######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.MinCaqidaIlaThawraCadl.Hindawi61824292 #META# Tags: philosophy #META# ID: 61824292 #META# Title: من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الباب الثالث‏ # الفصل السابع‏ # أولا: مقدمة من التوحيد إلى العدل‏ # ثانيا: أفعال الشعور الداخلية‏ # ثالثا: أفعال الشعور الخارجية‏ # رابعا: أفعال الشعور في الطبيعة‏ # خامسا: أفعال الوعي الفردي والاجتماعي‏ # الفصل الثامن‏ # أولا: مقدمة، اسم المشكلة ومكانها في العلم‏ # ثانيا: تعريف الحسن والقبح‏ # ثالثا: صفات الأفعال‏ # رابعا: العقل والنقل‏ # خامسا: الواجبات العقلية‏ # سادسا: تنزيه الله عن فعل القبائح‏ # سابعا: الصلاح والأصلح، الغائية والعلية‏ # ثامنا: اللطف والألطاف‏ # تاسعا: العوض عن الآلام‏ # عاشرا: خاتمة، أين الإنسان؟‏ # الباب الثالث‏ # الفصل السابع‏ # أولا: مقدمة من التوحيد إلى العدل‏ # ثانيا: أفعال الشعور الداخلية‏ # ثالثا: أفعال الشعور الخارجية‏ # رابعا: أفعال الشعور في الطبيعة‏ # خامسا: أفعال الوعي الفردي والاجتماعي‏ # الفصل الثامن‏ # أولا: مقدمة، اسم المشكلة ومكانها في العلم‏ # ثانيا: تعريف الحسن والقبح‏ # ثالثا: صفات الأفعال‏ # رابعا: العقل والنقل‏ # خامسا: الواجبات العقلية‏ # سادسا: تنزيه الله عن فعل القبائح‏ # سابعا: الصلاح والأصلح، الغائية والعلية‏ # ثامنا: اللطف والألطاف‏ # تاسعا: العوض عن الآلام‏ # عاشرا: خاتمة، أين الإنسان؟‏ # | من العقيدة إلى الثورة (3) # | من العقيدة إلى الثورة (3) # | العدل # تأليف # حسن حنفي # | الباب الثالث # الإنسان المتعين # | الفصل السابع # خلق الأفعال # | أولا: مقدمة من التوحيد إلى العدل # إذا كانت نظرية الذات والصفات هي لب التوحيد، فإن نظرية ~~الأفعال هي لب العدل. وتشمل نظرية الأفعال موضوعين: الأول: ~~خلق الأفعال أو حرية الاختيار، وهو الموضوع الشائع باسم الجبر ~~والاختيار، وهو الموضوع الغالب. والثاني: العقل والنقل أو ~~الحسن والقبح العقليان، وهو الأقل وكأنه أحد الموضوعات الجزئية ~~الفرعية. وأحيانا ينضم الموضوعان معا في موضوع واحد دون ~~بناء نظري له، وتعطى مسائل متفرقة في العدل يختفي فيها الحسن والقبح. # 1 # ولكن الشائع هو أنه في باب حرية الأفعال وارتباطها ~~بالإرادة يظهر باب التعديل والتجوير أو الحسن والقبح العقليان ~~مرتبطا بالقدرة. وبالتالي ينقسم العدل إلى موضوعين: حرية ~~الأفعال، والحسن والقبيح. # 2 ~~(1) التذبذب بين التوحيد والعدل # يدخل موضوع خلق الأفعال عند القدماء في نظرية الذات ~~والصفات والأفعال، أي في التوحيد (الأشاعرة)، في حين أنها ~~حاولت الانفصال في أصل ثان هو العدل (المعتزلة) حفاظا ~~على ms001 استقلال الموضوع وإثباتا لحرية الأفعال. وظل الموضوع ~~عند القدماء متأرجحا بين التوحيد مرة وبين العدل مرة ~~أخرى، مرة لإثبات حق الله ومرة لإثبات حق الإنسان، وكأن ~~أفعال الإنسان وحريته واستقلاله يتنازعهما حقان، كلاهما ~~شرعي؛ حق الله باعتباره خالقا وحق الإنسان باعتباره ~~مسئولا. والدفاع عن حق الله دون حق الإنسان ليس موقفا ~~إنسانيا شرعيا بل يكشف عن اغتراب الإنسان وعجزه عن ~~الدفاع عن حقوقه ومزايدته على حق غيره، في حين أن الدفاع ~~عن حق الإنسان دون حق الله أقرب إلى موقف الإنسان الشرعي ~~دون مزايدة في الدفاع عن حق غيره، خاصة وأن حق الإنسان ~~أولى بالدفاع؛ لأنه الحق المهضوم، في حين أن حق الله قائم ~~بلا منازع، والله أقدر على الدفاع عن حقه. فإذا كان ~~الاغتراب الإنساني النظري قد ظهر في الذات والصفات فإن ~~الاغتراب العملي يظهر في خلق الأفعال وفي الحسن والقبح ~~العقليين وإن كان بصورة أقل؛ نظرا لبروز الإنسان من كنف ~~الله وظهور العدل من بطن التوحيد. فبالرغم من أن خلق ~~الأفعال داخلة عند القدماء في نظرية الذات والصفات ~~والأفعال (الأشاعرة) إلا أنها أدخل في العدل، أي في أفعال ~~الإنسان (المعتزلة) لتعلقها بحرية الأفعال وبالحسن ~~والقبح العقليين. # 3 # ومن ثم كان الإنسان أظهر في الأفعال منه ~~في الذات والصفات. وهنا يبدو التذبذب بين النظر إلى ~~الأفعال كاستمرار لنظرية الذات والصفات، أي كحديث عن الله ~~أم كحديث صريح عن حرية الأفعال والحسن والقبح والصلاح ~~والأصلح، أي كحديث عن الإنسان. والحقيقة أن هناك اختفاء ~~تدريجيا لله، وظهورا تدريجيا للإنسان من الذات إلى ~~الصفات إلى الأفعال. فأوصاف الذات أقرب إلى الله، والصفات ~~ما بين الإنسان والله، والأسماء أقرب إلى الإنسان كتعبير ~~نهائي عن عواطف التعظيم والإجلال، وكأن القضية أصبحت اثنين ~~اثنين: اثنين لله؛ الذات والصفات، واثنين للإنسان؛ خلق ~~الأفعال، والحسن والقبح العقليين. وهما الأصلان الأولان من ~~أصول المعتزلة، التوحيد والعدل. يشمل التوحيد الذات ~~والصفات، والعدل خلق الأفعال والحسن والقبح ~~العقليين. # وقد بدأ التوحيد أولا ممثلا في نظرية الذات والصفات ~~والأفعال متضمنا العدل ms002 قبل أن يتحول العدل إلى أصل مستقل ~~على يد المعتزلة. ففي العقائد المتقدمة لا يظهر أحيانا ~~موضوع خلق الأفعال، سواء أفعال الشعور الداخلية أو ~~الخارجية، أو أفعال الشعور في الطبيعة. وتختفي كلية مسائل ~~الحسن والقبح وكأن أصل العدل كان متضمنا في أصل التوحيد ~~في الوعي الحضاري الأول فلم يكن له الأهمية نفسها التي ~~كانت لقضايا التشبيه والتنزيه. # 4 # وأحيانا يدخل خلق الأفعال وأصل العدل كله في ~~باب أفعال الله، ولكن في موضوع الحسن والقبح الذي يبتلع ~~خلق الأفعال. # 5 # وفي العقائد المتقدمة يظهر الرضا بالقضاء ~~والقدر مع الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل والبعث، ~~كما تظهر موضوعات الكسب والإيمان متداخلة مع الأفعال. # 6 # كما تظهر متناثرة في إحصاء عقائد أهل السنة ~~ورفض المعتزلة لاتهامهم بإثبات قدرة العبد على خلق الشر ~~كالمجوس، وأن الله يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، ~~وأنهم قادرون على الأعمال. # 7 # وتظهر أفعال الشعور الداخلية في الإرادة، # 8 # وأفعال الشعور الخارجية في أعمال العباد ~~والاستطاعة. وتضم إليها مسائل العدل والتجوير. # 9 # وفي النهاية تذكر الروايات في القدر. # 10 # وأحيانا يسمى الموضوع كله القدر. # 11 # وتدخل مسألة خلق الأفعال تحت موضوع القدر؛ ~~لأنه كان من أوائل الموضوعات التي أثيرت في ذهن الجماعة ~~إثباتا أو نفيا. وسواء ظهر نفي القدر أولا، ثم إثباته ~~كرد فعل على الأول أو ظهر إثبات القدر أولا ثم جاء ~~نفيه كرد فعل، فالحقيقة أن الإثبات والنفي كل على حدة ~~يشكل رد فعل على الآخر بصرف النظر عن أولوية الظهور في الزمان. # 12 # وفي خلق الأفعال قد يثبت الخلق العام للطبيعة ~~وللأفعال معا ويتم نقل قدم العالم من نظرية الوجود إلى ~~نظرية الأفعال. # 13 # أحيانا لا يظهر خلق الأفعال كموضوع مستقل سواء داخل ~~العدل أو خارجه، بل يتحول إلى جزء من التوحيد في نظرية ~~الأفعال ويصبح التوحيد شاملا لموضوعات ثلاثة، الذات ~~والصفات والأفعال، بعد أن كان شاملا لموضوعين اثنين فقط: ~~الذات والصفات. وقد حدث هذا الاحتواء؛ احتواء التوحيد لخلق ~~الأفعال في علم الكلام المتأخر ms003 بعد القضاء على التيار ~~النظري وسيادة التيار التقليدي؛ فانزوى موضوع خلق الأفعال ~~حتى احتواه التوحيد في النهاية. وأصبح المبدأ والأساس هو ~~أن الله خالق لأفعال العباد وأن الفرع الدخيل هو أن ~~الإنسان خالق أفعاله وأنه يناهض الخلق الأول ويعارضه ~~ويرغب في الحصول على ما ليس من حقه بعد أن كان الموقف في ~~علم الكلام المبكر أن خلق الإنسان لأفعاله هو المبدأ ~~والأساس ثم منازعة المؤله للإنسان في أخص خصائصه، وسلبه ~~إياه على يد السلطة السياسية القائمة ولصالحها. ومن ~~ثم غابت حرية الإنسان تحت وطأة إلهيات السلطة. # 14 # وأحيانا أخرى لا يظهر الموضوع بتاتا ولا ~~يذكر عنه شيء؛ لأنه فقد أهميته؛ فقد ضاع إحساس العصر ~~المتأخر بالفعل الحر، فغاب الموضوع في مصنفات أهله. ويسقط ~~موضوع خلق الأفعال بتاتا في العقائد المتأخرة، ويخلو ~~المكان للإلهيات. ففي العقائد المتأخرة يضم التوحيد كل ~~شيء، وتصبح أفعال العباد جزءا من التوحيد بما أن الله ~~خالق كل شيء، ومريد لجميع الكائنات. # 15 # يختفي باب العدل من العقائد المتأخرة تحت وطأة ~~التوحيد والنبوة أي الإلهيات والسمعيات، ويعم رفض ~~الأسباب العادية وإثبات القضاء والقدر نظرا لإثبات سبق ~~القدرة والإرادة والعلم؛ حيث لا يفتقر الله إلى أحد سواه، ~~ويكون كل ما عداه مفتقرا إليه في شرح العقائد المتأخرة ~~لقول «لا إله إلا الله». # 16 # وفي بعض الموسوعات المتأخرة تظهر بعض موضوعات ~~العدل بعد التوحيد، مركزة كلها في معنى القضاء والقدر، وهي ~~العقيدة التي استمرت في وجدان الأمة حتى جيلنا هذا. # 17 # وفي العقائد المتأخرة يضمر العدل أمام التوحيد، والنبوة ~~أمام الإلهيات والسمعيات، ولا يظهر إلا في نظرية الجواز. ~~ولا يظهر في الأفعال، ويسقط موضوع الحسن والقبح. # 18 # ثم يظهر موضوع التنزه عن الغرض ضمن أفعال ~~العقائد كلها تحت شعار التوحيد، ويظهر استغناؤه ونفي الغرض ~~في أفعاله ونفي الوجوب عليه، وهي موضوعات الحسن والقبح، ثم ~~افتقار الغير إليه في وجوب الوحدانية من أوصاف الذات ~~والعلم والقدرة والحياة والإرادة من صفات الذات من أجل ~~إثبات عموم الإرادة وشمول القدرة على الإنسان ms004 والطبيعة ~~معا. وقد تدخل مسائل العدل دون أن يذكر الاصطلاح في نظرية ~~الجواز مع الرؤية ومع الحسن والقبح العقليين أولا، ثم ~~مع كون الحادثات كلها مرادة لله ثانيا، كما كان الحال ~~أولا. ثم يظهر باب آخر يحتوي على أركان أربعة تتناول ~~موضوع خلق الأفعال. # 19 # فكأن الحسن والقبح العقليين يبدآن العدل ~~وينهيانه. وعندها تصبح العقائد كلها داخلة في نظرية الوجوب ~~والاستحالة، أربعون عقيدة، عشرون للواجب وعشرون للاستحالة ~~تظهر مسائل العدل في العقيدة الواحدة والأربعين. # 20 # وفي بعض العقائد المتأخرة تضم مسائل العدل كلها في ~~عقيدة واحدة من خمسين عقيدة، وهي عقيدة، فيما يجوز على الله. # 21 # والحقيقة أن وضع موضوع خلق الأفعال أي حرية ~~الأفعال وعقله وبالتالي مسئوليته في أحكام الجواز يكشف عن ~~ضياعها كلية وإخراجهما عن الوجوب؛ فالحرية والعقل محتملان ~~وليسا ضروريين، وهما في الحقيقة يدخلان في الوجوب. فحرية ~~الإنسان وعقله واجبان، أو في الاستحالة أي استحالة إلغاء ~~الحرية والقضاء على العقل. وبالتالي تنقسم أحكام العقل إلى ~~اثنين فقط، هما الوجوب والاستحالة وإخراج موضوعات الجواز، ~~سواء الرؤية أو الأفعال بقسميها، الحرية والعقل. أما ~~إذا كان الممكن في النهاية ليس حكما عقليا بل عملية ~~إيجاد، وتحقيق للمشروع الإنساني، أي عملية تحرر، عملية ~~وجودية، صيرورة عملية، قد يكون الإنسان حرا وقد لا يكون، ~~قد يكون عاقلا وقد لا يكون، فإن وضع خلق الأفعال في ~~الجواز يكون ممكنا بهذا المعنى كوصف لأفعال الإنسان ~~وحريته وليس كدفاع عن الله وحقه المطلق في العلم والإرادة ~~والقدرة. ~~(2) موضوعات خلق الأفعال # خلق الأفعال إذن أحد مسائل العدل، ولكنه لا يبدو ~~مستقلا متميزا عن باقي المسائل في العدل والتي تضم ~~موضوع الحسن والقبح العقليين. بل إن بعض المسائل تظل ~~متداخلة بين الموضوعين، يصعب معها استقرارها في أي منها ~~مثل مسائل التوفيق والخذلان والهداية والضلال والعون ~~والتيسير والعصمة والطبع والختم، والاستثناء في الإيمان، ~~والآجال، والأرزاق، والأسعار التي هي حلقة الاتصال بين ~~الموضوعين، بين حرية الإنسان ومصلحته. يشمل العدل إذن خلق ~~الأفعال وما يتعلق بها من جبر وكسب واختيار ms005 واستطاعة ~~وتولد، ثم الإيمان وما يتعلق به من هداية وتوفيق وعون ولطف ~~أو طبع أو ختم أو خذلان، ثم الآجال والأرزاق والأسعار، ثم ~~الحسن والقبح والأصلح ثم التكليف وما يتعلق به من أمر ~~ونهي، ثم بعض الأبحاث الطبيعية الناتجة عن فعل الإنسان في ~~الطبيعة، وأخيرا الوعد والوعيد وعذاب الأطفال والبهائم ~~والعوض. وكلها تدخل في موضوعات منفصلة بالرغم من اجتماعها ~~معا في خلق الأفعال، والتعديل والتجوير، والوعد والوعيد، ~~والإيمان والعمل. وقد يدخل فيها موضوع النبوة كما هو الحال ~~في العقائد المتأخرة عندما ألحقت النبوات بالسمعيات. بل قد ~~تظهر أفعال الشعور الداخلية ومسائل الكسب والاستطاعة ضمن ~~التوحيد في مساق الإرادة. # 22 # ثم تظهر من جديد مع ثلاث مسائل كفروع لعلم ~~التوحيد وهي الخلق والإرادة والشفاعة والرؤية. # 23 # وفي هذه المسألة تظهر أساسا أفعال الشعور ~~الداخلية وكأن أصل العدل قد انبثق من أصل التوحيد، وأنه ما ~~زال في مراحله الأولى حيث يتداخل العدل مع التوحيد محاولا ~~التحرر منه، ويتداخل التوحيد في العدل محاولا إعادة له. ~~وكما تداخلت أوصاف الذات وصفاتها وأسماؤها تتداخل أيضا ~~الذات، أوصافا، وصفات، وأسماء مع الأفعال. ويظهر العدل ~~كأحد أوصاف الذات مرة سلبا في إحالة الحجر عليه ومرة ~~إيجابا في أنه صانع الحوادث كلها ضد الدهرية والثانوية ~~والمجوس والفلكية والطبائعية والمعتزلة. # 24 # وقد تظهر مسائل خلق الأفعال مباشرة بعد حدث ~~العالم لإثبات شمول القدرة أو الإرادة حتى قبل أن تظهر ~~مسائل الذات والصفات. # 25 # وبعد مسائل الذات والصفات كلها تظهر مسائل ~~الحسن والقبح مستقلين أولا في فرعين، الحسن والقبح، ثم ~~إبطال الغرض والعلة والقول بالصلاح والأصلح ثانيا. # 26 # كما تظهر بعد مسائل أفعال الشعور الداخلية مثل ~~التوفيق والخذلان، والشرح والختم والطبع والأصل والرزق ~~مختلطة ببعض الأسماء مثل الشكر. ولأول مرة تظهر مسألة ~~العدل مستقلة بعد الذات والصفات والأسماء، وتشمل خلق ~~الأفعال وموضوعات أخرى مثل الهداية والضلال والآجال ~~والأرزاق وهي أدخل في موضوعات الصلاح والأصلح. بل إن موضوع ~~خلق الأفعال لا يأخذ إلا الثلث ويأخذ موضوع الصلاح والأصلح الثلثين. # 27 # وتظهر ms006 مسائل أفعال الشعور الداخلية في صفة ~~الإرادة وأنها تعم سائر المحدثات ومتعلقة بجميع الكائنات. ~~ثم تظهر الأفعال الخارجية في نظرية الكسب في باب خاص وهو ~~القدر ثم في باب خاص آخر من الاستطاعة لإثبات الفعل ~~وإنكار التوليد، أي إنكار تقدم الاستطاعة على الفعل ~~وبقائها بعد الفعل، ثم ظهور مسألة الحسن والقبح في باب ~~العدل والتجوير. # 28 # ويظهر باب خلق الأعمال مضافا إليه باب آخر ~~في الاستطاعة وحكمها منفصلين عن باب التعديل والتجوير. # 29 # وعندما تعرض العقائد في مسائل متفرقة دون ~~بناء نظري يظهر العدل أولا في خلق الأفعال ثم في الحسن والقبح. # 30 # وقد لا يذكر مبحث الأفعال وتذكر بدله مباحث ~~الجبر والقدر، ثم تبدأ المسائل الأولى في خلق الأفعال ~~والمسائل الثانية في الحسن والقبح. # 31 # وفي العقائد المتأخرة يأتي العدل بعد التوحيد دون فصل ~~بينهما كما كان الحال في بداية علم أصول الدين. وتظهر ~~مسائل خلق الأفعال والاستطاعة والتوليد ثم الآجال والأرزاق والأصلح. # 32 # وفي بعض العقائد المتأخرة يختفي مبحث العدل ~~كلية وينتهي بالرضا بالقضاء والقدر. # 33 # ويظهر العدل كملحق للتوحيد كما كان في البداية. # 34 # يختفي العدل كلية وتنحصر العقائد في الإلهيات ~~والسمعيات أي في التوحيد والنبوة. # 35 # وفي بعض الحركات الإصلاحية الحديثة يتحول ~~التوحيد من النظر إلى العمل وبالتالي تختفي مسائل خلق ~~الأفعال لأنها تكون مناط التوحيد. # 36 # ولكن تظل مسألة الإيمان بالقضاء والقدر موضع الدفاع، # 37 # وكأن حل مسألة التوحيد كامن في العدل، وهو ~~اللقاء الصحيح العضوي بين الأصلين. ويظل الإشكال في أفعال ~~الشعور الداخلية، هل هي أدخل في خلق الأفعال أم في الحسن ~~والقبح العقليين، أم أنه يصعب التفرقة بينهما لأنها تدخل ~~في أصل واحد وهو العدل أولا لأنها حلقة اتصال بين خلق ~~الأفعال والحسن والقبح العقليين؟ # 38 # ففي العقائد المتقدمة يصعب الفصل بين حرية ~~الأفعال والتعديل والتجوير، ومع ذلك يدخل التوفيق والضلال ~~والهدى في خلق الأفعال أكثر من دخوله في العدل. # 39 # وفي العقائد المتأخرة يظهر مستوى الإرادة ~~لأفعال الشعور الداخلية، ثم ينفي الحسن ms007 والقبح والواجبات ~~العقلية ويصبح التوحيد هو الموضوع الأساسي في العدل. # 40 # وقد تظهر كثير من مسائل العدل في إثبات الخلق ~~ورفض استقلال الطبيعة، وكذلك في مساق ذكر صفتي القدرة ~~والإرادة وشمولهما، ولا يظهر في الجواز إلا الصلاح والأصلح. # 41 # ويظل التذبذب قائما بين وضعها في خلق الأفعال ~~وبالتالي تكون أقرب إلى حرية الإنسان وبين الحسن والقبح ~~العقليين، فهي إذن أقرب إلى تنزيه الله عن فعل البشر. يدخل ~~الموضوع عند الأشاعرة في الجبر والقدرة والاستطاعة، أي في ~~التوحيد، ويدخل عند المعتزلة في الحسن والقبح، أي في ~~العدل، نظرا لإنكار الأشاعرة الحسن والقبح العقليين، ~~وبالتالي العدل كله كأصل مستقل. والحقيقة أن أفعال الشعور ~~الداخلية أقرب إلى الحسن والقبح وتنزيه الله عن القبائح ~~وباقي مسائل العدل مثل الصلاح واللطف. فمسألة التوفيق ~~والخذلان والهداية والضلال والعون والتيسير والعصمة والطبع ~~والختم كلها أفعال شعور داخلية، تجتمع فيها حرية الأفعال ~~والحسن والقبح والصلاح واللطف. ولما كان الصلاح واللطف ~~تعبيرا عن إرادة الله في الواجبات الإلهية، فإنها تكون ~~أقرب إلى حرية الأفعال التي موضوعها تقابل الإرادتين ~~الإلهية والإنسانية وفي الوقت نفسه رعاية الصلاح والإصلاح ~~وإدراك الإنسان وإرادته الحرة. أما مسألة الاستثناء في ~~الإيمان ومسائل الآجال والأرزاق والأسعار، فإنها أيضا بين ~~خلق الأفعال وبين الحسن والقبح العقليين ورعاية الأصلح. ~~وقد تدخل أفعال الشعور الداخلية في موضوع النظر والعمل، أي ~~الأسماء والأحكام نظرا لأنه يتعرض للجانب النظري في العمل ~~وهو الإيمان. ولكن الإيمان هنا ليس في علاقته بالعمل، بل ~~في علاقته كفعل للإيمان وبخلق الأفعال بين الإرادة الإلهية ~~والإرادة الإنسانية. ولما كان موضوع النظر والعمل من ~~السمعيات، فإن البعض قد آثر اعتبار أفعال الشعور الداخلية ~~أمورا زائدة لا تدخل ضمن العقليات، أي التوحيد والعدل، ~~وأقرب إلى السمعيات وعلى أكثر تقدير نقطة انتقال من ~~العقليات إلى السمعيات، حيث تندر فيها العقليات إلى أقل ~~درجة وتكثر فيها السمعيات إلى أقصى درجة. # 42 ~~(3) بناء الموضوع # الموضوع هو خلق الأفعال. وهي التسمية القديمة التي تتسق ~~مع نظرية الأفعال دفاعا عن إرادة الله المطلقة ms008 ضد إرادة ~~الإنسان وحرية اختياره كوليد جديد يوأد في المهد ~~(الأشاعرة). ولكن التسمية قد تعني أيضا خلق الأفعال من ~~جانب الإنسان (المعتزلة) تأكيدا على حرية الإرادة. وقد ~~استعمل المحدثون منا من مؤلفي الكتب المقررة تسمية ~~الجبر والاختيار إما تحت أثر الغرب أو خضوعا للفكر ~~الشائع. وهي تسمية تظهر الصراع بين وجهتي النظر واعتبار ~~أن الكسب هو الحل الوسط بين الحلين المتعارضين ويجعلونه ~~أقرب إلى الاختيار منه إلى الجبر لو كان المؤلف عاقلا أو ~~إلى الجبر منه إلى الاختيار لو كان المؤلف تقليديا ~~ناقلا. # والتعبير القديم «خلق الأفعال» تعبير محايد، لا يوحي ~~بنقل القدماء ولا بتحديث المعاصرين، ولكن الخلاف في ~~التفسير حول خلق من؟ يجعله البعض من جانب المؤله مثل كل ~~شيء، ويجعله البعض الآخر من جانب الإنسان. وفي هذه الحالة ~~يكون الإنسان صاحب أفعاله. أما تعبير «الجبر والاختيار» ~~فهو مقابلة حديثة تضم لفظا قديما هو الجبر ولفظا ~~حديثا هو الاختيار. ولكن الاختيار لا يعبر عن خلق الأفعال ~~خاصة إذا تم بالطبع. كما أنه يوحي بفعل خارجي محض كأن ~~الفعل يتم عن طريق مقارنة عقلية بين الدوافع وحسابات ~~رياضية بينها ثم اختيار أحدها وكأن الحياة لا تختار بنفسها ~~حسب الدافع الأقوى. ولما كانت «الحرية» لفظا معاصرا يعبر ~~عن وجدان الأمة كما يعبر عن مضمون المشكلة القديمة، خلق ~~الأفعال، أصبح الإنسان خالقا للأفعال يعني أن الإنسان حر. ~~لم يصبح الموضوع «مشكلة الحرية» لأن الحرية ليست مشكلة بل ~~هي أمر واقع وتجربة يشهد بها الوجدان وصريح العقل؛ حينئذ ~~يصبح موضوع خلق الأفعال إثباتا للإنسان الحر. وعنوان خلق ~~الأفعال مثير للذهن مثل حرية الأفعال. فالخلق يوحي ~~بالإبداع والجدة والمسئولية، مثل الحرية تماما، بل إنه ~~أكثر ميتافيزيقية نظرا لارتباط الحرية بأبعادها السياسية ~~والاجتماعية. وهو لفظ أكثر أصالة مرتبط بالتراث وليس ~~شائعا في ثقافتنا المعاصرة الناقلة عن الغرب. واستعمال ~~لفظ الخلق بمعنى الحرية استرداد للمفهوم من الله إلى ~~الإنسان واستعادة للحقوق الضائعة. كان يمكن إطلاق تعبير ~~«الإنسان الفاعل» بعد «الإنسان الكامل» وقبل «الإنسان ~~العاقل» إبقاء على ms009 وحدة التعبير وتجانسه، خاصة وأن الفعل ~~لفظ قديم. ولكن خوفا من إمكان اللبس بين «الإنسان ~~الفاعل» الذي يمارس حريته بطبعه «والإنسان العامل» الذي ~~يحقق النظر في العمل وهو أحد موضوعات السمعيات، # 43 # بقي «خلق الأفعال» أنسب التسميات لأنه بالرغم ~~من قدمه إلا أنه ليس به عيوب القديم. # 44 # أما «الإنسان الحر» فهو تعبير خطابي خارج ~~عن منطق البرهان. # ويمكن تحديد بناء الموضوع تاريخيا أو نظريا أو ~~وصفيا. فمن الناحية التاريخية بدأت النظريات حول الأفعال ~~أولا بالجبر ثم حدث رد الفعل ثانيا بإثبات الاختيار ~~وأن الإنسان خالق أفعاله. وأخيرا جاءت نظرية الكسب ~~كمحاولة للتوفيق بين الجبر والاختيار. # 45 # هذا هو الجدل التاريخي السائد في معظم موضوعات ~~علم الكلام من الفعل إلى رد الفعل ثم إلى المركب من ~~الفعل ورد الفعل. حدث هذا في التوحيد، في التشبيه ثم ~~التنزيه ثم إثبات الصفات بلا كيف. ولكن من الناحية النظرية ~~الخالصة بدءا من النظريات غير المؤسسة إلى النظرية ~~المؤسسة يبدأ الجبر باعتباره أقل النظريات الثلاث تأسيسا ~~ثم يتلوه الكسب باعتباره أيضا أقل النظريات الثلاث ~~تأسيسا، ثم يأتي في النهاية خلق الأفعال باعتباره أكثر ~~النظريات تأسيسا. ويرتب القدماء المذاهب طبقا لرأيهم ~~الخاص ابتداء من الكسب ثم الجبر ثم خلق الأفعال بما يدل ~~على أن الجبر أقرب إلى الكسب وأن خلق الأفعال أبعد منه. # 46 # ولكن من الناحية الوصفية الصرفة تبدأ نظرية ~~الجبر التي يسهل رفضها بتحليل تجارب الإنسان الحية للفعل. ~~تتلوها نظرية الكسب التي تظل في إطار الجبر وتنشأ بدافعها ~~الأول وهو الدفاع عن حق الله والاعتراف بحق الإنسان، ~~ولكن من أجل الدفاع عن حق الله. وأخيرا يأتي خلق الأفعال ~~باعتباره أقرب النظريات إلى التجارب البشرية، بداهتها ~~وصراحتها وطبقا لمقتضيات العقل والمسئولية. وهذا الوصف ~~يجعل طرفي النقيض أولا وثالثا، والتوسط ثانيا، وهو ~~معارض للجدل التاريخي الذي يبدأ بالجبر ثم بخلق الأفعال ثم ~~بالكسب. ثم تظهر هذه النظريات الثلاث في أفعال الشعور ~~الداخلية ثم الهداية والضلال، والتوفيق والخذلان، والإيمان ~~والكفر، ثم في أفعال الشعور العامة كالحركة ms010 والسكون ~~والقيام والقعود، أي في الحركات والسكنات الإرادية التي ~~تشارك فيها الأعضاء وهي أفعال الجوارح التي عناها القدماء ~~في تحليلهم للأفعال والتي منها خرجت النظريات الثلاث، ثم ~~في أفعال الشعور الخارجية في الطبيعة التي تظهر فيها قضية ~~التوليد واعتباره نتيجة ثانية للأفعال في الخارج وليس إلى ~~الداخل، استمرارا للأفعال في الطبيعة سواء في الحركة أو ~~السكون أو الاعتماد والأكوان أو التأليف والتحليل أو في ~~آثار الأفعال المعنوية كالسنن والتقاليد وأثرها في الأجيال ~~التالية وهو ما لم يفصل فيه القدماء لتركيزهم على أفعال ~~الشعور في الطبيعة وحدها. وهذا الترتيب يبدأ من الداخل إلى ~~الخارج، واصفا أفعال الشعور من العمق إلى السطح، ومن ~~الباطن إلى الظاهر؛ ومن ثم يكون بناء الموضوع ~~رباعيا: أفعال الشعور الداخلية، أفعال الشعور الخارجية، ~~أفعال الشعور في الطبيعة، أفعال الوعي الفردي ~~والاجتماعي. # | ثانيا: أفعال الشعور الداخلية # الأفعال نوعان: أفعال الشعور وأفعال البدن، الأفعال الداخلية ~~والأفعال الخارجية. وقد سمى القدماء أفعال الشعور أفعال القلب، ~~وأفعال البدن أفعال الجوارح. والقلب ليس آلة عضوية، بل يشير ~~إلى حياة الشعور الداخلية، وهي أفعال لا محل لها، على عكس ~~الجوارح التي في محل سواء في الآلة، اليد أو الرجل أو الرأس، ~~أو في محل الفعل. وبالتالي ارتبطت أفعال الجوارح بالاعتمادات ~~والأكوان والمماسات والحركات والسكنات وكل ما يتعلق بتوليد الأفعال. # 1 ~~(1) هل أفعال الشعور الداخلية أفعال جبرية؟ # وأفعال الشعور أفعال مثل أفعال الجوارح، تنطبق عليها ~~مقولات خلق الأفعال مثل الحركة والجبر. # 2 # وأول إيهام بالجبر إنما يأتي من إثبات الصفات ~~والأسماء، خاصة صفات الفعل وأسماء الفعل المؤثرة في ~~العالم مثل الإرادة والمشيئة والأمر والقدرة والخلق والإذن ~~والتكليف والعلم والسخط والغضب. وما دام الأمر وضع على هذا ~~النحو فمن الطبيعي ألا تكون هناك حرية أفعال على الإطلاق، ~~سواء أفعال الشعور الداخلية أو أفعال الشعور الخارجية. ومن ~~الطبيعي أن يحدث ذلك ما دامت هناك صفات مطلقة لا يقوى ~~الإنسان أمامها شيئا، وما دام الإنسان قد وضع في مقابل ~~الله من أجل معرفة أيهما أقدر! وكأن الحرية ms011 تتمثل في علاقة ~~فعل الإنسان وإرادة الله وقدرته وعلمه، وليس بعلاقة فعل ~~الإنسان في العالم، وتحقق إرادته في موقف. وقد نشأ الطرف ~~الآخر متعاليا؛ نظرا لاغتراب الإنسان عن عالمه وإسقاطه ~~العالم من الحساب وإيجاده بديلا آخر خارج العالم، فترك ~~العالم إلى الله كما يترك الدنيا إلى الآخرة، يعيش خارج ~~الدنيا، ويعيش في الآخرة قبل الأوان، يضع الدنيا آخر ~~الزمان، ويحضر الآخرة أول الزمان، ويعيش مع الله قبل تحقيق ~~الرسالة، وهو لم يفعل بعد ولم يستحق شيئا. يأخذ النتيجة ~~بلا مقدمات، ويحصل على الثمرة بلا جهد، فتأتي غير ناضجة، ~~مرة المذاق. إن إثبات صفات وأفعال زائدة على الذات يعطي ~~للذات فاعلية مطلقة في العالم، تبدو لها من خلال الصفات ~~والأفعال في مسار الطبيعة والفعل الإنساني. ومن ثم لا ~~يكون الفعل الإنساني حرا لأنه خاضع إلى حرية أكبر ~~تتدخل في مساره وفي مسار الطبيعة على حد سواء. # 3 # وإثبات قدم الصفات يقضي أيضا على خلق ~~الأفعال لأنه لا يمكن أن يخرج فعل حر حادث من إرادة ~~مطلقة قديمة. # 4 # قدم الصفات يستلزم قدم الأفعال مما يؤدي ~~إلى نفي الحرية والاختيار، سواء كان ذلك في العلم أو ~~القدرة أو الإرادة، وهي الصفات الثلاث الأكثر تدميرا ~~لحرية الأفعال على عكس الحياة والسمع والبصر والكلام لما ~~كان السمع والبصر تعبيرا عن العلم ووسائل له، والحياة ~~شرطهما، والكلام إعلان عنهما. والحياة لا تشعر بها، ~~والكلام شخصناه في القرآن ومنعناه عن أنفسنا فجعلنا الله ~~متكلما وأنفسنا بكما. وتتعلق الصفات الانفعالية أيضا ~~بالإرادة القديمة وبالتالي فإن أفعال الإرادة من رضا وغضب ~~وسخط ... إلخ هي أيضا أفعال قديمة. إن إثبات قدم الإرادة ~~يؤدي إلى نفي الحرية الإنسانية، كما أن نفي قدمها يؤدي ~~بالضرورة إلى إثبات الحرية الإنسانية. ومعظم الحجج التي ~~تقدم لإثبات قدم الإرادة إنما تكشف في الحقيقة عن ~~الرغبة في تأكيد عواطف التأليه ووضعها على مستوى الكمال ~~والإطلاق. وإذا كانت صفة واحدة قديمة مثل العلم فلا بد ~~أن تكون باقي الصفات كذلك؛ لأن خلق الإرادة يوجب حدوث ~~العلم ms012 وتغيره، وكأن النسق الذهني لصفات الله له الأولوية ~~على حرية أفعال الإنسان. # 5 ~~(1-1) إثبات صفات العلم والقدرة والإرادة # وأهم الصفات التي يتذرع بها لإثبات الجبر هي صفات ~~العلم والقدرة والإرادة مع الشيئية. والجبر نتيجة ~~لإثبات صفتي العلم والقدرة، خاصة لما كانتا هما ~~الصفتان الشاملتان، وإلا فجاز انقلاب علمه جهلا ~~وقدرته عجزا ، وكأن فعل الإنسان الحر مجهول من الله ~~ومعجز له! ينشأ الجبر في الأفعال من تصور علم الله ~~المسبق بكل ما يحدث في الكون نتيجة لإثبات صفة العلم ~~وقدمها وشمولها؛ لذلك كان نفي الصفات وإثبات حدوثها ~~إثباتا لحرية الأفعال. # 6 # والحقيقة أن شمول العلم الإلهي حق وإلا ~~كان الإنسان جاهلا، وأسبقيته دليل على وجود العلم ~~القبلي وهو أحد مقولات العلم الإنساني. وأن إثبات ~~الفعل الحر لا يعني إثبات الجهل في العلم، بل يعني ~~إثبات العلم التجريبي المتغير تحقيقا للعلم في ~~التجربة وقياسه عليها. علم الله في أحد جوانبه، خاصة ~~فيما يتعلق بالشرائع والتكاليف، علم تجريبي معدل بعدي ~~وهو ما أثبته أيضا علم أصول الفقه. إن أسبقية العلم ~~لا تعني نفي حرية أفعال الشعور، فالعلم النظري شيء ~~والواقع العملي شيء آخر. وإن من الحكمة التضحية ~~بفعالية العلم ووقوعه من الله عن التضحية بحرية ~~الأفعال الاختيارية من الإنسان. فالأولى لن تنال من ~~الله في شيء، في حين أن الثانية تمنع الإنسان من ~~التكليف. العلم حق نظري، ولكن حرية الأفعال حق ~~عملي. # وينشأ الإيهام بالجبر من جعل الله قادرا على كل ~~ممكن ومن ثم يكون الجبر نتيجة لنظرية الجائز ~~والممكن والمستحيل. والحقيقة أن هناك فرقا بين الجواز ~~العقلي والإمكان الفعلي. إذ إن الفعل لا يقدر على كل ~~شيء ممكن في العقل. إن الجواز العقلي ليس مطلقا ~~فإمكانيات العقل ليست افتراضا عشوائيا بل إمكانيات ~~قصدية محكومة بإمكانية التحقق، وإلا كانت نظريات ~~مجردة لا واقع لها ولا تتحول إلى واقع. وبالتالي فإن ~~قلب المستحيل واجبا والواجب مستحيلا افتراض خاطئ؛ ~~لأن أحكام العقل ليست عشوائية، بل هي إرادية قصدية حكيمة. # 7 # ولكن الصفة الغالبة في ms013 تحليل ذرائع الجبر هي صفة ~~الإرادة. الإرادة شاملة، مطلقة وواحدة لا يند عنها ~~شيء؛ وبالتالي انضوت جميع الأفعال الإنسانية تحتها. ~~وتظهر في البسملات الإرادة الشاملة، وتثبت على حساب ~~الحرية الإنسانية، كما تعقد لها أبواب خاصة في نهاية ~~الصفات وكأن المقدمات هي النتائج، وكأن الأحكام ~~المسبقة هو المطلوب إثباته. # 8 # والإرادة شاملة في الحال وفي المآل ، ~~العبرة بالنهاية وليست بالبداية، والمحك هو المصير ~~وليس فعلا واحدا. الإرادة هي المشيئة والاختيار ~~والرضا والمحبة ... إلخ، وهي صفات أخرى دائمة لا تتغير ~~بتغير الأفعال. والحقيقة أن هذا يدل على الظلم لأن ~~أفعال العباد متغيرة وليس لها ثابت بدليل التوبة ~~والأفعال المتجمدة؛ لذلك كانت العبرة فيها بالأفعال ~~الختامية، بالتجارب وحصيلتها النهائية، أي بتجربة ~~العمر كله ورصيد الإنسان النهائي. وإذا كانت الإرادة ~~مطلقة وإلا وقع فيها النقص من وهن وضعف وتقصير عند ~~بلوغ المراد فكأن حرية أفعال العباد تنال من إرادة ~~الله المطلقة وشمولها وتصيبها بالسهو والغفلة أو الضعف ~~والوهن والعجز والتقصير، وهو تصور غير كامل للإرادة ~~الإلهية، وكأن إرادة الإنسان أقوى من إرادة الله ~~والمسير لها والمسبب لأحداثها، # 9 # وجعل القضية من الغالب ومن المغلوب في ~~تحقيق مراد الإنسان أم الله. ليست القضية معركة بين ~~الله والإنسان؛ من الغالب فيها ومن الذي يتم مراده ~~دون الآخر؟ فليس شرفا لله أن يدخل في معركة مع ~~الإنسان، كما أن علاقة الإنسان بالله ليست علاقة الخصم ~~أو الند. إن دليل الممانعة جائز لأن المراد بين إلهين ~~متكافئين على نفس المستوى؛ إما أن يكون بين الإنسان ~~والله فتلك علاقة غير متكافئة على الإطلاق، ومن ~~الطبيعي إذا ما صارع الأسد فأرا أو فيل نملة أن ~~تكون الغلبة للأسد أو الفيل، أليست القضية أيضا ~~إرهابا لفعل الإنسان باتهام الحرية بأنها تجهيل لله ~~وتعجيز له؟ فالمتكلم أين يقف؟ وفي صف من؟ دفاعا عن ~~سلطة الله المطلقة أم دفاعا عن حرية الإنسان؟ دفاعا ~~عن القوي أم دفاعا عن الضعيف؟ تأييدا للقاهر أم ~~تأييدا للمقهور؟ دفاعا عمن ليس في حاجة إلى دفاع أم ~~دفاعا ms014 عمن هو في حاجة إلى دفاع؟ تأكيدا على من لا ~~تحتاج إرادته إلى إثبات أم إثباتا لمن تحف بإرادته ~~المخاطر؟ نصرة للقادر أم نصرة للعاجز؟ وكون الإرادة ~~واحدة محيطة بجميع المرادات على وفق علمه بها، فما ~~علم منه كونه أراد كونه خيرا كان أو شرا، وما علم ~~أنه لا يكون أراد ألا يكون، ولا يحدث في العالم شيء لا ~~يريده الله، ولا ينتفي ما يريد الله، لا يعني كل ذلك ~~نفيا لحرية أفعال الإنسان إنما هو إرهاب، إرهاب ~~الإنسان بالوحدانية القاهرة وبالإرادة الشاملة لسلب ~~الإنسان حرية الاختيار وقدرته على السلوك المتعدد ~~المتغير طبقا للظروف. # 10 # ولا معنى لكون إرادة الله إرادة عامة ~~وشاملة لا يؤثر فيها ترتيب الأفعال أو الاختصاص. وأن ~~ترتيب الأفعال واختصاصها بوقت دون وقت، ومكان دون ~~مكان، وزمان دون زمان لا يدل على إرادة خارجية بل على ~~حكمة في الطبيعة وعلى عقل إنساني مدبر وعلى خطة ~~عقلية سليمة. وأن إثبات الإرادة على أنها اختيار أحد ~~الاحتمالات من القدرة المطلقة لهو إسقاط من شعور ~~الإنسان بذاته على التأليه المشخص، سقوط موضوع ~~الاختيار على الله. وتصور الإرادة على أنها تخصيص ~~للقدرة لهو تصور علاقة بين العام والخاص في التأليه ~~المشخص، وهو العالم الشامل المطلق الذي لا اختصاص فيه. ~~وتصور أن إرادة الإنسان تخصيص لإرادة لهو وضع ~~الإرادتين معا؛ إرادة الله وإرادة الإنسان كطرفين ~~متكافئين في علاقة متكافئة، وهو وإن كان شرفا للإنسان ~~أن يكون طرفا لله، فإنه قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى ~~الله؛ وبالتالي ينتهي العدل إلى انتقاص للتوحيد. وقد ~~ينشأ الجبر من أن إرادة الله المطلقة قد لا تعرف ~~اختصاصا بالخير دون الشر، أو تفصيلا بين عام وخاص، ~~وإيثارا للعام وترك الخاص لأفعال العباد نظرا ~~لشمولها وعمومها وإطلاقها، وبالتالي تكون كالإرادة ~~القاهرة، كالتيار الجارف الذي لا تقف أمامه إرادة ~~أخرى. وإن عرفت الاختصاص فإنها تكون مشابهة للإرادة ~~الإنسانية، وكأن إرادة الله تتحد بالنسبة لإرادة ~~الإنسان، وبالتالي تكون إرادة الإنسان هي المحدد ~~لإرادة الله عن طريق القلب. # 11 ms015 # والإرادة والمشيئة شيء واحد. فمن صفات ~~الكمال نفاذ المشيئة. ونفاذ المشيئة يؤيد بإجماع السلف ~~على قول «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن!» ~~والحقيقة أن نفاذ المشيئة للملك السلطان معارض أيضا ~~بالثورة عليه وقلبه وعزله ومحاكمته وقتله. كما أن ~~إجماع الأمة أقرب إلى إجماع في لحظة معينة، لحظة تسليم ~~للسلطان، لحظة استسلام دون مقاومة، لحظة انكسار تاريخي ~~وليس كل اللحظات. وهو أقرب إلى المثل الشعبي والقول ~~المأثور، ولكنه ليس المثل الشعبي الوحيد. هناك أقوال ~~مأثورة وأمثال شعبية تدعو إلى خلق الأفعال وإلى تحرر ~~الإنسان وثورته على الظلم والطغيان. وما الهدف من ~~إثبات عجز البشر وتأكيد عدم قدرتهم على الحركة، ~~والقضاء على زمام المبادرة من أيديهم؟ لا مصلحة في ذلك ~~إلا للسلطان. لذلك اعتمد على السلطة الدينية لتقرر له ~~ما يريد ولتثبت له البناء النفسي الموروث للأمة منذ ~~ألف عام أو يزيد. ليس المهم الحديث عن حق الله بل عن ~~واقع البشر. # 12 # ليست المشيئة إرادة مشخصة لكائن مشخص، ~~بل هي قوانين الطبيعة وقوانين التاريخ، أي أنها هي ~~مسار الكون بعد أن يتحقق، والزمان بعد أن يصبح حوادث ~~ووقائع وتاريخا. ~~(1-2) إثبات الأسماء # ويتخذ الإيهام بالجبر الأسماء أيضا ذريعة، ويعتمد ~~عليها للإيحاء بالجبر خاصة وأنها كلها أسماء متعالية ~~تعطي الأولوية المطلقة للفعل الإلهي، مع أنها مجموعة ~~القيم الإنسانية النظرية والعملية ومقاييس للحكم. # 13 # وأكثر الأسماء شيوعا للإيهام بالجبر هو ~~الخالق. فالله خالق كل شيء في الكون بما في ذلك أفعال ~~الإنسان. ومن هنا يأتي اسم «خلق الأفعال» بمعنى أن ~~الله هو الخالق لأفعال الإنسان. فإذا كان الفعل يتم ~~بالقدرة والداعي، أي بالطاقة والباعث، فإنهما يأتيان ~~من الإنسان. فلا يعني كون الإنسان مخلوقا أنهما أيضا ~~مخلوقان. خلق الله الإنسان، ولكن قدراته ودواعيه من ~~نفسه كما أن الله خلق الطبيعة ولكن قوانينها وحركتها ~~من ذاتها. هناك فرق بين الخلق المادي التكويني للشيء ~~وخلق الفعل الحر من الخلق الأول. فليس الإنسان ~~خالقا لبدنه ولا لقواه ولا لموقفه الاجتماعي ومع ذلك ~~فهو خالق ms016 لفعله، مسئول عن نشاطه. # 14 # قد يكون الهدف من الخلط بين الاثنين هو ~~القضاء على استقلال الإنسان، وإيهام له بالتبعية، وأن ~~وجوده قائم على أساس من خارجه في حياته ورزقه وأفعاله، ~~فتنتفي المسئولية ويقضى على المعارضة، وإعطاء ~~الأولوية المطلقة للعلة الأولى، أي السلطة على العلل ~~الثانية أي المعارضة. إن كون الله خالق الكون هو حق ~~طبيعي له، ولكن ذلك لا يعني أنه خالق للأفعال كحق ~~معنوي، وكونه خالق الإنسان الحر لا يعني أنه خالق ~~الفعل الحر. هناك حرية داخل الكون، في الطبيعة، وفي ~~نطاق الأفعال، في الإنسان، هناك قوانين مستقلة، كمون ~~وطفرة وظهور. إن كون الله خالق الكون والإنسان لا يمنع ~~الإنسان من أن يكون خالقا حرا، مؤثرا في الكون ~~ومغيرا للنظم الاجتماعية والسياسية. بل إن ضرورة ~~أفعال الإنسان الحرة هي إكمال لأفعال الخلق وإعادة ~~لنظامه الطبيعي. إن الاستنباط العقلي لا يحكم على ~~التجارب الحسية، والاستدلال الصوري لا يقضي على الواقع ~~المشاهد. فكون الله خالق كل شيء لا ينتج منه استدلالا ~~أنه بالتالي خلق الأفعال، وبالتالي فالإنسان ليس خالق ~~أفعاله، وبالتالي فهو ليس حرا مسئولا، وبالتالي في ~~حاجة إلى وحي وإرادة مطلقة فتأتي السلطة السياسية ~~المطلقة وتقوم بالدور! إن الجبر إنكار لحرية الإنسان ~~ولتجدد أفعاله، بل وإنكار للتغير والقرار الحر والصراع ~~والتاريخ. إذا كان كل شيء محددا من قبل، فإنه لا ~~فعل ولا تغير ولا تاريخ، وتكون حياة الإنسان وصراعاته ~~وهما في وهم وخداعا في خداع. إن الابتهال والدعاء ~~والسؤال لله لا تعني أن الإنسان ليس خالقا لأفعال ~~الشعور الداخلية، بل هي أقرب إلى تقوية الذات وتحمية ~~الشعور وعقد العزم وإلا وقعنا في فلسفة السؤال وفي ~~موقف الشحاذة. # 15 # ولما كان خلق أفعال الشعور أسهل من خلق ~~الأجسام فإنه ليس من كمال الله أن يكون قادرا على خلق ~~الأضعف. وما دام الاستنباط واردا فإن كان الله قادرا ~~على خلق الأجسام فإنه طبقا لقياس الأولى يكون قادرا ~~على خلق الأفعال ويكون إثبات خلق الله للأفعال تحصيل ~~حاصل بالنسبة للتوحيد، ويقضي على ms017 حرية الأفعال وعلى ~~خلق الإنسان لأفعاله بالنسبة للعدل. ويكون الهدف هو ~~توجيه التوحيد لتقويض العدل كأسس نظري عقائدي لتصدى ~~السلطة للقضاء على المعارضة. صحيح أن حرية الأفعال ~~تتحقق في موقف وفي مجموع من الإرادات الخارجية، ~~تقابلها العقبات، وتتحداها القوى، ومع ذلك تظل أفعالا ~~حرة للشعور، ثابتة وباقية، وما الإرادة الخارجية ~~المطلقة الشاملة إلا اختصار لمجموع الإرادات ~~المقابلة، والعقبات المواجهة، ومكونات الموقف ~~الاجتماعي الذي تتخلق فيه أفعال الإنسان. أفعال ~~الشعور الداخلية أفعال حرة حتى يمكن الحكم عليها وعلى ~~مسئولية الإنسان عنها. والخطأ في تصور الإرادة العامة ~~المطلقة والشاملة اعتبارها مشخصة لمريد مشخص وليس ~~إحالة مختصرة إلى «الموقف الحياتي» الذي يتم منه خلق ~~الإنسان لأفعاله. كما أنها تشير إلى أنه لا يوجد شيء ~~لا يمكن تطويعه أو يند عن الإرادة حتى يدرك الإنسان ~~العالم خاضعا للفعل وإمكانيات التغيير. # وقد ينشأ الإيهام بالجبر من تصور الله ملكا ~~والإنسان مملوكا، ومن الطبيعي أن يكون من حق الملك ~~التصرف في مماليكه! وهذا تصور مهين لله وللإنسان على ~~السواء؛ فالله ليس ملكا فقط، بل هو عادل حكيم، ومن ~~سمات الملك العدل والحكمة. وهما يقتضيان أن يكون ~~الإنسان خالقا لأفعاله حتى تصح المسئولية ويقع ~~الاستحقاق، الثواب والعقاب. وهل المتكلم مدافع عن حق ~~المالك أم عن حق المملوك؟ هل هو مدافع عن حق الحاكم أم ~~عن حق المحكوم؟ لذلك سهل على المتكلم في الدنيا أن ~~ينصب نفسه مدافعا عن حق الملوك والأمراء والسلاطين ~~مبررا لأفعال الحكام والخلفاء والرؤساء ما داموا ~~أصحاب سلطة، وما داموا أولى الأمر؛ مما جعل البعض ~~الآخر يدافع عن حقوق المحكومين والمظلومين والمضطهدين ~~ويأخذون صف الشعوب المغلوبة على أمرها. يمثل تراث ~~السلطة الإرادة المطلقة، ويمثل تراث المعارضة خلق ~~الإنسان لأفعاله. ودخلت معارك التفسير والمذاهب ~~والعقائد في أتون الصراعات الاجتماعية والسياسية. # 16 # ومن الأسماء التي توهم بالجبر أن الله كامل، وأن ~~تصور أي فعل حر مستقل عنه هو نيل من كماله وكأن ~~الكمال لا يثبت إلا على حساب حرية أفعال العباد. وهو ~~قريب من تصور الله ms018 كملك والعالم كله كملك له. وكأن ~~الكمال الإلهي لا يثبت إلا بنقص الإنسان وخراب العالم. # 17 # وما أسهل الانتقال من الله الملك إلى ~~السلطان الملك ما دامت عقائد الناس قد انغرس فيها ~~الملك وأصبح الملك تكوينا نفسيا لهم وبناء ~~شعوريا يوجههم، وثقافة يومية تغذيهم. وقد تكون ~~الصورة ليس فقط المالك أو الكامل بل السيد، بالرغم من ~~أن السيد ليس من الأسماء. فالسيد إذن أراد أن يظهر على ~~الحاضرين عصيان عبده يأمره بالشيء ولا يريده منه. وكأن ~~الله محتال، وكأن الله خادع للعبد، موقع له في شر ~~أعماله، يأمره بالشيء ولا يريده منه. فالشيء لا يكون ~~مرادا ويؤمر به! والفعل لا يكون قصدا ثم يأتي ~~مخالفا للقصد، وإلا انفصل النظر عن العمل. وإذا ~~اختلفت الأفعال فإنما يرجع ذلك لاختلاف الأحكام وسلم القيم. # 18 # والقول بالإلجاء هو أقرب إلى الجبر منه إلى ~~الاختيار. وهو في حقيقة الأمر حاجة جدلية للرد على ~~الجبر في أنه إذا كان مريدا لكل الأفعال، فالأولى أن ~~يريد الطاعات وأن يلجئ العباد إليها بدلا من أن ~~يلجئهم إلى المعاصي ويعذبهم، وتنزيها لله عن الشر ~~وفعل القبائح. فهي حجة جدلية صرفة وليست شهادة ~~واقعية لإثبات أن الله لا يتدخل في إيمان العباد أو ~~كفرهم وإلا لجعلهم جميعا مؤمنين. ونحن لا نتحدث إلا ~~عن الأفعال في الدنيا وليس عن الأفعال في الآخرة التي ~~لا نعلم عنها شيئا والتي لم نشاهدها ولم نعشها ولم ~~نعرفها إلا بقياس الغائب على الشاهد. خلق الإيمان ~~بالالجاء هو أيضا جبر وليس فعلا اختياريا. وإذا ~~كان الهدف هو إثبات قدرة الله دون قدرة الإنسان ~~فالأولى إثباتها مباشرة دون ما حاجة إلى الإلجاء. ~~ولماذا اللف والدوران عن طريق الإنسان؟ وهل الله يتخذ ~~الإنسان ذريعة أو خديعة؟ # 19 ~~(1-3) حجج الجبر # ويعتمد الإيهام بالجبر على عديد من الحجج النقلية ~~أكثر من اعتماده الحلول المتوسطة بين الجبر والاختيار ~~وأكثر من اعتماد التجربة الواقعية لخلق الإنسان ~~لأفعاله، وذلك لأن الجبر نظرية السلطة تستعملها لفرض ~~نفسها وقبول الناس لها؛ ومن ثم ms019 تستعمل السلطة ~~السياسية حجج السلطة الدينية حتى يكون الموضوع والمنهج ~~من النوع نفسه. ولأنه يصعب الدفاع عن الجبر عقلا فإنه ~~لا سبيل إلا الدفاع عنه نقلا. وحجة النقل باعتباره ~~سلطة هي في الحقيقة اختيار لنقل أو إسقاط من الأهواء ~~والمصالح على النقل وابتسار ما يتفق معها منه؛ ومن ~~ثم لا يوجد نقل إلا ومعه نقل مضاد لأهواء ومصالح ~~متعارضة. ويكون الخلاف في التفسير هو في حقيقة الأمر ~~تعارضا بين المصالح. ولما كان في كل مجتمع سلطة ~~ومعارضة، قاهر ومقهور، أغنياء وفقراء، علية ودهماء، ~~أقلية مسيطرة وأغلبية مقهورة؛ ظهر النقل نقلين. كل ~~فريق يبتسر من النقل ما يتفق معه في مجتمعه، النقل فيه ~~حجة وسلطة وهو مصدر للشرعية والطاعة. وما أسهل اتهام ~~كل فريق بسوء التأويل أو سوء الفهم للآيات واستعداء ~~النصوص على المواقف الفكرية التي تعبر عن المواقف ~~السياسية أي استعداء السلطة على الخصوم وخاصة أن ~~السلطة السياسة هي الحارس للسلطة الدينية وأن سلطة ~~الحاكم هي الحارس لسلطة الكتاب والمستمدة منه. ~~والنصوص متشابهة خاصة فيما يتعلق بالمتشابهات تعبيرا ~~عن هذا الموقف الاجتماعي المزدوج وإعطاء كل فريق حقه ~~في النضال السياسي والاحتكام إلى السلطة الشرعية. فإذا ~~ما أعطى في بعض النصوص المتشابهة الأولوية للفعل ~~الإلهي على الفعل الإنساني فإنما يكون ذلك تأدبا ~~وتأكيدا للحق النظري الشرعي لله. كما أنه يكون في ~~سياق خاص تدعيما للمعارضة وتشجيعا لها وتقوية ~~لحقها ورفعا لمعنوياتها حتى لا يقع الفعل الإنساني ~~تحت منظور قصير فيصاب باليأس والتشاؤم والإحباط. فلا ~~تخرج الآيات من سياقها، أي من «أسباب النزول». وقد ~~نزلت أمثال هذه النصوص في مجتمع ديني في أول عهد ~~الناس بالرسالة دفعا للإيمان، وتأكيدا للألوهية ~~كعامل نصر فريد ليس له وجود عند الآخر في مرحلة الفتح ~~وليس تدعيما لفريق ضد فريق داخل المجتمع الجديد، وليس ~~نصرة للسلطة على حساب المعارضة بعد قيام الدولة. # 20 # كما يعتمد الإيهام بالجبر على شبهة لا تثبت الجبر ~~بقدر ما تثبت حرية الإنسان وتعبيره عنها بأعمال العقل ~~وقدرته على الفرض. وهي شبهة ms020 مستمدة من قصص وليس من ~~حكم، وهي قصة إبليس في صراعه مع الله. فالعلم السابق ~~بوقوع الحوادث لا يمنع من اختراق الحرية الإنسانية ~~لهذا العلم وإيقاع الحوادث على نحو غيره إثباتا لحرية ~~العقل، وإعلانا على أن العلم الإلهي المسبق ليس جبرا ~~للأفعال أثناء تحققها، وعلى الفرق بين الحق النظري ~~والأداء العملي. كما تشير القصة إلى أن الإنسان سيد ~~الكون، وله تخضع كل المخلوقات لأنه هو الفاعل الحر، ~~وغيره من الكائنات الطبيعية أو الإلهية لا حرية لها، ~~بل يمتثل ويطيع دون اختيار آخر أو بديل، لا فرق في ~~ذلك بين الأرض والسماء وكل الموجودات الطبيعية وبين ~~الملائكة والجن والشياطين. كما تدل القصة على أن لكل ~~فعل حكما، وأن كل حكم يتضمن جزاء، وأن إنكار سيادة ~~إنسان على الكون حكم يتطلب جزاء. وتشير أخيرا إلى أن ~~الإنسان بين عالمين، الإقدام والإحجام، التقدم ~~والنكوص، الرفعة والذل، والحرية هي التي توجه ~~الإنسان إلى هذين العالمين. الإنسان هو المتحدي، ~~وحريته تظهر في المقاومة، مقاومة الإغراء، والنظر إلى ~~ما هو أبعد، والتضحية، وعدم الاستسلام. القدرة واحدة، ~~والإرادة واحدة سواء على الكفر أو على الإيمان. والمحك ~~هو الاختيار القائم على العقل والرؤية والقصد. # 21 # وتكون الحرية داخلية صرفة، غير مرئية، ~~حرية الإيمان وعدم الإيمان. وهذا لا يتأتى إلا من ~~الوعي الخالص المستقل عن شوائبه المادية عن مصلحة، ~~وغاية قصيرة، وصغائر. أفعال الشعور الداخلية إذن ~~أفعال حرة بقدر ما هي مرتبطة بغايات الإنسان وأهدافه ~~واتجاهاته. للإنسان السيطرة عليها بالعلم والإرادة ~~والقدرة والحياة. قد لا تبدو ~~فيها حرية الأفعال ~~ظاهرة ولكنها أفعال حرة بتحليل التجارب الشعورية ~~واستبطان أفعال الشعور. ولماذا يثبت قياس الغائب على ~~الشاهد في الصفات وينفى في الأفعال؟ وإذا كان هذا ~~المقياس أساس الفكر الديني كله بصرف النظر عن ~~موضوعاته، التوحيد أم العدل، فلماذا يستعمل في ~~التوحيد دون العدل؟ لماذا لا يكون الشاهد هو إثبات خلق ~~الأفعال وبالتالي قياس الغائب عليها قلبا؟ ألا تثبت ~~التجربة أن الإنسان صاحب أفعاله؟ ولماذا ابتسار ~~التجربة الإنسانية وأخذ ما اتفق منها ms021 مع الموقف الديني ~~السياسي المسبق الذي يعطي الأولوية للفعل الخارجي، لله ~~أم للسلطان على الفعل الإنساني؟ إن التجارب المضادة ~~لحرية الإنسان وخلقه لأفعاله لا تثبت الجبر، بل تبين ~~إمكانات القدرة البشرية وحدودها وموانعها وعقباتها من ~~أجل إظهارها وشحذها وإعادة النظر في طرق ممارستها، فهي ~~معها لا ضدها، وجزء منها لا خارجا عنها. # 22 ~~(1-4) خطورة الجبر # إن الإيهام بالجبر لو نجح أن يتحول إلى عقيدة ليؤدي ~~لا محالة إلى ضياع حرية الأفعال ، وبالتالي القضاء ~~كلية على الإنسان وعلى أحد مظاهر وجوده. كما يؤدي إلى ~~تدمير العالم كلية وهدم قوانينه الثابتة. وكيف يعيش ~~الإنسان بلا إرادة وفي عالم لا يحكمه قانون، وكل شيء ~~فيه خاضع لإرادة مطلقة ومشخصة لا يقوى أمامها شيء ~~سواء قانون الاستحقاق أو قانون الطبيعة؟ كما يجعل ~~الجبر الله مسئولا عن الشرور في العالم، وهو تناقض مع ~~طبيعة الله الخيرة؛ إذ إنه يضيف القبائح إلى الله ~~ويجعله مثل الشيطان مصدرا للشرور، وبالتالي يحال ~~موضوع خلق الأفعال إلى موضوع تنزيه الله عن القبائح أي ~~إلى الحسن والقبح العقليين وما يتعلق بهما من صلاح ~~وأصلح وغائية وقصد. والأخطر من ذلك كله هو تحول الجبر ~~الميتافيزيقي العام إلى عقيدة القضاء والقدرة الخاصة ~~وأثرها في سلوك الأفراد والجماعات، وجعل الناس راضين ~~بهما ومنعهم من القدرة على ~~الحركة والتغير ~~والثورة. ثم ترسخ العقيدة في وجدان الأمة وبالتالي ~~تستمر مرحلة التخلف بكل مظاهره من طغيان داخلي ~~وقهر خارجي وتبعية وانحياز وضياع لاستقلال الأمة ~~وحريتها. ثم توجد أنظمة تسلطية تقوم بالدور نفسه وتتحد ~~مصالحها مع السلطة الدينية فيصبح الجبر الدعامة ~~النظرية للنظم القائمة وتستأصل المعارضة التي تروج ~~لخلق الإنسان لأفعاله باعتبارها ضد الإرادة الإلهية ~~وهي في الحقيقة ضد إرادة السلطان. وما أسهل أن يدافع ~~الإنسان عن الله وحقه المطلق الثابت، ولكن ما أصعب ~~الدفاع عن الإنسان وحقه المهضوم الضائع وعن حقوق ~~الشعوب! ما أسهل الدفاع عن حرية أفعال الله التي لا ~~نزاع فيها! وما أصعب الدفاع عن حرية أفعال الإنسان ~~التي تنكرها كل النظم السياسية ms022 ويسقط دفاعا عنها ~~المناضلون والشهداء! جبر الأفعال مزايدة على الله تكشف ~~عن مناقصة في الإنسان. تأخذ بالطريق السهل وتترك ~~الطريق الصعب، تدخل في معركة مكسوبة سلفا اعتمادا ~~على سلطة الدولة وتترك المعركة القائمة بالفعل ~~اعتمادا على حق الشعوب وعلى قوى المعارضة. إن إثبات ~~قدرة الذات المشخصة وإثبات عظمتها بالنسبة لقدرة ~~الإنسان هو إثبات الفيل للنملة أنه قادر على ما هي ~~قادرة عليه. وذلك يقوم على الإيحاء بأن الفيل ليس ~~فيلا بل مجرد وهم والنملة قادرة على الفعل ولا يمنعها ~~الفيل من شيء. والحقيقة أن كل شيء لا يقاس بشيء آخر ~~نسبة بل يقاس في ذاته. فالنملة في عالمها قادرة على ~~السعي والدفاع وجلب الرزق والعمل المشترك. إن النملة ~~قادرة كما تقص الحكايات الشعبية على قهر الفيل؛ ~~فالقدرة الجسمية أحط أنواع القدرة إذا ما قيست بقدرات ~~العقل والحيلة والذكاء. وقد تمكث النملة في أذن الفيل ~~حتى يهج ويقع. وبالتالي ينتهي الجبر إلى عكس ما كان ~~يرمي إليه وهو الدفاع عن التوحيد. فلا هو دافع عن ~~التوحيد نظرا لإثباته أن الفيل أقدر على النملة، ولا ~~هو حافظ على العدل أي على قدرة النملة على العيش ~~والكسب والجد والجهد والدفاع. # الجبر مجرد مزايدة من العاجز عن الفعل وإسناد كل فعل ~~إلى الله. وهو يكشف عن اغتراب الإنسان في العالم وأنه ~~يسقط العالم من الحساب كميدان للفعل. وهو نفاق يحيل ~~العجز قوة، وتعويض بجد في الغير هروبا من الذات، وهو ~~في نهاية الأمر فكر سلطة بغيته تأييد السلطان ضد حقوق ~~الشعوب وأصحاب الحقوق. ~~(2) هل أفعال الشعور الداخلية أفعال جبرية حرة؟ # وقد يخفف الجبر قليلا وتقترب أفعال الشعور الداخلية من ~~الأفعال الحرة، وذلك بالتقليل من أسباب الجبر وبواعثه وفي ~~مقدمتها العلم الإلهي المسبق عن طريق التمييز بين العلم ~~الشامل والعلم التفصيلي. فالله يعلم كل المرادات على ~~الجملة لا على التفصيل حيث تتفصل الوقائع وتتحقق كوقائع ~~جزئية متفردة. ففي الجزئيات هناك مكان لحرية الأفعال ~~وليس في الكليات. وعيب هذا الحل أنه يجعل العلم الإلهي ~~منقوصا، ويجوز ms023 الجهل على الله، وهو ما ينكره المتكلمون ~~على الفلاسفة واتهامهم لهم من إنكار لعلم الله بالجزئيات. ~~كما أنه يجعل إرادة الله منقوصة بإخراج أفعال البشر من ~~شمولها؛ ومن ثم لا مكان لنقد حرية أفعال العباد. ثم ~~إن الإنسان يبدو حرا ولكن متخفيا متلصصا من تحت ~~الإرادة أو من وراء العلم الإلهي وليس كحق من حقوقه؛ ومن ~~ثم ينتهي هذا الحل بإقلاله من التوحيد والنيل منه وبعدم ~~الوصول إلى العدل كحق إنساني. # 23 # ويمكن فهم نظرية الكسب أيضا على هذا النحو ولكن على ~~مستوى الإرادة وليس على مستوى العلم؛ إذ يمكن الجمع بين ~~الإرادتين على طريقة الجملة والتفصيل. الله مريد على ~~الجملة والإنسان مريد على التفصيل، ولا تعارض بإخراج ~~تفصيلاتها منها. كما أنه لا ينفي جبرية الأفعال لأن ~~التفصيل ما زال في إطار الجملة أو يثبت حرية الأفعال؛ ~~وبالتالي لا يمكن نقدها. كما أنه يقع في تصور كمي لعلاقة ~~الجملة بالتفصيل وكأن القسمة قد أعطت الله أكثر مما أعطت ~~الإنسان إرضاء لله والإنسان معا مع الاحتفاظ بنسبة ~~الشرف، فالأكثر شرفا يحصل على نصيب أكبر من الأقل شرفا. ~~ويبدو الإنسان أيضا متلصصا بإرادة من تحت الإرادة ~~الإلهية أو من ورائها. وكيف لا يقع جزء من العلم الإلهي ~~أو الإرادة الإلهية؟ ~~وهل الأجزاء والتفصيلات إلا تعينات للكليات والعموميات؟ ~~ألا يطعن غياب الجزء في شرعية الكل؟ ألا يكون الجزء ~~أحيانا أقوى من الكل لأن الكل لا يبدو إلا في الأجزاء؟ ~~فلا التوحيد قد تم الإبقاء عليه، ولا العدل قد تم الوصول إليه. # 24 # والتفرقة بين الإرادة والرضا أحد الحلول المتوسطة؛ فقد ~~أراد الله ضلال من ضل وشاء كفر من كفر، ولكنه لا يرضى ~~لعباده الكفر، فما أثبته الله غير ما نفاه ضرورة؛ أثبت ~~الإرادة لكونه والمشيئة لوجوده ونفى الرضى به، وهما معنيان ~~متغايران بنص القرآن وحكم اللغة. والسؤال الآن: هل التفرقة ~~بين الرضا وبين الإرادة ممكنة؟ هل يجوز أن يرضى الله عن ~~فعل لا يريده، أو يريد فعلا لا يرضى عنه؟ إن ذلك تخيل ms024 ~~القسمة في الإرادة الإلهية قياسا على الإرادة الإنسانية ~~وتنازع الإنسان بين باعثين. ففي الله هناك تجانس بين ~~الإرادة والرضا؛ فالرضا تعبير عن الإرادة وليس مضادا ~~لها، هذا التباين بين الإرادة والرضا يوقع في تصور منقوص ~~للإرادة باستثناء الرضا منها، كما أنه يجعل الرضا فوق ~~الإرادة مع أنه أحد مظاهرها. فإذا ما أراد الله الكفر ~~ولكنه لا يرضاه فإن ذلك ينقل موضوع خلق الأفعال إلى موضوع ~~الحسن والقبح العقليين وتظل الحاجة ماسة إلى تنزيه الله ~~عن الشرور والقبائح. وإلا فكيف يمكن حل مشكلة ثم الوقوع في ~~مشكلة أعظم؟ # 25 # والعجيب في محاولات التوفيق جعل الأفعال الحسنة من الله ~~والأفعال القبيحة من الإنسان! وكأن الله له الخير والإنسان ~~له الشر «وتلك قسمة ضيزى». وهي نظرة ثنائية تجعل الفعل ~~له فاعلان، فاعل للخير وفاعل للشر، تعطي الأول لله والثاني ~~للإنسان، تجعل الله مسئولا عن نصف أفعال الإنسان والإنسان ~~مسئولا عن نصف أفعال الله؛ فلا هي أعطت كل شيء لله حفاظا ~~على التوحيد، ولا هي أعطت كل شيء للإنسان حفاظا على ~~العدل؛ فضاع التوحيد والعدل معا. كما أنها تضع الإنسان ~~على نفس المستوى مع الله في مسئولية كليهما عن الأفعال، ~~وكأن الإنسان على نفس المستوى مع الله في مسئولية كليهما ~~عن الأفعال، وكأن الإنسان شريك لله والله شريك للإنسان، ~~وكأنهما قرينان، إما إقلالا لله نزولا حتى الإنسان أو ~~إعلاء للإنسان صعودا حتى الله. وهي نظرة تقوم على ~~التطهر، وتجعل أفضل قسم في الإنسان هو الله، وأسوأ قسم فيه ~~هو الإنسان. وهي نظرة بطولية تجعل الإنسان مسئولا عن ~~الشر وحده والله مسئولا عن الخير وحده، اتهاما للذات ~~وتبرئة للغير؛ نظرة سوداوية تجعل الإنسان مسئولا عن ~~القبح وكأنه لا يفعل إلا القبيح، تقوم على تعذيب الذات ~~والتضحية في سبيل الغير، كما تقتضي بذلك علاقة الحبيب ~~بالحبيب. ولكن النظرة الأكثر بطولية تجعل الإنسان مسئولا ~~عن كل شيء، عن الخير والشر، والحسن والقبح، أما من حيث ~~الله، والله لا يحتاج إلى إثبات بطولة، أو من حيث الإنسان، ~~فالإنسان ms025 موجود من أجل البطولة في الاستخلاف. # وكيف يتخلى الله عن مسئولية فعل القبائح والشرور بدعوى ~~التنزيه؟ وكيف يدين الله الحبيب؟ وكيف يكون الله أنانيا ~~يحتفظ لنفسه بالخير ويترك للإنسان الشر؟ ألا يكون الإنسان ~~في هذه الحالة أكثر ألوهية من الله بتحمله المسئولية كاملة ~~عن الشرور، وبتضحيته بالذات في سبيل الآخر، وبغيرته وإيثار ~~الآخر على النفس؟ إن جعل المعبود مسئولا عن الطاعات ~~والإنسان مسئولا عن المعاصي قسمة قائمة على الطهارة ~~بالنسبة للمعبود وبالقسوة بالنسبة للإنسان. وأن جعل الذات ~~المشخصة المطلقة مسئولة عن الأفعال الإيجابية دون السلبية ~~تطهر وتنزيه للحبيب من الشر وإلصاق للشر بالإنسان خاصة ~~لو كان ذلك يحدث بعد ~~الإتيان بالفعل. إن كان خيرا أعطي للمطلق وإن كان شرا ~~ترك للإنسان. ولماذا لا يكون الإنسان مصدرا للخير ويكون ~~مصدرا للشر وحده؟ وكيف يتم فعل باتهام الذات وتعذيبها ~~المستمر؟ وكيف يتم خلق وإبداع والإنسان محبط مهان مذنب؟ # 26 # والحلول المتوسطة في الحقيقة أقرب إلى الجبر منها إلى ~~الاختيار. ولا تعتمد على الحجج النقلية لأن حجج الطرفين ~~موجودة، ولكنها تعبر عن مجرد الرغبة في إثبات شرعية ~~الموقفين: النظرية لله والعملية للإنسان والرغبة في ~~المصالحة بين الموقفين المتقابلين. كما تكشف عن الرغبة ~~في تأكيد عاطفة الإيمان وضرورة العقل والفعل، رغبة في ~~الحسنيين، وكأنها مصالحة بين فريقي الأمة توحيدا للفكر ~~وحماية لها من الفتن والشقاق. وقد تكون محاولات التوقيف ~~مجرد صياغات في العبارة بلا مضمون أو اتساق وكأن الأمر ~~مجرد صياغة بيان سياسي يرضي كل الأطراف، ويحقق كل ~~المصالح والذي ينتهي في النهاية بألا يحقق أحد منها بعد ما ~~يفسره كل طرف على هواه. فالله أراد المحدثات دون أن يسميها ~~كفرا ومعصية، أي الإبقاء على المبدأ العام دون الوقائع ~~المحددة، مثل الحديث عن حقوق شعب دون الحديث عن أرض أو ~~حدود أو هوية أو استقلال أو سيادة. # 27 # وعادة ما يصعب التوفيق بين أي طرفين عن طريق ~~الالتقاء في المنتصف مثل التوفيق بين حرية الأفعال وصفات ~~الإرادة أو أسماء الذات، فأفعال الناس إما أن ms026 تكون حرة ~~أو لا تكون. ينتهي التوسط إلى تأجيل الصراع وليس إلى ~~إلغائه، فيتفجر بعد ذلك. ولا يبقى إلا احتواء أحد ~~الأطراف للآخر عن طريق التأويل. ~~(3) أفعال الشعور الداخلية أفعال حرة # لما كان إثبات الصفات أحد بواعث نفي خلق الإنسان ~~لأفعاله، فإن نفي الصفات يكون أحد بواعث إثبات خلق الإنسان ~~لها ومسئوليته عنها؛ هناك إذن صلة بين التوحيد والعدل ~~تتمثل في إثبات الصفات لله ونفي الأفعال للإنسان أو في نفي ~~الصفات لله وإثبات الأفعال للإنسان. هذا هو النسق الدائم ~~إلا إذا كان في غمرة الحماس للنفي يتم نفي الصفات والأفعال ~~معا، وهو النفي الغاضب المبدئي الذي تنفى فيه صفات الله ~~وأفعال الإنسان معا. # 28 # وقد يكون السبب في ذلك هو نقل صورة المعبود ~~على الإنسان، واعتبار الحرية صفة للذات الإنسانية، فكما ~~أنكرت صفات المعبود تنكر أيضا صفات العابد. ~~(3-1) نفي صفات العلم والقدرة والإرادة # ومن الصفات التي يتم نفيها خاصة العلم والقدرة ~~والإرادة، لما كانت الحياة شرطا للعلم ولما كان السمع ~~والبصر والكلام أيضا من مظاهر العلم، سواء المعرفة ~~الحسية، السمع والبصر، أو التعبيرات اللغوية في ~~الكلام. والحقيقة أن نفي الصفة لإنفاذ الفعل إنما هو ~~إثبات لحق الله النظري وحق الله العملي. فهناك فرق بين ~~ما هو نظري شرعي وما هو واقعي حسي. فالصفة المطلقة ~~سواء كانت العلم أو القدرة أو الإرادة حق نظري ~~شرعي لله، وحرية الأفعال حق عملي حسي للإنسان ولا ~~تعارض بين الاثنين. فبالنسبة لصفة العلم، علم الله ~~علمان: علم قبلي استنباطي عن طريق المبادئ العامة، ~~وعلم بعدي استقرائي عن طريق الوقائع الجزئية؛ فالإيهام ~~بالجبر أو بالكسب إنما ينطلق من العلم الأول الشامل ~~الذي لا تغيب عنه الجزئيات قبل وقوعها بينما ينطلق ~~واقع الحرية من العلم الثاني بالأفعال بعد تحققها. ~~العلم المطلق لا يحتاج إلى وقائع؛ فهو علم صفة لا علم وجود. # 29 # وهو لا يمنع من حرية الإنسان لأنه لا يوجد ~~علم قبلي بها، بل العلم علم بعدي محض. أفعال ~~الإنسان سابقة على العلم المطلق بها. ms027 # 30 # والعلم المطلق بالوقائع لا يمنع من حدوث ~~الوقائع على نحو مخالف لهذا العلم المسبق. فالحرية ~~الإنسانية قادرة على اختراق حاجز العلم. والعلم المسبق ~~على نحو كلي وشامل لا يمنع من تجدد الفعل وتغيره على ~~نحو جزئي، فالعلم إحاطة والفعل تحقق. # 31 # ولا ضير أن يكون علم الله مشروطا بأفعال ~~العباد وليس للعلم الإلهي، ولا ضير أن يكون العلم ~~الإلهي متغيرا لصالح العباد كما هو الحال في النسخ. ~~وقد يكون الفصل بين العلم والإرادة أحد وسائل إنفاذ ~~حرية الأفعال. فالله لم يزل مريدا لما علم أنه يكون، ~~أي أن علمه أوسع من إرادته، وأنه على حق مطلق ولكن ~~إرادته حق نسبي، والنظر في النهاية سابق على العمل ~~وأعلى منه ومحيط به. # 32 # علم الله المسبق إذن لا ينال من حرية ~~الأفعال، بل هو أشبه برصد النتائج مسبقا لاختيار ~~البشر. صحيح أن العلم يوجب وجود المعلوم ولكنه لا ~~يوجب التعلق واتجاه المعلوم نحو فعل معين. صحيح أن ~~العلم أشمل من الأفعال ومع ذلك فليس المطلوب هو الدفاع ~~عن شمول العلم بل عن اختيار الأفعال وإلا تم الخلط بين ~~مستوى الحق النظري ومستوى الواقع العملي. علم الله حق ~~نظري، وحرية أفعال الإنسان حق عملي. # 33 # وكما ينفى العلم تنفى القدرة على الظلم وعلى فعل ~~الضدين وعلى خرق القانون أو على التدخل في حرية ~~الأفعال، وذلك لأن كل هذه الصفات مشتقة من صفات ~~الإنسان ولا وجود لها بالفعل، بل مجرد إسقاطات من ~~الإنسان على الوعي بذاته المشخص خارجا عنه. # 34 # ولا يمكن تصور تعارض في صفات الذات وإلا ~~كان نقصا في التنزيه. فالسؤال التقليدي: هل يأمر الله ~~من يعلم أنه يحول بينه وبين الفعل؟ وضع لصفتي العلم ~~والقدرة موضع التعارض والتضارب. والسؤال لا يعبر عن ~~مشكلة واقعية بقدر ما هو تمرين عقلي يسمح للذهن ~~بإظهار عواطف التأليه بالتضحية بحرية الإنسان. # 35 # وكما ينفى العلم والقدرة تنفى الإرادة. كما تنفى ~~أسماء الإرادة أو صفات الانفعال مثل الرضا والسخط ~~لإفساح المجال لحرية الأفعال. # 36 # فنفي ms028 الصفات إثبات للحرية الإنسانية وكسر ~~لأغلفتها الخارجية. والحقيقة أن نفي الإرادة إنما يعني ~~في الواقع إعادة تفسيرها بحيث تفسح المعاني الجديدة ~~المجال لحرية الأفعال. فيعاد تفسير الإرادة إنقاذا ~~للحرية الإنسانية على أنها علم أو أوامر أو حكم أو ~~تسمية أو مراد أو تخلية أو ميل أو اختيار أو كراهة أو ~~حركة أو معنى. ويعاد تأويل قصة إبليس حتى تنتهي في ~~النهاية إلى كون الإرادة مجازا في الله، حقيقة في ~~الإنسان، ويسترد الإنسان حريته. فالإرادة هي العلم، ~~والعلم حق نظري وليس تحقيقا عمليا كما هو الحال في ~~صفة العلم. العلم حق نظري وحرية الأفعال واقع عملي، ~~والعلم النظري به حرية الأفعال، وهو لا يجبر على شيء؛ ~~لأن الحرية مسطورة فيه. ولن يكره الله حرية الإنسان ~~وفعله الاختياري، بل إنه يجعل ذلك مطويا تحت حقه ~~النظري. بل إن من عظمة الملوك تحقيق إرادة الشعوب، ~~فإرادة الملوك من إرادة الشعوب، وإرادة الشعوب تقوية ~~لإرادة الملوك، وليست مناهضة لها، خاصة إذا كانت ~~الملوك عادلة والشعوب واعية. وإن سخط الله وغضبه ليس ~~إجبارا للعباد، ولكن تعاطفا معهم، وحبا لهم، ~~وشفقة بهم، معهم وليس ضدا لهم. صحيح أن الله ~~فعال لما يريد، ولكن ذلك حق نظري وليس ~~واقعا علميا. وأكرم إلى الله أن يكون ملكا في ~~عالم حر ولشعب حر على أن يكون ملكا قاهرا على شعب ~~مقهور بلا إرادة، وأن من عظمة ~~الملوك حريات ~~الشعوب واستقلال إرادتها، وهي ليست صفات متضادة بل ~~هي متحدة. ليست الإرادة ضد العلم أو العلم ضد الإرادة، ~~بل هي صفات واحدة. ما يحدث في العالم يحدث بعلم ~~وإرادة لا بمعنى أنه يحدث ما يجهله أو ما لا يريده. ~~علم الله تجريبي وليس إجبارا لأفعال الإنسان، وإرادته ~~تقوية لإرادة الإنسان وليست ضدها. # 37 ~~(3-2) تأويل الإرادة # وقد تكون الإرادة هي الأمر. ويكون رد الإرادة إلى ~~الأمر مثل ردها إلى الخلق أو إلى العلم لإنفاذ حرية ~~الأفعال. والأمر ليس إجبارا، بل مجرد توجيه ودعوة إلى ~~الفعل وليس تحقيقا للفعل، وهو المنوط بإرادة ms029 الإنسان ~~وحريته. ولا يعني ذلك الأمر بأفعال الأطفال والمجانين ~~لأن شرط التكليف العقل والبلوغ؛ فهو أمر شرعي وليس ~~أمرا كونيا ميتافيزيقيا غيبيا. إن التوحيد بين ~~الإرادة المطلقة وبين الأمر المطلق ينقذ الفعل ~~الإنساني الحر وفي الوقت نفسه لا يثبت حق التأليه. وهو ~~أقرب إلى إثبات الحرية من نفيها. الله مريد لتكوين ~~الأشياء يعني أنه كونها وأن إرادته للتكوين هي التكوين. # 38 # لذلك فإن فعل الأمر واقع. ولو ارتبط ~~بمشيئة الله ولم يقع فإنه حنث باليمين. والفعل قبل أن ~~يقع لا يسمى فعلا. الأمر مجرد توجيه للفعل ونداء له. # 39 # ليس المطلوب من الإنسان تحقيق الإرادة ~~الخفية في الأمر الظاهر؛ فالوحي شرع وليس غيبا، وضوح ~~وليس استنباطا، أمر ونهي وليس عقيدة. ولا يحتاج في ~~ذلك إلا إلى الحسن والقبح وإلى علاقة الإنسان العملية ~~بالوحي، أي بالكلام وليس بالله أي الشخص. أفعال الشعور ~~الداخلية إذن أفعال حرية، سواء فيما يتعلق منها ~~بالإيمان أو الكفر لأن الكافر مأمور بالإيمان، والأمر ~~تكليف، والتكليف يقتضي حرية الأفعال وإلا كان الكافر ~~مطيعا لأنه كفر بناء على أمر الكفر؛ فالإرادة على ~~وفق الأمر هذه المرة لا على وفق العلم. ولو كان الرضا ~~بقضاء الله واجبا لكان الرضا بالكفر كفرا. كما أن ~~ذلك الافتراض يضع الله في محنة التعارض بين الإرادة ~~والحكمة؛ مما يجعل إيمان الإنسان بالقضاء إيمانا ~~متناقضا يبعث على الكفر، في حين أن إرادة الله عاقلة ~~لا تقضي على أحد بالكفر أو تضطره إلى الإيمان. # 40 # وقد تكون الإرادة مجرد حكم على الشيء وليس جبرا له، ~~مجرد تعلق دون فعل. ولما كان الحكم يأتي عن طريق ~~الخبر، كانت إرادة الشيء هي الحكم عليه عن طريق الخبر. ~~وقد يتحول الحكم المنطقي إلى حكم خلقي فتكون أحكام ~~الله أحكاما خلقية مطلقة تخص الصفات الموضوعية ~~للأشياء. قد تكون الإرادة إذن حكما عقليا على ~~المراد دون أن تكون حكما فعليا، وقد تكون حكما ~~فعليا بالإضافة إلى كونها حكما عقليا، وقد يكون ~~الحكم لغويا، أي تسمية الإيمان حسنا والكفر قبحا. ~~دور ms030 الإرادة المطلق هو إطلاق الأسماء والأحكام دون خلق ~~المرادات؛ لذلك سمي موضوع الإيمان والكفر في علم ~~أصول الدين الأسماء والأحكام. # 41 # وقد تكون العداوة هي المراد، أي التوحيد بين الإرادة ~~والشيء؛ لأنها ما دامت مطلقة فكل ما تريده واقع. في ~~حين أنه في العالم الإنساني هناك مسافة بين مضمون ~~الإرادة وبين الشيء المراد بعد أن يتحقق. ولا يتخطى ~~هذه المسافة إلا الفعل الإنساني. فوصف الإرادة بالشيء ~~ليس وقوعا في التجسيم أو في التشبيه، بل توحيد بين ~~الإرادة والشيء المراد. التوحيد بين الذات والموضوع ~~إذن هو أحد الحلول الإنسانية ولكن تظل الخطورة على ~~الحرية الإنسانية قائمة. # 42 # كذلك تكتسب الإرادة صفة المراد بها. فإن ~~كان المراد سفها كانت الإرادة سفها، وكانت إرادة ~~الطاعة طاعة. ولا يعني ذلك أن يكون الله مطيعا ~~لإرادته، بل يعني اتساق الإرادة مع المراد، وهو أقرب ~~إلى العدل من الظلم، وإلى الحكمة من السفه، وإلى العقل ~~والاتساق من التناقض والتضاد، ومن الحكمة والقصد إلى ~~العبث والسخف. # 43 # وفي بناء ذهني آخر قد يكون التوحيد بين ~~الإرادة والشيء خطرا على الحرية وموهما بالجبر؛ ~~لذلك فإن التمييز بينهما يكون أكثر مدعاة لإثبات ~~الحرية. وفي هذه الحالة تكون الإرادة صفة ذات والمراد ~~صفة فعل أو شيء. فالإرادة موجودة لا في مكان، بلا محل، ~~والمراد هو الأمر الموجود في الزمان والمكان. إذا كانت ~~الإرادة قديمة فالمراد حادث، وإذا كان التوحيد بين ~~الإرادة والمراد يدل على العظمة، فإن التمييز بينهما ~~يدل على الحرية الإنسانية. وتكون الإرادة هنا معناها ~~الاختيار، والمريد هو المختار لا في التأليه بل في الإنسان. # 44 # ومع ذلك فإن اتفاق كفر الكافر مع مراد ~~الله لا يعني أجره على ثواب الطاعة، بل يعني عقابه ~~لسوء استخدام العقل والفعل الحر، وأن مراد الله يكون ~~تابعا للفعل وليس سابقا عليه، والعلم به مسبقا لا ~~يعني الاضطرار إليه. # 45 # وقد تكون الإرادة مجردة تهيئة المراد. ولكن حتى هذه ~~التهيئة قد تدخل في الفعل الإنساني. وماذا لو حدث ~~التدخل ثم جلب الفعل الإنساني ms031 الضرر لا النفع، وهو نفس ~~معنى التخلية؟ فقد تكون التهيئة بمعنى أن الله خلى ~~بينهم وبينها. والتخلية في الواقع إثبات الحرية أكثر ~~من نفيها. ولكنها تفيد أيضا معنى عجز الإرادة المطلقة ~~وتلغي دورها في الفعل، كما أنها تضع مشكلات أكثر منها ~~مثل: كيف يخلي المؤله الموصوف بصفات الكمال بين ~~الإنسان وبين الأفعال السلبية؟ كيف يسمح الكمال ~~بالنقص، والخير بالشر، والحسن بالقبيح؟ # 46 # وقد تعني الإرادة كراهة الله للفعل دون إتيانه، ~~والقيام به بدلا عن الإنسان، هذا فيما يتعلق بالأوامر ~~والنواهي، بالطاعات والمعاصي. أما فيما يتعلق ~~بالمباح وما لا يدخل تحت التكليف من أفعال مثل أفعال ~~المجانين أو الأطفال أو البهائم فلا تدخل تحت مرادات ~~الله إرادة أو كراهية. # 47 # فالله غير مريد على الحقيقة، وإرادته ~~إضافة أو سلب كما هو الحال عند الحكماء، سلب الكراهية ~~وسلب العلية. # 48 # وقد لا تكون الإرادة هي الجبر بل الاختيار؛ فالمريد ~~هو المختار وليس المجبر، أي أن العلاقة مع ذاته وليست ~~مع غيره، العلاقة مع الذات اختيار ومع الآخر جبر، ~~فلماذا تعطى أولوية العلاقة للغير على أولوية العلاقة بالذات؟ # 49 # قد تعني الإرادة أن المريد غير مغلوب ولا ~~مستكره، أي أنها الاختيار، وهو تعريف الإرادة بنفي ~~ضدها؛ وفي هذه الحالة تعني الإرادة الاختيار وليس ~~الجبر، ويكون الإنسان قد ظلم نفسه برؤية الجبر في الاختيار. # 50 # وقد تكون الإرادة هي الميل، أي مجرد الرغبة والاتجاه ~~والقصد دون أن تكون هناك ملكة تسمى الإرادة، أي ~~أنها أقرب إلى الوجود كله منها إلى أحد قواه. # 51 # وبهذا المعنى قد تكون الإرادة أيضا حركة. ~~ولا تعني الحركة بالضرورة حركة الأجسام، بل قد تكون ~~حركة البواعث؛ فالإرادة تشخيص للقوى والملكات ~~النفسانية. والحقيقة أنها ترجع في الحياة الإنسانية ~~إلى الباعث. فالباعث القوي يتحقق، والباعث الضعيف لا ~~يتحقق؛ ومن ثم تنشأ مشكلة الإرادة؛ إرادة القوة ~~تعبر عن الحياة وتتحقق بالضرورة، وإرادة التاريخ تعبر ~~عن مسار التاريخ وتتحقق بالضرورة، وإرادة الشعوب تعبر ~~عن حقيقة إنسانية ومن ثم تتحقق بالضرورة. # 52 # والباعث هو ms032 الشخص. وإذا كان الشخص من ~~ناحية والباعث من ناحية أخرى يكون ذلك ضعيفا في ~~الباعث. الباعث القوي هو الذي يملك الشخص ويحتويه. ~~وإذا كانت الإرادة هي الباعث فإنها تكون أيضا حركة، ~~وهي ما تساءل عنه القدماء من الصلة بين الإرادة ~~والضمير والانتهاء إلى أن الإرادة ليست الضمير، وأن ~~الضمير محل الإرادة. # 53 # فإن لم تكن الإرادة حركة فإنها تكون ~~تعبيرا عن الذات المؤله أو خلقا منه لا بإرادة. وقد ~~تكون الإرادة معنى يصور الجانب العقلي في الباعث أو ~~يكشف الأساس النظري لها؛ لذلك يوحد البعض بين الإرادة ~~والعلم. # والحقيقة أن الإرادة تشبيه إنساني خالص، لا تشير ~~إلى شيء موجود في الواقع. ويمكن للإنسان أن يتصور أن ~~للأشياء إرادة وأن للجدار إرادة، وهذا كله مجاز وليس ~~حقيقة بل مجرد وسيلة في التعبير # جدارا يريد أن ينقض ~~. # 54 # وإثبات المعبود فاعلا في الحقيقة ~~والإنسان فاعلا في المجاز إنكار للحرية؛ لأنه يجعل ~~المعبود هو الفاعل الحق، والإنسان فاعلا بالمجاز. ~~وهذا ما لا تشهد به تجربة ولا يؤيده واقع؛ فالإنسان ~~فاعل في الحقيقة، وفاعل فعل واع ومسبق حتى ولو ~~تدخلت الظروف الخارجية في ميدان فعله وأثرت عليه ~~ووجهت مساره. # 55 # لا توجد إرادة مطلقة مشخصة هدفها ~~تدمير حرية الإنسان واستقلال أفعاله، فإن المشيئة ~~الإلهية لا تمنع من حرية الأفعال؛ فهي حق نظري وحرية ~~الأفعال واقع عملي. بل إن «إبليس» كان حرا في ~~أفعاله واختياره بالرغم من وجود المشيئة المطلقة كحق ~~نظري تعليما للبشر. والعبرة في النهاية بالمآل في ~~الزمان وفي التاريخ. # 56 # الإيمان إذن موقوف على الاختيار، وأفعال الشعور كلها ~~تدل على أن الإنسان حر في أن يعتقد ما يشاء وأن يتصور ~~العالم كما يريد؛ فليس هناك من يجبره على تصور اعتقاد معين. # 57 # ولا يعني إثبات حرية أفعال الإنسان ~~استحالة الحمد والشكر لأن الحمد شعور إنساني يحدث عقب ~~تأدية الفعل ونجاح الإنسان في تحقيقه، فهو نوع من ~~التواضع والعرفان بالجميل للنفس وللآخرين وللطبيعة، ~~ويعبر عن رضاء النفس عن ذاتها وإلا لداخل النفس ~~الغرور ms033 ولحسبت أنها صاحبة الأمر والقضاء، وهو شعور ~~زائف بالنسبة لفعل صادق يرى أن الفعل داخل في مجموعة ~~متداخلة من الأفعال؛ ~~أفعال الأفراد ~~وحركات الشعوب وقوانين التاريخ. # 58 # والاستعجاب من الأفعال يدل على أن الإنسان ~~كان يتوقع فعلا آخر غير الذي يستعجب من أجله، ولكن ~~تداخل الإرادات وتشابك الأفعال جعل الذي يحدث غير المتوقع. # 59 # والتساؤل عن الأفعال إما عن الأفعال ~~التي لم تتم أو عن الأفعال التي تمت يدل على أن ~~الإنسان إما فاعل أو كان لديه عديد من إمكانيات ~~الفعل ولم يختر أكملها. وهي مراجعة مستمرة واستدراك ~~حول سير الأفعال وإعادة أحكامها. # 60 # والتحسر تجربة بشرية تدل على رغبة ~~الإنسان في العودة إلى لحظة ماضية حتى يؤدي فعلا ~~أفضل؛ مما يدل على أنه يشعر أنه قادر على إتيان الفعل. ~~فهذا التمني دليل على أن الإنسان لديه عديد من ~~الممكنات يستطيع الاختيار بينها. # 61 ~~(3-3) حدوث الصفات # ويمكن مع نفي الصفات لإثبات حرية الأفعال أخذ ~~البدائل الأخرى وهي القول بحدوثها؛ فتصور الإرادة ~~المطلقة حادثة إثبات للحرية الإنسانية؛ لأن انتزاع ~~القدم منها يجعلها متكافئة مع الإرادة الإنسانية، ~~وبالتالي تستطيع الإرادة الإنسانية أن تشق طريقها من خلالها، # 62 # وخشية الوقوع في التشبيه والتجسيم في ~~التوحيد والجبر والكسب في العدل حتى تكون الإرادة ~~حادثة لا في محل. وتصنيف الصفات إلى ما يحتاج إلى محل ~~وما لا يحتاج إلى محل يفسح المجال للحرية الإنسانية ~~إلى تعيين محل الصفة. فالصفات التي لا تحتاج إلى محل ~~تعطي للذات المشخصة صفاتها المطلقة، ولكنها تجعلها ~~خارج مجرى الطبيعة ولا تتدخل في مسار الحرية الإنسانية ~~كملك يملك ولا يحكم، كخليفة بغداد مع أمراء الأمصار، ~~خلافة اسمية لا حكم فعلي. # 63 # واعتبار الخلق بالقول لا بالفعل هو ~~محاولة أخرى لإنقاذ الحرية الإنسانية وذلك بإخراجها ~~من نطاق الإرادة المطلقة ووضعها تحت القول. والقول أقل ~~حدوثا ووقوعا من الفعل. # 64 # والتفرقة بين صفات الذات وصفات الفعل محاولة ثالثة ~~بعد نفي الصفات وإثبات حدوثها لإثبات الطرفين معا ~~الإرادة المطلقة وحرية الإنسان والتوفيق بين ms034 الحقين ~~معا، حق التوحيد وحق العدل؛ فصفات الذات صفات نظرية ~~لا تؤثر في الفعل وتحفظ حق الإرادة المطلقة، في حين أن ~~صفات الفعل هي الصفات العملية التي تؤثر في الفعل. إن ~~كون الإرادة المطلقة صفة ذات لا صفة فعل نظرية لا ~~تتدخل في مسار الفعل الإنساني. وتثبت الحرية بجعل صفة ~~الإرادة صفة فعل لا صفة ذات؛ لأن صفة الذات تعبر عن ~~جوهر المعبود، في حين أن صفة الفعل تعبر عن أفعاله في ~~الزمان والمكان. صفات الذات ضرورية في حين أن صفات ~~الفعل ممكنة. الإرادة صفة فعل، أي أنها قد تقع وقد لا ~~تقع؛ مما يترك المجال للحرية الإنسانية. # 65 ~~(3-4) إثبات حرية الأفعال # لا يحتاج إثبات خلق الإنسان لأفعاله إلى حجج نقلية ~~قدر احتياج الإيهام بالجبر أو التسلل بالكسب ؛ لأن ~~العقل قادر على البرهنة عليه، كما أن التجربة تشهد ~~بحرية الأفعال، التجربة الذاتية للأفراد، والجماعية ~~للشعوب، والتاريخية للإنسانية. ولا تستعمل الحجج ~~النقلية إلا في الرد على الحجج النقلية المضادة ~~لنظريتي الجبر والكسب. ويكون ذلك إما بمقابلة نصوص ~~تدل على حرية الأفعال في مقابل نصوص توهم بالجبر أو ~~بالدفاع عن صحة تأويل هذه النصوص ضد سوء تأويل الجبر ~~لها أو بتأويل النصوص التي توهم بالجبر دفاعا عن خلق ~~الإنسان لأفعاله. # 66 # وقد تتدخل النظرة الشرعية التي تقوم على ~~النقل والعقل في أحكام الأفعال لإثبات حرية الأفعال في ~~كل فعل؛ وبالتالي تفرض الإحكام الشرعية الخمسة بناءها ~~على الإرادة المطلقة. # 67 # أما الحجج العقلية فإنها تقوم على استحالة إثبات ~~مراد لإرادتين، وهي الحجة العامة لإثبات الحرية أو على ~~استحالة إعطاء الله أمرا يأباه ويكرهه، وإلا كان ذلك ~~جمعا بين متناقضين. فإما أن يكون الفعل للإنسان أو ~~لغيره، ولا سبيل إلى الاشتراك وإلا وقعنا في الشرك ~~الذي يسلب من الله حقه النظري ومن الإنسان حقه العملي. ~~فلا هو أعطى الله كل شيء ولا أعطى الإنسان أي شيء، ~~وأحدث الخلل بين النظر والعمل في الله وأضاعهما في ~~الإنسان. وهو تمويه لا يجوز على الله؛ إذ ms035 إنه يأمر ~~بالشيء وهو يضمر ضده كمن يريد إثبات عصيان العبد أمام ~~القاضي لأوامر سيده، إذ ليس المقصود تنفيذ الأمر بل ~~إثبات العصيان. والله لا ينصب للإنسان شراكا يوقعه ~~فيها، بل يصدقه الإنسان دون أن ينتظر منه غير ما يأمر ~~به وغير ما يظهر له ويحدثه فيه. ولا يعني النسخ أن ~~المأمور به لا يكون مرادا بل الغرض منه إعادة بناء ~~الشريعة على أساس الواقع وقدراته وليس الاستدلال ~~النظري على حرية الأفعال. كما لا تعني قصة إبراهيم ~~وأمره بذبح ولده إسماعيل جواز أن يكون المأمور غير ~~المراد؛ لأنه أيضا درس في الطاعة للأمر، ودرس في أن ~~الإنسان قيمة مطلقة، المقصود منه الدرس المستفاد وليس ~~ما قبله. وقد تم ذلك في الحلم دون اليقظة، وأن إبراهيم ~~كان مأمورا بمقدمات الذبح دون الذبح ، ولم يحدث أن تم ~~الذبح والتأم القطع مرات عديدة. # 68 # لقد نهى الله عن الكفر والمعصية ولا يحسن ~~أن يريد شيئا ويريد وجوده ثم ينهى عنه أو ينهى عن شيء ~~ثم يريده، وإلا انهدم أساس الشريعة، وافترضنا في الله ~~الكذب وسوء النية وإظهار غير ما يبطن وإبطان غير ما ~~يظهر كما يفعل سائر البشر وكما تفعل الباطنية. # 69 # الله إذن لا يتدخل في أعمال العباد ولا يشاء منها ~~فعلا إيجابا أم سلبا. لم يخلق شيئا منها وإلا كان ~~مسئولا عن المعاصي والقبائح والشرور. لم يخلق الخير ~~ولا الشر منها. لم يخلق الخير حتى يجعل الإنسان فاعلا ~~له ولا الشر لأن الخير لا يفعل إلا الخير. والتقييد من ~~إرادة المعبود وفعله هو في نهاية الأمر إثبات على ~~استحياء للحرية الإنسانية ونقص في الشجاعة للإعلان ~~عنها، وإحجام عن العقل والواقع وترك لبقايا المزايدة ~~في الإيمان واغتراب الإنسان. # 70 # ولا يتدخل أي آخر في أفعال العباد من الجن ~~أو الشياطين أو الملائكة. وقد أصبح الشيطان في وجداننا ~~القوي، علة نفسر بها كل الشرور والآثام، أقوى من الله، ~~ومشجبا تعلق عليه أخطاء العصر. # 71 # هناك الفطرة الإنسانية التي تشمل العقل ~~والقدرة على التمييز ms036 كما تشمل الإرادة والفعل الحر، ~~وهي التي تسطر الفعل على صفحة العلم الإلهي. # 72 # والسؤال التقليدي: هل يقال إن المعبود قوى الإنسان ~~على الكفر؟ هو تمرين عقلي لإظهار قدرة الذات المطلقة ~~على حساب الحرية الإنسانية لو كان الجواب بالإيجاب. ~~ولكنه يثير إشكالا أعظم وهو كيف يقوى الخير المطلق ~~على فعل الشر ويحث عليه؟ # 73 # وتكون الإجابة بالنفي إلغاء للقدرة ~~المطلقة وإثباتا للحرية الإنسانية وأكثر ~~اتفاقا مع ~~التنزيه. الولاية والعداوة بعد الفعل وليس قبل الفعل ~~وإلا كانت أفعال الله غير معللة بسبب أو غاية. وإذا ~~كان الجواب بالنفي إثباتا للحرية الإنسانية، فماذا ~~يكون وضع قدرة مطلقة لا تفعل؟ وإن أية محاولة للجمع ~~بين الطرفين لا تؤدي إلا إلى تحصيل حاصل. وكذلك السؤال ~~التقليدي الآخر: هل يقدر الله على ما أقدر عليه عباده؟ ~~إذا كان الجواب بالإيجاب فهي محاولة لإثبات القدرة ~~المطلقة على حساب الإنسان. أما إذا كان الجواب ~~بالنفي فهو إثبات لحرية الإنسان وفي الوقت نفسه أكثر ~~تنزيها لحق مطلق. # 74 # وفي قوة الدفع المتولدة عن إثبات الحرية الإنسانية ~~قد ينتهي الأمر إلى جعل الإرادة الإلهية تابعة للإرادة ~~الإنسانية تسير وراءها وليس أمامها بعد فك الحصار ~~والهرب إلى رحب الفضاء. عندئذ تكون الإرادة الإلهية ~~مثل الإرادة الإنسانية محلا للحوادث، ليس فقط ~~إثباتا للحرية الإنسانية، بل أيضا للوجود الإنساني، ~~وأن المعبود ما هو إلا سجل لصيرورة البشر، وأن الفعل ~~الإنساني هو الذي يسطر علم الله ومصدره بصرف النظر ~~عن العلم الإلهي النظري الشامل لكل شيء ومسار الكون ~~دون لحظاته وتقلباته. # 75 # بل إن الأمر قد يصل إلى جعل المعبود مطيعا لفعل ~~الإنسان بما أنه تأليه له ومتعلق عليه. فالعقل ~~الإنساني هو الذي يحدد وصفه في العلم الإلهي. # 76 # وقد يبلغ الحرص على حرية الأفعال درجة ~~إنكار القدرة الإلهية على الإطلاق ووصفه ~~بعدم القدرة بل ~~وبالعجز، ولا يقدر على مقدورات العباد لا الإنسان ولا ~~الحيوان. ويتم ذلك باسم الدفاع عن قوانين الطبيعة ~~واستقلالها وسيطرتها على مظاهر الطبيعة؛ وبالتالي فتح ~~الطريق إلى نشأة العلم، ms037 وكذلك دفاعا عن حرية الإنسان ~~وأفعاله في الطبيعة وثقته بالنفس وتأكيدا للعلل ~~والأسباب ولقوانين الطبيعة في ارتباط العلة والمعلول. # 77 # وكيف يكون الله مسئولا عن الشرور والقبائح ومصدرا ~~للكفر والفسوق والعصيان؟ فلا يريد السفه إلا سفيها ~~سواء لنفسه أم لغيره؛ فالله قد يريد ما لا يكون وقد ~~يكون ما لا يريد، وهذا لا يعني كونه مقهورا على مراده ~~أو أنه يلحقه الضعف والوهن والنقص، أو أنه مطيع ~~لعباده، بل يعني أن شمول إرادته لا تقضي على حرية ~~أفعال العباد. # 78 # إن مسئولية الإنسان عن الشر نظرة بطولية ~~إلى الإنسان في تحمله المسئولية وعدم إلقائها على ~~أكتاف الآخرين خيرا أم شرا. كما أنها تجعل الفاعل ~~في هذا العالم واحدا، فالإنسان هو الفاعل، وليس ~~فاعلين؛ الله والإنسان، مما يضع الله على مستوى ~~الإنسان، وهي حطة في حق الله أو رفع للإنسان إلى مستوى ~~الله ، وهو الغرور. # 79 # والأفعال الحرة هي الأفعال العاقلة، أفعال الإنسان ~~وليس أفعال الحيوان. والقول باستقلال أفعال الحيوان ~~إنما يعني استقلال أفعال الطبيعة التي لا يمكن تدميرها ~~بإرادة شاملة لأنها إرادة عاقلة وحكيمة خلقت الطبيعة ~~وسيرت فيها النواميس. لا يمكن أن تدمر الإرادة الإلهية ~~ذاتها أو أن تنقلب على نفسها أو أن تدمر ما خلقته ~~بنفسها وإلا كانت متناقضة تريد الوجود والعدم في آن ~~واحد. ولكن إثبات استقلال أفعال الحيوان رد فعل على ~~إنكار حرية الإنسان وعلى إنكار إثبات قوانين الطبيعة، ~~فالفعل يولد رد الفعل، والتطرف يؤدي إلى التطرف المضاد. # 80 # إن إرادة الله لشيء كراهيته لضده، إرادته ~~للخير كراهية للشر، وإرادته للطاعة كراهية للمعصية، ~~ودون أن تتدخل في وقوعه أو عدم وقوعه. فإذا وقعت ~~المعاصي فإن الله لا يكون مريدا لها، أي إنه لم ~~يفعلها، بل كان كارها لوقوعها لمسئولية الإنسان عنها. ~~أما إذا أتت من الأطفال أو المجانين أو من البهائم ~~فإنه لا يكون مريدا أو كارها لها بأي حال. وهذا أكرم ~~لله وأكثر تعبيرا عن التنزيه. # 81 # إن أفعال الإنسان ليست فقط وقائع وحوادث، ~~بل هي ms038 معان وبواعث، مقاصد وغايات. ليست أشياء كما هو ~~الحال في السؤال التقليدي عن أفعال الناس والحيوان، هل ~~هي أشياء أم ليست أشياء؟ هل هي أجسام أم لا؟ تدخل ~~أفعال الإنسان في نطاق العلوم الإنسانية وليس في ~~العلوم الطبيعية؛ لأنها ليست أشياء بل مواقف تتغلف ~~فيها الحرية الإنسانية وليست حتمية القوانين الطبيعية. # 82 # وللإنسان القدرة التامة على الفعل، والاستطاعة ~~التامة لتحقيقه وإلا لما صح الحساب، ولما وجبت ~~المساءلة، ولما صح التكليف. وكيف يثبت التكليف دون ~~حرية الأفعال بصرف النظر عن إرادة القبح، هل هي من ~~ذاتها قبيحة أم أنها قبيحة اكتسابا؟ وإن لم تثبت حرية ~~الأفعال يصبح الله مسئولا عن القبائح، مانعا من ~~الطاعات، ويصبح الشيطان هو «الشريك الغالب»! العقل ~~والقدرة هما شرطا التكليف، والتكليف شرط الحساب، ~~واستحقاق الثواب أو العقاب. # 83 # وأفعال الشعور لا تتم إلا من إنسان في موقف محدد لا ~~من فعل إنسان كامل مجرد . وهو إنسان يوجد بين عالمين، ~~يتنازعه قطبان، إمكانية خالصة للحركة، للإقدام ~~والإحجام. الإنسان صاحب أفعاله، لم يشأ منها أحد، ~~سلبا أم إيجابا، طاعة أو معصية، ثوابا أو عقابا. # 84 # وبعد وقوع الفعل، كل رجوع إلى الوراء ~~للبحث عن بدل أو تعبيرا عن تمن لما لم يحدث هو ~~عملية شعورية خالصة لا تغير من الحدث الواقع ذاته. ~~قد يؤخذ ذلك في الاعتبار في الحصول على تجربة للأفعال ~~المستقبلية، ولكن إذا كان الأمر مجرد تمن لما لم ~~يحدث وندم على ما حدث فهو إغراق في الخيال وإقرار ~~بالضعف وعدم الثقة في المستقبل وتوقف للحياة. إن وجود ~~الفعل يمنع من وجود ضده، وجود فعل الإيمان يمنع من ~~وجود فعل الكفر لما كان الفعلان يمثلان احتمالين ~~للشعور. فلا مجال للأفعال المزدوجة والمتناقضة ~~والمتشابهة. إن الفعل بعد أن يتحقق يصبح تاريخا، ولا ~~استدراك إلا بفعل آخر وإلا وقع الإنسان في الندم ~~والحسرة والنهي والإحساس بالذنب عما تم أو العجز مما ~~لم يتم، مما لا يغير من واقع الفعل شيئا. # 85 # ومع ذلك يجوز التمني من أجل عقد العزم ms039 على ~~إثبات الفعل الثاني. # 86 # حرية الأفعال أقرب إلى العقل والواقع والشرع ~~والتكليف؛ فالله لم يأمر بالشر بمعنى أنه لم يفعله ~~بإرادته بل إنه فقط نبه عليه بالنهي عنه، وبالتوجه إلى ~~إرادة الإنسان الحرة، كما أنه أمره بالخير ولم يجبره ~~عليه، بل نبه وأشار إليه تاركا حرية الاختيار ~~للإنسان، كما أنه لا يرضى بالشر ولا يريده، وإنما ~~أيضا ينبه إليه من خلال النهي عنه والتحذير منه. إن ~~الأمر بأفعال الشعور لا يعني الجبر عليه، بل يعني مجرد ~~التوجيه والإرشاد والتنبيه، والإنسان لديه القدرة على ~~الفعل وعدم الفعل، ولديه العقل للتمييز بين الحسن والقبح. # 87 # إن خلق الإنسان لأفعاله ليس نظرية مستوردة من ~~الخارج لم تنبع من صميم الوحي وموطن الإسلام. فتنزيه ~~الله عن الظلم ضرورة عقلية كما أنها في أصل الوحي، ~~ومسئولية الإنسان عن أفعاله ضرورة عقلية وفي أصل ~~الوحي. إنما القصد من ذلك حصار المعارضة السياسية ~~وإخراجها من قهر الأغلبية باسم إجماع الأمة. # 88 # | ثالثا: أفعال الشعور الخارجية # بعد أن تتحقق أفعال الشعور الداخلية وخلق الإنسان لها ~~إثباتا لحرية الأفعال، تقوى الشخصية وتتوحد وتصبح قادرة على ~~الانطاق من الداخل إلى الخارج، وتتحول أفعال الشعور من أفعال ~~عكسية منطوية باطنية إلى أفعال مباشرة ممتدة خارجية. وتصبح ~~أفعال «القلب» أفعال «الجوارح». ويتحول الشعور الخالص إلى بدن ~~وجسم، وتتحول الحركة الداخلية إلى حركة خارجية. يصبح الشعور ~~الخالص شعورا بالعالم؛ وبالتالي تتحقق أفعال الشعور ليس داخل ~~الشعور فقط بل أيضا خارج الشعور في العالم. وبلغة القدماء يتم ~~الانتقال من العقيدة إلى الشريعة، ومن الإيمان إلى العمل، ومن ~~الإرادة إلى القدرة. وتظهر النظريات الثلاث نفسها التي ظهرت من ~~قبل في وصف أفعال الشعور الداخلية، ونظريات الجبر والكسب وخلق ~~الإنسان لأفعاله. يسمى الجبر عقيدة لأنه أقرب إلى العقائد ~~منه إلى النظريات الفلسفية، حكم مسبق أو انفعال وضيق ليس له ~~سند عقلي واضح أو تشهد له تجربة الوجدان، بل مجرد خطابة ~~مكبوتة إلى الداخل. والكسب نظرية لأنها أقرب إلى النظريات ~~الفلسفية المبنية نظريا عن طريق الجدل. ms040 أما خلق الإنسان ~~لأفعاله فهي ليست عقيدة ولا نظرية، بل تجربة واقعية يشهد بها ~~الوجدان، ووضوح نظري يشهد به العقل، وشرط تكليفي للأفعال؛ ~~وبالتالي فهي أقرب إلى البرهان. ~~(1) عقيدة الجبر # هل أفعال الشعور الخارجية جبرية؟ هنا تظهر عقيدة الجبر ~~للإجابة بالإيجاب. وعقيدة الجبر لا توجد عند فرقة كلامية ~~بعينها تسمى المجبرة بقدر ما هي منتشرة وعامة لدى عديد ~~من الفرق، يجمعها القول بالجبر بالرغم من اختلاف الدوافع ~~والبواعث والأسباب وبالرغم من اختلاف الحجج والأسس النظرية ~~وبالرغم من تباين النتائج والآثار على السلوك الفردي والاجتماعي. # 1 ~~(1-1) دوافع الجبر # تختلف دوافع القول بالجبر بين نفي الصفات أو إثباتها ~~دفاعا عن التنزيه أو التشبيه أو بين التأليه دفاعا ~~عن التجسيم؛ فالإيغال في التوحيد بصرف النظر عن كيفية ~~تصوره يبعد عن العدل، وكأن الإيغال في التفكير في الله ~~يبعد عن التفكير في الإنسان، وكلما زاد الإنسان ~~اغترابا في التوحيد وابتعادا عن العالم فإنه يزداد ~~ابتعادا عن العدل وخروجا عن العالم. كما تختلف دوافع ~~الجبر بين التصلب والتشدد والتعصب بناء على موقف ~~أصلي مبدئي تمسكا بالحق الشرعي وبالمقاومة الفعلية ~~العلنية الخارجية وبين الاستسلام والإرجاء واللامبالاة ~~والفتور طاعة للسلطان وقبولا للنظام القائم. فبالرغم ~~من اختلاف المواقف العملية للفرق ومواقعها من السلطة ~~إلا أنها قد تشترك أيضا في عقيدة الجبر، إما ~~للمقاومة والشهادة أو للخنوع والاستسلام والرضا ~~بالقضاء والقدر. # 2 # وقد ظهر من قبل أن إثبات الصفات يؤدي عادة إلى ~~إلغاء الحرية الإنسانية، وأن إنكار الصفات يؤدي إلى ~~إثبات الحرية الإنسانية. وكان غريبا أن يخرق هذا ~~النسق، بأن أول من قال بالجبر هو من قال في الوقت نفسه ~~بنفي الصفات وبنفي الحرية في آن واحد، ومن ثم ~~ينكسر القانون الأول. والحقيقة أنه يمكن فهم هذه ~~الحالة الفريدة مرة ثانية بناء على قانون ثان، وهو ~~إثبات الذات ونفي الصفات. إذا طبق في التوحيد على الله ~~ثبتت الذات المؤلهة دون صفاتها، وإذا طبق في العدل على ~~الإنسان ثبتت الذات دون صفاتها لما كانت الحرية صفة. ~~وإذا صح هذا ms041 القانون نظرا فإن حالة الإنسان لا تكون ~~مماثلة لحالة المؤله. إذا كانت صفات الذات المؤلهة ~~صفات له، فإن الحرية الإنسانية ليست صفة خارجية ~~للإنسان يمكن إثباتها أو نفيها، بل تكون هي الإنسان ~~ذاته. ومن ثم لا يؤدي هذا القانون الثاني، إثبات ~~الذات ونفي الصفات إلى نفي الحرية الإنسانية بالضرورة ~~لأن الحرية ليست صفة للإنسان، بل هي ذاته وجوهره ووجوده. # 3 # ويعني الجبر الناشئ عن نفي الصفات، ما دامت الحرية ~~صفة للمؤله، أن المؤله هو خالق كل شيء بما فيه ~~أفعال الإنسان، ما دامت مخلوقة. # 4 # بل إن تعبير «خلق أفعال العباد» تعبير ~~جبري محض إذا كان القصد خلق الله لأفعال العباد وليس ~~خلق العباد لأفعالهم بأنفسهم؛ ومن ثم لا تنسب ~~أفعال الإنسان إليه إلا عن طريق المجاز. # 5 # ويعني الجبر أيضا أن الإنسان ليس له قدرة ~~أو استطاعة أو كسب، بل يكون مضطرا إلى أفعاله، وهذه ~~هي الجبرية الخالصة. # 6 # وقد يثبت ~~الجبر بإثبات الصفات، ونتيجة له، خاصة صفتي العلم ~~والقدرة، العلم الشامل والإرادة المطلقة. لا يحدث شيء ~~في العالم إلا مقدرا من قبل في علم المؤله وسبق ~~إرادته. إثبات الصفات للذات المشخصة يثبتها أفعالا في ~~العالم. وإن من حق الذات المشخص المؤله أن تكون له ~~الأولوية على ما عداه من ذوات وأفعال. والحقيقة أن ~~إثبات الجبر نتيجة لإثبات الصفات إنما ينتج عن موقف ~~مغترب من العالم وتقوى مزيفة تنم عن عجز وخنوع ~~واستسلام ورضا، والقناعة بالوهم باسم التقوى والإيمان ~~والمزايدة العاجزة فيه؛ فيتم إيثار أفعال التأليه على ~~أفعال الإنسان. ومن أجل التخفي وراء عواطف التأليه ومن ~~تحت قناع الإيمان، تتم التضحية بأفعال الإنسان، فلا ~~يكون للإنسان قدرة أو استطاعة أو تأثير. # 7 # وقد تم التركيز على ذلك في العقائد ~~المتأخرة، خاصة نفي تأثير الإنسان ونفي قوانين ~~الطبيعة المستقلة إثباتا للصفات، خاصة القدرة ~~والإرادة، تأكيدا لأوضاع العصر وقوى القهر وسلبا ~~لقوى الإنسان وهدما لقوانين الطبيعة. # 8 # والسؤال للمتكلم المتقدم والمتأخر عمن ~~يدافع؟ عن الله أم عن الإنسان؟ من الذي تهدد ms042 حريته ~~وأفعاله، الله أم الإنسان؟ وقد بلغت المزايدة أن جعل ~~الله مريدا لكل شيء كما أنه مريد لذاته ومراد من ~~غيره. وهل الله موضوع؟ هل الله موضوع لإرادة الإنسان ~~ومتعلق بها؟ وهكذا يسلب من الإنسان أخص خصائصه وهو ~~خلق الأفعال ومسئوليته عنها بدون ثمن إلا إثبات عواطف ~~التأليه والتأكيد على الإجلال والتعظيم تعبيرا عن ~~انتصار جماعة السلطة وتحدثها بلغة المنتصر؛ لغة ~~السيطرة والقوة والعظمة والجلال. وما الحكمة في جعل ~~الإنسان غير خالق لأفعاله إلا الرغبة في السيطرة عليه ~~وإملاء إرادة خارجية عنه. # 9 # وكثيرا مما يقال تحصيل حاصل. فمن منا ~~لا يقول بذلك اعترافا بالحق النظري؟ ولكن يستعمل ~~أحيانا للإرهاب ومنعا للاعتراض وطلبا للتسليم ~~وتفريغا للثورة وقضاء على التمرد. # وكما ينشأ ~~الجبر بنفي الصفات في التوحيد، ثم نقل القانون إلى ~~الإنسان بالمماثلة، ونفي الحرية باعتبارها صفة ~~للإنسان، أو بإثبات الصفات، خاصة العلم والقدرة ~~والإرادة على نحو مطلق، بحيث لا يحدث في العالم شيء، ~~بما في ذلك أفعال الإنسان، خارجها دون علم أو بتدبير ~~وتدخل منها. ينشأ الجبر أيضا من التأليه؛ تأليه ~~الإنسان أو تأليه الإمام. فإذا ما تحول الإمام إلى ~~إله وجبت له الطاعة المطلقة؛ لأنه يعلم كل شيء ويقدر ~~كل شيء، ويطلع على خصائص العباد ويقرر أعمال الناس. ~~وفي أساطير الخلق في التأليه يقرر الإمام المؤله ~~أفعال العباد من قبل، ويقوم المؤله بالوظائف ~~الإلهية في خلق كل شيء وتقديره مسبقا. # 10 # وكما ينشأ الجبر من التأليه في التوحيد ~~ينشأ أيضا عن التشبيه. فاعتبار المؤله جسما، ~~أي طبيعة، يجعله هو المسيطر على أفعال العباد ~~باعتبارها أحد مظاهر الطبيعة. # 11 # ويظهر الجبر أيضا حتى عند الإمامية ~~المعتدلة فما دام الإمام قد أعطى أكثر مما يعطي أي ~~إنسان فإنه تكون له السيطرة على أفعال الآخرين. # 12 # وكما يكون الاضطهاد سببا في التأليه فإنه ~~يكون سببا للجبر. ولكن قد يظهر الجبر في صورة تحرر ~~ضروري؛ فالمجتمع المضطهد يبغي التحرر ورفع الظلم فيؤمن ~~بالنصر الضروري وبالتحرر الواجب وبالخلاص كحتمية ~~تاريخية. فهو جبر تاريخي مماثل ms043 لتحرر جبري. ولكن هذا ~~التحرر سرعان ما يتحول إلى جبر لأنه يتم عن طريق ~~الولاء المطلق والطاعة غير المشروطة للإمام المؤله. ~~فالشيعة على اختلاف أصنافها غالية أو متوسطة أو ~~معتدلة، من أنصار التأليه أو التجسيم أو التشبيه؛ تثبت ~~القدرة وتنفي أن يكون فعل الإيمان فعل حر بإرادة ~~الإنسان؛ فأفعال الجوارح وأفعال القلوب كلاهما من ~~تقدير المؤله المعبود. # 13 # وتصبح أفعال الشعور الداخلية أفعالا ~~مجبرة إذ تحولت إلى عمليات كونية وليست أفعالا ~~فردية وكأن حتمية قوانين الأفلاك ومساراتها شاملة ~~لأفعال البشر واختيارات الأفراد. # وقد ينشأ القول بالجبر في صورة القول بالقدر وإثبات ~~علم الله الشامل وإرادته المطلقة على أفعال العباد، ~~أفعال الجوارح وأفعال القلوب، من التعصب للإيمان ورفض ~~كل حاجة عقلية فيه. وينتج عن ذلك أن القرار المتخذ ~~أو الفعل المتحقق لا يكون فقط قرارا أو فعلا ناتجا ~~عن أعمال الفكر أو شحذ الإرادة بل هو قرار أو فعل صادر ~~عن علم أعظم وإرادة أشمل. وهنا يلتقي الضدان الجبر ~~عن طريق الاستسلام المؤقت لحين ظهور الإمام، والجبر عن ~~طريق الثورة والتمرد الفوري ومحاجة الإمام رأيا برأي، ~~يلتقي السر والعلن، الخفاء والظهور. # 14 # والحقيقة أن الجبر هذه المرة مجرد لغة ~~واصطلاح ووسيلة تعبير وطريقة في الحديث، ولا يفيد ~~تصورا أو عقيدة كما هو الحال في الدوافع السابقة. كما ~~أنه تعبير عن تقوى حقيقية وطهارة دينية وإخلاص وليس ~~عن تقوى زائفة أو مزايدة في الإيمان. وظيفته استدعاء ~~الإرادة الإلهية على الأعداء وبأن الله قاهر الظلم ~~ومنصب العدل وثقة بالنصر. وهو أقرب إلى إجماع الأمة ~~كما يتضح ذلك في الدين الشعبي؛ إذ إن الجبر بهذا ~~المعنى هو العقيدة السائدة عند الجمهور والتصور الشائع ~~والغالب على إيمان العوام دون جهاد مواز أو عمل ~~مقارن؛ ومن ثم يضر أكثر مما ينفع، ويؤدي في ~~النهاية إلى التواكل والسلبية واللامبالاة، وقد يكون ~~مقرونا بالعمل عند بعض الخواص بناء على الحتمية ~~التاريخية. # لذلك قد ينشأ ~~الجبر من الطرف المقابل للتعصب في الاعتقاد، أي من ~~اللامبالاة عن إصدار أي حكم ms044 على الإيمان أو على العمل. ~~ولماذا الحكم وقد تم كل شيء، ولا يمكن تغيير ما وقع، ~~وليس أمام الإنسان إلا إرجاء الحكم إلى حين؟ وما دامت ~~المراجعة قد غابت والمساءلة قد انعدمت ففيم المسئولية؟ ~~ولماذا الحرية؟ وفيم خلق الإنسان لأفعاله ما دام كل ~~شيء مؤجلا إلى يوم الحساب؟ # 15 # وهو الوجه الآخر للجبر في الدين الشعبي ~~عند العوام في حالات السكينة والهدوء باستثناء فورات ~~الغضب وحركات التمرد والعصيان والانتفاضات الشعبية. ~~الجبر هنا عقيدة السلطة تعززها للسيطرة على الجماهير، ~~وعقيدة الجماهير تعبر بها عن عجزها، وتؤجل بها ~~صراعا مع السلطة، وتزيح بها المسئولية عن كاهلها، ~~وتلقيها على غيرها دون انتظار للخلاص. ~~(1-2) عقائد الجبر # ويتضمن الجبر عدة عقائد، في مقدمتها القضاء والقدر، ~~ثم خلق الله للخير والشر، ثم الإشقاء والإسعاد، ثم ~~التوفيق والخذلان. وإذا كانت عقيدة القضاء والقدر ضمن ~~خلق الأفعال فإن باقي العقائد على حافتي خلق الأفعال ~~والحسن والقبح العقليين. وقد ارتبطت العقيدة الأم وهو ~~الجبر برأس عقائده وهو الإيمان بالقضاء والقدر حتى ~~أصبحت العقيدتان، الأصلية والفرعية، متلازمتين. فالقول ~~بالجبر هو إثبات للقضاء والقدر وإثبات القضاء والقدر ~~هو قول بالجبر. # 16 # وأصبح كل ناف للقدر قدريا مع أن ~~المثبت له هو أولى بالتسمية. # 17 ~~(1) # القضاء والقدر. وتعني عقيدة القضاء ~~والقدر أن كل ما يحدث في العالم مكتوب من ~~قبل ومسطر على صفحة الكون. يحدث ~~بالضرورة بصرف النظر عن إرادة الإنسان. ~~والفعل الإنساني ما هو إلا منفذ له ~~بالضرورة. ولا تقلل التفرقة بين الوصف ~~والحكم شيئا من الجبر، فالوصف علم، ~~والعلم الإلهي كامل، ومن كمال العلم وقوعه ~~كالمعلوم وإلا كان علما إنسانيا خالصا ~~تكون فيه الفجوة بين العلم والواقع حادثة. ~~لا يهم إذن إذا كان المكتوب وصفا أو ~~حكما، فالحكم وصف والوصف حكم، والعلوم ~~الوصفية علوم حكمية. و«اللوح المحفوظ» ~~صورة فنية للتدوين والتسجيل، والعلم ~~المحفوظ دون جهل أو نسيان وإلا كان أمرا ~~سمعيا خالصا يدخل في السمعيات ويخرج عن ~~العقليات طبقا لبناء العلم. وخلق ~~الأفعال، والحسن والقبح العقليان أي ~~موضوعا العدل ms045 مع التوحيد من العقليات. # 18 # والقضاء والقدر متلازمان، الأول هو ~~الأساس والثاني هو البناء. الأول هو ~~الخطة والثاني تحقيقها. الأول هو ~~الممكنات (اللوح) والثاني التحقيقات في ~~الأعيان. الأول هو الإجمال والثاني هو ~~التفصيل. وهو ما يقابل عند الإنسان علاقة ~~النظر بالعمل أو العام بالخاص أو الكل ~~بالجزء أو الممكن بالواقع أي إنها علاقة ~~إنسانية صرفة تكشف عن بنية الفعل الإنساني. # 19 # وإذا كانت عقيدة قال بها جميع ~~الأنبياء فقد كان ذلك طبيعيا في مراحل ~~الوحي السابقة قبل أن تكتمل تربية الجنس ~~البشري حتى يستقل عقل الإنسان وإرادته ~~أمام نظام الطبيعة الثابت. # 20 # وقد تخف حدة الإلزام والجبر في المعنى ~~ويصبح القضاء والقدر مجرد إعلام وإخبار ~~وتبيين وبيان. فهو يشير إلى النظر لا إلى ~~العمل، وإلى العلم لا إلى الإرادة، وإلى ~~نظام الكون لا إلى حرية الإنسان. فالقضاء ~~هنا معناه الحكم أو الأمر أو الخبر وليس ~~الإجبار والإقهار والتأثير. قد يكون معناه ~~الترتيب والنظام، أي ارتباط سلسلة الحوادث ~~فيما بينها بالعلة والمعلول، وهي الحتمية ~~الطبيعة أساس العلم وليس جبر الأفعال أساس ~~المسئولية الخلقية. هناك الخلق والتقدير ~~على مستوى الكون والطبيعة، ولكن هناك ~~أيضا حرية تامة وخلق إنساني في الطبيعة ~~وتغير لأشكالها وصورها ومسارها، ~~خاصة ~~فيما يتعلق بالنظم الاجتماعية. التبيين ~~والإعلام مجرد كشف العلم، وهذا لا يعرف ~~مسبقا؛ فالعلم بعدي إلا من خطة إنسانية ~~يضعها الإنسان لينفذها ويعد لها ثم ~~ينفذها بالفعل فتكون قبلية بعدية، ~~استنباطية استقرائية معا مثل الوحي ~~بدليل النسخ وتطور النبوة. وقد يكون ~~الإلزام نفسه إلزاما داخليا باطنيا ~~صرفا أو إلزاما عقليا مبدئيا أو ~~إلزاما أخلاقيا وليس بالضرورة إلزاما ~~خارجيا، وهو ما يعرف الآن بلغتنا ~~المعاصرة باسم «الجبر الذاتي». # 21 # وكما أن القول بالجبر كان نتيجة طبيعية ~~لإثبات الصفات، فإن عقيدة القضاء والقدر ~~نتيجة طبيعية لإثبات الإرادة والقدرة ~~كصفتين لله، فالله مريد لجميع الكائنات، ~~وقادر على كل شيء. ويصل الأمر إلى اعتبار ~~القضاء والقدر صفاته في الأزل. # 22 # ويقول إذا كانا من صفات الذات ~~وتخف الحدة إذا كانا من ms046 صفات الفعل؛ ~~فصفات الذات أقوى لأنها ترتبط بالأزل، ~~وصفات الفعل أقل لأنها أقرب إلى الحدوث. ~~وقد تنشأ حلول متوسطة فيكون القضاء ~~قديما والقدر حادثا، وهو أقرب إلى ~~العقل، وصلة القضاء بالقدر كصلة بين العام ~~والخاص، أو يكون القضاء حادثا والقدر ~~قديما وهو ما يعارض طبيعة الصلة بين الكل ~~والجزء، وبين الممكن والواقع. # 23 # وفي العقائد المتأخرة ضاع موضوع خلق ~~الأفعال كلية في التوحيد، ثم أصبح معنى ~~التوحيد المعبر عنه في «لا إله إلا الله» ~~هو الإيمان بالقضاء والقدر الذي أصبح هو ~~الموضوع البديل لخلق الأفعال وللتوحيد على ~~السواء. ثم اقترب من التصوف وتوحد به ~~وأصبح الموحد هو الصوفي الذي يؤمن بالقضاء ~~والقدر. لم يصبح الإيمان بالقضاء والقدر ~~فقط إحدى عقائد الجبر وأحد الحلول للفعل ~~الإنساني بل أصبح إيمانا أعمى مكتفيا ~~بذاته وانتهى موضوع الأفعال الأول. ~~وبالتالي أصبحت شهادة «لا إله إلا الله» ~~وهي شعار الرفض والتحرر المعبر عن فعلي ~~النفي والإثبات شعار الإيمان بالقضاء ~~والقدر طبقا لعقيدة الاستغناء والافتقار؛ ~~استغناء الله عن كل ما سواه وافتقار كل ما ~~عداه إليه. وبالتالي أصبحت عقيدة القضاء ~~والقدر هي كل التوحيد والعدل. # 24 # والعجيب أنه حتى بعض الحركات الإصلاحية ~~تثبت القضاء والقدر وتكفر كل من لا ~~يؤمن به. بل إن القضاء والقدر يحطان على ~~الإنسان بسلطة النصوص دون أي عرض عقلي أو ~~تحليل لسلوك الإنسان. ثم يتحد القضاء ~~والقدر مع الصبر ~~عند ~~الصوفية ويتم الإصلاح عن طريق الصبر على ~~أقدار الله، بل إن كل من لم يسع إلى ~~الأقدار سعت هي إليه، وكل من سعى إلى ~~الأقدار، لم تسع هي إليه وكأن الإنسان ~~وجود من أجل قدره. فالحوادث تقع في الكون ~~بفعل الأقدار لا بفعل الإنسان، وإذا سعى ~~الإنسان باختياره الحر وإدراكه العقلي ~~وتمييزه بين الحسن والقبيح لم يتم أي فعل ~~ولم يتحقق شيء. # 25 # ولكن بعض الحركات الإصلاحية الأخرى ~~أعادت النظر في عقيدة القضاء والقدر، ~~والتفرقة بينها وبين مذهب الجبرية، وإعادة ~~تفسير القضاء والقدر على أنه جبر ذاتي لا ~~ينفي الفعل، بل ms047 يبعث على الإقدام، ويمنع ~~من الإحجام والتردد؛ فالاعتقاد بالقضاء له ~~أساس وجداني، ويقوم على العلة والمعلول ~~والإيمان بالأسباب، يبعث على شجاعة ~~الأفراد ضد التوكل والبطالة والكسل، وله ~~سند من التاريخ؛ إذ به تقدمت الأمم ونهضت ~~الشعوب وكأنه ضمن قوانين التاريخ وسنن ~~الأمم في الكون. # 26 # وقد لاحظ بعض المحدثين في ~~العقائد المتأخرة ذلك أيضا وحاولوا ~~التوفيق بين عقيدة القضاء والقدر والدعوة ~~إلى العمل. # 27 # كما حاولت حركة إصلاحية ~~ثالثة النهي عن الخوض في القدر، والتأكيد ~~على أن علم الله بعمل الإنسان الاختياري ~~ليس ملزما؛ وبالتالي الانتقال خطوة من ~~الأشعرية إلى الاعتزال. # 28 # كما حاولت حركة إصلاحية ~~رابعة نفي العقيدة كلية على نحو أشعري ~~دون نقد للعقيدة وتفنيد لحججها وبيان ~~لمخاطرها وكشف عن أخطائها. # 29 # وكأنه يصعب الدعوة إلى العمل ~~والحرية وعقيدة القضاء والقدر ما زالت ~~راسخة في التراث، وإحدى مكونات الدين ~~الشعبي وموجها لسلوك الجماهير. # ومن العقيدة الأم، القضاء والقدر، تنبع ~~عدة عقائد أخرى في مقدمتها مسئولية الله ~~عن الخير والشر والحسن والقبح وكل ما يحدث ~~في العالم من نفع أو ضر للإنسان لما كان ~~الله خالق كل شيء، والخير والشر والحسن ~~والقبح والنفع والضر أشياء مخلوقة. وإذا ~~كان من المعقول أن يصدر الخير عن الخير ~~فكيف يصدر الشر عن الخير؟ وأين مسئولية ~~الإنسان في الاختيار وفي التمييز بين ~~الحسن والقبيح؟ يثبت القضاء والقدر إذن ~~بخيره وشره دون حتى التساؤل كيف يكون ~~المؤله المعظم خالقا للشر؛ وبالتالي ~~يضيع التنزيه في زحمة إثبات خلق الله ~~الشامل لكل شيء. # 30 # وقد ظهر ذلك بوضوح عند ~~الفلاسفة في قولهم بالقضاء والقدر على ~~مستوى الكون؛ فالنظام في الوجود أو في ~~العالم متوجه إلى الخير لأنه صادر عن ~~الخير، وتلك هي العناية الأزلية والإرادة ~~السرمدية؛ فكان الخير داخلا في القضاء ~~الإلهي دخولا بالذات لا بالعرض. ولما كان ~~الله هو العالم عند الفلاسفة أصبحت ~~مسئولية الله عن الشر عند الأشاعرة ~~مسئولية الكون كله. والشر المطلق لا وجود ~~له، وكذلك الشر بالذات لا وجود له إلا في ms048 ~~اللفظ أو الذهن وليس في الوجود. وهو داخل ~~في القضاء الإلهي بالعرض لا بالذات. ~~والخير المطلق فهو في الطباع والخلقة، ~~أما الخير الممزوج بالشر، فالتساوي ~~بينهما لا وجود له، وغلبة الشر على الخير ~~أيضا لا وجود لها. والموجود فقط هو الخير ~~الغالب، وهو رنة تفاؤل لتجعل الفطرة ~~خيرة بطبعها، وتنكر وجود الشر الوجودي؛ ~~فالشر بالذات هو العدم. # 31 # أما الجهل والعجز والتشويه ~~والوجع والألم والمرض والظلم والسرقة ~~فكلها مظاهر نقص أي أوضاع اجتماعية يمكن ~~تغييرها، أعراض طارئة وليست جواهر ~~ثابتة. ~~(2) # الإشقاء والإسعاد. وتنتج عن القضاء ~~والقدر عقيدة أخرى تماثله قوة ~~وانتشارا، وهو موضوع الإسعاد والإشقاء، ~~وهو التعبير عن القضاء والقدر على مستوى ~~الحياة الفردية والاجتماعية. هي الصورة ~~الغالبة في العقائد المتأخرة نظرا ~~لانتشارها في الدين الشعبي، وأثرها في ~~الحياة الاجتماعية، والترويج لها سياسيا ~~لدى النظم القائمة ومن خلال أجهزة الإعلام ~~والمؤسسات الدينية. وأهمية مثل هذه ~~العقائد المتأخرة أنها تكشف عن الوضع ~~الحالي للأمة، بنائها النفسي ووضعها ~~الاجتماعي. فالسعادة والشقاوة أزليان، ~~مقدران من قبل، لا يتغيران ولا ~~يتبدلان. «السعيد من سعد في بطن أمه، ~~والشقي من شقى في بطن أمه!» وبالتالي ~~استحال تغيير الأوضاع الاجتماعية ، استحال ~~أن يصبح الشقي سعيدا أو السعيد شقيا، ~~نظاما كونيا أبديا لا يتغير. ~~والسعادة في الإيمان والشقاء في الكفر ~~وليس في رحابة العيش وبحبوحة الدنيا. ولما ~~كان الفقراء من المؤمنين فهم السعداء، ~~والأغنياء من الكافرين فهم الأشقياء. يسعد ~~الفقراء بفقرهم ويشقى الأغنياء بغناهم! ~~يسعد ~~المظلومون بظلم الظالمين لهم، ويشقى ~~الظالمون بظلمهم للمظلومين! والعبرة ~~بالخواتيم وليس بالفواتح، العبرة بالمآل ~~وليس بالحال. لا يهم إن عاش الشقي شقيا ~~بل يهمه أن يموت سعيدا، ولا يهم إن عاش ~~السعيد سعيدا يكفيه أنه يموت شقيا! ~~وتخاف العامة من الخاتمة وتستعد لها كما ~~تخاف الخاصة من السابقة وتخطط لها. تحرص ~~العامة على آخرتها حرص الخاصة على دنياها. ~~وتكاد تجمع العقائد المتأخرة على ذلك، ~~والخلاف بينها لفظي لأنها تعبر عن أوضاع ~~نفسية واجتماعية شائعة وعامة في الأمة. # 32 # والإشقاء والإسعاد صفات تتعلق ms049 بالحياة ~~الإنسانية لا مهرب منها، بالرغم من أنها ~~الأقل سطوة من صفات الذات والأكثر حدوثا ~~وتغييرا واتصالا بأفعال العباد؛ فهي ~~خلق أبدي من الله في الإنسان، ليس فقط ~~خلق القدرة على الكفر والإيمان بل خلق ~~الكفر والإيمان؛ فلا يبقى للعبد أي دور ~~فيما يحدث له من سعادة أو شقاء. فإذا كانت ~~الصفات قديمة فالإسعاد والإشقاء قديمان ~~بقدمهما لارتباطهما بالتكوين، والتكوين ~~صفة ذات. الإسعاد والإشقاء إذن أوضاع ~~كونية كالخلق، في العلم الإلهي وفي الفعل ~~الإلهي وفي الكون وفي الوجود الإنساني، أي ~~في الأسس النظرية الكونية. # 33 # والسعادة والشقاء ليسا في ~~الإيمان والكفر وحدهما بل في العمل الصالح ~~أو الطالح؛ فالإيمان أو الكفر يمثلان ~~النظر وحده دون العمل. والعمل الصالح أكثر ~~اتساعا وامتدادا وانتشارا من العمل ~~الشعائري الذي يعبر عن التقوى الباطنية أو ~~الحياة الأخلاقية الضامرة. والإيمان ~~والعمل اختياران وإن كانا ضمن العلم ~~الإلهي السرمدي الذي يتحقق بتحقق ~~الأفعال. # ومن الإسعاد والإشقاء تنبثق أمور ~~الخذلان والإضلال، والتوفيق والهداية، ~~وكأن العقائد المستقاة من عقيدة القضاء ~~والقدر التي هي لب عقيدة الجبر تتغلغل ~~في أفعال الشعور الداخلية تغلغلها في ~~أفعال الشعور الخارجية، وربما أيضا في ~~أفعال الطبيعة والمجتمع والتاريخ. وهي ~~كلها مجرد إحساسات وعواطف وانفعالات، أي ~~أوهام وتخيلات وتمنيات، ولا شأن لها بصفة ~~التكوين. إنما تقوم على الجهل بالأسباب ~~وبالأوضاع النفسية والاجتماعية للأفراد ~~والجماعات. إن القول بأن الله هو الموفق ~~للإيمان والعمل الصالح أو هو الخاذل ~~للكافر وليس قدرة العبد إنما يعني عند ~~العامة مجرد قانون كوني عام أشمل من سلوك ~~الأفراد، ويعني عند الخاصة مجرد مأثور ~~شعبي يعبر عن الدين الشعبي، ولا ينفي في ~~الواقع حقيقة اختيار الإنسان. # 34 # ويتم ذلك عن طريق صدق الوعد ~~وليس عن طريق الحق المكتسب، وحتى يكون ~~الوعد صادقا في حياة البشر. إن الوعود ~~تخلف، وصدق الوعد الإلهي قلب لخلف الوعد ~~البشري وتعويض عنه. ~~(1-3) حجج الجبر # ما أكثر الحجج النقلية التي يمكن لأي مذهب أو عقيدة ~~أن يجدها تأييدا له وتأسيسا لنفسه عليها. وكلها ظنية ~~نظرا لارتباطها ms050 بأسباب النزول وبالناسخ والمنسوخ ~~وبقواعد اللغة وبأصول التفسير على ما هو معروف في ~~نظرية العلم. والغالب عليها روايات أسطورية يتضح فيها ~~الخيال الشعبي مع أن غاية الحديث عملية صرفة في بيان ~~المجمل أو تفصيل أوجه السلوك. كما أن حجة الإجماع أو ~~الصحابة أو السلف أو الصوفية إنما هي حجة سلطة، سلطة ~~الجماعة التي تحظى باحترام وتقدير في الوعي الشعبي. ~~وهي في النهاية حجة سلطة وليست شاهد حس أو دليل عقل أو ~~شهادة وجدان. # 35 # ولكن الأهم هي الحجج العقلية التي يمكن التحقق منها ~~ومراجعتها ومقابلتها بالحجج واستعمال البرهان. ويقوم ~~الجبر على أسس عقلية واهية يقوم معظمها على استحالة ~~الضد. وهي معظمها أسس لا تثبت شيئا إيجابيا بقدر ~~ما تثبت استحالة الضد؛ فهي تقوم على برهان الخلف أي ~~إبطال النقيض لإثبات الشيء مثل: ~~(1) # التوهم بأن إثبات الفعل الإنساني في ~~المستقبل أو المشترك مع فعل المؤله ~~المشخص يؤدي إلى الشركة، والشركة تؤدي إلى ~~الشرك؛ لأنه لا فاعل في # الحقيقة إلا ~~المؤله المشخص. # 36 # والحقيقة أن اعتبار الفعل ~~الإنساني مزاحمة ومشاركة للفعل الإلهي ~~رفعة من شأن الإنسان وحطة من شأن الله ~~وكأن الإنسان والله أصبحا طرفين ~~متماثلين، ندين متعادلين يتنازعان ~~فعلا واحدا وهو ما يعارض التنزيه. وليس ~~حطة في الله أو انتزاعا لحقه أن يكون ~~الإنسان هو الفاعل الحق ما دام الله خالق ~~كل شيء ومالك كل شيء. وليس عظمة لله أن ~~ينازع الله الإنسان فعله ويسلبه إياه ~~ويغتصبه منه. إن هذه الحجة ليست فقط رفضا ~~للحرية، بل أيضا رفض للكسب لأن الكسب ~~يعني المشاركة بين الله والإنسان في فعل ~~واحد. كما تقوم الحجة على المصادرة على ~~المطلوب لأنها تقوم على مسلمة سابقة وهي ~~أنه لا فاعل حق إلا الله وهو المطلوب ~~إثباته. وقد أعاد علم الكلام المتأخر ~~تحقيق الكلام المتقدم وانتقد خطابيته وزاد ~~من أحكامه العقلية تحت تأثير الفلسفة التي ~~أعطته دفعة جديدة نحو العقلانية وأعادت ~~صياغة الحجة نفسها في شعب ثلاث. الأولى ~~استحالة مقدور بين قادرين نفيا للشركة. ~~ولكن حتى في ms051 هذه الصياغة، لماذا يضحى ~~بقدرة الإنسان كي تثبت قدرة الله ولا تثبت ~~قدرة الإنسان وهو الأقرب لبداهة الحس ~~وواقع المشاهدة؟ والثانية استحالة جواز ~~التأثير في الفعل وإلا جاز التأثير في ~~الوجود. والحقيقة أن القدرة الحادثة وهي ~~قدرة الإنسان ليس القصد منها إيجاد ~~الأشياء بل توجيهها وإعادة نظامها. وليس ~~هدفها تغيير الطبائع بل صورها، أو تبديل ~~الجواهر بل أعراضها. وتوجيهها إلى الطبائع ~~والجواهر مجرد مزايدة من أنصار الجبر على ~~الإيمان. فما من أحد قادر على خلق الأشياء ~~وإن أمكنه إبداع صورها. والثالثة قدرة ~~الباري على جنس ما أقدر عليه عباده. ومن ~~الطبيعي أن يكون الله قادرا على جنس ~~أفعال العباد. ولكن هناك فرق بين القدرة ~~على الجنس والقدرة على الفعل الفردي؛ ~~فالقدرة الصورية كلما كانت عامة وشاملة ~~فإنها لا تتحقق بالفعل في الأفعال الفردية ~~التي تتحقق بقدرة العباد. هذا بالإضافة ~~إلى أنها مزايدة الكل على الجزء لا ينتج ~~منها لا تنزيه لله ولا اعتزاز بالإنسان. ~~وفي النهاية ليس المطلوب هو إعلان التحدي ~~والمبارزة بين الله والإنسان، أيهما أقدر ~~على تسيير الحوادث وإيجاد الكائنات؛ ~~فالإنسان لا يدعي أنه خالق العالم أو ~~موجده، بل هو مؤثر في مساره، وموجه ~~لنظمه الاجتماعية. # 37 ~~(2) # إن وقوع أفعال دون العلم بها كليا أو ~~جزئيا لا يعني تدخل إرادة خارجية في ~~الفعل تقرر العلم به أو تحقيقه، بل يعني ~~أن الإنسان كثيرا ما يفعل دون وضوح ~~نظري كاف لأساس الفعل وغايته. صحيح أن ~~الفعل الأمثل هو ما قام على أساس عقلي ~~واضح وكاف له غاية وهدف، والفعل القائم ~~على استبصار كل العوامل التي في ميدان ~~الفعل حتى يتحقق الفعل بنجاح تام. ولكن ~~هذه الإحاطة النظرية الشاملة بجميع ~~العوامل المتداخلة في ميدان الفعل قد تكون ~~نسبية أو مستحيلة، فيتأتى الفعل نسبيا ~~أيضا بقدر المعلومات التي لدى الإنسان عن ~~الموقف. ولكن بمجرد بدء الفعل يزيد ~~الإنسان من معلوماته، بل ويغيرها طبقا ~~للواقع الجديد غير المعروف أو يحدث علما ~~في التو واللحظة. وهذا موقف سلوكي خالص ~~لا يشير إلى تدخل ms052 أية إرادة خارجية عالمة ~~بالموقف كله من قبل ومقررة له. # 38 # ويجوز إتيان الفعل بأساس نظري عام دون ~~الإحاطة بجميع التفاصيل؛ فذلك لا يقدح في ~~صحة الفعل أو في يقين النظر، خاصة ولو ~~كانت تلك التفاصيل غير دالة أو مستحيلة أو ~~خيالية مثل العلم بالسكنات المتخللة ~~للحركات البطيئة! وكأنها حجة زينون في ~~إبطال الحركة تستخدم هنا لإثبات الجهل! ~~وكأن الفعل لا يحدث كواقع حيوي لا يتجزأ ~~إلى حركات ساكنة. # 39 # يحدث الفعل في الحقيقة على ~~علم حاصل بقدر الإمكان؛ إذ يصعب أو قد ~~يستحيل الإلمام نظريا بجميع العوامل ~~الداخلة في ميدان الفعل لاحتمال تدخل ~~الجديد باستمرار. ولكن اعتمادا على سرعة ~~البديهة وأخذ القرار، واعتمادا على ~~القدرة على التكيف في إتيان الفعل يمكن ~~التغلب على عدم المعرفة بالتفاصيل. ~~والتفاصيل هي الدالة على الفعل المؤثرة ~~فيه لا التفاصيل غير الدالة التي لا تؤثر ~~في سريان الفعل. ولما كان الفعل يتحدد ~~أساسا بالأفكار والبواعث والغايات وطبيعة ~~الموقف، فإن ما سوى ذلك تفاصيل غير دالة ~~مثل تركيب اليد أو لونها أو عدد شعيرات ~~جلدها! # والفعل غير المقصود وغير المروي هو ~~الفعل الأمثل. وأفعال المصادفة والحظ ليست ~~أفعالا تقوم على علم مسبق. وأفعال ~~المصادفة لا تثبت إرادة خارجية ، بل لا ~~تثبت إلا المصادفة. وحتى لو كانت كذلك ~~فكيف تكون أفعال عدم التروي والمصادفة ~~دليلا على المؤله المعبود؟ ~~(3) # ولا يعني العلم الشامل كصفة للمؤله ~~إثباتا للجبر بأي حال؛ فبالإضافة إلى أن ~~ذاته تشخيص لعواطف التعظيم والإجلال وليس ~~له وجود واقعي في العالم، فإن وجود علم ~~شامل لا يعني بالضرورة وقوعه. هناك فرق ~~بين العلم والإرادة، بين النظر والعمل. ~~ولكن قد يقال إن من صفات العلم الكامل ~~تحقيقه، وإن التمييز بين العلم والإرادة ~~أو بين النظر والعمل أو بين الممكن ~~والواقع أو بين الماهية والوجود لا يحدث ~~إلا في الإنسان. ففي هذه الحالة لا مفر من ~~الوقوع في التشخيص. # 40 # والإخبار عن شيء في الوحي بأنه سيقع أو ~~لن يقع لا يعني إثبات أي جبر على الحوادث؛ ms053 ~~فهذا علم مسبق معطى للإنسان كي يقيم حياته ~~ويحقق غايته على أساس نظري يقيني. ~~فالوحي يعطي النظرية مسبقا حتى يكون ~~الجهد كله للعمل. الإخبار عن شيء لا يعني ~~حدوث الشيء، بل يعني يقينا نظريا ~~مسبقا على الإنسان أن يحققه بفعله. إن ~~معرفة الاشتراكي المسبقة بانتصار الطبقة ~~العاملة لا تعني تدخل أية إرادة خارجية ~~تنصر الطبقة العاملة، بل تعني إعطاء ~~اليقين النظري اللازم حتى تقوم الطبقة ~~العاملة بفعل الانتصار. إن إخبار الوحي ~~بأن أمة ما هي خير أمة أخرجت للناس لا ~~تعني أن هذه الأمة قد أصبحت كذلك بالفعل، ~~بل تعني كشف إمكانية خالصة تتحول إلى ~~حقيقة بفعل هذه الأمة وتحقيق شرطها. # 41 ~~(4) # ولا يعني وجود إرادة شاملة مطلقة ~~إلغاء الحرية الإنسانية، فهذه الإرادة ~~معلقة بذات هو في الحقيقة تشخيص لعواطف ~~التأليه التي هي في حقيقتها عواطف تعظيم ~~وإجلال، إما كتعويض نفسي عن هزيمة أو ~~كائنات سلطة في مجتمع منتصر. ولو قيل إن ~~إرادة المؤله إرادة في ذاته، ولا تعني ~~وقوع إرادته بالضرورة على نحو إنساني لم ~~تعد الإرادة على مستوى الكمال. فالإرادة ~~الكاملة هي الإرادة في الذات وفي الغير ~~على السواء. والإرادة في الذات دون الغير ~~إرادة ناقصة. وكيف يمكن تصور إرادة ~~نظرية دون إرادة عملية؟ الإرادة الشاملة ~~مثل العلم الشامل، كلاهما حق نظري لله ~~لا ينفيان واقع الإنسان العملي كإنسان ~~عامل ومريد. # 42 ~~(5) # والأفعال اللاإرادية ووقوعها لا تثبت ~~تدخل أية إرادة خارجية في سير الحوادث، بل ~~هي أفعال متوقعة من الإنسان. وكثيرا ما ~~وقعت أفعال دون قصد، وكثيرا ما رمى ~~الإنسان إلى فعل شيء فحدث شيء آخر. وذلك ~~يثبت فقط أنه لا توجد صلة حتمية بين الفعل ~~والقصد، وذلك لأن الإنسان حر حتى في داخل ~~فعله، وأنه يصعب التنبؤ بمسار الفعل ~~وغايته حتى لو أعدت العدة كاملة له. ~~وكثيرا ما رمى العلماء إلى اكتشاف شيء ~~فاكتشفوا غيره وهم بصدد البحث. # 43 # بل إن الفرق بين الأفعال ~~الاختيارية وغير الاختيارية يثبت الحرية ~~بدليل الفعل الاختياري ولا يثبت الجبر ~~بدليل الفعل ms054 اللااختياري؛ فالفعل غير ~~الاختياري قد يعبر عن طبيعة الإنسان ~~ورسالته ودعوته، أو قد يعبر عن الدافع ~~الأقوى وهو غير شعوري لا يظهر فيه ~~الاختيار صراحة. ولكن وجود الفعل غير ~~الاختياري لا يثبت عدم القدرة بل يثبت ~~فقدم عدم تأثيرها. # 44 # وقد تكون الأفعال اللاإرادية ~~في حقيقة أمرها أفعالا إرادية من نوع ~~آخر وعلى مستوى أعلى وأعمق في الشعور. ~~فالمجاهد يستطيع إراديا أن ينتصر على ~~آخر، ولكنه يستطيع أيضا الانتصار على ~~عشرة أمثاله أو عشرين، طبقا للباعث ~~والغاية. فاللاإرادي هنا إرادي يعبر عن ~~طبيعة الإنسان وعن مدى إحساسه بالحياة ~~وتمثله لدعوته وتحقيقه لرسالته. ولكن يظل ~~الفعل الأمثل هو الفعل الإرادي. فإذا حدثت ~~أشياء غير متوقعة فإنه يمكن احتواؤها ~~بإرادة جديدة وبتغيير خطط السلوك. هناك ~~ظروف اجتماعية تحدد من عمل الإرادة، ~~فالإرادة ليست خالصة، بل تعمل في موقف. ~~والأشياء غير المتوقعة والموقف ليسا هما ~~المعبود وإلا كانا مجرد تعبير انفعالي ~~عاطفي عن تغير الموقف. # ويقوم إثبات الجبر على نفي الصلة ~~الضرورية بين العلة والمعلول، إذا وجدت ~~الإرادة حدث الفعل وإذا عدمت الإرادة ~~عدم الفعل. فقد يحدث فعل بلا إرادة، وقد ~~توجد إرادة ولا يحدث فعل، وهذا نفي للعلم ~~وللفعل معا. فالعلم يقوم على الارتباط ~~الضروري بين العلة والمعلول. والفعل يقوم ~~على استقلال العلة عن أي شيء آخر سوى ~~الإنسان وأنه هو المحقق للفعل. ونفي ضرورة ~~العلم يفسح المجال للأسطورة والقضاء على ~~الفعل يفسح المجال للطغيان الذي يجمع كل ~~الأفعال في فعل واحد هو فعل الطاغية. # 45 ~~(6) # وعدم القدرة على الإتيان بالضد لا يثبت ~~وجود قدرة خارجية قادرة على الإتيان به. ~~فالسلوك الإنساني سلوك موجه قائم على ~~فكرة واضحة، ومدفوع بباعث واحد، ويرمي ~~إلى تحقيق غاية. فالإتيان بالضد مستحيل ~~عمليا ونفسيا وفكريا. فالعادل، ~~إيمانا بأن العدل قيمة وباعث وغاية لا ~~يقدر على الظلم، والصادق لا يقدر على ~~الكذب، والأمين لا يقدر على الخيانة. ~~السلوك الإنساني سلوك موجه يسير في ~~خط واحد ولا يرجع إلى الوراء. # 46 # إن افتراض القدرة على الضد ~~افتراض صوري ms055 محض يقوم به المشاهد ~~المحايد الخارج عن الفعل وكأن السلوك ~~الإنساني سلوك آلي يحدث في أي اتجاه ~~ممكن، ويتغير من اتجاه إلى آخر ما دام ~~الفعل حرا. لا يعني الفعل الحر، الفعل ~~بلا غاية ولا باعث ولا فكرة، أي الفعل ~~الذي يسير في كل اتجاه فهذه حرية ~~اللامبالاة، وهي حرية افتراضية صورية ~~خالصة وأقرب إلى غياب الحرية، الفعل الحر ~~هو الفعل الهادف الملتزم القائم على باعث. ~~إن افتراض وجود قدرة أخرى أعظم قدرة على ~~خلق الضد افتراض صوري خالص يقوم على ~~إثبات عواطف التأليه والتعظيم وعلى ~~المزايدة في الإيمان، ولا يثبت شيئا في ~~الواقع. وهناك فرق بين السلوك الموجه ~~كنتيجة للجبر وبين السلوك الموجه كنتيجة ~~للجبر الذاتي؛ ففي الجبر يستحيل على ~~الإنسان أن يكون قادرا على الترك أو على ~~فعل الضد، لا لأن فعله مرهون بفكرة أو ~~باعث أو غاية، بل لأنه مسير بقدرة ~~خارجية لا محيد عنها، وعادة ما يحدث ~~الفعل في حدود الطاقة البشرية ولا ~~يتعداها. وإعادة شجرة مقطوعة أو حمل رجل ~~بعد الأخرى خارج عن حدود الطاقة، ولا يثبت ~~عجز الإنسان على الإتيان بالضد. فهذا ~~الافتراض قائم إذن على استحالة عملية؛ ~~ولذلك فهو افتراض صوري خالص لا يثبت ~~شيئا فوق الطاقة، ولا يقضي على الفعل في ~~حدود الطاقة. ~~(7) # ولا يعني خلق الأفعال خلق الشيء، بل ~~تأدية الشيء والإتيان بفعل. لا يعني خلق ~~الأفعال خلق ميدان الفعل، بل تحقيق الفعل ~~فيه. لا يعني الخلق المادي للشيء بل الخلق ~~المعنوي للفعل الذي هو مجرد تحقيقه في ~~موقف. فالشاعر خالق للقصيدة وليس خالقا ~~للورق أو الصوت أو الحروف أو الكلمات، ~~والمحرر خالق للتحرر وليس خالقا للوطن ~~المحرر. يمكن إذن الإتيان بالفعل الحر ~~في عالم غير مخلوق فيه. إن الفعل لا ~~يخلق من العدم الوجود، بل هو فعل يحدث في ~~الوجود ويهدف إلى تغيير بناء الواقع. هو ~~فعل تغيير شيء موجود من وضع إلى وضع وليس ~~فعل خلق من عدم. # 47 # لقد أصبح موضوع الحرية، ~~ابتداء من القرن السادس بعد ظهور ms056 الفلسفة ~~وكأنها الخطر الداخلي على التوحيد بعد درء ~~الأخطار الخارجية، أخطار التأليه والتجسيم ~~والتشبيه؛ أصبح موضوعا للإلهيات ~~والطبيعيات وليس موضوعا للإنسانيات، أي ~~حرية الاختيار كأساس للتكليف. وأصبحت ~~مسألة الحرية في الخلق والإيجاد موضوعا ~~طبيعيا وليس موضوعا إنسانيا. ولكن ظل ~~الله في كلتا الحالتين هو الطرف المقابل ~~لفعل الإنسان الخارجي في العالم وفي ~~الطبيعة. فإذا كانت الإرادة هي التي تهدد ~~حرية أفعال الشعور الداخلية، فإن القدرة ~~هي التي تهدد حرية أفعال الشعور الخارجية. ~~الإرادة في صلة مع أفعال القلوب والقدرة ~~في صلة مع أفعال الجوارح. الإرادة في ~~علاقة الله بالإنسان، والقدرة في علاقة ~~الإنسان مع الطبيعة. القدرة القديمة وحدها ~~هي القادرة على إحداث الأجسام؛ فالحادث لا ~~يصدر من حادث؛ لذلك ارتبط الموضوع بحدوث ~~العالم. والتفرقة بين الحركة الإرادية ~~والحركة اللاإرادية لا تثبت القدرة ~~القديمة بدليل الحركة اللاإرادية دون ~~الحادثة بدليل الحركة الإرادية؛ مما يدل ~~على أن كل مذهب يأخذ من التجربة ما يتفق ~~معه ومع مسلماته وأحكامه المسبقة. # 48 ~~(8) # وحدوث الترجيح بين البواعث لا يعني تدخل ~~إرادة خارجية أحدثت هذا الترجيح، خاصة ~~لو كان المرجح يحتاج إلى مرجح، وهذا ~~إلى ثالث. وما دام لا يمكن التسلسل إلى ما ~~لا نهاية، فيجب الانتهاء عند المؤله ~~المشخص. فبالإضافة إلى أن هذا تفكير ~~دائري، أي أنه مجرد عاطفة أو انفعال سابق ~~على التفكير، يظهر التفكير فيه على أنه ~~مجرد حركة للرجوع إلى الوراء. والتفكير ~~العلمي في مساره تفكير إلى الأمام وإلى ~~الكشف عن المجهول. وإن احتياج الفعل إلى ~~مرجح كي يحدث لا يعني حدوث هذا المرجح ~~من الخارج، بل يتم بمقارنة البواعث أيهما ~~أقوى ثم اتباع الباعث الأقوى أو بمقارنة ~~غاية كل فعل مع غاية الآخر ومعرفة أيهما ~~أكثر قيمة وثباتا أو بالرجوع إلى ~~المصلحة العامة التي ينتهي إليها التسلسل، ~~وهذا كله لا يحدث بطريقة صورية. لا يحدث ~~بأن يجد الإنسان نفسه محايدا بين فعلين ~~منتظرا لمرجح يوجهه نحو الأول أو نحو ~~الثاني، بل يتبع الإنسان طبيعته وتكوينه ~~ودعوته وغايته. الاختيار بين فعلين في ms057 ~~الحقيقة ليس اختيارا حسابيا، بل هو ~~اختيار قائم على الباعث الأقوى في الحياة. # 49 ~~(1-4) نقد الجبر # الحقيقة أنه يصعب التفرقة بين الأسس والنتائج ~~والمخاطر والأخطاء للجبر، سواء في أفعال الشعور ~~الداخلية أو في أفعال الشعور الخارجية؛ فهي كلها ~~متداخلة فيما بينها؛ فالأسس هي الحجج، والنتائج هي ~~المخاطر، والأخطاء هي تفنيد الحجج. لذلك وضع الكل تحت ~~موضوع واحد وهو «نقد» الجبر. # والأسس العقلية التي يقوم عليها الجبر أسس ضعيفة ~~بدليل تفنيد أصحاب الكسب لها مع أن الكسب والجبر ~~يعتمدان على الأسس العقلية نفسها، ومنها تشخيص عواطف ~~التأليه وإثبات قدرة خارجية تتدخل في فعل الإنسان ~~وإنكار استقلال الإنسان في فعله. وكذلك بدليل تفنيد ~~أنصار خلق الأفعال له وهو تفنيد موجه أيضا لنظرية ~~الكسب لاشتراكها في الأسس العقلية نفسها التي يقوم ~~عليها الجبر. مع أنه في عقيدة القضاء والقدر يضيع ~~الكسب ولا يمكن القول بهما معا؛ فهما بمثابة الإخوة ~~الأعداء. ويمكن نقد هذه الأسس على النحو التالي: ~~(1) # إثبات ذات مشخص مؤله قادر قدرة ~~مطلقة وعالم علما شاملا يبطل كونه ~~حكيما صادقا. وتصبح أوصافه سفيها ~~ظالما كاذبا لأنه يفعل الظلم ويجبر ~~الإنسان على أفعاله ويحاسبه، يسلبه حريته ويكلفه. # 50 # وهو في الحقيقة تشخيص عواطف ~~التأليه ثم تصور وجود شخص مؤله له ~~قدرة شاملة وعلم محيط يتدخل في حوادث ~~الكون ويتحكم في مصائر البشر ويوجه ~~أفعال الإنسان كحق مطلق وكواقع مثبت. ~~يستطيع أن يفعل أي شيء أراده الإنسان أم ~~لم يرده، يستطيع أن يمنع أي شيء من الوقوع ~~أراد الإنسان حدوثه أم لم يرده، يستطيع أن ~~يعدم الإنسان ذاته بعد وجوده وأن يوجده ~~بعد عدمه. لا يبقى أمام سلطاته قانون ~~ثابت، ولا عالم قائم. كل شيء يخضع ~~لإرادته ومشيئته. يستطيع أن يجعل الثلج ~~نارا، والنار ثلجا، أو أن يقلب الحجر ~~ذهبا والعصا ثعبانا، وأن يطلق الأشياء ~~في الهواء دون أن تقع، وأن يوقف السهم في ~~الجو دون أن يصيب، وأن يعاقب المحسن ويثيب ~~المسيء، لا راد لحكمه ولا رافع لقضائه. ~~ما دامت هذه هي ms058 البداية فيستحيل إثبات فعل ~~الإنسان الحر وإرادته المستقلة لأن ~~البداية بداية نظرية وليست أمرا واقعا. ~~وهي مقدمة تشمل الموقف والنتيجة معا ولا ~~يمكن بعدها إثبات شيء لأنها تتعلق ~~بالشرعية الأولية والحق النظري الأول. ~~هي بداية تحتوي على حل مسبق هو إلغاء ~~وجود الإنسان المستقل وفعله الحر. ~~وبالتالي فالجبر ليس وصفا للفعل الإنساني ~~بقدر ما هو قرار مسبق مبني على شرعية ~~أولية هي في الوقت نفسه أساس كوني. وقد ~~فرق الفقهاء من قبل بين إرادة التكوين ~~وإرادة التشريع، الأولى كونية لا مرد ~~لها، والثانية تشريعية تعطي الأمر ولا ~~توجبه، وتفسح المجال أمام الإنسان للفعل ~~الحر والإرادة المستقلة. # حينئذ يكون السؤال: ماذا يبقى من ~~الإنسان لو عدم وجوده؟ ماذا يبقى منه لو ~~قضى على فعله؟ ماذا يبقى منه لو سلبت ~~حريته؟ ولحساب من؟ ولما كنا نعلم من ~~التوحيد أن عواطف التأليه هي في أساسها ~~عواطف تنشأ في ظروف اجتماعية معينة؛ إذ ~~ينشأ التأليه والتجسيم في مجتمع مضطهد على ~~درجات مختلفة من الاضطهاد، كما ينشأ ~~التنزيه والتشبيه في مجتمع منتصر ~~بصورتين مختلفتين: الأولى تثبت البؤرة ~~المركزية المتعالية، والثانية تثبت ~~سيطرتها على الواقع بالفعل، كذلك فإن ~~إثبات الجبر يؤدي إلى إثبات السلطة في ~~المجتمع المنتصر وإقامتها على الشرعية ~~الأولى. ومع ذلك، وكما يحدث في المجتمعات ~~المضطهدة، يتحول الجبر الإلهي الكوني إلى ~~جبر ذاتي باطني، أي حتمية تحقيق ~~الإنسان لرسالته في الحياة، وضرورة تحقيق ~~عالم الفضيلة كتعبير عن كمال الطبيعة، ~~ويتحول إلى عملية تحرر للإنسان وللكون ~~معا. ~~(2) # يتم تصور التأليه على أنه بقدر ما يعطي ~~المشخص المؤله من قدرة مطلقة يسلب من ~~الإنسان قدرته، وبقدر ما يكون المشخص ~~المؤله حرا تلغى من الإنسان حريته؛ ~~فالعلاقة بين المؤله المشخص وبين الإنسان ~~علاقة عكسية وليست طردية. بقدر ما يعطى ~~الأول يؤخذ من الثاني، وبقدر ما يؤخذ من ~~الأول يعطى الثاني. وهي علاقة تضارب ~~وصراع تكشف عن مزاحمة بين الله والإنسان، ~~وكأن العالم لا يكون فيه إلا بطل واحد. ~~وهذا تصور خاطئ لأنه لا يوجد مؤله ~~مشخص في ms059 الواقع واقف للإنسان بالمرصاد. ~~كلما أراد الإنسان أن يكون حرا سلبت منه ~~حريته. ولا يأتي الإنسان بفعل حر إلا في ~~غفلة عن المؤله أو بمرجح زائد منه. # 51 # والحقيقة أن العلاقة بين ~~عواطف التأليه باعتبارها أثمن ما لدى ~~الإنسان، والفعل وهو واقع الإنسان؛ علاقة ~~طردية؛ إذ تتحول هذه العواطف إلى أصلها ~~كبواعث على الفعل من داخل الشعور وليست ~~إسقاطات على الطبيعة خارج الشعور وخارج ~~الفعل وضده. ليس للكمال وجود خارجي بل هو ~~باعث إنساني نحو الكمال. ليست الإرادة ~~الشاملة صفة لذات مشخص، بل هي إرادة ~~إنسانية تبغي أوسع نطاق لها وأكبر تأثير. ~~ليس العلم أيضا صفة مطلقة لذات مشخص، بل ~~هو دافع إنساني نحو العلم يعطي الأساس ~~النظري للفعل. ويكون السؤال: لمصلحة من ~~تصور هذه العلاقة العكسية بين الإنسان ~~وقيمه؟ وكيف تثبت القيمة بذاتها إذا سلبت ~~إرادة الإنسان؟ وفي أية قيمة تعمل إرادة ~~الإنسان لو أصبحت القيمة خاوية غير قابلة ~~للتحقيق؟ ولماذا لا تكون العلاقة طردية، ~~بقدر إثبات حرية الإنسان تثبت فاعلية ~~القيمة، وبقدر ما تضمحل فاعلية القيمة ~~تضمر حرية الإنسان؟ في الجبر الذاتي وحده ~~تكون العلاقة طردية. كلما أحس الإنسان ~~بدعوته، وهي القيمة، ازدادت حريته، وكلما ~~ضعف إحساس الإنسان بدعوته قلت حريته ~~وطواه الجبر. ~~(3) # وكما يتم تدمير فعل الإنسان وإرادته ~~المستقلة كذلك يتم تدمير قوانين الطبيعة ~~الثابتة، خاصة ابتداء من القرن السادس ~~بعد ظهور الفلسفة وكأنها الخطر الداخلي ~~بعد درء الأخطار الخارجية من التأليه ~~والتجسيم والتشبيه. والحقيقة أن الحوادث ~~الخارقة للطبيعة التي يظن على أنها دليل ~~على وجود إرادة خارجية هي إرادة الذات ~~المشخص المؤله التي تتدخل في الطبيعة هي ~~في الحقيقة حوادث طبيعية نجهل عللها. # 52 # فكل ما يظن أنه يحدث من خارج ~~الطبيعة هو في الحقيقة يحدث من داخل ~~الطبيعة، وبتقدم العلم يمكن معرفة القانون ~~الذي تجري طبقا له هذه الحوادث. وإن تقدم ~~العلم مشروط بنقل النظرة العلمية من ~~التفسير الخارجي إلى التفسير الداخلي، ومن ~~الفهم بالقوى الخارجية إلى الفهم بالقانون ~~الداخلي. وقد تكون الحادثة الخارقة ~~للطبيعة ms060 إدراكا خاطئا سببه مؤثر ~~انفعالي حاد. فالإدراك الحسن مرتبط ~~بدرجة الشعور الانفعالي كما يرى العطشان ~~الماء سرابا، والجوعان الحذاء دجاجة، ~~وكما يشعر المصاب بزلزال في الأرض ~~وبانفتاح القبور وبدك الجبال كما هو ~~معروف في مشاهد الصلب في الأناجيل ~~الأربعة. وعادة ما تقع أمثال هذه الحوادث ~~في لحظات يكون الشعور فيها في حالة صدمة ~~وفقدان توازن تمنع من الإدراك الحسي ~~السليم. وقد تكون هذه الحوادث الخارقة ~~للطبيعة مجرد صور فنية لا تتعدى حدود ~~اللغة، تعبر عن قدرة مطلقة من أجل إعادة ~~بناء اعتقاد الناس والإيحاء لهم بأن هناك ~~حقا مطلقا وعلما شاملا وإرادة لا ~~غالب لها؛ مما يعطي لهم ثقة بالنفس، ومما ~~يجعلهم قادرين على العمل أكثر مما لو أوحى ~~إليهم بأن هذا العالم هو عالم الثبات ~~المطلق الذي لا يتغير. المقصود من المعجزة ~~كصورة فنية هو أن الطبيعة ميدان عمل ~~ومجال تحقق للإرادة، وأنها طيعة لا عاصية، ~~تقبل كل فعل. وفي الجبر تؤدي هذه الصورة ~~الفنية إلى غرض عكسي وهو اعتبار أن كل ~~شيء في الطبيعة خاضع لسلطة مطلقة وإرادة ~~شاملة لها؛ فتحولت من دافع على الفعل إلى ~~مانع من الفعل، ومن باعث على الإرادة إلى ~~ناف للإرادة. فلو انتقلنا إلى الميدان ~~الاجتماعي قامت الصورة الفنية في الخيال ~~الشعبي ومن خلال أجهزة الإعلام والمؤسسات ~~الدينية بدور مؤيد للسلطة في قضائها على ~~كل معارضة. وإن حدث بعض ما يسمى ~~بالمعجزات فإنه قد حدث في لحظات تاريخية ~~معينة كتغير مفاجئ في ظواهر الطبيعة ~~وتبديل لقوانينها، وذلك في نشأة الكون ~~الأولى. ولكن بعد أن بردت الأرض واستقر ~~نظام الكون انتهت المعجزات، وأصبح الإنسان ~~قادرا بعقله الكامل وبفعله المستقل على ~~فهم العالم والسيطرة عليه. ~~(4) # ويؤدي الجبر إلى عكس ما يقصد إليه. فلو ~~كان المقصود إثبات أحقية المشخص المؤله ~~على الكون فإنه يؤدي في النهاية إلى ~~إثباته متحولا زائلا متأرجحا بين ~~الوجود والعدم. ما دام الفعل له، والفعل ~~المباشر منه، فإنه يرتبط بالأشياء ~~والأفعال، يوجد حيث توجد، ويعدم حيث تعدم. ~~حينئذ يتحول من القبلية الشرعية ms061 إلى ~~البعدية العملية وينتقل من المطلق إلى ~~النسبي، ومن الفعل إلى الانفعال، يكون ~~محلا للحوادث وينقلب من النقيض إلى ~~النقيض، ومن المسيطر إلى المسيطر عليه، ~~من الحاكم إلى المحكوم، من القاهر إلى ~~المقهور. يصبح هو والتاريخ شيئا واحدا ~~مثل الكرامية أو مثل آلهة اليونان تدخل ~~حلبة الصراع في معارك البشر. # 53 # وإذا كان المقصود من الجبر ~~إثبات القدرة الشاملة والعلم المطلق وجميع ~~صفات العظمة والكمال، فإن هذا القصد يتحول ~~إلى نقيضه؛ فيثبت المؤله حالا في ~~الأشياء، فاعلا فيها، قريبا منها. ويصبح ~~حادثا محدودا نسبيا خاضعا لفعل الإنسان. # 54 # ففي الجبر لا الله أثبت نفسه ~~منزها ولا الإنسان أثبت نفسه فاعلا؛ ~~وبالتالي يضيع التوحيد والعدل، ركنا ~~العقليات ولب العقيدة. ~~(5) # ومما ينقص في التنزيه انتهاء الجبر، وهو ~~بصدد حل توهم مشكلة الحق الإلهي المطلق ~~ونيل الإنسان منها، إلى خلق مشكلة أعظم، ~~وهو اعتبار الله مسئولا عن الشر والقبح ~~وكل آثام العالم وأوجاع الناس ومآسي ~~البشر؛ فهو خالق كل شيء وفاعله. وأمرنا ~~بفعل القبيح من ظلم وجور وكذب. وكيف يكون ~~الخير مطلقا وهو مسئول عن الشر في ~~العالم؟ وكيف يصدر الشر عن الخير؟ لذلك ~~أصبح موضوع تبرئة الله عن الشر أكثر ~~إلحاحا في الجبر والكسب منه في الاختيار، ~~بالرغم من أن الحسن والقبح العقليين ~~نظرية مقارنة للاختيار. # 55 # وفي مقابل ذلك ينزع الجبر من الإنسان ~~مسئوليته عن أفعال الشعور الداخلية من علم ~~وجهل وظن واعتقاد، وهي أساس أفعال الشعور ~~الخارجية، كما يسلبه مسئوليته عن أفعال ~~الشعور الخارجية من عدل وظلم وحق وباطل، ~~وقهر وتحرر، وفقر وغنى. # 56 # الجبر نفاق واحتجاج ومحاجة، ~~وتهرب من الفعل والواجب بحجة الجبر؛ ~~فالجبر نفي للحق وتهرب من المسئولية ~~وتذرع بالقضاء والقدر، العقيدة الأولى ~~في الجبر. # 57 ~~(6) # ويؤدي الجبر إلى قبح بعثة الرسل وعدم ~~فائدتها وإبطال الغاية منها؛ فما دام ~~الإنسان مجبرا على أفعاله، ففيم التنبيه ~~والتبليغ؟ وفيم إرسال الأنبياء والرسل؟ ~~وفيم إرسال رسول صادق؟ وكيف يمكن حينئذ ~~التمييز بين الرسول و«إبليس»؟ # 58 # كما يؤدي الجبر إلى إسقاط ~~الشرائع ms062 وإلغاء التكاليف وعدم الالتزام ~~بأي قانون ما دام الإنسان مجبرا على ~~أفعاله. وهو ما حدث بالنسبة للصوفية ونقد ~~الفقهاء لهم. # 59 # كما يؤدي على الأقل إلى قبح ~~التكاليف ومنع القدرة. فما دام الإنسان ~~مجبرا ولا قدرة له على إتيان أي فعل، ~~ففيم التكليف الذي يتطلب القدرة على ~~الإتيان به؟ كما يؤدي إلى قبح كل فعل بل ~~وإلى استحالته ما دام الفعل يتطلب القدرة ~~عليه. فالإنسان لو لم يكن مختارا لقبح ~~تكليفه، والتكليف ليس تحصيل حاصل؛ ~~فالإنسان قادر على الفعل ولا شيء مقررا ~~عليه إلا في حساب عام للكون ومسار التاريخ ~~وقانون حركة المجتمعات والشعوب. فلا يتم ~~فعل إلا بوعي الأفراد وحركة الجماهير، ~~وبقيادة رشيدة وبفكر عملي وبقانون تاريخ. ~~ولا يقال إن التكليف مجرد داعية إلى الفعل ~~الذي يخلقه الذات المشخص؛ لأن التكليف ~~سيظل في هذه الحالة فائضا لا لزوم له ما ~~دام الفعل مخلوقا من الله. # 60 # كما ينتهي الجبر إلى قبح ~~الأمر والنهي، فما دام الإنسان مجبرا على ~~أفعاله ففيم التوجيه نحو الفعل أو نحو ~~عدم الفعل؟ فالأمر والنهي لا يوجهان إلا ~~إلى القادر على الفعل. # 61 # وفي نفس الوقت لا يجوز ~~الجبر تكليف ما لا يطاق ما دام الإنسان ~~ليس هو الفاعل، وما دام الفعل ليس مرتبطا ~~بحدود الطاقة الإنسانية. # 62 # وينتهي الجبر إلى إبطال ~~النعمة أو الدعاء والشكر على التوفيق دون ~~الخذلان. فما دام الإنسان مجبرا على ~~أفعاله فإن لن يسأل التوفيق، ولن يسعى إلى ~~الفعل، ولن يطلب الهداية، ولن يشكر إذا ما ~~تحقق ما سأل وطلب ورجا. # 63 # كما يؤدي إلى إبطال استحقاق ~~المدح والذم؛ فالمجبر على أفعاله لا يستحق ~~المدح أو اللوم لأنه لم يحدث شيئا ~~بفعله بل أحدثه غيره فيه. ولا يستحق ~~الإنسان اللوم أو الثناء إلا إذا كان ~~مسئولا عن فعله قادرا عليه. ولا يقال إن ~~المدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار ~~الفاعلية لأن المحال أفعال. # 64 # وأخيرا يؤدي الجبر إلى إبطال ~~الثواب والعقاب على الأفعال. يحيلهما ~~الجبر لعدم مسئولية الإنسان على الأفعال، ms063 ~~ومن ثم إبطال الوعد والوعيد. ولا ~~يقال إن الثواب والعقاب مجرد عادة، ~~فالعاديات حوادث طبيعية لا دخل لفعل ~~الإنسان فيها. أما الأفعال فهي تتأتى ~~بفعل الحرية. ليست الأفعال إلا مجرد علامة ~~على الثواب دون أن تكون هي المقررة للثواب ~~والعقاب. ليس للعلامة أية دلالة خاصة ~~لأنها يمكن أن تكون فعلا بل أي شيء آخر. ~~العلامة إنكار للفعل كما أن الفعل المجازي ~~إنكار له. الفعل حقيقة واعتباره مجازا هو ~~فقط تغيير في لفظ الجبر. # 65 ~~(7) # وفي تفنيد الجبر توجه إليه الحجج التي ~~يعتمد عليها الكسب لإثبات الحرية وهي ~~التفرقة بين حركة المرتعد والحركة ~~الاختيارية لإثبات أولوية الحركة ~~اللاإرادية وهي حركة المرتعش على الحركة ~~الإرادية وهي حركة المختار. وهي حجة ذات ~~شقين إما تثبت الجبر نظرا للحركة ~~اللاإرادية أو تثبت الكسب نظرا للحركة ~~الإرادية. ومع ذلك لا تميز عقيدة الجبر ~~بين المستويات بين المضطر والمكتسب ~~والمختار، بين الملجأ وما ليس بملجأ ووضع ~~الأفعال كلها في قالب واحد وهو الاضطرار ~~ثم الاضطرار من الخارج وليس من الداخل. ~~وهناك فرق في السلوك. يحدث المضطر إما ~~لعجز به أو فيه أو لصعوبة الإتيان بفعل في ~~موقف لا يسمح بتحقيقه، وهو اضطراري يمكن ~~معرفة علته. إذا زالت العلة زال ~~المعلول. ويحدث المكتسب بالممارسة وبتكرار ~~الفعل بالتربية داخل الجماعة الداعية. ~~ويحدث المختار طبقا للباعث الأقوى نتيجة ~~لاختلاف القيم بين الشدة والضعف في ~~التمثل. يؤدي الجبر إذن إلى إلغاء ~~المستويات وعدم التمييز بين الأفعال ~~وإثبات أن العالم واحد والفعل واحد ~~وبالتالي يمحى الفرق بين الله والإنسان، ~~بين إرادة الله وإرادة الإنسان، بين قدرة ~~الله وقدرة الإنسان، وجعل الله على مستوى ~~الإنسان، والإنسان على مستوى الله في حين ~~أن العقيدة والشريعة كلتيهما تقومان على ~~التمييز بين المستويات. # 66 # في حين تثبت حرية الاختيار ~~عندما تتم التفرقة بين المستويات، ويقضى ~~عليها بإرجاعها كلها إلى مستوى واحد. # 67 # لذلك يخلط الجبر بين فعلين ~~فعل التأليه وفعل الإنسان. فعل التأليه ~~واجب نظرا طبقا لعواطف التأليه، وفعل ~~الإنسان واجب نظرا وعملا. كما يعطي ms064 ~~الأولوية لفعل التأليه على فعل الإنسان. ~~وفعل التأليه هنا يعني الموقف الذي يمارس ~~الإنسان فيه حريته، ثم ينكر فعل الإنسان ~~ويثبت فعل التأليه وكأن الإنسان يضحى ~~بحقه كلية في سبيل الإحساس بالغموض ~~والتوهمات المستقبلية. ثم تفسير الأفعال ~~وكل مظاهر الطبيعة بالعلة الأولى دون ~~العلل الثانية؛ وبالتالي تنتهي حرية ~~الإنسان كما يقضي على العلم. وبالرجوع إلى ~~الفعل الإنساني وتحليل السلوك البشري يمكن ~~اكتشاف أن الفعل الإنساني الحر ليس هو ~~الفعل العقلي وحده بل فعل الشعور. # 68 # وكل إنكار لذلك إنما هو ~~توهمات وأخطاء في استعمال الألفاظ مثل ~~الجواز والصحة والتوهم. فالجواز قد يفيد ~~الشك إذا كان المقصود به الفعل الإنساني، ~~وقد يعني الصحة إذا كان المقصود به فعل ~~التأليه؛ فكل لفظ يحتمل معنيين يصح ~~أحدهما على فعل الإنسان والآخر على فعل التأليه. # 69 ~~(8) # ويقوم الجبر على إبطال العادات والعرف ~~والمألوف. يفنده الإحساس بالحرية والشعور ~~البديهي بالمسئولية، وما هو أساس للحياة ~~الخاصة والعامة. فحدوث الحرية بالفعل في ~~الواقع أكبر دليل على وجودها. وما الحاجة ~~إلى إثبات شيء هو موجود بالفعل؟ كما أن ~~الجبر إبطال لحكم العقل واعتماد على ~~اللامعقول، ومنع السؤال والتساؤل والفهم، ~~والاعتماد على السلطة والطاغوت والأسطورة. # 70 # مع الجبر تستحيل المعرفة؛ ~~وماذا تجدي المعرفة ما دام العقل لا يتم ~~بأساس نظري عن وعي وتدبر؟ وما الحاجة إلى ~~العقل والبحث والنظر والإنسان مفعول فيه؟ # 71 # والجبر شهادة زور؛ لأنه دفاع ~~عن الذي يحتج بالجبر وينكر شهادة الحس ~~والوجدان، ويقول غير ما يشعر به. # 72 # ويتجاوز الجبر حدود المعرفة ~~الإنسانية، بداهة العقل والحس وشهادة ~~الوجدان، فيمتد إلى العالم الآخر؛ ~~وبالتالي يقع في خطأ مزدوج، الجبر في ~~الدنيا والجبر في كل العوالم الممكنة ~~الأخرى في الحياة أو بعد الموت. فالجبر في ~~هذا العالم لا يؤيده عقل أو تجربة أو ~~حياة. والجبر في العوالم الأخرى هو ~~استمرار للجبر في هذا العالم حتى ولو كان ~~في عالم أفضل يجد فيه الإنسان تعويضا عن ~~عالم البؤس والحرمان، في عالم من النعيم ~~والاكتفاء، ومن عالم الظلم والقسوة ms065 إلى ~~عالم العدل والرحمة؛ فهو عالم نفسي ~~مسقط مشخص يعبر عن حرمان الإنسان وضيقه ~~بالظلم ورغبته في التعويض وأمله في ~~الخلاص. وكل القوانين التي يتصورها ~~الإنسان تحكم هذا العالم الآخر هي قوانين بالتمني. # 73 # إن الحرية تثبت في هذا ~~العالم، وإثباتها أو إنكارها في عالم آخر ~~لا يزيد ولا ينقص من ثبوت الحرية في هذا ~~العالم بل يكون مجرد تشويش عليها وإفساح ~~مجال للجبر الأخروي. وما فائدة إنكار ~~الحرية في عالم آخر ما دام التكليف قد ~~انتهى بانتهاء الحياة؟ حتى ولو أمكن ~~تصور حياة أخروية كيف يمكن تصورها بلا ~~حرية؟ وكيف ينعم الناس عندما لا يكونون ~~قادرين بل عندما يكونون مضطرين حتى إلى ~~النعيم الأبدي؟ حتى الجزاء لا يكون جزاء ~~إلا إذا كان نتيجة فعل حر، ويكون الفعل ~~حرا دون عصمة. فالعصمة أيضا جبر؛ لأن ~~الإنسان لا يقدر على فعل الخطأ. والجبر في ~~النعيم الأخروي عذاب النسبة للحرية في ~~العذاب الدنيوي. # 74 # يبدو أن الاستحقاق كواجب ~~عقلي جعل المثاب مضطرا إلى الثواب، ~~والمعاقب مضطرا إلى العقاب، وهو اضطرار ~~القانون. والحقيقة أن العالم الآخر ليس ~~عالم فعل بل عالم ثواب، ليس عالم امتحان ~~واختبار بل عالم يتم فيه حصر النتائج. ففي ~~هذا العالم يتم الكشف فيه عن حصيلة الفعل ~~بعد أن يكون قد تم كل فعل. ~~(9) # ويبطل الجبر تعلق الفعل بالإنسان ووقوعه ~~حسب دواعيه، وإلغاء البواعث على الفعل ~~ومسئولية الإنسان عنه، بل القضاء كلية ~~على الإنسان الفاعل الحر القاصد المحقق. ~~فالجبر تسوية للإنسان بظواهر الطبيعة ~~وتحويله إلى آلة تحقق مقاصد الغير. # 75 # يؤدي الجبر إلى نفي حرية ~~الإنسان وقدراته وبواعثه ودواعيه وصوارفه، ~~وأهدافه ومقاصده وغاياته، وتخطيطه وتعلمه ~~وتجاربه، وأخطائه ونجاحه وفشله، وسلبه ~~حياته ووجوده، وفعله ورسالته وكل شيء، ~~وإبداعه وخلقه وفنه وشعره، وجهاده ونضاله. ~~وإذا كان كل فعل حكمه قضاؤه، وأفعاله ليست ~~معللة بغاية أو سبب فإنها تصبح غير مفهومة ~~ولا قصد لها ولا غاية ولا سبب، وهي ~~الأفعال العشوائية المتناقضة التي تقوم ~~على العبث والسخف واللامعنى والتناقض. ~~ويؤدي الجبر إلى ms066 القول بالطبع وأن كل ~~إنسان يفعل ما هو مطبوع عليه، وجوهر الطبع ~~هنا هو الجبر في حين أنه إذا كان الطبع هو ~~الطبيعة فإن الطبيعة حرة. # 76 # وينفي الجبر التولد في ~~الطبيعة واستمرار القدرة لنفيه القدرة ~~أصلا؛ وبالتالي ترك العالم وتوقف الفعل فيه. # 77 ~~(10) # ويؤدي الجبر في عقيدته الأم، القضاء ~~والقدر إلى الرضا والاستكانة وقبول الخير ~~دون زيادة، والشر دون نقصان. يصبح الرزق ~~معدا من قبل، لا تغيير في وضع الإنسان ~~ولا تبديل. يتم الرضا بالشر وقبوله وإيجاد ~~العلل له كالامتحان والاختيار فالمؤمن ~~المصاب، وينتهي الإنسان إلى تبرير الشر ~~وتعقيله ثم قبوله والرضا به. # 78 # وبعد أن يتحول الجبر إلى ~~موروث في الدين الشعبي تظهر سلبياته ~~العملية ويختفي الحق الإلهي النظري الذي ~~كان الدافع على صياغته. يصبح الجبر السبب ~~الرئيسي في استكانة الشعوب ومنعها من ~~الثورة والغضب والتمرد والمعارضة والدفاع ~~عن الحقوق فتنتهي إلى الاستسلام والرضا، ~~وقبول الأمر الواقع، وما به من فقر وجهل ~~وتخلف وقهر، ما دامت الشرور والآثام واقعة ~~حتما، لا يمكن تغييرها إلى نفع وصلاح. ~~ويكون ذلك في الماضي والحاضر والمستقبل، ~~في كل الزمان؛ ومن ثم تنعدم الثورة في ~~الحاضر ولا يعد لها في المستقبل وتدان ~~في الماضي، ويغيب النموذج التاريخي فيصبح ~~الإنسان خارج الزمان والمكان وخارج ~~التاريخ. معنى الرضا بالقضاء والقدر هو ~~عدم الاعتراض على حكم الله السابق وإرادته ~~الأزلية. وما أسهل بعد ذلك أن يأتي الحاكم ~~ممثلا لإرادة الله ويطالب الناس بالتسليم ~~والرضا والقبول فيمتنعون عن الاعتراض . ~~وكأن الإنسان في مواجهة حاكم قاهر ~~وسلطان جائر تجب مشيئته وإرادته مشيئة ~~المحكوم وإرادته؛ وبالتالي يؤدي تبرير ~~الشر على أنه خير، وتحريم السخط على أنه ~~رضا إلى عدم الثورة على الظلم، ونهاية ~~الغضب من القلوب، والثورة في الشعوب. # 79 ~~(2) نظرية الكسب # مع أن الكسب هو النظرية الثالثة تاريخيا بعد الجبر ~~وخلق الأفعال، يحاول الجمع بينهما على التوسط، إلا أنه هو ~~الخطوة الثانية لأفعال الشعور الخارجية كما كان الحال في ~~أفعال الشعور الداخلية في الحلول المتوسطة لأنه يحاول ~~الخروج ms067 من الجبر والاقتراب من خلق الأفعال بصرف النظر عن ~~مدى نجاح المحاولة. والقول به اتجاه عام لا يميز طائفة عن ~~أخرى وإن كان أصبح ممثلا لكبراها ومميزا لها، وبالتالي ~~أصبح مرادفا لعقائد الجمهور، وعقيدة رسمية للدولة. # 80 # وقد ظهر الكسب في العقائد المتأخرة وكأنه ~~النظرية التاريخية الدائمة والنظرية الدينية الشرعية التي ~~لا يستطيع أحد الخروج عليها، طبقا لعقائد أهل السنة، ~~استسهالا للأمر؛ فالعقائد المتأخرة عندما غاب عنها الأساس ~~النظري لم يبق منها إلا هذه النظرية التي تخاطب الإيمان ~~ويسهل عرضها بالعقل، # 81 # أو تملقا للجماهير لأنها تزايد على الإيمان ~~مثل الجبر أو دفاعا عن السلطة ما دامت الأولوية للقدرة ~~ليست للإنسان، وما دام الإنسان مازال تابعا للإرادة ~~الخارجية. والنظرية بالنسبة إلى الجمهور تعطي له الحسنيين ~~معا، الله وذاته، وتجعل الله عمادا لذاته وأساسا لها، ~~ومن ثم يجد له مستقرا ومتاعا، ويركن إلى ركن ~~أمين. ~~(2-1) تعريف الكسب # هل نظرية الكسب منفصلة عن عقيدة الجبر؟ إن الكسب في ~~الحقيقة لا يختلف عن الجبر، وهو يوضع في كثير من ~~الأحيان معه. # 82 # يعتمد على التحليلات نفسها التي يعتمد ~~عليها الجبر؛ فإثبات أحدهما يسهل إثبات الآخر، ونقد ~~أحدهما يسهل نقد الآخر. وتتوقف كثير من تحليلات الكسب ~~عند إثبات خلق المعبود للأفعال دون اعتناء بإثبات ~~الكسب وكأن إثبات خلق الأفعال للمعبود وإثبات الكسب ~~للإنسان شيء واحد مما يدل على أن الكسب مجرد تنوع ~~صغير داخل الجبر. يبدأ الكسب بمسلمات الجبر وبقضيته ~~الأولى وهو لا خالق إلا الله ولا فاعل إلا الله ، سواء ~~كان من أكساب العباد أو من غير أكسابهم وكأن الأمر ~~مجرد تغيير لفظ بلفظ أو إعطاء الإنسان الفتات إيهاما وخداعا. # 83 # بل إن لفظة الكسب قد لا تعني شيئا على ~~الإطلاق إنما أريد بها التمويه على الجمهور أنها تفيد ~~شيئا غير الجبر وهي في الحقيقة لا تفيد إلا الجبر. # 84 # الكسب اسم بلا مسمى، لفظ بلا معنى، كلمة ~~تشير إلى لا شيء، وتكشف عن مجرد الرغبة في إثبات الجبر ~~بطريقة ملتوية توحي ms068 بأنها لا تنفي خلق الإنسان ~~لأفعاله وإثبات مسئوليته عنها. فهو مجرد وسيلة للقيام ~~بتفكير مقنع يكشف عن موقف نفاق على عكس خلق الأفعال ~~كموقف عقلي صريح. # 85 # كذلك يمكن استعمال حجج الجبر تأييدا ~~للكسب، وحجج الكسب تأييدا للجبر. كما يمكن تفنيد ~~حججهما معا بالطريقة نفسها؛ نظرا لتداخل ~~النظريتين. # والحقيقة أن الكسب نظرية في الجبر لأن كليهما ينفي ~~استقلال قدرة العبد وتأثيرها في العالم أو أنها تؤثر ~~بفضل سبب أعلى، وتسلسل الأسباب إلى أن يصل إلى السبب ~~الأول؛ لذلك يقوم تصور العالم عند الفلاسفة أيضا ~~على الجبر نظرا لرفض واجب الوجود المشاركة في أفعاله؛ ~~ومن ثم استبعاد الحرية الإنسانية. توضع إذن ~~نظريات الفلاسفة في الصدور والثنوية في ثنائية النور ~~والظلمة والمنجمين في الأفلاك مع الجبر. ويكون الجبر ~~هنا علاقة بالكون أكثر منه علاقة بالسلوك الإنساني. # 86 # لا يقوم الكسب على القدرة المؤثرة أو على ~~الإيجاد؛ لذلك يكون أقرب إلى الجبر منه إلى الاختيار ~~لأنه معلق على شرط لا دخل لحرية الاختيار فيه وهي ~~القدرة التي توجد في الإنسان إلا إذا كانت هذه القدرة ~~نابعة من باطنه: القفز على العمل، رؤية للغاية وقد ~~تحققت بالفعل، استعداد للتضحية والتوتر في اللحظة، ~~الخلق المستمر الناشئ عنها. وكأن الكسب كان مجرد وسيلة ~~للهروب من المشكلة لما كان الله هو الخالق والعبد هو ~~الفاعل. وقد اقترن في العقائد المتأخرة بالجبر وكأن ~~الكسب أحد نتائجه أو أحد فروعه أو أحد تطبيقاته. ربما ~~كان الكسب في البداية؛ نظرا لقوة خلق الأفعال وحرية ~~الاختيار، يعترف بتأثير القدرة. أما الكسب في ~~العقائد المتأخرة فإنه يقوم على القدرة غير المؤثرة ~~وبالتالي لم يعد هناك فرق بينه وبين الجبر. قد يكون ~~الفرق بين الجبر والكسب أن الجبر لا يثبت قدرة على ~~الإطلاق في حين أن الكسب المتقدم كان يثبت للقدرة ~~أثرا. أما الكسب المتأخر فهو أقرب إلى الجبر ~~المتوسط فيثبت قدرة للإنسان ولكنها غير مؤثرة. # 87 # والحقيقة أنه لا وسط بين الجبر والحرية. الكسب نفسه ~~صورة أخرى من صور الجبر، أقل عقلانية ms069 وأضعف نظرا. # 88 # ومع ذلك يظل للجبر ميزة هي وضوحه النظري؛ ~~فالمعبود خالق أفعال الإنسان. أما الكسب فإنه وإن ~~كان يشارك الجبر إلا أنه يحاول الخروج منه فلا يستطيع. ~~ويظل يدور حول الألفاظ والأسماء دون معان أو مسميات ~~حتى لقد أصبح الكسب مثالا للغموض والصعوبة وعدم ~~الوضوح فقيل: «أصعب من الكسب». # 89 # الكسب لا يختلف عن الجبر في أي حال، بل ~~إنه خرج من الجبر ليكون أكثر اتفاقا مع العقل ولكي ~~يكون هناك أساس للتكليف والمدح والذم ثم صار الكسب ~~أكثر تعارضا مع العقل. وأصبح الجبر القديم بالنسبة ~~إلى الكسب أكثر اتفاقا مع العقل لأنه على الأقل أوضح وأصرح. # 90 # وكثيرا ما يثبت الكسب بطريقة إثبات الطرفين دون أية ~~محاولة لبيان الأساس العقلي للجمع بينهما. # 91 # وقد يثبت الكسب بإثبات طرفي النقيض دون ~~أي أساس نظري أو تحليل عقلي لوجه الجمع وكأن الأمر ~~واضح بذاته. وهذا أكثر أمانة لأن أية محاولة نظرية ~~يسهل تفنيدها عقلا وواقعا، حسا ووجدانا، فيترك ~~الأمر تعبيرا عن مقتضيين، إثبات حق المؤله المشخص ~~وإثبات حق الإنسان. ولما كان الكسب لا يعني إلا الجبر ~~فإنه ينتهي إلى إثبات حق المؤله المشخص دون حق الإنسان. # 92 # والجمع بين الجبر والاختيار بصورة ~~مجردة خالصة وعلى أساس منطقي لا يحكم على الفعل ~~بشيء مثل جواز وقوع حكمين مختلفين على شيء واحد من ~~وجهين مختلفين. فهذا منطق الجهة الذي لا يفيد في ~~الحكم على الفعل ووصف نشأته وتمامه. فالفعل في الواقع ~~لا يكون إلا فعلا من قادر واحد، ولا يكون له إلا ~~قصد واحد وغاية واحدة ومحل واحد . # 93 # والكسب وسيلة ~~لجعل مقدور لقادرين، والبرهان على ذلك الفرق بين ~~الحركة الإرادية وحركة المرتعش؛ الأولى تثبت الإرادة ~~والفعل والقدرة، والثانية تثبت الجبر مع أنها حركة ~~عضوية خالصة طبقا لقوانين الطبيعة الحية، ولا تثبت ~~أية قدرة خارجية. # 94 # ويستحيل إثبات مقدور لقادرين؛ فالمقدور ~~واحد، والقدرة واحدة، والقادر واحد. ولما كان الإنسان ~~بالتجربة يشعر أنه القادر فهو خالق أفعاله. لا يمكن في ~~هذه الحالة ms070 أن يكون القادر هو الله لأنه الخالق؛ لأن ~~هذا استدلال وليس تجربة، حق كلي وليس فعلا جزئيا. ~~إن إثبات جواز مقدور واحد لقادرين على البدل محاولة ~~لإعطاء الطرفين حقهما، حق الذات المشخص وحق الإنسان ~~الحر. ولكنها تؤدي إلى مشاكل أعظم مثل مساواة الإنسان ~~بالله، وهو ضد عواطف التأليه، وجعله قادرا على ما ~~يقدر عليه، وهو أيضا ضد تمييز الإرادة المطلقة. # 95 # فإن ثبتا حكما لوجهين يكون السؤال: من ~~أي موقف يصدر الحكم، من الله أم من الإنسان؟ ولما كان ~~المتكلم إنسانا، فإنه لا يستطيع أن يصدر حكمه إلا ~~بناء على الموقف الإنساني فيرى نفسه قادرا. # 96 # ويحاول الكسب أن يكون وسطا بين الإيجاد والخلق، ~~ولكن يظل كل وسط أقرب إلى طرف منه إلى الطرف الآخر، ~~ويظل الكسب أقرب إلى الإيجاد منه إلى الخلق. # 97 # وهناك فرق بين الخلق والكسب؛ فالخلق موجود ~~بإيجاد الموجد يلزمه حكم وشرط. الحكم هو ألا يتغير ~~الموجد بالإيجاد فيكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة، والشرط ~~أن يكون عالما به من كل وجه. أما الكسب فهو المقدور ~~بالقدرة الحادثة ويلزمه أيضا حكم وشرط. الحكم أن ~~يتغير المكتسب بالكسب فيكسبه صفة ويكتسب عنه صفة، ~~والشرط أن يكون عالما ببعض وجوه الفعل. ويبدو أن ~~الكسب هو جمع لعدة أفكار دون رباط عقلي أو اتساق. وهي ~~صفة كل الأفكار الوسطية لإرضاء جميع الأطراف. وقد ~~اختلف في تعريفها وفي عرضها. يحاول الكل الاقتراب منها ~~ووصف كيفية الجمع بين هذه الأطراف المتعارضة. يقوم ~~الكسب أحيانا على أمور أربعة: إرادة سابقة، وقدرة، ~~وفعل، ورابطة بينهما. فالكسب هو فعل القدرة الحادثة أو ~~فعل الإرادة الحادثة. وما يهم في هذا التعريف أن يكون ~~الفعل حادثا مخلوقا، أي تابعا لقدرة أو إرادة ~~أخرى. وهذا يعني وقوع المقدور دون انفراد بالقادرية؛ ~~فالكسب لا تأثير فيه لقدرة الإنسان. # 98 # لذلك ينفي الكسب عن نفسه المشاركة؛ مشاركة ~~الإنسان للمؤله المشخص في أي فعل من الأفعال؛ لأنه ~~لا فعل له، والفعل كله للمؤله المشخص. # 99 # ونظرا لصعوبة وجود أي أساس ms071 عقلي لنظرية وسط تجمع ~~بين الجبر والحرية، رغبة في إثبات الطرفين واقتضاء ~~لكلا المطلبين؛ حرية الإنسان وحق المؤله المشخص، ~~يثبت الكسب ويتوقف عن الحكم فيه لعدم الوقوع في ~~الاضطراب العقلي والخلخلة النظرية. ويجوز التوقف عن ~~الحكم في المسائل الموضوعة وضعا خاطئا حتى لا يدخل ~~العقل في متاهات لأسئلة خاطئة وشباكها. ولكنه في هذه ~~الحالة يكون رفضا للمسألة ذاتها دون إثباتها ورفض ~~الدخول في الأساس العقلي للإثبات. التوقف عن الحكم ~~العلمي هو رفض السؤال والجواب معا لا إثبات الإجابة ~~ورفض البرهنة عليها؛ لأنه يكون قبولا بلا برهان. # 100 # وأحيانا تتحول عواطف التعظيم إلى النقيض. فإذا كانت ~~الغاية من القول بالكسب إعطاء المؤله المشخص فعله ~~والإنسان حريته، فإنه ينتهي إلى جعل المؤله المشخص ~~كالحاوي أو اللاعب يظهر شيئا ويخفي أشياء، يبيح بسر ~~ويكتم آخر، وبالتالي ينتهي التوسط إلى سر مغلق مستحكم. # 101 # ونظرا لصعوبة إيجاد حل وسط بين الجبر والحرية ~~عقلا، فإنه يتم التوحيد بينهما بالإيمان. والإيمان ~~ليس برهانا ما لم يكن إيمانا نظريا؛ فالعقل أساس ~~الوحي. واللجوء إلى الإيمان تملق للعوام ومحو للفكر ~~وإثبات للغموض. والعجيب أن يكون هذا موقف بعض حركات ~~الإصلاح! وكيف يحدث إصلاح على أساس الإيمان دون العقل، ~~والتقليد دون الفهم، خاصة لو كان الملجأ في النهاية ~~هو التصوف الذي به يستطيع الإنسان هتك الأسرار ورفع ~~الحجاب! صحيح أن العقل قد تتغلف بديهته، وقد لا يعطي ~~معاني بقدر ما يستخدم الألفاظ. ومع ذلك فالبديهة ممكنة ~~والعبارة الواضحة جائزة. ليس العقل هبة معطاة، بل ~~إمكانية عقل تمارس بالنظر. ويمكن إثبات الحرية للجمهور ~~إثباتا عمليا دون التقيد بالضرورة بالأساس النظري ~~وتحليل الخبرات، حرية الدفاع عن الحق ، وحرية تقرير ~~المصير، وحرية الحصول على الخبز. فهذا يمنع من التقليد ~~لأن التقليد في ذاته محو لحرية الفكر والحركة. # 102 # ومع ذلك فالكسب في اللغة هو كل فعل يستجلب به نفع ~~أو يندفع به ضرر، أي إنه لفظ يصف حياة الإنسان العملية ~~فيما يتعلق بالمصالح العامة وبوسائل العيش. أما ~~الكسب الاصطلاحي فلا معنى له، ms072 ولو كان له معنى مخالف ~~للمعنى اللغوي لاصطلح عليه؛ فالكسب الأشعري ليس تصورا ~~وليس مشتقا من المعنى اللغوي بل مجرد لفظ لا يدل على ~~شيء إما لغة أو اصطلاحا. # 103 # الكسب الأشعري ~~في ذاته غير معقول وليس له أي أساس نظري؛ لذلك لا ~~يمكن حده لأن الشيء يعقل أولا ثم يحد ثانيا. ~~ولا يقال إن إنسانا بعينه لم يعقله لأنه لم يعقله أي ~~أحد على اختلاف المذاهب والفرق وطول الجد وقدم ~~العهد. ولا يقال إنه عقل ولكنه لم يعبر عنه؛ فهذه ~~وسيلة الضعيف الذي لم يعقل شيئا ويتحجج بصعوبة اللغة. ~~وما أسهل التعبير عن الفكر الواضح بلغة واضحة. إنما ~~تدل عدم القدرة على التعبير على أن الشيء المراد ~~التعبير عنه إن هو إلا مجرد عاطفة أو انفعال. # 104 # إن أقصى ما يمكن معرفته من الكسب هو أنه ~~لا يمكن معرفته إلا بالإضافة، أي بإضافة الفعل إما ~~إلى المؤله المشخص وإما إلى الإنسان، في حين أن ~~الشيء يجب أن يعرف في نفسه أولا قبل أن يعرف بالنسبة ~~إلى غيره. وهذا مستحيل بالنسبة إلى الكسب؛ لأنه غير ~~معقول في ذاته. # 105 # واعتبار القدرة مخلوقة لا يعطي أي أساس ~~عقلي؛ لأن السؤال ليس نشأة القدرة ومصدرها، فذلك سؤال ~~عام عن مصدر كل شيء بما في ذلك الإنسان، بل عن أثر ~~القدرة وفعلها. # 106 # واعتبار أصل الفعل من المؤله المشخص ~~ونوع الفعل من الإنسان؛ لا يجعل الكسب أكثر وضوحا في ~~معنى الأصل إذا كان هو القدرة فقد عاد إلى الجبر. ~~وماذا يبقى للعبد من الفعل إن لم يكن صاحب القدرة عليه؟ # 107 # ومع ذلك فقد قيلت عدة تحديدات للكسب لا تفيد شيئا، ~~يرفضها العقل والحس، وتناقضها التجربة والمشاهدة. ~~قيل مثلا في تعريف الكسب. ~~(1) ~~«ما حله مع القدرة عليه». وهو لا يفيد ~~شيئا ولا يعني شيئا. وإن عنى شيئا فإنه ~~لا بد أن يؤدي إما إلى الجبر وإما إلى ~~الحرية. فإن أدى إلى الحرية تثبت الفاعلية ~~والقدرة والتأثير والاختيار. # 108 ~~(2) ~~«ما وقع بقدرة محدثه». لأن ms073 ما وقع ~~بقدرة محدثه قد يقع إما اختيارا ~~وإما كسبا، ولا يعني وقوعه كسبا ~~بالضرورة. ولما كان الكسب مجهولا فإنه لا ~~بد وأن يقع اختيارا. وهذا التعريف يثبت ~~القدرة ولا ينفيها. فضلا عن أنه يقتضي أن ~~يكون للفاعل قدرة وتأثير. وما دام للإنسان ~~قدرة وتأثير فإنه يكون صاحب فعله. وإن كان ~~الكسب لنا ومتعلقا بغيرنا فكذلك القدرة، ~~وهذا يثبت القدرة ولا ينفيها. # 109 ~~(3) ~~«ما وقع باختيار الفاعل». وهذا إثبات ~~للفعل القصدي وللحرية لا نفيا. واقتضى أن ~~فعل الساهي لا يكون كسبا ولا يدل على ~~تدخل أية إرادة داخلية فيه لأنه فعل سقط ~~عنه الاختيار وغاب منه القصد. ويكون الفعل ~~المتولد الناتج عن الفعل الأول فعلا ~~للإنسان؛ لأنه وقع باختياره وليس بتدخل ~~قدرة خارجية سببت وقوعه أو منعت من ~~وقوعه. وهذا تعريف يوهم بأن الاختيار ~~يتعلق بالفاعل في حين أن الكسب لا يتعلق ~~بالفاعل. وكيف يتعلق بالفاعل ولا فاعل في ~~الشاهد يدل على الكسب؟ # 110 ~~(4) ~~«التفرقة بين الحركة الاختيارية والحركة ~~الاضطرارية»، وهذا ليس تعريفا بقدر ما هو ~~وصف واقعة، أي إنه يشير إلى سلوك ولا يعطي ~~معنى عقليا. والسلوك الاختياري واقع، ~~والاضطراري واقع. والسلوك الاضطراري له ~~مسبباته وهي الموانع التي تمنع الفعل من ~~أن يقع اختيارا. والموانع إما بدنية أو ~~نفسية أو اجتماعية. والتفرقة بين الحركتين ~~لا تثبت إلا في الاختيار، ولا تثبت في ~~الكسب، ولا تثبت شيئا في الكسب لأن ~~كليهما بفعل خارجي سواء في الفعل المباشر ~~أو في الفعل المتولد؛ فالتفرقة لا تثبت ~~شيئا في الكسب بل لا تثبت إلا حدوث ~~الأفعال بقدرة الإنسان. # 111 ~~(5) ~~«وقوع هذه الحركات المختلفة المتباينة ~~سواء أفعال الجوارح أم أفعال القلوب»، ولا ~~يثبت هذا التعريف أكثر من حدوث الأفعال لا ~~كسبها، وحدوث الأفعال واقع بالقصد ~~والإرادة وتباينها تباين القصد والإرادة، ~~وأجزاء الفعل لا تكتسب، فالفعل تحقيق ~~للقصد، والقصد باعث على الفعل. # 112 ~~(2-2) حجج الكسب # ويعتمد الكسب على عدة حجج كلها خاطئة. وكلها تثبت أن ~~الإنسان ليس صاحب أفعاله، وأن هناك قوة أخرى مسيطرة ms074 ~~عليها، فهي حجج تشكك في قدرات الإنسان على الفعل ~~وتجعله مجرد مستقبل لقدرة أخرى تتحكم في أفعال وهي ~~صاحبتها. مهمة هذه الحجج إثبات عجز الإنسان وزحزحته عن ~~مكانه وانتزاع مسئوليته منه؛ فهي حجج لتدمير الإنسان ~~والقضاء على أفعاله مثل: ~~(1) # الفعل اللاإرادي أو اللاقصدي. # 113 # إن وقوع الأفعال بخلاف القصد ~~ليس دليلا على تدخل إرادة خارجية، وأن ~~الإنسان ليس هو الفاعل، فكثيرا ما قصد ~~الإنسان إلى فعل شيء وحدث فعل آخر مخالف ~~لقصده. وهذه هي طبيعة الفعل الحر وليس فعل ~~الجبر أو الكسب. قد يرجع وقوع الفعل على ~~خلاف القصد إلى عدم المعرفة بالفعل ~~وغايته، فيقصد بالفعل إلى غاية أخرى كمن ~~يجهل أن الكفر قبيح وأن الإيمان حسن ويريد ~~أن يسعد بالكفر وأن يمرض بالإيمان. والفعل ~~غير المروي لا يدل على وقوع الفعل من ~~فاعله، بل على وقوع فعل غير مقصود، سواء ~~كان ذلك في الأفعال الداخلية أم الخارجية. ~~وهل الإنسان لا يفعل إلا وهو في غفلة أو ~~سهو أو عن غير قصد أو جهل وإن كان كل ذلك ~~دليلا على وجود فاعل قاصد عالم قادر ~~مخترع لها، وكأن أفعال الإنسان لا تحدث ~~إلا عن فوضى وعبثية، وأن ذلك يثبت وجود ~~فاعل متقن ومنظم وحكيم لها، وكأن إثبات ~~الله لا يتم إلا بتدمير الإنسان؟ ولما ~~كانت الغاية هي البحث في الفعل الإنساني، ~~فإن هذه الغاية يتم تدميرها منذ البداية ~~باكتشاف عناصر في الفعل الإنساني لتثبت أن ~~الإنسان ليس صاحب أفعاله، أي إن الغاية ~~الحقيقية هي الغاية العكسية. ليست الغاية ~~إثبات فعل الإنسان له، بل نزع فعل الإنسان ~~منه. ثم تتحول هذه الأفعال الاستثنائية ~~وتصبح هي القاعدة، وتصبح كل أفعال الإنسان ~~أفعالا لا قصدية، وتختفي الأفعال القصدية ~~مع أنها هي الأساس والأفعال اللاقصدية هي ~~الاستثناء؛ فالمتكلم واقف للإنسان ~~بالمرصاد، متربص به كي يعصف بإرادته ~~وقدرته وفعله الحر. وهذا الفاعل الآخر ~~الذي يعزو إليه المتكلم أفعال الإنسان ليس ~~إرادة خارجية إنسانية أخرى أو دوافع خوف ~~أو مصلحة أو رغبة أو عقبة، بل يجعله ms075 ~~المتكلم أقدر فاعل وأشمل إرادة وهي قدرة ~~الله وإرادته، فينتقل من المتناهي في ~~الصغر إلى المتناهي في الكبر، ويجعل الله ~~داخلا في كل شيء حتى لو قصد الإنسان أكل ~~خيار فأكل كوز ذرة! أو إذا قصد الإنسان ~~الذهاب إلى العمل فذهب إلى المتجر، وكأن ~~المقاصد لا تتغير ولا تتشابك، وكأن ~~الإنسان ليس مجموعة من المقاصد المتداخلة. ~~وهل تثبت إرادة الله وقدرته من الأفعال ~~اللاقصدية؟ وأيهما أكرم وأشرف، إثبات الله ~~من الطبيعي أم من الشاذ؟ من القاعدة أم من ~~الاستثناء؟ بتأكيد الإنسان أم بتدميره؟ ~~وكيف يثبت الله من الفوضى والعبث والضعف ~~والمرض ولا يثبت من الإحكام والحكمة ~~والقوة والثبات؟ أليس ذلك في نهاية الأمر ~~تبريرا للشر وإثباتا للفوضى وتأكيدا ~~على الضعف والعجز والوهن بدلا من إثبات ~~ذلك كله نقصا وعارضا طارئا؟ أليس ذلك ~~أقرب إلى التشاؤم منه إلى التفاؤل؟ أليس ~~ذلك سوداوية و«ماسوشية» تقوم على تعذيب ~~النفس وكأن إثبات الكمال لا يتم إلا بعد ~~الإقرار بالنقص، وأن إثبات البراءة لا يتم ~~إلا بعد الاتهام بالخطيئة كما هو الحال في ~~عقائد النصرانية؟ # والحقيقة أن الفعل المروي دليل على حرية ~~الإنسان لا على خلق غيره. لما كان الإنسان ~~حرا فإن حريته تتعدى حدود تخطيطه وقصده، ~~ولكن يظل الفعل غير المروي في نطاق الحرية. # 114 # وما الحكمة من تدمير القصد؟ ~~وهل تنتهي كل الأفعال القصدية إلى هراء ~~وعبث؟ وهل كان كل تخطيط إنساني مسبق مصيره ~~إلى الفشل؟ فإذا ما تم فعل قصدي يظل ~~الإصرار قائما في نظرية الكسب من أن ~~الإنسان ليس صاحبه وكأن الإنسان مهما فعل ~~فعلا قصديا أو غير قصدي ومهما أوتي من ~~جهد وبذل من مجهود فإنه لن يكون صاحب ~~فعله في نهاية الأمر؛ يقف له المتكلم ~~الأشعري بالمرصاد لينتزعه منه ويسلبه إياه ~~ويعطيه لغيره. ويكون السؤال لحساب من يعمل ~~المتكلم، لحساب الإنسان أم لحساب غيره؟ ~~وماذا سيكسب نظير هذا السلب؟ أسلطة دينية ~~ومنصبا وزاريا وترؤسا على رقاب العباد ~~ينتهي بالثورة العارمة من الجماهير عليه ~~وعلى أصحابه ورؤسائه وعلى السلطة بأكملها ms076 ~~تأكيدا لحرية الإنسان وحرية الشعب، ~~ورفعا للوصاية، وتحررا من كل صنوف القهر ~~والتبعية؟ ومع ذلك فالفعل الواقع بخلاف ~~القصد ليس هو الفعل الأمثل كالفعل المروي ~~المقصود. ولكن تعتبر نظرية الكسب أن الفعل ~~غير الفعل غير المروي فعل حقيقي لأنه ~~مخلوق من المؤله المشخص. الكسب هنا ~~هدم للعلم والعقل وللدليل وللنظر، وكأن ~~وقوع الفعل من الإنسان حسب العلم ليس ~~ضرورة عقلية بل مجرد عادة، في حين أن ~~وقوعه من المؤله المشخص بداهة لا تحتاج ~~إلى دليل. # 115 # وهناك فرق بين أفعال الشعور وأفعال ~~الجوارح، بين أفعال الأعضاء وأفعال ~~الوجود. كل منها يقع طبقا للقصد أو على ~~خلاف القصد؛ فكثيرا ما رمى الإنسان إلى ~~تذكر شيء فيتذكر شيئا آخر أو إلى تخيل ~~شيء فيتخيل شيئا آخر. وكثيرا أيضا ما ~~أراد الإنسان أن يصيب أحدا فيصيب شخصا ~~آخر، أو أن يفعل شيئا حسنا فيحدث ~~شيئا قبيحا. وكثيرا ما قصد الإنسان أن ~~يسير يمنة فيسير يسرة على غير وعي منه. بل ~~إن كثيرا من أفعال الأعضاء أفعال شرطية ~~وخالصة أو ردود فعل عكسية. وكثيرا ما ~~كانت أفعال الوجود التي تعبر عن المصير ~~قائمة على تعصب وليست على القصد ~~المطلوب. ولا يحتاج الإنسان إلى إثبات ~~فاعل آخر غيره بجدل طويل قائم على أن ~~لكل فعل محدثا بطريقة الرجوع إلى الوراء. ~~كما لا تحتاج الدواعي إلى إثبات دواعي ~~أخرى سببتها وأنشأتها حتى تصل إلى دواعي ~~بدون دواعي. هذا التفكير عن طريق الرجوع ~~إلى الوراء والانتهاء إلى نقطة بداية لا ~~بداية لها هو في الحقيقة عاطفة تأليه وليس ~~فكرا عمليا؛ لأن الدواعي تنتهي في ~~الجماعة؛ فهي مصدر بواعث الإنسان على ~~الفعل. وفي النهاية ما المطلوب إثباته؟ ~~الجبر أم حرية الإنسان؟ إن كل هذه التجارب ~~الموصوفة لا تعني بالضرورة وجود أية ~~إرادة خارجية، بل تعني أن الإنسان نسيج ~~وحده، وأنه هو حريته التي يظهر فيها القصد ~~وغير القصد، الوعي وغير الوعي. فالإنسان ~~حر أيضا في حريته، وهو إمكانية فعل تتحقق ~~بتحقق الدعوة، وفي هذا التحقق تأكيد ~~لحريته وتحرره ms077 من بقايا القهر ~~الاجتماعي. # والتفرقة في نظرية الكسب بين الفعل ~~الإرادي والفعل اللاإرادي مثل التفرقة بين ~~الكسب والاضطرار أو بين الفعل المروي وغير ~~المروي مع التركيز هذه المرة على دور ~~الإرادة وليس القصد. فالفعل الإرادي هو ~~الفعل الذي تتدخل فيه قدرة الإنسان ~~بالإتيان أو بالمنع، بالزيادة أو ~~بالنقصان، في حين أن الفعل اللاإرادي هو ~~الفعل الشرطي الذي يحدث نتيجة لبناء ~~العضو. فإذا كان الفعل الإرادي يثبت ~~للإنسان القدرة، فإن الفعل اللاإرادي لا ~~يثبت للإنسان الضعف أو تدخل أية قدرة ~~خارجية تحيل الضعف إلى قوة أو تحدث الفعل؛ ~~لأنه فعل عكسي خالص مرهون ببناء العضو. # 116 # ولماذا الالتجاء إلى فاعل ~~آخر يفعل أفعال الإنسان مطابقة لقصوده ~~ودواعيه؟ لماذا لا يكون الإنسان نفسه صاحب ~~أفعاله والقائم بها مطابقة لمقاصده ~~ودواعيه؟ إن التفسير بالإنسان كاف، ~~واللجوء إلى علة أخرى بعيدة فائض عن ~~الحاجة. بل إن هذا اللجوء ذاته نقص في ~~تصور المؤله المشخص الذي إن أراد أن ~~يخلق فعلا فإنه ما زال يحتاج إلى خلق ~~دواعي وقصود للتمويه على الإنسان بأنه ~~الفاعل أو يهدم الدواعي والقصود للتشفي من ~~الإنسان والركوب عليه. إن الفعل القصدي ~~أثمن ما لدى الإنسان من فعل، فهو الفاعل ~~المتأمل، فكيف حتى هذا الفعل يكون حادثا ~~بفاعل آخر؟ وكيف تثبت التفرقة إذن بين ~~الفعل المروي والفعل غير المروي ما دام ~~كلاهما من خلق فاعل آخر؟ # 117 # ولماذا تكون الأفعال والدواعي ~~من خلق خارجي؟ الأفعال تتحقق بالإرادة ~~وتثبت من موقف الإنسان من الجماعة. وإن ~~خلق الدواعي من الله في الإنسان يجعل ~~الفعل ضروريا ولا محالة واقع. # 118 # إن إثبات فاعل خارجي يبطل إثبات الصانع ~~القائم على الشاهد، وهو أن لكل فعل ~~فاعلا، فكيف لا يكون الإنسان فاعلا ~~لفعله وهو الشاهد؟ وكيف يمكن إثبات الغائب ~~على شاهد غير حاصل؟ # 119 # وهل المقصود من الكسب إثبات ~~وجود الله أم حرية الإنسان؟ هل الإنسان ~~مجرد سلم يستخدم لإثبات غيره ثم يرفض هذا ~~السلم بعد ذلك؟ هل هو مجرد آلة للاستخدام؟ ~~هل الإنسان وسيلة أم ms078 غاية؟ # ولا يدل نقص العلم بالفعل على أن الفعل ~~حين يحدث قد حدث من فاعل آخر غير ~~الإنسان؛ فكثيرا ما يبدأ الفعل بمعرفة ~~أولية تكتمل إبان الفعل وأثناء حدوثه. ولا ~~تتأتى المعرفة التفصيلية إلا أثناء تحقيق ~~الفعل. فلا يوجد نظر مسبق على الفعل إلا ~~الأساس العام له. ولكن ضبط النظر لا يحدث ~~إلا أثناء عملية التحقيق ذاتها. وقد ~~استعمل الجبر من قبل هذه الحجة لنفي قدرة ~~الإنسان، في حين أنها دليل على إثبات ~~القدرة التي تكشف عن النظر وهي تحقق الفعل. # 120 # وهذا العلم ليس علما آليا ~~أو طبيعيا بالتكوين المادي للأشياء، بل ~~هو العلم الإنساني المتعلق بالسلوك. ليس ~~الفعل هو التحريك العضلي أو حساب الحركات ~~وما يتخللها من سكنات؛ فهذه مجرد افتراض ~~عقلي ليس لها وجود واقعي. الفعل هو الفعل ~~الحي ومكوناته من بواعث ودوافع وموانع ~~وعقبات، الفعل في موقف. وهناك فرق بين ~~العلم الإنساني المحدد والعلم الشامل؛ ~~فالعلم الإنساني بطبيعته ناقص لأنه تابع ~~للتجارب وللمعرفة ولوسائلها، في حين لو ~~افترضنا علما شاملا موجودا في مصدر ~~معين أو كصفة للمؤله المشخص فإنه يكون ~~غير العلم الإنساني. ولا يعني عدم اكتمال ~~العلم الإنساني أنه غير علم أو أنه ناقص ~~أو أنه جهل. وكثيرا ما يحدث الفعل دون ~~علم كامل بالتفاصيل؛ حيث تترك التفاصيل ~~لسرعة البديهة أو للمواقف الفجائية أو ~~للقدرة على التكيف ساعة الفعل. بل إن ~~طبيعة العلم الإنساني أنه علم شامل، ~~والعلم الشامل هو علم بالكليات. ولو كان ~~الإنسان قادرا على العلم بالتفاصيل لكان ~~قادرا على خلق كل شيء. أما أفعال ~~النائم والساهي فهي ليست أفعالا مثالية، ~~الفعل المثالي هو الفعل المروي المقصود؛ ~~ومن ثم كانت أفعال النائم والساهي لا ~~تدل على نقص في العلم بتفاصيل الفعل لأنها ~~أساسا ليست أفعالا. والعجيب أن تقوم بعض ~~الحركات الإصلاحية على إثبات هذا الفعل ~~غير المروي الذي يحدث على غير قصد الإنسان ~~وكأن الإصلاح يحدث عفويا بدون قصد ~~الإنسان، وكأن التغيير ما هو إلا من قبيل المصادفة. # 121 # وما الحكمة في وضع ms079 المتكلم ~~الأشعري الإنسان والله عدوين يتربص كل ~~منهما بالآخر؟ أيعطي لطرف ما يسلبه عن ~~الطرف الآخر؟ أليس الأولى أن يكونا ~~متكاملين متعاونين متآزرين، والإنسان ~~خليفة الله في الأرض، والله أحن عليه من ~~حنين الأم على فلذة كبدها؟ ولماذا تحقير ~~الإنسان وتدميره وإعدامه، ونحن بشر، ونحن ~~أولى بالاحترام وبالدفاع؟ ولماذا نكون ~~خصماء لله، إما نحن وإما هو؟ إن إثبات ~~قوة أعظم وسلطان لا يقهر أعلى من ~~الإنسان وأقدر منه؛ يفسح المجال لقوى ~~الطاغوت للتدخل في إرادة الإنسان وإلغاء ~~حريته ما دام الإنسان كما يقال ليس حرا ~~مطلقا، وما دام الإنسان مجرد قزم صغير ~~في هذا العالم. يدخل كل طاغية من هذا ~~الباب، ويقع كل قهر بهذه الحجة، وتسود ~~الكآبة على البشر، ويتحولون إلى آلات ~~للتنفيذ تسمع وتطيع، ويتأصل القهر فيهم، ~~ويعيشون في العبودية إلى الأبد. ~~(2) # المضطر والمكتسب. يقوم الكسب على افتراض ~~تماثل بين الاضطرار والاكتساب، فكما أن ~~المضطر مخلوق فكذلك المكتسب. وهو تماثل ~~مفترض ليس له ما يؤيده. بل إن الاختلاف ~~بينهما أكثر وضوحا من التماثل. # 122 # وافتراض التشابه بين الاضطرار ~~والاكتساب يجعل جميع الأفعال اضطرارية أو ~~جميعها اكتسابية. التشابه توحيد يلغي ~~التفرقة والتمييز. ولما كان الاضطرار هو ~~المشبه به والاكتساب هو المشبه، كان إلغاء ~~الفرق في صالح الاضطرار، وأصبح كلاهما من ~~المؤله المشخص على مذهب الكسب. كما أن ~~افتراض التشابه بين الاضطرار والاكتساب ~~يلغي التفرقة بينهما من أن الاضطرار فعل ~~للعضو والاكتساب فعل للإرادة. لا يستطيع ~~الإنسان تغيير أفعال الاضطرار لأنها واقعة ~~ببناء العضو، ولا يستطيع أحد أن يغير من ~~بناء العضو. ويظل اكتساب فعل للعضو فعلا ~~عضويا عن طريق المران. في حين أن أفعال ~~الكسب أفعال إرادية تقوم على بذل الجهد ~~وممارسة الحرية. قد تتحول بعد ذلك إلى ~~أفعال عادية. ولكن العاديات هنا يكون ~~مرجعها إلى حرية أولية نشأت عليها. ويجوز ~~أن يحدث التماثل بين الذوات دون الصفات ~~لأن التماثل في الصفات يلغي التمييز بين ~~الأشياء. فلا فرق بين إنسان وآخر من حيث ~~هو ذات. ولكن هناك فرق بين ms080 إنسان وآخر من ~~حيث هو سلوك. والحقيقة أن الأفعال تحدث ~~بالنسبة لتصورنا ودواعينا وأحوالنا، ولا ~~يمكن تسميتها بأنها مخلوقة أو مضطرة لأنها ~~تعبير عن هذه المقاصد والدواعي والأحوال. ~~والاضطرار في الحركات الاضطرارية قائم على ~~إثبات محدث في الشاهد، أما الاضطرار في ~~الحركات الاختيارية فقائم على إثبات محدث ~~في الغائب. وهذا لا يجوز لأنه إثبات بلا ~~برهان. والاشتراك في الحدوث لا يقتضي ~~الاشتراك في الحاجة إلى محدث معين بل إلى ~~محدث ما غير معين بالدلالة، والدلالة على ~~أن الإنسان هو المحدث لا غيره. # ولماذا يكون الاضطرار من الخارج؟ قد ~~يكون الاضطرار من بناء العضو ذاته كما هو ~~في حالة العجز أو القيد. قد يكون في حالة ~~لا تسمح بالفعل من ضغط سياسي أو حياء ~~اجتماعي. وفي كل الحالات، الاضطرار فعل ~~للإنسان. بل إن السيطرة على الإرادة هي في ~~نفسها إرادة، وعدم الفعل هو نوع من الفعل. ~~قد يكون الاضطرار طبيعيا كحركات ~~الأفلاك. ولكن هذا الاضطرار أيضا داخلي ~~لأنه ناشئ عن قوانين الطبيعة التي يدركها ~~العقل من الأشياء. أما الحركات الضرورية ~~للموجودات غير الطبيعية فلا نعلم عنها ~~شيئا بل هي مجرد افتراضات ناتجة عن عواطف ~~التأليه وتشخيصها في موجود أسمى أو في ~~موجودات أخرى خاضعة له. # 123 # صحيح أن أفعال الساهي والنائم ~~أفعال اضطرارية لا إرادية، ولكن وقوعها ~~لا يتم بتدخل إرادة خارجية، بل بفعل ~~الشعور عن أفعال اللاشعور، وإن كانت تتم ~~فيه لأنها لا تتم بالإرادة الواعية. ولا ~~يعني الساهي والنائم أنهما غير قادرين ~~على الإطلاق، بل هما قادران ولكن في لحظة ~~معينة؛ لحظة غياب الشعور، لا تؤثر في ~~قدرتهما. ولا يعني عدم تأثير القدرة في ~~لحظة معينة إبطال القدرة في كل لحظة. إن ~~الدواعي المقصودة لا تكون مؤثرة بطبيعتها ~~لأن صحة المؤثر في وجود القدرة. # 124 # ولا خوف من أن يكون العالم ~~فاعلا ومن أن تكون علة الفاعلية في ~~العالم وليست خارج العالم. فالعلة ~~المباشرة مثل الإرادة الإنسانية علة في العالم. # 125 # إن افتراض إرادة وقدرة وعلة ~~خارج العالم لهو ms081 وقوع في السر والغموض ~~واللامباشرة إيهاما للعوام بالعظمة ~~والتجلي وإيقاع لها في الصغر والدونية. ~~ولماذا الاكتساب إذن؟ أليس القادر على ~~البعض قادرا عليها كلها؟ ولماذا الاختيار ~~إذن؟ وهل الفاعل اضطرارا يكون فاعلا ~~اضطرارا على الإطلاق؟ ~~(3) # اكتساب المهارات. لا يعني اكتساب ~~المهارات بالتعلم تدخل إرادة خارجية في ~~فعل الإنسان تجعله قادرا على الإتيان ~~بالفعل بدليل يدل على أن الإنسان ~~بالممارسة والتعليم يستطيع أن يكسب فعلا ~~عندما يتحول الفعل الأول إلى طبيعة ~~ثانية. يقتضي التعليم الاستعداد النفسي ~~والبدني، ولكنه استعداد موجود بالفعل ~~وليس مقذوفا به من الخارج. فإذا لم يحدث ~~التعليم واكتساب المهارة فإن ذلك لا يعني ~~نفي القدرة. القدرة موجودة ولكن التعلم هو ~~الغائب، ويمكن حدوث التعلم بالممارسة. # 126 # ولا يعني وجود شروط للفعل كي يتحقق ~~كالجارحة والحياة أن الفعل متوقف على ~~شرط وأن هذا الشرط يتحقق بتدخل إرادة ~~خارجية، أو أن الفعل يتحقق بتجاوز الإرادة ~~الخارجية للشرط، وتحقيقها للفعل دون ~~توسطها بالشرط. فهذا إنكار للفعل وللعلية ~~ومناف للعقل وللمشاهدة. العين شرط فعل ~~الإدراك، ولا إدراك دون عين. الحركة بفعل ~~القدمين ولا حركة دون متحرك. العلم فعل ~~الشعور ولا علم دونه. ليس الشرط هو ~~الجارحة فحسب، بل هو الجارحة والباعث ~~النفسي والقدرة البدنية وطواعية الواقع ~~للفعل. لا يعني عدم تحقق الفعل أن القدرة ~~حادثة وأنها غير مؤثرة، بل يعني وجود ~~موانع موضوعية بدنية، نفسية أو اجتماعية. # 127 # ولماذا يجب أن يكون الفاعل مخالفا لفعله؟ ~~الأقرب إلى العقل والبداهة والحس أن يكون ~~الفاعل من جنس فعله. يصدر الفعل الإنساني ~~عن إنسان، والحيواني عن حيوان، والجماد عن ~~جماد. أما إثبات الاختلاف بين الفاعل ~~وفعله فهو تفكير ديني إلهي مقلوب، ~~الغرض منه إثبات الاختلاف بين الفاعل ~~والفعل من أجل العثور على المؤله المشخص ~~في العالم وإعطاء كل القوة والقدرة له. ~~فهي وسيلة للحصول على الضائع أو إعطاء ~~مضمون لصورة أو البحث عن وجود لانفعال. ~~وبالحديث يقع التماثل والاختلاف. ولا يجب ~~بالضرورة إذا كان الفعل محدثا أن يكون ~~صادرا عن قديم. فقد يرجع الاختلاف إلى ms082 ~~صفة راجعة إلى الذات. # 128 ~~(4) # الترجيح. وكما لم يثبت الترجيح ~~الجبر فإنه لا يثبت الكسب. فالفعل ~~الضروري لا يمكن تركه لأنه تعبير عن طبيعة ~~وليس فعلا تجاريا. العالم بدون فعل ~~عالم خاو متقلص. الفعل ضروري للعالم ولا ~~يتأتى الترك بأي حال. ومن لا حاجة إلى ~~مرجح يجعل الفعل واقعا لا متروكا. يعبر ~~الفعل عن طبيعة الإنسان ورسالته، والإنسان ~~هو طبيعته ورسالته؛ ومن ثم كان ~~الإنسان هو الفعل. يترك الإنسان فعلا لا ~~يعبر عن طبيعته. وفي هذه الحالة يكون ~~الترك ممكنا، ولكن أيضا يكون معبرا عن ~~الفعل الحر وهو فعل الترك. # 129 # فعل الإنسان من خلق الإنسان ~~ومتحقق بقدرته ورويته وقصده لأنه لو كان ~~من فعل الآخر لكان الإنسان مجبرا على ~~فعله لو وجد، ومجبرا على الترك لو لم ~~يوجد، ويكون الإنسان كالجماد تجري عليه ~~الأفعال وهو مستقبل لها موجه لمسارها. ~~ولا توجد حرية استواء الطرفين لوجود ~~الباعث. الإنسان باعث وفاعل وقصد وهو ~~المحدث. ووقوع الحدث بالقصد ينفي وجود ~~المحدث لأن المحدث هو القائم بالحدث، ~~والمحدث هو الإنسان المشاهد. الإيجاب هنا ~~ليس إيجابا خارجيا بل هو إيجاب القصد. # 130 # وحتى إذا احتاج الفعل إلى ~~مرجح، فلماذا لا يكون المرجح من ~~الإنسان، ويكون هو الباعث الأقوى حسب ~~شمولية الفكر والقصد والغاية؟ ولماذا ~~يحتاج المرجح إلى مرجح، وهذا إلى ثالث حتى ~~تتسلسل المرجحات إلى ما لا نهاية؟ إن ~~المرجحات كلها ترجع إلى الموقف الإنساني ~~الذي هو مصدر البواعث كلها، وهو مصدر ~~مباشر لا يحتاج إلى تسلسل. ولماذا ~~الانتهاء إلى مرجح مرجوح بنفسه لا يحتاج ~~إلى مرجح آخر إذا كان الموقف الإنساني هو ~~مصدر كل البواعث؟ هنا يكون الخطأ في العقل ~~نفسه الذي تلاشى تحت عواطف التأليه، ثم ~~استخدمته في التعبير عن نفسها بالفكر ~~اللاهوتي القائم على التسلسل والرجوع إلى ~~الوراء لإثبات حلقة أخيرة ليس وراءها ~~حلقات أخرى؛ ومن ثم يقضى على الفكر ~~لحساب الانفعال وعلى تحليل الواقع رجوعا ~~إلى الوراء. # ويستعمل دليل التمانع لإثبات وحدانية ~~الله في الفعل لإثبات الكسب؛ فهو إذن فكر ms083 ~~ديني إلهي مقلوب. وإذا جاز هذا الدليل ~~بالنسبة لإثبات مؤله مشخص واحد من عواطف ~~التأليه فإنه لا يجوز بالنسبة لفعل ~~الإنسان لأن الموقف مختلف. فلماذا يوضع ~~الفعل الإنساني وفعل المؤله المشخص على ~~طرفي نقيض، إذا تحقق أحدهما لم يتحقق ~~الآخر؟ أليس الأولى بالخالق والمخلوق ~~اتفاق مرادهما كما هو أولى بالآلهة؟ وهل ~~يجوز تصوير الفعل الإنساني وفعل الآخر في ~~علاقة تحد مثل متسابقين في حلبة سباق؟ ~~وحتى على فرض صلة التعارض: لماذا لا يكون ~~الفعل الإنساني هو المتحقق لأنه هو الفعل ~~المراد والمقصود المروي، وهو الفعل الثابت ~~بالحس والمشاهدة والوجدان، في حين أن ~~الفعل الثاني مجرد افتراض فرضته عواطف ~~التعظيم والإجلال؟ وإذا لم يتحقق فعل ~~الإنسان فإنه لم يتحقق لموانع بدنية أو ~~نفسية أو اجتماعية لا لتحقق فعل الآخر. ~~وهل من عظمة المؤله المشخص أن يتحقق فعله ~~دون فعل الإنسان؟ وأي تعظيم هذا الذي يثبت ~~فيه الفيل أنه مساو للنملة وقادر على ~~الحركة مثلها؟ # وقد يستخدم الترجيح لا لإثبات الكسب بل ~~لإثبات القضاء والقدر كما هو الحال في ~~الجبر. فما دام الترجيح ضروريا لا ~~واقعا فقط يثبت القضاء والقدر. وهذا خاطئ ~~لأن الفعل يتم بقصد الإنسان، ومتى حصل ~~الفعل بقصد الإنسان فإن الإنسان يكون ~~فاعلا على الحقيقة فحسب، ويكون فعل ~~الإنسان كله له. حتى الموانع والعقبات ~~التي توجد في ميدان الفعل هي كذلك بالنسبة ~~إلى الإنسان. وكل ما قيل عن الترجيح باطل ~~لأن الإنسان بطبيعته باعث ولا تستوي هذه ~~البواعث، ولا توجد لديه حرية استواء الطرفين. # 131 ~~(5) # الخلق. يسمى الإنسان خالقا، فهو ~~صاحب الفعل الشعوري، وهو مصدر الإبداع ~~الفني. ولماذا لا يكون الإنسان خالقا وهو ~~في فعله اليومي يبدع ويخلق؟ هناك فرق بين ~~الخلق الطبيعي لجسم الشيء وبين الخلق ~~الإنساني لتكوين الشيء أو بنائه. لا يوجد ~~الإنسان شيئا من لا شيء، بل يوجد شيئا ~~من شيء آخر ، تمثالا من حجر، موسيقى من ~~صوت، أدبا من حروف، وحزبا من جماعة، ~~وهذا أيضا خلق. # 132 # والخلق لغويا لا يعني ~~بالضرورة المعنى الأول وهو ms084 الخلق من ~~عدم، بل قد يعني أيضا المعنى الثاني وهو ~~التقدير؛ ومن ثم فلا مانع من وصف ~~الإنسان بأنه خالق. يمكن إثبات الخلق، وفي ~~نفس الوقت يمكن القصد به معنيين ~~مختلفين. ويكون خطأ لو وصف الإنسان ~~خالقا بالمعنى الأول. أما إذا كان ~~الخلق يعني تطابق الفعل مع المصلحة فيكون ~~الإنسان أحيانا خالقا حتى تكون أفعاله ~~مطابقة للمصلحة. فإن حدث عدم التطابق فذاك ~~من فعل الحرية. أما المؤله المشخص فإن ~~تطابق أفعاله مع المصلحة غنى خالص أو ~~تبرير لكمال أو تعبير تطهري، وإلا فكيف ~~يمكن تفسير الشر والظلم في العالم؟ # 133 # إن كثيرا من العبارات هي ~~مجرد مدح لا تعبر إلا عن عواطف التعظيم ~~والإجلال مثل: «خالق كل شيء»، «قادر على ~~كل شيء»، «عالم بكل شيء»، «مالك لكل شيء». ~~فالأمر كله في الحقيقة في التنزيه، ولكن ~~هذه المرة مع الفعل وليس مع الذات، ~~تمثيلا لما يحدث في العالم الإنساني لو ~~كان يسمح تحليله بالتنزيه، أو نفيا لما ~~يحدث في العالم الإنساني وتجاوزا ~~للمشابهة إلى حد الإطلاق. # 134 # إن الفعل الإنساني خارج ~~مقولات الشيء والجسم والجوهر والعرض. وهو ~~ليس كالألوان والطعوم والروائح، بل هو ~~فعل إنساني خالص يهدف إلى تغيير البناء ~~الاجتماعي للواقع أو فعل فني خالص يبدع ~~الإنسان فيه ويعبر به عن وجوده في الزمان ~~والمكان لحظة تحقيق رسالته. ~~(6) # الخاطر. لا يعني وجود الخاطر في النفس ~~تدخل أية إرادة خارجية في صورة عقل أو ~~وحي أو إلهام من أجل إعطاء الإنسان إما ~~الأساس النظري للفعل أو واقعا مرويا ~~عليه. بل إن هذا الخاطر يكون نتيجة تفكير ~~إنساني سابق في الموضوع، وانشغال الذهن ~~به، وتوقد الشعور فيه. هو حصيلة كسب من ~~الإنسان. وتنشأ الخواطر في النفس ~~بطبيعتها، وتشير إلى قدرة الشعور على ~~الخلق والإبداع، وتثبت الحرية ليس فقط في ~~الأفعال الخارجية بل أيضا في أفعال الشعور. # 135 # ولكن هل يلزم خاطران حتى يصح الاختيار؟ ~~الشعور ذاته حرية، والحرية تعني إمكانية ~~الحركة. فإذا كان الخاطر يعني الباعث، ~~فالبواعث تتدافع فيتحقق الفعل طبقا ~~للدافع ms085 الأقوى. وإن كان الخاطر يعني ~~الفكر، فالأفكار تتصارع فيتحقق الفعل ~~طبقا للفكرة التي تتحول إلى باعث قوي. ~~والشعور بطبيعته يتجاذبه طرفان؛ حركة ~~وسكون، إقدام وإحجام، تقدم وتأخر، ~~يقظة وغفلة، ازدهار وتقلص، نمو ونكوص، ~~حياة وموت. وهذان الطرفان لا يعرضان إلى ~~الشعور من الخارج ليختار الإنسان عقليا ~~بينهما بعد عدد من العمليات الحسابية بأية ~~مقاييس ذاتية أو نفعية، بل حياة الشعور ~~ذاتها تسري بين هذه الأطراف، والحرية هي ~~التي تحدد المسار. ليست الحرية ملكة أو ~~قوة أو عضوا، بل هي طبيعة بممارستها ~~فرديا وجماعيا مع الذات ومن خلال ~~الجماعة. قد يحدث الخاطران؛ خاطر الإقدام ~~وخاطر الإحجام. ولكن هذين الخاطرين ينشآن ~~من الموقف الاجتماعي. فما الداعي أن ينشأ ~~خاطر الإقدام من العالم وخاطر الإحجام من ~~الخارج؟ صحيح أن الطبيعة خيرة وفاعلة ~~بطبعها، ولكن خاطر الإحجام قد ينشأ من ~~إغراء في العالم أو من تقلص في الطبيعة ~~ونقص في الازدهار. ويكون السؤال: وكيف ~~ينشأ خاطر الإحجام من الخارج والمؤله ~~المشخص خير كله؟ ولماذا يحدث خاطر الإقدام ~~من الخارج وخاطر الإحجام من العالم؟ وهنا ~~تكون الطبيعة فاسدة لأنها لا تقدم على فعل ~~بل تحجم عن كل فعل. ويبقى السؤال: كيف ~~يصدر عن المؤله المشخص، وهو خير كله، الشر ~~في العالم؟ أما إذا كان الخاطران من ~~الخارج، الإقدام والإحجام معا، فهنا لم ~~يعد يبقى شيء للإنسان، بل إن الإنسان نفسه ~~لم يعد موجودا. الخاطران من الخارج وما ~~هو إلا آلة. أما الخاطر الذي يأتي بفعل ~~خارجي حتى يعين الإنسان على الإتيان بفعل ~~تكرهه النفس وتعافه فهو إلغاء وضع خاطئ ~~بمثله. فالفعل الذي تكرهه النفس لا يمكن ~~أن يكون أمرا، فأوامر الوحي كلها طبيعية، ~~تعبر عن طبيعة الذات في حال كمالها. حتى ~~ما يظن أنه صعب على النفس الإتيان به ما ~~أسهله عليها لو توافر الباعث عليه. وعلى ~~فرض أن النفس تأتي بأفعال تعافها وتكرهها، ~~كيف يأتي العون من الخارج؟ كيف يأتي ~~المؤله المشخص ليصحح وضعا خاطئا كان من ~~السهل أولا عدم إيجاده؟ كان من الممكن ms086 ~~أن يأمر بفعل تحبه النفس وتميل إليه بدل ~~أن يأمر بفعل تعافه النفس، ثم يخلق ~~الدواعي للعون عليه! قد يحدث أن يأتي ~~الإنسان بفعل مكرها عليه، ولكن في هذه ~~الحالة لا يكون فعلا حرا، ولا يعبر عن ~~طبيعته لأنه يفعله رغما عنه بلا شوق أو ~~فرح وبلا ارتياح أو حماس. حتى لو أتى ~~الإنسان به فإنه قادر على أن يأتي بفعل ~~حر، وبإرادته المستقلة، وفي هذه الحالة ~~يصبح الإنسان نفسه موضوعا للإرادة أو ~~مقدورا للقدرة. إن جعل خاطر الإقدام من ~~النفس بطبعها يمنع كونه بفعل خارجي. ولكن ~~النفس ليست عالما قائما بذاته، بل هي ~~وجود اجتماعي، وما يجعلها تقدم أو تحجم هو ~~باعث اجتماعي. أما إذا تشخص الخاطران، ~~وأصبح ~~داعي الإحجام شرا مشخصا وداعي ~~الإقدام خيرا مشخصا؛ يصبح الإنسان ~~ألعوبة بين شخصين، كل منهما يود أن ~~تكون الغلبة له. وسواء غلب هذا أم ذاك ~~فالإنسان في كلتا الحالتين هو الخاسر لأنه ~~هو الفاقد حريته، المسلوب إرادته، يفعل ~~فيه ولا يفعل؛ لذلك قد ينكر البعض الخاطر ~~كلية. ويكون الإنكار في هذه الحالة ~~إنكارا للخاطر بفعل خارجي، ويكون الخاطر ~~حينئذ هو الباعث النفسي أو الدافع على ~~الفعل الذي ينشأ من موقف نفسي واجتماعي. # 136 # إن احتياج الفعل إلى سبب مهيج أي إلى ~~باعث لا يعني على الإطلاق حدوث هذا الباعث ~~من إرادة خارجية تتدخل في الفعل الإنساني ~~بإحداثها هذا الباعث، وما على الإنسان إلا ~~التنفيذ الآلي له. فالباعث هو الفعل نفسه ~~كفعل ضمني. وهو الفعل الشعوري أي الوجود ~~الأولي للفعل قبل أن يتحقق. والحقيقة أن ~~الباعث ينشأ في الإنسان كموجود اجتماعي. ~~الإنسان في موقف، والموقف يحتاج إلى ~~تغيير، ومن ثم ينشأ الباعث على ~~التغيير في الإنسان. الموقف الاجتماعي هو ~~مصدر الباعث. وبمجرد حدوث الباعث في ~~الشعور يتحول إلى طبيعة. الطبيعة هي ~~مجموعة البواعث، والبواعث أبنية ممكنة ~~للعالم تتحول إلى أبنية واقعية بالفعل الإنساني . # 137 # وإذا كان السبب المهيج فكرة، ~~فالفكرة من الوحي ولكنها تحولت إلى ~~طبيعة بمجرد فهم الإنسان لها وظهورها على ms087 ~~أنها بناء مثالي لموقف يريد أن ~~يتغير. ~~(7) # الابتهال والدعاء والسؤال والشكر. كل ~~ذلك ليس دليلا على وجود قدرة خارجية ~~يستدعيها الإنسان كي تتدخل في فعله وتعينه ~~على الإتيان به، بل مجرد موقف نفسي يدل ~~على انحراف في السلوك. ففي مجتمع مهزوم ~~تكثر مثل هذه الابتهالات والدعاءات لطلب ~~النصر لعجزه عن الإتيان بالنصر بالفعل. ~~وفي خضم هذه الانفعالات الحادة ينشأ ~~فعل جاد ولكنه منحرف وهو الابتهال ~~والدعاء. وفي اللحظة التي يدرك فيها ~~المهزوم خطة عمل وباعثا وغاية يبطل ~~دعاءه وابتهاله ويحقق ما يريده بفعله ~~الخاص، وهو قادر عليه. الابتهال فعل ~~الضعيف العاجز، ونشاط انفعالي حين يعجز ~~عن الفعل، وإغراق في الأدب والتصوف حين ~~يطمس العقل ويزيف الوعي. # 138 # وقد انتشرت الأدعية والتواشيح ~~والابتهالات في عصور التخلف والانحطاط مع ~~الفرق الصوفية وبعد تشخيص الوحي في محمد ~~كما تم من قبل تشخيص الوعي الخالص في ~~المؤله. وقد يحدث الابتهال أو الدعاء أو ~~السؤال في مجتمع منتصر. وفي هذه الحالة ~~يكون موجها من العامة إلى السلطة ~~المنتصرة. بدلا من أن تطلب حقها بالفعل ~~تدعو وتبتهل وتتبرك بالسلطة كما تفعل ~~بالأولياء. وكثيرا ما يتحول التضرع ~~والابتهال إلى تملق ونفاق وتقرب ~~وإذلال للنفس باسم الدعاء، # 139 # ويكون أقرب إلى الشحاذة أو ~~السؤال، الكفان إلى أعلى للاستجداء، ~~والدموع في العينين للاستعطاف، وحشرجة ~~الصوت وانسداد الأنف من البكاء، وإنما ~~البكاء للنساء! إن الدعاء في لحظات الضعف ~~والعجز وقلة الحيلة لا ينفي قدرة الإنسان، ~~بل يثبت قدرة أعظم مكمونة في الحاضر كي ~~تتفجر في المستقبل. الدعاء مقدمة الفعل ~~وإعداد له. ولا يتحقق الفعل إلا بعد أن ~~يتحول الدعاء من مجرد الأماني والأحلام ~~إلى التحقق بالفعل حسب القصود والدواعي. # 140 # إن وضع الإنسان بين الحركة والسكون، بين ~~الإقدام والإحجام، بين النشاط والخمول، ~~بين اليقظة والغفلة وضع طبيعي. وهما ~~ليستا ملكتين نفسيتين بل حالتان ~~وجوديتان تعبران عن موقف الإنسان في ~~العالم وأن وجوده فعل وإمكانية تحقيق . يجد ~~الإنسان نفسه بينهما في شد وجذب يتصارعانه ~~ويهددان وحدته فيتجه نحو أحدهما بطبيعته ~~واختياره ms088 عندما يتبع الدافع الأقوى وتمييز ~~العقل، لأنهما متماثلان ويظل واحدا. ~~ويتحدد مصير الإنسان بنوعية هذه الحركة من ~~ذاته دون تدخل أية إرادة خارجية سواء في ~~صالح السكون أو لصالح الحركة. لو تدخلت ~~لصالح الحركة للبعض ولصالح السكون للبعض ~~الآخر يكون تميزا مسبقا وجبرا على ~~الإنسان وتدخل طرف جديد في معركة غير ~~متكافئة الأطراف. وإذا تدخلت لصالح السكون ~~والإحجام ضد حركة وتقدم أحد الأطراف يكون ~~السؤال: كيف يصدر الشر عن الخير، والقبيح ~~عن الحسن خاصة إذا كان الخير والحسن ~~مظهرين للكمال المطلق، أي صفتين ~~كاملتين مطلقتين؟ كيف تتدخل الإرادة ~~الخارجية في حركة الإنسان دون أن تنكر ~~فعله واستقلاله؟ ولا يعني وجود الإنسان ~~بين واقعين: الإقدام والإحجام، الأمام ~~والخلف، التقدم والتخلف، النهوض والسقوط ~~أية ثنائية متعارضة قائمة على تطهر جانب ~~وسقوط جانب آخر، تؤدي إلى الكبت أو ~~الشذوذ أو النفاق أو التصوف كما هو الحال ~~في الثنائية الرأسية بين الأعلى والأدنى، ~~بل هي ثنائية أفقية يوجد فيها الإنسان ~~حسب قوة الباعث فيه ووعيه الفردي ~~والاجتماعي، فهو ساكن أو متحرك، خامل أو ~~يقظ، مصمت أو حي. # كما لا يدل الشكر على نفي قدرة الشاكر ~~وإثبات قدرة المشكور، بل قد يكون الشكر ~~على تهيئة الفعل وعلى اللطف وحسن ~~المعاملة. هدفه الاعتراف للآخر بفعله ~~وبإعلان أداء واجبه وبحضور المبدأ العام ~~الذي هو أساس سلوك الجميع. الشكر ليس ~~تملقا ولا مدحا فلا شكر على واجب. ولا ~~يدل على وجود يد عليا تعطي ويد دنيا تأخذ، ~~بل هو إعلان لمساواة الأطراف جميعا تحت ~~مبدأ عام هو الواجب وإمكانية تحققه بالفعل. # 141 ~~(8) # الوحي. إن القول بأن إثبات الحرية يقتضي ~~بالضرورة إثبات العقل والتمييز والحسن ~~والقبح الموضوعيين، وهذا يكون بالضرورة ~~ضد الوحي الذي يعطينا صفات الأشياء وأحكام ~~الأفعال، هو قول نصفه حق ونصفه باطل. صحيح ~~أن إثبات الحرية يقتضي بالضرورة إثبات ~~العقل والتمييز ووجود الحسن والقبح صفات ~~موضوعية في الأشياء، ولكن ذلك لا يعارض ~~الوحي لأن الوحي هو العقل والواقع، هو ~~القدرة على التمييز. وهو قيم موضوعية ~~وصفات في ms089 الأشياء. وهي حجة في نهاية الأمر ~~تخرج من موضوع خلق الأفعال إلى موضوع ~~الحسن والقبح، وتحل مسألة بالإحالة إلى ~~مسألة أخرى، وتثبت شيئا بشيء آخر يحتاج ~~إلى إثبات. فكون الوحي مصدر صفات الأشياء ~~وليس العقل موضوع آخر يحتاج إلى إثبات في ~~مسألة أخرى هي مسألة العقل والنقل أو ~~العقل والسمع أو الحسن والقبح. # 142 # حتى ولو كان إثبات الحرية ~~يتضمن إثبات العقل وأنه مصدر صفات الأشياء ~~والتمييز بين الحسن والقبح كأساس للفعل ~~الحر المختار، فما العيب في ذلك؟ هل لأن ~~العقل أساس الفعل الحر المختار يلغي هذا ~~الفعل ويثبت الجبر؟ يبدو أن إثبات الجبر ~~يتضمن بالضرورة إلغاء العقل لأن الجبر في ~~الأفعال والأسرار في الأفهام شيء واحد. ~~إن إثبات حرية الفعل للإنسان لا يعني ~~تغيير صفات الأشياء لأن الحرية قائمة على ~~وجود صفات موضوعية في الأشياء يدركها ~~العقل تجعل الفعل حسنا لصفات فيه وقبيحا ~~لصفات فيه، كما أن الفعل في ذاته حسن ~~وقبيح. إن إنكار الحرية يقتضي بالضرورة ~~إنكار الحسن والقبح كصفتين في الأفعال ~~يدركهما العقل. # 143 # لا حرية بلا عقل، ولا عقل بلا ~~حرية. وكل إثبات لأولوية النقل على العقل ~~هو قصد نحو إثبات الجبر وإلغاء الحرية، ~~وكل إثبات للجبر هو قصد نحو إلغاء العقل؛ ~~لذلك قام العدل على ركنين رئيسيين: ~~إثبات الحرية والعقل، إثبات الإنسان الحر ~~والإنسان العاقل. ~~(9) # العلم الشامل. إن العلم المطلق الشامل ~~كصفة للوعي الخالص لا يمنع الحرية ~~الإنسانية من الوقوع؛ فالعلم المطلق كصفة ~~مطلقة لموجود كامل كما ظهر في التوحيد ~~تشخيص يقوم به الإنسان في حالة الانفعال ~~الشديد الناتجة عن الكرب والإحساس بالضياع ~~والهزيمة والوقوع تحت الظلم والاضطهاد أو ~~نتيجة لشعور بالزهو والانتصار والرغبة في ~~تأكيد السلطة المطلقة على أساس من الشعور ~~بالرهبة والخوف أمام سلطان مطلق. فالذات ~~المشخص وصفاته المطلقة من فعل الشعور. # 144 # إن العلم شيء والقدرة شيء ~~آخر. يعلم الإنسان أكثر مما يستطيع أن ~~يقدر، ويقدر أحيانا أكثر مما يستطيع أن ~~يعلم. لا يوجد تطابق تام بين العلم ~~والقدرة. العلم عام والقدرة ms090 خاصة، العلم ~~شامل والقدرة فردية، العلم لا نهائي ~~والقدرة نهائية، العلم نظري والقدرة ~~عملية. لا يمكن إذن الجمع بين العلم ~~والقدرة أساسا. # 145 # وعلى فرض إعطاء التوحيد ~~وجودا ~~واقعيا في ذات بصفات كاملة لا يكون ~~العلم بما يحدث في العالم بالضرورة نفيا ~~للحرية أو تدخلا فيها من قبل هذا العلم ~~لأن العلم نظر والإرادة عمل. لا يعني كون ~~أفعال الإنسان معلومة من قبل أنها ~~بالضرورة مفروضة عليه لأنه في هذه الحالة ~~ماذا تكون صفة علم مطلق لا يقع بالفعل ~~وغير مطابق للواقع؟ وماذا يكون مصير العلم ~~إن حدث الفعل الإنساني على خلافه ما دام ~~الفعل الإنساني فعلا حرا. # 146 # وقد كانت هذه الحجة في عقيدة ~~الجبر من قبل. فإن اعتراض المجبرة: كيف ~~يمكن فعل شيء مخالف لما هو معلوم ومقدور ~~من قبل قائم على تشخيص عواطف التأليه في ~~علم مطلق حاو لكل شيء، له الأولوية على ~~القدرة الإنسانية في حين أن تحليل السلوك ~~الإنساني يؤدي إلى إثبات القدرة وإنكار أي ~~قدر مسبق إلا قوانين التاريخ التي تعرف ~~بالاستبار وبالخبرات الماضية. يحتوي الوحي ~~على هذه القوانين معطاة من قبل، وهو ~~العلم المطلق الواقع بالفعل لا المتوهم. # 147 # ولما كان الفعل الإنساني ~~واقعا وكان العلم المطلق الشامل صفة ~~مشخصة وقدرا مسبقا غير واقع؛ أدى الفعل ~~الإنساني إلى العمل ضد عواطف التأليه، ~~وأصبح إثبات أولوية العلم الشامل كصفة ~~مشخصة على الفعل الإنساني الواقع يعمل ضد ~~الغاية منه وهو إثبات عواطف التأليه وجعل ~~المؤله المشخص صفات على البدل وهو مضاد ~~للكمال. القدرة على خلاف المعلوم تجهيل ~~للعلم المطلق المشخص للمؤله ولا يمكن رفع ~~الإشكال إلا بإثبات القدرة. ولكن وجود ~~الرسالة وإبلاغ الوحي يمنعان من أن تكون ~~القدرة مجبرة من قبل وإلا ففيم كان الوحي ~~وفيم كانت الرسالة؟ # 148 ~~(10) # القدرة. واعتبار كون الإنسان قادرا ~~ولكن المؤله المشخص أقدر منه لا ينفي ~~قدرة الإنسان على الإطلاق؛ فالمؤله المشخص ~~كما ظهر في التوحيد خلق من الشعور ~~الانفعالي وإسقاط منه ورغبته في تثبيت ~~عواطف التعظيم والإجلال عن طريق ms091 التشخيص ~~والتجسيم. وهذه العواطف نفسها ناشئة عن ~~موقف نفسي واجتماعي غير سوي، موقف اضطهاد ~~أو موقف تسلط. فتصوره على أنه واقف ~~للإنسان بالمرصاد يتدخل في فعله ليس ~~تفكيرا بل عودة للانفعال لطمس الفكر. ~~وكون الإنسان قادرا وغيره أقدر لا ينفي ~~كون الإنسان قادرا. ولا يوجد أي وجوب ~~عقلي أو حسي ذهني أو واقعي، على أن وجود ~~غير قادر يمنع الإنسان من أن يكون قادرا. ~~الخلاف فقط في الدرجة وليس في النوع. ومع ~~ذلك قد يكون الإنسان بإمكانياته العقلية ~~والإبداعية أقدر من الظواهر الطبيعية؛ ~~لأنه قادر على السيطرة عليها والتحكم في ~~مسارها من خلال معرفته بقوانينها. # 149 # وهذا قياس صوري خالص وليس قياسا ~~عليه. هو قياس صوري يبدأ بافتراضات ~~واحتمالات معبرا عنها بلو كان، فالنتيجة ~~التي تنتج منها نتيجة صورية خالصة. كذلك ~~مقياس صدقها اتفاقها مع المقدمة ~~الافتراضية ودون أن تثبت شيئا في الواقع. ~~إن جعل المؤله المشخص قادرا على ما ~~يقدر عليه الإنسان يجعله أيضا مكتسبا ~~بالأفعال ما دام الإنسان مكتسبا لها. وهو ~~ما ينافي عواطف التعظيم والإجلال. وليس ~~هناك من يقدر الإنسان على فعله إلا قدرته ~~وباعثه وفكره وغايته. فتلك هي العوامل ~~التي تكون فعله. ولو كانت قدرته مستمدة ~~من غيره لما كان قادرا بذاته أو فاعلا ~~بذاته، ولما كان صاحب فعله، ولما كان ~~السؤال ذاته قد وضع. # ويكون السؤال الآن: ما الغاية من الفعل ~~الإنساني؟ إثبات قدرة الإنسان أم إثبات ~~قدرة غيره؟ وأي القدرتين في خطر إذا نيل ~~منها؟ وإذا كانت قدرة الذات المشخص شاملة ~~قادرة على كل شيء، فلم الحاجة إلى إثباتها ~~ونفي قدرة الإنسان التي لا تستطيع أن تفعل ~~أمامها شيئا أو تبقى لحظة واحدة؟ إن عدم ~~قدرة الإنسان على كل شيء لا تعني أن هناك ~~قدرة أعظم تقدر على ما لا يقدر عليه ~~الإنسان؛ فالقدرة الإنسانية لها مداها وهو ~~مدى الفعل ومدى القدرة. يقدر الإنسان على ~~تغيير بناء الواقع الاجتماعي، ففعله فعل ~~إنساني حيوي وليس فعلا طبيعيا. ولا ~~يعني عدم قدرة الإنسان على تحريك الجبال ms092 ~~أو إغراق الكون عدم قدرته على الأفعال؛ ~~لأن القدرة لها مستواها ومداها، مستواها ~~هو البناء الاجتماعي ومداها هو الأثر. لا ~~يستطيع الإنسان أن يغير من قوانين ~~الطبيعة، أن يجعل الحر باردا أو البارد ~~حارا أو المؤلم ملذا أو الملذ مؤلما ~~أو أن يسقط الحجر إلى أعلى أو أن يعيش ~~السمك خارج الماء. إن الطبيعة، سواء كانت ~~الطبيعة الخارجية أم الطبيعة الإنسانية، ~~واحدة لها بناؤها. يمكن تصور المؤله ~~قادرا على تغيير قوانين الطبيعة وقلب ~~الحجر ذهبا والعصا ثعبانا ولكن ذلك ~~تخيل وانفعال، وفكر بالتمني، إما ~~تعويضا عن عجز أمام الطبيعة أو تخويفا ~~برهبة السلطان. ومع ذلك يستطيع الإنسان من ~~خلال العلم السيطرة على مظاهر الطبيعة ~~وإخضاعها لإرادته. يمكنه حينئذ أن يطير ~~في الهواء بالآلة وأن يسير فوق الماء ~~بالآلة وأن ينزل إلى قاع المحيط بالآلة ~~أيضا طبقا لقوانين الطبيعة وليس خرقا ~~لها. يمكنه أن يهبط المطر وأن يجعل الحر ~~باردا والبارد حارا بالتبريد والتكثيف. ~~وأن يحول الحجر ذهبا بالضغط والعصا ~~ثعبانا بالكيمياء. فلا حدود لقدرة ~~الإنسان على الطبيعة. ووضع الحدود أمامه ~~إيقاف لتقدم العلم وإحباط مسبق لإرادة ~~الإنسان. أما أفعال الشعور كاللذة ~~والألم فيستطيع الإنسان أن يجعل من المؤلم ~~ملذا بفعل التضحية والشهادة، أو أن يجعل ~~من الملذ مؤلما إذا كان فيه فقدان ~~الذات وضياع الكلمة وأذى الآخرين. يمكن أن ~~يكون لقدرة الإنسان أثر غير محدود بزمانه ~~ومكانه؛ فأثر كبار الفلاسفة والعلماء ~~والفنانين والقادة غير محدود، وما زالت ~~الإنسانية تسير بفعل السابقين وتحت أثرهم. ~~هناك من البشر من أثر في تاريخ الإنسانية ~~إلى الأبد كالأنبياء. حتى على فرض أن أثر ~~القدرة الإنسانية محدود، فذلك لا يعني ~~وجود قدرة أخرى أعظم وأجل وأسمى في ~~مقدارها أن تدك الجبال وتجعل الأرض ~~محيطا والمحيط أرضا وأن تشرق الشمس من ~~المغرب وأن تغربها من المشرق؛ فذاك قلب ~~لقوانين الطبيعة الثابتة وهدم للعلم ~~وإنكار لاطراد العادات وزعزعة لثقة ~~الإنسان بالعالم وبفعله فيه، ولا يكون ~~تعبيرا إلا عن عاجز يود أن يرى الكون ~~في قبضته بالتمني أو ms093 قاهر يود السيطرة على ~~الآخرين بالإرهاب أو الخديعة. # 150 # ولا تعني عدم قدرة الإنسان على الإعادة أن ~~الإنسان غير قادر؛ فالفعل الإنساني فعل ~~موجه مقصود مسبب، له غاية ونهاية. ~~الرجوع إلى الوراء إنكار لغائية الفعل ~~ولقصد الإنسان، والغائية جوهر الحياة، ~~والقصدية أساس الفعل. والتاريخ لا يرجع ~~إلى الوراء، والتراكم الكمي يتحول إلى ~~كيف. الفعل الإنساني بطبيعته فعل لا يتكرر ~~لأنه فعل إنساني أي فعل خلاق. والخلق ~~الفني لا يتكرر؛ لأنه مرهون بلحظة الخلق. ~~الفعل الإنساني بطبيعته فعل جديد، والجدة ~~في الخلق تعبير عن الحرية في الفعل، ولو ~~كان الإنسان مجبرا لتكررت الأفعال؛ لأنها ~~تحدث بنفس القدرة المخلوقة وعلى نفس ~~المنوال. ولا توجد أية ضرورة على الإنسان ~~حين يأتي بفعله تجعله قادرا على إعادته ~~من جديد، لا ضرورة عقلية أو حسية، بل توجد ~~ضرورة توجب النقيض. المؤله المشخص ~~وحده هو القادر على الإعادة؛ لأنه افتراض ~~نظري، وفكر بالتمني، وتخيل حالة لا وجود ~~لها. أما الإنسان فإن ممارسته لفعله ~~واقعة بالفعل. ومع ذلك فبعض الأفعال يمكن ~~إعادتها بالممارسة. وتختلف درجة التكرار ~~حسب مستويات الفعل. لو كان الفعل آليا ~~أمكن إعادته كالعامل الذي يقوم بنفس الفعل ~~آلاف المرات إذ تحول الفعل لديه إلى طبيعة ~~ثانية، وإذا لم يحدث التكرار في الفعل ~~الآلي فإنه لا يدل بالضرورة على نقص في ~~القدرة، بل على نقص في التمرين والتعود ~~والممارسة أو على نقص في الآلة. أما ~~الفعل البدني فإنه ممكن تكراره. قد لا ~~يكون نفس الفعل من حيث الحركة الطبيعية ~~ولكنه يكون نفس الفعل من حيث الدلالة. ~~يمكن مثلا كتابة نفس الحروف آلاف المرات ~~والسير بين نقطتين عشرات المرات، ويكون ~~الفعل في نفس المرة هو نفس الفعل، نفس ~~الحرف أو نفس المسافة. ولكنه قد لا يكون ~~الحرف تماما هو نفس الحرف من حيث الرسم، ~~وقد لا تكون الخطوة تماما هي نفس الخطوة ~~من حيث المسافة. ولكن هذه الفروق المكانية ~~لا دلالة لها على الفعل ومصدره وهو ~~الإنسان القادر الحر. والإعادة فرع على ~~مبدأ، ومن يثبت الفعل ms094 يثبت التولد. ~~الإعادة ممكنة لأن الفعل ممكن أولا. ~~ومن قدر على الفعل الأول يقدر على الفعل ~~الثاني. وقد استعمل الفكر الديني الإلهي ~~هذا التحليل لإثبات البعث بإثبات الخلق؛ ~~فالقدرة على الخلق تتضمن القدرة على البعث ~~لأن القادر على الفعل أولا يكون أقدر ~~على إعادته ثانيا. والقول باستحالة ~~الإعادة مبني على أن العلم لا بد وأن يكون ~~علما بالتفاصيل، وهذا غير لازم؛ فالإعادة ~~ممكنة بفعل الممارسة عندما يتحول الفعل ~~الأول إلى طبيعة ثانية. كما تصح ~~الإعادة من المؤله المشخص؛ لأنه عالم بكل ~~شيء وقادر على كل شيء. # ولا يعني فرض أن قدرة الإنسان مخلوقة معه ~~فهو أيضا مخلوق؛ أن أفعال الإنسان مخلوقة ~~لأن خلق القدرة لا يستلزم بالضرورة خلق ~~الأفعال. يمكن خلق قدرة قادرة حرة في ~~الإنسان الذي هو محقق قدرته في أفعاله. ~~ولا يعني اعتبار المؤله المشخص مالكا ~~لكل شيء بما فيه الإنسان وفعله نفيا ~~لقدرة الإنسان. إن القول بأن المؤله ~~المشخص مالك لكل شيء مجرد عبارة تعبر عن ~~عواطف التعظيم والإجلال. والمعاني ~~والحقائق والوقائع لا تثبت بالعبارات والألفاظ. # 151 # ولا يعني إثبات كون الإنسان ~~قادرا أنه يسلب الآخر حريته أو يشاركه ~~فيما ليس له، بل إن القادر على أفعاله هو ~~المحقق لها. وهذا أيضا ينفي بالضرورة أن ~~يشارك آخر في أفعاله إلا من مشاركة ~~الجماعة والعمل المشترك داخل الجماعة أو الحزب. # 152 # لا يعني اختلاف الألسنة ~~والألوان وجود قدرة مشخصة خارجية جعلت ~~الألوان والألسنة متباينة على هذا النحو؛ ~~فتباين الألوان يرجع إلى درجة بعد ~~الجماعة البشرية عن الشمس، وتباين الألسنة ~~يرجع إلى اختلاف نشأة اللغة حتى لو كانت ~~لغة الوحي توفيقا. لقد حدث ذلك مرة ~~واحدة ولم يتكرر بوجود أول إنسان على ~~الأرض، وهذا الحال ليس حالنا، نحن بقية البشر. # 153 # وما المقصود في النهاية، نفي قدرة الإنسان ~~من أجل رفض مشاركة أحد مع المؤله ~~المشخص في فعله أم إثبات قدرة الإنسان ~~ورفض مشاركة أي أحد مع الإنسان في فعله؟ ~~ما المطلوب في النهاية؟ إثبات قدرة ~~الإنسان حتى لو ms095 كان ذلك بنفي قدرة الغير ~~أم قدرة غيره حتى ولو كان ذلك بنفي قدرة ~~الإنسان؟ حرية الإنسان أم حرية غيره حتى ~~ولو كان ذلك بالقضاء على حرية الإنسان؟ ~~وكيف تثبت إرادة الإنسان وقدرته وفعله ~~وحريته مع قرار مسبق بأنه لا شيء مخلوق ~~له الخيار في أمره في عالم ليس له؟ وإذا ~~كان القرار المسبق هو الحل فلماذا وضع ~~السؤال؟ ~~(2-3) القدرة والاستطاعة # تثبت نظرية الكسب القدرة بإثبات التفرقة بين الحركة ~~الاختيارية والحركة الاضطرارية. وتثبت القدرة كواقعة ~~للإنسان كما تثبتها تجربة الفعل الحر. ولكن نظرية ~~الكسب لا تجعل القدرة من نفس الفاعل، بل من مصدر ~~خارجي. وترفض إحالة التفرقة إلى ثبوت الإرادة أو ~~البواعث أو صفة في الجارحة أو بنية مخصوصة. ولكن ما ~~فائدة إثبات قدرة للإنسان ثم نفي أن الإنسان مصدرها؟ ~~إن ذلك كمن يعطي شيئا بيد ويأخذه باليد الأخرى. يثبت ~~الكسب الاستطاعة ولكنه لا يجعلها من الإنسان بل من ~~مصدر خارجي. # 154 # والقدرة في الكسب صفة متميزة عن البدن؛ لأنها من ~~خلق فاعل خارجي. ليس المزاج أو الاستعداد البدني بل ~~صفة توجد في البدن دون أن تكون هي البدن، صفة مخلوقة ~~من الخارج. والحقيقة أن القدر مجموع لاستطاعات البدنية ~~والنفسية والاجتماعية لأن الفعل مرهون بالبدن وبالباعث ~~والموقف الاجتماعي في آن واحد. # 155 # وقد يشار إلى القدرة أحيانا بلفظ آخر أخص، وهو ~~الاستطاعة، والاستطاعة مخلوقة في الإنسان من الخارج ~~مثل القدرة. الإنسان مستطيع باستطاعة هي غيره. وهذا ~~يماثل ما يقال في الفكر الديني الإلهي من إثبات ذات ~~المؤله المشخص وإثبات صفات هي غيره. وهذا غير صحيح. ~~فإذا كان العجز نقيض القدرة فكون الإنسان عاجزا مرة ~~لا يعني أنه مستطيع باستطاعة غيره بل لآفة في الجارحة ~~أو لضعف في الباعث أو لعدم وجود باعث على الإطلاق أو ~~لتقييد حركته. ولو كان ذلك كله يسمى الغير يكون ~~الغير مرتبطا بالبدن أو بالنفس أو بالذهن، وذلك ليس ~~خارجا عن الإنسان. # 156 # ولم تعرض عقيدة الجبر لموضوع الاستطاعة؛ ~~لأنها تنكر أن يكون للعبد استطاعة؛ ms096 فهو مجبور في أفعال ~~الشعور الداخلية والخارجية. # 157 # ثم تتصف القدرة أي الاستطاعة، بأهم ما يميز الكسب ~~وهو أنها لا توجد فقط من الخارج إلى الداخل، من الله ~~إلى الإنسان ولكنها توجد أيضا في لحظة الفعل وساعة ~~وقوعه لا قبله ولا بعده. ما دامت القدرة ليست من ~~الفاعل لا الإرادة ولا من البواعث ولا من العضو فليس ~~لها وجود سابق على الفعل، بل توجد في لحظة مع الفعل. # 158 # وما دامت القدرة تحصل مع الفعل فإنه لا ~~يجوز الترك؛ ومن ثم يصبح الفعل ضروري الحصول، ~~ويكون الإنسان مجبرا على الفعل؛ لذلك كانت القدرة في ~~الجبر أيضا مع الفعل، أي مقارنة القدرة لمقدورها. # 159 # الله وحده هو الذي تتقدم فيه القدرة على ~~الفعل وكأنه معتزلي! وكما لا تتقدم القدرة المقدور، ~~فكذلك لا يتقدم العجز المعجوز. العجز قائم بالعاجز ولا ~~يتقدم عليه. # 160 # والحجة في ذلك أن الاستطاعة عرض، والعرض ~~لا يبقى زمانين. العرض يجيء ويذهب، يوجد ويعدم، وهو ~~ليس كالجوهر، قائم بذاته؛ لذلك توجد القدرة ساعة ~~التكليف لا قبله. # 161 # والحقيقة أن صلة القدرة بالفعل ليست صلة ~~عرض بعرض. فالقدرة توجد الفعل أو معه عندما يعزم ~~الأمر وتجتمع الطاقة ويبدأ التنفيذ. فالصلة بين القدرة ~~والفعل صلة عضوية حركية، وليست صلة علة بمعلول. ~~وبالتالي يستحيل وجود المعلول بلا علة أو العلة بلا ~~معلول. وقد تكون الاستطاعة مع الفعل بأن يقرر الإنسان ~~بناء على حريته فعل شيء ثم تنشأ الاستطاعة من قدرة ~~الإنسان على الخلق، ومن حدوث ما لا يمكن التنبؤ به، ~~وهو دليل آخر على الحرية. الأول هو القرار حتى على ~~ضعف الإمكانيات والثاني حدوث استطاعة غير متوقعة ~~أثناء إتيان الفعل. فحدوث الاستطاعة مع الفعل قد يكون ~~من فعل الحرية. وحدوث قدرة غير متوقعة وقوة غير ~~محسوبة تقوي العمل وتعمل على تحقيقه على أكمل وجه. # 162 # ولماذا تكون الاستطاعة في اللحظة؟ لماذا ~~لا تكون في الزمان؟ لماذا تكون في الحال ولا تكون في ~~الديمومة؟ لماذا لا يكون القادر على شيء في لحظة ms097 ~~قادرا عليه في كل لحظة؟ # قد يكون الفعل اللحظي ليس أدل الأفعال على ممارسة ~~الإنسان حريته. الفعل اللحظي قد لا يتكرر وهو الفعل ~~الذي يحدث في ظروف قد تكون عفوية. الفعل الحر هو الفعل ~~الدائم الذي يحدث نتيجة لتدبر ووعي وقدرة على ~~الاستمرار في كل لحظة، لا تنتهي قدرته ولا يتوقف ~~باعثه، ولا تغيب غايته. # وهناك عدة حجج أخرى تفصيلية تقدمها الأشاعرة لإثبات ~~وجود الاستطاعة مع الفعل. وهي كلها حجج خاطئة، إما ~~من حيث الصورة أي الجدل أو من حيث المضمون أي المعنى ~~أو الشيء. فكثيرا ما تكون الحجة المقدمة لإثبات أن ~~الاستطاعة مع الفعل هي نفسها المطلوب إثباته، ويكون ~~الفكر كله مصادرة على المطلوب؛ مما يدل على أن الفكر ~~هنا مجرد انفعال يريد إثبات ذاته سواء كمقدمة أو ~~كنتيجة أو أنها محاولة فقط لتفنيد الموقف المعارض، ~~الاستطاعة قبل الفعل، وهو المعروف باسم برهان الخلف. # 163 # وقد يقال إن امتناع وجود الاستطاعة قبل الفعل هو ~~أنها لو كانت كذلك لزاحمت قدرة المؤله المشخص ~~الموجودة قبل الفعل. ولما كانت قدرة الإنسان أقل ~~إجلالا وعظمة، فمقدارها ألا توجد إلا في لحظة إتيان ~~الفعل عندما تسمح لها القدرة الأعظم بذلك وتفسح المجال ~~لها. والحقيقة أن هذا التفكير انفعالي خالص يريد ~~إثبات أولوية قدرة المؤله المشخص على قدرة الإنسان ~~وقدمها وتقدمها عليها. وكيف تكون هناك قدرتان ~~قديمتان موجودتان ومتساويتان؟ ولما كانت الكفتان غير ~~متساويتين بين القدرة الإلهية والقدرة الإنسانية، ~~والإنسان لا يقوى على الوقوف أمام الله، إقلالا ~~للذات، وإكبارا للغير لم يكن له استطاعة سابقة على ~~الفعل. والسؤال هو: هل فعل الإنسان مشروط بالقدرة ~~الإلهية أم القدرة الإلهية ذريعة للسيطرة عليه من ~~السلطة السياسية المدنية أو الدينية؟ والحقيقة أن تقدم ~~القدرة الإنسانية لا يعني بالضرورة نفيا لقدرة ~~الإلهية، بل يعني فقط تقدم القدرة الإنسانية ووجوها ~~كإمكانية تتحقق ساعة القرار بإتيان الفعل. # 164 # ولا يقال إن القدرة عون على الفعل، وبالتالي فهي ~~مقارنة؛ لأن القدرة ليست عونا، بل هي تمكين وإرادة. ~~ينشأ العون من تحقق ms098 شروط الفعل كالصحة البدنية وصدق ~~الباعث وكمال الغاية وعدم الموانع البدنية أو النفسية ~~أو الاجتماعية. وكيف يتأتى الفعل وقدرته مقارنة له ~~وليست سابقة عليه، وحساب القدرات السابق على تحقيق ~~الفعل شرط لإتمامه وقرار تحقيقه؟ وقد تكون القدرة ~~المقارنة عمياء إن نشأت وقت الفعل، أكبر من الفعل ~~فتتجاوزه أو أقل منه فلا يتحقق الفعل. # 165 # إن إثبات الاستطاعة مع الفعل بحجة أن العلة لا تكون ~~إلا مع معلولها لا قبلها غير صحيح؛ لأن العلة تكون ~~موجودة قبل معلولها. والإنسان هو الذي يسبب فقط اتصال ~~العلة بالمعلول. العلة باقية قبل المعلول، كما أن ~~الاستطاعة باقية قبل الفعل. ولا يعني ذلك تقدمها ~~المطلق وبقاءها الأبدي بل هو بقاء مشروط بحياة الإنسان ~~وبقدرته على الفعل، قدرته البدنية والنفسية والذهنية ~~وحضور الباعث ووضوح الفكر والغاية وإمكانية العمل الحركي. # 166 # فإن قيل: لما كانت الدلالة مقارنة ~~للمدلول، وصحة الفعل دلالة على القدرة كانت القدرة ~~مقارنة للمقدور، يكون المثل هنا مختلفا في حالة ~~الكسب؛ فليست كل دلالة مقارنة للمدلول بل قد تكون ~~متقدمة عليه، فدلالة الغمام سابقة على وجود المطر. # 167 # أما القول بأن القدرة قدرة على شيء، ومن ثم ~~لزم كونها مع الفعل لا سابقة عليه فإنه يكون إنكارا ~~للتفرقة بين الممكن والواقع، بين القوة والفعل. صحيح ~~أن القدرة قدرة كل شيء ولكن قد تكون هذه القدرة ممكنة ~~وليست قائمة بالفعل؛ فالقادر على الحركة قادر عليها ~~وإن لم يتحرك، والقادر على الكلام قادر عليه دون أن ~~يتكلم. ولا يتم الفعل فجأة بناء على قدرة مخلوقة ~~فجأة وإلا كان الإنسان يسير في هذا العالم نطاطا! ~~وكيف يمكن تصور الفعل الإنساني معدوما إلا إذا حلت ~~فيه القدرة فتجعله موجودا وكأن الإنسان قطعة من جماد ~~لا تدب الحياة فيه إلا إذا لاحقته القدرة على دفعات ~~كطلقات رصاص! # 168 # وهناك فرق بين القدرة والباعث؛ فالقدرة ~~سابقة على الفعل ولكن الباعث أو السبب هو الذي يجعل ~~الفعل يتحقق في هذه اللحظة أو في تلك. كما أن الغاية ~~باقية بعد الفعل، يصب ms099 فيها الفعل بعد أن يتحقق. # 169 # والقول بأن الفعل يحتاج عند الصحة إلى أمر يحتاج ~~بدوره عند الوقوع إلى أمر متجدد؛ وبالتالي يحتاج ~~الفعل إلى قدرة متجددة كما هو الحال في الكسب غير ~~صحيح، لا في حالة المشبه به ولا في حالة المشبه؛ فطلب ~~تكرار الأمر عند كل فعل مستحيل عملا وغير وارد نظرا. ~~يصدر الأمر مرة واحدة. وما لم يأت أمر آخر بإلغائه ~~أو بأمر آخر بديل لظل الأمر الأول سائر المفعول ~~كما هو الحال في الواجبات الشعرية وفي التكليف بوجه ~~عام. وهل يحتاج كل فعل إنساني لكل فرد من أفراد البشر ~~إلى أمر متكرر يصدر لكل فعل ولكل فرد، وكأن العالم هو ~~مجموعة من الأفراد وسلسلة من الأفعال لا رابط بينها، ~~وكأن الاستغراق والكليات لا وجود لها في الحياة ~~الإنسانية. وبالرغم من أن التمثيل واقع في الحياة ~~الإنسانية بدليل اعتماد الحجة عليه إلا أنه يخطئ في ~~الجمع بين أمرين. فالصحة والأمر لا جامع بينهما. وحتى ~~لو صح التمثيل فالمؤله المشخص، وهو الكامل، لا يحتاج ~~إلى إصدار أمر متكرر، فعلمه علم كلي كما يقتضيه كمال ~~العلم بالنسبة للعلم الإنساني الجزئي. ولو احتاج إلى ~~تكرار الأمر لوجب قدم الإرادة ومن ثم قدم ~~العالم. وكيف تتعلق الإرادة بالنواهي في حين أن ~~الإرادة لا تتعلق بنفي؟ هذا يدل على أن الأمر الأول ~~لا يحتاج إلى أمر زائد متجدد. # 170 # ولا تؤدي بالضرورة التفرقة بين الحركة الاضطرارية ~~والحركة الاختيارية إلى أن القدرة قد تفارق الأولى ~~بينما فارقت الثانية. لا تثبت هذه التفرقة مقارنة ~~القدرة وقت إثباتها وتقدمها. وليس إثبات المقارنة ~~بأولى من إثبات المفارقة؛ فكلاهما واقع، وليس لأحدهما ~~حجة زائدة على الآخر. والقول بأنه يستحيل وقوع الفعل ~~عند عدم القدرة؛ وبالتالي يجب الفعل عند وجودهما، ~~فالاستحالة والوجوب طرفا نقيض لا يمكن الجمع بينهما هو ~~خلط بين الصحة والوجوب. فنقيض الاستحالة هو الصحة لا ~~الوجوب. إذا كان الإنسان قادرا على فعل يصح منه ~~الفعل ولا يوجب بتدخل قدرة خارجية مقارنة للفعل. # 171 # أما القول ms100 بأنه لو استحال الفعل بالقدرة ~~في الحال، فإن هذه الاستحالة لا ترجع إلى القدرة لأنها ~~موجودة، ولا إلى المقدور لأنه مقدور، بل لاستحالة ~~المقارنة؛ مما يثبت عدم الارتباط الضروري بين القدرة ~~والمقدور؛ وبالتالي تنتفي القدرة قبل الفعل، وتحل ~~فيه وقت وقوعه. هذا القول يتحدث عن استحالة افتراضية ~~وليس استحالة واقعة بالفعل. فما دامت القدرة موجودة، ~~وما دام المقدور داخل حدود الطاقة، وامتنعت الموانع ~~فلا استحالة هناك، ولا حاجة إلى قدرة مقارنة تجعل ~~الفعل واقعا. وإن استحالة الفعل فإما لأنه لا قدرة ~~هناك، أو لعدم وجود باعث أو غاية، أو لوجود مانع بدني ~~أو نفسي أو اجتماعي. ولا تعني الاستحالة في الحال ~~الاستحالة في كل حال؛ بدليل الفعل المتولد. هناك ~~أحكام عقلية عديدة في الاستحالة قد لا تطابق ~~استحالة فعلية؛ فاستحالة المؤله المشخص على فعل ما ~~لم تزل استحالة تنال من الإطلاق وإن كانت حكما. ومع ~~ذلك فلا شيء يحدث بلا سبب. وإن استحال الفعل فهناك سبب ~~للاستحالة وإن لم يكن بالضرورة حكما عقليا؛ ~~فالأحكام العقلية هي نفسها علل واقعية. # 172 # والقول بأنه لو جاز الفعل بالقدرة المتقدمة لجاز ~~بالقدرة المعدومة، بل ويجوز في حالة العجز قول مستحيل ~~وافتراض نظري صوري صرف؛ لأن الفعل لا يجوز بقدرة ~~معدومة، خاصة إذا كان الفعل الأول. أما الفعل ~~المتولد، فإنه يجوز بقدرة معدومة؛ لأن القدرة في هذه ~~الحالة وإن عدمت من ناحية البدن والمباشرة، فإنها تظل ~~باقية من حيث المعنى والأثر، والقدرة هي الأثر. # 173 # فإن قيل: لو جاز أن تكون القدرة متقدمة لمقدورها في ~~وقت لجاز أن تكون متقدمة في أوقات كثيرة، وهذا يقتضي ~~التكليف والاحترام وعدم استحقاق المدح والذم قيل إن ~~التقدم بأوقات كثيرة مشروط بحياة الإنسان. فالقادر ~~على الفكر لا تتقدم قدرته حتى ترجع إلى عهد الصبا، ~~والقادر على الحركة لا تتقدم قدرته حتى ترجع إلى ~~المهد. إن القادر على الفعل تتقدم قدرته في الحقيقة في ~~دور حياته المحقق لهذا الفعل؛ فالتكليف مشروط ~~بالحياة، واستحقاق الذم والمدح مشروط بتحقيق الأفعال ~~المشروطة ms101 بالإنسان الحي. # 174 # يكفي تقدم القدرة المعينة على الفعل الخاص ~~في موقف معين وليس افتراض أمور نظرية لا وجود لها ~~إلا افتراضا وكأن الفكر الديني مهمته تبخير الوقائع ~~والقضاء على الأفعال لحساب القدم المطلق والبقاء ~~المطلق والتسلسل إلى ما لا نهاية من البداية أو من ~~النهاية. # إن احتياج الفعل إلى القدرة ليس كاحتياجه إلى الآلة ~~حيث تجب فيها المقارنة؛ لأن الآلات تنقسم إلى متقدمة ~~ومقارنة. وليس تمثيل القدرة بالآلة المقارنة أولى من ~~تمثيلها بالآلة المتقدمة. # 175 # كما أن القول بتقدم القدرة لمقدورها ~~يوجب انقطاع الرغبات عن المؤله المشخص، وذلك بخلاف ~~رغبات المسلمين التي لا تنقطع بل تكون ممتدة. حتى ~~المؤله المشخص خلط بين العلة الفاعلة والعلة الغائية. ~~القدرة علة فاعلة. صحيح أن الفعل يتحقق بمجموع علل ~~فاعلة وغائية، ولكن القول بتقدم العلة الفاعلة لا يعني ~~بالضرورة انقطاع العلة الغائية، بل إن العلة الغائية ~~هي المحرك للعلة الفاعلة؛ لما كان الإنسان مجموعة من ~~الغايات تنظمها غاية واحدة. يحدث كل ذلك في حياة ~~الإنسان، وبدون حياة الإنسان لا يكون هناك فعل أو ~~غاية. وإن تخيل حياة مطلقة تمتد فيها الغايات إلى ما ~~لا نهاية مجرد فكر بالتمني، تضحية بالواقع في سبيل ~~الممكن، وقضاء على النسبي في سبيل المطلق. # 176 # وإن قيل: لو كانت القدرة صالحة للضدين لما كان ~~أحدهما بالوقوع أولى من صاحبه إلا بأمر مخصص؛ ~~وبالتالي خلق القدرة للإتيان بأحد الضدين دون الآخر ~~كما هو الحال في الكسب هو هذا الأمر المخصص، فإن ذلك ~~القول لا يعني بالضرورة خلق قدرة مقارنة تجعل أحد ~~الضدين واقعا دون الآخر، بل يعني وجود أمر مخصص ~~وهو الباعث على تحقيق أحد الفعلين. والباعث موجود دون ~~حاجة إلى أمر زائد. تحدث القدرة من الباعث ولا تحتاج ~~إلى شيء آخر توجد به؛ لأنها لا تحدث على سبيل الإيجاد ~~بل على سبيل التأثير. # 177 # ولا يقال إن المتعلقات بالأغيار مشتركة ~~في أنها لا تتعلق بالضدين، ولما كانت القدرة متعلقة ~~بالأغيار، فإنها لا تتعلق بالضدين وبالتالي تكون ~~مقارنة للمقدور ms102 كما هو الحال في نظرية الكسب؛ وذلك لأن ~~تعلق القدرة بالضدين جائز، ولكن وقوع أحد الضدين دون ~~الآخر لا يتعلق بالقدرة وحدها السابقة على الفعل بل ~~أيضا بالباعث المصاحب للفعل، وبالغاية التي يهدف ~~إليها الفعل. # 178 # إن الأفعال المتماثلة والمختلفة والمتضادة، كل ~~منها محتاج في نظرية الكسب إلى قدرة خاصة، فالقدرة ~~الواحدة في الكسب لا تكون على إرادتين أو حركتين أو ~~مثلين؛ لأن كل قدرة مصاحبة لفعل، وكل فعل يحدث بقدرة. ~~وما دام الإنسان قدر على الفعل مرة فإنه لا يقدر على ~~فعل آخر مشابها له ومساويا إياه إلا بقدرة أخرى. ~~وهكذا يحتاج الإنسان في كل مرة يفعل فيها فعلا إلى ~~قدرة جديدة. لا توجد الحركتان في لحظة واحدة لأنهما ~~تكونان إما حركة واحدة أو حركتين متضادتين، فإن ~~كانتا حركة واحدة امتنع التماثل، وإن كانتا متضادتين ~~وقعت إحداهما دون الأخرى لأن القدرة لا تتعلق ~~بالضدين ولا تقعان واحدة تلو الأخرى لأن القدرة لا ~~تبقى في الزمان ولا توجد إلا في اللحظة. تقع حركة ~~واحدة بقدرة واحدة في لحظة واحدة. وتحتاج الحركة ~~الثانية إلى قدرة ثانية في لحظة ثانية. والحقيقة أن ~~هذا التصور كله للتماثل والاختلاف والتضاد في الأفعال ~~على ما تعرضه نظرية الكسب ينافي الحس والمشاهدة ~~والعادة ويضاد التعلم والممارسة التي يتحول فيها ~~الفعل بالتكرار إلى طبيعة ثانية. صحيح أن الجدة في ~~الفعل أكثر إشراقا وحيوية من الفعل المتكرر ولكن ~~هذه الجدة مرتبطة بتجدد الباعث نفسه وحضور الغاية ~~ماثلة باستمرار والشوق إلى الفعل الذي يحقق رسالة ~~الإنسان وغايته. # 179 # وكما لا تقع المتماثلات في الكسب بقدرة واحدة، ~~فالأولى ألا تقع المختلفات وإلا لاستطاع الإنسان ~~بقدرة واحدة أن يفعل كل شيء. وهذا افتراض محض لأن ~~قدرة واحدة لها مداها، وكل فعل يحتاج إلى قدرة ~~مساوية له حتى يتم الفعل. فلا يمكن رفع حجر بأصبع ~~واحد ولكن يمكن رفعه باليد. # 180 # وكما أن القدرة الواحدة في الكسب لا تقدر على ~~المتماثلات والمختلفات، فإنه أولى بها ألا تقدر على ~~المتضادات؛ فالقدرة على شيء ms103 ليست قدرة على ضده؛ لأن كل ~~قدرة تحتاج إلى قدرة خاصة في وقت الفعل، ولأن القدرة ~~قدرة بشيء ولا بد من تعلقها بمقدور، والمقدور لا ~~يكون مقدورين وإلا كانت هناك قدرة بلا مقدور أو فاعل ~~بلا فعل وهو محال. وإذا كانت القدرة مقارنة للفعل ~~فالمقارنة لا تكون للضدين وإلا لاستحال الفعل، ومن ~~ثم كانت المقارنة لأحد الضدين فحسب. والخطأ هنا ~~عدم التفرقة بين الممكن والفعل؛ فهناك قدرة ممكنة وإن ~~لم تكن متعلقة بفعل، فإذا تحققت القدرة تعلقت بفعل. ~~وعندما يتحقق أحد الضدين فمعنى ذلك أنه تحقق طبقا ~~للباعث الأقوى. وتتحدد قوة الباعث بالفكر والغاية ~~ودرجة التمثل له. أما أفعال النائم والساهي فإنها ~~ليست أفعالا لأنه ينقصها الروية والتدبر والقصد ~~والغاية. وإذا وقع فعل الإرادة دون الكراهية أو فعل ~~الكراهية دون الإرادة، فلاختلاف الباعث والغاية والفكر ~~أي لاختلاف الأساس النظري للفعل أو إن شئنا لاختلاف ~~القيمة. لا تعني القدرة على الضدين القدرة على ~~متناقضين طبيعيين كالسواد والبياض بل القدرة على ~~فعلين مختلفين في القيمة من حيث الشرف كالظلم ~~والعدل، أو القهر والتحرر. وهذا هو مناط الحرية، ~~التحرك بين سلم القيم واتباع أعلاها أي أوسعها مدى ~~وأكثرها تحقيقا لكمال الطبيعة. وإذا كانت القدرة ~~بالضرورة متعلقة بأحد الضدين استحالت الحرية. # 181 # لذلك في الجبر أيضا القدرة غير صالحة ~~للضدين لمقارنة القدرة بأحدهما ضرورة ووجوبا. ولا ~~ينفع تجويز البدل في الأفعال لإثبات قدرة الإنسان؛ لأن ~~البدل لا يجوز في الماضي الذي تم، بل في الحاضر ~~المستدرك أو في المستقبل المنتظر الذي لم يتم. وما ~~فائدة حرية في الماضي الذي وقع؟ ولماذا يكون أحدهما ~~أولى بالوقوع من الآخر؟ وما المخصص؟ أليس ذلك كله ~~تكليفا بما لا يطاق؟ # 182 # ولا تفيد التفرقة بين نوعين من القدرة البدنية مثل ~~الصحة وسلامة الحواس والأعضاء وبين ارتفاع الموانع ~~النفسية، وهي مجموعة البواعث والأفكار والغايات، فتكون ~~الأولى قادرة على الضدين في حين تقدر الثانية على ~~فعل واحد فقط لإثبات الكسب. وذلك لأن تحريك اليد أو ~~تسكينها ليس فعلا كاملا، بل ms104 هو فعل بدني خالص ~~وليس له أية دلالة على السلوك الإنساني، في حين أن ~~الفعل القائم على البواعث والغايات هو الفعل الإنساني ~~الذي يعبر عن طبيعة الإنسان ووجوده . الفعل الحقيقي هو ~~فعل الباعث والغاية، وهو ما زال في هذه التفرقة لا ~~يقدر على فعل الضدين لمقارنة قدرته لأحد الفعلين. # 183 # ولا يمكن إثبات أن القدرة لا تقدر على ~~الضدين مع الإبقاء على القدرة الممكنة قبل تحقق الفعل ~~ودون حاجة إلى خلق قدرة جديدة للإتيان به؛ فطبيعة ~~الإنسان واحدة، والقادر على تحرير الشعب لا يقدر على ~~استعباده، والقادر على العلم لا يقدر على الجهل. ~~الطبيعة موجهة للفعل كما أن الفكر موجه للسلوك، ~~وكما أن الطبيعة لا تتغير فكذلك المبادئ لا تتغير، ~~وكما أن الغاية باعث على الفعل، والغاية واحدة ماثلة ~~حاضرة لا تغيب؛ فالفعل كذلك واحد. لا تصبح القدرة ~~قادرة على الضدين إلا إذا تغيرت البواعث والمقاصد ~~والأهداف. يستطيع الإنسان بقدرته أن يفعل الشيء ونقيضه ~~باستثناء البواعث والغايات؛ فالقادر على الحركة قادر ~~على السكون، والقادر على الكلام قادر على الصمت، ولكن ~~القدرة البدنية ليست إلا إحدى مكونات الفعل، ~~بالإضافة إلى الباعث والغاية. بل إن عدم وجود الباعث ~~والغاية يصيب الإنسان أحيانا بالعجز عن الحركة؛ ~~وبالتالي بتراخي القدرة البدنية؛ فالأفعال تتخلق ~~بالبواعث والغايات. لو خلقت القدرة في لحظة الفعل كما ~~هو الحال في الكسب بصرف النظر عن البواعث والغايات ~~لحدث فعلان متضادان في وقت واحد. وإذا قيل إن الفعل ~~لا يصلح إلا لذاته دون ضده رجع الكسب إلى الجبر، وأصبح ~~الإنسان يخلق قدرة خارجية فيه غير قادر إلا على هذا ~~الفعل دون غيره. # 184 # وفي الكسب أيضا القدرة على الفعل ليست ~~قدرة على الترك؛ لأن الفعل يحدث بقدرة خارجية تجعل ~~الفعل واقعا ومهيئا. ولا يجوز بعد ذلك ألا يحدث ~~الفعل. وهو نوع من الجبر لأن الفعل الحسن هو الفعل ~~الذي يقدر الإنسان فيه على الفعل والترك على السواء مع ~~اعتبار الطبيعة وأنها موجهة برسالتها، وهذه هي ~~الحرية الباطنية. # 185 # ولما كانت القدرة، ms105 في نظرية الكسب، مخلوقة في ~~الإنسان من الخارج، فإن الفعل الإنساني لم يعد داخلا ~~في نطاق القدرة الطبيعية، ومن ثم يجوز أن يأتي ~~الإنسان بفعل أكثر من طاقته الطبيعية ما دامت القدرة ~~اللازمة لذلك قد خلقت فيه. يجوز إذن التكليف بما لا ~~يطاق، وأن تكون الاستطاعة أقل من التكليف. وهذا هدم ~~لأساس التكليف وتقويض لأساس التشريع وقضاء على أساس ~~الاستحقاق بالمدح والذم؛ فقد قام التكليف على أنه لا ~~تكليف بما لا يطاق. وكل ما يتجاوز حدود الطاقة ~~الإنسانية لا يدخل ضمن الفعل الإنساني. وتكليف ما لا ~~يطاق بدنيا مستحيل. كيف يستطيع الإنسان تحريك جبل ~~بأصبعه أو إمساك القمر بقبضته؟ التكليف بما لا يطاق ~~لا يجعل هذا العالم أفضل العوالم الممكنة. # 186 # أما أفعال الشعور مثل الإيمان والعلم ~~والاعتقاد، فإنها أيضا لا تحدث إلا داخل حدود الطاقة ~~والاستعداد؛ فالقادر على علم شيء لا يقدر على علم كل ~~شيء، ولا يوجد علم مسبق بما سيحدث في المستقبل إلا ~~بطريق التنبؤ، وهو احتمال خالص؛ ومن ثم التكليف ~~بالرسالة واقع على البشر سواء فهم من حققها أو لم ~~يحققها. صحيح أن الإنسان في موقف، والموقف يعطيه ~~البواعث ولكن ذلك لا يعني أن الموقف والبواعث معا ~~أكبر من طاقة الإنسان وأنها ضد التكليف بالضرورة. ~~ويمكن للإنسان بحريته تحويل الموقف لصالحه. # 187 # وماذا يحدث لو خلقت القدرة على فعل شيء ~~ليس الإنسان مستعدا له أو قادرا عليه؟ لو حدث ذلك ~~لفعل الإنسان ضد طبيعته وضد قدرته؛ وبالتالي تضيع ~~حريته الذاتية وتصبح أفعاله مملاة عليه من الخارج وفوق ~~حدود الطاقة. # 188 # وإذا جاز لأفراد قلائل لحماسهم للرسالة ~~ولشدة الباعث على الفعل القيام بأعمال تكون في حكم ~~العادة خارقة للعادة، كما يحدث ذلك من عباقرة التاريخ ~~وأبطال الشعوب فإن هذه الأفعال تدخل في حدود الطاقة، ~~ولكنها الطاقة الفردية والجماعية المتميزة، وهي ما ~~تسمى بلغة التشبيه إتيان المعجزات أو القيام ~~بالمستحيلات. ولكن في نظرية الكسب ما دام المؤله ~~المشخص هو الفاعل فلم لا يجوز التكليف بما لا يطاق؟ ~~الله ms106 هو الفاعل وهو المكلف وما الإنسان إلا قناع ~~وحاشية. # إن شرط حرية الأفعال أن تكون الاستطاعة قبل الفعل ~~وليس معه؛ لأن الفعل في حاجة إلى تخطيط وتدبر مسبق. ~~ليست كل الأفعال بنت التو واللحظة . # 189 # لذلك قد يثبت الكسب نوعا ما من الاستطاعة ~~قبل الفعل وهي الاستطاعة البدنية فحسب، سلامة الحواس ~~والصحة واعتدال المزاج وارتفاع الموانع. أما ~~الاستطاعة النفسية فإنها تظل مع الفعل وليدة اللحظة. # 190 # وباجتماع القدرتين البدنية والنفسية ~~(الداعية الجازمة) يحدث الفعل. فإن قيل: إن من ~~الاستطاعة ما هو قبل الفعل وما هو في حال الفعل وما هو ~~بعد الفعل، فإن أقصى ما يستطيعه الكسب من إثبات ~~استطاعة قبل الفعل هي الاستطاعة البدنية فحسب دون ~~سواها. الاستطاعة عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به ~~الأفعال الاختيارية، وهي علة الفعل عند المعتزلة. وعند ~~الجمهور شرط أداء الفعل لا علة له، صفة يخلقها الله ~~عند قصد اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات. وحتى ~~في هذه الحالة الضيقة التي لا تتعدى فيها الاستطاعة ~~القدرة البدنية الحالة في البدن قبل إتيان الفعل يكون ~~الكسب قد انتهى إلى أن خلق الله للقدرة على الفعل ~~مشروط بسلامة البدن، وبالتالي النيل من قدرة الله ~~المطلقة. وهنا يبرز سؤال: ألا يقدر الله على خلق ~~القدرة في العاجز والمشلول والمبتور والقعيد؟ هل يجوز ~~إذن تكليف العاجز؟ وهل يؤدي هذا الدفاع النسبي عن ~~الفعل بإثبات مجرد الاستطاعة البدنية السابقة على ~~الفعل إلى النيل من التوحيد بالضرورة؟ # 191 ~~(2-4) نقد الكسب # بالإضافة إلى تفنيد حجج الكسب السابقة، فإنه يقع في ~~عدة أخطاء، سواء في التوحيد أو في العدل، تنال من حق ~~الله في التنزيه وحق الإنسان في الحرية منها. ~~(1) # المشاركة أصلا مستحيلة، مشاركة الله ~~للإنسان في الفعل، ومشاركة الإنسان لله في ~~الفعل لأنه ضد التوحيد، فإذا كان الكسب ~~يرفض الحرية لأنها مشاركة من الإنسان في ~~فعل المشخص المؤله فإن الأولى بالحرية أن ~~ترفض الكسب لأنه مشاركة من المشخص المؤله ~~في فعل الإنسان. المشاركة شرك، ويكون ~~حينئذ الجبر أولى بالتوحيد ms107 لأنه يوجد في ~~الأفعال، يجعلها كلها مخلوقة من الله دون ~~أن يكون للعبد فيها شيء. # 192 # والشركة في الكسب تتعدى أن ~~يكون الإنسان مشاركا في الفعل إلى أن ~~يكون لا فعل له على الإطلاق. ما دام ~~الإنسان قادرا على الفعل، فالمؤله ~~المشخص عليه أقدر لأنه أعظم. وإذا كان ~~الإنسان قادرا على تحريك شيء فالمؤله ~~المشخص قادر على تحريك الجبال. وإذا كان ~~الإنسان قادرا على بناء منزل صغير، ~~فالمؤله المشخص قادر على بناء مدينة ~~كبيرة في غمضة عين. وهكذا يتحول الأمر من ~~إثبات قدرة الإنسان إلى إلغائها وإثبات ~~قدرة المؤله المشخص؛ لأنه أعظم وكأن ~~الغاية هي إثبات قدرة عظمى لموجود أعظم ~~وليس إثبات قدرة الإنسان. وذلك فعل عواطف ~~التأليه التي يريد المهزوم تشخيصها ~~تعويضا لهزيمته، وتشبثا بقدرة عظمى ~~يفتقدها أو عواطف التأليه التي يريد ~~المنتصر إثباتها إمعانا في إثبات سلطته، ~~ومحوا لأفعال الآخرين. في حين أن إثبات ~~قدرة الإنسان، والإنسان وحده دون أن يقدر ~~عليها آخر حتى ولو كان المؤله المشخص، ~~أكثر احتراما للإنسان وأقدر تعبيرا عن ~~عواطف التأليه على السواء؛ فهي تؤكد فعل ~~الإنسان، وتثبت عظمة التأليه الذي لا يكون ~~من كماله فعل شيء أقل منه، وهو فعل ~~الإنسان. وما أتفه فيل يريد أن يثبت أنه ~~أقدر من النملة على تحريك قشة! # 193 # ويدافع الكسب عن نفسه بأنه لا يعني ~~المشاركة. ولا يعني إثبات قدرة الإنسان ~~مشاركة المؤله المشخص في فعله، وكأن إثبات ~~قدرة للإنسان تهمة يجب إبعادها أو ذنب يجب ~~التكفير عنه، وكأن المطلوب إثباته قدرة ~~عظمى فوق قدرة الإنسان؛ لأن قدرة الإنسان ~~هي الطاغية، والقدرة العظمى هي المقهورة! ~~ما دام الإنسان يسعى بالعلل المباشرة إلى ~~تحقيق أفعاله، فكل محاولة لإدخال عنصر ~~ثالث بين الفعل والأثر، أو بين العلة ~~والمعلول ضرب من الأسطورة والغيب ~~والطاغوت. وحتى إذا حدثت العلة دون ~~المعلول أو حدث المعلول دون العلة فذلك لا ~~يعني مشاركة الإنسان في فعله، بل يعني أن ~~هناك علة أخرى قد دخلت فأحدثت الفعل وهي ~~علة غير متوقعة، أو أن ms108 العلة التي ظن ~~الإنسان أنها مؤدية إلى الفعل ليست هي ~~العلة المؤثرة؛ ومن ثم يجب البحث عن ~~العلة الصحيحة للفعل المطلوب. هذا التفاوت ~~بين العلة والمعلول واقع في السلوك ~~البشري، ولا يشير إلى تدخل أية علة من ~~الخارج، بل يشير فقط إلى أن طبيعة الإنسان ~~هي القصد والإرادة والتخطيط والمراجعة ~~والبدء من جديد والتجريب والمحاولة والخطأ ~~والإعادة. وما دامت هناك السنن والإرادات ~~تحدث الأفعال دون ما حاجة إلى عنصر ثالث فوقهما. # 194 ~~(2) # يستحيل أن يكون الإنسان فاعلا على ~~الحقيقة ومكتسبا في آن واحد؛ فهذا جمع ~~بين ضدين. فإما أن يكون الإنسان صاحب ~~فعله وبالتالي يكون فاعلا على الحقيقة، ~~وإما أن يكون مكتسبا وبالتالي يكون ~~فاعلا بالمجاز. # 195 # فإذا استوى الفعلان؛ فعل ~~الإنسان وفعل المؤله المشخص، أصبح كلاهما ~~فاعلين على الحقيقة، وهذا يستحيل أيضا؛ ~~لأن الفعل لا يكون إلا لقادر واحد. ~~بالإضافة إلى أنه لا مبرر هناك لفاعلين ~~ما دام الإنسان فاعلا قادرا، وما دام ~~المؤله المشخص فاعلا قادرا. # 196 # ومن المستحيل تصور وجهين ~~للفعل، يقع أحدهما بقدرة والآخر بقدرة ~~أخرى؛ فالفعل له وجه واحد من جهة الفاعل. ~~ولما كان الفعل لا يحدث في فراغ بل يحدث ~~في واقع، ويتحقق في موقف، فإن هذا الموقف ~~ليس وجها آخر للفعل بل هو ميدان للفعل ~~الذي يحتوي على عوامل محددة للفعل ~~وموجهة له. ولكنها ليست واجهة أخرى ~~للفعل تستقبل فاعلا آخر وقدرة أخرى. ~~الشيء ذو وجه واحد، والفعل ذو وجه واحد ~~لا يتغير ولا يتبدل، لا يتعدد ولا يتكاثر ~~وإلا تميع وساب، وتشعبت المسئولية ~~واستحال التوجه والقصد. # 197 # كما أنه يستحيل تصور فاعل ~~واحد بقادرين؛ لأنه إما أن يحدث الفعل ~~كله بقادر واحد، فما وجه الحاجة إذن إلى ~~القادر الثاني؟ وإما أن يحدث الفاعل ~~بالقادرين معا، وفي هذه الحالة ما وجه ~~التمييز بين القادرين؟ وماذا يكون الحال ~~لو اختلف القادران على إتيان الفعل؟ ولو ~~تحقق الفعل فإنه يتحقق بقادر واحد الذي ~~غلب على القادر الآخر. بل إن هذا هو أساس ~~التوحيد، وهو ما ms109 يستعمل عادة في ~~إثباته. فكيف يستعمل دليل التمانع في ~~الذات والصفات ويرفض في الأفعال؟ كيف ~~يستعمل في التوحيد ويرفض في العدل؟ # 198 # كما أنه من المستحيل تصور ~~فاعل واحد بقدرتين، قدرة منه وقدرة من ~~خارجه. كل فاعل له قدرة، وقدرته واحدة، ~~وأية قدرة أخرى تدخل في فعله تكون قدرة ~~لفاعل آخر. ~~(3) # ينتج الكسب من احتياج المعبود المشخص ~~إلى قدرة يخلقها في الإنسان من أجل الكسب. ~~ولماذا لا يفعل الله كل شيء ما دام ~~قادرا؟ لماذا التمويه على العبد بأن ~~يجعله فاعلا في الحقيقة وهو ليس إلا ~~فاعلا بالمجاز؟ إن كان الكسب يرمي إلى ~~التوحيد وإثبات قدرة المؤله المشخص ~~المطلقة، فإنه ينتهي إلى الإقلال منه ~~بإثبات حاجته إلى خلق قدرة يكسب بها ~~الإنسان فعله. وهنا يكون الجبر أكثر ~~اتساقا مع عواطف التعظيم والإجلال من ~~الكسب. يجعل الكسب المؤله المشخص مكتسبا ~~لأنه يتدخل في فعل الكسب. وما دام قادرا ~~على كل شيء وقادرا على الكسب؛ فيكون إذن ~~مكتسبا، ويكون تعلقه بالفعل على جهة ~~الكسب يجعله مكتسبا، حتى ولو لم يحتج إلى ~~آلة لأن اسم الفاعل لا يتضمن بالضرورة آلة. # 199 # وإذا كان الإنسان قادرا على ~~الكسب، فلماذا لا يكون قادرا على كسب كل ~~أفعاله؟ لماذا تكون قدرته منتقصة، وثقته ~~بالنفس مزعزعة، وأنه غير قادر إلا أن ~~يقوم بالأفعال إلى منتصفها؟ وما أسهل بعد ~~ذلك أن يقوم بها إلى الربع ثم لا يقوم بها ~~على الإطلاق اعتمادا على الكسب وخلق الله ~~أفعاله فيه؛ وبالتالي ينتهي الكسب إلى ~~الجبر المطلق. ~~(4) # والكسب لا بد وأن يؤدي بالضرورة إلى ~~الحدوث، لا حدوث القدرة بل حدوث الشيء ~~بفعل قدرة الإنسان. ليس الحدوث هو القدرة ~~أو الإنسان، حدوث من أجل إثبات محدث وهو ~~المؤله المشخص، بل يعني الحدوث إحداث ~~الشيء بقدرة الإنسان. # 200 # يثبت الكسب إذن بإثبات قدرة ~~حادثة. ولكن لماذا إلغاء تأثير القدرة ~~لكونها حادثة؟ أليس إثبات قدرة لا أثر لها ~~نفيا لما أثبت أولا؟ أهي خطوة إلى ~~الأمام وخطوة إلى الخلف؟ إقدام ثم إحجام ~~مثل إثبات ms110 الصفات بلا كيف في التوحيد ~~بعبارات مثل عين لا كأعيننا وبصر لا ~~كبصرنا ويد لا كأيدينا! # 201 # وما دام الفعل يقع بقدرة الإنسان، ~~فلماذا الإصرار على أنها محدثة؟ كما أن ~~هذا وصف لنشأة الشيء المادية أو الفعل ~~وليس مجرد الإتيان بالفعل. لماذا وصف ~~القدرة بعد أن تحدث بوصف ينفيها ويلغيها ~~ويقضي على استقلالها؟ # 202 # ولا يعني عجز القدرة عن فعل ~~شيء نفي القدرة، بل يعني حدوثها في نطاقها ~~وحدودها. لا تعني القدرة على إحداث شيء ~~القدرة على إحداث كل شيء. تفعل القدرة ~~الإنسانية على مستواها وفي مداها. لا تعني ~~قدرة الإنسان على الحركة أنه قادر على ~~تغيير بناء الشيء أو على إيجاد الشيء من ~~عدم. لا تعني القدرة على السيطرة على ~~ظواهر الطبيعة تغيير قوانين الطبيعة وعلى ~~إحداث ظواهر تحدث على خلافها. # 203 # وما دامت القدرة حادثة وليست ~~خالقة، وما دام الفعل لا يتم إلا بقدرة ~~خارجية أخرى، فلماذا لا يريد الإنسان ~~تحريك الجبال ولا تأتي القدرة الخارجية ~~لخلق الفعل فيه وتهيئة الكسب له؟ لماذا ~~تأتي القدرة الخارجية في بعض أفعال الخاصة ~~بالطاعة والعصيان المدني دون البعض الآخر ~~الخاصة بالطبيعة والكون؟ أليس من شيمة ~~المؤله المشخص الكرم والجود واللطف؟ ~~ألا يعطي العون ويهب التوفيق؟ يدل ذلك على ~~أن قدرة الإنسان تؤثر في مداها وحسب ~~الطاقة لا أقل فتعجز ولا أكثر فتتبخر. وما ~~التفرقة بين حالة الفعل وجهة الفعل وصفة ~~الفعل إلا وسيلة لإفساح المجال لإثبات ~~إرادة خارجية مؤثرة على جهة من جهات ~~الفعل لا على كل الجهات أو في حالة من ~~حالات الفعل لا على كل الحالات، ولكي يلغي ~~كون الإنسان هو المعطي لصفة فعله وجهة ~~حاله أي لنفي استقلال إرادته ~~وفعله. ~~(5) # إن إنكار قدرة الإنسان المحدثة لا بد ~~وأن يؤدي بالضرورة إلى إنكار الصانع؛ لأن ~~إثبات الصانع قائم على إثبات الحدوث، ~~ومنها حدوث القدرة. كيف يمكن إذن إثبات ~~قدرة الله ونفي القدرة الحادثة؟ إذا كان ~~حدوث القدرة نفسه نتيجة لحكم مسبق هو ~~وجود قدرة مطلقة هي قدرة القديم، فإن ms111 ~~إثبات قدرة القديم يظل افتراضا في حاجة ~~إلى إثبات. # 204 # وإن إثبات قدرة المؤله المشخص ~~قبل الخلق وبدون القدرة الحادثة مجرد ~~إثبات من حيث الشرف والقيمة لا من حيث ~~الواقع؛ لأن عواطف التعظيم والإجلال تفرض ~~صفة كاملة له. إن تصور المعبود مالكا ~~لكل شيء وخالقا كل صورة فكر إلهي ~~مركزي من مجتمع منتصر، ولكن من مجتمع ~~مهزوم تكون صورة للقهر أو تعويضا عنه. ~~فما أجمع عليه المؤلهون في مجتمع منتصر ~~أنه مالك لكل شيء قد يجمع عليه المؤلهون ~~في مجتمع يود الانتصار. إن الإنسان هو ~~القادر على كل شيء. # 205 # هناك فرق بين الفكر في موضوع ~~موجود وبين تخيل حالة غير موجودة ولا سبيل ~~إلى معرفتها ثم إصدار أحكام عقلية عليها. ~~كيف يمكن الحديث مثلا عن حال المؤله ~~المشخص قبل الخلق أو معرفتها؟ إنه ليستحيل ~~التفكير فيها لأن التفكير أصبح ممكنا بعد ~~الخلق وليس قبله. إن الدليل في حقيقته ~~مصادرة على المطلوب لأنه يبدأ بعواطف ~~التعظيم والإجلال التي تشخص مؤلها ~~موجودا قبل الخلق قادرا على كل شيء ثم ~~تنتهي بإثبات نفس المشخص المؤله ونفس ~~القدرة وكأن نقطة البداية هي نفسها نقطة ~~الانتهاء، وكأن الغرض نفسه هو المطلوب ~~إثباته، وكأنه لا فرق بين الخيال والواقع، ~~بين الرأس والقدمين. ~~(6) # ولا يعني خلق الفعل إيجاد الشيء من عدم ~~أو إحداثه، بل تغيير بناء الواقع؛ ~~وبالتالي فإن الجبر والكسب معا يقومان ~~على افتراض خاطر، وهو أن الإنسان إن كان ~~صاحب أفعاله فإنه يكون لها خالقا ~~ومحدثا. وهذا غير صحيح، فالإنسان لا ~~يخلق العالم بل يعمل فيه، ولا يحدث ~~المجتمع بل يغير بناءه. يعني الخلق هنا ~~الأثر لا الشيء الذي يقع عليه الأثر، ~~الخلق هنا هو الخلق المعنوي لا الخلق ~~المادي، الخلق هنا هو خلق أفعال الشعور لا ~~خلق الأشياء في العالم. # 206 # هناك إذن فرق بين خلق الإنسان ~~للشيء وفعله في العالم. الخلق تفسير لنشأة ~~الكون، والإنسان بفعله لا يدعي أنه يفسر ~~نشأة الكون، بل يغير فقط البناء الاجتماعي ~~للواقع. وهذا هو معنى تأثير ms112 القدرة. # 207 # وما دام الأمر لا يتعلق بخلق ~~الشيء من عدم، بل بتغيير بناء الواقع، فإن ~~عدم قدرة الإنسان على إعادة الشيء بعد إن ~~لم يكن لا يثبت أنه غير قادر على الفعل. ~~وما دام الفعل الإنساني يتحقق في حدود ~~الطاقة، فإن خلق الشيء أو إعادته ليس ~~مثلا للفعل المقصود، وهو الفعل الذي يهدف ~~إلى تغيير في البناء الاجتماعي. الفعل ~~المقصود هو الفعل الإنساني لا الفعل الطبيعي. # 208 # لا يرجع الفعل الإنساني إلى ~~الوراء، بل يسير في اتجاه واحد لا عن ~~طريق النكوص. النكوص غياب للفعل وليس ~~إحداثا للفعل. ولكن إذا توافر القصد ~~والداعي فإن الفعل لا ينكص من تلقاء نفسه. ~~وعدم القدرة على النكوص لا تعني استحالة التطور. # 209 # تحدث القدرة إذن أثرا في ~~الوجود بمعنى تغيير في بناء الواقع وليس ~~بمعنى أنها خالقة للوجود أو محدثة له، ~~بل مجرد فاعلة فيه. وهي قدرة من الذات، من ~~فعل الذات في العالم وليس مجرد انتظار فعل ~~في نفسها. ولا يعني فعل القدرة في العالم ~~وتعلقها بالوجود أنها قادرة على خلق ~~الوجود أو إعدامه أو على قلب قوانينه أو ~~عكسها، بل يعني أنها قادرة على تغيير ~~البناء الاجتماعي للواقع. ليس الوجود هو ~~الوجود المادي، بل الوجود الإنساني ~~الاجتماعي. وإذا كانت القدرة تعبر عن طاقة ~~الإنسان ومداها فإن هذه الطاقة تسري في ~~البناء الاجتماعي للواقع لا في الوجود ~~المادي له. # 210 # والبناء الاجتماعي للواقع هو ~~ما أطلق عليه صفة الوجود. ولما كانت ~~القدرة هي المؤثرة في البناء الاجتماعي ~~للواقع كانت الصفات التي يختلف بها موجود ~~عن آخر متعلقة بالقدرة. وإنكار أثر ~~القدرة في الوجود وتعلقها بالصفة هو إنكار ~~للفعل على الإطلاق. وما وجه الصلة بين ~~القدرة ومقدورها إن كانت غير مؤثرة فيه؟ ~~إن إلغاء أثر القدرة في الوجود إن هو إلا ~~وسيلة لإرجاع الأثر إلى قدرة أخرى خارجية ~~هي قدرة المؤله المشخص. # 211 # ولا يوجد ارتباط ضروري بين ~~الوجود والصفة. وإذا وجد الوجود وجدت ~~الصفة، وإذا وجدت الصفة وجد الوجود؛ لأن ~~الموجود ms113 قد يوجد بلا صفة قائمة إذا لم ~~يحدث عليه تأثير من قدرة. ولكن الموجود ~~باق، والواقع قائم تتراءى عليه الصفات وتتبدل. # 212 # ليست القدرة مجرد إثبات حال، ~~بل إثبات أثر فعلي في الوجود. الحال غير ~~قائم ويتغير باستمرار. بل إن تغييره خاضع ~~لإرادة خارجية إن شاءت حدثت وإن شاءت لم ~~تحدث. بل إن شاءت حدثت ولم يحدث الأثر في ~~الواقع، وإن شاءت لم تحدث وحدث الأثر في ~~الواقع! وكأن الأثر يحدث مباشرة في ~~الواقع بفعل الإرادة الخارجية، وما قدرة ~~الإنسان إلا واجهة لا حول لها تتستر ~~وراءها قوة أخرى خفية هي الفاعلة الحقيقية. # 213 # الفعل الحر هو فعل الشعور ~~وحريته في الاعتقاد والحكم، وهو الفعل ~~الذي يحدث تغييرا في بناء الواقع ~~الاجتماعي. أما أفعال الطبيعة أو ~~الغريزة فليست أفعالا حرة إلا بقدر ~~تنظيمها والسيطرة عليها، أي بإرجاعها إلى ~~أفعال الإرادة. # 214 ~~(7) # كيف يمكن التوفيق بين المؤله المشخص ~~الكامل وبين حدوث الشر في العالم؟ وإذا ~~كانت القدرة على فعل الشر مخلوقة، فكيف ~~يصدر عن الكمال خلق الإرادة على الشر، ولو ~~كان الشر من كسب الإنسان؟ # 215 # لذلك ارتبط موضوع الحسن ~~والقبح بخلق الأفعال كشقين للعدل، ~~كارتباط الذات والصفات كشقين للتوحيد؛ ~~لذلك آثر البعض جعل الشر من العبد والخير ~~من الرب، وآثر التضحية بالذات في سبيل ~~تبرئة الغير كموقف إنساني بطولي يبعث ~~على الإعجاب والاحترام! وكيف يمكن التوفيق ~~بين القدرة المخلوقة لإتيان الفعل وبين ~~استحقاق المدح والذم، والثواب والعقاب؟ ~~وإذا كان لهذه القدرة تأثير، فإن تأثيرها ~~ما زال يرجع إلى كونها مخلوقة، ولا ~~يستحق مدح أو ذم إلا على فعل حادث بقدرة ~~الإنسان كلا وجزءا. كيف يمكن التوفيق ~~بينها وبين التكليف وإرسال الرسل والبعثة؟ ~~كيف يمكن التوفيق بينها وبين الحكمة ~~واللطف والكرم وسائر الصفات والأسماء. # 216 # إن الحرية هي طبيعة الإنسان، وهي التي ~~تميزه عن غيره من الموجودات، بل إنه يمكن ~~تقسيم الموجودات إلى وجود مصمت ووجود ~~حر، ويكون الإنسان وحده هو الموجود الحر. ~~والوجود ليس حرا لأنه مخلوق، بل لأن ~~الحرية ms114 هي الوجود الإنساني ذاته بصرف ~~النظر عن أصل الجود المادي. الوجود أساسا ~~وجود في العالم وليس من العالم أو من خارج العالم. # 217 # والحرية هي المسئولية الفردية ~~والجماعية عن الفساد والصلاح في العالم ~~بلا ذريعة للتهرب منها أو اتهام للذات ~~وتبرئة للآخر حتى يعم الاستحقاق. # 218 ~~(3) تجربة الحرية # مع أن القول بخلق الإنسان لأفعاله أي بالحرية قد ظهر ~~تاريخيا بعد عقيدة الجبر وقبل نظرية الكسب ، إلا أنه ~~فكريا هو البديل للجبر والكسب على السواء، لما كان الجبر ~~يجمعهما معا، كانت حرية الأفعال هي الطرف المقابل للجبر ~~والمتربص به، وظلت كذلك حتى بعد ظهور الكسب الذي لم تر ~~فيه الحرية إلا صورة معدلة للجبر. # 219 # وهي نهاية المطاف في وصف أفعال الشعور ~~الخارجية من عقيدة الجبر إلى نظرية الكسب إلى تجربة ~~الحرية. ولا يقف أمام الشعور فيها أي عائق يمنعه من أن ~~يكون خالق أفعاله مسئولا عنها حتى يصح الاستحقاق في أصل ~~العدل. ويتأكد إثبات الحرية حتى يتأكد إثبات الذات وحين ~~يستطيع الإنسان التخلص من أنماط الفكر الإلهي، وحين تتقدم ~~الحضارة وتؤدي دورها في التعقيل والتنظير؛ فإثبات الإنسان ~~خالقا لأفعاله أزهر أنماط التعقيل وأعلى ما وصلت إليه ~~الحضارة من تقدم وفعل الزمن. يصبح الإنسان فاعلا على ~~الحقيقة لا مجرد ستار أو قناع يتخفى وراءه فاعل آخر هو ~~الفاعل على الحقيقة، ولا يكون الإنسان إلا فاعلا بالمجاز. # 220 # وهكذا يبدو أن الحضارة قد مرت بثلاث مراحل في ~~الدورة الأولى لها. أولا: بداية خروج حرية الأفعال من ~~داخل الفكر التقليدي في إجماع الأمة الأول على أنه لا ~~خالق إلا الله. ثانيا: استقلال حرية الأفعال عن الفكر ~~التقليدي وبداية الصراع الفكري. ثالثا: عزل استقلال ~~الأفعال واعتباره خارجا عن إجماع الأمة وسيادة الأغلبية. ~~وفي بداية الدورة الثانية للحضارة منذ الإصلاح الأخير يخرج ~~خلق الأفعال من جديد من بطن الإجماع تحقيقا لصالح ~~الأغلبية الصامتة ضد الأغلبية القديمة التي أصبحت على مدى ~~التاريخ الأقلية الحاكمة. ~~(3-1) الحرية الإنسانية # الحرية ليست مقولة طبيعية، بل تعبير إنساني خالص. ~~وإذا ms115 كان هناك جبر في الطبيعة سواء في الطبيعة الحية ~~أو في الطبيعة الصامتة، فإن الإنسان هو ميدان الحرية. ~~وقد يتجاوز الفعل الإنساني الحر القادر جبر الطبيعة ~~ويخضع الطبيعة له ويسخر قوانينها لصالحه ويعدل ~~مسارها طبقا لغاياته. ويبدو أن الحرية الإنسانية ~~تتضمن الحتمية في الطبيعة، في حين أن الجبر يكون في ~~أفعال البشر وحدها بفعل القضاء والقدر، ويترك أفعال ~~الطبيعة حرة بخرق قوانينها الثابتة وسننها المطردة ~~بفعل تدخل الإرادة الخارجية. ويؤكد ذلك معظم حركات ~~الإصلاح إذا بعثت حرية الأفعال في الإنسان ظهرت ~~الحتمية في قوانين الطبيعة، وإذا ظهرت جبرية الأفعال ~~في الإنسان ظهر اللاتحدد في قوانين الطبيعة. وكانت ~~معظم حركات التجديد والإصلاح التي تحولت بعد ذلك إلى ~~نهضة شاملة دون أن تكبو وتنكص على عقبيها من النمط ~~الأول، حرية في الأفعال وحتمية في الطبيعة. # والأفعال الإنسانية لها جانبان، جانب حر من حيث ~~العقل والتروي والقصد والباعث والغاية، وجانب طبيعي ~~من حيث إنها تتحقق في موقف تتشابك فيه أفعال أخرى ~~وتقع فيه موانع وتتصارع فيه إرادات. فأفعال الحيوانات ~~من «تدبير» الحيوانات ذاتها ولكنها ليست أفعالا لأنها ~~ينقصها الروية والتدبر والعقل والغاية. هي أفعال ~~بدنية آلية تقوم على بناء العضو وعلى غرائز الكائن ~~الحي: المحافظة على الحياة، التغذي، النمو، التوليد، ~~الحركة ... إلخ. لذلك امحى التكليف والمسئولية ~~واستحقاق المدح والذم. بل كانت الحيوانات لنفع الإنسان. # 221 # والفعل الحر يكون حرا من جانب الفاعل، ~~أي من الإنسان، ولكنه يكون واجبا من جانب الطبيعة، لا ~~من ذاته، بل طبقا لمجرى العادات. يستطيع الإنسان ~~مثلا أن يعمل على إقامة ثورة بحرية تامة وبقرار حر ~~وبوعي فردي واجتماعي كامل. فإذا تحقق الفعل وشروطه ~~بوجود البواعث والغايات والأفكار وارتفاع الموانع ~~البدنية والنفسية والاجتماعية، وبتحقيق إمكانيات ~~الثورة وحركيتها المادية من خلال الجماهير؛ تحققت ~~الثورة بالفعل، إلا إذا تدخلت موانع غير متوقعة أو ~~ظهر خطأ في حساب الإمكانيات النظرية الأولى أو في نقص ~~الوعي بحركية الثورة وتنظيمها. في هذه الحالة يمكن ~~أخذها في الاعتبار، إما في الحال والتكيف طبقا ~~للظروف الجديدة، ms116 وإما في المستقبل استعدادا للثورة ~~القادمة. وهذا هو معنى عدم الوجوب في الأفعال من ناحية ~~الطبيعة. # فإذا كان الإنسان حرا، فهل يمكن القول بأنه خالق ~~أفعاله؟ هل هناك فرق بين الفعل والخلق؟ حرصا على ~~الحفاظ على المستويات كل اسم يشير إلى مستويين. الفعل ~~إما إنساني كالحركة أو تغيير البناء الاجتماعي، أو ~~طبيعي كفعل الظواهر الطبيعية. والخلق اسم يشير إلى نفس ~~المستويين أيضا. هناك الخلق الفني من الإنسان، وهناك ~~خلق الأشياء من عدم حين السؤال عن مصدرها. وسواء قلنا ~~الإنسان فاعل في العالم أو خالق لأفعاله فلا فرق بين ~~القولين لو عنينا المستوى الأول وهو الفعل الشعوري. ~~ولا يجوز وصف الإنسان بالفعل والخلق على المستوى ~~الثاني؛ لأن الإنسان ليس ظاهرة طبيعية فحسب وليس ~~خالقا للأشياء من عدم. يوجد الإنسان حرا في العالم. ~~وقد يتم فعل الإنسان وخلقه بآلة كما هو الحال في العمل ~~الفني. وقد يقع منه مقدرا كما هو حال الفنان حين يخلق ~~طبقا لما في ذهنه وطبقا لإحساساته ومشاعره. # 222 # وكانت حرية الأفعال أحد المواقف الرئيسية للمعارضة ~~السياسية، سواء في الخارج أو في الداخل، العلنية منها ~~أو السرية، دفاعا عن استقلال الإنسان وإرادته الحرة ~~ورفض تدخل أية إرادة خارجية في مصيره تحدده له، سواء ~~كانت إرادة إلهية مشخصة أو إرادة سياسية قائمة، ~~إرادة الله أم إرادة السلطان، فالسلطة الدينية والسلطة ~~السياسية صنوان. # 223 # الفعل الإنساني قائم مستقل، لا يقدر أحد على القضاء ~~عليه. ومن يشكك في حرية الإنسان يصل إلى حد الكفر. ~~وكلما كان الرفض جذريا كان إثبات الحرية أساسيا. ~~وكلما رغب الإنسان السلوك الأمثل ازدهرت الحرية حتى ~~تصبح حرية خالصة تبحث عن الكمال الخالص ويصبح كل ~~سلوك نسبي قائم على تقدير نسبي للأمر الواقع أقرب ~~إلى الجبر الناشئ من ثقل وتقلص في تمثل الكمال. # 224 # حتى المعارضة السرية تثبت الحرية إثباتا ~~لحق الإنسان في الرفض، ومنها اشتق اسم «الرافضة». ~~الحرية هي سبب الرفض، والرفض فعل من أفعال الحرية. ~~يعني الرفض أن الإنسان قادر على التمييز والحكم والفهم ~~الصحيح ms117 والقدرة على رفض السلوك الذي لا يطابق هذا ~~الفهم؛ ومن ثم ينشأ سلوك غيره حين يتحول السلوك ~~الأول القائم على التقليد إلى جبر بفعل الطاعة. # 225 # بل إن بعض الأتقياء من دعاة الأمر الواقع ~~واستتباب النظام والرضا بالقضاء والقدر تثبت الحرية ~~نظريا على مضض، ولكن الوقت عصيب، والظرف غير ملائم، ~~والزمان غادر، ومن ثم يعلنونها سرا بالرغم من ~~رفضهم الخروج والاعتزال والرفض واستسلامهم للأمر ~~الواقع وطاعتهم للنظام المستتب. تثبت الحرية إذن في ~~السلوك البسيط كما تقوم به عامة الناس دون إصدار حكم ~~صريح على الأفعال. فالحرية تثبت عند الأقوياء وعند ~~الضعفاء على حد سواء. # 226 # والذين أحق بتسميتهم بالقدرية ليسوا هم أنصار الحرية ~~بل أنصار الجبر؛ إذ تثبت التسمية من إثبات الشيء أولى ~~من ثبوتها من نفيه، كما تثبت حين يتكرر اللفظ باستمرار ~~عند من يثبته لا عند من لا يذكره أو ينكره. # 227 # وذم القدرية واقع لمن يثبت القدر وينكر ~~الحرية لا لمن ينفي القدر ويثبت الحرية. القدر مذهب ~~مذموم لأنه كمذهب المجوس يلحق الشر والظلم وكل مظاهر ~~النقص بالكمال. # 228 # وقد يكون كل ما روي في ذم القدرية بهذه ~~التسمية التي لا تصدق على المسمى بعد أن لقب أنصار ~~الحرية بالقدرية؛ عملا سياسيا خالصا باستعمال سلاح ~~الألقاب حتى تخمد مقاومة السلطان، وحتى يقتنع الجمهور ~~بأن الحال الحاضر من فعل الله وبقضائه وقدره. # 229 # فالمعتزلة لا يعبثون بالشرائع باسم قضاء ~~الله وقدره، ولا يقولون بصدور القبح والشر عن الله، ~~ولا بجواز تكليف ما لا يطاق، ولا بالجبر في أفعال ~~الشعور الداخلية، ولا بالقضاء والقدر والاحتجاج به على ~~المعاصي، ولا بتأييد حجج إبليس في الغواية، ولا ~~بالكلام في القدر. يفصلون بين القدر والقدرة، ويقولون ~~بالاختيار وبتنزيه الله عن القبائح وبجعل المعرفة ~~شرطا للفعل الحر. ترى النبوة ممكنة، وتضع الدواعي ~~والمقاصد وراء الأفعال، وتضع قانون الاستحقاق. ~~(3-2) إثبات الحرية # في الحقيقة لا ~~تحتاج الحرية إلى إثبات؛ فهي أمر بديهي يشهد به الحدس ~~والوجدان، ويفضل الإنسان أن يضحي بحياته في سبيل أن ms118 ~~يكون حرا هو أو شعبه. وهو ما حاولت بعض الحركات ~~الإصلاحية الحديثة إبرازه. # 230 # فإن قيل: إذا كانت الحرية موجودة يقينا ~~وبداهة، فلم إثباتها؟ قيل هناك من ينفيها ويثبت عقيدة ~~الجبر أو نظرية الكسب. فحجج إثباتها هي في الحقيقة حجج ~~مضادة تجاه خصومها. حجج جدلية لتفنيد حجج الخصم وليست ~~حججا برهانية لإثبات موضوع ليس في حاجة إلى إثبات. ~~فإن قيل: كيف ينظر في شيء ابتداء وهو غير يقيني؟ قيل: ~~ينظر فيه حتى يتحول إلى يقين. وهذا هو طريق العلم ~~والبرهان. فإن قيل: إن إثبات الحرية يؤدي إلى إثبات ~~فعل حر، ولكن المطلوب هو الفعل الحر المتجدد قيل: ~~الوجود المتجدد للفعل الحر حاصل بالتولد دون أن يؤدي ~~التجدد إلى إنكار للحرية أساسا كما هو الحال في نظرية الكسب. # 231 # ومع ذلك، فنظرا لوجود الاشتباهات التي ~~أثارها الجبر والكسب، يمكن إثبات حرية الأفعال بصياغة ~~براهين عقلية على الطراز القديم ضد الجبر والكسب ~~ودفاعا عن الحرية. وقد تكون بعض الحجج بينها مشتركة ~~يتم تأويلها مرة لحساب الجبر أو الكسب ثم يعاد ~~تأويلها لتفنيدهما ولإثبات الحرية. منها: ~~(1) # التفرقة بين الحركة الاضطرارية والحركة ~~الاختيارية. وهي تفرقة تثبت الحرية بناء ~~على الحركة الاختيارية، كما أخذ الجبر ~~والكسب نفس التفرقة لنفي الحرية بناء على ~~الحركة الاضطرارية. # 232 # والحقيقة أن وجود الحركة ~~الاضطرارية لا ينفي الحرية؛ فالحريات ~~لحظات أفعال وليست حرية طول الوقت. هناك ~~أفعال تتم بالبدن وبالمران وبالعادة ~~وبالتقليد، هناك أفعال أخرى، أفعال الرؤية ~~والعزم، هي أفعال حرة. بل إن حركة ~~الارتعاش قد تكون انعكاسية عضوية صرفة، ~~لا تثبت جبرا أو كسبا ولا تنفي حرية. ~~وكثيرا ما تتجاوز الأفعال الحرة أفعال ~~الجوارح إلى أفعال القلوب أو أفعال الشعور ~~التي هي من أساس الأفعال الإرادية التي ~~تبدو في آخر مراحلها كأفعال للبدن. ~~(2) # وجود الباعث أو القصد هو أكبر دليل على ~~أن الإنسان صاحب أفعاله؛ فالفعل تابع ~~للقصد والداعي. ولا يعقل وجود الباعث أو ~~القصد أو الداعي ثم يكون الفعل من فعل ~~غيره، وإلا ففيم كان هذا القصد وذلك ms119 ~~الداعي؟ إن كل الأفعال المقدورة هي ~~الأفعال القصدية، والأفعال غير المقدورة ~~هي كذلك لأنها ليست قصدية. لا يعني أنها ~~غير مقدورة للإنسان أنها مقدورة لإرادة ~~خارجية مشخصة؛ فذاك افتراض محض. بل إن ~~قدرة الآلة على ما يقدر عليه الإنسان وإن ~~كانت قدرة فعلية إلا أنها ليست فعلا ~~لأنه لا يتوافر فيها القصد إلا من خلال ~~الإنسان الذي صنع الآلة لهذه الغاية، ~~وأفعال الآلة ذاتها خالية من القصد. # 233 # ولا يقال إنه حتى لو حدثت ~~الأفعال طبقا للباعث والداعي والقصد، ~~فإنها تحدث طبقا لمجرى العادات، لأن مجرى ~~العادات يثبت أن الإنسان صاحب الفعل. وليس ~~معنى اطراد الحرية أنها أصبحت من فعل ~~العادة وأن الأفعال تتحقق بطريقة آلية ~~حسب مجرى الأمور؛ لأن الحرية أحيانا تخرق ~~سير العادات وتبطلها إذا ما تحولت ~~العادة إلى ضغط وقهر، أي إذا ما تحولت ضد ~~الحرية. يثبت الشاهد تعلق الفعل بالإنسان، ~~وهذا هو حكم العادة. # 234 # ولا يقال إن في الفعل الحر ~~تتدخل إرادة خارجية مع الباعث والقصد ~~والداعي تجعله ممكنا لأنها ليست واقعة في ~~الشاهد، ولم تطرأ به العادات. # 235 # ولا يقال إن فعل الساهي ليس ~~فعلا حرا لأنه ليس به شرط الفعل وهو ~~الوعي والروية؛ فهذا هو العكس لا الطرد. ~~الفعل الحر هو الفعل الإرادي المروي لا ~~الفعل اللاإرادي. # 236 # وجهة تعلق ~~الفعل ~~بالإنسان هي جهة الحدوث. وليس أدل على ذلك ~~من تجارب الإنسان نفسه ومشاهداته لأحواله؛ ~~فالإنسان صاحب فعله يحدث أفعاله. # 237 # ولا يجوز أن تكون جهة النطق ~~هي الحلول؛ لأن هناك فرقا بين الأشياء ~~والأفعال. حلول الألوان في الأشياء جائز، ~~أما الحلول في الأفعال فإنه لا يجوز؛ ~~الأفعال صادرة عن البواعث والقصود والدواعي. # 238 # وإضافة فعل الإنسان إليه نفي ~~لأن يكون الإنسان صاحب فعله. ولا يعقل أن ~~يضيف الإنسان إليه ما ليس له إلا زهوا ~~وفخرا أو احتيالا ونصبا، وهذا أيضا ~~واقع ولكنه ليس عاما. # 239 # واعتراف الإنسان بأفعاله يدل ~~على أنه صاحبها، خاصة ولو كان اعترافا ~~بأفعال يخجل منها ويدينها. # 240 # ولما ms120 كانت أفعال الإنسان قد ~~تحدث وقد لا تحدث، قد تنجح وتفشل، قد تصيب ~~وتخيب، فإنه لا يمكن إضافتها إلا في ~~الإنسان نفسه، لا يمكن إضافتها إلى أي ~~كمال وإلا كان كمالا ناقصا. # 241 ~~(3) # وما دامت الأفعال واقعة بالقصود ~~والدواعي، فإنها تكون صادرة عنها لا طبقا ~~لإرادة مسبقة على البواعث أو لاحقة ~~عليها، وهذا لا يمنع من الاستبصار في ~~السلوك والتنبؤ بما يقع في المستقبل ~~وإحصاء تجارب الماضي ومعرفة مصير الحوادث ~~وكيفية وقوعها. ولكن كل تنبؤ نسبي لأنه ~~يتوقف على درجة العلم إما بتجارب الماضي ~~أو بالقدرة على الاستخلاص والتفسير والفهم للحاضر. # 242 # وإثبات الحرية ينفي ~~أية ~~شبهة للقضاء والقدر أو الجبر، أو أي قدر ~~مسبق، بل يعني القضاء إتمام الفعل والفراغ ~~منه أو الإلزام الذاتي أو الإخبار والإعلام. # 243 ~~(4) # التمييز بين الحسن والقبيح، بين الإحسان ~~والإساءة، بين المدح والذم يدل على أن ~~الإنسان له قدرة على الحكم ومن ثم ~~على الاختيار. لو كان الإنسان مجبرا لما ~~لزمت هذه القدرة. وفيم التمييز والفعل ~~واقع لا محالة دون حاجة إلى تدبر ووعي ~~وإحكام نظر؟ هذا هو حكم العقل، والعقل لا ~~يشوه نفسه لعلمه بحسن الأفعال وقبحها إن ~~لم يكن في الشرعيات، فعلى الأقل في العقليات. # 244 # فتمييز الإنسان بين الحسن ~~والقبح إثبات للحرية واختيار لأحدهما دون ~~الآخر. يثبت العقل الحرية كما تثبت الحرية ~~العقل إذا كانت حرية عاقلة قائمة على ~~التمييز. ~~(5) # ولا يعقل تكليف بلا قدرة أو أمر بلا إرادة. # 245 # يدل حسن الأمر والنهي وغيرهما ~~من الأحكام على أن الإنسان قادر على الفعل ~~وعلى أن يكون فعله موضوعا للحكم. # 246 # وما دام الإنسان مطالبا ~~بالطاعة فإن الفعل ممكن، وما دام الفعل ~~ممكنا فإن الإنسان حر. # 247 # والأمر هو خطاب لآخر، ولا ~~يكون هناك أمر للنفس بل للآخر. وما دام ~~الآخر موجها بالخطاب فهو قادر على الفعل. # 248 # والأوامر معللة بعلل، ولا ~~توجد أوامر بلا علل. والقدرة علة الفعل. ~~فلا يمكن إنكار التعليل في الأحكام؛ لأن ~~الأحكام قائمة على التعليل. كما لا ms121 يمكن ~~القول بأن هناك علة واحدة لكل شيء هي سبب ~~كل الأفعال، فذلك انفعال وليس تفكيرا، ~~إيمان وليس عقلا، تمن وليس واقعا. # 249 ~~(6) # وإثبات الحرية أدعى إلى إثبات العدل ~~ونفي الظلم في عواطف التأليه. لو لم يكن ~~الإنسان صاحب أفعاله، وكان في الوقت نفسه ~~مكلفا محاسبا لكان واقعا تحت ظلم وجور. ~~الحرية إذن هي المؤدية إلى العدالة في ~~الكون ونفي صفات الظلم والجور عن صفات ~~الكمال؛ لذلك كانت الحرية المبحث الرئيسي ~~في مباحث العدل. # 250 # كما أن إثبات الحرية أدعى إلى ~~إثبات عواطف الكمال والإجلال والتعظيم من ~~نفيها. في الحرية يكون الإنسان صاحب فعله، ~~مسئولا عما يأتي به من قبح أو شر. فلو ~~كان فعله مخلوقا لكان الخالق هو المسئول ~~عن هذا القبح أو ذاك الشر. وكيف يكون ~~الكمال مسئولا عن النقص؟ وكيف يصدر النقص ~~عن الكمال؟ إن مدح المؤمن على الإيمان، ~~وذم الكافر على الكفر، ووعد الثواب على ~~الطاعة والعقاب على المعصية يدل على أن ~~الإنسان صاحب فعله ومسئول عنه. فلا حكم ~~دون استحقاق. # 251 # وما دام هناك حساب وعقاب، فلا ~~حساب ولا عقاب بلا حرية أو مسئولية. # 252 ~~(3-3) الإرادة # إذا ثبتت الحرية يظهر الفعل الإنساني ومكوناته، ~~الإرادة أو الاختيار، الروية، القدرة، الاستطاعة، ~~الزمان، التولد ... إلخ، وكلها تقوم على تحليل الفعل ~~الإنساني تحليلا موضوعيا إنسانيا بلا أفكار ~~مسبقة ودون فكر إلهي مقلوب. فالإرادة في الفعل ~~الإنساني إرادة اختيار وذلك بفعل الروح؛ فالروح هي ~~الباعث على الاختيار، ولولا أن الروح في بدن لكان ~~الإنسان كله اختيارا ولكن البدن تحديدا له. # 253 # الإرادة اختيار ولكنها ليست مختارة لأنها ~~لا تختار نفسها. الإيثار هو الاختيار والإرادة. ~~والمراد لا يكون إيثارا ولا اختيارا؛ لأنه تعبير عن طبيعة. # 254 # الإرادة تعبير عن الذاتية الخالصة والتي ~~لا تكون موضوعا لنفسها. والإرادة هي الباعث على ~~الفعل، أي إنها ليست قوة منفصلة تزيد على الباعث بل ~~هي الباعث نفسه في حالة التوتر والانفعال. الإرادة ~~إرادة الحياة أو إرادة القوة أو إرادة النصر لا تزدوج ~~ولا تتزاوج. ms122 # 255 # ولما كانت الإرادة هي الباعث، والباعث هو ~~النفس، ومن ثم لا تدعو النفس إلى الإرادة ولا ~~يدعو إليها الخاطر لأنها تعبير عما بالنفس ولا تنتظر الدعوة. # 256 # والإرادة هي الضمير لأن الفعل يتضمن في ~~باطنه قيمة وحكما خلقيا. ولا يهم تعيين محل للضمير ~~في النفس أو في الإرادة أو في الروح؛ فالضمير ليس في محل. # 257 # الإرادة خلقية، والفعل خلقي. فإن كانت ~~الأخلاقية هنا تبدأ من الداخل إلا أنها تنتشر إلى ~~الخارج، وإن كانت تبدو فردية إلا أنها جماعية. فإن ~~قيل: هل الإرادة موجبة لمرادها أم أنها ليست كذلك؟ ~~قيل: من حيث المبدأ الإرادة موجبة لمرادها. ولكن ~~المراد موجود في مواقف وبه موانع، وله شروط، وهذا هو ~~تحدي الإرادة. # 258 # ولكن في حال الإيجاب هل يقدر الإنسان على ~~فعل المراد؟ هذا سؤال صوري خالص لأنه إذا ما توفرت ~~الدواعي والبواعث والمقاصد وامحت الموانع وتوافرت ~~الشروط، فليس هناك ما يدعو إلى أن تأتي الإرادة بغير ~~المراد وإلا كان عبثا وتحولا فجائيا لا مبرر له. ~~وليس الأمر مجرد حركة وسكون واختبار عقلي بل هو فعل ~~إنساني مصيري. # 259 # والفعل الحر هو الفعل المروي المقصود. وتختلف درجات ~~الفعل طبقا للقصد والروية. الفعل البدني الخالص ~~كالفعل الشرطي ليس فعلا قصديا؛ ومن ثم ليس ~~فعلا حرا لأنه يفتقد الروية والقصد. وأفعال الساهي ~~والنائم، وإن كانت أفعالا لا إرادية إلا أنها أفعال ~~غير شعورية يغيب منها القصد والروية، ومن ثم فهي ~~ليست نموذجا للفعل الحر. وإذا تم فعل شعوري ولكن عن ~~إكراه وإلجاء فإنه لا يكون أيضا فعلا حرا لأن ~~الفعل الحر هو الفعل الشعوري القائم على قصد وروية واختيار. # 260 # ولما كانت أفعال السهو والنسيان والنوم ~~ليست أفعالا حرة لا يتوافر فيها القصد والباعث، فلذلك ~~أفعال الاضطرار والإلجاء ليست أفعالا حرة لوجود موانع ~~الاضطرار، قيد بدني لعضو أو تكبيل الإنسان وسجنه أو ~~وضع السيف على رقبته. # 261 # لا يتحقق الفعل المروي بطريقة آلية بلا ~~وعي أو قصد لأمر وطاعة عمياء وإلا تحول البشر إلى ms123 ~~مجرد آلات تسيرها الأوامر. والقصد سابق على الفعل ~~حتى يتم التدبير وتحصل الروية. ولكن قد يحدث في حال ~~الفعل أن يحقق الإنسان فعلا آخر بقصد متجدد كما هو ~~الحال في الفعل الفجائي، ولكنه فعل عارض وليس هو الفعل الأول. # 262 # ليس الفعل الحر فعلا عفويا بل هو الفعل القصدي، ~~وبالقصد الأول. قد يأتي الإنسان بفعل لا يقصده فلا ~~يكون فعلا، والقصد هو غاية الفعل عندما يتمثلها ~~الشعور. ليس القصد متعاليا بل هو تغيير للواقع وتطوير ~~للطبيعة كي تصل إلى كمالها. والطاعة التي لا يراد بها ~~الله ضد الأعمال بالنيات. # 263 # وهذا لا ينفي حسن الطوية والمشاعر ~~الإنسانية الطبيعية. ولو كان الفعل قائما على القصد ~~مع خلاف في فهم القصد فإن الفعل يكون فعلا حرا. ~~فسواء تم الفعل لذات الفعل أو تحقيقا لرسالة الذات ~~وتعبيرا عن طبيعتها أو تغييرا للواقع أو دفاعا عن ~~حقوق البشر ودفاعا عن الإنسانية، فالقصد واحد ولكن ~~يختلف فهمه. والمؤله المشخص كما ظهر في التوحيد ~~مجموع الغايات والمقاصد التي يهدف الإنسان إلى ~~تحقيقها، ولكنه لا يحققها بالفعل، إما لعجزه أو ~~لكسله ونفاقه؛ فيشخصها ويتصورها متحققة في عالم ~~آخر خارج هذا العالم ويقف أمامها موقف المتعبد ~~المعجب الولهان، الباكي الشكيان. أما إذا تحققت هذه ~~الغايات بالفعل، وكانت الغايات مقاصده، فإن الفعل يكون ~~حرا يتوافر فيه القصد والروية وإن لم يكن طاعة ~~للمؤله المشخص، بل كان تحقيقا للغايات الإنسانية ~~العامة. وهما في الحقيقة الشيء نفسه ولكن على نحوين ~~مختلفين؛ الأول رمزي تشخيصي أسطوري، والثاني ~~عملي علمي. صورتان مختلفتان ومضمون واحد، لغتان ~~متباينتان وشيء واحد. # 264 # والنظر جزء من الروية؛ لأن الروية قصد ونظر. وإعمال ~~الفكر والنظر والبحث عن الحقيقة وتأسيس العلم، كل ذلك ~~بنفسه فعل، حتى وإن لم يحقق غاية. النظر مقدمة للفعل ~~وشرط له. هو الفعل الممكن قبل الفعل المتحقق. # 265 # وهنا يبرز سؤال: هل الإنسان قادر على ما ~~لا يخطر بباله؟ فهناك فعلان: الأول: الفعل المروي ~~المختار القائم على أساس عقلي واضح وهو الفعل ~~الأمثل. والثاني: أنه ms124 قد يحدث في ساعة تحقيق هذا الفعل ~~أو في ساعة أخرى أن تحدث قوى غير متوقعة لشدة تمثله ~~للباعث أو لضعف الباعث عند الفعل المعارض، أو يطرأ على ~~ذهن الفاعل فجأة أساس فعل مستقى من الموقف فيقع فعل ~~ولم يتأمله من قبل. هذا الحادث غير المتوقع دليل ~~على الحرية وعلى أن الإنسان مجموعة من الإمكانيات، ~~خاصة إذا كان متميزا بشعور يقظ، متمثلا صحة الهدف ~~وواعيا بإمكانية تحقيقه في هذه اللحظة التاريخية. # 266 # وهنا ينشأ السؤال الثاني: هل يحس الإنسان ما لا ~~قدرة فيه؟ هناك أيضا حالتان: الأولى واعية تعبر عن ~~وجود الإنسان؛ فالوجود محل الإحساس، ولا يمكن الإحساس ~~بشيء غير موجود. الإحساس بالقدرة الموجودة ممكن، ولا ~~يمكن للإنسان أن يشعر بقدرة غير موجودة. ولكن هناك ~~حالة أخرى لا يشعر الإنسان فيها بقدرته الموجودة، حالة ~~صاحب الحق المهضوم الذي يمكنه بالتنظيم والمقاومة ~~الحصول على قدرة تجعله ينال حقه. فهو إمكانية غير ~~مستغلة، وأغلبية شعب مهضوم الحق قوة كامنة لا تشعر ~~بها الأغلبية، ولا توجد بالفعل إلا بالتنظيم، فهذه ~~قدرة لا يشعر بها أحد. # 267 # وهناك حالات أخرى تكون القدرة موجودة ولكن ينقصها ~~الباعث. فالناكص على عقبيه يشعر بأن لديه قدرة ولكنه ~~لا يريد استعمالها؛ لعدم توافر الباعث. والعاجز ~~المستجيب لنداء الجهاد يشعر بألم النكوص مع أن القدرة ~~غير متوافرة لديه لوجود المانع، وكذلك السجين. هذه ~~القدرة المفاجئة غير المتوقعة الناتجة من صحة الهدف ~~وقوة الباعث هي ما يسمى بالتوفيق والسداد والفضل ~~والنعمة والإحسان واللطف. وهي قوة نابعة من الإنسان، ~~ولا تعطى من خارجه بفعل إرادة خارجية لو فعلت حمدت ~~ولو لم تفعل ذمت. # 268 # القدرة هي مجرد التعبير عن طاقة الإنسان ~~وقدرته على الفعل. فإذا كانت الإرادة هي فعل الروح في ~~البدن فإن القدرة هي فعل الإنسان من حيث وجود ~~اجتماعي. وتكون الاستطاعة فيما بعد هي القدرة اللازمة ~~لفعل معين في لحظة معينة وفي مكان بعينه. # 269 # لذلك يجوز أن توجد في الإنسان قوة ولا ~~يقال هو قوي؛ لأن القوة ليست ms125 موضوعا مجردا يثبت أو ~~ينفي، بل إمكانية تحقق في موقف. فالقوة في موقف لا ~~تتوافر فيه الشروط أو بوجود موانع أقوى لا تكون مؤثرة. ~~قد توجد قوة نظرية ولكنها غائبة عمليا وليس الأمر ~~دراسة تحليلية كمية لأجزاء القوة ونسبها. # 270 ~~(3-4) القدرة # ظهرت الحرية الإنسانية من قبل في بطن القدرة ~~الإلهية في الصفات الثلاث: العلم والقدرة والحياة. ~~وكان إثبات صفة القدرة يؤدي إلى إلغاء الحرية ~~الإنسانية، كما أن إثبات الحرية الإنسانية يؤدي إلى ~~إلغاء القدرة. ظهرت الحرية الإنسانية في مقابل القدرة ~~الإلهية تعلن عن وجودها وتثبت حقها في الفعل الإنساني ~~وإن لم يكن الحق كله. ولم يكن ذلك حجرا على الله بل ~~كان إطلاقا لحرية الإنسان. فالموقف الإنساني يحتم ~~علينا الدفاع عن حرية الإنسان؛ فهي المهددة من كل ~~جانب، وليس الدفاع عن حرية الله؛ فهي المصونة فوق كل اعتبار. # 271 # القدرة أمر واقع يجده الإنسان من نفسه. وهي ليست ~~موجودة طول الوقت، بل تظهر بوجود الباعث والغاية ~~والفكرة الموجهة. # 272 # ليست القدرة القوة البدنية وحدها بل ~~القدرة التي تعبر عن الوجود الإنساني كله؛ هي القدرة ~~على إحداث الفعل الاجتماعي وليست مجرد القدرة على ~~تحريك الأعضاء. وكما أن القدرة ليست قوة بدنية، فإنها ~~أيضا ليست ملكة نفسية أو حاسة، بل تعبير عن طبيعة ~~الإنسان ودعوته في الحياة. هي تعبير عن الوجود ~~والطبيعة أكثر منها تعبيرا عن قوة الفعل وملكات ~~النفس. القدرة هي الحياة، والحياة هي القدرة. لا تأتي ~~القدرة إلا من حي، والحي لا يكون إلا قادرا، ليست ~~الحياة هي الحياة العضوية؛ لأن القدرة ليست هي القوة ~~العضلية بل الحياة الفعلية، حياة الخلق والجهد ~~والمقاومة. ليست الحياة هي مجرد الحياة الوظيفية ~~كالتغذي والنمو والتوليد والإحساس والحركة بل هي حياة ~~الوعي والشعور. فإن قيل: هل يكون الإنسان حيا مع ~~قدرته؟ قيل: لو كانت الحياة هي الحياة الوظيفية لجاز ~~أن توجد مع عدم القدرة. أما لو كانت الحياة حياة ~~الشعور والوعي والفعل والجهد والغاية، فإنه لا توجد ~~حياة بلا قدرة، بل تكون الحياة ms126 هي القدرة، والقدرة هي ~~الحياة. فلا حياة لعاجز ولا عجز لحي. ولا يعني استقلال ~~الجواهر هذا الوجود المنفعل، بل يعني عدم ازدهار الجواهر. # 273 # وإذا وجدت قدرة بلا حياة كما هو الحال في ~~التولد، فإن ذلك لا يعني غياب الحياة على الإطلاق، بل ~~وجود الحياة أولا ثم صدور القدرة منها ثم استمرار ~~القدرة كدليل على الحياة؛ لذلك كانت الحياة شرط العلم ~~والقدرة في الصفات. وتزيد القدرة وتنقص، تشتد وتضعف ~~شأنها شأن ظواهر الحياة. وتتحدد الزيادة والنقصان ~~بتوافر وجود عوامل الفعل على الوجه الأكمل: شدة ~~الباعث، وضوح الرؤية، كمال الغاية، طبيعة الموانع ... إلخ. # 274 # وهذا لا يعني أنها عرض لأنها تتغير، بل ~~القدرة جوهر؛ لأن الإنسان بلا قدرة يتحول إلى جماد ~~لا يؤثر بل يقع عليه التأثير. ولماذا يكون الجوهر ~~بالضرورة هو الجماد الذي لا يتغير ؟ لذلك آثر البعض ~~جعلها جوهرا مستقلا توجد أو لا توجد دون أن تتراوح ~~بين الشدة والضعف. وإذا كانت القدرة هي الوجود فإنها ~~تكون أقرب إلى الجوهر؛ فالوجود جوهر. # وتعلق القدرة بالوجود تعلق الفاعل بميدان الفعل؛ ~~فالقدرة تفعل في العالم، وهذا هو تعلقها به ودون أن ~~تكون مصدره. سؤال النشأة سؤال مادي خالص، والقدرة ~~لا تبغي إلا التأثير في الواقع لا البحث عن نشأته ~~المادية. وعدم تعلق القدرة بالوجود المادي هو أنه ~~تعلق خاطئ وإغفال لغاية القدرة وفعلها لا حرصا على ~~تنزيه قدرة أخرى من التعلق بالموجود أو حرصا على ~~الإبقاء على النشأة من عدم. لا يحتاج وصف الكمال إلى ~~تشبيه بقدرة الإنسان وإن كان ما يحدث بالفعل هو ~~التشبيه، إعطاء الكمال صفات الكمال الإنساني ونفي ~~مظاهر النقص عنه. # 275 # ليس الفعل مجرد وجود شيء بعد أن لم يكن؛ ~~فهذا وصف للفعل على مستوى الوجود بعد إسقاط الفعل ~~ذاته، وبإسقاط الفعل يسقط الفاعل. لا يوجد الوجود بلا ~~فاعل. ولا يعدم العدم بلا فاعل. وإذا حدث تغيير في ~~الوجود فذلك يعني وجود فاعل وغاية وقصد بالإضافة إلى ~~القدرة والأثر. # 276 # تثبت القدرة بإثبات الفعل، ويثبت الإنسان ~~قادرا ms127 بإثباته فاعلا على أن يتحقق الفعل بشروطه: ~~الروية والقصد والباعث. فقد يحدث الفعل بلا روية أو ~~قصد أو باعث ولا يثبت أية قدرة إلا بقدرة عقلية ~~عمياء هوجاء. ولا يثبت الفعل بإثبات القدرة وحدها ~~بدليل التولد وهو فعل بدون قدرة. # 277 # قد توجد قدرة دون فعل، وهي القدرة السابقة ~~على الفعل قبل إتيانه انتظارا لتحقيقه، أما إذا ~~وجدت الموانع فإن القدرة في هذه الحالة لا توجب الفعل ~~لوجوب الموانع. # 278 # والفعل هو الفعل الموضوعي، والقدرة هي ~~القدرة الموضوعية. فالفعل والقدرة هما اللذان يوجدان ~~عند الآخرين. # 279 # والقدرة حادثة قادرة على الإيجاد. والدليل على ذلك ~~التجارب الحية عند الإنسان؛ إحساسه بوقوع الأفعال حسب ~~الدواعي والصوارف، يشعر الإنسان بذلك في نفسه ضرورة. ~~وجحد الضرورة جحد للدواعي وللصوارف. كما أن المقدرة ~~الحادثة مناط التكليف، وهو بدوره مناط الثواب والعقاب. # 280 # والقدرة من جنس واحد ، تظهر في محال مختلفة لأن ~~الباعث واحد، والغاية واحدة؛ فالقادر على نصرة المظلوم ~~في جماعة قادر عليه في كل جماعة، والقادر على قول كلمة ~~حق في وجه حاكم جائر قادر عليه في أية جماعة وفي أية ~~لحظة بشرط ارتفاع الموانع. # 281 # ويمكن للقدرة الواحدة أن تحدث عديدات من ~~المقدورات؛ فالقادر على التضحية يمكن أن يضحي بنفسه في ~~سبيل عديد من الأفراد والجماعات. ولكن هذه المقدورات ~~جميعها تهدف إلى غاية واحدة. # 282 # ويمكن أن تأتي القدرة بعديد من الأفعال ~~المتماثلة دون أن تتحول هذه الأفعال إلى تكرار آلي، ~~وذلك لحيوية الباعث، وشوق الفاعل إلى الفعل والاستمرار ~~في الفعل تعبيرا عن كمال طبيعته. ولا يعني ذلك أن ~~جزءا من القدرة يأتي جزءا من الفعل تعبيرا عن كمال ~~طبيعته. ولا يعني ذلك أن جزءا من القدرة يأتي من ~~الفعل لأن القدرة لا تتجزأ كما وكذلك المقدور. ~~تتفاوت القدرة شدة وضعفا، طبقا لشدة الباعث وضعفه، ~~والمقدور طبقا لوجود الموانع أو عدمها. # 283 # وكما تكون القدرة قدرة على المتماثلات فإنها تكون ~~أيضا قدرة على المختلفات. ولا يعني الاختلاف هنا ~~اختلافا في الباعث أو القصد ms128 أو الغاية، بل تباين عديد ~~من البواعث والمقاصد والغايات وتفاوت درجاتها من حيث ~~القيمة والشرف؛ فالقادر على منفعة فرد بعينه قادر على ~~منفعة المجموع طبقا لمدى وقوة الباعث وكمال القصد. # 284 # وكما أن القدرة تأتي بالمتماثلات والمختلفات، فإنها ~~تتعلق أيضا بالمتضادات. ولا يعني التضاد هنا أن ~~الإنسان قادر على إتيان الشيء ونقيضه؛ لأن الغاية ~~توجه السلوك نحو القصد. ورسالة الإنسان ذات خط ~~واحد تعبر عن طبيعته ووجوده، بل تعين إثباتا للحرية ~~لأنه لو لم يكن الإنسان قادرا على الشيء وضده لكان ~~مجبرا على الشيء وغير قادر على سواه. إثبات القدرة ~~على الضد ضرورة نظرية لإثبات الحرية، ثم تأتي الطبيعة ~~فتقدر عمليا على فعل الشيء المحدد بالغاية. # 285 # وقد تكون القدرة على الضدين لاتحاد الباعث ~~والغاية والقصد واختلاف الوضع. القدرة على حب الشعب ~~المضطهد قدرة على كراهية الطاغية. والقدرة على حب ~~العدل قدرة على كراهية الظلم. والقدرة على فعل الإيمان ~~في واقع مبني على الإيمان قدرة على مقاومة الكفر في ~~واقع يدعو إلى الكفر. فإذا كانت القدرة قدرة على شيء ~~واحد لا على ضده يكون ذلك وصفا للفعل الموجه الذي لا ~~يتغير ولا يتبدل ولا يتوقف والذي يعبر عن رسالة ~~الإنسان وطبيعته ومقصده وغايته. إذا كان الموقف نابعا ~~من طبيعة الإنسان فلا يستطيع الإنسان أن يغير طبيعته. ~~أما إذا استوى الطرفان، فإن الدافع الأقوى هو الذي ~~سيحدد أي الفعلين. # 286 # وقد يطرح السؤال بالنسبة للترك أيضا: هل ~~ترك الشيء هو فعل ضده؟ # 287 # والقول بأن القدرة على الشيء هي أيضا قدرة على تركه ~~في حال حدوثه قول مبدئي خالص حتى تكون الحرية ممكنة ~~نظريا. لو لم يكن الإنسان قادرا على الفعل والترك ~~لما كان حرا. الترك هنا دليل على الحرية. والفعل بلا ~~ترك قد يوقع في الجبر. وقد تكون القدرة على الامتناع ~~عن الفعل أكثر تعبيرا عن الاستطاعة والحرية من القدرة ~~على إتيان الفعل. القدرة هي قدرة على الفعل وعلى عدم ~~الفعل. بل إن عدم ذاته نوع من الفعل لأنه إحجام ms129 عنه. # 288 # الترك هو فعل عن طريق الغياب كما أن ~~التولد فعل عن طريق غياب الفعل المباشر. الترك قبل ~~الفعل المباشر والتولد بعده. ليس المهم في الفعل ~~والترك دراستهما على نحو ميتافيزيقي، هل الترك غير ~~التارك وهي قضية الذات والصفات، أو على نحو طبيعي هل ~~هما حركتان للإنسان في الفعل وعدم الفعل على حد سواء. # 289 # المهم دراستهما على نحو سلوكي إنساني ~~خالص. كل فعل إقدام وإحجام. والإحجام أي عدم الفعل هو ~~نوع من الفعل يتطلب جهدا وقدرة واستطاعة وباعثا ~~وقصدا وروية ولكن من الناحية الفعلية، القدرة على شيء ~~طبقا للباعث والغاية والقصد لا تكون قدرة على تركه. ~~فالقادر على التضحية لا يقدر على النكوص، والقادر على ~~خدمة الشعب لا يقدر على الإساءة إليه، والقادر على ~~الجهاد لا يقدر على القعود وإلا ضعف الباعث وضاع القصد ~~وعدمت الغاية. أما الذي لا باعث له ولا قصد ولا ~~غاية فهو قادر على فعل الشيء وتركه. الترك هو مثل الضد ~~أو نصفه. فما أن يحدث الفعل طبقا للغاية والقصد لا ~~يمكن تركه أو تبديله لأنه أصبح تعبيرا عن وجود ~~الإنسان وحياته. إن كان الترك ممكنا قبل الفعل كدليل ~~على الحرية فإنه بعد الفعل يكون قد عبر عن طبيعة ~~الإنسان وحقق غايته ومقصده. # 290 # وكما يسأل: هل الفعل فعل لفعلين؟ يسأل أيضا: هل ~~الترك ترك لمتروكين؟ ولا إجابة إلا بتحليل تجربة ~~بشرية؛ إذ يمكن للإنسان أن يمتنع عن فعلين في آن واحد. # 291 # وكما سئل من قبل: هل يفعل الإنسان ما لا ~~يخطر بباله؟ كذلك يكون السؤال في الترك: هل يترك ~~الإنسان ما لا يخطر بباله؟ # 292 # ولما كان شرط الفعل الروية والقصد، فكذلك ~~شرط الترك. والترك فعل من أفعال القلوب أو الجوارح كما ~~كان الفعل أيضا. # 293 # وكما يحتاج الفعل إلى إرادة يحتاج الترك ~~أيضا؛ فالإرادة إما للفعل أو الترك. # 294 # وقد يتحول الفعل إلى ترك والترك إلى فعل ~~إذا ما تغيرت البواعث والمقاصد. # 295 # وكما يثار في الفعل موضوع استمرار الفعل ~~وبقائه ms130 في الفعل المتولد، كذلك الترك هل هو باق ~~ومتولد؟ فطالما ذهب الباعث والقصد من الترك الأول ~~يظل في الترك الثاني. # 296 # وقد يثار الموضوع نفسه على نحو آخر ~~وبتعبيرات أخرى بدل الفعل والترك مثل الأمر والنهي، ~~والإرادة والكراهة، والإثبات والنفي. وذلك في صيغة ~~مثل: هل الإثبات نفي؟ ويتراوح التحليل بين التحليل ~~للشيء المادي والتحليل للفعل الإنساني أو الجمع ~~بينهما، مثل تحليل الأمر والنهي وكأنهما حركتان وليسا ~~فعلين. ويرجع الخلاف في ذلك إلى إحالة الفعل الإنساني ~~إلى بناء صوري عقلي أو الإبقاء على فرديته ~~وخصوصيته، كما هو الحال في علم الأصول والتوتر فيه بين ~~العقل والواقع. # 297 # ولما كان الفعل واقعا بالقدرة، فإنه يستحيل تكليف ~~ما لا يطاق، سواء في أفعال الشعور الداخلية أو ~~الخارجية، نظرا لمقارنة الإرادة بالمراد، والقدرة ~~بالمقدور، ولأن تكليف ما لا يطاق قبيح ولا يجوز على ~~الله فعل القبح. # 298 # ونظرا لأهمية القدرة بالنسبة إلى الحرية، ~~وعلى نقيض الطاقة في عدم جواز التكليف بما لا يطاق ~~أصبح العجز، وهو نقيض القدرة، أحد مباحث الحرية دون أن ~~يكون كذلك في الجبر أو الكسب اللذين لا يتعلق المقدور ~~فيهما بقدرة الإنسان، بل بقدرة خارجية لا ينتابها ~~العجز بأي حال؛ إذ إنها قادرة على الإطلاق. العجز نقيض ~~القدرة، وهو حالة طارئة على الإنسان تمنعه من ممارسة ~~القدرة. الإنسان حي قادر مستطيع بنفسه لا بغيره، ~~حتى تحدث به آفة وهو العجز. والعجز غير الإنسان. ~~الإنسان من حيث المبدأ قادر على الفعل، وقدرته ذاته، ~~في حين أنه عندما تعرض له آفة يكون الوهن غيره. لا ~~يعني حدوث العجز أن الإنسان مستطيع بغيره، وأن ~~الاستطاعة غيره، بل يعني أن الإنسان مستطيع بنفسه ~~والعجز غيره. القدرة هي المبدأ، والعجز هو الاستثناء. # 299 # ولا يعني العجز أنه ضرورة ما دام حالة ~~عارضة على القدرة، كما لا يفيد أي جبر من البدن أو من ~~العالم الخارجي. # 300 # العجز حالة للإنسان القادر الممنوع من ~~إتيان الفعل، هو حال العاجز. # 301 # وقد يكون العجز منعا من الفعل إما ms131 لقيد ~~وحبس وذلك لزيادة قوة القيد أو لعارض أو لفقد الآلة. # 302 # العاجز عن شيء قادر على أشياء أخرى. يتعين ~~العجز في فعل، لا في كل الأفعال. وما دام العجز حالة ~~طارئة في وقت معين لفعل معين لوجود مانع معين، فإنه ~~إذا ما تغيرت الحالة والوقت ونوع الفعل ظهرت القدرة من جديد. # 303 # العجز الوحيد الدائم هو العجز الذي يستمر ~~لغياب الوعي والهدف والقصد. ولما كان الإنسان رسالته ~~فإن الإنسان نفسه يكف عن الوجود والحياة. الموانع ~~البدنية عارضة كالقيد والحياة العضوية. # 304 # ولا يعني توقفها نهاية القدرة واستمرار ~~العجز لأن الإنسان يكون مؤثرا بعد حياته بعمله وسنته ~~وأفكاره وآثاره وسيرته وقدوته ومثله وغاياته ونموذجه. ~~العجز الدائم ليس توقف الحياة بل توقف الوعي؛ فالحياة ~~هي حياة الشعور. # 305 # إن أفعال الإنسان سواء كانت أفعال القلوب أم أفعال ~~الجوارح لا تتوقف بعد الموت؛ فالذين يقومون بتحرير ~~شعوبهم أو تأسيس نظم يتحرر فيها الناس باقون. أفعال ~~الإنسان ممتدة إلى ما بعد حياته الظاهرة، وكذلك أفعال ~~القلوب كالعلم. إن ما يترك وراءه علما يظل هذا العلم ~~ساريا، مقروءا ومؤثرا وموجها وأصلا للإبداع. # 306 # لذلك ~~قد تكون في الإنسان قدرة ولا يقال قادر لأن القدرة ~~غير ظاهرة، في حالة من الإمكانية لوجود موانع أمامها ~~بدنية أم اجتماعية، داخلية أم خارجية. # 307 # وتختلف أشكال ظهور القدرة باختلاف درجات ~~الموانع؛ فالموانع البدنية كالقيد والحبس تمنع من ~~الحركة التامة؛ والموانع الفكرية كالإرهاب والرقابة ~~تمنع من القول. ومع ذلك، لا تعدم القدرة حيلة للظهور ~~مهما تعددت الموانع. ويظل الإنسان قادرا باستمرار على ~~إظهار قدرته على أي نحو. وإن لم تظهر القدرة لكان ذلك ~~تبريرا للعجز أو هروبا من الفعل. الممنوع من الفعل ~~قادر عليه بمجرد غياب الموانع. # 308 # يحدث العجز بمجرد وجود المانع، فإذا وجد ~~المانع في الحال الأول لم يحدث الفعل، وإذا وجد في ~~الحال الثاني حدث الفعل في الأول ولم يحدث في الثاني. # 309 # ولا يعدم الفاعل بالرغم من الموانع ~~استعمال طاقاته الكامنة لرفع الموانع ثم الإتيان ms132 ~~بالفعل؛ فالقدرة لها الأولوية المطلقة على المانع. ~~هناك قدرة أولى وليس هناك مانع أول. والمقدور لا ~~يتجزأ كما؛ فلا يقال مثلا إن القادر على شيء يقدر ~~على الأقل منه أو على الأكثر منه؛ لأن القدرة والمقدور ~~ليسا كما فحسب. الفعل مجموعة من العوامل البدنية ~~والنفسية معا؛ فالقادر على شيء قد يقدر على أعظم منه ~~لو توافر الباعث القوي. وقد لا يقدر على أقل منه لو ~~ضعف الباعث. ومن الناحية البدنية هناك حدود للطاقة ~~الإنسانية، ولكنها من الناحية النفسية لا حدود لها. # 310 # القدرة لا تتجزأ والمقدور لا يتجزأ بل ~~تتفاوت القدرة بين الشدة والضعف حسب قوة الباعث وكمال ~~الغاية. ليست القدرة كما فحسب بل هي أيضا كيف. # 311 # وإذا لم ~~يتحقق الفعل كله ~~وتحقق جزء منه يكون أيضا أقرب إلى الفعل الكامل من ~~غياب الفعل كله. مهمة الفعل الكامل احتواء الفعل ~~الجزئي وجعله جزءا منه. فالدفاع عن القومية مثلا جزء ~~من الفعل الكامل يمكن احتواؤه في الدفاع عن الإنسانية. ~~وهذه الموضوعات في الحقيقة كما عرضها القدماء بالرغم ~~من أهميتها في تحليل القدرة والطاقة والفعل والمانع، ~~وبالتالي الإبقاء على مستوى الفعل الإنساني دون وقوع ~~في الاغتراب والتعمية في الآخر تظل صورية عقلية ~~افتراضية أكثر منها عملية واقعية تشير إلى موضوع ~~معين. ونظرا لهذا الطابع الصوري الافتراضي يصعب ~~الإجابة على كثير من هذه التساؤلات إجابات صورية ~~خالصة. بل إنه ليس لها أية إجابات صورية خالصة دون ~~الإشارة إلى مواقف اجتماعية معينة تظهر فيها القدرة ~~أو العجز ودون الإشارة إلى تجربة خاصة تظهر فيها ~~البواعث والمقاصد والغايات. وهل تستطيع الإجابة ~~الصورية على موضوع صوري سواء نفيا أم إثباتا تغيير ~~واقع أو تقرير مصير البشر؟ ~~(3-5) الاستطاعة # الاستطاعة أظهر في أفعال الجوارح منها في أفعال القلوب. # 312 # وهو لفظ آخر يعبر عن معنى القدرة ولكن ~~بصورة أخص وفي فعل يعينه. فإذا كانت القدرة مرتبطة ~~بالوجود والحياة، فإن الاستطاعة مرتبطة بالفعل والطاقة ~~والزمان. وإذا كانت القدرة تعبيرا عن فاعلية الإنسان ~~العامة كتعبير عن وجوده وحياته ms133 ورسالته، فإن الاستطاعة ~~هي التعبير الخاص عن قدرته على فعل محدد في الزمان. ~~فما الاستطاعة؟ # إن تعريف الاستطاعة بأنها الصحة والسلامة، أي القدرة ~~البدنية اللازمة للقيام بالفعل تعريف مادي خالص. ~~وتكون الصحة أحيانا بديلا عن القدرة أو على الأقل ~~مساوية لها. ويكون الإنسان القادر هو الإنسان صحيح البدن. # 313 # وتشمل الصحة التخلي عن الآفات والأمراض ~~والموانع. والحقيقة أن الاستطاعة أكثر من مجرد سلامة ~~البدن لأن سلامة البدن ما هي إلا محل للاستطاعة ~~البدنية. تشمل الاستطاعة الباعث والقصد والغاية فهي ~~ليست مجرد عرض بل جوهر. وهي أكثر من اعتدال المزاج بل ~~قدرة زائدة على سلامة البنية والمزاج معا. # 314 # كما أن الاستطاعة ليست مجرد الآلة التي ~~يقام بها الفعل؛ ~~آلة بدنية كاليد أو الرجل أو آلة خارجية. فالآلة وسيلة ~~لإيصال القدرة وأثرها دون أن تكون هي ذاتها قدرة ~~بالآلة والقدرة حتى يصح الفعل. # 315 # أما إذا كانت الاستطاعة هي التخلية، ~~تخلية الشئون، فإنها في هذه الحالة لا تتعدى ارتفاع ~~الموانع، أما إذا عنت بالتخلية مجرد تخلي أية إرادة ~~خارجية عن التدخل في قدرة الإنسان وترك الإنسان القيام ~~بالفعل فإنها تكون رجوعا إلى الكسب ولكن على نحو ~~سلبي. فالكسب هو تدخل إرادة خارجية في قدرة الإنسان. ~~وفي كلتا الحالتين يفترض التدخل والكسب أن الجبر هو ~~الحال الدائم وأن الاختيار حال عارض ينشأ من الكسب ~~بخلق قدرة على الفعل في لحظة القيام بالفعل أو في ~~التخلي بتخلي الإرادة الخارجية المشخصة عن الجبر ~~الدائم والسماح بحرية وقتية للإنسان للقيام بالفعل. # 316 # وقد تكون الاستطاعة مجموعة هذه العوامل ~~كلها كالصحة وتخلية الشئون والمدة والآلة والباعث. # 317 # كذلك قد تتحدد الاستطاعة تحديدا شاملا ~~فتكون كل ما ينال الفعل به. ومع أن هذا التحديد مأمون ~~من الخطأ، إلا أنه لا يعطي هذه العوامل ولا يشير إلى ~~أي شيء معين. # 318 # وقد تعرف الاستطاعة تعريفا معنويا ~~خالصا دون الإشارة إلى أي محل مادي. حينئذ تكون ~~الاستطاعة مجرد معنى. والمعنى المجرد لا وجود له. ~~أما إذا كان ~~المعنى هو ms134 الإشارة إلى الأساس النظري للفعل فإنه يكون ~~معنى موجودا مؤثرا في الفعل. # 319 # وعلى الطرف المقابل للتعريف الصوري الخالص ~~هناك التعريف المادي الصرف الذي يجعل من الاستطاعة ~~مجرد الجسم أو أحد أبعاض الجسم أو نفس المستطيع. # 320 # وتقتضي حرية الأفعال أن تكون الاستطاعة قبل الفعل ~~حتى يكون الفعل ممكنا بعد الاستطاعة، وحيث يتأتى ~~الفعل بإرادة الإنسان الموجودة من قبل وبقراره الذي ~~هو صنعه وبباعثه الذي يدفعه وبغايته التي يسير نحوها. # 321 # ولا يعني تقدم ~~الاستطاعة على ~~الفعل أن الفعل متحقق بالضرورة؛ إذ لا يتحقق الفعل إلا ~~بتوافر شروط الفعل كلها. لا يوجب تقدم الاستطاعة على ~~الفعل بالضرورة وإن كانت تمهد له إمكانياته. # 322 # وبالتالي تكون الإجابة على سؤال: هل الفعل ~~واقع بالاستطاعة؟ كالآتي: إذا وجدت الاستطاعة وتوافر ~~الباعث والداعي ووضح المقصد وكملت الغاية وامتنعت ~~الموانع وقع الفعل. أما إذا توافرت الاستطاعة، ووجدت ~~الموانع، فإن الاستطاعة تظل إمكانية خالصة دون تحقق. ~~قد توجد الاستطاعة دون فعل إذا لم تتوافر شروط تحقيق الفعل. # 323 # كما لا يعني تقدم الاستطاعة على الفعل أن ~~تكون الاستطاعة قادرة على فعل أي شيء ممكن أو غير ممكن ~~ما دامت هناك استطاعة ؛ فالاستطاعة موجودة في حدود ~~الطاقة الإنسانية، والفعل ممكن في حدود القدرة ~~الإنسانية، موجها بالباعث والقصد والغاية. # 324 # ولا يعني تقدم الاستطاعة على الفعل تقدما ~~مطلقا أي تقدما سابقا على وجود الإنسان؛ فقبل ~~الإنسان لم تكن هناك استطاعة. # 325 # كما لا تعني الاستطاعة قبل الفعل أنها ~~عرض؛ لأنها لا توجد في حالة إمكانية لم تستعمل بعد، ~~بل إنها وجود كامن، وأن الإنسان هو الذي يحول هذا ~~الكمون إلى واقع. # 326 # والأمر أيضا كالاستطاعة واقع قبل الفعل. ~~وكيف يأتي أمر في التو واللحظة ويكون مضمون الوقوع؟ ~~ومتى يتم التأمل والتدبر فيه حتى يمكن التخطيط له؟ ~~ومتى يتحول الأمر إلى أساس نظري للفعل؟ ومتى يحلل ~~ميدان الفعل طبقا للأمر المتوقع؟ قد يحدث ذلك في صدور ~~الأمر لأول مرة حيث يتحقق إلى فعل مباشرة. ولكن بعد ~~وجود الزمن قد ms135 يوجد في الزمن قبل وجود الفعل التالي، ~~وهو ما تحقق في حال الأمر. وقد يتأخر الفعل لنقص في ~~الفهم أو لضعف في الباعث، ومع ذلك يكون الأمر قائما. # 327 # والتقدم والمقارنة للاستطاعة والفعل لا يتمان على ~~مستوى الفعل الطبيعي أو الفعل الآلي، بل في الفعل ~~الحيوي أي في الفعل الاجتماعي. # 328 # ولهذا توجد علتان: علة قبل الفعل وعلة ~~مصاحبة للفعل. الأولى هي الاستطاعة السابقة على الفعل ~~والتي لأجلها صدر الأمر، والثانية الاستطاعة في حال ~~الفعل التي بها يحقق الإنسان الفعل والتي بها يحول ~~الإمكانية الأولى إلى واقع متحقق. العلة الأولى ~~اختيارية خالصة، فالإمكانية موجودة لمن يحققها، ~~والثانية اختيارية ناشئة عن شدة الباعث ووضوح الفكر. # 329 # الأولى قبل الفعل والاستطاعة المبدئية، ~~والثانية في حال الفعل وهو الاستطاعة المتجددة التي هي ~~على حافة الإمكان والوقوع. # 330 # والحقيقة أن الاستطاعة واحدة قبل الأفعال ~~ومعها وهي الاستطاعة الناشئة من تحمل الإنسان لرسالته ~~ومسئوليته عنها. وهي موجودة دائما كإمكانية حتى ولو ~~لم يوجب الفعل. ولا تغني مطلقا حتى ولو لم يتحقق أي ~~فعل، بل تظل حتى بعد تحقق فعل واحد كي تتحقق بها ~~أفعال أخرى. ليس الإنسان مجموعة متفرقة من الاستطاعات ~~يتمكن بها من إتيان مجموعة أخرى متفرقة من الأفعال. ~~الإنسان رسالة يعبر عنها بأفعال متصلة تكون حياته. # 331 # ويكون كمال الغاية تعبيرا عن رسالة ~~الإنسان وازدهار الطبيعة وتحقيقا لوجوده إذا وضح ~~الموقف وتوتر الشعور وإذا ما ابتعد الواقع إلى أقصى حد ~~عن الموقف الطبيعي، وهو الموقف المثالي، وإذا ما اشتدت ~~الرسالة في الإنسان إلى أقصى حد حتى الحلقوم. ليس ~~الفعل لحظة واحدة بل هو وجود في الزمان. ولا يتم في ~~مرحلة واحدة في آن واحد بل يتم في الروية، ويبدأ ~~بوجود الباعث وضوح الفكر وكمال ~~الغاية وغياب ~~الموانع واختيار لحظة التاريخ طبقا لمسار التاريخ ~~ودرجة تحمل الواقع. ليس الفعل إذن واقعة واحدة تتم في ~~آن واحد، بل هو وجود مستمر في الزمان. # 332 # والأمر باق إلى حال الفعل، ولا يوجب ~~التكرار، بل يظل نداء ms136 إلى الفعل وتوجيها له. وإن لم ~~يوجد العمل يبقى النظر فعلا لم يتحقق وإمكانية لم ~~تتحول بعد إلى واقع. # 333 # ولا يوجد أمر إلا إذا كان متحققا، ولا ~~يكون الأمر متحققا إلا إذا آن الزمن واستعد الواقع ~~لتقبله. ولو أتى الأمر قبل أن يحين الزمن لما تحقق ~~ولكان تكليفا لما لا يطاق. ولو أتى الأمر بعد أوان ~~الزمن لكان تخليا عن الواقع وتركه بين المد والجزر ~~إلا من طبيعة خالصة توجهه. قد توجد في كمالها وقد لا ~~توجد، ما دامت خالية من الفعل الإنساني. # 334 # إذا تم الفعل في زمانه وبغاية متحدة مع ~~كمال الطبيعة ومسار التاريخ لا تنشأ الحركة الارتدادية ~~ولا الحركة القافزة على المراحل. الفعل استطاعة وزمان ~~وتاريخ. ~~(3-6) التمرينات العقلية # والحقيقة أن معظم المشاكل حول القدرة الإلهية ~~والقدرة الإنسانية هي في حقيقة الأمر تمرينات عقلية، ~~القصد منها المزايدة في الإيمان وإثبات أولوية القدرة ~~الإلهية على القدرة الإنسانية؛ مما أوجب الدفاع عن ~~القدرة الإنسانية دون ما نفاق أو مزايدة. وكلها مشاكل ~~موضوعة وضعا خاطئا ولا حل لها إلا بعد تصحيح وضع ~~السؤال أو وضع ~~السؤال الصحيح. حلها في المنهج لا في الموضوع. والسؤال ~~الصحيح يأتي من الموقف الصحيح للمتكلم، هل هو إله أم ~~إنسان؟ هل وظيفته الدفاع عن حق الله أم الدفاع عن حق الإنسان؟ # 335 # وتظهر هذه التمرينات في عدة أسئلة مثل: ~~(1) # هل يقدر الله على فعل المحال؟ وطبعا ~~تكون الإجابة بنعم في المحالات الأربعة، ~~المحال بالإضافة والمحال في الوجود ~~والمحال في بنية العقل والمحال المطلق في ~~ذات الله. # 336 # ولماذا تتوقف المزايدة؟ ألا ~~يقدر الله أن يغير ذاته؟ وكيف يكون المحال ~~في العقل وفي الطبيعة ممكنا؟ ألا يكون ~~ذلك هدما لبنية العقل وقضاء على قوانين ~~الطبيعة؟ كيف يثق الإنسان حينئذ بقدراته ~~الفكرية وبعالمه الذي يعيش فيه لو أمكن ~~تغيير قوانين العقل وانقلاب قوانين ~~الطبيعة؟ هل إثبات القدرة الإلهية يكون ~~بالضرورة على حساب استقلال العقل وثبات ~~قوانين الطبيعة؟ وهل يرضى الله أن يكون ~~إثبات قدرته على حساب ms137 الإنسان والعالم؟ ~~أليس ذلك مزايدة في الإيمان أو تملقا ~~للسلطة أو كلاهما معا؟ ولماذا يكون عقل ~~الإنسان وعلمه وعالمه ومجتمعه هو الضحية؟ ~~وفي سبيل من: الله أم السلطان؟ وهو السؤال ~~التالي نفسه: هل يقدر الله على أن يجعل ~~شيئا موجودا معدوما في وقت واحد أو ~~جسما في مكانين أو جسمين في مكان ~~واحد؟ ولما كانت الإجابة بنعم بطبيعة ~~الحال كانت صورة الله أشبه بصورة الحاوي ~~أو الساحر الذي يوهم الناس بأشياء في ~~اليقظة أو في النوم. وكذلك السؤال حول ~~قدرة الله على أن يمسخ الكافر قردا ~~وكلبا، مجرد سؤال لإعطاء المزايد الفرصة ~~للتعظيم والتأليه والإجابة المسبقة ~~بنعم! ~~(2) # هل الله قادر على جنس ما أقدر عليه ~~عباده؟ وفي هذا السؤال تنتقل التمرينات ~~العقلية من الطبيعة إلى الإنسان، ومن ~~الرغبة في القضاء على الأجسام وقوانين ~~الطبيعة لإثبات القدرة المشخصة المعظمة ~~إلى الرغبة في القضاء على الحرية ~~الإنسانية لإثبات القدرة المطلقة الحرة ~~التي لا تقف أمامها قدرة حرة أخرى. وقد ~~يكون إثبات القدرة رغبة في عدم الوقوع في ~~التشبيه. فبالرغم من أن الفعلين من جنس ~~واحد إلا أنهما غير متشابهين. # 337 # ويتجاوز السؤال فيتعدى كونه ~~مجرد إعطاء فرصة للشعور لأنه من الطبيعي ~~أن يقدر الله على جنس ما أقدر عليه عباده. ~~وإثبات ذلك في الحقيقة لا يدل على عظمة ~~زائدة، بل يكون مجرد تحصيل حاصل؛ لأن الله ~~يقدر بطبيعة الحال على ما يقدر عليه ~~الإنسان حتى لو كانت الإجابة المرجوة ~~إثباتا للتعظيم، فلا يجوز عليه أن يقدر ~~على ما يقدر عليه الإنسان، بل على أعظم ~~منه، فإن القدرة على جنس الفعل لا تزيد ~~كثيرا على القدرة على الفعل نفسه إلا ~~درجة لا نوعا إن لم تكن أقل. فما أسهل ~~الفعل عن طريق المبدأ العام الذي تندرج ~~تحته الأفعال الخاصة! وما أصعب الفعل ~~الخاص الفريد الذي لا يندرج تحت جنس معين! ~~ويصبح للسؤال مدلول حقيقي إذا واجهت ~~القدرة الفعل الإنساني الحر؛ وبالتالي ~~يكون السؤال: هل تستطيع القدرة المعظمة أن ~~تسيطر على الفعل الحر وتقضي ms138 عليه؟ والرد ~~بالإثبات يعني أن القدرة المعظمة لها ~~الأولوية والسيطرة على كل شيء حتى على ~~الفعل الحر. # 338 # والرد ~~بالنفي ~~يكون إما لأن ذلك يثبت عظمة زائدة فما ~~أسهل أن يقدر الله على ما أقدر عليه ~~عباده، وإما إثباتا للفعل الحر ~~واستقلاله كاستقلال الطبيعة. # 339 # ولإثبات الحرية يكون السؤال ~~نفسه موضوعا وضعا خاطئا، فإن الله لا ~~يقدر أحدا من العباد على فعل شيء بل ~~يفعل الإنسان من ذاته طبقا لقدرته. # 340 # ومن الطبيعي أن تكون الإجابة ~~إثباتا حتى عند المدافعين عن حرية ~~الأفعال وقدرات العباد. فالمزايدة بديهية، ~~وتملق الحس الديني لا يتنازل عنه العلماء ~~أو العامة، بل إن الأعظم هو إثبات أن الله ~~أقدر على فعل أجناس أخرى لا يقوى على فعل ~~أفرادها قدرات العباد، أجناس غير مرئية ~~يجهلها العباد أو مرئية يعلن العباد عن ~~عجزهم أمامها مثل الطيران في الهواء أو ~~اختراق حجب الفضاء أو السير على الماء. # 341 ~~(3) # هل الله قادر على ما أقدر عليه عباده؟ ثم ~~يتعين السؤال أكثر ويتوجه ليس إلى جنس ~~الفعل بل إلى ذات الفعل. فإذا كان المقصود ~~به إعطاء فرصة للشعور للتعبير عن عواطف ~~التعظيم والإجلال، فإن السؤال لا يعطي هذه ~~الفرصة؛ لأنه ما أسهل على القدرة المعظمة ~~أن تقدر على ما يقدر عليه الإنسان. وإذا ~~كان المقصود هو إثبات قدرة مطلقة تحتوي ~~على أية قدرة أخرى خارجها أي القدرة ~~الإنسانية، فإن ذلك يكون تحصيل حاصل؛ لأنه ~~ما أسهل من إثبات قدرة مسيطرة على قدرة ~~الإنسان كقوى الطبيعة مثلا، ولكن ما ~~أقساها على الإنسان ذاته بالرغم من ~~استطاعة الإنسان السيطرة عليها! # 342 # وقد يعطي الرد بالنفي هذه ~~الفرصة لأن الله لا يقدر على ما يقدر عليه ~~الإنسان ~~لأنه ~~يقدر على أعظم منه. يفعل الإنسان الممكن ~~ولكن الله يفعل المستحيل. وفي هذه الحالة ~~يكون المقصود هو تجاوز الممكن إلى ~~المستحيل. وقد يكون المقصود إثبات الحرية ~~الإنسانية التي تعادل على المستوى الطبيعي ~~استقلال الطبيعة عن تدخل أية قوة مشخصة ~~من خارجها. # 343 # وقد يكون الرد ms139 بالإيجاب دون ~~تعد على الحرية الإنسانية، فتثبت القدرة ~~الأولى مطلقة ويكون الفعل منها بالضرورة، ~~وتثبت القدرة الثانية محددة ويكون الفعل ~~منها كسبا. # 344 # إذ تحاول نظرية الكسب الجمع ~~بين إثبات القدرة المعظمة والفعل الإنساني ~~المستقل، ويكون الإنسان حينذاك قادرا على ~~الكسب، عاجزا عن الخلق. # 345 # وقد يتعدى السؤال إلى تعلق ~~قدرة الله بأفعال العباد جميعا من ~~الحيوانات والملائكة والجن والإنس، وإثبات ~~قدرة الله المطلقة؛ فلا خالق ولا مخترع ~~سواه، خاصة وأن قدرات العباد لا تعلم ~~الخلق ولا تجد في حركاته وسكناته حتى تكون ~~قادرة عليه. والحقيقة أن كل ما يحدث في ~~الطبيعة، امتصاص الثدي من فعل الحي ونسج ~~بيوت العنكبوت بأشكال هندسية لا يقدر ~~عليها المهندسون، إنما يتم طبقا لقوانين الطبيعة. # 346 # ولا حل لذلك إلا الكسب، أي ~~إثبات مقدور لقادرين؛ تجنبا للجبر الذي ~~ينفي مقدورات العباد، وتجنبا لحرية ~~الأفعال التي تنفي القدرة الإلهية. ولماذا ~~يعطى الإنسان أقل من حقه بافتراض أن غيره ~~قادر على ما هو قادر عليه، بل وأعظم منه ~~يتدخل في شئونه ويسير له حياته؟ وكيف ~~تصبح قدرة الله قادرة على أفعال العباد، ~~وأفعال العباد بها من الشرور والآثام ما ~~لا يعد ولا يحصى؟ هل الله قادر على فعل ~~الزنا وشرب الخمر وقتل الأبرياء وظلم العباد؟ # 347 # إن إثبات قدرة إنسانية هو ~~إثبات لواقعة إنسانية وتجاوز لانفعالات ~~عواطف التأليه. وقد يكون ذلك على نحو آخر ~~إثباتا لتنزيه أعظم يقدر الحرية ~~الإنسانية ويرد إليها اعتبارها. ليس ~~المقصود من أمثال هذه الأسئلة المصالحة ~~بين القدرتين كما هو الحال في نظرية ~~الكسب بل المقصود تدمير الإنسان الواقعي ~~وإثبات الإنسان «السوبرمان»، أي لله. # 348 ~~(4) # هل يقدر الله على أن يقدر أحدا على ~~فعل الأجسام، الحياة أو الموت؟ ثم يخصص ~~السؤال أكثر فأكثر ويتوجه نحو الطبيعة ~~من جديد. وهنا لا تظهر القدرة المعظمة في ~~فعل جنس الفعل أو ذات الفعل، بل داخل ~~الفعل، فتوجهه وتقويه وتجعله قادرا ~~على الخلق كالقدرة والعظمة. فإذا كان ~~المقصود هو إتاحة الفرصة للشعور للتعبير ~~عن عواطف التأليه، ms140 فما أسهل ذلك! أما ~~إذا كان المقصود إثبات قدرة فاعلة ضد ~~طبائع الأشياء، فالإنسان لا يميت ولا ~~يحيي؛ فإنها تكون فرصة عظيمة تسمح بإثبات ~~هذه القدرة. الإنسان بمفرده يسير طبقا ~~لطبائع الأشياء، ولكنه بتدخل القدرة ~~المعظمة يسيطر عليها ويقلبها رأسا على ~~عقب، يحيي الميت ويميت الحي. # 349 # وفي هذه اللحظة يكون إثبات ~~مثل هذه القدرة نفيا للحرية الإنسانية ~~ولاستقلال الطبيعة، ويكون نفيها إما ~~إثباتا للتنزيه؛ فإن تدخل القدر المعظمة ~~في الفعل الإنساني لا يثبت تنزيها أعظم، ~~وإما إثباتا للحرية واستقلال قوانين الطبيعة. # 350 # أما نفيها لأن الله أعجز ~~الإنسان فهو رجوع إلى إثباتها ما دام الله ~~قد أعجز الإنسان. # 351 # وقد يجمع بين الإثبات والنفي ~~لا في الفعل الإنساني بل في التمييز بين الموضوعات. # 352 # وكما تسلب الصفات المطلقة ~~الإنسان حريته وتحيله إلى أقل من إنسان لا ~~فعل له ولا خيرة له من أمره. لم يكن ~~الإنسان هو نفسه بل كان مرة أقل من إنسان ~~ومرة أخرى أكثر من إنسان. # وبالرغم من كل محاولات الفكر العلمي ~~الذي يقوم على طبائع الأشياء، والفكر ~~الإنساني الذي يقوم على إثبات الحرية ~~الإنسانية وفعل الأصلح، فإن القدرة ~~المعظمة تفرض نفسها من خلال عواطف التأليه ~~وتمثل شبح السلطة الرهيب. فكما أن العلم ~~المطلق لا يغيب عنه شيء، فكذلك القدرة ~~المطلقة لا يند عنها شيء. وإذا كان شبح ~~العلم المطلق يظهر في الحياة الإنسانية في ~~صورة المخابرات العامة، فإن القدرة ~~المطلقة تظهر في صورة الدكتاتور الذي يفعل ~~كل شيء والذي يمتد سلطانه على كل صغيرة وكبيرة. # 353 # ويكون الموقف الشعوري الذي ~~يرفض الدخول في أمثال هذه التمرينات ~~العقلية للتعبير عن عواطف التأليه، هو ~~الموقف الذي يرفض النفي والإثبات والحلول ~~الوسط، ويتوقف عن الحكم، ويلغي المشكلة ~~التي يقدمها العقل طوعا للشعور. # 354 # وبالرغم من أن التوقف عن ~~الحكم لا يعطي الأسباب خوفا من الدخول في ~~المتاهات العقلية التي يرفضها، فإنه أسلم ~~المواقف الشعورية وأكثرها أمانة. يكفي ~~بعدها تحليل المتاهات العقلية وبيان دورها ~~كتمرينات يقدمها العقل للشعور دون ms141 أن يشير ~~إلى أي موضوع خارجي. # هذا الموقف في الحقيقة يكشف عن البناء ~~النفسي للقائل أكثر مما يحتوي على إجابة ~~موضوعية أو إقرار حقيقة. ويتلخص هذا ~~البناء النفسي في الإحساس بالضعف ثم في ~~الرغبة في التستر عليه أو تقويته باللجوء ~~إلى قوة أعظم. وهنا يفترض الإنسان قوة ~~أعظم من قوته وحقا أكثر من حقه، وكأنه ~~لما لم يستطيع أن يكون إنسانا أصبح أكثر ~~من إنسان! ويحدث ذلك تعبيرا عن عجز ~~الإنسان بالضد عن طريق التعويض وإعطائه ~~قوة أعظم منه. وثبات ذلك في الحقيقة وقوع ~~في التشبيه؛ تشبيه الله بالسلطان القاهر ~~وتدمير الحرية الإنسانية. كما أنه إعلاء ~~للإنسان إلى درجة الله وجعل قدرته مساوية ~~لقدرة الله ومشاركته في الخلق معه، وهو ~~غير المقصود منه؛ مما يدل على أن عواطف ~~التأليه والتعظيم والإجلال عواطف عمياء ~~هوجاء، مناقضة لنفسها، تعمل ضد مقاصدها. ~~وبالرغم من ذلك تظل قدرة الإنسان محدودة؛ ~~فالله أقدر منه. وإن ما يبدعه الإنسان ~~يلحقه الكون والفساد، في حين أن ما يبدعه ~~الله لا يلحقه الكون والفساد حتى يظل الله ~~متقدما على الإنسان ولو بدرجة واحدة. ~~كما أنه إبطال للخلق، ودلالة الخلق على ~~الخلق ووحدانيته، وإثبات للشركة فيه بين ~~الله والإنسان. فالإثبات يؤدي إلى غير ~~المقصود منه، ويدل على نقص في النظرة ~~العلمية، وتحليل الأشياء بالرجوع إلى علل ~~خارجية وليس من باطنها، وكأن الظواهر ~~الطبيعية في يد إرادة قاهرة تسيرها كيفما ~~تشاء، تقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا. ~~وإن تفسير النشأة الطبيعية للكون لا يحدد ~~من سلوك الإنسان؛ فخلق الكون شيء وخلق ~~الفعل شيء آخر. وكيف يسلب من الإنسان ~~فعله وهو حي ويعطى له وهو ميت؟ قد يبلغ ~~التعظيم مداه على حساب الإنسان عندما يكون ~~المعبود قادرا على خلق إنسان ميت قادر! ~~وهذا في الحقيقة تعبير عن عواطف التأليه ~~وإلغاء للموقف الإنساني من أجل التأليه ~~لدرجة افتراض المستحيل عمله، ثم من أجل ~~إثبات المؤله وحده قادرا على فعل ~~المستحيل مثل فعل الأجسام أو خلق الحياة ~~أو الموت. إن الإنسان لا يفعل إلا ms142 في ~~موقف إنساني ولا تظهر قدرته إلا في ~~مستواها. وإن عدم القدرة على السير في ~~الهواء أو التنفس في الماء ليس نقصا في ~~القدرة، ولكنه إخراج للقدرة عن مستواها. ~~السؤال إذن من أوله سؤال خاطئ بالنسبة ~~إلى الواقع وإلى حدود القدرة الإنسانية ~~التي لا تثبت أي عجز أو نقص في مقابل ~~قدرة أعظم وأشمل. # 355 # وقد تكون هناك محاولة للتوفيق ~~بين القدرتين، القدرة الإلهية والقدرة ~~الإنسانية، أو القدرة الإلهية وقوانين ~~الطبيعة، فتستثنى الحياة والموت والجواهر ~~والأجسام ولا يبقى لله إلا الأعراض، وهذا ~~حطة في شأن الله. كما أنها محاولة خاسرة ~~لأنها تجعل الطبيعة صامدة من حيث هي جواهر ~~وأجسام أمام القدرتين معا، فيثبت عجز ~~القدرة الإلهية ويظهر مستوى القدرة ~~الإنسانية في خلق الأفعال لا في خلق الأجسام. # 356 # أما الإجابة بالنفي فإنها ~~تكون في نفس الوقت إثباتا للتنزيه ~~وإثباتا للحرية الإنسانية. # 357 ~~(5) # هل أفعال الله مختارة؟ يظهر هذا السؤال ~~الأخير كعود على بدء ليطرح موضوع الإطلاق ~~والتقييد. الفعل المختار هو الفعل المقيد ~~الذي اختير بباعث آخر سوى الفعل كالأصلح ~~مثلا، في حين أن الاختيار نفسه مطلق غير ~~محدود بباعث آخر سوى القدرة المطلقة. ~~إثبات المختار حد من القدرة المعظمة ~~وتأكيد لوجود طرف آخر له استقلاله وحريته ~~وهو الإنسان. وإثبات الاختيار إثبات ~~للقدرة المطلقة وللحرية التي لا تقوم على ~~أي باعث إلا كمظهر للقدرة والتي تلغي ~~أمامها كل حرية إنسانية أخرى . بل قد وصل ~~الحد في تأكيد صفة الاختيار إلى اعتبارها ~~صفة. من الحياة والعلم والإرادة والقدرة ~~تتولد قدرة خامسة وهي الاختيار للتأكيد ~~على الفعل الحر ولكن كل ذلك لله وليس ~~للإنسان. وهو اختيار على مقتضى العلم ~~والإرادة، ولا يصدر عن أية علية أو ~~استلزام وجودي أو تكليف أو قصد أو مصلحة. ~~ولكن أية عظمة في مثل هذا الاختيار الذي ~~لا يحكمه قانون ولا تحدده غاية؟ # 358 # والحقيقة أنها مشكلة ~~إنسانية خالصة، وهي مشكلة الاختيار ~~يسقطها الإنسان خارج ذاته على التأليه ~~لمشخص ولا تحل إلا بإرجاعها إلى أصلها ~~في التجربة الإنسانية. ms143 أما الحلول ~~المتوسطة فإنها تكشف عن استحالة تصور ~~الاختيار المطلق حتى في الله وكأن الجبر ~~لا بد وأن يتسرب، وكأن الضرورة هي الجوهر ~~والحرية هي العرض، وكأن الضرورة هي الوجود ~~والحرية هي العدم. # 359 # وعجبا! إذا كان المقصود هو البحث في ~~الحرية الإنسانية، فإن محاولة إثبات الضعف ~~الإنساني لإثبات قدرة أعظم هي تخل عن ~~القضية الأساسية وتملق للقدرة الجديدة ~~المراد إثباتها على حساب قدرة الإنسان ~~المنكرة. إنها ليست مجرد مسألة لفظية، ~~بالرغم من قدرة تحليل اللغة على تحديد ~~أشكال التعبير، ولكنها أعمق من ذلك، وتعبر ~~عن عواطف التأليه والتعظيم والإجلال التي ~~تفرض على العقل مقولاتها وعلى اللغة ~~ألفاظها، وتعطي لله كل الحقوق وتسلب ~~الإنسان جميع الحقوق. إن علم الله لا يعني ~~الجبر، بل الحق النظري لله؛ لأن الجبر هو ~~سلب الاختيار، والاختيار واقع بالمشاهدة ~~والحس والتجربة. ولا يتعلق الاختيار ~~بالإيجاد بل بالتأثير، بالفعل والترك ~~فيكون حسنا مرة وقبيحا مرة أخرى؛ لذلك ~~تتفق جميع فرق العقلاء على الاختيار كمناط ~~للتكليف وكفعل للإنسان. # 360 # | رابعا: أفعال الشعور في الطبيعة # إذا كانت أفعال الشعور الداخلية هي أفعال القلب وأفعال ~~الشعور الخارجية هي أفعال الجوارح، فإن أفعال الشعور في ~~الطبيعة هي أفعال الشعور في العالم وأثرها في الأشياء وهو ما ~~عرف عند القدماء باسم التولد، فالتولد مرتبط بأفعال الشعور في ~~الطبيعة أكثر من ارتباطه بأفعال الشعور الداخلية أو أفعال ~~الشعور الخارجية؛ نظرا لارتباطه بالعلم الطبيعي. وكأن المقصود ~~منه ليس دراسة الأفعال وعلاقاتها بالبواعث والدوافع، أي بدايات ~~الفعل، بل بالنتائج والغايات أي ثمرات الأفعال في الطبيعة. # 1 # لذلك يظهر التوليد عند القدماء جزءا من خلق ~~الأفعال، تنطبق عليه نظريات الجبر والكسب والحرية، سواء في ~~أفعال الشعور الداخلية أم في أفعال الشعور الخارجية، سواء في ~~نظرية العلم في توليد النظر للعلم كفعل داخلي للشعور أو في ~~نظريات الحركة، توليد الحركة في المتحرك كفعل خارجي للشعور. # 2 # ويؤدي الجبر والكسب إلى التوليد نفسه، وتؤدي ~~الحرية إلى إثبات التوليد. ~~(1) نفي التوليد # وطبيعي أن تؤدي عقيدة الجبر إلى نفي ms144 التوليد؛ فإذا كانت ~~الأفعال مخلوقة من الله وأنه صاحب كل فعل في العالم سواء ~~في أفعال الشعور الداخلية أم أفعال الشعور الخارجية أم ~~أفعال الشعور في الطبيعة، فإنه لا يبقى شيء في العالم بعد ~~الفعل يمكن أن ينسب إلى الفاعل لأنه لا قدرة للعبد أصلا؛ ~~فالجبر ينفي التولد. ويؤدي هذا النفي إلى الملاحقة ~~المباشرة لقدرة المؤله المشخص لكل ما يحدث في الطبيعة من ~~أفعال البشر الداخلية أو الخارجية أو أفعال الطبيعة. # 3 # وتقترب نظرية الكسب من عقيدة الجبر في نفي التوليد. ~~فالله وحده هو الخالق، وهو فاعل كل شيء في العالم بلا ~~واسطة. ولا ينطبق الاكتساب إلا على أفعال الإنسان الفردية ~~بشرط خلق القدرة من الله في ساعة الفعل. أما التولد فلا ~~اكتساب فيه لأنه أفعال الطبيعة مباشرة ودون خلق قدرة ~~فيها. فإذا كان للقدرة تأثير في أفعال الكسب فإنها لا ~~تأثير لها على الإطلاق في أفعال الطبيعة. والخوف من تأثير ~~القدرة الحادثة في أفعال الطبيعة أن تكون حادثة في كل شيء ~~وخالقة ومبدعة لها، وهو افتراض نظري خالص مهمته الاصطدام ~~بمواقف التعظيم والإجلال حتى يتم رفض الفعل في سبيل الانفعال. # 4 # وكما يتم إنكار تأثير القدرة الحادثة في ~~الطبيعة يتم أيضا إنكار تأثير العلل الطبيعية ويقضى على ~~السببية وحتمية قوانين الطبيعة. ثم يمتزج ذلك كله بالتصوف ~~عند المتأخرين، فيتحول إلى مجرد توكل بالرغم من أن مباحث ~~العلة والمعلول من الأمور النظرية العامة في نظرية الوجود ~~عند المتقدمين. وبدلا من أن يرتبط الاكتساب بالعلية تم ~~القضاء على الأسباب العادية وإلغاء تأثيرها. وعاد علم أصول ~~الدين سنيا أشعريا، وانتهى موضوع خلق الأفعال والتولد ~~مع انتهاء الاعتزال. فالله هو الفاعل لكل شيء، ولا توجد ~~علاقة ضرورية بين العلة والمعلول أو بين السبب والمسبب. ~~ويكفر كل من يقول بالسببية والعلية وفي مقدمتهم الفلاسفة ~~أهل الضلال! بل رفض المتأخرون من الأشعرية اعتراف ~~المتقدمين منهم بالتأثير بقوة أودعها الله في العباد وفي ~~الأشياء، وكأن دليل التمانع يثبت الآن وحدانية الأفعال كما ~~كان يثبت من قبل ms145 وحدانية الذات أو الصفات؛ مما يدل على أن ~~مسألة الحرية هي إحدى تعينات الإلهيات. # 5 # انتهى نفي الأسباب إلى الوقوع في التوكل ~~وإلحاق الكسب بالجبر والتوحيد بالتصوف؛ لذلك كثر عن ~~المتأخرين الاستشهاد بأقوال الصوفية. # 6 # ثم غلبت النزعة الصوفية على الأشعرية المتأخرة ~~وأصبحت الدافع الأساس على نفي التوليد؛ فالله قادر على كل ~~شيء في الإنسان وفي الطبيعة. وأصبحت المعجزات وخوارق ~~العادات هي الظواهر الطبيعية وليس مجرى العادات وما يتفق ~~مع المحسوسات والمشاهدات كما تقضي بذلك نظرية العلم. # 7 ~~(1-1) حجج نفي التوليد # وقد فصلت نظرية الكسب مثل عقيدة الجبر حججا في نفي ~~التولد. فإذا كانت القدرة غير سابقة على الفعل، بل ~~توجد فقط مع الفعل، ومع فعل واحد لا يتكرر ولا يتماثل ~~ولا يختلف ولا يتضاد، فمتى تم الفعل فإن القدرة لا ~~تبقى بل تذهب معه؛ ومن ثم لا يتولد فعل من فعل ~~آخر ببقاء القدرة. وكما أن الاستطاعة في الكسب غير ~~متقدمة على الفعل، فإنها أيضا لا تبقى بعد الفعل. ~~ويحتاج الفعل في كل لحظة إلى استطاعة متجددة، لا هي ~~سابقة على الفعل مهددة له، مستوفية لشروطه، ولا هي ~~تالية له يمكنها أن تقوم بفعل آخر لأنها في هذه الحالة ~~تكون سابقة عليه وهذا محال. الإنسان مجرد مستقبل ~~لقدرات لحظية كشرارات كهربية تدفعه إلى الفعل ثم يعود ~~إلى جموده من جديد. والحقيقة أن هذا الخلق المتجدد ~~للقدرة على الأفعال هو القدرة الجديدة الناشئة عن ~~الفرح بالقيام بالفعل والقوة غير المتوقعة التي تأتي ~~للإنسان وهو بصدد تحقيق الفعل. هذه القوة غير ~~المتوقعة نتيجة لبراءة الإنسان وطهارته، والتزامه ~~برسالته من داخل الإنسان وليست من خارج الإنسان، من ~~طبيعة شعوره ومخزون طاقته وليست من أي مصدر خارجي أو ~~إرادة مشخصة. # 8 # وتتفصل حجج نفي التوليد على النحو الآتي: ~~(1) # الاستطاعة عرض، والعرض لا يبقى ~~زمانين. وهي حجة خاطئة؛ لأن الاستطاعة ~~ليست عرضا بل هي من مقومات الجوهر. ~~والإنسان غير القادر لا يكون إنسانا بل ~~جمادا. ووجود مضادات للقدرة لا يعدم ~~القدرة. القدرة لها ms146 شروط وموانع. وإذا ~~عدمت لوجود الضد فإن الضد يعدم لوجودها. ~~وإن عدمت لانتفاء شرط لها فإن الشرط عرض ~~مثل القدرة. وإن كان جوهرا فكيف يبقى ~~العرض مع انتفاء الجوهر؟ ولا يقال إن ~~القدرة عدم محض؛ لأن العدم نفي، والنفي ~~عدم وجود على الإطلاق. هذا كله نسيان أن ~~القدرة الباقية هي الأثر، أي هي البناء ~~الجديد الحادث من القدرة الأولى. فالبحث ~~عن القدرة كعرض أو كجوهر أو كفعل عدم ~~معرفة بطبيعة القدرة الباقية التي هي ~~انفعال وليست فعلا. أما التولد ~~الطبيعي، فإنه يدرس في علم الطبيعة، خاصة ~~علم الآليات (الميكانيكا) فيما يتعلق ~~بالجذب والطرد والقوة والمقاومة والفعل ~~ورد الفعل. يظل السهم متحركا أو الحجر ~~جاريا إلى أن تخف الحركة بالمقاومة أو ~~بالاصطدام. وكذلك فعل الإنسان القائم على ~~القصد والدواعي يظل أثره قائما إلى أن ~~يضعف بقدم العهد أو بوجود أثر مضاد. # 9 ~~(2) # الأفعال في المستقبل كلها ممكنات، ~~والممكنات واقعة تحت قدرة أخرى أعظم من ~~قدرة الإنسان، وهي قدرة المؤله ~~المشخص. والحقيقة أن ذلك هو المطلوب ~~إثباته؛ وبالتالي تقوم الحجة على الدوران. ~~كما أن الممكن لا يستند إلى شيء آخر غير ~~الفعل الإنساني، وأن تحوله إلى فعل ~~مرتبط بالقصد والباعث والغاية. الممكن ~~إمكانية خالصة غير محددة، طاقة مخزونة في ~~النفس لا تتحقق إلا بفاعليتها الداخلية ~~وإمكانيات تحققاتها الخارجية. # 10 ~~(3) # إن اعتبار مقدور لقادرين لا يبطل ~~التولد بل يثبت الغلبة. إن كان هناك شيء ~~تجذبه قدرة وتدفعه قدرة أخرى، فإن حركة ~~الشيء تتحدد بالقدرة الغالبة المؤثرة في ~~الشيء المتحرك. وإن لم يتحرك الشيء تعادلت ~~القدرتان وامحى الأثر على الشيء. كما أن ~~ذلك افتراض مسبق وليس حجة بديهية. ~~فالمقدور مقدور لقادر واحد بالإضافة إلى ~~الموانع، ما دام الفعل لا يكون فعلا إلا ~~في موقف. # 11 ~~(4) # إن القول بأن التولد نتيجة لمجرى ~~العادات لا ينفي التولد، بل يثبته ثم ~~يفسره تفسيرا طبيعيا. وهذا ما يرفضه ~~الكسب الذي يجعل مجرى العادات أيضا من ~~خلق قدرة خارجية. ولا يمكن نفي مجرى ~~العادات لأنه يثبت بالحس والمشاهدة ~~والتجربة. ms147 ولا يمكن أن يكون من فعل إرادة ~~خارجية وإلا لما كان مجرى العادات. ~~فالعادة والإرادة نقيضان. العادة إرادة ~~الطبيعة الكامنة فيها، وليست إرادة ~~مشخصة خارجة عنها، معها أو ضدها. # 12 ~~(5) # وإذا كانت القدرة لا تبقى لا لنفسها ولا ~~لبقاء يقوم بها، فإنها تبقى على الأقل في ~~الأثر الذي يتركه الفعل وفي السنة التي ~~يتركها الإنسان وراءه بعد الاخترام. تقوم ~~الحجة على فكر ديني إلهي مقلوب وهو ~~الاختلاف بين الذات والغير. بل إن قسمة ~~الأشياء إلى جوهر وعرض فكر ديني إلهي ~~مقلوب. الأشياء أشياء دون قسمة فيها إلى ~~أولي وثانوي. # 13 # وقد تتحول الحجج الإيجابية ~~لنفي التولد إلى شبهات سلبية ضد إثبات ~~التولد، وهي شبهات يسهل الرد عليها على ~~النحو الآتي: ~~(1) # لا يعني التولد أن الفاعل فاعل وهو ~~ميت أو غير قادر أو معدوم؛ لأن الفاعل هو ~~مقدوره، والإنسان هو أثره، وبالتالي يظل ~~فعل الوحي قائما حتى بعد الاخترام من ~~خلال الأثر والسنة. بل إن فعل الإنسان قد ~~يكون أكثر تأثيرا من خلال سننه وآثاره ~~وأفكاره بعد الاخترام منه قبل ذلك. فقد ~~يؤدي الحصار المضروب حول الفاعل الحي ~~أثناء حياته إلى تقليص أثره، ولكن سرعان ~~ما ينفجر هذا الأثر بعد فك الحصار وبعد ~~الاخترام بفعل قوانين الطبيعة وفي مسار التاريخ. # 14 ~~(2) # لا يعني التولد إثبات مقدورات لا ~~تتناهى للإنسان؛ لأن التولد كالفعل ~~الأول داخل في حدود الطاقة. ومتى انتهى ~~أثر الفعل الأول انتهى التولد، إما ~~لضعف السبب الأول أو بمعارضته بسبب آخر ~~أو لقدم العهد عليه. ولما كان التولد يتم ~~في الزمان، والزمان متناه كان التولد ~~متناهيا كذلك، إما بزمان الفعل أو ~~بالأجل أو بالحياة. # 15 ~~(3) # ولا يعني التولد استحقاق المدح ~~والذم بعد الموت استحقاقا مباشرا، ولكن ~~يظل الحكم صادرا على الإنسان في التاريخ، ~~إما مدحا إذا سن سنة حسنة وإما ~~ذما إذا سن سنة سيئة ودون أن يلغي ذلك ~~مسئولية الأفراد بتوجيه أفعالهم في أفعال ~~التولد لأنهم باستطاعتهم توليد أفعال ~~أخرى وإيقاف الأفعال المتولدة الأولى، ~~مقابلة سنة بسنة، ومعارضة أثر ms148 بأثر. # 16 ~~(4) # ولا يقال إن ما يتراخى لا يقدر عليه ~~العبد؛ لأن الإنسان قادر على الفور وعلى ~~التراخي معا. واستمرار الفعل يبدأ بفعل. ~~وقدرة الإنسان على الفعل قدرة في الزمان. ~~ولما كان الزمان متصلا فإن القدرة على ~~الفعل، بل والفعل ذاته يكون متصلا كذلك ~~دون ما حاجة إلى تدخل إرادة خارجية. بل ~~يتم ذلك من طبيعة الفعل ذاته وأثره في الزمان. # 17 ~~(5) # ولا تعني المشاركة تقسيم العالم إلى ~~قسمين؛ قسم للإنسان، وقسم لغيره. فهذا ~~إنكار لقدرة الإنسان وإمكانياتها، وإنكار ~~لعواطف التأليه والتعظيم التي تود إثبات ~~قدرة شاملة وحاوية لكل شيء. وكيف ينكر ~~التولد والكسب نفسه قائم على التولد؟ ~~الكسب مشاركة اجتماع إرادتين على شيء ~~واحد؛ وبالتالي يكون فعل الإنسان في الكسب ~~متولدا عن فعل المؤله المشخص؟ فالكسب ~~يثبت التولد رأسيا بمشاركة الله الإنسان ~~في الفعل في حين أن التولد يثبت أفقيا ~~باستمرار فعل الإنسان في الطبيعة. # 18 ~~(1-2) مخاطر نفي التوليد # وينتج عن نفي التوليد عدة مخاطر على حياة الإنسان ~~وأفعاله في الطبيعة وسيطرته على مظاهرها وعلى نشأة ~~العلم القائم على العلية وأهمها: ~~(1) # إنكار فاعلية الإنسان في الطبيعة كإنكار ~~الجبر والكسب لها، وكأن الله هو الفاعل ~~الحق في ظواهر الطبيعة وليس فقط في أفعال ~~الإنسان، في حين أن إثبات التولد إثبات ~~لقدرة الإنسان وإثبات لفعله في الطبيعة. ~~إنكار التولد إثبات لعجز الإنسان وعدم ~~استطاعته فعل شيء وإنكار لاستمرار الفعل ~~الإنساني في الطبيعة على مظاهرها. ~~والحقيقة أن ذلك خلط بين مستوى الحق ~~ومستوى الواقع. فالله صاحب كل شيء حق ~~نظري، والطبيعة مستقلة واقع عملي ، كما ~~أنه تفسير حرفي للصور الشعرية التي تعبر ~~عن هذا الحق النظري تأكيدا على وحدانية ~~العالم من أجل ترسيخ وحدانية الشعور. # 19 ~~(2) # تصور الفعل في محل أي في مكان لا قبله ~~ولا بعده وكأنه نقطة ساكنة على خط ساكن. ~~في حين أن الفعل تعبير عن القدرة، والقدرة ~~حركة، والفعل حياة؛ ومن ثم كان أثره ~~أقرب إلى الحركة منه إلى السكون، ومن ~~الكيف منه إلى الكم. إنكار التوليد ms149 إذن ~~نظرة تقوم على الانقطاع لا على الاتصال، ~~على التجزئة في الكم لا على التواصل في ~~الكيف؛ مما يجعل الفعل الإنساني مبتورا ~~من النهاية، محاصرا منذ البداية، نهرا ~~مغلق المصب. ~~(3) # نفي قانون العلية وإنكار الصلة الضرورية ~~بين العلة والمعلول. فالسهم يصدر ولا ~~يصيب، والحجر يقع ويتعلق في الهواء، ~~والنار تسري في القطن ولا تحرق! وهذا هدم ~~لقوانين الطبيعة وقضاء على العلم. حينئذ ~~تعظم الخرافة بإثبات أن المؤله المشخص هو ~~الذي يتدخل لإيقاف السهم أو إيصاله أو في ~~تعليق الحجر أو إسقاطه أو في إحراق القطن ~~أو تبريده! وكأن هذا التدخل المتوهم هو ~~أعظم دليل على وجوده وقدرته وإرادته! إن ~~نفي التوليد إنكار لقانون العلية وإنه ~~طالما وجد السبب وجد المسبب، ويكفي أن ~~تحدث القدرة السبب أولا ويظل الفعل ~~للسبب بعد ذلك. التوسط بالأسباب في أفعال ~~الطبيعة هو قوام الفكر العلمي والعملي. ~~ولكن الفكر الديني الإلهي ينازعه سلطانه ~~ويجعل فعل الأسباب من المؤله المشخص ~~يتعامل مع الطبيعة مباشرة دون توسط ~~بالأسباب. إنكار التولد يسلب الإنسان ~~فعله، ويعطي المؤله أخص خصائص الإنسان. ~~وأي التفسيرين أقرب إلى العقل والمشاهدة؟ ~~تدخل المعبود المشخص في ظواهر الطبيعة ~~لإحداثها أم إحداثها بفعل الإنسان؟ إن ~~إنكار التولد يعني زحزحة الإنسان عن مكانه ~~لإفساح المجال لقدرة المؤله المشخص وإثبات ~~أفعال الإنسان والطبيعة له. # 20 ~~(4) # يحدث الله في المعلول مرة واحدة ولا ~~ضمان لحدوث المعلول مرة ثانية إلا بقدرة ~~متجددة في العلة؛ فالسهم يصدر ولا يصيب، ~~والحجر يقع ويتعلق في الهواء، والنار تسري ~~في القطن ولا تحرق، وهذا إنكار لقوانين ~~الطبيعة واطرادها وإبطال للحياة ~~الإنسانية. ولا يعني التولد غياب السبب ~~مطلقا وزحزحة الإرادة الإلهية، بل يعني ~~استمرار أثره. فالسبب مصدر الفعل أو القوة ~~المؤثرة الناشئة عنه، وهي سنن الكون التي ~~تحكم بها الإرادة الإلهية مسار العالم. ~~تحكم الإرادة العالم بتوسط الأشياء وليس مباشرة. # 21 ~~(5) # مزاحمة الفكر الغيبي للفكر العلمي. إذ ~~يتضح في موضوع التوليد الصراع بين الفكر ~~الديني الغيبي، والفكر الديني العلمي. وهي ~~المعركة الرئيسية في الطبيعيات. ويظل ~~الفكر ms150 في التولد متذبذبا بين العاطفة ~~والعقل، بين الخرافة والعلم. ويظل المؤله ~~المشخص متحفزا باستمرار لسلب الإنسان ~~كل ما يختص به، يعطي له أخص خصائص ~~الإنسان. يظل الإنسان بلا عمل أو قدرة أو ~~اختصاص. وإذا كان من وظائف التوحيد كونه ~~فكرة محددة مهمتها التمييز بين ~~المستويات، بين المادة والصورة، فإن ~~المؤله المشخص يلغي عمل الفكرة المحددة ~~ويخلط بين المستويات. # 22 ~~(2) إثبات التوليد # لما كانت الاستطاعة لا توجد فقط قبل الفعل أو مع الفعل، ~~بل أيضا بعد الفعل ثبت التولد. # 23 # فالإنسان بعد أن يقوم بفعل مبدئي يبقى أثر ~~هذا الفعل قائما، وتظل ~~فاعليته سارية إلى أن تحدث موانع توقفها كفاعلية مضادة ~~أعظم أو كضعف في تمثل الفاعلية أو تآكلها بمرور الزمن. ~~الفعل المباشر هو الذي لا تبقى استطاعته في وقتين، في حين ~~أن الفعل المتولد يحدث بأثر القدرة الأولى دون حاجة إلى ~~بدء ثان. وكما أن القدرة في المبتدأ سابقة على الفعل ~~فكذلك القدرة في المتولد سابقة على الفعل. والفرق بين ~~القدرتين أن الأولى مباشرة والثانية متولدة. ولا يعني ~~غياب الفاعل غياب الفعل؛ لأن الفعل مشروط بالقدرة لا ~~بالفاعل. وما دامت القدرة موجودة فالفعل موجود. ولا يهم أن ~~تكون القدرة المتقدمة باقية بفعل الابتداء أم باقية ~~بإرادة خارجية. فلا معنى لإثبات إرادة خارجية تبقى على ~~القدرة واستمرار الفعل ما دامت موجودة. والاستمرار في ~~الوجود أسهل من الوجود ابتداء. لا يقع الفعل المباشر على ~~الإطلاق بقدرة معدومة لأنه هو الفعل المبدئي. والأمر فعل. ~~وطالما كان موجها فهو فعل، وفعله باق ما بقي الزمان، ولا ~~يحتاج إلى أمر مجدد. الفعل للتكرار على ما يقول ~~الأصوليون. التوليد إذن إما أن يحدث في الحال أو يحدث في ~~الاستمرار. الأول كالفعل الناتج عن فعل آخر، والثاني ~~كالفعل الذي يحتاج إلى وقت يختمر فيه وينضج ويظهر بعد مدة ~~من الزمان. # 24 ~~(2-1) حجج إثبات التوليد # ومع أن إثبات التوليد لا يحتاج إلى أدلة؛ فهو تجربة ~~واقعية وشهادة حسية ضرورية، إلا أن هناك عدة أدلة ~~تثبت وجوده سواء ms151 كانت نقلية أم عقلية، منها: ~~(1) # يثبت التوليد بإثبات العلية أو السببية؛ ~~لأنه يقوم عليها وعلى التوسط بالسبب. يحدث ~~الفعل بتوسط سبب لا بطريق مباشر، خاصة ~~إذا كان الفعل يتطلب ~~قدرة ~~أعظم من القدرة الأولى ولا يمكن أن يحدث ~~بالقدرة في الحال الأول. فكثيرا ما ~~أثرت فكرة في التاريخ، وامتد أثرها أضعاف ~~ظهورها في الحال الأول. إن الفعل ~~الأول القائم على صفاء الباعث وكمال ~~الغاية متطور بطبيعته وقادر على احتواء ~~أكبر قدر ممكن من الواقع. # 25 # وقد يكون السبب نوعين، سبب ~~معنوي فكري نظري خالص مثل الأفكار ~~والسنن والقوانين وأثرها في التاريخ، ~~وسبب مادي مباشر وهو العلل المادية في ~~الظواهر الطبيعية.الأولى أسباب غير مباشرة ~~أو معنوية والثانية أسباب مباشرة أو ~~مادية. لا يحتاج إثبات التولد إذن إلى ~~إثبات التوسط بالسبب المادي وحده؛ فالتولد ~~بقاء معنوي للفعل الأول واستمراره في ~~الزمان. ليس الفعل هو الفعل الطبيعي فحسب ~~الذي يحتاج إلى مسبب مادي متوسط حتى ~~يحدث أثره بل هو أيضا الفعل الإنساني ~~الذي يحدث أثره بتحوله إلى باعث مستمر في ~~شعور الآخرين أو إلى إبداع مستمر في شعور ~~الإنسان كما هو الحال في أفعال الشعور من ~~اعتقاد ونظر وخلق؛ ومن ثم يكون ~~السؤال عن سبب الفعل، هل هو السبب أم ~~القادر؟ سؤالا بغير ذي دلالة لأن الفعل ~~هو صاحب الأثر. والأسباب لا تؤثر بنفسها ~~دون فعل إنساني. النار تطهى وتحرق، ~~والفعل الإنساني هو الذي يجعلها إما ~~تطهى أو تحرق. وكل سؤال عن السبب المباشر ~~في الطهي والإحراق، هل هو الإنسان كفعل أم ~~النار كسبب؟ سؤال تحت الدلالة، وما تحت ~~الدلالة أو فوقها لا معنى له. # 26 # المتولد هو الفعل الذي بسبب ~~مني ~~يكون في غيري. وقد يقع في نفسي وقد يقع في ~~غيري. وقد تتولد الأفعال في الثاني ~~والثالث والرابع إلى ما لا نهاية حتى يضعف ~~أثر الفعل ما دام السبب الأول قائما، ~~وما دامت القدرة ما زالت مؤثرة. يحدث ~~التولد آليا دون توافر القصد والنية ~~والغاية وإلا كان فعلا مباشرا. # 27 # فإذا ms152 ما ترك السبب هل يبقى ~~المسبب؟ يمكن بقاء المسبب حتى بفناء السبب ~~ما دامت القدرة حالة في الأشياء. # 28 # تبقى الحرارة وتنتقل ~~بالمجاورة والمماسة بالرغم من انطفاء ~~النار الأولى. لا يهم السبب الأول في ~~الفعل، فقد تتداخل في الفعل عدة أسباب، ~~اليد والآلة وطبيعة الجسم المضروب، وليس ~~سببا واحدا. # 29 # وقد تنعدم الأسباب والمسببات ~~وقد تكون مصاحبة لها، وقد يكون التقدم ~~بأكثر من وقت. # 30 # والعلاقة بين السبب والمسبب ~~علاقة حتمية ضرورية، إذا وجد السبب ~~وجد المسبب. # 31 # ولكن هل يوجد السبب دون فاعل؟ # 32 # هل يوجد السبب دون قدرة؟ # 33 # هل يجوز أن يقع الفعل من الله ~~بلا سبب؟ # 34 # إن موضوع السببية هو موضوع العلية؛ ~~فالصلة بين السبب والمسبب هي الصلة بين ~~العلة والمعلول، مرة بألفاظ المتكلمين ~~ومرة أخرى بمصطلحات الحكماء. ونظرا لتقدم ~~الاستطاعة على الفعل فإن العلة تكون ~~متقدمة على المعلول كتقدم السبب على المسبب. # 35 # العلة عند القدماء هي العلة ~~الفاعلة مع أن العلة الغائية هي العلة ~~الفاعلة الحقيقية؛ فالغايات هي المحركات ~~كبواعث. السبب الحقيقي للإرادة هو الباعث، ~~والباعث هو السبب الإرادي. ويشمل الباعث ~~الدواعي والمقاصد والغايات، وهي الأفعال ~~الإنسانية المستمرة في العالم الإنساني. # 36 # لذلك هناك فرق في التوليد بين ~~السبب الطبيعي المادي الذي يحدث بقاء ~~الشيء مثل الجهد الإنساني، والسبب المادي ~~الصرف. فنبات البذرة تعني أن جهد الإنسان ~~هو الفاعل الإنساني ولا تعني أن الإنسان ~~قد دخل البذرة وأنبتها. يحدث الفاعل ~~الطبيعي طبقا لقوانين الطبيعة. # 37 # ولا يهم حدوث التوليد بسبب ~~متوسط أو بعدة أسباب تؤدي كلها في النهاية ~~إلى الفعل المتولد؛ فالفعل عادة عملية ~~واحدة، واقعة سلوكية واحدة لا يمكن ~~تجزئتها إلى أول ووسط ونهاية أو إلى أسباب ~~تتركب وتتألف تؤدي في النهاية إلى المسبب. ~~فهذه نظرية كمية لموضوع كيفي وتجزئة لكل، ~~وتركيب لبسيط. # 38 # إن تعليل الظواهر ذات الأسباب ~~المجهولة بفعل المعبود فكر أسطوري. ~~فالظواهر التي لا تعلل بالعلل المباشرة ~~يمكن تعليلها بعلل غير مباشرة وتكون ~~أيضا عللا طبيعية. فإذا تم إدراك ms153 دون ~~حواس فلا ريب أن هناك حاسة داخلية قد تم ~~الإدراك بها، قد يكون حدسا أو معرفة ~~طبيعية أو فكرة فطرية. وإذا تهيأت ~~العلة وقع المعلول بالضرورة. وإن لم يقع ~~المعلول فإما أن العلة ليست علة أو ~~لوجود مانع آخر وهي علة معارضة أقوى من ~~وقوع المعلول. وإرجاع غياب العلة مع وجود ~~المعلول إلى تدخل إرادة خارجية مشخصة ~~يظل فكرا أسطوريا. # 39 ~~(2) # نسبة الفعل إلى الإنسان دون الله، وذلك ~~لأن البواعث ليست متولدة بفعل إرادة ~~خارجية، بل هي من طبيعة الإنسان، من وجوده ~~في العالم، ومن حضور الفكر فيه، وتمثله ~~للغايات والمقاصد التي هي حقائق إنسانية ~~عامة ممكنة تمثل بناء مثاليا للعالم، ~~وهو البناء الواقعي الدائم الذي يمكن أن ~~يتحقق بفعل الإنسان، والذي يعبر عن كمال ~~الطبيعة، والذي لا يبقى واقعا إلا إذا ~~حققه فعل الإنسان وظل حارسا له. # 40 # التوليد فعل إنساني خالص ~~وليس فعل أية إرادة خارجية مشخصة. وعلى ~~فرض أن هناك إرادة كاملة موجودة على ~~الإطلاق تفعل فعلا مباشرا لأنها حياة ~~مطلق فإنه ليس هناك ما يمنع من وضع الكون ~~على نحو معين ابتداء ثم ترك الحوادث فيه ~~لفعل التطور ولقوانين الطبيعة لما في ~~الطبيعة من فعل وكمون. كل فعل لا يبدأ من ~~عدم. وفعل الآخر إنما هو استمرار لفعل ~~الأول ما دامت الأفعال كلها موجبة نحو ~~غاية واحدة، وتصدر عن باعث واحد. ولولا ~~الاستمرار في الفعل لكان الإنسان يفعل في ~~هذا العالم نطا ويؤثر قفزا، لكل فعل ~~قدرة، وهو إنكار لوجود الإنسان مع الآخرين ~~ولوجوده في التاريخ. # 41 # ولا يحتاج التوليد لتدخل إرادة خارجية ~~مشخصة تضمن بقاء الاستطاعة بعد الفعل ~~لتوليد أفعال أخرى، بل يعني وجود عوامل ~~جعلت الاستطاعة باقية مثل توافر الباعث ~~عند الآخرين وارتفاع الموانع. ولا يختلف ~~السبب الموجب باختلاف الفاعلين لأن السبب ~~يفعل من جهة الإنسان. # 42 # التوليد وصف للفعل الإنساني ~~وبقائه في الزمان أو هو وصف للفعل ~~الطبيعي. وكل محاولة لوصف أي فعل خارجي ~~عن الفعل الإنساني والفعل الطبيعي ~~بالتوليد ما هو ms154 إلا إسقاط من الإنسان على ~~غيره. وهذا الإسقاط ذاته ضد عواطف التأليه ~~لأنه يجعل المعبود في حاجة إلى توسط ~~بالسبب. وإثبات قدرة أعظم من السبب وقوع ~~في الجبر وإلغاء للعلية ولاطراد قوانين ~~الطبيعة وإنكار للتولد؛ أي وقوع في ~~التناقض بإثبات شيء يؤدي إلى نفيه. ولا ~~يقال إن القادر على الفعل ابتداء قادر ~~عليه توليدا بطريق أولى لأن ذلك فكر ~~ديني إلهي وليس فكرا دينيا علميا، ~~وإسقاط لعاطفة وليس تحليلا لعقل. لا يعني ~~حدوث التوليد من الإنسان أنه لا بد وأن ~~يحدث من المعبود وإلا لكان أضعف قدرة لأن ~~التوليد ليس وسيلة لإثبات قدرة أحد أعظم ~~أو أقل، بل هو وصف لفعل الإنسان وأثره في ~~الواقع وعلى الآخرين. ولا يعني عدم وقوع ~~التوليد من المعبود عدم وقوعه من الإنسان؛ ~~لأن التوليد واقعة إنسانية لها ما يثبتها ~~في استمرار الفعل واطراد الأسباب والعلل. ~~ولا تحتاج قوانين الطبيعة واطرادها إلى ~~إثبات توليد في افعال المعبود؛ فهذا وضع ~~طبيعي وجريان للعادة. # 43 # لذلك كانت الشبه التي قيلت في أفعال ~~المعبود شبها حقيقية تبين أن إثبات ~~التوليد تناقض ينافي عواطف التعظيم ~~والإجلال. فالتوليد يدل على أن المعبود في ~~حاجة إلى سبب آو آلة. وإثبات الفرق بين ~~الإنسان والمعبود في أن الأول يحتاج إلى ~~آلة، في حين أن الثاني لا يحتاج تمنيا لا ~~يمنع من قوة المعارض، كما يؤدي القول ~~بالتوليد إلى نفي الإرادة وإعطاء القدرة ~~للسبب تفعل محل الإرادة، بل وتكون الإرادة ~~خاضعة للسبب. # 44 # ولما كان يفترض في المعبود ~~العزم، فإن التوليد في أفعاله حد من ~~قدراته وإعطاء القدرة للسبب؛ فتكون أفعاله ~~مشابهة لأفعال الإنسان القائمة على اطراد ~~العادات وارتباط الأسباب بالمسببات. # 45 # ولماذا يفعل المعبود التولد ~~وهو قادر على الأفعال ابتداء؟ وما الغاية ~~من وضع الأسباب في الطبيعة إذا كانت لا ~~تفعل بذاتها ولا تستقل، ومهددة بالتوقف ~~والاضطراب، بل والانعكاس في أية لحظة؟ ألا ~~يؤدي التوليد إلى الشرك وإثبات مقدور ~~لقادرين، المعبود والسبب؟ وإن كانت لا ~~حاجة للمعبود للسبب يكون وضع السبب إذن ms155 ~~عبثا. وإذا كانت المصلحة تقتضي في هذا ~~العالم وضع الأسباب؛ فما المصلحة في وضعها ~~في عالم آخر؟ # 46 # لذلك فضل البعض جعل أعمال ~~المعبود كلها ابتداء لا توليدا؛ لأن ~~المعبود لا يحتاج إلى سبب في مقابل ~~الإنسان الذي لا يقدر أن يفعل ابتداء ما ~~يفعله بالتولد؛ لأنه في حاجة إلى الأسباب. ~~وزيادة في التعظيم فإن ما يفعله المعبود ~~يصح منه بدؤه. وحينئذ يكون السؤال: فما ~~الداعي إلى التوليد؟ # 47 ~~(3) # وقد ورد الأمر والنهي بالأفعال المتولدة ~~كما ورد بالأفعال المباشرة، وذلك كحمل ~~الأثقال في الحروب والإيلام. هناك أثر ~~لفعل الإنسان بعد الموت في حياة الآخرين، ~~مثل أثر القدوة على التغيرات الثورية ~~وطاعة الجماهير، وأثر الفكر الثوري في ~~تحقيق الثورة. # 48 # كما أن التوليد، بما أنه فعل ~~الإنسان ومناط التكليف ويستحق عليه المدح ~~والذم. النظر والعلم والاعتقاد وجميع ~~أفعال الشعور قائمة على التوليد. ولا يعني ~~وقوع ذلك في حياته فقط، بل يعني أيضا ~~ترتب نتائج سيئة وضارة لفعله عند ~~الآخرين. ليس الفعل المتولد هو الفعل ~~الساهي والنائم، بل هو فعل إرادي مقصود ~~من حيث الأثر والاستمرار. إن استحقاق الذم ~~والمدح لا يتم على الفعل الوقتي، بل على ~~الفعل المستمر، فلا يتغير المدح والذم بعد ~~ظهور الأثر لأنهما حكمان قائمان على الفعل ~~في الزمان وليس على الفعل اللحظي. وهذا لا ~~ينفي إمكانية تغيير الإنسان لفعله حين ~~يشعر بإمكانية فعل أفضل، فإذا غير الفعل ~~تغير الحكم. ولكن يتم ذلك في حياته. فبعد ~~الحياة لا توجد إمكانية تغير أو استدراك ~~لا عن طريق التمني أو في حياة الآخرين. # 49 ~~(2-2) أقسام التوليد # تنقسم أفعال التوليد إلى ثلاثة أقسام: الأول عندما ~~يفعل الإنسان في نفسه شيئا يتولد عنه فعل في غيره. ~~وفي هذه الحالة يكون الفعل هو المولد والغير المولد ~~منه ، ويكون الفعل هنا منتقلا من الذات إلى الآخر. ~~والثاني عندما يفعل الإنسان في غيره أفعالا تولد عن ~~أسباب يفعلها في نفسها. فالتولد هنا يخضع لقانون ~~السببية دون ما حاجة إلى فاعل ومفعول. يكون الطرفان في ms156 ~~هذه الحالة على المستوى نفسه، وتكون العلاقة مساواة ~~بين علة ومعلول. والثالث عندما تكون المتولدات أفعالا ~~لا فاعل لها، بل تخضع لقوانين عامة أو أن تكون ~~الأعراض متولدة من أفعال الأجسام. # 50 # ولما كان التوليد ظاهرة إنسانية خالصة ~~تشير إلى أن الإنسان هو في الحقيقة إمكانية تتعدى ~~وجوده الزمني وحدوده البدنية وتعييناته في المكان، كما ~~أنها ظاهرة طبيعية تشير إلى الكمون في الطبيعة وإلى ~~أن الطبيعة تحوي في ذاتها أصل نمائها، وتكوينها ~~وانتشارها، انقسمت أفعال التوليد إلى قسمين: التوليد ~~في أفعال الشعور، والتوليد في أفعال الطبيعة. وشمل ~~الأول أفعال التوليد بين الأنا والآخر. ~~(1) # التوليد في أفعال الشعور. وهنا يكون ~~التوليد في أفعال الشعور الداخلية؛ ~~فالتركيز على فعل يولد فعلا آخر، وذلك ~~لأن الشعور الداخلي حر الأفعال. وقد يعني ~~هذا التوليد استمرار القدرة على الفعل، ~~إما في حياة الإنسان بعد عجزه عنه أو ~~بعد مماته بما يتركه من سنن وأفكار ~~واتجاهات وجماعات وأحزاب وقوانين وتنظيمات ~~وتشريعات؛ فأفعال الإنسان مستمرة حيا أو ~~ميتا، وبقاؤه مستمرا غير محدود ~~بالآجال. فمن سن قانونا بأن كل من يعترض ~~أو يتظاهر فإنه يسجن، ثم يموت واضع ~~القانون فإن أثره يظل من خلال قانونه، ~~ويكون هو المسئول عن كل سجين ومعتقل إلى ~~أن يتغير القانون بقانون آخر يبطل فعل ~~القانون الأول. وقد لا تحدث آثار الفعل ~~أثناء حياة الفاعلين قدر حدوثها بعد ~~مماتهم في آثارهم وسننهم وقوانينهم بشرط ~~توفر الهدف والقصد والنية. # 51 # ويمكن ترك الفعل المتولد ~~والإنسان على قيد الحياة بتغيير فعله ~~المبتدأ مصححا إياه؛ ومن ثم يمحي ~~أثره، والإنسان قادر على ذلك ما دامت ~~الغاية واضحة والنية متوافرة. والقدرة على ~~السلوك موجودة، والمانع غائب. فإذا ما ~~تحقق من أن فعله ليس هو الفعل الأمثل، ~~غير الفعل الأول إلى فعل ثان ومن ~~ثم يتغير أثره معه. ويمكن للآخرين بعد ~~حياة الفرد القيام بتغيير فعله أو إدخال ~~تعديل عليه أو تركه إلى فعل آخر وتصحيح ~~فعله؛ وبالتالي يتغير أثر الفعل الأول ~~ويحل محله الفعل الثاني. # 52 # بل ms157 إن مجرد الاحترام المعنوي ~~لشخص غائب نوع من بقاء الفعل بعد ~~الاستطاعة الأولى. فاستطاعة الغائب فاعلة، ~~إما لاحترام شخصه أو تقدير أمره أو ~~تخليدا لذكراه. التوليد هو إثبات لفعل ~~الجماعة ولوجود الجماعة ولحضور الجماعة ~~وتأكيد لجماعة الحياة والخلق والانتشار. ~~لا يضير الإنسان أن يبدأ فعله من فعل غيره ~~أو أن يؤثر الغير في فعله. وما دام هذا ~~الفعل قائما على نفس القصد ويهدف إلى نفس ~~الغاية، فإن اتفاق الباعث والهدف يجعل ~~اتفاق الفعلين أولى من الاختلاف. وإن حدث ~~اختلاف في الأفعال فالفعل الأصح والأكمل ~~يعدل ويصحح الفعل الآخر. وإن كان أحد ~~الفعلين خطأ على الإطلاق غيره الفعل ~~الثاني ونفاه وبدله إلى فعل صحيح. ولا ~~يعني عدم وقوع الفعل إبطال التوليد، بل ~~دخول فعل آخر أكمل من الفعل الأول ~~وابتلاعه له في ميدان السلوك. # 53 # ليس الوقت الثاني والثالث في الأفعال هو ~~وقت الحركة، بل توالي الأجيال. يستمر فيها ~~طالما بقيت القدرة عليه حتى تأتي أفعال ~~مضادة أو يضعف الأثر أو تتغير الظروف. # 54 # يتضح بقاء الفعل في العالم ~~بعد الاستطاعة الأولى في أثر الأفعال ~~وبقائها بعد حياة الفاعل. بل إن كثيرا من ~~الأفعال لا يظهر أثرها الإيجابي أو السلبي ~~إلا بعد حياة فاعلها. وهذا هو معنى ~~الحضارة أو الإنسانية. الحضارة تراكم ~~أفكار البشر وأفعالهم بعد انتهاء قائليها ~~وفاعليها. تلك هي قدرة الإنسان على الخلود ~~وتخليد ذاته بأفعاله الباقية. فلا تناقض ~~إذن في وجود قدرة مع الموت لأن الموت في ~~هذه الحالة قد تم التغلب عليه، فتحول إلى ~~حياة دائمة. كما تم التغلب على العجز ~~فتحول إلى قدرة دائمة. ذاك هو وضع ~~الإنسان في الحياة؛ يحقق رسالته فيتحول ~~وجوده النسبي إلى وجود مطلق، ووجوده ~~الزماني إلى وجود أبدي. # 55 # وتبقى الأفعال أيضا بعد ~~الاستطاعة الأولى؛ إذ يكفي أن يقرر ~~الإنسان شيئا وهو على فراش الموت ثم يبقى ~~فعله بعده كما هو واضح في الوصية أو في ~~آخر توجيهاته. لا يعني العجز أو الموت ~~نهاية القدرة أو الاستطاعة بل يعني ~~استمرارهما وفعلهما ms158 في الآخرين. لا يعني ~~العجز والموت والعدم نهاية الفعل، بل يكشف ~~عن استمرار الفعل عند الآخرين. خطأ الشبهة ~~إذن ناتج عن تصور الفعل على أنه فردي ~~خالص وعلى أنه فعل بدني ينتهي بانتهاء ~~الفرد أو بعجز العضو وليس الأثر المعنوي ~~عند الآخرين وفي التاريخ. # 56 # ولا يوجد واقع خارج عن بقاء الاستطاعة ~~يؤثر فيه الإنسان إذا كان الواقع ممتدا ~~تحت طاقة الإنسان وعلى مداها. أما ~~الظواهر الطبيعية الصماء التي تخرج عن ~~نطاق الفعل الإنساني ومدى الطاقة فهي تتبع ~~نظام الطبيعة الثابت. # 57 # الفعل مرهون بالقدرة وحدها ~~وليس بالمقدور عليه. إذا توفرت قدرة ~~الكتابة فإنها لا تعني الكتابة على ~~الهواء؛ لأن الفعل له ميدان تحققه ~~الموضوعي وشروطه الموضوعية. كما أنه يتحقق ~~بالقدرة وهي شرطه الذاتي مع الباعث ~~والغاية. لا تزال الأفعال المتولدة ~~أفعالا مقصودة مروية؛ فهي ليست مجرد ~~أفعال آلية. ويظل أثر القدرة طالما ~~تمثلتها أفعال بشرية مقصودة مروية. لا ~~يقع الفعل بقوة معدومة بل بقوة موجودة ~~مستمرة بعد الفاعل الأول. # 58 # ولا يعني بقاء القدرة في ~~الحال الثاني أنها تبقى آليا من نفسها ~~بل تتجدد القدرة بحيوية الباعث المستمرة ~~وبالوضوح الفكري الدائم وبمثول الغاية. ~~يوجد العلم والإرادة مع الموت وذلك بتبني ~~الآخرين الأحياء لهذا العلم ولهذه ~~الإرادة. ليس الفعل فعلا فرديا فحسب بل ~~هو فعل جماعي. # 59 # ويجوز أن يبطل التولد إذا ما ~~حدث العجز في الثاني أو الثالث. ودون ذلك ~~تبقى الاستطاعة بلا قدرة متجددة. الفعل ~~التام هو الذي يحدث في حال واحد دون أن ~~يتخلله زمان. هو فعل تتزامن فيه القدرة ~~والباعث والغاية والفكر وغياب الموانع. لا ~~يوجد فعل غير مقدور عليه أو قدرة عاجزة. ~~الفعل هو الفعل الواقع وإلا لما سمي فعلا. # 60 # وإذا حدث العجز في الحال ~~الثاني فإن القدرة لا تبقى، والفعل ينقطع ~~ولا يتم. والعلم بالعجز لا يتم بإسقاط ~~العجز عن القدرة الأولى، أي بالرجوع إلى ~~الوراء كما هو الحال في العدم المعبر عنه ~~بأداة الشرط «لو». إذا حدث العجز فإما ~~لضعف القدرة بناء ms159 على ضعف الباعث أو ضمور ~~الغاية أو غموض الفكر أو وجود مانع. ويظل ~~الإنسان في حال العجز الثاني قادرا على ~~الفعل كإمكانية خالصة وذلك بتغيير الموقف ~~النفسي والاجتماعي إلى موقف الفعل في ~~الحال الأول. # 61 # والإنسان قادر على الفعل والترك، قادر ~~على فعل الشيء وضده تعبيرا عن حريته. لو ~~كان قادرا على الفعل وحده أو الترك وحده ~~أو على أحد الضدين فقط لما كان حرا. ~~ولما كان عمله ذا فعل موجه يعبر عن ~~طبيعته ويحقق غايته؛ كان الترك وفعل الضد ~~لديه مستحيلا عملا. # 62 # كذلك يقدر الإنسان على فعل أو ~~أكثر من الديمومة حين بقاء الاستطاعة ~~نظرا، ولكن عملا يكون فعلا من النوع ~~نفسه، وإلا كان فعلا غير صادق، ولانقلب ~~السلوك الواحد إلى نفاق وتواطؤ ومساومة. ~~يفعل الإنسان شيئا واحدا طبقا لطبيعته. ~~وإذا تصارعت الدوافع طبقا لدرجة كمال ~~الغايات تحقق الدافع الأقوى الذي يعبر عن ~~شدة الباعث وكمال الغاية. # 63 # والبدل في السلوك ليس هو ~~البديل المنطقي أو الآلي، بل هو الذي ~~توجهه الطبيعة نحو غاية واحدة لا تتبدل. # 64 # وكلما بعدت القدرة عن الحال ~~الأول انتابها الضعف والوهن بفعل الزمن ~~والرتابة ما لم تتجدد باستمرار بحيوية ~~الباعث ووضوح الفكر وتمثل الغاية. إن بقاء ~~القدرة إمكانية خالصة قد تبقى إذا توافرت ~~عوامل بقائها وهو التجدد الدائم. ليست ~~القدرة واقعة مادية تبقى حاضرة على ~~الإطلاق، بل هي واقعة إنسانية تتأرجح بين ~~الحضور والغياب. والحقيقة أن هناك فرقا ~~بين الفعل الإنساني والفعل الطبيعي في ~~التولد. فالفعل الطبيعي وإن كان يشابه ~~الفعل الإنساني من وجه إلا أنه لا يشابهه ~~من كل وجه؛ نظرا لاختلاف المستويين. يمكن ~~للآلة أن تفعل في الأول والثاني ما دامت ~~الطاقة موجودة ومستمرة دون ضعف ووهن. وفعل ~~الإنسان أيضا بتوافر الطاقة. ولكن احتمال ~~التكرار في الآلة أكثر من احتماله في ~~الإنسان، وديمومة الفعل في الآلة أكثر منه ~~في الإنسان ، واحتمال وجود الشرط في ~~الإنسان أضعف من احتمال وجوده في الآلة. ~~الفعل الطبيعي متكرر إذا توافرت الشروط، ~~فالمطر يسقط كلما ms160 تحمل الجو بالبخار وتشبع ~~به وانخفضت درجة الحرارة أو خف الضغط، ~~والحديد يتمدد بالحرارة كلما توافرت ~~الحرارة الكافية. استمرار الفعل الطبيعي ~~قائم على أفراد القانون الطبيعي، والفعل ~~الكوني مثل حركة الكواكب قائم على اطراد ~~قوانين حركة الأفلاك، أما الفعل ~~الإنساني فبالرغم من أن له قانونه كذلك، ~~إلا أن هذا القانون نفسه تعبير عن الحرية ~~الإنسانية دون أن يحتم عليها شيئا. في ~~الفعل الطبيعي لا استثناء، وفي الفعل ~~الإنساني تحدث استثناءات طبقا لقانون ~~آخر هو حرية الإنسان التي تفرض في كل وقت ~~قانونا جديدا. فالحرية قانون ذاتها ~~وممارستها وواقعها. والحقيقة أنه تصعب ~~الإجابة على معظم أسئلة التوليد وبقاء ~~الاستطاعة في الحال الثاني أو الثالث أو ~~الرابع إجابة صورية خالصة دون الإشارة إلى ~~تجارب إنسانية يمكن أن تعطينا مادة ~~لتحليلها، وتكون في الوقت نفسه مصدرا ~~يمكن الرجوع له والاحتكام إليه. وليست ~~المادة أفعال البدن وحدها أو أفعال الشعور ~~وحدها أو أفعال الفرد وحده، بل الأفعال ~~كلها ومسارها في الجماعة. # وهناك أفعال لا تكون إلا متولدة، ولا ~~تحدث ابتداء، مثل النظر المتولد عن العلم ~~أو العلم المتولد عن النظر أو الفكر ~~المتولد عن الباعث أو الباعث المتولد عن ~~الفكر، وذلك لأن وجود المسبب مشروط بوجود السبب. # 65 # وأفعال القلوب المبتدأة هي ~~أفعال الشعور. وقد يحدث فيها التولد حين ~~تتولد فكرة من أخرى أو ظن من فكر أو إرادة ~~من كراهة. وإذا كانت بعض الأفعال متولدة ~~فذلك لا يعني أن تكون كل الأفعال متولدة ~~وإلا وقعنا في مغالطة وهي تعدية حكم الجزء ~~على الكل. لا تنقسم الأفعال المتولدة إلى ~~أفعال شعور وأفعال جوارح، بل الذي يحدد ~~البدء والتولد هو مدى أثر الفعل. الفعل ~~القصير المدى يحدث منذ الحال الأولى، ولكن ~~الفعل الطويل المدى هو الفعل المتولد. ~~ويتحدد قصر المدى أو طوله بغاية الفعل، ~~خاصة أم عامة، وبكمال الغاية، حسية أو ~~معنوية، وبقوة الفعل، فردي أم جماعي، ~~وبوضوح الرؤية، سطحي أم علي، افتراضي أم ~~واقعي، مفروض أم يعبر عن مطلب حقيقي. # 66 # الإرادة متولدة من ms161 الباعث؛ ~~لأنها ليست شيئا آخر إلا قوة الباعث الذي ~~يتولد منه المراد؛ لذلك جعل البعض الأفعال ~~المتولدة هي أفعال الشعور لا أفعال ~~الجوارح؛ لأن الفعل الإنساني هو فعل ~~الشعور، أما أفعال الجوارح فهي أفعال ~~بدنية خالصة تحدث بطبيعة العضو وتكوين ~~الكائن الحي. والسبب في الأفعال المتولدة ~~هو بقاء الاستطاعة الأولى في الحال ~~الثانية، وهي أقرب إلى أفعال الشعور. # 67 # وقد تكون أفعال الشعور وأفعال ~~الجوارح معا أفعال الإرادة، وتقع كلها ~~حسب الدواعي والقصود. كما أن الأفعال ~~ابتداء أو الأفعال المتولدة كلاهما يقعان ~~حسب الدواعي والقصود. وقد ثبت التولد ~~بإثبات أفعال متولدة تقع حسب القصود والدواعي. # 68 # ويؤثر البعض جعل أفعال ~~الإنسان أفعال الجوارح أي أفعال الإرادة ~~لأنها هي التي تظهر فيها الحرية وما سوى ~~ذلك من أفعال الشعور فإنها تحدث طباعا. # 69 # وربما تترك أفعال الجوارح ~~وأفعال الشعور معا بلا تحديد لفعلها، ~~فكلاهما قد يحدث مرة طباعا ومرة أخرى ~~اختيارا. وتثبت الأفعال المتولدة ~~بإثباتها ناشئة عن القدرة كالأفعال ابتداء. # 70 # وأحيانا يصعب التفرقة بين ~~الاثنين كما هو واضح في سؤال: هل المقتول ~~بإرادة القاتل أم بقتل المقتول؟ # 71 # وقسمة الأفعال إلى بدنية من ~~فعل الإنسان وشعورية من فعل الله قسمة ~~تقوم على الرغبة في الجمع بين الفعلين ~~كمحاولة أخيرة قبل خروج الفكر العلمي ~~واستقلاله. وكان من الطبيعي إعطاء الإنسان ~~الفعل البدني الخالص، والله الفعل الشعوري ~~الخالص؛ فهو أكرم وأشرف. # 72 # وقد يكون هناك خلاف على ~~الأشرف؛ فقد يكون الأشرف لله أن ننسب إليه ~~أفعال الطبيعة وليس أفعال الإرادة؛ ~~تنزيها له عن فعل القبيح وحرصا على حرية ~~الإنسان. ولما كانت الطبيعة أقوى من ~~الإنسان، فإنه يكون شرفا أن تعطى لله ~~أفعال الطبيعة دون أفعال الإنسان. # 73 # ولما كان الإنسان قادرا على ~~الأفعال المتولدة، فإنه يقدر على الصفات ~~الثانية للأشياء في الطبيعة كالألوان ~~والأصوات والطعوم والأراييح. # 74 # فالإحساسات الخمس متولدة فيما ~~بينها، أي مولدة إحساسات وليست أفكارا ~~حسية. وكثير من أفعال الإنسان تصدر ~~بالتوليد مثل الأصوات والآلام والتأليف، ~~بل إن أعمال الخلق ms162 كلها قائمة على التوليد. # 75 ~~(2) # التوليد في أفعال الطبيعة. ويظهر ~~التوليد أيضا في أفعال الطبيعة وفي أفعال ~~الكائن الحي باعتباره موجودا طبيعيا؛ ~~فالطبيعة قائمة على تسلسل العلل واعتماد ~~بعضها على البعض. # 76 # يحدث التولد في أجسام الطبيعة ~~طبقا لقوانين الطبيعة. ولا ينفي التوليد ~~أنه حاصل في الطبيعة كظاهرة طبيعية. ~~التوليد ليس خلقا من الله أو اكتسابا ~~للعبد أو حتى فعلا حرا له؛ لأنها ~~أفعال طبيعية صرفة تخضع لقوانين ~~الطبيعة، فالأفعال المتولدة لا فاعل لها. # 77 # والاعتماد وصف بديهي لأثر حركة اليد أو ~~الجسم على الأشياء. # 78 # ولكن هل يولد الاعتماد أم ~~يتولد بالحركة والنظر والمجاورة؟ هل ~~الاعتماد جسمي أم معنوي؟ هل يستطيع ~~الإنسان أن يفعل من غير مماسة؟ # 79 # الحقيقة أن تحليل الفعل على ~~المستوى الطبيعي هو خروج على المستوى ~~القصدي. فسواء كان الإدراك يتم بفتح إرادي ~~للجفن أم لا، فذلك وصف خارجي محض ~~لعملية الإدراك أو التأليف الحاصل عن ~~المجاورة وأنواع المجاورة. والألم الحادث ~~عن الوهن، كل ذلك أوصاف لا دلالة لها بل ~~افتراض عقلي خالص، كقسمة التأليف ~~الحادث عن المجاورة إلى خمسة أجزاء، ~~وتقسيم القدرة إلى خمسة أجزاء لكل جزء قدرة. # 80 # وبصرف النظر عن أنواع التوليد الطبيعي ~~لأفعال الجسم أو الكائن الحي، فإنها تجري ~~جميعا بالعادة أو بالطباع، أي طبقا ~~لقانون. والقول بالعادة هو أيضا قول ~~بالطباع، ولكن بلفظ آخر مثل لفظ الخلقة. # 81 # وحدوث الأشياء في المحل شبيه ~~بحدوثها بالعادة أو بالطبع. ولا يعين ~~المحل الكائن الطبيعي كواقعة مصمتة، بل ~~هو موقف إنساني تتداخل فيه عوامل الفعل ~~الإنساني كالباعث والقصد. ولا يعني نفي ~~المحل كموقف مصمت أنها واقعة تحت فعل ~~إرادة خارجية. # 82 # ولكن يظل لفظ «الطباع» هو ~~اللفظ المفضل. # 83 # ولا تعني الطباع نفي السبب؛ ~~فهي ليست ضرورة أو حتمية عمياء، بل تخضع ~~لقانون طبيعي تجعل الحوادث تحدث طبقا له ~~وتسمى طباعا. # وبالرغم من أن الأفعال المتولدة قائمة ~~على القصود والدواعي، إلا أنها أيضا تثبت بالطباع. # 84 # فإثبات القصود والدواعي لا ~~شأن له بإثبات القديم ms163 عن طريق الغائية، بل ~~هو تحليل علمي موضوعي لبواعث الأفعال ومقاصدها. # 85 # والطبع لا ينافي القصد. يقوم ~~الإنسان بفعله الذي يعبر عن طبعه وهو ~~قصده. ويحقق الإنسان قصده وهو طبعه. ~~ومقاصد الوحي طبيعة وفطرة، والفطرة لا ~~تعارض القصد. # 86 # ولا يمنع الترجيح بين الدوافع ~~بالطبع. ليس الطبع منافيا للغائية، إنما ~~كان إثبات الأفعال حسب القصود والدواعي ~~موجها ضد نوعين من الجبر، الجبر الديني ~~الإلهي الذي يجعل المعبود فاعلا لكل شيء، ~~والجبر العلمي الذي يثبت الأفعال ~~بالطبائع. ومع أن الجبر العلمي أكبر رد ~~فعل على الجبر الديني الإلهي القائم على ~~التشخيص، إلا أنه ينكر القصد والباعث ~~والغائية التي هي أيضا من الطباع. ليست ~~الطبيعة عمياء، بل هي طبيعة عاقلة هادفة. # 87 # وكل محاولة للتوفيق بين فعلين لا تأتي ~~بجديد؛ فالفعل الباقي باق بالاستطاعة ~~الباقية. وهذا تفسير كاف ولا يحتاج إلى ~~علة زائدة. والوصف العلمي يقوم على ~~التفسير بعلل أقل لا بعلل أكثر. # 88 # فالقول بالطباع وبفعل المعبود ~~في آن واحد تفسير لظاهرة بعلتين، ~~الأولى كافية والثانية زائدة. بل إن القول ~~بالسبب بالإضافة إلى الطبيعة رغبة في ~~إثبات أفعال المعبود وخوف من الاستقلال ~~التام للطبيعة. وفي هذه الحالة تحدث ~~الأفعال المتولدة باجتماع السبب والطبيعة ~~معا. والقول بالطباع وإن كان يمثل ~~تقدما هائلا بالنسبة للفكر اللاهوتي ~~في الطبيعيات إلا أنه حين يفسر بقاء الفعل ~~والاستطاعة يغفل أثر القدرة الأولى وكأن ~~الواقع يتحرك بنفسه دون ما تدخل من إرادة ~~الإنسان المستمرة في الأثر. ليست حركة ~~الواقع فقط نتيجة طبيعة الأشياء، بل نتيجة ~~طبيعة الأشياء والفعل الإنساني معا. لا ~~يتغير الواقع بنفسه. ولا يغير الإنسان ~~الواقع ضد طبيعة الأشياء. لا يحدث شيء في ~~الواقع إلا وله محدث وهو الإنسان أو ~~طبيعة الأشياء. ولا يحدث من شيء من ~~الخارج، فالإنسان وطبيعة الأشياء كلاهما ~~في العالم. # 89 # لذلك فإن القول بالطباع دون ~~التوليد هو إنكار لأثر الإرادة في الواقع ~~واستحالة لشكر الإنسان وثنائه وإحساسه ~~بالتوفيق في إتمام مهمته. # 90 # وهو قول بطبيعة غير عاقلة ~~وغير مريدة وإعطاء ms164 الطبيعة كل القوة ~~وسلبها عن الإنسان # 91 # هو فعل للطبيعة خارج الشعور ~~واعتبارها إما قديمة لا شأن للإنسان بها ~~أو حادثة بلا سبب وتحتاج إلى محدث. # 92 # يؤدي القول بالطباع دون ~~الاختيار إلى إنكار البعثة والوحي. صحيح ~~أن الواقع يتأزم ويستدعي الفكر ويمكن ~~للطبيعة أن تبدع فكرها ويكون في الوقت ~~نفسه مطابقا للوحي، ولكن ذلك يحتاج إلى ~~طبيعة كاملة وإلى وقت طويل، ولا يبرأ من ~~احتمال الخطأ؛ فالوحي هو عقل الطبيعة وفعل ~~مع الطباع. # 93 # ولا يؤدي القول بالطبائع إلى إنكار ~~الصانع، بل إلى إثبات حكمته. ليس الصانع ~~حاويا أو ساحرا، بل حكيم خلق الأجسام ~~وجعلها تتحقق طباعا طبقا لقوانين الكون ~~من طبيعة الخلق. وموضوع التوليد هو تحليل ~~لأفعال الطبيعة وليس الهدف منه صياغة أدلة ~~على وجود الصانع. هو موضوع موجه إلى ~~أسفل وليس إلى أعلى، وبالتالي تظل ~~المحافظة على المستويات قائمة. وهو أكثر ~~مدعاة للتنزيه؛ تنزيه الله عن القبائح ~~والشرور، وأكثر مدعاة للعدل بالتأكيد على ~~مسئولية الإنسان عن أفعاله واستمرارها في ~~الكون. كما أنه أكثر مدعاة إلى تأسيس ~~العلم الآلي وجعل الأفعال كلها متولدة عن ~~بعضها البعض تجنبا للتشخيص. كل شيء خاضع ~~لقانون سواء الأفعال الإرادية أم غير ~~الإرادية، العضوية البدنية أم الشعورية ~~الخالصة. # وإثبات المتولدات في الأفعال الإنسانية ~~بإرجاعها للإرادة وترك أفعال الطبيعة ~~متولدة لا فاعل لها هو إثبات لحرية ~~الإنسان ولاستقلال الطبيعة في آن واحد؛ ~~ومن ثم يمتد فعل الإنسان الحر إلى ~~العالم من خلال حتمية قوانين الطبيعة. # 94 # وقد يصل الأمر إلى حد اعتبار ~~أن أفعال الإرادة أيضا خاضعة للأسباب وأن ~~الإنسان قادر متى أخذ بالأسباب على إتيان ~~كل الأفعال، أفعال الإرادة وأفعال ~~الطبيعة، على سبيل التولد. وهنا يتأسس ~~العلم الطبيعي الآلي، وتصبح الإرادة الحرة ~~جزءا من قوانين الطبيعة وأحد عوامل الخلق فيها. # 95 # وقد يكون التولد بالطبع دون ~~تفصيل في الأسباب. كما قد يصل القول ~~بالطبع إلى أن تكون أفعال الإرادة ذاتها ~~بالطبع وأن يكون الإنسان قادرا حتى على ~~خلق أفعال الشعور الداخلية بالطبع. # 96 ms165 # وقد يقع فعل واحد من فاعلين ~~لما كان الفعل يحدث في الطبيعة وكانت ~~الطبيعة قابلة لأفعال الإنسان، ودون أن ~~يكون أحد الفعلين خلقا والآخر كسبا، ~~أحدهما لله والآخر للإنسان. فكلاهما ~~للإنسان، لفاعلين مختلفين. # 97 # وإذا ما فعل الله يفعل طباعا، طبقا ~~لقوانين الطبيعة وليس ضدها. # 98 # وقد يؤثر البعض جعل التولد في ~~أفعال الإنسان وحدها في نفسه وليس في غيره ~~خوفا من حتمية الطبيعة وإيثارا للحرية. ~~موضوع التولد إذن هو مبحث في الطبيعة كما ~~أنه مبحث في الفعل الإنساني، في حرية ~~الأفعال وبقائها في الطبيعة بقوتها ~~الذاتية الكامنة وبآثارها في الأغيار. ~~يصارع فيه الفكر الإنساني الطبيعي الفكر ~~الديني الإلهي حفاظا على حرية الإنسان ~~وإثباتا لاستقلال قوانين الطبيعة. # | خامسا: أفعال الوعي الفردي والاجتماعي # أفعال الوعي الفردي والاجتماعي هي أفعال الشعور في ذاته وفي ~~الآخر، في الفرد والمجتمع؛ فهي متجهة هذه المرة ليس إلى ~~الطبيعة وعالم الأشياء، بل إلى المجتمع وعالم الآخرين، ~~فالتوليد هو استمرار لأفعال الشعور ليس فقط في الطبيعة من خلال ~~حركة الأجسام في الأكوان والاعتماد والتأليف والمماسة ~~والمجاورة، بل أيضا من خلال أفعال الآخرين في المجتمع، وقد ~~كان يبرز سؤال باستمرار: لماذا يوجد توليد الطبيعة ولا يوجد ~~توليد في المجتمع والتاريخ؟ وقد سميت أفعال الوعي وليس ~~أفعال الشعور؛ لأن الأفعال هنا ليست مجرد موضوع لإثبات الحرية، ~~بل لأنها تكشف عن الحرية القائمة على الوعي، سواء في أفعال ~~الشعور الفردية أو في أفعال الشعور الاجتماعية، فالشعور هنا هو ~~الوعي الفردي والوعي الاجتماعي. # والعجيب أن أفعال الوعي هذه عند القدماء ليست مهمة ولا تدخل ~~في صلب موضوع خلق الأفعال، وكلما كان الأمر مهما تعم به ~~البلوى وتتوقف عليه مصالح الناس أبعده القدماء مثل هذه ~~الأفعال ومثل موضوع الإمامة. فهي مجرد أمور «صرح بها القرآن ~~وانعقد عليها الإجماع». # 1 # وهي مجرد أمور تخرج عن حيز المختصرات إلى ~~المطولات، وهي أمور لفظية خالصة تخرج عن العقائد والشرع ولا ~~تحتاج إلا إلى تفسير لغوي، وهي أمور لا داعي لأن تخطر بالبال، ~~وإن خطرت بالبال ms166 فلا معصية في عدم معرفتها وعدم العلم ~~بأحكامها؛ لأن البحث فيها يتطلب معرفة حقائق الأمور ، وهو أمر ~~غير لائق بالعقائد التي يراد منها مجرد تهذيب الاعتقاد! هي ~~أمور غير مهمة في الدين؛ إذ يكفي إبعاد الشك عن النفس في الذات ~~والصفات والأفعال، أي في التوحيد. أما ما يتعلق بحياة الناس، ~~ومصالح الأفراد والجماعات، فلا يجوز الخوض فيها؛ لأنها مضيعة ~~للوقت وانشغال بما لا يهم، فلا فرق في ذلك بين أفعال الوعي ~~الفردي والاجتماعي حتى يحتكرها السلطان ويقررها وفق هواه. # 2 # وهي أمور تدفع إلى الغلو أو التقصير وتبعد عن ~~التوسط والاعتدال. # 3 # صحيح أنها مسائل يصعب إصدار الأحكام عليها أو ~~التعرف إليها؛ نظرا لأننا لم نشق قلوب الناس، ومع ذلك فإنه ~~يمكن معرفة أوضاعها الاجتماعية وأبنيتها النفسية. فهي أمور ~~عقلية مثل القدرة والاستطاعة والفعل، كما أنها مسائل نفسية ~~واجتماعية تكشف عن أوضاع سياسية يريد السلطان السكوت عنها، ~~ويتبعه عالم الكلام بإبعادها عن حريات الناس وتهميشها في ~~العقائد حتى يتم إحكام مؤامرة الصمت عمليا ونظريا، ~~سياسيا ودينيا. # وتنقسم هذه الأفعال إلى قسمين، أفعال الوعي الفردي وأفعال ~~الوعي الاجتماعي؛ الأولى مثل النصر والسداد، والتوفيق ~~والخذلان، الشرح والطبع، الفتح والختم، الهداية والضلال، ~~النعمة والفضل والإحسان، العصمة، القوة والعون، الحول والتيسير ~~... إلخ، والثانية مثل: الأجل والرزق والسعر مفردا، أو الآجال ~~والأرزاق والأسعار جمعا. ويلاحظ أن أفعال الشعور الفردي ~~أكثر من أفعال الشعور الاجتماعي. الأولى متعددة تقرب من ~~الثمانية عشر فعلا، والثانية محصورة في ثلاث. الأولى ~~باستمرار أفعال في صيغة المفرد، في حين أن الثانية تكون ~~أفعالا في صيغة الجمع؛ مما يدل على الطابع الفردي للأولى ~~والاجتماعي للثانية، ولكن أهم ما يفرق الفعلين هو أن الأفعال ~~الفردية مزدوجة الطابع في معظمها، في حين أن الأفعال ~~الاجتماعية ليست كذلك. ~~(1) أفعال الوعي الفردي # تنتظم أفعال الوعي الفردي في مجموعات ثنائية مزدوجة ~~إيجابا وسلبا، وكأننا أمام فعلين متضادين أشبه بأحوال ~~الصوفية، وذلك مثل: التوفيق والخذلان، الشرح والطبع، ~~الفتح والختم، الهداية والضلال. وقد تختلف أطراف الأفعال ~~المتضادة؛ فقد يكون ms167 النصر بدلا من التوفيق في مقابل ~~الخذلان، وقد تكون الأفعال المزدوجة متماثلة متشابهة ~~وليست متعارضة متضادة، إما إيجابا مثل التوفيق والسداد، ~~العون والتيسير، أو سلبا مثل الطبع والختم، وقد يقع ~~التجانس في أفعال ثلاثية وليست ثنائية، وغالبا ما تكون ~~إيجابا لا سلبا مثل النعمة والفضل والإحسان، وقد تكون ~~رباعية وغالبا ما تكون أيضا إيجابا لا سلبا مثل القوة ~~والعون والحول والتيسير، وقد يكون فعلا واحدا بمفرده ~~وغالبا ما يكون إيجابا مثل العصمة، فالأفعال في معظمها ~~يغلب عليها الإيجاب (أربعة عشر فعلا هي: النصر، السداد، ~~التوفيق، الشرح، الفتح، الهداية، النعمة، الفضل، الإحسان، ~~العصمة، القوة، العون، الحول، التيسير) أكثر من السلب ~~(أربعة أفعال وهي: الخذلان، الطبع، الختم، الضلال) مما ~~يدل على أن الوعي الفردي أكثر إيجابية وتفاؤلا وقدرة على ~~الخلق والإبداع والنجاح منه على السلبية والتشاؤم ~~والاستسلام والرضوخ والفشل. # ويصعب تحديد المعاني الدقيقة لكل الألفاظ المتجانسة ~~إيجابا مثل: الهداية والعون والتيسير والتوفيق، أو لكل ~~الألفاظ المتجانسة سلبا مثل: الخذلان والضلال والطبع ~~والختم. إنما المقصود منها شيء واحد وهو: هل يتم الوعي ~~الفردي من داخله بفعل إرادته الحرة، أم من خارجه بفعل ~~إرادة خارجية؟ وقد تكون الألفاظ أقرب إلى الترادف وإلى ~~التمرينات العقلية للإجابة على هذا السؤال المبدئي. ~~فالإجابة بعدم قدرة الوعي من داخله على الأفعال تفرز تراث ~~السلطة التي تتمثل الإرادة الخارجية مشخصة في الله أولا ~~ثم في السلطان ثانيا، والإجابة بقدرة الوعي من داخله على ~~أفعاله تفرز تراث المعارضة التي تتمثل في جموع المحكومين ~~وعامة الرعية؛ لذلك قد يذكر منها البعض دون البعض، وقد يتم ~~التركيز على البعض دون البعض. يذكر التوفيق والخذلان ~~والهداية والضلال والعون والتيسير والعصمة والطبع والختم، ~~ولا يكاد يذكر الشرح والفتح والنعمة والفضل والإحسان ~~والقوة والحول، ولكن يمكن فهمها قياسا، كما يمكن إضافة ~~غيرها قياسا. # وقد ظهر بعض هذه الأفعال مثل الإيمان والكفر في أفعال ~~الشعور الداخلية، كما ظهر موضوع التوفيق والخذلان ~~والإشقاء والإسعاد كعقائد فرعية من العقيدة الأم، عقيدة ~~القضاء والقدر. وقد يدخل البعض منها في ms168 موضوع الحسن ~~والقبح، أي في الشق الثاني من العدل وبوجه خاص في موضوع ~~اللطف أو الصلاح، ومع ذلك فمكانه الطبيعي هو آخر باب خلق ~~الأفعال وبداية الحسن والقبح؛ وبالتالي يكون هو الانتقال ~~الطبيعي من شق العدل الأول خلق الأفعال، إلى شقه الثاني ~~الحسن والقبح. ~~(1-1) التوفيق والسداد # وتتصارع كل ~~أفعال الوعي الفردي ابتداء من التوفيق والسداد مع ~~إرادتين، إرادة الله وإرادة الإنسان، هل التوفيق ~~والسداد فعلان لله أم فعلان للإنسان؟ وكيف تكون أفعال ~~الوعي الفردي لغير الإنسان وهي مرتبطة بالتمييز ~~والعقل، وهما أخص خصائص الإنسان؟ إن التردد بين نسبة ~~أفعال الوعي الفردي إلى الله أم إلى الإنسان إنما هو ~~ناتج عن الخلط بين الانفعال والعقل، بين العاطفة ~~والذهن، فليس الأمر مزايدة في الإيمان وابتهالات لله، ~~بل تحليل لأفعال الشعور ودفاع عن استقلال الإنسان. # 4 # ليس الأمر منافسة أو مبارزة أو تحديا ~~بين الله والإنسان، ووضع الله مكان القادر والإنسان ~~مكان العاجز دفاعا عن الله وتضحية بالإنسان أمام ~~السلطان أكثر منه أمام الله، ونفاقا أكثر منه ~~إيمانا؛ إذ يعجز الإنسان عن الإجابة المضادة وإلا وقع ~~تحت شتى ألوان الضغط النفسي والإرهاب السياسي ~~وتملق إيمان العوام، # 5 # لا يعني جعل أفعال الوعي الفردي مسئولية ~~الإنسان أي تعجيز لله، بل تثبيتا لحكمته وغايته، وهو ~~الدفاع عن حرية الإنسان واستقلاله ومسئوليته، ويزداد ~~الأمر صعوبة إذا ما كان التوفيق والسداد بناء على ~~الدعاء والابتهال والسؤال والاستعطاف والاستجداء ~~والمناجاة والطلب والبكاء؛ وبالتالي يقع الوعي في ~~خطأين؛ الأول التخلي عن الفعل إلى الانفعال ثم ~~الطلب الفعل من الآخر وليس من الذات. وهل الدعاء قادر ~~على استجلاب الطاعة أم أن الفعل هو القادر على ذلك؟ ~~إذا كان الفعل فالإنسان حر وإلا احتاج إلى قدرة ولزم الدور. # 6 # وكيف يتم التوفيق والسداد للبعض دون ~~البعض؟ أليس من سمات صفات الذات أو الفعل الإطلاق؟ ~~وإذا كان مقياس التمييز هو العمل الصالح فيكون فعل ~~الإنسان هو علة التوفيق والسداد وليس فعل الله؟ إن ~~التوفيق والسداد هما في حقيقة الأمر الميل النفساني ms169 ~~المصاحب للفعل نتيجة لقوة الباعث وصدق النفس وكمال ~~الغاية من داخل الشعور وليس من خارجه، وما يسمى ~~بالتيسير والعون والتوفيق أو العصمة أو القوة أو الفضل ~~أو النعمة أو الإحسان كل ذلك هو القوة التي يشعر بها ~~الإنسان أثناء عمله بعد تخطيطه وبذل جهده. هي قوة ~~الفعل الذاتي وهي تحقق والإمكانيات الجديدة التي تظهر، ~~قوة الحق على الباطل، قوة حضور المبدأ على غيابه، وقوة ~~الطبيعة على مناقضتها، وقوة التاريخ على مناهضته، هي ~~ذلك التثبت والبرهان الذي يجده الإنسان في نفسه ~~والثقة بالنفس ساعة الفعل. التوفيق أو العصمة أو ~~التأييد أو الهداية، كل ذلك شعور إنساني بأن الفعل قد ~~تم على أكمل وجه أكثر مما كان الإنسان يتوقع في ~~البداية، وهو شعور موجود بالفعل ولكنه لا يدل على ~~تدخل إرادة خارجية مشخصة أحدثت هذا التوفيق، بل تدل ~~إذا كان الفعل مرويا على حدوث الفعل بإرادة الإنسان ~~طبقا لباعثه وتخطيطه وغايته، أما إذا لم يكن الفعل ~~مرويا وحدث الفعل فإنه يدل على وجود علة أحدثته، ~~أما إرادة إنسان آخر أو تداخل الأحداث وتشابكها كما ~~تتداخل الأمواج لحمل غريق على الشاطئ أو مجرد مسرى ~~التاريخ الذي يتحقق بالإرادة البشرية العامة والتي ~~يصل تأثيرها حتى هذا الفعل غير المروي فيجرفها أمامه ~~كشيء طبيعي، فإذا ما حدث الفعل دون ما توقع من الإنسان ~~الذي لم يقصده ولم يفعله حسب ذلك توفيقا وعصمة ~~وسدادا وعونا وقوة وحولا وتيسيرا أو فضلا ونعمة وإحسانا! # 7 # إن التوفيق والسداد هما وقوع الأفعال حسب ~~إرادة الإنسان وقصده ودواعيه، يفعل الإنسان في الحاضر ~~والمستقبل ويظل مشروطا بتدخل عوامل أخرى منها تدخل ~~إرادات إنسانية أخرى في توجيه الفعل أو حدوث وقائع ~~جديدة لم تكن في الحسبان يسارع بأخذها ووضعها في ~~مجال الفعل كعناصر إيجابية جديدة. # 8 # وليس هذا هو اللطف أو الصلاح لأن ذلك ~~يشير إلى تدخل إرادة خارجية، كما أنه يثير إشكالات ~~أكثر مما يحلها، فما مقياس اللطف أو الصلاح؟ ولماذا ~~يعطى لإنسان دون غيره؟ وإذا كان مشروطا بالفعل، ~~فالفعل هو ms170 الأساس؟ وكيف يكون فعل الله، اللطف أو ~~الصلاح مشروطا؟ فإذا ما كان التوفيق والسداد الثواب ~~بعد الفعل فإن ذلك يحدث طبقا لقانون الاستحقاق ولا ~~يكون تدخلا قبل الفعل باستطاعة زائدة ولا أثناء الفعل ~~بقدرة إضافية، وإذا كان يعني مجرد الحكم فإنه يحدث ~~أيضا بعد إتمام الفعل وليس قبله أو أثناءه، وهو حكم ~~يقوم على تصور إلهي كما يمكن أن يقوم حكم على تصور ~~إنساني خالص. وإذا كان يعني مجرد اللطف دون الإلجاء أي ~~خلق قدرة دون جبر، فإنه يصطدم بعموم اللطف وخصوصه ~~وشروطه، ويكون بمثابة حل مشكلة بإثارة مشكلة أعظم، ~~فإذا ما كان يعني علم الله فإن علم الله بعدي وليس ~~قبليا، لا يجبر على فعل بل يسجل نتيجة أفعال؛ ~~وبالتالي يستحيل فهم التوفيق والسداد بمعنى اللطف أو الصلاح. # 9 ~~(1-2) النصر والخذلان # إذا كان ~~التوفيق والسداد فعلين متجانسين، فإن النصر والخذلان ~~فعلان متضادان، وقد يأتي التوفيق في مقابل الخذلان، ~~وإذا كان من الطبيعي، على أكثر تقدير، أن يوفق الله ~~ويسدد الخطا فكيف به يخذل؟ وإذا كان من الطبيعي ~~ألا يصدر عن الخير إلا الخير، فكيف يصدر عن الله ~~الشر؟ إذا كان الله فاعلا للخير فكيف يكون فاعلا ~~للشر؟ وإذا كان مقياس النصر والخذلان هو إيمان ~~الإنسان وصدقه في الفعل تصبح الإرادة الإلهية مشروطة ~~بالفعل الإنساني، ويصبح الإنسان هو الذي يحدد اختيار ~~الفعل الإلهي إما النصر وإما الخذلان. وإذا كان ~~الأمر كله مرهونا بالاستطاعة التي يخلقها الله في ~~ساعة الفعل، فإن هذه الاستطاعة لا تكون محايدة ~~يستعملها الإنسان بعد ذلك إما للخير أو الشر إما ~~للعمل الصالح أو العمل المفسد، إما للنفع أو للضر، ~~بل تتوجه إيجابا أم سلبا بفعل الله، تنصر أو تخذل، ~~تهدي أو تضل، تشرح أو تختم، تفتح أو تطبع، ويستحيل أن ~~يتم هذا التوجه بتميز مسبق أو عفويا عشوائيا ~~بالمصادفة. وإذا كان المقياس هو حسن النية والصدق في ~~أفعال الإنسان يكون الإنسان هو الذي حدد اختيار الله ~~ووجهة أفعاله، وإذا كانت الاستطاعة محايدة، تكون للخير ~~وتكون ms171 للشر، بفعل الإنسان ودون توجيه من الله يكون ~~الإنسان قادرا على التمييز بين الحسن والقبح وقادرا ~~على توجيه الاستطاعة نحو الخير أو الشر، وبالتالي ينصر ~~نفسه أو يخذل نفسه، وتظل الاستطاعة التي يجدها الإنسان ~~من نفسه على غير توقع مجرد تحقق لإمكانيات الفعل ~~وطاقاته أثناء الفعل، لما كان الفعل يولد باستمرار ~~طاقات جديدة غير المتوقعة أولا في بداية الفعل، وهل ~~الإنسان غير قادر من نفسه على الطاعة وغير مسئول عن ~~المعصية؟ وهل تكون القدرة التي يخلقها الله ساعة الفعل ~~محايدة، قدرة على الخير أو قدرة على الشر بصرف النظر ~~عن البواعث والغايات؟ وكيف يعطي الله الإنسان القدرة ~~على الشر؟ وإذا كان الخير من الله والشر من الإنسان، ~~فالإنسان حر قادر على الإفلات من إرادة الله وقدرته، ~~ولكن في الشر دون الخير، بالإضافة إلى أنها قسمة تقوم ~~على تبرئة الآخر واتهام الذات، تقوم على التطهر ~~والبراءة بالنسبة إلى الوعي الخالص، وعلى تعذيب الذات ~~بالنسبة للوعي المتعين. أليست هذه قسمة ضيزى؟ لله ~~البنين وللإنسان البنات؟ وكيف يدعو الإنسان على ~~الآخرين بالخذلان ويستجيب له الله إن كان من ~~الصالحين؟ أليس هذا تمنيا للشر للآخرين واستجابة لله ~~لفعل الشر؟ ألا يدل ذلك على عجز الإنسان على ~~المقاومة؛ مقاومة الشر بالفعل دون استعداء أحد عليه ~~يكون أقوى منه بالمقاومة بدلا عنه، ويكتفي الإنسان ~~بأضعف الإيمان وهو الدعاء على الأعداء وطلب النجدة من ~~الأقوياء؟ إذا كان النصر والخذلان من الله يسلب من ~~الإنسان فرحه بالتوفيق وحزنه من الإخفاق، فإنه يعيش في ~~الدنيا بلا رجاء أو خوف، بلا فرح أو حزن، بلا أمل أو ~~يأس، ويظل مجرد آلة طيعة في يد فاعل أعظم ينصره ويخذله ~~كيف يشاء. # 10 # ويصعب إيجاد الحلول المتوسطة بين الفعلين. ~~لا يوجد إلا «إما ... أو». فإن قيل إن القوى التي ~~تحدث للإنسان أثناء الفعل ثلاثة أنواع: الأولى موفقة ~~هي التوفيق، والثانية خاذلة وهي الخذلان، والثالثة ~~محايدة وهي القوة أو العون أو الحول أو التيسير، أمكن ~~إذن وجود قوة محايدة لا تتدخل في أفعال ms172 الوعي ~~إيجابا أو سلبا، والحياد على أية حال أقرب إلى ~~المحافظة على حرية الأفعال من القوة الموجهة. إن كانت ~~تسلب الإرادة إلا أنها تبقي على الحرية . # 11 # قد تعني مثل هذه القوة في أحسن الحالات ~~مجرد حضور الأسباب وسلامة الآلات، وبالتالي تكون قوة ~~إنسانية مرئية بدنية أو شعورية يعرفها الإنسان، ويعمل ~~بها قبل الفعل أو أثناء الفعل كقوة متولدة من حركة ~~الفعل ذاته وطبيعة الطاقة المتولدة منه، # 12 # فإن أمكن تقسيم التوفيق إلى عموم وخصوص ~~بالنسبة إلى الخلق، فعموم التوفيق شامل للخلق وكذلك ~~نصب الأدلة والأقدار والاستدلال وإرسال الرسل وتسهيل ~~الطرق لئلا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل، وخصوص ~~التوفيق لمن علم الله منه هدايته وإرادته الاستقامة، ~~وهذه قد تكون على أصناف، منها كمال الاعتدال في ~~المزاج، من جهة الطبيعة أو الشريعة، النفس والنطفة ~~والخلقة، أو من جهة تربية الأبوين أو الأستاذ أو ~~المعلم أو أهل البلد أو القرابة، وحتى في هذه الحالة ~~تكون الأفعال غير مكتسبة؛ فالإنسان غير مسئول عن ~~الخلقة كما أنه غير مسئول عن تعليم الأبوين، وفي هذه ~~الحالة يكون جبر التوفيق العام متفقا مع جبر التوفيق ~~الخاص، ومع ذلك يمكن للوعي الفردي أن يخترق جبر ~~الخلقة والتعلم نظرا لاستقلاله؛ فالطبيعة أقوى من ~~الخلقة، وحرية الفعل أقوى من التعليم. # 13 # ومع ذلك فالتخصيص خارج الأمور الطبيعية ~~كالمزاج والتعلم تميز أو فعل بلا مبرر. # 14 # ويتم النصر والخذلان على مستويين؛ معرفي ~~مثل النظر بالحجج والأدلة وشرح الصدر، وعملي أي التدخل ~~الفعلي المباشر في أفعال الإنسان، فإذا كان التوفيق هو ~~اللطف فإنه في هذه الحالة يشمل اللطف النظري، أي إظهار ~~الآيات الدالة على الوحدانية والنبوة، ويتم ذلك عادة ~~دون حاجة إلى لطف وقتي لكل فعل على حدة وهو التوفيق ~~العملي، والأول أقل خطورة على حرية الأفعال من الثاني؛ ~~لأنه مجرد توليد أفعال نظرية مثل توليد النظر للعلم ~~ويترك الإرادة حرة لتحقيق الفعل، في حين أن الثاني ~~يهدد حرية الأفعال تهديدا مباشرا؛ لأنه يكون ~~بديلا عن الفعل الإنساني وأقوى ms173 منه إيجابا أم سلبا. # 15 # واللطف الخاص في نهاية الأمر تعجيز لله ~~وكأن الله لا يتصف بالاقتدار على اللطف بجميع ~~الخلائق. # ولا يعني الخذلان أي عدم حدوث فعل، تدخل أية إرادة ~~خارجية منعت الفعل من الوقوع أو امتناع تدخلها، بالرغم ~~من الدعاء والابتهال، بل يعني الخذلان إذا كان الفعل ~~مرويا أن هناك عوامل في الموقف كانت غائبة عن ~~الفاعل وأن هناك نقصا ~~إما في الباعث أو ~~الفكرة أو الغاية. قد يكون الأساس النظري للفعل غير ~~محكم، وقد يكون الباعث ضعيفا أو معدوما، وقد تكون ~~الغاية غير طبيعية أو وقتية. وفي مثل هذه الحالات لا ~~يحدث الفعل من الإنسان بل يحدث فعل آخر من إنسان آخر ~~باعثه أقوى وفكرته أوضح، وغايته أعم وأشمل وأكثر ~~تعبيرا عن اكتمال الطبيعة. أما إذا كان الفعل ~~مرويا وذا أساس نظري سليم وقائما على باعث قوي، له ~~غاية تعبر عن اكتمال الطبيعة، ثم لم يحدث، فهذا ~~أيضا لا يعني تدخل إرادة خارجية منعت الفعل من ~~الوقوع، بل يعني وجود عوامل أخرى في ميدان الفعل هي ~~التي منعت الفعل من الوقوع، وقد حدثت هذه الموانع في ~~لحظة إتيان الفعل، وكيف تأتي في الخذلان إرادة ~~خارجية تساعد الإنسان على فعل الشر، وهي صفة من صفات ~~الكمال المطلق؟ كيف يصدر الشر عن الخير؟ كيف تساعد ~~الإرادة الخارجية على فعل الشر وهي الإرادة ~~الكاملة؟ ~~(1-3) الهداية والضلال # مفهومان متضادان مثل النصر والخذلان، وقد يكون ~~التوفيق مع الهداية، وقد يوضع الضلال مع الختم ~~والطبع. يثبتان بحجج نقلية كثيرة لتبين أن الله هو ~~الذي يؤتي كل نفس هداها، أو عقلية بدليل دعاء الإنسان ~~لله وطلبه الهدى، والحقيقة أن الحجج النقلية كلها لا ~~تثبت شيئا لأنها ظنية؛ إذ يمكن إعادة تأويلها لصالح ~~حرية الأفعال ومعارضتها بحجج مضادة على ما وضح في ~~نظرية العلم. # 16 # كما أن الدعاء بهما عجز وتخل عن تحقيقات ~~الغايات بالفعل. الدعاء سلوك شعبي عام وليس من سلوك ~~العقلاء، من صفات العاجزين وليس من شيمة المناضلين، ~~وما الضامن أن يكون ms174 الدعاء أو الابتهال ليس موجها إلى ~~المؤله المشخص بل إلى الإنسان ذاته الذي يشخص ~~انفعالاته، إلى شخص حقيقي ذي سلطة أو من يعطيه ~~الإنسان نفسه سلطة بتوهمه أنه من الأنبياء والأولياء ~~والصالحين؟ وإذا كان التوفيق والخذلان والعون ~~والتيسير نتيجة للابتهال والدعاء، أي نتيجة لفعل ~~الإنسان في السؤال والطلب، سواء أعطى إليه أم لم يعط، ~~فقد تتدخل الإرادة الخارجية حتى بلا سؤال أو طلب ~~تدخلا مجانيا خالصا بالإضلال أو الطبع أو الختم في ~~حالة منع اللطف! والحقيقة أن هذا إسقاط من شعور سوداوي ~~على المؤله المشخص، ولماذا يبدأ المؤله المشخص بلا سبب ~~أو باعث منه أو سؤال أو طلب من الإنسان بالإضلال ~~والختم والطبع؟ أليس الأكثر اتفاقا مع طبيعته الكاملة ~~إعطاء اللطف بلا سؤال؟ وكيف يصدر الإضلال والختم ~~والطبع عن الكمال المطلق؟ وكيف يصدر بلا داع إنساني ~~أو استحقاق؟ وإذا حدث فكيف يمكن تبرير استحقاق الإنسان ~~للمدح والذم إذا ختم وطبع على قلبه؟ وكيف يمكن فهم ~~التكليف إذا بدأ بالختم والطبع والإضلال الذي ليس ~~للإنسان حيلة فيه؟ # وقد تنقسم الهداية إلى عامة وخاصة مثل التوفيق ~~واللطف؛ الأولى هداية نظرية، مجرد بيان الحق ونصب ~~الأدلة عليه، والثانية هداية عملية تقوم بفعل الهداية، ~~الأولى يقدر عليه الله كما تقدر عليه الرسل، في حين أن ~~الثانية لا يقدر عليه إلا الله. الأولى عامة للناس ~~جميعا والثانية خاصة للمهتدين. # 17 # وهنا تبرز نفس الإشكالات السابقة في ~~التوفيق والسداد واللطف، فمع أن الهداية النظرية أقل ~~خطورة على حرية الأفعال من الهداية العملية، إلا أن ~~كلتا الهدايتين يضعان سؤالا: ما مقياس الاختيار بين ~~العام والخاص؟ وإذا كان الفعل الإنساني هو المقياس ~~تكون له الأولوية على الفعل الإلهي وتثبت حرية ~~الأفعال، وكيف يمكن التفريق بين هداية الله وهداية ~~الرسول؟ أليس ذاك وضعا لله والرسول على المستوى نفسه ~~من الفعل؟ وإذا ما حدث توفيق أو هدى، ما المانع أن ~~ينسبه الإنسان إلى الأشخاص الموجودين بالفعل وليس إلى ~~المؤله المشخص؟ لا يستطيع الأشخاص إلا التوجيه أو ~~الإرشاد، حتى الأنبياء تعلم ms175 وتعطي الفكر ولا تفعل ~~أكثر من ذلك، ولما كان من الصعب على الإنسان التمييز ~~بين المشخص والتشخيص، حدثت الوساطة وطلب الهدى ~~والتوفيق من الأشخاص، وهروبا من الإرادة المشخصة ~~وتدخلها إثباتا للحرية أو اقترابا منها تصبح الأفعال ~~إما من الكون أو من الطبيعة أو من الخلقة، ولما كان ~~الكون إثباتا للشر الكوني خارج الفعل الإنساني لم ~~تبق إلا الطبيعة أو الخلقة، والطبع هو في الحقيقة فعل ~~الطبيعة وليس فعل إرادة خارجية. قد يكون الإنسان بطبعه ~~يقظا أو خاملا، متوقدا أو باردا. قد يزدهر هذا ~~الطبع أو يتقلص بالتربية داخل الجماعة نسبيا، قد ~~يصبح المتألق أقل إشراقا إذا لم تحدث التربية ~~الاجتماعية، وقد يصبح الخامل أكثر نشاطا بالتربية ~~الاجتماعية، ولكن التربية الاجتماعية لا تخلق شيئا من ~~عدم ولا تعدم شيئا بعد وجود. # 18 # إن الهداية والضلال تجربتان نفسيتان بناء على موقف ~~اجتماعي؛ الهداية هي القدرة على النظر السليم والحكم ~~الصائب والتخطيط الدقيق قبل تحقيق الفعل، وهي قوة ~~مفاجئة أو طاقة غير متوقعة ساعة تحقيق الفعل يشعر بها ~~المناضل، يشعر بأن قوته زادت ساعة النضال إلى مائتين؛ ~~إذ يأتي الإنسان في لحظات التوتر الانفعالي الشديد ~~بأعظم مما يأتي به في اللحظات العادية، تظهر هذه ~~القدرة غير المتوقعة كغيرها من العوامل ساعة الفعل، في ~~التو واللحظة. الإنسان حرية، بالرغم من تدبيره ~~المسبق وتخطيطه لما سيحدث ساعة الفعل، إلا أن عوامل ~~جديدة تدخل في ميدان الفعل أو تظهر في الفاعل تجعل ~~تخطيطه الأول مجرد تقدير مسبق لا يطابق الواقع ~~تماما، وهذا هو الفرق بين العمل النظري المسبق والعلم ~~الحيوي الحركي. # وإذا كان تجوز من الله الهداية فكيف يجوز منه ~~الإضلال؟ وإذا كان الإضلال بالشيطان فهل يوضع الله على ~~المستوى نفسه مع الشيطان في الإضلال كما وضع من قبل ~~على المستوى نفسه مع الرسول في الهداية؟ وكيف يخلق ~~الله الضلال في القلوب ويقضي على العقل والقدرة على ~~التمييز وعلى إمكانية الوعي منذ البداية؟ وإذا كان ~~الضلال جزاء واستحقاقا، فإن الأولوية تكون لفعل ~~الفشل الإنساني وليس لفعل ms176 الإضلال من الله. وإن كان ~~الإضلال مجرد ضيق النفس وحرج الصدر وانتهاء السبل ~~بالإنسان، فإنه يكون مجرد حالة نفسية من الفشل ~~والضياع، وعدم القدرة على السيطرة على ميدان الفعل، ~~وقد يصل الأمر إلى حد الهزيمة والنكوص والتراجع، ~~ولكنها حالة مؤقتة، إذ سرعان ما يستعيد الإنسان قواه، ~~ويكسب من تجاربه، ويعيد تخطيطه ويراجع حساباته حتى ~~يعاود الكرة؛ فالفشل أحد تجارب النجاح، والنكوص أحد ~~مراحل التقدم. # 19 # وقد توضع المسألة كلها على مستوى اللغة ~~وتحليل الألفاظ دفاعا عن الحرية وإثباتا لأفعال ~~الوعي الفردي؛ فالهداية والضلال مجرد أسماء أو أحكام ~~أو أخبار وإعلام خارج القدرة والفعل، هي مجرد إرشاد ~~نظري وليس تدخلا عمليا في أفعال الإنسان، والإرشاد ~~النظري موجود في الوحي سلفا بفهمه وتأويله والكشف عن ~~مضمونه في المصالح العامة، وليس فعلا جديدا من الله. ~~وقد يكون مجرد تفويض من الله للإنسان أن يفعل مكانه ~~وأن يحقق أفعاله باسمه طبقا لخلافة الإنسان لله على الأرض. # 20 # وفي أصل الوحي الهداية مشروطة بالإدراك ~~وبالإيمان وبالعمل الصالح وبالاعتصام وبالاتباع ~~وبالجهاد، وهي اختيار إنساني خالص وفعل حر للإنسان، ~~كما أنها فعل للرسول وللأئمة وللأمة، وقد يكون الطريق ~~إليها تأمل الإنسان في آيات الطبيعة أو قراءته لآيات ~~الوحي، فكلاهما يؤديان إلى الهدى. # 21 # أما الضلال فإنه لا يعني بالضرورة فعل الله، بل هو ~~فعل حر للإنسان واختيار مشروط بالإدراك والنقل، وقد ~~يأتي الضلال من التبعية والتسلط ويكون سببا للعقاب ~~والاستحقاق؛ لأنه نتيجة لفعل الإنسان، ولا يكون إلا ~~فعل شر؛ ومن ثم لا يكون فعلا إلهيا، بل هو ~~إنساني اجتماعي سياسي يظهر في وضع إنساني خالص. # 22 # ولا يتعدى الفعل الإلهي كونه العلم البعدي بالفعل ~~الإنساني، ومجرد البيان بالوحي، فالله لا يفعل الضلال ~~ولا الرسول، بل هو أساس الاستحقاق بعدما تتكشف الحقائق. # 23 ~~(1-4) العون والتيسير # وهما لفظان متجانسان إيجابيان، مثل التوفيق والسداد، ~~ويقرن بهما لفظا الحول والقوة، ولا تعني هذه الألفاظ ~~أيضا تدخل إرادة خارجية مشخصة في أفعال الوعي ~~الفردي لتعينه وتيسر له. العون أو التيسير هو ms177 مجرد ~~إحساس النفس بقوتها وقدرتها قبل الفعل، ولتحقيق ~~الأفعال العادية وليس الخارقة للعادة. وهل يحتاج ~~الإنسان إلى إرادة خارجية مشخصة أو غير مشخصة للإتيان ~~بالأفعال العادية، القيام أو القعود، الحركة أو ~~السكون؟ وهل أصبح الإنسان مجرد آلة صماء تحركها إرادة ~~خارجية ؟ قد تكون هذه القوة بدنية خالصة تتغلب على ~~الوهن البدني، وقد تكون نفسية تتغلب على الضعف النفسي، ~~ولكنها في كلتا الحالتين قوة في الإنسان. # 24 # وهل يلزم العون لدرجة أن يفقد الإنسان ~~حريته كلية فلا يستطيع الإتيان بفعل إلا بوجود هذا ~~العون الخارجي، في حين أن الإتيان بالفعل أو تغييره ~~بفعل آخر سواء كان من أفعال الشعور أو من أفعال البدن ~~إنما يحدث بتغير الفكر أو الباعث أو الغاية؟ ليس العون ~~تدخلا من إرادة خارجية، بل هو فعل الإرادة ~~الإنسانية وحدوث أفعال غير متوقعة نتيجة لشد الباعث ~~وقوة الدافع وصدق الطوية. والاستعانة تجربة بشرية. ~~فعندما يطلب الإنسان العون لا يعني ذلك فقط وجود إرادة ~~خارجية محتملة قد تعطيه العون كما هو الحال في الكسب، ~~بل يعني أن لديه إرادته الخاصة، وأنه يطلب مزيدا من ~~القوة لها بالاستعانة، لا يأتي العون هنا بالضرورة من ~~مصدر خارجي، بل قد يأتي من الإرادات الإنسانية الأخرى، ~~ويكون الفعل حينئذ فعلا جماعيا، وقد يأتي من شدة ~~الباعث أو من تغير الموقف إلى موقف أفضل أو من ~~ارتفاع بعض الموانع أو كلها. # 25 # إن البناء الفردي أو الجماعي الذي يقوم ~~على العون الخارجي ~~يفقد حريته واستقلاله بالضرورة، فالعون في هذه الحالة ~~تبعية، وفقدان للإرادة المستقلة وارتهان لها طالما ~~استمر العون، والعون الخارجي بطبيعته مشروط بالطاعة ~~والولاء له، يقابل العون إذن الاعتماد على النفس، ~~وتقوية الذات، والاستعانة بالآخرين. # وليس صحيحا أن العون محايد غير مشروط وغير موجه، ~~وإلا فما مقياس إعطاء العون لهذا دون ذاك؟ لذلك قد ~~يرفض العون أحيانا إن كان مشروطا، يهدف إلى القضاء ~~على استقلال الإرادة وحرية الفعل، والتيسير مثل العون، ~~مجرد قدرة الإنسان على فعل أي شيء، وهو أيضا ليس من ~~فعل ms178 إرادة خارجية من حيث هي إرادة مسيطرة، بل هو فعل ~~الإنسان من حيث هو إنسان فاعل، وكأن مجرد إتيان ~~الإنسان لفعل وحدوث ذلك الفعل أمر غريب لا يتأتى ~~إلا بتدخل قوة خارجية تجعل فعله ممكنا وتسهل له ~~الأمور وتذلل له العقبات. # 26 # وقد يكون التيسير أيضا مثل العون ~~استدراجا لارتهان الإرادة المستقلة، إعطاء للقليل بيد ~~وأخذ بالكثير باليد الأخرى. # 27 ~~(1-5) الطبع والختم # وهما لفظان متجانسان سلبا، يقابلهما الشرح والفتح، ~~ولكن التركيز عليهما سلبا أكثر من التركيز عليهما ~~إيجابا، وكأن الله يفعل الشر أكثر من فعله للخير، ~~أليس ذلك سوداوية وتشاؤما وعداء للإنسان؟ وكيف يصدر ~~عن الله الشر؟ كيف يصدر الشر عن الخير؟ وهل يتم الطبع ~~والختم بأفعال الله مباشرة من الخارج أم أنها تتم ~~بفعل الطبع والخلقة؟ وهل الخلقة طبع مستمر ودائم لا ~~تغيير فيه؟ وهل الطبيعة شر أكثر منها خير؟ إن الطبيعة ~~مفتوحة متغيرة وقابلة للتعديل والتقدم والازدهار، ~~الطبيعة متجهة نحو الكمال، الطبيعة خيرة يولد فيها ~~الإنسان خيرا حرا قبل أن يصبح شريرا مجبرا، ~~ليست الخلقة شعورا مبهما مستغلقا خاملا، بل هي ~~شعور واضح مفتوح يقظ لا يتحول إلى شعور مضاد إلا ~~بفعل التربية وبضغط المجتمع وبقهر السياسة، ليست ~~الخلقة حتمية أبدية مطردة، مرة واحدة وإلى الأبد، بل ~~هي خلقة متحولة متغيرة متبدلة، طيعة لخلق الأفعال. ~~وأي معنى للحرية وأية فرصة لها إذا كان الطبع هو ~~السائد، والفعل الإلهي هو الخاتم؟ ومتى يتميز الطبع من ~~الشرح والفتح من الختم؟ إذا حدث التمييز طبقا لفعل ~~الإنسان واختياره يكون لفعله الأولوية على الفعل ~~الإلهي ويفرض اختياره الحر على الاختيار الإلهي ~~المجبر، وإذا كان بما لا مقياس للتمييز فإن الفعل ~~الإلهي يصبح بلا مبرر، عشوائيا بالمصادفة أو تمييزا ~~بلا سبب، وهو ما يناقض الاستحقاق وتكافؤ الفرص والعدل، ~~وإن انتظر الإنسان الشرح والفتح، ودعا برفع الختم ~~والطبع، فإن ذلك يكون إدانة لكل جهد وإلغاء لكل محاولة ~~ذاتية للفعل، ولا يكون أمام الإنسان إلا انتظار المخلص ~~أو الاستسلام للقدر المحتوم، إن الختم والطبع ms179 تجربتان ~~نفسيتان للغموض النظري ونقص الوعي الفردي أو ~~الاجتماعي، وليسا نتيجة مسبقة لتدخل إرادة خارجية ~~مشخصة، وليس الشرح والفتح معطيين مسبقين أبديين، بل ~~هما نتيجتان يتحول فيهما الغموض إلى وضوح وغياب الوعي ~~إلى حضوره من خلال الفعل الذاتي وليس نتيجة لإرادة ~~خارجية مشخصة. إن أفعال الشعور الفردية مرتبطة بكيانه ~~الذاتي وتعبر عن استقلال الإرادة والقدرة على التمييز ~~والاختيار الحر. # 28 ~~(1-6) العصمة # وتعني العصمة في الأصل اللغوي المنع، أما في ~~معناها الاصطلاحي فتعني وقوع فعل مع غياب الموانع ~~أمامه، وكأن الإنسان مدفوع بجبره الذاتي وبفعل طبيعته ~~وبتوجهه نحو هدفه ومصيره، وبهذا المعنى يكون اللطف ~~عصمة لأنه امتناع عن القبيح. والحقيقة أن فهم العصمة ~~على أنها طبيعة وليس على أنها لطف لا تقضي على حرية ~~أفعال الوعي الفردي، بل تكون عاملا مساعدا ومقويا ~~تقوم على قوة البواعث الداخلية والإحساس بالرسالة ~~واتباع الطبيعة، ومع ذلك يظل الإشكال قائما؟ كيف ~~يكون الإنسان مكلفا ومعصوما؟ وكيف تتم محاسبة فعل ~~العصمة ما دام الاختيار بين الحسن والقبح ليس قائما؟ ~~وماذا لو احتج البعض بالإمام المعصوم وأعطوه ~~العصمة المطلقة وهو نوع من الجبر نحو الخير وبالتالي ~~تنتفي المسئولية وتضيع حرية الاختيار؟ قد تعني العصمة ~~مجرد الاسم أو الحكم أو الإبلاغ والإخبار أي الوصف ~~الخارجي للشيء دون فعله، وقد تكون ثوابا وجزاء بعد ~~الفعل وليس فعلا قبل الفعل، ولا تأتي العصمة نتيجة ~~للدعاء أو للوعد والوعيد، فذلك مجرد تمن نظري وجداني ~~انفعالي لا يأتي بشيء فعلي، إنما الزيادة في الفعل ~~تأتي من الطبيعة، ومن القدرة على اتباعها، وهنا ~~يتفاضل الناس في صدق الفعل. قد تكون العصمة ما يعطي ~~صلاحا عاما للناس بدافع الطبيعة، وهو أمر مشاهد في ~~سير الأنبياء والزعماء والأبطال. # 29 ~~(1-7) الاستثناء في الإيمان # هو نتيجة للسؤال عن أفعال الشعور الداخلية، وهو ~~إرادة الكفر والإيمان، وفيه تتحول القدرة الإلهية ~~تحولا مباشرا ضد الحرية الإنسانية من أجل إثبات ~~سلطان القدرة المطلقة، حتى ولو ابتلعت الحرية ~~الإنسانية وقضت عليها نهائيا، فالرد بالإيجاب يعطي ~~للقدرة الإلهية كل سلطانها ms180 على حساب الحرية الإنسانية ~~مغالاة في عواطف التأليه وهي المغالاة التي تتحول ~~أحيانا إلى عكس المقصود، ولما كان باستطاعة العقل ~~التمرد ضد القدرة الإلهية دفاعا عن الحرية ~~الإنسانية يحدث إثبات القدرة لا بالقياس بل ~~بالاتباع، ودون العقل بل بالنقل، هذا فضلا عن أن ~~مقولتي الإيمان والكفر أكثر غموضا من السؤال المطروح، ~~ويجيبان عن الغامض بغموض أكثر، وهل العبرة بالنهاية ~~وحدها دون أخذ في الاعتبار تجربة الحياة الإنسانية ~~ومسار التاريخ؟ # 30 # أما الرد بالنفي فإنه يقيم التنزيه على ~~أساس إنساني وهو إثبات الحرية الإنسانية دون ما مزايدة ~~في الإيمان، اعتمادا على العقل دون النقل، وتأكيدا ~~على شرعية الموقف الإنساني ومقاومة لكل اغتراب ديني؛ ~~فالإنسان يعيش في هذا العالم إنسانا وليس إلها، ~~والله يخاطبه في وحيه إنسانا وليس إلها، والغرض في ~~كلتا الحالتين إثبات الحرية الإنسانية. # 31 # وقد يتم الجمع بين الإثبات والنفي بالإقلال من حدة ~~القدرة، لا من حيث السلطان بل من حيث المعنى؛ فالإرادة ~~الإلهية هنا لا تعني التدخل المباشر، بل تعني الحكم ~~النظري، وبالتالي تصبح الإرادة حقا نظريا لله وليس ~~إجراء عمليا منه، ولكن حتى في هذه الحالة فإن ~~تحول الإرادة من العمل إلى النظر قضاء على أحد مظاهر ~~سلطانها، وبالتالي يكون الجمع بين الإثبات والنفي ~~أقرب إلى النفي. # 32 # وقد ينقلب السؤال على نحو آخر، وبدل أن تتدخل القدرة ~~الإلهية لصالح الإنسان تتدخل لغير مصلحته، فيكون: هل ~~الله مريد للمعاصي؟ ويؤكد الرد بالإيجاب على سلطان ~~القدرة المطلقة، ولكنه من ناحية أخرى يقضي على الحرية ~~الإنسانية، كما أنه يجعل الله مصدرا للشر ومسئولا ~~عنه ويجعله مضادا للمصلحة الإنسانية وضارا بحاضر ~~الإنسان وبمستقبله. # 33 # وقد يجمع بين الإثبات والنفي لإثبات ~~المطلبين معا، القدرة المطلقة ومصلحة الإنسان؛ وذلك ~~بالتفرقة بين فريقين: من يستحق المدح وهو المؤمن ومن ~~يستحق الذم وهو الكافر، يأتي الأول نفع في الحقيقة ~~ويصيب الثاني ضرر في الحقيقة. # 34 # والحقيقة أن هذه التفرقة لا تقوم على أساس ~~واضح، فما هو الإيمان وما هو الكفر؟ تصوران يصعب ~~تحديدهما، وبالتالي ms181 يكون ذلك بمثابة توضيح مسألة ~~بمسألة أخرى أكثر منها غموضا، كما أنها تفرقة قد ~~تثبت الضرر الفعلي للإنسان وتجعل المؤله مصدرا ~~للضرر، وهو ما يتنافى مع عواطف التأليه في أن الله ~~مصدر للنعمة والعفو والرحمة، وهي أيضا تفرقة لا يقوم ~~بها إلا من استحق المدح حتى يستأثر بالنعمة بمفرده ~~ويفرح بأضرار الغير، فهي قسمة إذن تقوم على إحساس ~~«صادي»، حب الذات، وكراهية للغير. وقد يتم الجمع بين ~~الإثبات والنفي بالتفرقة في ميدان الضرر، فالضرر لا ~~يقع في الدين بل في الدنيا، ولا يقع في عالم الأرواح ~~بل في عالم الأبدان. # 35 # والحقيقة أن هذه القسمة أيضا تثبت الضرر، ~~وتجعل الله أيضا مصدرا للشر، وتواري عنه صفات الرحمة ~~والعفو كما تقتضي بذلك عواطف التأليه؛ وهي قسمة تثبت ~~الضرر المادي مع أن الضرر المادي ليس أقسى أنواع ~~العذاب، بل هو مجرد تخويف في الدنيا من السلطان لحرص ~~الناس على مصالحه في الدنيا، وهي أيضا نظرية صادية ~~تقوم على التلذذ بتعذيب بدن الآخرين، إن هذه الأسئلة ~~التقليدية حول موقف قدرة الله ممن علم أنه لا يؤمن ~~تضع صفتين مطلقتين كاملتين؛ القدرة والعلم موضع ~~تعارض تمرينا للذهن في عملية التأليه، وتثير إشكالات ~~أعظم مما تحل التمرين، وإذا كان الرد بالإيجاب فكيف لا ~~تمنع القدرة المطلقة الكاملة الإنسان من فعل الشر؟ ~~وكيف يخص الله أحدا بنعمة الإيمان ابتداء ولا يخص ~~الآخر قبل انقضاء الحياة ونفاد تجربة العمر؟ ألا يؤدي ~~ذلك إلى الاختيار المسبق بلا سبب وإلى الاختيار ~~العشوائي، وبالتالي يؤدي إلى التحيز وعدم تكافؤ الفرص. # 36 # ويكون السؤال أصعب عندما يكون: هل يجوز القول: أنا ~~مؤمن «إن شاء الله»؟ هل يجوز الاستثناء في الإيمان؟ هل ~~يمكن أن يقال «أنا مؤمن حقا» في الحال دون ~~الاستقبال؟ إن تعليق الإيمان في الحال أو في الاستقبال ~~هو وقوع في الشك وعدم الثقة بالنفس وربط أفعال الشعور ~~الفردية بأسس خارجية، وبالتالي تضعف القناعات ويحدث ~~التردد في الأفعال، والثقة في التخطيط تجعل الإنسان ~~قادرا على أن يرى المستقبل دون شك ms182 أو تردد مع توقع ~~عوامل غير متوقعة قد تحدث أثناء الفعل يقدر الإنسان ~~على احتوائها وإعادة أخذها في الاعتبار. إذا قال ~~الإنسان: «أنا مؤمن إن شاء الله»، ولم يحدث الإيمان في ~~المستقبل يحنث الإنسان بوعده، إذا ما حكم الإنسان على ~~الماضي في فعل الشعور فإنه يقوم دائما بقراءة جديدة ~~للماضي طبقا لتجارب الحاضر، وإذا ما حكم على الحاضر ~~فإنه يكون بناء على معرفة الذات وتحليل النفس، وإذا ~~ما حكم على المستقبل فإنه يكون تعبيرا عن العزيمة ~~وعقد العزم دون الوقوع في التصلب والتخشب وترك ~~الميدان مفتوحا لمزيد من التجارب والخبرة وإعادة ~~النظر والمراجعة من أجل مزيد من الإحكام النظري ~~والدقة العملية في السلوك، صياغة وتحقيقا، إنما ~~يقال ذلك عادة تعبيرا عن إيمان شعبي موروث ~~بالأعراف، وأحيانا يعبر عن العجز عن السيطرة على ~~الجهد لنقص في حسابات المستقبل وضعف في رؤيته، ويتضح ~~ذلك بصورة خاصة في أفعال الشعور في الطبيعة كالتوليد ~~أو أفعال الشعور الاجتماعي كالآجال والأرزاق والأسعار ~~وعدم القدرة على السيطرة عليها في المستقبل. # 37 # أما المشيئة في أصل الوحي فإنها لا تعني ~~الاستثناء في الإيمان والشك فيه، بل تعني مجرد جعل ~~الفعل الإلهي محتملا ومتوقفا على وضع إنساني نظري أو ~~عملي، فردي أو اجتماعي مستحيل، والمتوقف على المستحيل ~~مستحيل مثله. # 38 ~~(2) أفعال الوعي الاجتماعي # تشير أفعال الوعي الاجتماعي إلى ما أورده القدماء في ~~نهاية أصل العدل في موضوعات ثلاث: الآجال والأرزاق ~~والأسعار، سواء في كتب التوحيد الأولى أو في كتب العقائد المتأخرة. # 39 # ويدخل في موضوع حرية الأفعال بعد أفعال الوعي ~~الفردي؛ لأنها تتعلق بوجود الإنسان وحياته ورزقه ~~ومعاملاته، وظهورها في خاتمة التوليد، أي أفعال الإنسان في ~~الطبيعة، يجعل منها أيضا جزءا من التوليد، ولكن هذه ~~المرة توليد الأفعال في الحياة الاجتماعية، وظهور الوعي ~~الفردي كوعي اجتماعي في المجتمع وفي التاريخ، والآجال أكثر ~~الموضوعات تناولا تتلوها الأرزاق ثم الأسعار، وكأن عمر ~~الإنسان أهم من رزقه وكسبه، ثم تأتي أسعار السوق في ~~النهاية، وإن شئنا فإن موضوع الأسعار أقل الموضوعات ms183 الثلاث ~~تناولا، فكلما اقتربت العقائد من المصالح العامة توقفت ~~واقتصرت على النظر دون العمل، مع أن الأرزاق والأسعار ~~تعم بهما البلوى، ثم تدخل مسألة الفقر والغنى في ~~«اللطائف» مع بعض المسائل الطبيعية وكأنها لا أهمية لها أو ~~كأنها مسألة طبيعية كونية قدرية وليست مسألة اقتصادية ~~اجتماعية سياسية. # 40 # وتظهر مسألة الآجال والأرزاق والأسعار في ~~مباحث العدل والتجوير بعد الختم والاستثناء والهدى والضلال. # 41 # وقد تظهر الأرزاق في أول مسألة العدل كما يظهر ~~الغنى والفقر في وسطه أو في آخره. # 42 # وقد تظهر في ختام خلق الأفعال قبل موضوعات خلق ~~الأفعال مثل شمول الإرادة للكائنات والقضاء والقدر، وبعدها ~~تأتي الحسن والقبح مما يدل على أنها إحدى موضوعات العدل، ~~وهي جزء من السمعيات لاعتمادها على الأدلة السمعية أكثر من ~~اعتمادها على الأدلة النقلية. # 43 # مما يدل على اعتمادها على حجة السلطة وليس على ~~حجة العقل، ولما كان السلطان هو المثل للسلطة، فإنه قام ~~بتفسيرها لحسابها؛ ومن ثم ظلت خارج التعقيل والتنظير ~~دون برهان. # 44 ~~(2-1) الآجال # الأجل لغويا هو الوقت، والآجال هي الأوقات، أوقات ~~مخصوصة نحو الحياة والموت، ويتفاوت الوقت أحيانا بين ~~أن يكون وصفا للوجود الإنساني أو وصفا للموجود الطبيعي. # 45 # ولكن المقصود هنا بالأجل هو الوقت ~~الإنساني أي العمر؛ يعني الأجل إذن الحياة الزمنية ~~والوجود الزماني وليس الوقت الطبيعي زمان الأفلاك ~~وولوج الليل في النهار والنهار في الليل. الزمان توتر ~~وطاقة وجهد وليس حسابا وعددا وحركة طبيعية، ومع ~~ذلك يحاول القدماء عدم تخصيص الزمان بالوجود الإنساني ~~وحده، بل تعميمه على جميع أجناس الموجودات، ربما ~~لإثبات العالم ونهاية الأشياء بنهاية الزمان الطبيعية ~~أو لإثبات قدم الصانع وخلود النفس، وتجديد الوقت في ~~الحقيقة ليس مقولة للأشياء، بل وصف للشعور الداخلي ~~بالزمان، ولماذا إثبات أوقات لا نهاية لها والإنسان ~~متناه في الزمان؟ وقد يفيد الأجل أيضا قضاء الدين ~~للمعسر، وكأن الحياة هي المال، وكأن عمر الإنسان هو ~~قضاء للدين، وكأن انقضاء أجل الدين هو انقضاء العمر، ~~فأداء الدين حياة قبل الأجلين، أجل الدين ms184 وأجل ~~الإنسان! # ويحلل القدماء الآجال بطريقتين لتحديد السبب في ~~البداية وهو الموت أو السبب في النهاية وهو انقضاء ~~الأجل، فهل الموت قتلا بالسكين يكون موتا بالأجل أم ~~موتا بالآلة أم موتا بالقتل أو موتا في المقتول أو ~~موتا في القاتل؟ وهنا يسار إلى التولد من جديد ~~لمعرفة سبب القتل؛ الله أم تولد الفعل عن القاتل، ~~وفي هذه الحالة يمكن وصف عملية القتل وصفا طبيعيا ~~جسميا خالصا. فالقتل حز الرقبة، أعراض أي حركات في ~~يد الضارب بالسيف وافتراقات في أجزاء رقبة المضروب ~~اقترب بها عرض آخر وهو الموت، فإن لم يكن بين الحز ~~والموت ارتباط لم يلزم من تقدير نفي الحز نفي الموت، ~~فالاقتران بالعادة، وللموت علل أخرى وأسباب باطنة غير ~~الحز عند القائلين بالعلل إلا إذا انتفت العلل، وهنا ~~يبدو أن الأمر ليس موضوعا طبيعيا صرفا، بل الغاية ~~منه إثبات قدرة خارجية تكون سبب الموت دون ما نظر في ~~حياة الإنسان وسبب الموت المباشر، وهو على هذا النحو ~~هروب من الموضوع وفقد لمدلوله، ويمكن تحليل الموت ~~الطبيعي بدقة وتفصيل أكثر ثم الانتهاء إلى مجموعة ~~من العلل تؤدي إلى علة أولى، وبالتالي ترجع المشكلة ~~إلى أصلها. # 46 # إن الموت الطبيعي بانقضاء شروط الحياة ~~وتحلل الأجسام، أي الموت العضوي؛ هو من حيث العلم لا ~~من حيث الإنسان والمجتمع والحياة، وحديث حز الرقبة ~~إنما يشير إلى السبب المباشر في المعامل الجنائية مثل ~~أسفكسيا الغرق أو نزيف المخ. # 47 # وعلى الطرف النقيض من تحديد الأجل بالموت يتم تحديد ~~الأجل بالقضاء والقدر؛ فكل مقتول ميت بأجله، وبالتالي ~~يكون الموت هنا أحد موضوعات الجبر والاختيار قبل أن ~~يكون بداية موضوع آخر بلحظة الموت أو ما بعدها وهو ~~موضوع المعاد. # 48 # فالمقتول ميت لأجله والأجل واحد، والله ~~خلق الآجال وقدرها. # 49 # ومن مات رغما عنه، حتف أنفه أو قتل، فقد ~~مات بأجله، وكان يمكن ألا يموت وأن يزيد الله في ~~عمره، ولكن ما دام أجله قد حان يجب عليه الموت، فلكل ~~أجل كتاب، سبب القتل هنا هو ms185 سبق العلم وشمول الإرادة، ~~وإن لم يمت بقدر الله مات بغيره حتف أنفه، وبالتالي ~~يتحول الأجل إلى جبر أو إلى موت جبر، ويصبح الموت ~~مطاردا للإنسان كما يصبح طريد الموت أينما يفر منه ~~الإنسان؛ فهو ملاقيه كما في أسطورة أورفيوس عند ~~القدماء، فلا زيادة ولا نقصان في العمر، وإذا كانت ~~الزيادة بركة فهل النقص قلة في البركة؟ # 50 # إن استخدام الأجل والقضاء لتبرير الموت ~~والتعمية عن حوادث الطريق والفقر والاغتيالات وكل ~~الشرور والآثام؛ لهو تعمية عن الحقائق في سبيل ~~مزايدة في الإيمان يرضى عنها السلطان ليتستر وراءها ~~إخفاء للأسباب المباشرة لموت الرعية. # 51 # مع أن المحافظة على الحياة أساس الشرع. # 52 # إن عدم الالتفات إلى الأسباب المباشرة ~~للموت جهل بالأوضاع الاجتماعية وعدم حرمة لحياة الناس ~~وتعمية وتغطية على حوادث الطرقات وأسلاك الكهرباء ~~العارية والبالوعات المفتوحة والمنازل الآيلة للسقوط ~~والبنايات الهشة رغبة في الربح وسرقة للأموال، ~~والأغذية الفاسدة والأمراض العضالة، والقتل من أجل ~~السرقة والفقر والجوع، والحروب العدوانية، ويستعمل ~~«لكل أجل كتاب» في الدين الشعبي لتبرير كل شيء للسلوى ~~ولدفع الأحزان، ولماذا تفريغ الغضب؟ أليست مسئولية ~~الحاكم في المدينة أن يسوي الطريق لبغلته حتى لا ~~تعثر في الطرق؟ فما بال أمم بأكملها تتعثر بأيدي ~~الحكام قبل أن تكون بأيدي الأعداء؟ وما الفائدة من ~~إعطاء الله الحق النظري لإطالة العمر ثم لا يطيله ~~بالفعل؟ ما الفائدة من نية لا تتحقق في فعل أو قدرة ~~لا تخرج في قرار؟ ولماذا لا يعيش الإنسان أكثر حتى ~~ينتج أكثر ويعلم أكثر ويحقق الرسالة في مراحل أخرى؟ ~~ولماذا الدفاع عن الموت وعن القتل والقاتل؟ ولماذا لا ~~يبقى طول العمر وإطالة الحياة؟ وإن فن العيش كله في ~~إطالة الحياة ومحاربة الأمراض وتقوية البدن واكتشاف ~~العقاقير، وكثيرا ما صاغ الشعراء والفنانون شعر ~~الحياة وفن الحياة وحب الحياة، ونحن نقدس الموت ~~والمرض، فيموت الإنسان رغم أنفه ويلاقي حتفه، فنتمنى ~~العدم أكثر مما نعشق الوجود. # 53 # إن رفض الموت قتلا على الأقل يبقي على ~~الحياة كقيمة، ولماذا لا يتمنى الإنسان ms186 حياة أكبر ~~دون موت يقضي على رسالته؟ قد يقبل الإنسان على الموت ~~اختيارا لا رغما عنه حتف أنفه لإكمال الرسالة، قد ~~يموت الإنسان شهيدا باختياره وليس رغما عنه، تضحية ~~بحياته وليس رغما عنه للقاء حتفه مدفوعا إليه دفعا، ~~وهل القتل فردي أم جماعي؟ هل قتل الشعوب المناضلة من ~~أجل حرياتها والثائرة من أجل تحررها موت بآجالها أم ~~أن الله هو الذي قتلها أم أنها ضحت بالملايين في سبيل ~~حريتها؟ # لولا أسباب الموت لكان ممكن للإنسان أن يعيش أكثر، ~~ولولا الجوع وحوادث الطريق والأمراض لعاشت كثير من ~~الشعوب، ولقلت نسبة الوفيات وزادت نسبة الأحياء، ~~وبالصحة ترتفع نسبة المعمرين، المقتول غير ميت لأن ~~الموت من الله أو من القاتل وكان يمكنه أن يحيا، ~~المقتول مقطوع عليه أجله، فوجب على القاتل أن يقطع ~~عليه أجله في القصاص، لو لم يقتل الإنسان لما مات في ~~ذلك الوقت، ولا يمكن أن يموت الإنسان بلا قتل، إن معنى ~~أن تزيد الطاعات في العمر أن وفرة الصحة والسعادة تطيل ~~في العمر؛ فالطاعات سبب أول يؤدي إلى أسباب أخرى ~~ثانية مثل الاستيقاظ المبكر للصلاة، وعدم التخمة ~~والصوم، والاطمئنان الداخلي؛ أي الصحة النفسية، أما ~~في أصل الوحي فيتدرج الأجل من الأجل بين الزوجين إلى ~~أجل الدين إلى أجل الفرد في عمره إلى أجل الأمة ~~وحياتها في التاريخ إلى أجل الكون كله وانتهاء الزمان. # 54 ~~(2-2) الأرزاق # ليس خلق الأفعال مسألة فلسفية نظرية خالصة، بل ~~يتعداها إلى موضوعات عملية ترتبط بمصالح الناس مثل ~~الرزق والكسب والمال والسوق والأسعار والغنى والفقر، ~~إلا أن موضوع الأرزاق أهم من موضوع الآجال؛ لأن قدرة ~~الإنسان على السيطرة على الحياة والموت محدودة نظرا ~~لتشابك وجوده في عديد من العلاقات البدنية والبيئية ~~والاجتماعية، أما الأرزاق فللإنسان قدرة أعظم ~~للسيطرة عليها، وإذا كانت الآجال، على أكثر تقدير، ~~أقرب إلى الإرادة الإلهية، فإن الأرزاق على أقل تقدير ~~أقرب إلى الأفعال الإنسانية، والعجيب أن يعتبرها ~~القدماء غير مهمة وهي موطن الصلة بين التوحيد والنشاط ~~الاقتصادي، والانتقال من توحيد الذات ms187 والصفات والأفعال ~~إلى توحيد الثورة والمجتمع والنشاط الإنساني والإنسان ~~في العالم. # 55 # ومع ذلك يذكرها القدماء وكأنها من أفعال ~~الله بقضاء الله وقدره! وأن كل المصائب والمحن ~~والشدائد وما يصيب الإنسان من فقر وبؤس وحرمان كلها ~~بتقدير الله وقضائه، وكيف يكون الرزق بقضاء الله وقدره ~~وليس بجهد العباد في إطار النظام الاجتماعي والسياسي ~~والاقتصادي الذي يوجد فيه الإنسان؟ ولما كانت جماهير ~~الأمة فقيرة وبائسة ومحرومة يضرب بها المثل بالقحط ~~وسوء التغذية والجوع، وتصنف ضمن الشعوب المتخلفة أو ~~العالم الرابع، أي عالم ما تحت خط الفقر، فإن جعل ~~الرزق بقضاء الله وقدره تبرير للفقر والبؤس والحرمان ~~وقبول للضنك وشظف العيش، ولماذا تكون جماهير الأمة ~~ضحية القضاء والقدر ويكون الحكام من محظياته؟ إن ذلك ~~يؤدي لا محالة إلى الإبقاء على الأوضاع القائمة من ~~استغلال وفقر واحتكار وتفاوت شديد بين الطبقات ~~والقضاء على أية إمكانية في التغيير وتحقيق العدالة ~~بين الناس وتطبيق النظام الاقتصادي والسياسي ~~والاجتماعي للشريعة، وهنا تكون العقيدة ضد الشريعة ~~وليس أصلا لها، وتكون الأوضاع الاجتماعية مناهضة ~~للشريعة والعقيدة معا. والقضية من جديد هي العلة ~~الأولى التي تعلق عليها أخطاء البشر والتي تمثلها ~~الأقلية ضد الأغلبية في مواجهة العلل الثانية التي ~~تعجز الأغلبية حتى عن تمثلها. # 56 # ولتثبيت ذلك ~~إلى الأبد تكتب الأرزاق في «اللوح المحفوظ» الذي لا ~~يمحي فيه شيء؛ فلا يمكن الزيادة في الرزق أو النقصان ~~منه، زيادة رزق الفقير والنقصان من رزق الغني؛ فالله ~~هو الخالق والرازق، وكأن الخلق هو الرزق مع أن الخلق ~~حق الله والرزق حق الإنسان، لله كل شيء وللإنسان بعض ~~الشيء، وبالرغم من أن الله هو الرازق الحق للخلق وأن ~~السلطان هو الرازق بالمجاز للرعية والأمير هو الرازق ~~بالمجاز، إلا أنه ما أسهل التوحيد بين الله والسلطان ~~والأمير، وما أسهل أن تتحول الحقيقة إلى مجاز ~~والمجاز إلى حقيقة، خاصة في نظام يعتمد على حجة ~~النقل والتأويل الحرفي للنصوص، وأن الاستدلال بالنقل ~~على أن الأرزاق مقسومة تمنع الفقير من المطالبة ~~بحقه في مال الغني، فتفسير ms188 النص موكول لفقيه ~~السلطان. # فإذا ما كان لجهد الإنسان دور في تحديد رزقه، فإن ~~هذا الجهد لا يظهر في أفعال التقوى أو الفجور، فيزداد ~~رزق التقي ويقل رزق الفاجر، بل في الأفعال ~~الاقتصادية من إنتاج وربح ومشاركة وأجر؛ فالأخلاق في ~~باطن الاقتصاد وليست بديلا عنه، وإن تصور الأخلاق ~~بديلا عن الاقتصاد هو حل للقضية الاجتماعية عن طريق ~~الأخلاق الفردية دون ما تغيير بجوهر النظام الاجتماعي، ~~وإن الإقرار بالظلم لا يكفي للتغير الاجتماعي، فقد ~~ينتج عنه مجرد الندم دون تغير اجتماعي أو ثورة، وإن ~~عدم استيفاء الرزق لا يكون بالضرورة مشروطا بالموت، ~~فهناك من الأحياء ما لا تستوفى أرزاقهم؛ ومن ثم ~~فلا سبيل لهم إلا الموت انتظارا لاستيفاء الرزق! # 57 # وقد تحول ذلك كله إلى دين شعبي يؤمن به ~~الناس، فقد تحولت عقيدة السلطة إلى عقائد الجماهير ~~بفعل السيطرة على أجهزة الإعلام وتوجيه التربية ~~الدينية في المدارس، وحتى في هذا الاعتراف بالزيادة ~~والنقص في جهد الإنسان، هل الموضوع دراسة علمية للدخول ~~والأجور أم مجرد تمرين عقلي مقلوب لإظهار القدرة ~~الإنسانية في مقابل القدرة الإلهية، كرد فعل على ~~اعتبارها من أفعال الله وليست من أفعال الإنسان نتيجة ~~لعمله وأنماط الإنتاج في مجتمعه وتوزيع الدخل القومي ~~فيه وسياسة الأجور ونوع النظام الاقتصادي؟ وإذا كانت ~~الأرزاق من أفعال الله، فكيف يقتر الرزق على ~~المؤمنين ويبسطه على الكافرين؟ وهل بسطه الرزق لدى ~~المؤمنين وضيقه على الكافرين من الله؟ وهل زيادة رزق ~~المؤمن من ممارسته للشعائر والعبادات وأدائه للصلوات ~~وذهابه مع الحجيج سبع مرات؟ إن الأرزاق أوضاع ~~اجتماعية وسياسية واقتصادية لها قوانينها في أحوال ~~المعاش كما يبدو ذلك في أصل الوحي وتنظيمه لسيولة ~~الأموال في المجتمع، ويعتمد القدماء على الحجج النقلية ~~دون العقلية حتى يمكنهم الارتكان إلى حجة السلطة ~~وإبعاد العقل عما يمس الناس ومعاشهم طالما أن فقيه ~~السلطان هو المفسر الأعظم لنصوص الوحي! # وهناك ثلاثة تعريفات للرزق: الأول: الرزق هو ~~الملكية، ورزق الإنسان هو ما يملكه الإنسان؛ ومن ~~ثم لا ترزق البهائم لأنها لا تملك، ms189 أما مصدر ~~الملكية فهي إما الحيازة أو الإرث أو المبايعة أو ~~الهبة، وكلها مصادر شرعية! والسؤال الآن: ألا توجد ~~ملكية عن طريق السرقة والاغتصاب؟ وماذا عمن لا يملك؟ ~~أليس له رزق؟ وكيف يأكل ويعيش؟ وماذا عن الملايين ~~المعدمة التي لا تملك شيئا؟ إن تحديد الرزق بالملكية ~~أي بالاستحواذ هو تأكيد على الملكية كمصدر رزق بصرف ~~النظر عن أنماط الإنتاج أو علاقات الإنتاج كطرق للكسب. # 58 # مع أنه في أصل الشرع لا وجود إلا ~~للملكية العامة، فالله وحده هو المالك، والله وحده ~~هو الوارث، والإنسان مستخلف فيما أودعه الله بين ~~يديه، له حق التصرف والانتفاع والاستثمار وليس له حق ~~الاستغلال أو الاحتكار أو الاكتناز، يبدو أن الأشعرية ~~تنسى أن علم الأصول واحد بشقيه، أصول الدين وأصول ~~الفقه، وتذكر الله عندما يتعلق الأمر بحق الله وتنساه ~~إذا ما تعلق الأمر بحقوق الناس! # والمعنى الثاني هو كل ما يأتي الإنسان، سواء كان ~~حلالا أم حراما، وأحيانا يتم التضييق فيصبح فقط ما ~~لم يحرم تناوله، في المعنى الواسع الرزق كسب حلال أم ~~حرام؛ لذلك نشأ السؤال التقليدي: هل يرزق الله عباده ~~الحرام؟ والغرض من السؤال ليس الإجابة عليه بنعم أو ~~بلا، بل إعطاء فرصة أخرى لعواطف التأليه؛ فالذات ~~المشخصة تمثل القيمة المطلقة ولا تفعل إلا الخير، فلا ~~يرزق الله إلا الحلال، كما يدل على رغبة في البحث عن ~~أساس نظري للفعل خارج الفعل ذاته وبعيدا عن الموقف ~~الإنساني الذي يحدث فيه الفعل، فهو سؤال يقوم على ~~افتراض الجبر وعلى إمكانية تدخل قدرة مشخصة من تقدير ~~الإنسان للموقف وسلوكه فيه، وكيف يكون الحرام رزقا ~~وهو يستحق عليه العقوبة؟ وكيف يكون الحرام رزقا خاصة ~~وأن كل ما هنالك هو أنه يستحق العقوبة؟ ولماذا لا يمنع ~~الرزق الحرام من الأساس؟ إن اعتبار الحرام رزقا يفصل ~~بين الواقع والقيمة، ويكون ذريعة للكسب الحرام ~~واعتباره رزقا، إن الدفاع عن الرزق الحرام وجعله ~~جزءا لا يتجزأ من الرزق يعطي ذريعة للمجتمعات ~~الحالية لتحليل الحرام وتحريم الحلال، وهي التي تعاني ~~من ms190 أوضاع الفقر والغنى، والشبع والجوع، والاستغلال ~~والاحتكار، إن الحلال والحرام من المسائل الاقتصادية ~~يفيدان معنى الفعل القائم على الجهد والقيمة في مقابل ~~الفعل القائم على الاستغلال، كما يشيران إلى قوانين ~~السوق وقواعد الكسب ونظم الاقتصاد وقوانين الدولة، إن ~~الذي يسمح بالتلاعب في الأرزاق والأسعار والتحايل على ~~القوانين من أجل سلب الغير عملهم ومن أجل استغلالهم ~~هي طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي ~~يعيش فيه الإنسان ومدى ولاء الإنسان له أو تحايله ~~عليه وتمثيله لحقوقه أو استغلاله، وليس قوة خارجية ~~تمنع الفاضل منه وتدفع الشرير نحوه، هو النظام الذي ~~يعيش الإنسان فيه والذي يعمل الإنسان إما على إبقائه ~~أو على تغييره، إن الحديث عن الرزق الحرام باعتباره ~~رزقا هو إحساس بفعل الاستغلال إما نفيا أو ~~إثباتا، نفيا بالإيحاء بالاقتراب عنه وإثباتا ~~بالإيحاء بالابتعاد عنه طبقا للمثل الشعبي «يكاد ~~المريب يقول خذوني»، ومهما كانت هناك من حجج عقلية ~~فإنه يبدو فيها التشريع للنهب والسلب مثل الاعتماد على ~~أن ما أكلته الدابة وما أخذه اللص رزق، فالإنسان ليس ~~دابة وليس لصا، الإنسان ذو عقل ووعي وعمل وجهد، ~~وكيف تدافع الأشعرية عن الرزق الحرام دون التأكيد على ~~أن الرزق الحلال وحده هو الرزق، وهل انعدم الرزق ~~الحلال وعم الرزق الحرام؟ وماذا عن المحرومين الذين ~~ليس لديهم لا هذا ولا ذاك، لا رزقا حلالا ولا رزقا حراما؟ # 59 # وكيف يرزق الله الحرام؟ لذلك استعمل ~~المتأخرون مفهوم الحلال المباح الذي لا يبحث عن أصله ~~واعتباره رزقا هكذا بفعل الوجود، ثم تضفي عليه ~~الشرعية ويصبح مباحا بنص أو إجماع أو قياس جلي حتى ~~يحدث الاطمئنان الداخلي الإيماني الشرعي الضروري للوضع ~~الخارجي الاجتماعي اللاشرعي. فتحدث السرقة باسم الدين، ~~ويتم الكسب الحرام تحت غطاء الإيمان، والحاكم مطمئن ~~والمحكوم قانع. # 60 # لذلك كان من الطبيعي أن يكون الرزق هو ~~الحلال وحده دون الحرام توحيدا بين الشيء والقيمة، ~~فالحرام ليس رزقا يتغذى به الجسم كموجود طبيعي. ليس ~~الرزق هو المواد الغذائية، بل طريقة كسبها والعمل ~~وراءها، أي أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج ms191 قبل أن يكون ~~هو الشيء المنتج، ليس الرزق غذاء وملكا، أي غذاء ~~ومسكنا وملبسا، ما يدخل في بطن الإنسان، وما يكون ~~فوقه أو تحته أو يمينه أو يساره أو أمامه أو خلفه. ~~الرزق هو جهد الإنسان ونتيجة عمله وفائض قيمته، ليس ~~الرزق ما يقيم الأود فحسب، بل هو أيضا رغد العيش ~~ورحابة الحياة رفعا لمستوى الفقراء ومساواة لهم ~~بالأغنياء لو وجهت الدعوة إلى الجميع فقراء وأغنياء ~~وليس إلى الأغنياء وحدهم، إن الذي يحدد كون الكسب من ~~الجهد الذاتي أو من الاستغلال للآخر هي الأوضاع ~~الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهو ما لم يتعرض ~~له القدماء قصدا لأنها من الفروع أو من المطولات، ~~وكأن الأصول هي مجرد الموضوعات النظرية الخالصة كالذات ~~والصفات، وأن كل ما يمس صالح الناس من المطولات، ~~ويكفي أنها من اختصاصات الله أو السلطان، والحقيقة أنه ~~يمكن معرفة منطق أحكام الشعور الاجتماعي، الأرزاق ~~والأسعار، وما يتعلق بها من نشاط اقتصادي وتوزيع ~~الثروات ومعرفة مظاهر الاغتصاب والاحتكار والاستغلال. ~~وبالتالي يكون علم أصول الفقه أقرب إلى تحقيق التوحيد ~~من علم أصول الدين عند الأشعرية. # 61 # والمعنى الثالث للرزق هو المنتفع به؛ فالرزق ما ينفع ~~الإنسان ولا يرزق الإنسان ما يضره، ولكن ما مدى هذا ~~الانتفاع وحدوده؟ متى يتحول الانتفاع إلى أثرة وأنانية ~~واستغلال؟ وهل ترتزق البهائم لمجرد انتفاعها؟ وما هي ~~شروط الانتفاع؟ هل يجوز الانتفاع بما ليس ملكا؟ هل ~~يجوز الانتفاع بالاغتصاب وهل كل انتفاع رزق؟ هل ~~الأطعمة والأشربة والأقوات رزق أم حق طبيعي؟ ومع ذلك ~~قد تبدو للانتفاع بعض المزايا على تحديد الرزق بالمعنى ~~الأول، أي بالملكية؛ إذ إنه يمنع الاحتكار لأنه ملكية ~~بلا انتفاع، وهو أقرب إلى تحديد المعنى الشرعي للملكية ~~بأنها حق التصرف والاستثمار والانتفاع، وتعريف الرزق ~~بالانتفاع هو تنويع على تعريفه بالملكية؛ فالرزق ~~اثنان، انتفاع وملك، مشاع وخاص. # 62 # وينقسم الرزق إلى عدة أنواع؛ منه ما هو ~~ظاهر على الأبدان كالأقوات، ومنها ما هو باطن في ~~القلوب كالعلوم والمعارف، والأرزاق المقصودة فقط من ~~النوع الأول لأنها تتعلق بأفعال ms192 الشعور الخارجية ~~وبأفعال الوعي الاجتماعي. # 63 # وقد تكون الغاية من ذلك الإيحاء بأن ~~الرزق هو العلم، رزق القلب وليس هو الأجر والكسب أي ~~الرزق الخارجي، رزق الجوارح، وبطبيعة التكوين الديني ~~تؤثر العامة رزق القلوب على رزق الجوارح، وتفضل ~~العلم على الكسب تعويضا عن جهلها راضية بفقرها، ~~أما قسمة الرزق إلى ما يحدث ابتداء من الله بالإرث ~~وما يحدث كسبا من العبد، فإنه يجعل القسم الأعظم من ~~الرزق خارج التساؤل؛ لأنه هبة للوارث من الله أو من ~~الأب، أما القسم الثاني وهو الأقل فإنه متروك ~~للتوكل، فما لم تقض عليه الأشعرية قضى عليه التصوف؛ ~~فالطلب والجهد والكسب والعمل قبيح؛ لأنه ضد التوكل ~~ولأنه قد يوقع في الخطأ وفي ظلم الناس؛ فالأولى إذن ~~عدم الطلب والكسب. # 64 # والحقيقة أن الرزق الأول لم يأت عن ~~طريق الجهد والكسب، والإرث احتمال قد يقع وقد لا يقع ~~بدليل الصياغة الشرطية له في أصل الوحي، كما أنه في ~~الأوضاع القائمة وحاجة الأمة إلى الاستثمار يصعب ترك ~~مال دون استثمار، وإذا كانت الأنبياء قدوة، فإنها لا ~~ترث ولا تورث؛ # 65 # لذلك قامت الحركات الإصلاحية الحديثة بنقد ~~التوكل في التصوف دون أن تذهب إلى جذوره في العقيدة في ~~علم أصول الدين، وفي أصل الوحي صحيح أن الرزق فعل الله ~~كحق نظري وكنتيجة للخلق إلا أنه مشروط ب«لو» التي ~~تعبر عن الاستحالة، كما أنه مشروط بالهجرة والجهاد ~~والتقوى والإيمان والعمل الصالح والمغفرة، هدفه الشكر ~~وليس الاغتناء عن طريق الاغتصاب وأكل المال الحرام، ~~وهو أيضا فعل للإنسان في الكسب الحلال دون الحرام، ~~ينفق منه الإنسان دون اكتناز حتى يأخذ المال دورته في ~~الاستثمار مما يحقق النفع العام. # 66 ~~(2-3) الأسعار # وهو أقل الموضوعات تناولا من الآجال والأرزاق، مع ~~أنه هو الذي يكشف التلاعب في الأسواق وأسباب زيادة ~~الأسعار، ومشاكل التضخم والبطالة والفقر كلها ترجع إلى ~~غلاء الأسعار، وهو الذي يحرك الجماهير؛ لأنها تمس ~~لقمة العيش والحياة اليومية. # 67 # لم يتناولها القدماء إلا لأن الله هو الذي ~~يحددها وليس السوق، وكأن ms193 الله هو الذي ينزل إلى ~~الأسواق وإلى تجار الجملة ويتحكم في الأسعار من أجل ~~مزيد من الربح، وغالبا ما يكون التحكم في طريق ~~الزيادة أي ارتفاع الأسعار ولا يكون أبدا من أجل ~~خفضها أي رخص الأسعار، وكأن التحكم الإلهي في الأسعار ~~يسير طبقا للتضخم وارتفاع مستوى المعيشة باستمرار، ~~ولصالح التجار ضد مصالح المستهلكين، وما دام الرزق ~~يكون حلالا أو حراما، فإن الأسعار بالتالي تكون أحد ~~مصادر الرزق الحرام، فكل ارتفاع في الأسعار يدخل في ~~جيوب التجار فهو ربح، وكل ربح رزق، وكل رزق ينتفع به ~~بصرف النظر عن الحلال والحرام ! # 68 # ويتم الاعتماد في ذلك على بعض الأحاديث ~~الآحاد أو الضعيفة التي يمكن تأويلها على معنى آخر، ~~وهو عدم إزعاج المسلمين بارتفاع الأسعار وخفضها؛ بعثا ~~للطمأنينة في نفوسهم ولاستقرار الأسواق أو طبقا ~~لقوانين السوق وحاجات المسلمين وكما هو مقرر في علم ~~أصول الفقه في أحكام السوق، والمعنى الحرفي للنص معارض ~~بالاقتصاد الإسلامي وحق الحاكم في التأميم والمصادرة ~~للمال المستغل دفاعا عن المصالح العامة. # 69 # الأسعار من أفعال العباد ومن وضع الناس طبقا لحاجات السوق. # 70 # وهناك فرق بين السعر والثمن؛ فالسعر اتفاق ~~بين المشتري والبائع في حين أن الثمن هو علاقة السعر ~~بقيمة الشيء، الأسعار تعلو وتهبط طبقا للحاجة، ولكن ~~الثمن يظل كما هو، ويمكن التحكم في الأسعار بقوانين ~~السوق ووضع حدود على الربح فيما عمت فيه الحاجة، فإذا ~~ما تم التوحيد بين السعر والثمن يحدث البيع بسعر ~~التكلفة دون هامش للربح، ويعظم الربح ويتحول إلى ~~استغلال للتجارة كلما زاد الفرق بين السعر والثمن، ~~وتحول الثمن في السعر إلى أضعاف مضاعفة. # 71 # وإذا ما جعل التسعير من أفعال العباد أمكن معرفة ~~أسباب الغلاء والرخص التي رآها القدماء في عاملي ~~البلد والوقت فقط؛ أي المكان والزمان، دون بيان لأنماط ~~الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وكأن المكان والزمان هما ~~المحددان الوحيدان لمظاهر النشاط الاقتصادي في ~~المجتمع، أما قانون العرض والطلب إن لم يكن هو ~~المقصود بعامل الوقت فما زال من الله ولا يتوقف على ms194 ~~حاجة السوق وكم المعروض، وإذا كان السلطان قادرا ~~على التحكم في التسعير وذلك بتثبيت الأسعار، فهنا ~~يظهر الله والسلطان ~~معا متداخلين في النشاط الاقتصادي دون ما تحليل ~~للنشاط الإنساني في الإنتاج وللبنية الاجتماعية وأثرها ~~في توزيع الدخول. # 72 # وهل النشاط الاقتصادي كله مركز في ~~الأسعار؟ ماذا عن الإنتاج والأجر ورأس المال والربح ~~وتوزيع الدخل ومقدار العمل كقيمة للشيء؟ يبدو أن تحديد ~~الأسعار فيها كان عند القدماء هو الوسيلة الأولى ~~للتحكم في الأسواق في المجتمع التجاري القديم، ~~والعجيب أنه في أصل الوحي لا وجود لمفهوم السعر، أما ~~الثمن فلا يعني إلا القليل. # 73 ~~(د) الفقر والغنى؛ وهو الموضوع الأخير في خلق ~~الأفعال، وأحيانا يكون الغنى والفقر، يبدو أحيانا ~~أصلا مستقلا، ويبدو أحيانا فرعا على الأرزاق، وهو ~~موضوع اقتصادي يظهر البعد الاجتماعي لأفعال الشعور ~~والأوضاع الاجتماعية الناتجة عنها، وقد وضعه القدماء ~~في صيغة تفاضل، أيهما أفضل: الفقر أم الغنى، دون تحديد ~~لمعاني الفقر ومعاني الغنى، ودون وصف للبنية ~~الاجتماعية التي يظهر فيها الفقر والغنى، ودون تحليل ~~لأسبابهما أو لمقدارهما أو لكيفية التقريب بينهما أو ~~تركهما على ما هو عليه، يوضع السؤال هكذا على العموم ~~دون تفصيل، وعلى الإطلاق دون الإشارة إلى مجتمع معين ~~أو حالة معينة، فالتفضيل نظري خالص، وكأن الأمر مجرد ~~استحسان وتذوق لحالي الغنى والفقر كما هو الحال في ~~الأمثال العامية والآداب الشعبية التي تقرظ الفقر أو ~~تلك التي تمدح ~~الغنى، والحقيقة أنه لا يمكن التفاضل بين مقولتين ~~مجردتين، الغنى والفقر، أو حتى بين شخصين معينين، ~~الغني والفقير؛ لأنهما وضعان اجتماعيان يوجدان في زمان ~~ومكان معينين، وقد يوجد فقير مناضل ثوري، وغني مستغل ~~محتكر، وفي هذه الحالة يكون الفقير الأول أفضلهما، ~~وقد يوجد فقير كسول خامل متواكل، وغني نشط منتج يستثمر ~~أمواله للصالح العام، لا يحتكر ولا يستغل ولا يكتنز، ~~وفي هذه الحالة الغني الثاني أفضل. # 74 # وماذا يعني الغنى؟ هل هو غنى المال أم ~~النفس أم الحق أم النبوة؟ وما هو الفقر؟ قد يكون الفقر ~~هو فقر النفس والروح ms195 والعقل والقلب. وما هي حدود الغنى ~~وحدود الفقر؟ كل غني يريد أن يزيد غناه فهو فقير، وكل ~~فقير يزداد فقرا كان غنيا من قبل ثم افتقر، ما هو ~~الحد العاقل بين الغنى والفقر؟ هل هو خط الفقر؟ هل هو ~~إشباع الحاجات الأولية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن؟ ~~وماذا عن طبيعة المجتمع ومقدار الدخل القومي فيه؟ إذا ~~كان ناتجه القومي ضئيلا وسكانه كثر. فالكل فقير، ~~وإذا كان سكانه أقل يزداد الدخل الفردي، وإذا كان ~~الدخل القومي مرتفعا والعدد كثير فالكل غني، وإذا كان ~~سكانه أقل فالكل أيضا غني ولكن بدرجة أقل، ليس المهم ~~التفاضل في الآخرة بل في الدنيا، التفاضل في الآخرة ~~جزاء وثواب، في حين أن التفاضل في الدنيا كسب وعمل، ~~الأول لا يمكن تغييره في حين أن الثاني يجب تغييره، ~~والأول مشروط بالثاني لما كان الجزاء من جنس العمل ~~طبقا للاستحقاق، والتفاضل في الدنيا أساسا في العمل ~~وليس بالغنى أو الفقر، قد يؤدي العمل إلى الغنى، ولكن ~~يكون الغنى في هذه الحالة مشروطا بقيمة العمل من ~~ناحية وبمقدار الإنتاج والدخل القومي من ناحية أخرى، ~~فلا يمكن لعمل أن يؤدي إلى غنى في بلد محدود الدخل ~~مهما كان هذا العمل فاضلا، ولا يمكن لعمل فاضل أن ~~يؤدي إلى فقر أو إلى ما تحت خط الفقر، وهل اعتبار ~~العمل الصالح مقياسا للتفضيل وليس الفقر أو الغنى ~~هروبا من النشاط الاقتصادي إلى العمل الأخلاقي، أو ~~إيهاما للفقير بأنه أفضل من الغني بالعمل الصالح وبأن ~~الغني أشر منه بعمله الفاسد؟ ولماذا لا تطرح قضية ~~العدالة الاجتماعية مباشرة في مجتمع به الأغنياء ~~والفقراء لإعادة توزيع الدخل القومي طبقا لقيمة العمل ~~وحده؟ ليست المشكلة أخلاقية، بل هي مسألة اقتصادية ~~تعبر عن مضمون العقيدة وعن مضمون التوحيد، ولا توجد ~~حجج نصية لها فحسب، بل تقوم على تحليل النشاط ~~الاقتصادي في المجتمع ونسبته إلى العمل والقيمة والربح ~~والدخل. # ومع ذلك فقد أجاب القدماء على الأخلاق بأفضلية الغنى ~~على الفقر، وأن الغني مطالب بالشكر، وأن الفقير الذي ~~لا ms196 غنى له مطالب بالصبر، # 75 # وكيف يكون الغني الشاكر خيرا من الفقير ~~الصابر؟ وهل الشكر على الغنى فضيلة أم تستر على ~~مصادر الغنى طلبا للمزيد؟ وهل الصبر على الفقر فضيلة ~~أم تسكين وتخدير للفقراء؟ وكيف يتساوى الاثنان في ~~التقوى؟ وهل تقوى الغني صادقة أم ظاهرة؟ وهل تقوى ~~الفقير ممكنة أم عزاء وسلوان وتعويض عن حرمان؟ ألا ~~تعني الاستعاذة من فتنة الفقر وفتنة الغنى ضرورة تغيير ~~الأوضاع الاجتماعية ودرء الفتنتين معا، فتنة الغنى ~~وفتنة الفقر؟ إن كل الحجج النقلية والتاريخية لتفضيل ~~الغنى على الفقر إنما يرددها الأغنياء ترويجا ~~للغنى وتأكيدا عليه كفضيلة، فإغناء الله للرسول لم ~~يكن بالمال بل بالقناعة والزهد والعلم والنبوة، ولم ~~يكن كل الأنبياء أغنياء، بل كان فيهم الفقراء المعدمون ~~الذين لا يملكون شيئا من حطام الدنيا، ولم يكن ~~الصحابة أغنياء بل كان فيهم فقراء المهاجرين، وإن ~~إدانة الفقر ليست لطلب الغنى ولكن للصراع ضد الأوضاع ~~الاجتماعية التي تنتج الفقر ولتحقيق المساواة والعدالة ~~الاجتماعية بين الناس، وليست حرصا على مكسب خاص أو ~~زيادة ربح أو تراكم ثروة شخصية لغني. # ويستحيل أن يكون في الغنى جمع بين عبادة النفس ~~وعبادة المال، فلا بد أن تطغى الثانية على الأولى ~~ويتحول الإيمان إلى ستار ليخفي عبادة المال، صحيح أن ~~المال الصالح ينتج مع الرجل الصالح، ولكن ما الضمان ~~على أن المال الصالح يكون باستمرار بين يدي الرجل ~~الصالح؟ إن المعروف اجتماعيا وتاريخيا أن المال ~~مفسدة، وأن المال ~~في غالبيته فاسد، بل ويفسد الرجل الصالح، والمال ~~الصالح لا يكفي الرجل الفاسد، والأخلاقيات لا تغير ~~من الوضع الاجتماعي والنشاط الاقتصادي والنظام السياسي شيئا، # 76 # وفي أصل الوحي يشير الغنى إلى أنه فعل ~~أكثر منه اسم، أي أنه نشاط أكثر منه شيء، وهو وإن كان ~~فعل الله إلا أنه أيضا فعل الإنسان، فالغنى صفة لله ~~ومطلب للإنسان، ولكن معظم الاستعمالات الفعلية نافية؛ ~~فالغنى والكسب والمال والأولاد والمتاع كل ذلك لا ~~يغني. والنذر والشفاعة والمولى والآلهة كلها لا ~~تغني، فالغنى زائل. ويظهر البعد الاجتماعي للموضوع ms197 في ~~حث الأغنياء على التعفف وعلى ضرورة دورة المال في ~~المجتمع دون أن يكون حكرا على حفنة من الأغنياء. ~~وأموال الأغنياء وإنفاقها في الحرب ضرورة لا استئذان فيها. # 77 # وكيف يكون الفقر أفضل من الغنى، والفقير أفضل من ~~الغني؟ كيف يكون الفقير الصابر خيرا من الغني الشاكر؟ ~~ألا يعني ذلك بقاء الفقير في فقره واستمرار الغني في ~~غناه؟ ولماذا لا يكون الفقراء أفضل من الأغنياء لا ~~بمعنى التسكين والتخدير، ولكن لثورتهم على الأغنياء ~~ومطالبتهم بحقوقهم ولتحقيق مجتمع العدل والمساواة. فهم ~~أكثر إنتاجا وجهدا وعملا ومقاومة. والأغنياء أكثر ~~بطالة ورخاء وبطنة وترهلا. ولا تعني أفضلية ~~الفقراء على الأغنياء دخولهم الجنة قبلهم ، بل تغيير ~~حالهم في الدنيا. كما لا تعني أن الإنسان يولد فقيرا ~~ويعيش فقيرا ويموت فقيرا، وأنه قد استغنى عن الغنى، ~~فالاستغناء عن العالم المادي ليس تخليا عن المبادئ ~~فيه. والزهد في العالم ليس انعزالا عنه، بل تقوية ~~للنفس واستعدادا للجهاد كنوع من البساطة وضرب المثل ~~لجماهير الفقراء بشظف العيش وقدوة للناس. وإن الدعوة ~~بالحياة مع المساكين والموت والبعث معهم إنما تعني ~~الالتحام بجماهير الأمة، وبأغلبيتها الصامتة وأن تكون ~~القيادة معهم مثلهم كالسمك في الماء وليست أعلى منهم ~~تتكسب على قضاياهم وتعيش على حسابهم؛ ولذلك كان ~~الأنبياء فقراء باعتبارهم قادة أمم ومحرري شعوب. قد ~~يسعد الغني بغناه في الدنيا، ولكن إذا ما قامت ضده ~~الثورة فقط تطاح الرقاب. وشقاء الفقير في الدنيا إنما ~~هو مؤقت ريثما تتحقق العدالة والمساواة. وهناك ~~عالم يتساوى فيه الجميع ليس فقط في الآخرة ضرورة بل في ~~الدنيا إمكانا. # 78 ~~(3) خاتمة. هل الحرية مشكلة؟ # يبدو أن موضوع العدل إنما يجد حله في أصل التوحيد؛ فقد ~~أدى إثبات أن الصفات زائدة على الذات إلى القضاء على ~~استقلال الطبيعة وإثبات خضوعها إلى إرادة وقدرة خارجية ~~عنها؛ فالذات فعالة في العالم من خلال الصفات والأفعال، ~~وهي علة الكون وسيد الطبيعة. في حين انتهى إنكار كون ~~الصفات زائدة على الذات إلى استقلال الطبيعة وحتمية ~~قوانينها وارتباط العلة بالمعلول ارتباطا ضروريا؛ ms198 ~~لأنه لا توجد صفات مطلقة، إرادة أو علم تتدخل في مسارها. ~~فالمؤله ذات خالصة لا يتدخل في قوانين الطبيعة؛ لأنه لا ~~صفات له، وهو التصور العلمي للطبيعة، كما تنشأ المشكلة في ~~إثبات الصفات مع تصور تضاربها وتصور أن العلم مضاد للإرادة ~~أو أن الإرادة معارضة للقدرة: هل ما يعلمه الله يكون أو هل ~~يكون ما لا يعلمه مع أن الأقرب اتفاق الصفات وليس تضاربها ~~ووحدة الله وليس تعدده. ~~(3-1) الطرف الآخر المقابل للحرية؛ الله أم ~~العالم؟ # وأحيانا تتشعب الموضوعات كلها حتى يغيب الموضوع ~~الأساسي والتحليل الدال؛ وذلك لأن الحرية ليست في ~~العالم، وأن الطرف الحقيقي لها لفعل الإنسان هو الله ~~وليس العالم ، وأن القيد هو إرادة الله الشاملة وليس ~~الموقف والعقبة والقيد والنظم الاجتماعية والسياسية. ~~وقد أدى ذلك إلى تصور الإنسان والله أعداء، بقدر ما ~~يكون الله حرا يكون الإنسان مجبرا، وبقدر ما يكون ~~الإنسان مجبرا يكون الله حرا بدلا من تصورهما ~~متعاونين كإخوة أعداء. # 79 # والسؤال الآن: هل هناك مشكلة حقيقية ~~تسمى مشكلة الجبر والاختيار أو مشكلة القضاء ~~والقدر أو مشكلة الحرية؟ لقد أفاض القدماء فيما سموه ~~مشكلة أو مسألة، وتضاربت الآراء بين جبر وكسب واختيار، ~~كل رأي يعتمد على نصوص وحجج لتأييده. والحقيقة أن هذه ~~المشكلة، كباقي مشاكل علم الكلام الأخرى، إنما تنشأ من ~~هذا الوضع المقلوب للعلم ذاته «علم الله» بدلا من ~~«علم الإنسان». فالسؤال الآتي: كيف تتفق إرادة الله ~~المطلقة مع إرادة الإنسان أو علم الله المطلق وقدره ~~المسبق مع حرية الإنسان؟ صياغة خاطئة لموضوع إنساني هو ~~الفعل. لا يستطيع الإنسان إلا أن يشعر بإرادته وليس ~~لديه أية وسيلة للشعور بإرادة خارجية تحد من قدرته ~~وتقف أمامه بالمرصاد أو تساعده وتؤيده. صحيح أن هناك ~~عقبات أمام الفعل الإنساني وهي الموانع الموجودة ~~بالفعل، في الواقع، من قيد بدني أو ضعف باعث أو عدم ~~وضوح فكر أو نقص في كمال غاية أو وجود موانع في البناء ~~الاجتماعي أو عدم حلول لحظة الفعل المواتية كي يتحقق ~~بنجاح، ولكن هذه ms199 العقبات عوامل مادية موجودة بالفعل ~~يمكن معرفتها. وتصورها على أنها إرادة خارجية تحد من ~~الفعل وتفرض نفسها عليه تشخيص لها، والتشخيص الانفعالي ~~ضد التحليل العقلي؛ فالأول إدراك خاطئ ووهم بينما ~~الثاني علم ويقين. فإذا لم تقف هذه الإرادة الخارجية ~~للحرية الإنسانية بالمرصاد - مع أن هذا هو الشائع في ~~التراث القديم كله - فإنها تأتي للعون والمساعدة ~~والتوفيق. وهذه المساعدة في حقيقة الأمر ما هي إلا ~~القوة المفاجئة التي تحدث للإنسان صاحب الحق ومحقق ~~الرسالة أثناء الفعل ودون توقع من طبيعة الحركات ~~ومكونات الموقف. هي قوة نفسية خالصة تعبر عن درجة تمثل ~~الإنسان للغاية وشدة الباعث. وهنا لا يكون الكم هو ~~المقياس، بل يضاف إليه الكيف. وكم من مرة انهار كم ~~أمام كيف. كل ذلك تحليل للإرادة الإنسانية ووصف ~~لمضمونها وتحققها في أفعال. ويستطيع الإنسان أن يعلم ~~ذلك بتحليل شعوره ورؤية ما يدور في باطنه واستقراء ~~مسار التاريخ ومعرفة قوانين تطور المجتمعات ~~البشرية. # فإذا أخذ ~~الإنسان هذا الموقف الإنساني بدافع من الأمانة الفكرية ~~والتواضع العلمي، والعلم بمصادر معرفته وبعمليات ~~الشعور، لم ير إلا حريته من خلال وصفه لشعوره وأفعاله، ~~ولم يقع في تشخيص عوامل موجودة بالفعل كالعقبات أو ~~ظهور قوى مؤيدة لم تكن في الحسبان نتيجة لطهارة الوعي، ~~ونقاء الضمير، وصفاء النفس، وكمال الغاية. ولم ير إلا ~~الحرية من خلاله، ولم يشخص إرادة خارجية مطلقة تقف له ~~بالمرصاد. ذلك لا يتم إلا من نقصان في الوعي وسيادة ~~الانفعال على العقل، والإحساس بالضعف أمام العقبات، ~~فيشخصها إلى إرادة أقوى منه مضادة له أو إلى مصدر قوة ~~أخرى يأخذها في صفه ويستمد منها قوته ويعوض فيها عجزه، ~~يتعبدها ويتقرب إليها ويتزلف لها ويرضيها إلى حد ~~النفاق ببناء البيوت كما يفعل لأميره أو لأسرته أو ~~لحبيبته. صحيح أن الوحي المتضمن في الكتاب أخبر عن ~~قدرة مطلقة وإرادة شاملة تعم كل شيء كصفة، ولكن هذه ~~القدرة ضمن وظيفة التوحيد العامة، وهي الإحساس للإنسان ~~بأنه في عالم واحد يشمله قانون واحد. ومهمة الإنسان في ~~معرفة هذا القانون ms200 وتحقيق فعله طبقا لمساره وليس ~~مضادا له لأنه هو طبيعة الأشياء، بل إن إرادة ~~الإنسان، بنص الوحي، هي الموجهة والمحققة للإرادة ~~الشاملة. وتنشأ الحركة في هذه الإرادة الخارجية بفعل ~~الإنسان الذي يفعل فيها بفعله. يفعل الإنسان الخير ثم ~~يعطى الجزاء. ولا جزاء قبل فعل الإنسان للخير. ويفعل ~~الإنسان الشر وينال العقاب، ولا عقاب قبل فعل الإنسان ~~للشر. ويستغفر الإنسان وينال المغفرة، ولا مغفرة قبل ~~أن يستغفر الإنسان، ويتوب الإنسان فينال التوبة، ولا ~~توبة قبل أن يتوب الإنسان. ويمكن أن يقال نفس الشيء ~~على مستوى الانفعال لا على مستوى الفعل فحسب، فإذا فعل ~~الإنسان الخير حدث الفرح والسرور عند الآخر، ولا يفرح ~~الآخر أو يسر قبل أن يفعل الإنسان الخير. ويحزن الآخر ~~ويأسى إذا فعل الإنسان الشر، ولا يحزن الآخر ويأسى قبل ~~أن يفعل الإنسان الشر. # مهمة الوحي ~~الإيحاء للإنسان بأن هناك قدرة في الكون أقوى من كل ~~قوة طبيعية أو إنسانية أخرى، بمعنى أن لا شيء في هذا ~~العالم بمستعص على الحركة والتغير. فيتمثل الإنسان ~~حريته ويغير بناء واقعه. فلا شيء بثابت في هذا ~~العالم، وكل شيء خاضع لإرادة عامة، هي الإرادة التي ~~يتحد بها الإنسان بسيره وفق طبيعة الأشياء ومسار ~~التاريخ. مهمة الوحي الإيحاء للإنسان بأن الطبيعة ~~عاقلة، وأن الإنسان يعيش في عالم من المعاني. وأنه لا ~~يوجد شيء في هذا العالم بلا سبب أو غاية. رسالة ~~الإنسان قائمة على وجود سبب هو أنه ليس من طبيعة ~~الأشياء وليس على مستواها؛ لذلك فهو سيد الكون، وأنه ~~كلما تأمل في حياته وجد أنه بقدرته أن يفعل كل شيء ~~وأن يكون سيدا مطلقا في هذا الكون. والسبب قد يؤدي ~~إلى الغاية؛ فالإنسان يعيش في هذا العالم لغاية. فهو ~~رسالة، والكون غاية. والإيحاء بأن هناك قدرة شاملة ~~تعم كل شيء، تعني أن الرسالة موضوع قوة وصراع شامل ~~يوجهه الإنسان لتحقيق رسالته. ولما كان الوحي موجها ~~نحو الإنسان ومعطى له، فهو قصد إنساني موجه إلى ~~الإنسان كغاية. الوحي والإنسان معا غاية واحدة موجهة ms201 ~~نحو العالم. كيف إذن يحاول عالم الكلام أن يتصور أن ~~إرادة الوحي وإرادة الإنسان يسيران وجها لوجه في ~~اتجاهين متعارضين، كل منهما يقابل الآخر ويقف له ~~بالمرصاد؟ هذا القلب المبدئي هو سبب هذا التراث العريض ~~من النظريات والحجج لحل مشكلة وهمية لا وجود لها ناتجة ~~عن وضع خاطئ لعلاقة إرادة الوحي بإرادة الإنسان حتى ~~يظهر الصراع بالقيام بمعركة في الهواء تتم في خيال ~~المتكلم وتعبر عن عجزه في الواقع، وعلى سيطرة الانفعال ~~على عقله، وعلى أنه يعيش في عالم حسي خالص. كل ذلك ~~ناشئ عن الوهم بأن الطرف المقابل للحرية هو الله وليس ~~الموقف، وأن الله هو ميدان الحرية وليس الطبيعة، وأن ~~الإرادة الإلهية هي التي تقف للحرية بالمرصاد وليست ~~صنوف القهر وأنواع العقبات التي تمنع الإنسان من ~~التحرر. ~~(3-2) نظرية أم موقف؟ # إن الجبر والاختيار في واقع الأمر ليسا نظريتين ~~مبدئيتين، بل موقفان سياسيان كل منهما يحاول أن يجد ~~تبريرا نظريا له بالاعتماد على النقل أولا ثم ~~على التعقيل ثانيا. الموقف الأساسي موقف سياسي يكشف ~~عن صراع قوى سياسية واجتماعية متناحرة من أجل السلطة ~~والحكم، موقف السلطة وموقف المعارضة، موقف الحاكم ~~وموقف المحكومين. والجبر والاختيار من أولى المشاكل ~~التي ظهرت في الجماعة، ليس كموضوع نظري فحسب، بل ~~كدلالة عملية وبوجه خاص كطرح سياسي. فإذا ما أراد ~~الحاكم أن يتسلط وأن يتحكم بلا بيعة أو شورى، فإنه ~~سرعان ما يجد مبررا له في الدعوة إلى الجبر في أفعال ~~العباد، والحرية المطلقة لإرادة شاملة يتمثلها الحاكم ~~حتى يصعب بعدها التفرقة بين إرادة الله وإرادة ~~السلطان، فكما أن الله حر يفعل ما يشاء فكذلك ~~السلطان يفعل ما يريد، وكما لا يجبر الله على الشيء ~~فكذلك لا يجبر السلطان على شيء. # 80 # أما إنكار القدر وإضافة الخير والشر إلى ~~الإنسان، فإنه يعطي الإنسان مسئولية ويجعله مسئولا ~~عن كل ما يحدث في الواقع من أنظمة. فالحاكم مسئول، ~~والرعية مسئولة. ويمكن التعامل بينهما على قدم ~~المساواة. لا يوجد قدر خارجي يجعل من الحاكم حاكما أو ms202 ~~يملي عليه أفعالا لا يعترض عليها. ولا يوجد قدر ~~خارجي يجعل الرعية ساكنة مطيعة للحاكم وكأن الحاكم قدرها. # 81 # نظريات الجبر أو الكسب أو الحرية لها ~~وظيفة في كل عصر، سواء من حيث النشأة أو من حيث ~~الغاية. فهي تنشأ تعبيرا عن طبيعة المجتمع وصراع ~~القوى فيه. فإذا كان مجتمع ضغط وإرهاب تنشأ نظريات ~~الجبر لتبرير وجوده ولمطالبة الجماهير بالتسليم ~~والإيمان بالقضاء والقدر والترويج لمعتقدات القسمة ~~والنصيب والحظ. تنشأ أولا كتبريرات عبقرية ممن ~~جعلوا أنفسهم منظرين للأنظمة الاجتماعية والذين في ~~العادة يقلبون الحق باطلا والباطل حقا كما تهوى ~~السلطة وكما يريد النظام، وقد يقوم الأفراد بذلك ~~لمصلحتهم الشخصية لنيل الحظوة لدى الحاكم ثم تتبنى ~~السلطة مقالاتهم للاستفادة بها على نطاق أوسع لإضفاء ~~الشرعية على النظام وفرض الطاعة والولاء على العباد. # 82 # ثم تظهر صور المقاومة في هذه المجتمعات ~~الضاغطة في الإيمان مثلا بظهور مخلص يأتي ليخلص ~~الناس من القهر والضغط والظلم ولينشر لواء العدل، وهي ~~صورة خيالية للتحرر الفعلي أو عن طريق الحركات ~~السرية لتحقيق انتصار عن طريق الخيال والتعويض النفسي ~~حتى يتحول الضعف إلى قوة، والهزيمة إلى نصر. وتنشأ عند ~~الجماهير الأخرويات أي أمور المعاد وتتخيل عالما ~~آخر في نهاية الزمان يسود فيه العدل ويمحق الظلم. ينال ~~فيه الجائع خبزه، والفقير غناه، والعاري ملبسه، ~~والشريد مأواه، والمهضوم حقه، والضعيف قوته. وهي ~~كلها مذاهب وعقائد تدل على أن الإنسان رسالة وأنه يضاد ~~الظلم بالعدل، والباطل بالحق، والضعف بالقوة، والهزيمة ~~بالنصر، ولكنه في موقف عاجز لا يستطيع أن يقوم ~~بالرسالة الآن بالفعل فيحولها إلى معتقدات وإيمان ~~انتظارا للفرج القريب. وفي المجتمعات المنتصرة، ولدى ~~سلطة واثقة من سلطانها وإحساسها بأنها سلطة شرعية قامت ~~على حق وليست بناء على اضطهاد وقمع، فإنها قد تنشر ~~نظريات الحرية المطلقة للإرادة الشاملة للحصول على ~~مزيد من التأييد ما دامت السلطة شرعية، وحث الناس على ~~الكسب والعمل، كل حر فيما يريد باستثناء التعرض لسلطة ~~الحاكم. ثم تظهر المقاومة في مثل هذا المجتمع المنتصر ~~بإعطاء معنى آخر للحرية ms203 وهي حرية الإنسان في الاختيار ~~حتى في الحكم وفي العمل من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من ~~الاختيار الحر في السياسة والاقتصاد، في الحكم والمال. ~~المقاومة هنا سياسة اجتماعية في مواجهة النظام القائم، ~~علنية وليست سرية، داخلية وليست خارجية. وفي المجتمعات ~~المموهة التي تبغي إبقاء الوضع الحاضر على ما هو عليه ~~دون تغيير تروج نظريات تجمع بين الجبر والاختيار حتى ~~يغمض الفكر، ويتراخى الباعث، وتضمر الغاية، فلا يعود ~~الناس يدرون شيئا من عالم يحيط به الغموض وتغلفه ~~الأسرار. ويصبحون أنصاف مجبرين، أنصاف أحرار، ويصعب ~~التمييز حينئذ بين الرضوخ والتمرد، بين الإذعان ~~والثورة، وفي الغالب ما يمتد نصف الجبر فيحتوي نصف ~~الحرية، وينتهي الأمر كله بالرضوخ والإذعان والتسليم ، ~~ويصبح نصف الحرية مجرد غطاء نظري يعبر عن حق لا وجود ~~له. ~~(3-3) حرية أم تحرر؟ # إن ما سماه القدماء امتحانا أو اختبارا أو ~~ابتلاء هو في الحقيقة إعادة لوضع السؤال الوضع ~~الصحيح؛ فالحرية ليست موضوعا نظريا يسأل عنه ثم ~~يجاب عنه بالإثبات أو بالنفي، بل هو موقف نفسي ~~اجتماعي تظهر فيه وقد لا تظهر. فالإنسان يوجد في موقف، ~~ويجد في نفسه بواعث عديدة، ويشعر بإمكانيات عديدة ~~للسلوك، يحقق الإنسان إحداها عندما يتبع الباعث ~~الأقوى النابع من رسالته؛ لذلك آثر البعض إلغاء ~~المشكلة النظرية كأحد حلولها وكأن حلها الوحيد هو ~~إعادة وضع السؤال أو الانتقال من الحرية النظرية إلى ~~الممارسة العملية. # 83 # لا تظهر الحرية إلا في موقف، كما لا يوجد ~~الإنسان إلا في عالم. فالحرية في العالم. الموقف أو ~~العالم هو الطرف الآخر لحرية الإنسان وليست أية إرادة ~~خارجية مشخصة. وعلاقة الطرفين، الحرية والعالم، ليست ~~علاقة رأسية كما هو الحال في الوضع القديم بين إرادة ~~الإنسان وإرادة العالم المشخصة، بل علاقة أفقية ~~يتحدد فيها سلوك الإنسان بين الإحجام والإقدام، بين ~~الوراء والأمام. فما ظنه القدماء على أنه علاقة بين ~~الإنسان والله هو في حقيقة الأمر علاقة بين الإنسان ~~والعالم العريض، بين الإنسان والتاريخ بسلوك الإنسان ~~فيه بين التأخر والتقدم. كما أن القيم ms204 لا تتفاوت ~~رأسيا بل تتفاوت أفقيا. القيمة الأكمل هي التي ~~تحقق أكبر قدر ممكن من العدالة لأكبر عدد ممكن من ~~الناس، وأكبر قدر ممكن من الحركة والتقدم لأكبر قدر ~~ممكن من البشر. القيم مادية، في مادتها وصورتها وليست ~~صورية فارغة. القيم محسوسة ملموسة وليست مضمرة متطهرة ~~يتستر وراءها الشبق المادي. والقيم اجتماعية وليست ~~فردية، عامة وليست خاصة، تعبر عن وجود الإنسان ~~وكماله وطبيعته وليس عن عدمه ونقصه وزيفه وافتعاله. ~~ولا يعني الابتلاء أو المحنة وقوع المصائب وأن الحياة ~~هي مجموعة من المآسي تقع على رءوس البشر، بل تعني ~~المحنة أو الابتلاء أن الحياة مجموعة من المواقف أو ~~التجارب أو الصعاب أو العقبات يتخطاها الإنسان ~~بحريته. لا يثبت الفعل إلا بالمقاومة والجهد ولا يصقل ~~إلا بالعقبة. ليست المحن هي المصائب البدنية أو ~~المادية أو النفسية، بل هي التجارب التي يمر بها ~~الإنسان والتي يوجد فيها وهو يحقق رسالته. المحنة في ~~الدين شاملة لمحن الدنيا. # 84 # وهذا هو معنى التكليف؛ إذ يعني التكليف أن للإنسان ~~رسالة في الحياة، وأنه هو الذي قبلها باختيارها بما ~~أنه سيد الكون وملك الطبيعة بما لديه من قدرة على ~~القرار والاختيار الحر، وبما لديه من قوة على ~~التحقيق، قوة معنوية تطلق من حدوده البدنية وتجعله ~~أقوى من السموات والأرض والجبال. # 85 # وكما تم هذا التكليف بحرية الإنسان وبإرادته، فإنه ~~في الوقت نفسه يتحقق بحرية تامة دون قدر مسبق في علم ~~مسبق أو بإرادة شاملة لوجود مطلق تفعل كل شيء. إن هذا ~~التكليف ذاته عملية تحرر لولاها لارتكن الإنسان إلى ~~بدنه، وتحول إلى طبيعة خالصة كسائر الموجودات ولأصابه ~~الوهن والثقل واعتراه الخمول والسكون. # 86 # وقد يعبر عن رسالة الإنسان في الحياة ~~فنيا بالصورة فتنشأ الأخرويات وتكون الحياة الدنيا ~~دار عمل والأخرى دار جزاء. وقد تتحول رسالة الإنسان ~~في الحياة إلى صورة كونية أخرى، فينشأ الإنسان في ~~الوجود غافلا ويستمر كذلك في جو من النعيم الدائم ~~كالملاك، ثم يختار البعض منهم رسالته ويأتي إلى الحياة ~~ليحققها؛ فمن حقق رسالته ms205 ارتفع إلى أعلى عليين في ~~مكانة أفضل من الذين استمروا في النعيم الدائم لأنهم ~~حصلوا على جزائهم بجهدهم لا بخلقهم. وإذا لم يحققوا ~~الرسالة هبطوا أسفل سافلين. تسلب منهم الرسالة ~~ويتحولون إلى أقل مرتبة في الوجود، وهي مرتبة غياب ~~الوعي وانعدام حياة الشعور. ثم تعطى لهم فرصة ثانية ~~للاختيار والتكليف، وهكذا تستمر الحياة تكليفا برسالة ~~ونجاحا أو فشلا في التحقيق، بلا نهاية وبلا يأس، ~~وتستمر العملية طالما بقي الزمان. # 87 # وتحقيق رسالة الإنسان في الحياة تعبير عن طبيعته ~~وحريته دون انتظار أي جزاء. يكفي كمال الإنسان ~~وازدهاره، وخلقه وإبداعه، وشوقه إلى الغاية وعمله لها. ~~الإنسان بطبيعته حياة وحركة، وخلق وإبداع، وتمدد وازدهار. # 88 # يحقق الإنسان رسالته طبقا لطبيعته، ~~ويتحدد سلوكه طبقا للدافع الأقوى، ويتحدد الدافع ~~الأقوى باختلاف شدة البواعث أو بتفاوت الوضوح الفكري ~~أو باختلاف درجات الكمال في الغاية. لا تعني الطبيعة ~~نفي الحرية، بل تأسيس الحرية على أساس واقعي من ~~التجربة وبناء على الإحساس بالحياة كدافع حيوي. ليست ~~الحرية اختيارا عقليا صوريا بين طرفين متساويين ~~في البواعث، بل هي اتباع للطبيعة، أي للباعث الأقوى، ~~تعبيرا عن الدافع الحيوي. ولما كان الإنسان رسالته، ~~وكانت رسالته وجوده، فإن الحرية تحقيق لهذه الرسالة، ~~وحياته تعبير عن هذا الوجود، الحرية كمال للطبيعة. # 89 # ليست الحرية واقعة مادية توجد أو لا توجد، بل هي ~~عملية تحرر يشعر بها الإنسان، قد توجد وقد لا توجد، ~~وكذلك الوجود الإنساني قد يشعر به الإنسان وقد لا ~~يشعر، وكما أن الوجود إيجاد، فالحرية تحرر. ولما كان ~~الإنسان مجرد إمكانية تحقق أو مشروع وجود، فكذلك ~~الحرية مجرد إمكانية حرية أو مشروع تحرر. فالموقف ~~الإنساني يفرض على الإنسان وضعه، ولكن الفعل الحر قادر ~~على أن يظهر من خلال هذا الوضع. تقف الحرية في مواجهة ~~الحتمية، والاختيار الحر في وجه الأوضاع القائمة. ~~ممارسة الحرية إذن هي في القدرة على إيجاد البدائل ~~المفروضة وتحرير الفعل الإنساني من نطاق الفرض إلى ~~نطاق الاختيار، ومن ميدان الضرورة إلى ميدان الحرية. ~~ولا ينشأ الجبر إلا ms206 إذا تخلى الإنسان عن وجوده الذي ~~هو حريته، ولا ينشأ الطاغية إلا إذا تخلت الجماعة ~~عن حريتها التي هي وجودها. صحيح أن هناك صلة بين ~~الحرية والخبز عامة وشائعة، إلا أنها ليست صلة حتمية. ~~قد يتنازل الإنسان عن الخبز ولا يتنازل عن الحرية. # 90 # فالوعي مملكة الإنسان، مهما كانت هناك من ~~تحديدات خارجية له، إلا أنه يظل فعل الإنسان الحر ~~واختياره الأول. # ويستطيع الإنسان أن يمارس حريته بعدد من الصور، ~~ومهما تعددت العقبات أمامه، فإن الحرية تظل ممارسة ~~لا تغيب عنه أبدا إلا برغبة في النكوص أو تبريرا ~~لضعف أو هروبا من موقف أو تخليا عن رسالة. الممارسة ~~المثلى للحرية هي الممارسة لها في أكمل صورها، ممارسة ~~فعلية بالعمل لتغيير الواقع، والجهر بالقول، وتمثل ~~الشعور المستمر للغاية، فإن استحال العمل في الواقع ~~لوجود موانع بدنية أو لصعوبة الحركة مارس الإنسان ~~حريته بالقول الجهور، ونشر الوعي، وإيضاح ضرورة ~~التغيير. يكون الحق على الأقل واضحا على مستوى النظر، ~~وإذا انتشر النظر وضح الفصم بين النظر والواقع، فظهرت ~~ضرورة الفعل لتجاوز هذا الفصم والتوحيد بين النظر ~~والعمل، بين المثال والواقع. إذا صعبت حرية العمل، ~~وقامت العقبات، واستحالت الحركة فإن الحرية تمارس ~~بالقول ورفض الواقع بالكلمة. فإذا صعبت حرية القول ~~أيضا، وقامت العقبات أمام حرية التعبير تمارس الحرية ~~بالشعور، ويظل الشعور حرا بإحساساته وعواطفه ~~وانفعالاته، فالشعور مملكة الإنسان الخاصة التي لا ~~تستطيع العقبات الخارجية أن تنال منها. ولا تضمر حرية ~~الشعور إلا إذا خفت البواعث واضمحلت الغاية وخفت ~~الطاقة. فإن ضاعت حرية الضمير ضاع الإنسان، وعدم ~~الوجود، وانتهت الغائية، وتحولت إلى تناقص أو ~~عشوائية، وانتهى كل شيء. # 91 # | الفصل الثامن # العقل الغائي (الحسن والقبح) # | أولا: مقدمة، اسم المشكلة ومكانها في العلم # (1) اسم المشكلة # يصعب إيجاد عنوان ~~دقيق لهذا الفصل مثل باقي الفصول، بالرغم من وجود الاسم ~~القديم للمشكلة، الحسن والقبح أو العقل والنقل. فالحسن ~~والقبح العقليان عنوان من المعتزلة وأحد أصولهم الخمسة، ~~وليس أصلا عاما من أصول الدين تجتمع عليه كل الفرق ~~وإن كانت ms207 المسألة معروضة عليهم، إما من الاعتزال أو من ~~طريقة التعامل مع النص، حرفيا أم مجازا؛ لذلك يكون ~~اسمها أيضا العقل والنقل أو العقل والسمع أو العقل ~~والوحي. ويتضح من هذا العنوان أيضا أنه مفروض من الاعتزال ~~على بنية العلم، بدليل أولوية لفظ العقل على اللفظ الثاني ~~النقل أو السمع أو الوحي. وهي مشكلة المنهج ليس فقط في علم ~~أصول الدين بل في باقي العلوم دون أن تكون إحدى قواعد علم ~~العقائد. ومع ذلك تشمل هذه المشكلة المنهجية عدة موضوعات ~~أشبه بالعقائد، ولكنها أقل إلهية وأكثر إنسانية، أخف ~~إيمانية وأقوى عقلانية، مثل الصلاح والأصلح واللطف ~~والغائية دون أن تظهر هذه الموضوعات كعناوين في المسألة. ~~كان يمكن تسميتها إذن «الإنسان العاقل»، لما كان باب العدل ~~كله هو الإنسان المتعين وظهر الإنسان الحر في خلق الأفعال ~~أولا وها هو الإنسان العاقل يظهر ثانيا كشق ثان ~~للإنسان المتعين. فلا حرية بلا عقل، ولا تقوم الحرية إلا ~~على العقل القادر على الإدراك والتمييز بين صفات الأفعال. ~~ولما كانت الغائية من أهم موضوعاتها كان يمكن تسميتها ~~«العقل المصلحي»، لما كان موضوع الصلاح والإصلاح في مقابل ~~موضوع اللطف من أهم عناصرها. بل إن هذا العنوان قد يعيد ~~الوحدة الباطنية في الأصل وفي الموضوع بين علمي الأصول، ~~علم أصول الدين وعلم أصول الفقه، اللذين ~~يقومان معا على ~~المصلحة؛ فالمصلحة ليست فقط أساس الشرع ومصدره، بل هي ~~أيضا أساس العقيدة وغايتها. ونظرا لأن الموضوع ألصق بعلم ~~أصول الفقه، فقد ترك في مكانه الطبيعي القديم. ولما كانت ~~الغاية من أهم عناصرها كذلك فيمكن تسميته لذلك «العقل ~~الغائي». ولما كانت المصلحة غاية، فإنه يتضمن موضوع ~~المصلحة، وهو يؤكد على وحدانية العقل دون طرف آخر مقابل له ~~في النص وبالتالي فإنه يضع «الإنسان العاقل» كما وضع خلق ~~الأفعال الإنسان الحر؛ ومن ثم يكون عنصرا التعين في ~~الإنسان؛ الحرية والعقل. وسبق الحرية للعقل ناتج من أن ~~تعين الإنسان من كمال، وخروج الإنسان المتعين من الإنسان ~~الكامل إنما هو فعل الحرية الأول. ثم يأتي ms208 بعد ذلك العقل ~~كي يجعلها حرية عاقلة وليست مجرد هوى أو تعبير عن إرادة ~~ونزوع. الحرية والعقل إذن جانبان لأصل واحد هو العدل، كما ~~أن الذات والصفات مظهران لأصل واحد هو التوحيد. تثبت ~~الحرية أولا قبل العقل لأن الحرية موضوع ممارسة، ثم ~~يأتي العقل بعد ذلك لتوجيهها وجهة عاقلة. الحرية تجربة ~~وجدانية والعقل اكتساب من داخل الممارسة، فتصبح الحرية ~~عاقلة؛ ومن ثم ثار سؤال: هل الموضوع كله جزء من ~~التوحيد أم جزء من العدل؟ فالأفعال بين الأصلين شمول إرادة ~~الله وقدرته وبزوغ الفعل الإنساني من خلاله مثل شمول الوحي ~~وعمومه ثم بزوغ العقل الإنساني من خلاله. ~~(2) هل هي جزء من التوحيد؟ # يدخل الموضوع أحيانا كجزء من التوحيد في الأفعال بعد ~~الذات والصفات، وليس كمسألة مستقلة في نفي الغرض والعلة. # 1 # وفي العقائد المتأخرة تختفي مسألة العقل من ~~التوحيد باختفاء العقل كلية من حياتنا المعاصرة، وكأن ~~التوحيد يعقل نفسه وليس في حاجة إلى إنسان أو إلى أمة تعقله. # 2 # كما تختفي مسألة العقل والنقل كلية أمام ~~التوحيد والنبوة والسمعيات. # 3 # فقد أصبح التوحيد كله نظرية في الواجب والممكن ~~والمستحيل، ودخلت مسألة العقل كجزء منها. # 4 # والعجيب أنه حتى في بعض حركات الإصلاح الحديثة ~~لم تبرز مسألة العقل والنقل. لم يوضع العقل موضع الصدارة، ~~ولم تحدد وظيفته. # 5 # وفي البعض الآخر ينقسم الموضوع قسمين، فيدخل ~~الأصلح في أفعال الله والحسن والقبح في أفعال العباد. # 6 ~~(3) هل هي جزء من العدل؟ # وقد تكون المسألة تطبيقا أو نتيجة لمسألة خلق الأفعال، ~~وهو المظهر الأول للعدل. # 7 # وبالتالي يظهر الموضوع في باب العدل. فخلق ~~الأفعال والحسن والقبح واجهتان لشيء واحد. وحرية الإرادة ~~والعقل الغائي مظهران للعدل، وأحيانا يوضع الحسن والقبح ~~كمقدمة لخلق الأفعال، فالنظر أساس العمل، والعقل شرط ~~الحرية، وأحيانا أخرى يوضع كنتيجة له في سياق البرهان ~~عليها. يكون الأساس هو خلق الأفعال، ولكن الشائع والأغلب ~~أن يكون الحسن نتيجة لخلق الأفعال وليس مقدمة له، ونتيجة ~~طبيعية للحرية وليس شرطا لها. الحرية تجربة بديهية ~~وجدانية ms209 لا تحتاج إلى إثبات أو دليل. وإنكار الحسن والقبح ~~إنكار للحرية. الحرية مقدمة والحسن والقبح نتيجة، ولا يمكن ~~التسليم بالمقدمات ~~وإنكار النتائج. وقد يتضخم أصل العدل حتى يضم السمعيات، ~~النبوات والمعاد والأسماء والأحكام بالإضافة إلى خلق ~~الأفعال. ويصبح علم أصول الدين قائما على أصلين: التوحيد ~~أي الذات والصفات ثم العدل، ويشمل ثلاثة أرباع العلم. # 8 # وقد يتضخم أصل العدل فيصبح شاملا لكل شيء. # 9 # ويبدو التعديل والتجوير بعد الإرادة ويدخل ~~معها خلق القرآن والمخلوق والتوليد والتكليف والنظر ~~والمعارف واللطف والأصلح واستحقاق الذم والتوبة والنبوات ~~والمعجزات وإعجاز القرآن والشرعيات قبل أن ينتهي الكل ~~بالإمامة؛ لذلك يشمل لفظ العدل تجاوزا عند المعتزلة ~~الأصول الخمسة كلها، فهي كلها علوم العدل وكأن أصل التوحيد ~~ذاته قائم على العدل. أصل العدل هو الشامل لكل شيء وكأن ~~العقائد كلها عقائد العدل، والحضارة كلها حضارة العدل وإن ~~لم يكن المجتمع كله مجتمع العدل. # 10 # والعدل هو إلحاق النفع بالغير لا بالنفس. العدل تحقيق ~~علاقة بين طرفين؛ طرف عادل وطرف معدول به أو علاقة تساو ~~في العدل بين الطرفين، ولكن من هما الطرفان؟ الإنسان ~~الكامل والإنسان المتعين؟ الذات المشخص والوعي بالذات؟ هل ~~العدل صفة لأفعال الذات المشخص وصلتها بالإنسان؟ ولماذا لا ~~تكون صفة العدل وصفا لأفعال الإنسان في علاقاته بالآخرين؟ ~~محال على الله أن ينفع ذاته أو يمنع الضرر عن نفسه. العدل ~~إذن بالنسبة إلى الإنسان وليس بالنسبة لله. العمل مجاز في ~~الله وحقيقة في الإنسان. # 11 # وهو مبدأ عام بدليل وجوده كاسم فعل «عدل» ~~وليس مشخصا في اسم فاعل «عادل». والعدل لا يتغير في ~~الله أو في الإنسان؛ فالفعل لا يكون عدلا من الله ظلما ~~من الإنسان أو ظلما من الله عدلا من الإنسان، فالعدل صفة ~~في الأفعال، أفعال الإنسان باعتباره موجودا في العالم ~~وذلك إحالة للحسن والقبح إلى موضوع الحرية من جديد. العدل ~~هو التسوية بين العباد، فالإنسان طرف مساو للإنسان، لا ~~طرف أعلى ولا طرف أقل. ~~العدل وضع طبيعي للأشياء في حين أن الظلم وضع ms210 غير طبيعي، ~~وضع مؤقت يتغير إلى وضع العدل كوضع طبيعي، ولكن هذا ~~التغير لا يحدث إلا بفعل الإنسان أي بإرادته الحرة، ~~والعودة إلى المقدمة الأصلية التي يرتكز عليها العدل، وهي ~~الحرية. ~~(4) هل هي أصل مستقل؟ # تعتبر مسألة السمع والعقل إحدى الأصول الكبار التي تختلف ~~عليها الفرق مثل التوحيد والعدل والوعد والوعيد أو الإمامة. # 12 # والحقيقة أن مسألة السمع والعقل ليست موضوعا ~~مستقلا يظهر في مصنفات علم الكلام كما يظهر التوحيد، بل ~~هي منهج وليست موضوعا، منهج يتخلل الموضوعات كلها دون ~~أن يفرد له باب خاص، أو على الأقل هي أقرب إلى المنهج منها ~~إلى الموضوع الذي يحدد وسائل المعرفة ومصادرها وميادينها ~~... إلخ. # 13 # فالأدلة نوعان: سمعية وعقلية. ولإثبات شيء لا ~~بد من الاعتماد على هذين النوعين من الأدلة، ولنفيه لا ~~بد من تفنيد الأدلة النقلية أولا، ثم العقلية ثانيا. ~~مسألة العقل والنقل إذن مسألة منهجية خالصة، ومنها جاءت ~~تسمية مشكلة «العقل والنقل» من أجل حل التعارض بين الدليل ~~العقلي القاطع والدليل النصي المتواتر، وتكون أفضل نظرية ~~في التفسير منها في الحسن والقبح العقليين. # 14 # فإن اختلفت الأسماء فإنها تدل على مسألة واحدة ~~وهي الصلة بين العقل الإنساني والوحي أو إن شئنا تضع من ~~جديد مشكلة المعرفة، ~~الصلة بين المعرفة عن طريق الوحي والمعرفة عن طريق العقل ~~تدخل في جميع مسائل علم أصول الدين، في نظرية العلم في ~~مسألة النظر والمعارف، والمسائل التي عرفتها المؤلفات ~~المتأخرة في نظرية العلم والبحث عن المعرفة الضرورية ~~وبداهات العقول والأخبار المتواترة، والصلة بين الدليل ~~النقلي الفعلي والدليل العقلي القطعي. # 15 # كما تظهر في المقدمات النظرية في نظرية ~~التكليف ضمن واجبات المكلف وأساسها في المعرفة أو النظر ~~والاستدلال. وتدخل في التوحيد في تأويل الصفات عقلا وفي ~~الاعتماد في خلق الأفعال على الأدلة النقلية أو الأدلة ~~العقلية، النقل أساس العقل أو العقل أساس النقل، بل إن ~~القرآن نفسه يدخل في باب العقل. # 16 # بل إن السمعيات أيضا مرتبطة بموضوع العقل والنقل، ~~فالنبوة ووجوبها، والمعاد ومعناه، والإيمان والعمل ms211 ~~والإمامة كلها، هل تثبت نصا أو إجماعا أو عقلا؟ بل ~~ويمتد موضوع العقل والنقل خارج علم الكلام؛ إذ يستعمل النص ~~في نقد النصوص في «تاريخ الأديان». إذا كان الموضوع ~~نصرانيا استعملت نصوص الإنجيل، وإذا كان يهوديا ~~استعملت نصوص التوراة. # 17 # كما تتدخل كثير من مسائل السمع خاصة فيما ~~يتعلق باللغة من مباحث الأصول، هل اللغة توقيف أم ~~اصطلاح، وكذلك في الأدلة الشرعية الأربع التي تبدأ بالنص، ~~القرآن والسنة، وتنتهي بالعقل في الإجماع والقياس. وظهر ~~الموضوع في علوم الحكمة في الصلة بين العقل والوحي أو بين ~~الفلسفة والدين، كما ظهر في علوم التصوف في التعارض بين ~~علوم العقل وعلوم الذوق، ويمكن أن يقال إن التراث كله ~~نظرية في العقل أو نظرية في التأويل، أي صلة العقل بالنقل؛ ~~لأنه عرض لمسائل الوحي عرضا عقليا خالصا حتى يبدو ~~الوحي وكأنه نابع من طبيعة العقل وحده ومبادئه العامة ~~وقوانينه الكلية، ويبدو ذلك حتى في الأسلوب «فإن اعترض ~~معترض وقال ...»، «فإن قال ~~قائل»، «فإن ~~قيل»، «فإن قال الخصم»، ~~«فإن اعترض أو قال»، وكأن المعارض العقلي مفروض مبدئيا، ~~ومهمة عالم الكلام الرد عليه حتى يمكن العثور على بنية ~~الموضوع واتساق العقل؛ ونظرا لأن العقل والنقل هما منهجان ~~عامان للتراث كله، لم يدخل عند القدماء ضمن موضوعات العقل الغائي. # 18 # | ثانيا: تعريف الحسن والقبح # تختلف النظريات في الحسن والقبح طبقا للفرق، وتتفاوت ~~التعريفات لهما بين الحسن والقبح الكونيين الوجوديين أو الحسن ~~والقبح الذاتيين النسبيين أو الحسن والقبح العقليين الفعليين. ~~الأولى تثبت الوجود الموضوعي للشر والثانية تثبت الوجود ~~الذاتي الحسي له، والثالثة تجعله أقرب إلى أحكام العقل الثابتة ~~والقيم المعيارية. ~~(1) النظرية الكونية # وهي النظرية التي تثبت الحسن والقبح كموضوعات أو أشياء ~~أو وقائع، داخلة في نسيج الكون سواء في الخلق أو في ~~التكوين أو في المصير والتاريخ. وفي هذه الحالة يكون الحسن ~~والقبح العقليان هما الخير والشر الكونيان على ما هو معروف ~~في الديانات الشرقية القديمة، خاصة المانوية، وكما نقل ~~الحكماء أو المتكلمون المتفلسفون. فالخير والشر مطلقان، ~~كائنان ms212 ماديان في الوجود. هناك خير مطلق وشر مطلق، وخير ~~وشر ممتزجان. الخير المطلق هو العقل ذاته والشر المطلق ~~فوضى العقل، الصراع بين العلم والجهل، بين الفضيلة ~~والرذيلة. ولما كان العقل الإنساني يتوق إلى الخير المحض ~~ويتصل به، تنتهي النظرية الكونية في الحسن والقبح إلى ~~نظرية إشراقية في المعرفة، كما تنتهي إلى نظرية في الفضائل ~~تعطي الأولوية للفضائل النظرية على الفضائل العملية. وقد ~~يتشخص الخير والشر في الكون في الثقافة الدينية فيصبح ~~الخير المحض ملاكا والشر المحض شيطانا. وفي حال الامتزاج ~~قد يكون الخير أكثر والشر أقل كما هو الحال في الكون، وفي ~~الحال الغالبة. ولا توجد حالات في الكون يكون الشر فيها ~~أكثر والخير أقل، فهذه نظرة تشاؤمية تجعل الشر أساس الخير ~~كما هو الحال في عقيدة الخطيئة الأولى في النصرانية. ولا ~~توجد حالة أخرى في الكون يتساوى فيها الخير والشر. فهذه ~~المانوية وفرق الثنوية . ولا تختلف عن ذلك نظرية العقول ~~العشرة ومراتب الكون عند الحكماء وتقابلها مع درجات ~~المعرفة ومراتب الفضيلة ومراتب السعادة والشقاء في المعاد، ~~ولكنها أدخل في علوم الحكمة، بعد أن انتشرت في علم أصول ~~الدين عند المتأخرين. # 1 # وقد يتخصص الكون ويصبح عالم الأفلاك وقسمة ~~العالم إلى عالم سفلي تحت أثر الكواكب وعالم علوي، عالم ~~مادي وآخر روحاني مدبر الكواكب، وأن لحركاتها آثارا في ~~العالم من سعد ونحس، وخير وشر، وحسن وقبح في الخلق، يستطيع ~~كل ذي عقل سليم إدراكها. فالبشر متساوون في العقل دون ~~ما حاجة إلى شارع متحكم في العقول. # 2 # ثم زادت التناسخية على الصابئة درجة أكثر في ~~التخصيص بالتركيز على النوع الإنساني وحده، صاحب الأفعال ~~الاختيارية والنطق والعقل في العلوم، والقدرة على الارتفاع ~~عن الدرجة الحيوانية إلى الدرجة الإنسانية أو إلى الملكية ~~أو إلى النبوة، ويكون الارتفاع والهبوط نتيجة أو جزاء ~~لأفعاله. ليس الحسن والقبح من الشرع ولا من العقل، بل من ~~الصور الحيوانية أو الإنسانية التي تتراءى للإنسان، ولا ~~شيء يحدث من ثواب وعقاب خارج العالم. # والحقيقة أن هذه النظرية إنما ms213 ترمز على نحو كوني حسي ~~أسطوري إلى عدة حقائق؛ فالخير والشر بعدان للوجود. وهما ~~في حقيقة الأمر إسقاط لأحكام الأفعال الخمسة في علم أصول ~~الدين على الوجود؛ فالحسن والقبح في الأفعال وليس في ~~الموجودات. وإن موضوعية القيم التي تركز عليها النظرية ~~لا تعني بالضرورة وجودا شيئيا. فالوجود قد يكون ~~شعوريا كمعان مستقلة ومناطق وجود في الشعور. أما ~~تشخيص القيم فإنه يحدث نتيجة الفكر الأسطوري الذي يمتزج ~~فيه العقل بالإشراق، والفلسفة بالتصوف كما هو الحال في ~~الفلسفة الإشراقية. والشيطان تجسيم للشر وصورة فنية له ~~تشير إلى القبح كصفة للفعل أو كوضع اجتماعي. فالشر لا صانع ~~له، بل هو بناء اجتماعي أو فعل في موقف إنساني دون ما حاجة ~~إلى إرجاع ظواهر الوجود إلى علة خارجية. # 3 # وإن إثبات الوجود الموضوعي للخير حق ولكن ~~الخطأ في إثبات الوجود الموضوعي للشر. ولا يعني ذلك إثبات ~~وجودين، وجود الأشياء ووجود الخير، بل هو وجود واحد لأن ~~الخير طبيعة الأشياء والشر طارئ عليه، والحسن هو الأصل ~~والقبح غياب له أو إحدى درجاته. إن إثبات خير شيئي يتضمن ~~إثبات شر شيئي، في حين أن الشر لا وجود له في العالم أو في ~~الشعور لأن الشر ليس معنى، بل هو غياب معنى، ليس وجودا بل ~~عدم. وإثبات خير وشر شيئين ممتزجين يخرج الحكم القيمي من ~~الأفعال إلى الأشياء، أي أنه يقوم على خلط بين عالم ~~الإنسان وعالم الأشياء، وتشخيص للطبيعة على مستوى القيم أو ~~تشخيص للقيم في الطبيعة، كما أن موضوعية القيم تنفي ~~ذاتيتها الخالصة وكأن الإنسان خارج اللعبة وأن الخير والشر ~~كونيان غير ذاتيين، يظهران في وجود الإنسان كظواهر كونية ~~وليس كأفعال إنسانية نتيجة لحرية الإنسان واختياره وبناء ~~على عقله وقدرته على التمييز، كما أن موضوعية القيم ليست ~~نتيجة لأثر الكواكب العلوية على الكوكب السفلي وهو الأرض. ~~فالأفلاك موضوع لدراسة علم الفلك. وكل ما يقال عن أثرها ~~في الأرض ما هو إلا تشخيص لها. فالأعلى يحكم الأدنى. ~~والحقيقة أنه على الأرض يسود الفعل الحر، ويقرر الإنسان ms214 ~~مصيره. ولا مكان فيها للحظ أو النحس. الحظ وقوع نتيجة غير ~~متوقعة يرضى عنها الإنسان لفعل حر، والنحس حدوث نتيجة لفعل ~~حر لا يرضى عنها الإنسان. إن النظرية الكونية سواء عند ~~الفلاسفة أو الصابئة أو التناسخية نظرية غيبية تقوم على ~~الإيمان بالغيبيات، لا يساندها عقل ولا يؤيدها برهان، ~~ولا تنتج عن ممارسة الحرية الإنسانية. كما لا تعني موضوعية ~~القيم حصول أفعال في الإنسان ليس هو صاحبها كما هو الحال ~~في نظرية التناسخ. فإذا كانت القيم تفعل فيه فذلك إسقاط ~~للحرية أو تنكر لها. الحسن والقبح حكمان للأفعال التي يأتي ~~بها الإنسان ممارسا لحريته معتمدا على عقله ~~وتمييزه. # وفي الوقت نفسه لا يعني إثبات صفات موضوعية وقيم مستقلة ~~وجود مثل أفلاطونية يتأملها العقل ويبغيها الروح ~~وينسقها الفكر، بل هي معان مستقلة في الشعور وبواعث ~~على السلوك وأنظمة مثالية للعالم يتحقق فيها نظام ~~الطبيعة الإنساني في كماله. ولما كانت القيم نظريات سلوك ~~وتوجيهات فعل، فهي ليست للتأمل والتعبد لكائنات مشخصة ~~قيمتها ليست في معرفتها، بل في تحقيقها. إن إثبات صفة ~~موضوعية لا تعني انحراف الذات في تأملها، بل تعني تمثل ~~الجماعة لها. والوجود الموضوعي للقيم ليس من أجل تمتع ~~الفرد بها تمتعا فرديا وتلذذا شخصيا، بل من أجل ~~تحقيق الجماعة لها. بل إن هذا التمتع الفردي تطهر ~~وانعزال وتصوف وإشراق. فجماعية القيم امتداد وانتشار ~~وتحقق ثان لفرديتها. إن حركة القيم ليست حركة رأسية من ~~أسفل إلى أعلى، في التعبد والتأمل حتى تحدث حركة مقابلة من ~~أعلى إلى أسفل في الإشراق والرؤية، ولكنها حركة أفقية من ~~الأمام إلى الخلف في التأخر أو من الخلف إلى الأمام في ~~التقدم. ~~(2) النظرية الحسية # وهي النظرية النسبية الذاتية على عكس النظرية السابقة، ~~والتي تجعل الحسن والقبح هما اللذيذ والمؤلم والنافع ~~والضار وهي النظرية النفعية الحسية. فعلى مستوى الحس يكون ~~الحسن هو اللذيذ والقبح هو المؤلم. وعلى مستوى النفع يكون ~~الحسن هو النافع والقبيح هو الضار، وقد يعبر عن ذلك ~~بالمصلحة والمفسدة، فالحسن هو المصلحة والقبح هو المفسدة. ms215 ~~وقد يتحدد الحسن والقبح بمدى ملاءمة الغرض ومنافرته. ~~فما اتفق مع الغرض يكون هو الحسن وما نافره يكون هو القبيح. # 4 # وبطبيعة الحال لا يوصف فعل الله بالحسن والقبح ~~بهذا المعنى لتنزهه عن الغرض وأنه لا تجري عليه الملاءمة ~~والمنافرة، وبالتالي فهي صفات للأفعال الإنسانية. ويدل ذلك ~~على ضرورة إثبات الحرية قبل العقل، والاختيار قبل الحسن ~~والقبح. وهي النظرية نفسها التي سادت في كبرى الحركات ~~الإصلاحية الحديثة مع تأسيسها على العقل والبداهة ~~والوجدان، بالإضافة إلى الجمع بين القيم الثلاث: الحق ~~والخير والجمال. فالحسن هو الجميل والنافع والخير، والقبيح ~~هو القبيح والضار والشرير. وهذا هو الذي يميز بين الإنسان والحيوان. # 5 # الحسن والقبح خبرتان حسيتان وعقليتان معا. ~~هناك الحسن والقبح الحسيان في الجمال وفي الطبيعة، والحسن ~~والقبح المعنويان في السلوك والعلاقات الإنسانية، وتتراوح ~~مراتب الحسن والقبح. فالحسن الحسي قد يكون قبحا معنويا ~~مثل الإفراط في الطعام، والحسن المعنوي قد يكون قبحا ~~حسيا مثل مشاق العمل. ينطبق الحسن والقبح على الأفعال ~~كما ينطبقان على الأشياء. فإن كان الحسن والقبح هما اللذيذ ~~والمؤلم أو النافع والضار، فهما إحساسان بديهيان يشارك ~~فيهما كل موجود حي يتميز بهما الإنسان عن الحيوان، خاصة ~~قوة الوجدان ومرتبة الجمال والقبح. لقد عرف العقل البشري ~~هذا التمييز بين الضار والنافع، بين الشر والخير، بين ~~الرذيلة والفضيلة، وهو تمييز يقوم النظر به نظرا للتفاوت ~~الفكري بين العقول. بهما شقاء الإنسان وسعادته، وقام ~~عليهما العمران البشري. # ويمتاز هذا التعريف بأنه مادي حسي قريب، يجعل الحسن ~~والقبح قريبين من الأفعال وواقعين في الحياة المادية ~~بعيدا عن الصورية والشرعية والقانونية، وعلى عكس النظريات ~~الكونية الأسطورية، كما أنه تعريف غائي نظرا لأن الملاءمة ~~والمنافرة طبقا للغاية. فالفعل المحايد فعل عابث، خال من ~~الغاية، بل إنه لا يسمى فعل؛ لأن الفعل هو بالضرورة ~~الفعل الغائي، وهو تعريف إنساني خالص يجعل الحسن والقبح ~~إنسانيين، لا يصفان أفعال الله أو أفعال الجمادات، بل ~~أفعال الإنسان. # 6 # ولكن عيوب هذا التعريف أكثر؛ فهو تعريف فردي يجعل الفرد ~~هو ms216 مدرك الحسن والقبح دون الجماعة، في حين أن الحسن والقبح ~~إدراك جماعي ووجود في التاريخ. يوقع هذا التعريف في ~~الفردية، وليس القبح الفردي قبحا عينيا. ثم يحدث بعد ~~ذلك خطأ في التعميم والانتقال من الفردي إلى العام ومن ~~الجزء إلى الكل، بل إن الفرد ذاته قد يتغير من حال إلى ~~حال طبقا لأحواله النفسية ويغير احتياجاته ومصالحه ~~وأهدافه طبقا لمراحل عمره وأوضاعه الاجتماعية. بل وتتغير ~~طبقا لإدراك الفرد من حين إلى حين وانتقال الأحكام من ~~الغموض إلى الوضوح، ومن الخفاء إلى الجلاء أو العكس. # 7 # وهو تعريف نسبي وذلك لأن الملاءمة والمنافرة ~~تختلف باختلاف الأفراد والجماعات والعصور والأمكنة، وليس ~~لهما أساس موضوعي شامل، كما أن الغاية هي الوجود والطبيعة ~~والتاريخ، ولا تأتي فقط من نسبية الأهواء والانفعالات ~~والمصالح. هي أقرب إلى المبادئ العامة والغايات القصوى. ~~وهي تعريف مادي يقصر الحسن والقبح على اللذيذ والمؤلم وعلى ~~الضار والنافع وعلى المصلحة والمفسدة وعلى الملائم ~~والمنافر دون أن يكون له أساس عقلي. فالغرض ليس بالضرورة ~~الغرض المادي المباشر، بل قد يكون تحقيق الغاية والرسالة ~~في الحياة. وقد دعا ذلك إحدى الحركات الإصلاحية إلى تأسيس ~~التعريف القديم على العقل حتى يكون أكثر تأسيسا وثباتا ~~وشمولا، ولا تنقسم الغاية إلى دنيا وآخرة، الغاية واحدة ~~تهدف إلى الحفاظ على الوجود الإنساني الذي هو وجود مستمر ~~من خلال الأفراد. الحياة واحدة والغاية واحدة. ولا يوجد في ~~التعريف ترتيب للغايات أو سلم للقيم؛ إذ تترتب الغايات ~~بين ما هو قصير المدى وما هو بعيد المدى أو بين أغراض ~~محددة وأغراض شاملة أو أغراض خاصة وأغراض عامة. وهو تعريف ~~ذاتي غير موضوعي يقضي على موضوعية الصفات ووجودها في ~~الأشياء، ويبرر غضب الناس إن لم يوافق الفعل أغراضهم. ~~والصفات العينية ليست فقط صفات نفسية، بل هي صفات طبيعية ~~للأشياء وتعبر عن أوضاع اجتماعية. وهي أيضا صفات للأفعال ~~ليست قائمة على الوهم والارتباطات الشرطية، بل تحددها ~~الغايات وتؤسسها الطبيعة. فموضوعيتها مؤسسة بالعقل ~~والغاية والطبيعة، في الذهن الإنساني وفي ميدان القيم وفي ms217 ~~عالم الطبيعة. # 8 # وإن الرجوع إلى الطبع كمحل للصفات الذاتية ~~للأفعال لا يعني إسقاطها على الطبيعة الخارجية وأنها وجود ~~ذاتي خالص. فللصفات وجود موضوعي من طبيعة الإنسان. وطبيعة ~~الإنسان ليست ذاتية فحسب، بل هي حقيقة الوجود. والصفات ~~النفسية وإن كانت كذلك فإنها لا تنشأ من التكوين البدني ~~للجسم والإثارة الحسية واختلال النسب في مكونات الدم ~~وزيادة طراوة الدماغ، بل هي صفات شعورية تجاوز الوهم ولها ~~استقلال موضوعي بحكم الفطرة والطبع والعقل والقيمة؛ إذ ~~يتضمن الموقف الخلقي الباعث والحكم والواقعة الخاصة ~~والنتيجة. وهذا كله لا يعني غياب صفة الموضوعية للفعل ~~والبناء الموضوعي للواقعة الخلقية. وهو تعريف لا عقلي ليس ~~له أي مقياس آخر شامل وعام. فالصفات النفسية ليست وهما أو ~~خيالا وإنما هي قائمة على الترابط الشرطي وتداعي المعاني، ~~وهي أيضا ماهيات مستقلة في الشعور. ويغفل قيما أخرى مثل ~~التضحية والإيثار القائمة على قبول التكليف بأفعال تجر ~~الآلام والمتاعب والمشاق والأوجاع عن رضا. فالاتفاق مع ~~الغاية قد يسبب المضرة الوقتية، ومن هنا كانت ضرورة سلم ~~القيم. قد يجعل هذا التعريف الإنسان يكفر إذا ما أدى الفعل ~~الشرعي إلى عدم اتفاق مع الغرض. فالنافع والضار أحد أوجه ~~الحسن والقبح، ولكنهما ليسا مساويين للحسن والقبيح. ولم ~~يحدث استقرار كامل للعادات والقوانين حتى يمكن إصدار ~~الأحكام العامة على الحسن والقبح والملاءمة والمنافرة. فقد ~~تنقضها بعض الوقائع حتى ولو كانت واقعة جزئية واحدة. وماذا ~~عن الحكمة الإلهية، وهي الغائية في الطبيعة، والعلم المسبق ~~والإرادة المسبقة التي تشملهما الحكمة ويظهران في قوانين ~~الطبيعة الثابتة، الحكمة التي تجعل الحسن والقبح أقل ~~مباشرة وأبعد نظرا من الملاءمة والمنافرة للغرض؟ ويضع ~~هذا التعريف الحسن والقبح متقابلين، ويثبت وجود كل منهما ~~على المستوى نفسه، في حين أن القبح ليس ما يقابل الحسن. ~~هذا تعريف بالضد، ولكن القبح أصلا لا وجود له؛ فالقبيح ~~درجة من درجات الحسن أو هو غياب مؤقت للحسن أو هو وجهة نظر ~~فردية خالصة قائمة على الهوى أو الغرض أو المصلحة. ليس ~~القبيح أعم من الحسن، وليس ms218 الحسن أخص من القبيح؛ لأن الحسن ~~هو الأساس والقبيح هو الاستثناء. والأخطر من ذلك هو نسبة ~~الشر إلى غير مصدره مثل الدهر أو الفلك، وبالتالي اللحاق ~~ببعض الجوانب الأسطورية في النظرية الكونية، مع أن الشر ~~مصدره اجتماعي. يغفل التعريف الأوضاع الاجتماعية، وأن ~~الحسن والقبح مشروطان بالاستعمال الاجتماعي وبالاتفاقات والمواضعات. # 9 # تنشأ القيمة في المجتمع، وتلقن في مناهج ~~التربية، ومع ذلك تظل الصفات النفسية للأفعال وإن كانت ~~مكتسبة من التجارب في نشأتها، وينقصها العموم، مستقلة ~~بذاتها، يمكن للعقل إدراك عمومها وشمولها. إن الصفات ~~الموضوعية للأشياء أو الذاتية للأفعال لا تأتي من التقليد ~~أو التعصب أو الهوى أو التحزب أو التحيز، بل هي صفات ~~تأتي من الغايات وتنبع من طبيعة الإنسان الأولى. # 10 # وقد يكون الهدف من النظرية الحسية توجيه وعي ~~الناس نحو الحسن المباشر دون الذهاب إلى ما وراء ذلك من ~~غايات بعيدة يدركها العقل وتتجاوز اللذة والألم والنفع ~~والضرر كحاجات للبدن. ~~(3) النظرية العقلية # وتمثل رد فعل طبيعي على النظريتين السابقتين الكونية ~~الأسطورية، والحسية النفعية المباشرة، تجعل الحسن والقبح ~~عقليين، إما تعبيرا عن الكمال والنقص النظري العام أو ~~كأحكام للأفعال؛ فقد يكون الحسن والقبح تعبيرا عن صفتي ~~الكمال والنقص. فالعلم حسن والجهل قبيح. ولا نزاع في أن ~~العقل يدركه بصرف النظر عن الملاءمة والمنافرة والمدح ~~والذم. فهي صفات حقيقية وليست إضافية، وبالتالي فهي كذلك ~~عند جميع العقول ولا تختلف بالنسبة إلى الأشخاص على عكس ~~الملاءمة والمنافرة التي تختلف بالنسبة للأفراد وبالنسبة ~~إلى المدح والذم اللذين يختلفان بالنسبة إلى الشرائع. ~~فكمال الطبيعة أو نقصها نتيجة للفعل الإنساني الإيجابي أو ~~السلبي وليس كمالا أو نقصا مباشرا. والطبيعة الإنسانية ~~قادرة على مثل هذا الكمال. # 11 # وهو تعريف أقرب إلى العقل ولكنه يظل عاما ~~دون تفصيل في السلوك البشري وأنواع الأحكام للأفعال ~~والتروك على حد سواء، كما أن الأحكام تنقصه، أحكام المدح ~~والذم، أي قيمة الأفعال الذاتية في السلوك البشري. # لذلك تبدو النظرية العقلية أكثر أحكاما وتفصيلا في ~~الأحكام الخمسة في علم أصول الفقه. وهنا ms219 تبدو وحدة علم ~~الأصول. فالحسن والقبح وما يتعلق بهما من مدح وثواب. ~~وينطبق على الأفعال الشرعية الخمسة: الواجب، والمندوب، ~~والمباح، والمكروه، والحرام (المحظور). فالحسن هو الواجب ~~والقبيح هو المحظور، وهما القطبان اللذان يشملان المدح ~~والذم عند الفعل أو الترك؛ لذلك ركزت عليهما النظرية ~~العقلية دون المندوب والمباح والمكروه باعتبارها فرعية. ~~فالمندوب فرع على الواجب، والمكروه فرع على المحرم، ~~والمباح هو فرع على نفس الأصل. # 12 # فالفعل الإنساني يتراوح بين الفعل والترك في ~~موقف من المصلحة أو المفسدة. فما تركه مفسدة فهو الواجب، ~~وما فعله مفسدة فهو الحرام. وما تركه مصلحة فهو المكروه، ~~وما فعله مصلحة فهو المندوب. وما لا يدخل في الفعل أو ~~الترك في المصلحة أو المفسدة فهو المباح. فالواجب فعل ترك ~~وليس فعل إتيان لدرء ~~المفاسد قبل أن يكون لجلب المصالح، والحرام فعل إتيان وليس ~~فعل ترك لجلب المصالح قبل أن يكون لدرء المفاسد، ومن ~~ثم يكون الترك أولى من الفعل، ويكون الترك فعلا أولى ~~بالفعل من الفعل. والواجب والمندوب متقابلان في الترك ~~والفعل وفي المفسدة والمصلحة لما كان الواجب تركه مفسدة ~~والمندوب فعله مصلحة. كما أن المحروم والمكروه متقابلان ~~أيضا في الفعل والترك وفي المفسدة والمصلحة لما كان ~~المحرم فعله مفسدة وكان المكروه تركه مصلحة. ويتفق الواجب ~~والمكروه في أن كليهما ترك ولكن يختلفان في المفسدة ~~والمصلحة، فالواجب تركه مفسدة، والمكروه تركه مصلحة. كما ~~يتفق المندوب والمحرم في أن كليهما فعل ولكن يختلفان أيضا ~~في المصلحة والمفسدة، فالمندوب فعله مصلحة والمحرم فعله ~~مفسدة، أما المباح فهو خارج الفعل والترك كما أنه خارج ~~المصلحة والمفسدة هو الفعل الطبيعي الذي يعبر عن وجود ~~الإنسان في العالم خارج العقل وخارج الإرادة باللجوء إلى ~~الفطرة وبالعودة إلى الأشياء. # 13 ~~(3-1) بنية الأحكام الخمسة # وتنطبق هذه الأحكام الخمسة على أفعال الإنسان وليس ~~على أفعال الله؛ لأنها أحكام لأفعال القصد والإرادة، ~~وإن كان لا بد من وصف أفعال الله بالحسن والقبح، فإن ~~ذلك يكون نتيجة لإسقاط الإنسان وصف أفعاله على غيره ~~وليس لأنه ms220 يصح من الله أن تقع أفعال حسنة لها صفات ~~زائدة على حسنها إلا العقاب، ثم تكون في هذه الحالة ~~تفضلا ورحمة وإحسانا وليس وجوبا، فذلك أيضا ~~إسقاط مقلوب، أي إسقاط أفعال الإنسان على الله ثم ~~قلبها بدلا من أن تكون وجوبا إيجابا أم سلبا تكون ~~عطاء وكرما. وكيف يكون الله لطيفا بنفسه إن كان ~~اللطف للغير؟ فإن لم تجز عليه الأفعال صلاحا مثل ~~النوافل فذاك أيضا إثبات لوجوب الأفعال صلاحا عند ~~الإنسان ثم نفيها عن الله كأحد مظاهر النقص، مع أن ~~أفعال الله اختيار لا وجوب، أي أنها تشارك أفعال ~~الإنسان في حرية الاختيار، وكأن الحرية إسقاط مقبول من ~~الإنسان على الله والوجوب إسقاط مقبول من الله على ~~الإنسان. إن موضوعات الفعل الإرادي القصدي الذي يتصف ~~بالحسن والقبح وأنواع الأفعال المستقبلة لأحكام الوجوب ~~والندب والإباحة كلها أحكام للفعل الإنساني وليست ~~لأفعال مطلقة للذات المشخص إلا بالإسقاط. فإذا ما أدى ~~الإسقاط إلى التشبيه ترك الإسقاط واستعمل التنزيه ~~المطلق بالفصل بين المستويين. فأفعال الله لا يصح فيها ~~وجوب أو إلجاء أو ضرر أو نفع أو تستحق المدح والذم أو ~~تجوز عليه المشقة والنصب. ولا توصف أفعاله بأنها ندب. ~~ولا يفعل القبيح بل لا يختار بين الحسن والقبيح. ~~أفعاله تفضل ويدخل في ذلك بداية الخلق والتكليف. لا ~~يجب عليه إلا ما أوجبه بالتكليف والتمكين والألطاف ~~والاستحقاق والآلام والأعواض. والخلاف فقط في وجوب ~~الأصلح، وكأن وجوب الأصلح وحده هو الذي لا يتم الإسقاط ~~فيه من الإنسان على الله، ولا يجوز عليه الترك ~~لاستحالة كونه قادرا بقدرة حالة في محل أو ينتابه ~~العجز. كل ذلك في الحقيقة تنزيه لله عن الوقوع في ~~التشبيه بالإنسان في الأفعال. ويكون في هذه الحالة كل ~~خطاب الإنسان عن الله مجازا مقلوبا. أحكام الأفعال ~~إذن هي أحكام إنسانية خالصة تصف الأفعال، وهي تتحقق ~~وتتحول إلى أبنية في الواقع، وليس منها وصف لله سواء ~~كانت حسنا أم قبحا. هي أفعال إنسانية خالصة وليس ~~منها لله شيء لطفا أو صلاحا. اللطف إن ms221 وقع فإنه ~~لتحبيب الأفعال إلى النفس والصلاح إنما يقع تحقيقا ~~لصلاح الإنسان. بل إن الخلق ذاته إنما هو لإثبات أن ~~الذات لا بد لها من موضوع يدركه وأن الموضوع لا بد له ~~من ذات تدركه، وأن الحقيقة هي علاقة بين الذات ~~والموضوع. وإن كان الموضوع ذاتا تكون الحقيقة علاقة ~~بين الذوات. والواجب لا يثبت ابتداء إلا لعلة بما في ~~ذلك التكليف. فغاية التكليف الفعل والتحقيق وأداء ~~الرسالة وتحقيق المثال إلى واقع، والواقع إلى مثال. ~~والإثابة والتعويض كل ذلك داخل في بنية الفعل الإنساني ~~الذي هو مقدمة لنتائج، والذي تتداخل فيه الأفعال سلبا ~~وإيجابا طالما تتم في الزمان. # 14 # وكل فعل حسن أو قبيح ينقسم إلى قسمين: فعل يحسن لأمر ~~يخصه مثل الإحسان وفعل يحسن لكونه لطفا أو مؤديا إلى ~~فعل حسن مثل ذبح البهائم. والقبيح أيضا على ضربين: ~~أحدهما يقبح لأمر يخصه لا لتعلقه بالغير مثل كون ~~الظلم ظلما والكذب كذبا، وإرادة القبح والجهل وتكليف ~~ما لا يطاق وكفر النعمة ، والثاني لتعلقه بما يؤدي ~~إليه مثل القبائح الشرعية التي تؤدي إلى قبح عقلي أو ~~الكف عن الواجبات. فكذلك الواجب باعتباره فعلا حسنا ~~ينقسم إلى قسمين: واجب لأمر يخصه مثل شكر المنعم ~~والإنصاف والتفرقة بين المحسن والمسيء، وواجب لأمر ~~يتعلق به مثل الواجبات الشرعية وكونها مصلحة ولطفا. # 15 # فاللطف هو الذي يمنع أن يكون الفعل مصلحة ~~للفرد ومفسدة لغيره، وكأن اللطف هو تبرير للشر ودعوة ~~لقبوله ما دام الصلاح للفرد والفساد للغير، قسمة غير ~~عادلة في أصل العدل! يأخذ الإنسان النصيب الأوفى ويطلب ~~من الآخر الصبر والسلوان. # وقد تكون القسمة ثلاثية، وبالتالي تنقسم الواجبات ~~العقلية إلى ثلاثة أضرب: ما يجب لصفة تخصه مثل رد ~~الوديعة وشكر النعمة، وما يجب لكونه لطفا في غيره ~~كالنظر في معرفة الله والشرعيات، وما يجب من حيث كونه ~~تركا كالقبيح وتحرزا من فعله، وهو الواجب عن طريق ~~نفي الضد، فالترك فعل كالفعل. وكذلك تنقسم القبائح إلى ~~ثلاثة أضرب: ما يقبح لصفة تخصه مثل كونه ظلما وكذبا ms222 ~~وعبثا، وما يقبح لكونه مفسدة في غيره، وما يقبح لأنه ~~ترك لواجب معين وناف لوجوده، فالترك أيضا فعل. # 16 # ولماذا لا ينقسم الترك أيضا في كلتا ~~الحالتين إلى ترك لأمر يخصه وإلى ترك لأمر يخص الغير؟ ~~إن ما يهم في هذه القسمة هو التفرقة بين فعل الذات ~~للذات، وفعل الذات للغير. فالحسن والقبح ليست فقط ~~أفعالا فردية، بل هي أيضا أفعال اجتماعية. ~~(3-2) تعريف الأحكام الخمسة # الأحكام الخمسة يمكن إدراكها بالعقل. فبالرغم من أن ~~الواجب والمحظور من وضع الشرع، إلا أن العقل يمكن ~~إدراكهما كطرفين متقابلين بين الإيجاب والسلب، بل إن ~~الأحكام المتوسطة اختيارا مثل المندوب والمكروه يمكن ~~أيضا معرفتها بالعقل كذلك دون أن تكون محظورة كلها أو ~~مباحة كلها، ودون أن تكون كلها على الإباحة أصلا ~~كالمباح. هناك فرق بين الوجوب والاستحالة والإمكان. ~~فالوجوب والاستحالة هما الواجب والمحرم، والإمكان من ~~طرف الوجوب هو المندوب، والإمكان من طرف الاستحالة هو ~~المكروه. والمباح هو الفعل الطبيعي القائم على التوحيد ~~بين شرعية الأشياء ووجودها دون حاجة إلى حكم قيمة من ~~خارج طبائع الأشياء. # 17 # والأحكام الشرعية الخمسة نموذج للأفعال الإرادية ~~القصدية بصرف النظر عن تعريفاتها المتعلقة باستحقاق ~~الثواب والعقاب عند الفعل أو الترك في حالة الأمر أو ~~النهي أو حتى في فعل المباح على ما هو معروف في علم ~~أصول الفقه. فالحسن والقبح مقولتان للأفعال، سواء ~~كأفعال اختيارية أو كأفعال عاقلة. أما ما يترتب ~~عليها من وعد ووعيد فمكانها أمور المعاد، وهو موضوع ~~لاحق في علم أصول الدين يدخل في السمعيات ولا يدخل في العقليات. # 18 # ولا تهم صيغة الأفعال هل هي الأمر أم لا، ~~فتلك بحوث لغوية تفيد في كيفية استنباط الأحكام من ~~النصوص وليس في ممارسة الأفعال وإدراكها. ولا يهم ~~أيضا ما يعلم منها باضطرار أو باكتساب، بل المهم ~~كيفية إدراكها عقلا. ولا يهم هل المباح داخل في ~~التكليف مثل باقي الأفعال الإرادية والقصدية، إذ إنه ~~فعل إرادي قصدي ولكنه طبيعي فطري بلا أمر أو نهي ~~وجوبا أو إمكانا. # 19 ms223 # والواجب عند القدماء ما يستحق المدح على فعله والذم ~~على تركه. ويوصف بأنه فرض. ولا يختلف حده من جهة ~~العقل أو السمع لأنهما طريقان للعلم به وليس اختلافا ~~في حده. والعلم بالواجب كما أنه علم بأن تركه قبيح لأن ~~الواجب هو ما يكون تركه مفسدة على الأقل عقلا إن لم ~~يكن أحيانا شرعا. ويشترط أن يكون القادر على الترك ~~والمتروك واحدا وأن يكون بينهما تضاد وأن يحلا محل ~~القدرة وأن يكون الفعلان مباشرين غير متولدين. # 20 # والواجب هو الحسن والحسن هو الواجب. # 21 # وينقسم إلى ما يخص المكلف وإلى ما يكون ~~حقا لغيره، وهو على ضربين، حق الله مثل شكر المنعم ~~والثاني حق العباد. شكر المنعم معلوم عقلا، ودفع الضر ~~عن النفس والدين من الواجبات العقلية؛ لذلك يلزم على ~~العباد المصالح والألطاف. # 22 # ويتم الواجب في الزمان. وفي الزمان موسع ~~ومخير وفيه معين مضيق. الأول كقضاء الدين والثاني ~~كرد الوديعة. الأول يستحق الذم عندما لا يفعل ~~مقامه، والثاني يستحق الذم بعدم فعل بعينه. معرفة الله ~~من الواجب الموسع المخير . # 23 # ليست القدرة على الواجب أو تركه بتحريك ~~الجسم، ولكنها قدرة شاملة تضم الباعث والغاية والقصد ~~والداعي بالإضافة إلى القدرة البدنية، وإلا فقد تحليل ~~الفعل شموله ومستواه الإنساني وأصبح فعلا طبيعيا ~~محضا. فمن حق القادر أن يكون فاعلا. # 24 # ويصح أن يعلم المكلف بما لم يفعل وإن لم ~~يحدث منه فعل ولا ترك، أي يظل الوجوب على مستوى ~~المعرفة الخالصة علما صحيحا مثل العلم باستحقاق ~~المدح عند الفعل، والذم عند الترك مع زوال ~~الموانع. # والمندوب هو الفعل الذي يقتضي حكما بالمدح عند ~~فعله، وبالتالي يكون حسنا ولا يقتضي حكما بالذم عند ~~تركه، وبالتالي لا يكون قبيحا. المندوب هو الفعل ~~الحسن عند الفعل وغير القبيح عند الترك. هو فعل ~~تطوعي اختياري. لا يقال إنه نعمة إلا إذا كان ~~إحسانا. وهي النوافل تسهيلا لفعل الواجب. # 25 # والمباح هو الفعل الذي لا يقتضي المدح أو الذم عند ~~الفعل أو الترك. ويوصف بالحسن وبالحق إذا ms224 كان المراد ~~المذهب الصحيح والخبر الصادق والفكر الصائب. والفرق ~~بين المباح والأحكام الشرعية الأربعة الأخرى هو أنه ~~ليس به صفة زائدة يتعلق بها مدح أو ذم. هو فعل محايد ~~يحتوي على صفة في ذاته لا في حكمه، وكأن الفعل طبيعي ~~خالص يكشف عن اتصال الإنسان بالطبيعة بلا صفات أو ~~أحكام، ويكشف عن إمكانية العيش على الفطرة كالإنسان ~~البدائي. وكل أفعال الاشتباه أصلها الإباحة، الأفعال ~~التي يجوز حسنها أو يجوز قبحها والتي ليس لها حكم؛ ~~فالأشياء في الأصل على الإباحة، والشعور على البراءة الأصلية. # 26 # والمكروه يقابل المندوب طبقا للنسق وإن لم يظهر في ~~تحليلات المعتزلة، وهو الفعل الذي يستحق المدح عند ~~تركه ولا يستحق الذم عند فعله، وهو أيضا فعل تطوعي ~~اختياري من حيث الترك. # والمحرم أو المحظور هو القبيح أو الضار مثل الكذب، ~~يستحق الذم لفعله والمدح لتركه. وتترادف الأسماء على ~~القبيح فيقال المحظور والباطل والفاسد والشر والخطأ ~~والمعصية والمنهي عنه. والقبيح أدل على المحرم وبديل ~~عنه على عكس الواجب الذي يجتمع فيه الشرع والعقل، ~~فيقال الواجب هو الحسن، في حين يقال القبيح هو المحرم ~~وليس المحرم هو القبيح، أي البداية بالعقل نظرا ~~للمعنى الناهي في المحرم؛ فالظلم قبيح لأنه يؤدي إلى ~~ضرر للغير. والضرر يقبح لكونه عبثا وإن يكن ظلما، ~~والظلم قبيح لأنه عبث. وقد يقبح الكلام لأنه عبث أو ~~أمر بقبيح أو بما لا يطاق أو نهي عن حسن وعما يطاق. ~~والأمر بما لا يطاق قبيح وكذلك الأمر بالقبيح. وتقبح ~~الاعتقادات لأنها جهل، ويقبح الظن لأنه عبث أو مفسدة، ~~ويقبح الاعتقاد؛ لأنه تقليد، ويقبح ويقبح؛ لأنه عبث ~~ومفسدة. ويقبح تصرف العبد إذا كان ظلما أو عبثا أو ~~مفسدة. ويقبح الكذب لأنه كذب والظلم لأنه ظلم والكفر ~~بالنعمة لأنه كذلك، ويقبح تكليف ما لا يطاق وإرادة ~~القبح والجهل والأمر بالقبيح والعبث. وتقبح الإرادة ~~لكونها عبثا، ويقبح الندم إذا كان ندما على حسن، ~~وتقبح الآلام لكونها ظلما وعبثا، ويقبح الغم لأنه ~~كذلك، وتقبح الملذات إذا ما أدت إلى ضرر ms225 أو دون استحقاق. # 27 # | ثالثا: صفات الأفعال # هل صفات الحسن والقبح التي تستوجب المدح والذم في الأحكام أم ~~في الأفعال؟ هل هي صفات خارجية تأتي من خارج الأفعال ومن مجرد ~~الحكم عليها بالحسن والقبح، أم هي صفات داخلية في طبيعة ~~الأفعال تجعلها حسنة أو قبيحة؟ هل هي صفات ذاتية ترتبط ~~بالحاكم وبالحكم، أم هي صفات موضوعية ترتبط بالفاعل والمفعول؟ ~~ويمكن استعمال لغة التوحيد في الصلة بين الذات والصفات في وضع ~~السؤال: هل الأفعال ليس لها صفات زائدة عليها تجعلها حسنة أم ~~قبيحة، أم أن لها صفات زائدة عليها تجعلها كذلك؟ هل هناك صلة ~~بين إثبات الصفات زائدة على الذات في التوحيد وإنكارها زائدة ~~على الأعمال في العدل كما هو الحال عند الأشاعرة؟ وهل هناك صلة ~~بين إنكار الصفات زائدة على الذات في التوحيد وإثباتها زائدة ~~على الأفعال في العدل كما هو الحال عند المعتزلة؟ هل ما وجب ~~على الأشاعرة تصوره في التوحيد وضعوه في العدل وما وجب عليه ~~وضعه في العدل تصوروه في التوحيد؟ # 1 # إن الحسن والقبح صفة للأفعال الإرادية القصدية، الأفعال ~~الشرعية وليست الأفعال اللاإرادية اللاقصدية، أفعال الساهي ~~والنائم. ولا يكفي تحديد الفعل بأنه الكائن بعد أن لم يكن ~~لغياب عنصري الإرادة والقصد. أما الفعل الطبيعي فهو بوجوده ~~قصد الطبيعة وإرادة الغاية. القصد ضروري لوجود الفعل وليس مجرد ~~النفع والضرر بلا قصد. الحسن والقبح صفتان للأفعال الإرادية ~~الواعية العاقلة. والأفعال التي تتصف بالحسن أو القبح هي ~~الأفعال الإرادية الواعية، والأفعال الإرادية الواعية هي ~~الأفعال التي تتعلق بها أحكام الحسن والقبح، وهي الأحكام ~~الشرعية؛ لذلك ارتبط موضوع الحسن والقبح كنتيجة بموضوع الحرية ~~كمقدمة، فلا حسن وقبح في الأفعال إلا بعد حرية الأفعال؛ ~~وبالتالي كان القول بالجبر إنكارا لحسن الأفعال وقبحها نظرا ~~لوقوع الأفعال طبقا لإرادة الله وأمره دون إعمال العقل ودون ~~إدراك لصفات الأفعال والتمييز بينها؛ لذلك يستحيل الحكم الخلقي ~~في نظرية الجبر لعدم وجود معيار للحكم الذي لا يصدق إلا على ~~الفعل الحر. يتطلب الحكم الخلقي التفرقة بين ms226 الذات الفاعلة ~~والموقف حتى يكون الحاكم غير المحكوم، والخبر يخلط بينهما. ~~العلم والقصد شرطان لصحة الحكم. # 2 # وإذا كانت الأفعال إما ملجأة بقوة الدواعي أو ~~تكون مخلى بينهما وبين فاعليها، فإنها في كلتا الحالتين تكون ~~حسنة أو قبيحة؛ فالأفعال الملجأة بطبعها أفعال حسنة لأنها ~~تعبر عن قوة الهدف وتمثل المبدأ. ولما كانت الطبيعة خيرة ~~فالأفعال الملجأة أفعال حسنة، والطبيعة هنا هي الطبيعة ~~العاقلة وليست طبيعة الهوى. # 3 # وليس السؤال عن صفات الأفعال هل هي خارجية من ~~الأحكام أم داخلية في تكوين الأفعال سؤالا عن الحسن والقبح ~~عامة بل الحسن والقبح في الأفعال الشرعية. وهذا هو الخلاف بين ~~الأشاعرة والمعتزلة، بين الاختيارين السابقين. ولا ينكر أحد ~~إمكان معرفة الحسن والقبح في الأفعال عامة وإلا كان إنكارا ~~للإنسان ذاته وعقله البديهي ونوره الفطري. الفعل الحسن أو ~~القبيح ليس فعلا مطلقا، ولا هو فعل من جنس مطلق، بل هو فعل ~~يجمع بين الخاص والعام. هو فعل خاص لأنه موجود جزئي وليس ~~عاما لأن الصفات تختلف حسب الصفات الجزئية. هو فعل عام لأن ~~الأفعال الخاصة تجعلها صفات عامة هي صفات الحسن والقبح؛ ~~فالفعل لا يحسن أو يقبح لجنسه فقط ولا لعينه فقط، بل لأنه فعل ~~خاص وعام. ليس الحسن والقبح معاني مجردة يدركها الإنسان لا في ~~مكان ولا في زمان، وليسا أفعالا ضرورية جزئية خالصة ولا ~~يشاركان أفعالا أخرى في زمان آخر ومكان آخر. الصفات العامة ~~حالة في الأفعال الفردية. الحسن لذاته والقبح لذاته حامل للعام ~~في الخاص وللشامل في الجزئي، وللمعنى في الفعل، وللصفة في ~~الشيء. تشترك أعمال الظلم الفردية في الظلم كمعنى أو كصفة، ~~وكذلك تشترك أفعال العدل كصفة أو معنى. وبالتالي يمكن إدراك ~~الأفعال الحسنة والقبيحة تحت أجناسها وهي ليست كالأفعال ~~الشرعية الخالصة التي هي أفعال خاصة طبقا لقدرات الفرد وأحواله. # 4 ~~(1) هل يمكن إنكار صفات الأفعال؟ # إن إنكار صفات الأفعال من طبيعة الأفعال هو إلحاق لها ~~بأحكامها، أي بإرادة خارجية هي إرادة الحاكم. فإذا تغيرت ~~الإرادة تغيرت الصفة. الفعل الحسن ms227 هو مستحق المدح والفعل ~~القبيح هو مستحق الذم، فالأفعال تعرف بأحكامها وليس بصفاتها. # 5 # ومعظم الأدلة التي يقوم عليها هذا الرأي ~~ضعيفة. فلا يعني وقوع الأفعال اضطرارا أنها لا صفات لها ~~من حسن أو قبح لأنها تصف الأفعال الاختيارية وليس الأفعال ~~الاضطرارية، سواء كان هذا الاضطرار بدنيا أو اجتماعيا؛ ~~فحرية الأفعال شرط اتصافها بالحسن والقبح، وإن تفاوت ~~الصفات في الأفعال بين الخفة والثقل لا ينفي الصفات بل ~~يثبت ارتباطهما بالأفعال وبالقدرة عليها وفي دخولها فيما ~~يطاق. كما أن تغير الفعل من حسن إلى قبيح مثل القتل قد ~~يكون ظلما في حالة الاعتداء وعدلا في حالة الدفاع عن ~~النفس، لا يعني إنكار الحسن والقبح الذاتيين، بل يعني أن ~~الأفعال تتم في موقف، وأن الصفة تكون في موقف، وأن الأفعال ~~تتحدد في موقف. لا يعني تغيير الأفعال إنكار الصفات ~~الذاتية، بل تغير الظروف والقاعدة باقية. كما أن اختلاف ~~الأفعال بين النية الأولى والإرادة المسبقة وبين الأفعال ~~بعد تحققها لا يرجع إلى نفي الصفات، بل إلى المسافة بين ~~النية والفعل، بين القصد والمتحقق. فالأولى أكثر رحابة ~~وإمكانية واتساعا من الثانية. النية تحتوي على عدة ~~احتمالات، في حين أن التحقق لا يكون إلا احتمالا واحدا. ~~كما أن اختلاف الحكم عن الواقع لا يعني نفي الصفات، بل ~~يعني فقط الصدق أو الكذب المنطقي بالمعنى التقليدي، أي ~~اتفاق الفكر مع الواقع أو المفهوم مع الماصدق. وقد يعني ~~الصدق والكذب في الخبر ككل وليس في كل حرف أو في كل كلمة، ~~والصدق في الخبر مثل الصدق في المنطق يقوم أيضا على ~~التطابق بين الخبر في القضية وبين الواقعة كحادثة. ولا ~~يتطلب وجود المعنى أن يكون قائما بمعنى، وهذا بثالث مما ~~يلزم قيام المعنى بالمعنى إلى ما لا نهاية، فذاك جدل يقوم ~~على التسلسل الطولي واستحالته نظرا لضرورة وجود ما لا أول ~~له، وما لا آخر له، وهو فكر ديني لاهوتي مقلوب وليس ~~حجة عقلية وفكرا منطقيا يقوم على بنية العقل ومنطق ~~الفكر المستقل الدائري الذي لا يعتمد ms228 إلا على ذاته، ~~منطق خالص لا يحتاج إلى وجود. # 6 # والحقيقة أن إنكار الصفات الموضوعية للأفعال يؤدي إلى ~~هدم العقل والشرع وإنكار حرية الأفعال. فإذا نهى الله عن ~~العدل والإنصاف فإنه يكون قبيحا، وإذا أمر بالظلم فإنه ~~يكون حسنا يكون هذا قلبا للحقائق، وهدما للعقل وللمعرفة ~~الإنسانية. إن إنكار موضوعية القيم وإلحاقها بإرادة مشخصة ~~وقوع في النسبية الإنسانية المطلقة التي يدينها الوحي ~~والتي تؤدي إلى إنكار القيم واستقلال القوانين وثبوتها، ~~ويؤدي الأمر كله إلى تحكم الله في عالم نسبي، يكون هو ~~المسئول عن نسبيته، بتبعية العالم لإرادته. كما أن اعتبار ~~الوجود خاليا من القيمة لهو فضل للقيمة عن الوجود واعتبار ~~الوجود ماديا صرفا والقيمة من خارجه. # 7 # ويظل عقل الإنسان قاصرا في حاجة إلى وحي ~~ليخبره عن الحسن والقبح دون ما اعتماد على العقل. ولما كان ~~العقل أساس الشرع بطلت الشرائع. كما لا يكون الله حكيما ~~عاقلا، بل يخضع لمجرد إرادة هوائية انفعالية صرفة وهو ~~ما يعني العبث. بل ويلزم اتصاله بالجهل لما كان الجهل ليس ~~قبيحا في ذاته، مع أن وصفنا له بصفات الكمال إنما لأن ~~العلم والقدرة صفات حسنة في ذاتها. # 8 # وقد سمي الحكيم حكيما لاتصافه بالفضائل ~~واجتنابه الرذائل. ولو تشبه الحاكم بالله وأخذ مكانه ~~وتخفى وراءه وحكم باسمه ونفذ إرادته وكان خليفته كما هو ~~الحال في مجتمعاتنا المعاصرة فتضيع الحقائق وتخضع لإرادات ~~الحكام وقرارات الرؤساء. فالحسن ما يقرره الحاكم والناس ~~وراءه، والقبيح ما ينهى عنه الحاكم والمنظرون يؤولون ويبررون. # 9 # ونظرا لغياب الصفات الموضوعية للأفعال فقد ~~يصبح الشيء حسنا وقبيحا في الوقت نفسه، يؤمر به البعض ~~وينهى عنه آخرون، وبالتالي تبطل العلل والصفات، وينتهي ~~الحوار والإجماع، ولا يتبقى إلا صراع الإرادات المتنافرة ~~والقوى المتصارعة، فنعيش في عالم القوة وليس في عالم ~~العقل. ويهدم الشرع إذ يمكن حينئذ أن يقوم على الجمع بين ~~الصفات المتناقضة، وأن يكون هذا الفعل حسنا وذاك الفعل ~~قبيحا بالرغم من اشتراكهما في الصفات نفسها، أو أن يكون ~~هذا الفعل حسنا وذاك الفعل ms229 الآخر حسنا، أو هذا الفعل ~~قبيحا وذلك الفعل الآخر قبيحا بالرغم من اختلافهما في ~~الصفات. وإذا استحال إدراك صفات الأشياء ومعانيها فإنه ~~يستحيل الاستدلال منها على الصانع. وأن وجود شيء ليس بذي ~~دلالة حاضرة لا يعني أنه خال من الدلالة في المستقبل. ~~فكل ما في هذا العالم للاعتبار، في كل شيء آية، ولكل شيء ~~معنى، ولا شيء بدون معنى وإلا كنا في عالم العبث واللامعقول. # 10 # فإن كان في إنكار صفات الأفعال الذاتية قضاء ~~على العقل وهدم للشرع فإن فيه أيضا هدما للحرية لما كان ~~الفعل اتفاقا مع الأمر دون الإرادة؛ وبالتالي يكون هدما ~~كليا وشاملا لأصل العدل بشقيه، الحرية والعقل. إن ~~إنكار موضوعية القيم واستقلال القوانين الخلقية لتضحية ~~بالوضع الإنساني في إثبات الحق الإلهي على حساب الإنسان؛ ~~فهي خيانة للإنسان وجنابة عليه، وتقرب إلى الله وزلفى ~~إليه. ~~(2) إثبات صفات الأفعال # الحسن والقبح صفتان للأفعال وليسا مجرد أوامر ونواهي ~~خارجية تعبيرا عن إرادة مطلقة، يتغيران بتغيرها، بل وكل ~~منهما صفة مستقلة لا تتحدد إحداهما بغياب الأخرى أو ~~بالغلبة عليها. # 11 # لا يعني الحسن مجرد غياب القبيح كما أن القبيح ~~لا يعني مجرد غياب الحسن. الحسن حسن لصفة زائدة على ~~الفعل، والقبيح قبيح لصفة زائدة على الفعل. الحسن صفة ~~زائدة، ولا يأتي تعريفه بالرجوع إلى أحكامه، بل إلى الفعل ~~ذاته. الأحكام تالية للصفات والصفات سابقة على الأحكام ~~وأساس لها. # 12 # الصفة الزائدة على وجود الفعل والتي يكون بها ~~الفعل حسنا أو قبيحا هي ما سماه الأصوليون العلة ~~بأقسامها المختلفة، المؤثرة أو المناسبة أو الملائمة والتي ~~حاولوا معرفتها بطرق استقصاء العلة المعروفة في أبحاث ~~القياس والاجتهاد. هذه الصفات الزائدة ليست عقلية مجردة بل ~~مواقف حسية كما هو الحال في العلل في علم الأصول. وتعليل ~~الأحكام ضروري لاكتشاف الأساس الواقعي للنص وبالتالي يكون ~~إنكار صفات الأفعال إنكارا للتعليل وهدما لعلم الأصول. ~~وتوجد الصفة الزائدة في الأفعال التي تستحق المدح أو الذم ~~عند الفعل أو الترك مثل الواجب والمندوب والمكروه والمحرم. ~~أما المباح فليس ms230 له صفة زائدة يتعلق بها حكم بل حكمه في ~~وجوده وشرعيته في طبيعته. الصفات الزائدة في الأوامر ~~والنواهي المطلقة مثل الواجب والمحرم، أو الاختيارية؛ ~~المندوب والمكروه. أما المباح فحسنه في فعله لا في صفته، ~~في طبيعته لا في حكمه. # 13 # والذي يميز بين الحسن والقبح، وبين الواجب ~~والمحرم هي الصفات الموضوعية الزائدة على وجود الأفعال، ~~وهما مستقلان عن المدح والذم والثواب والعقاب، صفتان ~~للأفعال بصرف النظر عما يترتب عليها من نتائج خارجة عن ~~الفعل. ولا تعارض بين إثبات الصفات الموضوعية للأفعال وبين ~~كونها حسية تقوم على جلب النفع ودفع الضرر. بل إن هذه ~~الصفات الزائدة يمكن معرفتها عن طريق إفادة النفع ودفع ~~الضرر وتحقيق المصالح ودرء المفاسد وتكليف ما يطاق. يختار ~~الإنسان إذن الحسن لذاته ويترك القبح لذاته، لا جلبا لنفع ~~أو دفعا لمضرة، وكذلك أفعال الله لأنه غني عن النفع ~~والضرر، ومع ذلك قد يحدث عن فعل الحسن جلب منافع وعن ترك ~~القبح درء مضار. وقد يحدث عن فعل الحسن درء مضار وعن ~~ترك القبيح جلب منافع. فلا تعارض بين إثبات الصفات ~~الموضوعية للأفعال، الحسن لذاته والقبح لذاته، وكونها ~~حسية مادية. المهم أن يكون النفع والضرر من الفعل ذاته ~~وليس من إرادة خارجية، وتكون مشروطة بالفعل وليس بإرادة ~~خارجية، وتكون ثابتة ودائمة ثبات العقل ودوامه وليست ~~متغيرة بتغير الإرادة، لا يحكمها قانون ولا تقوم على عقل. ~~هناك إذن إمكانية في التعريف العقلي للحسن والقبح لإثبات ~~موضوعية الصفات دون الوقوع في الصورية الفارغة. الملاءمة ~~والمنافرة حسيتان، والمدح والذم شرعيان في حين أن الكمال ~~والنقص العقليين تدركهما كل العقول ويتسمان بالشمول، ~~والشمول يقتضي الموضوعية. # 14 # الحسن والقبح إذن صفتان ذاتيتان للحسن والقبح، ~~ومع ذلك قد يكونان كذلك لمعنى أو لعلة في الفعل نفسه وليس ~~معنى أو علة خارجا عنه زائدا عليه. # 15 # فشمول العقل لا يقضي على بنية الفعل وتحققه في ~~موقف. وجلب النافع ودفع الضار لا يقضي على وجود الصفات ~~والمعاني المستقلة عن الأفعال حتى يمكن تعميمها والمشاركة ~~فيها؛ فالصفات ms231 الخلقية صفات موضوعية موجودة في الأشياء ~~وليست مجرد إسقاطات ذاتية تختلف باختلاف أحوال الفرد ~~وثقافاته وعقائده وقيمه وتربيته وظروفه وحياته. وهي ليست ~~فردية فقط يمكن إدراكها بالعقل، بل هي أيضا اجتماعية يمكن ~~إدراكها بالحس الاجتماعي المشترك. هي وصف للشيء وفي نفس ~~الوقت بنية اجتماعية له، صفة للفعل ووضع اجتماعي كما هو ~~الحال في معاني العدل أو الظلم. ولا تختلف الصفة عند ~~الإنسان وعند الله، فالصفة واحدة لا تتغير، العدل عدل عند ~~الله والإنسان، والظلم ظلم عند الإنسان والله، «ما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» على ما هو معروف أيضا ~~في علم أصول الفقه. لقد بلغت قمة العقلانية في نظرية الحسن ~~والقبح العقليين في إثبات أن الأشياء ذاتها ليست أشياء ~~محضة بل هي أشياء وقيم وأن حكم الواقعة هو ذاته حكم ~~القيمة. الواقعة قيمة والقيمة واقعة، وكلاهما موجودان في ~~الفعل. في الحسن والقبح، وفي الأخلاق والجمال يقوم اعتبار ~~الصفات في الأشياء على افتراض التوحيد بين الذات والصفات؛ ~~فتكون الذات في هذه الحالة هي الجوهر. الشيء حسن لأن فيه ~~صفات الحسن، وقبيح لأن فيه صفات القبح، في حين يقوم اعتبار ~~الصفات خارجة على الأشياء على افتراض الفصل بين الذات ~~والصفات، وأن الصفات زائدة على الذات وأنها من مصدر آخر ~~غير الذات نفسها. وهناك حجج عديدة لإثبات الصفات المستقلة ~~للأفعال. فالنهى دلالة على القبح، والقبح أصل النهي. يعطي ~~النهي الإدراك الحدسي ويعطيه القبح الدليل العقلي. والحدس ~~أيضا قادر على إدراك القبح العقلي أحيانا لدى الشعور ~~اليقظ وفي لحظات الصفاء. # 16 # ولا تتوقف معرفة الحسن والقبح معرفة حدسية ~~على تصور العالم أو على الإيمان بمبدأ عام؛ وذلك لأنها ~~معرفة واقعية قائمة على إدراك مباشر للأمور. وإن لم ~~يتقدم العلم بالقبح على النهي لما كان هناك كمال للعقل ~~ولما صح النظر والاستدلال. فمن كمال العقل العلم ~~بالقبائح. ولو كان العلم بها عن طريق الأمر والنهي لتساوت ~~في الخفاء والجلاء. وهي ليست كذلك مما يدل على أنها من ~~إدراك العقل الذي يختلف الناس فيه ms232 بين الجلاء ~~والخفاء. # ولا يعني شمول الحكم الخلقي تغييره حسب أوجه الأشياء أو ~~وقوع في النسبة؛ فالقبائح قبائح لأنها تقع على وجه. وليس ~~الوجه مجرد وجهة نظر ذاتية في الشيء، بل جانب من جوانبه. ~~إن اختلاف الأحكام حسب الأوجه اختلاف وجودي وليس فقط ~~معرفيا، اختلاف موضوعي وليس فقط ذاتيا. ولا ترجع ~~عمومية الحكم أو الوجود الموضوعي للصفات وليس فقط ذاتيا. ~~ولا ترجع عمومية الحكم أو الوجود الموضوعي للصفات إلى ~~مبدأ عام خارجي أو إلى وجود مطلق بل هو اقتضاء ~~إنساني خالص يجعل الحكم الخلقي أو الوجود الموضوعي ~~للصفات ممكنا، وهو الواجب لصفة زائدة. وكذلك يحسن الحسن ~~لوجه نفعا بالنفس أو بالغير أو دفعا لضرر بالنفس أو عن ~~الغير أو أمرا بالحسن أو نهيا عن القبح أو إرادة للحسن ~~وكراهة للقبح. وإذا اجتمع وجهان الحسن والقبح على فعل ~~واحد، فالحكم لوجه القبح تفاديا للشبهات أو لوجه الحسن ~~فالأشياء في الأصل على الإباحة. وإن كان ندبا فالحسن صفة ~~زائدة تستحق الشكر، وإن كان كراهة فالقبح صفة زائدة تستحق ~~الذم. أما الواجب فله وجه معقول يجب لأجله وهو واجب ~~معياري لا زيادة فيه ولا نقصان أقرب إلى الحكم الصوري، ~~وكذلك المحظور. # 17 # والصفات الذاتية للأفعال مستقلة عن حال الفاعل ووضعه ~~الإنساني، سواء كان مخلوقا مربوبا أم حزينا بائسا. ليس ~~الإنسان محدثا أو مملوكا أو مربوبا أو مقهورا أو ~~مغلوبا على أمره حتى يكون قبيحا، بل يكون فعله قبيحا ~~إذا رضي أن يكون مملوكا مربوبا مقهورا مغلوبا. أما ~~إذا ثار على الملكية والقهر والغلبة فإن فعله يكون حسنا. ~~والإنسان السوي الذي لا هو قاهر ولا مقهور ولا غالب ولا ~~مغلوب، ولا مالك ولا مملوك، لا محدث ولا محدث تتضمن أفعاله ~~صفات موضوعية للقبح. تنتزع الصفات منه بسبب أوضاعه ~~الاجتماعية ثم يستردها بفعله الحر. بل إن أفعال القهر ~~والغلبة والسيطرة لا تكون حسنة من الله لأنها مضادة ~~للإنسان، ونفي لحريته وقضاء على وجوده. # 18 # كما أن الصفات الموضوعية للأشياء مستقلة عن ~~الإرادة الذاتية للأفعال. فإرادة ms233 الفعل ليست العلم به، ~~والصفة المستقلة تأتي من العلم لا من الإرادة. وقد يعلم ~~الفاعل صفة القبح للفعل ويأتي به. كما قد يعلم صفة الحسن ~~للفعل ويأتي بفعل قبيح. العلم صفة موضوعية سواء كان ~~مشعورا به أو غير مشعور به. # 19 # ولا تعني الإرادة القضاء على الصفات الموضوعية ~~للأشياء؛ فعلاقة الإرادة بالصفة ليست علاقة العلة بالمعلول ~~أو الشرط بالمشروط. إذا أسقطت المسألة على الذات المشخص ~~أصبح الحسن والقبح تعبيرين عن العلم المطلق الموضوعي وليس ~~عن الإرادة المطلقة. وكما أن المعلوم له وجوده الموضوعي ~~بالنسبة لحال العالم فكذلك الحسن والقبح لهما وجودهما ~~الموضوعي بصرف النظر عن حال الفاعل سواء كان إنسانا في ~~العالم أم إنسانا مسقطا مشخصا في ذات متعالية مفارقة. ~~فالقياس لا يصح بين صلة العالم بالعلم ودوره الإيجابي في ~~تحويله من اعتقاد إلى يقين بالأدلة وحال فاعل القبح الذي ~~لا يجعل الفعل قبيحا. أما العلم بالنبوات فهو شرط الفعل ~~وليس شرط العلم. العلم شرط الفعل وليس شرط القبح. وإن ~~تأثير أحوال العالم في العلم والقدرة والإرادة ليس كتأثير ~~الفاعل للقبح. فالحالات الأولى من جنس العلم، بينما الثاني ~~من جنس الفعل. وإذا كان العالم يستحق المدح على علمه والذم ~~على جهله، فإن ذلك استحقاق فعل وترك، ولا يعني تأثير ~~العالم أو الجاهل في الحسن أو القبح. أما تأثير الطاهر ~~أو الحائض في فعل الصلاة أو تركها فذلك شرط للعبادة وليس ~~كذلك فاعل الحسن أو القبح. أما تأثير حال الفاعل في شرط ~~الفعل مثل العقل والبلوغ فذلك شرط للفعل وليس تأثيرا فيه. ~~أما الدواعي والغايات والمقاصد فهي من مكونات الفعل ~~وليست من مؤثراته. وكذلك خضوع الفاعل لله وطلبه القرب، أحد ~~الغايات والمقاصد. وكذلك تأثير حال اليقظة والنوم والتذكر ~~والسهو من شروط الفعل. وتأثير الإرادة شرط للفعل وليس كذلك ~~فاعل القبح، وكذلك فعل الصغائر والكبائر. وهذا لا ينفي ~~القول بأن لحال الفعل تأثيرا في بعض أفعاله ولكنه فقط لا ~~يكون مقياسا لفاعل القبح والقضاء على موضوعية الحسن والقبح. # 20 # ولا يعني تغيير ms234 الأفعال طبقا للظروف والأحوال تغيير ~~الحقائق ذاتها بل تبني حقائق أخرى مثل الكذب في بعض ~~المواقف حرصا على الحياة والكذب على الأعداء وخداعهم. ~~فالكذب يظل قبيحا ولكن يدخل تحت قيمة أخرى أعلى وهي ~~الحفاظ على الحياة والدفاع عن النفس. # 21 # إن تغيير السلوك في المواقف لا يعني هدم ~~القانون العقلي العام أو الوجود الموضوعي للقيمة. وما ~~الحكمة في تصور الله ضد القوانين وضد الحقائق وضد القيم ~~دون مراعاة للظروف؟ إن كل شريعة مرتبطة بظروفها وأسبابها، ~~ولها غاياتها ومقاصدها. قتل من قتل في ظاهره قتل وفي ~~حقيقته حياة، # ولكم في القصاص ~~حياة ~~. ويظل قتل الناس وأخذ أموالهم ~~وإيذاؤهم وقتل المرء نفسه أو التشويه بها أو إباحة حرمة ~~الناس حقائق إنسانية ثابتة وعامة. وتعارض المعاني يشير ~~إلى سلم القيم وليس إلى إلغاء بعضها البعض. فموت الشهيد ~~حياة. وعلى الإنسان أن يختار بينها تفضيلا وترجيحا أقل ~~الأضرار وأكثر المنافع. # 22 # لا يعني النسخ أي تغيير في الصفات العينية ~~للأشياء حتى ينجح التغيير ويتحقق. النسخ منهج في التغيير ~~من الناحية العملية وليس تغييرا للمعاني من الناحية ~~النظرية. كما أن اختلاف الأحكام طبقا للأوقات تحليلا ~~وتحريما لا يعني تغييرا في صفات الأشياء بل يعني تطورا ~~في الوعي الإنساني ساهم في رقيه تطور الوحي منذ الإنسان ~~الأول حتى العصر الحاضر. فنكاح الأخوات أيام آدم وعبر ~~التاريخ أصبح محرما اليوم؛ نظرا لتطور الوعي الإنساني. # 23 # ولا يعني اختلاف الشرائع باختلاف أوضاع ~~الأفراد نفي صفات الأفعال، بل تطابق الحكم مع الموقف. ~~فالحفاظ على حياة أهل الذمة والاكتفاء منها بالجزية ليس ~~كقتل المسلمين بناء على الكفر. يحاكم المسلم نظرا وعملا ~~في حين أن الذمي يحاكم عملا فقط. # 24 # ولا يعني خلق الإنسان وخلق العقل أي نفي للصفات ~~الموضوعية للأفعال؛ لأنه لا يكون هناك شيء يعقل أو يوصف ~~قبل الخلق، أي إنكار لهذه الصفات فذلك تدمير لكل شيء. ليس ~~الحديث قبل الخلق بل بعد الخلق. وقبل الخلق لا نعلم عنه ~~شيئا إلا إذا قمنا بقياس الغائب على الشاهد ونحن الآن ms235 بعد ~~الخلق، وما كان يمكن لهذا الحديث ولهذا التفكير أن يحدث ~~إلا بعد الخلق. فافتراض ما قبل الخلق من صنع الوهم وليس ~~العقل؛ وبالتالي لا يكون حجة. والقانون العقلي العام متضمن ~~في العلم وليس صفة عينية مشخصة لذات مشخصة بل مجموعة من ~~الأفكار والنظم والقيم أعطيت في الوحي وبلغت للناس في ~~الرسالة. فلم يزل القبيح قبيحا في علم الله ولم يزل الحسن ~~حسنا في علمه. والقانون العقلي العام ليس قانونا مشخصا، ~~عقلا كليا قديما أو ذاتا مطلقة أزلية بل هو قانون ~~عقلي من ضرورة العقل وموجود بوجود الإنسان. # 25 # وإن كان القول بإثبات صفات الأفعال إسقاطا من ~~قانون العقل على الفعل فإنه ليس بأسوأ من إسقاط مظاهر ~~النقص الإنساني. ويظل على أية حال قانون العقل المسقط أقرب ~~إلى التنزيه. # 26 # ولا يسأل: من الذي حسن الحسن وقبح القبح ~~في العقول؟ # 27 # فلا يسأل عن وظيفة العقل وكأن العقل موضوع ~~يحتاج إلى عقل آخر يفعل فيه ويملي عليل المعقولات! هو ~~سؤال يقوم على سوء فهم لوظيفة العقل وجعله موضوعا لا ~~ذاتا. والهدف منه هدم العقل وجعل الله أي الوحي المشخص هو ~~الذي يحسن ويقبح في العقول وكأن العقل لا وظيفة له. الهدف ~~منه هو المزايدة على الإيمان وجعل الله هادما للعقل، ~~مرعبا له، واقفا له بالمرصاد، يغير قوانين العقل، ~~ويبدل صفات الأشياء. إن وجود القيم وجودا موضوعيا ~~مرتبط بعالم الإنسان وليس بعالم الحيوان. وإن عدم اعتبار ~~الحيوان عدوان بعضه على بعض ظلما وقبحا لا ينفي اعتبار ~~الإنسان ذلك. وإن التشكيك في القيم بدعوى عدم وجودها في ~~الحيوان استمرار في الرغبة في تدمير الحقائق الإنسانية ~~مرة باسم الله ومرة باسم الحيوان، وكأن الإنسان موجهة ~~إليه السهام مرة من أعلى ومرة من أسفل، مطعون مرتين! # 28 # ولا تعني موضوعية الصفات موضوعية المثل كما هو الحال في ~~الفلسفة وإنكار الحدوث واختلاف الأفعال طبقا للأشخاص ~~والأزمان والحالات النفسية، بل تعني إثبات استقلال القيمة ~~وتحققها في أفعال الأفراد. # 29 # كما لا يعني إثبات الحسن والقبح العقليين ms236 ~~كصفتين موضوعيتين للأفعال، أي إجبار على الله أو أي وقوع ~~في التشبيه بأن الله يحسن ويقبح ما يعقله الإنسان لأن ~~قانون العقل العام صادق على كل العوالم الممكنة، ليس ~~تشبيها بل قضاء على ثنائية الموضوع، هذا العالم والعالم ~~الآخر، وقضاء على ثنائية المنهج، العقل لهذا العالم والنقل ~~للعالم الآخر، والحكم بالشاهد على الغائب على أساس المعرفة ~~البشرية، وثنائية الشخص، الإنسان من جانب والله ومن جانب آخر. # 30 # وليس المطلوب زحزحة الإنسان عن معرفة واستبدال ~~الله به أو المزايدة في الدفاع عن الله وكأن الإنسان يمثل ~~خطرا عليه! ذاك حطة في الله وإعطاء للإنسان أكثر مما ~~يستحق، وتدمير للإنسان وإخراجه عن وضعه الطبيعي في العالم ~~واستعمال لعقله في الإدراك لصفات الأفعال. # وقد تنشأ حلول متوسطة ولكنها في أغلب الأحيان أقرب إلى ~~إثبات الصفات الموضوعية للأفعال منها إلى نفيها. مثلا أن ~~يكون وصف الشيء بالحسن والقبح، لا لذاته ولا للأوامر ~~والنواهي، بل لوصفه بمعنى هو صفة له. فكل معنى وصف به ~~الشيء فهو صفة له وهو ما يسمح بالتعليل والغائية، # 31 # فالحقيقة أنه لا فرق بين المعنى والصفة ما دام ~~كل منهما قيمة مستقلة توجد في الفعل وتنبع من بنيته ~~الداخلية ولا تتغير بتغير الإرادات المشخصة. وقد يترك لله ~~إمكانية أن يأمر بالقبيح ولو جوازا فيكون قبيحا للنهي، ~~وما لا يجوز فإنه يكون قبيحا لنفسه، وكذلك في الحسن كل ما ~~جاز أن يأمر الله به فهو حسن للأمر وما لم يجز فهو حسن لذاته. # 32 # وذاك في الحقيقة ترك حق نظري ممكن له ~~وانتزاع الحق العملي منه، وما دمنا في نطاق الفعل فإننا ~~نكون على مستوى الحق العملي وليس على مستوى الحق ~~النظري. # وأخيرا، هل يمكن نقد إثبات الصفات الموضوعية للأفعال؟ ~~بالنسبة للخير لا إشكال هناك، فالإنسان خير بطبيعته، ~~والخير في الفطرة، والحسن في الطبيعة. ولكن ماذا يكون ~~الحال بالنسبة للشر؟ هل القبح صفة موضوعية في الشيء ~~والفعل أم مجرد وجهة نظر أي إنها معرفة وليست وجودا؟ ألا ~~يؤدي ذلك إلى إثبات ms237 الشر الكوني على ما هو معروف في ~~الديانات الشرقية القديمة وعند الفلاسفة أنصار النظرية ~~الكونية؟ إن القبح ليس في الوجود بل في الأفعال التي تتحقق ~~وتصبح أوضاعا اجتماعية. ولما كانت الأفعال حرة فالأوضاع ~~الاجتماعية تتغير طبقا لها. فإن وقع القبح في الوجود من ~~الأفعال فإنه يكون قبحا طارئا متغيرا سرعان ما يأتي ~~الحسن مكانه بالفعل الحر؛ فالحسن أقرب إلى طبائع الأشياء ~~وتكوين الفطرة. والحرية أقرب إلى الممارسة اليومية من ~~القهر والغلبة. فلا خطورة إذن من إثبات الصفات الموضوعية ~~للأفعال من إثبات الوجود الموضوعي للقبح؛ فالقبح عرض ~~والحسن جوهر. واحتمال وجود القبح تحد لحرية الإنسان ~~ودافع على ممارستها. # | رابعا: العقل والنقل # لما ثبت وجود الصفات الموضوعية للأفعال تحول السؤال من ~~الموضوع إلى المعرفة وأصبح: كيف يمكن إدراك هذه الصفات بالعقل ~~أم بالنقل؟ وكان الاختيار واضحا. فكل إنكار للصفات الموضوعية ~~يجعل طريق إدراكها النقل لأنه لا يوجد شيء يمكن إدراكه بالعقل. ~~فالموضوع والمعرفة كلاهما يأتيان من الخارج؛ من الإرادة ~~المشخصة للآمر الناهي. وكل إثبات للصفات الموضوعية يجعل طريق ~~إدراكها العقل لأنه قادر على التعامل مع الموضوعات المستقلة. ~~والطريق إلى معرفة صفات الفعل إنما يتحدد فقط في المعاني ~~الثالث للحسن والقبح، أي تعلق المدح والثواب بالفعل إن عاجلا ~~أو آجلا ألزم الثواب والعقاب لأن المعنى الأول وهو الملاءمة ~~والمنافرة للغرض يدركه الحس، والمعنى الثاني وهو الكمال والنقص ~~يدركه العقل سواء ورد بهما الشرع أم لا. # 1 ~~(1) هل يمكن هدم العقل؟ # إن اعتبار النقل أساسا لإدراك الحسن والقبح هو في ~~الحقيقة هدم للعقل؛ لأنه في هذه الحالة لا وظيفة له في ~~الإدراك ولا موضوع له للإدراك. فما دامت الصفات ليست ~~ثابتة في الأفعال، فبطبيعة الحال يخبر الشرع بها في النقل ~~وتقتصر وظيفة العقل حينئذ على فهم النقل ليدرك بدوره حسن ~~الأفعال وقبحها، # 2 # وهذا في حد ذاته هدم لنظرية العلم التي يقوم ~~عليها علم أصول الدين والتي تجعل العقل إحدى وسائل العلم ~~وأن شرطه النظر، وأن الحجة العقلية تظل ظنية ولا تتحول إلى ~~يقينية ms238 إلا بحجة عقلية ولو واحدة. # 3 # إن تفاوت الناس في استخدام العقول لا يعني ~~طعنا فيها، بل يعني وجود فروق فردية بينها. وتظل بداهة ~~العقل واحدة في جميع البشر، ولكن تختلف درجات تغليفها ~~الاجتماعي. الاستعداد الطبيعي واحد ولكن فروق النشأة ~~والتربية ونظم الحكم ومقدار المجتمع في التخلف والتقدم كل ~~ذلك يحدث تفاوتا في استخدام العقول. وهذا لا يعني أن ~~الله هو الذي جعل العقول متفاوتة وإلا كان ظلما وجورا. # 4 # إن حقائق العقل بالرغم من كونها عادات الناس ~~إلا أنها تظل حقائق للعقل، ووجودها في مجرى العادات لا ~~ينفي كونها حقائق عقلية. # 5 # ولماذا التشكيك في الحقائق البشرية والقيم ~~العامة؟ ولماذا لا يكون القبح في قتل الناس وأخذ أموالهم ~~وأذاهم وقتل المرء لنفسه وإباحة حرمات الناس؟ لماذا تصور ~~الله وكأنه يقف لهذه الحقائق بالمرصاد، يهدمها ويقلبها ~~ويغيرها وكأن الشريعة عبث وتناقض لا تهدف إلى رعاية مصالح ~~الناس والدفاع عن الحرمات والأخذ بحقوق المظلومين؟ ولماذا ~~يتصور الله وكأنه ضد الحياة وعقل الإنسان؟ ولماذا تصور ~~الشرائع لا معقولة؟ المقتول في سبيل الله يضحي بنفسه في ~~سبيل قيمة أعظم، حياة الجماعة وبقاء الأمة، حرصا على ~~الحياة. والختان قوة جنسية. والركوع رياضة بدنية. ولماذا ~~ندرس في مدارسنا إذن حكمة الصيام والصلاة والصوم؟ والإحرام ~~رفض لمظاهر المدنية في اللباس وعود إلى الإنسان الطبيعي. ~~فالإنسان بدن وروح وليس حلة وثيابا وزينة. # 6 # إن القضاء على إدراك العقل هو قضاء على الحكمة ~~من الشريعة وقضاء على التعليل وهو أساس الشرع في الجمع بين ~~المتماثلات والفرق بين المختلفات. إن هدم العقل هدم ~~للشريعة؛ فالشريعة تقوم على العقل. ويؤدي هدم العقل ~~والشريعة إلى الوقوع في التماثل بين الإنسان والله. فإذا ~~قال الله اعبدوني واسجدوا لي فإن الإنسان لا يقول ذلك عن ~~نفسه، وبالتالي يؤدي هدم العقل والشريعة إلى تمثيل الله ~~بالإنسان، في حين أن إثبات العقل وحكمة الشريعة يؤدي إلى ~~تنزيه الله. # 7 # الكفر قبح لأنه إنكار للمبادئ ولحقائق العقول ~~وليس لأن الله حرمه. وإباحة الكفر تقية حفاظ على ms239 الحياة ~~وليس هدما للحقائق. # 8 # وكيف تستوي الحقائق بالنسبة إلى الله؟ وكيف لا ~~تكون أفعاله مرجحة بالنسبة إلى الإنسان لصالحه؟ إن كلامه ~~معلل بالهدى والصلاح؛ ولذلك أرسل الأنبياء. وإن أسوأ ~~أنواع الأفعال الحرة هي حرية استواء الطرفين التي يستحيل ~~فيها الفعل من الأساس. وإن هدم العقل في إدراك الحسن ~~والقبح هو عود إلى الإرادة والعلم والمسبق وبها ينتفي ~~الفعل الحر أساسا وليس العقل وحده. وإن جعل العقل تابعا ~~للإرادة الإلهية، أي للرضا والسخط هو جعله عقلا تابعا ~~لشيء آخر سواه، وبالتالي يفقد قدرته على الإدراك ويتحول ~~إلى عقل مبرر تابعا لإرادة الآمر والناهي. بل ويظل ~~العقل حائرا تبعا لتقلبات الإرادة وتغيراتها؛ وبالتالي ~~يفقد ثباته واتزانه. وهل غاية الأمر والنهي الإدراك أم ~~التنفيذ؟ هل غايتهما نظرية أم عملية؟ إن الأمر والنهي لا ~~يمكنهما أن يعطيا حسنا أو قبحا بل يعطيان فقط توجيهات ~~عملية للسلوك. وإذا ما تم السلوك تنفيذا للأوامر والنواهي ~~بلا عقل مدرك للحسن والقبح، فإن ذلك يحيل الإنسان إلى مجرد ~~آلة للتنفيذ أو متفرج يفعل به ما يشاء وهو طيع مطيع. ~~لا يعترض لأنه لا يفهم، ويكون جوهر الإيمان في هذه الحالة ~~الطاعة العمياء وليس العقل المستنير. وهل يتحدد الحسن ~~والقبح بالثواب والعقاب المترتبين على طاعة الأوامر ~~واجتناب النواهي؟ إن الجزاء والعقاب بعديان لاحقان بالفعل ~~بعد أن يتم. وما فائدة أن يعرف الإنسان الحسن والقبح في ~~الأفعال بعد أن تتم وينال الثواب على الطاعة والعقاب على ~~المعصية؟ ولماذا هذا الصراع بين الله والعقل وتحديد أيهما ~~حاكم وأيهما محكوم عليه؟ ولا يقال إن العقل قد حكم أن الله ~~هو الحاكم؛ فالعقل لا يهدم نفسه، ولا يرضى بسلطان سواه. ~~وهذا نوع من لوي الحقائق وقولها إلى المنتصف والتشدق ~~بالدفاع على العقل والرضا بحكمه، فلو كان العقل هو الحكم ~~فهو الحكم بأنه هو الحاكم ولا حاكم سواه. # 9 # إن خلق الله ~~للعقل مسلم ومعترف ~~به، ولكن ذلك لا يعني أنه لا وظيفة له ولا حكم، وأن العقل ~~بمجرد خلقه لا يدين بالولاء ms240 إلا لنفسه، ولا يظل أسير خلقه ~~حتى تمحى وظيفته؛ لذلك يشكر المنعم، ويصبح شكر المنعم ~~واجبا وكأن الله قد خلق العقل ليعيره به أو ليقضي على ~~استقلاله؛ فيصبح نقصه دليلا على كمال الله وتبعيته دليلا ~~على استقلال الله، وكأن خلق العقل كان مجرد ذريعة للقضاء ~~على حكمه. # 10 # إن ضبط الوقائع بقانون عقلي خير من ضبطها ~~بإرادة مشخصة، فقانون العقل ثابت في حين أن الإرادة ~~متغيرة. صحيح أن الإرادة ضد الهوى والانفعال ولكنها أيضا ~~رضا وسخط وهي أمور متغيرة ومتقلبة. وإن كانت ثابتة فحكمها ~~حكم العقل ويكون العقل بها أولى. لا شك أننا لو شئنا ~~المزايدة في الإيمان والدفاع عن الله وهدم العقل وتدمير ~~الإنسان لقلنا إن الله حاكم على العقل وهو المحكوم. الله ~~هو الخالق له، وهو المالك لكل شيء، وهو الحاكم على كل شيء. ~~وأين مكان الخطر؟ وأي موقف نوجد فيه نحن؟ هل الله في خطر ~~أم أن العقل في خطر؟ هل ندافع عن حاكمية الله أم حاكمية ~~العقل؟ هل نحن المدافعون عن الله أم نحن بشر ندافع عن حقوق ~~البشر؟ قد لا يملك الإنسان أمام المزايدة إلا الصمت خوفا ~~من قهر العامة وثقل التاريخ وسطوة الحكام. ومع ذلك فالدفاع ~~عن حكم العقل هي مهمة الجيل دفاعا عن حقوق الناس وأعمالا لعقولهم. # 11 # وهل هي ~~قضية سلطة من الحاكم؟ وهل صورة الحاكم باستمرار هي صورة ~~الحاكم المطلق الذي يفعل ما يشاء، ما حسنه حسن وما ~~قبحه قبيح؟ وإن لم يفعل فهل ذلك يكون أحد مظاهر نقصه ~~وطعن في كماله ونيل من سلطانه؟ # 12 # وهل هذه هي صورة الله أم صورة الدكتاتور؟ صورة ~~الله أم صورة الطاغية؟ وما أسهل أن يأتي الحاكم بعد ذلك ~~ويأخذ مكان الله في قلوب العامة فيحسن ويقبح، ويصبح ~~العقل خاضعا له وتابعا لإرادته، ويصبح الحسن تابعا ~~لرضاه والقبح تابعا لسخطه. ولا معقب على إرادته ولا ~~مراجعة عليها من أحد. يفعل ما يشاء، يسالم من يشاء ويحارب ~~من يشاء، يصالح من يشاء ويعادي من يشاء، ms241 وليس في العالم ~~سواه، وليس في الوجود إلاه. ~~(1-1) هل يمكن إنكار العقل قبل النبوة؟ # وقد بلغ هدم العقل إلى حد إنكار وظيفته كلية قبل ~~النبوة وكأن الإنسانية كانت قبلها أحط من الحيوان لم ~~تعرف إلى العقل سبيلا. وصحيح أن الإنسانية قد تطورت ~~وبلغت استقلالها واكتمل وعيها بانتهاء النبوة، ومع ذلك ~~فطليعة الإنسانية الممثلة في فلاسفتها ومفكريها ~~وحكمائها قادرون على التوصل إلى الحقائق البشرية ~~العامة. فقد امتنع قابيل عن قتل أخيه هابيل حتى لا ~~يبوء بإثمه، لأن تحريم قتل النفس حقيقة إنسانية ~~عامة. قد يقال لقد عرفت الإنسانية النبوة من آدم، ~~فآدم إنسان ونبي؛ وبالتالي لا توجد فترة زمنية استقل ~~فيها العقل بنفسه. العقل والوحي متزامنان. ولا توجد ~~إنسانية قبل آدم كان العقل فيها بمفرده. وبالتالي يكون ~~الحديث فقط قبل بعثة محمد وقبل ختام النبوة وقبل ظهور ~~الإسلام أي في المراحل السابقة على الوحي التي لم يكن ~~العقل قد اكتمل فيها بعد. فإثارة السؤال الآن والعقل ~~قد اكتمل، والإنسانية قد استقلت لا معنى له، سؤال ~~نظري خالص، وافتراض صرف، ورجوع إلى الوراء، وإسقاط ~~من الحاضر في الماضي، من مرحلة كمال العقل إلى مرحلة ~~نقصانه كعقل جمعي عام، وتوهم فترة قد انقضت ولم تعد ~~موجودة بالفعل. والإنسانية لا ترجع إلى الوراء، ولا ~~يمكن إسقاط الحاضر على الماضي أو التفكير بشعور مستقل ~~في مرحلة سابقة عليه. ولا يكون القصد من ذلك إلا ضياع ~~استقلال الوعي الحالي والإيهام بأننا في مرحلة سابقة؛ ~~فيطغى الماضي على الحاضر، ويضيع التقدم، ويسقط التاريخ ~~من الحساب، ويضيع نضال الإنسانية في سبيل تقدمها ~~واكتمالها هباء. # فالعقل قادر قبل البعثة على أن يدرك الفائدة في ~~الحال وفي المآل، وأن يدرك أن الأفعال تحاسب وتجازى، ~~تثاب وتعاقب، وقد كانت قوانين الجزاء معروفة في تاريخ ~~البشرية قبل ورود الشرع، وأن التكليف لا يبدأ إلا ~~بوجود الشرع، وكأن الإنسان عاجز عن التمييز بين الخير ~~والشر، وبين الصواب والخطأ اعتمادا على العقل وحده ~~قبل ورود الشرع. # 13 # إن الحقائق الأخلاقية مثل الحسن والقبح ms242 ~~مثل الحقائق الرياضية يقدر العقل على الوصول إليها دون ~~تعليم أو شرع أو نبوة أو اكتساب؛ فهي أقرب إلى الحقائق ~~الفطرية. إن إنكار الحسن والقبح العقليين إنكار ~~لاستقلال القوانين الخلقية وهدم لموضوعية القيم. # 14 # ولا يمكن أن يثبت الحسن والقبح بالشرع لأن ~~الشرع لا يثبت إلا بالعقل، وبالتالي يقع الفكر في الدور. # 15 # فالعقل أساس الشرع، والقدح في العقل قدح ~~في الشرع بإجماع علماء الأصول وجمهور الأمة. ولو كان ~~الحسن والقبح من الله لحسن منه الكذب وذلك إبطال ~~للنبوات. ولا يمكن أن تكفي المعجزة في إثبات صدق النبي ~~لإمكانية صدورها على يد كاذب، هذا إذا كانت المعجزة، ~~وهي الدليل الخاص، دليلا على صدق النبوة أصلا. # 16 # وكيف يجوز في الشرع الزيادة والنقصان ~~وكأنه لا أساس له من عقل أو واقع؟ إن مرحلة التجريب قد ~~انتهت أثناء الوحي عن طريق النسخ. واستقر الشرع ~~واستتب وتأسس في العقل وفي الطبيعة. وكيف يبلغ ~~التغيير والتبديل درجة قلب الحق باطلا والباطل حقا، ~~وقلب الحلال حراما والحرام حلالا بمجرد تغيير إرادة ~~الشارع؟ ذلك بالضبط ما يحدث في مجتمعاتنا الحالية ~~عندما تسن القوانين وتبدل بإرادة الشارع دون أن ~~تؤسس في العقل أو في الطبيعة ودون ابتغاء مصلحة أو ~~اتقاء مفسدة. فإذا ما اكتمل الشرع بعد أن يتحقق في ~~الواقع أصبح تعبيرا عن العقل والطبيعة، وثابتا بثباتهما. # 17 # قد يكون العقاب وحده هو الذي يرد به الشرع ~~أي جزاء الفعل القبيح ، أما الثواب على الفعل الحسن ~~فلا يحتاج إلى ورود الشرع، ويمكن معرفته بالعقل قبل ~~ورود الشرع؛ فالعقل لا يقر بالعقل على الفعل القبيح ~~وكأن العقاب كالثواب ينشأ من طبيعة الفعل. الثواب على ~~الحسن بالطبيعة والعقاب على القبح بالشرع. # 18 # ولماذا يكون إثبات الشرع وحاجة الإنسان إلى النبوة ~~على حساب العقل وابتداء من حدوده؟ إن اختلاف قوى ~~الإنسان، الذاكرة والتخيل والتفكر بين الشدة والضعف ~~لا تعني حاجته إلى من يقويها، فإنها من سمات ~~الإنسان. وقد تكون على هذا النحو أحد مظاهر قوته ~~وأعمال حريته. كما أن تفاوت ms243 الناس في إدراك النافع ~~والضار أو الحسن والقبيح ليس ذريعة لفرض الوصايا عليه ~~وإعلان قصور العقول، بل يمكن تجاوزها بتعاون البشر ~~والخبرات المشتركة وتبادل المعارف والعلوم، والنصيحة ~~المشتركة والتنبيه والتذكير، وفي الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وهو أحد مظاهر ممارسات الحرية. ~~ولماذا الشعور بالدونية أمام قوة أخرى أسمى وأعظم ~~عقلا وإرادة مع أن الإنسان سيد الكون وأعظم من ~~الجبال والمحيطات والأنهار؛ لأنه قادر على تسخيرها ~~لصالحه، ولديه عقل قادر به على معرفة أسرار الكون ~~وإدراك قوانين الطبيعة، وهو الوحيد الكائن الحر الذي ~~قبل تأدية الأمانة وتحقيق الرسالة؟ # 19 # لماذا الإعلان عن قصور العقل وبيان حدوده ~~والأكرم للإنسان بيان قواه وإمكانياته اللامحدودة؟ ~~لماذا الإعلان عن أن الإنسان في حاجة إلى هاد يهديه، ~~ومرشد يرشده؟ لم هذا الإحساس بالتقصير والقصور وأن ~~الإنسان في حاجة إلى وصي وهو النبي؟ ولماذا تثبت ~~النبوة على أنقاض العقل؟ إن إرجاع الحسن والقبح إلى ~~الذات العاقل ثم إيقاعه في نسبية الأهواء والانفعالات ~~وتفاوت الأمزجة والطبائع واختلاف الظروف والمواقف كل ~~ذلك يفضي إلى إلغاء العقل والإغراق في الإشراق أو يؤدي ~~في النهاية إلى هدم العقل لإفساح المجال للنبوة وكأن ~~النبوة مكملة للعقل إن لم تكن مضادة له. وذلك في ~~الحقيقة تدمير للعقل من أجل إفساح المجال للنبوة؛ ~~فالغاية البداية بالعقل لهدمه، وإثبات الحسن والقبح ~~لإثبات النبوة، العقل مجرد وسيلة وليس غاية، بداية ~~وليس نهاية، مقدمة وليس نتيجة، وهو أقرب إلى النفاق ~~منه إلى العلم ، وتضحية بالعدل أيضا من أجل التوحيد ~~بطريقة أذكى من الجبر الذي لا يعترف بشيء أصلا لا في ~~التوحيد فينكر الحرية ولا في العدل فينكر الحسن والقبح العقليين. # 20 # والعجيب أن يتم ذلك في كبرى الحركات ~~الإصلاحية التي قالت بالحسن والقبح العقليين إلى ~~منتصف الطريق، أشعرية في التوحيد اعتزالية في العدل، ~~خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، دعوة عملية على ~~دعوة نظرية غير مطابقة؛ لذلك كبا الإصلاح. # 21 # إن وجود موضوعات قد تتجاوز حدود العقل، ولا يتناولها ~~العقل، لا يطعن في العقل وقدرته على إدراك ms244 الحسن ~~والقبح في الأفعال. فهما في الأفعال وليسا في ~~المعتقدات، في السلوك وليسا في النظريات، في الحسيات ~~وليسا في المجردات، في هذه الدنيا وليس في العالم ~~الآخر. ولماذا تكون العبادات مثل النظريات والعقائد ~~والأخرويات خارجة عن حدود العقل؟ إذ لا يوجد في ~~العبادات شيء لا يعرف وجه الفائدة فيه مثل أعداد ~~الركعات ومناسك الحج. العبادات الإسلامية كلها مفهومة ~~ومعروفة دلالاتها والحكمة منها حتى دروس الدين الأولية ~~مثل النظافة والرياضة والإحساس بالفقراء ووحدة الأمة ... ~~الخ. الشرع قائم على العقل. وليس الشرع هو مظاهره ~~الخارجية، بل هو قوانينه وأهدافه من مقاصد إلى آخر ما ~~هو معروف في علم أصول الفقه في مقاصد الشريعة وإلا ~~استحال الاستدلال. ولماذا إرجاع الإسلام إلى المراحل ~~السابقة للوحي وقياس العبادات على بعض الاحتفالات في ~~الديانة الموسوية وضروب التوسل والزهادة في الديانة ~~العيسوية «لإثبات أنه» لا يمكن للعقل البشري أن ~~يستقل بمعرفة وجه الفائدة فيه؟ قد تكون المراحل ~~السابقة لتطور الشرع في التاريخ أقل عقلانية من الشرع ~~في آخر مراحله بعد اكتماله. ولماذا تكون الجهود ~~الإنسانية الخالصة في الإبداع والخلق مفسدة سواء قبل ~~الوحي أو بعده؟ فالوثنية لها مآثرها كما أن لها ~~نقائصها. فلماذا تفسد الوثنية العقول وتنحرف بها عن ~~مسالك السعادة وقد كان فيها كبار المصلحين وقادة الفكر ~~الإنساني؟ وهل الدهري الذي لا يؤمن بالشرائع أو الذي ~~لم تصله الشرائع لا يعلم الحسن والقبح وأنه لا يقدر ~~على اجتناب الرذائل وممارسة الفضائل؟ هل كان البشر ~~كالحيوانات والبهائم قبل الشرع؟ إن كامل العقل قادر ~~على معرفة الحسن والقبح في الأفعال قبل ورود الشرع، ~~فالوعي الفردي مستقل عن الوعي الاجتماعي، وإلا فكيف ~~يظهر الأنبياء دعاة ومصلحين في أقوامهم؟ # 22 # ولماذا يتم إنكار الحقائق العقلية العامة ~~وبداهاتها باسم الله وإمكانية تدميره لها والقضاء ~~عليها؟ ولماذا تنكر ضرورات العقل وهو أساس نظرية ~~العلم، وكأن الله واقف لها بالمرصاد يرى في شمول ~~الحقائق وعمومها تهديدا له؟ # 23 # لماذا إنكار الحقائق مثل عدم جواز تكليف ~~ما لا يطاق، استحقاق الذم والمدح، والثواب والعقاب ms245 ~~على الطاعة والمعصية؟ ولماذا لا يكون القبح محظورا ~~على الإطلاق في العقل مثل كفر النعمة؟ أليس الكذب ~~والظلم والكفر قبحا؟ وماذا يستفيد الله من قولنا إنه ~~هو المنعم وهو المقبح للكفر والظلم وإن العقل لا ~~يقبح شيئا وإنه هو الحاكم بأحكام العقل؟ وما أسهل ~~أن يأتي الحاكم فيما بعد ويزحزح الله أو يأخذ مكانه ~~ويجعل نفسه هو المحسن والمقبح للأفعال. ولا يؤدي القول ~~بالحسن والقبح العقليين إلى الشرك؛ الشرك بين العقل ~~والله، فالله لا يجعل أحد مخلوقاته، وهو العقل، شريكا ~~له. إن الله نفسه قد عرف بالعقل، وهدم العقل هدم لأساس ~~معرفتنا بالله. وكيف لا يحسن العقل شيئا ولا يقبح ~~شيئا؟ وكيف تنفي الحقائق وكأن الله قد أدى إلى هدم ~~الحقائق وأوقع البشرية في اللاإرادية والشك وإبطال ~~الحقائق، وهو ما نفاه علم أصول الدين من قبل في نظرية ~~العلم، وهل الله سوفسطائي؟ # 24 # وهل يستعلي الله ويثبت قوته بتدمير أحد ~~مخلوقاته - وهو جزء منها وهو العقل - وذلك بأن يصبح ~~الله حاكما على العقل وينفي حكم العقل على نفسه وعلى ~~الأشياء وعلى الأفعال؟ لماذا هدم الحقائق الإنسانية ~~العامة والتشكيك في القيم وإبعاد الظروف الاجتماعية ~~وكأن الله لا يعترف بحق ولا يسلم بقيمة، يفعل الظلم، ~~وتقوم شرائعه على التناقض والعبث؟ إن إنكار العقل هو ~~هدم للمصالح وجلب للمفاسد وقضاء على التعليل وهو أساس ~~التشريع، وبالتالي جعل المتكلم الأشعري الله عاملا ضد ~~نفسه، وهادما شريعته بيده، وقاضيا على العقل بحكمته. # 25 ~~(1-2) هل يمكن تحديد العقل قبل السمع؟ # ويمكن إعطاء العقل دورا محدودا قبل السمع كأحد ~~الحلول المتوسطة بين هدم العقل كلية قبل السمع وبين ~~جعل العقل مستقلا بذاته مدركا قبل السمع ودون ما ~~حاجة إليه. # 26 # فقد يكون العقل قادرا على إدراك المعارف ~~العقلية وحدها دون الشرعية. فقد تكون المدركات العقلية ~~مثل حسن العلم والإيمان وقبح الجهل والكفر سواء بديهية ~~أو نظرية، وقد تكون سمعية مثل حسن الإثبات بالطاعات ~~وقبح ارتكاب المنهيات. # 27 # وإذا كانت القبائح العقلية تعرف ضرورة أو ~~استدلالا، فإن ms246 القبائح الشرعية قد لا تعرف ضرورة على ~~الإطلاق، بل تعرف استدلالا لأنه لا مدخل فيها للضرورة ~~إلا إذا ارتدت إلى الأصول. أما القبائح العقلية ~~مثل الظلم والكذب فهي ضرورية. قد تعلم القبائح الشرعية ~~على الجملة وعلى التفصيل بالاستدلال. تعرف القبائح ~~العقلية ضرورة والشرعية استدلالا. # 28 # والحقيقة أن الفصل بين الأفعال العقلية ~~والأفعال الشرعية فصل لا مبرر له؛ الأفعال وحدة حية في ~~الشعور وقائمة على العقل وهادفة إلى غاية. ويمكن معرفة ~~جنس الأفعال الشرعية عقلا إما من الناحية البدنية ~~أو الشعورية أو الاجتماعية. ولا يهم أن يكون ذلك عن ~~ضرورة أو استدلال، فكلاهما طريقان للمعرفة. وإذا كانت ~~العلوم الشرعية جزءا من العلوم النظرية الاستدلالية، ~~فكيف يحدث أن بعض الموضوعات تعلم بالعقل والأخرى ~~بالشرع؟ ولو جاوزت بعض الموضوعات العقل لانهدم العقل ~~وانهدمت العلوم النظرية. وكيف تعلم العلوم النظرية ~~بالعقل والأمور العملية بالشرع في حين أن الموضوعات ~~العقائدية أصعب فهما من الموضوعات العملية؟ وإذا كانت ~~غاية الوحي هي تعقيل السلوك وتنظير حياة الإنسان، فكيف ~~يتم ذلك في الأمور النظرية دون الأمور العملية؟ وهل ~~العقائد أكثر استعدادا للتنظير من الشرائع؟ # ويمكن للعقل أن يصل إلى حقائق الشرع دون الاعتماد في ~~ذلك على النقل، وإلا فلا مكان لإثبات وجود الصانع ~~وصفاته عقلا بشرط المطابقة مع النقل وإلا كانت ~~كتأملات الفلاسفة التي يعتمد فيها على العقل الخالص ~~دون شرط المطابقة. والمطابقة هنا خارجية صرفة مع شيء ~~آخر غير العقل، وكأن العقل لا يتطابق مع ذاته في نظرية ~~الاتساق مع الواقع وهو المعنى الشائع للمطابقة. # وقد يأتي حل متوسط بأن تحصل المعارف بالعقل ولكنها ~~لا تجب إلا بالشرع. # 29 # ومناط التحقيق هو المعرفة لا الوجوب. ~~وسؤال الوجوب تال على المعرفة. فإما تجب عقلا أو ~~تجب شرعا. والقول بأن الله هو الذي حسن وقبح في ~~عقول بني آدم هو مسك للعصا من المنتصف، لا يرضي العقل ~~ولا الشرع. # 30 # إذ لا حاجة لله لأن يحسن ويقبح من خلال ~~العقول؛ فهو قادر على التحسين والتقبيح من خلال ~~الأوامر والنواهي ms247 مباشرة ما دام على الإنسان وجوب ~~الطاعة واجتناب المعصية. وهو أيضا هدم للعقل وكأن ~~العقل غير قادر على أن يحسن ويقبح بنفسه، وكأن العقل ~~مجرد انفعال دون فعل، مستقبل دون أن يكون مرسلا، ~~مفعول دون أن يكون فاعلا، وكأنه مجرد ذريعة للغير، ~~مظهر للعقل وليس حقيقة. ومع ذلك لا يرضى عن ذلك دعاة ~~هدم العقل، وينسب القول إلى دعاة إثبات العقول وكأن ~~الوسط يكون باستمرار أقرب إلى أحد الطرفين. وما القول ~~فيمن لم يشعر بذلك بعقله فيقبح ما يحسنه العقل ويحسن ~~ما يقبحه العقل ما دام الأمر ليس منه وليس من حكم ~~العقل؟ أين تكون إرادة الله؟ ألا يعتبر ذلك طعنا في ~~إرادة الله وتشكيكا في مرادها؟ وما القول في ضعاف ~~العقول؟ وكيف تعمل إرادة الله في العقول؟ وكيف تعمل ~~إرادة الله في العقول الضعيفة؟ ولماذا لم تقو عليها ~~فتصححها إذا ما اعتذر الإنسان بضعف العقل؟ وقد تكون ~~الحكمة هي طريق الوجوب التي تجمع بين العقل والله. ~~ولما كانت الحكمة تعبيرا عن العقل يكون العقل طريق ~~الجمع بين نفسه وبين الله، ويكون هو المقياس وهو أحد ~~الطرفين في نفس الوقت ينال الثلثين والله الثلث. # 31 # وقد تأتي حلول وسط أخرى عن طريق إيجاد وظيفة أخرى ~~للشرع غير وظيفة العقل، فلا تتنازع الاختصاصات، ويبقى ~~تقسيم العمل بينهما. وعلى هذا النحو قد تكون مهمة ~~الشرع الإخبار لا الإثبات، والإعلام لا التقنين. # 32 # وقد يقتصر دور الله على فعل الأسماء لا ~~الأشياء. فالله له اللفظ، والإنسان له الشيء، والمعنى ~~مناصفة بينهما. ولكن تظل الأشياء لب الألفاظ وجوهرها. # 33 ~~(2) إثبات العقل # ولا يحتاج العقل إلى إثبات؛ فهو بديهية لا ينكرها أحد ~~حتى ألد أعداء العقل. معرفة الحسن والقبح إذن معرفة ~~بديهية عقلية وليست مجرد ظن أو اعتقاد، مثل المعارف ~~الرياضية، فالاثنان أكثر من الواحد قضية صحيحة مثل أن ~~الظلم قبيح. وسواء كانت معرفة الحسن والقبح بديهية أو ~~نظرية، ضرورية أو استدلالية، فطرية أو مكتسبة، فكلاهما ~~معرفة عقلية بديهية أو تستند إلى بديهية يجتمع عليهما ms248 كل ~~العقلاء اضطرارا. وكلاهما معنى، ولا فرق بين غياب المعنى ~~ووجود اللامعنى أو وجود معنى غير معقول؛ إذ إن إثبات ~~معنى بلا موقف وقوع في التجريد ونسيان للإنسان. # 34 # والحجج لإثبات الحسن والقبح العقليين كثيرة من طبيعة ~~العقل والمعقول وباتفاق العقلاء على حقائق عامة واحدة لا ~~تختلف من فرد إلى فرد أو من زمان إلى زمان أو من مكان إلى ~~مكان. الحسن معياري لا يتغير من فرد عاقل إلى فرد آخر ~~عاقل. واعتقاد المجبرة حسن القبح لا ينفي قبحه لأنه خطأ في ~~المعرفة. واختلاف القبيح بالنسبة إلى العادات لا يعني عدم ~~وجود القبح المعياري؛ فالمعيار أساس الحكم. # 35 # والحسن الخلقي غير الحسن الجمالي في الفن أو ~~في الطبيعة؛ الحسن الخلقي معياري موضوعي والحسن الجمالي ~~ذوقي نسبي ذاتي. وفرق بين القبح الخلقي والقبح ~~الجمالي. القبح الخلقي موضوعي، قبح معياري يعلم باضطرار ~~عقلاني، في حين أن القبح الجمالي ذاتي يختلف باختلاف حال ~~الفرد وباختلاف أذواق الأفراد سواء كان ذلك في مجال الفن ~~أم في مجال الطبيعة. ولا قبح في الطبيعة إلا من حيث وجود ~~الإنسان فيها؛ فالأكوان والاعتمادات والتآليف ليس فيها ~~قبح، وإنما تقبح لكونها عبثا أو ظلما أو مفسدة. # 36 # إن اختلاف الناس على بداهات العقول لا يقدح في ~~هذه البداهات نفسها، بل يعني عدم إحكام في استخدام العقول ~~أو أن البداهة المتنازع عليها ليست من أوليات العقول، بل ~~ما زالت أهواء أو مصالح أو آراء أو انفعالات أو منازع. # 37 # إن هدم العقل بحجج جدلية لا يقضي على بداهته؛ ~~فالحجة الجدلية القائمة على القسمة العقلية لا تثبت شيئا ~~لعيوب في المنهج الجدلي ذاته، مثل احتمال كون القسمة غير ~~جامعة ولا مانعة أو عدم التوازي بين القسمة العقلية وجوانب ~~الشيء أو استعمال الخصم للمنهج نفسه، كما أن نفي المعارض ~~العقلي لا يعني إثبات الشيء. # 38 # وبالإضافة إلى الحجج الجدلية السابقة دفاعا عن العقل ~~وردا على الاتهامات له، هناك حجتان إيجابيتان رئيسيتان؛ ~~الأولى وجود حقائق عامة يجتمع عليها كل العقلاء وأمور يتفق ms249 ~~عليها كل الناس، ليس فقط بحكم العادة وميل الطباع إلى ~~اللذات ونفورها من الآلام، بل كحقائق بديهية عامة تكشف ~~عن وجود موضوعي للقيم ولأحكام السلوك العامة. لا خلاف بين ~~العقلاء وإن جاز فإنه إنما يرجع إلى قلة العدد أو إلى قبيل ~~الهوى، ولكن الحقائق متفق عليها على عكس السوفسطائيين ~~ومنكري الحقائق. يختار الإنسان الحسن ويترك القبيح لذاتهما ~~بصرف النظر عما ينتج عن ذلك من جلب المنافع ودفع المضار. ~~يعرف ذلك العقلاء والصبيان دون ما حاجة إلى شرع. ويستطيع ~~الخاصة الوصول إلى ذلك إن لم تستطع العامة الوصول إليه. ~~فاتفاق العقلاء على حقائق بديهية يوجب الملاءمة ~~والمنافرة والكمال والنقص، ويدل على بداهة هذه الحقائق ~~وإلا أصبح السلوك الأخلاقي نفعيا أو ذاتيا صرفا وهدم ~~الأساس الموضوعي له. # 39 # والثانية أنه إذا ما تساوى الصدق والكذب ~~كطريقين للوصول إلى هدف، فإن الإنسان إلى الصدق أقرب دون ~~أي فرض من نفع أو كسب أو دفع ضرر؛ نظرا لحسن الصدق وقبح ~~الكذب. وبالرغم من أن هذه الحالة قد تكون افتراضية خالصة، ~~إذ لا يتساوى الحسن والقبح تماما، إلا أن الحسن يكون ~~باستمرار أقرب إلى الباعث الأقوى. بل إنه في حالة غلبة ~~القبح فإنه يمكن للحسن أن يغلب بإرادة أقوى والعود إلى ~~الذات والقدرة على تجاوز الظرف المادي وممارسة الحرية في ~~الموقف من أجل تغييره والإفلات من حصاره وضغطه. وعلى هذا ~~النحو ينقلب الحسن إلى القبح بالعود إلى ممارسة الحرية ~~الأولى التي منها انبثق الحسن والقبح أول مرة. ~~إن إمكانية التمييز بين ~~الحق والباطل، وبين الصدق والكذب يثبت موضوعية القيم ~~واستقلال المعاني وشمولها وإمكان الحكم والاختيار. # 40 # وعند استواء الطرفين ينزع الشعور إلى صفة ~~موضوعية في الشيء يدركها العقل إدراكا حدسيا. لا يعني ~~استواء الطرفين إذن ضياع الصفات الموضوعية في شيء، بل ~~اختيار الإنسان الحر بين الخير والشر. # والعقل قادر على احتواء كل ما يعرض للإنسان من مواقف ~~وسد حاجاته؛ فهو ذات عاقل قادر على التمييز بين ~~الأشياء. لديه قواه مثل التذكر والتخيل والتفكر، يعتمد ~~عليها ms250 في سعادته. قد تشتد فيلتذ الإنسان بالذاكرة أو ~~بالخيال أو بالفكر، وقد تضعف هذه القوى فتؤثر في قدرة ~~الإنسان على الإدراك فيختلف الناس في تمتعهم بها وفي ~~إدراكهم للأشياء. إن إثبات أن حقائق العقل مطلقة وعامة ~~وشاملة لا ينال من الله شيئا؛ فالله هو الإطلاق والشمول، ~~وهو القانون وهو العقل. بل إن هذه الحقائق العقلية العامة ~~الشاملة لأحد مظاهر الوجود الإلهي في الحياة الإنسانية ~~وأحد الأدلة عليه. بل يمكن القول إن صفات الله العامة ~~المطلقة الشاملة هي نفسها هذه الحقائق الإنسانية العامة؛ ~~وبالتالي فإن إنكار الحسن والقبح العقليين إنكار لصفات الله. # 41 # إن الإعلاء من سلطان العقل ليس أثرا خارجيا، بل من ~~طبيعة العقل وحكمة الشرع، وإلا كان كل شيء حسن فينا ~~وافدا من الخارج، وكل شيء سيئ فينا نابع من الداخل. ~~وشتان بين مصادر المعتزلة في العقل ومصادر الدهرية ~~والمنانية والبراهمة. وإن كان هناك اتفاق في العقل ~~فالطبيعة البشرية واحدة والروح الإنسانية واحدة. # 42 ~~(2-1) إثبات العقل قبل السمع # والعقل قادر ~~قبل السمع على الحكم، وقادر على أن يكشف الواجبات ~~العقلية مثل تعلق الأفعال بالمدح والذم والثواب ~~والعقاب، أي قانون الاستحقاق وشكر المنعم. كما يمكن ~~للعقل إدراك صفات الأفعال إدراكا مستقلا عن أي ثواب ~~أو عقاب خارج الأفعال ذاتها وإدراك النتائج المترتبة ~~عليها وأثرها في توجيه الواقع وإعادة بنائه. وقد كانت ~~الأخرويات آخر مكتسبات الفكر الديني كما كان أولها ~~التوحيد كما هو واضح في تطور الوحي وتاريخ النبوة. # 43 # وقد يصل الأمر إلى حد جعل التقصير في ~~المعرفة يستوجب العقوبة وكأن هناك تكليفا عقليا قبل ~~التكليف الشرعي. وإذا كانت صورة العقوبة وشكلها بمعنى ~~التخليد بالنار لا تعرف إلا بالسمع إلا أن الجزاء على ~~الأفعال يعرف بالعقل مثل وجوب الشكر. وقد يكون الجزاء ~~في مرحلة ما قبل السمع نتائج الفعل في الطبيعة وأثره ~~في العالم، أي الجزاء الدنيوي قبل أن يضاف إليه ~~الجزاء الأخروي. وإذا كان شكل المعارف النظرية بعد ~~السمع هو معرفة الله ذاته وصفاته وأفعاله أو الشرائع ~~العملية ms251 وطرقها مثل الصلاة والصوم والحج، فإن المعارف ~~الخلقية والاجتماعية القائمة على المصلحة والمفسدة ~~يمكن إدراكها بالعقل قبل السمع، ما يجب وما لا يجب، ~~الحسن والقبح، وهما أساس الشرائع البدائية. قد تختلف ~~وتتطور طبقا لرقي الوعي الإنساني حتى تتحد بالأحكام ~~الشرعية وتصبح أساسا عقليا وطبيعيا للحلال ~~والحرام، للواجب والمحظور. ومهما تغيرت الأحكام ~~والأشكال والتصورات والقوانين فستظل مقولتا الحسن ~~والقبح قائمتين كمقولتين فطريتين عقليتين ~~طبيعيتين. وإن أمكن عذر الإنسان في عدم معرفة الله ~~المعرفة النظرية المفطورة فإنه لا يعذر إذا ما جهل ~~الله على الإطلاق في أشكاله البدائية الأولى. إن لم ~~يكن العقل قادرا على إدراك المعارف النظرية أو ~~التشريعات العملية، فإنه قادر على إدراك الحقائق ~~الأخلاقية والاجتماعية؛ لذلك لا يهم إذا كان العقل لا ~~يدرك الذات المجرد أو عدد الركعات والسعي بين الصفا ~~والمروة وتحميل العاقلة الدية دون القاتل فهي تشريعات ~~تتدخل فيها العادات والأعراف والتقاليد. أما الحكمة ~~منها فيمكن إدراكها بالعقل قبل السمع وإن تفاوتت ~~الأشكال والرسوم قبل السمع وبعده. # 44 # لم يكن العقل قبل ورود الشرع صفحة بيضاء، بل كان ~~قوة قادرة على التمييز بين الأشياء. وكان غرض الوحي ~~منذ بدايته إلى نهايته كمال العقل. العقل قادر على ~~معرفة الأشياء بلا شرع. والمعرفة ليست غيبا. الشرع ~~مقرر ومثبت لحكم العقل وليس بادئا أو نافيا له. ~~أما أحكام العقل الصادرة عن عاطفة تطهر مثل تحريم ~~إيلام الحيوان، فليست صادرة عن طبيعة العقل بل عن ~~مزايدة في الموقف الإنساني الوجداني، ووقوع في ~~الإنسانية الفارغة ووضع الإنسان على مستوى الطبيعة ~~وليس سيدا لها. لقد تنازع الناس في أمور معقولة قبل ~~ورود الشرع، وانتهوا إلى أحكام عقلية. وإلا فكيف كان ~~يحكم القاضي قبل الشرع بين المتخاصمين؟ وفيم كانت ~~القوانين القديمة؟ ألم يدخل كثير من القوانين القديمة ~~في الشرائع الإلهية إما تمثيلا لعدالتها أو إقرارا ~~للأعراف السائدة؟ # 45 # إن الجدل الذي قام حول القيم قبل ورود ~~الشرع يثبت موضوعيتها. هناك حقائق عقلية عامة يدركها ~~العقل دون ما حاجة الشرع، مثل استحالة الشرك وكل صفات ms252 ~~النقص في الكمال. وإذا كانت المعرفة النظرية الخالصة ~~لا يقدر عليها إلا العقلاء، فإن الصور الفنية إحدى ~~وسائل التعبير عن الأحوال النفسية والظروف الاجتماعية ~~التي تفرض أشكالها من تأليه وتجسيم وتشبيه إذا كان ~~التنزيه أعلى مراحل التجريد والعقلانية في المعارف ~~النظرية الخالصة. # 46 # ولكن المعارف النظرية الخالصة ليست شرطا ~~للمعارف الخلقية العملية؛ تحتاج الأولى إلى عقل خالص، ~~بينما تقوم الثانية على صدق النية وحسن الطوية. # 47 # وإذا كان العقل قادرا على أن يصل إلى كل ~~المعارف والحقائق حتى قبل أن يبلغه السمع، فعليه الحجة ~~ومطالب بالبرهان سواء بلغته الرسالة أم لم تبلغه. إن ~~ما يعلمه العقل اضطرارا لا يفتقر إلى سمع، كالعلم ~~بقبح الظلم وقبح الكفر بالنعمة، ووجوب الإنصاف والشكر. ~~ما دل عليه مدلول من جهة العقل لا يفتقر إلى سمع؛ وإلا ~~لافتقر السمع إلى سمع إلى ما لا نهاية، وبالتالي لن ~~يثبت شيء بالعقل. السمع دليل خارجي في حين أن العقل ~~دليل داخلي. # 48 # المكلف هو العامل، سواء بلغته دعوة الرسل ~~أم لم تبلغه. فالإنسان مطالب بالمعارف العقلية حتى لو ~~عاصر النبوة، ولكن لم تبلغه الدعوة. فهو معذور بجهله ~~بالرسل والشرائع، أما الذي جهل التوحيد والعدل فإنه ~~كافر معاقب وكأن أحكام الإيمان والكفر تصدر على أصول ~~نظرية خالصة وليس على الأفعال المترتبة عليها، ~~الفردية والاجتماعية، وكأن الجزاء الأخروي هو الشكل ~~الوحيد للنتائج المترتبة على الفعل دون أثرها في ~~الدنيا ونتائجها المباشرة في سلوك الناس. # 49 # وقد يصل الأمر إلى حد التبليغ فقط دون ~~البرهان وكأن الإعلان عن النبي كاف لتصديقه. # 50 # وكيف يكون الخبر بديلا عن العقل؟ قد يصدق ~~الخبر ويكذب. كما أنه يعتمد على الفهم والتأويل وتصديق ~~الراوي للخبر مصدر المعرفة، وينتج عنه التكليف ~~بالشرائع بالضرورة، سواء حمل هذا الخبر تشريعا أم لم يحمل. # 51 # والشرع له أسسه الموضوعية بصرف النظر عن ~~الشارع والمبلغ. فعندما تحول الجماعة الشرع إلى دافع ~~تفرز الجماعة من بينها المنظر والقائد، ويكون ~~التنظير والقيادة جماعية. فإن كان التكليف عقلا ~~وشرعا، فإنه في هذه ms253 الحالة لا يستقل العقل ويصبح ~~أيضا مفعولا به وليس فاعلا. فإذا كان الله هو الذي ~~خلق وهو الذي ركب وهو الذي هيأ وأعطى الوسائل وهو ~~الذي ساعد، فماذا يبقى للعقل؟ # 52 # والعجيب أن الصوفية والأشاعرة والفقهاء ~~وكل أعداء العقل يثبتون العقل قبل البعثة ويجعلونه ~~متزامنا مع الخلق، ومع ذلك ينكرون عليه استقلاله في ~~معرفة الحسن والقبح كما ينكرون على الإنسان خلق الأفعال. # 53 # والعقل هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان. ومن لم ~~يعرف بالعقل أصبح كالحيوان خادما للإنسان العاقل لا ~~حرج عليه ولا تثريب، ولا ثواب ولا عقاب في الآخرة! ~~العقل إنساني خالص، ملكة إنسانية وقوة بشرية لا ~~تعطى إلى الحيوان إلا إسقاطا من الإنسان ووهما؛ ~~لذلك فإن الأفعال الحرة وحدها هي التي توصف بالحسن ~~والقبح لا الأفعال الاضطرارية أو أفعال الصبيان ~~والمجانين أو أفعال الحيوان والنبات والجماد. الفعل لا ~~يكون فعلا عاقلا إلا إذا كان فعلا حرا. ولو كان ~~الحيوان حرا فإنه لا يكون مكلفا لأنه غير عاقل، ~~فشرط التكليف الحرية والعقل. # 54 # والعقل هو العقل الكامل القادر على العلم. ~~وعلمه نوعان: علم اضطراري ناشئ من طبيعة العقل ~~وعلم كسبي ناشئ من الحواس والتجربة والمشاهدة. وقد ~~يدخل الخاطر في تحديد كمال العقل، وهو عمل العقل ~~المولد للأفكار، العقل المعبر عن الشعور الخلاق. قد ~~يكون كمال العقل هو الاضطرار إلى علوم الدين؛ لأنها لا ~~تفهم إلا بالعقل. وسلامة العقل دليل البلوغ. لا يهم ~~بعد ذلك تحديد العمر العقلي كما هو الحال عند الفقهاء، ~~سلامة العقل عند الاحتلام أي البلوغ العضوي؛ لذلك لا ~~يصح إسلام الصبي أو كفره لأنه في مرحلة ما قبل البلوغ. ~~كما أن تحديد العقل تحديدا كميا بعدد السنين تحديد ~~خارجي خالص. كمال العقل صفة كيفية لا تحدد إلا ~~كيفا. يكمل العقل باستقلال الشعور ووعيه. وقد يختلف ~~العمر الزمني من فرد إلى فرد، ومن حال إلى حال، ومن ~~جماعة إلى جماعة، ومن عصر إلى عصر. فهو عامل فردي أكثر ~~منه تحديدا موضوعيا بالرغم من وجود عوامل موضوعية ~~تؤهل ms254 للوعي وإن لم تحتم ظهوره مثل التعليم والحوار ~~وممارسة الرأي والمشورة والعمل الجماعي. يكفي للآخرين ~~التحقق من صدقه بالمراجعة والتحقيق، ويمكنهم ~~المعارضة والإثبات؛ منهج العقل إذن منهج عام يمكنه ضم ~~الفكر البشري. # 55 # العقل هو كل شيء؛ الحس والمشاهدة والإدراك ~~والإحساس الداخلي ومشاهدة الوجدان ومجرى العادات ~~واستقراء الحوادث. # 56 # إذا عمل العقل في الطبيعة وحلل ظواهرها ~~فإنه لا بد وأن ينتهي إلى ما جاء به السمع. # 57 # لذلك كانت الأفعال قبل الشرع على الإباحة طبقا ~~للقاعدة الشرعية في أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم ~~يرد نص بتحريمها. # 58 # وكان الناس قبل الشرائع على حكم العقل أي ~~على البراءة الأصلية ومحبة الأشياء الطبيعية. الأفعال ~~قبل اكتمال الوحي على الإباحة إن لم يرد فيها شرع، ~~ولكن بعد اكتمال الوحي تكون الأفعال طبقا لأحكام ~~العقل وقوانين الطبيعة. قبل الوحي كان يمكن للعقل أن ~~تسوده الأهواء والانفعالات وللطبيعة أن تسودها قوة ~~خارجية عنها، ولكن أحكام العقل وقوانين الطبيعة ثابتة ~~منذ اكتمال الوحي. ليس وجوب العقل مساومة على الشرع في ~~أنه لا يجب شيء من قبل العقل في مقابل أنه لا يجب شيء ~~قبل ورود الشرع، وكأن الله يدخل في مساومة مع الإنسان، ~~لا يوجب العقل على الأول شيء ولا يوجب الشرع على ~~الثاني شيء قبل وروده. # 59 # وهنا يبرز سؤال: ماذا كانت ديانات ~~الأنبياء قبل نبواتهم؟ هل كان كل نبي على دين النبي ~~الذي قبله قبل أن تأتيه النبوة الجديدة؟ هل كان على ~~دين إبراهيم؛ الحنيفية السمحة التي أكملها الإسلام؟ هل ~~كان على دين العقل؟ أم هل كان على البراءة الأصلية على ~~الفطرة والطبيعة؟ والحقيقة أن هذا سؤال ليس مجردا، ~~بل ينطبق على كل حالة على حدة. كان أنبياء بني إسرائيل ~~على دين الأنبياء السابقين. ولا تنشأ إلا مشكلة آدم ~~على أي دين كان قبل أن يبلغه الله الرسالة؟ فإذا كان ~~آدم منذ وجوده في الأرض قد تلقى الوحي تكون النبوة ~~معاصرة لوجود الإنسان. أما خاتم الأنبياء فقد كان ~~على دين أبي الأنبياء ms255 إبراهيم، وهو دين العقل والطبيعة والفطرة. # 60 ~~(2-2) إثبات العقل بعد السمع # والحقائق العقلية هي أساس الحقائق الشرعية، وإن ~~إبطال الأولى يرفع الثانية. وموضوعية القيم سابقة على ~~حكم الشرع. وما حكم الشرع إلا تأييد لها وتقوية ~~للبواعث الإنسانية وتحويل لها إلى دوافع للسلوك ومقاصد ~~وأهداف. العقل ضروري لفهم النقل، وإلا نزل النقل على ~~خواء وهبط الوحي إلى فراغ. معرفة صحة السمع متوقفة على ~~العقل. وما تفتقر صحة السمع إليه لا يجوز أن يحتاج فيه ~~إلى سمع لأنه يؤدي إلى الدور؛ وبالتالي إلى إبطال ~~الاثنين. وإن إثبات العلوم الضرورية سمعا تناقض لأن ~~العقل مكتف بذاته ولا يمكن إثباته إلا بالعقل. فلا ~~يمكن معرفة صحة الكتاب والسنة إلا مع العلم بأن الله ~~حكيم لا يفعل القبيح، وذلك لا يعرف إلا عقلا. يمكن ~~معرفة الله إذن بالعقل دون السمع. وهناك الدواعي مع ~~النظر والخواطر؛ لذلك كان النظر أول الواجبات. # 61 # أما المعجزة فهي تصديق لا تصور، والنظر ~~في صدق النبي متوقف على العقل؛ إذ إن العقل شرط صحة ~~السمع، وذلك يوجب كون العقل مستقلا بذاته دون سمع، ~~وليس في حاجة إلى كرم لطف أو بيان مصلحة. لو لم يكن ~~الواجب عقلا لزم إفحام الأنبياء الذين يعتمدون على ~~البرهان والعقل. فصدق النبوة ليس بالمعجزة الخارجية بل ~~بالبراهين الداخلية، كما أن جلب المصالح ودرء المفاسد ~~وهو أساس الشريعة من استنباط العقل. # 62 # بل إن قانون الاستحقاق ذاته الذي تترتب ~~عليه أمور المعاد من وضع العقل. # 63 # إن معرفة النقل قائمة على معرفة العقل ووجوب النظر. ~~وإن إيجاد الأدلة والبراهين لا يعني الاعتماد على ~~العقل، بل هو بحث عن أساس عقلي للنص. وفي الغالب ما ~~يكون أساسا خطابيا انفعاليا تصويريا في حاجة ~~إلى نقد عقلي للنص حتى يتحول إلى برهان محكم. ومثال ~~ذلك دليل الحدوث ودليل التمانع ومعظم الأدلة التي ~~صاغها الأشاعرة. يمكن معرفة القانون العام من الوحي ~~ومن العقل على السواء. ولكن نظرا لأن معرفة الوحي قد ~~تتغير بفعل النسخ؛ فتظل المعرفة العقلية قائمة وثابتة، ms256 ~~فهي الضابط والمحك والمقياس. وإذا ما ورد دليل الشرع ~~في ظاهره مخالفا لدليل العقل فإنه يتم تأويله؛ فالعقل ~~أساس السمع، ولا يجوز وقوع تناقض بينهما. # 64 # إذا تعارض النقل والعقل فإنه يمكن حل هذا ~~التعارض بالتأويل، إما تأويل النصوص بعضها بالبعض أو ~~تأويلها جميعا بحيث تتفق مع العقل على ما هو معروف في ~~علم أصول الفقه في باب «التعارض والتراجيح». # 65 # وإذا ثبت شيء بالسمع فإنه يجوز من جهة ~~العقل؛ فالعقل أساس النقل. وتظل الحجة النقلية ظنية ما ~~لم تؤيدها حجة عقلية ولو واحدة طبقا لنظرية العلم الأولى. # 66 # أما عندما يكون النقل أساس العقل فإن ~~تطابقهما يتم لحساب النقل أو يأتي اليقين من النقل ~~ويفترض تطابق العقل معه، في حين أن النقل لا يعطي ~~اليقين بمفرده. إذا كان النقل أساس العقل فأين بداهات ~~العقول وأولياتها؟ وماذا عن نظرية العلم التي ظهرت ~~فيها أوليات العقل كإحدى ركائزها؟ وكيف يمكن الاستدلال ~~والمحاجة دون أوليات العقول؟ # 67 # وعلى هذا النحو، وطبقا لبناء العقل، يمكن تحديد ~~الصلة بين العقل والسمع في الأفعال. فالواجب بالشرع هو ~~الحسن بالعقل، والمحرم بالشرع هو القبيح بالعقل. ولا ~~يمكن أن يكون الواجب بالشرع قبيحا بالعقل أو أن يكون ~~المحرم بالشرع حسنا بالعقل. أما المباح فإنه يلتقي ~~فيه العقل والشرع معا. وقياسا على ذلك أيضا يمكن ~~إدخال المندوب والمكروه في البناء النظري. ونظرا لأنه ~~لا توجد إلا مقولتا الحسن والقبح ~~المطلقتين، فإنه ~~يمكن ضم الحرية إلى العقل، وبالتالي يتوحد شقا أصل ~~العدل. وفي هذه الحالة يكون المندوب بالشرع حسنا ~~بالعقل اختيارا، ويكون المكروه بالشرع قبيحا بالعقل ~~اختيارا. لا يوجد واجب بالسمع يكون قبيحا في العقل ~~ولا محظور في السمع يكون حسنا في العقل. ولا يكون ~~مندوب في السمع قبيحا في العقل ولا مكروه في السمع ~~حسنا في العقل. ولا يوجد مباح في السمع يكون قبيحا ~~في العقل لأنه في حالة استواء الطرفين في الحسن ~~والقبح يكون الفعل إلى الحسن أقرب. وفي حالة استواء ~~الطرفين في الضرورة والاختيار يكون الفعل ms257 أقرب إلى ~~الطبيعة والبراءة الأصلية. # 68 # وقد أسيء فهم هذا العمل العقلي في النص، واتهم بأنه ~~تأويل، أي إخراج النص من معناه الحقيقي إلى معنى ~~مجازي بلا دليل، في حين أن هذا العمل العقلي في النص ~~عمل طبيعي لإيجاد المعنى وتحويل النص إلى اتساق عقلي ~~ثم توجيهه إلى إحدى وظائفه وهو التأثير على النفوس بعد ~~تحويل المعاني إلى بواعث. وهو ضروري أيضا لإيجاد نسق ~~لأحكام الشرع وتأسيس النقل على العقل حتى يكون الإنسان ~~صاحب موقف عقلاني في العالم وفي نفس الوقت تكون ~~أفعاله تحقيقا طبيعيا وعقلانيا لأحكام الشرع. ~~والتأويل كعمل للعقل لا يكون تقليدا للقدماء ~~واعتمادا على الروايات، بل بناء على العقل الخالص. ~~ولا يخرج عن السنة، بل يوصل مراحلها ويجعلها مستمرة ~~متصلة بلا انقطاع. وليس جرأة على الله، بل اعتزاز ~~بخلقه، فالله ليس إرهابا للعقل وإيحاء له بالقصور ~~وعدم الفهم والعجز حتى يستسلم، وهو مناط الاجتهاد، ~~والاجتهاد أصل الشريعة. وهو ليس تحكيما للهوى بل يقوم ~~على قواعد عقلية محكمة كما هو الحال في قواعد ~~الاجتهاد في علم الأصول. # 69 ~~(2-3) ما هو دور السمع؟ # إن القول بالمعارف العقلية ليس إنكارا للنبوة، أو ~~إقلالا من شأن السمع، أو خروجا على الرسول، أو ~~تحكيما للهوى مكان الوحي، أو قولا بالقياس في مقابل ~~النص أو بالرأي في مقابل الأمر؛ فالعقل هو الموضوعية ~~والنزاهة في مقابل الهوى والتحيز. # 70 # ومن ثم يكون من الخطأ تسمية القائلين ~~بالمعارف العقلية منكري النبوات. فإمكانيات العقل ~~البشري في الإدراك ومعرفة الحقائق لا تنفي وجود السمع ~~كواقع تاريخي وكإمكانية نظرية. # 71 # السمع تأييد للعقل وتقوية ليقينه وزيادة ~~للثقة به. الشرع تأكيد للعقل وتقوية له وإعطاؤه مزيدا ~~من اليقين؛ ومن هنا تأتي نظرية اللطف وقسمة الناس إلى ~~خاصة وعامة. فإن لم يحتج الخاصة إلى السمع نظرا في ~~المعرفة أو عملا في الممارسة الحرية، فقد تحتاجه ~~العامة في إدراكها للحقائق وكتقوية لعزائمها. للسمع ~~إذن وظيفة معرفية نظرية في إعطاء افتراضات سابقة ~~للبرهنة عليها مع يقين مسبق بصحة الافتراض وتوجيه ~~العقل ms258 لصحة البرهان. قد يكون مقياسا إذا ما اختلف ~~العقلاء، وحكما بين الخصوم. قد يكون تأكيدا ~~وتثبيتا لحكم العقل منعا للشك وتأسيسا لليقين في ~~مقابل الخطأ الإنساني والتردد والتقلب بين وجهات ~~النظر. قد يعطي الوصف الكامل ووجهة نظر شاملة متكاملة ~~في مقابل التجزئة ~~الإنسانية والتيه في المتناهيات في الصغر وفقدان ~~النظرة الكلية. قد يساعد السمع على تقصير مدة البحث ~~بالتوجه مباشرة نحو الافتراض الأقرب إلى التحقيق ~~بدلا من تبدل الافتراضات مرات عدة، وقد لا يقع ~~الناظر على الافتراض الصحيح. قد تكون مهمة السمع ~~عملية صرفة؛ توجيه الإنسان إلى العمل وتقصير مدة ~~البحث النظري عن الأسس العامة حتى يخصص باقي الوقت ~~للتفصيل وباقي العمر للتحقيق. ودور السمع تشريعي وإن ~~لم يكن معرفيا، عملي وإن لم يكن نظريا. # 72 # وكما أن السمع محكوم من العقل من أعلى، فإنه أيضا ~~محكوم من الواقع من أسفل. وكما أن النقل مؤسس في العقل ~~فإنه أيضا مؤسس في الواقع؛ ومن ثم تكون صلة ~~التأسيس بين أطراف ثلاثة: النقل والعقل والواقع. كان ~~الوضع التقليدي للمسألة هو العقل والسمع، موضوع ذو ~~شقين. وكان السؤال أيهما الأساس وأيهما المؤسس؟ هل ~~السمع أساس العقل أم هل العقل أساس السمع، وكأن ~~العلاقة هي علاقة أدنى بأعلى وأعلى بأدنى، علاقة تابع ~~بمتبوع أو متبوع بتابع، علاقة مرءوس برئيس أو رئيس ~~بمرءوس، علاقة فرع بأصل أو أصل بفرع، وهي العلاقة ~~الشائعة في علم أصول الدين، بل وفي التراث كله، سواء ~~في الحكمة علاقة الطبيعيات بالإلهيات وعلاقة الإلهيات ~~بالطبيعيات أو في التصوف، علاقة المخلوق بالخالق أو ~~علاقة الخالق بالمخلوق أو في علم أصول الفقه، علاقة ~~الفرع بالأصل وعلاقة الأصل بالفرع كما هو الحال في ~~القياس الفقهي. # والحقيقة أن العلاقة بين السمع والعقل هي علاقة ~~اتحاد كامل أو حتى لا علاقة بالمرة لغياب طرفين ~~متمايزين منفصلين؛ فالعقل هو السمع ، والسمع هو ~~العقل. تحليل العقل يؤدي إلى اكتشاف أوليات السمع، ~~وفهم السمع يؤدي إلى اكتشاف المبادئ الأولية للعقل ~~والحقائق الثابتة في الحياة الإنسانية. العلاقة هي ~~علاقة الحدس ms259 بالبرهان، وكلاهما من عمل العقل، علاقة ~~الافتراض بالقانون وكلاهما من عمل العقل، علاقة النظر ~~بالعمل وكلاهما من عمل الإنسان. # 73 # والحقيقة أيضا أن هناك طرفا ناقصا في هذه العلاقة ~~الثنائية في معادلة العقل والنقل، وهو الواقع محك ~~التفسير والذي إليه يحتكم الطرفان السابقان. فالواقع ~~هو عنصر التوحيد بين النقل والعقل. لا يفسر النقل إلا ~~باللجوء إلى الواقع، فقد خرج النقل منه بدليل تطور ~~الوحي وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ. وفي علم أصول ~~الدين تسبق نظرية الوجود نظرية الذات والصفات ~~والأفعال، أي أن العالم سابق على الله في البحث ~~والتأصيل. وفي علوم الحكمة تسبق الطبيعيات الإلهيات. ~~وفي علم أصول الفقه تقوم الشريعة على تحقيق المقاصد، ~~جلب المنافع ودفع المضار. وفي علوم التصوف يتجلى الحق ~~في الخلق والله في العالم؛ ومن ثم يحضر الواقع في ~~بطن النص وقلبه، ووظيفة العقل إيجاد الوحدة بينهما، ~~الوحدة بين المضمون والشكل، فالواقع هو المادة والنص ~~هو الصورة. # 74 # | خامسا: الواجبات العقلية # لما كان العقل أساس النقل سواء قبل البعثة أو بعدها، تظهر ~~الواجبات العقلية من طبيعة العقل؛ ومن ثم كان الوجوب ~~عقليا وليس عاديا يتم بجريان العادات وبتكرار المجريات. # 1 # فماذا يعني الوجوب؟ إن تحليل اللغة المستعملة في ~~التعبير يكشف مستويين؛ المستوى الإنساني حيث تكون فيه اللغة ~~تعبيرا عن موقف إنساني ثم مستوى إنساني أيضا يقوم على ~~ادعاء أن اللغة تعبر عن موقف غير إنساني، موقف مطلق مشخص. # 2 # ومن ثم فالواجب ليس صفة لوجود مشخص ضروري بل ~~صفة لمعنى إنساني، وجوب القيم وموضوعاتها واستحالة عدمها. ليس ~~الوجود الضروري وجودا صوريا ولا يتحدد بالاستحالة ~~المنطقية ولا وجودا ماديا يتحدد بالاستحالة الطبيعية، بل هو ~~وجوب إنساني يتحدد باستحالة غياب القيمة. الوجوب هو الباعث ~~على الفعل والإحساس بالدعوة وتحقيق الرسالة. الوجوب هو الوجود، ~~والوجود هو الوجوب. # 3 # يطلق الواجب إذن على مستويات أربعة: الأول ~~الواجب الإلهي بمعنى واجب الوجود، وهو افتراض وجود القيمة ~~وجودا موضوعيا ومشخصا تعبيرا عن وجودها الذاتي في ~~الأفعال. الثاني الواجب الطبيعي بمعنى ضرورة الظواهر الطبيعية ms260 ~~وحتمية قوانينها، وهو يقابل الوجوب الأول. قد يتحدان معا ~~في وجوب واحد كما هو الحال في وحدة الوجود أو قدم العالم، ~~وقد ينفصلان في وجودين مستقلين كما هو الحال في نظرية الخلق ~~أو حدوث العالم. والثالث الواجب الإنساني، أي ما يترجح فعله ~~على تركه بناء على جلب المنافع ودفع المضار. وهي ليست الأفعال ~~الطبيعية البدائية مثل شرب العطشان وأكل الجائع، سواء كان ذلك ~~في هذا العالم أم في عالم آخر، بل الأفعال الإرادية القصدية ~~التي تكون نتيجة لممارسة الحرية. والرابع الواجب المنطقي الذي ~~يؤدي وقوعه إلى أمر محال أو انقلاب الشيء إلى ضده. ولما كان ~~الوجوب في الطبيعة ضرورتها وحتمية قوانينها، والوجوب في العقل ~~الضرورة المنطقية، بقي الوجوب بمعنى واجب الوجود، أي الله، ~~والوجوب بمعنى الواجب الأخلاقي في الأفعال. وهما في الحقيقة ~~وجوب واحد ووجود واحد. وليس الإشكال في الوجوب الطبيعي مثل ~~الحجر الساقط أو وجوب الشمس أو الوجوب المنطقي وهو ما يلزم من ~~فرض عدمه المحال، ولكن الإشكال في الوجوب الإلهي والوجوب ~~الإنساني، في وجوب الله ووجوب القيمة، إلى أي حد يتحدان وإلى ~~حد يتمايزان؟ وإن كان من الجائز أن يطلق الوجوب على الإنسان، ~~فهل من الممكن إطلاقه على الله؟ ولما كان الوجوب الإنساني ~~يتحدد بجلب المنافع ودفع المضار، فإنه لا يطلق على الله، ~~فالله لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة عن نفسه. وإن فعل ذلك فإنما ~~يفعله من خلال الشريعة لصالح الإنسان ومن خلال الوجوب ~~الإنساني. فالغاية أساس الوجوب الإلهي أو الإنساني بناء على ~~تحقيق المصالح ودرء المفاسد من خلال تحقيق مقاصد الشريعة التي ~~يتحدد فيها القصد الإلهي والقصد الإنساني، وإن كان الوجوب ~~الإنساني يعني ما يستحق تاركه الذم، فذلك مستحيل في حق الله ~~لأنه المالك والمتصرف. وإذا كان الوجوب يعني ما تركه مخل ~~بالحكمة، فإن ذلك أيضا مستحيل على الله لأن أفعاله كلها حكمة ~~ومصلحة . وإذا كان الوجوب يعني ما قدر الله على نفسه ألا يفعله ~~ولا يتركه وإن كان تركه جائز فإنه أيضا لا يجوز على ms261 الله ~~لامتناع صدور خلافه عنه. # 4 # فالوجوب إذن إنساني محض يتم من خلال الحرية ~~والاختيار ومن خلال الترجيح والمقارنة بين البواعث قوة وغلبة. ~~ليس المطلوب إذن المزايدة في الإيمان والتمحك بالألفاظ وتملق ~~شعور العامة وإيمان البسطاء بأن هناك من يقول: «يجب على الله ~~أن يفعل كذا!» وهو المجنون المأفون! فكيف يجوز أن يحكم العقل ~~أو العاقل على الله أو الخالق؟ وكيف يوجب الله على نفسه بعد أن ~~لم يزل غير موجب وكأنه كان مباحا له أن يعذب؛ فأوجب على نفسه ~~غير ذلك؟ وكيف يكون الله موجبا ذلك على نفسه منذ الأزل وهو ~~قول الدهرية؟ ليس الأمر في صياغة الألفاظ. فما من أحد يرضى أن ~~يقال يجب على الله، بل ولا حتى على الإنسان؛ فالوجوب من العقل ~~ومن الطبيعة، من الحكمة ومن الأشياء، وجوب الحقائق العامة ~~الذاتية وليس الوجوب الخارجي. وكأن المزايدة تهدف إلى استدعاء ~~الشرطة وخفراء الدرك للقبض على المجرمين الخارجين على القانون ~~الذين يشككون في سلطة الحاكم ويدبرون مؤامرة لقلب نظام الحكم. # 5 ~~(1) الخلق والتكليف # وأول الواجبات العقلية هما الخلق والتكليف. وهما إن بدوا ~~لفظين إلا أنهما يدلان على واجب عقلي واحد هو التكليف. ~~ولا تكليف بلا خلق؛ فالتكليف يتضمن الخلق بالضرورة. ولا ~~يجوز أيضا خلق بلا تكليف؛ لأن التكليف غاية الخلق، والخلق ~~بلا تكليف خلق بلا غاية، وبالتالي يكون عبثا. يستحيل إذن ~~الخلق ابتداء لمجرد الخلق، بلا غاية أو هدف وبلا تكليف. # 6 # الخلق بلا تكليف إنكار للغائية. وما الغاية من ~~خلق غير مكلف وما الهدف منه؟ وكيف ينكر التعليل بالغائية، ~~والتعليل أساس الشرع، والعلة الغائية عند القدماء هي العلة ~~الفاعلة الحقة؟ لا تعود الفائدة على الله، وليس جلب ~~المنافع لله ودرء المضار عنه. الفائدة للإنسان وجلب ~~المنافع له ودرء المضار عنه. # 7 # فلا خلق بلا حرية وعقل وهما مدار التكليف. ~~وإذا ما تمنى الإنسان أن يخلق في الجنة متنعما من غير ~~ضرر وغم وألم، وإذا ما تمنى العقلاء أن يكونوا في هذا ~~العالم عدما وأن يكونوا نسيا ms262 منسيا أو أن لم يكونوا ~~شيئا، فإن ذلك إنكار للوجود وتمن للعدم ومحو للحياة ~~وللإنسان، بل ولله؛ لأنه حينئذ لن يعرفه أحد. ويكون ~~إلغاء للوجود وتدميرا للذات ونهاية لكل شيء ونتيجة ~~للإحساس بالغثيان وبالعبث وباللاغائية واللاهدف. وقد يأتي ~~ذلك نتيجة للأعمال السيئة التي يقترفها الإنسان، ونتيجة ~~لعدم القيام بالواجب ولعدم إعمال الحرية والعقل. والكافر ~~وحده هو الذي يقول: «يا ليتني كنت ترابا»، ولكن المؤمن ~~يجد ما وعده ربه حقا. ويتمنى الشهيد أن يقتل ويحيا ~~ويقتل ويحيا حتى لا يحرم من لذة الشهادة. وقد يكون هذا ~~التمني صورة مجازية للإحساس بالمسئولية والتبعة والخوف من ~~عدم تأديتها ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة، وذلك مثل: ~~«ليتني ما ولدتني أمي». وكيف يأتي هذا الإحساس للأنبياء ~~والمرسلين والأولياء الصالحين وهم أرباب الرسالات وأصحاب الدعوات؟ # 8 # لا يعني وجوب الخلق إيجاب شيء على إرادة ~~مطلقة، بل الإيجاب في الحياة الإنسانية حفاظا على عنصر ~~الثبات فيه. # وقد يؤدي رفض الواجبات العقلية، أي الوجوب الإنساني، إلى ~~صياغة الأمر المطلق والحاكم المطلق والسلطان المطلق ~~الذي لا يراجعه أحد. العدل في طاعته والجور في عصيانه. هو ~~الذي يحدد مقياس العدل والظلم لا مراجعة عليه ولا قانون ~~يخضع له. # 9 # ولا يجوز الخلق ثم تخلية العباد بلا تكليف. # 10 # ولا يعني قول الكل بخلق الله وإرادته التكليف؛ ~~فالتكليف جوهر الخلق، والخلق مرتكز على التكليف. الخلق ~~مجرد إشارة إلى معنى، ودليل إلى مدلول. وما دام كل معلوم ~~موجودا فالتكليف هو السبيل لتحقيق العمل وتحويله إلى ~~موجود. وفي التكليف لا يستوي الفعلان؛ لأن حرية استواء ~~الطرفين غير موجودة؛ نظرا لوجود البواعث. وترجيح فعل ~~على آخر لا يمنع التكليف بل يؤكد حرية الاختيار وقدرة ~~العقل على التمييز؛ لذلك يوجد تفاوت في الأفعال بين المثال ~~والواقع أو بين العزيمة والرخصة كما يقول الأصوليون. ولذلك ~~أيضا كان موضوع الإيمان والعمل من موضوعات علم أصول ~~الدين، وقد يكون التكليف أحد أسباب الترجيح عن طريق الفكرة ~~الموجهة للفعل. لا يقع التكليف مع الفعل أو قبله، فتلك ~~هي الاستطاعة. التكليف ms263 مقرون بالخلق. بمجرد الخلق يحدث ~~التكليف؛ فالخلق تكليف. ليست القضية حجة عقلية ووقوعا في ~~تناقض منطقي، بل القضية تأسيس مشروع إنساني وجودي ~~فعلي يشكل العقل فيه أحد الوسائل لتحقيق المشروع ولا يشكل ~~نقيضا له. الغرض من التكليف إظهار الحرية والعقل، فالخلق ~~مشروع خلق، والوجود مشروع إيجاد. والتكليف هو هذا النداء ~~للخلق من أجل ممارسة الحرية وإعمال العقل. # 11 # ومن ثم كانت بعثة الرسل واجبة من أجل التكليف لعامة الناس. # 12 # وإن أكثر حجج نفي التكليف مستمدة من الجبرية، ~~مما يدل على أن التكليف مرتبط بحرية أفعال الإنسان. وإن ~~كان الجبر نفيا للتكليف فذلك لأن الله هو الذي يقوم بكل ~~شيء، وبالخلق وبالتكليف وكأن الإنسان لا هدف له ولا غاية، ~~مجرد موجود كوني كالأرض والنبات والحيوان والأفلاك، مجرد ~~زينة، وجود كغيره من الموجودات، لا ميزة له ولا فضيلة. ~~وإذا ما أثبتت الجبرية جواز التكليف فإنها تمنع من بيان ~~صفته. وهذا إنكار للعقل وقدرته على فهم الوحي. فالجبر ~~إلغاء لحرية الأفعال ولقدرة العقل في آن واحد. والمثل ~~المشهور في تكليف أبي جهل وأبي لهب بالإيمان وهو معلوم أنه ~~سيكفر؛ وبالتالي يبطل التكليف بنفي حرية الأفعال أساسا ~~ويجعل أفعال الإنسان كلها اضطرارية. # 13 # إن تكليف أبي لهب كان لكونه مختارا. والإخبار ~~عنه بأنه لا يؤمن نتيجة للعلم وليس للإرادة. ولو حدث على ~~خلاف العلم فليس ذلك انقلاب العلم جهلا أو الجهل علما، ~~بل لأن هناك حرية إرادة إنسانية داخل الإرادة الإلهية ~~وليس داخل العلم الإلهي. بالإضافة إلى أن علم الله علم ~~تجريبي يحدث بعد الوقائع. والحياة امتحان؛ ليعلم الله ~~الفرق بين العاملين والمثبطين. والنسخ دليل على هذا الطابع ~~البعدي للعلم الإلهي. ولما كان العبث على الله محالا، ~~فالعبث هو فعل ما لا فائدة منه وما لا عقل فيه، فيستحيل ~~تكليف أبي جهل بالإيمان وهو يعلم أنه يكفر ويجبره على ~~الكفر. # ليس الهدف من التكليف النعيم والثواب، بل أداء الرسالة ~~وإظهار إمكانيات الوجود الإنساني في ممارسة الحرية وإعمال العقل. # 14 # وليست الغاية من التكليف ms264 استحقاق التعظيم؛ لأن ~~التفضيل بالتعظيم قبيح لأن الثواب ليس هدفا إنما الغاية ~~منه تأكيد الإنسانية وتحويلها من مشروع ممكن إلى واقع ~~متحقق. قد يعني التعظيم إمكانية أن يتحول الإنسان إلى ~~إله والقضاء على محدودية الإنسان بفعله، وبالتالي التشبه ~~بالخالق والعودة إليه، فيصبح الخالق وكأن لا أحد معه كما ~~كان. التكليف بهذا المعنى خط مقابل للخلق. فإذا كان ~~الخلق حركة من الله إلى العالم، فإن التكليف يكون حركة من ~~العالم إلى الله. ليس عيب التعظيم أنه يقوم على الحسن ~~والقبح العقليين، بل عيبه أنه يربط الفعل بالجزاء وهو ربط ~~خارجي. نتيجة الأفعال مرتبطة بالأفعال ذاتها. بل إن غياب ~~الاستحقاق لا يطعن في وجوب الفعل. وحدوث الضرر والمشقة ~~والجهد والمعاناة قد يكون كل ذلك أحد مظاهر التحدي ~~الإنساني وإقدامه على الفعل. # 15 # التكليف نابع من طبيعة الإنسان، والوحي ما هو إلا تأكيد ~~لها. ولا يوجد إنسان، والأولى ألا يوجد نبي أو ولي، ~~ويتمنى ألا يكون إنسانا ذا رسالة، ويتمنى أن يكون جمادا ~~أو طبيعة. ولا يمكن أن يأتي الوحي إلا مؤيدا للطبيعة. وفي ~~إنكار الوحي للتكليف إنكار للوجود الإنساني. كيف يوجد ~~إنسان بلا تكليف؟ ما دام الإنسان قد وجد فرسالته توجد ~~معه. ومن الذي سيقوم بتحقيق الوحي كنظام مثالي للعالم؟ إن ~~الفرق بين الإنسان والجماد هو التكليف، أداء الرسالة ~~والأمانة. وما دام الإنسان حرا عاقلا فإنه يكون ~~بالضرورة مكلفا؛ لذلك يقرن الخلق بالتكليف، فيكون ~~الوجوب للخلق والتكليف معا. وجود الإنسان أداؤه رسالته. # 16 # وماذا يعني العالم بلا خلق ولا تكليف؟ وكيف ~~يعرف الله بلا خلق ولا تكليف؟ لا تعرف الذات إلا من ~~ذات أخرى ترى في الذات الأولى نفسها كموضوع كما ترى الذات ~~الأولى نفسها في الذات الثانية كموضوع، خروجا من الوحدة ~~الصورية الفارغة. # 17 # والتكليف داخل في حدود الطاقة الإنسانية لأنه تعبير عن ~~بذل الجهد، وبالتالي يستحيل تكليف ما لا يطاق. وكيف يكون ~~التكليف مجرد كلام من متكلم إلى آخر ليس له شرط إلا الفهم؟ ~~ألا يتضمن الكلام طلبا للفعل، والفعل ms265 في حاجة إلى قدرة ~~واستطاعة؟ هل الوحي مجرد كلام مفهوم وليس نداء للفعل ~~ونظاما مثاليا للعالم يتحقق بقدرة الإنسان؟ التكليف ~~قائم على فهم الخطاب وعلى بذل المجهود وليس مجرد فهم نظري ~~دون تحقق عملي. وإذا كان النقل أساس العقل، فإن حتى شرط ~~الفهم لا يكون مطلوبا. صحيح أن التكليف لغويا يكون من ~~أعلى إلى أدنى، وأن الالتماس يكون من المثل، وأن الدعاء ~~والسؤال يكونان من أدنى إلى أعلى، ولكن المسألة ليست علاقة ~~أعلى بأدنى أو أدنى بأعلى أو مثل بمثله، بل التأكيد على ~~وظيفة العقل وغاية الفعل وقدرة الإرادة دفاعا عن الوجود؛ ~~فالوجود نفسه مشروع إيجاد يثبت بالحرية والفعل. إن دعاءنا ~~لله بألا يكلفنا ما لا طاقة لنا به قد تم تحقيقه ~~بالفعل في فرض الصلوات الخمس وليس الخمسين، وفي الناسخ ~~والمنسوخ والانتهاء إلى سماحة الشريعة والاعتراف بالتخفف ~~والضعف والوهن. وهو ما وضعه علماء الأصول في قواعد معروفة ~~باسم: «لا ضرر ولا ضرار»، «الضرورات تبيح المحظورات» ... ~~إلخ. وحجة تكليف إيمان أبي لهب في الجبر وتكليف ما لا ~~يطاق وهدم العقل. وكيف بواقعة واحدة تكون أساسا لعلم ~~بأكمله وهو علم العقائد في العقليات، في أصلي التوحيد والعدل؟ # 18 # لا يجوز إذن تكليف ما لا يطاق، لا فرق في ذلك ~~بين تكليف العاصي الذي علم بعصيانه من قبل كما هو الحال ~~في حال أبي لهب وأبي جهل، وبين تكليف يقوم على الجمع بين ~~الضدين وقلب الحقائق أو التكليف بأمر ممكن غير متعلق بالقدرة. # 19 # إن تكليف ما لا يطاق سفه وعبث، وكلاها قبيح ~~يجب تركه. وإذا كانت الغاية من التكليف التحقيق، فكيف يتم ~~التكليف بما لا يطاق؟ وإذا كانت الغاية من التكليف تنفيذ ~~الأحكام، فكيف يخرج الفعل عن حدود الطاقة؟ # 20 ~~(2) شكر المنعم # قد يكون «شكر ~~المنعم» من الواجبات العقلية؛ فشكر المنعم حسن وعدم الشكر ~~قبيح. ويظهر في مقدمات الأول الخمسة في الاعتزال مثل النظر. # 21 # فالقصد من النعمة الإحسان؛ لذلك استوجبت ~~الشكر. ولكن يبقى سؤال: هل الإنسان محسن إليه؟ النعمة هي ms266 ~~المنفعة أي اللذة والسرور، والمنفعة بها مصالح العباد أساس ~~الشرع وليست هبة أو تفضلا. وهي من الطبيعة وليست من ~~إرادة مشخصة. الشكر الوحيد هو تمثل الطبيعة أو معارضتها ~~ونفيها ورفضها والتنكر لها. والاعتراف بالشكر لا يكون ~~باللسان أو بالقلب بل بالعمل، والقلب عمل للشعور. العبادات ~~أعمال رمزية لا تكفي للشكر ولا تدل عليه؛ لأنها صورية بلا ~~مضمون. إنما الأعمال المباشرة هي التي تفي بالشكر، الأعمال ~~ذات المضمون التي تحقق رسالة الإنسان في الحياة. الأعمال ~~شكر. والشكر الوحيد هو العمل وتأدية الواجب بصرف النظر عن ~~إرضاء أحد في أن يحقق أوامر الله ونواهيه. # 22 # لا شكر ولا جحود، ولكن مجرد أداء الواجب ~~وتحقيق الرسالة. ولا يمكن التوفيق بين الطاعة التي تكون ~~شكرا والطاعة التي تسعى لنيل الثواب، فهما فعلان متضادان. ~~والنعم منها ما لا يقدر عليها إلا الله مثل الحياة والموت، ~~ومنها ما يقدر عليها غيره مثل نعمة المعرفة ونعمة الجهاد. ~~فإذا استوجبت الأولى الشكر؛ لأنها من فعل الغير فإن ~~الثانية لا تستوجبه؛ لأنها من فعل الذات. وإذا كانت ~~المنافع ثلاثة: التفضل وهو النفع الموصل إلى الغير ~~أولا، والعوض وهو النفع المستحق لا على سبيل التعظيم ~~والإجلال ثانيا، والثواب وهو النفع المستحق على سبيل ~~الإجلال والتعظيم ثالثا، فإن الشكر يكون في الأول فقط، ~~أي في التفضل ابتداء ولا يكون في العوض والثواب لأنهما ~~استحقاق. الشكر إذن إحدى صور الاستحقاق، أي ربط الإنسان ~~بغيره بقانون متبادل لأداء الحقوق المتبادلة. إن الحقائق ~~موجودة في الطبيعة والشكر إسقاط إنساني عليها وخلط بين ~~الحقائق الطبيعية الضرورية والمعاملات الإنسانية الحرة. ~~إذا كانت نعم الله ابتداء تستوجب الشكر، فإن نعمه التي ~~تتم بجهد الإنسان وفعله نتيجة طبيعية للعمل. وكيف يكون ~~الشكر وهو قليل على نعم كثيرة متجددة لا يمكن استيفاء ~~حقها من الشكر؟ # 23 # وكيف يتم الشكر على أداء الواجب وفي الأمثال ~~العامية: «لا شكر على واجب»؟ وإذا كان الشكر لطلب الثناء ~~وتجنب العقاب، فكيف لا يقع الشاكر في التملق؛ تملق طرف ~~واقتضاء من طرف آخر؟ وإذا ms267 كان الشكر ليس فقط للنعم بل ~~للتوفيق، فإن الإنسان سيتحول من كونه فاعلا إلى كونه ~~شاكرا، يلهث لسانه بالحمد والشكر، ويصبح صوفيا ذليلا ~~أسير النعمة، ويتحول موقف الإنسان في العالم من موقف ~~الفاعل إلى موقف المستجدي والسائل أو الشاكر والحامد. ~~ويصبح الشكر بديلا عن الفعل بل وقضاء عليه وقبولا ~~للأفعال الخارجية خيرها وشرها، فما على الإنسان إلا الشكر. ~~إن تعارض الخاطران، أحدهما بالشكر والآخر بعدم الشكر يجعل ~~كليهما واردين في السلوك الإنساني. # 24 # وكون الشكر عادة لا يعني غياب أي أساس عقلي ~~له؛ فاختلاف العادات لا يعني اختلاف معانيها. التجربة ~~الإنسانية واحدة بالرغم من اختلاف ظروفها. # 25 # إن إنكار الشكر قد يضع الإنسان أيضا في ~~علاقة آلية مع الغير ومع مبادئه، ويتحول إلى مجرد آلة ~~لتنفيذ الأحكام. وقد يحتاج الإنسان أحيانا إلى الاعتراف ~~بالفضل والجميل كنوع من الاعتراف بالحق تقوية للعزيمة ~~واستمرارا للفعل الحر؛ لذلك لا تثار القضية في الجبر لأن ~~الله خلق العالم اضطرارا لا لغرض، جلب نفع أو دفع ضرر، ~~وكأن الله خلقه بلا غاية منه أو فيه. # | سادسا: تنزيه الله عن فعل القبائح # إذا كانت الواجبات العقلية مثل الخلق والتكليف وشكر النعم ~~واجبات من جانب الإنسان، فقد تمتد الواجبات العقلية فتشمل ~~أيضا الله؛ نظرا لأن لفظ الوجوب يطلق على الإنسان والله ~~معا، على الوجوب الأخلاقي والوجوب بمعنى واجب الوجود. بل إن ~~الواجب العقلي الأول، أي الخلق والتكليف، يصعب الحكم عليه، ~~هل هو واجب إنساني أم واجب «إلهي». فالله هو الخالق وهو ~~المكلف والإنسان هو المخلوق وهو المكلف. والواجب الإنساني، ~~شكر المنعم، يصعب التمييز فيه أيضا بين الإنسان وهو الشاكر، ~~وبين الله وهو المشكور؛ فالشكر فعل مشترك بين الشاكر والمشكور ~~وإلا كان هناك جحود ونكران. # وهناك واجبات عقلية أخرى يتضح فيها هذا التوتر بين ~~الجانبين، جانب الله وجانب الإنسان، وذلك مثل تنزيه الله عن ~~فعل القبائح والشرور والآثام والمعاصي، وتبرئته عن فعل الظلم. ~~وكيف يمكن إضافة القبائح إلى الله؟ كيف يمكن تجويز الظلم ~~والجور عليه؟ إن لم تكن ms268 هناك واجبات عقلية، فما هو الطريق إلى ~~تنزيه الله عن فعل القبيح؟ تجمع الأمة على أن الله لا يفعل ~~القبيح ولا يترك الواجب، ولكن الخلاف في الأساس والتصور. هل ~~يرجع ذلك إلى ذاته وصفاته، فهو الحاكم يفعل ما يشاء في حكمه، ~~وملك يفعل ما يريد في ملكه، أم لأن ذلك حكم العقل رعاية ~~للصلاح والأصل وإعمالا للغائية والعلية وتعويضا عن الآلام أو ~~على أقل تقدير لطفا بالعباد؟ التنزيه الأول يرجع إلى طبيعة ~~الذات، في حين أن التنزيه الثاني يرجع إلى مصالح العباد. ~~الأول مفروض من جانب الله، والثاني مفترض من جانب ~~الإنسان. ~~(1) هل الله خالق الخير والشر؟ # إن أول طريق لتنزيه الله عن فعل القبائح يرجع إلى أن ~~الله خالق كل شيء، يفعل ما يريد، فلا واجب عليه ولا قبيح ~~في فعله. وذلك راجع إلى طبيعته وذاته. هو مالك كل شيء، ~~يتصرف في ملكه كما يشاء. لا يوجد مقياس لفعله ولا حكم بأمر ~~ولا بنهي. # 1 # ولكن ألا يضل المالك؟ أليس له من يراجعه؟ ألا يوجد ~~مقياس موضوعي آخر عن عقل أو طبيعة أو جماعة، من مصلحة أو ~~مفسدة؟ وهل العالم مملوك أم هو موجود؟ هل يقع العالم في ~~مقولة الملكية أم في مقولة الوجود؟ ألا يؤدي ذلك إلى الجبر ~~المطلق وبالتالي يرجع موضوع الحسن والقبح إلى الموضوع ~~الأول وهو خلق الأفعال؟ أليس في ذلك إثبات للقبح كحق ~~للمالك دون تبرئته منه؟ وكيف يكون الله مسئولا عن الشر ~~والآثام والظلم والقبائح التي لا يمكن نفيها وإن أمكن ~~تبرئة الذات منها؟ وهل يتم حل قضية، وهي قضية تنزيه الله ~~عن فعل الشرور، بخلق قضية أخرى وهي الوقوع في القضاء ~~والقدر وإنكار الشرور في العالم عن طريق هدم خلق الأفعال ~~الذي تم إثباته أولا في الشق الأول من أصل العدل؟ إن قبول ~~كل شيء من الله هو قضاء على خلق الأفعال والحسن والقبح ~~معا لأنه إنكار لمسئولية الإنسان عن الشر وجعل الله ~~مسئولا عنه. كما أنه إنكار للشر ليس لأنه نقص في ms269 الخير في ~~الإدراك الإنساني، ولكن تبرئة لله منه عن طريق نسبة كل شيء ~~إليه؛ وبالتالي محو التفرقة بين الخير والشر والتمييز بين ~~الحسن والقبح. # 2 # والحقيقة أن ذلك تضخيم للسؤال الأول وإحالته إلى سؤال ~~أعم تحاشيا من الإجابة الخاصة، فبدل أن يكون السؤال ~~على مستوى الفعل الإنساني، فإنه يصبح على مستوى الكون ~~والخلق. بدلا من أن يكون السؤال: هل الله هو خالق القبح ~~في أفعال الإنسان؟ يصبح: هل الله خالق الشر خلقه للخير في ~~الكون؟ هل يضر الله كما ينفع؟ والسؤال يتوجه إلى الشر وليس ~~على الخير لأنه من الطبيعي أن يصدر الخير عن الخير، بالرغم ~~مما يثير ذلك في موضوع خلق الأفعال. ويتوجه نحو الشر ~~لتبرئة الله عن الشر، فينتهي بإثباته له لما كان خالقا ~~لكل شيء. ويدل السؤال التقليدي: هل يقال خلق الله الشر؟ ~~على البناء النفسي نفسه الذي يدل عليه سؤال: هل يرزق الله ~~الحرام؟ في آخر موضوع خلق الأفعال، في الآجال والأرزاق ~~والأسعار. وبدلا من أن يكون الهدف تبرئة الله من الشر ~~فإنه ينتهي إلى تبرئة الإنسان منه وجعل الله مسئولا عن كل ~~شيء كما هو الحال في الجبر. # 3 # إن أخطاء الجبر كثيرة، وعلى رأسها إضافة ~~القبيح إلى الله مع أن الهدف كان هو تنزيهه عن فعله. وكيف ~~يصدر القبح عن الحسن والشر عن الخير؟ والجبر أيضا إنكار ~~لحرية الإنسان ومسئوليته عن القبح، هذه الحرية التي تم ~~إثباتها من قبل في خلق الأفعال وأصبحت أحد مكتسبات العدل، ~~ومن ثم يهدم علم أصول الدين ما بناه من قبل، ويعود ~~من البداية لإثبات الحرية. كما أنه إثبات الوجود الموضوعي ~~للقبيح لأنه مخلوق، والخلق شيء، ولا يمكن أن يخلق العدم أو ~~النقص أو الغياب. وبدلا من تبرئة الله من فعل القبيح فإنه ~~يثبت مرتين، كفعل إلهي وكوجود موضوعي، مرة في الله ومرة ~~في الكون، والإنسان كموجود بين عالمين غائب وحريته ساقطة. ~~وفي الوقت نفسه ينتفي القبح الإنساني نظرا لتسليم الإنسان ~~بكل شيء واعتباره القبح من نسيج الوجود وأحد ms270 مخلوقات الله. ~~ويصبح الجبر سلاحا ذا حدين، ينقلب من الإنسان إلى الله، ~~فالقبح ضرورة كونية لا يستطيع أحد أن يغير منها. فتسلب ~~الحرية من الإنسان كما تسلب الحرية من الله، وكأن الله ~~يفعل الشر ضرورة فعله للخير. إن إثبات قدرة مشخصة على فعل ~~القبيح إلغاء لقوانين العقل وحرية الإنسان، ويقوم على ~~التشبيه وعلى إسقاط الإنسان لنفسه خارجا عنه. # 4 # وإذا كان من الصعب إيجاد حجج عقلية على الجبر ~~وجعل الله خالقا للخير والشر، فإنه يسهل إيجاد حجج نقلية ~~ومنها قصة غواية إبليس لآدم كجزء من الخطة الإلهية. وهذا ~~إنكار للحرية الإنسانية، إنكار لقدرة الإنسان على الدخول ~~في التحدي مع الآخر الغاوي. فالإنسان هو المخلوق الوحيد ~~الذي يعيش في عالمين، عالم الخير والشر، عالم الضرورة ~~والحرية، في حين تعيش باقي المخلوقات في عالم واحد، ~~الحتمية للخير أو الحتمية للشر، وهما العالمان اللذان ~~سميا عالم الملائكة والشياطين اعتمادا على الصورة الفنية. # 5 # والحقيقة أن الحجج النقلية معارضة بأخرى تنزه ~~الله عن فعل الشرور والقبائح والآثام والمعاصي، وتنسب ذلك ~~كله إلى الإنسان إثباتا لحريته وتثبيتا لمسئوليته. # 6 # وهل يكفي تنزيه الله عن القبائح ذاتا وصفات، وتنزيهه ~~عن الشهوة والغضب حتى لا يكون هناك شر في العالم؟ والحقيقة ~~أن تنزيه الله عن فعل القبيح بالعودة إلى الذات والصفات ~~ليس استدلالا، بل إثباتا للتوحيد دون تعامل مع القبائح ~~والشرور والظلم والجور في العالم، أي تناول أفعال الإنسان ~~ومسئوليته عنها. وهو عجز عن الانتقال من التوحيد إلى العدل ~~وحل مسائل العدل بالعود إلى أصل التوحيد. # 7 # بالإضافة إلى أن هذا التصور المثالي للذات ~~إنما هو ناشئ عن نفي صفات النقص عن الإنسان وبالتالي فإن ~~منشأه العدل. فكيف يأتي التوحيد كحل لمسألة العدل؟ اللهم ~~إلا إذا جعلنا التوحيد ناشئا من العدل، وكأن العدل أساس ~~التوحيد! وكيف يتم تبرئة الذات المشخص عن فعل القبيح وفي ~~الوقت نفسه يكون قادرا على كل شيء بفعل الخلق؟ # 8 # إن إثبات الصفات والأفعال على ما بان في ~~التوحيد يؤدي إلى القضاء على ms271 حرية الأفعال، كما أنه يؤدي ~~إلى إنكار الصفات الموضوعية في الأشياء. # وقد يتم تنزيه الذات المشخص وذلك بالتمييز بين الذات ~~والصفات وإثبات صفات زائدة على الذات؛ فتكون صفات أفعال ~~وليست صفات ذات. # 9 # ولكن في هذه الحالة تفعل الصفات في العالم ~~وتهب الأشياء صفاتها من الخارج. وبالتالي تكون الأشياء ~~تابعة في صفاتها إلى قدرة خارجة عنها. فإذا ما كانت ~~الصفات مساوية للذات، فإن الصفات لا تفعل في العالم، وترد ~~إلى العالم موضوعيته، وتصبح صفاته ذاتية ثابتة لا تتغير. ~~فتظهر صفات الأشياء في ذاتها وكأن صفات الذات تصبح صفات ~~الأشياء. ويكون الأمر والنهي من الله كاشفين عن الحسن ~~والقبح في الأشياء. ولا يثبت حسن الفعل أو قبحه بحسن ~~الفاعل أو قبحه، بل يثبت حسن الوضع الناشئ عن الفعل أو ~~قبحه. فالفعل وإن كان صادرا عن فاعل، إلا أنه يهدف إلى ~~تغيير بناء الواقع. فحسنه وقبحه موضوعيان لا شخصيين. # 10 # وليس المقصود من طرح مسألة الصفات الذاتية ~~للأفعال تبرئة الذات المشخص واتهام النفس، فهذا موقف ~~بطولي عاجز، بطولي لأنه يقوم على اتهام النفس وتبرئة ~~الغير، وعاجز؛ لأنه غير قادر على إدراك الصفات الذاتية ~~للأفعال. ودفاعا عن الله الخير وإثباتا لمسئولية الإنسان ~~عن الشر تكون الإجابة أن الله ليس خالقا للشر. الخير ~~والشر صورتان عامتان لمواقف اجتماعية، نافعة أو ضارة، ~~وليسا شيئين مجسمين. هي أوضاع اجتماعية ناشئة عن ~~ممارسة حريات الأفراد وضغوط الجماهير. ومع أن النفي أكثر ~~تنزيها لأنه يضع عواطف التأليه في حيز الكمال إلا أنه ~~يؤدي إلى إثبات الحرية الإنسانية. فالإنسان يتحمل أفعاله ~~وهو مسئول عنها حتى ولو لم يكن عنها راضيا. وتلك طبيعة ~~الفعل الحر والإحساس بالمسئولية عنه. # 11 # قد يكون الشر مجرد عرض أو يكون عقابا في ~~الآخرة نتيجة للأفعال وطبقا للاستحقاق وقد يكون مجازا لا ~~حقيقة. وفي كل الحالات تثبت مسئولية الإنسان عنه. الأفعال ~~الحسنة والقبيحة هي أفعال الإنسان، والإنسان مسئول عنها في ~~العالم وأمام الناس. ~~(2) هل الله قادر على فعل القبيح؟ # وهو السؤال نفسه السابق ولكن مركز ms272 على الصفات، وخاصة ~~القدرة على الفعل الإنساني. وإثباتا لحق الذات ومطلق ~~الصفات يكون الرد بالإيجاب؛ فالله قادر على فعل القبيح. ~~ويمكن إثبات ذلك بعدة حجج عقلية منها القسمة العقلية. ~~فإما أن يفعله ويقبح منه فعله وبالتالي تلزمه الحجج ~~لتنزيهه عن فعل القبيح أو يحسن منه وهو غير معقول. # 12 # ولما كان إثبات قدرة ذات مشخص على القبيح ~~طعنا في التنزيه وضربا للصفات بعضها بالبعض الآخر ~~وإعلاء للقدرة فوق الحكمة، فإن إثبات أفعال لا واقع لها، ~~بل لمجرد إثبات قدرة هو إثبات قدرة ينقصها الوعي والعقل ~~والحكمة؛ وبالتالي يكون إثبات القدرة أولى. لا توجد إذن ~~أفعال بلا قدرة. يثبت حسن الأفعال وقبحها الإرادة الواعية ~~وراء الأفعال. القدرة والعلم كصفتين مطلقتين لذات مشخص ~~واحد لا يتعارضان. # 13 # والقادر على الفعل قادر على جنسه. ولما كان ~~الحسن مثل القبح فالقادر على الحسن قادر على القبح. تتعدى ~~قدرة الذات المشخص من القدرة على القبيح وجنسه إلى القدرة ~~على جميع الأجناس في الطبيعة. بل إن الإنسان إذا كان ~~قادرا فإنه يكون قادرا على مقدور غيره؛ إذ تساعد الرغبة ~~في البطولة من لا يستطيع أن يكون بطلا في تحويل عجزه إلى ~~قدرة مشخصة يجعلها قادرة على عمل ما هو عاجز عنه أو أقدر ~~مما هو عليه قادر. # 14 # ولو استوى الصدق والكذب فإن الإنسان يكون أقرب ~~إلى فعل الصدق. وهو الدليل نفسه لإثبات الحسن والقبح ~~العقليين، وأن الفاعل قد يفعل الفعل لحسنه، وأن الإنسان ~~قادر على التفرقة بين من أحسن وبين من أساء إليه. ولو قال ~~فعلت الحسن لحسنه لكان الجواب مقنعا. # 15 # وحكم القادر لنفسه أقوى من حكم القادر بقدرة ~~في أن مقدوره لا ينحصر في جنس واحد. الفعل تعبير عن ضرورة. # 16 # وفعل لا يقع ضرورة، بل قد لا يقع ولا يقع فعل ~~لا يهدف على عكس البشر. # 17 # والحقيقة أن هذه الحجج كلها إنما تثبت القدرة ~~النظرية دون تخصيصها بالقبح. وتؤدي إلى ظهور الواقع ~~الإنساني الهش ثم تدعو الحاجة إلى إجراء تنزيهي مضاد ms273 ~~وقياسا للغائب على الشاهد وهو أساس الفكر التشبيهي. وما ~~الحكمة من إثبات القدرة النظرية على فعل القبيح ثم حدها ~~بعد ذلك بحكم العقل، فالله لا يفعل القبيح ولا يترك الواجب ~~بحكم العقل؟ وكيف يتم التوفيق بين القدرة على فعل القبح ~~وأنه ما هو قبيح منه يتركه وما يجب عليه يفعله، إذ لا حاكم ~~بقبح القبيح ووجوب الواجب إلا العقل؟ # 18 # وكيف يكون قادرا على فعل القبيح وهو صادق ~~لذاته؟ ألا يفترض ذلك تناقضا بين الذات والصفات؟ # 19 # وما الحكمة من إثبات القدرة النظرية على فعل ~~القبيح ثم تقييدها بوجوب الصلاح والأصلح في الدنيا ~~والتعويض عن الآلام في الآخرة وباللطف؟ # 20 # إن إثبات القدرة على ما إذا فعله كان قبيحا ~~إثبات نظري خالص دفاعا عن حق الذات الخالص. وإن ~~إثباتا نظريا لقدرة الذات على فعل القبيح لا يثبت شيئا ~~بالفعل. فما الفائدة من قدرة نظرية لا تتحقق عملا؟ وكيف ~~تكون قدرة ذات مطلق غير متحققة بالفعل؟ إن إثبات قدرة ~~نظرا ونفيها عملا أقرب ما يكون إلى تحصيل الحاصل أو ~~إثبات الشيء ونفيه أو إثبات العلة ونفي المعلول. إن إثبات ~~قدرة للذات المشخص على فعل القبيح إخراج للإنسان من موقفه ~~وتنصيبه مدافعا عن غيره وليس مدافعا عن نفسه. وإن إثبات ~~قدرة للذات المشخص على فعل القبيح قد لا يثبت قدرة بقدر ما ~~يثبت طغيانا. صحيح أن القدرة قدرة عاقلة وليست قدرة ~~غاشمة، وهي قدرة مدركة للقبيح وفعله ولكن تظل القدرة أعلى ~~من الحكمة. إن جواز القدرة على الكذب تغليب للحرية على ~~العقل وهو غير معقول تماما مثل جواز عدم القدرة على الكذب ~~وتغليب العقل على الحرية. # وتوجد حلول متوسطة تحاول الجمع بين إثبات القدرة وإثبات ~~العدالة الإنسانية، منها إثبات الأولى نظرا والثانية ~~عملا، الأولى كحق نظري والثانية كواقع عملي. وعيب ذلك ~~الحال هو اعتبار الحق النظري غير واقع، واعتبار الواقع ~~العملي غير قائم على حق نظري، وبالتالي الفصل بين النظر ~~والعمل وهو ما لا يجوز لا في علم الله الواقع ولا في ms274 فعله الحكيم. # 21 # وقد يحدث الجمع بين القدرة المطلقة والعدالة ~~الإنسانية بإثبات حق القدرة المطلقة ثم وضعها في نطاق ~~الكمال. فالمطلب الخلقي يوجب الحق الطبيعي. والكمال هنا هو ~~الحسن العقلي والعلم. فالعلم فضيلة وصفة من صفات الكمال، ~~والظلم جهل وآفة يعبر عن حاجة، جلب منفعة أو دفع مضرة، وهو ~~ما يستحيل على الله. # 22 # وقد يعاد وضع المسألة من جديد دون الدخول في ~~المتاهة العقلية ثم يفرض الشعور بالتنزيه صياغة عقلية ~~جديدة. وهنا لا تفعل القدرة العدل اضطرارا بل اختيارا، ~~أي إن الحرية العاقلة التي تميز الإنسان أعطيت للقدرة ~~المشخصة فأنارتها. # 23 # ومن ضمن الحلول المتوسطة الأخرى أن يخلق الله ~~الظلم للظالم والجور للجائر. فالظلم والجور ليسا فعلين ~~صوريين بل فعلان ماديان. # 24 # ويصبح الأمر أكثر إشكالا إذا ما تدخل الله في ~~أفعال العباد وأجبرهم على الجور أو الظلم. فمن أجل حل قضية ~~العدل تثار من جديد قضية الحرية وينتهى فيها إلى الجبر. # 25 # فإذا كان الرد بالإيجاب، أي إثبات القدرة ~~كتعبير عن عواطف التعظيم والإجلال، فإن ذلك يقضي بتاتا ~~على العدالة الإنسانية وعلى مثالها في العدل الإلهي. # 26 # ويكون التنزيه قد أراد تأكيد جانب فقضى على ~~جانب آخر. بل إنه يقضي على الفعل الإلهي ذاته لأن القدرة ~~المطلقة قادرة على فعل ما أخبر عنه أنه لا يفعل! وهذا ~~طعن للإنسان في العدالة البشرية وقضاء على ما يمكن للإنسان ~~أن يجعله رسالته. وتكون النتيجة في السلوك البشري القضاء ~~على الحياة الإنسانية وعلى كل ما فيها من قيم وإثبات ~~الدكتاتورية والطغيان. ففي الإمكان القضاء على كل شيء في ~~هذا العالم ثم بث روح المذلة والاستكانة والرهبة والخوف. ~~فليس هناك قيمة ثابتة يدافع الإنسان عنها ويركن إليها. ~~ومن ضمن الحلول المتوسطة الجمع بين الإثبات والنفي ~~للمحافظة على القدرة المطلقة والحرية الإنسانية في آن ~~واحد مثل نفي علم قديم بالإرادة ثم إثبات حدوث هذه الإرادة بالفعل. # 27 # ولكن هل ينفي العلم القديم من أجل إثبات ~~الحرية، وهو نقص في عواطف التأليه بالنسبة إلى ms275 العلم كما ~~أنه يثبت تدخل الإرادة حتى ولو كانت حادثة؛ وبالتالي تنتفي ~~الحرية؟ ومن نوع الحلول المتوسطة نفسها التفرقة بين ~~إرادتين، إرادة ذات قديمة وإرادة فعل حادثة ، أو بين إرادة ~~التكوين وهي شاملة للأشياء جميعا وإرادة الفعل التي تترك ~~للفعل الإنساني حريته واستقلاله. # 28 # أما الجمع بين النفي والإثبات من أجل تنزيه ~~التأليه عن الشر وإثبات الحرية الإنسانية للشر، فإنه أيضا ~~يحد من القدرة المعظمة وفي الوقت نفسه ينفي الحرية ~~الإنسانية للخير، ويوزع الخير والشر بين الله والإنسان. # 29 # وتتوالى الحلول المتوسطة إلى أن تصبح أقرب إلى نفي ~~القدرة على فعل القبيح وبالتالي نفي القدرة على الظلم ~~باعتباره المثل الصارخ على القبح. وتصبح الغاية من نفي ~~القدرة على فعل القبيح هو تنزيه الله عن فعل الظلم؛ ~~وبالتالي يبلغ أصل العدل قمته في نفي نقيضه وهو الظلم. ~~فبعد تدخل القدرة الإلهية في مواجهة الفعل الإنساني لإثبات ~~عظمتها وسيطرتها عليه انتقلت إلى العدالة الإنسانية لإثبات ~~قدرتها على قلبها وتغييرها إلى الضد؛ ومن ثم ظهر ~~السؤال بوضوح: هل يوصف الله بالقدرة على الظلم؟ فإذا كان ~~الرد بالإيجاب تتحول القدرة إلى شبح مخيف يقضي على ~~المبادئ الإنسانية العامة التي تماثل صفات الله المطلقة. ~~تنفرد صفة وهي القدرة تصول وتجول في باقي الصفات كالعدل، ~~وعلى آثار العدل في الحرية الإنسانية مثل العدالة. ويكون ~~الطريق إلى التنزيه هو إثبات القدرة على فعل الضد. ولما ~~كان الضد على الإنسان، فإنه لا يستعصي على القدرة المعظمة. ~~أما الرد بالنفي فإنه حد لهذه القدرة في مواجهة العدل. ~~ويأتي هذا الحد من داخل القدرة ذاتها؛ فهي قدرة تقوم على ~~الحكمة والرحمة والعقل والعلم وتظهر في الطبيعة ولا توجب ~~الحدث. وقد تكون مجرد افتراض نظري أو تمن يعبر عنه ~~بأداة الشرط «لو»، ثم يصل الأمر إلى نفي القدرة الإلهية ~~علانية حرصا على العدل الإنساني. # فقد يكون السبب في حد القدرة هي الحكمة استنكافا من ~~تعبير عدم القدرة وهو أخف من القول بالعجز. وقد تشفع ~~الحكمة بالرحمة كي تصبح حكمة عملية أو ms276 بالعقل لتصبح حكمة ~~نظرية. فالله يقدر على الظلم ولكنه لا يفعل لحكمته ورحمته، ~~وهما صفتان للذات، ويقدر على الظلم ولكن العقل يدل على أنه ~~لا يفعل. # 30 # وقد يكون قادرا على ظلم الأطفال والمجانين ~~دون العقلاء. وذلك يعني أن العقل قدرة على مقاومة الظلم ~~والدفاع عن العدل. وهو الضامن للقيم والحارس لحقوق ~~الإنسان. ولا مكان لضعاف العقول ولا للأغبياء في هذا ~~العالم. ومع ذلك فإن هذا التصور لا يجعل العدل صفة ذات بل ~~مجرد صفة فعل متغير متقلب طبقا لأحوال الناس، وكأن الله ~~ينتهز الفرصة ليظلم الضعاف والصبية والمجانين ويكذب عليهم؛ ~~وبالتالي يحملهم ما لا طاقة لهم به خاصة وأن مسئولياتهم عن ~~أوضاعهم التي هم عليها محدودة؛ فصغر السن والضعف الجسماني ~~والمرض النفسي يمنع من وقوع الأفعال الواعية الحرة. كما أن ~~ذلك ليس من شيمة العظماء؛ استضعاف الناس والخوف من الأقوياء. # 31 # وقد لا يوجد أي حرج في القول صراحة بأن الله ~~لا يقدر على فعل القبيح بالرغم مما في التعبير من نيل من ~~إطلاق القدرة. فقد لا يفعل الله القبيح لعلمه أنه قبيح؛ ~~ومن ثم فلا يختار فعله على أي وجه. ينفي القبح من أجل ~~العلم. فالله قادر على فعل ما علم أنه يفعله ولا يقدر على ~~فعله ما علم أنه لا يفعله. # 32 # والحقيقة أن ذلك تناقض لأنه كيف يقدر الله على ~~ما لا يعلم؟ إن عدم القدرة يحتاج إلى علم وهو غير موجود. ~~كما أن جعل القدرة تابعة للعلم هو جعل العلم أعلى من ~~القدرة. والصفات متساوية في الإطلاق والشمول. ولا يحل ~~الإشكال إلا بجعل القدرة تابعة للعلم. وفي هذه الحالة تكون ~~القدرة مشروطة، وما دامت مشروطة فهي مقيدة، وفي كل الأحوال ~~يمكن فهم ذلك. فلإنسان مع العلم وكمال العقل لا يفعل ~~القبيح ولا يقع منه التشويه. وفعل القبيح نقص وذم. كما ~~يفعل الإنسان الحسن لذاته كما يفعل الفنان أو الصوفي أو ~~المثالي. هو فعل يتصف به المتطهرون أو من يود الإعلان عن ~~الطهارة بإلصاقها بالذات المشخص ms277 ووصف أفعاله من ~~خلالها. # ويرجع السؤال القديم في التوحيد: هل الله قادر على ما ~~علم أنه لا يكون؟ هل يجوز كون ما علم الله أنه لا يكون؟ ~~ويعاد طرحه هذه المرة في العدل على المستوى الإنساني ~~الخالص: هل الإنسان قادر على ما علم الله أنه لا يكون؟ ~~والرد بالنفي إثبات لعجز الإنسان أمام علم الله وقدرته، ~~وهو المطلوب. في حين أن الرد بالإيجاب إثبات للقدرة ~~الإنسانية على أنها مصدر لتكوين الأشياء. # 33 # والحقيقة أن السؤال يضعه الذهن أمام الشعور حتى يستطيع ~~الشعور أن يجد فرصة لديه للتعبير عن عواطف التأليه، خاصة ~~إذا كان السؤال حادا يسمح بنبرة عالية في الرد. وإذا ~~كان الذهن هنا يعارض القدرة بالعلم فهل تستطيع القدرة أن ~~توجد ما قرر العلم عدم وجوده؟ بالرغم من أن السؤال يحتوي ~~على تناقض داخلي وهو العلم بما لا يكون أو كون ما لا ~~يعلم، وبالرغم من أنه يحتوي على نقص في عواطف التأليه، إذ ~~كيف تكون صفتان مطلقتان مثل القدرة والعلم متعارضتين إلا ~~أن الذهن يقدمه كي يسمح للشعور بالتمرين وإظهار مدى ~~انفعاله بالتأليه. والرد بالإيجاب يثبت عظمة القدرة على ~~حساب العلم على ما في ذلك من نقص في عواطف التأليه بالنسبة ~~إلى العلم. بل تكمن خطورته في تثبيت العقلية الغيبية ~~والإيحاء بأنه يمكن العلم بشيء غير موجود أو إيجاد شيء بلا ~~علم. وهو السؤال نفسه: هل خلاف المعلوم مقدور؟ وقد ينشأ حل ~~متوسط يجمع بين الإثبات والنفي، يثبت القدرة على ~~الإمكانية؛ إمكانية كون ما علم أنه لا يكون ولكنه ينفي ~~وقوع ذلك بالفعل. # 34 # وقد توجد حلول متوسطة أخرى خارج أصلي التوحيد والعدل، ~~والسبق إلى السمعيات أو بالعودة إلى المقدمات النظرية ~~الأولى في الطبيعيات واللغويات. يقال مثلا إن الله لو ~~فعل القبيح لجاز أن يبعث رسولا كاذبا ويظهر المعجز على ~~يديه ليدعوهم إلى الضلال والكفر. والمعجزة دلالة تصديق. # 35 # وقد يمنع الظلم إذا ما وصلت القدرة إلى ~~الطبيعة والأجسام وأصبحت هذه معراة عن العقول واستحال ~~الوصول إلى الذات ms278 من الطبيعة وإلى إثبات وجود الله ابتداء ~~من العالم على ما هو معروف في نظرية الوجود في المقدمات النظرية. # 36 # فكما أن الحرية الإنسانية قادرة على مقاومة ~~القدرة الإلهية فإن قوانين الطبيعة عليها أقدر. وحتى لو ~~استطاعت القدرة الإلهية فعل الظلم فإن ذلك لا يوجب حدث ~~الأجسام وتظل الأجسام باقية ثابتة. وتبلغ قمة مقاومة ~~الطبيعة وإثبات استحالة اختيار الجور في القول بالطباع ~~وبشمول المبادئ الإنسانية من أجل نفي القدرة على الظلم. ~~وإذا دل الدليل على أن الله يظلم فإن الله يظل متعاليا ~~ليقين أنه لا يظلم. # 37 # وقد يمنع القبح والظلم من أفعال الله لأن ~~السؤال يظل افتراضا خالصا. كما أن أداة الشرط «لو» لا ~~تدل على الشك؛ الشك في العدل، بل على اليقين؛ اليقين بعدم الظلم. # 38 # وقد يكون نفي القدرة على الظلم واجبا دون أن ~~يقال «لا يقدر»، أي الاعتراف بالظلم دون إصدار حكم على ~~نفي القدرة. # 39 # وفي حالة اليأس تلغى المتاهة العقلية بالتوقف المطلق. # 40 # وقد يأتي الحل الأخير بكل قوة وشجاعة لا خلاف في ذلك بين ~~الأشعري ذاته وبعض المعتزلة والإعلان صراحة على أن الله ~~لا يقدر على فعل الظلم. إذ لا يجوز أن يوصف الله بالقدرة ~~على الكذب أو الحركة أو الجهل، إما لصفة في القديم أو ~~لصفة ترجع إلى المقدرة أو لبعض الأدلة لاستحالة كون ~~المقدور مقدرا أو لأن ذلك ينقص أصلا من أصول التوحيد والعدل. # 41 # وقد يكون الدافع لذلك الإيمان وشناعة القول ~~بأن الله يقدر على الظلم والتضحية بالقدرة وبأن الله قادر ~~على كل شيء حتى يصل الأمر إلى افتراض الجبر في الله وتحديد ~~قدرته، وبالتالي ينقلب الجبر في أفعال الإنسان إلى جبر في ~~أفعال الله. وقد يكون الدافع هو التصور الجبري للعالم؛ ~~نظرا لنظام الكون الثابت على ما هو معروف في علوم الحكمة. ~~وقد يكون الدافع هو إثبات الصفات الذاتية للأشياء وبالتالي ~~يفرض الموضوع نفسه على الإرادة. وبالتالي تكون استحالة ~~القدرة على الظلم دفاعا عن الإنسان عملا بصرف النظر عن ms279 ~~الحق النظري الواجب للذات المشخص. ويكون الرد على السؤال ~~بالنفي إثباتا للتنزيه ~~وللصفات المطلقة وعلى رأسها العدل الإلهي كما أنه يحفظ ~~المبادئ الإنسانية العامة وعلى رأسها العدالة دون أن يكون ~~في ذلك إلحاد فلسفي أو كفر مجوسي. # 42 # ومن ثم يفلت المتكلم أحيانا من قبضة ~~الإرادة المطلقة ويقضي على اغترابه ويعود إلى العالم ويصبح ~~متكلما باسم الإنسان مدافعا عن عقله وحريته. # | سابعا: الصلاح والأصلح، الغائية والعلية # فإذا ما صعب تنزيه الله عن فعل القبائح عن طريق الذات ~~والصفات، فإن كون الإنسان خالقا لأفعاله لا يمنع من أن يكون ~~الله خالقا لكل شيء، كما أن نفي قدرة الله على الظلم بالرغم ~~من جرأة التعبير لا يمنع من أن يكون الله قادرا على كل شيء؛ ~~فلم يبق إلا محاولة ذلك من جديد خارج الذات والصفات في ~~الأفعال. فأفعال الله تتم طبقا لما فيه صلاح العباد. ولم يدخر ~~الله وسعا في فعل الأصلح لهم. وكذلك طبقا للغائية والعلية ~~فكل أفعال الله غائية تهدف إلى غاية وغرض وليس فيها عبث أو ~~تناقض، ومن ثم فهي أفعال معللة بالعلل الغائية. وصلاح ~~العباد وفعل ما هو أصلح غاية الأفعال الإلهية وعلتها كما هو ~~واضح في الشريعة التي تقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد. وهنا ~~تتوقف الأفعال؛ فعل الصلاح والأصلح في مواجهة الذات والصفات، ~~خلق الله لكل شيء وقدرته على كل شيء، ويقف العدل في مواجهة ~~الظلم، ويقف صلاح العباد في مواجهة قدرة الذات، وكأن أصل العدل ~~لا يجد إثباتا له إلا في مواجهة أصل التوحيد ومستقلا عنه. # 1 ~~(1) هل يمكن نفي الصلاح والأصلح؟ # يمكن نفي الصلاح والأصلح عن طريق نفي الواجبات؛ فالله لا ~~يجب عليه شيء من صلاح أو أصلح. هو عدل في أفعاله، بمعنى ~~أنه متصرف في ملكه، يفعل ما يشاء، لا حاكم عليه، وإلا ~~استوجب الذم بتركه، وإن تركه يكون ناقص الفضل وهو محال. # 2 # وهذا في الحقيقة إرجاع لأصل العدل إلى أصل ~~التوحيد من جديد بعد أن انبثق منه، وعود للإنسان المتعين ~~داخل ms280 الإنسان الكامل، وبالتالي قضاء على الموضوع من ~~الأساس؛ فالإنسان المتعين خالق أفعاله، وقادر على العقل ~~والتمييز، لا يملكه أحد، ولا يملي أحد عليه إرادته. وقد ~~بلغت ذروة هذا الرجوع إلى بطن التوحيد في إلغاء الخلق ~~والتكليف، وهو أول الواجبات العقلية في القصة الرمزية ~~للإخوة الثلاثة. توفى الأول صبيا، وبالتالي فلا يثاب ~~ولا يعاقب، في حين بلغ الثاني والثالث، فآمن الثاني ودخل ~~الجنة، وكفر الثالث ودخل النار. فإذا سأل الأول لماذا لم ~~يعش حتى يؤمن ويدخل الجنة في أعلى عليين؟ كان الرد أن ~~الأصلح له أن يموت صغيرا فلو عاش لكان قد كفر فعذب في ~~النار! حينئذ يهب الثالث محتجا ومتسائلا ولماذا لم يمت ~~هو منذ الصغر؟ فقد كان الأصلح له أن يدخل الجنة ولو في ~~رتبة دنيا أفضل من أن يعذب في النار؟ # 3 # فهذا عود من جديد إلى أصل التوحيد في سبق ~~العلم الإلهي لما يحدث وتوجيهه ضد الحرية للقضاء عليها. ~~ولكن إذا كان العقل والحرية هما السبب في فعل الأصلح، ~~فالأصلح نتيجة طبيعية لهما وليس ضدهما. تقوم هذه القضية ~~إذن على خلط بين مستوى الصلاح ومستوى الحرية. فالإنسان ~~يعمل في إطار العمر والقدرات الفعلية والعقلية. لا يتخلى ~~عن حريته إذا ما كانت نتائج أفعاله ليست في صالحه. الحرية ~~هي الأساس في صالح الإنسان. والقصة استدراك ورجوع إلى ~~الوراء وافتراض خالص يقوم على «لو»، أي إنها حجة افتراضية ~~وليست واقعية. بالإضافة إلى أن «لو» قضاء على الفعل إلى ~~اللافعل وإمساك عن التقدم إلى التأخير، وتفضيل لعدم الخلق ~~والتكليف على الخلق والتكليف. وعلى هذا النحو قد يتعدى نفي ~~الأصلح من الأفعال إلى الخلق كله، وبالتالي يكون الأصلح ~~للعاصي ألا يخلق، ورفض الخلق هو كفر بنعمة الحياة أولا ~~وتخل عن الرسالة ونكوص عن المسئولية قبل أن يكون عصيانا ~~في فعل معين. # 4 # وقد يتعدى أيضا إلى رفض التكليف وأن يكون ~~الإنسان مخلوقا جمادا أو حيوانا؛ وبالتالي ينكر الإنسان ~~نعمة العقل وفضيلة الجهاد. وإنكار حرية الإنسان هو إنكارها ~~للبشر. وأن الشك في ms281 صحة التكليف لعلم الله المسبق بكفر ~~الكافر، وبالتالي لا يكون تكليفه صلاحا له وإن كان أصلح ~~للمؤمن، هو عود لضرب الله بالإنسان، دون استطاعة الإنسان ~~أن يفلت منه، في حين أن أصل العدل هو إثبات للإنسان الحر ~~العاقل من داخل الإنسان الكامل، القادر والعالم على ~~الإطلاق ؛ ومن ثم كان الأصلح للإنسان إثبات الحرية ~~وكونه مسئولا عن أفعاله وأن ما يأتيه بحريته واختياره ~~وليس بفعل آخر أصلح له. وبالتالي تجب ثورة الفقراء ~~والمعذبين على أوضاعهم التي ليس فيها صلاحهم لأن الأصلح ~~لهم ممارسة الحرية والغضب وتغيير الوضع القائم إلى وضع ~~أفضل. الصلاح والأصلح إذن حقيقة إنسانية تحدث في الموقف ~~الإنساني وليس افتراضا خياليا يبدأ بأداة الشرط «لو» ~~التي تمحو الخلق والحياة والعقل والتكليف والفعل. وإن جعل ~~حقائق الحياة افتراضا قضاء على البواعث وتسكين للأفعال. ~~والأصلح ليس للفرد بل للجماعة، وإلا فلا معنى للتضحية ~~والشهادة وإنكار الذات. وهو لا يتغير من فرد إلى فرد، ومن ~~وقت إلى وقت بل الصلاح حقيقة موضوعية، هو الصالح العام. ~~قد يحتوي الصالح العام على خسارة فردية ولكنها غير دالة ~~بالنسبة إلى الصالح العام. ليس الصالح هو الأنفع بالنسبة ~~إلى الشخص بل إلى النوع، والإنسان قادر على التمييز بين ~~مستويات الصلاح والأصلح. # 5 # الأصلح هو الأنفع بوجه عام، إذ يوصف الفعل ~~بأنه نفع وسرور وصلاح وأصلح وليس مجرد لذة وألم أو نفع أو ~~ضرر. هناك مراتب للصلاح والأصلح من حيث المستوى (للفرد أو ~~للجماعة)، والشدة (اللذة والألم، النفع والضرر، الإصلاح ~~والإفساد)، والزمن (الفناء والبقاء). ومن ناحية أخرى قد ~~يقال إن التقيد بالأصلح يجعل أفعال الله متناهية في حين أن ~~أفعاله لا متناهية؛ ومن ثم يؤدي القول بالصلاح ~~والأصلح إلى الجبر في أفعال الله. وإذا كان الله يفعل ~~تفضلا وكرما ولطفا، فاللطف بهذا المعنى نفي للصلاح والأصلح. # 6 # والحقيقة أن الأصلح هنا بالنسبة إلى الإنسان ~~وليس بالنسبة إلى الله. وهو صلاح محدود في إطار الموقف ~~الإنساني ولا يقلل من لا تناهي الصلاح بالنسبة إلى الله ~~وقدرته عليه. ولو ms282 كان الصلاح رفع الموانع وإزاحة العلل ~~لكان في ذلك قضاء على الحرية الإنسانية من جديد، إعطاء ~~الصلاح بيد وسلب الحرية باليد الأخرى، خطوة إلى الأمام ثم ~~خطوة إلى الخلف. وإذا كان الأصلح للناس عدم الحياة ~~والابتداء من الآخرة مباشرة فإن ذلك إلغاء للدنيا ورفض ~~للرسالة وترك لنعم الحياة والتحقق والعمل والإبداع ~~والاستشهاد. # إن نفي الصلاح والأصلح هو هدم للعقل والقدرة على التمييز ~~وإنكار لصفات الأشياء الموضوعية، وهو إنكار أيضا للمصلحة ~~وهي أساس الشرع، وهدم لمصالح الفرد والجماعة وما به حياة ~~الأمة وقوام الدولة. وبالتالي يترك الفرد والأمة بلا عقل ~~مستقل قادر على التمييز وبلا إدراك للصالح العام، ~~فيستسلم الجميع لإرادة الحاكم الفرد المطلق الذي يقرر بمحض ~~إرادته ما هو الصلاح وهو بطبيعة الحال الأصلح له والأفسد ~~للأمة. وقد ظهر ذلك في العقائد المتأخرة الموازية للنظم ~~السياسية التي تقوم على سلطان الحاكم المطلق. وإذا كان ~~خالق الأفعال المطلقة الشاملة للعدل خارجا عن الوجوب ~~انقضى العدل، فالعدل والوجوب واجهتان لشيء واحد. إن هدم ~~العقل والشرع هو هدم لكل قانون بما في ذلك قانون الاستحقاق ~~وبالتالي يعيش الإنسان في عالم من الظلم أو من العبث ولا ~~يجد أمامه إلا الاستسلام للحاكم المطلق، يفعل له ما يشاء؛ ~~وينتهي الأمر كله عنده إلى الرضا بالأمر الواقع، فيرضى ~~الفقير بفقره ويسر الغني بغناه، ويتحول العدل الإنساني ~~إلى ظلم إلهي، ويعود العدل من جديد في بطن التوحيد. # 7 ~~(2) إثبات الصلاح والأصلح # إن فعل الصلاح والأصلح ليس قانونا صوريا أو فعلا ~~مطلقا لإرادة خارجية، بل قانون مادي قائم على صلاح ~~الإنسان والأصلح للأمة. ليس الإنسان هو الفرد الأوحد، بل ~~الإنسان العام الذي لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وليست ~~مصالح الأمة هي الأمة الفريدة بل هم البشر في كل زمان ~~ومكان. وهي حقيقة إنسانية تقوم على العقل والطبيعة؛ لذلك ~~قام الوحي على المصلحة، وأصبح أساس التشريع درء المفاسد ~~وجلب المصالح. إن اختيار إنسان للأصلح ضرورة مطلقة في ~~النظر والعمل، في الوحي والتطبيق. المصلحة أساس الشرع، لا ~~تعبر عن تكوين ms283 ذات مشخصة بقدر ما تعبر عن الحياة ~~الإنسانية، لا تطبق على الله بل على الإنسان. والله ~~بإنزاله الوحي يبغي مصلحة الإنسان كما يبغي مصلحته الخاصة. ~~ولا يبغي الله مصلحة نفسه كما لا يبغي الإنسان مصلحة الله؛ ~~فالمصلحة أساس علم الأصول بشقيه؛ علم أصول الدين وعلم أصول ~~الفقه. الصلاح والأصلح هما إذن ضمن الواجبات العقلية مثل ~~الخلق والتكليف وشكر المنعم، وأحد وسائل تنزيه الله عن فعل ~~القبيح. وهي واجبات يتصورها الإنسان في الطبيعة بصرف ~~النظر عن الذوات المشخصة، الإنسان أم الله. وإذا ما قيل ~~إنها واجبات على الله، فإن ذلك يكون قياسا للغائب على الشاهد. # 8 # والشاهد هو التجربة الإنسانية أو تجارب ~~الجماعة والتاريخ، وهي مصدر الحقيقة الإنسانية وحوامل ~~المعاني. ولما كان فعل الأصلح مشاهدا في هذا العالم كان ~~فعله أيضا في أي عالم آخر. وأن قسمة الأحكام إلى واجب ~~ومندوب لا تعني نقصا في ضرورة الأصلح؛ فالمندوب لا يعني ~~تمنيا وتفضلا، بل هو الأصلح المختار الذي يكشف عن ~~حرية الإنسان في اختيار الأصلح. فالصلاح متفاوت الدرجات ~~والإنسان يختار أعلاها لنفسه؛ لذلك كان فعل الصلاح لا ~~ينافي تكافؤ الفرص لأنه اختيار إنساني. وإذا كان الله من ~~خلال الوحي قد فعل الصلاح فإن الإنسان له حرية الاختيار في ~~أن يزيده، وبالتالي يفعل الأصلح أو يقله فيفعل الأقل صلاحا. # 9 # فإن قيل: إن كان الله يفعل الصلاح فهل يفعل ~~الأصلح؟ وهل يمكن أن يفعل الصلاح وهو قادر على فعل الأصلح؟ ~~وهل هو قادر على فعل الأصلح ولا يفعل إلا الصلاح؟ قيل إن ~~كل هذه افتراضات وهمية ناتجة عن افتراض تدخل إرادة ~~خارجية في الحياة الإنسانية. وإن من المشاهد في الحياة ~~الإنسانية أن الإنسان لا يدخر وسعا في فعل الصلاح ~~والأصلح. وإذا اختار بين الأقل صلاحا والأكثر صلاحا فإنه ~~يختار الأصلح. وإذا اختار الآن الأقل صلاحا فقد يكون ~~لصلاح أعظم فيما بعد. إن اعتبار الأصلح للإنسان بعد ~~الخلق والتكليف، كإنسان حر عاقل واعتبار الأصل له نهاية ~~وكل وغاية إنما تفضيل للواقع على الممكن، وإيثار ms284 للعمل ~~على النظر. وما الفائدة من أصلح نظري غير محدد ولا يتحقق ~~منه شيئا؟ # 10 # فإذا ما كان هناك أصلح نظري لا يستعمل فإنه ~~يصبح لطفا، وبالتالي يصبح السؤال: هل يقدر الله على خلق ~~لطيفة لمن علم أنه لا يؤمن كي يؤمن؟ وهنا يقدم العقل ~~للشعور صفتين متعارضتين، هما القدرة والعلم، حتى تكون ~~فرصة أمام الشعور للتعبير عن عواطف الإجلال والتعظيم. ~~فالإثبات تأكيد لسلطان القدرة على حساب العلم، مع أنه ~~أيضا صفة مطلقة، ولكن يشفع لها أنها تتدخل لصالح ~~الإنسان. والتدخل في حد ذاته حتى ولو كان لصالح الإنسان ~~قضاء على استقلال الحرية الإنسانية وحل الشق الثاني من ~~العدل، أي الحسن والقبح العقليين، على حساب الشق الأول ~~منه، وهو حرية الأفعال. وإذا ما ثبت الوضع القديم إن كان ~~فيه ضرر على الإنسان فكيف يحدث ذلك والتأليه منبع الخير؟ ~~أما النفي فإنه تأكيد للحرية الإنسانية حتى ولو كانت في ~~غير مصلحة الإنسان. فالفعل الحر المستقل نابع من إرادة ~~الإنسان حتى ولو كان ضارا له. ويؤثر الإنسان فعلا حرا ~~ضارا على فعل نافع من إرادة خارجية تعمل لصالحه. # 11 # وماذا لو رفض العقلاء اللطف ما دام العقل ~~لديهم قادرا على الوصول إلى التكليف ومعرفة الصلاح ~~والأصلح من العقل والسمع معا؟ إن افتراض أن يكون الله قد ~~ادخر لطفا لمن علم أنه لا يؤمن حتى لا يؤمن تجويز ~~للظلم على الله، ونفي لحرية الإنسان واختياره، وقضاء على ~~عقله واستقلاله. فأفعال الشعور الداخلية مثل الإيمان ~~والكفر أفعال حرة قائمة على العقل والتمييز. # 12 # فإن كان هناك أصلح وإن كانت لدى الله ألطاف ~~أخرى لا نهاية لها يعطيها للبشر اختيارا، فلماذا ادخرها ~~الله ولم يعطها حتى يكون العالم أفضل العوالم الممكنة ~~وتغليبا للأصلح على الصلاح؟ ومتى يعطيها الله ومتى يهبها ~~وطبقا لأي مقياس ولأي مدى؟ أليس في ذلك تدخل في الحرية ~~الإنسانية التي أصبحت من قبل أحد مكتسبات العدل، والذي ~~بدوره خرج من بطن التوحيد؟ وما الفائدة من لطف غير ~~مستعمل، مجرد إثبات حق نظري، ms285 إثباتا للقدرة المطلقة؟ ~~وقد تم ذلك من قبل في التوحيد، وفي العدل لا تحدث شيئا. ~~إن مصلحة الفرد والجماعة ليست نعمة أو إحسانا أو تفضلا ~~أو لطفا من أحد، بل نتيجة للجهد والمشقة والمعاناة. ~~والأصل ضرورة موضوعية لا صلة لها بالعواطف المشخصة ~~والانفعالات الذاتية والإكراميات شكرا وثناء، حمدا ~~وتبجيلا. ولما كانت الشريعة تقوم على جلب المصالح ودرء ~~المفاسد، فقد يأخذ السؤال صيغة الضرر ويكون: هل يقال إن ~~الله يضر أم لا؟ فالإثبات يبقى إثبات القدرة المطلقة ونفي ~~أية صفة من صفات العجز، وإلا كان هناك نقص في عواطف ~~التأليه وبصرف النظر عن حقوق الإنسان وحياته أو ما ينتج عن ~~إثبات هذه القدرة من طغيان ونفي للعدل وإثبات للطاغوت. ~~وتكون الإجابة بالنفي دفاعا عن حقوق الإنسان وإثبات حقه ~~في دفع الأضرار عن نفسه ومقاومة الظلم. # ولا يؤدي القول بالأصلح إلى رفض الآلام والمشاق الناتجة ~~عن الأفعال؛ لأن الإنسان يفضل أن يركن إلى الكسل والراحة ~~وحياة الدعة والسكون والتعب والنصب والجهد والألم والجرح. ~~كل ذلك لا يمثل نقضا للصلاح والأصلح؛ فالذات تضع نفسها ~~بالجهد وتثبت وجودها بالمقاومة. والغاية من بذل الجهد ~~تحقيق الوجود الإنساني، والإنسان بلا جهد حر يتحول إلى ~~ظاهرة طبيعية حتمية. وبالتالي إذا كان الله متفضلا ~~بالثواب فكيف يجوز الجهد؟ ليس في فعل الأصلح أي جهد زائد ~~أو كدر لا يتحمل، بل هو تأدية للدعوة وضرورة داخلية وأداء ~~للرسالة. فعل الأصلح في حد ذاته فعل إيجابي وليس له أي ~~جزاء آخر، إلا أنه في الحياة العملية كمال للإنسان. # 13 # ولا يقال أيضا إن الأصلح ألا يعاقب ~~الإنسان في أفعاله وأن يغفر له ويتوب، وبالتالي يتحول ~~الأصلح إلى أن يكون دفاعا عن مصالح الإنسان، ورغباته ~~وأهوائه، وإلى هدم القانون إن لم يكن هناك مقياس موضوعي ~~عام للأصلح دون الوقوع في الفردية والنسبية والمصلحة ~~الشخصية؛ وبالتالي يتخلى الإنسان عن نتائج أفعاله. # 14 # الأصلح ليس بالرجوع إلى الوراء والتمني، بل هو ~~التقدم إلى الأمام. الأصلح للإنسان أن يكون حرا وإلا كان ~~ظاهرة طبيعية. ms286 الأصلح للإنسان أن يرتبط مصيره بالحرية حتى ~~يكون مسئولا عنها محاسبا عليها. ليس الأصلح للإنسان رفض ~~العقل والبلوغ وأن يعيش الإنسان مخلوقا حيا دون أن يكون ~~له عقل بالغ فيعيش حيوانا أعجما أو طفلا أو مجنونا أو ~~معتوها. وكيف يكون هناك أصلح إذا ما اخترم الإنسان قبل ~~العقل والبلوغ؟ إنما الصلاح يقع في حياة الإنسان الحر وليس ~~فقط نتيجة هذا الجهد. ودون عقل لا يكون هناك استحقاق مدح ~~أو ذم. # 15 # وكيف يمكن شكر النعم كواجب عقلي وعلى فعل ~~الأصلح كواجب حتمي إن لم يكن هناك فعل وإدراك؟ # 16 # ولا يقال إن الأصلح للإنسان ألا تأتيه ~~الرسالة وألا يقوم الرسول بالتبليغ وأن يصرف الله إرادته ~~عنها؛ فالتكليف واجب إنساني. وجهد الإنسان الحر بالنسبة ~~له عملية تتحقق لا تتحدد نتائجها إلا بعد بذل الجهد. ~~الرسالة يقين النظر وباعث على العمل؛ وبالتالي لا تتم ~~عملية التحقق إلا بها، وإلا فكيف يتحول إلى نظام مثالي في ~~العالم؟ ولا ضير في أن يتغير الوحي كشريعة طبقا للصلاح ~~والأصلح على ما هو معروف في الناسخ والمنسوخ حتى تتم عملية ~~المقياس، قياس الشرع على أهلية الإنسان وقدرته. فالشرع ~~موضوع لصالح الإنسان، متغير بتغير مصالحه وليس تعبيرا عن ~~ثبات الذات الإلهية وشمولها. ويمكن للعقل الإنساني أن يدرك ~~الحكمة من هذا التغير ويدرك قانونه الثابت؛ وبالتالي يلحق ~~بالعلم الإلهي الثابت وبإرادة الله المتصلة. # 17 # وإذا كان الأصلح في الدين يمكن الاتفاق عليه والاعتراف ~~به، فهل الأصلح في الدنيا كذلك؟ والحقيقة أن هذا السؤال ~~إنما يقوم على تفرقة لا وجود لها، إلا افتراضا، بين الدين والدنيا. # 18 # فما هو مقياس هذه التفرقة؟ إن الوحي تنظيم ~~لشئون الدين، والدنيا تحقيق لهذا التنظيم، والدين هو ~~المثال والدنيا هو الواقع، والمثال يتحقق في الواقع ~~والواقع تحقق للمثال. الأصلح إذن للدين هو الأصلح للدنيا، ~~ولا يوجد صلاحان كل منهما على حدة. وإذا كان الأصلح للعباد ~~فإن مصالح العباد في الدنيا وليس الدين إلا وسيلة لتحقيق ~~هذه المصالح. إن الأصلح ضرورة في الدنيا والدين ms287 معا، ~~فالدين هو الدنيا والدنيا هي الدين. وإن جعل الأصلح في ~~الدين فقط دون الدنيا تناقض وتوهم فصل في شيء واحد، وإن ~~كان لا بد من التمييز فإن الأصلح في الدنيا أولى، فيها ~~مصالح العباد مرتبطة بحرية الإنسان وعقله في حين أن الأصلح ~~في الدين لا يمكن للإنسان إدراكه إلا بقياسه على الأصلح في ~~الدنيا. الأصلح واقعة داخلة في نطاق حياة الإنسان بفعل ~~الحرية، لا يوقفها ولا يدفعها أحد، فالأصلح يتحقق من خلال ~~الحرية وفي نطاقها؛ ومن ثم كان الأصلح بعد الخلق ~~والتكليف، ثم اكتشاف الإنسان لنفسه كفعل حر وعقل مستقل ~~وقدرة على إدراك الآيات والبراهين وتجاوز العقبات في ~~المواقف والتمييز بين المصالح والمفاسد، بين الغنى والفقر، ~~بين الصحة والمرض، بين الحياة والموت، بين الحرية والقهر، ~~بين الوحدة والتجزئة، بين الهوية والاغتراب. والأصلح ~~ضرورة عقلية، فالعقل والوجود صنوان، وحكم العقل هو حكم ~~الوجود. والعقل هو شرط الحرية كما أن البلوغ شرط التكليف. ~~الأصلح ضرورة شرعية، إذ يقوم الشرع على جلب المصالح ودرء ~~المفاسد، للفرد وللجماعة. والأصلح ضرورة كافية لا تحتاج ~~إلى ضروريات لا متناهية، والضرورة الكافية هي سبب وجود ~~العقل والشرع والطبيعة معا. والأصلح ضرورة لحياة الإنسان ~~وليس ضرورة لإثبات قدرة مشخصة لا تخضع لأية ضرورة أخرى ~~من طبيعة العقل وواجب الحرية أو بناء الكون ذاته، وليس ~~تشخيصا للطبيعة إما ذهابا بإثباتها أو إيابا ~~بإنكارها. ليس الأصلح تفضلا وكرما، بل هو ضرورة ~~وجودية في طبيعة الأشياء، كما أن الشرع ضرورة كونية ولا ~~مجال فيها للتفضل والكرم والإنعام والإحسان. والأصلح ~~ضرورة دنيوية خالصة وليس أخروية؛ إذ إن الأخرويات كلها ~~نقل من هذا العالم إلى عالم آخر، إما تعبيرا عن أمل أو ~~تعويضا عن حرمان. وإن قيل إن المانع من فعل القبيح وعدم ~~القدرة عليه هو رعاية الأصلح في الآخرة، فإنما يكون ذلك ~~قياسا للغائب على الشاهد وأدخل في موضوع المعاد، والذي لم ~~يثبت بعد في العقليات طبقا لبناء العلم. # 19 # إن إثبات الأصلح يعني أن الله يفعل الخير دون الشر، أي ms288 ~~إنه يرعى مصالح العباد ولا يضرهم، فهو من هذه الناحية ~~تفاؤل وخير وبراءة وطهارة، في حين أن نفيه نظرة شريرة إلى ~~العالم وتصور لله على أنه شرير يفعل الشر ويضر بالناس؛ ~~لذلك كان النفي أقرب إلى التنزيه. ولا يعني النفي أي نقص ~~في عواطف التأليه، بل وضعا لها على أساس إنساني من أجل ~~الإبقاء على مصالح الإنسان. ويتعدى الأمر أحيانا إلى فرض ~~الأصلح على عواطف التنزيه، فتحدد القدرة المطلقة بفعل ~~الأصلح وهو ما عبر عنه الأصوليون من قيام الشرع على ~~المصالح العامة دون تشخيص للقدرة، والحديث عن حكمة الشرع ~~وليس عن شخص الشارع. وما دام الأصلح تعبيرا عن موقف ~~الإنسان وممارسته لحريته وعقله، فإنه يكون تعبيرا عن ~~قانون عام مثل قانون الاستحقاق. والقانون ثابت من وجهة ~~نظر الإنسان. ومن حق الإنسان أن يعيش في عالم يوجهه العقل ~~ويحكمه القانون. أما من وجهة نظر صاحب السلطة والتشريع ~~فالقانون لديه تعبير عن إرادته، يمكنه أن يغيره ويبدله، ~~بل ويوقفه في أي وقت شاء. ولما كنا بشرا ولسنا آلهة، ~~نعبر عن وجهة نظر إنسانية خالصة، فالقانون بالنسبة لنا ~~عام وثابت. وكل محاولة لتغييره أو تبديله أو تأويله أو ~~إيقافه تكون ضد الإنسان ومصالحه. يخضع الإنسان للقانون ~~العام الذي يعبر عن مصلحته لأنه قانون عقلي، ولكنه لا ~~يخضع لإرادة أو لسلطة مطلقة وراء القانون يمكن التلاعب به ~~خاصة ونحن في جيل يتم وضع القانون فيه لحساب الحكام ~~وتعبيرا عن أهوائه ونزواته وليس إثباتا للصالح ~~العام. # والحقيقة أن الصلاح والأصلح تعبير عن ضرورة العقل والشرع ~~معا، وتعبير آخر عن ضرورة الحرية والطبيعة. ليس فيهما أي ~~أثر أجنبي من الخارج، من ثنوية أو غيرها. فالأصلح موضوع ~~أصيل. وهو أساس الشرع ومصدر التشريع وسبب الوحي. # 20 # وإن أكبر حجة ضد الخصم هي اتهامه بالعمالة ~~الحضارية وبأنه منفصل عن تراثه وبأنه تابع لمؤثرات ~~أجنبية. وليس فيهما أي نقل من العلوم الأخرى مثل علوم ~~الحكمة أو علوم التصوف، بل هما تعبير عن بنية علم الأصول ~~بشقيه، علم أصول الدين ms289 وأصول الفقه، يعيدان إلى العلم ~~وحدته بتوحيد علم النظر وعلم العمل؛ علم العقيدة وعلم ~~الشريعة، الوحي والطبيعة على أساس واحد، وهو مصالح الناس ~~ورعاية البشر. # 21 # إن ما يمكن أن يوجه إلى الصلاح والأصلح هو تبرير الشر ~~في العالم، في الأفعال وفي الطبيعة، واعتبار هذا العالم ~~أفضل العوالم الممكنة، وأن كل ما فيه خير وصلاح، وأن ~~الواقع أفضل من الممكن، والحال أفضل من المآل، وأننا لو ~~علمنا الغيب لاخترنا الواقع، وأن ليس في الإمكان أبدع مما ~~كان. وقد يسبب ذلك نوعا من الاستسلام للأمر الواقع والرضا ~~بكل صنوف الضيم والظلم والهوان، وبالتالي تستحيل قضية ~~التغير الاجتماعي كما يستحيل العمل السياسي الذي يقوم على ~~تغيير الوضع القائم إلى وضع أفضل. وينتهي التقدم، ويقضى ~~على الرغبة في العمل وعلى بذل الجهد، وتنتهي المقاومة ~~للظلم؛ فالأصلح للظالم أن يكون ظالما، وللمظلوم أن يكون ~~مظلوما، وللغني أن يكون غنيا، وللفقير أن يكون فقيرا، ~~وللقاهر أن يكون قاهرا، وللمقهور أن يكون مقهورا، ~~وللمحتل أن يكون محتلا، وللذي يقع عليه الاحتلال أن يقبل ~~الاحتلال. كما يصعب على الإنسان عقلا وقلبا أن يفهم أن ~~الله لا يراعي الصلاح والأصلح، وفي الوقت نفسه يصعب عليه ~~أن يقبل أن يكون ذلك واجبا على الله، فالله لا يجب عليه ~~شيء كحق نظري. والحقيقة أن كل هذه الاستدراكات على ~~الصلاح والأصلح إنما تأتي من اعتباره ضد الحرية، وهي في ~~واقع الأمر تعبير عنه. فقد ثبتت حرية الأفعال في أول شق ~~لأصل العدل بعد انبثاقه عن التوحيد وخروج الإنسان المتعين ~~من الإنسان الكامل. كما تقود العقليات كلها إلى السمعيات ~~وآخرها النظر والعمل ثم الإمامة. فالغاية النهائية هي ~~التغيير الاجتماعي. إن قبول الأمر الواقع كقضاء لا يمنع من ~~الخروج عليه كقدر. كما أن اللفظ المزدوج الصلاح والأصلح ~~يعطيان إمكانية لا نهائية للانتقال من أحدهما إلى الآخر. ~~فلا صالح إلا وله أصلح. فإذا كان الوضع القائم هو الصلاح، ~~فإن تغييره إلى وضع أفضل هو الأصلح؛ ومن ثم يكون ~~التقدم المستمر ممكنا إلى ما لا ms290 نهاية. أما التعبير ~~بلفظ الوجوب فهو مصطلح إنساني خالص يتحدد فيه الوجوب ~~العقلي بالوجوب الطبيعي بالوجوب الأخلاقي. وانبثاق العقل ~~من التوحيد يجعل الانتقال من الله إلى الإنسان ممكنا؛ ~~وبالتالي تتوقف لغة الذات والصفات على لغة الأفعال حيث ~~تبرز مصالح الناس وتظهر حياة البشر؛ لذلك يظهر مع ألفاظ ~~الصلاح والأصلح ألفاظ أخرى مثل الجود والجواد والبخل ~~والبخيل والاقتصاد والمقتصد، مما يدل على أنها مصطلحات ~~إنسانية خالصة. # والإصلاح في مقابل الإفساد لفظان في أصل الوحي؛ فالصلح ~~والصلاح للإنسان لنفسه أو لذات البين. وهو إصلاح من ~~الإنسان الحر وأفعال الشعور الداخلية كالإيمان والتقوى ~~والتوبة. وإذا كان الإنسان يدعو الله للإصلاح، فإن الله ~~يأمره به. ويظل الإصلاح فعلا للإنسان أكثر منه فعلا لله. ~~بل يصبح «صالح» اسم علم لما يعطيه الفعل على الشخص من سمة ~~الصلاح. كما يصبح الأنبياء من الصالحين والأعمال كلها من ~~الصالحات. والإصلاح أيضا للعلاقات بين الذوات (الزوجان) ~~وفي الأرض. وهو فعل الإنسان أكثر من فعل الله. الله يعلم ~~الإصلاح ولا يضيع أجر المصلحين، ولكن إصلاح الإنسان شرط، ~~وفعل الله مشروط بفعل الإنسان. # 22 # أما الفساد فإنه أيضا فعل إنساني ناتج عن ~~التشتت والتبعثر واتباع الهوى دون العقل، وينشأ من ~~أفعال الملوك والقبائل (الرهط) والناس. وهو أقرب إلى فعل ~~الجماعة منه إلى فعل الفرد، وكأن الفساد وضع اجتماعي في ~~حين أن الفرد خير بالفطرة. ويظهر الفساد في الأرض وفي ~~البر والبحر وفي البلاد بفعل الناس. والله يعلم ولا يحب ~~الفساد ولا المفسدين. ويرى المفسدون عاقبة الفساد طبقا ~~للأفعال ونتائج الأفعال، وينالون الجزاء طبقا للاستحقاق. ~~والفساد معنوي ومادي معا، مثل تبديل الحق والاستعلاء ~~والطغيان والكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبخس ~~الناس أشياءهم، وذبح الأبناء واستحياء النساء، وقتل النفس ~~وهلك الحرث والنسل. وتفصيل الفساد للتنبيه عليه مثل ترك ~~الإصلاح كقاعدة عامة يتبعها الإنسان طبقا للفطرة، فدرء ~~المفاسد مقدم على جلب المصالح كما هو الحال في الشق ~~الثاني من علم الأصول. # 23 ~~(3) هل يمكن نفي الغائية والعلية؟ # ولما كان الصلاح والأصلح غاية ms291 في الأفعال وعلة لها، فقد ~~ظهر موضوع الغائية والعلية كموضوع أشمل وأعم حتى استقل ~~بذاته وأصبح أيضا موضوعا للجدل بين النفي والإثبات. كما ~~أنه ارتبط بموضوع التكليف؛ لأن التكليف أيضا تحقيق لغاية؛ ~~غاية الإنسان ورسالته في التاريخ. # 24 # وقد ظهر الموضوع بحدة في العقائد المتأخرة، ~~نفيا للغائية، تنزيها لله عن الغرض، ومستغنيا عن كل ما ~~سواه وافتقار كل ما عداه إليه. # 25 # فهل يمكن نفي الغائية؟ # يقوم نفي الغائية على نفي الغائية والغرض عن الله. فإذا ~~كان من معاني الواجب ما يلحق بتاركه الضرر وبفاعله النفع، ~~فإن ذلك يستحيل على الله لانتفاء الأغراض المقصودة وإلا ~~كان ناقصا مستكملا بالغاية، ومن ثم لا يوجب شيء ~~على الله. # 26 # ولما كان غرض الفعل خارجا عنه يحصل به ~~وبتوسطه، فإن الله يفعل ابتداء دون حاجة إلى توسط أو ~~تحقيق غاية خارجة عنه وإلا لتسلسلت الأفعال والغايات إلى ~~ما لا نهاية. # 27 # والحقيقة أن نفي الغاية يقوم على خلط بين مستوى الله ~~ومستوى الإنسان. فإذا كانت أفعال الله لا نهاية لها ولا ~~غاية، فإن أفعال الإنسان لها غاية ونهاية. الغاية في الفعل ~~الإنساني وفي رسالته في التاريخ وليست في ذات الله. لا ~~يعني إثبات الغاية أو الغرض إذن أي تجويز لنقص على ذات ~~الله، فإن المشار إليه هو الإنسان وليس الله. الله ينفع ~~الإنسان وليس الإنسان هو الذي ينفع الله أو الله هو الذي ~~ينفع ذاته. ليست الدوافع والأغراض مزعجات ولا تدل على ~~النقص، وإلا كان ذلك إنكارا للعالم الإنساني. فالإنسان ~~مجموعة من البواعث والدوافع والغايات والمقاصد. لا يعني ~~نقصان الغرض أي جهل أو فوات فرصة أو فشل على الله؛ ~~فالموضوع كله أفعال الله بالنسبة إلى الإنسان وليست أفعال ~~الله في ذاتها. إن للشرائع غرضا. فقد أتت لمصالح العباد ~~وإلا كانت أفعال الله عبثا بلا قصد. ولما كان الوحي ممكن ~~الوقوع وكانت الرسالة ممكنة التحقيق تكون أفعال الله كلها ~~حكمة وقصدا. إن الغائية هي محور التفكير الأصولي ~~والاعتزالي في إقامة الشرع على أساس المصلحة، ms292 إنكار العلية ~~إذن إنكار لأساس الشرع والباعث على وجود الوحي. إنكار ~~التعليل إنكار لأساس الشرع. # 28 # إن تنزيه الله عن الأغراض ليس تنزيها بل ~~تجويز للعبث والتناقض والظلم والجور. ولما كانت الغائية هي ~~الحياة، فإن نفيها يكون موتا للإله وتناقضا مع صفات ~~العلم والقدرة والحياة. وإلا فلماذا يسمع ويتكلم ويبصر ~~ويريد؟ وكيف تبطل العلة الغائية وهي أسمى العلل، أسمى من ~~العلة الفاعلة والعلة المادية والعلة الصورية؟ بل إنها هي ~~العلة الفاعلة الحقة. فالغاية هي الباعث والدافع على ~~الحركة. هي المستقبل والهدف والمصير. وما الفائدة من إثبات ~~غاية لا نعلمها؟ إن هذا إثبات للجهل الإنساني ونفي للعقل ~~أحد مكتسبات العدل. إن وظيفة الغايات معرفتها أولا من ~~أجل تحقيقها ثانيا، المعرفة بالعقل والتحقيق بالحرية. ~~وإذا كان علم أصول الدين معرفة، فإن علم أصول الفقه تحقيق؛ ~~فغاية النظر العمل. # 29 # وإذا كان الغرض هو العلة الباعثة للفاعل على ~~الفعل، فكيف يمكن نفيه؟ وكيف يكون الله منزها عن العبث ~~وأفعاله ليس لها أغراض ومقاصد؟ لا يكفي تنزيه القدرة ~~المشخصة عن العبث لضمان موضوعية القيمة والصفات الذاتية للأفعال. # 30 # ولا يمكن إثبات الحكمة دون الغائية، وإلا ~~فماذا تعني الحكمة؟ إن كان الغرض من إنكار الغائية هو ~~تنزيه الله، فإن تنزيه المؤله عن الغرض والغاية يبطل ~~الحكمة وينال من التنزيه الكامل. إن إنكار الغائية يؤدي ~~إلى الفصل التام بين المؤله والعالم، ويجعل المؤله فعالا ~~لما يريد دون علة أو غاية أو باعث أو دافع، وهو ما يعادل ~~الحرية المطلقة بلا باعث أو سبب، حرية العبث. # إن تنزيه الذات المشخص عن الشر لا يعني وقوع الشر في ~~العالم ولا يجيب عن مصدر علته، بل لا يفعل أكثر من نسبة ~~الشر إلى النفس والخير إلى الذات المشخص تضحية أو مسكنة أو ~~نفاقا أو غرورا. والغاية ليست نقصا يلصق بالإنسان ~~وشرا ينزه الله منه. # وكما أن الغاية في أفعال الله وفي أفعال الإنسان فإنها ~~تكون أيضا في الطبيعة وفي التاريخ؛ فالطبيعة تسير نحو ~~غاية، والتاريخ أيضا يسير نحو غاية. ms293 لا تعني الغائية في ~~الطبيعة حاجة طرف وكرم طرف آخر؛ فالطبيعة مستقلة عن ~~أطرافها. وإن تصور علاقة الطرفين المشخصين على أنها ~~علاقة احتياج وكرم تصور قائم على استضعاف أو استذلال أو ~~سؤال أو تملق. الحكمة في الطبيعة وليست في علم مشخص أو ~~إرادة مشخصة. # 31 # ولا تعني الغائية أي نقص في الطبيعة بل ~~كمالها؛ فالطبيعة متجهة نحو غاية هي كمالها. الغائية هي ~~أساس الوجود في الإنسان وفي الطبيعة. واعتبار الطبيعة مجرد ~~تعبير عن الجود والكرم من وجود مطلق مشخص هو إلغاء لوجود ~~الطبيعة واستقلالها. كما أن إنكار الغائية من الأفعال ~~والطبيعة وإرجاعها إلى فاعل حكيم قضاء على موضوعية ~~الأشياء ووجود العالم المستقل. إن الكون كله بالرغم من أنه ~~حدث ابتداء إلا أنه حدوثه كان لغاية وهدف، كما أن خلق ~~العالم كان لغاية وغرض وليس من خارج الكون أو الخلق، بل من ~~الداخل في طبيعة الكون والخلق. # 32 # ليس الغرض توسطا لوقوع الفعل، بل هو الباعث ~~والدافع. والله لا يحتاج إلى توسط وإن احتاج كان عاجزا. ~~ولا تتسلسل الأغراض إلى ما لا نهاية لأن الغاية تنتهي ~~بالكمال والتحقق إلى نهاية الزمان؛ فالنهاية إعلان لتحقق ~~الغاية والكمال؛ لذلك كانت الغائية أيضا كامنة في التاريخ ~~باعتباره تطورا للإنسان والطبيعة والكون والخلق كله. ~~الغائية في التاريخ كما أنها في الوحي، وتطور التاريخ نحو ~~غاية مماثل لتطور الوحي حيث تظهر في النهاية نتائج الأفعال ~~وآثارها. وإذا كانت الغاية قيمة فالله هو هذه القيمة ليس ~~بشخصه بل بعلمه ومقصده ووحيه. الغائية في التاريخ هي ~~العناية الإلهية على مستوى حركة التاريخ ومساره. ولا تتحقق ~~هذه الغائية بقدرة مشخصة أو إرادة خارجية، كما لا تتحقق ~~تحققا آليا خارج قوانين التاريخ بل تتحقق بفعل الإنسان ~~وطبقا لقوانين التاريخ. وإذا لم تتحقق الغائية يكون ~~الإنسان قد تخلى عن رسالته في الحياة، ويكون هو المسئول عن ~~عدم تحققها، ولا تقع المسئولية على غياب الغائية وعدمها. ~~ومع ذلك لو تخلى الإنسان عنها اندثر في التاريخ وانهارت ~~الأمم وأتى إنسان آخر ونهضت أمم ms294 أخرى لأداء الرسالة ~~ولتحقيق الغائية حفاظا على مصالح الناس والحياة الإنسانية ~~وإبقاء على الوجود ذاته. # ولما كانت الغائية هي أحد مظاهر العلية بدليل العلة ~~الغائية، فلا يمكن نفي العلية أيضا؛ إذ لا تعني العلة ~~جواز الضرر والنفع في ذات الله، فالحديث كله إنساني خالص ~~على مستوى الإنسان، كما أن إرجاع العلة الغائية إلى حكمة ~~الذات المشخص هروب من المشكلة، ومحاولة لمسك الوحي من ~~الطرفين، إثبات الغائية وإثبات الذات المشخص في آن واحد. ~~ورفض الطرفين أو إثباتهما معا تحصيل حاصل. # 33 # أما الخوف على قدم العالم أو حدوث الله ~~فتلك مسائل ميتافيزيقية خالصة وليس مكانها العلة والغاية ~~بل دليل الحدوث. # 34 # وأفعال الله معللة بأغراض وإلا كانت عبثا. ~~ولا تعارض بين الحكمة والمصلحة؛ فالحكمة الضارة سفه. ليس ~~التعليل نقصا أو حطة أو حاجة ليتعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. بل إن مبحث العلة والمعلول من المبادئ العامة في ~~نظرية الوجود في علم أصول الدين، وهو أساس مباحث العلة في ~~علم أصول الفقه. # 35 # إن رفض التعليل هو هدم للقوانين الإنسانية، ~~وترك للعالم بلا إدراك وللوقائع بلا أساس نظري. ويشار ~~إلى الفلسفة باعتبارها المسئولة عن نفي العلية؛ لأن واجب ~~الوجود لا يفعل لعلة، في حين أن تصور الفلسفة للعالم تصور ~~حتمي ضروري ويقوم على إثبات العلل الأربعة وفي مقدمتها ~~العلة الغائية. نظام العالم نظام عاقل ومعقول ولكن الخلاف ~~مع علم أصول الدين في صدور العالم لا عن إرادة كعلة بل عن ~~طبيعة كفيض. # 36 ~~(4) إثبات الغائية والعلية # إذا دل الدليل على كون الله حكيما، فإن الحكمة تنفي ~~العبث وتثبت الغائية. وليست الغائية في شخص الله، في حد ~~ذاته أو صفاته بل في أفعاله، ليس في أصل التوحيد بل في أصل العدل. # 37 # ليس الغرض والغاية نقصا أو عيبا أو ضررا أو ~~منفعة فحسب. فالغائية جوهر التاريخ والباعث على الحياة. ~~الوحي له غاية وهو كمال الجنس البشري وإعلان استقلال العقل ~~والإرادة. ليس القصد والغاية مظهرا من مظاهر النقص ~~والحاجة أو جلب المنافع ودرء ms295 المضار، فإشباع الحاجات ~~ورعاية المصالح من أسس الشرع ومن أسباب الوحي. # 38 # ولا تعني الغاية الملذات والنعيم والسرور دون ~~مشقة أو تعب أو آلام. فقد يكون في ذلك نفع نتيجة لبذل ~~الجهد. هي ابتلاء وامتحان وتحقيق لقانون الاستحقاق. وكيف ~~تكون النعم ابتداء دون مشقة وآلام فتنتفي الحكمة من ~~التكليف ويقضى على قانون الاستحقاق؟ ليس المهم هو البداية ~~أو النهاية بل المسار والتجربة والتعلم عن طريق الخطأ ~~والصواب. ولا تعني الغاية الشكر، فلا شكر على أداء ~~الواجبات، والشكر الوحيد هو أداء الواجبات. # 39 # والغاية تستلزم التعليل، والتعليل قائم في الأحكام بل هو ~~قلب علم أصول الفقه. والتعليل هو العلة الغائية لا العلة ~~الفاعلة أو المادية أو الصورية. # 40 # وليست علة الخلق منفعة الإنسان ومنع الضرر عنه ~~فقط، فتلك هي علة التشريع والباعث على الرسالة. إنما علة ~~الخلق تحقيق الرسالة، وأداء الأمانة، والمشاركة في معرفة ~~الله، وتحقيق غايته المتمثلة في مقاصد الوحي. فيتوحد قصد ~~الوحي مع قصد الإنسان. فإذا كان الوحي قصدا من الله إلى ~~الإنسان كغائية فإن الإنسان بتحقيق هذا القصد يكمل الغائية ويحققها. # 41 # وسواء كان التعليل مجازا أم حقيقة فهو قائم ~~في الذهن الإنساني. والفكر الديني كله مجاز يقوم على قياس ~~الغائب على الشاهد. الواجبات العقلية إذن أمور ذهنية ~~وليست في الخارج، أبنية عقلية تعبر عن مقدار عواطف ~~التنزيه. ليس هناك صواب أو خطأ نظري بل مقدار شدة عواطف ~~التأليه وتراوحها بين الانفعال وبين اتحادها مع بنية العقل ~~ذاته. الخلاف إذن ليس لفظيا فقط، بل في أبنية العقل ~~وتعبيرها عن درجة التعظيم والإجلال. # 42 # الغائية والعلية موجودان في أصل الوحي. ~~فالحكمة هي الكتاب والملك والموعظة ~~الحسنة وفعل الخطاب. ~~حكمة في النظر والعلم، في الوحي والدولة والنصيحة والقول. ~~وصفة الحكيم ليست للذات وحدها مقرونة بالعزيز والعليم ~~والخبير والعلي والحميد، بل صفة للوحي وللكتاب والقرآن ~~والأمر، أي صفة للشرع كغائية في الإنسان والطبيعة والتاريخ. # 43 # | ثامنا: اللطف والألطاف # اللطف في مقابل الأصلح. إن لم تتم أفعال الله طبقا للصلاح ~~والأصلح فإنها ms296 تتم طبقا للطف والألطاف. واللطف أكثر قبولا من ~~الأصلح لأنه لا يتضمن صفة الإجبار كالأصلح، بل يوحي باللطف ~~والتفضل والكرم والجود. # 1 # وقد يدخل اللطف في مسألة الأصلح للتخفيف عن ~~الآلام؛ فاللطف هو الأساس والأصلح والآلام فروع مبنية عليه. ~~وقد يدخل اللطف أيضا في موضوع حرية الأفعال في أفعال الشعور ~~الداخلية مثل التوفيق والهداية والسداد والعصمة، ومن ثم ~~فهو عود إلى الشق الأول من العدل ألا وهو خلق الأفعال وكأن ~~الحسن والقبح العقليين يميلان من جديد إلى الحرية، وأنه من ~~مقتضيات العقل أن يكون الإنسان حرا . اللطف أو المصلحة لحظة ~~اختيار الإنسان الواجب أو تجنب التخلي عن الواجب. فاللطف لا ~~يبعد عن التوفيق والسداد، وبالتالي يدخل في حرية أفعال الشعور ~~الداخلية. ويدخل في باب التكليف في مسألة الجبر والاختيار ~~لإفساح المجال في الإرادة الإنسانية لإظهار عوامل مقوية لها. ~~وبالتالي تثبت الحرية مرتين، مرة منبثقة عن التوحيد، وذلك ~~باستقلال الإرادة الإنسانية عن الإرادة الإلهية، ومرة أخرى ~~باكتشاف العقل وأن حرية الإنسان حسن عقلي؛ وبالتالي فهي واجب ~~عقلي كذلك. قد يقترب اللطف من الجبر إذا كان ~~تدخلا ابتداء وقد يقرب من ~~الكسب إن كان ما يقرب الإنسان على الطاعة وما يبعده عن ~~المعصية، وقد يكون أكثر اتفاقا مع الحرية لأنه ليس تدخلا ~~حتميا في إرادة الإنسان مثل فعل الأصلح، بل مجرد جواز أو ~~إمكان يدل على الفعل الحر. وفي كل الأحوال يكون اللطف أحد ~~مسائل العدل الذي يجمع بين شقيه الرئيسين، الحرية والعقل. ~~وقد يكون اللطف أيضا أحد الأدلة على إثبات النبوة، أي يكون ~~داخلا في السمعيات، فقد آلت العقليات على الانتهاء وشارفت ~~السمعيات على الظهور، النبوة لطف إذا كان العقل أساس النقل ~~وبالتالي تصبح جزءا من المعارف العقلية المستقلة عن النبوات. # 2 # والحقيقة أن اللطف لا يدخل في مسألة معينة بل هو ~~تصور عام للحياة الإنسانية المغلفة بالوجود المطلق القادر ~~العالم الحي. هو تعبير عن العناية التي تفرضها الحياة الكاملة ~~في الحياة الإنسانية. هو تأييد للعقل بالنبوة، وتأييد للحرية ~~بالعون، وتهيئة ms297 الأصلح واستبعاد الفساد. هو تأييد للعمل بتهيئة ~~النظر وإحضار البواعث، والإنسان من قبل على ثقة ويقين من أنه ~~يعيش في أفضل العوالم الممكنة. ~~(1) هل هناك لطف؟ ~~(1-1) تعريفه وأنواعه ومصدره ومحله # اللطف ومقابله المصلحة هو لحظة اختيار الإنسان ~~الواجب أو تجنب التخلي عن الواجب. فاللطف لا يعبر عن ~~التوفيق والسداد بقدر ما يعبر عن إزالة الموانع. فهو ~~تأييد سلبي، أو توفيق بنفي الضد، قضاء على الموانع ~~بالتمكين. ونقيضه المفسدة أي وقوع الضرر بالإنسان. وقد ~~يصل حد الضرر إلى إطلاق اللطف وإضافته إلى الكفر؛ ~~فيسمي ما يقع الكفر عنده لطفا حين توقع مصيبة أعظم، ~~ثم تجنبها حتى ولو كانت مصيبة الكفر، وهناك مصائب أعظم ~~منه. وقد يكون اللطف أقرب إلى الاستطاعة التي يخلقها ~~الله وقت الفعل في نظرية الكسب. # 3 # واللطف نوعان: لطف مقرب إن كان مقربا من الفعل أو ~~ممكنا منه، ولطف محصل إن كان آتيا للمأمور به، ~~الأول يقرب من الطاعة ويبعد عن المعصية دون حد ~~الإلجاء والاضطرار حرصا على الحرية أو على الكسب، ~~والثاني مثل الآجال والأرزاق والقوى والآلات وإكمال ~~العقل ونصب الأدلة، أي ما تتوقف عليه الطاعة. الأول ~~سلبي للتمكين والثاني إيجابي للفعل. الأول لإزالة ~~الموانع والعقبات والثاني لتهييء الآلات والأسباب. ~~والأول نوعان: ما يكون من فعل الإنسان ملازما له وما ~~يكون من فعل الله، الأول سواء كان عقليا أم ~~شرعيا لدفع الضرر، والثاني لإزاحة العلل وتهيئة سبيل ~~التكليف؛ فاللطف سابق على التكليف أو مقارن له ولا ~~يكون متأخرا عنه وإلا فما الفائدة منه؟ فاللطف هنا ~~مثل الاستطاعة إما قبل الفعل أو مع الفعل. وإذا كانت ~~الاستطاعة أيضا بعد الفعل في التوليد إلا أن اللطف لا ~~يكون بعد الفعل وكأن اللطف لا يكون مولدا. # 4 # قد يكون اللطف مع التكليف واجبا وبعد ~~التكليف غير واجب، ويكون اللطف هنا أيضا بمعنى ~~الاستطاعة وكأن اللطف هو شرط التكليف ابتداء، وبعد ~~ذلك يترك الإنسان لاستعمال الألطاف الدائمة كالمعارف ~~النظرية، ومنها النبوة أو التأييدات العملية وإزالة ~~الموانع والعقبات أمام الأفعال. وفي ms298 هذه الحالة يكون ~~اللطف ضروريا واجبا وإلا لاستحال التكليف؛ لذلك قد ~~لا يكون اللطف إتيانا للفعل ابتداء بل مساعدة على ~~الفعل بعد أن يحدث حتى لا يقضي على حرية الاختيار. ~~فإذا لم يحدث لطف ابتداء فماذا يكون حال التكليف؟ هل ~~يستحق الثواب والعقاب؟ قد يكون اللطف إذن تفضلا بعد ~~التكليف لأن التكليف يقوم على القدرات الذاتية وشرط ~~الفعل، العقل والقدرة على الاختيار الحر. اللطف إذن ~~هبة وليس حقا، ومن ثم فهو ليس شرطا للتكليف بل ~~قد يقع التكليف بدونه. اللطف لا يحسن ولا يقبح نظرا، ~~ولكنه يساعد عملا، فهو أقرب إلى العقل العلمي منه إلى ~~العقل النظري. # 5 # أما مصدر اللطف فقد يكون من فعل الله أو من غير ~~فعل الله. قد يكون من فعلنا أو من فعل غيرنا. إن كان ~~من فعلنا وجب فعله احترازا من الضرر دون النوافل؛ ~~لأنه لا يحدث ضرر من عدم فعلها. ما يكون من فعل الله ~~إن كان مفعولا مع تكليف الفعل الذي هو لطف فيه، فإنه ~~لا يكون واجبا، وما يفعله بعد حال تكليف الفعل الذي ~~هو لطف فيه فإنه واجب. وما يكون لطفا من فعل نفس ~~المكلف فمن حقه إذا كان لطفا في واجب أن يكون بمنزلته ~~في الوجوب، وإن كان لطفا في النفل فهو بمنزلته. وما ~~يكون لطفا من فعل غير الله وغير المكلف فمن حقه أن ~~يكون المعلوم من حاله أن يقع ويحدث على الوجه الذي هو ~~لطف وفي الوقت. مصادر اللطف إذن ثلاثة: الله والإنسان ~~والطبيعة. لطف الله غير واجب قبل الفعل وإلا استحالت ~~الحرية، وواجب بعده تأييدا له. ولطف الإنسان مثل ~~الفعل وجوبا وندبا. أما لطف الطبيعة فإنه يقع في ~~الزمان والمكان والحال وليس على الإنسان إلا معرفته ~~وتوحد فعله معه. # 6 # أما بالنسبة إلى محل اللطف فقد يقع اللطف في الفعل ~~أو في إدراك الفعل، أي إن اللطف يكون في العمل كما ~~يكون في النظر. ولا يكون اللطف إلا في أفعال التكليف، ~~أي في الواجبات. وقد يكون ms299 اللطف في النوافل. ولا يجوز ~~اللطف في المباح لأن المباح غير مكلف. وإذا كانت أفعال ~~المكلفين على ضربين، العبادات وخارج العبادات، فإن ~~الأولى لا يجوز فيها البدل بينما الثانية يجوز فيها ~~البدل. وقد تكون إقامة الحد من الإمام لطفا إما له ~~أو لغيره، وتضيع الألطاف بفقدان الإمام وإبطال الحدود ~~في هذا الزمان؛ لذلك قد يكون اللطف مشروطا بوقت دون ~~وقت، ويقع في زمان دون زمان. ولا يكون اللطف فرديا ~~بل عاما، لا يكون خاصا بل شاملا. لا يوجد لطف ~~لشخص يكون مفسدة لشخص آخر، اللطف صلاح للجميع. اللطف ~~عام متاح للجميع، ولكنه قد يقع لشخص دون شخص طبقا ~~لشروط الفعل والقدرة عليه. يؤدي اللطف إلى وقوع ~~المصلحة للذات وللآخرين على السواء. ولا يكون اللطف ~~نظرا عاما لا نهائيا، بل هو خاص محدد معين ~~فردي متحقق في الفعل. # 7 ~~(1-2) هل يمكن إثبات اللطف أو نفيه؟ # عادة يمكن إثبات شيء ونفيه مثل الواجبات العقلية ~~ومثل الصلاح والأصلح. أما اللطف فيصعب إثباته كما ~~يصعب أحيانا نفيه. يمكن إثبات اللطف لأن الله لا يدخر ~~وسعا في اللطف بالعباد؛ فاللطف يمكن أن يكون ابتداء ~~وليس وسطا أو نهاية، فالوسط والنهاية عبث. كما أن ~~اللطف يساعد على الترجيح دون أن يصل إلى حد الإلجاء. ~~وترك اللطف يوجب نقص الغرض من التكليف ومن ثم ~~يكون اللطف واجبا. واللطف أقرب إلى العناية الإلهية ~~والرعاية وتوالي الصلة بعد الخلق دون الإهمال؛ لذلك ~~ينتهي اللطف أحيانا إلى أن يصبح كل شيء تعبيرا عن ~~الإرادة الإلهية الشاملة. إن اللطف أصلح الإنسان، ~~وأصلح للمكلفين الحصول على اللطف، وبالتالي يثبت اللطف ~~بإثبات الأصلح. وأن شعور المكلف بالتوفيق والهداية ~~والسداد حين الطاعة وشعوره بالخذلان والضلال حين ~~المعصية لدليل على وجود اللطف. كما يثبت اللطف بأدلة ~~سمعية، بآيات الفضل والآيات التي تبدأ بأداة الشرط مثل ~~«لو» التي تعني لولا تدخل اللطف لوقعت أضرار أعظم. # 8 # وقد يتم إثبات اللطف تفضلا وإنعاما دون أن يكون ~~واجبا. كما يمكن إثباته وعدا وإنكاره وجوبا. وإن ~~إتيان الفعل ms300 بلا لطف أكثر ثوابا من إتيان الفعل بلطف. ~~وفي سؤال الإخوة الثلاثة قد يسأل الصغير لماذا أعطيتني ~~لطفا واستحق ثوابا أقل؟ وقد يظهر ذلك في صيغة سؤال: ~~هل لدى الله لطف لو أعطاه الكافر لآمن والعاصي لأطاع؟ ~~وإثباتا للطف النظري دون الوجوب العملي ليس في مقدور ~~الله أن يحتفظ بلطف لو فعل لآمن الذين كفروا. بعد ~~إثبات اللطف يكون الخلاف: هل يقدر الله على لطف زائد ~~أم لا يقدر بعد أن أعطى كل ما لديه؟ الأول يمنع ~~القدرة والثاني بخل وشح؛ لذلك لا يجب اللطف على الله. ~~ولو وجب لكان لا يوجد في العالم عاص لأنه ما من مكلف ~~إلا وفي مقدور الله من الألطاف ما لو فعل به لاختار ~~الواجب وتجنب القبيح. فلما كان هناك عصاة فلا وجوب في ~~اللطف. نفي اللطف هنا يعني عدم الوجوب في حين أن النفي ~~في الجبر والعصمة يعني عدم الوقوع. وما الحكمة في أن ~~يعطي الله لطفا مقربا ثم لا يعطيه كله ويكون قادرا ~~على الزيادة فيه؟ وإذا كان الله لا يستطيع إلا هذا ~~اللطف وهو أخص ما لديه فمقدوراته متناهية وإرادته ~~عاجزة. وفعل إثبات العجز والكرم أفضل من إثبات القدرة ~~والشح؟ وإذا كان اللطف كصفة لله غير متناه مثل باقي ~~الصفات لا غاية له ولا كل، فلماذا البخل والشح؟ وما ~~مقياس العطاء والإمساك؟ هل التفضل مجرد تعبير عن ~~مشيئة مطلقة بلا مقياس؟ هذا هو العبث والتحكم والحكم ~~المطلق. لذلك لا يكون اللطف واجبا ولا يكون مقدورا، ~~بل مجرد تفضل بعد سؤال العصمة والدعاء بالسداد وطلب ~~التوفيق. واللطف استجابة لدعاء وعطاء بعد سؤال. واليد ~~العليا خير من اليد السفلى. # 9 # يمكن إثبات اللطف إذن نظرا ومنعه عملا. ~~فالله عنده لطف لو فعله لآمن الكافر ولكنه لا يفعل ذلك ~~عملا. وما الفائدة من حق نظري لا يستعمل. # 10 # لذلك كان نفي اللطف المدخر أفضل من إثباته ~~دون استعمال. فالله قد أعطى أقصى لطف لديه وليس لديه ~~لطف منعه من الكفار حتى لا يؤمنوا وإلا ms301 لما كان في ~~أفعاله صلاح العباد؛ فاللطف صلاح، ولما كان الله يفعل ~~الأصلح فإنه يفعل أيضا الألطف. # 11 # وقد ينفى اللطف بالجبر إذن إن جبر الأفعال لا يحتاج ~~إلى لطف، فالأفعال واقعة جبرا وقسرا بلطف أو غير ~~لطف. والعصمة مثل الجبر تمنع من الإقدام على القبيح ~~وتدفع إلى الطاعة فليست في حاجة إلى لطف. # 12 # وقد ينفى اللطف بحرية الأفعال. فالإنسان ~~حر في أفعاله لا يحتاج إلى عون أو تأييد سابق أو ~~مقارن أو لاحق إلا من بنية الفعل ذاته من أحكام النظر، ~~وقوة الباعث ووضوح الهدف، وشحذ الطاقة، ومعرفة مسار ~~الفعل وقوانين الحركة في التاريخ. فاللطف في هذه ~~الحالة ليس قوة تأتي من الخارج بلا تمييز ولا شرط، بل ~~هو تحول قوى الفعل من كم إلى كيف. فالفعل يولد طاقة ~~جديدة أثناء تحققه زائدة على الطاقة الأولى التي كانت ~~قبل التحقق. # 13 # يمثل إثبات اللطف إذن خطورة على حرية الأفعال ~~وتهديدا لأول مكتسب للعدل. وكيف يثبت اللطف أنصار ~~حرية الأفعال؟ الأولى بإثباته أصحاب الكسب لأنه أقرب ~~إلى الاستطاعة التي يخلقها الله ساعة الفعل، ولكن هذه ~~المرة من القدرة ولإزالة الموانع، وكلاهما مساعدة من ~~الخارج للتوفيق. والمساعدة ليست من الخارج بل من ~~الداخل ولكن الإنسان لا يعي القدرات غير المنتظرة ~~نتيجة للإخلاص والتضحية. # اللطف إذن عكس الحرية. إذا كان الإنسان قادرا ولديه ~~استطاعة قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل ففيم اللطف؟ ~~ألا يعتبر اللطف حينئذ تدخلا في حرية الأفعال؟ إنه ~~ليصعب التوفيق بين الحرية واللطف. # 14 # إن إنكار اللطف ليس إنكارا للقدرة بل ~~إثبات لحرية الاختيار. بل إن التكليف ابتداء لا يحتاج ~~إلى لطف اللهم إلا إذا اعتبرنا العقل والحرية من ~~الألطاف مع أنهما من مكتسبات العدل الذي انبثق عن ~~التوحيد بفعل الحرية ثم انبثق العقل عن الحرية لأنها ~~حرية عاقلة. ألا يمكن للإنسان ترك اللطف اختيارا ~~والاعتماد على حريته وعقله؟ # 15 # وكيف يمكن التوفيق بين اللطف من ناحية ~~والحرية والعقل من ناحية أخرى؟ وماذا لو رفض الأحرار ~~العقلاء اللطف، ms302 فالحرية لديهم قادرة على الفعل، والعقل ~~لديهم قادر على الوصول إلى التكاليف؟ وإذا كان اللطف ~~يتدخل في الحرية إلى المنتصف ففيم الحرية؟ ولماذا لا ~~يقطع اللطف الشوط كله؟ وماذا عن البواعث على الإيمان ~~والصوارف عن الكفر؟ هل يقدر الله على منح الأولى ومنع ~~الثانية؟ ولماذا يتناهى اللطف عند حد والله مقدوراته ~~لا نهاية لها؟ وأين يكون اللطف في حالة الإحباط ~~والخذلان؟ ولماذا لا يكون لطف للكافر كي يؤمن كما أن ~~للمؤمن لطفا كي لا يكفر؟ إن الله أقرب إلى الخير فكيف ~~لا يصدر عنه إلا الخير؟ ولماذا يمنع الكافر من الكفر ~~ويقربه إلى الإيمان والطاعة؟ كيف يريد الله كفر الكافر ~~ويمنع عنه لطفه؟ إن من يجوز اللطف لا بد أن يجوز ~~الإضرار في حالة عدم وقوع اللطف. وفي هذه الحالة كيف ~~يضر الله وهو الخير المطلق؟ وإذا ما حصل الإنسان على ~~اللطف، فما المانع ألا يحصل على المزيد، يؤدي اللطف ~~إلى لطف أكبر إلى ما لا نهاية؟ وإذا كان اللطف عاما ~~لا يخص فردا دون فرد، فكيف يقع لفرد دون آخر؟ وما ~~مقياس الاختيار؟ أين تكافؤ الفرص؟ إن الصعوبة في اللطف ~~هي تبرير خصوصية فرد دون آخر. وإذا كان موجودا منذ ~~البداية فلماذا مضاعفته للمطيع وعدم مضاعفته للعاصي؟ ~~وإذا كان مقياس الاختيار هو الطاعة فالبداية للإنسان ~~وبالتالي يكون فعل الإنسان هو الشارط واللطف هو ~~المشروط، ويكون اللطف حينئذ هو القوة غير المتوقعة ~~المتولدة أثناء الفعل من طبيعة الفعل ذاته. صحيح أن ~~اللطف عام ولكن قد يكون اللطف لفرد مفسدة لآخر وهو ضد ~~العدل. # ويبقى سؤال: متى يظهر اللطف ومتى يختفي؟ ولماذا لا ~~يظهر اللطف عند صاحب الآلام والمشاق؟ ولماذا يمتنع عن ~~البائس والفقير والمظلوم والمحروم كما يمتنع الأصلح؟ ~~أين اللطف في الدنيا بالمفسدين في الأرض وبالمحرومين ~~من عدالة السماء؟ بل وأين ألطاف البشر بالبشر والحكام ~~بالمحكومين؟ ألا يؤدي القول باللطف كما يؤدي القول ~~بالأصلح إلى جعل هذا العالم أفضل العوالم الممكنة، ~~ويجعل الإنسان لو علم المقدر لاختار الواقع لأنه لطف ms303 ~~فيه، وكما هو معروف في القول المأثور: «اللهم إني لا ~~أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه». ألا يؤدي ~~القول باللطف إلى قبول كل الأحزان والمصائب وقبول ~~الإنسان وضعه الاجتماعي المزري تفاديا لوضع اجتماعي ~~أكثر إزراء! وحينئذ لا يملك الإنسان إلا الدعاء: «يا ~~خفي الألطاف، نجنا مما نخاف.» # 16 # إن ذلك كله تجديف على الله وإقحام الإنسان ~~نفسه فيما لا يعنيه وإسقاط عجزه أو قوته على إرادات ~~مشخصة خارجة يجد فيها تعويضا أو عونا؟ إن اللطف لا ~~يتعدى في أصل الوحي العلم كخبرة وهو اللطف النظري أو ~~اللطف بالبشر وبالكون أي الرعاية والعناية والحفاظ على ~~الفعل والجهد. ولكن اللطف أيضا للإنسان، لطف الإنسان ~~بالإنسان كعلاقة اجتماعية وليس فقط كعلاقة بين الله والإنسان. # 17 ~~(2) ما هي الألطاف؟ # الألطاف في حالة إثباتها قد تكون كل شيء. الخلق لطف؛ ~~فبدون نعمة الخلق لا يستطيع الإنسان أن يدرك أو يفعل أو ~~ينعم بشيء. والطاعة لطف؛ لأن نعمة الطاعة والرضا والسرور ~~لا تعادلها لذة، ولا يساويها فرح. والوعيد لطف؛ لأنه باعث ~~على الفعل وترصد لنتائجه وتفكر في العاقبة. ودعاء المؤمن ~~على الفاسق لطف للداعي؛ لأنه يفرج حزنه ويقويه على ~~خصومه. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لطف؛ لأنه بدونه ~~يتسلط الحكام وتنهار الأمم. والكفارات ليست عقوبات بل لطف؛ ~~لأنها تطهير للنفس وإعادة بناء لها. وإقامة الحد على ~~السارق لطف؛ لأنه تثبيت للوعي وإدراك عملي للحق. والألم ~~النازل بمن يستحق العقوبة لطف؛ لأنه إدراك عملي للقبح ~~وإحساس بآلام الآخرين الناتجة عن فعل القبيح لهم. وما ~~يستحقه الإنسان على فعله من غيره في حكم الموجب لطف؛ لأنه ~~إدراك لما فعله الإنسان للآخر بالتبادل. وإتعاب النفس في ~~المكاسب وطرقها لطف؛ لأنه إدراك لأهمية الفعل عن طريق بذل ~~الجهد. وقد تكون زيادة الشهوة لطفا؛ لأنها إحساس بالحياة ~~وقدرة على فورة النفس خاصة وأن المباح كثير، والعمل الذهني ~~مصاحب لها، وسند لتحقيق رسالة الإنسان في الحياة. # 18 # ولكن في مقابل هذا المعنى الشامل للطف هناك معنى أضيق ~~يحصر الألطاف في ثلاثة: ms304 المعارف النظرية، والنبوة، ~~والتأييدات العملية. # فوجوب المعارف ألطاف؛ لأن المعرفة لطف. ولا تعني المعرفة ~~بالضرورة من الخارج بل هي معرفة داخلية، نعمة الفكر ~~والتأمل والاستدلال. لو لم يكن الإنسان عارفا لما كان سيد ~~الكون، تحق له السيادة والسيطرة عليه وتسخير مظاهر الطبيعة ~~لإرادته، ولكان أقل من الحيوان والجماد. يعلم الإنسان، ~~ويعلم أنه يعلم أي إنه يعلم بالشعور، في حين أن الحيوان لا ~~يعلم بأنه يعلم، يعلم بالغريزة، غريزة المحافظة على ~~البقاء. والجماد وإن كان لا يعلم إلا أنه ليس وجودا ~~مصمتا بل له دلالة، ودلالته معناه، ومعناه هو العلم. ~~والمعرفة بهذا المعنى تكون واجبة عقلا كما تجب بالسمع، ~~وقد تكون أساسا له وأحيانا بديلا عنه . معرفة الله لطف ~~في أداء الواجبات لأنها تدفع الضرر عن النفس، واللطف هو ~~الكرم والجود والعطاء وتقديم الخير على الشر والنزوع ~~الطبيعي نحو الخير. ينشأ وجوب النظر من الرغبة في دفع ~~الضرر، وهذا واقع اجتماعي. كلما كف الناس عن النظر ~~ألحقت بهم الأضرار واستخفت بهم السلطة وسيطرت على ~~مقاديرهم. وكلما نظر الناس وأعملوا عقولهم أدركوا أمورهم ~~وكانوا على وعي بأحوالهم، وكانوا الرقباء على السلطة وما ~~أمكن لأحد الإيقاع بهم أو إيهامهم. # 19 # والنبوة باعتبارها معارف نظرية وتوجهات عملية هي أيضا ~~لطف. وإن استقلال العقل وقدرته على التمييز تجعل السمع ~~لطفا من الله فيصبح جائز الوقوع وليس ضروري الوقوع. فكما ~~أن النظر والمعارف لطف بالنسبة للعقل بإضافة الاستدلال إلى ~~البداهة، فإن النبوة لطف بالنسبة إلى العقل لأنها يقين ~~البداهة التي يقوم العقل بعد ذلك بتحويله إلى منطق ~~الاستدلال؛ فالصلة بين النبوة والعقل هي صلة الحدس بالبرهان. # 20 # ولا يفترق في ذلك الخاصة عن العامة إلا في عمق ~~الحدس وتنوع البرهان. النبوة لطف بمعنى تثبيت اليقين ~~وتحويل البداهة العقلية إلى تصديق وجداني. تعطي افتراضات ~~للبرهان تتحقق في الحس والمشاهدة وتثبت بالاستدلال. تحمي ~~العقل من الوقوع في التجزئة والمتناهي في الصغر وتحرص على ~~النظرة الشمولية للحياة. تقصر وقت النظر من أجل تخصيص ~~الجهد وتوجيهه نحو العمل والتحقيق. # أما ms305 التأييدات العملية فهي ما يشعر به الإنسان في ~~داخله من توفيق وعون وسداد. وهو التمكين بما فيه من ~~البواعث والدوافع والإمكانيات والوعي والدراية، وكل ذلك ~~سابق على إتيان الفعل. وقد تحدث إمكانيات أخرى أثناء ~~الفعل مصاحبة له، تقويه وتدفعه وتطيل وقته وتجعله أكثر ~~رسوخا وبقاء في التاريخ. فالوقت لا يتجزأ إلى أوقات ~~منفصلة، بل هو شعور دائم ومتصل، يكمن فيه الإحساس ~~بالرسالة المتصلة التي تعبر عن قدرة الإنسان ومصيره. يحدث ~~اللطف في حال الفعل الذي هو حال وجود، أثناء تحققه كقوة ~~متولدة منه، سرعة بديهة في الإدراك، وقوة الباعث في النفس، ~~والرؤية التاريخية على المدى الطويل. ويكون لا شعوريا ~~أولا ثم يراه الإنسان وقد تحقق في نفسه وأمامه، في ~~الواقع وفي الشعور. # 21 # | تاسعا: العوض عن الآلام # إذا كان الله منزها عن القبائح والشرور والآثام، فإذا حدث ~~شيء منها فإنها تكون أصلح للعباد. وإن لم يمكن فهمها بالأصلح ~~فقد تكون لطفا من الله. وإن صعب الاقتناع بها فقد تكون عن ~~استحقاق. وإن لم تكن عن استحقاق فيجب التعويض عنها حتى يتم أصل ~~العدل وينتفي الجور؛ فالظلم كله ضرر لا نفع فيه. ومن حق الظلم ~~أن يكون قبيحا. ويقبح الضرر لأنه عبث وإن لم يكن ظلما. فإذا ~~ما حسن الضرر يخرج عن كونه ظلما أو عبثا. وقد يحسن للنفع. قد ~~يكون النفع دون المضرة أو مساويا لها أو زائدا عليها بشبهة، ~~أو زائدا عليها بلا شبهة. وكذلك لا يقبح الألم لأنه ضرر بل قد ~~يحسن لدفع ضرر أعظم منه. والعباد يقدرون على الآلام ولا ~~ينفرون منها بل يقبلونها عن طيب خاطر ما دام فيها نفع أعظم ~~وخير أقصى. # 1 # ولا يوجد من ينكر الآلام ولكن يقع الخلاف في كيفية ~~إثباتها وعلى أي مستوى. هل هي آلام عن استحقاق أو عن عوض؟ هل ~~هي آلام للأطفال والبهائم أم آلام للبشر فحسب؟ ولا يمكن ~~الاحتجاج بالآلام على نفي الصانع بحجة أنه لو كان للعالم صانع ~~حكيم لما آلم من لا ذنب له لأن ms306 الآلام لا تكون إلا عن استحقاق ~~أو عوض دفاعا عن وجود الصانع وحكمته. # 2 # ولا يمكن قبول الآلام بلا استحقاق أو عوض؛ لأنها ~~مستحقة من فاعلها وهو الله، كما هو الحال في عقيدة الجبر لأن ~~الآلام نتيجة للحرية والعقل، تتولد منهما، وتوجد في أصل العدل ~~بعد أن انبثق من أصل التوحيد. # 3 # والآلام إنسانية خالصة تعبر عن نتيجة الفعل وبذل الجهد وليس ~~شرا كونيا أو كارثة طبيعية مستقلة عن فعل الإنسان ~~المتعين، حرية وعقلا، إرادة وإدراكا. إن إثبات وجود ~~موضوعي للشر والخير معا وقوع في ثنائية كونية ونقل للعالم ~~الشعوري إلى العالم الطبيعي كما هو الحال في النظرية الكونية ~~للبشر. وقد يبلغ حد التشخيص إلى اعتبار الآلام هي النور في ~~مقابل الظلمة؛ مما يكشف عن الجانب الإنساني الذي يظهر في ~~الصورة الفنية، ويؤدي إلى القول بفاعلين متساويين في القوة؛ ~~وبالتالي إلى الوقوع في الثنائية فتنتهي الوحدانية. الآلام ~~الكونية سوداوية وإثبات للشر الأنطولوجي في نسيج الكون، واقفا ~~للحرية بالمرصاد ومنازعا طبيعة الإنسان نحو الخير، وبراءة ~~الأشياء وطهارة النفس. ولا يعني إثبات الحسن والقبح كصفتين ~~ذاتيتين للأفعال أي إثبات للآلام الكونية؛ فالقبح ليس في ~~الكون والظلم ليس في الطبيعة بل القبح في الأفعال الإنسانية، ~~وفي كيفية ممارسة الحرية وإعمال العقل. قبح الآلام لنفور الطبع ~~منها وكراهة النفس لها إن لم تكن عن استحقاق أو عن عوض. # 4 # ليست الآلام فعلا للطبيعة في مقابل فعل الله بل ~~نتيجة لأفعال الإنسان الحرة العاقلة. # 5 # يمكن التحقق من الآلام بالإحساس أو الإدراك. ولا ~~يعني ذلك مجرد انطباعات حسية نابعة من الاجتماع والافتراق ~~للجزئيات العضوية بل إدراك وجودي يهز المشاعر. والآلام أيضا ~~معاني يدركها العقل ولكنها ليست معاني مجردة، بل معان قائمة ~~بالنفس تهز الوجدان وتبعث على الفرح إذا كان إيلام الغير عن ~~استحقاق أو على الحزن إن كان عن عوض. ليس الإدراك ذاتيا ~~يختلف من فرد إلى فرد بل هو إدراك عام موضوعي يعبر عن ~~الطبع، نفوره واشمئزازه، استحسانه واستهجانه. فالعادة والطبع ~~والإحساس البديهي، كل ms307 ذلك يثبت الآلام نتيجة للأفعال الإنسانية ~~الحرة العاقلة. مستوى تحليل الآلام إذن أهم من تحليل الآلام ~~ذاتها. فالألم ليس ظاهرة مادية كونية مستقلة عن فعل الإنسان ~~الحر العاقل، وليس مجرد معنى عقلي مجرد لا يهز المشاعر ~~والوجدان بل هو إدراك نفس وفهم معنى ورؤية واقع واستبصار تاريخ. # 6 ~~(1) هل هناك آلام بلا استحقاق؟ # ليست المسألة قدرة الله على فعل الآلام. فالموضوع ليس ~~القدرة كصفة للذات في أصل التوحيد بل هي الآلام عن استحقاق ~~أو غير استحقاق كموضوع في أصل العدل. صحيح أن الله فاعل كل ~~شيء وقادر على كل شيء في أصل التوحيد، ولكن في أصل العدل ~~تبرز الآلام كشر في العالم، والله منزه عن الشرور ~~والقبائح. إن تبرير الشر في العالم بمجرد خضوع الإنسان ~~لقدرة مشخصة هو تخل عن مآسي الإنسان وإخضاعه لقوى الشر ~~والعدوان. ولا تقع الآلام ابتداء من واقع التكليف؛ ~~فالتكليف نعمة قبل أن يكون نقمة، وفرح قبل أن يكون حزنا، ~~وسرور قبل أن يكون غما، وانطلاق قبل أن يكون هما. # 7 # لذلك تكون الآلام للاستحقاق أو للموعظة. للفعل ~~الأول كنتيجة له أو للفعل الثاني كمانع منه. وتحدث ~~الآلام بالرضا والموافقة طبقا للعقل والفهم. هي تجربة ~~بديهية لتحمل المشاق جلبا لمنافع وخير أعظم. لذلك كان حسن ~~التكليف منوطا بالثواب، # 8 # ويكون الاستحقاق في الدنيا حاضرا ومستقبلا، ~~في حياة الإنسان المباشرة أو في امتدادها عند الآخرين. # 9 # ويكفي أن ~~يكون الاستحقاق في هذه الدنيا حاضرا أو مستقبلا دون ~~تفضيل في أنواع الآلام وكيفية حدوثها. وأن حدوث الآلام عن ~~طريق «تناسخ الأرواح» مجرد صورة فنية على أن الحياة ~~امتحان وابتلاء وتكليف، وأن الحياة مستمرة إلى الأبد في ~~دورات متعاقبة لا فرق بين حياة الإنسان في الحاضر وفي ~~المستقبل، بين عشيرته الأقربين وفي الحضارة والتاريخ. كما ~~تكشف عن أن الثواب والعقاب نتيجة للأفعال وأن الاستحقاق هو ~~قانون العدل، وأن الحياة قيمة واحدة لا فرق بين الإنسان ~~والحيوان إلا تفاوت المراتب في الحس والعقل والوعي. # 10 # وقد تكون الآلام موعظة وعبرة. ms308 ولكن يظل ~~الإشكال: عظة وعبرة لمن؛ للذات أو للآخر؟ فإن كان للذات ~~فهذا هو التعلم عن طريق المحاولة والخطأ فالحياة امتحان، ~~وإن كان للآخر فلماذا تكون آلام البعض عظة للآخرين فيستفيد ~~الآخر على حساب الذات؟ يمكن ذلك ضمن تجارب البشر الجماعية ~~التي يكون الإنسان جزءا منها وليس مجرد متفرج على مآسي ~~الآخرين. المهم أن تكون العبرة للبشر، للذات أو للآخر، ~~وليس تبريرا للآلام في العالم دفاعا عن إرادة مشخصة ضد ~~وجود الإنسان وحياته وحقه في أن يؤسسها على الحرية والعقل. # 11 ~~(2) هل هناك آلام بلا عوض؟ # فإذا لم تكن الآلام عن استحقاق فإنها تكون ضرورة بالعوض. ~~فالله لا يتفضل بالآلام ولا يبدأ الشر. الآلام نتيجة ~~للأفعال وليست مقدمة لها. ولماذا لا يجوز العوض على مالك ~~كل شيء؟ بل إن ذلك أوفى للعوض. فالمالك لكل شيء قادر على ~~البذل والاستبدال في ملكه. وهل مالك كل شيء حر التصرف في ~~ملكه دون قانون؟ وهل من سمات الملك الإضرار بالمملوك أم ~~نفعه؟ إن وجوب العوض في العالم ليس تقييدا للقدرة المشخصة ~~بقدر ما هو فهم للعالم وإحكام لوقائعه، بل إن الشريعة ~~نفسها تقوم على العوض. فالتائب الذي أقيم عليه الحد له عوض ~~عند الله إن لم يكن له عوض عند الإمام. وعلى هذا النحو ~~يتصل التوحيد بالفقه، والعقيدة بالشريعة، وتعود إلى علم ~~الأصول وحدته، أصول الدين وأصول الفقه. ولا يرجع العوض إلى ~~التفضل ابتداء، بل إلى معنى وحكمة، وهو رضاء النفس ~~وثقتها بالفعل وتصديقها لقوانين العدل والاستحقاق. فكما لا ~~تقع الآلام ابتداء فكذلك لا تقع الأعواض ابتداء. # 12 # ولا تفعل الآلام من أجل العوض ابتداء لأن ~~الآلام نتيجة الفعل والجهد وليس وسيلة للحصول على العوض. ~~وإلا كان الإنسان كمن يسبب الألم لنفسه أو يقطع أصبعه أو ~~يده ابتداء بلا مبرر كي يحصل على العوض. فالآلام نتيجة ~~الأفعال والتعويض عنها تأكيد على الأفعال. فكل شيء له معنى ~~ولا يوجد عوض كمجرد تعويض قانوني صوري عن خسارة مادية ~~بلا فعل أو جهد. # 13 # لا يعني ms309 التعويض تبادل منافع أو إيجاد ميزان ~~بين مكسب وخسارة، بل يعني التخلي عن لذة في سبيل سعادة أو ~~عن نفع أقل في سبيل نفع أكثر. لا يعني العوض مساواة كمية ~~بين مقدار الألم ومقدار العوض من حاسب ماهر يملك كل شيء ~~ويقدر على كل شيء، بل العوض هو النتيجة الإيجابية للألم ~~إما لبذل الجهد من جديد أو لتعميق الوعي أو لمعرفة ~~الأخطار أو لكسب الزمان. # 14 # يثبت العوض إذن عن الآلام إن غاب الاستحقاق حتى يستطيع ~~الإنسان أن يعيش في عالم يحكمه القانون ويدركه العقل ~~دفاعا عن حقوقه ضد مظاهر الظلم والطغيان. تقع الآلام ~~إما للنفس أو للغير. وتكون حسنة إذا كانت عن استحقاق أو ~~عوض، وقبيحة إن لم تكن عن استحقاق أو عوض. في الحالة ~~الأولى يكون العدل، وفي الثانية يكون الظلم. # 15 # يصح الألم للنفع وإلا وجب العوض. وتصح الآلام ~~استحقاقا أو امتحانا، الأولى للعقوبة والثانية لتقوية ~~النفس وشحذ العزيمة. # 16 # وقد يقع العوض من الله إلى الإنسان إذا ما ~~ابتدأ بالآلام؛ فيحدث العوض في الحال أو في المآل، في ~~الدنيا وفي الآخرة، انتصافا للمظلوم من الظالم. # 17 # وقد يقع العوض من الإنسان إلى الإنسان في ~~الحال أو في المآل، فتجب عليه الكفارة والدية. وذلك يدل ~~على أن مفهوم العوض فقهي خالص، أي إنساني صرف، يفرض ~~نفسه على العقيدة وكأن أصول الفقه هو أساس أصول الدين، ~~وكأن الشريعة تفرض نفسها على العقيدة، وكأن العمل يفرض ~~نفسه على النظر. # 18 # يكون العوض إذن جزاء عن ألم سببه الله للإنسان ~~أو يكون العوض جزاء ألم سببه الإنسان للإنسان، وذلك بأخذ ~~حسنات منه، فإن لم تكن له حسنات فترفع منه السيئات بما ~~يوازي الحسنات. وقد يثير هذا العوض عدة إشكالات، منها: هل ~~يكون العوض في الدنيا أم في «الآخرة»؟ وتسهل الإجابة عليه ~~بأن العوض يكون في الدنيا لأن الآخرة لم تثبت بعد لأنها ~~من السمعيات، وما زلنا في العقليات في أصلي التوحيد ~~والعدل. ولكن استباقا يمكن في «الآخرة» قياسا للغائب على ms310 ~~الشاهد. ومنها أيضا أن العوض لا يحبط بالذنوب كالثواب ~~لأنه عوض عن آلام إلا في ~~الحساب الكلي بناء على ~~رغبة الإنسان في التنازل عنه في «الآخرة». ومنها أن العوض ~~لاحق للآلام وليس سابقا عليها؛ فلا يعطى ابتداء. لا يؤلم ~~الإنسان ليعوض بل يحدث الألم لا عن قصد كنتيجة طبيعية ~~للفعل القصدي. # 19 # وقد يتفضل حساب العوض كما طبقا للزمان، أي ~~مدة الألم وشدته ونوعه. فالعوض المنقطع هو العوض المرئي ~~المباشر نتيجة للجهد، في مقابل العوض الدائم الذي ينتج عن ~~مصير حياة بأسرها. ويدل على ذلك النظر إلى العوض في الشاهد. # 20 # وقد يكون العوض على أبعاض الأجسام مثل اليد ~~والرجل بين المؤمن والكافر. # 21 # وقد يصبح العوض ماديا صرفا وليس معنويا ~~فحسب، في الأشياء وليس في الأفعال، ويتحول الأمر كله إلى ~~فقه، ويتحول العوض إلى تعويض، وله مدة إما انتظارا أو ~~فوريا وكأنه تعويض قانوني عن أضرار في حادثة طريق. # 22 # وهو تصور قانوني للعدل، حسابي كمي لا مكان ~~فيه للأعذار أو العفو، مجرد علاقة بين طرفين، ما يجب عليه ~~التعويض وما يجب له التعويض، علاقة بين المكلف والمكلف ~~وكيفية إيصال العوض ومقداره. # 23 # صحيح أن العوض يعني انتصار الخير في النهاية، ~~وتطابق نتائج الأفعال مع مقدماتها، وأنه لا مكان للظلم في ~~العالم، وأن البريء المظلوم ينال براءته، والظالم المذنب ~~ينال عقوبته. إنما المهم أن يأتي التعويض من داخل الفعل ~~وبنيته وتكوينه في الفرد وفي الجماعة وفي التاريخ وليس من ~~خارجه تشخيصا له واعتمادا على قدرة مشخصة أكبر خارج ~~التاريخ. والمهم أيضا ألا ينتهي العوض كما هو الحال في ~~الصلاح والأصلح واللطف والألطاف إلى قبول الآلام وتبرير ~~الشر على أمل العوض في الحال أو في المآل ويطول الانتظار، ~~وعمر الإنسان في النهاية أقصر بكثير من عمر التاريخ، فيموت ~~حسرة مع إيمان قوي بعدالة السماء التي لم تتحقق بعد في ~~حياته على الأرض. ~~(3) هل يمكن إيلام الأطفال؟ # ليس الموضوع هو إثبات قدرة الله، فالله قادر على كل شيء، ~~ولكن الموضوع هو ms311 العدل، أي مصالح العباد ضد الظلم والجور ~~والفساد. فقد انبثق العدل من التوحيد وخرج الإنسان المتعين ~~من الإنسان الكامل. وحتى لو كان الأمر يتعلق بقدرة الله، ~~فهل تثبت ابتداء من إيلام الأطفال وهم لا يقدرون على شيء؟ ~~وهل يتساوى الطرفان: الله والطفل؟ # 24 # وإثبات آلام الأطفال موضوع لعلوم الجسم أو علم ~~النفس أو التربية وليس موضوعا لاهوتيا تأمليا إذا كان ~~المقصود إثبات الآلام على المستوى الطبيعي النفسي الجسمي. ~~وحتى في هذا المستوى، لا يخلو الأمر من إسقاط الإنسان ~~وإحساسه بالألم على الأطفال. فالإسقاط قائم سواء على ~~المستوى اللاهوتي أو على المستوى الطبيعي، وكأن الآلام لا ~~يمكن أن تدرك إلا على المستوى الإنساني. بل ويتدخل ~~المستوى اللاهوتي في المستوى الطبيعي حتى لا تكون الآلام ~~بفعل الخلقة والطبع وتقوم على الأسباب والمسببات. # 25 # وقد يكون نفي الآلام رد فعل طبيعي لإثبات ~~العدل. فالأطفال لا تتألم لأن الألم عقاب، وعقاب الأطفال ~~ظلم ما داموا ليسوا مكلفين. التكليف مشروط بالعقل والبلوغ، ~~والأطفال والمجانين دون ذلك، بل قد تتحول آلام الأطفال إلى ~~لذات من فرط العدل. # 26 # والحقيقة أنه لا يجوز إيلام الأطفال؛ فهم تحت ~~سن البلوغ، والبلوغ شرط التكليف. فكيف يحاسب الطفل وهو لم ~~يصل بعد إلى مرحلة ~~البلوغ؟ كيف يكون مسئولا عن نفسه وعن غيره وهو ما زال دون ~~حرية الاختيار؟ إن الآلام لا تكون إلا عن استحقاق، ~~والأطفال لا يستحقون الآلام لأنها نتيجة الأفعال الحرة ~~العاقلة، وأفعال الأطفال ليست كذلك. ولا فرق في ذلك بين ~~أطفال المؤمنين وأطفال الكافرين. وأين تكافؤ الفرص ~~والمساواة في العدل بين طفل المؤمن وطفل الكافر حين يثاب ~~الأول بطاعة آبائه ويعاقب الثاني بعصيان آبائه؟ أليس ~~ذلك ضد المسئولية الفردية والتكليف الفردي؟ وماذا لو قال ~~طفل الكافر كما هو الحال في قصة الإخوة الثلاثة لو كنت عشت ~~لكنت قد آمنت. وما الضامن إذا ما عاش طفل المؤمن ألا يكفر؟ # 27 # لا يؤخذ الطفل إذن بجريرة أبيه: # وإذا الموءودة سئلت * ~~بأي ذنب قتلت ~~(81: 8-9). وكيف يمكن ~~إيلام الأطفال موعظة ms312 لآبائهم؟ ولماذا يتألم الأطفال ويتعظ ~~الآباء؟ وهل موعظة الآباء لا بد أن تكون على حساب أطفالهم؟ ~~وهل يتعظ الآباء بعذاب أطفالهم أم يتألمون لآلامهم، ~~ويكفرون إذا كانت آلامهم بغير جريرة أو ذنب؟ # 28 # وكيف تكون آلام الأطفال عبرة للبالغين؟ هم ~~يتألمون وغيرهم يعتبرون! وهل يكون الطفل عبرة للبالغ ولا ~~يكون البالغ عبرة للبالغ؟ وكيف يتوب الأطفال وكيف يتألمون ~~ليثاب الآباء؟ وكيف يوضع الأطفال في النار وكأن الله يفرح ~~بآلامهم؟ ويتحول المطلق إلى صادي كبير ينعم بعذاب الآخرين، ~~أو إلى متسلط قاهر يفعل بلا قانون باسم السلطة المطلقة، ~~تفعل الشرور في العالم، ونجد في ذلك حكمة بالغة! # 29 # مع أن صورة الأطفال في الآداب الشعبية نموذج ~~البراءة والصدق والطهارة والخير الفطري. وتلك أيضا صورتهم ~~في النقل أنهم مع الأنبياء في الجنة. وقد كان الأنبياء ~~يحبون الأطفال، يلعبون معهم، ويرون فيهم الإيمان الطبيعي. ~~بل إن علاقة الله بالإنسان تصور دائما على أنها علاقة ~~الأم بطفلها، علاقة حنان وعطف ورعاية وحب. وطالما افتدى ~~الآباء أطفالهم منعا لهم من الإيلام والإيذاء. فالأطفال ~~كلهم في الجنة، لا فرق بين أطفال المؤمنين وأطفال المشركين. # 30 # وإذا ما تألم الأطفال يجب لهم العوض. ولكن ~~مهما كان من عوض، هل يجازي العوض عن الآلام؟ وأيهما أفضل: ~~آلام بعوض أو لا آلام على الإطلاق؟ # 31 # وكيف تكون روح الأطفال عقابا لأرواح الكبار ~~إذا ما تناسخت الأرواح؟ إنه لنعيم أن تتحول روح الظالم إلى ~~روح طفل، فلربما أدرك براءة الأطفال. # 32 ~~(4) هل يجوز إيلام البهائم؟ # ولما كان الإيلام واقعا على كل كائن حي لنفور الطبع ~~منه، فإن الإيلام يمتد من الإنسان بالغا كان أم طفلا إلى ~~الحيوان. وكما صعب تحديد إيلام الأطفال دون إسقاط إنساني، ~~فالأصعب تحديد إيلام الحيوان دون إسقاط إنساني كذلك. ~~والمواقف واحدة. فكما يجوز إيلام الأطفال بلا استحقاق أو ~~عوض لأن الله مالك كل شيء ولا يجب عليه شيء، فالأولى جواز ~~إيلام الحيوان بلا استحقاق أو عوض لنفس السبب. # 33 # ولا توجد أعواض ابتداء عن كون الحيوان ms313 ~~حيوانا وعدم كونه إنسانا؛ لأن الأعواض نتيجة للآلام ~~وليست سابقة عليها. وإن اعتراض الحيوان على وضعه كحيوان ~~وتفضيل وضع الإنسان يفترض وعيا وعقلا وحرية، وهو ما لا ~~يتوافر في الحيوان. ولما كان الإسقاط الإنساني هو أساس ~~الإدراك، فيستحيل إيلام الحيوان بلا استحقاق أو عوض بصرف ~~النظر عن كمال العقل وشرط التكليف. # 34 # وهي نظرة إنسانية عادلة تسقط على الحيوان ~~وتفيد الرفق بالحيوان، وهو توجه شرعي. وقد يبلغ تقديس ~~الحياة والرسالة والعدل إلى درجة اعتبار كل شيء حي حتى ~~الجماد وكأنه مكلف يستحق الثواب والعقاب. # 35 # ومع ذلك يظل التكليف ~~إنسانيا خالصا، ~~مشروطا بالحرية والعقل. بل يكون كل شيء في الطبيعة بما في ~~ذلك الحيوان مسخرا للإنسان؛ لذلك جاز ذبح الحيوان ~~وركوبه كما أباحت الشريعة. وإدراكا لهذا الإسقاط وتفاديا ~~له قد يثبت الإيلام دون حسن أو قبح مثل آلام الدواء ~~والعلاج بالرغم من كون ذلك نافعا، وبالتالي يكون حسنا. # 36 # ويثير تعويض البهائم عن الآلام عدة مسائل عن كيفية العوض ~~ومدته. هل يتم ذلك في الحال أم في المآل، في الدنيا أم في ~~«الآخرة»؟ وهل يتم العوض عن طريق اقتصاص الحيوان بعضه من ~~البعض الآخر؟ وهل يدوم عوضها أم ينقطع؟ # 37 # وهنا تبرز ~~نظرية التناسخ من جديد لجعل العوض في هذه الدنيا إيثارا ~~لعقاب الحال على عقاب المآل، وتنفيذا للاستحقاق والعوض في التاريخ. # 38 # | عاشرا: خاتمة، أين الإنسان؟ # بالرغم من غياب الإنسان كمبحث مستقل في علم أصول الدين ~~وحضوره كإنسان مغترب فيه، كإنسان كامل في أصل التوحيد وكإنسان ~~متعين في أصل الوحي، كذات وصفات في التوحيد، وكحرية وعقل في ~~العدل، إلا أنه يظهر أحيانا كموضوع جزئي في كتب المقالات وفي ~~الموضوعات الطبيعية، وكأن الإنسان ظاهرة طبيعية، وكأنه شيء ~~وليس إنسانا. # 1 # لم يظهر الإنسان صراحة كأحد موضوعات علم أصول ~~الدين بالرغم من أن العلم كله حديث عن الإنسان. لم يظهر حاضرا ~~إلا في كتب المقالات وإن لم يكن هناك قسم فيه عن الإنسان. لم ~~يظهر إلا كموضوع منفصل لا صلة له ms314 بالموضوعات الأخرى، ولكن ~~غالبا ما يظهر كأحد موضوعات الطبيعيات وكأنه شيء وكأنه هذا ~~الإنسان المرئي الموجود في العالم مثل باقي الأشياء. فالإنسان ~~حاضر حضورا مباشرا كموجود طبيعي ضائع وسط الأشياء والمقالات ~~الطبيعية وحاضر حضورا غير مباشر كإنسان مغترب في الإلهيات، ~~بل وفي السمعيات، كإنسان كامل في التوحيد، وكإنسان متعين في ~~العدل، كإنسان كامل في الذات والصفات والأفعال، وكإنسان ~~متعين مثالي في العدل كحرية وعقل، كإنسان مقلوب، غير ~~الإنسان، اللاإنسان، الإنسان الآخر، الإنسان المغاير لذاته ~~الذي اقتص جزءا منه، جوهره وماهيته، وشخصها خارجه فظلت نائية ~~عنه لا يستردها إلا بالمناجاة والدعاء والابتهال والصلاة، أو ~~يتوحد بها من جديد بالرياضة والمجاهدة والأحوال والمقامات كما ~~هو الحال في علوم التصوف. فما يقذفه المتكلم خارجا عنه ~~يسترده الصوفي داخلا فيه. ~~(1) الإنسان حاضرا في الطبيعة # ويظهر الإنسان حاضرا في عدة تصورات. الأول التصور ~~الثنائي للإنسان الذي يجعله مركبا من نفس وبدن، وهو ~~التصور الشائع ليس فقط في العلوم النقلية العقلية، بل ~~أيضا في الدين الشعبي. ولكن الإشكال في كيفية التركيب ~~والممازجة بينهما، أي تحديد الصلة بين النفس والبدن. ولما ~~كان إيجاد وحدة غير مركبة أمرا صعبا كانت الصلة بينهما ~~إما ترتكن مرة إلى روح فتكون الأولوية للروح على البدن، ~~أو ترتكن مرة ثانية إلى البدن فتكون الأولوية للبدن على ~~الروح. في الحالة الأولى يكون الإنسان هو الروح، ويكون ~~الروح هو منبع الحياة ومصدر الحواس. وتداخل الروح البدن ~~وتتشابك فيه ويكون البدن طارئا عليها وآفة لها. الروح ~~جسم لطيف بداخل الجسم الكثيف وهو البدن، محبوس فيه والبدن ~~ضاغط عليه. والروح مستطيع بنفسه والعجز طارئ عليه من ~~البدن. العجز من الجسم وليس من الروح. والموت من الجسم في ~~حين أن الروح كله علم وقدرة وحياة وسمع وبصر وكلام وإرادة، ~~وهي صفات الكائن الحي سواء الله أم الإنسان كروح. الروح هي ~~صاحبة القدرة والقوة والاستطاعة قبل الفعل، وهو جنس واحد، ~~كما أن أفعاله جنس واحد. وهو المأمور والمنهي، أي إنه هو ~~المكلف والمحاسب، المعاقب والمثاب. # 2 # وينتج عن ms315 ذلك أن الإنسان لا يرى وإنما الذي ~~يرى هو الجسد الذي فيه الإنسان، وأن الصحابة لم يروا ~~الرسول وإنما رأوا قالبا كان الرسول فيه، وإن أحدا ~~منا لا يرى أباه أو أمه، أخاه أم أخته، بل يرى قوالب ~~وهياكل. وقد يكون الجماد مثل الإنسان قالبا للروح؛ ~~وبالتالي يصعب التفرقة بين الإنسان والحيوان والجماد ما ~~دامت كلها قوالب وهياكل. ما دامت الرؤية تتم للقالب أو ~~الهيكل وليس للروح فإنه تستحيل رؤية أي شيء حي، إنسانا ~~أم حيوانا، ملكا أم شيطانا. وإذا كانت الروح هي الفاعلة ~~المحاسبة، المثابة والمعاقبة فكيف تقطع يد السارق ويجلد ~~الزاني، وإلا كان المقطوع غير السارق والمجلود غير الزاني، ~~وهو ضد الشرع الذي يوقع الثواب والعقاب على الأشخاص؟ وإذا ~~كانت الروح طاهرة نظيفة، فكيف يخرج عنها أوساخ البدن ~~إخراجا وقيئا وعرقا؟ أم أن أوساخ البدن وإفرازاته ~~طاهرة نظيفة مثل طهارة الروح ونظافتها؟ وإن كان عجز ~~الإنسان لبدنه ما دامت الروح قادرة بنفسها كان العاجز ~~الميت هو الإنسان ، مع أن الإنسان حي قادر، أو كان العاجز ~~الميت هو جسده؛ وبالتالي تبطل قدرة الله على إحياء الموتى ~~لأن الحي لا يموت. # 3 # والحقيقة أن هذا التصور الثنائي الذي يعطي ~~الأولوية للروح على البدن ينتهي بأن يجعل البدن أقوى من ~~الروح فهو الضاغط عليه الحابس له. صحيح أن الروح منبع لكل ~~مظاهر الحياة، وبالتالي يتم التركيز في هذا التصور على ~~الحياة ومظاهره إلا أنه يصعب تفسير صلة الروح بالبدن. ~~وبالتالي يتحول التصور الثنائي للروح والبدن إلى تصور ~~مثالي للروح، ونظرة تطهرية للبدن باعتباره آفة. كما يصعب ~~فهم صلة التداخل والمداخلة. هل هي مداخلة مادة في مادة لما ~~كانت الروح جسما، أم تداخل لا مادة في مادة لما كانت ~~الروح روحا؟ ولا يهم مصدر هذا التصور، خارجي أم داخلي بعد ~~أن أصبح الخارجي داخليا بفعل الترجمة والتمثل والاحتواء، ~~ولكن المهم هو بنية التصور ذاته ومدى تعبيره عن التصور ~~الحضاري العام. والمهم أيضا هو النقد الذاتي لهذا التصور ~~واكتشاف إمكانية الخروج من هذه ms316 الثنائية إلى طرف ثالث هو ~~الإنسان الذي لا هو روح ولا بدن، بل حياة في الجسد، وسط ~~بين الروح المجرد والجسم المرئي. ومع أن هذا التصور طبيعي ~~إلا أنه لم يخل من استعماله كدليل لتصور إلهي، وكأن حياة ~~الإنسان وحياة الله نموذج واحد للحياة. # وقد يرتكن التصور الثنائي للإنسان على البدن لا على ~~الروح، فتكون الأولوية للبدن المرئي لا للروح اللامرئي. ~~وهنا ينقسم هذا التصور الطبيعي المادي إلى تصورين ~~فرعيين؛ إما أن يكون البدن كثيرا جواهر وأعراضا ~~وأخلاطا أو يكون البدن واحدا مرئيا كالجسم أو القوة أو ~~الشخص. الأول يركز على الكثرة والتعدد، بينما يركز ~~الثاني على الوحدة. فالإنسان كثير، وقد تكون هذه الكثرة في ~~الأبعاض؛ أبعاض الإنسان، ويكون البدن هو الجامع لهذه ~~الأبعاض دون أن يفعل كل بعض على حدة. # 4 # وقد تكون هذه الأبعاض هي الأعراض مجتمعة على ~~جوهر واحد وهو الجسم أو بدون جوهر. وفي الحالة الأولى ~~يكون قانون الاجتماع هو الأخلاط. وفي الحالة الثانية يكون ~~الجوهر هو الحي الناطق أو يتحدد سلبا بنفس التماس ~~والمباينة عنه. # 5 # فإذا غلبت الوحدة على التعدد في تصور البدن ~~فإنه يكون هو الجسم أو هو هذا المرئي. وقد تكون الوحدة ~~معنوية فيصبح الإنسان هو القوة أو هو الشخص أو هو هذا ~~البشر. # ويتدرج التصور من المستوى المادي إلى المستوى المعنوي ~~حتى يصبح الإنسان هو الإنسان. # 6 # والحقيقة أن هذا التصور مادي واحدي في مقابل ~~التصور الروحي الثنائي. وبالرغم من أنه أقرب إلى الحس ~~والبداهة، إلا أنه تصور طبيعي صرف غلبت عليه مفاهيم ~~الطبيعة مثل الجواهر والأعراض والأخلاط والقوى والكل ~~والأبعاض، هروبا من المفاهيم اللاهوتية عن الروح والبدن. ~~ولماذا يستبعد الشعر والأظافر من الأعراض ولا تستبعد باقي ~~الأعراض الخارجية عن البدن كجوهر مثل كل الإفرازات، وكل ما ~~يخرج من البدن؟ وكيف تستبعد الحياة والنطق، وحياة الشعور ~~الخالص؟ # وهنا يأتي التصور الثالث كرد فعل على التصور الثنائي ~~بشقيه الروحي والمادي، الإلهي والطبيعي، ويعيد إلى ~~الإنسان وحدته. فالإنسان هو بدن وروح لا فصل ms317 بينهما ولا ~~تمايز، ليس مادة تتحدد بالطول والعرض والعمق، وليس روحا ~~طائرة حالة في البدن. الإنسان جزء لا يتجزأ، لا تجوز ~~عليه المماسة أو المباينة أو باقي الأعراض وإلا لتعدد ~~الإنسان وتعددت أفعاله وتكاثرت شخصيته واستحالت المسئولية الفردية. # 7 # وهو مع ذلك مدبر في العالم وموجود فاعل فيه، ~~وما البدن إلا آلة الفعل الظاهرة منه. ومع ذلك لا يوجد في ~~المكان حقيقة ولا تجوز عليه الحركة والسكون والألوان ~~والطعوم، ولكن يجوز عليه العلم والقدرة والحياة والإرادة ~~والكراهة. فالإنسان معنى أو جوهر غير الجسد. وهو عالم ~~مختار حكيم. حياته حياة الوعي والشعور وإن بدا متحركا ~~ساكنا، له لون ورائحة. لا يمكن رؤيته ولا لمسه بل ولا ~~وصفه إلا ظاهرا. ومع ذلك يظهر في البدن ويتجلى فيه. ~~فالبدن آلته للحركة وللفعل، والإنسان هو المتحكم فيه ~~والمدبر له. حقيقة الإنسان في حياة الشعور، وحياة الشعور ~~تتمثل في الإرادة الواعية، أي إن الإرادة القائمة على ~~العلم، وكلاهما تعبير عن الحياة. # 8 # وهنا أيضا يصبح الإنسان مماثلا لله في حياة ~~الشعور. فهناك شعور واحد يتصف بالعلم والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام والإرادة. فإذا كان السمع والبصر وسيلتين ~~للعلم، وإذا كانت الإرادة تعبيرا عن القدرة، وإذا كان ~~الكلام إيصالا للعلم تكون الحياة علما وإرادة، ويكون ~~الشعور الحي نظرا وعملا؛ وبالتالي يظهر الإنسان كشعور ~~حي يتجلى في العلم والإرادة، في النظر والعمل، ويسترد ~~الإنسان صفاته بعد طول المطاف. # 9 # والحقيقة أن هذا التصور لا ينتج عن أثر خارجي من علوم ~~الحكمة أو غيرها، بل نابع من علم أصول الدين، ومحاولة ~~لاكتشاف الإنسان كمبحث مستقل. فالإنسان هو الإنسان دون ~~رده إلى ما هو أكثر منه كروح إلهي ولا إلى ما هو أقل منه ~~كبدن طبيعي. والعجيب أن تتحول النظرة المادية أي التجسيم ~~والتشبيه إلى نظرة روحية في الإنسان، كما تتحول النظرة ~~المثالية أي التنزيه في الإلهيات إلى نظرة طبيعية في ~~الإنسان، وكأن الله والإنسان متقابلان ومتكاملان في ~~التشبيه والتنزيه. إذا ما شبه الله نزه الإنسان، وإذا ~~ما نزه الله ms318 شبه الإنسان. ~~(2) الإنسان مغتربا في الله # وبالإضافة إلى الإنسان حاضرا في المقالات عن الإنسان ~~كموجود طبيعي هناك الإنسان مغتربا، الإنسان الكامل الذي ~~يقبع وراء نظرية الذات والصفات، والإنسان المتعين الذي ~~يقبع وراء نظرية الأفعال. الإنسان كذات أو كوعي خالص ~~موجود قديم باق أي لا أول له ولا نهاية له في الزمان ولا ~~يحل في مكان ولا يشبه الحوادث، وواحد. والإنسان كصفات أو ~~كوعي متعين متحقق بالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر ~~والكلام والإرادة، والإنسان المتعين بالحرية والمتميز ~~بالعقل، وكأن الحرية هي مبدأ التفرد؛ تفرد الإنسان المتعين ~~من الإنسان الكامل، وأن العقل نتيجة طبيعية للحرية لما ~~كانت الحرية عاقلة مسئولة؛ ومن ثم يكون الإنسان ~~ذاتا وصفات وأفعالا هي النتيجة النهائية للعقليات الشق ~~الأول لعلم أصول الدين. # 10 ms319