المرضى وكان ترتيبي العشرين. ~~فعجبت من الانتظار حتى في قسم الطوارئ والذي من المفترض يعتمد على ~~السرعة! وطلبت ما جئت من أجله؛ نقل الدم لقلة البلازما، فطلبوا أن أدخل ~~المستشفى حتى يقوموا بهذا الإجراء. وفي المستشفى رأيتهم يجرون كل ~~التحليلات الممكنة وغير الممكنة، وكشوف الأشعة الممكنة وغير الممكنة. ~~ومرت الليلة الأولى دون نقل الدم، وانتظرت الليلة التالية، فقالوا إن ~~التحليلات لم تكتمل بعد، وأجروا أيضا التحليلات الضرورية وغير ~~الضرورية. وعندما حل الليل سألت: «أين نقل الدم؟» قالوا: «إن الدم ~~يأتي من مستشفى آخر قريب وأنه لم يصل بعد.» فقلت: «إن نقله لا يستغرق ~~أكثر من ساعة، وأرجو إعطاء الدم الليلة فأنا لا أستطيع الانتظار أكثر ~~من ذلك.» ومرت الليلة الثانية ولم يصل الدم بعد، فصرخت فيهم: «أريد ~~الخروج!» قالوا: «انتظر، فالدم قادم.» قلت: «لا أريد دما بل أريد ~~الخروج.» وصرخت فيهم عدة صرخات بأنهم تجار وليسوا أطباء، وأن هذا ~~المستشفى بقالة كبيرة للتكسب، وليس مستشفى للعلاج؛ فأحضروا الدم ~~بسرعة، ونقلوه عن طريق ساعدي. وقالوا: «انتظر حتى نحلل الدم، ونعرف هل ~~تريد كمية أخرى أم أن نسبة البلازما قد وصلت إلى المستوى المطلوب أو ~~ما يقرب منها!» فانتظرت الليلة الثالثة. وقلت لهم في الصباح أن يحضروا ~~كشف الحساب لأنني سوف أخرج مهما كانت نتيجة التحاليل. كانت نتيجة ~~التحليل قد قاربت المتوسط، فأردت الخروج، وكان الحساب تسعة آلاف جنيه، ~~دفعتها في مقابل كيس واحد من الدم، يأخذون بدلا منه من أحد زوار ~~المريض إجباريا ومجانا لإعطائه لمريض آخر بآلاف الجنيهات، بالإضافة ~~إلى إقامة ثلاث ليال دون داع. عرفت أن المستشفيات الخاصة تجارة، لا ~~يدخلها إلا التجار، ورجال الأعمال، وسكان التجمعات والمدن الجديدة. كنت ~~قد دفعت ثمانية آلاف جنيه عند الدخول، وأعطيتهم ألفا أخرى حين الخروج، ~~وتساءلت: «وماذا يفعل الفقراء؟!» # وذهبت مرة أخرى إلى مستشفى القصر العيني والمعروف بالفرنساوي؛ لأن ~~فرنسا هي التي أنشأته، وهو مبنى مجاور لكلية طب جامعة القاهرة وتابع ~~لها، وعندي بطاقة علاج مجانية فيه، ولكني ms384 كنت سأدفع مقابل تكاليف ~~إقامة المرافق. قضيت فيه يوما واحدا، ودفعت فيه خمسمائة جنيه تكاليف ~~إقامة مرافقي تحت الحساب. ولما غادرت اليوم الثاني كان حسابه أربعمائة ~~جنيه. وتعجبت لأنهم وعدوا بإرجاع باقي المبلغ بعد شهرين، ولم أستلم ~~شيئا حتى الآن! # وعندما أغلق المستشفى بعد زيادة أعداد مرضى الكورونا، حولوني إلى ~~مستشفيين آخرين لاختيار أحدهما، اخترت الأول القريب من مستشفى القصر ~~العيني، وانتظرت مدة ساعتين عند المدخل؛ لأن مدير المستشفى كان يمر على ~~المرضى، وأبلغوني أنه سيأتي عن قريب، ولما لم يأت أحد بدأت في رفع ~~صوتي عاليا؛ فطلبوا أن أذهب لمدير المستشفى، قلت: «الحمد لله أن أحدا ~~سيستقبلني.» وصعدت إلى أعلى، قالوا: «انتظر قليلا حتى يأتي الطبيب ~~المختص؛ لأنه يجرى الآن عملية جراحية.» فانتظرت ساعة أخرى بجوار ~~المصعد الكهربائي، ولما لم يأت أحد رفعت صوتي مجددا عاليا غاضبا: ~~ثلاث ساعات وأنا أنتظر! وخرجت من المستشفى غاضبا، وأنا أفكر كيف ~~يعالج المرضى في بلادنا؟ وكيف يستقبلونهم؟! # وفي مرة أخرى دخلت مستشفى القصر العيني الفرنساوي، وبدءوا في ~~إعطائي محاليل كنت أحتاجها بالتنقيط عن طريق الوريد. وبعد مدة قصيرة ~~قالوا إن الأدوية انتهت من المستشفى وإن علي شراءها على حسابي؛ ~~أرسلت مرافقي الممرض لشرائها من صيدلية خارج المستشفى. وتكرر نفس ~~الشيء عندما كنت أحتاج لحقن العين، فقالوا لا توجد إلا حقنة واحدة ~~بالمستشفى كله، وكنت أحتاج إلى ثلاث، وكان ثمن الواحدة خمسمائة جنيه، ~~وكان علي أن أشتري حقنتين بمبلغ ألف جنيه من حسابي الخاص. # وحضر طبيب العيون، وكان صديقي، وأعطاني الحقنتين قائلا: «هذا نوع ~~من الفساد في المستشفى، يأخذون الأدوية مجانا، ويبيعونها، ويطالبون ~~المريض بشرائها، بدعوى عدم وجودها لديهم.» # وذهبت إلى مستشفى آخر، وأظهرت لهم بطاقة العلاج الجامعي المجاني ~~فأجلسوني على مقعد، وأتأنى مساعد طبيب يعرض علي بضاعته وكأنه تاجر ~~قائلا لي: «ثمن هذه الغرفة كذا، وثمن هذه الغرفة الثانية كذا.» قلت ~~لهم: «إنني أريد غرفة مزدوجة؛ لأن ممرضي معي.» قالوا: «لا، هو في ~~غرفة، وأنت في غرفة أخرى.» قلت: «لا، سأغادر.» وكان ms385 معي صديقي طبيب ~~العيون من القصر العيني، قال: «لا تغضب.» وذهب وتحدث مع مكتب الاستقبال ~~حتى وافقوا على ما أطلب، غرفة واحدة مزدوجة. # كان المطلوب وقتها إجراء جراحة صغيرة لاستئصال جزء من إصبع قدمي ~~خوفا من انتشار الالتهاب في باقي الأصابع، ثم القدم، ثم الجسم ~~كله. # أتى الجراح في اليوم التالي، ونزلت إلى غرفة العمليات، وبعد إجراء ~~الجراحة طلبوا الانتظار ليلة واحدة ثم الخروج في اليوم التالي، قالوا ~~في اليوم التالي قبل الخروج إني أحتاج إلى تحليلات كذا وكذا، وأحتاج ~~إلى أشعة كذا وكذا، وأحتاج أشعة مقطعية وأخرى صوتية. فقلت: «وما ~~الحاجة لهذا كله؟ لقد أجريت العملية الجراحية وسأخرج اليوم أو غدا.» ~~قالوا: «لا، سيأتي طبيب أشعة خاص ينقل جهازه حتى عندك في غرفتك لفحص ~~الساقين؛ ليطمئنوا على نجاح العملية، ثم سيأتي طبيب آخر ليفحصك الفحص ~~النهائي ليلا.» جاء طبيب المستشفى ليلا ومعه جهاز الأشعة، وآلمني ~~للغاية. ثم قالوا: «الإخصائي سيأتي غدا ظهرا.» وإنه يجب أن أقضي ~~ليلة أخرى في المستشفى. قلت لهم: «فلماذا يأتي الإخصائي وقد تم إجراء ~~الأشعة المطلوبة في المستشفى؟» قالوا: «هو أدق.» ثم قلت: «وكيف ~~يستعملون جهازا غير دقيق في المرة الأولى، وتؤلمونني مرتين؟ مرة بجهاز ~~المستشفى ومرة بجهاز الإخصائي؟» وصممت على الخروج دون انتظار ~~الإخصائي؛ لأنه سيقوم بعمل تم عمله بالمستشفى ولا حاجة لتكرار الأشعة ~~مرة أخرى، كما أنه لا حاجة لدفع الثمن مرتين. وأصررت على الخروج في ~~نفس الليلة، وقلت: «لن أمكث دقيقة واحدة؛ لأنكم تجار تتاجرون بالمريض، ~~وتجعلونه ضحية لكم ولتجارتكم، وسأقدم شكوى إلى الجامعة؛ فرئيس الجامعة ~~أحد تلاميذي. احسبوا التكاليف المطلوبة الليلة وقدموها لي.» طلبوا ~~يومها أربعة آلاف جنيه كانت مصاريف إقامة ممرضي ومرافقي، فدفعنا المبلغ ~~المطلوب، وعدنا إلى المنزل فرحين بعد أن ابتعدنا عن التجارة بالمرضى في ~~المستشفيات الخاصة. # وفى أثناء إقامتي بالمستشفى الجامعي كانت كل ممرضة تدخل غرفتي، إما ~~تعطي حقنة، أو تقيس ضغطا، أو نسبة السكر، كانت تنظر إلينا ضاحكة، ~~وتطمئن هل فهمنا الدعاء؟ ثم تخرج، ثم تأتي عاملة ms386 النظافة مرة كل ساعة ~~على الأقل، تحمل أدوات النظافة، المكنسة والجردل تحوم حول سرير المريض، ~~تتظاهر بأنها تنظف أرضية الغرفة ذهابا وإيابا، وتتمنى لنا الشفاء، ~~ولا تخرج من الغرفة إلا بعد أن تأخذ القسمة والنصيب. # وبعدها بساعة تأتي عاملة نظافة أخرى لتقوم بنفس العمل وتقول نفس ~~الكلام، وتنتظر نفس القسمة والنصيب. ثم تقول إن العاملة السابقة نسيت ~~تنظيف الحمام، وإنها قامت بذلك على الوجه الأكمل. تصل إلى باب الغرفة ~~وقبل أن تذهب تعود وتتمنى لنا الشفاء العاجل، فكنت أعطيها ما فيه ~~القسمة والنصيب مرتين، وكنت أتساءل كل مرة بيني وبين نفسي: هل الفقر؟ ~~هل الجشع؟ هل غلاء المعيشة؟ هل قلة الرواتب؟ هل كل ذلك معا؟ # وكنت في مرة أخرى بغرفتي في المستشفى، وكان التليفزيون لا يعمل. ~~فسألنا: «ما السبب؟» فقالوا إن جهاز التحكم لتشغيل التليفزيون (الريموت ~~كنترول) موجود في غرفة التمريض، ولا يعطى للمريض إلا إذا ترك بطاقته ~~الشخصية في مقابله، فإذا أتت الممرضة ومعها الجهاز تعطيه لنا وتنتظر، ~~وقد نسينا موضوع البطاقة الشخصية؛ تنتظر أن نعطيها ما فيه القسمة ~~والنصيب لتسلمنا «الريموت كنترول»، ثم تخرج دون البطاقة. يكفيها ما ~~أخذته من القسمة والنصيب. # بل إنه حتى عامل المصعد إذا دخل مريض المصعد تمنى له الشفاء، ويقول ~~له إن المصعد عطلان، لا يتوقف عند الدور الذي طلبه المريض، ولكنه ~~سيوقفه من أجله على وجه الخصوص؛ طمعا في القسمة والنصيب. # وقد أسفر هذا التعامل التجاري وحتى في المستشفيات الإسلامية والتي ~~تحولت إلى مستشفيات خاصة بعد أزمة الحركات الإسلامية وتضييق الحكومة ~~عليها؛ فكانت الممرضات وعاملات النظافة وعامل المصعد أكثر استحياء ~~خاصة في المستشفيات الإسلامية خاصة وصوت القرآن يرتفع في المصعد عند ~~استعماله، وكان الاستحياء ليس من الطلب المباشر بل كان عن طريق النظرات ~~حيث يفهم المريض المطلوب. # وبعد هذه التجارب المتكررة والكثيرة أصبحت لا أحب الذهاب للمستشفى، ~~وأفضل أن يأتيني الطبيب لفحصي بالمنزل إذا كان الأمر لا يقتضي الذهاب ~~للمستشفى، كنت أفضل ذلك؛ لراحتي وللثمن الأقل من المكوث في المستشفى ~~لعدة أيام ms387 والانتظار لساعات في غرف الاستقبال. # كما اتبعت الصيدليات نظام توصيل الأدوية للمنازل مثل المطاعم ومحلات ~~البقالة؛ لراحة المريض وللعائد المادي الذي يحصل عليه عامل توصيل ~~الطلبات، ليواجه ضرورات الحياة. كانت بعض العائلات تبخل بهذا المبلغ ~~البسيط فأصبحت «فاتورة» التوصيل إجبارية. # أما محصل الكهرباء والغاز فيكتفي بأخذ الفاتورة ولا يطلب أكثر. ويظل ~~السؤال: هل هو الفقر والبيئة الاجتماعية أم الجشع والأخلاق أم تحويل ~~الشعب كله إلى شحاذين يحتاجون للمساعدة؟ ولا تخجل الحكومة أن تفعل نفس ~~الشيء عن طريق ضريبة المبيعات وضريبة الإيجارات وضريبة عبور الطرق ~~السريعة وكافة أنواع الضرائب التي حكمت المحكمة الدستورية ~~ببطلانها. # الفصل الثاني عشر # | مثوى أخير أم بداية جديدة؟ # كل بداية لها نهاية، وكل نهاية لها بداية، ولا تسمى النهاية الأخيرة ~~في هذه الذكريات بالنهاية السعيدة كما بدأت بالفقر السعيد، ولكنها ~~تنتهي بتفكير في المثوى الأخير أي في نهاية الإنسان، وقبلها في وجوده ~~في هذا العالم، وأداء رسالته فيه. ولا تعني الأخير الآخرة، أتى وترك ~~الدنيا إلى عالم آخر، بل تعني آلام الدنيا التي يبتعد الإنسان عنها. ~~يعني المثوى الأخير: هل حققت رسالتي في الدنيا قبل أن أغادر إلى العالم ~~الآخر؟ هل حققت ما تمنيته من «المنهج الإسلامي العام»؟ وهل حققت رسالة ~~جيلي، فلكل جيل رسالة في عصره؟ وماذا بعد أداء الرسالة، هل أستمع إليها ~~في «ذكريات» أم أصحح نفسي بنفسي؟ أم تنبت في ذهني شجرة أخرى ولو على ~~ضفاف النهر، تحمل فاكهة جديدة لم تكن في ذهني من قبل؟ هل أترك هذا ~~العالم إلى عالم آخر ابتداء من حياة القبر، نعيما أو عذابا حتى ~~البعث الجديد، حتى يوم الحساب؟ # وإذا حاسبت نفسي ابتداء من حياة القبر وشريط الذكريات حتى الحياة ~~الأخرى التي يتم فيها الحساب فأنجح أم أرسب؟ أثاب أم أعاقب؟ # المثوى الأخير ويقظة الضمير تحت الأرض استعدادا ليوم حساب خارج ~~الأرض، فالغيبيات التي بعدت عنها في الدنيا، وتفضيل المشاهدات عليها ~~ها هي تحضر أمامي بكل ثقة ليسمع الناس جوابي في الآخرة كما سمعت في ~~الدنيا. فالبعث ms388 بعد الموت حياة الضمير وشريط الذكريات حتى يعرف الإنسان ~~ماذا فعل، ويتذكر ما نسيه بفعل الزمن، وانتظر ساعة الحساب مع ~~غيره. # المثوى الأخير افتراض أتحقق منه وأجيب عنه، هناك تدوين للأفعال، ~~يسارا ويمينا، فأصعد إلى أعلى فأجد حسابي على مائدة القضاة، الذي قد ~~يطابق أو لا يطابق شريط الذكريات. # سنقرئك ~~فلا تنسى ~~. فالقراءة المستنيرة ضد النسيان. والنسيان ~~والرد إذ لا تستطيع الذاكرة أن تتذكر كل شيء. قد تخطئ في التاريخ ~~الموضوعي؛ لأنه من الصعب تذكر الموضوعات التي لا تترك في الوعي تجارب ~~حية. فيكون ذلك فوق الاستطاعة. # ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا ~~تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به ~~. أليس أداء الرسالة في الحياة بصدق وإخلاص فيه ~~نجاة؟ أليس قضاء الإنسان عمره في البحث والتقصي، في العلم والتعلم ~~مثل الصلاة وباقي الأركان الخمسة؟ أليس العمل من أجل تحقيق غاية ~~نبيلة، تحرر أرض، أو تحرير بشر أو تحقيق عدالة ومساواة، أو قضاء على ~~ظلم وطغيان، أو قطع لدابر الاستبداد، أليس في كل ذلك ما يثقل الميزان؟ # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * ~~وأما من خفت موازينه * فأمه ~~هاوية * وما أدراك ما هيه * نار حامية ~~. # الأفعال الطيبة تجعل الإنسان في مثواه الأخير في راحة واطمئنان، ~~وكأنه أدى الشعائر كلها منذ الصبا وحتى الممات. والعلم جهاد، والتعلم ~~مقاومة للأعداء «العلماء ورثة الأنبياء.» العالم قبل أن يكشف عنه ~~الحجاب فهو في ظلام، ولا يهم العالم في أي أرض يموت # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت ~~. # والتفكير في أين يبقى الجسد؟ مع الأهل والأصدقاء؟ وإذا امتلأ المكان ~~الأول فهل يجوز للزوجة الحبيبة والأبناء الأعزاء الحصول على أرض جديدة ~~لمثوى الأبناء والأحفاد؟ أم أن الأرض تتسع لكل من أتاها ليستقر فيها، ~~ولا ترفض أحدا، فلم يبق من الجسد إلا العظم، ولا يعرف الإنسان بأي ~~أرض يموت؟ # وعندما يحين المثوى الأخير لا يستطيع الإنسان أن ms389 يعود إلى الوراء من ~~جديد ليحسن أفعاله، وينقي ضميره، وتصدق نياته؛ فالزمان يتقدم ولا ~~يتأخر، والندم لا يجدي لأنه استرجاع للماضي الذي ولى. والندم لا يفيد ~~لأنه تحسر على ما مضى، وحزن على ما فات. يود الإنسان أن يعود ليفعل ~~صالحا، وقد كان العمر متسعا أمامه، ولكن الزمن لا يعود إلى الوراء. ~~والنهاية لا تكون بداية، والبداية الثانية لا تكون إلا في الحياة بعد ~~التوبة، والاستغفار لا يفيد، فلقد تم الفعل وانتهى؛ فالمولود لا يعود ~~إلى رحم أمه. والرحمة الإلهية مشروطة بفعل التوبة في الحياة، وليس كما ~~يقول عمر الخيام: «... إن لم أكن أخلصت في طاعتك ... فإنني أطمع في ~~رحمتك». # فالفعل السيئ في الدنيا لا تتبعه رحمة في الآخرة، ولا يعني أن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك، أن الشرك هو مجرد حكم عددي بأن الله ~~واحد لا شريك له؛ فالتوحيد في الدنيا بين القول والعمل، بين الظاهر ~~والباطن، بين الفكر والوجدان، حتى لا يكون الإنسان منافقا، يقول ما لا ~~يفعل، ويفكر في شيء لا يشعر به؛ فالتوحيد هو وحدة القول والعمل، والفكر ~~والوجدان، فخالد بن الوليد شعر وهو في المثوى الأخير أنه لا يوجد في ~~جسده موضع ليس به ضربة سيف أو طعنة رمح، وهو يموت كما تموت النعاج. ~~فالفعل الموحد هو أساس التوحيد، والتوحيد باللسان ليس توحيدا ~~بالأفعال؛ فالتوحيد شهادة على العصر وليس هروبا خارج الأوطان. # ويعني المثوى الأخير الفعل الممتد من المولد حتى الممات، وهو شريط ~~الذكريات الذي يمر في ذهن الإنسان في اللحظة الأخيرة، يرى مسار ~~حياته، ولا يندم عليها، فإذا ندم توقف الشريط، فلم تعد هناك جدوى ~~لرؤياه نظرا للحظات المأساة فيها. # يهتم الإنسان بتراثه قبل المثوى الأخير. وليس التراث هو المال والذهب ~~والفضة والأرض والمصنع، بل هو ما يتركه في ذهن وفكر أقرانه، وفي سجل ~~التاريخ، يصنعون له سيرة أخرى مدونة، كما يدون التاريخ تراثه في ~~الأذهان والعقول وفي القلوب وفي الأنفس، نار جديدة تشتعل في قلوب ~~الأجيال القادمة، حتى وإن احترقت مؤلفاته تبقى. ms390 ~~«الذكريات» حركة في التاريخ وجزء من لهيب الوطن، تحرق من يعتدي عليه، ~~وتدفئ من يبرد بسبب هجرة الأوطان. # و«الذكريات» حياة لمن يحياها، ونور لمن لم يحجب نوره. # و«الذكريات» حقيقة الخلود لصاحبها في الأرض قبل السماء، تحرك الناس، ~~وتشعل القلوب إذا ماتت النفوس، وتحمل الوجدان. # لا تحتاج «الذكريات» إلى نصب تذكاري حجري أو معدني ثابت كتمثال ~~الشرك، بل تحتاج إلى قراءة مستمرة لأقوال، ومشاهدات لأفعال. ~~«الذكريات» طينة حية وليست حجرا ميتا، تحفظ في القلوب، وتتحول ~~إلى أمثلة شعبية، وأغنيات بلدية مثل مذكرات أحمد عرابي. # وعندما يبلغ الإنسان من العمر عتيا تفرض اللحظات الأخيرة نفسها ~~عليه، وتجعله يتساءل: يا ترى هل مر زمن لم أفعل فيه شيئا؟ هل تركت ~~الزمن يفلت من بين أصابعي ولم أقم فيه بعملي نحو المجتمع والوطن؟ هل ~~وأنا في المثوى الأخير أو قاربت منه على علم بما أنجزته في الماضي؟ ~~وإلى أي حد كان نافعا للناس؟ هل أنا مستعد لحكم التاريخ علي في ~~المستقبل؟ وقادر على الدفاع عن نفسي، دون طلب للمغفرة والرحمة؟ هل ~~التفكير في اللحظات الأخيرة وأنا ما زلت حيا يمنعني من أن أكون ~~سعيدا أو أن أكون قادرا على الاستمرار في العطاء والعمل؟ أكتب هذه ~~الذكريات وأنا طريح الفراش، تساعدني قارئة الفنجان، أسمع منها، وتكتب ~~لي وأنا أتألم من لهيب آلام الأعصاب، لا أخاف من المستقبل إذا كنت قد ~~أديت واجبي في الماضي، وما زلت أؤديه في الحاضر. # ومع ذلك أحزن لتركي الحياة ومغادرتها دون أن أدري ماذا حققت؟ وقيمة ~~ما حققت؟ لا أحب الشفاعة في الدنيا ولا في الآخرة؛ فأعمالي تشفع لي. ~~وصدقي يدافع عني، وإخلاصي يمحو أخطائي الصغيرة التي يخشى منها بعض ~~المؤمنين. هم يخشون من الصغائر، ومستقبلي مرهون بفعل الكبائر التي تبقى ~~في الذكريات، في حين تنسى الصغائر، وهي ما سماه القرآن الكريم ~~«اللمم». # أفكر في الموت دون أن أخشاه إحساسا مني بأنني أديت رسالتي حتى ~~النهاية، حتى وأنا على فراش المرض كنت أعمل بفضل مساعدة القارئة، وكنت ~~أنهي كتابي الأخير ms391 «الفكر الوطني في العالم الثالث، أفريقيا وآسيا ~~وأمريكا اللاتينية». كنت أتصوره جزءا واحدا، ولما عز علي أن ~~أساوي مصر والوطن العربي بباقي دول العالم الثالث، أفردت لهما جزءا ~~ثانيا «مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي». ولما انتهى هذا الجزء ~~ورأيت أن الفصل الأول «نمو الوعي الوطني في مصر» والثاني «مصر ~~المعاصرة» ورأيت الفصل الثاني قد انقسم إلى الوطن العربي، والعروبة، ~~والإسلام، والإسلام والعروبة. أصبح هذا هو الجزء الثاني، ثم اضطررت ~~لعمل جزء ثالث يضم الإصلاح والنهضة، والصحوة الأسيوية والثورة ~~الإسلامية. # ولما تباطأت السكرتارية بتحويل المخطوط اليدوي إلى نص مطبوع، بدأت ~~في الجزء الثاني من «ذكريات» عن طريق الموضوعات وليس عن طريق المراحل ~~العمرية. # وقبل أن أختتم الجزء الثالث من كتابي الأخير، والجزء الثاني من ~~«ذكريات» برز أمامي موضوع آخر وهو «التفسير الشعوري للقرآن الكريم». ~~ورأيت أن «التفسير الموضوعي» يقوم على تحليل المضمون والمعجم المفهرس، ~~والبناء العقلي للموضوعات التي تهمنا مثل: الفقر والظلم والفساد. في ~~حين أن التفسير الشعوري يقوم على الإحساس بالآيات كتجارب حية تطابق ~~التجارب الحية التي عشتها، ويستعمل تحليل الخبرات الشعورية في النص وفي ~~الحياة، وقد يكون هذا آخر ما يتفرع في عقلي وفكري وذهني وقلبي من ~~موضوعات إذا ما طال بي العمر وامتد الزمن. # ويبدو أن الأرض الطيبة، والرعاية السليمة بالمياه تنبت زرعا لا ~~أتوقعه، كما حدث وأنا أصحح هذا الجزء الثاني من «الذكريات». برزت في ~~ذهني دراسة أخرى عن «الثقافة الشعبية في الأغاني والأزجال والأمثال ~~العامية» للعام القادم 2022م. فلا يوجد مثوى أخير ولا نهاية للبداية، ~~وإنما توجد باستمرار بداية جديدة للنهاية؛ فالمثوى لا تعني بالضرورة ~~الموت، بل قد تعني تجدد الحياة، والأخير أشبه بالطريق المستقيم الذي لا ~~نهاية له إلا في الأفق، وعلى ضفتيه تنبت الأشجار والنخيل الذي لا ~~تنتهي ثماره ونتاجه، وهذه حقيقة وليست مزحة أضحك بها كما كنت مع ابنتي ~~الصغرى ونحن نسير في الطريق العام، عندما كنا في الأندلس وتمل من ~~ركوب السيارة، وتسأل: «متى سنصل؟» وكنت أقول لها: «عند هذه الشجرة ~~الأخيرة.» ms392 ولا تأتي شجرة أخيرة؛ فالأشجار تتوالى باستمرار ولا نهاية ~~لها، فتعبير «المثوى الأخير» لا يعني الرقدة تحت التراب كما