######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.DirasatFalsafiyyaIslami.Hindawi74068624 #META# Tags: philosophy #META# ID: 74068624 #META# Title: دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # موقفنا الحضاري1‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: الموقف الحضاري وأبعاده الثلاثة‏ # ثالثا: أزمة الموقف الحضاري‏ # رابعا: الموقف من التراث القديم‏ # خامسا: الموقف من التراث الغربي‏ # سادسا: الموقف من الواقع‏ # سابعا: خاتمة‏ # التراث والنهضة الحضارية1‏ # أولا: التراث الذاتي‏ # ثانيا: تراث الغير‏ # ثالثا: النهضة الحضارية‏ # الفلسفة والتراث1‏ # أولا: مقدمة: ماذا تعني الفلسفة والتراث؟1‏ # ثانيا: أزمة «الفلسفة والتراث»‏ # ثالثا: مظاهر الأزمة‏ # رابعا: تغير ظروف العصر‏ # خامسا: نشأة الفلسفة: قراءة الآخرين ~~من خلال الذات‏ # سادسا: تطور الفلسفة: من الشرح والتلخيص إلى العرض ~~والتأليف‏ # سابعا: البنية الثلاثية للفلسفة: ~~غياب الإنسان والتاريخ‏ # ثامنا: خاتمة: مسئولية من؟‏ # التراث والتغير الاجتماعي1‏ # أولا: أنواع المجتمعات البشرية ~~بالنسبة إلى تراثها‏ # ثانيا: النموذج التراثي‏ # ثالثا: عيوب النموذج اللاتراثي‏ # رابعا: نموذج إعادة بناء التراث‏ # خامسا: مخاطر وشبهات‏ # التراث والعمل السياسي1‏ # أولا: ماذا يعني التراث والعمل السياسي؟‏ # ثانيا: العلوم التراثية ومعوقات ~~العمل السياسي‏ # ثالثا: العقائد التراثية ومواقع ~~العمل السياسي‏ # رابعا: خاتمة: ضرورة إعادة بناء ~~التراث‏ # كبوة الإصلاح1‏ # أولا: مقدمة: وصف الظاهرة‏ # ثانيا: الموقف من القديم‏ # ثالثا: الموقف من الغرب‏ # رابعا: الموقف من الواقع‏ # خامسا: خاتمة: الوعي التاريخي‏ # الفكر الإسلامي والتخطيط لدوره الثقافي المستقبلي1‏ # أولا: مقدمة: تحديد المصطلحات‏ # ثانيا: مدى ما يمكن أن يستلهمه المجتمع العربي في قيمه ~~المستقبلية ونظمه وتشريعاته من مبادئ الإسلام وروحه‏ # ثالثا: مدى ما يمكن أن يسهم به الفكر الإسلامي المعاصر في ~~مواجهة قضايا العصر ومشكلاته ~~وتحدياته‏ # رابعا: مدى قدرة الفكر الإسلامي على استشراف المستقبل الأفضل ~~وارتياد آفاقه، وبيان الطرق لتحويل ~~الأفكار إلى واقع تطبيقي‏ # خامسا: خاتمة‏ # هل يمكن تحليل «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» ~~من منظور إقليمي وفي إطار نظري غربي استشراقي؟‏ # أولا: مقدمة: المراجعة كقراءة1‏ # ثانيا: الموضوع والمنهج‏ # ثالثا: الأقسام الرئيسية‏ # رابعا: مصر وتونس‏ # خامسا: المشرق العربي والمغرب العربي‏ # سادسا: العروبة وفلسطين‏ # سابعا: التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية‏ # ثامنا: حضور الاستشراق وغياب التراث ~~الإسلامي‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # موقفنا الحضاري1‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: الموقف الحضاري وأبعاده الثلاثة‏ # ثالثا: أزمة الموقف الحضاري‏ # رابعا: الموقف من التراث القديم‏ # خامسا: الموقف من التراث الغربي‏ ms001 # سادسا: الموقف من الواقع‏ # سابعا: خاتمة‏ # التراث والنهضة الحضارية1‏ # أولا : التراث الذاتي‏ # ثانيا: تراث الغير‏ # ثالثا: النهضة الحضارية‏ # الفلسفة والتراث1‏ # أولا: مقدمة: ماذا تعني الفلسفة والتراث؟1‏ # ثانيا: أزمة «الفلسفة والتراث»‏ # ثالثا: مظاهر الأزمة‏ # رابعا: تغير ظروف العصر‏ # خامسا: نشأة الفلسفة: قراءة الآخرين ~~من خلال الذات‏ # سادسا: تطور الفلسفة: من الشرح والتلخيص إلى العرض ~~والتأليف‏ # سابعا: البنية الثلاثية للفلسفة: ~~غياب الإنسان والتاريخ‏ # ثامنا: خاتمة: مسئولية من؟‏ # التراث والتغير الاجتماعي1‏ # أولا: أنواع المجتمعات البشرية ~~بالنسبة إلى تراثها‏ # ثانيا: النموذج التراثي‏ # ثالثا: عيوب النموذج اللاتراثي‏ # رابعا: نموذج إعادة بناء التراث‏ # خامسا: مخاطر وشبهات‏ # التراث والعمل السياسي1‏ # أولا: ماذا يعني التراث والعمل السياسي؟‏ # ثانيا: العلوم التراثية ومعوقات ~~العمل السياسي‏ # ثالثا: العقائد التراثية ومواقع ~~العمل السياسي‏ # رابعا: خاتمة: ضرورة إعادة بناء ~~التراث‏ # كبوة الإصلاح1‏ # أولا: مقدمة: وصف الظاهرة‏ # ثانيا: الموقف من القديم‏ # ثالثا: الموقف من الغرب‏ # رابعا: الموقف من الواقع‏ # خامسا: خاتمة: الوعي التاريخي‏ # الفكر الإسلامي والتخطيط لدوره الثقافي المستقبلي1‏ # أولا: مقدمة: تحديد المصطلحات‏ # ثانيا: مدى ما يمكن أن يستلهمه المجتمع العربي في قيمه ~~المستقبلية ونظمه وتشريعاته من مبادئ الإسلام وروحه‏ # ثالثا: مدى ما يمكن أن يسهم به الفكر الإسلامي المعاصر في ~~مواجهة قضايا العصر ومشكلاته ~~وتحدياته‏ # رابعا: مدى قدرة الفكر الإسلامي على استشراف المستقبل الأفضل ~~وارتياد آفاقه، وبيان الطرق لتحويل ~~الأفكار إلى واقع تطبيقي‏ # خامسا: خاتمة‏ # هل يمكن تحليل «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» ~~من منظور إقليمي وفي إطار نظري غربي استشراقي؟‏ # أولا: مقدمة: المراجعة كقراءة1‏ # ثانيا: الموضوع والمنهج‏ # ثالثا: الأقسام الرئيسية‏ # رابعا: مصر وتونس‏ # خامسا: المشرق العربي والمغرب العربي‏ # سادسا: العروبة وفلسطين‏ # سابعا: التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية‏ # ثامنا: حضور الاستشراق وغياب التراث ~~الإسلامي‏ # | دراسات فلسفية (الجزء الأول) # | دراسات فلسفية (الجزء الأول) # | في الفكر الإسلامي المعاصر # تأليف # حسن حنفي # | الإهداء # إلى كل من يفكر في جدل الأنا والآخر. # حسن حنفي # | مقدمة # كتب هذا الجزء الأول «في فكرنا المعاصر» من «دراسات فلسفية» في وقت ~~انقلاب الثورة المصرية على نفسها وتحولها إلى ثورة مضادة، وبداية ظهور ms002 ~~الحركات الإسلامية المعاصرة بتشجيع من الثورة المضادة أولا منذ 1971م، ~~ثم انقلابا عليها ثانيا بعد 1981م، ثم اشتداد الصراع بين الإخوة ~~الأعداء، الإسلاميين والعلمانيين. # في هذا الإطار كتبت المقالات الثلاثة الأولى: «موقفنا الحضاري»، ~~«التراث والنهضة الحضارية»، «الفلسفة والتراث»، من أجل تحديد ملامح ~~المشروع الحضاري القومي في الثمانينيات: الموقف من التراث القديم من ~~أجل تحرر الأنا من إسار الماضي، الموقف من التراث الغربي من أجل ~~حمايتها من الوقوع في إسار بديل، الموقف من الواقع المعاصر من أجل ~~مساعدتها على التنظير المباشر للواقع دون توسط النصوص القديمة أو ~~الحديثة. # ويتعرض المقالان التاليان، الرابع والخامس «التراث والتغير ~~الاجتماعي»، «التراث والعمل السياسي» لموضوع الربط بين تراث الأمة من ~~ناحية والتغير الاجتماعي والعمل السياسي من ناحية أخرى، بعد أن توجهت ~~الثورة المضادة مع بعض الجماعات الإسلامية للانقضاض على الإنجازات ~~الثورية باسم التراث. # ثم كتب المقالان التاليان، السادس والسابع «كبوة الإصلاح»، «الفكر ~~الإسلامي والتخطيط لدوره الثقافي المستقبلي»؛ من أجل رصد ظاهرة الكبوة ~~في فكرنا الإسلامي المعاصر، منذ بداياته ومنطلقاته الأولى عند الأفغاني ~~والطهطاوي وشبلي شميل، حتى نهاياته ونتائجه المعاصرة عند الجماعات ~~الإسلامية، والوفد الجديد، والعلم والإيمان، ولبيان مسار الكبوة ~~التدريجي من الجيل الأول حتى الجيل السادس، ومحاولة رفع الكبوة إلى ~~مسار مستقبلي في خط صاعد جديد يلحق بالمنطلقات الأولى للرواد، ~~ويطورها بطريقة أكثر علمية وجذرية. # والمقال الثامن والأخير: «الشخصية العربية» مراجعة لأحد رواد الفكر ~~العربي المعاصر في تونس الشقيق، والتساؤل حول إمكانية دراستها من منظور ~~استشراقي وبإطار مرجعي غربي. # حسن حنفي # القاهرة، مدينة نصر، ~~يونيو 1995م # | موقفنا الحضاري1 # | أولا: مقدمة # ليست الفلسفة مجرد فكر بلا زمان ولا مكان، بلا مجتمع وبلا حضارة. ~~إنما هي نظام فكري ينشأ في عصر، ويقوم به جيل، ويخدم مجتمعا، ~~ويعبر عن حضارة. هذا ما حاول أصحاب المنهج الاجتماعي في دراسة ~~الأفكار إثباته، مع أنه قضية بديهية ليست في حاجة إلى إثبات. وهذا ~~ما وضعت لأجله علوم إنسانية بأكملها مثل علم اجتماع المعرفة أو ~~الأنثروبولوجيا الحضارية، وما حاولته عدة نماذج من التاريخ: ms003 تاريخ ~~الفلسفة، وتاريخ الأفكار، وتاريخ المذاهب ... إلخ. # قد تكون أزمة الفلسفة في جامعاتنا ومعاهدنا اليوم هي عدم الوعي ~~بهذه البديهية وعيا علميا كافيا، وإن كانت ترددها، فيما ~~يبدو، أول كل محاضرة، وفي نهاية كل درس دون تنفيذها وتطبيقها ~~وإيجاد البراهين والاستدلال منها على نتائج معينة لجيلنا. وغالبا ~~ما تكون الفلسفة تبنيا لمذهب اجتماعي؛ تقليدا لما هو موجود في ~~بعض المراجع الأجنبية التي ينقل عنها، أو عن اقتناع مذهبي يظهر في ~~السياسة أكثر مما يظهر في العلم، أو ردا على سؤال محرج لطالب ~~ملتزم متحمس لقضايا المجتمع بناء على مذهب سياسي أو بدونه؛ تهربا ~~من الإجابة. فما أسهل اللجوء إلى ظروف العصر أو ادعاء التقدمية ~~الاجتماعية، وما أسهل ترديد الشعارات والتشدق بالمناهج ~~الاجتماعية! # هذا الوضع هو الذي دعانا، في حقيقة الأمر، إلى التفكير في علاقة ~~الفلسفة بالموقف الحضاري لجيل محدد هو جيلنا. فنحن لا نتحدث عن ~~أزمة كل العصور، فهذه لا وجود لها، أو عن الفلسفة العامة، فهذه ~~أيضا لا وجود لها. هناك أبنية ~~ذهنية ونفسية واجتماعية تظهر في كل عصر ولا يمكن تعميمها إلا بقدر ~~عموم النفس الإنسانية وإطلاق العقل البشري. وهو في الحقيقة عموم ~~لا يأتي إلا بعد خصوص، وعالم أذهان لا وجود له في الأعيان. # مما لا شك فيه أن الفلسفة في جامعاتنا وفي حياتنا العامة في ~~أزمة. وجوهر هذه الأزمة أننا بعد أن أنشأنا جامعاتنا الحديثة منذ ~~أكثر من نصف قرن - وجامعاتنا القديمة موجودة منذ أكثر من ألف عام - ~~فإننا لا نستطيع القول بأن لدينا فلاسفة أو أننا أخرجنا فلسفة. ~~وفي الحياة العامة بدأنا حركة الترجمة منذ أكثر من قرن ونصف منذ ~~رجوع الطهطاوي، وتأسيس ديوان الحكمة الثاني؛ أعني مدرسة الألسن، ~~ونحن حتى الآن ما زلنا نترجم، ونشكو من قلة الترجمات، بل إن ~~مشروعنا القومي المتمثل حتى الآن في خطط دور النشر وبرامج وزارات ~~الثقافة يتلخص في معظمه في مزيد من الترجمات. وحتى الآن لم تفعل ~~هذه الترجمات فعلها، ولم تنتج عنها إبداعات، وكأن الترجمة غاية لا ms004 ~~وسيلة، وكأن التحصيل هدف في ذاته. إننا ننتج، على أحسن تقدير، ~~مؤلفات تعرض لمذاهب الآخرين اعتمادا على نصوص أصلية أو على ~~دراسات ثانوية، فأصبحت الفلسفة لدينا تجميعا لأقوال، وعرضا ~~لمذاهب، وشروحا على نصوص كما نفعل مع المتون القديمة، وكأننا ~~استبدلنا متنا بمتن، والمحدثين بالقدماء، فإذا ما تحمس الكاتب ~~والتزم فإنه يدافع عن المذهب المعروض ويهاجم خصومه في معركة ليس ~~طرفا فيها، كاشفا بذلك عن موقفنا الحضاري الحالي الذي يتلخص ~~في الخطابة والجدل، وليس في القياس والبرهان، في منطق الظن وليس في ~~منطق اليقين. لقد تحول المفكرون لدينا إلى وكلاء حضاريين ممثلين ~~لمذاهب غريبة في معظمها عن بيئتنا؛ نظرا لريادة الغرب وغزوه ~~الثقافي وانتشاره خارج حدوده، على عكس الشرق الذي لم نجد له بيننا ~~ممثلين لفلسفاته في الهند أو الصين كما كان الحال عند مفكرينا ~~الأوائل مثل البيروني وغيره. وهذا واضح من وضع الفلسفة الشرقية في ~~جامعاتنا وكيف أنها لا تعطى إلا في أضيق الحدود، واعتمادا على ~~مؤلف شهير كتب استكمالا لتاريخ الفلسفة في الغرب. # 1 # وقد يبدو ما في هذا البحث مكررا لما هو موجود سلفا سواء في كتب ~~أو بحوث، ولكن الإصرار على ضرورة المشروع الحضاري القومي هو رسالة ~~لا بد من تبليغها في كل لقاء مع مفكرين يهمهم الأمر. # 2 # | ثانيا: الموقف الحضاري وأبعاده الثلاثة # موقفنا الحضاري اليوم ذو أبعاد ثلاثة تعبر عن ضرورته، ولا ~~حيلة لأحد فيها، ولا يمكن تغييرها ولا يمكن إغفالها، وإلا كانت ~~الفلسفة بغير موضوع وبغير وطن؛ الأول: هو موقفنا من التراث القديم؛ ~~وذلك لأننا مجتمع تراثي ما زال وعيه القومي مفتوحا على القدماء، ~~وما زال القدماء يمثلون بالنسبة له سلطة يستشهد بها إذا ما ~~نقصه الوعي النظري أو تحليل الظواهر. وما زالت تصوراتنا للعالم ~~وموجهاتنا للسلوك مستمدة من التراث، لم تقم بيننا وبينه قطيعة، ~~ولم تنشأ حركة نقد للتراث تضع تاريخنا الحديث في مرحلة جديدة. ~~والثاني: موقفنا من التراث الغربي الذي بدأ يكون أحد الروافد ~~الأساسية لوعينا القومي، وأحد مصادر المعرفة المباشرة لثقافتنا ms005 ~~العلمية والوطنية. وقد كان الآخر باستمرار حاضرا في موقفنا ~~الحضاري منذ قدماء اليونان حتى محدثي الغرب. لم تحدث بيننا وبينه ~~قطيعة إلا في الحركة السلفية، ولم تقم حركة نقد له إلا في أقل ~~الحدود وبمنهج الخطابة أو الجدل، دون منهج النقد ومنطق ~~البرهان. # والثالث: موقفنا من الواقع الذي نعيش فيه والذي نحتويه في شعورنا ~~عن وعي أو عن لا وعي. وقد يكون هو الباعث على المعرفة، والموجه ~~للاختيار. وقد يكون أحيانا هو المصدر الوحيد للمعرفة بالإدراك ~~الحسي المباشر أو التنظير العقلي المباشر؛ وذلك أن الموقفين ~~الأولين موقفان حضاريان بالمعنى الحرفي للكلمة، أي إنهما ~~يتعاملان مع ثقافات مدونة في الغالب، ويغلب عليهما منهج النقل ~~بصرف النظر عن مصدره: النقل من القدماء أو النقل عن المحدثين. في ~~حين أن الموقف الثالث وحده هو الذي يتعامل مع مادة المعرفة «الخام» ~~دون إدراك مسبق أو تنظير جاهز سواء من القدماء أو من المحدثين. ~~وعادة ما يكون هذا الموقف الحضاري المثلث الأبعاد غير متوازن، ~~ويكون حضور أبعاده فيه غير متكافئ؛ فقد يتركز أساسا على ~~الموقف من التراث القديم ومن هنا تنشأ ثقافتنا الدينية وحركاتنا ~~السلفية وتعليمنا التقليدي ونظمنا المحافظة؛ اقتناعا وإيمانا، ~~أو نفاقا وتعمية عما يدور في الواقع بالفعل. وقد يرتكز على ~~الموقف من التراث الغربي، ومنه تنشأ ثقافتنا العلمية العلمانية ~~وحركاتنا الإصلاحية والتحديثية وتعليمنا العصري ونظمنا الحديثة؛ ~~اقتناعا وإيمانا، أو دفاعا عن مصالح الحكام. وقد يرتكز الموقف ~~الحضاري على البعد الثالث، أي الواقع ذاته، ومنه تنشأ ثقافتنا ~~الشعبية وحركات التغير الاجتماعي، ومنه خرجت ثوراتنا الأخيرة. هذا ~~الاتزان المفقود في الموقف الحضاري هو الذي يسبب فقدان وحدة ~~الشخصية ويجعلنا نعيش في «فصام نكد» فتتضارب الثقافات ومناهج ~~التعليم والمذاهب السياسية، ويقضى على الوحدة الوطنية في ~~الممارسة، وعلى الشخصية القومية في النظر. وقد تتداخل هذه الأبعاد ~~الثلاثة فيما بينها دون هذا الفصل الافتراضي المجرد؛ فقد يكون ~~للوعي الفردي موقف إيجابي من التراث القديم يسبب موقفا آخر ~~سلبيا من التراث الغربي، وقد يكون هناك موقف إيجابي من التراث ms006 ~~الغربي يسبب موقفا آخر سلبيا من التراث القديم. وعادة ما ~~يكون هذان الموقفان المتعارضان سلبيين بالنسبة للواقع؛ لأن ~~المدخل الحضاري يكون بديلا عن الواقع المعيش، وكأن المعركة في ~~الكتب وليست بين الناس. أما الذي يأخذ موقفا إيجابيا واعيا من ~~الواقع فإنه يكون في العادة إيجابيا في موقفيه الحضاريين ~~الأولين منتقيا ما يفيده منهما، فالأولوية للمصلحة على ~~الكتاب، وللناس على الثقافة، وللحياة على الحضارة. # | ثالثا: أزمة الموقف الحضاري # تتجلى أزمة الموقف الحضاري في موقفنا من كل بعد فيه، سواء كان ~~التراث القديم، أو التراث الغربي، أو الواقع المعيش ~~للناس. ~~(1) # فقد نظرنا إلى التراث القديم نظرة المستشرقين، ~~وكأننا متفرجون عليه ولسنا أصحابه، نعيب عليه قصوره ~~وكأننا لسنا مسئولين عنه، نكرر ما قيل ونجمع بين ~~أجزائه، وأقصى ما نفعله نشر المخطوطات دون تغيير أو ~~تطوير أو إعادة اختيار. في حين أن التراث القديم ليس ~~منفصلا عنا، بل هو جزء منا، ونحن جزء منه، كوننا ~~وأعطانا تصوراتنا للعالم، وأمدنا بموجهات للسلوك. ~~نحن مسئولون عنه بقراءتنا له مثل مسئولية القدماء ~~الذين أبدعوه. كما تركناه بلا موقف منا إزاءه في ~~القراءة والتفسير والفهم والتأويل. نكرر ~~الاختيارات القديمة، والمذاهب السالفة، ولا نعرف كيف ~~نشأت وأي أغراض خدمت. وبالرغم من تغير الظروف ~~القديمة ونشأة ظروف جديدة تتطلب اختيارات بديلة، ~~فإننا نكرر الاختيارات النمطية القديمة التي ~~تعارض في أهدافها ومنطلقاتها الظروف الجديدة التي ~~نعيشها اليوم وكأن التراث جسم ميت، وجثة هامدة، ~~ننقلها بلا واقع أو تاريخ أو حياة أو عصور، أو أصحاب ~~أو أهل؛ ومن ثم يخرج الطلاب من جامعاتنا وهم منفصلون ~~عنه نفسيا يتصورونه «كتبا صفراء»، و«قيل وقال»، لا ~~أمل فيه، لا يثير قضية، ولا يقدم حلا، فيتوجهون ~~إلى الثقافات المعاصرة حيث يجدون فيها أنفسهم فيزداد ~~شعورهم بالقطيعة مع التراث القديم كلما ازداد ~~«التغريب»، مما يجعل بعضهم يقوم برد فعل على ذلك، ~~فيتمسك بالقديم كله، ويرفض المعاصرة كلها، فتنقسم ~~الأمة إلى فريقين؛ فريق يرى صلته بالتراث صلة انقطاع ~~ثم قطيعة، وفريق آخر يرى أن صلته بالتراث صلة اتصال ms007 ثم ~~وصال. الأول يرى في التراث كل شيء، والثاني لا يرى ~~في التراث أي شيء. # ثم نقلناه كله، الصالح منه والضار . عممنا ~~الأشعرية، ودرسنا الفلسفة الإشراقية، واجتررنا فقه ~~العبادات، وشرحنا المحبة والفناء، ودعونا إلى التخلي ~~عن العالم في مجتمع مهزوم مطحون، مسلوب الإرادة، غيبي ~~أسطوري، منهوب الثروات، أزمته الفقر، ومأساته ~~الاحتلال. درسنا أن النقل أساس العقل، وأن العقل ~~قاصر في حاجة إلى وحي، وأن هذا الوحي هو النبي، # 1 # وأن أقصى ما للإنسان من فعله هو الكسب، ~~وهو في نهاية الأمر تعليق لحرية الإنسان وإرادته ~~بإرادة الآخر، وجعلها مشروطة بها، وأن مستقبل الإنسان ~~خارج العالم، وأن الشهادتين تكفيان، وأن السياسة ~~كلها مركزة حول شروط الإمام وصفاته الحميدة. ولما ~~كان ذلك هو الموروث السائد، بعد أن حيكت مؤامرات ~~الصمت على كل تراث آخر مناهض، وهو ما يساعد ~~السلطة القائمة في سندها الشرعي أو في اقتضائها طاعة ~~الناس لها، فقد درسناه واعتبرناه هو الصواب دون ما ~~سواه، وأصبح ذلك عاملا مكونا رئيسيا في ثقافة ~~الطلاب، فاستمرت المحافظة، واستمر تراث السلطة، ~~وقدمنا بأيدينا إلى السلطات رعية مطيعة له، مؤمنة ~~به وبالله، وقضينا بأيدينا على كل احتمال للتغيير ~~والمعارضة والثورة. # لقد درسنا العقول العشرة، وخصصنا العقل ~~الفعال، وتحدثنا عن الأفلاك العشرة، وبينا أن ~~الكواكب والأفلاك أرواح ونفوس وعقول على أساس ~~حركتها، يتم كل شيء في الأرض، فوجد وعينا القومي ~~علل ظواهره في السماء وليس على الأرض. أما المعرفة ~~فبمدد من السماء وليس بإحصاء كمي لواقع الناس. ~~وشرحنا نظريات المحبة والفناء والحلول، وعرضنا قيم ~~الزهد والورع والصبر والرضا والتوكل والشكر، ~~وبينا أحوال الخوف واليأس والسكر والغيبة. ~~وتساءلنا في الفقه: ما حكم وصية يكتبها رجل بين ~~أنياب الأسد؟ هل يجوز أكل بيضة ولدتها فرخة نكحها ~~إنسان؟ ما حكم رجل أقسم أن امرأته طالق إن هو جامعها ~~في هذا الثوب، وإن لم يجامعها في هذا الثوب؟ ما هي ~~أحكام الاستنجاء والغائط؟ وما حجم الحجر وشكله واتجاه ~~الغائط وكيفية الجلوس؟ وما هي أحكام حلق عانة الميت؟ ~~وكأن مظاهر ms008 المجتمع المتخلف وموضوعاته هي التي ~~فرضت اختيار ثقافته. أما فقه الثورة، وفقه العدالة ~~الاجتماعية، وفقه التحرر من الظلم، وهو ما يعاني ~~الناس منه، فليس أساسا للاختيار أو موضوعا ~~للتساؤل. # ولم ندرس علم أصول الفقه بأكمله وهو ما يعبر عن ~~إبداع المسلمين وإحساسهم بالعالم ووضع مناهج الاستدلال ~~بعيدا عن الاستشراق، وأحكام منطق اللغة بعيدا عن ~~الخطابة والجدل، ووضع شروط للتواتر والآحاد بعيدا عن ~~الروايات الموضوعة التي تلهب الخيال وتتحول إلى ~~جزء من الأساطير الشعبية، ووضع أحكام للفعل ووصف ~~مناهج للسلوك بعيدا عن الكبت والحرمان والازدواجية ~~والنفاق. لم ندرس إبداع المسلمين في وضع مناهج ~~للرواية لضبط النقل أو وضع أصول المنطق الحسي الذي ~~يقوم على المشاهدة ومجرى العادات أو المنطق الأرسطي ~~ووضع منطق بديل يقوم على قياس الغائب على الشاهد، ~~وقياس الأولى، وأن ما لا دليل عليه يجب نفيه. لم ~~نعتن بكيفية نشأة العلوم الرياضية والطبيعية ~~والإنسانية (اللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ) التي ~~أبدع فيها القدماء، ولم ندرسها إلا في إطار «تاريخ ~~العلوم عند العرب» كجزء من تاريخ العلم كما يفعل ~~الغرب، ولم نحاول نحن معرفة الصلة بين التوحيد ~~والعقل، بين التوحيد والطبيعة، وكيف استطاع القدماء ~~بعقلية التوحيد اكتشاف الرياضيات وقوانين الطبيعة. ~~فوضع ابن رشد مع باقي الفلاسفة، وابن خلدون مع ~~باقي المؤرخين دون إدراك للنوعية والاختيار. ~~(2) # لقد فعلنا الشيء نفسه في التراث الغربي، فإذا درسنا ~~الفلسفة الغربية فإننا ننتزعها من بيئتها وكأن ~~ديكارت وكانط وهيجل وماركس ونيتشه وهوسرل وبرجسون ~~وسارتر وميرلوبونتي وهيدجر نجوم لامعة نتأملها ~~ونعجب بها، بل ونحكم عليها، على صدقها أو بطلانها، ~~بحجج الذوق السليم أو العقل الصريح، وربما أيضا ~~بالأخلاق الكريمة والقيم الفاضلة والنظم السياسية - ~~وأحيانا الاجتماعية القائمة - والأعراف والتقاليد وكل ~~الموروث القديم. ولما تشتتت المذاهب وتباينت الآراء ~~وقعت الحيرة في الاختيار؛ هذا مثالي، وذاك واقعي، هذا ~~عقلي، وذاك حسي؛ فالمحافظون يختارون المثالية، ~~والتقدميون يختارون الواقعية، وينشأ الخلاف بيننا. ~~والصراع على المذاهب في ظاهره غربي وفي حقيقته يكشف ~~عن موقف حضاري خاص بنا، وهو أن المثالية وريث طبيعي ~~للمحافظة ms009 والتقليد الديني، والواقعية هي التطور ~~الطبيعي للدين المثالي والأكثر قدرة على الدفاع عن ~~حياة الناس ومصالح الشعوب. # وفي حقيقة الأمر فإن المذاهب الغربية وليدة ~~بيئتها، بل إن فكرة المذهب إنما نشأت بعد أن تمت ~~تعرية الواقع الأوروبي تماما من أغطيته النظرية ~~القديمة الموروثة من العصر الوسيط المسيحي الكنسي. ~~وجاء عصر النهضة، فأزاح كل الغطاءات النظرية الممكنة، ~~رافضا الموروث باعتباره مصدرا للعلم الذي تحول إلى ~~العقل والطبيعة. العقل والوحي شيء واحد، والطبيعة ~~والدين شيء واحد (وحي العقل، دين الطبيعة). # 2 # نشطت المذاهب في القرن السابع عشر في ~~محاولة لإيجاد نسق كلي شامل يقوم بدور الموروث ~~القديم في تفسير العالم وإيجاد علاقة بين الله ~~والطبيعة والإنسان. فنشأت العقلانية، ومنها المثالية ~~النقدية، تعطي الأولوية للعقل وحقه في فهم ~~الطبيعة. كما نشأت الحسية ومنها الوضعية؛ لتعطي ~~الأولوية للحس وحقه في رؤية الطبيعة. وظل ~~المذهبان يتصارعان مرة، ويتركبان في مذهب ثالث مرة ~~أخرى؛ إما على نحو آلي خارجي ثابت (كانط) أو على نحو ~~حيوي داخلي متحرك (هيجل). ثم أتت المذاهب الإنسانية ~~الحيوية والإرادية والوجودية لتعطي الأولوية ~~للإنسان على العقل والطبيعة، ولتحول العلوم ~~الرياضية والطبيعية على السواء إلى علوم إنسانية، ففي ~~سقراط الجديد يجتمع أفلاطون وأرسطو. وقد حكم تطور ~~المذاهب قانون الفعل ورد الفعل، أو جدل الموضوع ~~ونقيضه ومركبه، ثم طبع هذا الجدل الوعي الأوروبي ~~في بنيته بقسمة ثلاثية ظاهرة؛ صورية، أو مادية، أو ~~حيوية، وعادة ما يتم الخلط بين هذه المستويات دون ~~تمييز بينها. # للوعي الأوروبي إذن تطور وبناء. له بداية وتطور ~~ونهاية، له ظروف تاريخية واجتماعية خاصة ممثلة في ~~الرومانية القديمة، ومعطى ديني خاص هو المسيحية، ~~ونظام ديني خاص هو الكنيسة، وبناء ذهني خاص يقوم على ~~التقسيم، وأحادية الطرف والتعارض بين عوامل الظاهرة ~~الواحدة. وإن الحديث عن عقليات بدائية، أفريقية أو ~~آسيوية، هو في حقيقة الأمر إسقاط من العقلية ~~الأوروبية على غيرها. فأين نحن من هذا كله؟ ديكارت ~~محاولة لإثبات عقائد الدين بحجج العقل والبرهنة ~~على صدق الايمان، وهو تقليد شائع في حضارتنا القديمة ms010 ~~كلها عند المتكلمين والفلاسفة. والفلسفة النقدية ~~كأول محاولة للتعرف على إمكانية المعرفة في مقابل ~~الدجماطيقية. والشكية هو ما كان يفعله الفقهاء، من ~~نقد نظريات الحكماء ولاأدرية الشكاك والمذاهب ~~الحسية التي كانت تدافع عن المعارف الحسية، ~~والمشاهدة والتجربة. دعامة العلم الجديد هو ما كان ~~يفعله المتكلمون والأصوليون من اعتبار شهادة الحس ~~ومجرى العادات مصدرا للعلم. والفلسفات الإنسانية ~~والحيوية هي أشبه بمحاولات الصوفية عندنا من تركيز ~~على التجارب البشرية والوجود الإنساني والانفعالات ~~النفسية مثل المقامات والأحوال، وما الفرق بين ~~كيركجارد الصوفي والوجودي؟ لا يعني ذلك أننا أسبق من ~~غيرنا في شيء، أو أن لدينا ما لدى غيرنا، فنثق ~~بالنفس، ونفخر بالأجداد، بل يعني أن المذاهب الفلسفية ~~لا تزرع خارج بيئاتها الأولى، فإذا ما تشابهت ~~المذاهب واختلفت البيئات فذلك لأن الأبنية الذهنية ~~والنفسية والمواقف الحضارية والمراحل التاريخية قد ~~تكون أيضا واحدة. وما دام المذهب الفلسفي قد اجتث ~~من جذوره فلا يمكن فهمه أو الحكم عليه أو التعرف على ~~نشأته. ومن ثم لا يتعلم الطالب أو يفهم شيئا ~~باستثناء مجموعة من المعلومات المتراصة المتراكمة، ~~يحفظها للامتحان وينساها بعده، لا تؤثر فيه ولا ~~يؤثر هو فيها، فقد تم الفصل بين المذهب والموقف، ~~بين العلم والنشأة، بين الفكرة والتكوين؛ ومن ثم لم ~~ينشأ عندنا فكر تكويني يدل على موقف، بل أصبحت ثقافتنا ~~أكواما متراصة من المعلومات، سرعان ما تتساقط ~~جميعا في أول مواجهة لموقف ثقافي أو موضوع ~~علمي. ~~(3) # وقد تعثرت الفلسفة لدينا لأن البعد الثالث في ~~موقفنا الحضاري، وهو الموقف من الواقع، أزيح جانبا ~~وأسقط من الحساب. فتحولت الفلسفة لدينا إلى نقل؛ ~~نقل عن القدماء، أو نقل عن المحدثين، وغاب التنظير ~~المباشر للواقع. أصبحت الثقافة في جانب، والواقع في ~~جانب آخر، ثقافة غريبة، وواقع غير مفهوم، مجرد وعي ~~صوري بلا مادة. وقد يكون السبب في هذا الموقف هو وجود ~~الغطاء النظري التقليدي للواقع، وهو الغطاء الذي ~~يفسر كل شيء، وبالتالي لم تنشأ الحاجة إلى ~~التساؤل عنه أو البحث عن نظرية له. هناك نوع من الوئام ~~بين ms011 الأنا والنحن، وبين النحن والعالم بلا قطيعة ~~أو شرخ، باستثناء الفقر كأزمة وضنك. وهما مفهومان في ~~إطار التصور النظري القديم، ومقبولان في إطار الإيمان ~~الشائع والعقائد الموروثة، أو في إطار عدم الالتزام ~~بقضايا الواقع نظرا للتعايش أو القهر السياسي أو لعدم ~~الوعي به والارتباط بقضايا العصر؛ فالفكر ليس بضاعة، ~~والمفكر ليس موظفا. الفكر رسالة، والمفكر صاحب قضية. # 3 # وكادت صورة الأستاذ الذي يعيش من الفكر أن ~~تصير صورة نمطية من خلال الإعارات أو الوظائف أو الكتب ~~المقررة، وكادت تختفي صورة الأستاذ المفكر الذي يعيش ~~بالفكر، صاحب القضية، والقادر على اتخاذ الموقف. إن ~~عدم التعود على المنهج الاجتماعي في دراسة الأفكار أو ~~نشأتها وتكوينها من الوضع الاجتماعي قد يجعل الباحثين ~~يستسهلون عرض الأفكار، أو التحدث عن الظروف والبيئات ~~في الفصول الأولى، وعن الأفكار والنظريات في الفصول ~~التالية، دون أن يكون هناك رابط بين هذه وتلك. وربما ~~يكون السبب نقصا في التكوين الذهني بالرغم من وجود ~~كم من المعلومات ونقص في الممارسة؛ فالذهن لم يمارس ~~العلم، ولم يتعود على المنهج، ولم يعرف كيف نشأ، ~~فاقتطف الثمرة دون الجذور، وحصل على النتيجة دون ~~المقدمة. وقد يكون غياب معاهد البحث العلمي والعمل ~~الجماعي في إطار مشروع قومي لدراسة الثقافة والفكر ~~والعلم والفلسفة؛ أحد العوامل في إسقاط الواقع من ~~الحساب بعد أن اقتصرت مهام الأساتذة على تخريج مدرسين ~~أو موظفين أو رجال إعلام. كما تحولت الرسائل العلمية ~~الجامعية إلى دراسات للماضي - لشخصية أو مذهب أو عصر - ~~يقل فيها عنصر الإبداع، أي بناء المشكلة الفلسفية ~~ابتداء من الواقع، فلم يعد الطالب يبدع نصا ~~فلسفيا، بل صار مجرد شارح للنصوص. هذا بالإضافة إلى ~~الجو العام لإجهاض العقول، والخطط العامة المعدة ~~لذلك سواء من الداخل أو من الخارج. فليس في صالح ~~الأنظمة القائمة أو المصالح الكبرى أن يبدع العقل ~~الذي هو بطبيعته تمسك بالحريات ودفاع عن المصالح ~~العامة. وقد يتحول الإجهاض إلى إعدام إذا ما حاول أحد ~~الأساتذة أو الطلاب الخروج على المألوف والتمسك بحقه ~~الطبيعي في البحث ms012 الحر. فإذا لم يقبل شيئا على أنه حق ~~إن لم يكن مؤيدا بالدليل اتهم بالإلحاد أو ~~الشيوعية، ويصبح شريدا متهما مطاردا لا وطن له ، فلا ~~يبقى له إلا الهجرة إلى الخارج ليتحول إلى مهني ~~صرف، يضع همه في العلم والإبداع العلمي، أو ليواصل ~~المعارضة في الخارج والدفاع عن حقوق الأوطان والشعوب، ~~أو الهجرة إلى الداخل هما وكمدا حتى يصاب ~~بالجنون، أو يعمل عن وعي تاريخي طويل، من خلال الحركات ~~السرية التي سرعان ما يتم انكشافها فيصبح نزيل ~~سجون. إن عدم الالتزام بالواقع له أسباب كثيرة، منها ~~ما يكمن في التراث - أولوية النص - ومنها ما يكمن في ~~النقل عن الغرب - اجتثاث المعرفة عن بيئتها - ومنها ما ~~يكمن في ظرف العصر، وضرورة العيش في ظروف ~~القهر. # إن حل أزمة الموقف الحضاري إنما يكون بإعادة النظر ~~في هذه الأبعاد الثلاثة وأحكامها، وإعادة الاتزان إلى ~~الوعي الحضاري القومي، وفرض الواقع نفسه، أي البعد ~~الثالث، على البعدين الحضاريين الأولين. ~~فالواقع يفرض - وبعد مائتي عام من نهضة حديثة سرعان ~~ما كبت - أن يكون موقفنا من التراث القديم لا موقف ~~المهاجم أو المدافع، بل موقف الناقد والمطور؛ النقد ~~عن طريق وصف نشأة التراث في الظروف القديمة، والتطور ~~طبقا لحاجات العصر والظروف الجديدة. والموقف من ~~التراث الغربي ليس أيضا موقف المدافع أو المهاجم، بل ~~موقف الناقد والراد لهذا التراث إلى حدوده الطبيعية: ~~النقد؛ بوصف نشأته المحلية والقضاء على أسطورة ~~عالميته، والرد؛ لتحجيم هذا التراث لإفساح المجال ~~للإبداع الذاتي للشعوب. والموقف من الواقع ليس بالعزلة ~~عنه أو بالتمرد عليه؛ فالعزلة إلى الداخل تتبدى في ~~النفس إحباطا وفي الخلية السرية نشاطا، والعزلة إلى ~~الخارج هجرة مهنية أو معارضة سياسية في العواصم ~~الأوروبية أو تمردا عن طريق الانقلابات العسكرية، ~~أو غضب الجماعات الدينية، أو تشكيل أحزاب تقدمية ~~علمانية لأخذ السلطة. الموقف من الواقع هو فهمه ~~أولا، ومعرفة متطلباته، وسبر مكوناته (الثقافة ~~الوطنية، الجماهير الشعبية) حتى يمكن الالتحام به ~~وتفجير طاقاته القادرة على الوقوف أمام الأبنية ~~الاجتماعية والنظم السياسية التي تقوم على ms013 التصورات ~~السلطوية الموروثة. حل أزمة الموقف الحضاري إذن في نقل ~~الموقف من مستواه الخطابي إلى مستواه العلمي، وتحويل ~~المواقف الإيمانية بالقديم أو الانبهارية بالغرب أو ~~الخيالية بالنسبة إلى الواقع، إلى مواقف علمية حضارية ~~تاريخية محكمة؛ حتى ينشأ الفكر في مواقف اجتماعية ~~وحضارية وتاريخية محددة، تكون بالتالي أرضا للفلسفة ~~وتربة للفيلسوف. # | رابعا: الموقف من التراث القديم # التراث القديم كله استجابات ذهنية لأجيال سابقة إزاء أحداث عصر ~~مضى، ويكشف عن صراع القوى. ولما كان الصراع يحسم لفريق دون ~~فريق، فقد ساد تراث القوة الغالبة على تراث القوة المغلوبة. وتم ~~تدوين كل شيء في التاريخ والأصول والعقائد، أي في «أيديولوجيات» ~~الشعوب من وجهة نظر الغالب، وحيكت مؤامرات الصمت والتشويه حول ~~تراث المعارضة، فتحول هذا التراث إلى تراث سري كما هو الحال عند ~~الشيعة، أو تراث علني لفته مؤامرات الصمت حتى تهدد ~~بالاندثار مثل تراث الخوارج (المعارضة العلنية من الخارج) وتراث ~~المعتزلة (المعارضة العلنية من الداخل). # لذلك كانت الحلول التي اختارها تراث القدماء، وبقيت محفوظة ~~ومدونة في الكتب القديمة هي حلول ومواقف السلطة من حلول المعارضة. ~~وما نقرؤه في التراث، في حقيقة الأمر، هو نتيجة معركة تم حسمها ~~لصالح الغالب ضد المغلوب. # فلو أخذنا مثلا علم العقائد، لوجدنا أن عقائد الفرقة الناجية ~~قد انتصرت، وهي عقائد السلطة، على عقائد الفرق الهالكة وهي فرق ~~المعارضة كما يعبر عن ذلك حديث الفرقة الناجية. # 1 # فالله الواحد الذي ليس كمثله شيء والذي لا يرى ويرى ~~كل شيء، ليس هو بالضرورة التصور الوحيد لله كما نعلم من تاريخ ~~العقائد؛ هناك الله الحسي المجسم، محل الحوادث، عند ~~الكرامية والمشبهة على اختلاف فرقهم. وليس بالضرورة أن يكون ~~التصور الأول صحيحا والثاني باطلا؛ إذ يعكس التصوران صراع ~~قوى؛ قوة السلطان الذي ليس كمثله شيء، وقوة المعارضة التي تجعل ~~حركة التاريخ جزءا من الألوهية. أما الصفات التي تجعل الله يسمع ~~ويرى ويبصر كل شيء فقد تمت صياغتها من أجل استخدام سياسي خالص ~~للسلطة التي هي بدورها ترى وتسمع وتبصر كل شيء. والقول ms014 بأن العقل ~~الذي لا يستقل بنفسه في المعرفة بها يحتاج إلى النقل، إنما هو ~~دعوى طرحت حتى يمكن عبرها تأويل النقل لصالح السلطة القائمة ~~دون مقياس عقلي واحد شامل ومطرد. وتصوير الإنسان ككائن ليست ~~لديه القدرة على الفعل، وتعليق مصيره بإرادة أخرى إنما هو من أجل ~~نفي قدرته واستقلاله، وجعله باستمرار تابعا لغيره معتمدا عليه. ~~وجعل النبي هو الوصي على العقل ليحال دون استقلال الشعور ~~عقلا وإرادة، والقول بأن النبوة تثبت بالمعجزات، هو من أجل عدم ~~الالتفات إلى بنية الوحي الداخلية كنظام للعلم، أو رؤية مبادئه ~~الاجتماعية والسياسية التي تقوم على رعاية الصالح العام. كما أن ~~القول بأن المعاد خارج العالم هو من أجل أن يؤسس الإنسان ~~ملكوته خارج العالم، ويعد له بعد الموت. أما داخل العالم وقبل ~~الموت فهو حق السلطة القائمة لا ينازعها فيه أحد. والقول بأن ~~الفعل ليس شرطا للإيمان إذ يكفي القول بل والتمتمة بالشفتين، ~~إنما طرح حتى لا يكون الفعل موجها ضد السلطة القائمة ~~فتصفي المعارضة، وحتى لا يحاسب الحكام على أعمالهم ~~ما داموا يتشهدون. والإمامة التي وإن كانت بالاختيار إلا أنها ~~تظل محصورة في قريش إنما هي كذلك حتى يقتصر الحكم والسلطة على فئة ~~معينة من الأشراف أو من الضباط، من الملوك أو الأمراء. علم ~~العقائد إذن اختيارات سياسية محضة وليس علما مقدسا. وكل ظروف ~~تفرض اختياراتها. وقد تتم تحت ظروفنا الحالية اختيارات أخرى. ~~قد يكون من صالح الأمة الآن الدفاع عن الله وتصوره باعتباره ~~أرضا درءا للاحتلال وتحريرا للأرض، بل وتأصيلا للوحي في «إله ~~السموات والأرض»، # رب السموات ~~والأرض ~~[الإسراء: 102]، # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله ~~[الزخرف: 84]. كان الخطر قديما على التوحيد ~~كتصور في عصر الفتوح، وأصبح الخطر الآن على الأرض في عصر الهزائم. ~~دافع القدماء عن الواحد الحق ضد مخاطر الواحد الرياضي عند ~~فيثاغورث، والواحد الميتافيزيقي عند بارمنيدس، والواحد الأنطولوجي ~~الكوني عند أفلوطين، أما الآن فالواحد يتجلى في الدفاع عن وحدة ~~الأمة ضد تجزئتها، ويتجلى في الوقت نفسه في إثبات ms015 التعددية ضد ~~أحادية الطرف التي تعتمد على الواحد القديم دفاعا عن الحرية ~~والديموقراطية وحق الاجتهاد. ربما يكون «الأصلح» الآن هو حرية ~~الاختيار وخلق الأفعال عند المعتزلة وليس الكسب الأشعري، ~~وإثبات استقلال العقل والإرادة، وليس تبعيتهما أو قصورهما. ~~وربما يكون الأصلح اختيار الخوارج في أن العمل جزء لا يتجزأ من ~~الإيمان، وليس اختيار المرجئة أو اختيار الشيعة بل رأي أحمد بن ~~حابط في أن النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس خارجها. أيهما أفضل؛ ~~الصلاح والأصلح والغائية في الأفعال أم اللامعقول والعشوائية؟ ربما ~~يكون اختيار المعتزلة والخوارج رفض القرشية أصلح لنا من اختيار ~~الأشاعرة حتى لا تحتكر السلطة فئة معينة. إذا كان القدماء قد ~~استعملوا حديث الفرقة الناجية ضد الخصوم السياسيين؛ فإن جيلنا ~~ينقده - كما فعل ابن حزم من قبل - من أجل الانتقال من الفرقة ~~المذهبية إلى الوحدة الوطنية، وللحفاظ على حق كل فرقة في الاجتهاد، ~~وأن للمخطئ أجرا وللمصيب أجرين، وأن الصواب متعدد في النظر، ~~واحد في العمل كما قرر الأصوليون، أو في لغة عصرنا: السماح ~~باختلاف الأطر النظرية والاتفاق على حد أدنى من برنامج موحد ~~للعمل الوطني. # وإذا كانت علوم الحكمة القديمة قد تسرب إليها الإشراق الصوفي ~~بحيث تركزت نظرية المعرفة والسعادة فيها على الاتصال بالعقل ~~الفعال والقرب منه والاتحاد به، صارت الطبيعيات مقدمة ~~للإلهيات أو هي «إلهيات مقلوبة»، والمنطق صوري لا حياة فيه ولا جدل ~~ولا صراع ولا واقع ولا بشر، والفضائل النظرية فيها أفضل من ~~الفضائل العملية، فقد تكون مهمة الحكيم اليوم التخلص من ~~الإشراقيات القديمة دفاعا عن العقل، مع النظر إلى الطبيعة نظرة ~~علمية خالصة، مميزا بين الفكر العلمي وبين الفكر الديني، ~~واختيار منطق حسي طبيعي تجريبي مادي كاختيار الأصوليين، وإعطاء ~~الأولوية للقيم العملية على القيم النظرية، وللشعوب والمؤسسات على ~~خصال الرئيس وصفات الإمام. # لقد نشأت علوم التصوف عند القدماء كرد فعل على حياة البذخ ~~والترف وتكالب الناس على الدنيا، وحرصهم على الثروة والجاه، وبعد ~~اليأس من تغيير العالم عقب استشهاد الأئمة من آل البيت، وانتهاء ~~المقاومة ms016 الخارجية. وهنا لم يتبق إلا النفس، فليعمل المرء على ~~خلاص النفس إن صعب خلاص العالم، وعلى التغيير من الداخل إن ~~استحال تغيير الخارج، وإنقاذ الفرد إن استعصى إنقاذ المجتمع، ~~وإقامة ملكوت السموات خارج العالم إن استحالت إقامته في هذا ~~العالم، وتصوره بالخيال إن استحال تحليل الواقع بالعقل. لقد تحول ~~جدل الطبيعة والمجتمع والتاريخ إلى جدل عواطف وانفعالات كما هو ~~واضح في حالات الصوفية؛ الصحو والسكر، والغيبة والحضور، الخوف ~~والرجاء، الفقد والوجد. وظهرت القيم السلبية باعتبارها الطريق ~~إلى الخلاص القريب كما هو واضح في مقامات الصوفية مثل الصبر، ~~والورع، والرضا، والتوكل، والشكر، والقناعة والزهد. # والآن تغيرت الظروف، فلم يعد الأمر ميئوسا منه، ولم تنته ~~المقاومة الفعلية من الداخل أو من الخارج، ولم يستشهد منا آلاف ~~الأئمة دفاعا عن الشرعية. هناك إمكانية لتغيير العالم وإقامة ~~ملكوت الله على الأرض، وتحويل الوحي إلى نظام مثالي للعالم. ~~الجماهير حاضرة، والطلائع الجديدة متشوقة، والغضب والمداراة ~~والحسرة، والإحساس بالظلم والهوان يعم الجميع. # وإذا كان علم أصول الفقه القديم هو الوحيد الذي استطاع أن يحكم ~~استعمال العقل وأن يضع منطق اللغة وأن يقنن السلوك العملي وأن ~~يلتزم بقضايا الناس والمصالح العامة، فإنه اليوم أقل العلوم ~~تأثيرا في حياتنا، ولا يدرس في جامعاتنا باستثناء كليات الحقوق ~~كفرع للشريعة بالرغم من تنبيه رواد الفلسفة الأول عليه. # 2 # ومع ذلك فقد أعطى القدماء الأولوية للنص على ~~الواقع كما هو الحال في ترتيب الأدلة الشرعية الأربعة دفاعا عن ~~النص الجديد في مجتمع قديم. وقد تكون مهمتنا اليوم إعطاء ~~الأولوية للواقع على النص دفاعا عن الواقع في عصر لا يعتمد إلا ~~على علوم الواقع ويعاني من النص. # 3 # فإعطاء الأولوية للاجتهاد ولإجماع الأمة على المصدرين ~~النصيين يعطي العلماء والباحثين جرأة على الواقع وقدرة على ~~التشريع؛ رعاية لمصالح الناس مطورين لمفهوم «المقاصد» عند الشاطبي ~~ومعتمدين عليه. # وقد تركت العلوم النقلية لمعاهدنا الدينية تدرسها كما ~~تركها القدماء دون أن تساهم كليات الآداب والعلوم الإنسانية في ~~تطويرها وتحويلها إلى علوم نقلية عقلية مثل العلوم الأربعة ms017 الأولى، ~~أو تحويل الجميع إلى علوم عقلية خالصة مثل العلوم الرياضية ~~والطبيعية والإنسانية. وتركت في أقسام اللغة العربية وآدابها ~~وفي أقسام الدراسات الإسلامية كما هي، دون تحوير أو تبديل، تدعمها ~~أنظمة الحكم، وتعممها القوى المحافظة على كل الأقسام - بما في ~~ذلك أقسام اللغات الأجنبية - حماية للطالب من المذاهب الهدامة ~~ومن الإيغال في الفكر، كما كانت الأنظمة الثورية تفرض الاشتراكية ~~العربية والمقررات القومية ~~من قبل. ومع أن هذه العلوم نشأت لغايات معينة حفاظا على نصوص ~~الوحي بعد التدوين ونجحت في ذلك عن طريق النقد الخارجي للروايات، ~~فإنها بالنسبة لجيلنا علوم في حاجة إلى تطوير عن طريق النقد ~~الداخلي للمتون؛ إما بتحليل الأشكال الأدبية أو بتحليل المضمون. # 4 # وبالتالي يمكن تحديد غايات جديدة لها ~~لتطويرها. # فعلوم القرآن قد وضعت موضوعات السور المكية والمدنية، أسباب ~~النزول، الناسخ والمنسوخ ... إلى آخر ما هو معروف من أبواب علوم ~~القرآن في «الإتقان» للسيوطي مثلا، ولكن هناك بعض المسائل التي ~~فقدت دلالتها؛ مثل: هل البسملة جزء من السورة أم لا؟ هل الفاتحة ~~أم الكتاب أم لا؟ هل # قل # جزء من ~~الآية أم لا؟ وهي كلها مسائل مرتبطة بعصر التدوين قبل التقنين. ~~وقد تم تقنين القرآن الآن قراءة وحفظا وكتابة وتلاوة. هذه إذن ~~موضوعات أدت دورها وانتهت كمادة للعلم، ولن يكتشف الآن أحد ~~قراءة جديدة منسية، أو آية أو سورة جديدة سقطت سهوا. وهناك ~~مسائل أخرى كانت لها غاية في عصرها عند إثارتها مثل معرفة ~~المكي والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وأصبح لها الآن ~~بالنسبة لنا دلالات مغايرة وربما أعمق وأدل. فإذا كانت الغاية من ~~التمييز بين المكي والمدني ترتيب السور فإن المكي بالنسبة لنا ~~يحتوي على تصور للعالم، بينما يحتوي المدني على النظام، ~~والتصور سابق على النظام، والنظام تال للتصور. وإذا كانت ~~أسباب النزول عند القدماء تعني معرفة الأصل حتى يتم عليه قياس ~~الفرع، فإنها تعني عندنا أولوية الواقع على الفكر. # 5 # وإذا كانت معرفة الناسخ والمنسوخ عند القدماء تهدف إلى ~~معرفة الأحكام، فإنها تعني بالنسبة لنا ms018 التطور في الزمان، ~~وإعادة صياغة أحكام الأفعال طبقا لقدرات الإنسان ~~وطاقاته. # أما علوم التفسير فقد خضعت في حقيقة الأمر لباقي العلوم ~~الأخرى؛ علوم اللغة أو التاريخ أو الحكمة أو الكلام أو التصوف أو ~~الفقه. فخرجت تفسيرات لغوية وتاريخية وفلسفية وكلامية وفقهية. ~~ولم يظهر التفسير الاجتماعي إلا مؤخرا في حركات الإصلاح. كما لم ~~يظهر التفسير النفسي-الاجتماعي أيضا إلا مؤخرا، عندما دعت الحاجة ~~إلى إعادة الوحي إلى قلوب الناس وشعور الأمة. # 6 # لقد جمعت كل هذه التفسيرات معلومات تاريخية ~~صرفة، فحولت التفسير إلى تاريخ، أو جعلت المعلومات موجهة ~~نحو علم معين من العلوم العقلية أو النقلية، وغلب عليها جميعا ~~التفسير الطولي، سورة بسورة، وآية بآية، فتتقطع الموضوعات ~~وتتبعثر، ولا يكون لها إطار نظري واحد. إن مهمتنا اليوم هي ~~استئناف التفسير النفسي الاجتماعي؛ النفسي من أجل التأثير على ~~الناس وإحياء العقيدة في القلوب، والاجتماعي من أجل وضع مصالح ~~الأمة في قلب النص وقراءة احتياجاتها فيه، وقد كانت من قبل ~~أساس الوحي على ما هو معروف من مقاصد الشريعة عند القدماء. بل إن ~~علينا إضافة التفسير السياسي للمساهمة في حل إشكال العصر ~~وتمزقه بين المحافظة الدينية وبين التقدمية العلمانية، وبعد أن ~~برز «الإسلام السياسي» كبديل مطروح - نظري وعملي - بعد الصحوة ~~الإسلامية الحالية التي فجرتها الثورة الإسلامية في إيران. # 7 # أما علوم الحديث فقد كان الهدف منها عند القدماء ضبط الرواية ~~من خلال السند والعلوم المخصصة والموضوعة لذلك؛ مثل علم ميزان ~~الرجال أو علم الجرح والتعديل. وكان هذا طبيعيا في عصر العلم ~~فيه رواية ونقل، والضبط فيه من خلال شعور الرواة. ولكن مهمتنا ~~اليوم إعادة ضبط الرواية من خلال المتن والأشكال الأدبية للنص ~~ومقارنته بالأمثال العربية القديمة، ومعرفة مقدار ما فيه من خصوص ~~بالنسبة إلى عموم القرآن، وتطبيق شروط التواتر الأربعة، وفي ~~مقدمتها الإخبار عن حس حتى يمكن تخليصه مما علق به من آثار ~~شعبية ما زالت تؤثر في خيال العامة. # أما علوم السيرة فقد نشأت بدافع جمع المعلومات التاريخية عن ~~الشخصيات وأولها بطبيعة الحال ms019 شخصية الرسول؛ اعتمادا على بعض ~~الأحاديث الضعيفة خاصة فيما يتعلق بالفترة السابقة على حياته ~~وما بعد موته، وربما تحت تأثير أنماط دينية سابقة تتعلق بحياة ~~الأنبياء قبل البعثة وفي مرحلة الطفولة وبعد البعث والصعود إلى ~~السماء. لقد درجت علوم السيرة على أن تقرأ الحاضر في الماضي، ~~وتخلع على النبي ضروب ~~البطولة ونسج الخيال. وأصبحت المعجزة عملا رئيسيا بعد أن ~~كانت جزءا من تاريخ النبوة وإحدى وسائل الإقناع السابقة. تحولت ~~الرسالة إلى شخص، وتركزت النبوة في شخص النبي مع أنه مجرد ~~وسيلة لتبليغ الوحي. وقد يكون هذا أحد أسباب التشخيص في حياتنا ~~القومية وأحد أسباب عبادة الأشخاص. إن مهمة دارس السيرة اليوم ~~وكاتبها هي العودة من الرسول إلى الرسالة، ومن النبي إلى ~~النبوة، ومن الشخص إلى المبدأ، فليس النظام هو الزعيم ولا ~~الدولة هي رئيسها. # 8 # وإذا كان علم الفقه القديم قد ركز على العبادات دون المعاملات في ~~عصر كانت العبادات فيه هي الجديد والمعاملات هي القديم، كما ~~ركز على المسائل الافتراضية النظرية، وليس على المسائل الواقعية ~~العملية وذلك تركا منه للعالم إلى السلطان، وتركا للعلاقات ~~الاجتماعية للنظام، وإشغالا منه للناس بما لا يفيد، وبمسائل لا ~~ينتج عنها عمل؛ تفريغا للطاقة، وإبعادا للنشاط؛ فإن مهمة الفقيه ~~اليوم إعادة الاختيار من أجل تأسيس فقه المعاملات كما تأسس فقه ~~العبادات من قبل، ومن أجل إعطاء الأولوية للمسائل العملية ~~الواقعية على المسائل الافتراضية النظرية، ومن أجل تأسيس فقه ~~الطبيعة والوجود الإنساني كما أسس القدماء فقه الأحكام. # أما العلوم العقلية الخالصة؛ سواء العلوم الرياضية (الحساب، ~~الهندسة، الجبر، الموسيقى، الفلك)، أو العلوم الطبيعية (الطبيعة، ~~الكيمياء، النبات، الحيوان، الطب، الصيدلة)، أو العلوم الإنسانية ~~(اللغة، الأدب، الجغرافيا، التاريخ)؛ فإنها لم تترسب في وجداننا ~~القومي ترسب العلوم العقلية النقلية الأربعة، أو العلوم النقلية ~~الخمسة؛ لذلك توقفت العلوم الإنسانية وحلت محلها العلوم ~~الشرعية، وتوقفت العلوم الرياضية والطبيعية، وحل محلها النقل ~~من الغرب. لم نعد نساهم في تاريخ العلم، وتحول العلم عند ~~القدماء إلى موضوع جامعي «تاريخ العلوم عند العرب» كنوع ms020 من ~~الاعتزاز بالماضي؛ تعويضا عن مآسي العصر في النقل عن الآخرين، ~~واستهلاكنا للمعرفة دون إبداع لها، ونقلنا للتقنية دون اكتشاف لها. ~~وكررنا صورتنا في كتب الاستشراق كحلقة اتصال بين علم اليونان ~~وبين علم الغرب الحديث، وكنقلة لا نحسن فهم ما ننقل، بل نخلط ~~ما ننقل ونزيد عليه من موضوعات الإيمان. قد تكون مهمتنا اليوم هي ~~البحث عن الصلة بين التوحيد وبين حساب اللامتناهي أو الفن العربي، ~~والصلة بين واقعية الإسلام ونظرته الحسية المادية، وبين نشأة علوم ~~الطب والكيمياء والصيدلة والحيوان والنبات، والصلة بين الإنسان ~~سيدا للكون سخرت قوانين الطبيعة لصالحه وبين التقنيات ~~الإسلامية واختراع الآلات. # وبالإضافة إلى هذا الوصف التفصيلي للعلوم ودورنا في إعادة بنائها ~~وتطويرها من واقع المسئولية، فإن القدماء «هم رجال ونحن رجال، ~~نتعلم منهم ولا نقتدي بهم». # 9 # رسالتنا هي التبليغ والتعبير وإيصال الحقيقة للناس، ~~وتقديم التراث لهم يقرءون فيه حياتهم، ويجدون فيه هويتهم؛ لذلك ~~يجد الباحث نفسه اليوم في مواجهة قضية اللغة والمصطلحات، ~~ومستويات التحليل، والمحاور والبؤر الحضارية وإعادة الاختيار بين ~~البدائل القديمة. # إن التحدي الذي يواجه الباحث اليوم هو القدرة على تجاوز اللغة ~~القديمة ومحاولة إعادة بنائها، والتخلي عن أشكالها القديمة ووضع ~~معانيها في ألفاظ جديدة أكثر إغراء للناس، وأكثر قبولا لدى ~~الشباب والطلاب؛ فغالبا ما تستهوي المفكرين اليوم ألفاظ الحرية ~~والعدالة، والمساواة والتقدم، والشعب والمجتمع والتاريخ، ولا ~~تستهويهم الألفاظ القانونية القديمة التي توحي بالغرض؛ مثل ~~الواجب، والحلال، والحرام، أو ألفاظ العبادات؛ مثل الصلاة، ~~والصيام. وما أسهل التعبير عن المضمون القديم بلفظ جديد! فالصلاة ~~تكشف عن الفعل في الزمان، عن الفتور والتراخي، وعن الحال والقضاء، ~~والزكاة مشاركة في الأموال، والصيام إحساس بالآخر. الواجب هو ~~الفعل الملتزم، والحرام هو الفعل الذي ينتج عنه ضرر وسلب، وعدم ~~وفناء، والمندوب هو الفعل التطوعي، والمكروه هو الإرادي، والمباح ~~هو الطبيعي. ليس الأمر مجرد تغيير لفظ بلفظ، بل تجديد الفكر ~~وتطوير الحضارة، وهو ما مارسه القدماء من قبل خاصة الحكماء حين ~~تمثلوا الغرباء، وأحالوا الثقافات القديمة روافد أصلية ~~لحضارتهم. إن ms021 اللغة الجديدة وحدها هي القادرة على مخاطبة الناس ~~وعقد حوار بينهم؛ فهي لغة التفاهم والخطاب المشترك. # إن مهمة الباحث حاليا هي إعادة النظر أيضا في مستويات ~~التحليل. هل يريد الإبقاء على المستويات القانونية والإلهية ~~والطبيعية، أو يريد تغيير هذه المستويات التي لم تعد قائمة في ~~شعور الجماعة ليقوم بالتحليل على مستويات أخرى؛ مثل المستوى النفسي ~~والاجتماعي. هذا إذا أردنا اكتشاف التراث كمخزون نفسي لدى ~~الجماهير على المستويين؛ المستوى الحضاري والتاريخي، وإذا أردنا ~~أن نعرف مع أي نمط حضاري نحن نتعامل، وفي أية مرحلة من التاريخ ~~نحن نعيش؛ فبهذا يتم وضع التراث القديم في منظور تاريخي داخل ~~الوعي الحضاري كمرحلة إبداع أولي (القرون السبعة الأولى)، ~~تلتها مرحلة تدوين ثانية (القرون السبعة التالية)، وبالتالي ~~فإننا على مشارف دورة ثالثة تتمثل في إعادة بناء القديم بضرب ~~من التأويل والقراءة؛ من أجل إبداع جديد. # إن مهمة الباحث أيضا هي إعادة النظر في المحاور والبؤر ~~الحضارية القديمة. كان الله محورا أساسيا عند القدماء، وكان ~~الوحي بؤرة الحضارة، منه تخرج العلوم في دوائر متداخلة حوله. ~~وكان ذلك طبيعيا وسط الحضارات والديانات القديمة التي كادت تفقد ~~«التعالي» و«الوحي». ولكن هذا المحور وهذه البؤرة قد تم ~~اكتسابهما الآن، بل أصبح حضورهما على حساب محاور وبؤر أخرى. ~~ضاع الإنسان أمام حضور الله، وضاع التاريخ أمام حضور الوحي. قد ~~تكون مهمة الباحث اليوم هي إعادة ترتيب المحاور والبؤر، واكتشاف ~~الإنسان والتاريخ؛ إذ يضرب بنا المثل للمجتمعات اللاإنسانية التي ~~لا تعرف الزمان. وترسل إلينا لجان الأمم المتحدة لدراسة ~~أوضاعنا بالنسبة إلى حقوق الإنسان. كما أننا خارج التاريخ، ولا ~~نعلم في أية مرحلة من التاريخ نحن نعيش، وليس لدينا تراكم ~~تاريخي. يبدأ كل جيل وينتهي، ثم يبدأ الجيل الثاني كما بدأ ~~الأول من الصفر. ولا يكاد يمر جيلان أو ثلاثة حتى يبدأ القرص ~~في السقوط؛ نهبط بمجرد أن نعلو، لقد عمرت نهضتنا الأخيرة ~~أربعة أجيال فحسب قبل أن نشاهد تعثر النهضة وكبوة الإصلاح. # 10 # ومهمة الباحث أيضا هي إعادة الاختيار بين البدائل. ms022 فقد تم ~~اختيار البدائل القديمة لحسم الصراع لصالح السلطة. يستطيع ~~الباحث اليوم أن يعيد الاختيار بينها لصالح الجماهير، فكلها ~~على مستوى واحد من الاجتهاد والنظر، دون تكفير لأحدها وتصويب ~~للآخر. وربما يمكنه أن يجد بدائل جديدة تماما لم يطرحها ~~القدماء بدافع المسئولية التاريخية، وبروح الدقة العلمية، مع ~~مزيد من الثقة بالنفس والوعي بالواقع والجرأة في التشريع. # 11 # بهذا الموقف من التراث القديم يمكن تحقيق عدة منافع؛ ~~منها: ~~(1) # وضع الأستاذ والطالب وسط أحداث العصر، فيتحول الفكر ~~بالتالي إلى واقع، والتراث إلى حياة، والفلسفة إلى ~~رسالة، والعلم إلى قضية، وتمحي الثنائية في ~~الشخصية بين الباحث والمواطن، فلا يجد الطالب نفسه ~~مضطرا إلى الاختيار بين أن يسمع أستاذا مكتسبا ~~بالعلم يبيع الكتاب المقرر ويفرضه، فيقبل الطالب ~~هذا الأمر من أجل لقمة العيش المتمثلة في حصوله على ~~الشهادة، وبين قلبه وحسه وعقله المحاصر والمهموم ~~بقضايا الوطن؛ سواء في الجماعة الدينية أو في الحزب ~~السري، أو في الغضب والتمرد، فينتهي بهجرة إلى الخارج ~~أو هجرة إلى الداخل، أو إجهاض نهائي يؤدي إلى ~~الانهيار النفسي والانتحار الفعلي، كما هو الحال عند ~~بعض المفكرين والأدباء. ~~(2) # نزع سلاح التراث من أيدي الخصوم في الداخل وفي ~~الخارج، ومن ثم القضاء على أهم معوقات التقدم، وذلك ~~ببيان نشأة تراث السلطة، وإجهاض تراث المعارضة؛ أعني ~~مؤامرة التشويه لتراث المعارضة والصمت عنه، فتدخل ~~معارك التراث بالتالي المعارك من قميص الأشعري: ~~الواحد الذي يسمع ويرى ويبصر ويفعل كل شيء، ومن ~~جبة الغزالي: الواحد الذي منه يفيض كل شيء، ومن ~~جلباب ابن سينا: الواحد الذي إليه يرجع كل شيء، ~~ومتاهات أجهزة الإعلام ودورها في تزييف الوعي القومي ~~كما هو الحال في متاهات الفقه الافتراضي، وتأويل ~~النصوص. فما معارك التأويل في حقيقة الأمر إلا صراع ~~اجتماعي مقنع بثقافة الجماهير، وبثقل التراث في ~~وجدان العصر. ~~(3) # إبراز تراث الشعب، تراث المصلحة، وهو أكبر دافع على ~~التقدم؛ حتى لا تحدث انتكاسات للثورة أو يقع نكوص في ~~التقدم: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف، وبالتالي ~~يمكن تقوية روح الشعب، ms023 ونضال الجماهير، بإعطائهما ~~تراثا ثوريا يكون هو البديل المؤقت عن ~~أيديولوجيتها الثورية، يعطيها نظرية تنقصها؛ وذلك من ~~خلال تثوير ثقافتها الوطنية. ~~(4) # وقف التغريب الذي حدث للخاصة التي انفصلت عن التراث؛ ~~لأنها لم تجد نفسها من خلاله، ولم تستطع تجاوز لغته ~~القديمة أو اعتبار نفسها مسئولة عنه فلم تغير ~~مستوياته، أو تعدل محاوره وبؤره، أو تعيد الاختيار ~~بين البدائل. بل قبلت كضرورة لا مفر منها مزاحمة ~~الفكر الغربي لتراث الأمة ومكونها الرئيسي حتى نشب ~~العداء بين أنصار القديم وأنصار الجديد. يمكن إذن عن ~~طريق هذا الموقف من التراث القديم القضاء على ~~الازدواجية في الشخصية القومية، وهذا «الفصام ~~النكد» في ثقافتها الوطنية. ~~(5) # محو التفرقة بين الخاصة وبين العامة، بين ثقافة ~~الخاصة وبين ثقافة الجماهير، وبالتالي تنتهي عزلة ~~المثقفين وركود الثقافة الشعبية. فتتوحد اللغة، ~~ويعاد بناء الثقافة الوطنية، أي ثقافة الأمة - خاصة ~~وعامة - بروح العصر ولغته، فيستحيل بالتالي على أية ~~سلطة الاستحواذ على الخاصة ووضعهم في تناقض مع ~~العامة، وتجنيد المثقفين ضد مصالح الشعوب، ومحاصرة ~~العامة بالخاصة، وتزييف وعي الجماهير من خلال وضع ~~أجهزة الإعلام في أيدي مثقفي السلطان. ~~(6) # تجنيد الجماهير، فتنزل بثقلها إلى الساحة، وتأخذ ~~مصائرها بأيديها. فما الفائدة من تدريس فلاسفة التنوير ~~ودورهم في إشعال الثورة الفرنسية وتحرير الأذهان ~~بأفكار الحرية والعدالة والمساواة، حتى استولت جماهير ~~باريس على سجن الباستيل؟ وما الفائدة من تدريس أفكار ~~الأفغاني دون ذكر لثورة عرابي، أو أفكار الطهطاوي ~~ولطفي السيد، دون إشارة إلى ثورة 1919م؟ ماذا أعددنا ~~نحن للأجيال القادمة؟ كان الضباط الأحرار بلا مفكرين ~~أحرار، ثم صاروا ضد المفكرين الأحرار من الجيل السابق ~~ومن هذا الجيل، حتى اختفى المفكرون الأحرار من جيلنا، ~~وأصبحنا كلنا موظفين لدى الثورة، نقف خلفها بدل أن ~~نكون في مقدمتها، مبررين لقراراتها بدل أن نكون ~~ناقدين لها. # 12 # وعلى هذا النحو يمكن حل قضايا التغيير الاجتماعي؛ ففي الشعوب ~~التراثية لا يمكن أن يتغير شيء في الواقع ما لم يتغير في الوعي ~~أولا. وإن أبنيتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلها ~~لتقوم بالأساس على ms024 أبنيتنا النفسية وقوالبنا الذهنية وتصوراتنا ~~للعالم. وقد تكون نظمنا التسلطية القائمة على الحاكم الواحد ~~والرأي الواحد ترسبا تراثيا عند القادة، ونفسيا عند الجماهير؛ ~~من «آراء أهل المدينة الفاضلة»، وصفات الإمام. وقد تكون الدعامة ~~النفسية للنظم البيروقراطية هي ما ترسب في وعينا القومي من نظرية ~~الفيض أو الصدور، وأنه كلما صعدنا إلى أعلى وصلنا إلى أعلى مراتب ~~الشرف، وكلما نزلنا إلى أسفل صرنا إلى أدنى مراتب الشرف. وقد يكون ~~ما يحدث بيننا في سلوكنا القومي من أفضلية للجامعات على المعاهد ~~التطبيقية العليا والمدارس الفنية المتخصصة قائما على بناء ذهني ~~ونفسي موروث من أولوية القيم النظرية على القيم العملية في ~~التراث. # لا شيء أسهل من تغيير الأبنية التحتية بانقلابات عسكرية ~~وإجراءات ثورية وقرارات إدارية، ولكن لا شيء أصعب من الحفاظ على ~~هذه الإنجازات والإبقاء على الثورة الدائمة. إن التغيير الاجتماعي ~~بلا تغيير مواز في الثقافة، والعمل السياسي دون منظور تاريخي ~~مجرد ضرب في الهواء. لقد سادت الأشعرية الكلام، والإشراقية ~~التصوف والحكمة، والصورية الفقه أكثر من ألف عام، من القرن ~~الخامس حتى اليوم، وعاش الاعتزال الكلامي والرشدية الفلسفية ~~ونضال الصوفية والواقعية الفقهية أربعمائة عام؛ من القرن ~~الثاني حتى القرن الخامس، قبل القضاء على العلوم العقلية لحساب ~~التصوف في محنة القرن الخامس. وأصبح وعينا القومي منذ ذلك ~~الوقت غير متعادل الكفتين، ألف عام من المحافظة الدينية، ~~وأربعمائة عام من العقلانية. وما لم تتعادل الكفتان، بضغط الألف ~~عام إلى سبعمائة أو أقل، وإطالة الأربعمائة عام أو أكثر فسيكون ~~من الصعب أن تقوم ثورة أو أن يعقد حوار. في هذه اللحظة فقط تبدو ~~إمكانية الثورة، أعني حين تضغط المحافظة إلى أدنى ترسب ~~ممكن، وتمتد العقلانية والطبيعية إلى أقصى حد ممكن. هنا فقط ~~سيتحرك التاريخ من جديد، وتبدأ مرحلة ثالثة بعد الأولى التي ~~اكتملت فيها من القرن الأول حتى السابع، وبعد الثانية التي حافظت ~~فيها على نفسها من السابع حتى الرابع عشر. فيكون جيلنا معاصرا ~~لمرحلة ثالثة وممهدا لها؛ إذ يجمع فيها بين تأويل القديم وبين ~~إبداع ms025 الجديد. # | خامسا: الموقف من التراث الغربي # لا تعني الدعوة إلى تحجيم الغرب ورده إلى حدوده ~~الطبيعية،والقضاء على أسطورة عالميته وبيان محليته مثل أي ~~تراث آخر، وأن عصر الهيمنة الأوروبية هو الذي أفرز هذه الهيمنة ~~الثقافية؛ لا يعني كل ذلك أي دعوة إلى الانغلاق أو العودة إلى ~~جنون الذات أو رفض التعرف على الغير والانفتاح على الآخر؛ فتلك ~~لم تكن سنة القدماء الذين تفتحوا على الثقافة المجاورة، وفي ~~مقدمتها اليونانية، وتمثلوها وعرفوها واحتووها داخل الإطار ~~الحضاري الخاص، بل يعني أن فترة التعلم قد طالت، وأن فترة التتلمذ ~~قد امتدت، فنحن نتعلم منذ قرنين وما زالت مرحلة الإبداع بعيدة في ~~الأفق. إن التعلم من الغير وسيلة لا غاية، ومرحلة وليس تاريخا، ~~ومجرد باعث ومحرك وليس بديلا عن الشيء ذاته. لقد تعلم القدماء ~~قرنا واحدا هو القرن الثاني، وما إن أتى القرن الثالث حتى ظهر ~~الكندي أول الحكماء بادئا علوم الحكمة. لقد كانت الدعوة إلى ~~الانفتاح على الغرب لها ما يبررها في أوائل القرن الماضي نظرا ~~إلى التحدي الحضاري الذي كان يمثله الغرب علما وصناعة وحرية ~~وديموقراطية، ودستورا ونظما برلمانية، ونهضة وتقدما وعمرانا. ~~ولكن نظرا إلى طول المدة انقلب الانفتاح إلى الضد وهو التقليد، ~~والتعلم إلى تبعية. فنشأت ظاهرة «التغريب» في حياتنا الثقافية وفي ~~وعينا القومي، والتي تبدو في الآتي: ~~(1) # اعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري، ولا ~~نمط سواه، وعلى كل شعب تقليده والسير على منواله، ~~وقد أدى هذا بالتالي إلى إلغاء خصوصيات الشعوب ~~وتجاربها المستقلة، واحتكار الغرب حق إبداع ~~تجارب جديدة، وأنماط أخرى للتقدم. ~~(2) # اعتبار الغرب ممثل الإنسانية جمعاء، وأوروبا مركز ~~الثقل فيه. تاريخ العالم هو تاريخ الغرب، وتاريخ ~~الإنسانية هو تاريخ الغرب، وتاريخ الفلسفة هو تاريخ ~~الفلسفة الغربية، الغرب فيه يصب كل شيء. ما قبله ~~بدايات التاريخ البشري كما يقول هردر، وما بعده عصر ~~الفضاء الذي يمتلكه الغرب. عصور الغرب هي عصور الكل، ~~فالعصر الوسيط هو العصر الوسيط لكل العالم، والعصر ~~الحديث هو العصر الحديث لكل الشعوب، مع أن وسيطنا ms026 هو ~~نهضتنا، وحديثنا هو تخلفنا، ومستقبل الغرب هو ~~نهضتنا. ~~(3) # اعتبار الغرب المعلم الأبدي و«اللاغرب» هو ~~التلميذ الأبدي، وأن العلاقة بينهما أحادية الطرف؛ ~~أخذ مستمر من الثاني، وعطاء مستمر من الأول، استهلاك ~~مستمر من الثاني، وإبداع مستمر من الأول. ومهما ~~تعلم التلميذ فإنه يكبر تلميذا، ومهما شاخ الأستاذ ~~فإنه يظل معلما. ولن يلحق التلميذ بالأستاذ لأن ~~معدل الإبداع أسرع بكثير من معدل الاستهلاك، فيجري ~~التلميذ لاهثا وراء المعلم ولن يلحق به، وكلما جرى ~~ازدادت المسافة اتساعا، حتى يدرك الصدمة الحضارية ~~فيقع، ويدرك قدره، ويرى مصيره. ~~(4) # رد كل إبداع ذاتي لدى الشعوب غير الأوروبية إلى ~~الغرب؛ فكل دعوة إلى العقل ديكارتية أو كانطية، وكل ~~دعوة إلى الحرية ليبرالية غربية، وكل نضال من أجل ~~العدالة الاجتماعية ماركسية، وكل اتجاه نحو العلم ~~وضعية، حتى أصبح الغرب هو الإطار المرجعي الأول ~~والأخير لكل إبداع ذاتي غير أوروبي، كما كان الحال مع ~~الحكماء الأولين بالنسبة لليونان، فخرج ابن رشد ~~أرسطيا. ~~(5) # أثر العقلية الأوروبية على أنماط التفكير عامة، وعلى ~~كل عقلية ناهضة. فالعقلية الأوروبية هي العقلية التي ~~تضع كل طرفي معادلة في علاقة تضاد مثل: مثالية ~~أو واقعية؟ صورية أو مادية؟ ذاتية أو موضوعية؟ فردية ~~أو اجتماعية؟ عقلانية أو حسية؟ كلاسيكية أو رومانسية؟ ~~وقد أثرت فينا العقلية الأوروبية حتى نقلنا أنصاف ~~الحقائق هذه إلى ثقافتنا وتراثنا وتحزبنا لها حيث ~~لا أحزاب، واخترنا بينها حيث لا اختيار، وجعلنا ~~أنفسنا أطرافا في معركة لم نخضها. ~~(6) # تحول ثقافتنا إلى وكالات حضارية وامتداد ~~لمذاهب غربية، اشتراكية، ماركسية، وجودية، ~~وضعية، شخصانية، بنيوية، حتى لم يعد أحد قادرا ~~على أن يكون مفكرا أو عالما أو حتى مثقفا إن ~~لم يكن له مذهب ينتسب إليه، وتفرقنا شيعا ~~وأحزابا، وضاعت الثقافة الوطنية. الكل يبحث عن ~~الأصالة الضائعة فيهرع إلى الفنون الشعبية. ~~(7) # إحساس الآخرين بالنقص أمام الغرب، لغة وثقافة ~~وعلما، مذاهب ونظريات وآراء، مما يخلق فيهم ~~إحساسا بالدونية قد ينقلب إلى إحساس وهمي ~~بالعظمة، كما هو الحال في الجماعات الإسلامية ~~المعاصرة، وفي الثورة الإسلامية في إيران. ms027 وليس هذا ~~إلا ردا على مركب العظمة الدفين في الثقافة ~~الغربية والذي لا يخلو من عنصرية ثقافية، صريحة أو ~~ضمنية. ~~(8) # خلق بؤر وفئات ثقافية معزولة لدى الشعوب غير ~~الأوروبية بحيث تكون مناصرة للغرب وجسرا ~~لانتقاله. وتنتهي هذه الفئة - إذا ما تولت الحكم - ~~بموالاة الغرب، فيتحول التغريب الثقافي إلى عمالة ~~سياسية مما يسبب ثورات الشعوب الوطنية على ~~الفئة كلها؛ تأكيدا للهوية والثقافة الوطنية ~~في جدلية تاريخية بين الأنا والآخر. # إن التراث الأوروبي في حقيقة الأمر إنما يعبر عن الوعي ~~الأوروبي، وهو موضوع فلسفي واحد ظهر في الفلسفة المعاصرة، خاصة في ~~الظاهريات، فلا توجد فلسفات غربية، بل فلسفة أوروبية، تعبر عن ~~وعي أوروبي: تطورا وبناء، تكوينا ورؤية. # ويشمل تطور الوعي الأوروبي نشأته ثم بداية تطوره ثم ~~نهايته. فمن حيث النشأة يجد الوعي الأوروبي أصوله في ثلاثة: ~~الأصل اليوناني الروماني، والأصل اليهودي المسيحي، والبيئة ~~الأوروبية نفسها. ولا يذكر الأصل الشرقي القديم على الإطلاق قبل ~~الأصلين الأولين، ولا يذكر الأصل الإسلامي قبل النهضة ~~الحديثة؛ وذلك لأن الغرب قد اعتبر اليونان أصلا عبقريا على غير ~~مثال؛ إذ لم يسبقهم أحد، وكأن الهند لم تؤسس المنطق الصوري ~~في البوذية، ولم تسهم في نشأة علم الحساب. وكأن فيثاغورس ~~وطاليس لم يكونا على اتصال بالنحلات الشرقية، وكأن أفلاطون ~~لم يدرس الرياضيات في مصر، ولما كان الغرب وريث اليونان فقد ~~ظل نسيجا عبقريا مثله، على غير منوال. # وبالرغم من التباين والخلاف في جوهر كل من اليهودية والمسيحية ~~- كما لاحظ سلسوس من قبل - إلا أن الأصل اليهودي المسيحي قد جمع ~~بينهما ابتداء من الكتاب المقدس، حيث ضم العهد الجديد كخاتمة ~~للعهد القديم، وكنهاية للنبوة واكتمال لها بالرغم من رفض اليهود. ~~ونظرا للتآلف الطائفي العنصري بين الحضارتين اليهودية ~~والمسيحية ضد الحضارات الأخرى، إسلامية كانت أو «بدائية»، فقد ~~أصبحتا مصدرا واحدا. وكأن الإسلام لم يكن تحققا لصدق ~~اليهودية والمسيحية في التاريخ، سواء من حيث الصحة التاريخية ~~للكتب المقدسة أو من حيث التصديق بالعقائد، أو من حيث أحكام ~~السلوك العملي لأهل الكتاب. وكأن ms028 الحضارة الإسلامية بعد ~~ترجمتها إلى اللاتينية لم تكن أحد روافد النهضة الأوروبية الحديثة ~~والفلسفات العقلية، وكأن الرشدية اللاتينية لم تساهم في نشأة ~~العلم الحديث في الغرب. # 1 # ولا يكاد أحد يذكر البيئة الأوروبية نفسها ، كأنما الحضارة ~~الأوروبية حضارة بلا بيئة، نشأت بلا عوامل ودوافع، بلا ظروف ~~وملابسات، سواء فيما يتعلق بطبيعة المعطى الديني الذي كان لديها، ~~مثل عقيدة الاختيار التي كانت موجودة وراء العنصرية والاستعمار، أو ~~الروحانية الغالية والقائلة إن ملكوت السموات ليس في هذا العالم، ~~وإن للداخل الأولوية المطلقة على الخارج، مما سبب رد فعل ~~جذريا تبدى في المادية الفظة، واعتبار ملكوت السموات في هذه ~~الأرض مقررا أولوية الخارج على الداخل. ولا يكاد أحد يذكر ~~أيضا طبيعة السلطة الدينية التي نشأت في الغرب واعتبار أن للوحي ~~مصدرين؛ الكتاب والتراث، الوحي والكنيسة؛ مما تسبب في نشأة ~~السلطة الدينية واحتكارها للتفسير وللعلم، وسيطرتها على السلطة ~~السياسية. وقد أحدث هذا رد فعل مضادا لصالح العلم والعقل ~~والسلطة المدنية، فنشأ الوعي الأوروبي معاديا للسلطة الدينية، ~~داعيا للعلمانية، معاديا للدين باسم العلم والعقل والمدنية. هذه ~~هي الظروف التي نسج الغرب حولها مؤامرة الصمت ليجعل الحضارة ~~الأوروبية نموذجا للحضارة العالمية التي يتعين على كل حضارة ~~أخرى الاقتداء بها. عصرها كل العصور، ومذاهبها كل المذاهب، ~~وتاريخها كل التاريخ، إبداعاتها للتقليد، وتقنياتها للنقل، ~~وكأن علم اجتماع المعرفة لا يطبق إلا على ثقافات ~~الآخرين. # أما من حيث التطور فقد مر الوعي الأوروبي بخمس مراحل: عصر آباء ~~الكنيسة، الفلسفة المدرسية، عصر الإحياء والنهضة، عصر العقلانية ~~والتنوير، ثم عصر العلم والتقنية. # ففي مرحلة آباء الكنيسة تشكل الوعي الأوروبي باعتباره وعيا ~~دينيا أفلاطونيا إشراقيا، تحولت فيه آلهة اليونان إلى ~~آلهة الدين الجديد وملائكته، ونظريات الدين اليونانية إلى نظريات ~~للدين الجديد، وتمت ظاهرة التشكل الكاذب المضاد أي إن ~~المضمون اليوناني الروماني أخذ شكلا مسيحيا، حدث التشكل ~~الكاذب في الجوهر لا في العرض، وفي المضمون لا في الصورة، وفي ~~المعنى لا في اللفظ، وفي الشيء لا في التصور. وقد استغرق ذلك ~~القرون السبعة ms029 الأولى التي تشكلت فيها العقائد المسيحية والتي ~~أتى الإسلام بعدها ليتحقق من صدقها. # وفي الفلسفة المدرسية تحولت التعاليم الدينية من الكنائس إلى ~~المدارس، ومن المعابد إلى الجامعات. كما تحول فيها الوعي الديني ~~الأوروبي من الأفلاطونية الإشراقية إلى الأرسطية الطبيعية. وعاد ~~التشكل الكاذب المضاد مرة ثانية، أي أخذ النسق الأرسطي في ~~الحقيقة واستعمل الدين الجديد في الظاهر. وقد ظهر في هذه المرحلة ~~أثر الفكر الإسلامي وامتداده سواء من المتكلمين أو الحكماء؛ ~~تدعيما للتيار العقلاني المدرسي حتى اتحدت الفلسفة بالدين؛ ~~أسوة بالنموذج الإسلامي، وأصبح المسلم نموذجا للفيلسوف في مقابل ~~اليهودي والمسيحي. # وفي عصر الإحياء في القرن الرابع عشر بدأت العودة إلى الأصول، ~~وهو اتجاه إسلامي، بالبحث عن النصوص والتعامل معها مباشرة دون ~~وساطة أحد. وكانت الأصول في الآداب القديمة. وظهر المصدر اليوناني ~~الروماني مخلصا للوعي الأوروبي من الأصل اليهودي المسيحي. وفي ~~عصر الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر قامت نفس الحركة للعودة ~~إلى الأصول ولكن في الدين من أجل الإصلاح، والقضاء على سلطة ~~الكنيسة واحتكارها للتفسير والعلم، وتأكيد حرية الإنسان في الفهم ~~والتفسير، ورفض الوساطة بين الإنسان والله، وإعطاء الأولوية للداخل ~~على الخارج، وللأخلاق على العقائد، ولم يكن النموذج الإسلامي ~~بعيدا عن غايات الإصلاح. # وفي عصر النهضة بدأ تأسيس الوعي الأوروبي على أسس جديدة بنقد ~~الموروث حتى يمكن التحرر منه كمصدر للعلم وكقيمة في السلوك، ~~والتحول إلى العقل والطبيعة كبديل عن الوحي والسلطة. ووضع ~~الإنسان مركزا للكون على أنه بدن قبل أن يكون نفسا. فنشأت ~~علوم الأحياء والتشريح والطب الحديثة، ثم أتت العقلانية في ~~القرن السابع عشر تتويجا للعقل الذي أصبح له سلطان على كل شيء: ~~الدين، والفلسفة، والعلم، والسياسة، والاجتماع، والأخلاق، ~~والقانون. وبلغ الوعي الأوروبي أعلى درجة من الشمول والاتساع. ~~ثم أتى عصر التنوير في القرن الثامن عشر بعد تفجير العقل في ~~المجتمع، فاندلعت الثورات، واهتزت الأنظمة، وسقطت العروش ~~والتيجان، وتأسس كل شيء في العقل والطبيعة، وخرجت أفكار الحرية ~~والعدالة والمساواة والتقدم والإنسان والطبيعة والتاريخ، وتحولت ~~الفلسفة إلى ثورة، والفيلسوف إلى ms030 كاتب للجماهير وقائد ~~لهم. # ثم أتى عصر الثورة الصناعية عندما تراكم العلم، وظهرت ~~الاكتشافات العلمية والاختراعات الحديثة، وحلت الآلة محل الإنسان ~~في الإنتاج، وظهرت الطبقة العمالية، وقامت الثورات الاشتراكية. ثم ~~أتى القرن العشرون لإحداث ثورة صناعية ثانية: عصر التقنية، وفي ~~الوقت نفسه بداية أزمة العلم، وأزمة الوعي الأوروبي، وبداية ~~النهاية منذ ديكارت حتى هوسرل، منذ الأنا أفكر حتى الأنا موجود، ~~وبالتالي تكون الملحمة قد شارفت على النهاية. # بعد هذا التطور الكمي التراكمي للوعي الأوروبي اخترع بناء ~~خاص اكتمل أيضا في النهاية. فالوعي الأوروبي ذو بناء ثلاثي أشبه ~~بالبواعث أو المقاصد أو الاتجاهات؛ الأول هو الاتجاه العقلاني الذي ~~بدأ في الأنا أفكر في القرن السابع عشر عند ديكارت، واستمر ~~فيه الديكارتيون: اسبينوزا وليبنتز ومالبرانش، ثم تم تأكيده من ~~جديد في الفلسفة النقدية عند كانط. لقد أصبح العقل مشرعا ~~للواقع، والأنا، من جديد، مركزا للعالم كالشمس وسط الكون. ثم ~~تطور العقل عند تلاميذ كانط حتى ابتلع كل شيء: الروح ~~والطبيعة، الحس والذهن، الحضارة والتاريخ حتى بلغ أكبر قدر من ~~الصورية والشمول، وهو بمثابة اتجاه يبدأ من الأنا ويعرج إلى أعلى. ~~والثاني هو الاتجاه التجريبي الذي بدأ من بيكون في المنطق الجديد ~~من أجل تأسيس المعرفة الحسية وصدقها في التطابق مع الواقع، وليس في ~~تطابق الذهن مع نفسه فقط. واستمر التيار نفسه في المدرسة ~~الأنجلو سكسونية: لوك وهوبز وهيوم، الذين طبقوا المذهب الحسي ~~في الدين والأخلاق والاجتماع والسياسة، فيكون هذا بمثابة اتجاه ~~يبدأ من الأنا هابطا إلى أسفل. # ثم نشأت محاولات عديدة للجمع بين التيارين في الفلسفة النقدية ~~عند كانط في ألمانيا، فتصور العقل على أنه حس أولا فذهن ~~ثانيا فعقل ثالثا. التحليل الترنسندنتالي أولا ثم الجدل ~~الترنسندنتالي ثانيا. وقد وضع مشروعا للتوحيد بين القبلي ~~والبعدي صائغا عبارته المشهورة «التصورات بلا حدوس فارغة، ~~والحدوس بلا تصورات عمياء». ولكن التوحيد بينهما قد تم بصورة ~~آلية تركيبية خارجية سكونية مما دعا تلاميذه إلى التوحيد ~~بينهما بصورة حركية جدلية. الحس ونقيضه الذهن، ثم يأتي العقل ~~ليجمع ms031 بينهما (هيجل)، أو بطريقة صورية في فلسفة الهوية والتوحيد ~~بين الروح والطبيعة (شلنج)، أو في فلسفة الذاتية والتوحيد بين ~~الأنا واللاأنا من أجل تكوين الأنا المطلق (فشته)، أو في فلسفة ~~الإرادة تعبيرا عن العقل والطبيعة (شوبنهور) ... كما حاولت فلسفة ~~التنوير في فرنسا الجمع بينهما عن طريق النظرة العقلية الحسية ~~للعالم كما هو واضح في دائرة المعارف الفلسفية. # وما إن أتى القرن التاسع عشر حتى بدأ الخصام من جديد بين ~~التيارين المتباعدين، كل واحد يحاول أن يجعل نفسه نمطا ~~لعلوم الإنسان. وظلت الظاهرة الإنسانية متأرجحة بين نمط العلوم ~~الرياضية العقلية تارة، وبين نمط العلوم الطبيعية الحسية تارة ~~أخرى. فنشأت أزمة العلوم الإنسانية، وضرورة صياغة مناهج مستقلة ~~لها؛ حلا لأزمة الصورية والوضعية، وحلا للخلط بين المستويات ~~كما ظهر في السيكوفيزيقا. وهنا ظهر الطريق الثالث، طريق فلسفات ~~الحياة: برجسون، وهوسرل، وشيلر، ودلتاي وغيرهم. كما ظهر فلاسفة ~~الوجود رافضين رفع الوجود الإنساني إلى ما هو أكبر منه وهو ~~العقل، أو حتى رده إلى ما هو أقل منه وهو المادة. أصبح العقل ~~الأوروبي منقسما إلى ثلاثة اتجاهات: فلسفة روح، وفلسفة طبيعة، ~~وفلسفة وجود. وضاعت وحدته الداخلية. وتصارعت فيه المذاهب ~~كلها، كل منها يدعي أنه الحقيقة الكاملة. وحكمها قانون ~~الفعل ورد الفعل، وأخذت العقلية الأوروبية هذا الطابع ~~التقسيمي التجريبي، وصدرته خارجها فقضت على وحدة العقل، خارج ~~الوعي الأوروبي، لدى الشعوب غير الأوروبية. # 2 # فإذا ما أخذنا هذا الموقف من التراث الأوروبي، ووصفنا الوعي ~~بناء وتطورا على هذا النحو حدث التالي: ~~(1) # السيطرة على الوعي الأوروبي، واحتواؤه بداية ~~ونهاية، نشأة وتكوينا، وبالتالي يقل إرهابه؛ لأنه ~~ليس بالوعي الذي لا يقهر. ويتحول الدارس إلى مدروس، ~~والذات إلى موضوع، وبالتالي لا نصبح ضائعين فيه؛ إذ ~~يمكن للإنسان أن يراه مرة واحدة، وأن ينظر إليه من ~~أعلى بدلا من أن يقبع أسفل منه ويكون السؤال: من ~~الذي سيأخذ الريادة الآن؟ ~~(2) # دراسة الوعي الأوروبي على أنه تاريخ وليس خارج ~~التاريخ. صحيح أنه تاريخ تحرر على مراحل لا ~~يمكن القفز عليها أو تجاوز ms032 مراحلها المتوسطة، لكنه ~~مع ذلك تجربة بشرية ومسار حضاري مثل غيره من ~~التجارب. إنه ليس التجربة الوحيدة أو المسار ~~الحضاري الأوحد. بل هو أحد مراحل تاريخ الوعي الإنساني ~~الطويل ابتداء من مصر والصين وحضارات الشرق ~~القديم. ~~(3) # رد الغرب إلى حدوده الطبيعية وإنهاء الغزو ~~الثقافي، وإيقاف هذا المد الذي لا حدود له، وإرجاع ~~الفلسفة الأوروبية إلى بيئتها المحلية التي منها ~~نشأت حتى تظهر خصوصيتها التي أمكن تعميمها من خلال ~~الاستعمار والسيطرة وأجهزة الإعلام، في لحظة ضعف ~~الأنا، وتقليده للأجنبي، واقتصار تحرره على الأرض ~~دون الثقافة. ~~(4) # القضاء على أسطورة الثقافة العالمية واكتشاف ~~خصوصيات الشعوب، وأن لكل شعب نمطه الحضاري الخاص ~~ووعيه المتميز، بل وعلومه الطبيعية وتقنيته ~~الخاصة كما هو الحال في الهند والصين وأفريقيا وأمريكا ~~اللاتينية، وتطبيق مناهج علم اجتماع المعرفة ~~والأنثروبولوجيا الحضارية على الوعي الأوروبي ~~ذاته. ~~(5) # إفساح المجال للإبداع الذاتي للشعوب غير الأوروبية، ~~وتحريرها من هذا الغطاء الذهني، وهذه البنية ~~العقلية؛ حتى تفكر الشعوب بعقلياتها الخاصة وأطرها ~~المحلية، فتتعدد الأنماط، وتتنوع النماذج. فليس ~~هناك نموذج واحد لكل الشعوب، وتصير العلاقات بين ~~الحضارات علاقات متبادلة وليست علاقات ذات اتجاه ~~واحد. ~~(6) # القضاء على عقدة النقص لدى الشعوب غير الأوروبية ~~بالنسبة للغرب، وقيامها بإبداعها الخلاق بدلا من أن ~~تكون مستهلكة للثقافة والعلم والفن، فتصير قادرة على ~~التفوق على غيرها. وقد يتحول مركب النقص إلى مركب ~~عظمة صحي يساعد على الخلق والإبداع. ~~(7) # إعادة كتابة التاريخ بما يحقق أكبر قدر ممكن من ~~المساواة في حق الشعوب بدلا من النهب الأوروبي ~~لثقافات العالم، واكتشاف دور الحضارات التي ساهمت في ~~تكوين حضارة الغرب وضرب الغرب حولها مؤامرة الصمت، ~~ولكن دون أن يكون الغرب هذه المرة، وبموضوعية ~~تاريخية، مركز الثقل في العالم فيه تصب كل ~~الحضارات؛ إذ سيعطى لكل حضارة دورها في ~~الريادة. ~~(8) # بداية فلسفة جديدة للتاريخ تبدأ من ريح الشرق، ~~واكتشاف الدوائر الحضارية وقانون لتطورها أشمل من ~~البيئة الأوروبية، وإعادة النظر في وضع الشعوب الشرقية ~~كبدايات للتاريخ (هردر، كانط). وكما بدأت الحضارات من ~~الشرق وانتقلت إلى الغرب، فقد ms033 تعود إلى الشرق من ~~جديد. ~~(9) # إنشاء «الاستغراب» وتحويل الحضارة الأوروبية إلى ~~موضوع للدراسة. وسيكون هذا العلم الجديد لدراسة هذه ~~الحضارة: بداية ونهاية، نشأة وتطورا، بناء ومسارا ~~كما فعلت الحضارة الأوروبية مع غيرها عندما حولتها ~~إلى مواضيع للدراسة ولم تسلم من التحيز ~~والمحاباة. ~~(10) # انتهاء الاستشراق، وتحول حضارات الشرق من موضوع ~~إلى ذات، وتصحيح الأحكام التي ألقاها الوعي الأوروبي ~~وهو في عنفوانه على حضارات الشرق. فالاستشراق يكشف ~~عن طبيعة العقلية الأوروبية ونظرتها إلى الآخر أكثر ~~مما يكشف عن الموضوع المدروس، فهو موضوع دراسة وليس ~~دراسة موضوع. ~~(11) # تكوين الباحثين الوطنيين الذين يدرسون حضاراتهم ~~الخاصة من منظور وطني، وحضارات الغير بطريقة أكثر ~~حيادا وإنصافا مما فعل الغرب مع غيره. فتنشأ بالتالي ~~العلوم الوطنية وتتكون الثقافة الوطنية، ويتأسس ~~التاريخ الوطني، وينتهي الفصام في الثقافة والسياسة ~~بين العلم والوطن، بين الباحث والمواطن. # 3 # | سادسا: الموقف من الواقع # إن الموقف من التراث القديم والموقف من التراث الغربي كليهما ~~مدخلان حضاريان يعبران عن موقفنا الحضاري اليوم الذي هو مصب ~~لتراثين قديم ومعاصر. إنهما في حقيقة الأمر مصدر واحد من مصادر ~~المعرفة وهو النقل، بصرف النظر عن مصدره: النقل من الماضي أو من ~~الحاضر، من الأنا أو من الغير. والحقيقة أن الواقع لم يكن غائبا ~~في الموقفين الحضاريين السابقين؛ فالموقف من التراث القديم، في ~~أحد جوانبه، هو رد التراث إلى الواقع الأول الذي منه نشأ والذي له ~~صيغ خاصة به، ثم عرض التراث على الواقع الحالي. فما اتفق مع ~~مصالحه بقي وتطور، وما نافى هذه المصالح تم إسقاطه ونقده ~~وتلاشيه. والموقف من الغرب أيضا هو في أحد معانيه رد التراث ~~الغربي إلى بيئته المحلية وظروفه التاريخية التي نشأ منها، ومعرفة ~~أي مرحلة أكثر اتفاقا وأجلب نفعا لنا في المرحلة الحالية التي ~~نمر بها، وأيها أبعد عنا وأكثر ضررا. فالواقع حاضر في قلب ~~الحضارة: منه تنشأ فكرا، وإليه تعود أثرا. # ولا يمكن فهم التراثين المحلي والغربي إلا بفهم الواقع ~~الحالي أولا والذي على أساسه سيتم إعادة بناء الأول واختيار ~~الثاني. ms034 ولطالما كثر الحديث عن ربط الجامعة بالواقع، والثقافة ~~بالواقع، والعلم بالواقع، دون أن يتجاوز الحديث ألفاظ العبارات ~~إلى معانيها، ودون أن يتجاوز الحديث المعاني إلى تحقيقها ~~كمشاريع فعلية للأبحاث والدراسات. وبدون هذا البعد الثالث يظل ~~الموقفان الأولان مجرد معلومات من كتب صفراء أو بيضاء لا صلة لها ~~بواقع قديم أو جديد، ولا تثير شيئا في ذهن المستمع أو القارئ ~~المشدود إلى قضايا الواقع والمتأزم بأوضاعه. فيظل العلم في ~~جانب وحياة الناس في جانب آخر. لا بد إذن من إحصاء دقيق لمشاكل ~~الواقع ومتطلباته وحاجاته التي يمكن أن تكون مقياسا يعاد ~~وفقه بناء التراث القديم واختيار التراث الغربي أو تنظير مباشر ~~له ما دام التراثان السابقان: تراث الأنا وتراث الآخر مجرد وسائل ~~للخلق، وتعلم للإبداع. ولا يكفي في هذا الحماس لها أو الخطابة ~~فيها، بل لا بد من عرضها عرضا دقيقا وتحليلها تحليلا كميا ~~بالاعتماد على مناهج الإحصاء وبلغة الأرقام حتى يمكن للفكر بعد ~~ذلك أن يصف كيفياتها. وقد تبدو هذه العملية خارج نطاق الفلسفة ~~وهي في حقيقة الأمر أس الفلسفة وبواعثها ومقاصدها إذا ما حاولنا ~~الذهاب إلى ما وراء النظريات، ويمكن عد هذه المكونات للواقع ~~وإحصاء متطلباته على النحو الآتي: ~~(1) # تحرير الأرض من الاحتلال والغزو. وهي القضية الأولى ~~في واقعنا القومي نفكر فيها ليل نهار، ونحاول ~~الوقوف أمام هذا التيار الجارف المتجه لاحتلال مزيد ~~من الأرض وغزو عديد من الأوطان. هذه هي القضية التي ~~تتناولها أجهزة الأعلام وتدافع أنظمة الحكم من أجلها ~~عن كراسي الحكم، وتقاوم في سبيلها أحزاب المعارضة. ~~وهذه القضية هي التي تملأ نفوس الجماهير مرارة وحسرة ~~وغما. وتدفع البعض إلى الانتحار أو الانهيار أو ~~الموت كمدا، وهي ليست غريبة على الفلسفة سواء في ~~تراثنا القديم أو في التراث الغربي المعاصر. فالله في ~~القرآن «إله السموات والأرض»، والطبيعيات عند الحكماء ~~سابقة على الإلهيات، والحق والخلق شيء واحد عند ~~الصوفية، وإقامة الشريعة للامتثال وللتكليف من مقاصد ~~الشريعة. لقد قامت حركاتنا الإصلاحية الحديثة دفاعا ~~عن الأرض ضد المحتل الأجنبي أو ms035 الإقطاعي الداخلي. # 1 # وقد احتلت الصهيونية الأرض بعقيدة ~~أرض الميعاد والاختيار وأرضنة ~~الله # Enlandisement of God ~~. وتظهر الأرض في شعرنا المعاصر. # 2 # وتقام «فرقة الأرض»، ويهزنا «يوم ~~الأرض». وفي التراث الغربي يتحول «فشته» من فيلسوف ~~مثالي كانطي، فيضع نظرية في الجدل بين الأنا واللاأنا ~~من أجل خلق الأنا المطلق؛ تحريرا للأرض من الاحتلال ~~وغزو نابليون لألمانيا. ويصوغ كل فلسفته في نظرية ~~السعادة من أجل تحرير الأرض، ومقاومة المحتل؛ فالخير ~~الأقصى تحقيق للذات، وفي رسالة الإنسان ~~تحقيق للمثل ~~الأعلى، وفي الاقتصاد الموجه من الدولة توجيه ~~لموارد الدولة للحرب ضد سياسات الانفتاح والاقتصاد ~~الحر. إن دراسة قضية «الله والأرض» وجعلها محور ~~التراث القديم، وأن الله محل للحوادث كما تقول ~~الكرامية؛ تجعل التراث مرآة للواقع، وإن تدريس ~~فشته لطلابنا يجعل قلوبهم مع الأستاذ، وكلاهما مع حاضر ~~الأمة وواقعها. # 3 ~~(2) # إعادة توزيع الثروة في مواجهة التفاوت الطبقي. وهي ~~قضية رئيسية نتناولها في محافلنا العامة ونراها ~~واضحة للعيان؛ فقد اجتمعت في الأمة أعلى درجة من ~~درجات الغنى وأدنى درجة من درجات الفقر. منا من ~~يترهل بطنة، ومنا من يموت جوعا، منا من يعيش في ~~القصور كالأحياء، ومنا من يعيش في مقابر الأموات، وهذه ~~قضية يتناولها الشعر والمفكرون، وبسببها قامت الثورات ~~العربية المعاصرة لإعادة توزيع الثروات، والإصلاح ~~الزراعي وبرامج التأميم والتصنيع وحقوق العمال. ~~ولأجلها قامت الأحزاب الاشتراكية والماركسية، ودخل ~~الآلاف في السجون والمعتقلات واستشهد العشرات. وهي ~~قضية مثارة في أصل الوحي في نظرية الاستخلاف، ونقد ~~تكديس الثروة في يد حفنة من الأغنياء، وضرورة ~~المشاركة في الأموال، وسار على أثرها الخلفاء. ومن ~~أجلها نفي أبو ذر. وفي التراث الغربي ندرس ديكارت ~~وكانط ونترك روسو ومونتسكيو وسان سيمون وبرودون وأوين ~~وماركس في أقسام الاجتماع أو اللغة أو الأدب، وكأن ~~موضوعات العدالة الاجتماعية والمساواة ليست من ~~الميتافيزيقا، أو الفلسفة العامة في شيء. وقد قام ~~الرهبان الشباب في أمريكا اللاتينية بالاشتراك في حرب ~~العصابات دفاعا عن الفلاحين وضد الإقطاع. # 4 ~~(3) # تحقيق الحرية والديموقراطية في مواجهة القهر ~~والطغيان. وهذه قضية نعاني ms036 منها جميعا بما في ذلك ~~الأستاذ والطالب، والمفكر والمواطن، والباحث والعالم، ~~والإعلامي والسياسي، فقد عرفت مجتمعاتنا بأنها ~~مجتمعات القهر والتسلط والطغيان. سجوننا ملأى، ~~وأفواهنا مكممة، وأجهزة إعلامنا في يد الحكومات، ~~وصحفنا ومجلاتنا مراقبة، وأجهزة الأمن تتحكم في كل ~~شيء، تسمع وتراقب، حتى أصبح الخوف والترقب البناء ~~النفسي للجميع، ويفشل درس الفلسفة بسبب الخوف: خوف ~~الأستاذ الذي يتحول إلى جبن، وخوف الطالب الذي يتحول ~~إلى خشية. الكل يبغي التعايش وعدم فقد الوظيفة ~~لتربية الأطفال ~~ورعاية الأسرة، وهكذا نشأت الازدواجية في حياتنا ~~القومية، وظهر الفرق بين الحديث الخاص وبين الحديث ~~العام، بين لغة حلقات الأصدقاء وبين لغة الاجتماعات ~~الرسمية، بين همسات حجرات النوم وبين صراخ الأحزاب ~~وصخب أجهزة الإعلام حتى أصبحت السلطة كالجنس والدين ~~محرمات لا يجوز الاقتراب منها، وهي موجودة في أصل ~~الوحي وفي أول إعلان له في الشهادتين. فالشهادة إعلان ~~وبيان، إعلان رؤية، وبيان موقف يبدأ بالرفض والنفي، ~~بالتمرد والثورة على كل آلهة العصر المزيفة في «لا ~~إله»، ثم يأتي بعد ذلك فعل الإيجاب ووضع مبدأ واحد ~~يتساوى أمامه الجميع في «إلا الله». وقد استن ~~الخلفاء بعقيدة الحرية كما سار عليها الأشهاد. # 5 # والفلسفة ليس لها موضوع إلا الحرية، ولا ~~غاية إلا التحرر. وقد شغل الموضوع مفكرينا ~~القدماء، متكلمين وفقهاء، فدافع المعتزلة عن خلق ~~الأفعال، وأثبتوا حرية الاختيار، وأكد الفقهاء ~~ضرورة كلمة الحق في وجه السلطان الجائر. وفي الفلسفة ~~الغربية لا يوجد نسق فلسفي إلا والحرية أحد مظاهره. ~~إن التاريخ كله هو قصة الحرية (كروتشه). إن ثوراتنا ~~الحديثة قد قامت دفاعا عن الحرية كما قامت حركات ~~استقلالنا الوطني تحقيقا للحرية وما زال للكلمة رنين ~~في قلوب الناس جميعا؛ فأشعارنا تصور مدى القهر، ~~وقصصنا مدى الطغيان، ورواياتنا صور الطغيان. ~~(4) # تحقيق الوحدة في مواجهة التجزئة، وهذه قضية أخرى ~~نفكر فيها ليل نهار، تقام من أجلها الدول، وتنهار ~~الأنظمة، وتندلع الثورات ثم تقام الثورات المضادة. كل ~~الأحزاب وحدوية، والأحزاب المخالفة انعزالية ~~طائفية. أمة موحدة تاريخا ولغة وحضارة، ومصلحة ~~وهدفا ومصيرا. جزأها الاستعمار، واحتلت ms037 ~~الصهيونية قلبها، عزلت كبراها، وتفردت ~~بصغراها واحدة تلو الأخرى. وقضية الوحدة معروضة في ~~أصل الوحي: # أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار ~~[يوسف: 39]، # إن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاعبدون ~~[الأنبياء: 92]. وأفاض الحكماء والصوفية في الحديث عن ~~الواحد والوحدة، والاتحاد والحلول والفناء، وفضح ~~المتكلمون الثنوية والتعدد ~~والشرك، وعشقوا ~~أفلوطين. وقامت أحزابنا كلها باسم الوحدة، واندلعت ~~ثوراتنا من أجل الوحدة، وفتحت السجون أبوابها لدعاة ~~الوحدة. وما زلنا نعاني من التجزئة، وقد احتلت ~~الأراضي، وتوالت الهزائم بسبب التجزئة، ومع ذلك لم ~~تطرح في مناهجنا فلسفات الوحدة وتجاربها، ولا ~~جعلناها مادة أساسية في التكوين. وقد غزانا هيجل ~~لأن فلسفته تقوم على الوحدة. وحتى الآن لم تصغ ~~الوحدة حتى كسؤال ميتافيزيقي، مع أن القدماء قد وضعوا ~~هذا السؤال في مباحث الوحدة والكثرة عند المتكلمين، ~~ومباحث التوحيد عند الحكماء، ونظريات الاتحاد والحلول ~~ووحدة الوجود عند الصوفية، ووحدة الأمة عند ~~الفقهاء. ~~(5) # تحقيق الهوية في مواجهة التغريب. وهذه قضية أساسية ~~تطرق إليها المثقفون، وانقسمت الأمة بسببها إلى ~~قسمين: دعاة المحافظة على الهوية بأي ثمن مما أدى ~~إلى ظهور الجماعات الدينية المحافظة كرد فعل على ~~ظاهرة التغريب والارتماء في أحضان الآخر. فالتحدي ~~الأعظم بالنسبة لكل فرق الأمة حاليا هو كيف يمكن ~~المحافظة على الهوية دون الوقوع في مخاطر الانغلاق ~~على الذات ورفض كل مساهمة للغير، وكيف يمكن مواجهة ~~ثقافات العصر دون الوقوع في مخاطر التقليد والتبعية؟ ~~إن هذه هي القضية التي نثيرها جميعا باسم الأصالة ~~والمعاصرة، وهي موجودة في أصل الوحي عندما أبقى ~~الإسلام على الهوية العربية وبعض قيم الجاهلية ~~وأعرافها وطورها في منظوره الجديد، وهي قضية عرض ~~لها الحكماء فظلوا مفكرين إسلاميين متمثلين لثقافات ~~الغير، وفي مقدمتها ثقافة اليونان، وهي القضية ~~الأساسية التي تعالجها العلوم الاجتماعية الغربية ~~الآن لدراسة تطور المجتمعات النامية. ~~(6) # تحقيق التقدم في مواجهة التخلف. وهذه قضية يتناولها ~~الجميع ويتناقل الفاظها، حتى أصبحت من أكثر القضايا ~~شيوعا وشهرة؛ هذا متقدم، وهذا متخلف، وهذا تقدمي، ~~وهذا رجعي. وما زال اللفظان يثيران الشباب. وقد ~~تعرض أصل ms038 الوحي للمفهومين: # لمن شاء منكم أن يتقدم أو ~~يتأخر ~~[المدثر: 37]. بل إن تطور ~~النبوة ذاتها يمثل تقدما للوعي الإنساني من ~~اليهودية إلى المسيحية إلى الإسلام. ورسالات الأنبياء ~~إنما كانت علامات مميزة لمراحل التاريخ. وقد أسس ~~التراث الغربي لمفهوم التقدم علما بأكمله هو فلسفة ~~التاريخ ، محاولا وضع قانون لتطور المجتمعات، ومراحل ~~تاريخها ابتداء من المرحلة الدينية إلى مرحلة ~~الميتافيزيقا إلى مرحلة العلم، ومن مرحلة الآلهة إلى ~~مرحلة الأبطال إلى مرحلة الإنسان، أو من الصيد ~~والقنص إلى الرعي إلى الإقطاع إلى الرأسمالية ~~وأخيرا إلى الاشتراكية. ولم ندرس فلسفة التاريخ في ~~جامعاتنا إلا كمادة إضافية دون أن نصوغ قانونا لها، ~~ودون أن نراجع أحكام الغرب على الشرق أو نراجع ابن ~~خلدون في تصوره للدورة والسقوط ونحن في عصر النهضة. # 6 ~~(7) # تجنيد الجماهير ضد السلبية واللامبالاة. وهذه قضية ~~قد لا تبدو فلسفية في ظاهرها، إلا أنها في حقيقة الأمر ~~قضية فلسفية بالأصالة. فالفكرة ليست تصورا فارغا، ~~بل قدرة على تحريك الناس، وإلا فلماذا انضم الشباب ~~إلى الماركسية ووجدوا فيها وحدة النظر والعمل. ليس ~~المفكر فكره فقط بل جمهوره، وليس نظرياته فقط بل ~~أمته التي يتحدث إليها ويعمل من أجلها. ولطالما ~~اشتكينا في واقعنا المعاصر من سلبية الجماهير، وعدم ~~تحريكها، وعزلة المثقفين عنها. لقد قاد موسى أمته إلى ~~الخارج، وقاد محمد أمته إلى الداخل، وكان المفكرون ~~في الغرب وراء التاريخ والسياسة: أرسطو والإسكندر، ~~غاريبالدي وماتزيني، هيجل وبسمارك، فولتير والثورة ~~الفرنسية، وابن خلدون وتيمورلنك، ولطالما تحدث ~~الفلاسفة عن «ثورة الجماهير» (أورتيجا أي ~~جاسيه). # | سابعا: خاتمة # لا يعني الفيلسوف عندنا إذن صاحب المنصب الشامخ بمعنى كانط ~~وهيجل؛ فهذه المذاهب قد نشأت في ظروف خاصة، وبعد تعرية العالم من ~~أغطيته النظرية الموروثة. إننا لم نمر بعد في هذه الظروف، ولم ~~تحدث عندنا بعد عملية التعرية المشار إليها. ولا يعني الفيلسوف ~~عندنا، مرة أخرى، من يتساءل عن معاني الحياة والوجود الإنساني كما ~~هو الحال في الفلسفة المعاصرة. فقد نشأ ذلك في الغرب بعد أن احتوت ~~المذاهب حياة الإنسان واعتبرته ms039 جزءا من كل، ترسا في آلة ~~كبيرة، وليست هذه قضية الإنسان عندنا، قضيتنا غياب الإنسان كله، ~~وما زلنا ندرس «الله» عند الكندي والفارابي وابن سينا. ليس ~~الفيلسوف كل من ادعى رأيا أو من صاغ نظرية من إبداعه أو ~~تقليدا للآخرين: قدماء أو محدثين؛ فالآراء الأصيلة لا يمكن أن ~~توجد لأن الغطاء النظري الموروث ما زال واردا، والغطاء النظري ~~الحديث مزاحم له. ولا يوجد الرأي الأصلي إلا عند بعض الفئات ~~القليلة خاصة في المجال العلمي والتقني والفني. ولكن النملة لا ~~تزاحم فيلا، والفأر لا يزحزح أسدا. وعادة ما يكون أصحاب الموقف ~~دعاة ظهور، وأصحاب بطولات فردية، وليس في الموقف نزال، لكنه ~~يتجاوز مبارزة الشجعان. # الفيلسوف هو صاحب الموقف الحضاري الذي يأخذ موقفا من التراث ~~القديم ويأخذ موقفا نقديا من الموروث حتى يزحزح الغطاء النظري ~~القديم من أجل تنظير آخر، آخذا العقل والطبيعة كمحورين في ~~العلم الجديد. الفيلسوف كل من يأخذ موقفا من التراث الغربي ~~رادا إياه إلى داخل حدوده الطبيعية، محجما إياه بعد أن ظهر ~~على امتداد مائتي عام خطورة وضع نقل جديد فوق نقل قديم، إذ ازداد ~~العقل المعاصر ثقلا فوق ثقل، ~~وأصبح لا فرق هناك بين من يقول: قال ابن تيمية وبين من يقول: قال ~~كارل ماركس، أو بين من يقول: قال الله والرسول وبين من يقول: قال ~~ديكارت وكانط. الفيلسوف كل من يحاول التنظير المباشر للواقع ~~محاولا التعرف على مكوناته، مبدعا، دارسا الأشياء، محللا ~~للظواهر قدر الإمكان، قاصدا إلى الأشياء ذاتها، متخليا عن ~~المنقول إلى المعقول، وواصلا إلى المعقول من المشاهدة والحس ~~والتجربة. إنه كل من يحاول سبر غور الواقع محصيا إياه، ~~عدا عدا، فلا فكر إلا من واقع، ولا ثقافة إلا من شعب. ~~الفيلسوف إذن هو صاحب الموقف الحضاري في أحد أبعاده الثلاثة أو ~~فيها كلها، فهي مترابطة فيما بينها. والموقف من التراث القديم ~~محاولة للمساهمة في حل أزمة العصر كما يفرضها الواقع مع التقليل ~~من مخاطر الغزو الثقافي الغربي. والموقف من التراث الغربي هو في ~~الوقت ms040 نفسه تحرير للذهن من النقل وإفساح المجال للإبداع الذاتي ~~التزاما بقضايا الواقع، واكتشافا للتواصل التاريخي بين الماضي ~~والحاضر، وعودة للتراث القديم بعد أن تمت إزاحته جانبا في منافسة ~~غير متكافئة الأطراف. والموقف من الواقع هو في حقيقة الأمر موقف من ~~التراثين: القديم والجديد، واللذين ما زالا يفعلان فيه، ويفرضان ~~معلوماتهما عليه. # بدون هذا الموقف الحضاري ستظل الفلسفة في جامعاتنا ومعاهدنا ~~نباتا بلا غرس، هواء بلا طير، كتابة بلا مداد، وسنظل نعاني ~~ما نعاني منه اليوم من ضياع وتشتيت وبكاء على غياب الفلاسفة ~~وتحسر على الطلاب. الفلسفة مشروع قومي حضاري وليست مجرد مادة ~~علمية مقررة، لها كتاب محفوظ، وأستاذ ملقن، وطالب يستذكر، ~~وشهادة تعطى، ووظيفة تؤخذ لحل قضية المعاش وكسب القوت. وهي ليست ~~مصطلحات مهنية ومذاهب مستغلقة يشعر الأستاذ أمامها بالزهو ~~والطالب بالرهبة والقراء بالعظمة. الفلسفة تنبع من موقف حضاري ~~محدد، وتساهم في صنع وتحديد معالم مرحلة تاريخية يمر بها ~~مجتمع ما، هي القدرة على التعرف على اللحظة الحالية، وقراءة روح ~~العصر، والإحساس بالموقف الحضاري، وإلا كانت لا زمان لها ولا مكان، ~~أسطورة وغيب، ولظلت الماركسية كتحليل للتاريخ ولحركات الشعوب ~~نقطة جذب لوعي الأمة، وبالتالي الوقوع في مزيد من ~~التغريب. # هذا ليس بحثا في السياسة بل هو بحث في الفلسفة، لا يعطي ~~توجيهات عملية بل يعطي تأصيلات نظرية من خلال الموقف الحضاري ~~لجيلنا، لا يهدف إلى معارضة نظم قائمة أو إحداث تغيير أو ~~انقلاب، إنما يبحث في أزمة الفلسفة في عالمنا العربي اليوم: لماذا ~~هي في واد وواقعنا في واد؟ ولماذا ظلت أحوالنا الثقافية، ~~بالرغم من عشرات أقسام الفلسفة في جامعاتنا، على ما هي عليه؟ لماذا ~~لم تؤثر كتاباتنا الفكرية بعد في حياتنا القومية؟ قد يكون هذا ~~البحث أشبه بالصراخ أو الخطابة، ولكن الفلسفة ليست مفاهيم أو ~~ألفاظا يعاب عليها التجريد وأنها فلسفة، أي لا طائل تحتها ولا ~~نفع منها. قد لا يحتوي هذا البحث إلا على عموميات يعرفها الجميع، ~~وكررناها منذ عدة أجيال. وقد يكون فيه نوع من اتهام الذات، ms041 ~~وتعذيب النفس، ولكنه يبقى على أية حال صراخ يوحنا المعمدان على ~~تلال عمان. # | التراث والنهضة الحضارية1 # إذا كان الغرب قد أعطى نموذج النهضة على أنقاض التراث فإن ~~المجتمعات غير الأوروبية تعطي النموذج الآخر للنهضة على أكتاف ~~التراث. وتكون البشرية أمام نموذجين: الانقطاع أو التواصل. وإذا ~~كان الغرب قد حقق إبداعه الفكري الذاتي ابتداء من هدم التراث فإن ~~الشعوب غير الأوروبية تحقق إبداعها الفكري الذاتي ابتداء من ~~تجديد التراث. # وقد يرجع التباين بين النموذجين إلى رصيد الشعوب التاريخي؛ إذ ~~بدأت النهضة الأوروبية بقبائل الجرمان والقوط ولم يكن لها عمق ~~تاريخي. وبدأت بهدم التراث اليوناني الروماني أو التراث اليهودي ~~المسيحي وهي تشعر أنها لا تجد هويتها فيه، فعادت إلى بيئتها ~~الأوروبية الطبيعية للتحرر من سيادة القدماء. لم يجد الفرنسيون ~~والجرمان والبريطانيون أنفسهم في حضارة اليونان والرومان التي ~~ابتلعت المسيحية والتي كانت اليهودية قد ابتلعتها من قبل، فخرجوا ~~عنها إلى طبائعهم الخاصة. أما الشعوب غير الأوروبية في آسيا ~~وأفريقيا وأمريكا اللاتينية فإنها شعوب تاريخية، لها رصيد في العمل ~~التاريخي بالرغم من مؤامرة الصمت التي لحقت به في الدارسات ~~الاجتماعية والتاريخية في الغرب. فهي صاحبة تراث تجد فيه هويتها، ~~وتتحدد به وتتمثله، يحدد تصوراتها للعالم، ويعطيها موجهات ~~للسلوك. إذا ما أراد الغرب السيطرة عليها إبان المد الاستعماري ~~الحديث بدأ بالسيطرة عليه. وإذا أرادت هي نفسها أن تتحرر من ~~سيطرة الاستعمار بدأت بتحرير تراثها أولا؛ حتى تحقق شروط ~~التحرر، بتخليص روحها قبل أرضها. # كان من الطبيعي إذن أن يظهر هذان النموذجان للتراث والنهضة ~~الحضارية: النموذج الغربي في الانقطاع، والنموذج اللاغربي في ~~التواصل؛ نظرا للتباين بين الشعوب اللاتاريخية والشعوب التاريخية، ~~بالرغم من ادعاء الغرب بأنه وحده الذي اكتشف الزمان والتاريخ في ~~فلسفة التاريخ، ويضع غيره من الشعوب في مرحلة ما قبل ~~التاريخ! # | أولا: التراث الذاتي # التراث الذاتي هو ما يصل إلى شعب ما مما خلفه القدماء، ~~وتتوارثه الأجيال، ويحدث لتيارات عامة واتجاهات ومدارس فكرية، ~~ويؤثر في سلوك الناس. وهي مسئولية تاريخية تتحملها الأجيال ~~فتواصل تاريخها، أو ms042 تتركها فتنقطع جذورها فتذوب في ثقافات ~~مغايرة، والفعل اللاتيني # Tradere # يفيد كلا المعنيين: يحمل أو يخون. # ونعني بالتراث هنا التراث «الإسلامي»؛ فهو الأعم والأشمل من ~~التراث «العربي» أبدعه العرب وغير العرب، ومكتوب باللغة العربية ~~وباللغات الإسلامية. والقرآن مكتوب بلغة العرب ولكن الإسلام ~~لكافة الشعوب، والحضارة إسلامية، والعلوم إسلامية. ~~(1) الأصالة والخصوصية # وأهم ما يميز التراث الذاتي الأصالة والخصوصية؛ فالأصالة ~~تعني الأنا في مقابل الآخر، والمألوف ضد الغريب، والقريب في ~~مواجهة البعيد، والمحلي كمانع للمستورد. تعني الأصالة ~~الذاتي في مقابل العرضي، والطبيعي في مواجهة المصطنع، ~~و«الجواني» ضد «البراني». أما الخصوصية فتعني نوعية التراث ~~وسماته المميزة ونموذجه الأوحد وقانونه الخاص ليس في مقابل ~~الشمول والعمومية، ولكن في مقابل فقدان النوعية والذوبان في ~~خصوصية أخرى تدعي أنها الخصوصية الشاملة. وهو التقابل الذي ~~وضعه كانط في وصفه للإرادة بين الذاتي # Autonomous # والغيري # Heteronomous ~~. ~~(أ) جذور التراث # وللتراث جذور في وجدان الشعب. فهو تأكيد للأنا ضد ~~الآخر وإثبات للذات في مقابل الغير. ولما كان التراث ~~معاشا في وجدان الناس، فإن جذوره تعطيهم عمقا ~~تاريخيا قد يصل أحيانا إلى بدء الخليقة ونهايتها، وقد ~~يتجاوزها إلى ما قبل العالم وما بعده. يعطي التراث للشعب ~~رؤية تاريخية تجعله يضع نصب عينيه الزمان كله في ~~لحظة واحدة، ويصل فيها بعد النظر إلى رؤية العالم كنقطة ~~هندسية مجردة بلا زمان ولا مكان. يمتد التراث بجذوره ~~في وجدان الشعب ويعطيه الآتي: ~~(1) # الأصالة ضد التذويب والتميع والاغتراب، ~~خاصة إذا ما تمت محاصرة الذات بالآخر، كما حدث ~~في إيران قبل الثورة. التراث هو الحارس للذات، ~~وسبب وجودها وبقائها، والضامن لأمنها ضد أخطار ~~الغير. والذات بلا تراث تتحول إلى الغير ~~المجرد. ~~(2) # العمق التاريخي ضد نقل الحضارات ~~واستيرادها، وملء الشعور القومي بحيث لا يكون ~~فارغا تصب فيه حضارات الغير، والرد ~~المستمر على الغزو الثقافي الخارجي باعتبارها ~~(حضارات الغير) جسما غريبا على التراث ~~القومي كما هو الحال في السلفية. ~~(3) # كما تمتد جذور التراث في الماضي فإنها ~~أيضا تورق في الحاضر، فما الحاضر إلا تراكم ~~للماضي وظهور له. ms043 ومن ثم فلا حل لمشاكل ~~الحاضر حلا جذريا إلا بالرجوع إلى جذورها ~~في الماضي، ولا سبيل للقضاء على عقبات التنمية ~~(عدم اشتراك الجماهير مثلا) إلا باجتثاث ~~جذورها في التراث. ~~(4) # دفعات أكثر نحو التقدم في مسيرة الشعوب ~~وإطلاق طاقاتها، وترسيخ مكتسبات الثورات ~~الوطنية مثلا: الإصلاح الزراعي، الملكية ~~الجماعية للأرض ، العمل وحده كأساس للقيمة، ~~النضال ... إلخ. ~~(5) # الاستمرارية التاريخية والتجانس في الزمان ~~ووحدة الشخصية الوطنية، وعدم وجود مستويات ~~متجاورة منفصلة في الشعور الوطني كما هو الحال ~~في تركيا (إسلام في العمق وتحديث في السطح)، ~~أو في بولندا (كاثوليكية في العمق وماركسية في ~~السطح). ~~(6) # الحفاظ على خصوصية الشعوب ونوعيتها، والقضاء ~~على نمطية التنمية وأحادية النموذج الأوروبي، ~~التنمية الاقتصادية أساسا والتنمية البشرية ~~فرعا، وغياب التنمية الحضارية كلية. ~~(7) # تباين الشعوب، وتعدد النماذج، ووضعها ~~كلها على قدم المساواة التاريخية من حيث ~~إسهاماتها في تطور البشرية دون الوقوع في ~~نظرية المركز والأطراف (الغرب بالنسبة للشعوب ~~غير الأوروبية). وهنا يتم الإثراء ~~المتبادل، ونهاية الأثر الغربي من المركز إلى ~~الأطراف ذي الاتجاه الواحد. ~~(ب) مادة التراث # والتراث هو الإبداع الفكري الذاتي للشعوب، ابتداء من ~~معطيات تكون في الغالب دينية ثم تتحول بالتدريج إلى ~~حضارية، بعد عمليات تمثل الحضارات المجاورة، وتفسير هذه ~~المعطيات وإعمال العقل فيها بحيث تتم إعادة صياغتها في ~~منظور إنساني طبيعي. وبالتالي كانت مادة التراث على النحو ~~الآتي: ~~(1) # الكتب المقدسة في ديانات التوحيد الثلاث ~~التي خرجت من إبراهيم: العهد القديم، والعهد ~~الجديد، والقرآن خاصة بالنسبة للشعوب العربية ~~والأوروبية؛ أو الفدنتا والأوبانيشاد وكتاب ~~«التغيرات» وغيرها في الديانات الآسيوية. وهي ~~تراث حي في قلوب الناس وليست فقط تراثا ~~مكتوبا، بل إنها كانت في البداية تراثا ~~شفاهيا يتناقلها الناس وتتوارثه الأجيال، ~~أضافت عليها من خبراتها سواء داخل النصوص ~~الأولى بتفسيرها أو بإضافة نصوص جديدة من ~~خارجها. وما زال الناس يستشهدون بها ويتخذون ~~أوامرها ونواهيها كمعايير مطلقة ~~للسلوك. ~~(2) # العلوم الدينية أو كما يسميها القدماء ~~العلوم النقلية التي بدأت حول هذه الكتب ~~المقدسة لضبطها وقراءتها وتفسيرها، وتقنينها ~~وتمثلها، مثل علوم القرآن والحديث ~~والتفسير، ms044 والفقه والسيرة. ففي هذه العلوم ~~تعلمت الشعوب مناهج البحث، ووضعت طرقها ~~الخاصة للتعليم وتصورها للعلم. فقد نشأ ~~«النقد التاريخي» عند القدماء بدافع من الحرص ~~على صحة النصوص، وتم وضع «مناهج الرواية» ~~لتحويل التراث الشفاهي إلى تراث مكتوب. وهي ~~علوم أقرب إلى التقديس والاحترام وأقرب إلى ~~الإيمان الديني منها إلى البحث الأكاديمي ~~الصرف. فكتب الحديث مثل «البخاري» تقرأ ~~عبادة للتبرك ولدرء الأخطار وجلب المنافع. ~~وكتب التفسير مثل «الطبري» تحظى من الاحترام ~~قدرا لا يسمح بالمناقشة والحوار. وكتاب ~~«الأم» للشافعي أو «موطأ» الإمام مالك أو ~~«مسند» الإمام ابن حنبل مواطن للتصديق، ~~ومصادر للمعرفة. وسيرة «ابن هشام» تتحد ~~بشخص النبي ولا يجوز المساس بها. مقولة ~~«المقدس» إذن هي لب التراث، وأي تنمية ~~لا تأخذ في الاعتبار هذا المركز وأي نهضة ~~تحاول تجاوز هذه المقولة؛ لا تحدث أي ~~تغيير في العمق. # والعلوم الفلسفية كما يسميها القدماء ~~العلوم النقلية العقلية التي تجمع بين التقديس ~~والتعقيل مثل علم أصول الدين، وعلوم أصول ~~الفقه، وعلم الحكمة من منطق وطبيعيات وإلهيات، ~~وعلوم التصوف وتهذيب الأخلاق ما زالت علوما ~~تعيش في قلوب الناس. يستشهدون بها، ويقرءون ~~أعمالها. تسري مقولاتها وتوجيهاتها في ~~حياتهم الخاصة والعامة، ويحتفظون بها في ~~بيوتهم، بركة ورحمة. فالعقائد الإسلامية وعلى ~~رأسها التوحيد، والقدر والنبوة والإيمان ~~والآخرة، تقوم في قلوب الناس بوظيفة ~~الأيديولوجية السياسية التي تحدد تصورهم ~~للعلم، وتعطيهم موجهات للسلوك. وعلم أصول ~~الفقه هو الذي يحدد لهم كيفية العبادات وطرق ~~المعاملات، ومقاييس السلوك من حلال وحرام. ~~وعلوم الحكمة هي التي أمدتهم بأن الفضائل ~~النظرية أعلى من الفضائل العملية، وبأن ~~المعرفة تتم إشراقا من الله في النفس وأن ~~العلم هو العلم اللدني، وبأن الطبيعة ~~مخلوقة من الله يفعل فيها ما يشاء، وبأن الله ~~والنبي والفيلسوف والرئيس والأمير والإمام شخص ~~واحد، كامل الأوصاف، تجب له الطاعة المطلقة. ~~وعلوم التصوف هي التي وجهتهم نحو الخلاص من ~~العالم والفرار منه إلى الله، وإلى تمثل ~~القيم السلبية مثل التوكل والصبر والرضا ~~والقناعة، وحالات النفس مثل الخوف والخشية ~~والرهبة. # ومنها العلوم العقلية ms045 الخالصة سواء منها ~~الرياضية مثل الحساب والجبر والهندسة والفلك ~~والموسيقى والضوء، أو الطبيعية مثل الكيمياء ~~والطبيعة والطب والأدوية وهي التي لم تؤثر في ~~حياة الناس أو في ثقافتهم ولم يرثها أحد من ~~علمائنا المحدثين بل ورثها الغرب وأصبحت ~~رصيده العلمي قبل عصر النهضة، طورها ~~وأكملها ودخلت في علمه الحديث وتطبيقاته التي ~~تنقلها الشعوب غير الأوروبية الآن ومنها ~~الشعوب العربية والإسلامية التي بدأتها أولا. ~~ومنها العلوم الإنسانية مثل علوم اللغة والأدب ~~التي انتشر البعض منها في الأدب العربي ~~الحديث، وعلوم الجغرافيا والتاريخ التي ~~تركت لحضارة الغرب يطورها ويكملها علماء ~~الغرب المحدثون. ~~(3) # الأمثال العامية، والأدب الشعبي، وكتب ~~السير والملاحم التي ما زالت الشعوب تستشهد ~~بها وتأخذ منها معايير للسلوك ونماذج لحياة ~~البطولة والوفاء يسمعها الناس سماعهم للقرآن، ~~ويهتزون للاثنين إعجابا وطربا. # مادة التراث إذن، مادة سمعية أكثر منها ~~مادة مرئية، تعتمد على الأذن وليس على العين. ~~ومن هنا أتت خبرة الأجيال والتواصل مع الماضي، ~~والعيش مع «تجارب الأمم». ~~(ج) تجارب الشعوب # لما كان التراث حيا في قلوب الناس فإنه اختلط ~~بتجاربهم الفردية والاجتماعية، وخبراتهم التاريخية في ~~السلم والحرب، في المجاعة والثراء، وفي الهزيمة ~~والانتصار. وأصبح من الصعب التمييز بين ما يأتي من التراث ~~المكتوب والتراث الحي للشعوب. حدث ذلك في «العهد القديم» ~~خاصة، ثم في «العهد الجديد» بصورة أقل، وحدث أيضا في ~~الحديث وفي العلوم الدينية، وإن لم يحدث في القرآن نظرا ~~لعدم مروره بفترة شفاهية، وتدوينه مباشرة في لحظة ~~الإعلان. # وهذا التقابل بين التراث المكتوب وتجارب الشعوب طبيعي. ~~فالمعطى الديني ذاته كان نتيجة لتجارب الأمم وحصيلة ~~رسالات الأنبياء. والإسلام بالنسبة للأمة العربية يمثل ~~دين الطبيعة والفطرة. ومن ثم صعب التمييز بين ما يأتي من ~~القرآن وما يأتي من الطبيعة والفطرة. لذلك اختلفت الأحكام ~~على شعوب المنطقة العربية بين أكثر الشعوب تدينا وأقل ~~الشعوب تدينا. الأول يخرج من الدين والثاني يخرج من ~~الطبيعة. وهما في واقع الأمر شيء واحد لدى الأمة. وتؤيد ~~ذلك النصوص الدينية مثل # صبغة ~~الله ومن أحسن من الله ms046 صبغة ~~[البقرة: 138] أو # فطرت الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ~~[الروم: 30]. كما تثبتها ~~الأمثال العامية مثل «اللي عاوزه البيت يحرم على ~~الجامع». ~~(2) تفسير التراث # ومن هنا كان تفسير التراث شرط النهضة الحضارية. فكل تراث ~~يحتوي على اشتباه يفيد الضدين، ويحتوي على المعنيين ~~المتناقضين سواء في التراث الديني المكتوب أو في التراث ~~الشعبي أو في تجارب الأمم والشعوب. ونظرية التفسير لدى شعوب ~~المنطقة تعادل نظرية المعرفة في الحضارة الغربية. ~~(أ) مناهج التفسير # يحدث التفسير بعدة مناهج هي في حقيقة الأمر طرق لا ~~شعورية أولا عند الناس، ثم تصبح مناهج شعورية عند ~~المفكرين، وأهمها: ~~(1) # قراءة الحاضر في الماضي. وليس للتراث معان ~~موضوعية في نصوصه أو في تجاربه بل مجرد حامل ~~تسقط عليه الاحتياجات الحالية. وحقيقة ~~المعنى هو مقدار ما يثيره الحاضر في الماضي. ~~فإذا كانت احتياجات العصر ومطالبه الحرية ~~والعدالة فإننا لا نفهم من نصوص التراث إلا ما ~~سد هذه الاحتياجات مثل قول عمر: «لماذا ~~استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم ~~أحرارا» أو القول المأثور: «العدل أساس ~~الحكم». ويحدث الانقطاع عن الماضي إذا ما ظن ~~الناس والمفكرون أن التراث يحتوي على معان في ~~ذاته يتم إخراجها بصرف النظر عن الاحتياجات، ~~فيظل التراث هائما في الأذهان لا يجد له ~~مستقرا، ولا يحقق مطلبا. وهذا هو إشكال ~~الذاتية والموضوعية. ~~(2) # الانتقاء من التراث ما يحقق مصالح ~~الأغلبية. فالتراث فيه كل شيء، ويحتوي على ~~الشيء ونقيضه. ومن ثم فرضت احتياجات العصر ~~نفسها كمقياس للانتقاء. فإذا احتاج العصر ~~للعقلانية ظهر التراث العقلاني، وإذا احتاج ~~العصر للعلمية ظهر التراث العلمي، وإذا احتاج ~~العصر للأيديولوجية السياسية ظهر التراث ~~السياسي. ~~(3) # الاختيار بين البدائل، وإعادة الاختيار ~~طبقا لاحتياجات العصر. فقد قدم التراث ~~بدائل كثيرة: العقل والذوق، العبادة ~~والمعاملة، العقل والنقل، النظر والعمل، ~~التنزيه والتشبيه، الجبر والاختيار، التنزيل ~~والتأويل. كما قدم التراث اتجاهات مختلفة: ~~سنة وشيعة، أشاعرة ومعتزلة، مرجئة وخوارج، ~~وكل اتجاه يمثل اختيارا سياسيا. ولما كانت ~~ظروف العصر قد تغيرت فإن إعادة الاختيار بين ~~البدائل، وعرضها كلها من جديد ms047 أمام الوعي ~~القومي؛ يقضي على أحادية الطرف، وسيادة تيار ~~وتكفير التيارات الأخرى. ~~(ب) سلبيات التراث # لما كانت احتياجات العصر محددة تعبر عن حركة التاريخ ~~وكانت في الوقت نفسه مقياسا للانتقاء واختيارا بين ~~البدائل؛ فإن كل ما تختاره يكون إيجابيا وكل ما تتركه ~~يكون سلبيا. فإيجابيات التراث وسلبياته ليست مطلقة، بل ~~تحددها اختيارات كل عصر، وتتغير طبقا لمتطلبات الأجيال. ~~وبالنسبة لجيلنا فإنه يمكن تحديد بعض هذه السلبيات ~~كالآتي: ~~(1) # سيادة التصور التسلطي للعالم المتمركز حول ~~الواحد، الذي يعلم كل شيء ويقدر على كل شيء. ~~ويظهر ذلك بوجه خاص في العقائد «الأشعرية» ~~التي ورثتها الأجيال أكثر من ألف عام، ~~وأصبحت جزءا من روح الأمة والذي أصبح ~~عنوانا «للطغيان الشرقي». ويظهر ذلك أيضا في ~~الواحد الحر، والمسيطر على كل ما سواه وما ~~ينتج عنه من قدرية. ويتمثل ذلك أيضا في ~~احتياج العالم إليه في صورة نبوة تهدي العقل ~~وتكمله وتعصمه من الخطأ، وإيمان به يجعل ~~العمل في المرتبة الثانية، وإنكار لغائية ~~الطبيعة وقوانينها، وتجاوز هذا العالم إلى ما ~~وراءه. هذا التصور المركزي الواحد للعالم ليس ~~سلبيا «في ذاته»؛ فقد استخدمته الصين لصالح ~~الثورة، ولكنه حتى الآن يمثل عنصرا سلبيا ~~في التراث بالنسبة للأمة العربية، ويمثل ~~بالنسبة لنا إشكال الحرية. # 1 ~~(2) # سيادة المعرفة النصية وهو ما يسمى ~~بأولوية النقل على العقل أو بالقول بالمأثور ~~دون المعقول أو بأهل الأثر في مقابل أهل الرأي ~~حتى غابت المعرفة العقلية، أو المستمدة من ~~الواقع المباشر أو من استقراء حوادث التاريخ، ~~حتى قال أحد الشعراء المعاصرين: «واحتمي أبوك ~~بالنصوص، فجاء اللصوص»، وهو ما يسمى ~~أيضا بسيادة الفقه الافتراضي، وتحكيم النص في ~~الواقع وليس تفسير النص طبقا للواقع. وهو ما ~~يسمى «الحرفية» التي تقتل «الروح» والشكل ~~الذي يقضي على المضمون. وبالنسبة للتراث الشكل ~~هو اللغة، والمضمون هو حياة الناس ~~وواقعهم. ~~(3) # المنطق الصوري الذي تغلب عليه أشكال القياس ~~وصور الفكر كما هو الحال في منطق القضايا، ~~وغياب منطق الواقع، واستبعاد أحوال التاريخ ~~وقوانين الصراع. صحيح أن علماء الأصول من ~~متكلمين وفقهاء ms048 قد نقدوا المنطق الأرسطي ~~ووضعوا منطقا تجريبيا حسيا ومنطقا ~~عمليا للسلوك، كما نقد حكماء الإشراق ~~المنطق الصوري ووضعوا قواعد للمنطق ~~الإشراقي، ومع ذلك غاب منطق التاريخ باستثناء ~~ابن خلدون. ~~(4) # التصور الثنائي للعلم الذي ظهر في علوم ~~الحكمة، وقسمة العالم إلى أول وآخر، صورة ~~ومادة، عقل وحس، مطلق ونسبي، باق وفان ... ~~إلخ. وظهور هذه الثنائية في الطبيعيات: تخلخل ~~وتكاثف، زمان ومكان، جوهر وعرض، كيف وكم ... ~~إلخ. وظهورها أيضا في الأخلاق: خير وشر، ملاك ~~وشيطان، جنة ونار، إيمان وكفر، ثواب وعقاب، ~~رجل وامرأة. وقد أعطت هذه الثنائيات الطرف ~~الأول كل شيء وسلبت من الطرف الثاني كل شيء. ~~فعاشت الأمة في عالم سلبي بلا قيمة، غير موجود ~~بذاته، يستمد وجوده من غيره. ~~(5) # سيادة الفضائل النظرية على الفضائل العملية، ~~وجعل التأمل أعلى قيمة من العمل، والحكيم ~~أفضل من العامل. وقد ورث الناس هذا الاختيار ~~فنشأت أفضلية الجامعات على المعاهد العليا ~~والمدارس الفنية، وقيمة الأعمال المكتبية على ~~الأعمال اليدوية، وقيمة التنظير والتخطيط ~~وإعطاء الأوامر على الإنتاج والتنفيذ. وقد ظهر ~~ذلك أيضا في «المدينة الفاضلة» التي يقبع ~~الملك الفيلسوف على قمتها. ~~(6) # سيادة القيم السلبية التي ظهرت في علوم ~~التصوف كما هو الحال في المقامات مثل التوكل ~~والرضا والقناعة والصبر والزهد، أو في الأحوال ~~مثل الخوف والخشية والرهبة، حتى أصبحت قيما ~~اجتماعية توجه سلوك الناس. مع أنها نشأت في ~~البداية كرد فعل على قيم اجتماعية مضادة مثل ~~التكالب على الدنيا، والتمتع بمباهج الحياة، ~~والتنافس والتقاتل على السلطة. كما ظهرت قيم ~~الفناء والفقر والمحو والمحق، ولكنه فناء ~~صوري بلا مضمون ودون نتيجة من أجل إحداث تغيير ~~في واقع الناس الفعلي. ~~(ج) إيجابيات التراث # تتمثل شروط النهضة الحضارية إذن في الخلاص من السلبيات ~~التي استمرت في وجداننا القومي أكثر من ألف عام، وإظهار ~~الإيجابيات من كوامن الشعور والتي توقفت منذ حسم الصراع ~~في القرن الخامس الهجري لحساب السلبيات التي تجسدت في ~~الأشعرية، فكر الدولة السنية، والذي ازدوج فيما بعد ~~بالتصوف خاصة في فترة الحكم العثماني، وأهم هذه الإيجابيات ~~هي: ms049 ~~(1) # بالرغم من سيادة الإشراق إلا أن العقل ~~استطاع في أصول الدين، خاصة عند المعتزلة، أن ~~يكون أساسا للنقل، فإذا تعارض النقل والعقل ~~يؤول النقل لحساب العقل، وكما قال الفقهاء: ~~«اتفاق العقل الصريح مع النقل الصحيح»، ومن ~~يقدح في العقل يقدح في النقل؛ لأن العقل أساس ~~النقل. ظهر ذلك بوضوح عند المعتزلة، فانتهوا ~~إلى التنزيه أي تصور الله كمبدأ عقلي خالص ~~وليس كإله مشخص يقبع في وجداننا القومي ~~كأساس «لعبادة الأشخاص» في حياتنا. كما ظهر ~~ذلك في الفلسفة وتحويل العالم كله إلى تصور ~~عقلي خاصة عند ابن رشد، فالحكمة هي الأخت ~~الرضيعة للشريعة المتحدتان بالطبع ~~المتحابتان بالجوهر والغريزة على ما يقول ~~القدماء. ونحن في نهضتنا الحالية نصارع من ~~أجل العقل وندعو إلى العقلانية وكأنها تراث ~~الغير وليس التراث الذاتي. ~~(2) # بالرغم من جعل الطبيعة مخلوقة من الله إلا ~~أن العلم نشأ للسيطرة على قوانين الطبيعة التي ~~سخرها الله لخدمة الإنسان، فكان الفلاسفة ~~القدماء علماء طبيعة وكيمياء وفلك ورياضة ~~وطب وصيدلة، وفي الوقت نفسه متكلمين ~~وفقهاء وفلاسفة وأدباء. وظهر أصحاب الطبائع ~~من المتكلمين يحللون الكمون والطفرة ~~والذرات في الطبيعة. ونحن الآن في نهضتنا ~~الحديثة خاصة عند أنصار الغرب نحاول من جديد ~~الدعوة إلى العلم وإلى الفكر الطبيعي. ~~(3) # إثبات حرية الإنسان وخلق أفعاله خاصة عند ~~المعتزلة، وأن له قدرة واستطاعة، وأنه ~~قادر على الاختيار بما له من عقل وتمييز، ~~وبما يتمتع به من تدبر وروية، والتأكيد ~~على الغائية والبواعث في الحياة، وإثبات ~~الصلاح والأصلح وأن الله لا يفعل إلا ما فيه ~~مصلحة العباد، بدلا من العشوائية والتشتت ~~والتضارب في الاتجاهات. ~~(4) # بالرغم من أولوية النظر على العمل إلا أن ~~قيمة العمل ظهرت أيضا في أصول الدين، خاصة ~~عند المعتزلة والخوارج، فالعمل هو مقياس ~~الإيمان، ومن لا عمل له لا إيمان له، والعمل ~~هو العمل الصادق الكامل الذي لا يقبل أنصاف ~~الحلول أو المساومة. كما ظهر في أصول الفقه ~~على أنه غاية الشريعة، يتم في الوقت على الفور ~~وإلا كان متراخيا وقضاء. كما ظهر في التصوف ms050 ~~على أنه الطريق إلى المعرفة، فالأحوال ثمرات ~~الأعمال. والدعوة إلى العمل منتشرة في الأمثال ~~العامية والأدب الشعبي انتشارها في نصوص ~~التراث. ~~(5) # بالرغم من سيادة بعض القيم السلبية في ~~التصوف إلا أنه ظهرت به أيضا موضوعات الطاقة ~~والحركة والنشاط ومفاهيم الارتقاء والنكوص، ~~والتقدم والتأخر. وقد استطاع بعض الصوفية ~~تحريك الجماهير وحشد قوى المعارضة وتفجير ~~طاقات الناس وتوجيههم في ثورات شعبية عامة. ~~كما استطاع «إقبال» تحويل التصوف إلى طاقة ~~حيوية وحركة في التاريخ توقظ الأمة وتبعث ~~نهضتنا. المهم هو تغيير محوره من الأعلى ~~والأدنى إلى الأمام والخلف حتى تتحقق الوحدة ~~الشاملة بالفعل بين الواقع والمثال، وليس فقط ~~عن طريق الخيال. ~~(6) # اعتبار المصلحة هي أساس الشرع كما وضح في ~~علم أصول الفقه وأن «ما رآه المسلمون حسنا ~~فهو عند الله حسن» وأن «لا ضرر ولا ضرار»، ~~وهي المبادئ المقررة عند القدماء. فقد قام ~~الشرع على الحفاظ على مصالح الناس، وهي ~~الضرورات الخمس: الدين، والعقل، والحياة، ~~والنسل، والمال. وكل ما حافظ عليها فهو شرعي ~~وكل ما هددها فهو غير شرعي. والاجتهاد هو ~~إعمال الجهد للاستدلال، وإبداع حلول جديدة ~~فيها الحفاظ على المصالح العامة. # فإذا ما استطاعت الأمة إيقاف سلبيات التراث والاستمرار ~~في إيجابياته تحققت شروط النهضة الحضارية من الداخل دون ~~ما حاجة إلى «التغريب». ~~(3) سلطة التراث # والتراث ليس مكتوبا فقط، وليس حيا في شعور الناس فقط، بل ~~يمثل سلطة قد تكون أقوى من السلطة السياسية القائمة. دخل ~~التراث في معارك تدعيم السلطة السياسية كما دخل لتأليب حركات ~~المعارضة. وتمثلته أيضا مختلف القوى الاجتماعية. ~~(أ) التراث وحركات المعارضة # لما استتب الأمر للدولة الأموية أفرزت فكر السلطة أو ~~تراث الأمر الواقع، فظهرت سلطوية التصور، وعقائد القضاء ~~والقدر، والإيمان بالقول؛ حتى تستكين الناس وترضى بالأمر ~~الواقع، فالمفضول أولى من الأفضل، وكل شيء في هذا الكون ~~يتم بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولما كانت ~~الدولة الأموية قد اغتصبت السلطة اغتصابا ظهرت حركات ~~المعارضة؛ كل منها يفرز فكرها وعقائدها لتغير الأمر ~~الواقع وكان أبرزها: ~~(1) # الشيعة: ms051 التي ترى السلطة الأموية مغتصبة ~~للخلافة التي تم اغتصابها قبل ذلك منذ وفاة ~~الرسول. وصاغت عقائدها في الإمام من أجل ~~فعالية المعارضة ونجاحها: الألوهية ~~(الكاريسمية)، العلم الباطني، الغيبة، ~~التقية، العصمة ... إلخ. وبهذه العقائد يمكن ~~تجنيد الجماهير وطاعة الإمام ونائبه كما حدث ~~في الثورة الإيرانية. ~~(2) # الخوارج: التي ترى أن الإمامة تكون ~~بالاختيار والبيعة لا بالقهر والسيف والترغيب ~~والترهيب كما حدث في الدولة الأموية، وصاغت ~~عقائد تساعدها على المعارضة مثل العمل الذي ~~لا ينفصل عن الإيمان، الإسلام الذي لا ~~يتجزأ، التنزيه الخالص، وجوب الخروج على ~~الدولة، الاستشهاد في سبيل الله كما يحدث ~~أحيانا في الجماعات الإسلامية ~~المعاصرة. ~~(3) # المعتزلة: التي وجدت في الأصول الخمسة بناء ~~عقائديا للمعارضة: التنزيه في مقابل ~~التشخيص، والعقل، والحرية، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وكان الهدف من (المنزلة ~~بين المنزلتين) إيجاد نوع من الوحدة ~~الوطنية تضم جميع فئات المعارضة، ولكنها ~~معارضة فكرية من خلال الوضع القائم وليس ~~خروجا بالسيف. # وقد ظهرت معارضة نشطة دون أن تنتج فكرا للمعارضة مثل ~~معارضة بعض الصوفية عن طريق النصح والإرشاد، ومعارضة بعض ~~الفقهاء قياما بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وممارسة لوظيفة الحسبة. ~~(ب) التراث والقوى الاجتماعية # وقد