######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.Huwiyya.Hindawi41373792 #META# Tags: philosophy #META# ID: 41373792 #META# Title: الهوية #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الهوية‏ # الإهداء‏ # الهوية‏ # | الهوية # | الهوية # تأليف # حسن حنفي # | الإهداء # إلى شهداء الربيع العربي. # حسن حنفي # 25 يناير 2012 # | الهوية # أولا: الموضوع والمنهج # الهوية موضوع فلسفي بالأصالة. عالجه الفلاسفة المثاليون والوجوديون على حد سواء؛ ~~المثاليون ميتافيزيقيا، وحولوه إلى قانون، قانون الهوية. والوجوديون نفسيا؛ ~~منعا لانقسام الذات على نفسها، ومن ثم إنكار الوجود الإنساني. وقد يصبح عند بعض ~~الفلاسفة القانون الأول في الفكر وفي الوجود مثل فشته. والغيرية ليست قانونا مستقلا ~~بذاته مغايرا، بل هي نفي للهوية «اللاأنا». ويكون القانون الجدلي الموضوع: الأنا. ~~نقيض الموضوع: اللاأنا. مركب الموضوع «الأنا المطلق». # 1 # وهو عند الواقعيين، خصوصا الوضعيين، تحصيل حاصل، لا يعني شيئا. هو تكرار ~~لفظي للضمير المنفصل «هو»؛ مثل معظم مصطلحات الفلاسفة ومشكلاتهم. من الطبيعي أن يطابق ~~الشيء ذاته وألا ينفصم عنها في غيره. هذه طريقة الميتافيزيقا؛ إثارة الغبار ثم الشكوى ~~من عدم الرؤية. فهي بالنسبة إلى الوضعيين مشكلة زائفة مثل معظم قضايا الميتافيزيقا، أو ~~هي عبارات أدبية مصوغة على نحو عقلي. لا مضمون لها، ولا تشير إلى شيء، ولا تقول شيئا، ~~مجرد تحصيل حاصل، والحديث عنها لغو كلام. # وهي ليست موضوعا صوريا نظريا لا يفهم؛ كما تقول العامة التي تريد التعامل مع ~~الأشياء العيانية الملموسة؛ فماذا يعني أن يكون الشيء هو هو؟ وهل الشيء غير الشيء ~~نفسه؟ ومن الذي افترض أن الشيء يمكن أن يكون على غير ما هو عليه؟ أليس ذلك افتراض مشكلة ~~ثم محاولة حلها؟ خطأ في السؤال، وخطأ في الإجابة، ومجموع الخطأين لا يكون صوابا، ~~يكثر الميتافيزيقيون استعماله؛ لأنه يعبر عن الموضوع في ذهنهم، وهو مثلهم الأعلى، وهو ~~مصطلح شائع عن الفلاسفة مثل باقي المصطلحات الفلسفية؛ يفترضون القسمة ثم يقولون ~~بالوحدة، يفترضون أفلاطون ثم يقولون بأرسطو. # ويتداخل مفهوم الهوية مع مفهوم الماهية؛ فالهوية لغويا أن يكون الشيء هو هو وليس ~~غيره، وهو قائم على التطابق أو الاتساق في المنطق. والماهية أن يكون الشيء «ما هو» ~~بزيادة حرف الصلة «ما» على الضمير المنفصل «هو»، والمعنى واحد. قد يجعل البعض ms01 الماهية ~~أكثر عمقا من «الهوية»، وفي اللغات الأجنبية لكل لفظ منفصل ماهية # Essence # من اللاتينية # Esse ~~؛ وهو فعل الكينونة. ولفظ «هوية» # Identité # من الضمير # Id ~~؛ أي: هو. # وكما يتداخل مفهوم الهوية مع مفهوم الماهية، فإنه يتداخل أيضا مع مفهوم الجوهر، ~~وتنتسب المفاهيم الثلاثة إلى جذر معنوي واحد، لا إلى جذر لغوي إلى مفهوم الأصل. وإذا ~~كان مفهوما «الماهية» و«الهوية» مشتقين لغويين من نفس الجذر «هو»، فإن الجوهر ~~استعارة من علم المعادن؛ من الجوهر النفيس؛ فالشيء جوهر؛ أي: غال. وهو في نفس الوقت ~~لب الأشياء؛ كالمعدن النفيس بالنسبة إلى باقي الأحجار الكريمة، ومنها «جوهرة»، وقد ~~استعارها الفلاسفة في تسمية كتبهم؛ مثل «جواهر القرآن» للغزالي. # الهوية خاصة بالإنسان والمجتمع، الفرد والجماعة. هي موضوع إنساني خالص، فالإنسان ~~هو الذي ينقسم على نفسه، وهو الذي يشعر بالمفارقة أو التعالي أو القسمة بين ما هو كائن ~~وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والمثال، بين الحاضر والماضي، بين الحاضر والمستقبل. هو ~~الذي يشعر بالفصام، وهو الذي تنقلب فيه الهوية إلى اغتراب. الإنسان وحده هو الذي يمكن ~~أن يكون على غير ما هو عليه، فالهوية تعبير عن الحرية؛ الحرية الذاتية. الهوية ~~إمكانية قد توجد وقد لا توجد؛ إن وجدت فالوجود الذاتي، وإن غابت فالاغتراب. # الهوية إذن على الرغم من أنها موضوع ميتافيزيقي، فإنها مشكلة نفسية وتجربة شعورية؛ ~~فالإنسان قد يتطابق مع نفسه أو ينحرف عنها في غيرها. الإنسان الواحد ينقسم إلى قسمين: ~~هوية وغيرية، أو يشعر بالاغتراب إن مالت الهوية إلى غيرها أو انحرفت إليه. فالاغتراب ~~لفظ فلسفي، والانحراف لفظ نفسي. الهوية أن يكون الإنسان هو نفسه، متطابقا مع ذاته؛ ~~في حين أن الاغتراب هو أن يكون غير نفسه بعد أن ينقسم إلى قسمين؛ هوية باقية وغيرية ~~تجذبها. # الهوية خاصية للنفس لا للبدن. هي حالة نفسية وليست حالة بدنية؛ طبقا للقسمة ~~الأفلاطونية السينوية الشهيرة بين النفس والبدن. بيد الإنسان ذاته، وليست بيد الطبيب؛ ~~حتى لو كان طبيبا نفسيا يرضي بها المريض انتظارا للموت، أو يعوضها بحالة نفسية ms02 ~~نقيضة هي القوة التي لم يحصل عليها؛ كما هو الحال عند نيتشه؛ إرادة القوة كرد فعل ~~على عجز البدن. يسميها المتدينون حالة روحية يغلب عليها الكفر لا الإيمان، الشرك لا ~~التوحيد. فهي كفر برحمة الله ويأس منها، وإيمان بالشرك؛ أي: بالتوزع نحو قطبين، وقد ~~تنشأ من البدن إذا كان عليلا ميئوسا من شفائه؛ إذ يتوق المريض إلى الصحة؛ وهي ~~الحالة التي يرجوها ويتوحد معها. فالاغتراب حالة نفسية؛ كما أنه حالة بدنية. وإذا كان ~~الاغتراب حالة وجودية، فلأن الوجودية لا تفرق بين النفس والبدن. والإنسان جسد كرد ~~فعل على جعله روحا في الفلسفات القديمة، وكما هو الحال عند ميرلوبونتي وجابريل مارسل ~~في فلسفة الجسد. # قد يعتبر بعض الوجوديين أن الهوية هي البدن؛ لرفضهم ثنائية النفس والبدن. «أنا جسمي ~~- كما يقول جابريل مارسل - وعن طريق الجسم أتحرك وأنتشر في العالم وأعاشر جنسيا ~~وأصارع». ويرفض سارتر مقولة ديكارت: «أنا أفكر» # Cogito ~~، ~~ويفضل: «أنا موجود» # Ego ~~. # 2 # والوجود هو البدن قبل أن يتخلق فيه الوعي. والبدن هو الذي يجوع ويعرى، ~~يحس ويشعر، ويبرد ويحتر، ويسكن ويبقى بالعراء، ويمرض ويصح، ويصرع ويصرع، ويحيا ~~ويموت. هوية الفقير في كفايته، وهوية الغني في طمعه، هوية الجائع في إطعامه، والعاري ~~في إلباسه، والشريد في إيوائه؛ هي الهوية المباشرة التي يشترك فيها الجميع، الهوية ~~الحسية التي لا تحتاج إلى وعي ذاتي؛ لأنها سابقة عليه، الهوية التي يثور الجياع ~~والمشردون والفقراء والمساكين والمرضى لنيلها؛ هي الهوية التي أتى المسيح لإثباتها ~~للمهمشين في المجمع الروماني؛ هي الهوية التي أثبتها القرآن للفقراء والمساكين ~~وأبناء السبيل والعبيد وصغار الموظفين # والعاملين ~~عليها ~~. # وقد أصبحت الهوية عنوانا لفلسفة «فلسفة الهوية» عند شلنج؛ أي: أن يكون الوجود ~~مطابقا لنفسه دون فصام أو انقسام أو ازدواجية أفلاطونية، تطابق الروح والطبيعة، ~~المثال والواقع، دون حركة أو جدل أو مسار؛ كما هو الحال عند هيجل. فهي ليست فقط هوية ~~رياضية أو منطقية أو فلسفية أو نفسية، بل هي هوية أنطولوجية أقرب إلى وحدة الوجود عند ~~الصوفية. فالهوية قد تنتقل ms03 من تجربة فردية إلى الوجود كله. الهوية ليست مجرد ظاهرة ~~نفسية بل ظاهرة كونية. # لذا كان أفضل منهج لتناول الموضوع هو المنهج الظاهرياتي «الفينومينولوجي»؛ منهج تحليل ~~الخبرات الشعورية؛ ما دامت الهوية ظاهرة إنسانية. وهو تحليل مباشر دون الاعتماد في ~~مقدماته أو نتائجه على أدبيات الموضوع؛ من أجل تجاوز منهج «قال ... يقول»، وتجميع أقوال ~~السابقين؛ فالقول قد يخفي العلاقة المباشرة بين الذات والموضوع؛ في حين أن التحليل ~~المباشر للظاهرة يعتمد على الحدس، وقلب النظرة من الخارج إلى الداخل؛ من النص إلى ~~التجربة، ومن اللفظ إلى الشيء ذاته. فالمعنى الذي يدل عليه اللفظ ليس في اللفظ ولا في ~~المعجم، بل في النفس. ما النص إلا علامة أو إشارة، ولا فرق بين الوافد والموروث، بين ~~الأدبيات الغربية والأدبيات التراثية؛ فكلتاهما رؤى ومواد علمية مختلفة ومتباينة. ~~إنما المهم هو النظير المباشر للواقع، التحليل المباشر للتجربة الذاتية، وهو الفرق بين ~~المعلومات والعلم؛ المعلومات نقل ما عرفه السابقون، والعلم قراءة ما بين السطور. لا ~~يقوم البحث على تجميع للمعلومات غربا وشرقا، بل إضافة معلومة جديدة تزيد في العلم. ~~فلا يوجد إحساس بالنقص لدى الباحث تجاه القدماء ونصوصهم، يعرفها ويعرف ظروفها التي ~~حاولت هذه النصوص التعبير عنها. وما أسهل نقل المعلومات! وما أصعب إبداع العلم! والحدس ~~المباشر وقلب النظرة قادران على رؤية الشيء والتعبير عنها. ولا يوجد نقص لدى الباحث ~~تجاه معلومات الآخرين، وهو قادر على إبداع نص مثل نصوصهم والمترجمة عنهم. # ولا يعتمد تحليل الخبرات الشعورية على المراجع والدراسات والرسائل والمؤلفات في ~~الموضوع - وما أكثرها - بل يعتمد