ينادي عبد ~~الوهاب في أغنيته «أيها الراقدون تحت التراب» بل يعني استراحة المحارب ~~الذي تتجدد ميادين القتال أمامه، وهو ما زال قادرا على النزال. ولا ~~يعني هذا التعبير أي إحساس بقرب النهاية الأخيرة، بل ببداية جديدة. ~~ولا يعني الموت النهائي، بل الحياة المتجددة. ولا يعني التشاؤم والحزن ~~على فراق من أحب بل الأمل في المستقبل الذي لا يتحول إلى ماض أبدا، ~~بل يصبح مستقبل المستقبل؛ فتعبير «المثوى الأخير» لا يعني نهاية ~~الحياة بالموت ولكنه يعني بداية الحياة بالأمل. # إذا كانت البداية لها نهاية فإن النهاية قد تكون بداية جديدة؛ ~~فالإبداع الفكري بدايات لا نهايات؛ لأن الإبداع لا ينتهي؛ فبمجرد ظهور ~~النهايات في «المثوى الأخير» انبثقت بدايات جديدة بالرغم من ضعف ~~الجسد. ويبدو أن ضعف الجسد يوازي قوة العقل كما لاحظ ابن سينا في ~~البراهين على خلود النفس، فالزمان لا يتوقف؛ إن بدأ فإنه لا ينتهي. ~~والمهم أن يشعر الوجود الزماني بمساره وتجدده وبداياته الجديدة كلما ~~قارب على الانتهاء؛ فالزمان مسار متصل والجسد هو الذي يقطعه. # فإذا استمر الزمان عندي لكان في استطاعتي كتابة «الثقافة الشعبية في ~~الأغاني والأزجال والأمثال العامية» لأبين أنه لا فرق بين الوحي النازل ~~من السماء والإبداع الأدبي الصاعد من الأرض. وربما كتبت أيضا «صورة ~~المرأة في القرآن الكريم». # الأولى: المرأة المغوية «حواء»، الثانية: المرأة الغائبة «امرأة ~~نوح»، الثالثة: المرأة الشاذة «امرأة لوط»، الرابعة: المرأة المضحية ~~«سارة زوجة إبراهيم» ضحت لتزوجه هاجر، الخامسة: المرأة الجميلة ~~«بلقيس ملكة اليمن»، السادسة: المرأة المفتونة «امرأة العزيز» التي ~~افتتنت بيوسف، السابعة: المرأة الأم «أم موسى» التي وضعت ابنها في ~~النهر، الثامنة: المرأة المستحية «الفتاة المستحية التي استسقت موسى ~~ليسقي لها»، التاسعة: المرأة المؤمنة «مريم أم عيسى المسيح»، العاشرة: ~~المرأة المحبة «خديجة زوجة الرسول»، الحادية عشرة: المرأة المحبوبة ~~«عائشة بنت أبي بكر»، الثانية عشرة: المرأة الزوجة الفاتنة ~~«زينب». # ويتضمن الجزء الثاني أحكام الزواج ms393 والطلاق، والمهر، والخصام، وتعدد ~~الزوجات، وملك اليمين، والسبايا والجواري والإماء، والإرث، والشهادة، ~~واللباس وغطاء الجسد. # وإن امتد الزمان كتبت عن الجدل القرآني بين المصدق واللامصدق سواء ~~كان ذلك في الدنيا أو فيما بعدها، وهزيمة حجج اللامصدق وانتصار حجج ~~المصدق. الأول: انتصار الإيمان على العقل. والثاني: انتصار العقل على ~~الإيمان. # وإذا امتد الزمان أكثر لكتبت الذكريات الجزء الثالث، ويتضمن ~~رؤية عامة # Over-all view ~~، لدلالة ~~حياتي العلمية والثقافية والسياسية دون تقسيمها إلى مراحل كالجزء الأول ~~أو إلى موضوعات كالجزء الثاني. أضع فيها خلاصة العمر والنتيجة النهائية ~~لحياة عالم صاحب رسالة، لم يأت هذا العالم ويتركه بلا أثر، ويصبح ~~فيه مجرد تاريخ لذكريات الآخرين والأجيال القادمة. # | الخاتمة # محاولة للدفع والنقد الذاتي # كثر النقد للجزء الأول من «ذكريات» وكل ناقد يحاول أن يعرف من ~~المقصود بهذا أو بذاك، ويحول الذكريات من التحليل الذاتي لتجارب ~~الحياة إلى الكشف الموضوعي في المجتمع والتاريخ. والذكريات ليس لها ~~صلة بالجانب الموضوعي، أشخاصا أو وقائع؛ إذ إنها بين قوسين أي لا ~~تصدر أحكام عليها، يبدو أن النقد السريع في مصر هو نقد تاريخي ~~يطابق بين النص وما يحال إليه ظنا، ولمعرفة هل هو مدح أم ~~ذم؟ # ويتساءل أحد قراء الجزء الأول من «ذكريات» أين أنا؟ لماذا لم ~~تذكرني؟ ويتساءل آخر لماذا ذكرتني في سطر واحد فقط دون أن تكتب ~~عني أكثر من ذلك؟ فكل قارئ يسأل وهو لا يقرأ الذكريات إلا من خلال ~~نفسه، أين هو؟ وما حجم الحديث عنه؟ # والمدح يقبل بترحيب، والذم يرد عليه، خاصة إن كان الموضوع ~~الذي تنبع منه الذكريات قد كون جماعة تسبح بحمده، وتتقرب إليه ~~لتنتفع منه. # وقد تقع الذكريات في بعض الأخطاء التاريخية وهذا طبيعي؛ لأن ~~مقياس الصدق فيها هو ذاتها وليس مطابقتها للواقع الخارجي. وهناك ~~فرق بين الذكريات وباقي الأنواع الأدبية مثل المذكرات، واليوميات، ~~والسير الذاتية . فالذكريات صدقها في انسيابها، وانطلاقها الطبيعي، ~~وهي أشبه بالشريط السينمائي، أما الأنواع الأخرى فصدقها في ~~مطابقتها للتاريخ. # الذكريات ليس بها صدق وكذب إلا حين التدخل ms394 بمقص الرقيب، أو ~~بالإرادة كي تستبعد جزءا أو تضيف جزءا آخر. حينئذ تكون أقرب إلى ~~التأليف، أما الأنواع الأخرى فلا حرج أن يتدخل فيها مقص الرقيب؛ ~~لأنها تخص واقعا محددا، وتصف حوادث محددة. # والذكريات قد ينسى بعضها حين كتابتها ثم يتم تذكرها في لحظة ~~أخرى؛ فالذاكرة تخضع لقوانين التذكر والنسيان، الزيادة والنقصان. ~~وقد يعمها التكرار في سياقات أخرى مثل، العلاقة بالمرأة أو ~~العلاقة بالجامعة. فالذكريات تتشابك أحيانا في سياقات متعددة. ~~وهو ما يفسر عدم التطابق بين الجزء الأول والجزء الثاني في تذكر ~~الحوادث أو نسيانها؛ لذلك تم التردد بين تسمية هذه الذكريات بالجزء ~~الثاني أم الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة؟ ولما كان هناك اختلاف بين ~~الكتابين في التبويب وفي طريقة العرض من الذكريات المرحلية سابقا ~~إلى الذكريات الموضوعية حاليا، وكثرت الإضافات التي اعترى بعضها ~~النسيان في الكتاب الأول؛ حسمت التردد بتسمية هذه الذكريات «الجزء ~~الثاني». وعلى الرغم من عدم دقة هذه التسمية لأنها تعتبر إعادة ~~صياغة لموضوعات ومادة الكتاب الأول إلا أن تسميتها بطبعة جديدة ~~مزيدة ومنقحة، غير دقيقة أيضا لاختلاف أساليب التعبير وطرق السرد. ~~وعيبها أنها تتكرر هنا وهناك كشريط «ذكريات» سينمائي، إلا أن ~~ميزتها الإخراج الجديد. ومع ذلك تتساوى الذكريات الأولى والثانية ~~في نفس العنوان حتى لو كانت بعنوان طبعة ثانية مزيدة أو منقحة أو ~~الجزء الثاني. وربما كان التوفيق بين العنوانين في طبعة جديدة ~~مزيدة ومنقحة يخفف التعارض بين العنوانين؛ جزء أول وجزء ~~ثاني. # وتختصر الذكريات كلها إلى فصل واحد، به من يريدون الدفاع عنه ~~ظنا بأن الذكريات لا تشير إلى وقائع أو أشخاص بعينها، وقول آخر ~~يثير تساؤلا: «هل أنا مثل ما ذكرت أو تذكرت؟» وكأنني أكتب ~~تاريخا، وكأن الذكريات مدح للبعض وذم للبعض الآخر. # وعندما عقدت ندوة لمناقشة «ذكريات» اهتم الجميع بهذا الفصل الواحد، # 1 # لعله يخرج منه بريئا. أما باقي الفصول بدءا من ~~الطفولة حتى الشيخوخة ومرورا بمراحل الدراسة الأولية والابتدائية ~~والثانوية والجامعة والدراسات العليا في الخارج فلم يتناولها ~~أحد. # وأما صراعي مع الإدارة الجامعية ms395 لإيقاف ترقيتي مرتين، بعد أن ~~حكمت اللجنة العليا بترقيتي، فلا وجود له ولا ذكر له. # وكأن مواقفي السياسية من زيارة الرئيس لإسرائيل واتفاقيات كامب ~~ديفيد، ومعاهدة السلام ليست لها أهمية. # وكأن نقاشي مع الرؤساء ابتداء من عبد الناصر مطالبا بالحرية ~~للشعب، وباستقلال الجامعات ليس له أهمية؛ مما يدل على تحيز القارئ ~~في قراءة النص، وأخذ ما يهمه شخصيا له ولأصدقائه، وترك «هموم ~~الفكر والوطن». # وهذا ما دفعني إلى كتابة جزء ثان من «ذكريات» لعله يقرأ هذه ~~المرة بحياد وتجرد وتناول لكل فصوله الاثني عشر، ودون التركيز على ~~فصل واحد. # فالقارئ هو الذي يؤول نص الكاتب ويكتبه مرة أخرى بقراءته؛ فيصبح ~~النص تأليفا مزدوجا بين الكاتب والقارئ. # والرد على «ذكريات» لا يكون بتجريم صاحبها بل بكتابة ذكريات ~~أخرى، لمن يريد وعاش نفس الفترة، وآلمته بعض المواقف، وفرح من ~~مواقف أخرى؛ فالذكريات مجال خارج المدح والذم، والثواب والعقاب، ~~بل هي شهادة للتاريخ على من يريد أن يعرف. # والصعوبة في الذكريات هي ما يظنه البعض أنها جمع بين العام ~~والخاص؛ فلا يجوز للذكريات أن تتناول