وجدت القوى الاجتماعية في نظريات التراث واتجاهاته ~~خير سند لها، وتدعيما لمركزها الاجتماعي. كما أنها ساعدت ~~على إفرازها وصياغتها وتحويلها إلى فكر رسمي للدولة. ~~ويمكن وصفها كالآتي: ~~(1) # طبقة الأمراء والحكام أرادت لتزيين مجالسها ~~الشعراء والأدباء والفلاسفة والعلماء. فنشأت ~~الفلسفة والأدب من داخل قصور الأمراء. ومنهم ~~من تقلد الوزارة مثل ابن سينا أو تقلد ~~المناصب العليا مثل تقلد ابن رشد قضاء ~~قرطبة، ومنهم من كان نجم سيف الدولة ~~الحمداني مثل الفارابي. ومن هنا خرج فكر ~~الصفوة، فكرا فلسفيا نظريا، وجد في ~~الفلسفة اليونانية، فلسفة الصفوة أيضا، ما ~~يريد. ~~(2) # طبقة العلماء والفقهاء والمحدثين، وهم في ~~غالبهم ينتسبون إلى الطريقة المتوسطة، لا ~~يهتمون بتغيير الأوضاع الاجتماعية، بل العمل ~~من خلال الأوضاع الموجودة، وهو الفكر الرسمي ~~لأهل السنة الذي أصبح فكر الدولة والذي منه ~~تمت صياغة كل علوم التراث ms052 والتي استمرت حتى ~~الآن. يغلب عليه الاتزان والهدوء، ويرفض ~~الدخيل، على عكس الفلاسفة الذين تمثلوا ~~الحضارات المجاورة ودافعوا عنها. ~~(3) # عامة الناس التي انتشر فيها التصوف والذي ~~تحول فيما بعد إلى طرق منظمة قادرة على حشد ~~الآلاف. ولما كان التصوف حركة استبطان ~~ورجوع إلى الذات وترك العالم فقد أيدته ~~الدولة وغذته بالفكر الرسمي الأشعري، فكر ~~السلطة القائم على سلطوية التصور. # وحتى الآن ما زالت إلى الآن اتجاهات التراث المختلفة ~~تستخدم لتدعيم القوى الاجتماعية مثل استخدام الإسلام ~~«الشعائري» لتدعيم الوضع القائم نظرا لعدم مساسه ~~بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكذلك ~~استخدم الإسلام «الباطن» للتأكيد على دور الإلهام في ~~حياة الناس وأن العقل قاصر عن التحليل والفهم، وأن كل ~~مشاكل العالم الخارجي إنما تجد حلها في «التحول إلى ~~الداخل» وفي مقولات الإيمان والطاعة والرضى. ~~(ج) التراث والثورة # التراث نعلمه جميعا، والثورة تعيشها أجيالنا بصرف النظر ~~عن مراحلها: الإصلاح الديني أو النهضة أو الثورة في ~~النهاية. فقد قدمت الشعوب غير الأوربية موضوع الثورة ~~والتحرر إلى الوعي الإنساني على أساس أنه تجربة عمرها. ~~ولما كانت شعوبا تراثية ثار في ذهنها إشكال التراث ~~والنهضة كمقدمة للثورة. # وقد حاول المصلحون والمفكرون إعداد التراث كي يكون ~~ركيزة للنهضة، ويمكن إجمال هذا الإعداد في ~~ثلاث: ~~(1) # تغيير المراكز من الواحد إلى الكثير، أو ~~بتعبير ديني شائع: من الله إلى الإنسان؛ # 2 # حتى يتم تفجير القوى من خلال ~~الفرد. فلا يوجد عصر نهضة بلا نزعة إنسانية، ~~يسترد فيها الإنسان العلم والقدرة والحياة ~~والسمع والبصر والكلام والإرادة من الله؛ لأن ~~الله # غني عن ~~العالمين ~~[آل عمران: 97]، جل ~~شأنه، وتعالى عما نصف. وكل نهضة في حقيقة ~~الأمر إنما تعني الانتقال من «التمركز حول ~~الله» إلى «التمركز حول الإنسان». ~~(2) # تغيير المحاور، من الأعلى والأدنى إلى ~~الأمام والخلف؛ وذلك أن الارتقاء والنكوص في ~~التراث يتمان صعودا وهبوطا كما هو واضح في ~~نظرية الفيض عند الفلاسفة وفي المقامات عند ~~الصوفية. والشعوب في نهضتها إنما تنتقل من ~~التخلف إلى التقدم، فالأعلى في التراث هو ~~التقدم في النهضة، والأسفل ms053 في التراث هو ~~التأخر في النهضة. وعلى هذا يتحول الخلود إلى ~~زمان، والزمان إلى تاريخ. ~~(3) # تغيير المستويات اللاهوتية والفقهية ~~والصورية إلى مستويات شعورية واجتماعية؛ حتى ~~يتم تحليل الظواهر تحليلا إنسانيا ~~خالصا. فالعقائد ليست أبنية إلهية، ~~والأحكام ليست أوامر أو نواهي إلهية، ~~والشرائع ليست مجرد قوانين صورية، بل كل ذلك ~~له وجود طبيعي في شعور الفرد وفي علاقاته ~~الاجتماعية. وبالتالي كان الانتقال من العلوم ~~الدينية إلى العلوم الإنسانية انتقالا ~~ضروريا حتى تتم الحركة من التراث إلى ~~النهضة. # | ثانيا: تراث الغير # ولما كان الوعي الحضاري الذي أنتج التراث الذاتي وعيا متفتحا ~~على الحضارات الأخرى فإنه سرعان ما تمثل تراث الغير واحتواه ~~واستعمل لغته، واستعمل أساليبه، واستخدم طرقه، وأكمل نقائصه. ثم ~~أبدع بمناسبته خلقه الذاتي. استطاع القدماء احتواء حضارة العقل ~~عند اليونان والديانات الشرقية في فارس، وعلوم الهند. # أما المحدثون فإنهم في انفتاح وعيهم الحضاري الجديد على تراث ~~الغير، التراث الغربي، حدثت لديهم «صدمة الحداثة» وخلطوا بين ~~التحديث والتغريب، فكان من الضروري «تحجيم» تراث الغير، ورده إلى ~~حدوده الطبيعية داخل بيئته المحلية. ~~(1) الحداثة والتحديث # تعني الحداثة هنا الانتقال من التراث الذاتي إلى تراث الغير ~~ليس على مستوى الثقافة، بل على مستوى السلوك اليومي والعادات ~~والتقاليد. وهنا يتم الخلط بين الحداثة في السلوك وتحديث ~~المجتمعات أي تغيير نظمها الاجتماعية، وكأن «العصرية» تعني فقط ~~السلوك المهذب للأفراد دون تنمية اجتماعية شاملة. ~~(أ) مظاهر الحداثة # وقد بدت عند أجيالنا المعاصرة مظاهر الحداثة لدى ~~الطبقات العليا من المجتمع كي تلحق بالعصر، وكما حدث في ~~تركيا بعد الثورة الكمالية، وكما حدث في مصر في القرن ~~الماضي حتى قبيل الثورة المصرية في 1952م. وقد بدت مظاهر ~~الحداثة كالآتي: ~~(1) # العيش على مستوى الإنتاج الآلي في الغرب، ~~والتمتع بالخدمات الحديثة واستيراد أحدث ~~الاختراعات لتسهيل رغد العيش. وكما تحدث في ~~مجتمعاتنا الصحراوية الحالية من وجود أحدث ~~أنواع الاختراعات الحديثة في الغرب. ~~(2) # الحداثة في مظاهر الحياة الخارجية في ~~العمارة والهندسة وفي العمران بوجه عام من ~~شق الطرق، وتشييد الجسور العلوية، وإقامة ~~الميادين والحدائق ms054 العامة، والانتقال من عصر ~~«الجمال» إلى عصر «الصواريخ»، ونقل إنجازات ~~الغير دون اختراعها. ~~(3) # الحداثة في الثقافة، والاطلاع على آخر صيحات ~~العصر في الفكر والفن والأدب، دون وعي داخلي، ~~لتزيين القصور ولحديث الأندية والمجتمعات. ~~فالثقافة ترف، والفن سلعة، والأدب من ~~المستلزمات العصرية. وهنا تنشأ أقلية من ~~العصريين، امتدادا لثقافة الغير وعاداته ~~وتقاليده ، تكون نواة النخبة السياسية فيما ~~بعد. ~~(ب) مخاطر الحداثة # والحداثة بهذا المعنى لها مخاطر عدة منها: ~~(1) # ترويج التقدم على السطح، وترك التخلف في ~~العمق وفي تصور الناس للعالم، وكما قال أحد ~~شعرائنا المعاصرين: «لبسنا قشرة الحضارة، ~~والروح جاهلية.» ~~(2) # انقطاع الماضي عن الحاضر، وغياب أي تطور ~~طبيعي بينهما؛ مما يسبب في الحياة العامة ~~تجاورهما المكاني دون أي اتصال زماني. ~~فتشيد الأبنية الحديثة في مقابل الأبنية ~~القديمة دون تطوير للقديم ودون ربط للجديد ~~به. ~~(3) # توليد المحافظة من أجل الدفاع عن القديم، ~~وإحداث تيار عكسي للحداثة ورفض ما هو قائم. ~~فما دام القديم قد توقف نموه بسبب موانع ~~الجديد فإنه لا يبقى أمامه إلا التطور إلى ~~الوراء. ~~(4) # القضاء على خصوصية القديم ونوعيته، ~~والتنكر لها أو الجهل بها تماما وإحلال ~~الشمول محلها. وعادة ما يكون الشمول الغربي ~~الذي هو في حقيقة الأمر خصوصية غربية انتشرت ~~خارج حدودها بسبب تقدم الغرب السابق لنهضة ~~الشعوب غير الأوروبية بحوالي خمسمائة عام، ~~منذ عصر النهضة الأوروبي. ~~(5) # عدم اللحاق بالغرب وإنتاجه السريع، ~~واللهث وراءه. فإن معدل إنتاج الغرب أسرع ~~بكثير من معدل تمثل الشعوب غير الأوروبية ~~له. وهنا تحدث «الصدمة الحضارية». مع أن هذا ~~التجديد المستمر يهدف إلى إيجاد البديل النظري ~~في الوعي الأوروبي بعد إسقاط الغطاء النظري ~~القديم منذ عصر النهضة، في حين أن الشعوب غير ~~الأوروبية ما زالت تحت غطائها النظري ~~الموروث. ~~(6) # تكوين طبقة من «المستغربين» أو ما سماهم ~~فكرنا المعاصر «المتأوربين» منعزلة عن ~~جموع الشعب لا أرض لهم، يعيشون في العواصم ~~الأوروبية ويتنقلون بينها، وقد يولدون ~~فيها ويموتون بها مثل ملاك الأرض الغائبين ~~على مستوى الدولة. ~~(7) # الولاء للغرب، إذ إنها تدور في فلك ~~الأجنبي، وتمثل ms055 مراكز الاستعمار الثقافي في ~~البلاد، هم النخبة السياسية والثقافية ~~والاجتماعية، أجانب ومصريون متأوربون، وأول ~~من يجرفهم التيار في الثورة الوطنية كما حدث ~~في مصر في ثورة 1952م. فقد كان «طرد الأجانب» ~~باستمرار أحد المطالب الوطنية كما حدث في ~~ثورة عرابي. ~~(ج) دور الحداثة # بالرغم من سلبيات الحداثة في مظاهرها ومخاطرها، فقد كان ~~لها بعض الدور مثل: ~~(1) # تعليم جيل في التخصصات الدقيقة كان له ~~فاعلية وأثر على حياة البلاد في العمران بوجه ~~عام والحياة الثقافية بوجه خاص، فأنشئت ~~المدن الجديدة، وأقيمت البنايات الحديثة، ~~ومهدت الطرق، وشيدت الجسور والسدود، إما ~~لبقايا من وطنية أو لخدمة الاقتصاد الغربي أو ~~للسيطرة على ثروات البلاد. ~~(2) # تعليم أجيال لاحقة من الوطنيين أصبح ولاء ~~معظمهم للبلاد، فاتسعت قاعدة الفنيين ~~والمتخصصين مما ساعد على إعداد «البناء ~~التحتي» للبلاد، وظلت البلاد في هذا الصراع ~~بين المتخصص غير الوطني والمتخصص الوطني ~~أولا، ثم بين الوطني غير المتخصص بعد الثورة ~~المصرية وغير الوطني وغير المتخصص في جيلنا ~~هذا ثانيا بعد احتجاب مصر وظهور طبقة من غير ~~الوطنيين وغير المتخصصين، لا أهل خبرة ولا ~~أهل ثقة. ~~(3) # كان المتأوربون نافذة لمصر خاصة وللأمة ~~العربية عامة على العالم الخارجي. فمن ~~خلالها اطلع الوطنيون على مظاهر التقدم ~~الأوروبي؛ مما أوحى لبعض الحكام جعل مصر ~~«قطعة من أوروبا»، وكما حاول الغرب الشيء ~~نفسه مع إيران قبل الثورة، فقد كانوا صحفيين ~~ومفكرين وساسة ورحالة، ولكن كان معظمهم ~~علماء ومهندسين وفنيين. ~~(4) # كانوا نافذة للغرب على العالم العربي. ~~فاستطاع الغرب أن يرى من خلالهم الشعوب غير ~~الأوروبية سواء من خلال كتاباتهم عن شعوبهم؛ ~~مصر والشام خاصة، أو من سلوكهم وتقاليدهم ~~وأحاديثهم عن بلادهم في الخارج. فقد رأى ~~الغربيون صورة الشعوب غير الأوروبية مجسدة ~~في أشخاصهم. ~~(2) التحديث والتغريب # والحقيقة أن هذه الحداثة في سلوك الأفراد لم تنتج أثرا في ~~تحديث المجتمعات تحديثا شاملا؛ نظرا لقيامها على «التغريب» ~~في الوعي القومي، فالتحديث هو محاولة تغيير المجتمعات على يد ~~«المحدثين» الذين هم في واقع الأمر ضحية التغريب في وعيهم ~~الثقافي والوطني. ~~(أ) ms056 النقل والاستيعاب # يفترض التغريب أن وظيفة الشعوب غير الأوروبية هي النقل ~~والاستيعاب لإبداعات الغرب، وكلما أبدع الغرب لحق غير ~~الأوروبي بالنقل دون التمثل أو الفهم أو حتى مجرد ~~التفكير فيما ينقل. وقد أدى ذلك في الشعوب غير الأوروبية ~~إلى الآتي: ~~(1) # الخلط بين العلم والمعرفة؛ وذلك أن العلم ~~شيء والمعارف العلمية شيء آخر . العلم هو نشأة ~~العلم بناء على تصور علمي للعالم وليس مجموعة ~~من المعارف يحملها جاهل بنشأتها. ولكننا لم ~~نع هذا الخلط لأن وجداننا القومي يرى أنه ~~«رب سامع أوعى من مبلغ» مع أن ذلك في ~~الاستفادة والاستعمال وليس في الإبداع. فلا ~~مانع لدى العالم أن يكون ناقلا لآخر ~~النظريات في علوم الذرة ثم يتبرك بآل البيت، ~~ويغير واقعه بالدعاء. ~~(2) # تصور أن التقدم هو استيراد آخر الاختراعات ~~وإنجازات التكنولوجيا الحديثة وليس إبداع ~~وسائل للسيطرة على الطبيعة حتى اضطرت ~~الشعوب غير الأوروبية إلى انتظار «قطع الغيار» ~~لوسائل لم تبدعها. ولما كان معدل الاختراع ~~أكبر من معدل النقل تحولت مجتمعاتنا إلى ~~مجتمعات استهلاكية صرفة لما ينتجه الغرب. ~~ويصدر الغرب اختراعاته السابقة التي ما زالت ~~بالنسبة لنا تمثل لحاقا بالتقدم العلمي ~~والتكنولوجي. ~~(3) # القفز إلى النتائج دون المقدمات، وقطف ~~الثمار بلا غرس، وجني الأوراق بلا جذور ~~بالرغم من قراءتنا # أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء ~~[إبراهيم: 24]. ~~فالإنجازات العلمية إنما أتت بعد تطور طويل ~~للمنظور العلمي منذ عصر النهضة في القرن ~~السادس عشر حتى عصر الاكتشافات العلمية في ~~القرن الماضي، وتكنولوجيا هذا القرن. ولكن ~~مجتمعاتنا تحاول أن تعيش في عصر النهضة وأن ~~تقفز إلى عصر التكنولوجيا دون أن يحدث تطور ~~طبيعي في منظورها العلمي أو في تصورها للعالم؛ ~~لأن التاريخ ومراحله ليس بعدا في وجداننا ~~القومي. ~~(ب) مخاطر التغريب # وقد أدى التغريب إلى عدة مخاطر أهمها: ~~(1) # التعلم المستمر والتتلمذ على أيدي الغير ~~إلى ما لا نهاية، والتهميش والترجمة لما نتعلم ~~حتى يرهق الذهن ويضيع الوقت في الاستيعاب ~~ويتحول الذهن إلى «متلقي العلم» وليس إلى ~~«مبدع العلم»، ويصبح العلم كما هائلا ~~بلا كيف، ويغلب على إنتاجنا ms057 طابع التجميع ~~والعرض باسم العلم، ويصبح العالم هو صاحب ~~العلم الغزير، ويكون أفضل عالم هو العالم ~~الموسوعي. ~~(2) # لما كان معدل الإنتاج الغربي أسرع بكثير من ~~معدل الترجمة، طالت فترة الترجمة والتجميع ولم ~~نتحول بعد إلى التأليف والإبداع، مع أن ~~فترة الترجمة الأولى لم تستغرق أكثر من مائة ~~عام وهو القرن الثاني الهجري جاء بعدها ~~التأليف في القرن الثالث عند الكندي مثلا. ~~ونحن قد بدأنا الترجمة في القرن الماضي منذ ~~بعثات محمد علي وتحت إشراف الطهطاوي وما زلنا ~~نشكو من نقص التراجم. ~~(3) # تكوين مركب العظمة الحضاري لدى الشعوب ~~الغربية وفي مقابلها مركب النقص الحضاري لدى ~~الشعوب غير الأوروبية ما دامت العلاقة ~~أحادية الطرف، طرف يعطي وطرف يأخذ، طرف ~~يبدع وطرف ينقل، وبمرور الأجيال، تتحول ~~العادة إلى طبع، ويتحول الطبع إلى سلوك ~~طبيعي. ~~(4) # ضياع قدرة العقل على التفكير وتحويله إلى ~~وظيفة الذاكرة، أي التذكر والاستيعاب. ~~وبالتالي تقل قدرات الذكاء، وتختفي محاولات ~~الإبداع، وينتقل ذلك الموقف الحضاري العام إلى ~~نمط في الحياة الثقافية في التعليم في المدارس ~~والجامعات حتى في معاهد البحث العلمي. ~~(5) # خلق طبقة من المتخصصين لنشر العلم والقيام ~~بأعمال الترجمة لمراكز الثقافة الممثلة ~~للدول الغربية، وتوجيه الرأي العام لدى الشعوب ~~بنوع المعلومات المترجمة، ومعظمها عن مآثر ~~النهضة الأوروبية ومميزات المدنية الحديثة ~~حتى يتحول الوعي القومي من الذات إلى الغير ~~فتتكسب هذه الطبقة، وتحول العلم من رسالة ~~إلى منفعة شخصية أو إلى وجاهة اجتماعية وسط ~~شعوب في حاجة إلى التعلم والمعرفة. ~~(6) # ويزيد ولاء هذه الطبقة للغير إلى حد يقرب ~~من الخيانة الوطنية إذا ما أصبحوا أدوات ~~للغزو الثقافي الأجنبي، ورسلا للاستعمار ~~الثقافي وهم على وعي بدورهم، فيجرفهم في ~~النهاية أقرب تيار للثقافة الوطنية. ~~(ج) طغيان طابع العقلية الغربية # نظرا للكم الهائل من المنقول من تراث الغير ولانتشار ~~عادة الترجمة والتجميع في صورة تأليف، فإن «طابع» العقلية ~~الغربية سرعان ما ينتشر في أذهان الشعوب. فالكم المنقول ~~يولد معه كيف الفكر، فيفكر المثقفون بمقولات الغرب، ~~وتطبع أذهانهم بطابع العقلية الغربية التي يمكن ~~توصيفها على ms058 النحو الآتي: ~~(1) # التجزئة والتقسيم والتفتيت بدعوى التحليل ~~والدقة العلمية لرؤية المتناهي في الصغر، ~~حتى استحالت رؤية الكل الشامل. فأصبح المثقفون ~~لدينا بدعوى «المنهج التحليلي» قصيري النظر لا ~~يتجاوزون التخصص الدقيق في حياتهم العامة، ~~وفقدوا المنظور التاريخي، والبعد الحضاري ~~للعلم. وقد حدث ذلك في الغرب خاصة كرد فعل ~~على الشمول الكنسي الأرسطي ومذاهب الفلسفة في ~~العصر الوسيط والفكر الموسوعي. # 1 ~~(2) # الوقوع في المتعارضات المفتعلة والتناقضات ~~الوهمية والاتجاهات المتضاربة التي ينفي ~~أحدهما الآخر؛ مثل العقل والحس، المثالية ~~والواقعية، الصورية والمادية، العقل والعاطفة، ~~الفردية والاجتماعية، الرأسمالية والاشتراكية، ~~وكأن الحقيقة في طرف دون الطرف الآخر. وقد حدث ~~ذلك خاصة في العقل الأوروبي نتيجة لسيطرة ~~طرف ورفض الطرف الآخر لذلك. فقد دفع ~~المعطى الديني الغربي العقل إلى الروح ~~فآثر المادة، وإلى الآخرة فآثر الدنيا، وإلى ~~التسامح فأخذ العنف. ~~(3) # وكان نتيجة لذلك أن انتقل العقل الأوروبي من ~~الفعل إلى رد الفعل، ومن رد الفعل إلى الفعل ~~من جديد، يرفض اليوم ما قبله بالأمس، ويرفض ~~بالأمس ما يقبله اليوم، وأصبح من الممكن ~~دراسة الحضارة الأوروبية كلها طبقا لهذا ~~القانون من الكلاسيكية إلى الرومانسية، إلى ~~الكلاسيكية الجديدة، إلى الرومانسية الجديدة ~~في الفن، ومن المثالية إلى الواقعية إلى ~~المثالية الجديدة إلى الواقعية الجديدة في ~~الفلسفة ... إلخ. ~~(4) # ونتج التغير المستمر، وعدم الاستقرار، ~~والقلق، والبحث؛ عن بؤرة للأشياء لا يمكن ~~العثور عليها؛ إذ يمتد الذهن باستمرار إلى ~~أطراف البؤرة وليس إلى البؤرة ذاتها، وكأنه ~~غير قادر تاريخيا على حسن التصويب لفقد ~~البواعث الموجهة أو الهدف الأقصى. هذا ~~الإيقاع السريع في البحث عن شيء هو الدافع ~~وراء الإبداع المستمر من أجل الاستقرار على ~~شيء. وهو ما لم يحدث قبل ذلك في الشعوب غير ~~الأوروبية المستقرة نظريا في تصورها ~~للعالم. ~~(5) # التحيز المسبق للمادي والعياني والمحسوس ~~والاعتماد على المعرفة الحسية والتجريبية؛ ~~نظرا للعقدة من المسلمات والمصادرات ~~والمعطيات المسبقة التي مثلتها الكنيسة ~~وأرسطو، وهو ما أصبح يسمى «بالمادية ~~الأوروبية» وقد انتقلت من مجال المعرفة إلى ~~مجال الأخلاق وكأن الوعي الأوروبي قد ارتكن ~~إلى الرومان دون ms059 اليونان، وإلى اليهودية دون ~~المسيحية. ~~(6) # كل المذاهب المثالية التي حاولت إعادة صياغة ~~المسيحية على نحو عقلاني طبيعي اجتماعي، وتلك ~~التي كانت رد فعل على المذاهب المادية؛ لا ~~تخرج على حدود الوعي الأوروبي، بل تنطبق عليه ~~وحده. فمبادئ العقل والحرية والديموقراطية ~~والعدالة الاجتماعية وكل ما أعلنه ميثاق ~~«حقوق الإنسان» إنما يصدق داخل أوروبا وحدها . ~~أما خارجها فتنقلب هذه المبادئ إلى ضدها؛ ~~فخارجها لا توجد شعوب بل أشباه شعوب، ولا ~~توجد حقوق بل واجبات، ولا توجد حضارات ~~إنسانية حاضرة بل حضارات تاريخية موضوعا ~~للأنثروبولوجيا في متاحف الغرب. ~~(7) # أصبحت الحضارة الغربية هي النموذج الأوحد ~~لكل الحضارات، وتاريخها، وعصورها، وحروبها ~~تاريخ كل الشعوب، وعصور كل الحضارات، وحروب ~~كل الأمم. فيها تنصب جميع الروافد الحضارية ~~اليونانية والرومانية، واليهودية والمسيحية، ~~وكل ما سواها مقدمات لها مثل حضارات الشرق ~~القديم. وكل ما يتلوها خارج عنها مثل الإسلام ~~والنهضة الحديثة للشعوب غير الأوروبية. ~~(8) # كانت صورة الشعوب غير الأوروبية من صنع ~~الاستشراق والتبشير والأنثربولوجيا والعلوم ~~التاريخية: قبائل وطوائف، وشعوب بدائية، ~~وحضارات فجر التاريخ، سكون، وحركة، وتخلف. ~~وبعد البعثات التعليمية في الغرب قامت نهضتنا ~~الحديثة في «الدول المتحررة حديثا» تحاول ~~إيجاد صياغات للدولة ومذاهب للمجتمع. هي شعوب ~~هلامية ودول لم تتشكل بعد في صياغاتها ~~النهائية، تفتقد إلى الاستقرار، وتدور عليها ~~الانقلابات العسكرية. ~~(9) # الانتشار خارج الحدود من أجل تحويل حضارة ~~الغرب إلى حضارة الإنسانية جمعاء، والانتقال ~~من الخصوصية إلى الشمول. وقد حقق التبشير ~~والاستعمار والغزو الثقافي هذا الهدف حتى ~~قامت النهضات الحديثة للشعوب غير الأوروبية ~~للتحرر من الاستعمار ولصياغة الثقافات ~~الوطنية. ~~(3) التحرر من الغير # ومنذ فجر النهضة العربية الحديثة وقد بدأت محاولات التحرر ~~من الغير وبعث التراث الذاتي في مواجهة تراث الغير، وبصرف ~~النظر عن درجة هذا التحرر وأسلوبه من رفض شامل إلى رفض جزئي، ~~وبصرف النظر أيضا عن نجاحه التام أو نجاحه النسبي، أو فشله ~~التام أو فشله النسبي. ~~(أ) مرآة الغير # ومنذ اتصال التراث الذاتي بتراث الغير استطاعت الأنا ~~رؤية ذاتها في الآخر، وأصبحت وظيفة الغير مرآة ترى فيها ms060 ~~الذات نفسها وحدودها وقد تم ذلك على النحو الآتي: ~~(1) # الاطلاع على الجديد، والإقدام على حضارة ~~الغير، كما حدث أولا مع اليونان، دون تهيب ~~أو رهبة، ومحاولة معرفة كل شيء سواء في العلوم ~~الطبيعية أو في العلوم الإنسانية، وكأن الدعوة ~~إلى التعلم تحولت من مجرد نص مكتوب إلى باعث ~~حضاري. ~~(2) # حدوث الصدمة الحضارية التي وقعت للمشايخ ~~والعلماء أمام تجارب نابليون والتي عبر ~~عنها الكتاب والأدباء في وصفهم للآخر مثل ~~«تخليص الإبريز» للطهطاوي، و«حديث عيسى بن ~~هشام» للمويلحي. وتم اكتشاف الذات بالمقارنة ~~مع الغير، مع إحساس قوي بالتغاير. ~~(3) # تمثل حضارة الغير والنهل منها، ~~وانتقاء لحظات تجد فيها الذات نفسها مثل ~~«الثورة الفرنسية» وأفكار الحرية والعدالة ~~والمساواة والوطن والدستور والتي كان لها ~~أبلغ الأثر في نهضتنا الحديثة (الطهطاوي، ~~أديب إسحاق ... إلخ). ~~(4) # بدايات النقد الذاتي لتراث الذات بمناسبة ~~تراث الغير، ثم اكتشاف أن هذا النقد الذاتي ~~يتفق مع بواعث التراث الذاتي في نشأته الأولى ~~مثل تعليم البنات كما هو الحال عند الطهطاوي ~~في «المرشد الأمين». # فما سماه الغرب خطأ بدايات الامتداد الثقافي الغربي في ~~الشرق، هو في حقيقة الأمر بدايات رؤية الشرق لنفسه في ~~مرآة الغرب. فكان الغرب مجرد عاكس للشرق لأصوله وتراثه ~~وقيمه وحضارته. ~~(ب) تأصيل الغير # وبالرغم من صدق الذات في اختيار اللحظة التاريخية عند ~~الغير، الثورة الفرنسية، فقد حاولت تأصيل فلسفة «التنوير» ~~التي عليها قامت الثورة بعد أن وجدت فيها شروط نهضتنا. ~~فقد مثل لها «التنوير» احتياجاتها العقلية وما زال على ~~النحو الآتي: ~~(1) # العقل ضد الخرافة والوهم، وإعمال النظر ~~والروية والتفكير في الأمور والتخطيط لها. ~~وقد دفع ذلك رواد النهضة إلى اكتشاف دور ~~العقل عند القدماء والاجتهاد في مقابل ~~التقليد. وما زلنا حتى الآن نحاول إرساء ~~دعائم العقلانية وجعل العقل أساسا للنهضة ~~الحديثة، سواء عند المصلحين أو ~~الليبراليين. ~~(2) # أثبت العقل جدارته في النقد وجرأته على ~~القديم في الرفض حتى تحول فيما بعد إلى نقد ~~مجتمعاتنا المعاصرة وخفت حدة «المقدسات» ~~وأعيد النظر في المسلمات، وبدأت ~~الاستفسارات، وعمت التساؤلات، وأعيد النظر في ~~الاختيارات ms061 الأولى، وطرحت البدائل من جديد. ~~وبدأت معركة القدماء والمحدثين، وإحياء ~~التيار الاعتزالي كما هو واضح عند محمد ~~عبده. ~~(3) # العلم الطبيعي وإنجازاته في فهم ظواهر الكون ~~والسيطرة على قوى الطبيعة وتسخيرها لصالح ~~الإنسان، وامتداده إلى الحياة الإنسانية. فنشأ ~~الفكر الطبيعي العلمي (شبلي شميل، فرح أنطون، ~~نقولا حداد، يعقوب صروف ... إلخ) ودراسة ~~المجتمعات على نحو علمي. وظل هذا المطلب إلى ~~الآن عند دعاة الفكر العلمي من الليبراليين أو ~~الماركسيين واكتشاف ذلك عند القدماء كما فعل ~~الأفغاني مع نظرية التطور. ~~(4) # ظهور النزعة الإنسانية والاهتمام بحياة ~~الإنسان الفردية والاجتماعية والإقلال من ~~الموضوعات المتعالية الني كثرت عند القدماء، ~~واكتشاف ذلك في أسس الشرع وفي مقاصد الوحي ~~الذي أتى من أجل مصلحة الإنسان ومنفعته في ~~الدنيا. ~~(5) # التركيز على الحرية والديموقراطية والدستور ~~والحياة النيابية، وتأصيل ذلك في الشورى ~~والبيعة عند القدماء، واحترام تعدد الآراء ~~والآراء المعارضة، واكتشاف ذلك عن القدماء في ~~اختلاف الأئمة كرحمة بينهم. ~~(6) # الإعجاب بالعلوم الاجتماعية وبفلسفات ~~التاريخ، وبتقدم المجتمعات ونهضتها، والثناء ~~على الحركات الاشتراكية وثورات الشعوب ونضال ~~العمال، وثورة المضطهدين، وتأصيل ذلك عند ~~القدماء في العدالة ضد الظلم وسنن الله في ~~الكون، والخروج على الحكام. ~~(ج) تحجيم الغير # وإثر رواد النهضة الأولى في القرن الماضي بدأت الأجيال ~~التالية، نظرا لمخاطر الحداثة والتغريب وإفساحا لإبداع ~~الذات، مشروعا آخر بعد مرآة الغرب وهو تحجيم الغرب؛ وذلك ~~على النحو التالي: # 2 ~~(1) # إدراك «محلية» الثقافة الغربية وأنها خاضعة ~~لظروفها الخاصة وقد تكونت بفعل روافدها ~~اليوناني الروماني أو اليهودي المسيحي أو ~~البيئة الأوروبية نفسها. وكشف القناع عن ~~دعواها في الشمولية التي تخفي وراءها الرغبة ~~في الانتشار خارج حدودها؛ تحقيقا للهيمنة على ~~غيرها من الثقافات كمقدمة للسيطرة على ~~الشعوب. ~~(2) # تحجيم الغرب داخل حدوده الطبيعية، ودراسة ~~ثقافته ككل واحد لا يتجزأ، له بداية ~~ونهاية، له بناء وتطور، له روافد وآثار، وله ~~سمات مميزة خلقت عقلية ذات طابع معين، ~~وتطبيق مبادئ علم اجتماع الثقافة على ثقافته، ~~وتحويلها أيضا إلى موضوع للأنثربولوجيا ~~الثقافية. ~~(3) # التخلص من إشعاعاته وآثاره الثقافية لدى ~~الشعوب غير الأوروبية التي ms062 بدأت نهضتها ~~واكتشاف تراثها الذاتي؛ وذلك عن طريق إرجاعه ~~إلى مصادره في بيئته الخاصة بعد أن أصبح لها ~~مستقرا ومستودعا، وبداية عملية رفض ~~الجسم الغريب، ويسهل ذلك بعد رؤيته كآخر ~~مغاير للذات، ورؤيته له عن بعد كموضوع ~~مستقل مغاير. ~~(4) # المساهمة في كتابة تاريخ له، ورؤيته من ~~منظور غير أوروبي، أي إعادة كتابة تاريخ ~~الثقافة الغربية من باحثين ومفكرين غير ~~أوروبيين كما فعل الباحثون الأوروبيون في ~~الماضي مع الثقافات غير الأوروبية. وبالتالي ~~ينشأ علم «الاستغراب» في مقابل «الاستشراق»، ~~وقد يكون هذه المرة أسعد حظا، خاليا من ~~الإسقاطات والبواعث غير العلمية. ~~(5) # نقد الثقافة الغربية، باتجاهاتها، ومذاهبها، ~~وتياراتها وبيان حدودها من منظور غير غربي ~~وإقامة «علم نقد الثقافة» خارج قانون الفعل ~~ورد الفعل الذي يقوم عليه نقد الاتجاهات ~~المتباينة بعضها للبعض، وقد يكون نقد «الشاهد ~~العدل» أكثر قبولا من نقد الخصوم. ~~(6) # إفادة الغرب ذاته بإعطاء نماذج أخرى من ~~الثقافات؛ حتى يتعرف عليها، فيأخذ موقف ~~المتعلم، ويصبح معلم الأمس تلميذ اليوم ~~فيخف من لديه مركب العظمة كما خف ~~لدى الشعوب غير الأوروبية مركب النقص، وتصبح ~~الثقافات الإنسانية على قدم المساواة في ~~الإسهام في الحضارة البشرية؛ طبقا لمثل # وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا ~~[الحجرات: ~~13]. ~~(7) # القضاء على تمركز الحضارة البشرية على ~~الحضارة الغربية، وعلى تمركز الحضارة الغربية ~~حول ذاتها؛ فقد وقع ظلم تاريخي على الشعوب ~~غير الأوروبية عندما استبعدت من تاريخ ~~العالم المحوري بعد أن أزاحها الغرب إلى هامش ~~التاريخ أو بداياته الأولى، ونهاية أسطورة أن ~~تاريخ الغرب هو تاريخ العالم، وأن عصور الغرب ~~القديمة والوسطى والحديثة هي عصور العالم، وأن ~~عصور الظلام والانحطاط الغربي هي عصور الظلام ~~والانحطاط للعالم. ~~(8) # تساوي جميع الحضارات الإنسانية في ~~المساهمة في الحضارة البشرية، وبالتالي ~~تتعدد الحضارات وتتفاعل فيما بينها، وتكون ~~علاقات التفاعل بالتبادل وليست أحادية الطرف ~~من الحضارة الغربية إلى الحضارات غير ~~الأوروبية. فما أعطته الحضارات الصينية ~~والهندية والفارسية والمصرية للعالم القديم قد ~~لا يقل عما أعطته الحضارة الغربية للعالم ~~الحديث. ~~(9) # حصر «فائض القيمة التاريخي» الذي دخل ضمن ~~مكونات الحضارة الغربية ms063 ورده إلى أصحابه ~~تاريخيا. فقد حدث أكبر تراكم تاريخي وأكبر ~~رصيد للإبداع البشري في الحضارة الغربية. إذ ~~جمعت من الشرق القديم عبر اليونان ~~والعبرانيين، كما جمعت من الشرق الإسلامي عبر ~~إسبانيا وجنوب إيطاليا والبلقان وتركيا حضارات ~~الشعوب غير الأوروبية. فكان تعيينها مجرد ~~حملة العلم ونقلته إلى الغرب حيث يتم ~~الإبداع. ~~(10) # تحجيم الغرب ثقافيا - كما تم تحجيمه قبل ~~ذلك سياسيا بعد ثورات الشعوب وحركات ~~التحرر الوطني ضد الاستعمار - هو مشروع ~~الشعوب غير الأوروبية ومن ضمنها الأمة العربية ~~والإسلامية. وهي مهمة عدة أجيال قادمة بعد أن ~~مهدت الأجيال السابقة لنا فرصة اكتشاف ~~تراثنا الذاتي في مرآة الغير وتأصيل ثقافته في ~~تاريخنا الثقافي. # 3 # | ثالثا: النهضة الحضارية # بعدما يتم بناء التراث الذاتي وتحجيم تراث الغير تبدأ النهضة ~~الحضارية بتفاعل الموقف التراثي مع التجارب الوطنية التي تمر بها ~~الشعوب. فالتراث هو ما يمد الشعوب بأبنيتها الفوقية، والتجارب ~~الوطنية تمدها بأبنيتها التحتية وبتفاعل البناءين تبدأ مسيرتها ~~في التاريخ. ~~(1) الثقافة الوطنية # وتمثل الثقافة الوطنية نتيجة هذا التفاعل بين الموقف ~~التراثي والتجارب الوطنية أو أنها حلقة الاتصال بين الثقافة ~~الذاتية والتجربة الوطنية، خاصة وأن كليهما يشترك في مواجهة ~~هيمنة الغير الثقافية والسياسية. ~~(أ) حركات التحرر الوطني # لقد استطاعت الشعوب غير الأوروبية أن تقدم تجربة ~~فريدة في تاريخ البشرية وهي تجربة التحرر الوطني من ~~الاستعمار التي هزت موازين القوى في العالم، وظهرت ~~الشعوب المتحررة حديثا كمركز الثقل في العالم تحفظ العالم ~~من ويلات الحروب، وتدعو لإقامة إنسانية جديدة وقواعد ~~للتعاون الدولي أكثر عدالة وإنصافا للشعوب غير الأوروبية. ~~وكانت حصيلة تجربتها على النحو التالي: ~~(1) # انتهاء عصر الهيمنة الأوروبية على الشعوب ~~غير الأوروبية، وبداية تاريخ جديد للبشرية ~~يبدأ بعصر التحرر الذي يواكب أزمة القرن ~~العشرين في الغرب، وبداية الانكماش الأوروبي ~~داخل حدود الغرب الطبيعية، وانحسار ثقافته ~~وآثاره على الغير. ~~(2) # ظهور ثقافات التحرر الوطني لدى الشعوب ~~التي تخوض تجارب التحرر مواكبة لها أو ~~سابقة عليها. فظهرت أيديولوجيات التحرر الوطني ~~عند الأفغاني والكواكبي وعبد القادر المغربي ~~وعبد الحميد بن باديس والسنوسي والمهدي ms064 وعرابي ~~وعبد الناصر، تضع فيها الشعوب خلاصة تجاربها ~~الوطنية وإبداعها وهي تتخلص من نير ~~الاستعمار. ~~(3) # تفجير القوى الوطنية الخلاقة بإسهامات في ~~موضوع كتب فيه من الجميع في تجارب التحرر ~~وتباين المنطلقات الثورية نحو الأهداف الوطنية ~~المشتركة وبداية أفكار الجبهة الوطنية والجبهة ~~المتحدة، فالوطن للجميع تجاه عدو واحد مشترك ~~وهو الاستعمار. ~~(4) # ظهور الإبداع في الحياة القومية في صورة ~~مشروعات قومية لمناهضة الاستعمار والعنصرية في ~~الخارج والتسلط والتخلف في الداخل، وكأن ~~النضال السياسي من أجل الاستقلال هو شرط ~~الإبداع القومي. ~~(ب) ثقافات التحرر الوطني # ولقد أعطت حركات التحرر الوطني نماذج عدة لثقافاتها ~~التي تمت أثناء قيام الشعوب غير الأوروبية بنضالها ضد ~~الاستعمار ومنها: ~~(1) # الثورة الثقافية في الصين وضرورة مواكبة ~~الثقافة للثورة المستمرة بعد أن أدت ~~«الكونفوشيوسية الثورية» دورها الشعبي في ~~إيقاظ الوعي القومي وتجنيد الجماهير، والقيام ~~بالمسيرة الطويلة ووضع قوانين للصراع ظنها ~~الغرب قوانين الجدل المستمدة من ~~الماركسية اللينينية، والاعتماد على الفلاحين ~~كرصيد شعبي للثورة في الدول الزراعية وعلى ~~مفاهيم الدولة والزعيم وعلى الأخلاق السياسية ~~المعروفة في التراث الصيني القديم. ~~(2) # المقاومة الفيتنامية لأكبر قوة عسكرية في ~~التاريخ، والإبداع التكنولوجي المحلي ~~(السراديب) في مواجهة آخر منتجات مصانع ~~الأسلحة الأمريكية، وإقامة جبهة التحرر الوطني ~~يكون للحزب الشيوعي فيها دور المحرك والعصب، ~~كما حدث في كوبا أيضا، ومشاركة «البوذيين» في ~~مقاومة الغزو الأجنبي، فالدين ليس فقط أفيون ~~الشعوب، بل قد يكون أيضا ثورة في مواجهة ~~الاحتلال وجعل الاستقلال الوطني أعز ما ~~تملكه الشعوب بالرغم من مساندة الأصدقاء ~~وتأييد جيرانها الأقوياء. ~~(3) # الثورة الكوبية وكيف أنها أيضا بدأت كحركة ~~تحرر وطني ضد الاستعمار، ثم تحولت تدريجيا ~~حتى أصبحت ثورة اشتراكية تزيد من رصيد الثورات ~~الاشتراكية في العالم وقضائها على الأمية في ~~أقل من عام، وتجنيد الفلاحين بعد الغزو ~~الأجنبي على السواحل، وإدراج آلاف «البغايا» ~~من مخلفات النظام الرأسمالي قبل الثورة في ~~أعمال منتجة، ووقوفها كنموذج ثوري لوحدة ~~الثورة في أمريكا اللاتينية. ~~(4) # ثورات الفلاحين في أمريكا اللاتينية ودخول ~~آباء الكنيسة الشبان في معارك النضال ~~المسلح مع الفلاحين ضد ms065 ملاك الأرض ~~والعسكريين والشركات الاحتكارية الكبرى، ~~وبداية حرب العصابات في المدن، وإقامة أول ~~تجربة اشتراكية ديموقراطية في شيلي. ~~(5) # الثورة الأفريقية وقيام حركات التحرر فيها ~~على التراث المحلي للشعوب في مواجهة حضارة ~~الرجل الأبيض وغزوه، مثل حركة «ماو ماو» ~~وأنبياء «البانتو» وغيرها من الحركات الثورية ~~المحلية، ووضعها أسس الاشتراكية الأفريقية ~~التي تقوم على الملكية المشتركة للأرض كجزء ~~من التراث الأفريقي وتراث الأسود، والثقافة ~~السوداء، والفن الأسود، وتحويل بعض الثقافات ~~إلى أيديولوجيات متكاملة مثل «الوجدانية» أو ~~«الأفريقانية». ~~(6) # الثورة الإيرانية العظمى بقيادة الأئمة ~~وبأيديولوجية الإسلام وتجنيد الجماهير في ~~الشوارع لعدة أشهر في مواجهة أعتى قوى الطغيان ~~في الداخل وأقوى الدول الاستعمارية في الخارج ~~بعد محاولات «التغريب» والقضاء على الهوية، ~~وإدخال إيران في أقوى الأحلاف العسكرية، وجعل ~~جيشها أقوى ثالث جيش في العالم. # لقد أعطت ثقافات التحرر الوطني نماذج فريدة لثورة ~~الفلاحين في مقابل ثورة العمال، وفي الجبهة الوطنية ~~المتحدة في مقابل الحزب البروليتاري، وفي الاستقلال الوطني ~~في مقابل الأحلاف المناصرة للثورة، وفي دور الدين في إطلاق ~~طاقات الجماهير الثورية، وفي صياغة أيديولوجيات مستقبلة ~~للتحرر الوطني، وما زال رصيدها يزخر بالإبداعات ~~السياسية. ~~(ج) إبداع الثقافة الوطنية # وقد أعطت الثورة العربية نموذجا فريدا لإبداع الثقافة ~~الوطنية بالرغم من تأصيله في جذور التراث، وبالرغم مما ~~عرض لهذه الثورة من انتكاسات أخيرة وذلك في الاتجاهات ~~الرئيسية الآتية: ~~(1) # دور الجيوش الوطنية في قيادة الثورة في ~~مقابل النظريات القديمة التي تجعل الجيش أداة ~~قمع في يد الدولة، أو تخرجه عن القضية ~~الوطنية بدعوى عدم تدخله في السياسة، أو أن ~~دوره في الدفاع عن العدو الخارجي ولا شأن له ~~بالعدو «الداخلي» (أنور عبد الملك)، وإذكاء ~~الوعي القومي عند الجماهير. ~~(2) # دور الدولة في التنمية؛ إذ تقبع الدولة في ~~مصر والعراق منذ آلاف السنين وهو ما يميز ~~حضارة النهر (جمال حمدان) نظرا لتنظيم ~~المياه، ودورات الري وجباية الضرائب والتسويق. ~~ومن ثم قامت الدولة بمهام التأميم والتصنيع ~~والإصلاح الزراعي، وأقامت القطاع العام ~~وقررت مجانية التعليم باسم الدولة الممثلة ~~لمجموع الشعب والمجسدة لحركة التاريخ. ms066 ~~(3) # تحالف قوى الشعب العامل كصياغة لإقامة ~~تنظيم سياسي، وتعبير ذلك عن التراث الذاتي ~~خاصة بوحدة الأمة والعروة الوثقى، وبتعبير ~~شعبي «اللحمة» و«المصطبة» و«المولد». ~~(4) # صياغة «الاشتراكية العربية» التي تقوم ~~بتحقيق مطالب الأمة في العدالة الاجتماعية ~~والمساواة وتكافؤ الفرص، وتذويب الفوارق بين ~~الطبقات بالحلول السلمية وفي إطار الوحدة ~~الوطنية عن طريق سيطرة الشعب على وسائل ~~الإنتاج، والتخطيط لصالح الأغلبية وسياسة ~~الأجور، وحقوق العمال، والقوانين الزراعية ~~لحماية الفلاح ... إلخ. ~~(5) # بروز القومية العربية كحركة تحرر وطني في ~~الخارج في مواجهة الاستعمار والصهيونية، ~~وفي الداخل في مواجهة الرجعية والتخلف، وتوحيد ~~المنطقة والدفاع عن إرادتها الوطنية المستقلة، ~~وظهور القومية في مضمونها الثوري على خلاف ~~المذاهب الثورية السياسية التي تجعل وحدة ~~المذهب السياسي تجب القوميات وخصوصيات ~~الشعوب. ~~(6) # تكوين حركة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونج ~~وبالاشتراك فيها مع الهند ويوغسلافيا، وتكوين ~~منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا، ومؤتمر ~~القارات الثلاث، والدفاع عن دول العالم الثالث ~~وحقها في السيطرة على ثرواتها. ~~(2) اتجاهات النخبة # وتتمثل اتجاهات النخبة السياسية في الاتجاهات الفكرية التي ~~سادت فكرنا المعاصر منذ فجر النهضة العربية، وهي اتجاهات ثلاثة: # 1 ~~(أ) الإصلاح الديني أو الإسلام السياسي # وهو التيار الذي بدأ منذ آخر الفقهاء القدماء، ابن ~~تيمية حتى أول المصلحين المحدثين محمد بن عبد ~~الوهاب، وسار في أثره الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ~~والكواكبي وعبد الحميد بن باديس والسنوسي وعبد القادر ~~المغربي والألوسيان والمهدي، وأخيرا حسن البنا وسيد ~~قطب، وهو يبدأ من التراث الذاتي للأمة من أجل إصلاح ديني ~~يكون مقدمة لحكم إسلامي دون وضع شروط نهضة أو مقومات ~~ثورة. وقد أظهر هذا الاتجاه: ~~(1) # الثورة ضد الاستعمار، وقد مثل ذلك ~~الأفغاني في «العروة الوثقى» والسنوسي ~~والمهدي وعبد القادر المغربي. ~~(2) # الدفاع عن الحرية والديمقراطية، والدعوة إلى ~~النظم البرلمانية، وإلى إقامة الدستور وتغيير ~~سلطة الحكام. ~~(3) # الدعوة إلى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، ~~وأخذ حقوق الفقراء في أموال الأغنياء وامتلاك ~~الفلاحين للأرض، وثورة المحرومين العاطلين كما ~~هو الحال عند الأفغاني. ~~(4) # الإسهام في حركة التقدم، وذلك بالدعوة إلى ~~العلم والقوة والصناعات الحربية من أجل إنشاء ms067 ~~الدولة الحديثة. ~~(5) # الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية أو الجامعة ~~الشرقية في مواجهة الاستعمار الغربي. # ومع ذلك فقد كانت حدود هذا الاتجاه: ~~(1) # احتياجه إلى صياغات فكرية وبرامج وطنية أكثر ~~إحكاما وتفصيلا، فالوجدان الثوري في حاجة ~~إلى برنامج الثوري؛ حتى لا تستمر اليقظة ~~الثورية إلى ما لا نهاية كما هو حادث في ~~إيران. ~~(2) # عدم رفض الفكر الطبيعي المادي باعتباره ~~فكرا ينكر الروح واستقلال المبادئ، وقد كان ~~الفكر الطبيعي جزءا من التراث الذاتي عند ~~أصحاب الطبائع من المعتزلة. ~~(3) # نقص التمييز بين الإصلاح والنهضة والثورة ~~وعدم استمرار الحركة الأولى وتطورها في ~~الحركات التالية. ~~(4) # انتهت حركة الإصلاح إلى سلفية؛ نظرا لأنها ~~لم تحكم ولم تقم بجبهة وطنية ولم تجند ~~الجماهير وراءها إلا في إيران. ~~(ب) العلمية أو الماركسية # وهو الاتجاه الذي بدأ ابتداء من تراث الغير سواء عن ~~طريق التحديث من الخارج بالترويج للفكر العلمي الغربي أو ~~التحديث من الداخل بتأصيل بعض التيارات الغربية في تراثنا ~~الذاتي. ولم يحكم هذا التيار أيضا إلا في جبهات وطنية ~~عريضة (سوريا والعراق) أو في أطراف العالم العربي (اليمن ~~الديموقراطي). وقد كانت له المميزات الآتية: ~~(1) # الثورة على الواقع ومناهضة الاستعمار، ~~وتغيير البناء الاجتماعي، وإحراز مظاهر التقدم ~~والبدء في التنمية. ~~(2) # الحماس والنشاط والفاعلية والحيوية والصفوة ~~المختارة والنخبة الثورية وهي عصب الحكم ~~وقوام الدولة. # ومع ذلك كانت حدودها: ~~(1) # عدم التخلص من تراث الغير، وسيادة الماركسية ~~«الغريبة» دون انبثاق الأيديولوجية الثورية من ~~التراث الذاتي والتجربة الوطنية. ~~(2) # الدجماطيقية، وتطبيق النظريات الجاهزة على ~~واقع قد يتحملها ولكن يظل ساكنا بالنسبة ~~لها، وقد لا يتحملها فيثور عليها إذا ما ~~تهيأت ظروف الثورة. ~~(3) # الصعوبة الفكرية وغرابة القوالب الذهنية، ~~وعدم فهم قوانين الجدل أو تحول الكم إلى كيف، ~~أو نفي النفي لدى شعوب أمية تستشهد بآيات الله ~~وأقوال الرسول وبالأمثال العامية والحكم ~~والأمثال والشواهد الشعرية. ~~(4) # الانعزال عن الواقع الإحصائي المحلي، وعدم ~~إعطاء الأولوية للواقع على النظرية، وبالتالي ~~تقع النظرة العلمية في تصور لا علمي بإنكارها ~~مادة العلم. ~~(5) # عدم قيام وحدة وطنية بين التيارات السياسية ~~المختلفة، والاستئثار بالسلطة، ms068 ثم تفكك ~~التيار السياسي الواحد إلى مجموعات وفئات ~~وطوائف وأجنحة، كل منها يبغي تصفية الآخر، ~~فتفرض عشائرية التخلف ذاتها على شمولية ~~المذهب السياسي. ~~(6) # الولاء للآخر الممثل في الثورة ~~الاشتراكية الكبرى، وتجسيدها في إحدى الدول ~~العظمى، وبالتالي فقدان الإرادة الوطنية ~~المستقلة. ~~(7) # إعطاء الأولوية للمذهب على الوطن، وللشمول ~~على الخصوصية، فيظل الحاكم هائما في الهواء ~~لا مستقر له يخشى الانقلاب أو ينعم بالسكينة ~~في بحر من اللامبالاة. ~~(ج) الليبرالية أو الرأسمالية # وهو التيار الذي بدأ في فجر النهضة العربية الحديثة، ~~والذي لم يبدأ من الموقف التراثي الذاتي أو الغيري، بل بدأ ~~من واقع الأمة ذاتها ونهضتها، والذي بدأه الطهطاوي وخير ~~الدين التونسي ولطفي السيد. وقد قدر له أن يحكم بالفعل ~~في مصر، وكانت من مآثره: ~~(1) # بناء الدولة الحديثة، دولة محمد علي، وتكوين ~~أول محاولة في المنطقة للنهضة الحضارية، وما ~~زالت آثارها في الترع والسدود ووسائل النقل ~~والموانئ ودور الثقافة والطباعة. ~~(2) # نشأة الفكر الليبرالي وما يحمله من مفاهيم ~~الحرية والدستور والعدالة. وقد كان مشبعا ~~بفكر الثورة الفرنسية، وبمفاهيم العدالة ~~والمساواة، وارتباطه بالتاريخ وبمفاهيم التقدم ~~والثورة. ~~(3) # اتحاده بالحركة الوطنية وتفجير الثورات ~~الوطنية مثل ثورة عرابي وثورة 1919م، ~~وبالأحزاب الوطنية حتى تحول إلى حركة مناهضة ~~للاستعمار على يد الجماهير قبيل الثورات ~~العربية الأخيرة. ~~(4) # ارتباطه بالاتجاه الإسلامي سواء من حيث ~~تأصيل الليبرالية في التراث الذاتي أو من حيث ~~إعادة فهم التنوير على أساس إسلامي وبناء ~~الدولة الإسلامية الشرعية، وتمثله أيضا ~~القيم التي نادى بها دعاة العلمية ~~والعلمانية. # ولكن كانت حدوده كالآتي: ~~(1) # نشأة الرأسمالية كنتيجة طبيعية لليبرالية ~~السياسية، خاصة وأنها في بلاد محدودة الدخل ~~تصبح أقرب إلى الإقطاع. ~~(2) # سيادة النظم الملكية الوراثية وهي نظم ~~تتعارض مع الليبرالية السياسية، ويفرضها ~~التخلف المتوارث. ~~(3) # التلاعب بالحرية والدستور، والدخول في لعبة ~~الأحزاب البرلمانية والأغلبية والأقلية وتغيير ~~الوزارات. ~~(4) # الفساد العام وسيادة الرشوة، والتهرب من ~~الضرائب، وذلك في نطاق الأقلية الحاكمة في ~~مقابل الأغلبية التي يسودها الثالوث الشهير: ~~الفقر والجهل والمرض. # ولهذه الأسباب قامت الثورة المصرية، ولكنها لسوء الحظ ~~اصطدمت بالاتجاهات الثلاثة الرئيسية ms069 في وجداننا القومي، ~~فاصطدمت بالإخوان الذين كانوا يمثلون آخر خيط في الإصلاح ~~الديني، كما اصطدمت بالماركسية ممثلة في الأحزاب الشيوعية، ~~واصطدمت بالليبرالية الممثلة في حزب الوفد، وكل ذلك من أجل ~~الصراع على السلطة، ولم تستطع، لسوء الحظ، أن تقيم جبهة ~~وطنية تنصهر فيها هذه التيارات الثلاثة، خاصة وأنها كانت ~~متقاربة في أهدافها ومتشابهة فيما تنادي به. كما أنها لم ~~تنشئ تنظيما سياسيا شعبيا لديها يحمي مكتسبات ~~الثورة. وبالإضافة إلى طابع الحكم الفردي الذي ساعد على ~~سلبية الجماهير نشأت طبقات جديدة أثرت على حساب الثورة ~~وورثتها في النهاية. # 2 ~~(3) الزمان والتاريخ # ويبدو أن نهضتنا الحضارية قد تعثرت في هذا القرن بالرغم من ~~بداياتها الطيبة في القرن الماضي؛ نظرا لعدم وجود تصور جدلي ~~للعلاقة بين الزمان والتاريخ، بين مرحلة التجربة الوطنية ~~ومراحل التاريخ. ~~(أ) الرجوع إلى الماضي واستباق المستقبل # لما تطور الإصلاح الديني وتحول إلى السلفية على يد رشيد ~~رضا ثم الاخوان المسلمين فقدت مفهوم التقدم والتاريخ، ~~وعادت إلى الوراء إلى أيام الإسلام الأول. فالسلفية إذن ~~نقل للحظة الحاضرة إلى الماضي لنقص في القدرة على تحليل ~~الواقع وعلى حصر عوامله واستقصاء محركاته. وما أسهل الرجوع ~~إلى الماضي وعيش الواقع بالخيال، وتمني التحقيق بالأحلام، ~~فذاك يعطي عزاء وحمية، وصدقا في القول، فلا أحد يقدر ~~على أن يعارض المبدأ. فيتقدمون إلى الوراء مع تشنج ~~وتعصب أو تكوين جماعات مغلقة منفصلة عن المجتمع فوق الأرض ~~أو في الصحراء أو تحت الأرض. وسرعان ما يتم اصطدامها مع ~~سلطة الدولة. # وفي الماركسية يتم ~~تجاوز الحاضر أيضا إلى المستقبل، فالسلفية والماركسية ~~بالرغم مما يبدو بينهما من تعارض ظاهري إلا أنهما في حقيقة ~~الأمر يشاركان في خطأ واحد وهو التنكر للحظة الحاضرة، ~~والمرحلة التاريخية المحددة التي تمر بها الشعوب. فلا ~~يمكن الانتقال من الإقطاع إلى الشيوعية دون المرور ~~بمراحل متوسطة من الليبرالية والعدالة الاجتماعية ~~والاشتراكية الدينية أو الخلقية ثم الاشتراكية العلمية. ~~ولا يمكن الانتقال من الخرافة إلى العلم دون المرور ~~بالمراحل المتوسطة من عقلانية وتنوير. إن معرفة دور ~~الأجيال ms070 وتقسيم المراحل بينها يمنع من أن يقوم جيل بدور ~~أجيال قادمة وينسى دوره الخاص. ودور جيلنا هو الانتقال من ~~الإصلاح إلى النهضة، وقد تأتي أجيال قادمة للانتقال من ~~النهضة إلى الثورة. ومن ثم كانت النهضة الحلقة المتوسطة ~~بين الإصلاح والثورة. فاستباق المستقبل ينسي ثقل الماضي ~~وما فيه من عقبات للتقدم لم يتم التغلب عليها ودفعات ~~عليه لم يتم استخدامها. كما أنه ينسي اللحظة التاريخية ~~الحاضرة التي قد ترفض أية مزايدات تاريخية عليها. وغالبا ~~ما يكون مصير هذه الحركات أيضا تكوين جماعات منعزلة فوف ~~الأرض للثقافة والفن، أو تحت الأرض سرعان ما تصطدم بالسلطة ~~وتقضي بقية نشاطها السياسي في السجون. ~~(ب) اللحظة التاريخية الحاضرة # إن شرط النهضة الحضارية الأول هو التعرف على اللحظة ~~التاريخية الراهنة التي تعيشها المجتمعات الناهضة، ~~وابتداء من هذه اللحظة تحدد مسارها وخططها ومراحل تحولها ~~وأهدافها القريبة والبعيدة. ومن هنا أتت ضرورة وضع الأمة ~~في منظور تاريخي يعطيها إياه إحساسها بالتاريخ وبقانون ~~حركته. # واللحظة الراهنة التي تمر بها الأمة يمكن وصفها على ~~النحو التالي: ~~(1) # أزمة ~~الغرب، أزمته المعنوية في المذاهب السياسية ~~والأيديولوجيات والقيم، وأزمته المادية ~~الاقتصادية، أزمة الطاقة، والإنتاج، والتسويق، ~~والتضخم، وسباق التسلح والخطر النووي. ~~ويعبر مفكرو الغرب عن هذه الأزمة بعبارات: ~~انهيار الغرب، سقوط الغرب، انتحار الغرب، ~~نهاية الغرب ... إلخ. وكأن الغرب قد قام بدورته ~~منذ الإصلاح الديني إلى النهضة إلى العقلانية ~~إلى التنوير إلى الثورة، ثم إلى الأزمة في ~~النهاية (شبنجلر، هوسرل، برجسون، ~~نيتشه). ~~(2) # اكتشاف الشرق والبعد الآسيوي للحضارة ~~البشرية بعد أن حاك الغرب حوله مؤامرة الصمت ~~(جارودي، نيدهام)، وأن آسيا تمثل الرصيد ~~البشري والمعنوي للشعوب المتحررة حديثا. ~~وبداية الانفتاح على الشرق ليس فقط من حيث ~~تأييد الثورة الاشتراكية للثورة العربية كما ~~حدث في العقدين الماضيين، ولكن الانفتاح ~~الثقافي واكتشاف الهند والصين وإيران وآسيا ~~الوسطى وجنوب شرقي آسيا، وأول ما انتشر العرب ~~ذهبوا إلى الشرق وأول ما انتشر الإسلام انتشر شرقا. # 3 ~~(3) # اكتشاف القدرات الذاتية للأمة العربية ~~والإسلامية بعد ثوراتها الأخيرة فيما تمثله ~~من إبداع في ms071 مشروعها القومي، وتكوين تجمعات ~~جديدة: باندونج، دول عدم الانحياز، شعوب آسيا ~~وأفريقيا، القارات الثلاث، العالم الثالث، ~~واكتشاف إمكانياتها المعنوية والمادية؛ فهي ~~الشعوب التاريخية التي وضعت البشرية في ~~بداياتها على طريق النهضة والتقدم في الماضي، ~~وهي الشعوب التي استطاعت إبداع ثقافات التحرر ~~الوطني في الحاضر، وهي الشعوب التي تمثل ~~على المسرح الدولي النظام العالمي الجديد، ~~بالإضافة إلى إمكانياتها البشرية والمادية وما ~~لديها من مواد أولية وأسواق وأيد عاملة ~~ورءوس أموال وقدرات هائلة على الإبداع لما ~~وصل إليه مثقفوها وعلماؤها من درجة قصوى في ~~الإتقان والأداء. ~~(ج) حصار الإبداع وإجهاض العقول # لذلك كان المشروع المضاد لمشروع النهضة العربية هو ~~حصار الإبداع وإجهاض العقول، وذلك على النحو الآتي: # 4 ~~(1) # احتكار النظم السياسية للعمل الوطني وعزل ~~المثقفين الوطنيين عنه؛ خشية من تعدد الآراء، ~~وإيثارا للرأي الواحد ليس فقط في الأهداف ~~الوطنية، بل أيضا في الوسائل لتحقيق هذه ~~الأهداف. ~~(2) # عدم تجنيد طاقات الشعب كلها لخدمة القضية ~~الوطنية، وبالتالي انعدم من المواطنين الولاء ~~القومي، باستثناء اللحظات الحاسمة في تاريخ ~~البلاد مثل 9-10 يونيو 1967م، وحرب أكتوبر ~~1973م، ويومي 18، 19 يناير 1977م. ~~(3) # العزلة عن الواقع وعدم وجود خبرات محلية ~~تبدأ منها التجربة الوطنية حتى يحدث الإبداع، ~~وكأن الناس تعيش في أوطانها بأجسادها دون ~~أرواحها؛ لأنها أسيرة الضنك أو ~~الاحتكار. ~~(4) # الهجرة إلى الخارج أو ما سمي «استنزاف ~~العقول» ثم امتصاص الخبرات الوطنية في ~~الثقافات الغربية وترك البلاد بلا «كادر» ~~قادر على التنمية. ~~(5) # الهجرة إلى الداخل والانزواء والتقوقع على ~~الذات، والحزن والبكاء على ما فات، والحسرة ~~والندم، وحالات الاكتئاب النفسي، وتحويل ~~الوطنيين إلى مرضى نفسيين. ~~(6) # التخصص العلمي الدقيق دون وعي سياسي ~~يمكنه توظيف هذا العلم؛ نظرا لما ينشأ عن ~~العلم من نجاح مهني وما ينشأ عن السياسة من ~~مخاطر وأضرار للمهنة وللقمة العيش. ~~(7) # التعايشية والارتزاق والرغبة في إيثار ~~السلامة، وتوظيف العلم لمن يدفع أكثر داخل ~~البلاد أو خارجها، فالعلم لا وطن له إلا ~~الدخل الفردي! ~~(8) # محاصرة المبدعين وإجهاض العقول حتى يحدث ~~الإحباط العام ليس فقط في الخارج ولكن أيضا ms072 ~~في الروح؛ حتى يتم القضاء على آخر حصون ~~المقاومة ويعلن الجيل الفشل التام، وأنه ~~«الإفلاس التاريخي» فتندثر حضارة الأمة وتتحول ~~إلى متاحف التاريخ. # 5 # | الفلسفة والتراث1 # | أولا: مقدمة: ماذا تعني الفلسفة والتراث؟1 # أصبح لفظ الفلسفة شائعا في فكرنا المعاصر وإن كان أقل شيوعا ~~في تراثنا القديم الذي فضل لفظ الحكمة، وأسس لها علوما بأكملها ~~هي علوم الحكمة. # 2 # وإن كان بعض القدماء قد استعمل أيضا لفظ الفلسفة ~~ويعني بها الفلسفة اليونانية خاصة، # 3 # بينما آثر البعض الآخر استعمال تعبير «الفلسفة الأولى» ~~على العموم. # 4 # أما لفظ «التراث» فإنه من استعمال المعاصرين تحت أثر الفكر ~~الغربي وكترجمة لا شعورية وغير مباشرة لكلمات مثل # Heritage, Legacy, ~~Uberlieferung # مما يدل على نهاية مرحلة وبداية أخرى. # 5 # ففي الوقت الذي يتحول فيه الماضي إلى تاريخ ينشأ ~~الوعي التاريخي فاصلا بين القدماء والمحدثين. حدث ذلك عندما أصبح ~~أرسطو مؤرخا معلنا اكتمال الفلسفة اليونانية، وفي معركة القدماء ~~والمحدثين في القرن السادس عشر إبان عصر النهضة الأوروبي وعند ~~ديكارت في القرن السابع عشر مميزا نفسه عن القدماء ومعلنا نهاية ~~العصر الوسيط حتى انتصر الجديد كلية في العصور الحديثة وبدأت ~~المرحلة الثانية في الوعي الأوروبي. وقد حدث ذلك أيضا عند ابن رشد ~~في الفلسفة الإسلامية عندما أرخ للسابقين عليه، وعند ابن خلدون ~~عندما أرخ للحضارة كلها وحاول وضع قانون لقيام الحضارات وسقوطها. ~~ومنذ الإصلاح الديني الحديث والسؤال قائم بصياغات مختلفة: ماذا خسر ~~العالم بانحطاط المسلمين؟ # 6 # وأما ما يسمى عند الباحثين من جيلنا - العقل العربي - في ~~«تحديث العقل العربي» أو «نقد العقل العربي» أو «تكوين العقل ~~العربي» فإنه مفهوم غريب على التراث. فالعقل لا قومية له. هناك ~~العقل الخالص الذي يوجد في كل إنسان، الفاعل أو المستقل، ~~بالقوة أو بالفعل، بالملكة أو المستفاد، وهو إحدى قوى النفس ~~ولا يدل على حضارة أو تراث. نشأ في أمة إسلامية، العرب أحد ~~شعوبها، يتحدثون اللسان العربي. وقد نشأ المفهوم في الغرب إبان ~~المد القومي في القرن التاسع عشر الأوروبي مثل «العقل ms073 الألماني» ~~و«العقل الفرنسي» و«العقل البريطاني» أو «العقل الأوروبي» و«العقل ~~اليهودي»، ومن نفس البيئة خرج «العقل العربي» تروجه الأوساط ~~القومية والعنصرية في الغرب، ويعطي خصائص ثابتة للشعوب وطرق ~~تفكيرها؛ استئنافا لمفهوم «العقل البدائي» في علم الأنثروبولوجيا ~~إبان نشأته الأولى. # 7 # وماذا يعني التراث؟ هل المقصود هو التراث الفلسفي، خاصة أي ما ~~يسمى بعلوم الحكمة عند الكندي وأبي بكر الرازي والفارابي وابن ~~سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وأبي البركات البغدادي وفخر ~~الدين الرازي، وكأن لفظ الفلسفة الأول يأتي كمخصص قبل المخصص وليس ~~بعده أم أن المقصود التراث الفكري كله الذي يشتمل على الفلسفة ~~والكلام والتصوف وأصول الفقه، أو التراث كله الذي يشمل العلوم ~~العقلية النقلية الأربعة والعلوم النقلية الخمسة والعلوم العقلية ~~الخالصة الرياضية أو الطبيعية؟ # أما حرف العطف «الواو» فهو أصعب تحديدا وأدق معنى. فمنطق ~~العلاقات أصعب وأكثر تشابكا من منطق الجواهر. السؤال إذن: ما ~~الصلة بين الفلسفة والتراث، تلك الصلة التي يشير إليها حرف العطف ~~ويفترضها منذ البداية؟ هل المقصود كيف نشأت الفلسفة، أي علوم ~~الحكمة في تراثنا القديم؟ أم أن المقصود هو صلة الفلسفة المعاصرة ~~التي ندرسها في جامعاتنا ومعاهدنا بالتراث الفلسفي القديم؟ الأرجح ~~هو الثاني. فالأول سؤال تاريخي أكاديمي خالص وإن كانت له دلالته ~~المعاصرة في أن الفلسفة قد نشأت من تراثنا القديم في حين أن ~~الفلسفة في عصرنا إما نقل من النشأة الأولى دون نشأة ثانية، أو ~~نقل عن التراث الغربي المعاصر بعد أن أصبح الغرب الحديث هو المركز ~~وما سواه من الشعوب والحضارات هي الأطراف. وانتقال العلوم والمعارف ~~من المركز إلى المحيط مثل انتقال الجيوش والخبرات وبرامج الإرسال ~~من أجهزة الإعلام. والثاني سؤال يكشف مباشرة عن أزمة الفلسفة في ~~عالمنا العربي اليوم. # 8 # لماذا تبدو الفلسفة وكأنها وليد مريب في بيئة ثقافية ~~تلفظها؟ وفي كلتا الحالتين الفلسفة في أزمة لأنها تبدو وكأنها إما ~~نقل للمذاهب الغربية الحديثة والمعاصرة كما هو الحال في جامعاتنا ~~في تدريس فلسفات القرنين السابع عشر والثامن عشر في الفلسفة ~~الحديثة وفلسفات ms074 القرنين التاسع عشر والعشرين في المعاصرة ونقل ~~للعلوم الإنسانية الغربية مثل علوم المنطق والنفس والاجتماعى ~~والأخلاق والسياسة والجمال، أو ~~نقل للفلسفات والعلوم القديمة مثل علوم الكلام والفلسفة والتصوف، ~~باستثناء أصول الفقه الذي لم يحظ حتى الآن بإدخاله ضمن العلوم ~~الفلسفية بالرغم من التنبيه على أهميته والتحذير من إغفاله. # 9 # وعلى أقصى تقدير يتم وضع بعض جوانب التراث القديم في ~~العلوم الفلسفية الغربية المعاصرة كبدايات لها، وصياغات لا علمية ~~في مرحلة ما قبل العلم، وأسوة بما يحدث في التراث الغربي في نظرته ~~للتراث الشرقي باعتباره بدايات العلم قبل صياغاته الأخيرة في ~~العصور الحديثة، # 10 # وأحيانا تعقد بعض مقارنات بين رواد المثالية في ~~الفلسفة الغربية ومؤسسي حركة الإصلاح الديني في فكرنا المعاصر. # 11 # وقد يكون المقصود من «الفلسفة والتراث» هو صلة الفلسفة كواقع ~~حالي، أي كفكر ومنهج واختيار، بالتراث القديم بالمعنى الفلسفي ~~الخاص أو بالمعنى الحضاري العام. كيف يتعامل أساتذة الفلسفة ~~حاليا باسم الفلسفة مع هذا التراث القديم؟ ما هي مسئولية الفلسفة ~~كمنهج والتزام بالنسبة للموروث الفلسفي القديم؟ هنا تشير العلاقة ~~بين الفلسفة والتراث من خلال حرف العطف إلى الجبهة الثالثة في ~~موقفنا الحضاري، أي الواقع الحالي، وكيف يفرض نفسه، في حالة ~~استيقاظه، على التراث القديم، يتفاعل معه، وينتقي منه، وينقد ~~رواسبه، ويطور عناصره التي توقفت، ويبرز مواطن قوته. # وعلى أية حال، سواء كان المقصود المعنى الأول الذي يجعل العلاقة ~~بين الفلسفة والتراث سؤالا تاريخيا خالصا مشيرا إلى تراثنا ~~القديم (الجبهة الأولى)، أو كان المقصود هو المعنى الثاني الذي ~~يجعل هذه العلاقة سؤالا فلسفيا معاصرا قريب الصلة بالفلسفة ~~الغربية الحديثة والمعاصرة؛ حيث إن لفظ الفلسفة أقرب إليها (الجبهة ~~الثانية)، أو كان المقصود علاقة الفكر ذاته والفلسفة كعملية ممارسة ~~للتفلسف وصلتها بالتراث القديم ~~(الجبهة الثالثة)، فإنه يظل سؤالا مطروحا بكل هذه المعاني الثلاث ~~وفي هذه الجبهات الثلاث، خاصة وأنها معان متداخلة وجبهات ~~متشابكة. وتكون الصعوبة في معرفة إلى أي حد تميل العلاقة بين ~~«الفلسفة والتراث» إلى أي من هذه المعاني أو الجبهات الثلاث. ms075 # 12 # | ثانيا: أزمة «الفلسفة والتراث» # تتمثل أزمة «الفلسفة والتراث» في وجود «ثنائية المصدر» في فكرنا ~~الفلسفي المعاصر: الفلسفة، والتي تعني في الغالب الفلسفة الغربية ~~الحديثة والمعاصرة، والتراث، ويعني في الغالب التراث الفلسفي ~~القديم. فالفلسفة تأتي من الغرب الحديث، والتراث يأتي من تاريخنا ~~القديم. ويعني ذلك أن «الآخر» هو الحديث المعاصر وأن «الأنا» هو ~~التاريخ القديم. وبالتالي يصبح التمايز بين «الأنا» و«الآخر» ~~تمايزا في الزمان، بين القديم والجديد، بين التراث والفلسفة إلى ~~آخر ما يقال من مصطلحات عصرنا ومطلبه الرئيسي في الأصالة ~~والمعاصرة. أما البعد الثالث وهو الذي يمثله حرف العطف «الواو» ~~أي الفكر المستقل اعتمادا على العقل الخالص والذي يمكن أن يكون ~~موطن التفاعل بين القديم والحديث فلا وجود له. وهو العقل الذي ~~نيطت به عدة علوم فلسفية خالصة وفي مقدمتها الميتافيزيقا، وإن ~~كان قد غلبت على هذا العلم أيضا مادة المعاصرين مثل كانط وهيدجر ~~وكارناب. كما أن المدخل إلى الفلسفة قد غلب عليه أيضا الطابع ~~الذري في قسمة الفلسفة إلى نظريات ثلاث مشهورة: المعرفة والوجود ~~والقيم دون الإشارة إلى ما يعادلها في تراثنا القديم في علم أصول ~~الدين: نظرية العلم، ونظرية الوجود، والإلهيات التي تضم نظريتي ~~التوحيد والعدل أي مجموع القيم وفي مقدمتها استقلال العقل، وحرية ~~الإرادة، والأمل في المستقبل. # 1 # والحقيقة أن هذه النظريات الثلاث في الفلسفة الغربية ~~الحديثة إنما أتت في بداية العصور الحديثة كغطاء نظري جديد بديلا ~~عن الغطاء النظري القديم الذي ورد من العصر الوسيط والذي تم إسقاطه ~~في عصر النهضة في حين أن هذه النظريات الثلاث ما زالت مطوية داخل ~~علم العقائد في تراثنا القديم. وإن «أسس الفلسفة» بالنسبة لجيلنا ~~هي الجبهات الفلسفية الثلاث التي يحتمها موقفنا الحضاري الحالي: ~~الموقف من التراث القديم، والموقف من التراث الغربي، والموقف من الواقع. # 2 # والضحية الرئيسية لهذه الأزمة هي ظروف العصر التي تم إسقاطها ~~كلية من الحساب؛ مما ينتج عنه حيرة طلاب الفلاسفة بين التراث ~~القديم والفلسفة المعاصرة. ومع ذلك نشكو من عدم ارتباط مقرراتنا ~~الفلسفية بروح ms076 العصر وعدم تعرضها لمشاكله، ونثير الموضوع على ~~صفحات الجرائد وفي أجهزة الإعلام كنوع من تبرئة الذمة أمام ~~النفس، وكأننا على وعي بالأزمة ونحاول جاهدين إيجاد حل لها. ~~والسبب واضح وهو حصار طالب الفلسفة بين هذه الجبهات الثلاث: ~~تراثنا القديم، والتراث الغربي المعاصر، وواقع عصرنا وهمومه، دون ~~ما رابط عضوي أو تفاعل بينها. والحل واضح وهو تحديد الموقف بدقة ~~من هذه الجبهات الثلاث وإيجاد عناصر التفاعل بينها؛ حتى لا يميل ~~وعينا القومي تجاه أحد منها متناسيا الآخر تماما ومتجاهلا ~~إياه فيهزم فيه؛ إذ تخرج «السلفية» من الجبهة الأولى، كما تخرج ~~«العلمانية» من الجبهة الثانية، وتحاول «الإصلاحية» الخروج من ~~الجبهة الثالثة. وكل فريق يتجاهل الجبهتين الأخريين أو يكتفي ~~بمعاداتهما وتكفيرهما، لا فرق بين هذا الفريق أو ذاك. # وقد يكون أحد أسباب هذه الأزمة هو أن الجبهتين الأولى والثانية، ~~أعني التراث القديم والفلسفة الغربية المعاصر؛ هو عدم تساويهما من ~~حيث العمق التاريخي. فالتراث أعمق من الفلسفة في وعينا التاريخي. ~~إذ يمتد التراث في وعينا القومي أكثر من أربعة عشر قرنا، في حين ~~أن الفلسفة الغربية وليدة فيه منذ قرنين من الزمان. فهي لم ~~تكون تراثا قديما بعد، والأجيال التي عملت فيه لا تتجاوز ~~الجيلين أو الثلاثة، بل إن التراث الغربي عند أصحابه ما زال ~~معاصرا بالنسبة إلى تراثه القديم في العصر الوسيط أو في العصر ~~اليوناني. وهو أيضا كذلك حتى عند الاتجاهات المحافظة في الفلسفة ~~المعاصرة مثل التوماوية الجديدة التي تعتبره مجرد قوسين، تأويلا ~~جديدا لموضوعات أساسية في العصر الوسيط، وإذا كان التراث أكثر ~~رسوخا في وعينا التاريخي من الفلسفة فإن التعبير «التراث ~~والفلسفة» يكون أصدق من «الفلسفة والتراث». فالأولوية للتراث على ~~الفلسفة لأنه أعمق تاريخيا وأرسخ وجدانيا في وعينا ~~القومي. # وقد يكون أحد أسباب عدم التوازن في وعينا القومي بين التراث ~~والفلسفة هو أن التراث معلوم الهوية؛ إذ يعني تراثنا القديم أنه ~~يعبر عن هوية الأنا، في حين أن الفلسفة والتي قد تعني الفلسفة ~~الغربية المعاصرة، أقل وضوحا في التعبير عن الهوية، ms077 وهوية من؟ ~~هوية الأنا أم هوية الآخر؟ وإذا كانت هوية الأنا فهل هي هوية ~~الأنا القديم أم هوية الأنا المعاصر؟ وبالتالي ينشأ في الأنا ولاء ~~مزدوج لهويتين غير متكافئتين؛ هوية القديم برسوخه وعمقه ~~التاريخي، وهوية المعاصر بحداثته وغربته. وتشتد الأزمة بحيث ~~يستحيل الجمع بين التراث والفلسفة بحرف العطف لأن العلاقة بينهما ~~علاقة صراع وتضاد منذ نهضتنا الحالية. فإذا كان التراث يعبر ~~عن «الأنا» والفلسفة تعبر عن «الآخر»، فإن علاقة التراث بالفلسفة ~~تحددها علاقة الصراع بين الأنا والآخر، بين التحرر ~~والاستعمار، بين الشرعية واللاشرعية، بين الجماهير والصفوة، بين ~~المحكومين والحكام. وهل يمكن حل هذا الصراع بين الأنا والآخر، ~~بين الجبهتين الأولى والثانية إلا في الواقع المباشر، أي الجبهة ~~الثالثة، حيث يدور القتال؟ # 3 # | ثالثا: مظاهر الأزمة # وتبدو الأزمة في تعاملنا مع التراث القديم في نقل علومه كلها دون ~~ما اختيار أو تطوير. فغالبا ما ننقل الفلسفة والكلام والتصوف دون ~~أصول الفقه مع أنه، وكما نبه على ذلك رواد البحث الفلسفي في ~~عصرنا، أهم مواطن الإبداع في فكرنا الفلسفي المنطقي المنهجي. وما ~~زال قابعا في كليات الشريعة في الجامعات الدينية مثل الجامعة ~~الأزهرية، والجامعات الإسلامية بأم درمان والقرويين والزيتونة أو ~~في كليات الحقوق في الجامعات الوطنية، مطويا في الشريعة ~~الإسلامية وكأنه أحد مقدماتها دون مقارنة بينه وبين العلم الموازي ~~له في التراث الغربي؛ أعني منطق القانون ومناهج تفسيره. # 1 # أسقطنا أصول من الفقه الحساب مع أنه منطق النص، وروح ~~الحضارة، ومنهج الفكر، وموطن الإبداع، وبالرغم من شكايتنا ~~المستمرة من غياب الفكر المنهجي في فكرنا المعاصر، ودعوتنا إلى ~~أهمية المنهج في الفكر الغربي. # وفي تدريسنا للعلوم العقلية النقلية الأربعة وضعناها كلها على ~~مستوى واحد دون أن نفضل بعضها على بعض، فعلم الكلام كالفلسفة ~~وكالتصوف سواء بسواء دون تمايز بينها من حيث الأهمية أو النفع ~~بالنسبة لعصرنا الحاضر بل ودون جدل بينها، هذا الجدل الذي أدركه ~~القدماء. فالفلسفة تطوير للعقائد في الصراع الدائر بين المتكلمين والفلاسفة. # 2 # والتنزيل في صراع مع التأويل وهو الصراع ms078 المشهور بين ~~الفقهاء والصوفية. والمتكلمون في صراع مع الصوفية، وهو الصراع بين ~~منطق العقل ومنطق الذوق، بين البرهان والكشف، ومحاولة الفلسفة ~~الإشراقية من ناحية وحكمة الإشراق من ناحية أخرى الجمع بينهما. # 3 # وقد حاول المتأخرون كالمتقدمين «إحصاء العلوم» من ~~أجل تحديد علاقة العلوم كلها بعضها ببعض في نسق علمي واحد؛ طبقا ~~لمقاييس في التصنيف تدل على اتصال الإلهيات بالطبيعيات، وعلم ~~الكلام وعلوم الفقه بالعلم المدني. # 4 # وننقل مادة كل علم وعلى أقصى تقدير نصف نشأته وكأننا غرباء عنه، ~~متفرجون عليه أشبه بالمستشرقين من أصحاب البلاد سواء بسواء مع أننا ~~جزء منه، ومسئولون عنه. توقف العلم لأننا انفصلنا عنه، وتخلينا عن ~~مسئوليتنا تجاهه كجزء من التخلي عن المسئوليات العامة لرجال العلم ~~ولعلماء الأمة وتركها في أيدي أولي الأمر. وكان من نتيجة ذلك أن ~~توقفت العلوم بعد نشأتها وتطورها واكتمالها. # وفي كل علم نعرض لأمهات المسائل والخلاف حولها وكأننا لسنا ~~طرفا فيها، وكأن الأمر لا يعنينا في قضايا المصير. ففي الكلام ~~نعرض للخلاف بين المعتزلة والأشاعرة ولا نفضل التنزيه على ~~التشبيه في التوحيد، ولا نؤثر العقل على النقل، ولا حرية الإرادة ~~على الجبر والكسب في العدل. ولا نعطي الأولوية للعمل على ~~الإيمان في الأسماء والأحكام ولا للاختيار على النص في الإمامة. ~~فلا تزال الإمامة في قريش، أي في فئة لا تخرج منها. وهي اختيارات ~~قديمة فرضتها ضرورات العصور القديمة إبان النزاع على السلطة منذ ~~أيام الفتنة الأولى والتي حفظتها الكتب المدونة ويكررها ~~الأساتذة في الجامعات الدينية والوطنية بالرغم من تغير الظروف ~~والتي تحتم اختيارات بديلة؛ طبقا لحاجات عصرنا. ما زلنا ~~نؤرخ للفرق بين الفرق دون محاولة للجمع بين الفرق ونحن ~~ندعو إلى الوحدة الوطنية ونريد تأسيس الجبهات الوطنية بعيدا عن ~~أحادية الطرف في الحكم وكوسيلة للخلاص. # وفي الفلسفة نكرر القسمة الثلاثية القديمة: المنطق والغيبيات ~~والإلهيات دون أية محاولة لإعادة بناء المنطق الصوري القديم، ~~وتحويله إلى منطق شعوري أو جدلي أو اجتماعي. ونكرر الطبيعيات ~~القديمة ودرجاتها وترتيبها الصاعد من العناصر الأربعة إلى المعادن ms079 ~~إلى النبات إلى الحيوان إلى النفس، والطبيعة ساقطة من وعينا ~~القومي. ونكرر الإلهيات القديمة بإشراقياتها وفيضها وإعطائها ~~الأولوية لله على العالم دون ما محاولة لإعادة بنائها لرد ~~الاعتبار إلى العالم؛ من أجل القضاء على اغترابنا فيه والعودة ~~إليه. ونثبت الضرورة الكونية في العالم التي تحتمها أحكام النجوم ~~ودوائر الأفلاك، ونرى الطوالع لمعرفة مصائر البشر. ونرى المدينة ~~الفاضلة متمثلة في الدولة الهرمية التي تأخذ القمة فيها كل شيء ~~ويسلب عن القاعدة كل شيء. نعيد البناء القديم والإنسان ~~والتاريخ فيه غائبان، وهما محورا التقدم في كل حضارة ولدى كل الشعوب. # 5 # ونعيد التصوف القديم ونكرره كعلم دون أن نحدد نشأته ~~التاريخية الذاتية، وليس مصادره ومؤثراته الخارجية كما يفعل ~~المستشرقون طبقا لمنهج الأثر والتأثر، فقد كان التصوف مجرد رد ~~فعل تاريخي على تيار البذخ والترف ونتيجة للتكالب على العالم، ~~والامتثال بين الفرق السياسية، كل منها تدعي أنها أولى بالحكم ~~الشرعي، وتكفر الأخرى. كان التصوف حركة مقاومة سلبية بعد أن ~~استحالت المقاومة الفعلية وبعد أن استشهد العديد من الأئمة من آل ~~البيت في خروجهم على السلطان. لم تبق إلا محاولة الخلاص الفردي ~~بعد أن استحال الخلاص الجماعي، وترك الدنيا بمن فيها على من فيها، ~~بعد أن تكالب الناس عليها، والهروب إلى الله بعد أن استعصى العالم ~~واستحالت السيطرة عليه. ولا نطرح سؤال: هل الموقف الآن هو كذلك؟ هل ~~المقاومة ميئوس منها؟ هل ما زال الهروب إلى الله مطروحا؟ هل إنقاذ ~~الجماعة قد انتهى إلى طريق مسدود؟ هل استشهد منا قادة المعارضة ~~مثلما استشهد من آل البيت؟ ما زلنا ندرس التصوف، وندرسه ~~كحركة خروج من العالم بينما العالم ينزلق من بين أيدينا، ويفر من ~~بين أصابعنا، ويهرب فاقدين السيطرة عليه، ثم يأتي الغير كبديل عنا ~~ليحل محلنا بحجة المساعدة والعون والتعاون المشترك والتنسيق ~~المتبادل والمناورات المشتركة. # وفي كليات الشريعة في الجامعات الدينية وكليات الحقوق في ~~الجامعات الوطنية نكرر النسق القديم في علم أصول الفقه ونبرز ~~المدارس الأربعة وكأنها مختلفة متباينة دون أن نراها من منظور ms080 واحد ~~وكمنهج واحد مع تأكيد كل مدرسة على أحد جوانبه. فالمالكية تعطي ~~الأولوية للواقع على النص، والحنفية تعطي الأولوية للنص على ~~الواقع، والشافعية تجمع بين الاثنين طبقا للضرورة والمصلحة وتغير ~~الزمان والمكان، والحنبلية دعوة إلى العودة إلى الأصول بعد أن ~~تشعب الفكر، وتضاربت مناهج ~~الاستدلال، وتداخلت الأهواء والمصالح، وتشابكت العلل. كما نكرر ~~النسق القديم في ترتيب الأصول الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس. وهو ترتيب كان يتفق مع روح العصر القديم؛ نظرا لقربه من ~~الوحي وأولويته على الواقع. في حين أن روح العصر الحالي، ~~واستنادا أيضا إلى روح الوحي الممثلة في أسباب النزول ~~و«الناسخ والمنسوخ» تعطي الأولوية للواقع على الفكر. بالقبول من ~~دليل المتكلمين وبالتالي يكون ترتيب الأصول الأربعة الذي يفرضه روح ~~العصر: القياس، والإجماع، والسنة، والكتاب. وهو الترتيب الصاعد في ~~مقابل الترتيب النازل القديم. الاستقراء في مقابل الاستنباط، ~~القاعدة في مواجهة القمة. وإلا ففيم الشكاية من غلق باب الاجتهاد، ~~وقلة الاعتماد على العقل، وغياب المنطق، وضياع إعمال النظر؟ ~~القياس هو تجربة الفرد الخاصة وجهده العقلي الخالص. وهو قادر ~~على الاستدلال إذا استكمل شروط الاجتهاد: العلم بمنطق اللغة ~~والدراية بأسباب النزول الأولى والوعي بمصالح المسلمين ~~الحالية، وهي أسباب النزول الثانية، أي ظروف قراءة النص حاليا. ~~والإجماع تجربة إنسانية مشتركة بين علماء الأمة، نوع من الحوار ~~الحر بين المفكرين والمنظرين وقادة الرأي دون ما خوف أو قهر أو ~~استبداد بالرأي الواحد، أو إلهام يأتي، حتى ولو كان رأي الخليفة ~~أو الإمام أو قاضي القضاة أو ساري العسكر. والسنة هي التجربة ~~الفريدة لنموذج التحقق الأول في حياة مبلغ الوحي للاسترشاد بها ~~كما هو الحال في المسيحية البدائية واليهودية الأولى، والمراحل ~~الأولى في كل المذاهب الفكرية قبل أن تنالها عوامل التاريخ ~~وصراعات القوى بالانحراف والتغيير أو الضياع. والكتاب هو تجارب ~~الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل ~~المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال ~~والمأثورات والآداب الشعبية. # 6 # وأسقطنا العلوم النقلية الخالصة من الحساب، فتلقفتها الجامعات ~~الدينية وبعض أقسام ms081 اللغة العربية في الجامعات الوطنية تعيد في ~~الأغلب اجترار علوم القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه كما ~~تركها القدماء بلا تطوير وبلا نقل لها من مرحلة العلوم النقلية ~~إلى مرحلة العلوم النقلية العقلية. وتلك مهمة المعاصرين حتى تأتي ~~أجيال لاحقة فتحولها إلى علوم عقلية خالصة. وهي أكثر العلوم ~~حضورا في وعينا القومي؛ فقد استقرت في الأذهان، وترسبت في الوعي، ~~وامتلأت بها المكتبات العامة والخاصة في المساجد والقصور، وقامت ~~عليها المعاهد والمدارس الدينية، وشاعت وراجت طباعة، وتوزيعا، ~~وكسب الناشرون من ورائها الملايين. يستشهد بها الأئمة والخطباء، ~~ويستعملها العامة والخاصة كحجج سلطة للإثبات أو النفي، وهي ~~العلوم التي نشأت نقلية خالصة وتوقف تطورها، ولم تتحول بعد إلى ~~علوم نقلية عقلية، كباقي العلوم الأربعة الأخرى التي تغلب على ~~أقسام الفلسفة. ولما ظلت بعيدة عن أعمال العقل وممارسة النقد ~~امتلأت بالأساطير وسادتها الخرافات، وغاب عنها النقد الداخلي، ~~واكتفينا بالنقد الخارجي كما وضعه القدماء. # لم تتطور علوم القرآن منذ السيوطي والزمخشري، ولم تزد أبوابها ~~عن الأبواب القديمة التي تبلغ المائة بما في ذلك الحرف والشكل ~~والصوت ودون التمييز بين ما هو دال وبين ما لا دلالة له. ظللنا ~~نردد مادة كانت لها دلالتها عند القدماء لقرب عهدهم بالوحي مثل: ~~هل الفاتحة جزء من القرآن؟ هل البسملة جزء من السورة؟ وهي مسائل ~~لم تعد ذات دلالة عندنا لأنها استقرت ولم تعد موطنا للنقاش، ~~وإثارتها مع غيرها مثل ضرورة حذف «قل»، «قال» أو تغيير التاريخ ~~الهجري إلى تاريخ مولد الرسول يجلب الضرر أكثر مما يجلب النفع، ~~ويفرق أكثر مما يجمع. في حين فرض عصرنا أن تكون الأولوية لأبواب ~~أخرى ذكرها القدماء دون التركيز على دلالتها مثل «أسباب النزول» أي ~~أولوية الواقع على الفكر، «الناسخ والمنسوخ» أي تطور التشريع في ~~الزمان وقياسه على القدرة والأهلية، المكي والمدني، أي التصور ~~والنظام، والعقيدة والشريعة، النظر والعمل ... إلخ. # وظلت علوم التفسير القديمة ضحية التفسير الطويل الزماني ~~المتقطع، سورة بعد سورة، آية بعد آية؛ حيث يتوزع الموضوع الواحد في ~~عديد من الأمكنة فتضيع ms082 وحدته، ويفقد الناس رؤيته، ويتفتت بناؤه، ~~وبالتالي لا يغير من الواقع شيئا ولا يقدم له نظرية. في حين أن ~~التفسير الموضوعي للقرآن قد يكون أقرب إلى روح العصر لمعرفة موقف ~~الوحي من الأرض والملكية والعمل والطبقات الاجتماعية والفقر ~~والغنى وعوائد النفط والتبعية للأجنبي والحرية والقهر. # 7 # كما كانت علوم التفسير القديمة ضحية النزعة ~~التاريخية، أي البحث عن الوقائع المادية التي يشير إليها النص، في ~~حين أن النص مجرد باعث على الفعل والسلوك، وصدقه النظري في ~~تطابقه مع التجربة البشرية وليس مع الوقائع التاريخية . # 8 # أما علوم السيرة فقد تكون هي المسئولة عن التشخيص في حياتنا ~~العملية وعبادة الأشخاص عندما تتحول الأفكار والمذاهب والمبادئ ~~ونظم الدول بل وعصور التاريخ إلى أشخاص. الوحي مبادئ لا ~~مشخصة، ونظريات لا شخصية، تصورات مبدئية، وشرائع عامة، ~~والرسول مجرد مبلغ للوحي، وأول مبين لعمومه، ومطبق لشريعته. ليس ~~الرسول وحيا بشخصه وإلا وقعنا في التصور المسيحي للوحي، وهو ~~المسيح بشخصه أو الكنيسة بمؤسساتها. علوم السيرة نشأت في المسيحية ~~نظرا لتحول العقيدة من الكلمة عند المسيح إلى الشخص عند ~~الحواريين خاصة بولس، ولتقديس الحواريين من بعده وتعظيم الرهبان ~~ودفنهم في الكنائس وإقامة المعابد فوق المقابر. ولكنها قد لا تنشأ ~~في الإسلام لأن الرسول مجرد مبلغ للوحي، كان يأكل الطعام ويمشي ~~في الأسواق، ابن امرأة كانت تأكل القديد، رسول قد خلت من قبله ~~الرسل، لا يقوم بالمعجزات في حياته أو بعد مماته، ولادته ومماته ~~مثل سائر البشر؛ لذلك كان تشخيص الرسالة في علوم السيرة هو الراسب ~~التاريخي المكون لعبادة الأشخاص في حياتنا القومية المعاصرة. ثم ~~قويت نظريات الشفاعة والولاية والتوسط والمحبة والتي شملت آل البيت ~~أيضا. هذا التشخيص من خلال الطرق الصوفية يعتبر الرافد الأول ~~للدين الشعبي الذي يمارسه الناس في حياتهم اليومية. # أما علوم الحديث فإنها استطاعت بحق أن تضبط صحة أقوال الرسول ~~بعد أن تشعبت وزادت ونقصت، واختلط الصحيح منها بالموضوع، وبعد ~~أن رفض الأوائل تدوين مصدر ثان للتشريع مع اكتفاء بالمصدر الأول. ~~كانت ظروف العصر الأول ms083 تحتم النقد الخارجي والاعتماد على صحة ~~السند؛ استدلالا منه على صحة المتن. ونشأ علم الجرح والتعديل ~~وعلم ميزان الرجال؛ لقرب العهد برواة الحديث. ولكن الظرف الآن قد ~~تغير، وبعد عهدنا عن عهد الرواة، وأصبح عصرنا أكثر قدرة على ~~النقد الداخلي، أي إعطاء الأولوية للمتن على السند، والاستدلال على ~~صحة الحديث من صحة المتن، واتفاقه مع العقل والحس، مع البداهة ~~والواقع، مع التجربة البشرية ومصلحة الجمهور. وهي بعض مقاييس صحة ~~سند المتواتر مثل: استقلال الرواة أي عدم خضوع الراوي لأية ضغوط ~~لتغيير الذمة، واستحالة التواطؤ والاتفاق على تغيير الرواية بوجود ~~العدد الكافي من الرواة حتى يصبح الاطراد في القول أساس ~~الصحة مثل اطراد التجربة البشرية، التجانس في الزمان أي تجانس ~~انتشار الرواية عبر العصور، لا خفاء فجأة أو شهرة فجأة؛ حتى ~~يمكن معرفة مواطن الوضع وجماعات المصلحة التي تريد إخفاء النص ~~أو نشره. # أما الفقه فإنه كان أيضا وثيق الصلة بالعصر القديم، فغلبت فيه ~~العبادات على المعاملات؛ نظرا لقربه من عصر الوحي، ولحداثة ~~العبادات ونجاح المعاملات، وتبويب الفقه بأيدي فرق السلطان حتى ~~يقنن للناس شريعة تغلب عليها الشعائر والطقوس، ولا تتعرض إلى ~~الحياة العامة إلا في الفروع، وكما هو الحال في الإمامة في علوم ~~أصول الدين عندما وضعت كآخر مسألة في نسق العقائد، كفرع لا ~~أصل، على هامش العقيدة وليس في صلبها؛ اتباعا للعرف وليس ~~طبقا لضرورة العقل ومقتضيات العقيدة. في حين أن أزمة عصرنا في هذه ~~الغلبة بالذات وتواري المعاملات عن العبادات، وامتلاء حياتنا ~~العامة بالعبادات، وانفلات المعاملات طبقا للمنافع الشخصية ~~وأساليب الاستغلال، وتهريب رءوس الأموال مع غطاء فقهي صوري من ~~المصارف الإسلامية وشركات توظيف الأموال. لقد كان هم الفقه ~~القديم معرفة الأحكام الشرعية، الحلال والحرام؛ نظرا لقربه من ~~عصر النبوة وحاجة الناس إلى هذه المعرفة. واقتفينا الأثر، ~~وزايدنا في الإيمان، فركزنا على الحلال والحرام، تاركين المندوب ~~والمكروه أو محيلين إياهما إلى الحلال والحرام كما فعلت ~~الصوفية من قبل، ونسينا المباح. طرحنا سؤال التحليل والتحريم في ~~كل شيء حتى أصبحت ms084 حياة البعض منا هاجسا وسواسا يرى الحرام في كل ~~شيء، مع أن الحلال أو المباح أحد أحكام الشرع الخمسة. وكل ما سكت ~~عنه الشرع تحليلا أو تحريما فهو مباح. ولا حلال إلا ما حلله ~~الشرع ولا حرام إلا ما حرمه الشرع. أحالت فرقنا الإسلامية ~~المعاصرة - مثل الصوفية قديما - المكروه إلى الحرام، والمندوب ~~إلى الواجب، وتحولت حياة المسلم إلى ثنائية الحلال والحرام، وضاعت ~~حياة التوحيد، وانزوت أمام المانوية الأولى وثنائيات الخير ~~والشر وتعارض النور والظلمة، وضاعت من النفس الطمأنينة ~~والسكينة وحياة السلام، وتحولت إلى حياة الحرب والتضاد والصراع ~~في معركة وهمية غير متكافئة بين قوى الفرد وقوى الإحباط وصنوف ~~القهر، أو ما يسمى بقوى الخير وقوى الشر، بين الفضيلة والرذيلة. ~~مع أن روح العصر تتطلب تحرير الناس من عبودية الحكام وأسر ~~التقاليد وقهر القوانين ودعوتهم إلى الطبيعة أساس الوحي، وبدئهم ~~بالمباح أو الحلال أساس الشريعة، براءة الذمة أو البراءة الأصلية؛ ~~رحمة بالناس. # كما درسنا العلوم العقلية والطبيعية الخالصة في مادة «تاريخ ~~العلوم عند العرب» سواء العلوم الرياضية أو الطبيعية، مكررين ~~نظريات القدماء أو مقارنين بينها وبين العلوم الغربية المعاصرة، ~~حاكمين بأنه كان لنا قصب السبق على غيرنا؛ حتى نرضي أنفسنا تجاه ~~الإحساس بالنقص، وتعويضا للتوقف الحالي ما دمنا في الماضي قد ~~سبقنا غيرنا، فإن ذلك قد يشفع لنا تأخرنا الحالي أو قد يعطينا ~~وهما باللحاق، وقد تكون أقرب إلى تاريخ العلوم الصرف في ~~المراحل السابقة لتطور العلم الغربي الحديث، وبالأخص نقل علوم ~~اليونان وترجمتها إلى العلم الغربي قبيل عصر النهضة، وهي صورة ~~تاريخ العلم العام من وجهة النظر الأوروبية حث يصب كل شيء في ~~الغرب الحديث منذ البدايات الأولى للعلم في الصين والهند وفارس ~~ومصر وعند العرب المسلمين. وما العلم العربي والإسلامي إلا حلقة ~~اتصال بين العلم اليوناني والعلم الغربي، لنا شرف النقل وجهد ~~الحامل، وإن استعصى الأمر أحيانا على فهم المسلمين، فأساءوا ~~التأويل وخلطوا بين العلم والدين، بين أرسطو وأفلاطون. ولم ندرك ~~أنه حتى التسمية «تاريخ العلوم عند العرب» خاطئة؛ ms085 لأن الموضوع هو ~~نشأة العلم عند المسلمين؛ لأن حملة العلم كانوا مسلمين كما أن ~~العلم نشأ بفضل الإسلام الذي يجب الجنسية والقومية. وإن القول ~~بأن أكثر حملة العلم كانوا من العجم هو رد على خطأ بخطأ آخر، ~~عجم في مقابل العرب، ومجموع الخطأين لا يكون صوابا. حتى وإن ~~كانت العروبة تعني اللسان فإن بعض المؤلفات العلمية مكتوب باللغات ~~الفارسية والتركية والهندية. كما أن التعريب قد تم بفضل الإسلام. ~~إن المهم لدينا ليس هو تاريخ العلوم الذي وصل الغرب إلى نهايته ~~وجعل كل مساهمات الشعوب اللاغربية أذيالا له، وفصل عن قصد بين ~~العلم وتاريخ العلم، بين البيئة والتطور، بين النهاية والبداية، ~~بين الغرب ومصادره في الشرق. إن ما يهمنا في العلوم العقلية ~~الخالصة هو كيفية خروج هذه العلوم من التوحيد؟ ما الصلة بين وظيفة ~~العقل وتصور الطبيعة من ناحية، وبين التوحيد من ناحية أخرى؟ هل ~~استطاع التوحيد توجيه العقل نحو الفكر الخالص بفعل التنزيه، ~~وتوجيهه نحو الطبيعة بفعل الإرادة والخلق؟ هل استطاعت هذه العلوم ~~الكشف عن الهوية التامة بين الوحي والعقل والطبيعة؟ هل استطاعت أن ~~تضع هوية العقل والطبيعة على أنها هوية الوحي ودون الإحالة إليه؟ ~~كيف استطاع العلم الإسلامي الخروج من التوحيد أو كيف تحول ~~التوحيد إلى علم عقلي طبيعي خالص؟ كيف طبع التوحيد العقلية ~~الإسلامية موجها إياها نحو الرياضيات الخالصة والعلم التجريبي ~~الخالص؟ هل هناك صلة بين أوصاف الذات: القديم أي ما لا أول له، ~~والباقي أي ما لا نهاية له بحساب اللامتناهي في الرياضيات؟ هل هناك ~~صلة، بين الواحد وحساب التفاضل والتكامل؟ ما الصلة بين التنزيه ~~والفن الإسلامي، أي توالي الأشكال الهندسية إلى ما لا نهاية من كل ~~الجهات؟ ما الصلة بين الابتعاد عن التجسيم والتشبيه في الصفات وبين ~~الابتعاد عن التصوير والنحت في الفن؟ هل هذه الدوافع ما زالت باقية ~~بعد أن استقر التوحيد وجمد في الأذهان، أم أنها مستمرة لا تخضع ~~لروح العصر بل تنبع من البنية الداخلية للفن ولتكوين العمل الفني ~~مثل أولوية الفنون السمعية ms086 على الفنون البصرية، بصرف النظر عن ~~الوحي كلمة أو ألواحا؟ هل يمكن أن تنشأ فنون الرسم والنحت ~~والتصوير لدينا بدوافع إسلامية دون تقليد للغرب؟ إن العلم ~~الحالي لدينا إما نقل عن العلم الغربي دون تعرف على فلسفته ~~وأسسه النظرية، نهاية بلا بداية، تطبيق بلا نظرية، وإما انغلاق ~~على الذات ورفض له باعتباره قائما على تصورات ودوافع لا إسلامية، ~~ثم تتحول هذه التصورات والدوافع إلى عقائد وأشياء لا توجه ~~الشعور، ولا تؤثر في الذهن، ولا تطبع العقلية بشيء، لا تثير ~~فيها إبداعا، لا تثير العقل الخالص ولا توجهه نحو الطبيعة. # 9 # أما العلوم «الإنسانية»: اللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ، ~~فإنها لا تكاد تذكر في أقسام الفلسفة، وتحولت علوم اللغة والأدب ~~إلى أقسام اللغة العربية وآدابها، أما الجغرافيا والتاريخ فلا ~~يكادان يذكران لا في أقسام الفلسفة ولا في الأقسام المختصة بهما ~~كالجغرافيا والتاريخ. فالجغرافيا علم غربي معاصر بكل أنواعها، ~~والتاريخ مجرد مراجع عامة ومصادر تركها القدماء تحتوي على أخبار ~~بصرف النظر عن دلالاتها. إنما تركناهما كهواية للأساتذة أو ~~المثقفين يكتبون عن الجغرافيين العرب والمؤرخين العرب، وكيف أنهم ~~قد حازوا قصب السبق، كانوا رحالة يجوبون الأرض، ويضعون الخرائط، ~~ويصفون البقاع، وكانوا مرشدين في عصور «الكشوف الجغرافية» الغربية ~~دون بحث عن دلالات ذلك كله في توجيه الوحي العقلي نحو الطبيعة ~~والدعوة إلى التفكر في الجبال والأنهار والوديان، وأسباب نزول ~~الأمطار واندلاع البرق وإطلاق أصوات الرعد، وعلل الزمهرير والثلج ~~والصقيع والضباب، وأسباب الحرارة والبرودة، وفي توجيه الوحي ~~العلماء إلى السياحة في الأرض، والانتشار في العالم، والتعرف على ~~عادات الشعوب والقبائل، واكتشاف سنن الله في الخلق. # 10 # | رابعا: تغير ظروف العصر # إن الدوافع على إعادة النظر في التراث الفلسفي خاصة، وفي التراث ~~كله عامة، علومه وأبنيته وحلوله واختياراته وبدائلها الممكنة؛ هي ~~تغير الظروف كلية من عصر إلى عصر، ومن فترة إلى فترة. فإذا كنا ~~الآن في مطلع القرن الخامس عشر أو جاوزناه بقليل فوراءنا أربعة ~~عشر قرنا من التراث يندرج تحت فترتين: الأولى امتدت سبعة قرون، ~~منذ ms087 القرن الأول حتى القرن السابع. نشأت في قرنين: الأول والثاني، ~~وازدهرت واكتملت في قرنين «الخامس والسادس» منذ هجوم الغزالي على ~~العلوم العقلية في القرن الخامس ومحاولة ابن رشد رأب الصدع في ~~القرن السادس. ولما كانت الضربة قاضية وكان ابن رشد نفسه محاصرا ~~من الفقهاء في المغرب وبعيدا عن أن يمتد أثره في المشرق أسرع ~~الانهيار في السابع والثامن. وفي ذلك الوقت ظهر ابن خلدون ~~ليؤرخ للفترة الأولى متسائلا عن أسباب الانهيار. وكان طبيعيا ~~أن ينشأ الوعي التاريخي بعد اكتمال إحدى فترات التاريخ. # أما الفترة الثانية فتمتد من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر، ~~أيضا على مدى سبعة قرون، تؤرخ فيها الحضارة لنفسها، وتحفظ ~~نفسها بالتدوين، فظهرت الموسوعات الكبيرة، أو تشرح نفسها بنفسها ~~وتلخص إبداعاتها في عصر الشروح والملخصات اجترارا وتمثلا ~~ثانيا، باستثناء بعض الإبداعات المتأخرة في إيران وتركيا وفي ~~أطراف العالم الإسلامي في المناطق غير الناطقة بالعربية، بقايا ~~حياة في الأطراف بعد أن توقف القلب. ثم ظهرت الحركات الإصلاحية ~~ابتداء من القرن الثاني عشر؛ الوهابية ثم الأفغاني وتلاميذه في ~~القرن الثالث عشر حتى حسن البنا والإخوان المسلمين والجماعات ~~الإسلامية الحالية في القرن الرابع عشر ومطلع هذا القرن، كل حركة ~~تعكس ظروف عصرها وترد عليها. # هناك إذن فترتان متمايزتان في تراثنا القديم وفي حضارتنا ~~الإسلامية؛ الأولى الفترة القديمة، والثانية الفترة الحديثة. ~~الأولى اكتملت فيها الحضارة في دورتها الأولى، والثانية ما زلنا ~~نشاهدها. في نهاية الأولى أرخت الحضارة لنفسها، وفي الثانية حاولت ~~النهوض. ونحن جزء منها، وارثين الحركة الإصلاحية ومحاولين تطويرها ~~إلى نهضة شاملة. الأولى تعادل في التراث الغربي العصر الوسيط فيه، ~~والثانية تعادل عصوره الحديثة، وعلى هذا يكون التقابل بين ~~التراثين، التراث القديم والتراث الغربي محددا جدل الأنا ~~والآخر. عصر الازدهار والاكتمال لدينا في الفترة الأولى هو العصر ~~الوسيط الأوروبي، وعصر التدوين والشروح والملخصات، أي التوقف ~~والاجترار في العصور الغربية الحديثة، فليس تراثنا القديم هو ~~العصر الوسيط، إسقاط الآخر على الأنا، كما أننا لا نعيش في العصور ~~الغربية الحديثة، إسقاط الأنا ms088 على الآخر. # وتتقابل الفترتان، الأولى والثانية، في تراثنا القديم تقابل ~~الأضداد على النحو التالي: ~~(1) # نشأت الحضارة في فترتها الأولى في عصر كانت الأمة ~~فيه منتصرة، وكانت جيوشها فاتحة. استطاعت أن ترث ~~الإمبراطوريتين القديمتين، الفرس والروم، في أسرع ~~وقت ونشر الإسلام في أواسط آسيا شرقا حتى حدود ~~الصين، وغربا حتى الأندلس وعبر البرانس. صحيح أن ~~الإسلام انتشر في أفريقيا في الفترة الثانية وإبان ~~مرحلة الضعف والخمول، وانتشر أساسا عبر الطرق الصوفية ~~وبعض حركات الاستقلال ضد الغزو الأوروبي، ولكن قلب ~~العالم الإسلامي كان مهزوما ومحاصرا، وبالتالي ~~نشأت العلوم الإسلامية في زهو الانتصار ومن ثنايا ~~الفتح. فنشأت تصورات العلوم على هذا النحو، الأولوية ~~للإرادة المسيطرة على حرية الإرادة في علم الكلام، ~~لواجب الوجود على ممكن الوجود في الفلسفة، ولله على ~~العالم في التصوف، وللنص على الواقع في الأصول. كانت ~~العلوم بمراكزها وأولوياتها نموذج الدولة القوية ~~المسيطرة، والإمبراطورية المترامية الأطراف. ولما ~~استتب الأمر للنظم الحاكمة استقرت العلوم وأكسبت ~~النظم شرعية نظرية وفقهية، واستمر الإفراز المتبادل ~~بينهما؛ الدولة تفرز أيديولوجياتها، والأيديولوجيات ~~تدعم الدولة. # وقد تغيرت الظروف الآن، وأصبحت الأمة في فترتها ~~الثانية مهزومة بعد أن تلقت الهجمات الصليبية غربا ~~وغزوات التتار والمغول شرقا، ثم الاستعمار الحديث ~~غربا من جديد، بعد أن استعصى على الهجمات الصليبية ~~غزو العالم الإسلامي برا وفي القلب، وكان من السهل ~~الالتفاف حول العالم الإسلامي بحرا وحول الأطراف. ~~انهزمت الأمة بعد أن كانت منتصرة، واحتلت بعد أن ~~كانت مستقلة، وتجزأت بعد أن كانت موحدة، وتخلفت ~~بعد أن كانت في أعلى مراحل التقدم والتنمية. أصبحت ~~الأمة محاصرة، معتمدة على الآخر في غذائها وسلاحها، في ~~علمها وتنميتها، تخلت عن استقلالها الذاتي إلى ~~تبعيتها للآخر. أرضها محتلة في فلسطين وسبتة ومليلة، ~~وبها قواعد عسكرية أجنبية أو داخلة في أحلاف عسكرية ~~مباشرة أو غير مباشرة تحت ستار معاهدات الصداقة ~~والتعاون. ودائعها في الخارج لتنمية القوى الغربية، ثم ~~تستجدي المعونات وتستعطف السداد وتقليل الفوائد، ~~وتطالب بفترات السماح. أصبح إشكال أساتذة الفلسفة ~~أنهم يدرسون علوما نشأت في مرحلة ms089 الانتصار ويعيشون ~~في واقع مرحلة الهزيمة. فحدث عدم تطابق بين مادة العلم ~~التي يحملها الأساتذة ويسمعها الطلاب والواقع الجديد ~~الذي يعيشه كلاهما على حد سواء. وبالتالي انعزلت ~~الفلسفة ولم تجد لها آذانا صاغية. لم تعد تخاطب ~~جمهور القراء. تحولت عند بعض الأساتذة إلى مادة ~~للمقررات وإلى تكسب بالعلم وحمل الشهادات، ونيل ~~الجوائز، والواقع لا يتغير، يئن من وطأة الفصام بين ~~الثقافة في مرحلة الانتصار والواقع الحالي في مرحلة ~~الهزيمة. وأصبح هذا الفصام أحد مظاهر نفاق العصر ~~كله. وإذا سن القدماء: الإسلام أو الجزية أو ~~القتال، والإسلام منتصر، فكيف بالأمة اليوم وهي غارقة ~~في أتون الاستجداء والاستعطاف والتبعية؟ ~~(2) # لما كانت الجيوش فاتحة والأمة منتصرة في الفترة ~~الأولى لم يستطع خصومها النيل من قوتها أو الوقوف ~~أمام زحفها، فالتفوا من الخلف وإلى مصدر قوتها وهو ~~الدين الجديد وعقيدة التوحيد؛ لضربه والنيل منه. ~~ظهرت حركات الزندقة والتشويش على العقائد للالتفاف حول ~~الإسلام من الباب الخلفي، من باب النظر وليس من باب ~~العمل، من باب العقائد وليس في أتون المعارك. وكان ~~الخصوم من أنصار الديانات القديمة كالمانوية والمذاهب ~~السائدة في الأراضي المفتوحة كالمجوسية، أو الديانات ~~التي دخل معها الإسلام في جدال عقائدي كاليهودية ~~والنصرانية، وبالتالي نشأت العلوم الإسلامية، العقلية ~~النقلية، للدفاع عن العقيدة الجديدة والدخول في معارك ~~العقائد ضد الفلسفات والمذاهب والديانات القديمة. ~~وكان من الطبيعي أن تتصدى الحضارة لمواطن الخطر في ~~العقائد النظرية بعد أن اطمأنت إلى سيطرتها على ~~الأرض وتحول الجمهور إلى الدين الجديد. # أما الآن فقد تغيرت الظروف، ولم تعد الهجمات ~~موجهة إلى العقائد باستثناء الغزو الثقافي الذي نحن ~~على وعي به ونتحدث عنه ليل نهار، وتتناوله أجهزة ~~الإعلام والأحزاب التقدمية، والاستشراق الذي يقوم بما ~~قام به الخصماء الأقدمون. لم يعد أحد الآن منا يتصور ~~الله اثنين أو ثلاثا. ليس فينا مشرك أو وثني، عابد ~~شجرة أو نار، مؤمن بشمس أو قمر، ويبتهل لكوكب أو نجم. ~~ولكن الخطر الآن موجه إلى الأرض والثروات ونقل ~~الجمهور خارج أرضه في فلسطين. كما أن ms090 الخطر موجه إلى ~~حريات الناس من نظم الاستعباد والقهر، ولكنا ما زلنا ~~في تدريس الفلسفة ندخل في معارك الذات والصفات، والعقل ~~والنقل، والنبوة والمعاد، والإيمان والعمل، والخلق ~~والفيض، والفضائل النظرية والفضائل العملية وقد ~~كسبناها من قبل، ونترك معارك الأرض والثروة ~~والحرية والعدالة الاجتماعية والاستقلال والتبعية، دون ~~الدخول فيها باسم الفلسفة. بل إننا لا نحاول اختيار ~~الحلول المعاصرة للمشاكل القديمة المترسبة في أعماق ~~العصر. # فمسألة الذات والصفات لها دلالتها المعاصرة؛ فعلاقة ~~الزيادة تشخيص وعلاقة التساوي عدل أمام القانون. وجعل ~~العقل تابعا للنقل، وصاية، وجعل النقل تابعا للعقل ، ~~تنوير. والنبوة تاريخ لاستقلال الوعي الإنساني وليس ~~لقصوره، والمعاد مستقبل الإنسان في الدنيا وليس خارجا ~~عنها. والعمل جزء من الإيمان ومظهره الأول، كما أن ~~العمل منبثق عن النظر في علاقة تكامل وليس في علاقة ~~أفضلية. والفيض كتدرج قد يكون أساس البيروقراطية. ~~والخلق قد يكون ذا صلة بالقلب والتحول من حال إلى ~~حال، في حين أن القدم مصاحب للعالم منذ البداية ~~فيعيش الإنسان فيه أليفا. وإذا نشأت حركات الإصلاح ~~الديني أو الخطابة السياسية فإنها لا تكاد تستمر، بل ~~تكبو باستمرار بسبب عدم التطابق بين العلوم المنقولة ~~عن القدماء وواقع الأمة الحالي. # 1 # ثم تخلينا نحن عن مسئولية إعادة بناء ~~العلوم القديمة التي ورثناها من القدماء بناء على ~~ظروف عصرنا، بعد أن أنشأها القدماء ابتداء من ظروف ~~عصرهم. ~~(3) # نشأت الفلسفة في الفترة الأولى والإسلام قادم وليس ~~ذاهبا، والحضارة يافعة وليست هرمة، مع ثقة في النفس ~~وليس عن تخوف أو ضعف. وبالتالي لم تخش الحضارة ~~الإسلامية انفتاحها على حضارة الغير. لم يحدث نتيجة ~~للانفتاح الحضاري القديم أية زعزعة للهوية أو فقدان ~~للذاتية أو إحساس بالنقص أمام الآخر. نشأت الحضارة في ~~فترتها الأولى وهي في حالة هجوم على الآخر وليست في ~~حالة دفاع عن الذات، من أجل ابتلاع الآخر في الأنا ~~وليس من أجل ابتلاع الأنا في الآخر وذوبانه فيه. نشأت ~~الحضارة في فترتها الأولى من مركز قوة وليس من مركز ~~ضعف، كامتداد وانتشار وليس كانحسار ونكوص. # أما ms091 اليوم، فالفلسفة تنشأ في ظروف مخالفة تماما، ~~والإسلام ذاهب وليس قادما، والحضارة تاريخية وليست ~~ناشئة مع ضعف ثقة في النفس وإحساس بالنقص أمام الآخر، ~~واتخاذ موقف التلميذ الأبدي من المعلم الأبدي. تنشأ ~~الفلسفة اليوم مقطوعة الصلة بالهوية وانحيازا للآخر، ~~دون معرفة بدلالات القديم وتقليد للجديد، ودون قراءة ~~للآخرين خلال الذات، بل تهربا من الذات وفقدانا ~~للهوية. ويطغى على الفلسفة معارك ثقافية لسنا طرفا ~~فيها مثل المثالية والواقعية، العقلانية والحسية، ~~الصورية والمادية، الرأسمالية والاشتراكية، الفردية ~~والاجتماعية، البنيوية والماركسية، مجتثين المعارك ~~من جذورها وزارعين لها في تربة أخرى. فلا هي أنبتت ~~فلسفة في أرض جديدة، ولا هي احتفظت بحياتها في أرضها ~~القديمة. ~~(4) # نشأ عصر الترجمة الأول كجزء من التعرف على ثقافات ~~البلاد المفتوحة بعد أن وجدت مؤلفات أرسطو في أديرة ~~الشام، وقوانين فارس وحكمتها في بلاد فارس. كانت ~~الترجمة جزءا من التعرف على المكونات الثقافية للأمة ~~الغالبة مع احترام كامل لثقافات الشعوب المغلوبة. ~~فالتراث الإنساني واحد، وتؤخذ الحكمة من أي جهة كانت ~~حتى ولو كانت من أقصى الشعوب عنا. بدأت الترجمة من ~~موقع قوة لا من موقع ضعف، تعرفا من حضارة المنتصر على ~~حضارة المهزوم وليس نقلا لحضارة المنتصر وزحزحة حضارة ~~المهزوم كما هو الوضع الآن. أما الترجمة الحالية ~~التي بدأت منذ قرنين والتي ما زالت مستمرة في ظروفنا ~~الراهنة إنما تمت من منطلق تعرف المهزوم على ~~ثقافة المنتصر كجزء من حب الشعوب المغلوبة تقليد ~~الشعوب الغالبة، نذهب إليه ولا يأتي هو إلينا، نتعلم ~~منه ولا نعلمه، نأخذ ولا نعطي، ننقل ولا نبدع، ~~فتحولت الثقافة بين الحضارات إلى مسار واحد، من الآخر ~~إلى الأنا بعد أن كانت حوارا بين الحضارات، وجدلا ~~بين الأنا والآخر. نشأ لدينا إحساس بالنقص أمام حضارة ~~الآخر، وفي الوقت نفسه نقوم بتدريس النموذج القديم ~~عندنا كأن الأنا في مركز قوة والآخر في مركز ضعف، ~~فيحدث التعويض النفسي اللاشعوري، تعويض القديم للجديد، ~~تعويض الماضي للحاضر، وتتحول الفلسفة إلى مجرد عزاء ~~للنفس. ~~(5) # نشأت الحضارة في فترتها الأولى اعتمادا على العقل ms092 ~~الذي أكده الوحي ودعا إلى استعماله المتكلمون ~~والنظار. فكان النظر أول الواجبات على المكلف حتى ~~قبل الصلاة؛ فلا صلاة بلا تكليف، ولا تكليف بغير نظر. ~~أثبت الفقهاء العقل أساس النقل، وموافقة صريح العقل ~~لصحيح المنقول، وقال المعتزلة بالحسن والقبح ~~العقليين. كان العقل والسمع صنوين، والفلسفة ~~والشريعة أختين رضيعتين متفقتين بالشرع، متحابتين ~~بالطبع والغريزة، كان الفيلسوف والنبي شخصا واحدا، ~~والفلسفة والدين حقيقة واحدة وغاية واحدة وإن اختلفا ~~في المنهج والطريق. وبالتالي نشأت أزهى حضارة في أقصر ~~مدة، بل تم تأليه العقل في كثير من الأحاديث القدسية، ~~فكان أول مخلوق، أول ما خلق الله خلق العقل. ونشأت ~~علوم وضعية علمية، طبيعية وإنسانية، خالية من الخرافة ~~وهو ما حدث بعد ذلك في العلوم الغربية الحديثة بعد ألف ~~عام وبفضل الترجمة من الأنا إلى الآخر، من الحضارة ~~الإسلامية إلى الحضارة الغربية. # أما اليوم فقد تغيرت الظروف، وأصبح النقل أساس ~~العقل، ودعا الفقهاء إلى الأخذ بالنص وإن عارض ~~العقل، وظهرت الحاكمية لله في مقابل حاكمية البشر بل ~~ومناقضة لها. واحتد النقاش بين الإسلام والعلمانية ~~لدرجة الخصام بل والتكفير المتبادل بين الإخوة ~~الأعداء. كان القدماء أكثر تحررا منا، وأصبحنا نحن ~~أكثر محافظة منهم، وتعجبنا كيف درس القدماء الجنس ~~والدين والسلطة بلا حياء أو خوف أو مزايدة، بينما ~~جعلناها نحن محرمات ثلاثة لا يجوز لأحد الاقتراب ~~منها وإلا كان ملحدا في الدين منحلا في الأخلاق ~~عاصيا لأوامر السلطان. ~~(6) # نشأت الحضارة القديمة على التوحيد بين الوحي ~~والمصلحة، بين الدين والدنيا، بين الشرع وواقع الناس، ~~بين الأمر الإلهي وكرامة الإنسان. نشأت العلوم كلها ~~تؤكد هذه القيم العامة قبل وضع مبحث القيم ~~الغربي. لذلك وضعت القوانين، وسنت الشرائع ~~تعبيرا عن هذه الروح؛ فالشريعة للإنسان وليس الإنسان ~~للشريعة. بل شرع الفقهاء المصلحة أساسا للشرع، ~~ووضعوا قواعد «لا ضرر ولا ضرار»، «درء المفاسد ~~مقدم على جلب المصالح»؛ للاستناد إليها في ~~الاستدلال. # أما الآن فإننا نعيش في عصر فيه الشرائع الموروثة في ~~جانب والمصلحة في جانب آخر، وكأن الشرائع هدف في ~~ذاتها وليست ms093 وسيلة لتحقيق المصالح العامة للناس. ظهر ~~التصادم بين مصلحة الدين ومصلحة الدنيا، ووقع الصدام ~~بين حق الله وحق الإنسان، بين الأمر الإلهي والحرية ~~الإنسانية. وظهرت مسائل تطبيق الشريعة ضد الشرائع ~~المدنية، وتحولت الدعوة العلنية إلى مقاومة سرية بين ~~الجماعات الإسلامية والنظم الحاكمة، كل فريق يرى في ~~الآخر اعتداء عليه وعلى شرعية وجوده: الحاكمية عدوان ~~على الديموقراطية عند العلمانيين، والنظم الحاكمة ~~والعلمانية عدوان على الشريعة عند الجماعات الإسلامية ~~المقهورة. وبدا قانون الأحوال الشخصية في حاجة إلى ~~تعديل عند العلمانيين، وفي حاجة إلى تطبيق حرفي كما ~~ورثناه من القدماء عند المحافظين. وانحاز النظام ~~الاقتصادي الإسلامي إلى الاقتصاد الحر والتجارة الحرة ~~عند ولاة الأمور والجماعات الدينية المحافظة وشركات ~~توظيف الأموال، وأقرب إلى النظام الاشتراكي، وملكية ~~الدولة لوسائل الإنتاج، وتحقيق أكبر قدر ممكن من ~~العدالة الاجتماعية، وتذويب الفوارق بين الطبقات عند ~~القوميين والتقدميين والاشتراكيين. وصراع التفسيرات هو ~~في الحقيقة صراع اجتماعي صرف. كل فريق يأخذ سلاح النص ~~ويقرؤه لصالحه. ~~(7) # كانت الحضارة كلها في الفترة الأولى وحدة واحدة، ~~تخرج من بؤرة واحدة هي التوحيد. ونشأت العلوم كدوائر ~~متداخلة حول هذا المركز، وساهمت كلها في وضع تصور ~~موحد للعالم بصرف النظر عن اختلاف المناهج والأهداف. ~~وضع علم أصول الدين قواعد النظر، وعلم أصول الفقه ~~قواعد العمل؛ الأول أشبه بالعقل النظري، والثاني ~~بالعقل العملي. ووضع التصوف طريقا صاعدا متعاليا ~~وهو التأويل، وآثر الأصول وضع طريق نازل عائد إلى ~~العالم وهو التنزيل، أصول الدين وعلوم الحكمة علوم ~~نظرية، وأصول الفقه وعلوم التصوف علوم عملية. ومن ثم ~~ظهر موضوع «إحصاء العلوم» كموضوع رئيسي عند القدماء من ~~أجل توحيد العلوم كلها في منظومة واحدة، واستمر ذلك ~~منذ المحاولات الأولى في البداية حتى الموسوعات ~~والمعاجم في النهاية. # 2 # أما الآن فتفككت العروة، وانزوت العلوم كل منها ~~في ميدانها لا رابط بينه وبين العلوم الأخرى. وأصبحت ~~مادة العلوم مزدوجة خاصة في العلوم الإنسانية بين ~~تراث القدماء وتراث المعاصرين. أما العلوم الرياضية ~~والطبيعية فقد انقطعت كلها عن تراث القدماء وأصبحت ~~امتدادا للتراث الغربي ms094 المعاصر؛ لذلك لم تساهم ~~علومنا في تكوين وحدة الفكر أو في تأسيس تصور ~~للعالم. فاحتجنا إلى الأيديولوجيات والمذاهب السياسية ~~لتكميل النقص وسد الفراغ. ويا ليت ذلك قد حدث باسم ~~التخصص الدقيق والبحث عن الجزيئيات كما هو الحال في ~~التراث الغربي المعاصر، بل حدث بسبب ضياع وحدة المصدر، ~~والتصور الواحد الشامل المتوازن. # إن التقابل بين الفترتين في تاريخ الحضارة ~~الإسلامية يمكن أن يستمر ويمتد إلى ميادين عديدة. ~~وبصرف النظر عن الإحصاء الشامل، يكفي الوعي بهذا الوضع ~~التاريخي والذي يفرض نفسه على الباحث وأستاذ الفلسفة؛ ~~حتى يعيد بناء علوم التراث بناء على ظروف ~~عصره. # | خامسا: نشأة الفلسفة: قراءة الآخرين ~~من خلال الذات # إذا كان المقصود بالفلسفة والتراث هو علاقة الفلسفة الحالية ~~بالتراث الفلسفي القديم، فإن وصف نشأة هذا التراث الفلسفي قد ~~تساعد على فهم وظيفة الفلسفة التي أدتها في التراث، وإلى معرفة ~~إلى أي حد استمرت هذه الوظيفة أم انقطعت. وما صلة النشأة الأولى ~~بالنشأة الثانية؟ وهل يمكن بعث الفلسفة من جديد بنشأة ثانية ~~تماثل النشأة الأولى ولكن مع تراث مختلف، الغربي الحديث بدلا من ~~اليوناني القديم؟ ~~(1) # كانت الفلسفة في التراث آخر العلوم العقلية النقلية ~~ظهورا؛ إذ إنها نشأت متأخرة بعد عصر الترجمة، في حين ~~نشأت العلوم الأخرى، أصول الدين وأصول الفقه وجماعات ~~الزهاد والعباد والبكائين وهم بدايات التصوف، منذ ~~أواخر القرن الأول، فالفلسفة لا تنشأ إلا بالتعامل مع ~~الآخر، وبعد لقاء مع تراث آخر بعد ترجمته والتعرف عليه. ~~لذلك كان القرن الثاني هو عصر الترجمة والذي استمر حتى ~~الثالث والرابع، ثم تحول بعض المترجمين أنفسهم إلى ~~شراح وفلاسفة كما كان بعض الفلاسفة الأوائل مترجمين. # 1 ~~(2) # نشأت الفلسفة إذن كقراءة لنصوص لتعرف الأنا على الآخر. ~~لم تنعزل الحضارة الجديدة عن حضارات الغير ولا حاولت ~~القضاء عليها كما فعلت الحضارة الأوروبية إبان الأوج ~~الاستعماري مع حضارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بل ~~تم التعرف عليها باحترام شديد، بل والدفاع عنها وتأصيلها ~~وإكمالها وتبنيها، ثم صبها في حضارة الذات. وما تم في ~~الفكر ثانيا قد ms095 تم في الواقع أولا عن طريق التزاوج ~~والتصاهر بين الفاتحين الجدد والمفتوحين القدامى، بين ~~حاملي الدين الجديد وبين المتحولين إليه من أنصار الديانات القديمة. # 2 ~~(3) # وكانت الترجمة ذاتها قراءة. فلم يكن الهدف النص ~~المترجم بل كان الهدف هو الترجمة ذاتها. لم يكن يهم ~~التطابق الحرفي بين القراءة والمقروء بل التطابق المعنوي ~~لدرجة تغيير النفل حتى يتفق مع المعنى المفهوم والذي أمكن ~~فهمه بفضل تصور الأنا المتكامل للعالم النابع من الموروث ~~القديم، حتى ولو لم يكن الناقل مسلما دينا فإنه كان ~~مسلما ثقافة. لذلك يخطئ الناشرون المحدثون للترجمات ~~العربية القديمة عندما يصححونها بناء على النصوص ~~اليونانية القديمة أو على ترجماتها إلى اللغات الأوروبية ~~الحديثة. فموقف الناقل القديم لم يكن موقفا استشراقيا ~~حديثا يهمه ضبط النص بموضوعية تاريخية فقهية لغوية ~~نصية، بل كان موقفا حضاريا ينقل النص بعد قراءته وفهمه، ~~ثم وضعه في صياغة عربية مفهومة كمرحلة أولى، تتبعها ~~مراحل ثانية مثل الشرح والتلخيص، ثم مرحلة ثالثة هي ~~التأليف الإبداعي الخالص سواء في الوافد وحده، أي حضارة ~~الآخر لإعطاء تصور شامل لها، أو باجتماع الوافد والموروث، ~~ثقافة الآخر مع ثقافة الأنا في إبداع ثالث جديد. ~~(4) # وقد تمت الترجمة على مرحلتين: الأولى حرفية؛ حرصا على ~~«حدود» النص المقروء، وحماية له من سوء التأويل، وأمانة ~~علمية بلغة عصرنا، إلى أقصى حد؛ حرصا على دقة الفهم، ~~والثانية معنوية حرصا على المعنى وهو المقصود من اللفظ. ~~فإذا كانت الترجمة الأولى محاولة للتعرف على الآخر فإن ~~الثانية هي قراءة له، أي تجاوز ألفاظه وتعبيراته إلى ~~معانيه وتصوراته، ثم التعبير عنها بلغة عربية تلقائية. ~~فإذا كانت الترجمة الأولى نقلا فإن الثانية تأليف غير ~~مباشر. وغالبا ما قام مترجم واحد بالترجمتين معا إذا ما ~~تجاوز عمره عمر جيلين. # 3 # لم تكن الترجمة استبدال لفظ بلفظ وكأنها ~~مجرد نقل اعتمادا على المعاجم اللغوية، بل كانت نقل ~~تصور الآخر للعالم إلى تصور الذات، مع تغيير ألفاظ الآخر ~~لتتفق مع تصورات الذات كلما اقتضى الأمر ذلك. فمثلا ~~إذا كان النص المنقول يستعمل ms096 لفظ «الآلهة» فإن اللفظ ~~الناقل يستعمل بدلا عنه لفظ «الملائكة». ففي تصور الآخر ~~لا ضير من تعدد الآلهة في حين أنه في تصور الأنا الله ~~واحد، والتعدد فقط للملائكة ولسائر المخلوقات. # 4 ~~(5) # وقد استغرقت الترجمة القديمة جيلين اثنين حتى ظهرت ~~بوادر التأليف. بل إن بعض المترجمين كانوا مؤلفين كما ~~كان بعض المؤلفين مترجمين. # 5 # ثم تزامن النقل المعنوي والتأليف حتى ~~منتصف القرن الرابع، ثم استمر التأليف وحده حتى القرن ~~السابع، أما في عصرنا الحاضر فإننا بدأنا النقل عن الغرب ~~منذ ما يزيد على قرنين من الزمان أي منذ أكثر من أربعة ~~أجيال ولم يتم حتى الآن إبداع. وإذا كان هناك تأليف فهو ~~تجميع للنقل وإعادة تبويب وعرض له. ولما كان معدل ~~التأليف عند الآخر أعلى بكثير وأسرع من معدل النقل عند ~~الأنا؛ أصبحنا نجري وراء الغير لاهثين بدعوى اللحاق ~~بركب الحضارة، وساعدنا بأيدينا على نقل العلوم من ~~المركز إلى المحيط كأحد مظاهر السيطرة من خلال الهيمنة ~~الثقافية. ~~(6) # وقد قامت الترجمة بفضل ديوان الحكمة، أي بفضل الدولة ~~ومؤسساتها، وكانت عملا منظما ومختارا ومقصودا، لا تخشى ~~مذهبا، ولا تستبعد مؤلفا، ولا تصادر كتابا. وقد تم ذلك ~~في بدايات نهضتنا الحالية على يد الطهطاوي ومدرسة ~~الألسن. وفي كلتا المرحلتين كان هناك نقلة ومراجعون، ~~وكانت الدولة تقوم بالنشر والتوزيع ثم بالتطبيق المباشر ~~لهذا التراث العلمي في أجهزة الدولة خاصة في الجيش ~~وقطاعات الصناعة والزراعة والتعليم. وكان النقل في ~~الحالتين بداية من العلوم خاصة الطب والكيمياء؛ نظرا ~~لحاجة الدولة إلى علاج الجند وإلى صناعة السلاح، ولكن في ~~جلينا قامت الدولة باختيار النصوص التي تتفق مع هواها ~~واستبعاد نصوص أخرى بدعوى التوجيه المعنوي والإرشاد ~~الوطني والإعلام الحزبي. ~~(7) # كان المترجمون الأوائل نصارى يعيشون بين المسلمين. كانوا ~~مزدوجي الثقافة، نصارى العقيدة ولكن مسلمي الثقافة. لم ~~يكونوا رسل ثقافة الآخر إلى الذات، بل كانوا رسل ثقافة ~~الذات إلى الآخر. لم يكونوا على هوامش المجتمع، أقلية ~~مقهورة في مواجهة أغلبية قاهرة، بل كانوا في قلب المجتمع ~~على قدم المساواة بين ms097 جميع الطوائف والملل، لم يكونوا ~~غرباء على الأمة دخلاء على ثقافتها، بل كانوا أصحاب حق ~~ينبعون من صميم الثقافة العربية، كانوا مواطنين من الدرجة ~~الأولى، زينة مجالس الخلفاء من أطباء ورياضيين وفلكيين ~~وفلاسفة وأدباء ونحاة وظرفاء وفقهاء ومتكلمين. لم يكن ~~القصد إيجاد ازدواجية في الثقافة، بين موروث ووافد، بين ~~ثقافة الأنا وثقافة الآخر، بل كانت الغاية تقديم ثقافة ~~الآخر للأنا؛ من أجل القضاء على الازدواجية الثقافية. ~~كانوا عربا لغة، ومسلمين تصورا، وإن كانوا نصارى أو ~~يهودا عقيدة، وهذا عكس ما حدث في عصرنا عندما كان نصارى ~~الشام المحدثون يشعرون بالأقلية في مواجهة الأغلبية ، ~~على هامش المجتمع وليس في قلبه، كان ولاؤهم أقرب إلى ~~ثقافة الآخر منه إلى ثقافة الأنا. فالأولى أكثر علمية ~~وعقلانية وإنسانية، في حين أن الثانية أكثر خرافة وصوفية ~~وإلهية. قاموا بدور الوكلاء لثقافات الآخر ومذاهبه عند ~~الأنا، وكونوا بؤرا ثقافية هامشية منعزلة من خلال مدارس ~~التبشير والجامعات الأجنبية. فنشأت ازدواجية ثقافية بين ~~ثقافة الأنا وثقافة الغير والتي كان هدف المترجمين ~~الأوائل في المرحلة الأولى تجاوزها والقضاء ~~عليها. # تعثرت الفلسفة في جيلنا؛ لأنها لم تع تماما النشأة ~~الأولى كقراءة للآخر من خلال الذات للقضاء على ازدواجية ~~الثقافة، ثم نشأت في المرحلة الثانية كنقل لثقافة الآخر ~~عند الأنا، وفي العصر الذي نحاول فيه التحرر من جميع ~~أشكال السيطرة والهيمنة الثقافية. # | سادسا: تطور الفلسفة: من الشرح والتلخيص إلى العرض ~~والتأليف # بعد أن نشأت الفلسفة ابتداء من النقل ظهرت حركة ثانية هي الشرح ~~والتلخيص من أجل تجاوز النص المنقول والتعبير عن مضمونه بأسلوب ~~عربي خالص. وهما متلازمان، وإن كان أحدهما يبدو زمانيا قبل الآخر ~~أحيانا. قد ينشأ التلخيص قبل الشرح في الزمان، سواء في حياة ~~الجماعة أو في عمر الفرد الواحد، وقد ينشأ الشرح قبل التلخيص لما ~~في الشرح من إسهاب وتفصيل ولما في التلخيص من تركيز. والغالب أنهما ~~متلازمان ومتبادلان، يظهران في كل عصر ويقوم بهما كل فيلسوف، # 1 # علاقة التلخيص بالشرح مثل علاقة التركيب بالتحليل. ~~فالتخليص مثل التركيب، والشرح ms098 مثل التحليل. وقد كانا عمليتين ~~متلازمتين متجاورتين متزامنتين منذ نشأة الفلسفة حتى نهايتها، ~~تعبران عن بنية الفكر وليس عن مجرد تطوره في مراحله أو في ~~مراحل عمر الفيلسوف. # ولا يوجد فصل زماني حاسم بين مرحلة النقل ومرحلة الشرح ~~والتلخيص؛ فقد قام بعض المترجمين أنفسهم بالشرح والتلخيص مما يدل ~~على أنهم كانوا فلاسفة يبحثون عن المعنى وليسوا مجرد نقلة ~~حرفيين كما هو الحال في عصرنا بدعوى الموضوعية والأمانة والحرص ~~على النص المنقول. وهو يدل في الحقيقة على عدم وجود موقف حضاري ~~للناقل ولا يقوم النقل لديه بأية وظيفة. بل لا يضير الناقل المعاصر ~~أن ينقل أرسطو عن الفرنسية، فاللغة لديه لم تعد مرتبطة بالفكر، ~~ولا يقدم إلا ثقافة عائمة طافية من الآخر فوق ثقافة راسخة ~~أصيلة، من الأنا. وبالتالي تظل هامشية بعيدة عن القلب. فلا المترجم ~~الفرنسي له موقف حضاري ولا المترجم العربي المعاصر له موقف حضاري، ~~كلاهما ناقل؛ الأول ضحية موضوعية القرن التاسع عشر في حضارته، ~~والثاني ضحية تقليد الآخر. # 2 # ويعني الشرح إعادة تركيب النص المنقول من بيئة ثقافية إلى بيئة ~~ثقافية أخرى، من ثقافة الآخر إلى ثقافة الأنا؛ وذلك عن طريق: ~~(1) # تفتيت النص المنقول وتحليله إلى عناصره الأولية؛ حتى ~~يسهل فهمه وابتلاعه جزءا جزءا، ثم هضمه وتمثله من ~~أجل العرض والتأليف فيما بعد. ~~(2) # إعادة تركيب النص طبقا للتصور الإسلامي لفظا ~~ومعنى وشيئا. فالشرح بداية القراءة الفاحصة. الشرح ~~هو القيام بعملية «عاشق ومعشوق» من أجل تحويل النص من ~~المقروء إلى القارئ، من ثقافة الآخر إلى ثقافة ~~الأنا. ~~(3) # إسقاط جميع الأمثلة التي من ثقافة الآخر وإسقاط جميع ~~أسماء أعلامه وشواهده قدر الإمكان؛ لأنها بيئية ~~صرفة، محلية، لا تعيش في المخزون التراثي في البيئة ~~الثقافية الجديدة. ~~(4) # وضع أمثلة أخرى وشواهد جديدة من ثقافة الأنا ~~للتوضيح، ولتقوم بنفس الوظيفة التي كانت تقوم بها ~~أمثلة الآخر وشواهده، هذه الأمثلة الجديدة لها ~~دلالتها في الثقافة الجديدة والتي يسهل مطابقتها مع ~~دلالات النص المقروء. ~~(5) # إكمال الناقص في النص المنقول، ثم وضع الجزء الذي ~~توصل إليه ms099 الآخر في الكل الذي تضعه الأنا. فالشرح ~~إعادة تصنيف وترتيب للأجزاء المنقولة في إطار الكل ~~المسبق في وعي الشارح. ~~(6) # تصحيح تحليل الآخر عن طريق إعادة التحقق من صحته؛ ~~إما بعرضه على العقل والحس أو بعرضه على الوحي. فالشرح ~~ليس مجرد التعبير عن لفظ بلفظ أو بعبارة شارحة، بل هو ~~إعادة تحقق من صدق المضمون بمقاييس جديدة تقوم على ~~اتفاق الوحي والعقل والطبيعة؛ لذلك ظهرت الردود على ~~بعض الشراح اليونان أو المسلمين دفعا لسوء تأويلهم ~~وتصحيحا لفهم النص. # 3 ~~(7) # إعادة الأطراف إلى الوسط من أجل إكمال التصور الشامل ~~وإيجاد عنصر التوازن في النص طبقا للتصور المتوازن ~~للأنا . # وقد يكون الشرح، وكما وضح عند ابن رشد، على ثلاثة أنواع لا يهم ~~مدى تعبيرها عن المراحل الزمانية في حياة الفيلسوف بقدر ما يهم ~~دلالاتها على الشرح كأسلوب فلسفي أو نوع أدبي: ~~(1) # الشرح الأصغر، وهو أقرب إلى التلخيص. ويقوم هذا ~~الشرح على البداية بالفكرة الواحدة ثم الناء عليها ~~ربطا للقديم بالجديد، وتواصلا بين الحضارات، ~~واستمرارا للتراكم المعرفي للإنسان، دون ذكر مقال ~~أرسطو أو حتى اسم صاحب النص أو أية أسماء أخرى أو ~~شواهد من بيئة المنقول أو من بيئة الناقل. ~~(2) # الشرح الأوسط في صيغة «قال أرسطو إن ...»، وهو القول ~~غير المباشر، ويعني ذلك البداية بأول النص المترجم ~~كخيط قائد، ثم الخروج عنه تأليفا وإبداعا لنصوص ~~أخرى. البداية من الآخر أما الوسط والنهاية فمن الأنا. ~~النقل من الآخر أما الإبداع فمن الأنا. ~~(3) # الشرح الأكبر وهو أخذ النص مقسما إلى وحدات صغيرة ~~وبدايتها «قال أرسطو ...» مع التمييز بين النص والشرح، ~~بين المقروء والقراءة كما هو الحال في علوم التفسير. ~~ويتم تقطيع النص المقروء حتى يسهل مضغه وابتلاعه ~~وهضمه من أجل تمثله وتحوله إلى إبداعات فكرية، ~~ونشاطات ذهنية، وهنا تبقى الشواهد الأصلية من الوافد ~~ويزاد عليها شواهد محلية من الموروث. # 4 # أما التلخيص فمع أنه أصغر كما إلا أنه أكثر تركيزا فكرا؛ ~~لأنه يعني: ~~(1) # تجاوز مرحلة النص كلية، والانتقال ليس فقط من اللفظ ~~إلى المعنى، ولكن أيضا ms100 من الإسهاب في المعنى إلى ~~التركيز، ومن المعاني الفرعية إلى المعاني الكلية. ~~التلخيص بهذا المعنى لباب بلا قشور، وجواهر بلا ~~أعراض، وقلب بلا أطراف، وروح بلا جسد. ~~(2) # إسقاط الشواهد والأسماء والتحديدات الزمانية ~~والمكانية والشخصية كلها، وعدم استبدال أمثلة جديدة من ~~ثقافة الأنا بأمثلة قديمة من ثقافة الآخر. ~~(3) # الحرص على التجريد والتعميم بحيث يبدو الفكر وكأنه ~~من استنباط العقل النظري الخالص دون ما رجوع إلى أية ~~مادة علمية من ثقافة الآخر أو من ثقافة الأنا. وهي ~~البنية الصورية للموضوع بصرف النظر عن الخطاب أو ~~المقال، وتأسيس هذه البنية على نسق داخلي عضوي قائم ~~بذاته بصرف النظر عن نشأة هذا الموضوع في هذا التراث ~~أو ذاك. # وبهذا المعنى لا يختلف التلخيص عن التأليف في شيء إلا في أن ~~التلخيص ما زال يحتفظ بعنوان النص المنقول مثل المقولات، العبارة، ~~القياس، البرهان ... إلخ. وفي هذه الحالة لا يشير العنوان إلى نص ~~واحد، بل إلى موضوع فلسفي صرف لا وافد ولا موروث، العقل قادر على ~~التعامل معه مباشرة. وهذا هو أحد معاني الفلسفة التي افتقدناها في ~~فلسفتنا المعاصرة. # أما العرض والتأليف فهما مرحلة تالية بعد الشرح والتلخيص. العرض ~~هنا محاولة للتأليف في الوافد، وتناول الموضوع ابتداء منه. هو ~~عرض للشيء ذاته متجاوزا الشرح والتلخيص، اللفظ والعبارة. ومع ذلك ~~يظل اسم الفيلسوف الوافد مذكورا في العنوان اعترافا بفضله، ~~وشهادة لإمامته وسبقه. وقد يكون ذلك إما عرضا لكتاب واحد أو ~~للفلسفة كلها. وقد يظهر اسم الكتاب وحده وقد يظهر معه الموضوع ~~ذاته تمهيدا لمرحلة أخرى هي التأليف في موضوع الوافد بصرف النظر ~~عن أشخاصه. # 5 # وقد يكون التأليف «العارض» هو دخول في معارك الوافد، ~~والانتصار لفيلسوف على آخر إحقاقا للحق وانحيازا له بصرف النظر ~~عن النتيجة وإن كانت في الغالب لصالح أرسطو على غيره، ليس تبعية ~~لأرسطو ولكن نظرا لأنه أقرب إلى روح الإسلام في اتفاق العقل ~~والطبيعة والذي يجعله الإسلام تطابق العقل والطبيعة والوحي. # 6 # وفي حالة عدم التناقض بين فيلسوفين وآخرين والانتصار ~~لأحدهما إذا كان ms101 التناقض صحيحا فإنه يمكن الجمع بينهما إذا ما ~~كان التناقض ظاهرا. وبالتالي يمكن الجمع بين رأيي الحكيمين كما ~~يمكن ضم آرائهما في النفس، لا يعني ذلك خلطا بين المتناقضين ~~ناشئا عن سوء فهم، بل جمع للأجزاء في كل واحد هو التصور ~~الإسلامي الجديد الذي يجمع بين الواقع والمثال، بين الدنيا ~~والآخرة، بين الجسد والروح ... إلخ. # 7 # ثم ينتقل المؤلف العارض إلى مرحلة أخرى أكثر تجريدا ~~وأكثر اقترابا من الموضوع نفسه، وابتعادا عن الأشخاص؛ وذلك ~~بالتأليف في موضوعات الوافد المستقلة عن أشخاصه، بعد تحويل هذه ~~الموضوعات إلى أبنية مستقلة تندرج في علوم. فجاء التأليف في ~~المقولات وفي العبارة وفي البرهان وفي إيساغوجي وفي الشعر بصرف ~~النظر عن بدايات هذه الموضوعات عند أصحابها، وقد يذكر اللفظ ~~المنقول صوتا مثل اللفظ المعرب، سواء كان الترتيب لهذا أو لذاك ~~لمجرد تذكير القارئ بالبداية التاريخية، ولربط الإبداع الجديد الذي ~~يعبر عنه اللفظ المعرب بالنقل القديم الذي يعبر عنه اللفظ ~~المنقول مثلا كتاب «باري أرمنياس» أي العبارة، # 8 # وقد يستغنى كلية عن اللفظ المنقول ويكتفى باللفظ ~~المعرب مثل المقولات، العبارة. # 9 # وقد يتحول العرض إلى تأليف؛ وذلك بتغيير العنوان ~~الوافد كلية، أو الحديث في العلم ككل من أجل اكتشاف قوانين جديدة. # 10 # هذا التأليف في ثقافة الوافد عن طريق العرض أشبه بما يتم حاليا ~~في مؤلفات تاريخ الفلسفة. والفرق بين العرض القديم وبين مؤلفات ~~الأساتذة الجامعيين حاليا هو أن العرض كان تمهيدا لمرحلة أخرى ~~هي التأليف الخالص والإبداع المحض، في حين أننا توقفنا على العرض ~~ولم نجعله مجرد مرحلة تتلو مرحلة وتتبعها مرحلة أخرى كما كان ~~الأمر عند القدماء. # وبعد العرض بجميع أشكاله يأتي التأليف الذي يمثل الإبداع بعد النقل. # 11 # ومنذ بداية الفلسفة عند الكندي الإبداع من حيث ~~الكم أكبر حجما من الشرح والتلخيص والعرض. فالفلسفة بدأت مبدعة ~~وليست شارحة أو ملخصة عارضة. ثم أتى الفارابي فزادت نسبة الشرح ~~والتلخيص والعرض ومع ذلك ظل الإبداع أيضا من حيث الكم أكبر ~~حجما. ثم أتى ابن سينا ms102 وامحى الفرق بين الشرح والتلخيص والعرض ~~من ناحية، وبين الإبداع من ناحية أخرى، ووضع الكل في بنية ~~الفلسفة في موسوعات كبيرة اختفت مصادرها التاريخية ولم يظهر إلا ~~بناء العقل الخالص أو وصف الموضوع نفسه. ثم أتى ابن رشد ليعيد ~~التصحيح منذ البداية فلا إبداع بلا نقل صحيح؛ لذلك غلب الشرح ~~والتلخيص على الإبداع من حيث الكم، وأخذ ابن رشد لقب الشارح ~~الأعظم لذلك. كانت العودة إلى الشرح والتلخيص عند ابن رشد حركة ~~تصحيحية في فهم النقل وفي الوقت نفسه تطوى الإبداعات خفية ~~وخشية، خاصة ما كان منها نقدا موجها إلى الموروث. ثم جاء ~~الفلاسفة بعد ابن رشد مثل الرازي والطوسي بإبداع خالص دون شرح أو ~~تلخيص. إذن لم يتجاوز النقل أبدا وما تبعه من شرح وتلخيص وعرض ~~الإبداع في أية مرحلة إلا عند ابن رشد الذي استطاع تمويه الإبداع ~~والتعبير عنه من خلال الشرح والتلخيص. بل لقد آثر بعض الفلاسفة ~~مثل ابن مسكويه والعلماء مثل عمر الخيام الدخول في الإبداع مباشرة ~~دون مراحله التمهيدية في الشرح والتلخيص والعرض. # ولم يكن التأليف مجرد تطوير لمراحل النقل والشرح والتلخيص ~~والعرض، بل كان ذلك كله مجرد رافد واحد فيه وعنصر مكون له. ~~وكان هناك رافد آخر هو التفكير على معطيات الحضارة الإسلامية ~~وإبداعاتها الأولى المستقلة عن الوافد، مثل أصول الفقه وأصول ~~الدين وعلوم التصوف. وباجتماع هذين الرافدين، الوافد والموروث، ~~ينشأ الإبداع الشامل. للفلسفة إذن مصدران: الوافد والموروث. ~~والوافد قد تم تحويله إلى موروث محلي صرف بعد عمليات النقل والشرح ~~والتلخيص والعرض والتأليف. أما الموروث فهو علوم الكلام وتطويرها ~~بعد نقد الفلسفة لها. وقد كان أوائل الفلاسفة مثل الكندي متكلمين ~~يفكرون في مسائل الكلام، مثل الاستطاعة والفعل، أو التفكير في ~~الله أو في مسائل القضاء والقدر، أو نقد علم الكلام كله ~~باعتباره علما لا يفيد الذكي ولا ينتفع به البليد. وكما اتضح ~~في علم الكلام المتأخر في القرنين السادس والسابع وكما هو واضح ~~عند الإيجي في «المواقف» غلبت موضوعات الفلسفة على الكلام. ففي ~~الفلسفة ms103 المتأخرة وكما هو الحال عند الرازي في المباحث المشرقية ~~غلبت موضوعات الكلام على الفلسفة. # 12 # كما شمل الموروث علم أصول الفقه، وكانت الفلسفة ~~تفكيرا غير مباشر عليه، روحه أكثر من مسائله. # 13 # وشمل أيضا علوم التصوف والتي طبعت الفلسفة بطابعها ~~فيما عرف فيما بعد باسم الفلسفة الإشراقية. # 14 # كما احتوى أيضا بعض العلوم النقلية مثل الفقه والتفسير. # 15 # وتبلغ قمة الإبداع الخالص في التفكير على الموضوعات الإنسانية ~~الخالصة في الأخلاق والاجتماع والسياسة بصرف النظر عن الرافدين ~~الأساسيين في التكوين الفلسفي: الوافد والموروث # 16 # ثم ينتقل الإبداع إلى العلوم الفلسفية الخالصة مثل ما ~~بعد الطبيعة. وفي مقدمتها الموجودات المفارقة وخلود النفس. # 17 # ثم يبلغ الذروة في التفكير في الموضوعات الرياضية ~~والطبيعية الصرفة حيث يتم الإبداع في أتم صورة دون جدال أو نقد ~~أو إشارة إلى أحد المصدرين: الوافد أو الموروث. # 18 # لقد بدأت الفلسفة عند الكندي والرازي تفكيرا على ~~العلم بالأساس؛ أي العقل في مواجهة الطبيعة. ثم انحرفت بمؤامرة ~~داخلية لضربها وأصبحت فلسفة إشراقية؛ تأملا في النفس وانعراجا ~~إلى الله عند الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا والشيعة ~~وامتدادها عند ابن باجة وابن طفيل، ثم عادت من جديد نحو العقل ~~والطبيعة عند ابن رشد. هناك إذن نموذجان: الأول الفلسفة العقلية ~~الطبيعية التي ميزت البداية والنهاية والتي هي أشبه بالرأس ~~والقدمين، ونموذج الفلسفة الإشراقية التي احتلت الوسط والتي هي ~~أشبه باندفاع البطن الذي في حاجة إلى دواء ليعود التناسق إلى ~~الجسم الفلسفي. وهو نفس التمايز في علم أصول الدين بين الأصول ~~الإنسانية العقلية الطبيعية عند المعتزلة، والأصول الإلهية عند ~~الأشاعرة. # وبالرغم من بعض الظواهر السلبية في الفلسفة والتي كانت نتيجة ~~طبيعية لروح الحضارة القديمة مثل المنطق الصوري، والعقل التبريري، ~~والمعرفة الإشراقية، ونظرية الفيض، والطبيعيات الإلهية، وثنائية ~~الطبيعية، وعلم أحكام النجوم، والضرورة الكونية، وأولوية الفضائل ~~النظرية، والتصور الهرمي للدولة؛ إلا أنها استطاعت تطوير الفكر ~~الديني، واحتواء الحضارات المجاورة، والانتقال من النقل والشرح ~~والتلخيص إلى العرض والتأليف، وصياغة لغة جديدة، ووضع تصور ~~شامل، والإحاطة بكل ms104 العلوم القديمة في علم موسوعي شامل، ثم إثبات ~~الحقائق الفلسفية العامة التي تتفق عليها البشرية جمعاء والتي تصل ~~إليها كل حضارة؛ مثل الله كمبدأ عام شامل يظهر في فعل الخير ~~والإتيان بالعمل الصالح، وإثبات خلق العالم من أجل الفعل فيه، ~~وعدم الحرج من القول بقدمه ردا لاعتباره، وخلود النفس الفردية ~~من خلال العقل الكلي. # 19 # كان للفلسفة دور ووظيفة ورسالة وكانت لها إنجازات ~~تجعلنا نتساءل: ما هي وظيفة الفلسفة اليوم وما دورها وما رسالتها، ~~وما هي الإنجازات التي قدمتها؟ # | سابعا: البنية الثلاثية للفلسفة: ~~غياب الإنسان والتاريخ # بدأ التأليف عند الكندي واستمر عند الفارابي في موضوعات متفرقة ~~حتى وصل الأمر إلى ابن سينا فوضع لها بنية ثلاثية: المنطق، ~~والطبيعيات، والإلهيات. وقد انتقلت هذه البنية إلى العصر الوسيط ~~الأوروبي، بل وإلى العصور الحديثة حتى هيجل الذي اجتمعت فيه ~~فلسفات العصر الوسيط والعصور الحديثة على السواء، خاصة في ~~«الموسوعة الفلسفية». ولقد انتقلت هذه البنية الثلاثية إلى الفلسفة ~~الأوروبية الحديثة مع تحول جديد إلى نظرية المعرفة ونظرية الوجود ~~ونظرية القيم؛ إجابة على أسئلة ثلاثة: كيف أعرف؟ وماذا أعرف؟ ماذا ~~آمل؟ وقد نشأ كل ذلك في البداية من الموضوعات الرئيسية الثلاثة في ~~علم أصول الدين: نظرية العلم، ونظرية الوجود، والإلهيات، بالإضافة ~~إلى النبوات (السمعيات). # فإذا سألنا: هل للفلسفة لدينا الان بنية؟ لكانت الإجابة حتما ~~بالنفي. والفلسفة بدون بنية مجرد تأملات في موضوعات متفرقة كما ~~كانت الفلسفة القديمة في بداياتها عند الكندي والفارابي. وإذا ~~سألنا: هل الفلسفة لدينا الآن، وهي في مرحلة البدايات؛ أي التفكير ~~المتناثر المشتت في موضوعات متفرقة علمية ورياضية وإنسانية عامة، ~~مرحلة تمهيدية لمرحلة أخرى تالية تتحول فيها الفلسفة من تفتت ~~المسائل إلى وحدة الموضوع؟ لكانت الإجابة أيضا بالنفي، بالرغم مما ~~يكون في هذه الإجابة من مصادرة على المستقبل، وحرية حركاته ~~وإمكانات إبداعه. # فالمنطق، بالرغم مما يبدو عليه من صورية وتقليدية، منطق قضايا ~~وأشكال، إلا أنه قد تم تركيبه بناء على تصور الحضارة الجديدة. ~~فالمنطق بالنسبة للفكر عند ابن سينا يعادل الوحي بالنسبة ms105 للعقل، ~~كلاهما يعصمان من الخطأ. وينقسم المنطق إلى منطق صواب وهو البرهان، ~~ومنطق خطأ وهو الجدل والسفسطة، كما ينقسم منطق الوحي إلى يقين ~~وظن، وبالتالي سهل إدخال مادة المنطق الوافدة في تصور الحقيقة ~~الجديدة. فمنطق اليقين هو البرهان، ومنطق الظن هو الجدل ~~والسفسطة. # وإذا كان البرهان هو قمة المنطق أصبحت المباحث الثلاثة الأولى ~~فيه: المقولات والعبارة والقياس ثلاث مقدمات له، والمباحث ~~الأربعة التالية له تطبيقات عليه في الجدل والسفسطة والخطابة ~~والشعر. وإذا كانت اللغة مادة المنطق التي عليها تتضح أشكال الفكر ~~فإن اللغة هي أيضا وسيلة التعبير في الوحي. هناك إذن تطابق بين ~~المنطق واللغة. المنطق مقولات وعبارة، واللغة ألفاظ وجمل، ~~والقضية موضوع ومحمول، والجملة مبتدأ وخبر. إحالة المنطق إلى اللغة ~~هو إحالة الوافد إلى الموروث، ووضع الحضارة اليونانية في تصور ~~الحضارة الإسلامية، وعلى ما وضح في المناظرة الشهيرة بين المنطق ~~والنحو بين متى والسيرافي. وقد تم عرض المنطق على العقل ~~فقبله العقل؛ نظرا لما في المنطق من نسق هندسي. المقولة نقطة، ~~والعبارة خط، والقياس خطان متوازيان، والبرهان: الموازيان لثالث ~~متوازيان. فنظرا لأن المنطق عقلي والعقل أساس السمع؛ ظهر تطابق ~~المنطق والوحي. # ولكن هذا هو فقط مقترحات الفلاسفة، ولا يمكن عزله عن باقي أنواع ~~المنطق التي تقف من منطق الفلاسفة موقف النقد والرفض والعداء، مثل ~~منطق الصوفية ومنطق الفقهاء. فلقد قدم الصوفية منطق الإشراق وهو ~~منطق وجداني خالص، وإن أمكن صبه أيضا في أشكال القياس. # 1 # كما قدم الفقهاء منطق الحس والتجربة اعتمادا على ~~الواقع والمشاهدة؛ تحقيقا للمنفعة وللمصالح العامة. إذن يمكن ~~لجيلنا النظر إلى المنطق ككل واحد، منطق العقل الخالص عند ~~الفلاسفة، ومنطق الشعور عند الصوفية، ومنطق الواقع عند الفقهاء، ~~ونضيف عليه الجدل الاجتماعي ومنطق التاريخ. # أما الطبيعيات القديمة فهي كما تبدو طبيعيات عقلية مثالية، أقرب ~~إلى رسم الطبيعة منها إلى علم الطبيعة. وعلى الرغم من أن مادتها من ~~الوافد إلا أن تصورها وترتيبها من أسفل إلى أعلى على نحو صاعد، من ~~المعادن والنبات إلى الحيوان والنفس، أشبه بطبيعيات ms106 الصوفية ~~والارتقاء من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، كما أن هذه المراتب ~~ذاتها إنما هي توجهات من الوحي، وتحقيق لدعوته للتأمل في مظاهر ~~الطبيعة وآيات الكون، وما أكثر وصف المعادن والنبات والحيوان ~~والنفس في الوحي وكأن التطابق بين ثنائيات اليونان: الجوهر ~~والعرض، الصورة والمادة، الكيف والكم، السكون والحركة، القوة ~~والفعل، المعلول والعلة ... إلخ، وبين الطابع المثالي لوصف الطبيعة ~~في الوحي. وكما أنه يستحيل التمييز بين موضوعات علم الطبيعة ~~وموضوعات علم الميتافيزيقا، كذلك يستحيل التمييز بين الآية ~~ودلالتها، بين دليل الحدوث وقدم الذات في الفلسفة الإسلامية. ~~فالعلم واحد، سواء كان طبيعيات أم إلهيات؛ الطبيعيات إلهيات ~~مقلوبة إلى أسفل، والإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى. لذلك استحال ~~فصل العالم عن الله، والحدوث عن القدم. أما النفس فهي موطن ~~الالتقاء بين العالمين؛ عالم الواقع، وعالم المثال. كلاهما ~~بعدان للنفس، ما أسهل إذن الحصول على دلالات معاصرة للطبيعيات ~~القديمة وذلك بطريقتين؛ الأولى: معرفة كيفية تركيب الطبيعيات ~~القديمة إلى طبيعيات معاصرة، أي إلى بعد طبيعي للشعور من أجل ~~القضاء على الثنائيات الموروثة والتي تغذيها ثنائيات الحلال ~~والحرام. والثانية: الكشف عن البعد الطبيعي للإنسان، ووضع الإنسان ~~في الطبيعة لتحقيق تطابق العقل والوحي والطبيعة. # وإذا كانت الإلهيات طبيعيات مقلوبة فإن ما يبقى منها هو النفس ~~والعقل؛ أي الإنسان من حيث هو قوى نظرية وعملية، ويدخل في ذلك ~~الأخلاق والاجتماع والسياسة والتاريخ. ونظرا لأهمية هذا الجانب ~~في عصرنا فإنه لا يمكن تركه محاصرا بين الطبيعيات والإلهيات ~~القديمة كعنصر ربط بينهما دون أن يصبح قسما مستقلا. وبالتالي ~~تكون بنية الفلسفة رباعية: المنطق، الطبيعيات، الإلهيات، ~~الإنسانيات. وهو ما حاول إخوان الصفا إضافته في القسم الرابع فيما ~~سموه «العلوم الناموسية والشرعية». وتكون المهمة في هذا الجزء ~~الانتقال من الأخلاق الفردية إلى الأخلاق الاجتماعية، ومن ثنائية ~~الفضائل والرذائل إلى توظيفها الاجتماعي طبقا للطبقات الاجتماعية: ~~أخلاق الأمر والنهي للطبقة العليا، وأخلاق القانون والنظام للطبقة ~~الوسطى، وأخلاق الفقر والقهر للطبقة الدنيا. إن وصف المدن الفاضلة ~~سهل ما دام الأمر هو التعبير عما ينغي أن يكون، ms107 ولكن تحليل الجدل ~~الاجتماعي ووصف واقع الناس ومعرفة أسباب الانهيار وشروط التقدم هو ~~الأنفع والأقرب إلى تحقيق مصالح الناس. وإذا كان القدماء قد ~~أفاضوا في إثبات خلود النفس وفناء البدن وكسبوا المعارك النظرية ~~فإن المحدثين يستطيعون وصف مآسي البدن؛ فمآسينا من جوع وقحط ~~وعري، ومشاكلنا في المواصلات والإسكان والنظافة وضيق المكان؛ كلها ~~آتية من سوء تدبير البدن. ومن هنا تنشأ مشاكل النفس بصرف النظر عن ~~قدرة الصفوة على تجاوزها والإبقاء على طهارة النفس، رغما عن ~~ضرورات البدن. # 2 # | ثامنا: خاتمة: مسئولية من؟ # هذا بحث في الفلسفة والتراث وحال الأمة. وإضافة الطرف الثالث ~~الذي يعبر عن ماهية العلاقة بين الطرفين الأولين ضروري، وإلا ~~كان البحث في الفلسفة والتراث أشبه بما هو سائد حاليا في ~~نداوتنا العلمية ومحاضراتنا الجامعية. وتلك مهمة المؤتمر الفلسفي ~~العربي وما قد ينبثق منه من جمعية فلسفية عربية تحقيقا وفعلا، ~~تكون الموطن الطبيعي لإبداعات فكر الأمة بعد أن انتظر الناس ~~طويلا أهل الحل والعقد وعلماء الأمة، وكما انتظروا أيضا ~~أولي الأمر الذين وضعوا العربة أمام الحصان. # 1 # وما زال الجميع ينتظر المخلص. وتلك مسئولية أساتذة ~~الفلسفة أولا وقبل كل شيء بوعيهم بالتراث وبرؤيتهم لأحداث العصر، ~~بفكرهم كعلماء وبممارستهم كمواطنين. وقد تكون تراثنا القديم بفضل ~~علماء الأمة الذين أسسوا المدارس، وصاغوا المذاهب، وشكلوا ~~العقائد. إن تحقيق الوحدة العضوية بين العالم والمواطن، بين حق ~~العلم وواجب المواطنة هو السبيل إلى الجمع بين التراث والفلسفة ~~وحال الأمة. # ثم إنها مسئولية الطلاب ثانيا الذين يشكلهم الأساتذة، سواء ~~في الدراسات العامة أو في الدراسات العليا، كعلماء ومواطنين يجمعون ~~أيضا بين حق العلم وواجب المواطنة، يتأثرون بهم ويردون عليهم، ~~ويكونون مذاهب بديلة، في حوار صريح وعلني. فقد نشأت الفلسفة ~~كما نشأ التراث كله نتيجة لحوار بين المذاهب وخلاف بين العقائد. ~~فالكل راد والكل مردود عليه. وما من حجة إلا ولها حجة ~~مناقضة، وما من موقف إلا وله موقف بديل، ليس الطلاب نسخة منا، ~~ولكنهم تطوير لنا، وزيادة علينا، أو قلب وتغيير لفكرنا رأسا ~~على ms108 عقب. # وإنها لمسئولية الدولة ثالثا أن تقف على الحياد التام في الخلاف ~~الفكري بين العلماء وفي حرية الاختيار بين المذاهب. فالسلطة ليست ~~حجة، والفكر ناصح والسلطة سامعة. ليس للسلطة مفكروها ولكن ~~المفكرين يخاطبون الناس الذين يختارون ممثليهم، ويبايعون أئمتهم، ~~ويعقدون على ولاة أمورهم، فالإمامة عقد، وبيعة، واختيار. # | التراث والتغير الاجتماعي1 # | أولا: أنواع المجتمعات البشرية ~~بالنسبة إلى تراثها # تمتاز المجتمعات البشرية على غيرها من المجتمعات الحيوية بأنها ~~مجتمعات تراثية تحتفظ بتاريخها الماضي وتدون آثارها، أو تحفظه ~~شفاها ثم ترويه الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة. ومن هنا ~~ارتبط تاريخ الإنسانية بعلم النقوش والآثار والحفائر كما حفظت ~~حياة المجتمعات في السجلات والحوليات، وخلد الملك على حوائط ~~المعابد والمقابر. فإذا كانت التجمعات الحيوانية تحفظ تجاربها ~~السابقة في سلوكها وتعلمها من المحاولة والخطأ، فإن التجمعات ~~البشرية تحفظ هذا التاريخ وتدونه كتابة. التجمعات البشرية هي ~~إذن وحدها التي لها تاريخ، وبالتالي كان تاريخها سجل حياتها ~~ومرآة روحها، وهو ما أكدته فلسفة الحضارات البشرية. # والمجتمعات البشرية بالنسبة إلى تراثها على ثلاثة أنواع: الأول ~~ما يسمى بالمجتمعات «البدائية» وهي المجتمعات التراثية التي ~~يكون فيها تراثها ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويكون ~~دينها وفنها وفلسفتها وأسلوب حياتها، ويكون بديلا عن واقعها ~~وفكرها ويقوم مقام عملها ومعرفتها. وفي هذه المجتمعات لا يحدث ~~تغير اجتماعي قصدي، بل يحدث تقدم في أساليب الحياة العملية ~~طبقا للمحاولة والخطأ، أو إيهاما بوسائل السحر وأساليب ~~الخرافة. # والثاني ما يسمى بالمجتمعات «المدنية» أو المجتمعات الحديثة ~~أو المجتمعات الغربية المتقدمة، وهي المجتمعات اللاتراثية التي كان ~~فيها تراث يوما ما يكون ماضيها وحاضرها ومستقبلها ثم ~~تكشف لها تعارض بعض جوانب هذا التراث مع العلم الحديث والعقل ~~البسيط أو الحياة المدنية العصرية التي تقوم على العقد الاجتماعي ~~الحر، فنفدته أولا وتركته ثانيا، ولم تستبق منه إلا ما اتفق ~~مع المعرفة الجديدة والعلم الحديث والنزعة الإنسانية بعد معركة ~~فاصلة بين القدماء والمحدثين، بين أنصار القديم وأنصار ~~الجديد. # والثالث ما يسمى بالمجتمعات «النامية» أو المجتمعات المتحررة ~~حديثا وهي المجتمعات التي ما زالت في ms109 مرحلة انتقال بين القديم ~~والجديد، تحاول الخروج من التراث إلى الواقع والذي تثار فيه ~~قضايا الأصالة والمعاصرة، وتعرض عليه النماذج التراثية ~~واللاتراثية، ويتأرجح بين التقليد والتجديد، ويتجاذبه تيارا ~~الانقطاع والتواصل في هذه المجتمعات، وهي مجتمعاتنا التي لم تحسم ~~فيها القضية بعد والتي تثار فيها قضية «التراث والتغير ~~الاجتماعي». فهي مجتمعات تراثية تشارف على العصر بعد أن جابهت ~~الاستعمار وحققت الاستقلال الوطني وبدأت التنمية الاجتماعية ~~الشاملة. # | ثانيا: النموذج التراثي # والنموذج التراثي لا يوجد فقط في المجتمعات «البدائية» بل قد ~~يوجد أيضا في جماعات محلية ~~تحتية # Sub-groups # داخل المجتمعات المدنية. لذلك يصفها علماء ~~الاجتماع باسم «البدائية» Primitivism ~~. وبالنسبة لنا في المجتمعات النامية ~~يكون لهذا النموذج عدة عيوب رئيسية، وأهمها: ~~(1) # يؤخذ التراث على أنه غاية في ذاته وليس مجرد ~~وسيلة لتحقيق غاية أخرى هو تقدم الشعوب ونهضة ~~المجتمعات. فالتراث قيمة في حد ذاتها يحرص عليها، ~~ولا يمكن تناولها بالنقد أو التغيير. التراث مصدر ~~القيم، وهو في حد ذاته قيمة روحية. هو مضمون الإيمان ~~أو «المطلق في التاريخ». هو «المقدس» الذي لا يمكن ~~تدنيسه بالبحث الإنساني أو بإعمال العقل، أو بتحويله ~~إلى «الدنيوي» أو «العلماني». وفي هذه الحالة يكون ~~التراث والدين شيئا واحدا، وتنفى عنه صفة الإبداع ~~الإنساني، وكأنه من صنع الروح الإلهي والنفح ~~النبوي. يفعل في الناس، ويوجه المجتمعات، ويحدد ~~المصائر، يجب الخضوع له، والثورة عليه كفر وإلحاد. ~~ويشمل الكتب المقدسة والمؤلفات الصوفية والفقهية ~~والعقائدية، ويضم الضريح والولي وكل صاحب عمامة ~~وبائع عطور! ~~(2) # يكون التراث مستقلا عن الواقع وليس جزءا منه أو ~~موجها له، فهو فكر وواقع، عقيدة وشريعة، تصور ونظام، ~~دين ودنيا، مصحف وسيف ... إلخ. ويكون بديلا عن الواقع، ~~يطرد الواقع الحالي، ويحل محله الواقع ~~التراثي، ويتم الخلط بين ما ينبغي أن يكون وما هو ~~كائن، بين المبدأ والواقع، أو بلغة الأصوليين بين ~~الأصل والفرع. أو على الأقل ينبغي على الواقع الحالي ~~أن يطوع نفسه طبقا للواقع التراثي، فالتراث لا ~~يقبل واقعا من خارجه يند عنه أو يهرب منه أو يثور ~~عليه. ms110 التراث ملزم ومشرع وقادر على احتواء كل شيء ~~خارجه. التراث هو الذات والموضوع، الأنا والغير، الروح ~~والمادة، مغلق على نفسه، لا يمكن النفاذ ~~إليه. ~~(3) # التراث كل لا يتجزأ يؤخذ كله أو يرفض كله، لا ~~يقبل الترقيع أو التوفيق مع تراث آخر مغاير. التراث ~~وحدة واحدة لا بداية له ولا نهاية، يبدأ من ذاته ويعود ~~إلى ذاته، منه البداية وإليه المنتهى. الناس صنفان: ~~مؤمن أو كافر، ولا وسط بينهما، فلا وسط بين الحق ~~والباطل أو بين الصواب والخطأ. لذلك تحولت الجماعات ~~التراثية إلى جماعات مستغلقة على نفسها تتزاوج فيما ~~بينها ولا تسمع أو تطيع إلا لمن هو فيها، بل وتهاجر ~~وتكون جماعات كلية متطهرة في ربوع الصحراء أو على ~~أطراف المدن لا تتعامل مع غيرها إلا بعد التحول من ~~النقيض إلى النقيض، ومن الضد إلى الضد. ~~(4) # يكون التراث خارج التاريخ والزمان والمكان، حقيقة ~~أبدية لا تتطور أو تتغير ولا يخضع لتأويل أو تفسير أو ~~وجهة نظر. يشمل الزمان والمكان ويطويهما فيه، فلا فرق ~~بين ماض وحاضر ومستقبل، ولا وجود لمراحل التاريخ أو ~~نوعية المجتمعات أو خصوصيات الشعوب. وبالتالي، تم ~~التنكر للحاضر كلية، وتمت التضحية بأصول الفقه في ~~سبيل أصول الدين، وغلبت العقيدة على الشريعة، وأصبح ~~أصحاب التراث معبرين عن مبدأ أكثر منهم عاملين في ~~الواقع ومغيرين له. يقف التاريخ لديهم في عصر ذهبي في ~~الماضي، يكون هو التقاء الخلود والزمان. ومن ثم لا ~~تتقدم الشعوب إلا بالرجوع إلى الماضي واختزال ~~التطور، فلا يصلح حال هذه الأمة إلا ما صلح به ~~أولها. يعيشون الماضي في الحاضر ويعيشون الحاضر في ~~الماضي، والمستقبل غائب باستثناء المعاد، وخلود ~~الأرواح. ~~(5) # الواقع كله مدان، ولا يمكن تطويره أو إصلاحه بل هدمه ~~من الأساس حتى يبدأ البناء الجديد على أسس راسخة، أصله ~~ثابت وفرعه في السماء. فالهدم يسبق البناء، والموت شرط ~~الحياة، والبداية من الصفر خير من البداية على ما هو ~~موجود بالطبيعة. ولما كان الواقع باقيا، والحياة ~~قائمة فإن الهدم لا ينتهي حتى يبدأ البناء، ومن ثم ms111 ~~يبدو التراث عدائيا للواقع، رافضا له، خارجا عليه، ~~سرعان ما ينتهي أصحابه بتدمير أنفسهم والواقع باق لم ~~يتغير، والمجتمعات تندم وتتحسر على هذه الطهارة ~~الضائعة الخاسرة. ولما استعصى الواقع طال الهدم ولم ~~يأت البناء، فظهر السلب دون الإيجاب، والرفعة دون ~~القبول. ~~(6) # تتولد العقلية الانقلابية، وتغيير المجتمعات عن طريق ~~الصفوة الطليعية المؤسسة، الجيل القرآني الجديد، ~~القادر على تجنيد الأمة، ومواجهة قوى البغي والعدوان، ~~والدفاع عن حاكمية الله لتقويض حاكمية البشر. يحدث ~~الانقلاب في حياة الفرد أولا ثم حياة المجتمع ثانيا، ~~فالتغير انقلاب، والثورة انقلاب على ما هو واضح ~~أيضا في اللغة الأوردية. وبالتالي يتم العمل في ~~الخفاء، سرا لا علانية، تحت الأرض أكثر منه فوق ~~الأرض، بجهاز سري شبه عسكري، سرعان ما تكتشفه السلطة ~~القائمة فتقضي عليه بقوة الجيش والبوليس المسلح. ولا ~~ضير من استعمال العنف المسلح والاغتيال السياسي لتبديل ~~الزمرة الحاكمة وإحلال الصفوة المؤمنة محلها. ~~(7) # ويتم ذلك كله باسم الله دفاعا عن حقه، وتأكيدا ~~لحاكميته، وتنفيذا لإرادته وامتثالا لطاعته، وطمعا ~~في أجره وثوابه. ولا يتم باسم الإنسان، دفاعا عن ~~حقوقه وتأكيدا لسلطانه وتحقيقا لمصالحه العامة حتى ~~يعيش في دنياه حرا كريما. وبالتالي غابت النظرة ~~الإنسانية، ونقصت الرحمة، وظهرت القسوة. والله يبرر ~~شعوريا عند دعاة التراث سلوكهم؛ لأنهم يدافعون عن ~~الشرع باسمه. انزوى الإنسان وخاف، وتقلصت قواه، وتجمدت ~~طاقته وضغطت طبيعته. فولد الكبت والحرمان مظاهر ~~التعويض والإشباع، وكأن الله ليس غنيا عن العالمين ~~وفي حاجة إلى دفاع، وكأن الله لم يكرم بني آدم في ~~البر والبحر ولم يجعله سيد العالمين. ~~(8) # ويسود التعصب والتشنج، ويرفض الحوار مع الآخرين ~~حتى انغلق أصحاب التراث على الذات وأسقطوا الآخرين من ~~الحساب، فأصبحوا نرجسيين، يرون أشخاصهم وذواتهم في ~~مرآة الآخرين. هم الحق وما سواهم الباطل، وبالتالي ~~استحالت الوحدة الوطنية وانقسمت الأمة إلى فريقين ~~متصارعين متعارضين، خصمان يكفر أحدهما الآخر، ~~ويحمل كل منهما السلاح في وجه الآخر. وتستعملهما ~~الدولة كل فريق ضد الآخر، فيحدث الشقاق بين قوى ~~المعارضة، وتتوقف عملية التغير الاجتماعي، وتكون ~~الخطورة أعظم إذا ما ms112 انشق دعاة التراث على أنفسهم، ~~ودبت الخلافات فيما بينهم، كل فريق يدعي أنه على حق ~~وصواب وما دونه الباطل. ~~(9) # وتسهل المعارك الشكلية حين يصعب تغيير المضمون، ~~فيظهر التغير على السطح في مظاهر اللباس خاصة وصورة ~~البدن، مثل إطالة اللحى، والتمتمة بالشفتين والحجاب، ~~والصلاة وإقامة الشعائر والطقوس؛ بحجة الاستعداد وعدم ~~التسرع، والإعداد للمعارك القادمة، فيبقى الواقع ~~الاجتماعي لا يتغير، وتثار المشاكل الوهمية في ~~مجتمعات التنمية مثل فصل الذكور عن الإناث، أو التجمهر ~~لإقامة مصلى، ولا يجد الضنك والبؤس والفقر والجوع من ~~يتصدى له، ويرتفع المترفون، وتستسلم الأمة، ويضيع ~~استقلالها على رائحة العطر ومعارض كتب التراث ومعارك ~~الحجاب. ~~(10) # وسرعان ما تجد القوى المحافظة في النموذج التراثي ~~خير دعامة لإيقاف حركة التغيير الاجتماعي، فتتمسك ~~بالقديم، وتحافظ على الأصول، وبالتالي تجد شرعيتها في ~~التراث بعد أن فقدتها في الواقع، وتتأصل في المبدأ ~~وتختفي وراءه وتستعمله كقناع يخفي التسلط في الواقع ~~ونهب ثروات الأمة، لذلك عم النموذج التراثي في النظم ~~المحافظة، وأصبح دعامة الإقطاع العشائري والحكم ~~القبلي، والنظام الأسري، وتحولت قيم الأصالة والصلابة ~~والإيمان إلى موانع للتغير الاجتماعي، وأصبحت القيم ~~القديمة خير دعامة للنظم المحافظة. ولا تجد قوى ~~التغير الاجتماعي لديها أية وسيلة لمواجهة القديم أو ~~النظام القائم وإلا اتهمت بالخروج على المجتمع، ~~خاصة إذا كانت المحافظة هو التيار الغالب على ثقافة ~~الجماهير. # | ثالثا: عيوب النموذج اللاتراثي # وفي مقابل النموذج التراثي، وكرد فعل عليه يظهر النموذج ~~اللاتراثي. يقطع الصلة بالقديم لبناء الجديد على أسس من العلم ~~والمعرفة وبالجهد الإنساني الخالص بعد اكتشاف عورات التراث وعدم ~~ثباته أمام العلم الجديد، فالتقدم نحو الجديد مرهون بالتخلص من ~~القديم، وهو درس عصر النهضة الأوروبي في القرن السادس عشر خاصة ~~وحتى الآن. وكما ظهرت «البدائية» كتجمعات محلية ظهرت أيضا ~~الحركات التحديثية العلمية العلمانية على النمط الأوروبي ~~كتجمعات فوقية # Super-Groups # مفروضة على مجتمعاتنا من الخارج. وأهم عيوب النموذج: ~~(1) # يحدث تغيير في السطح لا في العمق، وفي العرض لا في ~~الجوهر، وفي الأطراف لا في المركز. فتتغير مثلا ~~الحروف الوطنية في ms113 اللغة إلى الحروف اللاتينية، كما ~~يتغير اللباس الوطني إلى اللباس الأوروبي، والموسيقى ~~الشرقية إلى الموسيقى الغربية، والمنازل العربية إلى ~~المنازل الحديثة، والمدارس الوطنية إلى المدارس ~~الأجنبية، واللغة العربية إلى اللغات الأوروبية، ~~وبدلا من أن تكون البلاد جزءا من الشرق تصبح قطعة ~~من أوروبا، وكان التحديث هو ترك الأنا وتقليد الآخر، ~~والقضاء على الهوية والوقوع في التغريب، وكما يقول ~~الشاعر: «لبسنا قشرة الحضارة، والروح ~~جاهلية.» ~~(2) # يحدث التقدم في الخارج في مظاهر الحياة المدنية من ~~صناعة وزراعة وتجارة وعمران، ولكن على أساس من التخلف ~~في الداخل. فيقام التصنيع بعقلية الزراعة وانتظار ~~الفيضان وسقوط الأمطار، وبذر الحبوب وانتظار الحصاد، ~~وكأن التصنيع سيحضر عقليته معه ويفرز قيمه في ~~الزمان والتنظير والآلية. وتقام مزارع ومديريات ~~الإصلاح الزراعي بعقلية الإقطاع أو بنظام بيروقراطي، ~~ويدار القطاع العام في التجارة بعقلية القطاع الخاص. ~~فسرعان ما ينهار التقدم بانتهاء دور النخبة ~~التحديثية، وتظهر المحافظة في الأعماق، ويبدو التخلف ~~كمرحلة تاريخية لا يمكن عبورها بمجرد تغيير المظاهر ~~الخارجية. ~~(3) # يحدث تغيير في الأنظمة السياسية والاجتماعية ~~والاقتصادية كما يحدث تغيير في الأبنية الاجتماعية دون ~~أن يقع تغيير مواز في أنساق القيم. فسرعان ما تعود ~~الأنظمة القديمة متطابقة مع نسق القيم القديم بمجرد ~~اختفاء قوى الحراك الاجتماعي التي أحدثت هذا ~~التغيير وهي في موقع السلطة السياسية. وكأن نسق القيمة ~~هو الأساس الواقعي الوحيد للبنية الاجتماعية مهما ~~اختلفت الأيديولوجيات وآراؤها حول أولوية الأبنية ~~التحتية أو الأبنية الفوقية. فتحدث التنمية دون مفهوم ~~التقدم، ويتم التحرير والتعمير دون مفهوم الأرض، ~~وتتسع رقعة الخدمات دون مفهوم الإنسان. ~~(4) # ونتيجة لذلك يحدث انفصام في الشخصية الوطنية، ~~وتتجاور فيها طبقتان من الثقافة؛ الأولى تاريخية متصلة ~~محافظة أصيلة، والثانية حديثة منقطعة تقدمية مستوردة. ~~وتوضع الثانية فوق الأولى دون أن تنبع منها أو تكون ~~تطويرا لها، ويحدث الاشتباه في الشخصية القومية كما ~~هو الحال في تركيا وبولندا؛ طبقة راسخة من الإسلام ~~وفوقها طبقة من التحديث الغربي في الأولى، وطبقة راسخة ~~من الكاثوليكية وفوقها طبقة من الماركسية في الثانية. ~~وتنقسم الأمة إلى فريقين ms114 وكما هو حادث في مجتمعاتنا ~~العربية والإسلامية بين أنصار التعليم الديني وأنصار ~~التعليم العلماني. ~~(5) # ونظرا لهذا التجاور السطحي بين الطبقتين تحدث ردود ~~الأفعال؛ ففي ساعة الهزائم وأوقات الشدة وعندما ترى ~~الشعوب فشل مناهج تحديثها السطحية، تثور الأعماق، ~~ويحدث رد فعل، ونظهر السلفية والحركات الدينية ~~الرافضة لجميع مظاهر الحداثة كما هو حادث الآن في ~~مجتمعاتنا العربية والإسلامية. فالثقل التاريخي ~~للأعماق أقوى بكثير من خفة السطح. والرصيد التاريخي ~~لتراث الشعوب يرجح تقليدها المحدث للآخرين. وبدل أن ~~يحدث التغير الاجتماعي يوقف مسار التغير، وتكتسب ~~الشعوب مناعة ضده، وتحصن نفسها منه باعتباره آفة ~~العصر. ~~(6) # ونظرا لوجود هاتين الطبقتين المتجاورتين لم يحدث ~~أن مرت مثل هذه المجتمعات بفترة انتقال من التراث إلى ~~التجديد، يحدث فيها إعادة بناء التراث وإعادة الاختيار ~~بين البدائل بحيث يقضى على معوقات التقدم، وتستمد ~~منه بواعث التغير الاجتماعي. وتتميز هذه الفترة ~~الانتقالية بظهور ما يسمى بالليبرالية أو التنوير ~~اعتزازا بالعقل وبحرية الإنسان، وتأكيدا على استقلال ~~الطبيعة وتقدم التاريخ، وهي الحلقة المتوسطة بين ~~القديم والجديد، ووسيلة الانتقال من التراث إلى الثورة ~~باعتبارها تغيرا اجتماعيا متراكما عبر عدة أجيال. ~~ومن ثم ظهرت في بولندا الحاجة إلى الليبرالية كما ~~انتقل الاتحاد السوفيتي من الإقطاع إلى الاشتراكية دون ~~المرور بهذه المرحلة المتوسطة، فنشأت الحاجة إلى ~~الحرية، وظهرت حركات المعارضة، وسمعت أصوات ~~المنشقين. ~~(7) # ولما كان التحديث منوطا بالتنمية وطبقة التكنوقراط ~~المؤهلة للتحديث سيطرت الأقلية الحديثة على الأغلبية ~~القديمة، وأخذت هذه الأقلية في تنظيم نفسها في حزب ~~طليعي أو في ضباط أحرار أو في طبقة المديرين وجهاز ~~الدولة، وأصبح التحديث في عقول الصفوة وليس وجدانا ~~شعبيا لدى الجماهير. فتصدر القرارات التحديثية ثم ~~تفرغ من مضمونها حتى تنتهي إلى فراغ، ويتحول ~~التحديث إلى مجموعة من الشعارات يتهكم عليها الناس، أو ~~تبقى إعلاما في التاريخ. ~~(8) # وتنتهي الطلائع الثورية بالعزلة عن قواعدها الشعبية؛ ~~نظرا لاختلاف لغة التفاهم والتخاطب، ونظرا لاختلاف ~~البواعث والأهداف الموجهة، ونظرا لاختلاف درجة الوعي ~~السياسي والاجتماعي. وغالبا ما تفشل في إقامة نظام ~~جماهيري شعبي يقضي على عزلتها، ms115 وسرعان ما تنتهي إلى ~~دوائر مغلقة في الثقافة والفن، وتتحول إلى أحاديث ~~الصالونات، ولا تبقى إلا في تاريخ الحركة الثقافية ~~وبوادرها الأولى. فعندما يتوقف الإبداع السياسي يستمر ~~الإبداع الفني، ويصبح الفن عزاء للنفس، والشعر ~~تطهيرا لها. ~~(9) # وكسرا لحدة العزلة، وإيجاد المخرج منها خارج الطوق؛ ~~يتحول أحيانا الولاء الوطني إلى الولاء للأجنبي حتى ~~يجد قادة التغير الاجتماعي حليفا لهم ومؤيدا لجهودهم ~~ومعينا لمشروعاتهم. فإن كانت تحديثية ليبرالية ظهر ~~الولاء للنظم الغربية. وإن كانت تحديثية اشتراكية ظهر ~~الولاء للنظم الشرقية. وتخمد الروح الوطنية، وتضيع ~~الأصالة، وتمحي الخصوصية، ويعم التقليد، وينتهي ~~الاستقلال، وتسود التبعية. فإذا ما شكت الجماهير في ~~ولاء قادة التغير الاجتماعي ازدادت العزلة، وظهرت ~~طلائع أخرى تحاصرها. وغالبا ما تكون هذه الطلائع ~~الجديدة ضد حركات التغير الاجتماعي، فتحدث الردة، ~~وتتوقف حركات التغير. ~~(10) # وكما تمثلت القوى المحافظة للنموذج التراثي، وأخذت ~~درعا يحميها ضد قوى التغير الاجتماعي، فإن قوى ~~التقدم تتمثل النموذج اللاتراثي، ولكنها تأخذه كرمح ~~تخرق به القوى المحافظة وكحاجز بينها وبينها فيحدث ~~التصادم، وتنفصم عرى الوحدة، وتسيل الدماء. ترهق قوى ~~التقدم نفسها، وتحيد عن معركتها الأساسية، وتنهك ~~قواها حتى تنهار. وتقوم القوى المحافظة بالتصدي ~~لأهدافها البعيدة، وتفقد وظيفتها في احتواء قوى التقدم ~~وفي المحافظة على الوحدة الوطنية كما حدث في الثورة ~~الإيرانية عندما كانت الحركة الثورية الإسلامية وعاء ~~لكل الاتجاهات الوطنية. فإذا ما خسرت الجولة فإنها ~~تتحول إلى قوى رفض ومعارضة ترمي إلى الأخذ بالثأر، ~~ويملأ نفوسها الحقد والضغينة، وتنسى أهدافها. وتضيع ~~فرصة خلق قيادات جديدة لمحركات التغير الاجتماعي؛ ~~نظرا لغياب الممارسة الطبيعية لها. تقف قوى التقدم ~~وهي في موقع السلطة عاجزة عن البناء، وتتصدى القوى ~~المحافظة لحركة التغير الاجتماعي وهي خارج السلطة وفي ~~مواجهتها. ويكون الحسم في النهاية لقوى الأغلبية ~~الصامتة وقيادتها المحافظة. # | رابعا: نموذج إعادة بناء التراث # والنموذج الثالث هو «إعادة بناء التراث» أو «إحياء التراث» أو ~~«تجديد التراث» النموذج الذي تحاول المجتمعات النامية صياغته ~~وتبنيه بالرغم مما هو حادث الآن من وقوع في الخطابة أو ~~الانتقائية من الخارج. ms116 فإذا كان النمط التراثي يضحي بالتغير ~~الاجتماعي من أجل المحافظة على التراث وكان النمط اللاتراثي يضحي ~~بالتراث من أجل إحداث التغير الاجتماعي، فإن تجديد التراث أو ~~إحياءه أو إعادة بنائه طبقا لحاجات العصر هو الذي يحفظ من التراث ~~دوافعه على التقدم ويقضي على معوقاته، وهو القادر على إحداث التغير ~~الاجتماعي بطريقة أرسخ وأبقى وأحفظ له في التاريخ من الانتكاسات ~~والردة وحركات النكوص. # 1 # ولما كان التراث عادة يتم نسجه حول المعطى الديني الذي يتحول ~~فيما بعد إلى عقائد ونظريات ومذاهب وأبنية نفسية، فإن ذلك يحدث ~~في واقع تاريخي محدد وفي زمان ومكان معينين وفي مجتمعات بعينها ~~بكل ما فيها من صراع اجتماعي وتضارب في المصالح بين القوى ~~الاجتماعية المختلفة. فبرز التراث معبرا عن هذا الصراع وهذه ~~المصالح، وهذا الواقع التاريخي ، ومملوءا بهذه التناقضات حتى أصبح ~~حاويا للشيء ونقيضه، متعدد الأطراف، متشابه الأحكام والقضايا. ~~وقد عبرت الفرق الإسلامية القديمة عن ذلك أصدق تعبير، وأصبحت ~~المذاهب الكلامية أكبر معبر عن القوى الاجتماعية في المجتمع ~~الإسلامي القديم. فكان سلاح المذهب والعقيدة أمضى الأسلحة لكسب ~~معارك الصراع الاجتماعي. ولما كان الصراع الاجتماعي في كل عصر ~~واحدا لا يتغير، الصراع بين الحاكم والمحكومين، بين الطبقة العليا ~~والطبقات الدنيا، بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون شيئا، بين ~~الأقوياء والمستضعفين، بين الأقلية والأغلبية، بين القاهرين ~~والمقهورين خرج التراث متشابها يعبر عن كلا الموقفين. فإذا كان ~~الصراع قد حسم أولا لصالح فريق، فريق السلطة، الدولة السنية ~~القائمة، وبالتالي ساد تراثه على مدى أكثر من ألف عام منذ حسم ~~الصراع في القرن الخامس الهجري حتى الآن، فإن المعركة اليوم على ~~أشدها بين الفريقين من جديد بصرف النظر عمن يمثلها؛ القاهر ~~من الخارج مثل الاستعمار والصهيونية، أو القاهر من الداخل مثل ~~الإقطاعي أو الحاكم المطلق. وتكون معركة التراث الآن هي في إحداث ~~البدائل وقلب التراث من تراث القهر إلى تراث التحرر؛ نظرا لتغير ~~الظروف الاجتماعية وبداية معارك التغير الاجتماعي من جديد. فلا ~~يمكن للقوى الاجتماعية صاحبة الحق في ms117 إحداث التغير الاجتماعي من ~~التغير بثقافة السلطة، ثقافة الدولة الأشعرية، دون اكتشاف ثقافة ~~المقهورين؛ ثقافة الشيعة والخوارج والمعتزلة وتراث القرامطة ~~والزنج. وقد بدأ هذا التحول في تراث الحركات الإسلامية الثورية ~~المعاصرة مثل المهدية والسنوسية والثورة العرابية وثورات الريف ~~وحركات التحرر الوطني في المغرب العربي، وحركات المعارضة الإسلامية ~~في الحجاز، وأخيرا في الثورة الإسلامية الكبرى في إيران. # ويمكن تصور أحداث هذا النموذج الجديد، وعلى سبيل المثال، على ~~النحو الآتي: # 2 ~~(1) من التصور الرأسي للعالم إلى التصور الأفقي # فقد ظهر التصور الرأسي للعالم أو التصور المركزي أو التصور ~~الهرمي في وقت كان الدفاع فيه عن الله كمركز للكون وعن القمة ~~من أهم المعارك التي دخلها التراث القديم ضد المذاهب ~~والملل والنحل دفاعا عن التوحيد ضد الشرك والثنوية وكل ~~مظاهر التشبيه والتجسيم التي كانت منتشرة في المجتمعات القديمة ~~المجاورة خاصة في فارس. وقد حسمت المعركة لصالح التوحيد، ~~واستتب الأمر لصالح الدولة القائمة وقوى النظام. ولكن أصبح ~~هذا النظام فيما بعد قيمة مطلقة، وتحول إلى بناء نفسي ~~للجماهير، فتعطى القمة كل شيء ولا تعطى القاعدة أي شيء، ~~وأصبحت العلاقة بين الأعلى والأدنى علاقة تمايز وتفاضل ~~وشرف. كلما صعدنا إلى أعلى وصلنا إلى أسمى مراتب الكمال، وكلما ~~هبطنا إلى أسفل وصلنا إلى أقصى مراتب النقص. فنشأت لدينا ~~المجتمعات الإقطاعية والنظم الرأسمالية، وتغلغلت البيروقراطية ~~في النفوس، وأسسنا المجتمع الطبقي كقيمة تراثية راسخة، وكبناء ~~اجتماعي ثابت وكنظام طبيعي خلقي جبلي فطري! فتعثرت ~~محاولات التغير الاجتماعي وإقامة عدالة اجتماعية وتذويب ~~الفوارق بين الطبقات والقضاء على المركزية الإدارية. فالتقدم ~~مشروط بالتصور الأفقي للعالم حينما تكون العلاقة بين الطرفين ~~علاقة الأمام بالخلف، وليست علاقة الأعلى بالأدنى، وتكون ~~الأطراف جميعا على مستوى واحد منذ البداية حتى تتكافأ ~~الفرص. وبهذه العلاقة الجديدة يمكن تأسيس مجتمعات الحرية ~~والاشتراكية كما يمكن تأسيس نظم جماهيرية تعطي القواعد ~~الشعبية قدر ما تعطي الطلائع الثورية. ~~(2) من الله إلى الإنسان # لما كان التراث القديم في مواجهة تراث الغير كان الدفاع عن ~~الله، ذاته وصفاته وأفعاله، ضمن إنجازات القدماء ms118 ضد تشبيهات ~~الإنسان. وقد تم كسب المعركة، وأصبح الله في شعورنا مستحقا ~~لكل صفات العظمة والجلال، ولكن في مجتمعاتنا الحالية أصبح ~~الخطر مدهما بالإنسان، حياته ومعاشه وتعليمه وصحته وخدماته ~~وحقوقه وحريته. ومن ثم وجب نقل المركز أو الثورة من الله إلى ~~الإنسان، دون أن يكون في ذلك خروج على مقاصد الله؛ فالله قد ~~خاطب الإنسان بالوحي، وأرسل له الأنبياء، وكرم بني آدم في ~~البر والبحر، وجعله سيد المخلوقات. الله غني عن العالمين، ~~ولكن الإنسان في حاجة إلى دفاع وحماية. وقد فرض الإنسان نفسه ~~في تصورنا لله، فشخصناه حتى امتلأت حياتنا بالتشخيص، تشخيص ~~المبادئ والنظم والتصورات. وتصورنا الله «الإنسان الكامل» بكل ~~ما له من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر وكلام وإرادة. وبدل أن ~~تكون هذه الصفات مثلا عليا يحققها الإنسان في حياته وهدفا ~~له يسعى نحوه؛ تجمدت وتحجرت وثبتت وتحولت إلى معبود يشعر ~~الإنسان أمامه بالعجز والدونية. ~~(3) من الأمير والرئيس والإمام إلى الشعوب وجماهير ~~الأمة # وقد انتقل التصور الهرمي المركزي للعالم إلى ميدان الاجتماع ~~والسياسة، فنشأت لدينا المدن الفاضلة تتمركز حول الرئيس أو ~~الإمام كخليفة لله في الأرض، كما دارت النظم السياسية وفي علم ~~العقائد خاصة حول الإمامة وشروطها وصفات الإمام. فتوارت ~~المؤسسات الاجتماعية والسياسية كما توارت الشعوب والجماهير ~~متخلية عن دورها في المعارضة والثورة وآخذة دور السمع ~~والطاعة. وسمعنا في مجتمعاتنا من يحذر من الاقتراب من «بغلة ~~السلطان» بالنقد أو التجريح فما بالنا بالسلطان! ويقول ~~الفارابي: سواء قلت الله أو الرئيس أو الأمير أو الإمام فإنما ~~أعني نفس الشيء. فإذا خرج جزء من القاعدة على القمة جاز للرئيس ~~بتره واستئصاله حتى يعم النظام ويستتب الأمن، وكأن ~~التصفية الجسدية هي أفضل وسيلة للتعامل مع المعارضة والرئيس ~~أكمل البشر، وهو وحده القادر على المعرفة والإلهام، يكاد لا ~~يخطئ ولا يراجعه أحد! إن المؤسسات الدستورية هي وحدها ~~القادرة على المراجعة حتى تحدث التنمية الشاملة دون أن تخضع ~~لهوى الحكام ولنزوات السلطة. ~~(4) من الجبرية والقضاء المسبق إلى الحرية وخلق ~~الأفعال # ظهرت عقيدة الجبر بتوجيه ms119 من الدولة القائمة للقضاء على ~~المعارضة ودعوة الناس إلى التسليم، فآمن الناس بأن كل ما يحدث ~~في حياتهم من محازن ومآس إنما تم بقضاء الله وقدره المسبق ~~وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وكان يمكن أن تحدث مآس ~~ومصائب أقوى وأشد، ولكن الله خفف ولطف، ولو علم الناس ~~المقدر لاختاروا الواقع! وأصبح كل من يعارض أو يعترض أو ينقد ~~أو حتى ينصح بالحسنى خارجا على النظام ومنشقا على إجماع ~~الأمة! ولذلك وصفت المجتمعات الشرقية بنظام «الاستبداد ~~الشرقي» واحد فيها فقط هو الحر والباقي عبيد! ولما كان شرط ~~التنمية هو التخطيط والمبادرة وقدرة الإنسان على الابتكار ~~والخلق كان الانتقال إلى الحرية وخلق الأفعال كقيمة محققا ~~لهذا الشرط. وقد حاولت حركاتنا الإصلاحية الأخيرة إحداث هذه ~~النقلة خاصة الكواكبي في «طبائع الاستبداد ومصارع ~~الاستعباد». ~~(5) من منهج النص النازل إلى منهج الاستقراء الصاعد # كان المنهج السائد في التراث القديم هو المنهج النصي القائم ~~على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة وهي الأصول الأولى ~~المكتوبة. وساد هذا المنهج، فخرج التفسير بالمأثور في علوم ~~التفسير، وأولوية النقل على العقل في علم أصول الدين عند ~~الحشوية وأهل الظاهر. كما ظهر الفقه الافتراضي وسادت فرقة أهل ~~السنة والحديث التي أصبح فيها النص حجة قائمة بذاتها لا ~~يقوى عليه أي دليل عقلي أو أي برهان حسي منذ أحمد بن حنبل ~~حتى محمد بن عبد الوهاب. وكان من الطبيعي قديما أن يحدث ~~ذلك، فكان الوحي هو مصدر المعرفة والعلم. ولما تغير الوضع الآن ~~وأصبح الواقع هو مصدر المعرفة، وأصبح التحليل الكمي للواقع ~~هو أساس القرار ومادة التخطيط، لزم الانتقال من منهج النص ~~النازل إلى منهج الاستقراء الصاعد، والانتقال من الفكر إلى ~~الواقع، ومن الوحي إلى الطبيعة، ومن الأصل إلى الفرع، ومن ~~المبدأ والشعار إلى حياة الناس وواقعهم التاريخي. ~~(6) من العقل الإشراقي إلى العقل الاستدلالي # كانت المعرفة العقلية عند القدماء في الحضارات المجاورة ~~شائعة وسائدة. فلما جاء الوحي بالمعرفة الدينية عن طريق ~~الأنبياء كان من الطبيعي أن يركز التراث على خصوصيته ms120 ويجعل ~~الإشراق مرتبة أعلى من العقل على ما هو معروف في الفلسفة ~~الإشراقية وفي التصوف. وساد هذا التيار حتى الآن. ولما تغيرت ~~الظروف التاريخية، وساد الجهل وعمت الخرافة واعتمد الناس في ~~أمر حياتهم على المعارف اللدنية في كل شيء وغاب التخطيط ~~القائم على الدراسة والتحليل، وجب الانتقال من المعرفة ~~الإشراقية إلى المعرفة العلمية، وإصدار القرارات لا عن طريق ~~الإلهام الرباني، بل عن طريق حساب الإمكانيات وعرض ~~الاحتمالات وإلا لتحول المجتمع كله إلى أنبياء يوحى إليهم أو ~~إلى أولياء يتبرك بهم ويتحول الجميع إلى مريدين. ~~(7) من الإيمان والنظر إلى العمل والممارسة # لما كان الإيمان الباطني هو ما جاء به الوحي ركز عليه ~~القدماء خاصة بعد الفتنة وتشتت الأعمال. أصبح المسلم بإيمانه ~~قولا، وأرجأ الأعمال إلى يوم القيامة. كما رفع الفلاسفة من ~~شأن القيم النظرية على حساب القيم العملية، وجعل الصوفية ~~التأمل والفناء في قمة الطريق الصوفي. ولما كان العمل ~~والممارسة شرط إحداث أي تغير اجتماعي، كان الانتقال من النظر ~~والإيمان إلى العمل والممارسة شرط التنمية وزيادة معدلات ~~الإنتاج. وقد نبه محمد عبده من قبل على ذلك بقوله: «ما أكثر ~~القول وما أقل العمل!» كما استشهد الجميع بآيات العمل ~~والجهاد مثل: # وقل اعملوا # ولاحظوا اقتران الإيمان بالعمل في آيات: يا أيها # الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ~~[الأعراف: 57]. فإذا كان القدماء قد ~~فهموا العالم فقد آن الأوان لنا أن نغيره. ~~(8) من خلود النفس إلى بقاء البدن # كانت المشكلة عند القدماء هي إثبات خلود النفس في مواجهة ~~الفلسفات المادية القديمة التي تقول بفنائها أو ببقاء البدن. ~~وقد نجح القدماء في كسب المعركة حتى تحول خلود النفس وفناء ~~البدن إلى معتقد أساسي شعبي في وجدان الجماهير. ولما تغيرت ~~الظروف، وظهرت أوضاع الفقر والجوع وحالات البؤس والضنك بان ~~أن المأساة في البدن في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وأن ~~الروح لا خطر عليها إلا من خلال البدن. ولا يمكن أن تحدث ~~تنمية طالما ظل البدن قيمة سلبية في وجدان الجماهير. وقد حاول ~~ابن رشد ذلك من قبل بتصوره ms121 بقاء البدن فالمادة لا تفنى ولا ~~تتبدد، بل تتحول من شكل إلى آخر، وبتصوره بقاء الروح عن طريق ~~الفكر والعقل الكلي في الحضارة الإنسانية. ~~(9) من فناء الدنيا إلى بقاء العالم # استطاع القدماء أن يبرزوا التصور الإسلامي الجديد للعالم ~~وهو خلق العالم وفناؤه في مواجهة الفلسفات القديمة التي كانت ~~تقول بقدمه وأزليته. وصاغوا لذلك دليل الحدوث، ودليل ~~الإمكان، ودليل الجوهر الفرد، وغيرها من الأدلة لإثبات فناء ~~العالم وبأنه أتى من لا شيء وسيعود إلى لا شيء: # كل من عليها فان * ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام ~~[الرحمن: 26-27]. ولكن بانحسار ~~المد الإسلامي القديم وتخلي المجتمع الإسلامي عن رسالته في ~~الفتح وازدواج الأشعرية والتصوف وسيطرة القوى الأجنبية على ~~مقدرات المسلمين، تحولت عقيدة فناء الدنيا إلى سلب الدنيا من ~~وجدان الجماهير، فعجزت عن العمل، وآثرت التحول عنها والتوجه ~~إلى الآخرة؛ # تؤثرون الحياة ~~الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى ~~[الأعلى: 16-17]. والتنمية لا تحدث في ~~مجتمع ذي اتجاه سلبي نحو العالم. ولا يظهر الاتجاه الإيجابي ~~إلا في بقاء العالم؛ أي العمل في الدنيا وكأن الإنسان يعيش ~~فيها إلى الأبد. ~~(10) من الفرقة الناجية إلى الوحدة الوطنية # لما تعددت الآراء، وتضاربت الأهواء وتشتت المذاهب، وحدث ~~الشقاق، وعمت الفتنة بدأ الناس يبحثون عن الفرقة الناجية في ~~مواجهة الفرق الضالة، فظهر حديث الفرقة الناجية الذي ستفترق ~~فيه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي ~~فرقة الحكومة؛ أي الدولة القائمة المستتبة. وبالتالي تمت إدانة ~~جميع الاتجاهات، واتهام الخصوم وفرق المعارضة بالكفر ~~والعصيان. واستمر الحال كذلك إلى الآن حتى غابت الديموقراطية ~~من مجتمعاتنا وساد الرأي الواحد والحزب الواحد. ولما كانت ~~التنمية لا تحدث إلا بالمشاركة والحوار واختلاف الآراء، ~~ومقارنة الحجة بالحجة، ومقارعة الرأي بالرأي، ومقابلة البرهان ~~بالبرهان؛ لزم الانتقال إلى نوع آخر من الأحاديث مثل: «اختلاف ~~الأئمة رحمة بينهم» أو «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم ~~اهتديتم» حتى يظهر الرأي الآخر ويرد الاعتبار إلى ~~شرعيته. # | خامسا: مخاطر وشبهات # لما كان التراث حاضرا كبناء نفسي في المجتمعات النامية كان هذا ~~النموذج ms122 الثالث «إعادة بناء التراث» هو طريق التنمية ووسيلة ~~إحداث تغير اجتماعي جذري بالرغم مما يبدو عليه من نظرة إصلاحية ~~دينية إحيائية. إعادة بناء التراث إذن جزء من عملية التغير ~~الاجتماعي إن لم تكن شرطها الأساسي. وإن إعادة الاختيار بين ~~البدائل من ثقافة القهر إلى ثقافة التمرد لهو تغير جذري في ميزان ~~القوى الاجتماعية لصالح الأغلبية الصامتة صاحبة الحق في التنمية ~~وفي التغير الاجتماعي. # ومع ذلك تثار عدة شبهات ومحاذير يسهل إيضاحها والتخلص منها، ~~وعلى رأسها: ~~(1) # إعادة بناء التراث نزعة عملية ذرائعية صرفة لا تبحث ~~عن الحق في التصورات أو الصواب في العقائد، بل مجرد ~~وظيفية خالصة في أحسن الأحوال أو انتهازية صرفة في ~~أسوأ الظروف. هي حركة «تكتيكية» تستغل الدين وتستثمره ~~في قلوب المتدينين دون الإيمان به نظرا، وبالتالي ~~إيقاع العقائد الثابتة في مسار التغير، وضياع الحقيقة ~~لصالح النفع الدنيوي العاجل. والحقيقة أن هذه الشبهة ~~لا أساس لها، ولا تعبر إلا عن مزايدة في الإيمان ~~وتملق لأذواق الجماهير إذا افترضنا سوء النية، أو ~~تعبر عن موقف متطهر خالص، وتقوى زائدة إذا ~~افترضنا حسن النية. فالغاية هي مصالح العباد، ~~والعقائد والشرائع وسائل وليست غايات. إن إعادة بناء ~~التراث تصور علمي دقيق للمرحلة التاريخية للمجتمعات ~~التراثية مثل المجتمعات النامية حتى يمكنها أن تحقق ~~أكبر معدل للتنمية وتقضي على معوقات التقدم من ~~الجذور، وحتى تأمن الانتكاسات وحركات الردة والثورات ~~المضادة، وهي مهمة عدة أجيال حتى يتم محو الأمية ~~وتجنيد الجماهير. فالبواعث مرحليا قد تكون بديلا ~~عن التصورات. ولا يوجد حق نظري إلا إذا نتج عنه نفع ~~عملي على ما يقول الأصوليون القدماء. ~~(2) # إعادة بناء التراث إنما يخضع لانتقائية عشوائية، وكل ~~شيء في التراث يحتمل التأويل، وبالتالي فهو خلط ~~وتشويش دون مقياس واضح، وكل فكرة يمكن أن تؤدي إلى ~~عمل وأثر؛ ولذلك لا بد من معايير نظرية خالصة وثابتة. ~~والحقيقة أن هذا الحذر أيضا لا مبرر له؛ لأن إعادة ~~بناء التراث تخضع لمقياس المصالح المرسلة وتحقيق ~~النفع لجماهير الأمة، وهذه يحددها الفقهاء الذين هم ms123 ~~بمصطلح العصر علماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد بما ~~لديهم من لغة الأرقام والتحليل الكمي للواقع. ~~ومقياس جلب المنافع ودفع المضار مقياس شرعي تقاس به ~~الأحكام، ولا يقتصر فقط على الأمور العملية الفقهية بل ~~يمتد أيضا إلى العقائد النظرية وكما يتضح أيضا من ~~«علم اجتماع الثقافة». ولا يهم صحة التأويل النظري بل ~~مقدار ما يقدمه من نفع عملي، فالتأويل في نهاية ~~الأمر هو قراءة الحاضر في الماضي وإسقاطه عليه. هو ~~عملية تاريخية مشروعة تحقق بها الأمة تجانسها ~~وتواصلها في الزمان. ~~(3) # وما العمل إذا ما أخذ فريق آخر جانبا آخر من التراث ~~على أنه أكثر تحقيقا للمصلحة مما أخذه الفريق الأول، ~~وبالتالي يتشبث كل فريق بالشرعية ولا يمكن ترجيح ~~أحدهما على الآخر؟ والحقيقة أن هذا الاعتراض يعبر عن ~~حقيقة فعلية وهي أن الصراع بين اتجاهات التأويل هو في ~~حقيقة الأمر صراع بين القوى الاجتماعية التي يتمثل ~~كل منها تأويلا للتراث؛ تدعيما لمواقعه ~~الاجتماعية. والذي يحسم الصراع في نهاية الأمر ليس ~~الحجة والبرهان والصحة النظرية، بل صراع القوى ~~الاجتماعية وأي قوة يكون لها الحسم في النهاية. وتكون ~~القضية: أي التأويلات أكثر تعبيرا عن مصالح ~~الأغلبية والقوى الاجتماعية التي يتم التغيير لصالحها؟ ~~يستطيع البرهان أن يقوم بدور التوعية الاجتماعية ولكن ~~المعركة تحسم في النهاية على أرض الواقع. والحس ~~الشعبي الجماهيري قادر على التمييز بين مختلف ~~التأويلات، وعلى معرفة أيها يعبر عن مصالح ~~الأغلبية، وأيها يعبر عن مصالح الأقلية. ~~(4) # إن في ذلك كله قضاء على الإيمان في قلوب الناس ~~وإدخال الدين ذاته في اللعبة السياسية، وبالتالي ~~الانتهاء إلى النسبية المطلقة وضياع الحق من قلوب ~~الناس. والحقيقة أن هذه الشبهة تقوم على تصور خاطئ ~~للتراث؛ فالتراث ليس الدين، والتصورات المختلفة ~~للعقائد ليست عقائد الإيمان. إعادة بناء التراث عملية ~~تاريخية صرفة تتعامل مع نتاج تاريخي خالص. صحيح أن ~~المعطيات التراثية في بداياتها كانت معطيات دينية، ~~ولكن نسج حولها الفلسفة والأخلاق والفن والأمثال ~~العامية وسير الأبطال والملاحم الشعبية. فالتراث ~~نتاج إنساني خالص ليس له صفة القداسة أو الألوهية. وما ms124 ~~دمنا في نطاق التاريخ والمجتمعات البشرية فنحن شئنا أم ~~لم نشأ في نطاق التغير والحدوث، ولسنا في نطاق الثبات ~~والديمومة. ويكون الأبقى هو منطق عملية التغيير ~~ذاتها وليس نتاج العملية الذي قد يختلف من عصر إلى عصر ~~ومن مجتمع إلى مجتمع. # لقد قامت مجتمعات نامية أخرى بإعادة بناء التراث كوعاء لحركاتها ~~الوطنية، مثل الصين وفيتنام وإيران والجزائر وأمريكا اللاتينية ~~وبعض البلدان الأفريقية، وبقي أن نحول ذلك إلى علم دقيق خارج ~~العلوم الاجتماعية الغربية - التي وقعت ضحية النموذج اللاتراثي ~~الغربي - وتأسيس علوم اجتماعية وطنية تعترف بخصوصية الشعوب ~~وبقدراتها على الخلق والإبداع بما لديها من رصيد تاريخي طويل ~~وتجارب معاصرة أدت بها إلى التحرر والاستقلال. # | التراث والعمل السياسي1 # | أولا: ماذا يعني التراث والعمل السياسي؟ # ليس التراث مجموعة من العقائد المقدسة، والأبنية الصورية أو ~~النصوص المخطوطة والمنشورة والمراجع والمعاجم ودوائر المعارف؛ فهو ~~ليس تراثا صوريا فارغا لا أثر له ولا هو تراث مادي حسي، مجرد ~~مجموعة من الكتب «الصفراء» القديمة تدرسها الجامعات الدينية. ~~التراث هو المخزون النفسي عند الجماهير، هو تواصل الماضي في ~~الحاضر، يتحول إلى سلطة في مقابل سلطة العقل أو الطبيعة. يمد ~~الإنسان بتصوراته للعالم وبقيمه في السلوك. ويظهر التراث كقيمة في ~~المجتمعات النامية، وهي المجتمعات التراثية التي ما زالت ترى في ~~ماضيها العريق أحد مقومات وجودها، وفي جذورها التاريخية شرط ~~تنميتها وازدهارها. # وعادة ما يقوم التراث في مثل هذه المجتمعات بوظيفتين متعارضتين ~~طبقا للبناء الاجتماعي والتكوين السياسي لكل مجتمع. فإذا كان ~~المجتمع بطبيعة تكوينه مجتمعا طبقيا، وفي المجتمعات المتخلفة ~~طبقة أقلية بيدها السلطة وطبقة أغلبية صامتة خارجة عن السلطة، فإن ~~التراث يعتبر إفراز كل طبقة لمفاهيمها ومصالحها وتصوراتها ~~وتأويلاتها للنصوص الدينية. ولما كانت الأقلية بيدها الحكم ~~والأغلبية محكومة كان تراث الأولى تراث السلطة، وتراث الثانية ~~تراث القمع، وفي أقله تراث المعارضة. التراث إذن تعبير عن الصراع ~~الطبقي والسياسي في كل مجتمع لذلك كان تراثان: تراث الحاكم وتراث ~~المحكوم، تراث الأغنياء وتراث الفقراء، تراث القاهر وتراث المقهور. ~~وهذا هو الذي يفسر ms125 قضية «الاشتباه # Ambiguité ~~» في التراث؛ إذ نجد فيه نظريات وآراء ~~ومعتقدات «سلطوية» تدعو إلى الطاعة لأولي الأمر والتسليم لهم ~~ونظريات وآراء ومعتقدات أخرى تدعو للثورة عليهم وللخروج على ~~سلطانهم، حتى بدا التراث متعارضا كما هو الحال في الأمثال ~~العامية. فهناك تشبيه وتنزيه، نقل وعقل، جبر واختيار، إيمان وعمل، ~~نص حرفي وعقل مصلحي، دعوة إلى الآخرة ودعوة إلى الدنيا ... إلخ. لذلك ~~يستعمل الجميع حجة التراث باعتباره حجة سلطة، الحاكم والمحكوم، ~~القاهر والمقهور، كل منهما يجد في التراث ما يؤيده، ومن هنا أتى ~~دوره في العمل السياسي. # فلما كان التراث سلطة وقيمة وحجة في وجدان الناس، يطيعونه دون ~~ما حاجة إلى اقتناع، استعمله الحكام طلبا للطاعة لهم وإثباتا ~~لشرعيتهم. وأظهروا عقائد الطاعة # أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~[النساء: 59] دون عقائد «لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق» أو الخروج على الإمام إذا ما نقض البيعة ولم يراع ~~المصلحة العامة أو هادن الأعداء ولم يدافع عن البلاد. ولما كانت ~~حركة المعارضة إما علمانية تجهل التراث ولا تستعمل التراث ~~المضاد، أو إسلامية سلفية تكفر الحاكم دون أن توجه إليه نفس ~~السلاح وظهرها مؤمن بالجماهير الإسلامية، فإن تراث المعارضة لم ~~يستعمل إلا نادرا في جيلنا هذا. ولم تستعمل حركة الإصلاح إلا ~~تراثا متوسطا بين تراث الحاكم وتراث المحكوم، وهو تراث الطبقة ~~المتوسطة الذي يعتمد على الإصلاح والتنوير والعلم والعقل والطبيعة ~~والتقدم والنهضة؛ من أجل تأسيس دول قومية حديثة أو ملكيات دستورية ~~مقيدة، ونظم برلمانية حديثة تقوم على تعدد الأحزاب؛ أسوة بالنظم ~~البرلمانية في الغرب. # أما العمل السياسي فإنه يعني تطوير المجتمعات، ونقلها من مرحلة ~~إلى مرحلة. فهو العمل السياسي بالمعنى الواسع الذي يشمل التغير ~~الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقانوني والتعليمي والفني ... إلخ. ~~تعني السياسة هنا كل ما يتعلق بقضايا التغير الاجتماعي لما كانت ~~الأولوية للسياسة في المجتمعات النامية. وبالنسبة لنا يعني التغير ~~الاجتماعي من منظور السياسة قضايا تحرير الأرض من الاحتلال والغزو، ~~والدفاع عن الحريات ضد صنوف القهر، والعدالة الاجتماعية والمساواة ~~ضد سوء توزيع الثروة ms126 والفروق الطبقية الشاسعة بين الأغنياء ~~والفقراء، والوحدة بين أجزاء الأمة المبعثرة ضد التشتت والتجزيء ~~والتشرذم والتفتت، وقضية الهوية والأصالة في مقابل التغريب ~~والتقليد، وهي القضية الحضارية الأولى. وربما كانت هي نفس القضايا ~~التي تعرضت لها أجيالنا السابقة منذ فجر النهضة العربية الحديثة في ~~القرن الماضي بتياراته الثلاثة: الإصلاح الديني (الأفغاني) ~~والعقلانية العلمية (شبلي شميل)، والليبرالية الحديثة (الطهطاوي). ~~يعني العمل السياسي أيضا كيفية إدارة الصراع من أجل مواجهة هذه ~~القضايا ودور ثقافة الجماهير ونوعية قياداتها، وقنوات الاتصال بين ~~الأولى والثانية (الخلايا والأحزاب أم الأئمة والمساجد). # يعرض موضوع «التراث والعمل السياسي» إذن لقضايا التغير ~~الاجتماعي. والمهم فيها ليس التراث، فهو ما يسلم به الجميع، ~~سواء كان قابلا له أو رافضا إياه، وليس العمل السياسي، فهو ما ~~يمارسه الجميع سواء كان العلمانيون أم الإسلاميون. المهم هو حرف ~~العطف «الواو» التي تبدأ بمسلمة وهي أن هناك صلة وثيقة بين ~~التراث من ناحية «والعمل السياسي» من ناحية أخرى. وأن نموذج ~~الانقطاع بينهما (تركيا، بولندا) ليس هو النموذج المتبع في ~~مجتمعاتنا النامية. إذ إن الانقطاع افتراض صوري لا وجود له في ~~الواقع، وتقليد للغرب، وتعال طبقي نخبوي على ثقافة الأمة، ~~وترفع على جماهيرها. كما أنه وقوع في القبلية والطائفية ~~والشعوبية الحديثة بدعوى الخصوصية والتمايز والإبداع الذاتي. ~~وسينتج عنه بالضرورة إما حركة علمانية محاصرة معزولة مؤكدة ~~حتمية التغريب، أو رد فعل عليها بحركة سلفية محافظة رجعية تدافع ~~عن الأصول، أو حركة ليبرالية طبيعية تدعو إلى التواصل والتطوير ~~والتغير الطبيعي والانتقال من الأصالة إلى المعاصرة، أو من التراث ~~إلى التجديد، وهو الاختيار الثالث الذي ترنو إليه كل المجتمعات ~~النامية التي راحت ضحية البديلين الأولين، فوقعت الأمة في ~~ازدواجية الثقافة وشقت وحدة الصف، وانقسمت الحركات السياسية إلى ~~جناحين متنازعين ويكفر كل منهما الآخر، ويعتبر كل منهما ~~الآخر عدوه اللدود، ويتنافس كلاهما على الحكم، ويتصارعان على ~~السلطة، وتكون الجماهير والحريات العامة في نهاية الأمر هما ~~الضحية. # ولما كان العمل السياسي مسئوليتنا نحن كمثقفين طليعيين وكسياسيين ~~حزبيين، فكذلك التراث مسئوليتنا نحن ms127 كمفكرين وطنيين. فالتراث ~~نتاج لكل عصر، ظروفه وصراعاته. وطالما تتغير الظروف يتغير التراث، ~~أو الاختيار بين بدائله، أو حتى تأويله وتفسيره. فليس التراث من ~~المقدسات، بل هو نتاج تاريخي صرف يمكن فهمه عن طريق «علم ~~اجتماع المعرفة». لسنا مستشرقين نرصد حركته التاريخية فحسب، بل هو ~~جزء منا ونحن جزء منه، مسئوليتنا عنه لا تقل عن مسئولية واضعيه ~~الأوائل. وبالتالي كان علينا تطويره وتغييره بل وقلبه، رأسا على ~~عقب. ومن هنا كان نقد التراث واجبا وطنيا. والنواح على سلبياته ~~مجرد بكاء وصراخ وعويل لا يجدي. فالسلبيات يمكن القضاء عليها ~~بإنتاج تراثي آخر أو تحويلها إلى إيجابيات بفعل سياسي مضاد. كما أن ~~التغني بإيجابياته إعجاب بتراث الآباء والأجداد لا قيمة له إلا ~~بمقدار مساهمة هذه الإيجابيات في حل قضايا العصر الأساسية وقبول ~~تحدياته الرئيسية. فما الفائدة في التغني بالعقل في مجتمع غيبي، أو ~~الفخر بالعدالة الاجتماعية والمساواة في مجتمع الفقر والضنك والبؤس ~~والشقاء، أو الاعتزاز بالحرية في مجتمع القهر والتسلط تفتح فيه ~~السجون والمعتقلات أكثر مما تفتح فيه المدارس ودور العلم، أو ~~التشدق بالوحدة في أمة تقطعت أوصالها وتفرقت شيعا يحارب بعضها ~~بعضا # كل حزب بما لديهم ~~فرحون ~~[الروم: 32]. # | ثانيا: العلوم التراثية ومعوقات ~~العمل السياسي # ينقسم التراث إلى مجموعات ثلاث من العلوم: العلوم النقلية ~~الخالصة، والعلوم النقلية العقلية، والعلوم العقلية الخالصة. ~~ولكل منها أثره في العمل السياسي على درجات متفاوتة طبقا لمدى ~~رسوخها في وعينا القومي. فقد عاشت العلوم النقلية والعلوم النقلية ~~العقلية في وجداننا، وترسبت فيه بدرجة كبيرة، بينما اختفى أثر ~~العلوم العقلية من وعينا القومي في حين أنها انتقلت، من خلال ~~الترجمة، إلى وجدان الغرب، وساهمت في نهضته الحديثة، وكانت وراء ~~تكوين الوعي الأوروبي بأبعاده الثلاثة؛ العقلي، والعلمي، ~~والإنساني. ~~(1) العلوم النقلية # العلوم النقلية الموروثة خمسة: القرآن، والحديث، والتفسير، ~~والسيرة، والفقه. كل منها تحقق ثان للذي قبله، فالحديث ~~تحقق ثان وتخصيص للقرآن وبيان لأوجه تطبيقه. والتفسير شرح ~~للقرآن وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حوله. والسيرة تخصيص ~~أكثر للحديث بإدخال حياة ms128 الرسول قبل البعثة بل وقبل الميلاد. ~~أما الفقه فهو إعادة تبويب الحديث، حتى يكون سلوكا للناس ~~جميعا؛ فهي كلها علوم مرتبطة بالوحي، ومتفاوتة بين أقصاها في ~~العموم مثل القرآن وأقصاها في الخصوص وهو الفقه. # وقد رسبت هذه العلوم الخمسة في وجداننا وتراكمت في سلوك ~~الناس على نحو سلبي أكثر منه إيجابيا. فعلوم القرآن ما زالت ~~تتحدث عن رسم المصحف وشكله وجمعه وتدوينه، وعدد سوره وآياته، ~~ونظمه، وهل البسملة جزء منه، وقراءاته، ولهجاته وهي كلها ~~أشياء خارجية محضة، مرتبطة بظروف الوحي والإعلان عنه أول ~~مرة، ولم نعد نحن قادرين على المساهمة فيها خاصة في القراءة ~~والتدوين، فقد بعد العهد ولم