على التحليل الذاتي. دراسات الآخرين أدبيات في حاجة ~~إلى المراجعة والتحقق منها، وقياسها على التجارب الشعورية لمعرفة الصحيح منها. وهو ~~موضوع مستقل يقوم به شباب الباحثين وما تتطلبه الدراسات العليا في الجامعات، وهي تمتلئ ~~بأسماء الأعلام، وكلما كثرت زادت أهمية البحث، وكلما زادت اتسعت آفاقه، وأصبح الباحث ~~عالما مثل من ينقل عنهم. الإطار المرجعي في الدراسات الظاهراتية هو الشيء ذاته لا ~~القول، هو الموضوع لا النص. يعتمد التحليل على ms04 الحدس المباشر وقلب النظرة من الخارج إلى ~~الداخل، وعيش الموضوع باعتباره قصدية يمكن رؤيتها. وهي إيحاء متبادل بين الذات ~~والموضوع. فالهوية ليست موضوعا صوريا ميتافيزيقيا مجردا؛ بل هي قصدية يشعر بها ~~الباحث، يصف الموضوع بتحليل ذاته، ويحال فقط إلى بعض الكتابات السابقة من أجل عدم ~~التكرار. # وإذا صعب تحديد الهوية إيجابا، فإنه من السهل تحديدها سلبا؛ أي: فقدان الهوية - أو ~~ما يسمى بالاغتراب - أن تخرج الهوية خارج الوجود. تتخارج وتصبح بديلا عنه، ~~يرى فيها الإنسان وجوده، وينسى وجوده الأصلي. وقد تحدث الفلاسفة، خصوصا الهيجليين ~~منهم، عن الاغتراب أكثر مما تحدث الفلاسفة عن الهوية. كما أنه من الصعب الحديث عن ~~الله إيجابا ومعرفة «ما الله»؛ في حين أنه قد يسهل الحديث عن الله سلبا لمعرفة ما ~~ليس الله؛ لذلك كان اللاهوت السلبي أكثر سهولة ويسرا من اللاهوت الإيجابي، بل أكثر ~~قبولا، فالله ليس شيئا، وليس مرئيا، وليس محدودا، وليس متناهيا، وليس فانيا، ولا ~~مكان ولا زمان له. وظيفة التعريف السلبي هنا التطهير مما يعلق بالتعريف الإيجابي من ~~تشبيه. التعريف السلبي تنزيه مستمر. «كل ما خطر ببالك؛ فالله خلاف ذلك»، «لا تفكروا في ~~ذاته، وفكروا في آثاره». فالهوية بهذا التعريف السلبي ليست فصاما ولا انقساما ولا ~~تغايرا ولا تخارجا ولا اغترابا للذات؛ الهوية هي المحافظة على الوجود توترا ~~ذاتيا. # وعلى الرغم مما يبدو على الموضوع من طابع فلسفي ميتافيزيقي خالص، فإنه يرتبط بالفكر ~~العربي المعاصر في القرنين الأخيرين منذ فجر النهضة العربية حتى الآن الذي يكشف صراع ~~الهويات؛ فهو ليس موضوعا نظريا بل هو موضوع تاريخي يتعلق بوجود العرب في ~~التاريخ. # ومصطلح «الهوية» لفظ تراثي قديم، موجود في كتب المصطلحات مثل «التعريفات» للجرجاني، ~~ومعناه أن يكون الشيء هو هو، وليس له مقابل؛ مما يدل على ثبات الهوية. وهو موجود أيضا ~~في المعاجم والقواميس الغربية في مصطلح # Identité ~~، ~~و # Identity ~~، وأحيانا في مصطلح «الإنية» المشتق من ~~«أنا» # Ipseité # و # Ipseity # بنفس المعنى. يستعمله الفرابي في كتاب «الحروف» في مقابل اللفظ الغربي # Altérité # أو ms05 # Alterity ~~، ويعني الغيرية، وهو على نقيض الهوية. ~~وقد تكون الغيرية نسبية وليست كلية، أن يحدد انحراف الهوية والتعبير عنه بلفظ # Aliénation # من لفظ # Alius # ويعني الغير. وليس للفظ الأجنبي لفظ عربي ~~قديم مقابل، وقد ترجمه المحدثون بلفظ «اغتراب»، وقد يكون المقابل لفظ «اختلاف»، وهو ~~موجود عند القدماء، وموجود في التراث الغربي # Difference ~~. وأصبح التقابل بين الهوية والاختلاف # Identité et Difference # شائعا. وفي التراث العربي ~~«الاختلاف» أكثر شيوعا من الهوية لأنه لفظ بسيط؛ في حين أن الهوية لفظ مركب من ~~الضمير المنفصل «هو» لا يتكرر. # كما تعني «الهوية» الشخصية أو التحقق منها في تحقيق الشخصية Piéce ~~d’Identité ~~؛ أي: مطابقة الشيء لنفسه. فالهوية تتعلق بالشخصية ~~وبالعدد وبالتفرد وبالكيف؛ كما تقول المعاجم التي تعبر عن تصورات مجردة واقتباسات من ~~أقوال الفلاسفة. وهي في الحقيقة وقائع حسية عيانية لا تحتاج إلى كل هذا التجريد. # 3 ~~«الهوية» هنا صورة أو بطاقة لتعرف الآخر على الذات في البنوك والمؤسسات ~~والمركبات والامتحانات، وكل ما يحتاج إلى التحقق من الشخصية. لها رقم وصورة وتاريخ ~~ميلاد ومكان وتاريخ إصدار؛ للإشارة إلى فرد بعينه، وانتحالها يعاقب عليه ~~القانون. # وهذا يفرض أسلوبا وصفيا أدبيا؛ حيث لا فرق بين الفلسفة والأدب، فليست الفلسفة ~~أسلوبا عويصا ومصطلحات غربية لا تفهم، بل هي أقرب إلى وصف الحياة اليومية وتحليل ~~التجارب المعيشة. هكذا كانت عند سقراط وياسبرز ورسل المتأخر والتوحيدي وعثمان أمين ~~وزكريا إبراهيم وزكي نجيب محمود المتأخر. ليس الأدب مجرد قصص وشعر ومسرح، بل أيضا ~~تحليل فلسفي لتجارب الحياة، وبحث عن دلالاتها؛ كشعر المعري وشكسبير وجوته ونزار ~~قباني وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور. بل يمتد الأمر إلى زجل بيرم التونسي والأبنودي وأحمد ~~فؤاد نجم. على هذا النحو تخرج الفلسفة من النخبة إلى الجماهير، ومن الخاصة إلى العامة؛ ~~دون أن تفقد دقتها وعمقها. وقد امتازت فلسفات بالوضوح والبساطة؛ مثل فلسفة التنوير ~~وفلسفة برجسون. # ثانيا: الهوية والاغتراب # ليست الهوية موضوعا ثابتا أو حقيقة واقعة، بل هي إمكانية حركية تتفاعل مع الحرية. ~~فالهوية قائمة على الحرية؛ لأنها ms06 إحساس بالذات، والذات حرة. والحرية قائمة على الهوية ~~لأنها تعبير عنها. والحرية تحرر؛ أي: أنها إمكانية لأن يكون الإنسان حرا. الهوية ~~إمكانية على إمكانية . الهوية إذن ليست شيئا معطى، بل هي شيء يخلق. لا يشعر بها ~~كل إنسان كوعي مباشر؛ فالإنسان اليومي يوجد أولا، يعيش أولا، ثم يعي ذاته ثانيا. ~~يأتي الوعي الذاتي بعد الوجود البدني، ثم يأتي الوعي بالعالم المحيط. وينشأ التساؤل عن ~~الهوية: من هو؟ ولماذا هو في هذا الوضع الاجتماعي؟ وماذا يعني المحيط السياسي حوله؟ ~~وما هذا الإعلام الصاخب الذي يسمعه؟ وماذا تعني هذه الصراعات السياسية حوله، ومحاولة ~~إقناعه أو إغرائه أو حتى شراء صوته للانتخاب إلى هذا الفريق أو ذاك؟ وما هذا الزحام في ~~الطريق والتسابق بالعربات يمينا ويسارا؛ وهو سائر على الأقدام فوق الرصيف الذي «تركن» ~~فوقه العربات أو تقف عليه عربات الباعة الجائلين، أو ترسو عليه صناديق القمامة - ~~المفتوحة أو المقلوبة أو التي خارجها حولها أكثر مما بداخلها، تتعايش عليها القطط ~~والكلاب الضالة - لا يجد قوت يومه هو وأسرته؟ وإذا مرض أحد منهم كيف العلاج وشراء ~~الدواء؟ أما إذا مات أحد منهم فأين يدفن وهو ليس له مقابر إلا للسكنى بالإيجار؟ ~~وأين يرسل أولاده للتعليم إذا ما بلغوا السن القانونية؛ خوفا من العقاب أو طمعا في ~~مستقبل أفضل لهم؛ بدلا من تركهم أطفالا للشوارع أو باعة جائلين بين العربات وعلى ~~مفارق الطرق، وتحت إشارات المرور، مع العجائز على أرصفة الطريق يحملن الأطفال في ~~البرد القارس أو في الحر القائظ؟ # وقد تتحول الهوية إلى اغتراب؛ تنقسم الذات على نفسها، وتتحول مما ينبغي أن يكون إلى ~~ما هو كائن، من إمكانية الحرية الداخلية إلى ضرورة الخضوع للظروف الخارجية بعد أن يصاب ~~الإنسان بالإحباط - والإحباط عكس التحقق - وضعف الإرادة، وخيبة الأمل، وتخل عن ~~الحرية. تشعر بالحزن دون معرفة السبب، وتشعر باليأس والشقاء، كما وصف فلاسفة الوجود مثل ~~كيركجارد وهيدجر وسارتر، ثم يسيطر الاغتراب على موضوع الهوية. ويتناوله الفلاسفة منذ ~~هيجل وماركس حتى فلاسفة الوجود المعاصرين سارتر ومارسل ms07 وياسبرز. فالاغتراب هو الأكثر ~~شيوعا، وهو الأكثر وقوعا. الهوية حالة مثالية؛ في حين أن الاغتراب حالة واقعية، بل ~~إن بعض الفلاسفة يرى الهوية مجرد افتراض ميتافيزيقي؛ في حين أن كل إنسان مغترب بطريقة ~~أو بأخرى، فالاغتراب على درجات من الشدة، والإنسان الطبيعي هو الذي يوجد بين قطبي ~~الهوية والاغتراب، ولا يمكن التخلص من الاغتراب أو على الأقل درجة منه يحددها التحقق ~~الذاتي. # وقد يؤدي فقدان الهوية، أي: الاغتراب، إلى ردي فعل متضادين؛ مثل العزلة ~~والانطواء أو الانتشار والعنف. ولما كانت الهوية أصيلة في الوجود الإنساني، فإنها ~~تتحقق في أشكال عديدة؛ سواء كانت منطوية أو منتشرة، إلى الداخل أو إلى الخارج. ~~وكلاهما خارج الوجود الإنساني لا فيه، كلاهما انحراف عنه لا تحقيق له. فمن يفقد ~~هويته يفقد قدرته على الحركة والنشاط، وتتبخر طاقته التي تحركه، ويعتزل الناس في ~~حالة انكماش أو انقباض أو تقلص؛ مثل الحبيب الذي هجرته حبيبته، أو القريب الذي فقد ~~أعز الناس إليه. وقد يشعر بالضياع لأن الهوية هي الوجود، وقد يخون مكتشفا هويته في ~~غيره. ويشعر بالعدم والخواء والفراغ الذي يحس به الوجوديون؛ مثل سارتر وهيدجر في ~~قولهم: «الوجود عدم». وقد ينتحر لأن وجوده لم يعد له أساس. هوية خاوية بلا مضمون، ~~تأخذ من ذاتها مضمونا بعد أن ضاع مضمونها. تصبح في حالة كمون دون أن تضيع. تنتظر ~~الفرصة