######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.DirasatFalsafiyyaGharbiyya.Hindawi95020529 #META# Tags: philosophy #META# ID: 95020529 #META# Title: دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: ما الفلسفة؟‏ # ثالثا: الفلسفة والسلطة‏ # رابعا: الفلسفة والمذهب‏ # خامسا: الفلسفة والابتسار‏ # سادسا: الفلسفة والعقل‏ # سابعا: الفلسفة والمنهج‏ # ثامنا: الفلسفة والعلوم الإنسانية‏ # تاسعا: الفلسفة والتاريخ‏ # عاشرا: خاتمة‏ # الصراع بين الكليات الجامعية عند كانط1‏ # أولا: نشأة الجامعات في أوروبا‏ # ثانيا: الصراع بين الكليات الجامعية ~~عند كانط‏ # ثالثا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية اللاهوت‏ # رابعا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الحقوق‏ # خامسا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الطب‏ # فلسفة التاريخ عند فيكو1‏ # أولا: مقدمة: نشأة فلسفة التاريخ‏ # ثانيا: ماذا يعني «العلم الجديد ~~للطبيعة المشتركة بين الأمم»؟‏ # ثالثا: المبادئ العامة لفلسفة التاريخ‏ # رابعا: الحكمة الشعرية‏ # خامسا: المراحل الثلاث لتطور ~~البشرية‏ # سادسا: خاتمة: حدود فلسفة التاريخ ~~عند فيكو‏ # الاغتراب الديني عند فيورباخ1‏ # أولا: مقدمة: جوهر المسيحية‏ # ثانيا: الجوهر الحقيقي أي ~~أنثروبولوجيا الدين‏ # ثالثا: الجوهر الزائف، أي ثيولوجيا ~~الدين‏ # ثورة الجماهير عند أورتيجا إي جاسيه1‏ # أولا: الكتاب، والأسلوب، والمنهج، ~~والنسق‏ # ثانيا: الإنسان الجماهيري‏ # ثالثا: انهيار الغرب‏ # مدرسة «تاريخ الأشكال الأدبية»1‏ # أولا: المقدمة‏ # ثانيا: نشأة «نقد الأشكال الأدبية»‏ # ثالثا: المبادئ الأولية والمسلمات العامة‏ # رابعا: الأشكال الأدبية عند ديبليوس‏ # خامسا: الأشكال الأدبية عند بولتمان‏ # سادسا: تاريخ الأشكال الأدبية وحياة ~~عيسى‏ # سابعا: تطور المدرسة والردود على ~~الاعتراضات‏ # قراءة النص1‏ # أولا: مقدمة: من النقل إلى الإبداع‏ # ثانيا: ماذا تعني قراءة النص؟‏ # ثالثا: ما هو النص؟‏ # رابعا: ضرورة النص‏ # خامسا: هل هناك معنى موضوعي للنص؟‏ # سادسا: متغيرات النص‏ # سابعا: ثوابت النص‏ # ثامنا: الإحالة إلى الذات‏ # تاسعا: خاتمة: القراءة إبداع‏ # علم المستقبليات‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: الاتجاه نحو الماضي والإعداد للمستقبل في تراثنا ~~القديم‏ # ثالثا: التحول من الماضي والاتجاه ~~نحو المستقبل وصياغة التقدم في ~~التراث الغربي‏ # رابعا: حيرة الحاضر في وجداننا القومي، في أي مرحلة من ~~التاريخ نحن نعيش؟‏ # خامسا: حساب الماضي، وأزمة الحاضر، ~~وهموم المستقبل في الوعي ~~الأوروبي‏ # سادسا: خاتمة‏ # مقدمة‏ # متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: ما الفلسفة؟‏ # ثالثا: الفلسفة والسلطة‏ # رابعا: الفلسفة والمذهب‏ # خامسا: الفلسفة والابتسار‏ # سادسا: الفلسفة والعقل‏ ms001 # سابعا: الفلسفة والمنهج‏ # ثامنا: الفلسفة والعلوم الإنسانية‏ # تاسعا: الفلسفة والتاريخ‏ # عاشرا: خاتمة‏ # الصراع بين الكليات الجامعية عند كانط1‏ # أولا: نشأة الجامعات في أوروبا‏ # ثانيا: الصراع بين الكليات الجامعية ~~عند كانط‏ # ثالثا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية اللاهوت‏ # رابعا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الحقوق‏ # خامسا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الطب‏ # فلسفة التاريخ عند فيكو1‏ # أولا: مقدمة: نشأة فلسفة التاريخ‏ # ثانيا: ماذا يعني «العلم الجديد ~~للطبيعة المشتركة بين الأمم»؟‏ # ثالثا: المبادئ العامة لفلسفة التاريخ‏ # رابعا: الحكمة الشعرية‏ # خامسا: المراحل الثلاث لتطور ~~البشرية‏ # سادسا: خاتمة: حدود فلسفة التاريخ ~~عند فيكو‏ # الاغتراب الديني عند فيورباخ1‏ # أولا: مقدمة: جوهر المسيحية‏ # ثانيا: الجوهر الحقيقي أي ~~أنثروبولوجيا الدين‏ # ثالثا: الجوهر الزائف، أي ثيولوجيا ~~الدين‏ # ثورة الجماهير عند أورتيجا إي جاسيه1‏ # أولا: الكتاب، والأسلوب، والمنهج، ~~والنسق‏ # ثانيا: الإنسان الجماهيري‏ # ثالثا: انهيار الغرب‏ # مدرسة «تاريخ الأشكال الأدبية»1‏ # أولا: المقدمة‏ # ثانيا: نشأة «نقد الأشكال الأدبية»‏ # ثالثا: المبادئ الأولية والمسلمات العامة‏ # رابعا: الأشكال الأدبية عند ديبليوس‏ # خامسا: الأشكال الأدبية عند بولتمان‏ # سادسا: تاريخ الأشكال الأدبية وحياة ~~عيسى‏ # سابعا: تطور المدرسة والردود على ~~الاعتراضات‏ # قراءة النص1‏ # أولا: مقدمة: من النقل إلى الإبداع‏ # ثانيا: ماذا تعني قراءة النص؟‏ # ثالثا: ما هو النص؟‏ # رابعا: ضرورة النص‏ # خامسا: هل هناك معنى موضوعي للنص؟‏ # سادسا: متغيرات النص‏ # سابعا: ثوابت النص‏ # ثامنا: الإحالة إلى الذات‏ # تاسعا: خاتمة: القراءة إبداع‏ # علم المستقبليات‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: الاتجاه نحو الماضي والإعداد للمستقبل في تراثنا ~~القديم‏ # ثالثا: التحول من الماضي والاتجاه ~~نحو المستقبل وصياغة التقدم في ~~التراث الغربي‏ # رابعا: حيرة الحاضر في وجداننا القومي، في أي مرحلة من ~~التاريخ نحن نعيش؟‏ # خامسا: حساب الماضي، وأزمة الحاضر، ~~وهموم المستقبل في الوعي ~~الأوروبي‏ # سادسا: خاتمة‏ # | دراسات فلسفية (الجزء الثاني) # | دراسات فلسفية (الجزء الثاني) # | في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة # تأليف # حسن حنفي # | مقدمة # كتب هذا الجزء الثاني، في «الفكر الغربي المعاصر» من «دراسات ~~فلسفية» أيضا بعد انقلاب الثورة المصرية على نفسها وتحولها إلى ثورة ~~مضادة، وانقسام ثقافة الأمة إلى تيارين متخاصمين: السلفية ms002 ~~والعلمانية، ليس فقط في مصر بل في الوطن العربي. # كتب المقالان الأول والأخير: «متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟» «علم ~~المستقبليات» بعد أن عزمت مجلة عالم الفكر في الكويت إصدار عدد خاص ~~بعنوان «هل ماتت الفلسفة؟» وكان السؤال يحتوي مسبقا على إجابة متضمنة ~~غير معلنة. فآثرت طرح السؤال بطريقة أصح ومحايدة «متى تموت الفلسفة ~~ومتى تحيا؟» فالفلسفة ابنة عصرها وموقف فلاسفته. كما فكرت وزارة ~~الإعلام في نفس القطر إنشاء مجلة ثقافية جديدة إما «عالم الغد» لعلم ~~المستقبليات أو «المعرفة العالمية» لتنشر آخر صيحات الفكر الغربي ~~المعاصر. ولما فضلت الأولى كتبت افتتاحيتها «علم المستقبليات» أو عالم ~~الغد بين الأمس واليوم، ولكن «المعرفة العالمية» هي التي وقع عليها ~~الاختيار ترويجا للثقافة الغربية، ودرءا لمخاطر السلفية. # وكتب المقالان الثاني والثالث: «الصراع بين الكليات الجامعية عند ~~كانط» و«فلسفة التاريخ عند فيكو» مساهمة في العددين الخاصين لمجلة ~~«الفكر العربي» ببيروت؛ الأول عن الجامعة، والثاني عن فلسفة ~~التاريخ. # وكتب المقالان الرابع والخامس: «الاغتراب الديني عند فيورباخ» ~~و«ثورة الجماهير عند أورتيجا أي جاسيه» من أجل الحد من الاغتراب الديني ~~عند السلفيين، جعل الدين مجرد عقائد وشعائر وحدود بعيد عن القضايا ~~الاجتماعية والسياسية، ودعوة إلى ثورة الجماهير التي استكانت ورضيت ~~بالثورة المضادة، باستثناء ثورات الطلبة في 1972م، والانتفاضة الشعبية ~~في يناير 1977م، وحركة الأمن المركزي في يناير 1986م. # أما المقالان السادس والسابع: «مدرسة الأشكال الأدبية» و«قراءة النص» ~~فيهدفان إلى توجيه العقل العربي نحو تحليل النصوص الدينية تحليلا ~~أدبيا لبيان أشكالها الأدبية مع ضرب المثل بالإنجيل، وقراءة النص ~~قراءة عصرية تجعله حاملا لمطالب العصر دون كسر اتساق الخطاب ~~العقلي. # حسن حنفي # القاهرة، مدينة نصر، يونيو 1995م # | متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ # | أولا: مقدمة # الفلسفة مثل الكائنات الحية تموت وتحيا. فهي إبداع إنساني ~~يتخلق عندما تتهيأ له ظروفه وينقرض تماما عندما تتغير هذه ~~الظروف، وتحل محلها ظروف أخرى مضادة لا يقوى الكائن الحي الوليد ~~على مقاومتها والتكيف معها حتى يضمن لنفسه البقاء والاستمرار. ~~والتاريخ شاهد على ذلك. فهو هذا المعمل الذي ms003 تقام فيه التجارب ~~الحية وتنشأ فيه الأجنة التي تولد والتي تحيا . وهو السجل الذي ~~يدون فيه الموتى والأحياء، والمحفوظ دائما في صدور الناس في ~~وعيهم بالتاريخ وفي إدراكهم لقوانين حركته. وشروط الحياة أو الموت ~~ليست ظروفا تاريخية مجردة عن الحياة الإنسانية التي تتسم بحرية ~~النظر والعمل دون أن تكون أسيرة للظروف وخاضعة لها خضوعا آليا ~~حتميا، ولكن باجتماع هذين العنصرين: حتمية التاريخ وحرية ~~الإنسان، تموت الفلسفة وتحيا. ويأتي السؤال عن الموت قبل السؤال عن ~~الحياة. فحياة الفلسفة شيء طبيعي طالما أن الإنسان ما زالت به ~~حياة، وطالما أن الحياة تعني حرية الفكر والنظر، والقدرة على البحث ~~والتقصي، وطالما أن الدنيا ما زالت قائمة، وطالما وجد فيها ~~إنسان واحد يتنفس أو يعقل؛ فالعقل كما قال القدماء: إحدى قوى ~~النفس، والنفس أحد مظاهر الحياة، ولكن الغريب أن تموت الفلسفة ~~والحياة باقية، وهناك إنسان حي عاقل على وجه الأرض. إن موت الفلسفة ~~يعني نهاية الحياة وعدم قدرة الإنسان على المقاومة، واستعمال ~~حريته، وعجزه عن خلق الظروف التي تعيد له وللفلسفة الحياة. وهذا ~~الافتراض تنكر لوجود الإنسان وفاعليته في الحياة. حياة الفلسفة ~~هي الأساس وموتها هو العرض، حياتها هي القاعدة وموتها هو ~~الاستثناء، حياتها هي الطبيعي المألوف وموتها هو الشاذ ~~الغريب. # وليس السؤال: هل ماتت الفلسفة؟ فهي تموت بطبيعة الأحوال وتغير ~~الظروف، وبالوجود الإنساني ذاته الذي قد يمارس حريته ويستعمل عقله ~~وقد لا يمارس أو يستعمل. ويشهد بذلك أيضا تاريخ الفكر الإنساني ~~ولحظات موت الفلسفة ولحظات حياتها، ولكن السؤال هو: متى تموت ~~الفلسفة ومتى تحيا؟ متى يحدث لها أن تموت، وفي أي ظروف تحيا؟ ~~فالسؤال ليس مجردا بل هو سؤال في الزمان وفي التاريخ داخل ~~الحضارات البشرية ودوراتها؛ وبالتالي فلا توجد إجابة واحدة عامة ~~ومطلقة وشاملة بل هناك إجابات تاريخية محددة في لحظات تاريخية ~~معينة وفي أوضاع اجتماعية وسياسية بعينها تصدر عن مدى وعي الأفراد ~~والجماعات بحركة التاريخ وبقوانين مساره. والسؤال عن الزمان هو في ~~حد ذاته سؤال عن العلة، فالعلة توجد في التاريخ، ms004 لحظة زمانية ~~أو مرحلة تاريخية تكمن فيها العلة وتتحد معها؛ ومن ثم كان الحديث ~~عن الزمان والتاريخ هو حديث عن العلل والأسباب. ولا يوجد موت نهائي ~~للفلسفة بل هناك إمكانية بعث لها وعودة الحياة إليها. فالظروف ~~متغيرة، وحرية الإنسان دائمة ومستمرة حتى لو اعتراها الوهن والضعف ~~في بعض اللحظات. لا يوجد موت إلا ويتلوه بعث، ولا توجد حياة إلا ~~ويصيبها الموت أو الهزال. بل إن كل لحظة موت هي بداية لحظة أخرى ~~لميلاد جديد، تموت الفلسفة وتحيا في دورات وبإيقاع منتظم رتيب ~~مثل ضربات القلب أو دفعات النفس. # وليس السؤال في فعل ماض: هل ماتت الفلسفة؟ بل السؤال في الفعل ~~المضارع: متى تموت الفلسفة، ومتى تحيا؟ فليس المقصود هو الحديث عن ~~التاريخ الماضي ورصد حسابه بل الحديث عن الحاضر وكشف مكوناته. ~~فلعلنا باكتشافنا اللحظة الحاضرة نستطيع أن نرى الماضي بوضوح ~~فالحاضر يقرأ نفسه في الماضي. ولا يوجد ماض يأتي بفعل الزمان، ~~والتاريخ لا يثيره الحاضر ولا يبعثه. الماضي ولى، والحاضر بعث ~~له وإمكانية تحقق. وإذا كان الماضي قد انتهى فإن معاركه ما زالت ~~حاضرة، وصراع الأطراف ما زال قائما. الماضي من تراث الآباء ~~والحاضر من إبداع الأبناء، ولكن في مواقف قد تكون واحدة. فما أشبه ~~الأمس باليوم؛ وبالتالي يكون سؤال: متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ ~~مسئولية الجيل الحاضر عن موت الفلسفة أو حياتها، وإذا كان الماضي ~~عند البعض سلبا واستلابا ومحايدة، فإن الحاضر عند البعض الآخر ~~التزام ونقد ومقاومة. # ولما كنا نحن الآن في نهاية فترة وبداية أخرى، نتحدث عن ~~الانهيار والنهضة ونذكر الانحطاط والبعث، ونواجه التوقف ~~والاستمرار فمن الطبيعي أن يكون سؤال: متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ ~~موجها إلينا في جيلنا، واضعا إيانا مع مشكلتنا الجوهرية التي ~~نواجهها منذ عدة أجيال منذ الطهطاوي والأفغاني وشبلي شميل ألا وهي ~~النهضة، شروطها ومقوماتها وطرقها وغاياتها، وكان من الطبيعي الدخول ~~في الزمان في التاريخ فلعلنا نكتشف لدينا وعيا بالزمان وإحساسا ~~بالتاريخ يمكننا من الإجابة على السؤال. وإذا كنا على حافة ~~دورتين حضاريتين؛ ms005 الأولى هي التي حددها ابن خلدون ووصف مسارها في ~~المقدمة؛ والثانية هي عصر الانهيار الذي قد شارف على النهاية منذ ~~نهاية القرن الرابع عشر الهجري وبداية الخامس عشر، فإن لدينا ~~التجارب العصرية التي تجعلنا قادرين على رؤية موت فلسفة وحياة ~~أخرى. مجتمعاتنا في لحظات التحول من التقاليد إلى التحرر، ومن ~~التراث إلى التجديد، وفي هذه المرحلة من مسارها يكون السؤال ذا ~~دلالة، وتحمل الإجابة عليه تجربة حضارية لمجتمعاتنا الناهضة قد ~~تساعدنا على تقوية وعينا باللحظة التاريخية الراهنة. # لذلك كان من الطبيعي أن يكون المنهج المتبع هو منهج تحليل ~~التجارب الشعورية لجيلنا والتي يعيشها المفكر أو الفيلسوف، وهو ~~المنهج الذي تمت صياغته باسم المنهج «الوصفي» أو المنهج ~~«الظاهرياتي» أو المنهج «الفينومينولوجي» في التراث الغربي في ~~الفينومينولوجيا المعاصرة. # 1 # وقد كان متبعا من قبل في تراثنا القديم خاصة في ~~علوم التصوف وفي علم أصول الفقه وإلى حد ما في علوم الحكمة، # 2 # وهو أيضا المنهج الذي يطبقه كل المفكرين على غير وعي ~~منهم سواء كانوا علماء أو فلاسفة أو حتى أدباء وفنانين، فلا شيء ~~يحدث في الخارج إلا ويحدث في الشعور، ولا شيء يتم إدراكه في ~~الخارج إن لم يتم إدراكه في الشعور، وهو المنهج الذي يستعمله ~~بسطاء الناس وعامتهم في حياتهم اليومية في إدراكهم وتعبيرهم وتحديد ~~مواقفهم. فالإنسان لا يستطيع أن يفهم أي موضوع إلا من خلال ~~التجربة. والموضوع تجربة معاشة في شعور الإنسان لا يستطيع أن ~~يفهمه إلا إذا أدرك دلالته أو معناه، ولما كانت التجارب البشرية ~~مطردة وقوانين التاريخ وتطور المجتمعات واحدة، فإنه يمكننا فهمها ~~بصرف النظر عن اختلاف العصور والأجيال، فنحن قادرون على تذوق ~~الآداب القديمة وفهم الفلسفات الماضية وإدراك المواقف الإنسانية ~~للعصور السابقة. فالماهيات واحدة، والمعاني قائمة ومستقلة عن ~~حواملها التاريخية، ويمكن إدراكها بالحدس، يكفي إعادة بناء ~~الموقف، وعيش التجربة واتحاد الذات بموضوعها. ويتفق على حدس ~~الماهيات عديد من الباحثين والقراء على السواء دون ما خلاف على ~~النتائج. وتلك تطابق الحكم الصوري مع الواقع المادي. فهذا التطابق ms006 ~~ادعاء لا وجود له لأن الحكم والواقع لا يوجدان إلا في التجربة ~~المعاشة ؛ فالصدق في التحليل والبداهة في الإدراك هما مقياسان لصحة ~~تطبيق هذا المنهج في مثل هذا الموضوع: متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ ~~وقد قام هوسرل واضع هذا المنهج بتطبيقه في نفس الموضوع متسائلا عن ~~إفلاس # Bankrott # الفلسفة على ~~يد الحسيين التجريبيين من أمثال هيوم، وكيف يمكن زيادة رصيدها. # 3 # بل إنه لا يكاد يخلو فيلسوف واحد من وضع هذا السؤال، ~~كل على طريقته ولتدعيم مذهبه. ولكن هوسرل هو الذي وضع السؤال على ~~مستوى الوعي الأوروبي كله. فالموت والحياة ظاهرتان للوعي التاريخي ~~الفردي والحضاري، وليس على مستوى معين صوري أو مادي أو ~~وجودي. # ولما كان كل باحث اليوم ذا شعور مغترب نظرا لسيادة الحضارة ~~الأوروبية وانتشارها خارج حدودها فإنه يجد نفسه لا محالة بصدد ~~تحليل الشواهد والأمثلة التاريخية من داخل الحضارة الأوروبية وكأن ~~الغرب هو العالم كله، وكأن تاريخ الفكر الأوروبي هو تاريخ الفكر ~~الإنساني، وكأن الحضارة الأوروبية خاصة في العصور الحديثة هي ~~الممثلة الوحيدة للحضارات البشرية كلها؛ في مصر والصين وفارس وما ~~بين النهرين وفي أفريقيا وفي خليج المكسيك. وحرصا على هذا ~~التحرر من هذا التحيز الحضاري المسبق، ونحن ما زلنا ضحيته، فإن ~~الشواهد والأمثلة التاريخية ستعمم وتتنوع قدر الإمكان حتى تشمل ~~أكبر قدر ممكن من الحضارات الأخرى وفي مقدمتها الحضارة الإسلامية ~~التي تكون مخزوننا النفسي ورصيدها الفلسفي، والتي ما زلنا نعيشها ~~وتعيش فينا حتى الآن. # 4 # ولما كان الباحث ذو الوعي المتحرر من الغرب لم يع ~~بما فيه الكفاية إحدى دوائره الحضارية الكبرى وهي دائرة الشرق، ~~فذلك لأن الغرب ما زال يمثل لنا التحدي الأكبر ليس فقط عسكريا ~~واقتصاديا بل ثقافيا وحضاريا، ويكفينا في جيلنا التخلص من ~~آثاره، ويكفينا تحجيمه ورده داخل حدوده حتى يحدث التوازن في وعينا ~~القومي بين حضارتنا وحضارات الغير في الغرب أولا ثم في الشرق ~~ثانيا. # | ثانيا: ما الفلسفة؟ # ما هي الفلسفة تلك التي تموت وتحيا؟ وما تعريفها؟ ~~(1) # هل الفلسفة هي ~~البحث الخالص ms007 عن الحقيقة المجردة؟ هذا التعريف في ~~حقيقة الأمر نظري أكثر منه واقعي؛ إذ لا توجد حقيقة ~~مجردة بل توجد حاجات ومطالب وأهداف وبواعث وأوضاع ~~اجتماعية محددة في عصور وأمكنة معينة. المجرد لا ~~وجود له في الذهن ولا في الواقع لأنه معاش في تجربة ~~أولا بما في ذلك المفاهيم الرياضية والتصورات ~~المنطقية. ولم يكن هناك على مدى الفكر البشري أي بحث ~~مجرد عن الحقيقة حتى ولو أعلن الفيلسوف ذلك لأن الشمول ~~مطلب إنساني يتجاوز به الإنسان حدوده الفردية ~~والاجتماعية والتاريخية، لذلك كانت الفلسفات الصينية - ~~وفي مقدمتها الكونفوشيوسية - فلسفات عملية مرتبطة ~~بسعادة الإنسان على الأرض ونعيمه في هذه الدنيا. كما ~~وجه الإسلام الذهن البشري نحو منافع الأمة ومصالحها ~~وعدم السؤال عن أشياء لا نفع منها أو يأتي منها ضرر: # يا أيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن ~~تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ~~عفا الله عنها والله غفور حليم * قد سألها قوم من ~~قبلكم ثم أصبحوا بها ~~كافرين ~~(المائدة: 101-102). فالسؤال ~~لا يجوز إلا إذا كان فيه نفع عملي. وقد قال علماء ~~أصول الفقه قديما: إن كل سؤال لا ينتج عنه أثر عملي ~~فإنه يكون عاريا عن العلم. # 1 # وكثير من الأسئلة له إجابات عملية وليست ~~نظرية، وكما في الأثر عندما سئل الرسول عن الساعة ~~قال: «فاستعد لها.» كما رفضت الفلسفات العملية في ~~الغرب هذا البحث النظري المجرد من أجل التوجيه ~~العملي في الحياة. لقد ارتبط هذا التعريف للفلسفة ~~باليونان عامة وبالطبقة الأرستقراطية - طبقة الأحرار - ~~خاصة وهي التي كفاها العبيد مئونة العيش وتدبير ~~حياتها المادية من عمل وكد ورزق وإعداد للأعمال ~~المنزلية. فبدأت في البحث عن طبائع الأشياء وأصلها ~~بحثا مجردا صرفا لا غاية له ولا هدف إلا الحقيقة ~~ذاتها لملء أوقات الفراغ. كما استمر هذا التعريف ~~أيضا عند بعض فلاسفة التنوير مثل لسنج صاحب القول ~~المأثور: «لو أن الله أمسك بالحقيقة كلها في يده ~~اليمنى، والبحث الدائب عن الحقيقة في اليسرى كي أقع ~~دائما في ms008 الأخطاء وقال لي: أيهما تختار؟ فإنني بكل ~~تواضع أختار اليد اليسرى قائلا: أبي، هب لي هذا، ~~فالحقيقة المطلقة لك وحدك.» # 2 # وقد كان ذلك رد فعل على الدجماطيقية ~~والمعطيات المسبقة والحقائق الجاهزة من السلطتين ~~الدينية والسياسية أو من العرف والتقاليد، ثقة بقدرة ~~الإنسان على اكتشاف الحقائق بجهده الإنساني الخالص حتى ~~يطمئن إلى ذاته وإلى قدرته على إعطاء العالم غطاء ~~نظريا من وضعه بعد أن انهارت كل الأغطية النظرية ~~الموروثة التي دافعت عنها الكنيسة والدولة إلى آخر ~~رمق. وكان الثمن دماء المفكرين الأحرار والعلماء التي ~~سالت من أجل البحث عن الحقيقة والبرهنة عليها بشهادة ~~الحس والتجربة وبدليل العقل والبرهان. وقد عبر هوسرل ~~عن هذا التعريف أخيرا بأن الفلسفة هي البحث عن ~~الحقيقة النظرية المجردة الخالصة وأن موضوعها المثالي ~~هو نقطة أرشميدس أي الموضوع النظري المجرد الذي لا ~~وجود له في الواقع. فطالما ارتبطت الفلسفة بالنواحي ~~العملية الدينية أو الأخلاقية ولم تكن بحثا نظريا ~~مجردا فإنها لا تكون فلسفة؛ ومن ثم لم يعرف الشرق ~~القديم الفلسفة بهذا المعنى. بل إن سقراط نفسه ليس ~~فيلسوفا لأنه ربط بحثه النظري بالأخلاق العملية، وعلى ~~هذا النحو يكون الغرب وحده - ببحثه النظري المجرد - هو ~~القادر على التفلسف، ويكون أفلاطون هو نموذج الفيلسوف ~~في نظرية المثل؛ موضوعات عقلية صورية مفارقة للطبيعة ~~الحسية المادية. إن تطور الحضارة الأوروبية وبناءها ~~إنما يتحدد بالبحث النظري المجرد. وقد تحول ذلك ~~إلى غائية وقصد حضاري. بل إن العمل ذاته، أي كل ما ~~يتعلق بالإرادة والرغبات والميول، يتم البحث فيه ~~بحثا نظريا خالصا مجردا كما أراد كانط في «نقد ~~العقل العملي» من أجل البحث عن الأسس النظرية للعمل؛ ~~لذلك كان ليبنتز نموذج الفيلسوف بتحويله العالم إلى ~~رياضيات شاملة يمكن معرفتها بقوانين العقل ذاتها وأولياته. # 3 # وقد كرر ماكس فيبر الشيء نفسه، وجعل ~~التعقيل أو التنظير # Rationalization # ميزة خاصة للغرب على باقي الحضارات. فقد نشأ لديه ~~تقسيم العمل واكتشف قوانين الطبيعة واخترع الحاسبات ~~الآلية، وقد وصل هذا الاعتزاز عند فيبر بهذا التنظير ~~إلى حد ms009 العنصرية. # 4 # ولم ينشأ لدينا في تراثنا القديم ولا نهضتنا ~~المعاصرة هذا الاتجاه للبحث النظري المجرد باسم ~~الفلسفة أو البحث عن الحقيقة ؛ فقد ارتبطت الفلسفة ~~لدينا بالدين وبالشريعة أي بسعادة الإنسان في الدارين. ~~كما ارتبطت المعرفة بالسعادة والفلسفة بالأخلاق، بل إن ~~وضع الحكمة في أعلى الفضائل إنما لإعطائها الإنسان ~~السعادة والخير. هكذا كان الحال في علوم الحكمة وعلوم ~~التصوف لدينا. أما علم أصول الدين فالحقيقة فيه ~~منزلة من عند الله، من النبوة والوحي لغاية عملية، ~~وفي علم أصول الفقه الحقيقة فيه عملية وليست نظرية أي ~~الحرص على المصالح العامة والمنافع الدنيوية. ~~(2) # هل الفلسفة هي فن الحياة والتكيف مع مطالبها ~~ومقتضياتها من أجل البقاء والحرص على المنافع الخاصة ~~والعامة دون طرح أي سؤال نظري؟ هل هي مجرد تسهيل ~~للأمور، وتذليل للصعاب، وحل للمشاكل من أجل سير ~~الحياة؟ ولكن البراجماتية ذاتها كانت رد فعل على ~~الفلسفة باعتبارها بحثا عن الحقائق النظرية المجردة ~~التي لا أثر لها في الحياة العملية؛ لذلك أسقطت من ~~حسابها موضوع البحث النظري الخالص. وهو أيضا موقف ~~برجسون من العقل والبحث النظري بل والدين الثابت # Statique ~~، فالهدف من ~~ذلك كله هو التكيف مع الحياة. فالتصورات النظرية ~~عند برجسون مجرد ظلال وأشباح للواقع، وليست الواقع ~~نفسه الذي يتكيف الإنسان معه ويدركه بالحدس ~~الوجداني، مجرد شيكات أو حوالات أو أذونات للصرف وليست ~~رصيدا حقيقيا وثروة فعلية. # 5 # والحقيقة أنه يصعب تناول مشكلة العمل دون النظر، ~~فالنظر هو أساس العمل؛ لذلك كتب كانط «نقد العقل ~~العملي» لبحث المسائل النظرية لموضوعات العمل والسلوك، ~~كما أن الاتجاهات العملية في الفلسفات كلها لم تسقط من ~~حسابها البحث النظري، فسقراط كان يبحث عن المبادئ ~~النظرية العامة للسلوك العملي. وكذلك كان أفلاطون ~~وأرسطو. وظل الحال كذلك في العصر الوسيط بصرف النظر عن ~~صواب هذه المبادئ النظرية أو خطئها (الخطيئة، الخلاص، ~~الفداء ... إلخ). كما بحث ديكارت موضوع الصواب والخطأ في ~~التأملات في الفلسفة الأولى وكذلك فعل اسبينوزا في ~~«الأخلاق». بل إن «البراجماتية» عند «مل» تقوم على ~~أساس تجريبي ms010 وهو بحث نظري وإن اختلف المنهج، ويقوم على ~~استقصاء للعلل كما هو الحال عند علماء أصول الفقه في ~~تراثنا، وهناك الاتجاهات العملية عند شيلر # F. C. S. Shiller # وبيرس # Ch. Pierce ~~، وبلوندل، وكلها تؤسس العمل على ~~البحث النظري سواء في العلوم الإنسانية أو في العلوم ~~الرياضية والطبيعية أو في العقيدة الدينية، بل إن ~~الوجودية ذاتها، باعتبارها رد فعل على الفلسفات ~~النظرية المجردة، لم تغفل الأسس النظرية للسلوك الفردي ~~الاجتماعي كما هو واضح في «نقد العقل الجدلي» عند سارتر. # 6 # لقد انتهت الفلسفة عند اليونان بعد أن سادت الفلسفة ~~بعد أرسطو المدارس الأخلاقية العملية كالرواقية ~~والأبيقورية، وتحولت الفلسفة إلى بحث في السعادة ~~واللذة وممارسات عملية في جماعات وحلقات دون طرح الأسس ~~النظرية لهذا البحث. كما ماتت الفلسفة في أمريكا بعد ~~النزعة البراجماتية الخالصة كما هو الحال عند وليم ~~جيمس وجون ديوي، ما دامت الحقيقة هي مقدار ما تحدث ~~من أثر في الحياة العملية. وأصبح يضرب بالمجتمع ~~الأمريكي كله المثل في النزعة العملية وفي سطحية الفكر ~~لولا هجرة بعض المفكرين الأوروبيين والقيام بحركة ~~ثقافية علمية لطرح السؤال النظري. # 7 ~~(3) # هل الفلسفة تفكير على الدين، وتأييد لعقائده وخدمة ~~له، وفهم لنصوصه؟ لقد ارتبطت الفلسفة منذ نشأتها ~~بالدين، وخرجت من المعابد والكنائس واشتغل بها رجال ~~الدين. بل إن الفلسفة قد تكون تطورا طبيعيا للدين ~~كما يقول بعض فلاسفة التاريخ مثل كونت في قانون ~~الحالات الثلاث، وأن موضوع الفلسفة الأول وهو الوجود ~~المطلق، هو بعينه موضوع الدين الأول وهو الله. وأن ~~وسيلة المعرفة في الفلسفة - أي العقل أو الحدس - هي ~~بعينها وسيلة المعرفة في الدين وهو الوحي أو الإيمان ~~أو النبوة أو الإلهام بالرغم مما قد يبدو بين ~~الوسيلتين من اختلاف عند البعض، ومن اتفاق عند البعض ~~الآخر. وأن غاية الدين وهي النجاة في الدنيا والآخرة، ~~هي بعينها غاية الفلسفة وهي الحصول على السعادة؛ ومن ~~ثم كان الدين والفلسفة متفقين في الموضوع والمنهج ~~والغاية. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في تراثنا القديم ~~عند الفلاسفة المسلمين. ms011 فالفلسفة والدين عند الكندي ~~متفقان في الموضوع والغاية وإن اختلفا في المنهج، وعند ~~ابن سينا طريقان يؤديان إلى نفس الغاية كما وضح من ~~قصة «حي بن يقظان»، وعند ابن رشد: الفلسفة بالنسبة ~~للشريعة هي الأخت الرضيعة، المتحدتان بالطبع، ~~المتحابتان بالجوهر والغريزة، وإنما يكمن الخلاف ~~بينهما في الظاهر، ومن هنا أتت ضرورة التأويل. ويعظم ~~الخلاف بينهما عند العامة التي لا تقدر على التأويل، ~~وعند رجال الدين الذين يدافعون عن مناصبهم المزورة ~~ويضطهدون الحكماء الذين يكشفون عيوبهم. بل إن غاية ~~الفيلسوف هي بيان هذا الاتفاق بين الشريعة والحكمة، ~~وبين الدين والفلسفة. # 8 # وقد وضح هذا الاتجاه أيضا لدى آباء الكنيسة الأوائل ~~خاصة عند جيستان الذي كان يرى سقراط مسيحيا؛ ~~فالفلسفة هي محبة الحكمة، والمسيحية هي المحبة، ومن ~~ثم فلا خلاف بين الفيلسوف والمسيحي. وقد استمر ~~هذا التيار أيضا في الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط ~~عندما بدأ الجدل يسيطر على اللاهوت عند بيرانجيه ~~التوري، ونيقولا الأمياني، واستمر عند أبيلار. كما ~~ظهر بوضوح عند الرشديين اللاتين وفي مقدمتهم سيجر ~~البرابنتي وغيره من تلاميذ المسلمين. كما ظهر في العصر ~~الحديث كله ابتداء من ديكارت والديكارتيين خاصة ~~اسبينوزا الذي أمكنه استنباط كل حقائق الإيمان من ~~العقل الخالص. وقد بلغ ذلك الذروة عند هيجل عندما ~~تحول الدين إلى فلسفة، والتثليث إلى جدل، والقيامة ~~إلى تاريخ. كما تحولت الفلسفة إلى دين، والمطلق إلى ~~إله، والعقل إلى وحي. لم يعد هناك فرق بين الفلسفة ~~والدين ... وكلاهما تحققان للفكرة، ومظهران للمطلق؛ ~~ومن ثم لحق هيجل بتراثنا الفلسفي القديم الذي أصبح فيه ~~النبي هو الفيلسوف والفيلسوف هو النبي. # 9 # ولكن ارتباط الفلسفة بالدين جعلها خادمة له وأفقدها ~~القدرة على التفكير المستقل وحرية البحث. أصبحت ~~الفلسفة خادمة للدين ومبررة له مما أحدث رد فعل ~~عنيفا للفلسفة التي أصبحت عند البعض الآخر في مواجهة ~~الدين، ومعارضة له. فبدل أن كانت خادمة للدين أصبحت ~~سيدة له. حينئذ يتحول الدين إلى مجرد خرافات ~~وأساطير من الناحية النظرية وإلى شعائر وطقوس من ~~الناحية العملية، وإلى سلطة ms012 ومؤسسات وهيئات من الناحية ~~التنظيمية، وتصبح الفلسفة هي الحامل للواء العقل ~~والحرية والعمل، تعيد الإنسان إلى العالم بعد أن ~~استلبه الدين خارجا عنه كما ظهر ذلك بوضوح عند ~~فيورباخ في «جوهر المسيحية». # 10 # وقد ظهر هذان الاتجاهان نفسهما في تراثنا القديم؛ ~~الأول يريد جعل الفلسفة خادمة للدين كما وضح عند ~~الأشاعرة بجعلهم النقل أساس العقل؛ والثاني جعل ~~الفلسفة مستقلة عن الدين كما وضح عند المعتزلة بجعلهم ~~العقل أساس النقل. وقد ظهر رد الفعل على الاتجاه الأول ~~عند ابن الرواندي وعند الرازي؛ ولذلك لم تحفظ ~~مؤلفاتهما خاصة عن النبوة، وما زلنا حتى الآن في ~~حركاتنا الإصلاحية الأخيرة وفي نهضاتنا المعاصرة ~~نتصور ارتباط الفلسفة بالدين كما هو الحال في «الجوانية». # 11 ~~(4) # هل الفلسفة تفكير على العلم، وتأمل في نتائجه ~~وحل لمشاكله وتبن لمنهجه ونظر في موضوعاته؟ لقد ~~ارتبطت الفلسفة دائما بالطبيعة وهي ميدان العلم ~~وموضوعه الأول منذ الطبيعيين الأوائل عند اليونان. بل ~~إن العلم ذاته قد نشأ من ثنايا فلسفة الطبيعة ثم ساعد ~~على ازدهارها بعد نشأته. كانت فلسفة الطبيعة مادة ~~للعلماء كما كان العلم مادة لفلاسفة الطبيعة. وازدهرت ~~الفلسفة الطبيعية في القرن التاسع عشر بانتصار العلم ~~وإثر الاكتشافات العلمية الهائلة، واكتشاف علوم الحياة ~~بالإضافة إلى علوم الطبيعة، وبعد نظرية التطور وأثرها ~~على التصور العلمي للحياة وللكون، وفي هذا القرن نشأت ~~فلسفة علمية، تختار من العلم المنهج الدقيق لا الموضوع ~~الطبيعي، فاقتصرت الفلسفة على تحليل اللغة، وتحولت ~~إلى علم مضبوط. كما تحولت فلسفات الطبيعة إلى أطر ~~نظرية للمذاهب الاشتراكية كما هو الحال عند ماركس ~~وأنجلز، أو إلى أسس ميتافيزيقية لفلسفات الوجود كما ~~هو الحال عند هيدجر وبقية الطبائعيين الأوائل قبل ~~سقراط، أو عند ميرلوبونتي وبرجسون واعتمادهما على ~~الطبيعة البشرية من خلال علم النفس وعلوم الحياة بوجه عام. # 12 # وقد أصبح العلم الطبيعي لدينا منذ القرن الماضي، عند ~~شبلي شميل ويعقوب صروف ونقولا حداد وولي الدين يكن، ~~وفي هذا القرن عند سلامة موسى وزكي نجيب محمود وفؤاد ~~زكريا، أحد طرق النهضة وأهم شروطها ms013 نظرا لما يسود ~~مجتمعاتنا من خرافة وأساطير ومحرمات لا يمكن ~~الاقتراب منها. وأصبح تكوين فلسفة علمية أحد طرق ~~الإصلاح، إحكاما لاستعمالنا للغة، وتوجيها لوعينا ~~نحو الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية واستخداما للعقل ~~بطريقة تحليلية. # 13 # وبالرغم من إنجازات الفلسفة الطبيعية ونجاحها في ~~القضاء على التصورات النظرية التي لا أساس لها في ~~العقل أو في الطبيعة وصياغة منهج تجريبي علمي دقيق ~~استطاع القضاء على كل الأفكار الموروثة والعقائد ~~المسبقة والأحكام المبتسرة والتحيزات والأهواء، إلا ~~أن الفلسفة فقدت استقلالها، وأصبحت تجري وراء العلم ~~أينما ذهب، وضاع من الفلسفة روح التأمل والتساؤل، ~~وغابت منها الحيرة والظنون والافتراضات، وتحولت إلى ~~مذهب دجماطيقي يرفض كل تأمل يخرج عن حدود العلم ~~ويتهمه بالخرافة والميتافيزيقا. وفي النهاية حل العلم ~~محل الفلسفة، وأصبحت الفلسفة إحدى مراحل التفكير ~~البشري بعد الدين وقبل العلم. ولم يعد لدى الإنسان أي ~~مجال للتأمل النظري الخالص، إن لم يشأ العلم فعليه ~~بالدين أو الفن يجد فيهما متعته ومبتغاه. ~~(5) # هل الفلسفة تفكير على الفن؟ لقد ارتبطت الفلسفة ~~أيضا منذ نشأتها بالفن كما ارتبطت بالدين وبالعلم. ~~وكان التفكير في الجمال أحد مصادر التفكير الفلسفي، ~~فالإنسان البدائي فنان قبل أن يكون فيلسوفا، الفن ~~لغة وتعبيرا أكثر بدائية من الفلسفة التي تحتاج إلى ~~تنظير وتعقيل وترتيب ومنطق وحجة وبرهان. وقد تساءل ~~الفلاسفة قديما عن معنى الفن والجمال. ولا يوجد ~~فيلسوف إلا ويتوج مذهبه بنظرية في الفن أو يطبقه في ~~الجمال. وقد فام الفلاسفة أنفسهم بوضع نظريات علم ~~الجمال أحد فروع الفلسفة. خصص له أفلاطون محاورة ~~«فيدروس»، وجعل أرسطو كتاب «الشعر» أحد كتب المنطق. ~~وكتب أوغسطين كتابا في «الموسيقى». وفي مرحلة المذاهب ~~الفلسفية في العصور الحديثة خصص له كانط أحد كتبه ~~النقدية الثلاثة «نقد ملكة الحكم» وأيضا «ملاحظات حول ~~الجميل والجليل»، وتبعه في ذلك شيلر في «التربية ~~الجمالية للإنسان»، كما طبق هيجل مذهبه في «دروس في ~~الجمال» وتبعه شوبنهور حيث جعل الفلسفة تفكيرا على ~~الفن والحياة. ولا يخلو فيلسوف معاصر إلا ويتطرق إلى ~~الفن؛ فقد كتب ماركس وأنجلز في ms014 «الفن والأدب»، وجعل ~~كيركجارد «الجمال» أولى مراحل الحياة. كما ارتبط ~~الجمال بالحياة وبدفعاتها الحيوية عند جويو وبرجسون ~~ونيتشه، وبالتأمل الروحي عند تولستوي. وتحول إلى ~~فلسفة خالصة عند سوزان لانجر وكولنجوود وسوريو ~~وسارتر وهيدجر، فالصورة الفنية وعمل الخيال هما ~~الوظيفتان الأساسيتان للفلسفة. # 14 # ومع ذلك فالفن مجرد وسيلة للتعبير وليس فكرة وإن كان ~~تجسيدا للفكرة. هو مجرد أسلوب في التعبير عن الدين أو ~~الفلسفة أو العلم أحيانا وليس فكرا. والإدراك ~~الجمالي أحد أنواع الإدراك مثل الإدراك الحسي والإدراك ~~العقلي والحدس الفلسفي؛ ومن ثم يكون رد الفلسفة إلى ~~الجمال هو رد للكل إلى الجزء وإغفال للمضمون من أجل ~~الصورة وتضحية بالشيء المعبر عنه من أجل وسيلة ~~التعبير. ~~(6) # هل الفلسفة تفكير على العلوم الإنسانية مثل الاجتماع ~~والسياسة والاقتصاد والتاريخ والقانون؟ هل هي تفكير ~~على ظروف كل عصر وأحوال كل مجتمع؟ هل هي تعبير عن روح ~~العصر التي تظهر في العلوم الإنسانية؟ مما لا شك فيه ~~أن الفلسفة تعبير عن ظروف كل عصر. تنشأ فيها، وتعبر ~~عنها، وتؤثر فيها خاصة عندما تدخل الأفكار الفلسفية في ~~نسق متكامل وتصبح «أيديولوجيا»؛ وبالتالي فهي مجرد ~~تفكير على العلوم الإنسانية لما كانت هذه العلوم هي ~~التي تعكس روح العصر. وبالفعل لا يوجد فيلسوف إلا ~~وطبق مذهبه في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو ~~التاريخ أو القانون. فهناك «جمهورية أفلاطون» ~~و«القوانين» وكتاب «السياسة» لأرسطو، و«دستور أثينا» ~~و«مدينة الله» لأوغسطين، و«رسالة في اللاهوت والسياسة» ~~لاسبينوزا، و«مشروع السلام الدائم» لكانط، و«فلسفة ~~الحق» لهيجل، و«أسطورة الدولة» لكاسيرر، و«القنبلة ~~الذرية ومستقبل الإنسانية» لياسبرز، و«الإنسانية ~~والرعب» لميرلوبونتي، و«نقد العقل الجدلي» لسارتر، ~~و«الإنسان ضد الإنساني» لجابريل مارسل، و«فكرة السلام» ~~لشيلر، و«العقل والثورة» لماركيوز. كما لا يوجد فيلسوف ~~إلا وتوج مذهبه في موضوعات السياسة والاجتماع أو ~~الاقتصاد؛ فقد كتب مارسل البادوي «المدافع عن السلام»، ~~وهوبز «الإنسان والمواطن»، وميكيافيلي «الأمير»، وروسو ~~«العقد الاجتماعي»، ومونتسكيو «روح القوانين»، ومور ~~«يوتوبيا»، وكرمويل «الكنيسة والدولة»، وبيرك «في ~~الثورة»، وهيوم «كتابات سياسية»، ومل «الحكومة ~~النيابية»، وبوزانكويه «فكرة الدولة»، وباكونين «الله ~~والدولة» وأورتيجا ms015 «ثورة الجماهير»، وديوي ~~«الديموقراطية». بل إن «رسل» قد خصص ربما نصف إنتاجه ~~الفلسفي للموضوعات الاجتماعية والسياسية مثل «المجتمع ~~الإنساني في الأخلاق والسياسة»، «مبادئ النظام ~~الاجتماعي»، «التربية والنظام الاجتماعي»، «آفاق جديدة ~~لعالم متغير»، «الحرية ضد النظام»، «السلطة والفرد»، ~~«الطرق إلى الحرية»، «السلطة»، «جرائم الحرب في ~~فيتنام». بل إنه تحدث في أكثر الموضوعات الاجتماعية ~~شيوعا مثل «الحصول على السعادة»، «الزواج والأخلاق»، ~~«مدح الجنون». بل إن هناك فلاسفة قد عرفوا كذلك ~~بنظرياتهم السياسية فقط دون أن تكون لهم أبنية ~~ميتافيزيقية أو مذاهب فلسفية مثل هارنجتون، والقديس ~~جوست، وجوزيف دي ميستر، وجودوين، وبرودون، وماركس، ~~وباكونين، وسولفييف، وكاوتسكي، وتروتسكي وغيرهم. كما ~~ظهر فلاسفة في التاريخ يفكرون في تقدم الشعور ~~وأصبحوا فلاسفة لا يقلون أهمية وأثرا عن الفلاسفة ~~الخلص مثل هردر، وفيكو، وكوندرسيه، وكورنو، ~~وكروتشه، وتوينبي، واشبنجلر، واكتون وغيرهم. # 15 # ولكن تحولت الفلسفة من هذا النوع عند البعض إلى ~~تفكير طوباوي كما حدث عند مور، وعند دعاة الاشتراكية ~~الخيالية، وأصبحت تعبر عن أماني وتمنيات أكثر مما ~~تعبر عن واقع إنساني. كما تحولت عند البعض الأخير ~~إلى أيديولوجيات تنتهي بالحزبية والتعصب والمذهبية؛ ~~وبالتالي تفقد الفلسفة روح البحث الحر، والقدرة على ~~الحوار. كما تحولت عند فريق ثالث إلى مذاهب سياسية ~~ونظم اقتصادية مثل الرأسمالية والاشتراكية والفوضوية ~~والقومية والنازية والدولية؛ وبالتالي تحولت إلى سلوك ~~عملي تدافع عنه الدولة بالجيش والبوليس، وتفقد الفلسفة ~~قدرتها على النقد الاجتماعي وعلى تغيير الواقع. # 16 # وقد ارتبطت الفلسفة في تراثنا القديم بمثل هذا اللون ~~من الفكر السياسي والاجتماعي، وظهر بصورة واضحة في ~~علوم الفقه والشريعة أكثر مما ظهر في علوم الحكمة، ~~ولكنه لم يكن فلسفة بالمعنى النظري بل تكييفا للسلوك ~~العملي وتنظيما للحياة العامة. كما ارتبط فكرنا ~~الإصلاحي الأخير بهذا اللون من التفكير السياسي ~~والاجتماعي حتى أصبح هو الغالب على فكرنا القومي، ~~فالتيارات الفكرية الثلاثة في فكرنا المعاصر: الديني ~~والعلماني والقومي، كلها بدأت من الإصلاح والنهضة ~~وتغيير الواقع الاجتماعي، وأعطت الأولوية للعلوم ~~العملية على العلوم النظرية، وحاولت الدعوة إلى تأسيس ~~علوم اجتماعية تنهض بحال ms016 الأمة وتعينها على النهضة. # 17 # ومع ذلك فإن اعتبار الفلسفة تفكيرا في المجتمع ~~وبحثا في علومه يجعلها باستمرار وراء أحداث العصر غير ~~قادرة على تجاوزها. فالعصر إحدى لحظات التاريخ ، ~~والمجتمع إحدى حلقاته، والفلسفة وحدها هي القادرة على ~~رؤية قوانينه الثابتة؛ لذلك ارتبطت الفلسفات ~~الاجتماعية بفلسفات التاريخ، الفلسفة هي القادرة على ~~إدراك الثبات من خلال التغير والماهيات المحمولة على ~~الواقع؛ وبالتالي يظل السؤال النظري مطروحا حتى في ~~خضم أحداث التاريخ. ~~(7) # الفلسفة تحليل للتجارب البشرية لمعرفة ماهيتها. وهي ~~تجارب العصر التي تظهر من خلال وعي الأفراد والجماعات ~~بها. وتشترط الوعي اليقظ القادر على تحويل الوقائع إلى ~~تجارب حية دالة يمكن إدراك ماهياتها بالحدس. كما ~~تتطلب قدرة العقل على تحليل الشعور وإدراك المعاني ~~الشاملة فيه؛ ففي الشعور يعمل العقل، وفي التجربة يعيش ~~الواقع، وكلاهما يكونان وعي الإنسان بنفسه وبالعالم. ~~كما تتطلب القدرة على التخلص من الأفكار المسبقة ~~والآراء المنحازة، ووجهات النظر الخاصة، والتحرر من ~~العادات والعرف والتقاليد والأفكار الموروثة حتى يبدأ ~~الشعور العاقل أو العقل الشعوري عملية الإدراك والفهم ~~بداية جديدة على يقين أولي هو الوعي بالذات وبالعالم. ~~وفي الوقت نفسه يكون الشعور قادرا على قلب النظرة ~~ورؤية الماهيات في التجارب الشعورية التي تعيش فيها ~~الوقائع؛ وبالتالي تنتقل الوقائع المادية من المكان ~~إلى تجارب حية في الشعور الداخلي بالزمان. ولما كان ~~الشعور عاما وشاملا فإنه قادر على إدراك ~~الماهيات الشاملة. ولما كان موضوعيا بلا تحيز ~~أو هوى أمكن لشعور آخر إدراك نفس الماهيات، ويكون ~~الاتفاق على الإدراك هو الموضوعية الإنسانية الجديدة ~~أي الوصول إلى نفس الرؤية من فلاسفة عديدين؛ ومن ثم ~~كان الشعور قادرا أيضا على البحث الحر واستقصاء ~~الموضوع، ورؤية الواقع وعيش التجارب، وطرح وجهات النظر ~~وتجريبها ثم جمعها في رؤية واحدة تكون متحدة مع ~~الموضوع ذاته. ويشتد الشعور وينشط بالانتماء إلى وطن، ~~والانتساب إلى جماعة، والولاء لقضية، والسعي نحو مثل ~~أعلى وتحقيق رسالة، وعلى هذا النحو يخرج الشعور من ~~دائرة التأمل الخالص وتحليل الماهيات إلى العالم ~~الإنساني العريض حيث يتم تحويل ms017 الماهيات إلى أوضاع ~~اجتماعية ومواقف إنسانية ووعي بالجماهير ومشاركة في ~~حركة التاريخ. فالتاريخ واقع يحيا، والواقع تاريخ ~~حادث؛ وبالتالي ترتبط الفلسفة بالوعي الفردي ~~والاجتماعي والتاريخي. لا تلعب دور أجيال مضت لتعيد ~~التاريخ إلى الوراء، ولا تلعب دور أجيال قادمة لتقفز ~~على مراحل التاريخ، ولكن تقوم بدور جيلها الحاضر معبرة ~~عن روح العصر ورؤية التاريخ. # 18 # | ثالثا: الفلسفة والسلطة # علاقة الفلسفة بالسلطة علاقة قديمة. فالفلسفة التي تظهر في مجتمع ~~تعلن اكتشاف الفكر، وتبين ما غاب عن الأذهان. ولما كان العرف ~~الشائع والأنظمة الاجتماعية القائمة لا يقومان إلا على العقائد ~~الموروثة التي تكون حينئذ أكبر دعامة للنظام، اصطدم الفكر بالسلطة ~~القائمة، سلطة التقاليد الموروثة أو سلطة النظم الاجتماعية. السلطة ~~واحدة ولكنها تتنوع في الظاهر. أولها سلطة الموروث القديم ~~المتمثل في العقائد والعرف والتقاليد والأفكار الشائعة والعادات ~~وما ألفه الناس. هذا الموروث تتمثله القوى الاجتماعية فيتحول ~~إلى سلطة سياسية تستعمله لاستتباب الأمن والمحافظة على الوضع ~~القائم، وتتمثله السلطة الدينية فيتحول إلى مقياس للعقائد ~~ومعايير للصواب والخطأ. ولما كان رجال الحكم ورجال الدين يشاركون ~~في نفس المصالح أي الدفاع عن الوضع القائم، حدث التعاون بينهما ضد ~~حرية الفكر وضد كسر ما هو مألوف والخروج عما هو شائع وهي مهمة ~~الفلسفة ودور الفيلسوف. وغالبا ما يتم اضطهاد الفلسفة باعتبارها ~~الحامل للفكر الحر في لحظات ضعف السلطة وليس في قوتها رغبة في ~~حماية نفسها ضد المفكرين الأحرار، فتعتمد على السيف في مواجهة ~~الفكر، وتقرع الحجة بالاعتقال، والبرهان بالتعذيب، والدليل بالنفي ~~والطرد. وتكون الغلبة في النهاية لحرية الفكر التي تكشف ضعف ~~السلطة وتضع حدا للطغيان. وغالبا ما تفشل السلطة في القضاء على ~~الفكر كما قال نابليون من قبل إثر هزيمته لألمانيا عسكريا ~~ومواجهة «فشته» له بالفكر: «لقد هزم القلم السيف.» إذ يتخذ الفكر ~~حينئذ ثلاثة اتجاهات: الأول ممالأة السلطة وتبرير قراراتها وهو ~~الفكر الرسمي الذي يسود أجهزة الدولة، والثاني مقاومة السلطة في ~~صورة منشورات وكتابات سرية داخل البلاد أو خارجها، والثالث رجوع ~~الفكر مكتوما في صدور الناس، ms018 ~~لا يعبرون عنه إلا في الجلسات الخاصة أو علنا في صورة نكات ~~شعبية أو عند بعض الكتاب في الأدب الرمزي. الفلسفة والسلطة إذن ~~نقيضان، إذا غاب أحدهما حضر الآخر. ويشهد بذلك تاريخ الفكر البشري ~~في الصراع المشهور بين الأنبياء والكتبة، بين الفلاسفة والحكام، ~~بين الصوفية والفقهاء، بين المفكرين الأحرار ورجال الدين، وكأن ~~تاريخ الفكر البشري يتحدد أساسا بصراعه مع السلطة. أحيانا يكون ~~النصر للسلطة والهزيمة للفكر وأحيانا أخرى يكون النصر للفكر ~~والهزيمة للسلطة، وهنا تموت الفلسفة أو تحيا. # 1 # تموت الفلسفة إذن إذا ما انهزمت أمام السلطة وتخلت عن دورها في ~~التمسك بحرية الفكر، ووظيفة النقد، وضرورة التغيير، وحتمية ~~التقدم. تموت في حكم الطغاة وتنتهي في نظم الإرهاب ولو إلى حين ~~حتى ينتصر الفكر وينتهي الطغيان. وأكبر شاهد على ذلك حال الفلسفة ~~في عصر آباء الكنيسة ثم في العصر الوسيط حتى عصر النهضة وبدايات ~~العصر الحديث. فقد كانت هناك عدة اتجاهات في عيش المسيحية والإحساس ~~بها وصياغة عقائدها منذ الحواريين حتى قبل العصر الرابع، عصر ~~التقنين ومجمع نيقيا الأول والانتهاء إلى صياغة واحدة للعقيدة، ~~واعتبار كل ما خالفها كفر ومروق وزندقة وهرطقة. فضاعت فرص اعتبار ~~المسيح عيسى بن مريم إنسانا لا ألوهية فيه كما قال أريوس، وضاعت ~~فرصة التأكيد على الحرية الإنسانية كما قال بلاجيوس، وضاعت فرصة ~~إقامة الدين الوطني المناهض للاستعمار كما حاول دوناتوس. واستمر ~~الحال كذلك حتى العصر الوسيط وخروج دفعة ثانية من الفلاسفة ~~العقلانيين وفي مقدمتهم أبيلار وأنصار ابن رشد اللاتيني دفاعا عن ~~التوحيد وعن سلطة العقل فكان جزاؤهم السجن والتشريد. واشتد الأمر ~~حتى أقيمت محاكم التفتيش، ونصبت قوائم الكتب الممنوعة، وحوكم ~~العلماء وحرق الفلاسفة بدعوى مناهضة السلطة، سلطة القدماء وسلطة ~~الدين. وأمثلة جاليليو وجيوردانو برونو وغيرهم كثيرة. واستمر ~~اضطهاد السلطة للمفكرين الأحرار فيما بعد عصر النهضة حتى شمل ~~فلاسفة التنوير الذين استطاعوا في نهاية الأمر التحرر من سلطان ~~الكنيسة، وكان ذلك نذيرا أيضا بانتهاء السلطة السياسية وبداية ~~الثورات الشعبية. بل وامتد الاضطهاد حتى القرن الماضي بعد ms019 ظهور ~~نظرية التطور عند داروين ومناصبة الكنيسة له العداء، ولكن انتصار ~~العلم بعد انتصار العقل جعل السلطة تتوارى داخل حدودها الطبيعية ~~وعدم خروجها عن ميدان العقيدة. # 2 # وفي تراثنا القديم قامت الدولة الأموية في بدايتها أيضا باضطهاد ~~المعارضة، ولما كانت الدولة والمعارضة على حد سواء تقومان على أسس ~~فكرية، فقد أفرزت كل منهما الفكر الذي يؤيدها. فخرج الفكر السني ~~لتأييد الدولة، وخرج الفكر الشيعي لمعارضة الدولة. كما نشأت فرق ~~المعارضة من داخل أهل السنة مثل المعتزلة والخوارج للمقاومة من ~~الداخل وبنفس السلاح النظري، واعتمدت الدولة على سلطة الفقهاء ~~لتبرير سلطتها ولحمايتها من هجمات المعارضة حتى أصبح الفقهاء ~~يكونون السلطة في تراثنا القديم منذ المعتزلة الأوائل: معبد ~~الجهني، وغيلان الدمشقي، وعمرو بن عبيد، حتى آخر الفلاسفة: ابن ~~رشد، وإحراق كتبه في ميدان قرطبة. فهم - الفقهاء - الذين كانت لهم ~~القوامة على الفكر، يصيغون العقائد، ويميزون بين الصحيح منها ~~والباطل، يتمثلون الصحيح، ويتهمون المعارضة بالكفر والزندقة، ~~يدفعهم في ذلك حرصهم على تراث الأمة ودينها، ومقاومتهم للغزو ~~الثقافي الخارجي في أحسن الأحوال أو تدعيمهم للنظام القائم ~~وتنصيبهم فقهاء السلطان، يأخذون الثمن، ويشترون بآيات الله ثمنا ~~قليلا في أسوأ الأحوال. في كلتا الحالتين، وضعوا النقل، ~~باعتباره سلطة الدولة وسلطة الدين، في مواجهة العقل باعتباره آلة ~~الكفر وسلاح المعارضة، والأنا في مواجهة الغير، والداخل في مواجهة ~~الخارج، تقوقعا على الذات، وحماية النفس، وكانت النتيجة أن ساد ~~تيار واحد هو تيار الأشاعرة في كل العلوم الدينية: علم أصول الدين ~~وعلم أصول الفقه بل وفي علوم الحكمة وعلوم التصوف، واضطهدت ~~جميع الفرق الأخرى فذبح الجعد بن درهم بعد صلاة الجمعة، وصلب ~~الحلاج، وقتل السهروردي، وصدرت الفتاوى بتحريم الفكر والنظر ~~وأشهرها فتاوى ابن صلاح في تحريم الاشتغال بالمنطق ~~والفلسفة. # ولكن تحيا الفلسفة بمقاومة العقل للسلطة وبتمسكها بحرية الفكر، ~~وبحقها في البحث والنظر وطلب الحجة والبرهان. تحيا الفلسفة بحرية ~~الفكر وبالإعلاء من شأن العقل واعتباره هو السلطان الأوحد على كل ~~شيء. العقل هو وسيلة التحليل، وإدراك الواقع، وفهم الظواهر، ~~والحوار ms020 مع الآخرين، وقبول الحقائق والبرهنة عليها، والدفاع عنها، ~~ويشهد التاريخ على ذلك. فالفلسفة اليونانية - هذا الإبداع الذي لا ~~مثيل له في الفكر البشري - قد قامت بفضل العقل، واستعماله وتوجهه ~~نحو الطبيعة كما هو الحال عند الطبائعيين الأوائل وأرسطو، أو نحو ~~المثال كما هو الحال عند سقراط والمدارس الأخلاقية بعد أرسطو في ~~حرية تامة دون إرهاب أو طغيان. بل إن سقراط قد انتصر في نهاية ~~الأمر على قضاته وعلى ممثلي الشعب في أثينا، وبقي في التاريخ ~~رائدا من رواد حرية الفكر، والحوار مع التلاميذ والمناقشة ~~العامة في الأسواق. فحرية الفكر هي الباقية ضد التسلط، وأحرار ~~الفكر هم المساهمون في تقدم البشر وحركة التاريخ ضد حكم ~~الطغاة. # كما حييت الفلسفة على يد الهراطقة وإن لم يظهر ذلك على السطح ~~نظرا لطغيان آباء الكنيسة الأوائل. بل ساهموا في تكوين العقيدة ~~المسيحية في قلوب الناس وفي روح التاريخ أكثر مما ساهمت صياغات ~~الكنيسة النظرية التي بقيت في ثنايا الكتب وفي ملخصات العقائد ~~كمهنة في المعاهد الدينية. وبقيت تتخمر حتى عادت للظهور من جديد ~~لدى الموحدين # Unitarians # والعقليين وأصحاب مذهب التقوى Pietism # ودعاة الحرية، وما جان بول سارتر إلا ~~بلاجيوس من جديد. كما حييت الفلسفة على يد الفلاسفة العقليين ~~في العصر الوسيط وفي مقدمتهم أبيلار الذي جعل عصر النهضة ممكنا ~~بعد التأكيد على سلطة العقل في مواجهة سلطة الموروث القديم. ولقد ~~حييت الفلسفة بالفعل في عصر النهضة عندما انتقل الفكر من السلطة ~~إلى العقل، ومن التقاليد إلى التحرر، ومن الكتاب إلى الطبيعة، ~~ومن «قال أرسطو» إلى برهان العقل؛ وبالتالي يمثل عصر النهضة ~~عصرا فلسفيا بالأصالة لأنه تتمثل فيه الثورة على القدماء من ~~أجل اكتشاف الطبيعة والثقة بالمعرفة الإنسانية. واستمرت الفلسفة ~~في حياتها بتأكيد العقل لذاته في القرن السابع عشر وسيادة ~~العقلانية كتيار أساسي في الحياة العامة. ثم بلغت قمة إحساسها ~~بالحياة وبفورة الشباب في القرن الثامن عشر على يد المفكرين ~~الأحرار الذين أنهوا بقايا السلطتين الدينية والسياسية من أجل ~~«شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس» ms021 كما يقول فولتير، وكان آخر انتصارات ~~العقل والعلم ضد السلطة نظرية التطور في القرن الماضي بفضل ~~دارون، وأصبح دفاع السلطة الدينية عن نفسها ضد العقل والعلم مجرد ~~شهادة للتاريخ على المحافظة على الموروث القديم . وفي تراثنا القديم ~~تصدى أوائل المعتزلة للسلطة الأموية وضد نظريات الجبر التي ~~أفرزتها. وظلوا يحملون لواء الفكر الحر على مدى قرنين من الزمان ~~حتى أصيبوا بمحنة الاضطهاد. كما قاوم أئمة آل البيت بعقائدهم، ~~وقاوم الخوارج أيضا بنظرياتهم وكونوا دولهم التي عاش البعض منها ~~حتى الآن، وما زلنا نحن منذ فجر النهضة الحديثة نجاهد من أجل الفكر ~~ننجح مرة ونتعثر مرات. # 3 # إن موت الفلسفة وحياتها دورتان مستمرتان تتحركان بعلاقة الفلسفة ~~بالسلطة، ففي نفس الوقت الذي تموت فيه الفلسفة ظاهريا في ~~المجتمعات التسلطية يتحول الفكر من الصوت المكتوم في النفس عند ~~الفرد إلى الفعل الجماعي السري عند الجماعة. وينقلب من فكر ~~المضطهدين إلى فكر المناهضين. ولا تلبث اتجاهات المعارضة ~~والأحزاب السرية حتى تنقض على السلطة سواء في انفجارات شعبية أو ~~في انقلابات عسكرية، فيتحول المجتمع كله من مجتمع تسلط إلى ~~مجتمع حرية. وقد لا يمنع ذلك من أن تمارس السلطة الجديدة بعض ~~أساليب القمع ضد حلفاء الأمس الذين دخلوا جميعا في البداية على ~~قدم المساواة في جبهة وطنية واحدة ضد التسلط والقهر، فتستأثر ~~بالسلطة بمفردها. وهنا تنشأ جماعات سرية أخرى لمناهضة السلطة ~~الجديدة. وهكذا تحمل السلطة مقومات فنائها، وكأن الحرية الفكرية ~~إذا ما تحولت إلى سلطة سياسية حافظت على السلطة أكثر مما تحافظ على ~~نفسها وبالتالي تتحول إلى نقيضها. # | رابعا: الفلسفة والمذهب # تنشأ الحاجة إلى ترك الفلسفة والأخذ بالمذهب عندما ينشأ دافع ~~الاستحواذ ورغبة التسلط والحاجة إلى الدفاع عن النفس ضد مخاطر ~~الفلسفة التي تعني الفكر الحر والحوار المفتوح والتقدم المستمر. ~~حدث ذلك مرات عدة في تاريخ الفكر البشري وفي عدد من الحضارات ~~الإنسانية. حدث ذلك لأول مرة في الحضارة الغربية بعد نشأة ~~المسيحية وأخذها الطابع الأخلاقي الروحي العملي وتحويلها لقلوب ~~الناس، وتغييرها لأساليب حياتها. فجاء بولس ms022 ونظم العقائد، وصاغ ~~النظريات، ووضع كل ذلك في مذهب عقائدي صارم يكفر ما سواه، ~~ويعتبر أصحابها من «العلماء الكذبة» حماية للعقيدة، وتأسيسا ~~للسلطة، ودفاعا عن الكنيسة. فبذر بذور الشقاق الذي سيحدث فيما ~~بعد بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية، ثم داخل الكنيسة ~~الغربية ذاتها بين البروتستانت والكاثوليك. ثم نشأت الحاجة مرة ~~ثانية في عصر آباء الكنيسة الأوائل، عندما تشعبت الفرق الدينية ~~واختلف الناس في فهم طبيعة المسيح، فتدخلت السلطة الدينية مرة ~~ثانية لتختار عقيدة دون أخرى وتتبنى مذهبا وتكفر ما عداه، ~~وتصوغها في عبارات لا حيدة عنها كما فعلت في مجمع نيقيا الأول. ~~ولما اشتد الفكر الحر في العصر الوسيط المتأخر وبدأ العقل يأخذ ~~سلطانه ويتبدد الشر ويظهر التناقض بين العقل والإيمان سارع علماء ~~الكنيسة بوضع مذهب لاهوتي جديد يقوم على سلاح الخصوم وهو العقل، ~~وعلى أحدث فلسفات العصر وهو مذهب أرسطو. فكتب توما الأكويني ~~«الخلاصة اللاهوتية» لصياغة مذهب جديد يحمي به العقيدة من هجمات ~~اللاهوتيين العقليين وأنصار الفلسفة الإسلامية. وأخيرا جاءت ~~المحاولة الرابعة في بداية العصور الحديثة في عصر النهضة بعد أن تم ~~تقويض كل النظريات القديمة والتصورات السابقة للعالم التي سادت ~~العصر الوسيط والتي اكتشف العقل زيفها وتعارضها معه وتناقضها، وبعد ~~اكتشافات العلم الحديث والثقة بشهادة الحس واطراد التجربة. ولما ~~أعطى عصر النهضة تصورات جزئية عن الإنسان والكون، وأصبح في القرن ~~السابع عشر للعقل السلطان على كل شيء، بدأت الحاجة إلى المذاهب ~~الفلسفية الشامخة لإعطاء تصورات عامة وشاملة بديلة عن التصورات ~~الأولى التي انهارت وتم القضاء عليها تماما. فالإنسان لا يستطيع ~~أن يعيش في هذا الكون دون تصورات عامة، والمجتمع لا يستطيع أن ~~يسلك أو أن يعيش دون رؤية شاملة له. نشأت هذه المذاهب الشاملة إذن ~~كرد فعل على العقائد النظرية القديمة التي كانت تقوم بوظيفة ~~التصورات للعالم، لا تريد أن تتزحزح عن موقفها دفاعا عن العالم ~~ودفاعا عن المكتسبات البشرية التي من أجلها سالت دماء الشهداء من ~~المفكرين والعلماء. وقد حدث الشيء نفسه في تراثنا القديم عندما تمت ms023 ~~صياغة العقائد على يد الأشعرية وأصبحت هي نموذج الإيمان الصحيح ~~وتكفير عقائد كل الفرق حتى كثرت العقائد «النسفية» ~~و«الطحاوية» و«العضدية»، يتم تلقينها جيلا بعد جيل كأنها ~~أشياء أو ميراث أو مقدسات لا يمكن الاقتراب منها أو العدول ~~عنها. # تموت الفلسفة إذن إذا ما تقوقعت وتكورت على ذاتها، وتحولت إلى ~~مذهب مغلق يكون بديلا عن الواقع ذاته. كل ما يتفق مع المذهب يكون ~~صحيحا، وكل ما خالفه يكون باطلا. فالمذهب هو المعيار الذي يقاس ~~به كل شيء، وهو القالب الذي تقد عليه كل فكرة. المذهب عالم ~~مغلق لا مداخل إليه ولا مخارج منه، دائرة مغلقة لا فجوات بها؛ لذلك ~~فإنه لا يقبل التطور أو التغير مهما تغيرت الظروف والأحوال. ~~مذهب أبدي شامخ كالطود، حقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل من بين ~~يديها ولا من خلفها، يدور الأفراد في فلكها. بل إنه لا يقبل ~~التعديل أو النقد من أنصاره، وإلا كان ذلك نهاية له وانفتاحا ~~وتطورا. يؤخذ كله أو يرفض كله. لا يمكن الدخول في حوار معه فهو ~~بناء متكامل لا يقبل إعادة النظر أو المراجعة. # 1 # وتكون النتيجة التخشب والتصلب والموت للفلسفة وللفكر ~~وللحياة. ابتعدت المذاهب عن واقع الحياة وحركتها وتحجرت حتى لم ~~يعد يشعر فيها أحد بنبض إنسان بلحمه وعظمه. بل كانت مجموعة من ~~الأطر الهيكلية والمقولات والتصورات تتركب فيما بينها بطريقة ~~آلية لتعطي صورة للوجود دون مضمونه حتى لقد جعل كيركجارد من ~~حياته كلها صراعا ضد المذهب، ضد العملية الكونية التاريخية دفاعا ~~عن الفرد، هذا الكائن الحي بلحمه وعظمه كما يقول أونامونو. وإن ~~الجبال كلها إذا وقعت عليه وهشمته وكسرت ضلوعه فإنه أقوى منها ~~لأنه يشعر أنه يتحطم وهي لا تشعر بشيء. وهو ما قصد إليه القرآن ~~الكريم بقوله: # إنا عرضنا الأمانة ~~على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا ~~(الأحزاب: 72)، ~~فالإنسان أعظم من السموات والأرض والجبال لأنه حرية ودعوة ورسالة ~~وإمكانية وتحقق ومشروع. # ولما تعددت المذاهب طبقا لمزاج الفيلسوف وتربيته ورؤيته للواقع ms024 ~~وأهدافه تحولت المذاهب المختلفة إلى حقائق نسبية بعد أن ادعى ~~كل منها أنه الحقيقة المطلقة، ولما كانت الحقيقة المطلقة لا ~~تتعدد فقد نشأ بينها أي (المذاهب) التصادم والصراع فضاعت ~~الحقيقة المطلقة التي كانت في البداية الدافع على نشأة المذاهب ~~وبنائها. وللتغلب على هذه النسبية يتحول البعض منها إلى ~~أيديولوجيات سياسية ومذاهب اقتصادية أو تنظيمات حزبية تعيد الحياة ~~إليها، وتلجأ إلى الواقع باعتباره المحك الأول لصدقها دون غيرها. ~~فتتحول إلى دجماطيقية أكثر، وتتعصب وتتحزب. والروح الحزبية في ~~نهاية الأمر على النقيض من الروح الفلسفية. فقد تحول الجدل من مجرد ~~مذهب إلى أيديولوجية سياسية ثم إلى تنظيم حزبي ثم إلى نظام سياسي ~~ثم إلى دولة ثم إلى معسكر غابت عنه حرية الفكر، وضاعت منه حرية ~~النقاش والحوار، وخفتت فيه أصوات المعارضة. وأصبحت هذه الدول توصف ~~بالنظم الشمولية التسلطية تعلو فيها أصوات المنشقين، وتكثر ~~فيها محاولات هروب الفنانين والأدباء، وتنتهي بسجن العلماء ~~والمناهضين. تسيطر فيها الدولة على جميع مظاهر الإبداع البشري في ~~الفن والعلم والفلسفة، وقد يزداد خطر الحرب لحل الصراع المذهبي بين ~~النظم السياسية المتعارضة مثل النظم الاشتراكية والرأسمالية. كما ~~قد تكون وسيلة الحوار بين المصالح الطبقية المتعارضة هو الصراع ~~الطبقي واستعمال العنف وإراقة الدماء. فتسيل الدماء بدل أن تسيل ~~الأقلام، وتتصارع السيوف بدل أن تتقارع الحجج. # 2 # ويشهد التاريخ على موت الفلسفة عندما تسود روح المذهب. فقد كان ~~القديس بولس أول من «مذهب» المسيحية ووضعها في صورة عقائد ~~محكمة في نظريات الخلاص والفداء والخطيئة إثر القديس يوحنا ~~«اللاهوتي» فقضى على روح المسيحية كما عبر عنها المسيح في ~~«الوصايا على الجبل» دعوة إلى المحبة والتواضع والتأمل، وقضى ~~على روح الحوار التي كان المعلم يتبعها مع تلاميذه، بل مع أعدائه ~~من اليهود والمنافقين والكتبة والأغنياء والفريسيين. ثم تعقدت ~~روح المسيحية من جديد وتمذهبت مرة ثانية في مجمع نيقيا ~~الأول، وتم تكفير كل الآراء المعارضة واعتبارها هرطقات للرد ~~عليها. وقد قام القديس أرينيوس بذلك بالفعل في «الرد على ~~الهراطقة»، مع أن هذه العقائد كلها ms025 كانت معاشة بين الجماعات ~~المسيحية الأولى بنفس الدرجة التي عاشتها العقائد المسيحية ~~الرسمية. بل ساهمت في تكوين هذه العقائد الرسمية ذاتها لأنها لا ~~تخلو من آثارها. وكانت النتيجة أن انشقت عن المسيحية الأرثوذكسية ~~أولا ثم البروتستانتية ثانيا. وتوالت حركات الانشقاق كلها ترفض ~~روح المذهب ونسق العقائد. ثم أعاد توما الأكويني صياغة المذهب من ~~جديد في «الخلاصة اللاهوتية» ورفض كل ما عداه في «الرد على الأمم» ~~معيدا بناء المذهب ليس على أساس أفلاطوني كما كان الحال في عصر ~~آباء الكنيسة الأوائل، بل على أساس أرسطي جديد، ولكن المذهب لم ~~يتغير واستعمل في مواجهة ما يسمى بحركات الإلحاد في العصر الوسيط ~~المتأخر الذي قاده أنصار الجدل مثل بيرانجيه التوري وانسيلم ~~البساطي والفلاسفة العقلانيين تلاميذ المسلمين مثل أبيلار ~~والرشديين اللاتين. وقد نشأ فرع جديد بأكمله لهذا الغرض وهو ~~«علم اللاهوت العقائدي» دفاعا عن المذهب، تحول فيه الدين إلى ~~بناء ضخم. بل إن علوم الأخلاق والسياسة والاجتماع والقانون ~~والتاريخ تحولت أيضا إلى فروع للاهوت في اللاهوت السياسي، ~~واللاهوت الاجتماعي، واللاهوت القانوني، واللاهوت التاريخي. بل إن ~~البروتستانتية التي قاومت روح المذهب من أجل الإعلاء من شأن ~~الإيمان اللحظي الفردي القلبي الباطني، قد وقعت أيضا تحت الإغراب ~~المذهبي فلم يختلف اللاهوتيون البروتستانت عن زملائهم الكاثوليك في ~~صياغة أكثر المذاهب إحكاما. ففي هذا القرن أعاد كارل بارت بناء ~~المذهب في «العقيدة» # La Dogmatique # حماية لها من تأويلات المحدثين، ~~ونظرات المجددين وتفسيرات اللاهوت الجديدة «لاهوت التحرر، ولاهوت ~~الثورة، واللاهوت العلماني، واللاهوت الإلحادي». # 3 # وفي بدايات العصر الحديث تحولت الدجماطيقية إلى مذهب فلسفي عند ~~فولف يقوم على الفلسفة العقلية، وعلم النفس العقلي، والطبيعة ~~العقلية، واللاهوت العقلي ... إلخ، فتحولت الفلسفة إلى نسق محكم ~~يطابق حتمية الطبيعة لا يمكن أن تهتز أمام تحليل التجارب ~~الإنسانية الحية أو المواقف الإنسانية الفردية ... وقد دعا ذلك كانط ~~إلى التصدي «للدجماطيقية» واضعا في مقابلها الفلسفة «النقدية» ~~مبينا أن الفلسفة ليست في كم المعلومات ونسق الأفكار بل في ~~معرفة شروط المعرفة وإمكانياتها أولا حتى لا يتجاوز ms026 الإنسان ~~بقدراته المعرفية حدودها فيقع في الدجماطيقية. ثم بلغت المذهبية ~~أوجها عند هيجل حتى لقد عرفت فلسفته باسم المذهب # Le systeme # ضم الحس والعقل ~~والقلب، الفرد والأسرة والمجتمع، المنطق الذاتي والمنطق الموضوعي ~~والمنطق الذاتي الموضوعي، الدين والأخلاق والفلسفة، الاجتماع ~~والسياسة والقانون، الماضي والحاضر والمستقبل، الإنسان والعالم ~~والله. لم يخل المذهب من شيء واحد لم يتعرض له حتى فقد الإنسان ~~فرديته في العالم وحريته أمام الضرورة التاريخية مما سبب ثورة ~~كيركجارد وجميع الوجوديين عليه. # 4 # وفي تراثنا القديم ظهرت النزعة المذهبية في كتب العقائد سواء ~~عقائد الإمامية أو عقائد الأشعرية، وكلتاهما تعبر عن مجموعة من ~~المطلقات المغلقة التي لا يمكن الخروج عليها، للعقل نقدها أو ~~للواقع دحضها. مع أنها في نشأتها كانت أوضاعا اجتماعية تعبر عن ~~جماعات من المضطهدين خارج السلطة أو عن أقليات من المضطهدين من ~~أصحاب السلطان كل منهما يبرر نفسه ويدافع عن شرعيته في التاريخ ~~باستعمال سلاح العقيدة، فخرجت العقائد الإمامية للدفاع عن الفريق ~~الأول مثل الإمامة والغيبة والعصمة والتقية لإبقاء الجماعة في ~~التاريخ كأصابع ديناميت أو قنابل موقوتة تنفجر إذا ما حانت ساعة ~~الخلاص. وخرجت عقائد الأشاعرة مثل العقائد النسفية، والعقائد ~~العضدية، والعقيدة الطحاوية، والعقيدة السنوسية إلى آخر هذا ~~التنميط للعقائد الإسلامية ابتداء من «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة ~~حتى عقائد الدردير واللقاني. تحول الإسلام إلى مذهب أي عقائد ~~ثابتة تكون حقيقة الإيمان ومضمونه، من يعتنقها يؤمن، ومن يخرج ~~عليها يكفر؛ وبالتالي ضاعت الفلسفة وانتهى روح التأمل وطرح ~~المسائل وإعطاء مختلف الحلول على قدم المساواة، مع أن هذه العقائد ~~ذاتها مثل عقائد الإمامية، من وضع التاريخ. لم تكن هناك عقائد في ~~البداية بل كانت هناك حركة في التاريخ وتحقيق «رسالة التوحيد» ~~فيه. فلما انتصرت الدولة السنية أفرزت «الأشعرية» كفكر السلطة، ~~وبدأ تقنينها في نسق عقائدي في مواجهة الخصوم ثم تبنتها الدولة ~~دفاعا عن التصورات المطلقة للعالم ولتكفير كل العقائد الأخرى ~~التي تفسح المجال للحرية الإنسانية وللعقل الطبيعي ولاستقلال ~~قوانين الطبيعة. وتم تكفير كل العقائد الأخرى بالاعتماد على بعض ms027 ~~الأحاديث الضعيفة مثل حديث «الفرقة الناجية» التي يتم فيه تكفير ~~كل فرق الأمة الثلاث والسبعين باستثناء فرقة واحدة هي الفرقة ~~الناجية، فرقة الحكومة! والمتتبع لهذه العقائد نشأة وتطورا يجد ~~أنها تعكس ظروف المجتمع وتاريخ الأمة من حيث العدد والصياغة؛ فقد ~~بدأت بست عقائد في الذات الإلهية وبسبع في صفاتها. ثم انقسمت ~~الصفات إلى اسم وفعل مثل عالم بعلم، وحي بحياة، وقادر بقدرة ~~فتضاعفت. ثم نفي الضد مثل عالم وليس بجاهل، بعلم وليس بجهل ... إلخ، ~~فتضاعفت مرة أخرى فأصبح المجموع 6 + 6 (نفي الضد) + 14 + 14 (نفي ~~الضد) فأصبح مجموع العقائد في الله أربعين عقيدة، وفي الرسول ~~أربعا تنفي أضدادها فيكون المجموع ثماني وأربعين عقيدة يجب على ~~المسلم الإيمان بها. وقد تزيد في جيلنا أو في الأجيال القادمة. كل ~~ذلك من عمل المذهب نتيجة للانغلاق على الذات والانعزال عن الواقع ~~فتعيش العقيدة على ذاتها حتى تتآكل في النهاية. # 5 # إنما تحيا الفلسفة بكسر حدة المذهب والخروج من حصاره ~~والإفلات من دوائره. غابت روح المذهب عن الفلسفة اليونانية ~~وبالتالي ازدهرت الفلسفة، وأصبح طريقها هو الحوار الذي خلده ~~أفلاطون في «المحاورات» والذي وضعه المعلم سقراط، دون وضع نظريات ~~مسبقة بل التساؤل عن المعتقدات الشائعة ومطالبة المعارضين بالبرهان ~~فيكتشف الإنسان الصواب أو الخطأ من نفسه. وهو الطريق الذي وضعه ~~القرآن بقوله: # وفي الأرض آيات ~~للموقنين * وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون ~~(الذاريات: 20-21). بل إن أرسطو نفسه لم ~~يضع مذهبا. وقد وصفه برجسون بأنه «عبقرية كل العصور لكنه لم يضع ~~مذهبا.» بل كانت عينه مفتوحة على الطبيعة كما هي يدرك حركتها ~~ولرؤية الفردي والضروري في آن واحد كما فعل برجسون بالحدس، هذا ~~التعاطف الوجداني مع الواقع والاتحاد به لإدراك ماهياته المستقلة ~~من خلال التجربة. كما أعطى أوغسطين نموذجا آخر لروح التفلسف في ~~مواجهة المذهب بالرغم من استعماله هذه الروح دفاعا عن العقائد ~~الرسمية للكنيسة. استعمل الحوار السقراطي الأفلاطوني وغاص في ~~التجارب البشرية التي تكمن وراء العقائد. فكان فيلسوفا أكثر منه ~~عقائديا. وأمكنه الدفاع عن المسيحية باسم ms028 السلطة حتى لو كانت ~~سلطة الروح أو سلطة الاختيار. ولم يكن ذلك فقط في «المحاورات ~~الفلسفية» التي كتبها في شبابه بل أيضا في كتبه العقائدية الصرفة ~~مثل «كتاب التثليث» حيث لا يكاد يرفض أي فيلسوف المظاهر الثلاثية ~~في الحياة مثل: الحس والعقل والقلب، الشهوة والغضب والعقل، الأب ~~والأم والابن، السماء والأرض وما بينهما، المتكلم والمخاطب والغائب ~~... إلخ، كما نجح الجدليون في العصر الوسيط المتأخر في التخفيف من ~~روح الأنساق العقائدية بالاعتماد على العقل وكسر حدة المذهبية ~~العقائدية، ولو أن استعمال العقل كان جدليا أكثر منه دعوة للحوار ~~المفتوح دون تعصب أو هوى، فالجدل إحدى وظائف العقل وليس عمله ~~الرئيسي وهو البرهان. إنما يكفي أن الجدل قد أعطى للآخر الحق في ~~تناول العقيدة وجعلها محور النقاش، وموضوعا للأخذ والرد، وللقبول ~~والرفض. وقد بدأت العصور الحديثة بروح التفلسف المعادية للمذاهب ~~العقائدية والفلسفية القديمة. فكان ديكارت يتهكم على القدماء، ~~ويفخر بجهله بعلمهم. واستمرت روح التفلسف ابتداء من أن العقل هو ~~أعدل الأشياء قسمة بين الناس ويطلب الوضوح والتميز ويقين ~~البداهة. كما وضع كانط الفلسفة النقدية في مواجهة الفلسفة ~~الدجماطيقية، وأن معرفة إمكانيات المعرفة أهم من نتائج المعرفة ~~فازدهرت الفلسفة وحييت على يد الكانطيين، وأصبحت المشكلة ~~الكانطية هي المشكلة الفلسفية بالأصالة. كما حييت الفلسفة بعد ~~التحرر من المذهب عند هيجل، وازدهرت على أيدي الهيجليين الشبان ~~منهم والشيوخ حتى أتت الفلسفة الوجودية، وانتعشت الفلسفة بل ~~والميتافيزيقيا في فلسفة التساؤل والدهشة والبحث عن المعاني، ~~والغوص في أعماق الوجود الإنساني. وقد قام المعتزلة بالشيء نفسه في ~~تراثنا القديم فبمواجهة العقائد السلفية ومن أجل الدعوة إلى حرية ~~البحث والنظر، فالنظر أول الواجبات، بل إن الشك واجب قبل النظر. ~~النظر يولد العلم بل والعلم اليقيني، ولكن لسوء الحظ لم تعش ~~هذه المحاولات وما زالت محاولات بعثها تصطدم بالمذهب الموروث ~~الذي اتحدت معه السلطة فأصبح أكبر دعامة لها. # 6 # | خامسا: الفلسفة والابتسار # وكما أن الفلسفة تموت إذا ما سادت المذهبية والشمول والغطاء ووضع ~~جميع البشر تحت القبة السماوية التي لا ms029 منافذ منها، فإن الفلسفة ~~تموت أيضا من قصر النظر والابتسار والرد والاقتضاب والتجزئة. فإن ~~ضيق الأفق والالتصاق بالموضوع إلى حد محو المسافة بينه وبين الذات ~~اللازمة للإدراك يؤدي إلى غياب النظرة الشاملة وعدم رؤية العلاقات ~~بين الأجزاء. ولما كان الجزء بمفرده ليس قانونا ولا نظاما ولا ~~تصورا حدثت الأزمة في العلوم، فينتقل الوعي إلى جزء آخر يجربه ~~إلى حين وهو الجزء المقابل للأول وكرد فعل عليه فتنفرج الأزمة ~~مؤقتا ولكن سرعان ما تظهر من جديد. فيتم تجريب جزء ثالث في الوسط ~~يجمع بين الجزءين السالفين قدر الإمكان، ولكنه يظل أيضا جزءا أو ~~كلا مصطنعا مجزأ مفككا، ويتم الانتقال من جيل إلى جيل ~~بطريقة المحاولة والخطأ حتى تصبح الحيرة سمة عامة للوعي فيقع في ~~نهاية الأمر في النسبية والشك، أو ينتهي به المطاف إلى العدمية ~~المطلقة. # وقد حدث ذلك في الوعي الأوروبي ويعرف باسم الابتسار أو الرد أو ~~الاقتضاب، رد الكل إلى أجزائه، وتقليص الشيء أو ابتسار الواقع ~~وتقطيعه إلى أجزاء، وبتكرار هذا الرد يتحول إلى عادة في الوعي، فلا ~~يواجه كلا إلا إذا رده إلى الأجزاء خوفا من الوقوع في الكليات ~~التي لا تدعمها شهادة الحس. فاليقين المادي على الأقل يمكن رؤيته ~~وقياسه كما، والبرهنة عليه حسا، وليس ظنا أو سرابا أو وهما ~~كما كانت الكليات السابقة من قبل. عظم شأن الاستقراء، وتوارى ~~الاستنباط، وتحول كل شيء إلى كم يقاس، وإلى أجزاء تعد حتى لم ~~يعد هناك وجود لكيف أو لمعنى أو لقيمة أو لفكر أو لتصور. كان من ~~الطبيعي أن يجرب الوعي الأوروبي الجزء بعد أن اكتشف زيف الكل ~~الذي ورثه من العصر الوسيط والذي سرعان ما تهرأ وتهاوى بعد ~~اكتشاف عصر النهضة والعلم الجديد. وقد حدث هذا الانهيار في كل ~~العلوم لأنها كانت في معظمها كليات نابعة من العقائد، والعقائد من ~~الكنيسة، والكنيسة من التاريخ. ولم يكن لها ما يصدقها من الحس أو ~~المشاهدة أو التجربة أو العقل أو الاستدلال. # وهنا تموت الفلسفة لأنها لا تذهب إلى ما ms030 وراء الأجزاء لتدرك ~~العلاقات وتبحث عن المعاني فيما وراء الألفاظ، وتكشف عن الدلالات. ~~فاللامرئي هو أساس المرئي، والتصور الكلي للعالم هو الذي يربط بين ~~الأجزاء، والإنسان يكون أقدر على رؤية الجزء من خلال الكل. وكثيرا ~~ما كانت الاكتشافات العلمية في إدراك العلاقات الكلية. # 1 # ويؤكد تاريخ الفكر البشري موت الفلسفة حين تقع في الابتسار ~~والتجزئة ووجهات النظر التي تنم عن التعصب والتحزب والانحياز. ~~كانت الفلسفة اليونانية في اتجاهاتها الثلاثة: المثالية والواقعية ~~والإنسانية نظرة شاملة للكون. ولم تقع في الابتسار إلا عند ~~السوفسطائيين والشكاك الذين أنكروا المعاني المستقلة وراء ~~الألفاظ، والحقائق وراء المدركات الحسية، ولكن الفريقين كانا ~~عرضين في الفكر اليوناني. كذلك لم تقع العصور الوسطى في ~~الابتسار نظرا لسيادة العقائد الكلية والتصورات الشاملة، ولكن ~~ابتداء من العصور الحديثة وقع الوعي الأوروبي في الابتسار وفي ~~النظرة الجزئية بعد رفع الغطاء النظري الشامل الذي كان سائدا في ~~العصر الوسيط ابتداء من فرنسيس بيكون، واستمرارا عند لوك وهوبز ~~وهيوم وانتهاء بالوضعية الاجتماعية والمنطقية. # 2 # ربما لم تمت الفلسفة عند بيكون أولا نظرا لأن الحس ~~والتجربة كان لهما دور إيجابي في الكشف عن الأوهام وتأسيس المعرفة ~~اليقينية، ولكن ظهر الابتسار بشكل واضح في المدرسة الحسية ~~الإنكليزية عند باقي ممثليها بقول لوك المشهور: إنه لا يوجد في ~~العقل إلا ما كان في الحس أولا - حتى العقل ذاته - دون مراعاة ~~لاعتراض ليبنتز. فلا توجد أفكار فطرية ولا أوليات أو بديهيات ~~عقلية. ولا توجد معان أو قيم مستقلة عن واقعها الاجتماعي أو ~~حواملها اللفظية، ولا توجد قوانين مطردة ولا علل دائمة في الكون، ~~فكلها تداع للمعاني، وتكرار تألفه العادة، وتعميم وتجريد ابتداء ~~من المشاهد الحسية لدرجة أن كانط قد صاغ كل فلسفته للرد على هيوم. ~~بل إن هوسرل أعلن أن فلسفة هيوم هي إفلاس # Bankrott # للفلسفة. ثم تحولت الوضعية المعرفية إلى ~~وضعية اجتماعية، فالظواهر الاجتماعية أشياء ووقائع ولا يوجد شيء ~~خارج المجتمع، وأن الفلسفة والدين لا يعبران إلا عن مراحل بدائية ~~في تطور البشرية في حين أن ms031 العلم يعبر عن كمالها ومرحلتها ~~الأخيرة. ولا توجد معان مستقلة عن الألفاظ بل إنه يمكن أيضا ~~الاستغناء عن الألفاظ وتحويلها إلى مجرد رموز رياضية؛ ومن ثم ينتهي ~~المذهب الحسي المادي إلى نقيضه في الصورية الفارغة. وفي تراثنا ~~القديم لم يحدث هذا الابتسار الحسي حتى الآن إلا في أقل الحدود؛ ~~نظرا لوجود التصور الشامل للكون المنبثق من العقيدة. ومع ذلك ظهر ~~السمنية يدعون إلى المعرفة الحسية وينكرون البديهيات العقلية، كما ~~ظهر المهندسون في الإلهيات يردون كل الصفات الإلهية إلى الحس ~~والتجارب الإنسانية، ولكنهما لم يكونا تيارا أساسيا في فكرنا ~~القومي. # وقد يكون الابتسار من ناحية العقل عندما لا يرى من الواقع إلى ~~جانبه الصوري ولا يرى في العالم إلا المقولات والتصورات. ~~فالعالم فكرة، والمادة رؤية، ولا وجود إلا للذات. وقد وقع في هذا ~~الابتسار كل التيار العقلي في العصور الحديثة الذي خرج منه ديكارت ~~وسار فيه اسبينوزا وليبنتز ومالبرانش. فالعالم حركة وامتداد، ~~مفهومان رياضيان لعلمي الميكانيكا والهندسة. والله فكرة العالم، ~~والروح فكرة البدن كما هو الحال عند اسبينوزا. والعالم كله قوانين ~~عقلية ثابتة يمكن معرفتها وحسابها كما هو الحال عند ليبنتز في ~~«المونادولوجيا». وقد انتهى هذا الابتسار إلى الوقوع في ~~الصورية الفارغة وإنكار العالم المادي وإغفال منطق الحس ~~والتجربة، ونشأ الصراع بين الابتسار الحسي وبين الابتسار ~~العقلي، كل يريد رد الكل إلى الجزء، وضاعت الحقيقة بشقها إلى ~~نصفين. # ثم حدث ابتسار ثالث عندما تم تجاوز هذا الصراع التقليدي بين ~~المذهب الحسي والمذهب العقلي من أجل العثور على طرف ثالث يجمع بين ~~الاثنين هو الحياة أو الوجود أو الإنسان. واختلف الفلاسفة في هذا ~~الطرف الثالث وتحديد ماهيته، فهو الوجود الإنساني عند هيدجر، وهو ~~الحرية عند سارتر، والجسم عند جابريل مارسل وميرلو بونتي، وإرادة ~~القوة عند نيتشه، والحياة عند أونامونو، والزمان عند برجسون، ~~والشخص عند مونييه وشيلر، والعمل عند وليم جيمس وجون ديوي، والفعل ~~عند بلوندل، ويعود المذهب الحسي من جديد في الواقعية الجديدة، كما ~~يعود المذهب العقلي في العقلانية الجديدة. وتحاول فلسفة ms032 الشعور ~~جعل العقل والتجربة واجهتين له. ويظل الوعي الأوروبي متذبذبا ~~بين هذا وذاك، ترددا بين المذاهب، وهو في كل الحالات يرد الكل ~~إلى الجزء، وإن اختلفت الأجزاء. # 3 # وعلى العكس من ذلك، تحيا الفلسفة بالنظرة الشاملة للكون وبالقدرة ~~على بعد الرؤية وإدراك المعاني المستقلة والماهيات والحقائق التي ~~تنكشف من خلال التجربة وبالاستقلال عنها. وقد كانت الفلسفات ~~الشرقية القديمة نموذجا لهذا البحث. لم تقع في الابتسار وظلت ~~مرتبطة بالنظرة الشاملة للكون، وبواقع الناس اليومي؛ ومن ثم ~~اتحدت بحياتهم، وعبرت عن تاريخهم، وكونت تراثهم ووعيهم ~~القومي. كما كانت الفلسفة اليونانية نموذجا آخر لهذا البحث الكلي ~~الشامل باتجاهاتها الثلاثة، فقد بحث سقراط معاني الخير والفضيلة ~~والجمال والصداقة والمحبة بصرف النظر عن وقائعها المادية وظروفها ~~الاجتماعية وحالاتها الخاصة، حتى إنه ليمكن لعشرات الأجيال بعد ~~سقراط إدراك مقاصده وفهم معانيه دون أن تبلى وتقدم. كما كانت ~~هناك محاولات في العصر الوسيط لإعطاء تصورات شاملة للكون ولكن ~~لم يكن لها سند من عقل أو تجربة بل كانت مضادة للعقل ولشهادة ~~الحس، مناهضة للفكر الحر وللعلم الحديث. وإبان العصور الحديثة ~~قامت محاولات أخرى لضم الأجزاء من أجل الحصول على نظرة شاملة ~~للكون. حاول ذلك كانط ولكن جاءت محاولته مصطنعة بطريقة الأدراج ~~والعلب والمراتب. فوضع الحس أولا، ووضع فوقه الذهن ثانيا، ثم وضع ~~فوقه العقل ثالثا. وكل طبقه دنيا تدخل في الطبقة العليا بطريقة ~~المضمون والشكل. وما أسهل أن يتفكك الرباط المصطنع فينشأ منه ~~المذهب الحسي وحده أو العقلي وحده أو الإيماني بمفرده، وكل مذهب ~~ينتسب إلى كانط. كما حاول هيجل بعد ذلك الشيء نفسه فوضع الحركة في ~~البناء، وأعطاه الوحدة الداخلية بين الحس والذهن والعقل، كلها ~~ثلاث لحظات للتصور. ربط بين الفلسفة والدين والعلم، بين الوجود ~~والماهية والصيرورة، بين الإنسان والعالم والله. ولكن خرجت ~~المحاولة أسطورية كونية بلا فردية، فتحول الجميع ضحايا للمذهب وغرق ~~الأفراد في بحر الشمول. # ولكن هناك محاولات أخرى قدر لها النجاح النسبي، وأنقذت العلوم ~~الأوروبية من أزمة الابتسار. فقد ساهمت نظرية الجشطلت في ms033 تقدم ~~علم النفس بعد أن اشتدت أزمة علم النفس التجريبي وذلك بإعطاء ~~الأولوية للكل على الجزء، وإثبات أن إدراك الكل سابق على إدراك ~~الأجزاء. كما نجح هوسرل في «بحوث منطقية» في المبحث الثالث «الكل ~~والأجزاء» في نقد المذهب التجريبي في المنطق معطيا الأولوية للكل ~~على الجزء، ومكونا المنطق الترنسندنتالي. كما نجح الوجوديون في ~~وضع الإنسان في موقف وبيان موقفه من العالم مع الآخرين وبين ~~الأشياء متجاوزين الموضوعية العلمية العتيقة وموجهين العقل نحو ~~التجارب الإنسانية الواسعة. كما أصبح أحد عناصر قوة الماركسية - ~~كمذهب سياسي - هو نظرتها الشاملة للكون، ووضع الفرد في علاقاته ~~الاجتماعية وداخل أوضاع المجتمع الطبقية وتفسيرها لكل شيء ووضعه له ~~في مرحلته التاريخية المحددة. # 4 # | سادسا: الفلسفة والعقل # تموت الفلسفة إذا ما أصبحت مهمة العقل - وهو أداة الفلسفة الأولى ~~- هي تبرير المعطيات سواء كانت دينية أو سياسية، والدفاع عنها دون ~~أن يقوم بوظيفته الأولى في التحليل والفهم أولا ثم في نقد الواقع ~~والأوضاع القائمة ثانيا، بل يقتصر على التبرير لما يفهم دون نقد ~~أو تغيير ودون إحداث أي تأثير في الواقع، فالفهم والتغيير كلاهما ~~من وظائف العقل. والاكتفاء بالأول دون الثاني يجعل من الفيلسوف ~~متفرجا على الأحداث دون أن يكون مسيرا لها. فلا يكفي فهم ~~العالم بل لا بد من تغييره أيضا. والحقيقة أن العقل قادر على فهم ~~كل شيء وتبرير كل شيء، بل إن الفهم نفسه هو أحد أنواع التبرير. ومع ~~ذلك لا يتم دور العقل الكلي إلا إذا واجه ما يستعصي على الفهم. ~~وهنا يبدأ عمل العقل الفعلي في التحليل والنقد. ثم يتحول إلى رفض ~~وثورة وغضب ويتحد بالوجود الإنساني كله. وفي التبرير لا تهم ~~جهة المعطيات ونوعها. فسواء أتت من الوحي أو من المجتمع فالتبرير ~~واحد في كلتا الحالتين. تبرير الوحي يكون تبريرا للعقائد التي هي ~~في حقيقة الأمر نتاج التاريخ ومن وضع المجتمع ومن صياغة الفقهاء، ~~تعبيرا عن روح العصر. وتبرير المجتمع يكون تبريرا للنظم السياسية ~~والاجتماعية دفاعا عن الأوضاع القائمة، ويقوم به الموظفون ~~الأيديولوجيون ms034 في كل نظام. # وقد نشأت هذه الوظيفة في الوعي الأوروبي بعد أن مارس العقل ~~وظيفته الأولى في التحليل والنقد واكتشف ضعف المعطيات التي ~~حللها، والتناقض الداخلي في الموروث القديم وعدم تطابقه مع الحس ~~أو الواقع وتعارضه مع الصالح العام، ولكن خشي البعض إلقاء الطفل مع ~~الماء بعد طقس العماد، وأرادوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه فقاموا ~~باستئناف عمل العقل في العصر الوسيط، أي تبرير العقائد مع الاختلاف ~~في مواد التبرير وفي درجة الإقناع. فإذا ند الموروث القديم عن ~~العقل في العصر الوسيط فإنه الآن يعبر عن الاشتباه في الحياة ~~الذي يعبر بدوره عن تناقض الوجود الإنساني. وإذا برر العقل ~~الخطيئة الأولى بعجز الإنسان عن إنقاذ نفسه وضرورة المخلص فإنه ~~يبررها اليوم بمظاهر الألم والبؤس والشقاء في الوجود الإنساني. ~~وإذا برر القدماء نهاية العالم بفساد الكون فإن المحدثين ~~يرونها بتقليص الطاقة وبتناقصها في الزمان. # 1 # ويشهد تاريخ الفكر البشري على موت الفلسفة إذا ما قام العقل ~~بوظيفة التبرير وتخلى عن دوره في التحليل والنقد. فقد كانت ~~الفلسفة في العصر الوسيط تستخدم العقل دفاعا عن العقيدة؛ ومن ~~ثم خرجت فلسفات في الدين تقبل الخطيئة والخلاص والتجسد ~~والفداء كحقائق مطلقة على العقل أن يفهمها ويبررها للناس. بل إنه ~~لشرف كبير للعقل أن يفهم أسرار الإيمان دون أن يتعدى حدوده. ~~فالإيمان يفوق العقل ويتحداه. الإيمان عقل أكبر. وإذا كان ~~«أومن كي أعقل» يعطي الأولوية صراحة للإيمان على العقل فإن ~~«أعقل كي أومن» لا يعطي العقل الأولوية المطلقة على الإيمان، ~~ولا يجعل العقل يقوم بدوره في التحليل والنقد. بل إن أقصى ما ~~توصلت إليه المسيحية الأرسطية كما مثلها توما الأكويني هو وضع ~~ثلاثة مستويات: العقل الطبيعي القادر على الوصول إلى الله كما ~~تصوره الفلاسفة، ثم الإيمان الذي يعطي وحدة الله كما يتصوره ~~الدين أي السر الإلهي، وأخيرا عقل الإيمان القادر على فهم هذا ~~السر بعد حدوثه في القلب بفعل الإيمان. وهذا التصور الثلاثي ~~يرتكب في حقيقة الأمر خطأين؛ الأول اعتبار الله كما تصوره الفلاسفة ~~غير الإله ms035 الذي أوحى به الدين؛ والثاني اعتبار أن العقل قاصر عن ~~إدراك السر وأنه لا بد من حدوث السر أولا بالإيمان حتى يمكن ~~لعقل الإيمان فهمه ثانيا. وذلك عود من جديد إلى «أومن كي ~~أعقل». بل إن العصور الحديثة كلها والقرن السابع عشر خاصة الذي ~~عرف باسم العقلانية كان العقل فيه مبررا للإيمان ولكن بصورة ~~أفضل، وبذكاء أكبر، وبأسلوب أكثر إقناعا، وبمنهج أوضح مما كان ~~العقل عليه في العصر الوسيط، بل إن «التأملات في الفلسفة الأولى» ~~لديكارت مهداة إلى علماء أصول الدين الهدف منها البرهنة على ~~صحة عقائد الإيمان، وقد سار كانط في التيار نفسه حين جعل «العقل ~~النظري» قادرا فقط على إدراك الظواهر وعاجزا عن إدراك الحقائق ~~وبواطن الأمور، بل إنه صاحب القول المأثور «كان لزاما علي هدم ~~المعرفة لإفساح المجال للإيمان.» الجدل العقلي لديه جدل ووهم ~~وخداع. ومثل العقل الثلاثة: الله والنفس والعالم تصورات ~~قبلية لا برهان عليها. ولا يوجد برهان عقلي قبلي أو كوسمولوجي ~~بعدي على وجود الله. فتغلب الإيمان على العقل، وأصبح العقل ~~مبررا للإيمان. ويظهر التبرير بصورة واضحة عند هيجل حين تحولت ~~المسيحية إلى فلسفة والتثليث إلى جدل، والله إلى تاريخ. بل ~~تجاوز العقل تبرير الدين إلى تبرير الدولة القائمة، وتبرير كل ما ~~هو موجود باعتبار أنه إحدى لحظات الفكر، فالعقلي هو الواقعي، ~~والواقعي هو العقلي. فتغلب الفهم على النقد، والتفسير على ~~التغيير، واستمر الحال كذلك حتى عند المعاصرين مع أن الرفض روح ~~العصر، وهم التوماويون الجدد وعلى رأسهم جاك مارتيان، في ~~معاداتهم روح العصر والدعوة إلى الرجوع إلى القدماء وإلى فلسفة ~~توما الأكويني التي حوت كل شيء. # 2 # وقد ظهر دور العقل في تبرير المعطيات على أوضح ما يكون في تراثنا ~~الفلسفي القديم عندما أصبحت وظيفته فهم الوحي خاصة عند أهل ~~السنة الذين جعلوا النقل أساس العقل. بل إن المعتزلة أنفسهم ~~الذين جعلوا العقل أساس النقل كانت مهمة العقل لديهم تأويل النقل ~~حتى يصبح أكثر اتفاقا مع العقل دون نقده أو تأويله تأويلا ~~جذريا بإرجاعه ms036 إلى التجارب الإنسانية التي هي أساس كل نص. لم يقم ~~العقل بدوره في التحليل والنقد إلا في حدود التأويل حرصا على ~~التنزيه، تأويل الصفات والرؤية دفاعا عن التوحيد، وتأويل الشفاعة ~~والصراط والميزان والحوض دفاعا عن العدل، واعتبار ذلك صورا فنية ~~تسمح بها اللغة العربية لإعطاء معاني العدالة والحكم. ولسوء الحظ ~~لم يستمر خط الرازي في «نقد النبوات» وابن الرواندي في استعمال ~~العقل على نحو نقدي، وتم استئصال هذه النماذج كلية من تراثنا ~~القديم حتى غابت كلية من وعينا القومي ووجداننا المعاصر. كذلك قام ~~الفلاسفة بالمهمة نفسها في التبرير فاقتصر دور العقل على فهم ~~الدين بطريقة أكثر رقيا ترضي ذوق المثقفين والحكماء. فالجنة ~~نعيم روحي، والنار عذاب معنوي، ولم يجرؤ أحد على الخروج عن هذا ~~الإطار لوظيفة العقل باستثناء ابن رشد خاصة في شروحه على أرسطو ~~والذي لاقى ما لاقى من صنوف القهر والاضطهاد. بل إن علماء أصول ~~الفقه أيضا تقبلوا الوحي كحقيقة معطاة سلفا، وما دام المعطى ~~المسبق قد أعطي كل شيء، وحمل الحقيقة الجاهزة إلينا فقد تحدد ~~دور العقل في فهمها وتفسيرها وتذوقها. لقد أغنانا الله عن البحث ~~النظري المجرد، وأعطانا الحقيقة لنوجه جهدنا كله إلى العمل وإلى ~~تحقيقها كنظام شرعي في الأرض. يمكن للعقل الاجتهاد قياسا للفرع ~~على الأصل دون إعمال العقل في الأصل إلا من أجل تنقيح المناط أو ~~تخريج المناط أو تحقيق المناط دون النظر في تأسيس النص في العقل أو ~~في الواقع. أما الصوفية فقد عادوا العقل كلية. وأصحاب الحكمة ~~الإلهية أو حكمة الإشراق وظفوا العقل في إيجاد البرهنة على صدق ~~الحدس القلبي كما هو الحال في الفلسفة المسيحية. # 3 # ولكن تحيا الفلسفة إذا ما قام العقل بوظيفته الأساسية في التحليل ~~والنقد من أجل التغيير. وظيفة العقل بيان الاتساق الداخلي ~~للموضوع أولا ثم بيان المسافة بين الواقع والمثال ثانيا، وبيان ~~وضع المجتمع في حركة التاريخ ثالثا بين الخلف والأمام في معركة ~~التخلف والتقدم. لقد قام العقل عند اليونان بهذا الدور عندما ~~كان سقراط يناقش تلاميذه ms037 حول آلهة اليونان وحول تعاليم ~~السوفسطائيين. كما ظهر العقل النقدي في حركات الهرطقة في عصر آباء ~~الكنيسة عند مؤسسي الفرق الدينية الذين كشفوا بعض جوانب ~~التناقض في العقائد السائدة والتي ما زالت في طور التشكيل مثل ~~أريوس دفاعا عن التوحيد، وبلاجيوس دفاعا عن الحرية، ودوناتوس ~~دفاعا عن الوطنية، ولكن ابتداء من عصر النهضة ظهر العقل الناقد ~~في الثورة على القدماء ورفض المعتقدات الموروثة وتوجيه العقل نحو ~~الطبيعة من أجل تخليص الذهن من الأحكام المسبقة والأوهام الشائعة. ~~ولما ترك ديكارت الاستثناءات خارج النقد - وهي الكتب المقدسة ~~والعقائد والأخلاق الشائعة - وطالب فيها باتباع «الأخلاق ~~المؤقتة» جاء اسبينوزا مؤكدا دور العقل في النقد حتى يمكن تأسيس ~~المجتمع بعد ذلك على أسس عقلية. وفي العصر نفسه نشأ النقد ~~التاريخي للكتب المقدسة لإخضاع النص الديني لأحكام العقل رفضا ~~للتناقض، وإبعادا للزيادة فيه، وبيانا للنقص والتحريف والتبديل ~~والانتحال عليه. وقد قام فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر بدور ~~النقد العقلي لمظاهر التخلف في الحياة الاجتماعية والسياسية ~~فارتبط بالحس والمشاهدة والتجربة، ووقف ضد النظم الملكية ~~والتسلطية، ودحض الخرافات والأساطير، وبين مآسي الحروب والتعصب ~~الطائفي. كما قام الهيجليون الشبان بتحويل وظيفة العقل في التنوير ~~عند هيجل إلى وظيفة النقد، وأسس شترنر وفيورباخ وشتراوس وباور ~~«فلسفة النقد» الهيجلية وتحويل وظيفة العقل من تبرير الدين إلى نقد ~~المجتمع. ثم دفع ماركس وظيفة النقد خطوة أبعد في نقد النقد، ~~والانتقال من نقد المجتمع إلى تغيير المجتمع. ثم أتى ماركيوز ~~أخيرا وجعل وظيفة العقل الأساسية الثورة والنفي والرفض، والانتقال ~~من المثالية إلى النقد الاجتماعي، ومن العقل إلى النظرية السياسية. # 4 # وفي تراثنا القديم قام الفقهاء بالدور نفسه بالنسبة للتراث ~~الأجنبي الوافد حماية للعقائد ودفاعا عن الحضارة. قام الفقهاء ~~بنقد المنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية كما فعل ابن تيمية. وقام ~~آخرون بنقد الكتب المقدسة مبينين ما فيها من زيف ووضع وتبديل ~~وتحريف بالاعتماد على قواعد المنهج التاريخي كما وضعها علماء ~~الحديث. كما قام البعض بالنقد الاجتماعي مبينين عيوب التصوف ~~وخطورته على المجتمع مثل عقائد ms038 الولاية والإمامة والحلول والاتحاد ~~والفناء ووحدة الوجود. ولكن لسوء الحظ لم يشمل هذا النقد الأصول ~~ذاتها فوقعوا في التشبيه والحرفية وضيق الأفق والتعصب. كما حاولت ~~الحركات الإصلاحية الحديثة الإعلاء من شأن العقل ولكنه ظل محددا ~~تحت وصاية النبي. ولولا قدوم الضباط الأحرار قبل المفكرين الأحرار ~~لكان بالإمكان ظهور المعتزلة الجدد وأن تحيا الفلسفة بعد موت. # 5 # | سابعا: الفلسفة والمنهج # تموت الفلسفة إذا تحولت إلى جمع المعلومات دون منهج، وإلى تصنيف ~~المعارف دون طريقة في الاستدلال، فالفلسفة أساسا منهج أو طريق ~~وليست معرفة أو علما. وقد كانت معظم التحولات الأساسية في ~~الفكر البشري تحولات في المنهج أكثر منها زيادة في المعارف ~~والعلوم؛ لذلك كان المنطق أو مناهج البحث جزءا من الفلسفة. ~~فالمنطق بتعريف القدماء آلة للعلوم يعصم الذهن من الخطأ. ومناهج ~~البحث هي طرق الاستدلال التي لا يستغني عنها باحث في أي علم. ~~وينشأ من هذا العلم الكمي تضارب المعلومات دون أي اتساق فيما ~~بينها ووضع الصواب مع الخطأ، الصحيح مع الباطل، العلمي مع الأسطوري ~~دون أي معيار للصدق بينهما. ويكون حينئذ الطريق الوحيد لزيادة ~~المعارف هو النقل أو الرواية عن القدماء، جيلا بعد جيل، والاعتماد ~~على المأثور دون المعقول، والأخذ بالأثر دون الرأي. ويغيب الواقع ~~كلية وتتوقف الحياة ويلحق الضرر بالمصالح العامة إذ يكون العلم ~~في جانب وواقع الناس في جانب آخر. ثم تستأثر جماعة معينة بالعلم ~~فلا يشيع بين الجميع، وتنشأ طبقة من الكهان والحفظة والكتبة ~~والفقهاء وحملة العلم، يحفظونه في الرءوس أو يدونونه في ~~مجلدات؛ لذلك عرف الفكر القديم باسم الفكر الموسوعي. فالعالم ~~هو الذي يحيط به، والجاهل هو الذي لا يعلمه. # وقد يكون السبب في ذلك أن الحضارة الإنسانية في بداياتها كانت ~~أقرب إلى المعارف منها إلى المناهج؛ فقد كان يهمها تجميع المعارف ~~بصرف النظر عن طريق الوصول إليها. وبتراكم المعارف تنشأ الحضارة ~~البشرية، جيلا بعد جيل، وإضافة بعد إضافة. كانت العلاقة بين ~~الإنسان والطبيعية آنذاك ينقصها التكيف المعرفي بالإضافة إلى ~~التكيف المادي؛ وبالتالي نشأت الحاجة إلى ms039 المعارف، أية معارف ~~لملء هذا الفراغ النظري بين ~~الإنسان والطبيعة بصرف النظر عن مصدرها. وكان الغالب على هذه ~~المصادر السحر والخرافة واستدعاء أرواح الموتى، والأساطير والحكمة ~~الشعبية، وهي كلها مصادر للمعرفة لا يقين لها، الغاية منها ~~التكيف المعرفي مع الطبيعة. ثم قام الأنبياء بعد ذلك بالدور ~~نفسه كاشفين عن النبوة كمصدر للعلم، هم وحدهم المتصلون به، ~~وعلى الآخرين أخذ المعارف دون المناهج. ثم تراكمت النبوات ودونت ~~في كتب، من علمها أصبح عالما، وشرحها الشراح، وتراكمت الشروح، ~~ومن علمها أيضا أصبح عالما. وهكذا في بدايات التاريخ البشري كانت ~~للمعلومات والمعارف الأولوية المطلقة على المناهج وطرق الاستدلال. # 1 # ويشهد التاريخ أن الفلسفة تموت عندما يغيب المنهج، وتتحول ~~الفلسفة إلى معارف موروثة يتراكم بعضها فوق بعض دون طريقة للوصول ~~إليها. ماتت