الحياة الخاصة لمن يتذكرهم ~~صاحب الذكريات. أما إذا كان الخاص عاما، والعام خاصا فمن ~~الضروري الجمع بين الاثنين باعتبار أن الخاص يعرفه الجميع مثل ~~العام، أن صاحب الذكريات يعيش التجربتين معا؛ فالخاص لا يستحق ~~الإخفاء، بل يظهر مثل العام، كما أن العام الذي يعرفه الجميع لا ~~يستحق الإخفاء فما عرف قد عرف وما ظهر قد ظهر. # ونقد الذكريات لا يكون بإصدار أحكام خلقية خاصة فيما يتعلق ~~بالمرأة، وخاصة إذا كان ذلك في الخارج في فترة التكوين والتحول من ~~الحب العذري إلى ما بعده. وهو نقد يجعل الناقد أكثر أخلاقية من ~~المنقود، ويجلب الشهرة عليه والتحية له باعتباره المدافع عن ~~الأخلاق. وهل الأخلاق هي في العلاقة بالمرأة وحدها؟ أم أيضا ~~بالسرقات العلمية، وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، ~~والتآمر بدعوى أن المتآمر ابن لفلان أو ابنة لآخر، والعمل في ~~الخفاء لتعيين معيدة، والاتصال بالسفارات الأجنبية لبيان خطورة ~~الرسالة على ms396 العلاقة بين الدولتين؟ وهل تكوين «شلل» للجماعة ~~العلمية لا يعد جريمة خلقية؟ # أليس الاستعلاء على الغير والتكبر جرائم علمية يستحق صاحبها الذم ~~والاستنكار؟ أليست العزلة عن حياة الجماعة العلمية تخل عن أداء ~~الواجبات العلمية؟ # يبدو أن البيئة العامة ما زالت مخضبة بالجنس، يخفونه في الظاهر ~~ويلمسونه في الباطن. # أليس النفاق، ومواجهة التلميذ للأستاذ في وجهه بالتحية والترحاب ~~والاعتراف بحق الأستاذ ثم الذم من وراء ظهره بشكل عام ومن خلال ~~وسائل الاتصال رذيلة خلقية؟ # أليست علاقة بين أستاذ وطالبة نالت الجوائز العلمية على يديه دون ~~أن تستحقها جريمة علمية وأخلاقية؟ # إن الذكريات التي تكشف الستار أفضل من الذكريات التي تخفيها. وما ~~يخص معروف يتحدث به الناس ولا يجرؤ أحد على الإفصاح عنه. # أليس استبعاد الجماعة العلمية من ترشيح أحد علمائها لجائزة ~~الدولة التقديرية، وترشيح أستاذ آخر من جماعة علمية أخرى وفي ~~نفس الوقت ترشيح جماعات علمية أخرى لنفس الأستاذ ونيله الجائزة؛ ~~جريمة أخلاقية؟ # أليس عدم ترشيح الجماعة العلمية لنفس الأستاذ لجائزة النيل ~~وترشيح أستاذ آخر من جماعة علمية أخرى، وترشيح جماعات علمية ~~أخرى لنفس الأستاذ لنيل الجائزة واستلامها؛ أليست جريمة ~~أخلاقية؟ # قد لا تتساوى جميع الفصول الاثني عشر في الحجم؛ فهناك فصول يصل ~~عددها إلى ثلاثين صفحة، وأخرى تظل في نطاق العشر صفحات. كان الحرص ~~دائما على إبقاء التوازن الكمي بين الفصول، ولكني لم أستطع؛ فهناك ~~فصول طويلة بطبعها لأن الموضوع يستحق الطول، مثل الفصل الثالث ~~«الحب العذري»، وهناك فصول قصيرة، مثل الفصل الحادي عشر «ضرورات ~~الجسد» والفصل الثاني عشر والأخير «مثوى أخير أم بداية ~~جديدة». # وقد تكون هناك أخطاء نحوية وذلك طبيعي؛ لأن الذكريات استرسال ~~طبيعي للكلام، ولا يتضمن مراجعة للنحو. فإذا ظهرت أخطاء نحوية ~~فإنها تكون أقرب إلى العادة والعرف مثل «أبو الخير» فإنها لا تكون ~~«أبي الخير» إذا كانت مضافا إليه أو سبقها حرف جر، أو «أبا الخير» ~~إذا كانت مفعولا به. فاسم «أبو الخير» استعصى على التصريف. ويحدث ~~ذلك ليس من المؤلف وحده بل أيضا من «السكرتارية» ms397 اعتمادا على ~~مراجعة شيخ في اللغة العربية في المطبعة التابعة لدار ~~النشر. # وقد يكون بالنص أخطاء مطبعية لا يلتفت إليها مراجع المطبعة الذي ~~تكون مهمته مراجعة الأخطاء المطبعية، وهذا يحدث في كل كتاب مطبوع، ~~وفي كل المطابع، وفي كل دور النشر؛ لذلك تضاف أحيانا في آخر ~~الكتاب صفحة لتصويب الأخطاء المطبعية. # والنقد الذاتي يسبق نقد الآخر؛ فالاعتراف بالحق فضيلة، وحسن ~~النية مع الذات أفضل من سوء النية تجاه الآخر. والمصلحة العامة بين ~~الأنا والآخر أفضل من مصلحة الآخر الخاصة. وصداقة مؤقتة خير من ~~نفاق دائم. # وفى النهاية تبقى الذكريات الشهادة الصادقة على التاريخ. ms398