حتى تتخارج وتنطلق وتأخذ الطريق الثاني؛ طريق العنف والعدوان. # قد يتخارج الانطواء في فعل حقيقي عن طريق المخدرات بأنواعها كافة، وانتشارها عند ~~الأغنياء مظهر من مظاهر الترف، وعند الفقراء مظهر من مظاهر العوز، والفرق هو «الصنف». ~~وانتشر تجار المخدرات في الطبقات العليا ترفا، وفي الطبقات الدنيا عوزا، وفي ~~الطبقات الوسطى «مزاجا» و«سلطنة» كما وضح في بعض روايات نجيب محفوظ مثل «ثرثرة فوق ~~النيل». يجد الإنسان هويته من صنعه، من وضع الخيال، في عالم يحلم به، يريد الغوص فيه ~~وعدم العودة منه، ويا ليته يكون مع «شلة الأنس»؛ تعويضا عن جماعة العمل الفعلي. وهو ~~طريق سهل ليس به أي ms08 مخاطرة إلا مع أجهزة الأمن ومخالفة القانون، وعادة ما يتم التغلب ~~على هذه المخاطرة إما بالحرص وإما بالتواطؤ. وهناك عشرات من الدراسات الاجتماعية عن ~~ظاهرة «تعاطي المخدرات»؛ أسبابها ودوافعها وطرق علاجها. وقد انتشرت في الأدب الحديث ~~العربي والغربي؛ بخاصة في الأدب الوجودي. واشتهر بعض كبار الأدباء بالتعامل مع الظاهرة ~~مثل جان جينيه وغيره. # وقد تتحقق الهوية في أشكال أخرى من الانحراف؛ مثل الشذوذ الجنسي الذي انتشر بين ~~مشاهير الكتاب والفنانين عربا وغربيين. فالشذوذ الجنسي عنف مع لاعنف، إيجاب مع سلب، ~~التحقق في شخص بدلا من التحقق في جماعة. الفاعل قوي اجتماعيا، والمفعول فيه ضعيف ~~يريد أن يكون قويا من الباب الخلفي. ليس لدى الفاعل إحساس بالذنب، بل هو حقه في ~~الانتصار عن طريق الانتصاب. في حين يظهر الإحساس بالذنب عند المفعول فيه، ضعف على ضعف، ~~وانكسار على انكسار، وانفعال تحت فعل. قد ينتهز الفرصة للانتقام إذا ما حانت، ويتحول من ~~مفعول فيه إلى فاعل، ومن منكسر إلى منتصر؛ كما هو الحال في رواية «عمارة هاجوبيان» ~~للورداني. وينتشر الشذوذ الجنسي أيضا في الطبقة العليا ترفا، وفي الطبقة الوسطى ~~مزاجا، وفي الطبقة الدنيا عوزا وتعويضا. # وعلى عكس الطريق السابق قد تسترد الهوية نفسها خارجها في العالم؛ في الانغماس في ~~الحياة الدنيا؛ حياة اللهو والترف ومظاهر # Dolce Vitae ~~، ~~حياة المولات والمدن الجديدة الصحراوية والساحلية؛ خصوصا إذا توفرت الإمكانيات ~~المادية. وهي حالة البذخ من أجل المساعدة على نسيان الهوية الضائعة، واستعواض الخارج ~~بالداخل. وقد نشأت طبقة جديدة من الشباب بفنونهم وملاهيهم لهذا الغرض؛ لذلك انتشرت ~~«المولات» و«السنترز» و«الاستارز» في الأحياء والمدن الجديدة. تزدحم بمجموعة من شباب ~~الطبقة الجديدة، يجدون فيها هوية بديلة، معظمها أسماء أجنبية بالفرنسية والإنجليزية ~~والإسبانية؛ كوفي شوب، بيتزاهت، ماكدونالدز، جينوز، إلخ. وحديث «الجارسونات» باللغات ~~الأجنبية، والأسعار على مستوى الأسعار في الخارج لا إشكال فيها؛ فالقدرات الشرائية ~~متوفرة، والمشكلة «الباركينج» أسفل البنايات بالساعة أو على الأرصفة بالمنادي، و«الدبل ~~باركنج» والوقوف في الممنوع مع إسكات شرطي المرور ببعض ما يجود به أصحاب السيارات. ms09 ~~ويصرف الشاب في ليلة واحدة ما يصرفه العامل في شهر واحد. فإذا زادت الإمكانيات، ولم ~~يتسع الخارج المحلي، اتسع نطاق النشاط إلى المجال الدولي؛ من أجل البحث عن هوية بديلة ~~في الخارج تصل إلى حد تبني الجنسية الجديدة، فيتحول إلى مواطن البلد البعيد الذي ~~هاجر إليه؛ فلا هو يستطيع أن يكسب هوية جديدة من بلد الهجرة، ولا هو يستطيع أن ينسى ~~هويته السابقة؛ البلد المهجور. ويظل يعيش مع مواطنيه الأصليين، يسكن معهم وفي أحيائهم، ~~يتناول مأكولاته الشعبية، ويتحدث لغته الوطنية، ولا يكتسب تماما لغة بلد الهجرة، ولا ~~يتأقلم مع عاداته وتقاليده حتى لو تزوج منه، وحاول الاندماج فيه؛ إذ تستعصي الهوية ~~الجديدة عليه؛ لأنها تقوم على أساس عنصري يرفض قدوم الدخيل إليه. وتتكون وسط المدن ~~الأوروبية أو على هوامشها الأحياء العربية أو الهندية أو الباكستانية أو الصينية أو ~~الآسيوية؛ حتى لا تغترب الهوية، وحتى يعيش المواطن كأنه بين أهله وفي وطنه، لم يفارقهم ~~ولم يغادره. ويكون المهاجرون عرضة للاضطهاد في أي مد عنصري يميني نازي جديد، ~~يدعو إلى الحفاظ على الشخصية الوطنية، وحمايتها من الدخلاء؛ المآذن، والمنتقبات ~~والحجاب، والقاذورات في الطرقات، والبيع في الشوارع والميادين بعد صلاة الجمعة ~~والأعياد، وتعبئة الجو بروائح التوابل الشرقية التي تجذب البعض وتنفر البعض ~~الآخر. # وفي الخارج تزداد الهوية الأصلية انغلاقا؛ دفاعا عن النفس كرد فعل طبيعي للأقلية ~~تجاه الأغلبية. وتظهر الحركات السلفية لدى المهاجرين وهم وسط الحضارة الغربية؛ حضارة ~~الحداثة. ويزداد التمسك بمظاهر الهوية: اللحية والجلباب والحجاب والنقاب. وكما قيل: ~~«إذا أراد الإنسان أن يكون اشتراكيا، فليذهب إلى باريس، وإذا أراد أن يكون ~~رأسماليا، فليذهب إلى موسكو»، يقال أيضا: «إذا أراد الإنسان أن يكون سلفيا، ~~فليذهب إلى الغرب، وإذا أراد أن يكون تقدميا، فليأت إلى العالم الإسلامي»، فكل شيء ~~يعرف بنقيضه. # وبدلا من تمثل الحضارة الغربية يبدأ رفضها، وهو ما سماه المصلحون «الحضارة ~~المادية»، وحاولوا نقده وبيان معارضته لقيم الحضارة الروحية كافة مثل الحضارة ~~الإسلامية، وهو ما نقده فلاسفة الغرب أنفسهم مثل برجسون وهوسرل ms10 وشيلر ورسل وتوينبي. ~~وينشأ الاستقطاب الشديد بين السلفي والعلماني، بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وهو ~~في اللاشعور استقطاب بين الإيمان والكفر، بين الهدى والضلال، بين أهل الجنة وأهل ~~النار. ويشتد تحت الحكم الاستبدادي الديني أو العسكري. # وقد ظهرت الهوية السلفية منذ القرن الثامن عشر في الحركة الوهابية؛ التي نشأت رد ~~فعل على مظاهر البدع والخزعبلات وجوانب الشرك في التوحيد داخل العقيدة الإسلامية في ~~الحجاز؛ التبرك بالأشجار والأحجار ومقابر الأولياء، وضرورة العودة إلى أصل التوحيد في ~~الكتاب والسنة؛ اعتمادا على النصوص والأدلة النقلية. وربطت نفسها بابن تيمية وابن ~~القيم ووراءهما ابن حنبل. وعادت السلفية إلى الازدهار بعد سقوط الخلافة العثمانية وكبوة ~~الإصلاح ودخول كبرى الحركات الإسلامية، الإخوان المسلمين، في السجون على مدى أكثر من ~~نصف قرن. وارتبطت السلفية بالقبلية في الحجاز وبتأسيس الدولة، فارتبط الدين ~~بالدولة. ولما كان الدين سلفيا أصبحت الدولة سلفية كذلك. وانتشر منهج النص، واتحدت ~~سلطة النص مع سلطة الأمير؛ السلطة الدينية والسلطة السياسية. وأعطيت الأولوية للواجبات ~~على الحقوق، وللحدود على الظروف المخففة، وللمنع على الإباحة، وللقهر على الحرية. ~~فقام الاستبداد السياسي على الاستبداد الديني، وأصبح الدين يعني بالضرورة القمع والمنع ~~والقهر والزجر والحرام، والتحريم والتخويف؛ فيمنع قدرات الإنسان من التجلي، وتكون ~~الهوية مفروضة عند كل الناس، من يقبلها ومن لم يطقها، كالخاتم الخارجي الذي يلاصق ~~الجسم فيطبعه بطابعه. # ومنذ فجر النهضة العربية في القرنين الماضيين كان قد نشأ صراع الهويات؛ الهوية ~~الإصلاحية التي يمثلها الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وابن باديس وعبد القادر الجزائري، ~~والهوية الليبرالية التي يمثلها الطهطاوي وخير الدين التونسي وطه حسين والعقاد ومحمد ~~حسين هيكل، وقاسم أمين في كتابيه عن المرأة «المرأة الجديدة» و«تحرير المرأة»، وخالد ~~محمد خالد في كتابه الأول «من هنا نبدأ» وكتبه التالية، قبل أن يتحول إلى الهوية ~~الإسلامية في «رجال حول الرسول». والهوية العلمية العلمانية التي يمثلها شبلي شميل ~~وفرح أنطون ونيقولا حداد وسلامة موسى وإسماعيل مظهر، قبل أن يتحول في آخر حياته إلى ~~الهوية الإسلامية في «الإسلام أبدا». وما ms11 زالت هذه الهويات الثلاث في صراع بينها، ~~تتقارب وتتباعد فيما بينها، تختلف في نقطة البداية؛ الدين للتيار الإصلاحي، والدولة ~~للتيار العلماني ، والعلم للتيار العلمي، ولكن النهاية تتقارب في كبوة كل تيار، ~~والاقتراب من السلفية؛ السلفية الدينية، والسلفية الليبرالية في الفكر، والسلفية ~~العلمية في برامج العلم والإيمان. أصبحت السلفية طابع الفكر، الرجوع إلى الوراء للعجز ~~عن مواجهة الواقع، الليبرالية سلفية، والعلمانية سلفية، والإصلاحية سلفية. ويقوي ذلك ~~قيمة السلف في الثقافة الشعبية # فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~، «خير القرون قرني» ... على ~~الرغم من وجود تيار آخر في الثقافة الشعبية يعطي الأولوية للتقدم على التأخر # والسابقون السابقون ~~، # لمن ~~شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ~~، «إن الله يبعث لهذه ~~الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» ... وجوهر النبوة التقدم في مسار طويل ~~من أول الأنبياء حتى آخر الأنبياء؛ حتى يرث العقل والحرية النبوة. # وبرزت الهوية العلمية العلمانية تبنيا للنموذج العلمي الطبيعي الغربي، وأهم نظرية ~~فيه في القرن التاسع عشر؛ وهي نظرية التطور في العلوم الطبيعية، والعلمانية؛ أي: فصل ~~الدين عن الدولة في العلوم الإنسانية. بدأها شبلي شميل (1850-1917م)، وفرح أنطون ~~(1874-1922م)، وسلامة موسى (1887-1958م)، وإسماعيل مظهر (1891-1962م)، وزكي نجيب محمود ~~(1905-1993م). فالعلم الطبيعي يستند إلى منهج تجريبي لا إلى أحكام مسبقة، فإذا ما ~~تحقق أحد افتراضاته أصبح قانونا. يبدأ بملاحظات أولية تعتمد على الحس لا على الغيب. ~~وقانون الطبيعة ثابت، ومن ثم لا مكان للمعجزات؛ بمعنى خرق قوانين الطبيعة. ومع ذلك ظلت ~~الهوية العلمية خارجية؛ لأنها تستند إلى أساس ديني غيبي أسطوري مغروز في الثقافة ~~الشعبية. ولم تقم بعد محاولة جادة لنقدها وتطهيرها؛ من أجل بناء ثقافة علمية بديلة ~~تقوم على العلية؛ كما كان الحال في علم أصول الفقه في القياس الشرعي؛ الأصل الرابع ~~للتشريع؛ إذ غلب الأصل على الفرع في الثقافة الشعبية المغروزة، وأخذ الفرع حكم الأصل ~~بلا تعليل. ما زال العلم وافدا من الغرب لا نابعا من الذات، بل إن بعض العلماء ~~يهاجرون إلى الغرب بلاد ms12 العلم، ويتركون بلاد الخرافة والجهل والسحر والشعوذة؛ حتى وصل ~~مقدار العلماء الأفارقة والآسيويين إلى نحو 30٪ من مجموع العلماء الغربيين الذين يسهمون ~~في تقدم العلم وبناء العمران . # وتنشأ ظاهرة «التغريب» بين المثقفين رد فعل على التخلي عن الهوية الأصلية. ويعني ~~التغريب أخذ الغرب نموذجا في الفكر والحياة اليومية؛ في الثقافة واللغة واللباس ~~والمنظور. ويصبح نموذج «الخواجة» أحد نماذج التحديث في الفكر العربي المعاصر. فالغرب ~~مصدر العلم ونموذج الحداثة، وكان كذلك منذ فجر النهضة العربية الحديثة، وكان وراء ~~التحديث في عصر إسماعيل حتى «مستقبل الثقافة في مصر» لطه حسين؛ فنشأ رد فعل عليه في ~~التمسك بالهوية، وظهر نموذج التواصل مع الماضي بدلا من الانقطاع عنه كما فعل الغرب، ~~وكتب توفيق الحكيم «عصفور من الشرق»، وكتب محمد الغزالي «ظلام من الغرب». وأراد علي ~~عبد الرازق فصل الدين عن الدولة أسوة بالغرب؛ في «الإسلام وأصول الحكم»، وتقليدا ~~للثورة الكمالية في تركيا. ورد عليه محمد رشيد رضا في «الخلافة أو الإمامة العظمى» في ~~نفس العام؛ لإحياء الخلافة الإسلامية بعد سقوطها عام 1924م بعد الثورة الكمالية في ~~تركيا عام 1923م. وما زال التغريب غواية للنخبة إحساسا بالنقص أمام الآخر، ورغبة في ~~الوصول إلى مستواه؛ لغة وثقافة وعلما وتحضرا. ومهما نشأت محاولات لعلم ~~«الاستغراب»؛ لتحويل الغرب إلى موضوع للعلم من أجل التحرر منه، فإن التغريب ما زال ~~مستمرا، ويظهر أثره في الحياة العامة، ويحدث رد فعله في الهوية السلفية. # 4 # ثم نشأت الهوية الليبرالية جمعا بين القديم والجديد عند الطهطاوي في «مناهج الألباب ~~المصرية في مباهج الآداب العصرية»، وخير الدين التونسي في «أقوم المسالك». يقرأ ~~الهوية العربية الإسلامية من منظور التحديث الغربي خصوصا فلسفة التنوير؛ فولتير ~~ومونتسكيو وروسو، وقراءة فلسفة التنوير من منظور إسلامي؛ فمونتسكيو في «روح الشرائع» هو ~~ابن خلدون الغرب، وابن خلدون في «المقدمة» هو مونتسكيو الشرق، وعلم العمران عند ابن ~~خلدون هو ما سماه الغرب «الإندوستريا» # Industrie ~~؛ وهو ~~ما يترجم الآن ب «الصناعة»؛ لما كانت الصناعة روح العمران. «فليكن هذا الوطن مكانا ~~لسعادتنا أجمعين، ms13 نبنيه بالحرية والفكر والمصنع». ووضع الطهطاوي الهوية داخل الموقف ~~الحضاري الثلاثي: تأصيلها في الموروث القديم في «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز»، ~~وانفتاحها على التراث الغربي في «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وتنظيره المباشر ~~للواقع في «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية» لبناء الدولة المصرية ~~الحديثة. واستمر في نفس التيار علي مبارك في «الخطط التوفيقية»؛ لاستكمال بناء الدولة ~~التي بدأها محمد علي. وبلغت الذروة حول ثورة 1919م ودستور 1923م وإنشاء الجامعة المصرية ~~1925م. إلا أن الثورات العربية الأخيرة بقيادة الضباط الأحرار في الخمسينيات والستينيات ~~قضت عليها باسم الدولة الوطنية، والتحرر الوطني، وبناء الدولة، وتأسيس القطاع العام، ~~والتخطيط؛ مما يحتاج إلى سلطة مركزية ممثلة في الحزب والجيش والدولة. ثم تحولت الدولة ~~الوطنية إلى دولة أمنية قاهرة، تجد أحلافها وأنصارها في الخارج أمريكا وإسرائيل. ثم ~~جاءت الثورات العربية الأخيرة لتقضي عليها، وما زال النضال مستمرا بين الثورة الشعبية ~~والاستبداد العسكري؛ مع الحذر من الاستبداد الديني البديل. # وأخذت الهوية الإصلاحية اتجاها يربط بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، بين ~~الأصالة والمعاصرة، بين التراث والتجديد؛ بناء على حديث المجددين: «إن الله يبعث ~~لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وفسرت الهوية الإسلامية في ~~ظرف القرن التاسع عشر الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل، وأول ~~من فكر في «لاهوت الأرض» لإعادة بناء اللاهوت القديم؛ من أجل تحرير الأرض، فالله «إله ~~السموات والأرض»، # رب السموات والأرض ~~، # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله ~~، كما فكر في الإسلام والاشتراكية، «عجبت لك أيها الفلاح؛ تشق الأرض ~~بفأسك، ولا تشق قلب ظالمك». فكر في وحدة الأمة، والتوحيد بين الدين والقومية. # 5 # وفجرت تعاليمه الثورة العرابية عندما قال أحمد عرابي أمام الخديو توفيق: ~~«إن الله خلقنا أحرارا ولم يخلقنا عقارا، والله لا نورث بعد اليوم». وخشي ~~تلميذه محمد عبده من هذه الثورة الإصلاحية؛ فآثر التدريج والبداية بالتعليم وتغيير ~~الأخلاق، فكان وراء إنشاء كلية دار العلوم ثم الجامعة المصرية، فتراجعت الحركة ~~الإصلاحية ms14 إلى الوراء كحلقة سلفية على يد محمد عبده بعد فشل العرابيين، ثم تراجعت ~~سلفية مرة أخرى على يد تلميذه رشيد رضا، بعد انهيار الخلافة الإسلامية في تركيا في ~~1924م بعد الثورة الكمالية عام 1923م. وبعد أن نشطت الحركة الإصلاحية من جديد على يد ~~حسن البنا تلميذ رشيد رضا في «دار العلوم»، وإنشاء جماعة الإخوان المسلمين؛ نشطت الحركة ~~الإسلامية في حرب فلسطين 1948م، وكانت أحد مكونات الثورة المصرية في 1952م. اصطدمت مع ~~الضباط الأحرار في 1954م، وكانت النتيجة دخول السجون والتعذيب. فتحول سيد قطب من مفكر ~~اشتراكي صاحب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» و«معركة الإسلام والرأسمالية» و«السلام ~~العالمي والإسلام»، إلى «المستقبل لهذا الدين»، و«معالم في الطريق». يقول فيه بالحاكمية ~~وتطبيق الشريعة الإسلامية، وأنه لن يغير هذا المجتمع إلا جيل قرآني فريد تحت شعار ~~«لا إله إلا الله» ... فخرج إسلام غاضب ثائر، يريد أن يهدم قبل أن يبني، ويقوض قبل أن ~~يشيد، يكفر حكم البشر، ولا يطيع إلا حكم الله. فانتهت التيارات الثلاثة إلى ~~السلفية، وهو ما ظهر في قوتها في الانتخابات الأخيرة؛ سواء في حزب «الحرية ~~والعدالة» أو حزب «النور» اللذين أخذا نحو 65٪ من الأصوات. # ثالثا: الهوية والاغتراب الديني # يؤدي فقدان الهوية والتوحد مع النفس حرصا على انقسامها إلى أشكال عديدة من ~~الاغتراب؛ أهمها الاغتراب الديني والاغتراب السياسي. يظهر الاغتراب الديني في علم ~~العقائد وفي التصوف؛ إذ تقوم العقائد على قسمة العالم قسمين: الأعلى والأدنى، الخالق ~~والمخلوق، الأبدي والزمني، الخالد والفاني ... الأول تستريح إليه النفس، والثاني تشقى ~~فيه. الأول بيده كل شيء؛ العلم والفعل؛ يرسل العلم ويوجه الفعل، والثاني يتلقى العلم، ~~ويحقق الفعل. وفي الأغلب تتحقق الهوية خارج العالم، في عالم مفارق، عالم علوي يتجاوز ~~هذا العالم، يسميه اللاهوتيون والصوفية «الله». وهو عند المتكلمين نظرية في الذات ~~والصفات والأفعال والأسماء، وتعني إخراج الكمال من داخل الإنسان إلى خارجه، وتفريغه من ~~المثل العليا، ثم تشخيصها وتقديسها وعبادتها. فصفات الذات الست: الوجود، والقدم، ~~والبقاء، ولا مكان، ولا صورة له، وواحد؛ هي صفات الحبيب، ما ms15 تعشقه النفس، وجود الحبيب ~~وأنه يعرفه من قديم الزمان، وباق إلى الأبد، خالد لا يموت، لا مكان له، وإلا وقعنا في ~~التجسيم، بل في كل مكان، ولا صورة له، وإلا وقعنا في التشبيه، وواحد ليس كمثله شيء، ~~فرد