مرتين؛ مرة في العصر الوسيط الأوروبي عندما تحولت ~~إلى موسوعات ودوائر للمعارف؛ ومرة لدينا في تراثنا القديم عندما ~~تحولت أيضا إلى موسوعات ضخمة تضم كل المعارف والعلوم، ويقتصر دور ~~الفيلسوف على التنسيق والربط بينها فتتراكم المعلومات، وتتعدد ~~المصادر، وتحتضن الكنيسة كل ذلك وتنظمها بحيث تكون أكبر دفاع عن ~~العقائد وأقوى دليل على صحتها. ولا يهم أن تنتقل من مصدر إلى مصدر ~~أو أن تعتمد على فيلسوف ثم تغيره إلى فيلسوف آخر مناقض للأول؛ لذلك ~~خرجت المسيحية أفلاطونية مرة لدى آباء الكنيسة ثم أرسطية مرة أخرى ~~لدى توما الأكويني، وداروينية مرة ثالثة عند تيار دي شاردان؛ ومن ~~ثم تحول الدين إلى حضارة، وأصبحت المعارف البشرية هي أساس الدين ~~وفهم العقائد. # 2 # ولم يختلف الحال كثيرا في تراثنا الفلسفي القديم؛ فقد كانت ~~الفلسفة فكرا موسوعيا يقوم على تجميع المعارف والعلوم وتصنيفها ~~وإعادة ترتيبها وتبويبها حتى دون نسبة المعارف إلى أصحابها ~~والمعلومات إلى مصادرها. فالمعارف مشاع للجميع بل ودون تحقق من ~~صحة النسبة حتى كثر الانتحال والآراء المجهولة المؤلف. فلا يهم إن ~~كان مؤلف «أثولوجيا أرسططاليس» أرسطو أم أفلوطين، ولا يهم ~~إن كان كتاب «التفاحة» من وضع ~~أرسطو أم منتحلا. وكأن الذهن البشري به قوالبه ms040 المسبقة ~~وتصوراته للعالم، وما على الفيلسوف إلا ملء الفراغات والبحث عن ~~المضامين البعدية لهذه الإشكالات القبلية. وأكبر نموذج على ذلك ~~«رسائل إخوان الصفاء» وموسوعة «الشفاء» لابن سينا. خرجت الفلسفة ~~أقساما: المنطق والطبيعيات والإلهيات إلى آخر ما وصلت إليه ~~الحضارة البشرية في هذه العلوم؛ لذلك ظلت الفلسفة غريبة على ~~مجتمعها، دوائر منعزلة على هامش الحضارة، نقاطا على المحيط بعيدة ~~عن المركز حتى لقد سمي الفلاسفة المشاءون أتباع أرسطو. # ولا يزال الحال كذلك في جامعاتنا ومعاهدنا، كم من المعلومات ~~يحفظها الطلاب ويضعها الأساتذة في كتب مقررة دون منهج للتفكير ~~أو طريقة في البحث. فالعالم هو الحاوي للمعارف، والحافظ والناقل ~~والمحدث والراوي وليس المخترع أو المكتشف. وإن كثيرا من ~~الاضطراب في حياتنا الفكرية المعاصرة ناشئ من اضطراب في الفكر ~~المنهجي؛ فقد غلب على ثقافتنا المعاصرة إما النقل عن الغرب أو ~~النقل عن القدماء دون ما منهج لتحليل الواقع ومن ثم غاب الإبداع ~~وماتت الفلسفة. # 3 # ولكن تحيا الفلسفة بالفكر المنهجي، فطريقة وضع السؤال أهم من ~~الإجابة على السؤال، وكما قال القدماء نصف الإجابة في طريقة وضع ~~السؤال. لقد ظلت الفلسفة اليونانية باقية في الفكر البشري ~~لمناهجها التي وضعتها، وليس لعلومها واكتشافاتها ومعارفها. فقد ~~وضع سقراط منهج التهكم والتوليد القائم على السخرية من الخصوم ~~وتوليد الحقائق منهم دون أن يدروا وعلى غير وعي منهم. ووضع أفلاطون ~~المنهج الجدلي، الجدل النازل للانتقال من المثال العقلي إلى العالم ~~الحسي، والمنهج الصاعد للانتقال من العالم الحسي إلى المثال ~~العقلي، وكلاهما يكونان منهجا جدليا رأسيا مزدوجا يجمع بين ~~المثال والواقع، بين المعقول والمحسوس. مما يدل على أن الصراع بين ~~المثالية والواقعية هو في حقيقة الأمر صراع منهجي. ثم جاء أرسطو ~~وأراد البحث عن الصوري والفردي، عن العام والخاص، ووضع المنطق آلة ~~للعلوم كلها؛ لذلك كانت تجد كل محاولة للجمع بين المثالية ~~والواقعية في أرسطو رائدا لها. واتبع السوفسطائيون منهجا آخر، ~~منهج تحليل الألفاظ لمعرفة معانيها الدقيقة منعا للبس والاشتباه، ~~وهو المنهج الذي شاع في الفلسفة المعاصرة بنفس الاسم. ms041 # 4 # ثم حييت الفلسفة من جديد على يد القديس أوغسطين في عصر آباء ~~الكنيسة بالعودة إلى منهج سقراط في الحوار. وأضاف على تحليل ~~الألفاظ تحليل التجارب البشرية للبحث عن دلالاتها وإيجاد المضمون ~~الإنساني للعقائد في الوجود الإنساني ذاته. كما حول الأفلاطونيون ~~المسيحيون الجدل الصاعد عند أفلاطون إلى طريق إلى الله كما هو ~~الحال عند القديس بونافنتير، وحوله الجدليون في العصر الوسيط ~~المتأخر إلى منطق في الإقناع والتبشير ومحاورة الخصوم على ما هو ~~الحال في «المنطق الجديد» عند ريمون الليلي. فاشتدت الحركة ~~الفكرية وازدهرت الفلسفة معلنة بدايات العصور الحديثة. # 5 # ثم جاءت العصور الحديثة وأحدثت تغيرا كيفيا في مسار الوعي ~~الأوروبي وتحولا جذريا في حضارته التي أبدعها وذلك بوضعها ~~المناهج الحديثة من أجل إعادة تأسيس العلوم فنشأت المناهج الثلاثة ~~التي أصبحت تميز الحضارة الأوروبية والتي تعيد إحكام نفس المناهج ~~التي صاغها القدماء. وضع ديكارت قواعد المنهج الاستنباطي من أجل ~~الحصول على اليقين في العلوم، واستعار منهج العلوم الرياضية الذي ~~يعتمد على المسلمات والبديهيات والمصادرات واستنباط النتائج منها ~~باعتبارها مقدمات. ويكون مقياس صدق النتائج هو تطابقها مع المقدمات ~~وليس مع الواقع. وقد تم تطبيق هذا المنهج في الدين والأخلاق كما هو ~~واضح عند اسبينوزا. كما وضع بيكون قواعد المنهج التجريبي اعتمادا ~~على شهادة الحس والتجربة وابتداء من الملاحظة وانتهاء بالقانون ~~العلمي بعد الفرض والتجريب، ويكون صدق النتائج مرهونا باتساقها ~~مع الواقع وتحقيقها في التجربة. وتم تطبيق هذا المنهج في العلوم ~~الطبيعية خاصة ثم تبنته العلوم الإنسانية فيما بعد نظرا لنجاحه ~~وإنجازاته. وقد حاول البعض، مثل جون ستيورات مل وغيره، ضم المنهجين ~~معا في منهج استنباطي استقرائي من أجل صياغة منهج متكامل شامل، ~~ولكن نقصته الحياة التي لا يمكن تبخيرها في الصورة بالاستنباط أو ~~ردها إلى المادة بالاستقراء. وهنا ظهر هوسرل وفلاسفة الحياة، دريش ~~ودلتاي وبرجسون وشيلر، ووضع قواعد المنهج الفينومينولوجي من أجل ~~تحليل التجارب الحية وإدراك ماهياتها بالحدس في الشعور في الإحساس ~~الداخلي بالزمان ومن أجل الكشف عن الأشياء ذاتها، ويكون مقياس ms042 ~~الصحة هو تطابق النتائج مع التجارب الحية للفرد وللجماعة في مدينة ~~العلماء. هذا بالإضافة إلى المنهج الجدلي الذي وضعه هيجل من أجل ~~الوصول إلى الحقيقة والانتقال من الموضوع إلى نقيض الموضوع إلى ~~مركب الموضوع، ثلاث لحظات تحدد مسار كل موضوع. وكان لكل منهج ~~شقان؛ الأول سلبي للتخلص من المعارف القديمة وتطهير النفس من ~~أخطائها والبداية من جديد على أسس أكثر يقينا سماه ديكارت الشك، ~~وبيكون القضاء على الأوهام، وهوسرل الرد أو الاقتضاب أو التوقف ~~عن الحكم أو الوضع بين قوسين، وهيجل النفي أو الهدم أو الرفع بمعنى ~~الإزالة وهو أحد معاني فعل # Aufheben ~~؛ والثاني إيجابي ~~لبداية الطريق للحصول على المعارف الجديدة وهداية الذهن سماه ~~ديكارت اليقين، وبيكون التجربة، وهوسرل البناء أو التكوين، وهيجل ~~الإثبات. أصبح الفكر الأوروبي كله نتيجة طبيعية لاستعمال هذه ~~المناهج وازدهرت الفلسفة بفضلها، وأصبحت معظم التحولات الجذرية ~~فيه نتيجة لاكتشافات منهجية. # 6 # وقد حييت الفلسفة في تراثنا القديم بعد وضع المناهج الإسلامية ~~وتجاوز الفكر الإسلامي للمعلومات المتراكمة التي بدت في علوم ~~الحكمة. فقد وضع علماء أصول الفقه «منهج التنزيل»، كما وضع الصوفية ~~«منهج التأويل». ومنهج التنزيل هو المنهج الشرعي الذي يقوم على ~~الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد أو القياس، يهدف ~~إلى البحث عن العلة المؤثرة في الحكم لتعديته من الأصل إلى الفرع ~~إذا ما تشابهت العلة. كما أنه يضم مباحث الألفاظ لضبط فهم النصوص ~~مثل الحقيقة والمجاز، الظاهر والمؤول، المحكم والمتشابه، ~~المجمل والمبين، المطلق والمقيد ... إلخ. ويشمل أيضا مباحث ~~المعاني أو دلالات الألفاظ لمعرفة اقتضاء اللفظ ومدلول الخطاب. كما ~~يشمل مناهج الرواية لضبط صحة النصوص خاصة الحديث والتمييز بين ~~التواتر والآحاد والنقل باللفظ والنقل بالمعنى. وأخيرا وضع منطق ~~للأفعال وتقسيمها إلى مقاصد وأحكام، ووصف سلوك الإنسان في العالم ~~بين الإيجاب والسلب، وبين الإمكان والضرورة، يرتبط بمصالح الأمة ~~وبحاجات العصر، ويلبي متطلبات كل جيل. فهو منهج متكامل يدل على ~~جوانب الإبداع في تراثنا القديم. وعلى أساسه تم نقد المنطق الأرسطي ~~ووضع منطق جديد مكانه هو المنهج الإسلامي. ms043 ولولا إعطاء الأولوية ~~للأصل على الفرع وسيادة المنهج النصي وعدم الجرأة على تحليل العلل ~~المؤثرة لكان للمنهج الأصولي أبلغ الأثر في حياتنا المعاصرة. # 7 # وفي مقابل هذا المنهج وضع الصوفية منهج التأويل لفهم ~~النصوص والرجوع بها إلى مصدرها الأول وهو الله يرتفع فيه الخلق إلى ~~الخالق، وتسقط الأوصاف الإنسانية وتثبت الصفات الإلهية، فيتحد ~~الخلق بالحق ويفنى الإنسان ويتحد بالله. يسير في هذا الطريق ~~ابتداء من المرحلة الأخلاقية من أجل التحلي بالأخلاق الكريمة ~~إلى المرحلة النفسية من أجل علم بواطن القلوب إلى المرحلة ~~الميتافيزيقية من أجل الوحدة المطلقة. يتدرج الإنسان فيه من مقام ~~إلى مقام، وتعرض عليه الأحوال حتى يصل إلى الفناء المطلق. ولولا ~~معاداة العقل (باستثناء حكمة الإشراق) والإيغال في العلوم اللدنية ~~والعروج إلى السماء والهروب من العالم والنزعة الفردية لأمكن لهذا ~~المنهج أن يقيلنا من عثرتنا في حياتنا المعاصرة. # 8 # | ثامنا: الفلسفة والعلوم الإنسانية # تموت الفلسفة إذا ما انعزلت عن الإنسان، وتنتهي الحكمة إن لم ~~ترتبط بالعلوم الإنسانية؛ فالفلسفة بناء إنساني يقوم بها الإنسان ~~ليتكيف من خلالها مع الواقع إذ إنها تفسر له العالم، وتشرح له ~~ألغازه، ولكن لما كان الإنسان البدائي يصارع من أجل البقاء فإنه ~~قد نسي ذاته في مواجهة الطبيعة وأخذ الحل ونسي المشكلة. ولما كانت ~~المشكلة مخاطر الطبيعة، وكان الحل القوى الخفية والآلهة والأرواح ~~المسيطرة عليها التي يمكن استرضاؤها بالسحر والقرابين ركز الفكر ~~الإنساني على الله ونسي الإنسان، وجعل الله محوره واهتمامه ونسي ~~ذاته، وكأن الذهن البشري يصل إلى النهاية وينسى البداية، يفرح ~~بالحل وينسى الأزمة. وفي ذلك موت للفلسفة لأن السحر والقرابين ~~ومظاهر العبادة تكيف عملي دون طرح نظري. ولما كان العمل في حاجة ~~إلى من يقوم به نشأت طبقة الكهنة من أجل تنظيم العمل، وتولدت ~~منها الكنيسة، وخرج منها رجال الدين، ونشأت عنها السلطة الدينية ~~التي أصبحت فيما بعد أكبر خطر يهدد الفلسفة. # 1 # وبيقظة الوعي الإنساني واكتشافه قدرته على النظر العقلي وعلى وصف ~~الظواهر الطبيعية اتجه نحو العقل، هذا الذي أنقذه من ms044 الخرافة ~~والسحر والأساطير والأوهام، وحاول البحث عن النظري الخالص، واستمر ~~في التجريد شيئا فشيئا حتى غاب الجانب الإنساني منه، وأصبحت ~~النظرية هي كل شيء والصورة الخالصة هي المطلب الأساسي كما حدث في ~~«البنيوية» أخيرا وسيطرتها على «علم الإنسان». كما اتجه نحو ~~الطبيعة من خلال التجربة والمشاهدة والمدركات الحسية. واستمر في ~~المشاهدة حتى نسي الجانب الإنساني في العلم، وطغت «المادة» على كل ~~شيء وكأن المادة تدرك وتتحدث وتدل. ثم تحولت الطبيعة إلى صورة، ~~والظواهر إلى معادلات كما هو الحال في الطبيعيات الحديثة التي لا ~~تفترق عن الرياضيات البحتة، وأصبح التجريب الآن هو نوع من حساب ~~الاحتمالات النظرية الخالصة. وأصبح الإنسان في نهاية الأمر، وهو ~~الخالق لهذا كله، للدين والسحر والأسطورة والعقل والعلم، أصبح يعيش ~~شيئا فشيئا في عالم لا إنساني. # 2 # ويشهد التاريخ على موت الفلسفة إذا ما ارتبطت بشيء آخر ~~غير الإنسان، سواء كان الله أو الطبيعة، الصورة أو المادة، بصرف ~~النظر عن أسسها الإنسانية في العقل والحس في النظر والمشاهدة، في ~~الرؤية والإدراك. فقد ماتت الفلسفة بعد أن أصبحت أحد فروع علم ~~اللاهوت فتحزبت وتحجرت، وتمذهبت وضاع منها روح البحث وحرية ~~الفكر واستقلال الرأي والقدرة على التغيير والإبداع. وعلم اللاهوت ~~ذاته هو علم إنسان «مقلوب» يعبر عن وعي الإنسان بذاته على نحو ~~مغترب، خارجا عنه، عابدا إياه. حدث ذلك في العصر الوسيط وفي ~~الفلسفة المدرسية. كما حدث لدينا في علم الكلام أو في علم العقائد ~~بالرغم مما قاله المهندسون في الإلهيات ومحاولتهم إرجاع اللاهوت ~~إلى تجاربه الحسية، وبالرغم من قول أبي شعيب: إن الإنسان هو العالم ~~القادر الحي بالحقيقة، والله هو العالم القادر الحي بالمجاز. # 3 # كما تموت الفلسفة إذا ما تحولت إلى مباحث نظرية خالصة أو إلى ~~علوم رياضية صورية كما هو الحال في المنطق الرياضي الحديث أو في ~~مدارس تحليل اللغة. فالصورية لا حياة فيها ولا دم ولا لحم ولا عظم، ~~ولا صراع ولا مواقف ولا تناقض أو اشتباه. تلغي الفردية وتتنكر ~~للخصوصية ولا تبحث إلا عن ms045 العموم والشمول. بل إن المفاهيم الرياضية ~~ذاتها لها أسسها النفسية في الشعور، والتجريد ذاته ما هو إلا ظاهر ~~يكشف عن مضامين شعورية. تموت الفلسفة إذا ما كانت بحثا نظريا ~~مجردا عن «الخالص» و«النظري» و«الحقيقي». فذلك لا وجود له إلا ~~بعد تجريد العقل للموضوع. وهنا تعيش الفلسفة على ذاتها وتصبح الذات ~~والموضوع في آن واحد. # وتموت الفلسفة أيضا إذا ما أصبحت مبحثا في الوقائع المادية ~~كما هو الحال في العلوم الطبيعية، فالمادية وهم وخداع تحت ستار ~~الموضوعية وباسم التجرد والنزاهة والحياد. فلا ترى الطبيعة من ~~خلال منظور إنساني، ولا تتم الرؤية إلا من خلال الإدراك الحسي ~~أو العقلي. كما أنه لا يمكن التجرد من الأهواء والانفعالات ~~والمواقف الإنسانية بل والمراحل التاريخية والبناء النفسي للأجيال ~~وروح العصر. الموضوعية العلمية خرافة. بل إن النسق التصوري العلمي ~~كله من وضع الذهن. كما أن الاطراد الذي يتسم به القانون الطبيعي ~~ضد الفردية، والحتمية في الطبيعة ضد الحرية الإنسانية. وفي نهاية ~~الأمر لا يظهر العلم إلا في مجتمع مستقر يريد أن يؤسس بنيانه ~~على نحو علمي؛ ومن ثم ارتبط بالكيان الاجتماعي أي بالإنسان. # 4 # ولكن تحيا الفلسفة إذا ما كانت تفكيرا في الإنسان، وإذا ما ~~استمدت مادتها من العلوم الإنسانية. يتضح ذلك من الفلسفة ~~اليونانية باتجاهاتها الثلاثة: المثالية والواقعية والإنسانية، ~~وعلى وجه خاص في «محاورات» أفلاطون وموضوعاتها الإنسانية: ~~المحبة، الصداقة، الجمال، العدالة ... إلخ. كما أن الفلسفة عند أرسطو ~~قريبة الصلة بالسياسة والأخلاق، وليست فقط بالمنطق والطبيعة ~~والفلسفة الأولى. كانت الحكمة مطلبا إنسانيا، وكان البحث عن ~~السعادة هدفا إنسانيا. وقد لخص ديوجين حكمة اليونان حاملا ~~مصباحه في بحثه عن «الإنسان». # 5 # وربما ما بقي من الفلسفة المسيحية هو الجانب الإنساني فيها الذي ~~يتلخص في عقيدة الله - الإنسان. وربما ما بقي منها هو أريوس ~~وأوغسطين. أي الإنسان والتجربة الحية. وربما كان أكثر الموضوعات ~~حيوية في العصر الوسيط هو العقل والنفس والاتصال والخلود والمعاد، ~~أي الجوانب الإنسانية في الفلسفة، وكان نصرا فعليا يوم بدأت ~~العصور الحديثة في القرن السادس ms046 عشر بالمذهب الإنساني عند «اراسم» ~~حيث ظهر الإنسان محور الكون. وكان البحث في البدن بداية للتعرف على ~~الإنسان الحي في مواجهة كل ما هو غير إنساني في السلطة أو في ~~العقائد أو في المناهج. وكان تتويج هذا النصر وبداية الوعي ~~الأوروبي «الكوجيتو» عند ديكارت حيث أصبحت الفلسفة مرادفة للوعي ~~الأوروبي واعيا ذاته والإنسانية معه، وأصبحت المثالية ~~الترنسندنتالية بعده تطويرا للكوجيتو الديكارتي، وتأكد الإنسان ~~محورا للكون في الثورة «الكوبرنيقية»: الذات في المركز والعالم ~~يدور حولها. ثم تحولت الذات إلى روح، والروح إلى تاريخ على يد هيجل ~~حتى أصبح الوعي الفردي مرادفا للوعي الحضاري، وأصبح الإنسان هو ~~الإنسانية كلها. وكانت فلسفة التنوير قبل ذلك قد ربطت الفلسفة ~~بالعلوم الاجتماعية، وخرجت من دوائر المتخصصين والمهنيين في صياغات ~~البراهين على وجود الله وخلق العالم وخلود النفس، بل تجاوزتها إلى ~~وضع الإنسان في المجتمع والتاريخ وفي أنظمة الحكم والمذاهب ~~السياسية. ثم أتى الكانطيون للتأكيد على الإنسان كما هو الحال عند ~~نيتشه ولكشف الشيء في ذاته واعتباره إرادة الإنسان عند شوبنهور. ~~كما استمر الكانطيون الجدد في هذا التوجه الإنساني والانتقال ~~من «الأنا أفكر» إلى الاجتماع والسياسة والأخلاق والقانون. وازدهرت ~~الفلسفة أخيرا في مدرسة فرانكفورت، واستطاعت أن تتحد بالعلوم ~~الإنسانية خاصة علم الاجتماع وأن تصوغه كفلسفة، وأن تصوغ الفلسفة ~~كعلم اجتماع سواء في السياسة أو في الاجتماع أو في الفن أو في ~~الحضارة. بل إن الوجوديين أنفسهم ربطوا بين الفلسفة والعلوم ~~الاجتماعية والتاريخية. فارتبط سارتر بالسياسة والتاريخ وعلم ~~النفس. كما ارتبط ميرلو بونتي بعلم النفس وعلم الأحياء والعلوم ~~السياسية. كما كانت بدايات ياسبرز علم الأمراض النفسية والعام، بل ~~إنه لا يوجد أي فرق الآن بين الفلسفة والعلوم الإنسانية في أهم ~~التيارات الفلسفية العلمية المعاصرة وهي الماركسية والفرويدية والبنيوية. # 6 # ثم قام الوعي الأوروبي بحركة ارتدادية للكشف عن الجوانب ~~الإنسانية في اللاهوت وفي الطبيعة على السواء. فإذا كانت موضوعات ~~الفلسفة ثلاثة: الله والطبيعة والإنسان، وأن الفلسفة إما إلهية أو ~~طبيعية أو إنسانية، فقد كشف الوعي الأوروبي أن الفلسفتين ms047 الإلهية ~~والطبيعية هما في حقيقة الأمر فلسفة إنسانية، مرة مغتربة إلى أعلى ~~ومرة أخرى مغتربة إلى أسفل، وكلتاهما خارج المنظور الإنساني، مرة ~~فوقه ومرة تحته. فقد كشف فيورباخ خاصة «أن كل علم لاهوت هو علم ~~إنسان مقلوب» وأن كل ما قيل في أوصاف الله وصفاته هو في حقيقة ~~الأمر أوصاف وصفات إنسانية قذف بها الإنسان خارجا عنه نتيجة ~~لاغترابه في العالم. كما كشف هوسرل أن العلوم الطبيعية ذاتها بناء ~~إنساني وأن العلم هو في الكشف عن البناء الشعوري للعلم في مرحلة ما ~~قبل الفهم. فإذا كان الوعي الأوروبي قد بدأ بالكوجيتو فإنه يكون قد ~~انتهى بالكوجيتاتوم # Cogitatum # فيصبح الإنسان هو الأنا أفكر وهو موضوع التفكير في آن واحد. # 7 # وقد حدث الشيء نفسه في تراثنا القديم عندما ارتبطت الفلسفة ~~بالعلوم الإنسانية وبالموسيقى عند الكندي والفارابي، وبعلوم ~~الأخلاق والسياسة عند الفارابي، وبالتشريع عند ابن رشد. بل إنها ~~ارتبطت أيضا بعلوم الحياة مثل الطب والتشريح والنبات والصيدلة. ~~وقد وضح ذلك بصورة خاصة في «رسائل إخوان الصفا» حيث أضيف جزء أخير ~~عن «النفسانيات» على التقسيم الثلاثي التقليدي، المنطق والطبيعيات ~~والإلهيات. ومع ذلك ما زلنا لم نصل بعد إلى الكشف عن الإنسان في ~~تراثنا القديم وراء الإلهيات والطبيعيات، وأن نبدأ الوعي الحضاري ~~الجديد ابتداء من الوعي الذاتي حتى تحيا الفلسفة من جديد. # 8 # | تاسعا: الفلسفة والتاريخ # لقد ارتبطت الفلسفة بالتاريخ ليس فقط من حيث هو تاريخ الفلسفة أي ~~رصد تاريخ الفكر البشري وتقلباته بل من حيث هو فلسفة التاريخ؛ أي ~~التفكير في تطور التاريخ وحركته ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا ~~التطور ويصف هذه الحركة. بل إن تاريخ الفلسفة ذاته ليس رصدا ~~ميتا للمذاهب والنظريات الفلسفية عبر التاريخ دون رجوع إلى ظروفها ~~التاريخية وتعبيرها عن روح العصر، بل هي معرفة التجارب البشرية ~~الفردية والاجتماعية والتاريخية التي خرجت منها هذه الفلسفات. ~~تاريخ الفلسفة هو تاريخ الروح البشري في مواجهة الواقع وعبر ~~التاريخ؛ لذلك كان هناك نوعان من تاريخ الفلسفة؛ الأول هو الرصد ~~الكمي لتاريخ الأفكار ms048 بلا منظور أو قانون أو دلالة؛ والثاني ~~محاولة الدخول في أعماق التاريخ والذهاب إلى ما وراء الأفكار ~~لمعرفة دلالاتها على عصورها وظروف نشأتها والتجارب الحية التي ~~وراءها، وصلتها بالمرحلة التي قبلها وتمهيدها للمرحلة التي بعدها. ~~الأول موت للفلسفة، والثاني حياة لها. لقد كانت الفلسفة ابنة ~~عصرها تعبر عن أزمة العصر وتحاول إعطاء حلول تعبر أيضا عن ~~تصور العصر وتجاوزه إلى ما بعده. نشأت الفلسفة في التاريخ، وخرجت ~~من موقف ولكن ضاعت على أيدي أساتذة الفلسفة ومحترفيها واجتثوها ~~من الجذور، وعرضوها كطائر في الهواء لا مستقر له ولا مكان. ~~الصلة بين الفلسفة والتاريخ واضحة بذاتها. وعليها يتوقف موتها أو ~~حياتها. إذا ما ارتبطت الفلسفة بالتاريخ تنمو وتزدهر وتحيا. وإذا ~~انفصلت عن التاريخ تخبو وتتقلص وتموت. # الفلسفة حركة التاريخ. وفصلهما مثل فصل الروح عن البدن، وإثبات ~~الروح مجردة غير مرئية لا مستقر لها إلا في عالم الغيب، وجثة ~~هامدة لا حراك فيها تنحل بعد حين، فتندثر الأمم. وأغلب ما يشاهد ~~فيه موت الفلسفة وحياتها في التاريخ في نهاية مرحلة وبداية أخرى، ~~وفلسفة العصور الذهبية حية باستمرار، وفلسفة الخمود والانحطاط ميتة ~~باستمرار، ولكن البعث الفلسفي يحدث في لحظات الموت والحياة عندما ~~تخبو حركة التاريخ ثم تبعث فيها الحياة من جديد. فأرسطو وابن خلدون ~~واشبنجلر وتوينبي وبرجسون وهوسرل في نهاية عصر عندما تؤذن الحضارة ~~بالنهاية. وسقراط والكندي، وديكارت، والطهطاوي بدايات لعصور عندما ~~تبعث الحضارة من جديد. # 1 # تموت الفلسفة إذن عندما تكون خارج التاريخ لا شأن لها بتطور ~~الروح البشري ولا بحياة الشعوب. تظل فلسفة لا في زمان ولا في مكان، ~~فلسفة يمكن نقلها من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة، ومن جيل إلى ~~جيل، لا موطن لها ولا مستقر، لا تقضي على طاغ ولا تقيم صرح ~~دولة. وهي مثل الفلسفات التي ننقلها نحن هذه الأيام من الغرب حتى ~~نكون معاصرين، نكسب بعض الشهرة، ونرتزق منها، ونجد فيها مادة ~~للتدريس كما نجد البضائع المستوردة، ونضعها في الكتب المقررة في ~~معاهدنا وجامعاتنا. فالزمان والحركة ms049 هما اللذان يعطيان الفكر ~~البشري قوته وحياته. وهما قنواته التي تمد الذهن البشري بخصوصيته ~~ونمائه. # ويشهد التاريخ على ذلك. فمن أسباب موت الفلسفة في العصر الوسيط ~~أنها كانت فلسفات عقائدية لا تهتم بتطور التاريخ البشري ولا ~~بحياة الشعوب ولا بمراحله المختلفة، اقتصرت على صياغة فلسفات لا ~~تاريخية ثلاثية القسمة: منطق وطبيعيات وإلهيات دون أن يكون فيها ~~تاريخيات أو إنسانيات كأقسام مستقلة غير ملحقة بالإلهيات. كانت ~~العلاقة بين طرفي الحقيقة علاقة رأسية بين الله والعالم، وليست ~~علاقة أفقية بين الماضي والمستقبل أي الله في التاريخ والخلود في ~~الزمان. وقد ظهر الشيء نفسه في فلسفاتنا القديمة عند ابن سينا خاصة ~~في موسوعاته الفلسفية. فكانت فلسفة بلا تاريخ وبلا وعي تاريخي، ~~وبلا مراحل تاريخية. وأقصى ما وصلت إليه هو ذكر حضارات السابقين ~~وتراث الأمم السالفة وطبائعها دون صياغة مفهوم لتقدم التاريخ ~~ومراحله. كان التاريخ هو الرواية أو تاريخ النبوة، أو تاريخ ~~التشريع أو تاريخ الطبقات أو تاريخ الخلفاء أو تاريخ الملوك أو ~~تاريخ السنين أو تاريخ الأعيان والأعلام، ولم يكن تاريخ الشعوب ~~وحركة الجماهير والوعي بالتاريخ. # 2 # لقد ماتت الفلسفة أيضا في الاتجاهين الصوري والمادي في الوعي ~~الأوروبي لأنهما أسقطا الزمان والتاريخ من الحساب. وأكبر مثل على ~~ذلك ديكارت ومالبرانش وليبنتز. فلم يظهر التاريخ في فلسفتهم نظرا ~~لأن العقل كان في علاقة مباشرة مع اللانهائي بلا تطور أو زمان. ~~ولم يند عن ذلك إلا اسبينوزا في «رسالة في اللاهوت والسياسة» ~~التي درس فيها نشأة دولة العبرانيين وسقوطها، وتطور الكتب ~~المقدسة والعقيدة المسيحية والتاريخ المقدس. بل إن البنيوية كوريث ~~للعقلانية والصورية دراسة للموضوعات خارج التاريخ والزمان فتحولت ~~إلى تطبيقات في العلوم الإنسانية دون حركة تاريخ بالرغم من وجود ~~التطور الزمني # Diachronique # لأنه في نهاية الأمر لا يقدم إلا صورا وقوالب صورية وليس تاريخا ~~بمعنى الوعي بالتاريخ وحركة الشعوب. كذلك الحال عند برنشفيج عندما ~~كان التاريخ لديه هو تاريخ الرياضة والحساب دون الشعوب والمجتمعات. ~~كما ماتت الفلسفة في المذاهب الحسية التجريبية الوضعية لأنها ~~بدورها أسقطت ms050 التاريخ من الحساب ولم تدرك الواقع إلا في الحاضر بلا ~~ماض أو مستقبل وكأن الموضوع هو فتق في التاريخ، ونتوء في التطور. ~~بل إن النظرية النسبية التي أدخلت الزمان كبعد رابع في الواقع ~~المادي حولته إلى حساب كمي رياضي خارج الوعي بالزمان ~~وبالتالي خارج حركة التاريخ. # 3 # وماتت الفلسفة في أمريكا لأنها بلا تاريخ، وليس لها جذور إلا ~~كامتداد للفلسفات الأوروبية واتجاهاتها المثالية والواقعية. ماتت ~~الفلسفة في العالم الجديد لأنه بلا تاريخ، ودون وعي تاريخي، وليس ~~له منظور تاريخي، فالمذاهب الحسية والعملية والتحليلية كلها بلا ~~تاريخ وبلا موضوع. التاريخ والفلسفات المثالية مثل فلسفات هوكنج ~~ورويس مثالية فردية بلا وعي بالتاريخ. كما أن الفلسفات الشرقية ~~القديمة لم تعن بموضوع التاريخ. فقد طغى الكون على كل شيء. ~~وابتلع الخلود الزمان وطواه فيه. # 4 # وماتت الفلسفة لدينا لأنه ليس لدينا وعي بالتاريخ، ولا نعرف في ~~أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ نقوم بأدوار أجيال مضت فتنشأ الحركة ~~السلفية أو نقوم بأدوار أجيال قادمة فتنشأ لدينا الاتجاهات ~~الماركسية والعلمية والعلمانية. أو لا نقوم بأي دور في الحاضر ~~فتنشأ حالة اللامبالاة دون أن ندري أننا في مرحلة خروج من التقاليد ~~إلى التحرر، ومن التراث إلى التجديد، ومن الماضي إلى الحاضر، ~~وبالتالي يستلزم ذلك القيام بدور التنوير من أجل نهضة ~~شاملة. # وعلى العكس من ذلك، تحيا الفلسفة بدخولها في معارك التاريخ ~~وباستثمارها رصيد الفكر الإنساني، وإنجازات الروح البشري. وهنا ~~تبدو أهمية أرسطو مؤرخا وأولويته على سقراط وأفلاطون، فعن طريق ~~أرسطو بعث التاريخ، تاريخ الفكر اليوناني، فلم يكن أرسطو يبدأ أية ~~مشكلة دون عرض آراء السابقين عليه، وقبل أن يبدأ برأيه الخاص، ~~فأمكن رؤية جدلية الموضوع واحتمالاته المختلفة. ولما كانت كتابة ~~التاريخ نذيرا بنهاية مرحلة وبداية أخرى كما هو الحال عند أرسطو ~~وابن خلدون وتوينبي، فقد كان أرسطو ينبئ بنهاية الفكر اليوناني. ~~وبفضل أوزب # Eusèbe ~~«في تاريخ ~~الكنيسة» في القرن الثاني أمكن معرفة وعي الجماعة المسيحية الأولى ~~وتطور العقائد وتدوين النصوص الدينية. كما عرض أوغسطين في القرن ms051 ~~الرابع لتاريخ النبوة في «مدينة الله» مبينا مراحل تقدم الوعي ~~الإنساني واضعا بذلك أسس فلسفة التاريخ. كما قام يواكيم الفيوري ~~في القرن الثاني عشر محولا التثليث، الآب والابن والروح القدس، من ~~العلاقة الرأسية إلى العلاقة الأفقية. فوضع فلسفة لتاريخ ~~الإنسانية، مرحلة السلطة ومرحلة المعارضة ثم مرحلة استقلال الوعي ~~الإنساني، فخرج التاريخ من العقيدة والوعي من الروح. # 5 # وقد حييت الفلسفة بشكل واضح في العصور الحديثة خاصة ابتداء ~~من القرن الثامن عشر بعد اكتشاف فلسفة التاريخ والوعي بالتاريخ ~~ابتداء من فيكو وكوندرسيه وترجو وفولتير وروسو حيث ارتبطت الفلسفة ~~بالتاريخ. وحين أصبح التاريخ موضوع الفلسفة المفضل، وحين تحددت ~~خصائص الفكر الفلسفي طبقا للمرحلة التاريخية التي يمر بها، ~~تحولت العناية الإلهية إلى قانون للتقدم، وأصبحت الفلسفة هي ~~المعبرة عن هذا التقدم، وقد ظهر ذلك بوضوح في حركة التنوير في ~~ألمانيا عند لسنج وهردر وكانط. وقد ازدهرت الفلسفة بصورة أوضح عند ~~هيجل؛ فهو الذي فلسف التاريخ وأرخ الفلسفة، وجعل للفكر مسارا ~~في التاريخ، وجعل التاريخ تحققا للفكرة، فوحد بين الفلسفة ~~والتاريخ، فالوعي تاريخ الوعي، والمنطق تاريخ المنطق، والفلسفة ~~تاريخ الفلسفة، والجمال تاريخ الجمال، والدين تاريخ الدين، ~~والسياسة تاريخ السياسة، والتاريخ تاريخ الحضارات البشرية. كما ظهر ~~ذلك أيضا عند ماركس، وأهمية التحليل التاريخي للواقع الاجتماعي، ~~واستمر عند الماركسيين المعاصرين مثل لوكاتش في «التاريخ والوعي الطبقي». # 6 # وازدهرت الفلسفة أخيرا في نهاية الوعي الأوروبي في الفلسفة ~~المعاصرة على يد هوسرل وبرجسون ودلتاي وفلاسفة الوعي التاريخي. ~~فالفينومينولوجيا اكتمال للوعي الأوروبي وتاريخ له في الوقت نفسه. ~~وقد فعل هوسرل ما فعله أرسطو من قبل في نهاية الفلسفة اليونانية ~~بعرضه لتطور الموضوع ثم اكتماله. وتحتوي كثير من المؤلفات على ~~عرض لجدلية الموضوع قبل بنائه، فالتاريخ جزء من الموضوع، والموضوع ~~يعيش في التاريخ له حياة في الماضي والحاضر. وإكمال الموضوع في ~~الحاضر هو الذي يكشف عن ماضيه في التاريخ. وقد سمى برجسون ذلك ~~«الحركة ~~الارتدادية للحقيقي» # Le Mouvement retrograde du vrai # أو «ترائي الحاضر في ~~الماضي» # Le Mirage du présent ms052 au passé ~~. كما تحدث هوسرل عن الحركة الارتدادية ~~التقدمية أو الحركة الخلفية الأمامية للموضوع، وبين ذلك في أزمة ~~العلوم الأوروبية ونشأة الهندسة و«الفلسفة الأولى». وقد ازدهرت ~~الفلسفة أيضا عند الوجوديين بتحليلهم للتأريخ # Historicité # أي الوعي بالتاريخ أو ~~التاريخ كبعد للوجود الإنساني كما هو الحال عند هيدجر وميرلو ~~بونتي وسارتر في «نقد العقل الجدلي». وكان الوعي بالتاريخ قد تحول ~~إلى فلسفة كاملة عند دلتاي في «فلسفة تصورات العالم». فالفلسفة ~~روح العصر الذي يظهر في الوعي التاريخي. # وفي تراثنا القديم كان يمكن للفلسفة أن تزدهر من التفكير في ~~تاريخ الفرق دون تكفير بعضها للبعض الآخر ، وتكفير الفرقة الناجية ~~- فرفة أهل السنة والحديث - كل الفرق الأخرى. فتاريخ الأمة ~~هو تاريخ فكرها دون إدانة وحكم بالمروق. وكان للفلسفة أن تحيا ~~بالتفكير في تاريخ الأمم والحضارات وتاريخ الفرق غير الإسلامية هذا ~~الجزء المجهول في علم أصول الدين الذي ذكره علماء الكلام وهم بصدد ~~الحديث عن صفة «الواحد» أو بصدد الحديث عن الحضارات البشرية ~~السابقة على الإسلام مثل حضارات الهند وفارس والروم. كما كان يمكن ~~للفلسفة أن تزدهر لو ظل الاجتهاد ولم يتوقف المسلمون عنه. وكان ~~يمكن لها أن تزدهر أيضا لو استأنفت تفكير ابن خلدون في علم ~~التاريخ، في أسباب انهيار الأمم والشعوب، وتزيد عليه أسباب نهضة ~~الأمم وشروط البعث الحضاري الجديد. وقد بدأت الإرهاصات منذ القرن ~~الماضي في الفكر الإصلاحي والعلماني والسياسي كل بطريقته الخاصة ~~دون أن تنشأ فلسفة أو أن يؤسس اتجاه أو يقام مذهب. وهذا لا يعني ~~أن الفلسفة قد ماتت بل يعني أن ظروف حياتها ما زالت تتهيأ وأنها ~~على مشارف ميلاد جديد. # 7 # | عاشرا: خاتمة # لما كانت الفلسفة ليست معطى مسبقا أو هبة طبيعية للشعوب ~~وعبقرية تتميز بها أمة عن غيرها بل كانت جزءا من حركة التاريخ ~~وحياة الأمم، تموت بموتها وتحيا بحياتها، ارتبطت بالوعي الفردي ~~والاجتماعي والتاريخي في كل أمة. فالوعي الفردي وإن كان يعبر ~~أيضا عن حركة التاريخ إلا أن له استقلاله وحريته وقدرته على تجاوز ~~المرحلة وإحداث ms053 تقدم أسرع عن طريق الزعامة والقيادة ودفع التقدم ~~إلى خطوات أكبر وأسرع. والوعي الجماعي المنظم قادر على إحداث ~~تغيرات كيفية من خلال ثورة الجماهير وحركتها والعمل الجماعي الهادف ~~الواعي بقوانين التغير الاجتماعي. والوعي بحركة التاريخ والموقف ~~الحضاري للأمة قادر على تحديد مهمة الفلسفة، وكيف تحيا من خلال هذا ~~الوعي التاريخي بالموقف الحضاري. فبالتحليل الموضوعي لحركة الوعي ~~في التاريخ تحيا الفلسفة. # وهو بالنسبة لها الآن ذو ثلاث شعب: ~~(1) # الموقف من التراث القديم؛ وذلك لأن التراث ما زال هو ~~المصدر الأول لفكرنا الفلسفي نجتره أو نرفضه أو نعيد ~~بناءه طبقا لحاجات العصر. فكل تعامل مع التراث لأخذ ~~موقف منه هو فلسفة كما كان الحال في عصر النهضة ~~الأوروبي قبل أن يتحرر الوعي الأوروبي من أسر القديم ~~ويتوجه نحو الجديد، ويسقط الأغلفة النظرية القديمة، ~~ويبني مذاهب نظرية غيرها هي التي نأخذها الآن على أنها ~~نماذج للفلسفة. ~~(2) # الموقف من التراث الغربي؛ وذلك لأن الغرب منذ عدة ~~أجيال ما زال يمثل بالنسبة لنا مصدرا من مصادر ~~المعرفة بالنقل والاستيعاب أو بالرفض والإنكار أو ~~بالتمثل والنقد الحضاري من أجل تحجيمه ورده إلى ~~حدوده الطبيعية حتى يمكن إفساح المجال للإبداع الحضاري ~~للشعوب غير الأوروبية، فكل تعامل مع الغرب هو فلسفة ~~بهذا المعنى. كان الحال كذلك في عصر النهضة عندما بدأ ~~التعامل مع أرسطو عند الشراح المسلمين، ونقد ~~الرشدية اللاتينية. وكان الحال كذلك أيضا بتعامل ~~الحضارة الإسلامية مع الفلسفات الغازية خاصة ~~اليونانية. ~~(3) # الموقف من الواقع الذي تعيشه الأمة، والتحليل ~~المباشر له وإدراك مكوناته والتعرف على علل ~~ظواهره. فهو الغاية والهدف. وهو الميدان الذي تتصارع ~~فيه قوى القديم والجديد. فكل تعامل مع الواقع المباشر ~~هو فلسفة. وكل رصد لحركته ومعرفة لإمكانياته جزء من ~~عملية التفلسف. فالواقع هو التاريخ والفلسفة فعل في ~~التاريخ، هكذا كان الحال أيضا في عصر النهضة عندما تم ~~اكتشاف الطبيعة وقوانين البدن واعتبارها المحك لكل ~~الموروث الحضاري القديم سواء من العصر الوسيط المسيحي ~~أو من المنقول الإسلامي من خلال أنصار ابن رشد. وهكذا ~~كان الحال عندما ms054 نشأت الفلسفة الإسلامية أولا بالتعرف ~~على حاجات الأمة ومتطلبات العصر فنشأت العلوم الفلسفية ~~لتلبية هذه الحاجات وتحقيق هذه المتطلبات. ويكون الخطأ ~~خطأنا بتكرار النماذج القديمة بالرغم من تغير الظروف والحاجات. # 1 # تموت الفلسفة عندما يغيب الوعي بالتاريخ، وتنتهي ~~عندما تخرج عن الموقف الحضاري، وتحيا الفلسفة عندما ~~تنبثق عن الوعي بالتاريخ وتعبر عن الموقف الحضاري؛ ~~ومن ثم كان فجر النهضة الحديثة بداية للتفلسف حتى وإن ~~لم يبلغ القدر الكافي من الطرح النظري ومن الإحكام ~~الفلسفي فتلك مهمة عدة أجيال، ويكون الفيلسوف هو الذي ~~يتصدى لهذه الشعب الثلاث في وعينا القومي. الفيلسوف ~~هو صاحب هذا الموقف الحضاري الذي يعبر عن الوعي ~~بالتاريخ. الأفغاني والطهطاوي وشميل فلاسفة بهذا ~~المعنى كما كان أراسم ومونتي وتوماس مور فلاسفة قبل ~~ظهور الفكر المنهجي وبدايات الفلسفة عند ديكارت وبيكون ~~قبل أن تبنى المذاهب الفلسفية التي نعنيها بقولنا. هل ~~ماتت الفلسفة؟ سؤال قد يكشف عن الإحساس بالدونية أو عن ~~احتقار للذات أمام الغرب أو ينم عن يأس دفين ~~وحسرة بالغة الألم على الواقع، ولكنه سؤال إذا وضع في ~~الزمان وفي التاريخ قد يبعث على الأمل ويدفع إلى ~~الاعتزاز بالنفس والثقة بالروح. # | الصراع بين الكليات الجامعية عند كانط1 # دراسة في حرية البحث العلمي # | أولا: نشأة الجامعات في أوروبا # منذ نشأة الجامعات في أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي، ~~تطرق الفلاسفة إلى موضوع الجامعة، خاصة فيما يتعلق بحرية البحث ~~العلمي، أو بدورها في المجتمع، وتحقيق الأهداف القومية للبلاد، ~~وليس هنالك فيلسوف إلا تطرق للبحث العلمي منهجا وموضوعا، أو ~~معهدا ومؤسسة. لقد أنشأ أفلاطون «الأكاديمية»، وأسس أرسطو ~~«اللقيوم»، بينما آثر سقراط التعليم في الأسواق. كما رفض أوغسطين ~~مناهج التعليم في عصره، وآثر استمداد علمه من تجاربه الذاتية. وقد ~~ظهر فكر «المعلم الملائكي» توما الأكويني من تدريسه في نابلي، مثل ~~فكر أستاذه ألبير الكبير. ومنذ بداية العصور الحديثة وموضوع ~~الجامعات يثار على أوسع نطاق حتى ثورات الشباب عام 1968م، وتحديد ~~ماركيوز لدور الطلبة في قيادة حركة التغير الاجتماعي، بعدما ~~حدده ماركس في ms055 العمال، وماو تسي تونج في الفلاحين. # وإذا كان ديكارت هو الذي بدأ العصور الحديثة بنقد عقم التعليم في ~~المدارس القائمة، فإن كانط في القرن الثامن عشر هو الذي حول ذلك ~~إلى موضوع مستقل، وكتب فيه مؤلفه الشهير «الصراع بين الكليات»، ~~بين كلية الفلسفة من ناحية وكليات اللاهوت والقانون والطب من ~~ناحية أخرى، واضعا بذلك مشكلة الحريات الأكاديمية ودور الجامعات ~~في البحث عن الحقيقة، وأزمة هذا البحث بين سلطة الحكومة وتربية ~~الجماهير. ثم جاء أساتذة الجامعات الألمان، الكانطيون في القرن ~~التاسع عشر، وساهموا في خلق ثقافة وطنية: «الأيديولوجية الألمانية» ~~وحددوا دورهم في تربية الوعي القومي، خاصة فشته، ومقاومة المحتل، ~~بل وتحقيق الأهداف القومية، في الاستقلال والوحدة والاشتراكية ~~خاصة، فكانت الجامعات الألمانية قلب الأمة، وعقلها، ومنطلق قواها. ~~ثم جاء دور الجامعات ومراكز البحث العلمي في القرن العشرين، في ~~إعداد البحوث، وتجهيز المعلومات لمراكز اتخاذ القرارات في الدولة، ~~أو للقيام بالصناعات الحربية أو المدنية، وتمويل الشركات الكبرى، ~~أو مراكز الاستخبارات، لمعظم مشروعات البحوث، بطريقة مباشرة أو ~~غير مباشرة، كما هو الحال في أميركا حاليا. ثم ثار الطلاب ~~والمثقفون ورجال البحث العلمي على هذا الدور، وآثروا اتخاذ موقف ~~نقدي من المجتمع الصناعي المتقدم، ووضع الحقيقة والتعبير عنها فيه، ~~مما جعل دور الجامعات في أوروبا أقرب إلى دور الجامعات الجديد الذي ~~كان صدى لتجارب البلاد النامية التي حاربت الاستعمار دفاعا عن ~~استقلالها الوطني، وهذا الدور الجديد هو قيادة العمل الوطني، ~~وقيادة الثورة الوطنية، كما كان الحال في الجامعات المصرية منذ ~~نشأتها، وكما كان الحال إبان قيادة الثورة الإسلامية الكبرى في ~~إيران، وانطلاقها من جامعة طهران. # وقد ارتبطت نشأة الجامعات في أوروبا بالفلسفة الإسلامية وبمناهج ~~التعليم في الشرق الإسلامي، فخرجت العلوم والمعارف من الكنائس ~~والأديرة إلى المدارس والجامعات، وحمل العلم، لا رجال الدين ~~(آباء الكنيسة، والقساوسة، والرهبان) فقط، بل أيضا رجال الثقافة ~~وأساتذة الجامعات. فانتقل العلم من الدين إلى الدنيا، ومن علوم ~~الغايات إلى علوم الوسائل. وبعد الحروب الصليبية، وإثر القوافل ~~التجارية، وعبر إسبانيا وجنوب إيطاليا ms056 والقسطنطينية، تعرفت ~~أوروبا على نماذج جديدة للعلم، موضوعا ومنهجا وطرقا للتدريس؛ ~~فقد اعتمدت الفلسفة الإسلامية على منهج الحوار، والجدل، والمناقشة، ~~والإقناع، والبرهان. كما بحثت في كل شيء ولم تعد هناك أسرار إلهية ~~أو محرمات دينية يؤمن بها العقل ويسلم بها الإنسان دون برهان. كان ~~العقل والإيمان شيئا واحدا، والفلسفة والدين حكمة واحدة؛ فلا ~~سلطان إلا للعقل وحده، وهو مقياس الإيمان الصحيح. ولقد انتشر هذا ~~النموذج الإسلامي الجديد في الغرب لدرجة أن الفيلسوف المسلم أصبح ~~النموذج الجديد للفيلسوف، في مقابل اللاهوتي المسيحي واللاهوتي ~~اليهودي، كما عرض ذلك أبيلار في كتابه المشهور «حوار بين يهودي ~~وفيلسوف ومسيحي». وتحول النموذج الإسلامي إلى الحقيقة ذاتها في ~~الوعي الأوروبي، وأصبح مرادفا لها على نحو لا شعوري. ومن ثم تم ~~اتهام الفلاسفة العقليين في أواخر العصر الوسيط وبدايات العصور ~~الحديثة بالإلحاد والخروج عن الدين، وأنهم تلاميذ المسلمين. وبدأت ~~حركة رد فعل لتحويل المسلمين عن دينهم، باستعمال قواعد الجدل ~~والمنطق الجديد، كما كان الحال عند ريمون الليلي. ومع ذلك، بدأ ~~الصراع في الغرب بين العقل والعلم من ناحية، وبين اللاهوت والنظم ~~السياسية من ناحية أخرى، أي بين النموذج الإسلامي والسلطتين ~~الدينية والسياسية في الغرب. وقد انتصر النموذج الإسلامي في ~~النهاية، بالرغم من محاكم التفتيش واضطهاد العلماء، وإحراق ~~جيوردانو برونو، وسجن جاليليو، حتى انتصر العلم في عصر النهضة، ~~والعقل في القرن السابع عشر، والثورة الاشتراكية الإنسانية في ~~القرن الثامن عشر، معلنة المبادئ الثلاثة: الحرية، والإخاء، ~~والمساواة، وأصبحت الحضارة الأوروبية كلها ترتكز على العلم والعقل ~~في القرن التاسع عشر، قبل أن تستغل ذلك كله من أجل الاستعمار، ~~والسيطرة، ونهب ثروات الشعوب غير الأوروبية. وتبدأ أزمة القرن ~~العشرين في الغرب: أزمة القيم، وأزمة الموارد، وأزمة الطاقة، ومن ~~يدري؟ فربما عاد النموذج الإسلامي من جديد فارضا نفسه على الغرب، ~~كما فعل أول الأمر في بدايات العصور الحديثة، فيجد الغرب فيه ~~خلاصه من أزمته، وهو في نهايات دورته الحضارية الأولى. # لم تكن الجامعة تعني في العصر الوسيط في أوروبا كليات عديدة في ms057 ~~مكان واحد، بل كانت مجموعة من الكليات في أماكن متفرقة، وهذه ~~الحالة ما زالت سائدة حتى الآن. وكانت تشير إلى الأبنية والطلاب ~~والأساتذة والحياة الجامعية، بما فيها من تقاليد وأعراف. وهذا ما ~~يدل عليه لفظ # Universitas # أي ما ~~يشمل ويضم ويجمع، مثل «الجامع» في تراثنا الإسلامي، حين يشير إلى ~~ما يجمع الناس في مكان واحد، لهدف واحد؛ لذلك كانت جامعاتنا ~~القديمة في جوامعنا، ولم تنفصل الجامعات عن الجوامع إلا بعد أن ~~تخلينا عن نموذجنا الإسلامي وتقليدنا النموذج الغربي الحديث الذي ~~ورث نموذجنا الإسلامي القديم بعد «علمنته»، نظرا لما أصاب الوعي ~~الأوروبي الحديث من عقدة نقص تجاه كل ما هو «ديني» إثر طبيعة ~~المعطى الديني الذي كان لديه، وتعامله معه، والظروف التي أحاطت ~~بتطور هذا المعطى الديني، وتحويله إلى كتاب، أو سلطة، أو عقائد، ~~أو تصورات، كانت السبب في ثورة الوعي الأوروبي عليها ورفضها إلى ~~الأبد، دون ما رجعة إلى الوراء تحت أي ظرف، ولأي سبب. كان هناك ~~الحرم الجامعي العام أو الرسمي الذي يضم الكنيسة والمكتبة ومحور ~~الحياة الجامعية، وكان مأهولا بالطلاب والأساتذة، ثم الحرم ~~الجامعي الخاص الذي تشغله بعض الكليات المتفرقة، وصلتهما كصلة ~~القلب بالأطراف، وهو التصور الشائع في العصر الوسيط. # كانت جامعة بولونيا هي أول جامعة بالمعنى الحديث. وكانت أقرب إلى ~~مركز للدراسات القانونية؛ لأن كلية اللاهوت، ككلية نظامية، لم تنشأ ~~فيها إلا في عهد البابا إنوسنت ~~السادس # lnnocent VI # عام 1352م، ولكن جامعة باريس بعد إنشائها، ~~وضمها للعلوم الفلسفية في القرن الثالث عشر، تفوقت على جامعة ~~بولونيا السابقة عليها، كما تفوقت على جامعة أكسفورد اللاحقة لها. ~~وأصبحت جامعة باريس مركز الحياة الدينية والفلسفية في الغرب. وقد ~~ساعد على ذلك ازدهار البيئة الثقافية في المدارس العليا في القرن ~~الثاني عشر، إثر تعاليم الفكتوريين (ريتشارد وهيوج سان فكتور)، ~~وكذلك دروس أساتذة عظام (مثلا أبيلار) الذين بلغت شهرتهم حد ~~استقطاب عديد من الطلاب من إيطاليا وألمانيا وانجلترا. وقد تجمعت ~~هذه المدارس كلها في «جزيرة ~~المدينة» # lle de la Cité # وعلى ms058 سفوح تل «سان جانفيف». ثم شعر ~~الطلاب والأساتذة بضرورة الوحدة فيما بينهم درءا للمخاطر التي ~~تهددهم من بقايا السلطتين الدينية والسياسية، ودفاعا عن مصالحهم ~~المشتركة في ضرورة البحث عن الحقيقة، وتأسيس العلوم الجديدة. وقد ~~سعت هاتان السلطتان إثر ظهور هذا الخطر الجديد إلى خطب وده، من ~~أجل الالتفاف حوله، دون الدخول في مواجهة علنية معه، واستطاعتا ~~التوفيق بين مصلحتيهما ومصلحة الجامعات الجديدة الناشئة. وكان يمثل ~~هاتين السلطتين ملوك فرنسا والبابوات. وقد سعد ملوك فرنسا بهذا ~~الطوفان الجارف من الطلاب من جميع أنحاء أوروبا إلى مقاطعاتهم ~~لتعلم العلوم والفنون والآداب بمختلف أنواعها. لقد ازدهرت ~~عواصمهم، كما زادت قوتهم وسطوتهم خارج البلاد، من خلال الطلاب ~~الأجانب الذين تعلموا في بلادهم، ثم غادروها إلى مواطنهم ~~الأصلية، ينشرون الثقافات التي تعلموها ويدينون ببعض الولاء إلى ~~أماكن دراستهم ويحنون إليها، الأمر الذي ما زال سائدا حتى الآن، ~~حتى خلقت طبقة من المثقفين المستغربين حاملي الثقافات الأجنبية ~~التي تعلموها في وقت كان الشعور الوطني فيه متواريا وراء الشعور ~~الديني. وأعظم دليل على ذلك شهادة يوحنا السالزبوري وغيره من ~~فلاسفة العصر الوسيط على هذا الإعجاب الشديد الذي تحظى به فرنسا، ~~عادات وتقاليد وأخلاقا وعمرانا، لدى الطلاب الأجانب، وما نعموا ~~به من لذة الحياة، وما شاهدوه من النعم المادية والروحية. كان من ~~الطبيعي إذن أن يقوم ملوك فرنسا بحماية الطلاب الفرنسيين والأجانب ~~ضد أي مخاطر تهددهم من الداخل أو الخارج، ما دام الرصيد في نهاية ~~الأمر راجعا إليهم. ولكي يزدهر الحرم الجامعي الباريسي، كان لا بد ~~من تأمين الطلاب، وتوفير أسباب الراحة والهدوء لديهم، وحمايتهم من ~~الاستغلال الفكري والمعنوي، وصياغة اللوائح التنظيمية لهذا ~~الغرض. # ولكن يبدو أن هذه النظم التي فرضها ملوك فرنسا والظروف المساعدة ~~على ذلك لم تكن إلا عاملا ثانويا لنشأة الجامعات وازدهارها، ~~ممثلة في جامعة باريس؛ لأن المؤسس الحقيقي لها كان إنوسنت ~~الثالث، ثم جريجوار التاسع. ومع أن الجامعة نشأت دون تدخل ~~البابا، إلا أنه لا يمكن فهم دورها القيادي الخاص بين جامعات العصر ~~الوسيط ms059 دون أن نأخذ في الاعتبار التدخل الفعال والمباشر للبابا ~~والمقاصد الدينية التي حددها لها. ومع أن الجامعة هي المكان الذي ~~يجتمع فيه الطلاب والأساتذة لدراسة بعض العلوم حبا في العلم، إلا ~~أن هذا المثل الأعلى المجرد لم يكن يخلو من بعض المنافع العملية ~~التي لا تعارض حب الاستطلاع وطلب العلم لذاته؛ لذلك ضمت ~~الجامعات المعارف النظرية الشاملة لتوسيع المدارك الإنسانية ~~والتخصصات العلمية الدقيقة لتحقيق بعض النفع في الحياة ~~اليومية. # ولكن جامعة باريس في القرن الثالث عشر كان يتنازعها هذان ~~التياران المتعارضان؛ الأول يريد أن يجعلها مركزا علميا ~~محايدا منزها عن الأغراض؛ والثاني يريد استخدام العلوم ~~والمعارف من أجل إثبات أهداف ومقاصد دينية، ويجعل الجامعة سلطة ~~عقلية ودينية في آن واحد. ويمكن ملاحظة هذين التيارين من قراءة ~~لائحة جامعة باريس، يتحدان مرة، ويتصارعان مرة أخرى. فمثلا، لم ~~تكن دراسة الطب رائجة في جامعة باريس في القرن الثالث عشر، على ~~عكس بعض الجامعات الفرنسية في جنوب فرنسا فيما بعد، تحت تأثير الطب ~~الإسلامي وامتداده من الأندلس، ولكن كانت دراسة القانون على العكس ~~رائجة تحظى باهتمام عديد من الطلاب. وكانت هذه الجامعات تدرس ~~القانون الروماني كأساس للمجتمع المدني المستقل الذي لا يعتمد إلا ~~على ذاته. ثم أتت الكنيسة، ومنعت هذه الدراسة، وأصرت على تدريس ~~القانون الكنسي. # أما فيما يتعلق بتدريس الفلسفة، فمنذ أن انتشرت الفنون الثلاثة ~~المشهورة في العصر الوسيط: البلاغة والنحو والمنطق، عاد الجدل إلى ~~مكانته الأولى، وشغف به معظم الأساتذة، رافضين الدخول في موضوعات ~~اللاهوت. ولقد ظل أبيلار نفسه لمدة طويلة جدليا. ومنذ اكتشاف ~~مؤلفات أرسطو حصل أساتذة الفنون الحرة (البلاغة، والنحو، ~~والمنطق، والحساب، والهندسة، والموسيقى، والفلك) على سلطة أكبر ~~مما كان لديهم في القرن الثاني عشر؛ فقد طبق أساتذة الجدل مناهجهم ~~من منطق وفيزيقا وميتافيزيقا أرسطو، دون أي مادة علمية أخرى؛ لذلك ~~ظل الجدل فارغا عقيما لا يستعمل في موضوعات اللاهوت التي ترفض ~~بطبيعتها أن تخضع لقوانين الجدل. ثم طالب الأساتذة فيما بعد بتطبيق ~~مناهج الجدل في علوم وضعية أخرى، ms060 لها مضمون واقعي، ولكن ظل ~~التيار الغالب على الأساتذة في كليات الآداب في باريس أثناء القرن ~~الثالث عشر كله هو تدريس المنطق والفيزيقا وميتافيزيقا أرسطو دون ~~الاهتمام بأي علوم أخرى أو حتى باللاهوت. وكانت «الرشدية» ~~الباريسية تمثل هذا التيار. # أما فيما يتعلق بتدريس اللاهوت، فقد زاد الاهتمام بكلية اللاهوت، ~~وزادت أهميتها، حتى طغت على كلية الآداب، وفاقتها في الأهمية. ~~وفيها أيضا ظهرت الاتجاهات الجديدة في مواجهة التراث التقليدي ~~السائد الذي بدأ يتزعزع. فمنذ القديس أوغسطين ومع أساتذة سان ~~فيكتور، كان اللاهوت أوغسطينيا في جوهره، دون رفض جدل أرسطو؛ إذ ~~لم يقدم أرسطو إلى هذا اللاهوت إلا طرق العرض والشرح. ولم يكن لدى ~~طلبة جامعة باريس وأساتذتها وخريجيها أي رغبة في تغيير هذا ~~التراث الشائع، لدرجة أنه حتى الانتصار النهائي للتوماوية ~~الأرسطية، كان أشهر الأساتذة، مثل: الإسكندر الهالي، والقديس ~~بونافنتير، وأساقفة باريس (مثل: وليم الأوفرني، وأتين تجييه)، ~~أوغسطينيين. وكانت عبقرية ألبير الكبير وتوما الأكويني وسبب ~~انتصارهما النهائي التوفيق بين هذين التيارين المتعارضين في جامعة ~~باريس. لقد أعطيا الشرعية لكل المضمون الوضعي الذي أثرى الفنون ~~الحرة السبعة، وفي الوقت نفسه أعادا تنظيم اللاهوت القديم على أسس ~~أكثر رسوخا مما كان عليه. # ومنذ أن بدأت جامعة باريس في تدريس اللاهوت لم تعد صاحبة الكلمة ~~الأخيرة فيه، وخضعت لتشريع آخر أعلى من العقل الفردي والتراث ~~المدرسي. ونظرا لأهميتها وازدياد عدد أساتذتها وطلابها من كل ~~أرجاء العالم المسيحي أصبحت مشرعة للخطأ والصواب في مجال ~~العقيدة لكل المسيحيين كما كان حال الأزهر في مصر. وهذا ما أدركه ~~البابوات، وحاولوا الاستفادة منه في سياساتهم الجامعية؛ فلم تكن ~~جامعة باريس في نظر إنوسنت الثالث أو جريجوار التاسع إلا أكثر ~~الوسائل التي تمتلكها الكنيسة فاعلية لنشر الحقيقة الدينية في كل ~~أرجاء العالم المسيحي أو أكثر الوسائل خطورة لدس السم القاتل في ~~قلوب المسيحيين. كان إنوستت أول من أراد أن يجعل من هذه الجامعة ~~راعية للحقيقة المسيحية كما تتصورها الكنيسة، وأن يحول مركز البحث ~~هذا إلى هيئة لها هيكلها، ووظيفتها، ms061 ومكانتها، لتحقيق هذا الغرض، ~~فالجامعة قوة روحية وخلقية، وليست فرنسية، أو باريسية، بل مسيحية ~~كنسية، وجزءا من الكنيسة، كما كان كهنوت روما جزءا من ~~الإمبراطورية الرومانية. والحقيقة أن التمسك بالجامعة كان ~~تعويضا عن انهيار البابوية والإمبراطورية معا. وقد وضع إنوسنت ~~الثالث بعض التشريعات لحماية الجامعة من الأخطار التي تتصورها ~~الكنيسة؛ فمنع نائبه روبير ~~دي كورسون # Ropbert de Courçon # عام 1215م من تدريس الفيزيقا ~~والميتافيزيقا لأرسطو. كما أيد أونوريوس الثالث # Honorius III # استقرار الدومنيكان ~~والفرنسيسكان في باريس، وأوصى بإدخالهما إلى الجامعة عام 1220م. ~~وأدخل جريجوار التاسع الدراسات العلمية واللاهوتية في النظام ~~الفرنسيسكاني، وأسس نظام «المساكين» # Mendiants # من أجل توظيف دراساتهم لخدمة ~~اللاهوت، وهو العلم الذي يحمل الحقيقة المسيحية للعالم كله. لقد ~~كان اللاهوت يسود كل العلوم، وله السلطان عليها، من أجل توجيهها ~~التوجيه الصحيح، بعيدا عن الأخطاء التي يقع فيها بعض مدعي ~~الفلسفة الذين يسنون البدع، ويتجاوزون الحدود التي وضعها آباء ~~الكنيسة، ويدرسون الفلسفة الوثنية، ويعتبرونها وسيلة لتفسير ~~الكتاب المقدس، وهو الكتاب الذي طواه الآباء، وأصبح من الكفر إعادة ~~فتحه من جديد. فمن الطبيعي أن تسيطر الروح على الجسد، كما يسيطر ~~اللاهوت على الفلسفة. ويذكرنا هذا بموقف بعض الفقهاء المسلمين من ~~الفلسفة، مثل ابن الصلاح في فتواه المشهورة. # ولكن جامعة أكسفورد كانت أحسن حالا من جامعة باريس؛ فقد تم ~~تأسيسها بعد أن منع الطلبة الإنكليز، لأسباب سياسية، من الذهاب ~~إلى باريس. كان أساتذتها أيضا أوغسطينيين، ولهم ميل خاص إلى ~~الأفلاطونية والرياضة والعلوم الوضعية في الفلسفة. ونظرا ~~لانعزالها وعدم اهتمام البابوات بها لم تغزها الأرسطية التوماوية ~~والاتجاه التقليدي في الفلسفة بسرعة، كما كان الحال في جامعة ~~باريس. كان لأكسفورد طابعها الخاص وأصالتها بعيدا عن جدل أرسطو ~~ومنطقه. وكان اهتمامها يرجع إلى أثر الفلسفة الإسلامية التي جعلت ~~العلم جزءا منها، وليس مضادا لها. وكان التعامل مع اللاهوت يتم ~~بطريقة أكثر حرية ومرونة دون أن يكون لها نفع مادي عاجل لصالح فريق ~~دون فريق أو مؤسسة على مؤسسة أخرى. اهتمت أكسفورد بالعنصر ~~التجريبي، وليس ms062 بالجانب الجدلي المنطقي الميتافيزيقي كما كان الحال ~~في جامعة باريس. كانت أكسفورد تتبع العلوم الطبيعية عند الحسن بن ~~الهيثم أكثر من تبعيتها لأرسطو. وكان اهتمامها مركزا على الرباعي: ~~«الحساب، والهندسة، والموسيقى، والفلك»، أكثر من اهتمامها ~~بالثلاثي: «النحو، والبلاغة، والمنطق» الذي كان سائدا في جامعة ~~باريس؛ لذلك ظهرت التجربة عند وليم الأوكامي في القرن الرابع عشر ~~لتهز التوماوية الأرسطية وليتحول التيار التجريبي إلى أحد ~~العناصر المميزة للفلسفة الإنكليزية حتى الآن. وكان هناك منهجان ~~سائدان للتدريس في كل جامعات العصر الوسيط: الدرس، والمناقشة؛ ~~فالدرس محاضرة وشرح نص من أعمال أرسطو في كلية الفنون الحرة ~~(الآداب)، أو نص من التوراة، أو من «حكم» بطرس اللومباردي في ~~كلية اللاهوت. ومن الدرس والشرح خرجت معظم الأعمال الشارحة في ~~العصر الوسيط محتوية على أصالة متخفية في ثنايا النص المشروح. أما ~~المناقشة، فكانت نوعا من الجدل تحت إشراف أساتذة عديدين، يبدأ ~~بإثارة المسألة، ثم إيراد الحلول المختلفة، بالاعتماد على الحجج ~~والحجج المضادة. وبعد عدة أيام يقوم الأستاذ بجمع الحجج المؤيدة ~~والمعارضة، ويعطي الحل. وكانت المناقشة في آخر كل أسبوع أو ~~أسبوعين، ويختار الأستاذ الموضوعات، ومن هنا جاء هذا النوع من ~~التأليف بعنوان: «المسائل ~~المتنازع عليها» # Questions Disputae # في العصر الوسيط. وكانت بعض ~~المناقشات المهمة تعقد مرة واحدة أو مرتين في السنة، في عيد الفصح ~~وعيد الميلاد. ومنها خرج أيضا نوع آخر من التأليف في العصر ~~الوسيط كان يسمى «الماشائيات» # Questiones QuodIibetales ~~، مثل بعض مؤلفات توما الأكويني ~~ووليم الأوفرني. كما كانت كل أعمال توما الأكويني باستثناء «الرد ~~على الأمم» حصيلة هذه الدروس. وكذلك كانت أعمال القديس بونافنتير، ~~ودنز سكوت، ووليم الأوكامي، حصيلة شروحهم كتاب «الحكم» لبطرس ~~اللومباردي. # هذه هي الخلفية التاريخية التي منها سيثير كانط مسألة حرية البحث ~~العلمي، محاولا حل أزمته في صراعه بين السلطات السياسية والسلطات ~~الدينية، ومحاولا إيجاد مخرج للفحص الفلسفي الحر، من أجل تربية ~~الشعب، ودون الخروج على نظام الدولة. # 1 # | ثانيا: الصراع بين الكليات الجامعية ~~عند كانط # كتب كانط (1724-1804م) «صراع الكليات»، عام ms063 1798م، وعمره أربعة ~~وسبعون عاما، وكان آخر ما كتبه ونشره باسمه بنفسه. ويتضح فيه ~~إخلاص كانط الشديد للمبادئ العامة للفلسفة النقدية التي ظل طيلة ~~حياته يؤسسها. وقد كانت هناك ظروف معينة دفعته لذلك؛ إذ عندما ~~توفي فردريك الثاني ملك بروسيا الذي كان من أنصار المفكرين ~~الأحرار، حدث رد فعل على فلسفة التنوير في ألمانيا. وتحت تأثير ~~الوزير يوحنا كرستوف فولتر (1732-1800م) اتخذ الملك الجديد فردريك ~~وليم الثاني إجراءات قهرية للدفاع عن السلفية (الأورثوذكسية) ~~الدينية، منذ هجمات التنوير عليها، على يد لسنج. وصدر فرمان الدين ~~في 9 / 7 / 1788م، يمنع أي نقد ضد الدين القائم. ثم صدر قانون آخر ~~في 19 / 12 / 1788م، يكمل الفرمان الأول ضد حرية الصحافة. ثم تأسست ~~لجنة الرقابة على المطبوعات عام 1792م. # وبعد أن نشر كانط «نقد العقل العملي» عام 1788م، أصبح موضع شبهة ~~من جديد، ففي 14 / 6 / 1792م، منعت الرقابة نشر الجزء الثاني من ~~«الدين في حدود العقل البسيط». ومع ذلك نشره كانط كله عام 1793م؛ ~~مما دفع الملك إلى أن يرسل له خطابا يعنفه فيه في ~~1 / 10 / 1794م، نشره كانط في مقدمة «صراع الكليات». وقد صمت كانط ~~على الأقل خارجيا انصياعا لأوامر الملك، ولكنه حافظ سرا على ~~آرائه. ولم يتنازل عنها. وكان قد عزم على استئناف نشاطه الفلسفي ~~بعد موت الملك. وقد كانت الرقابة هي السبب في تأخر نشر «صراع ~~الكليات» الذي يقوم كله على فكرة «حرية الضمير». كتب الجزء الأول ~~في أواخر عام 1794م، والثاني قبل نهاية عام 1797م. وقد دون الجزء ~~الثالث أخيرا بمناسبة نشر هوفلاند # Hufland # كتابا بعنوان «فن إطالة الحياة» الذي ~~ظهر أولا في مجلة «الطب العملي» عام 1797م. هذا التفاوت في الزمان ~~في نشر المحاولات الثلاث سمح لكانط بإدراك الوحدة الداخلية ~~بينها؛ مما جعله يقرر إعادة كتابتها من جديد بجرة قلم واحدة. ~~ومع ذلك ظلت المحاولات مفككة، تنقصها الوحدة، غير متساوية الأجزاء، ~~ومتفاوتة الأهمية، فبينما بلغت المحاولة الأولى «الصراع بين كلية ~~الفلسفة وكلية اللاهوت» حوالي ثلثي الكتاب؛ ms064 وبالتالي كانت أهمها ~~على الإطلاق، بلغت المحاولتان الأخيرتان الثلث الأخير. وإذا كانت ~~المحاولة الأخيرة في صلب الموضوع، إلا أن المحاولة الثانية «الصراع ~~بين كلية الفلسفة وكلية الحقوق» تدرس موضوع التقدم، وليس موضوع ~~الحق أو القانون أو التشريع. والمحاولة الثالثة عن «الصراع بين ~~كلية الفلسفة وكلية الطب» لا تحتوي على أي مظهر من مظاهر الصراع، ~~وتعتمد على تجارب شخصية، وليس على وضع موضوعات علمية. ولا يرجع ~~السبب في ذلك كما يقول كونوفشر إلى ضعف القوى الذهنية لكانط لكبر ~~سنه بل إلى الظروف التي كتبت فيها المحاولات نفسها. # يظن بعضهم، مثل الشاعر. هينه # Heine ~~، أن العمل الأساسي لكانط هو «العقل الخالص» ~~وأن أعماله الأخرى مجرد إضافات زائدة عليه. ووصف «نقد العقل ~~العملي» بأنه مجرد أضحوكة! وهذا غير صحيح على الإطلاق؛ لأن فلسفة ~~كانط أساسا هي فلسفة إرادة وحرية، وإن «نقد العقل الخالص» ما هو ~~إلا مقدمة لإفساح المجال لكتابه الثاني «نقد العقل العملي ». وكما ~~قال كانط نفسه في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب «نقد العقل الخالص»: ~~«كان لزاما علي هدم المعرفة لإفساح المجال للإيمان.» إن الشك في ~~الظواهر عند كانط، كما هو الحال عند ديكارت وبسكال، مجرد وسيلة لا ~~غاية، وليس وسيلة للاستسلام والتنازل عن الحقيقة، بل لإثبات ~~الاستقلال الذاتي الداخلي في المعرفة والأخلاق للعقل والإرادة في ~~النظر وفي العمل. وهذا لا يمنع وجود فلسفتين متعارضتين لكانط؛ ~~العقلانية (كما هو الحال في المقولات من ناحية)؛ والقانون الخلقي ~~والنزعة الإرادية من ناحية أخرى. # وإذا أخذنا نظرية كانط في الإرادة، أمكننا معرفة بناء كتاب ~~«صراع الكليات»؛ إذ إنه يحتوي على تطبيق لنظرية كانط العملية. فإذا ~~كان الحس السليم هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس عند ديكارت، ~~فإن الاستعدادات الخلقية أيضا هي كذلك عند كانط. إنما المهم هو ~~معرفة كيفية تنميتها، فالشعب (العامة) عادة ما يفضل أن يعيش ~~الحياة ويتمتع بها أكثر من أن يسلك طبقا للقانون الخلقي. ومع ~~ذلك فإن من مصلحة الدولة التي تهدف إلى حكم شعب مسالم أن تقيم ~~مؤسسة غرضها البحث عن ms065 الحقيقة العلمية والخلقية، وهذه المؤسسة هي ~~الجامعة. وكلية الفلسفة دون غيرها من الكليات الجامعية هي التي تقع ~~عليها هذه التبعة، وتحقيق هذه الغاية. وهي الكلية التي تقوم بدراسة ~~الآداب والعلوم معا، حيث تنضم جميعها تحت لواء الفلسفة. وبالرغم ~~من نبل هذه الغاية وشرف المقصد، يسمي كلية الفلسفة: الكلية ~~«الدنيا»؛ لأنها بالرغم من أنها تتمتع بحرية البحث، إلا أنها لا ~~تشارك في السلطة. # ولما كان المجتمع في حاجة، كي يرشد نفسه، إلى قواعد جاهزة، فإنه ~~بالتالي لا يهتم بالبحث العلمي المجرد أو بالمناقشات النظرية ~~الخالصة، وهنا تأتي الحكومة لتتدخل من خلال وكلائها وممثليها ~~وموظفيها، وهم رجال الدين ورجال القضاء والأطباء، لتنظيم شئون ~~الناس العملية. ويتم إعداد هؤلاء في الكليات «العليا»: كليات ~~اللاهوت، والحقوق، والطب. الأولى غايتها تدريس العقائد التي تحتوي ~~عليها الكتب المقدسة وتقرها الكنيسة، والثانية تدرس القانون وحقوق ~~الشعب، والثالثة تدرس قواعد الصحة وطول العمر. وفي هذه الكليات ~~«العليا»، لا بد من موافقة الدولة على المعلومات التي يتلقاها ~~الطلاب ويعطيها الأساتذة؛ لأنها تتعلق بالصالح العام، وبنظام ~~الدولة، وبصلة الحكام بالمحكومين. ويمكن القول: إن كلية الطب التي ~~تقوم بدراسة الطبيعة، تتمتع باستقلال ذاتي أكبر من الكليتين ~~الأخريين. # هناك إذن تعارض بين مجموع الكليات العليا وكلية الفلسفة؛ لأن ~~هذه الأخيرة تتمتع، أو على الأقل يجب أن تتمتع، بحرية كاملة في ~~الميدان العلمي، في حين أن الكليات الأخرى غير مصرح لها أن ~~تنحرف عن القواعد المقررة لها، والعلوم المسموح لها بتدريسها. وهذا ~~هو منشأ الصراع بين الكليات: بين العلم الحي والمعطيات الميتة، بين ~~الاستقلال الذاتي للذهن وتبعيته للسلطة، أو بين البحث عن الحقيقة ~~والحقيقة الجاهزة، على ما يقول لسنج. # 1 # ويظهر هذا الصراع في صورتين؛ الأولى سيادة التراث الوضعي أو ~~الديني أو القانوني على حساب الجهد الإرادي الفردي وهو الوحيد ~~الجدير بالاحترام؛ وبالتالي ينشأ الصراع بين القديم والجديد، بين ~~التقليد والتجديد، بين الماضي والحاضر؛ والثانية ضرورة خضوع قوانين ~~الكليات ولوائحها، سواء أكان مصدرها التاريخ أم العقل أو الحس، ~~للمراجعة التي هي عمل العقل، ms066 أي خضوع الكليات إلى كلية الفلسفة ~~ورفض الأولى ذلك. وعلى هذا النحو تكون الكلية «الدنيا» هي الكلية ~~الأولى لأن لها حق مراجعة الكليات العليا وفحصها. وهذان الجانبان ~~للصراع لا ينتهيان إلا بانتهاء المجتمع ذاته، وسيظلان طالما أن ~~هناك ذهنا إنسانيا، وإبداعا بشريا، وإنتاجا فكريا ~~وأدبيا وعلميا. # ويبدو هذا الصراع في ثلاثة جوانب؛ عندما يجد الفيلسوف نفسه في ~~مواجهة اللاهوتي أولا، والقانوني ثانيا، والطبيب ثالثا. وتتفاوت ~~أهمية الصراع في كل جانب، نظرا لتفاوت أهمية الكليات العليا، ~~بالرغم من أنها تهدف جميعا إلى خلاص الروح، والخير الاجتماعي، ~~والصحة البدنية. ويرتب كانط الكليات هذا الترتيب طبقا للعقل، ~~وليس طبقا للنظام الطبيعي الذي يضع الصحة البدنية في البداية، ~~وخلاص الروح في النهاية. يريد كانط أن يبين أهمية الصراع بين ~~الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، على ما يقول علماء أصول ~~الدين في تراثنا القديم، نظرا لضرورة الحرص على الاستقلال الذاتي ~~للذهن، والكمال الخلقي للشعور، وقد عاش كانط هذه الأزمة كما يعرض ~~لذلك في أول الكتاب من جراء حظر الأرثوذكسية (السلفية) مؤلفاته ~~وطغيان التفسير الحرفي للكتاب المقدس، ومن هنا نشأت مشكلة قيمة ~~النص الديني، من حيث صحته التاريخية، أو تفسيره لغويا أو تطبيقه ~~عمليا، من أجل توجيه سلوك الناس. لقد استحسن الكتاب المقدس - في ~~رأي كانط - تكييف الحقائق العملية، طبقا لتصورات العامة وفهمها ~~الضيق، على ما لاحظ أيضا لسنج فيلسوف التنوير. إن الذي يهم في ~~الكتاب المقدس إذن هو الأساس الخلقي، الحقيقة العملية التي ترشد ~~الناس في حياتهم العامة. إن أخلاق الكتاب المقدس هي الضمان الوحيد، ~~وهذا ما يجب على الفيلسوف أن يذكر به اللاهوتيين الذين يظنون ~~أن الإيمان الأعمى بالسلطة الحرفية للكتاب المقدس هو الطريق الوحيد ~~للخلاص، في حين أن الفيلسوف وحده هو القادر على إرجاع كل ما يحتويه ~~الكتاب من روعة وتاريخ ومعرفة إلى العقل. فالعقل هو السلطة الوحيدة ~~اليقينية في موضوع الدين؛ لذلك وجب أيضا، بالإضافة إلى الصراع ضد ~~وثنية السلفية وتشبيهها وتجسيمها وحرفيتها، ألا نحسن الظن ~~بالتصوف، أي الاتجاه الانفعالي الوجداني ms067 العاطفي في الدين. لا ~~ينبغي أن تخلب لبنا البطولة الخلقية التي يمثلها أصحاب مذهب ~~القنوت Pietism # مثل ~~شبنر # Spener # وزنزندورف # Zinzendorf # لدرجة الخلط بين ما ~~فوق الحس وما فوق الطبيعة. ومما لا شك فيه أن التصوف أعلى من ~~السلفية، ولكنه من الناحية العملية ينتهي إلى النتيجة نفسها، أي ~~هزيمة الإرادة؛ إذ إنه ليس هناك دين حقيقي، إلا إذا تأسس في ~~«نقد العقل العملي». # فإذا ما تخلص الشعور من قهر السلطة الدينية، والسلطة السياسية ~~على السواء، فإن عليه أن يؤكد نفسه في الخارج، وأن يتحرر أيضا ~~من العقبات الاجتماعية؛ وبالتالي تعتمد ممارسات الإرادة على مقدار ~~ما تحققه المؤسسات السياسية من ليبرالية. هناك إذن علاقة بين الجهد ~~الفردي وتكوين المجتمع، بين إرادة الفرد والنظام السياسي، ولكن كيف ~~يمكن إيجاد صيغة مثلى لهذه العلاقة؟ هنا يطرح كانط سؤال التقدم ~~الذي شغل فلاسفة التنوير. يقول كانط: إن بعضهم يظن أن النوع ~~الإنساني في سقوط لا يمكن تفاديه أو التخلص منه، ويظن بعضهم ~~الآخر أن التقدم حادث ضرورة، يوما بعد يوم، وكأنه قانون طبيعي، لا ~~يمكن أيضا تجاوزه، ويظن فريق ثالث أن النوع الإنساني متوقف في ~~مكانه، وأن كل تغيير له عبث. يرى كانط أن هذه الإجابات الثلاث ~~خادعة، ولا تصدقها التجربة. إنما الإيمان بالتقدم لا ينتج إلا من ~~ظهور شرعي لفكرة الحق (القانون). وقد شهد المجتمع حادثة من هذا ~~النوع هي الثورة الفرنسية. وبالرغم من أن كانط يدين تطرفها، إلا ~~أنها أيقظت في روح الشعوب حماسا خالصا وتفاؤلا بقرب سيادة ~~القانون وسعادة البشر. لا يهم شكل الحكومة، إنما المهم أن تكون ~~الروح جمهورية، ثم تنتشر هذه الروح شيئا فشيئا لدى كل شعوب ~~الأرض، حتى يتم استئصال النزعة العسكرية، ويتم نزع السلاح وإيقاف ~~الحروب، وهي أكبر مانع أمام التقدم الخلقي. لم يكن لدى عصر كانط ما ~~يسمى بحروب التحرير التي بدأت في هذا القرن، والتي هي من أجل ~~إقرار السلام، وإن كان قد لاحظ أن الحرب هي النتيجة الطبيعية ~~للتعصب والقهر والسيطرة. ويهدف كانط إلى ms068 أخذ الإنسانية إلى ~~غايتها القصوى ومنتهاها، وهو التنوير الشامل والسلام الدائم. وما ~~تبقى من حروب ستساعد حتما - بعد أن تتوقف نهائيا - على تحقيق ~~غاية الإنسانية هذه. هذا التفاؤل المطلق عند كانط يتفق تماما مع ~~روح التفاؤل التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، والتي ظهرت لدى ~~جميع فلاسفة التاريخ الذين عبروا عن روح الثورة الفرنسية. # فإذا ما حقق الشعور هاتين الغايتين؛ حرية الفكر، والإرادة ~~المستقلة من أجل تقدم البشرية، تأتي مشكلة البدن التي يعالجها ~~الطبيب، وينشأ الصراع الثالث بين كلية الفلسفة وكلية الطب؛ الأولى ~~تعطي الإرادة والعزيمة الأولوية على أمراض البدن، والثانية تريد أن ~~تجعل «العقل السليم في الجسم السليم». لا يشارك كانط نوفاليس رأيه ~~أن الجسد كله تقوده الروح طبقا للإرادة؛ فكانط لا يترك أرض الواقع ~~ليحلم مع الرومانسيين، ولكن الإرادة لديه يمكن أن يكون لها دور ~~محمود على الصحة البدنية. إن دور الإرادة في الصحة دور وقائي ~~خالص. ويتمثل هذا الدور في نظام التغذية الذي يعتبره كانط قريبا ~~من المبدأ الرواقي. فالبطنة هي التحدي الحقيقي للإرادة. ويرى ~~كانط أن الزواج لا يطيل العمر، فيعاديه، وطبق ذلك على نفسه، فعاش ~~عزبا. ويعطينا في آخر الكتاب معلومات عن صحته ونظام التغذية ~~الذي فرضه على نفسه ويعتذر عن عرض آرائه الخاصة والحديث عن نفسه، ~~ولكن المهم هو صدقه في التعبير عن آرائه القائمة على تجارب شخصية. ~~ويسخر كانط من أعداء الفكر الحي، خاصة اللاهوتيين وآباء الكنيسة، ~~ويؤكد إخلاصه للعقل ضد كل انفعال، فكل ما سوى العقل يستحق الإنسان ~~اللوم عليه. # وقد استمر تلاميذ كانط في محاولة أستاذهم بالرغم من الهجوم عليه، ~~وعلى تلك الثنائية التي تعتصر فلسفته وهذا الصراع بين الأطراف ~~والتناقض أو التقابل بينها، كما هو واضح من العنوان «صراع ~~الكليات». لقد حاولت الرومانسية التي وقع فيها التلاميذ تجاوز ~~الثنائية إلى الوحدة، فابتلعت الذات الموضوع عند فشته، وابتلع ~~الموضوع الذات عند شلنج. وقد عالج كل منهما من خلال مذهبه ~~الفلسفي مشكلة التعليم، فكتب فشته «رسالة العلم»، كما كتب شلنج ~~«دروس ms069 في منهج الدراسات الأكاديمية»، ولكن الحلول التي أتوا بها ~~كانت وقتية لعلاج بعض الموضوعات الزمنية، ولكن الدرس المستفاد من ~~الأستاذ هو أن الجامعة ليست مجرد مكان لتجميع العلوم دون أي علاقة ~~بينها، بل يجب أن تتجه كلها نحو غاية واحدة هي الحقيقة. يجب أن ~~يسود الجامعة النشاط العقلي الحر دون أي عقبات من التقاليد أو ~~الأعراف. ولا يجب أن ننسى روح المذهب، تلك البؤرة التي يشع منها ~~نور العلم. ليس البحث عن الحقيقة وظيفة كلية الفلسفة وحدها كما ~~يقول الأستاذ، بل إنها رسالة الجامعة كلها كما يقول التلاميذ. # 2 # يهدي كانط كتابه إلى أحد الأساتذة في جامعة جوتنجن، ولكنه في ~~الحقيقة يوجه كلامه إلى الحكومة المستنيرة التي تخلص العقل ~~الإنساني من قيوده، والتي تدفع كانط إلى التفكير بحرية تامة. ~~ويتضح من كلام كانط أنه يسخر ولا يتملق، ويستعمل المدح أسلوبا ~~للذم، فيصف الملك فردريك وليم الثاني بأنه حاكم شجاع شريف صديق ~~للبشر، ويجد له العذر في سن تلك القوانين ضد الحريات، وأنه إنما ~~فعل ذلك نتيجة نصيحة رجل دين. هذه القوانين هي التي كانت السبب في ~~منع كتاب كانط الأول «الدين في حدود العقل البسيط». ويذكر كانط ~~أجزاء من خطاب الملك له، يتهمه فيه بسوء استعمال الفلسفة لتشويه ~~العقائد الدينية الأساسية في الكتب المقدسة، والنيل منها، وكما سبق ~~له ذلك في «الدين في حدود العقل البسيط»، ويحذره من العودة إلى ~~ذلك، ويرجوه الانتباه إلى تربية الشباب، وأن يكون معبرا بإخلاص ~~وصدق عن مقاصد الحاكم، ويهدده بالعقاب، ويحذره من الوقوع في ~~المستقبل في مثل هذه الأخطاء، ويرد كانط على خطاب الملك، وينشر رده ~~مع الخطاب في مقدمة الكتاب، ويمدحه بأنه شجاع شريف، محب للبشرية، ~~وأن كانط يضع تحت أقدامه برهان خضوعه المتواضع، ويدافع عن نفسه. هل ~~خاف كانط، أم أنه كان يتملق، أم أنه مثل ديكارت كان خبيثا ~~يستعمل المدح في معرض الذم، ويريد لدعوته أن تنجح أفضل من أن يفشل ~~ويموت شهيدا؟ يرد كانط على الاتهام الأول أنه باعتباره أستاذا ms070 ~~للشباب، فإنه لم يخلط في دروسه بين حقائق المسيحية وحقائق الفلسفة، ~~والدليل على ذلك اعتماده على ملخصات باومجارتن التي ليس فيها مادة ~~من الكتاب المقدس، أو العقائد المسيحية، بل مجرد مادة فلسفية ~~خالصة. وباعتبار كانط مربيا للشباب فإنه لم يورد في كتابه «الدين ~~في حدود العقل البسيط» ما ينال من دين البلاد، بل إنه كتاب غير ~~مفهوم للعامة، مجرد مناقشات أكاديمية غامضة، تخص المؤسسات ~~التعليمية والتي تحرم الدولة نشرها وذيوعها إلى العامة. ليس في ~~الكتاب مدح أو ذم للمسيحية يرفع من شأنها ولا يقلل منها، بل ~~مجرد بيان للدين الطبيعي والاستشهاد بالنصوص الدينية للبرهنة على ~~بعض العقائد العقلية. ولا ضير أن يتفق العقل مع الوحي، وأن يعطى ~~الإيمان صفات الشمول والوحدة والضرورة. إن جوهر الدين هو العمل ~~الخلقي، ما يجب أن يكون في مقابل الوحي الذي يعتمد على التاريخ، ~~ليصبح الإيمان في هذه الحالة حادثا عرضيا، زائدا وزائفا. مهمة ~~الوحي مهمة خلقية خالصة، والعمل النظري العقلي يكمل بالعمل الخلقي، ~~خاصة فيما يتعلق بتحويل الشر في الإنسان إلى خير، وتجاوز الخطيئة ~~بالخلاص، واعتقاد الإنسان بضرورة الحياة الخيرة. ويؤكد كانط ~~احترامه الإيمان وعقائد الكتب المقدسة والمسيحية ويثني على الكتاب ~~المقدس باعتباره أفضل دليل مرشد للمحافظة على الدين الوطني القادر ~~على تربية النفوس، وأنه لمن العار توجيه أي اعتراضات أو إثارة أي ~~شكوك حول العقائد النظرية أو الأسرار الإلهية التي ينص عليها ~~الكتاب، سواء في المدارس أم المؤلفات، وإن كان يسمح بذلك في ~~الكليات وحدها. إن أكبر ثناء على الكتاب المقدس هو اتفاقه مع ~~الإيمان الخلقي والعقلي. وعلى هذا النحو يمكن إعادة تأسيس ~~المسيحية، وليس على التعالم الديني الذي يدل على تزييف المسيحية. ~~ويرجع كانط في النهاية الموضوع كله إلى ضميره، أمام قاضي ~~العالم الذي يعلم ضمائر البشر، وهو في هذه السن المتقدمة، واحدا ~~وسبعين عاما. # أما بالنسبة للموضوع الثاني، وهو التزام كانط - كما يطلب الملك - ~~بعدم العودة إلى مثل هذه الكتابات، فإن كانط يستسلم في الظاهر ~~مؤكدا أنه أكثر الرعايا إخلاصا لسمو ms071 الملك، وأنه سيتوقف عن ~~أي عرض للدين الطبيعي أو لدين الوحي للجماهير، في دروسه أو في ~~كتاباته، على عكس عادة فلسفة التنوير في فرنسا التي تحولت إلى ~~ثقافة شعبية جماهيرية، فجندت الجماهير حتى انطلقت الثورة. ~~وبالرغم من أن كانط على يقين من العواقب الوخيمة الناشئة عن إبعاد ~~الإيمان عن العقل، إلا أنه يعد بفعل ذلك. ويبين إحدى هذه ~~العواقب، وهي هروب التلاميذ إلى كلية الحقوق، هربا من لجنة ~~الإيمان التي تفحص إيمان الطلاب، وتفتش في ضمائرهم عند التحاقهم ~~بكلية اللاهوت، بالرغم من أنهم لم يدركوا مدى النفع في كلية ~~الحقوق إلا فيما بعد. أما الذين يقبلون في كلية اللاهوت، فإنه يجب ~~عليهم التوبة أولا أو طلبها. ويدعو كانط إلى توقف أعمال مثل هذه ~~اللجنة تحقيقا للصالح العام، وللخير الاجتماعي، ولصالح العلم الذي ~~أقيمت لأجله المدارس والمعاهد والجامعات. وينهي كانط خطابه للملك ~~بالتأكيد على ثقته بحكمة الحكومة، وعلى رأسها مثل هذا الحاكم ~~المستنير الذي يريد تقدم العلوم كلها، وليس اللاهوت وحده، ويبغي ~~تقدم الحضارة ضد كل مظاهر التعتيم والتعمية. # 3 # | ثالثا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية اللاهوت # يبدأ كانط قبل الدخول في الموضوع الأول مباشرة، وهو الصراع بين ~~كلية الفلسفة وكلية اللاهوت، أو كما يقول بلغتنا كلية الآداب وكلية ~~أصول الدين، أو بين الجامعة الوطنية والجامعة الأزهرية، بإعطاء ~~مقدمة عامة عن الجامعة، طلابا وأساتذة وإدارة، وعن التقسيم العام ~~للكليات الجامعية، ثم عن وضع كل كلية، سواء الكليات العليا (وهي ~~كلية اللاهوت وكلية الحقوق، وكلية الطب)، أم الكلية الدنيا (وهي ~~كلية الفلسفة). وأخيرا يتحدث كانط عن الصفة المميزة لكل كلية، وعن ~~الصراع المشروع والصراع غير المشروع بينها. # إن العلم البشري بالرغم من وحدة المعرفة، ينقسم إلى عدة علوم، ~~ولكل علم أساتذة متخصصون وطلاب وهيئات تسمى جامعة أو مدرسة عليا ~~تتمتع باستقلال ذاتي؛ لأن العلماء وحدهم هم القادرون على الحكم على ~~العلماء، وتقبل الجامعة الطلاب والأساتذة وفقا لقواعد تضعها. ~~وبالإضافة إلى أعضاء هيئة التدريس هناك الأساتذة المستقلون داخل ~~الأكاديميات والجمعيات العلمية الذين يطلبون ms072 العلم من أجل العلم. ~~ويطلبونه مخلصين له طيلة حياتهم. وأحيانا يتحول أعضاء هيئة ~~التدريس أو الخريجين إلى مجرد متعلمين، أي أصحاب شهادات موظفين ~~في الحياة العامة نسوا كل شيء تعلموه. يكفيهم أنهم قادرون على أداء ~~وظائفهم بالحد الأدنى مما تبقى في أذهانهم. ومنهم رجال الأعمال ~~أو تكنوقراطيو العلم الذين يصبحون في النهاية مجرد آلات للحكومة، ~~مثل رجال الدين ورجال القضاء والأطباء، ويكون لهم أبلغ الأثر على ~~الجماهير، نظرا لاتصالهم بها. ولا يسمح لهؤلاء بمزاولة علمهم ~~إلا في أداء مهنهم، ولكنهم خارج المهنة ينسون كل شيء. # ويقسم كانط الكليات الجامعية إلى قسمين: كليات عليا ثلاث، وكلية ~~واحدة دنيا. وهو تقسيم نابع من الحكومة، وليس من العلماء. والكليات ~~العليا تخرج موظفين للحكومة، والحكومة قبل أن تستخدمهم تحكم على ~~صلاحية عرض علمهم على الجمهور. أما الكلية التي تسمى الدنيا، ~~فإنها تهتم بالعلم لذاته، وتتمتع بحرية الفكر والاستقلال؛ ~~وبالتالي فإنها تهتم بالكليات العليا، وتهمل الكلية الدنيا، ~~وتتركها لعلمائها. فإذا ما قررت الحكومة استبعاد بعض النظريات، ~~فإنها تطالب الكليات المختصة بالقيام بهذه المهمة، وحذفها وإسقاطها ~~من الحساب؛ لأن عقود الأساتذة مع الجامعة تنص على ذلك. وأي حكومة ~~من هذا النوع تعمل بالنظريات، وتتعهد بتقدم العلوم وازدهارها، ~~ويكون على رأسها الحاكم العالم، أو الملك الفيلسوف - كما يقول ~~أفلاطون - تفقد الاحترام الواجب لها، بسبب هذا التعالم والتدخل ~~فيما لا تعرف. والحكومة في نهاية الأمر أسمى من أن تهبط إلى مستوى ~~العلماء أو العامة، وأن تتناول من معارفهم. وهذا هو السبب في وجود ~~الكلية الدنيا مستقلة عن الحكومة في نظمها ونظرياتها، ولها الحرية ~~التامة في إصدار أحكامها على النظريات، من وجهة النظر العلمية، أي ~~طبقا للحقيقة وحرية التعبير عنها صراحة، فبدون الحرية لا تظهر ~~الحقيقة لأن العقل بطبيعته لا يقبل شيئا على أنه حق، إن لم يثبت ~~له بالدليل القاطع أنه كذلك، وهو الدرس المستفاد في بداية العصور ~~الحديثة، من ديكارت، فإذا كانت هذه الكلية مع ذلك تسمى الكلية ~~الدنيا، فإن السبب يرجع إلى طبيعة الإنسان، لأن من ms073 يعطي الأوامر ~~يتصور أنه أعلى. والحقيقة أن القادر على الحكم المستقل هو الجدير ~~بهذه التسمية. # ثم يتحدث كانط عن وضع الكليات بادئا بوضع الكليات العليا ~~وأقسامها. فلما كان كل معهد يقوم على فكرة، أو مبدأ عقلي، أو ~~تصور مسبق، بالإضافة إلى مجموعة من التجارب، على ما هو معروف من ~~فلسفة كانط في «نقد العقل الخالص»، وليس مجرد وليد الصدفة، فإن ~~أهداف أي حكومة طبقا للعقل (أي موضوعيا) بالنسبة للجامعات، ~~ثلاثة: الأول تحقيق الخير الأبدي لكل فرد، والثاني تحقيق الخير ~~الاجتماعي لكل فرد باعتباره عضوا في مجتمع، والثالث تحقيق الخير ~~البدني أي حياة أطول وصحة أوفر. ويمكن أن يكون لتوجيه الحكومة ~~وطرقها لتحقيق الهدفين الأولين أبلغ الأثر في تعويد الشعب على طاعة ~~قوانين الدولة والالتزام بنظامها. ويكون أثرها بتحقيق الهدف الثالث ~~في تكوين شعب من الأصحاء تستخدمه الدولة لتحقيق أغراضها الخاصة. ~~وطبقا للعقل هناك إذن ثلاث كليات؛ كلية اللاهوت، وكلية الحقوق، ~~وكلية الطب. ولكن طبقا للغريزة الطبيعية تأتي كلية الطب أولا؛ ~~لأن الطبيب أهم للإنسان من اللاهوتي؛ فهو الذي يحافظ على حياته، ثم ~~يأتي القانوني، ليحافظ على ممتلكاته، وأخيرا يأتي اللاهوتي ~~ليعلمه الحياة الأبدية ويعده بالسعادة في المستقبل، كما خفف ~~آلامه في الدنيا، وكأن كانط يريد أن يقول هنا: إن اللاهوت «أفيون ~~الشعب»، كما قال قبل ذلك في محاضراته في «التربية» عام ~~«1766-1777م»: إن الدين «أفيون الشعور»؛ لأنه يخلق في الإنسان ~~اطمئنانا ورضا ومسرة. وفي كلا النظامين نظام العقل ونظام ~~الغريزة الطبيعية، تبقى كلية الحقوق كما هي في الوسط. ولكن يختلف ~~الأمر بالنسبة لكلية الفلسفة وكلية اللاهوت، حيث يبدو الصراع ~~بينهما وكأنهما طرفان متقابلان تمام التقابل، فيعطي نظام العقل ~~كلية الفلسفة الأولوية، بينما يعطي نظام الغريزة كلية اللاهوت ~~الأولوية. ويبدو أن هذا التقسيم الثلاثي يتفق أيضا مع القسمة ~~الثلاثية للعقل النظري عند كانط؛ فكلية الطب مثل الحساسية ~~الترنسندنتالية، وكلية الحقوق مثل الذهن، وكلية اللاهوت مثل العقل. ~~وقد يتفق أيضا مع قسمة أفلاطون الشهيرة للقوى الإنسانية؛ القوة ~~الشهوية التي تمثل كلية الطب، ms074 والقوة الغضبية التي تمثل كلية ~~الحقوق، والقوة العاقلة التي تمثل كلية اللاهوت. وتكون الكليات ~~العليا تحت توجيه الدولة كتابة من خلال التشريعات، في حين أن ~~الكلية الدنيا تخضع لمبادئ علمية عامة وشاملة ودائمة. وقد يكون ~~لهذه الكليات العليا قواعد وقوانين لا تتفق مع العقل، بل تهدف ~~أساسا إلى طاعة الدولة؛ لأن القانون قد يستنبط من العقل، فيتفق ~~معه، وقد يكون في تعارض معه معبرا عن مشرع خارجي وهو الدولة. ~~وتكون القوانين التي تسنها الدولة وتشرعها ملزمة، في حين أن ~~القوانين المستنبطة من العقل، لا تكون ملزمة؛ لأنه ليس وراءها سلطة ~~لتنفيذها. كذلك لا يستمد لاهوتي الكتاب المقدس لاهوته من ~~العقل، بل من الكتاب، كما لا يستمد القانوني قانونه من القانون ~~الطبيعي (وهو ما يعادل العقل النظري)، بل من القانون المدني. كذلك ~~لا يستمد الطبيب علاجه من علم الفيزيولوجيا بل من قواعد الطب ~~المتعارف عليها. فإذا ما قامت إحدى هذه الكليات الثلاث العليا ~~لتعتمد على العقل، فإنها بذلك توجه إهانة بالغة إلى السلطة، وتنتزع ~~منها حق الطاعة؛ ومن ثم فإن واجب الكليات العليا ألا تدخل في حلف ~~مع الكلية الدنيا، بل عليها أن تنظر إليها بحذر؛ لكي تظل لوائحها ~~وقوانينها ودساتيرها قائمة لخدمة الدولة أي لخدمة النظام ~~القائم! # ثم يبين كانط الصفة الخاصة المميزة لكل كلية من الكليات العليا ~~الثلاث؛ ففي كلية اللاهوت يبرهن اللاهوتي على وجود الله؛ فقد عبر ~~الله عن نفسه في الكتاب، كما أن الكتاب يتحدث عن طبيعة الله، ~~وبطريقة تصل إلى معارضتها للعقل، كما هو الحال في الحديث عن ~~الثالوث. أما إثبات أن الله قد تكلم من خلال الكتاب، فهذا ما لا ~~يستطيع اللاهوتي برهنته، لأن ذلك مجاله التاريخ، أو تصل إلى ~~إمكانيات العقل الخالصة، وهو ما يخص كلية الفلسفة. وكأن كانط يشير ~~هنا إلى أن اللاهوتي واقع في الدور المنطقي لا محالة، إذ ما أراد ~~البرهنة على وجود الله من خلال الكتاب، والبرهنة على المصدر الإلهي ~~للكتاب الذي يتطلب الإيمان بالله مسبقا، وأنه لا مخلص للاهوتي ms075 ~~من هذا الدور إلا الفيلسوف الذي يقطع هذه الدائرة، ويبرهن له ~~إمكانية الوحي. ليس أمام اللاهوتي دون مساعدة الفيلسوف إلا أن يؤسس ~~المصدر الإلهي للكتاب على الإيمان، على أساس من عاطفة الألوهية. ~~ولسوء الحظ لا يستطيع العالم أن يتساءل أمام العامة عن أصل هذه ~~العاطفة، لأن العامة لا تهتم بالعلم، بل تريد الإغراق في الأحلام ~~والتمنيات، ويبدو أن كانط هنا يشارك علماء أصول الدين في تراثنا ~~القديم الذين منعوا العامة من الدخول في علم الكلام، وكما بين ~~الغزالي في كتابه المشهور «إلجام العوام عن علم الكلام». وهو حديث ~~الصوفية والفلاسفة نفسه، في تفرقتهم بين الخاصة والعامة، مما يدل ~~على أن التنوير في ألمانيا كان عمل الخاصة، وليس العامة، كما هو ~~الحال في فرنسا. ولا يستطيع اللاهوتي أيضا أن يفسر الكتاب إلا ~~طبقا للتفسير الحرفي، ولا يستطيع تفسيره بحيث يتفق مع الحقائق ~~الخلقية. وكما أنه لا يوجد مفسر إنساني لديه سلطة إلهية، فإن ~~اللاهوتي يجد نفسه مضطرا للاعتماد على مصدر من فوق الطبيعة يقود ~~الذهن إلى المعنى الصحيح إن لم يطلب مساعدة الفيلسوف القادر على أن ~~يبين له اتفاق المعنى مع العقل. أما فيما يتعلق بتطبيق الأوامر ~~الإلهية، فإن اللاهوتي لا يعتمد في ذلك على الإرادة الإنسانية بل ~~على الفضل الإلهي، عن طريق إيمان قلبي خالص بالتوفيق والهداية ~~والعون والتأييد. وهو ما لا يتفق مع العقل والإرادة الإنسانية ~~الحرة؛ لذلك يجد اللاهوتي نفسه وقد قفز إلى أحضان الكنيسة كي ترعاه ~~وتعطيه سلطاتها، وإلا تحول كل شيء إلى فوضى خارج الكنيسة. وواضح ~~أن كانط هنا ينقد الموقف السلفي التقليدي الذي يمثله المحدثون ~~في تراثنا القديم، والذي يعطي الأولوية للنقل على العقل، والفعل ~~الإلهي على الفعل الإنساني، والتشبيه على التنزيه، وقدم القرآن ~~على خلقه، ويؤسس الموقف الاعتزالي الذي كان وراء ظهور فلسفة ~~التنوير، كما يتضح عند لسنج بوجه خاص. # وتتصف كلية الحقوق بأن القانوني فيها يبحث عن قوانين تضمن حقوق ~~الناس كمواطنين في الدولة. ولا يبحث ذلك طبقا للعقل، بل طبقا ~~للقانون الرسمي ms076 الذي تدخل مخالفته تحت طائلة العقاب. ولا يمكننا ~~مطالبته بالبرهنة على صحة هذه القوانين أو الدفاع عنها ضد اعتراضات ~~العقل، فمن السخف عصيان القوانين التي تعبر عن الإرادة الخارجية ~~بدعوى أنها لا تتفق مع العقل لأن احترام الدولة ينتج من أنها لا ~~تترك لكل فرد أن يحكم على هواه بصحة هذه القوانين أو بطلانها، ولكن ~~فقط طبقا لإرادة المشرع، ومع ذلك، فإن وضع كلية الحقوق من ~~الناحية العملية أفضل بكثير من كلية اللاهوت؛ لأن لديها مفسرا ~~مرئيا حاضرا للقانون، وهو الفقيه، أو الأصولي، أو لجنة قضائية، ~~أو المشرع نفسه. وليس الأمر كذلك في تفسير الكتاب المقدس الذي لا ~~يعلم معناه إلا الله، ولكن يعيبها أن القانون الإنساني متغير، في ~~حين أن الكتاب المقدس لا يتغير. كما أن شكوى القانوني من غياب ~~قاعدة عامة للسلوك الموحد للناس لا يشكو منها اللاهوتي الذي لديه ~~مثل هذه القواعد العامة المتمثلة في الأوامر والنواهي. هذا ~~بالإضافة إلى أن المحامي أو القانوني لا يضمن للمواطن تطبيق ~~القانون ومسئوليته عن ذلك، في حين أن اللاهوتي يضمن ذلك للمتدين ~~يوم القيامة، ويعتبر نفسه مسئولا عن ذلك! وهم مطمئنون إلى أن ~~أحدا لن يعارضهم في مثل هذا التأكيد، بالاعتماد على تجارب الدنيا، ~~فشتان بين ما يحدث في الآخرة من يقين، وما يحدث في الدنيا من ~~ظنون. ويبدو أن كانط في تصوره الكليات الثلاث العليا على أنها تهدف ~~إلى طاعة الناس يتفق مع اسبينوزا الذي يجعل ذلك من وظيفة الإيمان. ~~في حين أن العقل عند كانط والفلسفة عند اسبينوزا يدعوان الناس إلى ~~الخروج على الطاعة والرفض والثورة على النظام القائم، بالرغم مما ~~في لغة كانط من حيطة وحذر، ومن استعمال لغة الإثبات، وهو يقصد ~~بها لغة النفي، وهو الدرس الذي تعلمه من ديكارت. # وتتصف كلية الطب بأن الطبيب فيها فنان يعتمد في دراسته على ~~الطبيعة، في حين تعتمد كلية الطب على مجموع القوانين المهنية. كما ~~أن الدولة تقيم «اللجنة العليا للصحة» لممارسة الطب طبقا للقواعد ~~المعروفة، ولكن هذه القواعد ms077 لا تأتي من الطبيعة بل من فن الممارسة ~~والعلاج؛ ومن ثم وجب على كلية الطب الاستعانة بكلية الفلسفة ~~لمساعدتها على معرفة قوانين الطب من الطبيعة، وليس من كلية الطب أو ~~اللجان الطبية على الأقل فيما لا ينبغي عمله أو في بعض المبادئ ~~العامة، مثل ضرورة وجود أطباء للعامة (لأن الخاصة لديهم عند كانط ~~نظام للتغذية يعتمد على قوة الإرادة والسيطرة على الانفعالات)، ~~وأنه ليس هناك عنصر تجريبي يتبع المبدأ، ويتفق معه في كثير من ~~الأحيان. فالمثل الأول يهدف إلى رعاية الحكومة الصالح العام، بينما ~~المثل الثاني يهدف إلى رعاية الأمن العام والاستقرار. وكلاهما ~~يعتمد على «البوليس الطبي» أو الرقابة الطبية! ومع ذلك، فكلية الطب ~~أكثر حرية من الكليتين السابقتين وأقربهما إلى كلية الفلسفة. كما ~~أن الأطباء في تكوينهم لا يعتمدون على كتاب مغلق إلى الأبد، كما هو ~~الحال في كلية اللاهوت، بل على كتاب الطبيعة المنشور دائما. ولا ~~يصل الأطباء إلى قانون علمي بالمعنى الدقيق، بل إلى مجرد قواعد ~~وإجراءات، الغرض منها تحقيق النفع العملي، وهو الشفاء. ومعرفتها لا ~~تكون علما؛ لأن العلم مجموعة من النظريات، لا يمكن للدولة أن ~~تعاقبها، فتتركها للأطباء. # أما الكلية الدنيا، وهي كلية الفلسفة، فهي الكلية التي لا تخضع ~~نظرياتها إلى إرادة حاكم. وقد يحدث أن تخضع عمليا لنظرية ما، ~~ولكن يستحيل اعتبارها حقيقة لأنها مفروضة من الحاكم، ليس فقط ~~موضوعيا (أي ما لا ينبغي أن يكون)، بل أيضا ذاتيا (أي ما لا ~~يستطيع أحد إصداره). ومن يعترف مرة بخطئه فإنه لا يخطئ! ويبدو أن ~~كانط هنا يعيش صراع ما ينبغي أن يكون، وما هو كائن، فيما يتعلق ~~بكلية الفلسفة، ومحاولة الدولة السيطرة عليها، وصراع كانط ضد ~~الدولة دفاعا عن استقلالها. فإذا ما أراد أساتذة كلية الفلسفة عرض ~~نظرياتهم على الجمهور، فإنهم لا يعتمدون في ذلك على سلطة خارجية، ~~بل على سلطة العقل وحده. كما أنهم لا يؤمنون بنظرياتهم إلا على نحو ~~عملي من أجل الممارسة، بالرغم من قدرتهم على برهنة صدقها النظري، ~~بينهم وبين ms078 أنفسهم؛ فقد وصلوا إلى نظرياتهم بناء على الفحص الحر، ~~والعقل هو القوة القادرة على ممارسة هذا الفحص الحر. # تعتمد حقائق الفلسفة إذن على العقل وحده، وليس على سلطة الدولة ~~أو الحكومة. وتكون وظيفتها الرقابة على الكليات الثلاث الأخرى، وأن ~~تقدم لها خدمة جليلة؛ لأنها لا تبغي إلا الحقيقة، وهو الشرط الأول ~~للعلم. أما المنفعة التي تقدمها الكليات العليا للدولة، فتأتي في ~~المحل الثاني. ويمكننا أن نترك لكلية اللاهوت هذا الفخر بأنها قد ~~اتخذت كلية الفلسفة خادمة لها، طالما أنها لم تستبعدها، أو تتحكم ~~فيها. إنما المهم أن نعرف هل تسير كلية الفلسفة في المقدمة حاملة ~~المشعل، أم أن كلية اللاهوت تجرها وراءها، فتخفي نورها! ويضاف ~~إلى هذا التواضع الذي تمثله كلية الفلسفة الحرية في فحص الحقائق، ~~ثم إعطاء نتائج هذا الفحص الكليات العليا، وتوصية الحكومة بها، ~~وبأن الفلسفة ليست موضع ريب أو تهمة، وأنه لا يمكن الاستغناء ~~عنها. وتشمل كلية الفلسفة قسمين: العلوم التاريخية التي تعتمد على ~~التاريخ (مثل: التاريخ، والجغرافيا، واللغة، والعلوم الإنسانية، ~~وكل ما يقدمه علم الطبيعة)، والعلوم العقلية الخالصة التي تعتمد ~~على العقل (مثل: الرياضة، والفلسفة، وميتافيزيقا الطبيعة، ~~والأخلاق). ويدخل ضمنها بحث العلاقة بين القسمين من العلوم، وكل ~~أجزاء المعرفة الإنسانية، من حيث إنها موضوع للبحث والفحص والنقد ~~والتمحيص. تطالب كلية الفلسفة إذن بفحص كل العلوم، ولا يمكن ~~للحكومة منعها من ذلك. ويجب أن تقبل الكليات العليا اعتراضها ~~وشكوكها وتساؤلاتها. ومن المؤسف والمحزن حقا أن يسبب نقد ~~الفلسفة هز الكليات العليا، وزعزعة استقرارها وأركانها، والنيل ~~من مكاسبها؛ لذلك فمن الطبيعي أن يعارض رجال الكليات العليا نقد ~~الفلسفة؛ لأنهم يمثلون جهاز الدولة ونظامها وسلطتها. ويمكن ~~للأساتذة العلماء فقط معارضة نقد الفلسفة لأنهم مثل الفلاسفة، ولكن ~~لا يسمح بذلك لعملاء الدولة أساتذة الكليات المتواطئين مع نظام ~~الدولة والداعمين له على حساب الحقيقة. ومن الطبيعي أن يحدث ذلك؛ ~~لأنه لو نقد رجال القانون القانون لحثوا الشعب على العصيان ~~والتمرد، ولو نقد رجال الدين اللاهوت لرفض الناس سلطة الكنيسة، ~~ولو نقد ms079 الأطباء قواعد الطب لما وثق المرضى في علاجهم. إنما يمكن ~~للأساتذة العلماء وحدهم النقاش في اعتراضات الفلسفة فيما بينهم، ~~باسم العلم والعقل، من أجل الوصول إلى الحقيقة. وكثيرا ما تسبب ~~هذه المناقشات أن يرجع بعض الأساتذة والطلاب في نهاية الأمر إلى ~~الحقيقة صاغرين؛ فليس هناك أفضل من العقل المستنير، والتسليم بالحق ~~فضيلة. # ويقسم كانط الصراع بين الكليات العليا والكلية الدنيا إلى قسمين؛ ~~صراع غير مشروع، وصراع مشروع. ومن غير المشروع: الصراع العلني بين ~~الآراء والنظريات، سواء أكان صراعا علميا في المضمون (لأن العلم ~~ليس مطلبا للجمهور)، أم في الشكل (لأن النقاش لا يقوم على قواعد ~~موضوعية موجهة إلى عقل الخصم، بل على دوافع شخصية وعواطف ~~وانفعالات، بل وباستعمال الحيل، أو وسائل الترغيب غير المشروعة، ~~مثل: الرشوة، والفساد؛ أو أساليب الإرهاب، مثل: العنف). والخطورة ~~أن يحدث مثل هذا الصراع علنيا أمام الشعب؛ مما يسمح للكليات ~~العليا بتملق أذواق الجماهير والاعتماد على جهلها. فتحاول كل ~~منها أن تقنع الشعب بأنها هي الوحيدة التي تعمل على سعادته. ~~الغاية واحدة، ولكن الأسلوب مختلف، ولما كان الشعب لا يضع هناءه ~~وسعادته في الحرية، بل في غاياته الطبيعية، وهي أن يكون سعيدا بعد ~~الموت، وأن تكون ممتلكاته في الدنيا محفوظة بالقوانين المدنية من ~~طمع الآخرين فيها، وأن يتمتع ببدنه في الحياة بالصحة الوافرة ~~والعمر الطويل، فإن كلية الفلسفة لا تستطيع المشاركة في هذه ~~الأهداف إلا بقدر اعتمادها على العقل، وعلى مبدأ الحرية، وعلى ما ~~يستطيع الإنسان أن يقدمه لنفسه بجهده الخاص، وليس بوعود الآخرين: ~~أن يعيش شريفا، وألا يؤذي الآخرين، وأن يكون معتدلا في صحته، ~~صابرا في مرضه، معتمدا على تلقائية الطبيعة. ولتحقيق ذلك، فإنه ~~لا يحتاج إلى علوم عميقة، بل عليه فقط أن يضبط انفعالاته، ويتبع ~~العقل، ولكن الشعب لا يهتم بهذا الجهد الفردي؛ لأنه يريد حلولا ~~أسهل ووعودا أكبر. فيطالب الكليات العليا أن تقدم له مقترحات أكثر ~~قبولا نظرا لأنه يرفض القوانين التي تحد من حريته أو التي ~~تطالبه بالإصلاح والتغيير. ويقول للفلاسفة: كل ms080 ذلك أيها العلماء ~~الفلاسفة ثرثرة معروفة منذ زمان طويل، إنما يريد كل منا أن يعرف ~~ثلاثة أشياء؛ الأول: كيف أنال تذكرة إلى الآخرة، وأنا آثم جاحد؟ ~~والثاني: كيف أكسب القضية وأنا مخطئ؟ والثالث: كيف أكون ذا صحة ~~جيدة وأعيش عمرا طويلا، وأن أتمتع بالحياة بطولها وعرضها؟ لقد ~~درستم طويلا، ولكن المهم هو الحس السليم! يتصور الشعب إذن ~~العلماء كأنهم منجمون أو سحرة ينتظرون منهم خوارق العادات! فإذا ~~ما استطاع أحد أن يعطي الشعب ما يطلب، فإنه سيحتقر كلية الفلسفة، ~~ويوقن بعجزها عن أن توفر له احتياجاته. ويكون رجال الأعمال من ~~خريجي الكليات العليا سحرة بالفعل إن لم يتركوا الفلاسفة يعملون ~~ضدهم، ليس من أجل قلب نظرياتهم أو دحضها، بل لكشف هذه القدرة ~~السحرية التي يعزوها الشعب لهم. هذا هو الصراع غير المشروع عندما ~~يتعدى رجال الكليات الثلاث العليا على القوانين متعمدين ذلك، ~~وكفرصة مؤاتية لهم لإظهار مهاراتهم أمام الشعب. إن الشعب يحتاج إلى ~~قيادة، ولكنه يخطئ في تصور قادته عملاء للكليات العليا، وليس ~~علماءها، هؤلاء العملاء الذين يعرفون كيف يدبرون حياتهم، ~~وكيف يعيشون # Savoir faire ~~، ~~وهم رجال الدين ورجال القضاء والأدباء؛ لذلك تستعملهم الدولة، بعد ~~أن حازوا ثقة الشعب بهم؛ نظرا للوعود التي يلقونها إليهم لفرض ~~نظرية معينة عليه، لا تتفق مع الحكمة، بل تهدف إلى السيطرة عليه. ~~ففي اللاهوت مثلا من الأفضل الاعتقاد بحرفية النصوص، دون فحص ما ~~ينبغي اعتقاده بالعقل، وأن الإتيان ببعض الطقوس وإقامة بعض الشعائر ~~يمكن أن يمحو بعض الجرائم المرتكبة. وفي القانون تهدف طاعة القانون ~~حرفيا إلى منع المواطن من معرفة قصد الشارع. هذا هو الصراع غير ~~المشروع الذي لا يمكن حسمه بين الكليات العليا والكلية الدنيا لأن ~~المبدأ الذي تقوم عليه الأولى هو مبدأ الحكومة، حتى ولو كان ~~الفوضوية ورغبة كل فرد في اتباع ميوله الخاصة. ولو أرادت الحكومة ~~إيقاع الكليات العليا في صراع مع كلية الفلسفة، فإنه سيؤدي، لا ~~محالة، إلى موت الفلسفة كلية. وهي طريقة بطولية لحل الصراع. # أما الصراع المشروع، فإنه ms081 ينشأ من ارتباط النظريات التي تسمح بها ~~الحكومة للكليات العليا، للإعلان عنها بإرادة المشرع؛ وبالتالي ~~كانت عرضة للخطأ، وفي الوقت نفسه من مهمة كلية الفلسفة التحقق من ~~صدق هذه النظريات. ويحدث صراع مشروع؛ لأن هذه النظريات تعارض ~~العقل، وهو صراع مشروع، ليس فقط من حيث الحق والقانون، ولكن أيضا ~~من حيث ما ينبغي أن يكون. فإذا كانت هناك بعض النظريات مستمدة من ~~التاريخ، وتوحي بتصديقها، فإن من واجبات كلية الفلسفة فحصها. فإذا ~~اتفقت مع العقل تم قبولها، أما إذا كانت معتمدة على الحس أو ~~العاطفة، فإن من حق كلية الفلسفة إعلان ذلك، بعد فحصها بالعقل ~~الهادئ، وتحويل العاطفة إلى تصور، دون أن ينال ذلك من قدسيتها. ~~ويضع كانط أربعة مبادئ صورية لإدارة مثل هذا الصراع المشروع ~~وهي: ~~(1) # لا يمكن حل هذا الصراع باتفاق ودي، بل يتطلب إصدار ~~حكم، أي قرار له قوة القانون الذي يصدره القاضي، وهو ~~العقل. وهنا يرفض كانط أي مساومة بين العقل وما ~~سواه، أو استعمال العقل في وظيفة التبرير، خادما لشيء ~~آخر، كما هو الحال في اللاهوت. ~~(2) # لا يمكن إنهاء الصراع مرة واحدة وإلى الأبد لأنه ~~سيكون هناك دائما نظريات تعرضها الحكومة، وتدافع عنها ~~الكليات العليا وفي حاجة إلى بحث وتحقيق وتمحيص. إن ~~كلية الفلسفة تدافع عن بقاء هذا الصراع طالما أن هناك ~~عقلا بشريا في مواجهة نظام وضعي متمثل في السلطة ~~السياسية ووكلائها من رجال الدين، ورجال القضاء، ورجال ~~الأعمال. ~~(3) # لا يمكن أن يتضمن هذا الصراع أي إدانة للحكومة، أو ~~اتهامها بالخطأ، فالصراع بين الكليات ليس صراعا مع ~~الحكومة، ولكنه صراع بين كلية وباقي الكليات التي ~~تستخدمها الحكومة بوقا لها. وهو نقاش يدور بين جماعة ~~العلماء، وليس بين الجماعة السياسية. ولا شأن للحكومة ~~بالخلاف بين العلماء. إن الكليات العليا تمثل اليمين ~~في البرلمان، وكلية الفلسفة تمثل اليسار. الأولى تدافع ~~عن الحكومة، والثانية تفحص بحرية وبموضوعية. ولا يجب ~~أن تتدخل الحكومة في هذا الصراع وإلا نصرت الكليات ~~العليا ضد كلية الفلسفة، والتي ما زالت الحكومة ~~تعتبرها ms082 بدعة. وهنا تبدو جرأة كانط في اعتبار المعارضة ~~الفكرية يسارا والموافقة يمينا. ويبدو كأحد ~~المناضلين الكبار، دفاعا عن حرية الفكر ضد الوضع ~~القائم. ~~(4) # يدور هذا الصراع إذا كان هناك اتفاق بين جماعة ~~العلماء وجماعة المواطنين فيما يتعلق بالقواعد التي ~~يمكن مراعاتها لصالح التقدم الدائم والمستمر للكليات ~~بنوعيها، نحو كمال أعظم، لاغية بذلك كل الحدود والقيود ~~على حرية الفكر والرأي والتعبير التي تضعها الحكومة. ~~وعلى هذا النحو تصبح الكليات العليا هي الدنيا والكلية ~~الدنيا هي العليا. ولا يحدث هذا التحول بالحصول على ~~سلطة، أو بتغيير الحكومة حلفاءها وعملاءها، ولكن عن ~~طريق إسداء النصح لمن بيدهم السلطة، حتى تجد السلطة في ~~هذه الفكرة أنجح وسيلة لتحقيق غاياتها دون الاعتماد ~~على السلطان. # إن هذا الصراع بين الكليات يهدف أساسا إلى تحقيق غايات قصوى ~~للبشرية وأهداف سامية للإنسانية، وليس حربا أو نزاعا تتباين فيه ~~المقاصد، وخلافا بين ما للأنا وما للآخر من حق وعلم. إن الحرية ~~فوق كل شيء، والحرية فوق الملكية. ومهمة كلية الفلسفة هي توعية ~~الشعب بحقوقه وخلق مجتمع مستنير. # وبعد هذه المبادئ العامة يعطي كانط نماذج عملية لمواطن هذا ~~الصراع وموضوعاته، وطرق حله، بعد أن بين موقع هذا الصراع بين ~~الحكومة والشعب. فموضوع الصراع الأول هو تفسير الكتاب: هل النقل ~~أساس العقل أم أن العقل أساس النقل، كما يقول المسلمون القدماء؟ ~~يدافع عن الموقف الأول اللاهوتي الكتابي، وهو العالم فيما ~~يتعلق بإيمان الكنيسة الذي يقوم على قواعد أي قوانين مستنبطة من ~~إرادة شخص آخر. ويدافع عن الموقف الثاني اللاهوتي العقلي وهو ~~العالم بالعقل فيما يتعلق بالإيمان الديني الذي يقوم على قوانين ~~باطنية، يمكن استنباطها من عقل أي إنسان. ولا يمكن أن يتأسس ~~الدين على مجرد أوامر ونواهي وطقوس، كما أنه ليس عقائد يقال ~~إنها وحي من عند الله، بل يشمل مجموع واجباتنا بوجه عام، باعتبارها ~~أوامر إلهية. فالدين على هذا النحو لا يختلف عن الأخلاق في مادته، ~~أي في موضوعه لأنه يتعلق بالواجبات، ولكنه يختلف فقط في الصورة. أي ~~في تشريع ms083 العقل المستنبط من فكرة الله، باعتباره فكرة خلقية من ~~أجل التأثير على الإرادة الإنسانية للقيام بالواجبات. وبهذا المعنى ~~ليس هناك ديانات متعددة بل طرق متعددة للإيمان بالوحي الإلهي ~~وبالعقائد الرسمية التي لا تأتي من العقل، أي صورة مختلفة وتمثلات ~~حسية للإرادة الإلهية. فالمسيحية دين بهذا المعنى. وهي في الكتاب. ~~وتتكون من جزءين مختلفين: قواعد ~~الإيمان # canon ~~، وآلة ~~الإيمان # organon # الأول هو الإيمان الديني الخالص القائم ~~على العقل دون قواعد، والثاني هو الإيمان الكنسي الذي يقوم على ~~القواعد، ويتطلب الوحي. يقول اللاهوتي الكتابي: ابحثوا في الكتاب ~~تجدوا سعادتكم، وكأن سعادة الإنسان تكمن في نص مكتوب. إن المبادئ ~~والتصورات لا تؤخذ من كتاب حسي تاريخي، قد يتفق مع الإيمان ~~الديني، وقد يختلف. وتصر كلية اللاهوت الكتابي على الكتاب، وكأن ~~الإيمان بهذه الأشياء جزء من الدين. وهنا تأتى كلية الفلسفة وتدخل ~~في الصراع من أجل إيضاح هذا الخلط. وما يقال عن منهج التفسير ~~يقال أيضا عن تعاليم الحواريين المرتبطة بعصر وزمان معينين، سواء ~~سلبيا عن طريق التسليم ببعض الآراء الخاطئة في عصرها لكيلا تصطدم ~~بعقائد الناس الشائعة مثل التسليم بوجود الأرواح الشريرة؛ أم ~~إيجابيا مثل إيثار شعب معين، والانتقال من الإيمان القديم إلى ~~الإيمان الجديد. خلاصة الأمر: إن علم ~~التفسير هو أحد موضوعات الصراع ~~بين كلية اللاهوت وكلية الفلسفة. تتهم الأولى الثانية باستبعاد ~~العقائد الموحى بها أو تأويلها، بحيث تتفق مع العقل، وتتهم ~~الثانية الأولى بإهمال الدين الباطني الخلقي الذي يقوم على العقل. ~~إن كلية الفلسفة تهدف إلى الحقيقة؛ وبالتالي تضطر إلى تأويل ~~النصوص. ولا يعني ذلك أن التفسير يكون فلسفيا فقط، بل تكون مبادئ ~~التفسير فقط هي كذلك؛ لأن مناهج التفسير التاريخية أو اللغوية في ~~كل الأحوال تعتمد على مبادئ يمليها العقل. # ويطرح كانط أربعة مبادئ فلسفية لتفسير الكتاب، من أجل حل الصراع ~~بين كلية اللاهوت وكلية الفلسفة في موضوع التفسير، ~~وهي: ~~(1) # إن آيات الكتاب التي تحتوي على بعض العقائد النظرية ~~والمسلم بها على أنها مقدسة، ولكنها تتجاوز حدود ~~العقل، يمكن تفسيرها ms084 بالعقل. أما تلك التي تتضمن ~~قضايا ضد العقل العملي، فإنه يجب تأويلها، وهو ما قاله ~~علماء أصول الفقه من قبل، وهو أن الخبر المتواتر يعطي ~~اليقين، نظرا وعملا، في حين أن خبر الواحد يكون ~~ظنيا في النظر، ولكن يقينيا في العمل. ويضرب كانط ~~على هذا المبدأ مثلين؛ الأول: عقيدة التثليث؛ فهي من ~~الناحية الحرفية لا شأن لها بالحياة العملية، على عكس ~~أوغسطين الذي يرى أن التثليث كائن في كل خلجة من ~~خلجات النفس الإنسانية، وفي كل مظهر من مظاهر الطبيعة. ~~فالتثليث النظري لا يهم عند كانط، إنما المهم هو ~~آثاره في الأخلاق العملية. وكذلك عقيدة التجسد التي ~~تجمع بين الله والإنسان وتضعهما معا في التاريخ؛ إذ ~~ليس من أثر لهذه الحقيقة في الحياة العملية. فسواء ~~أكانت المادة روحا أم كانت الروح مادة، فلا أثر لذلك ~~في الحياة العملية، على عكس ما قاله أوغسطين في آثار ~~ذلك على الأخلاق والعيش روحيا في العالم المادي أو ~~ماديا في العالم الروحي. ويهاجم كانط ما قاله ~~الحواري بولس من أنه إذا لم يبعث المسيح فإن بعثنا ~~يكون على غير أساس لأنه أقام حقيقة عملية خلقية على ظن ~~نظري وهو واقعة بعث المسيح. وكذلك يقال الشيء نفسه في ~~العشاء الرباني، فسواء أحدث تاريخيا أم لم يحدث، ~~فإنه يعني الوداع، وداع المعلم التلاميذ. والموت ~~والجرح على الصليب لا يهم، إذا كان قد حدث تاريخيا ~~أو لم يحدث، فذلك يعني فشل المشروع. ولماذا الدخول في ~~مناقشات حول صحة الروايات التاريخية مع أن العقل ~~يكفينا، بإعطائنا اليقين العملي؟ وهنا يبدو أن كانط ~~كان مؤسس هذا النقد الخلقي والفلسفي والروحي للكتاب ~~المقدس، والذي سارت فيه البروتستانتية الخلقية، ~~والكاثوليكية فيما بعد، دون أن يعطي اهتماما، كما ~~فعل اسبينوزا من قبل، لنقد النصوص اعتمادا على العقل. ~~ويضرب كانط مثلا ثانيا بآيات الكتاب التي تعارض ~~تصورنا العقلاني لله ولإرادته؛ فقد اتفق اللاهوتيون ~~على ضرورة فهم التشبيه بما يتفق ومقتضيات التنزيه، ~~فالعقل هو المفسر الأعظم. كما أن عقيدة بولس في ~~القضاء المسبق تمثل ms085 رأيه الخاص الذي لا يتفق مع ~~العقل لأنه ضد الحرية واختيار الأفعال والمسئولية ~~والأخلاق. ~~(2) # إن الإيمان بالعقائد النصية التي يوحى بها يكون ~~إيمانا صحيحا إذا عرفنا أنها لا تحتوي على أية قيمة ~~نظرية في ذاتها، وأن غيابها أو الشك فيها ليس عيبا ~~ولا نقصا لأن الدين هو ما وقر في القلب وصدقه ~~العمل. والعمل هو الذي يهم، وليس النظر. ويكون مقياس ~~صحة العقائد النصية، هو مدى اتفاقها أو اختلافها مع ~~العمل. ليست العقيدة هي الإيمان بل العمل؛ إذ إن ~~الإيمان النظري لا يمكن البرهنة عليه مثل العماد، في ~~حين أن الإيمان العملي ظاهر للعيان في سلوك الأفراد. ~~إن العقائد تهم الكنيسة وحدها ونظامها وسلطتها؛ فهي ~~تعيش عليها وتتعيش منها، ولكنها لا تهم الإيمان ~~الباطني واليقين الخلقي. ويبدو أن كانط ينزع هنا نزعة ~~صوفية خالصة، تحيل الدين إلى مجرد أخلاق عملية، هروبا ~~من العقائد النظرية الظنية. ~~(3) # إن العمل يكون نتيجة لاستعمال الإنسان الخاص قواه ~~الخلقية، وليس نتيجة علة فاعلة خارجية علوية، يقف ~~الإنسان أمامها موقفا سلبيا عاجزا؛ لذلك يجب تأويل ~~النصوص التي توحي بهذه العلة، بحيث تتفق مع المبدأ ~~الأول. ويبدو كانط هنا مدافعا عن حرية الاختيار ضد ~~الجبر في الأفعال، مبرزا إرادة الإنسان ومسئوليته ~~الخلقية، في مقابل وضعه السلبي في اللاهوت، بين خطيئة ~~آدم وخلاص المسيح، فلا هو يتحمل وزر آدم الذي تاب ~~الله عليه، ولا هو خلص نفسه بنفسه. ~~(4) # عندما لا يكفي السلوك الشخصي لتبرير الإنسان أمام ~~ضميره، يسمح للعقل بأن يعترف بحدوده، وبأنه في حاجة ~~إلى شيء مكمل يأتيه من فوق الطبيعة، لإكمال نقصه؛ ~~وبالتالي يجب تفسير النصوص الخاصة بذلك، والمتعلقة ~~بشعب معين على هذا الأساس. ويبدو أن كانط هنا يشير ~~إلى عقيدة الاختيار في العقائد اليهودية، ويحاول ~~تفسيرها، بحيث تتفق مع مبادئ العقل، وهو طلب العون ~~بقرار من العقل، ولكن حتى هذا التفسير لا يبدو متفقا ~~مع فلسفة كانط العقلية الصارمة لأنه يعترف بإمكانية ~~عجز العقل، وبأن له حدودا، وبأن وراءه قوة أخرى ~~قادرة على تجاوز هذه ms086 الحدود، وهو الموقف اللاهوتي ~~التقليدي الذي يرفضه كانط. فإذا كانت المبادئ الثلاثة ~~الأولى تمثل خطوات إلى الأمام، فإن هذا المبدأ الرابع ~~يمثل خطوة إلى الخلف، بالنسبة لفلسفة كانط، وإن كانت ~~تمثل خطوة إلى الأمام بالنسبة لفهم عقيدة الاختيار في ~~اليهودية. فإذا ما اعترض اللاهوتي الكتابي على هذه ~~المبادئ الأربعة قائلا بأنها تشير إلى دين الطبيعة، ~~وليس إلى المسيحية، أمكن الرد عليه بسهولة بأن ~~المسيحية هي دين الطبيعة والعقل، كما لاحظ لسنج من ~~قبل، حتى ولو كان مصدرها من خارج الطبيعة. # ونظرا لأهمية الاعتراضات التي يمكن أن توجه لمبادئ كانط ~~الفلسفية في التفسير لحل موضوع الصراع، فإنه يورد نوعين من ~~الاعتراضات؛ اعتراض اللاهوتي النصي الكتابي، واعتراض العقل ضد نفسه ~~وضد التفسير العقلي للكتاب. يوجه اللاهوتي الكتابي اعتراضين؛ ~~الأول: أن هذه أحكام كلية الفلسفة التي لا يجب أن تدخل في ميدان ~~اللاهوت النصي. ويمكن الرد على ذلك بأن إيمان الكنيسة في حاجة إلى ~~علم تاريخي، أما الإيمان الديني الباطني فإنه يحتاج إلى العقل ~~وحده . فتفسير الأول كحامل للثاني يتم بمقتضى العقل. فيكون الأول ~~وسيلة، والثاني غاية، وليس هناك من هو أعلى من العقل بشأن الخلاف ~~حول الحقيقة. لا خطر إذن على اللاهوت من الفلسفة، بل إنه لشرف له ~~حل الخلافات بين اللاهوتيين النصيين. وعلى أي حال، في الوقت الذي ~~يتوقف فيه اللاهوت عن استخدام الفلسفة تتوقف الفلسفة عن ~~التدخل في اللاهوت؛ والاعتراض الثاني: أن هذه المبادئ الفلسفية ~~العامة في التفسير مجرد تفسيرات رمزية صوفية، وليست نصية أو ~~فلسفية. وهذا غير صحيح في رأي كانط لأن التفسير النصي هو التفسير ~~الرمزي الذي يأخذ العهد القديم باعتباره مجرد حكاية رمزية # AIIégorie ~~. أما التفسير ~~الخلقي، فإنه يستبعد التفسير الصوفي لأن الأحلام والرؤى تأتي من ~~خارج الطبيعة، في حين أن الأخلاق تعتمد على العقل، أي على ~~الطبيعة. # أما النوع الثاني من الاعتراضات التي يوجهها العقل ضد نفسه في ~~محاولته تفسير الكتاب تفسيرا عقليا، فإن كانط يذكر منها أربعة، ~~وهي: ~~(1) # إن الوحي يفسر بذاته، وليس بالعقل، لأن ms087 أساس هذه ~~المعرفة ليس عقليا. ويرد كانط على هذا الاعتراض بأنه ~~لذلك السبب بعينه لا بد من استعمال العقل؛ لأن الوحي ~~لا يتأسس في التاريخ أو في التجربة بل في ~~العقل. ~~(2) # لما كان النظر يسبق العمل، وكان الوحي متضمنا ~~الإرادة الإلهية، فإن البداية بالعقل، أي النظر في ~~موضوع الإرادة أي العمل خطأ وشك في الإرادة. وفي رأي ~~كانط إن هذا الاعتراض صحيح فيما يتعلق بإيمان الكنيسة ~~ولكن ليس فيما يتعلق بالإيمان الديني الذي يقوم على ~~الاعتقاد بالحقيقة. ~~(3) # كيف يمكن أن يقال للميت: «قم وسر» إن لم يصاحب ~~هذا القول، إذا تحقق، قوة خارقة للعادة، لا شأن للعقل ~~بها؟ ويرى كانط أن هذا النداء موجه أيضا للعقل. ويشير ~~إلى المبدأ الترنسندنتالي للحياة الخلقية، أي إمكانية ~~الحياة الخلقية بفعل الإرادة. ويبدو أن كانط هنا ~~يستعمل مصطلحه الشهير لتبرير وقوع المعجزات. ~~(4) # إن الإيمان بوسيلة مجهولة يتعلق بها مصيرنا يقوم ~~على علة نعترف بها مجانا، إشباعا لحاجة نشعر بها، ~~ولا دخل للعقل في ذلك. ويعترف كانط بصحة ذلك، ولكن من ~~الأفضل تأسيسه على فكرة قبلية على الأقل من الناحية ~~العملية. # ويعود كانط من جديد إلى موضوع وحدة الدين وتعدد الفرق ~~والمذاهب والنحل والملل. ليس هناك إلا دين واحد، أما الفرق ~~فتنشأ من إيمان الكنيسة، وتقوم على التراث والكتاب. ولا يهم ~~الإحصاء التاريخي للفرق، مثل: اليهودية، والمسيانية، والمسيحية ~~الشعبية، والمسيحية الخاصة، بل قسمتها قبليا. ويكون مبدأ ~~القسمة حينئذ إما الدين وإما الخرافة أو الوثنية. وهو مبدأ عقلي ~~مثل «ألف» تعارض «لا ألف». والذين يعتقدون بالمبدأ الأول هم ~~المؤمنون، والذين يعتقدون بالمبدأ الثاني هم الكافرون. الإيمان هو ~~وضع الأخلاق والتقوى في الدين، والكفر إخراجهما منه لأنه لا يعترف ~~بوجود كائن ترنسندنتالي خلقي، أي لا يعترف بالأخلاق ذاتها. كل ~~إيمان مرتبط إذن قبليا بالأخلاق، وهو الإيمان الباطني، وإن لم ~~يرتبط، فإنه يكون الإيمان كما تصفه الكنيسة؛ وبالتالي يكون وصف ~~الكنيسة بأنها شاملة تناقضا لأن الشمول يتضمن الضرورة، وهما صفتان ~~للعقل؛ وبالتالي صفتان للإيمان الباطني. إن كل إيمان ms088 كنسي يطرح ~~عقائد منظمة على أنها عقائد دينية، يحتوي على قدر من الوثنية، أي ~~وضع العرضي في الجوهري. والذين يقومون على هذا الإيمان هم رجال ~~الدين. وربما تحول إيمان البروتستانت أيضا إلى هذا الإيمان. ~~وهنا يبدو كانط مصلحا للبروتستانتية أيضا محذرا إياها من ~~الوقوع في الإيمان العقائدي، بعد أن كانوا مؤسسي الإيمان الباطني. ~~تنشأ الفرق الدينية أو الطائفية من سلطة الإيمان الكنسي على ~~الإيمان الباطني، فيتفرق الناس شيعا ومذاهب، ويتركون الإيمان ~~الباطني الذي يقوم على العقل والضمير. وتكون النتيجة الفتنة ~~والفرقة والتمرد والعصيان، ليس ضد المضمون بل ضد الشكل. وكلما قوي ~~التسلط كثر التعدد والتفرق، فتنشأ فرق أخرى علنية أو سرية مع ~~الدولة أو ضدها، أو تظهر وسائط أبعد ما تكون عن الدين ومصلحة ~~المجتمع، مثل مشايخ الطرق والأنبياء الكذبة؛ ومن ثم الابتعاد عن ~~الأخلاق، والدين الباطني. الفرق هي السبب في وجود ديانات متعددة ~~في الدولة، كما أن الإيمان الكنسي هو السبب في وجود هذه الفرق. ~~وترك هذه الفرق والديانات للشعب دليل على حرية الضمير والاختيار ~~الحر. وهذا ثناء على الحكومة التي تسمح للشعب بمثل هذه الحرية وهذا ~~الاختيار، ولكن ذلك مضر بالدين؛ لأنه خال من الوحدة والشمول. ~~ولماذا يكون هناك خلاف على الوسائل دون الاتفاق على الغاية، وخلاف ~~على الصورة دون الاتفاق على المضمون؟ إن وحدة الدين ممكنة إذا ~~أخذنا في الاعتبار الغاية والجوهر والمضمون بين الطوائف والفرق ~~الدينية المختلفة، وتركنا الوسيلة والصورة والعرض. ويمكن لليهود ~~أيضا أن يجدوا وحدة الدين لو تركوا كل أشكال الدين السحري القديم، ~~تركوا «الملابس بلا إنسان»، وأخذوا «الإنسان بلا ملابس»، أي تركوا ~~«الكنيسة بلا دين»، وأخذوا «الدين بلا كنيسة». بل يستطيع اليهودي ~~أن يؤمن بالمسيحية، ويؤول التوراة والإنجيل، ويفرق بين المسيح ~~اليهودي وهو يخاطب اليهود والمسيح الذي يخاطب البشر جميعا، ~~كمعلم للأخلاق. ويبدو كانط هنا مبشرا بالمسيحية الخلقية لدى ~~الطوائف الأخرى، وفي مقدمتهم الطائفة اليهودية. # وتأييدا لهذا التصور وهو «وحدة الدين باعتباره غاية في قلب كل ~~إنسان»، يصوغ كانط القضية من جديد في ms089 صورة عرض المشكلة، وإيراد ~~الحل، ثم ذكر البرهان من داخل البروتستانتية وحدها، وبوجه خاص مذهب ~~التقوى أو القنوط الذي نشأ فيه كانط. فالمشكلة التي وضعها ~~شبنر # Spener ~~(1635-1705م) هي ~~أن الوعظ الديني يجب أن يحولنا إلى آخرين، وليس فقط إلى ذوات ~~أفضل. وقد عارضت الأرثوذكسية هذا الرأي بالرغم من أنه يعبر عن ~~مشكلة قائمة بالفعل، أي قدرة الإيمان الباطني على أن يحولنا إلى ~~الآخر، وليس فقط على تحسين الذات. وهناك حل صوفي لهذه المشكلة يأتي ~~من خارج الطبيعة الحسية. ثم يظهر في العاطفة الإنسانية بطريقين؛ ~~عصر القلب، أو كما يقول صوفيتنا القدماء «القبض»، أو انفراج ~~القلب، أو «البسط». الأول للتخلص من الشر والثاني للتمتع ~~بالخير؛ لذلك ظهرت في البروتستانتية فرقتان؛ «مذهب التقوى» عند ~~شبنر وفرانكه # Franke ~~(1633-1727م)؛ و«المورافية» عند زنزندورف # Zinzendorf ~~(1700-1760م). يرى الأول أن التمييز ~~بين الخير والشر والخلاص من الشر يتم بقوة تأتي من خارج ~~الطبيعة، وأن التحول من الشر إلى الخير يتم بمعجزة تحدث في ~~الصلاة الحية، أو في انفعالات الحزن والخوف، كما كان الحال عند ~~هامان (أشهر ساحر في شمال ألمانيا). ويرى الثاني أن الخلاص من الشر ~~يتم عن طريق وعي الإنسان بخطئه، واتجاهه نحو الكمال، ومعرفة ذلك ~~بالعقل. وتكون وظيفة القانون الخلقي في هذه الحالة أن يعكس له ~~نقصه، ويؤهله للخير. فإذا ما تحقق ذلك تكون المعجزة قد تحققت. ~~وكلا المذهبين اتجاه صوفي فردي روحي يعتمد على الشروط الذاتية ~~والفضل الإلهي؛ الأول في صراعه الرهيب مع الشر، والثاني باستلهامه ~~روح الخير. أما كانط فإنه يقوم في النهاية بعرض برهانه الذي يقوم ~~على استبعاد كل ما يأتي من خارج الطبيعة، وكأن ما يأتي من ~~التجربة والعاطفة والأحلام، لأن فكرة الله لا توجد إلا في العقل. ~~إنما البرهان الوحيد هو الإنسان، ممثل الإنسانية، الجدير بعدم الشك ~~في إنسانيته، ووعيه بأنه خاضع للقوانين الخلقية المؤسسة في العقل ~~لأن طاعة هذه القوانين مطابقة للنظام الطبيعي وللعقل الخالص. ~~فالبرهان هو ما ينبغي أن يكون، وليس ما يأتي من خارج الطبيعة ms090 ~~الحسية، هو الاستعداد الخلقي الداخلي للإنسان والذي لا يفصله عن ~~إنسانيته، ويكون موطن الإعجاب فيه. وعلى هذا النحو يتجاوز كانط ~~العيبين الرئيسين: الأرثوذكسية بلا روح، والتصوف القاتل. إنما ~~البرهان الوحيد هو الإيمان الذي يقوم على النقد والعقل العملي، وهو ~~القار في قلوب البشر، والدافع لهم نحو الكمال، والمنظم للكنيسة ~~الشاملة غير المرئية. وليس من خطورة في استعمال الحكومة لمثل هذا ~~الإيمان، كما تفعل مع الإيمان الكنسي لأن الإيمان الباطني لا ~~يتحول إلى إيمان كنسي بل مجرد حالة فردية لا يمكن للحكومة أن ~~تضع يدها عليها، وتفتش في ضمائر الناس. # ويختتم كانط الجزء الأول من كتابه لبيان كيفية حل الصراع بين ~~كلية الفلسفة وكلية اللاهوت حتى يعود السلام والوئام بينهما عن ~~طريق تقسيم العمل. ففيما يتعلق بمسائل العقل العملي النظري تكون ~~مهمة كلية الفلسفة الشكل، ومهمة كلية اللاهوت المضمون أو المادة. ~~ليست مهمة كلية اللاهوت الإيمان العقلي الذي يمكن معرفته ~~قبليا، ولكن الأحكام القانونية المستمدة من كتاب أو طبقا ~~لميثاق قديم أو جديد بين الله والإنسان. وذلك عمل فقهاء القانون، ~~وليس عمل عقل العلمانيين. الإيمان النقلي إيمان مشياني # Messianic ~~(مخلصي) تاريخي، مؤسس في ~~كتاب على الميثاق بين الله وإبراهيم، إيمان بكنيسة ميشيانية، أو ~~موسوية، أو إنجليلية، ابتداء من تاريخ الكون في سفر التكوين حتى ~~نهاية العالم، كما تعرضه رؤيا يوحنا، ولكن نظرا لوجود اضطراب ~~زماني في الكتاب يحدث شك في الصحة التاريخية للنصوص. فالكتاب يعبر ~~عن إرادة إلهية كما تصفها أحكام الشريعة؛ وبالتالي يكون أسرع وسيلة ~~لإعطاء الإنسان السعادة، بشرط صحة النصوص، ولكن أمام ذلك عدة ~~صعوبات، فمثلا: إذا كان الله قد تحدث في الكتاب، كيف يتحقق ~~الإنسان من أن الذي تحدث في الكتاب هو الله، بالرغم من عدم وجود ~~برهان حسي على ذلك؟ إن الإنسان على يقين أنه إذا ما عارضت أحكام ~~الكتاب قوانين الأخلاق فإن ما يقال عنه إنه حديث من عند الله ~~يكون حديثا مزيفا ليس من عند الله. شرعية الكتاب لا تأتي إذن من ~~تعاليم فقهاء الشريعة ms091 بل من اتفاقه مع الأخلاق. إن وظيفة دين ~~الكتاب هي السيطرة على الشعب، كما تفعل الحكومة تماما؛ وبالتالي ~~تكون إقامة الأخلاق على الكتاب دافعا على الشك فيها، ولكن الكتاب ~~نفسه يحتوي على برهان الألوهية أي الخلقية، نظرا للأثر الطيب الذي ~~يحدثه في حياة الناس. أما الحقيقة النظرية، فإنها تتأسس على ~~المعرفة التاريخية. وعلى هذا لا بد من أخذ الكتاب، وكأنه وحي من ~~عند الله. ولا بد أن يقول لنا المفسر: هل حكمه على الكتاب حكم ~~صحيح أم حكم عقائدي؟ الحكم الأول لا بد أن يكون متفقا مع النص، ~~أما الحكم الثاني فهدفه التربية الروحية والخلقية لأن الإيمان ~~بمجرد قضية تاريخية إيمان ميت. الحكم الأول هدفه علمي خالص، بينما ~~الحكم الثاني هدفه تربوي شعبي. الأول من حق أساتذة اللاهوت، ولكن ~~الثاني من حق أساتذة الفلسفة وحدهم حين يضعون الحكم الأول تحت مجهر ~~العقل والنقد. # ثم يشفع كانط هذه الخاتمة لتحقيق الوئام والسلام بين ~~الكليتين المتنازعتين بملحقين؛ الأول عن بعض المسائل ~~النقلية التاريخية تتعلق بالاستعمال العملي للكتاب المقدس، ووقت ~~ظهوره في التاريخ، وهي مشكلة الصحة التاريخية التي يحلها كانط ~~بالصحة الخلقية؛ والثاني عن التصوف الخالص في الدين، وفيه يبين ~~كانط وضع الإنسان في العالم وما يتمتع به من عقل وحرية. ويذكر ~~كانط من هذه المسائل النقلية التاريخية: إذا كانت الحكومة هي وسيلة ~~الربط بين الكنيسة والشعب، ماذا يفعل الإيمان الكنسي، إذا لم يجد ~~الحكومة وراءه تدعمه؟ من مؤلف الكتاب؟ وفي أي عصر تم تأليفه؟ هل ~~نعلم قواعد اللغة القديمة لكي نفهم الكتاب ونحسن تفسيره؟ هل لدينا ~~وثائق صحيحة؟ هل نعلم شيئا عن السبعينية (ترجمة التوراة العبرية ~~إلى اللغة اليونانية في الإسكندرية على يد سبعين عالما)؟ ولا يجد ~~كانط أي إجابة على هذه الأسئلة العلمية، كما يجد اسبينوزا، ولكنه ~~يجد إجابات خلقية. فمهمة الكتاب التربية الخلقية والروحية. فإذا ~~ما حدث تعارض بينهما، فلا بد للكتاب من أن يتنحى لصالح الحقائق ~~الخلقية لأن الظن لا يغني من الحق شيئا. فالكتاب ظن والأخلاق ~~يقين، والتفسير ms092 بالسياق أفضل من التفسير الحرفي لأنه يعتمد على ~~العقل وعلى حقائق العقل الثابتة، كما يعتمد على قوانين الأخلاق ~~الشاملة. إن الهدف من قراءة النصوص ليس معرفة معانيها الحرفية ولكن ~~تحسين الأخلاق. فالموعظة تخرج المعنى من قلوب المستمعين، وليس من ~~الحروف والألفاظ. إن شهادات الإنجيل ليست وثائق تاريخية صحيحة بل ~~مبادئ عملية للعقل فيما يتعلق بالتاريخ المقدس، وهذا أفيد للشعب ~~وللدولة من التفسير الحرفي للنصوص. # وفي الملحق الأخير يتحدث كانط عن التصوف الخالص في الدين، وهو ~~في حقيقة الأمر ليس تصوفا، بل فلسفة كانط الخلقية التي هي عرض ~~لمذهب القنوط على مستوى العقل. فالفلسفة عند كانط هي فلسفة تمثل ~~الإنسان؛ تصوراته وعقله وحريته. وهذا هو معنى «نقد العقل ~~الخالص»، عكس الفلسفة القديمة التي جعلت الإنسان سالبا. وكأن كانط ~~هنا يلخص فلسفته كلها في «الثورة الكوبرنيقية» التي يكون فيها ~~الإنسان مركز العالم، ويكون كانط بعد ديكارت في «الأنا أفكر»، ~~مؤسس الأنثروبولوجيا في بداية العصور الحديثة، في مقابل الثيولوجيا ~~التي كانت سائدة في العصر الوسيط. الإنسان عند كانط عنصر إيجابي ~~نشط يخلق العالم بتصوراته. الإنسان هو ما يكون وما ينبغي أن ~~يكون؛ الأول من خلال الحس والذهن، والثاني من خلال العقل. الإنسان ~~بلا عقل أو إرادة يكون كالحيوان، ويعني العقل والإرادة في الإنسان ~~شيئا واحدا؛ الحرية. إن لم يعمل الحس والذهن في الموضوعات ~~الخارجية، يعمل العقل والإرادة الحرة في الأخلاق، الأول مرتبط ~~بالجسد، والثاني بالروح. وينتهي كانط من كل ذلك إلى أن الأخلاق هي ~~البرهان الوحيد على وجود الله. فمن فكرة الله النظرية تنشأ فكرة ~~الله العملية كمشرع للأخلاق شامل لكل واجباتنا. ملكوت الله هو ~~ملكوت الأخلاق، وهذا هو الدين الحق. ولا غرابة أن يقول الصوفية ~~الشيء نفسه، وهم الذين يسمون «المنعزلين»؛ فالدين لديهم إيمان ~~باطني بلا عقائد أو طقوس أو أشكال، بل مجرد إيمان قلبي لا يقوم على ~~كتاب أو كنيسة. وهم الكانطيون حقا؛ منهم التجار، والعلماء، ~~والعمال، والفلاحون، ولكن ليس من بينهم اللاهوتيون. وهم مثل طائفة ~~الكويكرز # Quakers # الذين ~~يؤمنون بالله ms093 إيمانا قلبيا خالصا. وهنا يبين كانط بصراحة ~~موقفه الخلقي الصوفي الباطني في مواجهة اللاهوتي الكتابي الكنسي. # 1 # | رابعا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الحقوق # وفي القسم الثاني يتناول كانط موضوع الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الحقوق. وأول ما يتبادر إلى الذهن، كما هو الحال في الصراع ~~الأول بين كلية الفلسفة وكلية اللاهوت، أنه صراع حول حق الفلسفة في ~~فحص التشريعات والنظم والقوانين، وبيان ما إذا كانت تعبر عن ~~القانون الطبيعي والحق الطبيعي وإرادة الشعب أم أنها تعبر عن ~~إرادة الحاكم وهواه. ولكن كانط يتناول في هذا القسم موضوعا لا ~~يتبادر إلى الأذهان، وهو موضوع «التقدم»، تقدم النوع الإنساني، ~~وكأن الصراع يدور حول فلسفة التاريخ. فكلية الفلسفة تؤيد التقدم ~~الإنساني، وتدفعه خطوات إلى الأمام، في حين أن كلية الحقوق تثبت ~~أوضاع النظام القائم، وتدافع عن النظم والتشريعات والقوانين في ~~الدولة؛ وبالتالي كان هذا الجزء أقرب إلى ما قاله كانط في رسائله ~~عن فلسفة التاريخ، على طريقة هردر ولسنج. # يطرح كانط في هذا القسم كله المسألة من جديد: جعل النوع الإنساني ~~يسير في تقدم مستمر نحو الأفضل وهي المسألة التي طرحها المعتزلة ~~من قبل وكان بينهم وبين الأشاعرة خلاف عليه، وهو موضوع «الصلاح ~~والأصلح» الذي تؤكده المعتزلة، وتنفيه الأشاعرة. وهو السؤال نفسه ~~الذي طرحه ليبنتز قبل كانط في موضوع «أفضل العوالم الممكنة»، والذي ~~طرحه كانط نفسه في «مقدمة لكل ميتافيزيقا مستقبلة تريد أن تصير ~~علما»، إجابة على سؤال: «ماذا آمل؟» ويجيب كانط هذه المرة بفقرات ~~صغيرة عشرة في صيغة أسئلة أو أجوبة، مما يدل على أن الصراع في ذهنه ~~لم يكن بالوضوح نفسه الذي كان للصراع السابق، فيتساءل ~~كانط: ~~(1) # ماذا نريد أن نعرف؟ وهو سؤال ليس في نظرية المعرفة، ~~بل في تاريخ الإنسانية. ليس عن الماضي، بل عن ~~المستقبل، كما يفعل العراف أو النبي. وهو سؤال طبيعي ~~لا يحتاج إلى أي عون من خارج الطبيعة. كما أنه سؤال عن ~~التاريخ الخلقي للإنسان، وليس عن التاريخ الطبيعي. وهو ~~سؤال أيضا عن كل البشر ms094 مجتمعات وشعوبا، وليس عن ~~النوع الإنساني المجرد. وعلى هذا النحو يحدد كانط ~~منطلق السؤال: مستقبل تاريخ الإنسانية الطبيعي ~~الخلقي. ~~(2) # كيف نستطيع معرفته؟ يمكن معرفة هذا التاريخ كما ~~حدد كانط منطلقاته كرواية تتنبأ بالحوادث ~~المستقبلة قبليا أي قبل وقوعها؛ وبالتالي يتساءل ~~كانط؛ هل يمكن تصور تاريخ قبلي، أي حوادث تقع على ~~نحو قبلي؟ وهو السؤال الأول نفسه في الفلسفة ~~الترنسندنتالية: كيف تكون الأحكام التركيبية القبلية ~~ممكنة؟ لقد تنبأ أنبياء بني إسرائيل بانهيار الدولة ~~قبل وقوعها، نظرا لعناد إسرائيل وعصيانها. التنبؤ إذن ~~بحوادث التاريخ قبل وقوعها ممكن. كذلك يتنبأ رجال ~~الدين بانحطاط المسيحية قبل بدئه، ولا يفعلون شيئا ~~لإيقاف هذا الانحطاط، بل إنهم يساهمون فيه بتركهم ~~الأساس الخلقي للدين. يضع كانط إذن مسئولية مسار ~~التاريخ على أكتاف من يتنبئون به، فالقادر على ~~المعرفة يكون بالضرورة قادرا على السلوك. ~~(3) # إن تصور ما ترغب في معرفته بالنسبة للمستقبل ينقسم ~~إلى ثلاثة احتمالات؛ الأول: نكوص النوع الإنساني ~~وتطوره إلى الخلف نحو الأسوأ؛ الثاني: تطور النوع ~~الإنساني وتقدمه نحو الأفضل؛ الثالث: بقاء النوع ~~الإنساني في وضعه ثابتا لا يتحرك أو يتحرك في ~~المكان. وكأن كانط يتحدث عن اليمين واليسار والوسط، ~~وهو لا يتحرج من استعمال هذه الألفاظ أو الإشارة إلى ~~عنصر التقدم على أنه يسار. الأول هو «الإرهاب» الخلقي، ~~نظرا لتواري الأخلاق أمام قوى الشر، والثاني السعادة ~~الخلقية نظرا لأنها تقدم التفاؤل والاطمئنان والثقة ~~بالنفس وبالمستقبل، والثالث الوقوف في المكان، وتساوي ~~أطراف الحركة وعناصر الجذب. الأول لا يستمر؛ لأن ~~الإنسان يحلم بعالم أفضل متجدد، يعبر فيه عن رغبته في ~~الكمال واتجاهه نحوه. والثاني لا يستمر إلى الأبد؛ لأن ~~التقدم مرتبط بالواقع وشروط المجتمع، وإلا وقعنا في ~~أحلام الأنبياء والمدن الفاضلة عند الفلاسفة. والثالث ~~تساوي الخير والشر والوقوف في المكان، وهو مستحيل ~~واقعا؛ لأن الإنسانية في حركة ونشاط دائبين، ولا ~~تتوقف أبدا في المكان، فهي إما إلى الوراء راجعة أو ~~إلى الأمام ذاهبة. ~~(4) # لا يمكن حل مشكلة التقدم بالتجربة لأن البشر ~~أحرار. ولا يمكن التنبؤ بسلوكهم؛ وبالتالي ms095 يستحيل ~~معرفة مسار التقدم في اتجاهاته الثلاثة، بالتجربة ~~وحدها. الله وحده يعلم، وعنايته على بصيرة. ومع ذلك ~~فإرادة الإنسان الخيرة تجعله قادرا على معرفة مساره ~~نحو الأفضل، وهي فكرة قبلية في الذهن، وكأن التقدم ~~عند كانط مثل المقولات والصور والأفكار يقينية صرفة، ~~تنبع من طبيعة العقل؛ وبالتالي يخرج عن دائرة الشك ~~والظن والاحتمال. ~~(5) # ومع ذلك لا بد من ربط تاريخ النوع الإنساني في ~~المستقبل بتجربة ما، إلى أن يمتلك التقدم كتصور ~~قبلي في الذهن، أو كفكرة في العقل. ليست هذه التجربة ~~هي السبب المباشر لتقدم النوع الإنساني في المستقبل، ~~بل مجرد علاقة تاريخية بين التقدم والتاريخ، تشير إلى ~~اتجاه الإنسانية، وأنه ليس اتجاها فرديا، بل ~~جماعيا، ليس اتجاه أشخاص بل اتجاه دول وشعوب؛ لذلك ~~ظهرت أهمية الثورات والانتفاضات والأبطال والحوادث ~~العظام مثل الكوارث والحروب. ~~(6) # وهناك حادثة من هذا النوع في هذا العصر تثبت هذا ~~الاتجاه الخلقي للإنسانية، لا تنتمي إلى جنس الأفعال ~~الشريرة أو الأعمال السحرية، بل تدخل ضمن الثورات ~~العامة والشاملة المنزهة عن الغرض والهوى، والتي ~~قامت على دافع خلقي للتقدم نحو الأفضل، ألا وهي ~~الثورة الفرنسية. لا يهم نجاحها أو فشلها، بل تعاطف ~~الناس معها. تقوم الثورات إذن على دوافع خلقية هي ~~الأسباب الحقيقية للثورة، وأهمها اثنان؛ الأول: حق ~~الشعب في اختيار دستوره الخاص ونظامه السياسي؛ ~~والثاني: مطابقة دستور الشعب مع حقه في أن يعيش حياة ~~خلقية، حياة الخير؛ وبالتالي عدم دخوله في حروب ~~عدوانية، وأن يعيش في سلام. وعلى هذا النحو يحدث ~~التقدم سلبيا، أي بتهيئة الظروف له، ودفع أسباب ~~التأخر والدمار، وكلاهما واقعان خلقيان، يعبران عن ~~حماس الشعب للمثل الأعلى، وهو التقدم الخلقي، وفكرة ~~الحق، وفكرة النبل والشرف والعظمة. ~~(7) # إن مستقبل الإنسانية لا يكون بالضرورة في الثورة، ~~ولكنه قد يكون أيضا في التطور في الدفاع عن الدستور ~~الذي يقوم على الحق الطبيعي والتمسك به أو السعي ~~إليه، وهو الدستور الجمهوري. التطور إذن، بطبيعته، ~~يسير نحو الأفضل. والثورة إن هي إلا تطور فجائي، بعد ~~أن يتم إيقاف ms096 التطور الطبيعي بفعل السلطة الحاكمة. ~~والفشل لا يعني عدم وجود الثورة، بل يعني تراكم التطور ~~ونضجه حتى يتحول إلى تجربة ثورية ثانية. والفشل الذي ~~قد يصيب الثورة في الحاضر هو أحد عوامل نجاحها في ~~المستقبل. ~~(8) # ويرتبط التقدم نحو الأفضل بمدى انتشار التنوير ~~وذيوعه وتجاوز العقبات أمام هذا الانتشار. وتنوير ~~الشعب إنما يتم بمعرفته بحقوقه وواجباته بالنسبة ~~للدولة. والذين يقومون بهذه المهمة ليسوا هم موظفو ~~الدولة في الكليات العليا، بل الفلاسفة ناشرو الأنوار؛ ~~لذلك ينظر إليهم على أنهم خطرون على الدولة، مع أن ~~صوتهم مألوف من الشعب، وموضع تقدير واحترام من ~~الدولة. إن منع النشر، والرقابة على انتشار الأفكار، ~~يمنعان الشعب من التقدم نحو الأفضل، حتى في أبسط ~~الأمور، مثل: الحق الطبيعي، وضرورة اتفاق الدستور مع ~~الحق الطبيعي. والمثال على ذلك: الملكية المقيدة في ~~إنكلترا، ومسئولية الوزراء أمام المجلس النيابي، ~~والدستور الجمهوري وإقرار السلام. ~~(9) # إن المكسب الذي يحصل عليه النوع الإنساني من التقدم ~~نحو الأفضل ليس زيادة كمية في إخلاص النية والقصد، أي ~~زيادة النيات الطيبة، بل زيادة آثارها المشروعة في ~~الأفعال طبقا للواجب، أي زيادة الأفعال الخيرة للبشر، ~~وذلك في صورة عنف أقل وليونة أكثر مع القانون وسيادة ~~قيم الشرف والوفاء. ~~(10) # ويمكن التقدم نحو الأفضل في نظام يقوم على تغيير ما ~~هو كائن من أعلى إلى أدنى، وليس من أدنى إلى أعلى، أي ~~بوضع مناهج لتربية الشباب تحت إشراف الأسرة، ووضع ~~مناهج للتعليم في جميع مراحله من المدارس الدنيا إلى ~~المدارس العليا، طبقا لثقافة عقلية وخلقية، يغذيها ~~التعليم الديني من أجل خلق المواطن الصالح، وكل ذلك ~~على نفقة الدولة، بدل صرف مواردها على إشعال الحروب. ~~يدافع كانط عن مجانية التعليم، وعن ضرورة التربية ~~الخلقية والدينية. ويختم كانط حديثه عن هذا القسم ~~الثاني بتأكيده على أن التقدم نحو الأفضل لا يميت بل ~~يحيي، ويدين الحروب التي تدمر الطرفين، ويكون كلاهما ~~خاسرا، ويستعمل كانط تشبيه شخصين يتضاربان ~~بالنبابيت بدل الأواني الفخارية. # 1 # | خامسا: الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الطب # في القسم الثالث ms097 والأخير يتناول موضوع الصراع بين كلية الفلسفة ~~وكلية الطب، فيعالج فيه القضية المشهورة؛ علاقة النفس بالبدن، ~~وضرورة سيطرة الأولى على الثاني، تعبيرا عن قوة الإرادة وقدرتها ~~على السيطرة، ليس فقط على الانفعالات كما هو الحال عند ديكارت ~~واسبينوزا، بل أيضا على الوظائف الحيوية للبدن، وهو أضعف الأقسام ~~الثلاثة في الكتاب. كما أنه يعتمد على تجارب كانط الشخصية وعاداته ~~في الطعام والشراب والنوم والاستيقاظ، ولا يقدم بناء نظريا ~~موضوعيا لمظاهر هذا الصراع، كما فعل في القسم الأول، في الصراع ~~بين كلية الفلسفة وكلية اللاهوت. # وقد كتب كانط هذا الجزء بمناسبة إهداء الأستاذ هوفلاند # Hufland # كتابه «فن إطالة الحياة ~~الإنسانية» إلى كانط، وقراءة كانط هذا الكتاب، ثم الرد عليه ~~والتعليق على الأفكار التي وردت فيه؛ لذلك يصدر كانط هذا ~~الجزء بخطاب شكر للمؤلف يبين فيه قيمة هذا الكتاب، وهو أنه يعالج ~~جسم الإنسان خلقيا كعضو متجه نحو الأخلاق مثبتا بذلك أن الحياة ~~الخلقية تكمل الحياة البدنية. وقد وصل المؤلف إلى هذه النتيجة عن ~~طريق البحث العلمي استقراء، وليس عن طريق المبادئ الخلقية ~~استنباطا. ويبين أنه يمكن الوصول إلى هذه الغاية عن طريق ~~علم التغذية # Diététique # أي ~~سلبيا عن طريق الوقاية من الأمراض قبل وقوعها. وذلك يتطلب ~~ملكة فلسفية أو قدرات إرادية في مقابل فن العلاج # Thérapeutique # الذي يعالج ~~الأمراض بعد وقوعها. # يؤيد كانط الاتجاه العام في الكتاب، ويعتمد على تجاربه الشخصية ~~لبيان قوة النفس الإنسانية وقدرتها على أن تصبح سيدة انفعالاتها ~~المميتة وعواطفها القاتلة، بفضل إرادتها القوية وعزيمتها الراسخة. ~~ويشدد كانط على الطابع التجريبي الذاتي لأفكاره، وينفي عنها ~~الطابع النظري الموضوعي الشامل، مما يجعل هذه الأفكار لا تتفق ~~كثيرا مع منهج الفلسفة النقدية الذي يتضح في القسمين الأولين من ~~الكتاب. # يهدف هذا الفن إذن «فن إطالة الحياة» إلى غايتين: أن يعيش ~~الإنسان عمرا طويلا، وأن يتمتع بصحة جيدة. والهدف الأول ليس ~~شرطا للثاني؛ فقد يعيش الإنسان مدة طويلة عليلا، كما أن الثاني ~~ليس شرطا للأول؛ فقد يتمتع الإنسان بصحة جيدة، ومع ذلك ms098 يقصر ~~عمره. وقد يضع الإنسان نهاية لحياته بيده، وينتحر إذا يئس من ~~الشفاء، ولكن طبقا للعقل يرغب الإنسان في تحقيق الهدف الأول، وهو ~~طول العمر أولا، وهنا يثني كانط على الشيخوخة وكبر السن، ويوصي ~~بإظهار الاحترام الواجب لهما، ويحظر التهكم على ضعف المسنين ~~بالمقارنة مع قوة الشباب. كبر السن يستحق الثناء والتقدير؛ ففيه ~~تظهر حكمة الشيوخ. ويكفيه فخرا أنه استطاع أن يهزم الموت حتى ~~الآن. أما الهدف الثاني، وهو الصحة الجيدة، فإنه يتحقق عن طريق ~~مبادئ علم التغذية، أن يتغذى الإنسان بطريقة ملائمة ومعتدلة. ~~وهنا تظهر الأخلاق الرواقية، فهي ليست فقط جزءا من الفلسفة ~~العملية أي نظرية الفضيلة، بل أيضا تضم علم الطب. وينصح كانط ~~باتباع وسائل للوقاية تعتمد على التدفئة والنوم والعناية ~~المركزة، ويوصي بحفظ الأقدام والرأس والبطن دافئة (ويضيف «الروس» ~~الصدر)، وبكثرة النوم لمدة طويلة وخاصة غفوة بعد الظهر، وبالاعتناء ~~بالنفس، أو اعتناء الآخرين بالإنسان وهو ما يتيسر للمتزوجين. ومع ~~أن كانط يرى أن الزواج يقصر العمر ولا يحبذه، إلا أن ميزته ~~الوحيدة هي التمريض عند كبر السن الذي تقوم به الزوجة للزوج ! وطول ~~العمر أحيانا يكون صفة وراثية في بعض العائلات، ويصف كانط أعمال ~~المسنين، مثل: إصلاح الساعات، وتربية العصافير، مما تجعلهم يقضون ~~وقتا ممتعا، ولكن يستطيع الفلاسفة تعويض ضعف البدن عن طريق ~~التفلسف والتأمل، مما يكسب الروح قوة لتغذية البدن. # ويفصل كانط في عادات النوم، والطعام، والشراب، والتنفس، فيوصي ~~بالنوم والاستيقاظ في مواعيد مضبوطة. ويمكن استدعاء النوم عن طريق ~~طرد الأفكار، كما ينصح الأطباء، أو بالتفكير في موضوع لا أهمية له ~~كما يوصي كانط، فالأرق داء قاتل، ويمكن للإنسان السيطرة عليه. ~~ويتهكم كانط على الأتراك (أي المسلمين) الذين يغطون في نوم ~~عميق بسبب الإيمان بالقدر المسبق، وبأن لكل أجل كتابا، فلا ~~يأرقون، ويغرفون من النوم ومن الحياة قدر الطاقة والوسع. أما فيما ~~يتعلق بالطعام والشراب فيرى كانط أن الشهية والعادة هما ~~المفتاحان لكل شيء؛ فعلى الإنسان ألا يأكل إلا إذا كانت لديه ~~شهية، وألا يغير عاداته ms099 في الطعام والشراب. ومن العادة أن ~~يتناول المسنون ماء أقل، وخمرا أكثر، لتنشيط الأعمار. أما عادة ~~شرب الماء بسرعة فهي عادة مضرة، كذلك العشاء الثقيل بعد الغداء ~~الثقيل رغبة مميتة، ومع ذلك يجب على الإنسان ألا يقاوم تناول ~~الغداء لانتظار عشاء أفضل. وينصح كانط باتباع عادة التنفس من ~~الأنف والفم مغلق، وبهذه الطريقة يمكن القضاء على الكحة وعلى ~~الأرق، والاستيقاظ أثناء النوم! ثم يقدم كانط نصائح أخرى فيما ~~يتعلق بمرض الوهم، كداء قاتل، وذلك عن طريق العمل العقلي الذي ~~يخفف من شدة الانتباه إلى البدن. كما ينصح كانط بعدم التفكير في ~~لحظة غير مواتية، كالتفكير أثناء الطعام حتى لا يوزع الجهد بين ~~العقل والبدن. والتفكير لا غنى عنه للعالم سواء أثناء اليقظة أم ~~أثناء الوحدة، ويكون إما بالقراءة للتعلم، أو بالتفكير للتأمل ~~والإبداع. # ويختم كانط كتابه بسخرية من الرقيب، وينصح عمال الطباعة أن ~~يطبعوا كتابه هذا بالحبر الرصاصي، وليس بالحبر الأسود، وبحروف ~~لاتينية دقيقة، وبنط صغير، لكيلا يراه الرقيب، أو يتمكن من ~~فحصه، أو يتعب منه، فلا يصدر منه قرار المنع والحرمان؛ فالرقباء ~~كثيرا ما كانوا عمشا ضعاف النظر، مما يدل أيضا على ضعف العقل، ~~وقلة الحيلة، وأنهم لا يستطيعون منع حرية الفكر، أو ذيوع أفكار التنوير. # 1 # | فلسفة التاريخ عند فيكو1 # | أولا: مقدمة: نشأة فلسفة التاريخ # فلسفة التاريخ من أهم العلوم التي نشأت في الغرب إن لم يكن أهمها ~~على الإطلاق، فقد كان المنطق والطبيعيات والإلهيات قاسما مشتركا ~~بين الحضارات اليونانية والمسيحية والإسلامية. إلا أن الغرب في ~~العصور الحديثة فصل العلوم الإلهية وأبرز ما يخص الإنسانية منها ~~فيما أصبح فيما بعد يسمى «العلوم الإنسانية» في مقابل العلوم ~~الرياضية من ناحية والعلوم الطبيعية من ناحية أخرى. وأصبح هذا ~~التحول من «الله» إلى «الإنسان» أخص ما يميز الحضارة الأوروبية ~~الحديثة. ظهرت فلسفة التاريخ بعد هذا التحول مرتبطة بالإنسان، ~~وتقدمه، ونموه، وارتقائه، ورسالته، وارتباطاته بغيره، ~~وانتماءاته للطوائف والعشائر والقبائل والأمم، وتحديد أدوارها في ~~الزمان، وتعاقبها، وتراكم خبراتها فيما سمي بعد ذلك بالتاريخ؛ ms100 ~~لذلك افتخر الغرب وزها باكتشافه ميادين لم تعرفها الحضارات ~~القديمة، وأنه هو وحده صاحب الفضل في اكتشافها مثل الإنسان ~~والتاريخ، أو الزمان والتقدم، أو الحب والموت. فالحب هو جوهر ~~الإنسان الذي يعيش في الزمان، والموت نهاية للتاريخ الإنساني ~~وإيقاف للتقدم. كان الإنسان عند سقراط روحا خالدة بلا تاريخ، ~~وكان التاريخ عند أفلاطون تاريخا أسطوريا، وعند أرسطو تاريخا ~~طبيعيا، وعند أوغسطين تاريخ ملكوت السموات، تاريخ الأنبياء. لم ~~يتم اكتشاف التاريخ كوعي إنساني إلا في الغرب بعد إحياء الآداب ~~القديمة في القرن الرابع عشر واكتشاف الحياة الإنسانية ابتداء من ~~إبداعها الأدبي، وبعد الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، واكتشاف ~~اللحظة في علاقة مباشرة مع الخلود، والتأكيد على حرية المسيحي، ~~والفضل الإلهي الذي لا يحتاج إلى توسط، وبعد القرن السادس عشر ~~حيث بدأ الإنسان يظهر كمركز للكون فيما سمي فيما بعد باسم ~~«المذهب الإنساني» عند أراسم، وبعد معركة القدماء والمحدثين في ~~القرن السابع عشر، وانتصار المحدثين على القدماء، وإثبات قدرة ~~الإنسان على الخلق والإبداع، وتجاوز الخلف للسلف. # 1 # وهنا ظهرت فلسفة التاريخ في القرن الثامن عشر لتزيد ~~على هذه المكتسبات مفهوم التقدم إجابة على سؤال: كيف تتقدم ~~الشعوب؟ ما هي مراحل ارتقاء الإنسانية؟ وتكاد تجمع جميع فلسفات ~~القرن الثامن عشر والتاسع عشر (باستثناء كوندرسيه الذي جعل المرحلة ~~العاشرة مستقبل الإنسانية وفلسفات القرن العشرين التي تعلن نهاية ~~الحضارة الغربية وأفول الغرب) أن الإنسانية قد وصلت إلى مرحلة ~~النضج والكمال، وأنها لم تعد في حاجة إلى وصاية خارجية من الآلهة ~~أو الأبطال، من الأنبياء أو السحرة، من الحكام أو الآباء. فإذا ~~ما وعت الشعوب مراحل تطورها أمكنها بعد ذلك أن تتحرك، وأن تأخذ ~~مصائرها بأيديها، وأن تنقل أنفسها من مرحلة إلى مرحلة؛ وبالتالي ~~كانت فلسفة التاريخ هي الممهدة للثورة الفرنسية، أعظم إنجاز ~~للغرب، وأكبر مفجر لطاقات فلسفة التنوير التي كانت الأساس النظري ~~الذي خرجت منه فلسفة التاريخ. # ويعتبر فيكو # Vico ~~(1668-1744م) ~~مؤسس فلسفة التاريخ قبل تأسيسها في فرنسا على يد مونتسكيو ~~(1689-1759م)، روسو (1712-1778م)، فولتير ms101 (1694-1778م)، تورجو ~~(1727-1781م)، كوندرسيه (1743-1794م) أو حتى في ألمانيا على يد ~~لسنج (1729-1781م)، هردر (1744-1803م)، كانط (1724-1804م)، ولكن ~~كتاب فيكو «العلم الجديد» لم يعرف خارج إيطاليا إلا في القرن ~~التاسع عشر بعد أن ظهرت له ترجمة ألمانية في 1822م وأخرى فرنسية ~~قام بها ميشليه في 1827م؛ لذلك لم يؤثر في تطور فلسفة التاريخ إلا ~~بعد قرن من الزمان. # وقد ظهرت الطبعة الأولى من «العلم الجديد» في 1725م وفيكو عمره ~~سبعة وخمسون عاما، والثانية في 1730م، والثالثة في 1744م. وكان ~~فيكو أستاذ القانون والفلسفة وأستاذ البلاغة اللاتينية في جامعة ~~نابلي بإيطاليا. وهو كتاب ضخم مملوء بالتكرار والحواشي والأخطاء ~~التاريخية، مرقمة فقراته مثل «خاطرات بسكال» وعلى طريقة الفلاسفة ~~في القرنين السابع عشر والثامن عثر، وكثير منها لا يفيد مما جعل ~~المترجم يلخصها مستبعدا التكرار والحواشي الزائدة التي لا دلالة ~~لها بالنسبة للموضوع. وتصعب قراءة الكتاب في النص الإيطالي من ~~الإيطاليين أنفسهم. كما أن الترجمة إلى أية لغة صعبة وثقيلة نظرا ~~لما في الكتاب من تكرار وإشارات دائمة إلى الآداب القديمة. لم ~~يستعمل فيكو أية حواشي أو مراجع في الهوامش بل ذكر كل شيء في صلب ~~الصفحة وداخل النص مستعملا مراجعه على نحو جدلي لا يتقنه إلا من ~~عاش في عصره وبغير ذي فائدة الآن. بل إنه يعد الآن عائقا في فهم ~~الكتاب وفكرته الأساسية في تطور الشعوب. # 2 # | ثانيا: ماذا يعني «العلم الجديد ~~للطبيعة المشتركة بين الأمم»؟ # وعنوان الكتاب هو «مبادئ العلم الجديد لجيامباتستا فيكو الخاص ~~بالطبيعة المشتركة بين الأمم». # 1 # ولكن الطبعة الأولى كان عنوانها أكبر من ذلك وهو ~~«مبادئ العلم الجديد لجيامباتستا فيكو الخاص بالطبيعة المشتركة بين ~~الأمم والذي يسمح باكتشاف مبادئ نسق آخر لقانون طبيعي للشعوب». # 2 # وقد كانت هناك محاولة أخرى لتسميته «العلم الجديد ~~الخاص بمبادئ الإنسانية». # 3 # هذا التأرجح في العنوان وصياغاته يشير إلى أن هذا ~~العلم جديد بالفعل لم يسبقه إليه أحد لإيجاد مبادئ عامة مشتركة بين ~~الشعوب تحكم طبيعتها وتطورها، وهي بالفعل محاولة أصيلة في ms102 تاريخ ~~العلوم الإنسانية، وأعظم المحاولات قبل أوجست كونت لإقامة علم شامل ~~للتاريخ الإنساني، وأعظم تحليل لصراع الطبقات سابق على كارل ماركس، ~~وقد خرج فيه فيكو على ما هو شائع في عصره ومألوف فيه من تفسير ~~لاهوتي للتاريخ الإنساني في الجامعة وخارجها فاتهمته السلطتان ~~الدينية والسياسية بالانحراف والخروج على التقاليد شأن كل جديد في ~~مواجهة القديم. # ماذا يعني فيكو بهذا العنوان الذي وضعه للكتاب؟ تعني «المبادئ» ~~وهي موجودة في العنوان وموجودة أيضا كعنوان للكتاب الأول «تأسيس المبادئ»، # 4 # والقسم الثالث منه «في المبادئ» تعني المؤسسات أو ~~النظم الاجتماعية. ويجعلها فيكو ثلاثا: الدين، والزواج، ودفن ~~الموتى. فالمبادئ هنا لا تعني الأفكار أو التصورات أي ما هو ~~صوري، بل تعني الأوضاع الاجتماعية والظروف الدائمة التي منها تنشأ ~~الأمم، وفيها تحيا الشعوب، والتي تمثل أقل درجة من التطور البشري، ~~من هذه النظم تخرج المبادئ العامة، وعليها تقوم الإنسانية، ~~فالمبادئ هي النظم، والنظم هي المبادئ. # وبالنسبة للفظ «العلم» فإن فيكو يفرق بين المعرفة والعلم، ~~المعرفة موضوعها اليقيني، والعلم موضوعه الحقيقي الشامل والمبادئ ~~الأبدية. تعتمد المعرفة على اللغة والتاريخ، في حين يعتمد العلم ~~على التأمل والفلسفة. ثم يستعمل فيكو العلم بالمعنى الواسع، ~~فالعلم معرفة الشامل والأبدي، وهو أيضا معرفة بالأسباب وليس فقط ~~المعرفة الرياضية أو الطبيعية، فالرياضة خيال، والطبيعة ليست علما ~~شاملا. يهدف فيكو إلى تأسيس علم «عالم الطبيعة». ليست الطبيعة ~~التي هي من خلق الله، فذلك حق الله، ولكن عالم الشعوب، والعالم ~~المدني، عالم المؤسسات والنظم الإنسانية، فذلك حق البشر. فهم الذين ~~صنعوه، ومبادئه موجودة في الذهن الإنساني. فالعالم الاجتماعي من ~~صنع الإنسان؛ وبالتالي يريد فيكو أن يؤسس علما للطبيعة ~~الإنسانية وللعالم الإنساني كما فعل بيكون في الطبيعة، ورابليه في ~~الأدب، وديكارت في الفلسفة. هذا العلم الإنساني له ميزة على ~~الرياضة بأنه واقعي، وعلى الطبيعة بأنه علم شامل. فإن قيل: إن ~~التاريخ يضم أفعالا وحوادث فريدة لا تتكرر فكيف إذن لهذا العلم ~~الجديد أن يتناولها وكأنها من وضع البشر وأن يحاول معرفة المبادئ ~~الشاملة التي ms103 تقوم عليها؟ ويرد فيكو على هذين الاعتراضين باستبعاد ~~التراث اليهودي المسيحي، واعتبار الشعوب الوثنية ذات مصادر متعددة ~~بحيث تكون ممثلة للتاريخ الشامل، والتمييز بين نوعين من العناية ~~الإلهية: الخارجية المفارقة الفريدة، وهي ميزة الشعب المختار، ~~والباطنية الداخلية من خلال القوانين المطردة، وهي عامة عند كل ~~الشعوب. أراد فيكو إذن تأسيس لاهوت عقلي مدني مثل الفارابي في ~~«إحصاء العلوم»، وجمعه في القسم الخامس «العلم المدني وعلم الفقه ~~وعلم الكلام» في علم واحد، # 5 # وطبقا لما سماه فنت # Wundt ~~«اختلاف الحاجات واتفاق الغاية»، أو ما ~~سماه مندفيل # Mandeville ~~«الرذائل الخاصة والمنافع العامة»، أو ما سماه آدم سميث «اليد غير ~~المرئية»، أو ما سماه هيجل «دهاء العقل». # ويسميه فيكو «العلم الجديد». فبالرغم من أن فيكو عاش في القرن ~~الثامن عشر إلا أنه ابن السابع عشر، عصر العباقرة وكبار الفلاسفة ~~الذين استعملوا مصطلح «الجديد» بشكل لم يسبق له مثيل. فالاكتشاف ~~الجديد أفضل من إصلاح القديم، وقد عاش فيكو في مدينة نابلي التي ~~كانت مشغوفة بالجديد، وكان عضوا في أكاديمية المدينة حيث كان ~~يبحث جميع أعضائها من العلماء عن العلوم «الجديدة»، ولكن جدة ~~القرن السابع عشر كانت في العلوم الرياضية والطبيعية والبيولوجية ~~والطبية، في حين أن طموح فيكو كان في رغبته خلق علم للمجتمع ~~الإنساني وللشعوب كما فعل جاليليو ونيوتن في عالم الطبيعية، وكما ~~فعل هوسرل في هذا القرن في الفلسفة وتأسيسها كعلم محكم. ويشير فيكو ~~إلى هوبز باعتباره المفكر الوحيد الذي سبقه في تنظير القانون ~~الطبيعي (دون أن يذكر اسبينوزا). فهوبز مؤسس الفلسفة المدنية في ~~كتابه «المواطن» # De Cive # عندما ~~أراد دراسة الإنسان والمجتمع ككل في الجنس البشري، وهو ما لم ~~يلاحظه هوبز نفسه. وقد أخفق هوبز في مشروعه لأنه ظن أن بإمكانه ~~استخلاص مبادئ المجتمع الإنساني من المناقشات والجدل والقرارات ~~والنصائح الإنسانية وليس من النظم والمؤسسات كما فعل فيكو فيما ~~بعد، كما أنه استبعد العناية الإلهية كأسس لقيام المجتمعات الوثنية ~~في حين أن فيكو يجعلها الأساس الأول. يحل النسق الجديد للقانون ~~الطبيعي للشعوب ms104 الوثنية عند فيكو محل نظريات القانون الطبيعي في ~~القرن السابع عشر. فقد أخطأ منظرو القانون الطبيعي في أنهم بدءوا ~~من الوسط من آخر مرحلة في الأمم المتمدنة بعد أن استنارت بالعقل ~~الطبيعي، وبعد أن نشأ الفلاسفة وتصوروا فكرة العدالة. والقانون ~~الطبيعي عند الفلاسفة غير القانون الطبيعي للشعوب الوثنية؛ الأول ~~قانون العدل، والثاني قانون القوة. # وقد وضع فيكو اسمه في عنوان الكتاب ليدل على أن هذا «العلم ~~الجديد» من وضعه وخلقه واكتشافه وبنائه لم يسبقه إليه أحد من ~~قبل. لم ينشأ من تعاون جهود سابقة، ولم يعتمد على نتائج سالفة بل ~~هي رؤية مباشرة للواقع الإنساني منذ بداية نشأة الفكر الإنساني لدى ~~الشعوب على مدى عشرين عاما من حياة فيكو الفلسفية واللغوية ~~والأدبية. وهو يغوص لدى الشعراء الطبيعيين لمعرفة الحكمة الطبيعية ~~لدى الشعوب الطبيعية. وصحيح أن العلم من بناء فيكو ومن تفكيره ~~الخاص، مما يثبت أن الإبداع في العلم مرتبط ببنائه في شعور العالم ~~كما فعل جاليليو ونيوتن في الطبيعة، وديكارت وبيكون في الفلسفة. ~~الخلق في العلم لا ينشأ بالتراكم الكمي بل بالتحول الكيفي، ولا ~~ينشأ بالتطور ولكن بالطفرة، ولا ينشأ في شعور الجماعة بل في شعور ~~الفرد. # وتعني «الطبيعة» عند فيكو «الميلاد»، وكلا اللفظين مشتق من نفس ~~اللفظ # nascimento, Natura ~~. فطبيعة ~~الأمم تعني ميلادها أو مولدها في زمن معين وبشكل معين؛ أي التكوين ~~والنشأة والتطور. ويضرب فيكو المثل على ذلك بنشأة الدين مع مولد ~~زيوس أو جوبتر أو جوفا أول إله للأمم الوثنية، ونشأة الزمان بعد ~~الرعد الأول للسماء مائة عام بعد فيضان ما بين النهرين؛ أما النمط ~~أو الشكل فإن سلالة حام ويافث وسلالة شيم غير العبرانيين فقدوا ~~لمدة قرنين من الزمان كل النظم والملكات الإنسانية، وأصبحوا ~~حيوانات تعيش على الغريزة وتمارس الجماع، وتصوروا السماء ~~المرعدة على أنها جسم حي، وبرقه ورعده على أنها أوامر تخبرهم ~~بما يجب عليهم فعله، ثم فاجأ الرعد البعض منهم وهم في فعل الجماع ~~مما جعلهم يأوون إلى الكهف؛ وبالتالي نشأ نظام الأمومة والأسرة ms105 ~~والحياة المستقرة، فما كان في البداية فعل المصادفة والعشوائية ~~تحول في النهاية إلى فعل إرادي مقصود يباركه «إله السموات». نشأ ~~نظاما الأمومة والأسرة بالطريقة نفسها، كما نشأ كل نظام إنساني ~~آخر على هذا النحو، ومن مجموع نشأة هذه النظم تنشأ الأمة الوثنية. ~~ويعارض تصور فيكو هذا تصور أرسطو الغائي للمدن/الدول الذي ~~يقرر بأن اتحاد بعض القرى في جماعة أكبر يجعلها مكتفية بذاتها؛ ~~وبالتالي تنشأ المدينة ابتداء من الحاجات البشرية. فالصور الأولى ~~للتجمعات البشرية طبيعية، وغايتها المدنية، وطبيعة الشيء غايته، ~~والشيء عندما يتطور إلى كماله تكون له طبيعة سواء كان الأمر يتعلق ~~بالحيوان أو بالإنسان أو بالجماعة البشرية، ولكن عند فيكو توجد ~~طبيعة الشيء في البداية وليس في النهاية كما هو الحال عند أرسطو. ~~وكلاهما نشوئي تكويني تطوري بالرغم مما يبدو بينهما من اختلاف. ~~وإذا كان السوفسطائيون أرادوا بيان التعارض بين الطبيعة والمدنية ~~فقد جمعهما أرسطو بقوله إن الإنسان حيوان مدني أو سياسي. وإذا سمى ~~فيكو عالم الأمم عالم البشر فإنه يعني أن ما كان حيوانا في عالم ~~الطبيعة يصبح بشرا في عالم الأمم. وأنه بدرجة ما يصبحون في عالم ~~الأمم بشرا، يصنعون عالم الأمم ويصنعون أنفسهم. # أما لفظ «المشترك» فإنه لا يعني الاشتراك أو الشيوع في الأبضاع ~~والنساء والأولاد والآباء والأمهات، بل يعني غياب النظام أو ما سبق ~~النظام والمؤسسات من خلط أو اختلاط. كما لا يعني المتبادل أو ~~المتفق عليه بين طرفين مما يفترض النظر والمداولة والاتصال والأثر ~~المتبادل والرضا والاتفاق، بل يعني ما يتمثله الجميع أو الكثير ~~على نحو مستقل بلا حكم أو تفكير يشارك فيه طبقة أو أمة أو شعب ~~أو الجنس البشري كله. كما لا يعني الحس المشترك # Common Sense # الذي ينشأ بالاتصال والتفاهم بل ~~يعني أن الأفكار التي تنشأ لدى الشعوب المختلفة التي لا يعرف بعضها ~~البعض؛ لها قدر من الحقيقة؛ فكل شعب له إله بصرف النظر عن أسمائه ~~المختلفة لدى الشعوب. فالمثالية طبيعة مشتركة بين الأمم أو فطرة أو ~~جبلة على ما يقول الأصوليون ms106 القدماء؛ فأسطورة «جوفا» لها أساس ~~مشترك عند جميع الشعوب؛ وبالتالي تكون حقيقة، فالحقيقة وجود شيء ~~بين شعوب مستقلة عن بعضها البعض، وبتعبير القدماء، تواتر الأفكار ~~والآراء وتشابهها وتطابقها مقياس للحقيقة بالرغم من اختلاف الأزمنة ~~والأمكنة والظروف، مثال ذلك اشتراك الشعوب كلها البدائية منها ~~والمتمدينة في ثلاثة نظم اجتماعية أو عادات بالرغم من استقلالها عن ~~بعضها البعض وتفاوتها في الزمان والمكان وهي: الدين، والزواج، ودفن ~~الموتى؛ لذلك أخذها فيكو مبادئ للعلم الجديد. مثال آخر اللغة ~~العقلية المشتركة بين الشعوب والتي تعبر عن طبيعة الإنسان والتي ~~بها يدرك جواهر الأشياء في حياته الفردية والاجتماعية وهي الحكم ~~والأمثال العامية التي تتكرر عند جميع الأمم قديما وحديثا. وقد ~~اتخذها فيكو مادة العلم الجديد التي يمكن من خلالها وصف طبيعة ~~الإنسان. بل إن وجود كلمتين عاديتين في لغتين مستقلتين لهما نفس ~~المعنى لدليل على وجود هذا القاسم الذهني المشترك بين ~~الشعوب. # ويعني لفظ «الأمة» الميلاد أو البداية بالميلاد أي جنس له بداية ~~مشتركة، لغة ومؤسسات ونظم مشتركة. ولا يعني فيكو بالأمة الدولة ~~القومية المعاصرة بل يركز على ثلاثة أشياء؛ الأول: النظم والمؤسسات ~~الاجتماعية لدى كل أمة أو شعب؛ والثاني: وجود كل أمة أو شعب ~~مستقلا عن الأمة الأخرى ليس بهدف النقاء العنصري بل من أجل تطور ~~نظمها ومؤسساتها على نحو مستقل دون أدنى أثر من حضارة على حضارة ~~أخرى؛ والثالث: تطور هذه النظم والمؤسسات من داخلها وليس من ~~خارجها، ويصف فيكو الأمة ليس فقط كعنصر أو جنس بشري بل كحضارة في ~~أوج نضجها. ويستعمل لفظا آخر ليدل به على أولى مراحل التطور مثل ~~قوم أو شعب # Gens ~~. ويتصور فيكو ~~أربع مراحل من تطور أشكال المجتمعات؛ الأولى الأسر، والثانية ~~الأقوام أو العشائر # Gentes ~~، ~~والثالثة الشعوب، والرابعة الأمم. ويعني لفظ قوم أو شعب في الصفة # Gentile # أميا أو بدائيا أو ~~أوليا بمعنى التكوين أو النشأة. وله في القانون الروماني معنى ~~القرابة من أجل تحديد الميراث، وهو المعنى العربي أيضا من لفظ ~~«أم»، ولكنه عند فيكو يعني «ما ms107 له طبيعة» ويمكن أن يكون موضوع ~~دراسة العلم الجديد. والأمم كلها تنضم إلى عالم الأمم أي عالم ~~البشر أو العالم الإنساني في مقابل العالم الطبيعي. وتعيش الأمم ~~منعزلة عن بعضها البعض قبل أن تدخل فيما بينها في علاقات تجارية ~~وسياسية أو في نظم الأحلاف والاتحادات والحروب ~~والمعاهدات. # أما تعبير «القانون الطبيعي» الموجود في عنوان الطبعة الأولى، ~~وكذلك تعبير «النسق الجديد» المخالف لنسق القرن السابع عشر ونظريات ~~القانون الطبيعي عند جروتيوس # Grotius ~~، زلدن # Selden ~~، بوفندورف Pufendorf # فقد أسقطهما فيكو من العنوان النهائي ~~وإن بقي معناهما؛ فالعلم الجديد يحاول الكشف عن قانون طبيعي لتطور ~~الشعوب بدراسة الطبيعة المشتركة بين الأمم من خلال النظم والمؤسسات ~~الدينية والعلمانية والدول، في حين أن القانون العام هو القانون ~~الشامل الذي تشارك فيه جميع الأمم والشعوب، وهو القانون الطبيعي. ~~كما يميز فيكو بين القانون المدني وقانون الشعوب؛ فالقانون المدني ~~يختلف من مدينة إلى مدينة ومن دولة إلى دولة ومن نظام سياسي ~~إلى نظام آخر، في حين أن قانون الشعوب هو أيضا قانون عام وشامل، ~~تعبير ضروري عن المجتمع الإنساني، قانون مطبوع لدى كل شعب لأنه من ~~وضع العقل الطبيعي الذي يشارك فيه الإنسان وربما الحيوان. وهي نفس ~~التفرقة بين القانون # Jus # والفقه # Lex ~~؛ فالأول نظام ~~طبيعي عقلي، والثاني وضعي من صنع البشر. الأول دائم ثابت لا يتغير، ~~والثاني يتغير طبقا للظروف والأحوال. الأول يشمل العادة الثابتة ~~والثاني يعبر عن إرادة المشرعين فحسب. # أما تعبير «مبادئ الإنسانية» في الطبعة الأولى فهو مرادف للطبيعة ~~المشتركة بين الأمم؛ فالإنسانية تعني المدينة أو المدنية أي المعنى ~~التكويني، المبادئ التي بها تصبح الإنسانية كذلك والتي تخلقها ~~الإنسانية من طبيعتها. ولا يعني ذلك وجود ماهية إنسانية مستقلة ~~فردية أو اجتماعية فإن هذه الماهية عند فيكو تنشأ من مجموع ~~العلاقات الاجتماعية وتطور النظم الاجتماعية كما يقول الماركسيون ~~والوجوديون، ولكن هذه «الإنسانية» تقوى كلما تقدمت في مراحل ~~تطورها. # ويقسم فيكو كتابه إلى خمسة كتب غير متساوية في الكم، أطولها ~~الكتاب الثاني عن «الحكمة الشعرية»، وأقصرها ms108 الكتاب الخامس عن ~~«تطور النظم الإنسانية عندما تنهض الشعوب من جديد». # 6 # ويختلط قانون تطور الشعوب في مراحلها الثلاث بحضارات ~~الشعوب، فبينما يظهر هذا القانون بصراحة ووضوح في المقدمة «فكرة ~~الكتاب» إلا أنه يعود ويختفي ولا يظهر إلا في الكتابين الرابع ~~والخامس عن تطور الشعوب في دورتها الأولى وعن تطورها في نهضتها ~~الثانية، ولكن فيكو لا يعرض لهذا القانون عرضا مفصلا في أي من ~~الكتب أو أقسامها بل يذكره دائما دون أن يخصص له قسما مستقلا ~~يعرضه فيه ويستوفيه ولكن على الباحث أن يجمعه من الشتات، كما يضم ~~الكتاب الأول المبادئ العامة للعلم في صورة بديهيات أو أوليات ~~عقلية واضحة بذاتها تحدد بناء العلم الجديد. أما الكتابان الثاني ~~والثالث فإنهما يعطيان الحكمة الشعرية. ويعرض لسؤال الوجود الحقيقي ~~التاريخي لهوميروس شاعر اليونان مبينا أن تاريخ الشعوب في حكمتها، ~~وأن حكمتها في شعرها. أما الخاتمة فإن فيكو يعرض فيها لعقيدة ~~العناية الإلهية كراعية لنظم الحكم وكأنه يريد ختاما تقليديا ~~لمضمون كتاب غير تقليدي. # | ثالثا: المبادئ العامة لفلسفة التاريخ # يبدأ فيكو في الكتاب الأول بعنوان «وضع المبادئ» بإرساء القواعد ~~العامة لفلسفة التاريخ. # 1 # فيعرض أولا للمادة العلمية التي يحللها في جداول ~~زمنية تخطئ وتصيب. وقد تم اختصاره نظرا لأنه مجرد عرض لأساطير ~~الشعوب الوثنية الأولى، ولكن تبدو أهمية هذه المبادئ في الجزء ~~الثاني عن «العناصر» والذي يعرض فيه فيكو على طريقة إقليدس لمائة ~~وأربع عشرة مصادرة أو بديهية يقوم عليها العلم. ثم يحدد فيكو ~~ثالثا «المبادئ الثلاثة التي يقيم عليها العلم» وهي الظواهر ~~الاجتماعية الموجودة في كل مجتمع ولدى كل شعب. وأخيرا يتحدث فيكو ~~عن المنهج الاستقرائي المتبع في إقامة فلسفة التاريخ أسوة بتأسيس ~~علم الطبيعة على نفس المنهج لدى بيكون. # ويعطي فيكو أولا جدولا زمانيا لشعوب سبعة. ويقسم تاريخها ~~طبقا لمراحل التاريخ الثلاث؛ فهذه الشعوب هي العبرانيون، ~~والكلدانيون، والسكيثيون # Scythions ~~، والفينيقيون، والمصريون، واليونان، ~~والرومان ابتداء من الطوفان حتى الحروب الثانية بين روما ~~وقرطاجنة، ويسرد تاريخ الرومان وقوانينهم ونظمهم، ويشرح أهم ~~القوانين مثل ms109 القانون الجمهوري الذي تغير به النظام الروماني من ~~الأرستقراطية إلى الشعبية وقانون العبودية من أجل الوفاء بالدين وإلغائه. # 2 # ولكن تبدو أهمية هذه المبادئ العامة عندما يتحدث فيكو ثانيا عن ~~«العناصر» والتي يعرض فيها للمصادرات والأوليات والبديهيات التي ~~تقوم عليها فلسفة التاريخ. وبالرغم من تفصيلها في مائة وأربع عشرة ~~مصادرة إلا أنه يمكن إجمالها في عدة أفكار رئيسية واضحة بذاتها. # 3 # فالإنسان مقياس كل شيء في حالة جهله بالأشياء. فإذا عرف شيئا ~~فإنه من طبيعة الأمور قياس الغائب على الشاهد كما يقول المناطقة ~~القدماء. وهنا يحدد فيكو المنظور الإنساني لفلسفة التاريخ، وأن ~~ليس للإنسان إلا رؤيته وتصوره وعلمه. # وكل أمة تريد أن تجعل نفسها خالقة ومبدعة لمقومات الحياة، ~~كما تريد إرجاع تاريخها إلى أقدم العصور؛ فكل شعب يدعي أنه أصل ~~الإنسانية؛ المصريون، والكلدانيون، والصينيون، والسكيثيون. وهنا ~~يبين فيكو أن الرغبة في البحث عن الجذور، والعودة إلى الأصول، ~~والبداية بالنشأة شيء طبيعي فطري في الأفراد وفي الشعوب. # ومن الضروري توجيه الفلسفة للأفراد وللشعوب وعدم تركهم في فسادهم ~~وإرشادهم إلى الأخلاق السليمة؛ فالفلسفة تصف الإنسان كما ينبغي أن ~~يكون في مقابل التشريع الذي يصف الإنسان كما هو كائن. هذا الواجب ~~ضروري من أجل أن يكون الإنسان ذا نفع في الحياة الاجتماعية. ~~فالإنسان الكائن يسلك بدوافع التوحش والبخل والطموح، وهي الرذائل ~~الثلاث في الجنس البشري التي بسببها تنشأ الطبقة العسكرية التجارية ~~الحاكمة التي تجمع بين القوة والثروة في شكل نظام سياسي، ولكن ~~الفلسفة تبدأ من هذه الرذائل ذاتها لتوجه الجنس البشري، وتجعل ~~سعادة الإنسان المدني ممكنة. فالأشياء لا تخرج عن حالتها الطبيعية ~~ولكنها تنحو نحو الكمال بطبيعتها، وهنا يبدو فيكو أرسطيا تماما ~~في تصوره للطبيعة والكمال. # ثم يعرض فيكو لعدة بديهيات تتعلق بالمعرفة الإنسانية؛ فالمعرفة ~~تؤدي إلى اليقين في حالة غياب العلم الحقيقي، ومن ليس له علم ~~يتمسك باليقين. تعتمد المعرفة على اللغة والتاريخ في حين يقوم ~~العلم على التأمل والفلسفة. واللغة مرتبطة بالاختيار الإنساني ~~عندما يتعلق موضوع الاختيار بالوعي اليقيني. أما الفلسفة ms110 والتأمل ~~فهما مرتبطان بالعقل في حالة العلم الحقيقي. ومع ذلك فإن الاختيار ~~الإنساني غير يقيني لأنه يقوم على المعرفة وليس على العلم، ولا ~~يتحول إلى يقين إلا بالحس ~~المشترك # Common Sense # وإدراك منافع الناس وحاجاتهم. وهما ~~المصدران للقانون الطبيعي للشعوب. والحس المشترك حكم بلا تفكير ~~يشارك فيه طبقة أو شعب أو أمة أو الجنس البشري كله. والأفكار ~~المطردة التي تنشأ لدى جميع الأمم المستقلة عن بعضها البعض يكون ~~لها أساس من الحقيقة، فاطراد الأفكار مقياس لصدقها. # وتنشأ النظم الاجتماعية في زمان معين وبشكل معين، وتأخذ ~~خصائصها من أشكالها، وتتغير هذه الأشكال الأولى التي نشأت فيها. ~~فلا توجد عند فيكو خصائص جوهرية كماهيات مستقلة بل توجد علاقات ~~اجتماعية في التاريخ في الزمان والمكان. # والتراث الشعبي له قدر من الحقيقة نظرا لوجوده واستمراره وحفظه ~~وتواتره عبر الأجيال، فهو المعبر عن طبيعة الشعوب. واللغات ~~الشعبية أقدر على حفظ عادات الشعوب من وسائل التعبير الأخرى ~~كالحركات والأصوات؛ وبالتالي تنشأ أهمية الفنون اللغوية وعلى رأسها ~~الشعر. ومن خلال نشأة اللغة يمكن معرفة نشأة العالم ومعرفة داياته، ~~فاللغة مرتبطة بالموجود أو هي «بيت الوجود» على ما يقول هيدجر. كما ~~أن أشعار هوميروس روايات مدنية تحتوي على عادات اليونان القديمة ~~وتقاليدهم ونظمهم وحضارتهم، وكنز عظيم يحتوي على القانون الطبيعي ~~لشعب اليونان. كما أن قانون «الألواح الاثني عشر» شاهد على ~~القانون الطبيعي عند الرومان، هناك إذن لغة طبيعية مشتركة بين ~~الشعوب يتم تهذيبها فيما بعد كما فعل فلاسفة اليونان وكما فعلت ~~فرنسا فيما بعد في أواسط أوروبا. هناك لغة ذهنية مشتركة من خلال ~~الطبيعة المشتركة للأمم تعبر عن ماهية الحياة الإنسانية الفردية ~~والاجتماعية. والدليل على ذلك وجود الحكم والأمثال العامية ~~المترادفة لدى كل الشعوب. # والتاريخ المقدس، وهو مادة «العلم الجديد»، أقدم أنواع التاريخ؛ ~~فهو أقدم من التاريخي الدنيوي وأطول مدة؛ فقد عاشت الإنسانية حوالي ~~ثمانمائة عام في عصر الآباء، عصر العشائر الكبيرة التي منها نشأت ~~المدن. وفي التاريخ المقدس يميز فيكو بين دين العبرانيين ودين ~~الوثنيين. الأول أسسه ms111 الله والثاني أسسته الطبيعة؛ فالله هو ~~المؤسس الحق لدين العبرانيين. ويقوم هذا الدين على تحريم العرافة ~~التي مارستها كل الشعوب الوثنية في دياناتها. بل إن الناس نوعان؛ ~~عبرانيون ووثنيون، عاديون وعمالقة. والعمالقة مخلوقات ضخمة رآها ~~الرحالة وشوه الفلاسفة صورتهم نظرا لطبيعتهم الحيوانية. ~~ويبدو أن فيكو أحيانا يبعد عن البديهيات إلى افتراضات مسبقة أو ~~احترازات نظرا لظروف العصر مثل هذه القسمة الأخيرة التي لا يقبلها ~~علم تاريخ الأديان. ويبدأ التاريخ، ومنه تاريخ اليونان الذي منه ~~نعرف معلوماتنا عن باقي الشعوب، بالفيضان والعمالقة، وقد كان ~~الفيضان شاملا على ما ترويه الأساطير وما تقصه عن أحوال ~~الطبيعة. # ويذكر فيكو المراحل الثلاث لتطور الشعوب وكأنها قانون بديهي ~~ضمن أوليات العقل. وهو في الوقت نفسه يذكر أن هذه المراحل الثلاث ~~قد ذكرها المصريون في تصورهم للإنسانية وتطورها قبلهم. وهذه ~~المراحل الثلاث تمثل عصورا ثلاثة لتاريخ كل شعب؛ عصر الآلهة، وعصر ~~الأبطال، وعصر البشر. ولكل عصر لغته، اللغة الهيروغليفية مثل لغة ~~المصريين لعصر الآلهة، واللغة الرمزية مثل لغة هوميروس لعصر ~~الأبطال، واللغة الشعبية العامية لغة الخطاب والرسائل التي تقوم ~~على العلاقات والحروف الأبجدية لإيصال الحاجات المشتركة والتعبير ~~عنها في الحياة اليومية، هذه اللغة لعصر البشر ومن ثم يكون السؤال: ~~هل هذه المراحل بديهية أم حقيقية تاريخية من اكتشاف المصريين أم ~~أنها استقراء تاريخي لتطور الشعوب؟ # ثم يذكر فيكو عدة بديهيات عن المرحلة الأولى مؤداها أن الدين ~~طبيعي في البشر. وأن لكل شعب آلهته، وأنه ينشأ من الخوف أو الجهل ~~أو الخرافة أو الدهشة؛ وبالتالي فإنه من اختراع الإنسان؛ فالإنسان ~~حيوان متدين كما سيقول فيورباخ فيما بعد. فهناك حوالي ثلاثون ألف ~~اسم للآلهة، وكلها مرتبطة بالحاجات الطبيعية والأخلاقية للإنسان، ~~وتعبر عن رغباته وأهوائه وعواطفه في العصور الأولى؛ لذلك بدأت ~~الشعوب الأولى حياتها بالدين أول مبادئ العلم الثلاثة، وأول النظم ~~الاجتماعية قبل الزواج ودفن الموتى. وعندما يبلغ شعب ما درجة عالية ~~من التوحش واستعمال السلاح بحيث لا يكون للقانون في حياته أي مكان ~~فإن أقوى وسيلة لإخضاعه يكون ms112 الدين. وعندما يجهل الإنسان الأسباب ~~الطبيعية التي عنها تصدر الأشياء ويعجز عن فهمها بالقياس إلى أشياء ~~أخرى فإنهم يسقطون عليها طبيعتهم الخاصة، ويقول العامي حينئذ: ~~«المغنطيس يحب الحديد». فتصور الجاهل للطبيعة نوع من ~~الميتافيزيقا الشعبية يرجع فيها علل الأشياء إلى إرادة خارجة ~~عليها، هي إرادة الله، دون اعتبار للوسائل التي تستعملها الإرادة ~~الإلهية ذاتها لتحقيق الأفعال وإحداث الأثر في الأشياء. وعندما ~~تخاف العقول فإنها تكون مؤهلة للخرافة. وعندما يقع الناس فريسة ~~للخرافة فإنهم يخشونها، ويرجعون إليها كل ما يتخيلونه ~~ويرونه ويصفونه. والدهشة تنشأ أيضا من الجهل، وكلما عظم موضوع ~~الدهشة دل ذلك على شدة الجهل وأدى إلى زيادة التعجب. كما ينشأ ~~حب الاستطلاع، هذه الصفة الفطرية في الإنسان، من الجهل. وفي ~~الوقت نفسه يكون الدافع على المعرفة ونشأتها عندما توقظ الدهشة ~~العقول وتعطي عادة التساؤل عن معاني الظواهر غير العادية في ~~الطبيعة. # وفي هذه الحالة يكون ~~الخيال أقوى من الاستدلال. وتبرز أهمية الشعر. فهو الذي يعطي ~~الأشياء الميتة معانيها مستمدا إياها من عواطف البشر ~~وانفعالاتهم، ويكون الشعراء كالأطفال الذين يتحدثون مع لعبهم ~~وكأنهم يتحدثون مع أشخاص أحياء. وهذا يثبت أن الناس بطبيعتهم شعراء ~~في مرحلة الطفولة. وأن الإنسانية تتحدث بالشعر وهي في البداية في ~~طفولتها الأولى، وهنا يختلط الدين بالشعر، والآلهة بالأبطال. ~~فيسمى الرجال الغلاظ الشداد آلهة إما لأعمالهم البطولية الرائعة ~~أو إعجابا بالقوة الحالية التي يتمتعون بها أو بالنسبة للمنافع ~~التي أعطوها للإنسانية. وهو المعنى المجازي الذي استعمله ~~العبرانيون كما لاحظ اسبينوزا من قبل. # 4 # وهنا تنشأ الأساطير التي يجتمع فيها الدين بالشعر مثل ~~أسطورة الخلق لدى كل أمة، وأسطورة الفيضان. فكل أمة لديها يهوا ~~أو إله. وكل شعب لديه هرقل ابن يوفا. وقد كان أول حكماء اليونان هم ~~الشعراء الدينيون (اللاهوتيون) الذين ازدهروا قبل الشعراء ~~البطوليين. تفسر الأساطير بدايات الأشياء ونشأة الكون عند كل ~~الشعوب، ويعزو المصريون إلى هرمس المثلث العظمة كل الاكتشافات ~~المفيدة والضرورية للحياة الإنسانية. وكان أول لاهوت للمصريين ~~تاريخا مطعما بالأساطير خجلت منها الأجيال بعدها ms113 فأولتها ~~تأويلا صوفيا باطنيا، وهو أيضا ما يحدث لدى جميع الشعوب ~~الأولى. كان المصريون أول المؤلفين من الشرقيين، تلاهم اليونان ~~والرومان. وفي الدورة الثانية كان الشعراء هم أول الكتاب في اللغات ~~الأوروبية الحديثة، والشعر البطولي أقدم أنواع الشعر، والشعر ذو ~~المقطعين أبطؤها، والشعر ~~اليامبي # lambique ~~(الرجز) أقرب أنواع الشعر إلى ~~النثر. # ويستعمل فيكو للحديث عن الدين والشعر تشبيه الأطفال. فمن طبيعة ~~الأطفال أنهم من خلال الأفكار والأسماء المرتبطة بالرجال والنساء ~~والأشياء التي عرفوها يطلقون بعد ذلك نفس الأسماء على الرجال ~~والنساء والأشياء المتشابهة. فالمنطق البشري يبدأ بالحس. والمعرفة ~~البشرية تبدأ بالحس ثم بعد ذلك يستمتع العقل بالاطراد والتكرار ~~والتشابه. فالذهن الإنساني بطبيعته ولارتباطه بالحواس يرى نفسه في ~~الجسم. ويصعب عليه أن يفهم نفسه بالفكر. فالتشبيه سابق على التنزيه ~~كما أن التجسيم سابق على التشبيه على ما يقول علماء أصول الدين ~~القدماء. # والأطفال شعراء كما أن الشعراء أطفال يتمتعون بخيال خصب وذاكرة ~~قوية؛ فالخيال ذاكرة مركبة أو ممتدة في الزمان. ويبدع الأطفال ~~في التقليد ويدخلون على أنفسنا السرور من تقليدهم لكل ما يفهمونه. ~~وإذا كان كل إنسان ذي استعداد طبيعي قادرا على تعلم صناعة ما ~~فإن الشاعر إن لم يكن شاعرا بالفطرة فإنه لا يستطيع أن يتعلم ~~الشعر صنعة. وإذا كان الأطفال يقلدون فإن شعراء الطبيعة لا ~~يقلدون، وتسير الروح الإنسانية عند الأطفال والشعراء بطريقة ~~واحدة. إذ يشعر البشر أولا قبل أن يدركوا، ثم يدركون بذهن ~~مضطرب ثم يفكرون بعد ذلك بذهن واضح. وما يظهر للبشر أولا على ~~أنه موضع شك أو غموض فإنهم يفسرونه بطبيعة الحال طبقا لطبائعهم ~~الخاصة وأهوائهم وعاداتهم. # وليست اللغة وحدها هي وسيلة التعبير؛ إذ يعبر البكم عن أنفسهم ~~بالإيحاءات أو بأشياء ذات علاقات طبيعية مع الأفكار التي يريدون ~~التعبير عنها. يصدر البكم أصواتا لا مقاطع لها بالغناء، ثم ~~يعلم التلعثم في الغناء ألسنة الناس النطق، فالغناء قادر على ~~التعبير عن الانفعالات الإنسانية. وقد بدأت اللغات بالكلمات ذات ~~المقطع الواحد لسهولة النطق بها كما هو الحال عند ms114 الأطفال. # ويذكر فيكو عدة بديهيات أخرى تتعلق بتطور المجتمعات البشرية ~~وتطور البشر أنفسهم؛ فقد بدأت الحياة الإنسانية أولا في الغابات ~~ثم الأكواخ ثم القرى ثم المدن وأخيرا الأكاديميات، وكان مجتمع ~~العلماء هو آخر مرحلة من تطور البشرية، وهنا يبدو القانون ~~متجها نحو الذروة والكمال، ولكن أحيانا أخرى يذكر فيكو التطور ~~البشري آخذا في الاعتبار السقوط والانهيار بعد الكمال والذروة؛ إذ ~~يشعر الإنسان أولا بالضرورة ثم ينظر إلى المنفعة ثم يبحث عن ~~الراحة ثم يسلم نفسه للملذات ثم يتحلل في الترف، ويقع في ~~الجنون، ويفقد هويته. كما أن طبيعة الشعوب تكون أولا الغلظة ثم ~~القسوة ثم اللين ثم الرقة وأخيرا الانحلال. وفي الجنس البشري يظهر ~~أولا الضخم والغليظ ثم المعتز بالنفس والعظيم ثم الباسل والعادل ~~ثم العظمة والبهاء، وبعد ذلك يأتي الهوائي المتقلب ثم يسود ~~الانحلال والجنون. # يذكر فيكو هذه القوانين على أنها عادات بشرية. فالعادة ملك، ~~والقانون طاغية. العادة معقولة ولكن قد لا يعبر القانون عن العقل ~~الطبيعي بل عن إرادة البشر، ولكن المعتاد أن القانون الطبيعي ~~للشعوب الأولى يكون معاصرا في نشأته لعادات الأمم ومتطابقا معها ~~من حيث الحس المشترك دون أي تدبر أو روية ومع استقلال كل أمة ~~عن الأمة الأخرى. والعادات البدائية وخاصة فيما يتعلق بالحرية ~~الطبيعية لا تتغير مرة واحدة ولكن على درجات، وتستغرق مدة طويلة، ~~ولكن نظام الأفكار يتبع نظام المؤسسات، وتبدأ النظريات بنشأة ~~موضوعاتها، ثم يضطر البشر إلى الاحتفاظ بذكريات القوانين والنظم ~~التي تربطهم بمجتمعاتهم فتكون سجلا لتطورهم. # ثم ينتقل فيكو بعد ذلك إلى سلسلة أخرى من البديهيات تتعلق ~~بنظم الحكم الملكية والإقطاعية والأرستقراطية وما يتعلق بها من ~~أنظمة اقتصادية واجتماعية، نشأة وتطورا واكتمالا. ويبدأ فيكو ~~بإقرار مبدأ بديهي عام وهو تطابق الحكومات مع طبيعة المحكومين، أي ~~أن النظم السياسية تعبر عن طبيعة الشعوب على عكس ما يقول ابن ~~خلدون من أن الناس على دين ملوكهم. الأولى نظرة طبيعية والثانية ~~نظرة إلهية. الأولى تصور تحتي والثانية تصور فوقي. # ويبدأ فيكو ببيان نشأة النظم الملكية. ms115 لما بدأت كل الشعوب حياتها ~~الطبيعية بعبادة إله ما في الدول العشائرية كان الآباء هم الحكماء ~~تحت وصاية الآلهة. وقد حاول الكهنة تفسير هذه الوصاية لصالحهم ~~ولكن نجح الملوك أخيرا في تحويلها إلى قوانين لعشائرهم. فالملوك ~~هم أول من حكموا العالم، فقد كانوا أجدر الناس من حيث الطبيعة. ~~وكانوا هم الحكماء، يجمعون بين الحكمة والملك والكهانة. ~~الملكية إذن أول نظام للحكم عرفته البشرية. وفي الدول العشائرية ~~مارس الآباء سلطة الملوك خاضعين لله، لهم السلطة على أولادهم ~~وممتلكاتهم وما ملكت أيمانهم؛ فهم البطاركة والآباء والأمراء ~~والرؤساء. وقد حصلت العشائر على أسمائها من الآباء في الحالة ~~الطبيعية. كان الملوك رؤساء الدين والدولة. وكانوا يقومون بتطبيق ~~القوانين داخل البلاد ويشنون الحروب خارجها. # أما النظام الإقطاعي فقد نشأ ابتداء من أن البعض قد اعتزل ~~العالم الهمجي غير القانوني وكون أسرا. عاش البعض منها في ~~حقول ثم عاش فيها الأبناء من بعدهم. لا يمكن إذن فهم نشأة ~~التجمعات البشرية الأولى قبل هؤلاء القارين الذين أرادوا إنقاذ ~~حياتهم بحماية الآباء لهم، وزراعة أراضيهم. تبدأ هذه التجمعات ~~بالنظام الإقطاعي نظرا لما يعود على الناس من الفائدة منه. فظهر ~~القانون الخاص بالحقول وهو أول قانون زراعي في العالم. وفي كل ~~الأمم القديمة التي يوجد فيها عملاء وزبائن يظهر فيها أيضا النظام ~~الإقطاعي. ويظل الإقطاعي صاحب القوة والسيطرة لأن من علامات القوي ~~ألا يفقد بالجبن ما حصل عليه بالشجاعة. ولم تكن هناك قوانين ~~لمعاقبة الإهانات الخاصة أو لتصحيح الأخطاء الشخصية. # أما النظام الأرستقراطي فإنه يقوم على أكتاف النبلاء الذين ~~يقسمون بأن يكونوا أعداء أبديين للعامة. ويقوم النظام على الثروة ~~وتركيزها في طبقة النبلاء لأن الثروة تزيد من قوة الطبقة. وتكون ~~النظم الأرستقراطية على حذر دائم من الدخول في حرب خشية أن ~~تتحول العامة إلى محاربين. والحرب في هذه النظم تؤدي إلى ~~البطولة، كما تؤدي في السلم إلى التمسك بالشرف والتنافس عليه ثم ~~يكون الشرف بالتالي باعثا على الشجاعة في السلم والحرب. ثم تنشأ ~~المعارضة شيئا فشيئا في المدن من ms116 أجل مساواة الطبقات العامية مع ~~طبقة النبلاء في الحقوق، وتطالب بالقوانين التي لا يريدها النبلاء، ~~وتطمح العامة من أجل أن تحصل على نتاج كسبها، ولكن طبقة النبلاء ~~توقف القوانين حتى لا يتساوى الضعفاء والأقوياء. # وأخيرا تنشأ النظم الشعبية تعبيرا عن رغبات العامة، ولكنها ~~تقود صراعا من أجل السلطة بالسلاح في وقت السلم، وتصدر القوانين ~~باسم السلطة وليس باسم القانون. ومع ذلك تثبت الحرية الطبيعية ضد ~~النظم الملكية والإقطاعية والأرستقراطية، وتمحي مظاهر العبودية ~~الاجتماعية التي تجعل الإنسان ضمن المقتنيات، ولكن هذه النظم ~~الشعبية ذاتها تحف بها المخاطر. فبعد أن يحاول الناس التحرر من ~~العبودية والحصول على أكبر قدر ممكن من المساواة، تحاول العامة ~~تجاوز المتساوين معها فتتحول النظم الشعبية إلى نظم قوية تقوم ~~على السيطرة. ثم تضع العامة نفسها فوق القوانين التي لا تراعيها ~~فتتحول نظم الحكم إلى فوضويات لا يوجد فيها طاغية واحد لأنهم ~~كلهم طغاة. وأخيرا تحاول العامة أن تجد خلاصها من جديد في عودة ~~النظم الملكية. فبعد أن تضطر العامة لقبول سلطة النبلاء، وبعد أن ~~يضطر النبلاء لقبول سلطة العامة، يضطر الجميع لقبول سلطة الملوك؛ ~~ومن ثم ينتهي جدل السيد والعبد على ما يقول هيجل لصالح الملك. ولا ~~يستمر في دورة أبدية. # ثم يعطي فيكو بعد ذلك عدة مبادئ عامة عن حياة العمران. فبعد ~~الفيضان عاشت الأسر أولا في الكهوف ثم على سفوح الجبال ثم ~~انتقلت إلى السهول ثم إلى شواطئ البحار، كما تنشأ المدن أولا داخل ~~البلاد ثم بعد ذلك تنشأ المدن الساحلية. وقد كانت مدينة صور أولا ~~في الداخل ثم حولها الفينيقيون إلى مدينة ساحلية، فقد كان ~~الفينيقيون أول بحارة في العالم، فالمدن الداخلية أكثر قدرة على ~~الدفاع عن نفسها من المدن الساحلية. وقد بنى اليونان عدة مدن ~~يونانية على ساحل أيونيا تم تدميرها بسهولة بعد ذلك. ونظرا ~~لضرورات الحياة يترك الناس أرضهم طمعا في مزيد من الثروة عن طريق ~~التجارة أو لحمل ثرواتهم معهم حرصا عليها من الضياع ومخاطر ~~الاستقرار، والشعوب الأولى لا يمكن النفاذ ms117 إليها إلا من الخارج عن ~~طريق الحرب ومن الداخل عن طريق فتح حدودها للتجارة مع ~~الغرباء. # وينهي فيكو بديهياته حول الله والقانون والمساواة. فهناك أقوام ~~كبيرة وأقوام صغيرة. ولكل منها إله. فالآلهة تصنع قدر الأقوام! ~~أما القانون فإنه يكون بمثابة الحكمة لدى الشعوب المحدودة الأفكار ~~التي لم تبلغ بعد شأوا من الحضارة والتطور. وينشأ اليقين في ~~القانون من غموض الحكم وتأييد السلطة. أما الأذكياء فإنهم يأخذون ~~المنفعة قانونا. أما حقيقة القانون فإنه نور يعين، وعظمة تأتي ~~إليه من العقل الطبيعي. أما بالنسبة للمساواة، فالمساواة المدنية ~~حكم محتمل لا يعرفه كل الناس. أما المساواة الطبيعية فإنها تعبير ~~عن العقل الإنساني، ودرجة التطور نحو الكمال. # بعد هذه البديهيات التي يسميها فيكو «العناصر»، يتحدث عن ~~«المبادئ» وهي الحقائق البديهية لدى كل الشعوب دون الاستعانة ~~بالتراث المكتوب بل بناء على تنظير مباشر للواقع وسبر لأغوار ~~الطبيعة البشرية. فالعالم الإنساني من صنع الإنسان؛ وبالتالي توجد ~~مبادئه في الذهن الإنساني. فالواقع والذهن شيء واحد، وكأن فيكو ~~هنا يرصد مسبقا «فينومينولوجيا الروح» عند هيجل. # هناك ثلاثة مبادئ هي في الوقت نفسه، عادات للشعوب ونظم لها؛ ~~الأول: أن كل شعب له دين، ولا يوجد شعب يجهل الدين على خلاف ما ~~يرويه بيل وبعض الرحالة من أنهم رأوا شعوبا بلا دين، يجهلون ~~الله، فهؤلاء الرحالة لا يبغون العلم بل يريدون تسويق مؤلفاتهم ~~فحسب. العبرانيون، والمسيحيون، والوثنيون والمسلمون (المحمديون) ~~كل هؤلاء لهم دين ، وقد آمنت كل الشعوب بإله مجسد أو غير مجسد ~~يعتني بالعالم ويرعاه، وهذا ما أكده الفلاسفة جميعا على اختلاف ~~مذاهبهم؛ والثاني: أن كل الشعوب لديها احتفالات بالزواج؛ فالعلاقات ~~الجنسية الحرة دون رباط رسمي علاقات شريرة، ينتج عنها أطفال بلا ~~أسر، يتركون في الخارج. وظيفة الأسرة إذن رعاية الأطفال الشرعيين ~~وإعطاؤهم التعليم والدين واللغة؛ والثالث: أن كل الشعوب تدفن ~~الموتى؛ فلا يوجد شعب يترك موتاه بلا قبور. فنحن جميعا زملاء في ~~البشرية. وعندما نناقش خلود الروح فنحن نشارك في نفس الإنسانية. ~~وقد ذكرت كل الديانات هذا المبدأ وعرفته ms118 الحضارات، وكتبت حوله ~~القصص والمسرحيات (أنتيجون). # 5 # وأخيرا يتحدث فيكو عن منهج «العلم الجديد» ويحدده على أنه ~~منهج الاستقراء الذي يبدأ من الطبيعة إلى الفكر. فالمنهج يبدأ حيث ~~يبدأ الموضوع؛ وبالتالي يكون الموضوع هو منهج ذاته. ويكون تطور ~~الموضوع ضمن خطوات المنهج. وهنا يلحق فيكو أيضا بهيجل في توحيده ~~بين الموضوع والمنهج بين الواقع والجدل؛ لذلك يجب البدء باللغويين ~~والفلاسفة والكتاب والأدباء والشعراء والمشرعين وكل من حاولت ~~الإنسانية تدوين نفسها من خلالهم. ويعطي فيكو نموذجا من هذا ~~المنهج التجريبي بنشأة فكرة الله أو الدين الموجودة لدى كل الشعوب ~~المتحضرة والبدائية. فعندما يعيش الإنسان لحظات اليأس من كل عون ~~للطبيعة، ويرغب في شيء أعلى منها لمساعدته يكون هو الله. وإذا ما ~~وصل المنحلون إلى سن متقدمة في العمر يكتشفون الدين. وهذا ما ~~يثبته البدائيون الذين يعيشون حياة الانفعال. أما الميتافيزيقا ~~الشعبية ولاهوت الشعراء فإنه أيضا ينتهي إلى النتيجة نفسها؛ إذ ~~يعيش البشر، نظرا لطبيعتهم الفاسدة، تحت سيطرة حب الذات ويسيرون ~~وراء منفعتهم الخاصة؛ وبالتالي يعجزون عن السيطرة على انفعالاتهم. ~~وبعد الزواج كان لزاما على الإنسان أن يوفق بين منفعته ومنفعة ~~أبنائه. وبعد الحياة الاجتماعية كان لزاما عليه أيضا أن يوفق بين ~~مصلحته ومصلحة الآخرين، وبين مصالح الآخرين ومصالح الشعب ككل، ثم ~~بين مصالح الشعب ومصالح الجنس البشري. ولما كان الإنسان لا يبغي ~~إلا صالحه الخاص كان لا بد من العناية الإلهية كي تضعه دخل نظم ~~تعلمه العدالة وتحدد دوره كعضو في الأسرة وفي المجتمع وفي ~~المدنية والإنسانية. ولما كان غير قادر على الالتزام بهذه النظم ~~فإنه يسمي العادل منها ما يحقق منفعته الخاصة، وما ينظمها يسميه ~~العدالة الإلهية، وما يحكمها يسميه العناية الإلهية. وهنا يبدو ~~فيكو متفقا مع هوبز في أن الدين ضروري لصالح البشر. وأن كليهما ~~ينظر إلى العقيدة المسيحية، على أنها عقيدة الخلاص من الخطيئة عن ~~طريق المسيح. # العلم الجديد إذن هو اللاهوت العقلي المدني للعناية الإلهية التي ~~يؤمن بها الرواقيون عن طريق الصلة بين العلة والمعلول؛ إذ إنهم ms119 في ~~نظام الأشياء الطبيعي يسمون اللاهوت الطبيعي ميتافيزيقا صفات الله ~~وأفعاله في الطبيعة، والأبيقوريون عن طريق المنافسة العمياء بين ~~اللذات. العلم الجديد إذن يأخذ موضوع العناية الإلهية في التاريخ ~~حين تكشف عن نفسها في العادات والنظم الطبيعية. وهنا يلحق هردر ~~بفيكو، فقانون تطور البشرية عند هردر هو أيضا العناية الإلهية ~~وتحويلها من صفة لله إلى قانون للتقدم. ويحلل العلم الجديد ~~الأفكار الإنسانية حول الحاجات الإنسانية ومنافع الحياة الاجتماعية ~~وهما المصدران الدائمان للقانون الطبيعي للشعوب، فتاريخ الأفكار هو ~~تاريخ الإنسانية نفسها. موضوع العلم الجديد إذن هو الحس المشترك ~~للجنس البشري أو شعور البشرية جمعاء. # وتأتي براهين العلم من الفلسفة واللغة مثل اتفاق الأساطير والنظم ~~الذي يدل على أنه اتفاق بالطبيعة وليس وليد المصادفة، اتفاق ~~العبادات البطولية مع النظم، اتفاق المعاني الاشتقاقية للغات ~~البدائية مع النظم. وفهم النظم من خلال الكلمات ومعانيها اللغوية ~~الأصلية أو المجازية المتطورة. القاموس الذهني للنظم الإنسانية ~~الاجتماعية هو القاموس نفسه الذي لدى كل الشعوب والذي يتم التعبير ~~عنه بطرق مختلفة وطبقا للغة كل شعوب: التراث الشعبي المحفوظ الذي ~~يصحح أخطاء المؤرخين، الشذرات القديمة التي يمكن بعد التأليف بينها ~~أن تعطي المعنى والدلالة، معرفة آثار هذه النظم بالرجوع إلى ~~عللها الأولى. هذه البراهين كلها تجعلنا قادرين على معرفة «عالم ~~البشر» كما عرف بيكون «عالم الطبيعة» وبنفس المنهج الاستقرائي الذي ~~يمكن تلخيصه في شعار «انظر وفكر». # | رابعا: الحكمة الشعرية # وتعبير «الحكمة الشعرية» هو أكثر التعبيرات استعمالا عند فيكو، ~~وعنوان الكتاب الثاني وهو أطول الكتب في أقسام كتاب «العلم ~~الجديد»؛ وبالتالي يكون الكتاب الأول عن «إقامة المبادئ» مجرد ~~تمهيد له، ويكون الكتاب الثالث عن «اكتشاف هوميروس الحقيقي» تكملة ~~له، والرابع والخامس عن مسار الشعوب في دورتها الأولى ثم الثانية ~~عندما تنهض من جديد مجرد تطبيق للحكمة الشعرية مرة ثانية في دورات ~~الحضارات المتتابعة؛ فقد بدأت البشرية بالشعر، فكان شعراؤها هم ~~حكماؤها وعلماؤها ومشرعوها، لم يكن هوميروس والتراجيديون اليونان ~~مجرد شعراء أو أدباء فقط بل كانوا أصحاب معرفة ودين وأخلاق وسلوك ms120 ~~وإرشادات للحياة العملية، بل كانوا أيضا واضعي قوانين. فكل مدينة ~~يونانية أسسها إما مشرع أو بطل. لم يخلق الشعراء العالم كما خلقه ~~الله ولكنهم خلقوه بالخيال، واللفظ اليوناني Poetikos # مشتق من فعل Poiein # أي يفعل أو يخلق؛ ~~فالشعر يمثل بدايات الفن والعلم والميتافيزيقا والمنطق والأخلاق ~~والاقتصاد والطبيعة والكونيات والفلك والتواريخ والجغرافيا. يقول ~~فيكو إنه في هذا الكتاب الثاني سيبين كيف استطاع مؤسسو ~~الإنسانية الأولى بالاعتماد على اللاهوت الطبيعي (الميتافيزيقا) ~~تخيل الآلهة، وبالنطق اختراع اللغات، وبالأخلاق حلق الأبطال، ~~وبالاقتصاد إقامة الأسر، وبالسياسة المدن، وبالطبيعة بدايات ~~الأشياء وكأنها إلهية، وبفيزيقا الإنسان خلقوا أنفسهم، وبالكونيات ~~تصوروا لأنفسهم عالما مملوءا بالآلهة، وبالفلك نقلوا الكواكب ~~والأفلاك من الأرض إلى السماء، وبالتواريخ أعطوا أوقاتا للبدايات، ~~وبالجغرافيا استطاع اليونان وصف العالم كله ابتداء من اليونان. ~~فكل مظاهر الحضارة من اختراع الإنسان، والبشرية خالقة لذاتها على ~~ما يقول فيورباخ فيما بعد. وإن العلم ذاته الذي يزهو به الناس على ~~أنه صورة للطبيعة هو أيضا من اختراع الإنسان، وإن بيكون كان نبي ~~العلم في العصر الثاني للبشرية، ومشروعه الضخم «الإصلاح العظيم» لم ~~ينشر منه إلا «تقدم العلم» و«الأورجانون الجديد»، أكبر إنجاز للقرن ~~السابع عشر. وعلى منواله صاغ فيكو «العلم الجديد» في القرن الثامن ~~عشر، ولكن الفرق أن بيكون أراد العلم الآن في صورته الكاملة وفيكو ~~أراد وصف نشأته وتطوره واكتماله، فالعلم يبدأ حيث يبدأ ~~موضوعه. # والحكمة موجودة لدى كل الشعوب في أساطيرها وقصصها؛ فكل قصص ~~الشعوب لها بدايات أسطورية. وكان الشعر هو لغة التعبير عن هذه ~~الحكمة. فأول الحكماء عند اليونان هم الشعراء اللاهوتيون. ثم بعد ~~ذلك قدم اليونان أنفسهم من خلال الفلسفة، ولكن المصريين قدموا ~~أنفسهم من خلال اللاهوت الطبيعي (الميتافيزيقا). وكل شيء يولد ~~يكشف عن البدايات، والبدايات لدى الشعوب ولدى من من خلالهم ~~تخلد الشعوب ذواتها أي الشعراء وهم الحكماء والعلماء. # ويشترك اليونان والمصريون في خمسة أشياء؛ احترام الدين فقد ~~تأسست الشعوب الوثنية بأساطير حول الدين، اعتبار النظام المدني ~~مستمدا من حكمة تفوق قدرة الإنسان، بحث الفلاسفة ms121 عن أشياء ~~مدعاة للتأمل والتفلسف، إيجاد وسائل التعبير عن فلسفاتهم في ~~الألفاظ والتعبيرات التي تركها الشعراء لهم، وأخيرا التأكيد على ~~هذه التأملات في الحكمة والدين. وهذه الأشياء الخمسة تؤكد أهمية ~~الحكمة الإلهية كما تؤكد أهمية التفلسف. ولما كانت الفلسفة تأملات ~~في الشعر وكان الشعر تأملات في الدين كان الشعر هو القاسم المشترك ~~بين الفلسفة والدين. كما يدل على أن البشرية بدأت بالدين ثم ~~بالفلسفة، وهذا كله تشمله الحكمة، ولما كان العقل لا يتفلسف إلا ~~بعد حصول شيء في الحس كما هو الحال عند أرسطو من القدماء وعند ~~هوسرل أيضا والمدرسة الحسية من المحدثين، كانت الفلسفة تالية ~~للشعر وللدين. # والحكمة أم العلوم. وهي ملكة يصدر عنها كل إبداعات البشر من ~~علوم وفنون تصنع الإنسانية، فالإنسان ذهن وروح، عقل وإرادة، ~~وكلاهما واجهتان للحكمة، وعن طريق العقل تسيطر الحكمة على الإرادة ~~لصالح الإنسان. ولما كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا في نظم فإن ~~الحكمة أيضا هي التي تنظم علاقة الإنسان بالله. وأفضل النظم ما ~~كان حقا لخير الإنسانية، وهي النظم الدينية التي توجه النظم ~~العلمانية عن طريق الحكمة. الحكمة بلغة هوميروس هي معرفة الخير ~~والشر أو التنبؤ بالمستقبل؛ لذلك يعتبر الشعراء اللاهوتيون هم ~~الذين أسسوا الحكمة القديمة؛ لذلك سموا «أساتذة الحكمة»، بعد ~~ذلك أعطيت الحكمة للناس وشاعت بينهم فظهرت عند الحكماء السبعة ثم ~~عند الفضلاء من الناس لإدارة فن الحكم. وفي كل الحالات يظل معنى ~~الحكمة هو معرفة الأشياء الطبيعية الإلهية أي الميتافيزيقا، معرفة ~~ذهن الإنسان في الله، فالله مصدر الحقيقة ومشرع الخير. ~~الميتافيزيقا إذن علم يهدف إلى تحقيق صالح البشرية التي تقوم على ~~الإيمان الشامل بالعناية الإلهية. # ولا يفرق فيكو في ذلك بين الدين الوثني ودين العبرانيين ~~والمسيحيين على الرغم من وضعه للدينين على مستويين مختلفين. فإذا ~~كانت ربات الفنون # Muses # هي ~~التي أسست الدين الوثني فإن الله هو الذي أسس الدين الحقيقي ~~للعبرانيين وللمسيحيين الذين يسمون الحكمة العلم بالأشياء ~~الأبدية التي يوحيها الله. هناك إذن ثلاثة أنواع من اللاهوت؛ ~~اللاهوت ms122 الشعري وهو الشعر المدني لدى الشعوب الوثنية، واللاهوت ~~الطبيعي عند الميتافيزيقيين، ثم اللاهوت المسيحي وهو خليط بين ~~الاثنين بالإضافة إلى اللاهوت الموحى به. وقد ظهرت العناية ~~الإلهية في الأنواع الثلاثة كقاسم مشترك لقيادة البشرية وتوجيهها ~~وكما هو الحال أيضا عند هردر ولسنج. وذلك لأن فيكو يقسم البشرية ~~إلى نوعين؛ الوثنيون وهم العمالقة من جنس حام ويافث وسام الذين ~~رفضوا دين نوح أبيهم المشترك وعاشوا على الطبيعة بعد الطوفان ~~وانقسموا إلى نبلاء مستغلين وعبيد يفلحون الأرض، والعبرانيون ~~الذين قبلوا دين نوح واحتفظوا بوضعهم الأول، وهو الوضع الإنساني ~~الأخير الذي عادت إليه بعد ذلك سلالة العمالقة. # وبعد هذه المقدمة عن الحكمة الشعرية يقسمها فيكو إلى فرعين؛ ~~الميتافيزيقا وهي الجذع الذي يخرج منه المنطق والأخلاق والاقتصاد ~~والسياسة والتاريخ، والفيزيقا وهي التي تخرج منها الكونيات والفلك ~~والتواريخ والجغرافيا، وأكبرها المنطق والسياسة والاقتصاد أي ~~الحكمة الإنسانية. وهو يذكرنا بما قاله ديكارت من قبل عن شجرة ~~المعرفة التي جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزيقا وفروعها الأخلاق ~~والطب. # فالميتافيزيقا الشعرية هي بداية للشعر وللوثنية وللدين بكل ما ~~فيه من عرافة وقرابين. لم تكن ميتافيزيقا عقلية بل خيالية بسبب ~~الجهل بالطبيعة وقوانينها وعللها. والجهل أساس الدهشة. كان الشعر ~~أولا إلهيا، تعبر به الشعوب عن طبائعها الخاصة كما يفعل ~~الأطفال. خلق الشعراء اللاهوتيون الأسطورة الإلهية الأولى، خلقوا ~~فكرة من أنفسهم، وتصوروا الأشياء مملوءة بآلهة، فاللاهوت هو ~~علم لغة الآلهة، اللغة الإنسانية التي استعملها البشر لوصف الأشياء ~~على أنها آلهة إذ إن لكل شعب آلهة. نشأ الله في الشعر بالخيال ~~أولا ثم حولته الميتافيزيقا بعد ذلك إلى عناية إلهية. نشأ الله ~~من عجز القوة الإنسانية، ومن خوف الإنسان من نفسه، كما نشأت ~~العرافة والأضاحي للسيطرة على هذا الخوف، وكانت النتيجة تصديق ~~هذه الاستحالة؛ استحالة أن تكون الأشياء أرواحا، والأجسام عقولا. ~~لم ينشأ الشعر إذن عن نقص في العقل الإنساني بل للتعبير عن الآلهة. ~~ولقد أعطانا الشعر أساطير رفيعة ملائمة للفهم الشعبي والقلق من أجل ~~الوصول إلى غاية، وتعليم العامة السلوك الفاضل تشبها ms123 بالشعراء. ~~وأخيرا يحدد فيكو المظاهر الرئيسية لهذا العلم وكأنها بديهيات ~~مثل قوة العناية الإلهية التي تفوق الطبيعة وتعين الإنسان عليها، ~~ووراثة السلطة دور العناية الإلهية إذ تكون أولا إلهية ثم إنسانية ~~ثم طبيعية، وهي سلطة القانون الطبيعي، وكشف تاريخ الأفكار ~~الإنسانية تصورات البشر للأشياء على أنها آلهة، ثم النقد الفلسفي ~~لهذا التاريخ، ثم تاريخ الشعوب في مسارها، كل على حدة كتاريخ أبدي، ~~ونظام القانون الطبيعي للشعوب، وأخيرا مبادئ التاريخ العام من ~~خلال المراحل الثلاث التي تصورها المصريون والتي أصبحت قانون تطور ~~التاريخ عند فيكو. # والمنطق الشعري يبين أهمية الشعر كمنطق ولغة وتعبير واتصال ~~وتخاطب قبل المنطق الصوري الذي وصفه الفلاسفة، فالمنطق من لفظ # Logos # وهو يعني أيضا أسطورة؛ ~~أي التعبير ثم تأتي أهمية الفكر في الخطاب بعد ذلك. # الأسطورة لغة، تعبر عن الأشياء أحياء، وتعتمد على الخيال ~~والرمز والاستعارة والكناية وشتى أساليب البيان، وهو ما سيلاحظه ~~كاسيرر بعد ذلك في «فلسفة الصور الرمزية» وكلها مستقاة من جسم ~~الإنسان وحواسه وانفعالاته. فالرأس للقمة، والكتفان للثقل، والفم ~~للفتحة، والشفاه للكوب، والعنق للنهر، والجسد للأرض ... إلخ، وطبقا ~~لقوانين المجاز مثل التعبير عن الجزء بالكل أو عن الكل بالجزء. ~~والشعر أسبق من النثر ظهورا لدى كل الشعوب لأنه أكثر قدرة على ~~التعبير وأقل تطلبا للفكر. كما أن فن السخرية بدأ بعد ظهور ~~التفكير لأنه يتطلب معرفة جدل الصدق والكذب. والتحولات الشعرية ~~أو مسخ الكائنات في الشعر أتى من عجز الذهن الإنساني عن تجريد ~~الصفات أو الخصائص مثل الأطفال. والخطاب الشعري يسمح بالكشف عن ~~عادات القدماء وحكمهم وأمثالهم وكل ما يتعلق بالقوانين ~~الاجتماعية والنظم والاحتفالات والشعارات والعلامات ورموز الحكم. ~~وقد نسبت كل الشعوب حكمتها الباطنية إلى المؤلفين الأوائل مثل ~~زرادشت في الشرق، وكونفوشيوس في الصين، وهرمس مثلث العظمة في مصر، ~~وأورفيوس لدى اليونان، وفيثاغورس في إيطاليا. ولما كان الشعر يقوم ~~بدور اللغة فمن المهم معرفة نشأة اللغات وقبلها نشأة الحروف؛ ~~وبالتالي معرفة مصادر اللغة الهيروغليفية والأسماء وشارات الأسر ~~والميداليات والنياشين والنقوش والنقود ... إلخ. بل إن ms124 لفظ حرف # character # يعني أيضا صفة وكأن ~~الصفات أو الأفكار كانت في نشأتها حروفا وأن الحروف تعبر عن ~~الأفكار. كما أن الاسم والصفة تعني نفس الشيء عند اليونان؛ لذلك ~~كانت أسماء الله هي صفاته. ويعدد فيكو ثلاثة مبادئ لنشأة الحروف ~~واللغة؛ تصور الشعوب الأولى للأشياء على أنها جواهر حية، ~~والتعبير عن ذلك بالحركات والأشياء التي لها علاقة بالأفكار، ثم ~~التعبير عن ذلك أخيرا بلغة ذات دلالات طبيعية. ويضع فيكو ثلاث ~~لغات للعصور الثلاثة لتطور البشرية؛ اللغة الهيروغليفية أي اللغة ~~المقدسة أو الإلهية في عصر الآلهة، ثم اللغة الرمزية في العصر ~~البطولي، ثم اللغة الشعبية، لغة الرسائل والسوق في العصر الإنساني، ~~ولكن كيف تختلف اللغات لدى الشعوب؟ يرجع الاختلاف إلى البيئة ~~الجغرافية التي اقتضت طبائع مختلفة وعادات مختلفة. لقد بدأت ~~اللغات الثلاث في نفس الوقت، لغة الآلهة صامتة، ولغة الأبطال بين ~~الصمت والنطق، ولغة الشعب ناطقة، وبدأ النطق بتقليد الأصوات كما ~~يفعل الأطفال وكما هو واضح في الألفاظ الصوتية # Onomatopia ~~. ثم نشأت الكلمات من وضع ~~الضمائر من الأصوات التي تدخل على انفعالات الإنسان بمفرده، ~~المتكلم والمخاطب والغائب، وهي أيضا أحادية المقطع، ثم نشأت ~~الأدوات أيضا أحادية المقطع والحروف ثم الأسماء ثم أخيرا الأفعال ~~لأنها تدل على الحركات وتضم الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل. ~~كذلك نشأ الأسلوب الشعري، الاستطراد، والقلب، والإيقاع، والأوزان، ~~وأنواع الشعر واستعملته الشعوب بسبب عجز اللغة عن التعبير؛ لذلك ~~امتلأ الأسلوب الشعري بالصور والخيالات والتمثيلات والمقارنات ~~والاستعارات والحسيات والتكرار . ومن اللغة نشأ القانون؛ فقد ~~استعملت الحروف والأسماء والشارات والعلامات والرموز لتأكيد ~~الملكية وتمييز بقعة عن بقعة وإحاطة الممتلكات بالأسوار ثم استعملت ~~القوانين بعد ذلك لأداء نفس الوظيفة. وبعد ذلك نشأ منطق المتعلمين. ~~وأعطى الحكماء الأسماء الطبيعية للأشياء، فالاسم # Name # والميلاد # Naitre # من نفس الاشتقاق وكذلك الطبيعة # Nature ~~. وقد تعاملوا أولا مع ~~الموضوعات الحسية ثم بعد ذلك نشأت الأنواع والأجناس؛ فالحس أولى ~~مراحل الإنسانية يتلوه العقل ثم التصنيف والجمع. وبالرغم من ظهور ~~العناية الإلهية لتصريف أمور الدنيا واستقراء تاريخ الفكر البشري ms125 ~~إلا أن هناك قانونا عاما وشاملا للإنسانية. # والأخلاق الشعرية تبين نشأة الفضائل الشعبية التي يعلمها ~~الدين من خلال نظام الأسرة من خلال فكرة الله. فالله يظهر في سلوك ~~الأفراد والجماعات في صورة أخلاق بناء على الخوف. فالسماء ملجأ ~~الانفعالات وملاذ الخائفين ومصدر قوة للمستضعفين. تبدأ الفضائل ~~الخلقية إذن بالدوافع والانفعالات، وتتكون لحماية الناس. وهنا يظهر ~~الزواج كطريق طاهر وشريف للعلاقات الجنسية تحت رعاية الله. فمن ~~رعاية الله تدخل المرأة إلى منزل الرجل وأسرته، وتتحجب وتتحدث من ~~وراء ستار، ويأخذها الرجل بالقوة كما كان يفعل العمالقة من قبل ~~باستيلائهم على النساء ومباشرتهن في الكهوف. فالأخلاق والدين ~~وسيلتان لتهذيب الناس وجعلهم حذرين باتخاذ نصائح من الله، وعادلين ~~مع أنفسهم ومع الله، ومعتدلين راضين بامرأة واحدة طوال عمرهم ~~المديد، وأقوياء عاملين وعظماء. ثم ظهرت عادة تقديم القرابين ~~البشرية للآلهة حيث كان يسود التعصب والخرافة. # والاقتصاد الشعري يكشف عن أن الأسر الأولى كانت تضم الأطفال ~~فقط؛ فقد كان الآباء الأبطال يعيشون على الطبيعة كما كان الحكماء ~~تحت رعاية الحكمة، وكان الرهبان يقدمون القرابين، وكان الملوك ~~يستمدون القوانين إلى أسرهم من الآلهة؛ فقد بدأ الملوك أنظمة حكمهم ~~بالاعتماد على العشائر وليس أسرهم الخاصة، وبدءوا في تربية أبنائهم ~~وترك رزقهم لهم، والاستقلال التام لهم. وفي نظام الأمومة توجد ~~الصداقة الحقة وتتم عملية تأنيس البشر. يحقق هذا النظام ثلاثة ~~أهداف؛ الشريف والنافع والمبهج وكل ذلك تحت مظلة الدين ولاستمرار ~~الجنس البشري. وكان أبناء العشائر عبيدا باستثناء أبناء الأبطال ~~فهم وحدهم أحرار. ومن العبيد بدأ الإقطاع واستثمار الأرض ومشاركة ~~الأسر في عمل الأبطال وليس فقط في مكتسباتهم أو شرفهم. وعلى هذا ~~النحو تأسست المدن والمستعمرات داخل الأرض ونشأت الملاجئ، واقتضت ~~ظروف الحياة أن تكون المقايضة أول صور البيع والشراء. ولم يكن هناك ~~إيجار للمنازل لصغر المدن بل كان الإقطاعيون يؤجرون أرضهم للبناء ~~عليها لمدد طويلة. لم تكن المشاركة أو الوكالة معروفة عند ~~القدماء، ولكن عرفت عقود البيع والشراء وختمها بالاتفاق المجرد إلى ~~أن بدأ القانون في الظهور بشكل ms126 أسطوري. # والسياسة الشعرية تكشف عن أن أول نظام للحكم في العالم كان ~~نظاما أرستقراطيا؛ فقد نشأ النظام العشائري بالأسر الصغيرة ~~التي وضعها الأبطال تحت حمايتهم بالقوة أو بالإيمان، ولما تحرر ~~الأبناء بعد موت الآباء أخذ كل ابن الأمر كله لنفسه. ثم اتحد ~~الآباء الجدد فيما بينهم اتقاء لثورات العامة. لقد نشأ أول ملوك ~~الدنيا بهذه الطريقة وعلى أكتافهم نشأت أول المدن. وبتعبير آخر إن ~~كل نظم الحكم نشأت طبقا لمبادئ الإقطاع الأبدية إما ملكية ~~الإنتاج أو ملكية الأرض أو ملكية الإقطاعيات. وقد انقسم الناس إلى ~~نوعين؛ عامة تريد تغيير نظام الحكم ونبلاء يريدون المحافظة عليه. ~~ويستمر فيكو في بيان نشأة النظم السياسية القديمة مثل الضرائب ~~والخزانة والجمعيات التشريعية والطبقات الاجتماعية. كما يحاول بيان ~~تطورها ابتداء من التربية الوحشية للعمالقة ثم شراء النساء ~~بالمهور الغالية ثم إنجاب الأطفال وتزوج النساء لمنفعة الأزواج ~~والآباء. كما يتحدث عن الألعاب الرياضية القديمة وأهمية السباق أو ~~الحروب القديمة ونشأة العبودية. # والتاريخ الشعري موجود في أساطير القدماء التي تقص نشأة العالم ~~وبداية الخلق ثم إنشاء المدن وظهور الأغاني والترانيم والأناشيد ثم ~~ظهور النظم والمجالس والقوانين والمحاكمات والعقوبات ثم العداوة ~~بين المدن وظهور فنون الإنسانية. والحقيقة أن فيكو هنا يجمع بين ~~التاريخ والكونيات والتواريخ مما يدخل في علوم الطبيعة. # والفيزيقا الشعرية هي الفرع الثاني من الحكمة بعد الميتافيزيقا ~~وتشمل الكونيات والفلك والتواريخ والجغرافيا. وتبدأ أيضا ~~بالأسطورة. في البداية كان العماء ثم اختلطت البذور الإنسانية مع ~~النساء إثر فعل الزنا ، ثم انقسمت السماء بالرعد، وخلق «يوفا» عالم ~~البشر قائما على الدوافع وحرية الذهن. ومن حركة الأجسام تكون ~~عالم الطبيعة وتحدث الشعراء اللاهوتيون عن العناصر الأربعة. وتشير ~~أيضا الفيزيقا الشعرية إلى جسد الإنسان؛ الرأس والصدر والقلب ~~والمعدة والكبد. وفي الكونيات الشعرية يختلط الكون بالآلهة؛ ~~فالسماء أعلى من الجبال، والآلهة تتربع في السماء وتنزل على قمم ~~الجبال، والنسيان والجوع وتأنيب الضمير مظاهر للعقاب الإلهي. ~~والفلك الشعري عند القدماء يشير إلى حقائق ثابتة مثل رفض أي شعب ~~قبول آلهة غريبة، واعتبار ms127 إله الكواكب أكبر من إله النجوم. وفي ~~التواريخ الشعرية تتحدد أنساب الآلهة من أجل تحديد بداية للزمان ~~وبدايات التاريخ الشامل التي تمتد إلى الشرق، أما الجغرافيا ~~الشعرية فإنها تجعل اليونان مركز العالم وتصف أول من سكن المناطق ~~الوسطى وكيفية نشأة المدن. ويتضح من ذلك اختلاط العلوم كلها ~~وتداخلها في الحكمة الشعرية. # ثم يعرض فيكو في الكتاب الثالث إلى مشكلة هوميروس: هل هو شخصية ~~حقيقية عاشت بالفعل أم أنه أسطورة من نسج الخيال؟ وهو ما عرف في ~~التاريخ باسم «المشكلة الهوميرية» والتي نسج على منوالها أيضا ~~قضية الشعر الجاهلي. وينكر فيكو وجود هوميروس كشخصية تاريخية ~~حقيقية عاشت بالفعل؛ وبالتالي يكون من مؤسسي المدرسة الأسطورية في ~~الدين والأدب التي خرجت من هيجل وشتراوس ورينان وغيرهم. ولا يعني ~~ذلك الإقلال من شأن المعطيات النصية لأن المثال أو الفكرة تظل ~~باقية في ذهن الإنسانية بصرف النظر عن قائلها. ولا يضير الأدب ~~الشعبي شيئا في قدرته على تصوير حياة الشعوب بأنه مجهول المؤلف. ~~فالعالم من صنع الإنسان، والأسطورة تعبر عن أعمق مستويات ~~الحضارة، ولا يمكن أن يكتبها شخص واحد، وهو ما توصل إليه يونج ~~وجويس وكاسيرر أيضا في العصر الحاضر، هوميروس ليس شخصية حقيقية ~~تاريخية بل مثال، رجل من الطبيعة، فكرة من العصر البطولي لليونان، ~~كنز يكشف عن القانون الطبيعي لليونان ولكل الشعوب والعادات ~~القديمة. يدل على عقل اليونان وطبيعتهم، وعاشه اليونان بشفاههم ~~وذاكرتهم. ويدلل فيكو على موقفه هذا بما قيل عن هوميروس: عماه، ~~فقره، الإلياذة في الشباب والأوديسة في الشيخوخة لتفسير اختلاف ~~الأسلوب وتباعد القرون بينهما، مولده في منطقة قريبة من مكان حرب ~~طروادة، لغته الوطنية، الدفاع عنه ضد الاتهامات الموجهة ضده، ~~العادات الشعبية التي يذكرها، المقارنات اللفظية، المصطلحات ~~المحلية، كسر الأوزان، تغيير اللهجات، جعل البشر آلهة والآلهة ~~بشرا، قضية الانتحال، صفات البطولة، المقارنات اللفظية، القسوة في ~~وصف المعارك، الانفعالات الشديدة في صياغة العبارات، عظمة الأسلوب، ~~استحالة التفوق عليه أو حتى تقليده (مثل إعجاز القرآن)، مؤسس ~~السياسة والمدنية اليونانية، أب لكل الشعراء، مصدر لكل ms128 فلاسفة ~~اليونان، كل هذه الأدلة تثبت أنه لا يمكن لهذه الأشعار أن تكون من ~~تأليف شاعر واحد بعينه؛ فالناس تعيش تاريخها أولا ثم تسجله في ~~شعرها ثانيا، فكل هذه الأساطير بدأت بروايات حقيقية حدثت بالفعل ~~قبل أن يصوغها الخيال الشعبي. فهوميروس ليس شاعرا بل روح اليونان ~~وطبيعتهم وتاريخهم وعاداتهم وقوانينهم وحياتهم. والشعر بهذا المعنى ~~هو تاريخ الشعوب. وهذا لا يحط من شأن هوميروس، فالقيمة في الفكر ~~وليس في التاريخ، وفي المثال وليس في الواقع، وإلا كان الله لا ~~قيمة له لأنه لا واقع له. وهوميروس مثل بوذا ولاوتسي وكونفوشيوس ~~والمسيح، خلق إنساني في صورة شخص، وروح الإنسانية تجسد نفسها في ~~إنسان. والفكرة لا تحتاج إلى واقع كي توجد بل الواقع هو الذي يحتاج ~~إلى فكر كي يخلد. وما أكثر الشخصيات التاريخية التي ليس لها ~~ذكر وما أضخم فعل الأسطورة في حياة الناس، وكأن فيكو هنا قد استطاع ~~الجمع بين هيجل وهيدجر، بين الروح التي تخلد وبين الشعر كمنزل ~~للوجود. # | خامسا: المراحل الثلاث لتطور ~~البشرية # مهمة «العلم الجديد» دراسة التاريخ في الزمان ومعرفة تطور الشعوب ~~والأمم. فكل أمة تنهض وتتطور وتنضج ثم تنهار وتسقط. ويجعل فيكو هذه ~~المراحل كلها في ثلاث هي عصور كل شعب وأعمار كل أمة؛ عصر الآلهة، ~~وعصر الأبطال، وعصر البشر. ولا يفرد فيكو قسما خاصا من العلم ~~الجديد لعرض هذا القانون بل يذكره في «فكرة الكتاب» ثم يطبقه في ~~الكتابين الرابع والخامس. والحقيقة أن هذا القانون ليس من اكتشافات ~~فيكو بل هو من وضع المصريين كما يصرح فيكو نفسه بذلك عشرات ~~المرات، واستعمله المصريون لشرح تاريخ العالم قبلهم إذ كانوا ~~يمثلون قمة الحضارة البشرية، ويدلل فيكو في البداية على صدق هذا ~~القانون بوصفه لتطور أربعة أشياء؛ نظم الحكم واللغات والطبائع ~~والقوانين. ففي عصر الآلهة يعيش الناس في ظل حكومة إلهية تضع كل ~~شيء تحت رعايتها ووصايتها، وهي أقدم النظم في التاريخ القديم. وفي ~~عصر الأبطال تسود الأرستقراطية بدعوى تفوق النبلاء الطبيعي على ~~الدهماء. وفي عصر البشر يصبح ms129 البشر جميعا متساوين في الطبيعة، ~~وتقوم نظم سياسية شعبية وملكيات وحكومات إنسانية. # وفي مقابل هذه الحكومات الثلاث هناك لغات ثلاث تكون هي لغة ~~العلم؛ أولا: لغة عصر الأسر عندما بدأت الشعوب الأولى تدخل ~~الإنسانية، وهي لغة صامتة، مجرد علامات وأشياء طبيعية لها صلة ~~بالأفكار والرغبات التي يراد التعبير عنها. ثانيا: اللغة الصوتية ~~بواسطة شعارات الأبطال ومشابهاتهم ومقارناتهم وصورهم واستعاراتهم ~~في عصر الأبطال. ثالثا: اللغة الإنسانية وهي لغة اتفاقية بين ~~الشعب في عصر النظم الشعبية والملكية يتحدث بها الخاصة والعامة، ~~النخبة والدهماء. وهي اللغات الثلاث التي تحدث بها المصريون؛ ~~اللغة الهيروغليفية، لغة الدين والسحر؛ واللغة الرمزية لغة ~~الأبطال؛ ولغة الرسائل أو الدهماء في الحياة اليومية. وهي نفس ~~اللغات الموجودة عند الكلدانيين والجرمان وكل الشعوب القديمة. وقد ~~عاشت اللغة الهيروغليفية مدة طويلة نظرا لإحاطة مصر بالأعداء ~~والغرباء مما دعا المصريين إلى التمسك بلغتهم دفاعا عن النفس، ~~وإحساسا بالعزة والفخر، وتمسكا بالاستقلال، وحرصا على ~~الكرامة الوطنية، وكما هو الحال أيضا في الصين بالنسبة للغة ~~الصينية. اللغة الإلهية تكون عن طريق الحركات الساكنة أو ~~الاحتفالات ثم تكون بطولية بالسلاح والحرب وأخيرا لغوية بالحروف ~~وهو ما تستعمله جميع الشعوب اليوم. والحروف أيضا تبدأ هيروغليفية ~~ثم تصبح بطولية عن طريق الخيال لكي تصبح في النهاية إنسانية ~~شعبية عن طريق الكلمات. # ويكشف تطور اللغة والحروف عن تطور الطبيعة البشرية ذاتها وأن ~~اللغة تمثل بدايات التعبير عند الشعراء، فتبدأ الطبيعة خيالية ثم ~~بطولية ثم إنسانية عاقلة متواضعة تعترف بقوانين الشعور والعقل ~~والواجب والأخلاق. # ويقابل ذلك ثلاثة قوانين: اللاهوت الصوفي عندما كانت الآلهة تقود ~~الشعوب، وكان حكامها الشعراء اللاهوتيون الذين عبروا في أشعارهم عن ~~النبوءات والمعجزات. والقانون البطولي الذي يقوم على المساواة ~~المدنية أو أسباب الدولة. فقد ظن الأبطال أن عليهم تقنين سلوك ~~البشر والتفرقة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، وهو ما يظهر في ~~مجموع الوصايا والقوانين. وأخيرا القانون القائم على المساواة ~~الطبيعية في نظم الحكم الحرة حيث يكون القانون عاما وشاملا. ~~فالقانون الطبيعي يكون إلهيا ms130 أولا ثم بطوليا ثانيا يعتمد على ~~قانون القوة تحت سلطة الدين، وإنسانيا ثالثا يعتمد على ~~العقل. # وعرض فيكو للعادات والفقه والسلطة والعقل والأحكام وعصور التاريخ ~~ذاتها مبينا المراحل الثلاث في كل إبداع إنساني. فالعادات تبدأ ~~دينية ثم تصبح بطولية وتنتهي بأن لكل إنسان إحساسا بالواجب طبقا ~~لحسه المدني الطبيعي. وإن الفقه يبدأ إلهيا في اللاهوت الصوفي أي ~~علم الكلام الإلهي لفهم الأسرار الإلهية، ثم يصبح فقها بطوليا ~~كما هو الحال في الحكمة. وينتهي أخيرا إلى فقه إنساني يأخذ ~~الحقائق من الواقع نفسه، ويصاغ القانون طبقا لمقتضيات المساواة ~~ونظام الحكم الشعبي الحر حتى ولو كان ملكيا لأن الملكية نظام ~~إنساني. والسلطة تبدأ معتمدة على العناية الإلهية وتقوم على ~~الملكية الخاصة ثم تصبح بطولية تقوم على القانون وأخيرا إنسانية ~~تقوم على الثقة في ذوي الخبرات وعلى الحكمة والحيطة في الأمور ~~العملية والحكمة الرفيعة في الأمور السامية. والعقل ذاته يبدأ ~~إلهيا ثم يصبح عقل الدولة ثم يصير في النهاية العقل الطبيعي. ~~والأحكام التي تصدرها تكون أولا إلهية طبيعية ثم تصبح أحكاما ~~عادية وأخيرا تصير إنسانية طبقا لمقتضيات الواقع وإلزامات ~~الضمير، والمساواة بين البشر في النافع بالإضافة إلى التواضع ~~الطبيعي وحسن النية. # ويدلل فيكو على المراحل الثلاث بمزيد من البراهين المستمدة من ~~التطور الزماني والسياسي؛ فالعصور نفسها تبدأ إلهية تحت حكم الدين ~~ثم حكم المدن وأخيرا يظهر الإنسان الطبيعي بتواضعه وعقله والقانون ~~الطبيعي. وتطور النظم الأرستقراطية ذاتها من حراسة الحدود إلى ~~حراسة النظم والمؤسسات إلى حراسة القوانين. كما تتطور النظم ~~الدستورية من الأثقل إلى الأخف فيتم تخفيف العقوبات، وتمحي ~~الحروب تدريجيا ويعم السلام بين الشعوب. فالتطور يسير نحو ~~الإنسانية. والحقيقة أن المراحل الثلاث كلها تعبر عن ثلاثة معاني ~~للإنسان، الإنسان الإلهي والإنسان البطولي والإنسان الإنساني. ~~الإنسان يعني الإلهية أو البطولية أو الإنسانية. فقد يكون البطل ~~والإنسان في مقابل الله، وقد يكون الإنسان في مقابل الله والبطل. ~~الإنسان هو ما يصبحه الإنسان في المرحلة الثالثة. # ولكن لكل شعب أكثر من دورة وهو ما يسميه فيكو ms131 المسار الثاني ~~للشعوب ويعرض له في الكتاب الخامس. فالإنسانية بين مد وجزر. تكون ~~الدورة الأولى طبيعية، وتكون الدورة الثانية تاريخا. الدورة ~~الأولى حكم والثانية نقض وإبرام! فالمسار الأول ليس له الكلمة ~~الأخيرة لأن تاريخ العالم له الكلمة الأخيرة؛ فتاريخ العالم هو ~~الحكم النهائي والقضاء أخيرا كما هو الحال في عبارة هيجل المشهورة # Welt Geschichte ist ~~Weltgericht ~~. فالمرحلة الأخيرة عند كل شعب لا ~~تدوم إذ لا يلبث الفناء أن يدب إليها، فالترف وحب المال وسيادة ~~الأنانية كل ذلك يسبب ظهور الطبقات الاجتماعية وإفساد النظم ~~السياسية، ولا يقوى المجتمع حينئذ أمام الغزوات الخارجية فينهزم ~~ويعود إلى حالة التوحش والبربرية، ولكنه لا يبدأ من حيث انتهى بل ~~يستفيد من تجاربه السابقة، ويبدأ من نقطة أكثر تقدما من النقطة ~~الأولى التي بدأ منها أولا؛ وبالتالي يكون التقدم عند فيكو ~~دائريا ومستقيما في آن واحد، وهو التصور الحلزوني لتقدم ~~التاريخ، أي التصور الدائري الصاعد إلى أعلى يجمع بين الدائرة ~~والخط، وتعود كل المؤسسات والنظم والعادات والتقاليد واللغات ~~والقوانين تأخذ دوراتها الثلاث من جديد، ولكن هذه المرة تكون ~~المرحلة الإلهية أقصر من الدورة الأولى، وتكون المرحلة البطولية ~~أطول من الدورة الأولى، وتكون المرحلة الإنسانية أطول بكثير من ~~المرحلة الأولى. ولا يتساءل فيكو: وبعد الدورات الثالثة والرابعة ~~والخامسة ... إلخ هل يمكن أن تتقلص المرحلة الإلهية إلى الصفر، ~~والمرحلة البطولية إلى أصغر مدة ممكنة وتمتد المرحلة الإنسانية كل ~~الوقت؟ أو هل يمكن أن تتقلص المرحلتان الإلهية والبطولية وأن ~~تعيش الإنسانية مرحلة الإنسانية إلى نهاية الزمان؟ يبدو أن المراحل ~~الثلاث ضرورية وحتمية وأنها في كل دورة تبقى في النوع، ويكون ~~الخلاف فقط في طول المدة أو قصرها. # ويعطي فيكو أمثلة لهذه الدورات؛ ففي الحضارة اليونانية تظهر ~~المرحلة الدينية عند هوميروس، والبطولية في إسبرطة والإنسانية في ~~أثينا حيث ازدهرت النزعة الإنسانية والحياة الديموقراطية. وفي ~~الحضارة الرومانية تظهر المرحلة الدينية عند رؤساء العشائر وفي ~~تقديس الآباء، والبطولية عند نشأة الصراع بين العامة والأمراء، ~~والإنسانية عند قيام الجمهورية وإعلان الحقوق الإنسانية العامة. ms132 ~~وفي الحضارة الغربية تظهر المرحلة الدينية منذ القرن الخامس ~~الميلادي بعد غزو البرابرة الإمبراطورية الرومانية حيث سقطت روما ~~وعادت إلى مرحلة الدين والتأليه، والبطولية في عصر الإقطاع ~~والفروسية والحرب في العصر الوسيط، والإنسانية في عصر النهضة وظهور ~~النزعة الإنسانية. ولا ينسى فيكو ذكر الشعوب غير الأوروبية أيضا ~~ومراحل تطورها، فتظهر المرحلة الدينية في روسيا نظرا لإيمانها ~~الشديد وتسلط القياصرة بالإضافة إلى بلادة شعوبها وكسلها ~~وتواكلها، ويشاركها بلاد التتار والصين والحبشة ومراكش! وتظهر ~~المرحلة البطولية في اليابان لما عرف عنها من شيم البطولية ~~والتضحية، والإنسانية لدى الشعب البولوني والشعب البريطاني. ويلاحظ ~~أن الشرق عند فيكو هو كل ما ليس بأوروبا بما في ذلك آسيا وأفريقيا ~~والجزيرة البريطانية وبولونيا، وأنه استبعد روسيا وبريطانيا من ~~أوروبا، وأنه وضع الصين والتتار والحبشة ومراكش كل ذلك في الشرق ~~دون تفرقة بين الشرق الآسيوي في الصين والتتار، والشرق الأفريقي ~~في الحبشة ومراكش. # | سادسا: خاتمة: حدود فلسفة التاريخ ~~عند فيكو # بالرغم من أهمية «العلم الجديد» وتأسيس فلسفة التاريخ على يد ~~فيكو قبل لسنج وكانط وهردر في ألمانيا وتورجو وفولتير وكوندرسيه ~~وكورنو في فرنسا، واكتشافه التقدم البشري وتطوره في قانون المراحل ~~الثلاث الذي أصبح نموذجا يحتذى به عند جميع الفلاسفة منذ لسنج ~~حتى كونت، وتأكيده على الإنسان العاقل المستقل كقيمة في ذاته، هدف ~~التطور وذروته، والمساواة الطبيعية بين الأفراد والشعوب، وارتباط ~~المراحل السابقة بالجهل والخوف، وهو الدرس المستفاد من جميع فلاسفة ~~التنوير - بالرغم من هذا كله إلا أن فلسفة التاريخ لديه لها حدود ~~تكشف عن وضع هذا «العلم الجديد» في الحضارة الغربية وإمكانية ~~تطويره وإكماله خاصة وأنه ما زال في البداية عند فيكو لم ينته ~~بعد. وتتمثل هذه الحدود في عدة نقاط أهمها: ~~(1) # غلب على الموضوع التفصيلات الكثيرة التي طغت على ~~التصور العام للتاريخ مما أفقد العلم أساسه النظري ~~التصوري. صحيح أن هذه التفصيلات مهمة ودقيقة ولكنها ~~تكون غير ذات دلالة لغير المتخصص في الآداب القديمة ~~والتاريخ القديم. وصحيح أيضا أن فيكو، مثل بيكون من ~~قبل، أراد اتباع ms133 منهج الاستقراء لتأسيس العلم الجديد ~~والانتهاء من الجزئيات إلى الكليات، إلا أن الكليات ~~أيضا قوانين مطردة لا تنخرم وهو ما تحاشاه هيجل بعد ~~ذلك بالتركيز على التصور دون الجزئيات. ~~(2) # كثرة التحديدات الزمانية والمكانية جعل «العلم ~~الجديد» أقرب إلى تاريخ الأدب القديم منه إلى فلسفة ~~التاريخ. وكان هردر أكثر احتراسا وحذرا عندما خصص ~~كتابه الأول «فلسفة أخرى للتاريخ» للعرض النظري، ~~وكتابه الثاني «آراء في فلسفة تاريخ الجنس البشري» ~~للتحديدات الزمانية والمكانية والوقائع والتواريخ ~~بالاعتماد على المراجع والوثائق. ويصعب تأسيس «العلم ~~الشامل» على العلم بالوقائع والجزئيات خاصة وأنه في ~~مجالات الدراسات التاريخية قد تصحح الوقائع والتواريخ ~~وبالتالي يصعب إقامة اليقين الشامل على الاحتمال ~~الجزئي. ~~(3) # تغلب على «العلم الجديد» التحليلات اللغوية ~~والعبارات البلاغية اللاتينية. وقد كان فيكو أستاذا ~~للغة اللاتينية وآدابها، ولم يستطع التخلص من مادة ~~الدراسة إلى موضوع الدراسة كما فعل ابن رشد في «تلخيص ~~الخطابة» عندما أسقط أمثلة اليونان مع الإبقاء على ~~الموضوع ذاته. وقد يصعب على غير العليم بالأساطير ~~اليونانية واللاتينية وبأنساب الآلهة وأسمائها أن ~~يتابع فيكو في براهينه واستدلالاته. ~~(4) # صعوبة قبول التفسيرات الأسطورية لبدايات البشرية ~~ولنشأة النظم الاجتماعية كما يفعل فيكو في تفسيره ~~لنشأة نظام الأمومة ابتداء من الرعد والبرق في السماء ~~واضطرار العمالقة الوحوش إلى الاختفاء في الكهوف ~~والجحور لإتيان الفعل الجنسي في الخفاء بدلا من ~~العراء. كما يصعب تفسير بدايات الجنس البشري بالطوفان ~~وقد عاش نوح أربعين قرنا قبل المسيح، والإنسانية ~~سابقة على هذا بكثير. إن الأسطورة قاموس للذهن البشري ~~كما يقول فيكو ، وتدل على بدايات التفكير البشري وكيف ~~استطاع الإنسان أن يصور ذاته، ولكنها لا تدل على بداية ~~الجنس البشري. هناك فرق إذن بين الفلسفة والعلم أو بين ~~الروح والتاريخ، ولكن يبدو أن فيكو يوحد بينهما كما ~~فعل هيجل بعده. ~~(5) # ظهور التطور من خلال النظم الاجتماعية عند فيكو ~~يعطي لها الأولوية على كل مظاهر الروح الإنساني؛ ~~فالنظام الاجتماعي، مثل الدين عند هيجل، هو كل شيء، ~~يكشف عن الدين والسياسة والأخلاق والقانون والاقتصاد ~~والفن. فالتاريخ عند فيكو ms134 أقرب إلى التاريخ الاجتماعي ~~منه إلى التاريخ العام. وفلسفته في التاريخ أقرب إلى ~~فلسفة التاريخ الاجتماعي منها إلى فلسفة التاريخ ~~البشري. وقد تكون النظم الاجتماعية تعبيرا عن نظام ~~أكثر عمقا هو نظام «الروح» بتعبير هيجل أو الروح ~~البشرية عندما تصنع ذاتها. ~~(6) # يبدو أن فيكو لا يعتبر نظم الحكم الشعبية ~~الديموقراطية نهاية المطاف في تطور نظم الحكم من عصر ~~الآلهة إلى عصر الأبطال إلى عصر البشرية. ويصف النظم ~~الملكية والأرستقراطية أحيانا بأنها أيضا تنسب إلى ~~عصر البشر. وأن الملوك والنبلاء قد أفادوا وساهموا في ~~تطور نظم البشرية، فهل كان فيكو يعبر عن روح القرن السابع عشر عصر الملكيات والإمارات أكثر مما يعبر عن ~~روح القرن الثامن عشر عصر الثورات والجمهوريات؟ يكون ~~اسبينوزا بالرغم من أنه عاش في القرن السابع عشر إلا ~~أنه بتصوره للمواطن الحر في الدولة الحرة التي تقوم ~~فيها السلطة على العقد الاجتماعي والتعاقد الحر بين ~~الأفراد أكثر تقدما من فيكو وأكثر تعبيرا عن روح ~~القرن الثامن عشر. بل يكون فيكو أقرب إلى هوبز ~~ومكيافيللي في تبرير سلطة الأمير والحاكم منه إلى ~~الدفاع عن حقوق الشعب والنظم الشعبية. ~~(7) # لم يستطع فيكو التخلص من بعض العقائد اللاهوتية ~~وعلى رأسها عقيدة العناية الإلهية وتحويلها إلى قانون ~~للتقدم؛ فالعناية الإلهية مذكورة من أول «العلم ~~الجديد» إلى آخره، ولا يجد فيكو فرصة إلا وأشار إليها. ~~فالعلم الجديد يدرس الطبيعة المشتركة للشعوب والأمم في ~~ضوء العناية الإلهية، وقانون التطور نفسه من أفعال ~~العناية الإلهية أو يقتضي على الأقل الإيمان بها . بل ~~إن الوثنيين أيضا يدخلون ضمن العناية الإلهية ~~الشاملة، والمحكمة العليا للتاريخ هي محكمة العناية ~~الإلهية التي يتحدد فيها المسار الثابت للشعوب. صحيح ~~أنها لا تدخل ضمن البديهيات التي تعطي المبادئ العامة ~~للعلم لأنها أقرب إلى مادة العلم منها إلى صورته، ~~ولكنها تكون خاتمة «العلم الجديد» حين يضع فيكو نظاما ~~للحكم أبديا طبيعيا تنظمه العناية الإلهية. ~~ويبدو أن هذا النظام الأمثل هو النظام الحقيقي الطبيعي ~~الأرستقراطي الذي تقره العناية الإلهية. ولا عجب أن ~~تكون ms135 آخر عبارة في «العلم الجديد» هي: «هذا العلم لا ~~ينفصل عن التقوى. ومن لا يكون تقيا لا يمكن أن ~~يكون حكيما حقيقيا.» # 1 ~~(8) # يستبعد فيكو باستمرار في أحكامه على الدين التراث ~~العبراني والمسيحي إما لأنه يعتقد ذلك حقيقة وإما ~~تقية حتى يترك للأجيال التالية تعميم الحكم العلمي على ~~كل تراث ديني كما فعل ديكارت في استثناءاته ثم تطبيق ~~اسبينوزا منهج الوضوح والتميز عليها فيما بعد. ويكون ~~لسان حال فيكو «الكلام لك واسمعي يا جارة.» يدرس ~~«العلم الجديد» تاريخ الشعوب وليس العبرانيين ~~والمسيحيين لأنهم قوم منعزلون منفصلون. كما يبين نشأة ~~أولاد سام من اللاعبرانيين نشأة أسطورية في حين ~~أن العبرانيين لم ينشئوا كذلك. كما استثنى ~~العبرانيين من نظام الرق، ومن كل حكم يراه فيكو ~~منافيا للعقل وللأخلاق. هل هو خوف أم ذكاء؟ اقتناع أم ~~خداع؟ ~~(9) # لا شك أن فيكو يتعامل مع الحضارتين اليونانية ~~والرومانية باعتبارهما ثقافته الوطنية؛ فقد ورثت ~~الحضارة اللاتينية الحضارة اليونانية إبداعا في ~~الأقل وتقليدا في الأكثر. وكان من الطبيعي أن تتحول ~~هذه الثقافة الوطنية من مرحلة إلى مرحلة، من العصور ~~الوسطى إلى العصور الحديثة. ومن طريق هذا التحول، ~~إعادة بناء المحاور والبؤر من الله إلى الإنسان، ومن ~~الرأسي إلى الأفقي؛ ومن ثم فإن فيكو لا يؤسس «العلم ~~الجديد» إلا من خلال إعادة بناء ثقافته الوطنية وليس ~~ثقافات كل الشعوب. ~~(10) # لذلك خرج هذا التميز الشائع في الحضارة الأوروبية ~~باعتبار اليونان والرومان بدايات التاريخ البشري وأن ~~الغرب نهايته وكماله، خاصة في ألمانيا أو فرنسا أو ~~إيطاليا، طبقا لحضارة الفيلسوف التي ينتسب إليها. ~~وكان من الطبيعي أن تتوارى الحضارات الشرقية في مصر ~~والصين والهند وفارس، وحضارات ما بين النهرين. والحديث ~~عن المحمديين على أنهم مؤمنون بإله واحد وبالملاذ ~~الحسية في المعاد، وعن العرب الأميين الذين يجهلون ~~الكتابة ويحفظون تراثهم شفاهيا إلى أن اتصلوا ~~بالبيزنطيين، وعن اعتبار المسيحيين الأتراك (أي ~~المسلمين بمعنى المؤمنين الحقيقيين) كلابا واعتبار ~~الأتراك المسيحيين خنازير نموذج لصورة الشعوب المغلوبة ~~في أذهان الشعوب الغالبة. هذا التمركز على الذات في ms136 ~~الغرب وجعله محور التاريخ هو الداء الدفين في كل ~~فلسفات التاريخ الغربية. وقد آن الأوان للشعوب غير ~~الأوروبية تصحيح الوضع وإعادة كتابة تاريخ البشرية ~~بمزيد من العدل والمساواة بين تراث الشعوب. # | الاغتراب الديني عند فيورباخ1 # ليس في هذا المقال ما يمس ديننا الحنيف بل هو دراسة للمسيحية ~~واليهودية والوثنية أي للأديان السابقة على الإسلام وليس لخاتم ~~الأديان. # كما أنه دراسة لمقالات علماء الكلام وليس دراسة للدين في ذاته ~~ويشبه تحريم فقهاء المسلمين لهذا العلم والتحذير منه. # | أولا: مقدمة: جوهر المسيحية # (1) # فيورباخ والهيجليون ~~الشبان: # بالرغم من أن موضوع الاغتراب ~~قد تناوله الكتاب والشعراء الرومانسيون مثل روسو ~~(1713-1778م) وجوته (1749-1832م) وشيلر (1759-1805م) ~~إلا أنه لم يصبح مفهوما فلسفيا إلا عند فشته ~~(1762-1814م). فاغتراب الأنا لديه هو خلقها لعالم مجرد ~~لا حياة فيه ولا صراع، ثم عند هيجل خاصة في أعمال ~~الشباب اللاهوتية، حيث كان اغترابا دينيا طبقا ~~للتصورات المسيحية؛ الخطيئة والسقوط والطرد ~~والحرمان. # ولكنه أصبح مفهوما رئيسيا لدى الهيجليين الشبان؛ ~~شتراوس (1808-1874م) وباور (1792-1882م) وفيورباخ ~~(1804-1872م)، وشترنر (1806-1856م) بمعنى اغتراب ~~الشعور أو العقل أولا، ثم عند ماركس وأنجلز بمعنى ~~الاغتراب الاجتماعي، اغتراب العامل عن عمله، وغربة ~~الإنسان عما ينتج في المجتمع الرأسمالي. وهو المعنى ~~الذي كان سائدا في كتابات الليبراليين الألمان ~~وفلاسفة التنوير نتيجة لضياع الشخصية الإنسانية في ~~علاقات الملكية الاجتماعية. فالاغتراب، بصرف النظر عن ~~معانيه القانونية والطبية والنفسية، يتأرجح بين ~~المعنيين الديني والاجتماعي؛ لذلك جعل الهيجليون ~~الشبان نقد الدين مقدمة لنقد المجتمع. والنقد هنا لا ~~يعني الهدم أو التجريح بل يعني بيان الإمكانيات ~~والوظائف التي يقوم بها الذهن البشري في إدراكه للعالم ~~وتصوره له (فالهيجليون كلهم في نهاية الأمر تلاميذ ~~كانط وشارحو فلسفته النقدية). # ويبدو أن البناء الفلسفي الثلاثي الأبدي قد تحكم ~~أيضا في الهيجليين الشبان. فإذا كانت المذاهب ~~الفلسفية ثلاثة؛ المثالية والواقعية والوجودية أو ~~الفكر والواقع والوجود الإنساني، فالموضوعات الفلسفية ~~ثلاثة؛ الله والعالم والإنسان، فقد ظهر هذا البناء في ~~تاريخ الفكر البشري في كل حضارة. فعند اليونان ظهر ~~أفلاطون وأرسطو ms137 وسقراط. وفي الفلسفة المسيحية ظهر ~~القديس بونافنتير والقديس توما الأكويني والقديس ~~أوغسطين (بصرف النظر عن الترتيب الزماني). وفي الفلسفة ~~الأوروبية ظهرت المثالية عند العقليين والواقعية عند ~~التجريبيين والوجودية عند الوجوديين. كما ظهر عند ~~الهيجليين الشبان باور، وفيورباخ، وشترنر. فقد ركز ~~باور على الجانب العقلي المثالي والوعي الذاتي كما ~~اتجه فيورباج نحو الطبيعة والواقع العيني ثم لجأ شترنر ~~إلى الوجود الإنساني، الواحد وصفاته. يمثل الهيجليون ~~الشبان أو اليسار الهيجلي وحدة فكرية، ونسقا واحدا، ~~منذ بدايتهم عند شتراوس أو مركزهم عند باور وفيورباخ ~~وشترنر أو نهايتهم عند ماركس وأنجلز. # ويمثل الهيجليون الشبان بالنسبة لنا أهمية خاصة؛ ~~ففي فكرنا العربي المعاصر قفزنا من هيجل إلى ماركس دون ~~المرور بهذه المرحلة الانتقالية التي يمثلها ~~الهيجليون اليساريون، وهي مرحلة التحول من الفكر إلى ~~الواقع، دون نقد الدين كما فعل فيورباخ أو نقد الفكر ~~كما فعل باور أو نقد الأنا كما فعل شترنر، وكأن النقد ~~الاجتماعي عند ماركس وأنجلز ما هو إلا حصيلة مجهود ~~طويل في نقد الأسس النظرية للبناء الاجتماعي في الدين ~~والفكر والشعور. ما زلنا في فكرنا العربي المعاصر ~~متأرجحين بين هيجل وماركس، بين المثالية والواقعية دون ~~الانتقال من أحدهما إلى الآخر على نحو طبيعي. وأغفلنا ~~التاريخ وحركته لغياب البعد التاريخي في وجداننا ~~المعاصر؛ لذلك لم نصبح لا هيجليين ولا ماركسيين، وأصبح ~~الاختيار بينهما عشوائيا صرفا يتم عن طريق المزاج ~~والتربية دون تحليل للواقع المباشر، والتعرف على ~~اللحظة التاريخية التي نمر بها. إن اكتشاف الهيجليين ~~الشبان باور وفيورباخ وشترنر في جيلنا هو في الوقت ~~نفسه اكتشاف للحلقة المفقودة في تطورنا ، وتأصيل لما ~~نحاوله منذ فجر نهضتنا القومية من تقدم ونهضة وازدهار، ~~وكأن مأساتنا كانت في فقد الحلقات المتوسطة التي تربط ~~بين الأطراف المتباعدة من أجل نظرة تكاملية. وهو ما ~~قام به تراثنا القديم بمحاولته الجمع بين رأيي ~~الحكيمين؛ أفلاطون الإلهي وأرسطاطاليس الحكيم. # 1 # كان فيورباخ بحق، وعلى ما يقول ماركس «قناة النار» ~~كما يدل عليه اشتقاق الاسم « # Feuer, ~~Feurbach ~~= نار، # Bach ~~= قناة» ~~يتطهر من ms138 خلالها كل فيلسوف يريد الانتقال من ~~المثالية إلى الواقعية، ولكن للأسف انتقل البعض منا ~~إلى الماركسية دون أن يتطهر في «قناة النار»؛ ومن ثم ~~تحولت الماركسية إما إلى دجماطيقية من داخلها أو ~~عارضتها الدجماطيقية من خارجها ومنعتها من إحداث الأثر ~~التنويري في أذهان الناس. إن المجتمع النامي الناهض ~~الذي ينتقل من القديم إلى الجديد، ومن التسليم إلى ~~التفكير، ومن الموروث إلى النقد في حاجة إلى تنوير ~~أكثر مما هو في حاجة إلى تثوير؛ فالتنوير شرط ~~التثوير، والتثوير بلا تنوير مجرد تغير اجتماعي أو ~~انقلاب في الأوضاع تحدثه السلطة القائمة في المجتمع ~~ويتغير بتغير السلطة؛ فهو تغير اجتماعي يقوم على أساس ~~نظري متخلف، ولا بقاء له إلا ببقاء السلطة الضامنة له؛ ~~وبالتالي يظل خارجيا لا يحدث أثرا فعليا لا ~~يخلقه وعي ولا يخلق هو وعيا. # إن نقد ماركس للهيجليين اليساريين نشأ بعد أن تمثل ~~الوعي الأوروبي كل القيم الليبرالية في القرن الثامن ~~عشر وحدثت الثورة الفرنسية بشعاراتها الثلاث؛ الحرية ~~والإخاء والمساواة. تصور الهيجليون الشبان أن ~~الأيديولوجية يمكن أن تظل العامل الأول لتحقيق الأهداف ~~القومية مثل الوحدة الألمانية، تحرر الأقليات المضطهدة ~~(اليهود)، إعادة بناء المواطن؛ وبالتالي يمثل نقد ~~ماركس للهيجليين اليساريين تقدما بالنسبة لليبرالية ~~وذلك بعبارته المشهورة: «إن الحزب البروليتاري هو ~~الوريث الوحيد للأفكار.» وذلك لأن أفكار الحرية ~~والعدالة والمساواة والوعي الذاتي والفردية لا تحدث ~~بذاتها تغييرا اجتماعيا دون عمل جماعي يحققها ~~بالفعل. فالحزب البروليتاري هو الذي سيربط الجرس في ~~رقبة القط أي أنه هو الذي سيحقق بالفعل هذه الأفكار ~~في الواقع العملي. ~~(أما بالنسبة لنا فإننا لم نتمثل الليبرالية بعد، ~~ولم نتحقق بمثلها، ولم تحدث الأفكار الأثر المرجو في ~~نهضتنا المعاصرة. لم تحدث لدينا ثورة فرنسية قامت على ~~أكتاف المفكرين الأحرار بل قامت ثوراتنا على أيدي ~~الضباط الأحرار فحدث تغير في الهيكل الاجتماعي دون ~~إحداث تغيير مواز في البناء الفوقي، مما أدى إلى ~~انتكاس معظمها؛ ومن ثم فإن نقد ماركس للهيجليين الشبان ~~يصبح غير ذي موضوع بالنسبة لجيلنا الحالي. ويظل ~~الهيجليون ms139 الشبان بالنسبة لجيلنا يعبرون عن لحظتنا ~~التاريخية الراهنة في التحديث وإقامة أسس ~~النهضة.) # ويمتاز فيورباخ عن أقرانه بأنه أوقعهم صدى، وأبلغهم ~~أثرا، وأكثرهم تحديا مثل اسبينوزا في القرن السابع ~~عشر وفولتير في القرن الثامن عشر (وقد يصعب الحديث عن ~~فيورباخ من فيورباخي، وعن الهيجليين الشبان من هيجلي ~~شاب؛ فلذلك ميزة وعيب، ميزة الاتحاد مع الموضوع وفهمه ~~من الداخل، وعيب استحالة التفرقة بين العرض والتحليل، ~~بين فيورباخ الموضوع وفيورباخ الباحث في عصر يحتاج إلى ~~فيورباخ). ومع ذلك فقد تناولت هذه الدراسة عرض ~~«الاغتراب الديني عند فيورباخ» من خلال تحليل مؤلفه ~~الأساسي «جوهر المسيحية»، فالأفكار كلها فيورباخ مسئول ~~عنها وليس للباحث إلا التحليل والشرح والعرض والتأويل ~~(كما فعل فلاسفة المسلمين مع فلاسفة اليونان بوجه عام ~~وكما فعل ابن رشد مع أرسطو خاصة). ولم نشأ عقد مقدمة ~~عن حياة فيورباخ وأعماله فذلك ما سيتم في دراسة مستقلة ~~عن قريب. # 2 # واقتصرنا على عرض «جوهر المسيحية» للكشف ~~عن الاغتراب الديني الذي هو أساس الاغتراب الاجتماعي. ~~وأكرر وأقول: ليس الباحث مسئولا عن أفكار فيورباخ بل ~~المسئولية تقع على عاتق فيورباخ وحده. # ظهرت الطبعة الأولى لكتاب فيورباخ «جوهر المسيحية» ~~في 1841م والطبعة الثانية في 1843م. وأصبحت مقدمة كل ~~طبعة من الذيوع والشهرة لدرجة أن كلا منهما تمثل ~~عملا فلسفيا بمفرده. # 3 # وتعني كلمة # Wessen # بالألمانية ~~ماهية أو جوهرا أو وجودا أو حقيقة. وتدل على هذه ~~المعاني الأربع داخل الكتاب. وتترجم بألفاظ مختلفة. ~~يبحث فيورباخ عن ماهية المسيحية أي أساسها وجوهرها ~~وحقيقتها، وهو بذلك يكون سابقا على هوسرل في بحثه عن ~~الماهية وجعل الفينومينولوجيا «علم الماهيات». ولا ~~يبحث فيورباخ عن ماهية المسيحية وحدها بل يعمم ~~أحكامه حتى تشمل الدين بوجه عام. # 4 ~~(2) # الكشف عن الاغتراب من خلال ~~فلسفة الدين: # يرى فيورباخ أنه لا يتم ~~الكشف عن الاغتراب إلا من خلال فلسفة الدين؛ فالاغتراب ~~أساسا هو الاغتراب الديني، والاغتراب الديني هو أساس ~~كل اغتراب فلسفي أو اجتماعي أو نفسي أو بدني. فإذا كان ~~الاغتراب هو انقلاب الأنا إلى ms140 آخر فإن هذا الانقلاب ~~يحدث أساسا في تحول الإنسان إلى الله قبل أن ~~يتحول الإنسان إلى عمل أو إلى نظام أو إلى مؤسسة أو ~~إلى كون. فالاغتراب الديني هو أسهل اغتراب وأسرعه ~~وأكثره مباشرة. فإذا ما حدث زلزال في كيان الإنسان ~~وخلل في وجوده الشرعي ظهر ذلك في اللجوء إلى الله كسند ~~وتعويض، وأصبح الإنسان في موقف زائف. فلسفة الدين إذن ~~هي الميدان الذي يمكن من خلاله اكتشاف الاغتراب. فما ~~هو الوضع الحالي لفلسفة الدين؟ # هناك خطآن أساسيان في الفكر الديني؛ الأول: اعتبار ~~الروايات الدينية والأخبار والقصص والآراء والأساطير ~~وكل ما يرويه الرواة وتقصه النساء حقائق تاريخية ~~تقابل شيئا في الواقع، وهو خطأ الفلسفة الوضعية التي ~~لا تفترق عن الفلسفة العامية الشعبية في شيء؛ والثاني: ~~اعتبار قواعد الإيمان حقائق فلسفية يمكن البرهنة عليها ~~عقلا بالمنطق والدليل، وهو خطأ الفلسفة التأملية ~~التي حولت العقائد إلى نظريات خاصة. وكانت النتيجة ~~أن ضحت الفلسفة الوضعية بالفلسفة من أجل الدين كما ~~ضحت الفلسفة التأملية بالدين من أجل الفلسفة. الأولى ~~تجعل العقل ألعوبة في يد المادية الشعبية، والثانية ~~تجعل الدين ألعوبة في يد التأمل الفلسفي. الأولى تجعل ~~الدين يتحدث بدلا عن العقل، والثانية تسمح للدين أن ~~يقول ما تستطيع هي أن تقوله على نحو أفضل. الأولى ~~عاجزة عن الوصول إلى حقائق الأشياء فتحيل الصور إلى ~~وقائع، والثانية عاجزة عن الخروج عن نفسها والاتصال ~~بالصور فتحيلها إلى أفكار ونظريات. # والحقيقة أن الفلسفة والدين شيء واحد على الرغم مما ~~يبدو بينهما من خلاف لأن هناك وجودا واحدا مفكرا ~~يعبر عن فكره في صور وأشكال مختلفة لا تناقض بينها بل ~~على مستويات مختلفة من التعبير الأدبي. فالقدرة ~~الإلهية المطلقة كفكرة تعني المعجزات كصورة ومثل، ~~كما تعني البعث والنشور. ولا يظهر التناقض إلا بعد ~~الفصل بين الإيمان والعقل وهو ما لا يقبله أي اتجاه ~~مستنير في فلسفة الدين. # ويبدو فيورباخ هنا معتزليا يفسر اليد بالقدرة، ~~والعين بالعلم، ويحول التشبيه إلى تنزيه بشرط أن ~~يكون هذا العقل هو العقل الشامل. ms141 العقل الطبيعي الذي ~~يتسق مع نفسه ويتسق مع الطبيعة وليس العقل الخاص ~~عقل الإيمان، العقل هو القاعدة العامة، والإيمان هو ~~الاستثناء الخاص؛ لذلك ارتبط الإيمان بعصر تاريخي ~~معين، وبمكان محدد، وباسم خاص. التوحيد بين العقل ~~والإيمان يذيب الإيمان ويحيله إلى عقل فيتحول الخاص ~~إلى عام؛ فالخطيئة تعني أن الإنسان الطبيعي ليس كما ~~ينبغي أن يكون، وهو ما يسلم به الناس جميعا. لا يؤمن ~~بالخطيئة الأولى إلا المعتقدون بها. مهمة الفكر إذن ~~تحويل مضمون الإيمان إلى عقل. وهنا يبدو فيورباخ ~~هيجليا صرفا. يهدف من «جوهر المسيحية» إلى بيان هذه ~~الحقائق الإنسانية البسيطة وراء الأسرار الخارجة على ~~الطبيعة. ومع ذلك يبقى الدين والفلسفة متمايزين ~~بالصورة. فالدين في جوهره مأساة، والله نفسه وجود ~~مأساوي أي موجود شخصي. ومن ينزع الصورة عن الدين ~~ينتزع منه موضوعه ويتركه جثة هامدة لأن الصورة من حيث ~~هي كذلك صورة شيء. ويعالج فيورباخ هذه الصور لا من حيث ~~هي أفكار أو تدل على أفكار كما هو الحال في الفلسفة ~~التأملية للدين لدى هيجل، ولا من حيث هي أشياء كما هو ~~الحال في اللاهوت بل كصور. والصورة تعكس موقفا ~~نفسيا. فلا يستعمل فيورباخ اللاهوت كعلم عملي صوفي ~~كما هو الحال في الأساطير الدينية أو كأنطولوجيا كما ~~هو الحال في الفلسفة التأملية، بل باعتباره مرضا ~~نفسيا يعبر عن اهتزاز شعوري وارتجاج في المخ وهلوسة ~~واضطراب. لقد استطاعت الحرية والشخصية في العصر الحديث ~~تناول الدين واللاهوت وابتلاعهما كلية. وانتهت التفرقة ~~بين الروح القدس المنتجة والروح الإنسانية المستهلكة. ~~وتم تحويل ما فوق الطبيعة إلى الطبيعة. ومع ذلك ظل ~~العصر الحاضر عاجزا أمام المسيحية كصورة، غير قادر ~~على مواجهة هذا الشبح والحكم عليه بأنه مجرد وهم وخداع ~~ذاتي. إن الأشباح ظلال الماضي؛ وبالتالي فإن تحليل ~~الماضي يهدف إلى علاج الحاضر. يهدف فيورباخ إلى تأسيس ~~علم الأمراض أو علم وظائف الأعضاء كمقدمة لعلم العلاج ~~والعودة إلى طبائع الأشياء؛ إلى ماء الأيونيين عند ~~طاليس وإلى نشأة الأشياء عند شيشرون عن طريق ممارسة ~~شعار سقراط «اعرف ms142 نفسك بنفسك.» الاغتراب إذن هو موقف ~~مرضي كما يصفه علم النفس. والقضاء عليه قضاء على ~~المرض وجلب للشفاء. وهنا يبدو فيورباخ محللا ~~نفسيا سابقا على فرويد في كتابه المشهور ~~«مستقبل وهم» # The Future ~~of Illusion ~~. ويسمي فيورباخ منهج ~~الكتاب منهج الكيمياء التحليلية أي تحليل النصوص من ~~أجل إثبات نتائج التحليل وتأسيسها على نحو موضوعي. ~~فإذا صدمت النتائج مشاعر الناس فالمسئولية لا تقع ~~على الباحث فيورباخ بل تقع على عاتق الموضوع ذاته، ~~وكأن فيورباخ يريد تطبيق منهج تحليل المضمون على ~~النصوص الدينية. والرجوع إلى النصوص الأصلية القديمة ~~أفضل بكثير من الرجوع إلى المسيحية المعاصرة؛ فالنصوص ~~القديمة هي الوحيدة الجديرة بالتأمل أما أقوال ~~المعاصرين فسطحية حسية ينقصها الشجاعة، ويغلفها ~~الجبن والنفاق. النصوص القديمة تكشف عن المسيحية وهي ~~عذراء في حين أن أقوال المعاصرين فقدت طهارتها ~~وعفتها. كانت المسيحية القديمة غنية بكنوزها ~~السماوية، فقيرة بممتلكاتها الأرضية، في حين أن ~~المسيحية المعاصرة فقيرة بممتلكاتها السماوية غنية ~~بكنوزها الأرضية. ولا توجد شواهد مسيحية معاصرة إلا ~~هذه الشواهد الفقيرة التي لم توجدها المسيحية ذاتها بل ~~التي أنتجتها العصور. ~~(يحاول فيورباخ إذن الكشف عن الاغتراب عن طريق تحليل ~~النصوص القديمة وإثبات أن الثيولوجيا ما هي إلا ~~أنثربولوجيا مقلوبة وأن ما يظنه اللاهوتي على أنه ~~وصف لله هو في حقيقة الأمر وصف للإنسان؛ فاللاهوتي يصف ~~نفسه ظانا أنه يصف الله. ويقوم بعملية خفية وهي ~~تشخيص صفاته الخاصة ثم إخراجها وتثبيتها على آخر، شخص ~~خاص هو الله.) ~~(يحاول فيورباخ أخذ النصوص القديمة عن الله وإعادة ~~تحليلها تحليلا نفسيا وجوديا ليكشف عن المضمون ~~الإنساني لهذه النصوص. ويقوم بعملية تفسير جديد لها، ~~وذلك بإعادة بناء الموقف الماضي على أساس من الموقف ~~الحاضر؛ وبالتالي يكون فيورباخ سابقا على بولتمان ~~وهيدجر وعلم التفسير الحديث في الكشف عن الواقعة ~~الإنسانية الحية من خلال تحليل النصوص الدينية ~~القديمة. الأنثربولوجيا هي سر الثيولوجيا، وتاريخ ~~العقيدة أو تاريخ اللاهوت هو في حد ذاته نقد للعقيدة ~~في اللاهوت. لقد كانت الثيولوجيا في تاريخها الطويل ~~أنثروبولوجيا، وكان موضوعها وهو ms143 الله وصفا للواقعة ~~الإنسانية؛ وبالتالي يكون هيجل على حق في مهمته ~~التاريخية في الكشف عن الروح في التاريخ، ولكن ما ~~حاوله القدماء على نحو بعدي - بناء العقيدة في ~~التاريخ - يحاوله فيورباخ على نحو قبلي بإرجاع ~~النصوص إلى الواقعة الإنسانية. الثيولوجيا إذن اغتراب ~~للأنثروبولوجيا، وعالم اللاهوت مغترب عن عالم ~~الإنسان، والتفكير في الله اغتراب عن التفكير في ~~الإنسان.) ~~(3) # الاغتراب ونفاق ~~العصر: # وفي مقدمة الطبعة الثانية وبعد ~~صدور الكتاب أول مرة، يدافع فيورباخ عن مشروعه الذي ~~قضى به على اغتراب الإنسان، وفند الاتهامات الموجهة ~~إليه وعلى رأسها الإلحاد. لقد أعاد فيورباخ اكتشاف ~~الله كنشاط وفاعلية في العالم، وهو الهيجلي الشاب، ~~وقضى على اغتراب الإنسان وقذفه بنفسه خارجها ~~وتشخيصها في صورة آخر وتأليه إياه. كان من الطبيعي ~~أن تسوء علاقة فيورباخ مع كل المغتربين عن العالم وعن ~~الذات وعن الله، ولكنها في الوقت نفسه كانت علاقة طيبة ~~وصحيحة مع الأصحاء في العالم ومع ذواتهم ومع الله. ~~كان من الطبيعي أن يحدث التمايز بين الحق والباطل، ~~بين الصدق والكذب، بين الصواب والخطأ، بين الصحيح ~~والزائف حتى يمكن إنقاذ المسيحية مما وقعت فيه من خطأ ~~ومما اكتنفها من إظلام وإرجاعها إلى الموقف الصحيح. ~~ومع ذلك نظر إلى فيورباخ على أنه مجرم في حق المسيحية ~~واعتبره اللاهوتيون قد قضى على الدين إلى الأبد، في ~~حين أن فيورباخ قد نقد كل الفلسفات الشائعة في عصره ~~والتي اعتمد عليها اللاهوتيون للدفاع عن الدين أي عن ~~الموقف الزائف للإنسان؛ فقد هاجم الفلسفة التأملية ~~التي ابتلعت الدين، وقضت على خصوصيته لحساب الفكر. كما ~~هاجم الفلسفة الوضعية لإنقاذ الإنسان وعدم تحويله إلى ~~صنم ووثن. وقد كانت الضربة الكبرى هي التي وجهها ~~فيورباخ إلى نفاق العصر، ومزايداته على الإيمان على ~~لسان مدعي العلم في مجتمع طيب، مجتمع الحياد ~~واللامبالاة وغياب الحماس، مجتمع الأوهام والحقائق ~~المزيفة والشائعات (هذا المجتمع الذي يعتبر كل من ~~يقول الحقيقة فيه وقحا، سيئ التربية، عديم الأخلاق. ~~أصبحت الحقيقة هي اللاأخلاقية، واللاأخلاقية هي النفاق ~~الذي ينفي المسيحية ويدعي إثباتها. ms144 اللاأخلاقية هو ~~النفي الحقيقي للمسيحية، النفي الذي يعبر عن نفسه ~~كنفي، هو التلاعب التعسفي بالمسيحية والإلغاء الفعلي ~~لقواعد الإيمان وترك البعض الآخر، وكما يقول لوثر: إن ~~قلب كل قواعد الإيمان أفضل من قلب واحدة فقط، هو ~~الإلحاد في الحرية وليس في الله، هو أنصاف الحلول ~~القائمة على الغباء دون يقين ثابت للذات، هو التناقض ~~الفج دون دقة في التحليل وصدق في النتائج، هو التفاهة ~~لأنها تقف عند منتصف الطريق ولا تنتهي إلى جوهر ~~الأشياء ودون وصول إلى النهاية. هو الكذب الذي يخفي ~~الحقيقة وشرها في قلبها والتفكر فيها. وهكذا يصف ~~فيورباخ حال العصر وعدم قدرته على مواجهة الحقائق في ~~حين أن الاعتراف بالحق فضيلة، ولكن مشكلة العصر في ~~أساسها مشكلة أخلاقية في نقص الشجاعة وسيادة ~~النفاق). # بحث فيورباخ عن العلم الحي وليس عن العلم الميت، ~~وأراد حقيقة مكتوبة بدماء القلب على صفحات التاريخ ~~وليس حقيقة مكتوبة بالمداد على ورق أجوف. الحقيقة هي ~~الإنسان وليس العقل المجرد، وعلى هذا النحو يمكن ~~القضاء على الاغتراب الذي هو تضحية بالعياني في سبيل ~~المجرد، وقضاء على الإنسان في سبيل الآخر الذي تم خلقه ~~وهما وخداعا. ليس العلم هو العلم الميت البارد كما ~~هو الحال في علم العصر، بل هو العلم الحي الذي يختلط ~~بلحم الإنسان وبدمه، ويبدو فيورباخ هنا كيركجارديا ~~خالصا. العالم هو الذي يتناول مشاكل العصر ويغوص ~~فيها، ويستقصي جذورها، وينتهي به الأمر إلى حبل ~~المشنقة فيكون شهيد عصره وشاهدا عليه. ولا عجب ألا ~~يستمع العصر إلى نداء «جوهر المسيحية» فيما يتعلق ~~بالإيمان والمعجزة والعناية وفناء العالم وشهادة ~~التاريخ، في حين أن معارك العصر مثل الصراع بين ~~الكاثوليكية والبروتستانتية، والزواج المختلط لا تهم ~~بقدر أهمية ماهية المسيحية التي تثبت أن الزواج ~~الحقيقي هو تآلف الأرواح وأن النسل الحقيقي هو النسل ~~السماوي. وهنا يبدو فيورباخ أفلاطونيا في الفرق بين ~~الحب الإنساني البدني والحب الفلسفي الروحي ولكن على ~~نحو هيجلي باعتبار أن الروح هي العياني والبدني هو ~~المجرد. لقد حاول فيورباخ أن يترجم الصور الذهنية ms145 في ~~الدين المسيحي ويعثر على حقائقها العيانية معتمدا على ~~التحليل التجريبي والتاريخي والفلسفي للأسرار ~~المسيحية. كما فسر العقائد وقواعد الإيمان القبلية ~~على أنها موضوعات حسية تاريخية لا شأن لها بالتأملات ~~الخيالية التي تستمد مادتها من ذاتها. وأقام نتائجه ~~على الحس والرؤية ولم يستنبطها بالتأمل استنباط ~~الموضوع من الفكر، واستقرأ الفكر من الموضوعات. ~~فالموضوعات موجودة خارج الفكر. ويصر فيورباخ على أنه ~~مثالي في ميدان الفلسفة العملية وحدها. فلا حدود ~~للإنسانية. والفكرة لها دلالة سياسية واجتماعية ~~وأخلاقية. ويسمي فيورباخ نفسه روحيا وضعيا، صاحب ~~فلسفة إنسانية تجعل الوجود الإنساني هو الوجود ~~الحقيقي، ويقيم فلسفة لا تأملية، فلسفة دون ماهية ~~مسبقة مثل جوهر اسبينوزا أو ذات كانط وفشته، أو الهوية ~~المطلقة عند شلنج أو الروح المطلق عند هيجل، فلسفة ~~وجود واقعي، والإنسان هو أكثر الموجودات واقعية ~~وموضوعية في علاقاته الحسية بالأشياء. # ويبرئ فيورباخ نفسه من كل الاتهامات التي وجهت ~~ضده وفي مقدمتها الإلحاد بأنه لم يقل شيئا على ~~الإطلاق (بل إن الدين هو الذي تحدث عن نفسه وأن ~~فيورباخ قد سمح له بذلك فحسب. لم يبتدع فيورباخ شيئا ~~بل كشف الدين عن ذاته، ورأى فيورباخ هذا الكشف. إنه ~~الدين الذي يؤله الإنسان في حين ينكره اللاهوت. إنه ~~الدين، وليس فيورباخ، الذي يقول بأن الله هو الإنسان ~~الشخصي المنفصل عن الذات المتخارج في العالم، وأن ~~الإنسان هو الله بعد أن دفع بالإنسان بذاته خارجا عنه ~~مغتربا عن نفسه في آخر. إنه الدين وليس فيورباخ، الذي ~~ينكر الله الذي ليس هو الإنسان، ثم يجعله موضوعا ~~للفكر عندما يحيل الله إلى إنسان ثم يستعيد صفات ~~الإنسان وينسبها إلى الله ثم يؤلهه ويعبده. لم يفعل ~~فيورباخ أكثر من إذاعته للسر المسيحي والكشف عن زيف ~~اللاهوتيين وخداعهم وتناقضاتهم). ~~(وإذا كان كتاب «جوهر المسيحية» نافيا، لا ~~متدينا، ملحدا؛ فلأن الإلحاد هو جوهر الدين لأن ~~الدين في جوهره وليس في صورته. وصياغاته هو الإنسان في ~~الوجود والإنسان في إنسانيته وألوهيته. وإن لم يقتنع ~~أحد بذلك فعليه تفنيد حجج فيورباخ العقلية وبراهينه ms146 ~~التاريخية وتحليلاته النفسية ولا تهم سفسطة القضاة أو ~~رياء المرائين أو العبارات التأملية البراقة أو ~~قواعد اللاهوتيين الضحلة.) صحيح أن الكتاب ناف، ولكنه ~~ناف للجوهر اللاإنساني للدين وليس نافيا للجوهر ~~الإنساني؛ لذلك شمل الكتاب جزءين؛ جزء مثبت، وجزء ~~ناف، وتناول الموضوع نفسه على نحوين مختلفين؛ الأول ~~يعرض للدين في جوهره، والثاني يعرض للدين في تناقضاته، ~~الأول تطوير وكشف لمفهوم الدين، والثاني جدل وهدم ~~للاهوت. الأول هادئ والثاني عنيف، وفي كليهما ~~معركة. الأول يبين أن المعنى الحقيقي للثيولوجيا هي ~~الأنثروبولوجيا وأنه لا يوجد فرق بين صفات الوجود ~~الإلهي والوجود الإنساني، المحمولات تعبر عن جوهر ~~الموضوع (ويمكن الاستشهاد في ذلك بالتحليلات الأولى ~~لأرسطو أو بمقدمة فورفوريوس)، ولا فرق بين ذات الله ~~ووجوده من ناحية وذات الإنسان ووجوده من ناحية أخرى؛ ~~ومن ثم فلا فرق بين المحمولات الإلهية والمحمولات ~~الإنسانية. يثبت الجزء الأول أن ابن الله هو الابن ~~الحقيقي أي ابن الإنسان وأن الدين يخطئ بتصوره هذه ~~البنوة في الله بالفعل. ويثبت الجزء الثاني أن ابن ~~الله في الدين ليس ابنا طبيعيا؛ وبالتالي يكون ~~معارضا للطبيعة وللعقل. يعطي الجزء الأول البرهان ~~المباشر، ويعطي الثاني البرهان غير المباشر. # الجزء الثاني عود إلى الأول، يبين الثاني الزيف ~~بينما يكشف الأول الحقيقة. الأول عن الدين والثاني عن ~~اللاهوت. ولا يعني اللاهوت هذا المعنى الضيق عند ~~اللاهوتيين الحرفيين بل يشمل أيضا الفلسفة التأملية، ~~وعلم اللاهوت. فالمهم هو الأصل لا الفرع، المبدأ وليس ~~الأشخاص، والعصور والأماكن. لو كان «جوهر المسيحية» به ~~الجزء الثاني فقط لكان نافيا ولكان الله عدما، ~~والثالوث عدما، وكلام الله عدما، ولكنه أثبت أن ~~الدين له أساس في الوجود الإنساني الحق. والحقيقة أن ~~فيورباخ يرفع الأنثروبولوجيا إلى مستوى الثيولوجيا كما ~~ترفع المسيحية الإنسان إلى مستوى الله. إن الدين هو ~~الروح الإنساني ولكن الحلم لا يكون في السماء بل على ~~الأرض. المهم هو قلب النظرة من الداخل إلى الخارج، ~~وفتح على الدين، وتحويل موضوع التمثل إلى موضوع فعلي، ~~ولكن العصر ما زال يفضل الصورة على الشيء، ms147 والنسخة ~~على الأصل، والتمثل على الواقع، والظاهر على الوجود. ~~والدين وهم، والحقيقة دنيوية، ولكن العصر لم يحفظ من ~~الدين إلا الغباء. وتجد الكنيسة شرعيتها في هذا ~~المظهر. وتجد الطقوس دلالتها لو تم تفسيرها على نحو ~~أنثروبولوجي خالص. فالخمر والخبز ليسا إلا في التمثل ~~والخيال، والدين والفلسفة التأملية يتعاملان مع الوهم ~~والخيال ولا يتعاملان مع الواقع والحس. لقد طالب لوثر ~~من قبل بالعودة إلى العالم، فالخبز يعني الطعام، ~~والماء يعني الشراب، والعماد يعني الاستحمام. لا يهم ~~الأصل الوثني لهذه الطقوس؛ شرب الدم وأكل لحم الضحايا، ~~بل المهم دلالتها بالنسبة للإنسان. كما لا يهم بيان ~~تناقضات معجزات المسيح بل المهم بيان دلالتها ~~الإنسانية الخالصة. يريد فيورباخ العود إلى ماء ~~الأيونيين عند طاليس، الماء البارد للعقل الطبيعي حيث ~~تنشأ الأشياء؛ فالماء ليس فقط سبب النماء ودورة الحياة ~~بل هو أيضا علاج للنفس والعين. الماء يساعدنا على ~~اكتشاف الطبيعة وسبر غور الوعي الذاتي. الماء يطهر ~~الإنسان من الخوف والأوهام الناشئة عما يأتي من فوق ~~الطبيعة؛ # وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي ~~(الأنبياء: ~~30). # وتظهر مآسي العصر أيضا ليس في لاأخلاقيته وحدها بل ~~في غياب الروح العلمية. أصبحت الحقيقة حدا للعلم ~~وليست إطلاقا له من كل الحدود. وعندما يصل العلم إلى ~~الحقيقة ويصبح حقيقة لا يكون علما بل يصبح موضوعا ~~للبوليس. فالبوليس يمثل حدود الحقيقة والعلم، وكأن ~~السلطة السياسية يهمها الإبقاء على الزيف حتى تأمن ~~المعارضة. وبالرغم من أن فيورباخ بوجه عام أعطى ~~تفسيرا لا سياسيا للدين وأعطاه تفسيرا ~~أنثروبولوجيا خالصا طبقا للضرورة الخلقية ~~والفلسفية، إلا أن السياسيين غضبوا عليه لأنهم يعتبرون ~~الدين أسهل وسيلة لاستعباد الإنسان سياسيا ولا يودون ~~زعزعته وفهمه الفهم الصحيح. كما غضب عليه من لا ~~يعطون الدين أية أهمية سياسية، لأن إعادة تفكير الناس ~~في الدين على نحو شرعي وبعد القضاء على الاغتراب ~~الديني يجعلهم أكثر قدرة على الممارسة السياسية ~~فيثورون ضد الحكام، ويدافعون عن حقوقهم. وغضب عليه ~~أيضا أصدقاء التنوير والحرية في مبادئ الصناعة ~~والسياسة وأعداؤها في ميدان الدين؛ لأن التنوير ms148 الديني ~~يكشف عن مساوئ الليبرالية والنظام الرأسمالي. ويشير ~~فيورباخ في ملاحظة أخيرة أيضا إلى صلة الدين ~~بالسياسة. فالدين أساس النظم السياسية. ففي الوقت الذي ~~يكون فيه الدين مقدسا نجد تقديس الزواج والملكية ~~وقوانين الدولة. لم تكن الملكية مقدسة لأنها شريعة ~~إلهية بل تم تقديسها أولا باعتبارها شريعة إلهية. لم ~~يطور فيورباخ هذه العلاقة كما طورها ماركس بعد ذلك، ~~وظل بروتستانتيا حرا يؤسس الدين على ~~الأخلاق. ~~(4) # الاغتراب في ماهية الإنسان ~~وجوهر الدين: # يبدأ فيورباخ كتابه «جوهر ~~المسيحية» بتمهيد عن ماهية الإنسان بوجه عام وجوهرية ~~الدين بوجه عام، ويستعمل لكليهما كلمة # Wesen # وهي ~~الثنائية التي سيتبعها فيما بعد في تقسيم الكتاب بين ~~الماهية الحقيقية أي أنثروبولوجيا الدين، والماهية ~~المزيفة أي ثيولوجيا الدين، فيبدأ بالإثبات وهو ~~الإنسان ويثني بالنفي وهو الله. # فما هي ماهية الإنسان بوجه عام؟ يرى فيورباخ أن ~~التدين هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان. ويرجع هذا ~~التمييز إلى أن الإنسان لديه شعور أو وعي بالمعنى ~~الدقيق وليس مجموعة الإحساسات والإدراكات والأحكام أي ~~مجموعة الوظائف النفسية. ولا يتأتى الوعي إلا لوجود ~~تكون ماهيته عين موضوعه؛ فالعلم الإنساني هو الوعي ~~بالأجناس في حين أن الحيوان لا يدرك إلا نفسه. عند ~~الحيوان الحياة الداخلية والحياة الخارجية شيء واحد، ~~وعند الإنسان تتميز الحياة الداخلية عن الحياة ~~الخارجية، فالحياة الداخلية هي علاقته بجنسه وماهيته ~~والتعبير عن ذلك بالفكر واللغة. الإنسان هو الأنا ~~والآخر، هو الذات والموضوع، هو الموضوع والمحمول. ليس ~~الفرق بين الإنسان والحيوان في التدين فقط فالدين هو ~~الوعي باللانهائي؛ ومن ثم يكون وعي الإنسان بماهيته لا ~~نهائيا دون أن يكون ذلك وعيا بموجود لا نهائي. ~~الوعي هو وعي باللانهائي، وهو ما يقابل الغريزة عند ~~الحشرات. الوعي باللانهائي هو الوعي بلا نهائية الوعي. ~~وفي الوعي باللانهائي يكون موضوع الوجود الواعي واعيا ~~بذاته. الإنسان بلا موضوع لا يكون شيئا، فهذا ما ~~تؤكده حياة العظماء. يشعر العظيم أن له رسالة عليه أن ~~يحققها وهي الهدف الأسمى من نشاطه. تكون ماهيته ~~وتكون في علاقة جوهرية وضرورية معه. ms149 ماهية الإنسان ~~وجوده وغايته وموضوعه، وتتوحد الماهية والوجود كما ~~يتوحد الذات والموضوع في الإنسان. فيصبح الإنسان إذن ~~واعيا بذاته عن طريق الموضوع. والوعي بالموضوع هو وعي ~~بالذات. يمكن معرفة الإنسان إذن ابتداء من الموضوع. ~~وفيه تبدو الماهية، فالموضوع هو الماهية عندما تظهر ~~أنانيته الحقيقية الموضوعية. وهذا ينطبق على الموضوعات ~~الروحية والموضوعات الحسية على حد سواء. وهنا يأخذ ~~شعار سقراط «اعرف نفسك بنفسك.» معنى أنطولوجيا ~~جديدا. # ماهية الإنسان هو جنسه أو الإنسانية؛ العقل، ~~والإرادة، والقلب. العقل وظيفته الفكر، والإرادة ~~للاجتهاد والفعل والسلوك، والقلب هو الحب. وهنا يعود ~~فيورباخ من جديد إلى قوى النفس الثلاث عند أفلاطون ~~دون تمييز بين النفس والبدن أو بين المثال والواقع. ~~العقل والإرادة والقلب ثلاث كمالات أو ملكات سامية ~~تكون الماهية المطلقة للإنسان من حيث هو إنسان، ~~وتكون الغاية من وجوده. فالإنسان يوجد كي يعرف ويحب ~~ويفعل. الغاية من المعرفة المعرفة، ومن الإرادة ~~الإرادة، ومن الحب الحب، وهي نفس الصفات؛ حقيقي، كامل، ~~إلهي. نستعملها عندما نصف الشيء في ذاته. هو الثالوث ~~الإلهي الذي يجمع بين العقل والحب والإرادة كما قال ~~أوغسطين من قبل شارحا التثليث المسيحي. هذه الصفات ~~الثلاث ليست مجرد كمالات يتمتع بها الإنسان بل قدرات ~~إلهية مطلقة لا يمكن للإنسان مقاومتها. كيف يقاوم ~~الحب الحب، والمعرفة المعرفة، والإرادة ~~الإرادة؟ إن الحب يدفع الإنسان إلى الموت في سبيل ~~من يحب، والفكر يدفع الإنسان إلى أن يفكر، والحياة ~~تدفع الإنسان إلى أن يفعل. # الوجود المطلق إذن، وهو إله الإنسان، هو عين ماهيته، ~~وموضوعه ماهيته وقوة ومعرفة وإرادة، حبه هو معرفته ~~وإرادته وحبه. التناهي هو العدم ولا يمكن أن يكون ~~الإنسان واعيا بالتناهي وإلا كان عدما، الوعي هو ~~ظهور الذات، وتأكيد الذات، وحب الذات، والانشراح ~~بكماله الخاص. الوعي علامة مميزة لوجود كامل، والوجود ~~خير. التناهي سقوط وتفاهة وعار وقلق، ثم يمتد التناهي ~~للماهية محوا للعار! ويا للعار! # كل وجود مكتف بذاته، كل موجود له إلهه أي وجوده ~~الأعظم في ذاته. وكل تحديد هو بالنسبة للآخر الخارجي ~~الأعظم منه ms150 كما يظهر في مقارنة الحيوانات بالحشرات ~~وكما يفعل دارون في وصف تطور الأحياء فيما بعد. إن ~~الذي يجعل الموجود موجودا هو عبقريته وقوته وغناه ~~وجماله، فكيف يكون الوجود عدما عاجزا؟ وكأن فيورباخ ~~هنا يوحي بلغة نيتشه وبرجسون وبما سيقوله إقبال عن ~~الذاتية فيما بعد. ما يثبته الوجود لا يمكن للذهن ~~نفيه، فمقياس الوجود هو مقياس الذهن. وكلما امتد ~~الوجود إلى ما لا نهاية كان هو الله. ولا يمكن الفصل ~~بين الذهن والوجود إلا على نحو ظاهري تعسفي، وهو الدرس ~~المستفاد من هيجل. فلو فكر الإنسان في اللانهائي فإن ~~ذلك إثبات للانهائي في الفكر. وإذا شعر باللانهائي ~~فإن ذلك إثبات للانهائي في الشعور. موضوع العقل هو ~~العقل موضوعا لنفسه. وموضوع العاطفة هي العاطفة ~~موضوعا لنفسها. إن حوار الفيلسوف هو في الحقيقة ~~مونولوج العقل. الفكر لا يتحدث إلا مع الفكر. ~~فالعقلي وحده هو موضوع العقل. # الإنسان إذن مجموعة من الصفات أو الملكات؛ الصفاء، ~~العقلانية، النزاهة في المسرات والانفعالات، ولكن ~~الإنسان يرى، والعين ترى ماهيتها، وكأن الفلاسفة علماء ~~فلك من أجل العين، فالعين هي الطبيعة السماوية، ولكن ~~العاطفة هي الملكة الأساسية في الدين، ولا تعبر ~~ماهية الله إلا عن ماهية العاطفة. العاطفة هي «العضو ~~الإلهي». العاطفة هي النبل والعظمة أي الإلهي في ~~الإنسان. والله هو العاطفة الخالصة اللانهائية الحرة. ~~العاطفة ملحدة من وجهة نظر الأرثوذكسية لأنها ترفض ~~الله الموضوعي، وتجعل نفسها هو الله. والحقيقة أن نفي ~~العاطفة نفي لله، وهذا هو الإلحاد الديني. وما يقال ~~عن العاطفة يقال على باقي الملكات في الإنسان: ~~العقل والإرادة. # من هذا التحليل الذي يبدو فيه فيورباخ معاصرا ~~للغاية، هيجليا امتدادا لبرجسون ونيتشه وهوسرل ~~وهيدجر، يوحد بين الذات والموضوع ، بين الفكر والواقع، ~~بين الماهية والوجود، يهدف فيورباخ إلى وصف الإنسان ~~الحقيقي قبل أن يتزيف ويغترب عندما يكون واعيا بذاته ~~في وحدته الداخلية قبل أن يفصمها الاغتراب الديني، ~~ويبدأ بالعاطفة وهي نقطة البداية في الاغتراب والتي من ~~خلالها يحدث الانفصام والوقوع في الوهم، وهو ما ظهر ~~بالتفصيل عند شليرماخر ms151 في «مقال في الدين». # فإذا كانت ماهية الإنسان هي أنه وعي يتحد الذات فيه ~~بالموضوع فما هو جوهر الدين؟ في ماهية الإنسان بوجه ~~عام تم تحديد علاقة الإنسان بالموضوع بوجه عام، ولكن ~~ما هي علاقة الإنسان بالموضوع الديني بوجه خاص؟ في ~~علاقة الإنسان بالموضوعات لا ينفصل الوعي بالذات عن ~~الوعي بالموضوع، ولكن في حالة الموضوع الديني يتحد ~~الوعي مباشرة بالوعي بالذات. فإذا وجد الموضوع الحسي ~~خارج الإنسان فإن الموضوع الديني يوجد في داخله. وهو ~~كما يقول أوغسطين أسهل في معرفته من الموضوعات ~~الخارجية. الموضوع الخارجي محايد ومستقل عن الاعتقاد ~~والحكم، في حين أن موضوع الدين موضوع اختيار الموجود ~~الأول، الأفضل والأسمى، ويتضمن حكما نقديا يقوم ~~على التمييز بين الإلهي واللاإلهي. وهنا تبدو أهمية ~~قضية أن موضوع الإنسان ليس إلا الماهية الموضوعية ~~ذاتها. الوعي بالله إذن هو وعي الإنسان بذاته، ومعرفة ~~الله هي معرفة الإنسان بذاته. ابتداء من الله تعرف ~~نفسك، والعكس صحيح. كلاهما واحد. # إن الله بالنسبة للإنسان هو روحه ونفسه، والإنسان ~~بالنسبة إلى نفسه هو الروح والنفس والقلب، وهذا إله. ~~الله هو الداخلية التي تظهر في الإنسان. والدين هو ~~ظهور كنوز الإنسان، الاعتراف بأخطاره الزمنية، ~~والإقرار العلني بأسرار الحب. # وقد لا يشعر الإنسان أن وعيه بالله هو وعيه بذاته؛ ~~لذلك يمكن القول بأن الدين هو وعي الإنسان بذاته على ~~نحو غير مباشر؛ ولذلك أيضا سبق الدين الفلسفة وسبق ~~الخارج الداخل. الدين هو ماهية الإنسانية وهي في دور طفولتها. # 5 # يرى الإنسان ماهيته خارجا عن ذاته؛ لذلك ~~وقع الدين الأول في الوثنية وعبادة الأصنام؛ فقد عبد ~~الإنسان ماهيته، وتموضع الإنسان دون أن يعي ماهيته. ~~ثم تقدم الدين، أي تقدم الوعي بالذات، وعي الإنسان ~~بذاته. فرفض الدين السابق متصورا أنه حصل على موضوع ~~أسمى وأعلى من قوانين الطبيعة، ويتصور أنه من خارج ~~الطبيعة مع أن الطبيعة هي الأساس. يرمي فيورباخ من ذلك ~~إلى بيان أن التعارض بين الإلهي والإنساني مجرد وهم ~~لأن الدين هو علاقة الإنسان بذاته، وذاته كموجود آخر، ~~فالوجود ms152 الإلهي ليس إلا ماهية الإنسان مستقلة عن حدود ~~الإنسان الفردي الواقعي الموضوعي المجسم. فكل ~~تحديدات الوجود الإنساني هي تحديدات لماهية الإنسان. ~~ولا يتعلق الأمر بالمحمولات فقط بل يمتد إلى الموضوع ~~ذاته؛ وبالتالي فنفي الذات إلحاد ولا تدين أكثر من ~~نفي الصفات، ولكن إلغاء الصفات إلغاء للذات لأن الصفات ~~هي التي تحدث الأثر والفاعلية وكما تقول المعتزلة: ~~نفي الصفات نفي للذات، والذات بلا صفات موجود غير ~~موضوعي، والموجود غير الموضوعي عدم وجود. وعلى عكس ~~إثبات الصفات ثم إثبات الذات، وكما تقول الأشاعرة، هذا ~~النفي نتاج العصر الحديث. # يتحول الله إلى موضوع عندما لا يصبح موضوعا ~~للمعرفة مع أن هذا العجز نفي لله. كما يمكن نفي صفات ~~الله عن طريق التجسيم والتشبيه وإرجاعها إلى الإنسان، ~~ولكن الفرق بين الله في ذاته والله بالنسبة للإنسان ~~يدمر هذا الموقف الديني، ولكن يظل المتدين سعيدا لأن ~~الله إله له، وهي سعادة وهمية. يود كل دين التوحيد ~~بين الله في ذاته والله بالنسبة للإنسان وإلا ظهر الشك ~~واللاتدين، وكلاهما ضد الدين. لو كان الله موضوعا ~~للعصفور فإنه لن يكون موضوعا إلا من حيث أن له ~~جناحا، فالعصفور لا يعلم وجودا أكثر سعادة من الوجود ~~المجنح! # الصفات الإلهية إذن صفات إنسانية، وعدم الاعتراف ~~بذلك شك وعدم اعتقاد بل جبن وضعف وخنوع. وإذا كانت ~~الصفات إنسانية فالذات أيضا إنسانية. يجعل الإنسان ~~الحب صفة لله لأنه يحب. ويتصور الإنسان الله ~~حكيما خيرا لأن الإنسان يتصور الحكمة والخير أسمى ~~ما فيه. ويعتقد أن الله موجود لأنه يوجد. والفرق بين ~~الاثنين هو أن عزو الصفات لله بالتوسط وللإنسان ~~بالمباشرة. الصفة حقيقة الذات، والذات صفة مشخصة. ~~الذات والصفة مثل الوجود والماهية، ونفي أحدهما نفي ~~للآخر. وماذا يبقى من الذات الإنسانية لو انتزعنا عنها ~~صفاتها؟ كما أننا في لغتنا العادية نستبدل بالذات ~~الإلهية صفاتها. هذا التميز بين الإنسان والله لا ~~يوجد إلا في هذا العالم. ففي العالم الآخر لا يكون ~~للإنسان إرادة أو عقل أو حب مستقل. فالأرض أو وجود ~~الإنسان في العالم ms153 هو سبب الاغتراب أي تمايز الذات عن ~~صفاتها ثم تشخيص صفاتها في ذات مستقلة عنها. # إن يقين الإنسان بوجود الله هو يقينه بوجود ذاته، ~~وليس يقينه بوجود ذات الله، كما أن يقين الإنسان بصفات ~~الله هو يقينه بصفاته وليس يقينه بصفات الله. فهو يقين ~~غير مباشر. وحقيقة الذات والصفات الإنسانية هي الضمان ~~الوحيد لوجود الذات والصفات الإلهية. وكل ما يتمثله ~~الإنسان على أنه حقيقي يكون أيضا واقعيا وليس ~~خياليا، حلما أو تمثلا. فالوجود هو الحقيقة. في ~~البداية يقيم الإنسان الحقيقة على الوجود ثم يقيم فيما ~~بعد الوجود على الحقيقة. فالله هو ماهية الإنسان ~~المدرك كحقيقة عظمى. والدين هو الحدس المطابق لوجود ~~الإنسان. الشك في الله إذن شك في الذات. ويتضح تماثل ~~الذات والموضوع بصورة أفضل في تطور الدين المتماثل مع ~~تطور الحضارة الإنسانية. فإذا كانت صفة الإنسانية ~~بدائية كانت صفة الله بدائية كذلك. والملحد العادي هو ~~الذي يلغي صفات الله في حين أن الملحد الحقيقي هو الذي ~~يلغي صفات الإنسان. ليس للدين مضمون خاص به، ولا يوجد ~~في الدين إلا ما يوجد في الإنسان في وعيه بذاته ووعيه ~~بالعالم. ونحن لا نعرف من الله إلا الصفات الإنسانية. ~~أما باقي الصفات التي لا تشابه الإنسان فلا نعلمها. ~~وهذا أيضا سر إنساني، فالإنسان لا نهاية لصفاته ~~ولغناه. وقد جعل اسبينوزا لله عددا لا نهائيا من ~~الصفات لم يعد منها إلا الفكر والامتداد. والصفات ~~شخصية وليست ميتافيزيقية. والله شخص، مشرع، قديس، ~~عادل، خير، رحيم، أب للبشر. وهي كلها صفات ~~إنسانية. ~~(ولكن اللاهوتي يرفض هذا التوحيد بين الله والإنسان، ~~ويعطي لله ما يسلبه عن الإنسان، ويعطي للإنسان ما ~~يسلبه عن الله. وهذه سرقة ذهنية وسادية نفسية . أما ~~الراهب فإنه يعوض عن حبه الجنسي المفقود وحبه الإنساني ~~حبه لله وللسماء وللعذراء. تغيب عنه المرأة الحقيقية ~~فتحضر له المرأة المثالية، وكلما ضحينا بالحس أصبح ~~الله الذي نضحي لأجله بالحس حسيا. فالراهبة عروس ~~الله، لها زوج سماوي، وكأن فيورباخ هنا يسبق فرويد وما ~~يقوله في الكبت والحرمان ms154 والتعويض والإعلاء. يثبت ~~الإنسان لله إذن ما ينفيه عن نفسه؛ وبالتالي يكون ~~الدين تجريدا للإنسان، واغترابا عنه، وتزييفا له. ~~إن أفكار الإنسان عن الله من الأرض وليست من السماء، ~~فالله يقوم بما يقوم به الإنسان، يحب ويعلم؛ وبالتالي ~~يذكر الإنسان ذاته كلما أثبت الله. والحقيقة أن ~~الإنسان هو الرضا الذاتي للأنانية الشخصية. ينكر ~~الدين الخير كصفة للإنسان فالإنسان شرير فاسد، عاجز ~~عن فعل الخير، والله وحده هو الخير. المقدس نفي ~~لخطيئة الإنسان، ونفي الخطيئة فصل للموجود عن الماهية ~~وهما متحدان. والحقيقة أن اعتبار الإنسان عاجز عن ~~فعل الخير يؤدي إلى اعتبار الله كذلك وهو الإلحاد. ~~فالدين مقدمة للإلحاد. وهذا هو معنى الصراع القديم ~~بين أوغسطين وبلاجيوس. فقد جعل بلاجيوس الإنسان إلها ~~في حين جعل أوغسطين الإله إنسانا. والأوغسطينية ~~بلاجية مقلوبة. ما جعله بلاجيوس ذاتا جعله أوغسطين ~~موضوعا. أوغسطين يعطي الله ويسلب عن الإنسان، ~~وبلاجيوس يسلب عن الله ويعطي للإنسان. أوغسطين ممثل ~~اللاهوتي المغترب، وبلاجيوس هو الأنثروبولوجي ~~الفيورباخي. أوغسطين هو اللاهوت المقلوب، وبلاجيوس هو ~~الأنثروبولوجي. أوغسطين هو المزيف، وبلاجيوس هو ~~الصحيح.) ~~(الله هو ماهية الإنسان الذاتية، وكلما كان الله ~~إنسانيا كان ذاتيا. وكما أن الإنسان لا يرى إلا ~~ذاته فإن الله لا يرى أيضا إلا ذاته أي الإنسان، ~~فالإنسان موضوع الله. ثم يغترب الإنسان. وينزع ماهيته ~~ووجوده من ذاته بفعلي الجذب والطرد. ويصبح الله الذي ~~كان يفعل في ومعي وبي وعلي ولي وقد خرج من أحشائي ~~فيغترب الإنسان. لا يعود التقدم للبشرية إلا إذا ~~استرد الإنسان من أحشائه المنشورة خارجه بعد بقر ~~بطنه واسترد صفاته. وهذا هو تطور الدين من ~~اليهودية إلى المسيحية، ونقول أيضا ومن المسيحية إلى ~~الإسلام لدينا أو إلى التنوير لديهم؛ فقد كان الله ~~كل شيء في اليهودية حتى في الطعام ثم أصبح الله في ~~الإنسان في المسيحية ثم أصبح الله هو الإنسان الكامل ~~في الإسلام وعند فيورباخ؛ وبالتالي يكون إلحاد اليوم ~~هو دين الغد.) # | ثانيا: الجوهر الحقيقي أي ~~أنثروبولوجيا الدين # يضم «جوهر المسيحية» قسمين أساسيين؛ الأول: الجوهر ms155 الحقيقي أي ~~أنثروبولوجيا الدين؛ والثاني: الجوهر المزيف أي ثيولوجيا الدين. ~~يبدأ فيورباخ بالإيجاب قبل السلب، وبالإثبات قبل النفي، فالاغتراب ~~الديني يتمثل في ثيولوجيا الدين، وهو موقف ديني مزيف نتج عن ~~تصوير الثيولوجيا على أنها علم الله يتحدث عن ذات الله وصفاته ~~وأفعاله، ويجعل الله موضوعا مستقلا عن الإنسان، متجسما في وثن ~~نفسي مشخص في الخارج، في حين أن الدين في وصفه الصحيح وهو ~~أنثروبولوجيا الدين، موقف إنساني صحيح يرجع للذات ما سلب عنها من ~~قبل، ويعيد إلى الإنسان أخص خصائصه وهي الصفات مثل الوجود ~~والكمال. يصف فيورباخ الوضع الصحيح أولا ثم الوضع المزيف ثانيا ~~كي يبين الاغتراب الديني أي انحراف الإنسان خارجا عن ذاته ~~ومتعاليا عليها. فالاغتراب طارئ على الصحيح وليس ناشئا منذ ~~البداية كما يقول الوجوديون: إن الإنسان يوجد في العالم مغتربا. ~~ويكون القضاء على الاغتراب والعود إلى الحقيقي هو عود إلى طبائع ~~الأشياء. الصحيح هو الأساس، والاغتراب هو العرض. وإذا كنا جميعا ~~ما زلنا مغتربين فإن تطورنا يشير إلى العودة إلى الأساس. ~~فالأنثروبولوجيا هو علم المستقبل، ومبادئ فلسفة المستقبل. # ويعرض فيورباخ لموضوعات الدين الحقيقي؛ الله كمبدأ وكقانون ~~وكعاطفة وكمال وكوحدة وكصفات مثل الكلام والخلق والعناية والقدرة. ~~كما يتحدث عن الإنسان؛ إيمانه وبعثه وحياته وخلوده، مبينا أن ~~الدين في جوهره هو أنثروبولوجيا أي وصف للإنسان قبل أن يقع فريسة ~~للاغتراب. ~~(1) # الله كموجود ذهني: # لما كان الدين هو قسمة الإنسان على نفسه، فالله غير ~~الإنسان والإنسان غير الله، فالله كامل والإنسان ناقص. ~~لقد قسم الإنسان نفسه إلى وجود وماهية. وأعطى لنفسه ~~الوجود الناقص ولله الماهية الكاملة. وتم ذلك بفعل ~~الذهن. وأصبح موجودا ذهنيا من طبيعة العقل. حدث ذلك ~~عند اليونان والمسلمين والمسيحيين المتأخرين كما حدث ~~في الفلسفة العقلية الأوروبية. يجهل العقل الآلام ~~والقلب والرغبات والوقائع الخاصة ولا يقدم إلا ~~العموميات. أصبح الله لا شخصيا غير مجسم، منزها ~~عن أوصاف التشبيه، لا ينفعل ولا يخضع للأهواء، ماهية ~~مجردة، لا نهائيا، لا ماديا، لا حسيا، لا يمكن ~~تصوره، ولا يعرف إلا بالتجريد، ms156 وعن طريق ~~السلب. # الله فكر عام، ضرورة خاصة. الذهن مقياس للواقع، وكل ~~ما يخرج عن الذهن فهو عدم الذهن. هو الأنطولوجيا ~~القديمة التي منها خرج اللاهوت الأنطولوجي الذي يستنبط ~~وجود الله من ماهيته في الذهن كما هو الحال في الدليل ~~الأنطولوجي عند أنسليم وديكارت. لقد كان ذلك نصرا ~~كبيرا على الوثنية الحسية الخارجية، ولكن الصنم الحسي ~~تحول إلى وثن عقلي يعزى إليه الوجود. إن وحدة الله ~~من وحدة الذهن، ولا نهائية الله من لا نهائية الذهن في ~~مقابل التناهي والتعدد. وقد هدم كانط الدليل ~~الأنطولوجي مثبتا استحالة استنباط الوجود من الفكر، ~~والموضوع من المحمول. يقول كانط: عندما أفكر أكون على ~~وعي بأن هناك ذاتا تفكر وليس شيئا آخر؛ وبالتالي ~~فأنا جوهر، أوقد لذاتي دون أن أكون محمولا لموضوع ~~آخر. ويخلص فيورباخ من هذا التحليل بأن الله ماهية ~~الإنسان بعد أن تم تجريدها في الذهن؛ وبالتالي يعني ~~قدرة الذهن على إدراك الماهيات، وهي حقيقة إنسانية ~~متضمنة في نظرية المعرفة. ~~(2) # سر التجسد أو الله كموجود ~~خلقي أو قانون: # الله من حيث هو كامل ~~أخلاقيا ليس إلا الفكرة أو الماهية المتحققة في ~~القانون الأخلاقي، فالله ليس فقط ماهية عقلية مجردة أو ~~مبدأ عقليا خالصا، ولكنه أيضا قانون خلقي أو ~~مبدأ عقلي يظهر في سلوك الإنسان الأخلاقي. فالوجود ~~الأخلاقي للإنسان موضوع كموجود مطلق لأن الله الأخلاقي ~~يتطلب أن يكون الإنسان مثله، والإنسان الأخلاقي ~~يتطلب أيضا أن يكون الله مثله. «الله مقدس ويجب ~~أن نكون مقدسين مثلما هو مقدس.» يقول كانط: يمكن أن ~~يقال إن الله هو القانون الخلقي ذاته ولكن تم تشخيصه ~~بالفكر. ولكن هذا الموجود الكامل يتركنا باردين، ~~فارغين، فنصبح وعيا بلا قلب. الذهن يحكم طبقا ~~للقانون، والإنسان يعيش بالقلب. القانون يخضع ~~الإنسان والقلب يحرره. إن الحب وحده هو الذي يجعل ~~العندليب مغنيا. القانون يقهر الإنسان فيقابله ~~الإنسان بالتوبة والاستغفار. نفي الإنسان إذن هو نفي ~~للدين. ولما كان الإنسان هو حياته الباطنية فإن الله ~~يظهر من خلالها. ولد الإنسان في الألوهية والألوهية ~~وطنه. ms157 يوجد حيث نشأ. الله إذن فكرة وقانون أو كما نقول ~~عقيدة وشريعة للإنسان. ~~(3) # الله كموجود قلبي: # ليس الله فقط مبدأ عقليا وقانونا خلقيا بل هو ~~أيضا حب إلهي. فالحب وسيلة التصالح بين الإنسان والله ~~أي بين الإنسان ونفسه. والتجسد هو الظهور الحسي ~~الفعلي للطبيعة الإنسانية لله بفعل الحب. لم يظهر الله ~~كإنسان لنفسه بل لحاجة الإنسان الملحة للحب. # كان الله إلها إنسانيا قبل أن يصبح إلها ~~فعليا، وفعل ذلك بواقع من رحمته نظرا للحاجة ~~الإنسانية وللشقاء الإنساني. التجسد دمعة ساخنة ~~إلهية على وجه العالم، وجود مفعم بالعواطف الإنسانية ~~بل وجود إنساني خالص. كان الإنسان إلها قبل أن يصبح ~~الإله إنسانا وليس كما قال أوغسطين أصبح الله إنسانا ~~حتى يصبح الإنسان إلها؛ فألوهية الإنسان سابقة على ~~إنسانية الله لأن ألوهية الإنسان هي التي جعلت الله ~~إنسانا. يقول اللاهوت: إن الشخص الثاني هو الذي ~~تجسد. والحقيقة أنه الشخص الأول أي الله نفسه وليس ~~الابن أو الروح القدس، ولكن ليس التجسد واقعة مادية ~~تاريخية كما يدعي اللاهوت، فهذه هي المادية الفجة، ~~بل حقيقة إنسانية خالصة، وهذا ما تضيفه ~~الأنثروبولوجيا على الفلسفة التأملية. لا تعتبر ~~الأنثروبولوجيا الصيرورة في الإنسان سرا خاصا ~~مدهشا كما هو الحال في الفلسفة التأملية ذات المظهر ~~الصوفي بل تقضي على السر فوق الطبيعي، وتنقد العقيدة، ~~وتحللها إلى عناصرها الطبيعية المفطورة في الإنسان ~~إلى داخله وبؤرته وهو الحب. ~~(تعني العقيدة أن الله هو الحب، وأن الحب جعل الله ~~يتخارج عن هويته؛ فالحب أقوى من الله. وكما قال القديس ~~برنارد: إذا لم نضح بالله من أجل الحب فإننا نضحي ~~بالحب من أجل الله. الله ليس محايدا، ليس بعيدا، فكل ~~صلاة هي تجسد لله، والله ذو شفقة وعطف وحنان. الصلاة ~~تقرب الله للشقاء الإنساني، فالله يحب الإنسان. له ~~ابن والله أب. علاقة الله بالإنسان في التجسد علاقة ~~الأب بالابن، علاقة حب وعطف وشفقة وليست تناقضا كما ~~تدعي الفلسفة التأملية. الحب وحده هو قلب الإنسان. ~~وإذا كان الله يحب الإنسان فالإنسان هو قلب الله. ms158 أليس ~~حب الله للإنسان هو حب الإنسان لنفسه متموضعا ~~ومحدسا كحقيقة مطلقة؟ ولقد أدرك لوثر من قبل أن ~~المسيحية هي دين القلب، فمن يدرك في قلبه هذه الحقيقة ~~أن الله أصبح إنسانا يجب عليه باسم الجسد والدم أن ~~يحب في هذا العالم كل جسد ودم ولا يعادي أي إنسان ~~حتى يكون له مكان في العالم الآخر على يمين الله. سر ~~التجسد إذن هو الله كموجود قلبي.) ~~(4) # سر الله المتألم: # من تحديدات الله الذي يصبح إنسانا أن المسيح هو ~~الألم. الله يتألم من أجل الآخرين وليس في ذاته، ~~وهذا يعني أن التألم من أجل الآخرين إلهي. ولما كان ~~الله هو مجموع الكلمات الإنسانية والله المسيح هو ~~مجموع الشقاء الإنساني فإن الكمال يغطي على الحب، ~~ويتأكد الحب في الألم. الألم خلقي وإرادي كما هو ~~معروف في آلام الحب، قوة التضحية من أجل خير ~~الآخر. # إن تاريخ المسيحية هو تاريخ آلام الإنسانية في حين ~~أن تاريخ الوثنية هو تاريخ الملذات الحسية. والمسيح ~~على الصليب لا يمثل المخلص بقدر ما يمثل المصلوب ~~المتألم؛ ومن ثم صلب الذات ألم في حين أن الصور ~~الدينية في الوثنية كما لاحظ أوغسطين وعدد من آباء ~~الكنيسة تدعو إلى الإباحية. وكما أن سقراط يفرغ الروح ~~من الآلام ويعيش في بهجة الموت فإن المسيحي يصيح «لو ~~كان بالإمكان إبعاد هذه الكأس عني.» كما صاح المسيح ~~على الصليب. الله يتألم يعني أن الله قلب، فالقلب هو ~~الألم، والموجود بلا ألم موجود بلا قلب. سر الله ~~المتألم هو سر الحساسية، والله المتألم هو إله ~~حساسية، إله حسي. الدين إذن هو انعكاس الوجود الإنساني ~~في ذاته، فالله مرآة الإنسان. ولا يستطيع الإنسان أن ~~يعتقد شيئا إلا إذا كان في وجوده الخاص. ففي الإنسان ~~توجد وحدة الطبيعة والروح، وما يعتبره الإنسان روحا ~~هو جزء من طبيعته. الذي يتألم هو الإنسان وليس ~~المسيح. ~~(5) # سر التثليث وأم ~~الإله: # كما كان الوجود الكلي هو الذي ~~يعبر عن الإنسان الكلي فإن وعي الإنسان بشموله هو ~~الوعي بالتثليث. يرجع ms159 التثليث إلى الوحدة بين ~~التحديدات أو القوى التي تظن أنها منفصلة. يعني ~~التثليث وحدة الشخصية الإنسانية في مقابل تعدد ~~قواها، ووحدة الجماعة الإنسانية في مقابل تكاثر ~~أفرادها. التثليث صورة لشيء حقيقي واقعي كما قال ~~أوغسطين من قبل، مثل الروح والذهن والذاكرة والإرادة ~~والحب. تموضع الوعي بالذات هو أول شخص في التثليث، ~~فالوعي بالذات الإلهية ليس إلا الوعي باعتباره ماهية ~~مطلقة أو إلهية. التثليث هو الوحدة بين الأنا والأنت. ~~الله الآب هو الأنا، والله الابن هو الأنت، الأنا هو ~~الذهني، والأنت هو الحب. واجتماع الذهن والحب أو الأنا ~~والأنت هو الروح أو الإنسان. والله الذي يستبعد الحب ~~والآخر والجماعة إله متعسف. إن الحياة المشتركة هي ~~وحدها الحياة الإلهية الحقيقية المكتفية بذاتها. وهذه ~~هي حقيقة التثليث على نحو غير مباشر أي مقلوبة من ~~الأنثروبولوجيا إلى الثيولوجيا. الروح القدس هي الوحدة ~~بين الله والإنسان. والحقيقة لا يوجد إلا شخصان، ~~والثالث هو الحس أو العلاقة بينهما. ولما كان الحب هو ~~القلب، والقلب هو الإنسان أصبح الشخص الثاني هو ~~التأكيد الذاتي للإنسان، وهو الذي يشارك في الجماعة. ~~هو الحرارة، والآب هو النور، والنور صفة للابن. الابن ~~هو لوعة الحب والحماس. الابن هو الله المتجسد، إنكار ~~الله الأصلي، نفي الله لله. # فإذا كان الابن متناهيا يكون الله بلا أساس، يستولي ~~الابن على القلب لأن الأب الحقيقي للابن الإلهي هو ~~القلب الإنساني لأن الابن ليس إلا القلب الإلهي، أي ~~القلب الإنساني موضوعا لذاته كموجود إلهي. فالأب ~~والابن في التثليث ليس لهما معنى مجازي بل لهما معنى ~~حقيقي. التثليث إذن تموضع الدين داخل الدين. ولما ~~كان الحب في حاجة إلى شخص أنثوي لأن الروح القدس غامض ~~وعام كانت مريم هي التوسط بين الأب والابن. لم تكن ~~مريم في علاقة مباشرة لأن المسيحيين يتصورون ~~العلاقة بين الرجل والمرأة خطيئة. ولما كان الحب بلا ~~طبيعة وهما وخداعا وسرابا فقد أزاحت البروتستانتية ~~أم الإله جانبا بالرغم من عودتها الآن. لم تكن ~~البروتستانتية في حاجة إلى أم سماوية لأنها استقبلت ~~بالأحضان الأم ms160 الأرضية برفضها نظام الرهبنة وعزوبية ~~القساوسة. التثليث لا يعني هذا المعنى إلا في ~~الكاثوليكية، وأم الإله لا تعني شيئا إلا للراهبات ~~والرهبان تعويضا عن الحرمان أو في أحسن الأحوال ~~إعلاء وتساميا بالغريزة. ويعني التثليث بوجه عام ~~الغنى في مواجهة الفقر، والإشباع في مقابل الحرمان، ~~والجماعة كنقيض للعزلة، والحس الذي يعكس المجرد. ~~وكلما كانت الحياة فارغة امتلأ الدين. الفقير وحده له ~~غنى، فالله يكفل نقص الإنسان. ما يغيب عن الإنسان ~~يوجد في الله، وما يحضر في الإنسان يغيب عن الله. هذه ~~هي الدلالة العملية لهذه القضية النظرية. ~~(6) # سر اللوجوس والصورة ~~الإلهية: # إذا كانت الدلالة الجوهرية ~~للتثليث تخص الشخص الثاني فإن المعركة في المسيحية ~~كانت حول ابن الله # Homoiousios # المتحد معه في الجوهر # Homoousios ~~(بفارق # i ~~). فالله مجرد ~~وبارد بلا صورة. والصورة مصدرها الخيال. والشخص الثاني ~~في الله من قوة الخيال؛ فالابن صورة الله، يتعلق ~~بوجوده. ووجوده صورة الله لتخيل الله. والصورة تحل ~~محل الشيء ثم تأتي عبادة المقدس في صورة كعبادة ~~الصورة كمقدس. فالصورة جوهر الدين. وقد اعترف القديس ~~جرجوار النيسي أن تمثل قربان إسحاق (إسماعيل) جعله ~~يذرف الدمع ويجعل هذا التاريخ المقدس حيا؛ فالابن ~~كلمة الله هي صورة الكلمة # Verbe ~~، صورة مجردة ~~خيالية تعني الكلمة والتعبير، فالحالم يتكلم، والمجنون ~~يتكلم، والشاعر يتكلم، الكلمة تعني التخارج باللغة. ~~الكلمة ثورة تعبير وإيصال. الكلمة تحرر للإنسان. ~~والذي لا يستطيع أن يتخارج يكون عبدا. الكلمة فعل ~~الحرية، الكلمة حرية. الكلمة حضارة. كلمة الله هي ~~إلهية الكلمة. هكذا تجد العقيدة حقيقتها في ~~الإنسان. ~~(7) # سر المبدأ الخالق للعالم في ~~الله: # طالما أن الله يكشف عن ذاته ~~ويتخارج ويعبر عن نفسه فإن الشخص الثاني يكون هو ~~المبدأ الخالق للعالم في الله. فالعالم ليس هو الله، ~~هو الآخر، ضد الله، ولكن ما يخرج من الله يظل فيه، ~~ويظل الآخر على وعي بانفصاله عن الله، والله على وعي ~~بتخارجه. التمايز الذاتي # Autodifferenciation # في الله هو أساس ما ~~يختلف عنه. ولما كان الوعي بالذات أساس العالم نظرا ~~لوحدة الذات والموضوع، ms161 فالله يفكر في العالم عندما ~~يفكر في ذاته، على طريقة أرسطو والفلاسفة المسلمين. ~~التفكير تولد، والتفكير في العالم خلقه. الله يفكر ~~ويضع موضوع تفكيره. فالابن هو الله عندما يفكر في ذاته ~~موضوعيا، صورة الله الأولى. وكما يخلق الفكر موضوعه ~~تضع الأنا الآخر. الوعي بالعالم هو وعي بحدودي، ~~فالإنسان هو الموضوع الأول للإنسان، والإنسان هو إله ~~الإنسان، إذا وجد تحول إلى طبيعة وإذا وجد إنسان آخر ~~فإنه يوجد بفعل الإنسان. يتدفأ الإنسان في شمس ~~الإنسان، ولكن لما كان العامي لا يفهم إلا إذا تكلم ~~بصوت مسموع لذلك كان هوبز على حق في استنباط الذهن من ~~الآذان، فإن الابن هو حكمة الله وعلمه وذهنه أي كل شيء ~~متعلق بالأشياء الروحية. الله والعالم لا يتمايزان إلا ~~على نحو مجرد. ~~(8) # سر التصوف أو سر الطبيعة في ~~الله: # إن نظرية الطبيعة الأبدية في ~~الله، هذه الخيالات الكونية اللاهوتية التي وضعها ~~جاكوب بوهمه والتي أعاد شلنج صياغتها جديرة بالتحليل ~~النقدي. الله روح خالص، وعي واضح بذاته، شخصية خلقية. ~~وعلى الضد من ذلك الطبيعة مختلطة غامضة لا خلقية أو ~~غير خلقية، ولكن من التناقض صدور غير الخالص من ~~الخالص، والغموض من الوضوح؛ وبالتالي فإن النظرية ~~مادية مغلفة بالتصوف. في هذه النظرية الثنائية في ~~الله يكون الموضوع الحقيقي مرضيا Pathologique # والموضوع المتخيل هو اللاهوت أي أن الباثولوجيا ~~النفسية تحولت إلى ثيولوجيا. فتاريخ المرض الإنساني ~~هو تاريخ المرض الإلهي، وكلاهما مجموعة من الأمراض ~~النفسية والعقلية. وهي نفس الأفكار المختلطة التي ~~تحدث عنها ليبنتز والمأخوذة من جاكوب بوهمه والتي ~~حاول شلنج تحديثها فتعالى عليها. كان بوهمه متدينا ~~ولكن الطبيعة كما وصفها العصر الحديث في مذهب اسبينوزا ~~وفي المادية والتجريبية استولت على شلنج فحاول تفسير ~~الطبيعة على نحو طبيعي . لقد أغنت الطبيعة العواطف ~~الدينية، فالله غني كالأرض، وكل ما في الله في الأرض، ~~وكل ما في الأرض في الله. لقد تصور شلنج العلاقة ~~بينهما عكسية، وهي عند بوهمه طردية. ~~(لقد أرادت نظرية الطبيعة في الله تأسيس التأليه من ~~خلال المذهب الطبيعي، ms162 فكل ما يمجده الإنسان ويعظمه ~~هو الله، وما يلومه ويحتقره لا يكون إلها. الدين حكم ~~شعوري أو لا شعوري، والحكم يعبر عن موقف. الوجود ~~الإلهي ما هو إلا ماهية الإنسان بعد أن تحولت بموت ~~التجريد، روح الإنسان، روح الإنسان المنفصل. في الدين ~~يتحرر الإنسان من حدود الحياة، يترك ما يقهره وما ~~يخدمه وما يؤثر عليه أثرا سيئا. لا يشعر الإنسان ~~بالسعادة إلا في الدين، بعبقريته يوم الأحد!) ~~(وحيث تنتهي الطبيعة يبدأ الله لأن الله هو الحد ~~النهائي للتجريد؛ ونتيجة لذلك فكل محاولة لتأسيس شخص ~~الله بواسطة الطبيعة فإنها تتأسس على خلط فاسد ~~وسيئ بين الدين والفلسفة عن لا وعي وعن غياب كلي ~~للنقد. فيما يتعلق بنشأة الله الشخصي في شخص الله ~~يحتفل الإنسان بغياب تحديداته الخاصة الخارجة على ~~الطبيعة والمستقلة عنه، ولكن الذي تصور الله كجوهر ~~مثل اسبينوزا سيرفض الله الشخصي أي الله الموضوعي، في ~~مقابل الله الذاتي؛ لذلك كان جاكوبي على حق في ~~اعتبار الله شخصيا، ولكن شلنج يدخل بدهاء وخبث ~~الطبيعة في الله الشخصي الذي تكون ماهيته هي الشخصية ~~المتحررة التي انفصلت وتم إنقاذها من حدود الطبيعة ~~وبالتالي في التناقض. فإذا كان شلنج قد أراد تفادي ~~الخلق بالتوحيد بين الله والطبيعة فإنه لم يسلم من ~~التناقض والخلط، ونقصه التحليل النفسي والتمييز بين ما ~~هو مرضي وما هو صحيح.) ~~(9) # سر العناية والخلق من ~~عدم: # الخلق هي كلمة الله المنطوقة. ~~والكلمة الخالقة هي الكلمة الداخلية المتماثلة مع ~~الفكر. والنطق فعل إرادة؛ وبالتالي فالخلق نتيجة ~~الإرادة، ولكنها ليست إرادة العقل بل إرادة الخيال، ~~الإرادة الذاتية اللامحدودة. وقمة مبدأ الذاتية هي ~~نظرية الخلق من عدم. وكذلك لا تعني نظرية قدم العالم ~~أكثر من جوهرية المادة، وتعني أيضا الخلق من عدم ، عدم ~~العدم. وكل شيء يبدأ ينتهي كذلك، فبداية الشيء تضع ~~أيضا على مستوى التصور نهايته. بداية العالم هي ~~أيضا بداية نهايته، بمجرد الحصول عليه يتم فقده، ~~أوجدته الإرادة ثم أعدمته. إن وجود العالم وجود زمني ~~مؤقت بلا ضمان أو قيمة. صحيح أن ms163 الخلق من عدم تعبير عن ~~القدرة المطلقة، ولكن القدرة المطلقة من خصائص الذاتية ~~التي تتخلص من كل التحديدات الموضوعية ثم تحتفل بهذا ~~التحرر، فتعمل على هواها، طليقة من كل قيد. لقد ~~تحولت الذاتية مع الفعل الحر إلى موجود أسمى كمبدأ ~~قادر قدرة مطلقة للعالم. الخلق من عدم نوع من المعجزة. ~~وكما أن الخلق من عدم مشابه للمعجزة فإنه أيضا مشابه ~~للعناية لأن العناية مشابهة للمعجزة. إن برهان العناية ~~هي المعجزة. والإيمان بالعناية هو إيمان بالقدرة ~~المطلقة التي تعدم أمامها كل قوة أخرى. المعجزة خلق من ~~عدم في حين أن إنتاج الخمر عمل طبيعي. في المعجزة ~~تتأكد العناية ويظهر الله فيها خوارق العادات # Thaumaturge # كما يخرج الساحر الحمامة من كمه أو الموسى من فمه، ~~ولكن العناية في علاقة مع الإنسان، وتقوم بأشياء ~~للإنسان، ولأجله ولتحقيق ما يريده يتم خرق قوانين ~~الطبيعة. المعجزات لا تحدث للجماد أو للحيوان. والله ~~ينقذ كل البشر وبخاصة المؤمنين. العناية تفوق ~~إنساني، تعبر عن قيمة الإنسان وميزته على سائر ~~الموجودات، تنقذه من ارتباطات العالم القاهرة. العناية ~~اعتقاد الإنسان بقيمته على سائر الموجودات الأخرى. ~~الإيمان بالعناية مثل الإيمان بالخلود. هو غرور لأن ~~الله يعتني بي، ويهتم بشأني. مصلحتي هي مصلحة الله ~~وإرادتي إرادته، وغايتي غايته. فحب الله لي ليس إلا ~~حبي لذاتي المؤلهة تعبيرا عن أنانيتي. ثم نقول: إن ~~من ينكر العناية ينكر الله! إن الإيمان بالله هو ~~الإيمان بالكرامة الإنسانية، الإيمان بالمدلول الإلهي ~~لجوهر الإنسان. كل شيء يوجد للإنسان ولا يوجد في ذاته. ~~الله هو الإنسان من أجل الإنسان. إن الإنسان هو غاية ~~الخلق وأساسه. ونحن لا نثبت إلا ذاتنا (لقد حاولت وحدة ~~الوجود التوحيد بين الإنسان والطبيعة وكلما تشخصت ~~فيه عزلته عنها. الخلق علاقة خارجية بين الله والعالم ~~في حين أنه علاقة داخلية بين الذات والموضوع. إن خالق ~~العالم هو الإنسان بوعيه بالعالم، بعمله وإرادته. لا ~~يمكن استنباط الشخصية من الله إن لم تكن فيه من قبل، ~~إن لم يكن الله هو الوجود الذاتي الشخصي). ~~(10) # دلالة ms164 الخلق في ~~اليهودية: # عقيدة الخلق لها جذورها في ~~اليهودية وهي من عقائدها الأساسية، ولكن أساسها ليس هي ~~الذاتية بقدر ما هي الأنانية. لقد خلقت الطبيعة من ~~أجل المصلحة، وأصبحت الطبيعة خاضعة للإرادة من أجل ~~المنفعة. لم يصل الوثنيون إلى تصوير الخالق بالرغم من ~~دهشتهم أمام جمال العالم. ظهرت الطبيعة لديهم غاية في ~~ذاتها، ولم تنفصل فكرة الله عن فكرة الطبيعة في وعيهم ~~بالعالم. يتولد العالم ولكنه غير مخلوق. فالحدس ~~النظري في أصله حدس جمالي، والجمال هنا هي الفلسفة ~~الأولى. وكما يقول أنكساجوراس: لقد ولد الإنسان كي ~~يتأمل العالم. والموقف النظري هو التجانس مع العالم ~~والتآلف معه، ولكن لما كانت الذاتية تحتوي على خيال ~~حسي فقد تم تصور الطبيعة خادمة للمصالح الأنانية ~~والتعبير النظري عن هذه الرؤية الأنانية العملية ~~القائلة بأن الطبيعة في ذاتها ولذاتها ليست إلا عدما، ~~فالطبيعة أو العالم مصنوع، إنتاج الإرادة. # المنفعة هي الأساس الأقصى في اليهودية. إن الإيمان ~~بالعناية والإيمان بالمعجزة يقومان أيضا على المصلحة ~~الشخصية، فلا توجد معجزة مضادة لمن يؤمن بها. أصبحت ~~الطبيعة موضوعا للحكم الحر وللفعل الأناني الذي يصدق ~~عليها: تحول الماء إلى جامد، والتراب إلى قمل، والعصا ~~إلى ثعبان، والنهر إلى دم، والحجر إلى ماء، والشمس تقف ~~أو تسير إلى الخلف، كل ذلك يحدث لمصلحة إسرائيل بإمرة ~~«ياهوه» الذي لا يهتم إلا بإسرائيل، أنانية مشخصنة ~~لشعب إسرائيل مستبعدة كل الشعوب الأخرى مع التعصب ~~المطلق لإله إسرائيل. وبينما كان اليونان يدركون ~~الطبيعة بحسهم النظري ويسمعون أنغاما سماوية في حركة ~~الكواكب، لم يتعامل الإسرائيليون مع الطبيعة إلا بحسهم ~~المعوي أي ببطونهم، ولم يدركوا الله إلا بمتعتهم بأكل ~~المن. بينما كان اليوناني يدرس الإنسانيات، الفنون ~~الحرة وعلى رأسها الفلسفة، كان الإسرائيلي يعكف على ~~دراسة الطعام لاهوتيا «بين المساءين يجوز أكل ~~اللحم، وفي الصباح تشبع بالخبز وتعلم أنني الرب إلهك.» ~~ويدعو يعقوب أنه إذا ما حرسه الله وهو في الطريق، وإذا ~~ما أعطاه خبزا ليأكل ولباسا ليلبس، وإذا ما أوصله ~~سالما لأبيه إذن يكون الله ربه. الطعام ms165 أهم عمل ديني ~~في اليهودية، وبالطعام يحتفل الإسرائيلي بفعل الخلق ~~«ورأى الإسرائيليون الله، وبعد ذلك أكلوا وشربوا.» وهم ~~على هذا الحال حتى الآن، يعطيهم الله المنفعة، ~~ويتمثلون الأنانية في ثوبها الديني. الله هو الأنانية ~~التي لا تسمح بفناء عبادها. الأنانية في جوهرها توحيد، ~~الواحد الأنا، الإنسان حول الإنسان. لا ينشأ الفن إلا ~~في كنف تعدد الآلهة لأن تعدد الآلهة ضد الأنانية. ~~الطبيعة عند العبرانيين نتيجة لكلمة تسلطية، لأمر ~~مطلق، ولقرار سحري. كل ذلك ضد العقل، وهدم له، وضياع ~~للنظر. أما قدم العالم عند الفلاسفة الوثنيين فيعني ~~أن الطبيعة لها مدلول نظري لأنهم يتأملون الطبيعة ~~ولا ينتفعون منها كما يفعل المسيحيون المعاصرون الذين ~~يأخذون الطبيعة موضوعا لأبحاثهم. إن عبادة الطبيعة هي ~~صورة لتأمل الطبيعة وكلاهما لا ينفصلان، فدراسة ~~الطبيعة عبادة الطبيعة. الوثنية بداية البدائية ~~الطبيعية وبالتالي فالخلق من عدم ليس موضوعا للفلسفة ~~لأنه يقضي على التأمل من أساسه بالإضافة إلى أنها ~~نظرية غير متسقة مع نفسها من الناحية النظرية، وتؤكد ~~المنفعة والأنانية، ولا تحتوي إلا على أمر، ليست ~~موضوعا للتأمل بل موضوع للمنفعة واللذة. هي فارغة ~~بالنسبة للفلسفة التأملية. وخطؤها في أنها ترى الله هو ~~الأول، والإنسان هو الثاني فتغلب الوضع الطبيعي ~~للأشياء. في حين أن الإنسان هو الأول، وماهية الإنسان ~~التي تتموضع أي الله هو الثاني. # يخلق الإنسان الله على صورته ومثاله بغير إرادته ~~وعلى غير وعي منه، ثم يخلق الله الإنسان على صورته ~~ومثاله بإرادته وبوعي منه. قوانين الطبيعة هي قوانين ~~الله لمصلحة بني إسرائيل، والأرض تدور حول التوراة عند ~~فيلون. لقد أعطى الله لموسى قدرة على الطبيعة من أجل ~~الخلاص العام لبني إسرائيل. هو نار الغضب والانتقام ~~المدمر، الله هو الإسرائيلي بقوة الطبيعة في قوة الله ~~أي بقوة الله أي بقوة أناه ووعيه بذاته. الله هو ~~الذات، أنا إسرائيل. الله خلاصنا، الله قوتنا، الله ~~يطيع البطل يشوع لأن الله يحارب مع إسرائيل. فالله إله ~~محارب. أما الله العام، إله يونس فلم يكن يعبر عن ~~دين إسرائيل. ~~(11) # القادر قدرة ms166 مطلقة في العاطفة ~~أو سر الصلاة: # إن وعي إسرائيل هو نموذج ~~الوعي الديني باستثناء المصلحة الوطنية. ويكفي إسقاط ~~حدودها حتى ترى الدين المسيحي. اليهودية هي المسيحية ~~الأرضية والمسيحية هي اليهودية الروحية. المسيحية هي ~~اليهودية بعد تطهرها من الأنانية الوطنية وهي في ~~الوقت نفسه دين جديد لأن كل تطهير يعبر عن رؤية ~~جديدة. في اليهودية الإسرائيلي هو الواسطة بين الإنسان ~~والله، ولم يكن «ياهوه» إلا شعور الإسرائيلي بذاته بعد ~~أن تموضع في موجود مطلق وفي وعي وطني وفي قانون شامل ~~وفي مركز سياسي. بعد إسقاط الحدود الوطنية يصبح ~~الإنسان من حيث هو إنسان هو الواسطة بين الإنسان ~~والله. وكما يضع الإسرائيلي ذاته يضع المسيحي ذاته في ~~الإنسان المتحرر، وكما يضع الإسرائيلي احتياجاته كذلك ~~يفعل المسيحي. فهناك معجزات في المسيحية مشابهة ~~للمعجزات في اليهودية، ليس الهدف فيها مصلحة الأمة بل ~~خير الإنسان. المؤمن هو المسيحي فحسب وليس الإنسان ~~العام الحقيقي. لقد دخلت المسيحية الروحانية في ~~الأنانية اليهودية برفعها إلى الذاتية حتى ولو تحولت ~~الذاتية إلى أنانية مسيحية أخرى. حولت المسيحية الخير ~~الأرضي إلى هناء سماوي. لقد تركز إله الشعب السياسي ~~في اليهودية، في التوراة، وهو المطلق الإلهي، ولكن في ~~المسيحية تحول القانون إلى الحب، الحب الذي يقتضي ~~التضحية بكل شيء من أجل الحبيب. الله هو الحب الذي ~~يشبع رغبات الإنسان، هو يقين القلب وتأكيد الذات. ولا ~~توجد حدود في الحب، بل هو المطلق اللانهائي. العاطفة ~~إذن هي إله الإنسان، والله هو تمني القلب. والصلاة ~~هي التي تسمع العاطفة التي تدرك ذاته. هي مدى الأنا ~~الداخلية، يتخارج الألم فيها كما هو الحال مع قيثارة ~~الفنان فيمحو الألم ويتحول إلى لحن، ويصبح الألم ~~ماهية شاملة. ولما كانت الطبيعة لا تستمع إلى آلام ~~الإنسان فإنها تتحول إلى الطبيعة اللامرئية، إلى ~~الطبيعة الباطنية، يشكو إليها الإنسان آلامه، فيتخفف ~~منها بهذا العزاء القلبي، بهذا التعبير عن الألم وهذا ~~هو سر الله. الله دمعة حب تذرف سرا على الشقاء ~~الإنساني. الله تنهد دفين في قرار النفس. وهنا تولد ms167 ~~دلالة الصلاة، وهي ليست أقل من دلالة التجسد، صلاة ~~الحب والألم. ففي الصلاة يحادث الإنسان الله ويسميه ~~أنت. فالله هو الآخر المغاير، الأنا الآخر، يعترف ~~الإنسان له كما يعترف أمام ماهيته الخاصة، ويعبر ~~أمامه عن أفكاره الخاصة التي يخجل عن التعبير عنها ~~أمام الناس. الصلاة هي التماثل بين الذاتي والموضوعي. ~~الصلاة هي صلة القلب الإنساني مع ذاته وفيها ينسى ~~الإنسان أن هناك حدودا لرغباته، ويعيش في سعادة ~~بنسيانه هذه الحدود. الصلاة هي قسمة الإنسان لذاته ~~إلى قسمين، انقلاب الإنسان على ذاته، وعلى قلبه. ~~والكلمة اللاتينية # Oratio # تعني ما ~~يئن القلب بحمله. في الصلاة يعبد الإنسان قلبه ~~الخاص. ~~(12) # سر الإيمان، سر ~~المعجزة: # الإيمان هو اليقين بالواقع أي ~~بالشرعية وبالحقيقة غير المشروطة للذات في مقابل ~~حدودها أي قوانين الطبيعة والعقل. موضوع الإيمان هو ~~المعجزة، والإيمان هو الإيمان بالمعجزة، وما هو موضوعي ~~معجزة هو ذاتي إيمانا. المعجزة هي الواجهة الخارجية ~~للإيمان، والإيمان هو الروح الباطني للمعجزة. الإيمان ~~معجزة الروح، معجزة العاطفة التي تتموضع في أن لا ~~شيء يستحيل على الإيمان. والمعجزة هي التي تثبت ~~استحالة هذه الاستحالة. لا يوجد شك في الإيمان؛ ~~ولذلك يتحول الذاتي من خلاله إلى موضوعي، والنسبي ~~إلى مطلق. ليس الإيمان إلا الإيمان بألوهية الإنسان، ~~والشجاعة على كشف ذلك. الإيمان هو يقين الإنسان بذاته. ~~يقين الإنسان الذي لا شك فيه بأن وجوده الذاتي النسبي ~~هو وجوده الموضوعي المطلق. لا توجد حدود للإيمان؛ ~~فالإيمان هو الذاتية المتحررة من حدودها، ولكن بقدر ما ~~يرتفع الإيمان يسقط العالم. الإيمان إذن سقوط فعلي ~~للعالم. ليست المعجزة الأرضية خارقة للعادة قد ~~تحققت، هو نشاط نمائي من أجل عظمة الله. إن فعل ~~المعجزة ليس فعل فكر لأنها نفي للفكر، وليس فعلا ~~حسيا طالما أن المسيحية الحقيقية موجودة وخالية من ~~النفاق والزيف والمساومة. الإيمان بالمعجزات في نهاية ~~الأمر إيمان ميت - والمسيحية دين حي - لأنه إيمان ~~بالتاريخ والأشخاص والواقع، وهو التاريخ الميت، ويكون ~~ذلك خطوة لعدم الإيمان. لا يكفي إذن تفسير المعجزة ~~بالعاطفة والخيال دون الكشف عن أساسها ms168 في الإيمان، ~~فالإيمان لا يكون إيمانا إلا بالمعجزات. ~~(13) # سر البعث والولادة الخارقة ~~للطبيعة: # لقد تحولت المعجزات إلى عقائد ~~ولم تصبح فقط مجرد حوادث. فمثلا نجد سر البعث في ~~الرغبة في عدم الموت، وفي غريزة حب البقاء. هذه الرغبة ~~الذاتية تتحول إلى رغبة موضوعية، الرغبة في الأمل. ~~والعقل غير قادر على تحقيق هذه الرغبة. فكل البراهين ~~على الخلود غير كافية. والعقل غير قادر على معرفتها أو ~~البرهنة عليها. العقل لا يعرف إلا البراهين المجردة ~~العامة ولا يمكن إعطاء يقين خاص شخصي. وبعث المسيح هو ~~يقين الإنسان بخلوده بعد الموت، الخلود الشخصي. وأصبح ~~إنكار البعث جريمة في المسيحية. فمن ينكر البعث ~~ينكر بعث المسيح ومن ينكر بعث المسيح ينكر المسيح، ومن ~~ينكر المسيح ينكر الله؛ وبالتالي يتحول الدين المسيحي ~~الروحي إلى دين بلا روح. بل إن الوثنيين استطاعوا ~~الوصول إلى خلود الروح أو النفس ولكن على نحو مجرد لا ~~يكفي المسيحيين. ويضم التاريخ المقدس أيضا الولادة ~~المعجزة، فكلما كان الإنسان غريبا على الطبيعة كانت ~~رؤيته أيضا كذلك. الإنسان الذاتي يعارض قوانين ~~الطبيعة، ويجعل نفسه مقياسا لكل شيء ولما يجب أن ~~يكون. فالأم العذراء ووليدها بين ذراعيها صورة تعجبه، ~~والعذرية تصوره الخلقي الأسمى. ولما كانت العذرية ~~والأمومة متناقضتين فقد أصبحت الولادة المعجزة في قلب ~~المسيحي مأساة ومضمونا للإيمان. يحول المسيحي ~~والفيلسوف الولادة والموت إلى موضوعين صوريين. أما ~~الإنسان الحر فيعترف بهما كصورة طبيعية في حدود ~~الطبيعة وطبقا لقانون الطبيعة في مقابل الخطيئة. ~~وبينما يعظم الكاثوليك هذه العقيدة ويعتبرونها ~~أساسا للحياة وللإخلاص، يقلل البروتستانت من أهميتها ~~ويقيمون الأخلاق على العقل أو القلب؛ ومن ثم فرفض ~~العقيدة فيما بعد كما هو واضح من الخطاب الموجه إلى ~~القديس برنارد الذي يرفضها ليست فقط رأيا لمدرسة بل ~~هو أساس للأخلاق. ~~(14) # سر المسيح أو الله ~~الشخصي: # إن العقائد الأساسية في ~~المسيحية هي رغبات للقلب يتم تحقيقها، فجوهر المسيحية ~~هو جوهر العاطفة. والسلب يتفق مع العاطفة أكثر من ~~العمل، وأن يتم الإنقاذ بواسطة آخر وليس بواسطة الذات، ~~وأن يتوقف ms169 الخلاص على الآخر وليس على الذات، وأن يحب ~~بدل أن يصارع، وأن يكون محبوبا من الله أكثر من كونه ~~محبوبا من نفسه. فالعاطفة هي الأنا كمفعول به. لقد ~~وصل فشته إلى النتيجة نفسها ولكن أنا فشته ليس بها ~~عاطفة لأن المفعول به هو الفاعل ولا يمكن تعريفه. ~~العاطفة تقلب الفاعل إلى مفعول، والموجب إلى سالب؛ ~~لذلك تكون السعادة في الحلم، والحلم على الضد من ~~الشعور اليقظ، عند الحالم يكون الفاعل سالبا والسالب ~~فاعلا. الحلم هو مفتاح أسرار الدين. والقانون الأسمى ~~للعاطفة هو الوحدة المباشرة بين الإرادة والفعل، بين ~~الرغبة والواقع. والمخلص وحده هو الذي يحقق هذا ~~القانون. لقد تحدث الفلاسفة جميعا عن التوسط ~~كعامل مهدئ للشعور المتوتر. فاللوجوس عند فيلون معلق ~~في الهواء بين السماء والأرض، مرة كموجود فكري، ومرة ~~كموجود واقعي. ظل فيلون متأرجحا بين الفلسفة والدين، ~~ولكن في المسيحية تجسد هذا اللوجوس؛ وبالتالي تحول ~~الدين نحو الموضوع. الله مخبأ ولكن المسيح كشف عنه. ~~وفي المسيح تكون العاطفة على يقين من ذاتها. وتنفرد ~~المسيحية بذلك لأن التجسد لم يكن له أية دلالة خاصة ~~عند الشرقيين وبخاصة الهنود. المسيحية وحدها هي التي ~~جعلت إنسانية الله شخصيته، فالله موجود شخصي واقعي ~~فالله إنسان. الرغبة ضرورة العاطفة، والعاطفة تريد ~~إلها شخصيا، وهذه الرغبة لا تكون حقيقة إلا إذا ~~كانت رغبة شخص. وآلام المسيح هي اليقين الأسمى، اللذة ~~الذاتية القصوى، العزاء الأقصى للعاطفة لأنه في دم ~~المسيح تنطفئ الرغبة في الإله الشخصي. ~~(15) # التمييز بين المسيحية ~~والوثنية: # المسيح هو الذاتية القادرة، ~~القلب الذي تم خلاصه من قوانين الطبيعية، العاطفة التي ~~تستبعد العالم كي لا تستبقي إلا ذاتها، تحقيق كل رغبات ~~القلب، الصعود السماوي للخيال، عيد بعث القلب. المسيح ~~إذن هو الذي يميز بين المسيحية والوثنية. في المسيحية ~~لا يركز الإنسان إلا على نفسه وبالتالي يشعر أنه ~~موجود لا حدود له، الذات والموضوع، في حين أن القدماء ~~قد جعلوا الموضوع ضد الذات. المسيحيون أحرار أمام ~~الطبيعة ولكن حريتهم ليست حرية العقل بل حرية العاطفة ~~والخيال، ms170 حرية المعجزة. المسيحيون يحتقرون العالم ولا ~~يعتبرون إلا الفرد في حين تضع الوثنية الإنسان مع ~~الطبيعة، وتعتبر الإنسان الفرد في علاقته مع الجماعة. ~~الله هو قصور الجنس (المنطقي) واعتباره شخصا في ~~المسيحية، وهو الشامل في الوثنية. يجعل المسيحيون ~~العقل فرديا خالصا ويجعله الوثنيون شاملا. لم تدرك ~~المسيحية الأجناس والأنواع، ويبدو ذلك في فكرة الخطيئة ~~في كل إنسان. لقد جعلت المسيحية الإنسان إله ~~الإنسان. ~~(16) # المعنى المسيحي للرهبنة ~~الإرادية ولحياة الرهبنة: # مع اختفاء ~~فكرة الجنس أو النوع من المسيحية فإنها لا تحتوي في ~~داخلها على مقومات الحضارة ما دام الله هو الفرد، هو ~~الإنسان، والله لكل إنسان على انفراد. الله هو الذاتية ~~المطلقة، الذاتية فوق العالم، منفصلة عنه، متحررة من ~~المادة التي تجردت من حياة الأجناس وبالتالي من التميز ~~بالأجناس والأنواع. غاية المسيحي الأساسية هي القطيعة ~~الأساسية، هي القطيعة مع العالم والمادة وحياة النوع. ~~وتتحقق هذه الغاية على نحو حسي في حياة الرهبنة. وإنه ~~لخداع نفسي أن يرغب الإنسان في أن يحيا حياة الرهبنة. ~~ولم تصدر الرهبنة عن الشرق وحده لأنها تنشأ من الروح ~~ومن طبيعة الغرب بوجه عام. تنبع الرهبنة من الاعتقاد ~~المسيحي الضروري بالسماء الذي تعده المسيحية ~~للإنسانية. فحيث تكون حياة السماء حقيقة تكون حياة ~~الأرض كذبا. وحيث يكون الخيال وجودا يصبح الواقع ~~عدما. تفقد هذه الدنيا قيمتها من أجل السماء، ~~والإيمان بقيمة السماء هو إعدام لقيمة الأرض. لقد فهم ~~القديس أنطونيوس وحده عبارة المسيح «إذا أردت أن تكون ~~كاملا، اذهب وبع كل ما تملك وأعطه للفقراء فسيكون ~~لديك كنز في السماء ثم تعال واتبعني.» وهذه حرية وهم ~~وخداع. يقدس المسيحيون مبدأ العذرية والحمل العذري ~~كمبدأ للخلاص، كمبدأ للعالم الجديد، العالم المسيحي. ~~فإذا قيل: الحياة ازدواج، وقد أمر الدين بالتكاثر ، ~~وبأن ما ربطه الله في السماء لا يمكن حله في الأرض، ~~وبالتواصي بالتزاوج في العهد القديم قيل: الله ذاتي ~~شخصي، والحب كذلك. وهو حب غيور يرفض المشاركة مع آخر. ~~حب الله حب حقيقي وحرفي وشخصي ووحيد. أما حب المرأة ~~فزنا ms171 للروح. إن من يهتم بامرأة لا يهتم إلا بأمرها ~~ومن ليس له امرأة يهتم بالله كما يقول بولس. يفكر ~~المتزوج في إدخال السرور على زوجته أما العازب فإنه ~~يفكر في إدخال السرور على الله. فكما أن المسيحي ليس ~~في حاجة إلى حضارة فإنه ليس في حاجة إلى حب. الحب ~~الجنسي حب خادع، حب دنيوي يطرد من السماء، ومن يطرد ~~من السماء يطرد ماهيته الحقيقية. في السماء أفراد بلا ~~جنس، أفراد خلص، ذاتية مطلقة. والحياة الحقة هي ~~الحياة السماوية. ~~(17) # السماء ~~المسيحية أو الخلود الشخصي: # إن حياة ~~العذرية وحياة الزهد بوجه عام هي الطريق المباشر إلى ~~حياة الخلود السماوي. فالسماء هي الحياة الذاتية على ~~الإطلاق والخارقة للعادة مع التحرر من الجنس والنوع. ~~التمييز بين الجنسين خداع لأن الفرد موجود لا جنسي. ~~الخلود هو الإيمان بالشخصية بلا حدود. الله هو السماء ~~الروحي، والسماء هو الله الحي. الله هو السماء الذي لم ~~يتطور، والسماء هو الله المتطور. الله هو مملكة ~~السموات ولكنه في المستقبل هو السماء الذي هو الله. ~~الله هنا في الوجود ولكنه في المستقبل هو المجرد، ~~فالمستقبل هو ملخص السماء. الله هو تصور الجنس ~~(المنطقي) الذي لم ينفرد ولم يتحقق إلا هناك. الله ~~هو الماهية السماوية الخالصة الحرة، هو تصور الماهية ~~للحياة السماوية، هو الحياة المطلقة التي يتم التفكير ~~فيها كسماء، فلا يوجد فرق بين الله والسماء. الله هو ~~وجودي الدفين اليقيني، ذاتية الذوات، شخصية الشخصيات، ~~أن أقيم مستقبلي على حاضري، وأن أحول الفعل إلى ~~مفعول. الله هو الوجود الذي يقابل عواطفي ورغباتي. ~~الله هو القوة التي بها يحقق الإنسان سعادته الأبدية. ~~وعقيدة الخلود هي آخر عقيدة في الدين. إن لم أكن ~~خالدا لما كان الله هو الله ولما كان هناك خلود ، وما ~~كان هناك إله. الخلود إذن حقيقة تحليلية تتضمن حقائق ~~أولية أخرى. لو آمنت بالله لامتلكت الخلود أيضا. ~~ويتطلب الاعتقاد بالسماء المدح والذم، الثواب ~~والعقاب؛ لأنه ذو طبيعة نقدية. الجنة للمسيحيين دون ~~المسلمين، وللمؤمنين دون الكفار، وللأخيار دون ~~الأشرار. ليست ms172 الحياة الأخرى إلا حياة الانسجام مع ~~العاطفة، حياة يمحي فيها الشقاق، ويعيش فيها الإنسان ~~في تآلف ووئام مع نفسه. لقد كان الإيمان بالعالم ~~الآخر عند الشعوب البدائية هو إيمان مباشر بالدنيا دون ~~تجريد وعمومية، دون قطع معها. لا فرق إذن بين معتقد ~~المسيحيين ومعتقد البدائيين إلا في أن الأولين ذوو ~~حضارة والآخرين بلا حضارة، أي في درجة التجريد ~~والعمومية. وكما أن الله ليس إلا ماهية الإنسان بعد أن ~~يتم تطهيره من تحديدات الإنسان الفردي سواء من الفكر ~~أو من العاطفة، كذلك فالآخرة ليست إلا الدنيا بعد ~~تحريرها وتخليصها من حدودها. فإذا ما انفصل الإنسان عن ~~ماهيته فإنه سرعان ما يعود إليها. الاعتقاد بالآخرة هو ~~اعتقاد بحرية الذاتية، بخصوص حدودها في الطبيعة، وهي ~~في الحقيقة إيمان الإنسان بذاته. الإيمان بالله هو ~~إيمان الإنسان بماهيته الحقيقية المطلقة بعد أن ~~نقذفها خارج العالم ونجعلها خارقة للطبيعة وفوق طاقة ~~الإنسان. الإنسان هو بداية الدين، والإنسان هو النقطة ~~المتوسطة فيه، والإنسان هو غاية الدين ونهايته. # وهكذا ينتهي فيورباخ من هذا الوصف الصحيح للدين على ~~أنه أنثروبولوجيا، أي وضع الإنسان قبل أن يصفه وهو ~~مغترب زائف في ثيولوجيا الدين. # | ثالثا: الجوهر الزائف، أي ثيولوجيا ~~الدين # يبين فيورباخ في القسم الثاني تناقضات اللاهوت أي الثيولوجيا، ~~مبينا أن الثيولوجيا هي تزييف للأنثروبولوجيا وأن ثيولوجيا الدين ~~هي اغتراب لأنثروبولوجيا الدين. ويكشف عن جوهر الدين، ويبين ~~التناقضات اللاهوتية في إثبات وجود الله وفي وصف ماهيته وفي ~~التصورات الفلسفية لله، وفي التثليث وفي الوحي وفي الطقوس وفي ~~الإيمان والحب وفي الإنسان بوجه عام. ويكشف عن هذه التناقضات لا ~~على نحو جدلي كما هو الحال عند هيجل، بل يكشف عنها في الزمان وفي ~~حياة الإنسان وفي شعور الإنسان. وحل هذه التناقضات بإرجاعها إلى ~~مصادرها الأولية في أنثروبولوجيا الدين أي بالقضاء على الزيف ~~والعود إلى الصحيح. ~~(1) # وجهة النظر الجوهرية ~~للدين: # إن وجهة النظر الجوهرية للدين ~~عملية، أي ذاتية! فغاية الدين هي الخير والخلاص. ~~وسعادة الإنسان وعلاقة الإنسان بالله ليست إلا علاقة ~~الإنسان بخلاصه، ms173 والله ليس إلا تحقيق الخلاص أو ~~القوة المتناهية لتحقيق الخلاص وسعادة الإنسان؛ لذلك ~~كانت المسيحية عقيدة في الخلاص أكثر منها عقيدة في ~~الله. ولا يتأتى الخلاص بالحصول على نعيم أرضي لأنه ~~انحراف من الله، بل إن الآلام والبؤس والشقاء والأمراض ~~تعتبر امتحانا من الله ووسيلة للتقرب إليه، ~~فالمؤمن هو المصاب. وبصرف النظر عما في ذلك من ماسوشية ~~اللذة في عذاب النفس، فإن ذاتية الألم تميل إلى ~~موضوعية التأليه كتعويض وسند وحماية. في الألم ~~يحتاج الإنسان إلى الله، ويشعر بالله كأنه حاجة، ~~ويدعوه ساعة الضر فإذا كشف الله عنه الضر كأنه لم يدعه ~~بالأمس، فينبسط الإنسان في السرور والفرج وينقبض في ~~الألم والشقاء. في الألم ينفي الإنسان حقيقة العالم، ~~وكل ما يثير الفنان وخياله يضيع معناه، فيغوص في نفسه، ~~ويلجأ إلى العواطف ويكون مثاليا في العالم، طبيعيا ~~في نفسه، مهتما بخلاصه. ويضع الدين ضمن معتقداته ~~اللعنة والبركة، الإدانة والبراءة، العقاب والثواب. ~~فالسعادة للمؤمن، والشقاء لمن لا يؤمن. ولا يلجأ الدين ~~في ذلك إلى العقل بل إلى العاطفة، عواطف الخوف ~~والرجاء، ولا يعرض المسائل نظريا بل يوجهها عمليا، ~~فالدين سلوك عاطفي. ثم يشخص الدين خارج الإنسان ~~وخارج الطبيعة حاجاته وأوهامه في صورة وجود شخص خاص هو ~~الله. ثم يعزو إليه الإنسان كل الخير، كما يعزو إلى ~~الشيطان كل شر. الشيطان هو الشر اللاإرادي الذي لا ~~يمكن تفسيره، والله هو الخير اللاإرادي الذي لا يمكن ~~أيضا تفسيره. فالله والشيطان قرينان، والله موجب ~~والشيطان سالب. ثم يأتي الفضل الإلهي للوقوف أمام قوى ~~الشيطان وقهرها. فالفضل الإلهي من مخترعات العبقرية ~~الدينية، وهو في الحقيقة المصادفة الدينية لأنه بلا ~~شرط أو علة، مجاني يعبر عن الذات، وليس له تبرير ~~موضوعي. الفضل نفي للعلل الثانية وهي العلل المؤثرة في ~~حين أن العالم مستقل ويخضع لقوانين الطبيعة؛ وبالتالي ~~تكون كل الكونيات الدينية تحصيل حاصل وخداع. ولم يزد ~~الخلق شيئا إلا إضافة قصور آلي للكونيات القديمة. لقد ~~وجدت المعجزات في الماضي ولكنها لا توجد في الحاضر أو ~~في المستقبل، ms174 فالله تصور يكمل النقص النظري ويفسر ما ~~لا يمكن تفسيره (الله هو ليل الدين، والليل بحر الدين، ~~والمعرفة تحل كل لغز، وتوضح كل غامض، فيتحول الليل إلى ~~نهار، فتظهر شطآن البحر. والصلاة عمل الدين الأساسي، ~~تعبر عن جوهره، الصلاة قادرة على الإطلاق، وما يرغبه ~~المؤمن التقي في صلاته يعطيه الله إياه. والطلبات ليست ~~روحية بل نفعية مادية. الصلاة وسيلة خارجة عن الطبيعة ~~للسيطرة على الطبيعة التي يعجز الفعل الإنساني عن ~~السيطرة عليها. الصلاة إنكار للعلل الثانية وللحرية ~~وللفعل الإنساني، وإثبات للحصول على الغايات عن طريق ~~الواسطة. وحيث يبدأ الدين تبدأ المعجزات، فكل صلاة ~~صادقة معجزة، وفعل لقوة خارقة للعادة. المعجزة تعبير ~~عاطفي عن الدين، وتشبع حاجات عملية نفعية، وتقع في ~~تناقض مع قوانين الطبيعة التي تفرض نفسها على العقل. ~~المعجزة أنانية دينية أو روحية لإشباع حاجات المحتاج. ~~وباختصار تتمثل وجهة النظر الجوهرية للدين في أن الله ~~هو الأنا الآخر، نصف الأنا المفقود، يجد فيه الإنسان ~~نصفه الضائع، وفي أن الدين قتل للعالم وضياع للفن، ~~وتنكر للواقع اللانهائي وللانهائي الواقعي. يستغرق ~~الدين بالله، وينقص نظريته الجمالية، ويضع في الله ~~غائيته الذاتية). ~~(2) # التناقض في وجود ~~الله: # الدين هو علاقة الإنسان بماهيته ~~الخاصة ولكنها ماهية منفصلة عنه، خارجة منه، غريبة ~~عليه بل ومعارضة له. وهنا يكون الموقف الزائف المعارض ~~للعقل والأخلاق وللطبيعة. وهنا ينشأ الخيال الديني ~~ليصور الموقف الزائف وليحدث كل المآسي الدينية في ~~التاريخ. إن حضور الماهية الإنسانية المنفصلة عنه رؤية ~~إرادية صبيانية ساذجة تميز بين الإنسان والله ثم ~~توحد بينهما. وبمجرد نشأة الفكر وعمل الذهن واستيقاظ ~~الشعور المزيف ينشأ اللاهوت وتتحول الرؤية اللاإرادية ~~إلى رؤية قصدية واعية من أجل تفريغ هذه الوحدة ~~والتمايز خارج الشعور بعد بدايتها فيه. كلما كان الدين ~~في بدايته لم يكن هناك فرق بين الإنسان والله. فكان ~~العبراني القديم يفصل بين الله والإنسان في الوجود ~~ولكنه في الصفات يعطي الله كل صفات الإنسان. وقد تم ~~التغلب على ذلك في اليهودية المتأخرة بالرمز. وقد ~~حدث الأمر نفسه في ms175 المسيحية، فلم تظهر ألوهية المسيح ~~إلا متأخرا خاصة عند بولس والكنيسة البدائية. كانت ~~أول محاولة للفصل بين الله والإنسان واعتبار الله خارج ~~الإنسان في وجود الله ومحاولة البرهنة عليه بالبراهين ~~العقلية، ولكن هذه البراهين تناقض جوهر الدين. فالله ~~هو ما لا يتصور الإنسان أعظم منه كما هو الحال في ~~الدليل الأنطولوجي أي ما يعبر عن الإنسان (وما ~~يعتبره الإنسان أسمى وأعظم ما هو إلا هاد للعقل ~~وأخلاق للعاطفة والتمني والرغبات. فعواطفه اعتقاده هو ~~الله بالنسبة له في حين أن الوجود هو الوجود الحسي ~~العياني الذي لا يمكن استنباطه؛ ومن ثم يجعل فيورباخ ~~الأحمق على حق وأنسيلم على خطأ في المعركة بين أعداء ~~الدليل الأنطولوجي وأنصاره. الدليل الأنطولوجي مجرد ~~إسقاط ورغبة تولد المرغوب فيه، وتمن يتحول إلى ~~وجود. الله هو نفس القلب الحسي، وما السماء إلا المسرح ~~الحر للانفعالات، ولكن الدين لا يعي هذا القياس ~~اللاشعوري. إن مهمة البراهين على وجود الله إخراج ~~الداخل، وتخريج الانفعالات، وتشخيص العواطف خارج ~~الإنسان وليست إثبات أي موجود واقعي في الخارج. ومن ~~نتائج هذا التناقض أيضا الإلحاد، وهي تهمة لا توجه ~~للمحلدين بل للمؤمنين الذين ينكرون وجود الله الفعلي، ~~ويؤمنون بماهية الإنسان المتموضعة خارجه على أنها إله ~~وهو وهم. وينتج عن الإلحاد نفي لكل المبادئ الخلقية، ~~ونفي وجود الله هو نفي لكل أساس للتمييز بين الخير ~~والشر، بين الفضيلة والرذيلة. ويقوم الخيال بدور كبير ~~في الإيقاع في الوهم. وقد بدأت دلائل أخرى على وجود ~~الله، وهي التي سماها كانط الدلائل البعدية أو ~~الكونية أو الفيزيقية ابتداء من العالم والحقائق ~~التجريبية والمادية المزدهرة في العصر ولكنها أيضا ~~تبدأ من العالم الحسي ثم تتحول إلى وهم عن طريق ~~تخيل موجود في الخارج. والحقيقة أنه إذا ما تم ~~التوحيد بين الاعتقاد بالله والاعتقاد بالعالم تم ~~القضاء على الزيف وينتهي الاغتراب). ~~(3) # التناقض في الوحي ~~الإلهي: # الوحي هو البرهان الوحيد على ~~وجود الله؛ فالله يكشف عن نفسه من خلال الوحي، ويرسل ~~دليلا حسيا ملموسا على وجوده. فالوحي شهادة من ~~الله ms176 على نفسه بأنه موجود. الوحي هو البرهان الوحيد ~~الموضوعي في حين أن البراهين العقلية ذاتية خالصة. ~~الله يتحدث، ويكلم الإنسان، فالوحي هو كلام الله ~~للإنسان، صوت يخلب اللب، ويستولي على المشاعر. الإيمان ~~بالوحي هو ذروة الموضوعية الدينية، يتحول فيه اليقين ~~الذاتي إلى واقعة تاريخية خارجية لا يمكن الشك فيها. ~~لقد برهن الله بنفسه على وجود ذاته. وظهر على أنه إله ~~موضوعي. لم يعد الله إلها لي، بل إله في ذاته له ~~وجوده المستقل عني. الله هو الرابطة المشخصة بين ~~الماهية والجنس (المنطقي)، وبين الطبيعة الإنسانية ~~والشعور الإنساني. وبالرغم من ذلك فإن الوحي يضم عدة ~~تناقضات؛ أولا: أن الإنسان لا يمكنه معرفة شيء عن ~~الله، وأن كل معرفة عبث، وأن الإنسان لا يمكن أن يعلم ~~شيئا عن الله إلا ما يعلمه الله إياه عن نفسه من ~~خلال الوحي. المعرفة الإنسانية مجرد ظن ورأي في حين أن ~~الوحي حقيقة ويقين، وهكذا يتم التنكر للمعرفة ~~الإنسانية والحط من قيمتها والشك فيها وهدمها. ثانيا: ~~الله يفكر في الإنسان ولأنه يرسل إليه وحيا، فالإنسان ~~مقصد الله ومحدثه. ولكن يقع اللاهوتي في خطأ شنيع ~~عندما يجعل الإنسان يفكر في الله، ويجعل الله مقصد ~~الإنسان ومحدثه أي قلب الأنثروبولوجيا إلى ثيولوجيا في ~~حين أن سر الثيولوجيا في الأنثروبولوجيا. ثالثا: ~~الإيمان بالوحي إيمان صبياني، مرتبط بالمراحل الأولى ~~لتطور البشرية. الوحي تربية للجنس البشري من الطفولة ~~إلى المراهقة إلى الشباب. ويختفي بمجرد استقلال ~~الإنسان عقلا وإرادة. وهي الفكرة التي ورثها فيورباخ ~~من فلاسفة التنوير الألمان وعلى رأسهم كانط ولسنج. ~~رابعا: الوحي قضاء على الحس والتذوق الخلقي والجمالي ~~للفضيلة، بل هو قتل وتسميم للحس الإلهي للإنسان، حس ~~الحقيقة والإحساس بها. الوحي حقيقة خاصة محدودة وليس ~~حقيقة عامة وشاملة في كل زمان ومكان، مسطورة في ~~الطبيعة، يدركها الذهن الإنساني؛ لذلك يجب تدوين الوحي ~~في لغته الأولى حتى يتم حفظه في صورته الأولى. ~~خامسا، يعارض الوحي العقل بما فيه من معجزات ~~وخرافات وأساطير. ولما كان الحق لا يعارضه بل الحق ~~يوافقه ويشهد ms177 له لزم تأويل نصوص الوحي حتى تتفق مع ~~العقل وتحل التناقضات. سادسا: لما كان الوحي مكتوبا ~~فقد حدث فيه بالضرورة خطأ في النقل والرواية أي في ~~الوحي الموضوعي. ولما كانت الحقيقة أيضا معطاة ~~ذاتيا في الإيمان، حدث تناقض بين الوحي المكتوب ~~والوحي الروحي، وانشطر الإنسان. ~~(4) # التناقض في ماهية الله بوجه ~~عام: # الله هو ماهية الإنسان التي ~~تتحول إلى ماهية فوق ~~إنسانية # Surhumain ~~. الله ماهية خالصة وكائن ~~شخصي في آن واحد، عام وخاص، كلي وجزئي، شامل ومحدود، ~~هذا هو التناقض. فما يجب أن يكون ينفي بالضرورة ما هو ~~كائن. والله الذي لا يسمع لصلواتنا ولا يرعانا ولا ~~يعتني بنا لا يكون إلها وبالتالي تتحول الإنسانية إلى ~~صفة لله. ولما كان ذلك لا يكفي نسب إليه الإنسان صفة ~~ما فوق الإنسان وما فوق الطبيعة. فالله تأليه. والوحدة ~~هنا جزء لا يتجزأ من الله. ثم أتى اللاهوت وأغرق ذلك ~~في خضم من الأوهام والخيالات والتناقضات والسفسطات. ~~فمثلا يقول اللاهوت: «إن الله يتجاوز حدود الفهم وسر ~~لا يمكن النفاذ إليه.» وينقل صفة معروفة إلى صفة أخرى ~~غير معروفة، وصفة طبيعية إلى صفة أخرى فوق الطبيعية ~~للإيهام بأن الله مخالف للإنسان. وعدم الفهم هذا موقف ~~انفعالي يتدخل فيه الخيال الذي هو العضو والماهية ~~الأصلية للدين. لا نهائية الله لا نهائية كمية لأنها ~~صفة إنسانية مقلوبة، الإنسان كم. الله موجود حسي ~~سلب منه الحس، وحل محله الخيال، وهو حس بلا حدود. ~~فالله خالد مطلقا وعالم مطلقا أي حس مدفوع إلى آخر ~~حدوده. فالخلود والحضور على الإطلاق صفات حسية. ووظيفة ~~الخيال توسيع أفق الحس. الأنا المحدود والنسبي المحدود ~~يتم إطلاقهما بالخيال، وهكذا الحال في باقي الصفات. ~~فالبداية هي الحس والواقع الجزئي (وبالتالي كانت ~~الوثنية أقرب إلى الدين الصحيح . الله إذن هو ضرب ~~الإنسان في نفسه إلى ما لا نهاية فيصبح الله كل شيء، ~~كل خير وكل وجود، ويكون الخلاف بين الله والإنسان مجرد ~~خلاف في الكم لا في الكيف. ليس الدين في حاجة إلى عقل ~~بل في ms178 حاجة إلى خيال. الدين نفسه تعويض عن نقص ~~الحضارة، فالمتدين ليس في حاجة إلى ثقافة. هو سعيد ~~بخياله، ولا يحتاج إلى الخروج عن ذاته. المسيحية ~~بماهيتها لا تفهم مبدأ الحضارة. لذلك كان العبرانيون ~~على عكس اليونان). ~~(ومثل ثان لتناقضات اللاهوت هو مفهوم النشاط أو ~~العمل أو الصنع أو الخلق؛ ففي الفعل يجد الإنسان نفسه ~~حرا سعيدا بلا حدود في حين أنه يجد نفسه في ~~الانفعال محدودا، مقهورا، شقيا. الفعل هو الشعور ~~الإيجابي للذات. ويحدث الشيء نفسه بالنسبة لله. فالله ~~هو السرور أو الفرح اللامحدود نتيجة للفعل، فيخلق كل ~~شيء. ونجاح الفعل ودقة الصنع إنما ينشآن من أننا نحب ~~ما نفعل. الخلق إذن نظرية سهلة لتفسير العالم تدل على ~~عدم تحمل الذهن وسيادة العاطفة لسد نقص غياب نظرية ~~فيزيقية للعالم في الدين.) ~~(لقد وضعت المسيحية أمام الوثنية التي تفسر نشأة ~~العالم على نحو طبيعي نظرية ذاتية عاطفية عملية بل ~~أقرب إلى الأسطورة منها إلى النظرية وهي الخلق. ولما ~~كان من الضروري التمييز بين عمل الإنسان وعمل الله فتم ~~تصور الخلق من عدم لنفي أي تشابه أو تماثل ~~بينهما.) ~~(ومثال ثالث هو توليد الابن من الآب، توليدا خارقا ~~للعادة من فوق الطبيعة وتمييزه عن التوليد الطبيعي، ~~توليدا ليس له حدود، ضد العقل وضد الطبيعة من فعل ~~الخيال، وهما خداعا، بالرغم من محاولته تفسير ~~البعيد بالقريب، والأسمى بالأدنى، وما فوق الطبيعي ~~بالطبيعي. ومثال رابع، تصور الفردية أو الاستقلال أو ~~الشخصية. فالله شخص يرسل وحيا، وصفاته صفات الإنسان، ~~والشخص ضد وحدة الوجود الذي هو في قلب المسيحية. ~~فاللوجوس هو الإنسان السر، المتضمن، الخفي. والإنسان ~~هو اللوجوس الظاهر المتجلي. الله حي مثل الإنسان، ~~والدين هو الإنسان قاسما نفسه قسمين بفعل ~~الخيال.) ~~(5) # التناقض في النظرة التأملية ~~لله : # وهي نظرية المثالية الألمانية ~~سواء في صورتها الصوفية عند جاكوب بوهمه أو في صورتها ~~الفلسفية الميتافيزيقية عند اسبينوزا وكانط وهيجل ~~وشلنج. وهي النظرية التي تجعل الله تصورا عقليا، ~~وأنه لا يوجد إلا من خلال الإدراك الإنساني كما أن ~~الإنسان ms179 يوجد من خلال الإدراك الإلهي، ولكن الدين يجعل ~~من الشخصية الإلهية الوسيلة التي يقلب الإنسان بها ~~تحديداته وتمثلاته لماهيته الخاصة إلى تحديدات ~~وتمثلات لموجود آخر خارجه. فالشخصية الإلهية ليست إلا ~~إخراج الشخصية الإنسانية من موضعتها. لقد حول هيجل ~~الشعور الذي لدى الإنسان عن الله إلى شعور الله بذاته. ~~فأصبح الله موضوع ذهننا وتصوراتنا. وأصبح هذا ~~الموضوع الفكري هو الموضوع الفكري لله. يذهب التأمل ~~إذن أبعد مما يذهب الدين؛ لأن الله كموجود فكري ليس ~~هو الله كموضوع خارجي. الله موجود داخلي روحي فكري ~~شعوري، فعل داخلي محض. هذه الموضوعية التأملية تعني ~~شيئين: الأول أن الله موضوع لفكرنا والثاني أن الله ~~موضوع لفكر نفسه. أصبح الله في الفلسفة التأملية ~~شعورا ذاتيا خالصا، يفكر في ذاته، كإله اليونان. ~~وهذه هي النزعة الوجدانية الإنسانية في الدين. وطالما ~~أن الله لا يعرف إلا من خلال الإنسان، فهو إنسان ~~مشخص. الإنسان لا شيء بدون الله، والله لا شيء بدون ~~الإنسان. في الإنسان وحده يصبح الله موضوعا كإله، ~~وتصبح كل تحديدات الإنسان وصفاته الفيزيقية والعاطفية ~~تحديدات وصفات لله. لقد بدأ جاكوب بوهمه بالكشف عن ~~عواطف الإنسان ثم أخرجها وشخصها فأصبحت إلها (ومع ~~أن الله عند شلنج يجمع بين قوى عديدة إلا أنه غير قادر ~~بالفعل. الشعور الديني أكثر عقلانية منه لأنه يكشف عن ~~ذاته ويتحقق من خلال الإنسان الواقعي بالطبيعة ~~الفعلية. الإنسان هو الدم الذي ينطق بمدائح الله. ~~فالعاطفة التي يشعر بها الإنسان تجاه الله هي نفس ~~العاطفة التي يشعر بها الله تجاه ذاته. وعند هيجل ~~أيضا، شعور الإنسان بالله هو شعور الله بذاته. ~~فالشعور الإنساني هو شعور إلهي، واغتراب الإنسان عن ~~شعوره هو جعله إياه شعورا إلهيا موضوعيا. فلماذا ~~يوصف الله بصفات الإنسان؟ لماذا يكون الله شعورا في ~~الإنسان وللإنسان ماهية الله؟ لماذا يكون لله ماهية ~~وللإنسان شعور؟ لأن المعرفة التي عند الإنسان عن الله ~~هي نفس المعرفة التي عند الله عن ذاته؛ وبالتالي يصبح ~~كل اتجاه تأملي في الدين اغترابا، فالدين لا يجعل ~~الإنسان متأملا ms180 في الكون بل يجعله فاعلا فيه. ويكون ~~موقف هيجل بفلسفته التأملية موقفا مغتربا). ~~(6) # التناقض في ~~التثليث: # لا يموضع الدين أو اللاهوت ~~ماهية الإنسان أو الله فقط باعتباره موجودا شخصيا، ~~بل يعطي أيضا تحديدات أساسية لهذه الماهية في ~~أشخاص. فالتثليث ليس إلا مجموع الفروق الجوهرية ~~الأساسية التي يراها الإنسان في ماهيته. وهي تماثل ~~التحديدات في الشخصية الإلهية. فتغترب الشخصية ~~الإنسانية عن ذاتها بإدخالها هذه التحديدات في الشخصية ~~الإلهية. الشخصية الإلهية لا توجد إلا في الخيال ولا ~~توجد أيضا تحديداتها إلا بالخيال. التثليث تناقض من ~~حيث إنه يضع تعدد الآلهة في تصور الإله الواحد، ~~فيضع الخيال في العقل، ويدمج الأسطورة في الواقع. ~~يفترض العقل وحدة الأشخاص ولكن الخيال يضع التثليث. ~~وفي حكم العقل، هذه التمييزات من صنع الخيال، أي مجرد ~~وهم في حين أنها في نظر الخيال وجود. يقتضي التثليث أن ~~يفكر الإنسان عكس ما يتخيل، وأن يتخيل عكس ما ~~يفكر، يقتضي التفكير في أشباح وكأنها موجودات حقيقية، ~~فالعقل يستبعد تعدد الآلهة من الألوهية (ففي سر ~~الثالوث المقدس بقدر ما هو حقيقة مستقلة عن ماهية ~~الإنسان كل شيء فيه ينتهي إلى خداع وخيال وتناقض ~~وسفسطة. وكأن فيورباخ هنا يرد على إعلاء الرومانسيين ~~من شأن الخيال والحلم). ~~(7) # التناقض في ~~الطقوس: # وكما يتضمن الجوهر الموضوعي ~~للدين تناقضات واضحة كذلك يتضمن الجوهر الذاتي ~~تناقضات أوضح. وتناقضات الجوهر الذاتي للدين هي ~~الإيمان والحب اللذان يتخارجان في الشعائر وطقوس ~~العماد والمشاركة؛ فطقس الإيمان هو العماد، وطقس الحب ~~هو المشاركة. الإيمان والحب هما عنصرا الدين الذاتيان. ~~الإيمان هو الأمل بالنسبة للمستقبل ولكنه يتشخص ~~ويتحول إلى وجود خاص كما تحولت من قبل ماهية الإنسان ~~وتشخصت في الله. يتحول الماء من ماء طبيعي إلى ماء ~~فوق ~~طبيعي # Surhumain ~~. وكما يوقعنا الدين في اغتراب ~~عن ماهيتنا الخاصة وكما نغترب عن ذواتنا يغترب الماء ~~عن ذاته ويتم ذلك أيضا بفعل الخيال. وكما يغترب الخمر ~~فيصبح دما، ويغترب الخبز فيصبح جسدا إذ يتم ذلك بفعل ~~المعجزة. لا يمكن فهم العماد بدون المعجزة، كما ms181 لا ~~يمكن أن يحصل الإيمان بدون المعجزة إذ لا يعتمد على ~~الذات ولا على النشاط المستقل أو على حرية الحكم ~~والاعتقاد. المعجزة هي التي تجعلني أومن بحقيقة ~~فاعل ~~الأعاجيب # Thaumaturge ~~. والملحد ينكر الله لأنه لا ~~يجده في التجربة، ولا يريد الاعتماد على المعجزة. وإذا ~~كان العماد للأطفال فالمشاركة للكبار، غرضها المشاركة ~~في جسد المسيح، الجسد الحقيقي. فالمسيحي قبل الإفطار ~~في الصباح وهو صائم يتمثل جسد المسيح بالتناول، ~~بالفعل وليس بالروح وحده. الحقيقة أن ذلك لا يتم إلا ~~في الخيال مثل تحويل الخمر إلى دم، والخبز إلى جسد. ~~الإيمان قوة الخيال التي تحول الواقع إلى لا واقع، ~~واللاواقع إلى واقع، وهو ما يعارض شهادة الحس وبرهان ~~العقل. ينكر الإيمان ما يثبته العقل، ويثبت ما ~~ينكره العقل. لقد استطاعت البروتستانتية أن تقيم ~~مشاركة أفضل تتم بالكلام وباللغة وليس بالخمر والخبز. ~~ومع ذلك فالنتيجة واحدة: الخرافة واللاأخلاقية. ~~(8) # التناقض في الإيمان ~~والحب: # بعد أن تكشف الطقوس عن التناقض ~~بين المثالية والمادية، بين الذاتية والموضوعية، وهما ~~يكونان ماهية الدين، فإن الطقوس ليست شيئا بدون ~~الإيمان والحب. فالتناقض في الطقوس يؤدي بنا إلى ~~التناقض في الإيمان والحب. ماهية الدين هي التوحيد ~~ولكن الظاهر هو التفريق. فالله ماهية الإنسان ~~المتوحد مع وجود ولكنه يعرف في الدين باعتباره آخر ~~منفصلا. الحب يكشف عن ماهية الدين المتحدة بمضمونه، ~~والإيمان يكشف عن وضعه وصورته (الحب يوحد بين الإنسان ~~والله، والإيمان يفرق بينهما) ولما كان الله هو التصور ~~الجنسي (المنطقي) الصوفي للإنسانية، فالتفرقة بين ~~الإنسان والله تفرقة بين الإنسان ونفسه، وقضاء على ~~الخير المشترك. بالإيمان يتناقض الدين مع الأخلاقية ~~ومع العقل ومع الحس الإنساني بالحقيقة. والحب اتفاق مع ~~الأخلاق والعقل والحس. الإيمان يعزل الله ويجعله ~~موجودا خاصا آخر، والحب يفحم ويعارض هذه التناقضات ~~ويجعل الله موجودا عاما. الإيمان يقسم الإنسان إلى ~~قسمين؛ داخل وخارج، والحب يشفي جراح الإيمان في قلب ~~الإنسان. الإيمان يجعل حب الإنسان لله قانونا، والحب ~~يجعله حرية. ولا يدين الملحدون لأنهم ملحدون. ولأنهم ~~يلغون على الأقل عمليا، إن ms182 لم يكن نظريا، وجود ~~إله خاص معارض للإنسان. الإيمان يفصل، وبالتالي فهو ~~خاطئ، يضع صورته في شكل عقائد صحيحة في مقابل أخرى ~~خاطئة. والحب يجمع ويجد المضمون المشترك بين العقائد ~~المتباينة. الإيمان نفي لا يسمح بقبول شيء داخله # Exclusive ~~، والحب ~~إثبات وضم وحنان. الإيمان يتعامل مع شيء خاص، ومع وحي ~~خاص، ومع إله خاص، ولا يعرف ما هو عام ومشترك، والحب ~~على عكس ذلك. الإيمان يحدد الإنسان ويقيده، ينزع منه ~~حريته وقدرته على تقدير الآخر المنفصل عنه، والحب الضد ~~من ذلك. الإيمان مغلق على نفسه. واللاهوتي سجين مذهبه، ~~ويصوغ الإيمان موضوعه على أساس من المصلحة والأنانية ~~بدعوى البحث عن السعادة في وجود شخص خاص. المؤمنون ~~أرستقراطيون وغير المؤمنين من العامة، والله هو تشخيص ~~المؤمنين على حساب غير المؤمنين. الإيمان مغرور بل ~~وأعتى من الغرور الطبيعي لأنه يعتمد على موجود أسمى، ~~المخلص والمنقذ، والكريم وصاحب الأيدي والنعمة. ~~تواضع المؤمن إذن غرور مقلوب، تواضع ظاهري. الإيمان ~~محدود، ومن خلال هذا التحدد يكون الله غير المحدود. ~~الإيمان أمر ضروري ومن ثم فهو عقيدة. الإيمان أناني لا ~~يبحث إلا عن خلاص المؤمن ولو غرق الآخرون. الإيمان ~~كراهية (من ليس مع المسيح يكون ضده). الإيمان عداء ~~للآخرين، موالاة للمؤمنين، ومعاداة لغير المؤمنين. ~~الإيمان يعارض نصوص الكتاب المقدس باسم العقيدة ومن ~~أجلها. الإيمان يكفر ويدين الذين لا يؤمنون، ويلغي ~~ويطرد من الرحمة باسم حب المؤمنين وبغض الكافرين. ~~الإيمان مجتمع مغلق، والمؤمن لا يعاشر إلا المؤمن. ~~الإيمان عماد الحب وتحويله إلى طقس. الإيمان يقضي على ~~الصلات الطبيعية للإنسانية، ويقيم بدلا عن العلاقة ~~الشاملة علاقة خاصة بين الناس. الإيمان نفاق وادعاء، ~~الإيمان تحيز ومحاباة. سبب الحروب الدينية والمذابح ~~الطائفية، واضطهاد الفرق (المخالفة في الرأي). الإيمان ~~تعصب لا يعرف التسامح، ومرتبط بالوهم والجنون ~~والطائفية. الإيمان نقيض الحب، والحب صنو العقل ~~(الإيمان تناقض في كل شيء. الإيمان واجبات أمام الله ~~مناقضة للواجبات أمام الإنسانية. الإيمان تشخيص تمحي ~~فيه الفضائل والأوامر الخلقية وتصبح شخصية خاصة. ~~الإيمان معارض للأخلاق بالرغم من إيحائه ms183 للإنسان ~~بالسعادة وهي في حقيقة الأمر سعادة وهمية. الإيمان على ~~أقصى تقدير، لا يقدم إلا أخلاقا سلبية مثل الصبر، ~~والتوكل، والتضحية، والعذرية، مظاهر فضيلة. هكذا ~~يتناقض الإيمان مع نفسه ويتعارض مع الحب. الحب هو ~~الأخلاق والإيمان هو الدين. الحب صفة والإيمان موضوع. ~~الحب بلا إيمان، والإيمان بلا حب. الحب لكل الناس ~~والإيمان لشخص خاص. الحب قانون شامل للعقل والطبيعة، ~~جعله فيلون الفضيلة الأولى، كما جعل أرسطو الصداقة، ~~وهي إحدى صور الحب، توحد بين السيد والعبد وكما جعل ~~الفلسفة، وهي صورة أخرى للحب، توحد بين البشر، وعند ~~الرواقيين يوجد الإنسان للآخر، ويدعو سنيكا لحب ~~الجميع). الحب مباشر بلا واسطة مثل العقل في حين أن ~~الإيمان في حاجة إلى توسط. الإيمان اغتراب لا يقضى ~~عليه إلا بالحب. ~~(9) # تطبيق أخير: # بعد ~~هذه التناقضات يجب تجاوز ماهية المسيحية وماهية الدين ~~بوجه عام. لقد برهن فيورباخ على أن مضمون الدين ~~وموضوعه إنساني كلية، وأن سر الثيولوجيا هو ~~الأنثروبولوجيا، وأن سر اللوجوس الإلهي الماهية ~~الإنسانية، ولكن الدين ليس على وعي بالطبيعة الإنسانية ~~بل يعارض كل ما هو إنساني، ولا يعترف بمضمونه ~~الإنساني. إن تحويل مجرى التاريخ إنما هو في هذا ~~الاعتراف العلني بأن الوعي الإلهي هو الوعي بالجنس ~~(المنطقي)، وأن الإنسان يستطيع بل يجب أن ترتفع حدوده ~~وفرديته وشخصيته ولكن ليس فوق القوانين والتحديدات ~~الجوهرية لجنسه. لا يستطيع الإنسان أن يوجد أو يشعر أو ~~يتخيل أو يريد أو يحب إلا ماهيته الخاصة باعتبارها ~~مطلقة وإلهية. ويحدد فيورباخ موقفه من الدين بأنه ~~ليس سلبيا بل نقديا، وأنه ليس هادما بل بناء. ~~الدين هو الشعور الأول للإنسان بذاته لأنه شعور ~~الإنسان بذاته، حب الإنسان لذاته، لذلك كانت علاقات ~~الدين هي علاقات الأخلاق، وكانت علاقات الزواج علاقة ~~مقدسة في ذاتها بطبيعة العلاقة وليس لأنه ديني. ويفكر ~~الإنسان المتدين في الله لأن الله يفكر فيه، ويحب ~~الله لأن الله يحبه. وكما أن الله غيور من الإنسان فإن ~~الدين غيور من الأخلاق. إننا عندما نؤسس الأخلاق على ~~اللاهوت والقانون على الشريعة ms184 الإلهية يمكننا في الوقت ~~نفسه تبرير أكثر الأشياء ظلما وعارا وتأسيس ~~اللاأخلاقية. إننا لا يمكن أن نؤسس الأخلاق على ~~اللاهوت إلا إذا تم تأسيس الوجود الإلهي أولا على ~~الأخلاق، وإلا استحال الحصول على مقياس للأخلاق ~~واللاأخلاق، وتركنا الأمر للعبث والتعسف، وكأن فيورباخ ~~هنا يعيد مشروع كانط للسلام الدائم بتأسيس السياسة على ~~الأخلاق. إننا لسنا في حاجة إلى شريعة الدولة المسيحية ~~بل في حاجة إلى شريعة الدولة العقلية العادلة ~~الإنسانية. فالعادل والخير الحقيقي يحتوي على أساسه ~~في ذاته وهو القادر على هدم الزيف والخداع الذي يفسد ~~الإنسانية والذي يقتل في الإنسان قواه الحيوية. يجب ~~علينا قلب العلاقات الدينية، وتفسير الوسائل على أنها ~~غايات؛ فالماء ليس هو الماء المقدس في العماد بل الماء ~~في الطبيعة. والخبز ليس هو الخبز المقدس بل هو خبز ~~الجوعى. والجسد ليس الجسد المقدس بل جسد الإنسان ~~العادي. والدم ليس هو الدم المقدس بل دم الشهداء ~~والضحايا. إن الطبيعة في حاجة إلى الإنسان كما أن ~~الإنسان في حاجة إلى الطبيعة. الطعام والشراب، هذا هو ~~سر المشاركة! # وهكذا ينتهي فيورباخ من محاولته لإعادة الدين إلى ~~الموقف الإنساني، وإعادة ملكوت السموات إلى ملكوت ~~الأرض وهو ما حاوله الإسلام قبل ذلك بثلاثة عشر قرنا، ~~وكأن الفلسفة الغربية كلها منذ الإصلاح الديني وعصر ~~النهضة وفلسفة التنوير حتى فيورباخ والهيجليين الشبان ~~ما هي إلا محاولة للاقتراب من إنسانية الإسلام ~~وواقعيته ورفضه للكهنوت والأسرار وتأكيده للعقل ~~والتوحيد. فسهام فيورباخ موجهة إلى الدين قبل أن يكتمل ~~وليس بعد اكتماله وتحققه؛ # اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا ~~(المائدة: ~~3). # | ثورة الجماهير عند أورتيجا إي جاسيه1 # | أولا: الكتاب، والأسلوب، والمنهج، ~~والنسق # يعتبر أونامونو وتلميذه أورتيجا أشهر ممثلين للوجودية الإسبانية ~~وللفلسفة الإسبانية على الإطلاق منذ سواريز # Suarez # في القرن السادس عشر. جعل الأستاذ فلسفته ~~كلها تدور حول الفرد كما يتصوره كيركجارد ونيتشه وبسكال مأساة ~~تنتهي في حشرجة الموت. # 1 # كما يعتبر أورتيجا أشهر فيلسوف إسباني معاصر. قال عنه ~~كامو: «ربما يكون أورتيجا إي جاسيه ms185 بعد نيتشه هو أعظم كاتب أوروبي ~~وفي الوقت نفسه يصعب أن يوجد كاتب أكثر إسبانية منه.» # ولد أورتيجا عام 1883م في مدريد. وبعد دراسة جادة للفلسفة في ~~إسبانيا سافر إلى ألمانيا، ودرس الفلسفة، وتأثر بالفلسفة الحيوية ~~عند دريش ودلتاي وكذلك بعلم الاجتماع الحيوي عند زمل # Zimmel # ونيتشه. كما تأثر بمدرسة ~~ماربورج والتي كثيرا ما يشير إلى أعلامها مثل بول ناتورب وهرمان ~~كوهين وإن لم يشر إلى كاسيرر. وبعد رجوعه إلى مدريد عين أستاذ كرسي ~~للميتافيزيقا في الجامعة المركزية وظل يشغله حتى أتت الهجمة ~~الدكتاتورية على الجامعة لإذلالها والقضاء على حريتها ~~واستقلالها. # ثم أسس عام 1915م مجلته «إسبانيا» وجعلها منبرا له يعبر من ~~خلالها عن فكره، ويقوم بدوره كباعث للفكر الإسباني سواء في ميدان ~~الفلسفة الخالصة أو في ميدان العلوم الاجتماعية والسياسية. ثم ~~أسس عام 1924م «مجلة الغرب» فأصبحت أكثر المجلات تعبيرا عن ~~الحياة العقلية في إسبانيا كما فعل جان بول سارتر الشيء نفسه في ~~«الأزمنة الحديثة». وبجوار المجلة قام بنشر مؤلفات عدة تضم مقالاته ~~التي نشرها في المجلة من قبل مع مقدمات جديدة. وفي عام 1918م قبل ~~دعوة للذهاب إلى بوينس آيرس بالأرجنتين لإلقاء عدة محاضرات في ~~الجامعات الأرجنتينية لاقت رواجا ضخما خاصة في عامي 1928-1929م. ~~وبعد سقوط الدكتاتور بريمودي ريفيرا عاد أورتيجا إلى إسبانيا ليشغل ~~كرسي الفلسفة الذي تركه من قبل بسبب عدائه للدكتاتورية. وبدأ في ~~كتابة سلسلة من المقالات تتعلق بالحياة العامة في مجلة «الشمس» ~~وتركز كلها على نقد صريح للنظام الملكي، ومقالات أخرى حتى آخر ~~ديسمبر 1930م كان لها أبلغ الأثر في إسبانيا ما قبل الثورة. ومنذ ~~ذلك الحين أصبح أورتيجا شخصية سياسية عامة، وكون مع الدكتور ~~مارانون # Maranon # والكاتب ~~بيريز دي ~~أيالا Perez de Ayala # جماعة سياسية بعنوان «في خدمة الجمهورية». ~~وقد كان لهذه الجماعة حوالي عشرة نواب في البرلمان الدستوري، ومن ~~بينهم أورتيجا نفسه، ومنذ ذلك الوقت عرف أورتيجا خطيبا، وكاتبا، ~~وسياسيا، ومفكرا، ورجل دولة. وبعد رفضه تولي كل المناصب التي ~~عرضتها عليه الحكومة آثر ms186 أن يظل أستاذا جامعيا، ومفكرا حرا، ~~كاتبا وناقدا. وتوفي أورتيجا عام 1955م. # وكتاب «ثورة ~~الجماهير» # La Révolte des Masses # 2 # هو أشهر كتاب لأورتيجا. ولا يكاد يذكر اسم أورتيجا ~~إلا ويذكر معه أنه هو مؤلف «ثورة الجماهير». وإذا ما أراد الناشر ~~التعريف بكتاب أقل شهرة منه فإنه يشير إلى أن صاحبه هو مؤلف «ثورة ~~الجماهير» حتى أصبح الكتاب نقطة إحالة لكل مؤلفات أورتيجا مثل ~~«الإنسان والناس»، «الإنسان والأزمنة»، «موضوع عصرنا الحديث»، ~~«رسالة الجامعة». ويعتبر، على حد قول إحدى المجلات الأمريكية ~~بالنسبة للقرن العشرين بمثابة «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو ~~بالنسبة للقرن الثامن عشر و«رأس المال» لماركس بالنسبة للقرن ~~التاسع عشر. وهو ليس كتابا مؤلفا منذ البداية، يحتوي على مذهب ~~متسق، بل هو مجموعة من المقالات نشرها أورتيجا في جريدة يومية تصدر ~~في مدريد عام 1926م كما هي العادة مع كثير من الفلاسفة المعاصرين ~~الذين استعملوا أساليب المقال واليوميات والتأملات والرواية والقصة ~~والمسرحية ... إلخ، دون اللجوء إلى الأسلوب العقلي التقليدي القائم ~~على تحليل التصورات والمفاهيم وبناء الأنساق. استعمل أورتيجا ~~الكتابة الصحفية كأداة للتعبير. فالقدر الأعظم من مؤلفاته إن لم ~~تكن كلها قد نشرت في الأصل في صحف إسبانية، خاصة في المجلة التي ~~أسسها وهي «مجلة الغرب» التي ذاعت واشتهرت بفضل كتاباته. لم يكتب ~~أورتيجا كتابا واحدا ذا أبواب وفصول. ولم يدرس موضوعا واحدا ~~دراسة تصورية محضة أو تاريخية صرفة للجمهور الخاص بل كتب في معظم ~~الموضوعات العصرية بأسلوب المقال للجمهور العريض. فهو بهذا المعنى ~~كاتب # Essaiste # أكثر منه ~~فيلسوفا. خاطب أورتيجا عامة الناس لا خاصتهم، أساتذة كانوا أو ~~رهبانا. ربما استطاع أورتيجا أن يجمع بين الأدب والفلسفة والصحافة ~~في أسلوب جديد أعطاه شعبية كبيرة، وجعله أقرب إلى فلاسفة الشارع ~~ومفكري الرصيف منه إلى أستاذ الجامعة وفيلسوف الرواق. كما أنه ربما ~~استطاع الجمع بين أساليب الأدب والخطابة وبين طرق الفلسفة والبرهان ~~بغية التأثير على الجماهير وكسبها في صف تياره الجديد. وهذا النوع ~~من الكتابة يعطي صاحبها شهرة فائقة وجمهورا عريضا داخل وطنه ms187 ~~وخارجه. وقد تصيب هذه الشهرة صاحبها ببعض الغرور فيتكلم في كل ~~شيء، ويعرض الأفكار اعتمادا على مجهودات الآخرين. يكتب أي شيء؛ ~~فالصحيفة موجودة، والقراء ينتظرون اعتمادا على سلطة الكاتب وبصرف ~~النظر عن تحليل الموضوع. ونتيجة لقوة الدفع التي تتولد عن اتصال ~~الكاتب بجمهوره قد تنشأ لديه رغبة لتملق الجماهير واكتساب ~~ولائهم متنازلا عن الدقة الفلسفية والتحليل العلمي الرصين. وهنا ~~يتحول الكاتب إلى فنان يحرص على جمهوره حتى وإن تنازل عن فنه، ~~فيصبح الجمهور هو الذي يوجه الكاتب كما أن شباك التذاكر هو الذي ~~يوجه الفنان. وقد يصبح الموضوع ذاته غامضا في الذهن بحيث لا ~~يستطيع القارئ المتخصص أن يعرف ماذا يريد أورتيجا أن يقول فينتقل ~~بين عديد من الموضوعات، يسهب في البعض دون البعض، ويغيب التركيز ~~على صلب الموضوع. وتكثر أسماء الأعلام والشخصيات والدول والعواصم ~~طلبا للعصرية وإيحاء بالأمثلة التي تصور تحليلات نظرية غامضة ~~أو غائبة؛ لذلك غلبت على كتابات أورتيجا التحليلات السريعة، ~~والانتقال من موضوع إلى موضوع بلا تعمق كاف. يذكر القارئ بما ~~قيل سالفا وبما سيقال آنفا. ثم يعود ويرجع إلى الموضوع الأول ~~بعد استطراد طويل وكأن ما يخطر بباله يعبر عنه دون ما بنية ~~للموضوع أو تصور له؛ ومن ثم كانت كتاباته أقرب إلى الأدب الصحفي ~~منها إلى المقال الفلسفي. مهمتها تنوير القراء وتثقيف العامة ~~وخلق تيار فكري سياسي عن طريق الفلسفة واعتمادا عليها. فكانت أشبه ~~بكتابات رسل المتأخرة عن السعادة والجنس والتربية والسلطة والفرد ~~والحرب والسلام والبلشفية ... إلخ بعيدا عن الدراسات المتخصصة ~~لجمهور متخصص. ومن جراء التعامل مع الفلسفة باعتبارها ~~محاولات # Essais # فقد غاب ~~المقال الفلسفي الذي يعتمد على مقدمات وينتهي إلى نتائج ويقوم على ~~براهين واستدلالات، تطبيقا لخطوات منهج وانتقالا طبيعيا من ~~فكرة إلى أخرى. ومع أن معظم الموضوعات المدروسة ملموسة وعصرية ~~ويمكن الوصول فيها إلى نتائج محددة، إلا أن أورتيجا تعامل معها على ~~نحو مجرد واسع وشامل بالرغم من انتسابه إلى المنهج الظاهرياتي ~~لوصف الموضوعات باعتبارها تجارب شعورية حية، فردية واجتماعية مثل ~~«ثورة الجماهير»، ms188 ولكن ليست كل كتابة وصفية ظاهريات. فالظاهريات ~~للماهيات لا للوقائع، وإدراك للدلالات لا للأحداث، وذلك من أجل ~~الوصول إلى بنيتها أو إلى مناطقها الوجودية. # وتعبير «ثورة الجماهير» يلقى هوى في النفوس خاصة لدى شعوب ~~العالم الثالث في مرحلتها الراهنة وبعد الثورات الإسلامية في إيران ~~وثورات السودان وهايتي والحركات الشعبية في كوريا الجنوبية ~~ومظاهرات الطلاب والانتفاضات الشعبية في مصر والعالم العربي ~~والإسلامي في السنوات الأخيرة والتي قد تستمر في التسعينيات ردا ~~لاعتبار ثوراتها في الخمسينيات والستينيات وبعد انحسار الثورة ~~المضادة في السبعينيات والثمانينيات. فالعنوان «ثورة الجماهير» ~~مبهر؛ إذ إننا نعيش في عصر الجماهير. ومن منا لا يود ثورة ~~الجماهير؟ ولكن العنوان البراق قد يخفي موضوعا أقل بريقا وأكثر ~~غموضا. ونتيجة لإعطاء الأولوية للأسلوب على الموضوع أصبح الموضوع ~~غامضا مسطحا، وأصبحت معظم العناوين خادعة، عناوين براقة وموضوعات ~~عادية مثل «ثورة الجماهير» «الإنسان والأزمنة»، «الإنسان والناس»، ~~«التاريخ باعتباره نسقا»، «التطابق والحرية»، «ما هي الفلسفة؟» ~~«نشأة الفلسفة». وقد يكون أهم ما في الكتاب هو العنوان الذي أثار ~~في الغرب الأذهان من قبل منذ الثورة الفرنسية وثورة 1848م في ~~ألمانيا، وثورات الشباب في العالم كله في 1968م والذي ما زال يشد ~~الانتباه بالنسبة للشعوب المقهورة غير المنظمة التي تسيطر عليها ~~النظم الحاكمة بأجهزة الأمن والجيش والشرطة والأمن المركزي وأجهزة ~~المخابرات العامة والخاصة. # ويبدو أن تعبير «ثورة الجماهير» تعبير اشتباهي يوحي بالإيجاب ~~والسلب في آن واحد. فهل «ثورة الجماهير» ظاهرة سلبية، وقد يكون ~~هذا هو المعنى الذي يقصده أورتيجا، أم ظاهرة إيجابية وهو المعنى ~~الذي يثير هوى النفس أشجانا وأحزانا؟ تعني «ثورة الجماهير» ~~بالمعنى السلبي الجماهير في مقابل الفرد، والأغلبية في مقابل ~~الأقلية، والدهماء في مواجهة الصفوة، والديماغوجية نقيض ~~الأرستقراطية، التسطيح والتفاهة، الإنسان الآلي الأصم في مقابل ~~العميق والنبيل، الإنسان العظيم الحركي الحر. في حين تعني «ثورة ~~الجماهير» لدى شعوب العالم الثالث أملا وحركة وحياة. إذا كان ~~المعنى السلبي هو المقصود فهل يجعل ذلك أورتيجا من دعاة النظريات ~~العنصرية والفاشية والنازية والقائمة على الصفوة المختارة، القادرة ms189 ~~بما تتمتع به من مزايا أن تقود الجماهير الصماء؟ هل هو من أعداء ~~النظم الاشتراكية بوصفه للعامة بأنها دهماء آلية صماء؟ وماذا عن ~~«ثورة الجماهير» التي طالما تغنت بها شعوب العالم الثالث في ~~مرحلة التحرر من الاستعمار في القارات الثلاث؟ هل يقصد الوضع ~~الراهن للجماهير في البلاد النامية وصلة طبقات الشعب الكادحة ~~بالطبقات الجديدة في عصر ما بعد التحرر وبدايات الحركات الشعبية ~~منذ أواخر السبعينيات حتى الآن؟ يمكن الإجابة على هذه الأسئلة ~~بالبحث عن الظواهر الاجتماعية والسياسية التي يراها أورتيجا حاملة ~~لثورة الجماهير. هناك احتمالان؛ الأول: أن ثورة الجماهير يشير ~~أورتيجا بها إلى ثورات الشعوب في القرن العشرين، البلشفية في ~~روسيا، وصعود النازية (الفاشية) في ألمانيا. وهو الاحتمال الأرجح ~~نظرا إلى إشارات أورتيجا الدائمة إلى هاتين الثورتين دون الإشارات ~~إلى ثورات سابقة مثل الثورة الفرنسية أو ثورة 1848م في ألمانيا. ~~وبهذا المعنى يشير أورتيجا إلى ظاهرة أوروبية صرفة هي الفاشية ~~والبلشفية دون الحديث صراحة عن النازية. ويدعم هذا الاحتمال نقد ~~الاتحاد السوفياتي والدفاع عن الليبرالية الفردية، صراحة أو ضمنا ~~دون أي نقد لأمريكا والغرب، باستثناء نقد أخلاقي شائع بالخواء ~~الروحي والأخلاقي والمعروف عند برجسون وشيلر وغيرهما ممن بينوا ~~«قلب القيم» في الوعي الأوروبي المعاصر. والاحتمال الثاني: هو ثورة ~~الجماهير في الحرب الأهلية الإسبانية خاصة وأن أورتيجا عرف بأنه ~~مفكر الجمهوريين وناقد الملكية في إسبانيا. والغريب أنه لا توجد ~~شواهد على ذلك من نصوص أورتيجا. بل لا يكاد يشير إلى الحرب ~~الأهلية الإسبانية وموقفه من الجمهوريين ضد الملكيين. أما كتابه ~~«إسبانيا بلا عمود ~~فقري» # The lnvertebrate Spain # فقد كتب قبل الحرب الأهلية دفاعا عن ~~وحدة البلاد. فإذا كان أورتيجا مفكر الجمهوريين فإنه يكون لثورة ~~الجماهير معنى إيجابي والحال ليس كذلك. في حين ألهبت ثورة ~~الجمهوريين خيال المفكرين والأدباء كما هو الحال في رواية «لمن ~~تدق الأجراس» لهمنغواي. حتى هذان الاحتمالان غير واضحين في «ثورة ~~الجماهير». بل إن السؤال النهائي في الفصل الختامي «إلى أين ينتهي ~~السؤال الحقيقي» والذي هو أشبه بخاتمة ms190 للكتاب كله لا يتضح منه غرض ~~الكتاب، ولا يحتوي على الإجابة الرئيسية على: ماذا تعني ثورة ~~الجماهير؟ أية ثورة وأية جماهير؟ وبالنسبة لنا في العالم الثالث لا ~~نجد أيضا إجابة لهمومنا وهي حركات التحرر الوطني وما تولد عنها ~~من ثورات مضادة في القرن العشرين. وماذا عن انتحار الشعوب وموتها ~~جوعا وعطشا كما هو حادث في أثيوبيا وتشاد والسودان؟ وماذا عن نقل ~~الشعوب خارج أوطانها ووضع شعوب أخرى محلها كما هو حادث في ~~فلسطين؟ # ومهما يكن من شيء، هل يمكن العثور على نسق موحد يمكن على أساسه ~~فهم ماذا تعني «ثورة الجماهير»؟ إن نقطة البداية في فلسفة أورتيجا ~~هي «العقل الحيوي» في مقابل العقل المجرد أو العقل النظري كما ~~تصوره المثاليون. العقل الحيوي يثبت الفرد وواقع الأشياء في حين ~~أن العقل النظري يقضي على واقعية الأشياء، هو العقل الرياضي الذي ~~يحيل العالم إلى معادلات أو العقل الطبيعي الذي يحيله إلى رموز أو ~~العقل الفلسفي الذي يحيله إلى تصورات. في مقابل هذا العقل ~~التقليدي يضع أورتيجا العقل الحيوي، وهو أسلوب في التعامل، طريقة ~~في الحياة أو الحياة نفسها. هو الفعل # Le Faire # أو تحقيق الحياة باعتبارها مشروعا. العقل ~~الحيوي هو «الأنا في موقف»، يختار بين الممكنات، مهمته إدراك هذا ~~العالم السابق على الحكم الذي حاول هوسرل في «التجربة والحكم» ~~الكشف عنه وإعادة تكوينه. بل إن العقل المجرد نفسه هو إحدى صور ~~العقل الحيوي. على هذا النحو يشير أورتيجا مع معظم الفلاسفة ~~المعاصرين الذين يجعلون من الحياة انطلاقا لهم كما هو الحال عند ~~برجسون، ووليم جيمس، وماكس شيلر، واشبنجلر، وجويو، وفوييه ~~استمرارا لهذا التيار الذي بدأه دلتاي ودريش من قبل في القرن ~~الماضي وجولد شتين في هذا القرن. والحياة هي الموضوع المشترك بين ~~جميع الفلاسفة المعاصرين - كما كانت الرياضة هي العامل المشترك بين ~~فلاسفة القرن السابع عشر - بصرف النظر عن أسمائها: «تصور العالم» ~~عند دلتاي، «العضو» عند جولد شتين، «الدافع الحيوي» أو «التطور ~~الخالق» أو «الذاكرة» أو «المعطى البديهي للوجدان» عند برجسون، ~~«الإحساس ms191 الدرامي» عند أونامونو، «عالم الحياة» عند هوسرل، «الشخص» ~~عند شيلر ومونييه، «الجسم» عند ميرلو بونتي، حتى الحرية أو العدم ~~عند سارتر، والوجود أو الموت عند هيدجر هي أيضا بعض صور الحياة. ~~وقد يبدو الجمع بين العقل والحياة مستحيلا طبقا لمنطلق «إما ... ~~وإما ...» على التبادل كما هو الحال عند كيركجارد ومعظم اتجاهات ~~الفلسفة المعاصرة. إلا أن أورتيجا يشير بالعقل الحيوي إلى شيء أشبه ~~بالدافع الحيوي على ما يقصده برجسون وكأنه يريد الإبقاء على لفظ ~~العقل تحت تأثير مدرسة ماربورج ودراسته للفلسفة الألمانية. يكفيه ~~ربطه بالحياة ودون اللجوء إلى تراجيديا الحياة كما فعل أستاذه ~~أونامونو. والحقيقة أن إحساس العصر بالحياة كنقطة بداية عند معظم ~~الفلاسفة المعاصرين إنما نشأ بسبب حربين عالميتين كان مصير الإنسان ~~فيهما معلقا بين الحياة والموت، ومن رغبة البحث عن معنى الأشياء ~~بالعودة إليها بعد رفض عصر النهضة والفلسفات العقلية وعصر التنوير ~~كل قيم مسبقة، وبعد انهيار القيم البديلة التي وضعها القرن التاسع ~~عشر؛ إذ تحول العلم إلى آلة، والتقدم إلى غزو، والقوة إلى ~~استعمار، والإنتاج إلى استغلال، والتضخم إلى حروب، والوفرة إلى ~~انتحار، والتقدم إلى يأس. # ونتيجة لذلك، أعطى أورتيجا الأولوية للعقل العملي على العقل ~~النظري كمعظم الفلاسفة المعاصرين. فالأفكار # ldées # لديه أقرب إلى العقائد # Croyance # منها إلى التصورات ~~النظرية، والفكر Pensée # أقرب إلى ~~الحياة منه إلى المعرفة ~~المجردة # Connaissance # 3 # وهنا يبدو أورتيجا مثل معظم الفلاسفة المعاصرين مع ~~التحليل الوجودي الشائع الذى بدأه كيركجارد والقائم على تعارض ~~الفكر والوجود. كلما فكرت ابتعدت عن الوجود أي عن الحقيقة، وكلما ~~اقتربت من الوجود ابتعدت عن التفكير أي عن الزيف، وهو الموقف الذي ~~لخصه كيركجارد في عبارته المشهورة «أنا أفكر فأنا إذن غير ~~موجود»، ردا على عبارة ديكارت الأكثر شهرة «أنا أفكر فأنا إذن ~~موجود». ولما كان كل فيلسوف معاصر يثبت موقفه المقابل للعقل بأخذ ~~فيلسوف عقلي والجدال معه حول وظيفة العقل وضرورة الحياة كما هو ~~الحال في الجدال بين كيركجارد وهيجل، هيدجر وكانط، سارتر وديكارت، ~~هوسرل وديكارت، برجسون وكانط ms192 فإن أورتيجا سار على المنوال نفسه في ~~حواره مع ليبنتز حول «فكرة المبدأ». # 4 # فكل فكرة فشل للحقيقة، وكل تصور خيانة للأشياء، ~~والحياة العامة ليست فقط عقلية بل هي حياة خلقية وسياسية واجتماعية ~~واقتصادية. إنما العقل محاولة للتقريب والفهم وليس بديلا عن ~~العالم. إن التقابل بين العقل والوجود مثل التقابل بين الوهم ~~والحقيقة. والمثل على ذلك أنه في رأي العقلانيين وأصحاب دوائر ~~المعارف الله مجرد تصور أو تصور مجرد في حين أن أصحاب العقائد ~~يرون أن التاريخ هو المطلق الحقيقي، وأن التاريخ هو واقع ~~الإنسان، والله هو هذا التاريخ لأن التاريخ هو كل شيء، الماضي ~~والمستقبل، الأول والآخر، البداية والنهاية؛ ومن ثم كان إنكار ~~الماضي تناقض ووهم. فالماضي هو طبيعة الإنسان، يفرض نفسه عليه ولا ~~يستطيع له دفعا؛ لذلك نشأت الحركات الدينية الإصلاحية وكأنها ~~عود إلى الماضي وعود إلى البدائية والشيوع وكما هو الحال في ~~الإسلام الأول والمسيحية الأولى. # ثم طبق أورتيجا نقطة البداية لديه وهي «العقل الحيوي» على ~~الفرد والجماعة، الأنا والآخر، الإنسان والناس، الليبرالية ~~والاشتراكية ... إلخ، كما انتقل هوسرل من الذاتية إلى العلاقات بين ~~الذوات والتجارب المشتركة، وكما انتقل سارتر من تحليل الشعور ~~الفردي في «الوجود والعدم» إلى تحليل الشعور الجماعي في «نقد العقل ~~الجدلي». بل إن «حياة الحوار» في لغة الأنا والأنت أصبحت من أهم ~~الموضوعات في الفلسفة المعاصرة عند جابريل مارسل، ومارتن بوبر، ~~وندونسل ... إلخ. واختلفت الآراء حول الآخر بين «الآخر هو الجحيم» ~~وبين «الآخر هو النعيم». ويبدو أن أورتيجا من أنصار الرأي الأول ~~وكما يتضح ذلك من «ثورة الجماهير» وتأكيده على الفرد في مقابل ~~الجماعة، وعلى الذات ضد الإنسان الجماهيري، وعلى الليبرالية في ~~مواجهة النظم الجماعية. ولا وسيلة للانتقال من الفرد إلى الجماعة، ~~من الأنا إلى الآخر، ومن العزلة إلى المشاركة إلا عن طريق اللغة ~~بالرغم من قصورها وحدودها وعدم استطاعتها التعبير عن المعاني ~~وإيصالها إلا على وجه التقريب. يخرج الفرد من عزلته ويتصل بالآخرين ~~عن طريق اللغة التي هي في حقيقتها جدل وحوار ولكنه ms193 حوار خفي يجد ~~الفرد فيه نفسه وليس حديثا لكل الناس. ليست وظيفة اللغة إعطاء ~~تعريفات منطقية فهذا يستحيل في حياة الجدل والحوار. فكل تعريف إن ~~لم يكن خاطئا فإنه يدعو إلى السخرية إذ يتضمن بعض التحفظات في ~~الإعلان عن الأشياء الضمنية والتي لا يمكن الإفصاح عنها. تحديد ~~مفردات الألفاظ في اللغة إذن مدعاة للسخرية لأن وظيفة اللغة ~~التعبير والإفصاح، ووظيفة التعريف التغطية والإضمار. يعارض أورتيجا ~~التعريف التقليدي للحصول على التصورات نظرا لأن وظيفة اللغة ~~ليست في إعطاء معلومات بل في فك الحصار عن الفرد من أجل مشاركته مع ~~الآخرين. لا تخضع اللغة لمنطق البرهان بل لمنطق الجدل أي الحوار ~~بين الأنا والآخر، بين الإفصاح والإضمار، وبين الجلاء والخفاء، ~~خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف. واللغة بطبيعتها قادرة على ~~التعبير عن المحكم والمتشابه، والظاهر والمؤول، والمقيد والمطلق، ~~والمبين والمجمل على ما يقول الأصوليون وعلى ما هو معروف في علوم ~~البيان والبديع والبلاغة. تفترض اللغة وجود المتكلم ووجود السامع ~~ثم تأتي الكلمات بالمصادفة وقد يخون التعبير، ويساء استعمال اللغة ~~بالحديث عن الكل ولا شيء أو الحديث للكل وليس لأحد كما هو في ظاهرة ~~الثرثرة. اللغة جدل وحوار، ولكنه حوار خفي يجد الفرد فيه نفسه. لا ~~يوجد حديث لكل الناس بل لفرد عين. والحديث عن الإنسانية والعموميات ~~والأقطار أقرب إلى ديماغوجية عصر التنوير ومثاليات المفكرين ~~الأحرار والرومانتيكيين مثل كانط ولسنج الذين لا يدركون حدودهم، ~~ويتجاوزون مصيرهم، ويخلدون فناءهم. # وكتاب «ثورة الجماهير» هو أشهر مؤلف لأورتيجا ضمن مؤلفات جاوزت ~~الثلاثين. ويمكن تصنيفها جميعا ومن خلال المترجمات الإنكليزية ~~والفرنسية إلى مجموعات ثلاث يدور كل منها حول موضوع رئيسي وبصرف ~~النظر عن ترتيبها الزماني. # 5 # المجموعة الأولى تدور معظمها حول الاجتماع والسياسة. وتأتي في ~~مقدمتها «ثورة الجماهير» 1930م، «الإنسان والناس» 1940م، «موضوع ~~عصرنا الحديث» 1928م، «الإنسان والأزمة»، «إسبانيا بلا عمود فقري» ~~1928م. # والمجموعة الثانية تدور حول الفلسفة، وتأتي في مقدمتها «ما هي ~~الفلسفة» 1929م، «نشأة الفلسفة» 1943م، «بعض دروس الميتافيزيقا» ~~1923م، «التطابق والحرية» 44-1945م، «التاريخ باعتباره ms194 نسقا» ~~1941م، «تفسير التاريخ الشامل»، 48-1949م، «فكرة المبدأ في فلسفة ~~ليبنتز وتطور النظرية الاستنباطية»، «كانط» 1930م. # والمجموعة الثالثة حول الفن والحضارة. وفي مقدمتها «محاولات ~~إسبانية»، «في الحب»، «القضاء على إنسانية الفن» 1926م، «تأملات في ~~دون كيخوت» 1914م، «ظاهريات الفن»، «فالاسكويز، جويا»، «رسالة ~~الجامعة» 1931م. # ويمكن أيضا تصنيف أعمال أورتيجا على مراحل ثلاث في حياته. طبقا ~~لتطور فلسفته. المرحلة الأولى «الموضوعية» وتشمل الكتابات قبل ~~1914م وهي تطابق أعماله الأدبية والفنية والتي فيها حاول أورتيجا ~~التخلص من موضوعية القرن التاسع عشر التي سادت العلوم الإنسانية ~~الاجتماعية. والمرحلة الثانية «المنظور» Perspectivisme ~~، وتشمل الكتابات بين 1914-1923م وتضم ~~مرحلة الفلسفة. وهي المرحلة التي تميز فيها أورتيجا بفلسفة خاصة ~~مؤكدا فيها أن الإنسان موجود ظرفي # Circonstancial # أي أنه ابن ظروف ~~عصره، وأن الحياة موقف والتزام معرفي وأخلاقي. المنظور ضد المعرفة ~~المطلقة والنظريات المسبقة، وتعبير عن موقف إنساني محدد. والمرحلة ~~الثالثة «العقل الحيوي» وتشمل الكتابات بعد 1924م، وتشير إلى ~~مؤلفاته الاجتماعية والسياسة. # 6 # وكتاب «ثورة الجماهير» يضم خمسة عشر مقالا تسبقها «مقدمة للقارئ ~~الفرنسي» مثل مقدمة «ظاهريات الروح» لهيجل بالرغم من البون الشاسع ~~بين العملين من ناحية البنية الفلسفية والإحكام النظري والأهمية ~~التاريخية. وقد نشرت مادة هذه المقدمة من قبل في «إسبانيا بلا عمود ~~فقري» عن الوحدة والتنوع في أوروبا، وتظهر فيها المركزية ~~الأوروبية. وهي ثاني الأقسام من حيث الحجم. أما المقالات الخمسة ~~عشر فهي على النحو الآتي: ~~(1) ~~«واقعة ~~التجمهر» # Agglomération ~~، ويعرض فيها أورتيجا ~~لثنائية الجماهير والصفوة أو العامة والخاصة وهي إحدى ~~سمات العصر. ~~(2) ~~«الصعود إلى المستوى التاريخي»، ويعني بذلك ظهور ~~الجماهير كمادة تاريخية وكحدث رئيسي من أحداث العصر ~~وكمحرك لأحداث التاريخ. ~~(3) ~~«قمة الزمان»، ويعني بذلك تعبير ظاهرة الجماهير عن ~~روح العصر وكونها إحدى لحظات التطور في الزمان ~~وتراكم الأحداث في التاريخ حتى لحظة الانفجار في ~~الثورات. ~~(4) ~~«نماء الحياة»، ويعني بذلك رؤية العصر من خلال حركة ~~الجماهير ومن خلال العقل الحيوي مما يجعل أورتيجا ~~قريبا من إقبال وبرجسون وباقي فلاسفة الحياة. ~~(5) ~~«معطى إحصائي»، ويقصد به أورتيجا الواقع ms195 الإحصائي ~~لحركة الجماهير من حيث تعداد السكان في أوروبا وأمريكا ~~خاصة كإحدى سمات العصر أو ما يسمى بالكثافة ~~السكانية. ~~(6) ~~«أين يبدأ الفصل بين الإنسان والجماهير؟» والقصد من ~~هذا السؤال إثبات صعوبة الفصل بين الإثنين؛ فالإنسان ~~جماهيري، والجماهير لها سمات الشعور الجمعي. ~~(7) ~~«الحياة النبيلة والحياة التافهة أو الجهد والخمول»، ~~وهي إحدى الثنائيات التي يظهر فيها العقل الحيوي. ~~فالحياة النبيلة والجهد لدى الصفوة والتفاهة والخمول ~~لدى الجماهير! ~~(8) ~~«لماذا تتدخل الجماهير في كل شيء، ولماذا لا تتدخل ~~إلا بعنف»؟ والقصد من السؤال اتهام الجماهير بممارسة ~~العنف وكأن الصفوة لا تمارس عنفا! ~~(9) ~~«البدائية والتقنية»، وهي ثنائية تميز بين الفطرة ~~والاكتساب، بين بدائية الجماهير والتحكم فيها من خلال ~~التقنية وتحققاتها في التصنيع والإنتاج. ~~(10) ~~«البدائية والتاريخ»، وهي ثنائية أخرى تميز بين ~~الحاضر والماضي، بين غياب الذاكرة وتراكم الخبرات. ~~فالإنسان كائن تاريخي يحمله الوعي الفردي، والجماهير ~~عود إلى البدائية! ~~(11) ~~«عصر الإشباع الحسي»، والغاية منه نقد مجتمع ~~الاستهلاك وكأن الجماهير وحدها هي التي تستهلك دون ~~الصفوة على عكس ما تشير به الإحصائيات من نسبة استهلاك ~~الصفوة إلى استهلاك الجماهير. ~~(12) ~~«بربرية التخصص»، وذلك من أجل نقد روح التخصص في ~~العلم الحديث وفقدانه للتصور الشامل حتى ضاع منه ~~المنظور. ~~(13) ~~«أكبر خطر، الدولة»، وذلك من أجل نقد الدولة لما ~~تمثله من خطورة على حرية الفرد، وكأن أورتيجا يعيد ~~ثورة باكونين وشترنر ضد هيجل دفاعا عن الفرد ضد ~~السلطة وثورة كاسيرر ضد الدولة النازية في «أسطورة ~~الدولة». ~~(14) ~~«من الذي يقود العالم؟» وهي أطول المقالات من أجل ~~عرض قضية قيادة العالم الآن، من الغرب أم من خارج ~~الغرب، الصفوة أم الجماهير؟ ~~(15) ~~«إلى أين ينتهي السؤال الحقيقي؟» وهي أشبه بخاتمة ~~الكتاب كله لا يتضح منها غرض الكتاب، ولا تحتوي على ~~الإجابة على السؤال الرئيسي وكأن أورتيجا يصف الظاهرة ~~ولا يصدر حكما عليها. # وهكذا يبدو أن دراسة أورتيجا «ثورة الجماهير» وكما ~~يقول هو عن نفسه؛ هي دراسة من مثقف مستنير لا من سياسي ~~متخصص. يقدم لونا جديدا من ميتافيزيقا السياسة ~~لدراسة ما وراء المشاكل السياسية. ms196 بل إن أورتيجا يرى ~~أن مهمة المثقف ومهمة السياسي متعارضتان. مهمة المثقف ~~توضيح المشكلة ومهمة السياسي زيادة غموضها. الثقافة ~~السياسية تكشف الحاضر وتوضح الحقائق أما سياسة ~~السياسيين فهي على الضد من ذلك التمويه والخداع. وهذا ~~هو أحد معاني «ثورة الجماهير» أي عمل السياسيين الذي ~~يفرغ الجماهير من حياتها الداخلية. # وتدور الفصول الخمسة عشر كلها حول موضوعين رئيسيين: ~~«الإنسان الجماهيري» و«انهيار الغرب». والظاهرتان ~~متداخلتان لأن الأولى علامة على الثانية، والثانية ~~إحدى نتائج الأولى. وتعني ظاهرة «الجماهير» في العصر ~~الحاضر سيادة الأغلبية وامحاء الفردية، وظهور العقل ~~الجمعي والرأي العام والنظم الجماعية حتى إنه ليقال إن ~~العصر الحاضر هو عصر الجماعة سواء في البحث العلمي أو ~~في العمل السياسي. ويعني «انهيار الغرب» هذا الخواء ~~الروحي الذي طالما نبه عليه معظم الفلاسفة المعاصرين ~~بصرف النظر عن التسمية: قلب القيم عند ماكس شيلر، ضياع ~~عالم ~~الحياة # LebensweltverIoss # عند هوسرل، والعدمية عند ~~نيتشه، والانهيار الحضاري الشامل عند اشبنجلر. # | ثانيا: الإنسان الجماهيري # L’homme-Masse # الإنسان الجماهيري على وجه التحديد هو أحد أفراد الجماهير أو ~~الإنسان العامي الذي سماه هيدجر «السين» من الناس # Das Mann # هو نوع من البشر ~~يتكون تكوينا سريعا، يتكرر باستمرار، ويتشابه مع غيره، لا ~~تاريخ له ولا رغبة له، يقبل أي نظام ويتشكل كما يطلب منه، له كل ~~الحقوق، ولا واجبات عليه، فارغ من تاريخه، وطيع لكل النظم ~~السياسية والدولية. ينقصه الداخل، وتغيب فيه الذاتية. وقد يكون ~~اليوم نموذج العامل في الطبقة العاملة أو الفلاح في جماهير ~~الفلاحين. هو المغلق على نفسه، لا صلة له بالآخرين، ولا يعرف ~~الحوار. يعادي الليبرالية، ولا يمارس الحرية، ولا يختار بين ~~البدائل. هو إنسان الدهماء. الإنسان الجماهيري عدو للاتجاه ~~التحرري لأنه يعلم أن التحرر عود إلى الأصالة وهو يود البقاء ~~في مجال الزيف. التحرر تأكيد على الفردية والإنسان الجماهيري غوص ~~في الدهماء. هذا النوع من البشر موجود في المجتمعات المتطورة وفي ~~المجتمعات النامية على حد سواء. ففي المجتمعات المتطورة حذر ~~المفكرون من قبل من الإنسان ~~الآلة # L’homme-Robot ~~، وهو ترس ms197 في مجموعة من التروس، لا فردية له ~~ولا كيانا مستقلا. وهو ما يذكرنا بآراء ماركس الشاب في وضع ~~العامل في المجتمع الصناعي وتحوله إلى شيء يساوي إنتاجه. وفي ~~المجتمعات النامية هو أحد أفراد العامة الذي تسيره القادة كما ~~تشاء، تشير له فيصفق، وتشير له ثانيا فيكف، تجمعه ليستقبل، وتدعوه ~~ليوافق. بل إن أورتيجا يرفض الإنسان أيضا كما تصوره عصر التنوير، ~~الإنسان العام الذي يمثل الإنسانية كلها أو مواطن العالم # Le Citoyen du Monde ~~، إنسان ~~يتكرر. أما إذا ظهر من بين هذا الخضم إنسان فريد فإنه يكون الفرد ~~الأوحد كما ظهر جيفارا من جماهير أمريكا اللاتينية. هذه الجماهير ~~في ثورة ولكنها أشبه بحركات التاريخ وانفعالات الدهماء ومشاغبات ~~العامة. والحقيقة، وعلى غير ما يعتقد أورتيجا، إن ثورة الجماهير ~~الآن سواء في المجتمعات المتطورة أو في المجتمعات النامية تدل على ~~وعي بمشاكل العصر. فقد نشبت ثورات الشباب في العالم في 1968م في ~~المجتمعات المتطورة ضد مساوئ النظام الرأسمالي ومجتمع الاستهلاك ~~الداعي للحروب. وفي المجتمعات النامية نشبت الثورات للتخلص من ~~بقايا الاستعمار القديم أو من براثن الاستعمار الجديد أو من سيادة ~~الطبقات الجديدة، فالثورة الآن ضد مظاهر الطغيان الاقتصادي في ~~الدول المتطورة أو السياسي في الدول النامية، هي ثورة على نظم حكم ~~الفرد المطلق، وثورة الطبقات الكادحة التي لم تحصل بعد على مزايا ~~التحرر والتحول الاشتراكي. الثورة مفهوم فلسفي، وتجربة فردية ~~واجتماعية، وليست مجرد حركة أو انقلاب يرمي إلى تغيير الواقع. ~~الثورة علم وليست مجرد انفعالات أو ضربات عمياء. وثورات الشعوب ~~علامة على تقدمها وحيويتها وليس على تأخرها وسكونها. # ويعيد أورتيجا عرض القضية، الإنسان الجماهيري في مقابل الفرد ~~الحر في صورة تقابل آخر بين الأغلبية والأقلية، بين الجماهير ~~والصفوة، بين العامة والخاصة. الجمهور هو الأغلبية في مقابل الصفوة ~~وهي الأقلية. تعبر الأغلبية عن الإنسان المتوسط أو الإنسان العادي # L’homme-Moyen # الذي لا ~~يختلف عن غيره، بعكس الأقلية التي تقوم على أفكار ورغبات لأنها ~~تتطلب الكثير من نفسها لأن الأغلبية لا تتطلب من نفسها شيئا. ~~هذه ms198 الثنائية بين الأغلبية والأقلية وبين العامة والخاصة موجودة في ~~كل الأديان وفي كل الملل والنحل. هي طبقية بشرية لا طبقية اجتماعية ~~لأن العامة والخاصة موجودتان في كل طبقة اجتماعية. وبعد أن كان ~~الخاصة هم أصحاب السلطة وكان للصفوة المختارة الحق في تسيير ~~الجماهير أصبحت العامة الآن صاحبة الأمر؛ لذلك يمتاز العصر الحاضر ~~بسيادة العامة على الخاصة وانتصار أنصاف المثقفين على المثقفين ~~وغير المتخصصين على المتخصصين بعد أن قررت الجماهير أخذ مصيرها ~~بأيديها، وأخذها مركز الصدارة الاجتماعية، وتمتعها بمزايا الصفوة ~~المختارة، وحلولها محلها. وهذا ما تؤكده التغييرات السياسية ~~المعاصرة. فقد كانت النظم الديمقراطية القديمة تسمح بقدر كبير من ~~الليبرالية، وكان باستطاعة الصفوة المختارة أن تفعل ما تشاء. ~~والآن ظهر نوع جديد من الديمقراطيات العليا # Hyper-Democratie # فيها تحكم الجماهير حكما ~~مباشرا. # ويعيد أورتيجا صياغة القضية نفسها مرة ثالثة في علاقة الفرد ~~بالجماعة. فعلى الرغم من تركيز أورتيجا على الإنسان الجماهيري ~~كسلب إلا أنه يحلل الإنسان الذاتي أو الفرد كإيجاب، كما فعل ~~كيركجارد في الفرد، ومونييه وشيلر في الشخص، أو حتى شترنر في الفرد ~~الأوحد. وتبدو الفردية كلما انتقلنا من الطبقة الدنيا إلى الطبقة ~~الوسطى ثم إلى الطبقة العليا. الفردية تقود إلى الصفوة كما تؤدي ~~الجماعية إلى الجماهير. وفي الفرد يتجلى العقل الحيوي، ويختفي في ~~الجماعة، يبدع في الصفوة، ويتوارى في الجماهير، يظهر في الأقلية ~~ويضيع في الأغلبية، وكأن أورتيجا أقرب في تفسير الظواهر الاجتماعية ~~إلى بارتيو في تركيزه على دور الصفوة في القيادة وفي الوقت نفسه ~~ينقد البلشفية والفاشية على أنها حركات جماهير مع أنها أيضا ترى ~~الصفوة ممثلة في قيادة فعالة نشطة أخلاقية ومبدعة. بل إنه يكون ~~أيضا أقرب إلى الفكر الديني الذي يركز على دور الأنبياء في ~~التاريخ، وعلى ضرورة وجود الأقلية المؤمنة # Le Petit reste # والباقيات الصالحات التي بفضلها ~~يتم إنقاذ الأغلبية الكافرة وعامة ~~الناس # La Foi des ~~Simples # على الرغم من غياب الدين في فكره كمحور ~~أساسي وعلى عكس أستاذه أونامونو في «احتضار المسيحية» باستثناء ~~مواقف قليلة ينقد ms199 فيها أورتيجا رفض الجماهير - وهي في ثورتها - ~~التدين والمعرفة النظرية من أجل الدراسات السياسية وتحركات ~~الدهماء! أليس الدين أيديولوجية الجماهير كما هو واضح في لاهوت ~~الثورة ولاهوت التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؟ ألا ~~يتحول الدين تحولا طبيعيا إلى العلوم الاجتماعية وهذه بدورها ~~إلى الأيديولوجيات السياسية على ما يصف جويو في «لا دينية ~~المستقبل» # L’Irreligion de l’Avenir ~~. # ولكن ظروف العصر تمنع أن يعيش الإنسان فرديته نظرا لتضارب ~~مشاريع الفرد مع مشاريع الجماعة. ومع ذلك فالفرد يعيش بالضرورة في ~~جماعة، والحياة الاجتماعية تتطلب بالضرورة الاشتراك مع الآخرين ~~في فعل الجماهير. فالجماهير شر لا بد منه! وهنا يبدو أورتيجا أقرب ~~إلى جان بول سارتر في أن «الجحيم هو الآخر» مع أن الفرد قد يقوى ~~بفعل الجماهير، وتتأكد فرديته وينمو مشروعه من خلال مشاركة ~~الآخرين. وإذا اعترف أورتيجا بأن الجماهير شر لا بد منه ما دام ~~الإنسان الجماهيري لا يستطيع أن يعيش حياة فردية نظرا لتعارض ~~مشروعه مع مشروعات الآخرين، فإنه أيضا يعترف بضرورة الإبقاء على ~~حياة الجماهير، ونمط سلوكها، ولكن حتى في هذه الحالة تتحول أية ~~مشاريع مشتركة بين الفرد والجماعة مثل العدالة الاجتماعية إلى ~~رومانسية خطابية باسم التضامن ~~الاجتماعي # Solidarisme ~~. ثم يبرز الديماغوجيون فيقضون على ~~الحضارة كلها إذ ان الديماغوجية هي عدم شعور بمسئولية الديماغوجي ~~عن آرائه وأفكاره التي لم يبدعها هو بل تلقفها من الصفوة. ~~الديماغوجية عند أورتيجا هي إحدى صور الانحطاط العقلي. هي شر مركب ~~في الطبيعة الإنسانية، تظهر في الإنسان الجماهيري. والحقيقة أن ~~هناك فرقا بين الديماغوجية والثورة. الأولى تحريض للجماهير ~~والثانية تحقيق علمي لحركاتها. إن ثورات العصر ليست مجرد تحريض ~~ديماغوجي أو تمرد وعصيان بل هي ثورات لها أصولها التاريخية في ~~الأوضاع الطبقية للطبقات الكادحة في البلاد النامية في هذا القرن ~~وردود فعل على المجتمعات الصناعية المتقدمة في النظم الرأسمالية ~~خاصة في القرن الماضي. ومهمة الحزب الشعبي أو التنظيم السياسي أو ~~طلائع الجماهير تحويل التمرد إلى ثورة وإعطاء البعد التاريخي ~~لحركة الجماهير. # وينكر أورتيجا على الفكر الاجتماعي ms200 مفهوم المجتمع أو الجماعة. ~~فقد خلط الفكر الحديث، في رأيه، بين المجتمع # Société # وبين المشاركة # Association ~~. فنحن لا نعيش في مجتمع بل في مشاركات، ~~وهي نفس التفرقة المشهورة عند تونيس # Tönnies # بين المجتمع # Geselchaft # والجماعة # Gemeinschaft ~~. الأولى عامة مجردة، لا شخصية، والثانية ~~خاصة وعيانية وشخصية. كما يرفض أورتيجا نظرية العقد الاجتماعي عند ~~اسبينوزا وروسو باعتباره اجتماع إرادات لأن المجتمع مشاركة في ~~كيان الفرد دون تنازل عن إرادته وسلطته. وهنا يبدو أورتيجا رافضا ~~للتصور الاستقرائي للعقد الاجتماعي، أي الصعود من إرادات الأفراد ~~إلى إرادة الجماعة مفضلا التصور الاستنباطي، أي وجود المجتمع ~~المسبق في صورة مشاركة في بنية الفرد. الجمهور بعد للفرد. كما أن ~~القانون ليس تعبيرا عن إرادة جماعية بل هو تعبير عن العقل الحيوي ~~في الأفراد. بهذه التحليلات الجديدة يحاول أورتيجا المساهمة في ~~تقدم العلوم الاجتماعية التي تخلفت عن العلوم الطبيعية في ~~الغرب. # وينتقل أورتيجا من علم ~~الاجتماع إلى علم السياسة وتتحول القضية من الفرد والجماعة أو ~~الصفوة والجماهير إلى قضية الليبرالية والنظم الجماعية وفي مقدمتها ~~الاشتراكية وبنفس التمايز والتقابل والتضاد. وقد ظهر كلا المذهبين ~~في الوعي الأوروبي؛ فالليبرالية الفردية تنتمي في رأي أورتيجا إلى ~~القرن الثامن عشر. وهي التي ألهمت الثورة الفرنسية وانتهت ~~بنهايتها. أما الجماعية # Collectivisme # فقد ظهرت أيضا ابتداء من القرن ~~الثامن عشر ثم تحولت إلى اتجاه رجعي محافظ على أيدي دي بونالد # De Bonald ~~، ودي ميستر # De Maistre # حتى سان سيمون # Saint-Simon # وبلانش # Blanche # وكومت # Comte # في القرن التاسع عشر. ثم أتى آمار # Amar # وتحدث عن الجمعية # Collectism # في مقابل الشخصانية Personalism ~~، وجعلها ضد ~~الفردية؛ وبالتالي استقر في الوعي الأوروبي هذا التعارض بين ~~الفردية والجماعية، بين الليبرالية والاشتراكية. والحقيقة أن ~~أورتيجا بهذا التاريخ المبتسر للفكر السياسي الأوروبي قد أغفل ~~تطورات عديدة له ومذاهب أخرى فيه ومحاولات الجمع بين الاثنين. فقد ~~استمر الاتجاه التحرري الليبرالي في القرن التاسع عشر عند ~~مل # J. S. Mill ~~، وتحدث ~~سبنسر # Spencer # عن الفرد باسم ~~الجماعة. وماذا عن ماركس والمذاهب الاجتماعية التي ms201 أعطت للمذاهب ~~الجماعية طابعا تقدميا؟ ولا يخفي أورتيجا تأييده للمذاهب ~~الفردية ضد المذاهب الجماعية لأن الجماهير عاجزة عن أن ترتقي إلى ~~حياة الفردية والشخصانية. يعادي أورتيجا الاتجاهات الجماعية لأنها ~~في رأيه تمنع الاتجاه التحرري. وهو النقد الشائع الذي توجهه ~~الرأسمالية إلى النظم الاشتراكية والذي يمكن لأجله وصف بعض فلاسفة ~~الوجود بالرجعية والتعبير عن النظم الرأسمالية وحب الغرب. والحقيقة ~~أن الجماهير ما زالت مسيرة للنظام الرأسمالي في الغرب تحسب الصفوة ~~حسابها. وكثيرا ما تنفجر الجماهير في النظم الرأسمالية فتتكيف هذه ~~طبقا لها، وكما حدث في ثورات الشباب في العالم في مايو 1968م وكما ~~حدث في الحركات الشعبية في النظم الرأسمالية التابعة في إيران ~~1979م، والسودان 1986م، والفلبين 1986م، وكوريا الجنوبية ~~1987م. # وتتميز جماهير العصر الحاضر بخصائص ثلاث: # أولا: # التجمع # Agglomération # أو الملاء Plein # فكل ~~مرفق يفيض بالبشر: المنازل، والشوارع، ~~والفنادق، والقطارات، والمركبات، والمقاهي، ~~والمستشفيات، ودور اللهو ... إلخ، حتى أصبحت مشكلة ~~اليوم هي إيجاد «المكان الخالي». ولم يحدث ~~للجماهير من قبل أن تحولت إلى مثل هذه التجمعات ~~الكبيرة إلا في المعارك والحروب القديمة. ~~«الجماهير» إذن لفظ من علم الاجتماع الدينامي يعبر ~~عن الناس من حيث كونهم ظاهرة كمية مرئية. يقصد ~~أورتيجا بواقعة التجمهر الجماعات الكمية ~~المتراصة التي يتم التبادل بينها بلا تفرد أو ~~خصوصية كقطع غيار آلة لا وظيفة لها إلا سير ~~الآلة ودوام حركتها. # ثانيا: # الوعي التاريخي؛ إذ تقوم الجماهير اليوم بنفس ~~الدور الحيوي الذي كانت تقوم به الصفوة المختارة ~~من قبل. بل إنها تتجاوز قيادة الصفوة وتعصاها. ~~تتمتع اليوم بما كان محرما عليها بالأمس. لقد ~~عرف الشعب قديما أن السيادة له ولكنه لم يعتقد ~~ذلك إلا اليوم، ولم يحول اعتقاده إلى حقيقة ~~فعلية إلا بسيادة الجماهير بعد تحرر الإنسان ~~العادي وشعوره بشخصيته المستقلة وخاصة أن عصر ~~التنوير لم يحرر إلا طبقة المثقفين فحسب. والآن ~~يخشى الديموقراطيون نتيجة هذا التحرر بعد أن أصبح ~~عبد الأمس سيد اليوم. للجندي نفس الحق الذي ~~للقائد، وللمواطن نفس الحق الذي للحاكم، وللابن ~~نفس الحق الذي ms202 للأب، وللطالب نفس الحق الذي ~~للأستاذ لأن عصرنا هو عصر التسوية # Nivellement ~~، ~~مساواة كل فرد للفرد الآخر. ويحلل أورتيجا هذه ~~الخاصية من جانبين؛ الأول: الدور الحيوي الذي تقوم ~~به الجماهير، وهو الدور الذي كان حكرا على ~~الصفوة. والثاني: تمرد الجماهير على الصفوة وكرهها ~~لها من أجل أن تحل محلها. ويمثل هذان الجانبان جدل ~~السيد والعبد المعروف عند هيجل وفي صورة الجدل بين ~~الصفوة والجماهير. وبعد هذا التحول، أصبح ~~الإنسان العادي محور التاريخ . يبدو ذلك في الفن ~~وأخذ الفن الشعبي كمصدر للفنون الراقية، في ~~الموسيقى والرسم والنحت، وكما هو واضح في الأنظمة ~~السياسية الجديدة المعروفة باسم «الديموقراطيات ~~الشعبية» أو «الجمهوريات الشعبية» أو «الجماهيرية ~~الديموقراطية الشعبية». تعبر ثورة الجماهير إذن عن ~~مدى ارتباطها بالتاريخ القديم لأن الثورة لا تقوم ~~إلا على «العقل التاريخي». لذلك تدين أوروبا أكثر ~~ما تدين لاثنين من مفكريها؛ ديكارت مؤس الاتجاه ~~العقلي الحديث؛ وكوندرسيه واضع مفهوم التقدم. ثم ~~ظل العقل طيلة ثلاثة قرون عقلا رياضيا طبيعيا ~~بيولوجيا حتى ظهر العقل التاريخي في القرن ~~الماضي في فلسفات التاريخ والذي عبر عنه دلتاي ~~في فلسفة تصورات العالم # Weltanschaunung ~~. هذا هو الفرق ~~بين التاريخ الطبيعي والتاريخ الإنساني. التاريخ ~~الطبيعي لا ذاكرة له، أما التاريخ الإنساني فيعيش ~~في الذاكرة، ولا يبدأ مطلقا بداية جديدة. وقد ~~أثبتت تجارب كوهلر # KöhIer # أن الفرق الوحيد بين ~~الشمبانزي والإنسان هو تميز الإنسان بالذاكرة، ~~الإنسان ذاكرة والحيوان مادة على ما يقول برجسون. ~~ويكون ثراء الإنسان هو مدى استفادته من محاولات ~~الصواب والخطأ؛ لذلك يعرف نيتشه الإنسان الأسمى ~~بأنه الموجود الذي يتمتع بأطول ذاكرة. وهذا هو ~~السبب في جعل الشعب الإنكليزي قانونه قانونا ~~تاريخيا يكون حكم الواقعة الحاضرة في الحالة ~~السابقة. أما الثورات المتقطعة المنفصلة عن ~~تاريخها (الثورة الكمالية في تركيا مثلا) فهي ~~ثورات مرضية أو انقلابات عسكرية أو تمرد طبقي. ~~الثورة حركة الجماهير وليست انقطاعا عن الماضي، ~~تكسر خط مستمر، وقفز في مسار واحد، وهذا أيضا ~~ما تتميز به أوروبا بحسها التاريخي عن أمريكا ~~بلد الرخاء. فهناك ms203 قصر نظر في السياسة الأمريكية ~~وتركيز على رؤية الحاضر والواقع المباشر دون أي ~~حس تاريخي بحركات الشعوب. ومن يتصور أن ~~أمريكا بلد المستقبل ينسى انعدام حسها التاريخي. # ثالثا: # العيش على مستوى العصر، ويدل هذا التعبير على ~~أن الجماهير اليوم تعيش على مستوى الأحداث ~~والمسئولية، تعيش زمانها الحيوي، وتعاني مشاكل ~~عصرها. وهو ليس الزمان الذي تبينه عقارب الساعة ~~أو نتائج الحائط السنوية، بل هو عصرها الذهبي الذي ~~تشعر فيه بتحققها أي أنه زمان المعاصرة. وهو ~~تعبير مغاير لتعبير السقوط أو الانهيار لأن العيش ~~على مستوى العصر هو العيش في سمت الزمان # Le hauteur ~~du temps # وعلى هذا النحو ~~تشعر الجماهير بالأحداث. وكثيرا ما يرى الناس قمة ~~الزمان في العصر الذهبي أو العصر القديم كما هو ~~الحال عند دعاة الكلاسيكية أو التقليديين. وهي ~~الفترة التي يشعر فيها الناس باكتمال الزمان أو ~~انتهائه كما حدث للمسيحيين الأوائل بظهور المسيح ~~أو عند هيجل بتحقق المطلق. وفي هذا العصر يكون ~~الاكتمال في الإشباع أو في النجاح أو في الوفرة. ~~إن المعاصرة هي أن يعيش الإنسان حياة عصره وأن ~~يشعر أن حاضره أفضل من ماضيه. ومن خصائص هذا ~~العصر أنه عصر الجماهير، ولا ترى أحداثه إلا من ~~خلال الجماهير. لقد صعدت الجماهير إلى مستوى ~~التاريخ، وظهرت كمبادرة تاريخية وكأنها في موعد مع ~~القدر. قررت أن تتقدم إلى الصفوف الأولى وتحتل ~~مكان الصدارة وأن تستعمل طرقا وأساليب وأدوات ~~متنوعة، وأن تتمتع بمناهج كانت من قبل حكرا على ~~عدد قليل. لقد ورثت الجماهير الصفوة، دون أن تلغي ~~نفسها كجماهير. عصر الجماهير هو عصر الفخامة ~~والعظمة على ما يقول اشبنجلر. وكل تفسير للعصر لا ~~يظهر الدلالة الإيجابية المختفية لسيطرة الجماهير ~~فإنه تفسير خاطئ. تبدو أصالة الجماهير في مدى ~~ارتباطها بالتاريخ وتحملها مسئوليته؛ وبالتالي ~~فإن عظمة العصر تأتي من عظمة الحاضر لا من عظمة ~~الماضي. بل إن من سمات العصر تلك الهوة السحيقة ~~بين الماضي والحاضر، العصر الحاضر لا يحتضر كما هو ~~الحال عند أونامونو بل هو قمة الزمان، روح ms204 العصر، ~~ما يطلق عليه كل جيل زماننا، عصر ازدهار الحضارات، ~~عصر الملاء الحيوي بصرف النظر عن الإشباع أو ~~النجاح أو التحقق. العصر الحاضر هو عصر الثورات ~~سواء في البلاد المتطورة أو في البلاد النامية، ~~ومن يعيش معاصرا هو من يعيش ثائرا، ومن يؤثر ~~الاستكانة أو النكوص عن ثورة الجماهير فإنه ~~يتخلى عن عصره، ويعيش معزولا في عصره الخاص كما ~~يفعل كثير من علماء البلاد النامية الذين يقضون ~~حياتهم في الخارج مؤثرين عصر التكنولوجيا واليسر ~~على عصر ثورة الجماهير ؛ لذلك كان الالتزام بقضايا ~~العصر هو العمل ~~الفلسفي الأول، والمساهمة في ثورة الجماهير هو ~~السلوك الوحيد الممكن. بل إن وحدة الثورة ~~العالمية أصبحت ممثلة لحركة الجماهير. # تدل هذه الخصائص الثلاثة على نماء الحياة # La Croisssance de la vie # إذ ~~يعيش كل فرد حياته بكامل قواه، لا يظهر النماء في ازدياد السرعة ~~في الزمان أو في تخطي المكان بل في محاولة الهدم والبناء ~~المستمرة وفي النشاط الحيوي الزائد. إذ يقدم العصر الحاضر في ~~البلاد المتطورة إمكانيات واسعة للاختيار. وفي هذه الحالة يكون ~~النماء هو شعورنا بالقدرة على الاختيار بين الممكنات التي تحتم ~~نفسها علينا، وتكون الحياة هي العيش تحت ظروف معينة أو في ~~العالم. وهو المعنى اللغوي للفظ عالم # Mundus # أي مجموع الإمكانيات الحيوية، والعالم بهذا ~~المعنى، أي مجموع إمكانياتنا، أوسع نطاقا من مصيرنا وهي حياتنا ~~الفعلية. يدل العصر الحاضر على زيادة إمكانيات الحياة الإنسانية في ~~شتى الميادين الثقافية والعلمية على عكس إمكانيات الحياة البدائية. ~~ولا تستطيع هذه الحياة الاتجاه إلى الماضي بل ترى مصيرها في نفسها. ~~حياتنا لا تتجه إلى الوراء بل تكشف عن نفسها وقدرها. ولما كان ~~الإنسان مقذوفا في الزمان، والعالم موجودا من قبل فالإنسان موجود ~~في العالم وهي إحدى المقولات الرئيسية في الفلسفة الوجودية. لا ~~تختار الحياة عالمها بل على العكس يجد الإنسان نفسه حيا في عالم ~~محدد لا يمكن استبداله، أي في هذا العالم الواقعي. عالمنا هو جزء ~~من المصير الذي يشمل حياتنا. هذا المصير الحيوي ليس مصيرا ms205 آليا ~~بل هو مصير يتطلب اختيارا بين الممكنات. لم نقذف في الوجود مثل ~~طلقة بندقية تحدد مسارها من قبل بل فرضت علينا مسارات عدة ~~تضطرنا إلى الاختيار. أن يحيا الإنسان هو أن يشعر حتما باضطراره ~~ممارسته حريته، يقرر ماذا يريد أن يكون في هذا العالم. ولو كنا ~~يائسين فقد قررنا ألا نقرر. ومن الخطأ التسليم في الحياة بأن ~~الظروف هي التي تقرر نيابة عنا، بل على العكس الظروف هي التي ~~تكون بنود المأساة التي تتجدد باستمرار والتي تدفعنا إلى أخذ ~~موقف. شخصيتنا هي التي تقرر في الموقف. وهذا تماما ما انتهى ~~إليه عديد من فلاسفة الوجود المعاصرين مثل ياسبرز في «المواقف ~~المحددة»، ومثل قول سارتر المشهور: «إن الإنسان قد حكم عليه ~~بالحرية.» ومثل نظرية برجسون في الجبر الذاتي، واضطرار الإنسان أن ~~يكون حرا. أن يحيا الإنسان هو أن يوجد في الظرف أي في العالم. ~~والعالم مجموع إمكانياتنا، والفرد هو اختيار أحدها ثم تحقيقها. بل ~~إن أسوأ الإمكانيات هي إحدى الإمكانيات؛ لذلك كان الموقف والقرار ~~هما أهم عاملين في الحياة. الظرف هو مجموع الإمكانيات، والقرار هو ~~اختيار إحداها، الموقف لا يقرر بل الحرية هي التي تقرر. وهذا ~~كله مرهون بالإنسان الفرد. أما الإنسان الجماهيري فإنه باعتباره ~~فردا يحمل في طياته إمكانيات ~~خالصة، خيرا كانت أم شرا، ولكنه باعتباره جماهيريا فإنه ليس ~~صاحب القرار. الجماهير لا تقرر شيئا لأن دورها قاصر على ~~الموافقة على قرار الأقلية التي تقدم برنامجا يعبر عن الحياة ~~الجماعية في النظم الديمقراطية. وفي الغالب يعيش ممثلو السلطة ~~العامة دون برامج. ويحكمون يوما بيوم طبقا للمنفعة العاجلة وكما ~~تحتم الظروف تبعا لضغط الجماهير عليهم؛ لذلك لا تخلق الجماهير ~~شيئا بالرغم من إمكانياتها الواسعة. ويستطرد أورتيجا معبرا عن ~~هذا الموقف الوجودي الذي يشترك فيه جميع فلاسفة الوجود وهو أن ~~وجودنا في هذا العالم رسالة ومشروع، وأن هذا المشروع لا يكون من ~~المعرفة وحدها بل من السلوك أولا، وأن المعرفة تكون ضرورية فقط ~~بقدر ما يتطلبه السلوك. أن يحيا الإنسان هو ms206 أن يكون في علاقة ~~بالعالم، وأن يصطدم بمشكلات، ويجابه أخطارا، ويحمل مسئوليات، كل ~~ذلك وهو في مواقف محددة تجعله أقرب إلى التبعية أو الاستقلال. أن ~~يحيا الإنسان هو أن يشعر بمحدوديته وأن يتعامل مع المحددات بحيث ~~يتم تجاوزها والتحرر منها فيتخلق الإنسان بنفسه معتمدا على ~~نفسه دون أن يلجأ إلى عون خارجي. وإذا كان شعار الحياة قديما هو ~~أن يشعر الإنسان بحدوده والاعتماد على ذاته فإن الحياة الآن هي أن ~~يشعر الإنسان بقدرته على تجاوز هذه الحدود والاعتماد مطلقا على ~~ذاته. إن الإنسان الممتاز يتطلب الكثير من نفسه، أما الإنسان ~~العادي فإنه يرضى بوضعه، ويقنع بظرفه، ويستسلم للموقف. العالم ~~موجود بالفعل، والإنسان موجود في العالم. والسؤال الذي وضعته ~~الفلسفات المثالية عن وجود العالم لا معنى له لأن العالم موجود ~~بالفعل قبل السؤال عنه. وما دام إنسان هناك فالعالم جزء ~~منه. # ويسمي أورتيجا هذه الفردية المتميزة النبل # La Noblesse # وإذا كان النبل قديما ~~قاصرا على الصفوة المختارة، وكان النبيل هو من يتطلب من نفسه ~~الكثير لأنه يتمتع بإمكانيات أكثر مما يتمتع به الإنسان ~~العادي، فإن الإنسان العادي اليوم يكون نبيلا أيضا لأنه يتمتع ~~بإمكانيات واسعة ف «النبل ~~يستلزم» # Noblesse ~~oblige ~~. النبيل في اللغة هو الإنسان المعروف في ~~مقابل الإنسان النكرة. ولا تتم هذه المعرفة عن طريق الطبقة كما هو ~~الحال عند الصفوة المختارة بل عن طريق العمل. النبل هو الجهد، ~~والتفاهة هي الاستكانة. والنبلاء حقا هم الذين يبذلون أقصى ~~جهدهم، وهم الصفوة المختارة. يتحدد النبل بالالتزامات وليس ~~بالحقوق، بالعطاء وليس بالأخذ. النبل هو العيش طبقا للقانون عند ~~الصفوة، وعلى السجية عند الجمهور. وإذا كان النبل هو حياة ~~المشقة والجهد والإبداع في ~~مقابل حياة التفاهة والاستكانة، فإن أورتيجا هنا يكون أقرب إلى ~~فلاسفة الجهد مثل مين دي ~~بيران # Main de Biran # وبرجسون، بل وعودا إلى فشته وفلسفة ~~المقاومة. وإذا كنا نعيش الآن في عصر التفاهة، تسوية كل شيء بكل ~~شيء فإن الفرد المتميز قادر على الخروج على هذا العصر متمثلا ~~النبل في ms207 حياة الجهد وخلق الذات بالذات؛ وبالتالي يكون النبلاء هم ~~الفلاحون الذين يفلحون الأرض، وهم العمال الذين ينتجون بأيديهم، ~~وهم الشهداء الذين يبذلون حياتهم، وكل من تتصبب جباههم عرقا، ~~وكما قال الشاعر العربي قديما: # إن الفتى من يقول ها أنا ذا # ليس الفتى من يقول كان أبي # ونظرا لطول انغلاق الإنسان العادي على نفسه تنشب ثورة الجماهير ~~في جو من العنف، تبدو الجماهير عاصية متمردة خاصة وأنها تشعر ~~بالكمال الذي يؤدي إلى الغرور. ولا يدل ذلك على غباء الإنسان ~~الجماهيري بل على يقظته. يقوم بالثورة دون أساس عقلي بل اعتمادا ~~على اعتقادات وتقاليد وتجارب وحكم وأمثال. صحيح أن الإنسان اليوم ~~يحاول أن يكون لنفسه نظرية أو مجموعة من الأفكار عن الأشياء، ~~وأن يعطي إجابات على كل ما يعرض له من مسائل، ولكن الخطورة أن ~~تكون هذه الأفكار خاطئة. كل فكرة فشل للحقيقة، ومن يبحث عن الأفكار ~~تبتعد عنه الحقائق. والحضارة ما هي إلا مجموعة من القوانين ~~والقواعد التي تنظم هذه الأفكار. فإذا غابت هذه القوانين تحولت ~~الحضارة إلى بربرية وعنف. ويعطي أورتيجا أمثلة على ذلك في ~~الحركات النقابية والفاشية دون أن يذكر النازية والصهيونية، ~~متجنيا على الحركات النقابية التي تحاول رفع الظلم عن العمال ضد ~~أصحاب رءوس الأموال. فعنفها عنف مضاد وليس عنفا أوليا، عنف محرر ~~وليس عنفا قاهرا؛ # 1 # لذلك لا يتحدث أورتيجا إلا عن أحد جوانب العنف وهو ~~العنف المضاد ناسيا العنف الأول أي مصدر العنف. ولا يميز بين ~~العنف المشروع وهو العنف المضاد والعنف اللامشروع وهو العنف ~~الأساسي. ويكتفي بالقول بما تردده أجهزة الإعلام تسطيحا للأمور ~~ودفاعا عن السلطة من أن العنف هو عدم اعتراف بأن الآخرين على حق، ~~والتأكيد على أن الإنسان وحده على حق فارضا إرادته على الآخرين. ~~فالآراء ليست مجرد نظريات بل هي رغبات وإرادات وقوى. ويزيد ~~العنف رفض الجماهير أساليب ~~الحوار لأن الحوار جدل الأفكار. بذلك ينتهي النقاش، ويشتد العنف، ~~ويبدأ العمل ~~المباشر # L’action directe ~~. يدل العنف على إفلاس العقل ويأسه. وقد ~~كان يسمى ms208 قديما العقل ~~الأخير # Ultima Ratio # وكما قال الشاعر العربي: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد ~~واللعب # والحقيقة أن العنف ليس قاصرا فقط على الجماهير بل هو ممتد أيضا ~~إلى الصفوة. وليس فقط أحد مظاهر البدائية ولكنه أيضا أحد مظاهر ~~المدنية. فكلما تطورت المجتمعات وزادت رفاهية ظهر فيها العنف ~~لإعادة توزيع الثروات ولرفض قيم مجتمع الرفاهية. هناك مجتمعات ~~بأكملها قائمة على العنف سواء في نشأتها أو في استقرارها، مثل ~~المجتمع الأمريكي في استئصاله للهنود الحمر في الداخل وقمعه ~~للشعوب في الخارج، في استجلابه الأفريقيين كعبيد في الداخل وانتشار ~~الرجل الأبيض في الخارج. أصبح العنف في المجتمعات المتطورة أحد ~~أنماط السلوك في الحياة اليومية كوسيلة للتعامل مع الأفراد وكدافع ~~لحركة التصنيع وكدعوة للحرب. # ولثورة الجماهير وجهان؛ وجه انتصار ووجه هزيمة، وجه حياة ووجه ~~موت. تستطيع ثورة الجماهير أن تؤدي إلى تنظيم جديد للإنسانية ~~ولكنها أيضا تستطيع أن توقع النوع الإنساني كله في كارثة. ثورة ~~الجماهير إذن قد تسير في خطين محتملين متعارضين دون حتمية ~~الوقوع في مسار واحد. لقد آمن فلاسفة التاريخ بالتقدم الحتمي ~~الذي يسير في خط واحد إلى الأمام مع أن التقدم قد يكون إلى ~~الوراء أي نكوصا. وإنها لتقدمية عمياء سواء من النظم الليبرالية ~~أو النظم الاشتراكية تلك التي ترى أن مسار التاريخ ينتهي حتما إلى ~~واحد منها. لا يوجد مسار حتمي للتاريخ بل توجد مجموعة من ~~اللحظات، كل واحدة منها مستقلة عن الأخرى، لا تتحرك من مكانها. ~~وهكذا يقترب أورتيجا من نظرة كيركجارد والبروتستانتية للتاريخ. ~~فالتاريخ يتكون من مجموعة من اللحظات المستقلة التي يهبط فيها ~~الخلود هبوطا رأسيا. ومجموع هذه اللحظات يكون هو التاريخ. إن ~~التقدم يحتوي على عناصر فنائه في داخله. كلما تقدمت المدنية احتاجت ~~إلى تطهير نفسها لما علق بها من ثقل يفقدها كل حياة، فكل دافع حيوي ~~يتوقف، ويتحول إلى ثقل مادي كما يقول برجسون. # هذه التعرية المستمرة للتقدم والمدنية تدل على أن مصير ~~التكنولوجيا هو البدائية Primitivisme ~~. وقد تنبأ آينشتين ms209 من قبل بأن الحرب ~~التالية للحرب الذرية المقبلة ستكون من جديد عود إلى حرب ~~«النبال» التي كان يستعملها الإنسان البدائي. إنسان اليوم إنسان ~~بدائي أو إنسان طبيعي # Nutermensch # يظهر في عالم متمدين، ويظن أن المدنية هي نتاج الطبيعة مع أنها ~~اصطناع العصر. التكنولوجيا وحدها لا تضمن شيئا، والدولار لا يؤسس ~~معرفة على حد قول أورتيجا وإلا «لبسنا قشرة الحضارة والروح ~~جاهلية.» كما يقول الشاعر العربي الحديث. وينطبق هذا التحليل حتما ~~على المجتمعات النامية التي ما زالت تتعثر في بدائيتها. لقد حاولت ~~بعض المجتمعات النامية نقل بعض أساليب التكنولوجيا الحديثة دون ~~تغيير أساسي في بنائها النفسي. فهناك مصانع للثلاجات في بلد يشرب ~~ثلاثة أرباعه الماء العكر، أو نافورة ماء تضيء ليلا وترقص مياهها ~~على أنغام الموسيقى في ميدان عام ليتبول فيها الأطفال لأن الميدان ~~خال من دورات المياه، أو الأنفاق الحديثة التي يعيش فيها الباعة ~~المتجولون أو ناطحات السحاب التي يسكن في ظلها من لا مأوى لهم، أو ~~المساحات الخضراء في الشوارع التي يربي فيها الناس الطيور، أو ~~المسارح والمدرجات التي تتجول فيها القطط والكلاب ... إلخ. كل مدنية ~~إذن مهددة بالضياع. يحرق الآلاف في أفران الغاز، وتلقى القنابل ~~الذرية على مدن بأكملها. فالمدنية تهدد نفسها بالدمار. لقد سقطت ~~الإمبراطورية الرومانية لنقص في التكنولوجيا. واليوم يسقط الإنسان ~~المعاصر بسبب تقدم التكنولوجيا! سقط الإنسان القديم لأنه تخلف ~~عن المدنية، وسقط الإنسان المعاصر لأنه فاق تقدم مدنيته! # ويضرب أورتيجا المثل بالحركة الفاشية والثورة البلشفية على الوجه ~~العادم لثورة الجماهير متناسيا كالعادة النازية والعنصرية. ~~والواقع أن الفاشية ليست ثورة للجماهير بل حركة عنصرية تقوم على ~~أسطورة الجنس الراقي وعلى أمجاد القدماء ومفاخر الحاضر. ويستغل ~~دعاتها حركة الجماهير بالأسلوب الديماغوجي. أما الثورة البلشفية ~~فالأمر مختلف إذ إنها تعتمد على حركة الجماهير دفاعا عن مصالح ~~الطبقات الشعبية الكادحة واستنادا على الوعي الطبقي للحزب. وهي ~~ثورة تاريخية وليست مجرد حركة معاصرة. صحيح أن التاريخ كان دائما ~~تاريخ النبلاء والأشراف والملوك والأمراء، فهم بناة القصور ~~والكنائس، ومؤسسو الإمبراطوريات، وواضعو ms210 القوانين، ولكن الشعوب ~~الكادحة تكمن وراء ذلك كله؛ عمال القصور، وجنود الحروب، وفلاحو ~~الأرض. وهي قديمة بقدم الأرض، أهملها التاريخ ولم تظهر إلا في ~~ثورات العصر وكأنها انفجار بعد طول غياب. فإذا كانت الثورة الروسية ~~قد انفصلت عن تاريخ روسيا القيصري فإنها تعبر عن تاريخها الإنساني ~~الطويل. وإن لم تستمر الحركة الفاشية أكثر من خمسة عشر عاما، وهو ~~العمر الذي يحدده أورتيجا للحركات المنفصلة عن تاريخها، فإن ~~الثورة البلشفية قامت منذ أكثر من نصف قرن، وما زالت ~~مستمرة. # وبطبيعة الحال عندما يتحدث أورتيجا عن العصر الحاضر فإنه يقصد ~~التجربة الأوروبية أي الغرب المعاصر. فقد أصبحت الحياة الجديدة ~~ممكنة فيه بفضل ثلاثة عناصر: الديمقراطية الليبرالية، والتجربة ~~العلمية وما ينتج عنها من تقنية، والتصنيع. ويبرز أورتيجا خلاصة ~~هذه التجربة الأوروبية مبينا كيف كانت ثورة الجماهير في العصر ~~الحاضر ردا على التجربة الأوروبية الماضية والتي استغرقت ثلاثة ~~قرون. وقد انتهت هذه التجربة إلى الحقائق الثلاث ~~الآتية: ~~(1) # إن الديمقراطية الليبرالية القائمة على التكنولوجية ~~هي أفضل أنماط الحياة. ~~(2) # إن أفضل نمط للحياة الممكنة يوجب المحافظة على هذين ~~العاملين؛ الديمقراطية الليبرالية ~~والتكنولوجيا. ~~(3) # إن كل محاولة للرجوع إلى الوراء إلى النظم السياسية ~~السابقة هي محاولة انتحارية. # ولقد ساعد هذان العاملان؛ الديمقراطية الليبرالية والتكنولوجيا ~~(مجموع الخبرة العلمية والتصنيع) الإنسان العادي على تسهيل الحياة ~~المادية له ورفع مستوى معيشته. كما أعطياه قسطا وافرا من الراحة ~~حتى أصبح العصر الحاضر خاليا من كل عقبات مادية. كما سهلت له ~~حياته المدنية والأخلاقية. وإذا كان القرن التاسع عشر عصر الثورات ~~فإن الثورة ليست تمردا بل وضع نظام جديد محل النظام القديم. وبذلك ~~يمتاز الإنسان المعاصر بالتوسع في رغباته الحيوية وفي الوقت نفسه ~~بعدم رضاه عما يسهل له حياته. وهذان هما العاملان النفسيان ~~اللذان يحددان سلوك الطفل المدلل الذي لا يشبع مهما استجيب إلى ~~طلباته والذي يعتبر كل ما يحصل عليه حقا مكتسبا. كذلك الوعي ~~الأوروبي يشعر بأن ما وصلت إليه القرون الماضية خاصة القرن الماضي، ~~وإنما أصبح حقا طبيعيا مكتسبا له. إن ms211 ما يشغل الجماهير الآن ~~هو رخاؤها، ولكنها في الوقت نفسه تثور لطلب الخبز فتحطم المخابز، ~~تثور على المدنية التي تنعم بها فيصيح هيجل: «الجماهير تتقدم.» ~~ويعلن أوجست كونت: «عصرنا عصر ثوري تتولد عنه الكوارث.» ويصرح ~~نيتشه: «أرى مد العدمية يقترب.» ومع ذلك يتميز العصر الحاضر بسهولة ~~الحياة المادية، يقضي فيه الفرد حاجياته، ويرضى عن نفسه. إنه عصر ~~إشباع الحواس، عصر التخمة، يفرض إرادته بالعمل المباشر. ومن هنا ~~أتت نغمة الانتصار. تبدو له حياته العقلية والخلقية مرضية ~~تماما، هذا الرضا عن النفس يجعل الإنسان المعاصر أصم عن كل ما ~~يقال له فلا يملك إلا أن يفرض إرادته بالعمل المباشر . إن هذه ~~الوفرة لا تسمح له بأن يعيش حياته لأن الحياة صراع الإنسان من أجل ~~البقاء ومحاولته أن يكون ذاته. أما إنسان العصر التعايشي الذي يريد ~~راحة بدنه وإشباع رغباته وسكينة نفسه فهو من بقايا الأرستقراطية ~~الوراثية؛ إنه عصر عبادة الجسد (كما هو واضح في الأفلام، والاعتناء ~~بالمظهر، وغياب الرومانسية في العلاقة مع الجنس الآخر). يتحدث ~~أورتيجا عن العصر في مجتمع الاستهلاك الذي يشبع كل فرد فيه رغباته ~~والذي يفيض منه الإنتاج عن حاجاته. وهو العصر الذي لم تعشه بعد ~~المجتمعات النامية التي تهدد المجاعة بعض شعوبها وسوء التغذية ~~البعض الآخر. بل إن هذه الموجة من التسهيلات التي تعم المجتمعات ~~المتطورة أثارت جيلا من الشباب الغاضب فاجتاحت ثورة الغضب كثيرا ~~من الأعمال الأدبية والفنية، وأنشأت حضارة مضادة # Conter-Culture # في مواجهة ~~حضارة العصر السائدة. لقد شعرت أخيرا المجتمعات المتطورة بالوجه ~~الآخر للعملة وهو فقدان الإحساس بالحياة أمام التسهيلات الجمة ~~وتحويل الإنسان إلى عبد للآلة بعد أن كانت الآلة عبدا للإنسان. ~~وما وصلت إليه المجتمعات المتطورة وشعرت بأوجه نقصه هو ما تحاول ~~المجتمعات النامية الحصول عليه الآن وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن ~~بصورة أقسى؛ لأن المجتمعات المتطورة تستهلك ما تنتجه في حين أن ~~المجتمعات النامية تستهلك ما ينتجه غيرها. وإذا كانت المجتمعات ~~المتطورة قد خسرت الآخرة فقط فإن المجتمعات النامية قد خسرت الدنيا ~~والآخرة. ms212 # وقد امتازت التكنولوجيا الأوروبية على التكنولوجيا البدائية ~~بأنها قائمة على العلم؛ لذلك أفسحت المجال للتقدم بلا حدود. لم تعد ~~الجماهير من الطبقة العاملة وحدها بل تعدتها إلى طبقات ~~التكنوقراط والعلماء. فإذا فرضت البرجوازية القائمة أو الناشئة ~~روحها على العصر فإن التكنوقراط يكونون جماعات داخل البرجوازية ~~ويفرضون عليها روحهم. والعالم على رأس جماعة التكنوقراط ولكنه يقع ~~في التخصص ويصبح تكنوقراطيا متخصصا لا عالما مفكرا. وتصبح سمة ~~التخصص هي سمة العصر الحاضر. وهو ما يعارض روح القرن الثامن عشر ~~عند فلاسفة التنوير ومثلهم الأعلى في المعرفة الشاملة التي حاول ~~فلاسفة دائرة المعارف تنسيقها. يؤدي التخصص إلى تضييق مجال ~~الرؤية وإلى الخلط بين الاستقصاء والفحص وجمع المعلومات من ناحية، ~~وبين روح العلم والإبداع العلمي من ناحية أخرى. فمجرد جمع ~~المعلومات والتعامل معها بالعمليات الرياضية ليس علما بل العلم هو ~~موقف الإنسان من الطبيعة وعمل العقل في ظواهرها. كان الناس قديما ~~إما علماء أو جهالا. واليوم هناك وسط بينهما وهم المتخصصون الذين ~~هم علماء نظرا وجهلة عملا، والذين يسلكون في الحياة العامة ~~وكأنهم جهال. لقد ساعد التخصص العلوم التجريبية على تقدمها في ~~القرن الماضي، ولكنه اليوم عاجز عن أن يعطيها دفعات أخرى إلى ~~الأمام. وهنا يتفق أورتيجا مع برجسون في رفضه للتخصص وفي دعوته ~~إلى المعرفة الشاملة. التخصص هو سبب أزمة علم النفس في النصف الأول ~~من هذا القرن، وكذلك سبب الخلط في العلوم الإنسانية. وإذا كانت ~~دعوة أورتيجا وبرجسون دعوة شرعية في المجتمعات التكنولوجية، فإنها ~~لا تصدق على المجتمعات النامية التي تعاني من روح الشمول ونقص ~~التخصص، ووضع كل شيء في كل شيء. # وكما أن العلم مهدد بالتخصص فكذلك الحياة مهددة بالدولة. لم تكن ~~للدولة في القرن الثامن عشر الأوروبي أهمية تذكر. ثم بدأت ~~الرأسمالية ومؤسساتها الصناعية القائمة على التكنولوجيا الجديدة في ~~توسيع نشاطها. فظهرت طبقة اجتماعية جديدة وهي البرجوازية التي كان ~~لديها من القدرات العلمية والعملية ما ساعدها على القيام بدور ~~المنظم حتى إن الدولة نفسها كانت تدور في فلكها. لم تكن ms213 الدولة ~~حينئذ إلا جنودا وبيروقراطيين وثروة خلفها نبلاء العصر ~~الوسيط. وكانت هذه الطبقة قد انتهت لأنها كانت ذات عقل محدود. ~~وكانت تسلك طبقا لغرائزها وعواطفها وانفعالاتها. وكان العامل ~~اللاعقلي هو السائد؛ لذلك لم تستطع تطوير التكنولوجيا التي تقوم ~~على التنظيم. ونظرا لوجود هذه الهوة الشاسعة بين ضعف الدولة ~~وقوة الطبقات الاجتماعية استولت البرجوازية على السلطة. وبدأ المد ~~الثاني للبرجوازية في القرن التاسع عشر، ونشأت دول قوية، وانتهى ~~عصر الثورات لاتحاد سلطة الطبقة الاجتماعية مع سلطة الدولة، ولم ~~يبق إلا الانقلاب. أصبحت الدولة جهازا ضخما يسير كل شيء، ~~تعجب بها الجماهير وتنسى أنها نتاج إنساني فتنجرف داخلها. إن ~~أخطر ما يهدد المدنية اليوم هو «تدويل الحياة» # L’Etatisation de la vie ~~، ~~والقضاء على تلقائية الأفراد وحركة الجماهير. يسود العقم، ويعيش ~~المجتمع للدولة، والفرد لجهاز الحكم. تعم البيروقراطية حتى تبتلع ~~جهاز الدولة والجيش، وتصبح الجماهير مجرد مادة لتغذية جهاز الدولة ~~كما هو الحال في النظام الفاشي وشعاره «كل شيء للدولة، ولا يوجد ~~شيء خارج الدولة، ولا يوجد شيء ضد الدولة.» تظهر قوة البوليس، ~~وتتضخم أجهزة المخابرات، وتصبح الدولة التي خلقها الفرد أخطبوطا ~~تمتد أطرافه في كل مكان وكأنها عين الله الساهرة. لقد كانت الدولة ~~في القرن التاسع عشر الأوروبي، خاصة عند هيجل، أمل الجماهير حتى ~~إنه اعتبرها الحقيقة نفسها مجسمة على الأرض (المطلق نفسه) بعد أن ~~تحقق في التاريخ، والله نفسه بعد أن انتقل من ملكوت السموات إلى ~~ملكوت الأرض، ولكنها اليوم تخلت عن مهمتها، وعادت الجماهير التي ~~دعتها من قبل. وينطبق وصف أورتيجا على الدولة في العصر الحاضر ~~سواء في النظم الاشتراكية أو في النظم الرأسمالية أو في أنظمة ~~الحكم في البلاد النامية. فكثيرا ما تعادي الدولة في النظم ~~الجماعية حرية بعض الأفراد رعاية لمصلحة الجماهير. ودائما ما ~~ترعى الدولة في النظم الرأسمالية مصالح الطبقات المستغلة ضد ~~مصالح الجماهير. وفي بعض الأحيان تجمع بعض أنظمة الحكم في البلاد ~~النامية في دكتاتورية الطبقة الجديدة والحكم لصالحها بين عيوب ~~الأنظمة الجماعية والأنظمة الفردية على ms214 السواء. وكما يبدو ذلك في ~~«عسكرة» المجتمع أو في قول الرئيس «الدولة هي أنا». ومن ثم يكون ~~أورتيجا أشبه بباكونين # Bakunin # الثائر على دولة هيجل وبروليتاريا ماركس على حد سواء رافضا ولاء ~~الفرد لأية سلطة خارجة عنه سواء كانت سلطة الدولة أم سلطة الطبقة ~~ودون أن يصل إلى حد الفوضوية كما هو الحال عند شترنر وبرودون ~~وكروبتكين # Kropotkin # في القرن ~~الماضي، وإما ~~جولدمان # Emma Goldman # في هذا القرن. # | ثالثا: انهيار الغرب # وإذا كنا نعيش في عصر الجماهير فإننا أيضا نعيش في عصر انهيار ~~الغرب. وإذا كانت ظاهرة ثورة الجماهير سلبية فإن ظاهرة انهيار ~~الغرب أيضا سلبية، ويكون الجدل بين الظاهرتين جدلا بين سالبين أو ~~لا جدل. أما إذا كانت ظاهرة ثورة الجماهير إيجابية فإن الجدل يكون ~~بين الإيجاب والسلب، وهو الأقل احتمالا. ومما يدل على ذلك أنه ~~يستحيل أن تتعاصر ظاهرتان متناقضتان إحداهما نفي للأخرى. فإذا كانت ~~فكرة انهيار الغرب لا خلاف عليها فإن ظاهرة الجماهير تكون أيضا ~~سلبية وإلا وجد الغرب بعثا له في حيوية الجماهير ودورها في ~~العصر. # يحاول أورتيجا التعرف على سمات الحاضر للتحقق من صدق هذه ~~القضية: «انهيار الغرب»، تلك التي أعلنها اشبنجلر صراحة في كتابه ~~المشهور «أفول الغرب» والتي لمسها معظم مفكري العصر، هوسرل، وشيلر، ~~ونيتشه، وبرجسون، وتوينبي، وسولوفييف على عكس ما قيل في القرن ~~الماضي من بلوغ الذروة والكمال عند هيجل أو ماركس. ومظاهر هذا ~~الانهيار عديدة مثل الضياع، والمدنية الزائفة، وغياب المسئولية، ~~وضعف الروح المعنوية، وفقدان الحياة، وقلب القيم، وضياع الأخلاق ... ~~إلخ. يشعر العصر الحاضر شعورا خرافيا بالقدرة على التحقق ولكنه ~~لا يدري ماذا يحقق. يسيطر على كل شيء ولكنه لا يسيطر على نفسه. ~~يشعر بأنه مفقود ضائع في وفرته التي ابتدعها. يحاول أورتيجا أن ~~يدرس موقف الأوروبي العادي أمام ظاهرة انهيار الغرب، أي قياس قدرة ~~الإنسان العادي على استمرار المدنية الحديثة ودرجة التحامه ~~بالحضارة. ويتساءل عن المدنية والحضارة والعلم والديمقراطية ~~الليبرالية وكل ما أبدعه الغرب من تنظيمات. فإذا كان العالم مجموعة ~~من ms215 الإمكانيات تتجدد باستمرار، اليوم أفضل من الأمس، والغد أفضل من ~~اليوم، فماذا يعني انهيار الغرب إذن مع زيادة إمكانياته وتجددها؟ ~~هل الانهيار في الحضارة أو في التنظيمات السياسية، في الروح أم في ~~تجلياتها المدنية؟ وإلى أي حد يجوز هذا التعميم؟ إن الانهيار لا ~~يكون إلا في نقص الحيوية، وهذا لا وجود له. ولكل عصر قدرة على ~~الحيوية لا يجوز قياسها على قدرة عصر آخر. إن العصر الحاضر عصر ~~اكتمال وملاء بل عصر غرور وخيلاء لأنه يعتبر نفسه أفضل من أي عصر ~~مضى. ومع ذلك يشعر بالفقد في وفرته، وبالضياع في جوده، وبالشقاء في ~~نعيمه، ويسير نحو المنحدر. وإذا كان كل شيء ممكنا فالشر ممكن كذلك ~~بما في ذلك النكوص والسقوط والبربرية. وقد غابت عن أوروبا ~~المسئولية العقلية للمثقفين؛ وذلك لارتباط الثقافة بالنظام ~~الرأسمالي ولأن المثقفين أوروبيون أولا ومثقفون ثانيا. كما تعاني ~~أوروبا اليوم من انخفاض الروح المعنوية حتى أصبحت بلا أخلاق أو قيم ~~أو مثل أو معايير وتكافأت الأدلة، وأصبح كل شيء حقا وباطلا في ~~آن واحد، صوابا وخطأ في نفس الوقت. المشكلة إذن أن أوروبا بلا ~~أخلاق، والعصر الآن عصر الادعاءات ~~الكاذبة # Chantage # تستعملها الحكومات لتسكين الشعوب. لا ~~تعني الأخلاق هنا القيم الحسنة والمبادئ القوية ولكن تعني المثل ~~والغايات وتحقيق الرسالات العالمية. وقد لاحظ الأوروبيون أنفسهم ~~ظاهرة السقوط، وتصوروا أنها أزمة تنظيمات سياسية دون الذهاب إلى ما ~~وراء هذه الأزمة في الوعي الأوروبي نفسه. وكان دافعهم على ذلك أن ~~أول ما يندرج تحت هذه الظاهرة هو مجموعة الصعوبات الاقتصادية التي ~~تقابل كل شعب والتي لا تؤثر عادة في إمكانياته على الخلق، ولكن ~~يظهر السقوط في نمط الحياة العامة التي تتحقق فيها القدرات ~~الاقتصادية أو في عدم التناسب بين القدرات الحالية والتنظيمات ~~السياسية. قد تكون الأزمة في حصر القوميات، كل داخل حدودها لأن ~~أورتيجا لم يشهد عصر الشركات المتعددة الجنسيات التي تتجاوز حدود ~~القوميات والتي ظهرت منذ السبعينيات. وقد تكون أزمة السياسة ~~الداخلية وإفلاس المؤسسات الديمقراطية وبرامجها مثل: عدم فاعلية ms216 ~~المجالس النيابية، عدم تعرضها للموضوعات تعرضا سليما. إلا أن ~~السبب المباشر للسقوط هو أن الفرنسي أو الألماني يشعر بأنه العالم ~~كله، ويصوغ المصلحة العامة في إطار المصلحة القومية بالرغم من ~~المناداة بالوحدة الأوروبية أو بما تم بعد ذلك باسم السوق ~~الأوروبية المشتركة. والحقيقة أنه لا يمكن إصلاح نظام بال لا ~~يسمح بالتطور نظرا للحس القومي الدفين في كل شعب أوروبي وعدم ~~قدرة الشعور القومي على تجاوز حدود القومية إلى مستوى العالمية. ~~وأشهر مثل على ذلك صناعة السيارات الأوروبية أمام صناعة السيارات ~~الأمريكية أو ميل أوروبا إلى تحقيق الوحدة بين قومياتها المختلفة ~~مصطدمة بالروح القومية. ولم يعش أورتيجا ليرى أمثلة أخرى من صناعة ~~السيارات اليابانية والحاسبات الآلية اليابانية تغزو مثيلاتها ~~الغربية والأمريكية. # وبصرف النظر عن مدى دقة تحليلات أورتيجا لوصف مظاهر الانهيار ~~فإنه يشارك معظم الفلاسفة المعاصرين في التنبيه على نفس الظاهرة ~~وإن اختلفت أوجه تعبيرها. فأورتيجا مثل برجسون يعيب على العصر ~~الحاضر غياب «الروح» والالتصاق بالواقع المادي حتى أصبح مجال ~~الرؤية محدودا للغاية. وهو النقد الشائع الذي يوجه عادة إلى ~~المادية الأوروبية. والمقصود بالروح هنا ليس الموجودات المتعالية ~~أو المفارقة على حد تعبير العصر الوسيط إلا من حيث دلالتها على ~~العموم والشمول والقدرة على تجاوز الحدود والتناهي. كما أن المقصود ~~ليس هو غياب الأخلاقيات بالمعنى الساذج بل غياب نسق للقيم عام ~~وشامل لا يتحدد بحدود الطبقات الاجتماعية أو الحدود القومية. إنما ~~المقصود عادة هو المعنى الفنومينولوجي أي غياب عالم الحياة # Lebenswelt # أو التجربة الحية # Enlebeniss ~~. لقد كان كثير ~~من الفلاسفة المعاصرين أكثر وضوحا وتعبيرا من أورتيجا في وصف ~~ظاهرة الانهيار. فهي انهيار حضاري شامل ونهاية فترة في تاريخ ~~العالم عند اشبنجلر، وهي عدمية مطلقة وضياع كل شيء عند نيتشه، وهي ~~آلات تخلق آلهة عند برجسون، وهي قلب مطلق؛ قلب كل شيء رأسا على ~~عقب عند شيلر، وهي احتضار للروح عند أونامونو ... إلخ. # ويحاول أورتيجا تجاوز هذه العموميات ويضع بنية للشعور الأوروبي ~~وتطورا له. # 1 # فالوعي الأوروبي له صورتان: سلمية ونضالية. ms217 من الأولى ~~يأتي السلام ومن الثانية تندلع الحرب، ولكن أورتيجا لا يفصل في ~~البنية أكثر من ذلك ولا يحدد اتجاهات الوعي الأوروبي نحو الطبيعة ~~ونحو التعالي ونحو الإنسان. مع أن هوسرل كان قد كتب رائعته عن ~~«محنة العلوم الأوروبية» سنة 1935م مفصلا بنية الشعور الأوروبي ~~وواصفا لمساره، ولكن أورتيجا يعطي تفصيلات أكثر عن تطور الشعور ~~الأوروبي منذ أصوله الأولى عند اليونان والرومان حتى تطوره الأخير ~~ووصوله إلى مرحلة الانهيار في ثورة الجماهير التي يعتبرها أحد ~~مظاهر السقوط باعتبارها انهيارا معنويا للإنسانية كلها. ويضع ~~أورتيجا تقابلا بين الوعي الأوروبي الدينامي الحركي وبين الوعي ~~اليوناني الروماني الثابت الساكن. فلم يكن سهلا على الفكر ~~اليوناني الروماني إدراك الواقع باعتباره حركة فتصور الطبيعة ~~ثابتة، والله محركا لا يتحرك، والإنسان قوى متناسقة. أما ~~الدينامية الأوروبية فإنها ترجع في الحقيقة إلى عصر النهضة ورفض كل ~~مصدر للقوى الطبيعية خارج العالم، ورفض كل تصور للعالم لا يصدر عن ~~الإنسان نفسه برؤيته للأشياء وتعقله لها؛ لذلك أصبحت قوة العالم ~~منه وإليه. ويعتبرها أورتيجا مثل هوسرل وديكارت بداية الوعي ~~الأوروبي في مساره الحديث. استمر العقل الديكارتي ثلاثة قرون، ~~وهو عقل رياضي طبيعي بيولوجي مما جعل الوعي الأوروبي في البداية ~~وعيا عقليا يصعب فيه الفصل بين العقل والوعي، وهذا ما يقوله ~~هوسرل وفيبر # M. Weber # عن قدرة ~~الوعي الأوروبي على التنظير وتصور الواقع تصورا عقليا ~~رياضيا صرفا حتى أخرج هوسرل كل حضارات الشرق القديم من حسابه في ~~تطور التاريخ لارتباطها بالدين والأساطير والتكيف مع الحياة. ~~وقد كان أفلاطون وسقراط أكثر فلاسفة اليونان تأثرا بالشرق في ~~الإشراقيات الدينية عند أفلاطون والأخلاقيات العملية عند سقراط. ~~يبدأ تاريخ العلوم الأوروبية بنقطة أرشميدس. ويجعل فيبر سيادة ~~العامل العقلي السبب المباشر في تفوق الجنس الأوروبي وعلى ظهور ~~البروتستانتية كفكر عقلاني حر ولد الرأسمالية من براثن ~~الكاثوليكية الرومانية التي كانت ركيزة الإقطاع. # 2 # وقد تميز القرن الخامس عشر بنهضة الآداب تحت أثر العلم ~~والعقل. ومنذ القرن السابع عشر والوعي الأوروبي يعيش تجربة مشتركة. ~~ثم ظهرت إنسانية ms218 الوعي الأوروبي في فلسفة التنوير في القرن الثامن ~~عشر حيث إن الحصول على دساتير مماثلة حق طبيعي لكل الشعوب. وبصرف ~~النظر عن مدى دقة هذا الوصف لتاريخ الوعي الأوروبي فإن ما يبقى هو ~~هذا الدافع نحو التقدم منذ بدايات عصر النهضة والبحث عن الحقيقة ~~بعد أن تم إسقاط الأغطية النظرية القديمة حتى أصبح هذا البحث ~~مرادفا للحقيقة نفسها على ما يقول لسنج. # 3 # يكشف تاريخ الوعي الأوروبي عن قدرته على التحرر من ~~الماضي ثم وضع بدائل متعددة بدلا من الاختيارات القديمة. وقد لاحظ ~~جيزو # Guizot # من قبل أنه لم ~~تنتصر أية جماعة أو أي مبدأ أو أية فكرة أو أية طبقة اجتماعية على ~~نحو مطلق، ولم تحسم المعركة لصالح أحد في الوعي الأوروبي. وهذا هو ~~السبب في أنه في تطور دائم وفي تقدم مستمر. إنما قد يخف ~~الدافع، ويبطؤ المسار حتى ينتهي إلى التوقف التام بعد الانتهاء إلى ~~الحيرة والشك وتكافؤ الأدلة وعدم الاستقرار والتطرف وأحادية ~~النظرة والتجزئة. # ويركز أورتيجا على موضوع الوحدة والتنوع في الوعي الأوروبي ~~متسائلا: هل الشعور الأوروبي وحدة متجانسة أم شتات من قوميات ~~متعددة؟ يرى أورتيجا أن الشعور الأوروبي حقيقة متجانسة مهما اختلفت ~~الظروف التي تكتنف بوحداته الصغرى كما تبدو في القوميات. الشعور ~~الأوروبي حقيقة واقعة أو ظاهرة ملموسة تتميز بخصائص فريدة أهمها ~~التنوع في الوحدة والوحدة في التنوع، وذلك كوحدة الدين المسيحي ~~وتنوع نظام الكنائس ووحدة الإمبراطورية الرومانية وتعدد شعوبها، ~~وكوحدة العقل الخالص وتنوع الأنساق الرياضية، ووحدة الفلسفة ~~وتعدد مذاهبها، ووحدة شعوب أمريكا اللاتينية بالرغم من تعدد ~~لهجاتها، ووحدة الشرق وتنوع الدول الشرقية. وهذا ما لم تدركه ~~فلسفة التنوير التي تصورت العالم كله إنسانية واحدة متجانسة ~~عاقلة، حرة ومستقلة. ولم تستطع الحروب الطاحنة بين الشعوب ~~الأوروبية النيل من وحدتها وتجانسها. فلكل شعب أوروبي خاصيتان؛ ~~الأولى: عبقريته الخاصة المتمايزة عن عبقرية الشعب الآخر، ~~والثانية: اشتراكه في خصائص عامة تجمعه مع باقي الشعوب. فأوروبا ~~أمة # Nation # مكونة من عدة ~~شعوب # peuples # على ما لاحظ ~~مونتسكيو من قبل. ms219 الوحدة المتجانسة مصدر قوة وباعث حركة، والتنوير ~~والتعدد مصدر خلق وإبداع وتخصص وتفرد. أوروبا حقيقة اجتماعية ~~أولا قبل أن تكون حقيقة تاريخية، أي مجموعة من العادات والنظم ~~والتقاليد تكون مجتمعا واحدا دون أن يكون بالضرورة مترابطا ~~اجتماعيا. المجتمع موجود طبيعي. أما الترابط الاجتماعي فاصطناعي ~~بناء على عقد إرادي. ولا يوجد الترابط الاجتماعي قبل أن يوجد ~~المجتمع المترابط. القانون نتاج طبيعي للمجتمع وليس سابقا عليه. ~~فأورتيجا من أنصار الحق الطبيعي مثل هيجل لا من أنصار العقد ~~الاجتماعي عند اسبينوزا وروسو. يتكون المجتمع الأوروبي من دول، ~~وكل دولة ممثلة في سلطة تعبر عن الرأي العام. هناك رأي عام أوروبي ~~وإن لم توجد دولة أوروبية. قد تكون الدول الأوروبية المتحدة محض ~~خيال ولكن وحدة المجتمع الأوروبي موجودة بالفعل كما هو الحال في ~~الأمة الإسلامية التي تجمع وجدانيا وفكريا وعقائديا ~~وتنظيميا وتشريعيا الدول الإسلامية. ويقول أورتيجا إنه بالرغم ~~من أنه قاوم المثالية طيلة حياته وكرهها إلا أن الواقعية التاريخية ~~تثبت أن وحدة أوروبا ليست مثالا بل واقعة قديمة جدا في الحياة ~~اليومية مثل ضفائر الصيني عندما تطل من وراء الأورال أو «المجمع» ~~الإسلامي! إن الدولة الأوروبية التي تتجاوز حدود الأوطان هو تصور ~~يرجع إلى طريقة الإدراك اليوناني الروماني التي لا تستطيع أن ترى ~~إلا الوقائع الثابتة لا الوقائع المتحركة. أما التصور الأوروبي فإن ~~الأشياء فيه قوى كامنة تكشفها وتكون حقيقتها. والسلطة العامة ~~الأوروبية قوة حركية تحكمها قوانين الميكانيكا وأهمها قانون توازن ~~القوى. وبهذا المعنى تكون هناك وحدة أوروبية سلطتها العامة ميزان ~~تعادل القوى والذي يرجع الفضل في وجوده إلى هذه الخاصية، الوحدة ~~والتنوع في الوعي الأوروبي. وما قاله أورتيجا عن أوروبا كميزان ~~للقوى قاله فيشته من قبل على ألمانيا كتوازن للقوى بين شرق أوروبا ~~وغربها بوجه خاص، وبين الشرق والغرب بوجه عام. # ويكثر أورتيجا من الحديث عن أوروبا والغرب كمترادفين ولو أن ~~الحديث عن أوروبا أكثر من الحديث عن الغرب وإن كانت المجلة التي ~~أسسها عنوانها «مجلة الغرب». ويشعر بأوروبيته شعوره بإسبانيته إن ~~لم ms220 يكن أكثر. ويتضح ذلك صراحة في كثرة استعماله لألفاظ مثل ~~فلسفتنا، عصرنا، جيلنا، حضارتنا، تاريخنا ... إلخ. هناك شعوب أوروبية ~~وأخلاق أوروبية، وأعراف أوروبية، وعلم أوروبي، وقانون أوروبي ... ~~إلخ. وفي داخل أوروبا يكثر من الحديث عن فرنسا وإنكلترا وألمانيا ~~وإسبانيا. ويشخص كل دولة أوروبية في ثقافتها ثم يشخص ثقافتها في ~~أهم علم فيها جسد روحها وعبر عن شخصيتها؛ هوجو في فرنسا، ~~وشكسبير في إنكلترا، وجوته في ألمانيا، وسرفنتس في إسبانيا، ~~والإنسانية جمعاء في بلاد ما بين النهرين! وهنا تبدو سخرية أورتيجا ~~من النظريات العامة والمثاليات غير المشخصة والتي يصفها ~~بالديماغوجية. # ويبدو أن أورتيجا قد وقع ضحية المركزية الأوروبية # Eurocentrisme ~~. ففي «ثورة الجماهير» ~~تتردد ألفاظ أوروبا، وأوروبي، والمغرب، وإسبانيا، وفرنسا، ~~وإنكلترا، وأمريكا، وروما، واليونان عشرات المرات. # 4 # أوروبا مركز الصدارة ومحور تاريخ ~~الشعوب . ويستشهد أورتيجا ~~بالمؤرخ الفرنسي # Guizot # الذي يضع ~~الحضارة الأوروبية في كفة وباقي حضارات العالم في كفة أخرى! ~~فالحضارة الأوروبية استطاعت منذ خمسة قرون، ابتداء من عصر النهضة ~~حتى الآن إعادة بناء التفكير الإنساني من جديد وتأسيس قواعد ~~التفكير العلمي وما نتج عن ذلك من تطبيقات عملية أفادت الإنسانية ~~جمعاء. وينسى أورتيجا أن أوروبا في عصورها الحديثة إنما استفادت من ~~تراكم خبرات طويلة، من حضارات الشرق القديم في الهند والصين وفارس ~~ومصر ومن خلال الحضارة الإسلامية وترجمات علومها عبر إسبانيا ~~وإيطاليا وتركيا. وإن مؤامرة الصمت التي يضربها الوعي الأوروبي على ~~مصادره القصد منها الإيهام بالعبقرية الخاصة وبالنموذج الذي على ~~غير منوال كأحد مكونات العنصرية وهي الداء الدفين فيه. وفي الوقت ~~نفسه يطبق الوعي الأوروبي منهج الأثر والتأثر ويكشف عن المصادر ~~التاريخية للثقافات غير الأوروبية حتى يقضي على إبداعاتها ~~ومساهمتها الأصيلة في تاريخ الثقافة الإنسانية. هذه الازدواجية ~~والمعيار المزدوج والكيل بمكيالين هي إحدى خصائص الوعي الأوروبي. ~~فالإنسانية لديه إنسانيتان، والمبادئ لديه نوعان، واحد لأوروبا ~~وآخر لغير أوروبا! # وقد يكون أحد مظاهر الانهيار هو تحول قيادة العالم من أوروبا ~~إلى خارجها. ويعطي أورتيجا لسؤال: من الذي يقود العالم اليوم؟ ~~أهمية بالغة ومكانة ms221 بارزة في «ثورة الجماهير» إذ إن من أهم خصائص ~~العصر انتقال السلطة الذي يدل أيضا على تحول في الروح. فمن الذي ~~يقود العالم اليوم؟ أو بتعبيرنا لمن الحكم اليوم؟ منذ القرن السادس ~~عشر قادت أوروبا الإنسانية إبان ما نسميه بالعصور الحديثة. كما ~~قادت روما من قبل منذ أوائل العصر الوسيط. ولا تعني هنا القيادة ~~المادية القائمة على القوة. فهناك فرق بين العدوان والقيادة. قد ~~يعتدي أحد دون أن يقود، وقد يقود أحد دون أن يعتدي. القيادة هي ~~الممارسة الشرعية للسلطة القائمة على الرأي العام وهو اليوم القوة ~~الموجهة للقيادات. وقد قال تاليران # Talleyrand # من قبل لنابليون: «سيدي، إن العصا ~~تستطيع أن تفعل كل شيء سوى الجلوس فوقها!» فالقيادة لا تعني ~~الاستيلاء على السلطة بل ممارستها في هدوء ووعي. ومع أنه في ~~المجتمعات الحالية يصعب وجود رأي عام موحد إذ ينقسم المجتمع إلى ~~فئات، ولكل فئة رأي، فإن السلطة تأتي لتحل محل جميع الآراء، ولكن ~~لا يمكنها القيادة ضد مجموع الرأي العام لأن القيادة هي سيادة فكر ~~أي القيادة الروحية كما مثلتها الكنيسة من قبل، ولكن كيف تأتي ~~الفكرة ومعظم الناس في عصر الجماهير لا أفكار لهم؟ إذن تأتي الفكرة ~~من الخارج. وهذا بالضبط هو معنى تحول قيادة العالم من أوروبا إلى ~~خارجها. منذ الحرب العالمية الثانية يقال إن أوروبا لم تعد قائدة ~~للإنسانية. لقد قادت طيلة ثلاثة قرون ولكنها لا تستطيع اليوم أن ~~تقود. بدأت هي نفسها تشك في قيادتها كما بدأ الآخرون يشكون في ~~قيادتها لهم. وهذا هو ما عناه اشبنجلر بأفول الغرب، وما قصده آخرون ~~بسقوطه. لقد بدأت الاتجاهات الوطنية داخل أوروبا وخارجها رفض ~~قيادتها، وعمت الثورات سائر الشعوب التي تمت السيطرة عليها إبان ~~قيادة أوروبا، وبعد سيادة الجماهير ورفضها أي مظهر من مظاهر السلطة ~~بل واستردادها حق السلطة لنفسها. وإذا كانت الجماهير دون برنامج ~~حياة حتى على الرغم من ظهور أجيال جديدة فمن الذي سيحل محل أوروبا ~~في القيادة؟ إذا كان المعنى الاشتقاقي للقيادة هو القيام بمهمة، ms222 ~~فالقائد هو الذي يقوم بمهمة، فإنه دون القيادة يكون الفراغ. ~~فالحياة هي القيام بشيء وأداء شيء. إن أوروبا اليوم لا تستطيع ~~تكليف الشعوب الأخرى بالقيام بالمهام نيابة عنها. وإن انتصار ~~الماركسية في بلد غير صناعي لا يدل على انتصار لأن الشعب يظل يعيش ~~في تاريخه القديم. وأمريكا لا تقود بل الذي يقود فيها هو ~~التكنولوجيا. وماركس والتكنولوجيا خرجا من أوروبا، وهي بدائل ~~أوروبية تحمل الفناء نفسه الذي تحمله أوروبا. وإذا كانت السلطة ~~مغتصبة في دولة - كما هو الحال في إسبانيا - فإن هذه الدولة لا ~~يمكن أن تقود. لم تعد هناك بدائل داخل أوروبا لقيادة العالم. وهذا ~~هو السبب في أن أوروبا تسير في مكانها لا تتحرك. # وهنا يأتي دور العالم الثالث وما يمثله من وعي جديد لشعوب ~~القارات الثلاث والتي تكون أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم. ~~ولقد بدأ المفكرون في العالم الثالث من قبل دراسة الوعي الأوروبي ~~كظاهرة مستقلة، فأصبح المدروس هو الدارس، والملاحظ هو الملاحظ، ~~والموضوع هو الذات، طبقا لتبادل الأدوار بين السيد والعبد. لقد ~~استطاع العالم الثالث تحقيق إنجاز ضخم في هذا القرن ألا وهو ~~التحرر من الاستعمار واستطاع تكوين رأي عام جديد مناهض للعنصرية ~~وللتفاوت بين الأغنياء والفقراء، وللتسلح النووي وللحرب الباردة، ~~مقاوما الدخول في الأحلاف العسكرية وحالا محل أوروبا كميزان ~~للثقل في العالم بين الشرق والغرب فيما عرف باسم «عدم الانحياز» ~~أو «الحياد الإيجابي». استطاع العالم الثالث أن يبلور وعيا ~~إنسانيا جديدا ناشئا في مقابل الوعي الأوروبي القديم الآفل. ~~ونظرا لأن شعوب العالم الثالث شعوب تاريخية كما هو الحال في ~~الصين والهند ومصر، فإن ريادتها اليوم إنما هو لحاق بريادتها ~~الأولى وكأن التاريخ يكرر نفسه مرتين، وكأن الإنسانية ترى نهضة ~~جديدة لشعوب الشرق بعد أفول الغرب. # 5 # إن أزمة الغرب ليست أزمة القيادة السياسية وحدها بل ~~أزمة حضارية في أساسها، أزمة تصور وسلوك، أزمة نظر وعمل بعد أن ~~جرب الوعي الأوروبي كل شيء وانتهى إلى لا شيء. إن شعوب العالم ~~الثالث بما تملكه من وعي ms223 إنساني جديد يمثل إنسانية جديدة قادرة على ~~أن تقوم بدور القيادة محل الغرب، فهي التي ما زال لديها مشروع جديد ~~بدلا من المشروع الأوروبي القديم الذي انتهى إلى الفشل: مزيد من ~~الإنتاج لمزيد من الاستهلاك لمزيد من السعادة. أما المشروع الجديد ~~فهو التنمية في مواجهة التخلف، والتحرر في مواجهة الاستعمار، ~~والحرية ضد القهر، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستعمار، ~~والحرية ضد القهر، والعدالة الاجتماعية في مواجهة التفاوت الطبقي ~~بين الأغنياء والفقراء، بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون ~~شيئا، والتأكيد على الهوية في مواجهة التغريب، والدعوة إلى الوحدة ~~في مواجهة التجزئة، وتجنيد الجماهير ومبادرات الشعوب في مواجهة ~~القيادات البيروقراطية والحاسبات الآلية وتحليل المعلومات. # إن انخفاض الروح المعنوية في الغرب إنما هو إحساس طبيعي نتيجة ~~لانتقال القيادة من أوروبا إلى غيرها. لم تعد أوروبا واثقة من ~~قيادة نفسها أو غيرها. تبعثرت سيادتها التاريخية في عصر البعثرة ~~والتفكك، وتفككت عرى الروابط بين الأوروبيين. وقد حاولت تغطية ~~ذلك بإحياء العواطف القومية التقليدية ولكن المحاولة انتهت إلى ~~طريق مسدود في عصر الكيانات الكبيرة. أما الشيوعية فلم يتمثلها ~~أحد لأنها تصطدم بالفردية. قد تستطيع البلشفية تغيير الروح ~~الأوروبية وإنعاش الوعي الأوروبي وإعطاء أمل جديد ولكنها أيضا تقع ~~في البيروقراطية وتصبح فريسة للطبقات الجديدة ولجهاز الدولة باسم ~~السيطرة المركزية والسلطة الواحدة. أما ثورات الشباب فقد كانت ~~الوهج الأخير قبل انطفاء الشمعة، حشرجة الموت. لم تحقق شيئا ~~وتحولت الثقافة المضادة إلى برامج الإعلام في الثقافة ~~والفن. # والسؤال الآن بالنسبة لإسبانيا: إلى أي عالم تنتسب؟ إلى العالم ~~الأول كفرنسا وإنكلترا وألمانيا واليابان وأمريكا وروسيا، أم إلى ~~العالم الثالث ومجموع شعوب القارات الثلاث، أم إلى العالم الثاني ~~ومجموعة البلاد المصنعة حديثا مثل كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ ~~كونغ وسنغافورة، أم إلى العالم الرابع، أثيوبيا وتشاد الذي يئن ~~من أخطار المجاعة والقحط أو الذي يعيش تحت مستوى خط الفقر؟ واضح أن ~~أورتيجا يعتبر إسبانيا بلدا أوروبيا ينطبق عليه ما ينطبق على ~~ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وسائر البلاد الأوروبية. لم يتحدث أورتيجا ~~عن ms224 خصوصية البحر المتوسط وقرب شاطئيه الشمالي والجنوبي كما فعل ~~فرناند بروديل # F. Braudel # فلربما وجد إسبانيا هناك كحلقة اتصال بين الشاطئين؛ الشمال ~~والجنوب. # وختاما، ما هي الدلالة السياسية لكتاب أورتيجا «ثورة الجماهير»؟ ~~في حقيقة الأمر يظل الكتاب محيرا ومثيرا بعض التساؤلات ~~والاشتباهات التي يصعب الإجابة عليها. هل القصد هو نقد جماهيرية ~~القرن الماضي وثوراته دفاعا عن فردية هذا القرن؟ هل القصد هو نقد ~~الماركسية دفاعا عن الديمقراطية الليبرالية؟ هل القصد هو النقد ~~المبطن للاشتراكية دفاعا عن الرأسمالية؟ هل ثورة الجماهير ضد ~~ذاتها أم ضد الآخر؟ هل هي مفهوم إيجابي أم مفهوم سلبي؟ هل هو حكم ~~واقع أم حكم قيمة؟ ألم يفصل أورتيجا بين السياسة والاقتصاد وجعل كل ~~تحليلاته سياسية أكثر منها اقتصادية بل في الفلسفة السياسية أكثر ~~منها في النظم السياسية؟ هل هناك طبقات بشرية أم طبقات اجتماعية ~~وإلا كان المقصود النقد المبطن لماركس؟ أليس أورتيجا فيبرا آخر ~~مهمته وضع بديل للماركسية مرة بالتركيز على العقل الحيوي ومرة أخرى ~~بالتركيز على العقل النظري أو التنظير؟ وماذا عن نقد الدكتاتورية ~~المسيطرة على إسبانيا ونظام الملكية؟ وماذا عن الجمهوريين الذين ~~كان أورتيجا مفكرهم الأول؟ لماذا لا تصدق ثورة الجماهير على ثورة ~~الجمهوريين في مقابل الملكيين إبان الحرب الأهلية الإسبانية؟ ~~ولماذا لا تكون ثورة الجماهير ديمقراطية بدلا من التقابل بين ~~الجماهير كنظام جماعي وبين الديمقراطية الليبرالية كنظام فردي؟ ~~أليست الديمقراطيات الجماهيرية المباشرة أكثر فعالية من ~~الديمقراطيات الصورية القانونية؟ يصعب الإجابة على ذلك كله؛ إذ إن ~~معرفة المقاصد أصعب بكثير من معرفة الألفاظ. يبدو أن أورتيجا يرفض ~~كل شيء ويميع كل المتناقضات. فلا التاريخ يسير حتما نحو ~~الليبرالية الديمقراطية ولا هو يسير حتما نحو الاشتراكية. لا ~~اليمين بقادر على القيادة ولا اليسار نظرا لأن كل فريق يلعب لعبة ~~الآخر ويزايد عليه. اليمين واليسار كلاهما نصف شلل خلقي، يطمس ~~معالم الواقع، اليمين يعد بالثورات واليسار يقدم الدكتاتوريات! ~~إن مجموع هذه الاشتباهات التي تحوط بأورتيجا تجعله أقل وضوحا من ~~أستاذه أونامونو الذي أخذ موقفا واضحا وناقدا ms225 من الغرب. أورتيجا ~~بنياته المعلنة قد يكون أقرب إلى الوجودية اليسارية مثل سارتر ~~وكامو وميرلو بونتي، وبأهدافه غير المعلنة قد يكون أقرب إلى ~~الوجودية اليمينية مثل جابريل مارسل وكارل ياسبرز. # 6 # وفي النهاية يبدو أن موقف أورتيجا، مفكر الجمهوريين ~~الأول، لا يختلف كثيرا عن مصير الحرب الأهلية الإسبانية! # | مدرسة «تاريخ الأشكال الأدبية»1 # | أولا: المقدمة # نشأت مدرسة تاريخ الأشكال الأدبية في العشرينيات من هذا القرن ~~بعد تطور طويل للوعي الأوروبي منذ بداياته في الإصلاح الديني في ~~القرن الخامس عشر؛ فقد ظهرت من ثنايا البروتستانتية في آرائها في ~~الإيمان والزمان والوجود الإنساني أولا، ثم كانت تطويرا ~~للبروتستانتية الحرة، واللاهوت الحر، واللاهوت الجدلي وأخيرا ~~لمدرسة توبنجن. كما ورثت الاعتزاز بالعلم الحديث وبأولوية الإنسان، ~~وبنقد النظم الموروثة كما هو الحال في عصر النهضة في القرن السادس ~~عشر. واعتمدت على العقل والتحليل اللذين ميزا القرن السابع عشر. ~~وكانت أثرا من آثار التنوير في القرن الثامن عشر وبدايات النقد ~~التاريخي للكتب المقدسة، وضرورة إخضاعها للنقد والتحليل حتى اكتمل ~~هذا النقد في علم مستقل. وبفضل المدرسة التاريخية في القرن التاسع ~~عشر وعلم تاريخ الأديان المقارنة وإدخال المسيحية في إطار الديانات ~~القديمة والاستفادة من نتائجه فيما يتعلق بالتشابه بين الكتب ~~المقدسة والآداب القديمة خاصة اليونانية والعبرية، ظهرت مكونات ~~المدرسة الجديدة في النقد، متنقلة من «نقد المصادر» إلى «نقد ~~الأشكال»، أو بتعبير علماء مصطلح الحديث من نقد «السند» إلى نقد ~~«المتن»؛ لذلك استعارت المدرسة الجديدة الأشكال الأدبية من النقد ~~الأدبي طبقا للنظرية الشائعة بأن تاريخ الأدب هو تاريخ الأشكال ~~الأدبية. واعتمدت على دراسات «الأنواع» الأدبية في الآداب القديمة. ~~بل استطاعت تطوير النقد الأدبي وتحويله من دراسة النص الثابت في ~~المكان، لغة، واصطلاحا، وعبارة، ومعنى إلى دراسة النص المتحرك في ~~الزمان أي نشأة الأنواع الأدبية وتطورها، وتغير المعاني اللغوية ~~للألفاظ والعبارات. كان الشائع أولا دراسة الحكاية والشعر. ثم ~~تحول الاهتمام إلى الرواية كإحدى صور الخطاب الديني في شكل رواية ~~وفعل يعاد تمثيله. ثم انتقل الاهتمام من الرواية إلى الأمثال كما ms226 ~~هو الحال في الأدب الشعبي. ثم تحول الاهتمام من الأمثال إلى كتابة ~~التاريخ كأحد الأشكال الأدبية كما هو الحال عند اليونان ~~والعبرانيين وتحوله إلى فعل وتمثيل عند المسيحيين. كما ظهرت ~~«الرؤية» كأحد الأنواع الأدبية كرمز للنهاية. وأخيرا انبثقت ~~المدرسة من ثنايا المثالية الألمانية واعتبار الشعور محور العالم ~~ومركز الكون. فقد كان بولتمان، وهو أحد زعيمي المدرسة مع ديبليوس ~~من الكانطيين الجدد، مؤسسي مدرسة ماربورج التي قامت لدراسة الصور ~~الكانطية على أساس حيوي شعوري؛ وبالتالي فإن المدرسة تقوم على ~~موقف فلسفي محدد، وهو أنه لا يحدث شيء في الواقع ما لم يحدث في ~~الشعور أولا، وأن الشعور يعبر عن موقف حياتي للجماعة؛ ومن ثم فهو ~~شعور جماعي، يكشف عن علاقات بين الذوات، وتوجهه بواعث، وله صور، ~~يتعامل مع الواقع، ويوجد في التاريخ، ويعبر عن نفسه في لغة ومن ثم ~~كانت المدرسة أحد آثار «الفينومينولوجيا». # 1 # | ثانيا: نشأة «نقد الأشكال الأدبية» # استرعى انتباه كثير من النقاد تعدد الروايات حول تاريخ عيسى، ~~وحاولوا التأليف بينها لرؤية ما بينها من اتفاق واختلاف. قام بذلك ~~طيطيانوس في القرن الثاني في «الدياطسرون» أي «الرباعي» ثم ~~أوزياندر # A. Osiander # في ~~القرن السادس عشر. واستمرت المحاولات حتى اليوم وانتهت إلى نتائج ~~عدة وأولها أن الاتفاق بين الأناجيل الثلاثة الأولى (متى ومرقص ~~ولوقا) أكثر من الاختلاف بينها؛ ولذلك سميت الأناجيل المتفقة أو ~~المتقابلة # synoptic # في مقابل ~~الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا الذي يمثل رواية مستقلة، الاختلاف ~~بينها وبين الروايات الثلاث الأولى أكثر من الاتفاق بينها. ثم بدأ ~~الاهتمام بتفسير أسباب الاتفاق والاختلاف بين الأناجيل المتقابلة ~~قبل القرن التاسع عشر بزمن طويل. وكان أوغسطين أول من لاحظ ~~العلاقات الأدبية بين الأناجيل، وفسرها بتتابعها ونظامها (متى، ~~مرقص، لوقا، يوحنا)، وأن اللاحق كان على علم بالسابق. فمتى هو أقدم ~~الأناجيل، ومرقص مختصر له، والإنجيلان الآخران معتمدان على ~~الأولين. وبالرغم من وجود نظريات أخرى مخالفة في القرن التاسع ~~عشر إلا أن نظرية أوغسطين كانت تعبر عن الموقف الرسمي. بل إن ~~شتراوس في «حياة عيسى» ms227 قد سلم بها. # ثم توصل النقاد في القرن التاسع عشر إلى نظرية أخرى وهي أن ~~مرقص أقدم الأناجيل وكان متى ولوقا على علم به، وهو ما يفسر ~~التشابه بينهما وبينه. ثم استعملا مصدرا آخر مفقودا يرمز إليه ~~بالحرف # Q # اختصارا لكلمة الألمانية # Quelle # التي تعني «منبع» أو ~~«مصدر» لتفسير وجود روايات في إنجيلي متى ولوقا غير موجودة في ~~مرقص؛ ومن ثم أصبحت نظرية المصدرين هي السائدة في الدراسات ~~النقدية. ولما كانت هناك روايات لا يمكن تفسيرها بالمصدرين افترض ~~شتريتر # BP. H. Streeter # وجود ~~مصادر أربعة: مرقص # L, Q ~~«مادة ~~لوقا» # M ~~«مادة متى». وزادت ~~الافتراضات إلى ستة مصادر وإلى عشرة وإلى اثني عشر، وكلها تدور حول ~~المصدر الكتابي. # ثم لاحظ النقاد مثل فلهاوزن # Wellhausen # أن مرقص نفسه ليس أقدم الروايات وأن ~~المصادر الكتابية مجموعات مركبة أصلها وحدات صغيرة متعددة ليس لها ~~عدد معين، مستقلة عن بعضها البعض، تم التأليف بينها فيما بعد لخدمة ~~أغراض عقائدية، وتلبية لحاجات الجماعة المسيحية الأولى، جعلها فرده # Werde ~~«السر المشياني» # Messianic # وأيده في ذلك ~~شفيتزر # A. Schweitzer ~~. فقد ~~احتفظ عيسى عن قصد بهذا السر وكشف عنه تدريجيا، ولم يدركه ~~التلاميذ إلا بعد بعثه. ثم أثير سؤال؛ وما مصادر هذه الوحدات ~~المستقلة الأولى؟ افترض فيس # Weiss # أنها ذكريات بطرس. وسرعان ما أدى هذا الافتراض البسيط إلى نظرية ~~أعمق وأشمل وهي نظرية المصدر الشفاهي. إذ إن وراء هذه الوحدات ~~المستقلة تراثا شفاهيا نبه عليه من قبل كروماخر، وجيزلر، ~~وشليرماخر، وسابق على مرحلة التدوين. # ثم جاء جونكل # H. Gunkel # وصاغ نظرية المصدر ~~الشفاهي وطبقها على «سفر التكوين» ليرصد هذه الوحدات المتفرقة، ~~ويبين نشأتها وتطورها، ويقارنها بالآداب الشعبية في عصرها، ويضعها ~~في إطار حياتها. فالأسفار الخمسة تشبه الأناجيل في نسبة الأولى إلى ~~موسى والثانية إلى عيسى، ولكن الدراسات النقدية تؤكد أنها أخذت ~~أشكالها الحالية على فترة طويلة، وأنها تشكلت طبقا لعديد من ~~الوثائق المفقودة. وقبل نهاية القرن الماضي انتهى الباحثون إلى رصد ~~هذه الوثائق والتعرف عليها وإن لم ينتهوا ms228 إلى الوقائع المروية ~~ذاتها في الأسفار الخمسة. وفكروا في بعض الوسائل للذهاب إلى ما ~~وراء النصوص المكتوبة، وكان في مقدمتهم جونكل. فقد بدأ بالتسليم ~~بنقد المصادر ونتائجها، وهو أن سفر التكوين (وباقي الأسفار الخمسة) ~~نشأت من مصادر سابقة عليه وهي: ~~(Jahwist) ~~J # من القرن التاسع قبل الميلاد، ~~(Elohist) E # من النصف الأول من ~~القرن الثامن، ~~(Priestly Writer) P # بين 500-444ق.م.، وقد تم تجميعها كلها من قبل كاتب متأخر لتكون ~~الكتب الحالية. كما تم توحيد # E + J # في نهاية مملكة يهوذا (587ق.م.)، ثم دخلت مع P # أيام عزرا (444ق.م.). وقبل ~~هذه الوثائق كانت هناك روايات مكتوبة وجدت أولا في صورة شفاهية ~~ثم وضعت فيما بعد في مجموعات لها أبنية وأشكال، وكانت وحدات مستقلة ~~منقولة شفاها قبل مرحلة التدوين تم التأليف بينها فيما بعد. هذه ~~المصادر الشفاهية تطورت خلال حياة بني إسرائيل على فترة طويلة، ~~والبعض منها نشأ في أقطار مجاورة وتكيف حسب كل قطر، كما تغيرت ~~جيلا بعد جيل. فبتغير الظروف والأفكار والأخلاق والعادات لا يمكن ~~أن تبقى الحكايات الخيالية الشعبية على المنوال نفسه. وصنف جونكل ~~هذه الروايات طبقا لأهدافها، فمنها الهدف التاريخي الذي يعكس ~~ظروفا تاريخية خاصة ولكن معظمها كان يهدف إلى شرح شيء ما يريده ~~رواتها. وانتهى جونكل إلى تصنيف رباعي: حكايات إثنية # EthnoIogical Legends # لشرح ~~علاقات الأسباط، وأخرى لغوية لبيان مصادر معاني الأجناس والجبال ~~والأنهار والمدن، وثالثة طقوسية # Ceremonial # لشرح الاحتفالات الدينية مثل السبت ~~والختان، ورابعة جيولوجية لتفسير نشأة المكان. كما قارنها بالنصوص ~~المشابهة عند الشعوب المجاورة خاصة تلك التي تتعلق بالقوانين من ~~أجل التعرف على مصادرها التاريخية وأساليبها الأدبية والنظرات ~~العقائدية والبواعث الموجهة لتكوين النص مثل الميثاق والوعد ودور ~~الكاهن في التدوين. ثم انتقلت نتائج جونكل من العهد القديم إلى ~~العهد الجديد. وانتهت الدراسات في أوائل القرن العشرين على ~~الأناجيل المتقابلة إلى قبول نظرية المصدرين كأصلين لمتى ولوقا ~~وإلى الاعتراف بتأثر النظريات اللاهوتية للكنيسة الأولى على ~~تكوينها وإلى احتواء مرقص على مواد متأخرة أصلها في وحدات مستقلة ms229 ~~وجدت في تراث شفوي قبل التدوين. وانتهى نقد المصادر إلى هذا الحد. # 1 # وفي نهاية الحرب العالمية الأولى ظهرت مجموعة من الدراسات تعبر ~~عن اتجاه واحد، وتبشر بميلاد المدرسة وفي مقدمتها خمسة ~~كتب: ~~(1) # ب. ديبليوس: تاريخ الأشكال الأدبية للأناجيل، ~~توبنجن، 1919م. ~~(2) # ك. ل. شميت: الإطار لقصة عيسى، برلين، 1919م. ~~(3) # ر. بولتمان: تاريخ الأناجيل المتقابلة، جوتنجن، ~~1921م. ~~(4) # م. البرتز: أحاديث الصراع المتقابلة، برلين، ~~1921م. ~~(5) # ج. برترام: تاريخ آلام عيسى ودين المسيح، جوتنجن، ~~1922م. # قبل شميت النتائج العامة لنقد المصادر وأهمها نظرية المصدرين، ~~ولكن أضاف أن مرقص يتكون من عدة مقاطع قصيرة مرتبطة فيما بينها ~~بفقرات انتقالية تعطي بعض التحديدات الزمانية والمكانية لتاريخ ~~حياة عيسى وبشارته الأولى. ومرقص هو واضع الإطار أو البناء الشكلي ~~فحسب. هذا الإطار يكشف عن حياة الكنيسة وأفكارها وبواعثها وحاجات ~~الجماعة المسيحية الأولى. وقد انتقلت هذه المقاطع المتعددة في صورة ~~شفاهية ثم تحولت إلى مقاطع مكتوبة طبقا لحاجات الكنيسة ~~باعتبارها مجتمع عبادة. # ولكن ديبليوس (1883-1946م) هو أول من طبق «نقد الأشكال ~~الأدبية»، وهو واضع المصطلح. أراد أن يشرح بطريق التركيب مصدر تراث ~~عيسى والرجوع إلى فترة شفاهية سابقة على تدوين الأناجيل مع توضيح ~~قصد التراث واهتمامات الجماعة الأولى ووظائفها وكتابها. ويصنف ~~دعاتها مثل المبشرين والوعاظ الذين يعتمدون على بعض المواقف ~~الدرامية في وعظهم، والرواة الذين هم مصدر الروايات التفصيلية ~~للجماعة، والمنشدين الذين يؤلفون الروايات من أجل التهذيب ~~والتربية الدينية، ومؤلفي الأساطير أو الروايات اللاهوتية. # ولكن اسم المدرسة قد ارتبط ببولتمان (1884-1976م) الذي حاول بعد ~~سنتين اكتشاف هذه الوحدات الأولى قبل الأناجيل بل وقبل الأقوال ~~والروايات وإقامة سياقها التاريخي سواء كانت تنتمي إلى تراث أولي ~~أو ثانوي أو كانت نتيجة لنشاط التدوين. يرفض بولتمان البناء الصوري ~~عند ديبليوس، ويفضل تقطيع النصوص إلى وحدات أولية ومعرفة مدى ~~تشابهها مع الوحدات المماثلة في البيئات المجاورة، وتاريخ كل فقرة، ~~والبواعث على نشأتها وتكوينها. فإذا كان منهج ديبليوس استنباطيا ~~بنائيا فإن منهج بولتمان استقرائي تحليلي بالرغم من اعتماده ~~على بعض المبادئ الفلسفية العامة ms230 مثل التفرد والرغبة في ~~التصوير. # وبينما يرتد ألبرت إلى الجماعة الأولى وإلى البيئة التي نشأت ~~فيها الأناجيل ويرجع الاختلاف بينها إلى مناقشات عيسى مع الكتبة ~~والفريسيين، فإن برترام يرى أن العبادة # kult # هي البيئة الوحيدة التي نشأت فيها ~~الأناجيل وتكونت، ولا يعتمد كثيرا على تاريخ الأديان المقارن كما ~~يفعل بولتمان؛ وبالتالي يظل التأرجح قائما في المدرسة بين «نقد ~~المصادر» واللجوء إلى البيئة وبين «نقد الأشكال» والاعتماد على ~~الأشكال الأدبية. # 2 # والحقيقة أنه يصعب ترجمة مصطلح # Formgeschichte # فهو يعني في ~~الوقت نفسه ثلاثة أشياء: ~~(أ) ~~«تاريخ الأشكال الأدبية»، أي تتبع الأشكال الأدبية ~~للكلام نشأة وتكوينا وتطورا، هي المعروفة في علوم ~~النقد باسم «الأنواع» الأدبية، ومقارنتها بمثيلاتها في ~~الآداب القديمة. وهي أقرب الترجمات إلى المعنى الحرفي ~~للمصطلح، والشائع عند معظم الدارسين. ~~(ب) ~~«تاريخ تكوين الإنجيل»، فالصورة هنا تعني ~~التكوين # formation # أو عملية «التشكيل» فالمهم ~~هو عملية تكوين الإنجيل ابتداء من الوحدات المستقلة ~~المتفرقة شفاها أو تدوينا وتاريخا وليست الأشكال ~~النهائية للأناجيل والتي هي المظاهر الخارجية لعملية ~~التكوين، وهو معنى أوسع من المعنى الأول، وبمصطلح علوم ~~اللغة والأنثروبولوجيا يريد المعنى الأول تحليل الصور ~~في المعية ~~الزمانية # synchronic # بينما يريد الثاني تحليلها ~~في التتابع ~~الزماني # Diachronic ~~. ~~(ج) ~~«صور الشعور التاريخي»، فالأشكال الأدبية قد تخلقت ~~في شعور الجماعة الأولى وبالتالي فإنها في حقيقة الأمر ~~صور للشعور التاريخي لدى الجماعة الأولى. النص من وضع ~~الشعور، والصورة للشعور قبل أن تكون للنص. والشعور هو ~~الذي يدرك العالم ويتصوره ثم يعبر عنه في صورة مثل ~~أو قصة أو حكاية خيالية أو أسطورة، وتحركه بواعث ~~وغايات قصدية، وهو المعنى الأعمق والذي يربط المدرسة ~~برافدها الأساسي في علم الظواهر أو «الفينومينولوجيا». ~~طبقا للمعاني الثلاثة للفظ يتكلم؛ اللفظ والمعنى ~~والشيء أي الصورة والمضمون والموضوعية. وللمدرسة ثلاثة ~~جوانب سنقتصر منها على الجانب الأول فقط ~~وهي: ~~(1) # دراسة الأشكال الأدبية المختلفة التي تم ~~فيها تدوين أقوال عيسى وأفعاله ابتداء من ~~التراث الشفاهي حتى التراث المدون، وطرق ~~صياغتها ابتداء من الأشكال المماثلة في ~~الآداب القديمة ms231 اليونانية والعبرية ~~والشرقية القديمة، وكيفية تشكيل الوحدات ~~الصغيرة والربط بينها حتى أصبحت الأناجيل. ~~ومهمة هذا الجانب هو الكشف عن هذه الأشكال ~~الأدبية وتصنيفها وبيان نشأتها وتطورها ~~قبل أن تبدأ عملية الفهم أو التفسير أو ~~التأويل. وهو البديل عن النقد التاريخي ~~القديم لإثبات صحة النصوص إلا أنه لا ~~يتعلق بالسند ولكن بالمتن. ~~(2) # دراسة تكوين ~~الأسطورة # Demythologisation ~~: مثل أساطير الميلاد ~~أو الموت أو البعث. وقد نشأت ابتداء من ~~عملية التأليه التي حدثت في شعور الجماعة ~~المسيحية الأولى ابتداء من الإعجاب ~~بأقوال عيسى وأفعاله حتى التأليه المطلق ~~لشخصه. وقد تم نسج الأسطورة طبقا ~~لمثيلاتها الموجودة لدى الشعوب المجاورة ~~وعلى منوالها مثل ديانة مترا في فارس أو ~~آلهة اليونان والرومان أو بعض معارج ~~الأنبياء عند بني إسرائيل. ~~(3) # تأويل ~~الأسطورة # Demythisation ~~: لما كان تكوين ~~الأسطورة هو مجرد الكشف عنها في شعور ~~الجماعة المسيحية الأولى فإن تأويل أسطورة ~~هو إرجاعها إلى مصدرها في الوجود الإنساني ~~العام وليس في الشعور التاريخي للجماعة ~~الأولى وحدها. التواضع والتضحية والإخلاص ~~يدركها كل إنسان. والحياة والموت والألم ~~مكونات للوجود الإنساني. والذنب والمغفرة ~~والثواب والعقاب تتعلق بأفعال الإنسان. ~~ومن هنا أتت أهمية فلسفات الوجود خاصة ~~عند هيدجر وتحليله لأبعاد الوجود الإنساني ~~الذي هو الأساس والمصدر لتأويل الأسطورة. ~~ومن هنا أيضا تأتي أهمية الهرمنيطيقا # Hermeneutics ~~. # 3 # | ثالثا: المبادئ الأولية والمسلمات العامة # وتقوم المدرسة على عدة مبادئ أولية أو مسلمات عامة بصرف النظر ~~عن الفروق الفردية بين زعمائها وعن عددها وعن مدى تكوينها لخطوات ~~منهج محكم، وأهمها: ~~(أ) # نقد المصادر: # يقبل ~~زعماء المدرسة الأوائل النتائج التي انتهى إليها نقد ~~المصادر إذ إن الاعتماد الأدبي المتبادل بين الأناجيل ~~يمد المدرسة بمادة للبحث يسهل بعد ذلك العمل عليها ~~ومعرفة كيف استخدم متى ولوقا ومرقص المصدر # Q # وكيف استخدم ~~مرقص والمصدر # Q # المصادر الأولى. والحقيقة أن نقد المصادر مجرد مقدمة ~~لنقد الأشكال (وهو الاسم المفضل لدى النقاد ~~الأنجلوسكسون) لأنه إذا تمت بعد ذلك معرفة الوحدات ~~الأولى بعد نقد الأشكال وتحديد التاريخ الأول لهذه ~~الوحدات فإنه يسهل بعد ms232 ذلك معرفة الروايات المكتوبة. # 1 ~~(ب) # الوحدات المستقلة: # تكون المصدران؛ مرقص، # Q # من وحدات مستقلة ~~صغيرة كانت موجودة أولا شفاهيا قبل أن تدون. ~~ويمكن التعرف عليها في مرحلتها الشفاهية بالاعتماد على ~~علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا. ~~وكتاب الأناجيل هم الذين جمعوا بينها في أطر ~~مصطنعة وربطوا بين أجزائها في مجموعات أكبر. ومهمة ~~الباحث معرفة هذا الربط المتأخر بعد الكشف عن هذه ~~الوحدات الصغيرة السابقة على تكوين الأناجيل. وقد أثبت ~~شميت وجود هذه المجموعات، وتعرف عليها ديبليوس في ~~المرحلة الشفاهية كما هو واضح من قصة يائير وشفاء ~~المرأة، والبعض منها كان سابقا على تجميع كتاب ~~الأناجيل. ويؤكد بولتمان على أن هناك حدودا طبيعية ~~لمثل هذه المجموعات في الفترة الشفاهية حتى لو لم يتم ~~تحديدها تماما، وهي حدود يمكن تجاوزها بعد ذلك في ~~مرحلة التدوين. هناك جزء واحد استثناء من القاعدة وهو ~~«رواية الآلام»، فقد وجدت كوحدة واحدة غير مجمعة عن ~~حياة عيسى في الفترة الأولى، ومتشابهة في الأناجيل ~~الأربعة، لا توجد فيها مواقف أو حوار أو أقوال كثيرة، ~~وتعبر عن شهادة عيانية. ومع ذلك فرواية مرقص ليست أقدم ~~الروايات. وهي عند بولتمان وديبليوس نتيجة لعملية ~~مبكرة لنقل التراث. لم تكن نواتها الأولى - لو تم ~~العثور عليها - تاريخا خالصا؛ لأن الروايات الحالية ~~في الأناجيل تنقل الحوادث في سياق أوسع. هي أقدم ~~روايات الأناجيل، ووحداتها الصغيرة، إن وجدت، لا معنى ~~لها إلا في سياقها وزمانها ومكانها. فقد أتت إجابة على ~~سؤال الكنيسة الأولى: كيف تم إحضار عيسى إلى الصليب من ~~الناس الذين باركهم وأجرى عليهم معجزاته ~~وآياته؟ ~~(ج) # تكوين الأناجيل: # هذه الوحدات الصغيرة المستقلة لها حياتها منذ نشأتها ~~في الشعور التاريخي للجماعة الأولى ونقلها شفاهيا ثم ~~تدوينها ثم الجمع بينها في وحدات أكبر حتى جاء كتاب ~~الأناجيل وربطوا بين الأجزاء في إطار وتصور واحد لخدمة ~~أهداف معينة. مهمة الباحث إذن الصعود أو الرجوع إلى ~~الأشكال الأولى لكل تراث ورصد التغيرات التي طرأت ~~عليه ثم المقارنة بين نصوص الأناجيل والنصوص المشابهة ~~المحيطة في ms233 الآداب الشعبية القديمة أو في أدب الأحبار. ~~كتاب الأناجيل ليسوا إذن مؤلفين بل هم مجمعون ~~ومحررون لمادة موجودة سلفا نسقوا بينها. وكل مادة ~~لها تاريخ سابق استعملتها الجماعة الأولى تحقيقا ~~لمصالحها، لها قلب أو نواة أو محور ثم حدثت إضافات ~~عليها فيما بعد طبقا لقوانين تطور العمل الأدبي ونقل ~~الرواية الشفاهية، وأهمها قانون الإيجاز والإطناب. ~~فالإيجاز هو الأصل، ثم تضاف الأسماء والتفاصيل كما هو ~~الحال في قصة الغني الباحث عن عيسى (مرقص، 10: 17-22). ~~فهو عند لوقا رئيس وعند متى شاب، وفي إنجيل ~~الناصريين # Nazaréens # أن أحدهما هز رأسه بعدما ~~سمع مطلب عيسى. ويبين إنجيل العبرانيين أن الرجل ~~صاحب اليد الجافة كان بناء، يكسب قوته من عمل يديه، ~~ويتمتم بصلاة متكيفة مع الموقف؛ وبالتالي تكون عملية ~~النقد هي تخليص الرواية من هذه الزيادات من أجل الحصول ~~على النواة الأولى. كل مقطع له نقطة مركزية مثل مسح ~~بطانيا (مرقص، 14: 3-9). كما أن نداء التلاميذ (مرقص، ~~1: 16-20) مقطع تحول في لوقا (5: 1-11) إلى حكاية ~~خيالية ابتداء من قول عيسى «سأجعلكم صيادي بشر.» ~~ويعترف كل من ديبليوس وبولتمان أن المقاطع لم يتم ~~حفظها في حالتها الأصلية بل زادت عليها التحديدات ~~الزمانية والمكانية فيما بعد. وقد لاحظ جونكل القانون ~~نفسه وطبقه على روايات العهد القديم. وقد لا تخضع ~~جميع المقاطع للقانون ذاته؛ إذ قد ينطبق الإيجاز على ~~أحدها بينما ينطبق الإطناب على آخر. ~~(د) # الموقف ~~الحياتي # Sitz im Leben ~~: # هذه الوحدات ~~الصغيرة نشأت في بدايتها كمواعظ تبشيرية لخدمة إيمان ~~الجماعة الأولى ونشر عقائدها. فهي في الأصل مواعظ ~~وليست تاريخا، هدفها التبشير، وليس رصد الوقائع؛ ومن ~~ثم فهي وحدات تعيش في شعور الجماعة، ولا يمكن فهمها ~~إلا في وضعها الحياتي في إطار البواعث والوظائف ~~والأهداف والمصالح التي تحرك الجماعة. فالجماعة تحركها ~~عواطف وانفعالات، ولها تصوراتها للعالم، وعقائدها ~~وولاءاتها المتباينة والتي يمكن على أساسها معرفة ~~كيفية تكوين الأناجيل والربط بين الوحدات الصغيرة ~~والبواعث على خلق الروايات ومصالح الجماعة وتفسير ~~الاختلافات بينها. فقد كان هدف متى إثبات عيسى ms234 كمخلص # Messia # وإثبات ~~شرعية الكنيسة. وكان هدف مرقص تصوير عيسى على أنه أحد ~~الفقراء # Ebionit # حتى ~~يحظى بإيمان اليهودية. وقد تدخلت هذه البواعث في طريقة ~~صياغة الأناجيل والربط بين الوحدات الصغيرة في مجموعات ~~أكبر. بل لقد استقل هذا الموضوع في نقد مستقل سمي ~~«نقد ~~التدوين» # Redaction criticism # في كيفية تدوين الإنجيل ~~وبواعث الكاتب وأهداف الجماعة. فالأناجيل ليست تواريخ ~~حياة لعيسى بل تحتوي على عقائد وآراء متأخرة ظهرت في ~~الجماعة المسيحية المتأخرة، وتم تدوين الأناجيل طبقا ~~لها بحركة ~~ارتدادية # Retrograde # عن طريق قراءة الحاضر في ~~الماضي وترائيه فيه كما يقول برجسون. لقد لبى التراث ~~حاجات الكنيسة وحقق أغراضها. وهذه إحدى مسلمات ~~ديبليوس الرئيسية التي على أساسها يعيد بناء الأناجيل ~~طبقا لحاجات الجماعة المسيحية الأولى. وبالرغم من أن ~~بولتمان يبدأ بتحليل النص ويذهب منه إلى الكنيسة، إلا ~~أنه يؤكد عدم الاستغناء عن الصورة المؤقتة للجماعة ~~المسيحية الأولى وتاريخها حتى يمكن تفصيلها بعد تحليل ~~النص النهائي. وهنا تبدو أهمية تاريخ الأديان المقارن ~~واعتماد «تاريخ الأشكال الأدبية» على ما يقدمه من ~~مقارنات بين الأديان. يرى ديبليوس أن الحركة المسيحية ~~بدأت من دائرة آرامية فلسطينية حول عيسى. ثم أتت بعد ~~ذلك مسيحية هلينية سابقة على بولس وقريبة من اليهودية؛ ~~إذ كانت الكنائس المسيحية السابقة على بولس في مناطق ~~تتحدث اليونانية دون أن تقطع صلاتها باليهودية. ثم أتت ~~بعد ذلك كنيسة بولس أقل ارتباطا باليهودية. فالأناجيل ~~المتقابلة عند ديبليوس لم تحصل على شكلها من الكنيسة ~~الفلسطينية التي تتحدث الآرامية أو من كنيسة بولس ~~المتأخرة بل من الكنائس الهلينية السابقة على بولس ~~والمرتبطة ارتباطا وثيقا باليهودية. وقد أكدت هذه ~~الكنائس أن إيمان اليهودية وآمالها قد اكتملت بقدوم ~~المسيح؛ عيسى المسيح. فقد اهتمت هذه المسيحية بتراث ~~عيسى من وجهة نظر أن الخلاص المنتظر طويلا قد أتى. لم ~~يكن الهدف إذن تاريخيا بل مشيانيا # Messianic ~~. وقد قام ~~المبشرون والوعاظ والمعلمون بنقل هذا التراث. ~~فالتبشير هو أساس التراث ومصدر التاريخ وعلى أساسه تم ~~تكوين المواد وتوجيهها طبقا للأغراض التي تهدف ms235 إلى ~~تحقيقها من أجل خدمة التبشير والوعظ طبقا لحاجات ~~الكنيسة. ولهذا السبب كتب ديبليوس «الرسالة ~~والتاريخ» # Botschaft und Geschichte ~~. ولم يستغن بولتمان عن هذه ~~الصورة المؤقتة لحياة الجماعة المسيحية الأولى قبل ~~تحليل الوحدات الصغيرة في الأناجيل المتقابلة ولكنه ~~اقتصر على تقسيم المسيحية الأولى إلى قسمين رئيسيين؛ ~~المسيحية الفلسطينية والمسيحية الهلينية. ولهذا كتب ~~بولتمان «المسيحية الأولى في إطار الديانات ~~القديمة». ~~(ه) # تصنيف الأشكال: # إن ~~أية قراءة فاحصة للأناجيل تبين أن كتابها أخذوا ~~وحدات من المواد كانت لها أشكال أدبية خاصة بها قبل أن ~~تتشكل. ولا يعني ديبليوس بذلك المستوى الجمالي لفن ~~روائي صاغه عبقري، بل يعني الأسلوب الأدبي، أسلوب ~~الصورة التي خلقتها الجماعة المسيحية الأولى على منوال ~~الأشكال الأدبية الموجودة في شعورها من تراثها الديني ~~القديم أو من الآداب الشعبية الموروثة. فاستعمال ~~الوحدة يحدد صورتها وليست نظرية نقدية مسبقة. وقد ~~تطورت الأشكال ذاتها ابتداء من الحياة المسيحية ~~الأولى وعبر حياتها في الكنيسة. لم تكن كاملة في ~~البداية بل كانت ذكريات مليئة بالانفعالات حول التوبة ~~ولنشر الدين والإكثار من المؤمنين. ثم أخذت أشكالا كي ~~تصبح أكثر قدرة على جلب التوبة والإيمان الأكثر ~~تأثيرا في النفوس. واعتمادا على هذه المسلمات كلها ~~أصبح الهدف الرئيسي لتاريخ الأشكال الأدبية هو تتبع ~~تاريخ هذه الأشكال وتصنيفها اعتمادا على مبادئ النقد ~~الأدبي وبتحليل البيئة الشعبية والآداب القديمة، ولكن ~~يظل الهدف الأساسي هو تحديد الأنواع الأدبية بصرف ~~النظر عن مضامينها. # 2 # ويختلف زعماء ~~مدرسة تاريخ الأشكال الأدبية حول تصنيف الأشكال ~~وأسمائها، ولكن أشهر التصنيفات هي تلك التي أوردها ~~زعيما المدرسة ديبليوس وبولتمان. كما يصعب التمييز بين ~~مقاييس التصنيف والعوامل التي ساعدت على تحديد الأنواع ~~الأدبية مثل طريقة عرض المادة (صورة ومضمونا)، ~~والباعث على وجودها الحالي (البيئة الحياتية التي ولدت ~~فيها)، وأوجه الشبه بينها وبين الآداب الأخرى. كما ~~يصعب تحديد الأنواع الأدبية من حيث الشكل فحسب دون أخذ ~~المضمون في الاعتبار؛ إذ يمكن تحديد النوع الأدبي كما ~~هو الحال في الأمثال التي لها ما يشابهها في العهد ~~القديم وفي ms236 أدب الأحبار. فأمثال الرب لها شكل محدد؛ ~~عبارة جبرية، صيغة استفهامية، خطاب أمري، تعجب نبوي، ~~ولكن المضمون وحده هو القادر على تحديد نوع الفقرة أو ~~المقطع أو أغلب الروايات التي ليس لها شكل واضح مثل ~~الحكايات الخيالية أو الأساطير. ويكون هذا التصنيف ~~مثاليا لو أن النص الأدبي يطابقه تماما، ولكن الحال ~~ليس كذلك. فالتصنيف يعطي الشكل الأدبي في حالته ~~الخالصة، ولكن في أغلب الحالات تكون الأشكال ~~متداخلة # Mishform ~~. # | رابعا: الأشكال الأدبية عند ديبليوس # يحدد ديبليوس الأشكال الأدبية في خمس، هي: ~~(1) # النموذج # Das Paradigm ~~: # وهي رواية حية ~~جامعة تحتوي على مفارقات قصيرة وتهدف إلى إبراز جملة ~~لعيسى أو عمل له في غياب التفصيلات التي لا فائدة منها ~~وغياب أسماء الأعلام والمواقف المعينة في الزمان ~~والمكان، وغياب رسم التشخيصات، وعدم وجود جوقة تسترعي ~~انتباه المستمعين والمشاهدين. وكل ذلك بهدف التركيز ~~على شخص عيسى، فقوله وفعله في صلب الإيمان الكنسي. ثم ~~تنهي الجوقة الرواية برد فعل الجماعة على المشهد. ~~ويتخلل النموذج حواران أو ثلاثة حول موضوع واحد. ~~وكل منها يتكون من رواية مستقلة مركزة حول قول لعيسى ~~الذي يحول السؤال الخاص في موضع خاص إلى إجابة مبدئية ~~عامة. وأحيانا يجعل عيسى إجابة المحاور إجابته الخاصة ~~كما هو الحال في قصة امرأة كنعان. وأحيانا يسبق القول ~~إعلان تمهيدي لتأكيد المعنى وتقويته. ويختم عيسى ~~الحوار بقول له أو تعليق لتعليم التلاميذ أو لتكملة ~~المثال. ولا يشار إلى المحاورين إلا بطريقة غير شخصية ~~مثل «البعض» أو باسم جمع مثل «الفريسيين» أو ~~«الكتبة». وإذا كان المحاور متحدثا رسميا باسم ~~جماعة يجيبه عيسى مخاطبا الجماعة كلها (باستثناء فقرة ~~الغداء عند شمعون والحوار حول أعظم الوصايا). وإذا ~~كانوا أصدقاء عيسى فتغيب التفصيلات مثل أقواله حول ~~مارته ومريم. النموذج إذن شكل أدبي وعمل فني له منظر # setting ~~، وبه ~~فعل # action ~~، ~~وينتهي إلى حكمة أو قول مأثور. ويحدد ديبليوس ~~للنموذج خمس خصائص: الاستقلال عن السياق الأدبي، ~~الإيجاز والبساطة بسبب استعماله في الوعظ، الأسلوب ~~واللون الديني دون الأدبي، الأسلوب التعلمي الذي ~~يبرز ms237 أقوال عيسى، النهاية بفكرة مفيدة للوعظ أو حكمة ~~لعيسى أو فعل منه أو رد فعل للمشاهدين. وهي مناظر ~~قصيرة (من خمس إلى ثماني آيات) أطولها مناقشة عيسى مع ~~الفريسيين وأقصرها رفضه إجراء المعجزات. وتحتوي على ~~أقدم أسلوب للرواية المسيحية لذلك يسميها الأولى. ولما ~~كان التبشير شهادة عيان تظل قيمتها التاريخية كبيرة. ~~ويضع ديبليوس قانونا عاما لضبط صحتها التاريخية ~~كالآتي: «كلما كانت الرواية قريبة من الوعظ كانت ~~صحيحة تاريخيا.» ومن المستبعد تغييرها إلى روايات ~~أدبية رومانسية خيالية خالصة. ويضرب المثل على ذلك ~~بروايات الجزية (مرقص، 12: 13-17). # 1 ~~(2) # القصة ~~(Tale, ~~Novel) Die ~~Nouvelle ~~: # وهي رواية ~~مختلطة تفصل عن قصد ردود فعل الدهماء تجاه عيسى الذي ~~يعيد ابنة زائير إلى الحياة. فتعطي الرقم الصحيح ~~بمناسبة تكاثر الخبز. كما أنها تصوغ حوارا بين عيسى ~~ومساعديه، ولكن أقوال عيسى تفقد أهميتها أمام الرواية ~~ذاتها ووصف المناظر وسرد الحوادث. وهي تدور حول معجزات ~~عيسى في معظمها. ولم تنشأ في صورتها الحالية من الوعاظ ~~بل من الرواة والمعلمين الذين رووا قصة حياة عيسى ~~بمزيد من التصوير وإن لم يكن بفن. ومع ذلك يظهر ~~الأسلوب الأدبي في الرواية أكثر مما يظهر في النموذج. ~~تأتي أولا قصة المرض ثم «تكنيك» المعجزة، وأخيرا ~~نجاح الفعل المعجز. فالقصة تنتمي إلى أسلوب أدبي أرقى ~~من النموذج. وهي تشبه النموذج فقط في أنها روايات ~~فردية كاملة في ذاتها، ولكنها تختلف معها بعد ذلك. ~~فالقصة أطول من النموذج، وتحتوي على وصف تفصيلي موسع ~~من وضع الراوي أو المعلم الذي يعشق فنه ويحب ممارسته. ~~ولا يوجد بها مواعظ دينية لأنها في رأي ديبليوس لم تكن ~~في التبشير، ولم يكن لها وضع مركزي في الكنيسة، وكانت ~~أقرب إلى الروايات الدنيوية ذات الطابع البراجماتي. لم ~~تكن غايتها تعليمية مثل النموذج؛ ولذلك تتناقض فيها ~~أقوال عيسى ذات القيمة العامة أو لا تنتهي إلى أي ~~نتيجة. وقد نشأت القصة كشكل أدبي عند ديبليوس من ثلاثة ~~طرق؛ الطريق الأول: تطويل النماذج خارج سياق الوعظ؛ ~~فقد اعتاد الرواة والمعلمون القصص طبقا ms238 لروايات ~~المعجزات أو بأسلوب المفارقات الشائعة. فقدموا مضمون ~~المعجزة وجعلوه أكثر غنى من النموذج، واستعملوا كل ~~عناصر الرواية لجعل القصة أكثر حياة وغنى. والثاني: ~~تقديم بواعث خارجية ربما غريبة على النماذج الأولى إذ ~~يشعر ديبليوس مثلا أن قصة سير عيسى على الماء (مرقص، ~~6: 45-52، متى، 14: 22-23) ربما نشأت من دخول باعث ~~التجلي الإلهي على الأرض في رواية بدائية عن عيسى ~~وهو يساعد الناس في موقف صعب مثل هبوب عاصفة وشدة ~~الرياح وهياج الأمواج. أما الطريق الثالث: فاستعارة ~~مواد خارجية من الآداب الشعبية أو الدينية القديمة، ~~وفي هذه الحالة كانت تؤخذ القصة كلها. وفي الأدب ~~الهليني هناك قصص مشابهة تم استبدالها بالأساطير ~~وتختفي فيها الحدود بين الله والمبعوث الإلهي. وأول ~~قصة في مرقص شفاء الأبرص (مرقص، 1: 40-45). # 2 ~~(3) # الحكاية ~~الخيالية # Die Legende ~~: # وهي رواية ~~دينية حول قديس اهتم الناس بأعماله وبمصيره. ظهرت في ~~الكنيسة تلبية لرغبة مزدوجة؛ الرغبة في معرفة شيء عن ~~الفضائل الإنسانية وعن كثير من القديسين رجالا ونساء ~~في قصة عيسى؛ والرغبة التي تطورت بعد ذلك لمعرفة ~~عيسى ذاته على هذا النحو كما هو واضح في قصة المسيح ~~عندما كان عمره اثني عشر عاما (لوقا، 2: 41-49) التي ~~تكشف بوضوح عن سمات الحكاية الخيالية. وهي تربط بين ~~النموذج والقصة كنقيضين. فبينما النموذج صياغة مسيحية ~~من أجل التربية الدينية، والقصة تعبير عن العالم ~~المحيط بأسلوب دنيوي، فإن الحكاية الخيالية مقولة من ~~الأدب الشعبي ومن العالم المحيط أيضا ولكنها ليست ~~دنيوية تماما بل تهدف إلى التربية الدينية، أي أنها ~~قصة دينية تروى في موالد القديسين والأولياء، يظهر ~~فيها الاهتمام بالأسباب مثل الاهتمام بالحياة الشخصية ~~وهو ما يفرقها عن الحكايات الخيالية في الأدب الشعبي. ~~ويتضح ذلك في رواية الآلام فهي حكاية خيالية للعبادة ~~بالمعنى السببي من أجل تمثيل الحوادث المؤلمة لإدانة ~~عيسى وموته، يجد فيها المستمع أو القارئ التعبير عن ~~الإرادة الإلهية التي هي السبب في تعظيم المسيحيين ~~لهذه الآلام. تطورت القصة وأصبحت قصة خيالية شخصية ~~تروي أعمال إنسان وتجاربه التي بسببها يعظمه ms239 الله ~~ويخصه بقدر خاص. يقوم بالمعجزات، ويصالح الأعداء، ~~ويستأنس الحيوانات، وتقوده الأزمات والمخاطر في ~~النهاية إلى الخلاص. وفي شهادته تظهر آيات الفضل ~~الإلهي. فإذا كان النموذج يتميز بنقص في التصوير، ~~والقصة بمزيد من التفصيلات حول الأفعال دون تصوير ~~الشخصيات، فإن الحكاية الخيالية تتناول المصير البشري، ~~والإنسان آية من آيات الله. وإذا كان النموذج والقصة ~~يتعاملان مع الله بعد أن أصبح إنسانا فإن الحكاية ~~الخيالية تتعامل مع الإنسان الذي في طريقه لأن يصبح ~~إلها. ومن الطبيعي أن الحكاية الخيالية لم تقع ~~تاريخا. ويعترف ديبليوس أن اهتمامات الراوي الدينية ~~قد تؤدي إلى التركيز على المعجزة على نحو لا تاريخي ~~وإلى تعظيم البطل وإلى تحولات أشكال حياته # transfiguration # ومظاهر تجليها. ومع ذلك من الخطأ إنكار المضمون ~~التاريخي لكل حكاية خيالية على الرغم من عدم اهتمام ~~الراوي بالتأكيد التاريخي وعدم معارضته لأية زيادة في ~~المادة عن طريق الأمثلة المتشابهة في الأدب اليهودي ~~وفي آداب الشرق القديم، مثل قصة بوذا. وفي كل هذا ~~النوع من الأدب تنطبق قوانين «البيوجرافيا». # 3 ~~(4) # القول ~~(saying, exhortations) Die ~~paranese ~~: # بالرغم ~~من تأكيد ديبليوس على مادة الرواية في الأناجيل ~~المتقابلة فإنه يتناول أيضا أقوال عيسى نظرا لحاجة ~~التبشير له في التعليم الديني. وكما أخذ اليهود الحياة ~~العصرية في زمان عيسى قواعد لهم للحياة والعبادة على ~~نحو أكثر جدية من أخذهم التراث التاريخي واللاهوتي، ~~كذلك تناول المسيحيون أقوال عيسى بجدية أكثر مما ~~تناولوا الروايات. كانت الأقوال مهمة لتناولها الحياة ~~المسيحية وطرق العبادة. نقل المعلمون الأوائل البشارة ~~الأولى مملوءة بأقوال عيسى، فقد كانت معتبرة إلهاما ~~من الروح القدس أو من الرب، وكانت البشارة كلها في ~~الرب إن لم تكن من الرب. ثم اعترتها بعض التغيرات ~~عندما ركز التراث على طابع الوعظ والإرشاد والتعليم ~~للأقوال. فتغيرت معاني الكلمات التي لم يكن لها هذا ~~الطابع من قبل. كما ظهر ميل جديد لإدخال أقوال حول ~~طبيعة المسيح من أجل الحصول من الأقوال ليس فقط على ~~قواعد الحياة الشخصية لحياة الإنسان، بل لاستنباط بعض ~~الإشارات حول ms240 طبيعة الشخص الذي تفوه بها. وسارت ~~الكنيسة في هذا التيار إلى أبعد حد. هذه الأقوال هي ~~التي فضلها مرقص في إنجيله دون الروايات. وهنا تأتي ~~الأمثال # parables # لتصوير معاني الأقوال. # 4 ~~(5) # الأسطورة # Der Mythus ~~: # هي رواية تقص ~~أفعالا من طرف واحد، وهو الله، على عكس النموذج الذي ~~يحتوي على أقوال المعلم دون أقوال الله أو أفعاله. ~~وتصوغ حياة الشخص في صورة إلهية فيأتي التألم بأمر ~~إلهي ويبعث من جديد بأمر إلهي إلى عظمة إلهية جديدة. ~~والأساطير في الأناجيل المتقابلة قليلة يحددها ديبليوس ~~في ثلاث؛ معجزة العماد (مرقص، 1: 1-11)، وامتحان عيسى ~~(مرقص، 1: 12-13)، والتجلي الإلهي (مرقص، 9: 2-8). ~~وتختلف الأناجيل فيما بينها فيما يتعلق بهذا الجانب ~~الأسطوري. فإنجيل مرقص أسطوري من حيث الشكل وليس من ~~حيث المضمون. ولم يظهر نص بعث المسيح في الأناجيل حتى ~~ظهور إنجيل بطرس. بل إن هناك نقصا في التمثيل ~~الأسطوري فيما يتعلق بقدوم المسيح على الأرض، إذ إن ~~له أما وأسرة وميلادا وأقارب وأصدقاء. ولا يعني ~~ذلك أن عيسى أسطورة، فالنماذج لا تتحدث عن بطل أسطوري. ~~ويؤكد ديبليوس أن قصة عيسى ليست أسطورية في نشأتها لأن ~~النماذج الأولى وهي أقدم الشواهد على عملية تكوين ~~التراث، لا تعطينا أي بطل أسطوري. بل نشأت الأساطير ~~حول المسيح متأخرة عن تكوين الأناجيل وتحت أثر رسائل ~~بولس؛ فبولس هو مؤسس أسطورة المسيح. ولها ما يشابهها ~~في العهد القديم مثل صعود إلياس إلى السماء، وفي ~~التراث الهليني في فداء الله أو نصف الإله. وقد تحول ~~كثير من هذه الأساطير إلى أساطير مسيحية مثل ابن الإله والبعث. # 5 # | خامسا: الأشكال الأدبية عند بولتمان # قدم بولتمان تحليلا مفصلا لكل مواد الأناجيل المتقابلة داخل ~~إطار التمييز بين أقوال عيسى والرواية. وقسم الأقوال إلى مجموعتين ~~رئيسيتين؛ المقاطع وأقوال الرب. ثم تناول على نحو مستقل أقوال ~~الأنا والأمثال بالرغم من انتمائهما إلى أقوال الرب من حيث المضمون ~~ثم قسم مادة الرواية إلى مجموعتين رئيسيتين؛ قصص المعجزات، ~~والروايات التاريخية مع القصص الخيالية. ~~(1) # المقاطع # Apothegma ~~: # وهي تشبه ~~النماذج عند ms241 ديبليوس وتتضمن أقوالا قصيرة لعيسى في ~~سياق مختصر. ولما كان بولتمان لا يوافق على أن هذا ~~الشكل نشأ من التبشير في كل حالة لذلك يفضل استعمال ~~كلمة «مقطع» بدلا من «نموذج»، وهي كلمة من الأدب ~~اليوناني تفيد القول القصير البليغ التعليمي، ~~«قصة ~~مشافهة» Pronouncement Story # والبرتز «مناقشة» # Controversy ~~، ~~وفاشر # Fasher ~~«حوارا». ويقسم بولتمان المقطع إلى ثلاثة أنواع، ~~لكل منها سياقها وأسبابها المختلفة عن الأخرى. ~~الأول: حوار الصراع # Streitgespräche # وينشأ من النقاش حول موضوعات ~~مثل شقاء عيسى أو سلوكه وسلوك تلاميذه، كما هو الحال ~~في شقاء الرجل ذي اليد اليابسة يوم السبت (مرقص، ~~3:1-6). وهو أسلوب أدبي نشأ في الكنيسة وهي في نقاشها ~~مع معارضيها حول موضوعات الشريعة. والثاني: حوار ~~المدرسة # Schulgeschpräche # وينشأ من الأسئلة التي يوجهها الخصوم مثل السؤال الخاص ~~بأحد الكتبة (مرقص، 12: 28-34). وبالرغم من وجود ~~أوجه تشابه بين الاثنين إلا أن حوار المدرسة لا يبدأ ~~بالنقاش بل في معظم الأحيان بسؤال موجه إلى المعلم من ~~أحد الباحثين عن المعرفة. والثالث: المقاطع ~~البيوجرافية، وهي تقارير أو روايات تاريخية مثل قصة ~~لوقا (9: 57-62). وقد سميت هكذا لأن المقطع يحتوي ~~فيما يبدو على معلومات حول عيسى، تبدأ بالموعظة لأنها ~~أفضل الأساليب والنموذج الأمثل في التربية الدينية، ~~وتساعد على تقديم المعلم كمعاصر حي، وتطمئن الكنيسة ~~على أملها فيه. والأنواع الثلاثة أبنية مثالية نشأت ~~داخل الكنيسة وليست تقارير تاريخية. صحيح أن عيسى قد ~~دخل في نقاش وفي صراع، وكان موضع تساؤل حول أسلوب ~~الحياة وأعظم الوصايا وغيرها. وصحيح أيضا أن بعض ~~المقاطع قد تحتوي على بعض البقايا التاريخية، وأن قول ~~عيسى المباشر قد يرجع إليه شخصيا ولكنها كما هي الآن ~~أبنية كنسية من الكنيسة الفلسطينية، كما يدل على ذلك ~~مقارنتها بأدب الأحبار المشابه. ويتفق بولتمان مع ~~ديبليوس في أن المقطع قد تطور وأصبح قصة تبعا ~~للاهتمام بالتاريخ وبرواية التاريخ. فبمجرد ما يقابل ~~المقطع أهمية في التاريخ أو رواية في التاريخ فإنه ~~سرعان ما يتطور إلى عبارات أكثر دقة فيوصف السائلون، ~~على وجه الدقة، ms242 بأنهم أعداء عيسى أو من تلاميذه بينما ~~كانوا في البداية مجهولين. # 1 ~~(2) # أقوال ~~الرب # Herrenworte ~~: # ويقسمها بولتمان ~~بدورها إلى ثلاث مجموعات رئيسية طبقا لمحتواها بالرغم ~~من وجود بعض الفروق في أشكالها وهي: ~~(أ) # الحكم ~~(Proverb) ~~Logein ~~: # وفيها ~~يظهر عيسى على أنه معلم الحكمة مثل معلمي ~~الحكمة في إسرائيل وفي الشرق كله، ويميز ~~بولتمان بين ثلاثة أشكال تكوينية للحكم ~~مشروطة بالأقوال ذاتها موجودة كلها في أدب ~~الحكمة، وليس فقط في أقوال الحكمة في ~~الأناجيل المتقابلة، الأول: الشكل ~~الإعلاني # Declarative # والتأكيدي # Assertive # يضع مبدأ ويعلن عنه ويتعلق بالأشياء ~~المادية أو بالأشخاص مثل: «وإنما يتكلم ~~الفم من الفضل ما في القلب» (متى، 12: ~~34)، «فلا تهتموا بشأن الغد فالغد يهتم ~~بشأنه، يكفي كل يوم شره» (متى، 6: 34)، ~~«لأن العامل مستحق أجرته» (لوقا، 10-7)، ~~«لأن المدعوين كثيرون والمختارون قليلون» ~~(متى 22: 14)، «فإنه حيث تكون الجنة فهناك ~~تجتمع النسور» (متى، 24: 28)، والثاني: ~~الشكل الأمري # lmperative # أو المقارن # Comparative # للحث على شيء والنداء عليه مثل «أيها ~~الطبيب، اشف نفسك» (لوقا، 4: 23)، «دع ~~الموتى يدفنون موتاهم» (متى، 8: 22)، ~~والثالث: الشكل التساؤلي # Interrogative # الذي يضع الإجابة ~~في صيغة سؤال مثل: «ومن منكم إذا صمم يقدر ~~أن يزيد على قامته ذراعا واحدة» (متى، ~~6: 27)، «هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا ~~ما دام العروس معهم» (مرقص، 2: 19). وقد ~~حدث تطور لهذه الحكم حتى بعد تدوينها؛ ~~وبالتالي يكون السؤال: هل ترجع كلها إلى ~~عيسى التاريخ؟ وتصعب الإجابة إذا عرفتا أن ~~هذه الحكم لها ما يشابهها في أدب الحكم ~~عند اليهود (قارن لوقا، 14: 7-12 مع كتاب ~~الحكم، 25: 6-7). ويضع بولتمان ثلاثة ~~احتمالات؛ الأول: أن عيسى نفسه قد صاغ ~~بعضها في الأناجيل المتقابلة، والثاني: ~~أنه قد استغل البعض الآخر المعروف في ~~عصره، والثالث: أن الكنيسة الأولى قد وضعت ~~على لسان عيسى كثيرا منها من مخزونها في ~~الأدب الشعبي اليهودي. وينتهي بولتمان إلى ~~القول بأن أقوال الحكم أقل الأقوال صحة ~~في أقوال عيسى؛ وبالتالي فهي أقلها دلالة ~~على عيسى التاريخ. ويتفق مع ديبليوس في ~~رصد هذا التشابه بين الأنواع الأدبية في ~~الأناجيل وفي ms243 الأدب اليوناني وفي أدب ~~الأحبار وفي كتابات آباء الكنيسة الأوائل ~~مثل # Charia # التي تعني قولا أو مثلا لشخص في موقف ~~معين، # Gnome # التي تعني مثلا أو حكمة. وقد وجدت هذه ~~الأنواع في أدب الأحبار «الحلقة» # Halakah # خاصة بسؤال التلميذ بالرغم من وجودها في ~~سياق خاص، وعدم صلتها بالسياق الخلقي، أو ~~إدخالها في سياق بعد ذلك لاهتمام خاص، ~~ولها ما يشابهها في العهد القديم في حكم ~~سليمان وحكم عيسى ابن شيراخ وفي حكم الشرق. # 2 ~~(ب) # الأقوال النبوية ~~والأخروية: # وهي الأقوال التي ~~يعلن فيها عيسى قدوم ملكوت الله ويحث على ~~التوبة ويعد بالخلاص للتائبين وبالهلاك ~~لغير التائبين مثل: «قد تم الزمان ~~واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا ~~بالإنجيل» (مرقص، 1: 25)، «طوبى للعيون ~~التي تنظر ما أنتم تنظرون فإني أقول لكم ~~إن كثيرين من الأنبياء والملوك ودوا أن ~~يروا ما أنتم راءون ولم يروا، وأن يسمعوا» ~~(لوقا، 10: 23-24)، «طوبى لكم أيها ~~المساكين فإن لكم ملكوت الله. طوبى لكم ~~أيها الجياع الآن فإنكم ستشبعون. طوبى لكم ~~أيها الباكون فإنكم ستضحكون» (لوقا، 6: ~~20-21). ويرى بولتمان في الرؤية الأخروية ~~لمرقص (13: 5-27) شاهدا على أن مادة من ~~الأدب اليهودي قد نسبتها الكنيسة إلى عيسى ~~وبالتالي يكون السؤال: وماذا عن باقي ~~المواد؟ توحي بعض الأقوال بأن الوعي ~~الأخروي مختلف عن التراث اليهودي ~~وبالتالي يكون عيسى مصدره (لوقا، 10: ~~23-24، متى، 11: 5-6، لوقا، 11: 31-32، ~~لوقا، 12: 54-56)، ولكن بعض الأقوال ~~الأخرى لا تحتوي على أي عنصر مميز لعيسى ~~ومن ثم توحي بمصدر يهودي (متى 24: 37-41، ~~43-44، لا 45-51، متى، 24: 10-12، لوقا، ~~6: 24-36، لوقا، 6: 20-21). ولا يعني ذلك ~~أن كل الأقوال التي لم تأت من اليهودية ~~أنها من أقوال عيسى لأن الكنيسة قد صاغت ~~بعضها؛ فبعض الأقوال النبوية كانت من وضع ~~آباء الكنيسة الأولى ثم تمت نسبتها فيما ~~بعد إلى عيسى التاريخ. ويبدو هذا المصدر ~~الكنسي أكثر احتمالا كلما كانت هناك صلة ~~بين قول عيسى وشخصه أو إشارة إلى مصير ~~الكنيسة ومصلحتها بالرغم من وجود بعض ~~الكلمات الصحيحة لعيسى التاريخ. ومع أن ~~الجماعة ms244 الكنسية ذاتها قد صاغت كثيرا من ~~الأقوال النبوية فإن المسيحيين الأوائل ~~مدينون بعواطفهم الأخروية إلى ظهور عيسى ~~التاريخ كنبي. وكثير من أقوال عيسى في ~~نهاية الأمر تشبه أقوال أنبياء بني ~~إسرائيل ضد المظاهر الخارجية للتقوى. # 3 ~~(ج) # الشرائع والأخلاق ~~اليهودية والقواعد التنظيمية للجماعة ~~الأولى: # ومثالا على ذلك: «لا ~~شيء مما هو خارج من الإنسان إذا دخله يمكن ~~أن ينجسه بل ما يخرج من الإنسان هو الذي ~~ينجس الإنسان» (مرقص، 7: 15)، «أخير ~~يحل أن يفعل في السبت أم شر، أن تخلص ~~نفس أم تهلك؟» (مرقص، 3: 4)، «إذا خطئ ~~إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه على ~~انفراد. فإن سمع لك فقد ربحت أخاك، وإن لم ~~يسمع لك فخذ معك واحدا أو اثنين لكي تقوم ~~على ضم شاهدين أو ثلاثة كل كلمة، فإن أبى ~~أن يسمع لهم فقل للبيعة، وإن لم يسمع من ~~البيعة فليكن عندك كوثني عشار» (متى، 18: ~~15-17). # يرى بولتمان أن النص يمكن أن نضيفه ~~بوضوح ضمن المواد التشريعية، ويؤكد أن ~~الكنيسة كانت تملك مخزونا من الأقوال ~~الأصلية لعيسى ومنها الأقوال الموجزة ~~لصراعه ضد التقوى اليهودية (مرقص، 7: 15، ~~3: 4، متى، 23: 16-19: 23-24: 25-26). ~~ويرى أن هذه هي المرة الأولى التي يمكن ~~فيها الحديث عن أقوال عيسى من حيث الشكل ~~والمضمون في آن واحد. وقد جمع التراث هذه ~~الأقوال الأصلية ثم أعطتها الكنيسة شكلا ~~جديدا ورسمتها وطورتها. وجمعت أقوالا ~~يهودية أخرى، وهذبتها وكيفتها بحيث تدخل ~~ضمن كنوز التعاليم المسيحية. وأنتجت ~~أقوالا جديدة من وعيها بامتلاك شيء جديد ~~ثم وضعتها على لسان عيسى. # وينسب بولتمان إلى الكنيسة شواهد العهد ~~القديم الموجودة دائما في أقوال الصراع ~~والأقوال التي تحتوي على القواعد ~~التنظيمية للجماعة والأقوال الخاصة ~~برسالتها والأقوال التي عبرت فيها ~~الكنيسة عن إيمانها بعيسى وعمله وشخصه ومصيره. # 4 ~~(د) # أقوال ~~الأنا # Ich-Worte ~~: # وهي ~~الأقوال المنسوبة لعيسى والتي يتحدث ~~فيها عن نفسه وعمله ومصيره بضمير المتكلم ~~مثل : «لا تظنوا أني أتيت لأجل الناموس ~~والأنبياء. إني لم آت لأحل لكن لأتمم» ~~(متى، 5: 17)، «فإن ابن البشر لم يأت ~~ليخدم بل ليخدم، ms245 وليبذل نفسه فداء عن ~~كثيرين» (مرقص، 10: 45). # ويرى بولتمان أنه من المستحيل البرهنة ~~على أن عيسى لم يتحدث عن نفسه بضمير ~~المتكلم ومع ذلك تواجه هذه الأقوال شكوك ~~خطيرة تجعل الإنسان عاجزا عن الوثوق بها، ~~وذلك لأن الأقوال في مجموعها تعكس ~~رؤية ~~ارتدادية # retrospective # للكنيسة. فكثير ~~منها يأتي من الكنيسة في فلسطين (يشير ~~مثلا متى، 5: 17 إلى المناقشات القانونية ~~التي حدثت في الكنيسة الأولى كما يشير ~~متى، 15: 24 إلى المناقشات حول رسالة ~~الوثنيين # Gentiles ~~). ومع ذلك فإن ~~أقوال الأنا من وضع الكنائس اليونانية. # 5 ~~(ه) # الأمثال ~~(Parables) ~~Gleichnisse ~~: # هي قصة مركزة تشبه القصة الشعبية بلغتها، ~~الحسية واستعمالها للغة الجدلية ~~وأحاديث ~~النفس # Soliloquy # والتكرار، القصد منها ~~إصدار أحكام على المستمع نفسه في موضوعات ~~تخص الشئون الدنيوية والعلاقات الاجتماعية ~~وأحيانا الحياة الروحية. تحدث عيسى ~~بطبيعة الحال بأسلوب الأمثال ثم نقلتها ~~الكنيسة واستعملتها لصالحها الخاص. فتغير ~~الشكل، وأضيفت زيادات على الأمثال لتكون ~~أكثر اتصالا ودلالة على الكنيسة ~~المتأخرة. وتتضح هذه التغيرات في طريقة ~~استعمال متى ومرقص لمصادرهما المكتوبة. ~~ولكن التغير الحاسم قامت به الكنيسة؛ فقد ~~وضعت الأمثال في سياقات خاصة وأضافت عليها ~~مقدمات تؤثر على معنى القصص، بل وضعت ~~أمثلة جديدة موازية للقصة القديمة، ~~وصاغتها طبقا للخط العام لتدل على نفس ~~التعاليم أو لتغيير التعاليم القديمة. ~~وضخمت الكثير منها وزادت عليها ~~حكايات ~~رمزية # Allegories # وتفسيرات أضافتها من ~~مصادر يهودية. ويتضح من تاريخ الأمثال أن ~~المعاني الأصلية لكثير منها لا يمكن ~~العثور عليها وأن البعض الآخر لا يرجع إلى ~~عيسى بل إلى الكنيسة. # ويعطي بولتمان قاعدة للتعرف على ~~الأمثال التي ترجع لعيسى وهي الآتية: ~~عندما يكون لدينا من ناحية التقابل بين ~~الأخلاق اليهودية والمزاج الأخروي الذي ~~يميز تعاليم عيسى، ومن ناحية أخرى تعاليم ~~ليس بها أي سمات مسيحية. # 6 ~~(3) # قصص ~~المعجزات # Wundergeschichten ~~: # وهي التي ~~سماها ديبليوس من قبل القصة؛ أي قصص الشفاء ومعجزات ~~الطبيعة والتي تكون فيها المعجزة الموضوع الرئيسي. ~~وتحتوي على تفصيلات كثيرة ، وتوجد وسط المقاطع لخدمة ~~غرضها الخاص. وهي تضم كما هو الحال ms246 عند ديبليوس ثلاثة ~~أجزاء؛ الأول: وضع المريض وتقديمه والإشارة إلى طبيعة ~~المرض وفشل المحاولات السابقة للشفاء. والثاني: قصة ~~الشفاء وخصائص الشافي ووصف الشفاء مع ذكر بعض ~~التفصيلات. والثالث: الشهادة على الشفاء بسلوك المريض، ~~فالكسيح يأخذ جبيرته ويسير إلى المنزل، والمجذوب يلبس ~~ملابسه ويعقل، ويصيح المشاهدون ويعبرون عن دهشتهم ~~وإعجابهم ويرون الشياطين المطرودة وأعمالهم الهدامة، ~~وتعليقهم «لم نشاهد مثل هذا من قبل». # ويقسم بولتمان المعجزات إلى نوعين؛ معجزات شفاء ~~ومعجزات طبيعية؛ الأولى: لها صورة واحدة تتجاوز بيئة ~~الأناجيل، وكما تثبت دراسات # Weinreich, ~~Fiebig # فقد كان الأحبار يقومون ~~بالشفاء وإن لم يجروا القدر الكافي منها، وإن لم يشتهر ~~بها كبار الأحبار ذوي التعاليم المعروفة بل صغارهم. ~~والثانية: ليس لها سوابق في الأدب الهليني أو اليهودي ~~بالرغم من المحاولات لإقامة مثل هذا التشابه. # ويقارن بولتمان بين قصص المعجزات في الأناجيل ~~المتقابلة بمثيلاتها في الأدبين اليهودي والهليني، ~~ويكتشف تشابها في الأسلوب، وأن معظمها تمت إضافته ~~فيما بعد من الكنيسة الفلسطينية مثل هبوب العاصفة ~~(مرقص، 4: 35-41) وقصص الطعام (مرقص، 6: 34-44، 8: ~~1-9) وشفاء الأبرص (مرقص، 1: 40-45). وقد يرجع القليل ~~منها إلى مصدر هليني دون التراث الأصلي المبكر للأناجيل. # 7 ~~(4) # القصص التاريخية والحكايات ~~الخيالية # Geschichteerzählung und ~~Legende ~~: وهي روايات ~~دينية تربوية وليست بالضرورة قصص معجزات بالرغم من ~~احتمال قيامها على بعض الحوادث التاريخية. ويضع ~~بولتمان القصص التاريخية والحكايات الخيالية معا لأنه ~~يصعب التمييز بينهما، بعضها خيالي تماما مثل قصة ~~امتحان عيسى (مرقص، 1: 12-13) وتشبه امتحانات القديسين ~~مثل بوذا وزرادشت والقديسين المسيحيين المتأخرين الذين ~~يمتحنهم الشر ويخرجون منتصرين عليه. فالبعض الآخر له ~~أسس تاريخية ولكن تسيطر عليه أيضا الحكايات الخيالية ~~مثل قصة تعميد يوحنا المعمدان لعيسى التي تروي واقعة ~~تاريخية، ولكن في صورة حكاية خيالية، ليس بهدف التاريخ ~~ولكن من أجل التربية الدينية: تنصيب عيسى المسيح ~~المخلص. ويضع بولتمان القاعدة الآتية: عندما يكون ~~السياق الإيمان أو عبادة الجماعة تكون النتيجة حكاية ~~خيالية، وعندما يكون السياق حياة بطل ديني تكون ~~النتيجة حكاية خيالية بيوجرافية. ويلاحظ بولتمان أن ~~بواعث الحكايات ms247 الخيالية في الروايات تأتي من مصادر ~~عديدة. والبعض منها يكشف عن آثار العهد القديم ~~واليهودية، والبعض الآخر يكشف عن عناصر هلينية، والبعض ~~الثالث نما داخل الكنيسة ذاتها. أما مادتها فقد أتت من ~~بيئات فلسطينية أو يهودية هلينية أو هلينية خالصة. ~~وبصرف النظر عن المصدر النهائي وقت استعمال الكنيسة ~~لها فإن هذه المواد قد استعملت تلبية لحاجات الإيمان ~~والحياة المسيحية. # 8 # | سادسا: تاريخ الأشكال الأدبية وحياة ~~عيسى # أثرت مسلمات ديبليوس وبولتمان وتحليلاتهما للأناجيل المتقابلة ~~على طريقة تناول حياة عيسى؛ وذلك لأن طبيعة المصادر الحقيقية ~~الوحيدة لحياته، وهي الأناجيل المتقابلة، تجعل كتابة تاريخ حياته ~~مستحيلة. لم تهتم الجماعة المسيحية الأولى التي كان لها أثرها ~~البالغ على تكوين التراث بكتابة تاريخ حياة لعيسى من أجل التاريخ، ~~ولم تضع إطارا زمانيا أو مكانيا ولم تصف بيئة جغرافية أو ~~بشرية لحياته، بل نقلت أقوالا متفرقة وروايات متباينة باستثناء ~~رواية الآلام. أما الوحدات المتفرقة فإنها لا ترجع إلى عيسى، بل ~~كونتها الكنيسة لأغراضها الخاصة. فهل يمكن حذف الإضافات هنا وهناك ~~والرجوع إلى الأشكال الأولى لزمان عيسى التي نشأت في الكنيسة والتي ~~من خلالها يمكن معرفة عيسى التاريخ قدر الإمكان؟ وللإجابة على هذا ~~السؤال كتب كل من ديبليوس وبولتمان كتابا عن عيسى. وابتداء من ~~مسلمات متشابهة ينتهيان إلى نتائج مختلفة، خاصة فيما يتعلق ~~بطريقة استعمال التراث لكتابة حياة عيسى، ومقدار الصحة التاريخية ~~التي يعزوها كل منهما للأشكال الأدبية. # ولكتابة تاريخ حياة لعيسى يقترح بولتمان أولا ثلاثة مقاييس ~~لصحة النصوص تقوم كلها على معيار واحد هو التمييز # Distinctiveness ~~، الأول عند ~~معارضتها للأخلاق والتقوى اليهودية، والثاني عندما تكشف عن المزاج ~~الأخروي الذي يميز بشارة عيسى، والثالث عندما لا تكشف عن تعاليم ~~مسيحية خاصة. ويزيد # O. Cullman # عليه مقياس الاتفاق أو الاختلاف مع اليهودية أو مع الكنيسة ~~المتأخرة آخذا في الاعتبار نشاط الكنيسة في صياغة الوحدات أو ~~خلقها. كما يقترح جرمياس # Jeremias # مقياسين آخرين معتمدا على المعيار اللغوي البيئي؛ الأول: عندما ~~تكشف النصوص خصائص آرامية؛ صيغة شعرية، مترادفات، ألفاظا عكسية، ms248 ~~ترجمة من الآرامية إلى اليونانية . والثاني: عندما تكشف عن بيئة ~~فلسطينية. ويقترح بوركت # F. C. Burkitt # مقياس الاتفاق بين الوحدات المختلفة في ~~إنجيل مرقص ومتى باعتبارهما أقدم الأناجيل. ويقترح كارلستون # C. E. Carlston # مقياس الاتساق # Consistency # أي الاتفاق مع ~~تعاليم عيسى أو الاختلاف معها. بل ويمكن تطبيق هذه المقاييس كلها ~~في كل مرحلة من مراحل تدوين التراث. يطبقها شميت # K. L. Schmidt # على مرحلة التدوين ~~ابتداء من نقد المصادر والتعرف على منهج التدوين التاريخي. كما ~~يمكن تطبيقها على المصادر الأولى وحدها كنقد للمصادر فحسب دون ~~الانتقال إلى كيفية التدوين. ويمكن تطبيقها على مرحلة التراث ~~الشفاهي الهليني والفلسطيني كما فعل دود # C. H. Dodd # ويمكن تطبيقها أخيرا على تراث عيسى وحده ~~خاصة مقياس التمييز. أما مقياس الاتساق فإنه يمكن تطبيقه في كل ~~مرحلة من مراحل التدوين. # 1 # وبعد وضع هذه المقاييس نشر ديبليوس كتابه عن عيسى في 1939م على ~~أساس عمله السابق عن تاريخ الأشكال الأدبية ورأى أنه من الضروري ~~التمييز بين الصدق التاريخي للوحدات المتعددة للتراث على أساس ~~أشكال هذه الوحدات، باستثناء قصة الآلام فهي الوحيدة التي يعزو لها ~~الصدق التاريخي. فالنماذج أكثر الأشكال اقترابا من التاريخ لأنها ~~مثل قصة الآلام نشأت مبكرا بفضل شهود عيان بإمكانهم التصحيح ~~والمراقبة للتراث، ويؤكد صدقها التاريخي مكانتها في الكنيسة فقد ~~نشأت مع التبشير. وطبقا للقاعدة، بقدر قرب الرواية من الوعظ تكون ~~أقرب إلى الصدق وأقل مدعاة للشك، وأقل احتمالا للتغيير أو ~~المؤثرات الرومانسية أو الخيالية # legendary # أو الأدبية. ومع ذلك ~~فهي صحة تاريخية نسبية لأنها تخدم غرض التبشير؛ ولهذا فإنه لا يمكن ~~قص الروايات بطريقة محايدة بل لا بد من تلبية مطالب المستمعين، ~~وتدعيم الرسالة والبرهنة عليها؛ ومن ثم فقد تم تقديمها بناء على ~~باعث موجه وتحقيقا لغرض خاص. # أما القصص والحكايات الخيالية فإنها أقل قيمة من الناحية ~~التاريخية من النماذج بسبب طبيعتها الخاصة. تختلف فيما بينها من ~~حيث درجة الصدق. ولما كانت نشأتها بطرق ثلاث؛ بتطوير النماذج أو ~~بإدخال بواعث خارجية أو ms249 بإدخال مواد خارجية، فإن الحكم التاريخي ~~على قصة يعتمد على مصدرها. يمكن افتراض الصحة عندما تتطور القصة عن ~~نموذج، ويمكن الشك في الصحة عندما يكون للقصة مصدر غير مسيحي. ولا ~~يجب استبعاد الحكايات الخيالية كحوامل للتاريخ لأنها في نواتها ~~تحتوي على بعض المضامين التاريخية. يثق ديبليوس بوجه عام بالصدق ~~التاريخي للأقوال. فقد تم نقلها بأمانة بفضل ذاكرة أتباعه وتعظيمها ~~لأقوال المعلم. ويمكن الشك في صحتها عندما تتدخل ظروف الكنيسة ~~القائمة ومشاكلها واستعمالها ونقلها لهذه الأقوال لحسابها الخاص. ~~ولما كانت الأقوال تتعلق بتجربة عيسى وحياته ومصيره فإنه يجب الحذر ~~من الأقوال تاريخيا لأن الجماعة لا يمكنها أن تعبر عن نفسها ~~تجاه قدره ومصيره دون أن تعبر عما تعتقده الآن وتعرفه بعد ~~الواقعة بفضل الإيمان بالقيامة. ومع أنه يمكن الاعتماد على الأقوال ~~باعتبارها صحيحة تاريخيا إلا أن على المؤرخ أن ينظر إلى التراث ~~ككل وليس إلى قول واحد يتفق أو يختلف مع مجمل التراث. وينتهي ~~ديبليوس إلى أنه يمكن استعمال الروايات والأقوال بعد نقدها لكتابة ~~تاريخ حياة عيسى. ويقوم بذلك بالفعل بعد مناقشته للخلفية التاريخية ~~والدينية والبيئية التي نشأ فيها عيسى ويفحص السمات العامة للحركة ~~بين الجماهير التي قادها رجل مقدس ونبي من الجليل. ثم يتناول ~~تعاليم عيسى فيما يتعلق بشخصه وعلاقته بالله، وبمبادئه الأساسية ~~الخاصة بالحياة وملكوت السموات، والقوى المضادة لعيسى والتي أدت ~~إلى موته، وشهادة الكنيسة على بعثه. يستعمل ديبليوس تاريخ الأشكال ~~الأدبية لكتابة تاريخ حياة عيسى وهو على ثقة كاملة بوجود عيسى في التاريخ. # 2 # أما بولتمان فقد نشر كتابه عن «عيسى» في 1926م وأضافت الترجمة ~~الإنكليزية له في العنوان «الكلمة» في «عيسى والكلمة» تأكيدا على ~~استعمال منهج تاريخ الأشكال الأدبية في كتابة تاريخ حياة عيسى دون ~~العقيدة وابتداء من تصنيف الأقوال. ويبدأ بولتمان بالشك في ~~إمكانية وجود أي بحث تاريخي حول عيسى ووضع اعتراضات رئيسية وإثارة ~~شكوك أساسية حول شرعية مثل هذا البحث؛ وبالتالي فلا يمكننا معرفة ~~شخصية عيسى، حياته أو مماته، فلا توجد كلمة واحدة يمكن البرهنة ms250 على ~~صحتها. إن كل ما يمكن معرفته عن شخص عيسى هو أننا لا نعلم عنه ~~شيئا! ومع ذلك يحاول بولتمان كتابة تاريخ حياة لعيسى ابتداء من ~~تحليله لمدى الصحة التاريخية للأشكال الأدبية. فنظرا لطبيعة ~~الرواية يشك بولتمان في صحتها التاريخية. وبطبيعة الحال فإنه لا ~~يشك في أن عيسى قد عاش، وقام بعديد من الأعمال التي ينسبها إليه ~~التراث، ولكنه يشك في أن تكون الرواية التي ترصد حياته صحيحة ~~تاريخيا؛ لذلك لا يمكن إعطاء تاريخ حياة لعيسى أو رسم صورة ~~لشخصه. ولا يمكن معرفة شيء عن شخص عيسى وحياته نظرا لأن الكنيسة ~~الأولى لم تكن تهتم بهما. وما تبقى لدينا مجرد شذرات أو حكايات ~~خيالية. لا توجد مصادر أخرى لحياة عيسى؛ ومع ذلك لا يشك أحد في ~~وجود عيسى كمؤسس لحركة ظهرت أولا في جماعة فلسطين بالرغم مما يثار ~~من شك حول موضوعية الصورة وصدقها التي رسمتها الجماعة له في ~~تراثها. ولا يشك بولتمان في الأقوال قدر شكه في الروايات. وبمقدار ~~القليل الذي لدينا عن حياته وشخصه فإننا نعلم أكثر عن رسالته من ~~خلال أقواله، وذلك يسمح لنا بعمل صورة له. ومع ذلك ترجع الأقوال ~~والروايات إلى الجماعة المسيحية الأولى التي نقلت أقوال عيسى أو ~~وضعتها على لسانه، ولكن كيف يمكن التمييز بين الاثنين؟ إن العلم ~~بأن الأناجيل المتقابلة قد تم تأليفها باليونانية في الجماعات ~~الهلينية بينما عاش عيسى مع الجماعة المسيحية الأولى في فلسطين ~~وتكلم الآرامية قد يساعد على الإجابة على السؤال. فكل شيء في ~~الأناجيل المتقابلة يبدو وكأنه نشأ في المسيحية الهلينية - سواء في ~~اللغة أو في المضمون - يجب استبعاده كمصدر لتعاليم عيسى. # إن كل ما تم نقله في التراث لا يرجع إلى عيسى لأنه كانت هناك ~~كنيسة فلسطينية تتحدث بالآرامية حتى بعد زمان عيسى. يجب إذن ~~التمييز بين مستويات عدة من المنقول الفلسطيني. كل مادة تكشف عن ~~مصلحة خاصة أو آراء كنيسية محددة أو ما يميز التطور المتأخر يجب ~~استبعادها كمصدر ثانوي. وبهذه الطريقة يمكن تحديد المستوى الأول ms251 ~~قدر الإمكان. حتى هذا المستوى قد لا يرجع إلى عيسى ذاته بل قد يكون ~~نتيجة لعملية تاريخية معقدة تمت في شعور الجماعة المسيحية ~~الأولى. إن كتاب بولتمان عن «عيسى» هو في حقيقة الأمر دراسة ~~لرسالته. ويشير عيسى هنا إلى مجموعة من الأفكار في المستوى الأول ~~للأناجيل المتقابلة. يقول التراث إن عيسى حامل لرسالة؛ ومن ثم ~~احتمال وجوده كبير. وكل إنسان حر في أن يضع عيسى «بين قوسين» أو ~~كاختصار لظاهرة تاريخية ارتبطت به. # 3 # | سابعا: تطور المدرسة والردود على ~~الاعتراضات # تطورت مدرسة تاريخ الأشكال الأدبية بعد مؤسسيها الأوائل وتشعبت ~~إلى جناحين رئيسيين؛ الأول: يريد المحافظة على مكتسبات المنهج ~~الجديد مقتفيا آثار ديبليوس وبولتمان وما أكثر ممثليه في الجماعات ~~ومراكز البحوث والمعاهد الدينية دون إبداع جديد ولكن بإعطاء مزيد ~~من التطبيقات والبراهين على صحة المسلمات. والثاني: محافظ يريد ~~الإبقاء على المنهج مع التقليل من أخطاره بالنسبة للعقيدة والتاريخ ~~واستعماله لحسابه الخاص. إذ أصبح من المستحيل التنكر لقيمة ~~المنهج وإن كان من الممكن تغيير بعض النتائج والتخفيف من حدتها ~~أو استعمال ألفاظ ومسميات أخرى حفاظا على الإيمان في قلوب الناس ~~والتخلي عن الصدق العلمي ومجافاة الشجاعة الأدبية. وقد اتجه ~~الجناح المحافظ لإثبات عدة نتائج هي في الحقيقة مسلمات مضادة ~~لمسلمات المدرسة بدعوى نتائج البحث والدراسة، وعلى رأسها إثبات ~~الصحة التاريخية لمرقص وللأناجيل المتقابلة بل وتاريخية النصوص، ~~وإمكانية العودة إلى عيسى كمصدر لهذه النصوص القديمة، والإقلال من ~~تدخل الكنيسة في وضع التراث وخلق الأقوال وتفسير النصوص، وصياغة ~~العقائد وربط المسيحية باليهودية أكثر منها بالتراث اليوناني ~~تحقيقا للاستمرار ومنعا لآثار الوثنية، والاعتماد على بولس ~~ويوحنا والربط بينهما وبين الأناجيل المتقابلة وعدم استبعاد ~~العقائد نهائيا من نقد النصوص. # استمر بعض ممثلي هذا الجناح في استعمال «نقد المصادر» وحدها دون ~~«نقد الأشكال» والعودة بالنقد إلى القرن الماضي والدراسات ~~التقليدية فهي أقل خطرا على العقيدة مما كان يظن من قبل. ~~واستمروا في تحليل نصوص الأناجيل الأربعة لإثبات صحتها التاريخية ~~ضد نزعات النقد كما فعل شتريتر # B. H. ms252 Streeter ~~، وهيدلام # Headlam ~~. # 1 # كما حاول البعض الآخر تحدي «نقد الصور»، فأنكر ~~دود # C. D. Dodd # أن يكون ~~الإطار العام للوحدات المستقلة بناء مصطنعا. وميز بين الوحدات ~~المستقلة والمجموعات الكبرى والخطة العامة لرسالة عيسى. وجعل هذه ~~الأخيرة من وضع عيسى نفسه وليست من وضع كاتب الإنجيل. كما حاول ~~مانسون # T. W. Manson # إثبات ~~الصحة التاريخية للأناجيل معتمدا على نقد المصادر ورافضا خلق ~~الكنيسة للتراث. أما مؤسسا المدرسة الإسكندنافية ريزنفلد # H. Riesenfeld # وجرهاردسون # B. Gerhardsson # فقد أثبتا أن ~~عيسى أعطى مادة ثابتة سواء في الأقوال أو في الروايات إلى تلاميذه ~~لنقلها إلى الآخرين. فقد وجدت هذه الوحدات أولا في صورة شفاهية ثم ~~دونت بعد ذلك، ولكن ترجع بداياتها كلها إلى عيسى ذاته، وقد حدث ~~ذلك أيضا في نقل التراث اليهودي. وكان بولس ذاته حاملا لتراث ~~الأناجيل بالإضافة إلى علمه بالتراث المسيحي. # 2 # وقد آثر فريق ثالث من الباحثين الإنكليز والأمريكيين ~~الاستعمال الحذر لنقد الأشكال، وعدلوا من بعض تصنيفات ديبليوس ~~وبولتمان. فالبعض منها في رأيهم لا يساعد على شيء، والبعض الآخر ~~يخرق قاعدة التصنيف ذاتها. واعتبروا أن نقد الأشكال هو نقد تاريخي ~~وأن الروايات والأقوال ترجع إلى عيسى نفسه. وهذه هي نتيجة دراسات ~~إيستون # B. S. Easton ~~، أما ~~تيلور # V. TayIor # فقد حاول ~~إثبات الصحة التاريخية للأناجيل بأنها ترجع إلى شهود عيان، لم تخلق ~~الكنيسة شيئا منها. كما أنه لا يمكن تحليل المواد كلها ابتداء من ~~الأشكال. ولا يوجد تبرير كاف عند بولتمان لتصنيف أقوال عيسى إلى ~~حكم وأقوال نبوية وأخروية، وقوانين تشريعية وقواعد تنظيمية ~~للجماعة. أما ليتفوت # R. H. Lightfoot # فإنه ركز أبحاثه على الكشف عن أهداف ~~كتاب الأناجيل وآرائهم وعقائدهم وأصبح مؤسس «النقد التدويني»، ~~وتحول إلى موضوع مستقل عن «نقد الأشكال». # 3 # وقام فريق رابع باستعمال منهج لنقد الأشكال في دراسة ~~الأمثال التي كان الناس يظنونها قبل النقدحكايات رمزية # allegories ~~. ولكن ابتداء ~~من يولشر # A. Jülcher # وضع الناس ~~والحوادث والموضوعات داخل القصص ضمن الوقائع التاريخية. وأصبحت ~~القصص والمقارنات وأوجه الشبه ms253 من عمل عيسى نفسه استقاها من الحياة ~~اليومية لجعل رسالته أكثر حيوية ووضوحا وفسرها بأوسع المعاني ~~وأشملها. وتابعه دود # C. H. Dodd # وأنكر أن تكون حكايات رمزية، وأنه يجب تفسيرها في ظروفها الخاصة ~~دون إطلاق للمعنى، وداخل إطار رسالة عيسى وقدوم ملكوت السموات. أما ~~جرمياس # J. Jeremias # فقد نسب ~~لها صحة تاريخية وأرجعها إلى عيسى نفسه. # 4 # ولقد حاول هذا الجناح المحافظ إعادة النظر في أثر نقد الأشكال ~~على إمكانية كتابة تاريخ عيسى واستحالة مثل هذا المشروع إذ لا يوجد ~~إلا «عيسى الإيمان»، أما «عيسى التاريخ» فلا يمكن الوصول إليه، ~~ولكن كيزيمان # E. Käsemann # لا يريد ~~استبعاد «عيسى التاريخ» وإمكانية معرفته بالرغم من تسليمه بأن ~~الأناجيل لم تكتب لإعطاء تاريخ حياة عيسى وبأنها تعبر عن عيسى ~~الجماعة الأولى. كما حاول فوكس # E. Fuchs # إثبات اتصال بين عيسى التاريخ والتبشير. ~~وبالرغم من استحالة تحويل التبشير إلى تاريخ إلا أن التبشير يفترض ~~التاريخ، وبدون التاريخ لا يكون هناك تبشير. كما حاول روبنسون # I. Robinson # إثبات علاقة وجودية ~~بين عيسى التاريخ والمؤرخ، وبالرغم من أنها علاقة تتم من خلال ~~التبشير إلا أنها تثبت إمكانية فك الحصار الذاتي والخروج إلى ~~موضوعية التاريخ. أما بيران # N. Perrin # فإنه ميز بين ثلاثة أنواع من المعارف؛ ~~الأول: المعرفة التاريخية الموضوعية بعيسى التاريخ، ولادته وحياته ~~ومماته، وهي مستحيلة، والثاني: المعرفة التاريخية التي لها دلالة ~~بالنسبة لنا مثل المعرفة الأخلاقية وبشارة عيسى، وهي ممكنة، ~~والثالث: المعرفة الإيمانية التي لها دلالة بالنسبة للإيمان ~~المسيحي وحده مثل الخلاص والفداء والخطيئة وهي أيضا مستحيلة. ومن ~~ثم يجد حلا وسطا بين موقف نقد الأشكال الأول وبين موقف الكنيسة الثاني. # 5 # وقد حاول جرمياس # J. Jeremias # إعادة النظر في مسلمات المدرسة واقترح معيارين للتمييز بين ~~المواد الصحيحة والمواد غير الصحيحة تاريخيا؛ الأول: سمات اللغة ~~الآرامية، وهو معيار لغوي لفظي. والثاني: سمات العالم الفلسطيني، ~~وهو معيار جغرافي بيئي. وكلاهما يشابهان معيار التمايز عند بولتمان. # 6 # وقد حاول فريق آخر إعطاء نماذج من تطبيق نقد الأشكال ms254 ~~على تاريخ حياة عيسى. فبين برونكام # G. Bronkamm # أنه بالرغم من أن الأناجيل المتقابلة لا ~~تعطي صورة لعيسى التاريخ فإنها تشير إلى التاريخ وتحتوي على ~~تاريخ. كما حاول فولر # R. H. Fuller # إثبات الصحة التاريخية لبعض الأقوال ~~والروايات بالرغم من وجود «مناظر مثالية» في الأناجيل لأن تحول ~~الواقع إلى مثال لا يخلق شيئا بل يكون أقرب إلى تعميم الذكريات عن ~~عيسى. وحذر من التشكيك في دور الكنيسة، واكتفى بدور النقد، ~~وانتهى إلى أن عيسى قد فهم نفسه كنبي مثل أنبياء بني إسرائيل، وتلك ~~هي نواة التاريخ. أما بيران # N. Perrin # فإنه بالرغم من اعترافه باستحالة كتابة ~~تاريخ حياة لعيسى إلا أنه يمكن التركيز على محاور أساسية في ~~رسالته مثل ملكوت الله والأخرويات. # 7 # وقد وجهت اعتراضات كثيرة إلى المدرسة من أعدائها من الخارج، ~~يرفضون مسلماتها ونتائجها على حد سواء، ويدافعون عن المواقف ~~التقليدية للكنيسة، ويتنكرون لنتائج العلم والبداهات الأولية. منها ~~أن تحديد الأنواع الأدبية شيء تقريبي، فالشكل الخالص نادر. وربما ~~لا وجود له إلا في ذهن الباحث. وهل يمكن تصنيف الواقع بناء على ~~تصنيف هندسي؟ وما الدافع الذي يجعل كاتبا يستعمل هذا الشكل دون ~~الآخر؟ وهل يمكن الانتهاء من تشابه أشكال إلى تشابه في المضمون؟ ~~كما رفضوا قصر دور كتاب الأناجيل على التجميع باعتبارهم ~~كتبة، وطالبوا لهم بدور شهود العيان والملهمين بالروح القدس؛ ~~وبالتالي يمكن الدخول في علاقة مباشرة مع عيسى ويمكن معرفة ~~التاريخ؛ ومن ثم يجب إعادة النظر في دور الجماعة وخلقها. لأنه بعد ~~استبعاد شهود العيان واستحالة معرفة شخص عيسى تصبح الجماعة هي ~~الخالقة للمسيحية. # 8 # الحقيقة أن مثل هذه الانتقادات لا تزيد على مجرد ~~صيحات أو طبل أجوف لا تمنع من تقدم العلم، ولا توهن من عزم ~~الباحث على الإعلان عن النتائج واستخدام كل ما لديه من مناهج البحث ~~عن الحقيقة. # | قراءة النص1 # | أولا: مقدمة: من النقل إلى الإبداع # يستطيع الباحث من جيلنا وفي عصرنا بالنسبة لمصادره العلمية أن ~~يعتمد على طرق ثلاث: # الأولى: # الاعتماد على التراث ms255 الغربي مستمدا منه مادته ~~العلمية، وما أكثرها في الفلسفة المعاصرة في علم ~~الهرمنطيقا. وقد قام الباحث بذلك مرات عديدة في ~~كتب مستقلة أو في مقالات خاصة. # 1 # ويؤيد ذلك أن علم الهرمنطيقا في ~~صياغاته الحالية علم غربي ارتبط بالفلسفة المعاصرة ~~ثم استقل عنها وعن باقي العلوم الإنسانية ~~والاجتماعية، وإن كانت مادته العلمية وبعض صياغاته ~~الأولى موجودة في كل تراث ديني وفي كل حضارة غربية ~~أم شرقية، ولكن عيب هذه الطريقة هو الابتسار ~~الحضاري، أي جعل علوم التفسير مقصورة على التراث ~~الغربي دون غيره باستثناء بداياتها الأولى ثم ~~تعميمها على كل تراث مع تعميم ظروفها الخاصة وطمس ~~معالم أية ظروف مغايرة في حضارات أخرى تنشأ علوم ~~التفسير منها. مع العلم بأن واضعي أصول هذا العلم ~~في التراث الغربي المعاصر يعترفون بأنه كذلك وليس ~~علما عاما للبشرية جمعاء على ما يدعيه ~~المستغربون أنصار التراث الغربي كممثل وحيد ~~للثقافة العالمية. # 2 # وفي علوم التفسير هناك مدارس فرنسية ~~وألمانية وبريطانية، وهناك مادة إسلامية ومسيحية ~~ويهودية وبوذية. # 3 # وتكون نتيجة هذا الابتسار الحضاري هو ~~إطالة مرحلة النقل وتأخير مرحلة الإبداع طالما أن ~~معدل الإنتاج الثقافي في الغرب أعلى بكثير من ~~معدل نقله إلى خارج الغرب، وتصبح حضارة واحدة هي ~~المبدعة والرائدة والمركز والحضارات الأخرى ~~الناقلة والتابعة والمحيط. # والطريقة الثانية: # الاعتماد على تراثنا القديم وما أفرزه من مادة ~~علمية تكشف عن مناهج واتجاهات في التفسير. وقد قام ~~الباحث بذلك أيضا في مؤلفات مستقلة أو في ~~دراسات خاصة. # 4 # وصعوبة هذه الطريقة أن الباحث قد ~~يكرر ما قاله القدماء دون قراءة جديدة، وإن قرأ ~~فإنه قد يعتمد في قراءته على علوم التفسير ~~المعاصرة في الغرب فيسيء التأويل للتراثين معا. ~~كما تؤدي كثرة المصادر وتعدد الإحالات إلى إيثار ~~تراث على آخر بالضرورة مع إغفال الظروف القديمة أو ~~المعاصرة التي نشأ منها كل تراث مع أن ظروف عصرنا ~~قد تغيرت. وهذا من شأنه أن يجعل النقل مجرد إضافة ~~معلومات على واقع لم تنشأ منه وبالتالي لا تؤثر ~~فيه. كما ms256 يجعل الدراسة الجديدة مجرد مراجعة ~~للأدبيات القديمة أو الحديثة، عرضا أو نقدا لها ~~وربما إضافة عليها دون التعامل مع الواقع ذاته ~~الذي يظل في حاجة إلى تنظير مباشر ينبع منه ويقدر ~~على التأثير فيه. # والطريقة الثالثة: # الاعتماد على منطق العقل الخالص وتحليل التجارب ~~الإنسانية المشتركة لكل المشتغلين بموضوع النصوص ~~أيا كان نوعها دون الإحالة إلى تراثنا القديم أو ~~إلى التراث الغربي، وهما زاخران بالمادة العلمية ~~بهدف تجاوز مرحلة النقل إلى مرحلة الإبداع؛ ~~فالاعتماد على المصادر كنقطة بداية تفقد العمل ~~الفكري وحدته الداخلية وبناءه العضوي ، وتجعل ~~الباحث مجرد جامع لمادة أو شارح وملخص لها، وفي ~~أحسن الأحوال يكون ناقدا لها. ويظل الموضوع ذاته ~~خارج دائرة الاهتمام. تتجاوز هذه الطريقة المداخل ~~الحضارية، حضارة الذات وحضارة الغير # 5 # وتتجه نحو الموضوع ذاته لاكتشاف بنيته ~~كما فعل القدماء والمحدثون على حد سواء. وفي ~~هذه الحالة لا توجد إحالة إلى مراجع لا في الهوامش ~~ولا في نهاية المقال ولا ذكر لأسماء أعلام أو ~~مذاهب أو حضارات أو نماذج سابقة في صلب الدراسة. ~~ويكون المرجع الأول والأخير هو شعور الباحث وشعور ~~القارئ والتجربة المشتركة بينهما. والقدرة على ~~التعميم في النهاية هي إحدى سمات الإبداع، والقدرة ~~على إخفاء المصادر وعدم الإحالة إلى الخارج ~~والاعتماد على البنية الداخلية للموضوع هي إحدى ~~مواصفات الإبداع، والوصول إلى قدر من الصورية ~~الخالصة هي إحدى لحظات الإبداع. وباكتشاف القانون ~~الطبيعي، وفي حالة قراءة النص القاعدة اللغوية ~~النفسية الاجتماعية التاريخية، تتتابع وقائعه، ~~وتنتظم حوادثه المتفرقة. لقد تأخر الإبداع في ~~فكرنا المعاصر، وطالت مرحلة النقل لعدم ثقة بالنفس ~~ولطول الألفة لموقف المتعلم ونسيان لموقف الأستاذ ~~المترسب في الوعي التاريخي. والثقة بالذات شيء، ~~والتواضع أو الغرور شيء آخر. لا يعني الوضوح ~~السطحية، ولا تعني التعميمات العموميات. ومع ذلك، ~~هي مغامرة محسوبة العواقب، مخاسرها أقل من مكاسبها ~~في حين أن مخاسر النقل أكثر من مكاسبه. # والحقيقة أن هذه الطرق الثلاث قد لا تستبعد بعضها بعضا. ويمكن ~~الجمع بينها من أجل الاستفادة بميزة كل طريقة والإقلال من ms257 عيوبها. ~~وهي تعبر عن الجبهات الثلاث في موقفنا الحضاري الحالي، الموقف من ~~التراث القديم، والموقف من التراث الغربي، والموقف من الواقع ذاته. # 6 # كما يمكن إلى حد ما الإشارة إلى بعض المصادر حتى لا ~~يشعر القارئ أنه في فراغ وحتى يمكن ربط الإبداع بالنقل، والحاضر ~~بالماضي، والبنية بالتطور على الأقل كمرحلة متوسطة بين النقل ~~التام والإبداع الخالص. صعب إيجاد موقف متوازن ومتعادل بين هذه ~~الطرق الثلاث ومع ذلك تظل الطريقة الثالثة هي المثلى وهي الطريق ~~الأفضل في مرحلتنا الحالية. وتبقى الطريقتان الأوليان مجرد عاملين ~~مساعدين توجيها للقارئ وتأكيدا لوحدة فكره بين نقل متعارف عليه ~~وإبداع يخشى منه. # | ثانيا: ماذا تعني قراءة النص؟ # لا تعني القراءة المعنى الشائع لها الوارد في مناهج التعليم ~~والكتب المدرسية، أي إصدار الأصوات طبقا لمخارج الحروف وكما هو ~~الحال فيما بعد في الجامعات في علم الأصوات، ولكن القراءة هنا تعني ~~الفهم. والنص هو موضوع الفهم. إذن قراءة النص تعادل نظرية المعرفة ~~في الفلسفة التقليدية تحديدا للعلاقة بين الذات والموضوع؛ ~~فالقراءة هي الذات والنص هو الموضوع. وإن أول سورة نزلت في القرآن ~~هي # اقرأ # كفعل أمر. ولما كانت ~~الإجابة «ما أنا بقارئ» أي القراءة بمعنى مخارج الحروف وإصدار ~~الأصوات بالفم بعد التعرف على الحروف بالعين تم تصحيح هذا المعنى ~~الصوتي بمعنى آخر في: # اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق ~~(العلق: 1) أي افهم وأدرك وتصور. ~~فالقراءة نطق، والنطق بداية الوعي باعتباره فهما. # وقراءة النص بمعنى فهمه تتضمن تفسيره وتأويله. الفهم المباشر ~~بغير ما حاجة إلى تفسير أو تأويل. فإذا استعصى الفهم البديهي ~~المباشر نشأت الحاجة إلى التفسير أي إلى فهم من الدرجة الثانية ~~اعتمادا على منطق اللغة أو توجه النص (السياق) أو ضرورة الموقف أو ~~روح العصر. فإذا ما اصطدم التفسير بمنطق اللغة، وقوي توجيه النص، ~~وفرضت ضرورة الموقف نفسها، وعمت روح العصر ظهرت الحاجة إلى ~~التأويل باعتباره إخراجا للفظ من معناه الحقيقي إلى معنى مجازي ~~لشبهة أو قرينة. أما الشرح فإنه يتضمن كل ذلك: الفهم والتفسير ~~والتأويل. الشرح ms258 هو العلاقة بين القراءة والنص، بين الذات والموضوع ~~باعتبارها موقفا معرفيا شاملا. # والنصوص متعددة. فقد يكون النص أدبيا من الأعمال الأدبية أو ~~قانونيا من مجموعات الدساتير والقوانين أو تاريخيا من الوثائق ~~والسجلات والموسوعات أو دينيا من الكتب المقدسة. وبالرغم من هذا ~~التعدد إلا أن هناك قضية مشتركة تجمع بين هذه الأنواع كلها وهي ~~قضية قراءة النص أو تفسيره؛ فالتعدد في الدرجة لا في النوع. ومع ~~ذلك فالنص الديني أكثر النصوص تشابكا نظرا لأنه يفرض مشاكل أكثر ~~مثل الصحة التاريخية للنص التي لا يفرضها النص الأدبي باستثناء ~~ملاحم الأدب الشعبي وكما هو معروف في قضايا الانتحال في الشعر ~~اليوناني (هوميروس) وفي الشعر الجاهلي (المعلقات) أي الخلق الجماعي ~~للنص. أما النص القانوني والنص التاريخي فلا يفرضان مسألة الصحة ~~التاريخية إلا في أقل الحدود فيما يتعلق بالحفريات والآثار ~~القديمة، كما أن النص الديني أكثر توجيها للواقع وتأثيرا في ~~السلوك من النص الأدبي أو التاريخي نظرا لإيمان الناس به كموجه ~~للسلوك وكمصدر للقيم، كمعيار للعلم وميزان للعمل؛ ومن ثم تتعدد ~~التفسيرات بتعدد المصالح، وتتصارع مناهج التفسير بتصارع القوى ~~الاجتماعية والسياسية بل وتقع الحروب وتحدث الانشقاقات، وتسيل ~~الدماء، وتطير الرقاب بسبب تفسير النصوص الدينية أو تأويلها في ~~صالح فريق ضد فريق؛ لذلك أتت هذه الدراسة أساسا ابتداء من النص ~~الديني نظرا لأنه أكثر النصوص اتساعا وتشابكا. يمكن تعميم ~~النتائج على باقي النصوص الأدبية والتاريخية والقانونية لأنها أقل ~~تشابكا واتساعا وكأنها حالات خاصة داخل الإطار العام. # 1 # ومن هنا أتت التفرقة الشائعة المشهورة بين الهرمنطيقا ~~العامة والهرمنطيقا الخاصة أو الهرمنطيقا المقدسة، الأولى تضع ~~القواعد العامة لتفسير أي نص والثانية تضع القواعد الخاصة لتفسير ~~النصوص الدينية والكتب المقدسة وحدها. # 2 # وقد تكون القراءة من فرد لفرد، ينتسب كلاهما إلى نفس الحضارة، ~~قراءة الحاضر للماضي، تواصلا للتراث مثل قراءة ابن رشد للفارابي ~~وابن سينا، وقراءة أرسطو لأفلاطون، وقراءة الكانطيين فشته وهيجل ~~وشلنج وشوبنهور لكانط، وقراءة الهيجليين، شترنر وباور وشتراوس ~~وماركس لهيجل، وقراءة هيدجر لكانط ونيتشه وهوسرل ... إلخ. وفي ms259 هذه ~~الحالة تكون القراءة تصحيحا وتجديدا لروح العصر عن طريق ~~التأويل. وقد تكون القراءة من فرد ينتسب إلى حضارة لفرد آخر ~~ينتسب إلى حضارة مغايرة أيضا قراءة الحاضر للماضي وتواصلا بين ~~الحضارات مثل قراءة ابن رشد لأرسطو وقراءة برجسون لأفلاطون ... إلخ. ~~القراءة إذن عمل فردي وعمل جماعي. عمل فردي داخل كل حضارة وعمل ~~جماعي بين الحضارات من أجل إكمال الموقف وإظهار البناء. فقراءة ~~الفارابي لأفلاطون وأرسطو وقراءة ابن رشد لأرسطو هي قراءة الحضارة ~~الإسلامية للحضارة اليونانية. وقراءة هيدجر للفلاسفة قبل سقراط هي ~~قراءة روح العصر الحاضر للحضارات القديمة ، وقراءة ميرلو بونتي ~~لجولدشتين هي قراءة الروح الفرنسية للروح الألمانية، وقراءة كانط ~~لهيوم هي قراءة الروح الألمانية للثقافة الأنجلو سكسونية وقراءة ~~جوزيا رويس لهيجل هي قراءة المزاج الأمريكي للروح الألمانية ... إلخ، ~~وقراءة المسيح للتوراة هي قراءة أسينيه # Essenian # للعقلية الفريسية Pharisain ~~. وهذا هو معنى قول المسيح «خمر جديد في ~~أوعية قديمة». # وفي كلتا الحالتين، القراءة الفردية والقراءة الجماعية، ليست ~~القراءة مجرد شرح أو تفسير أو تأويل للمقروء بل هي إعادة بناء له ~~طبقا لتصور القارئ فردا أو جماعة. هي قراءة وتحليل ونقد وتصحيح ~~وإعادة بناء من أجل إكمال البنية أو اكتشاف القانون. فقراءة برجسون ~~لكانط نقد للعقل الخالص وللأمر الجازم، وقراءة كيركجارد لهيجل قلب ~~له وكشف عن الجانب الآخر للعقل والاتساق أي الحياة والتناقض ~~والموجودات والموت بعد أن طواه هيجل داخل المذهب. وقراءة الكانطيين ~~لكانط هي كشف للمستور ورفع الحجاب عن الشيء في ذاته، الأنا عند ~~فشته والتصور أو الفكرة عند هيجل، والروح عند شلنج، والإرادة عند ~~شوبنهور. وقراءة الفارابي لأفلاطون وأرسطو هي جمع لرأيي الحكيمين ~~من أجل التعبير عن التصور الإسلامي الشامل الذي يجمع الصورة ~~والمادة، المثال والواقع، الجوهر والعرض، الروح والبدن، الآخرة ~~والدنيا، الأخلاق والطبيعة، الله والعالم، القلب والعقل، الإشراق ~~والحكمة، العقل والحس، الاستنباط والاستقراء، المنهج النازل ~~والمنهج الصاعد ... إلخ. قراءة ابن رشد للتراث اليوناني كله هو ~~اكتشاف لقانون تطوره، من الواقع عند الطبائعيين الأوائل إلى ~~المثال عتد أفلاطون إلى ms260 الجمع بين الواقع والمثال عند أرسطو. ~~وقراءة الإسلام لتطور الوحي هي جمع بين الشريعة اليهودية والعفو ~~المسيحي؛ لذلك كان أرسطو والإسلام متشابهين لأن كلا منهما أكمل ~~البنية في تراثه الخاص، أرسطو في التراث اليوناني والإسلام في ~~تطور الوحي وتاريخ الأديان. # 3 # وقد تكون القراءة مزدوجة أي قراءة لقراءة مثل قراءة ~~التوسر لقراءة ماركس للاقتصاد الكلاسيكي عند ريكاردو وآدم سميث من ~~أجل اكتشاف منهج جديد من خلال المنهج القديم. فقد اكتشف التوسر ~~البنيوية من خلال الماركسية كما اكتشف ماركس من قبل - الماركسية - ~~من خلال الليبرالية والاقتصاد الحر. والقراءة المزدوجة ترى ما رأته ~~القراءة الأولى وما لم تره، وتجد ما وجدته وما لم تجده؛ # 4 # وبالتالي فإن القراءة ليست فنا بل علم، ليست نظرية ~~في اللعب والحوار الفكري الخالص وأساليب الجدل بل هي عملية إكمال ~~من خلال التراكم المعرفي من أجل اكتشاف البنية التي هي أصل النص ~~سواء تم تشكيله مرة واحدة أو على فترات. # 5 # فالقراءة في الزمانين الوجودي والتاريخي من خلال شعور ~~الفرد والجماعة وتراكم الخبرات فيهما معا. وبعد كل تراكم معرفي ~~يأخذ النص أبعادا جديدة لم تكن مقروءة فيه من قبل ولا موجودة في ~~النواة الأولى للنص. # 6 # وهذا هو معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف أي مستويات ~~تفسير النص طبقا لأعماق الشعور وطبقا لتراكم المعرفة من عصر إلى ~~عصر. # | ثالثا: ما هو النص؟ # النص هو تدوين لروح عصر ~~من خلال تجارب فردية وجماعية في مواقف معينة متعددة ومتباينة. ~~والغاية من تدوين التاريخ توريث كل جيل خبراته للأجيال التالية، ~~استمرارا لسلطانه أو على الأقل ترشيدا للمستقبل وتوجيها له. ~~النص هو تحول إرادي من الشفاهي إلى الكتابي حرصا على تسجيل ~~المواقف وسرعة تقنينها انتقالا من التعدد إلى الوحدة، ومن ~~الاختلاف إلى الاتفاق. فالنص بهذا المعنى قضاء على التعددية في ~~الحاضر وإيثار لوحدة المستقبل، تضييق على الحاضر وامتداد في ~~المستقبل حتى تبقى الروح في التاريخ، وتتوارث الأجيال الفكر جيلا ~~بعد جيل. النص إذن ليس وثيقة مدونة أقرب إلى المرويات أو السجلات ms261 ~~القديمة بل هو كائن حي في حالة سكون يبعث بالقراءة فيحيا من جديد ~~وبأشكال جديدة كما هو الحال في تناسخ الأرواح عندما تظهر نفس ~~الروح، وهو المعنى، في أجساد جديدة، وهي مجموعة القراءات. النص هو ~~الميت الحي أشبه بعبادة الأسلاف وأرواح الأجداد. حدث ذلك في كل ~~حضارة بانتقالها من العصر الشفاهي إلى عصر التدوين. فقد ظهرت عدة ~~أناجيل متباينة وتم حفظها كتابة كنوع من الذكرى الجماعية في ~~القرن الثاني الميلادي حتى وقع بينها التضارب والاختلاف نظرا ~~لتباين القراءات طبقا للبيئات الثقافية المتعددة حتى تم تقنينها ~~في القرن الرابع إيثارا لوحدة القراءة على تعددها. وحدث ذلك ~~بدرجة أقل في عصر تدوين القرآن بلهجة قريش حرصا على وحدة القراءة ~~أي وحدة الفهم منعا للاختلاف والتعدد. وفي هذه الحالة يكون ~~التفسير للشهادات الإنسانية المحفوظة عن طريق الكتابة. # 1 # ثم يدخل التفسير كجزء من النص، ويمحي الفرق بين ~~البداية والنهاية، بين الوحدات الأولى والمقاطع الأخيرة، ويصبح ~~القارئ مؤلفا كما كان المؤلف قارئا، ويتحول العمل الفردي إلى ~~عمل جماعي كما هو الحال في المأثورات الشعبية. النص إذن إبداع ~~مستمر وخلق جماعي لا فرق بين تأليفه وقراءته، بين وضعه وانتحاله، ~~بين فهمه وشرحه؛ لذلك ظهرت «مدرسة الأشكال الأدبية» للبحث عن ~~الوحدات الأولى التي تكون منها النص وذلك من خلال أشكالها ~~الأدبية، وأصبح نقد الأشكال الأدبية أحدث فروع نقد النصوص. # 2 # والنص ليس مجرد تدوين ~~للحفظ والتسجيل ولكنه يمثل سلطة توجيه وتقنين وتشريع؛ فالنص الأدبي ~~يؤثر في أجيال الأدباء الشبان ويكون أحد مصادر الإلهام في ~~التشريعات وفي تكوين القادة والأبطال. والنصوص التاريخية تعبر عن ~~روح الأمة وتكشف عن مسارها في التاريخ. والنصوص القانونية هي أساس ~~الدولة ودعامة مؤسساتها. والنصوص الدينية هي بالأصالة سلطة تصدر عن ~~الوحي وطاعة الأنبياء، تعطي شرعية للسلطان ضد معارضيه كما تشرع ~~للثورة ضد السلطان. يظهر النص كسلطة في النصوص الدينية أكثر من ~~ظهورها في النصوص الأدبية أو التاريخية أو القانونية. وتقتضي ~~النصوص الدينية والقانونية الطاعة أكثر مما تقتضيه النصوص ~~التاريخية والنصوص الأدبية؛ لذلك ms262 تستعمل النصوص كشواهد في الخطاب ~~في المجتمعات النصية التي لا يزال النص يمثل فيها سلطة؛ ومن ثم ~~انقسمت الحجج قسمين؛ حجة سلطة وحجة عقل بتعبير المعاصرين أو حجة ~~نقلية وحجة عقلية بتعبير القدماء. # 3 # لا يحتوي النص إذن على مجرد فكرة أو تصور نظري بل هو ~~أمر أو نهي، خطاب يقتضي الطاعة بإتيان فعل أو بالإمساك عن فعل. ~~يتضمن النص توجها عمليا أكثر مما يتضمن معرفة نظرية؛ فهو أقرب ~~إلى الأخلاق منه إلى المعرفة؛ لذلك ارتبطت علوم التفسير بعلوم ~~النفس والأخلاق وكأن مهمة النص هي الإصلاح والتغيير، التخلي عن ~~العادات السيئة واكتساب العادات الحسنة. النص دعوة إلى الإصلاح في ~~الأرض دون الإفساد فيها؛ لذلك كثرت قراءة النصوص في الخلايا ~~والجمعيات السرية. # 4 # | رابعا: ضرورة النص # وبالرغم من عيوب استخدام النص كحجة سلطة طبقا لأهواء جماعات ~~الضغط وأغراض الفئات الاجتماعية، فإن النص له قوة سحرية في ~~الاستشهاد به كقول مأثور أو حكمة شعبية أو مثل عامي أو بيت شعر، ~~وكأن الخطاب العقلاني المعاصر لا يكفي للإقناع إلا بعد تطعيمه ~~بسلطة النص. فإذا استطاعت الخاصة فهم الخطاب العقلاني فإن العامة ~~في حاجة إلى المثل والحكمة الشعبية والنص الديني أو الأدبي أو ~~القول المأثور أو سير الملاحم والأبطال للإيحاء بالمعنى وإقناع ~~الجمهور العريض. وإذا كان البرهان وسيلة لخطاب الخاصة فإن الخطابة ~~هي الطريق إلى قلوب العامة؛ لذلك كثرت في كتب الديانات الأمثال ~~والحكم والأشعار والأناشيد والأقوال المأثورة والمزامير وسجع ~~الكهان نظرا لقدرتها على التخييل والتعبير بالصور الفنية عن ~~المعاني لأكبر عدد ممكن من الناس بصرف النظر عن مستويات ثقافاتهم. # 1 # وفي مرحلة الانتقال من مجتمع النص إلى مجتمع العقل يتم استخدام ~~النص من قبل الخاصة والعامة على درجات متفاوتة بناء على ضرورة ~~خارجية، أي ضرورة تأتي من خارج النص متمثلة في طبيعة المجتمع ~~ومستواه الثقافي، ويكون للنص في هذه الحالة وظائف ~~ثلاث: ~~(1) # الاعتماد على حجة السلطة في مجتمع للنص فيه سلطة. ~~فالنص هنا سلاح أيديولوجي وحجة جدلية ضد الخصوم، سلاح ~~مزدوج يستعمله كل ms263 فريق لنصرة مذهبه ولنقد المذهب ~~المخالف. النص هنا أشبه بالشرطة والجيش وأجهزة الأمن ~~على مستوى الفكر والثقافة # 2 # وفي ميدان القيم الأخلاقية والعقائد ~~الدينية. ~~(2) # إيجاد التواصل بين الماضي والحاضر استمرارا لتاريخ ~~الأمة وثقافتها، وحفاظا على الأمة من الوقوع في ~~خطأي المحافظة والعلمانية، النص المغلق على نفسه ~~وكأنه حقيقة في ذاتها، ورفض النص كلية بداية بالعقل ~~والطبيعة. ~~(3) # إكمال الخطاب العقلاني بالنسبة للقارئ لنقص في ~~اتساقه ومنطقه الداخلي اعتمادا على سلطة خارجية ~~لتقوية منطق البرهان بكسره ونقله من مستوى الاتساق إلى ~~مستوى الأمر، وجمعا لمنطق العقل ومنطق العاطفة، ~~للخطاب العقلاني والإحساس الوجداني، لمنطق البرهان ~~وأساليب الخطابة. ~~(4) # إيجاد جمهور أوسع ونشر للفكر على نطاق عريض نظرا ~~لوجود جمهور مؤمن إيمانا مسبقا بالنص يستعمله كأساس ~~نظري لفهم العالم وكموجه عملي للسلوك. # وبالإضافة إلى هذه الضرورة الخارجية في مجتمع النص هناك ضرورة ~~أخرى داخلية في بنية النص ذاته وفي تكوين الشعور. فالنص ضروري لأن ~~التدوين واقع بشري متمثل في كتب مقدسة وأعمال أدبية ووثائق ~~تاريخية وموسوعات قانونية. قراءة النص إذن ضرورة يحتمها الإيمان ~~الديني والحسي الجمالي والمعرفة التاريخية ومحاجات الخصوم. ~~استخدام النص هنا ينبع من ضرورة داخلية في بنية الفكر والواقع وليس ~~مجرد سلاح خارجي في مجتمعات نصية تراثية. وقد تكون سلطة الماضي ~~أحيانا أكثر إقناعا من سلطة الحاضر. وقد يكون سلطان الآباء ~~والأجداد أكثر مدعاة للطاعة من سلطان الأبناء والأحفاد. # ويأتي سحر النص من عدة وظائف تقوم بها اللغة من خلال النص ~~المدون سواء للتعبير عن المعنى أو إيصاله، كما هو الحال في ألواح ~~موسى والتوراة والقرآن كنماذج من نصوص محفوظة تصل قدسيتها إلى ~~الأحبار والأوراق. ويمكن إجمال هذه الوظائف في ثلاث: ~~(1) # البعد الجمالي للصورة ~~الفنية: # فاللغة قبل أن تكون ألفاظا ~~وعبارات هي صورة وتعبيرات، أشكال ورموز تتوجه إلى ~~الخيال قبل أن تخاطب العقل، توحي بالمعاني من خلال طرق ~~للتعبير تقوم على شتى أنواع المجاز والاستعارة ~~والكناية والتشبيه وضرب الأمثال مما يعطي اللغة قدرة ~~أكثر على التعبير وجمهورا أوسع في الإيصال وتخفيفا ~~لحدة منطق ms264 البرهان وصورية الجدل. البعد الجمالي للغة ~~يعطي للمعنى إمكانيات إيحائية أكثر مما يعطي البرهان ~~الصوري؛ لذلك ارتبط المعنى بالدين منذ نشأته، وكان ~~الفن أحد مظاهر التعبير عن الدين منذ بدايات التعبير ~~البشري حتى أكثرها تطورا في آخر الكتب المقدسة ~~المدونة. البعد الجمالي للغة حلقة متوسطة بين النص ~~كموضوع وبين الذات كفهم، تكشف عن ميدان الخيال. الصورة ~~الفنية في النص تخاطب الخيال في الذات وتوقع التخييل ~~في النفس. يعيش الإنسان في الحياة شاعرا حتى ولو لم ~~يقرض الشعر، ويتذوق الجمال حتى ولو لم يمارس أيا ~~من الفنون الجميلة. بل إن الواقع ذاته خيال كما يبدو ~~ذلك في الخيال العلمي والخيال السياسي والخيال العسكري. # 3 ~~(2) # المستوى الاشتباهي لمعاني ~~الألفاظ: # وذلك أن النص قد يحتوي على ~~معنيين ليس فقط للمجاز والإيحاء بالمعنى ولكن أيضا ~~للسلوك والتوجه العملي داعيا الأفراد والجماعات للفعل ~~وتاركا لهم حرية الاختيار في فهم عموم النص أو خصوصه، ~~إطلاقه أو قيده، اعتمادا على المواقف المحددة لهذا ~~المعنى أو ذاك. النص بهذا المعنى إمكانية ذات وجهين ثم ~~تأتي القراءة فتحدد هذا الوجه أو ذاك. النص بلا قراءة ~~إمكانية بلا تحقق. ذخيرة بلا إطلاق. ولا يمكن أخذ ~~الإمكانيتين معا لأن النص لا يتركز إلا على جانب واحد ~~حين قراءته. فمثلا لا يمكن أخذ الجانب الإلهي والجانب ~~الإنساني معا في نص واحد يضم الإرادتين معا لأن ~~الإنسان هو القارئ وليس الله. وأخذ الجانب الإلهي هو ~~ادعاء للإنسان وخروج عن حقه الشرعي وانحراف عن وضعه ~~الطبيعي. وهذا هو ما سماه القدماء المحكم والمتشابه؛ ~~فالمحكم هو الذي يحتوي على معنى واحد والمتشابه هو ~~الذي يوحي بمعنيين طبقا لاختيار الإنسان الذي يحدده ~~وضعه في العالم. ~~(3) # التوجه السلوكي نحو الأفراد ~~والجماعات: # وذلك أن النص هو اقتضاء فعل ~~إيجابا في صيغة الأمر «افعل» أو سلبا في صيغة النهي ~~«لا تفعل»؛ ومن ثم تنشأ الحاجة إلى تحديد عموم اللفظ ~~وخصوصه. النص صورة بلا مضمون، روح بلا جسد، والقراءة ~~هي التي تعطيه مضمونا وجسدا، تجعله يضم هذا الفرد أو ~~هذه ms265 المجموعة، هذه الأمة أو البشرية جمعاء. القراءة هي ~~التي تحدد مضمون الخطاب وتشير إلى من يتوجه إليهم ~~النص. كما أنها هي التي تحدد نمط السلوك قولا أو ~~عملا، فكرا أو وجدانا؛ لذلك كان الخطاب الديني ~~أمرا أو نهيا، إعلانا أو بشارة، دعوة إلى العمل أو الخلاص. # 4 # | خامسا: هل هناك معنى موضوعي للنص؟ # بالرغم من أن النص مكتوب بلغة معينة، مقروءة ومفهومة، حتى ولو ~~كانت لغة قديمة إلا أن النص، على غير الاعتقاد الشائع، لا يحتوي ~~على معنى موضوعي وكأنه شيء. النص عمل إنساني خالص منذ تدوينه الأول ~~حتى قراءته الأخيرة. النص قول صامت، نطق ساكت، حروف مرئية، مدونة ~~حرفية، ورق ومداد . والقراءة هي التي تحيله إلى معنى وتجعله ~~قولا معلنا. ونطقا مسموعا، وتوجيهات عملية، ومعارك سياسية ~~واجتماعية. # يخضع تدوين النص إذن لعدة عوامل كلها ذاتية مثل رؤية الوقائع، ~~وقراءتها على نحو معين، وتوجيهها في اتجاه معين. النص عمل ~~أيديولوجي صرف. وقد كان تدوين النصوص الدينية في العصر المسيحي ~~الأول جزءا من الصراعات المذهبية حول أقوال المسيح وأفعاله. ثم ~~ظهر التدوين لتقنين هذه الأقوال والأفعال ضد التعدد والتضارب، كل ~~فرقة تدون عقائدها لتعطي نفسها شرعية تاريخية وصيغة قانونية ضد ~~المذاهب الأخرى. وكان تدوين علم العقائد وتاريخ الفرق الإسلامية ~~خاضعا أيضا لتوجيهات الفرقة الناجية وتدوينا لتاريخ فرق ~~المعارضة من خلال فرقة السلطة. وتواريخ مصر القديمة كانت لفرعون ~~مصر وأمجاده وليس للسابقين عليه. يبدأ التاريخ من كل فرعون وينتهي ~~إليه! التدوين قراءة واختيار. وإن تدوين تاريخ الأنبياء في آخر ~~مرحلة من تطور الوحي إنما هي قراءة الماضي من خلال الحاضر، ورؤية ~~للتطور من خلال البناء؛ وبالتالي أصبح كل الأنبياء مسلمين منذ ~~إبراهيم حتى آخر الأنبياء. وهذا يسمى «التفسير النمطي» للنصوص ~~وكما حدث في استعمال الشواهد النقلية من العهد القديم في العهد ~~الجديد واختيار نصوص قديمة تتفق في معانيها ووصفها للحوادث مع رؤية ~~العصر وحوادثه، فكل نص يشير إلى نبي يدخل مدينة على راكبة وبيده ~~غصن زيتون يكون هو المسيح داخلا القدس. فتدوين ms266 نصوص العهد القديم ~~داخل الجديد ليست قراءة موضوعية لنصوص العهد القديم بل تفسير لها ~~من منظور العهد الجديد. # 1 # وقد يستعمل الإطار التاريخي الموضوعي كبداية أو ~~أرضية أو خلفية من أجل التعبير عن الرؤية الذاتية. وقد حدث ذلك ~~في تسجيل حياة المسيح، أقواله وأفعاله، خاصة المعجز منها وإعطاء ~~تحديدات زمانية ومكانية للولادة والصلب والبعث من أجل مزيد من ~~الإقناع وإيحاء بصحة الوقائع؛ وبالتالي كان استعمال الحفريات في ~~التفسير لا يدل على معنى النصوص. فليست الحقيقة في قراءة النص ~~تطابق المعنى مع الواقع طبقا للتعريف التقليدي للحقيقة وما يتفق ~~مع الموضوعية التاريخية والعلمية التي ذاعت في القرن التاسع عشر ~~الأوروبي بل تطابق المعنى مع التجربة البشرية بصرف النظر عن الزمان ~~والمكان الحسيين اللذين يستخدمان كإطار مسرحي للخلق الفني وتدوين ~~النص والذي يعرف في تاريخ النصوص باسم «الانتحال». # 2 # ولذلك يصعب التمييز بين «مسيح التاريخ» و«مسيح ~~الإيمان»؛ فالأول لا وجود له إلا من خلال الرؤية أي إيمان المؤمنين ~~به. المسيح التاريخي افتراض ومسيح الإيمان واقعة. والأناجيل ~~الأربعة لا تتحدث عن مسيح التاريخ ولكنها تعبر عن مسيح الإيمان. # 3 # وظهور العذراء يتوقف على مدى الإيمان به. فالإيمان هو ~~الذي يخلق الواقعة كما أن العقيدة هي التي تخلق النص. # وقراءة النص ثانيا لا تختلف عن تدوينه أولا حيث إن كل قراءة ~~إنما هي اختيار للمقروء وإعادة بناء له بصرف النظر عن المواقف ~~الأولى التي منها نشأ وعليها قام. فالنص في تدوينه وفي قراءته سلاح ~~أيديولوجي خاصة في مجتمعات سلطوية فكريا وسياسيا، كل جماعة ترى ~~نفسها في النص، وتسقط أمنياتها عليه. ترى فيه دفاعا عن مصالحها ~~وهجوما على خصومها. ومهما أوتي الإنسان من معلومات وافرة عن ~~الظروف التاريخية الأولى التي منها نشأ النص فإنها تكون محدودة ~~وناقصة ولا يمكن الاعتماد عليها في تفسير النص. وإذا حدث فإن ~~التفسير يكون قائما على النزعة التاريخية التي تحيل النص إلى ~~موضوع تاريخي صرف، نشأته ومكوناته ومصادره كما هو الحال في النقد ~~الأدبي القائم على هذه النزعة وكذلك في ms267 نقد الكتب المقدسة لمعرفة ~~مصادرها التاريخية. أما قراءة النص في ظروف جديدة قد تتشابه مع ~~الظروف القديمة التي منها نشأ وقد تختلف معها فإنها إعادة تدوين ~~وخلق غير معلن بإعادة توظيفه وقراءته. القراءة خلق جديد للنص ~~واكتشاف لمكونات فيه ربما لم تكن مقصودة في نشأته الأولى. وهكذا ~~يصبح النص حاملا لخبرات عدة أجيال من خلال التفسيرات والشروح. وقد ~~يمحي الفرق بين الأصل والشرح، يصبح كلاهما أصلا واحدا. فلا فرق ~~بين أصل صحيح وزيادة منتحلة. النص عمل جماعي وخبرة مشتركة وراء ~~وحدة العمل الأدبي ووحدة النص الديني. # 4 # وقد حدث نفس الشيء في تاريخ الفلسفة في قراءة فيلسوف ~~لاحق لفيلسوف سابق حيث تكتشف قراءة اللاحق معاني ومقاصد لم تكن في ~~نص السابق. فالحاضر هو الذي يخلق الماضي ويعيد بناءه. والأمثلة على ~~ذلك كثيرة من قراءة برجسون لأفلوطين، وقراءة هيدجر للفلاسفة ~~السابقين على سقراط ولكانط ونيتشه، ومثل قراءة هيجل لتاريخ الفلسفة ~~وقراءة ماركس لديموقريطس. وقد سمى ذلك برجسون «ترائي الحاضر في ~~الماضي» أو «الحركة المتراجعة للحقيقة» وسماه هوسرل «المنهج ذو ~~الآثار الرجعية». # 5 # | سادسا: متغيرات النص # وعند قراءة النص، لا يذهب القارئ إلى تاريخ النصوص منذ تدوينها ~~الأول ليفهم معانيها التاريخية وتطور معاني الألفاظ قاضيا الأيام ~~والسنين في بطون المراجع وأمهات المصادر وقواميس اللغة والموسوعات ~~بل يقرأ النص وفي غمضة عين يفهم معناه ويستعمله كحجة. النص بهذا ~~المعنى ليست له ثوابت بل هو مجموعة من المتغيرات، يقرأ كل عصر فيه ~~نفسه. فالعصر هو الذي يفسر النص في القراءة كما أن النص هو الذي ~~يفسر العصر في التدوين. ولما كانت العصور متغيرة جاءت التفسيرات ~~متغيرة طبقا لها. وقد تبعد المسافة للغاية بين النواة الأولى ~~للنص وبين قراءته الأخيرة كما من حيث حجمه وكيفا من حيث معناه. ~~ولا يستطيع التفسير الحرفي للنص الأول الحفاظ على معنى وحيد للنص ~~لأن التفسير الحرفي موت للنص، وإيثار للفظ على المعنى، وللثبات ~~على التغيير، وللسكون على الحركة. التفسير الحرفي للنصوص هو محاولة ~~لتثبيت الزئبق بالأصبع فيفر المعنى منه ms268 خارج القصد. وقد يتغير معنى ~~النص حسب الأحوال النفسية للقارئ الواحد وحسب الفروق بين الأفراد ~~وتبعا للبيئات الثقافية والحضارات والعصور. وقد يأخذ النص الواحد ~~معاني مختلفة طبقا لمراحل العمر للفرد الواحد وطبقا لتجاربه ~~المكتسبة حتى ليبدو النص مساوقا وتابعا لتطور الفرد في مراحل ~~عمره، وكأن أعماق الشعور تطابق موضوعيا مستويات النص، والحقيقة ~~أن النص مجرد قالب يتشكل طبقا لمستويات الشعور؛ لذلك لا يوجد ~~تفسير صحيح وتفسير خاطئ بل يوجد تفسير قصدي سواء في انتقاء النص ~~أو في موضوع تطبيقه أو ما سماه القدماء «المناط». وليست مناهج ~~التفسير إلا تبريرات للذات أمام النفس وأمام الجماعة وأمام التاريخ. # 1 # قراءة النص بهذا المعنى هو إيجاد تطابق بين الحاجة والنص ، بين ~~الذات والموضوع. فالمعنى يأتي من النفس أولا كحاجة أو رغبة أو ~~أمنية ثم تجد ما يقابلها في النص فتتطابق معه وتتشبث به على أنه ~~التفسير الصحيح. في الظاهر يبدو أن المعنى الموضوعي قد انتقل من ~~النص إلى الذهن، وفي الحقيقة ينتقل المعنى الذاتي من الشعور إلى ~~النص. القراءة إذن هي إيجاد ما ترغب فيه النفس متحققا في الخارج ~~فتقع في وهم الحقيقة بمعنى تطابق الرغبة مع النص، واتفاق الحاجة ~~الشخصية مع السلطة الشرعية. # هذه المتغيرات هي السبب في وجود النصوص المتشابهة. فالمتشابهات ~~هي النصوص التي تتضمن تفسيرات متعددة طبقا لمختلف العصور؛ إذ ~~يختار كل عصر أحد التفسيرات فيرتكن النص عليها كما يرتكن المضلع ~~على أحد جوانبه. ثم يأتي عصر آخر فيرتكن النص على جانب آخر. وهكذا ~~يتقلب النص على جوانبه المختلفة طبقا لتغير العصر. فالمتغير هو ~~الجانب والعصر، والثابت هو إمكانية تأويل النص طبقا لكل عصر، وكأن ~~هذا التطابق بين النص والعصر هو الثابت الوحيد. # | سابعا: ثوابت النص # ومع ذلك، وبالرغم من هذه الحقائق الموضوعية التي تكشف عن ذاتية ~~النص تدوينا وقراءة فإنه توجد بعض الضمانات لقراءة «موضوعية» ~~وشاملة للنص تتجاوز الذاتية بمعنى الفردية والنسبية وتضارب وجهات ~~النظر والشك في المعاني وإنكار الماهيات المستقلة؛ وهو ما سماه ~~القدماء «المحكمات» في مقابل «المتشابهات»؛ ms269 أي المعاني الثابتة ~~للنصوص في مقابل المعاني المتغيرة. ولا تعني الموضوعية هنا إرجاع ~~النص إلى ملابساته التاريخية التي منها نشأ بل إيجاد معنى له عام ~~وشامل وثابت، مطرد في الطبيعة البشرية، يدركه كل إنسان ببداهته ~~العقلية، يظهر في كل موقف، ويوجد في كل حضارة. الموضوعية هنا تطابق ~~النص مع تجربة إنسانية عامة ومشتركة بين عدد من الأفراد والجماعات ~~والعصور والحضارات. وهذا هو الذي يسمى في التراث الغربي المعاصر ~~«الجانب الشمولي للهرمنطيقا» أو «القيمة الشاملة» أو «المعيارية في التفسير». # 1 # ويمكن تخصيص ذلك على النحو الآتي: ~~(1) # بداهة العقل: # فالعقل البديهي قادر على رؤية معنى النص بوضوح ~~وتميز؛ خاصة إذا كان الشعور في حالة البراءة الأصلية ~~دون أية دوافع إلا باعث الحق لاكتشاف تطابق المعنى مع ~~الحاجة. يطرد هذا الحدس العقلي المبدئي للنص عند ~~عديد من الأفراد، ويظهر لدى كل الشعوب، ويوجد في كل ~~الحضارات. وكما قيل: «إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة ~~بين الناس.» وقد قيل أيضا في تراثنا القديم: «أول ما ~~خلق الله خلق العقل.» لا يعني العقل هنا العقل الصوري ~~المجرد بل العقل المرتبط بالحس والوجدان؛ أي بداهة ~~الشعور والإحساس الطبيعي. وهي بداهة فطرية ما قبل ~~التعلم وما بعده، عند الأمي والمتعلم على حد سواء. ~~وأحيانا تفوق العلم المكتسب وقد تكون بديلا ~~عنه. ~~(2) # اطراد التجربة ~~البشرية: # لما كانت المواقف الإنسانية ~~واحدة تتكرر باستمرار من عصر إلى عصر فإن هذا ~~الاطراد يصبح كالثوابت بالنسبة إلى المتغيرات، ~~وكالعموم بالنسبة إلى الخصوص. هناك قراءات متشابهة ~~للنصوص في كل عصر وعلى مدى العصور ولكل النصوص بصرف ~~النظر عن نوعياتها. في كل عصر ثورة على العبودية، ورفض ~~للظلم، ودفاع عن الحرية، ودعوة إلى المساواة. وهذا ما ~~سمته الكتب المقدسة «التوحيد» وما أطلق عليه ~~الفلاسفة «القيم» أو «المثل». ~~(3) # منطق اللغة: # لما ~~كان النص منطوقا مدونا بلغة معينة، وكان لكل لغة ~~فقهها ومنطقها فإن معرفة فقه اللغة التي كتب بها ~~النص تكون أحد المداخل لقراءته وفهم معناه. وتكون ~~قراءة النص عامة بقدر عموم فقه اللغة التي ms270 كتب بها ~~بصرف النظر عن المدارس اللغوية حول تعليلات فقه اللغة ~~كالإعراب مثلا. وفي قراءة النصوص القديمة يشترط ~~الاعتماد على معاجم تاريخ اللغة وتطور معانيها لمعرفة ~~معاني الألفاظ الأولى في عصورها القديمة. # وإذا كان لكل لفظ ثلاث معان؛ الاشتقاقي والاصطلاحي ~~والعرفي فإن البداية في فهم النص هو للمعنى الاشتقاقي ~~الذي يربط بين اللغة والواقع والفكر. فاللغة تحيل إلى ~~الوجود، والوجود تجربة معاشة توحي بالمعنى؛ لذلك كان ~~التفسير اللغوي بداية التفسير الاصطلاحي. وكلاهما ~~محكوم بالتفسير العرفي أي باستعمال اللفظ. المعنى ~~الاشتقاقي هو الثابت لأنه أصل اللغة والمعنى العرفي هو ~~المتغير نظرا لتغير الأعراف والاستعمالات المختلفة ~~للفظ عبر العصور. والمعنى الاصطلاحي هو محاولة الجمع ~~بين المعنيين، بين الثابت والمتغير، الأصل والفرع. ~~وهنا تبدو أهمية نقد النصوص والعثور على الوحدات ~~الأولى للنص بلغتها الأصلية. فالترجمات قراءات جديدة ~~تفقد المعاني الاشتقاقية للألفاظ الأصلية. والعرف بدون ~~لغة مجرد استسلام للاستعمالات الجارية. ونقد النصوص ~~باللجوء إلى العرف هو ترك طرف وتمسك بطرف آخر، تضحية ~~بالأصل من أجل الفرع نظرا لضياع الأصل وعدم تدوين ~~الأقوال الأولى بلغتها الأصلية. # 2 # وبالإضافة إلى منطق الألفاظ هناك منطق السياق أو كما ~~قال القدماء فحوى الخطاب ولحن الخطاب ومفاهيم الموافقة ~~والمخالفة. فالمعنى لا يظهر فقط في اللفظ ولكن في ~~علاقات الألفاظ وتركيب الجملة وأساليب التعبير في ~~التقديم والتأخير والاختيار بين المترادفات. فللألفاظ ~~أصوات وأشكال ومعان وتراكيب، ولكل منها فرع في علوم اللغة. # 3 ~~(4) # الموقف الأولي: # لما كان النص تدوينا لموقف وتسجيلا لحدث ورد فعل ~~عليه فإنه لا يفهم إلا بإرجاعه إلى الموقف الأول الذي ~~منه نشأ وعنه صدر. فالنصوص مواقف فكرية، واتجاهات ~~جماعات بشرية نحو الأحداث التي مرت بها، رد فعل عليها ~~أو توجيه لها، تقدم حلولا لمشاكلها. إذن لا يمكن فهم ~~النصوص إلا بالرجوع إلى هذه المشاكل الأولى التي ~~استدعت حلولا تم تدوينها في النص. وهذا ما سمي في ~~تراثنا القديم «أسباب النزول». النص بلا موقف صورة بلا ~~مضمون، غطاء بلا آنية، لفظ بلا معنى، روح بلا جسد. ~~تعني أسباب ms271 النزول أولوية الواقع على الفكر أي أولوية ~~الموقف على النص. فالموقف سابق على النص لأنه مصدره، ~~والنص تصوير وتدوين له؛ وبالتالي يفسر النص بالرجوع ~~إلى هذه المواقف الأولى. ليس النص تعبيرا بلا أرض ~~ولا وطن بل هو تسجيل موقف، وإفراز عصر. وهو ما يسمى في ~~علم الأخلاق الغربي «أخلاق المواقف» أو في الفلسفة ~~الغربية المعاصرة «المواقف المحددة». ويكون العيب ~~الرئيسي في المناهج التقليدية في التفسير هو اعتبار ~~النصوص مكتفية بذاتها، مغلقة على نفسها، لا تحتاج إلى ~~واقع تشير إليه؛ وبالتالي تقع في الحرفية والقطعية والشيئية. # 4 # | ثامنا: الإحالة إلى الذات # إن نظرية المعاني الأربعة للكتاب المقدس التي اشتهرت في العصر ~~الوسيط الأوروبي من خلال التراث المسيحي الكنسي إنما تدور كلها حول ~~الصراع بين المعنى الظاهري الحرفي والمعنى الباطني الروحي للنص مثل ~~الصراع الذي نشأ بين التنزيل والتأويل، بين الفقهاء والصوفية في ~~تراثنا القديم. فالتفسير الحرفي تضحية بالمعنى من أجل الحفاظ على ~~اللفظ مما أدى إلى الوقوع في التجسيم والتشبيه. والتفسير الرمزي هو ~~حفاظ على المعنى والتضحية باللفظ كرد فعل على التفسير الأول حرصا ~~على التنزيه. أما المعنى الصوفي الإشراقي فهو المعنى الذي يهدف إلى ~~الارتقاء بالروح والعروج بها إلى أعلى من أجل رؤية الحقائق في ~~الملأ الأعلى والتي تتحول إلى أشياء وعقائد بديلة عن العالم. ~~وأخيرا، المعنى الأخلاقي أو الموضوعي فهو المعنى الأكثر ارتباطا ~~بالإنسان وسلوكه وقيمه، يحاول العودة بالنص إلى العالم. فإذا كان ~~المعنيان الأوليان الحرفي والرمزي يمثلان جدل التشبيه والتنزيه فإن ~~المعنيين الأخريين، الصوفي والأخلاقي يمثلان جدل الملأ والإنسان، ~~العقائد والأخلاق. # 1 # أما التفسيرات العقائدية فإنها أيضا تجعل النص مصدرا لحقائق ~~قطعية منغلقة على ذاتها، منفصلة عن العالم، تخلق عالما بديلا من ~~الوهم وتخلق موقف الاغتراب؛ فالعقائد ليست أشياء أو وقائع بل هي ~~أسس لتصورات العالم وبواعث على السلوك. ليست بديلا عن العالم بل ~~تنظير له، كما هو الحال في النظريات والمذاهب والأيديولوجيات. يهدف ~~التفسير العقائدي للنصوص إلى الخروج من العالم الطبيعي إلى عالم ما ~~فوق الطبيعة وبالتالي ms272 يتحول الواقع إلى وهم والحقيقة إلى زيف. وقد ~~حدث ذلك في التفسيرات الكاثوليكية، والأشعرية. # 2 # أما التفسير الطبيعي الذي يعتمد على نتائج العلوم الطبيعية ويقرأ ~~من خلالها النص فإنه يقوم على إحساس بالنقص أمام العلم الطبيعي، ~~فالظن لا يغني عن اليقين، والأهواء والانفعالات لا تقاس بالوقائع ~~والحقائق. كما أنه نوع من الدعاية الخطابية بأن الدين يختلف عن ~~العلم وبالتالي تطمئن العامة إلى جهلها وينشأ فريق للتكسب بالبرامج ~~الدينية العلمية. الحقيقة أن هذا التفسير يجعل القيادة والريادة ~~للعلم، والدين مجرد لاحق وتابع. تضيع ثوابت الأديان أمام متغيرات ~~العلم، ويقضى على وحدة الأديان أمام اختلاف العلماء. ويظل العلم ~~متميزا بمنهج الاكتشاف ويقتصر الدين على منهج التبرير. التفسير ~~الطبيعي للنصوص الدينية لا هو علم ولا هو تفسير بل مجرد خداع وهم ~~يكون الدين فيه هو الضحية. العلوم الطبيعية مستقلة بذاتها من حيث ~~هي علوم ونظريات ولو أن قراءة النص الديني أو الأدبي قد تكون ~~باعثا على التوجه نحو الطبيعة أو مثيرا للخيال العلمي. وقد تكون ~~قراءة الطبيعة قراءة مباشرة باعتبارها آيات أكثر علمية من العلوم ~~الطبيعية لأن هذه القراءة تحيل إلى المعنى والمعنى مقروء في النص. ~~فالآية واحدة، آية نصية أو آية طبيعية. # 3 # لقد استطاعت العصور الغربية الحديثة منذ رتشل وشليرماخر ودلتاي ~~حتى بولتمان وهيدجر وإيبلتج وفوكس وأوط وبابنبرج اكتشاف عالم ~~الذات، وأصبح علم التفسير جامعا لعدة علوم مثل علم النفس وعلم ~~اللغة وعلم الاجتماع، كما أصبح عصبا لنظريات المعرفة والوجود ~~والقيم على حد سواء. أصبحت مهمة علم التفسير إقامة جسور بين ~~الله والإنسان، بين الماضي والحاضر، بين الذات والموضوع، بين اللفظ ~~والمعنى، بين العلم والدين، بين الأسطورة والواقع، بين الكتاب ~~المقدس والدعاية، لا فرق في ذلك بين نص أدبي أو نص ديني. تم اكتشاف ~~الوجود الإنساني باعتباره تفسيرا يرجع إليه تفسير النص، كما تم ~~اكتشاف العالم الذاتي باعتباره موطن التفسير القادر على تأويل الأساطير. # 4 # ولقراءة النص مراحل عدة تبدأ بالذات وتنتهي بالموضوع، ~~تبدأ بالداخل، وتنتهي بالخارج على النحو التالي: ~~(1) # الالتزام ms273 بموقف: # كل قراءة تبدأ بمعرفة شيء ما، معرفة ما يحتاجه القارئ ~~أولا، ماذا يريد أن يقرأ في النص، وماذا يريد النص أن ~~يقول له. فالقارئ هو الذي يقرأ النص، وهو الذي يعطيه ~~دلالته. والنص يتجاوب معه نظرا لاشتباهاته وأوجهه؛ ~~وبالتالي فإن القراءة غير الموجهة تحصيل حاصل لا ~~تؤدي إلى معنى لأن القارئ يقرأ من غير أن يوجه النص ~~نحو معنى معين لتحقيق هدف. فالمعنى هدف قبل التحقق، ~~والهدف معنى متحقق. القراءة إذن موقف، والقارئ صاحب ~~موقف. وفي هذه الحالة يصبح النص دالا ذا معنى. قراءة ~~النص بلا موقف والتي تؤدي إلى تحصيل الحاصل هي القراءة ~~الغالبة على معظم الخطاب الديني الرسمي لأنها مجرد ملء ~~فراغ وإشغال وقت وتنفيذ مهمة رسمية وأداء وظيفة ~~حكومية. هي إيهام الناس بأن القارئ يقول شيئا وهو لا ~~يقول شيئا. وهو خداع للمصلين بأن ما يقوله يأتي من ~~النص الموضوعي وهو لا يأتي منه لأنه في هذه الحالة لا ~~شيء يأتي من الذات أولا باستثناء أهواء مثل الخوف ~~والجبن والتكسب بالدين. هذه المعرفة المسبقة الضرورية ~~لتفسير النص ليست أحكاما مسبقة ولا أهواء بشرية ولا ~~آراء شخصية، بل يمكن أن يكون لها قدر من العموم ~~والموضوعية تتجاوز النسبية والشخصية، أشبه بالمصالح ~~العامة وبداهات العقول. # 5 ~~(2) # التعبير عن مصالح ~~الناس: # إذا كانت القراءة تستحيل دون ~~الالتزام بموقف، فإن السؤال بعد ذلك: بأي موقف يكون ~~الالتزام ولصالح من؟ ولما كان النص موضوعا لصالح ~~الغالبية العظمى من الناس - خاصة النص الديني والنص ~~القانوني - فإن تفسيره يكون لصالح هذه الأغلبية نفسها. ~~وإذا كان النص سلطة، وكانت السلطة نوعين؛ سلطة الحاكم ~~وسلطة المحكومين، وكانت سلطة الحاكم مستمدة من سلطة ~~المحكومين لكونها عقدا وبيعة واختيارا فإن تفسير ~~النص يكون بالضرورة لسلطة المحكومين مصدر سلطة الحاكم. ~~وإذا ما اختلفت السلطتان، وعبرت سلطة الحاكم عن ~~إرادته المشخصة أو عن فئته أو طبقته فإن سلطة ~~المحكومين تتمايز عنها وتقف أمامها. فتكون في المجتمع ~~سلطتان، كل منها تدعى الشرعية وتقرأ النص لصالحها. ~~ولما كان الحاكم له فقهاؤه ms274 يفسرون النص لحسابه ظهر ~~فقهاء المحكومين يقرءون النص دفاعا عن مصالح الناس. ~~فالصراع بين فقهاء السلطان وفقهاء الجمهور هو في ~~الحقيقة صراع بين سلطتين؛ وبالتالي تكشف معارك التفسير ~~للنصوص عن المعارك السياسية والاجتماعية في الدولة، ~~وكما هو واقع حاليا في الصراع الدائر بين علمانية ~~الحاكم ودينية المحكومين. ومن هذه القاعدة العريضة ~~نشأت في تراثنا القديم قواعد فقهية مساندة مثل: «ما ~~رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن.» «لا ضرر ولا ~~ضرار.» «المصلحة أساس الشرع.» «درء المضار مقدم على ~~جلب المنافع.» ... إلخ. لذلك ارتبطت مناهج التفسير ~~بالحركة الإصلاحية والحركات الاجتماعية فظهرت قراءات ~~للنص الديني متمركزة حول الإنسان والطبيعة لصالح الناس ~~في مقابل قراءة أخرى له متمركزة حول الله والكنيسة ~~لصالح الحاكم. # 6 ~~(3) # لغة الواقع ~~الإحصائي: # قد تكون القراءة تفسيرا ~~للنصوص ولكنها قد تكون أيضا تفسيرا للظواهر ~~الاجتماعية والطبيعية طبقا للمعنى الاشتقاقي لكلمة ~~«آية» التي تعني نصا لغويا مسموعا وظاهرة طبيعية ~~مرئية. وكلاهما قراءة، قراءة النص لغويا، وقراءة ~~المجتمع سياسيا، وقراءة الطبيعة علميا. هنا تحيل ~~اللغة إلى المجتمع وإلى الوجود. ويتحول النص من ~~منطوق مدون إلى واقع مرئي. ويتم الفهم عن طريق ~~تطابق النص والواقع في التجربة المعاشة فتتحدد ~~الدلالتان، دلالة النص اللغوية ودلالة الواقع المرئية. ~~فالواقع هو المفسر للنص والمحدد لأوجهه التي يرتكن ~~عليها. والواقع الإحصائي أقرب إلى تحديد العلل ~~الاجتماعية الطبيعية من الوجود ككل خشية الوقوع في ~~الميتافيزيقا الخالصة والتأملات النظرية. فالنص اقتضاء ~~فعل، وأمر يتطلب طاعة، وتوجه نحو العالم لا خارجا ~~عنه؛ لذلك ارتبطت قراءة النص بالعلوم الاجتماعية لأنها ~~هي التي تعطي معارف العصر وحركة المجتمعات. كما ارتبطت ~~القراءة بالأيديولوجيات باعتبارها نظريات الحركة ~~الاجتماعية ومناهج التطور الاجتماعي. # 7 # وتلك آخر مراحل التفسير، التفسير العملي ~~بمعنى تحول النص إلى واقع، واللغة إلى حركة، كما ~~يسمى لاعب الكمان «مفسرا» عندما يعزف النوتة ~~الموسيقية، وكما سمت عائشة الرسول عندما كان يتهجد ~~قائما ليلا «مؤولا» للقرآن. # | تاسعا: خاتمة: القراءة إبداع # تبدو قراءة النص وكأنها تفكير على الماضي، وشروح على متون، ~~وتهميش على نصوص ms275 قديمة؛ وبالتالي فهي أقرب إلى التقليد منها إلى ~~الإبداع وكأن الإبداع يتم وهو مقطوع الصلة بالجذور. والحقيقة أنه ~~لا إبداع دون مصادر، ودون تطوير لبذور أولى، ودون تنويع على أشكال ~~سابقة. فلولا سقراط لما كان أفلاطون، ولولا أفلاطون لما كان أرسطو، ~~ولولا هيجل لما كان ماركس أو فيورباخ، ولولا هايدن لما كان ~~موتسارت، ولولا موتسارت لما كان بيتهوفن، ولولا الفارابي لما كان ~~ابن ماجة، ولولا ابن سينا لما كان ابن طفيل؛ لذلك يبدأ المبدعون ~~بتقليد سابقيهم حتى يستقلوا بأسلوبهم، ويتميزون بأدائهم فيما ~~بعد. # وإن لم ينشأ الإبداع من شيء ما ولم يكن قراءة للقديم وتدريبا ~~عليه، فإنه يتحول إلى تقليد لنص آخر من تراث آخر فينشأ التقليد ~~مع وهم الإبداع؛ وبالتالي تقع الازدواجية في فكر الأمة وفنها ~~وقوانينها بل وتاريخها. يظل الفكر والفن والتاريخ والقانون القديم ~~تقليديا محافظا وينغلق على نفسه لأنه لم يخضع للتطوير عن طريق ~~القراءة، ويتجاور معه تقليد آخر بوهم الإبداع وباسم ~~التجديد. # لذلك، كانت قراءة النص ~~أفضل منهج للتربية والمران في الفكر والفن، يعكف من خلالها المبدع ~~على روحه المدون في النصوص ويتعرف على تاريخه، ويكتشف قانون مساره. ~~فعندما يدرك تطور ماضيه ويشعر بنقص حاضره يقرأ النص فيرى رواسب ~~الماضي في الحاضر، ويرى مكونات الحاضر في الماضي. في القراءة يحدث ~~التفاعل بين القديم والجديد، بين المبدع وعصره، فتنشأ إبداعات لا ~~نهاية لها، ويتم الحفاظ على وحدة الأمة في التاريخ. # 1 # | علم المستقبليات # (عالم الغد بين الأمس واليوم) # 1 # | أولا: مقدمة # لقد آن الأوان للأمة أن تكشف مسارها في التاريخ، وأن تنتقل من ~~الرجوع إلى ماضيها إلى الاتجاه نحو مستقبلها دون أن يكون ذلك ~~الانتقال تنكرا إراديا لحاضرها وتناسيا مقصودا له أو تعويضا ~~لا شعوريا وهروبا وجدانيا من أزمات العصر. والرجوع إلى الماضي ~~أو الاتجاه نحو المستقبل قد يكون موقفا مرضيا إذا كان فيه ~~تجاهل للحاضر وهروب منه وعزاء عنه ونسيان له وتعويض عنه. وقد يكون ~~موقفا صحيحا إذا كان الغرض منه البحث عن الجذور التاريخية لأزمات ms276 ~~العصر حتى يمكن حلها من أساسها، أو التخطيط للمستقبل والإعداد له ~~حتى لا نقع في التخبط والعشوائية والتردد والحيرة، فنقدم رجلا ~~ونؤخر أخرى، نكون مثل رجل ديكارت التائه في الصحراء الذي يغير ~~اتجاهه دوما دون أن يصل إلى غايته فيهلك. # 1 # وإن كثيرا من مشاكلنا اليوم لتتعقد أكثر فأكثر نظرا لتراكمها ~~واشتدادها لعدم قدرتنا على التنبؤ بها قبل وقوعها والإعداد لها. ~~فكثيرا ما تركنا المشاكل تتفاقم حتى تحولت إلى أزمات ومصائب ~~وبلاء وكرب، وطلبنا العون والغوث. لم تكن لدينا خطط طويلة الأمد ~~قادرة على احتواء المشاكل وتدارك الأزمات؛ لذلك تعثرت الحلول، ~~وضاقت السبل، ولم يعد الناس يصدقون الخلاص القريب. في نفس الوقت ~~يواجهنا عدو يخطط منذ أمد بعيد لاحتلال الأرض لحوالي قرن من ~~الزمان منذ نشأة الصهيونية السياسية حتى احتلال فلسطين كلها. وقد ~~كنا أقدر على ذلك التخطيط والإعداد للدفاع عن البلاد ولدينا تاريخ ~~الأنبياء، ونزول الوحي على فترات، ولكننا عشنا خارج التاريخ وخارج ~~الزمان، نطلب الخلاص منه إذا وجدنا أنفسنا فيه سواء بالوعود أو ~~التمنيات أو بالتعويض والإيهام. # إن أهمية «الدراسات المستقبلية» في حياتنا لا ترجع إلى تقليدنا ~~للغرب وإلى اقتفائنا لأثره وإلا كنا مقلدين ننقل آخر صيحات ~~«الموضة» الفكرية، إذا تركها الغرب تركناها وإذا أخذ الغرب غيرها ~~أخذناها. وتكون الدراسات المستقبلية في هذه الحالة أشبه بما ~~روجنا له من قبل من مذاهب ومناهج غربية مثل الوجودية والبنائية ~~والمنهج العلمي والمنهج الاجتماعي ... إلخ؛ وبالتالي لن تؤثر في ~~حياتنا ولن تساعدنا على التحول من الماضي والاتجاه نحو المستقبل ~~إعدادا وتخطيطا ومسارا. إنما ترجع الدراسات المستقبلية إلى ~~ضرورة ملحة في حياتنا وهو حساب المستقبل والتنبؤ بمشاكله وتوقعها ~~وإعداد الحلول لها قبل تفاقمها وعصيانها من أي حلول وتحولها إلى ~~أزمات طاحنة تعصف بأجيال بأكملها وتحول مجرى التاريخ. وهذا يأتي ~~بزرع الدراسات المستقبلية واكتشاف جذورها، والقضاء على معوقاتها ~~وتأصيلها، وبعثها من تاريخ الأمة وحضارتها حتى تكون لها فاعليتها ~~وأثرها في وجدان العصر. # والدراسات المستقبلية تدخل في إطار أعم وأشمل وهي «الاستراتيجية ~~الحضارية» وإلا ms277 تحولت الأولى إلى مجرد حسابات عن نضوب الثروات، ~~وتراكم رءوس الأموال، وبحث عن أسواق الجديدة لمد الغرب بأكبر قدر ~~ممكن من المعلومات عن مصادر الطاقة والمواد الأولية في المناطق ~~خارج حدود الغرب التي يعيش عليها الغرب تاريخيا واقتصاديا ~~وسياسيا. إنما الاستراتيجية الحضارية هي التي تضعها الشعوب غير ~~الأوروبية بفضل علمائها الوطنيين لتحديد مسارها التاريخي والتعرف ~~على مكونات ماضيها الحضاري سلبا وإيجابا من أجل العودة إلى ~~أصالتها التاريخية ومنطقتها الحضارية، ووضع خطة للتنمية الحضارية ~~الشاملة في مواجهة الغرب وليس لحسابه، لمصالح الشعوب التي استعمرها ~~الغرب طويلا وليس ضدها. # 2 # | ثانيا: الاتجاه نحو الماضي والإعداد للمستقبل في تراثنا ~~القديم # لما كانت الدراسات المستقبلية لا تنشأ في فراغ فقد ارتبطت في ~~التراث الغربي بفلسفة التاريخ، فإنها أيضا لا يمكن أن تنشأ في ~~وجداننا المعاصر من فراغ حيث لا يوجد بعد الزمان أو التاريخ في ~~وعينا القومي. كما أنها لا يمكن أن تنشأ من تقليد الغرب ونقل ~~اتجاهاته وترجمتها لأنها حينئذ تكون مجتثة الجذور، تنتهي بانتهاء ~~الموضة، ولا تحدث أي أثر في حياتنا بل وقد تحدث الأثر المضاد وهو ~~الإيهام باكتشاف المستقبل، وهو في الحقيقة غائب وضائع. وكما استطاع ~~الغرب اكتشاف المستقبل وصياغة مفهوم التقدم وفلسفات التاريخ ~~ابتداء من البحث في الماضي واكتشاف أصوله فيه، فإننا أيضا إذا ~~أردنا البحث من جذور للاتجاه نحو المستقبل في تراثنا القديم حتى ~~يمكننا تنحيتها وتطويرها إلى دراسات مستقبلية فإنه يمكن العثور ~~عليها في علومنا القديمة خاصة العلوم النقلية العقلية مثل أصول ~~الدين وأصول الفقه وعلوم الحكمة وعلوم التصوف، وفي بعض العلوم ~~النقلية مثل علوم القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، أو في ~~العلوم العقلية الخالصة مثل الحساب والهندسة والموسيقى والفلك، أو ~~في العلوم الطبيعية مثل الطبيعة والكيمياء، أو في العلوم الإنسانية ~~مثل اللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ. # 1 ~~(1) # ففي علم أصول الدين إذا كان الاتجاه نحو الماضي قد ~~ظهر في مبحث النبوة فإن الاتجاه نحو المستقبل قد ظهر ~~في مبحث المعاد، وكلاهما من السمعيات إجابة على سؤال: ~~ماذا يحدث ms278 للإنسان بعد الموت؟ وكانت الإجابة بطبيعة ~~الحال فناء الأبدان وبعثها وبقاء الأرواح ومعادها ~~نظرا لتمايز النفس عن البدن. لقد شغل القدماء أنفسهم ~~بكيفية وضع حد لنهاية الزمان وكيفية موت الإنسان ~~بالسيف أو بانتهاء الأجل الذي يأتي بغتة دون أي ~~إمكانية لحسابه. وهذا يجعل الإنسان على استعداد دائم ~~للرحيل «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك ~~كأنك تموت غدا.» فالنهاية ليست نهائية بل هناك ~~استمرار نحو المستقبل، وحياة مستقبلية لا تنتهي ~~بانتهاء الحياة الدنيا بل تستمر في الحياة الأخروية، # بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى ~~(الأعلى: 16-17). كما شغل ~~القدماء أنفسهم بعذاب القبر وضغطته، وبحساب الملكين ~~منكر ونكير، وبتحلل الجسد كله إلا «عجب الذنب» ~~التي تبقى بلا تحلل ومنها يبدأ البعث والنشور وحياة ~~المستقبل! كما فصل القدماء في شرائط الساعة ~~وعلاماتها مثل نزول المسيح الدجال وقتل المسيح عيسى ~~ابن مريم له، وشروق الشمس من المغرب وغروبها من ~~المشرق، وخروج الدابة من جحرها، والحرب بين يأجوج ~~ومأجوج مما يدل على اضطراب قوانين الطبيعة وعجز ~~الإنسان عن السيطرة عليها والتنبؤ بمسارها لما كان ~~موقف الإنسان في العالم هو السيطرة عليها والتنبؤ ~~بحوادثها. فإذا حان الحساب يقدم الإنسان أفعاله ويجد ~~كل ما قدم أمامه محضرا. فالحاضر يمهد للمستقبل، ~~والماضي لم يمت بل يحيا من جديد في المستقبل ويحكم على ~~حاضر الإنسان الأبدي، وحياة الإنسان مستمرة لا توقف ~~فيها، يحدد ماضيها حاضرها ومستقبلها. فإذا كانت ~~المحصلة النهائية لعمر الإنسان إنما تتحدد نتيجة ~~لأعماله إيجابا أم سلبا، خلاصا أم هلاكا فإن ذلك ~~يدفع الإنسان لحسن الاستعداد للمستقبل، ويجعل المستقبل ~~همه الأول ولكنه لسوء الحظ مستقبل خارج الدنيا يتجاوز ~~الزمان. إن عملية الحساب ذاتها تتم وفقا لقانون وليست ~~طبقا للأهواء والانفعالات مما يجعل موقف المعتزلة، ~~أهل العدل والتوحيد، أكثر قدرة على تأصيل الاتجاه نحو ~~المستقبل من الأشاعرة الذين يؤمنون بالشفاعة. ويغلب ~~على هذه القوانين نفسها الطابع الحسابي الرياضي العقلي ~~مثل قوانين الإحباط والتكفير، والاستحقاق والعوض مما ~~يجعل حساب الاحتمالات ممكنا. وكان الميزان رمز ~~الحساب. وينكر المعتزلة ms279 الصراط الذي يسير عليه من ~~تتساوى حسناتهم مع سيئاتهم فيسقطون في الجنة أو في ~~النار عشوائيا ومصادفة بلا قوانين للاحتمال أو للترجيح. # 2 # كما ظهر بعد المستقبل في تصور أوصاف الله وصفاته، ~~فالله بالإضافة إلى أنه قديم هو باق، وهو كل الزمان ~~لا أول له ولا آخر، لا بداية له ولا نهاية، يعلم ما ~~يكون وما لا يكون، يضم الماضي والحاضر والمستقبل. بل ~~إن الكرامية تصورته على أنه محل للحوادث، متجدد ~~باستمرار، «كل يوم هو في شأن» مما يوحي بإمكانية إعطاء ~~الأولوية للجديد على القديم، وللمستقبل على الماضي في ~~وجداننا القومي. وظهر المستقبل أيضا في الحسن والقبح ~~العقليين عندما تصور المعتزلة العالم الإنساني يسير ~~طبقا لغاية ووفقا لقانون الصلاح والأصلح أو اللطف، ~~وأن العالم ليس عشوائيا لا يخضع إلا لإرادات مشخصة ~~مطلقة بلا قانون وبلا هدف. كما ظهر المستقبل أيضا في ~~الطبيعيات في نظرية التوليد عند المعتزلة ومسئولية ~~الإنسان عن نتائج أفعاله في المستقبل مما دفع علماء ~~المسلمين إلى حساب المستقبل وحركات القذائف. فالإنسان ~~لديه استطاعة ليس فقط قبل الفعل أو مع الفعل بل أيضا ~~بعد الفعل. كما ظهر الاتجاه نحو المستقبل في نظرية ~~الإمامة عند الشيعة والسنة في خطين متمايزين ~~ومتعارضين. فبينما الإمامة عند الشيعة اتجاه نحو ~~المستقبل، وانتظار للإمام الغائب على ما هو معروف في ~~تاريخ الأديان باسم المشيانية # Messianism # هي عند أهل السنة تدهور ~~وانحطاط من النبوة إلى الخلافة إلى الصحابة إلى ~~التابعين إلى تابعي التابعين. فالتاريخ يسير من الوحدة ~~إلى التفرق، ومن الإيمان إلى الكفر، والخلف أفضل من ~~السلف # فخلف من ~~بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات ~~(مريم: 59)، ~~كما أن «خير القرون قرني ...» كما قوى ذلك التصور ~~للتاريخ المنهار حديث الفرقة الناجية الذي يشكك في ~~صحته ابن حزم «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها ~~في النار إلا واحدة، هي ما أنا عليه وأصحابي.» وهم أهل ~~السنة والجماعة أي الدولة السنية الأشعرية، أو بلغة ~~العصر كل الاجتهادات على خطأ وكل اتجاهات المعارضة على ~~باطل ولا يوجد ms280 إلا رأي واحد صائب حق هو رأي الحكومة! ~~ومن ثم ضاعت فرصة ظهور المستقبل على أنه ازدهار ~~وانتصار بالرغم من وجود إمكانيات لذلك في الآيات ~~والأحاديث مثل الآيات التي تحث على الأمل وترفض اليأس ~~والقنوط، ومثل حديث المجددين «إن الله يبعث على رأس كل ~~مائة سنة من يجدد لها دينها». # 3 ~~(2) # وفي علم أصول ~~الفقه إذا كان شرع من قبلنا لم يعد ملزما لنا؛ ~~وبالتالي أمكن فك إسارنا من الماضي والاتجاه نحو ~~الحاضر، وبدأنا شعورنا القومي على البراءة الأصلية فإن ~~المصادر الأربعة للتشريع توحي بالزمان وبالمستقبل ~~انتقالا من القرآن إلى السنة إلى الإجماع إلى ~~الاجتهاد، فكل مصدر يوحي بتقدم في الزمان عن المصدر ~~السابق: السنة تعين أول للقرآن، والإجماع تعين ~~ثان له، والاجتهاد تعين ثالث ومستمر له. فإذا تركنا ~~القرآن والسنة للعلوم النقلية فإن الإجماع يضع مشكلة ~~العصور والأجيال وإمكانية عدم التزام العصر اللاحق ~~بأحكام العصر السابق نظرا لتغير الظروف والأحوال ~~واختلاف المصالح والحاجات، ولكن الذي يشير بصراحة ~~ووضوح إلى بعد المستقبل هو المصدر الرابع للتشريع وهو ~~الاجتهاد. فقد أعطى المصدر الأول المبادئ العامة ~~الصالحة لكل زمان ومكان. وأعطت السنة أول تحقق لهذه ~~المبادئ العامة في التاريخ، في زمان ومكان معينين، وفي ~~عصر معين ولأمة بعينها. كما أعطى الإجماع إمكانية ~~الاتفاق على التطبيق العملي باسم مصالح الأمة ووحدتها. ~~والآن يعطي الاجتهاد إمكانية احتواء كل الحوادث ~~المستقبلة والتشريع لكل الظروف الآتية ابتداء من جهد ~~الإنسان العقلي وقدراته على الاستنباط والاستقراء، ~~وبعد أن ميز الشاطبي بين تحقيق المناط وتنقيح المناط ~~وتخريج المناط جعل الأول لا ينقطع إلا بانقطاع التكليف ~~في حين أن الثاني والثالث مشروطان بوجود المجتهد. ~~الأول مستمر إلى ما لا نهاية طالما أن هناك إنسانا ~~عاقلا وقادرا مكلفا، باق مع الإنسان إلى ما لا ~~نهاية. ولما كان تحقيق المناط هو وجود علة الحكم في ~~الواقع كان على الإنسان أن يبحث باستمرار عن هذا ~~المناط. فالاجتهاد هو عصب الشريعة، وهو كما يسميه ~~إقبال «مبدأ الحركة» في الإسلام. فالمستقبل وارد في ~~الشريعة، ms281 وحساب المستقبل موجود في الاجتهاد. المستقبل ~~ليس هما أو إشكالا أو تأزما بل هو حاضر معاش ~~يدخل في نظرية قادرة على أن تعطيه حكما يحل الإشكال ~~ويقضي على الأزمات. فالمجتهد هو العالم المناط به ~~تطوير الشريعة ونقل الماضي إلى الحاضر. والعلماء ورثة ~~الأنبياء، والفقهاء أمناء الرسل. ولما كان الله هو ~~عالم الغيب والشهادة ظهر ذلك في أحد جوانب المنهج ~~الأصولي. وهو قياس الغائب على الشاهد. فمعرفة الغائب ~~ممكنة وذلك بقياسه على الشاهد. ولما كان المستقبل أحد ~~مظاهر الغيب أمكن معرفته. # كما نجد في مباحث الأصول الأخرى حضور المستقبل وإن ~~كان مغلفا في أطر اللغة والتشريعات. فمثلا المبادئ ~~اللغوية التي وضعها الأصوليون لتفسير النصوص مثل: ~~الحقيقة والمجاز، الظاهر والمؤول، المحكم والمتشابه، ~~المجمل والمبين، المطلق والمقيد ... إلخ، كلها تهدف إلى ~~احتواء الحوادث المستقبلة مثل الاجتهاد تماما عن طريق ~~تأويل الألفاظ؛ وبالتالي يظل النص صالحا باستمرار ~~متحركا في الزمان والمكان، ممتدا من الماضي إلى ~~الحاضر، ومتجها من الحاضر نحو المستقبل. وفي مباحث ~~الأحكام وتحليل المقاصد نجد أن الوحي مقصد، والقصد ~~اتجاه وغاية. فقد قامت الشريعة من أجل تحقيق مقاصد ~~وأهداف ابتداء وهي المصالح العامة، وأفهاما حتى ~~يعقلها الناس، وامتثالا حتى يطيعونها، وتكليفا حتى ~~يطبقونها. وفي سلوك الفرد ارتبط الفعل بالنية، والعمل ~~بالهدف. والغاية والقصد من بدايات الاتجاه نحو المستقبل. # 4 ~~(3) # وفي علوم الحكمة التي يضرب بها المثل في التجريد ~~والصورية ظهر الاتجاه نحو المستقبل في التركيز على ~~العلة الغائية من العلل الأربعة في الإلهيات ~~والطبيعيات، وأن العلة الغائية هي العلة الفاعلة الحقة ~~وكأن العالم كله يتحرك نحو غاية بالعشق. والله هو ~~العلة الغائية للعالم، المحرك الذي لا يتحرك الذي ~~ينزع العالم نحوه بالعشق. وفي الطبيعيات ظهرت القوة ~~كامنة في الطبيعة، انتقال من القوة إلى الفعل، والنفس ~~كمال أول. وفي الإلهيات يظهر الاتجاه نحو المستقبل في ~~نظرية الاتصال حيث تتصل النفس المفارقة بالعقل الفعال. ~~فالنفس قادرة على كشف غياهب المجهول واختراق الحجب، لا ~~فرق في ذلك بين الفلسفة الإشراقية عند الفارابي وابن ~~سينا وبين ms282 الفلسفة العقلية الخالصة عند ابن رشد. بل إن ~~الفلسفة الإشراقية خاصة عند ابن سينا قاربت علوم ~~التصوف، وتناولت مقامات العارفين، ووصفت طريق الحكمة ~~على أنه طريق إلى الله يرتقي فيه الحكيم من مقام إلى ~~مقام، ترتفع روحه صعودا، والأعلى في الفكر الديني هو ~~الأمام في الفكر العلماني. فالمفارقة أو العلو قد يكون ~~إلى أعلى وقد يكون إلى الأمام. كما ظهر الاتجاه نحو ~~المستقبل في علوم التنجيم وما يتعلق بها من علم وقراءة ~~المستقبل مثل الطير والفأل التي وصل إليها الحكماء عن ~~طريق حساب دورات الأفلاك وآثار ذلك على ما يقع على ~~الأرض من حوادث وإمكانية التنبؤ بها إذا ما تم حساب ~~الدورات، فلا شيء يقع على الأرض لا يحدث بفعل دورات ~~الأفلاك. وبالرغم من تحذير القرآن من هذه العلوم ~~وتحريمه للأزلام والأنصاب إلا أن الحكماء تابعوا في ~~ذلك علوم التنجيم القديمة دون ما مراعاة لتكذيب الحديث ~~للمنجمين «كذب المنجمون ولو صدقوا.» بل إنهم وضعوا ~~علوما لقراءة الطالع - واستمر ذلك حتى الآن - من اليد ~~والفنجان وضرب الودع وخط الرمل ورمي الحصى للتطير. كل ~~ذلك يدل على كشف حساب المستقبل ولكن بطريق السحر والتنجيم. # 5 ~~(4) # وفي علوم ~~التصوف ظهر الاتجاه نحو المستقبل في تحليل المقامات ~~والصعود فيها من مقام إلى مقام حتى الوصول إلى آخر ~~الطريق، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن فترة إلى ~~فترة حتى الوصول إلى الغاية. ويبدأ الصوفي من البداية ~~في الوقت حتى يصل إلى النهاية في الأبدية. وعادة ما ~~يتحول الأعلى إلى الأمام في عمليات النهضة الحضارية، ~~ويتم اكتشاف التقدم. وقد غلب على الصوفية تحليل ~~اللحظة الحاضرة وهو الوقت، ما بين الحاضر والمستقبل ~~ولكن لسوء الحظ كل ما يحدث فيه متوهم وليس حقيقيا ~~مما يجعله ظاهرا لا حقيقة؛ ومن ثم يصبح الزمان كله ~~هباء وتوهما، ولا يبقى إلا الفناء في الأبدية حيث لا ~~زمان ولا تقدم. كما ظهر الاتجاه نحو المستقبل في وصف ~~الصوفية لمراحل النبوة التي توازي مراحل التجلي الإلهي ~~كما فعل ابن عربي في «فصوص الحكم» ms283 والتي توازي أيضا ~~مراحل الكشف بل ومراحل الخلق ابتداء من آدم حتى آخر ~~الأنبياء. فالتقدم هنا من الماضي إلى الحاضر، من أعلى ~~إلى أسفل، من الخلف إلى الأمام. بل إن ابن عربي قد وضع ~~مرحلة أخيرة للكشف الصوفي وهي المرحلة ما بين محمد بن ~~عبد الله ومحمد بن سنان، وهي مرحلة مستمرة لا تنتهي، ~~وهي مرحلة الولاية، فالأولياء ورثة الأنبياء، والإلهام ~~استمرارية للنبوة. فإذا كانت النبوة تنقطع فإن الولاية ~~لا تنقطع. كان لدى الصوفية إمكانية ظهور المستقبل ~~ولكنه كان كشفيا نظريا فرديا وجدانيا وهميا ~~خياليا صاعدا إلى أعلى. # 6 ~~(5) # وفي العلوم النقلية ظهر الاتجاه نحو المستقبل في ~~علوم القرآن في موضوع النسخ، ورفع الحكم السابق بحكم ~~لاحق طبقا للتطور في الزمان، وتغير الظروف والأحوال، ~~وحسب الأهلية والقدرة. كما ظهر أيضا في نزول الوحي ~~على فترات ونزول القرآن ذاته منجما على مدى ثلاث ~~وعشرين عاما وقسمته إلى مكي ومدني، تصور ونظام، عقيدة ~~وشريعة، أيديولوجية ودولة. وهما مرحلتان ضروريتان ~~لبناء أي نظام جديد. ومن دلائل الإعجاز عند البعض ~~إخبار القرآن بالغيب والتنبؤ بالمستقبل وإن كان القرآن ~~ذاته قد حرم جميع أنواع السحر والفأل والطيرة ~~والتنجيم. إنما التنبؤ بالمستقبل يكون ممكنا فقط ~~باستقراء أحوال الأمم الماضية، واستعراض حوادث ~~التاريخ، واستنباط قوانينه العامة التي تكمن وراء قصص الأنبياء. # 7 # وفي علوم الحديث تكشف الرواية عن انتقال الخبر في ~~الزمان، جيلا بعد جيل، والانتقال من التراث الشفاهي ~~إلى التراث المدون حرصا على صحة الخبر وحماية له من ~~الزيادة أو النقصان أو من التحريف والتغيير والتبديل. ~~ونشأ معه علم «ميزان الرجال» أو علم «الجرح والتعديل» ~~لمعرفة سير الرواة جيلا بعد جيل. وأصبح من شروط ~~التواتر التجانس في الزمان أي تجانس انتشار الخبر عبر ~~الأجيال منعا للتكتم على الخبر الصحيح أو ذيوع الخبر ~~الكاذب. كما تنتشر في الإصحاحات أبواب بدء الخلق ~~وعلامات النبوة مما يوحي ببداية الزمان ونهايته وأبواب ~~الهجرة والخلاص، وتقبل الحوادث المستقبلة كضرورة لا ~~مفر منها، والدعوات، والوعود، والنذور وكلها تكشف عن ~~أن المستقبل مطوي ms284 في الحديث تتناوله السنة دون أن ~~ينكشف في وعينا التاريخي. # 8 # وقد اعتمدت علوم التفسير على الرواية عن السابقين، ~~وتناولت أخبار الأمم السابقة وانتشار الدعوة في الزمان ~~وبدايات التاريخ حتى الصحابة والتابعين وتابعي ~~التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فكان ~~التفسير بالمأثور اتجاها نحو الماضي. ولم ينشأ تفسير ~~لحاضر الأمة أو لمستقبلها ينفعها وهي في الزمان وفي ~~التاريخ. ودخلت الإسرائيليات التي تروي أخبار الأمم ~~الغابرة دون ما سند من رواية أو منطق أو حس. في حين ~~هاجم القرآن التقليديين والمقلدين واقتفاء آثار ~~الأمم السالفة حتى يجعل كل أمة متجهة نحو مستقبلها لا ~~نحو ماضيها. # 9 # وتناولت علوم السيرة علامات النبوة وظهورها قبل ~~ميلاد النبي وقبل البعثة وما أوتي النبي من قدرات ~~خاصة لقراءة الماضي والمستقبل، مثل الإسراء والمعراج ~~وتبشير أهل الجنة والحكم على أهل النار والكرامات. وقد ~~ارتبطت كلها بشخص النبي. ولم يتحول المستقبل منها ~~إلى تيار في وعينا القومي يجعلنا أكثر قدرة على رؤية ~~المستقبل باستثناء ما يستشري فينا من الرؤى والأحلام. # 10 # وبالرغم من تناول علوم الفقه الموضوعات العملية إلا ~~أنها تعرضت أيضا لبعض الموضوعات التي تكشف عن ~~المستقبل فيما يتعلق بأحكام السوق وماذا يحدث في ~~الأسعار والتسويق نتيجة التلاعب والاحتكار أو فيما ~~يتعلق بأنظمة الحكم وما قد يعتريها من وهن وضعف إذا ما ~~حادت عن الشريعة. ووقد ورد لفظ «التدبير» في بعض كتب ~~الفقه السياسي والتي تعني الإعداد والتخطيط لرعاية ~~الأمة ومصالح الدولة. # 11 # فالعلوم النقلية كلها على هذا النحو ~~بالرغم من أنها تعتمد على النقل إلا أنها لم تسقط ~~المستقبل من حسابها وأخذته ضمن موضوعاتها وإن كان ~~مغلفا بطابع فقهي. ~~(6) # وبالرغم من أن العلوم العقلية ذات طابع رياضي خالص ~~إلا أن حساب اللامتناهي والواحد واكتشاف الصفر، ~~والمكان اللامتناهي، والخط اللامتناهي، والدائرة ~~اللامتناهية الحركة: كل ذلك يجعل اللامتناهي بداية ~~اكتشاف الإنسان للاتجاه نحو المستقبل في المكان ~~والزمان والعدد وإطلاق قوى الخيال العلمي الرياضي ~~لحساب اللامتناهي كما هو واضح في العلوم الرياضية ~~الإسلامية مثل الجبر والمقابلة وجداول ms285 «اللوغاريتمات» ~~و«تقدمة المعرفة». # 12 # وفي العلوم الطبيعية ظهرت الغائية في علوم الحياة ~~وعلوم الطب. كما ظهرت مفاهيم للتحول والتغير والقوة ~~والفعل في علوم الطبيعة. ارتبطت العلوم بالحياة ~~العملية وكان الهدف منها السيطرة على قوانين الطبيعة ~~لتسخيرها لمصلحة الإنسان ومنفعته تعبيرا عن تصور ~~الوحي لعلاقة الإنسان بالطبيعة، وكأن الطبيعة عاقلة ~~حية مريدة فاعلة واعية وهو معنى التسبيح بحمد الله. # 13 ~~(7) # وفي العلوم الإنسانية، خاصة في علم التاريخ، كان ~~الاهتمام واضحا ببدايات التاريخ وقصص الأنبياء. كما ~~وضح الاهتمام بالحوليات وتوالي السنين وتتابع الأجيال ~~والطبقات وإن لم يظهر قانون لحركة التاريخ أو تصور ~~لتقدم الأجيال وعلاقات بعضها بالبعض الآخر؛ وبالتالي ~~خلا التاريخ من فلسفة التاريخ، وخلت الوقائع من قانون ~~عام يضمها. # 14 # حتى أتى ابن خلدون وحاول صياغة قانون عام ~~لتطور الدول نشأة ونموا واكتمالا ثم اضمحلالا ~~وانهيارا. فقد ظهر ابن خلدون في نهاية الطور الأول ~~للحضارة الإسلامية من القرن الأول حتى القرن السابع ~~ولم يعاصر فترتها الثانية من القرن الثامن حتى القرن ~~الخامس عشر؛ ولذلك غلب على «المقدمة» النهاية أكثر من ~~البداية. وتكون مهمتنا نحن هو إكمال فلسفة التاريخ ~~التي تركها لنا ابن خلدون مكملين قانون التطور ~~بإضافة قانون النهضة وربما التنبؤ بمسار الأمة في ~~المستقبل بناء على رصد دورتيها في الماضي. كما لم ينس ~~ابن خلدون التطرق إلى «حقيقة النبوة والكهانة والرؤية ~~وشأن العرافين وغير ذلك من مدارك الغيب» معتمدا على ~~نظريات الفلاسفة في الاتصال والنظريات ~~الفيزيولوجية في ~~عمل الدماغ. كما تحدث عن أهمية النبوة في الأمة ~~ومبينا «أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية ~~من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة.» ~~فالنبوة هي التي تعطي خبرة الماضي وتؤسس الحاضر ~~وتستبصر المستقبل. كما تحدث عن «علم تعبير الرؤيا» ~~بناء على قصة يوسف وتفسير الأحلام والإعداد والتخطيط ~~لخير مصر وتجنب المجاعة. كما تعرض لعلوم السحر ~~والطلسمات كعلوم قديمة مهمتها التأثير في قوى الطبيعة ~~والتنبؤ بالغيب. # 15 ~~(8) # ولكن يرجع الفضل إلى المصلحين الدينيين والمفكرين ~~المحدثين وزعماء الإصلاح ms286 ورواد النهضة ودعاة ~~التمدن إلى التفكير في أسباب انهيار المجتمعات ~~الإسلامية وشروط النهضة الجديدة؛ فقد حاولوا تأسيس ~~العلوم الاجتماعية، وصياغة قوانين لتطور الأمم ترجمة ~~أو اقتباسا أو تحليلا أو علما. فظهرت فلسفات ~~التاريخ تتحدث عن النهضة والتقدم والترقي، وتبحث عن ~~سنن الله في الكون أو القوانين العامة للتاريخ، وتحاول ~~التنبؤ بمستقبل الأمة على مستوى التمني، وتبين إمكانية ~~تحقيق هذا الهدف على الأقل على مستوى الخطابة والوعظ ~~وشحذ الهمم على طريقة الدعوات الإصلاحية ولم تختلف في ~~ذلك التيارات الرئيسية الثلاث في فكرنا الحديث؛ التيار ~~الديني الإصلاحي، والتيار العلمي العلماني، والتيار ~~الوطني الليبرالي. فطريق التقدم هو الانتقال من الجهل ~~إلى العلم، ومن الخرافة إلى العقل، ومن التفرق إلى ~~الوحدة، ومن الفتور إلى شحذ الهمم وتجنيد الجماهير. ~~وهو أيضا الطريق من علوم القدماء إلى علوم المحدثين، ~~من العلوم الكلامية إلى العلوم العصرية، من العلوم ~~الدينية إلى العلوم الاجتماعية. إن الدين حركة تقدمية ~~في التاريخ لإذكاء الوعي وإكمال العقل واستقلال ~~الإرادة. وهو قادر على الدخول في عصر العلم والمدنية ~~لأنه يوفي بمقتضياتهما. إن الأمم تسير وفقا لقوانين ~~حتمية ذكرها الأنبياء ووصفها الوحي، وهي سنن الله في ~~الكون. وقد اختارت كثير من الجمعيات الإصلاحية اسم ~~«الترقي» للدلالة على هدفها في التقدم والعصرية. كما ~~ركز التيار العلمي العلماني خاصة على الترقي من خلال ~~العلوم الطبيعية وإرساء قواعد لنظم اجتماعية جديدة ~~تقوم على الحرية والعدالة والمساواة. وأخيرا ركز ~~التيار الوطني الليبرالي ~~على أن «حب الوطن ~~من الإيمان»، وأنه لا فرق هناك بين الدين والوطنية ~~والعصرية. وما زلنا حتى الآن ندرس موضوع التقدم، ~~ونتحدث عن شروط النهضة، ونتلمس أسباب الرقي. # 16 # | ثالثا: التحول من الماضي والاتجاه ~~نحو المستقبل وصياغة التقدم في ~~التراث الغربي # لم تظهر الدراسات المستقبلية في التراث الغربي في فراغ بل سبقتها ~~جهود عديدة لاكتشاف المستقبل في صورة تقدم وحركة وتغير وثورة ~~وقانون. ولم يحدث هذا الاكتشاف فجأة وفي عصر واحد بل مهدت له ~~شروط وساعدت عليه عوامل وتراكمت فيه خبرات. وحدث ذلك على مراحل ~~مختلفة ms287 حتى كمل مفهوم التقدم الإنساني العام الذي يشمل القدرات ~~الذهنية والمعارف الإنسانية والإنجازات البشرية. ~~(1) # فقد انتقلت ~~الحضارة الأوروبية كلها من التمركز حول الله # Theocentrism # إلى ~~التمركز حول ~~الإنسان # Anthropocentrism # وقد ظهر ذلك في عصر الإحياء ~~في القرن الرابع عشر عندما تم بعث الآداب القديمة التي ~~تعلي من شأن الإنسان في مواجهة الآلهة. كما استمر ذلك ~~الإصلاح الديني في الخامس عشر بدخول الإنسان في علاقة ~~مباشرة بينه وبين الله، وإيمانه في اللحظة دون توسط ~~الكنيسة، وحريته في الفهم والتفسير للكتاب المقدس. ~~وقوي ذلك في عصر النهضة في السادس عشر حين أصبح ~~الإنسان هو الموضوع الأول للعلوم. فنشأت العلوم ~~البيولوجية مع العلوم الطبيعية والرياضية، بل ونشأ ~~الاتجاه ~~الإنساني # Humanism # عند أراسم (1469-1536م). ~~فقد كان يستحيل ظهور مفهوم التقدم أو التاريخ في عالم ~~يطويه الله بين يديه، ويضعه تحت إبطيه دون أن يكون ~~للعالم استقلاله ووجوده الخاص، ودون أن يكون له حركته ~~وتطوره وقانونه؛ ومن ثم تم اكتشاف الحركة في الدراما ~~والارتقاء في العلوم البيولوجية قبل اكتشاف التقدم ~~في العلوم التاريخية. ~~(2) # كما انتقلت الحضارة الأوروبية الحديثة من التصور ~~الدائري للزمان، ذلك التصور الذي كان سائدا في ~~الحضارات القديمة إلى التصور التقدمي للزمان. كان ~~التصور الأول مرتبطا بالخلود، وبالعود على بدء، ~~وبالبداية والنهاية من أجل حل قضية الصلة بين الزمان ~~والخلود. وفي هذا التصور تكون الأولوية فيه للخلود على ~~الزمان. في حين ارتبط التصور الثاني بالزمان دون ~~الخلود، وبمراحل الزمان وفترات التاريخ وتعاقب الأجيال ~~وتوالي العصور والأزمان. هذا التصور الأول جعل التقدم ~~يسير إلى الوراء طبقا لقانون القهقري # Recoursi # لحاقا ~~بالفردوس المفقود، وهروبا من هذه الأرض الخراب، ~~ورجوعا إلى العصر الذهبي، وابتعادا عن عصر الفساد ~~والانهيار. في حين أصبح التقدم في التصور الثاني ~~تقدما مستمرا، اليوم أفضل من الأمس، والغد أفضل من ~~اليوم. لا رجوع إلى الوراء، ولا عودة بالزمن، فالزمان ~~يسير في خط مستمر إلى الأمام. لا انتكاس فيه ولا ~~نكوص؛ لذلك انتقل الوعي الأوروبي من التشاؤم إلى ~~التفاؤل، ومن الإحجام إلى الإقدام، ms288 ومن الخوف والشك ~~ومن والترقب إلى الثقة بالنفس واليقين والعمل. # 1 ~~(3) # ولما كان الدين هو ينبوع الحضارة ومركزها فقد تمت ~~عدة تحولات في تصور العقائد الدينية من المحور ~~الرأسي إلى المحور الأفقي. حدث ذلك في تصور عقيدة ~~العناية الإلهية التي تحفظ العالم وتعتني به بعد الخلق ~~من خارجه وليس من داخله، وتحوله إلى تصور آخر جعلها ~~قانونا لتطور التاريخ ولتحديد مساره من داخله وليس ~~من خارجه. كما تحولت عقيدة التثليث؛ الأب والابن ~~والروح القدس من قبل في القرن الثاني عشر عند يواكيم ~~الفيوري (1130-1203م) إلى قانون لتطور التاريخ ذي ثلاث ~~مراحل؛ مرحلة الآب وهو الذي يمثل السلطة، ومرحلة الابن ~~وهو الذي يمثل المعارضة، ومرحلة الروح القدس وهو الذي ~~يمثل استقلال الإنسان وعيا وعقلا وإرادة. # 2 # وظهر ذلك بوضوح في فلسفة التاريخ عند ~~هيجل (1770-1831م) حيث تحول ملكوت الآب وملكوت الابن ~~وملكوت الروح القدس إلى جدل التاريخ، إلى مسار حضاري ~~شامل يتجلى فيه الروح المطلق. كما تحول تطور النبوة ~~من اليهودية إلى المسيحية إلى التنوير إلى قانون ~~عام لتربية الجنس البشري كما هو الحال عند لسنج ~~(1729-1781م) ابتداء من مرحلة الحس والتشبيه الحسي ~~وإله الغضب والعقاب والخوف إلى مرحلة العاطفة والوجدان ~~وإله المحبة والعفو والتسامح والغفران إلى مرحلة العقل ~~والحرية والطبيعة ودين التنوير، دين الإنسانية الجديد، ~~خاتم الأديان، ونهاية التطور وكمال الإنسانية. ولم تعد ~~المعجزة خرقا لقوانين الطبيعة ونفيا لاستقلالها بل ~~حادثة تقع طبقا لقانون طبيعي نجهله. وتقدم العلم ~~يمكن اكتشافه والتنبؤ بمسار الحوادث. # 3 # أصبح مستقبل الإنسان في هذه الدنيا وليس ~~في الآخرة؛ وبالتالي بدأ الاهتمام بالعالم وبالإنتاج ~~وبالإبداع وبتعمير الأرض وليس فقط بإذكاء الروح وتربية ~~النفس استعدادا للآخرة. اعتمد الإنسان على عقله ~~وإرادته دون الاعتماد على الكتاب المقدس كمصدر للعلم ~~أو على الإرادة الإلهية كوسيلة للتنفيذ. وتم الانتقال ~~من الإرادة الخارجية المشخصة إلى الإرادة الإنسانية ~~الفعلية، ومن الحكمة الإلهية إلى إرادة الشعوب. لم تعد ~~الطبيعة البشرية فاسدة بفعل الخطيئة الأولى لا تقوى ~~على النهوض، ولا تنهض إلا لكي تتعثر ms289 من جديد دون منقذ ~~أو مخلص ولكنها أصبحت طبيعة خيرة قادرة على النهوض ~~بذاتها وعلى التقدم بنفسها. وهكذا بدأ مفهوم التقدم في ~~الظهور ابتداء من إعادة تفسير العقائد حتى يمكن الكشف ~~عن الوعي بالتقدم في وعي التاريخ. ~~(4) # وقد استطاع العلم اكتشاف قانون تطور الأحياء. وقد ~~بلغ هذا الاكتشاف الذروة في نظرية النشوء والارتقاء ~~عند دارون (1809-1882م) في القرن التاسع عشر. وقد أعطى ~~ذلك مفهوم التقدم أساسا علميا طبيعيا ماديا ~~حيويا. وامتد ذلك إلى هذا القرن، وظهرت الأنطولوجيا ~~العامة الشاملة عند بيير تيار دي شاردان (1881-1955م) Pierre Teillard de ~~Chardin # وتصوره لتطور العالم على ~~حرف أوميجا # W # وبالتالي ~~إمكانية التنبؤ بتطور المستقبل وبمسار حوادثه. أصبح من ~~منجزات العلم الإيمان المطلق به وبقدرة القانون العلمي ~~على التنبؤ بالمستقبل نظرا لاطراد قوانين الطبيعة ~~وثباتها وحتميتها. وقد جاء هذا الإيمان بالعلم نتيجة ~~لجهاد طويل استغرق عدة أجيال منذ قيام روجر بيكون ~~(1214-1294م) في القرن الثالث عشر بإصلاح التعليم ~~العالي وإعادة بناء الجامعات على أساس ليبرالي ~~بالاعتماد على المواد العلمية والدراسات العلمانية في ~~«الكتاب الكبير»، والاعتماد على المنهج التجريبي في ~~«الكتاب الرئيسي». ظهر علماء جدد ينقدون الأنساق ~~العلمية القديمة، كوبرنيقس (1473-1543م) ضد بطليموس، ~~فساليوس (1514-1564م) ضد جالينوس، تلزيو (1508-1588م)، ~~وبرونو (1548-1600م)، وراموس (1515-1572م) ضد أرسطو. ~~كما ركز فرنسيس بيكون (1561-1626م) على أن تقدم ~~العلم ليس فقط في علوم الطبيعة بل أيضا في الذهن ~~البشري وإقامته على أسس يقينية بعيدا عن الخرافة ~~والأساطير. وفي نفس الوقت ظهر حساب الاحتمالات، وحساب ~~الإمكانيات، وبانت إمكانية التنبؤ بالمستقبل من خلال ~~الأعداد والعلوم الرياضية وظهور فروع جديدة للرياضة. ~~كما نشأت الجمعيات العلمية ليدافع فيها العلماء عن ~~حقائق العلم ضد العقائد الدينية والتقاليد الموروثة ~~ولتأسيسه على التجربة البشرية والترويج للعلم ونتائجه ~~كي يحل محل العقائد الدينية القديمة في وجدان الشعوب. # 4 ~~(5) # ونشبت معركة القدماء والمحدثين، بين أنصار القديم ~~وأنصار الجديد، بين دعاة الرجوع إلى الماضي وأنصار ~~التوجه نحو المستقبل، وانتصار المحدثين على ~~القدماء، أنصار الجديد على أنصار القديم، ودعاة ~~المستقبل على ms290 دعاة الماضي مما جعل الوعي الأوروبي يثق ~~بالتقدم، ويتصور الزمان والتاريخ على أنهما عنصر ~~إيجابي فعال، ويترك وراءه التصور القديم القائم على أن ~~السلف لم يتركوا للخلف شيئا، وأن التاريخ في انهيار ~~مستمر. وقد بدأت هذه الحركة في الأدب أولا وبوجه عام ~~وفي الشعر بوجه خاص لتحرير قواعد النقد الأدبي وإعادة ~~الثقة إلى الطبيعة في مقابل نظرية النكوص والقهقرى، ~~والإيمان بالتقدم المستمر للجنس البشري وقدرته على ~~الخلق والإبداع. وبالرغم من أن المعركة بدأت في فرنسا ~~إلا أن الذي أشعلها هو الشاعر الإيطالي تاسوني ~~(1565-1635م). فما دام الفن يعتمد على التجربة يكون ~~المحدثون بالضرورة أفضل من القدماء. وتبعه ديماريه دي ~~سان سورلاف إيثارا للمسيحية على الوثنية القديمة. كما ~~دافع عن المحدثين شارل بيرو (1628-1703م) في مقابل ~~دفاع بوالو (1636-1711م) عن القدماء ودفاعا عن روح ~~العصر. فلكل عصر تجربته، وكل تجربة لاحقة تكون ~~بالضرورة أغنى من التجربة السابقة وهذا لا يمنع من ~~حصول لحظات انكسار وتوقف سرعان ما يندفع التقدم بعدها ~~في لحظات الثورة والتغير الكيفي. أهم شيء إذن هو فك ~~إسار الماضي لحساب الحاضر وإن لم يظهر المستقبل. وقامت ~~نفس المعركة في إنكلترا. فهاجم جورج هيكويل نظرية ~~النكوص أو القهقرى القائلة بالتدهور الدائم والمستمر ~~والحتمي للطبيعة البشرية لأنها ضارة بنشاط الإنسان إذ ~~تولد فيه اليأس والخمول، فالإيمان بالتقدم شرط ~~التقدم. ظهر إذن مفهوم التقدم كأحد مكاسب هذه المعركة، ~~وظهر فلاسفة التقدم ومفكروه يرونه محورا للحياة ~~الإنسانية الفردية الاجتماعية وأساسا لحركات الشعوب. ~~فدافع بيير بيل (1647-1706م) عن تطبيق منهج ديكارت ~~(1566-1650م) في التقاليد الاجتماعية والعقائد ~~الموروثة. كما دافع فونتنل (1657-1707م) عن المحدثين ~~وتطبيق منهج ديكارت في العلوم والروح الهندسية في ~~المعرفة الإنسانية كلها في «حوار بين الأموات» مبينا ~~أهمية النظريات العلمية الحديثة عن الدورة الدموية ~~وحركات الأرض وأسباب التأخر في النظم السياسية ~~والاجتماعية والأوضاع العامة. فالإعجاب بالقدماء لديه ~~أحد عقبات التقدم. ثم نقل الخوري سان بيير التنوير ~~العقلي إلى التغيير الاجتماعي وانتقل من رفض التقاليد ~~القديمة والعقائد الموروثة إلى رفض مظاهر الطغيان ms291 ~~والقهر السياسي والتسلط الاجتماعي. وقد استمرت المعركة ~~في إنكلترا للتخلص من سلطة القدماء عند سير وليم تمبل ~~(1628-1699م) وعند وتون وسويفت (1667-1745م) مع ~~التركيز على التقدم في ميدان الفنون لأن العلم واحد ~~ومقاييسه عامة وشاملة. # 5 ~~(6) # وقد تأسست العلوم التاريخية التي ركزت اهتمامها ~~أساسا على تطور المجتمعات محاولة العثور على قانون له ~~يشابه قانون تطور الأحياء. وقد ظهر ذلك بوضوح عند فيكو ~~(1667-1744م) وتأسيسه للعلم الجديد: فلسفة التاريخ، ~~وتوحيده مع هيكويل وهردر بين العناية الإلهية وتقدم ~~التاريخ. فقد حاول إخضاع الطبيعة البشرية إلى قانون ~~واحد يماثل القانون الطبيعي في العلوم الطبيعية؛ ومن ~~ثم كان هم الفلاسفة هو صياغة هذا القانون وتحديد ~~مراحله وكيفية الانتقال من مرحلة إلى أخرى. وقد ~~تفاوتوا في هذه الصياغة بين قانون ثنائي أو رباعي ~~(مضروب في نفسه) أو ثلاثي أو تساعي (مضروب أيضا في ~~نفسه). فالقانون الثنائي يحدد انتقال الإنسانية من طور ~~إلى طور، ومن مرحلة إلى مرحلة تكون الثانية أكثر ~~تقدما ورقيا بالضرورة من الأولى؛ إذ تنتقل من عهد ~~الفطرة إلى عهد المدنية عند فولتير (1694-1778م) وروسو ~~(1712-1778م). وفي هذا التصور لا تخلو الحالة الأولى ~~من بعض الخير كما لا تخلو الحالة الثانية من بعض الشر ~~الذي يمكن التغلب عليه بالعقد الاجتماعي، ولكن الصياغة ~~الرباعية للقانون كانت أكثر شيوعا حتى عند القدماء. ~~فقد قسم أفلاطون مراحل التطور إلى أربعة؛ الزراعة ثم ~~نشأة المدنية على سفوح الجبال ثم تأسيس المدن في ~~السهول والوديان ثم إقامة المدن الساحلية. وتقابل هذه ~~المراحل الاجتماعية الأربعة مراحل أربعة أخرى تمثل ~~تطور النظم السياسية من الحكم السعيد إلى حكم الأقلية ~~إلى الحكم الديموقراطي وأخيرا إلى الحكم التسلطي. ثم ~~انتقل هذا التقسيم الرباعي القديم بعد اكتشاف التقدم ~~إلى مراحل أربعة لتطور التاريخ من الشرق إلى الغرب، من ~~العصر البابلي إلى الفارسي إلى المقدوني وأخيرا إلى ~~الروماني. وظل الحال كذلك حتى بودان (1530-1596م) في ~~القرن السادس عشر. ولما دخلت العصور الحديثة، وفرضت ~~نفسها على التاريخ أصبحت المراحل الأربعة من الشرق ~~(الكلدانيون والمصريون) إلى ms292 اليونان إلى الرومان ~~وأخيرا إلى بترارك كما هو الحال عند هيكويل. وأخيرا ~~أعطى هردر هذا التقسيم الرباعي أساسه الحيوي مشبها ~~إياه بدورات الحياة من الطفولة إلى الشباب إلى الرجولة ~~إلى الشيخوخة. ~~(7) # وبالرغم من محاولة ماركس في شبابه صياغة قانون ~~خماسي؛ من قطف الثمار والصيد إلى الزراعة إلى الإقطاع ~~إلى الرأسمالية إلى الشيوعية إلا أن الصياغة الشائعة ~~هو القانون الثلاثي منذ لوكريس حتى أوجست كونت ~~(1798-1757م). فقد تصور لوكريس أن الإنسانية قد ~~تطورت في ثلاث مراحل؛ العهد الحجري حيث كان الإنسان ~~يعيش سعيدا على الطبيعة، العهد البرونزي حيث قلت ~~السعادة وبدأت الحروب، والعهد الحديدي حيث كثرت ~~الحروب وعم الشقاء. وبإدخال دورات الشعوب ~~عند بودان، تنتقل ~~الدورة من سيادة شعوب جنوب الشرق إلى سيادة شعوب الوسط ~~إلى سيادة شعوب الشمال. وكل مرحلة تتميز بأحد ~~الإبداعات البشرية من الدين إلى الحكمة العملية إلى ~~المهارات اليدوية الخلاقة وفنون الحرب. واستمرت هذه ~~الدورة الثلاثية عند بيكون من العصور القديمة إلى ~~العصور الحديثة (اليونان والرومان) إلى العصر الحاضر، ~~وكل عصر يمثل تقدما بالنسبة إلى العصر السابق. وهي ~~نفس الدورة عند فيكو من المرحلة الدينية حيث يسود ~~الخوف والاستبداد كما هو الحال في الشرق القديم إلى ~~المرحلة البطولية حين حكم الأباطرة والملوك كما هو ~~الحال عند اليونان إلى المرحلة الإنسانية حين يصبح كل ~~إنسان عاقلا وحرا ومساويا للإنسان الآخر. وقد ~~تبنى ترجو (1727-1781م) الدورات الثلاث نفسها من ~~المرحلة الدينية إلى المرحلة الفلسفية إلى المرحلة ~~التجريبية. وهو القانون نفسه، قانون الحالات الثلاث ~~الذي صاغه كونت من المرحلة الدينية إلى المرحلة ~~الميتافيزيقية إلى المرحلة الوضعية، والدورات الحضارية ~~نفسها التي تصورها هيجل من الشرق القديم إلى اليونان ~~والرومان حتى تصل قمة الحضارة في النهاية لدى الشعوب ~~الأوروبية وفي مقدمتها الشعب الجرماني. وقد أخذ هذا ~~التصور صورة حيوية تمثل أدوار البشرية بأدوار ~~العمر من الطفولة إلى الشباب إلى الرجولة كما هو الحال ~~عند فونتنل (1657-1757م). ففي الأولى تسود الرغبات ~~والحاجات، وفي الثانية تظهر فنون البلاغة والشعر وطرق ~~الاستدلال وأساليب التضامن الاجتماعي، ms293 وفي الثالثة ~~تظهر الإنسانية المستنيرة العاقلة لولا اصطدامها ~~ببشاعة الحروب. وهو التصور نفسه عند لاموته من ~~الطفولة والشباب إلى الرجولة والنضج إلى الاكتمال في ~~إنسانية جديدة. وقد عبر عن ذلك أيضا لسنج في «تربية ~~الجنس البشري» وتصوره الإنسانية أيضا تسير في مراحل ~~ثلاث هي نفسها مراحل النبوة، من الطفولة إلى الصبا إلى ~~الشباب، من اليهودية إلى المسيحية إلى التنوير. # 6 ~~(8) # بل لقد استطاع الوعي الأوروبي تجاوز فلسفة الدورات ~~الحضارية إلى فلسفة التقدم المستمر الذي لا رجعة فيه. ~~فالدورات الحضارية في النهاية تقوم على تصور دائري ~~للحضارات البشرية بداية وتطورا واكتمالا ونهاية حتى ~~ولو بدأت الدورة الثانية من خطوة إلى الأمام وليس من ~~الصفر كما هو الحال عند فيكو في التصور اللولبي الذي ~~يجمع بين التصور الدائري والتقدم في الزمان. فالغائية ~~عند كانط جوهر التاريخ إذ تسير الإنسانية نحو غايتها ~~من الغريزة إلى الحس إلى العاطفية حتى تصل في النهاية ~~إلى العقل، ولا رجعة إلى الوراء مثل الطفل تماما الذي ~~ينتقل من مرحلة الغريزة إلى المعرفة الحسية إلى ~~المعرفة الوجدانية ثم إلى المعرفة العقلية في النهاية. ~~وفي كل مرحلة تكتشف الإنسانية مقومات التقدم مثل ~~الحرية وإقامة المجتمع المدني المستنير وإقامة دستور ~~سياسي شامل للشعوب كلها. وكان الفلاسفة قبل كانط قد ~~ركزوا على هذا التقدم المستمر دون دورات ورجوع إلى ~~الوراء بروح التفاؤل الخالص كما هو الحال عند فرنسيس ~~بيكون ولاموته. فكل قرن يتضمن بالضرورة تقدما عن ~~القرن الماضي دون خسائر ودون شيخوخة. فالتقدم نتيجة ~~طبيعية وحتمية لتكوين العقل الإنساني. ~~(9) # كما ظهر المستقبل كأحد مراحل تطور البشرية لم تبلغها ~~بعد. فقد رفض فونتنل فكرة النكوص أو قانون القهقرى ~~والعود إلى العصر الذهبي. وتصور مرحلة رابعة مستقبلية ~~بعد الطفولة والشباب والرجولة وهي مرحلة النضج # Virility ~~، وفيها ~~تبلغ الإنسانية قمة التقدم. فالتقدم لا حدود له من ~~ناحية المستقبل. ليس للإنسان عصر قديم يرجع إليه، ~~فالإنسانية العاقلة في تقدم مستمر. وهو تقدم حتمي ~~ضروري بصرف النظر عن الأفراد. فلو لم يولد ديكارت ~~لولد إنسان غيره ms294 ليقوم بنفس المهمة. والتقدم شامل لا ~~يحدث في العلوم والمعارف وحدها بل يحدث في المجتمع ~~والتاريخ. كما رفض خوري سان بيير تصور إنسانية منهارة ~~من العصر الذهبي إلى العصور الفضية والبرونزية ~~والحديدية بل إنه قلب الآية وتصور إنسانية متقدمة ~~ناهضة من العصر الحديدي وهو عصر طفولة الإنسانية حيث ~~كانت فقيرة جاهلة بالفنون، عصر أفريقيا وأمريكا إلى ~~العصر البرونزي وهو عصر الأمان والقانون والفنون إلى ~~العصر الذهبي الذي لم تقطعه أوروبا بعد. وتصور العصر ~~الذهبي الرابع، عصر المستقبل وهو العصر الذي تحكمه ~~الأكاديمية السياسية مع الأكاديمية العلمية. وقد ظهرت ~~هذه المرحلة المستقبلية أيضا عند كوندرسيه ~~(1743-1794م) إذ جعل المراحل التسع الأولى لتطور ~~البشرية في الماضي والمرحلة العاشرة للمستقبل. فقد عاش ~~الإنسان أولا على طبيعته الحسية ثم استأنس الحيوان ~~واعتمد على الرعي ثم عرف الزراعة الثابتة، وبعد ذلك ~~بدأت المرحلة الرابعة؛ المرحلة اليونانية وازدهار ~~العلوم والفنون ثم المرحلة الرومانية ثم مرحلة العصور ~~الوسطى من سقوط روما حتى الحروب الصليبية. ثم تأتي ~~المرحلة السابعة منذ الحروب الصليبية حتى اختراع ~~المطبعة ثم من اختراع المطبعة حتى ديكارت ~~ثم من ديكارت حتى ~~الثورة الفرنسية وهي المرحلة التاسعة. أما المرحلة ~~العاشرة فهي مرحلة المستقبل، وهو العصر الذهبي الذي لم ~~تبلغه الإنسانية بعد ولكن الإنسان قادر على التنبؤ به ~~باستقرائه للعلوم الطبيعية والاجتماعية. وتتحقق في هذا ~~العصر أمور ثلاث؛ المساواة بين الأمم وزوال الفوارق ~~بين الشعوب وتساوي الجميع في الحقوق والواجبات، ~~والمساواة داخل كل أمة وزوال الفوارق بين الطبقات، ~~وارتقاء الإنسان في ذاته وزوال تشتته وتحقيق وحدته. ~~كما تصور ماركس المرحلة الخامسة في تصوره لتطور ~~البشرية من مرحلة الصيد والقنص وقطف الثمار والرعي إلى ~~مرحلة الزراعة إلى مرحلة الإقطاع إلى مرحلة ~~الرأسمالية، وجعل مرحلة الشيوعية التي ستبلغها ~~الإنسانية في المستقبل. # كما ظهرت فلسفات آخر الزمان وعقائد آخر الزمان ~~ونظريات الخلاص التي تتصور الإنسانية في المستقبل. ~~فقد كتب فولني # Volney ~~(1757-1875م) رواية «الأطلال» يتصور فيها البشرية وقد ~~حكمتها نظم الطبيعة الأبدية وقوانينها مثل حب الذات ~~والرغبة في السعادة ms295 وكراهية الألم، وتقرير الإنسان ~~لمصيره وثقته بقدراته وتطلعه إلى عالم أفضل. كما كتب ~~ستيف دي لابريتون (1757-1820م) رواية سماها «سنة ~~2000» يتنبأ فيها بمستقبل الإنسانية. كما ألف سباستيان ~~مرسييه (1740-1825م) كتابه «سنة 2440» متصورا الأمم ~~وحدة واحدة لا حرب بينها، ويصف مستقبل العالم متأثرا ~~بليبنتز في أن الحاضر حامل للمستقبل؛ وبالتالي فإن ~~مستقبل الإنسانية تطور طبيعي لحاضرها. وكان قد بدأ ~~بكتابه «المتوحش» واضعا مقياس الأخلاقية في قلب ~~الإنسان البدائي ثم رأى المستقبل البعيد حيث لا حرب ~~ولا رق ولا ربا ولا سجون ولا مهور. يعيش الإنسان حياة ~~بسيطة صحية يتذوق الفنون من كل حضارة، يعمل ولا ~~يترهب، ويتربى على مبادئ روسو. ~~(10) # كما ظهر أيضا الفكر الطوباوي الذي يحدد فيه الأفراد ~~والمجتمعات رؤيتهم لبشرية جديدة ستأتي في المستقبل ~~كرد فعل على مآسي الحاضر؛ فالفكر الطوباوي رفض للواقع ~~ورؤية للمستقبل على مستوى التمني والآمال وإن لم يكن ~~على مستوى التحقيق والتخطيط؛ فاليوتوبيا تدل على السلب ~~والرفض. فقد كتب مور (1478-1535م) يوتوبيا، وكتب ~~فرنسيس بيكون «أطلانطا الجديدة»، مدينة يترأسها ~~العلماء كما ترأس الفلاسفة جمهورية أفلاطون. وكتب ~~كامبانيللا (1568-1639م) ونظرا لغياب المستقبل كبعد «مدينة الشمس» وهارنجتون «أوسيانا». بل إن الحالة الطبيعية التي وصفها روسو، ~~والجماعة الاشتراكية التي تعيش وفقا للطبيعة التي ~~وضعها مورلي # Morelly # حيث لا ملكية ولا ظلم ولا طغيان، والاشتراكية ~~الطوباوية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كلها رؤى ~~لمستقبل البشرية تكمن وراء تحويل المستقبل إلى علم كمي ~~حسابي مضبوط دون حركة الشعوب ودون التاريخ. # 7 # | رابعا: حيرة الحاضر في وجداننا القومي، في أي مرحلة من ~~التاريخ نحن نعيش؟ # ونظرا لغياب المستقبل كبعد أصلي في تراثنا القديم وفي وجداننا ~~المعاصر واتجاهنا نحو الماضي في تراثنا القديم وانطباع ذلك الغياب ~~في وجداننا المعاصر حوصر الحاضر بين الماضي والمستقبل ولم يعد له ~~وجود مستقل؛ فهو إما رجوع إلى الماضي أو دنو إلى المستقبل ولكنه لا ~~وجود له بذاته. وأصبحت اتجاهاتنا الفكرية والسياسية إما رجوعا إلى ~~الماضي كما هو الحال في الحركة السلفية وفي الفكر الديني التقليدي ms296 ~~الذي تمثله الأشعرية أو قفز إلى المستقبل كما هو الحال في الحركة ~~التقدمية وفي الفكر العلماني التقليدي الذي تمثل الماركسية أحد ~~روافده؛ وبالتالي غاب الحاضر في كليهما، وحوصر بين الماضي ~~والمستقبل. والحقيقة أن كليهما يخضع لمنهج واحد وهو النقل؛ إما ~~النقل عن القديم المتمثل في تراثنا القديم أو النقل عن الجديد ~~المتمثل في تراث الغرب؛ ومن ثم ساد النقل في حياتنا سواء كان ~~نقلا مباشرا من القديم أو نقلا عقلانيا من الجديد. وإذا كان ~~الحاضر هو الواقع، وغاب الحاضر، غاب الواقع أيضا. فأصبحنا ~~معلقين في الهواء بلا زمان وفي الفضاء بلا مكان؛ لذلك لم نعد ~~نعلم في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ بقينا خارج مسار التاريخ، ~~ولم نعرف منه إلا الماضي العتيد أو المستقبل البعيد؛ الأول مضى ~~وانقضى إلى غير رجعة والثاني لن يتحقق في جيلنا؛ وبالتالي أسقطنا ~~من الحساب ما هو ممكن التحقيق في الزمان وفي جيلنا وفي عصرنا. ~~ونظرا لغياب الحاضر والمستقبل القريب جاءت حيرتنا أمامه: في أي ~~لحظة من التاريخ نحن نعيش؟ ومن هنا جاء التخبط في التخطيط، ~~والعشوائية في القرارات، والتضارب في القوانين، والعزلة عن الواقع، ~~والنقل فوقه من كل اتجاه ومذهب بلا نهاية لمحاولات التجربة والخطأ ~~بلا تعلم من التجارب، ومن غير اعتراف بالحقائق، ودون وعي بدروس ~~التاريخ وعبر الأمم. # ولما كان الاتجاه نحو المستقبل لا يبدأ إلا من الحاضر، وكان ~~المستقبل خطة شاملة ذات مراحل يتم الانتقال فيها فإن السؤال يكون: ~~في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ ما هي اللحظة الحاضرة التي ~~يعيشها جيلنا؟ ما هي مهمة هذا الجيل بالنسبة للجيل الماضي والجيل ~~القادم؟ ما هو الدور الذي يقوم به جيلنا حتى لا يقوم بأدوار أجيال ~~مضت أو بأدوار أجيال قادمة؟ وطبقا لتجارب الأجيال الحاضرة، ~~وتمهيدا للمرحلة التاريخية التي نمر بها الآن فإنه يمكن رصد ~~المهام الآتية التي تم تشخيصها وتحديدها من مفكرينا ومصلحينا ~~وعلمائنا إبان نهضتنا الحديثة التي شارفت على المائتي عام: # 1 ~~(1) # هل نحن جيل الإحياء نعيش عصر الإحياء ونقوم ms297 بدور ~~الإحياء؟ في حقيقة الأمر لقد مررنا بعصر الإحياء، وهو ~~معروف في أدبنا الحديث بهذا الاسم ممثلا في البارودي ~~أولا ثم في شوقي في «نهج البردة». وكان القصد منه ~~إحياء الآداب القديمة والنسج على منوال القصيدة ~~العربية، وإحياء المعارك العربية القديمة. وما زلنا ~~نقوم بذلك حتى الآن، نطبع المعلقات السبع ونشرحها ~~ونتناقش في صحتها وانتحالها، ونعيد النظر في المناقضات ~~بين جرير والفرزدق، ونهاجم الأدباء الشبان الذين خرجوا ~~على القصيدة العمودية، وندعو إلى أدب القدماء حتى ~~انتصر القدماء على المحدثين، واستولوا على أعنة ~~الأدب فهاجر المحدثون إلى الخارج أو إلى الداخل ريثما ~~يوافي القدماء الأجل؛ وبالتالي لم ينشأ الاتجاه نحو ~~المستقبل في حاضرنا نظرا لسيطرة القدماء على ~~المحدثين، وامتداد الماضي على الحاضر والمستقبل. لقد ~~استطاع الإحياء ولا شك بعث الماضي، وبث العزة ~~القومية في لحظات الضعف والهوان أمام الاستعمار ~~والاحتلال، تجاوزا لمظاهر التخلف والانهيار الحضاري ~~وباعثا للنهضة الحديثة. كما استطاع ربط الحاضر ~~بالماضي عن طريق الأدب خاصة في الشعر، وتحقيق التواصل ~~الحضاري، وتثبيت الهوية القومية في اللغة والأدب، ~~وتحقيق التجانس في الزمان عبر التاريخ. كما استطاع ~~شعراء الإحياء تأسيس إبداع الحاضر على إبداع الماضي، ~~والتعبير عن تجارب العصر في قوالب الماضي كما هو الحال ~~في شعر البارودي وشوقي وحافظ على اختلاف النسبة بينهم ~~بين الماضي والحاضر إذ إنه أقرب إلى الماضي عند شوقي ~~وأقرب إلى الحاضر عند حافظ ووسط بين الاثنين عند ~~البارودي. وأخيرا استطاع شعراء الإحياء المساهمة في ~~الحركة الوطنية، سواء في الثورة العرابية كما هو الحال ~~عند البارودي أو في الثورة الوطنية كما هو الحال عند ~~حافظ، ومن ثم أصبح الشعر منبرا للروح الوطنية ~~ومعبرا لها. ومع ذلك فقد اقتصر الإحياء على الأدب ~~عامة والشعر خاصة دون باقي مظاهر الإبداع الحضاري في ~~الفلسفة والعلم. فسبق الشعر وتأخرت الفلسفة. ولم يحدث ~~حتى الآن إبداع ذو شأن في العلم. كما استمرت فترة ~~الإحياء مدة أطول مما ينبغي بل إنها لم تنته حتى ~~الآن. فما زلنا ندعو إلى إحياء التراث، نشرا وتحقيقا ms298 ~~وبعثا وقراءة، ونجد فيه أنفسنا وهو بيننا. يدل على ~~ذلك رواج كتب التراث دون غيرها. كما أن الإحياء في حد ~~ذاته أقرب إلى القديم منه إلى الجديد بدليل ثورة ~~الأدباء الشبان على شعراء الإحياء بالرغم من إبداعهم ~~وقدراتهم الشعرية، ووجود صور أدبية جديدة ليست عند ~~القدماء مثل المسرحية والرواية. وما زالت تصور ~~دعوات الإحياء وكأنها فيها خلاصنا من مآسينا الحاضرة ~~وتظهر مجلات الإحياء وصحف الإحياء. بل إن هذه الدعوة ~~بالرغم من حدودها ما زال واقعنا التقليدي بنزوعه نحو ~~الماضي وباستخدام الأنظمة السياسية لهذا النزوع ~~تدعيما لها، فإنها ما زالت تمثل خطرا على الأنظمة ~~السياسية. فإذا ما كانت الأنظمة القائمة نسبة الحاضر ~~فيها أكثر من الماضي، والدعوة إلى الجديد أقوى من ~~الدعوة إلى القديم، وأنصار المحدثين فيها أكثر من ~~أنصار القدماء أصبحت مهددة بدعوى الإحياء الذي يكون في ~~هذه الحالة ردة إلى الماضي ودعوة إلى القديم. وإذا ~~كانت الأنظمة القائمة نسبة الماضي فيها أكثر من الحاضر ~~والدعوة إلى القديم فيها أقوى من الدعوة إلى الجديد ~~وأنصار القدماء فيها أكثر من أنصار المحدثين استغلت ~~الإحياء واستعملته تدعيما للنظام ضد دعاة الجديد، ~~وأصبحت دعوة الإحياء نفسها دعوة للرجعية والتخلف. وفي ~~حقيقة الأمر لقد تجاوز جيلنا عصر الإحياء، ولم يعد ~~إحياء الآداب القديمة يحتل بالنسبة له تلبية لكل ~~حاجاته وتحقيقا لكل مطالبه في العقلانية والعلمية ~~والثورة. بل إن مكتسبات الإحياء ذاتها مثل تذوق القديم ~~قد افتقدناها فأصبح الشبان اليوم لا يتذوقون القديم ~~ويقلدون الجديد؛ ومن ثم انتهى الإحياء إلى قطيعة في ~~جيلنا واقتصر بعث القديم على النشر والتحقيق والطبع ~~دون تذوق أو فهم أو تطوير. # 2 ~~(2) # هل نحن جيل الإصلاح، نعيش في عصر الإصلاح ونقوم بدور ~~الإصلاح؟ وهي المرحلة التي اشتهرت في حياتنا المعاصرة ~~باسم الإصلاح الديني والتي نتحدث عنها دائما والتي ~~نربط أنفسنا بها باستمرار إذا ما أعيتنا الحيل، وتخبطت ~~بنا السبل، وأرادت الأنظمة السياسية أن تجد لها شرعية ~~تاريخية من الماضي أو تحديثية من الحاضر خاصة أن البعض ~~منها كون رصيدا له ms299 في جيلنا من مناهضة الاستعمار ~~والاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني للبلاد، لكن ~~الإصلاح ما زال حركة نسبية على مستوى العقائد وعلى ~~مستوى الممارسة في سلوك الأفراد وفي النظم الاجتماعية ~~والسياسية تجاوزها واقعنا بمراحل وهو الذي في حاجة ~~إلى إحكام نظري وإلى عمل ثوري جذري. فالإصلاح يدعو إلى ~~ملكية مقيدة أو ملكية دستورية أو نظام المستبد العادل ~~في إطار النظم القائمة، وإلى العدالة الاجتماعية في ~~إطار توزيع الدخل القائم على أساس أخلاقي ديني. كما ~~سادته بعض الجوانب التقليدية المحافظة في العقائد مثل ~~الهجوم على النزعة المادية في «الرد على الدهريين»، في ~~حين أن المنطق الإسلامي، كما بدا في علم أصول الفقه، ~~منطق مادي يبحث عن العلل المادية الفاعلة والمؤثرة في ~~السلوك الفردي والاجتماعي، ويقوم على الدفاع عن مصالح ~~الأمة. لم يحدث تفسير ثوري للعقائد يتفق مع متطلبات ~~العصر مما جعل المصلحين يبدءون ثوارا وينتهون مرتدين ~~كما هو الحال مع محمد عبده والثورة العرابية. لم ~~تتحول الشريعة إلى أيديولوجية سياسية شاملة، وغلبت ~~العبادات على المعاملات، والواجبات على الحقوق. كما ~~سادت الحركة بعض الجوانب الصوفية كما هو الحال عند ~~إقبال في «تجديد التفكير الديني في الإسلام» وعند محمد ~~عبده في «رسالة الواردات»؛ وبالتالي لم يتم التغلب على ~~التصوف كأحد مظاهر التخلف الاجتماعي في حياتنا ~~المعاصرة. لم يستقل العقل كلية بل كان عمله محدودا في ~~نطاق العقليات، ولكنه في الشرعيات ما زال في حاجة إلى ~~وصي وهو النبي مما جعلنا ما زلنا ندعو للعقلانية ~~واستقلال العقل. ونظرا لحدود حركة الإصلاح وتجاوز ~~واقعنا لها، فإن مكتسبات الإصلاح ذاتها التي بدت للجيل ~~الماضي قد ضاعت في هذا الجيل، وتسربت منجزاته من بين ~~أيدينا، وانهارت تحت أقدامنا، واختفت نداءاته من وعينا ~~فعدنا إلى مرحلة ما قبل الإصلاح وعيا وواقعا. انتهت ~~العقلانية المحدودة التي كانت في العدل دون التوحيد، ~~وتحولت إلى صوفية إلهامية. وساد التصوف على الأشعرية ~~بعد أن ازدوجا في وعينا القومي منذ ألف عام منذ هجوم ~~الغزالي على العلوم العقلية في القرن الخامس الهجري. ~~وانتهى التجديد النسبي ms300 إلى محافظة وتقليدية، وسادت روح ~~المحافظة كتيار أساسي وجذري في التاريخ على روح ~~المعاصرة التي تعبر عن متطلبات جيل واحد. وخمدت ~~الروح الثورية لمناهضة الاستعمار والتسلط وتحولت إلى ~~نقيضها من موالاة للاستعمار وقبول لمظاهر الطغيان. ~~وتفتتت الأمة وقضي على الوحدة الشاملة ابتداء من ~~وحدة مصر والسودان، وحدة وادي النيل، أو وحدة مصر ~~والشام، أو وحدة المغرب العربي أو وحدة الأمة العربية ~~أو الجامعة الإسلامية أو الجامعة الشرقية، وحلت ~~محلها الروابط والمؤتمرات والجامعات الشكلية بل ومصالح ~~المتجرين بالدعوات. توقفت الدعوة إلى العلم وسادت ~~الخرافة وأعطيت الأولوية المطلقة للإيمان على العلم. ~~وانتهت الدعوة إلى القوة والصناعة، وتحولت إلى ~~الاعتماد على الغير واستيراد المصنوعات، وتوارت ~~الصناعات الوطنية، وخبا من وعينا الاستقلال الوطني ~~وعدم الانحياز للشرق أو للغرب، وقبلنا الدخول في سياسة ~~الأحلاف ومناطق النفوذ والمعسكرات والتكتلات. فنحن إذن ~~جيل الإصلاح الذي لم يتم، نشاهد نهاية الإصلاح ~~وانقلابه إلى الضد مما يجعلنا في حاجة إلى إصلاح أكثر ~~جذرية وشمولا وعمقا وتأثيرا، يبقى ويدوم، ويتأصل ~~في نفوس الجماهير، وتحميه بسواعدها، يرضي جماهير ~~المثقفين، ويشبع فيهم الطموح النظري، ويكون قادرا على ~~تحدي الأيديولوجيات المعاصرة بإحكامه النظري وتأصيله ~~التاريخي، وقدرته على تلبية مطالب العصر، والاستجابة ~~لحاجاته، والتأثير في الناس، وتجنيدهم له. لقد تجاوزنا ~~جيل الإصلاح حتى قبل أن ينتهي، هذا الجيل الذي تركناه ~~وراءنا بأربعة أجيال. # 3 ~~(3) # هل نحن جيل النهضة، نعيش عصر النهضة، ونقوم بدور ~~النهضة؟ لقد ظهر هذا المفهوم في حياتنا منذ رفاعة رافع ~~الطهطاوي وتأسيسه لحركة النهضة الحديثة وبناء الدولة ~~العصرية كما وضح ذلك في «مناهج الألباب المصرية في ~~مباهج الآداب العصرية». وقد استطاعت النهضة ولا شك ~~إرساء قواعد الإصلاح الشامل في السياسة والاقتصاد ~~والاجتماع والقانون. كما استطاعت أن تبني الدولة ~~الحديثة صناعة وزراعة وتجارة، وأن تكون لها الكادر ~~الفني المؤهل لها، وأن تستمر هذه الدولة حتى جيلنا. ~~كما قامت على الولاء الوطني وإذكاء الروح الوطنية ~~وتربية المواطنين على أن «حب الوطن من الإيمان»، لا ~~فرق في ذلك بين البنين والبنات. كما قامت على ms301 الحرية ~~والعدل والمساواة وانتشار هذه الأفكار مما سبب قيام ~~حركة تنوير حديثة. ومع ذلك ظلت هذه الحركة نسبية في ~~حياتنا دون أن تحدث أثرا فعالا مستمرا. ظلت في ~~نطاق المثقفين، ولم تتحول إلى حركة جماهيرية عامة، ~~وظلت قاصرة على أيديولوجية الصفوة. ظلت في إطار ~~الدولة القائمة التي استفادت منها ولكنها سرعان ما ~~انقلبت عليها دفاعا عن الحاكم الذي استبد. ظلت ~~أشعرية في تصورها للعالم، ولم تستطع تأصيل نهضتها من ~~خلال التنوير القديم الذي مثله الاعتزال، وكانت في ~~كثير من الأحيان وعلى ما يبدو أثرا من آثار الغرب ~~بوجه عام والثورة الفرنسية بوجه خاص؛ لذلك سرعان ما ~~انتهت من حياتنا، وخبت من وجداننا القومي، حتى إن ~~إيجابياتها ومكتسباتها وإنجازاتها قد تحولت إلى ~~نقائضها. فقد تحولت النخبة المثقفة إما إلى طبقة حاكمة ~~تركت الثقافة إلى الحكم، وتحولت إلى طبقة من الفنيين ~~أو إلى مجموعات منعزلة لا أثر لها في الحكم، تعيش من ~~الثقافة على هامش الدولة. ونادرا ما وجد المثقف ~~المؤثر الذي سرعان ما يصطدم بالنظام وينتهي إما ~~بالاستشهاد أو الهجرة إلى الداخل أو الهجرة إلى ~~الخارج. انتهت النهضة الشاملة، وحدث انفصام بين ~~التحديث والنهضة، وكلما زاد التحديث الخارجي قويت ~~المحافظة الداخلية نظرا للجذور التقليدية التي تكمن ~~وراء النهضة. كما انتهت الدولة الحديثة وتحولت إلى ~~دولة تقوم على حكم الفرد، وحكومة العسكر، سوقا ~~للأسواق العالمية، ومنحازة للغرب، تستجدي السلاح بعد ~~أن كانت تصنعه، وتستورد التحديث بعد أن كانت من ~~رواده. كما ضاع الولاء للوطن وحل محله الولاء ~~للأجنبي. وانتهت مثل الحرية والعدالة والمساواة، ~~وانقلبت إلى نقائضها مثل التسلط والظلم والتفاوت ~~الطبقي. وظلت النهضة حاليا مجرد أمل يحدو البعض، ~~وكلمة ترددها الألسن، وأصبح أقصى آمالنا أن نلحق ~~بنهضة الأجيال السابقة مع أن واقعنا قد تجاوزها بمراحل ~~بعد ضياع الأرض والثروات ويأس الجماهير وخوفها وضياع ~~كرامة الفرد وإنسانيته. # 4 ~~(4) # هل نحن جيل العقلانية، نعيش عصر العقلانية، ونقوم ~~بدور العقلانية؟ تتمثل الدعوة العقلانية في كل ~~التيارات الفكرية الحديثة في حياتنا المعاصرة. فهي ~~القاسم المشترك بين ms302 الإصلاح الديني والفكر العلماني ~~والتيار الليبرالي. أحيانا يكون العقل مرتبطا ~~بالدين، وتكون العقلانية فهما مستنيرا للدين، وتكون ~~فيه الأولوية للعقل على النقل. وقد يضم العقل إلى ~~الوجدان فيكون مثالية وجدانية مثل «الجوانية» تطويرا ~~للإيمان الديني. وقد يرتبط العقل بالحس والمشاهدة ~~والاستدلال والاستنباط والاستقراء والبحث عن العلل، ~~فهو أساس التفكير العلمي. وقد يتوجه نحو التجربة ~~الإنسانية فيكون دعوة إلى التأمل والتفكير وتحليل ~~التجارب البشرية لمعرفة ماهياتها والواقع من خلالها. ~~وما زالت الدعوة قائمة فينا حتى اليوم لإقامة مجتمع ~~عقلاني، وتأسيس حياتنا العامة على العقلانية. وبالرغم ~~من صحة الدعوة وصدقها على مستوى النظر إلا أنها أصبحت ~~شماعة سهلة لتعليق كل أخطاء العصر على غيابها، ~~ومفتاحا سحريا يحل كل أزمات العصر حتى تحولت إلى ~~مجرد كلمة تتناقلها الألسن، وتتراشق بها الأفواه. دخلت ~~في أجهزة الإعلام، وتحولت إلى شعارات فلسفية ~~واجتماعية، ومقالات صحفية حتى فقدت أي أثر لها، وتحولت ~~إلى تجارة ودعاية مثل كل الدعوات الحديثة. كما أنها ~~اقتصرت على التوجيه العام دون أن تتحول إلى برامج ~~تفصيلية وتخطيط لمظاهر الحياة العامة على أساس عقلاني. ~~فماذا يعني الاقتصاد العقلاني؟ والسياسة العقلانية؟ ~~والاجتماع العقلاني؟ والقانون العقلاني؟ والفن ~~العقلاني؟ ولم تخل الدعوة من بعض تقليد للغرب دون أن ~~تكون تأصيلا لعقلانية التراث وتطويرا لها. ~~والعقلانية في نهاية الأمر ابتسار للنهضة لأن ~~العقلانية أحد مظاهر النهضة، والنهضة أوسع منها وأشمل، ~~ولا يمكن رد الكل إلى الجزء. ومع ذلك فقد ضاعت منا ~~مآثر العقلانية ومنجزاتها في حياتنا الفكرية ~~والسياسية. وتحولنا إلى الإشراقية والإلهامية والكشفية ~~والمعارف اللدنية. وتحولنا من عقلاء إلى دراويش، ومن ~~علماء إلى أولياء، ومن طلاب وأساتذة إلى مريدين ~~ومشايح. وما زالت الدعوة قائمة تتكرر كل يوم ولا تؤدي ~~إلى شيء. والعقل المبتسر من الواقع الحسي والنقد ~~الاجتماعي والتغيير الفعلي والثورة الشعبية فإنه عقل ~~فارغ صوري يؤدي إلى الهروب أكثر مما يؤدي إلى ~~الاقتحام. إن مهمة جيلنا قد تجاوزت الدعوة إلى العقل ~~والعقلانية نظرا لضرورة توجيه العقل إلى الماضي في ~~نقد الموروث وإلى الحاضر في نقد المجتمع ms303 وإلى المستقبل ~~في الإعداد للثورة. # 5 ~~(5) # هل نحن جيل التنوير، نعيش عصر التنوير، ونقوم بدور ~~التنوير؟ والتنوير هو العمل الشامل للعقل، وامتداده في ~~شتى نواحي الحياة، وأثر من آثار العقل، وأحد نتائجه، ~~وتطبيق لمبادئه، وتوسيع لدائرة نشاطه، وتحقيق ~~لمنجزاته. وقد كانت الدعوة إلى التنوير مواكبة للدعوة ~~إلى العقل وأحد مظاهرها. وقد اشتدت بعد الهزائم ~~العربية الأخيرة، وكثر الداعون لها بل ونشأت حركة ~~تنوير فعلية عامة تضم كافة الاتجاهات الفكرية والوطنية ~~في تاريخنا الحديث. وبالرغم من أهمية الدعوة وجدواها، ~~والخروج بالعقل من المنهجية العلمية إلى الحياة العامة ~~إلا أنها محدودة الأثر، مغلقة الحدود، تتمثلها مجموعة ~~من الأفراد، وليست تيارا حضاريا عاما يعبر عن روح ~~العصر أو حركة جماهيرية شعبية تحدد مسار التاريخ. هي ~~رد فعل على هزائم العصر أكثر منها فعلا إراديا ~~فرديا وجماعيا خاصة بعد هزيمة أيديولوجيات التقدم؛ ~~الماركسية والناصرية والقومية التي سادت جيلنا ~~وإحساسها بنقصها في عدم العقل والحرية. هي دعوة ~~مجتثة الجذور عن الجماهير خاصة وأن كثيرا من ~~دوائرها تتركز خارج العالم العربي في الغرب، حيث ~~يسهل الدعوة إلى التنوير في العالم الثالث. ففي الغرب ~~تكون الحرية وتتمركز جماعات الحرية حتى لقد اتهمت ~~بتأييد الغرب لها إذ رآها الغرب بديلا وحليفا. هذا ~~بالإضافة إلى غياب برامج مفصلة. ماذا يعني التنوير في ~~الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وكأنها مجرد دعوة ثقافية ~~إصلاحية عامة؟ لم تتأصل الدعوة في تراثنا الاعتزالي ~~الذي كان يقوم بمهمة التنوير في مواجهة الأشعرية ~~التقليدية المحافظة. ومع ذلك فالدعوة إلى التنوير ~~الشامل وإطلاق العقل من عقاله وتسليط نوره على النظم ~~السياسية والاجتماعية والعادات والعرف والتقاليد ~~والعقائد الموروثة، مرحلة تاريخية يمر بها كل مجتمع ~~يتجه من التقليد إلى التحرر؛ فهي تجعل العقل والبرهان ~~معيار الصدق، وتواجه الرأي بالرأي، ولا تواجه الرأي ~~بالسيف، والفكرة بالمقصلة، والدليل بالاعتقال، ~~والبرهان بالتعذيب. تحترم الآراء الأخرى، وتدافع عن ~~حريات الآخرين. فحرية الفكر قيمة في ذاتها، أحد حقوق ~~الإنسان. لا بد من تحول التنوير إلى نظرة إلى الحياة ~~اليومية، ونظرة تقدمية إلى الأوضاع الاجتماعية حتى ms304 ~~يتحول بعد ذلك إلى ثورة فعلية. ومع ذلك ضاعت منجزات ~~التنوير النسبية، ووقع جيلنا في التعتيم والإظلام، فلا ~~يحتكم إلى العقل، وتسيطر على حياته الإرادة المشخصة ~~للحكام أو العرف والعادات والتقاليد. وتظهر المحافظة ~~التقليدية كوريث وحيد للتاريخ. وقد تجاوز جيلنا ~~التنوير كحركة ثقافية إلى التنوير كحركة اجتماعية ~~نقدية تمهد للثورة وترسي قواعدها، وتهيئ ظروفها، ~~وتضع شروطها. فالتنوير في هذه الحالة يكون وعيا ~~اجتماعيا لحركة التاريخ. # 6 ~~(6) # هل نحن جيل العلم، يعيش عصر العلم، ويقوم بدور ~~العلم؟ كانت الدعوة إلى العلم مثل الدعوة إلى العقل ~~والتنوير قاسما مشتركا بين الاتجاهات الرئيسية ~~الثلاثة في حياتنا المعاصرة. وكان العلم هو العلم ~~الطبيعي الذي قدم إنجازات رائعة في الغرب في اكتشافه ~~قوانين الطبيعة والسيطرة عليها والتنبؤ بحوادثها. كان ~~العلم في الإصلاح الديني نسقا للعقل، وتصورا ~~للطبيعة، وتحكما في قوانينها وتسخيرها لصالح الإنسان. ~~وكان في التيار العلماني العلم الطبيعي المادي خاصة ~~علوم الحياة ونظرية النشوء والارتقاء. وكان في الفكر ~~الوطني القومي العلم الاجتماعي الذي يدرس الحياة ~~الاجتماعية والسياسية. ومنذ أكثر من أربعة أجيال، منذ ~~رؤية علماء الأزهر للتجارب العلمية التي أجراها علماء ~~الثورة الفرنسية في حملة نابليون على مصر، والدعوة ما ~~زالت قائمة، ولم تتحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات علمية، ~~ولم يحدث لدينا أي تصور علمي للعالم باستثناء لحظات ~~فريدة في تاريخنا مثل حرب أكتوبر، ودفعا لعار ~~الهزيمة. وما زالت الدعوة مجتثة الجذور لا صلة لها ~~بتصور العلم في تراثنا القديم وتعبيره عن التوحيد كشرط ~~لحصول تصور علمي للطبيعة. هي دعوة مقلدة للغرب بعد ~~انتصارات العلم الطبيعي في القرن الماضي ودون معرفة ~~بأزمة العلم في هذا القرن. كما أنها تخلط بين العلم ~~كقانون طبيعي أو كاكتشاف علمي وبين التصور العلمي ~~للعالم واستعماله المنهج العلمي، فقد يحدث تطبيق ~~لمنجزات العلم في مجتمع تسوده الخرافة ولا يتحول ~~المجتمع بذلك من مجتمع خرافي إلى مجتمع علمي. بل إنه ~~قد ينظر إلى العلم على أنه خرافة أو سحر قادر على فعل ~~المعجزات. والعلم لا ينشأ في فراغ بل هو حركة ms305 نضال ~~طويل محفوف بالمخاطر ضد السلطة؛ سلطة رجال الدين وسلطة ~~العقائد الموروثة بل والسلطة السياسية في نظم التسلط ~~والطغيان. وغالبا ما يقوم بهذه الدعوة العلمانيون ~~المسيحيون حيث يصعب عليهم الدعوة إلى الإصلاح الديني، ~~ويسهل عليهم الاقتباس من الغرب المسيحي الذي ينتمون ~~إليه بالولاء، مما جعل الدعوة محدودة الأثر، تصطدم ~~بتراث الأمة، وتهددها بنزع هويتها واستلابها لصالح ~~الغرب. ومع ذلك لم تستمر هذه الدعوة طويلا. فسرعان ما ~~اقترن بها الإيمان في جيلنا؛ وبالتالي الوقوع في ~~ازدواجية المعرفة: «العلم والإيمان». والإيمان أصيل ~~والعلم أجنبي مما يجعل الدعوة إلى الأصالة تشجب العلم ~~وتنفر منه. فقل الجانب العلمي في حياتنا، وازداد ~~الجانب الإيماني. وتصورنا العلم مفتاحا سحريا نهزم ~~به الأعداء، ونعمر به الصحراء، ونحل به المشاكل ~~المستعصية. وأصبح غياب العلم شماعة نعلق عليها جميع ~~الأخطاء. ثم تحول العلم إلى أسطورة خاصة بإنجازاته في ~~التكنولوجيا الحديثة في مجتمع لم يتم فيه بعد القضاء ~~على الأساطير حتى أصبح شعار «العلم والتكنولوجيا» ~~أضحوكة يتندر بها الناس. إن مهمة جيلنا هو الإعداد ~~للعلم والتمهيد له وذلك بإحكام عمل العقل وتوجيهه نحو ~~الطبيعة واكتشاف الصلة الضرورية بين العلة والمعلول، ~~وتصوير عالم يحكمه القانون. # 7 ~~(7) # هل نحن جيل التصنيع، نعيش عصر الصناعة، ومهمتنا ~~تحويل مجتمعاتنا الزراعية إلى مجتمعات صناعية؟ فقد ~~اقترنت دعوة العلم بدعوة أخرى للتصنيع أي لمنجزات ~~العلم وآثاره. فالتصنيع هو القادر على تحديث المجتمعات ~~والانتقال بها من عقلية الريف إلى عقلية الحضر، من ~~حضارة الزراعة إلى حضارة الصناعة؛ وبالتالي ترك ~~القدرية إلى الفعل الحر، والسكون إلى الحركة، والخلود ~~إلى الزمان. فالمجتمع الصناعي يفرض قيمه، ويفرز ~~ثقافته، وإن كل دعوات الإحياء والإصلاح والنهضة والعقل ~~والتنوير والعلم لهي دعوات مثالية فوقية لا تحدث أي ~~أثر في الواقع. وإن كان لهذه الدعوة ما يبررها حتى ~~يتحول المجتمع من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي لزيادة ~~الدخل القومي واكتساب عادات جديدة إلا أنها محددة ~~الأفق تقوم على تقليد الغرب الصناعي، وما حدث في ~~المجتمع الغربي في القرن الماضي. كما أنها تقوم على ~~افتراض ms306 خاطئ في علم الاجتماع الغربي وهو أن قيم الريف ~~أقل شأنا وتطورا من قيم الحضر، وأن التطور الطبيعي ~~للمجتمعات ومسار تقدمها هو الانتقال من الأولى ~~للثانية. فالقيم الزراعية لا تعبر بالضرورة عن ~~التخلف. وهناك مجتمعات زراعية متقدمة مثل المجتمعات ~~الصينية والمصرية القديمة ونهضة فيتنام والصين ~~الحالية، وثورات الفلاحين في أمريكا اللاتينية. كما أن ~~القيم الصناعية لا تعني التقدم بالضرورة. فبالإضافة ~~إلى قيم الزمان والوقت والإيقاع والضبط والدقة والعمل ~~والإنتاج والوفرة هناك أيضا قيم الآلة وضياع الإنسان ~~وفقدان الترابط الاجتماعي والاستهلاك والاستغلال ~~والاحتكار وكل مظاهر الفساد والرشوة والتهرب من ~~الضرائب والمنافسة والقتل والاغتيال. كما أن تحول ~~المجتمع من نمط الإنتاج الزراعي إلى نمط الإنتاج ~~الصناعي لا يؤدي بالضرورة إلى تغير في نسق ~~القيم، فقد يتم التصنيع بعقلية الزراعة، وقد تقام ~~الزراعة بعقلية الصناعة. ومع ذلك وبعد محاولة التصنيع ~~الأخيرة لمجتمعاتنا ضاعت منجزاتها ولم تستمر مكاسبها؛ ~~فقد أخذ العمال حقوقهم دون نضال كاف، كهبة من الدولة، ~~ودون وعي عمالي، ودون تصور للعمل الدقيق. كما تمت ~~إدارة المصانع بالعقلية البيروقراطية وليس بعقلية ~~التصنيع والاكتفاء الذاتي وسرعة المبادرة. وأحيانا ~~يسوء الإنتاج نظرا لغياب قيم الصناعة مثل الدقة ~~والضبط. إذ قامت الصناعة على القيم التقليدية والعادات ~~الموروثة مثل الإهمال والتكاسل والتهرب والاحتيال ~~والنهب والسلب وحرق المخازن وسرقة المواد الخام. ولما ~~كان التصنيع قرارا من السلطة السياسية وليس تطورا ~~طبيعيا للمجتمع سرعان ما ضاعت الصناعات الوطنية أو ~~توقفت، عاد الاستيراد من المنتجات الأجنبية فتوقف ~~التصنيع. إن جيلنا هو الجيل الممهد للصناعة الوطنية ~~وذلك بتنمية روح الانتماء للوطن، وببث التصور العلمي ~~للعالم، وبالوعي بالطبيعة والأرض والاستثمار، وبالعمل ~~المنتج. فلا صناعة بدون شروطها في الوعي القومي. # 8 ~~(8) # هل نحن جيل التغير الاجتماعي، نعيش عصر التغيير ~~الاجتماعي؛ وبالتالي يكون دورنا هو المساهمة في صياغة ~~عمليات التغير وتحقيقها؟ وهي آخر الدعوات التي قام بها ~~جيلنا والتي قام بتحقيقها بالفعل والمساهمة فيها. وقد ~~سادت حياتنا في الثلث قرن الأخير لإحداث تغيرات هيكلية ~~في مجتمعاتنا، وبث أفكار جديدة تعبر عن واقعنا وتحقق ms307 ~~مصالح غالبية الأمة؛ لذلك يعتبر البعض منا نفسه جيل ~~التحولات الاجتماعية وأحيانا جيل الثورة. ففي هذا ~~الجيل تم القضاء على الملكية والاستعمار والفساد، كما ~~تم تحقيق الاستقلال الوطني للبلاد ومناصرة جميع قضايا ~~التحرر العربي والإفريقي والعالمي. وصدرت قوانين ~~الإصلاح الزراعي والتأميم لتحقيق أكبر قدر ممكن من ~~العدالة الاجتماعية ووضع حد لنهاية الإقطاع ورأس ~~المال، وتذويب الفوارق بين الطبقات. كما بعثت الروح ~~القومية وتمت أول محاولات الوحدة العربية، وأنشئت ~~حركات عدم الانحياز، وتم اكتشاف الدوائر الحضارية ~~الجديدة للشعوب المستقلة مثل باندونج. كما تم تصنيع ~~البلاد، وتحولت من الإنتاج الزراعي إلى الإنتاج ~~الصناعي. وتأسس القطاع العام، وسيطر الشعب على وسائل ~~الإنتاج. ومع ذلك فقد كانت المخاسر كبيرة. فقد حدثت ~~تغيرات هيكلية في بناء المجتمعات دون أن توازيها ~~تغيرات جوهرية في الأبنية الفوقية، أي المقولات ~~والتصورات والمفاهيم والأبنية النفسية وأنساق القيم. ~~فسرعان ما حدثت الانتكاسات والردة بغيات القيادة ~~السياسية الثورية، وسيادة المفاهيم التقليدية التي ~~تضرب بجذورها في التاريخ. ولقد تم استعمال هذه ~~المحافظة التقليدية لتدعيم النظام الجديد وإيقاف ~~التحولات الاجتماعية والهجوم على المعارضة السياسية ~~التي تبغي مزيدا من التقدم ومزيدا من التأصيل. كان ~~الفكر الحامل لهذه التغيرات الاجتماعية شعارات سطحية ~~خطابية مجتثة الجذور عن ثقافة الشعب، وبينها وبين ~~الواقع مسافة شاسعة جعلتها صعبة التصديق. كما غابت ~~حرية الرأي والمعارضة، واصطدمت الشعارات الجديدة ~~بالتيارات الأصيلة الدينية والعلمانية في المجتمع. ~~وتشخصت الزعامة، وغابت المؤسسات، وتهرأت التنظيمات ~~الشعبية. صحيح أن بعض الأفراد كان على مستوى الثورية ~~ولكن الكوادر ونظم الدولة كانت محافظة مما أدى إلى ~~نهاية التجربة بنهاية الأفراد. بل إن هذه المكتسبات ~~الأولى قد ضاعت، فضاع الاستقلال الوطني للبلاد، ووقعت ~~في التبعية، وتحالفت مع القوى الاستعمارية، وقام ~~الحكام بدور الملوك والأباطرة الجدد، واستشرى الفساد ~~في الحزب الحاكم دون معارضة أو نقد، وزادت الفروق بين ~~الطبقات، واحتجبت مصر عن الوطن العربي، وتقطعت أوصاله، ~~وانتهى التصنيع، وبدأ الاستيراد. كان يمكن لجيلنا أن ~~يكون جيل التحولات الاجتماعية لولا عزلته وعدم ~~مشاركته وحسرته وألمه وأحزانه وضياعه وبكاؤه على ~~الماضي ms308 وضياع حريته. # 9 ~~(9) # هل نحن جيل الثورة الشاملة، نعيش عصر الثورة، ~~ومهمتنا ممارسة الثورة نظرا وعملا، فكرا وتنظيما؟ ~~لا تعني الثورة هنا مجرد تغيير الهياكل الاجتماعية ~~والأنظمة السياسية علنا أو سرا. فقد تم ذلك في ~~الدعوة السابقة دون أن تحدث ثورة، ولكن هذه الدعوة ~~تعني الثورة الشاملة التي تضم إنجازات الإحياء ~~والإصلاح والنهضة والعقلانية والتنوير والعلم والتصنيع ~~والتغير الاجتماعي. تبدأ بتنوير المفاهيم والتصورات ~~والقوالب الذهنية والأبنية النفسية، أي إحداث ثورة في ~~الأذهان وفي العقول وفي النفوس وفي المشاعر، ثورة في ~~الحياة اليومية وفي أساليب السلوك. فالثورة ليست ~~منجزاتها بل مقدماتها، وليست نتائجها بل شروطها. ليست ~~الثورة الفرنسية هي اقتحام الجماهير سجن الباستيل في ~~14 يوليو 1789م، بل إعداد الوعي القومي لذلك بفضل جهود ~~مفكري الثورة الفرنسية وفلاسفة التنوير في القرن ~~الثامن عشر. فلا شيء يتغير في الواقع ما لم يتغير في ~~الوعي أولا. لا شأن لهذه الثورة الشاملة بتغيير النظم ~~السياسية القائمة. ولا تقوم على استعمال العنف بل ~~تعتمد على إعمال العقل، وتحليل الواقع، والتعبير عن ~~الرأي، ومقارنة الحجة بالحجة، ومقابلة البرهان ~~بالبرهان. وهو الطريق الذي سلكه الأنبياء في محاجة ~~أقوامهم. فالثورة الشاملة هي ثورة الأنبياء، يقوم بها ~~علماء الأمة، فالعلماء ورثة الأنبياء. وتمتاز هذه ~~الثورة بأنها الأبقى والأدوم، والأرسخ والأعمق، والآمن ~~والأسلم دون ردة أو نكوص، ودون تغيرات على السطح، ودون ~~مخاطر ومخاسر. يستمر فيها تاريخ البلاد، وترث حركات ~~التجديد، وتتسم بالأصالة، وتربط الماضي بالحاضر فلا ~~يحدث انقطاع أو تغريب. تبدأ بالجذور، في الأذهان قبل ~~الأعيان. فالوقائع هي تصورات متحققة، والتصورات ~~وقائع ممكنة. تجري حوارا شاملا بين كل الآراء ~~والاتجاهات، وتحقق الوحدة الوطنية دون أن تكفر أو أن ~~تخون أحدا. لا شأن لها بتنظيم الحكم ولا تقوم إلا على ~~النصيحة والرأي، والتعبير الصادق عنه، ودون عنف، ودون ~~استعمال للقوة. ليست موجهة ضد أحد بل تهدف إلى دفع ~~حركة التاريخ إلى الأمام. فقد أثرت أفكار دون سلطة ولم ~~تؤثر سلطة دون أفكار. ترعى مصالح الأمة، وتحقق مطالب ~~الأغلبية الصامتة. تهدف ms309 إلى التغيير والإصلاح وتحقيق ~~التقدم وتنحو إلى ما هو أفضل على طريق النبوة وبهدى ~~الوحي. ولا يعاب عليها أنها مثالية، تبدأ بالفكر، فهذه ~~المثالية لدى شعوبنا هي الواقعية، وحصيلة التجارب ~~الطويلة لأجيالنا المتلاحقة. لا تنقل مراحل الغرب بل ~~تشخص مهام أجيالنا. وتحدد مهمة جيلنا بتحليل مباشر ~~للواقع وبوصف لمكاسب الأجيال ومخاسرها. ليست تصورا ~~آليا للتطور لأنه يمكن القيام بهذه المهام كلها في ~~آن واحد مع تغلب مرحلة على مرحلة طبقا لروح العصر. ~~ولا خوف من هز العادات والتقاليد في النفوس، فالهدف هو ~~رعاية مصالح الأمة، والأبنية الفوقية ذاتها إنما هي ~~تراكم طويل لخبرات السنين يؤولها كل جيل من أجل ~~تحقيق هذه المصالح. تلك مهمة جيلنا التي يمكن من ~~خلالها القضاء على الحيرة في الحاضر حتى يمكن كشفه ~~والإعداد للمستقبل. # 10 # | خامسا: حساب الماضي، وأزمة الحاضر، ~~وهموم المستقبل في الوعي ~~الأوروبي # وفي الوقت نفسه الذي يحاول فيه جيلنا تحديد مهمته ومرحلته ~~التاريخية المحددة وذلك لاستئناف النهضة الحديثة بالرغم مما ~~اعتراها من عثرات، فإن الوعي الأوروبي اليوم ومنذ جيل أو جيلين ~~يحاول أيضا نفس الشيء أي تحديد مهمته الحالية، وعمل كشف حساب ~~للماضي ولتشخيص أزمته الحاضرة، والتعبير عن هموم المستقبل. وكما ~~كان لديه إحساس بالبداية الثانية إبان عصور الإحياء والإصلاح ~~والنهضة لديه هو الآن إحساس بالنهاية لهذه البداية كما كان لدى ابن ~~خلدون بالنسبة لنهضتنا الإسلامية الأولى. والوعي الحضاري عندما ~~يبدأ يؤرخ لنفسه يكون ذلك مؤشرا لبداية النهاية كما كان الحال عند ~~أرسطو مؤرخا وعند ابن خلدون مؤرخا وعند نيتشه، وشيلر، وهوسرل، ~~وبرجسون، واشبنجلر، وتوينبي مؤرخين للوعي الأوروبي ومعلنين نهايته ~~و«أفول الغرب». إذ يكاد يجمع فلاسفة الغرب في هذا العصر على أن ~~الوعي الأوروبي قد شارف على نهايته بعد أن بدأ في عصر النهضة وتحدد ~~مساره من البداية إلى النهاية. فإذا كانت نقطة البداية في الكوجيتو ~~عند ديكارت، تكون نقطة النهاية في الكوجيتو عند هوسرل، أو الزمان ~~عند برجسون، أو الشخص عند شيلر ومونييه، أو الوجود الإنساني عند ~~الفلاسفة الوجوديين، أو الحياة ms310 عند فلاسفة الحياة، أو الفعل عند ~~بلوندل، أو الإرادة عند نيتشه أو العمل عند ديوي وجيمس. # بدأ الوعي الأوروبي في لحظته الحاضرة يعمل حساب الماضي، ويشخص ~~أزمته في الحاضر، ويعبر عن هموم المستقبل. فوجد أنه من هذه ~~البداية في فجر النهضة الأوروبية خرج تياران؛ الأول: التيار العقلي ~~الذي بدأ من ديكارت وسار فيه الديكارتيون؛ بسكال واسبينوزا وليبنتز ~~ومالبرانش ثم كانط من بعدهم. ثم بدأ الكانطيون في تطوير العقل وضم ~~الواقع إليه أو نقده لحساب الوجدان حتى انقلب إلى الضد في الحركة ~~الرومانسية ولدى فلاسفة الحياة والوجود انتهاء بهوسرل، نقطة ~~النهاية، في نقده لصورية العقل. والثاني: التيار الحسي الذي خرج ~~أيضا من ديكارت يمثله الحسيون والتجريبيون؛ لوك وهوبز وهيوم ~~وبداية من بيكون، ابتداء من الحس والتجربة، ناقدين الأفكار ~~القبلية وجاعلين العقل مجموعة من الانطباعات الحسية. تم رفع هذا ~~التيار بنقد المعرفة الحسية ونقد الوضعية بفضل هوسرل وشيلر وبرجسون ~~ومعظم الفلاسفة المعاصرين وعلى رأسهم الوجوديون. فتلاقى التيار ~~الثاني مع التيار الأول في نقطة النهاية، في الكوجيتو عند هوسرل ~~حيث تم نقد التجربة ونقد الصورية، وتحقيق وحدة الشعور بين العقل ~~والتجربة. الوعي الأوروبي إذن له بداية ونهاية ومسار، وله بناء ~~ثلاثي؛ الصورة والمادة والشعور، الرفع والخفض والاستواء، الأعلى ~~والأدنى والداخل. # 1 # بدأ الوعي الأوروبي يراجع ذاته، ويقدم لنفسه كشف الحساب لكل من ~~تياراته الثلاثة، ولبنائه وتطوره، مبينا مكاسبه ومخاسره فلعله ~~يراجع ماضيه، ويحول مخاسره إلى مكاسب جديدة إن لم يكن الأوان قد ~~فات، وانتهت الدورة الحضارية الأوروبية الثانية إذ كانت دورتها ~~الأولى قد تمت لدى اليونان والرومان، لعله يراجع ماضيه، يعرف عيوبه ~~وسبب أزماته الحاضرة، وغموض مستقبله الذي شارف على التقلص ~~والاحتضار. فوجد هذا الحساب كالآتي: ~~(1) # بالرغم من انتصارات العقل ونقده للموروث وصراعه ضد ~~السلطتين الدينية والسياسية، وإخضاعه النصوص الدينية ~~للنقد، وتأسيسه علما جديدا وهو النقد التاريخي للكتب ~~المقدسة، ورفضه للتقاليد، ونبذه للتقليد، وأخذ الوضوح ~~والتميز مقياسين للصدق، وطلب الدليل للبرهان، وصياغته ~~للتفكير المنهجي ولخطوات المنهج العقلي إلا أن العقل ~~بعد جهاد دام ms311 خمسة قرون قد انتهى إلى الصورية ~~والتجريد حتى أصبح فارغا بلا مضمون بالرغم من محاولة ~~هيجل التوحيد بينه وبين الواقع. ويتضح ذلك جيدا في ~~صورية كانط وحساب ليبنتز مما جعله ينقلب إلى الضد في ~~الحركة الرومانسية وثورة الوجود عليه في الفلسفة ~~الوجودية المعاصرة، واعتباره مضادا للحياة لدى ~~فلاسفة الحياة مثل أونامونو ونيتشه وبرجسون. أصبح غير ~~قادر على إدراك العنصر الحركي في الحياة، ولا يتجاوز ~~إدراك العناصر الثابتة فيها، فغابت الحركة منه، وأصبح ~~أقرب إلى الآلية مما سبب رد فعل الرومانسية عليه. كانت ~~وظيفته أحيانا تبرير المعطيات المسبقة الدينية أو ~~الفلسفة أو الواقعية. يفهم كل شيء، ويجد أسبابه ~~ومبرراته. فالدين والعقل شيء واحد عند العقليين، ~~والطبيعة والعقل شيء واحد عند الحسيين، والعقل والواقع ~~شيء واحد عند الهيجليين، ما دامت وظيفة العقل هو ~~الفهم، والفهم هو إيجاد الاتساق الداخلي للموضوع. ~~وتظهر خطورة الأمر إذا ما انتقل العقل إلى تبرير ~~المعطيات القديمة الموروثة أو النظم السياسية القائمة ~~مما جعل ماركيوز يجعل من العقل مقدمة للثورة وباعثا ~~عليها. اقتصر العقل على السطحي والخارجي دون أن يكون ~~قادرا على الدخول إلى جواهر الأشياء وإدراك مضامينها ~~الداخلية والاتحاد بحقائقها حتى جعله برجسون أقرب إلى ~~جهاز التصوير الخارجي الذي لا يعلم بواطن الأمور، مما ~~دفع بالفكر المعاصر إلى الواقع في رد الفعل المضاد، ~~أعني الاشتباه والاقتباس والتأويل والظلام والليل ~~والإيحاء والتصوف أحيانا. كما انتهت المثالية الناتجة ~~عن العقل إلى مبادئ عامة شاملة أحدثت ثورات، لكنها لم ~~تستطع تجاوز حدود القوميات، فالشمول للوعي الأوروبي ~~دون غيره، بل والوقوع أحيانا في نطاق القوميات ~~الضيقة، الألمانية أو الفرنسية أو الإنكليزية مما دفع ~~الوعي الأوروبي إلى الانقسام على ذاته والوقوع في أسر ~~العنصرية والشوفينية. كما أمكن استخدام العقل لخدمة ~~مصالح الطبقات المتوسطة لقدراته على تنظيم العمل، وكشف ~~قوانين السوق، وتنظير العالم، فأصبحت العقلانية دعامة ~~للرأسمالية الناشئة مما أدى إلى اتهامه بعد ذلك بأنه ~~قادر على فهم العالم دون تغييره، وقدرته على صياغة ~~العالم وعجزه عن تغييره، واستعماله للدفاع عن الطبقات ~~العليا ms312 دون الدفاع عن الطبقات الكادحة؛ لذلك كان الحزب ~~البروليتاري عند ماركس هو الوريث الوحيد للأيديولوجية الألمانية. # 2 ~~(2) # وبالرغم من انتصارات التيار التجريبي، واعتبار ~~التجربة مقياسا للصدق، وإعادة الثقة بالمعرفة الحسية، ~~ونشأة العلم، واحترام الطبيعة، واستقلال قوانينها ~~واطرادها، وكشف أخطاء المعارف المسبقة التي تعتمد على ~~السلطة والعقائد الموروثة والثقة بالعالم الخارجي ~~والاعتراف بوجوده إلا أنه انتهى أيضا إلى إنكار كل ~~المعارف المسبقة وكل المعطيات القبلية، ورفض الاتساق ~~العقلي، وبداهات العقل وقوانينه الثابتة حتى أصبحت ~~التجربة نوعا من التحيز المسبق والحكم المبتسر مما ~~أضر بالعلم ذاته. كما أنه تصور كل معطى على أنه ~~ظاهرة مادية مرئية تقاس في المكان، وأغفل الظواهر ~~الكيفية الخالصة واستحالة تحولها إلى ظواهر كمية. وقع ~~في التصور الكمي للعالم الذي يعتمد على القياس، وأغفل ~~الكيفيات الخالصة، ولم تنفعه الرياضيات البحتة في ~~الحصول على الكيف بل وقع في حساب الكم، مما دفع بعض ~~المعاصرين إلى وضع العلم الكيفي في مقابل العلم الكمي ~~كما فعل برجسون وهوسرل. وقد قام هذا التيار على إيمان ~~لا حدود له بالتطور والتغير مما جعل الثبات يتوارى. بل ~~إن العلم الحديث يقوم كله على الاحتمال وليس على ~~الثبات، وعلى حساب الاحتمالات وليس على ثبات قوانين ~~الطبيعة. وبلغ الحد من الإيمان بقدرة العلم على اختراع ~~كل شيء إلى أن تحول الطبيعي إلى صناعي والغائب إلى ~~الشاهد؛ لذلك تم استخدامه في الصناعة إلى أقصى حد، ~~وحول المجتمع كله إلى مجتمع صناعي بكل عيوب هذا ~~المجتمع التي تدخل حاليا في أزمة الحاضر وهموم ~~المستقبل. كما تم استخدامه في الحروب وصناعة السلاح من ~~أجل التدمير والفناء. وأصبح التقدم العلمي مرادفا ~~للخراب. هذا بالإضافة إلى ما سببه العلم من تخزين ~~للمعلومات وإضرار بالعقل البشري الطبيعي وبقدراته على ~~الخلق والتخطيط والإبداع بعد أن تنازل عن وظائفه هذه ~~كلها إلى الحاسبات الآلية؛ ومن ثم تحول الذهن البشري ~~إلى مسطح يخلو من العمق، وتحول العلم إلى جهل. وكثيرا ~~ما كان التيار الحسي التجريبي أقرب إلى النظم المحافظة ~~الرجعية في السياسة كما لاحظ ذلك ms313 ماركيوز على الوضعية ~~التي تؤمن بالوضع القائم دون تغييره والثورة عليه. # 3 ~~(3) # وبالرغم من نجاح الفلسفات المعاصرة الإنسانية ~~والوجودية والبراجماتية والشخصانية والظاهراتية في ~~اكتشاف الإنسان من جديد والدفاع عن وجوده وحريته ~~والكشف عن عيب الاتجاهين الرئيسين في الوعي الأوروبي ~~الصوري والمادي، العقلي والتجريبي، وبدايات النقد ~~الاجتماعي لروح العصر، والتعبير عن هموم المستقبل إلا ~~أنها انتهت أيضا إلى الوقوع في العبث واللامعقول ~~والتناقض وهي بصدد نقد صورية العقل، وإعلان عجز العقل ~~كلية عن إدراك أي اتساق في الواقع، والإيمان بالعنصر ~~اللاعقلي، وإعطاء الأولوية المطلقة له على أي عنصر ~~عقلي في الحياة كما اتضح ذلك خاصة عند كيركجارد وكامو. ~~كما تم الرفض التام للعلم باعتبار أن الذاتية شيء ~~مخالف للموضوعية، وبأن الإنسان ليس ظاهرة علمية أو ~~واقعا ماديا أو موضوعا يخضع لملاحظة العلم ~~وقوانينه. الإنسان ذاتية خالصة، إمكانية وحركة، ومشروع ~~يتحقق، وحرية كامنة لا يمكن التنبؤ بمسارها. فوقعت في ~~النزعات غير العلمية وأحيانا في النزعات الصوفية ~~الإشراقية. كما انتهت معظم هذه الفلسفات إلى نوع من ~~العدمية النسبية أو المطلقة بعد تحليل تجارب الموت ~~والهم والحصر والغثيان والرغي وحب الاستطلاع والنفي ~~والتساؤل، والدعوة إلى الانتحار وتصور الإنسان في ~~الحياة مثل سيزيف يعيش بلا أمل ومحكوم عليه بالشقاء. ~~وقعت في التشاؤم واليأس، وضاعت روح الأمل والتفاؤل ~~التي كانت سائدة في بداية الوعي الأوروبي والتي ظهرت ~~في فلسفة التاريخ، وانتفت الغائية ، وسادت العشوائية ~~والاحتمال وعدم القدرة على التنبؤ بأي شيء. وأصبح ~~المجهول أكثر إغراء من المعلوم، والليل أكثر دلالة من ~~النهار، والغموض يوحي أكثر مما يوحي الوضوح. اشتدت ~~النزعة الفردية التي تغفل دور الجماعة بالرغم من «ثورة ~~الجماهير» عند أورتيجا و«نقد العقل الجدلي» عند سارتر، ~~و«العقل والثورة» عند ماركيوز، وبالرغم من محاولات ~~التوفيق بين الوجودية والماركسية خاصة عند لوكاتش ~~واكتشاف الوعي الطبقي في التاريخ. اشتدت أزمة العلوم ~~الإنسانية بعد أن احتارت بين مناهج العلوم الرياضية ~~أولا بعد نجاحها في القرن السابع عشر وبين مناهج ~~العلم الطبيعية بعد نجاحها في القرن التاسع عشر، ~~وعودتها إلى الرياضة ms314 البحتة أو إغراقها في تحليلات ~~الشعور والتجارب الحية. # 4 ~~(4) # وهكذا تحدد بناء الشعور الثلاثي الأوروبي بين ~~الصورية والمادية والشعور وظل يتأرجح منهجيا بينها، ~~يجرب كل منها مرة ثم يعاود التجربة من جديد حتى لم يعد ~~يستقر له حال، وأصيب بداء التردد والحيرة، وتحول ذلك ~~إلى بحث دائب مستمر دون الوصول إلى شيء مما أدى في ~~النهاية إلى الوقوع في النسبية والشك. واتسم الوعي ~~الأوروبي بطابع التجريب المستمر، والحيرة والقلق ~~والتردد وعدم الثبات والاستقرار مما جعل الجديد فيه ~~باعثا دائما ضد القديم ومطلبا ملحا ضد الشائع. ~~يصيبه الملل باستمرار، ويرنو إلى الآخر والبعيد، ~~ويتطلع إلى المستقبل دائما. غاب المركز الذي يبعث على ~~الاستقرار والثبات، وضاع أي غطاء نظري مسبق وأي تصور ~~دائم يضمن للإنسان الحد الأدنى من اليقين النظري. وقد ~~يمر على المركز مرات عدة ويعتبره أحد نقاط ~~المحيط. ~~(5) # لقد مر الغرب بمراحله كلها، ولم يعد له رؤية ~~مستقبلية محددة للمرحلة المقبلة التي هو في الطريق ~~إليها. لقد مر بعصر الإحياء في القرن الرابع عشر، ~~إحياء الآداب القديمة عند بوكاتشيو وبترارك فلعله يجد ~~في أدب القدماء ما يبحث عنه من تأكيد للإنسان وقدرته ~~أمام الآلهة في صراعه مع الطبيعة وفي الإيمان بحريته. ~~ثم مر بالإصلاح الديني في الخامس عشر حتى يمكنه ~~البداية من جديد من الجذور الأولى للوعي في الدين بعد ~~الأدب. وقد حصل على ما ينبغي من تأكيد لحرية المسيحي ~~في الفعل والسلوك وفي التفسير والفهم، والصلة المباشرة ~~بين الإنسان والله دون توسط، والإيمان في اللحظة دون ~~ما حاجة إلى التاريخ المقدس أو تاريخ الكنيسة، وإثبات ~~الكتاب المقدس وحده كمصدر للإيمان دون التراث الكنسي، ~~والتأكيد على القومية واللغة الوطنية، ودحض جميع مظاهر ~~النفاق والاتجار بالدين. ثم مر بعصر النهضة بعد أن نجح ~~الإصلاح، وبدأ يضع الإنسان محور الكون، يتوجه بعقله ~~نحو الموروث القديم ناقدا لنظرياته، ومحررا وجدانه ~~من تقاليده وآثاره، يتجه بإرادته وحسه نحو الطبيعية ~~يستلهم منها معارف جديدة يستطيع بها أن يسيطر على ~~قوانينها، ويتنبأ بمسارها. وظهر المذهب الإنساني ms315 عند ~~أراسم ليؤكد الإنسان كقيمة مستقلة مطلقة بدنا وعقلا. ~~ثم أتت العقلانية في القرن السابع عشر لتعلن أن العقل ~~له سلطان على كل شيء، وأنه منهج قادر على أن يصل إلى ~~حقائق الأشياء وأن الطبيعة عاقلة، والله عقل، والعالم ~~كله يحكمه قانون عقلي، والحياة كلها تنتظم طبقا ~~لقوانين عقلية. بعدها بدأ التنوير في القرن الثامن ~~عشر، ليفجر العقل في النظم الاجتماعية والسياسية، ~~ويتحول من حرية الفرد إلى حرية المجتمع، ومن حرية ~~السلوك إلى الديموقراطية في النظم السياسية، وإقامة ~~المجتمع الجديد على أساس من الحرية والإخاء والمساواة. ~~وكانت من إنجازات التنوير الثورة الفرنسية والثورة ~~الأمريكية. ثم أتى التصنيع، والانقلاب الصناعي في ~~القرن التاسع عشر، وانتصارات العلم الطبيعي، وتحويل ~~المجتمع المستنير إلى مجتمع صناعي، يسيطر فيه العقل ~~على الطبيعة، ويستثمر فيه الإنسان بإرادته ثروتها. ~~وتحققت المكتشفات العلمية وتمتع الإنسان بنتائج جهده ~~الطويل منذ الإحياء حتى العلم. بل إن الوعي الأوروبي ~~من وجهة نظره استطاع الخروج خارج حدوده بحثا عن ~~الأسواق، والأيدي العاملة والمواد الأولية، والنقاط ~~الاستراتيجية للسيطرة على العالم. وأخيرا وصل الوعي ~~الأوروبي إلى الثورة الصناعية الثانية، ثورة ~~التكنولوجيا في القرن العشرين. وأصبح قادرا على حساب ~~الماضي والحاضر والمستقبل بالحاسبات الآلية، وغزو ~~الفضاء واستثمار قاع المحيطات، والاستشعار عن بعد لما ~~في باطن الأرض، ولم يعد يقف أمامه أي عائق أو مستحيل. # 5 ~~(6) # وفي أوج انتصار ثورة القرن العشرين بدأت أزمة الحاضر ~~تتكشف سواء على المستوى المادي في نقد المجتمع ~~الصناعي أو على المستوى المعنوي في نقد الحضارة ~~الحديثة. وقامت الفلسفات الاجتماعية والسياسية ~~والأخلاقية المعاصرة على هذا النقد المزدوج مثل فلسفات ~~هوسرل وبرجسون وشيلر ورسل وتوينبي. ولم تخل العلوم ~~الإنسانية مثل الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس ~~الاجتماعي وعلوم الحضارة من تناول هذا الموضوع ~~بالتحليل والوصف. فقد سادت الآلة على الحياة، وتحول ~~الإنسان إلى آلة، وأصبح شيئا يماثل الآلة، يتكرر، لا ~~فردية له، يساوي قدر إنتاجه من البضائع، لا حياة له ~~ولا كيان. ضعف العقل بعد اعتماده المستمر على الحاسبات ~~الآلية حتى ضاعت منه قدراته ms316 على الخلق والإبداع بعد أن ~~تحول عمل العقل إلى عمل الآلة. بل وضاع أخذ زمام ~~المبادرة بعد أن تحولت إرادة القرار إلى حاسبات ~~القرار. عم الاستغلال، استغلال الأفراد والجماعات ~~والشعوب، وتراكم رأس المال لدى الشركات المتعددة ~~الأجناس التي حلت محل الاستعمار القديم. كثرت الحروب ~~الناتجة عن الصناعات العسكرية في أيدي الشركات ~~الصناعية الكبرى. ضاعت الحقيقة بسبب توجيه أجهزة ~~الإعلام للرأي العام، وصياغة حقائق أخرى بديلة نمطية ~~حتى سلب الإنسان حرية التفكير، والقدرة على الحكم، ~~والاختيار الحر بين البدائل حتى أصبح الإنسان كما يقول ~~ماركيوز «ذا بعد واحد» موجه التفكير والسلوك. زادت ~~العنصرية، فالملونون غير مواطنين أو مواطنون من الدرجة ~~الأولى في البلدان الأوروبية لا تنطبق عليهم حقوق ~~الإنسان. عظم استغلال الشعوب غير الأوروبية، واستغلال ~~مواردها الأولية وأسواقها وعمالتها، ونهب عقول البشر ~~واستدراجها في البلدان الصناعية، وتفريغ الشعوب غير ~~الأوروبية من عقولها وإبداعها، وسلب حضارتها وتاريخها. ~~تفاقمت مشاكل المجتمع الصناعي مثل تلوث البيئة ~~والاعتداء المستمر على الطبيعة، وتدمير المحاصيل ~~الزراعية، والإسراف في الاستهلاك. زادت حوادث ~~الانتحار، وعم الشقاء، ولم يعد الإنسان سعيدا ~~بالرغم من الوفرة ومجتمع الاستهلاك، وكثرت الأمراض ~~النفسية، وأصبح لكل مواطن طبيب نفسي معالج لشفائه من ~~أمراض العصر. زادت الأمراض البدنية، واستشرى السرطان ~~في كل أعضاء المجتمع الصناعي نظرا للتدخل المفتعل في ~~تطور الخلايا في المزروعات أو في الحيوانات مما تسبب ~~عنه تطور مصطنع لخلايا الكائن الحي في الإنسان نتيجة ~~للمواد الكيميائية التي أصبحت خالقة لطبيعة ثانية ~~بديلة عن الطبيعة الأولى. ضاع الولاء للأوطان والقضايا ~~العامة وتحول الانتماء إلى المصلحة الشخصية والكسب ~~الفردي. سادت قيم مجتمع الرفاهية والوفرة والاستهلاك ~~بحيث لم يعد الإنسان قادرا على التفكير في أي شيء، أو ~~الانتماء إلى أي شيء، أو التضحية في سبيل أي شيء. ~~انقلبت القيم رأسا على عقب، ولم يعد للوفاء والإخلاص ~~والشجاعة والصدق والصراحة أي معنى. ظهرت قيم جديدة ~~رافضة وثقافة مضادة لا تضع جديدا، بل تثور ضد القديم، ~~وتهدم ما هو قائم، وتجعل الضياع واللانظام واللامألوف ~~أسلوبا للحياة. عمت الحيرة ms317 والتردد والشك بعد الوعي ~~بعيوب المجتمع الرأسمالي الصناعي، وبعيوب المجتمعات ~~الاشتراكية الشمولية، وبعيوب مجتمعات العالم الثالث ~~التي لم تتمثل مميزات المجتمعات القائمة مثل الحرية ~~والاشتراكية والوطنية بل تمثلت عيوبها جميعا، ~~التسلط والاستغلال والخيانة والعمالة. وانتشر في الروح ~~الموت، وتأصل في النفس الغثيان. وكثر الحديث عن ~~أزمة العصر، وكرب الزمن، وزلزلة الأرض، وتهتك السماء، ~~وانقراض البشر. # 6 ~~(7) # ثم بدأ الوعي ~~الأوروبي يعبر عن هموم المستقبل بعد أن استعصت عليه ~~أزمة الحاضر، وشارف على النهاية. بدأ يخشى سباق ~~التسلح، وخطر الحرب الذرية، وتدمير البشرية. تحدث ~~الفلاسفة عن مستقبل البشرية، وضرورة نزع السلاح، ووضع ~~المعاهدات، وإبرام الاتفاقيات لمنع انتشار السلاح ~~النووي. وظهرت الأعمال الأدبية والفنية تصور العالم ~~بعد أن حل عليه الدمار، يبدأ من جديد باكتشاف النار ~~باحتكاك حجر الصوان، وبداية الإنسانية من مرحلة الصيد ~~والقنص وجني الثمار! بدأ الحديث عن أزمة الطاقة، ~~واكتشاف موارد جديدة وبديلة للنفط، والحرب من أجل ضمان ~~تأمين الطاقة التي اكتشف الوعي الأوروبي أنها ليست ~~لديه، وأنه عاش أسطورة التفوق وعناصر التفوق كلها ليست ~~ملكه، وفي غفلة من الزمن. وبدأ البحث عن الموارد ~~الأولية في حالة نفاد المواد الحالية الموجودة في ~~معظمها خارج القارة الأوروبية. وبدأ يخشى من آثار ~~التضخم، ورفع الأسعار والأجور، وازدياد البطالة، ~~والتنافس في الأسواق بين الدول الصناعية، وحماية ~~المنتجات الصناعية لكل دولة، وظهور التناقضات داخل ~~المجتمعات الرأسمالية الصناعية الكبيرة. وظهر التطرف ~~الديني والسياسي في المجتمعات الديموقراطية، وأصبح ~~استعمال العنف هو الوسيلة لضمان مستقبل أفضل، كما أصبح ~~العالم يسير فوق حافة الجنون؛ جنون القيادة وجنون ~~الجماعات المغلقة. لقد أحس الوعي الأوروبي بنهاية ~~المشروع الغربي وإفلاسه القائم على أكبر قدر ممكن من ~~الإنتاج لأكبر قدر ممكن من الاستهلاك لأكبر قسط ممكن ~~من السعادة والرفاهية دون أن يجد مشروعا بديلا آخر ~~لحاضره ولمستقبله؛ ومن ثم تكشف لديه حسرة الماضي، ~~ضياع الحاضر، وغيوم المستقبل. # 7 # | سادسا: خاتمة # إن الدراسات المستقبلة ليست مجرد حسابات كمية لإمكانيات المستقبل ~~والتخطيط لحياة أفضل تقوم على تنبؤ أكبر بالقدرة على استغلال ~~الموارد، بل ms318 هي رؤية تقوم على تصور للزمان وعلى فلسفة في التاريخ. ~~لم تنشأ في فراغ ولكنها ارتبطت بالحضارة الغربية في تاريخها الطويل ~~خاصة في دورتها الثانية الحالية التي شارفت على الانتهاء والتي ~~بدأت منذ أكثر من خمسة قرون. لا يمكن نقلها وتقليدها والتبشير بها ~~والنسج على منوالها والدعاية لها والإعجاب بها في كل حضارة، لدينا ~~أو لدى غيرنا دون تأصيل لها، وقيامها على احتياجات فعلية، ومناهج ~~محلية. إذ لا يمكن قيام دراسات مستقبلية دون إحساس بالزمان ~~والتاريخ والتقدم. كما لا يمكن أن تكون تعويضا عن أزمات العصر ~~ودواء مسكنا لاحتياجاته الملحة. إن التحول من الماضي والاتجاه نحو ~~المستقبل في وعينا القومي، والوعي بتجارب الآخرين في نشأة الدراسات ~~المستقبلية من خلال فلسفة التاريخ أي التحول عن الماضي واكتشاف ~~مفهوم التقدم، وكذلك الوعي بالمرحلة التاريخية التي يعيشها جيلنا ~~اليوم، والعلم بالحالة الراهنة للوعي الأوروبي وأزمته، كل ذلك هي ~~الشروط المؤهلة لنشأة الدراسات المستقبلية لدينا تأصيلا ووعيا ~~وإبداعا. # إن الوعي بالموقف الحضاري التاريخي الشامل للعالم وهو ما يسمى ~~بنظام العالم الجديد على مستوى العلوم السياسية لهو الشرط لتصور ~~عالم الغد بين الأمس واليوم. وهو الذي يمكن وصفه كالآتي: أزمة ~~المجتمعات الحديثة في الشرق والغرب على السواء، وأزمة النظم ~~السياسية والاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية، ثم ~~بزوغ تجارب العالم الثالث وأهمية المجتمعات التراثية تأصيلا ~~لذاتها وتحديثا لمجتمعاتها مع اكتشاف أدوارها التاريخية بعد ~~انتصارها في معاركها الوطنية من أجل الاستقلال والسيادة. تعطي ~~مثلا جديدا لعالم جديد، منذ باندونج حتى عدم الانحياز، في عالم ~~لا عنصري، يقوم على المساواة، وعلى مساهمة جميع الشعوب في صنع ~~حضارة إنسانية واحدة، دون أن يكون أحدها المركز والأخرى الأطراف. ~~تحتوي على إمكانيات اقتصادية هائلة في الموارد الطبيعية ~~والاستثمارات المصرفية والقدرات العقلية الإبداعية والتجارب ~~النضالية الحية الناجحة في مصر والصين والجزائر وفيتنام وإيران، ~~واكتشاف دوراتها الحضارية الحالية ودوائرها التاريخية التي تضمها ~~من جديد إلى الشرق؛ وبالتالي تكون أجيالنا بداية لتحول جذري في ~~تاريخ العالم وفي مسار التاريخ. # 1 ms319