يعد أحد منا معاصرا لنزول ~~الوحي كما كان القدماء شاهدي عيان له. ولكننا نستطيع أن نجد ~~دلالات معاصرة لبعض موضوعاته تساعد على حل بعض القضايا التي ~~تعرض لنا ونحن بصدد موضوع التغير الاجتماعي أو العمل ~~السياسي. فمثلا موضوع المكي والمدني هو بالنسبة لنا يدل على ~~أن أي نسق مذهبي إنما يشمل بالضرورة قسمين: التصور والنظام، ~~العقيدة والشريعة. فالمكي أعطى التصور والمدني استنبط ~~النظام، فلا عقيدة إذن بلا شريعة، ولا شريعة بلا عقيدة، ~~وبالتالي يحسم الخلاف بين الحركة الإسلامية والحركة ~~العلمانية حول الإسلام دين ودولة، أم دين دون دولة، كما أن ~~موضوع «أسباب النزول» إنما يعني بالنسبة لنا أن الواقع سابق ~~على الفكر، وأن الوحي لا ينزل إلا بعد وقوع مشكلة اجتماعية ~~تتطلب حلا لم يهتد إليه جل الناس أو اهتدى إليه البعض ~~ببداهته وفطرته. فالواقع ينادي الفكر والفكر يفرض نفسه على ~~الواقع. الهدف من الوحي هو حل المشاكل الاجتماعية وليس غطاء ~~معرفيا نظريا للعالم، معرفة من أجل المعرفة. وهذا ما يعطي ~~فكرنا الديني السياسي المعاصر نموذجا ومنهجا. فلا يقرأ ~~الوحي إلا من خلال المشاكل الاجتماعية، ولا نصائح نظرية سياسية ~~إلا من خلال المواقف الإنسانية والتحديات الأساسية التي تواجه ~~كل مجتمع. أما الناسخ والمنسوخ، فإن له أيضا دلالة حديثة ~~فيما يتعلق بالزمان والتطور، وإعادة صياغة التشريعات والقوانين ~~طبقا للقدرات الإنسانية. فلا جمود ms129 في التشريع، وأن القانون ~~وضع لصالح الإنسان، وليس الإنسان لصالح القانون. # أما «علوم الحديث» فقد أتقن القدماء مناهج الرواية وفصلوا ~~في طرقها من أجل التحقق من صحة الحديث من خلال السند. وأسسوا ~~لذلك علوما مساعدة مثل علم الجرح والتعديل أو علم ميزان ~~الرجال. أما نحن فقد بعد علينا العهد، ولم نعد في مثل قدرة ~~القدماء في التعرف على الرواة. ولكننا قادرون على نقد ~~«المتن» وتحكيم الحس والعقل والمصلحة في الرواية، خاصة وأن من ~~شروط التواتر الاتفاق مع الحس ومجرى العادات. وبالتالي يخف ~~أثر الأحاديث «الغيبية» عن النفوس، وكل ما يعارض العقل، ~~ويناهض المصلحة. فنفرض واقعنا على الرواية، وبالتالي نكون قد ~~قدمنا نقد المضمون كما قدم القدماء نقد الشكل، فكثير ~~من الأحاديث تؤثر في حياتنا السياسية مثل حديث «الفرقة ~~الناجية» الذي يكفر كل اجتهادات الأمة ولا يقبل إلا رأيا ~~واحدا هو رأي السلطة القائمة التي تمثل «الفرقة ~~الناجية». # و«علوم التفسير» في حاجة أيضا إلى إعادة نظر، ليس المطلوب ~~هو التفسير «الطولي» للقرآن، جزءا بعد جزء، حزبا إثر حزب، ~~سورة بسورة، وآية بآية، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات ~~«التاريخية» عن الحوادث والشخصيات التي يتعرض لها القرآن، فليس ~~الوحي حوادث بل معان، وليس وقائع بل ماهيات. كما أن ~~التفسير الطولي تجزئة للموضوع الواحد، وبعثرة لبنائه، إنما ~~الذي يفيد في العمل السياسي هو البحث عن المعاني والدلالات، ~~وتعميمها في كل عصر، وليس الوقائع التاريخية المحددة. كما أن ~~المفيد هو التفسير الموضوعي الذي يجمع الآيات كلها حول ~~موضوع واحد؛ مثل المساواة، المال، العدل، الظلم، الحكم، الأمة، ~~الوحدة؛ حتى يمكن التعرف على نظريات التراث التي ما زالت تفعل ~~إيجابا أم سلبا في وجدان الناس. ولا تفسير إلا من خلال مصالح ~~الأمة، وهو التفسير الأصولي لا الكلامي أو الفلسفي أو الفقهي ~~أو الصوفي أو اللغوي أو الأدبي. فقد أتى الوحي حفاظا على ~~مصالح الناس. ومن ثم يقرأ القرآن من خلال مصالح الناس، وترى ~~مصالح الناس داخل السور والآيات. وبالتالي ينشأ تفسير سياسي ~~اجتماعي اقتصادي يكون هو ms130 البديل عن الأيديولوجية العلمانية. # 1 # أما علوم «السيرة» فإنها تتعرض لشخص النبي، ولكل جوانب ~~حياته، ما قبل الميلاد، وما قبل البعثة، وربما ما بعد الموت. ~~وبالتالي «تشخص» الوحي في النبي مع أن النبي مجرد وسيلة ~~لإبلاغ الوحي. وربما كان هذا هو سبب التشخيص في حياتنا ~~السياسية، تحول الحكم إلى شخص، والمبدأ إلى سيرة، والفكرة ~~إلى زعامة. فلا فرق بين الاحتفال بالمولد النبوي وبين الاحتفال ~~بميلاد الملك، فكلاهما تشخيص للأعياد الوطنية. تتشخص ~~المؤسسات الاجتماعية والسياسية، بل وتتشخص دول بأكملها، ~~فهذه دولة الحسن وهذه دولة الحسين، وتضيع الأمم. خاصة وأن ~~السيرة فيها الغيبي المعجز وفيها العقلي البديهي، والأول هو ~~الذي يشد انتباه العامة. لذلك، أصبح الزعيم السياسي أيضا ~~معجزا في أقواله وأفعاله، معصوما في أخطائه، يتعبده الناس ~~أو كادوا. # أما علوم «الفقه» القديمة فإن طابع العبادات هو الغالب ~~عليها؛ نظرا لقرب عهدها بالدين الجديد وشعائره. ولكن بعد أن ~~استقرت وعرفت ومارسها الناس لم تعد الأركان الخمسة محور ~~الفقه، أي العبادات، بل المعاملات في الزراعة والصناعة ~~والتجارة، وفي الأجور والقيمة والاستثمار. فأثر الفقه القديم ~~في العمل السياسي بأن ترك الحركات الدينية تصول وتجول في ~~العبادات، وتترك المعاملات وكأنها خارج نطاق الاهتمام. فتركت ~~موضوعات الأرض والزراعة والعمالة والأجور يفعل فيها الحكام ~~ما يشاءون، وتقترح فيها المذاهب العلمانية ما تريد. أما الفقه ~~الافتراضي القائم على افتراض حالات لم تقع فإنه حول الشريعة ~~إلى مجرد احتمالات وخيالات لا واقع لها، وضاع منها لبها ~~وجوهرها وهو واقعيتها. فوصية إنسان بين أنياب الأسد، أو طلاق ~~امرأة إذا جامعها زوجها في ثوبها وإن لم يجامعها في ثوبها، أو ~~حكم بيضة من فرخة جامعها رجل، قضايا يتبارى فيها الفقهاء في ~~وقت تحتل فيه الأرض، وتنهب فيه الثروات، وتفتت فيه ~~الأمة، وتقهر فيه الحريات. # وربما تحتاج العلوم النقلية كلها إلى تطوير بحيث تصبح ~~علوما نقلية عقلية أو حتى عقلية خالصة؛ حتى يضيع أثر النقل ~~من حياتنا ويتحول إلى العقل، وتضيع حجة السلطة ويسود المنطق ~~والبرهان. ~~(2) العلوم النقلية العقلية # وهي أربعة: علم ms131 أصول الدين، وعلوم الحكمة، وعلوم التصوف، ~~وعلم أصول الفقه. وهي العلوم التي جمعت بين العقل والنقل، أو ~~التي استطاع فيها العقل أن يفرض على النقل. وهي أيضا تتفاوت ~~فيما بينها في درجة اختراق العقل للنقل. وقد انتهت هذه العلوم ~~منذ سبعة قرون إلى تراجع قدر العقل فيها، وتحولت إلى علوم ~~تقرب من النقلية الخالصة؛ ومن ثم كانت القرون السبعة ~~الأولى تمثل تقدما أكثر مما عليه نحن الآن. وبالتالي ساد ~~النقل كلية، وأصبحنا نعاني من غياب العقلانية ولا ندري ~~السبب، ولا نجد إلا العقلانية الغربية طريقا للخلاص. ~~(أ) علم أصول الدين # وهو أول العلوم النقلية العقلية وأخطرها على معتقدات ~~الأمة وسلوكها؛ فهو العلم الذي يمدها بتصوراتها للعالم ~~ويعطيها أنماط سلوكها. فالعقيدة ليست مجرد إيمان انفعالي، ~~بل هي تصور للكون على الفعل. وقد كانت القضية الأساسية في ~~هذا العلم هي قضية «التوحيد» فقد كانت موطن الهجوم ومظان ~~الطعان من الديانات المعاصرة والملل والنحل للأمم ~~المغلوبة، فجلد المتكلمون جهدهم كله دفاعا عن التوحيد، ~~فانتصر التنزيه الخالص، الله ليس كمثله شيء، ضد كل نزعات ~~الحلول والاتحاد والتجسيم والتأليه والتشبيه الحسي. وتم ~~إثبات صفاته الكاملة وقدرته اللامتناهية، وأفعاله من بعث ~~للرسل وخلق للعالم وحشر للأجساد، وحساب وعقاب. ولكن ~~استعملت النظم السياسية القائمة هذا التصور «المطلقي» # Absolutist # للعلم ~~لحسابها الخاص وبدافع سياسي خالص. فما أسهل ما أن ينزلق ~~الحاكم وراء صورة الإله المطلق فيتشبه به، ويأخذ صفاته، ~~ويستعير أفعاله فيصبح الحاكم مطلقا مثل الله، وأفعاله ~~واجبة الطاعة مثل أفعال الله. # أما اليوم فالموقف مختلف تماما: انتصر التوحيد، ولم يعد ~~هناك من يظن أن الله ثالث ثلاثة أو من يعتقد أنه هذا ~~الشخص أو هذا الجبل أو هذا النجم أو الكوكب أو الشمس أو ~~القمر أو اللات أو العزى. إنما الخطر الآن في الأرض ~~واحتلالها، والثروات ونهبها، والحريات وقهرها، ووحدة الأمة ~~وتجزئتها، وهويتها واستغرابها. ومن ثم يمكن إعادة صياغة ~~علم أصول الدين طبقا لظروف العصر؛ فالله في السماء وفي ~~الأرض # وهو الذي في السماء ~~إله وفي الأرض ms132 إله ~~[الزخرف: 84]، ~~والذي يستولي على الأرض فإنما يستولى على نصف الله، فالله ~~«إله السموات والأرض»، # رب ~~السموات والأرض ~~. وهنا يتحول الناس ~~إلى إيمان بالأرض قدر إيمانهم بالله، ويصبح تصور الله ذا ~~مضمون وليس تصورا فارغا في مقابل صهيونية تربط بين ~~الله والأرض، والشعب والمدينة، والمعبد والهيكل، في عقيدة ~~الميثاق أو العهد أو أرض الميعاد، أو شعب الله المختار. # 2 # وإذا كان التشبيه (الأشعري) هو الذي ساد في ~~تصورنا لله حتى قارب التشخيص، فإن التنزيه (الاعتزالي) ~~قادر على تحويل تصورنا لله إلى مبدأ عقلاني شامل ينتسب ~~إليه الناس جميعا، فنتحول إلى رجال مبادئ وليس إلى رجال ~~أشخاص. وإذا كان القدماء قد استعملوا الطبيعة لإثبات وجود ~~الله فدمروها وحكموا عليها بالفناء، فإننا اليوم نستعمل ~~تصورنا للطبيعة للتأكيد على وجود الطبيعة وإثبات استقلال ~~قوانينها واطرادها. وكيف يمكن العمل في عالم فان زائل ~~لا يبقى ولا يستمر؟ وإذا كان القدماء قد أعطوا الأولوية ~~للفعل الإلهي على الفعل الإنساني؛ فذلك لأن القدرة الإلهية ~~كانت في خطر من جراء أفعال الطبيعة أو السحر أو الآلهة أو ~~الأرواح. أما الآن فإن الفعل الإنساني في خطر من جراء ~~أفعال الحكام وقدراتهم المطلقة والقوانين المقيدة ~~للحريات. فالدفاع عن الفعل الإنساني أولى من الدفاع عن ~~الفعل الإلهي. كما دافع القدماء عن النقل في عصر نزول ~~الوحي وصحة الرواية في مواجهة ديانات تقوم على العقل أو ~~الحس، أما الآن فإن العقل قد انحسر والحس قد توارى وساوى ~~النقل، حتى أصبح سلطة بمفرده ممثلا في قال الله أو قال ~~الرسول أو قال الزعيم أو قال الإمام أو قال المجاهد أو قال ~~الرئيس. في حين أن كل الحجج النقلية حتى لو تضافرت لإثبات ~~شيء على أنه يقيني ما أثبتته، ولظل ظنيا، ولا يتحول إلى ~~يقين إلا بحجة عقلية ولو واحدة. كما دافع القدماء عن ~~النبوة في عصرها ودليلها المعجزة في عصرها. أما نحن ~~فندافع عن تحقق النبوة في التاريخ واكتمالها باستقلال ~~الوعي الإنساني عقلا وإرادة، وأن المعجزة إعجاز؛ أي تحد ~~للإرادة البشرية على ms133 الخلق والإبداع، بدلا من التقليد ~~والاتباع. لقد دافع القدماء عن أمور المعاد وعن حياة ~~الإنسان بعد الموت وخلود النفس في عصر كان الناس ينشغلون ~~بأمور الدنيا. أما الآن فإن حياتنا بعد الموت ليست موضع ~~تساؤل، ونفوسنا عامرة بالخير. إنما القضية في أمور الدنيا ~~وفي الأبدان المعذبة جوعا وعطشا وعريا وعراء. لقد ~~دافع القدماء عن الإيمان المتمثل في الشهادتين لفظا حتى ~~يتسع المجال لكل الأمة. يجد كل منا فيها مكانا. أما ~~اليوم فإن الإيمان عاجز، والشهادتين نطلقهما في كل مكان ~~لفظا بالشفاه. والغائب هو العمل. ومن ثم ندافع عن ~~العمل كجوهر للإيمان وأن من لا عمل له لا إيمان له. وقد ~~يكون الخوارج أنسب لنا من المرجئة. ولقد تصور القدماء ~~التاريخ على أنه سقوط وانهيار من الرسول إلى الصحابي إلى ~~التابعي إلى تابعي التابعي، وكل جيل لاحق أقل فضلا من ~~الجيل السابق # فخلف من ~~بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات ~~[مريم: 59]، حتى يئس الناس من ~~التقدم، ونشأت الحركات السلفية ظانة أن كل تقدم هو رجوع ~~إلى الوراء «خير القرون قرني»، فكيف تنهض أمة والتاريخ ~~في وعيها سقوط وانهيار؟ لا يمكن أن يتم عمل سياسي لإيقاظ ~~الجماهير وإحياء عقائدهم إلا بإعادة بناء النسق العقائدي ~~واستبدال اختيار القدماء باختيار آخر؛ نظرا لتغير الظروف ~~وتبدل المخاطر. أو على الأقل الاستفادة من النسق القديم ~~على نحو يخدم القضية الاجتماعية الحالية. فلا يعقل أن ~~يعبد مجتمع إلها عالما وهو جاهل، قادرا وهو عاجز، ~~حيا وهو ميت، سميعا، بصيرا، متكلما، مريدا، وهو لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يريد! لا يمكن أن يتم عمل ~~سياسي دون أيديولوجية، ولا يمكن صياغة أيديولوجية في ~~مجتمع تراثي دون ما تحول لنسقه العقائدي القديم. ~~(ب) علوم الحكمة # وهي علوم نظرية مثل علم أصول الدين، ولكنها تطوره ~~وتحيله إلى علوم يغلب عليها العقل أكثر من النقل، ~~وتتعامل مع الحضارات الأخرى دون خوف أو تردد. وقد ~~تشعبت إلى حكمة منطقية وحكمة طبيعية وحكمة إلهية، دون ~~أن تكون هناك حكمة إنسانية أو حكمة ms134 تاريخية، وبالتالي غاب ~~بعدا الإنسان والتاريخ من وجداننا القومي، فقامت نظمنا ~~السياسية بلا إنسان، لا ترعى حقوقه، ولا تدافع عن كرامته. ~~كما أنها نظم خارج التاريخ لا ترتبط بماضيها ولا تخطط ~~لمستقبلها. فانفصل الوعي السياسي عن حقوق الإنسان وعن ~~الوعي التاريخي في آن واحد. وتعثر العمل السياسي، واختلفت ~~النظم في تصورها للهياكل الاجتماعية والسياسية، ولكنها ~~اتفقت فيما بينها على تجاهل قضية الإنسان، وتجاهل المرحلة ~~التاريخية التي تمر بها مجتمعاتنا. # أما الحكمة المنطقية فإنها لا تتعدى قواعد المنطق ~~الصوري، منطق القضايا، ما دام منطقا عقليا خالصا لا ~~يعارض النقل في شيء، وقادر على أن يعصم المذهب من الوقوع ~~في أخطاء الاستدلال أو اللغة. ولكنه لم يتحول إلى منطق ~~جدلي تاريخي، منطق للصراع بين الأضداد، وبالتالي لم نستطع ~~فهم قوانين الصراع في مجتمعاتنا الحالية، وتصور ~~السياسة على أنها تغيير نظام بنظام عن طريق الانقلاب ~~والقفز على السلطة، أي سياسة صورية خالصة بلا جدل وبلا ~~تاريخ، خلت من الجماهير، واعتمدت على الزعامات أي على ~~التصورات السلطوية وعلى المعجزات والمغامرات والمبادرات ~~الفردية. # والحكمة الطبيعية والحكمة الإلهية بالرغم من اختلافهما ~~إلا أنهما في نهاية الأمر تقومان على تصور ثنائي واحد ~~للعالم. بقدر ما نعطي الطبيعة نأخذ من الله وبقدر ما ~~نعطي الله نأخذ من الطبيعة. فالعلاقة بين الطبيعة والله ~~علاقة سالب بموجب، حادث بقديم، فان بباق، ممكن بواجب، ~~عدم بوجود. فدمرنا الطبيعة لحساب الله، ونظرنا إلى الله ~~فضاعت الأرض من تحت الأقدام. وعدنا فتصورنا الطبيعة ~~كمادة وصورة، معلول وعلة، كثير وواحد، حركة ومحرك، ~~وكأننا جعلناها مجرد سلم إلى الله، ودليل عليه. أما ~~الله فهو عقل وعاقل ومعقول، عشق وعاشق ومعشوق، جلال وبهاء ~~وجمال، وعشقنا الطهارة كتعويض عن عالم البؤس والشقاء. ~~وكانت غاية الإنسان الاتصال بالعقل المفارق، والاتحاد به، ~~فتحولت الحكمة إلى تصوف وإشراق، وضاع العقل لحساب الذوق. ~~ونحن ما زلنا في عملنا السياسي ندعو إلى العقلانية والعلم، ~~وندعو إلى اكتشاف الطبيعة وقوانينها، وما من مجيب. # وقد تصورت علوم الحكمة الفضائل النظرية أعلى من ~~الفضائل العملية، ms135 وأن الذي يفكر بعقله أفضل من الذي يعمل ~~بيده، وبالتالي استحال في عملنا الاجتماعي الدعوة إلى ~~العمل والمعاهد المتوسطة والمدارس الفنية، وترسب في ~~وعينا القومي أن الجامعات أفضل من المعاهد، وأن المفكر ~~أفضل من العامل، وأن الياقات البيضاء أفضل وأشرف من ~~الياقات الزرقاء. فاحتقرنا العمل اليدوي. وأراد الكل أن ~~يكونوا مهندسين ومشرفين وإداريين لا عمالا منتجين، ~~صناعا أو زراعا. وفي تصور «المدينة الفاضلة»، ~~يرأسها الفيلسوف الحكيم أعلم البشر وأحكمهم وأفضلهم ~~وأشجعهم وأنقاهم، الحاكم الأوحد، والزعيم الملهم، والقائد ~~الأعظم، والمجاهد الأكبر، والإمام، يتلوه من هم أقل منه ~~فضلا، الوزراء والكتاب، يتلوهم العمال والزراع. فإذا ~~خرجت القاعدة أو جزء منها على القمة وجب بترها حتى يصح ~~الجسد كله ببتر العضو الفاسد! أصبحت «المدينة الفاضلة» ~~صورة اجتماعية لنظرية الفيض أو الصدور حيث يتربع أيضا ~~في قمة الكون الواحد، ثم يصدر عنه الثاني، ثم الثالث، حتى ~~العاشر. وبالتالي أصبح النظام هرميا في المعرفة وفي ~~الوجود وفي الأخلاق السياسة، ونتجت عن ذلك النظم ~~البيروقراطية والإقطاعية والرأسمالية. واستحال أي عمل ~~سياسي لتغيير المجتمع إلى نظم أخرى لا مركزية اشتراكية ~~جماهيرية شعبية، طالما أن التصور الهرمي للعالم النابع من ~~التراث الفلسفي ما زال مترسبا في الوجدان الفردي وفي ~~الشعور الاجتماعي. # 3 ~~(ج) علوم التصوف # وهي علوم عملية في مقابل العلمين النظريين ~~السابقين، تهدف إلى تصفية القلب؛ فهي طريقة للوصول وليست ~~منهجا للاستدلال، تقوم على «التأويل» أي الرجوع إلى ~~المصدر الأول وليس على «التنزيل» أي استنباط الأحكام من ~~الأصول إلى الفروع. وقد نشأت هذه العلوم في بدايتها كرد ~~فعل على التكالب على الدنيا، والصراع على السلطة، ومظاهر ~~البذخ والترف في المجتمع الإسلامي، واليأس من التغيير، ~~وإصلاح الناس والعودة إلى الشرعية وحياة النبوة الأولى، ~~بعد أن استشهد المئات من آل البيت الخارجين على الدولة ~~الأموية. فما دام الأمر أصبح ميئوسا منه، وما دام إصلاح ~~العالم أصبح طريقا مسدودا فالأولى العكوف على الذات، ~~وإصلاح النفس، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي هذا الموقف خرج ~~حديث: «عدنا من الجهاد الأصغر (جهاد الأعداء) ms136 إلى الجهاد ~~الأكبر» (جهاد النفس). وأصبح التصوف لهذا السبب الطريق ~~الأوحد للخلاص، خلاص النفس بعد أن استعصى خلاص العالم، ~~وإنقاذ النفس بعد أن استحال إنقاذ الآخرين، وتصفية الداخل ~~بعد أن استقرت الأبنية الاجتماعية والسياسية في الخارج ~~واستحال تغييرها. فساد الانفعال دون العقل، وأصبح الهدف ~~هو الأعلى لا الأدنى، فوق الرأس وليس تحت القدمين، في ~~السماء لا في الأرض. وأصبح الطريق مقسما إلى مقامات؛ مثل ~~التوبة، والصبر، والزهد، والشكر، والرضا، والقناعة، ~~والتوكل. وكلها قيم سلبية تدعو الناس إلى الصبر والرضا ~~والزهد في العالم والقناعة بالمقسوم كرد فعل على التكالب ~~على الدنيا. كما يمر الطريق بأحوال كلها حالات نفسية بين ~~الخوف والرجاء، الحزن والفرح، الغيبة والحضور، الصحو ~~والسكر، الفناء والبقاء، تجعل الإنسان بين حالتين ~~وانفعالين متضادين حتى يصل في النهاية إلى فقدان الذات ~~والفناء في الله، أو البقاء به، فينعم بالصحبة الخيرة ~~بدلا من صحبة السوء في الدنيا، ويرضى بعد سخط، ويستسلم ~~بعد مقاومة. # ولكن الآن تغير الظرف. لم يستشهد منا المئات خروجا على ~~الأئمة، ولم تصبح المقاومة بعد أمرا ميئوسا منه، بل ~~إننا في أعلى لحظات المقاومة (خاصة بعد معركة بيروت والغزو ~~الصهيوني للبنان)، وتغيير الأبنية السياسية والاجتماعية ~~ممكن، وبالتالي فقيمنا هي المقاومة، والجهاد، والنزال، ~~والصمود، والتصدي، والتقدم، والشهادة. وأحوالنا هي ~~الكر والفر، المكر والخداع، الإقدام والإحجام، الضرب ~~والاختفاء، وليست مقامات وأحوال الصوفية. غايتنا ليس ~~الفناء بل البقاء، وتكويننا ليس الرضى والاستسلام بل الغضب ~~والثورة. التصوف القديم إذن في حاجة إلى «عود إلى العالم»، ~~ومقاومة لمظاهر الظلم والطغيان فيه. وهو التصوف العملي، ~~«طريق واحد، يخرج من فوهة بندقية». # 4 ~~(د) علم أصول الفقه # وهو أقل العلوم التراثية احتواء على معوقات العمل ~~السياسي. وذلك أنه علم عملي يهدف إلى رعاية مصالح الناس، ~~يقوم على الاستدلال العقلي وعلى الاستقراء التجريبي. فليست ~~به عقائد نظرية، بل إن الله هو مجرد الشارع. وليست به ~~قيم سلبية بل يعتمد على الاجتهاد وبذل الوسع والمجهود. ~~وليست به نظرات إشراقية فهو يقوم على التعليل. لا يضر ~~بالناس فمن ms137 مبادئه العامة لا ضرر ولا ضرار، الضرورات ~~تبيح المحظورات، لا يجوز تكليف ما لا يطاق، المصالح ~~المرسلة. ومع ذلك فهناك بعض المخاطر على العمل السياسي؛ ~~منها إعطاء الأولوية للنص على المصلحة عند بعض مدارس ~~الرأي. بل إن النسق الاستدلالي القديم كله يبدأ بالكتاب ~~ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس، في حين أن عصرنا يحتم ~~البدء بالقياس مباشرة، فالصالح العام يعرفه الجميع ~~وسيكون حتما متفقا مع النص (كما كان يحدث لعمر بن ~~الخطاب). كما أن الحكم بمقاصد الشريعة مباشرة، المحافظة ~~على الضرورات الخمس: الحياة (النفس)، والعقل، والدين، ~~والعرض، والمال، بها يتوجه مباشرة إلى مصالح الناس ~~وإلى ما فيه قوام الحياة الإنسانية. أما الأوامر ~~والنواهي؛ أي الأحكام الشرعية فإنه من الأفضل للعمل ~~السياسي أن تكون نابعة من طبيعة الناس ووجودهم الإنساني ~~بدلا من أن تكون فرضا عليهم فتزيد الفروض فرائض ~~جديدة . فالواجب ما به قوام الحياة، وعكسه الحرام أي ما به ~~فسادها. والمندوب متروك لاختيار الإنسان طبقا لقدراته ~~الفردية أن يفعل الخير تطوعا، وعكسه المكروه ألا يفعل ~~ما قد يفسد الحياة بحريته واختياره. أما الحلال فهو ~~مصاحبة الأشياء، وكأن الشرعية في الطبيعة، في البراءة ~~الأصلية، فالأصل في الأشياء الإباحة. لقد استطاع علم ~~الأصول بتحليله أحكام الوضع الخمسة ربط كل حكم بسبب وعلة، ~~وتعليقه على شرط وإقامته على القدرات الإنسانية (العزيمة ~~والرخصة)، ابتداء من النية (الصحة والبطلان). فليس المهم ~~قطع يد السارق؛ لأن شرط ذلك هو الكفاية، فلا تقطع يد ~~السارق عن جوع أو بطالة أو حرمان أو عداء طبقي وحسد ~~اجتماعي ولا تقطع يد سارق الدرهم وتترك يد ناهب ~~ثروات الشعوب من باطن الأرض ومن فوقها، صاحب البراميل أو ~~إقطاعي الأرض أو رأسمالي المصنع. ولا يرجم زان في ~~مجتمع لا يجد الإنسان فيه زواجا؛ فلا مهر ولا سكن، وكل ~~ما فيه الإثارة الجنسية في الصحف وأجهزة الإعلام، وعهر ~~الحكام في كل مكان وتعرفه الشعوب من حديث الصحف ~~الأجنبية. ~~(3) العلوم العقلية # وهي العلوم الرياضية ~~مثل الحساب، والجبر، والهندسة، والفلك، والموسيقى. والعلوم ~~الطبيعية وهي ms138 النبات، والحيوان، والطبيعة، والكيمياء، والطب، ~~والصيدلة. والعلوم الإنسانية وهي اللغة، والأدب، والجغرافيا، ~~والتاريخ. وهي نموذج للعلوم التي أثر فيها التوحيد وكان ~~دافعا على الكشف العقلي والإبداع العلمي. فهناك علاقة بين ~~اللاتناهي وحساب اللامتناهي، وعلاقة أخرى بين التوجه نحو ~~الكواكب والنجوم ونشأة علم الفلك، وبين موسيقى القرآن ونشأة ~~علم الموسيقى، وبين تصور القرآن للنبات والحيوان، وإبرازه ~~للحياة ونشأة علوم النبات والحيوان، وبين الطبيعة والكيمياء، ~~ومقتضيات المجتمع الفاتح وحاجات الحرب في صناعة الأسلحة وعلوم ~~الطب والصيدلة. وقد نشأت علوم اللغة والأدب من تحليل بلاغة ~~القرآن وإعجازه، كما ارتبطت نشأة علوم الجغرافيا والتاريخ ~~بخرائط البلاد المفتوحة، والتعرف على العالم من أجل الاستخلاف ~~عليه، والتفكير في سبب تقدم الأمم وانهيارها. # ولكننا انفصلنا عن هذا الجانب العقلي العلمي الإنساني الخالص ~~الذي طوره الغرب، فكان وراء نهضته الحديثة. وأخذنا نحن ننقل ~~العقلانية والعلمية والإنسانية الغربية التي هي تطوير لهذا ~~الجانب فينا من تراثنا القديم. ثم عدنا نفتش عليه ونبعثه كفخر ~~واعتزاز بالقديم دون أن يكون دافعا على الإبداع الجديد، ~~ورفضا للنقل عن الغرب. حتى العلوم الإنسانية، اللغة، والأدب، ~~والجغرافيا، والتاريخ، وقفنا عندها؛ إما عند أبحاث القدماء أو ~~الاستيعاب والنقل عن المحدثين دون أن نساهم فيها. وما زلنا ~~نعرض لقضية ابن خلدون: لماذا تنهار الأمم؟ ولا نضع سؤالا ~~تاليا: كيف تتقدم الشعوب؟ وما هي شروط النهضة؟ ما زلنا ننقل ~~عن الغرب الرياضيات الحديثة والطبيعيات الحديثة بل والعلوم ~~الإنسانية المعاصرة. وفي هذا الجو الحضاري العام يستحيل العمل ~~السياسي حيث لا إبداع للجديد ولا تطوير للقديم، ولا إعمال ~~للعقل، ولا إجهاد للقريحة. فنصبح في العمل السياسي أيضا ~~ناقلين. تتشبث الأنظمة القائمة بتراث القدماء وتنقل المعارضة ~~تراث المحدثين (الماركسية أو الليبرالية أو القومية). والقديم ~~أرسخ جذورا وأقوى شرعية من قشور المحدثين. # | ثالثا: العقائد التراثية ومواقع ~~العمل السياسي # وبالرغم من المعوقات التراثية في العمل السياسي إلا أن هناك ~~دوافع تراثية أيضا لتحريك العمل السياسي وضبطه وتنشيطه وترسيخه ~~في وجدان الناس. فإذا رصدنا مشاكل عصرنا وتحدياته الرئيسية ~~لوجدناها الآتي: ~~(1) تحرير الأرض من ms139 الاستعمار والغزو # ما زالت قضيتنا الرئيسية هي احتلال الأرض. فما زالت بقع من ~~أراضي العرب والمسلمين محتلة، من بقايا الاستعمار القديم ~~(سبتة ومليلة مثلا)، ودول أخرى من الغزو الصهيوني ~~الجديد (فلسطين وسوريا ولبنان). وما زال قائد المعركة، معركة ~~التحرير، هي الأنظمة السياسية، والجيوش النظامية أو فصائل ~~المقاومة، دون إشراك الشعوب التي ما زالت بكمها وكيفها ~~خارج الميدان. هنا تستطيع العقائد الترائية المساهمة في معركة ~~تحرير الأرض. وذلك أن «الله» وهو القيمة الأولى في نسق العقائد ~~التراثي هو «إله السموات والأرض»، # رب ~~السموات والأرض ~~، # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله ~~[الزخرف: 84] وبالتالي فإن إيمان الجماهير ~~بالله هو في الوقت نفسه إيمان بالأرض، وموتها في سبيل الله هو ~~استشهادها في سبيل الأرض، ومن يستولي على الأرض فإنه أسر نصف ~~الإله ويجعله سجين الاحتلال! فإذا كان الإله في المسيحية هو ~~«إله السموات» وفي اليهودية «إله الأرض» فإنه في العقائد ~~التراثية «إله السموات والأرض». وبالتالي يمكن الوقوف أمام ~~العقيدة الصهيونية التي ربطت بين الله والشعب والأرض والمدينة ~~والمعبد والهيكل بصهيونية مضادة ومن نفس النوع لتحرير ~~الأرض، فحرب العقائد لا تقل أهمية عن قعقعة السلاح. # وبعد التحرير يأتي ~~التعمير؛ فصورة الأرض في القرآن ليست الأرض الخراب الصحراء ~~الصفراء، بل هي الأرض العمار المسكونة، الأرض المزروعة الخضراء ~~التي ينزل عليها الماء فتهتز فتنبت من كل زوج بهيج، فلا ~~الفيضان يغرقها ولا القحط يميتها. الأرض سوداء، والنيل يجري، ~~ودجلة والفرات يسيلان، والعمل ناقص، والفلاح إما يكتظ به وادي ~~النيل أو يشح في أرض الجزيرة وما بين النهرين. فيضان في ~~بنغلاديش وقحط في تشاد وكأننا لم نعد قادرين على السيطرة على ~~موارد الطبيعة، وكأن الله لم يسخر لنا قوانينها. ومن ضمن ~~العقائد التراثية: الأرض لمن يفلحها، والأرض البوار لمن ~~يصلحها «من أصلح أرضا فهي له». # 1 ~~(2) الدفاع عن الحريات ضد القهر والتسلط # إن التحدي الثاني ~~الذي يواجه أي عمل سياسي هو القهر والتسلط وكل القوانين ~~الاستثنائية المقيدة للحريات، وكل السلطات شبه المطلقة التي ~~يتمتع بها الحكام، ms140 ملوكا أو أفرادا أو رؤساء. وقد أوشك أن ~~يصبح عدد السجون مثل عدد المدارس، وخريجو السجون مثل خريجي ~~الجامعات. فقد لا يوجد وطني واحد إلا ودخل السجن مرة وحتى ~~ضرب المثل «السجن للرجال». هنا تأتى العقائد التراثية كي ~~تساهم في العمل السياسي وتتحدى القهر والتسلط والتكبر وحكم ~~الفرد المطلق. فالله وحده هو «المليك المقتدر» دون سواه. وهذا ~~ما يعبر عنه أول ركن من أركان الإسلام «الشهادتان»: تعني ~~أشهد رؤية أحداث العصر والإعلان عنها، ورفض الصمت والتواطؤ، أي ~~الجهر بالقول والإعلان عن الحق المرئي، وقد يستتبع ذلك ~~الشهادة؛ أي التضحية بالنفس في سبيل شهادة القول، ثم يقوم ~~الإنسان بفعلين: فعل النفي في «لا إله» وفعل الإثبات في «إلا ~~الله». وبفعل النفي، يحرر الإنسان شعوره من كل آلهة العصر ~~المزيفة: الجاه، والسلطان، والمال، والجنس، وحب الدنيا؛ حتى ~~يستطيع أن ينتسب إلى المبدأ الواحد، العام الشامل الذي يتساوى ~~أمامه الجميع بالفعل الثاني «إلا الله». وتعني الشهادة الثانية ~~الإعلان عن اكتمال النبوة واستقلال الوعي الإنساني عقلا ~~وإرادة. كما يعبر عن حرية الإنسان شعار: «الله أكبر» أي لا ~~متكبر سواه. لذلك كان شعار الثورة الإسلامية في إيران «الله ~~أكبر، قاصم الجبارين». والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~واجب ديني، وفرض شرعي يجعل الإنسان القادر عليه حرا، مراجعا ~~للحكام وكذلك «الدين النصيحة». و«لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق»، فالطاعة للقانون، وسلطة الحاكم من العقد والبيعة، ~~فإذا عصى الحاكم الشريعة وإذا أخل بعقد البيعة فلا طاعة له، ~~ويجب الخروج عليه. وإن أعلى شهادة: «كلمة حق في وجه ~~سلطان جائر»، و«الساكت عن الحق شيطان أخرس». بل إن وظيفة ~~الحكومة الإسلامية هي «الحسبة» أي مراجعة نفسها بنفسها، ~~والرقابة على نفسها وعلى الأسواق ومظاهر النشاط الاقتصادي ~~والتلاعب بالأسعار وبقوانين السوق. إن الحاكم هو آخر من يأكل ~~وآخر من يشرب وآخر من يلبس وآخر من يسكن، وإلا فلا سمع ولا ~~طاعة له. ~~(3) العدالة الاجتماعية والمساواة في مواجهة سوء توزيع الثروة ~~والفروق الشاسعة بين الأغنياء والفقراء # وهي القضية الاجتماعية بالأصالة التي اجتمعت عليها ms141 كل ~~الأحزاب السياسية، والتي من أجلها قامت الثورات العربية ~~الأخيرة، والتي لأجلها ستهتز العروش والتيجان. فنحن أمة يضرب ~~بها المثل بأقصى درجات الغنى وبأشد درجات الفقر، بالبطون ~~المنتفخة وبالأفواه الجائعة، بالقصور المزخرفة وبالأكواخ ~~الصفيح، وننتسب إلى أمة واحدة، ونعتنق دينا واحدا، ونؤمن ~~بإله واحد. هنا تأتي العقائد الترائية لتقوية العمل السياسي ~~وإعطائه شرعية من التاريخ. فالملكية لله وحده # ولله ملك السموات ~~والأرض ~~[آل عمران: 189]. والإنسان مستخلف ~~فيما بين يديه. له حق الانتفاع، وحق التصرف، وحق الاستثمار، ~~وليس له حق الاكتناز أو الاحتكار أو الاستغلال، ومن حق ~~السلطة الشرعية التدخل بالتأميم والمصادرة في حالة سوء ~~استعمال الثروة. وكل أدوات الإنتاج التي تمس الصالح العام ~~ملكية جماعية لا يجوز وقوعها بين أيدي الأفراد، «الماء ~~والكلأ» قديما والزراعة حديثا، و«النار» قديما والصناعة ~~حديثا، والملح قديما والمعادن حديثا. «الركاز» أي ما في ~~باطن الأرض، ملك للأمة وليس ملكا للأفراد. عرف القدماء ~~الذهب والفضة والحديد والنحاس ... إلخ. وعرفنا نحن النفط. ~~والعمل وحده مصدر القيمة بدليل تحريم الربا الذي يعني أن المال ~~يولد المال بلا جهد أو عرق. ولا يجوز أخذ فائض قيمة من ~~إنتاج عامل، فكل نتاجه له، وللدولة رأس المال. فإذا ظهر فرق ~~في الدخول بين الأغنياء والفقراء فإن فضول الأغنياء ترد إلى ~~الفقراء، والفضول ما زاد عن القوت. # والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم ~~[المعارج: 24-25]، وفي المال حق غير الزكاة. والمجتمع الواحد ~~الذي فيه إنسان واحد جائع تبرأ ذمة الله منه. و«ليس منا من ~~بات شبعان وجاره طاو». وقد صحنا في حركاتنا الإصلاحية ~~الأخيرة: «عجبت لرجل لا يجد قوت يومه ولا يخرج للناس شاهرا ~~سيفه!» أو «عجبت لك أيها الفلاح، تشق الأرض بفأسك، ولا تشق ~~قلب ظالمك!» (الأفغاني). وفرق بين أن نقول ذلك في أدبيات ~~«الاشتراكية والإسلام» دعاية لنظام سياسي، وبين أن نثور ~~الجماهير به، فتدافع عن حقوقها المسلوبة من عقائدها ~~وتراثها. ~~(4) الهوية ضد التغريب # ومما لا شك فيه أن قضية الهوية أو الأصالة تكمن وراء كل ~~مشاكلنا الاجتماعية والسياسية لأنها ms142 هي المشكلة الحضارية. وما ~~زلنا منذ فجر نهضتنا العربية الحديثة نطرحها، وندعو لها، ~~وننبه عليها ولم نحلها بعد. وربما كانت معظم تياراتنا ~~الفكرية الحديثة أقرب إلى التغريب منها إلى الأصالة؛ فالإصلاح ~~الديني (الأفغاني) والليبرالية السياسية (الطهطاوي) والعقلانية ~~العلمية (شبلي شميل) كلها ترى الغرب نمطا للتحديث ونموذجا ~~للتقدم، ترى صورتها في مرآة الآخر، مما ولد الحركة السلفية ~~حتى أصبحت وريثة الإصلاح. وقضينا على الليبرالية بأيدينا باسم ~~الثورات العربية الأخيرة، وانتهى العقل والعلم من حياتنا ~~بذيوع مسوح الإيمان والخرافة. ولا يمكن أن يوجد عمل سياسي ~~إبداعي دون أصالة وضد التغريب، وما زالت أحزابنا السياسية حتى ~~الآن، خاصة العلمانية منها، تصوغ القضية السياسية على نحو ~~مغترب، وتجد الحل عند الآخر وليس بتحليل الأنا. هنا تظهر ~~المواقف التراثية التي تضع التقابل صراحة بين الأنا والآخر؛ ~~فالقرآن يحرم موالاة الغير، مصالحتهم أو مسالمتهم أو السلام ~~معهم إذا ما اعتدوا على الديار. كما يحرم التقليد والتبعية ~~للآخر لأنه محو للمسئولية الفردية وبالتالي المساءلة. # 2 ~~(5) الوحدة ضد التجزئة # قضية الوحدة، وحدة قطرية، وحدة وطنية، وحدة عربية أو وحدة ~~إسلامية، هي إحدى قضايانا الرئيسية والتي تدخل ضمن برامج كل ~~الأحزاب السياسية. ولكن ظلت القضية متعثرة، لا تتجاوز إعلان ~~البيانات التي لا يتجاوز عمرها أياما ثم تنفض الوحدة أو ~~تكون وحدة علم ونشيد وزعيم ورئيس، أو تظل أماني وأغاني، ~~وأحلاما وأهازيج. والواقع نفسه يدعو إلى التجزيء والتشتت ~~والتبعثر من جراء الخلافات على الحدود، والحروب والحملات ~~الإذاعية، وتضارب المصالح، والصراع على السلطة. في حين أن ~~العقائد التراثية خير ضمان للوحدة على كافة مستوياتها. الوحدة ~~الوطنية في # أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم ~~[الفتح: 29] أي الانفتاح على ~~الداخل والجبهة الوطنية المتحدة أمام الأعداء في الخارج، # ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك ~~[آل عمران: ~~159] درس آخر في القيادة وتكوين الجبهة، ووحدة على مستوى الأمة # إن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاعبدون ~~[الأنبياء: 92]، # أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار ~~[يوسف: 39]. والإسلام أقدر المذاهب ~~والأيديولوجيات على توحيد الشعوب حيث لا عنصرية ms143 ولا شعوبية ولا ~~طائفية، وفي الوقت نفسه يعترف بالتقاليد واللغات والأعراف ~~المحلية. # ويمكن تجاوز المعوقات التراثية وإظهار الدوافع في العمل ~~السياسي بالوسائل الآتية: ~~(1) # إيجاد ~~البدائل: ويعني ذلك أننا ونحن في بداية القرن ~~الخامس عشر الهجري تركنا العقلانية العلمية ~~(المعتزلة والفلاسفة)؛ فالمحافظة الدينية أرسخ في ~~وجداننا القومي من الليبرالية. وبالتالي كانت ~~مهمتنا ضغط الألف عام إلى النصف وزيادة الأربعمائة ~~عام إلى الضعف. في هذه اللحظة التاريخية فقط وحتى ~~يتم ذلك يمكن أن ينجح أي عمل سياسي؛ لأن ~~التعددية والليبرالية والعقلانية والعلمية قد ~~أصبحت الرافد الأساسي والمكون الرئيسي لوعينا ~~القومي. ومن ثم يكون الشرط التراثي الأول لأي عمل ~~سياسي هو الانتقال من الأشعرية إلى المعتزلة، ومن ~~إشراقية الفلاسفة إلى عقلانية ابن رشد، ومن الفقه ~~الافتراضي إلى الفقه المصلحي، ومن التصوف ~~النظري السلبي إلى التصوف العملي الإيجابي. وعلى ~~هذا النحو تبدأ دورة ثالثة من الحضارة الإسلامية، ~~بعد الدورة الأولى؛ عصر التكوين والازدهار، ~~والقرون السبعة الأولى، والدورة الثانية؛ عصر ~~الشروح والملخصات (القرون السبعة الثانية)، ~~والدورة الثالثة والتي نحن في بدايتها في مطلع ~~القرن الخامس عشر. لا يمكن إذن أن يتم أي عمل ~~سياسي بدون فلسفة في التاريخ، ومعرفة في أية مرحلة ~~تاريخية تعيش مجتمعاتنا وفي أي عصر تعيش أجيالنا ~~بوجه عام وجيلنا بوجه خاص. وهذا يتطلب عملا ~~سياسيا في التراث إذا أردنا أن يكون للتراث عمل ~~سياسي فينا. ولا ضير في ذلك؛ فالتراث في كل عصر ~~نتاج لظروفه السياسية والاجتماعية، وبالتالي فإن ~~عملنا السياسي فيه يرجع إلى أصله الذي منه نشأ ~~أول مرة. يتطلب العمل السياسي في التراث إعادة ~~صياغة لغة جديدة إنسانية عقلانية مفتوحة بدل اللغة ~~الدينية القانونية الاصطلاحية. كما يتطلب تغيير ~~مستويات التحليل والرؤية من المستوى الفقهي إلى ~~المستوى الطبيعي حتى تظهر حياة الناس، ثم تغيير ~~المحاور من الأعلى والأدنى إلى الأمام والخلف؛ ~~حتى يقل أثر نظرية الفيض فينا، ويظهر في وجداننا ~~بعد الزمان ومسار التاريخ وحركتا التقدم ~~والتخلف. فالأعلى عند القدماء هو الأمام بالنسبة ~~لنا، والأدنى لديهم هو الخلف عندنا. كما ms144 يتطلب ذلك ~~تغيير المحاور، من التمركز حول الله الذي دافع عنه ~~القدماء نظرا للدين الجديد الحديث العهد، إلى ~~الدفاع عن الإنسان وهو مظان الطعان في عصرنا ~~والذي لم نبدأ الدفاع عنه حتى الآن. قد يفرض ذلك ~~أيضا تغيير المناهج، من المناهج الاستنباطية التي ~~تبدأ من النص إلى الواقع، إلى المناهج الاستقرائية ~~التي تبدأ من الواقع إلى النص، فالوحي ليس نزولا ~~مفروضا بل نداء للطبيعة وتلبية لمقتضياتها ~~وقصدها نحو الكمال. وقد يفرض ذلك تغيير المادة ~~«الدينية» القديمة كلها إلى مادة اجتماعية معاصرة، ~~فالدين تعبير عن الأوضاع الاجتماعية، والوحي حلول ~~للمشاكل الاجتماعية. ~~(2) # اليسار الإسلامي: التيار الذي يمكنه أن يقوم ~~بقراءة سياسية للتراث هو «الإسلام السياسي» أو ~~«اليسار الإسلامي»؛ فهو الذي ينبع من تراث الأمة، ~~ويلتزم بقضايا العصر، وقادر على القيام بهذا ~~التحول من المحافظة التاريخية إلى التقدمية ~~العصرية. فجذوره في التراث، وفروعه في العصر، لا ~~يعادي الحركة الإسلامية بل يفهم متطلباتها، ~~وصديق للحركة العلمانية يفهم منطلقاتها. اليسار ~~الإسلامي هو القادر على إعادة وحدة الصف وإنهاء ~~الازدواجية في الثقافة الوطنية بين الثقافة ~~الدينية والثقافة العلمانية. وهو القادر على ملء ~~هذا الفراغ الآن بين الطرفين المتعارضين. كما ~~أنه قادر على تجنيد الجماهير التي ما زالت تتحرك ~~بالأنساق العقائدية أو تحت ضغط ظروف الحياة ~~المادية: المساجد عامرة بالمصلين، والأئمة ~~المستقلون، طليعة الأمة، قادرون على قيادتها. ~~اليسار الإسلامي ينقد السلفية من موضع الاشتراك في ~~الجذور، وينقد العلمانية من موقع الاشتراك في ~~الثمار، ولكنه هو الأقدر على تلبية مطالب ~~الجماهير، وصياغة مشروع قومي يربط الماضي ~~بالحاضر، ويحقق التغير الاجتماعي وقمته في الثورة ~~من خلال التواصل لا من خلال الانقطاع. وهو وريث ~~المعتزلة والفلاسفة والأصول والتصوف العملي ~~القديم. كما أنه وريث حركة الإصلاح الديني الحديث، ~~راجعا إلى جذوره (الأفغاني) ومنشطا إياه من جديد ~~- بعد أن خف صوته على مراحل - حتى وصل إلى ~~الحركة الإسلامية الحالية، فيتحول الإصلاح ~~الديني إلى نهضة شاملة. كما أن اليسار الإسلامي ~~قادر على إقالة الثورة العربية من عثراتها، حتى لا ~~تبدأ هذه المرة بالضباط ms145 الأحرار بل بالمفكرين الأحرار. # 3 ~~(3) # الوحدة ~~الوطنية: واليسار الإسلامي إنما يقوم بهذه المهمة ~~تثوير التراث وممارسة العمل السياسي من الجذور ~~التراثية في إطار الوحدة الوطنية. فاليسار ~~الإسلامي لا يكفر أحدا. بل إنه يقبل كل التراث ~~القديم بمعوقاته ودوافعه من أجل إعادة النظر فيها، ~~وتصفيته من الأولى، وتحويل الثانية إلى رافد أساسي ~~في وعينا القومي. كما يقبل الحركة العلمانية بكل ~~فصائلها لأنه يفهم منطلقاتها ودوافعها. وقد انتشرت ~~فوق تربتنا ثلاثة تيارات علمانية: الليبرالية قبل ~~الثورات العربية الأخيرة، ثم الثورة العربية أو ~~القومية العربية أو الاشتراكية العربية، وكلاهما ~~قدر لهما أن يحكما ويحققا إنجازات وتنتج ~~عنهما مخاسر، والحركة الماركسية التي بدأت في ~~أوائل هذا القرن حتى الآن والتي لم يقدر لها أن ~~تحكم إلا في بعض أطراف العالم العربي (اليمن ~~الديمقراطي) أو داخلة في حلف مع الثورة العربية ~~(سوريا، العراق). وطالما خسرنا جميعا باضطهاد ~~الحركة الإسلامية على طول الخط، سواء قبل الثورة ~~العربية أو بعدها، أو باضطهاد الليبرالية بعد ~~الثورة العربية واضطهاد الماركسية قبلها وأحيانا ~~بعدها. وطالما شوهت كل حركة الحركة الأخرى ~~بتدعيم الدولة؛ فالماركسية كفر وإلحاد وعمالة، ~~والليبرالية فردية رأسمالية انحلالية، والقومية ~~عنصرية وشعوبية واغتراب، والإسلامية تزلف ~~ورجعية ومحافظة. فأصبح الكل خاسرا، نزيل سجون، ~~راغبا في الثأر من المجتمع أو الانقضاض على أخيه. ~~وقد آن الأوان أن يعمل الجميع في إطار من الوحدة ~~الوطنية. فلا حوار بين الفرقاء إلا بالليبرالية، ~~ولا تحقيق لوحدة الأمة إلا بالقومية، ولا إعادة ~~لتوزيع الدخل القومي إلا بالماركسية، ولا تغيير من ~~خلال التواصل إلا بالحركة الإسلامية. الأمة طائر ~~جسده القومية العرية نتاج الثورة العربية، وذيله ~~الليبرالية، وجناحاه الإسلامية والماركسية، ورأسه ~~الوحدة الوطنية. فلا يمكن أن يطير إلا بمجموع ~~جسمه، وإلا سقط أو انحرف أو أصبح كسيحا لا يقوى ~~على النهوض. # | رابعا: خاتمة: ضرورة إعادة بناء ~~التراث # إن التراث القديم ليس هو الدين، وبالتالي ليس له طابع ~~التقديس، بل إن الدين هو جزء من التراث، أي الموروث العقائدي، ~~بجوار الموروث الأدبي والعرفي. هو نتيجة ظروف سياسية قديمة ms146 وصراع ~~على السلطة وتعبير عن أوضاع اجتماعية. ولما كانت الظروف تغيرت فإن ~~مسئوليتنا، بالتالي، إفراز تراث جديد وإعادة بناء التراث القديم؛ ~~حتى لا يقف حجر عثرة في سبيل النهضة الحديثة والثورة العربية ~~المعاصرة. ليس الأمر مجرد تحميس للناس وشحذ عزائمهم، بل يتعلق ~~الأمر بالبناء العقائدي للجماهير، وبإعطائها أيديولوجية سياسية ~~تملأ بها فراغها النظري وحصارها بين الحركة السلفية والحركة ~~العلمانية. فإذا كان التراث القديم نتيجة للعمل السياسي القديم ~~فإن العمل السياسي الحديث يتطلب تراثه المعاصر، وفي الوقت نفسه ~~إعادة النظر في الموروث القديم؛ فإما يتطابق معه في تراث ~~المعارضة، وإما يختلف معه في تراث السلطة. وفي كلتا الحالتين يحدث ~~التغير من خلال التواصل، وتأمن الأمة الردة والفصام في الشخصية، ~~ويصبح حاضرها إحدى حلقات وحدة تاريخها. # | كبوة الإصلاح1 # نموذج مصر # | أولا: مقدمة: وصف الظاهرة # ماذا تعني «كبوة الإصلاح»؟ تعني كبوة الإصلاح أن نهضتنا الحديثة ~~التي بدأت منذ أوائل القرن الماضي باصطلاح المؤرخين إنما بدأت في ~~جيلين وانتهت على يد جيلين. فإذا ما أتى الجيل الخامس فإنه يجد ~~نفسه في أزمة: هل يعاود الإصلاح من جديد؟ هل يبدأ بداية جديدة؟ ~~وما هي هذه البداية؟ وكأن نبوءة ابن خلدون قد تحققت في تاريخنا ~~المعاصر وهي أن الدورة التاريخية تمتد أربعة أجيال! فإذا أخذنا ~~التيارات الرئيسية الثلاثة التي تكون نهضتنا الحديثة: الإصلاح ~~الديني، والفكر العلمي العلماني، والفكر السياسي الليبرالي، لوجدنا ~~أن كل تيار قد حدثت فيه الكبوة على مر هذه الأجيال الأربعة. ~~فالإصلاح الديني بدأه الأفغاني بداية جيدة، وحدد مشروعه الإصلاحي ~~تحديدا متفقا مع ظروف عصره: مواجهة الاستعمار في الخارج ومقاومة ~~التسلط في الداخل. ولكن بعد الثورة العرابية والاحتلال الإنكليزي ~~لمصر خبا مشروع الإصلاح وهوى إلى النصف على يد محمد عبده فاصلا ~~الدين عن السياسة - لعن الله ساس ويسوس! تاركا الثورة للإعداد ~~لها، وتغيير النظم السياسية لتربية الشعوب، ومواجهة السلطان إلى ~~إصلاح مناهج التعليم والمحاكم الشرعية. وبعد اشتداد الحركة الوطنية ~~في البلاد على يد تلاميذ الأفغاني، وفي مقدمتهم مصطفى كامل ومحمد ~~فريد وسعد زغلول واندلاع ms147 ثورة 1919م، خبا المشروع الإصلاحي مرة ~~أخرى عند رشيد رضا بعد أن رأى مخاطر الوطنية في العلمانية وتقليد ~~الغرب والتفرنج كما هو الحال في تركيا بعد الثورة الكمالية في ~~1924م. ثم خبا المشروع مرة ثالثة على يد الإخوان المسلمين بالرغم ~~من محاولتهم إعادة الحياة له وإكماله عن طريق تجنيد الجماهير. ~~فبعد مقتل حسن البنا في 1949م واضطهاد الجماعة كلها على فترات ~~متتالية في 1954م ثم في 1965م، ولعدم تطوير الحركة الإصلاحية ~~وموقفها؛ تحولت إلى حركة ~~سلفية، ومنها خرجت الجماعات الإسلامية المعاصرة تعبيرا عن ظروف ~~الاضطهاد للحركة الإسلامية المعاصرة. انغلقت على الذات وعادت ~~التيارات الأخرى، وأصبحت تمثل رد فعل على فشل الأيديولوجيات ~~العلمانية للتحديث؛ ليبرالية أو اشتراكية أو قومية أو ماركسية. # 1 # وإذا أخذنا التيار الثاني وهو الفكر العلمي العلماني، فقد بدأه ~~شبلي شميل بداية طيبة في الترويج للفكر العلمي، وبيان أهمية ~~التحليل العلمي والمنهج العلمي؛ كي تحدث الصدمة الحضارية الثانية ~~بعد أن حدثت الأولى إبان الحملة الفرنسية على مصر في مشاهدة ~~علماء الأزهر للتجارب العلمية التي أجراها علماء الحملة. وقامت ~~جريدة «المقتطف» التي أسسها يعقوب صروف بذلك خير قيام. واستمز فرح ~~أنطون في الدعوة إلى العلم من خلال ابن رشد. استمر الجيل الأول ~~إذن في الدعوة إلى العلم الذي لا وطن له أو إلى العلم القومي حتى ~~الجيل الثاني في القرن الماضي. ولكن خبت الدعوة على يد الجيل ~~الثالث عند سلامة موسى، ثم الجيل الرابع عند إسماعيل مظهر وزكي ~~نجيب محمود بعزلة التيار وارتمائه كلية في أحضان الغرب. # 2 # أو بالردة عنه والعودة إلى تراث الأمة لإيجاد نوع ~~من الاتساق الحضاري والاستمرارية في التاريخ. # 3 # فما إن أتى الجيل الخامس حتى ظهر الاضطراب لدرجة ~~الصراع بين العلم والإيمان ونشأة رد فعل على العلم في التيارات ~~اللاعلمية واللاعقلانية المنتشرة في مجتمعاتنا اليوم. # أما التيار الثالث الذي يمثله الفكر السياسي الليبرالي فقد ~~بدأه الطهطاوي أيضا بداية جيدة؛ وذلك بنشر أفكار الحرية والعدالة ~~والمساواة، ووضع موضوعات جديدة للفكر الوطني مثل التقدم والدولة ~~والدستور، ms148 والحديث عن الزراعة والصناعة ~~والتعليم من أجل تأسيس الدولة ~~الحديثة. وقد حدد مشروعه في «مناهج الألباب» تحديدا واضحا ~~ودقيقا. وسار الجيل الثاني ممثلا في لطفي السيد مؤكدا على ~~الوطنية المصرية. ولكن ما إن أتى الجيل الثالث ممثلا في طه حسين ~~والعقاد ثم الجيل الرابع ممثلا في جماهير المثقفين الوطنيين من ~~خلال حزب الوفد حتى خبا المشروع الأول. فتحولت الدولة من أداة ~~تكوين إلى أداة قهر، وتحول المفكرون من بناة دول وطنية إلى ~~موظفي أنظمة سياسية. وقامت الثورات العربية الأخيرة التي بالرغم ~~من إنجازاتها الاجتماعية والسياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي ~~انتهت بالقضاء على الحريات ومعاداة الليبرالية والقضاء على النظم ~~البرلمانية الدستورية الحزبية، حتى أصبح المفكر الحر مرادفا لنزيل ~~السجون! # تعني الكبوة أيضا أن الحركة عمرها قصير، انتهت بمجرد أن بدأت، ~~سقطت بمجرد أن قامت. وكأن الصاروخ لم يستطع أن يخترق حجب ~~الفضاء، وعاد إلى الأرض بمجرد الانطلاق وانتهاء قوة الدفع الأولى. ~~ومن ثم كان مسار النهضة قوسا أو نصف دائرة من أسفل إلى أعلى ثم ~~من أعلى إلى أسفل، وليس خطا مستقيما تتراكم فيه الخبرات جيلا ~~بعد جيل، وكأن الدورة لدينا لا بد وأن تبدأ من الصفر من جديد دون ~~أن ترث الأجيال من بعضها البعض خبراتها حتى يحدث تراكم تاريخي كي ~~يحدث في نهضتنا تغير كيفي مماثل في القدر. لم تتعلم الأجيال ~~من بعضها البعض، ولم ينشأ حوار بين القدماء والمحدثين إلا في ~~أضيق الحدود وفي مجالات الأدب دون الفكر والتاريخ. لم ينشأ حوار ~~بين الأموات والأحياء، بل أعيد حوار الأموات فيما بينهم في ~~المناقضات الأدبية أو حوا الأحياء فيما بينهم، أيهم على صواب وأيهم ~~على خطأ في المجلات الأدبية. لم يحدث وعي تاريخي، وبالتالي أصبح ~~الوعي السياسي بلا رؤية أو منظور. وانحصرت الحركة في مجموعات من ~~المثقفين أو «صالونات» فكرية أو منتديات ثقافية دون أن تكون ~~حركة جماهيرية أو ثقافية شعبية. وعلى أقصى تقدير حملتها الطبقات ~~المتوسطة كوسيلة للتحديث، ولكنها لم تنتشر خارجها. ولما كانت حركة ~~النهضة في صميمها ms149 حركة إصلاح ظلت نسبية، تراجع القديم وتؤوله، ~~ولكنها لا تأخذ موقفا نقديا منه، ولا تغير شيئا من منطلقاته ~~الأساسية حتى ولو كانت البدائل القديمة موجودة. تعني كبوة الإصلاح ~~أن هناك إجهاضا مستمرا لكل تجربة تمر بها مجتمعاتنا حتى تبدأ ~~من الصفر من جديد، تبدأ دولة محمد علي ثم تنهار، ويتحول المشروع ~~إلى مشروع مضاد؛ من النهضة والاستقلال والوحدة إلى الكبوة ~~والاحتلال والتجزئة. ثم تأتي تجربة مصر الليبرالية ثم تجهضها ~~الثورات العربية. وتأتي التجربة الناصرية ويتم القضاء عليها وتكاد ~~تنهار الدولة، وينتهي المشروع القومي الحديث من الحرية والاشتراكية ~~والوحدة إلى القهر والرأسمالية والتجزئة، وتتحول التجربة المصرية ~~من مقاومة الاستعمار إلى الوقوع في براثن الاستعمار، ومن كونها ~~مركز الدوائر الثلاث إلى كونها محيطا لمراكز أخرى. # والحقيقة أن ظاهرة الكبوة هذه لا يمكن إدراكها إلا برؤية الحاضر ~~في الماضي وبنظرة تراجعية تكشف عن بداية المسار وتطوره. بل إنها ~~لا تكشف إلا ابتداء من أزمات العصر وأزمة الجيل الخامس، جيلنا. ~~ومع ذلك فهي تخرج من نطاق التقييم الذاتي إلى الوصف الموضوعي، ومن ~~الحكم الفردي إلى الاتفاق الجماعي. # وقد لا يكون العيب في الإصلاح الذي حدد مشروعه في ظروف عصره، ~~بل فينا نحن الذين لم نطوره وظنناه باقيا عبر عدة أجيال ~~كنمط خالد لا يتغير. فانزلق الواقع من تحته في مساره الخاص، وأصبح ~~الإصلاح فارغا بلا مضمون أو كاد. وبالرغم من أن هذا البحث يتناول ~~نموذج مصر إلا أنه يمكن تعميم التجربة؛ فظاهرة الكبوة عامة، داخل ~~مصر وخارجها، سواء تحت أثر مصر أو بالاستقلال عنها. وبالرغم من ~~اعتماد البحث على التأملات والملاحظات التاريخية الحية أكثر من ~~اعتماده على إحصاءات المؤرخين وتدقيقاتهم وأسماء الملوك والبلدان، ~~إلا أنه يعتمد على منهج دقيق في العلوم الإنسانية وهو منهج تحليل ~~الخبرات الفردية والاجتماعية من أجل إعادة بناء الموقف التاريخي ~~بعد تكشف أبعاده في الموقف الحالي، ومن ثم تتم رؤية الماضي في ~~الحاضر، والحاضر من خلال الماضي، وهو المنهج الذي طالما استعملناه ~~لدراسة التجارب الحية المعاصرة لكشف دلالاتها المستقلة. # 4 ms150 # وقد جرت العادة عند الباحثين والمؤرخين على هذه القسمة ~~الثلاثية لروافد النهضة الحديثة: الإصلاح الديني، والتيار العلمي ~~العلماني، والفكر السياسي الليبرالي. وفي حقيقة الأمر إن هذه ~~الروافد الثلاثة إنما تمثل موقفا حضاريا واحدا ذا شعب ~~ثلاث: الموقف من القديم، والموقف من الغرب، والموقف من الواقع؛ ~~فالحركة الإصلاحية إحياء للقديم وتمثل للغرب وتغيير للواقع، ~~والفكر العلمي العلماني ثورة على القديم وتمثل للغرب وتغيير ~~للواقع، والفكر السياسي الليبرالي تمثل للقديم وتمثل للغرب من ~~أجل بناء الواقع. الإصلاح الديني رد فعل على القديم بالإحياء، ~~والفكر العلمي العلماني رد فعل على الغرب بالتمثل، والفكر ~~السياسي الليبرالي رد فعل على الواقع ذاته بإعادة بنائه. فكل ~~رافد يكشف عن موقف حضاري واسع، وبالتالي قد تتقارب الروافد الثلاثة ~~أكثر مما تتباعد، وتجتمع أكثر مما تفترق، وتتفق فيما بينها أكثر ~~مما تختلف. ويتناول هذا البحث الموقف الحضاري الموحد للروافد ~~الثلاثة أكثر من تناوله للروافد الثلاثة ذاتها؛ حتى يمكن وصف ~~ظاهرة الكبوة وانتقال الإصلاح من جيل إلى جيل. # 5 # | ثانيا: الموقف من القديم # أخذ الإصلاح الديني موقف الدفاع عن القديم في ظرف تاريخي كان ~~القديم فيه موضع هجوم من المستشرقين في الخارج أو من العلمانيين ~~في الداخل خاصة في تركيا. كان من الطبيعي إذن في هذا الظرف الذي ~~تقف فيه الأمة في مواجهة الاستعمار التأكيد على التمسك بالقديم ~~والدفاع عنه. ولما كان الدين جوهر القديم فقد ظهر الدفاع عنه ~~دفاعا عن الدين والعقيدة والشريعة والأخلاق والتقاليد، سواء كانت ~~من الدين أو ليست منه. وكان الدفاع عن التأويل السائد والفكر ~~الديني الشائع الممثل في الأشعرية، فكر الدولة السنية، ~~وأيديولوجية النظام السياسي القائم. ولكن بعد أن تأكدت الهوية، وتم ~~حصار العلمانية، وبانت حدودها في تركيا، ظهرت كبوة الإصلاح نظرا ~~لاستمرار موقف الدفاع عن القديم عند الجيلين الثالث والرابع حتى ~~الآن دون أن يحاول الجيل الخامس تطوير موقف الدفاع إلى موقف ~~النقد. باتت مخاطر الدفاع عن القديم في ظهور الحركات المحافظة ~~واشتداد التصلب في الجماعات الإسلامية المعاصرة ربما كرد فعل ~~على فشل ms151 التحديث العلماني القومي الاشتراكي. إن نمط الدفاع عن ~~القديم نمط مؤقت يصلح لجيل في بداية الإصلاح، ولكنه لا يصلح لكل ~~الأجيال، خاصة لجيل آخر في مرحلة النهضة؛ إذ تتطلب النهضة نقد ~~الموروث والتحول في نظرية المعرفة من المنقول إلى المعقول، من ~~الكتاب القديم إلى كتاب الطبيعة، ومن تأويل النصوص إلى تفسير ظواهر ~~الطبيعة ومعرفة قوانينها. تتطلب النهضة تغيرا في بؤرة الحضارة من ~~الله إلى الإنسان، وفي محورها الرئيسي من الأعلى والأدنى إلى ~~الأمام والخلف، ومن لغتها التشريعية الدينية العقائدية الصوفية ~~المنغلقة إلى لغة إنسانية عقلية طبيعية مفتوحة تقبل الحوار. نشأت ~~كبوة الإصلاح لاستمرار نمط الدفاع بالرغم من تغير الظروف وظهور ~~الحاجة إلى نقد الموروث، وانتهت كل الإنجازات الاجتماعية الثورية ~~الحديثة وانقلبت إلى مشاريع مضادة؛ نظرا لأن الموروث هو الرافد ~~الأساسي في ثقافة الجماهير تعتمد عليه النظم القائمة طلبا ~~للشرعية، ويغذيه الاستعمار لإجهاض التجارب الوطنية. # وأخذ الفكر العلمي العلماني موقف الهجوم المقنع من القديم ~~داعيا إلى الانقطاع عنه فليس فيه إلا دين وتشريع وأخلاق وتصوف، ~~وليس فيه من علوم الدنيا إلا تاريخ هذه العلوم. وقد سبب هذا ~~الموقف الآن في جيلنا رد فعل الحركة السلفية والقيام بالدعوة ~~المضادة من الدفاع عن القديم كله بكل ما فيه. وقد يكون الهجوم ~~على أجزاء من القديم وليس على القديم كله، فيستثنى من الهجوم ~~ابن رشد أو ابن خلدون أو المعتزلة أو الفقه الواقعي. # 1 # ولكن هذا الاستثناء لم يفلح في إبراز هذه الجوانب من ~~القديم وتحويلها إلى رافد في الثقافة القومية خاصة وأنها مرفوضة ~~من الحركة السلفية باعتبارها مواقف مقلدة للآخر (اليوناني). ~~وقد ولد التصاق هذا التيار بالنصرانية إلى طائفية ضمنية أو ~~صريحة باعتبار أن النصارى هم أصحاب هذا الموقف: القطيعة مع القديم؛ ~~إذ إنهم لا يجدون أنفسهم فيه. وقد أدى ذلك أيضا إلى كبوة الإصلاح ~~في جيلنا. فالقطيعة مع القديم لا وجود لها إلا في ذهن بعض الأفراد. ~~أما لدى جماهير الشعب وفي أجهزة الإعلام وفي خطط الغرب فله حضور ~~دائم وثقل تاريخي ms152 لا يمكن تجاهله. وقد أدى تفجره إلى اندلاع ~~الثورة الإسلامية في إيران ضد كل محاولات التحديث العلماني ~~الغربي. إنها مسئولية الجيل الخامس أنه لم يطور موقف القطيعة ~~إلى موقف المطور والمغير والمعدل من أجل تحقيق التغير من ~~خلال الاستمرار حرصا على التجانس التاريخي وحتى لا ينشأ رد فعل ~~سلفي يعصف بكل شيء أو يكاد، كما هو الحال الآن في تركيا وبولندا، ~~وفي شتى أنحاء العالم العربي. # أما الفكر السياسي الليبرالي فإنه أخذ موقف التبرير للواقع ~~باستعمال القديم أو التوفيق بين القديم ومقتضيات الحداثة؛ مما جعل ~~القديم مجرد آلة للاستخدام لصالح الدولة. استعمل لتبرير الحداثة ~~ونشرها، بل وباستعمال المنقول دون المعقول، وبالاعتماد على ~~الأشعرية السائدة. # 2 # وقد استمر هذا النمط حتى الآن ولم يغيره أحد، ~~فاستعملت الدولة القديم لتبرير وجودها وتدعيم شرعية نظامها، كما ~~استعمله الموظفون الأيديولوجيون لكل نظام لتدعيم السلطة وبيعتها ~~أمام الجماهير التي ما زال القديم يمثل بالنسبة لها قيمة مطلقة ~~وتصديقا يعادل الإيمان. لم يقم الجيل الخامس بتغيير نمط ~~التبرير إلى نمط التثوير، ومن الدفاع عن النظام إلى قيادة ~~الجماهير، فكبا الإصلاح وتعثر، وضاق بعد أن امتد الواقع وتجاوز ~~نمطه القديم. # وعلى هذا النحو تشترك الروافد الثلاثة فيما بينها في أنها ليس ~~لديها موقف بحكم علمي تاريخي من القديم، بل مواقف لا علمية ~~تمثل ردود أفعال انفعالية على بعضها البعض أو تكشف عن قصور في ~~رؤية الواقع. # | ثالثا: الموقف من الغرب # بالرغم من التمايز بين روافد النهضة الثلاثة، إلا أنها في واقع ~~الأمر أخذت موقفا متشابها بالنسبة للغرب، وهو أنها جميعا ~~اعتبرت الغرب نمطا للتحديث، والخلاف بينها مجرد اختلاف في الدرجة ~~لا خلافا في النوع. # فبالرغم من هجوم الحركة الإصلاحية على الماديين «النيتشريين» ~~سواء في الهند أو في الغرب ممثلين في الاشتراكيين (السوسياليست) ~~والشيوعيين (الكومونيست) والعدميين (النهيليست)، وبالرغم من رفضنا ~~أطر الغرب النظرية المادية ومظاهر تقليده في الفكر والثقافة كما ~~في السلوك والممارسة، إلا أن الإعجاب بالإنجازات العملية والتفرق ~~العلمي والعمراني في الغرب دفع الإصلاح الديني إلى اعتبار ms153 الغرب من ~~هذه الناحية نمطا للتحديث؛ فمواجهة الاستعمار الغربي من الناحية ~~العملية لم تمنع من تبني الوسائل التي استعملها الغرب نفسه، ~~فأدت إلى تفوقه على غيره، وفي مقدمتها العلم والصناعة، وقد أدى ~~كلاهما إلى القوة والغلبة. وقد دافع الغرب عن الحرية وما تؤدي ~~إليه من نظم برلمانية ومجالس ودساتير وملكيات مقيدة. ~~وبالتالي استطاع الغرب أن يحقق العمران، ويبني المدن، ويراعي ~~النظافة، ويتقدم، ويكتشف علوم الإنسان والتاريخ. لا يحارب العدو ~~إلا بسلاحه، ولا سبيل إلى مواجهة الغرب إلا بأساليب الغرب. واستمر ~~الحال كذلك في الجيلين الثالث والرابع على مستوى الفكر والمذاهب ~~الفلسفية، خاصة بعد أن خفت حدة مقاومة الاستعمار بعد بدايات ~~الحصول على الاستقلال الوطني. ولكن في الوقت نفسه بدأت ظاهرة ~~«التغريب» ولم يلتفت إليها أحد إلا كرد فعل مضاد في الحركة ~~السلفية المتهمة لدينا بالرجعية والتخلف والارتداد إلى الماضي. ولم ~~يحاول الجيل الخامس تغيير النمط القديم «الغرب كنمط للتحديث» إلى ~~«تحجيم الغرب » ورده إلى حدود الطبيعية لإفساح المجال للإبداع ~~الذاتي للشعوب ولتجاربها الخاصة. # 1 # بل لم يحاول أحد مراجعة «الرد على الدهريين» ~~والموقف من المادية، وأن المادية ليست مذهبا تاريخيا ظهر عند ~~اليونان في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، بل بنية فكرية ~~وموقف طبيعي للإنسان، وأنها تصور علمي للطبيعة وليس تصورا ~~أخلاقيا يدعو إلى المشاركة في الأموال والأبضاع. بل إن الطبيعة ~~ليست ضد الدين، فهناك الدين الطبيعي الذي كان عنصر تحرر في ~~القرن الثامن عشر في الغرب والذي كان عليه إبراهيم، وهو دين ~~الإسلام. وقد ظهر تحليل العلل المادية في أبحاث الأصوليين القدماء، ~~وكانت الطبيعيات باستمرار مقدمة للإلهيات عند الحكماء، وكان الخلق ~~هو الحق عند الصوفية. # أما التيار العلمي العلماني فإنه دعا صراحة إلى أخذ الغرب كنمط ~~للتحديث، دفاعا عن الحداثة والمدنية. فالغرب هو مصدر للمعرفة ~~وليس لدى غيره إلا الجهل، وبدايات الإنسانية. الغرب هو العلم ~~والاجتماع، العلوم الطبيعية والإنسانية، ولا حرج من تقليد الغرب في ~~العادات والتقاليد فالمدنية لا وطن لها. وبالرغم من مشاركة أنصار ~~هذا التيار في الحركة ms154 الوطنية باسم الليبرالية والحرية إلا أن ~~اعتبار الغرب نمطا للتحديث قد أدى عند الجيل الخامس إلى الوقوع ~~الكلي في «التغريب» حيث أصبحنا وكلاء حضاريين للغرب، نخلط بين ~~المعرفة والعلم، نجمع المعارف ونكدسها نقلا عن الغرب ولا ننشئ ~~علما أو يكون لدينا تصور علمي للعالم. وأصبح الشباب لدينا هو ~~الذي يبدأ حياته الفكرية بذكر أكبر قدر ممكن من أسماء الأعلام في ~~الغرب والمذاهب في الغرب منتسبا إلى إحداها وداخلا في معاركها ~~وهو لم ينشئها، وليس طرفا فيها ولا تعبر عن أي واقع لديه. ~~ويبدو أن توقف الإبداع الذاتي كطابع مميز لمرحلة تاريخية أفسح ~~المجال للنقل بصرف النظر عن مصدره؛ نقل من القدماء ونقل من ~~المحدثين، نقل من القديم فتنشأ الحركة السلفية أو نقل من الغرب ~~فتنشأ الحركة العلمانية. وبالرغم من محاصرة العلمانية وعزلتها ~~وظهور تراث الجماهير كعامل مكون لثقافتها لم يحاول الجيل الخامس ~~تغيير الغرب كنمط للتحديث. ولم يلتفت إلى تراث الشعب إلا كنوع من ~~الفن الشعبي «الفولكلور» مطورا إياه أيضا بأسلوب غربي. # أما الفكر السياسي الليبرالي، فإن الغرب كان لديه أيضا في إحدى ~~لحظاته التاريخية وهي الثورة الفرنسية، نمطا للتحديث، وبدأت حركة ~~الترجمة والنقل عنه، وتأسس ديوان الحكمة الثاني «مدرسة الألسن» ~~لأجله. وبدأ نقل العلوم الطبيعية والإنسانية. وكانت «الشرطة» ~~نموذجا للدستور، وباريس مثالا للعمران عند الطهطاوي. وعاد لطفي ~~السيد لترجمات اليونان، وطه حسين لوضع مصر في ثقافة البحر الأبيض ~~المتوسط. ولم يحاول أحد منا أبناء الجيل الرابع أو الخامس مراجعة ~~الغرب كنمط للتحديث في التيار الليبرالي بعد أن بانت حدوده ~~وتكشفت سلبياته. فبالرغم من عظمة الثورة الفرنسية إلا أنها أدت ~~إلى غزو نابليون لأوروبا، وانتهت إلى عودة الملكية. وبالرغم من ~~أهمية الفكر الحر الثاني الذي حمله الهيجليون الشبان إلا أنه أدى ~~إلى فشل ثورة 1848م. وبالرغم من أهمية باريس كنموذج للعمران الحديث ~~إلا أن ذلك قد أدى إلى اعوجاج في وعينا القومي مما أدى إلى ~~الهجرة. فقد أصبح المواطن يعيش في قلبه الغرب، ليس باريس، بل ~~أمريكا وأستراليا وكندا، واجدا ms155 في الغرب أمله وحياته، حاضره ~~ومستقبله، كسبه ومعاشه، حتى حدثت أكبر عملية لاستنزاف العقول، ~~وأصبحنا نبني ونعمر في الغرب وبيتنا خراب. واستمرت الترجمة حتى ~~الآن، مما جعل أقصى مشروع لدينا هو ترجمة الألف كتاب، وأن الكتاب ~~يترجم لدينا أو يقرأ قبل صدوره في بلده الأصلي. فطالت فترة ~~الترجمة إلى قرنين من الزمان ولم يحدث إبداع بعد. في حين أن ~~الترجمة الأولى لم يمر عليها قرن واحد حتى بدأ الإبداع بعدها في ~~القرن الثاني. وقد تم الترويج بيننا لنظرية الصدمة الحضارية، ~~ومؤداها أن معدل إنتاج الغرب أسرع بكثير من معدل ترجمتنا له، ~~وبالتالي فإن الهوة بيننا تزداد اتساعا على مر الأيام. فمهما ~~ترجمنا فإننا لن نلحق به حتى نظل نجري وراء الغرب لاهثين ثم نصاب ~~بالصدمة الحضارية، أي باليأس من التقدم والتمدن حتى على مستوى ~~الترجمة والنقل، فما بالنا على مستوى الخلق والإبداع؟ وبالرغم من ~~جهاد أنصار هذا التيار في الحركة الوطنية إلا أن الليبرالية قد أدت ~~في النهاية إلى الإقطاع، وأدى الإقطاع إلى ثورات عسكرية انتهت ~~بالقمع، أي إلى القضاء على الليبرالية كمنطلق أول. ولم يمنع ذلك ~~أيضا بفعل الغرب كنمط للتحديث في بعض البلدان إلى الانتقال منه ~~إلى موالاة الغرب ومحالفة الغرب على المستوى السياسي والعسكري ~~والوقوع في مناطق النفوذ وسياسة الأحلاف. لم يحاول أحد منا ~~أبناء الجيل الخامس مراجعة هذا النمط للتحديث الذي كان متفقا مع ~~ظروف عصره داعيا إلى تحجيم الغرب، ورده إلى حدوده الطبيعية؛ ~~لإفساح المجال للإبداع الذاتي للشعوب، وتعدد أنماط التحديث طبقا ~~لخصوصياتها، والاستفادة من عمقها التاريخي وتجاربها الوطنية ~~وإمكانيات شعوبها. # فبالرغم من تمايز هذه التيارات الثلاثة إلا أنها تبنت موقفا ~~واحدا من الغرب وهو الغرب كنمط للتحديث. وكبا الإصلاح لاستمرار ~~هذا النمط عبر أربعة أجيال دون أن يتغير على يد الجيل الخامس، ~~فنشأت ظاهرة التغريب، وظهر رد الحركة السلفية بمعاداة الغرب ~~المبدئية دون وضع الغرب في حدوده الطبيعية، وجعله موضوع دراسة في ~~علم الاستغراب. # | رابعا: الموقف من الواقع # بالرغم من تمايز الروافد الثلاثة في ms156 نهضتنا الحديثة إلا أنها قد ~~يكون لها موقف واحد بالنسبة للواقع، وهو البعد الثالث من الموقف ~~الحضاري؛ فالحركة الإصلاحية بالرغم من بدايتها بالواقع وحماسها ~~للناس وحرصها على الصالح العام وإدراكها لمآسي الاستعمار الخارجي ~~والقهر الداخلي، ومواجهتها لقضايا الفقر والبطالة والجهل، إلا أنها ~~أخذت موقفا خطابيا حماسيا، ولم تستطع تجنيد الجماهير في حزب ~~إصلاحي أو ثوري يحقق المشروع الإصلاحي. وكان ذلك أحد أسباب فشل ~~الثورة العرابية. وفي الوقت الذي تكون فيه الحزب «الإخوان ~~المسلمون» اصطدم بالسلطة مبكرا صراعا على السلطة؛ لأن الله يزع ~~بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. # 1 # وما أسهل الانقلاب على السلطة! وما أصعب إدراك! ~~المراحل! وطالما حصلت أحزاب على السلطة ولم تغير شيئا، وطالما ~~غيرت تيارات مجتمعاتها دون الحصول على السلطة. كما كانت الحركة ~~الإصلاحية ثورة على الواقع وليس إحصاء كميا له، كانت خطابا عن ~~الفقر والقهر، وليس تحليلا لظواهر الفقر والجهل لمعرفة العلل ~~المادية المباشرة كما يفعل الأصوليون. ولا فرق في ذلك بين الخطاب ~~العلماني الثوري والخطاب الإصلاحي الثوري بالنسبة للتحليل الكمي ~~للواقع، كلاهما إنشاء وليس علما. فلو حدثت الثورة بالفعل لما ~~استطاعت أن تغير من الواقع شيئا لغياب هذا التحليل الكمي ~~الإحصائي له. والغضب والتمرد ليس تحليل العقل ولا بصيرة الثورة، ~~انفعال وقتي يحرك الجماهير في فورة الغضب ثم يعود السكون، وما زال ~~الأمر كذلك حتى الآن وكما يبدو في الجماعات الإسلامية المعاصرة ~~بتمسكها بشعار «الحاكمية» دون ترجمته إلى واقع معين بلغة الفقر ~~وتوزيع الثروة أو سياسة الأجور أو ملكية الأرض والمصنع أو برامج ~~الدراسة أو نوع التمثيل الشعبي ودرجته وكيفيته أو تحديد لأهل الحل ~~والعقد على مستوى العصر. # أما التيار العلماني فإنه منعزل عن الجماهير ولم يتجاوز مناقشات ~~الصالونات الفكرية. لا تموت الجماهير في سبيله كما تستشهد في سبيل ~~الله. وقد تتحرك الجماهير بشعاراته التي تعبر عن مطالبها الوطنية ~~(الوفد) والاجتماعية (الناصرية) ولكنها لا تنزل إلى الشوارع أمام ~~الدبابات لتحصد بنيران الرشاشات (الثورة الإسلامية في إيران). ~~كما أنه منعزل عن ثقافة الجماهير التي لا تعي ms157 قوانين الكم والكيف ~~ولا تفهم النفي ولا نفي النفي. إنما تتحرك الجماهير بالشواهد ~~النقلية، سواء من النصوص الدينية أو الأمثال العامية والسير ~~الشعبية أو الشعارات القومية. ثقافة الجماهير مستمدة أساسا من ~~تراثها القديم الحي فيها وليس من الغرب المنقول إليها. وبالتالي ~~انعزل التيار أيضا عن تاريخ الأمة وتراثها وثقافتها وماضيها، ~~وأصبح مجرد طلاء خارجي باهت، أو زرع بلا جذور لا ينتظر وقت ~~الحصاد، تذروه الرياح وتعصف به الأعاصير. لم يحاول أحد حتى الآن ~~العودة إلى الواقع وهو أبلغ من كل نظرية ثورية محكمة أو إلى الحس ~~الشعبي التلقائي الذي هو أقوى من أي تصور علمي تاريخي. إن حكمة ~~الشعوب التاريخية هي رصيدها الثوري وليست نظريات الثورة العلمية ~~التي هي في حقيقة الأمر مضادة للعلم؛ لأنها بلا واقع حاضر وبلا ~~رصيد تاريخي وبلا رؤية علمية لمكونات الواقع. # أما التيار الليبرالي فإنه بالرغم من شعبيته وإنجازاته العملية ~~من أجل بناء الدولة الحديثة وتخطيطه للزراعة والصناعة والتجارة ~~والتعليم وإنشاء عديد من مراكز البحث العلمي وتأسيس الجامعات، إلا ~~أن البداية لديه كانت الدولة، وكانت الإنجازات تتم باسم السلطة، ~~وكانت الأولوية للرئاسة. فأصبح المثقفون كلهم موظفين في الدولة ~~لا يستطيعون الخروج عليها. وانتهى الأمر في الثورات العسكرية ~~الأخيرة وحتى قبلها إلى أن أصبحت الدولة أداة قمع للمعارضة أولا، ~~ثم لباقي الشعب ثانيا. واستمدت سلطتها من العسكر دون ما حاجة إلى ~~جهاز دولة، فالعسكر قادرون على كل شيء. ومن ثم انتهت الليبرالية ~~إلى عكس ما بدأت منه، وبدل أن كانت الدولة تعبيرا عن العقد ~~الاجتماعي أصبحت مهيمنة ومسيطرة على كل شيء. لم يحاول أحد من ~~جيلنا تغيير هذا الموقف من الواقع والبداية منه دفاعا عن حقوق ~~المواطن وعن حرية القول والاعتقاد، والإصرار على استقلال الفكر ~~وممارسة حق المعارضة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة ~~في الدين، وإعلان كلمة الحق في وجه السلطان الجائر. # ما زال الواقع كبعد ثالث في موقفنا الحضاري غير محكم ~~الرؤية، وما زالت التيارات الثلاثة الرئيسية في نهضتنا الحديثة ~~مداخل حضارية للواقع ms158 وليست تنظيرا مباشرا له. لذلك كبا الإصلاح ~~الذي يعني أساسا الإصلاح في الأرض ومقاومة الفساد فيها. إن ~~التحدي الأساسي لجيلنا هو مواجهة قضايا العصر الرئيسية، تحرير ~~الأرض من الغزو الاستعماري والاستيطان الصهيوني، إعادة توزيع ~~الثروة ضد التفاوت الهائل في الدخول بين الأغنياء والفقراء، الدفاع ~~عن الحريات ضد كل قوانين القهر وأساليب القمع، تحقيق الوحدة ضد شتى ~~صنوف التجزئة، تحقيق التنمية الشاملة في مواجهة ظواهر التخلف، ~~التأكيد على الهوية الذاتية ضد صنوف التغريب، وأخيرا تجنيد ~~الجماهير وتحزيبها في مواجهة سلبيتها ولامبالاتها وسكونها. # 2 # | خامسا: خاتمة: الوعي التاريخي # إن الموقف الحضاري هو الأشمل والأعم على التيارات الرئيسية ~~الثلاثة المتمايزة في نهضتنا الحديثة منذ القرن الماضي. وعدم الوعي ~~التاريخي به هو السبب في كبوة الإصلاح. وما زال الموقف الحضاري لم ~~يتغير ذا أبعاد ثلاثة؛ الموقف من القديم، والموقف من الغرب، ~~والموقف من الواقع. إن الموقف الحضاري الآن بناء على الوعي ~~التاريخي يقتضي أخذ موقف نقدي من القديم وليس الدفاع عنه. كما ~~يقتضي ثانيا، أخذ موقف نقدي من الغرب وليس الدفاع عن الغرب. ~~ويقتضي ثالثا، أخذ موقف نقدي من الواقع وليس دفاعا عن الواقع. ~~كبا الإصلاح لأن الموقف الحضاري فيه كان الدفاع. ويمكن أن ينهض ~~الإصلاح من جديد ويتحول إلى نهضة شاملة إذا ما تغير الموقف الحضاري ~~من الدفاع إلى النقد، ومن الحماس إلى العلم، ومن الخطابة إلى ~~التحليل، ومن الإنشاء إلى الخبر. ليست كبوة الإصلاح عيبا في ~~الإصلاح، بل عيب في عدم تطوير الجيل الخامس له وإعادة صياغة مشروع ~~الإصلاح طبقا لظروف كل جيل. # | الفكر الإسلامي والتخطيط لدوره الثقافي المستقبلي1 # | أولا: مقدمة: تحديد المصطلحات # نظرا لاتساع مفاهيم الألفاظ وشمول الموضوع في مثل هذا العنوان ~~«الفكر الإسلامي والتخطيط لدوره الثقافي المستقبلي»، فإنه يجب ~~أولا تحديدها حتى يسهل استعمالها على نحو أدق، وكذلك تحديد ~~الموضوع حتى يمكن فهمه والوصول فيه إلى نتائج محددة ويقينية قدر ~~الإمكان. فتحديد الألفاظ شرط لتحديد الموضوع. # ويشمل العنوان ستة ألفاظ يمكن تحديدها على النحو الآتي: ~~(1) ~~«الفكر»: هو كل ما أبدعه ms159 الذهن في حضارتنا التي ~~ورثناها منذ أربعة عشر قرنا. وهو لفظ لم يستعمله ~~القدماء بل استعملوا بدلا منه لفظ «علم» وكأن الفكر ~~لا يكون إلا علما، أي فكر له موضوع ومنهج، غاية ~~ومقصد؛ لذلك قامت الحضارة الإسلامية من خلال تأسيس ~~العلوم، العلوم النقلية والعلوم العقلية والعلوم ~~النقلية العقلية. # 1 # بل إن لفظ «الفكر» لم يستعمل للدلالة ~~على الفلسفة بل استعمل لفظ الحكمة بأنواعها الثلاثة، ~~المنطقية والطبيعية والإلهية. فلفظة «الفكر» مستحدثة ~~واردة من الغرب وشاعت في العصور الحديثة كبديل عن ~~الإيمان أو كغطاء نظري للعالم وكإثبات لوجود الذات ~~ثم انتقلت إلى ~~فلسفات الحضارات، فأصبح لدينا الفكر اليوناني والفكر ~~المسيحي والفكر اليهودي، ومنها خرج المستشرقون بمفهوم ~~الفكر الإسلامي. ثم نقلناه نحن إبان نهضتنا الحديثة ~~من الغرب، وأسقطناه على تراث القدماء. # ومع ذلك فلا مشاحة من استعمال اللفظ كما جرى عليه ~~العرف، فالمعنى العرفي أحد معاني الألفاظ طبقا ~~للأصوليين. الفكر في هذه الحالة يشير إلى كل ما أنتجه ~~الذهن في حضارتنا سواء كان ذلك في العلوم النقلية أو ~~العقلية أو النقلية العقلية. وهو ليس فكرا مجردا ~~علميا رياضيا خالصا، بل هو فكر إنساني مرتبط ~~بحياة الإنسان في كل أبعادها، حامل لعقائد وقيم ~~ونظم وتشريعات، يعطي تصورات للعالم وموجهات للسلوك. ~~هو فكر حي في نفوس الناس، وحاضر في شعور الأمة، قريب ~~إلى وجدانها وحياتها وتاريخها، تعتمد عليه كحجة في ~~الإقناع، وتستخدمه كسلطة في البرهان. يحتوي على دوافع ~~التقدم كما يضم معوقاته. فالفكر بهذا المعنى يعبر ~~عن مجموعة من المصالح المتباينة والأهواء المتعارضة، ~~نصفه يؤيد النظم القائمة ضد المعارضة وهو «فكر ~~السلطة»، والنصف الآخر يعبر عن موقف المعارضة ويشحذها ~~ضد النظم القائمة وهو «فكر المعارضة»، فالفكر ينتج في ~~أتون المعارك السياسية كسلاح عقائدي في دولة عقائدية ~~ولجماهير مؤمنة. لذلك عبر فكرنا القديم في نصفه ~~الأول عن سلطة الحاكم والطبقات الحاكمة، وفي نصفه ~~الثاني عن ثورة المحكومين والأغلبية الصامتة. الفكر ~~بهذا المعنى هو الموروث القديم عندما يتحول في وجدان ~~الناس وفي شعور الأمة إلى تراكم تاريخي ms160 يحدد بناء ~~الذهن ويوجه سلوك الناس وليس فقط عقلها، وجودها وليس ~~فقط نظرها. ~~(2) # أما صفة «الإسلامي»: فإنها تعني الفكر الذي نشأ من ~~ثنايا الإسلام وبفضله وبعد نشأته؛ فقد عرف العرب ~~الشعر والتجارة والديانات السابقة، وكانت لديهم مجموعة ~~الأعراف والتقاليد والقيم العربية الموروثة، ولكن لم ~~يكن لهم فكر بمعنى علم أو حضارة، نشأ الفكر الإسلامي ~~إذن بنشأة الإسلام وهو السبب التاريخي في تسميته ~~«الفكر الإسلامي». ومع ذلك هناك سبب آخر لا تاريخي؛ ~~فالفكر إسلامي، يعني أنه ذو نمط محدد ويقوم على خصائص ~~معينة سواء من حيث صفات الفكر العامة أو العقائد ~~النابعة منه أو القيم التي يقوم عليها أو النظم ~~والتشريعات التي يسنها، «الفكر الإسلامي» بهذا ~~المعنى يختلف عن الفكر المسيحي أو اليوناني أو الغربي ~~أو الهندي أو الصيني، كل فكر له طابع أو نمط أو ~~«خصوصية»، ولا يوجد فكر عام شامل لا طابع له يمثل ~~الإنسانية جمعاء، ~~ويكون فكرا إنسانيا لا وطن له ولا حضارة ولا تاريخ ~~ولا محل، حتى ولو كان الفكر في أعلى درجات التجريد ~~والشمول. لا يوجد فكر إلا إذا كان تفكيرا على نحو ~~معين، وبمنهج مميز حتى الفكر الرياضي أو العلمي. الفكر ~~هنا بالضرورة حضاري تاريخي؛ لأن الإنسان الذي يفكر هو ~~موجود حضاري تاريخي. # أما صفة «العربي» فهي تشير إلى لغة التدوين لأن ~~معظم نتاج الفكر دون بالعربية. العربية هي اللسان ~~وليس الفكر أو الطابع أو الشخصية أو القومية. وقد ~~التبس علينا الأمر في فكرنا الحديث عندما انتشر الفكر ~~القومي الغربي فيه، وعرفنا الفكر الفرنسي والألماني ~~والإنكليزي والأمريكي فقلنا «الفكر العربي» إثر نشأة ~~القومية العربية كرد فعل على القومية الطورانية ~~ونهاية لحكم الخلافة وبعد أن انزوى الفكر الإسلامي ~~الذي تنصهر فيه القوميات في وحدة متعددة أو في تعدد موحد. # 2 # لقد استطاع الفكر الإسلامي القديم تمثيل ~~غيره من الحضارات السابقة عليه، اليهودية والمسيحية ~~والفارسية والهندية واليونانية. كما دخلت فيه كثير من ~~العقائد الشعبية والعادات والتقاليد والأعراف والأمثال ~~العامية والحكم وسير الأبطال، وكل أنواع التراث ~~الشعبي الشفاهي ms161 أو المكتوب. الفكر بهذا المعنى «تاريخ ~~الروح» أو «روح التاريخ». أما صفة «العربي» التي ~~تستعملها أجيالنا الحديثة فإنها لا تشير إلى أكثر من ~~«المجتمعات العربية» أو «الأمة العربية» التي تتحدث ~~العربية والتي تعيش في «الوطن العربي» من الخليج إلى ~~المحيط، والتي تتحدث العربية والتي ارتبطت فيما بينها ~~تاريخا وتراثا وثقافة وعادات وتقاليد في الماضي ~~وهموما ومصالح ومآسي في الحاضر، وتطلعات وآمالا ~~في المستقبل. لا تشير صفة «العربي» إلى قومية أو فكر ~~أو تمايز خاص في مقابل صفة «الإسلامي»، بل تشير إلى ~~«المجتمع العربي» الذي هو جزء من الأمة الإسلامية. ~~فالفكر الإسلامي يضم المجتمع العربي والفارسي والهندي ~~والتركي وكل الشعوب الإسلامية الناطقة بغير العربية ~~والتي لم يحدث فيها توحيد بين الإسلام والعروبة؛ ~~نظرا لوقوف حركة التعريب أو الوقوع أحيانا في الشعوبية. # 3 ~~(3) # ويعني «التخطيط»: أن الفكر الإسلامي مسئولية ~~المفكرين الإسلاميين، وأنه ليس مجرد نقل لفكر القدماء ~~والتعريف به وعرضه وشرحه دون ما مراعاة لظروف العصر ~~واحتياجاته؛ وبالتالي يهدف التخطيط لتجاوز خطأين ~~شائعين: ~~(أ) # التعامل مع الفكر كخليط غير متجانس، ~~كمذاهب وعقائد ونظريات ونظم متضاربة ~~عشوائية لا رابط بينها، ليس لها ظروف ~~تاريخية معينة ساعدت على إفرازها. فتعرض ~~نظريات التشبيه والتنزيه، النقل والعقل، ~~الجبر والاختيار، الطاعة والخروج، الإيمان ~~والعمل، الفيض والقدم، الأثر والرأي، ~~النص والمصلحة، الفناء والبقاء ... إلخ، ~~وكأنها نظريات متعارضة، متساوية في ~~القيمة، فيحدث التشتت، وتكافؤ ~~الأدلة. ~~(ب) # نقل ذلك كله وعرضه للمحدثين دون ما ~~مراعاة لظروف العصر التي تحتم اختيار ~~نظرية دون أخرى، أي إسقاط الظروف ~~التاريخية الحالية من الحساب وكأننا ~~نعيش خارج التاريخ مع أنها كانت حاضرة في ~~الفكر القديم. فإذا تم الاختيار فإنه يحدث ~~طبقا للاختيار الأول، التشبيه دون ~~التنزيه، والنقل دون العقل، والجبر لا ~~الاختيار، والطاعة لا الخروج، والإيمان ~~دون العمل، والفيض دون القدم، والأثر ~~وليس الرأي، والنص وليس المصلحة، والفناء ~~وليس البقاء ... إلخ، ودون ما عرض للظروف ~~التاريخية القديمة والصراعات الاجتماعية ~~والسياسية التي كانت وراء هذا الاختيار ~~الأول، مع أن ظروف العصر الحالية قد ~~تحتم الاختيار ms162 الثاني، التنزيه دون ~~التشبيه، والعقل دون النقل، والاختيار لا ~~الجبر، والخروج لا الطاعة، والعمل دون ~~الإيمان، والقدم دون الفيض، والرأي لا ~~الأثر، والمصلحة لا النص، والبقاء وليس ~~الفناء ... إلخ. # يعني التخطيط إذن شيئين: ~~(أ) # معرفة الظروف التاريخية القديمة التي ~~كانت وراء نشأة الأفكار والتي كانت وراء ~~الاختيارات القديمة. ~~(ب) # معرفة الظروف الحالية التي تعيش فيها ~~الأمة التي تحتم إفراز فكر جديد أو ~~اختيار بديل قد يتفق أو يختلف مع الفكر ~~والاختيارات السابقة، خاصة وأن الأمة ~~قديما كانت منتصرة متقدمة موحدة، ~~والأمة الآن مهزومة متخلفة متجزئة. # 4 # ولا يعني «التخطيط» مجرد وضع برامج عملية كما يحدث ~~في تخطيط التنمية، بل يعني التخطيط الشامل ابتداء من ~~التصورات والرؤى والمقولات والمفاهيم والألفاظ ~~المستعملة، أي إنه تخطيط فكري وذهني أكثر منه تخطيطا ~~عمليا إجرائيا. ~~(4) # أما «الدور»: فإنه يعني أن الفكر الإسلامي وتخطيطه ~~لا يعني مجرد عرض نظري لأفكار القدماء أو حتى ~~لاجتهادات المحدثين اختيارا أو إبداعا، بل يعني أن ~~للفكر دورا يؤديه، ومهمة يقوم بها ، وفاعلية ~~يحققها، وهدفا يسعى إليه. فنحن أمة بدأت بالفكر، ~~وقامت على أساس الفكر ممثلا في التوحيد. وقد كان ~~للتوحيد دور في التاريخ في خلق وحدة فكر الأمة، ووحدة ~~حضارتها، ووحدة شعوبها. وليس دور المفكر الإسلامي إذن ~~التفرج على الفكر القديم أو عرضه أو اختيار حلوله ~~اختيارا عشوائيا طبقا للاختصاص أو للمزاج أو ~~للاهتمام أو للتكسب والتجارة أو بدافع التدرج الوظيفي ~~ارتزاقا بالمهنة وكسبا للجوائز والمنح، بل يعني أن ~~الفكر الإسلامي له دور كما كان للوحي دور، وهو ارتقاء ~~الجنس البشري وتربية الإنسانية حتى ينتهي هذا الدور ~~باكتمال الوعي الإنساني واستقلاله عقلا وإرادة؛ ومن ~~ثم يقوم على خطة مقصودة يهدف إلى تحقيق غاية قصوى في ~~النهاية. وقد ظهرت الغائية في عقيدة الصلاح والأصلح، ~~وفي الشريعة في تعليل الأحكام بغاياتها، وفي التصوف في ~~اعتبار الإنسان قصدا نحو هدف، وفي الفلسفة في إعطاء ~~الأولوية للعلة الغائية باعتبارها علة فاعلة. # 5 ~~(5) # والدور هو بالضرورة دور «ثقافي» وليس دورا ~~سياسيا، أو اجتماعيا أو اقتصاديا ms163 مباشرا. ~~فالدور يتحدد في الفكر، ويقوم به الذهن، يتعامل مع ~~التصورات العقلية والقوالب الذهنية، فنحن مجتمع يعيش ~~على الفكر، ويتوجه بالتراث. وذلك ليس مثالية وإعطاء ~~الأولوية للفكر على الواقع، بل هو عين الواقعية ووصف ~~الحقائق كما هي عليه. إن التعارض بين الفكر والواقع ~~وأولوية كل منهما على الآخر بالتبادل طبقا للمذاهب ~~الفلسفية إنما أتانا من الفكر الغربي؛ فقد نشأ هذا ~~التعارض في أول العصور الحديثة بعد تعرية الوعي ~~الأوروبي من غطائه النظري الديني القديم، وحين بدأ ~~الفكر يضع ذاته ويستنبط الواقع منه (ديكارت)، أو يكون ~~مجرد رصد للواقع ثم يتم تجريده بالفكر (بيكون)، ~~واشتداد الصراع بين المثالية والواقعية. وهذا كله لا ~~شأن لنا به؛ إذ إن الواقع لدينا ما زال يقبع تحت غطائه ~~النظري القديم لا يحتاج إلى تفسير جديد. كما أن الفكر ~~لدينا، وهو الوحي، قائم على الواقع منذ البداية في ~~«أسباب النزول» وفي «الناسخ والمنسوخ» وفي الاعتراف ~~بالقدرة والأهلية، وعدم تكليف ما لا يطاق، إلى آخر ما ~~هو معروف من مبادئ الشريعة. # وربما كان أحد أسباب الردة في الثورات العربية ~~المعاصرة هي أنها حاولت تخطيط دور في المجتمع بتغيير ~~الأبنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دون تغيير ~~مماثل على مستوى الأبنية الثقافية والقوالب الذهنية، ~~فانقلبت إلى ثورة مضادة، سواء على مستوى الأبنية ~~التحتية (العودة إلى الرأسمالية) أو على مستوى الأبنية ~~الفوقية (الحركة السلفية). وأصبحت الثورة المضادة على ~~المستويين معا تقدم نفسها كبديل حتمي للثورة ~~العربية كلها، وظهرت الحركة السلفية كبديل حتمي مطروح ~~للحركة العلمانية كلها. وضعت الثورة العربية المعاصرة ~~العربة أمام الحصان لدى شعوب تتحكم أبنيتها الثقافية ~~وقوالبها الذهنية في نظمها الاجتماعية وأوضاعها ~~السياسية. فما كان أسهل من تغيير الأوضاع والنظم ~~بقرارات من السلطة، مرة شرقا ومرة غربا، مرة ~~اشتراكية ومرة رأسمالية، والأبنية الذهنية لم تتغير، ~~بل ازدادت رسوخا كرد فعل على تهرؤ المذاهب ~~العلمانية وهزائمها. # الدور الثقافي إذن هو الأبقى، وهو الأقدر على الحفاظ ~~على كل مكتسبات الثورة العربية المعاصرة، بل وعلى ~~مكتسبات النهضة التي بدأناها في القرن الماضي ms164 إن كانت ~~ما زالت باقية. الثورة الثقافية هي الثورة الدائمة، ~~الثورة التي تغير مجرى التاريخ، الثورة التي تنبع ~~من «روح التاريخ» أو تنبثق من «تاريخ الروح»، والتي لا ~~تنشب فقط من مجرد انقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة، ~~يقوم بها الضباط الأحرار أو التنظيمات السرية سواء ~~كانت إسلامية أو ماركسية. # 6 # وبطبيعة الحال، يكون ذلك دور المثقفين، ~~فليس المثقف هو المتعلم أو العالم، بل الذي تحولت ~~الثقافة لديه إلى وعي بالذات وبالتاريخ. وليس مصدر ~~الثقافة وحده هو المكتوب بل قد يكون الشفاهي، وبالتالي ~~يكون أيضا للمثقفين العاميين دور من خلال التراث ~~الشفاهي. وقد كان الوحي تراثا شفاهيا قبل أن يصبح ~~مدونا. ~~(6) # والتخطيط لهذا الدور هو الذي سيكشف البعد المستقبلي ~~في وجداننا المعاصر وجذوره في الفكر الإسلامي؛ ~~فالمستقبل هو هم الجميع لا هروبا من الماضي وكرد فعل ~~على الحركة السلفية وعلى نقيض منها، أو هربا من ~~الحاضر وكرد فعل على هزائمه وكأن المستقبل سيأتي معه ~~بحلول للحاضر رجوعا إلى الوراء، بل يعني المستقبل ~~رؤية شاملة تضع الفكر الإسلامي في منظور تاريخي، ~~وكحلقة متصلة من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى ~~المستقبل، دون إخراجه من الزمان أو ابتساره في إحدى ~~لحظاته. ويقوم بهذا الدور عدة أجيال وليس جيلا واحدا ~~لأنه «مشروع رؤية» تتحقق على فترات؛ فالتاريخ مراحل، ~~والأجيال متعاقبة، والأدوار متصلة. # والتعرض للمستقبل ليس تبعية للدراسات المستقبلية أو ~~علوم المستقبل المعروفة في الغرب والتي أصبحت بريقا ~~عند المعاصرين منا، ومفتاحا سحريا لمشاكل الجيل، بل ~~ضرورة داخلية للفكر الإسلامي؛ نظرا لامتداد جذوره في ~~الماضي، وتراكمه في الحاضر وترسبه فيه. وبالتالي يكون ~~بعده المستقبلي ضرورة تاريخية نظرا لامتداده في ~~الزمان واتصال أبعاد الزمان الثلاثة. كما أنه لم يغب ~~في تراثنا القديم في أمور المعاد في علم أصول الدين، ~~وفي الاتصال بالعقل الفعال وخلود النفس في علوم ~~الحكمة، وفي تطور النبوة ومستقبلها ودور الولاية ~~والإلهام والغاية في علوم التصوف، وكما ظهر في مقاصد ~~الشريعة في علم أصول الفقه. وبالتالي فإن هم المستقبل ~~موجود في الفكر الإسلامي ms165 إلا أنه كان هما بما سيحدث ~~بعد الموت؛ فقد كانت الدنيا عند القدماء تحت سيطرتهم، ~~وكانوا سادتها في حين أن المهم لدينا هو هم الدنيا بعد ~~أن فقدنا سيادتنا عليها، وأصبح غيرنا هم سادتها ~~وسادتنا. # وفي النهاية، يصعب على المفكر في أمثال هذه ~~الموضوعات أن يجد وسطا متناسبا، وميزانا متعادلا ~~بين العلم والحماس، بين العقل والانفعال، بين ~~الموضوعية والغضب، بين التحليل والصرخة، بين الفكر ~~والألم؛ فالمفكر هنا يحلل ذاته، ويصف واقعه، ويعبر ~~عن همه بلغة العقل وبرود المنهج وهدوء الموضوعية. كما ~~أنه يصعب عليه إيجاد لغة متسقة بين التعبير عن الأشياء ~~ذاتها أو عن تجارب الأنا والنحن التي من خلالها تظهر ~~الأشياء، وبالتالي يتردد المفكر بين ضمير الغائب ~~للإشارة إلى الأشياء وبين ضمير المتكلم للإشارة إلى ~~التجارب الذاتية. ومع ذلك فإن تحليل التجارب ~~المعاصرة التي يعيشها الجميع تكشف عن المادة العلمية ~~أكثر مما تكشف عنها المواد المكتوبة في المراجع ~~العلمية القديمة والحديثة. فهذه أيضا كانت تجارب ~~عند أصحابها ثم تحولت إلى تاريخ. # | ثانيا : مدى ما يمكن أن يستلهمه المجتمع العربي في قيمه ~~المستقبلية ونظمه وتشريعاته من مبادئ الإسلام وروحه # في حقيقة الأمر، يصعب التمييز بين الأمثلة الثلاثة المطروحة؛ إذ ~~إنها متداخلة فيما بينها؛ فمبادئ الإسلام وروحه التي يمكن للمجتمع ~~العربي استلهامها، لا تعرض إلا في إطار التحديات المعاصرة ولا ~~تنفصل عن قضايا العصر ومشكلاته وتحدياته (السؤال الثاني). وكلاهما ~~لا ينفصلان عن قدرة الفكر الإسلامي على استشراف المستقبل (السؤال ~~الثالث)، فالمستقبل هو مصير مشكلات الأمة وطرق حلها. ومع ذلك فإن ~~السؤال الأول يغلب عليه التساؤل عن القيم النظرية التي يمكن أخذها ~~كأساس للمجتمع العربي في لحظته التاريخية الراهنة، في حين أن ~~السؤال الثاني يعطي الإجابات العملية على قدرة هذه القيم على ~~قبول الدخول في تحديات العصر. أما السؤال الثالث فإنه يتوجه نحو ~~المنجزات العملية لتحقيق رؤية مستقبلية لتاريخ الأمة طالما أن هذه ~~التحديات ما زالت قائمة منذ فجر النهضة العربية الحديثة حتى ~~الآن. # ويمكن تحديد هذه المبادئ والروح العامة التي يمكن ms166 أن يستلهمها ~~المجتمع العربي في قيمه المستقبلية ونظمه وتشريعاته على النحو ~~الآتي: ~~(1) # العقل: الإسلام دين العقل، وذلك بنص القرآن الكريم ~~والحديث وبإجماع الأمة ورأي العقلاء. # 1 # وقد قامت الحضارة الإسلامية كلها على ~~العقل. وظهر كأساس في العلوم العقلية وفي العلوم ~~النقلية العقلية؛ فالعقل أساس النقل عند المعتزلة. وإن ~~كل الحجج النقلية حتى لو تضافرت لإثبات شيء على أنه ~~يقيني لما أصبح كذلك وظل ظنيا لا يتحول إلى يقين إلا ~~بحجة عقلية ولو واحدة بإجماع الأشاعرة. والعقل الصريح ~~موافق للنقل الصحيح عند جمهور الفقهاء، والقياس أصل من ~~أصول الشريعة عند الأصوليين، وإن إيمان المقلد لا ~~يجوز. والحكمة والشريعة أو الفلسفة والدين متحدتان ~~بالطبع، متحابتان بالغريزة عند الحكماء، والعقل هو ~~الله عند الفلاسفة، والعقل الفعال موطن العلوم ~~والمعارف، وغاية الإنسان الاتصال به والاتحاد معه. بل ~~إن العقل لا يعارض الذوق بل يفهمه ويعقله كما هو ~~الحال في حكمة الإشراق. وعندما ترجمت الحضارة ~~الإسلامية في العصر الوسيط المسيحي ساعدت على إنماء ~~التيار العقلاني في الفكر المسيحي وفي بدايات العصور ~~الحديثة حتى أصبح الفيلسوف مرادفا للمسلم، والإسلام ~~مرادفا للفلسفة. وقد ظهر ذلك أيضا في معظم كتاباتنا ~~الإصلاحية وأدبياتنا الحديثة التي بها ندافع عن ~~الإسلام ونميزه بها عن غيره من الديانات. # والغريب أن مجتمعاتنا الحالية تشكو من ~~اللاعقلانية، وتئن تحت وطأة الأسطورة، وتجعل الحركة ~~الإسلامية النقل أساس العقل، وتحول علم أصول الدين ~~إلى علم نقلي خالص «على المؤمن أن يؤمن بخمسين عقيدة!» ~~كما يدرس حاليا في معاهدنا وجامعاتنا الدينية، ~~كما تحول علم أصول الفقه إلى علم نصي خالص. ولم يعد ~~الاجتهاد ممكنا إلا في حدود إجماع القدماء واتفاق ~~المذاهب الأربعة. وتحولت الحكمة إلى إشراق، وضاع منها ~~جانبها العقلي، وعم التصوف، وانتشرت الطرق الصوفية. ~~وظهرت مكانة القديسين والأولياء في ممارساتنا ~~الشعبية. يحارب الملائكة مع المسلمين، ويعبرون ~~القناة معهم، ويزداد المحصول معجزة من عند الله، ويظهر ~~النفط توفيقا من الله، وينطوي النبات على نفسه إذا ما ~~نبت في الفضاء خشية من الله، ونكفر كل من يحاول ربط ms167 ~~الأسباب بالمسببات. ويتحدث الدعاة أمام أجهزة الإعلام ~~عن قصور العقل عن إدراك الحقائق العليا أو عن عجائب ~~الكون الذي يقف الإنسان أمامه فاقد الوعي والاتزان. ~~وما زلنا ندعو إلى العقلانية منذ فجر النهضة العربية ~~الحديثة ولكنها عقلانية الغرب، عقلانية ديكارت وكانط ~~وهيجل، ونقرأ من خلالها حركة الإصلاح الديني دون أن ~~نحاول تأسيس العقلانية المعاصرة ابتداء من التراث ~~العقلاني الاعتزالي الفلسفي القديم الذي كان وراء ~~عقلانية الغرب. ~~(2) # الطبيعة: والطبيعة قيمة ثابتة في الوحي منذ البداية ~~عن طريق تسخير كل ما في الكون لصالح الإنسان. # 2 # الشمس للدفء، والقمر للنور، والكواكب ~~والنجوم هداية، والأرض للسعي والرزق، والماء والهواء ~~والزرع للحياة، والجبال للسكن، والحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس، والسمك والطير للطعام، والأنعام ~~للانتقال. قوانينها ثابتة ودائمة يعرفها الإنسان ~~بالملاحظة والتجربة والعقل والاستدلال، ويسيطر ~~عليها، ومن خلالها يسيطر على الكون، فالإنسان سيد ~~الكون. مظاهرها آيات، والآية ظاهرة طبيعية ونفسية، ~~وكلاهما موضوع تأمل واستبصار. # وقد ظهرت الطبيعة في تراثنا القديم في العلوم ~~العقلية الرياضية والطبيعية خاصة. وأصبح «تاريخ العلوم ~~عند العرب» نموذجا يحتذى به في العصر الوسيط ~~الأوروبي، وكان وراء النهضة العلمية الأوروبية ~~الحديثة، وأصبح من أهم موضوعات معاهد «تاريخ العلوم»؛ ~~فقد أقر الفلاسفة حتمية قوانين الطبيعة. # 3 # وأصبح الوحي والطبيعة يقودان إلى حقيقة ~~واحدة (حي بن يقظان). وقالت المعتزلة بالكمون ~~والطفرة والتولد. وكانت الطبيعة عند علماء أصول ~~الدين طريقا إلى إثبات الصانع، وموضوعا للعلم سابقا ~~عليه، وأصبحت الطبيعة عند الصوفية إلها تتوحد معه في ~~وحدة الحق والخلق، أو على أقل تقدير مرآة تعكس ذات ~~الله. فالآية ليست فقط الوحي القرآني بل حادثة طبيعية ~~ودليل لإثبات وجود الله. وأقر علماء أصول الفقه بوجود ~~الطبيعة الإنسانية، فكل ما هو طبيعي شرعي، وكل ما هو ~~شرعي طبيعي. الحلال طبيعي، والمباح طبيعي، والإنسان ~~على الفطرة والبراءة الأصلية. الضرورات تبيح ~~المحظورات، ولا ضرر ولا ضرار، والمصلحة أساس الشرع. ~~وكان العمران الإسلامي القديم سكنا في الطبيعة بما ~~فيها من هواء وشمس وزرع وماء وريح وريحان. # ولكننا أسقطنا الطبيعة من ms168 الحساب، وحولناها إلى سلب ~~مطلق، موجود حادث، شر محرم، لا قوام له ولا كيان، ~~إيثارا لما وراء الطبيعة، وتمييزا لله بالبقاء وحده. ~~هدمنا الطبيعة بأيدينا، وقضينا على استقلالها وثبات ~~قوانينها. وتحولت الطبيعة من آيات، أي دلالات وعلامات ~~وظواهر طبيعية إلى آيات بمعنى معجزات، أي الخرق ~~المستمر لقوانين الطبيعة. فانتظرنا المعجزات، وطلبنا ~~المدد من السماء، وشحذنا النصر من عنده تعالى. النصر ~~في الحرب معجزة، واكتشاف النفط معجزة، ووفرة المحصول ~~معجزة، وإصلاح الصرف الصحي معجزة. مع أنه لا معجزات في الإسلام. # 4 # فقد تحولت المعجزة إلى إعجاز أي إلى تحد ~~للقدرة البشرية. كانت المعجزة موجودة في مراحل الوحي ~~السابقة وأدت دورها المحدود في إيمان البعض ولكنها ~~انتهت في آخر مرحلة من مراحل الوحي إعلانا لاستقلال ~~العقل والإرادة وقوانين الطبيعة. كما تحولت الطبيعة في ~~وجداننا القومي إلى محرمات في معظمها حتى أصبح الإنسان ~~يدين نفسه، وجوده وغرائزه، عواطفه وانفعالاته، ~~إحساساته ومطالبه. بل قد تربى لديه إحساس بالذنب في كل ~~لحظة عما يقول ويفعل وعما يحس ويشعر. وأصبح سلوكه ~~سلبيا خالصا بناء على مجموعة من النواهي يلتزم ~~بها، فتولد لديه إحساس بالكبت والحرمان، فينتهي إما ~~إلى المرض أو الغضب. وتحولت براءة الإسلام إلى خطيئة ~~المسيحية. وبدل أن تكون الطبيعة طاهرة ألقينا عليها ~~الأوساخ فغابت النظافة. لم تعد الطبيعة دليلا على ~~وجود الله؛ فالله في القلب يظهر عند العجز والبلاء، ~~عند الضر أو الحاجة. ~~(3) # الإنسان: الإنسان قيمة بنص القرآن، خلق في أحسن ~~تقويم، خليفة الله في الأرض، كرم في البر والبحر، ~~وهب العلم والحواس والقلب والفؤاد. خلق على صورة ~~الله ومثاله، سيد الكون، تسجد له الملائكة، ويعاقب ~~من يعصي السجود. أعطي له الوحي، وأصبح كليما لله، ~~طرفا معه في الحوار، حرا مسئولا، ساعيا في ~~الدنيا، كادحا فيها، بصيرا على نفسه. # 5 # وقد ظهر «الإنسان» في الفكر الإسلامي القديم متخفيا ~~مرة، وظاهرا مرة أخرى، متخفيا في علم أصول الدين ~~كإنسان كامل، موجود، قديم، باق، ليس في محل، لا يشبه ~~الحوادث، واحد؛ أي وعي خالص منزه، عالم، ms169 قادر، حي، ~~سميع، بصير، متكلم، مريد؛ أي وعي مدرك فعال، وكأن ~~الله وصف نفسه بصفات الإنسان تأنيسا له، أو أن ~~الإنسان وصف الله بصفات نفسه تأليها لها. كما ظهر ~~الإنسان في علوم التصوف أيضا في نظرية «الإنسان ~~الكامل» تأكيدا لما وصل إليه علماء أصول الدين؛ حيث ~~لم يعد هناك فرق بين الإنسان والله. وظهر أيضا في ~~علوم الحكمة، الإنسان محور للكون، عالم أصغر في ~~مقابل عالم أكبر، وهي الطبيعة. وبرز في علم أصول الفقه ~~على أنه الإنسان الموجود بلحمه وعظمه، يحافظ على ~~مصالحه وضرورياته: الحياة، والعقل، والدين، والعرض، والمال. # 6 # وقد كان الإنسان أحد مشاكل نهضتنا ~~المعاصرة كلها؛ فما زال الإنسان لا يعيش كقيمة في ~~وجداننا المعاصر، الأولوية باستمرار لغيره، لله أو ~~للحاكم، للماضي أو للنص. ليس له أوصاف ذاتية خالصة، ~~لا يؤمن نظام واحد بوجوده، يمكن أن يعتقل أو ~~يفصل أو تختفي به الأرض فلا يعلم أحد عنه شيئا. ما ~~زال الله محور الكون وليس الإنسان. لم يسترد الإنسان ~~صفاته بعد، وظل وعيه خارجا عنه. # 7 # هناك إنسان أوحد وهو الزعيم أقرب إلى ~~الإله منه إلى الإنسان، لا يستطيع أحد الحديث عنه أو ~~نقده أو الخروج عليه، وهو وحده الإنسان الكامل، وما ~~دونه يتعلم منه ويتتلمذ عليه، يطيع أوامره ~~ونواهيه. # لقد حاولت الثورات العربية المعاصرة تغيير الهياكل ~~الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولكن ظلت قضية ~~الإنسان معلقة، بل كثيرا ما كانت تنتهك كرامة ~~الإنسان وحريته وحقوقه الطبيعية باسم الثورة. وظل ~~الغرب يزهو علينا بأنه الوحيد صاحب حضارة الإنسان، ~~ففيه نشأ المذهب ~~الإنساني # Humanism # منذ فجر النهضة الحديثة حتى ~~إعلان حقوق الإنسان، وتأتي اللجان عندنا لتكتب تقارير ~~عن حقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية فتجدها منتهكة ~~ضائعة بالرغم من توقيع النظم القائمة على وثيقة إعلان ~~حقوق الإنسان! ~~(4) # الحرية: والحرية أيضا منصوص عليها في الوحي وفي سير الخلفاء! # 8 # لا يملك إنسان لإنسان أمرا. وكل إنسان ~~مسئول، ألزم طائره في عنقه، لا يحمل وزر أحد، ولا ~~يخلصه أحد. والحرية نتيجة للعقل والتمييز. فالعقل ~~استدلال ms170 حر والحرية اختيار للإرادة طبقا لاستدلال ~~العقل. الضمير حر، وشعور الإنسان حر حتى من قبضة ~~فرعون، ومستقل عن الشعور الجماعي العام. # 9 # والتوحيد تحرر للوجدان البشري بفعل ~~الشهادة، والشهادة نفي كل ما يقهر الشعور ويكبله ~~في فعل النفي «لا إله» ثم إثبات الفعل الحر في فعل ~~الإثبات «إلا الله». وهذا هو المعنى الذي أعطته الثورة ~~الإسلامية في إيران لشعارها «الله أكبر قاصم ~~الجبارين»؛ فالتوحيد تحرر للوجدان الإنساني من ~~العبودية في شتى صورها. # 10 # وقد أكد الفكر الإسلامي على ذلك، خاصة عند المعتزلة ~~في إثبات حرية الاختيار وإثبات الاستطاعة قبل الفعل ~~ومع الفعل وبعد الفعل، وإثبات قانون الاستحقاق، ~~والمسئولية عن الأعمال، وإلا استحال الحساب والعقاب. ~~كما أكده علماء أصول الفقه الذين أثبتوا للمكلف ~~قدرته على الفعل، ومنعوا تكليف ما لا يطاق، وأن العقل ~~شرط التكليف لأنه مناط الحرية، وأن الصبية ~~والمجانين غير مكلفين. العلم والعبودية لا يجتمعان، ~~فالعبد الذي يتعلم يتحرر، والذنب الذي يقترف يتم ~~التكفير عنه بتحرير عبد، والأمة التي تلد تصبح حرة ~~بفعل الأمومة، والحرية شرط الإمامة حتى لا يكون الإمام ~~تابعا لسيد آخر. كما أنها شرط الشهادة، فبدون حرية لا ~~يعلن عن حق، ولا يقال صدق. # ولكن يبدو أننا ما زلنا نحاول أن نتحرر، ولم ننته ~~بعد من ذلك منذ بدأ فجر النهضة العربية الحديثة حتى ~~الآن. نعرض لنظريات الحرية وثورات الشعوب، ونكافح ~~الاستعمار من أجل الحرية والاستقلال، ونكتب روايات ~~وأشعارا عن الحرية، ويستشهد المناضلون من أجل ~~الحرية، ولكن تظل قضية الحريات في مجتمعاتنا مطروحة ~~وكأن الحرية ليست نظرية بل ممارسة، وكأن العدو ليس فقط ~~المحتل الخارجي، بل أيضا أو بالأساس القهر الداخلي. ~~ويبدو أن الأمر أعمق بكثير من القوانين المقيدة ~~للحريات ونظم القهر والتسلط والقوانين الاستثنائية، بل ~~تمتد جذور الأزمة في التاريخ إلى التسلطية كتصور، ~~والجبرية كعقيدة، والإمامية كسياسة، والحرفية كتفسير، ~~والتبريرية كوظيفة للعقل. # 11 # يمكن إذن إعادة الاختيار، ترك الجبرية والكسب ~~الأشعري والنقل والتفسير الحرفي، وإبراز حرية الفكر ~~وحرية الإرادة كاختيار في تراثنا القديم وكحاجة في ms171 ~~وجداننا المعاصر؛ حتى يمكن حل مأساة الحريات في ~~عالمنا هذا مرة واحدة وإلى الأبد، فهي حق الإنسان ~~الطبيعي أكده الوحي، بمنعه الإكراه، وشهادة المكره لا ~~تجوز، وذنبه مغفور. ~~(5) # المساواة: بالرغم من حرية الإنسان وإثبات وجوده ~~الفردي إلا أنه أيضا ينتسب إلى جماعة ويعيش فيها. ~~لذلك ظهر موضوع المساواة والعدالة الاجتماعية كشرط ~~للسلام الاجتماعي. يظهر أحيانا في تعبيرات اقتصادية ~~وأخرى أخلاقية وثالثة سياسية. فبنص القرآن نجد أن ~~المالك هو الله وحده والإنسان مستخلف فيما أودعه ~~الله بين يديه، له حق التصرف والانتفاع والاستثمار، ~~وليس له حق الاستغلال والاحتكار والاكتناز. الملكية ~~وظيفة اجتماعية وليست شيئا للاستحواذ عليه. المال ~~مجرد علاقة بين الأنا والشيء، يشير إليها باسم الصلة ~~«ما» وبحرف الجر «ل». ومن هنا كان على الإمام حق ~~مصادرة أموال السفهاء والتأميم للصالح العام. وما تعم ~~به البلوى لا يجوز ملكه كالماء والكلأ والنار قديما ~~أي الزراعة والصناعة حديثا. والركاز - أي ما في ~~باطن الأرض - ملك للأمة وليس للأفراد عند الفقهاء. ~~عرف القدماء الحديد والنحاس والذهب والفضة، ~~وعرفنا نحن النفط. وبنص القرآن لا يكون المال دولة ~~بين الأغنياء ، وللفقراء حق في أموال الأغنياء، غير ~~الزكاة. ويعني تحريم الربا أن العمل وحده مصدر القيمة ~~وأنه لا يجوز الإثراء بالاستفادة من حاجات الناس ~~انتهازا للفرص. وأن المجتمع الذي فيه إنسان جائع واحد ~~تبرأ ذمة الله منه، وأنه لا عجب أن يخرج رجل لا يجد ~~قوت يومه شاهرا على الناس سيفه. وقد استمر هذا المثل ~~الأعلى في سيرة الخلفاء، # 12 # وعند بعض اتجاهات المعارضة وجماعات الرفض ~~حتى أتت المذاهب الاشتراكية الحديثة ينتسب إليها ~~المثقفون والعمال فيسهل حصارهم واتهامهم بالكفر ~~والإلحاد، والخيانة والعمالة. # إن إحدى قضايانا الأساسية هي بلا شك قضية توزيع ~~الثروة. فلدينا يضرب المثل بأقصى المجتمعات غنى ~~وبأشدها فقرا، مجتمع البطنة والترهل، ومجتمع ~~الجوع والقحط، مجتمع البذخ والترف ومجتمع البؤس ~~والحرمان، وبالتالي نشأت الحاجة لدينا إلى الأفكار ~~الاجتماعية والمذاهب الاشتراكية، فلا نجد إلا ~~العلمانية منها التي يسهل حصارها وعزلها فيضيع أثرها. ~~هذا هو التحدي الحقيقي. ms172 وطالما قامت النظم التي تقبل ~~بهذا التفاوت على الإسلام، تستمد شرعيتها منه وتحكي ~~باسمه. مع أن الحاكم في الإسلام آخر من يأكل وآخر من ~~يشرب وآخر من يسكن، وسيرة الخلفاء فينا ما زالت ~~حاضرة. ~~(6) # التقدم: وقد أصبح التقدم هدفا وطنيا عاما تصبو ~~إليه الأمة بجميع فرقها. وفي الحقيقة إن التقدم مسار ~~الوحي، وبسببه تتوالى النبوات منذ أولى مراتبها حتى ~~آخر مراحلها فتحقق هدفها وهو استقلال الوعي الإنساني ~~عقلا وإرادة. # 13 # والتقدم موجود داخل آخر مرحلة من مراحل ~~الوحي في «الناسخ والمنسوخ»، تقدم في الشريعة، ~~وإعادة صياغتها طبقا للقدرات الإنسانية. ومصادر الشرع ~~أربعة تدل على تقدم كل مصدر على الآخر: السنة ~~تقدم على القرآن في الزمان، والإجماع تقدم على ~~السنة، والقياس تقدم على الإجماع. كل عصر يمثل ~~تقدما بالنسبة للعصر السابق. لذلك أمكن لكل عصر أن ~~يؤسس إجماعه. كما تحتوي المبادئ اللغوية في علم ~~الأصول مثل الحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، ~~المجمل والمبين، المطلق والمقيد، على حركة في ~~التشريع من أجل التقدم، تقدم جيل على جيل، وإثبات ~~للزمان، ودور الأجيال في الاجتهاد. وفي أصول الدين ظهر ~~التقدم في الصلاح والأصلح عند المعتزلة، وفي النبوة أي ~~تاريخ الإنسانية في الماضي، وفي أمور المعاد أي تاريخ ~~الإنسانية في المستقبل. # ولكن الذي رسب فينا هو تصور آخر يرى التاريخ في ~~سقوط مستمر، وأن السلف خير من الخلف. # 14 # وهو آخر جزء من العقائد بعد الإمامة، ~~وترتيب الخلفاء والأئمة تبعا للأفضلية، اعتمادا على ~~أحاديث مثل «خير القرون قرني ...» فتصورنا التاريخ في ~~سقوط مستمر بعد الخلفاء الأربعة، من النبي إلى الصحابة ~~إلى التابعين إلى تابعي التابعين. وبالتالي نحاول ~~المساهمة في صنع التقدم والتاريخ يتساقط من بين ~~أيدينا. وهذا هو المنبع الدائم للحركة السلفية وحركة ~~النهوض بالعودة إلى الوراء. وعلى أفضل تقدير، نضع ~~أنفسنا خارج التاريخ والزمان بعد أن أعطانا الله ~~الزمان كله أي الخلود، وما دونه الفناء. فضاعت ~~الحركة عن التاريخ، ولم ندرك التطور كسنة له. # 15 # وجاءت الأحزاب التقدمية فعالجت موضوع ~~التقدم بعقلية متخلفة، فقاومت التفاوت ms173 الطبقي دون ~~القضاء عليه من جذوره في الوجدان، وناهضت القهر دون ~~حله من جذوره التاريخية، وتصدت للتخلف وظنته في ~~نقص معدل التنمية الاقتصادية دون القضاء على معوقات ~~التقدم في الذهن وما ترسب في الوعي القومي. # هذه القيم الأساسية والمفاهيم النظرية لا شأن لها ~~بفلسفة التنوير في الغرب، بل حاول الغرب الاقتراب ~~منها فوقع في حدود العنصرية والرومانسية. # 16 # بل هي أهم مقولات العلوم الإسلامية القدمة ~~خاصة عند المعتزلة والفلاسفة. وهي في الوقت نفسه ~~تعبر عن متطلبات الحاضر، وتمتد جذورها عند القدماء. ~~إن لم تتأسس إسلاميا، وإن لم تعرض نفسها عرضا ~~محليا تعبيرا عن حاجات الأمة فإن المجتمع سيظل ~~يستلهم حاجاته من التراث الغربي، رافضا الفكر ~~الإسلامي باعتباره على نقيض ما يبحث عنه. هكذا فعل ~~القدماء مع التراث اليوناني عندما حولوه إلى تراث ~~محلي خالص، فوجد المسلمون في فكرهم العقل والطبيعة، ~~والأخلاق والسياسة، وهي القيم التي لا بديل عنها في ~~أية نهضة معاصرة أو تخطيط مستقبلي للدور الثقافي للفكر ~~الإسلامي. # | ثالثا: مدى ما يمكن أن يسهم به الفكر الإسلامي المعاصر في ~~مواجهة قضايا العصر ومشكلاته ~~وتحدياته # ليست القيم الإسلامية وتصورات الإسلام الأساسية مجرد فلسفة نظرية ~~أو مذهب فلسفي يكتفي به الإنسان ويقتنع به، يملأ عليه حياته، ~~ويعطيه الطمأنينة والسكون، بل مجرد إعداد ذهني للإنسان لمواجهة ~~تحديات عصره ومشكلات جيله، يمده بطاقة وقدرة، ويحدد له خططه ~~وغاياته. الفكر الإسلامي على هذا النحو فكر نضالي يقوم على ~~المواجهة كما كان في بدايته يقوم على «أسباب النزول» أي إن الواقع ~~سابق على الفكر، وإن المشكلة الاجتماعية هي التي تتحدى الفكر، ~~وتطالبه بمقابلة التحدي بتحد مماثل. وقد كان عمر بن الخطاب يقبل ~~التحدي ويفرض حلا بحكم البديهة والمصلحة فيأتي الوحي مؤيدا ~~لاجتهاده. لا مكان إذن لفكر إسلامي خارج الزمان والمكان، يقول كل ~~شيء ولا شيء، يسهب ويطيل في لاموضوع أو يتناول موضوعات لا وجود ~~لها، لا يثير قضية، ولا يضع مشكلة أو يتطلب حلا. يقتصر على ~~المبادئ العامة دون تطبيقها في مجتمع بعينه في لحظة ms174 تاريخية محددة، ~~وفي مشكلة بعينها حتى يمكن أن تظهر قدرة الفكر الإسلامي على ~~مواجهة التحديات وإيجاد حل للمعضلات. وفي هذه الحالة يكون الفكر ~~الإسلامي مخاطرة ومغامرة، ومعركة وصراعا وليس مجرد إعلان لحسن ~~النيات ولكمال الإسلام! # وعلى سبيل المثال يمكن للفكر الإسلامي أن يواجه قضايا العصر ~~الأساسية وهي بالنسبة لنا يمكن إجمالها في ست: ~~(1) تحرير الأرض من الاحتلال والغزو # إن أول قضية تعرض لنا هي قضية احتلال الأرض، سواء من ~~الاستعمار القديم (فما زالت هناك أراض محتلة من المغرب ~~وأفغانستان وكشمير)، وهي كلها أراض يعيش عليها المسلمون، ~~وبالتالي تدخل في دار الإسلام أو في الغزو الاستيطاني الجديد ~~في قلب العالم الإسلامي والوطن العربي في فلسطين. ويمكن إيراد ~~أسباب الاحتلال من الدراسات التاريخية وكيفية مقاومته من علوم ~~السياسة. ولكن ما يهمنا هو كيف يمكن للفكر الإسلامي أن ~~يساهم في كيفية تحرير الأرض من الاستعمار القديم والغزو ~~الاستيطاني الجديد. وطالما استعملناها للحماس في أجهزة الإعلام ~~دون جدية من أجل إعداد الجماهير لأخذ مصائرها بيدها. ~~مثلا: ~~(أ) # الله والأرض في القرآن وحدة واحدة كما يبدو ذلك ~~في عديد من الآيات؛ مثل: # رب السموات والأرض ~~، ~~[الرعد: 16]، # له ملك ~~السموات والأرض ~~[الحديد: ~~5]، # وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله ~~... ~~[الزخرف: 84] إلخ. مما يدل على أن ~~الدفاع عن الأرض دفاع عن الله، وأن المؤمن بالله ~~لا بد وأن يؤمن بالضرورة بالأرض. # 1 ~~(ب) # الحث على القتال دفاعا عن الأرض والديار، ~~والإعداد لذلك، وهجوم القرآن على القاعدين ~~والمتخلفين المتثاقلين إلى الأرض الذين يؤثرون ~~الدنيا على الآخرة. لذلك كان الجهاد أصلا من أصول ~~الشريعة وركنا من أركان الإسلام، كما أبرزت ذلك ~~الحركة الإسلامية المعاصرة، وتعظيم الشهداء ~~وبأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. # 2 ~~(ج) # الفتوحات والتبليغ وإعلان التوحيد، وتحرير ~~الشعوب من الطاغوت والقهر، وضمهم تحت «لا إله ~~إلا الله»، فالإسلام فاتح للأرض، محرر للشعوب، ~~تحقيقا لكلمة الله، وأداء للأمانة، وتحويلا ~~للتوحيد من النظر إلى العمل، ومن المعرفة إلى ~~الوجود. ~~(د) # مهمة الإمام الذب عن البيضة، وإقامة الثغور، ~~وتجهيز الجيوش، ms175 والدفاع عن دار الإسلام قبل أن ~~تكون تطبيق الحدود وتقسيم الغنيمة والفيء؛ ~~فالدفاع عن البلاد فرض على الحاكم والمحكوم دون ~~الاستسلام للعدو أو الرضا بالاحتلال. ~~(2) الدفاع عن الحريات في مواجهة القهر # قضيتنا الأساسية الثانية هي قهر الحريات، فسجوننا ملأى ~~بالخصوم السياسيين وكأننا لا نتصور إلا فارسا واحدا في ~~الميدان، هو الحاكم الزعيم الملهم، الرئيس المجاهد الأعظم، ~~حتى كانت صورتنا في ذهن الغرب أن واحدا فقط لدينا هو الحر، هو ~~الحاكم، أما الباقون فعبيد، في حين أن الناس كلهم في الغرب ~~أحرار. ويمكن للفكر الإسلامي أن يساهم في الدفاع عن قضية ~~الحريات في البلاد وأن يساعد في القضاء على شتى صنوف القهر ~~والطغيان على النحو الآتي: ~~(أ) # الشهادة: وهي أول ركن من أركان الإسلام بفعليها ~~النفي في «لا إله» والإثبات في «إلا الله» تحريرا ~~للوجدان من كل صنوف العبودية حتى لا ينتسب إلا ~~لمبدأ واحد عام وشامل. وهي ليست فقط تمتمة ~~بالشفتين، بل شهادة على العصر ورؤية لأحداثه ~~وحكم على نظمه مع قياس المسافة بين الواقع ~~والمثال، فلا يوجد موحد بالله يقبل الضيم ~~والظلم والطغيان. ~~(ب) # لا إكراه في ~~الدين ~~[البقرة: 256] وأن كل إنسان ~~له عقل قادر على التمييز، وإرادة حرة قادرة على ~~الاختيار، وأنه ليس لأحد سلطة على آخر حتى الرسول؛ ~~فما عليه إلا البلاغ. ~~(ج) # الحكم بيعة وعقد، شورى واختيار. وبالتالي لا ~~يكون الحكم شرعيا إلا بناء على اختيار الناس ~~وبيعتهم. يستحيل إذن القفز على السلطة أو الانقلاب ~~عليها أو التسلط على رقاب الناس. ~~(د) # المعارضة السياسية حق للأمة من «الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر»، فالدين النصيحة، وإن ~~أعظم شهادة كلمة حق في وجه إمام جائر، والساكت عن ~~الحق شيطان أخرس. بل إن الدولة نفسها تقوم ~~بالرقابة على نفسها من خلال وظيفة الحسبة، وهي ~~الوظيفة الأساسية للحكومة الإسلامية، تراقب ~~الأسواق والأسعار، وتكشف التلاعب والاحتكار وكل ~~مظاهر الغش والفساد. ~~(ه) # لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالحاكم هو ~~القانون أو الشريعة، يلتزم بها الحاكم والمحكوم. ~~ويجوز للأمة الخروج على الحاكم ms176 إن عصى القانون ~~وأخل بالعقد، فتبطل البيعة. ~~(3) العدالة الاجتماعية في مواجهة سوء توزيع الثروة # مما لا شك فيه أن الإسلام دين المساواة والعدالة الاجتماعية ~~بنص القرآن. ومما لا شك فيه أيضا أن من قضايانا الأساسية سوء ~~توزيع الثروة، والفروق الشاسعة بين الدخول. فمنا من يموت ~~بطنة ومنا من يموت جوعا. والفكر الإسلامي قادر على دفع ~~الناس، حكاما ومحكومين، على حل هذه القضية وإعادة توزيع الدخل ~~بحيث يحقق أكبر قدر ممكن من المساواة والعدالة الاجتماعية على ~~النحو الآتي: ~~(أ) # نظرية الاستخلاف التي تجعل المال مال الله، وأن ~~الإنسان مستخلف فيما أودعه الله بين يديه له حق ~~التصرف والانتفاع والاستثمار، وليس له حق الاحتكار ~~والاستغلال والاكتناز. ويجوز للإمام التدخل ~~بالمصادرة والتأميم لصالح الجماعة. ووسائل الإنتاج ~~التي تعم بها البلوى ملكية عامة مثل الماء والكلأ ~~(الزراعة) والنار (الصناعة) والملح (التعدين). وكل ~~ما في باطن الأرض من معادن (الركاز) ملك أيضا ~~للأمة. ~~(ب) # يرفض الإسلام تركيز المال في أيدي قلة من ~~الأغنياء والمترفين؛ حتى لا تتم سيطرة رأس ~~المال على الحياة الاجتماعية والسياسية، ويرى دورة ~~رأس المال في المجتمع من خلال الزكاة، والمشاركة ~~في الأموال، ورد فضول الأغنياء أي ما يزيد على ~~قوام الحياة - من مأكل وملبس ومشرب - إلى الفقراء، ~~وتكوين مجتمع ليس فيه إنسان واحد جائع، وإلا ~~برئت ذمة الله منه. فيستحيل أن يكون في مجتمع # وبئر معطلة ~~وقصر مشيد ~~[الحج: 45]. ~~(ج) # العمل وحده مصدر القيمة؛ فالمال لا يولد ~~المال، بل الجهد والعرق والإنتاج هو الذي يولد ~~المال. والعمل وحده مصدر الربح، وتفاوت الأجور ~~طبقا لتفاوت الجهد. لذلك حرم الربا والإثراء ~~على حساب الغير وحاجاته. الأرض لمن يفلحها، ومن ~~استصلح أرضا فهي له، ومن أنتج فله نتاج ~~عمله. ~~(د) # إن رؤية الإسلام للدنيا واعتبارها مجرد معبر ~~للآخرة تجعل ملكية الإنسان لعمله ولأثره ولسنته ~~ولذكراه وليس لماله. وأفضل ميراث ما كان ميراث ~~الحكمة والنبوة والفكر والقدوة. فالأعمال قيمة، ~~والأشياء لا قيمة، وبالتالي يصحب الإنسان أعماله ~~ويترك الأشياء، والأعمال الصالحة أبقى في الدنيا ~~من الأموال ms177 المكدسة في البنوك الأجنبية من عوائد ~~النفط وثروات البلاد المهربة. # 3 ~~(4) التنمية الشاملة في مواجهة التخلف الحضاري # والتخلف الحضاري قضية أساسية، بل إن كل القضايا الأخرى إنما ~~هي تعبير عن أوضاع التخلف؛ مثل سوء توزيع الثروة، وقهر ~~الحريات. والتنمية هنا لا تعني الاقتصاد وزيادة الإنتاج ~~والدخول فحسب، في مقابل قلة الموارد أو سوء استخدامها وقلة ~~الإنتاج، وضعف الدخل القومي، ونقص الخدمات، بل تعني التنمية ~~الشاملة التي تتعرض لقضايا التعليم والصحة والخدمات العامة، ~~والإسلام قادر على مواجهة مظاهر التخلف والمساهمة في تنمية ~~المجتمع على النحو الآتي: ~~(أ) # زراعة الأرض: فالأرض في القرآن هي الأرض الخضراء ~~التي ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتنبت من كل ~~زوج بهيج، وليست الأرض الصفراء الصحراء القاحلة ~~مثل أراضينا الآن. فالسكن لا يكون إلا حيث الماء والزرع. # 4 # ومن استصلح أرضا فهي له، فالشيء ~~قيمته فيما يبذل فيه الإنسان من جهد وعمل. والأرض ~~لمن يفلحها في عرف الفقهاء لأن الملكية بمفردها ~~ليست وظيفة أو مهنة دون عمل. والمزارعة ~~والمؤاجرة تحتم الاشتراك في المحصول، أي في نتاج ~~الأرض، فليس الفلاح مجرد أجير زراعي، بل هو مشارك ~~في الإنتاج. ~~(ب) # الصناعة: وتقوم الصناعة على استثمار المواد ~~الأولية من باطن الأرض من خلال العمل وبالجهد ~~الإنساني. وقيمة الإنتاج بمقدار الجهد المبذول دون ~~أن يكون هناك «فائض قيمة» لصاحب رأس المال. وليست ~~الصناعة فقط هي الصناعات الخفيفة مثل الصناعات ~~الزراعية والملابس، بل هي الصناعات الثقيلة التي ~~تقوم على الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس. ~~(ج) # الخدمات: لكل إنسان حق التعليم، وحق الرعاية ~~الصحية، وحق السكن، وحق العمل، فالعلم فريضة، ~~ورعاية الجسد واجب، والإيواء حق طبيعي، والعمل ~~وسيلة الإنتاج. وقد كانت الحضارة الإسلامية ~~نموذجا للعمران، من حيث بناء المدارس والمساكن ~~والمصانع «والبيمارستانات» (المستشفيات). ~~(د) # البيروقراطية والتسلطية وتشخيص المؤسسات كلها ~~ظواهر للتخلف من حيث الإدارة. فالبيروقراطية قضاء ~~على زمام المبادرة، وأخذ القرار، ونزع المسئولية ~~من مواطن الإنتاج. والتسلطية تحكم وادعاء ~~ملك. وتشخص المؤسسات هو تصور الإنسان بدلا من ~~الغاية. والمجتمع الإسلامي يقوم ms178 على قضية يلتزم ~~بها الجميع، ويكون مسئولا عنها مع إنكار الذات ~~والسعي وراء تحقيق الهدف. ~~(5) إثبات الهوية ضد الاغتراب # وقضية الهوية ما زالت بالنسبة لنا إحدى قضايانا الرئيسية ضد ~~التغريب، نتفاوت فيها من منطقة إلى منطقة؛ تبعا لشدة ~~الاستعمار وتغلغله في النفوس وما تبقى منه في العقول. برزت ~~قضية الأصالة في مواجهة التحديث والاغتراب المرتبط به بحيث ~~وضعت الأنا ذاتها في مواجهة الآخر. وتتفاوت المجتمعات ~~الإسلامية فيما بينها في حدة المشكلة. فالمجتمعات التي ~~داهمها الاستعمار كانت إحدى وسائل المقاومة فيها إثبات الهوية ~~في مقابل التغاير، والأنا في مواجهة الآخر. ولكن بعد ~~الاستقلال الوطني عاد المستعمر من خلال الثقافة وانتشر ~~التغريب. استقلت البلاد ولكن احتلت الأذهان. وقد ولد ~~الفعل - وهو التوجه نحو الآخر - رد فعل هو الرجوع إلى الأنا، ~~كما هو الحال في الثورة الإسلامية في إيران، والحركة الإسلامية ~~المعاصرة في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي. وقعنا في ~~ازدواجية الثقافة وتخاصمت ثقافتان يكفر كل منهما الآخر. ~~يرى كل منهما بقاءه وحياته في فناء الآخر وموته. # ويستطيع الفكر الإسلامي أن يعطي نموذجا دفاعا عن الهوية ~~ضد الاغتراب على النحو الآتي: ~~(أ) # تحريم القرآن موالاة الغير، والتقرب إلى ~~الأعداء، والمصالحة معهم، والتودد إليهم، فغاية ~~الأعداء هي القضاء على هوية الأنا وإيقاعها في ~~التقليد والقضاء عليها؛ حتى لا يوجد إلا الآخر. # 5 ~~(ب) # رفض التقليد والتبعية في السلوك الفردي وفي ~~العقائد من أي فرد كان، وإثبات المسئولية الفردية. ~~فإيمان المقلد لا يجوز، والاعتذار بالتقليد غير ~~مقبول يوم الحساب. # 6 ~~(ج) # لقد استطاع الفكر الإسلامي القديم تمثل ~~الحضارات السابقة دون أن يفقد هويته بل قام بدور ~~ناقد لها، ومطور ومكمل لإنجازاتها، فظل إسلاميا ~~معاصرا، ذاتيا قادرا على التعامل مع الآخر، ~~ممثلا للحضارات القومية كلها. ~~(د) # بالرغم من انبهار الفكر الإسلامي الحديث وأخذه ~~الغرب كنموذج للتحديث من حيث الصناعة والتعليم ~~والنظم البرلمانية والدستورية، إلا أنه أيضا كان ~~ناقدا للغرب في دهريته وإباحيته ودنيويته ~~(الأفغاني، إقبال). ولم يفقد خصوصيته وهو في أوج ~~التعامل معه بالرغم من الاستعمار ms179 أو بعد ~~الاستقلال. ~~(6) توحيد الأمة في مواجهة التجزئة # إذا كانت الهوية إثباتا للمركز والإبداع منه فإن التوحيد ~~إثبات للمحيط وربطه بالمركز كمجال له. فالتوحيد ليس عقيدة فقط، ~~بل هو حضارة وتاريخ، فرد وأمة. وقضية الوحدة، بالنسبة لنا، ~~وحدة الأمة بدلا من التجزئة والتشتت والتبعثر إحدى القضايا ~~الرئيسية في جيلنا بعد أن ضاعت منا وأصبحنا نسعى إليها من ~~جديد. والفكر الإسلامي قادر على تحقيقها والمساهمة في إيجادها ~~على النحو الآتي: ~~(أ) # التوحيد عقيدة الإسلام الرئيسية، وتصوره النظري، ~~وأساسه السلوكي أبرزها القرآن، وهي وحدة عقلية ~~طبيعية أخلاقية، وهو مبدأ معرفي، أنطولوجي، سلوكي، ~~جمالي، تاريخي. # 7 ~~(ب) # تنتج عنها وحدة الذات، ووحدة القول والعمل، ~~ووحدة الفكر والوجدان، وبالتالي يستحيل النفاق، ~~وازدواجية السلوك، وتتوحد الشخصية، وتتجند ~~طاقاتها، فتعلن عن الحق بالقول وتشهد عليه ~~بالعمل، وتبرهن عليه بالفكر، وتشعر به بالوجدان. # 8 ~~(ج) # لقد خرج التراث الإسلامي كله تعبيرا عن هذه ~~الوحدة، وانطلقت علومه كلها من المركز وهو ~~القرآن، تنسج نفسها كدوائر حوله، فظهر التوحيد ~~متحققا في التراث والعلم والحضارة. ~~(د) # ظهر التوحيد أيضا في وحدة التاريخ ووحدة الشعوب ~~كلها. فقد استطاع الإسلام التوحيد بين القبائل، ~~وصهر الشعوب، وأسقط كل حواجز اللغة ولون البشرة ~~والطبقات الاجتماعية والقومية والعنصرية. وأصبح ~~العمل الصالح مقياسا واحدا وشاملا للجميع. # 9 # | رابعا: مدى قدرة الفكر الإسلامي على استشراف المستقبل الأفضل ~~وارتياد آفاقه، وبيان الطرق لتحويل ~~الأفكار إلى واقع تطبيقي # لقد استطاع الفكر الإسلامي القديم أن يقوم بنفس الدور المناط به ~~حاليا. فقد استطاع بقدراته الذاتية على الخلق والإبداع احتواء كل ~~الحضارات القديمة وتمثلها. كما استطاع التوحيد الانتشار فوق ~~الحضارتين القديمتين وفتح إمبراطوريتي الفرس والروم ووراثة ~~العالم القديم كله. والإسلام اليوم في نفس الظروف وبنفس ~~الإمكانيات، والتحدي الأعظم بالنسبة لنا هو: هل يمكن الوصول إلى ~~نفس النتائج؟ إن الإسلام اليوم محاط بأكبر إمبراطوريتين حديثتين ~~وأقوى دولتين عظميين، لم تنهكهما الحروب بعد. والعالم ~~الإسلامي بموقعه الجغرافي الفريد وإمكانياته العالية من حيث ~~المواد الأولية، والنفط، والثروات الطبيعية، والأسواق، والأيدي ~~العاملة، والخبرات البشرية لا ms180 حد لها. ورصيدنا ضخم في العالم ~~الثالث، حيث نكون قلب أفريقيا وآسيا، وأمريكا اللاتينية ~~تشاركنا نفس الهموم والرغبة في الاستقلال والتحرر. # ولكن السؤال كيف يمكن تحقيق ذلك بالفعل؟ وما هي العقبات التي ~~تحول دون ذلك؟ إن الإسلام يريد أن يخطط ليحقق وينتج، لا مجرد ~~تأمل نظري (البوذية) أو شهادة من أجل التاريخ (المسيحية). ولا ~~يوجد إلا ثلاثة طرق: ~~(أ) # طريق التنظيمات السرية، الذي تتبعه بعض فصائل الحركة ~~الإسلامية أو العلمانية (الماركسية)، وهو الطريق الذي ~~اتبعته الثورات العربية والتي أدت إلى الانقلابات ~~العسكرية. وهو طريق مسدود لأن التغير الاجتماعي ~~والنهضة الشاملة أكثر بكثير من الانقلابات والاستيلاء ~~على السلطة. فطالما حصلت اتجاهات على السلطة زاد ~~التعتيم، وتوالت الهزائم، واتسع التخلف. وطالما لم ~~تحصل تيارات على السلطة وكان لها أبلغ الأثر في ~~الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. وكيف يمكن ~~الدعوة للإسلام سرا وهو ليس جريمة، ولسنا باطنيين؟ ~~وكيف تنجح دعوة سرية في دولة تقوم أساسا على أجهزة ~~الأمن، وعيونها في كل مكان؟ ولطالما جربنا ذلك فكانت ~~النتيجة الصدام مع النظم القائمة ونكوص الحركة ~~الإسلامية أو انتشارها على نحو مرضي راغب في الثأر ~~والانتقام. فالدعوة السرية إذن، لكثير من الأسباب، ~~طريق مسدود. ~~(ب) # الخروج العلني، وعصيان النظم القائمة، والجهر ~~بالعداء، وتكفير حكم البشر. والصدام المسلح أو على ~~أقل تقدير المواجهة العنيدة. فأي نظام قائم لن يترك ~~السلطة اختيارا، وأي مواجهة مدنية لجماعات دينية لن ~~تصل إلى السلطة، بل سيتم حصارها وتكفيرها وعزلها، ~~فتنفر الناس منها. والناس أقرب إلى طاعة أولي الأمر من ~~الخروج عليهم. وماذا يجدي الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والإتيان بمنكر أعظم منه وضياع المعروف؟ وكيف ~~يقبل التغيير من بيده السلطة وهو مدان مكفر ~~مجرح سلفا؟ فالجهر بالعداء والدعوة إلى الخروج ~~العلني أيضا طريق مسدود. ~~(ج) # لم يبق إذن إلا طريق الشرعية، والعمل من خلال النظم ~~القائمة، فلا الإسلام سر نخفيه ولا الدعوة له جريمة ~~نخشاها. ليس المطلب الحصول على سلطة بدلا من السلطة ~~القائمة، ولو أن ذلك مطلب شرعي لكل تيار في ms181 إطار ~~الشرعية وبناء على اختيار الأمة بأسلوب ديموقراطي حر، ~~بل الهدف توحيد فرق الأمة وعلى رأسها الحركة ~~العلمانية القصيرة النظر الغير مرتبطة ارتباطا ~~عضويا بتراث الأمة وتاريخها وثقافتها الوطنية، ~~والحركة السلفية التي تؤثر الصورة على المضمون، ~~والشعار على الواقع. فلا مضمون بلا صورة ~~(الحركة العلمانية) ولا صورة بلا مضمون (الحركة ~~السلفية). قد لا يكون للنظم القائمة مصلحة في ~~التغيير، ومع ذلك فالتغيير أبقى عليها من الوقوف ضده، ~~والتمسك بالإسلام كدرع يحمي مصالح الأمة خير من ~~الوقوع في إسلام بلا أمة أو في أمة بلا إسلام. وأن يتم ~~ذلك من خلال رؤية تاريخية، ومشروع طويل يتحقق في عدة ~~أجيال. وليحكم اليوم من يشاء. فما ضاع خلال قرون طويلة ~~لا يعود إلا بجهود عدة أجيال بناء على خطة محكمة ~~ورؤية تاريخية يتمثل بعضها في الآتي: ~~(1) مشروع إعادة بناء التراث # لما كان التراث ما زال حاضرا في وجدان الأمة، مؤثرا فيها، ~~يمدها بقيمها، ويحدد تصوراتها، ويوجه سلوكها، فإنه حتى ~~الآن ما زال وحدة واحدة، كلا شاملا، خليطا متنافرا، به ما ~~يضر (النزعات الصوفية والإشراقية والحرفية) أكثر مما ينفع ~~(النزعات العقلانية العلمية الواقعية). فمهما حاولت الحركة ~~العلمانية أن تدعو إلى العقلانية والعلمية والتقدم والحرية ~~والديموقراطية فإن دعوتها ستصطدم لا محالة بميراث ألف عام من ~~التصوف. والأشعرية أرسخ وأعمق في وجدان الناس من دعوات ~~المعاصرين. وطالما أن هذا الموروث لم «يتصرف» بعد فإنه سيظل ~~المنبع الأول الذي يغذي الحركات السلفية. مشروع إعادة بناء ~~التراث إذن هو إقامة نهضة شاملة تلي حركة الإصلاح الديني في ~~القرن الماضي وتطورها. وعلى هذا النحو نضمن التغيير من خلال ~~الانقطاع حتى نأمن الردة (تركيا، بولندا). كما نأمن رد فعل ~~الحركة السلفية والعودة الى المنبع بلا مصب وتقوية الجذور بلا ~~ثمار. كما نأمن من إزدواجية ثقافة الأمة، وشق وحدة الصف، وضياع ~~وحدة الثقافة الوطنية وتشتتنا بين التعليم الديني والتعليم ~~الدنيوي. # فإذا كنا قد عشنا المحافظة الدينية (الأشعرية المزدوجة ~~بالتصوف) خلال ألف عام، من القرن الخامس حتى الخامس عشر فإننا ~~عشنا العقلانية ms182 التحررية (المعتزلة والفلاسفة) حوالي ثلاثمائة ~~عام من القرن الثاني حتى القرن الخامس، وظل جناحا المحافظة ~~والتقدم غير متعادلين في وجداننا القومي، فصرنا نتعثر أو ~~نعرج وكأننا نسير على ساق واحدة، أو كالأعور يرى العالم بعين ~~واحدة. كل المرجو الآن هو مجرد التحول من الأشعرية والتصوف إلى ~~المعتزلة والفلاسفة من أجل ضغط الألف عام من المحافظة الدينية ~~وزيادة الثلاثمائة عام من العقلانية التحررية حتى يأتي جيل ~~تتعادل فيه الكفتان، وهنا يبدأ المجتمع في النهوض والسير على ~~ساقين متساويتين، والنظر إلى العالم بعينين اثنتين. ويتم ~~ذلك عن طريق إعادة الاختيار بين البدائل طبقا لظروف العصر: ~~المجتمع المهزوم المتخلف، المغايرة لظروف القدماء، المجتمع ~~المنتصر المتقدم الراغب في الدفاع عن العقيدة الجديدة ضد ~~الهجمات عليها. التراث فيه نقل وعقل، جبر وحرية، تشبيه وتنزيه، ~~إيمان وعمل، إمامة بالنص والتعيين، وإمامة بالبيعة والاختيار، ~~إشراقية وعقلانية، تصوف وفقه، أثر ورأي. فإذا كان القدماء قد ~~اختاروا الأول نظرا لظروفهم فإننا نختار الثاني نظرا ~~لظروفنا، فالتنزيه لدينا أولى من التشبيه، والحرية دون الجبر، ~~والعقل دون النقل، والعمل له الأولوية على الإيمان، والبيعة ~~والاختيار لا النص والتعيين، عقل الفلاسفة دون إشراق الصوفية، ~~ورأي الفقهاء والمصلحة لا النص والأثر ... إلخ . وهنا يصبح ~~التراث دافعا على التقدم وليس معوقا له، جزءا من تاريخنا ~~وحاضرنا واختيارا لمستقبلنا. ونكون مسئولين عنه ولسنا نقلة ~~له، نطوره ولا نروج له «كالحمار يحمل أسفارا». ويكون ~~للإسلام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي دلالة في حياتنا ~~المعاصرة دون الإسلام الشعائري الفقهي المظهري، وأن يتحول هذا ~~المشروع، مشروع إعادة بناء التراث إلى برامج علمية مفصلة في ~~الجامعات ومعاهد البحث العلمي بل وفي أجهزة الإعلام كرافد ~~أساسي في ثقافتنا الوطنية. ويدخل كجزء من برامج التعليم، ويكون ~~لكل مادة تعليمية رؤية تراثية حتى العلوم الطبيعية والرياضية، ~~الطب والكيمياء والصيدلة والحيوان والنبات، والهندسة والحساب ~~والفلك والجبر والموسيقى حتى يحدث الإبداع دون النقل. ولا ~~يكفي في ذلك نشر التراث وجمعه وعرضه وشرحه، بل استيعابه ~~والوعي بمنطلقاته ودوافعه وبواعث خلقه. # 1 ~~(2) حرية الفكر # كي يكون ms183 للتراث الإسلامي دور في تطور فكر الأمة والدخول في ~~تحديات عصرها؛ فإن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بحرية الفكر، ~~فالصراعات قبل أن تكون اجتماعية سياسية اقتصادية هي صراعات ~~فكرية بالأساس. وبالتالي يكون الفكر هو مرآة المجتمع، يقرأ ~~فيه كل فرد مكوناته وواقعه. ولا يمكن أن تحدث رؤية أو ~~يتحقق سلوك إلا بحرية الفكر، وإلا كان الصراع همجيا خالصا. ~~وتتحقق حرية الفكر على النحو الآتي: ~~(أ) # ضرورة اجتهادات الأمة كلها بجميع فرقها. فلا أحد ~~يحتكر الحق ودونه الباطل. ثم يحدث حوار مفتوح بين ~~جميع الفرق والاجتهادات؛ حتى يمكن أن تتوحد ~~إن لم يكن على مستوى الأطر النظرية فعلى الأقل ~~على مستوى البرامج العملية، فتعدد النظر ووحدة ~~العمل أحد الدروس الفقهية القديمة. ~~(ب) # عدم دخول الدولة كطرف في الحوار، تناصر فريقا ~~دون فريق، تكفر فريقا وتعلن عن إيمان فريق. ~~الدولة سلطة تنفيذية خالصة أما النظر والتشريع فمن ~~شأن المفكرين أي فقهاء الأمة. ~~(ج) # الحوار بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية، ~~وهما الجناحان الرئيسيان في فكر الأمة. الأول ~~يدافع عن الأصول والثاني يجتهد في الفروع، الأول ~~يحرص على الجذور والثاني يقتطف الثمار. وطالما لم ~~تتوحد الحركتان سيظل الشقاق في الأمة والخصام في ~~وجدانها ويغيب الحوار، ويظهر العنف، والسباق نحو ~~السلطة. ~~(د) # حرية التفكير والتنظيم العلني الشرعي للحركة ~~الإسلامية التي لاقت أشد صنوف العذاب والاضطهاد من ~~الثورة العربية حتى أصبح بينهما ثأر لا يمحوه إلا ~~الدم. فالفكر الإسلامي فكر شرعي، والتنظيم ~~الاجتماعي القانوني للحركة الإسلامية تنظيم ~~تاريخي، لم يغب مرة واحدة، بل إن الحكم الإسلامي ~~حكم شرعي بنص القرآن وبضرورة التاريخ وبعد استيلاء ~~الحركة العلمانية على مقاليد الحكم. ~~(ه) # تكوين الجمعيات الثقافية والسياسية والاجتماعية ~~المستقلة التي تبدأ بالحوار وتطرح جميع الموضوعات ~~دون خوف أو رهبة، حتى ما يظنه الناس على أنه من ~~المقدسات أو المحرمات (التابو) كالدين، والسلطة، ~~والجنس. وطالما قامت النهضات بل ووحدة الأمم من ~~خلال الجمعيات والمنتديات، ويصحب ذلك حرية ~~الاستيراد والتصدير للكتب والمجلات الثقافية على ~~الصعيد العربي والإسلامي. فلا بقاء لنظام ms184 يخشى ~~حرية الكلمة. ~~(3) المحافظة على مقاصد الشريعة # ليس الفكر الإسلامي فكرا صوريا يقوم على شعارات لا مضمون ~~وراءها، ولكنه فكر يقوم على تحقيق أهداف إنسانية هي مقاصد ~~الشريعة أي الضروريات الخمس: المحافظة على الحياة، والعقل، ~~والدين، والعرض، والمال بإجماع فقهاء الأمة. فالحياة قيمة ~~مطلقة، والمحافظة عليها واجب ديني، وفرض إلهي، ضد الجوع وسوء ~~التغذية وحوادث الطريق وحروب الإبادة، والاغتيال والاعتقال. ~~وكذلك المحافظة على العقل واجب شرعي، وبالتالي يستحيل الجهل، ~~والتعتيم والكذب والتشويه والتمويه والخداع، فالعقل أساس ~~التكليف. كما يستحيل إيقاع الناس في الأسطورة والغيب والخرافة ~~والسحر والشعوذة. والمحافظة على الدين أيضا فريضة، والدين هنا ~~أي الحقيقة والمبدأ العام الشامل الذي ينتسب إليه الإنسان ~~بعيدا عن العنصرية والقومية والقبلية والطائفية، وبعيدا عن ~~التردد والشك واللاأدرية وتغير القيم تبعا لتغير الظروف، ~~وإيثار النفعية الخالصة والبراجماتية الرخيصة. والمحافظة على ~~العرض تعني المحافظة على جميع القيم الأخلاقية والمبادئ ~~الإنسانية العامة المتمثلة في عرض الإنسان رمز شرفه وكرامته ~~وحرمته. فحرية الإنسان جزء من عرضه، وكرامته وشخصيته المستقلة ~~وحياته الخاصة أيضا من عرضه بعيدا عن مظاهر الانحلال ~~والتفسخ. أما المحافظة على المال فهو دفاع عن حياة الإنسان ~~المادية وحقه في الكسب والرزق، والمأكل والمشرب والمسكن دون ~~عدوان من أحد عليه، ينهب قوته، ويسرق نتاجه، ويبتز عرقه. ~~هذا هو تطبيق الشريعة الإسلامية وليس مظاهر النفاق الديني عن ~~طريق بناء المساجد دون المدارس، والنداء على الصلوات بمكبرات ~~الصوت منافسة للأغاني الإباحية والتفسخ والانحلال ولخطب القادة ~~والسياسيين وكأن كل ما في الأمر هو حرب الهواء، وإطالة اللحى، ~~ولبس الجلباب، وارتداء الحجاب، فما الفائدة في ظاهر عامر ~~والباطن خراب؟ ومما يساعد على ذلك التفسير «الموضوعي» للقرآن ~~من خلال «المعجم المفهرس» لألفاظه حيث يمكن التعرف على ~~النظرية العامة في الحياة أو العقل أو الدين أو المال أو أي ~~موضوع آخر يمس مصالح الناس بدلا من تقطيعه وتجزيئه في التفسير ~~«الطولي» للقرآن، سورة بعد سورة، وآية بعد آية. ~~(4) الإصلاح في الأرض لا الإفساد فيها # ويمكن الاقتراب من مقاصد الشريعة وهي لب الفكر ms185 الإسلامي ~~ليس بالضرورة عن طريق الحكم الإسلامي المباشر وتطبيق الحاكمية ~~وأحكام الشريعة، بل عن طريق الإصلاح في الأرض والنهي عن ~~الفساد، أي الأساس الوضعي للشريعة. وبالتالي تقترب الحركة ~~العلمانية من الحركة الإسلامية، وتتجاوز الحركتان الشعارات إلى ~~المضمون. فكل قضاء على مظاهر الفساد في المجتمع وإصلاح الأرض ~~هو حكم شرعي. وبالتالي على المفكر أن يعرف تماما ما هي مظاهر ~~الفساد الاجتماعي، وما هي مواطن الإصلاح. فالرشوة، ~~والعمولات، والكسب الحرام، والسرقة، والنهب؛ كل ذلك مظاهر ~~فساد وغش. وتقريب الفوارق بين الطبقات واحترام المال العام ~~وصياغة سياسة في الأجور تتناسب مع طبيعة العمل وحده؛ كل ذلك ~~إصلاح في الأرض. فتطوير الواقع نحو الصلاح والأصلح أفضل من ~~هدمه كلية وإعادة بنائه من الصفر، وهي عملية لا يقدر عليها حتى ~~الآلهة. فالإسلام تطوير للجاهلية، وإبقاء على ما لا يعارض ~~العقل والمصلحة. مهمة المفكر الإسلامي أن يعرف جميع مشاكل عصره ~~وأن يرصدها، ويحاول حلها كما كان الإسلام يفعل قبلا في ~~«أسباب النزول» حتى كان الإسلام هو مجموع هذه الحلول للمشاكل ~~المعروضة. لم ينزل القرآن دفعة واحدة بل نزل منجما طبقا ~~للظروف والمشاكل حتى يعيه الناس. # 2 # النهي عن الفساد في الأرض والإصلاح فيها هو الطريق ~~لنشر الإسلام والتعريف به. بل إن النهي عن الإفساد أهم من ~~الإصلاح لأن الإفساد فساد في الأرض وقضاء على فعل الإصلاح. ~~فالإصلاح تدعيم للدين والإفساد تبديل له. # 3 ~~(5) استقلال المؤسسات الدينية # إن صورة الدين في أذهان العامة إنما تأتي عادة من «رجال» ~~الدين، والمؤسسات الدينية. فإذا رأتها لا تقوم بواجبها الديني ~~والوطني، الشرعي والاجتماعي، فإنها تفقد الثقة بها، وتفقد ~~احترامها. إذ تجدها مرة تحلل شيئا إرضاء للحاكم ثم تحرمه ~~مرة أخرى إرضاء للحاكم الآخر. لا تقول الحق بل تبغي رضا ~~الحاكم؛ خوفا من رهبته، أو طمعا في جاهه، أو بحثا عن ماله، ~~حتى أصبح رجال الدين «فقهاء السلطان» أو «فقهاء الحيض والنفاس» ~~أي إنهم أدوات طيعة في يد الحكام أو لا يتعرضون لصالح الأمة ~~ولا يوجهون فكرهم إلى قضاياها الرئيسية. واجب ms186 الدولة إذن هو ~~رفع يدها عن المؤسسات الدينية، وإثبات استقلالها الذي كان ~~يدعمه نظام الوقف؛ حتى لا يرتبط رجل الدين في معاشه بالوظيفة ~~أو السلطان. ويمكن ذلك على النحو التالي: ~~(أ) # دور الإمام الرائد في القرية أو في الحي، حيث ~~يتصل بالجمهور خمس مرات يوميا على الأقل يثقون ~~فيه إذا رأوا فيه قدوة وجرأة، وشرفا ونزاهة، ~~مستعدون لطاعته إذا أمرهم بالمعروف ونهاهم عن ~~المنكر، أكثر من أي إطار سياسي أو «كادر» حزبي لا ~~يلتف حوله إلا أنصاره أو الراغبون في ~~المنفعة. ~~(ب) # دور المسجد أيضا في القرية والحي، حيث يلتقي ~~الناس خمس مرات يوميا على الأقل، فهو مكان عامر ~~باستمرار دون ما دعاية. وأكثر عمرانا من أي مركز ~~حزبي أو خلية سياسية. يجد الناس فيه التقوى ~~والصلاح، الخير والمنفعة، الإيمان والعمل. وهو ~~مكان للعلم دون ما حاجة إلى مدارس وتكاليف إضافية ~~وبرامج محو أمية التي غالبا ما تفشل. ~~(ج) # والجماهير موجودة، ومستعدة للعمل، يسهل تجنيدها. ~~هي الرصيد الطبيعي لأية حركة اجتماعية، حركة ~~تلقائية في مركزها المسجد وفي وسطه الإمام. فلا ~~شكوى إذن من «سلبية» الجماهير التي تعلنها ~~الأحزاب السياسية أو من «غياب» الجماهير، وانعدام ~~ثقلها في الساحة. الجماهير موجودة. وهي جماهير ~~المصلين ، تقع العروش إذا تحركت وتهتز التيجان إذا ~~ما تجندت. ~~(د) # والعقائد أيضا لها دور في تحريك الجماهير ~~وإعطائها تصورات للعالم وموجهات للسلوك، ~~والتوحيد قادر على تحويل جماهير المصلين إلى جند ~~الله يفتحون البلاد، ويحررون الأراضي ويستعيدون ~~مجد الإسلام، ويستردون كرامة المسلمين. والتراث ~~الإسلامي ما زال في قلوبهم يمدهم ببعد حضاري، ~~والتاريخ الإسلامي يعطيهم نماذج وقدوة وسير ~~أبطال، وكأن التاريخ نفسه يعيد سيرته الأولى ~~من جديد. ~~(6) إبطال مظاهر النفاق الديني من أجهزة الإعلام وجهاز ~~الدولة # إن ما يثير الناس والحركات الإسلامية والعلمانية هو وضع ~~«الدين» في جهاز الدولة عامة وفي «أجهزة الإعلام» عنوان الدولة ~~وصورتها خاصة. فكل دولة ترفع شعار الإسلام، تضع في دستورها أن ~~دين الدولة هو الإسلام بعد معارك عدة تشق فيها الوحدة الوطنية ~~وتعتبرها وسيلة لإضفاء ms187 الشرعية على الحكام. كثيرا ما يتسمى ~~الحاكم «أمير المؤمنين» أو «الرئيس المؤمن» طلبا للطاعة ~~وتأكيدا لشرعية الحكم. يؤذن للصلاة في أجهزة الإعلام من ~~خلال الفواصل الموسيقية والبرامج الراقصة. ويحتفل بالموالد ~~النبوية وبأعياد الأولياء، ويعظم القرآن ككتاب محلى ~~بالذهب ومجلد بالقطيفة ومزركش بالفن العربي كتحفة فنية على ~~الموائد والنوافذ والعربات الخاصة. وتبني الدولة المساجد، ~~وتنشئ دور حفظ القرآن، وتقيم الجوائز والمسابقات الدينية، ~~وتحتفل على رأس الطرق الصوفية، وتتشدق بتطبيق الشريعة ~~الإسلامية وبتقنين بنودها. وتركز على الدين كمادة إجبارية ~~في التعليم، وتفرض المواد الدينية على الجامعات بدعوى ~~الإصلاح الجامعي، وتفتح أقسام الدراسات الإسلامية ليس حبا في ~~الإسلام بل لمناهضة الأقسام العلمانية ومقاومة المذاهب ~~الهدامة. وينتسب الحكام إلى بني هاشم أو إلى العلويين أو إلى ~~شريف أو نقيب وكأن النبوة والحكم إرث من السلف إلى الخلف. ~~وتطال الذقون، وتهف السراويل، وتطقطق المسابح، ويفوح ~~البخور، وتباع المساوك، وتغسل الكعبة، وترسل الكسوة حبا ~~في آل البيت أو قدوة للرسول! # | خامسا: خاتمة # مهما نظرنا في الفكر الإسلامي، ومهما بينا الإجراءات العملية ~~التي يمكن اتخاذها لتحقيق أهدافه؛ فإن ذلك كله ينتهي في حقيقة ~~الأمر إلى تكرار أشياء معروفة، قيلت سلفا عشرات المرات في ~~مجلدات ومجلدات دون إضافة جديد. فنظريات الإسلام السياسية ~~والاقتصادية والاجتماعية معروفة، وليس المهم إعادة عرضها، تبرئة ~~للذمة، وتعويضا عن مآسي العصر، بل المهم هو بيان المسافة بينها ~~وبين الواقع، وتغيير هذا الواقع بالفعل حتى يقترب من المثال. وإن ~~تغيير الواقع خطوة واحدة نحو العقلانية أو الطبيعية أو الحرية أو ~~الإنسان أو المساواة أو التقدم؛ لأقرب إلى الإسلام من عشرات ~~النظريات فيها ومئات الآراء حولها. # صحيح أن طريق التغيير من الدعاة، والتنظيمات الشعبية، والمؤسسات ~~التعليمية والثقافية طويل ولكن لا بديل عنه. إنما التغيير الأقصر ~~والأنجع هو التغيير عن طريق السلطة كعامل مساعد. وإن ثورة القيادة ~~لا تقل أهمية عن ثورة الجماهير. ولكن، لما كانت السلطة السياسية ~~تعبيرا عن السلطة الاجتماعية والسلطة الاقتصادية كان السؤال: هل ~~تبغي السلطة السياسية إجراء أي تغيير بالفعل يقوم على مبادئ ms188 ~~الإسلام وقيمه، أم أنها ستكون أولى الضحايا؟ وهنا يدور الفكر ~~الإسلامي في حلقة مفرغة بين مبادئه النظرية وتحقيقاته العملية. ~~فأصحاب السلطة هم ضحايا التغيير، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمور. ~~فهل يقضي الإنسان على نفسه، ويتخلى السلطان عن سلطانه وصاحب رأس ~~المال عن ماله، والظالم عن ظلمه، والقاهر عن سطوته، والساحر عن ~~سحره، والصوفي عن طريقته، والمترئس عن رئاسته؟ هل يتخلى عن ذلك ~~طوعا عن طريق التوبة والانقلاب الداخلي، أم كراهية عن طريقة ثورة ~~الجماهير عليه، أو إعدادا للناس وعرضا ~~للأمور، وطلبا للتحدي، ومعطيا ~~للبرهان؟ لا مفر من الحوار المفتوح أمام الناس بين أصحاب الحقوق ~~وأدعيائها. ومن ثم لا مناص من حرية الفكر الذي بدونه لا يجهر ~~بحق، ولا يقال صدق، ولماذا الخوف والعيش في ظلام؟ وبماذا تنفع ~~الدنيا؟ أليس المال والبنون زينة الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى؟ # يوم لا ينفع مال ولا بنون ~~* إلا من أتى الله بقلب ~~سليم ~~[الشعراء: 88-89]. # | هل يمكن تحليل «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» ~~من منظور إقليمي وفي إطار نظري غربي استشراقي؟ # | أولا: مقدمة: المراجعة كقراءة1 # يصعب على الإنسان أن يعرض ويحلل عملا لأخ وصديق مثل د. هشام ~~جعيط مؤلف «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي»، وأحد ~~المفكرين العرب البارزين ، والأساتذة الجامعيين المرموقين من القطر ~~العربي التونسي الشقيق. ولولا تقديري له وإعجابي بشجاعته الفكرية ~~لما أقدمت على هذا العرض التحليلي الناقد لعمله الفكري. إنما هي ~~الرغبة في الحوار بين المفكرين العرب ولإقامة الجسور بين الأقطار ~~العربية الشقيقة، وعقد أواصر الصلة بين جناحي العالم العربي في ~~المشرق والمغرب هي التي دفعتني لهذا العرض. ومما يزيدني حماسا أن ~~هذا أول مقال لي بعد انقطاع عدة سنوات عن كتابة المقالات والمشاركة ~~الفكرية العامة؛ إيثارا للأعمال العلمية الطويلة الأمد وإكمالا ~~لمشروع «التراث والتجديد». هذا العرض إذن يحتل شرفا مزدوجا ~~للمؤلف والمراجع على حد سواء، فكلانا ينتسب إلى جيل واحد يعاني من ~~مأساة مشتركة ويحاول جاهدا إيجاد حلول قد تتباين بتباين المناهج ~~والمذاهب الفكرية والمواقف الحضارية، وإن كانت تتوحد حول الموضوع ms189 ~~والأزمة. # وكل مراجعة ليست فقط عرضا موضوعيا لموضوعات الكتاب، وهو ما ~~يستحيل عمليا؛ نظرا للصلة بين القارئ والمقروء، بل هي قراءة ~~جديدة من موقع مخالف، رغبة في الحوار وإثراء للموضوع. ليست ~~المراجعة بالضرورة الدخول في المشاكل نفسها التي يعرضها المؤلف، ~~بل رؤية مشكلات أخرى من خلالها توسيعا للموضوع وإكمالا لنظرته. ~~المراجعة تقوم على طرح عدة تساؤلات أساسية، وتحاول إعادة دراسة ~~الأشياء ذاتها التي درسها المؤلف من إطار نظري مخالف. وهذا هو ~~الفرق بين العرض التكراري والعرض الخلاق، الأول للاتفاق ولا ~~يقول جديدا والثاني للخلاف والحوار، الأول للمديح والتقريظ ~~والثاني للنقد والإكمال. فكل قراءة لنص على هذا النحو الثاني هو ~~خلق لنص جديد. وتدعيما للقراءة الجديدة للنصوص الأولى؛ أوردت ~~كثيرا منها كنماذج ممثلة لتيار عام دون إيثار أو افتعال، قد لا ~~يراها المؤلف أفضل النصوص، وقد يراها مقطوعة السياق، وقد يراها ~~معارضة بنصوص أخرى، ومع ذلك فإنها وإن كان يبدو بعضها أحيانا على ~~هذا النحو، إلا أن مجموعها يمثل روحا عامة هي موضوع ~~الحوار. # | ثانيا: الموضوع والمنهج # موضوع الكتاب هو «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» ~~والعنوان على هذا النحو ليس ترجمة حرفية للعنوان الأصلي باللغة ~~الفرنسية، وإن كان أفضل الترجمات؛ فصفة «العربي الإسلامي» في ~~الأصل الفرنسي للشخصية والمصير على حد سواء، وليس للشخصية وحدها، ~~واختصار الصفة إلى «العربي» للمصير، كما أن «المصير» اختيار لأحد ~~جوانب لفظ # Devenir # الذي يفيد معنى ~~المسار والصيرورة أكثر مما يفيد معنى المصير # Destinée # ومع ذلك يظل العنوان ~~المقترح في الترجمة العربية معبرا من حيث جماليات اللغة عن معنى ~~العنوان الأصلي وإن لم يكن مطابقا له مطابقة حرفية تامة. والترجمة ~~المعنوية في النهاية أحد ضروب النقل. وبالرغم من الجهد المبذول في ~~الترجمة ومراجعة المؤلف تدقيقا وتنقيحا إلا أن الأسلوب العربي ما ~~زالت تغلب عليه بعض مظاهر العجمة والتي تبدو أحيانا في النقل ~~الصوتي الذي لا لزوم له مثل «الكلاسيكي»، «المجدلن»، «الميثي» # 1 # أو في الترجمات العربية مثل «الجنسية المثلية» ~~ترجمة للشذوذ الجنسي أو «الأستاذية» ترجمة للمدرسة. # 2 ms190 # كما أن بعض الهوامش تتضمن إحالات إلى ترجمات عربية ~~مع ذكر المراجع الأصلية، # 3 # وأخرى تتضمن عبارات ناقصة وجملا غير مفيدة من حيث ~~التركيب اللغوي. # 4 # كما تغيب عن الترجمة فهارس بأسماء الأعلام أو ~~الموضوعات أو الأماكن مما يسهل على الباحث والقارئ معا التعرف على ~~العناصر الرئيسية المكونة للكتاب. # ويضم الكتاب في الأغلب مجموعة من المقالات كتبت في ظروف ~~مختلفة، وتم العثور لها على بنية عامة تضمها في موضوعات مختلفة ~~ست؛ هي: (1) الشخصية العربية الإسلامية. (2) نحو مصير مشترك. (3) ~~جدلية الاستمرار والتغير. (4) الإصلاح والتجديد في الدين. (5) ~~الإنسان العربي المسلم. (6) تنظيم المجتمع الدولة. وواضح أنه يصعب ~~إيجاد بنية متسقة تعبر عن موضوع الكتاب. فالموضوعان الأول ~~والثاني يعبران عن العنوان الرئيسي للكتاب. والموضوعان الثالث ~~والرابع يتناولان موضوع الأصالة والمعاصرة، القديم والجديد. ~~والموضوعان الخامس والسادس يعرضان لموضوع الفرد والدولة. ومع ذلك ~~تظل الموضوعات الستة متفرقة ينقصها التماسك الداخلي، وتغيب عنها ~~البنية الواحدة التي تكشف عن المكونات الداخلية للشخصية العربية ~~الإسلامية في التاريخ. ونظرا لهذا الغياب للبنية الواحدة ~~للموضوع؛ فقد بدا عدم تناسب كمي بين الموضوعات الستة خاصة ~~الموضوع الثالث «جدلية الاستمرار والتغير» والذي لا يتجاوز ثماني ~~صفحات في مقابل الموضوعات الخمسة الأخرى التي بلغ كل منها حوالي ~~أربعين صفحة، كما أنه أقرب إلى الموضوع الثاني «نحو مصير مشترك» ~~إذ يتناول موضوعي الشخصية والمصير أولا، والبحث عن أيديولوجيا ~~ثانيا، وقد تم تناولهما من قبل في الموضوع الثاني «نحو مصير ~~مشترك». # ويبدو أن صعوبة البحث ومظاهر الاضطراب فيه إنما تنشأ من عدم ~~استقرار الباحث على علم معين يضع موضوعه فيه، علم الاجتماع أو علم ~~التاريخ أو علم السياسة أو علوم الثقافة والحضارة. لقد حاول الباحث ~~الجمع بين كل هذه العلوم وجعل الدراسة أقرب إلى علم الاجتماع ~~التاريخي أو علم التاريخ الاجتماعي، مما جعله يستقر أخيرا على نهج ~~التحليل الاجتماعي للتاريخ. # 5 # ومع ذلك فالمنهج كثيرا ما يتوارى أمام كثير من ~~الأحكام المسبقة؛ مما جعل الكتاب يبعد عن العلم ويقرب من ~~الأيديولوجيا، ويكشف عن موقف سياسي غير ms191 معلن تحت ستار أكاديمي ~~معلن. ظهر الكتاب كله وكأنه خلط بين الموضوعية العلمية والرغبة في ~~التأكيد على الذات، بين الوصف المتجرد والبحث عن الهوية. كما يكشف ~~الكتاب أحيانا عن خلط بين وصف ما هو كائن والدعوة لما ينبغي أن ~~يكون، مستعملا عبارات «يجب»، «لا بد». # 6 # وأخيرا يقع الكتاب في كثير من التعميمات والأحكام ~~الجائرة تتعلق بالأخلاق الإسلامية وبالعالم المعاصر يأباها البحث ~~العلمي الرصين. # 7 # | ثالثا: الأقسام الرئيسية # بعد مقدمة قصيرة (ص5-11) يتحدث فيها الباحث عن عمله كمغامرة، ~~رابطا إياه بتجاربه الحية الفردية والاجتماعية، كاشفا عن بعض ~~أحكامه المسبقة فيما يخص التمايز بين المشرق العربي والمغرب ~~العربي، ومظهرا منذ البداية الإطار الثقافي الغربي والاستشراقي ~~الذي يستند عليه تحليل موضوع الكتاب، وعارضا موجزا لأقسامه. ~~ويضم الكتاب ستة موضوعات رئيسية: # الموضوع الأول «الشخصية العربية الإسلامية» (ص15-51) وهو أيضا ~~العنوان الرئيسي للكتاب. ويشمل ثلاثة محاور: الأول «الإسلام ~~والعروبة» (ص17-25)، ويعطي نموذج تونس المعاصرة وجدلية الانتماء ~~الإسلامي والعروبة ثم يؤصل ذلك في المحور الثاني «القضية ~~التاريخية» (ص26-32) ابتداء من الإسلام المبكر ومرورا ~~بالعالمية العربية الإسلامية في العصر الأول حتى انشقاق العروبة عن ~~الإسلام وتكوين مفهوم الشخصية الأيديولوجية الثقافية. ويركز ~~المحور الثالث «الشخصية التاريخية والقومية» (33-51) ابتداء من ~~الصراع بين الشخصيتين في أوروبا، ثم انتقالا إلى أصالة التطور في ~~الميدان العربي، ومطبقا إياها على القومية الحديثة في المغرب، ثم ~~محاولا التعميم من جديد على التاريخ والوعي القومي، ومنتهيا بحكم ~~عام على الازدواجية العربية. # والموضوع الثاني «نحو مصير مشترك» (ص55-98) وهو العنوان الثاني ~~الرئيسي في الكتاب «المصير العربي». ويدور أيضا حول محاور ثلاثة: ~~الأول «الأيديولوجيا القومية العربية» (ص57-69) ممثلة أولا في ~~البعث، عرضا لفكر ميشيل عفلق ثم نقدا له، وثانيا في الناصرية. ~~والمحور الثاني «في سبيل التوحيد» (ص70-81) ~~عن الوحدة العربية دفاعا عن ~~بعدها التاريخي والثقافي وضرورتها للتنمية الاقتصادية وأهميتها في ~~التربية الأخلاقية والبشرية. والمحور الثالث «المقاومات ~~المستقبلية» (ص82-98) يعرض لصعوبات المشروع الوحدوي ولحالته ~~الراهنة بين التجمعات الإقليمية وطموحات الوحدة الكاملة. # والموضوع الثالث «جدلية الاستمرار والتغير» ms192 (ص101-108) وهو أصغر ~~الأجزاء يتناول الموضوعات السابقة نفسها، الشخصية والمصير، والبحث ~~عن الأيديولوجيا. # والموضوع الرابع «الإصلاح والتجديد في الدين» (ص111-142) يقوم ~~على محورين: الأول «الإصلاح» (ص111-120) ويتركز حول شروط ~~العلمانية ونقد الاتجاه الإصلاحي والتحديثي، ويعرض للعلمنة ~~والتشريعية وتحرير الأخلاقية والصلة بين الدين والدولة. والمحور ~~الثاني «تجديد الرؤية للإيمان» (ص121-142) يبين تاريخية الدين ~~والتفسير الفلسفي للإسلام والقراءة الميتافيزيقية للقرآن. ثم ~~يحاول أن يعبر عن روح الإسلام ويحدد مصير مؤسسه! # والموضوع الخامس «الإنسان العربي المسلم» (ص145-181) يقوم على ~~محورين: الأول التفرقة بين «النقد الذاتي والاستنقاصات الذاتية» ~~(ص145-154)، الأول مجرد نقد ذاتي بينما الثاني استنقاص استعماري ~~للشخصية النفسية كما حدث في المغرب العربي. والمحور الثاني ~~«الشخصية الأساسية» (ص155-181) وهو تطبيق على الشخصية التونسية ~~ومؤسساتها الأولية ابتداء من نهاية العصر الاستعماري حتى التغيرات ~~الراهنة، ثم تعميم التجربة التونسية على الشخصية العربية. # والموضوع السادس والأخير، «تنظيم المجتمع والدولة» (ص185-220) ~~ويقوم أيضا على محورين: الأول «إصلاح البنى» (ص187-195) ~~متناولا الفكر الاقتصادي الجديد والتخلف، ومميزا بين المنظور ~~الفوري والمنظور البعيد، ومقترحا بعض الإصلاحات المحسوسة. ~~والمحور الثاني «استراتيجية المستقبل» (ص196-220) يضع نموذجا يقوم ~~على البنية الاجتماعية العميقة والحركة الاجتماعية المعاصرة، ~~واصفا الدولة البرجوازية ووضع الطبقة المفكرة، ومحددا معالم ~~الديموقراطية والحرية. # وينتهي الكتاب بخاتمة قصيرة (ص223-224) مؤكدا بعض الأحكام ~~الرئيسية في الكتاب حول الشخصية العربية الإسلامية كمفهوم ثقافي ~~وهوية تاريخية أساسية تقوم على رهان تنبؤي ببعث تقليد روحي ~~مستقل، ومؤكدا حكمه المسبق حول استحالة تجديد هذه الشخصية ~~سياسيا، عروبيا أو إسلاميا، وأن القضية الرئيسية هي الحداثة ~~في إطار كوني. # ومع ذلك يتخلل الكتاب بأقسامه الست، موضوعان رئيسيان بين ~~السطور؛ وهما: أولا مصر والعروبة والإسلام، وثانيا الثقافة ~~الغربية والاستشراق. وهما أيضا الموضوعان الرئيسيان اللذان ~~سيصحبان موضوعي الحوار الرئيسيين بين المراجع والمؤلف؛ ~~توثيقا لأواصر الصداقة، وعقدا للحوار بين المفكرين العرب في ~~المشرق والمغرب. # | رابعا: مصر وتونس # ومنذ المقدمة الأولى، يكشف الكتاب عن هوية صاحبه كمفكر تونسي ~~مغربي عربي إسلامي في دوائر أربع متداخلة، وهي دوائر ثقافية ~~حقيقية، دون تنكر لإحداها؛ مرة ms193 باسم تونس المنفصلة عن مصر، ~~ومرة ثانية باسم المغرب العربي المنفصل عن المشرق العربي، ومرة ~~ثالثة باسم العروبة المجتثة الجذور عن الإسلام، ومرة رابعة باسم ~~الوحدة الإسلامية التي لا ترتكن على أسس جغرافية أو لغوية. ~~فالنموذج التونسي مائل في الأذهان، ونظرا لمشاركته نماذج مشابهة ~~في أقطار عربية أخرى في المشرق والمغرب على السواء؛ فإنه يتحول إلى ~~نموذج عربي إسلامي، تعميما للجزء على الكل، وانتقالا من الخاص ~~إلى العام دون مجافاة في الحكم أو تعسف في الإطلاق. # كما يعتمد الكتاب على تحليل تجارب حية عاشها المؤلف باعتباره ~~مفكرا وأستاذا، عالما ومواطنا، عربيا وإسلاميا، وطنيا ~~وقوميا. وبالتالي فهو وصف لتجارب حية يشاركه فيها معظم ~~المفكرين العرب الذين ينتسبون إلى هذا الجيل، وإن كان المؤلف يمتاز ~~عنهم بثقافة واسعة وتحليل يقوم على الغوص في الأعماق. وتصل ~~التجربة الحية إلى حد القلق الوجودي الذي يكشف عن أزمة صاحبه، ~~أزمة الفرد والمجتمع، أزمة الحضارة والتاريخ. ولكن أحيانا تطغى ~~الأزمة النفسية على صواب النظرة ويصبح المؤلف شاهدا على عصره ~~أكثر منه عالما يدرس موضوعه. وبالتالي يتحول الدارس إلى مدروس، ~~وتنقلب الذات إلى موضوع. # وهذا هو السبب في انقلاب الموازين وتخلخل النسب بين الدوائر ~~الأربع التي يضع المؤلف نفسه في مركزها: تونس، والمغرب، والعروبة، ~~والإسلام. ويضع لكل منها نقيضا شعوريا ولاشعوريا: تونس في ~~مقابل مصر، والمغرب العربي متمايزا عن المشرق العربي، والعروبة في ~~مواجهة الإسلام، والإسلام يتميع في النهاية لأنه ليس مع أحد أو ~~في مواجهة أحد، فيمحي في إطار الثقافة الغربية ~~والاستشراق. # ويعترف المؤلف صراحة بأن التجربة التونسية هي منطلقه الأول، ~~ولكن أحيانا تتغلب المحلية التونسية على الشمول المغربي، كما ~~تتغلب الخصوصية المغربية فيما بعد على الشمول العربي، وكما ~~يتغلب الواقع العربي فيما بعد على الشمول الإسلامي. # 1 # ويريد المؤلف اللحاق بالمفكرين المغاربة والوقوف ~~معهم على نفس المستوى من الشهرة والجرأة الفكرية خاصة مفكرهم ~~الأول عبد الله العروي والذي يشير إليه المؤلف باستمرار، مستشهدا ~~به ومؤيدا له دون نقد أو مراجعة حتى يكون «عروي تونس» مسقطا ms194 من ~~حسابه اجتهادات باقي الإخوة المغاربة في الرباط وفاس ومراكش والدار البيضاء. # 2 # ولكن الأخطر من ذلك هو وضع تونس في مقابل مصر، وأن إبراز الأولى ~~ومساهماتها في التجارب الوطنية والإبداعات الفكرية إنما يكون على ~~حساب الثانية؛ إغماطا لحقها وتنكرا لتاريخها العربي والإسلامي. ~~فالكم الهائل من الأحكام الجائرة على مصر إبرازا لخصوصيتها ~~وتمايزها عن العالم العربي ومحليتها وعجزها تثير في الأذهان ~~«البورقيبية» في الحقبة الناصرية. # 3 # فبينما نجد إشادة واحدة بإمكانية تفاهم المصري مع ~~المغربي؛ وبالتالي إمكانية وجود بعد عربي للمصري، إلا أن ذلك في ~~مقابل عدم استطاعة تفاهم الفرنسي مع الإسباني، أي بالمقارنة بالغرب ~~وليس له أية دلالة عربية. # 4 # إلا أن معظم الإشارات إلى مصر إنما تأتي للتأكيد على ~~محليتها وعدم استطاعة تواصلها مع محيطها العربي والإسلامي، بل ~~وتجزئها إلى لهجات محلية داخلية في القاهرة والإسكندرية والصعيد. ~~وبالأولى تتمايز اللهجة المصرية عن اللهجة التونسية وعن باقي ~~اللهجات في الأقطار العربية، وتنتقل المحلية من مستوى اللغة إلى ~~مستوى الإنتاج الأدبي المنغمس في الواقع المصري والذي لا يستطيع ~~القارئ العربي الوصول إليه! ثم تتجاوز المحلية الأدبية ذاتها إلى ~~محلية الوعي القومي والإرادة الوطنية و«المعرفة» في تاريخ مصر ~~الوطني في عصرها الليبرالي. # 5 # ويتجاوز الأمر إلى بناء الشخصية المصرية: قهر السلطة ~~وعجز الناس، تسلط الحكام وضعف الأهالي منذ غزو عمرو بن العاص لمصر. ~~وإن ضعف الناس في مصر في بناء الذات القومية لمشابه لضعف البربر ~~ولضعف أهالي الشام والعراق! # 6 # وينتهي الأمر كله إلى إنكار زعامة مصر؛ نظرا لعجزها ~~ورغبتها في الهيمنة والسيطرة وحب الذات والنرجسية، مع أن هناك ~~مركزين للزعامة: مصر والأندلس، المشرق والمغرب. وقد نقل الفاطميون ~~زعامتهم إلى مصر وضم الأيوبيون الشام، وسرعان ما طرد العثمانيون ~~مصر منها! كما أعطى الإسلام مصر منذ فتحها زعامة تاريخية. فزعامة ~~مصر عرض تاريخي ثقافي، وليست مكونا جوهريا في الشخصية ~~المصرية، بل إن الحركات التحررية الوطنية المعاصرة لم يكن لها مركز ~~واحد في مصر، بل مراكز متعددة في تونس والجزائر، وكلها كيانات ~~محددة، ms195 ولا تمثل تيارا عربيا واحدا يخترقها جميعا تتوالد منه الثورات. # 7 # وهذه هي «البورقيبية» بعينها إبان الحقبة الناصرية ~~والمد الثوري العربي القومي، بما تمثله من عداء لمصر ولزعامتها ~~ولقيادتها حركة التحرر العربي، ورفضها الاعتراف بإسرائيل، ودعوة ~~تونس لذلك وانشقاقها عن الصف العربي، معتبرة نفسها أوروبية أكثر ~~منها عربية، وفرنسية أكثر منها إسلامية. وهو ما يعترف به المؤلف ~~نفسه من وصف لبورقيبة في ذلك الوقت والذي تأثر بما لاقاه من ~~استخفاف أثناء إقامته بمصر، وحذر من محاولاتها للهيمنة، وتبنيه ~~لفكرة الأمة المحدودة على النموذج الأوروبي، وتأثره ببعض الأفكار ~~الاستشراقية بالنسبة لفوضى البربر والبدو، وضرورة الانطلاق إلى ~~البناء الوطني والقومي المحدود للدولة الحديثة! لقد بقي بورقيبة ~~مبهورا بأوروبا ولا سيما بفرنسا مشمئزا في قرارة نفسه من الفكرة ~~العربية ومن المشرق الذي يعتبره مغايرا لعالمه، فالعروبة بالنسبة ~~له صيغة رجعية مغرقة في التقاليد واللاعقلانية وأن القومية العربية ~~ما هي إلا ديماغوجيا وفورة! # 8 # | خامسا: المشرق العربي والمغرب العربي # ويتبنى المؤلف هذا المفهوم الخاطئ الذي سار في أقطار المغرب ~~العربي خاصة في المغرب وتونس ثم في ليبيا والجزائر عن خصوصية ~~المغرب العربي في مقابل المشرق العربي، فالمغرب عقلاني والمشرق ~~صوفي، المغرب إخباري والمشرق إنشائي، المغرب علمي والمشرق ديني، ~~المغرب أوروبي والمشرق آسيوي. ويبلغ الغلو بالخصوصية إلى أنها ~~تتحول من حد التمايز إلى درجة القطيعة بين جناحي العالم العربي ~~استنادا إلى «القطيعة الإبستمولوجية» الواردة من ثقافتي الحي ~~اللاتيني واعتزازا وترويجا لباشلار # Bachelard ~~، وتصل الأحكام أحيانا إلى درجة من ~~القطيعة بحيث تبدو مشابهة لأحكام المؤرخين الأوروبيين الذين وقعوا ~~في أتون العنصرية والشعوبية في القرن الماضي. والأمثلة كثيرة: ~~فالمغرب يستحوذ عليه التبحر في كافة القدرات، في حين أن في المشرق ~~تطمس السيولة اللفظية كل جهد علمي! المغرب يسوده التبحر العلمي حتى ~~ولو كان جافا، والمشرق فكر مجدب متمذهب وغير متمكن من المعرفة! ~~المشرق غارق في الطائفية التي لا يعرفها المغرب. # 1 # التجديد كله من المغرب حتى ولو كان متمزقا لأن المشرق ~~غير قادر عليه. لقد توقف تقدم ms196 المشرق إلى حد التقهقر؛ نظرا لتسلط ~~الدولة ولعدم تطعيم الفكر في المشرق بالثقافة الغربية. أما المغرب ~~فقد استطاع وحده حل مشكلة الأصالة والمعاصرة حين غرق المشرق في ~~القديم وانقطع عن الحداثة. وكيف ينهض الشباب العربي وهو يرى نفسه ~~في المرآة المشوهة للمشرق العربي؟ إلى هذا الحد تبلغ تعسفية ~~الأحكام والتي تصل إلى حد التجريح. # 2 # وبالرغم من اعتراف المؤلف بأن الثقافة المشتركة بين ~~المشرق العربي والمغرب العربي هي واقع ومعطى نهائي لا يرد إلا ~~أن هذه الثقافة المشتركة لا تعني أي توحيد للمصير السياسي أو ~~الكيان الحضاري. فإذا ما تبنى المشرق العربي فكرة القومية العربية ~~توحيدا لأقطاره؛ فإنها لا تعني بالنسبة للمغرب العربي إلا إطارا ~~ثقافيا عاما لا يمس وجدانها السياسي والقومي. فإذا كانت ~~العروبة بالنسبة للمشرق العربي ثقافة وسياسة، فإنها بالنسبة إلى ~~المغرب العربي مجرد ثقافة! # 3 # ويستشهد المؤلف في تأكيده على هذا التمايز الذي يتحول إلى تقابل ~~ثم تضاد وتناقض بين جناحي العالم العربي في المشرق والغرب بوصف ~~هيجل لصلة المغرب العربي بالغرب في مقابل صلة المشرق العربي بالشرق ~~إبان المد الاستعماري الأوروبي في القرن الماضي وتحويل أوروبا كلها ~~مركزا تدور حولها الأطراف في آسيا وأفريقيا والأمريكتين. وعلى ~~هذا النحو يكون مصير المغرب العربي هو الغرب في حين أن اتجاه ~~المشرق العربي نحو الشرق، وهي نفس أطروحة المستعمر الفرنسي في ~~احتلاله لشمال أفريقيا ابتداء من الجزائر منذ قرن ونصف. بل إن ~~الدولة العثمانية ذاتها هي أوروبا الشرقية محررة من سيطرة الشرق! # 4 # فالمغرب هو المغرب الغربي وليس المغرب العربي بفارق ~~نقطة واحدة تحول العين إلى غين. وعلى هذا النحو يكون المشرق ~~العربي في مقابل المغرب العربي وليس في مواجهة الغرب المسيحي، ~~ويتحول التناقض الثانوي - على فرض التسليم به جدلا - بين جناحي ~~العالم العربي في المشرق والمغرب إلى تناقض رئيسي. ويتحول التناقض ~~الرئيسي بين المغرب العربي والغرب الاستعماري إلى تناقض ثانوي، بل ~~إلى وئام جغرافي وثقافي وحضاري! # 5 # | سادسا: العروبة وفلسطين # ويظل استدلال المؤلف مستمرا من التقابل بين مصر ms197 وتونس إلى ~~التضاد بين المشرق العربي والمغرب العربي إلى أن يصل مداه في إنكار ~~القومية العربية وجعل العروبة من اختراع المشرق العربي دون المغرب ~~العربي، ثم التسليم بالمشروع الصهيوني. فالفكرة العروبية إنما ~~نشأت في المشرق لتشييد أمة مجددة في المشرق، وليس في المغرب. ~~والثقافة العربية المعاصرة تتصف بضحالة مؤلمة كما وكيفا فاقدة ~~للنفس والتقنية! إنتاجها الأدبي تسوده السذاجة وتغيب عنه الطلاوة ~~ويعكس عالما ساذجا. بل إن الطبقة الاجتماعية ليست عاملا ~~موحدا بين العرب. فالبرجوازي في بغداد غيره في القاهرة، ~~والبرجوازي في تونس غيره في الجزائر، وكأن التجزئة تستعصي على شتى ~~الاختيارات الأيديولوجية الفكرية المثالية أو الماركسية ~~الاجتماعية، وكأن الاختيار الوحيد هو الانتقائية المنهجية التي ~~تبرز عناصر التجزئة وتخفي عناصر الوحدة والتي لا تنفي شرعية ~~انتقائية مضادة تبرز عناصر الوحدة وتخفي عناصر التجزئة. ويكون ~~التحدي إذن هو اكتشاف جدلية الشرعيتين، التجزئة والوحدة. التجزئة ~~وحدها هي الرصيد الوجداني، هي هذا الجدار الباطني الذي يقف حاجزا ~~بين البدوي في تونس ونظيره في الأردن أو العراق، فالأول جرفه ~~الحضر تحت وطأة هجرة العمالة، والثاني حافظ على بدويته الأولى ~~وكأن هناك عنصرا عربيا نقيا أصيل السمات وهي نظرة عرقية ~~تنافي العروبة التي ترتكز على اللغة والثقافة والحضارة والتاريخ ~~المشترك والتراث القديم. # 1 # وينكر المؤلف على الأمة العربية حاليا أي إبداع كما ~~أنكر من قبل تاريخها. فالشقة الآن بعيدة بين أدنى مؤرخ أو ~~فيلسوف قديم، وبين أكبر مؤرخ أو فيلسوف حديث في الوضع الذي عليه ~~العالم العربي الآن، وكأن أجيالنا الحالية ليست وراء فجر النهضة ~~الحديثة ولم تقم بحركات التحرر ولم تنشئ الدول الحديثة، وكأنها ~~لا تشارك في هموم مشتركة ومصالح مشتركة، وكأنها لا تواجه أعداء ~~مشتركين. وإذا لم يحقق الشعب العربي حتى الآن وحدة النضال إلا أنه ~~يمارس نضال الوحدة. # 2 # بل إن المؤلف ينكر على العرب أخذهم اليابان نموذجا ~~للتحديث، وهو ما كان يدعو له الأفغاني من قبل، ورواد النهضة ~~العربية منذ القرن الماضي؛ نظرا لأن العرب لا يملكون ما تملكه ~~اليابان، وهو مشروع ms198 التصنيع الذي سبق العرب بقرن، وعدم تعرضه للغزو ~~الاستعماري كما تعرض العرب، وعدم تمسكه بإرادة سياسية أدت إلى ~~هزيمته واقتصاره على نمو اقتصادي، على خلاف العرب الذين يحرصون على ~~إرادة سياسية تجعل لهم مكانا في التاريخ! # 3 # إلى هذا الحد وصل حد الإقلال من العرب، تاريخا ~~وحاضرا، مع أن مصر بدأت نهضتها الأولى مع اليابان، وكان ~~الإمبراطور ميجي يعتبر محمد علي رائدا له في بناء الدولة الحديثة. ~~وإن العملاق الاقتصادي والقزم السياسي ليس مثالا يحتذى به. كما ~~أن الإرادة السياسية المستقلة والتأثير في مجرى التاريخ ليس وهما. ~~وينتهي المؤلف إلى إنكار الأمة العربية إنكارا تاما واقعا ~~وتاريخا ومصيرا، وكأن نقد أيديولوجيات القومية العربية حتى مع ~~صوابه هو دليل على عدم وجود أمة عربية وليس فقط دليلا على ضعف ~~الصياغات الأيديولوجية الحالية. # 4 # وبالرغم من أن فلسطين جزء رئيسي من تاريخ العرب وركيزة وجدانهم ~~المعاصر؛ إلا أنها لا تحظى من المؤلف إلا بفقرات محدودة وكأنها ~~هامشية المكان لا تعادل في أهميتها التاريخ الأوروبي بالنسبة ~~للشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. ويدعو المؤلف قراءه ~~العرب إلى التأمل في الوجاهة الأخلاقية والتاريخية للمشروع ~~الصهيوني! فالشعب اليهودي يعود إلى أرض كانت له من قبل؛ وبالتالي ~~فهو يدافع عن كيان مهدد في كيانه، يجمع بين الماضي والحاضر، ~~بين التاريخ والروح. لذلك تعاطف معه الغرب لاشتراكه معه في هذا ~~التاريخ وهذه الروحانية وخذل العرب في فهمهم للقضية؛ نظرا ~~لتركيزهم على الصلة بين الصهيونية والاستعمار! ويمكن نقض ~~المشروع الصهيوني بطبيعة الحال بما يقابله من مشروع عربي ~~إسلامي، حجة بحجة، شرعيتان تتنازعان أرضا واحدة، # 5 # وبالرغم من أن المؤلف يرفض الحلول الاستسلامية إلا أنه ~~أيضا يرفض الحلول الثورية التي ترى في تثوير العالم العربي ~~تحريرا لفلسطين، ويحكم عليه بأنه حل تهربي طوباوي. ويقترح ترك ~~القضية التي يسميها المؤلف «الإسرائيلية» وليس الفلسطينية لآفاق ~~المستقبل، بعد أن عجز الحاضر عن إيجاد حل لها! # 6 # | سابعا: التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية # إذا كان التقابل الذي يصنعه المؤلف بين مصر وتونس، المشرق العربي ~~والمغرب ms199 العربي، والعروبة وفلسطين يمثل مواقف فكرية وسياسية فإن ~~اعتبار التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية كإطار نظري لفهم الشخصية ~~العربية الإسلامية والمصير العربي تتم الإحالة إليه باستمرار هو ~~نوع من التغريب النظري والمنهجي صاحب المؤلف من أول الكتاب إلى ~~آخره. بل إن استعمال التاريخ الغربي والثقافة الغربية كإطار مرجعي ~~تتم الإحالة إليه باستمرار إنما يكشف عن موقف حضاري أبعد وأعمق، ~~وهو فهم الأنا أو الذات بالإحالة المستمرة إلى الآخر أو الغير، ~~وكأن الأنا أو الذات ليس لها إطارها النظري الخاص ولا يمكن ~~فهمها بتكويناتها الداخلية أو باستعمال الإطار النظري الخاص بها من ~~داخل حضارتها التي تكونت فيها الحضارة الإسلامية، وكأن الأنا ~~لا تعكس نفسها إلا في مرآة الآخر، لا تعي ذاتها بذاتها كأنا إلا ~~من خلال الآخر كمقياس ومعيار للحكم. إن من شروط التعريف هو عدم ~~تعريف الشيء المجهول بشيء آخر مجهول بل تعريفه بشيء معلوم، وإن ~~القارئ العربي الإسلامي الذي يريد معرفة ذاته وشخصيته العربية ~~الإسلامية ومصيره العربي لا يستطيع أن يعلمها بالذهاب إلى ~~البوربون والهبسبورغ والبلغار والسلاف والبروتستانت والكاثوليك ~~وأوغسطين ومردال وسنسناتوس # Cincinatus ~~، بل الإحالة إلى الخلفاء الراشدين ~~والأمويين والعباسيين والخلافة العثمانية. وإن القارئ العربي لا ~~يفهم ذاته وشخصيته بالإحالة إلى سارتر وميرلو بونتي وفرويد ~~واشبنجلر، بل بالإحالة إلى الأشعري والغزالي والباقلاني وابن سينا والرازي وابن عربي. ألا يستطيع القارئ الذي لا يعرف كل هذا ~~التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية أن يفهم ذاته وشخصيته؟ وإذا كان ~~المثقفون العرب لا يعلمون هذا الإطار المرجعي الغربي بالدرجة ~~الكافية فالأولى ألا تعرف جماهير القراء ذلك. بل إن القارئ ~~العربي الذي يعرف التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية لقادر أيضا ~~أن يعرف ذاته بالإحالة إلى مكوناته الشخصية ومخزوناتها النفسية ~~ورواسبها القديمة. لا يقع المؤلف فقط في نوع من التغريب يعترف به ~~بادئ ذي بدء. # 1 # بل إن التغريب لديه يتحول إلى نوع من الاغتراب، اغتراب ~~الأنا في الآخر، مع أن من مكونات الشخصية العربية الإسلامية كما ~~فهمها القدماء فهم الآخر من خلال الأنا، وإعادة بناء حضارات ~~الآخر ms200 يونانية ورومانية وفارسية وعبرانية ابتداء من حضارة الأنا. ~~بل لقد استمر ذلك عند رواد النهضة العربية الحديثة وفي مقدمتهم ~~الطهطاوي سواء في «مناهج الألباب» أو في «تخليص الإبريز»، وهم ~~الرواد الذين أسقطهم المؤلف من الحساب كما أسقط التراث القديم، بعد ~~أن اختار التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية كأساس نظري لفهم ~~الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي وكإطار مرجعي تتم ~~الإحالة إليه باستمرار. # والأمثلة على ذلك كثيرة. والنصوص تشهد على أن القارئ العربي لا ~~يفهم شخصيته العربية الإسلامية بالإحالة إلى مكونات الشخصية ~~القومية في الغرب. ألا يمكن فهم الشخصية العربية الإسلامية دون ~~الإحالة إلى الجرمان والإسبان والسلاف والمجر والبلغار؟ هل لا بد ~~لفهم الشخصية العربية الإسلامية من المرور عبر الإمبراطورية ~~الرومانية والغاليين في بلاد غاليا والبروطون في مقاطعة بريطانيا ~~والسلتيبار في أسبانيا، والظاهرة الجرمانية والعصر النيوليتي ~~ومملكة شرلمان والحرب بين ورثة لويس الزاهد؟ هل لا بد من تحليل ~~العناصر المكونة لظهور الشخصية القومية الأوروبية لفهم الشخصية ~~الإسلامية العربية دون التحقق من صدق المفهوم أولا ثم البحث عن ~~مكوناته الداخلية في التراث القديم بدلا من الإحالة إلى تاريخ ~~الغرب وثقافته، النزعة الكسمبوليتية للأسر الأميرية في أوروبا ~~والملك أصيل بلاد هانوفر وأسرة هابسبورغ وأسرة بوربون وعرش اسبانيا ~~وعرش إنكلترا؟ # 2 # وتتجاوز الإحالة من مجرد منطق للتقريب والفهم إلى منطق ~~للحكم. فتكوين الشخصية القومية في الغرب يصبح هو المعيار الذي ~~يقاس عليه تكوين الشخصية العربية الإسلامية، وكأن هناك نمطا ~~واحدا فريدا هو النمط الأوروبي عليه تقاس كل النماذج لدى الشعوب ~~الأخرى. فهو النموذج العالمي الذي انتشر في أوروبا الغربية ~~والشرقية والوسطى منذ القرن الماضي، عصر القوميات حتى هذا القرن ~~مرتبطا بزوال الاستعمار وكأنه لم يستمر في الصهيونية باعتبارها ~~من بقايا عصر القوميات في القرن الماضي. # 3 # وتأخذ فرنسا مكانا مرموقا في التاريخ الأوروبي كما ~~أخذت تونس المكانة نفسها في العالم العربي. فالثورة الفرنسية ~~نموذج الشخصية القومية بعلمها المثلث الألوان وعيدها ونشيدها ~~الوطني لفترة طويلة بشهادة بيجي وميرلو بونتي! وهي كذلك بما أعطت ~~لها من تضامن قومي ms201 وولاء وطني للأمة وليس لشخص الملك وبطابعها ~~الديمقراطي وسيادة الأمة. بل إن الأمر تجاوز حد الهوامش الشارحة ~~للتاريخ الفرنسي، شرح فرنسا بفرنسا والمستشارين البروتستانت لآخر ~~ملوك الغالوا وتعاليم ريشيليو وعدله وتسامح لويس الرابع عشر، كل ~~ذلك لفهم الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي! # 4 # ثم يأتي النموذج الألماني والأنجلوسكسوني والسوفياتي ~~والأمريكي إلا النموذج الإسلامي العربي. فالنموذج الألماني يعتمد ~~على التراب والعرق بجانب اللغة والدين. ويعتمد النموذج ~~الأنجلوسكسوني الأمريكي على المجال الاقتصادي الواسع المنفتح على ~~كل الطاقات البناءة. ويقوم النموذج السوفياتي على قوة ~~الأيديولوجية الماركسية كرسالة كونية توحيدية قادرة على التجنيد ~~القومي للشعوب. # 5 # فالمؤلف يعرف تاريخ نشأة القوميات وتطورها في الغرب ~~والشرق ويحيل الشخصية الإسلامية العربية إليها دون تعميق لجذور ~~هذه الشخصية في التوحيد الذي قام بالدور نفسه الذي قامت به ~~الأيديولوجية الماركسية بالنسبة لانصهار القوميات. # وتكثر الإحالات إلى المؤلفين الغربيين سواء من العصور الوسطى أو ~~الحديثة مثل سنسناتوس وأوريجان وسيريل وأوغسطين وماركس وفرويد ~~واشبنجلر ومردال وسارتر في صراعه مع الرومان بالرغم مما في وجه ~~المقارنة من تعسف وحكم جائر على الحسين شهيدا ووصفه بأنه كان ~~متعطشا للحكم! وتوصف مصر المسيحية بأثر أوريجان وسيريل ومجمع ~~خلقيدونية. ويتساوى في الثقافة العربية في المغرب العربي القديس ~~أوغسطين وابن خلدون وخير الدين باشا! والتاريخ باعتباره قاعدة ~~أساسية للوعي القومي يعتمد بالضرورة على شهادة لاشبنجلر بالضرورة ~~حتى ولو كان التشبيه أعجميا مثل «زاوية المدخن!». واقتران النظر ~~بالعمل في الإسلام لا يوجد فقط عند الرسول محمد بل أيضا عند ~~ماركس. وتحليل الشعور العربي الإسلامي لا يتم إلا بالإحالة إلى ~~فرويد في «مستقبل وهم» وإلى ميرلو بونتي حتى ولو كان الاستشهاد ~~صعب الفهم ركيك العبارة، وهو الذي يشعر المؤلف نحوه بقرب كبير، ~~ووصف الخلق عن طريق سارتر والعالم العربي عن طريق مردال. # 6 # بل إن الحديث عن أيديولوجية البعث يتم أيضا عن طريق ~~الإحالة إلى الثقافة الغربية؛ سواء في إنكاره للمادية التاريخية، ~~أو في تأثر ميشيل عفلق برونبرغ والهيجلية والشخصانية. # 7 # حتى الخاتمة لم تسلم من استشهاد ms202 بمالرو ونقض له فيما ~~يتعلق بطي صفحة التاريخ بطي صفحة اللاهوت. # 8 # إن تعريف الشيء الغامض بشيء آخر أكثر غموضا لا يتفق ~~مع قواعد التعريف، وبالتالي فإن إحالة مكونات الشعور العربي ~~الإسلامي الحالي إلى مكونات الشعور الغربي هي إحالة للشيء الغامض ~~إلى شيء أكثر غموضا، مع أن الإحالة إلى التجارب المعاشة أو إلى ~~المخزون التراثي الثقافي يساعد على التوضيح المطلوب. # وتبدو مظاهر التغريب في دراسة الشخصية العربية الإسلامية؛ سواء ~~في الأحكام العامة أو في النظرة إلى التاريخ والعصور أو في بعض ~~المصطلحات أو في المراجع العامة. فمن الأحكام العامة ما يقوله ~~المؤلف من أن تقهقر المشرق العربي وتقدم المغرب العربي ثقافيا ~~- مع التسليم جدلا بذلك - إنما يرجع إلى أن المشرق العربي لم ينهل ~~من باع الثقافة الغربية قدر ما نهل المغرب العربي مما أغرق المشرق ~~في القديم وقطعه عن الحداثة، في حين أن المغرب العربي قدم حلولا ~~لمشكلة التقليد والحداثة مازجا بين الاثنين. ومثل هذا الحكم يقوم ~~على وضع معكوس، وذلك لانفتاح المشرق على الغرب منذ القرن الماضي ~~بلا حدود، كما أن انفتاحه كان متنوعا وليس فقط على الثقافة ~~الفرنسية. والإغراق في القديم سمة عامة في المشرق والمغرب على حد ~~سواء. بل إن المزاوجة بين القديم والجديد أكثر وضوحا في المشرق ~~على ما وضح في حركات الإصلاح منه في المغرب الذي تحولت فيه ~~المزاوجة إلى ازدواجية وصراع بين الجديد الذي مثلته ثقافة ~~المستعمر وبين القديم الذي مثله التراث دفاعا عن الهوية ~~الوطنية. وما يقدمه المغرب العربي في هذا العصر يشابه ما قدمه ~~الشوام في العصر الماضي، يصبح البعض منه قريبا من الشقشقات ~~اللفظية التي تردد جوانب عديدة من ثقافات الحي اللاتيني. أما ~~بالنسبة للتاريخ والعصور فإن المؤلف يعتبر الإسلام جزءا من تاريخ ~~العصر الوسيط، وكأنه يتبنى الغرب كمقياس لكل الحضارات، فتاريخ ~~الغرب وعصوره الوسطى والحديثة والمعاصرة هي تاريخ لكل الحضارات ~~وعصورها. فالمؤلف يقع ضحية المركزية الأوروبية والتي تجعل ما سواها ~~مجرد أطراف. يتحدث المؤلف عن إسلام العصر الوسيط والإسلام التركي ms203 ~~المتوسطي، وعن بنية الدولة في البلاد العربية خلال العصر الوسيط ~~والحديث. وفي العصور الحديثة يتبنى المؤلف التاريخ الميلادي ~~ويسقط من حسابه التاريخ الهجري، فيتحدث عن ظهور الإسلام في القرن ~~السابع الميلادي، وعن السلطان خليفة المسلمين في القرن السادس عشر. # 9 # ويستعمل المؤلف مصطلح البرجوازيات، والبرجوازية الصغرى ~~نظرا لاستقرار المصطلح وشيوعه في الفكر العربي المعاصر. أما ~~بالنسبة إلى المراجع فإن نسبة المراجع العربية إلى المراجع ~~الأجنبية كنسبة 1 : 7. فمن بين 162 مرجعا هناك 21 مرجعا عربيا ~~في مقابل 141 مرجعا باللغات الأجنبية منها 17 مرجعا لمفكرين عرب، ~~47 مرجعا لمستشرقين أوروبيين، وبالتالي نسبة الاستشراق العربي إلى ~~الاستشراق الأوروبي 1 : 3. ولا تدخل في المراجع مؤلفات الطهطاوي ~~والأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين في دراسة الشخصية العربية ~~الإسلامية! # إن أهم نقد يمكن إذن توجيهه إلى الكتاب هو استعمال التاريخ ~~الغربي والثقافة الغربية كإطار مرجعي تتم الإحالة إليه باستمرار ~~لفهم الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي وهو «التغريب» ~~كأساس نظري لتحليل الموضوع. ويمكن إرجاع ذلك إلى سببين ~~رئيسيين. الأول طول العلاقة بين الأخوة المثقفين في المغرب ~~العربي والثقافة الأوروبية خاصة الفرنسية منها جعل الغرب يظهر في ~~ثقافته كإطار مرجعي حتمي تتم الإحالة إليه باستمرار كما هو الحال ~~قديما وحديثا لدى الإخوة الشوام خاصة في لبنان. والثاني أن ~~الكتاب أصلا مكتوب باللغة الفرنسية ويهدف إلى مخاطبة الجمهور ~~الفرنسي، وبالتالي أصبحت الإحالة إلى الثقافة الغربية ضرورية حتى ~~يمكن للقارئ الغربي عامة والفرنسي خاصة أن يفهم الشخصية العربية ~~الإسلامية والمصير العربي بسهولة ويسر وبالإحالة المستمرة إلى ~~تاريخه وثقافته. ولو كان الكتاب أصلا باللغة العربية للجمهور ~~العربي لما ظهرت هذه الإحالة المستمرة إلى الثقافة الغربية ولتم ~~استعواضها بالثقافة العربية الإسلامية التي يعرفها القارئ العربي ~~والتي يسهل إحالة الموضوعات إليها تقريبا للأفهام. # | ثامنا: حضور الاستشراق وغياب التراث ~~الإسلامي # ولا يحلل المؤلف التراث الإسلامي مباشرة، ولكن من خلال ~~الاستشراق الأوروبي فيعتمد على فلهاوزن كمؤرخ للمسلمين في ~~أسبانيا وبالنسبة إلى معركة بواتييه. كما يحاور جب # Gibb # رأيه بأن أسباب الانهيار هو جمود ~~الفكر ms204 الديني. ويرفض تطبيق تصور كاردينار على الغرب في الوقت ~~الحاضر وبالأولى على العالم العربي. كما يظهر المنهج التاريخي ~~الاستشراقي في الجزء الخامس عن الإنسان العربي المسلم في محوره ~~الأول «نقد ذاتي واستنقاصات ذاتية» حيث يتم فيه الخلط بين ~~الإسلام والتاريخ. ويتم الاستشهاد بجاك بيرك في عبارة إيريك # Eric ~~weil # فيما ~~يتعلق باستحالة الفصل بين الشخصية والمصير التاريخي. # 1 # فالكتاب استشراقي من نوع استشراق جرينباوم ودراساته ~~على الشخصية العربية الإسلامية في التاريخ محددا عوامل السقوط ~~ومسار الانهيار بما يعني ذلك من عدوانية تجاه الموضوع وحقد عليه ~~وتكريس للتجزئة واستئصاله عن ثقافته الخاصة وإحالته إلى الغرب ~~كإطار مرجعي عام، الإسلام مع الغرب، والترك مع المغول، وفارس ~~والصين والهند مع فرنسا وإنكلترا وألمانيا بلا تمايز ثقافي أو ~~حضاري. # وبالرغم من أن الكتاب يتناول الشخصية العربية الإسلامية إلا أنه ~~يميل إلى العروبة أكثر مما يميل إلى الإسلام، وهو تصور أهل الشام ~~أكثر مما هو تصور أهل المغرب الذي اتحد فيه الإسلام بالوطنية دون ~~تدحل عنصر متوسط هو القومية. وينتقي المؤلف من التاريخ ما يؤيد ~~موقفه، ويقرؤه قراءة عربية محدثة لا إسلامية قديمة، وبالتالي ~~يلتقي المؤلف مع الاستشراق من جديد الذي يتحدث عن العالم العربي في ~~مقابل العالم الإسلامي تكريسا للتجزئة وضربا للعرب بالمسلمين ~~وللمسلمين بالعرب، وإذكاء للنعرة العنصرية، وربطا للثقافة ~~بالعرق وليس بالدين. وسواء كان الإسلام أو العروبة فكلاهما ~~يمثل مشروعا للهيمنة على الأمم المفتوحة وفرضا لوحدة تأباها ~~الشعوب! وبالتالي ينتهي الكتاب إلى إنكار العروبة أولا ثم الإسلام ~~ثانيا، ولا تبقى إلا الشوفينية الإقليمية الضيقة والثقافة الغربية المهيمنة. # 2 # أما التراث الإسلامي فإنه غائب تماما، وهو المكون الرئيسي في ~~الشخصية العربية الإسلامية. المصادر الأولى معدومة. والعلوم ~~الإسلامية النقلية أو العقلية أو العقلية النقلية غائبة. ثلاث آيات ~~قرآنية مذكورة، إحداها خاطئة وكأنها هي الأخرى مترجمة عن الفرنسية: ~~«ولا تظنن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا!» # 3 # بالرغم من اعترافه بأن القرآن قلب الإسلام. ويدعو ~~المؤلف إلى العلمانية ويرفض محاولات اكتشاف العقل والطبيعة في ~~القرآن. ويحاول ms205 دفع تهمة الاستشراق القائل بتشويه القرآن لروايات ~~التوراة باللجوء إلى العطاء الأسطوري المشترك للضمير الديني ~~اعتمادا على استشراق آخر. # 4 # أما الحركة الإصلاحية وروادها الأوائل مثل الأفغاني ~~ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا وروادها لدى الحركات الإسلامية ~~المعاصرة؛ فإنها لا تكاد تذكر. والمرات القليلة التي أشار فيها ~~المؤلف إلى محمد عبده كلها نقدية رافضة؛ مثل نقد الاتجاه الأصولي ~~الذي يرى أن هناك المجتمع الإسلامي والعالم الحديث في سياق واقعنا ~~وجها لوجه، ونقد اعتبار أن للدين دورا محركا في كافة الميادين ~~وباعثا على العقلانية والعلم! # 5 # وفي النهاية، وبالرغم من كل شيء، فإن الكتاب إنما يكشف عن شجاعة ~~صاحبه ورغبة في «اقتحام هذه المغامرة» تحديا لمعجزة الإنجاز، «ذلك ~~العجز الذي كان يبدو لي سمة للفكر التونسي بل المفكر المغربي بصفة ~~أعم» (ص5) وبالتالي فالمؤلف يبحث له عن دور مسار للمفكرين ~~المغاربة. ولكنه في النهاية يكشف عن تيار بأكمله، تيار المتغربين ~~من علماء الاجتماع والتاريخ في مقابل تيار وطني قومي آخر أكثر ~~التحاما بالتراث الإسلامي وأكثر ارتباطا بالمشرق العربي دونما ~~ذكر للأسماء، ومع ذلك يكفيه فخرا محاولته اكتشاف بعدي الإنسان ~~والتاريخ الغائبين في وعينا القومي. # ليس القصد من هذا العرض تصيد الأخطاء أو الهجوم على الإخوة ~~المغاربة؛ فهم زملاء، وكثير منهم أصدقاء. إنما القصد الدخول في ~~حوار مع أحد المفكرين اللامعين في القطر التونسي الشقيق، وأداء ~~لواجب ثقافي ووطني للأخ الصديق هشام جعيط الذي بدا لي من خلال ~~كتابه المثير «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» تونسي ~~القطر، مغربي الإقليم، غربي الثقافة. ms206