لا مثيل له. أما الصفات فهي سبع، هي أيضا المثل التي تعشقها الذات وتحب أن ~~تكونها أو أن يعاملها الآخرون بها: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، ~~والإرادة. فالإنسان يود أن يكون عالما ولكنه لا يستطيع؛ فيتحول العلم إلى مثل ~~أعلى ولا يتنازل عنه، ولما كان صعب التحقيق، فإنه يعظمه ويبجله ويقدسه؛ فيتحول ~~إلى صفة للإله أو إلى الإله. وكذلك يتم نفس الشيء للقدرة؛ يريد الإنسان أن يكون قادرا ~~ولكنه لا يستطيع، ولا يتخلى عن القدرة كمثل أعلى؛ فتتحول إلى صفة إلهية للإله. ويتم نفس ~~الشيء بالنسبة إلى الحياة؛ يريد الإنسان أن يكون حيا ولكنه يموت، ولا يستطيع أن يتخلى ~~عن الحياة كهدف أسمى؛ يقدسها ويحولها إلى صفة إلهية. ويتم نفس الشيء بالنسبة إلى ~~السمع والبصر والكلام والإرادة؛ يريد الإنسان أن يكون سليما في إدراكه، ولكنه لا ~~يستطيع لقصوره الجسمي، فيحولها إلى آمال لديه كي تتحقق، فإذا لم تتحقق يحولها إلى مثل ~~عليا للوعي الإنساني ويقدسها بل ويؤلهها. أما الأسماء التسعة والتسعون فإنها أيضا ~~تمثل آمال الإنسان في الرحمة والقوة والعظمة. تكشف في مجموعها عن وعي الإنسان بذاته ~~الذي تحول إلى الله كوعي ذاتي؛ وعي الإنسان بالعالم أو بالطبيعة، وإلى وعي الإنسان بنفسه. # 6 # وقد يكون منها بعض المعاني السلبية؛ مثل: المتكبر، والجبار، ~~والقهار. # والبعض الآخر يوحي بالعقل النظري والعقل العملي ونقد ملكة الحكم لكانط. وقد حاول ~~فيورباخ القضاء على هذا الاغتراب بتحويل الثيولوجيا إلى أنثروبولوجيا، والعودة بصفات ~~الله إلى صفات الإنسان. # 7 # فيثق الإنسان بنفسه ويسترد شجاعته، ويتخلى عن عجزه، ويحقق ما يحلم به، ~~ويصبح ما ينبغي أن يكون لا ما هو كائن. لا يستطيع استرداد هويته كاملة ومرة واحدة، ~~يحتاج إلى وقت وجهد زائدين، فالهوية إمكانية لا واقع، وبدلا من ms16 أن تضيع الطاقة في ~~العبادة، أي: في الفعل الرمزي، تنفق في تحقيق الفعل في اللاهوت. العالم عالمان، واحد ~~سالب هو هذا العالم، وآخر موجب هو الله. ويعوض حصول الثاني خسارة الأول؛ نظرا إلى ~~العجز عن التعامل معه أو الهروب منه، أو استصعابه واستسهال الدعاء وموالد للشحاذة؛ كما ~~يقول إقبال. # 8 # ولما كانت الهوية هي الماهية، فإن الوجود يسبق الماهية، وليس الحال كما هو عند ~~الفلاسفة المثاليين من أن الماهية تسبق الوجود. ولا تعني الأسبقية في الزمان الأسبقية ~~في الوجود. الماهية تتخلق في الوجود، يصنعها الوجود ثم يحققها بعد أن تكتمل؛ في جدل ~~مستمر بين الوجود والماهية. والوجود يخلق الماهية، والماهية تخلق الوجود، لا توجد ماهية ~~مسبقة على الوجود، باسم النفس أو القدر، فذلك حد من حرية الإنسان، والماهية هي ~~الحرية، والهوية هي تحقيق هذه الماهية كفعل حر. # 9 # وما سماه المتكلمون الذات والصفات والأفعال والأسماء، وسماه الفلاسفة العقل ~~الفعال أو العقل الأول أو العلة الأولى أو المحرك الأول أو الصورة المحضة؛ هي أسماء ~~تدل على مسمى واحد، أسماء تدل على إعطاء الفعل كله إلى مصدر واحد أول؛ وهو ما يعادل ~~الخلق في علم الكلام وصفة الخالق. إنما التحرر هو من لغة اللاهوت إلى لغة الفكر، ومن ~~مصطلحات علم الكلام إلى مصطلحات الفلسفة. وبدلا من أن يكون الخلق مرة واحدة بفصل ~~تام بين الخالق والمخلوق، يكون فيضا متدرجا، خطوة وراء أخرى، من عقل أول إلى ثان ~~إلى ثالث حتى العاشر، ومن يرد الوصول إليه يصعد إليه درجة فدرجة؛ كما فاض هو درجة ~~درجة. # وإذا اتضح الاغتراب الديني في علم العقائد على نحو تصوري ذهني، فإنه يتضح أيضا في ~~التصوف على نحو عاطفي وجداني ذوقي. فقد عرف التصوف نفسه بأنه تخل عن الأوصاف ~~الإنسانية، والتحلي بالصفات الإلهية. ويستعملون ثلاثة ألفاظ متشابهة الإيقاع: «التخلي ~~والتحلي والتجلي»، يتخلى أولا عن الصفات الإنسانية، ثم يتحلى بالصفات الإلهية، ثم ~~يتجلى الله له. وهي هوية خارج العالم بعد أن يفرغ الصوفي من هويته ويتخلى عن عالمه، ~~ويتجه ms17 إلى أعلى، ويرقى في المقامات والأحوال حتى ينتقل من البقاء إلى الفناء. يتحد ~~بالله ابتداء من وحدة الذات، ثم وحدة الشهود؛ ألا يرى أمامه إلا الله، ثم أخيرا وحدة ~~الوجود؛ أن يكون هو والعالم والله شيئا واحدا. وهي هوية مملوءة من خارجها، من الله، ~~لا من ذاتها بعد أن أفرغت العالم منها، وحولتها إلى خيال ينشد شعرا، ويعبر عن لوعة ~~الحبيب. ويعود البعض إلى العالم من جديد تائها غائبا لما كان فيه. قد يحسبها البعض ~~هوية صورية فارغة، فالصفي أقرب إلى السكون منه إلى الحركة، وأقرب إلى الصمت منه إلى ~~الكلام. # ويقع الاغتراب أيضا في صلة الإنسان بالنص؛ فبدلا من أن يكون النص في صالح الإنسان، ~~يصبح الإنسان في صالح النص، تصبح الهوية نصية. ولما كان النص سلطة تصبح الهوية ~~سلطوية باسم النص، ولما كان النص عرضة للتأويلات المختلفة، وكانت التأويلات طبقا ~~للمصالح والأهواء؛ نتج صراع الهويات. ولما كانت النصوص موضوعا للاختيار والانتقاء ~~طبقا للآراء المسبقة والمواقف الاجتماعية والسياسية، نشأت الفرق والطوائف، كل فرقة ~~أو طائفة تنتقي من النصوص ما يوافق هواها وموقفها الاجتماعي والسياسي، فبدلا من أن ~~تكون الهوية عاملا تجميعيا؛ لاستنادها إلى نسق عام للقيم، تصبح عنصر تفريق. وتنقسم ~~الهوية العامة إلى هويات خاصة، وتضيع أهم صفة للهوية - وهي العموم أو الشمول - تستند ~~إلى المعقول لا إلى المنقول، وتقوم على العقل لا على النص. # وتصبح الهوية صورية شكلية إذا ما قدم الشكل على المضمون، والعبادات على ~~المعاملات، والمظاهر على الجواهر؛ مما يؤدي أحيانا إلى النفاق عندما يصبح المظهر دون ~~مخبر، والظاهر دون باطن، والخارج دون داخل، والفعل دون نية، أو بنية مغايرة. والفعل ~~ليس مقصودا لذاته؛ بل للنية التي وراءه، والعبادة ليست مقصودة لذاتها، فإن الله غني عن ~~العالمين، بل للمصلحة الفردية والاجتماعية وراءها، فالأحكام مقاصد، تكثر العبادات وتقل ~~المعاملات، ويتم التسابق في بناء المساجد دون المدارس والمستشفيات والأندية الرياضية. ~~ويحدث التوتر بل، أحيانا، الصراع بين الطوائف سباقا على بناء دور العبادة، أكثر أو ~~أقل أو في مكان ms18 الصدارة أو في الخلفية. وترفع الأصوات للنداء على الصلاة في المآذن أو ~~الكنائس، بالأذان أو قرع الأجراس، والأعلى هو الأفضل. # وقد تنفجر الهوية ضد التغريب وكل مظاهر التحديث، فتتمسك بأكثر الأشكال والرموز ~~تشددا؛ كالنقاب للمرأة، واللحى للرجال، والفصل بين الرجال والنساء، ومنع قيادة ~~السيارات، والسياحة، وإغلاق الملاهي في الفنادق والمحلات العامة. # وإذا كان الوحي قد نزل من أعلى إلى أدنى، وكان له أسباب نزول، الواقع يسأل والوحي ~~يجيب # يسألونك عن الخمر ~~، # يسألونك عن المحيض ~~، # يسألونك عن ~~الأنفال ~~، فكيف يقلب الإنسان جدل السؤال والجواب ويجعل الوحي مطلقا ~~بلا مكان؟ وإذا كان الحكم الشرعي يتغير بتغير الزمان، كلما تغير الزمان تغير الحكم من ~~الأخف إلى الأثقل أو من الأثقل إلى الأخف، وهو النسخ، فكيف يقلب الإنسان الوحي ~~ويطلقه ويجعله مطلقا خارج الزمان، ثابتا لا يتغير، مهما تغير الزمان؟ تعظيم وتقديس ~~وتمجيد الوحي بإخراجه خارج الزمان والمكان؛ هو اغتراب للوحي وقضاء على الهوية ~~الإنسانية المتفاعلة مع الوجود الإنساني. والوحي نزل بلغة معينة؛ اللغة العربية، في ~~ثقافة معينة؛ الثقافة العربية، وفي بيئة وأعراف معينة؛ البيئة والأعراف العربية، وفي ~~سياق ديني معين سابق؛ يهودي ونصراني، وفي إطار حضاري معين؛ يوناني روماني فارسي حبشي، ~~فكيف يفهم خارج السياق؟ هذا كله اغتراب معرفي وسلوكي يقضي على الهوية النظرية ~~والعملية للوجود الإنساني. # الهوية هي تطابق الحاضر مع الحاضر، عيش اللحظة الراهنة، الإدراك المباشر للنفس ~~والرؤية المباشرة للواقع. هي تفاعل مع اللحظة التي هي انتقال من الماضي إلى الحاضر. أما ~~التطابق مع الماضي فهو السلفية بعينها التي ترى روحها ووجودها في لحظة ماضية، بعد أن ~~تغترب عن الحاضر، فالسلف خير من الخلف، و«خير القرون قرني». ولم يترك القدماء ~~للمحدثين شيئا. وهو الغالب على المجتمع الإسلامي في مجمله حاليا؛ لبعد مسافة ~~الحاضر عن الماضي، وصعوبة التحقق مع الحاضر بالفعل، وسهولة التحقق مع الماضي بالخيال. ~~وفي كلتا الحالتين الهوية اغتراب؛ اغتراب اليائسين واغتراب الحالمين، والمتفائلون ~~بينهما أقرب إلى التحقق منهم إلى الإحباط. العجز عن التفاعل مع الحاضر يولد الإحباط، ~~وتعويض الحاضر ms19 السالب بالمستقبل الموجب؛ قفز إليه وعدم تحديد مسار له. # وكما يكون الهروب إلى الماضي يكون القفز إلى المستقبل في صور المعاد وأساطير فتن آخر ~~الزمان، فالموت ليس له الكلمة الأخيرة، والظلم مؤقت في الحياة الدنيا، والشر عابر سبيل ~~وإن بدا منتصرا ودائما. هناك حياة أخرى تنتصر فيها الحياة على الموت، والعدل على ~~الظلم، والحق على الباطل، ويأخذ الضعيف والمسكين والشريد وابن السبيل حقه. هو نوع ~~من ميتافيزيقا الأمل التي تكون لها الغلبة على واقع اليأس والإحباط، وتبدأ الحياة بمجرد ~~الموت في القبر؛ بنعيم القبر وعذابه وسؤال الملكين، وتبدأ كل صور ثنائيات الخير والشر ~~بعد القيامة؛ الثواب والعقاب، الجنة والنار ... # وتبدأ الحياة المستقبلية بفتن آخر الزمان وعلامات الساعة: الصراع بين يأجوج ومأجوج، ~~قبيلتان، معسكران، قوتان عظيمتان، وتدمير كل منهما الأخرى، ظهور المسيح الدجال أعور ~~العين؛ ليفسد عقائد الناس، ويغير مذاهبهم، ويبدل قيمهم حتى تمحى الأخلاق من ~~السلوك. فيظهر له المسيح الحقيقي؛ رمز الحق والخير، ويتخلص منه، ويخلص الناس من شره. ~~فالمسيح الحق لا يتبدل كلامه، ولا ينتحل أحد اسمه، ولا يزيف أحد عقيدته؛ ~~التوحيد. # لذلك كانت الهوية هي التاريخ، والتطابق مع التاريخ، ومعرفة في أي مرحلة من التاريخ ~~تعيش الأمة، فلا تعيش مرحلة مضت، ولا تعيش مرحلة قادمة، ولا تتوقف عن السير في ~~المرحلة الراهنة؛ انتظارا لمسار الأقدار. ليست الهوية حقيقة مجردة ثابتة دائمة ~~صورية؛ كما يظن الفلاسفة المثاليون، بل هي من صنع الأفراد والشعوب، هوية تاريخية. # رابعا: الهوية والاغتراب السياسي # فإذا كان هيجل قد اكتشف الاغتراب الميتافيزيقي، واكتشف فيورباخ جذوره في الاغتراب ~~الديني، فإن ماركس قد كشف جذوره في الاغتراب السياسي. فالاغتراب في الوضع السياسي ~~الاجتماعي يفقد العامل هويته لدى صاحب العمل الذي يملك عمله، ومن ثم يمتلك حياته ~~ووجوده. كما يفقد الفلاح هويته؛ حيث يمتلك صاحب الأرض نتاج عمله ويستحوذ على محصوله، ~~ولا يبقي له إلا ما يقيم أوده، ويستولي على «فائض القيمة»، فبدلا من أن يمتلك الفلاح ~~الأرض يصبح عبدا لها. فالملكية أساس الاغتراب، وبدلا من أن يمتلك ms20 العامل نتائج عمله ~~يمتلكه صاحب العمل، وبدلا من أن يمتلك الفلاح محصوله يمتلكه الإقطاعي. التحرر إذن يبدأ ~~بالتحرر من الملكية، واسترداد الهوية هو الطريق إلى إنهاء الانقسام بين الوجود ~~والماهية، واسترداد وحدة الوجود الإنساني، وذلك لا يتم إلا بالثورة ، وربما العنف، فكما ~~خرجت الماهية من الوجود قسرا في عصر العبودية والإقطاع، تعود إليه في عصر التحرر ~~والثورة. وهذا هو موقف ماركس الشاب الذي ما زال هيجليا فيورباخيا، ولكن محللا ~~الاغتراب، لا على المستوى الميتافيزيقي، مثل هيجل، ولا الاغتراب الديني، مثل فيورباخ، ~~بل الاغتراب الاجتماعي، ومن ثم لا يسترد الإنسان هويته إلا إذا صحح وضعه الاجتماعي، ~~وامتلك نتائج عمله، وشعر بقيمته، وتحرر من وضعه الطبقي. ولا يتأتى ذلك إلا بالصراع ~~الطبقي وتحرير العبد من السيد. # وهذا هو الإحساس بالشقاء أو سبب نشأة الوعي الشقي؛ يوجد الإنسان ولا يوجد، يعمل ولا ~~يحصل على نتاج عمله، ينتج ولا يعود عليه إنتاجه بشيء، يوجد لغيره، ويعيش لآخر، ويظل ~~منقسما بين ما يريد وما لا يستطيع، بين ما يبغي وما يحقق، ويتراكم الوعي بالبؤس أو ~~الوعي بالشقاء حتى يصبح البؤس هويته، والشقاء ماهيته، وتنطفئ هويته الأصلية وتنزوي ~~ماهيته الأولى إلى حين. # وقد يتولد الكبت وطمس الهوية عن طريق الخلاف الأيديولوجي بين الحاكم والمحكوم. لقد ~~حلل ماركس الاغتراب الاجتماعي والسياسي لوضع العمال والفلاحين في المجتمع الصناعي ~~والمجتمع الإقطاعي. فالكبت الأيديولوجي كان قد تم التحرر منه عند الإصلاح الديني قبل ~~ذلك بقرنين من الزمان؛ الكنيسة ضد معارضيها، والكاثوليك ضد البروتستانت. أما في العالم ~~الإسلامي فالقهر والإزاحة والاستبعاد ضد الجماعات الإسلامية التي تنتسب إليها كل ~~الطبقات الاجتماعية؛ فقراء وأغنياء، عليا ودنيا ومتوسطة. فالأيديولوجيا تخترق ~~الطبقات، والهوية الأعمق من الولاء الأيديولوجي قبل الانتساب الطبقي، وهو ما لم تدركه ~~الماركسية العربية التي ظلت على اعتقادها الماركسي التقليدي بأن الانتساب الطبقي سابق ~~على الولاء الأيديولوجي. # وقد يتحول كبت الهوية - عن طريق السجن والاعتقال والتعذيب والملاحقة والمطاردة - إلى ~~ثورة مفاجئة؛ إذ تكمن الهوية ولكن لا تنعدم، فالهوية هي أصالة الوجود؛ تنعدم ~~بانعدامه. ms21 ولما كان الوجود باقيا، الفردي أو الجماعي، فإن الهوية هي الباقية، بل ~~إنها تشتد وتزداد وترفض ما سواها؛ كما حدث عند الجماعات الإسلامية بعدما اعتقلت وعذبت ~~على مدى نصف قرن، ثم خرجت أكثر تمسكا بالهوية الإسلامية، مكفرة كل أنظمة الحكم ~~التي عذبتها؛ ليبرالية أو قومية أو اشتراكية أو ماركسية، تفرض نفسها على باقي ~~الهويات أو تزيحها من أمامها، وترفع شعارات «الحاكمية لله» ضد حاكمية البشر، ~~و«الإسلام هو الحل»، «الإسلام هو البديل»، ضد الأيديولوجيات العلمانية، «تطبيق الشريعة ~~الإسلامية»، ضد التذبذب في القوانين وتبديلها وتكييفها طبقا لإرادة الحكام. ويتحول ~~الوجود الإنساني من العدم المطلق إلى الوجود المطلق، من السلب المطلق إلى الإيجاب ~~المطلق، وتتحول الهوية المنطوية المنكمشة المتقلصة إلى الهوية المنبسطة المنفرجة ~~المتمددة، تتضخم الهوية بحيث تطغى على الوجود ذاته. # وتنفجر الهوية ضد كل مظاهر الاستبداد السياسي والثقافي؛ عن طريق الاستبعاد والتهميش ~~وتزوير الانتخابات؛ كما حدث في الانتخابات المصرية قبل الثورة، بل وتدبير الانقلابات ~~إذا ما نجحت الجماعة الإسلامية، جماعة الإنقاذ مثلا في الجزائر، ونشوب حرب أهلية بينها ~~وبين الجيش كلفت أكثر من مئة ألف قتيل. تنفجر الهوية ضد انتهاك الحقوق والإهانة بالضرب ~~والتعذيب، فالهوية هي الحارسة للوجود، والضامنة لبقائه. # وقد يكون اللون وسيلة لتأكيد الهوية تحت الاضطهاد مثل اللون الأسود، هوية منبسطة ~~وممتدة، وهي الهوية البيضاء، على هوية منكمشة ومنطوية، وهي الهوية السوداء؛ بصرف ~~النظر عن الوضع السياسي الاجتماعي للجماعة السوداء وحقوق الإنسان. فاللاوعي العنصري ما ~~زال قابعا في المجتمع الأبيض مهما تغيرت القوانين العنصرية إلى قوانين إنسانية تقوم ~~على المساواة في الحقوق والواجبات، فبقدر ما تضغط الهوية البيضاء تتفجر الهوية ~~السوداء، وإن لم تستطع الهوية السوداء أخذ حقوقها سلما، فإنها تتفجر عنفا، وبقدر ما ~~يكون استبداد اللون الأبيض يكون تفجر اللون الأسود. وهو ما لا يزال حادثا في الولايات ~~المتحدة الأمريكية، وما قامت بسببه الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر بسبب تجارة ~~العبيد. وقد ألقيت القنبلة الذرية الأولى في العالم من الجنس الأبيض على الجنس الأصفر، ~~مع أن ألمانيا أيضا ms22 كانت هي التي أشعلت الحرب أولا، ولكنها كانت من الجنس الأبيض، بل ~~إنها كانت تعتبر نفسها خلاصته. # يتمثل فقدان الهوية في العنف، وغياب رابط للذات، تصبح عاصفة هوجاء، هويتها خارجها ~~تبحث عنها، تمتد خارج حدودها، لا تعترف بهويات الآخرين مثل النازية والفاشية ~~والصهيونية؛ كما تجلى ذلك في الاستعمار والتبشير، فالنازية ترى أن «ألمانيا فوق ~~الجميع»، وأن الجنس الألماني هو أنقى الأجناس، وأن الجنس الآري أرقى من الجنس السامي، ~~الآخر ليس له إلا أفران الغاز أو معسكرات الموت. وقد كانت النازية ترجمة للعنصرية ~~البيولوجية التي سادت القرن التاسع عشر، وتطور الأحياء، والتي بلغت ذروتها في نظرية ~~النشوء والارتقاء وفي موسيقى فاجنر وفلسفة نيتشه. والفاشية صيغة أخرى للنازية ~~الإيطالية. الهوية الزائدة تؤدي إلى العدوان، وعدم الاعتراف بالغير. # والنزعات القومية المتطرفة أيضا تعبير عن تخضم الهوية، والانتشار خارج الحدود في ~~مناطق جغرافية يصعب تقسيمها إلى دول؛ مثل أواسط آسيا أو جنوب شرق آسيا، أو وسط وجنوب ~~أفريقيا أو شرق أوروبا أو أمريكا اللاتينية، فالمنطقة كلها وحدة جغرافية وتاريخية ~~وثقافية واحدة. أما اللغة فإنها لهجات قبلية متعددة؛ بصرف النظر عن الحدود، ففي داخل ~~القطر الواحد أكثر من لهجة، واللهجة الواحدة قد توجد داخل القطر وخارجه عبر ~~الحدود. # والصهيونية أيضا قومية متطرفة تأخذ الدين ذريعة وأساطير المعاد وسيلة لاحتلال أرض ~~الغير؛ فلسطين. قامت على نفس الأسس التي قامت عليها أيديولوجيات القرن التاسع عشر ~~العنصرية والرومانسية، والعودة إلى الأرحام. فاليهودي هو صاحب الأرض منذ الأزل؛ بفضل ~~عهد عقده الله مع بني إسرائيل بتمليكهم هذه الأرض، وتوريثها لأحفادهم إلى يوم ~~الدين. وقد كلفت العنصرية تشريد شعب بأكمله، نصفه في الخارج في مخيمات، ونصفه في ~~الداخل تحت الاحتلال. # ولما كانت الهوية نسقا من القيم - وفي مقدمتها الكرامة - فإن أي نيل من كرامة ~~المواطن يفجرها؛ كما حدث في حرق بوعزيزي نفسه عندما نالت شرطية من كرامته، وكان ذلك ~~بداية اندلاع الثورة في المدينة ثم المقاطعة ثم في تونس بأكملها، ثم امتدت الشرارة إلى ~~مصر وليبيا واليمن وسوريا، ووصلت إلى ms23 أبعد مدى في البحرين وعمان شرقا، والأردن ~~وسطا، وفي المغرب غربا. فقد انتشرت الثورات العربية الأخيرة دفاعا عن الكرامة قبل ~~الحرية والعدالة، لا فرق بين كرامة الفرد وكرامة الشعب، كرامة المواطن وكرامة ~~الوطن. # بل امتدت ثورة الكرامة خارج المنطقة العربية؛ فالكرامة بلا حدود. امتدت إلى الإقليم ~~المحيط إلى حوض البحر الأبيض المتوسط في جنوب أوروبا، البرتغال، وإسبانيا، وإيطاليا، ~~واليونان، وإلى شرقه في روسيا. فأوروبا وآسيا بعدان إقليميان للمنطقة العربية، بل ~~امتدت إلى ما وراء الأطلنطي في حركة «وول ستريت» ضد النظام الرأسمالي الذي يطعن في ~~كرامة الفقراء لحساب الأغنياء. # خامسا: هل يمكن تحديد الهوية؟ # هل يمكن تحديد الهوية؟ ومم تنشأ؟ هل هي هوية المكان؟ فالإنسان يولد في بقعة من ~~الأرض، في وطن وفي دولة، ينشأ فيه ويترعرع، يقضي طفولته وصباه، ورجولته وشيخوخته، يحن ~~إليه كلما غادره، وطالما نشأت الأغاني في الحنين إلى الأوطان، وآلام البعد عنها، وضرورة ~~عودة «الطيور المهاجرة». والتغريب جزء من الحدود؛ أي: إن الإخراج من الأوطان لمدة عام ~~حماية للمجتمع من سوء أفعال صاحبها، وللرسول قول ساعة الهجرة من مكة وهو ينظر إليها ~~ويصفها بأنها أحب الأماكن إلى قلبه، ولكنه يتركها مضطرا إلى أن عاد إليها بعد ~~الفتح. وكتب أبو حيان «الحنين إلى الأوطان»، فالهوية المصرية نسبة إلى مصر، والتونسية ~~نسبة إلى تونس، واليمنية نسبة إلى اليمن، والسورية نسبة إلى سوريا. والإقليم هو ~~الجغرافيا وليس الدولة؛ إذ تتغير حدود الدولة مثل السودان، ولكن الإقليم لا يتغير. ~~والوطن عند فشته يجاوز الحدود الجغرافية؛ هو الوطن المثالي، الوطن الفكرة، الوطن الروح؛ ~~فمهما احتلت الأرض فإن الروح لا يحتل. # 10 # الوطن شقيق الروح، هو وطن الصوفية الذي تعود إليه أرواحهم في عالم الأرواح ~~خارج عالم الأبدان، فمصر ليست هي الموجودة في كتب الجغرافيا للمدارس الابتدائية، ~~المحدودة بالبحر الأبيض المتوسط شمالا والسودان جنوبا، والبحر الأحمر شرقا، والصحراء ~~الغربية غربا، بل هي: # مصر التي في خاطري وفي فمي # أحبها من كل روحي ودمي # فعلى الرغم من أن الوجود الإنساني في بدن، والبدن ms24 في مكان، فإنه مستقل عن البدن ~~والمكان. هو وجود مثالي في مكان مطلق، فالبدن حامل للروح. والمكان حامل للبدن. وقد تحدث ~~الصوفية عن جغرافيا الروح؛ أي: أن الروح هو المكان والمناطق والأقاليم. # هل تنشأ الهوية من العرق؟ الهوية الكردية نسبة إلى الأكراد، والهوية الدرزية ~~نسبة إلى الدروز، والهوية الأمازيغية نسبة إلى الأمازيغ ... وهي الأعراق الغالبة في ~~الوطن العربي. العرق ليس هو الماهية أو الوجود؛ العرق هو مادة طبيعية ما دام الإنسان ~~موجودا بيولوجيا، والأحياء سلالات، ويتفوق الإنسان على غيره من السلالات بأنه حيوان ~~ناطق؛ أي: حيوان عاقل. ويصعب تحديد الأعراق نظرا إلى التداخل بينها من خلال التزاوج ~~والهجرات، بل والحروب والغزوات. وقد يتحد العرق بالطائفة؛ مثل الدروز والدرزية. ~~والعرق سلالة بيولوجية لا دخل للإنسان فيها، وللإنسان أكثر من سلالة، والهوية لا ~~ترتبط بالسلالة بل بالوعي الخالص، والوعي الخالص هوية خالصة، وعي ذاتي، لا صلة له ~~بالبدن، وكل النظريات العنصرية قائمة على ربط الهوية بالعرق والسلالة، وهذا ما ساد في ~~النظريات البيولوجية في القرن التاسع عشر في الغرب، عندما ازدهرت العلوم الحيوية بفضل ~~نظرية التطور والنشوء والارتقاء. وقد انتقلت إلى العالم العربي على يد شبلي شميل، وفرح ~~أنطون، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر، وغيرهم. وتحدت نظرية الخلق التي تقوم على أن الشيء ~~يخرج من لاشيء؛ في حين أنه في نظرية التطور يخرج الشيء من شيء حتى في التطور المنقطع ~~الذي يسمح بوجود الطفرة. البدن يفنى ولكن تبقى الذكرى، ويستمر العمل الصالح بعد ~~الموت. تتشابه السلالات في مادتها العضوية، ولكن تتفاوت الأعمال. # هل تنشأ الهوية من الطائفة؟ فهناك الهوية الشيعية كأساس للدولة الشيعية، أليست ~~الطائفية خطرا على وحدة الأوطان التي تتكون من عدة طوائف؛ مثل لبنان وسوريا والعراق ~~ودول الخليج واليمن؟ بل إن الدول الأوروبية نفسها تتكون من عدة طوائف؛ بروتستانت ~~وكاثوليك وأرثوذكس. ولا يكفي في بعض الدساتير ذكر الإسلام دينا رسميا للدولة، بل ~~أيضا تعيين الطائفة. الطائفية خلاف تاريخي في الدين بين عدة قوى سياسية متصارعة على ~~السلطة، ترجمت صراعاتها في شكل ms25 عقائد متباينة؛ مثل السنة والشيعة، والكاثوليك ~~والبروتستانت، والشيعة والسنة والمارونية في لبنان. الطائفية إنكار للوطنية والمواطنة، ~~والتفرقة بين المواطنين على أساس طائفي؛ مع أن الوطن الواحد يتكون من عدة طوائف تتساوى ~~في المواطنة. وجعل رئيس الجمهورية مارونيا، ورئيس البرلمان شيعيا، ورئيس الوزراء ~~سنيا؛ تغليب للطائفة على المواطنة. وخطورة الطائفية تحولها إلى تعصب وانتهاء ~~بالحروب الطائفية التي ينتج عنها آلاف الشهداء، بل والمذابح منذ سانت بارتلمي في القرن ~~السادس عشر بين البروتستانت والكاثوليك، حتى المذابح بين المسلمين والمسيحيين في ~~أفريقيا وآسيا. الطائفة ولاء ديني تاريخي وليس هوية، وليس الطائفي مسئولا عنه؛ يولد ~~ويموت فيه، يستطيع أن يتحرر منها إذا بلغ حدا من العقلانية والرشد. بل إن الطائفة ~~ليست علاقة بين الإنسان وربه؛ هذا هو الدين أو الإيمان؛ فلا علاقة بين الإنسان ~~والتاريخ باسم الله، فقد نشأت الطائفية في التاريخ بسبب الخلاف بين المؤمنين وصراعهم ~~على السلطة، والكل إلى رسول الله منتسب. الإيمان هو تجريد الطائفية عن التاريخ ~~وتخليصها منه؛ حتى تعود صافية رائقة كالدين. # هل تنشأ الهوية عن الدين؟ فهناك الهوية اليهودية من الدين اليهودي، فاليهودية في ~~تفسيرها الصهيوني دين وسياسة، وهي في الحقيقة سياسة تستغل الدين لتبرير السياسة. ~~اليهودية منتشرة منذ نشأتها في كل مكان، وتمتزج بكل الحضارات كاليهودية. الصهيونية دين ~~وقومية؛ أي: دين ودولة، وتريد أن يعترف بها العرب، ليس فقط كدولة بل كوطن قومي لليهود. ~~فالدول تقوم وتنهار، أما القوميات الدينية أو الأديان القومية، فإنها تنشأ ~~وتبقى. # وما دامت لليهود دولة قومية، فللدروز والأكراد والمسيحيين والعلويين والشيعة ~~والأمازيغ والمارونيين والتركمان والإباضية في عمان والزيدية في اليمن؛ دول قومية ~~أخرى، حتى تأخذ إسرائيل شرعية جديدة من المنطقة ذات الدول الدينية، وتصبح أقوى دولة ~~دينية دولة ليهود المنطقة؛ خصوصا أن أكثر من نصفها من اليهود الشرقيين، دول قومية ~~أخرى، يؤيدها الغرب العلماني الذي ينعى على العرب والمسلمين تكوين دول إسلامية تحكم ~~بالشريعة الإسلامية؛ خوفا من الدول الدينية، وهو معيار مزدوج للحكم على الأشياء. لقد ~~تخلى الغرب عن الدولة الدينية في ms26 بداية العصور الحديثة، ومع ذلك ظل الدين أداة طيعة ~~في أيدي السياسة عن طريق التبشير كمقدمة للاستعمار. المسيحية الغربية جزء من الهيمنة ~~الغربية، تستعملها أداة للهيمنة على غيرها من الشعوب التي يبدأ التبشير فيها. وإذا كان ~~في الوطن الواحد دينان، مثل معظم الأوطان العربية، وكانت الهوية هي الدين، شق الصف ~~الوطني إلى مسلمين وأقباط؛ كما هو الحال في مصر. # ويحاج أنصار الدولة الإسلامية بنفس المنطق؛ فالإسلام دين ودولة، هو الدين الرسمي ~~للبلاد، والشريعة الإسلامية دستورها، والحاكمية فيها لله، وهو ما يخيف الأقباط ~~باعتبارهم أهل كتاب أو أهل ذمة، وتطبيق الحدود عليهم دون مساواة في المواطنة؛ مساواة في ~~الحقوق والواجبات، وهو ما يخيف أيضا «العلمانيين» والليبراليين والقوميين والاشتراكيين ~~والماركسيين. والدولة الإسلامية ليست شعارا أو إعلانا أو شهادة، بل هي الدولة التي ~~تحكم بمبادئ الدستور التي تقوم على الحرية والعدل، وهي المبادئ الإسلامية كما حددها ~~الشاطبي في مقاصد الشريعة ووضعها ابتداء؛ وهي خمسة: الدفاع عن الحياة ضد المرض والجوع ~~وكل ما يؤدي إلى التهلكة، والدفاع عن العقل ضد الجهل والأمية والخرافة والسحر ~~والشعوذة، والدفاع عن الدين؛ أي: عن الحقيقة المطلقة التي لا يختلف عليها اثنان؛ مثل ~~مبادئ التوحيد والعدل، والأصول الخمسة كما بينها المعتزلة، # 11 # والدفاع عن العرض؛ أي: الكرامة الفردية والوطنية وحقوق الإنسان الفردية ~~والجماعية، ضد انتهاكها بالاعتقال والتعذيب، والدفاع عن المال العام والثورة الوطنية، ~~ضد كل مظاهر الفساد والتبذير والتهريب. لا فرق في ذلك بين دولة إسلامية ودولة علمانية؛ ~~ليبرالية أو قومية أو اشتراكية أو ماركسية. فالصراع بين هويتين، إسلامية وعلمانية، ~~ليس صراعا فكريا، بل هو صراع على السلطة بين قوتين سياسيتين متعارضتين. # وهل تنشأ الهوية من اللغة؟ العروبة من اللغة العربية، فليست العروبة بأب أو أم؛ ~~إنما العروبة هي اللسان، فكل من تحدث العربية فهو عربي، فهناك هوية عربية هي أساس ~~القومية العربية والثقافة العربية. لا تقوم القومية العربية على العرق، بل على اللغة ~~والثقافة والجوار الجغرافي والتاريخ المشترك، وقد كان معظم النحاة العرب، مثل سيبويه ~~وأبي علي الفارسي، ms27 من الفرس. وقد حرصت القوى الاستعمارية الكبرى على نشر لغاتها في ~~البلاد المستعمرة، فخلقت الفرانكفونية والأنجلوفونية والهسبافونية. وكان أول شيء حرصت ~~عليه هو القضاء على اللغات الوطنية؛ كما حدث في الجزائر مع اللغة العربية عندما حاولت ~~فرنسا محوها لصالح الفرنسية ؛ لولا جهود التعريب بفضل مصر وسوريا، حتى عادت الجزائر ~~عربية. وما زال بعض البلاد الأفريقية فرانكفونيا مثل غينيا، أو أنجلوفونيا مثل ~~غانا. فاللغات الوطنية لغات محلية لا يمكن أن تخرج على الصعيد الإقليمي أو الدولي. ~~وأنشأت فرنسا مجموعة الفرانكفونية للحفاظ على انتشار اللغة الفرنسية خارج حدودها؛ ~~خصوصا في أفريقيا، وقد قامت إسبانيا بنفس الشيء في جنوب غرب آسيا في الفلبين؛ بجعل ~~الإسبانية لغتها الوطنية، وقامت هولندا بنفس الشيء عندما حاولت جعل لغة إندونيسيا ~~الهولندية؛ لولا حركات التحرر الوطني والمحافظة على اللغة الوطنية بهاسا، كعلامة على ~~النضال الوطني. وما زالت اللغة الإنجليزية هي لغة الخطاب الوطني في المستعمرات ~~البريطانية القديمة؛ مثل الهند وجنوب أفريقيا ونيجيريا. وضاعت فرصة خلق لغة أفريقية ~~واحدة مثل «السواحيلية» التي يتكلم بها غرب القارة، أو العربية التي حوربت في جنوب ~~السودان، وفي الدول جنوب الصحراء التي شمالها مسلم وجنوبها مسيحي. صحيح أن الأجناس ~~الأوروبية، الفرنسية والبريطانية والألمانية والإسبانية واليونانية، أجناس في علم ~~السلالات، ولكنها كذلك لغات وثقافة، حضارة وتاريخ. وقد حرصت الدول الأوروبية على إنشاء ~~جامعات أوروبية أو فروع لجامعاتها بلغاتها داخل الأوطان العربية؛ حتى تنشر لغاتها ~~وثقافاتها. وأصبحت الإنجليزية في دول الخليج أشبه باللغة الوطنية في دور العلم والفنادق ~~والبنوك والمؤسسات التجارية، والباشتون والهندي لغة الأسواق من المهاجرين الآسيويين. ~~ولا تسمع العربية إلا لدى رجال الحكم؛ سكان البلاد الأصليين إذا ما تحدثوا بالفصحى دون ~~لهجاتهم العامية. # هل تنشأ الهوية من الثقافة؟ هناك الهوية الإسلامية من الثقافة الإسلامية، وهو ما ~~يربط المسلمين جميعا على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وأوطانهم. وتشمل العلوم الإسلامية ~~النقلية والعقلية: الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، والعلوم النقلية: القرآن والحديث ~~والتفسير والسيرة والفقه، والعلوم العقلية الرياضية: الحساب والفلك والجبر والهندسة ~~والموسيقى، أو الطبيعية: الطب والصيدلة والمعادن ms28 والنبات والحيوان؛ وهي العلوم التي ما ~~زالت تربط جميع أرجاء العالم الإسلامي. وإذا كانت الدولة الإسلامية، مثل الإمبراطورية ~~العثمانية، قد انتهت، فإن الثقافة الإسلامية ما زالت باقية، لها مخطوطاتها وجامعاتها ~~ومعاهدها ومدارسها، وما زال طلبة العلم ينتقلون بين المعاهد الإسلامية الكبرى في الأزهر ~~والقيروان والزيتونة، وما زالت الآثار الإسلامية يتوحد بها الجميع؛ وفي مقدمتها الحمراء ~~في غرناطة ومسجد قرطبة، وخيرالدا إشبيلية، والمسجد الأموي، والجامع الأزهر قديما، ~~وجامع الحسن الثاني بالرباط، وجامع كوالالمبور، وغيرها من المساجد الكبرى حديثا. وتشمل ~~الثقافة العلوم والفنون والآداب، فما يربط المسلمين هو الإسلام؛ باعتبار لغته العربية ~~لغة القرآن والثقافة الإسلامية. # والهوية أيضا مرحلة تاريخية تصف الشعوب بأنها متقدمة أو متخلفة أو في طريق النمو. ~~إذا كانت الهوية ثابتة وأصيلة في الوجود، فإن مرحلة النمو متغيرة؛ من التخلف إلى ~~التقدم مثل الدول الأوروبية، وكما حدث للحضارة الإسلامية في مرحلتها الأولى، منذ النشأة ~~حتى ابن خلدون على مدى سبعة قرون أو من التقدم إلى التخلف، كما حدث في المرحلة الثانية ~~في القرون السبع التالية بعد ابن خلدون؛ عصر الشروح والملخصات، الذي كاد ينتهي بفجر ~~النهضة العربية الحديثة، الذي كان قد بدأ منذ قرنين من الزمان. فالهوية تأتي من ~~المرحلة التاريخية لا من الانتساب الفكري أو الولاء الأيديولوجي. وقد كان العالم ~~الإسلامي يصنف في الدول المتخلفة، والآن يصنف في الدول التي في طريق النمو أو ~~النامية، والقليل منها مثل الدول المتقدمة مثل ماليزيا. فالهوية ليست ثابتة؛ بل ~~متغيرة على الأمد الطويل، هوية تاريخية مثل غيرها من الهويات، هوية مفتوحة لا ~~منغلقة، تقوم على التحدي والمنافسة لا على التعصب والكراهية. وفي الستينيات كان للعالم ~~الثالث هوية واحدة؛ عدم الانحياز؛ الحياد الإيجابي، وهي الآن تعارض العولمة وأشكال ~~الهيمنة الجديدة، وتبحث عن تعاون إقليمي؛ مثل دول جنوب شرق آسيا، ودول أمريكا ~~اللاتينية. عندما أتى الإسلام صنع تاريخا جديدا للعرب ولشبه الجزيرة العربية، بل ~~وللعالم القديم كله، وجعل العرب يرثون إمبراطوريتي الفرس والروم في أقل من قرن حربا ~~شرقا وغربا، وسلما جنوبا في ms29 أفريقيا، وشمالا في أوروبا في العصر الحديث. # الهوية إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية واللغوية والثقافية. توجد قيم ~~إنسانية عامة، مثل الحرية والعدالة، وافقت عليها الإنسانية على مدار التاريخ، مضمونها ~~من داخلها من الفطرة والطبيعة، بلا حدود، ومع ذلك وجودية أرضية ، يحملها الوجود الإنساني ~~ويحققها في الزمان والمكان؛ إذ تندرج الهويات في الخصوصية والعموم، ليست بالضرورة في خط ~~رأسي بين الأدنى والأعلى، بل يمكن أن يكون في مسار أفقي بين الأمام والخلف. فطالما ~~حاربت الشعوب من أجل الحرية والعدالة منذ سبارتاكوس حتى الربيع العربي، ومنذ المانوية ~~حتى الماركسية. الفطرة واحدة منذ الخلق الأول، والعقل البديهي مغروز في النفس، وهو الذي ~~خاطبه الوحي بقوله: # أفلا تعقلون ~~، # أفلا تتفكرون ~~... هذه الهوية الإنسانية هي التي ~~تسمح بتأسيس المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والطفل والمرأة، وقد ظهرت هذه الهوية ~~الإنسانية في كل حضارة؛ عند كونفوشيوس في الصين، وبوذا في الهند، وسقراط عند اليونان، ~~والمعري عند العرب، وإراسموس وشكسبير وجوته في الغرب. هي الهوية التي تنبع من الذات؛ ~~من الجوهر، لا من الأعراض الخارجية. هي الهوية التي تصبح فيها الإنسانية هوية ~~واحدة، لا تمييز فيها بين أجناس أو لغات أو ثقافات أو أوطان. # هي هوية تنبع من حضارات الشرق القديم، بعد أن أدت الحضارة الغربية الحديثة مهمتها في ~~الحداثة بنموذجها في التحديث في القرون السبعة الأخيرة. العودة إلى الآداب القديمة في ~~القرن الرابع عشر للتخلص من اللاهوت الكنسي، والإصلاح الديني في القرن الخامس عشر ~~للتخلص من السلطة الكنسية واحتكار التفسير، وجعل العلاقة بين الإنسان والله علاقة ~~مباشرة، والنزعة الإنسانية في القرن السادس عشر، وجعل الإنسان مركزا للكون واكتشافه ~~في قلب الوحي، والعقلانية في القرن السابع عشر، وإثبات الوجود بالفكر «أنا أفكر إذن أنا ~~موجود»، ثم تطبيق العقل في المجتمع وظهور فلسفة التنوير، الحرية والإخاء والمساواة، ~~والمبادئ الثلاثة التي قامت عليها الثورة الفرنسية، ثم العقل في الطبيعة وتأسيس العلم ~~الطبيعي، والثورة العلمية؛ خصوصا العلوم البيولوجية في القرن التاسع عشر ونظرية ~~التطور، ثم أزمة القرن العشرين؛ كما بدت في ms30 العدمية وفلسفات العبث ثم في التفكيكية ~~وفلسفات ما بعد الحداثة، وإعلان النهاية في الفينومينولوجيا. انتهت حضارة في الغرب ~~وبدأت حضارة في الشرق فيما يسمى «ريح الشرق». وكما بدأت العنقاء تطير من الشرق إلى ~~الغرب في الماضي، من الصين والهند وفارس وبابل وآشور وكنعان ومصر، إلى اليونان والرومان ~~والعرب والحضارة الإسلامية حتى الغرب الحديث، فإنها تطير من جديد عائدة من الغرب إلى ~~الشرق، مارة بالمنطقة العربية الإسلامية. فالهوية التاريخية تتحرك الآن ونحن في ~~قلبها، وقد يكون الربيع العربي أحد مساراتها. ms31