######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.MinCaqidaIlaThawraIman.Hindawi13042758 #META# Tags: philosophy #META# ID: 13042758 #META# Title: من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الباب الخامس: التاريخ المتعين‏ # الفصل الحادي عشر: النظر والعمل (الأسماء والأحكام)‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: النظر‏ # ثالثا: التصديق‏ # رابعا: الإقرار‏ # خامسا: العمل‏ # سادسا: مرتكب الكبيرة‏ # سابعا: خاتمة: الواقع التاريخي بين الإثبات والتغيير‏ # الفصل الثاني عشر: الحكم والثورة (الإمامة)‏ # أولا: مقدمة: وضع المسألة‏ # ثانيا: وجوب الإمامة‏ # ثالثا: كيفية ثبوتها‏ # رابعا: صفات الإمام وشروط الإمامة‏ # خامسا: الثورة على الحكم‏ # سادسا: الإمامة في التاريخ، انهيار أم نهضة؟‏ # خاتمة: من الفرقة العقائدية إلى الوحدة الوطنية‏ # أولا: مقدمة: هل يجوز تكفير الفرق؟‏ # ثانيا: هل هناك تكفير عقائدي نظري؟‏ # ثالثا: هل هناك تكفير شرعي عملي؟‏ # رابعا: من الوحدة إلى التفرق أو من التفرق إلى الوحدة‏ # المصادر والمراجع‏ # أولا: العقائد الأشعرية‏ # ثانيا: العقائد الاعتزالية‏ # ثالثا: تاريخ الفرق‏ # رابعا: بعض المصادر الأخرى‏ # الباب الخامس: التاريخ المتعين‏ # الفصل الحادي عشر: النظر والعمل (الأسماء والأحكام)‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: النظر‏ # ثالثا: التصديق‏ # رابعا: الإقرار‏ # خامسا: العمل‏ # سادسا: مرتكب الكبيرة‏ # سابعا: خاتمة: الواقع التاريخي بين الإثبات والتغيير‏ # الفصل الثاني عشر: الحكم والثورة (الإمامة)‏ # أولا: مقدمة: وضع المسألة‏ # ثانيا: وجوب الإمامة‏ # ثالثا: كيفية ثبوتها‏ # رابعا: صفات الإمام وشروط الإمامة‏ # خامسا: الثورة على الحكم‏ # سادسا: الإمامة في التاريخ، انهيار أم نهضة؟‏ # خاتمة: من الفرقة العقائدية إلى الوحدة الوطنية‏ # أولا: مقدمة: هل يجوز تكفير الفرق؟‏ # ثانيا: هل هناك تكفير عقائدي نظري؟‏ # ثالثا: هل هناك تكفير شرعي عملي؟‏ # رابعا: من الوحدة إلى التفرق أو من التفرق إلى الوحدة‏ # المصادر والمراجع‏ # أولا: العقائد الأشعرية‏ # ثانيا: العقائد الاعتزالية‏ # ثالثا: تاريخ الفرق‏ # رابعا: بعض المصادر الأخرى‏ # | من العقيدة إلى الثورة (5) # | من العقيدة إلى الثورة (5) # | الإيمان والعمل - الإمامة # تأليف # حسن حنفي # | الباب الخامس: التاريخ المتعين # | الفصل الحادي عشر: النظر والعمل (الأسماء والأحكام) # | أولا: مقدمة # بعد التاريخ العام الذي يظهر في النبوة وفي ~~المعاد؛ أي في ماضي الإنسانية وفي مستقبلها، يظهر التاريخ الخاص أو التاريخ ~~المتعين في النظر والعمل أولا، وهو ما سماه القدماء «الأسماء والأحكام»، ثم في ~~الحكم والدولة ثانيا، وهو ما سماه القدماء «الإمامة»؛ فإذا كان التاريخ العام من ~~صنع ms001 الله، إذ إنه هو الذي يرسل الأنبياء، وهو الذي يبعث الناس إليه في اليوم ~~الآخر، فإن التاريخ المتعين من صنع الإنسان؛ فالنظر والعمل مقولتان إنسانيتان ~~فرديتان، كما أن الحكم والدولة نظامان إنسانيان اجتماعيان من اختيار الإنسان؛ ~~فالتاريخ العام لا يتحقق إلا في التاريخ الخاص، وكأن المشروع الإلهي كما تم عرضه في ~~الوحي كعلم إلهي لا يتحقق إلا بنظر الإنسان وعمله، وحكم الجماعة ونظامها. وفي ~~التاريخ المتعين ينتهي علم أصول الدين، ويتحقق القصد الإلهي من الوحي، وتتأسس ~~العقائد، ويكتمل النسق. ~~(1) وضع المشكلة وأهميتها # تدخل مسألة النظر والعمل في باب «الأسماء والأحكام»، أي في تحديد معاني ~~الألفاظ؛ فهي ليست مسألة نظرية بقدر ما هي مسألة لغوية. ليست قضية تفتيش في ~~ضمائر البشر أيهم المؤمن وأيهم الكافر كما يحدث في هذه الأيام، بل هي مسألة ~~البحث عن معاني الكلمات، وكأن النظر والعمل مجرد أسماء وألفاظ وتحديد معان، ~~وليسا منطق سلوك وأفعال وممارسة النظر والتحقيق. # 1 # وهل يمكن معرفة النظر والعمل ~~لغويا فحسب؟ وعلى فرض أنها مبحث لغوي، فهل هي أسماء شرعية فحسب ليس للعقل ~~فيها دور في الفهم أو التحليل؟ لذلك نشأ رد الفعل على هذا الوضع الهامشي ~~للمشكلة، وأصبحت أصلا من أصول الدين، الأصل الرابع منه «المنزلة بين ~~المنزلتين» بعد الأصول الثلاثة؛ التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد. # 2 # وتعني مسألة الأسماء والأحكام أن مسألة النظر والعمل من حيث ~~التطابق أو عدمه مجرد أسماء لغوية تشير إلى أحكام شرعية، وليس لها أي مدلول ~~نظري أو واقعي؛ فمحل بحثها هو قواميس اللغة وكتب الفقه؛ وبالتالي إخراج موضوع ~~النظر والعمل من نطاق تحليل العقل والواقع. وإذا كان الأمر سهلا في حالة ~~التطابق، فإن الأمر يكون صعبا في حالة الاختلاف؛ فالإتيان بالكبيرة إنما يشكك ~~في مدى فاعلية النظر، ويسبب أضرارا بالغة في الواقع الاجتماعي. وإذا استطاع ~~الإنسان التوقف في تحديد بعض المسائل النظرية مثل الإيمان والكفر والشرك، أو ~~تحديد بعض الأحكام الفقهية حول الفسق والنفاق والعصيان، فإنه لا يستطيع أن ~~يتوقف أمام الإتيان بالكبائر؛ لأنها أفعال عامة ms002 يقوم بها الفرد في المجتمع، ~~وتدخل تحت طائلة القانون. # وقد يشار إلى مسألة النظر والعمل كجزء من المقدمات العامة في علم أصول ~~الدين، فيما يجب على المكلف الإيمان به، مثل نظرية العلم ونظرية التكليف، ~~وكأنها مدخل وليست موضوعا نظريا مستقلا، # 3 # وكأنها مقدمات نظرية خالصة، مقدمات في مفاهيم العلم. وقد ظهر ~~أيضا في الشروح المتأخرة عندما انهار بناء العلم وتحول إلى منظومة عقائدية ~~نثرا أو شعرا، وبالتالي ضاع موضوع النظر والعمل من المستوى البرهاني إلى ~~المقدمة الخطابية العامة، وكأنه مبحث فقهي أو صوفي. وقد تبدو مسألة النظر ~~والعمل في نهاية العقائد المتأخرة كمقدمة للأخلاقيات التي ينتهي بها التوحيد ~~كنوع من الخطابة العامة في الدين بعد انهيار البناء العقلي للعلم. # 4 # وقبل أن توضع كخواتم خطابية للعلم تظهر أحيانا كملحق لموضوعاته ~~الأخيرة كالمعاد والنبوة؛ فتدخل في مسألة الوعد والوعيد باعتبارها تتحدث عن ~~الإيمان والكفر والفسوق والمعصية من خلال قانون الاستحقاق. # 5 # كما قد تظهر في باب النبوات في آخر مرحلة من مراحل النبوة؛ # 6 # لذلك ارتبطت بموضوعات الوعد والوعيد، ولكن على مستوى الدنيا وليس ~~تطبيقا للاستحقاق في الآخرة. وقد يضطرب مكانها ويتردد بين الموضوعات السمعية ~~بعد المعاد والوعد والوعيد وقبل النبوة والإمامة؛ مما يدل على بداية اهتزازها ~~في بناء العلم. # 7 # وقد تغيب مسألة النظر والعمل من بعض المؤلفات الكلامية ورسائل التوحيد ~~نظرا لعدم ظهور الجانب الإلهي فيها. ولا تظهر إلا بمقدار ظهورها كجزء من ~~التوحيد في الإرادة المطلقة؛ ومن ثم تلحق بمسألة الجبر في الأفعال على أساس ~~أنها تتناول الإيمان والكفر والفسوق؛ أي موضوع الأفعال. # 8 # وقد تغيب مسألة النظر والعمل بتاتا من العقائد المتأخرة بعدما طغت ~~الإلهيات على باقي الموضوعات، وبعدما أصبحت كل المسائل ما عدا التوحيد جزءا من ~~التوحيد. ولا تظهر إلا كقضية في نهاية العقائد بعد الوعد والوعيد والمعاد ~~والنبوة والإمامة في تحديد معنى الكفر ومن هم الكافرون لتحديد علاقاتهم ~~الاجتماعية بسائر المؤمنين في الأمة. وهو الجانب التاريخي الذي فيه تحول ~~موضوع الفرق إلى ملحق للإمامة أو ms003 ذيل لها فيما يجب تكفيره من الفرق. # 9 # وتغيب المسألة كلية وكأنها لا تدخل في علم التوحيد خاصة في كتب ~~العقائد المتأخرة والمتوسطة في عصر بناء العلم، # 10 # كما تختفي من العقائد المتأخرة. # 11 # والعجيب أن تغيب عن بعض الحركات الإصلاحية الحديثة. # 12 # وبالرغم من هذا الغياب للموضوع إلا أن له أهمية قصوى، لأنه موضوع عملي ~~يمس الحياة اليومية للجماعة، وعلى أساسه تتحدد العلاقات الاجتماعية، # 13 # بل إنه هو الموضوع الأول من حيث النشأة، موضوع مرتكب الكبيرة وحكمه ~~بين المؤمن والكافر. دارت حوله أهم الفرق الكلامية بين طرفي نقيض كحل وسط ~~بين الاثنين. # 14 # ويتصل بموضوع التوحيد، بالذات والصفات؛ فكلاهما يصاغان بالطريقة ~~نفسها لتصور العلاقة بين الطرفين، الذات والصفات، أو الإيمان والعمل، علاقة ~~زيادة أو مساواة، والاختلاف في تصور هذه العلاقة بين أهل العدل وأهل ~~الرحمة. # وقضية النظر والعمل قضية إنسانية خالصة، تتناول موضوع العمل والسلوك طبقا ~~للتصورات والدوافع وحسب البواعث والغايات، وهي أبعد الموضوعات عن الجوانب ~~الإلهية؛ لذلك تكون قسمة الإيمان إلى قديم ومحدث قسمة في البداية تجعل ~~الموضوع يتناول الإيمان المحدث، أي إيمان الإنسان، وليس الإيمان القديم. # 15 # صحيح أن المؤمن أحد أسماء الذات، إلا أن الإيمان هو هذه الطاقة ~~الإنسانية الخالصة وتصورات الإنسان لنفسه وللعالم، دوافع سلوكه وبواعثها؛ فإذا ~~كان التوحيد محوره الله، والعدل محوره الإنسان، فإن الوعد والوعيد التقاء بين ~~المحورين، والإيمان والعمل هما الجانب الدنيوي في موضوع الوعد والوعيد؛ فطالما ~~يتعلق الإيمان بالنظر والعمل والتصديق والإقرار، وكلها أبعاد للشعور الإنساني، ~~فإن المشكلة تكون إنسانية في جوهرها. ~~(2) أبعاد الشعور # ويمكن تحليل مسألة الإيمان والعمل بتحليل جوانب الشعور الثلاثة؛ صورته ~~ومضمونه وموضوعيته. # 16 # فصورة الشعور تظهر في الوحدة أو الاختلاف بين أبعاد الشعور ~~الأربعة، الفكر والقول والوجدان والعمل، بينما يظهر مضمون الشعور في الفكر ~~المتمثل الذي يتحول إلى قول وعمل في مضمون التصديق (الله، والكتب، والرسل، ~~واليوم الآخر ...) # 17 # وأخيرا يتموضع الشعور عندما يتحول الإيمان من طاقة في الشعور إلى ~~نظام مثالي للعالم. # فعندما يصبح الإيمان موضوعا ms004 للشعور تظهر له أبعاد أربعة؛ الفكر والقول ~~والوجدان والعمل. # 18 # يظهر الإيمان من خلال هذه الأبعاد، إما في واحد منها أو في اثنين ~~أو في ثلاث أو في جميعها؛ فالفكر هو ما يسميه القدماء المعرفة أو النظر أو ~~الاستدلال، والقول هو الإقرار أو الشهادة، والوجدان هو التصديق بالقلب أو ~~التحول، والعمل لفظ قديم ومعاصر على السواء. كان الخلاف القديم بين النظر، أي ~~الإيمان، والعمل في قضية مرتكب الكبيرة، وكأن النظر أو الإيمان يشمل الإقرار ~~والتصديق؛ أي القول والوجدان. هناك إذن أربعة موضوعات وإحدى عشرة علاقة ممكنة، ~~ستة منها ثنائية، وأربعة منها ثلاثية، وواحدة منها رباعية. # 19 # ولما كان يمكن اعتبار المعرفة والوجدان بعدا واحدا، فالمعرفة ~~نظر، والوجدان تصديق، كلاهما نظر إما عقلي أو قلبي، استدلالي أو وجداني، تكون ~~أبعاد الشعور ثلاثة؛ المعرفة أو النظر، والقول أو الإقرار، ثم العمل. وتكون ~~المعرفة حينئذ هي معرفة الشعور، وعلى هذا النحو تكون الاحتمالات سبعة؛ ثلاثة ~~فردية، المعرفة والقول والعمل؛ وثلاثة ثنائية، المعرفة والقول، والمعرفة ~~والعمل، والقول والعمل؛ وواحدة ثلاثية، المعرفة والقول والعمل. # 20 # وإن كان الفكر هو النظر، والنظر أساس العمل، إلا أن الفكر عندما ~~يتمثل يصبح وجدانا، وعندما يعبر عن نفسه يصبح قولا، وعندما يتحول إلى عمل ~~يصبح فعلا؛ فهو طاقة واحدة تظهر في مخارج متعددة. ويظهر ذلك منذ البداية في ~~محاولات تحديد حقيقة الإيمان والكفر وتفاوت كل التعريفات بين هذه الأبعاد؛ ~~المعرفة التي تشمل النظر والتصديق، والإقرار، والعمل؛ فالإيمان معرفة تقوم ~~بالله، وما جاءت به الرسل، والكفر جهل به؛ كما أن التصديق بالقلب؛ فالإيمان ~~لغة هو التصديق، التصديق بالرسل فيما علم مجيئه ضرورة وتفصيلا، # 21 # وهو أيضا كلمتا الشهادة أو التصديق مع الكلمتين، وهو ثالثا أعمال ~~الجوارح، إما الطاعات فرضا ونفلا أو الطاعات المفروضة دون النوافل. # 22 # الإيمان إما فعل القلب فقط، وهو المعرفة أو التصديق، وإما فعل ~~الجوارح فقط، وهو إما باللسان وهو الكلمتان، أو غيره وهو العمل بالطاعات، وهو ~~إما فعل القلب والجوارح معا، والجارحة إما باللسان أو الجوارح؛ ms005 فالإيمان نظر، ~~معرفة وتصديق، أو عمل باللسان أو بالجوارح. الإيمان إذن هو مجموع هذه الأبعاد ~~الثلاثة؛ تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان . # 23 # وتعرف أبعاد الشعور بتحليل العقل، وقد تعرف أيضا بالنص؛ ~~فالإسلام هو القول، والإيمان هو القول المضاف إلى المعرفة والوجدان، والإحسان ~~هو العمل المضاف إلى القول والمعرفة والوجدان. # 24 # وقد تكون هناك قسمة أكمل للشعور بناء على الكيف والكم والجهة ~~والإضافة؛ فالشعور الكيفي هو الذي له أبعاده الأربعة، المعرفة والتصديق ~~والإقرار والعمل، أو الثلاثة إذا ما ضم التصديق إلى المعرفة في النظر. والشعور ~~الكمي هو الذي يزيد وينقص لاحتواء مسألة «هل يزيد الإيمان وينقص؟» أما الشعور ~~كجهة فهو مضمون الإيمان الذي عرض من قبل في المضمون النظري للرسالة. # 25 # أما الشعور كإضافة فهو ما تناوله الحكماء من حيث قسمة الإيمان إلى ~~إيمان العوام وإيمان الخواص. # | ثانيا: النظر # لما كان النظر أساس العمل، فكلاهما جانبان لشيء واحد، كان تحديد الإيمان أولا ~~بالنظر. النظر عمل لم يتحقق بعد، والعمل نظر قد تحقق وأصبح فكرا واقعا. ولكن ~~يظل النظر هو الأساس والبداية وليس العمل، وإلا كان العمل أهوج عشوائيا ~~اندفاعيا بلا أساس. العمل في حاجة إلى أساس أولي هو النظر. والتوحيد بلا نظر ~~لا يكون معرفة. والإيمان ليس موقفا وجدانيا خالصا؛ لأن الوجدان يتأسس نظريا ~~في الفكر، وإلا كان انفعالا أهوج أو هوى أعمى. المعرفة ضرورية. والدليل على صدق ~~النبي واجب، ولو قام به واحد فقط؛ فلا نبوة بلا دليل، ولا وحي بلا برهان. المعرفة ~~سابقة على التصديق كسبق النظر على العمل. الإيمان إذن هو الإيمان العاقل، أو هو ~~باختصار النظر. # 1 # ومن ثم تكون مشكلة الإيمان والعمل هي المشكلة التقليدية المعروفة في ~~تاريخ الفكر باسم النظر والعمل؛ # 2 # فالإيمان يحتوي على تصور للعالم، ويعطي الأساس النظري الذي يقوم عليه ~~العمل. الإيمان، إن شئنا بلغة العصر، هو الأيديولوجية التي تمارس وتتحقق في ~~صورة عمل. الإيمان ليس مجرد تقبل عاطفي انفعالي، وليس قرارا فرديا أو فعل إرادة، ~~بل هو موقف نظري متكامل، ms006 موقف واع يمكن البرهنة على صحته وعلى خطأ نقيضه. # والنظر إما أن يكون ضرورة أو اكتسابا، بداهة أو استدلالا، حدسا أم برهانا. ~~يمكن إذن تحويل الإيمان إلى نظر بأحد هذين الطريقين. وبالنسبة للمعرفة التي تجعل ~~النص في قلبها، فإن الحدس هو الاستخراج من النص. الوضوح في النص والبرهان مستخرج من ~~قضايا العقول. ومع ذلك يظل السؤال الأول قائما في نظرية العلم، وهو: هل المعرفة ~~الضرورية معرفة نقلية أم أنها المعرفة الواضحة بذاتها؟ وإذا كان النقل خاضعا ~~للتأويل ومبادئ اللغة ولأسباب النزول، تظل المعرفة العقلية الواضحة بذاتها هي ~~الأساس. والعجيب أن يأتي إثبات الإيمان كنظر من إثبات النقل أساسا للعقل؛ مما يدل ~~على أن الهدف ليس دفاعا عن النظر أي العقل، بل إخراج للتصديق والإقرار والعمل من ~~الإيمان! والعجيب أن تكون المعرفة إيمانية خالصة وليست معرفة عقلية! المعرفة ~~الإيمانية لفظ آخر للإيمان، وكأن العقل لا يدخل كجزء من التصديق بالرسل كجزء من الإيمان! # 3 # ولما كان النظر هو أساس العمل كان من الضروري أن يتأسس النظر على أسس يقينية، ~~ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالشك في النظر السابق حتى يتأسس النظر الجديد على يقين. ~~الشك نظر في النظر، ونقد للموروث النظري، وتأسيس لليقين النظري، بل إن الشك قد يكون ~~أول الواجبات قبل النظر؛ فالشك هو الطريق إلى النظر. ليس الشك شكا في اليقين، بل ~~هو تأسيس له. ولا يوجد يقين نظري مسبق قبل الشبك كبداية للنظر، وإلا فإن هذا ~~اليقين الأول لا يكون موقفا نظريا. كل يقين يحتاج إلى تأسيس نظري. # 4 # ولما كانت الحجة النظرية عقلية ونقلية، وكان النقل لا يستقل عن ~~العقل، بل يعتمد عليه، ظهرت ضرورة التأويل؛ وبالتالي لا يمكن تكفير أحد من ~~المتأولين ما دامت الغاية هي المعرفة الاستدلالية، وليست إخراج العمل من الحساب ~~حرصا على الوحدة النظرية للأمة وإن تضارب سلوكها. وإن تحريم التأويل لهو أداة ~~لتكفير الخصوم، تحريمه على الغير وتحليله للنفس. # 5 # إن التأويل عن حسن نية أو عن خطأ غير مقصود له ms007 أجران. أما التأويل عن سوء نية أو ~~بخطأ مقصود ففسق. والمتأول معذور إذا كان من داخل الأمة وليس من خارجها، يعمل ~~لصالحها وليس ضدها. # 6 # الخطأ بالجهل إذن مقبول ما دام الأساس هو المعرفة، سواء أكانت نقلية ~~أم عقلية، نصية أم برهانية، تعتمد على بداهة النص أم على حجة العقل. # 7 # ولا يكفر من لم تبلغه الرسالة، أو من نقل إليه قول آخر مع خطأ في ~~النقل؛ لأن شرط المعرفة لم يتحقق، وهو الإعلان عنها وتبليغها ثم نقلها نقلا صحيحا ~~متواترا. ولا يمنع ذلك من إمكانية وصول العقل البشري إلى حقائق التوحيد والعدل ~~دونما حاجة إلى نقل، واتفاق العقلاء على تصوراتها العقلية الخالصة بلا تجسيم أو تشبيه. # 8 ~~(1) هل هناك كفر نظري؟ # إذا كان الإيمان هو المعرفة النظرية، فهل هناك كفر نظري؟ هل المعرفة النظرية ~~المجردة مقياس للإيمان والكفر؟ إن جعل حقائق الإيمان نظرية صرفة مستقلة ~~بذاتها عن العمل والسلوك هو تحويل للوسيلة إلى غاية، والطريق إلى هدف، وقلب ~~البداية إلى النهاية، بل إن المعاند في الحقيقة النظرية الصرفة المنكر لها ~~دون أن يؤثر ذلك في سلوكه، فإنه يصبح شاكا أو لا أدريا أو نافيا على مستوى ~~النظر فحسب، دون أن يؤثر ذلك على سلوكه العملي ووضعه الاجتماعي. الكفر حقيقة، ~~ولكنه ليس بحق عملي، وهناك فرق بين الحقيقة والحق. # 9 # والحقيقة أن الذهن البشري قادر على الوصول إلى حقائق التوحيد والعدل، وهما ~~الأصلان العقليان اللذان يتفق عليهما جمهور العقلاء. أما السمعيات، مثل النبوة ~~والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، فهي أمور عملية لا يكفر فيها أحد؛ ~~فالنبوة تجد كمالها في العقل، والمعاد يتحقق في الدنيا، والأسماء والأحكام ~~خصومات سياسية، والإمامة موقف عملي ونضال سياسي. # 10 # وقد تحول هذا التكفير النظري إلى عرض لتاريخ الأديان بالنسبة ~~للعقائد النظرية التي يجب تكفيرها بصرف النظر عن أثرها في الحياة الاجتماعية ~~وكيفية ممارستها العملية، وكأن هناك خطأ نظريا مجردا له مقياس نظري خالص، ~~وذلك مثل القول بإلهين أو ثلاثة، أو عبادة الكواكب والأصنام والنار، أو القول ms008 ~~بالاتحاد والحلول، سواء أكانت هذه الأقوال من داخل الحضارة أم من خارجها. قد ~~يحدث إنكار نظري لأمور عملية، ويظل الإنكار أيضا على مستوى الكفر النظري، ~~ودون أية علاقة ممكنة بين هذا الكفر النظري والممارسة العملية التي قد تكون ~~أقرب إلى العمل الصالح الذي يعبر عن الإيمان النظري، ويكون مطابقا له. # 11 # والحقيقة أن المهم ليس هو الإيمان النظري والكفر النظري، ولكن مضمون كل ~~منهما، إيمان بماذا وكفر بماذا؟ أليست كل معرفة معرفة بشيء؟ وإذا كان مضمون ~~المعرفة إما العقليات أو السمعيات، وشملت العقليات أصلي التوحيد والعدل، ~~وضمت السمعيات النبوة والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، فإن الإيمان ~~بالرسل أدخل في السمعيات. ويمكن الوصول إلى أصلي التوحيد والعدل بالعقل دونما ~~حاجة إلى النبوة أي إلى الرسل، بل إن الإيمان بالسمعيات مثل النبوة إنما ناتج ~~عن الإيمان بالعقليات بأصلي التوحيد والعدل؛ نظرا لأن العلم والكلام من صفات ~~الذات؛ وبالتالي إمكانية الوحي الذي هو إيصال للعلم من خلال الكلام. كما أن ~~الإيمان النظري لا يقوم على الترغيب والترهيب، أي على الوعد والوعيد، بل على ~~النظرة العلمية للواقع، وعن رغبة الإنسان في تجاوز الحاضر والتعرف على المستقبل ~~للإعداد له. أما موضوع الأسماء والأحكام وموضوع الإمامة فهما مسألتان عمليتان ~~يمكن معرفتهما بتحديد السلوك الأخلاقي للأفراد والنظم السياسية للمجتمعات، ~~وليسا موضوعا للإيمان النظري. # 12 # وقد لا يتطلب الإيمان بالرسل ضرورة التعيين؛ أي تعيين الرسول كشخص ~~محدد في التاريخ؛ فالرسول مجرد حامل الرسالة، والرسالة يتم تبليغها ونقلها ~~نقلا صحيحا متواترا. لا يوجد تكفير في خطأ تعيين موضوعات العقائد في ~~التاريخ؛ فالتصديق لا يعني تطابق العقيدة مع الواقع، بل تطابق العقيدة مع ~~النفس، وقدرتها على التأثير فيها، والفاعلية في السلوك. # 13 # وهل العقائد وقائع تاريخية خالصة تكون الأعذار بالجهالة فيها ~~أعذارا في واقعة وليست في عقيدة؟ إن العقائد تصورات وبواعث على السلوك، وليست ~~وقائع تاريخية يمكن التحقق من صدقها بعلم الآثار. والروايات تثبت صحة الأقوال، ~~وليست صحة الحوادث؛ أي تطابق الرسول مع الراوي، وليس تطابق أقوال الرسول أو ~~الراوي مع ms009 الواقع. # ليس المهم هو الإيمان أو الكفر ~~النظريان، ولكن مدى تأثير كل منهما في الحياة العملية، وتوجيههما سلوك الناس ~~نحو الخير والعدل؛ فالتوحيد لا يعني إثبات ذات مشخصة فاعلة خارج العالم ~~والإنسان، بل يعني وجود الوعي الخالص داخل الإنسان باعتباره ذاتا. ومعرفة ~~أسماء الله ليست مجرد معرفة نظرية صورية خالصة، بل هي معرفة بالأسس النظرية ~~للعمل. وليست المعرفة بأن للعالم صانعا معرفة نظرية خالصة، بل هي معرفة ~~موجهة للسلوك العملي في نطاق عالم مخلوق يمكن تغييره وبناء نظمه. إن العقائد ~~هي الأسس النظرية للسلوك، والسلوك هو الممارسات العملية للعقائد؛ وبالتالي لا ~~يوجد فصل بين النظر والعمل. العقائد دوافع للسلوك، والسلوك توجيهات للعقائد. ~~وما الفائدة من عقائد ميتة؟ ما فائدتها لو آمن بها الإنسان دون أن تحدث ~~سلوكا أو تغير واقعا؟ ألم يربط الوحي بالإيمان والعمل الصالح في كل آياته؟ ~~بل إن العمل الصالح يغفر الكفر النظري، والأصعب يجب الأسهل ويحتويه. وماذا عن ~~الإيمان النظري الذي لم يشفع لصاحبه لأنه بلا عمل صالح؟ ألا يشجع هذا الإيمان ~~النظري على الفسق والعصيان، وعلى أن يعيش الإنسان مزدوجا، مؤمنا نظرا، ~~وفاسقا عملا، بشرعية تامة وتبرير للنفس؟ ألا يعطي ذلك شرعية للعصيان؟ أليس ~~هذا هو حال الأمة اليوم، إيمان نظرا، وفسق عملا، باسم الدين وباسم الشرعية ~~التاريخية التي تساندها بعض الأمثال العامية في المساجد ومن خلال أجهزة ~~الإعلام؟ إن المعاصي لا تقع عن جهل بالله، ولكن لعدم تحول المعرفة إلى سلوك، ~~ووجود دوافع في الإنسان أقوى من الدوافع النظرية، وهي الدوافع الوجدانية ~~والفعلية. المعرفة النظرية أحد أبعاد الشعور، وليست كل أبعاده. وقد تكون ~~المعاصي مصدرا للمعرفة بالتجربة للتحقق من صدق المعرفة النظرية؛ وبالتالي تكون ~~الأفعال جزءا من المعارف النظرية من حيث المصدر ومن حيث التحقق. # 14 # إن المعرفة ما هي إلا أحد أبعاد الشعور مع التصديق والإقرار ~~والعمل، وهي لا تعني بالضرورة الخضوع والاستسلام والقبول والرضا؛ لأن الفكر ~~يتحول إلى بناء شعوري يرمي إلى تغيير الواقع؛ لذلك لم يكن إبليس مخطئا في ~~الرفض، ولم ms010 يكن مستكبرا، بل كان واعيا نظريا ومحققا لفعل الرفض، ولكنه ~~أخطأ في تحليل الموقف؛ فقد خلط بين الكم والكيف؛ فالتفاضل في الكم بين النار ~~والطين لا يؤدي بالضرورة إلى تفاضل في الكيف، كما أنه رفض الاعتراف بأن الإنسان ~~سيد الكون، وأن كل شيء مسخر له. ومع ذلك فإن موقف إبليس يدل على شيئين؛ الأول ~~الموقف الواعي وعدم الخضوع، الرفض نتيجة لإعمال الفكر، والثاني تحدي الآخر ~~والثقة بالنفس. # 15 # إن تعدد المعارف النظرية ممكن، ولكن وحدة العمل واجبة؛ إذ لا يمكن توحيد ~~الأطر النظرية لكل الناس، في حين أنه يمكن الاتفاق على برنامج عملي موحد. ~~وطالما صالت وجالت الحناجر والأفواه وتصارعت العقول في مسائل نظرية خالصة دون ~~أن يؤدي ذلك إلى اختلاف في وحدة العمل؛ أي أكبر قدر ممكن من الخلاف النظري، ~~وأكبر قدر ممكن من الاتفاق العملي. لا يكفر أحد في الإطار النظري، وهو التوحيد ~~والعدل، أي العقليات، والأولى لا يحدث ذلك في السمعيات التي ليس فيها يقين ~~أصلا. إن التناقض في القول والخلاف في النظر ليس كفرا؛ فليس لأحد قول إلا ~~وله قول مخالف، فكلنا راد وكلنا مردود عليه. ليس ذلك وقوعا في تكافؤ الأدلة ~~أو في النسبية، بل هو مراعاة لتعدد الأطر النظرية مع وحدة العمل والسلوك. # 16 # إن التكفير النظري هو سلاح مشهور باستمرار في مواجهة الخصوم، ~~واعتبار أفكار الذات وتصوراتها هي مقياس أفكار وتصورات الآخرين. ويستحيل توحيد ~~التصورات والآراء والمذاهب، في حين أنه يمكن توحيد الأهداف. وإن أية محاولة ~~للتوحيد النظري إنما تهدف في الحقيقة إلى تواري الأفعال ونسيانها وإخراجها من ~~دائرة الحساب، أو إن شئنا من تحت طائلة العقاب. ولقد اعتبرت الفرقة الناجية ~~نفسها صاحبة المعارف الحقة، وقننتها، ثم حكمت على معارف الآخرين بالكفر. وتم ~~قياس الإيمان طبقا لهذا التقنين في منظومة عقائدية، كما كان الحال في ~~الديانات السابقة؛ وبالتالي ضاعت خصوصية اكتمال الوحي وختم النبوة وكمال العقل ~~وممارسة الحرية. # 17 # لقد كان التكفير دائما سلاحا ضد الخصوم والمخالفين في الرأي، ~~سواء أكان رأيا نظريا ms011 في الاعتقادات أو رأيا عمليا في العمليات، وليس ضد ~~المخالفين في العمل. وخطورة ذلك هو إسقاط العمل من الحساب، وهو العنصر ~~الموحد للأمة، وتوحيد الأمة بعد ذلك بالنظر وتكفير فرقها، وهو ما يستحيل ~~عملا. كما أنه يصعب التعبير عن المعرفة النظرية الخالصة إلا في تصديق أو إقرار ~~أو عمل حتى يقتنع بها الناس. إن خطورة التكفير في الاعتقاديات هي ضياع الوحدة ~~الوطنية، وعدم السماح بالخلاف النظري الخلاق، ثم الاستبداد بالرأي. إن ~~التمايز في العمليات وارد، وهو مقياس التفاضل بين الأفراد والجماعات من حيث ~~السبق والتنافس نحو الخير والعدل. # 18 # وليس التكفير في النظريات مجرد حكم نظري، بل تنتج عنه مواقف عملية شرعية؛ # 19 # فالتكفير حكم شرعي ينتج عنه مواقف عملية في المجتمع؛ وبالتالي ~~يدخل في الفقه أكثر منه في التوحيد. كما تحيل مسائل الإيمان والكفر والفسوق ~~والعصيان إلى مسائل السياسة؛ إذ إنها أحكام تطلقها الجماعة على الأفراد، سواء ~~كانوا في السلطة أو في المعارضة لتحديد سلوكهم؛ وبالتالي لتحديد أوضاعهم ~~الاجتماعية والسياسية. ويستعمل الرصيد السابق من الأحكام للمقارنة والمشابهة؛ ~~فالقدرية مجوس، والمشبهة يهود، والرافضة نصارى. سلاح الألقاب إذن هو سلاح ~~التكفير؛ فالخصوم معتزلة يعتزلون الجماعة، وبالتالي هامشيون، والثوار خوارج أو ~~رافضة، والمدافعون عن الحق شيعة يتشيعون، أي غير محايدين، أصحاب هوى وأنصار ~~طائفة. أما الفرقة الناجية فهم أهل الحق والاستقامة، أهل السنة والحديث، جمهور ~~الأمة، أصحاب الفتيا والحديث. لا تجوز مناكحة الخصوم أو وراثتهم، وحلال ~~أموالهم، وغنيمة ثرواتهم وكراعهم. دارهم دار حرب ... إلخ؛ وبالتالي تعلن ~~الدولة الحرب على خصومها السياسيين؛ تكفرهم أولا ثم تستأصلهم ثانيا. # 20 ~~(2) هل يوجد إيمان نظري بلا تصديق أو إقرار أو عمل؟ # إن الإيمان باعتباره معرفة خالصة يبتسر أبعاد الشعور كلها في أحدها، وهو ~~النظر، ويسقط التصديق والإقرار والعمل من الحساب. لا يكفي تحديد الإيمان ~~بالمعرفة وحدها لأن الفكر خاضع للتفسير والتأويل، وقابل للتجديد والتطوير. ~~الفكر وحده صورة بلا مضمون، ومضمون الفكر جزء لا يتجزأ منه، وعلى أساس هذا ~~المضمون يتوجه السلوك. كما أن الفكر منفتح على ms012 القول، وقائم على الوجدان، ~~ويتحقق في العمل. يتخارج في الإقرار حيث يتم الإعلان عنه، ويصدقه الوجدان، ثم ~~يتحقق في العالم بالفعل. صحيح أن النظر هو التصور للعالم، وهو أساس الممارسة ~~العملية في العالم من أجل فهمه وتغييره؛ فالنظر بهذا المعنى تصور ونظام، أو كما ~~يقول القدماء عقيدة وشريعة، معنى واتجاه، رأي والتزام؛ وبالتالي فهو لا ينفصل ~~عن الإقرار، وإلا بقي الشعور في حالة من العزلة الفكرية والوجدانية؛ فالكلمة ~~أيضا فعل وكشف وفضح للمستور؛ لذلك أتى الوحي كلاما، وكان الله متكلما، ~~وعالم الكلام متكلم بهذا المعنى مثل الأصولي الفقيه، ولكن النظر أيضا وجدان ~~وتصديق ويقين داخلي. النظر وجدان عاقل، نظر شعوري، تأمل واع؛ فهو في نفس ~~الوقت نظر وباعث. فإذا كان الكفر إنكارا للحقيقة وجحودا بالنعم وسترا ~~وتغطية، يكون الإيمان كشفا واعترافا وبيانا. ولما كان كل موضوع عملية ~~تموضع، فالإيمان ليس موضوعا معطى سلفا يوجد أو لا يوجد، بل هو عملية تموضع ~~تشير إلى كشف الغطاء أو إزاحة الستار طبقا للمعنى الاشتقاقي للكفر من أجل التصديق. # 21 # وإذا كان الكفر هو إنكار الوحي في ذاته أو في مصدره، فإنه قد لا ~~يكون إنكارا للفكر على الإطلاق أو للوجدان على الإطلاق، وقد لا يكون صمتا عن ~~القول أو نكوصا عن الفعل. الكفر رفض لتصوير معين من تصورات الوحي، سواء من ~~حيث التسمية أو من حيث الاتجاه، ورفض التعالي والمفارقة من أجل التحول نحو ~~الواقع ذاته باعتباره مصدرا لكل فكر. وإن رفض التعالي يحدث في الحقيقة نتيجة ~~لتحليل التعالي تحليلا نفسيا واجتماعيا وليس قبله. الكفر ليس تعصبا أو ~~إيمانا بعقيدة مضادة، أو حتى أزمة نفسية، أو تقليدا، بل هو كفر واع ~~بناء على تحليل لتصورات الإنسان عن الألوهية في لحظات ظهورها في ~~التاريخ. ~~(2-1) هل الإيمان معرفة بلا تصديق؟ # كيف يكون الإيمان معرفة فقط وهو لغة يعني التصديق؟ كيف يتحول الإيمان ~~إلى علم خالص بلا وجدان، إلى نظر عقل دون شهادة قلب، إلى فكرة مجردة دون ~~يقين بالمعنى، إلى معرفة نظرية دون أساس ms013 شعوري؟ الإيمان معرفة قلبية، أو ~~بلغة العصر نظر شعوري. المعرفة دون تصديق مجرد معادلات صورية فارغة لا ~~تصدق إلا من حيث اتساقها مع نفسها دون أن تكشف عن شيء في الشعور، أو تطابق ~~دلالة في التجربة الإنسانية. المعرفة الشعورية من خلال التصديق أولى درجات ~~المعرفة. قد يعرف الكفار دون تصديق، وتظل معرفتهم عاجزة عن أن تؤثر في ~~سلوكهم أو في تغيير نظرتهم للعالم. قد يعرف المنافقون، ولكن تظل معرفتهم ~~مجردة لا فاعلية لها؛ لأنها لم تتحول بعد إلى تصديق. فالمعرفة كتصديق ~~أولى درجات التفسير ابتداء من الشعور الفردي حتى البنية الاجتماعية. # 22 ~~(2-2) هل الإيمان معرفة دون إقرار؟ # إذا ما تحولت المعرفة إلى تصديق فإنه سرعان ما يتخارج في القول ~~والإعلان؛ فلا توجد معرفة بلا تصديق، ولا يوجد تصديق بلا قول؛ فالمعرفة ~~كتصديق سرعان ما تتحول إلى طاقة تعبر عن نفسها من خلال منفذين، اللسان ~~والجوارح، الكلام والحركة، أي الإقرار والعمل، الكلمة والفعل، اللغة ~~والسلوك. الإقرار هو النطق بالشهادتين كتعبير عن معرفة التوحيد، وإلا ظلت ~~المعرفة صورية صرفة إذا انفصلت عن التصديق، مجرد تصور دون لغة، أو حد دون ~~قضية. وإذا ما كانت المعرفة تصديقا بلا إقرار فإنها تظل شهادة باطنية ~~للنفس، # ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه ~~. أضعف الإيمان الذي لا ~~يتخارج في أضعف المظاهر وهو القول، الكلمة الصادقة، الدين النصيحة. والقول ~~ليس مجرد إقرار، بل هو فعل. وشهادة «أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله» فعل. الإقرار فعل باللسان، الكلمة فعل، والنطق فعل، واللغة فعل، ~~وكلمة الله لا تعود فارغة، والساكت عن الحق شيطان أخرس. ونظرا لزيف ~~الكلمة أو الخرس والصمت ظهرت ضرورة النطق في جيلنا، وظهر سحر الكلمات ~~وضرورة القول، وأصبحت الكلمة دار نشر وديوان شعر، كلمة الإنسان، وكأنها ~~الله قد تجسد من جديد. وفي البدء كانت الكلمة، كلمة الحق والشهادة، وهي ~~الكلمة الفاعلة التي تقيس الفارق بين المثال والواقع، وليست الكلمة الفارغة ~~بلا مضمون. قد تحدث المعرفة، ولكن يكون العارف أخرس أو ms014 مكرها. وهنا تظل ~~المعرفة عقلية صرفة أو وجدانية خالصة، داخلية بلا تخارج. في حالة الخرس ~~لا يبقى إلا الفعل كمنفذ وحيد لتصريف الطاقة، أما حالة الإكراه فهي ~~مؤقتة صرفة. ويمكن التحايل عليها بالرمز كما هو الحال في الأدب المعاصر ~~تحت ظروف القهر والطغيان. # 23 ~~(2-3) هل الإيمان معرفة دون عمل؟ # إذا كان الإيمان معرفة، وتحولت المعرفة إلى تصديق، أي إلى شهادة ~~باطنية، فإنها لا بد وأن تتخارج في العمل؛ فالطاقة الوجدانية والمعرفة ~~الشعورية لا يكفيها الكلام، ولا تعبر عنها الكلمة وحدها، بل تتحول الكلمة ~~إلى فعل، والقول إلى سلوك. إن المعرفة النظرية الخالصة بلا عمل تكون مجرد ~~معرفة أشبه بمعارف الصوفية أو الحكماء وكأن المعرفة غاية في ذاتها. إن جعل ~~الإيمان معرفة، والكفر جهلا، وإخراج العمل كتحقيق للمعرفة، قد يتصور ~~العمل على أنه عمل الشعائر والطقوس، أعمال الجوارح، في حين أن عمل الحق ~~والخير والعدل، عمل الفضيلة، تعبير أصدق عن المعرفة. وإخراج العمل من ~~المعرفة مثل إخراج الإقرار؛ أي كل مظاهر التخارج للمعرفة الباطنية، سواء ~~كان هذا التخارج في الإقرار أو في العمل. واقتران الإيمان بالعمل واضح في ~~الوحي، ولو أنه لم يظهر عند بعض القدماء كبداهة نظرا لسيادة بعض الاتجاهات ~~الإشراقية، سواء كانت في علوم الحكمة أو في علوم التصوف؛ إبعادا للوعي ~~الجماعي عن العمل والممارسة، في حين ظهر في الحركات الإصلاحية الحديثة دعوة ~~لقرن العمل بالإيمان نظرا لتخلف العمل عن النظر في سلوك الجماهير في ~~عصرنا الحاضر. صحيح أن الإيمان ذكر في أصل الوحي أكثر من العمل، ولكن كان ~~تثبيتا لإيمان العوام، وليس لعمل الخواص. ومع ذلك يظل الاقتران قائما. # 24 ~~(2-4) هل الإيمان معرفة وتصديق دون إقرار وعمل؟ # بعد العلاقات الثنائية التي تقوم على إثبات طرف واستبعاد طرف آخر، ~~المعرفة والتصديق، المعرفة والإقرار، والمعرفة والعمل، تأتي علاقات ثنائية ~~أخرى تقوم على إثبات طرفين من الأبعاد الأربعة واستبعاد طرفين آخرين؛ ~~وبالتالي يثبت الإيمان كمعرفة وتصديق لما كانت المعرفة شهادة باطنية ~~وتجربة شعورية، ثم يتم استبعاد الإقرار والعمل؛ # 25 ms015 # فهل تكفي الشهادة الباطنية دون الشهادة الخارجية؟ وما الفائدة ~~من طاقة باطنية دون تحقق خارجي؟ ويظل هذا الاختيار هو الأمثل لدى ~~الصوفية أصحاب التجارب الباطنية دون الإعلان عنها لا بقول ولا بفعل. وإذا ~~كانت الغاية من الطاقة هي تحويلها إلى حركة فإن بقاءها في المعرفة والتصديق ~~دون القول والفعل لهو كتمان لها، ثم تفريغها تدريجيا حتى تفرغ الذات ~~ويبقى الواقع كما هو بلا تغيير. ~~(2-5) هل الإيمان معرفة وإقرار دون تصديق وعمل؟ # وقد يستبقى بعدان، وهما الإيمان ~~والمعرفة، ويستبعد بعدان هما التصديق والعمل. # 26 # وفي هذه الحالة يكون الإيمان مجرد معرفة نظرية تتخارج في ~~القول، من الذهن إلى اللسان، من العقل إلى الشفتين، معرفة رياضية منطقية ~~لغوية دون أن تتحول إلى تصديق؛ أي إلى تجربة معيشة وبرهان وجداني، ودون ~~أن تتحقق في فعل بالجهد والمعاناة والمقاومة؛ فالمعرفة لا تتضمن التصديق؛ ~~أي استحالة تعيين مضمون في النفس أو في ~~الواقع. قد يعلم الإنسان تحريم الخمر، ولا يعلم هذا اللحم بالذات هل هو لحم ~~خنزير أم لا؛ ويعلم الصلاة إلى الكعبة كفرض، ولكنه لا يعلم هل هذا الاتجاه ~~هو الكعبة أم لا؛ وقد يعلم أن الرسول محمد، ولكنه لا يعلم هل هو هذا العربي ~~أم الزنجي! فما الفائدة إذن من المعرفة بلا برهان وبلا تعيين؟ وما فائدة ~~الإقرار حينئذ. صحيح أن التطابق مع الواقع ليس مقياسا للحقيقة، ولكن ~~التطابق مع النفس ومع التجربة يجعل للمعنى واقعا، وللفكر مضمونا، وإلا ~~أدى عدم التعيين إلى فصل الفكر عن الواقع، وعزلة الشعور عنه، وإخراجه من ~~الزمان والمكان، والاكتفاء بالعمومية والصورية الفارغة. إن تعيين التوحيد ~~والعدل لا يكون في أشخاص أو وقائع، ومع ذلك فإن التصديق بهما هو شرط تحويل ~~هذين الأصلين العقليين إلى بنية اجتماعية وإلى مجتمع يقوم على المساواة ~~والعدل. وحتى لو كان في العقل واجب مبدئي، فإن ذلك لا يغني عن التصديق؛ ~~أي وجود هذا الواجب في التجربة البشرية، فلا يكون فقط واجبا عقليا، بل ~~رسالة إنسانية. والخضوع ليس بعدا من أبعاد الشعور، ms016 ولكنه نتيجة للمعرفة ~~والقول، وأقل من التصديق والعمل، مجرد تمثل للمعرفة واستسلام لها. ولكن قد ~~تؤدي المعرفة أيضا إلى الثورة والغضب والتمرد، وليس بالضرورة إلى الخضوع؛ ~~فالخضوع للفكر قد يعني التمرد على الواقع. والمحبة بالقلب مثل الخضوع نتيجة ~~طبيعية للمعرفة وقبل التصديق. والمعرفة بالقلب أقل من التصديق؛ فالقلب هنا ~~لا يعني إلا الذهن أو العقل، ولكنه لا يعني التحقق من صدق المعرفة بتطابقها ~~مع الدلالة في الشعور. وإن اللجوء إلى الخضوع مرة وإلى المحبة مرة أخرى ~~يجعل المعرفة أقرب إلى الطريق الصوفي؛ مما سهل بعد ذلك ازدواج الأشعرية ~~بالتصوف منذ القرن الخامس حتى قبيل الحركات الإصلاحية الأخيرة. ومع ذلك ~~فإنه على هذا النحو يقترب الشعور من التعين والخصوصية وإتيان الأفعال، وعدم ~~الاقتصار على شمول المعرفة وعمومية الإقرار. وقد يخرج الشعور أيضا من ~~المعرفة والإقرار الباردين إلى محبة الأولياء وكراهية الأعداء، أو تحليل ما ~~أحله الله وتحريم ما حرم الله، وهو وسط بين التصديق والفعل، أكثر من ~~التصديق، وأقل من الفعل. وقد تكون المعرفة دون الإقرار إيمانا، ~~والإقرار دون معرفة إسلاما، واجتماع ~~المعرفة والإقرار هو اجتماع الإيمان والإسلام. ومع ذلك يظل التصديق والعمل ~~أقرب إلى الإحسان. وإذا كان الإيمان قد أصبح المعرفة والإقرار، أي الداخل ~~والخارج، فأسهل أن يكتمل ويصبح التصديق والعمل؛ فالمعرفة والتصديق جانبان ~~لشيء واحد، وهو التحقق بالكلمة وبالفعل. وإذا كان القول أحد أنماط السلوك، ~~فإن العمل المباشر أيضا تعبير عن التصديق بالفعل. وعلى هذا النحو يتحقق ~~الداخل ببعديه في الخارج بأفقيه، وتكتمل وحدة النظر سواء كان معرفة أو ~~تصديقا، وفي العمل سواء كان إقرارا أو عملا. ~~(2-6) هل الإيمان معرفة وعمل دون تصديق وإقرار؟ # وإذا تم إثبات البعدين؛ الأول وهو المعرفة، والأخير وهو العمل؛ واستبعاد ~~البعدين الأوسطين، الثاني وهو التصديق، والثالث وهو الإقرار؛ فهل يمكن أن ~~تتحقق المعرفة والعمل دون تصديق وإقرار؟ ليس الإيمان فكرا فقط يتحول إلى ~~عمل فقط؛ لأن الفكر بناء شعوري، والقول أحد مظاهر السلوك؛ فإذا كان الشعور ~~في حالة من الفكر والعمل فإنه يكون ms017 شعورا آليا يعطي أساسا نظريا، ~~ويتجه تلقائيا إلى العمل المباشر دون أساس وجداني ودون إعلان بالقول. ~~وإذا تخارجت المعرفة في العمل، فلماذا لا يتخارج التصديق في القول؟ ~~وأيهما أفضل؛ أن تتحقق المعرفة مباشرة في العمل، فيكون الإنسان أشبه ~~بالحاسب الآلي الذي يعرف ويقرر، أم أن تكون المعرفة شعورية، وأن يتم ~~الإعلان عن العمل بالكلمة كمن يبارز منشدا ، ويحارب شاعرا؟ إذا كانت ~~بالمعرفة والعمل برودة الآلة، فإن بالتصديق والإقرار حرارة الشعر. # 27 ~~(2-7) هل الإيمان معرفة وتصديق وإقرار دون عمل؟ # في العلاقات الثلاثية إذا تم إبقاء الأبعاد الثلاثة الأولى واستبعاد ~~الرابع، يصبح الإيمان معرفة وتصديقا وإقرارا دون عمل، فهل هذا ممكن؟ إذا ~~ثبتت المعرفة كنظر وتجربة باطنية، كاستدلال ويقين داخلي، ثم تخارجت في ~~القول والإعلان، فما المانع أن تتخارج بالفعل وتتحقق في الممارسة؟ إن مثل ~~هذا الموقف قد يشابه موقف المثقف المتأزم العاجز عن الإتيان بأي فعل ~~بالرغم من معرفته ووجدانه وقوله وكلمته. وهل يكفي الشاعر شعره، والأديب ~~روايته وقصته، دون ممارسة كل منهما لصدقه الفني في قيادته لأمته ونضاله في ~~سبيلها؟ وإذا كانت المعرفة بالقلب، أي معرفة وتصديق، وتخارج الطاقة في ~~الكلمة، فالكلمة ما هي إلا مقدمة للفعل و«خرطوشة» طلقة، وصوت قذيفة. # 28 # صحيح أن اجتماع المعرفة والتصديق والإقرار يمنع الكذب من ~~النفس، ولكنه لا يمنع الفسق والعصيان إذا ما عارض الفعل المعرفة أو التصديق ~~أو الإقرار. وكيف يقول المسلم شيئا ويفعل نقيضه؟ وإذا فعل الشيخ ذلك فإنه ~~ينطبق عليه كثير من الأمثال العامية التي تشير إلى هذه الثنائية في هزء ~~وسخرية. وإذا كانت المعرفة صادقة مرة بتحولها إلى تجربة ثانية، وقد بلغت ~~قوة صدقها إلى أن تحولت كلمة، فإن وقوعها قبل الفعل عجز لا مبرر له، إلا ~~نقص في التصديق العملي، وحصار لامتداد الكلمة في الواقع. إن اجتماع أبعاد ~~الشعور الثلاثة الأولى، المعرفة والتصديق والإقرار، يمنع النفاق، وهو القول ~~بلا تصديق، كما يمنع الجبن وهو المعرفة بلا إقرار، ويمنع عدم الالتزام وهو ~~المعرفة بلا تصديق. ومع ذلك فإنه يمنع ms018 من الفعل المباشر، ويحاصر الشعور، ~~ويجعل الإنسان شاعرا غير مناضل. فإذا كان الكفر ضد الإيمان، أي معرفة ~~بمعرفة، فإنه ضد الفسق أيضا، أي دون إسقاط العمل. وإذا كان جحد الله ~~بالقلب فقط كفرا وليس باللسان، فإن لبس الإيمان بظلم هو إسقاط العمل ~~منه. وإذا كان الكفر يزيد وينقص، وكذلك الجزاء، فإن ذلك ليس فقط بسبب ~~المعرفة، ولكن أيضا لتفاضل الأعمال. وإذا كان الكافر يكون كذلك لتركه ~~المعرفة أو التصديق والإقرار، فالأولى أن يكون ذلك بتركه الأعمال. وإذا كان ~~بعض الإيمان إيمانا، فالأولى أن يكون العمل بعض الإيمان، وليس المعرفة أو ~~الإقرار أو التصديق. وإذا كان السكوت عن الحق كفرا، والجهل كفرا، والنفاق ~~كفرا، فالأولى أن يكون الفسوق، أي إخراج العمل عن الإيمان، كفرا. وإذا ~~كان الكفر جحدا بالقلب، أو معرفة لا يحصل عليها الجميع، أو إقرارا لا ~~يقدر عليه الكل، فالأولى أن يكون ترك العمل الذي يقدر عليه عامة الناس ~~كفرا. ولم يكفر إبليس لأنه لم يعرف، لأنه كان عارفا بربه؛ ولأنه لم ~~يقر، لأنه أقر؛ ولأنه لم يصدق فقط، بل كفر لأنه لم يعمل، ولم ينفذ إرادة ~~الله. إن الجزاء في الآخرة ليس فقط على المعرفة والتصديق والقول، بل على ~~العمل، وعلى العمل وحده، حتى ولو كانت المعرفة والتصديق بها والإعلان عنها ~~معرفة مخالفة للإيمان. يبطل الإيمان إذا سقطت الأعمال، وتتفاضل التصديقات ~~بتفاضل الأعمال. وإن الشعر بالرغم من جمعه بين المعرفة والتصديق والقول إلا ~~أن الشعر المقرون بالعمل هو كمال له، وإلا كان الشعر مجرد غواية وخيال. # 29 ~~(2-8) هل الإيمان معرفة وتصديق وعمل دون إقرار؟ # وفي العلاقات الثلاثية أيضا إذا ما تم استبقاء الأبعاد الثلاثة، الأول ~~والثاني والرابع، واستبعاد الثالث، يصبح الإيمان معرفة وتصديقا وعملا ~~دون إقرار، فهل هذا ممكن؟ إن اجتماع المعرفة والتصديق والعمل يؤدي لا محالة ~~إلى العمل الصامت؛ إذ يتحقق الفعل دون إعلان عنه بالقول، فعل صامت، وكأنه ~~يتم في مرحلة تنظيم سري. وإذا ما خير الإنسان بين استبعاد العمل أو ~~القول، فإن استبعاد القول ms019 في مجتمع متكلم بطبيعة الحال أفضل. والعمل في ~~صمت أفضل من القول بلا عمل. # 30 ~~(2-9) هل الإيمان معرفة وإقرار وعمل دون تصديق؟ # وفي نطاق العلاقات الثلاثية أيضا يمكن استبقاء الأبعاد الأولى والثالثة ~~والرابعة، واسبتعاد الثاني، وفي هذه الحالة يكون الإيمان معرفة وإقرارا ~~وعملا دون تصديق. وإن غياب الوجدان من السلوك يجعله سلوكا آليا خالصا، ~~وكأن الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق أمر لا يعيشه ولا يحياه، ولا يعبر عن ~~صالحه وطبيعته. وإن المعرفة لتكون أكثر تحققا إذا ما كانت تصديقا، أي ~~اقتناعا باطنيا قبل أن تتخارج إلى قوى وفعل. قد يكون الفعل إيجابيا، ~~فعل الطاعات، وقد يكون سلبيا، اجتناب المعاصي. ولكن في هذه الحالة لا ~~يتحقق فعل واع، بل مجرد فعل آلي بلا اقتناع. قد يظهر التصديق متضمنا ~~في المعرفة عندما تكون المعرفة بالقلب، أي عقدا بالقلب؛ فالمعرفة بهذا ~~المعنى فعل للشعور. وقد يكون الخضوع بالقلب والتسليم والانقياد جامعا ~~للتصديق وللعمل تحت أثر التصوف؛ فالخضوع هو تصديق، أي فعل داخلي، عندما ~~تحولت الأفعال الخارجية إلى أفعال داخلية، وأصبحت أفعال الجوارح أفعال ~~القلوب. ومع ذلك يظل أقل من التصديق؛ لأنه ليس فعلا تأمليا يحيل ~~المعرفة إلى دلالة في الشعور. وهو أقل من الفعل؛ لأنه لا يتجه نحو الخارج ~~مغيرا للعالم. وما أسهل أن تتحول المعرفة إلى تصديق قبل أن تتخارج في قول ~~أو فعل حتى تتحول إلى طاقة وجدانية وتجربة بشرية تعبر عن الوجود البشري، ~~ولا تكون مجرد وسيلة لإصدار قرار أو إحداث أثر. # 31 ~~(2-10) الإيمان معرفة وتصديق، إقرار وعمل # وهي العلاقة الرباعية الوحيدة التي تكتمل فيها أبعاد الشعور الأربعة، ~~فيصبح الإيمان معرفة وتصديقا وقولا وعملا. بعدان للداخل، معرفة ~~وتصديق؛ وبعدان للخارج، قول وعمل. وعلى هذا النحو تكتمل وحدة الداخل بين ~~النظر والوجدان، العقل والشعور، الفكر والتجربة، كما تكتمل وحدة الخارج في ~~القول والعمل، في اللغة والسلوك، في الكلمة والفعل. ويتحقق الإيمان في ~~صورته المثلى بوحدة الشعور في أبعاده الأربعة، الفكر والقول والوجدان ~~والعمل؛ فالفكر هو الذي يعطي الأساس النظري. والوجدان ms020 هو الذي يحول الفكر ~~إلى موقف شعوري، وإلى وعي نظري وتجربة معيشة. والقول هو الذي يعلن عن ~~هذا الموقف الفكري الشعوري، ويدعو الآخرين إليه. والفعل أخيرا هو الذي ~~يحقق ذلك كله، ويحوله إلى واقع مغيرا العالم، ومحولا إياه إلى نظام ~~مثالي يكتمل هذا العالم فيه. وفي هذه الحالة يمكن للحالات المتوسطة أن تجد ~~مكانا لها؛ فالمحبة هي علاقة تصديق وفعل؛ لأنها فعل داخلي؛ وبالتالي فهي ~~تصديق، وتتعلق في الوقت نفسه مع موضوعها فتكون فعلا خارجيا. والخضوع ~~أيضا بين التصديق والفعل؛ فهو تصديق عملي وإن لم يكن تصديقا برهانيا ~~معرفيا. وفي الوقت نفسه يظهر في سلوك الطاعة، وهي فعل خارجي. # 32 # | ثالثا: التصديق # إن جعل الإيمان هو التصديق وحده هو رد فعل على جعله مجرد معرفة أو إقرار أو عمل ~~دون تصديق قلبي داخلي؛ # 1 # فالإيمان لغة هو التصديق، ومحله القلب. قد يصاحب التصديق عمل القلب ~~وليس نشاط الذهن، أو عمل اللسان، أو فعل الجوارح. وإذا كان العمل مقرونا بالإيمان ~~فإن العطف لا يعني انه جزء منه؛ لأن الجزء لا يعطف على الكل. ويمكن تأييد هذا ~~الموقف بعدة حجج نقلية وعقلية؛ فكثير من النصوص تشهد بأن الإيمان يدخل في القلب أو ~~لا يدخل. وإذا كان المأمور مقدورا اختياريا، فإن ذلك لا يعني أنه من مقولة ~~الفعل، بل من مقولة الإيمان، فلا فاعل إلا الله. والتصديق اللغوي أو المنطقي أعم ~~من الاختياري؛ وبالتالي لا يرد التصديق إلى ما هو أقل منه. وإن صدق المتكلم ~~بالقلب قبل أن يكون باللسان. والتصديق من جنس العلوم، والعلم أشمل من العمل وأعم ~~منه. كما أن الملائكة تصدق من غير كسب أو فعل. هذه الحجج في الحقيقة تهدف إلى جعل ~~الإيمان نظريا خالصا لا صلة له بالفعل، وأن يكون مجرد قبول أو إذعان أو رضوخ ~~باسم الشهادة الباطنية حتى دون عقلها. # 2 # ويمكن تفنيد هذه الحجج بأخرى مضادة لها من أجل إثبات أن الإيمان لا ~~يرد إلى التصديق وحده، بل يشمل المعرفة والإقرار والعمل؛ فلو كان الإيمان ms021 هو ~~التصديق لما كان الإنسان مؤمنا في حالة نومه؛ لأنه كان غافلا غير مصدق؛ فالتصديق ~~يتطلب الشعور اليقظ وليس الشعور الغافل، كما يتطلب القدرة على الاستبطان، وهو ما ~~لا يتوافر لكل الناس، كما يتطلب أن من صدق وسجد للشمس يكون مؤمنا؛ ومن ثم ~~فالتصديق لا يكون مجرد إيمان باطني، عمل للقلب، ولكنه يحيل إلى موضوع التصديق حتى ~~يحدث التطابق بين فعل الشعور وموضوعه. كما أن التصديق لا يكون فقط للإيمان، بل قد ~~يكون للشرك؛ فكما أن المؤمن مصدق بالتوحيد فكذلك المشرك مصدق بالشرك؛ وبالتالي لا ~~يكفي التصديق كي يكون مماثلا للإيمان، بل لا بد من مضمون الإيمان بالإضافة إلى ~~صورته، وهي التصديق. # 3 # ولكن هل التصديق داخلي أم خارجي؟ هل في الشعور أم في الواقع؟ هل ~~التصديق بالله تصديق بما أتى به، والتصديق بالنبي تصديق بخبره؟ إن التصديق لا يكون ~~بالله، بل بكلامه الذي من خلاله يمكن التعرف على أصلي التوحيد والعدل. والتصديق ~~بالخبر لا يكون خارجيا فقط عن طريق صحة الرواية، بل يكون أيضا عن طريق تطابق ~~مضمونها مع التجربة الحية الفردية والاجتماعية. لا يكون التصديق بالحلف، بل ~~بالبرهان؛ فأغلظ الأيمان لا يكون برهانا، وشهادة الباطن غير التسليم الباطني، ~~والانقياد القلبي ليس هو الإذعان والقبول، كما هو الحال في علوم التصوف، بل إيجاد ~~البرهان التجريبي في شهادة الوجدان على صدق المضمون. وهو تصديق اختياري بناء على ~~صفاء النية أو البحث المروي عن الدلالة. لا يتم بكشف أو إلهام، وليس من أفعال ~~الهداية أو الضلال، التوفيق أو الخذلان، العصمة أو الصون أو الحفظ؛ وذلك لأن أفعال ~~الشعور الداخلية أفعال حرة. # 4 ~~(1) هل يوجد تصديق بلا استدلال؟ # وإذا كان الإيمان تصديقا، فهل هو بالضرورة تصديق بلا استدلال؟ العجيب إخراج ~~كل استدلال من التصديق، وجعل التصديق أقرب إلى الاعتقاد الجازم بلا دليل أو ~~برهان، وتفنيد كل الأدلة لإثبات الدليل هو في حد ذاته إثبات لشرعية الاستدلال. ~~ومع ذلك فهناك عدة حجج توجه ضد الاستدلال من أجل إخراجه من التصديق، وكلها ~~يسهل تفنيدها؛ ms022 فإذا كان الاستدلال بعد البلوغ وليس قبله فشرطه العقل، والعقل ~~ليس فقط شرط الاستدلال، بل إنه شرط التكليف. والاستدلال لا يحتاج إلى حد حتى ~~يجب في التصديق؛ لأن التصديق لا يتم إلا بالاستدلال؛ أي بتحول الحدس إلى ~~برهان، والتجربة إلى نظر. وإن احتاج الاستدلال إلى حد فمكانه علم المنطق. وقد ~~تم تعريف الاستدلال من قبل في نظرية العلم. # 5 # والاستدلال لا يفيد الشك، بل هو السبيل للوصول إلى اليقين. وعلى ~~افتراض أنه يورث الشك؛ فالشك أول الواجبات حتى قبل النظر. ولم يكتف إبراهيم ~~بحدوث الإيمان القلبي، ولكنه أراد الاستدلال حتى يطمئن قلبه. وقد تم التصديق ~~في النهاية بالاستدلال. والشك المنهجي ليس مضيعة للوقت، ولا يستغرق العمر، ولا ~~يؤدي إلى اللاأدرية. وماذا عن بديل الاستدلال بالرغم من مخاطره ومحاذيره إلا ~~الاختلاف والتردد والهوى أو التقليد والاتباع؟ ليس التواتر بديلا عن ~~الاستدلال؛ فالتواتر حجة تاريخية تعطي اليقين التاريخي لصدق الرواية، أي صحة ~~الخبر، ولا يعطي يقينا نظريا أو تصديقا للمعارف، بل إن من شروط التواتر ~~عدم مناقضته لشهادة العقل، وهو أصل الاستدلال. وليس الإجماع بديلا عن ~~الاستدلال؛ فالإجماع حجة سلطة، وليس حجة عقل. كما أن الإجماع يقوم أيضا على ~~الاستدلال عند المجتمعين حتى ولو كان استدلالا على نص وتأويلا له. وليست ~~المعجزة بديلا عن الاستدلال لأن المعجزة قد تكون فقط دليلا على صدق النبوة، ~~وليس على التصديق بها. والمعجزة دليل؛ وبالتالي فهي استدلال من نوع خاص، ~~استدلال عن طريق الإعجاز، وقد يقع استدلال على نحو آخر، ثم يصبح الخلاف بعد ~~ذلك: هل الدليل هو دليل المعجزة أم دليل العقل؟ وإذا لم تكن المعجزة دليلا على ~~صدق النبوة فإن الدليل يكون هو دليل العقل. # 6 # إن الاستدلال فرض كفاية وليس فرض عين، وقد آمن الكثير بالاستدلال، ~~وقد كفر الكثير أيضا بالاستدلال؛ فللمخطئ أجر، وللمصيب أجران. ومع ذلك هناك ~~مقاييس للصدق النظري صورية أو مادية يمكن من خلالها معرفة الخطأ من الصواب. إن ~~الاستدلال لا يحدث إلا في شئون النظر، أما في الأمور العملية ms023 فلا حاجة إلى ~~استدلال. هناك العادة وبداهة السلوك وحكمة الشعوب. وبالرغم من وجود مواقف ~~تتكافأ فيها الأدلة إلا أن الترجيح يظل قائما حتى ولو في صورة رهان، أو قياس ~~شرف، أو قياس أولي. على أية حال التصديق بالاستدلال هو ما ينبغي أن يكون، ما ~~يحرص عليه الخاصة، في حين ما هو كائن هو التصديق بلا استدلال، وهو إيمان ~~العوام. ولا يهم قدر الاستدلال؛ كلما كان أقوى وأيقن زاد التصديق يقينا، ~~وكلما كان أضعف وأهوى قل التصديق يقينا. ويتنوع الاستدلال طبقا لكل يقين. ~~تبقى الغاية منه هو يقين التصديق. # 7 # والحقيقة أنه لا يمكن الاستغناء عن الأدلة كطريق للنظر، وعن الدليل ~~كوسيلة للعلم؛ # 8 # فالتقليد ليس مصدرا للعلم، ولا يمكن الترجيح بين أحد أمرين إلا ~~بالدليل، ولا يتميز الصواب من الخطأ إلا بدليل، وإلا كان الأمر مجرد دعوى لا ~~دليل عليها. وإذا كان العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو عليه، فإن ذلك لا يكون ~~إلا بدليل حتى يكون علما دون جهل أو اعتقاد أو شك أو ظن على ما هو معروف في ~~مضادات العلم. # 9 # ولا تكفي الحواس كدليل، ولا غناء عن دليل العقل، خاصة في الأمور ~~النظرية مثل العقائد، بل إن العقل هو الوسيلة للدفاع عن النفس يوم الحساب منذ ~~مساءلة القبر حتى توقيع الجزاء. # 10 # والدعوة إلى الاستدلال والنظر سارية في كل الوحي، من البداية إلى النهاية، ~~كوسيلة لإيجاب العلم؛ فإن لم يكن الإيمان بديلا عن الاستدلال لغياب الدليل ~~عليه، وإن لم تكن المعجزة بديلا عن الاستدلال لأنها مجرد إثارة الدهشة، بل ~~وتعد الدليل الطبيعي وسلب الإنسان عقله وإرادته، وإن لم يكن الإلهام بديلا ~~عن الدليل لأنه دعوى بلا برهان، وإن لم يكن التقليد أو الجهل أو الشك أو الظن ~~مصدرا للعلم اليقيني، استحال وجود تصديق بالإيمان دون دليل. وإذا كان علم أصول ~~الفقه هو أساسا بحث عن الدليل لاستقصاء العلة، فإن علم أصول الدين صنوه، ~~ويكون الشق الثاني من علم الأصول. ولا يمكن في شق واحد نفي ms024 الدليل وفي الشق ~~الثاني إثباته. ومن مناهج الاستدلال أن ما لا دليل عليه يجب نفيه؛ وبالتالي إذا ~~كان التصديق دون دليل فإنه يجب نفيه. وإذا كان التصديق مجرد إذعان وخضوع وتسليم ~~فإنه ينتقل من علم أصول الدين إلى علوم التصوف، وهو ما حدث بالفعل عندما ازدوج ~~التصوف مع الأشعرية، وضاع البرهان، وساد الخضوع والتسليم. طالما أن الإنسان ~~عاقل فلا يوجد تصديق بلا استدلال. # 11 # وليس الإقرار بديلا عنه، فما الفائدة في إقرار تصديق بلا برهان؟ ~~وكيف يمكن الدفاع عنه وإثباته للناس وإعلانه لهم ومواجهتهم بالتحدي. وإن إيمان ~~العوام لا يغني عن برهان الخواص، كما أن اليقين الباطني أمام النفس لا يغني ~~عن البرهان أمام الناس. ~~(2) هل الإيمان تصديق دون معرفة أو إقرار أو عمل؟ # طبقا للبنية السابقة للشعور في أبعاده الأربعة، وفي إمكانيات العلاقات ~~الثنائية والثلاثية والرباعية، مرة ابتداء من المعرفة، وثانية من التصديق، ~~وثالثة من الإقرار، ورابعة من العمل. وبعد ظهور احتمالات عشر في عرض المعرفة ~~وعلاقاتها تظهر من جديد نفس الاحتمالات العشر في عرض التصديق. يبدو فيها ~~التكرار في الاحتمال الأول؛ فالتصديق بلا معرفة يعادل المعرفة بلا تصديق، ~~والخلاف فقط في البداية مرة بالمعرفة، ومرة بالتصديق، ولكن النتيجة واحدة، ~~وهي استحالة فصل كل منهما عن الآخر. وفي العلاقات الثنائية يتكرر الاحتمال ~~الرابع؛ فالمعرفة والتصديق دون الإقرار والعمل هما نفساهما التصديق والمعرفة ~~دون الإقرار والعمل. والخلاف أيضا في البداية مرة بالمعرفة، ومرة بالتصديق. ~~وفي العلاقات الثلاثية يتكرر الاحتمال السابع؛ فالمعرفة والتصديق والإقرار دون ~~العمل هي نفسها التصديق والمعرفة والإقرار دون العمل، والخلاف في البداية كذلك ~~مرة بالمعرفة، ومرة بالتصديق. كما يتكرر الاحتمال الثامن المعرفة والتصديق ~~دون الإقرار. والخلاف أيضا في البداية مرة بالمعرفة، ومرة بالتصديق. وتكون ~~العلاقة الرباعية باستمرار واحدة. والخلاف فقط في البداية مرة المعرفة ~~والتصديق والإقرار والعمل، ومرة التصديق والمعرفة والإقرار والعمل. # 12 # وقد تم استبعاد التكرار قدر الإمكان باستثناء التصديق كاستدلال، ~~فالاستدلال معرفة. ومع ذلك فإنه معرفة من نوع خاص. أما الاحتمال الأول، هل ~~الإيمان تصديق ms025 دون معرفة؟ فقد تكرر ذلك من قبل في تحليل المعرفة، هل الإيمان ~~معرفة دون تصديق؟ لا يوجد تصديق بلا معرفة، وإلا كان مجرد إيمان أعمى دون برهان. # 13 # الوجدان نظر شعوري، والتصديق عمل عقلي. الوجدان فكر شعوري، وإلا ~~فهو انفعال أعمى، وهو ومزاج. ولا يكون الوجدان وحده أساسا للعمل؛ لأنه يفتقد ~~الوعي النظري بالسلوك. المتعصب وحده هو الذي يقيم سلوكه على وجدان دون نظر، ~~والمتآمر هو الذي يسلك بناء على تعصب في صمت دون إعلان. إن التصديق لا يكون ~~إلا تصديقا بشيء، ولا يمكن أن يعرف هذا الشيء إلا بالنظر، وإلا كان تصديقا ~~بشيء مجهول، واستحال التفريق بين الأشياء. # 14 ~~(2-1) هل الإيمان تصديق دون إقرار؟ # إذا كان التصديق قد قام أساسا على البرهان النظري وتحولت الشهادة ~~الباطنية، بالتجرد والعقل، إلى طاقة حركية، فما أسهل بعد ذلك أن تتخارج في ~~القول؛ وبالتالي يتحول التصديق إلى إقرار؛ لذلك يصعب التفرقة بين التصديق ~~والإذعان. فما دام التصديق قد قام على أساس معرفي، وكان الوجدان مرتبطا ~~بالإرادة والنزوع، فإنه يصعب التفرقة بين التصديق والإقرار؛ فالإقرار إعلان ~~عن التصديق، وانتقال من التصديق الخارجي، أي الصدق مع النفس، إلى التصديق ~~الخارجي، أي الإعلان، إعلان المسافة بين المثال والواقع. # 15 # إن الفصل بين التصديق والإقرار إنما يتم فقط في حالة الإكراه، ~~عندما يقول الإنسان بلسانه ما لا يعتقد به في قلبه، وإلا كان الأمر نفاقا ~~في غير حالات الإكراه، بل إن الإقرار هو السبيل إلى تطبيق الأحكام الشرعية. ~~ولا يمكن مطالبة الصدق بالطاعات، أو تطبيق الحدود قبل الإقرار والإعلان. ~~الإقرار إذن هو الإظهار، ولولا الإقرار بعد التصديق لظل الأمر سريا، ~~ولما بدأت عملية الصراع الاجتماعي. ~~(2-2) هل الإيمان تصديق دون عمل؟ # إذا كان الإيمان تصديقا يقوم على برهان نظري، ويتخارج في القول، فما ~~أسهل بعد ذلك أن يتخارج في العمل؛ وبالتالي تكتمل أبعاد الشعور في بعديه ~~الداخليين، المعرفة والتصديق؛ وبعديه الخارجيين، القول والعمل. التصديق ~~بلا عمل ضيق نفس، وطاقة مختزنة، وإمكانية بلا تحقق، وسيلة بلا غاية، ms026 ~~طريق بلا هدف. وكيف يكون الإيمان كاملا بلا عمل، وقد اقترن العمل بالإيمان ~~في أصل الوحي، والإيمان بلا عمل كصورة بلا مضمون، كما أن العمل بلا إيمان ~~كمضمون بلا صورة، بل وفي حالة الاختيار فالعمل بلا إيمان أفضل وأبقى من ~~الإيمان بلا عمل، فالمضمون بلا صورة أفضل وأبقى من الصورة بلا مضمون. وليس ~~العمل فقط هو المحبة والولاية، بل قد يكون الكراهة والعداوة، فمحبة العدل ~~مثل كراهية الظلم، وولاية للحق تتضمن العداوة للباطل. وإن مقاومة الظلم ~~والتخلف والاستغلال قد تكون شرطا للعمل من أجل العدل والتقدم والمساواة. ~~النفي شرط الإثبات، ومقاومة السلب شرط تحقيق الإيجاب؛ لذلك لا يمكن تأجيل ~~العمل على الإيمان أو تأخيره عنه. # 16 # العمل تحقيق للتصديق وتعبير عنه. والتصديق الذي لا يتخارج في ~~العمل يولد ميتا، ويفقد مصادر طاقته وتفاعله مع العمل. لا يكفي العمل ~~المحبة والخضوع والتسليم، بل والطاعة، فهذه أعمال سكونية خارجية صورية ~~آلية أثر من آثار التصوف على العقيدة بعد ازدواج التصوف مع الأشعرية عند ~~المتأخرين. قد يكون لإخراج العمل مدلول سياسي لاكتفاء الناس بالإيمان، ~~وإسقاط العمل تحقيقا للاستسلام النهائي، وأمانا من الثورة. أما ~~الاختيارات الأخرى فهي أيضا مكررة، مثلا: هل الإيمان تصديق وإقرار دون ~~معرفة وعمل؟ إذا أصبح الإيمان تصديقا مصحوبا بالإقرار، أي تجربة داخلية ~~تتحول إلى تعبير خارجي، فما أسهل بعد ذلك أن يكتمل التحقيق، فيتحول النظر ~~إلى عمل. واكتمال التصديق بالمعرفة يؤدي بالضرورة إلى اكتمال القول بالعمل. ~~وبدلا من أن يتحول نصف الطاقة، أي التصديق، إلى نصف الحركة، أي العمل، ~~تتحول الطاقة كلها، أي التصديق والمعرفة، إلى الحركة كلها، أي إلى القول والعمل. # 17 # تصعب التفرقة إذن بين التصديق الذي يتحول إلى إقرار والعمل؛ ~~لأن التصديق بمعنى الإذعان والإقرار تعبير عن الإذعان؛ فإن التعبير له ~~شكلان؛ الإقرار والعمل. وما دام قد تخارج بالإقرار فليس هناك ما يمنع أن ~~يتخارج في العمل؛ وبالتالي يتحقق الفعل. وإن كل محاولة لجعل التصديق خارج ~~الفعل وجعل الإقرار مقطوع الصلة بالإرادة واللغة، فإنه لا يهدف إلا ms027 إلى ~~إماتة الإيمان؛ وذلك نتيجة لسيادة التصوف كعلم لبواطن القلوب على الأشعرية ~~السائدة. # أما سؤال «هل الإيمان تصديق وعمل دون معرفة وإقرار؟» فيشير إلى نفس ~~السؤال السابق في علاقات النظر: هل الإيمان معرفة وعمل دون تصديق وإقرار؟ ~~فمع أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهو أفضل من المعرفة ~~النظرية والقول الفارغ، وهو طريق العمل الصامت الناتج عن التصديق القلبي، ~~إلا أنه قد يتحول إلى عمل سري إن لم يصاحبه الإعلان. وقد يصبح تعصبا ~~وضيق أفق إن لم يرتكز على أساس نظري. # 18 ~~(2-3) هل الإيمان تصديق وإقرار وعمل دون معرفة؟ # في العلاقات الثلاثية التي يبدأ التصديق بها يكون الإيمان تصديقا ~~وإقرارا وعملا دون معرفة. وفي هذه الحالة يكون السلوك أيضا صادقا ~~علنيا، ولكن ينقصه بعض القدرة على الحوار مع الآخرين، والتعامل مع الواقع ~~الإحصائي، وفهم علل السلوك؛ فالنشاط لا يعفي من الفهم، والحركة لا تغني ~~عن الإدراك. يستحيل تحقيق فعل واع باجتماع الأبعاد الثلاثة، التصديق ~~والإقرار والعمل دون المعرفة، نظرا لغياب الجانب النظري للسلوك. قد وقع ~~الفعل، ولكنه يكون انفعالا وخطابة، حماسا واندفاعا غير قادر على احتواء ~~أفعال الآخرين الذين يخالفونه في المعارف. # 19 ~~(2-4) الإيمان تصديق ومعرفة وإقرار وعمل # هذه هي العلاقة الرباعية الأخيرة التي تتفق مع الاحتمال الأخير في علاقات ~~المعرفة، وهي أن الإيمان معرفة وتصديق وإقرار وعمل. والخلاف فقط في البداية ~~بالمعرفة أولا وبالتصديق ثانيا. والحقيقة أن كل بعد يحتوي على الأبعاد ~~الثلاثة الأخرى؛ إذ يستحيل وجود تصديق بلا عمل؛ فالطاقة لا بد وأن تتحول ~~إلى حركة. إن كل تصديق هو تصديق بشيء، وهذا الشيء يتأسس في الذهن، ويعبر ~~عنه باللسان، ويتحقق باليد؛ فإذا كان الإيمان هو المعرفة والتصديق فإن ~~الإسلام هو الإقرار والعمل؛ وبالتالي يضم الإسلام الإحسان. إن الوحدة بين ~~الداخل والخارج، بين الطاقة والحركة، بين التصور والنظام، أو كما يقول ~~القدماء بين العقيدة والشريعة هو تحقيق للإيمان الكامل الذي يجمع بين ~~النظر، المعرفة والتصديق، والعمل؛ أي الإقرار والفعل. بهذه الوحدة لا تتسرب ~~الطاقة ms028 الداخلية، ولا يبتسر الفعل الخارجي. # 20 # | رابعا: الإقرار # الإقرار هو البعد الثالث للشعور بعد المعرفة والتصديق وقبل العمل. ويعني الإقرار ~~التلفظ بكلمتي الشهادة؛ فالإقرار هو القول؛ أي عمل اللسان والنطق بكلمة تعلن عن ~~التصديق الذي يعلن بدوره عن البرهان. وما فائدة القول إن لم يعبر عن شيء؟ ~~فالقول لفظ يعبر عن معنى، والمعنى يكون في الشعور ينكشف في تجربة تصديق، ~~ويدرك بالذهن، ثم يتحقق بالعمل. ~~(1) ماذا يعني الإقرار؟ # الإقرار هو النطق بكلمتي الشهادة، حتى ولو أضمر صاحبه الكفر أو النفاق؛ أي ~~حتى ولو لم تكن هناك معرفة أو تصديق بهاتين الكلمتين. ويظل إيمان الكافر أو ~~المنافق الناطق بالشهادتين مثل إيمان جبريل وميكائيل والأنبياء أجمعين! الإقرار ~~باللسان وليس تصديقا بالقلب أو برهانا بالعقل أو فعلا باليد. وقد تواتر ~~اقتناع الرسول بالكلمتين، ومنعه التفتيش في الضمائر وشق قلوب الناس. وما علينا ~~إلا الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. والظاهر عندنا هو القول أو الفعل، ~~والباطن هو المعرفة أو التصديق. ويكفي في الإقرار مرة واحدة دون التكرار، على ~~عكس الأفعال الشرعية مثل الصلاة التي يقصد من الأمر فيها التكرار. وبعد ~~ازدواج التصوف مع الأشعرية أصبح الإقرار قديما في عهد الذر عندما أشهد الله ~~الناس على أنفسهم «ألست بربكم؟» فقالوا: بلى. وبالتالي لا يحتاج الإنسان إلى ~~تكرار الإقرار في الدنيا إلا مرة واحدة. # 1 # والحقيقة أن جعل الإيمان مجرد إقرار دون تصديق أو معرفة أو عمل هو ~~ابتسار له، وجعله مجرد قول أو نطق أو إعلان. وهل يمكن الإقرار بكل ما يجيء به ~~الرسول دون تصديق به والتحقق من صحته؟ أليس الإقرار إقرارا بشيء وتصديقا بشيء ~~وإعلانا عن شيء، يدركه المؤمن ويصدق به ويعمل على تحقيقه؟ يظهر الإيمان في ~~أبعاد الشعور كلها، في المعرفة والتصديق والعمل، ظهوره في الإقرار. إن جعل ~~الإيمان هو الإقرار وحده لهو تخل عن الإيمان كتجربة شعورية، نظرية ووجدانية، ~~كمعرفة وتصديق، كما أنه تخل عن الإيمان كتجربة عملية فعلية، والاكتفاء بالإعلان. # 2 # وهل يمكن الإقرار بكل ما يجيء به الرسول دون ms029 التصديق به والتحقق من ~~صدقه؟ إن الإقرار شرط كمال وليس شرط صحة. هو إعلان عن التصديق وليس تحقيقا ~~له. وقد يتم تحقيقه بالفعل حتما دون إعلان؛ وبالتالي يكون الفعل هو العلامة ~~الظاهرة. الإقرار إعلان دون عمل، تحقيق كمال بلا مضمون، وتحقيق فارغ. إن أقصى ~~ما يستطيع الإقرار هو أن يكون أولى البدايات في ظروف صعبة كبداية لعملية ~~التعلم من الإقرار إلى العمل، ثم إلى التصديق، وأخيرا إلى المعرفة؛ فالإقرار ~~هو الإعلان عن النية ثم تتحقق في أعمال، حتى ولو كانت هي الشعائر والطقوس ~~مشفوعة بالأعمال الصالحة. وربما لا يأتي التصديق إلا بالبرهان ، ولا تأتي ~~المعرفة إلا في النهاية؛ فإذا ما ثبت الإيمان بدأت المعرفة ثم التصديق ثم ~~الإقرار ثم العمل. قد يخالف الإقرار التصديق في حالة القهر والاضطهاد، فيضطر ~~المؤمن أن يقول شيئا لا يصدق به ويجحده تخفيفا لآلام العذاب، ولكن الأفعال ~~هي الأفعال الحرة وليست أفعال الإكراه. وحين يصعب العمل المباشر قد يتحقق ~~الإيمان بالقول حتى يأتي العمل في ظرف أكثر ملاءمة، ويكون أقرب إلى النجاح. ~~وطالما كان الإقرار هو أساس الأحكام الشرعية، فعليه يكون الحكم بالإيمان والكفر ~~والفسق والعصيان والارتداد وسائر الأحكام؛ # 3 # لذلك قد يكون لهذا الاختيار، الإيمان إقرار، مغزى سياسي من أجل ~~عدم تكفير الحكام وقبول الأمة لهم ما داموا يشهدون ويقرون بكلمتي الشهادة، في ~~مقابل اختيار آخر تجعل الأعمال مع الإقرار، وتضع التصديق أساسا للإقرار، وهو ~~اختيار المعارضة. وقد يكون في حالة أخرى رد فعل على تكفير الناس والخصومات ~~المتبادلة من أجل لم الشمل وإرساء قواعد الوحدة الوطنية على الحد الأدنى من ~~الاتفاق، وهو القول، وإن صعب التفسير والتصديق. # وقد تكون هناك صلة بين التجسيم كأحد اختيارات التوحيد، والإقرار كأحد ~~اختيارات الإيمان؛ وبالتالي تكون هناك صلة مقابلة بين التنزيه في التوحيد، ~~والعمل في الإيمان. فالتجسيم يجعل الواقع في جسم الله؛ وبالتالي لا يحتاج إلى ~~الدخول فيه بالفعل. ~~(2) هل الإيمان إقرار دون معرفة وتصديق وعمل؟ # طبقا لنسق العلاقات بين الإقرار كبعد ثالث للشعور والأبعاد الثلاثة ~~الأخرى، ms030 المعرفة والتصديق والعمل، فإن كل العلاقات الثنائية والثلاثية وجدت من ~~قبل في علاقات المعرفة والتصديق؛ فالإقرار دون معرفة هو نفسه المعرفة بلا ~~إقرار، والإقرار دون تصديق هو نفسه التصديق دون إقرار؛ وبالتالي لا تبقى إلا ~~علاقة واحدة، وهي الإقرار دون عمل. وفي العلاقات الثنائية، الإقرار والمعرفة ~~دون التصديق والعمل، هي نفسها التصديق والعمل دون الإقرار والمعرفة، كما أن ~~الإقرار والتصديق دون معرفة وعمل هو نفسه المعرفة والعمل دون الإقرار والتصديق. ~~وفي العلاقات الثلاثية للإقرار في احتمالاتها الثلاثة توجد هي نفسها في ~~العلاقات الثلاثية للمعرفة والتصديق. والعلاقة الرباعية الوحيدة توجد متكررة، ~~سواء كانت البداية المعرفة أو التصديق أو الإقرار. # 4 ~~(2-1) هل الإيمان إقرار دون عمل؟ # في العلاقات الثنائية هذا هو الاحتمال الوحيد الذي لم يعرض بعد: هل ~~هناك إقرار دون عمل؟ الحقيقة أن القول أحد مظاهر السلوك مثل العمل؛ فالقول ~~سلوك لغوي، والعمل سلوك اجتماعي. ولا يمكن أخذ أحد مظاهر السلوك دون ~~الآخر، كما أن الإقرار ليس له صيغة معينة، بل هو صياغة تدل على مضمون. ~~ليس الإقرار إذن مجرد كلمة، بل هو فعل شعور يتطلب سلوكا هو الإقرار. ولما ~~كانت شرائط الإيمان وأوصافه داخلة في الإقرار، فإن الإيمان لا يكون إقرارا ~~فحسب، بل هو الإقرار بالإضافة إلى شرائط الإيمان وأوصافه. والعمل يأتي في ~~المقدمة، حق الإيمان. ويتضح ذلك في النطق بالشهادتين؛ إذ لا تعني الشهادة ~~مجرد إقرار بالقول، مجرد التلفظ بعبارة، والنطق بقضية، بل تعني فعل «أشهد»، ~~وهو فعل شخصي في ضمير المتكلم المفرد. والشهادة رؤية ووعي وواقع وإعلان. ~~الشهادة تحقق من أمر واقع. الشاهد حامل الحق، ورائي الواقع الذي يؤخذ ~~برأيه في القضاء حين الفصل في الخصومات. الشاهد هو الشاهد على عصره، هو ~~الذي يرى عصره رؤية حق، ويأخذ قضاء العصر بشهادته. وقد تكرر فعل «أشهد» ~~مرتين؛ الأولى في التوحيد، والثانية في الوحي؛ مما يدل على أن أصل التوحيد ~~لا ينفصل عن الكلام؛ أي الفكر المصدق والمحول إلى الفعل. وقد تصل ~~الشهادة القولية إلى حد الشهادة الفعلية عندما ms031 يتحول الشاهد إلى شهيد بفعل ~~الشهادة. ولما كان النطق بالشهادتين للقادر المتمكن، فهو فعل يحتاج إلى ~~قدرة، وليس مجرد قول بلا ثمن. وليست القدرة عضوية خالصة، القدرة على تحريك ~~اللسان والشفتين وإخراج هواء الحنجرة من خلال الحبال الصوتية، فهذه قدرة لا ~~يتملكها الأخرس وحده، بل هي قوة معنوية تكشف عن القدرة على الرفض، رفض ~~آلهة العصر وتأليه الطاغوت حتى يتحرر الوجدان البشري، ويكون قادرا بعد ذل ~~على الانتساب إلى مبدأ واحد، عام شامل، يتساوى أمامه البشر جميعا؛ لذلك ~~ضم فعل الإقرار فعلين؛ الأول فعل النفي «لا إله»، والثاني فعل الإثبات «إلا ~~الله»؛ من أجل تحرير الوجدان البشري من الطاغوت، والتعبير عن الهوية ~~المطلقة؛ إذ إن العبارة إذا ما حذفنا النفي والاستثناء كانت «إله الله»؛ ~~أي تعريف الشيء بنفسه، وهوية الذات مع الموضوع، وتطابق المبتدأ مع الخبر؛ ~~لذلك لا يجوز نطق الأطفال والصبية والمجانين بها؛ لأن الإقرار له ثمن، ~~وله حق من العقل والقلب والفعل، في المعرفة والتصديق والعمل. وإذا كانت ~~الشهادة تتطلب الإذعان فإنها تتطلب الفعل؛ فليس الإذعان مجرد خضوع ~~واستسلام، فعل سلبي، بل هو قبول عن رضا، أي فعل إيجابي. وقد يظهر هذا ~~القبول في صورة غضب وتمرد وثورة على الواقع الذي تدحضه الشهادة وينفيه ~~الإقرار. وإذا كانت الشهادة تتطلب الانقياد والامتثال بدليل حروب الردة، ~~فإن ذلك يعني أن للشهادة حقا، حتى في المال مثل حق الزكاة؛ فالشهادة إذن ~~فعل، والإقرار سلوك. وليس أدل على ذلك أيضا من أن الأحكام الشرعية لا تجوز ~~إلا بعد القول، وأن الفرائض لا تتحقق إلا بعد الشهادة؛ فالإقرار التزام ~~بفعل، وليس مجرد قول فارغ لا مضمون له ولا حق فيه. وإذا لم يكن للشهادة ~~صياغة محددة، بل تصح لها أية صياغة، فإن ذلك يدل على أنها مضمون وليست ~~صورة. وإن الإقرار ليس مجرد كلمة، بل هو فعل للشعور، وأنه معنى وتوجه ~~يتطلب سلوكا هو حق الإقرار. # 5 # وماذا عن الفرائض إن لم تكن أعمالا تضاف إلى الإقرار؟ ألا يقوم الفقه ~~كله على الحكم ms032 والتحكيم للأفعال وليس للأقوال؟ وكيف سيحاسب الناس يوم ~~القيامة وعلى أي شيء إن لم تكن على الأعمال؟ وماذا سيغفر الله يوم القيامة ~~إن لم تكن الأعمال؟ وعن ماذا تتم التوبة في الدنيا إن لم تكن على الأعمال؟ ~~الأعمال حقيقة وليست مجازا، أعمال فعلية وليست وهمية. لا تقتصر فقط على ~~الشعائر، بل تضم أيضا الأعمال الصالحة المقرونة دوما بالإيمان. وإذا كان ~~أصل التوحيد يتوجه إلى الإقرار فإن أصل العدل يتوجه إلى الأفعال. إن ~~الإرجاء لا يعني تأخير الفعل على القول، ولا العمل على الإقرار. أليست هذه ~~هي الأخلاق اليهودية أو التطهرية التي تقوم على أن اليهود هم أبناء الله ~~وأحباؤه ما داموا طاهرين، فلا عبرة بالأعمال؟ # 6 # لقد ثبتت السلطة القائمة هذا الاختيار، إما عن نية أو عن سوء نية؛ فإذا ~~كان الاختيار عن حسن نية فإن الهدف يكون هو لم الشمل، وتحقيق الوحدة ~~الوطنية، وعدم التفتيش في ضمائر الناس لمعرفة تصديقهم بما يقرون، أو ~~الدخول في أذهانهم لمعرفة ماذا يعرفون، أو حتى الحكم على أعمالهم؛ فقد بعث ~~الأنبياء والرسل هداة لا قضاة، ويرجئ الحكم على أعمالهم لليوم الآخر. ~~وقد يكون ذلك كرد فعل على تكفير الخصوم واقتتال الفرق، وقطع الرقاب ~~طبقا للأعمال؛ وبالتالي حقنا للدماء وحفاظا على وحدة الأمة أصبح هذا ~~الاختيار إحدى وسائل لتحقيق هذا الهدف. ولكن لما كانت السلطة القائمة هي ~~أيضا تشهر سلاح تكفير الخصوم وتأييد السلطان، فإنها بإخراجها العمل عن ~~الإيمان جعلت أفعال الخصوم سياسية خالصة لا شأن لها بالإيمان؛ وبالتالي ~~تقضي على شرعية المعارضة. وفي الوقت نفسه تخرج أعمال السلطان من الأيمان ~~حتى يظل الحكم شرعيا ما دام السلطان يقر بالشهادتين! وفي الوقت نفسه ~~تجعل السلطة القائمة المنظومة العقائدية أساسا للتكفير مما يمكن لها من ~~حصار المعارضة السياسية التي تتهم بالتأويل؛ وبالتالي الخروج على العقائد ~~السنية الحرفية الشيئية التي تتفق مع أذواق العامة وتصوراتها؛ وبالتالي ~~يمكن عزلها سياسيا في الدنيا، وعزلها دينيا في الآخرة. وذلك ليس فقط ~~للمعارض، ولكن لقومه وشيعته وأنصاره حتى ولو غزا ms033 مع المسلمين وشارك في ~~قضاياهم، وكأن المحك في الإيمان والكفر هو الخضوع للسلطان أو المعارضة له. # 7 # وقد تأخذ بعض فرق المعارضة الشعبية مثل هذا الموقف بدافع ~~المصالحة الوطنية بين السلطة القائمة والمعارضة الجذرية. # 8 # فإذا ما ظهر الواقع في التجسيم فإنه يتلاشى في الإيمان، ويصبح ~~الإيمان مجرد إقرار. # 9 # ومع ذلك كي تظهر السلطة القائمة في مظهر المدافع عن الدين ~~فإنها تهاجم الإقرار باعتباره كافيا في الإيمان، وترفض إرجاء العمل على ~~الإيمان بالنسبة للعامة حتى تظل العامة في الإيمان التقليدي ومظاهر العمل ~~التقليدي له؛ أي في الشعائر والطقوس بعيدا عن المعارضة السياسية. # 10 # وتروج الأحاديث لنقد كل اختيار. ولما كانت السلطتان السياسية ~~والدينية متعاونتين، فإنه سرعان ما تروح أحاديث لتأييد السلطة وتفنيد المعارضة. # 11 ~~(2-2) الإيمان إقرار ومعرفة وتصديق وعمل # العلاقة الرباعية باستمرار واحدة، سواء أكانت البداية بالمعرفة أو ~~بالتصديق أو بالإقرار؛ فالإيمان إقرار ومعرفة وتصديق وعمل؛ فلا يوجد إقرار ~~باللسان إلا بعد التصديق بالقلب، ولا يوجد تصديق بالقلب إلا بعد المعرفة. ~~وإذا كان الإقرار عملا بالقلب فإنه يكون أيضا عملا بالجوارح، فلا قول ~~بلا تصديق، ولا تصديق بلا معرفة، ولا نظر بلا عمل. إن القول دون المعرفة ~~يكون مجرد ألفاظ لا تدل على شيء، ولا يؤدي إلى تصديق؛ لأنه لا يوجد موضوع ~~للتصديق. وبطبيعة الحال لا ينتج عنه عمل. القول دون تصديق يكون بالضرورة ~~دون معرفة أو فعل. تغيب الخصوصية في الزمان والمكان، ويصبح الإيمان مجرد ~~لغو. ليس الإيمان قولا فحسب؛ فالقول أحد مظاهر الإيمان. القول صياغة ~~للنظر، وتعبير عن الرأي. اللفظ مجرد صورة للفكر وأداة له؛ لذلك يستحيل ~~إقامة سلوك الناس على أساس من القول؛ لأن القول وحده لا يكون أساسا ~~للسلوك. القول تعبير عن فكر، وكشف لموقف شعوري. القول بمفرده مجرد ألفاظ ~~لا تدل على شيء. ولما كان العمل واعيا استحال تحقيقه على أساس من القول، ~~وإلا تحول الإنسان الحي إلى إنسان آلي يعطى القرار فيتحول تلقائيا ~~إلى عمل. والشهادة ليست قولا، بل هي قول وفكر ms034 ووجدان وعمل؛ فالشاهد على ~~العصر هو الشهيد، والشهيد هو الذي يشهد بقوله وفكره ووجدانه وعمله. وكل ذلك ~~ممثل في حياته وأبعاد لشعوره. # 12 # وقد يتم تجاوز مفهومي الإقرار والعمل بمفهوم الخضوع ~~والاستسلام والانقياد وطاعة الأوامر والنواهي بمعنى قبولها، ويصبح الإيمان ~~والإسلام مترادفين. والحقيقة أن هناك تمايزا في هذه المفاهيم الأخيرة بين ~~المعرفة والتصديق وبين النظر، أي المعرفة والتصديق، وبين العمل، أي الإقرار ~~والفعل. ولا يوجد خضوع أو استسلام يأتي بالضرورة من المعرفة والتصديق، بل ~~قد تؤدي المعرفة والتصديق إلى الرفض والتمرد والثورة، كما قد لا يكون العمل ~~وحده هو الإتيان بالطاعات والالتزام بالأوامر واجتناب النواهي، بل قد ~~يتجاوز ذلك إلى الأعمال الصالحة، كما قد يأخذ مضمون الإيمان العقائدي ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره ~~مضمونا جديدا، وهو أصلا التوحيد والعدل، ومضمون الرسالة، وهو استقلال ~~الإنسان عقلا وإرادة. ويعني التوحيد انتساب الإنسان إلى مبدأ يتساوى ~~أمامه الجميع، كما يعني العدل إثبات حرية الإنسان وعقله القادر على التمييز ~~بين الحسن والقبح، بل إن العمل الفرد لا يكفي كتعبير عن الإقرار بعد ~~المعرفة والتصديق؛ فالعمل الفردي لا يزدهر إلا في العمل الجماعي، في موالاة ~~المؤمنين ومعاداة الكفار؛ أي في الصراع الاجتماعي. وإذا كان علم الأصول ~~واحدا، أصول الدين وأصول الفقه، فإن مصالح الأمة والحرص عليها ضد الإفساد ~~في الأرض يكون هو محور الصراع الاجتماعي في أصول الدين؛ لذلك ينتهي علم ~~التوحيد بأحكام قيمة ونداء للفعل، فتتحول الإلهيات إلى أخلاقيات، ثم إلى ~~اجتماعيات مستمدة من التصوف والأصول. ويتحول الحديث من الإيمان وصياغاته ~~وأحكامه، من مجال الأوامر والنواهي وخطب المساجد ومواعظ المنابر، إلى ~~الحديث عن الضروريات الخمس، المحافظة على النفس والعقل والدين والعرض ~~والمال. التوحيد إذن هو أساس المحافظة على الجماعة، يظهر في أقوال الأفراد ~~والجماعات كما يظهر في أعمالهم. # 13 # | خامسا: العمل # العمل هو البعد الرابع والأخير للشعور بعد المعرفة والتصديق والإقرار، وطبقا ~~لمنطق العلاقات الثنائية والثلاثية والرباعية، فقد ظهرت كلها من قبل في علاقات ~~المعرفة والتصديق والإقرار؛ ففي العلاقات ms035 الثنائية العمل دون المعرفة هو نفسه ~~المعرفة دون العمل، والعمل دون التصديق هو نفسه التصديق دون العمل، والعمل دون ~~الإقرار هو نفسه الإقرار دون العمل. وفي العلاقات الثنائية، العمل والمعرفة دون ~~التصديق والإقرار هما نفسهما الإقرار والتصديق دون المعرفة والعمل، والتصديق ~~والإقرار دون المعرفة والعمل والمعرفة والعمل دون التصديق والإقرار، كما أن العمل ~~والتصديق دون المعرفة والإقرار هما نفسهما الإقرار والمعرفة دون التصديق والعمل، ~~وهما نفسهما التصديق والعمل دون المعرفة والإقرار، وهما نفسهما المعرفة والإقرار ~~دون التصديق والعمل. أما العمل والإقرار دون المعرفة والتصديق فهما نفسهما الإقرار ~~والعمل دون المعرفة والتصديق، والتصديق والإقرار دون المعرفة والعمل، والمعرفة ~~والعمل دون التصديق والإقرار. وفي العلاقات الثلاثية، العمل والمعرفة والتصديق دون ~~الإقرار هي نفسها التصديق والمعرفة والعمل دون الإقرار، والتصديق والعمل دون ~~الإقرار. وكذلك العمل والتصديق والإقرار دون المعرفة هي نفسها الإقرار والتصديق ~~والعمل دون المعرفة، وأيضا التصديق والإقرار والعمل دون المعرفة. أما العمل ~~والمعرفة والإقرار دون التصديق فهي نفسها الإقرار والمعرفة والعمل دون التصديق، ~~وأيضا المعرفة والإقرار والعمل دون التصديق. أما العلاقة الرباعية فهي باستمرار ~~واحدة لأنها العلاقة الكاملة، وهي نفسها التصديق والمعرفة والإقرار والعمل، هي ~~نفسها المعرفة والتصديق والإقرار والعمل، ولكن الخلاف فقط في البداية، مرة بالعمل، ~~وأخرى بالإقرار، وثالثة بالتصديق، ورابعة بالمعرفة. # 1 # ولا يوجد إذن اختيار جديد ممكن في علاقات لم تظهر بعد. ولكن الاختيار الرباعي هو الأمثل؛ لأنه هو الذي يوحد بين أبعاد الشعور الأربعة، ~~فالإيمان هو العمل. والتركيز على العمل رد فعل على جعل الإيمان مجرد معرفة أو تصديق ~~أو إقرار. والحقيقة أن العمل تعبير عن معرفة، كما أن المعرفة تصديق ببرهانها. وكما ~~لا توجد معرفة دون عمل، وإلا كانت معرفة نظرية فارغة جوفاء، فكذلك لا يوجد عمل دون ~~معرفة، وإلا كان عملا أخرق أحمق. العمل لا يقوم إلا على أساس معرفي، وإلا كان ~~عملا آليا غريزيا عضويا صرفا تعبيرا عن مجرد نشاط العضو الحي، بل إن العمل ~~أيضا يغذي المعرفة ويثيرها؛ فالمعرفة قد لا تحصل بالضرورة ms036 قبل العمل، بل يمكن أن ~~تنشأ أثناء العمل ومن خلاله، وهي المعرفة التجريبية. فإذا كانت المعرفة قبل العمل ~~عامة فرضية، فإنها تتخصص وتتحقق وتقاس في العمل طبقا لقدراته ومقدار تقبل ~~الواقع لها. وهذا هو أساس الواقعية في التشريع كما بان في «أسباب النزول» وفي ~~«الناسخ والمنسوخ». كما أن العمل أحد مظاهر تخارج المعرفة والتصديق مثل الإقرار؛ ~~فإذا ثبت الإقرار ثبت العمل، فلا عمل بلا إقرار، وإلا كان عملا صامتا سريا أو ~~علنيا بلا كلمة أو إعلان عنه، وكأن الفعل هو الكلمة. ولا إقرار بلا عمل، وإلا ~~كانت الكلمة هي الفعل الوحيد؛ وبالتالي تصبح كلاما أجوف، وخطابة فارغة. لا يوجد ~~إذن عمل بلا إقرار إلا العمل الصامت ، مع أن الإعلان عنه بلاغ للناس، ونوع من العمل ~~والفاعلية من خلال الكلمة. يتحقق العمل بالقول، وليس بالعمل المباشر وحده. وقد يكون ~~وقع كلمة حق في وجه إمام ظالم ثورة فعلية علنية، فيتحول القول إلى فعل، ولكن يظل ~~الفعل في حاجة إلى تنظيم فعلي، وذلك لا يتأتى إلا بالعمل. والعمل تعبير عن وجدان ~~وتحقيق للبواعث، وإلا كان عملا آليا لا يهز الوجود الإنساني ولا ينشد شعرا. ~~العمل إذن ما هو إلا تحقق رابع بعد المعرفة والتصديق والإقرار، بل يمكن القول بأن ~~المعارف العقلية أعمال هي أفعال الذهن، وأن أفعال القلوب أعمال هي أفعال القلب. إذن ~~الأقوال أعمال، وهي أفعال اللسان. # ويتضح ذلك أكثر وأكثر بارتباط الإيمان بالعمل في أصل الوحي، سواء كان عملا ~~صالحا أو عملا فاسدا. وفي هذه الحالة يكون الإيمان قد لبسه الظلم، وكأن العمل هو ~~عدل الإيمان. ويقر العقل أن فعل الواجبات هو الدين، وأن الدين هو الإسلام، وأن ~~الإسلام هو الإيمان؛ وبالتالي يكون فعل الواجبات هو الإيمان. كما يعني الإيمان ~~الصلاة نظرا للتوحيد بين الإيمان والأعمال. وإن قاطع الطريق ليس بمؤمن، أي إن قطع ~~الطريق ليس من الإيمان. كما أن الزاني لا يزني وهو مؤمن نظرا لارتباط الفعل ~~بالإيمان. أما الاعتراض بواو العطف، وبأنه لو كان العمل جزءا من الإيمان ms037 لكان ~~الإيمان منافيا للظلم لإخراج العمل من الإيمان، فمردود عليه بأنه لو لم يكن العمل ~~من الإيمان لما صح إطلاق الإيمان على العمل. كما أن الإيمان في الشرع ليس التصديق ~~فحسب، وإلا لما كان بضعا وسبعين شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق. # 2 # ومع ذلك يظل موضوع الإيمان والعمل موضوعا دينيا سياسيا؛ فإخراج ~~العمل عن الإيمان كلية، فلا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، هو ~~تبرئة للحكام وتجاهل لأفعالهم، والاكتفاء بأقوالهم حتى لا تحاسبهم الأمة، في حين ~~أن إدخال الأعمال كجزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان هو مراقبة على الحكام والمحكومين ~~ومحاسبتهم على أفعالهم. أما جعل الأعمال مجرد أجزاء عرضية للإيمان لا يلزم من ~~عدمها عدمه، أو آثارا خارجية عن الإيمان مسببة له، ويطلق عليها الإيمان مجازا، ~~فهي محاولة لتحقيق نوع من المصالحة بين الخصوم السياسيين، وتظل أقرب إلى رأي السلطة ~~القائمة التي تخرج العمل من الإيمان. # 3 ~~(1) ماذا يعني العمل؟ # قد يعني العمل فعل الطاعات واجتناب المعاصي؛ أي القيام بالفعل إيجابا أم ~~سلبا. فإذا كان الإيمان إذن فعل الطاعات واجتناب المعاصي يكون الكفر فعل ~~المعاصي واجتناب الطاعات، ولكن هل الإيمان فعل جميع الطاعات واجتناب جميع ~~المعاصي؟ وماذا لو فعل المؤمن بعض الطاعات واجتنب بعض المعاصي أو فعل جميع ~~المعاصي؟ وماذا يكون وضع الإيمان فيما يتعلق بالأفعال في جدل الكل والبعض؟ إذا ~~استحال فعل كل الطاعات واجتناب كل المعاصي فلا ريب أن فعل بعض المعاصي واجتناب ~~بعض الطاعات ممكن، ولكن ماذا تعني الطاعة وماذا تعني المعصية؟ هل الطاعة ما جاء ~~فيها وعد، والمعصية ما جاء فيها وعيد؟ الطاعة حينئذ فعل يقوم على الترغيب، ~~والمعصية فعل يقوم على الترهيب. وهل المعرفة في هذه الحالة فعل طاعة لما كانت ~~أفعال الأذهان مثل أفعال القلوب أفعالا؟ وهل فعل الطاعات يكون فعلا للفرائض ~~والنوافل أم فعلا للفرائض؟ هل هو فعل للحد الأقصى أم للحد الأدنى؟ أم يترك ~~ذلك للقدرات الفردية وللطاقات النوعية؟ وإذا كانت المعاصي كبائر ms038 وصغائر، فهل ~~اجتناب الكبائر يساوي اجتناب الصغائر؟ وهل يمكن الإتيان بأفعال تؤدي إلى ~~أفعال طاعة مثل المشي إلى الصلاة في المساجد البعيدة طلبا للثواب، أو المشي ~~إلى الحج سيرا على الأقدام، أم أن أفعال الطاعة إنما تأتي بلا مقدمات وبلا ~~طلب زائد، فالغرض منها تزكية النفس وتقوية الوعي؟ وقد يكون كل ذلك أسماء ~~لغوية أو أسماء شرعية؟ ولما كانت المعاني اللغوية أساس المعاني الاصطلاحية، ~~يظل الموضوع كله في حدود اللغة والعرف. # 4 # فما حقيقة الطاعة والمعصية؟ تتحدد الطاعة بالمتابعة أو الموافقة؛ أي متابعة ~~الله في أغراضه أو الاتفاق معه في إرادته. والحقيقة أن هذا التعريف صوري ~~خالص، يرجع موضوع الفعل إلى التوحيد من جديد في قضية الصفات، صفة الإرادة . كما ~~أنه تحديد للشيء بغيره، للفعل الإنساني بإرجاعه إلى مصدر آخر خارج عنه، وليس ~~تحديدا للفعل في ذاته. وهل يمكن معرفة الإرادة الإلهية حتى يمكن الاتفاق معها؟ ~~فإذا كان الأمر تعبيرا عنها، وكان الأمر وحيا مكتوبا بلغة، ظهرت مشكلة ~~التفسير والتأويل كشرط للموافقة مع الأمر. وطالما اختلفت التفسيرات والتأويلات ~~له طبقا للمصالح والأغراض، يستحيل إذن الاتفاق معه إلا على نحو معين؛ ~~وبالتالي تختلف الأفعال. أما تحديد المعصية فلا يأتي إلا عن طريق القلب، أي قلب ~~الطاعة؛ وبالتالي القياس عليها. فإذا كانت الطاعة هي الموافقة مع الإرادة تكون ~~المعصية هي المخالفة معها. وتظل الإشكالات كما هي قائمة. وقد يكون هذا الاتفاق ~~بين الفعل الإنساني والإرادة الإلهية أولى المقدمات لعقائد الاتحاد والحلول ~~التي يتبناها التصوف ارتكازا على علم الأشعرية. # 5 # وإذا كانت المعاني اللغوية هي الأساس، فالإسلام لغة كما يعني ~~التسليم أو الإخلاص فإنه يعني أيضا التبرؤ؛ أي التحرر من كل شيء. فالإسلام هو ~~البراءة الأصلية، العيش على الطبيعة، حيث تكمن الحرية. الإسلام إذن هو تحرر ~~الوجدان البشري من كل طوق وطاغوت وجبر وقهر وخوف وجبن وممالأة ومداهنة لكل قوى ~~البشر، حتى يعود الإنسان إلى طبيعته الأولى وبراءته الأصلية. وهذا هو فعل النفي ~~«لا إله» في الشهادتين؛ فإذا ما تحرر الوجدان البشري انتسب ms039 إلى مبدأ عام ~~واحد شامل يقف البشر أمامه سواء، وهذا هو فعل الإيجاب «إلا الله». ويشارك ~~الإيمان الإسلام في معنى التبرؤ والبراءة، ولكن الإيمان يضيف التصديق، أي ~~البرهان الداخلي، على صحة مضمون الإيمان وشمول المبدأ ووقوعه؛ # 6 # لذلك استوجبت الطاعة المعرفة كما يتطلبها التصديق. ومع ذلك يظل ~~للفعل الخير استقلاله الذاتي عن المعارف النظرية التي يقوم عليها؛ نظرا ~~لوجود الحسن في ذاته والقبح في ذاته كأساس نظري كاف للفعل. وفي هذه الحالة لا ~~يكون الفعل هو إطاره النظري الذي يقوم عليه، أو الإقرار باللسان، أو فعل ~~الفرائض أو النوافل؛ فهذه أفعال مركزة، وسيلة للفعل الخير. كما لا تكون ~~المعصية إطارا نظريا مخالفا أو كبائر أو صغائر؛ فهذه أيضا أفعال مركزة، ~~وسيلة لفعل السيئ؛ # 7 # لذلك ليست الطاعات هي إقامة الشعائر، أي أركان الإسلام الخمس ~~المشهورة؛ فهذه وسائل مركزة لتحقيق غايات عامة. وقد تتفاضل فيما بينها من حيث ~~سرعة التحقيق وانتشاره؛ فالشهادة تتطلب فهما نظريا وعمقا في إيجاد الدلالة ~~وممارسة فعلي النفي والإثبات. والصلاة تتجه نحو الجماعة في صلاة الجمعة، ~~والزكاة تتجه نحو سيولة المال العام في المجتمع، والصوم يهدف إلى الإحساس ~~بحاجات الآخرين، والحج مؤتمر سنوي عام للناس جميعا لدراسة أحوال الأمة. ويمكن ~~معرفة ذلك بالعودة إلى المعاني الاشتقاقية التي هي أساس الأسماء الاصطلاحية؛ ~~فالصلاة تعني الدعاء، أي الارتفاع والسمو والتعالي قبل العودة إلى العالم ~~والدخول في الصراع الاجتماعي الذي تكشف عنه الزكاة والصوم، والحوار وتبادل ~~الرأي الذي يظهر في الحج. والزكاة تعني الزيادة والسخاء؛ أي إن العطاء زيادة، ~~والإنفاق وفرة، ضد الاكتناز والاختزان بدعوى الوفرة والتراكم؛ فلا زيادة إلا من ~~خلال السيولة وتوظيف المال في المجتمع؛ وذلك تطهيرا للنفس، وتحريرا لها من ~~أسر المال، واعتباره موضوعا اجتماعيا وليس استحواذا أو ملكية فردية. ~~والصيام يعني الوقوف؛ أي التوقف والمراجعة والصمود ومراقبة النفس حتى يمكن رؤية ~~الآخر أو المجتمع، فيظهر التفاوت في الرزق بين الفرد والجماعة؛ مما يدفع ~~الإنسان إلى إعادة التوازن في الدخول بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. # 8 # وقد يكون ms040 هذا الموضوع أدخل في علم الفروع منه في علم الأصول؛ أي في ~~علم الفقه أكثر منه في علم الأصول، أصول الفقه أو أصول الدين. ومع ذلك يمكن ~~تحليل العمل بالعودة إلى اللغة والمعاني الاشتقاقية من أجل معرفة ما يسمى في ~~التربية الدينية «الحكمة من»؛ أي الهدف من الشعائر باعتبارها وسائل. فالصلاة ~~مثلا تهدف إلى إيصال عدة مضامين للشعور من أجل الحصول على المعاني الأصلية، ~~مثل: الاتصال الدائم بالفكر، والعيش المتصل في عالم الفكر، والتعرف على المثال ~~قبل التوجه إلى عالم الواقع الذي تدفع إليه الشعائر الأخرى كالصوم والزكاة ~~والحج، تفاديا لضياع الإنسان ومحوه في خضم الحياة اليومية، وإبقاء على دعوته ~~الفكرية فيها والإحساس بالزمان، وبأن اليوم هو مجموعة من اللحظات، وبأن لكل ~~لحظة فعلها؛ فلا يتحقق الفعل قبل لحظته فيكون استباقا، ولا بعد لحظته فيأتي ~~بعد فوات الأوان. الإحساس بالزمان كلحظات متميزة يقوم فيها الإنسان بمراجعة ~~النفس، وقياس المسافة بين المثال والواقع، النظافة البدنية وأثر ذلك على الفكر ~~والحياة، الرياضة البدنية وأثر الحركات على البدن وقوامه، العمل الجماعي وما ~~يقتضيه من تنظيم ومداولة وعمل مشترك، وحدة الجماعة بتوجيهها نحو غاية واحدة ~~واتباعها نظاما واحدا لا ينفي التعدد والمشاركة بالرأي والحوار ... إلخ. وعلى ~~هذا النحو تأخذ المعاني الثلاث للفظ عند الأصوليين القدماء اللغة والاصطلاح ~~والعرف وظيفة جديدة؛ فاللغة هي المعنى الثابت، والعرف هو الحاجة المتغيرة، ~~والاصطلاح هو الصلة بين الثابت والمتغير. # 9 # وإذا كانت الطاعة هي إقامة الشعائر تكون المعصية هي ارتكاب ~~الكبائر. لا توجد كبائر نظرية، أي كفر نظري، لاختلاف الأطر النظرية وتعدد ~~التصورات النظرية، ولكن الكبائر عملية صرفة. وإذا كانت الشعائر وسائل لتحقيق ~~غايات، فإن المعاصي أيضا وسائل للقضاء على هذه الغايات؛ وبالتالي لا تكون ~~سلوكا بشريا؛ فترك الصلاة رفض لأنجع الوسائل لتحقيق الغايات، وهي التي ~~يتقبلها جمهور الأمة، والسجود للشمس أو للصنم تجسيم للمبدأ وتشبيه له، وأكل ~~الخنزير أو شرب الخمر مفسدة للصحة والعافية ومضيعة للمال، وإظهار زي الكفرة ~~في بلاد المسلمين دعوة إلى التقليد وقضاء على الأصالة. ms041 وقد يصل الأمر إلى حد ~~اعتبارها كفرا عمليا في مقابل الطاعات باعتبارها إيمانا عمليا. وقد تخرج ~~بعض الأمور عن هذا الكفر العملي؛ إما لأنها أدخل في البحث العلمي مثل جمع ~~القرآن وتواتر الوحي، أو في المعترك السياسي مثل الخلاف بين الصحابة ونصرة هذا ~~الفريق أو ذاك، وتمسك كل منهم بكتاب الله وسنة رسوله. إنما المعاصي ضياع ~~الطاقات العقلية والمادية من أجل تحقيق الغايات والمقاصد؛ فالأفعال واحدة، ~~والغايات واحدة، الطاعات تحقيقها إيجابا، والمعاصي تحقيقها سلبا. # 10 ~~(2) هل يسقط العمل؟ # فإذا ما حدث اختلال بين أبعاد الشعور الأربعة، المعرفة والتصديق والإقرار ~~والعمل، أو على الأقل بين النظر الجامع للمعرفة والتصديق والعمل الجامع للإقرار ~~والفعل، يسقط العمل ويتحول إلى عمل مضاد، يتحول الإيجاب إلى سلب، وتتفرغ ~~الطاقة ولا تتحول إلى حركة، أو تتحول إلى حركة مضادة. ويسقط العمل أو يختل ~~بصور عدة، منها تشخيص الأحكام، وإسقاط التكاليف، وإيقاف الحدود، وتحريم ~~الحلال، وتحليل الحرام، وتأويل العبادات والمعاملات. ويحدث ذلك كله نتيجة ~~للكفر بكل الشرائع الموجودة الناتجة عن مجتمع الظلم الذي وضع الأوامر والنواهي ~~لصالح السلطة القائمة. الخلل في العمل إنما ينشأ إذن عن خلل في النظر؛ أي عن ~~اغتصاب للسلطة وهدم للشرعية. ويكون رد الفعل على ذلك تكوين مجتمع مقابل، مغلق ~~على نفسه، حر من علاقاته، يناقض مجتمع القهر والغلبة، ويضع شرائعه ويسن قوانينه ~~تساعده على التحرر، وعلى قهر مجتمع الغلبة، والتغلب على نظم القهر. يسقط ~~العمل إذن بتخلخل الأسس النظرية التي يقوم عليها، أو قيام التصديق، أو نفاق ~~وخوف وجبن؛ وبالتالي عدم تعبير الإقرار لا عن معرفة ولا عن تصديق، فيصبح العمل ~~مجرد شعائر صورية، أوامر ونواه، للطاعة أو للزجر. # 11 # وليس لإسقاط العمل أي أثر خارجي من الفرق الدينية المعاصرة في ~~الديانات السابقة، بل هو تعبير عن خلل نظري داخل المجتمع الإسلامي. # 12 ~~(2-1) تشخيص الأحكام # ويسقط العمل ويختل عندما تتشخص الأحكام، وتصبح الطاعة رجلا، ~~والأركان الشرعية الخمسة رجالا. تتشخص الحدود والفرائض فتصبح المحرمات ~~رجالا والفرائض رجالا، وتحول الحدود إلى علاقات إنسانية ms042 مجسمة؛ وذلك ~~لأن المصائب تأتي من البشر، ومن اضطرابات العلاقات الاجتماعية. ويقوم هذا ~~التشخيص على التأويل، تأويل الأحكام، الأوامر أشخاص يجب موالاتهم، ~~والنواهي أشخاص تجب معاداتهم. الفرائض رجال تجب ولايتهم، والمحارم رجال ~~تجب عداوتهم؛ نظرا لتحقق الفعل في مجتمع ينقسم إلى أولياء وأعداء، ~~ويؤدي التشخيص بدوره إلى إسقاط الشرائع وإبطال الأحكام وتجسيم الشريعة كما ~~تجسمت العقيدة من قبل. ونتيجة لتشخيص الحدود تصبح بلا موجهات، فتسقط ~~الشرائع، وتبطل الحدود، وتحل المحرمات، وتحرم المحللات. ويتمثل إسقاط ~~الشريعة في إباحة الحرام أكثر منه في تحريم الحلال، وتصبح أقرب إلى ~~الإباحية أو المشاع أو الفوضوية أو الغريزية كفرا بالشرائع وبالقوانين، ~~ورفضا للمجتمعات وللدساتير، وثورة على السلطة والحكم، ورغبة في الكفر بكل ~~شيء، وهدم كل الكيانات التي تقوم على الظلم، وتحريرا للطبيعة المكبلة ~~بالقيود؛ فالأوامر والنواهي إنما هي تعبير مجسم للصراع الاجتماعي بين ~~العدل والظلم، بين الحق والباطل. وما فائدة الشرائع إن لم تتحول إلى صراع؟ ~~وهل الغاية من القانون تقييد الحرية وتكبيل اليدين وتكميم الأفواه، أم ~~إطلاق الحرية لليدين وللسان؟ # 13 # وقد تدور الأحكام كلها حول شخص واحد هو شخص الإمام؛ فالانتساب إليه يرفع ~~التكاليف؛ وبالتالي لا عذاب له ولا تثريب عليه، حتى ولو ترك الفرائض وأشرك ~~بالله. ولا يكفر إلا إذا كفر بالإمام وبالأئمة. الدين إذن أمران؛ معرفة ~~الإمام وأداء الأمانة، وليس منه أداء الطاعات واجتناب المعاصي. العالم شر، ~~والدنيا حرام، ولا يتحول العالم إلى خير أو يحل شيء من الدنيا إلا بمعرفة الإمام. # 14 # الإمام هو الفاصل بين الحلال والحرام، وليست الشريعة التي ~~وضعها البشر المغتصبون لحق الله، وهو الذي سيعيد الشريعة إلى نصابها. ~~وقد يتحول الأشخاص إلى أكوان فيصبح محمد السماء، وأصحابه الأرض، والعدل ~~والإحسان الإمام، والخبث والطاغوت أعداءه، والصلاة دعاءه، والزكاة عطاءه، ~~والحج القصد إليه. إن البنية النفسية لمجتمع الاضطهاد تنحو بالإنسان إلى ~~التضخيم والتصوير للصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، والعدل والظلم. ~~ويظهر ذلك على مستوى القانون والتشريع، وهو ما يعاني مجتمع الاضطهاد منه. # 15 ~~(2-2) إسقاط التكاليف # وإذا ms043 كان العمل هو أداء الطاعات واجتناب النواهي، أي القيام بالتكاليف ~~الشرعية، فإنها تسقط أو ترتفع أو تبطل نظرا للكفر بالشرائع الأرضية التي ~~تقوم على الظلم وهضم الحقوق، وإحساس مجتمع الاضطهاد بأن الحق معه، وبأنه قد ~~اتحد بالحق، أو بأن الحق قد حل فيه، وأنه قد أصبح هو والحق شيئا واحدا. ~~تجسد الحق فيه وتجسد هو في الحق، إما أن يحل الله في الإنسان أو أن ~~يرتفع الإنسان إلى الله، أو يغوص الإنسان في أعماق نفسه فيجد الحقائق دون ~~الظواهر والأشكال. تسقط التكاليف إذن إما بالارتفاع إلى أعلى أو بالانخفاض ~~إلى أسفل، أو بالدخول إلى الباطن ثم إعمال التأويل. ترتفع التكاليف عندما ~~ينتقل الإنسان من مستواه الإنساني إلى مستوى البهيمية أو الملائكية، ~~والجزاء في كليهما ثوابا أم عقابا؛ فالتكاليف مرتبطة بالوجود الإنساني ~~بين الحيوان والملاك. وكما تؤدي نظرية الارتفاع إلى إسقاط التكاليف، كذلك ~~تؤدي نظرية الحلول إلى إسقاط الشرائع حيث يقود الوعي إلى الإحساس بالرضا عن ~~طريق رفع الروح وخفض الجسد؛ مما يؤدي إلى الإحساس بالتقوى والتطهر، وتصبح ~~الأعمال متجهة نحو الداخل لا نحو الخارج، وهي أعمال تنقية الروح وتطهير ~~البدن. التأليه إحساس بالكمال، وبأنه لا يوجد شيء يمكن عمله بعد أن وصل ~~الإنسان إلى قمة الكمال. والعواطف في قمتها تمنع الفعل. وإن تضخم العالم ~~الباطني من خيال وانفعال يجعل كل عمل خارجي لا قيمة له، كما يساعد الإحساس ~~بالكمال على التبرير لكل فعل بعد أن أصبح الفعل مشرعا من أعلى ومضمونا ~~من القمة. ولما احتاجت هذه الأعمال إلى رموز بدلا عن الشرائع، وطلبا ~~للإيحاء والإقناع وإظهار النفس والدعوة أمام الناس، زاد الزخرف، وازدحمت ~~الزينات، وكثرت الطقوس والألوان، وظهرت «الأشياء» المقدسة بالصورة والصوت، ~~كالسجاد والحناء والخواتم والنعال، وكثرت مظاهر البدن مثل العمش في العين ~~من طول البكاء، وأصوات النحيب، وتأوهات الروح. تحولت الشعائر إلى طقوس ~~شبيهة بطقوس الديانات القديمة واليهودية والنصرانية، حتى يعيش الإنسان في ~~عالم من الرموز والاحتفالات. تؤدي الاتجاهات الباطنية إلى إسقاط الشرائع ~~لأنها تحويل للخارج إلى الداخل، وللقانون ms044 إلى عاطفة، وللواقع إلى خيال. ~~ويخاطب الباطني الناس مؤثرا فيهم بطرق الإيحاء حتى يستدرجهم إلى إسقاط ~~الشرائع. يوجه صاحب العبادة إلى معانيها حتى يقضي على العمل بالمعرفة، ~~ويدفع الباحث عن اللذة إلى الشك في الدين، ويدفع الشك في الدين إلى إنكار ~~المعاد حتى تسقط الشرائع؛ فإذا ما ارتبطت الشرائع بأصول غيبية سهلت زعزعة ~~هذا الأصل؛ فإذا ما قامت على علل الأحكام فإن معرفة العلل تكون كافية دون ~~إتمام الشعائر؛ لذلك حرم أهل الظاهر التعليل حتى لا ينتهي العقل إلى ~~القضاء على الشعائر محتجا بالتعليل؛ فإذا ما كانت الشعائر تعبيرا عن ~~الطبيعة فالأولى الإتيان بأفعال الطبيعة كبديل عن الشعائر وتأصيل لها. وعلى ~~أحسن الأحوال تكون الفرائض نوافل. يكفي شكر المنعم عليها نظرا لغناء ~~الرب عن خلقه. من شاء قام بها، ومن شاء لم يقم، والأمر متروك لاختيار ~~الإنسان وحريته. # 16 # وقد يكون العمل هو الطريق إلى النظر وليس العكس؛ فالعمل وسيلة، ~~والنظر غاية. ويتجه النظر نحو شخص الله، ولا يكون أساسا للعمل؛ فالعمل ~~أساس النظر. ويصل الأمر إلى رفع الإنسان إلى رتبة أعلى من الإنسانية، ~~وأعلى من الملائكة والأنبياء والصالحين والمقربين؛ فالخلل في العمل إما ~~أن يهبط بالإنسان إلى مستوى البهيمية، وإما أن يرفعه إلى مستوى الملائكة. ~~الإنسان وسط بين الحيوان والملاك، وحركة بين اتجاهي الخفض والرفع، السفل ~~والعلو، الأدنى والأعلى. في هذه الحالة تسقط التكاليف، ويصبح الله مطيعا ~~للعبد، وليس العبد مطيعا لله؛ لأن للعبد الأولوية في الفعل على فعل الله، ~~وكلما زاد فعل الإنسان قويت رؤيته لله؛ فالله يرى قدر الأعمال، والله يفرح ~~بأفعال عباده، ويغتم ببعدهم عنه؛ فالله معبود بعبادة الناس له، ولم يكن ~~كذلك قبل خلقه لهم؛ فوجود المعبود مشروط بوجود العابدين وبعبادتهم له. وإن ~~لم تسقط الشرائع فإنها تتحول من كم إلى كيف، وترتبط بالحالة الشعورية ~~للإنسان، وتختلف باختلاف الأفراد ومراتبهم الشعورية. من وصل إلى مرتبة ~~المعرفة سقطت عنه الشرائع؛ فبين الحبيب والحبيب لا يوجد حجاب أو قانون. # 17 # والحقيقة أن إسقاط الشرائع ليس أثرا من ms045 الديانات الخارجية، ~~مانوية أو غيرها، بل تعبير عن الكفر بكل الشرائع الأرضية التي وحدت بينها ~~وبين الشرائع السماوية ظلما وعدوانا من أجل تقويض النظم القائمة، ~~وإقامة شرعية أخرى تأخذ حقوق المضطهدين. ~~(2-3) إباحة المحرمات # وإباحة المحرمات نتيجة طبيعية للكفر بالشرائع والقوانين وإسقاط ~~التكاليف التي استعملتها السلطة اللاشرعية القائمة لتكبيل المعارضة وفرض ~~الطاعة بالقوة. وإباحة المحرمات أكثر دلالة من تحريم الحلال؛ فالتحرر من ~~القانون إحدى وسائل التحرر من المجتمع. وتتمثل إباحة المحرمات في ميدانين؛ ~~الطعام والنكاح. ففي الطعام إباحة الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، وفي ~~النكاح إباحة الزنا واللواط والمتعة الحرام. ويهدف ذلك كله إلى إطلاق قوى ~~الطبيعة الحبيسة تحت القهر، وتقوية المجتمعات السرية والروابط المشتركة حيث ~~يشيع كل شيء؛ النساء والأموال. والميسر أيضا مباح ضد قوانين السلطة نقضا ~~لها، وإعلانا أمام النفس عن عدم الاعتراف بشرعيتها، ثم تأخذ النفس شرعيتها ~~من ذاتها، وتصبح أفعالها مقياس شرعيتها فتبيح كل شيء؛ رد فعل على ~~القهر. وإن التحرر في القهر الاجتماعي يبدأ من التحرر من القهر الفردي، وإن ~~التحرر من القانون شرط للتحرر من السلطة. إن التحرر من الخارج لا يتم إلا ~~بعد التحرر من الداخل، بل جهاد الأعداء لا يبدأ إلا بعد جهاد النفس، يليه ~~جهاد الغاصبين. إن إنكار الذات يولد رد فعل عكسي وهو إثبات الذات، كما ~~يولد التحريم الإباحة؛ وبالتالي يصبح الإنسان أولى بابنته الحسناء وأخته ~~الهيفاء. وإذا ما استند التحريم إلى التخويف بالمجهول والإيمان باللامعقول، ~~قامت الإباحة على التحرر من هذا الخوف من المجهول، وعلى عقل كل شيء مادي ~~خارج العالم؛ فطالما استعمل الغيب للسيطرة على الناس؛ وبالتالي يكون إنكار ~~الغيب مقدمة لتحريرهم. كما أن كراهية المجتمع الغاصب تؤدي إلى التحريم من ~~الزواج منه؛ فلا يتم زواج إلا من داخل المجتمع المضطهد، زواج الأقرباء، ~~داخل مجتمع الإيمان في مواجهة مجتمع الكفر. المؤمن لا ينكح إلا مؤمنة، ~~والكافر لا ينكح إلا كافرة. ولما كانت الأثرة والأنانية من صفات الغير، فإن ~~الشيوع يكون من ممارسات الأنا؛ وبالتالي تنشأ المجتمعات المغلقة التي ms046 ~~يباح فيها الجنس ويصبح على المشاع، عنادا ضد مجتمع الكفر، والاستئثار ~~عندما يستحوذ الرجل على امرأة يمتلكها لنفسه ويمنعها غيره. تريد الجماعات ~~المضطهدة الغياب عن الواقع الأليم، وتعيش في عالم التمني والأحلام، ~~فتسقط الحدود رمز القهر، والتي يقوم الإمام الغاصب بتطبيقها، وتدعو إلى ~~السكر والشراب معارضة له، ورفضا لقانونه، كما تفعل جماعات الصوفية؛ ~~فلا فرق بين الهجرة إلى الداخل والهجرة إلى الخارج، بين الفرار إلى الله ~~والفرار من الله! # 18 # لذلك قد تباح المحرمات من جماعات الصوفية قدر إباحتها من ~~جماعات الاضطهاد؛ فبقدر ما تعيش جماعة الاضطهاد تحت القهر الاجتماعي تعيش ~~جماعة الصوفية تحت القهر النفسي، كلاهما جماعتا معارضة، عاجزتان عن ~~المقاومة، وكلاهما يتحدان بالحق عن طريق تمثله وتجسده. تبدأ جماعة ~~الصوفية بالزهد، بالرياضة والمجاهدة، حتى تصل إلى حالة الفناء حيث تسقط ~~التكاليف وتباح المحرمات؛ فإذا ما شافه الروحانيون الله ورأوه، وعاشوا في ~~الجنان قبل الأوان، وجامعوا الحور العين، على الأرائك متكئين، يسعى إليهم ~~الولدان المخلدون بأصناف الطعام والشراب، فما وجه التحريم وكل شيء قد ~~تمت إباحته، ولم يعد هناك ستار ولا حجاب بين الحبيب والحبيب؟ وعلاقة ~~الخلة، علاقة الخليل بالخليلة، ليست علاقة قانون وتحريم، بل علاقة اتحاد وإباحة. # 19 # من هذا التصور للعالم ينبثق نظام، وتخرج من هذه العقيدة شريعة ~~تقوم على إلغاء الفروق ما دام التصور يقوم على الوحدة؟ وحدة الإنسان والله، ~~وحدة الروح والطبيعة، وحدة الحياة والموت، وتمحي الفروق أيضا بين الحلال ~~والحرام، وتنتهي درجات الوجود. وقد تنشأ الإباحة من حب الدنيا والالتذاذ ~~بنعيمها إحساسا بالطبيعة وإشباعا لرغباتها. هكذا نشأ آدم في البداية؛ ~~فميراثه بين أولاده بالسوية، مساواة طبيعية، فلماذا تحريم كل ذلك باسم ~~الشريعة ثم الاتهام بالإباحة بالزندقة؟ # 20 # وعلى عكس إباحة كل شيء يأتي تحريم كل شيء، وكلاهما واحد، تحليل المحرمات ~~أو تحريم المحللات نكاية في القانون، في واضعيه أو القائمين عليه. وقد ~~ينتقل الأمر من الإباحة إلى التحريم أو من التحريم إلى الإباحة في جدل ~~دائري يعبر عن الرغبة في كسر القانون والتحرر منه؛ ms047 فالحلال المطلق ~~والحرام المطلق كلاهما بديلان يتناوبان ولا وسط بينهما. البعد عن الدنيا ~~من أجل الإقبال عليها، والإقبال على الدنيا من أجل البعد عنهما، والطرفان ~~يلتقيان. هل التمتع بالدنيا تعويض عن فقدها، ولا حيلة للمقهور إلا ~~الانغماس في اللذات، الخمور والنساء؟ هل الزهد في الدنيا تعويض عن الهزيمة ~~فيها، وترك إرادي لما حرم منه بغية الحصول على أعظم منها في النهاية؟ ~~وإذا ما تكالبت السلطة على الدنيا فإن المعارضة تتركها لهم، وإذا ما قمعت ~~بمثل القهر فيها فإن مجتمع الاضطهاد يقلبها عليهم تعبيرا عن القدرة على ~~الصمود، والتحكم في الإرادة، وترفعا على الخصوم. # 21 # ويظهر جدل التحليل والتحريم في قوانين الطعام؛ فكل ما تحلله ~~السلطة تحرمه المعارضة، وكل ما تحرمه السلطة تحلله المعارضة. والتمايز ~~في قوانين الطعام إثبات للخصوصية وتمايز عن الجماعة كما هو الحال عند ~~اليهود. ويتداخل المقدس مع الدنيوي، ويتحول الطعام إلى محرم أو مقدس إذا ~~ما ارتبط بشخص الإمام الشهيد إمعانا في الإغلاق وتعذيب الذات والتشدد في ~~محاسبة النفس إذا ما استحال تغيير الواقع، أو استعدادا لمرحلة قادمة. ~~وبينما يحرم البعض الماء بفلاة من الأرض لو وقعت فيه قطرة خمر، يحلل ~~البعض الآخر الخمر نبيذ التمر لأن علة السكر غائبة فيه، الضد يولد الضد، ~~إما تحريم الخمر كله في الجرار، أو تحريم قطرة منه من مياه البحار! يؤدي ~~التطرف إلى عدم السوية في العالم، والانتقال من طرف إلى طرف، والضدان ~~يجتمعان، اليأس من العالم أو احتضانه، الابتعاد عنه رغبة في التطهر منه أو ~~الاغتراف منه والاتحاد به. # 22 # الحلال والحرام إذن في النهاية موقف اجتماعي صرف، قانون ~~لتثبيت النظام الاجتماعي أو زعزعته، مجرد وظيفة اجتماعية طبقا لغاية ~~الجماعة. ~~(2-4) إيقاف الحدود # بعد إباحة المحرمات تسقط الحدود بالتبعية؛ فالحد عقاب على معصية، ~~والمعاصي نفسها لم يعد لها وجود، وإسقاط الحدود تعني التحرر من قيد السلطة ~~وشرع مجتمع القهر كمقدمة للتحرر السياسي. يسقط حد شارب الخمر حتى ينسى ~~أزمته ويتجاوز هزيمته، ويقاوم عقاب القهر بإسقاط قانونه وعدم تطبيقه ~~بالرغم ms048 من الإتيان بالأفعال التي تقع تحت طائلة القانون، خاصة ولو كان ~~القانون نفسه نقطة ضعف في فقه السلطة الذي لم تجتمع عليه المدارس الفقهية ~~وما زال موضوع خلاف. والعجيب أن التشدد السياسي مع السلطة يؤدي إلى لين ~~أخلاقي مع النفس، وكأن الكفر بالعالم يولد طبيعيا إيمانا بالذات. # 23 # كما يسقط حد الرجم رفضا لتقييد حرية الإنسان الجنسية مرتين، ~~مرة بينه وبين نفسه، ومرة بينه وبين الإمام المغتصب المطبق للحد. ~~والكبت السياسي يولد حرية جنسية؛ فالضغط من الخارج إلى الداخل يتحول إلى ~~تحرر الداخل إلى الداخل. أما الإمام العادل فله الحق في تطبيق الحد؛ فهو ~~القادر على التمييز بين الإيمان والكفر، وهو المدافع عن الشرعية والمنصب ~~لها. يطبق الحد من السلطة الشرعية، ويوقف من السلطة اللاشرعية، حاكمية ~~الله في مواجهة حاكمية البشر. # 24 # وقد يقام حد القذف على قاذف المحصنات من النساء، ولا يقام ~~على قاذف الرجل المحصن؛ فالقذف الأول أشد وأقصى من الثاني، المرأة عورة ~~أكثر من الرجل، وهو ما يميز رؤية المجتمع المغلق. # 25 # وعلى الضد من ذلك يقام حد السرقة في الكثير وفي القليل، في ~~الحرز وفي غير الحرز، كوسيلة لإحكام الانضباط في المجتمع المغلق. # 26 # يقابل إذن مجتمع الاضطهاد السري مجتمع الغلبة بالتسيب ~~الخلقي، وقد يقابل مجتمع الاضطهاد العلني مجتمع الغلبة بالانضباط الاجتماعي. # 27 # وأخيرا لا ترد الأمانات إلى أهلها، بل تخفر الأمانة نظرا ~~لعدم ولاء مجتمع الاضطهاد لمجتمع الغلبة. وقد يكون لذلك رصيد في الديانات ~~السابقة في الأخلاق اليهودية التي تبيح لنفسها أخذ كل شيء وفعل كل شيء ضد ~~الآخر، فليس عليهم في الأميين سبيل. # 28 ~~(2-5) تأويل العبادات # فإذا لم تنته الأحكام أو يسقط التكاليف أو تباح المحرمات أو توقف ~~الحدود، تئول العبادات والمعاملات بحيث تكون أكثر اتساقا مع الظروف ~~النفسية والأوضاع الاجتماعية لمجتمع الاضطهاد في مواجهة مجتمع الغلبة. ~~التأويل ليس استنباطا موضوعيا لحكم من الآية، بل هو وضع الخاص الانفعالي ~~فيها لإيجاد مبرر لها. وهو موقف هوى، وليس نموذجا عاما للفعل ~~الإنساني كما هو ms049 الحال في أسباب النزول. التأويل إذن هو إيجاد الوقائع داخل ~~الآية حسب الهوى. والهوى ليس فرديا فقط، بل هو تعبير عن موقف نفسي ~~اجتماعي، سواء لمجتمع الاضطهاد أو مجتمع الغلبة، يتجه نحو الأعماق، ويكشف ~~أبعاد الذهن، فيصبح مبررا للوضع النفسي والاجتماعي للمتأول. وكما ~~تئول الأحكام إلى أشخاص وأكوان تئول الفرائض، مثل الطهارة والصلاة ~~والزكاة والحج، بين الشدة واللين، الشدة زيادة في التعصب والتصلب تعذيبا ~~للنفس، وتأكيدا لصلابتها في مجتمع مغلق في حاجة إلى تماسك داخلي في ~~مواجهة مجتمع القهر، واللين رفقا مع النفس وتسامحا معها في عالم من القهر ~~والظلم والطغيان؛ حتى تستريح النفس وتنعم بحريتها الداخلية إن استحالت ~~ممارسة حريتها في الخارج؛ فالوضوء قد يكون غير واجب إذا تم بماء مغصوب، ~~أسوة بعدم جواز الصلاة في الدار المغصوبة؛ فالغصب رؤية تتحدد العبادات من ~~خلالها؛ لأنه هو البنية النفسية والاجتماعية لمجتمع المضطهد الذي تم اغتصاب ~~السلطة منه في مجتمع الغلبة والقهر. وقد يؤدي تأويل العبادات إلى فهم ~~معانيها وعللها، ثم تحوير صورها وإعادة صياغة أشكالها، خاصة في موضوعات ~~صغيرة جانبية بعد أن يستعصي التعرض للموضوعات العامة التي أصبحت حكرا على ~~مجتمع القهر. يتعرض وعي الجماعة المضطهدة إلى نقائض الوضوء، هل هو النوم ~~مع الحدث أو النوم مضطجعا؟ المسح بالماء على ظهور الأقدام أو أسفلها ... ~~إلخ. ويظهر التشدد في ضرورة الوضوء من قرقرة البطن، كما يظهر اللين في ~~الاستحمام في الآبار التي نشرب منها، أي الشرب من ماء الاستحمام، وحدة ~~الذات والموضوع كما هو الحال في النرجسية. فإذا ما تم عقل الأحكام يمكن ~~إنكار المسح على الخفين باعتبار أن الوسخ في أسفل الخفين وليس في ~~أعلاهما، حتى يظهر تعسف أحكام مجتمع القهر وشريعة الغلبة. # 29 # أما بالنسبة للصلاة فإنه لا يجوز أيضا الصلاة في الدار ~~المغصوبة؛ لأن الفعل الواحد لا يكون طاعة ومعصية في الوقت نفسه، وتحرير ~~الأرض سابق على طاعة الله فيها، وذلك في مجتمع يعاني من الاغتصاب، اغتصاب ~~الشرعية والاستيلاء على السلطة، ولا فرق في ذلك بين العدو الخارجي ms050 والعدو الداخلي. # 30 # كما يختلف الأمر فيها أيضا بين اللين والشدة؛ ففي اللين لا ~~تجب إعادة الصلاة على من تركها متعمدا، خاصة إذا كان قد فهم معناها، ~~وتحقق بالحكمة منها، ووصل إلى غايتها. ولماذا الإسراع والجري إلى الصلاة ~~إذا حان وقتها، فيتحول الناس إلى هرج ومرج وسباق وتزاحم؟ ولماذا المشي إلى ~~الصلاة واختيار المساجد البعيدة سعيا في مزيد من الثواب وكأن الأمر تجارة ~~ومكسب؟ قد تكفي الواجبات دون النوافل، والحد الأدنى دون الحد الأعلى. يكفي ~~الواجب دون المندوب، والامتناع عن المحرم دون المكروه، أقل القليل من ~~الفرائض لإفساح المجال إلى المعارف. وقد يكون اللين من حيث الكم، فلا صلاة ~~واجبة إلا ركعة بالغداة وركعة بالعشي، أو ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي. ~~كما يمكن الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في أول الزوال، والمغرب والعشاء في ~~جوف الليل. وفي صلاة المسافر تكبيرتان دون ركوع أو سجود أو قيام أو قعود أو ~~تشهد أو سلام. وتصح الصلاة في ثوب كله نجس على أرض نجسة ومع بدن ظاهر ~~النجاسة؛ إذ يكفي الطهارة من الأحداث دون الأنجاس. والتحرر من نجاسة البدن ~~أسهل من التحرر من نجاسة المجتمع وشرعه ونظمه التي تقوم على القهر والغلبة. ~~ويكفي دفن الميت بعد كفنه دون غسله والصلاة عليه؛ فهما سنتان غير مفروضتين. ~~كما تجوز الصلاة بلا نية، يكفي نية الإسلام منذ البداية. # 31 # وقد يظهر التشدد والانتقال من الأخف إلى الأثقل حرصا على تماسك الجماعة ~~الداخلي، وأخذا بالشدة دون اللين، خاصة في مجتمع الأقلية المغلق؛ فتكون ~~الصلاة سبع عشرة مرة أو تسع عشرة مرة في اليوم والليلة. واقل الصلاة خمس ~~عشرة ركعة! وقد تكون الصلاة خمسين مرة كل يوم وليلة، وفي كل مرة خمس عشرة ~~ركعة كذلك. # 32 # فالنقيض يولد النقيض، والضد يحيل إلى الضد، وكأن القهر يأخذ ~~صورتين؛ الأولى اللين والتخفف مع النفس، إذ يكفي قهر المجتمع؛ والثانية ~~الشدة والتصلب، تقوية للنفس لمقاومة قهر المجتمع. # 33 # وقد تئول الشريعة تأويلا عقليا باردا، وكأن الأمر مجرد ~~حساب ما دام العقل قادرا ms051 على فهم عللها واستنباط أحكامها؛ حتى لا يتحكم ~~أحد في السلوك بالنقل اعتمادا على السلطة بعد الكفر بكل سلطة. وفي هذه ~~الحالة قد تكون الصلاة صحيحة في أولها، باطلة في آخرها. تكون صحيحة إذا ~~كانت موصولة، وباطلة إذا كانت مقطوعة. # 34 # هذان التياران اللين والشدة في باقي الأركان، الزكاة والصوم ~~والحج؛ فتكفي نية الإسلام في الصوم والحج دون نيات خاصة في كل فعل، ويكفي ~~الحج دون وقوف أو طواف أو سعي. # 35 # ولكن تظل القضية الكبرى هي: هل تجوز الصلاة خلف الفاسق؟ وهنا ~~يظهر التياران نفساهما؛ تيار اللين الذي يجوز ذلك، وتيار الشدة الذي ~~يحرمه. وكل تيار في الحقيقة موقف سياسي؛ فالجواز إنما يعني قبول شرعية ~~الإمام الظالم القاهر، وبالتالي جواز الطاعة له، في حين أن التحريم إنما هو ~~رفض لهذه الشرعية، ورفض لطاعة الإمام الظالم؛ لذلك قالت فرقة السلطة ~~بالجواز بينما قالت فرقة المعارضة بالتحريم. وقد تتم الصلاة خلف الإمام ~~الفاسق تقية، ولكن لا عن اقتناع. وفي هذه الحالة تجب إعادة الصلاة حتى تصح ~~خلف الإمام العادل. ونظرا لأهمية إمامة الصلاة، فإذا جازت الصلاة خلف ~~الإمام الفاسق فإنها لا تجوز في صلاتي الجمعة والعيدين؛ نظرا لأن خطبتي ~~الجمعة والعيدين ركنان من أركان الصلاة؛ فالفسق في العمل لا بد وأن يظهر في ~~القول. وهنا تضيع الإمامة باعتبارها نصحا وقيادة للأمة. # 36 # وقد يصل الأمر إلى إيقاف صلاة الجمعة حتى يظهر الإمام العادل؛ ~~وبالتالي تتحول إمامة الصلاة وجواز الصلاة خلف الإمام الفاسق إلى رمز ~~للصراع السياسي بين الخصوم السياسيين. كل فرقة تفسق خصمها وتحرم الصلاة ~~خلفه، أو تقول بضرورة الإعادة. ولا يوجد فاسق مطلق تتفق عليه الفرق جميعا. # 37 # وما يقال في الصلاة يقال في باقي الأحكام، مثل الزكاة والحج ~~والجهاد؛ لأنه من الأقضية والحدود. # 38 ~~(2-6) تغيير المعاملات # ولا يكفي تأويل العمل الفردي، أي العبادات، بل يتم التأويل أيضا للعمل ~~الجماعي، أي المعاملات. فإذا كانت العبادات أعمالا فردية مركزة غايتها ~~الحصول على مضمونها، فإنها يمكن أن تتحقق للإنسان بعدة أفعال ms052 أخرى في ~~المعاملات، ولكن على نحو أطول. يشمل العمل إذن الفردي والجماعي، العبادات ~~والمعاملات. وهي تفرقة تقوم على تصور للإنسان وكأنه يعيش بين عالمين في ~~وقت واحد، العالم العلوي وعالم الآخرين، العالم المجرد وعالم الناس، مرة ~~في خط عمودي وأخرى في خط دائري، مرة في بعد رأسي وأخرى في بعد أفقي. ~~وتتراوح المعاملات بين الأحوال الشخصية، أي علاقات الزواج والطلاق؛ ~~والعلاقات المالية، أي قسمة الأموال وتوزيعها؛ والعلاقات الاجتماعية، أي ~~الولاية والعداوة ابتداء من الشهادة الفردية حتى علاقات الحرب وأسباب ~~القتال. والمعاملات الشخصية هي لب المعاملات، والذي تتحد فيه علاقة الفرد ~~بالآخر، الرجل بالمرأة من أجل تكوين البذرة الأولى للجماعة، وهي الأسرة، ~~والتي فيها يتكون الأطفال، والتي تكون مركز الأسرة الكبيرة، وهي القبيلة. ~~والقضية الكبرى هي: هل يجوز نكاح المسلم لمسلم آخر ليس من المذهب نفسه؛ أي ~~الفرقة؟ فلم تعد الفرقة وحدها سببا في السؤال حول شرعية إمامة الصلاة، ~~بل أيضا حول شرعية الزواج؛ فالمجتمع المغلق يحرص على تقوية بنيته ~~الداخلية والعلاقات الوثيقة بين أعضائه. يحرم زواج المؤمنة من مسلم آخر ~~ينتسب إلى المجتمع المفتوح، وهو مجتمع الغلبة والقهر، حتى لا يتميع النظام ~~ويظل التضاد قائما بين المجتمعين؛ فالاتفاق العقائدي وليس الاتفاق في الدم ~~والنسب هو أساس القرابة، في حين أن مجتمع القهر والغلبة يبيح زواج ~~المسلمة من المسلم بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف العقائدي لما كان هو ~~المجتمع الأقوى، ولا يخشى من انفتاحه على الآخرين، بل إن من صالحه التزاوج ~~والتصاهر بينه وبين الفرق المعارضة حتى يخترقها فتنكسر المعارضة، وتقوى ~~روابط النسب والمصاهرة. وعلى أقصى تقدير، يمكن للمؤمنة الزواج من مسلم ~~مخالف في المذهب في دار التقية وحدها، وليس في دار الإعلان، حماية لمجتمع ~~الاضطهاد حتى تقوى شوكته فيحافظ على التضاد في النسب. # 39 # وعندما يستحكم العناد، يتحول نظام القرابة إلى سلاح سياسي، كل ~~فرقة تحمي عقيدتها كأساس لوحدة مجتمعها، وتحرم الزواج من الفرقة الأخرى؛ ~~أي الجماعة السياسية المعارضة، بل ويقوم مجتمع القهر والغلبة بإشهار هذا ~~السلاح لحصار جماعات ms053 المعارضة، ورفضهم ودفعهم خارج المجتمع كمنبوذين أو ~~خوارج عليه. # 40 # ولا ينطبق ذلك على الزواج وحده، بل أيضا على كل الذبائح ~~والوراثة والصلاة وسائر الحقوق المدنية. ويتعدى ذلك إلى موالاة الأطفال ~~وبيع الدماء وتزويج الصغار وضرورة الشهود والعقود أو عدم ضرورتها. # 41 # وكيف يمكن إثبات شهود وعقود، والشهود شهود زور، والعقود عقود ~~قهر وغلبة؟ تكفي لذلك شهادة الكرام الكاتبين الذين لا يشهدون الزور مثل ~~شهود كل عصر، وتكفي عقود القلب والنية التي لا قهر فيها ولا غلبة. التزويج ~~بلا ولي؛ فالولي قد خان الأمانة، وبلا شهود؛ فقد شهدوا زورا، وبلا صداق؛ ~~فما أكثر الرشوة! وإذا ما تم بيع إماء المخالفين فإن ذلك يكون نكاية فيهم، ~~وإضعافا لهم، ونوعا من الحرب عليهم. وإذا سبيت نساء المخالفين فإذن ذلك ~~نوع من الإذلال لهم وإضعافهم والقضاء على شوكتهم. وإن تزويج الصغار يكون ~~بمثابة تربية لمجتمع الاضطهاد على الشدة منذ البداية، وإثبات الرجولة ~~المبكرة، ورغبة في التكاثر. كل ذلك إنما يرجع إلى النظرة إلى المخالف؛ هل ~~هو كافر أم غير كافر؟ فلو كان كافرا ظهر التضاد بين مجتمع الاضطهاد ومجتمع ~~الغلبة، ولو كان مؤمنا نشأت علاقة بين المجتمع المغلق والمجتمع المفتوح. ~~والواقع أن كل ذلك إنما نشأ في واقع اجتماعي معين فرض قوانينه وشرائعه، ~~وعبر عن طبيعة الصراع السياسي فيه من خلال فقه الفرق، ولا شأن له ~~بالعقائد إلا من حيث التبرير والشرعية ما دام الفقه فقها دينيا، عبادات ~~ومعاملات. ولا يظهر هنا الخلاف في الفروع في فقه مجتمع الغلبة؛ لأنه بغير ~~ذي دلالة، خلاف جزئي أسري داخل المجتمع القاهر، إنما يظهر الخلاف في فقه ~~الفرق بين مجتمع الغلبة ومجتمع الاضطهاد. # ولا يتعلق الأمر فحسب بنظام القرابة، بل بمؤسسة الزواج كلها؛ فيجوز ~~الزواج من تسعة حاصل جمع اثنين وثلاثة وأربعة كنوع من التحرر من التفسير ~~الأحادي للقانون الذي يعطيه مجتمع الغلبة. وإن إباحة تعدد الزوجات إلى ~~تسعة إنما يكشف عن رغبة في تفجير الطاقات المكبوتة، وهدم شرائع المجتمع، ~~والعيش في عالم من الخيال والمتعة ms054 الحسية تعويضا عن ضياع العالم، وخلق ~~مجتمع صغير يحكم الإنسان فيه، وهو مجتمع النساء ودولته الصغيرة بعد أن غاب ~~منه المجتمع الخارجي والدولة الكبيرة. وفي النهاية ما الفرق بين تعدد ~~الزوجات والإماء والسبايا وما ملكت اليمين؟ ألا يدل ذلك كله على حريات ~~جنسية عامة، والفرق فقط بين هذه النظم في الصيغ التشريعية وليس في المضمون، ~~مجرد فرق في الدرجة وليس فرقا في النوع؟ # 42 # وقد يتسع الأمر أكثر فأكثر حتى تحليل زواج المتعة. وإباحة ~~نكاح المتعة إنما يقوم للسبب نفسه؛ تفريجا عن الهم، وإغراقا في الدنيا، ~~ونسيانا للحق الضائع، وانغماسا في شيء بعد ضياع كل شيء. وقد يحل نكاح ~~المتعة بناء على تأويل نص أو اجتهاد عقلي، وليس كرد فعل نفسي على ~~مجتمع القهر، فهل تقع الممارسة بناء على الجواز النظري؟ وقد يأتي رفض نكاح ~~المتعة من مجتمع القهر حتى يظل مجتمع الاضطهاد محكوما بقانون دون التمتع ~~بحرية، حتى ولو كانت في نطاق الجنس. يبدو أن مجتمع الاضطهاد يفرض واقعه على ~~شرعه كما هو الحال عند الجنود القائمين والطلاب المغتربين، إقرارا لواقع ~~إن لم يكن تقنينا لشرع، # 43 # بل ويصل الأمر إلى نكاح المحارم، نكاح بنات البنين وبنات ~~البنات وبنات الإخوة وبنات بني الإخوة؛ إذ تنتهي جماعات الرفض بالتقوقع على ~~الذات، وتكوين جماعة مغلقة تترابط فيما بينهما دما وبدنا؛ وبالتالي يحل ~~الزواج من المحارم. # 44 # كما يجوز اللواط وتفخيذ الرجال ما دام القصد هو المتعة بصرف ~~النظر عن الجنس، كصورة للترابط الاجتماعي والتكوين المتماسك، لحما بلحم. ~~والجنس قوة محركة ودافع اجتماعي للتماسك. # 45 # ولا يجوز الظهار كناية أو الطلاق كناية، كما لا يجوز التطليق ~~ثلاثا من أجل التماسك الاجتماعي. # 46 # أما بالنسبة للعلاقات الاقتصادية، الأموال والمكاسب والمواريث، فإن طبيعة ~~مجتمع الاضطهاد تجعله أقرب إلى مجتمع العدل والمساواة والملكية العامة ~~والشيوع، ضد مجتمع القهر الذي يغلب عليه التفاوت في الدخول والاقتصاد الحر ~~والملكية الفردية والميراث؛ فالأموال بالتساوي بين الأسياد والعبيد من ~~الزكاة، أن يعطي السيد العبد، أو أن يعطي العبد السيد. ms055 وتؤدى الزكاة حتى ~~عما سقي من العيون والأنهار الجارية. وتقسم الأموال بين الأغنياء ~~والفقراء حتى لا يوجد في مجتمع الاضطهاد ذو حاجة، ويصل الإحساس بالمساواة ~~إلى حد اقتسام ركوب فرس أو لبس عمامة! وكذلك تعم المساواة في قسمة ~~الغنائم وتوزيع سهام الصدقات؛ فمجتمع الاضطهاد أول من يشعر بالظلم ~~الاجتماعي ويحقق المساواة؛ # 47 # فإذا ما ضاع أمل المساواة فإن ذلك يرجع إلى رغبة كل رئيس في ~~التكبر والاستكثار أسوة بالحاكم الظالم؛ فيلعب دور الظالم وهو المظلوم مثل ~~رئيس الفقراء، ورئيس المظلومين، ورئيس العسكر، والكل منهوب من الرئيس ~~الأعظم. وقد أدى التشرذم والتكفير المتبادل إلى انكسار جماعة الاضطهاد ~~إلى عدة جماعات حتى سهل القضاء عليها من مجتمع الغلبة. ولا يجوز إجراء بيع ~~أو شراء إلا بعد معرفة هل المال حلال أو حرام، كما لا يجوز استعمال أي شيء ~~حتى ولو سكينا لذبح شاة قبل معرفة هل السكين مغتصبة أم غير مغتصبة، ولا ~~يجوز التصدق أو الزكاة أو الحج بمال حرام، وإلا بطلت الأفعال. # 48 # ولما كان مجتمع القهر والغلبة مجتمعا تجاريا يقوم على ~~الاقتصاد الحر والنشاط التجاري الخاص، فإنه يتهم مجتمع الاضطهاد بالتكامل ~~والتوكل. أما مجتمع الاضطهاد فإنه يحرم البيع والشراء في مجتمع كله ظلم ~~وسلب، وغصب ورشوة. يكفي الإنسان قوت يومه، وما زاد يتفضل به غيره. لا يسأل ~~أحد الناس إلا مضطرا. # 49 # وإذا كان مجتمع القهر والغلبة يسمح بالميراث لأنه يسمح ~~بالملكية الفردية. الميراث إذن لا يجوز لأنه أخذ أموال بغير حق. إلغاء ~~الميراث إثبات لتكافؤ الفرص، وإثبات للمساواة، ووضع للعمل كمقياس للجهد ~~وكمصدر وحيد للقيمة والاستحقاق. ومع ذلك يمنع مجتمع الغلبة توريث أهل ~~الأهواء من ميراثهم، بغية حصارهم الاجتماعي وعزلهم السياسي. # 50 # ثم تأتي العلاقات الاجتماعية والسياسية العامة التي تحدد رؤية الإنسان ~~لنفسه ولعلاقاته بالآخرين؛ فقد يشهد كل فريق على نفسه بأنه من أهل الجنة، ~~ومخالفه من أهل النار؛ وأنه هو الناجي، وخصمه هو الهالك، كما هو الحال في ~~الأخلاق اليهودية. إذا شهد مجتمع الغلبة ذلك على نفسه فلأنه ms056 هو السلطة ~~والشرعية وحامي الإيمان والديار، وإذا ما شهد مجتمع الاضطهاد ذلك على نفسه ~~فلأنه مجتمع الحق الضائع والعدل المهضوم. الأول يقرر واقعا، والثاني ~~يعوض بالخيال. وفي هذه الحالة يجيز مجتمع الاضطهاد شهادة الزور على ~~مخالفيهم لأنهم أهل زور وبهتان، ولا يفل الحديد إلا الحديد. ولا ~~تقبل شهادة مخالفيهم إلا بعد معرفة كيفية الشهادة وتفسيرها؛ فلربما يكون ~~الشاهد شاهد زور ليس في الواقعة الخاصة، بل في الوقائع العامة، لا من حيث ~~هو كائن فردي، بل من حيث هو كائن اجتماعي. وكرد فعل مضاد لم يقبل ~~مجتمع القهر والغلبة شهادة أهل الأهواء، أي فرق المعارضة، رفضا برفض حتى ~~يزيد حصارهم الاجتماعي وعزلهم عن المجتمع. # 51 # ثم تتحول الشهادة على النفس ضد الآخر إلى ولاية النفس والبراءة ~~من الآخر. فإذا برئت جماعة الاضطهاد من مجتمع القهر والغلبة فإنها تتولى ~~أصحاب الحدود من موافقيها حرصا على وحدة الجماعة وعذرا لها، وإلا وقعت ~~الجماعة في التشرذم والتفتت إلى ما لا نهاية. وهو ما يحاوله مجتمع القهر ~~والغلبة كذلك من أجل تثبيت إيمان الحكام وأقوالهم، وإخراج أفعالهم من أسوأ ~~الأحوال، أو حفاظا على وحدة الأمة أيضا وحقنا للدماء في أحسن الأحوال. # 52 # وقد تتجاوز العلاقات الاجتماعية من البراءة والولاية إلى ~~علاقات الحرب والسلام. وبطبيعة الحال يحدد مجتمع الاضطهاد علاقته بمجتمع ~~الغلبة على أساس من المقاومة والحرب؛ فأهل الغلبة كفار وليسوا بمشركين، ~~تحل غنيمة سلاحهم عند الحرب دون سبيهم وقتلهم في السر، إلا من اعتنق ~~الشرك ودعا إليه. وقد يباح قتلهم وسبيهم علنا، وسلاحهم غنيمة، ولكن يرد ~~إليهم الذهب والفضة، فهم أعداء سلاح، دارهم دار إسلام إلا معسكر السلطان؛ ~~أي المحاربين منهم. # 53 # أما مجتمع الغلبة والقهر فإنه يجعل الجهاد مع الأعداء في ~~الخارج هو الأساس، وليس في الداخل، ما دامت طاعة الداخل لهم واجبة، والخروج ~~عليهم بالسيف حرام شرعا، فتنة تضعف الأمة من الداخل وتشقها؛ وبالتالي ~~لا تقوى على مقاومة الأعداء في الخارج. قد يكون ذلك سوء نية لحصار المعارضة ~~والقضاء عليها، وقد يكون حسن ms057 نية كطريق إلى الوحدة الوطنية. # 54 # | سادسا: مرتكب الكبيرة # إن عرض الاحتمالات السابقة في العلاقات الثنائية أو الثلاثية لكل من المعرفة ~~والتصديق والإقرار والعمل في مقابل الاحتمال الرابع والأخير، يضع مسألة الفرق بين ~~الواقع والمثال؛ فالاحتمالات الأولى واقعة في حين أن الاحتمال الأخير، أي وحدة ~~الشعور في أبعاده الأربعة، مثال ممكن الوصول إليه. ويظل التقابل في الحالات ~~الممكنة الأولى بين النظر الذي يشمل المعرفة والتصديق والعمل الذي يشمل الإقرار ~~والفعل. فإذا ما حدث الفصم بين أيهما والشعور فإنه يحدث بين النظر والعمل، بين ~~الداخل والخارج، وليس بين بعدي النظر الداخلي، المعرفة والتصديق، أو بين بعدي ~~العمل الخارجي، الإقرار والفعل. الأول هو الخصم الرئيسي، في حين أن الثاني خصم ~~فرعي. ولما كان الواقع هو الأساس فإن الفصم بين الداخل والخارج هو الاحتمال السائد، ~~لدرجة أن الإيمان قد أطلق على الداخل دون الخارج، أي على النظر دون العمل، ~~باستثناء لحظات الضيق والشدة وأوقات الغضب والتمرد حيث يأتي العمل مكملا للنظر، ~~ويبدو النظر فارغا دون العمل، ويستصرخ الناس العمل ويدعون إليه. وهذه هي مسألة ~~مرتكب الكبيرة التي هي لب موضوع النظر والعمل. هل يمكن أن توجد معرفة وتصديق دون ~~إقرار وعمل؟ هل يمكن أن يوجد الداخل دون الخارج؟ هل يكون المؤمن مؤمنا لو كان لديه ~~النظر دون العمل؟ وهل يمكن أن يكون للإنسان عمل دون نظر؟ هل هذه هي التفرقة ~~المشهورة بين الإيمان الحي الذي يطابق فيه الإيمان العمل والإيمان الميت الذي هو ~~مجرد إيمان لا يتخارج منه عمل؟ الإيمان القادر والإيمان العاجز، الإيمان بالفعل ~~والإيمان بالقوة، الإيمان العملي والإيمان النظري؟ # ولكن ماذا تعني الكبيرة؟ تتراوح التعريفات للكبيرة بين تعريف عقائدي ديني، أي كل ~~ما دخل في العقاب وارتبط بالوعيد وله حد وتعريف أخلاقي، أي كل ما تم عقد العزم على ~~فعله وارتبط بالوعيد وله حد أخلاقي، أي كل ما تم عقد العزم عليه دون توبة؛ وتعريف ~~اجتماعي، أي كل ما أدى إلى المفاسد ومنع المصالح. الكبيرة هي كل ما دخل في الوعيد ms058 ~~أو كل ما تعرض إلى عقاب وقابله حد. وهذا التعريف عقائدي خالص لا يبدأ من تحليل ~~الفعل ذاته. ويلحق موضوع النظر والعمل بأمور المعاد. وإذا كانت الكبيرة كل معصية عن ~~عمد وإصرار دونما استغفار أو توبة، وبالتالي تكون الصغيرة هي الفعل الذي يتم ~~الاستغفار عنه والتوبة منه. وهذا التعريف يجعل الكبيرة ملحقة بنتائجها الأخلاقية في ~~الفرد، وليس بنتائجها الفعلية وأثرها على الجماعة؛ لذلك قد تكون الكبيرة هي كل درء ~~للمصالح وجلب للمفاسد؛ فالأفعال ليست فقط دينية شرعية أو أخلاقية فردية، بل هي ~~أفعال اجتماعية تؤثر في حياة الناس، إما بدرء المفاسد أو بجلب المصالح. ولكن، هل ~~الكبيرة والصغيرة اسمان إضافيان، كل منهما كبيرة أو صغيرة بالنسبة للأخرى؟ ~~وبالتالي هناك سلم للأفعال، أعلاها الكبيرة على الإطلاق، وأدناها الصغيرة على ~~الإطلاق؛ وبالتالي هناك درجات لدرء المفاسد وتحقيق المصالح. ولكن، هل هناك كبيرة ~~على الإطلاق وصغيرة على الإطلاق؟ وهل الكبيرة على الإطلاق فعل نظري مثل الكفر أو ~~فعل عملي؟ وما هي الصغيرة على الإطلاق؟ # 1 # وهل يمكن حد الكبائر والصغائر كما؟ وما هي الكبائر؟ هل هي أفعال ~~نظرية مثل الكفر والإلحاد، أو عملية مثل القتل والقذف والزنا والسرقة وشرب الخمر ~~والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين؟ إذا كان الكفر والإلحاد أفعالا ~~نظرية ترتبط بتصورات الفرد بالنسبة لحقوق الله، فإن باقي الأفعال عملية ترتبط ~~بمعاملات الفرد بالنسبة لحقوق الآخرين. الكبائر إذن هي التعدي على مقاصد الشريعة ~~وأصولها وضروراتها، مثل الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ليست الكبائر إذن مجرد ~~أفعال فردية خاصة، مثل المحافظة على العقل (تحريم شرب الخمر) أو العرض (تحريم ~~الزنا) أو المال (تحريم السرقة والربا)، بل هي الأفعال الفردية العامة، مثل البر ~~بالوالدين واحترام الآخرين (تحريم القذف)، ويأتي في القمة الصمود أمام الأعداء وعدم ~~الفرار من الزحف. # 2 # وليس المهم في الفعل القليل ذرا للرماد في العيون، بل الكثرة وعموم ~~البلوى؛ لذلك هناك حد أدنى للسرقة دون حد أعلى، فليست السرقة درهما أو درهمين، ~~بل مليون ومليونان، ومليار وملياران. ليست ms059 السرقة من الضعيف الذي يطبق عليه الحد، ~~بل من الشريف الذي يطبق الحد على غيره ويتركه على نفسه. # 3 # ليس المهم هو طهارة النفس في القليل وجشعها في الكثير، أو طهارة النفس ~~أمام الآخر في العلن وطمعها أمام الذات في السر. # 4 ~~(1) هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو كافر أو فاسق منافق؟ # والحقيقة أن هناك ثلاثة احتمالات؛ إما أن يكون مرتكب الكبيرة مؤمنا لا يؤثر ~~نقص العمل على النظر في إيمانه شيئا، أو كافرا ما دام عمله خرج عن إيمانه، أو ~~فاسقا ومنافقا؛ أي مؤمنا على مستوى النظر وكافرا على مستوى العمل؛ وبالتالي ~~فهو ليس مؤمنا ولا كافرا، أو هو مؤمن وكافر؛ وبالتالي تتراوح الحلول الثلاثة ~~بين طرفين ووسط، بين نقيضين ومحاولة للجمع بينهما. والتوسط بين الطرفين ليس ~~بدافع التوفيق، ولكنه موقف نظري أصيل نظرا للنقص النظري في الموقفين الأولين. ~~إن الموقف الثالث ليس خروجا على إجماع الأمة؛ فلم تكن الأمة مجمعة على رأي ~~واحد بدليل وجود رأين متعارضين. كانت الأمة منقسمة على نفسها؛ وبالتالي يكون ~~الرأي الثالث أقرب إلى توحيد الأمة منه إلى موقف الوسط بدافع من التلفيق ~~النظري . إن رفض الرأي الثالث هو رغبة في استمرار الشقاق في الأمة وتقاتل ~~الفريقين فيها؛ وبالتالي فهو رفض سياسي، إما من موقف مجتمع الغلبة والقهر الذي ~~يريد إخراج العمل من الإيمان حتى لا تحاكم السلطة على أفعالها، أو من مجتمع ~~الاضطهاد الذي يريد إدخال العمل في الإيمان من أجل محاكمة السلطة على أفعالها. ~~فإذا كان الرأي الأول يهدف إلى حصار المعارضة، وجعل أفعالها سياسية صرفة لا ~~شأن لها بالإيمان، فإن رأي المعارضة يهدف إلى إحياء إيمان الناس، واستنفار ~~أفعالهم كتعبير وحيد عن الإيمان، حتى تعبئ الأمة ضد السلطة الجائرة. الرأي ~~الثالث إذن ليس مجرد حدث تاريخي أو واقعة سجال، بل لها مدلولها النظري والعملي ~~بعيدا عن التوفيق الخارجي والسطحية المتميعة التي تهدف إلى إبقاء الوضع ~~القائم أكثر مما تهدف إلى تغييره. # 5 ~~(1-1) هل مرتكب الكبيرة مؤمن؟ # إذا أمكن فصل العمل عن ms060 الإيمان يكون مرتكب الكبيرة مؤمنا؛ فالكبيرة لا ~~تخرج الإنسان عن الإيمان ولا تدخله في الكفر. هو مؤمن بمعرفته وتصديقه ~~وإن كان فاسقا بعمله. ويصل الأمر إلى حد أنه لا فرق بين المؤمن بقلبه ~~والمؤمن بعمله. الفسق إذن أو العصيان هو انفصال العمل عن النظر، والقيام ~~بفعل معارض للأساس النظري، إما لضعف الوجدان أو لعدم تحول الفكر إلى ~~تجربة معيشة، وإما لأن الواقع كان أطغى وأقوى من الموقف الشعوري، فاق ~~الشعور ببواعث منه قائمة على الهوى أو المصلحة. ويمكن إدخال الزمن والفعل ~~لجعله مؤمنا وفاسقا، مؤمنا قبل الفعل وفاسقا بعد الفعل، مؤمنا نظرا ~~وفاسقا عملا، وكأن الفعل له مراحل، قبل التحقيق وبعد التحقيق، ويتغير ~~الحكم طبقا للمرحلة؛ # 6 # فالعمل يرجأ على الإيمان، قد يتحقق منه وقد لا يتحقق، وكأن ~~الإيمان موجود بذاته لا يحتاج في وجوده إلى غيره. لا يأتي الإرجاء من ~~الرجاء لأنه لا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة؛ لأن هذا يأس ~~للمؤمن وللكافر معا، وإيهام للمؤمن بأنه كذلك دون عمل، وإيهام للكافر أنه ~~كذلك حتى ولو كان له عمل. قد يعني الإرجاء تأجيل الحكم على الإنسان مؤمنا ~~أو كافرا إلى يوم القيامة، وفي هذه الحالة يكون الإرجاء عكس الوعيدية وعلى ~~النقيض منه، ولكنه يكون إحالة لموضوع النظر والعمل إلى موضوع المعاد؛ ~~وبالتالي إلغاء لمشكلة الفعل؛ أي ارتباط النظر بالعمل. إن تأجيل الحكم إلى ~~يوم القيامة يعني عدم التفتيش في ضمائر الناس، ولكن لا يعني إثبات الفصل ~~بين النظر والعمل، بين الإيمان والأعمال. إن الإرجاء تعطيل للوعيد وخرق ~~لقانون الاستحقاق. # 7 # وإن حجج الإرجاء يسهل الرد عليها بحجج مقابلة؛ فإذا كانت ~~الصلاة خارجة عن الإيمان فإن العمل الصالح ليس كذلك، وإذا كان من يفسد ~~صلاته لا يفسد إيمانه فإنه يلبس إيمانه بظلم، وإذا كان المؤمن اسما لله ~~وليس فعلا فإنه اسم يكون مقياسا لسلوك الإنسان وقدوة له، وإذا كان العمل ~~الصالح معطوفا على الإيمان فإن الإيمان بقدر ما يفيد التمايز يفيد الاقتران. # 8 # وإن فسق المؤمن ms061 فإنه لا يسمى فاسقا على الإطلاق كحكم عام، ~~ولكن يطلق عليه هذا الحكم في فعل واحد خاص، ويظل الإيمان هو الحكم ~~العام، القاعدة التي خرقها الاستثناء. # 9 # والعجيب هو أخذ هذا الموقف من اتجاهات مخالفة في التوحيد، ~~سواء كان التجسيم أو التشبيه أو التنزيه؛ مما يوحي بأن اعتبار مرتكب ~~الكبيرة مؤمنا ليس موقفا عقائديا بقدر ما هو موقف سياسي. # 10 # فإذا كان من السلطة عن سوء نية فإنه يهدف إلى تبرئة الحكام، ~~وعدم الحكم على أفعالهم، وحصر المعارضة، واعتبار أفعالها شغبا سياسيا، ~~صراعا على السلطة لا صلة لها بالإيمان؛ وإن كان من الفقهاء عن حسن نية ~~فإنه يهدف إلى توحيد الأمة بدل الاقتتال حرصا على وحدتها؛ # 11 # وبالتالي يصبح السؤال: هل يهدف هذا الموقف إلى تبرير أفعال ~~الحكام، أم أنه يعبر عن الرحمة في الدنيا من أجل إنقاذ عامة الناس؟ ومع ~~ذلك يظل الإشكال قائما: من الكافر إذن إذا لم يكن العمل جزءا من الإيمان ~~وكان الجميع مؤمنين؟ وماذا عن صاحب العمل الصالح وليس مؤمنا، لا عارفا ~~ولا مصدقا؟ إن الأمر أقل من العقائد، ولكنه في الوقت نفسه أكثر من اللغة، ~~مجرد أسماء اصطلاحية، ولكنه أقرب إلى الفعل الأخلاقي بالنسبة للفرد، أو ~~الجماعي بالنسبة للجماعة. يستعمل إما لتبرئة الحكام أو تجريح القادة، ~~لتثبيط الجماهير أو لتعبئتها. ويحدد ذلك الموقع من السلطة، سلطة النظام ~~القائم أو سلطة المعارضة. # 12 ~~(1-2) هل مرتكب الكبيرة كافر؟ # وعلى النقيض ممن جعل مرتكب الكبيرة مؤمنا، هل يمكن أن يكون كافرا؟ ~~فالكبيرة كفر ما دامت خروجا على النظر، وما دام العمل جزءا لا يتجزأ من ~~الإيمان. العمل جوهر الإيمان ومنتهاه، مادته وغايته. وإن الكبيرة ليست فقط ~~خروجا على النظر، بل قد تكون عملا معارضا له في جوهره، ليس فقط بسبب ~~سوء الفهم أو التطبيق كما هو الحال في الصغيرة. الكبيرة هي العمل المضاد ~~للنظر عن وعي ودراية وقصد وتعمد وسبق إصرار. ولا فرق في ذلك بين كبيرة ~~وصغيرة، ولا فرق بين مرات عديدة ومرة واحدة، ولا ms062 فرق بين معاص كثيرة أو واحدة. # 13 # وقد يزيد مرتكب الكبيرة من مجرد كافر إلى مشرك، وكأنه عابد ~~وثن! لهذا الحد بلغ تقديس العمل واعتباره جوهر الإيمان. يصل الأمر بارتكاب ~~الكبيرة إلى أن يكون شركا، ومع ذلك السماح بالصغيرة ألا تكون كفرا. وكأن ~~الزيادة في الكبيرة تؤدي إلى نقص في الصغيرة. والشرك مثل الكفر يوجب القتل، ~~كل ذنب كفر، وكل كفر شرك، وكل شرك يوجب القتل! كل شرك عبادة للشيطان؛ ~~لأن الشرك شركان؛ شرك عبادة للشيطان، وشرك عبادة للأوثان. والكفر كفران؛ ~~كفر بالنعمة، وكفر بالربوبية. وارتكاب الكبيرة شرك لأنه عبادة للشيطان، ~~وكفر لأنه كفر بالنعمة. ولا فرق في ذلك أيضا بين بالغ وطفل، فإذا قتل ~~البالغ قتل الطفل معه! ولو شرب رجل من جب به قطرة خمر لكفر! # 14 # وقد يكون الكفر كفرا بالنعم؛ أي أنه جحود عملي وليس كفرا ~~نظريا. هو إنكار عملي، وكأن الفعل إثبات عملي لقضية نظرية. وهو كفر ~~أقل حدة من الكفر والشرك الذي يطغى فيه العمل على النظر، فيضيع النظر ~~بضياع العمل. وتخف حدة الوعيدية قليلا، فلا يعلم هل يعذب مرتكب ~~الكبيرة في النار أم لا، وإن عذب فإنه يعذب في غير النار، ولا يخلد ~~فيها ، وإن أتى الكبيرة غير مصر فإنه يكون مسلما، أما لو ارتكب الصغيرة ~~وهو مصر فهو مشرك. وفي هذه الحالة لا يكفر المخالفون، تحل ذبائحهم ~~ومناكحتهم وموارثتهم. مرتكب الكبيرة إذن ليس مؤمنا ولا كافرا على ~~الإطلاق، بل في فعل معين وموقف خاص، وهو ارتكاب الكبيرة. قد يظل ~~موحدا، ولكنه غير مؤمن. هو موحد من حيث المعرفة، ولكنه غير مؤمن من حيث السلوك. # 15 # النفاق إذن هو انفصال العمل عن النظر، وهو عكس التوحيد؛ أي تطابق النظر ~~مع العمل. مرتكب الكبيرة إذن مؤمن وكافر في آن واحد، مشترك بين الإيمان ~~والكفر، لا مؤمن على الإطلاق ولا كافر على الإطلاق. # 16 # وقد يتحدد الكفر شرعا فقط لأنه حكم شرعي؛ فما كان فيه من ~~المعاصي حد فليس فاعله كافرا، بل يكون سارقا أو ms063 زانيا أو شاربا للخمر، ~~أما ما لم يكن فيها حد فيكون صاحبها كافرا. # 17 # وتورد حجج نقلية عديدة لإثبات أن مرتكب الكبيرة كافر، كلها ~~تفيد معنى واحدا، وهو أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ~~وأن الكافر يجزى على أعماله، وأنه يعذب يوم القيامة في النار، وأن الكفر ~~يعود على النفس وليس على الله، وأنه روح اليأس وأفعال النفاق وترك الصلاة، ~~وأن الله يغفر كل شيء إلا الشرك به لأنه كفر ... إلخ، والولاية والعداوة لله ~~ضدان لا وسط بينهما، فكذلك الإيمان والكفر. وهناك حجج نقلية عقلية عديدة، ~~منها قصة إبليس الذي كان عارفا بالله مطيعا له غير آبه بارتكاب ~~الكبيرة، وهي امتناعه عن السجود لآدم، فاستوجب اللعن والتكفير والتخليد في ~~النار. كما أن هناك حججا عقلية خالصة، منها أن الكافر سمي كذلك لأنه ترك ~~الواجبات وأقدم على المقبحات، والفاسق كذلك، فيجب أن يكون كافرا. # 18 # فإذا كان اعتبار مرتكب الكبيرة كافرا موقف المعارضة واختيار مجتمع ~~الاضطهاد، فإن الاختيار المضاد، وهو تبرئة مرتكب الكبيرة من الكفر، هو موقف ~~السلطة واختيار مجتمع القهر والغلبة. ومع ذلك فرغبة في إظهار التشدد في ~~تطبيق الدين مزايدة على إيمان العوام تكفر السلطة من يرتكب المعاصي عمدا ~~وإصرارا ، وتطبق عليه الحد بما في ذلك حد القتل؛ درءا عن نفسها تهم ~~انفصام العمل عن النظر. للسلطة إذن موقفان؛ الأول: متراخ بغية الدفاع عن ~~شرعية الحاكم، حتى ولو كانت أعماله مخالفة للإيمان، وفي الوقت نفسه حصار ~~المعارضة باعتبار أن أفعالها سياسية صرفة تدخل السياسة في الدين، ولا دين ~~في السياسة ولا سياسة في الدين. والثاني: متشدد للظهور أمام العامة بمظهر ~~المطبق لأحكام الشرع، والمنفذ لحدود الله في الكبائر التعبدية، مثل شرب ~~الخمر والزنا والسرقة، وهي الحدود التي تهدف إلى الردع من أجل الحفاظ على ~~النظام القائم. # 19 # وقد يكون للمعارضة أيضا موقفان؛ الأول: متشدد في مقابل ~~السلطة وتكفير مرتكب الكبيرة؛ أي الحاكم اللاشرعي المغتصب. والثاني: لين ~~بغية الحفاظ على وحدة الأمة. # 20 # والحقيقة أنه لا ms064 يوجد حكم واحد لمرتكب الكبيرة، بل تتعدد الأحكام طبقا ~~للمواقف السياسية وللموقع في السلطة. وإن الحجج النقلية أو العقلية والحجج ~~المضادة كلها قراءات في النص وإسقاط من الموقع عليه، سواء الموقع من السلطة ~~أو الموقع من المعارضة. إن التكفير سلاح مزدوج بين السلطة وخصومها، لعنة ~~قديمة ما زالت تلقى، بالإضافة إلى أنها ادعاء باطل فكريا، سلاح تستعمله ~~السلطة ضد معارضيها، وتشهره على خصومها، خاصة إذا كانت السلطة غير ~~شرعية، في حين أن الخلاف في الفهم والتعارض في الفكر خصب ونماء، ونتيجة ~~لأعمال الحرية والاجتهاد، وتوفي مناخ للجدة والابتكار، وإلزام الأفراد ~~بقضايا الجماعة ومشاكل الأمة. كما أن أحكام التكفير على مختلف درجاتها لا ~~يمكن لأي إنسان أن يصدرها؛ لأنه يخرج بها عن نطاق حدوده كإنسان. كل ~~الأحكام الخاصة بالكفر والإيمان والشرك والفسوق والعصيان لا يمكن لأحد أن ~~يصدرها إذا كان الهدف منها توقيع الجزاء ثوابا أم عقابا في نهاية ~~الزمان؛ لأن الإنسان ليس حاضرا هناك. وأي إنسان يستطيع ذلك؟ لا يمكن ~~لإنسان إصدار حكم على آخر قائلا «هذا كافر»، «هذا فاسق»؛ لأنها أحكام ~~تخرج عن نطاق الوضع الإنساني. ~~(1-3) هل مرتكب الكبيرة فاسق ومنافق؟ # إن لم يكن مرتكب الكبيرة مؤمنا أو كافرا، أو مؤمنا نظرا وكافرا ~~عملا، فإنه يكون فاسقا؛ فالإيمان لغويا لا يعني فقط التصديق، بل يضم ~~أيضا العمل؛ فالأعمال جزء من الإيمان. والفسوق لغة يعني الخروج، وارتكاب ~~الكبيرة خروج العمل على النظر؛ وبالتالي يكون فسوقا لا يخرج عن الإيمان ~~ولا يدخل في الكفر، منزلة بين المنزلتين. والله سمى إيمانا ما لم يكن في ~~اللغة إيمانا؛ وبالتالي لا يمكن استبعاد مرتكب الكبيرة عن الإيمان. ومع ~~ذلك إذا كان اسم الإيمان يستوجب المدح والثناء، فإن مرتكب الكبيرة لا ~~يستحقه؛ وبالتالي لا يمكن تسميته مؤمنا. أما ارتكاب الصغائر فإنه لا يخرج ~~عن الإيمان. يتدخل إذن كم الفعل في الحكم عليه بأنه قد خرج عن النظر أم لم ~~يخرج؛ فالأفعال كيف وكم، وتدل على بناء الشعور ودرجة تمثله للوجدان ~~والفكر. ولا يقال عن ms065 مرتكب الكبيرة في فاسق على الإطلاق، بل فاسق في موقف ~~معين على الخصوص في فعل معين. إن خروج العمل على النظر يضع الإنسان في ~~عملية متصلة؛ فالخروج يعني الدخول؛ ومن ثم يتحدد الإنسان بالصيرورة لا ~~بالوجود، وبالفعل لا بالصفة، كما هو الحال في الوحي في وصف الإيمان كفعل لا ~~كاسم. وما دام الفاسق لا يخرج عن الإيمان فإنه لا يخرج عن الأمة، تحل ~~مناكحته وموارثته. وارتكاب الكبيرة يستوجب التوبة؛ فإن لم يتب مرتكب ~~الكبيرة ومات عليها فإنه يستوجب العذاب والخلود في النار؛ فصلة النظر ~~بالعمل هي التي تحدد الوضع في المعاد. # 21 # إن الكفر لا يكون في العمل، بل في النظر؛ فإذا كان الكفر يعني ~~الستر والتغطية فإنه يكون ضد كشف الحقائق النظرية ووضوحها. أما عدم تطابق ~~العمل مع النظر فإنه فسوق، أي خروج، وأحيانا يجمع بين الاثنين، ويكون ~~الفسوق هو الخروج عن النظر وعلى العمل على السواء؛ فالإيمان اجتناب الكبيرة ~~فحسب، والأقوال والأفعال ليست من الإيمان، وأفعال الفعل والشرك كلاهما ~~طاعة؛ لذلك لا يسبى العاصي لأنه يعرف الله إن كان قد جحده وعصاه. معرفة ~~الله إذن خصلة بين الإيمان والشرك. # 22 # والدليل على ذلك أن الفاسق شرعا ليس مؤمنا ولا كافرا بإجماع ~~الأمة، يقام عليه الحد ولا يقتل، ولا يحكم بردته، ويدفن في مقابر ~~المسلمين. فسقه معلوم، ولكن إيمانه مختلف فيه، وطبقا لعلم الأصول يؤخذ ~~المتفق عليه ويترك المختلف فيه. # 23 # والحقيقة أن القول بالوسطية لا يعني أي تنازل عن الفعل أو عن ~~الإيمان؛ فمن الناحية العملية الفاسق أشر من الزنديق والمجوس، وخطره أعظم. # 24 # وقد يكون مرتكب الكبيرة منافقا. والفرق بين الفسوق والنفاق ليس كبيرا. ~~الفسوق يتعلق بالفصم بين العمل والنظر، بين المعرفة والفعل، في حين أن ~~النفاق قد يتعلق أيضا بالفصام بين القول والعمل. النفاق كفر مضمر، في ~~حين أن الفسوق كفر علني. وقد يكون النفاق أشر من الكفر؛ لأنه إظهار المرء ~~غير ما يبطن، في حين أن الكفر صريح. النفاق فصام بين الداخل والخارج، في ~~حين ms066 أن الكفر اتفاق الداخل مع الخارج. يتعلق النفاق أيضا بغياب التصديق، ~~في حين أن الفسوق يتضمن خروج الفعل فحسب، وإن بقيت المعرفة والتصديق، وإن ~~بقي الإقرار. النفاق إذن أعم من الفسق وأخطر، والفسوق حالة منه؛ فكل فسق ~~نفاق، وكل نفاق كفر؛ وبالتالي يكون كل فسق كفرا. الفاسق يستحق الذم ~~واللعن، وكذلك المنافق. وإن ارتكاب الفاسق الكبيرة يثبت أن في اعتقاده ~~ضلالة، وكذلك المنافق. وكثير من الآيات في أصل الوحي تؤيد ذلك. # 25 # ويشارك في ذلك فكر السلطة كنوع من الوسطية ضد فكر المعارضة ~~الذي يحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر. # 26 # ومع ذلك قد يظهر التعارض بين الفسق والنفاق؛ لأن الفسق إظهار، ~~والنفاق كتمان. ولما كان مرتكب الكبيرة أقرب إلى العلن والإظهار فإنه لا ~~يكون منافقا. # 27 # والحقيقة أن إثبات المنزلة بين المنزلتين إنما يجد مبررا له في صعوبة ~~قبول الموقفين الأولين، وهو اعتبار مرتكب الكبيرة مؤمنا أو كافرا. ونظرا ~~لبساطة هذا الموقف الثالث فإن أية محاولة لتنظيره تكون إضافية مجانية ~~زائدة. وقد تكون مسألة شرعية لا مجال لتنظير العقل فيها، ومع ذلك فإنه ~~يمكن على الأقل تعقيلها وتحديد مستوى معرفتها؛ فهي مسألة ليست مرتبطة ~~بالثواب والعقاب والإحباط والتكفير، حتى لا تكون أدخل في أمور المعاد، ~~وليست مسألة متعلقة بالأحكام الشرعية وحدها؛ لأنها تتعلق بأمور الدنيا ~~وبسلوك الأفراد، كما أنها لا تتعلق بموضوع المدح والذم؛ لأن الأحكام ~~الخلقية هو فعل إنساني، وما دام فعلا إنسانيا فإنه فعل حر يتراوح بين ~~العظمة والإقلال، بين عظم الثواب وقليله إن كان طاعة، وعظم العقاب وقليله ~~إن كان معصية. فالمنزلة بين المنزلتين تعبير عن حرية الفعل نظرا لوجود ~~الفعل بين قطبين؛ الثواب والعقاب، أو الطاعة والمعصية. # 28 ~~(2) هل الإيمان يزيد وينقض؟ # لما كانت الأعمال مقترنة بالإيمان، وكان العمل لا ينفصل عن النظر، ظهر سؤال ~~ثان عن الإيمان: هل يزيد وينقص؟ هل هو كل أم بعض؟ هل يتفاضل فيه الناس؟ فإذا ~~كان أبعاد الشعور الأربعة، المعرفة والتصديق والإقرار والعمل، قد وضعت مسألة ~~وحدة الشعور من حيث ms067 الكم، فإن سؤال الزيادة والنقصان في الإيمان يضع الشعور من ~~حيث الكيف، ولو أن اللغة هي لغة الكم. وقد ركز القدماء على الشعور الكمي ~~بأبعاده الأربعة أكثر مما ركزوا على الشعور الكيفي بأسئلته الثلاثة: هل ~~الإيمان يزيد وينقص؛ أي هل له أجزاء، أي خصال يمكن تجزئتها، أم أن الإيمان كل ~~واحد لا يتجزأ؟ هل الإيمان يتفاضل فيه الناس كما تتفاوت مراتبه عند الشخص ~~الواحد؟ هل تأتي قوة الإيمان وضعفه من الإيمان أم من البواعث والغايات؟ هل هناك ~~فروق فردية طبيعية أو مكتسبة، جبلية أم تربوية، وراء التفاوت في الإيمان ~~والأعمال؟ وفي أي مظهر من الإيمان يقع التفاوت في المعرفة أو التصديق أو ~~الإقرار أو العمل؟ وهل يؤدي التفاوت في المعارف إلى تفاوت في الأعمال؟ هل يؤدي ~~التفاضل في التصديق إلى تفاضل في الأعمال؟ هل هناك تفاضل في الإقرار مثل تفاضل ~~المعرفة والتصديق؟ وكل هذا الأسئلة التي تثار في الإيمان تثار أيضا في ~~الكفر، وكأن المسألة ليست في الإيمان أو الكفر، بل في الشعور ذاته يوجبه ~~الإيمان والكفر، الإيجاب والسلب. # والخلاف ليس لفظيا فقط، وإن كان يمكن ضبطه عن طريق تحليل اللغة، ولكنه ناتج ~~عن اختيار مسبق لأحد الاحتمالات المتعلقة بأبعاد الشعور؛ فإنكار الزيادة ~~والنقصان في الإيمان نتيجة التوحيد بين الإيمان والأعمال، في حين أن إثبات ~~الزيادة والنقصان في الإيمان نتيجة لاعتبار الأعمال زائدة عن الإيمان ومنفصلة ~~عنه. وإنكار التبعض في الإيمان هو أيضا نتيجة للتوحيد بين الإيمان والعمل، في ~~حين أن إثباته يكون نتيجة للفصل بينهما. وإن جعل الإيمان هو المعرفة أو التصديق ~~أو الإقرار ينكر الزيادة أو النقصان في الإيمان؛ لأن الأعمال ليست منه. ~~فالمعرفة بالذهان، والتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، مرة واحدة وإلى الأبد، ~~لا زيادة في كل منهما ولا نقصان. # 29 # فالقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص إنما يعني بالإيمان التصديق بالقلب الذي ~~أصبح عنوانا للمعرفة والإقرار دون الأعمال؛ فالتصديق لا يقع فيه زيادة أو نقص، ~~كما أن ليس به كل أو جميع؛ أي إنه لا يتبعض، ms068 ولا يتفاضل فيه الناس أو ~~الملائكة؛ فإيمان الناس مثل إيمان الملائكة والمقربين والأنبياء وأهل الجنة، ~~مساواة مطلقة بين الجميع. لا تزيد الأعمال من الإيمان ولا ينقص غيابه منه، ~~وكأن العمل لا يقوي الإيمان، وكأن الممارسة لا تزيد من أحكام النظر. قد تتزايد ~~الأعمال في نفسها، ولكنها لا تزيد ولا تنقص من الإيمان شيئا. # 30 # ولا يثبت الإيمان، ولا تتنوع خصاله، فهو خصلة واحدة أو الخصل ~~جميعا. أما الأعمال فهي التي تتجزأ وتتبعض. وكذلك لا يتفاضل الإيمان من فرد ~~لآخر وإن تفاضلت الأعمال. # 31 # والحقيقة أن هذا الموقف يقوم أساسا على إخراج العمل من الإيمان ~~حتى يلغى التمايز في السلوك بين الأفراد؛ وبالتالي لا يختلف الحاكم عن المحكوم ~~في الإيمان؛ فالكل مصدق وإن اختلفت الأعمال؛ وبالتالي لا مجال للمعارضة ~~السياسية، سواء معارضة أعمال الحاكم أو تقديم أعمال المعارضة كبديل عنها. وكيف ~~يكون الشعور درجة واحدة من الكيف، شعور أم لا شعور، إيمان أو لا إيمان، تصديق ~~أو لا تصديق؟ ألا يختلف الشعور أيضا في الغموض والوضوح، والنوم واليقظة، ~~والسطحية والعمق؟ وكيف يمكن تفسير اختلاف الأعمال والمعارف بين الناس؟ وكيف يتم ~~التفاضل بينهم والأعمال إنما هي تعبير عن درجة الإيمان؟ إن جعل الإيمان هو عمل ~~القلب هو تأسيس لعلم التوحيد على التصوف؛ مما سهل بعد ذلك التوحيد بين ~~العلمين في العقائد المتأخرة. إن لم يكن الإيمان يزيد وينقص، يتجزأ ويتبعض، ~~فإنه مع ذلك كيف يشتد ويضعف ككل باعث. وترتبط الشدة والضعف بدرجة الوعي ~~النظري بالوحي، وبمقدار الالتحام بالواقع، والاستعداد الطبيعي للعمل والتضحية. ~~الشدة والضعف يشيران إلى درجة الوعي الثوري عند الفرد. وإذا كان مضمون الإيمان ~~هو الوحي، فلا بد أن يكون الوحي نظرا أو فكرا مرتبطا بالواقع ومصدرا له من ~~أجل تغييره، وكأن مضمون الإيمان هو النظرة العلمية للواقع. مضمون الإيمان هو ~~الفكر المصور للواقع، والواقع المحقق للفكر. مضمون الإيمان هو تغيير الواقع ~~وتطويره، وتحقيق الوحي كنظام للعالم. # وإذا ثبت أن الإيمان يزيد وينقص فلا معنى لإيجاد حلول وسط بأن يزيد الإيمان ms069 ~~ولا ينقص، أو ينقص الإيمان ولا يزيد؛ فالزيادة تتضمن النقص، والنقص يتضمن ~~الزيادة. إذا كان الإيمان يزيد بالأعمال فإنه ينقص بغيابها، وإذا كان الإيمان ~~ينقص بغياب الأعمال فإنه يزيد بوجودها. # 32 # ما دامت هناك طاعات ونوافل ودرجات في الأعمال فلا بد أن تكون هناك ~~درجات في الإيمان؛ وبالتالي الزيادة والنقص فيه. في المعرفة زيادة ونقص بسبب ~~الإجمال والتفصيل، وفي التصديق زيادة ونقصان بسبب الشدة والضعف، وفي الإقرار ~~زيادة ونقص لأن في القول طولا واختصارا. ويختلف ذلك في حياة الفرد نفسه من ~~لحظة وأخرى، وفي حياة الإنسان من فرد إلى آخر، بل وفي حياة الجماعة من مجتمع ~~إلى آخر، وفي حياة البشرية من طور إلى آخر. وكذلك يتبعض الإيمان، وكل خصلة من ~~الإيمان بعض الإيمان. ويتفاضل الإيمان في حياة الفرد وبين الأفراد وبين ~~الجماعات والأمم. إن إثبات الإيمان بإخراج الأعمال منه هو اختيار السلطة، يهدف ~~إلى تثبيت النظام القائم، في حين أن حركة الإيمان بإدخال الأعمال فيه إنما هو ~~اختيار المعارضة لتغيير النظام إلى ما هو أفضل. # 33 # | سابعا: خاتمة: الواقع التاريخي بين الإثبات والتغيير # إن كل مسائل النظر والعمل وأبعاد الشعور الأربعة، المعرفة والتصديق والإقرار ~~والعمل، إنما هي في النهاية تنظير لواقع تاريخي قديم، ظل ينقل من البيئة القديمة ~~على البيئة الحالية بالرغم من اختلاف الظروف، لدرجة أن الإطار النظري القديم ~~والاختيارات القديمة أصبحت هي نفسها علم العقائد. ولما كان علم العقائد علما ~~إلهيا مقدسا أصبح التغيير فيه أو إعادة الاختيار بين البدائل معدوما تقريبا، ~~في حين أن كل موضوعات النظر والعمل إنما هي في الحقيقة الصورة النظرية للواقع ~~التاريخي القديم، وأكبر دليل على أن علم العقائد نشأ في واقع تاريخي معين، وليس ~~علما خارج الزمان والمكان، بل إن هذا الواقع هو الواقع السياسي بالضرورة، وكأن ~~الأولوية في الواقع للسياسة، وكأن علم أصول الدين هو بالأصالة علم سياسي، أو ~~بالأحرى علم نظر السياسة، تحول فيها الدين إلى «أيديولوجيا» سياسية، وأصبحت عقائد ~~الفرق تنظيرا للواقع السياسي، وأصبحت عقائد كل فرقة تعبر ms070 عن موقعها واختيارها ~~السياسي. ولما كان الموقع والاختيار يتحددان باستمرار ابتداء من السلطة السياسية، ~~أصبحت عقائد الفرق تنظيرات للسلطة لتثبيتها أو لتغييرها، عقائد سلطة أو عقائد ~~معارضة؛ لذلك ارتبط الموضوع كله بالإمامة؛ فقد كان الأمر يتعلق بإيمان وكفر الإمام، ~~أو إيمان وكفر معارضيه، وليس بسطاء الناس، ثم تحول من صراع على السلطة إلى خلاف ~~فقهي عام حول مرتكب الكبيرة وأنواع الكبائر؛ فالسياسة أصل العقائد. ~~(1) الواقع التاريخي الثابت # والواقع التاريخي الثابت هو الواقع القديم الذي يشمل الحوادث التاريخية ~~السابقة التي وقعت وارتبطت بأسمائها وأشخاصها وظروفها وبيئتها، والتي ما زالت ~~تنقل حتى الآن وكأنها جزء من العقائد النظرية، وليست مجرد حوادث تاريخية كانت ~~وراء نشأة علم العقائد. وأصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل التفرقة بين ~~العقائد والتاريخ، بين الأسماء والأحكام، أي النظر والعمل، وبين الإمامة ~~كحادثة تاريخية. وهناك ثلاث حوادث رئيسية تكمن وراء موضوع النظر والعمل ومرتكب ~~الكبيرة وحكمه بين الإيمان والكفر والفسوق، وهي: إمامة عثمان، وحروب علي، ~~والتحكيم. وواضح من عناوينها أنها مرتبطة بالأشخاص، بأسماء معينة، وليست مسألة ~~نظرية خالصة باستثناء التحكيم. ~~(1-1) إمامة عثمان # لما كانت أحكام مرتكب الكبيرة تتراوح بين الإيمان والكفر والفسوق، فإن ~~الخلاف حول إمامة عثمان وأفعاله جعلها أول واقعة تاريخية تثير هذا التمايز ~~في الأحكام؛ فقد كان هناك خلاف على أعماله مثل ضرب أتقياء الصحابة، ومنعه ~~العطاء عنهم، ونفي البعض، واستدعاء بعض المنفيين، وعدم تطبيق حد القتل، ~~وتولية أقاربه وجزل العطاء لهم، وجمع القرآن وحرق باقي المصاحف، وحمى ~~الحمى، وإتمام الصلاة بمنى، وارتقاء منبر الرسول، وعدم حضور بدر، وتأخره ~~عن بيعة الرضوان ... إلخ. وهي أفعال توجب النصح للحكام والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر من فقهاء الأمة وعلمائها، أخطاء في العمل السياسي تغليبا ~~للهوى على المصلحة، وترجيحا للمصلحة الخاصة على المصلحة العامة. # 1 # ثم تظهر الاختيارات الثلاثة: الإيمان والكفر والفسوق. فالإمام ~~مؤمن، وقد كان مصيبا في أفعاله، ثم قتل مظلوما، واعتبر قتله فسقا. ~~وأما القعود عن نصرته والدفاع عنه إن كان بأمر الإمام حقنا للدماء ms071 ودرءا ~~للفتنة فلا حرج، وإن كان نهى الإمام عن نصرته فهم معذورون، وإن كان إعانة ~~للمهاجمين فهو فسق مثل الهجوم عليه وقتله. إن الدليل على براءة الإمام ~~ليس تبشيره بالجنة، فالجنة نتيجة لقانون الاستحقاق، والجزاء على الأعمال، ~~وليس نتيجة الدعوات له، دعوة أو أكثر، أو لأنه زوج ابنة النبي، بل تطبيقا ~~للحكم على أفعاله. فالولاية والعداوة لقاتليه ولكل من أكفره. وهو بهذا ~~المعنى إمام مثل الإمامين السابقين عليه. # 2 # ويصعب أن يكون كافرا إلا عند اعتبار الكبيرة كفرا، بل إن ~~كفره يمتد إلى بيعته منذ قبولها، وليس فقط إلى أفعاله بعد الولاية. # 3 # وقد يكون الاختيار الثالث محاولة لإثبات الإيمان النظري ~~والخروج العملي، أو عن طريق تطوره في الزمان، وتغيره في إيمان السنوات ~~الأولى إلى كفر السنوات الأخيرة. # 4 # ونظرا لأن الأحكام الثلاثة غير كافية نظريا فقد تتم تبرئة ~~كل من الفريقين؛ إذ يصعب معرفة أيهما ظالم وأيهما مظلوم. وقد تتم إدانة ~~كل من الفريقين، فأحدهما فاسق دون تعيينه. # 5 # وفي مقابل إدانة الفريقين والحكم عليهما بالفسق، من جهة الإمام ~~لأن أعماله توجب الفسق، ومن جهة قاتليه لأن الفسق لا يوجب القتل، يتم ~~التوقف عن الحكم كلية لا بالإيمان ولا بالكفر ولا بالفسوق لكلا الفريقين ~~أو لأحدهما دون الآخر. # 6 # وتخلصا من المأزق قد يتم إنكار الواقعة ذاتها التي تقلق ~~الوجدان وتحير النظر ويصعب معها الحكم؛ وبالتالي يتم إنكار حصار الإمام ~~وقتله بالغلبة والقهر، إنما قتل الإمام شرذمة قليلة على غرة من غير ~~حصار؛ وبالتالي التخفيف من الواقعة، وتحويلها من واقعة سياسية تتشابك فيها ~~الشرعية إلى واقعة قتل عادية يطبق فيها حد القصاص. # 7 # والحقيقة أن الغرض ليس إصدارا للأحكام على التاريخ، بل تحليل ~~التاريخ بقصد التعرف على طبيعة الموقف السياسي، ورؤية العوامل التي ساهمت ~~في صنع القرار؛ فالنظرية السياسية العلمية هي التي يمكن عن طريقها فهم ~~المواقف السياسية في التاريخ. ليست القضية الواقعة التاريخية، بل أسسها ~~النظرية؛ فليست القضية إنكار حصار الإمام وقتله بالغلبة والقهر أو إثباته، ~~بل الدافع ms072 والأساس النظري؛ فسبيل التحقق من الوقائع التاريخية هو الخبر ~~المتواتر، وليس علم العقائد. ~~(1-2) حروب علي (الجمل وصفين) # وبعد قتل الإمام بدأ الخلاف حول الإمامة لحد الاقتتال بالسيف بين أنصار ~~الإمام الجديد وأتباع الإمام المقتول، وبدل أن تخف الواقعة الأولى زادت ~~تعقيدا بالواقعة الثانية. # 8 # وتظهر الأحكام الثلاثة على الواقعة الجديدة، وهي الإيمان ~~والكفر والفسوق؛ فالإمام الجديد مصيب في حروبه، في وقعتي الجمل وصفين، ~~ومحاربوه مخطئون. ويتراوح خطأ قاتليه بين الفكر والفسوق والبغي والخطأ، ~~وذلك يستوجب التوبة والرجوع إلى الحق والتسليم له. وتظل الإمامة للإمام ~~الجديد دون منازعيه على الإمامة ومقاتليه عليها. # وقد يتلمس لمقاتلي الإمام الجديد العذر بأنه أخطأ في التحليل وإن كان ~~على نية طيبة؛ فالقصد هو الصلاح، وليس الأمر إيمانا أو كفرا أو فسوقا ~~بقدر ما هو خطأ في الاجتهاد. وهو أمر فرعي وليس أمرا أصوليا، موضوع ~~فقهي وليس موضوعا عقائديا. # 9 # لكن قد يتم تكفير كل من قاتل الإمام الشرعي الجديد، وتكفير كل ~~من خالفه، سواء كان الكفر خالصا أو شركا، مغفورا أو غير مغفور. # 10 # وبعد تكفير المخالفين يتم الرجوع إلى الوراء تدريجيا حتى ~~يتم تكفير كل الأئمة السابقين، بل قد يبلغ الأمر تكفير الإمام نفسه إن لم ~~يحارب مخالفيه، ويكون مرتدا عن الدين! # 11 # وقد يكون الإمام الجديد قد أخطأ نسبيا أو كليا؛ فهو وإن كان قد أصاب ~~في قتال مخالفيه إلا أنه أخطأ أنصاره الخارجين عليه، وكان يمكنه أن يكون ~~أكثر رفقا بهم، ولكن بوجه عام كانت الحرب مفروضة عليه. # 12 # أما قلب الآية وتخطئة الإمام الجديد وتصويب مقاتليه فيصعب ~~فهمه. وإن طلب القصاص من قتلة الإمام السابق هو تحويل للقضية العامة إلى ~~قضية خاصة، ورد مصلحة الأمة إلى مجرد قصاص. والحقيقة أن تخطئة الإمام ~~الجديد إنما كان مطمعا في السلطة مع أخذ القصاص من قتلة الإمام السابق ~~ذريعة وستارا، وهو ما عرف في التاريخ باسم «قميص عثمان»، وفي وقت الفتنة ~~والشقاق، كأن موضوع القصاص أخف وطأة من وحدة الأمة. ولما كان القصاص ms073 يتم ~~بالإمام فإن قوة الإمام ووحدة الأمة وراءه تكون دافعا لتنفيذ الحد، وإلا ~~كان الإمام أضعف من خصومه، وكان خصومه أقوى منه. # 13 # أما الاختيار الثالث، وهو القول بفسق مرتكب الكبيرة، فإنه ~~احتمال نظري أيضا، وليس خروجا على الإجماع؛ لأنه لم ينعقد إجماع على ~~مرتكب الكبيرة والواقع التاريخي، وكانت الأمة منقسمة إلى قسمين، ومختلفة في ~~حكمين، الإيمان والكفر. # 14 # ففي النزاع بين الإمام وخصومه أحدهما، دون تحديد أيهما، فاسق. ~~والحقيقة أن هذه حيطة تجعل الإمام الشرعي وخصومه الذين ينازعونه الشرعية ~~على المستوى نفسه، كما أنها تجعل الإمام الشرعي موضع احتمال في الفسق، كما ~~أن عدم التعيين هو موقف نظري صرف وليس موقفا عمليا، وكأن السياسة علم ~~رياضي لا يتطلب موقفا أو حكما. ولما تلاعن الفريقان وأقسم أحدهما على ~~تكذيب الآخر لا بد أن تسقط شهادتهما؛ فإذا لم يكن الحل الوسط رياضيا، ~~وكان أقرب إلى هذا الطرف أو ذاك، فيمكن أن تصح توبة خصوم الإمام لأنهم من ~~أهل بدر؛ أي ذنوبهم مغفورة نظرا لقتالهم من أجل نصرة الحق أولا، فكان ~~جزاؤهم الجنة. كما أنه لا يصح ذم الصحابة أو ذكرهم بسوء. وقد يمتد الأمر ~~إلى جعل الجميع مغفوري الذنوب مقبولي التوبة بما فيهم الإمام؛ وبالتالي ~~يوضع الإمام من جديد على المستوى نفسه مع خصومه؛ لذلك يمكن تولي كل فريق ~~على انفراد دون ضرب أحدهما بالآخر، إيقادا لنار الفتنة، وضربا للمؤمنين ~~بعضهم بالبعض الآخر. # 15 # ويمكن التمييز بين النيات، فإن كانت الحرب للسلطة والسياق ~~عليها فصاحبها فاسق، وإن كانت بغية المصالحة بين المؤمنين فصاحبها على حق. # 16 # ويمكن التوقف مع عدم البراءة من الإمام الشرعي، والبراءة من خصومه. # 17 # وقد يكفر الجميع يأسا من الوصول، وزهقا من البحث عن حق ~~تسيل منه الدماء، وتتطاير فيه الرقاب. # 18 # وفي مقابل ذلك قد يصوب الجميع، سواء كان زهقا من التكفير ~~وحقنا للدماء بصرف النظر عن عدم الاكتفاء النظري، أو كان عن اجتهاد؛ ~~فللمخطئ أجر، وللمصيب أجران. والإمام اجتهد وأصاب، ومقاتلوه اجتهدوا ~~وأخطئوا. وهذا يفترض ms074 حسن النية عند الإمام بخصومه، ويستبعد نزاع الخصوم على ~~السلطة ورغبتهم في انتزاعها منه. # 19 # وقد يكون المصيب هو القاعد عن الفتنة والمنعزل عن الفريقين ~~المتخاصمين، حقنا للدماء وإطفاء للنار، بالرغم مما في ذلك من تقاعس عن ~~نصرة الحق وعدم مقاومة الباطل. # 20 # وقد يسلم القادة ويهلك الأتباع؛ وذلك لأن القادة مجتهدون في ~~الرأي ومسئولون عن أفعالهم، في حين أن الأتباع مقلدون لم يعملوا الرأي ~~ولم يجتهدوا، بالإضافة إلى أنهم أعملوا سيوفهم في رقاب المسلمين. # 21 # وحلا للأمر كله بما في ذلك التوقف عن الحكم، قد تنكر ~~الواقعة التاريخية كلها كما أنكر من قبل مقتل الإمام السابق، أو ~~استبشاعا للأمر. # 22 # إن كل هذه الحلول الوسط تمحي التقابل بين الحق والباطل، وتضع ~~الاثنين على نفس المستوى. إن كان يبغي المصالحة العامة فهو حق دون استسلام ~~للباطل، وإن كان يبغي تقوية الباطل وإضعاف الحق فهو أقرب إلى الباطل منه ~~إلى الحق، ونصرة لخصوم الإمام على الإمام. # 23 ~~(1-3) التحكيم # وبعد مقتل الإمام السابق وحروب الإمام اللاحق، وإنهاك القوى، وضياع وحدة ~~الأمة في فتنة اختلط فيها الحق بالباطل، كان من الطبيعي أن يحدث التحكيم؛ # 24 # فالتحكيم هو الحدث التاريخي الثالث الذي تظهر فيه الأحكام ~~الثلاثة بالإيمان أو الكفر أو الفسوق. فالتحكيم - لا عن طريق التقية - ~~صواب، تألفا للمسلمين، ودرءا للفتنة، ومنعا لإراقة الدماء، وخوفا على ~~العسكر من الفساد والموت بلا طائل ما دام الخصم قد بين استعداده للحوار ~~وتحكيم كتاب الله، والرجوع إلى الحق طواعية سلما أفضل من الإذعان له ~~كرها وحربا. # 25 # وقد تصيب المحكمة الأولى ثم تخطئ بعد ذلك بخروجها على الإمام. # 26 # وقد يخطئ الإمام دون أن يفسق إذا كان حكمه نتيجة عن اجتهاد، ~~وفي هذه الحال يكون خطؤه صوابا ما دام قد تم عن اجتهاد. قد يصيب الإمام ~~ولكن يأتي الخطأ من أحد الحكمين الذي خدع الآخر. # 27 # كما يصعب تكفير الإمام بعد الالتجاء إلى التحكيم، خاصة وأنه ~~كان مدفوعا إليه من أنصاره قبل أن يتبرءوا منه، وبعد ms075 أن نزل الإمام على ~~رأيهم وأعطى العهود والمواثيق لخصومه. # 28 # وإن رفض التحكيم وإن كان يدل على قوة اقتناع بالحق، ورفض ~~للمصالحة مع الباطل، وضرورة إقناع الخصم بالفعل في ميدان القتال من أجل ~~إلحاق الهزيمة به، إلا أنه قد يكون قصر نظر؛ فالتشبث بالحق من حيث النظر ~~قد يكون أحيانا طفولية سياسية من حيث العمل؛ لأن ما يمكن تحقيقه بالنضال ~~المستمر يمكن أن يتحقق أيضا بالتحكيم؛ فالتحكيم نوع من إلزام الخصم ~~السياسي بالحجة، ويؤسس حياته على النظر. وفي هذا الجو النفسي المشحون، ~~حيث يريد كل مقاتل أن يكون صاحب رأي، ويريد كل صاحب رأي أن يكون حامل سيف، ~~تظهر البطولة في التشدد وعدم التنازل والتطرف؛ فالتمسك بالحق بطولة ~~نظرية، والبطولة في القتال تمسك بالحق. وفي هذا الإطار من تخفيف العواطف ~~وتهدئة الخواطر قد يتم تصويب الكل، فالكل مجتهد معذور، أو قد يمنع ~~الكلام في الموضوع ويحال إلى الله، أو يتم إنكار الواقعة التاريخية رغبة ~~في الهروب منها. # 29 # ولكن تصويب الكل يعارض بالحرب والقتال في الواقع، والواقع ~~أبلغ من الموقف النظري. وإحالة الحكم إلى الله يهدئ الخواطر، ولكنه لا ~~يوقف الحرب. أما إنكار الواقعة التاريخية فإنه يحدث تخلصا من الموقف، ~~وهروبا من الواقع، وإيهاما للنفس بالخلاص، وتحررا فارغا لها من ~~الإشكال. والحقيقة أن المتأمل في رواية التحكيم يجد أن الحق كان من جانب ~~الإمام؛ فقد أنهكت الحرب الفريقين، ولم يعد هناك حل عسكري إلا بإراقة ~~مزيد من الدماء. أما الخصوم فقد كانوا قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، ولم ~~يكن التحكيم بالنسبة لهم إلا حيلة للقضاء على وحدة معسكر الإمام. ولم يقم ~~ممثل الخصوم بإجراء الحيلة إلا بعد رشوة، حكم مصر مدى الحياة. وقد نجحت ~~الحيلة في إيقاع الشقاق في معسكر الإمام وخروج الخوارج. وقد وضعت الحيلة ~~بحيث يحدث الشقاق، سواء في حالة القبول لأنه لا حاكم إلا الله، أو في حالة ~~الرفض لأنه كيف يرفض الحكم للكتاب؟ وقد تردد الإمام في القبول أولا، ~~ولكن نزولا على رغبة الجند قبل ms076 التحكيم. وكان لا بد من التزام الإمام ~~بالعهود والمواثيق التي أعطاها بعد قبول التحكيم. وقد استغل الخصم الدين، ~~رفع المصاحف على الرماح، لأغراض سياسية محضة، نظرا لما يعرفه عن تقوى ~~الإمام وجنده، بينما ضاعت التقوى من معسكر الخصوم، حتى إن فاتح مصر هو الذي ~~قام باقتراح الحيلة وإجرائها، وكأن عمالته تحت الخليفة الثاني كانت مخالفة ~~لعمالته تحت الحكام من بعده، وكأن الحاكم هو الذي يفرض على العامل قيمه ~~وسلوكه. ~~(2) الواقع التاريخي المتغير # ارتبط موضوع النظر والعمل بواقع تاريخي ثابت هو الواقع التاريخي القديم، حتى ~~لأصبح من المستحيل الحديث عن موضوع الإيمان والكفر والفسوق والعصيان، بل والحكم ~~والثورة، إلا من خلال المادة التاريخية القديمة بأسمائها وأشخاصها وفرقها ~~وحوادثها حول الفتنة الكبرى. والحقيقة أن القصد من تحليل هذه المادة ليس أخذ صف ~~هذا الفريق ضد ذاك الفريق، وتبرئة فرقة وإدانة أخرى، بل إعطاء نماذج من المواقف ~~السياسية التي يمكن أن توجد في كل عصر من أجل تحليل الاختبارات السياسية ~~الممكنة؛ فالمادة التاريخية القديمة تعطي أنماطا مثالية كما هو الحال في ~~القياس من أجل أن تقاس عليها كل مادة جديدة. # 30 # فما هي المادة الجديدة التي يمكن أن يقدمها عصرنا؟ ما هي الكبائر ~~الآن؟ ومن هم مرتكبو الكبائر؟ هل هي الكبائر القديمة التسعة، أقل أو أكثر، أم ~~أنه يعاد ترتيبها بحيث مثلا يوضع السحر في أولاها الذي يمنع الناس من ~~الاعتماد على العقل والإرادة، كما يوضع الفرار عند الزحف في مقدمتها نظرا لما ~~نخوضه من حروب، وما نعانيه من انكسارات؟ قد تكون الكبائر الآن سبعة؛ الأولى: ~~كل من يعمل على احتلال أراضي المسلمين، ويوالي أعداءهم، ويصلي في الأراضي ~~المغصوبة، ويصالح الأعداء ويسالمهم ويتقاعس عن تحرير الأرض، فلسطين المحتلة ~~وكشمير وباقي أراضي المسلمين، وكل من يتهاون في بناء الثغور وإعداد الجيوش ~~والقضاء على روح الجهاد في الأمة. والثانية: كل من يعمل على قهر المسلمين ~~وإذلالهم، والقضاء على حرياتهم، وملء السجون، وكم الأفواه، والسيطرة على ~~العقول، وتزييف الضمائر، وشراء الذمم. والثالثة: هي كل من يعمل ms077 على نهب ثروات ~~المسلمين وتبديدها، وسوء توزيع الدخل بينهم، وإيجاد طبقات متفاوتة في الرزق، ~~وفرق شاسع بين الفقراء والأغنياء، مع احتكار الأسواق، وامتلاك ما بباطن الأرض ~~وهو ركاز، ملكية عامة للمسلمين. والرابعة: كل من يعمل على تفكيك وحدة المسلمين ~~وشق صفوفهم، وتجزئة أوطانهم دون وحدتهم ولم شملهم؛ فقد تجزأت الأمة بفعل ~~التخلف والانهيار الداخلي، وبفعل الاستعمار والسيطرة الخارجية، «أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار»؟! والخامسة: كل من يقضي على هويتهم ~~ويوقعهم في الاغتراب، ويقطع الماضي من الحاضر، ويفصل الحاضر من الماضي، ~~ويجعلهم مقلدين للغير ينقلون العلم عنه ولا يبدعون علما، وكل من يجعلهم ~~تابعين لا متبوعين، ومتعلمين إلى الأبد لا معلمين يوما ما. والسادسة: كل من ~~يرسخ التخلف في شتى مظاهره، سواء في التعليم أو في السلوك، في النظر أو في ~~العمل، يمنع العلم عن الناس، إعمال العقل، ورؤية الواقع، كل من يمنع عنهم ~~المداواة والبرء من الأمراض، وكل من يمنعهم النظافة وحسن العيش. والسابعة: كل ~~من يجعل الأمة مستكينة مسترضية لا مبالية فاترة، كثيرة كغثاء السيل، كما ~~بلا كيف، ملايين عددية دون قوى فعلية ضد تعبئة الأمة وتجنيد جماهيرها. هذه هي ~~كبائر العصر التي تحدد من المؤمن ومن الكافر ومن الفاسق. فالتاريخ واقع ~~متغير، من الماضي إلى الحاضر، وإلا كنا كمن يريد أن يأخذ جانبا في معركة ~~قديمة ليس هو طرفا فيها، ويترك معاركه التي هو فيها أحد أطرافها. # 31 # | الفصل الثاني عشر: الحكم والثورة (الإمامة) # | أولا: مقدمة: وضع المسألة # الحكم والثورة هو الموضوع الأخير في علم أصول الدين، موضوع الإمامة، وهو قضية ~~الحاكم والشعب، تنصيب الحاكم أو خلعه، وثورة الشعب سلما أم حربا. يبدأ علم أصول ~~الدين بالتوحيد، وينتهي بالثورة؛ وكأن التوحيد هو البداية، والثورة هي النهاية. ~~التوحيد وسيلة، والثورة غاية. ومن الطبيعي أن ينتهي التوحيد نهاية سياسية، وأن ~~ينصب التوحيد في الثورة، والله في العالم؛ فالإمامة هي الموضوع الذي يربط بين ~~التوحيد والفقه، بين العقيدة والشريعة، بين التصور والنظام. من خلالها يتحول النظر ~~إلى عمل، من ms078 المستوى الفردي في الأسماء والأحكام إلى المستوى الجماعي في الإمامة. ~~الإمامة إذن ليست مجرد مسألة فرعية عارية من علم أصول الدين، أدخل في الفروع منها ~~في الأصول، بل هي من الأصول العملية إذ كان التوحيد هو الأصل النظري. ليست مجرد ~~مسألة سياسية صرفة لا شأن لها بالعقليات أو النقليات، بالإلهيات أو السمعيات. وقد ~~يكون وضعها الفرعي هذا مقصودا من أجل إبعاد الناس عن السياسة، وجعلها حكرا على ~~الحاكم، وجعل التوحيد فارغا من أي مضمون، فلا تحرك العقائد الناس، ولا يكون لها ~~أي أثر في حياة الجماهير، # 1 # بل إن وضعها كفرع لا كأصل كان مجرد اقتراح فردي ومبادرة غير مقصودة، ~~ثم تحولت إلى تقليد جماعي وفعل مقصود، تقليدا لا إبداعا؛ فالدافع على ذكرها ~~هو مجرد التقليد، بعد أن ذكرها أحد السابقين فتبعه اللاحقون، مع أن إيمان المقلد ~~لا يجوز طبقا لنظرية العلم في المقدمات الأولى، وكأن العادة التي وضعها أحد ~~الأوائل أصبحت سنة يتبعها الخلف دون تعقيل أو تأصيل، ودون سند من عقل أو من نص. # 2 # وقد يكون من أسباب استبعاده هو أنه موضوع يثير التعصب والغضب، وتحنق ~~منه النفوس؛ فالبعد عنه أسلم، والخوض فيه أصعب، خاصة لو أدى إلى خطأ وجهل. ~~والحقيقة أن السياسة علم محكم يقوم على تحليل الوقائع دونما تعصب؛ فالسياسة في ~~موضوع الإمامة تعني الأحزاب السياسية والصراع السياسي. وإن بنية الموضوع إنما تكشف ~~عن هذا الصراع بالرغم من إعلان الأصول عن حياده وموضوعيته. وهو من الموضوعات ~~النقلية رابع موضوع في السمعيات بعد النبوة والمعاد والأسماء والأحكام، وكأن ~~الإنسان لا يستطيع أن يصل بعقله إلى يقين في موضوع السياسة ويترك الأمر إلى النقل ~~وحده؛ فموضوع السلطة السياسية الحجة فيه السلطة الدينية، الموضوع هو السلطة، ~~والمنهج هو السلطة؛ فالإمامة من المنقولات وليست من المعقولات، كما أنها من الفروع ~~وليست من الأصول، # 3 # كما أنها من المختصرات وليست من المطولات؛ وبالتالي يكتفي فيها بأقل ~~القليل، وكأن الأقلام تسيل في الموضوعات النظرية الخالصة ثم تخف في المسائل ~~العلمية، وكأن ms079 موضوع الحكم والثورة لا يساوي مواضيع المعاد وعذاب القبر والصراط ~~والميزان، وكأن صلاح الدين بالمعاد أفضل من صلاح الدنيا بالإمامة. # 4 # والإمامة من المسائل المختلف عليها مثل باقي الأصول، تكفر الفرق فيها بعضها ~~البعض. أما عند الفرقة الناجية فهي موضوع اتفاق! اتفاق السلطة في مواجهة المعارضة، ~~وحدة السلطة في مقابل تشرذم المعارضة. هي أولى المسائل التي يقع عليها الخلاف بعد ~~موت النبي ودفنه وصفة القرشية. قد يكون الدافع على إدخالها ضمن الأصول الرد على ~~المبتدعة، وظهور اعتقادات فاسدة تتطلب الرد والتفنيد؛ فدخلت في علم الكلام لما كان ~~هو العلم الذي يدافع عن العقائد ضد البدع. # 5 # وقد يكون الدافع هو الدفاع عن الصحابة؛ أي الدفاع عن حزب سياسي بعينه، ~~والهجوم على الأحزاب السياسية الأخرى. تكشف الإمامة إذن الهدف السياسي للعلم كله؛ ~~لذلك توضع المسألة في نهاية العلم كملحق تاريخي يفصل فيما وقع من خلاف، ويحكم بين ~~المتخاصمين، أو كنظرية في اختيار الإمام، ثم أحكام تاريخية على الخلافة الأولى ~~دفاعا عن الفرقة الناجية. # 6 # وقد يكون الدافع الرغبة في الدفاع عن السلاطين وأنظمة الحكم القائمة، ~~والكشف عن إمام العصر، والدعوة إليه من على المنابر، وطلب الطاعة له؛ لذلك تكون ~~المسألة نظرية في اختيار الإمام، إمام العصر، مع أنه ليس من شأن دراسة المشكلة ~~السياسية الدعوة لأمير وإثبات شرعية سلطة. # 7 ~~(1) هل الإمامة فرع أم أصل؟ # يعني هذا السؤال أن الإمامة قد تكون فرعا من فروع الدين وليست أصلا من ~~أصوله، جزءا من علم الفروع وليست أصلا من علم الأصول؛ وبالتالي تكون العقيدة ~~قائمة بذاتها دون تحقق في نظام سياسي، ويكون الدين دون سياسة ، والتصور بلا ~~نظام، والعقيدة بلا شريعة، والإيمان بلا عمل، والنقل بلا عقل. وقد تكون الإمامة ~~أصلا من أصول الدين وليست فرعا من فروعه؛ وبالتالي تتحقق العقيدة في نظام ~~سياسي، ويتحول الدين إلى سياسة، والتصور إلى نظام، والعقيدة إلى شريعة، ~~والإيمان إلى عمل، والنقل إلى عقل. والاختيار الأول هو اختيار السلطة القائمة ~~التي تشعر باللاشرعية، والتي تود إبعاد الناس ms080 عن السياسة فيصبح الجمهور غير ~~مسيس؛ وبالتالي تصعب الثورة، في حين أن الاختيار الثاني هو اختيار المعارضة ~~التي تشعر بالشرعية في مواجهة نظام لا شرعي، والتي تود إشراك الناس في العمل ~~السياسي، وتجنيد الجماهير للقضاء على نظام القهر والغلبة. الاختيار الأول يؤدي ~~إلى استكانة الجماهير وإبعادها على العمل السياسي، فلا تنفع صرخات المصلحين، ~~والاختيار الثاني يؤدي إلى تخريب الجماهير، ونزولها إلى ساحة العمل السياسي ~~ملايين هادرة لإسقاط نظم العمالة والقهر، ولا تنفع جيوش السلطان ولا أجهزة ~~العملاء. # وإن معظم الحجج التي تقدم لاعتبار الإمامة فرعا القصد منها كلها إيهام ~~الناس بأنها أمر صعب لا يمكن أن يعرف، كله تعصب وهوى، عليه خلاف، لا ~~يهم في الدين كما تهم الأركان الخمسة! وهل الخلاف عليها يمنع من كونها ~~أصلا من أصول الدين؟ وأي شيء لم يحدث عليه خلاف، حتى التوحيد والعدل والوعد ~~والوعيد والنبوة والأسماء والأحكام، وهي أصول الدين، قد وقع فيها الخلاف، ولم ~~يمنعها ذلك من أن تكون أصولا للدين؟ وهل الخلاف عليها يقلل من شأنها ولا ~~يجعلها أصلا، والخلاف في الرواية وارد في كل العقائد؟ لذلك وضعت شروط التواتر ~~التي يمكن بواسطتها تأسيس علم يقيني، بالإضافة إلى شواهد الحس وبراهين العقل ~~وحقائق الوجدان، على ما هو معروف في نظرية العلم في المقدمات الأولى. ونظرية ~~العلم منذ البداية تفرق بين العلم ومضادات العلم من شك وجدل وظن وتردد ~~وتعصب وهوى. وكيف لا تكون معلومة بالدين ضرورة والقرآن كله حديث حول الإمام ~~والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثير من الموضوعات السياسية؟ وكيف ~~تكون الإمامة غير معلومة في الدين وهي الموضوع الأول الذي اختلفت عليه الأمة، ~~وكان سبب نشأة علم أصول الدين؟ ولماذا تكون أقل من الأركان الخمسة؟ وما قيمة ~~الشهادتين في العبادات دون إمامة أو جهاد في المعاملات؟ إن استبعاد الإمامة مثل ~~استبعاد الجهاد كأحد أركان الدين إنما كان محاولة مقصودة لعدم تسييس الدين، ~~واعتبار السياسة حكرا على السلطة، وإبعاد الجماهير عنها حتى يستأثر بها ~~الحكام. ولماذا لا يكفر منكرها كما ms081 يكفر منكر السمعيات وهي موضوعات نظرية ~~خالصة لا تعم بها البلوى؟ وأيهما أولى بالكفر؛ من ينكر الملكين أو عذاب ~~القبر أو الصراط، أو من يقهر المسلمين ويستذلهم ويتسلط عليهم ويستغلهم ويصالح ~~الأعداء؟ وبطبيعة الحال يشوب الموضوع حماس وانفعال؛ فالسياسة ليست فقط علما ~~نظريا فحسب، بل هي ممارسة عملية، وتحزب ومواقف وتعارض مصالح وتصادم قوى؛ ~~فمن الطبيعي أن يسود الهوى في الممارسة، وأن يتدخل في صياغة النظرية. ومع ذلك ~~فإن نظرية العلم قادرة على الفصل بين العلم والهوى، بين اليقين والظن. # 8 # الإمامة إذن أصل من أصول الدين وأحد أركانه الرئيسية؛ فالإنسان حيوان سياسي ~~بقدر ما هو حيوان عاقل، ولكن هل يعني ذلك أنه لا تفويض للعامة فيها، أو تركها ~~للناس، أو عدم قيامها على المصلحة، وإنما تكون غيبية دينية إلهية تفويضية؟ ~~يبدو أن اعتبار الإمامة مجرد مصلحة فئة وليست مصلحة عامة ولد رد فعل مضاد ~~يجعلها خارج المصلحة كلية. ولدت الذاتية النسبية أسطورة غيبية مع أن المصلحة ~~العامة أساس موضوعي تقدم عليه الإمامة؛ ومن ثم ينقلب الموقفان إلى هوى ~~وهوى مضاد، إلى ذاتية وذاتية مضادة، ويغيب الأساس المصلحي العام، وهو الأساس ~~الوحيد للسياسة. # 9 # ومع ذلك تظهر الإمامة كأنها أصل خاص داخل الشق العقائدي للفرق المختلفة ~~سواء دون نظام، مجرد أصل، أو كأصل في نظام مرتب، الأصل الرابع أو الخامس أو ~~السادس أو الثاني عشر. وهنا يكون الأصل والموضوع والركن والعقيدة بمعنى واحد. # 10 # قد تدخل المسألة كإحدى مسائل السمع والعقل كأصل رابع يتم طبقا ~~لها تصنيف الفرق مع الصفات والتوحيد، والقدر والعدل، والوعد والوعيد، وهو ~~السمع والعقل؛ أي إنها مسألة تتراوح بين النقل والعقل ، وليست نقلا خالصا ~~عاريا عن العقل. # 11 # وقد تدخل الإمامة تحت الأصل الخامس «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». # 12 # وقد تدخل كأحد موضوعات ستة يدور حولها علم التوحيد؛ التوحيد والقدر ~~والإيمان والوعيد والإمامة والمفاضلة اللطائف. # 13 # ويظهر معها الجانب التاريخي في تفضيل الأئمة ومقارنتها؛ مما يدل ~~على أنها مسألة سياسية تاريخية، أي النبوة في التاريخ. ms082 ومع ذلك فقد تظهر مسألة ~~الإمامة في موضوع النبوات، وبوجه خاص في آخر مرحلة من مراحل النبوة؛ مما يدل ~~على أنها ملحق للسمعيات لا ترتكز على أساس عقلي، وأنها مرتبطة بخلافة النبي، ~~فالإمام خليفة، وأنها استمرار للنبوة في التاريخ على الأرض، وليس في السماء كما ~~هو في المعاد. # 14 # وقد تظهر الإمامة كأحد موضوعات السمعيات مع النبوات والمعاد ~~والأسماء والأحكام. # 15 # وفي هذه الحالة لا تكون ركنا خاصا أو عقيدة خاصة. وقد تغيب ~~المسألة عن بعض الرسائل المتقدمة لأنها فرعية وليست أصلية؛ وبالتالي يتعرى ~~العلم عنها كلية. # 16 # كما أنها تغيب في بعض العقائد المتأخرة أمام شمول التوحيد بعد أن ~~فرغ التوحيد من أي مضمون سياسي إلا من الثناء على الخلفاء الأوائل. # 17 # وفي بعض الحركات الإصلاحية الحديثة قد تبتلع وظيفة الوصي السياسية ~~مسألة الإمامة، وتختفي الإمامة أمام النبوة كتحقق للوصي في التاريخ. # 18 # والإمامة هي المشكلة الغالبة عند «الرافضة» و«الخوارج»، وهما الفرقتان اللتان ~~خرجتا من واقعة واحدة، وهي الخلاف على الإمام. عبدته الأولى، وكفرته ~~الثانية. طرفا نقيض خرجا من واقعة واحدة، # 19 # لكل منها تصور مختلف. الأولى تخصصها في قريش، والثانية تعممها ~~خارج قريش. الأولى تجعلها بالنص والتعيين، بينما الثانية تجعلها بالاختيار ~~والبيعة. الأولى تقول بالتقية، والثانية تقول بالقيادة الظاهرة. الأولى تقول ~~بالطاعة، والثانية تشرع للمراجعة عليه. الأولى تطالب بإسقاط الشرائع، والثانية ~~تعمل على تطبيق الشرائع. ولما كانت الفرقتان مختلفتين في التوحيد والعدل، إذ ~~تقول الأولى بالتأليه، والثانية بالتنزيه؛ فإنه يبرز سؤال: هل هناك صلة بين ~~الموقف في التوحيد والموقف في الإمامة؟ هل يؤدي التأليه أو التجسيم إلى القول ~~بالإمامة بالنص والتعيين وبألوهية الأئمة وبالخلود وبالرجعة وبالعصمة وبالتقية، ~~كما يؤدي القول بالتنزيه إلى البيعة والاختيار؟ إن أكثر الفرق التزاما ~~بالعالم كالخوارج أقلها إيغالا في التوحيد تنزيها، فلا تجد عندهم أقوال في ~~الله في ذاته وصفاته بقدر ما نجد في الإيمان والعمل والحرب والسلم والفقه ~~والتشريع والسياسة؛ فالتوحيد عملي صرف، في حين أن الرافضة أكثر إيغالا في ~~التوحيد تأليها وتجسيما ms083 وتشبيها، كما أن لديهم أقوالا في الإيمان والعمل ~~والإمامة والسياسة وموضوعات الفقه والتشريع؛ فالتوحيد نظري وعملي. ~~(2) اسمها وتعريفها وأقسامها # يختلف اسمها بين الإمامة أو الخلافة أو الزعامة. وهي في الحقيقة أسماء واحدة ~~تضع مسألة السلطة أو الزعامة في الأمة دون المؤسسات أو الجمهور، وهي بهذا ~~المعنى أدخل في النظم الإسلامية والشريعة الإسلامية في الأحكام السلطانية ~~في علم الفقه. # 20 # الإمامة إذن هي قضية السلطة في المجتمع الديني والمدني وتسيير أمور ~~الدين والدنيا. وفي هذه الحالة لا يكون هناك فرق بين النبوة والإمامة؛ فالنبوة ~~إمامة، والإمامة نبوة، وكأن النبي يقوم بوظيفة الإمام، كما أن الإمام يقوم ~~بوظيفة النبوة باستثناء الوحي وإيصاله من الله إلى الناس. وقد ظهر ذلك في علوم ~~الحكمة أكثر من ظهوره في علم أصول الدين، ولكن من حيث الجانب المعرفي دون ~~الجانب العملي التشريعي. # 21 # أما تعريفها بأنها خلافة الرسول في إقامة الدين اتباعا؛ ومن ثم يخرج من ~~التعريف العامل والمجتهد والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أي ثواب الإمام ~~والعلماء ووسائل الرقابة الشعبية، فإنها تشير إلى الوضع نفسه، وهو أن الإمامة ~~تركيز للمشكلة السياسية على قضية الحكم أو السلطة دون المؤسسات التنفيذية ~~(العمال)، أو القضائية (القضاة والمجتهدون)، أو الشعبية (الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر). # 22 # كما أن الإمامة تكون عن استحقاق أم عن غير استحقاق؛ أي إنها قد ~~تكون بالغلبة والقهر؛ وبالتالي لا تدخل البيعة كطريقة لثبوتها كجزء من تعريفها، ~~كما لا تدخل طريقة عزل الإمام أو الخروج عليه كجزء من تعريفها إلا فيما ندر. # 23 # تدور معظم المشكلة حول الإمام، أي السلطة المشخصة؛ ولايته، ~~وصفاته، ووجوبه، وطريقة ثبوته، دون التعرض لباقي جوانب المشكلة السياسية؛ أي ~~المؤسسات الدستورية ووسائل الرقابة الشعبية. ولكن المقارنة تعقد باستمرار بين ~~الإمامة العظمى وهي الخلافة، والإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة، من أجل إضفاء ~~الطابع الديني على السياسة طلبا للطاعة، # 24 # في حين أن المعنى هو أن الذي يؤم الصلاة يقود أمة. # 25 # لذلك كانت أقسام الإمامة كلها تدور حول الإمام المنصوص عليه تعيينا ms084 مثل ~~الخلود والرجعة والتقية، أو الإمام الذي عقد البيعة عليه اختيارا. ولكل نموذج ~~تحقق في التاريخ وتعين فيه، حتى يتحول الموضوع النظري إلى تحققات تاريخية ~~صرفة عن تاريخ الأئمة والخلفاء الراشدين؛ فالتاريخ ذيل للإمامة أو تذييل لها. ~~وقد يبدو أحيانا الجانب النظري أهم من الجانب العملي، حيث يتم البحث في طريقة ~~ثبوت الإمامة، أي كيفية تنصيب الإمامة، بعد أن يتم البحث في وجوبها وعلى من تجب ~~وكيف تجب، أكثر من البحث عن شروطه ووظائفه. ومع ذلك يصعب تجريد البحث النظري من ~~المواقف العملية والنماذج التاريخية، والدخول في صراع الفرق وآثارها ومذاهبها، ~~حتى لتضيع الموضوعات من خلال عقائد الفرق، بل وتتغلب أحيانا الدعوات لفرقة ~~بعينها على العرض الموضوعي للإمامة، وكأن البحث السياسي لا يفرق بين العرض ~~النظري والالتزام العملي. # 26 # | ثانيا: وجوب الإمامة # هل الإمامة واجبة، أي ضرورية، لا يرسل الله وحيا إلا ذكرها، ولا تقوم حياة الناس ~~إلا بها، أم أنها غير ضرورية يصلح حال الناس دونها؟ وهو موضوع نظري صرف كما هو ~~الحال في النبوة، إثبات وجوبها أو استحالتها أو إمكانها. # 1 # وهناك احتمالات عدة؛ ألا تكون الإمامة واجبة أصلا؛ إما لعدم حاجة ~~الناس إليها والاستغناء بفطرتهم عنها، أو لأنها تثير الفتنة والشقاق، أو لأنه يصعب ~~تحقيق شروطها. وقد تكون واجبة على الله قبل وجوبها على العباد؛ لأنه لطيف بهم يرعى ~~الصلاح ويبغي الأصلح. وقد تكون واجبة على العباد إما سمعا أو عقلا. وهو سؤال عام ~~في الفلسفة السياسية عن ضرورة السلطة في المجتمع. # 2 ~~(1) هل الإمامة غير واجبة أصلا؟ # قد تكون الإمامة غير واجبة أصلا، لا على الله ولا على العباد، لا سمعا ولا ~~عقلا، لا نظرا ولا عملا. وقد يصاغ السؤال بطريقة أخرى، فيكون: هل يجوز أن ~~تخلو الأرض من إمام؟ فإذا كان السؤال الأول يتوجه نحو النظر والمبدأ، فإن ~~السؤال الثاني يتوجه نحو الواقع والمشاهدة واستقراء التاريخ؛ فإذا تطابق ~~الرأيان تصبح الإمامة غير واجبة أصلا بحجة العقل وحجة الواقع. # ويرفض الوجوب النظري بعلتين متضادتين؛ الأولى: أن ms085 الناس وقت السلم ~~أخيار، وليسوا في حاجة إلى إمام. والثانية: أن الناس في وقت الفتنة يمتنع عليهم ~~وجود الإمام. وهما حجتان متعارضتان متقابلتان لنفي وجوب الإمامة وإثبات ~~استحالتها. حجة مثال، وحجة واقع. الأولى ترسم صورة مثالية للعالم؛ ومن ثم ~~فلا حاجة إلى إمام، الثانية ترسم صورة سوداوية للعالم؛ وبالتالي فترك الإمامة ~~أفضل. تبين الحجة الأولى أن الناس لو كفوا عن التظالم لاستغنوا عن الإمام، ~~فالناس أخيار بالطبع، يكفي اتباع الفطرة والعقد الاجتماعي الطبيعي دونما حاجة ~~إلى سلطة تأخذ بزمامهم، وتوجههم نحو الخير. الإنسان سيد نفسه، والجماعة ترعى ~~مصالحها، والسلطة شر ومفسدة لا حاجة للناس بها. # 3 # والحقيقة أنه لا يمكن رد هذه الحجة بالحجة العكسية، وهو تصور الناس ~~أشرارا يأكل بعضهم بعضا؛ وبالتالي لا بد من إمام يحفظ أموال اليتامى وتوجيه ~~السرايا والذب عن البيضة وتنفيذ الحدود، وكأن مصالح الناس تظل معطلة دون ~~إمام، وكأن الناس بطباعهم ليست لهم أخلاق اجتماعية يحفظون بها الحقوق ~~ويدافعون بها عن النفس؛ وبالتالي إنكار الحق الطبيعي، مثل حق الآخر، وحقوق ~~الدفاع عن النفس. # 4 # وتبين الحجة الثانية أن الأمة إذا اجتمعت كلمتها على الحق احتاجت ~~حينئذ إلى الإمام. أما إذا عصت وفجرت وقتلت الإمام لم يجب على أهل الحق منهم ~~إقامة إمام؛ فالشعب الغاضب الرافض هنا أقوى من الإمام، والإمام أضعف منه، ~~والسلطة لا تقوى على تثبيت نفسها. ولما كانت السلطة تعبيرا عن الشعب، والشعب ~~رافض لها، فإن أية محاولة لتثبيت سلطة شعب رافض لها ستكون بالضرورة سلطة قاهرة ~~لا تعبر عنه. # 5 # ويمكن الرد على هذه الحجة بأن الناس أحوج إلى الإمام في عصر الفتنة ~~منهم في حال الاطمئنان واستتباب الأمن، وقد يكون تنصيب الإمام وقت الفتنة أدعى ~~إلى القضاء عليها، ولكن يظل وكأنه أمير يطيعه الناس خوفا منه، ولكن الرد ~~الأكثر إقناعا هو أن هذا الرأي إنما هو تبرير لواقع سياسي معين من أجل غاية ~~سياسية معينة، وهو رفض إمامة الإمام الشرعي الذي بويع في عصر الفتنة. # 6 # وقد تنكر الإمامة أصلا ms086 بلا علة، سواء في حال السلامة أو في حال الفتنة. # 7 # أما القول بجواز أن تخلو الأرض من إمام حتى يعقد لواحد، وبالتالي ~~فهي غير واجبة، وهي الصيغة الثانية من السؤال التي تعتمد على حجة الواقع، فإنه ~~يمكن الرد عليها بحجة من نوعها، وهي أن الزمان لا يخلو من إمام، ليس بمعنى أنه ~~لا بد من إمام ضرورة يتصرف في أمور الناس، بل بمعنى أنه لا يجوز خلو الزمان ~~ممن يصلح للإمامة؛ لأنها قضية مصلحية. # 8 # وقد تعاد الحجتان المتضادتان نفساهما بطريقة أخرى. الأولى أن الناس لا ~~يحتاجون لإمام لأنهم يعلمون كتاب الله فيما بينهم، يكفي أن يتناصحوا فيما ~~بينهم، فإن رأوا إقامة إمام بينهم فعلوا، ولكن إقامته ليست ضرورية أصلا. يكفي ~~أن يتعاطى الناس بالحق ويتواصوا به دون أن تكون الإمامة واجبة شرعا تستحق ~~الأمة اللوم والعقاب في حال الامتناع عن القيام بها. وكل إنسان مثل غيره في ~~التقوى والصلاح، فكيف ينصب إنسان آخر إماما عليه وهو مثله ومساو له؟ في ~~طباع الإنسان وأديانه وشرائعه ما يغني عن الإمام. وطالما انتظمت حياة البدو ~~والعربان في البوادي بلا سلطان. # 9 # والحقيقة أن السلطة تنشأ في المجتمع طالما أن هناك أكثر من اثنين، ~~«لو كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدا». ولا يكفي التناصف؛ إذ ينشأ النزاع ~~ويبرز الخلاف، وهو طبيعي. ينشأ النزاع من الإرادات، فتظهر الحاجة إلى التنسيق ~~والتوفيق بين المصالح المتعارضة، مثل الأسرة والمجتمع والسياسة الدولية. هي ~~حالة افتراضية صرفة تبدأ بالشرط المستحيل «لو» تناصفوا، وهو ما لا يحدث نظرا؛ ~~لأن الإنسان مجموعة من الأهواء والمصالح يعيش في طبقات اجتماعية متباينة، حتى ~~الصحابة والتابعين بالرغم من إخلاصهم وتقواهم نشب بينهم خلاف، ولم يمنعهم ~~تناصحهم وتناصفهم من الوقوع في الفتنة وإراقة الدماء. وإن وجود مساواة بين ~~الناس في الفضل والحكمة لا يمنع من الإمارة، ثم الإمارة لا تعني الرفعة والسمو ~~للبعض والطاعة والمذلة من البعض الآخر، بل تعني مجرد التوحيد بين المصالح ~~التي قد تتعارض. والمحكوم حاكم بالرقابة. وهناك شرع مستقل عن ms087 كليهما وهو ~~الحاكم الفعلي. كما لا يعني الوجوب الشرعي استحقاق الثواب على الفعل والعقاب ~~على الترك، بل الوجوب المصلحي العملي، حيث لا تستقيم الحياة بدونه. وإن وجود ~~العربان وأهل البوادي بلا سلطان يعني أن حياتهم بدائية، وأن مظاهر إنتاجهم ~~بسيطة، وليست الحياة المدنية المركبة، حيث الصناعة والتجارة وأنماط الإنتاج ~~المتشابكة التي تستدعي سلطة وتنظيما وإدارة وإمارة. ليس الرد على هذه الحجة ~~هو ضرورة وجود إمام مهمته تخويف الناس والتشدد عليهم، ولو باستعمال السيف، ~~فذاك هو الإمام القاهر، ودرء شر بشر أعظم، ولكن بضرورة نشأة السلطة نشأة ~~طبيعية تحقيقا لمصالح الجماعة عن طيب خاطر بناء على عقد اجتماعي شفاهي أو ~~مكتوب. فهذا العقد تعبير عن الحرية الطبيعية، وليس سلبا لها بالقهر. لا يكون ~~إثبات الإمامة بالتخويف وحمل الناس حملا عليها، فذلكم هم العبيد. وقد يكون ~~الراد على عمر وهو يخطب أكثر سلطة من عمر نفسه كحاكم وكإمام من فوق ~~المنبر. # والحجة الثانية أنه حتى في حالة الحاجة إلى إمام فإنه يصعب تنصيبه؛ لأن ذلك ~~يثير الفتنة نظرا لاختلاف الأهواء، كل قوم يريدون الإمام منهم، فيقع التشاجر ~~والتناحر، والتجربة خير شاهد على ذلك. كما يتعذر الوصول إلى آحاد الرعية ~~لتنصيبه إماما عليها يسير كل ما يعني لهم من شئون حياتهم. كما أن للإمامة ~~شروطا قلما توجد في كل عصر؛ فإن أقاموا من لم يتصف بها فقد أخلوا ~~بالواجب، وإن لم يقوموا أحدا فقد تخلوا عن الواجب؛ وبالتالي يرتكبون الذنب مرتين. # 10 # والحقيقة أن تنصيب إمام لا يثير بغضا ولا كراهية ولا تسابقا على ~~الإمامة. فإذا ما تسابق إمام عليها فإن ذلك يسقط شرط إمامته؛ لأنه لا يمكن ~~تولية هذا الأمر من يطلبه، ولا بد فيه من بيعة الآخرين له دون أن يطلبها هو ~~لنفسه حياء واستحياء. ومن يبغي تحمل مسئولية أمة، يعذب على كل محتاج ~~ومظلوم؟ وإن صعوبة شروط الإمام لا تعني عدم وجوده بالفعل، بل تطبق الشروط ~~على مستوى الممكن والواقع، وليس على مستوى المستحيل والمثال. لا توجد استحالة ~~في اختيار ms088 الإمام نظرا لصعوبة تنفيذ الشروط؛ إذ يجتاز الأفضل فالأقل فضلا. ~~هناك أولويات في الشروط؛ الأعلم فالأروع فالأسن، ويمكن للأعدل وللأقوى. # 11 # ويبدو أن هذا الموقف بحجتيه إنما هو رد فعل على تشاحن الناس على ~~الإمامة مما أدى إلى تركها، وتضارب الأهواء والمصالح حولها؛ الأمر الذي أدى ~~إلى تنابذها. وقد أدى ذلك إلى تصور حالة طوباوية معاكسة، حيث يعيش الناس في ~~جو من الأمن والسلام دون مشاحنة أو تقاتل حيث لا حاجة بهم إلى إمام. وعادة ما ~~يتم ذلك من إحدى فرق المعارضة العلنية في الخارج التي ترفض إمام العصر، زمانه ~~ومكانه، وتعيش في الفلاة حياة طوباوية بلا إمام أو إمامة؛ فهم بهذا المعنى ~~«خوارج» على الإمام وعلى مجتمع المدنية. # وقد يأتي إنكار وجوب الإمامة أصلا من استحالة ثبوتها، سواء عن طريق النص أو ~~عن طريق الاختيار، وليس فقط لعدم الحاجة إليها، أو عدم الانتفاع بها، أو وقوع ~~المضرة بسببها، أو صعوبة تحقيق شروطها. فإذا كانت تثبت بالنص فإنه لا نص على ~~أحد، وإن ثبتت بالاختيار من المجتهدين، والاختيار إجماع لا خلاف عليه، وهو ما ~~لا يتصوره عقل أو واقع. لا يمكن تصوره عقلا لأن الاختيار مبني على الاجتهاد، ~~والاجتهاد على قدرات كل إنسان في إدراك الوجوه العقلية والسمعية. ولما كانت ~~الطباع مختلفة تختلف الأحكام ضرورة. وقد كانت الخلافة أحق الأحكام بالاتفاق ~~عليها، وأولى الأزمان هو الزمن الأول، وأولى الأشخاص بالصدق والإخلاص والصحابة، ~~وأخصهم بالأمانة ونفي الخيانة المهاجرون والأنصار، وأقربهم إلى الرسول ~~الشيخان، ومع ذلك وقع الخلاف. فإن لم يتصور إجماع الأمة في أهم الأمور ~~وأولاها بالاعتبار دل ذلك على أن الإجماع لن يتحقق قط، وليس دليلا في الشرع. # 12 # ويمكن الرد على ذلك بأن الخلاف في الإجماع جائز، وأن ذلك لا يطعن ~~في حجته، فلا عصمة لأحد. يجوز الخطأ فيه والرجوع عنه ، والشواهد كثيرة. وقد يكون ~~الطعن في الإجماع سببه سياسي خالص لأن الأمة لم تجتمع على الإمام الشرعي بعد ~~الإمام المقتول. لقد تم إدراك كثير من واجبات الشرع بالإجماع؛ ms089 فالإجماع دليل ~~شرعي، قد يقع عن نص، وقد يقع عن اجتهاد، ويتطلب اجتماع شخصين أو ثلاثة على رأي. ~~وقد وقع ذلك في الصدر الأول، وله قرائن تدل عليه مثل النص أو التواتر أو ~~القرينة اللفظية أو الفعلية. وكل حد للإجماع السابق له ما يبرره، مثل غياب ~~البعض وانشغال البعض الآخر. وقد يقع الخطأ في الإجماع عن اجتهاد ثم يعاد ~~تصحيحه بإجماع الآخر. وفي هذه الحالة لا يكون الإجماع الأول خطأ، والثاني ~~صحيحا، بل كلاهما صحيح طبقا لتغير الظروف والأحوال. # 13 # وقد يقال إن الاختيار متناقض لوجهين؛ الأول: أن صاحب الاختيار ~~ينصب الإمام ويبايعه حتى يصير إماما، ثم تجب عليه طاعته بعد ذلك إذا بايع ~~الناس الإمام، فكيف بالذي نصب الإمام يقوم بطاعته؟ والثاني: أنه يجوز أن يخالف ~~أحد المجتهدين الإمام في المسائل الاجتهادية، فكيف تجوز طاعة الإمامة والخلاف ~~بينه وبين أحد الأئمة موجود؟ # 14 # والحقيقة أن الطاعة ليست للإمام بل للشريعة. وكما أن من نصب الإمام ~~من حقه طاعته، فمن واجبه خلعه إذا ما تقاعس الإمام عن تنفيذ الشرع أو صالح ~~الأعداء. إن الإمامة وظيفة وليست منصبا. الشخص غير مهم، إنما المهم هو أداء ~~الوظيفة، والقيم عليها هو جمهور الأمة الممثلة في أئمة المجتهدين وعلمائهم ~~وورثة الأنبياء. وأن ينصب الإمام من الناس خير من أن يطلب الإمامة لنفسه. وإن ~~تنصيب واحد للإمامة إنما هو بداية البيعة، بعدها تتم البيعة من أهل الحل والعقد ~~له؛ فالطاعة للناس بعد البيعة وليس لواحد بفعل التنصيب. كما أن الخلاف في ~~المسائل الاجتهادية بين الأئمة والمجتهدين والإمام لا يمنع من الطاعة، فالأمر ~~شورى بينهم. وإن الاتفاق على موضوع الاختلاف بالأغلبية يوجب الطاعة والنزول على ~~رأي الجماعة. والخلاف النظري شيء، والخلاف العملي شيء آخر. الأول جائز، ~~والثاني لا يؤثر في وحدة العمل. وإن تعدد الأطر النظرية ممكن، في حين أن ~~وحدة العمل والممارسة ضرورية. وتظل مسئولية أخذ القرار للإمام، أي للسلطة ~~الشرعية، وحق العلماء النصيحة والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد ~~قيل: إذا جار الإمام ms090 وجبت منابذته وخلعه، فإن لم ينخلع قتل طوعا، وإن حدث شك ~~قبل التحكيم في إمامته فقد يقتل؛ وبالتالي فالإمامة في كلتا الحالتين تؤدي إلى القتل. # 15 # والحقيقة أن حجة التاريخ والأحداث على الإمامة في عصر كانت الدماء ~~فيه تسيل، والرقاب فيه تتطاير، ولم يعد أحد يعرف الحق من الباطل. ومع ذلك ~~فالخلع لا يؤدي بالضرورة إلى القتل، والتحكيم مصالحة يصعب رفضها، والاستثناء ~~لا يكون قاعدة، كما أن الحجة العملية لا تكون حجة نظرية، والواقع لا يتحول إلى ~~فكر. وكثيرا ما خلع الحكام ووقع التحكيم وحدثت المصالحة في جو مشحون ~~بالانفعالات والصراع على السلطة. ومع ذلك تظل حجج نفي الإمامة أصلا قويا، ~~سواء من حيث النظر أو العمل. ولكن ما العمل؟ وما البديل؟ هل يترك الناس بلا ~~سلطة والسلطة تنشأ طبيعيا في الجماعة؟ هل البديل هو الخروج المستمر على ~~الإمام وتكوين جماعات رفض منعزلة على أطراف الأمة، أو تكوين جماعات سرية في ~~المركز، لها إمام غائب يظهر في نهاية الزمان ليملأ الأرض عدلا كما ملئت ~~جورا؟ ~~(2) الإمامة واجبة # الإمامة إذن واجبة وضرورية لتنفيذ الأحكام وإقامة الشرائع وتطبيق الحدود. ~~فهذه لا بد لها من سلطة عامة معترف بها من الجميع. وإذا كان دفع الضرر وجلب ~~المصالح حقا طبيعيا وأصلا عقليا، فإن الإمامة ما يندفع بها الضرر وما ~~تجلب بها المصالح. ولكن لا يعني ذلك أن الإمام رئيس قاهر يخاف الناس بطشه ~~ويرجون ثوابه، رئيس قاهر ضابط، بل هو واحد من الأمة بايعته على تنفيذ الشرائع ~~والأحكام، تطيعه طالما التزم بعقده، وتخرج عليه إذا أخل بالتزامات العقد بعد ~~أن تنصحه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر. وإن تصور علاقة الإمام بالأمة على ~~أساس أنها علاقة قهر وبطش، أو خوف وطمع، قد تكون قائمة على تصور آخر للعلاقة ~~بين الله والإنسان على الأسس نفسها، قهر وبطش من طرف، وخوف وطمع من طرف آخر. # 16 ~~(2-1) هل الإمامة واجبة على الله أم على العباد؟ # ولكن على من تجب الإمامة، على الله أم على العباد؟ وإذا كانت ms091 واجبة على ~~العباد، فهل هي واجبة سمعا أم عقلا؟ # 17 # وقد تبدأ القسمة بالوجوب السمعي أو العقلي. فإذا ثبت الوجوب ~~العقلي تأتي القسمة الثانية إما على الله أم على العباد نظرا لإثبات ~~الواجبات العقلية، ولكن لما ثبتت الواجبات العقلية من قبل يمكن إذن ~~البداية بقسمة الوجوب إلى «وجوب على الله» ووجوب على العباد. قد بلغ إثبات ~~وجوب الإمامة حد فرض وجوبها عقلا على الله؛ فالإمام هو الذي يعرف بالله، ~~وهو الذي يدل عليه، كما يدل على معرفة سائر المطالب. وكأن العقل غير كاف ~~في معرفة الله وإرشاد الناس إلى شئون الدنيا. كما أنها لطف في الزجر عن ~~المقبحات العقلية، وكأن الوازع الفردي لا يكفي في ذلك. الإمامة إذن واجبة ~~على الله لسببين؛ لنقص في العقل، ونقص في الإرادة. فالإمام معرف بالله ~~ومرشد للشريعة، يعطي المعارف النظرية والتوجيهات العملية. # 18 # ويكون للإمام وظيفة ثالثة، وهي تعليم اللغات، والتفرقة بين ~~الأغذية والسموم، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يتكلم لغة أو أن يقتات إلا ~~بوجود الإمام. واللغة هنا هي المعرفة، ليست بالضرورة لغة الكلام، بل قد ~~تكون لغة الإنسان أو لغة الطير. والقوت لا يعني بالضرورة الطعام، بل يعني ~~كل ما به قوام الحياة. الإمامة إذن ضرورية للحياة الروحية والبدنية؛ لذلك ~~فهي واجبة على الله. # 19 # فإذا كانت الإمامة واجبة على الله، فإن معرفتها واجبة في الدين عقلا ~~وشرعا، وجوب النبوة عقلا وسمعا. الإمامة والنبوة كلاهما واجبة بالعقل ~~والسمع. تجب الإمامة عقلا نظرا لاحتياج الناس إلى إمام تجب طاعته؛ يحفظ ~~الأحكام، وينفذ الشرائع، ويحمل الناس على مراعاة أوامر الدين واجتناب ~~نواهيه، ويساعدهم في تبيين الحلال من الحرام. وإن احتياج الناس إلى ~~استمرار الشرع ورعايته وبقائه قدر حاجتهم إلى بدايته وإعلانه ومعرفته، ~~وكلاهما واجب ولطف. كما تجب الإمامة سمعا لأمر الله الناس بطاعة أولي ~~الأمر، وهم الأئمة الهداة. # 20 # ولكن أليس العقل كافيا لمعرفة الدين والتمييز بين الحسن ~~والقبيح؟ صحيح أن الإمام له وظيفة تنفيذية صرفة بتطبيق الأحكام وإقامة ~~الحدود، ولكن الوجوب لا يأتي ms092 من شخص الإمام، بل من وظيفته. كما أن طاعة ~~أولي الأمر غير معينة بشخص الإمام، بل بسلطة غير مشخصة هي القائمة ~~بتطبيق الحدود وتنفيذ الأحكام، سلطة تنفيذية خالصة؛ لذلك تكون معرفة الأئمة ~~واجبة بالضرورة، «ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، ومن مات ~~ولم يكن في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يعرف الله ولا الشرائع، ~~وجهل المعارف النظرية والتوجيهات العملية. ولا يسع جهل الأئمة لأن معارفهم ~~ضرورية، وهي أولى من المعارف النظرية التي عند غيرهم، وقد يسع جهل الأئمة ~~ويكون الإنسان حينئذ لا مؤمنا ولا كافرا. وقد تصل معرفة الإمام إلى حد ~~لا يلتزم بعده بشريعة، ولا تجب عليه فريضة. وكأن معرفة الأئمة كافية بذاتها ~~وليست وسيلة لتطبيق الشرائع، كما يقول الصوفية في حب الله. # 21 # والحقيقة أن التطرف في إثبات ضرورة معرفة الإمام بعد إثبات ~~وجوب الإمامة يصل إلى حد إسقاط التكاليف بعد أن كانت الإمامة وسيلة للقيام ~~بها؛ وبالتالي يصبح من لا يعلم الإمام غير مكلف، لا تقوم عليه الحجة، ~~ويكون معذورا ما دامت العلة قائمة، وإلا يكون مكلفا أو معاقبا. وإن ~~عدم العلم به الآن مزيح للتكليف الآن، وطالما غابت المعرفة زيحت التكاليف ~~إلى نهاية الزمان. وهل يجب العلم بإمام واحد أم بالأئمة كلها نظرا أم حسب ~~حاجة المكلفين؟ وماذا عن الفترة التي لا توجد فيها إمامة أو نبوة، هل ~~تلغى التكاليف، وقد ثبت وجود فترة بين الرسل، وهذا يوجب الانقطاع وزوال ~~الاتصال؟ وينقلب في النهاية الهدف من الإمامة بدل أن تكون إقامة الشرائع ~~فإنها تنتهي إلى إسقاط التكاليف. قد يرجع ذلك كله إلى ضياع المعرفة، والخلط ~~في التكاليف، واضطراب الناس أيام الفتنة حتى لم يعد يعرف أحد من الإمام وما ~~وظيفته. ~~(2-2) وجوبها على العباد سمعا # إن لم تكن الإمامة واجبة على الله لأنها أمر مصلحي صرف، دفع ضرر وجلب ~~نفع، ولأنه لا يجب على الله شيء، وهو الموجب لكل شيء، فإنها واجبة على ~~العباد. وكأن ما لا يجب على الله يجب ms093 على العباد، وكأن الوضع الطبيعي هو ~~التقابل بين الله والناس إلى حد التعارض والتضاد. وإذا كانت الإمامة واجبة ~~على الله فإنها كذلك من أجل الناس رعاية لمصالحهم، فالوجوب على الله هو ~~وجوب من أجل المصلحة. # 22 # وإذا كان وجوب الإمامة وجوبا سمعيا شرعيا فلأنه وجوب ~~مصلحي، فالشرع إنما يهدف لرعاية المصلحة. # 23 # والوجوب السمعي إن كان مضادا للاوجوب إلا أنه لا يكون ~~مضادا للوجوب العقلي؛ إذ يجمع بينهما الوجوب المصلحي؛ فالسمع معتمد على ~~المصلحة، ولكن ما هي هذه المصلحة؟ هل هي إقامة الشعائر الفردية مثل الصلاة، ~~أو الاحتفالات الاجتماعية مثل الاحتفال أيام الجمعة والأعياد أو زواج ~~الأيامى وإقامة الحدود، أم هي وظيفة سياسية في أصلها؛ الدفاع عن الحدود، ~~وإقامة العدل بين الناس (توزيع الفيء)، وتوجيه مظاهر النشاط الاقتصادي؟ ~~ليست وظيفة الإمامة مجرد إقامة الحدود وإقامة الصلوات، بل إعطاء الحقوق ~~والدفاع عن المظلومين ورد المعتدين. لا تطبق الحدود إلا إذا عاش الناس ~~في حكم إسلامي يأخذون حقوقهم قبل أن يطالبوا بواجباتهم. فإذا ما طبق ~~الإمام الحد، وكان قد تم تنصيبه بيعة واختيارا، فإن هذا التطبيق يجد صدى ~~وقبولا عند الناس، وليس كإمام أتى وراثة أو انقلابا أو بناء على بيعة ~~صورية أو انتخاب مزور. وإذا كانت حرمات المسلمين اليوم مستباحة، ~~وحدودهم مخترقة، واستقلالهم ضائعا، وأراضيهم محتلة، فإن واجب الإمام أكثر ~~ما يتوجه إلى سد الثغور، وتجهيز الجيوش، والوقوف أمام قطاع الطرق، والقضاء ~~على المرابين والسماسرة وتجار السوق السوداء والمهربين، أكثر من التوجه ~~نحو الاحتفالات والموالد وتزويج الصغار. وظيفة الإمام عملية صرفة، أي ~~تنفيذية خالصة، وليست نظرية، أي تشريعية أو قضائية. ليست مهمة الإمام ~~إعطاء معارف، بل تنفيذ شرائع، وتأسيس دولة، والدفاع عن الحكومة، والذب عن ~~البيضة. فكيف بكل هذه الوظائف وتكون الإمامة فرعية لا أصلية، وليست جزءا ~~من العقيدة مع أنها التحام العقيدة بالشريعة، والنظر بالعمل، وتحقيق وحدة ~~الأصول بشقيه، أصول الدين وأصول الفقه؟ وإذا كانت الإمامة بمثل هذه ~~الأهمية فمعرفة الإمام واجبة، ومن لم يعرف إمام زمانه مات يهوديا أو ms094 ~~نصرانيا، أي بلا أمة. # 24 # وبهذا لا تفترق السلطة عن المعارضة السياسية في ضرورة الإمام، ~~الإمام القاهر، والإمام العادل، سواء من حيث الوجوب السمعي أو الوجوب ~~المصلحي، فلا قوام للجماعة بدونه. # 25 # وقد يتركب دليل شرعي يعتمد على الإجماع المتواتر أو تواتر ~~الإجماع. وفي هذه الحالة تظهر الحجة المصلحية كما ظهرت في الدليل النصي، بل ~~إن الحجة المصلحية تظهر كمقدمة جزئية مع الإجماع المتواتر كمقدمة قطعية. ~~الأدلة السمعية إذن اثنان؛ الأول: تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأولى ~~بعد وفاة النبي على امتناع خلو الوقت عن إمام، ولم يزل الناس على ذلك في كل ~~عصر إلى تنصيب إمام متبع. ومستند الإجماع نقل متواتر توفرت الدواعي ~~والقرائن عليه. # 26 # ولكن الطعن في حجية الإجماع يهدم الدليل؛ وبالتالي تهدم ~~الإمامة، فجائز أن يحدث خطأ في الإجماع، وأن يتغير من عصر إلى عصر طبقا ~~للظروف والمصالح، وأن يخطئ كل فرد نظرا لاختلاف الطباع، وأن تكون ~~الأحاديث التي هي مستند الإجماع آحادا ظنية، وأن يكون معارضا بحديث ~~آخر أو بإجماع آخر، إلى آخر ما هو معروف من نقد بعض المتكلمين للإجماع، ~~ونقد العقل لحجة السلطة؛ # 27 # لذلك يقرن الإجماع بالدليل الثاني، وهو المصلحة، تفاديا ~~لنقد الإجماع؛ وبالتالي يصبح للدليل مقدمتان؛ الأولى: قطعية، وهي أن نظام ~~الدين مقصود لصاحب الشرع قطعا. والثانية: جزئية، وهي أنه لا يحصل نظام ~~الدين إلا بإمام مطاع. وتكون النتيجة قطعية، وهي وجوب نصب الإمام. ويمكن ~~البرهنة على المقدمة الجزئية الثانية بأمرين؛ الأول بأن نظام الدين لا يحصل ~~إلا بنظام الدنيا، والثاني أن نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع. وفي ~~هذا الدليل تظهر حجة المصلحة أساس المقدمتين معا كقصد للشرع، وكضرورة في ~~الدنيا؛ فالمصلحة هي التي تجمع بين الدين والدنيا، أساس الدين، وضرورة في الدنيا. # 28 # ويمكن الجمع بين الحجتين، الإجماع والمصلحة، في حجة واحدة، ~~وهي أن ما دام فيه ضرر مظنون فإن دفعه واجب إجماعا. وفي هذه الحالة إذا ~~تم نقد الإجماع فإنه لا يمكن نقد المصلحة. وطالما قامت الفتن ms095 في حال وفاة ~~إمام وتنصيب آخر. ليس في الإمامة إضرارا منفيا لأنه لا ضرر ولا ضرار. ~~وإن الإضرار الناشئ من ترك الإمامة أعظم من الإضرار الناشئ من تنصيبها، ~~ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب. وإن تولية الإنسان على مثله ليس ~~ضررا؛ لأن الولاية ليست للشخص، بل للشريعة، ولأن الوالي إنما تمت بيعته ~~عن مثله؛ فالناس هم الولاة وليس الوالي. وإن استنكاف البعض من أن يولي ~~مثله عليه هو تشخيص للشريعة وضياع لها، وتحويلها إلى مجرد رغبة في السلطة ~~وتنافس عليها. وإن عزل الإمام مصلحة وليس مفسدة، سلام وليس فتنة، وهو أخف ~~ضررا من إبقائه. فإذا كان تنصيب الإمام واجبا إذا ما التزم بالشرع، فإن ~~عزله يكون أيضا واجبا إذا ما أخل به. # 29 # ويظل العيب في هذا التصور هو صورة الإمام القاهر المستبد ~~العادل الذي يحقق مصالح الناس، ولكنه قاهر يخشاه الناس، مع أن البيعة لا ~~قهر فيها، والاختيار طواعية ورضا. وقد أدت هذه الصورة إلى جعل الإمام ~~باستمرار قاهرا للأمة، وسلطانه غير مستمد منها، يرعى مصالحهم بالقوة ~~فيرغمهم، فتسابق الناس على الإمامة، ونشأت الانقلابات كل منها يعلن عن ~~تحقيقه لمصالح الأمة. ~~(2-3) وجوبها على العباد عقلا # مهما كانت هناك من حجج شرعية أو مصلحية لوجوب الإمامة، فإن الشرع ~~والمصلحة كلاهما من مقتضيات العقل؛ فالوحي والعقل والواقع وحدة واحدة ~~تتأصل فيها حياة الناس. يقوم الشرع على العقل والمصلحة، كما تقوم المصلحة ~~على الشرع والعقل، ويكون العقل دعامة الشرع والمصلحة. لا يمكن إذن رفض ~~الوجوب العقلي أو الوجوب المصلحي؛ فهو وجوب واحد مرة في الشرع، ومرة في ~~المصلحة. والوجوب العقلي لا ينافي الوجوب الشرعي لارتكازهما معا في ~~الوجوب المصلحي. # 30 # وإن كل الحجج والتحليلات التي تقدم لنفي الوجوب العقلي ~~بالرغم من تعددها وتنوعها لا تنفي الوجوب العقلي، بل تثبته مسبقا أو ~~تتركه جانبا؛ فاعتبار الإمام من باب التمكين، لولا الإمام لما كانت ~~السموات والأرض، ولما صح من العبد فعل هو نقل للوجوب من العقل إلى الوجود. ~~والعقل هو الوجود، والوجود هو ms096 العقل. يستحيل التمكين لأن المكلف قادر على ~~التكليف دون إمام، خاصة إذا كان الصفات المطلوبة في الإمام صعبة التحقيق. ~~واعتبار الإمام من جانب البيان وجواز خلو المكلفين منه يجعل المعرفة ~~منقولة وليست عقلية، ولا غنى للمعرفة النقلية عن المعرفة العقلية. وإذا كان ~~الإمام حجة لله على خلقه، ولا يخلو زمن من حجة، سواء كان نبيا أو إماما، ~~فإن ذلك إلغاء لحجة العقول. أما اعتبار الإمام من باب اللطف، فإن العقل ~~أيضا لطف، واللطف من الواجبات العقلية مثل المصلحة بالرغم من التقابل بين ~~أنصار اللطف وأنصار المصلحة. اللطف هبة من أعلى، والمصلحة اقتضاء من أسفل. ~~واللطف يحتاج إلى دليل، وهو كونه معرفا من جميع عامة المسلمين وجميع المكلفين. # 31 # لا يمكن رفض التأسيس العقلي للمشكلة السياسية. وإن ضرورة وجود ~~رئيس يجمع الكلم، ويوفق بين الإرادات الفردية، ويعبر عن الإرادة ~~الجماعية، وهي ضرورة عقلية ومصلحية في آن واحد، يعلم اضطرارا واكتسابا، ~~بداهة واستقراء. وكيف يؤدي التأسيس العقلي للقيادة، أي تأسيسها على أسس ~~لا عقلية؟ وإن الأدلة السمعية لتشير إلى هذه الضرورة النظرية والعملية في ~~آن واحد؛ فالمصلحة ليست مجرد تحقيق منافع، بل هي أساس عقلي. فإذا كانت ~~وظيفية الإمام تعيين الولاة في الأمصار وإقامة الحدود وتجهيز الجيوش، ففي ~~ذلك صلاح العباد، والصلاح أصل عقلي كما هو وضع اجتماعي وأساس وجودي. # 32 # كما أن الوجوب السمعي من حيث أدلة التواتر والإجماع لا يغني ~~عن الوجوب العقلي؛ فالاتفاق مع العقل شرط التواتر، كما أن الإجماع يقوم على ~~رأي الجماعة واجتهاد المجتمعين، وهو ما لا يتم إلا بالعقل. وإن القول بوجوب ~~الإمامة عقلا لا يطعن في وجوبها سمعا بالاعتماد على التواتر والإجماع، أو ~~في وجوبها مصلحة بناء على استقراء أحوال الناس والأمم، ولكن بتضافر الحجج ~~وتكملة بعضها بعضا. # 33 # ولكن لا يعني ذلك القول بمواصفات معينة للإمام مثل العصمة، ~~أو ضرورتها التي تعادل ضرورة النبوة وتفوقها، أو إيقاف الحدود وإبطال ~~الشريعة في حال غيابه أو عدم ظهوره تقية حتى رجوعه، أو عدم صحة الصلاة إلا ms097 ~~بالائتمام به، أو عدم كفاية الوحي ذاته إلا به، فذاك أدخل في صفات الإمام ~~وشروط الإمامة. # 34 # أما إثبات وجوب الإمامة عقلا عن طريق نقص البشر، وجواز ~~الاختلاف في المذاهب، واحتمال خطأ الاستدلال، فذاك إثبات للعقل عن طريق ~~الطعن فيه؛ فكمال البشر في العقل، واختلاف المذاهب إعمال للرأي، وهو من عمل ~~العقل، وأخطأ الاستدلال نتيجة لإعمال العقل، ويمكن تصحيحها بالعقل. # 35 # قد تكون الحكمة في رفض وجوب الإمام عقلا هي الإبقاء على ~~المشكلة السياسية، إما مصلحية خاصة، وبالتالي لا بد من القضاء على وجوبها ~~العقلي والسمعي، ونكون أمام إمامة الغلبة والقهر. أما إذا كان القصد ~~الاكتفاء بالوجوب السمعي لحين تقرر السلطة السياسية والدينية من هو ~~الإمام، وبالتالي تتمكن وتفرض الطاعة لأولي الأمر، فإن الوجوب العقلي # 36 # يصبح ضروريا؛ فالعقل يدل على الوجوب، ويدل عليه مباشرة دون ~~اللجوء إلى اللطف؛ فالوجوب من المعارف الضرورية، والإمامة جزء من المعارف، ~~وهي واجبة على العوام، وأوجب على الخواص؛ واجبة على الجمهور، وأوجب على ~~العلماء. فإذا أمكن تزييف وعي الجمهور، فإن وعي العلماء يند عن هذا ~~التزييف. ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، وكان الفقهاء قادة الأمة، ~~فالإمامة أوجب عليهم. الإمامة فرض عين، وليست مجرد فرض كفاية. كل مسلم ~~مسئول عنها ما دام قد بايع. الإمامة حق البيعة، والبيعة على الأمة عوامها وخواصها. # 37 # | ثالثا: كيفية ثبوتها # إذا وجبت الإمامة، وكانت ضرورية بالسمع وبالعقل وبالمصلحة، فكيف تثبت؟ وما الطريق ~~إلى تثبيت الإمام؟ الحقيقة أن الاختيارات عديدة، سواء من حيث العقل أو من حيث ~~الواقع، من حيث الاحتمال النظري أو من حيث التحقيق التاريخي. قد تثبت الإمامة بالنص ~~والتعيين، سواء كان هذا النص في أصل الوحي في القرآن أو في السنة، أو وصية من إمام ~~على إمام. وقد يكون النص كافيا بمفرده، أو يصاحبه دليل آخر من المعجزة أو العقل ~~أو الفعل بالخروج على الإمام الظالم. وقد يشير النص إلى الإمام باسمه وعينه، وقد ~~يشير إليه بصفته ورسمه دون تعيين له كشخص، ثم يسهل التعرف إليه بمطابقة ms098 الأوصاف في ~~الأشخاص وتحققها فيهم. وفي الاتجاه نفسه قد تكون الإمامة وراثة، ويقوم الدم فيها ~~بدور النص أو الوصية. وفي اتجاه معارض تماما تكون الإمامة بالبيعة. والبيعة ~~اختيار وعقد، إما من جمهور الأمة وعامة الناس، أو من أهل الحل والعقد، ممثلي ~~الأمة، المحافظين على الشرع، والمدافعين عن مصالح الناس. وقد يتحدد الاختيار ~~للإمام بناء على كثرة الأعمال، أي عن استحقاق شخص للإمام، أو عن تحققها بالغلبة ~~والقهر. وفي هذه الحال تفقد البيعة أساسها الأول، وهو الاختيار الحر. وبالرغم من ~~وجود احتمالات أخرى تجمع بين النص والاختيار، ولكنها في الحقيقة تعينات لهما في ~~التاريخ، ووصف لحوادث معينة، مثل قبول النص في الأئمة الثلاثة الأوائل ثم إلغاء ~~البيعة بعد ذلك، أو قبول البيعة للأئمة الثلاثة الأوائل ثم مبايعتهم بعد ذلك، مما ~~يدل على حدوث الخلاف بعدهم؛ فقد ظل الاختيار بين اتجاهين رئيسيين، ألا وهما ثبوت ~~الإمامة بالنص والتعيين، أو ثبوتها بالعقد والاختيار. # 1 # أما الاحتمالات الأخرى فقد اندرجت تحت التيارين الرئيسيين ولم يتم ~~تطويرها؛ إذ تندرج الإمامة بالوصية أو الوراثة تحت الإمامة بالنص والتعيين، كما ~~تندرج الإمامة بكثرة الأعمال وبالغلبة تحت الإمامة بالعقد والاختيار، ولكل حالة ~~واقع تاريخي. وكأن هذا الواقع التاريخي هو الذي فرض نفسه كحالة نظرية؛ مما يجعل ~~أمر تجريد النظرية من ملابساتها التاريخية أمرا صعبا (الفصل بين التعيين وإمامة ~~علي والاختيار وإمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز)، حتى لتصعب ~~الإجابة على سؤال: أيهما أصل وأيهما فرع؟ هل النظريتان تنظير للواقع التاريخي، أم ~~أن الواقع التاريخي تحقيق للنظريتين؟ ووصية إمام على إمام بعينه قد تكون صحيحة، ~~ولكنها غير واجبة إذا ما تغيرت المصالح والظروف، خاصة وأن اختيار الجماعة خير من ~~اختيار الفرد حتى ولو كان إماما. وقد يتغلب الهوى على الإمام في وصيته، حتى ولو ~~كان أتى عن بيعة. ويمكن للوصية أن تكون مجرد افتراض، ولا تصبح شرعية إلا ببيعة ~~تعلن عن قبول الناس لها. وفي هذه الحالة لا يستمد الإمام شرعيته من الوصية الأولى، ~~بل ms099 من البيعة الثانية. والوصية جائزة في كلتا الحالتين؛ النص والتعيين من ناحية، ~~والعقد والاختيار من ناحية أخرى. الأولى من إمام إلى إمام دونما حاجة إلى توثيقها ~~ببيعة، في حين أن الثانية تبدأ من إمام إلى إمام، ثم تنتهي عن طريق التوثيق بالبيعة. # 2 # أما الوراثة فإنها تثبت في حال النص والتعيين وتنفى في حالة العقد ~~والاختيار، ولكن الواقع التاريخي أحيانا يناقض الوراثة حين إثباتها. # 3 # أما كثرة الأعمال فهي أدخل في شروط الإمام بالعقد والاختيار. أما ~~الإمامة بالغلبة والقوة فهي مجرد تبرير لواقع دون تأصيل نظري؛ إذ إنها مناقضة ~~للبيعة والاختيار. ~~(1) هل تثبت الإمامة بالنص والتعيين؟ # قد تثبت الإمامة بالنص وحده، وقد يكون النص ضروريا - وإن كان هناك اختلاف ~~في تأويله - أو جليا ظاهرا لا خلاف عليه، أو خفيا مستنبطا مع ذكر العلة. ~~وقد يكون النص مقرونا بدليل من معجزة أو عقل أو خروج. # 4 ~~(1-1) النص الجلي والنص الخفي # والحقيقة أن جواز الإمامة يكون بالنص عند جمهور الأمة بصرف النظر عن ~~فريقها، ولكن الخلاف هو هل تعقد بالاختيار أيضا أم بالنص وحده. # 5 # وفي هذه الحالة يكون النص جليا واضحا ظاهرا على إمامة شخص ~~بعينه، هو الإمام الرابع، وإنكار ذلك يرتقي إلى مرتبة الكفر. وإن لم يكن ~~النص جليا واضحا على اسمه وشخصه فإنه يشير إلى صفته ورسمه. والنص من ~~الله إلى الرسول، ثم من الرسول إلى الإمام. وقد يشفع ذلك الوصية من الإمام ~~على من بعده، فالوصية استمرار للنص في التاريخ. وكل إمام يأتي دون الإمام ~~المنصوص عليه يكون إماما ظالما مغتصبا للسلطة، ويضل من بايعوه، ويصل ~~هذا وهؤلاء إلى حد الكفر. # 6 # ويثبت النص بحجتين؛ الأولى: أن الاجتهاد باطل لأنه يعرض للخطأ، ~~والإمامة لا تحتمل الخطأ، فهي أصل من أصول الدين. والحقيقة أن هذا إبطال ~~لأصل من أصول التشريع في علم أصول الفقه، ولا يمكن إثبات أصل في علم أصول ~~الدين بإنكار أصل من علم أصول الفقه، فكلاهما علم الأصول، وإلا لتنافت ~~الأصول، وأبطل بعضها بعضا. والثانية: ms100 أن العصمة لا تعرف اجتهادا، بل ~~تعرف بالنص. والحقيقة أيضا أن هذا إثبات للعصمة وليس إثباتا للإمامة، ~~إثبات للصفة وليس إثباتا للموصوف، كما أن العصمة متنازع عليها، وليست ~~صفة مقبولة بإجماع الأمة، ولا يمكن إثبات الإمامة اعتمادا على شيء لم ~~يثبت بعد. كما لا يمكن إثبات أصل، وهو الإمامة، على فرع لها، وهو العصمة، ~~وإلا لثبت الكل بإثبات الجزء. # 7 # وقد يقال إن الإمامة لما كانت واجبة بالنص فإن النص قد حصل ~~ووقع، ولكنه لم ينقل. ومع ذلك تثبت الإمامة بثلاث حجج؛ الأولى: أنه إذا ~~كان الإمام معصوما، ولم تثبت العصمة في أحد من الصحابة، كان الإمام الرابع ~~لأنه هو المعصوم. وهي حجة تقوم على أن العصمة هي الأصل، وأنها أمر قد ~~تم من قبل، كما أنها تقوم على برهان الخلف، وهو يثبت الشيء عن طريق نفي ~~نقيضه، وهو برهان ضعيف. والثانية: أنه إذا ثبت أن الإمام هو الأفضل، وثبت ~~أن الإمام الرابع هو الأفضل، كان هو الإمام وإن لم ينقل النص. وهي حجة ~~شرطية تتوقف على صحة المشروط، وحتى لو كان صحيحا فإنها تعتمد على إثبات في ~~الواقع أن إماما بعينه هو أفضل من غيره. وكثير من الصحابة فضلاء، ~~ويشاركون في الفضل. وقد يكون الإمام هو المفضول لاعتبارات عملية، حقنا ~~للدماء، ودرءا للفتنة. والثالثة: أنه إذا صح القدح في غير الإمام الرابع ~~فإنه يكون هو الإمام، وإن لم ينقل ذلك نصا. والحقيقة أن القدح في أحد ~~ليس حجة ضده؛ لأنه يأتي من الخصوم، ولأن المقدوح فيه معروف له بالفضل ~~والتقوى والصلاح، ويشهد له بذلك كما يشهد للإمام. # 8 # لا يمكن أن يكون طريق إثبات الإمامة هو النص الجلي، وإلا لكان رده كفرا؛ ~~وبالتالي أدى إلى تكفير الصحابة وجمهور الأمة. ولا يجوز أن يكون أمر مهم ~~في الدين، مثل الإمامة، له نص خفي ولم يعلم ضرورة، وإلا لجاز ورود نص ~~في صلاة سادسة أو سابعة، أو جازت زيادة أصل فيه. ولو كان هناك نص ثابت ~~لعلمت صحة ثبوته كالعلم بالشرع ms101 ضرورة دون إلهام أو اكتساب؛ لأن معرفة ~~الشرع بالتواتر . والتكليف علم في الشرع، لا يعرف البعض دون البعض. كما أن ~~شروط التواتر تمنع من التعصب والهوى والكتمان، مثل تجانس انتشار الرواية في ~~الزمان بين أولها ووسطها وآخرها درءا لمؤامرات الصمت. ولا يعقل أن ~~موضوعا مثل الإمامة به صلاح الأمة، وتحقيق وحدتها، والدفاع عن أرضها، ~~وتحقيق المصالحة فيما بين أفرادها، وأخذ حقوق المظلومين، وهو أهم من ~~الاستنجاء والمسح على الخفين والتيمم والغائط، ولا ينقله الكافة عن الكافة. ~~لو ثبت نص لنقله الناس، ولما سكتوا عن روايته. وإن النص على الخلافة واقعة ~~عظيمة، مثلها يجب اشتهارها بحيث يعرفها الموافق والمخالف. وقد اشتد ~~النزاع حولها وتطايرت الرقاب؛ مما ينفي احتمال السكوت وعدم النقل. وكيف ~~يمسك الصحابة، وهم المعروفون بالتقوى والصلاح، عن نقل نص ظاهر، ويبدلونه ~~إلى الاختيار، وهم الصفوة الأولى، والقدوة في العلم والعمل؟ ولا يمكن ثبوت ~~الإمامة بنص خفي، فلم يخف شيء على الصحابة وهم المشهود لهم بالعلم وفهم ~~المقاصد والغايات. وكيف يمسك الرسول ذاته عن أهم الأبواب ولا ينطق فيها ~~بنص ولا يشير إلى شخص معين حتى وصلت الأمور إلى هذا الحد من الاختلاف ~~وضياع الحق مع الباطل، وهو الذي لم يترك شيئا في الدين إلا وبينه، حتى ~~كمل الدين وتركه على الواضحة، ليله كنهاره؟ # 9 # وكما غاب النص على الإمامة على الإطلاق، غاب النص على إمام بعينه، الإمام ~~الرابع؛ فقد تأخر عن بيعة الإمام الأول ثم بايعه دون إكراه، وبايع الإمام ~~الثاني طواعية، ودخل مع الستة في الشورى دون مناداة بحق زائد. ولو كان ~~هناك نص عليه لأظهره، ولكنه لم يفعل مع أن الصحابة قبلوا الرد بالنصوص. ~~وقد أظهر الإمام الرابع كثيرا من النصوص واستدل بها دون أن يكون واحد منها ~~نصا على إمامته، كما روى حديث الشورى وله نيف وسبعون دلالة، وروى أحاديث ~~على إمامته وفضله دون أن يكون أحد منها نصا على إمامته، وكان الأولى أن ~~يذكره نظرا لعموم البلوى بها. لو كان هناك نص لنقله أهل التواتر، ms102 خاصة ~~وأن طالبي الإمامة لأنفسهم كانوا قلة، وكان الباقون يعظمون الرسول ويخشون ~~من مخالفته. وقد حدثت أسباب توجب نصرة الإمام الرابع، وتدعو إلى إذاعة ~~الخبر المنصوص عليه فيه، كما تدعو شجاعته وعظمة أتباعه ومطالبة الأنصار ~~الإمامة وهو منهم، فلو كان النص موجودا لواجههم به. ولا يتورع عن إخفاء نص ~~أو الإمساك عنه وهو المشهود له بالشجاعة وعدم الخوف. وفي مثل هذا الحدث ~~الضخم لا ورع ولا تقوى يغنيان عن المجابهة. ولم يذكر النص وهو في ستة من ~~الشورى. وبعد مبايعته كإمام رابع لم يبايعه الناس بناء على نص، بل عقدا ~~واختيارا. وإن حجة التاريخ أقوى حجة، وهي عدم إنكار إمامة الخلفاء الثلاثة ~~الأوائل، وعدم إنكار الخليفة الرابع لهم، فلا يعقل ألا يعترض أحد وألا ~~يعترض الخليفة الرابع نفسه. # 10 # فإذا بطل التعيين بالنص صح الاختيار بالعقد. وإن أكبر دليل على ~~بطلان النص هو الاختلاف حول المنصوص عليه باسمه، وعدم ظهور علم ثابت يحسم ~~الأمر، ولو كان هناك نص لقيل أمام الجمهور فيصبح متواترا، أو أمام واحد ~~واثنين فيصبح آحادا. والأول غير منقول، والثاني لا يورث العلم. ولو كان ~~واحدا لبينه الوحي وتعلمته الأمة. وإذا كان النص يعلم ضرورة أو ~~جوازا فلا ضرورة من العقل يقتضي التخصيص على شخص معين. والجواز من خبر ~~الآحاد، وهو لا يورث العلم. والنص الجلي لا ينكتم، ولا يمكن إخفاؤه، والنص ~~الخفي لا سبيل إلى علمه إلا بتأويل مظنون. وإن معظم النصوص المروية إنما ~~تهدف إلى استعمال حجة السلطة ضد حجة العقل، وتهدف إلى زعزعة النظام القائم؛ ~~فهو سلاح سياسي أكثر منه برهانا علميا. # 11 # وقد يبطل النص بالنظرية العامة في الخبر على ما هو معروف في ~~نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى؛ # 12 # فبالرغم من كون الإمامة أحد الموضوعات الظنية، إلا أن كيفية ~~ثبوتها هو من الأمور القطعية، ويتطلب ذلك الاعتماد على الحديث والأخبار ~~كنظرية مستقلة في المعرفة ابتداء من تعريف الخبر وأقسامه حتى شروط ~~التواتر؛ فالخبر جملة خبرية لا إنشائية، قول يحتمل الصدق والكذب، ms103 وينقسم ~~إلى ما يعلم صدقه قطعا، وما يعلم كذبه قطعا، وما يحتمل الاثنين . ~~الأول ما وافق المعلوم قطعا بضرورة أو دليل قاطع، مثل الخبر عن المحسوسات ~~وعن الضرورات، والثاني ما خالف الأول، والثالث ما يجوز فيه الصدق والكذب أو ~~النفي والإثبات. الأول فقط يفيد العلم القطعي، ونموذجه الخبر المتواتر، في ~~حين أن الثاني لا يفيد العلم القطعي، أما الثالث فلا يفيد إلا الظن. ~~فالخبر المتواتر يعلم باضطرار لأنه يخبر عن حس أو بديهة طبقا لمجريات ~~العادات، وليس عن نظر أو استدلال، كما أن عدد رواته يكون كافيا بحيث يؤدي ~~إلى درجة حصول اليقين، والرواة عادة مستقلون عن بعضهم البعض، الأمر الذي ~~يمتنع معه التواطؤ على الكاذب. والنص الذي تجب به الإمامة ليس خبرا ~~متواترا؛ وبالتالي لا يفيد العلم القطعي؛ وبالتالي فلا بد أن تجد بعض ~~مسائل علم أصول الدين حلها في علم أصول الفقه. # 13 ~~(1-2) النص المقرون بدليل المعجزة أو العقل أو الخروج # وقد تقف المعجزة وحدها كدليل بديل عن النص أو معه، فيختلط إثبات الإمامة ~~بإثبات النبوة. وإذا لم تكن المعجزة دليلا على النبوة فالأولى ألا تكون ~~دليلا على الإمامة. # 14 # وقد تثبت الإمامة بالنص مقرونا بالعقل؛ لأن العقل يقتضي أن تكون الإمامة ~~نصا وليس اختيارا، تعيينا وليس عقدا. لا يمكن القول بالنص وحده دون ~~تدخل العقل، إما في ضرورة وجوبه أو في إثباته أو في فهمه ومعرفة علته ~~ومعناه. وهذه أشبه بالحجج العقلية على ثبوت الإمامة بالنص، منها: أن أمرا ~~مهما في الدين كهذا لا يترك لاختيار الأمة، بل لا بد من النص عليه. ~~وكأن الاختيار ليس موضعا للثقة. والنص أدعى إلى الاتفاق من الاختيار الذي ~~يوقع الخلاف ويسبب الشحناء والبغضاء. مع أن الخلاف على تأويل النصوص ليس ~~بأقل من الخلاف في الاختيار والعقد. كما أن الصلاح يقتضي النص على الإمام ~~وتعيينه. وكأن الاختيار أسوأ من النص وأقل صلاحا منه، مع أن به ضمانا ~~أكثر نظرا لأنه يقوم على الاجتهاد والاختيار الحر. وأخيرا لو جاز ثبوت ~~الإمام ms104 بغير نص لجاز ثبوت النبي. وكأن الإمامة مثل النبوة، مع أن النبوة ~~تبليغ للوحي، فهي قضية دين ودنيا، في حين أن الإمامة تنفيذ للوحي، فهي قضية ~~دنيا فحسب، وليس فيها تبليغ وحي، وظيفة عملية صرفة، وليس لها أي دور معرفي ~~مثل النبوة. # 15 # وإن كل الشبه التي وردت لتأسيس التعيين بالنص على العقل ~~مردود عليها؛ أولا: إذا كان الإمام حجة ومستودعا للشرعية وقيما ~~يحفظها ويؤديها، فإن ذلك يستدعي بالضرورة تعيينه بالنص، بل يمكن ذلك ~~بالاختيار، فالناس أدرى بشئون دنياهم. ولكن الإمام ليس حجة الشريعة يحفظها ~~ويؤديها، ويفسرها ويئولها، بل الإمامة وظيفة تنفيذية خالصة، يقوم بها أي ~~إنسان قادر، ولا يعرف ذلك إلا الناس. إذا كانت الإمامة معرفة فهي معرفة ~~بعدية وليست قبلية يتم الحصول عليها باستقرار قدرات البشر بعد الخلق، وليس ~~تعينا قبل الخلق. هي اختيار مسئول تتحمل الأمة تبعاته. ثانيا: إذا كان ~~الإمام يقوم بمصالح الدين فلا يجب بالضرورة أن يكون معصوما، وإن العصمة لا ~~تعرف إلا بالنص. يلزم فقط أن يكون قويا قادرا على أداء الأمانات، ~~والقيام بالولايات. وأول شرط لذلك هو اختيار الناس له حتى تتم الطاعة له؛ ~~فالعصمة ليست شرطا في الإمامة لأنها تقوم على اجتهاد وإجماع، وتعتمد على ~~النصيحة والشورى، ويراقبها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يمكن ~~معرفة العصمة بالنص لأن العقل يرفضها، والنص يطابق العقل ويؤكده. هناك فرق ~~إذن بين الإمامة والعصمة. إثبات الإمامة ممكن بالاختيار، في حين أن العصمة ~~لا اختيار فيها، ولا عصمة لأحد، وتنفيذ الأحكام وتطبيق الحدود يستلزم معرفة ~~الشريعة التي تقتضي أيضا المعرفة بأحوال الأمة، ويتدخل فيها الاجتهاد؛ ~~لذلك توجد السلطات القضائية لمراجعة أفعال الإمام. ثالثا: لا توجد في ~~الإمام صفة زائدة مثل العصمة أو غيرها، ولا اجتهاد فيها، ولا بد أن تكون ~~بنص، وإلا كان هناك تكليف بما لا يطاق؛ فالصفة هي مجرد الشرط الذي يجب ~~توافره في الإمام ضمن باقي الشروط، مثل العدل والقوة. ويمكن معرفة ذلك ~~بالعقل والمشاهدة، بالرؤية والتجربة، كما هو الحال في تحقيق المناط ms105 عند ~~الأصوليين، وليس في ذلك أي تكليف بما لا يطاق. رابعا: إذا كان الإمام ~~أفضل الناس فيمكن معرفة ذلك من خلال السلوك وليس من النص؛ فالنص لا يشير ~~إلى أشخاص بعينهم، بل إلى حالات عامة أو أنماط سلوكية مثالية تتحقق في ~~هذا الفرد أو ذاك، وإلا فقد النص شموليته. كما يصعب الانتقال من النص إلى ~~الشخص دون إسقاط أو تدخل هوى، وكل مفسر يرى فيمن يحب الشخص المشار ~~إليه. تعرف الأفضلية كالشرط تجريبيا وواقعيا وليس قبليا. لا يعني ~~الوحي الأفضل لأنه متناه والخلق لا متناه. هذا بالإضافة إلى جواز إمامة ~~المفضول مع وجود الأفضل في ظروف معينة إن كان تولي الأفضل يسبب ضررا ~~على الأمة، مثل الشقاق أو الفتنة. # 16 # وقد يقرن النص بالخروج، النظر بالعمل، الفكر بالواقع، الشرع ~~بالاستحقاق، فيكون الطريق إلى ثبوت الإمامة هو النص والخروج، فإذا انطبق ~~النص وحده على الأئمة الثلاثة الأوائل من آل البيت، فإنه لا يكفي بعد ذلك ~~إلا مقرونا بالدعوة والخروج؛ فكل من شهر سيفه وخرج لنصرة الأمة، ونابذ ~~الظلمة، استحق الإمامة وانقياد الناس له. وإذا كان النص قد ورد على ~~أئمة بعينهم، فإنه يكفي الخروج لتحقيق النص والتطابق معه. # 17 # ويبدو في ذلك تنظير للأحداث السياسية التي أوجبت الخروج بعد الأئمة ~~الثلاثة الأوائل من آل البيت، واستتباب الأمر للسلطة، وتحول المعارضة إلى ~~خروج بالسيف دفاعا عن الحق ومقاومة للظلم. ومع أن الخروج على الإمام ~~بالسيف حق إذا خان الإمام أو استسلم للأعداء أو تهاون في تطبيق الشرع أو ~~الذب عن البيضة وبناء الثغور وتقوية الجسور، فلا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق، إلا أن ذلك لا يحدث إلا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~والنصيحة في الدين. كما أن الخروج ليس دعوة للذات طلبا لبيعة الناس، بل ~~لمقاومة الإمام الظالم حتى يأتي الناس ببيعة جديدة لإمام عادل. وقد ~~تتكاثر الأئمة إذا ما خرج الكثير على الإمام الظالم لمقاومته، فيستحيل بعد ~~ذلك اختيار أحدهما إماما ومبايعة الناس له. قد يحدث ذلك في حال تنصيب ms106 ~~إمامين، فيتم الخروج على أحدهما والدعوة إلى الآخر، وليس في حالة الاتفاق ~~على إمام واحد. وقد يستعصي الحل السلمي إذا ما نظر إلى الأفضل والأزهد ~~أولا، فإن تساويا نظر إلى الأمتن والأحزم، فإن تساويا انفلت الأمر ~~وتحول إلى حرب بينهما، كل منهما يدعي الإمامة ويفتي ضد الآخر، لدرجة ~~إباحة دمه واستحلال حرماته. ونظرا لغياب العقل ينتهي الأمر كله إلى التقليد. # 18 # والحقيقة أنه في مجتمع يقوم فيه كل شيء بالتعيين، ولا أثر فيه ~~للاختيار الحر، تكون الإمامة فيه بالتعيين أضر، والاختيار لها أصلح، وفي ~~مجتمع آخر يضيع فيه الاختيار، ولا تنعقد له بيعة، قد يصح فيه ضبطه بالنص ~~وبحجة السلطة. ومع ذلك فلا يمكن إخراج أحكام من نصوص؛ إذ تأتي الأحكام من ~~تحليل الواقع. وقد أتت النصوص من قبل نموذجا لأحكام صدرت بعد تحليل ~~الواقع وتجربتها فيه. ~~(1-3) الواقع التاريخي # ويتحقق التعيين بالنص في الواقع التاريخي، وكأن التاريخ يسير وفقا للنص، ~~وليس النص تبريرا لوقائع التاريخ، وما أسهل أن يجد الحدث التاريخي له ~~أصولا في النصوص. ولما كان الحدث التاريخي فعلا إنسانيا واختياريا ~~إجماعيا، وكان النص الديني وحيا مدونا، فإن الحدث التاريخي يفرض نفسه ~~على النص، ويجد نفسه مقروءا فيه. ولما كان الحدث التاريخي خاصا، والنص ~~الديني عاما، فرض الخاص نفسه على العام، فخصص العام وطبق على الخاص. ~~وتنازع النص اتجاهان؛ الأول: للمحافظة على عمومه خارج التاريخ كمبدأ ~~نظري عام. والثاني: من أجل تخصيصه على حدث معين أو شخص بعينه حتى يكون ~~تعيين الإمام بالنص. فإذا ما اختلف الخياران الإنسانيان حدث الجدال حول ~~النص، وتحول الموقف كله إلى جدل ومحاجة لتبرير المواقف السياسية ~~المسبقة. ويحدث ذلك إما بالشك في صحة الخبر من أجل تقويض مواقف الخصوم ~~السياسيين، أو إعادة تأويل معناه بحيث لو ثبتت صحته يكون ضد الخصم وليس ~~معه. ويكون أيضا بإيراد خبر مضاد في مقابل خبر الخصم حتى تتكافأ الأدلة، ~~وإبراز معنى ضد معنى، ولا يكون أحدهما أولى من الآخر. فالأول جدل سلبي، ~~والثاني جدل إيجابي. الأول ينزع ms107 من الخصم سلاحه ويرده إليه، والثاني ~~يوجه إليه سلاحا جديدا. # وما أكثر النصوص لإثبات التعيين بالنص على الإمام الرابع، بل إن مجرد ~~اختلاف صياغاتها تدل على عدم صحتها؛ وبالتالي يؤدي إلى الشك فيها. وإن ~~الاختلاف في حجمها وترددها بين الطول والقصر، بين العموم والخصوص، ~~ليشير إلى قدر الوضع فيها من أجل تبرير إمامة شخص بعينه في مجتمع النص ~~الديني فيه حجة ومصدر سلطة، كما أن كثرة النصوص من الحديث وزيادتها على ~~نصوص القرآن تدل على احتمال الوضع؛ لأنه سهل في الحديث، مستحيل في القرآن. ~~فمثلا آيات الموالاة في القرآن بالرغم من كون بعضها قد نزل بمناسبة شخص ~~بعينه، حتى ولو كان الإمام الرابع، إلا أنها عامة وليست خاصة، كما أن ~~الولاية لا تعني الإمامة؛ فالولي هو الناصر وليس المتصرف، مثل تحريم ~~موالاة اليهود؛ فالولاية اسم مشترك تعني النصرة، وليس الإمامة الواجبة ~~الطاعة؛ فالله ولي، والرسول ولي، والمؤمنون أولياء بمعنى نصراء، وليس بمعنى ~~أئمة. والله لا يؤم الناس، ولكن ينصرهم. ولماذا يعني الرسول بالموالاة ~~الإمامة، فيخرج الاسم عن مدلوله، ويختلف المسلمون في تأويله، مع أن أمرا ~~مهما كهذا، أصلا من أصول الدين، كان يمكن لو صح النص والتعيين فيه أن ~~يقوله الرسول صراحة؟ ولكن الشرعية التاريخية الضائعة في مجتمع الاضطهاد ~~وضعت نصوصها كنوع من المقاومة لمجتمع القهر، وكأن الذات تخلق الموضوع ~~دفاعا عن وجودها فيه. # 19 # وهناك نصوص أخرى أكثر صحة من الأولى، ولكنها تدل على اختيار ~~النبي للإمام الرابع باعتبار النبي بشرا، وليس باعتباره نبيا؛ نظرا ~~لقربه منه ومودته له، وإعلانا عن ذلك وسط جموع المنافقين، وردا على ~~إنكارهم عدم تولي الإمام الرابع إمارة الجيش في إحدى الغزوات الأخيرة. ~~والقصد هو إعلان القرب والمودة في حياة النبي، وليس الخلافة له بعد مماته. ~~كما يدل على شد الأزر والاستعانة به دليلا على الأفضلية، وليس إعلانا عن ~~المشاركة في النبوة أو النص على الخلافة. ولفظ الاستخلاف عام لا خاص، يدل ~~على الخلافة في الصلاة وفي غيرها، وليس على الإمامة وحدها. كل له ms108 فضله، ~~الإمام الرابع وغيره؛ هذا في المودة والقرب، وذاك في العلم، وثالث في ~~التشريع ... إلخ. وما أكثر النصوص التي قيلت في الكثيرين ، وهي كلها أخبار ~~آحاد لم يحتج بها أحد على خلافته، وأطاعوا الإمام الذي بايعه الناس ~~وعقدوا له واختاروه. # 20 # أما الإعلان عن الإمامة الصريحة نصا وتعيينا فإن كل الأخبار ~~الواردة بشأنها موضوعة متواطئة، ولو كانت صحيحة متواترة لأثرت في مجرى ~~الحوادث، ووجهت اختيار الإمام الأول. وقد نقلت أخبار أخرى صحيحة ~~معارضة، وتمت معارضتها بأخبار أخرى دون أن تظهر أخبار النص والتعيين في ~~مجال المعارضة وهي على أشدها. وإن تأخر الإمام الرابع عن البيعة مثل ~~تأخر غيره لانشغاله في موضوعات أخرى؛ مما يدل على أن الإمامة لم تكن ~~قصدا موجها له ولا غاية له. ولم يمنع الإمام الرابع من بيعة الإمام ~~الأول أو الثاني أو الثالث، ورضي بالبيعة عقدا واختيارا، وشارك فيها. ~~وكيف تكتم الجماعة المشهود لها بالحق نصا لتعيين الإمام الرابع وهم ~~يحرصون على نقل النصوص وجمعها؟ وقد تم نقل نصوص في موضوعات أقل أهمية، ~~فكيف لا تنقل نصوص في الموضوعات الأهم مثل الإمامة؟ وإن النصوص حول إمامة ~~غيره أقوى من النصوص على إمامته، ولم يحتج أحد بها. وقد نقلت نصوص حول ~~عدالة الإمام الرابع وشجاعته، فكيف لا تنقل نصوص صحيحة وصريحة على ~~إمامته، وقد وجد في بيئة منقسمة عليه بين أنصار وأعداء، والنص سلاح الخصوم؟ # 21 # وإن كثيرا من النصوص الأخرى لتخلط بين الإمامة والفضل، بين ~~الإمامة والعصمة، بين الإمامة والقربى، بين الإمامة والمودة، بين الإمامة ~~والأخوة، بين الإمامة والطاعة. # 22 # أما النصوص الأخرى فإنها تدل على فضائل الإمام الرابع وليس على ~~إمامته. وهي فضائل يمكن ردها إلى الصفات التي يجب توافرها في الإمام وفي ~~شروطه، وكثير منها قد يدل على العصمة أو الطاعة أو الفضل أو القربى أو ~~المودة، وليس بالضرورة على الإمامة. وبالإضافة إلى أن كثيرا منها أخبار ~~آحاد؛ فإن مثلها كثير في فضائل باقي الصحابة، وكثير منها عام في جميع ~~المؤمنين، وبعضها يشير إلى ms109 النبوة لا إلى الإمامة. وكان الإمام الرابع ~~يثبت خلافة الإمامين الأول والثاني، ولا يعتبر نفسه أحق منها. # 23 # أما الصفات الشخصية مثل العلم والعدالة والشجاعة، فإنها تؤهل ~~للإمامة اختيارا لا نصا ضمن شروط الإمام، وهي صفات مكتسبة بجهد ~~الإنسان واستحقاقه، وليست مخلوقة سلفا فيه. والقضاء والعلم والسلام ~~والشفقة كلها شيء، والإمامة بنص صريح شيء آخر. وكل ذلك يمكن حمله على ~~تعظيم الإمام الرابع في الدين، وعلى علوه فيه، لا على الإمامة، وعظمته في ~~الدين مثل عظمة باقي الجماعة وصونها من الفسق والنفاق. وقد بلغت الأخبار ~~بذلك مبلغ التواتر. # 24 # وقد تكون هناك عدة وقائع أبلغ من النص الإجمالي أو الجلي، مثل ~~استخلاف الإمام الرابع في حياته. ولكن مثل هذا الاستخلاف كثير وعام في ~~غيره، ولا يخص الإمامة. # 25 # وهناك حجج معنوية أخرى لإثبات الإمامة بالنص والتعيين تعتمد ~~على العقل! وهو تناقض منهجي يقوم على إثبات النص والتعيين عقلا، ولا ~~يثبت الإمامة عقلا؛ فمثلا لا يجوز أن يكون عالما باحتياج الخلق إلى ~~الإمام وفقا لما وردت به الأدلة السمعية، وإلا كان قدحا في نبوته. كما لا ~~يجوز أن يكون عالما بذلك دون أن ينص عليه، وهو أهم من الاستنجاء والتيمم، ~~وإلا وقعت الأمة في الخطأ. والحقيقة أن الرسول علم أن الإمامة لا تتم إلا ~~اختيارا، فتركها كذلك بيعة للأمة وشورى بينها. والنص حجز لقدرات الأمة ~~وقيد عليها. يبين الرسول الاستنجاء والتيمم لأنها أمور شرعية، أما ~~الإمامة فعقلية مصلحية لم يبينها الرسول لأن الناس أعلم بشئون دنياهم. ~~وإذا كان الإمام تكميلا للدين فإن تركه بيعة واختيارا ليس معصية، بل إن ~~التنصيص عليه حجر على الأمة وحصر لمصالحها. ولا يمكن إجماع الأمة على أئمة ~~بعينهم محصوري العدد دون غيرهم، وإبطال الجميع إلا واحدا يكون هو الإمام ~~الحق؛ لأن السبر والتقسيم في علل الأحكام وليس في إجماع الأمة على ~~الأئمة. الأئمة ليس لهم عدد معلوم طالما أن الزمان قائم والأمة في التاريخ. # 26 # ويستمر التعيين في التاريخ وراثة أو وصاية؛ فالدم المنبثق عن الإمام ms110 ~~الأول مثل النص عليه في الوحي. ويعود النص من جديد من إمام على غيره، ~~فتكتمل الدورة في النص إلى الدم، ومن الدم إلى النص. # 27 # وهل نص الإمام الرابع على إمامة بنيه؟ هل هناك صراع بين الأخ ~~والابن في نسق القرابة؟ ولماذا لا تكون الوراثة في الأبناء وحدهم وتكون في ~~الآخرة أيضا؟ وما العمل إذا ما وقع خلاف في شجرة الأنساب؟ ولماذا يتم ~~اعتبار مؤسس الفرقة إماما وهو ليس من نسل الإمام الرابع، وكأن الوصية ~~تعادل الوراثة؟ هل يمكن ضبط ذلك بنسق للقرابة؟ # 28 # ماذا يحدث لو كان الإمام الوريث صبيا أو طفلا رضيعا؟ أليس ~~العقل والبلوغ من شروط الإمام أو وصيته لهم؟ وما العمل لو لم تتحقق من ~~الإمام المنصوص عليه أو الموصى إليه شروط الإمامة؟ ماذا لو كان مجنونا أو فاسقا؟ # 29 # وقد تكون الوصية شفاها؛ وبالتالي تكون نصا غير مكتوب. وهنا ~~تخضع الوصية لمناهج النقل الشفاهي. وهل يعادل نص الوحي على الإمام على ~~بنيه؟ كل هذه تساؤلات من أجل إعادة الواقع التاريخي إلى أسس نظرية دون ~~تحويل هذا الواقع نفسه إلى نظريات. ولما كان التعيين في التاريخ يتم في ~~مجتمع الاضطهاد في مواجهة مجتمع القهر، فإنه ينشأ محاطا بمؤامرة الصمت ~~والظلم ضد الإمام المعين. وإن خف ضغط القهر يصبح الإمام المعين مجرد ~~أفضل الناس وقع عليه غبن غير مقصود، ودون مؤامرة الصمت والإبعاد. وإن خف ~~ضغط القهر أكثر وأكثر تطيب نفس الإمام المبعد زهدا في الدنيا وترفعا ~~عليها. وإن زاد ضغط القهر والظلم فقد تخرج الإمامة عن نسل الإمام، إما بظلم ~~غيره أو بتقية منه، ويعود أحد الأبناء ليخرج شاهرا سيفه، ويصحح مسار ~~الإمامة في التاريخ، عائدا بها إلى حظيرة الدم ورحم الولادة. # 30 # فإذا ما ظهرت عيوب التعيين بالنص على إمام بعينه، اكتفى النص ~~بالإشارة إلى وصفه أو فعله دون اسمه أو رسمه. وقد يكون نصا خفيا لا ~~نصا جليا؛ فإذا ما استمر الخلل يمكن حينئذ الجمع بين النص والشورى، ~~النص أولا حتى أحد الأبناء، وبعدها ms111 الخروج والدعوة. # 31 # وقد ساعدت البيئات الدينية المجاورة في إعطاء نماذج للوراثة والوصاية، ~~لما كان الواقع الاجتماعي يفرز بنيته التي تحتاج إلى نموذج ذهني سرعان ما ~~يتسرب إلى البيئة الأصلية. # 32 # وقد يصل الأمر إلى تكفير الجميع، كل من اغتصب الإمامة من ~~الإمام المنصوص عليه؛ فالتاريخ مؤامرة، والحق مهضوم، والشرعية ضائعة. ويحدث ~~الفصام بين جماعة الحق وجماعة الباطل، براءة من الله ومن المشركين. وفي هذه ~~الحالة ينسخ القرآن ويرفع إلى السماء، فلا بقاء له في صدور ~~المغتصبين، ولا ولاية لهم عليه، ويصبح مغتصبو السلطة هم المحرمات ~~والطواغيت. وقد نشأ الصراع منذ قديم الأزل بين الخير والشر، بين الشرعية ~~واللاشرعية، والأمانة هي حمل الإمامة والعودة إلى الشرعية. # 33 # يختلط الواقع بالأسطورة أو يتحول إلى حلم. إذا ما ضاع الحق ~~واستشهد الإمام فإنه يبقى حيا لا يموت، يعود عن قريب، وينتظره الناس. ~~وإذا ما أفاقت الجماعة فإنها تدرك أن إمامها قد خدعها، فتثور عليه وتقتله. ~~وكلما ضاع الواقع جعلت الأمة همها كله في الإمامة. ضياع الأسفل يتحول إلى ~~وجود الأعلى، وغياب القاعدة يؤدي إلى التركيز على القمة. وكلما ضاق الخناق ~~وقل الانفراج على الخارج، ازداد التقاتل على الداخل، مثل الطفولة اليسارية ~~في حركات المعارضة. وتصطدم الشراذم بالسلطة، وينكشف أمرها، وتزداد تشتتا. # 34 # والحقيقة أن التعيين بالنص رجوع إلى الوراء، وإسقاط للماضي على ~~الحاضر، وإعادة قراءة الماضي بناء على الوضع النفسي الحاضر؛ فالنص لا ~~يتحدث ولا يتحول إلى معنى، بل يجعله المتأول يتحدث طبقا لما يريد؛ ~~فالأصل هو الواقع الحالي، وهو الذي يعطي النص مضمونه ومحتواه. وبدلا من ~~تحليل الواقع ذاته ومكوناته يتم الاعتماد على حجة السلطة في مجتمع النص ~~فيه مصدر سلطة. أما الواقع التاريخي فكله أصبح بغير ذي دلالة. وماذا يفيد ~~الواقع الآن لمعرفة أيهما كان على حق أو أي الفريقين كان أحق بالخلافة؟ إن ~~الوقائع التاريخية المحددة ليست جزءا من الإيمان أو مضمونا للعقيدة، ~~إنما الدلالة في التعيين بالنص أو العقد بالبيعة. إن إحالة موضوع الحكم إلى ~~الواقع التاريخي القديم ms112 لهو تعويض عن الحاضر الضائع والاغتراب عنه، تشبث ~~بالأسلاف في ضياع الأحفاد، والبحث عن الحق بينهم وفي خلافاتهم عجزا عن ~~البحث عنه بيننا وفي خلافاتنا. وبالرغم من جماهير أهل السنة التي نعيش ~~بينها إلا أن الحكم لدينا أقرب إلى الشيعة؛ أي تعيين الإمام بالنص أو ~~الوصية، ضابطا عن ضابط أو أميرا عن أمير أو ملكا عن ملك. وبالرغم من أن ~~الشيعة تقول بالنص والتعيين إلا أنها كانت أقدر على الثورة على الحكم ~~الظالم. وهو تناقض في الصلة بين الموروث القديم والنية الحالية يبعث على ~~التساؤل من جديد: إلى أي حد يقبع الموروث في البنية النفسية للعصر؟ ~~(2) الإمامة عقد واختيار # ليست الإمامة عقدا واختيارا بناء على نص من الوصي، أو بناء على عهد من ~~الإمام السابق إلى الإمام اللاحق، فهذه شروط الابتداء وليست حالة الاختيار. ~~فالاختيار تعبير عن واقع، والعقد إقرار لمصلحة. ولما كان النص كذلك في نشأته ~~تعبيرا عن واقع بفعل أسباب النزول، وحفاظا على مصلحة بناء على مقاصد ~~الشريعة، التقى الاختيار مع النص. فبالرغم من ثبوت الإمامة بالنص وبالعهد ~~وبالإجماع إلا أن ذلك هو البداية فقط؛ أي مجرد افتراض أو اقتراح لا يتحقق إلا ~~بالعقد والاختيار، ببيعة الأمة. فالنص والعهد والإجماع كل ذلك يقوم على حسن ~~الاختيار للأمة. فالعهد يتم بحضور الرفاق، بعض أهل الحل والعقد، ولا ينكره أحد ~~منهم، ومن حقهم الاعتراض على المعهود إليه؛ فالعهد اختيار ضيق قبل البيعة ~~كاختيار موسع. وإن توفي الإمام دون أن يعهد إلى إمام بعده ينادي رجل ~~مستحق لها فيدعوها لنفسه، ثم تأتي البيعة العامة اختيارا من الأمة وعقدا ~~عليه. وفي هذه الحال لا يتحول النداء الذاتي إلى إمامة إلا بالبيعة العامة. ~~فإذا ما عهد الإمام حين وفاته إلى اختيار إمام من كثير، فإن ذلك الاختيار يكون ~~أيضا عقدا من الرفاق تتلوه بيعة الأمة. ويتم ذلك في أقصر وقت منعا للشقاق، ~~وحرصا على المصلحة العامة. ولا يمكن تأجيل رضا الجماعة حتى في حال موت الإمام، ~~أو الاقتصار على رضا الرفاق، أو استنادا ms113 إلى العهد دون بيعة عامة. وقد يعهد ~~الأمر إلى رجل ذي شوكة وثقة، فيتولى عقد الجماع واختيار الإمام لجمع الآراء ~~وعقد الحوار واختيار الأصلح. # 35 # والحقيقة أن كل هذه النظريات إنما هي تنظير لحوادث التاريخ وتبرير ~~لوقائعه في كيفية اختيار الأئمة الثلاثة الأوائل اختيارا أم عهدا أم تفويضا، ~~ومع ذلك يبقى التقابل بين التعيين بالنص والاختيار بالبيعة والعقد تقابلا ~~نظريا يتجاوز حوادث التاريخ، ويعبر عن حقائق الواقع المستمر. ~~(2-1) صفة العقد # لما كان كل عقد يشمل صفة العقد وصفة المتعاقدين، فإن صفة العقد هي أن ~~يقع ممن يصلح للإمامة، ولا يكون ذا عهد من إمام وإلا يقارن هذا العقد ~~عقد لمثله من يصلح للإمامة؛ أي به الشروط نفسها التي للإمام ولا يكون ~~إماما. فلا يصح أن يعقد إمام لإمام أو أن يكون ذا عهد مع إمام أو أن يعقد ~~لمثله. ويمكن معرفة من يصلح للإمامة عن طريق الشروط التي تتوافر في الإمام. ~~والعهد يحتاج فقط إلى بيعة وقبول دون عقد، فالعهد من الإمام السابق إلى ~~الإمام اللاحق بمثابة العقد الجديد. والعقد يكون واحدا حتى لا يعقد ~~لإمامين في وقت واحد. ويقتضي العقد القبول والرضا عن طريق البيعة وإظهار ~~الانقياد لذلك، فلا يكفي في الرضا مجرد التصفيق أو التهليل وإضمار المخالفة ~~خوفا أو نفاقا، بل يتطلب القبول، والقبول صراحة دون تأويل. وقد يقبل ~~عقد دون قبول؛ إذعانا للمصلحة العامة، وتسليما بإرادة الغالبية. # والبيعة تجب النص، وتقوم على الاختيار الحر؛ فالنص لا يعين أحدا، ~~خاصة لو كان نصا من الوحي، وحتى لو كان متفقا مع البيعة. ومع ذلك لا ~~يجوز إثبات العقد والاختيار عن طريق إبطال التعيين بالنص، كما أنه لا يجوز ~~إثبات التعيين بالنص بإبطال العقد والاختيار. فهذا هو برهان الخلف، إثبات ~~الشيء عن طريق إبطال نقيضه، وهو برهان سلبي خالص لا يكفي للإثبات؛ # 36 # لذلك اشتمل الاختيار على ثلاثة جوانب لا اثنين فقط: ماذا تعني ~~البيعة؟ من هم المبايعون أو الذين لهم حق العقد والاختيار؟ ما الدليل ~~عليه؟ فإذا كان ms114 من يصلح للإمامة لا يصبح كذلك إلا بعقد يصير به إماما، ~~وبتوافر شروط معينة، فإن الشروط وحدها تحقق المساواة بين الأئمة، إلا أن ~~ما فصل بينهم هو الاختيار. هناك إذن مقياس موضوعي واختيار حر بين ~~متعادلين؛ فالإمامة عقد وبيعة واختيار . والتعيين غير ثابت بالنص، بل ~~بالاختيار؛ وبالتالي كان عقدا وبيعة. ويقوم الاختيار على الاجتهاد وإعمال ~~الرأي والتفضيل. # 37 # وقد يستعمل لفظ الشورى كمرادف للاختيار. # 38 # ولكن هل تجوز الإمامة اغتصابا من صاحب شوكة، حتى ولو بايعته ~~الأمة بعد ذلك عن رضا وقبول؟ إن إقرار الواقع وهو اغتصاب السلطة لا يجعلها ~~شرعية. وفي هذه الحالة لا بد من البيعة والرضا والاختيار والقبول. وإن لم ~~تحدث البيعة يصبح الإمام مغتصبا للسلطة لا حق له في الإمامة. # 39 # والدليل على ذلك الإجماع. فكل من انتدب لنصرة الأمة، وقاوم ~~الظلمة، ودافع عن البيعة، وأقام الثغور، وأعطى الحقوق للمستضعفين، فهو الإمام. # 40 # وهناك علاقة بين الوجوب وكيفية الثبوت؛ فالوجوب على الله يؤدي ~~إلى إثبات الإمامة بالنص والتعيين، والوجوب السمعي أو العقلي على العباد ~~يؤدي إلى إثبات الإمامة بالعقد والاختيار. # وبالرغم من الشبهات التي تلقى على العقد والاختيار فإنه يمكن إزالتها، ~~ويظل الاختيار هو الطريق الوحيد أمام الجماعة لتنصيب إمامها، فيقال مثلا: ~~لو كان الأصل هو العقد والاختيار لكان الطريق إليها إما العقل أو الشرع؛ ~~والعقل لا يجوز لأن الإمامة حكم شرعي، والطريق إليها شرعي؛ والشرع إما ~~الكتاب أو السنة أو الإجماع، وليس فيها عقد أو اختيار. والحقيقة أن ذلك ~~بناء نظري مغلوط؛ فالاختيار طريقه العقل، وبالرغم من أن الإمامة حكم شرعي ~~إلا أن الشرع يقوم على العقل، وهي وظيفة عملية مصلحية تدرك بالعقل. وإذا ~~كان حكمها شرعيا في الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإن الشورى منصوص عليها ~~في الكتاب والسنة، أجمع عليها المسلمون وأقرها الاجتهاد. والإمام ليس ~~خليفة لله أو للرسول لا يجوز إلا بالنص، بل هو خليفة لمن اختاره؛ فالله لا ~~يخلفه أحد، والرسول أيضا لا يخلفه أحد. # 41 # والرسول لا يتولى الإمامة بنفسه، ms115 ولا يوكلها إلى غيره، بل ~~يقضي بها بعد إبلاغ الرسالة، ويقوم الإمام نائبا عن الأمة وليس خليفة ~~للرسول. وفرق بين النبوة والإمامة، ولا قياس بينهما؛ فالنبوة تعيين ونص، ~~في حين أن الإمامة عقد واختيار. وإذا اختص النبي بالعلم عن طريق الوحي، فإن ~~الإمام يختص بالعلم عن طريق الاجتهاد. وإذا كانت وظيفة النبوة نظرية فإن ~~وظيفة الإمامة عملية. النبي يبلغ الوحي ويعلم الشريعة، والإمام ينفذه ~~ويطبقها. الاختيار إذن ليس حتما نصا من الرسول وإن كان كذلك، بل نابع ~~من طبيعة العقل وضرورة المصلحة. وإن القول بالاختيار نصا مثل القول بالنص ~~عقلا. ولا خوف من الخطأ في الاختيار؛ فالأمة لا تجتمع على خطأ، والناس ~~أدرى بشئون دنياهم. وإن تحقيق المصلحة يكون طبقا للغالب، والاجتهاد في ~~النهاية أصل من أصول الشريعة. وفي القياس أصول وقواعد تحميه من الخطأ ~~وتحرسه من الوقوع فيه. وإن من شروط الإمام التقوى والورع اللذان يمنعان ~~ازدواجية الظاهر والباطن؛ حتى لا ينخدع الناس في الاختيار. وإن جواز الوصية ~~والعهد لا يطعن في جواز الاختيار؛ لأن العهد إنما هو اختيار مبدئي في حاجة ~~إلى تصديق من اختيار الأمة في بيعة عامة بقبول جميع الناس ورضاهم. ولا ~~حاجة إلى معصوم يعلم الناس كيف يختارون، فالاختيار يتم طبقا لشروط ~~موضوعية في الإمام، ويحتوي على أكبر قدر من الصحة في الحكم، حكم الجماعة ~~وليس حكم الفرد. وإن اختلاف الأمة إلى مذاهب وفرق لا يمنعها من الإنفاق ~~على إمام، فالمصلحة العامة واحدة، والخلاف لا يفسد في الود قضية. ولا ~~يحتاج الاختيار إلى ضبط آخر غير شروط الإمام وصفات المتعاقدين، ولا توجد ~~إلا رقابة الأمة، ولديها أدوات لخلع الإمام والثورة عليه. وإن خطأ الإمام ~~محدود بالاجتهاد، ومصحح بالرقابة عليه والتذكير والنصح له. # 42 # وقد تثار شبهات حول طبيعة الاختيار والتناقضات فيه، وهي كلها ~~وهمية يسهل إزالتها. فإذا كان الإمام واجب الطاعة فإن الاختيار يوجبها ~~أيضا طالما التزم الإمام بشروط العقد، فلا تناقض بين الطاعة والاختيار. ~~الاختيار يوجب الطاعة المشروطة، بعكس التعيين الذي يوجب الطاعة المطلقة. ms116 ~~وإذا أوجب الاختيار العزل فإن ذلك لا يجعل النص أفضل منه؛ لأن الإمام إذا ~~ما تهاون في الدفاع عن البلاد، أو ظلم وتجبر وقهر، ولم يستمع لنصح أو أمر ~~بالمعروف ونهي عن المنكر، وجب عزله. العزل إذن واجب كالاختيار، في حين أن ~~المعين بالنص لا يمكن عزله. # 43 # ولا قياس لمنصب القضاء على الإمامة إذا لم يقع الأول بالبيعة؛ ~~فالقضاء حكم في الخصومات طبقا للشرع، ولا فرق بين قاض وآخر إلا في ~~الحصافة. والقاضي معين من الإمام الذي اختاره الناس؛ وبالتالي يكون ~~مقبولا تعيين القاضي على أساس من الاختيار غير المباشر. القضاء جزئي، ~~والإمامة كلية. القضاء فرع، والإمامة أصل. ولا ضير أن يكون الفرع بالتعيين، ~~والأصل بالاختيار؛ فالفرع يلحق بالأصل وليس العكس. # 44 # وتقيم باقي الشبهات في المختار، سواء الذي يقوم بالاختيار أو ~~الذي يقع عليه الاختيار، كما يقع البعض الآخر في فعل الاختيار، اختيار ~~إنسان لإنسان آخر كي يمثله نيابة عنه. فإن قيل في فعل الاختيار: لو جاز ~~لمن يختار الإمام ليقيم الحدود لجاز له ذلك بنفسه، وهو أولى؛ لأن الإمام ~~مفوض من الجماعة لتنفيذ الشرع، وليس الفرد مفوضا. ولو كان الفرد كذلك ~~لكان عدد الأئمة مساويا لعدد المؤمنين، كل مؤمن إمام. ولكن الإمام يمثل ~~إرادة الجماعة، ويرعى المصلحة العامة؛ ومن ثم لزم التمثيل، ووجبت النيابة؛ ~~لذلك لو اختارت جماعة من الأمة الإمام لجعلته خليفة على أنفسها. والخلافة ~~تكون على الغير كما تكون على النفس. الإمام تمثيل للنفس وللغير، ونيابة عن ~~الأنا والآخر. وعلى الرغم من كون الإمام أعلم الناس إلا أنه يمكن اختياره ~~لذلك ممن هو أقل منه علما، ولا يكون ذلك طعنا في الاختيار. العلم شيء، ~~والاختيار شيء آخر. الاختيار تعبير عن إرادة الجماعة لا عن علمها. صحيح ~~أن الاختيار يكون إما من كل الأمة، وهذا إهمال للإمامة؛ أو من البعض، وهذا ~~تعسف؛ فليس البعض أولى من البعض الآخر، ولكن لا حل آخر لتسيير أمور ~~الأمة، إما تمثيل الكل للكل، وهو مستحيل عمليا، نظرا لاختلاف قدرات ~~الناس ms117 في العلم والفضل؛ وإما تمثيل البعض للكل، وهو الممكن عمليا، ~~والسائد واقعيا. ولا مكان للقرعة أو للتحكيم؛ فالإرادة الحرة أفضل من ~~المصادفة العشوائية في الاختيار، والقصد خير من الرجم بالغيب. وصحيح أيضا ~~أن الاختيار ليس من واحد ولا في الكل، بل من البعض، وأن صفاتهم ليست أولى ~~من الأخرى، ومع ذلك فصفات العلم والفضل والقصد إلى رعاية مصالح الناس صفات ~~موضوعية تجب الكل والجزء، الجمع والفرد. وهي صفات المتعاقدين في حدود ~~الإمكان البشري. وإن عظمة الإمامة لا تستوجب تركها لغير البشر؛ فالبشر هم ~~المئولون والمفسرون للنصوص، ولكن بضمانات أكثر من العامة والخاصة. من ~~الجماهير والعلماء يمكن اختيار الإمام، ولا يوجد بديل إنساني آخر. وإن ~~اختيار البعض دون البعض لا يسبب فتنة أي الفريقين يتبع الآخر؛ فالإمامة ~~مسئولية وبلية، وحسابها عسير من الله ومن الناس، في الدنيا والآخرة. ومن ~~يطلب الإمامة لنفسه تسقط عنه؛ فلا خوف من الشقاق. البعيد عنها خير من ~~القريب منها، والرافض لها أكثر أمنا من الطامع فيها. كما أن وحدة الأمة ~~تمنع الشقاق. تندفع الفتنة لأنه لا تجوز البيعة ثانيا بعد البيعة الأولى. ~~وإن التشكك في صفات المتعاقدين، أهل الحل والعقد، لأنهم لا يعرفون أمورهم، ~~فكيف يولون عليهم غيرهم؟ أو لأنهم لا يتمثلون بصفات العصمة والعلم، ~~والإيمان يقوم على طلب المستحيل، وليس على تحقيق الممكن. فيمكن للإنسان ألا ~~يعرف أموره، ومع ذلك يكون قادرا على اختيار من ينوب عنه في ذلك. وليس منا ~~معصوم، وكل علم أو إيمان يكون في مقدور الإنسان. # 45 # ولو عقد لإمامين في وقت واحد فالإمامة للبيعة الأولى لو كانت هناك ~~أسبقية، ولكن هل تجوز القرعة لو كانتا في وقت واحد؟ إن القرعة حكم ~~بالمصادفة، وتحكيم للعشوائية، ونفي للقصدية. في هذه الحالة يتم الاختيار من ~~جديد عن طريق الأفضل طبقا لمقاييس التفضيل. ويجوز أيضا تنازل أحدهما ~~للآخر؛ لأن من يطلب الإمامة لنفسه تسقط عنه، والتمسك بها في حالة اختيار ~~إمامين في وقت واحد نوع من طلبها للنفس. الإمام هو المتقدم وليس المتأخر، ~~وكان ms118 من واجب المتأخر بيعة المتقدم. لا وجود للقرعة أو للاحتكام، فالقرعة ~~مصادفة، والاحتكام يمكن للأهواء أن تتدخل فيه، والأضمن تطبيق الشروط، ~~ورعاية المصلحة، ووحدة الأمة، وتنازل الأخير للأول. فلو لم يتنازل أحدهما ~~لكان كل منهما راغبا في الإمامة؛ وبالتالي تسقط عنه. # 46 # ومع ذلك فقد يختلف الأمر إذا اختلف الزمان والمكان، إذا تم العقد لإمامين ~~في وقتين مختلفين نظرا لصعوبة الاتصال الفوري، أو في مكانين مختلفين نظرا ~~لاتساع الرقعة وترامي الأطراف؛ فالأولوية للزمان المتقدم على المكان. وقد ~~تكون الأولوية في المكان لبلد الإمام المتوفى على غيره من البلدان. ومع ~~ذلك فالاتصال اليوم قائم، وتم تجاوز البعدين الزماني والمكاني معا، بل ~~قد يكشف الإسراع في الزمان عن سوء نية وطلب للنفس، كما قد يدل على الغيرة ~~على الحق واهتمام بشئون الجماعة. أما أولوية المكان فتجعل الإمامة محصورة ~~في بلد بعينه لا تتعداها إلى بلد آخر، مع أن المشهود لهم بالتقوى والصلاح ~~ومن تتوافر فيهم شروط الإمامة يتجاوزون بلد الإمام المتوفى. # 47 # وما الفائدة من وجود إمامين أحدهما ناطق والآخر صامت؛ إذ كيف ~~يدبر الصامت شئون الرعية أو يراجع على الإمام الناطق؟ # 48 # وما الفائدة من وجود إمامين ناطقين في الوقت نفسه؟ أليس ذلك ~~شقا للأمة وانشقاقا فيها؟ وقد يكون هذا الجواز تبريرا لحدث تاريخي ~~خالص في وقت احتار فيه المسلمون بين إمامين، ووجب الاختيار حتى وقعت ~~الفتنة واندلعت الحرب. وقد يهدف تنصيب الإمامين إلى إزالة الصراع بين ~~الشرعية واللاشرعية حتى تضعف الشرعية وتقوى اللاشرعية، ويتكافأ الحق ~~والباطل بدعوى حقن الدماء ووحدة الأمة؛ # 49 # لذلك لا يجوز إلا إمام واحد تعبيرا عن وحدة الأمة وحرصا على ~~مصالح الجماعة. # 50 # وقد يصاغ التساؤل بطريقة أخرى، مثل: هل يجوز أن تجتمع الأمة ~~على أمر تختلف في مثله؟ أو: هل يجوز أن تختلف الأمة في الشيء في وقت ~~تجتمع عليه بعد الاختلاف؟ أو: هل يعد خلاف أهل الأهواء إذا خالفوا ~~الأحكام إطلاقا؟ # 51 # وهي صياغات أدخل في صفة المتعاقدين، وأقرب إلى باب الإجماع ~~في علم ms119 أصول الفقه. والحقيقة أن الأمة لا تجتمع على خطأ ثقة في العقل ~~البشري، وقدرة الإنسان على إدراك المصلحة، وقدرة الجماعة على الحرص على ~~المصالح العامة. والوحي لا يأتي إلى عقل خاطئ مضل، أو إلى صاحب هوى ~~وميل. فاجتماع الأمة في أمر خلافي ممكن، كما أن اختلافها في أمر تجتمع ~~عليه وارد. أما أهل الأهواء فإنهم ليسوا من أهل الحل والعقد؛ فالهوى ليس ~~أصلا في التعاقد، ولكن اختلاف الفرق لا يمكن الحكم عليه بمقياس فرقة أهل ~~الحق؛ إذ إن كل فرقة تدعيها. كما لا يجوز استعمال سلاح التكفير والتفسيق ~~والتضليل دون الحوار والإقناع وفهم الرأي الآخر؛ فلا استحالة في عقد ~~الإمامة أيام الفتنة والاتفاق على أكثر الموضوعات خلافا. # 52 ~~(2-2) صفة العاقدين # العاقدون هم أهل الحل والعقد. ولا يعقد الإمام البيعة لنفسه؛ إذ إن ~~العاقد غير الإمام. كما لا يعقد المتعاقد من أهل الحل والعقد الإمامة ~~لنفسه، بل يعقدها لغيره. # 53 # فمن شروط المعقود عليه ألا يطلبها لنفسه حياء وزهدا، وضرورة ~~اعتراف الغير به، وعقد إرادة الأمة عليه؛ فالحكم مسئولية يتطلب زعامة ~~شعبية وإجماع إرادة الأمة عن بكرة أبيهم، وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة ~~علي إذا كانت البيعة والعقد. هل لا بد من إجماع تام على اختيار الإمام أم ~~يكفي البعض؟ وما مقدار هذا البعض؟ قد يصعب إجماع الخاص. وهي القضية نفسها ~~في الإجماع في أصول الفقه، وقضية الاستقراء في المنطق. # 54 # ولكن مع السيطرة على بعد المكان وتشابك وسائل الاتصال وسرعة ~~الانتقال، فإن الإجماع التام تقل صعوبته، ولكن تبقى قضية اختلاف المصالح ~~باختلاف الأماكن والعادات والأعراف. وقد يكون الإمام المحلي أقدر على فهم ~~مصلحة أمته من الإمام العام للأمة الموحدة مجموع الأمم. وفي هذه الحالة ~~يمكن الجمع بين الاثنين عن طريق الإمام الواحد والولاة المتعددين. ومع ذلك ~~قد يحدث في مراحل الضعف والانهيار أن يضعف الإمام ويقوى الوالي، فيستقل ~~بأمته، وتنشأ حركات الانفصال كما وقع في التاريخ. # فإن كان البعض هو الممكن، فما مقداره؟ هل يكفي واحد؟ ولكن الواحد ms120 مفرد ~~وليس جمعا، والاثنان مثنى وليس جمعا، كما أنهما لا يستبعدان التواطؤ، ~~فهل أقل الجمع ثلاثة لإمكانية عقد باثنين، أي بأغلبية اثنين ضد واحد؟ ولكن ~~في هذه الحالة يعود أقل الجمع إلى المثنى من جديد؛ وبالتالي لا تمتنع ~~إمكانية التواطؤ. إذا كانوا أربعة فإنه يمكن التعادل فيه، اثنان في مقابل ~~اثنين؛ وبالتالي تستحيل البيعة. فإذا ما كان الإجماع ثلاثة في مقابل واحد، ~~فإمكانية العقد وتواطؤ ثلاثة أصعب من تواطؤ اثنين. فإذا كان العدد خمسة، ~~وكان الإجماع ثلاثة في مقابل اثنين، فإنه يكون إجماعا ضئيلا، وإن كان ~~أربعة في مقابل واحد يكون الإجماع أكثر قوة، وتزداد صعوبة التواطؤ. وإذا ~~كان ستة كما حدث في التاريخ في اختيار الإمام الرابع، فإن التعادل ثلاثة في ~~مقابل ثلاثة وارد، والأغلبية أربعة في مقابل اثنين، أو خمسة في مقابل واحد، ~~يعقد بها البيعة، وتزداد صعوبة التواطؤ كذلك. أما تحديد العدد ببلد ~~الإمام أو أهله أو ولايته، فإن ذلك أدعى إلى العصبية وأخذ الإمامة لأنفسهم؛ ~~لذلك فإن العدد هو الذي يمنع من التواطؤ قل أو كثر، كما هو الحال في ~~العدد الكافي في التواتر وفي الإجماع، بالإضافة إلى شروط العاقدين وصفات ~~أهل الحل والعقد؛ فالعقد بواحد يخشى منه الهوى والعقد بجميع من في أقطار ~~الأرض تكليف بما لا يطاق. # 55 # وصفات العاقدين أن يكونوا من أهل الاجتهاد والعدالة. ويشمل ~~الاجتهاد أعمال الرأي والنظر، والقدرة على الاستدلال، وحصافة الحكم، وسعة ~~العلم. أما العدالة فتشمل القدرة على النصيحة، والدفاع عن المصالح، والتقوى ~~والفضل. ولا فرق في ذلك بين الخاصة والعامة، بمعنى الأقلية والأغلبية، أو ~~الصفوة والدهماء. وأهل الاجتهاد والعدالة قادرون على التعبير عن المصالح ~~العامة للغالبية، والجهر بها في مواجهة الحكام. وهو فرض كفاية عليهم، إذا ~~قاموا به سقط عن غيرهم. # 56 # ولا بد من شهود حتى يحضر العقد للإمام قوم من المسلمين أسوة ~~بالعقود والشهود عليها، وإلا ادعى عقدا سريا لا يعلمه أحد. وليست ~~الإمامة بأقل من النكاح الذي لا يتوافر فيه الإعلان. والإمامة خطب عظيم، ~~وأمر ms121 جلل تعم به البلوى، ويمس كل المؤمنين. ولا يوجد حد معين ~~للشهود، أربعة أو غير ذلك أو أكثر كما هو الحال في عدد العاقدين، يكفي ~~الشهود العدل، أو العدد الذي به تتحقق شهادة العدل. # 57 ~~(2-3) الواقع التاريخي # يثبت تحقق الإمامة في التاريخ أنها كانت من أوائل الموضوعات التي نشأ ~~حولها الخلاف إن لم يكن أولها على الإطلاق، ويدل ذلك على نشأة علم أصول ~~الدين كله نشأة سياسية. # 58 # وقد تم تفسير الواقع التاريخي بطرق متعددة، كل منها يفهمه ~~طبقا لنظريته المسبقة التي تدعم اختياره وتقوي موقفه. ومع ذلك يبدو بعض ~~التناقض بين النظرية وتفسير الحدث التاريخي. # 59 # فإذا كانت الإمامة عقدا واختيارا، فإن الإمام الأول يكون قد ~~تم تنصيبه بناء على إجماع الأمة ورضا المسلمين به، وليس بنص من الله أو ~~بتوقيف من الرسول، سواء كان نصا جليا أم إشارة يقاس عليها مثل إمامة ~~الصلاة. ويمكن أن تكون أفعاله ضمن شروط الإمام مثل قتال أهل الردة. إن كل ~~الحجج النقلية هي في الحقيقة تركيب للنصوص على فرد معين، واستعمال لنص ~~الوعي كنبوءة أو توجيه، ثم اختيار واقعة تاريخية معينة كتحقيق لهذه ~~النبوءة، وتحقيق لهذا التوجيه. وذاك خطأ في التفسير؛ إذ لا يجوز إسقاط ~~الحاضر على الماضي وقراءته فيه، فليست مهمة نص الوحي الإخبار عن المستقبل، ~~بل تأسيس نظرية. ولا يتم اختيار واقعة معينة إلا بناء على مصلحة أو ~~هوى، أو طبقا لرغبة واختيار إنساني؛ مما يجعل الواقعة هي المفسرة للنص، ~~وليس النص هو المفسر للواقعة. # 60 # والحق أن البيعة تجب النص، فالنص لا يعين أحدا، خاصة لو ~~كان نص الوحي، وحتى لو كان متفقا مع البيعة. فالإمامة عقد واختيار كأساس ~~نظري في الوحي وفي الواقع. وعلى هذا الأساس تم اختيار الخليفة الأول بإجماع ~~الأمة بعد أن توافرت شروط الإمامة فيه. # 61 # وإن كل الشبهات التي ألقيت عليه لم تمنع من إجماع الأمة على ~~إمامته، كما أنه يسهل إزالتها؛ فمنعه ميراث النبي إنما يستند إلى النبوة ~~ذاتها، فالأنبياء لا تورث ms122 ولا تورث، ما يتركونه صدقة. والخلاف على مبدأ ~~لا يراعى فيه الأشخاص حتى ولو كانوا بنات النبي. وإن كثيرا من الأخبار ~~حول سوء معاملتهم موضوعة، وإن القسوة في محاسبة النفس لدرجة الإحساس بأن ~~هناك شيطانا يعتريها أمر يحتاج الحكام إليه. أما طريقة بيعته فقد كانت ~~فلتة عصمت الأمة من الشقاق والفتنة. ولا يعني ذلك أنها خطأ، بل أكدت ~~الاختيار والبيعة. أما استدراك الأفعال ومراجعة النفس في آخر العمر فهو ~~إحساس بالمسئولية، وتعلم بالتجربة، وليس ضعفا أو خطأ. وعهده إلى ~~الخليفة الثاني اجتهاد منه، وليس خروجا على النبوة وتقليدها. عهد أكده ~~الناس بالبيعة عن قبول ورضا. وإن تأخير جيش لهو اجتهاد قائد في حاجة إليه ~~داخليا قبل الحاجة إليه خارجيا، كما أن عدم توليته بعض الأعمال وتولية ~~آخرين إنما هو اختيار طبقا للقدرات، ولا يدل على أي نقص أو شك. ونقص العلم ~~ليس عيبا، إنما يحتاج الإمام إلى العلم النافع في تسيير أمور الرعية دونما ~~حاجة إلى تفقه وتعمق في الدين يحسنه المتفرغ له. وإن إيقاف الحدود لهو من ~~سلطة الإمام كالتعزير، وإيقاف حد على سيف الله المسلول نصرة للأمة ~~وإيثارا للجهاد على الأفعال الفردية. لم يسم نفسه خليفة، بل سماه ~~الناس كذلك. ولم يستنكره نظرا لأنه كذلك بالمعنى الحرفي قبل أن يتحول ~~اللفظ إلى نظرة شرعية. أما دفنه مع صاحبه فكذلك فعل آخرون إيثارا للصحبة، ~~وليس عصيانا لأمر. # 62 # وكانت إمامة الخليفة الثاني بعهد من الخليفة الأول تلته البيعة ~~أمام جمع من الشهود. والغلاة وحدهم هم الذين لا يتولون الشيخين. # 63 # وقد تم الاتفاق على الخليفة الثالث بعد الشورى، وعقدت له ~~البيعة بالرغم من بعض الشبهات حول أفعاله عن خطأ في الاجتهاد. # 64 # وتمت إمامة الخليفة الرابع عقدا واختيارا بإجماع الأمة. ~~ولما حدث الشقاق، وانفصمت عرى الإجماع، ونصب إمام آخر أقل فضلا من ~~الأول، بدلا عن أن يتنازل الثاني، تحولت البيعة إلى نص كرد فعل على ~~سوء اختيار البشر وتحكم الهوى والمصلحة الفردية. # 65 # وبعد ذلك تحولت الإمامة إلى ملك ms123 عضود إلى حكم وراثي في نسل ~~الإمام دون وراثة الروح. # 66 # والحقيقة أن تحقق الإمامة في التاريخ وإن اختلف فيها ~~القدماء، فإنها لم تعد مشكلة اليوم أو مجالا للاختيار والتحزب. لم تعد ~~الواقعة نفسها بذات دلالة إلا من حيث تحليل المواقف التاريخية في الدراسة ~~العلمية للتاريخ، ورؤية أي المواقف كانت أكثر ثورية من الآخر طبقا ~~للالتزام السياسي لروح هذا العصر. ولا يبرأ هذا التحليل من قراءة الحاضر في ~~الماضي، ورؤية الواقع في التاريخ. ومع ذلك فالدخول فيه وكأننا طرف فيه هو ~~هروب من العصر، ونقص في الالتزام، وابتعاد عن الاختيارات الأساسية فيه. ~~حينئذ يكون الماضي تعويضا عن الحاضر، ويكون التاريخ مهربا. # 67 # | رابعا: صفات الإمام وشروط الإمامة # تبدو أحيانا صياغة المسألة السياسية صياغة فردية، وذلك بالتركيز على صفات ~~الإمام، وكأن النظام السياسي كله بما في ذلك من مؤسسات دستورية ونظم شعبية ~~للرقابة تتحدد بل وتستنبط من صفات الإمام الفردية الطبيعية أو المكتسبة، سواء في ~~التعيين بالنص أو في الاختيار بالعقد والبيعة، مع اختلاف في درجة التشخيص؛ ففي ~~التعيين بالنص تكون الصفات أكثر تشخيصا وتأليها، مثل الخلود، والغيبة والرجعة، ~~والعصمة والتقية، والعلم والتعليم، في حين أنه في الاختيار بالعقد والبيعة تكون ~~الصفات أقل تشخيصا وأكثر إنسانية، مثل العلم والورع والشجاعة. الأولى تكليف بما لا ~~يطاق، والثانية تدخل في حدود الطاقة الإنسانية. بل يستمر هذا النسق المتقابل في ~~علم أصول الدين كله ابتداء من موضوعه الأول، وهو الذات، حتى موضوعه الأخير، وهو ~~الإمامة. فالتجسيم والتشبيه والتشخيص يظهر في كل موضوع، يجعل الإنسان إلها، ~~والحرية جبرا، والعقل سمعا، والعدل ظلما، والخير شرا، والعمل نظرا، والسياسة ~~فردا. وقد استمر هذا النسق موروثا حتى الآن في وجداننا المعاصر في طبع النظام ~~السياسي كله بشخصية القائد أو الزعيم أو الرئيس، بمزاجه وأهوائه وقدراته وطبعه. إذا ~~حسن النظام فلحسن شخصه، وإذا ساء فلسوئها. ويظل الصراع بين القمة والقاعدة موروثا، # 1 # وبعد أن حسم لصالح القمة في الإلهيات وفي الإنسانيات، في العقليات وفي ~~السمعيات. ~~(1) هل هناك صفات للإمام؟ ms124 # إذا كان القول بالنص والتعيين يؤدي إلى صفات للإمام تتجه نحو التأليه، وصفات ~~فوق الطاقة البشرية تجعل من الإمام أكثر من إمام، فإن هذه الصفات في الحقيقة هي ~~تعويض عما لحق بالأئمة من ذبح وتقتيل. وكلما زاد القهر والقمع ازدادت الصفات ~~ألوهية، وازداد الإمام عظمة؛ كي يستأنف الكرة ويعود من جديد أقوى مما كان، ~~ليهزم جحافل الظلم وجند الطاغوت. وهذه الصفات هي الخلود، والغيبة والرجعة، ~~والعصمة والتقية، والعلم والتعليم. ~~(1-1) الخلود والرجعة # والقول بالخلود والرجعة هو أكبر رد فعل على موت الإمام ظلما وقتله ~~عدوانا؛ إذ يتحول الفناء المطلق إلى خلود مطلق، وينقلب الموت اللحظي ~~إلى حياة أبدية دائمة مثل حال الشهيد، وتتحول رغبة العدو من إعدام للإمام ~~المعارض إلى إثبات وجوده إلى الأبد، فينقلب الظالم على عقبيه، ويفوت ~~الإمام على أعدائه تحقيق أغراضهم. الرغبة في الخلود إذن شيء طبيعي كرد ~~فعل على الظلم ورغبة في النصر، واستعدادا للانتقام. فالهزيمة ليست ~~نهائية، والحاضر ليس كل الزمان، وخسارة معركة ليست خسارة للحرب. فلا بد ~~للعدل أن يسود على الظلم، ولا بد للحق أن يدحض الباطل، ولا بد للشرعية أن ~~تعود لتمحق اللاشرعية. خلود الإمام إذن إحدى مقدمات نظرية الثورة على الحكم ~~الظالم من أجل سيادة العدل، وإحقاق الحق، والعودة إلى الشرعية. الخلود ~~تعبير عن الرغبة في الثورة، واستمرار القتال، وأمل في المستقبل، وثقة ~~بالنصر. وتنشأ صور الخلود ابتداء من جدل الحس والخيال، والصراع بين الواقع ~~والحلم؛ فبعد قتل الإمام في الواقع يظل حيا في الخيال. # 2 # ولا ضير أن يقع خطأ في الحواس؛ فشدة الانفعال وفقد الاتزان من ~~هول قتل الأئمة وذبحهم يفقد الحواس القدرة على الإدراك السليم، ويصبح ~~الخيال بديلا عن الحس، والتمني سائدا فوق الواقع، ويخلق الموضوع في ~~الذات بدلا من أن تدرك الذات الموضوع. وفي هذه الحالة لا يهم من ~~الإمام، هذا أم ذاك، ومن من الأئمة هو الحي الخالد؛ فإمام كل فرقة بعد ~~استشهاده هو الحي الخالد. المهم هو الواقعة الحية والتجربة الإنسانية، وليس ~~الحدث التاريخي، الشخص ms125 المعين باسمه ما دامت الظروف النفسية واحدة، ~~والأشخاص ما هي إلا «معلقات» عليها وحوامل للدلالات. وإن الاختلاف في ~~الإمام مات أم لم يمت يدل على الصراع بين الموقفين الحسي والخيالي، الواقعي ~~والحالم، عقلية معتدلة أو نفسية متأزمة، موضوعية ومواجهة أو ذاتية وهروب. ~~وإن اختلاف الفرقة في موت الإمام، مات أم لم يمت، لا يحتاج إلى تحقق ~~تاريخي لواقعة الموت؛ لأن الأمر لا يتعلق بحادثة تاريخية موضوعية، بل ~~بموقف ذاتي خالص تعبر فيه الجماعة عن رغبتها في الانتصار على الموت، ورفض ~~الهزيمة عن طريق التمني وبصياغة الخيال. إن كان قد هزم الإمام بالفعل فإن ~~إرادة الجماعة لم تنهزم، وإن كان حسه قد صدم فإن خياله لم يتوقف؛ وبالتالي ~~تتحول الهزيمة في الحاضر إلى انتصار في المستقبل. وتكون الصدمة عندما يموت ~~الإمام الحي فتفترق جماعته فرقتين؛ الأولى تنكر الموت، وأن الذي مات شخص ~~آخر؛ والثانية تثبت الموت، وتنكر الجماعة وتخرج عليها، وتفيق من الخيال. ~~لا يهم إذن الاختلاف في نهاية الأئمة، فتلك ظروف نسبية جزئية تكون مجرد ~~حوامل للظروف النفسية، وأمام واقعة الموت تتهاوى كل دعاوى الخلود، وأمام ~~أهواء البشر ينقشع الغمام، وتظهر الحيل، وتنكشف الاحتيالات، وتفيق ~~الجماعة. وتظل الجماعة متأرجحة بين الواقع والخيال، لا تقوى على مواجهة ~~الواقع، ولا تستطيع الفكاك من الخيال، وتشتد الحيرة، ويقع التشرذم، ~~وتنشق صفوف المعارضين. # 3 # ويتضخم الإمام الحي الراجع، ويضم مظاهر الطبيعة، ويتشخص فيها. فيصبح ~~الإمام الحي هو السماء وبرقها ورعدها وحركتها، بجبالها وأنهارها ووديانها، ~~بسهولها وسواحلها، بأشجارها ونباتاتها، وبحيواناتها المتوحشة. فالسماء رمز ~~للعلو، وتعويض عن سفل الأرض، وتمسك بالأعلى في حالة ضياع الأدنى ~~والاستئصال منها. فالإمام في السحاب، رمزا للصفاء والبياض والطهارة ~~والنصاعة والشفافية والخلفة والوفرة والخير، في المطر؛ الرعد صوته، والبرق ~~سوطه. الإمام حي في منطقة نائية في جبال رضوى، فالجبل رمز للصمود ~~والفخامة، والضخامة والعظمة، وهي جبال «رضوى» تشخيصا للرضا عن الإمام. أسد ~~عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه، يأتيانه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه. ~~وهي الصورة الشعبية الموجودة حول كل ms126 فارس ممثل للإيمان تحفظه الأسود ~~والنمور، ويركب الخيل مقاتلا التنين والوحوش الكاسرة، والتي تدل على ~~رغبة جامحة في الانتصار، وعلى وجود شعور بالبؤس أو إحساس بالشقاء، وعلى ~~ضرورة الانتصار حتى ولو كان بالتمني يصنعه الخيال، ويمثل الحق الضائع ~~والأمل فيه عن طريق خلق صور فنية له قد تكون لحيوانات واقعية مثل الأسد ~~والنمر، أو خيالية مثل التنين يشرب من عينيه، عين من الماء وأخرى من ~~العسل، صور من الجنة ومن الصحراء. إن الإيمان بإمام حي مشخص في الطبيعة ~~على هذا النحو تعويض نفسي عن تقتيل الأئمة الذين خرجوا على الحكم الأموي، ~~وتخيله بعيدا في الصحراء عن وحوش المدينة، تحرسه وحوش حقيقية أكثر أمانا ~~من وحوش بني أمية، يعيش مع نفسه، رمزا للصفاء الخالص بعيدا عن شرور ~~الدنيا وآثامها. الإمام المنعزل رمز للطهارة الضائعة التي آثرت العيش في ~~الصحراء بعد أن استحال لها العيش في المدينة. وقد تكون هذه العزلة عقابا ~~للإمام على رضاه عمن ظلموه وظلموا الأئمة من الحكام، وبيعته لبعضهم ورفضه ~~الاستمرار في المعارضة والثورة المستمرة. تكون العزلة حينئذ عن البشر وعن ~~الناس وكأنه سجين الصحراء. وكيف تكون العقوبة الخلود؟ وكيف يرتكب الإمام ~~الذنوب وهو معصوم؟ إن الخيال الشعبي لا يعرف التناقض، ولكنه يصوغ وقائع ~~وحوادث كتجارب حية في الشعور، ويصورها بالخيال دون أن يوجد لها نسقا ~~عقليا مطابقا. كل موقف له بنيته النفسية الخاصة كحالة فردية. # 4 # ولا يخص ذلك الأئمة وحدهم، بل الصوفية كذلك، ما دامت الظروف ~~النفسية والاجتماعية والسياسية هي التي تخلق العقائد، بل ولا يقتصر ذلك على ~~الشيعة والصوفية وحدهم، بل يمتد إلى كل من يخضع للظروف نفسها، مثل بعض أئمة ~~الخوارج الذين لا يستأنفون القتال فيتحولون إلى شيعة. # 5 # تنشأ هذه العقيدة من تضخم الذاتية خارج الموضوعية، والقضاء ~~على استغلال الطبيعة، ثم تشخيصها أو السيطرة عليها بالخيال، وتصورها ~~بالافتراض والتمني. كما تخضع الملائكة للإمام تعويضا عن رفضه خضوع البشر ~~له، وتحييه وتبايعه تعويضا عن إنكار البشر لبيعته ورفضهم لها. يعينه ~~بشر، كل منهم يحمل ms127 اسما أعظم. له مؤمنون، سبعة عشر رجلا بإيمان صادق ~~تعويضا عن الآلاف بلا إيمان مرتشين. النصر للقلة المؤمنة على الكثرة ~~الباغية. الأرض لهم في المستقبل إن لم تكن لهم في الحاضر. ويبلغ الإمام ~~درجة القرب من الله بحيث يتعاملان معا حسيا وجسديا، يمسح الله بيده ~~على رأسه تحببا إليه. كما يبلغ درجة النبوة؛ إذ يطلب الله من الإمام ~~التبليغ عنه في دار التبليغ. والنطقاء بالشرائع، أي الرسل، سبعة، يعين كل ~~منهم سبعة أئمة يتممون الشريعة. ويوجد في كل عصر سبعة يقتدى بهم؛ إمام ~~يؤدي عن الله، وحجة يبلغ عنه، وذو مص يمص العلم، وأكبر يرفع درجات ~~المؤمنين، ومأذون يأذن العهود على الطالبين، ومكلب يحتج إلى الداعي، ومؤمن ~~يتبعه. ومظاهر الطبيعة أيضا سبعة؛ السموات والأرض وأيام الأسبوع والكواكب ~~السيارة ... إلخ. وقد تحتاج الإمامة إلى الإقامة، ويتلو الإمام القائم. ~~الإمام يعرف الحقائق العلوية والسفلية، والقائم يعرف الكليات في الجزئيات. # 6 # والرجعة تدل على رغبة في العودة إلى النضال والانتقام والنصر، وأن ~~الهزيمة ليست فاصلة ولا حاسمة ولا نهائية. وما دام حيا لا يموت فهو أزلي ~~من البداية، أبدي في النهاية؛ فخلود الإمام يؤدي إلى الرجعة. الإمام حي ~~قائم خارج أرض الظلم والنفاق في أرض الطهارة والصفاء، يعود حتى يعود الحق ~~معه ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. ويكون القتل الثاني بالحق لا ~~بالظلم. ولا يؤثر فيه السيف كرد فعل على تقتيل الأئمة بالسيوف قبل الخلود ~~والرجعة. ولا يتمتع الإمام وحده بالخلود والرجعة، بل أيضا كل من يتصل به ~~من أهله وأنصاره، بل والعالم كله من أجله، فالخلود يسري بالاتصال، وينتشر ~~بالتبعية، ويعم بالتضامن. كل من اتصل بالخالد فهو خالد مثله، وكأن الإمام ~~يشع خلوده على الآخرين، وتسري عدوى خلوده في جماعته. ليس الخلود إذن صفة ~~ثابتة، بل صفة مشعة. وإن القدرة المطلقة للإمام بعد موته رد فعل على ~~عجزه المطلق في حياته، وتعويض نفسي عن الإحساس بمرارة الفشل. لا بد ~~للحياة من أن تنتصر على الموت، والأمل على اليأس، والروح على البدن. ms128 وقد ~~يتجاوز الخلود الإمام أو الموتى إلى الدنيا كلها. وهو إحساس ينتج عن ~~تعويض نفسي بعد فقد الأئمة وتابعيهم لكل شيء في الدنيا. ينقلب الضد إلى ~~الضد، ويتحول العدم إلى وجود، وعندما يضيع الابن يخلد بالصورة. يعود ~~الأصحاب مع الإمام، وتعود الدنيا كلها إليهم، لهم المصير نفسه والمستقبل نفسه. # 7 # وقد تمت قراءة حوادث التاريخ في النصوص حتى أصبحت النصوص تنبؤات ~~بالحوادث أو توجيهات للوقائع. وإن استحال تأويل النصوص بحيث تتطابق مع ~~حوادث التاريخ أصبحت محرفة مبدلة، أو منسوخة مرفوعة لا يمكن الحكم فيها ~~إلا للإمام المعصوم. وقد يوحي ذلك بأن صفات الإمام الأسطوري نابعة من ~~النصوص، وهي في الحقيقة تعبير عن الأوضاع النفسية والاجتماعية والسياسية ~~لمجتمع الاضطهاد في مواجهة مجتمع القهر والغلبة. # 8 # فالتجارب الحية داخلية محلية، ثم تم نسج كثير من صور الخلود ~~والرجعة طبقا لنماذج في البيئات الدينية المجاورة بعد أن تم التعرف ~~عليها. وقد كان كثير من المنظرين على علم بها أو ينتسبون إليها قبل ~~الانتساب إلى الحضارة الجديدة الناشئة؛ فقد ظهر من قبل خداع الحواس في ~~رؤية الواقع، كما هو الحال في رؤية المسيح عيسى بن مريم، ولم يمت الإمام ~~حقا، بل شبه لجماعته أنه كذلك، أو أن شخصا آخر قد مات بدلا عنه، وقد ~~يكون الشيطان قد تمثله. صعد الإمام إلى السماء كما صعد عيسى ودانيال ~~وعزرا؛ مما يدل على أهمية تاريخ الأديان في الوعي الاجتماعي كأنماط مثالية ~~ينسج الخيال عليها. وقد كان أوائل المنظرين من اليهود، وعقائد الخلود ~~والرجعة موجودة في الكتب المقدسة السابقة. وإن اتحاد الإمام بمظاهر الطبيعة ~~وتشخيص صفاته فيها معروف أيضا في الأناجيل. وقد حدث ذلك للمسيح ساعة الصلب ~~عندما اكفهر الجو، وأمطرت السماء، واشتد الرعد، وسطع البرق، ووقع ~~الزلزال، واهتزت الأرض، وهبت الريح، وطارت العواصف، تعبيرا عن بشاعة ~~الجرم. وقد ظهر المسيح في رؤيا يوحنا راكبا حصانا أبيض وهو يقاتل ~~التنين وينتصر عليه. كما صارع أيوب الشيطان تعبيرا عن الصراع بين الخير ~~والشر، وأملا في النصر. وكما ينزل المسيح ms129 في آخر الزمان ليقتل المسيح ~~الدجال رمز الشر في كل دين، ويخلص الناس من شره، كذلك يفعل الإمام؛ ~~فالإمام هو المخلص. وقد ظهرت هذه العقيدة في كل دين، وقامت بدور هائل ~~إن لم يكن الدور الرئيسي في قيام الحركات الدينية السياسية، وقلب أنظمة ~~الحكم وإقامة أنظمة جديدة؛ ففي اليهودية القديمة ظهرت عقيدة المخلص ~~«المشيانية» الذي سيخلص بني إسرائيل من الأسر البابلي، كما ظهرت في ~~المسيحية الأولى التي اعتبرت المسيح هو المخلص، وفي معظم الديانات ~~التاريخية قامت عقيدة المخلص بأدوار تحررية في تحرير الجماعات من ~~الاضطهاد الداخلي والسيطرة الأجنبية. لا تظهر العقيدة في فترات الانتصار، ~~ولا تظهر إلا أوقات الهزيمة وفي جماعات الاضطهاد. # 9 # ولا يمنع ذلك من وجود مقاصد لدى المنظرين الأوائل الذين كانوا ~~ينتسبون إلى هذه البيئات الدينية والحضارية المجاورة يجعلهم يروجون ~~لعقائد جديدة دخيلة لتحقيق نوع من الضياع النظري. فإذا كان هناك عجز في ~~مواجهة الدين الجديد على مستوى الفتوح في الأرض، فيمكن الطعن فيه من الخلف، ~~في العقائد النظرية، سبب قوته، في وقت لم تختف فيه الشعوبية بعد، وهي ~~تصور الحكم الجديد للعرب والقديم للفرس دونما مغالاة في التفسير التآمري ~~لحوادث التاريخ. # 10 ~~(1-2) الغيبة والانتظار # فإذا كان الإمام خالدا وراجعا لأنه لم يمت، أبديا أزليا، ومع ذلك ~~فإنه غائب يجب انتظاره. ومكان الغيبة في الدنيا، في الجبال أو الفيافي ~~والقفار، إلى أن يحين وقت خروجه قادما من الصحراء إلى الخضر. وتظل الجماعة ~~في التيه لحين ظهور الإمام وحضور ملكه. ولما كانت الأرض لا تخلو من إمام، ~~فهناك القائم نائبه. وقد تكون الغيبة غيبتين؛ الغيبة الأولى يتلوها ظهوره ~~كبشارة أولى وثقة في النصر، ثم تأتي الغيبة الثانية # 11 # للاختلاف التاريخي حول الغائب، هذا أو ذاك؛ لأن الأمر كله ~~تجربة شعورية لا تدل على وقائع، نشأت في بيئة نفسية واجتماعية معينة. ~~ولما لم يظهر الإمام، ولم يرجع المهدي المنتظر، ولم تنتصر الجماعة، كان ~~مصيرها جميعا بلا استثناء القتل والهزيمة. ومع ذلك تخلق عقيدة المهدية ~~أشخاصها. وما الفائدة أمام ms130 غائب يعيش في بطون الجبال والكهوف أو في الصحراء ~~ينتظر القوم رجوعه؟ وما الفائدة من إمام حي لا يفعل ولا يؤثر ولا يتصل ~~بالبشر؟ كيف يقودهم ويخلصهم ويعلمهم ويؤمهم؟ والغيبة غير محددة، قد تطول ~~وقد تقصر، وقد تستمر بالقرون ولا يظهر الإمام المنتظر. يتغير الكون، وتتغير ~~ظروف الجماعة، ويظل الإمام القائد لا يتغير. هل يعلم الإمام الظروف ~~الجديدة؟ هل يظهر أثناء هذه المدة من يأخذ حقهم، مثل نائبه؟ وعقيدة انتظار ~~المخلص معروفة في جميع الأديان، تنشأ من الإحساس بالاضطهاد كما حدث لدى ~~الشيعة، ومن العجز عن استرداد الحق الضائع، يمكن قراءتها في النصوص الدينية ~~حتى يحدث التطابق بين التجربة الحية وحجة السلطة، # 12 # ولكن النموذج الذهني موجود في الديانات السابقة التي تم التعرف ~~إليها من البيئات الدينية المجاورة؛ فظهرت عقيدة المخلص في اليهودية ~~إبان الأسر البابلي؛ مما ساعد على خلاص اليهود ورجوعهم إلى أرض المعاد. ~~كما ظهرت في العصر الروماني، وأدت إلى ظهور المسيح، وبعد موته ظلت ~~الجماعة المسيحية الأولى في انتظار عودته على قمم التلال وعلى أسطح ~~المنازل. وهذا معروف في التاريخ النفسي للجماعة الأولى باسم واقعة الانتظار Parousia ~~. وفي معظم الديانات التاريخية ~~لعقيدة المخلص دور تحرري في الجماعات المضطهدة. # 13 # وتظل عقيدة المهدية أكبر صورة فنية للأمل في الحق بعد ضياعه، ~~وفي الإيمان بإمكانية استرداده تعويضا في المستقبل عن هزيمة الماضي. أما ~~فرق المعارضة الأخرى العلنية، سواء في الخارج أم في الداخل، فإنها تحقق ~~الخلاص بالفعل بوسائل أخرى، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ~~بالثورة على الإمام. والحقيقة أنه بالرغم من بعض الجوانب الإيجابية في ~~عقيدة المخلص، إذ إنها تعطي أملا مستقبليا في الانتصار، وثقة فائقة ~~بالنصر، فالحق لا بد وأن يظهر في النهاية مهما طال الانتظار، وأن العدل ~~لا بد وأن يسود حتى ولو ملئت الدنيا ظلما وعدوانا، كما أنها تعطي طاقة ~~قصوى على التحرر، وعلى ملء الفراغ الذي تتركه غياب الأيديولوجية. وكثيرا ~~ما أدت العقيدة إلى ثورة بالفعل ضد المغتصب بصرف النظر عن وقوع ظلم ms131 آخر ~~في مرحلة ما بعد التحرر. بالرغم من ذلك، للعقيدة جوانب سلبية أخرى؛ فهي ~~تعبر في نهاية الأمر عن العجز عن التحرر في الحاضر، وتخلق عالما من الوهم ~~على أمل خادع في المستقبل. تحول الوقائع إلى عقائد، وتحيل الموضوعية ~~الصلبة إلى ذاتية فارغة، وتكشف عن عدم إمكانية الصمود وتقبل الصدمة، ~~وتحليل الواقع عقلا، والرغبة في انتصار سريع حتى ولو بالتمني. كما أن ~~انتظار الخلاص ليس القيام به بالفعل، والعيش في المستقبل تجاوزا لمآسي ~~الحاضر تماما مثل العيش في الماضي زمن الانتصار أيام العصر الذهبي؛ ~~فالهروب إلى الإمام تعليقا للخلاص في المستقبل مثل الهروب إلى الوراء ~~تنعما بالنصر في الماضي وتأملا فيه. والانتظار في النهاية موقف سلبي ~~يخالف الانتظار الذي يصاحب الإعداد لمعركة قادمة. كما تؤدي عقيدة ~~المخلص إلى عبادة الفرد؛ فالمخلص هو فرد وليس تنظيما جماعيا. هو ~~القائد الملهم والمخلص بلا منازع، هو البطل والرئيس والقديس ~~والمعلم؛ مما يتطلب من الناس التسليم المطلق له والثقة العمياء فيه؛ ~~لذلك تؤدي عقيدة المخلص إلى تأليه الفرد، وليس فقط تقبل زعامته أو تعبيره ~~عن مطالب الجماهير. ونظرا لسلبية الجماهير، وطاعتها العمياء للمخلص، وعدم ~~ممارسة الرقابة عليه، ينتهي الأمر إلى أن يقود الخلاص إلى استغلال الجماهير ~~باسم الدين، أو الانقلاب عليه بمخلص آخر قد يكون ثورة مستمرة أو ثورة ~~مضادة. وغالبا ما تكون في البداية دعوة سرية لا علنية، وفي جماعة تقوم ~~بنيتها النفسية على سيكلوجية الاضطهاد، ويتسم فكرها بطابع الجماعة السرية ~~المغلقة والسلوك المزدوج والتفسير الباطني للعالم. ويتم تصور قوى وهمية ~~مشخصة تساعد المخلص، حتى ولو كانت هذه القوى المشخصة مذكورة في النصوص ~~الدينية كصور فنية، وتعبير عن القوى النفسية والمعنوية التي يعتمد عليها ~~أصحاب الحق المهضوم في مواجهة القوى المادية لأنصار الظلم والجبروت. ~~(1-3) العصمة والتقية # قد يبدو بعض التناقض في هذه المفاهيم المزدوجة، مثل الخلود والرجعة، ~~الغيبة والانتظار، العصمة والتقية؛ فكما أن الخالد لا يرجع لأنه باق إلى ~~الأبد، فكذلك الغائب لا ينتظر لأنه لا يعود، والمعصوم لا يخشى شيئا؛ ~~وبالتالي ms132 لا يمارس التقية. ومع ذلك ما دام الإمام فوق البشر، أسطوريا، ~~تكون العصمة من صفاته بصرف النظر عن تطبيقها في هذا الإمام أو ذاك؛ فالعصمة ~~رد فعل نفسي على الفتنة وتخبط الآراء. ولما كان أصوبها لم يتحقق أصبح هو ~~الحق الضائع، ولزمت العصمة كملاذ أخير. ويصعب تحققها التاريخي في أئمة ~~بعينهم؛ فإذا كان هناك اعتراف بإمامة الشيخين أو الخلفاء الأربعة فإنهم غير ~~معصومين، وإذا كانت العصمة لأحد الأئمة فإنه قد أخطأ ببيعته للإمام الظالم، ~~وإذا كان الإمام الرابع معصوما فمن الخطأ القول بكفره لأنه لم يقاتل ~~الشيخين على حقه الذي تركه. وهل قال أحد من الخلفاء الأربعة إنه معصوم؟ وهل ~~تمتد العصمة إليهم من الأئمة؟ وإذا امتدت، فلماذا تتوقف عليهم ولا ~~تمتد إلى التابعين وتابعي التابعين إلى ما لا نهاية؟ وإذا كان الإمام ~~معاقبا لبيعته للإمام الظالم، محبوسا في جبال «رضوى»، فكيف يكون ~~معصوما وهو على هذه الحال يلقى هذا المصير؟ وإذا كان الأئمة اثني عشر، ~~فكيف يكون المعصومون أربعة عشر؟ هناك إذن معصومون غير أئمة؛ وبالتالي لا ~~تكون العصمة أحد أوصاف الإمام. وإذا كانت العصمة وصفا له، فكيف لا تكون ~~وصفا ثابتا، بل توجد وتعدم، تأتي وتختفي بعد مدة معينة؟ بهذا المعنى ~~تكون العصمة مرتبطة بالأفعال وليس بالأشخاص. وإذا كانت العصمة ممتدة إلى ~~الخلفاء والأعوان فهي ليست خاصية فريدة للإمام، ولأمكن استغناء الإمام ~~عنها، أو كان الخليفة أو الوالي المعصوم إماما مثل الإمام المعصوم. # 14 # وإذا كانت العصمة للإمام وحده، فكيف تكون لآل بيته؟ لذلك من ~~الأفضل أن تكون العصمة مجرد وصف نظري دون تحقق عيني في التاريخ. وفي هذه ~~الحالة لا تكفي وحدها على الإطلاق، بل تصاحبها المعجزة والنبوة وتنتهي إلى ~~الألوهية، بل قد يعصي النبي لأن الوحي يصححه؛ وبالتالي تكون العصمة أولى ~~بالإمام من النبي. # 15 # وحجج عصمة الأئمة اثنتان؛ الأولى ضرورتها للتعليم والتشريع لما ~~كان الإمام هو المعلم والمنفذ للشريعة بصرف النظر عن نوعية العلوم، ~~إلهية كما هو الحال في مذهب التعليم، أو عقلية لمعرفة الواجبات ms133 وتقريب ~~الخلق إلى الطاعات، وبصرف النظر عن نوعية الوظيفة، نظرية أم عملية. ~~والثانية حجة جدلية صرفة؛ أن كل معلم في حاجة إلى معلم، وكل إمام ~~يحتاج إلى إمام حتى تصل إلى المعلم والإمام المعصوم. والحقيقة أن الدين ~~واضح بين لا حاجة فيه إلى وظيفة جديدة. ويمكن عن طريق علم الأول ~~الاجتهاد واستنباط أحكام شرعية جديدة. العصمة إذن داخلة في حدود القدرة ~~الإنسانية على الاجتهاد في التشريع وعلى استنباط الأحكام. أما من جهة ضرورة ~~وجود معلم أول وإمام معصوم، فيمكن أن يمثل الوحي بهذا الشأن نقطة بداية ~~يقينية تغني عن العصمة. أما الحجج النقلية فهي قراءة للحالة النفسية في ~~النقص وتأويل له حتى يحدث التطابق بين النص والواقع كما تشعر به جماعة ~~الاضطهاد. وقد تثار حجة شرعية من أن الإجماع يقوم على الإمام المعصوم ~~كأحد المجتمعين. والحقيقة أن حجة الإجماع من داخله وليست من خارجه، من ~~التحاور وتبادل الرأي والمشورة؛ فإذا أمكن خطأ واحد فإن الآخر يقوم ~~بالتصحيح، ولا تجتمع الأمة على ضلالة. كما أن صدق الرواية لا يعتمد على ~~وجود إمام معصوم ضمن الرواة؛ لأن الصحة التاريخية لها شروطها في النقل ~~المتواتر أو في ضبط الراوي وعدالته والتطابق بين السماع والحفظ والأداء إذا ~~كان النقل آحادا. وإذا كان المعصوم علما وعملا فإن الراوي مجرد ناقل ~~لرواية لا يتدخل فيها بعلمه أو بعمله. # 16 # إن العصمة بهذا المعنى قد تكون إحدى صفات النبوة دون الإمامة. ~~والدليل على أن الإمام غير معصوم أن الأئمة الأوائل لم يكونوا معصومين ولم ~~يثبتوا عصمتهم. كما أن الإمام ليس سلطة تشريعية، ولكنه سلطة تنفيذية، ~~ينوب عن الأمة في تنفيذ الأحكام، ويجوز خلعه إذا ما أبطل شروط عقد البيعة، ~~ومن يجوز خلعه والثورة عليه لا يكون معصوما. وهو بهذا المعنى لا يفترق عن ~~عماله ووزرائه وقضاته وجباة خراجه ومحتسبيه وجنده. إن العصمة لا تعني ~~أكثر من الامتناع عن الفسوق، والحرص على الصدق في القول، والعدل في الفعل. # 17 # أما التقية فإنها تبدو متناقضة مع العصمة؛ إذ إن ms134 التقية تبدو حركة تراجع ~~ونكوص، في حين أن العصمة ثقة بالنفس وإقدام على الفعل. وتكون التقية على ~~مستويات عديدة؛ قد تكون عدم الظهور كلية، والاختفاء عن الأعين والأنظار من ~~أجل عدم التعرف على الإمام؛ فالإمام ظاهر لا غائب، ولكنه مستور محجوب ~~مخفي. وقد تكون التقية في القول، إما عدم الجهر بالإمامة أو حتى بالكذب ~~وإنكارها. وقد تكون التقية أخيرا في الفعل؛ أي ارتكاب المعاصي والذنوب ~~إبعادا لصفة الإمامة عن الإمام حتى تحيد عنه الأنظار، بل قد يظهر الكفر ~~والفسوق حتى تنقلب العصمة إلى ضدها. ويجوز ذلك على الرسول أيضا باعتباره ~~إماما، وليس للإمام وحده باعتباره مثل الخليفة الرابع بقبوله بيعة الخلفاء ~~الثلاثة تقية، ومارسها أبناؤه أمام حكام الظلم. وقد تصل التقية إلى حد ~~التظاهر بالموت طلبا للأمان وخداعا للسلطان. # 18 # والحقيقة أنه في مجتمع الاضطهاد لا وجود إلا للانغلاق على ~~الذات، وقراءة النفس في الآخر، وتكوين دنيا مستقلة، وتحول الطهارة إلى ~~إباحة. كفى العالم إيمانا وظلما. ومع ذلك لا يخلو الزمان من إمام ظاهر ~~وإمام مستور في حالة التفاؤل. وقد تخلو الأرض من الإمام ظاهرا ومستورا، ~~ويظل الناس بلا حجة، وتنقلب الأمور من الضد إلى الضد، من وجوب الإمامة إلى استحالتها. # 19 # وهذا لا يمنع من وجود أناس بررة صالحين أطهار في كل عصر. ~~والحقيقة أنه يصعب التمييز في الأفعال بين ما يتم منها معصية وما يتم منها ~~تقية. وإذا كان الإمام معلما وقدوة ونموذجا للسلوك، فكيف يمكن الاقتداء ~~به وأفعاله معاص وذنوب؟ وماذا لو استخدمت التقية من غير الأئمة لتبرير ~~المعاصي أو الاختفاء من الميدان؟ في هذه الحالة تكون التقية مثل «البداء»، ~~وتجويزه على الله لتبرير أخطاء البشر؛ لذلك تظهر التقية في حالات المغالاة ~~والتطرف، الحب الزائد والبغض الزائد. وقد تصل التقية في حالة البغض الزائد ~~إلى درجة قتل النفس، أو تزويج المؤمنة من الكافر، أو القعود عن الجهاد. # 20 # إذا كانت الدعوة علنية، والجهر بالقول والفعل علنا، فإن ~~التقية لا تجوز. أما الانتظار والتخطيط فليس تقية، بل هو ms135 اختيار أنسب ~~الأوقات لضمان نجاح الدعوة والقضاء على الظلم. # 21 ~~(1-4) العلم والتعليم # 22 # والإمام مستودع العلم الذي لا يعلمه غيره، وهو علم قلبي يقوم على ~~الإلهام، أو هو حاجة نفسية وليس علما نظريا خالصا. والعلم متحد ~~بالشخص، والشخص متحد بالعلم. يعرف العلم بالشخص كما يعرف الشخص ~~بالعلم. وهو علم مجمل في مقابل الوحي كعلم مفصل، له ظهر وبطن؛ ~~وبالتالي في حاجة إلى تأويل. # 23 # وهو فوق ذلك كله علم مستور لا يعلمه إلا العالمون، علم سري، ~~مستودع في القلوب، لا يكشف إلا لأصحابه أهل العلم. وهو علم موروث لا ~~مكتسب، لا يتوارثه إلا الأئمة، إمام عن إمام حتى الإمام الحالي ، فيكون هو ~~العالم وغيره الجاهل، هو المعلم وغيره المتعلم، هو المتصل بمنبع العلم ~~وغيره لا يتعلمه إلا عن طريقه. قد يبز فيه الإمام علم الرسول بكمه وكيفه؛ ~~فالإمامة متممة للنبوة، وليس على الآخرين إلا التقليد للإمام والتبعية له ~~كما يتبع الأعمى البصير. # 24 # النبوة مجرد حرف بلا معنى، والولي أو الإمام هو الذي يعطي ~~الحرف معناه. # 25 # وهو علم واحد لا اختلاف فيه؛ فالاتفاق صحة، والاختلاف بطلان. ~~وعلامة الحق الوحدة، وعلامة الباطل الكثرة. والوحدة مع الإمام، والكثرة مع ~~أعدائه. والجماعة مع الإمام، والمجتمع المضاد مع أعدائه. وهناك علم ~~الميزان يمايز بين الاثنين، مستقى من الشهادة، كنفي وإثبات أو كنفي ~~واستثناء في «لا إله إلا الله». فما يستحق النفي باطل، وما يستحق الإثبات ~~والاستثناء حق. وعلى هذا النحو يمكن وزن الصدق والكذب والخير والشر وكل ~~المتضادات، وقياسها به. # 26 # والإمام يعلم كل شيء، ما كان وما يكون وما سيكون، لا يند شيء ~~عن علمه، في حين أن الرسول كان كاتبا يعلم اللغات والحروف! ويشمل علمه ~~الأمور النظرية والعملية على حد سواء. قد يأتي علم الإمام من الوحي ~~مباشرة أو قد يأتيه من قبل الإمام السابق. فإن لم يحدث تطابق بين العلم ~~والمعلوم تم اللجوء إلى «البداء»؛ أي حدوث تغير في العلم الإلهي! فالإمامة ~~هنا كالولاية متممة للنبوة ومكملة لها. والعلم ms136 واحد، فهو يتناسخ من شخص ~~إلى شخص، يكون في شخص نبوة، وفي شخص آخر إمامة، وفي شخص ثالث ولاية. ~~والحقيقة أن وظيفة الإمام عملية صرفة في سد الثغور والدفاع عن الحدود ~~وتجهيز الجيوش وتحصين القلاع ورد المظالم وأخذ الحقوق. وإن تهاون في ~~التطبيق، ولم يستمع للنصح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجب عزله؛ ~~فالإمامة ولاية لا بمعنى الصوفية، بل بمعنى الوظيفة؛ أي تأدية الواجبات، ~~وهي مستقلة عن شخص الإمام. # 27 # وتتمثل خطورة العلم والتعليم في اعتباره حكرا على فئة ~~معينة هي المتصلة بالإمام بعد أن كان مشاعا للجميع، بل لا يحق لأحد ~~سوى الأئمة الاطلاع عليه، ولا يجوز لأحد أن يرتفع إلى درجة الإمام حتى ~~يمكنه الاطلاع على العلم؛ لأن الإمام من عصب الإمام الأول. فالعلم حكر على ~~عصب. كيف وقد يخرج الابن جاهلا أو معتوها من أب عالم أو ملهم؟ # 28 # كما يؤدي ذلك إلى إنكار العلم مطلقا لما كان العلم متوارثا ~~وليس كسبا واجبا على كل مكلف. والعلم الضروري منه أيضا ما هو شائع ~~وموجود في كل عقل وفي كل طبيعة بشرية، ولا يمكن توريثه، والنبوة ذاتها لا ~~تورث. العلم المتوارث مضاد بطبيعته للعلم المكتسب وقصر المعرفة على ~~السلالة والأنساب، في حين أن مصدر المعرفة هو الواقع ذاته الذي استمد منه ~~الوحي محاولا تنظيره. # 29 # وإذا كان العلم سرا فإنه لا يمكن لأي أحد فهمه، ولا بد من ~~انتظار الإمام حتى يكشف له ما غمض عنه من العلم، ويظل الإنسان يجهله، فليس ~~لديه ما يستطيع به أن يعلم أو يعرف، في حين أن الوحي معطى للجميع لا سر ~~فيه، بل إن مقولة السر مضادة بطبيعتها لمقولة الوضوح الذي يعبر الوحي عن ~~نفسه من خلالها. وعادة ما تروج مجتمعات القهر لمقولة السر حتى لا يتساءل ~~الناس، ولا يكشفوا أسباب القهر والاستغلال والزيف. ويفسر منع التساؤل عن ~~الأمور النظرية التي لا تنتج عنها آثار عملية من أجل إرجاع الناس إلى ~~العالم ومنعا للاغتراب عنه، على أنه منع للتساؤل على ms137 الإطلاق. مجتمعات ~~السر هي مجتمعات الكبت والتحريم كما هو الحال في مجتمعاتنا المعاصرة ~~القائمة على ثالوث محرم؛ الدين والسلطة والجنس، الكل لا يعلمه، ولا يجوز ~~الاقتراب منه أو الحديث عنه إلا من قبل السلطة وريثة الإمام، وكل ادعاء ~~لعلم سري هو وسيلة إنسانية لتغطية الجهل أو للتعمية، فلا تقوم ثورة على ~~علم سري؛ لذلك كان التعليم وتثقيف الناس وتساؤلاتها حول المحرمات ~~ومعارضتها للأسرار وكل طرق الاستنارة مضادة لنظم القهر، ووسيلة للقضاء عليها. # 30 # كما تؤدي صفة العلم والتعليم إلى التقليد؛ لأن الإنسان لا ~~يستطيع بنفسه أن يعلم أو يفهم، بل لا بد من تقليد الإمام وانتظاره وسماع ~~شرحه، في حين أن التقليد مدان شرعا وليس أصلا من أصول الدين، وأن النظر ~~أولى الواجبات على المكلف؛ # 31 # وبالتالي تغيب كل إمكانية للتحقق من صدق أقوال الإمام بإرجاعها ~~إلى الوحي أو إلى العقل أو إلى الواقع، فتقبل أقوال الإمام بلا مناقشة أو ~~اعتراض، ويؤخذ عليه العهد بالتسليم والطاعة والقبول. تغيب أية وسيلة لضبط ~~العلم ومراجعته، فهو علم بلا برهان، في حين أن العلم هو طلب البرهان، وأن ~~كل ما لا دليل عليه يجب نفيه، وأن الإيمان لا يكفي دون التصديق؛ فحقائق ~~الوحي على مبادئ العقل ووقائع الحياة الإنسانية التي تكشف عنها التجارب ~~الشعورية، الفردية والاجتماعية. # 32 # والأخطر من هذا كله هو هدم العقل وإثبات التقليد والتبعية، ~~وتدعيم هذا الهدم بحجج عقلية تثبت دور العقل في الإثبات والنفي. فإذا كان ~~الفتى يعرف بنفسه اعتمادا على العقل والنظر من غير حاجة إلى تعليم معلم ~~أو عن طريق معلم صادق، فإنه يسمح بالضرورة بعلم غيره الذي توصل إليه أيضا ~~بالعقل والنظر. فإذا ما أنكره عليه، فإن هذا الإنكار لا يحتاج إلى معلم، ~~بل يمكن أيضا أن يتم بالعقل. وإذا كان لا بد من معلم، وكان من الضروري ~~قبول معلم الخصم، وبالتالي يتعدد المعلمون، فإن ذلك لا يعني ضرورة وجود ~~معلم صادق؛ لأن الخصم سيدعي أن معلمه هو الصادق؛ وبالتالي يتعدد ~~المعلمون الصادقون. فما هو مقياس ms138 صدق المعلم إن لم تكن هناك وسائل للتحقق ~~منها ومن ضمنها العقل؟ وإن صدق الراوي يمكن التحقق منه بشروط الرواية إذا ~~كان الخبر متواترا، وبشروط الراوي إذا كان آحادا. أما ضرورة تحديد العلم ~~الصادق بشخص بعينه حتى لا يتعلم من معلم غير محدد بشخصه، فإنه تشخيص ~~للعلم بلا سبب. فالعلم لا يتحدد بشخص المعلم، والعالم كل من حمل العلم. وإن ~~البحث عن رفيق للطريق، أي عن مرشد للمعلم، يجعل المرشد أهم من المعلم، ومن ~~لا مرشد له لا معلم له. أما حجة الواقع فإنها لا تكون حجة مبدأ. فإذا كان ~~كل معلم صادقا متعينا بشخصه على حق، وكل معلم صادق غير متعين بشخصه ليس ~~كذلك في ظرف تاريخي خاص لجماعة بعينها، فإن ذلك لا يعمم في كل ظرف وفي ~~كل مجتمع. # 33 # فإذا ما ظهر العقل فإنه يبدو عقلا أسطوريا غيبيا تعويضا ~~عن غياب العقل الإنساني العلمي، العقل الأول، أول ما خلقه الله، والذي منه ~~تفيض الصور على الموجودات، والذي يدخل في حوار مع الله متشخصا كفرد. وهل ~~وظيفة العقل حوار خالقه أم إدراك العالم؟ وهل يعلم العقل بالفيض أم بالنظر ~~والاستدلال؟ وهل هو مرتبط بالنفس أم بالحس؟ وهل هو وجود أم معرفة، شيء أم ~~آلة؟ هل هو أخلاق أم طبيعة؟ هل هو متجه إلى العالم العلوي أم إلى العالم ~~السفلي؟ وأين يعيش الإنسان ومن أين تأتي مآسيه؟ والعقل ليس مقتصرا على ~~النبي أو على الوحي، بل هو عام في كل إنسان، يأتي من طبيعته وفطرته وليس ~~موهوبا من أعلى، ينظر ويستدل دونما حاجة إلى صور موهوبة تفيض عليه من ~~عقل أول. فهو عقل طبيعي موجود في هذا العالم، تعبير عن الفطرة، ولا شأن ~~له بعقل أول، هو أو غيره، سابق على الخلق، لا نعلم عنه شيئا. # 34 # لذلك ينكر النظر والقياس، وتعتبر المعرفة اضطرارا. ولا ~~يأتي هذا الاضطرار من طبيعة العقل أو من طبيعة الإنسان، أي من الداخل، بل ~~يأتي من الخارج، من فضل الإمام، أو من ضرورة الوحي، ms139 أو من كشف وإلهام لا ~~حيلة للإنسان فيه. فالإنسان بطبيعته لا يقدر على النظر والمعرفة. فإذا ~~أقر بمعرفة فإنها لا تأتي عن طريق النظر الحر، بل تأتي بالإقرار بالفرض ~~والإجبار، بل قد تمنع المعرفة وتسفه إذا ما استقلت بنفسها عن الفيض ~~أو عن الإمام. # 35 # فإذا ما سمح بالنظر والاستدلال فإنه يكون بعد المعرفة ~~الاضطرارية، ولا يؤدي هذا النظر إلا إلى معرفة نظرية دون أية معرفة عملية. ~~وقد يسمح بها اختيارا إما اضطرارا أو كسبا، ولكنها تظل دون التكليف. ~~وقد يسمح بها بعد مجيء الرسل لا قبلهم، ولكن يظل النظر تابعا للنبوة لا ~~مستقلا عنها. # 36 # وإن إبطال النظر في الأمور النظرية ليؤدي بالضرورة إلى إنكاره ~~في الأمور العملية؛ وبالتالي يستحيل استنباط الشرائع والأحكام ، ويبطل ~~الاجتهاد فيها. # 37 ~~(2) شروط الإمامة # إن لم تكن هناك صفات للإمام تجعل منه إماما فوق العادة، وقائدا فوق مستوى ~~البشر، فإن هناك شروطا للإمامة تتحقق أو لا تتحقق في البشر، وتجعل من الإمام ~~إنسانا عاديا في مستوى البشر، وتجعل الاختيار لأفضلهم في حدود الإمكان ~~والقدرات البشرية. ومع ذلك فالشروط أنواع؛ الأولى: لا دخل للإمام فيها، ولا ~~يمكن له تغييرها؛ وبالتالي يمكن رفضها لأنها تجعل الاختيار بين الأئمة غير ~~متكافئ، مثل شرط النسب والدم. والثانية: عادية؛ أي لم تجر العادة بخلافها، ~~وهي أقرب إلى استقراء التاريخ، مثل الحرية والذكورة والبلوغ، وإن جاز لها بعض ~~الاستثناءات. والثالثة: هي الشروط التي يمكن التحقق من وجودها، والتي يتكافأ ~~فيها الأئمة، وتجعل الاختيار بينهم ممكنا، مثل العلم والعدل والتدبير. وهي ~~كلها شروط في حيز الإمكان؛ أي يمكن تحقيقها بالفعل في الواقع، وليست شروطا ~~مثالية يصعب تحقيقها وتكون فوق مستوى البشر. ~~(2-1) هل النسب شرط؟ # بالرغم من أن النسب أو الدم من الأوصاف البشرية إلا أنه ليس شرطا ~~للإمامة، وهو من أكثر الشروط اختلافا فيها. فإذا كانت الإمامة عقدا ~~واختيارا لمن هو أصلح للأمة، فكيف يدخل النسب كعامل للاختيار، النسب ~~للرسول، من آل بيته، أو من قبيلته؟ وهل الإمامة وراثة للنبوة ms140 أم نيابة عن ~~الأمة؟ وهل الأقرب إلى الرسول نسبا هو من العوامل المرجحة في اختيار ~~الإمام؟ ما الفرق إذن بين النبوة والملكية الوراثية إذا كانت الإمامة وريثة ~~النبوة؟ لو كان الأمر كذلك لظلت الإمامة وراثة للنبوة ولما خرجت عنها، في ~~حين أن النبوة تبليغ من الله، والإمامة نيابة عن الأمة. إن الاختيار على ~~الإطلاق يعارض التخصيص بالقرشية. فلو كان الاختيار صحيحا كانت القرشية ~~أقرب إلى التعيين بالنص منها إلى الاختيار؛ لأنها تحديد وتعيين بالوصف ~~والرسم إن لم يكن بالاسم والشخص، بل العنوان القديم لا معنى له «في بيان ~~جنس الإمام وقبيلته»؛ فالإمام لا جنس له ولا قبيلة، ولكنه مختار من القوم ~~طبقا للبيعة والعقد عليه. # 38 # والأخطر من ذلك أن يتحول الشرط إلى نسبة وقرابة، وإلى دم ~~وسلالة، وكأن الإمامة في الدم والعصب، في اللحم والعظم؛ وبالتالي تصبح أسوأ ~~من الملكية الوراثية. وما أسهل الاختلاف على الأنساب حتى يمكن إدخال الإمام ~~في نسب يسهل بعده مطالبته بحقه في الإمامة! بل قد يصعب تاريخيا، كلما ~~طالت المدة وبعد الزمان، التحديد بدقة نسب الأئمة وسلالتهم، وهو ما لا ~~يحدث إلا في حدائق الحيوان. وتظهر العصبية في تحديد النسب تأكيدا على بطن ~~دون بطن، أو على فخذ دون فخذ. # 39 # ويشتد الأمر ضيقا من حيث النسب والسلالة أن يكون الدم من ~~ناحية الأب وليس من ناحية الأم، تعبيرا عن تفضيل القبائل العربية للذكور ~~على الإناث، على عكس اليهودية التي يكون النسب فيها من الأم والرحم، والأم ~~أقرب إلى علاقة الدم من الأب. ولماذا يتم استبعاد الموالي والحلفاء، وهذه ~~بعض عادات القبائل؟ فالولي أو الحليف له الحقوق نفسها وعليه نفس الواجبات، ~~بل كانت الحروب تقام من أجله دفاعا عنه وحفاظا على العهود والمواثيق. ~~ولماذا تنكر الإمامة على المولى والحليف ولا ينكر عليه الدم في الحرب؟ ~~وهل الإمامة أفضل من الحياة، والسياسة أفضل من الموت؟ وإذا اعتمدت القرشية ~~على خبر، فإن المولى والحليف يعتمد على خبر آخر مساو في الصحة وله نفس ~~الثقل، وليس نص ms141 بأولى من نص آخر، ولا يؤخذ الأول حقيقة والثاني مجازا، ~~فلا مجاز في الأحكام. # 40 # ويعتمد شرط القرشية على خبر آحاد معارض بأخبار أخرى لا ~~تقل يقينا أو ظنا عنه، ولا يوجد إلا الدليل النقلي دون إمكانية قيام ~~أدلة عقلية. وإن الأدلة النقلية كلها حتى لو تضافرت لإثبات شيء على أنه ~~صحيح ما أثبتته، ولظل ظنيا، ولا يتحول إلى يقين إلا بحجة عقلية ولو واحدة. # 41 # وقد يعني الدليل مجرد ثناء ومدح لمقدرة قوم في السياسة، مثل ~~مقدرة قوم آخر في العلم، دون أن يعني ذلك حصر السياسة أو حصر العلم كل ~~منهما فيه اشتهر به في قوم. وقد لا يكون قولا مأثورا من النبي بل من ~~غيره، أو قولا مأثورا متواترا بالمعنى لا باللفظ. # 42 # والأهم من ذلك كله هو طريقة استعماله، وظهوره في ظرف نفسي ~~خاص، وفي لحظة تاريخية معينة استلت فيها السيوف، وكادت الفتنة أن ~~تقع. فكان من الضروري إظهاره دون التحقق من صحته، بل كان من الممكن وضعه ~~اتقاء للفتنة ودفاعا عن وحدة الجماعة؛ فالضرورات تبيح المحظورات. لقد ~~أذيع الخبر من صاحب النبي وأكبرهم سنا وخليفته في الصلاة، سلطة معنوية ~~تعلن عن سلطة نصية منعا للنزاع وحقنا للدماء كذريعة، حفاظا على وحدة ~~الأمة؛ فالغاية تبرر الرواية. أثر العامل النفسي في الذاكرة درءا للفتنة، ~~واستعمالا لحجة السلطة جريا إلى السقيفة. الغاية العملية الضرورية هي ~~التي فرضت نفسها على الأسس النظرية، والعمل يقين، في حين أن النظر ظن. وقد ~~تم قبول الخبر للغاية نفسها، وحل مشكلة عملية حتى ولو كان الأساس النظري ~~ظنيا. وقد يكون الظرف التاريخي كله وراء ذلك؛ فالقبلية ما زالت حديثة ~~العهد، والجاهلية ما زالت متبقية. كان الظرف إذن خلافا بين قريش وغيرها، ~~وحسم الأمر لصالح قريش دون اعتراض أحد نظرا لما تتمتع به من احترام في ~~الجاهلية وسلطة في الإسلام. وأين قريش الآن؟ من من الحكام الآن يمكن أن ~~يجد أصله في هذا النسب الطويل؟ وإذا كان الخلاف حول النسب قد وقع منذ ذلك ms142 ~~الوقت، فكيف به الآن؟ وكل حاكم ينسب نفسه إلى قريش تثبيتا للسلطة وطلبا ~~للطاعة، وكلهم إلى رسول الله منتسب! يستعمل الملوك والأمراء شرط النسب ~~الآن كل منهم يدعى أمير المؤمنين من سلالة السلف الصالحين ضد البيعة والاختيار. # 43 # وقد تضيق الحلقة أكثر فأكثر، ويتحول شرط القرشية من العام إلى ~~الخاص، فيصبح الهاشمية أو الفاطمية أو الحسينية تأكيدا على أحد الأسباط. ~~فإذا ما حدث صراع سياسي تحول الشرط إلى فرع آخر، من العلوية إلى ~~العباسية. وكلما ازدادت الرغبة في الاستئثار بالحكم ضاق النسب، ووضعت ~~روايات لتبرير النظم السياسية القائمة أو المناوئة. وإذا كانت القربى من ~~الرسول تعني البيت والتربية والتراث، فإن ذلك لا يعني بالضرورة العصب ~~والدم. لا يوجد للرسول عصب، ولا منه إلى بنيه وراثة أو خلافة، لا في الدنيا ~~ولا في الدين، لا في الملكية ولا في النبوة. فالأنبياء لا يورثون ولا ~~يورثون، وما يتركونه صدقة للأمة. وحياة الرسول ليست خاصة به، إرثا لولده ~~من بعده، بل لعامة الناس جميعا. # 44 # القرشية إذن ليست شرطا للإمامة. وليس السبب في وجودها في غير ~~القرشيين أن الإمام يسهل خلعه، فإن الخلع واجب، سواء كان قرشيا أم غير ~~قرشي؛ لأن الخلع لا يقوم على العصب، بل لعصيان الشريعة. وإذا كانت الأمة قد ~~أجمعت من قبل على أئمة قرشيين، فإن هذا الإجماع لم يتم بسبب القرشية، بل ~~لتوفر شروط الإمامة الواجبة فيهم، سواء كانوا قرشيين أم غير قرشيين، بل ~~قد يكون غير القرشي أولى اتقاء للفتنة، أو مراعاة لمن هو أقل عشيرة، ~~وحتى لا يشعر بالأقلية أمام أغلبية قرشية. إن شرط الإمامة هو العلم ~~بالشريعة، وهو شرط مثالي لا يتعلق بنسب أو عصب أو قرابة، وهو مبدأ عام لا ~~يتغير تحت ضغط الظروف العملية. # 45 # ولا مجال لقياس الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى؛ فالأولى ~~نيابة عن الأمة، في حين أن الثانية فرض شرعي. شرط الأولى يمكن معرفته ~~بالعقل، في حين أن شرط الثانية سمعي خالص يمكن فهمه بعد ذلك بالعقل. وليس ~~كل من ms143 يستحق الصلاة في الإمامة الصغرى يستحق الخلافة في الإمامة الكبرى؛ ~~فشرط الأول أن يكون أقرأ القوم دون بيعة وعقد، في حين أن شرط الثاني البيعة والعقد. # 46 ~~(2-2) الشروط العادية (الإسلام والحرية والذكورة والبلوغ) # تعني الشروط العادية الشروط التي جرت العادة على التسليم بها وتحققها ~~بالفعل في التاريخ، ويؤيدها استقراء الحوادث وصفات الأئمة في كل العصور، ~~وعدم شيوع الاستثناء إلا في أقل الحالات. وهي بهذا المعنى شروط ممكنة؛ أي ~~يجوز أن تكون على خلاف ما هي عليه، ولكن الواقع هو الذي يضعها، والواقع ~~أساس الوحي، ولكنها شروط ليست نظرية بمعنى لا تعبر عن مبدأ نظري عام مثل ~~الشروط الواجبة. ويأتي في مقدمتها شرط الإسلام؛ فالحكم شرعي، والإمامة ~~تطبيق لأحكام الشريعة، وأهل الحل والعقد مسلمون، والبيعة تتم لواحد منهم؛ ~~فهذا حكم واقع وليس حكم مبدأ. وليس هناك مانع نظري من أن يكون كتابيا ~~عالما بالشريعة وحريصا على الأمة وعلى مصالحها حرص المسلم تماما، مع ~~توافر الشروط الضرورية فيه. ولكن الواقع شيء والمبدأ شيء آخر، والضرورة ~~العملية غير الضرورة النظرية. تأخذ الضرورة العملية أهواء الناس ~~وانفعالاتهم وكل مكونات الوجود الإنساني؛ لذلك يجوز أن يكون العمال ~~والولاة من أهل الكتاب نظرا للطبيعة العملية التنفيذية للمنصب. ويؤيد ذلك ~~استقراء حوادث التاريخ. # 47 # أما الحرية فهي قضية تاريخية صرفة، وليست قضية نظرية. فليس هناك ~~عبودية اليوم بعد انتهاء الرق من تاريخ البشرية. كل البشر أحرار بمعنى ~~أنه لا يمتلكهم أحد. وإذا كانت هناك أمم أو أنظمة أو حكام من العبيد، فإن ~~ذلك يكون مجازا لا حقيقة؛ أي فقدان الاستقلال والوقوع في التبعية. فالحرية ~~لا تعني الآن التحرر من الرق، فلا يوجد سوق نخاسة، ولكن هناك الرق السياسي، ~~وهو تبعية الحاكم إلى معسكر أو نظام أو حلف أو الاستسلام للضغوط الخارجية. # 48 # وطالما قامت ثورات للعبيد يقودهم عبيد. فليس العبد مستحقرا ~~لخدمة سيده يؤمر فيعصى، ولكنه إذا كان ثائرا على الظلم عاملا على تحرير ~~العبيد فهو حر. وطالما هناك أحرار لا يملكهم أحد، وهم عبيد المال ms144 والجاه ~~والسلطان والغريب. # أما الذكورة، كون الإمام رجلا، فقد جرت العادة بذلك باستقراء حوادث ~~التاريخ، وقلما يوجد حاكم اختاره الناس بيعة وعقدا وكان امرأة. وهذا لا ~~يمنع من وجود علماء وقواد عظام من النساء. ربما أن البشرية كلها تمر ~~الآن بهذه المرحلة منذ آلاف أخرى من السنين، وليس السبب في ذلك أن النساء ~~ناقصات عقل ودين، فقد يكون السبب في هذين الشرطين، الحرية والذكورة، القدرة ~~على اتخاذ القرار المستقل؛ فطالما أن العبد مطيع لسيده، والمرأة تحت إمرة ~~زوجها، يصعب إيجاد استقلال للقرار السياسي. وما دامت الغاية، وهي استقلالية ~~هذا القرار، قد تحققت، فلا يهم بأية وسيلة كانت. # 49 # أما البلوغ فلأن العقل شرط التكليف. ولما كانت الإمامة فرضا شرعيا فإن ~~العقل أو البلوغ شرط التكليف فيها؛ ومن ثم لا تجوز إمامة صبي حتى ولو كان ~~هناك أوصياء عليه. كما لا تجوز إمامة المجنون؛ لأنه فاقد للعقل شرط ~~التكليف. وما دام الصبي أو المجنون لا يلي أمر نفسه، فكيف يكون واليا على غيره؟ # 50 # وتذكر هذه الشروط العادية الأربعة في العقائد المتأخرة معا؛ ~~مما يدل على وجودها في نوع واحد، وتضم في العدل بعد أن يفقد معناه ~~الاجتماعي. فيفسر العدل تفسيرا أخلاقيا؛ أي المسلم الحر الذكر العاقل ~~البالغ، كما هو الحال في القضاء والشهادة، والمعنى الشامل لذلك عدم الفسق. ~~وتكفي في العدالة الظاهرة دون الباطنة؛ فالإمامة ولاية عامة تتعلق بمصالح ~~الأمة وبظواهر الأفعال دون بواطنها. # 51 ~~(2-3) الشروط الواجبة (العلم والعدل والتدبير) # والشروط الواجبة هي الشروط الضرورية عقلا والتي لا يكون عليها خلاف، هي ~~الشروط المبدئية التي لا تخضع لضرورة الواقع بقدر ما تعبر عن ضرورة العقل ~~نفسه، على عكس الشروط العادية التي تعبر عن ضرورة الواقع لا عن ضرورة ~~العقل. وأولها شرط العلم، فالعلم كمال العقل، والعقل أداة العلم. ولا يعني ~~العلم الأمور الغيبية، أو العلم بجميع مسائل الدين، أو أن يكون الإمام أعلم ~~أهل زمانه، بل المقصود بالعلم ما يتعلق بتدبير شئون الأمة؛ أي علم الفتيا ~~والاجتهاد كما هو ms145 الحال في القضاء. # 52 # والعدل يتلو العلم في صفات الإمامة، فلا عدل عن جهل، ولا علم ~~ينتهي إلى ظلم. والعدل صفة ظاهرية تتعلق بمعاملات الناس، الحيد عنها يؤدي ~~إلى خلع الإمام أو إلى الثورة عليه. # 53 # أما الصفة الباطنية للعدل فهي الورع؛ أي العدل مع النفس. وقد ~~يكون الورع صفة مستقلة عن العدل، ولكنه في الحقيقة جانبه الباطني. وقد ~~يسمى الورع بأسماء أخرى، مثل العفة والأمانة والثقة، ولكنها في الحقيقة ~~كلها مظاهر للعدل، أو الأسس الباطنية التي يقوم عليها العدل أساسا برد ~~الحقوق لأصحابها في الحياة وفي الأموال. # 54 # ويؤدي العدل في الظاهر والورع في الباطن إلى تطابق السلوك ~~الشخصي للإمام مع مقتضيات العدل والورع، فيكون مؤديا للفرائض مجتنبا ~~جميع الكبائر مستترا بالصغائر. كما يتصف بصفات القائد والزعيم الذي ~~يألف إليه الناس، فيأخذهم بالرقة والرفق دون عنف أو غلظة حتى لا ينفضوا ~~من حوله. ويكون يقظا عالما بمجريات الأمور. ويكون صباح الوجه مبتسما ~~دون ابتذال حتى يحبه الناس. # 55 # ولا يعيبه أن يكون فيه عيب خلقي جسمي، أن يكون أعمى أو أصم أو ~~أجذم أو أحدب أو مبتور اليدين والرجلين أو هرما ما دام يعقل، أو ينتابه ~~الصرع ثم يفيق، فكلهما أعراض بشرية، والإمام بشر. الإمامة وظيفة، ~~وما دامت قائمة فلا تهم أوصاف الإمام التي لا تؤثر في الأداء. # 56 # أما الصفة الثالثة وهي التدبير، فإنها تتعلق بتجهيز الجيوش وسد ~~الثغور وحماية الحدود دفاعا عن البلاد وردا للاعتداء. وتتطلب شجاعة ~~وإقداما في الحرب، وجرأة مراسا فيها دونما لين أو هوادة أو صلح واستسلام ~~وموالاة للأعداء بدعوى السلم أو طلبا للسلام. # 57 # وكما يتعلق التدبير بالخارج يتعلق بالداخل كذلك؛ أي عدم ~~التهاون في تنفيذ أحكام الشريعة، وإنصاف المظلوم، ورد الحقوق. فإذا ما أخذ ~~الناس حقوقهم طالبهم الإمام بواجباتهم، طبق الحدود وقطع الرقاب. ومن ~~التدبير أن يكون عالما بشئون الأمة وأحوالها، وألا يولي في الأعمال ~~الكبار العمال الصغار؛ حتى لا يطمعوا ويصبحوا عبيدا للوظائف يسهل شراء ~~ذممهم حفاظا على مناصبهم. # 58 ~~(2-4) ms146 هل تجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل؟ # وهو نفس السؤال: هل يجب أن يكون الإمام أفضل الناس؟ ومسألة الأفضل ~~والمفضول ليست مسألة صفات فردية يتمتع بها الإمام، ولكنها مسألة تشير إلى ~~بعض المواقف السياسية التي يتحتم فيها الاختيار بين قائدين، أحدهما يمثل ~~الأقلية المثلى، والآخر يمثل الأغلبية الأقل مثالية. وهو الموقف السياسي ~~المعروف باسم الجذرية والوسطية، أو التشدد واللين، أو المبدئية والعملية، ~~أو الحق النظري والإمكانية الواقعية. فالأفضل في هذه الحالة حق نظري؛ أي ~~تمسك بالمبدأ، ورفض لجميع الحلول الوسطية أو المساومة على الحق. ويسهل ~~إيجاد أخبار ظاهرة متواترة المعنى لتأييد ذلك. وإذا كانت الإمامة من أعظم ~~الأمور فإنه لا يليها إلا الأفضل، وولاية المفضول في هذه الحالة قبح عقلي. ~~ويتفق ذلك مع إجماع الأمة في الصدر الأول على طلب الأفضل، فالإمامة لا ~~تنعقد للمفضول مع وجود من هو أفضل منه. فإن عقدت للمفضول كان أقرب إلى ~~الملوك منه للأئمة . # 59 # وهي حال اختيار تاريخي وجدت بالفعل في شخص معين كان أفضل ~~الناس، وكان الأئمة أيضا ممثلين في الخلفاء الأربعة كذلك. # 60 # إمامة الأفضل إذن حق نظري وواقع تاريخي في آن واحد. ومع ~~ذلك قد تجوز إمامة المفضول في حال التعارض بين الحق النظري والواقع العملي، ~~وصعوبة تحويل الأول إلى الثاني. وفي هذه الحال يلزم رضاء الأفضل وقبوله عن ~~طيب خاطر تولية المفضول. وقد يستند في ذلك أيضا إلى حجج عقلية وواقعية ~~إن غابت الحجج النقلية؛ فالأفضل لا يعرف إلا بالظن في ظاهر أمره، ولا ~~يمكن معرفته يقينا في باطنه، ولا يمكن معرفته إلا بنص أو إجماع أو معجزة، ~~وهو مستحيل الحدوث، وقد تفرق الفضلاء في البلاد بحيث لم يعد يحصرهم مكان ~~أو يحدهم زمان، وإن اختلاف الناس وتباينهم في الفضل يجعل من الصعب إيجاد ~~مقاييس لاختيار الأفضل بالرغم من وجود البعض منها، مثل الأزهد والأورع ~~والأسوس والأشجع والأعلم، وهو في النهاية تكليف ما لا يطاق. وإذا كانت ~~الإمامة وظيفة تشريعية عملية وليست نظرية، فيكفي المفضول إذا كانت له ~~القدرة ms147 على الممارسة العملية وإن كان أقل علما. وإذا كان النبي أفضل ~~الأمة، وكان لا بد للإمام أن يكون الأفضل، فإن الإمامة تستحيل بعده لعدم ~~وجود من هو أفضل من النبي. وإذا ما وقع الإجماع على المفضول فهو الإمام؛ ~~لأن الأمة لا تجتمع على خطأ. # 61 # وهناك واقع تاريخي آخر يؤيد ذلك ويحقق إمامة المفضول مع وجود ~~الأفضل، قد يكون السؤال نفسه واختيار المفضول أحد التبريرات النظرية له، # 62 # ولكن الحجة الأكثر حسما في ذلك هي حجة الواقع؛ أي تحقيق ~~المصلحة ودرء المفسدة على مستوى وحدة الأمة. فلو كانت مبايعة الأفضل تؤدي ~~إلى الفتنة والشقاق في وقت قل فيه الفضلاء وكثر فيه الأقل فضلا، فإنه ~~في هذه الحالة تجوز مبايعة المفضول. هذا بالإضافة إلى أنه لا توجد حجة ~~نقلية أصلا من كتاب أو سنة أو إجماع أو عقل أو قياس أو قول صاحب من أجل ~~مبايعة الأفضل في كل الظروف والأحوال. # 63 # ويمكن وضع مقاييس للفضل حتى لا يترك اختيار الأفضل ومبايعة ~~المفضول للتقدير الذاتي، بحيث يتدخل الهوى في الحكم؛ فقد يكون في الأفضل ~~علة تخرجه من كونه إماما، مثل نقصه لبعض الشرائط، وقد يكون فيه علة ~~بدنية أو نفسية تجعل المفضول أرجح منه. ولا يدخل عامل النسب، القرشية أو ~~الهاشمية أو العلوية أو العباسية، عاملا مرجحا للمفضول على الأفضل. وقد ~~يكون الأول أكثر شهرة في الفضل وسلامة الحال، تسكن النفس إليه ويحبه ~~الناس. وقد يكون بعيدا عن عهد الكفر لا تنفر منه النفوس. وقد يكون انقياد ~~الناس له أكثر، وقبوله أعظم. الأفضل إذن ليس شرطا على الإطلاق، بل هو شرط ~~ترجيح يخضع للمرجحات التي تكون في المفضول أقوى. وقد يكون في لحظة العقد ~~عارض يقتضي تقديم المفضول على الأفضل، مثل كونه في البلد الذي مات فيه ~~الإمام مع غياب الأفضل في بلد بعيد. # 64 # ومع ذلك فإن جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل هو بداية ~~السقوط في التاريخ، وبداية التخلي عن المثال من أجل الواقع، وهو تنازل لا ~~يمكن التنبؤ ms148 بنهايته ومداه. # | خامسا: الثورة على الحكم # إذا كانت أوصاف الإمام وصفات الإمامة قد ركزت على شخص الإمام، فإن الثورة على ~~الحكم تقلل من هذا التشخيص للمشكلة السياسية، وتتناول المؤسسات وأجهزة الرقابة على ~~الحكام. وتتدرج هذه من الوسائل السلمية العلنية، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والنصيحة في الدين، إلى ضرورة الجهاد. فإذا ما تم استنفاد الوسائل السلمية ~~دون إصلاح الحال، تم اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر فعالية حيث لا تجوز طاعة الإمام ~~الجائر؛ وبالتالي وجب خلعه وعزله، وإلا فلا سبيل إلا الخروج عليه. وإنما يتم ذلك ~~كله باسم التوحيد، حيث يجد التوحيد في البداية مصبه وتحققه في النهاية. ~~(1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # ويحدد هذا المبدأ العلاقة بين الجماهير والسلطة، بين الأمة والإمام، بعيدا ~~عن التشخيص السياسي وتركيز المشكلة السياسية كلها على شخص الإمام. وهي إحدى ~~أصول خمسة في العقائد يقوم عليها علم التوحيد؛ أي إنه نتيجة طبيعية للأصول ~~الأربعة الأولى، خاصة لأصلي التوحيد والعدل. وقد يصبح موضوعا منفصلا ~~وتفرد له مؤلفات خاصة؛ فالمبدأ يتعلق بالأصول وليس بالفروع. # 1 # فماذا يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هناك أربعة مصطلحات: الأمر، ~~والنهي، والمعروف، والمنكر. فالأمر والنهي مقولتان في علم أصول الفقه، صيغتهما ~~«افعل» و«لا تفعل»، يقتضيان الفعل وعدم الفعل. أما المعروف والمنكر فيفيدان ~~معنى الحسن والقبح العقليين. ويتوجه الأمر والنهي نحو الأفعال وليس نحو ~~الأفكار والآراء؛ أي إنه يخص العمليات والشرعيات لا النظريات. وهو مبدأ للحقوق ~~المدنية تتعلق بالأفعال الظاهرة، ولا يخص توجيه الفكر والحد من حريته. # 2 # ويبدو النهي عن المنكر أهم بكثير من الأمر بالمعروف طبقا للقاعدة الأصولية ~~أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ويتضح ذلك من قسمة المعروف والمنكر؛ ~~فقسمة المعروف مقتضبة تتعلق بالصورة دون المضمون؛ إذ إنه ينقسم إلى واجب وما ~~ليس بواجب، فالأمر بالواجب واجب، وبالنافلة نافلة، وبالمندوب مندوب، في حين أن ~~المنكر من حيث الصورة واحد، وهو وجوب النهي عنه عند استيفاء الشروط، لا فرق في ~~ذلك بين صغيرة وكبيرة، # 3 # ولكن الأهم من ms149 ذلك قسمة المنكر من حيث المضمون إلى قسمين؛ الأول: ~~ما يختص به ويقع به الاعتداد، مثل غصب فقير ليس له إلا درهم واحد، وهو منهي ~~عنه عقلا وشرعا؛ لأنه سلب لما يقيم به أوده، ونهب لحد الكفاف منهي عنه عقلا ~~لأنه دفع للضرر، ومنهي عنه شرعا لأن خير أمة أخرجت للناس لا يكون هكذا وضعها ~~في التفاوت بين الأغنياء والفقراء. وما يختص به ولا يقع الاعتداد به، مثل غصب ~~غني له أموال قارون درهما، وهو غير منهي عنه عقلا إن كان منهيا عنه شرعا. ~~ولما كان العقل أساس النقل، فإنه يكون غير منهي عنه. وإن السرقة من الغني أقرب ~~إلى إعادة توزيع الدخل بين الطبقات. والثاني: ما يتعداه، وهو المنهي عنه عقلا ~~وشرعا، ولا يحتاج في ذلك إلى تدبير واجتهاد. فالنهي عن المنكر يتوجه أساسا ~~إلى الأوضاع الاجتماعية التي يحكمها توزيع الدخول وتفاوتها بين الطبقات. وقد ~~ينقسم المنكر إلى قسمين آخرين؛ الأول: ما يتغير حاله بالإكراه ويقع ضرره عليه ~~فقط، مثل سرقة الدرهم من خفير. والثاني: ما لا يتغير حاله بالإكراه ويتعدى ~~الضرر إلى الغير، كسرقة الفقراء ونهب العاملين واستغلالهم وسرقة جهودهم. وقد ~~ينقسم المنكر إلى عقليات كالظلم والكذب، والنهي عنه واجب، وهو أقرب إلى الأمور ~~المعنوية والأخلاقية؛ وإلى الشرعيات، سواء ما كان للاجتهاد فيها مجال أو لم ~~يكن للاجتهاد فيها مجال، وهي الأمور المادية كالسرقة، والنهي عنها أيضا واجب. ~~يتجاوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجال الأخلاق الفردية إلى الأوضاع ~~الاجتماعية، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية فيما يتعلق بالمساواة وإعادة توزيع ~~الدخل بين الطبقات. إذا كان المنكر من باب أفعال القلوب غير معروفة ولا يطلع ~~عليها فلا يجب النهي عنها، والمعروفة الظاهرة قد نهي عنها. أما أفعال الجوارح ~~فهي التي يجب النهي عنها لظهورها وآثارها في الحياة الاجتماعية. # 4 # والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، بل واجبان شرعيان مثل الصلاة. وقد ~~يرجع وجوبهما إلى درجة وجوب المأمور بهما أو المنهي عنهما، فيكون الأمر بالوجوب ~~واجبا وبالمندوب مندوبا، حتى يترك الآمر ms150 بالمعروف والناهي عن المنكر لمن ~~يأمره وينهاه حرية الاختيار والإدراك في حالة المندوب والمكروه. وهو وجوب لطف ~~ومصلحة، لطف من الله ومصلحة للعباد، تقوم به مصالح الناس التي ترعاها الشريعة. # 5 # وهو واجب عقلا وشرعا. فالظلم يعرف عقلا، يحس به الإنسان ~~وتدركه الطبيعة، ولو لم يكن واجبا عقلا لكان مغريا بفعل القبيح. ويستحيل ~~أن يكون للوجوب أساس في الطبيعة البشرية. # 6 # ولا يستلزم وجود الإمام، ولا تقوم به الأئمة؛ لأن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر أصل للرقابة عليهم. وإن تطبيق الأئمة للشريعة وتنفيذهم للحدود ~~ليس أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، بل هو تطبيق لأحكام الشريعة. وأحيانا ~~يكون دليل وجوب الإمامة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأن الإمامة ~~أصلها ومستندها في الرقابة الشعبية. إنما يجب على عامة الناس قدر الإمكان ~~ندبا، وواجب على علماء الأمة فرضا. وهو ليس فرض كفاية على العلماء إذا قام به ~~البعض سقط عن البعض الآخر، ولكنه فرض عين على كل عالم ما دام قد استوفى شروطه . ~~فالعلماء ورثة الأنبياء، وإلا ارتكن العلماء بعضهم إلى بعض، وأوكل العالم الأمر ~~إلى غيره حتى يضيع الأصل. فإذا ما استعصى على العامة وعلى العلماء، فإنه في هذه ~~الحالة وحدها يمكن اللجوء إلى الإمام حتى لا تستدعي السلطة على الناس بلا ~~مبرر، وحتى يعطي للرقابة الشعبية أكبر فرصة ممكنة. # 7 # وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط تضمن وقوعهما وإحداث أثرهما ونجاحهما، ~~وتخفف من حدتهما وثقلهما على النفس، وتقلل أسباب فشلهما، وأهمها ألا يثيران ~~فتنة أو غضبا، أو ينفران الناس من الإسلام والمسلمين، ويبعدانهم عن الأمة ~~وعلمائها؛ فالنصائح صعبة على النفس، والتوجيه ثقيل عليها. فالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر إنما يتمان حرصا على الإسلام الذي يشترك فيه الناصح مع ~~المنصوح، فليس الناصح بأكثر إسلاما من المنصوح، أو بأشد غيرة على الإسلام ~~منه. ويشترط أيضا عدم التجسس والتلصص على الناس، وتتبع عوراتهم، وفضحهم على ~~رءوس الأشهاد، بل على العكس، التستر على الناس يجعلهم أقرب إلى قبول النصح ~~وقبول التذكرة عن طيب خاطر. ms151 فما الفائدة من الإتيان بأصل مثل الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وهدم أصل آخر وهو المحافظة على حرمات الناس؟ وعلى الناصح أن ~~يعلم أن المأمور به معروف وأن المنهي عنه منكر، وإلا أمر بالمنكر ونهى عن ~~المعروف؛ فالعلم شرط النصيحة. وقد لا يغني الظن عن العلم؛ لأن الظن لا يغني ~~عن الحق شيئا، وتترك النصيحة حينئذ لمن هو أهل للعلم لا للظن. ولا بد أن ~~يكون المنكر حاضرا، فلا يعقل أن يتم نهي عن منكر لم يحدث بعد، وإلا كانت ~~النصيحة مجرد إعلان عن النفس، ومزايدة في الإيمان، وطلب منصب أو جاه. فالواقع ~~أساس الممارسة، وأصل عقلي منصوص عليه في الوحي بلا واقع يكون مجرد هراء ~~وظيفته تعمية الواقع دون الكشف عنه أو تغييره. وتتوقف ممارسة الأصل إذا ما ~~أدى النهي عن المنكر إلى منكر أعظم منه، مثل قتل الدب لصاحبه. وطبقا لحساب ~~الضرر فإن الضرر الأقل يبدو مقبولا في سبيل تفادي ضرر أعظم. ولا خلاف بين أن ~~يقع الضرر على الغير ، أي المنصوح، أو الذات، أي الناصح؛ فقد تتوقف ممارسة ~~الأصل إذا ما أدى إلى إلحاق الضر بالنفس، سواء كان ذلك في الحياة أو في ~~المال؛ أي الضرر المعنوي أم المادي. ويترك تقدير هذا الضرر لقدرة العالم ~~الناصح على التحمل، وهو ما يختلف فيه العلماء، كل طبقا لقدراته وطاقاته ~~ووضعه. وأخيرا لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كان له أثر في ~~الواقع حتى يحقق غرضه. أما إذا لم يكن له تأثير، وكان أشبه بالصراخ أو إقامة ~~الأذان في الصحراء حيث لا مجيب، فإنه يكون أيضا فارغا بلا مضمون. فالشهادة ~~ليست للشهادة، والإعلان ليس هدفه الإعلان، إنما الكلمة تهدف للتأثير والتغيير. # 8 # أما طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها تختلف فيما بينها بالنسبة ~~لكل منهما؛ فالأمر بالمعروف يكفي مجرد الأمر به دون إلزام، أما النهي عن ~~المنكر فلا يكفي فيه مجرد النهي، بل لا بد من الإلزام؛ وبالتالي لزمت وسائل ~~تحقيقه وتنفيذه من أجل إحداث التغيير ms152 المطلوب، ويبدأ التغيير بالفعل والذي ~~يرمز إليه باليد؛ أي بالقوة. ويختلف في مداها بالضرب أو بالقتال، كما يختلف ~~في الضرب بالأيدي أو النعال، ويختلف أيضا في القتال بالقبض والسلاح، أي ~~بالسيف، أو بمعركة حاسمة وفاصلة يجمع لها الجنود بالآلاف. فإن صعب التغيير ~~باليد فلا يبقى إلا اللسان؛ أي الكلمة والقول. ويختلف في القول بين القول ~~اللين والقول الخشن. فباستمرار الإعلان يمكن إحداث التأثير، وبدوام القول ~~يزداد وعي الأمة وتضغط بنقلها من أجل إحداث التغيير. فإن استحال القول نظرا ~~لظروف القهر وكبت الحريات ومنع الكلمة لم يبق إلا القلب؛ أي الاستمرار والثبات ~~على الحق دون مخالفة الضمير أو بيع الذمة أو الرضا بالقهر. ولما كان ذلك يتطلب ~~اتفاق القول والعمل مع الوجدان، فإن النهي عن المنكر بالقلب يحرس الإنسان من ~~الوقوع في النفاق وقول ما لا يؤمن به، أو في الممالأة وفعل شيء لا يرضى عنه، ~~ويحرسه من التصفيق والتهليل أو المداهنة والمجاراة، وحتى لا يكون الناس على دين ملوكهم. # 9 # ولكن تنشأ من ذلك صعوبتان؛ الأولى: هي استعمال العنف ضد الأمة ~~أفرادا أو جماعات، وهو العنف الذي يصل إلى حد القتال والدخول في المعارك ~~بالآلاف؛ وبالتالي شق الأمة وإشعال حرب أهلية داخلية طاحنة. والثانية: قتال من ~~ضد من؟ هل تقاتل عامة الناس وحدهم، أو علماء الأمة وحدهم، أم عامة الناس ~~بقيادة علماء الأمة وحدهم، أم بظهور إمام جديد عادل؟ وهل العامة أو العلماء أو ~~الإمام الجديد الخارج يقوم كل منهم بتغيير المنكر بيده، أم تكفيهم النصيحة ~~ويوكل الأمر إلى الإمام؛ أي إلى السلطة الشرعية لتغيير المنكر، فيكفيهم ~~البلاغ والإعلان؟ وضد من سيقع القتال؟ ضد مرتكبي المنكر من عامة الناس، أو من ~~العلماء ضد الإمام الذي عقدت البيعة له ولم يستمع لنصح؛ وبالتالي تجوز الثورة ~~عليه؟ ألا يكون ذلك مدعاة للخروج المستمر على السلطة الشرعية، وتفتت الأمة ~~وتشرذمها، وإشاعة الفوضى في البلاد؟ ونظرا لهاتين الصعوبتين يمكن قلب طرق ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبداية بالتغيير بالقلب؛ أي بعقد العزم ~~والنية على ms153 القسط بالحق، والإبقاء على صفاء النفس، وإخلاص الضمير دونما تهاون ~~أو مداهنة أو نفاق، فيصبح المسلم بسلوكه واعتقاده اعتراضا مجسما ورفضا ~~مشخصا لما يراه أمامه من منكر. وهو نوع من المقاومة السلبية للظلم يؤتي ~~ثماره إذا ما شاع وانتشر، فإن لم يفلح فالتغيير بالقول واللسان. ويظل طريق ~~التغيير النصيحة والإرشاد، والإعلان عن الحق في مواجهة الباطل، وإنما بقاء ~~الباطل في غيبة الحق عنه. فإذا ما تراكمت الأقوال وعم الوعي وانتشر الحق، فقد ~~يحدث التغيير الفعلي، فالكلمة فعل، والقول أثر. فإن لم يحدث التغيير لم يبق ~~إلا اليد؛ أي التغيير بالقوة بعد استنفاد كل الوسائل السلمية الممكنة. ومع ذلك ~~تنشأ صعوبتان أخريان؛ الأولى: الاتهام بالطاعة العمياء للإمام، والتسليم ~~بالأمر الواقع، وإيثار الطاعة على الخروج، والرضا على الثورة؛ مما يؤدي إلى ~~القعود عن نصرة الحق. والثانية: ما العمل في الإمام الجائر وحكم البغاة؟ هل ~~يكفي في ذلك النهي عن المنكر بالقلب ثم باللسان ثم باليد، أم أن مقاومة البغي ~~بالفعل فرض شرعي؟ لم يكن هناك مفر إذن من التسليم بأن طاعة الإمام مشروطة ~~بطاعته للشريعة، فلا طاعة في معصية. ومن قاتل دون ماله فهو شهيد، ومن قاتل دون ~~عرضه فهو شهيد، ومن قاتل دون مظلمة فهو شهيد. ولا يكفي أن يكلم الإمام الباغي، ~~بل يجب أن يخلع، فإن لم ينخلع وحب خلعه وسل السيوف إذا اقتضت الضرورة؛ # 10 # لذلك وجب قتال البغاة باعتبارهم أعداء للأمة، مثلهم مثل الكفار. ~~قد يتبع من يولي منهم، ويجهز على جرحاهم أو تغنم أموالهم، وقد يغنم ما ~~في عسكرهم فقط دون أتباعهم الذين لا يقاتلون. وقد يقتلون غيلة إذا كان في ~~ذلك خلاص الأمة لدرجة شهادة الزور عليهم واستباحة نسائهم، وقد لا يقتلون إلا ~~نزالا ومواجهة وقتالا. وقد لا يدفن قتلاهم أو يكفنون أو يصلى عليهم، ~~وقد يدفنون ويكفنون ويصلى عليهم. إلى هذا الحد وصل قتال البغاة. # 11 # ويتجاوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل الأمة إلى خارجها، ~~ويلحقان بجهاد الكفار. والجهاد قسمان: جهاد بالدعوة إلى الدين، ms154 مثل الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب وباللسان؛ وجهاد بالسيف، مثل الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر باليد. فالدعوة إلى الإسلام تسبق القتال، وواجبة قبل النزال، ~~حتى تستسلم الأمم فتقبل الإسلام، أو تعلن الاستسلام وتكون أمة مستقلة داخل ~~الأمة الكبرى تتعاون معها على البر والتقوى دون الإثم والعدوان. والجهاد بهذا ~~المعنى فرض عين لا فرض كفاية، كل حسب طاقته ووسعه، جهادا بالقلم أو جهادا ~~بالسيف. ولا جهاد قبل تبليغ الدعوة وبلوغ الإسلام إلى الناس، وتقام عليهم ~~الحجة، فإن قوتلوا قبل ذلك وقتلوا وجبت الدية لديهم. الجهاد حركة في الخارج ~~وليس عكوفا على الباطن، وانتشار في العالم وليس انقلابا للداخل، ثورة في ~~الواقع وليس مجرد تغير في الروح المجرد الفارغ من أي مضمون. # أما الجهاد مع أصحاب المذاهب والفرق المخالفة في الرأي فلا يكون إلا ~~بالحجاج حتى ينصر الرأي ويظهر الحق، «أشداء على الكفار، رحماء بينهم». # 12 ~~(2) متى تجوز طاعة الإمام ومتى يجوز خلعه أو الخروج عليه؟ # ما دام الإمام قد تمت بيعته بناء على اختيار وعقد فإنه يكون مطاعا، ~~وطالما التزم بشروط البيعة من طرفه التزمت الأمة بشروط العقد من طرفها؛ من ~~جانبه تنفيذ الشريعة وتطبيق أحكامها، ومن جانبها الطاعة له. فطاعة الأمة للإمام ~~ليست مطلقة، بل مشروطة بتنفيذ شروط العقد، والعقد شريعة المتعاقدين، فإذا ما ~~نقض الإمام البيعة فإنه يكون قد نقض العهود والمواثيق التي أخذتها الأمة عليه، ~~ويكون نقضه للبيعة بجوره وظلمه وبغيه أو بعدم تنفيذ أحكام الشريعة. وفي هذه ~~الحال يتم خلعه؛ أي سحب البيعة وإعادة الاختيار وفسخ العقد. فإن لم ينخلع على ~~طلب من الأمة أو يخلع نفسه، فإنه يجوز الخروج عليه ومقاتلته بالسيف بناء على ~~ضرورة قتال أهل البغي وفساق الأئمة. ~~(2-1) طاعة الإمام # إذا كانت طاعة الإمام مشروطة غير مطلقة، فإنها لا تجوز إلا في حالة ~~التزام الإمام بعقد البيعة الذي ينص على تطبيق أحكام العدل وتنفيذ الشريعة ~~ومقاتلة الأعداء والذب عن البيضة، ويتطلب ذلك تحقيق مقاصد الشريعة ~~وضرورياتها التي من أجلها وضعت الشريعة ابتداء؛ ms155 المحافظة على الدين ~~والنفس والعقل والعرض والمال. وقد يزاد مقصد سادس هو الإنسان الجامع لكل ~~هذه المقاصد. وتستلزم طاعته دفع الزكاة إليه؛ أي إن الالتزام السياسي ~~بالنظام يستلزم التزاما اقتصاديا به. طاعة الإمام إذن لا تجوز على ~~الإطلاق بالرغم من استقرار ذلك في وعينا القومي نظرا لأنه التراث الغالب، ~~والذي استقر بعد أن حسمت الاختيارات في اختيار تراث السلطة، وأصبحت الطاعة ~~من طرف واحد، من طرف الرعية التي تستلزم بالعهود والمواثيق وعقود البيعة ~~والمحافظة على ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين، دون أي التزام مقابل من ~~جانب الإمام، حتى لو عصى الإمام وفسق وجار فإن طاعته تظل واجبة! ولا تملك ~~الأمة إلا الدعاء له بالهداية والنصح له بالرشاد، فإن لم يتغير شيء تزداد ~~الدعوات دعوة أخرى، دعوى المظلوم على الظالم، ودعوى الرعية على الإمام، ~~والله مجيب دعوات المظلومين. وتستلزم طاعة الإمام محبته والاقتداء به، ~~بصلاحه تصلح الأمة، وبفساده تفسد الأمة. فالتغيير يأتي من فوق، والأمة مجرد ~~تابع ومقلد لإمامها. العلاقة بين الإمام والرعية إذن علاقة تقليد واتحاد، ~~لا علاقة تمايز واختلاف. ليس أمام الأمة إلا الصبر على جور السلطان وعدم ~~الخروج عليه بالسيف مهما جار وظلم، وطغا وتكبر! بل لا يجوز الخروج عليه ~~حتى ولو فسق وعصى وكفر. يكفي الإمام أن يكون ظاهر الإسلام، مقيم الصلوات، ~~يأتي المساجد، مصلي الجمعة والعيدين! # 13 # لا ينعزل الإمام بالفسق والجور؛ لأنها شروط في البداية عند عقد ~~البيعة، وليست شروطا في النهاية حين الالتزام بها. وكأن الإمام مخادع ~~كاذب لا يلتزم بالشريعة إلا من أجل البيعة فحسب طمعا في الإمامة، وهو ضد ~~العدل ظاهرا والورع باطنا، وكأنه محتال على الناس ينوي الغدر بهم. ~~والحجة في ذلك هي الواقع التاريخي؛ فقد انصاعت الأمة لأئمة الجور والفسق ~~ولم تخرج عليهم بعد الخلفاء الراشدين؛ مما يدل على أن طاعة أئمة الجور كانت ~~أقرب إلى تبرير الأمر الواقع منها إلى التنظير والتأصيل له. وقد تثار حجة ~~أن عزل الإمام أو الخروج عليه مدعاة لإثارة الفتنة وإحداث الهرج وإضعاف ms156 ~~لشوكة الأمة، وهي حجة التسليم بالأمر الواقع والخوف من التغيير، حجة ~~استتباب النظام والأمن في مواجهة قوى التغيير والثورة. وما أكثر الحجج ~~النقلية التي يمكن انتقاؤها لإثبات وجوب طاعة أئمة الجور، وما أكثر الحجج ~~النقلية المضادة لإثبات ضرورة خلعهم أو الخروج عليهم. وطالما استتب ~~الأمن، واستمر أئمة الجور في الحكم، استمر تراثهم النقلي في السيادة ~~والانتشار حتى يصبح هو التراث الوحيد في وعي الأمة. وطالما تضطهد المعارضة ~~وتستبعد من الحياة السياسية العامة، يختفي تراثها ويصبح في طي النسيان. لا ~~يسمح بالعصيان إلا في الحرام والمكروه، مثل ترك الدخان في الأسواق ~~والمقاهي؛ أي في أمور لا تعم بها البلوى ذرا للرماد في العيون، ~~وتملقا لأذواق العامة. أما في الظلم والجور والنهب والسرقة واغتصاب ~~الحقوق، فالطاعة واجبة! # 14 # ولما كان هذا الموقف طائفيا صرفا يبرر النظام القائم، كان ~~من الطبيعي أيضا أن يحدث رد فعل عليه من الفرق الأخرى، فرق المعارضة، من ~~أجل تغيير النظام القائم بالسلاح نفسه. فقالت بطاعة إمامها الخاص الذي يخرج ~~بالسيف على أعدائها دون أن تتبرأ من القاعدة عن نصرته. فطاعة الإمام من ~~طاعة الله ضد أن تكون طاعة الله من طاعة الإمام، إذا آمن الإمام آمنت ~~الرعية، وإذا كفر الإمام كفرت الرعية، وهو الوضع نفسه في النظام القائم ~~وتراث السلطة، إلا أن هذه المرة من فرق المعارضة وتراث المعارضة. # 15 # والحقيقة أن الواقع التاريخي بقدر ما يكون البعض منه مع طاعة ~~الإمام فإن كثيرا منه مع الخروج عليه. وإذا كانت طاعة الإمام واجبة على ~~الإطلاق بلا شروط، فلماذا قتل خلفاء من الأربعة الراشدين، أي من داخل نظام ~~السلطة، وليس فقط استمرار الثورات من داخل المعارضة بكل فرقها الداخلية ~~والخارجية، السرية والعلنية؟ # وقد يبلغ حد طاعة الإمام إلى قبول الإمام الجائر وحكم الباغي! فالعقد ~~والاختيار يكون فقط في البداية لا في النهاية، طريقا للبيعة يفعل الإمام ~~بعدها ما يشاء! أما إذا بغا الإمام وطغا بعد ذلك فتظل البيعة الأولى قائمة. ~~فإذا ما تغلب إمام آخر عليه بالقهر دون ms157 بيعة فإنه يظل إماما ما دامت ~~تتوافر فيه بعض الشروط العادية مثل الإسلام والعقل، غلبة بغلبة، وبغيا ~~ببغي، بل قد لا تلزم بعض الشروط العادية الأخرى مثل الذكورة أو البلوغ. ~~وعلى هذا النحو يتم التشريع لحكم الطغيان ولأمراء العسكر وسائر الجند، كل ~~ينقض على الحكم وينصب نفسه إماما. وقد كان الأمر في البداية مجرد تبرير ~~لحكم البغاة وأئمة الطغيان، ثم تحول التبرير إلى تأصيل نظري مستقلا عن ~~الواقع التاريخي الأول، حتى أصبح يخلق واقعه الخاص، ويفرز أئمة بغاة ~~وحكاما طغاة. # 16 # إن أقصى ما يمكن للإمام عمله فيما إذا أخطأ أن يرجع إلى الصواب ~~ولا يمضي حكمه، سواء كان ذلك مقرونا بتوبة أو بدونها. وكأن الخطأ في ~~الحكم مجرد خطأ فردي يعود على الحاكم نفسه دون أن تكون له آثاره على باقي ~~الأمة حربا أو سلما، غنى أو فقرا. كما أن مقاطعة الإمام تجاريا، وعدم ~~الدخول معه في عقود بيع أو شراء، تجعل من الحاكم التاجر الأول والصانع ~~الأول والزارع الأول، علاقته بالرعية علاقة مكسب وخسارة! يكفيه العزل ~~الاقتصادي كمقدمة للعزل السياسي ! وهكذا يتراوح الوضع بين الاستسلام للأمر ~~الواقع وطاعة الإمام الجائر، وبين فسخ عقد البيعة والخروج عليه، وإلا إذا ~~قضى الإمام بحكم جور في منطقة كفرت الأمة كلها من أقصى الأرض إلى أقصاها. # 17 # لقد ركز التراث على طاعة الإمام أكثر من تركيزه على الخروج ~~عليه، وأقام علاقة الإمام بالرعية على الطاعة المطلقة وعدم المعارضة، وعلى ~~تلقي الأوامر وتنفيذها بلا مناقشة، وكأن البشر آلات صماء مهمتهم ~~التنفيذ كما هو الحال في الجماعات السرية والنظم العسكرية والأنظمة ~~التسلطية، وهو قضاء على استقلال الشخصية ودور العقل وحرية الفرد ما دامت ~~علاقة الإمام بالرعية علاقة تسلط وقهر من طرف، وتبعية وخضوع واستسلام من ~~الطرف الآخر. وكثيرا ما كان يخفي تأليه الإمام استغلاله للأمة ما دامت ~~تعتقد في ألوهيته وعصمته وشرعية ما يفعله، وتوجب له السمع والطاعة، وكأن ~~تأليه الإمام كان له هدف سياسي، وهو طاعة الأمة وتبعيتها له. بل لقد أعطى ~~الإمام ms158 لنفسه الحق في مطاردة خصومه السياسيين لدرجة قتالهم باعتبارهم أهل ~~الضلالة، واستئصالهم من جسد الأمة؛ فبدلا من قتال أئمة البغي يقاتلون هم ~~معارضيهم والخارجين عليهم، وتتحول طاعة الأئمة إلى إرهابهم للناس من أجل ~~السيطرة عليهم. ويتهم كل من يخرج على الإمام بأنه خارجي بما تحمل من ~~معاني العصيان والخروج على القانون، كما هو الحال في الحركات الإسلامية المعاصرة. # 18 ~~(2-2) خلع الإمام # إذا لم يتم فسخ عقد البيعة نظرا لنقض الإمام له بعد عقده وبيعة الناس ~~له، وجب خلعه. وللناس أن يخلعوه إذا ما أخل بأمور الدين وأهمل أحوال ~~المسلمين، وهو ما لأجله أقيمت الإمامة. لا يعزل بالفسوق والفجور فقط، أو ~~بإطباق الجنون عليه، أي بصفات شخصية، بل لإضراره بمصالح المسلمين وظلم ~~الناس وممارسة صنوف التعسف والجور ضدهم وتبذير الأموال. إن كفره وترك صلاته ~~أمور يحاسب عليها في الآخرة، أما في الدنيا فإنما يحاسبه الناس على ~~الظلم واغتصاب الأموال وضياع الحقوق. فإذا استعصى خلعه لقوة شوكته أو لقلة ~~حيلة الناس وضعفهم، فعليهم ارتكاب أدنى المحظورين واختيار أخف الضررين، ~~طاعة الإمام الباغي أو خلعه، وما يترتب على ذلك من الخروج عليه والدخول في ~~معركة غير متكافئة معه. فإذا ما اختارت الأمة الطاعة لأنها أهون الشرين، ~~كانت بمثابة المكره على فعل شيء لا ترضاه، وليس على المكره حرج. إذا كان ~~وجوب العزل لسبب افتراضي مثل وقوع الإمام في يد الأعداء، فإن عزله أوجب ~~لسبب حقيقي، وهو ظلم الرعية والتعسف بها. لا يوجب عزله ظهور من هو أفضل ~~منه، وذلك لجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ومع ذلك يوجب عزله إذا لم ~~يحسن المفضول استخدام القدر من العقل لرعاية شئون الرعية. وقد يكون من ~~الأكرم للإمام المخلوع أن يخلع نفسه بنفسه دون انتظار خلع الناس له إذا ما ~~شعر بعجزه عن تدبير شئون الرعية. # 19 ~~(2-3) الخروج على الإمام # ومع ذلك يجب الخروج على الإمام إذا ما عصى وظلم، ولم يقم بشروط العقد من ~~طرفه، ولم يسمع لنصيحة أو لأمر بمعروف أو لنهي ms159 عن منكر، ولم يخلع نفسه، ولم ~~يستمع لخلع الناس له. هنا تجب الثورة عليه وإزاحته عن الحكم كفريضة شرعية ~~ما دام قد عطل وظيفة الإمامة. فالخروج على السلطان الجائر فضيلة، ولا ~~يجوز الخروج السري، بل يجب الخروج العلني أمام الناس وعلى رءوس الأشهاد ~~لاسترداد الحقوق وإقامة العدل، # 20 # بل قد تتحول السلطة ذاتها إلى محرم؛ وبالتالي يتم تكفير كل من ~~لابس السلطان أو جالسه أو عمل معه، فالسلطة مفسدة، وضياع لطهارة القلب ~~ونقاء الضمير. # 21 # وإذا كان الخروج لا يتم إلا مع إمام، فلأن كل ثورة في حاجة إلى ~~قيادة، وإلا كانت فورة هوجاء بلا تنظيم أو ترشيد. كما أن الإمام لا يخرج ~~بمفرده دون ثورة من الناس على الإمام الظالم ينشأ الإمام من داخلها. وثورة ~~الأئمة بمفردهم دون الرعية تكون أقرب إلى التمرد منها إلى الثورة. فإذا كان ~~التمرد يتم من أجل استرداد حق الإمام الشرعي ضد الإمام المغتصب، فإن ثورة ~~الرعية تتم باسم حق الأمة ضد البغي والظلم. # 22 # وكما لا يصح الخروج بلا إمام، فإنه لا يصح أيضا بلا جماعة قادرة على ~~إنهاء حكم البغي وإقرار حكم العدل، وإلا فما العمل لو تم الخروج على ~~السلطان مع جماعة قليلة وقتلته، ثم لم يتحرك الناس فاضطروا إلى حملهم عنوة ~~على البيعة، وإلا قاتلوهم؟ ولماذا تكون الجماعة بعدد أهل بدر؟ وهل هو عدد ~~صالح في كل الأحوال دون النظر في النسبة القائمة بين الأقلية والأغلبية؟ ~~وهل يكفي أي عدد؟ وما هو أقل عدد ممكن يستحيل الخروج بأقل منه؟ أم لا بد ~~على الأقل من عدد متساو لنصف أهل البغي، مائة بمائتين، والألف بألفين؟ ~~ولكن لماذا لا يكون أقل من ذلك، والحق دائما مستضعف، والعشرون بمائتين؟ ~~ما يهم في ذلك هو ضمان نجاح الثورة بتحقيق شروطها في التنظيم والقيادة والجماهير. # 23 # وقد لا يجوز الخروج إلا إذا بدأ السلطان بالعدوان، وأراد إجهاض ~~الثورة قبل اندلاعها، والإجهاز عليها قبل بدايتها، ووأدها في مهدها، ~~واستعان بالأعداء، وتعاون معهم ضد أمته. حينئذ يجب ms160 قتال السلطان. # 24 # ويتحول الأمر من صراع للنظام السياسي وقمة السلطة المتمثلة في ~~الإمام إلى صراع المجتمع بأكمله، فتكون الدار دار حرب وليست دار إيمان. ~~فالدعوة إلى عدم الخروج تؤدي إلى اعتبار الدار دار إيمان، ثم تندرج الدعوة ~~شيئا فشيئا طبقا لمقدار الرغبة في الثورة ضد البغي. فقد تصبح مجرد دار ~~فسق أو دار كفر نعمة أو دار كفر عندما لا يتم إنكار، وتتوقف ممارسة الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، أو دار كفر وشرك وهي على الضد من دار الإيمان. ~~وقد يتم التوقف في ذلك كله وتصبح مجرد دار هدنة. # 25 # وبالرغم من هذا التدرج يظل التقابل بين دار الإيمان ودار ~~الكفر، ودار الإيمان للنفس ودار الكفر للآخر المخالف. وقد تكون هذه القسمة ~~بداية السقوط في التاريخ والانهيار في الزمن. وتشق وحدة الأمة بعد أن ~~اعتبر فريق نفسه على حق وداره دار الإيمان، والمخالف له على باطل وداره ~~دار الكفر. فالفرقة دارها دار إيمان؛ والفرقة الضالة، وهم أهل الأهواء، ~~دارهم دار كفر. وتتراوح العلاقة بينهما بين علاقة السلم وعلاقة الحرب. ~~فطالما أن أهل الأهواء لا يحاربون الفرقة الناجية تقابلها سلما بسلم ~~وهدنة بهدنة ، ويكون لأهل الأهواء حقهم في الفيء وارتياد المساجد. وإن غلبت ~~الفرقة الضالة في مكان، ولكن كان للفرقة الناجية حريتها في العبادة وحرمتها ~~في البلاد، فإن الدار تكون دار إيمان، اللقيط فيها لا يسترق. أما إذا كانت ~~الفرقة الناجية مضطهدة، فالدار دار حرب، واللقيط فيها يسترق، والغنيمة ~~فيها فيء. تحرم ذبائحهم ونكاح نسائهم، وتوضع عليهم الجزية مثل المجوس. وقد ~~يعتبرون مرتدين لا تقبل منهم الجزية، ولا تجوز إلا سرقاتهم. والشاك ~~في كفرهم كافر مثلهم، وإن اعتبروه مجرد ضلالة فقد لا يكفر. ومع ذلك تجوز ~~مبايعة أهل الأهواء، وإجراء عقود المعاوضة معهم؛ لأن قتلهم بعد الامتناع عن ~~التوبة من واجب السلطان وحده. وأهل الأهواء مثل أهل الحرب، تجوز مبايعتهم ~~بالرغم من وجوب قتالهم، إنما الخلاف في جواز إقامة السيد الحد على العبد. ~~وكأن السيد بالنسبة للعبد بمثابة السلطان بالنسبة ms161 للرعية، وهو قياس باطل. # 26 # والحقيقة أن هذا التقابل بين الفرقة الناجية والفرق الضالة هو ~~خلاف سياسي صرف بين السلطة وهي الفرقة الناجية، والمعارضة وهم أهل الأهواء ~~أو الفرق الضالة. وتتحدد العلاقات بينهما طبقا للصراع على السلطة، وكل ~~فريق يشرع لحقه مستعملا العقائد كأيديولوجيات، إما لتثبيت النظام القائم ~~كما تفعل السلطة، أو لزعزعته والقضاء عليه كما تفعل المعارضة. وهنا تبدو ~~العلاقة الوثيقة بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه، بين العقيدة ~~والشريعة؛ فكل العقائد والتشريعات إنما هي لنصرة فريق ضد الفريق الآخر، ~~فالفرق الضالة بالنسبة للفرقة الناجية، أي المعارضة في رأي السلطان ~~المتشددة، فرق ضالة، أهل أهواء، أقرب إلى المجوس وأهل الكتاب منهم إلى ~~المسلمين، يقاتلون، ويسترقون، ويغنمون، تحرم ذبائحهم ونساؤهم، وتؤخذ ~~منهم الجزية. وقد يكون الأمر أخف من ذلك إذا ما كانت السلطة أقرب إلى ~~اللين. وتشتد السلطة عندما تشعر بالخطر، وتلين عندما يبتعد الخطر وتشعر ~~بالأمان، والشك في هذا الصراع إنما هو في صالح أهل الأهواء؛ وبالتالي فلا ~~حياد بين السلطة والمعارضة، ولا احتمال للمصالحة الوطنية. ومع ذلك، وحفاظا ~~على المصالح الاقتصادية للدول، يمكن عقد المبايعات مع المعارضة والدخول في ~~مظاهر النشاط التجاري معها؛ فالخلاف السياسي يتوارى أمام المصالح ~~الاقتصادية. يظل الصراع إذن بين دارين؛ الإيمان والكفر، السلم والحرب، ~~الإسلام واللاإسلام، باستعمال سلاح الدين وإضفائه على الخلاف السياسي. وكأن ~~دار الإيمان مجتمع واحد لا خلاف فيه ولا تمايز ولا صراع بين طبقاته، وكأن ~~الصراع على السلطة والحفاظ عليها يجب ما دونه من خلافات، هو التناقض ~~الرئيسي، وما دونه تناقضات ثانوية. فإذا ما لانت السلطة في مواقفها تجاه ~~المعارضة، فإن المعارضة تقابلها لينا بلين، فلا تراق دماء الأمة ولا ~~تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم بالرغم من الحكم على المعاصي بالكفر. لا ~~تكفر القعدة، وتكون الهجرة مجرد فضيلة لا فرضا؛ وبالتالي يخف الصراع ~~على السلطة، ويقل الدافع النفسي، ويحكم العقل. فما زال في الأرض متسع للجميع. # 27 # وكان من الطبيعي أن تقابل المعارضة السلطة عداوة بعداوة، ~~وتكفيرا بتكفير، ورفضا برفض؛ ms162 فالسلطة كافرة مشركة، السيرة فيهم السيرة ~~مع الكفار والمشركين، لا تعامل معها إلا بالسيف. يستولى على الأموال ~~وتسبى النساء. وكما تتشدد المعارضة مع السلطة تتشدد مع نفسها في العبادات، ~~ويقاتل النساء مثل الرجال، والكل أصحاب خيل وشجاعة. أهل السلطة إذن مشركون ~~ودارهم دار حرب. وكلما زاد التشدد مع النفس ومع الآخر حدث الانقسام في ~~صفوفها، وزاد التشرذم، وكفر كل فريق الفريق الآخر، ويقع الجميع في ~~«الطفولة اليسارية» أو الطهارة الثورية، حتى تصبح الثورة بلا ثوار، بلا ~~أئمة وبلا جماعة. # 28 # وقد يظهر الاعتدال من بعضهم فلا تستحل الأموال ولا تسبى ~~النساء، ويصبح المخالفون لهم كفار نعمة لا كفار شرك، يستمرون في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كتعبير عن العدل والتوحيد. # 29 # فإذا ما ظهر الاتجاه المتشدد في المعارضة يكفر القعدة عن القتال من ~~موافقيهم وكل من لم يهاجر إليهم، وقد يتم امتحان الولاء لهم فيمن هاجر ~~إليهم. ويقتل المخالفون نساء وأطفالا، ويوالى اليهود والنصارى والمجوس ~~دون مخالفيهم من المسلمين، فالعداء بين الإخوة أعتى وأشرس من الخلاف ~~العقائدي بين الأمم. ويستمر الخروج ولا يتوقف إلى نهاية الزمان، فلا مجال ~~للمصالحة أو الاتفاق مع الخصوم. دار السلطة دار كفر ، دار المعارضة دار ~~إيمان، ولا مصالحة بين الدارين، بقاء أحدهما مشروط بفناء الآخر. ولما كان ~~حكم الكفر اغتصابا، فإن حكم الإيمان قادم لا محالة، وذلك مرهون باستمرار ~~الخروج والثورة. وارتكاب الكبيرة من موافقيهم كفر، والشك في أقوالهم خاصة ~~بعد موت القائلين بها كفر. فالأخذ بالشدة تقوية للصفوف وشحذ للعزيمة وشرط ~~للنصر، لدرجة قتل المؤمن الأسير من مخالفيهم وإلا قتل! # 30 # وإذا ظهر الاتجاه الأقل تشددا والأكثر لينا، رغبة في ~~المصالحة والحفاظ على وحدة الأمة، وهو ما يكشف عن تكوينه الإنساني العادي، ~~واتجاه الآراء والمذاهب في المجتمعات، فقد لا يتم التبرؤ ممن يرجع عن رأيه. ~~وقد لا يحدث اعتراض بالسيف على الناس، بل قتال للحكام الذين يكونون فقط من ~~أئمة الجور. وقد يحدث القتال بالسيف وبغيره، أي بشتى وسائل المقاومة، ~~لمنع أئمة الجور وإبعادهم ms163 عن الحكم، والتفريق بين عسكر السلطان ورعيته ~~المغلوبة عن أمرها. فإذا كان عسكر السلطان دار حرب فإن الرعية المغلوبة على ~~أمرها دار أمان. ولا يؤخذ «المدنيون» بجريرة العسكريين؛ فالمخالفون كفار ~~وليسوا مشركين، لا تجوز مناكحتهم وغنيمة أموالهم وسلاحهم وكراعهم إلا في ~~حالة الحرب وحدها دون وقت السلم. يمكن استتابتهم من تنزيل أو تأويل فيما ~~يسع جهله أو غيره. لا يتبع المدبر منهم في الحرب، ولا يقتل منهم ~~امرأة أو طفل. سبيهم في السر غيلة لا يتم إلا بعد نصب القتال وإقامة ~~الحجة، دماؤهم في السر حرام، وفي العلن حلال. وقتل الأبوين حرام في دار ~~التقية ودار الهجرة. # 31 # وقد يتحول العداء في الموقف إلى عداء مبدئي، كما يتحول العداء ~~للآخر إلى عداء للذات، إلى كراهية النفس والتقتيل لها، كما يتحول تكفير ~~الناس إلى كفر بالنفس وزهق من العيش وكفر بالحياة، ويتحول الموقف من صراع ~~سياسي في البداية إلى أزمة نفسية في النهاية، مثل الجماعات الإسلامية ~~المعاصرة، ثورة على الناس، وكراهية للعالم، ورفض للمجتمعات، ورغبة في ~~القيادة دون جماهير، وحب في الاستشهاد. وعلى هذا النحو يسهل تشويه صورتهم ~~دون فهم سلوكهم، فيضيع الهدف الأول وهو القضاء على أئمة البغي، وتنشأ ~~أهداف فرعية مثل الانتقام من الناس وتدمير كل شيء، حتى ينتهي الأمر إلى ~~تدمير النفس. ويصل الأمر إلى قتل الأسرى، وحرق الخصوم، واستحلال كل شيء، ~~ما دام في ذلك تفريج عن النفس وتخفيف عن الهم؛ فرؤية النار تخفف عمن يحترق ~~بها. ولن تسلم النساء من السبي، ولا الأطفال من القتل. وما دام الأمر كذلك ~~سهل على خصوم الأمة تقوية هذا التدمير للآخر وللنفس. وتنتهي الثورة بأن ~~تفرغ من مضمونها، ويلحق الثائر بالنور الأعلى، ويغرق في الوهم. # 32 # ولعبت التناقضات الرئيسية على التناقضات الثانوية، وأطلت ~~الشعوب المغلوبة برأسها من جديد تناصر فريقا على فريق، وتزيد النار جذوة، ~~والقتال اشتعالا. # 33 # ولا فرق في ذلك بين المعارضة العلنية الانفعالية في الخارج ~~والمعارضة العقلية في الداخل، كفر بالآخر وكفر بالنفس. # 34 # | سادسا: الإمامة في ms164 التاريخ، انهيار أم نهضة؟ # كان موضوع جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل مقدمة لموضوع أعظم، وهو أن الإمامة ~~في التاريخ تبدأ في الانهيار من الأفضل إلى المفضول، ومن المفضول إلى الأقل فضلا، ~~حتى ينتهي الفضل تدريجيا، ثم تتحول الإمامة إلى خلافة، والخلافة إلى ملك عضود. ~~ولا ينطبق الأمر على الأئمة وحدهم، بل ينسحب أيضا على طبقات العلماء وعلى الأجيال ~~وعلى العصر؛ فالتاريخ في انهيار مستمر، ولن يستطيع الحاضر اللحاق بالماضي، ولن ~~يستطيع المستقبل أن يكون مثله. يقل الفضل، ويخف الصفاء، وتنحسر الطهارة، ويزداد ~~الطمع والتكالب على الدنيا. ومهما حاول أحد فعل شيء فإنه لا يستطيع إلا أن يحبو ~~أثر الماضي؛ فالسلف خير من الخلف، فالخلف قد أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات. ~~وما دامت الإمامة ليست من مصالح الدين، بل من مصالح الدنيا، فلا يراعى فيها الأعلم ~~والأتقى والأزهد بقدر ما يراعى فيها الأقدر والأقوى؛ دفاعا عن البيضة، وسدا ~~للثغور، وحماية للأمة. وإذا كثر الهرج والمرج، وعظمت الفتنة بسبب التشبث بإمامة ~~الفاضل، فإن الصالح يقتضي تجنبه واتقاءها بتنصيب المفضول؛ وبالتالي يكون للواقع ~~أولوية على المبدأ، وللقوة الأولوية على الحق. وقد يكون في ذلك بقاء للدولة، ولكنه ~~في الوقت نفسه بداية الانهيار. # 1 ~~(1) ماذا يعني التفضيل بين الأئمة؟ # إذا جازت إمامة المفضول مع وجود الأفضل لأنه أصلح في الدنيا للإمامة، في حين ~~أن الأفضل أكرم عند الله في الآخرة، فإن التفضيل لا يعني الأفضلية في الثواب ~~عند الله، بل اختيار الأصلح في الدنيا في حالة الصراع على السلطة. التفضيل في ~~الظاهر في الثواب عند الله، وفي الحقيقة الأقدر على حسم الصراع على السلطة ~~لصالحه. وليس مقياس التفضيل القرابة من النبي بنسب أو مصاهرة؛ فالنبوة ليست في ~~العصب والدم، وإلا لما كانت الإمامة عقدا واختيارا، وإلا تحولت النبوة إلى ~~ملكية وراثية، وهو ما يصدقه العقل والوحي والتاريخ، # 2 # بل إن الأفضل عند الله لا يكون بغير اختصاص أو عمل، وإلا كان ذلك ~~أقرب إلى الأخلاق اليهودية القائمة على الاصطفاء بلا مبرر أو سبب من ms165 فضيلة أو ~~عمل صالح. الأفضل عنده بناء على عمل واستحقاق؛ # 3 # لذلك كان التفضيل للبشر المكلفين وليس للملائكة أو الحيوانات أو ~~الجماد؛ فالملائكة غير مكلفين، والحيوان والجماد ينقصهما شرطا التكليف، العقل ~~وحرية الاختيار، بل إن الأنبياء أيضا لا يتفاضلون؛ لأن فضل كل نبي على آخر لا ~~يرجع إليه، بل يرجع إلى رسالته ودرجته في تطور الوحي. ومراحل الوحي لا تتفاضل ~~فيما بينها، بل تتكامل، فتمهد المرحلة السابقة للمرحلة اللاحقة، كما تتكامل ~~أعمار الإنسان في مراحل نضجه المختلفة. ولماذا يفضل الملائكة على غيرهم منذ ~~ابتداء الخلق؟ ولماذا يفضل الأنبياء على الجن منذ ابتداء الخلق أيضا وقبل ~~الاستحقاق؟ ولماذا فضل إبراهيم على سائر الأطفال وهو غير مكلف ولم يستحق ~~عملا؟ ولماذا فضلت ناقة صالح على سائر النوق؟ وهل تختلف ناقة عن ناقة في ~~الفضل إذا كان الفضل عن استحقاق؟ ولماذا تكون ناقة صالح أفضل من الناقة التي ~~دخل عليها النبي المدينة، أو أفضل من البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها، ~~أو أفضل من حوت يونس؟ ولماذا ذبيحة إبراهيم أفضل من كل الكباش؟ وهل يعقل أن ~~الكبش الذي نزل من السماء فضله على سائر كباش الأرض؟ وهل هناك تفضيل في الأماكن ~~مثل فضل مكة على سائر البلاد وفضل المدينة على مكة؟ ولماذا تفضل مكة وبها ~~الكعبة على المدينة التي بها قبر الرسول؟ أليس هذا شبها بأقوال اليهود عن ~~تفضيل القدس على سائر المدن، والمسلمون أولى بها؟ ولماذا تكون الحجارة أفضل من ~~بعضها؟ وما فضل الحجر الأسود على غيره من الحجارة؟ لو كان تقليدا من القدماء ~~فالتقليد ليس أصلا من أصول الدين، ولو كان حمل الرسول له بيده فما أكثر ما حمل ~~الرسول من تراب ومعاول في حفر الخندق، وما أكثر ما أمسك به من عصي. ولماذا ~~تفضل الأوقات بعضها على البعض الآخر، الشهور الحرم على باقي شهور السنة، وشهر ~~رمضان على باقي الشهور، وليالي القدر وأيام عاشوراء والجمع وعرفة على سائر ~~الأيام؟ وهل اللحظات المتميزة وأوقات التقوى يمكن تحديدها مسبقا بحركة الأفلاك ms166 ~~والأهلة، أم أنها أوقات حرة تأتي بناء على قدرة الإنسان على الخلق ~~والإبداع، وتختلف من فرد إلى فرد، ومن حالة إلى حالة؟ وهل يفضل أحد الأوقات في ~~النهار أو في الليل الأوقات الأخرى فيهما، أم أن لكل وقت فعله الذي يتم فيه؛ ~~وبالتالي لا فضل لصلاة الصبح على العصر أو للعشاء على المغرب؟ ولا تفضل صلاة ~~الفرض على النافلة إلا لأن الأولى واجبة والثانية مندوبة، وبين الواجب والمندوب ~~لا فضل لأن كليهما اقتضاء فعل، بل يفضل المندوب الواجب لأنه أتى تطوعا ~~واختيارا، وليس فرضا أو إجبارا. وما فضل السجود على الركوع إلا أن الأول يدل ~~على مزيد من الاحترام والتواضع، الجبهة في الأرض، وكلاهما رمزان، وإلا كان فضل ~~الركوع على الوقوف. ولما كان الإنسان مطالبا بمزيد من الفضل لوجب الصلاة ~~دائما سجودا دون ركوع أو وقوف. # 4 # إن التفضيل بهذا المعنى هو حكم قيمي خالص، إسقاط من النفس على ~~الواقع وعلى الأشياء. إنما الفضل يأتي بالاستحقاق بناء على عمل تكليف يتوافر ~~فيه شرطاه؛ العقل والحرية. ويكون التفضيل في الأفعال بناء على عدة أوجه؛ ~~فالتفضيل في ماهية العمل أن يكون العمل هو ماهية استكمال للفروض والنوافل، وألا ~~يكون العمل هو غيره أو عملا بلا ماهية. ويكون فضل العمل بمقدار طهارة قصده ~~وصدق نيته، خالصا لوجه الله دونما كسب خاص أو طلب مديح من الناس. ولا يتعارض ~~صدق النية مع تحقيق المصالح العامة؛ لأن مقاصد الشرع ابتداء، والتي من أجلها ~~وضع، تقوم على الحفاظ على الضروريات الخمس؛ الدين والنفس والعقل والعرض ~~والمال. ويفضل العمل كيفا؛ أي استيفاؤه جميع حقوقه، ونقاؤه وعدم خلطه بأية ~~شوائب، من صغائر أو كبائر. كما يفضل العمل كما ومقدارا، سواء كان فرضا أم ~~نافلة، واجبا أم ندبا. وقد يفضل في الزمان مثل إتيان الصلوات في أوقاتها، ~~فورا لا تراخيا، اقتضاء لا قضاء، في أول الوقت وليس في آخره خشية النسيان. ~~وقد يعني ذلك الفضل في الأسبقية في الإسلام وفي الجهاد وفي التطوع وفي الصدقة، ~~فالسابقون السابقون. ويفضل الفعل ms167 في المكان لا بمعنى الشيء، ولكن بمعنى الصحبة، ~~كما تفضل الصلاة مع الفضلاء وأهل العلم نظرا لما يتبع ذلك من زيادة في العلم ~~قبل الصلاة وبعدها دون أن يكون من بينهم نبي؛ نظرا لانتهاء النبوة واكتمال ~~الوحي. أما فضل صلاة نبي على صلاة غير نبي فلا تعني إلا التركيز؛ وبالتالي ترجع ~~إلى الفضل كيفا. # 5 ~~(2) التفضيل بداية الانهيار # فإذا كانت هناك مقاييس للتفضيل، فعلى من يتم تطبيقها في الأفراد أو في ~~الجماعات أم الأمم؟ فإذا جاز تطبيقها في الأفراد، فمن هم؟ هل يدخل فيهم نساء ~~النبي وبناته، أم يقتصر الأمر على خلفائه وصحبه؟ وإذا كان الفضل في الجماعات، ~~فهل يكون الفضل للصحابة على التابعين، وللتابعين على تابعي التابعين؟ وإذا كان ~~الفضل للقرون، فهل يكون للقرن الأول فالثاني فالثالث حتى نصل إلى قرننا فيكون ~~أقل القرون فضلا؟ وإذا كان الفضل للعلماء وحدهم، فأي علماء، وفي أي علم؟ وإذا ~~كان العلماء حراس الأمة فلا فرق بينهم وبين حراس الثغور، رفقة الفكر ~~والسلاح. ~~(2-1) هل هناك تفضيل في نساء النبي وبناته؟ # إذا كانت القرابة للرسول نسبا ومصاهرة ليست مقياسا للتفضيل، فإن نساء ~~النبي وبناته باعتبارهن من أقربائه أو من صلبه لا تنطبق عليهما مقاييس ~~التفضيل، إنما يمكن اعتبارهن صحابة من أقربائه مثل باقي صحابة الرسول، ~~أعملن علمه، ونقلن عنه، وشهدن الانتشار الأول للإسلام. القرابة ليست ~~مقياسا للتفضيل، فهناك أقرباء للرسول لم يؤمنوا به ونافقوه وعادوه. هل ~~إبراهيم صبيا أفضل من باقي الصحابة؟ وهل أمومة نساء النبي وبناته ~~للمسلمين تقتضي لهن فضلا أكثر مما لسائر الأمهات بكون الجنة تحت أقدامهن ~~بفعل الحمل والتربية والرعاية؟ وإذا لازمته نساء النبي وبناته النبي في ~~حياته الخاصة والعامة، فإن الصحابة لازموه في حياته العامة، ولم يكن يخفي ~~عنهم شيئا من حياته الخاصة. وإن الحياة العامة للرسول لأكثر أهمية للأمة ~~من حياته الخاصة، مع أنها قدوة في السلوك. ولا تزيد نساء النبي وبناته في ~~معرفة الشريعة عن الصحابة شيئا؛ فالكل لازمه وصاحبه واستمع إليه. والوحي ~~تم تبليغه للعامة والخاصة، ms168 وهو الأساس. ليس لآل البيت فضل على الصحابة، ~~وليس للرسول كرامة أو شفاعة بفعل قرابته لأحد أو قرابة أحد إليه. كل إنسان ~~بعمله استحقاقا بما في ذلك الرسول نفسه. وكيف يكون لإبراهيم الفضل وهو ~~الصبي الصغير الذي لم يبلغ الحلم على بنات النبي ونسائه لو كان للقربى فضل؟ # 6 # وقد يتعارض هذا التفضيل مع بعض الأخبار الأخرى التي تجعل من ~~الرجال البالغين كل الفضل دون الصبية الصغار؛ وبالتالي قد يرجع تفضيل ~~الصبية على الذكور إلى وضعهم المتميز عند الأعراب على مستوى العواطف ~~والمتعة. قد يكون سبب ذلك بعض التوجهات المعتمدة على بعض الأخبار ~~والروايات التي تجعل للرجال على النساء درجة، أو التي تصف النساء بأنهن ~~ناقصات عقل ودين، أو عدم فلاح القوم الذين يولون عليهم امرأة، ولكن أليست ~~هذه الدرجة وهذا النقص وهذه القيادة في الدنيا لا في الآخرة لتدبير أمور ~~المعاش، وليس لفضل في الثواب؟ وحتى لو صحت هذه التوجهات النقلية، هل يعني ~~ذلك أن للصبي الذي لم يبلغ الحلم الفضل على النساء البالغات العاقلات ~~اللاتي منهن حملة العلم، واللائي هن أفضل نساء العالمين؟ وإن لم تصح هذه ~~التوجهات النقلية، فربما نشأ هذا الوضع في تفضيل النساء من رد فعل على ~~وضعهن في الجاهلية. وإذا استمرت الجاهلية في بعض جوانبها، فقد يكون ذلك ~~رد فعل على كبت وحرمان، سواء كان في الجاهلية أو ما بعدها في مجتمع الذكور. ~~وقد يدل ذلك على تخلف عام في اعتبار النساء جنسا في مقابل الرجال كجنس ~~آخر، وتتناوب المقابلة في التفضيل بين الأعلى والأدنى. # وكما دخلت الملائكة في تفضيل الأنبياء كذلك تدخل الحور العين مع تفضيل ~~النساء والبنات، وكأن التفضيل ليس بين بشر، بل بين بشر وملائكة، وهو ما ~~يخرج عن طاقة البشر. وإذا كانت وظيفة الحور العين متعة أهل الجنة، فهل ~~يدخلن في التفضيل على المستوى نفسه مع نساء النبي وبناته؟ وكما أن الحور ~~العين لسن حملة علم، وليس لهن فضل جهاد، فإن نساء النبي وبناته لسن ~~لهن جمال الحور العين ولا ms169 حسنهن، ولا يشاركن في وظائفهن. # 7 # وعلى فرض إمكانية التفضيل بين الإناث، فأيهن أكثر فضلا، نساء ~~النبي أم بناته؟ اللائي رافقنه في حياته وأصبحن جزءا منه روحا وبدنا، ~~أم اللائي من صلبه وتربيته واللائي لهن حظ من صحبته ورفقته؟ وهل هناك مثل ~~من حنت عليه لحظة نزول الوحي، والتي ظل يذكرها حتى آخر لحظة من العمر؟ ~~وهل هناك مثل من أعطته حب الحياة، والتي أعادت إليه شبابه وعشقه؟ وهل هناك ~~مثل من شغفته حبا بجمالها ونصاعتها وأنوثتها؟ ولكن هناك أيضا من صلبه ~~من كان لها فضل العلم وزوجة الإمام الرابع، ومن صلبها خرج الأئمة أصحاب ~~العلم والفضل. ولكن فضل الأئمة من صلبها لا يرجع إلى الأم وحدها، ~~ابنة النبي، بقدر ما يرجع أيضا إلى الأب صهره وابن عمومته. وهل الفضل يكون ~~للمجموعات والأصناف، نساء النبي أم بناته، أم للأفراد؟ فإذا كان للأفراد، ~~فهل يكون للأفراد داخل كل مجموعة وصنف؛ ففي مجموعة النساء، هل الفضل للتي ~~راعته وحنت عليه وقوته وشجعته وقت نزول الوحي، وأعطته عمرها ونضجها ~~بعده، والتي كانت أم بناته، والتي لم يختلف معها يوما واحدا، وكان أمينا ~~على أموالها وتجارتها؟ هل الفضل يرجع لمنافستها لصغر سنها وطفولتها ~~وبراءتها، والتي أعطت حب الحياة، والتي عشقها، والتي أدخلت عليه السرور ~~والفرح وهو في أواخر العمر بالرغم من نزول حديث الإفك بمناسبتها، ودخولها ~~حربا ضد الصحابة، ومعاداتها للخليفتين الأول والثاني، ومحاربتها الخليفة ~~الرابع؟ هل الفضل يرجع إلى من كانت بمثابة الأنثى والتي أعطته متعة الحياة ~~ومباهجها؟ ولماذا من البنات لم تبرز إلا واحدة، وهي زوجة الخليفة الرابع، ~~دون غيرها؟ هل يرجع الفضل في ذلك إلى زوجها لأنها كانت أقرب بناته إليه؟ ~~وهل بين البنات من هو أقرب إلى قلب الأب؟ إن العواطف لا تنقسم حسابيا ~~وتوزع رياضيا بالتساوي، سواء من الأبناء أم مع الزوجات. أما التوجيهات ~~النقلية فما أكثرها في كل زوجة وفي كل ابنة، سواء صحت روايتها أم ضعفت، ~~كما هو الحال في الصحابة والأخبار المروية في فضلهم. وماذا عن ms170 نصوص الوحي ~~التي تجعل «مريم» أفضل نساء العالمين؟ وماذا عن باقي نساء الأنبياء مثل ~~امرأة لوط، أو حتى عن باقي نساء العالمين اللاتي شهد لهن الوحي بالفضل ~~والعواطف الإنسانية مثل امرأة فرعون؟ وماذا عن أمهات الأنبياء اللائي شهد ~~الوحي لبعضهن بالفضل مثل أم موسى؟ ألم يذكر آخر الأنبياء أيضا أمه والتي ~~لا يتذكرها بالمدح والثناء؟ إن دخول ذلك كله في العقائد المتأخرة يجعل ~~الموضوع كله تعبيرا عن تخلف الأمة، وأنها جعلت من اللاعقائد أساسا ~~للعقائد، وتركت التوحيد للتفضيل بين نساء النبي وبناته! وقد تدخل نساء ~~الصحابة في التفضيل مع نساء الأنبياء ونساء النبي وبناته، وكأن الأمر ~~مسابقة جماعية في الفضل بين النسوة! # 8 ~~(2-2) هل هناك تفضيل بين الخلفاء الأربعة؟ # إذا كان الرسول هو أفضل الأمة بفعل الرسالة والتبليغ، ولأنه قدوة في ~~السلوك، فإن أول خيط التفضيل من بعده يتمثل في الخلفاء الأربعة، الخلفاء ~~الراشدين الذين يتدرجون في الفضل من الخليفة الأول حتى الخليفة الرابع، ~~فينهار التاريخ شيئا فشيئا، ولكن يظل، وبرغم قتل ثلاثة منهم غيلة، ~~وبالرغم من الفتنة في أيام الخليفة الرابع، يظل الانهيار محصورا دون هبوط ~~شديد أو انكسار حاد. يبدأ السقوط إذن من ترتيب الإمامة في التاريخ على هذا ~~النحو المتدرج طبقا لمراتب الفضل. ولكل إمام لقب؛ فالأول الصديق لأنه ~~صدق الرسول، والثاني الفاروق لأنه عدل يفرق بين الحق والباطل، والثالث ~~ذو النورين، نور القرابة ونور الخلافة، والرابع المرتضى الذي رضي الله عنه. ~~وإذا كانت الإمامة بها صلاح الدنيا، ويجوز تولية المفضول دون الأفضل، يكون ~~التفضيل إذن لا معنى له؛ لأن مقياس الإمامة ليس الفضل الفردي، بل رعاية ~~مصالح الناس وتدبير الشئون العملية التي قد ينجح فيها من هو أقل فضلا. ما ~~يتطلبه الإمام العدل والتدبير حتى وإن لم يكن أعلم القوم؛ نظرا لاعتماده ~~على أهل العلم في الاجتهاد والفتيا. # 9 # وإن معظم الحجج التي تؤيد هذا الترتيب هي حجج نقلية، مع أن نزول بعض ~~الآيات في أحد لا تجعله أفضل من غيره؛ لأن أسباب النزول مجرد ms171 وقائع نموذجية ~~تتكرر فيما بعد في وقائع أخرى مشابهة، ولا تقل الواقعة الثانية عن ~~الأولى أهمية، وقد نزلت بعض الآيات في المنافقين والمشركين وهم ليسوا بأفضل ~~الناس، كما أن الوحي لا يتحدث عن أشخاص بعينهم، بل يصف مواقف ولا يهم ~~الأشخاص فيها، وما أكثر ما قيل في فضائل الخلفاء؛ وبالتالي تتكافأ الأدلة النقلية. # 10 # ومع ذلك قد يحدث بعض الاضطراب في التعيين، فيهتز هذا الترتيب ~~في انهيار التاريخ تدريجيا من الأفضل إلى المفضول. والاهتزاز الأكبر يأتي ~~في الخلاف حول الخليفتين الثالث والرابع، وبالتالي تبادل موقعيهما، ~~فيقدم الرابع على الثالث نظرا لأنه أكثر فضلا منه. وبالرغم من تبادل ~~المواقع يظل سلم التفضيل لا يتغير، من الأفضل إلى المفضول، بصرف النظر ~~عن تعيين الأشخاص. # 11 # وتظهر الأهواء والمواقف السياسية في تفضيل كل منهما على الآخر، ~~ونادرا ما يحدث اضطراب في التفضيل بين الخليفتين الأول والرابع أو بين ~~الرابع والثاني، والكل مشهود له بالفضل والجدارة. # 12 # وما أكثر الحجج التي قيلت في تفضيل الخليفة الرابع على الثالث، ~~وهي تعادل في كثرتها الحجج التي تثبت أفضلية الخليفة الأول على الإطلاق، ~~بعضها نصية قد يكون الخليفة الرابع سبب نزولها. وأسباب النزول لا تتعلق ~~بالأعيان والأشخاص في ذاتها، بل هي مجرد وقائع نمطية أولى يتعدى حكمها إلى ~~غيرها، وللوقائع الأخرى المشابهة نفس الصدق التي للواقعة الأولى. كما أن ~~الكثير منها عموم وليس خصوصا؛ لأنها تضع تشريعا عاما لا قانونا ~~خاصا. وإذا كان البعض منها يشير إلى القرابة، فالقرابة ليست شرطا في ~~الخلافة ولا في الفضل، والبعض منها آحادا يعتمد عليها في إثباته كخليفة ~~أول لا يصدقها الواقع ولا التاريخ، وتصديق بعض الأخبار المستقبلة عليه ~~مثل تصديق البعض الآخر على غيره، وإن كل هذه الحجج النقلية إنما ظهرت بعد ~~تجربة الإمامة المستبعدة والخلافة المؤجلة في واقع سياسي معين جعله ~~يبحث عن شرعية، فوجدها في الحجج النقلية في مجتمع النص فيه حجة سلطة. ~~فالواقع هو الذي يخلق النص ويختاره ويوجهه من اللاحق إلى السابق، ومن ~~الحاضر إلى الماضي، ms172 وليس النص هو الذي يعين الواقع ويرشد إليه من السابق ~~إلى اللاحق، ومن الماضي إلى الحاضر. الواقع يقرأ نفسه في النص فيوجده ~~ويحييه، وليس النص الذي يخلق الواقع ويتحقق فيه. ولما كثرت النصوص في كل ~~شيء كان من السهل إيجاد الحجج النصية على شرعية كل المواقف السياسية ~~والبراهين على صحة الزعامات بما في ذلك القاهر والمقهور، الظالم والمظلوم، ~~السلطة وجميع فئات المعارضة. # 13 # أما بالنسبة للصفات الشخصية فما أكثرها أيضا، ولكنها في ~~مجموعها لا تخص شخصا بعينه، بل كانت عامة وشائعة على درجات متفاوتة ~~بين جميع الرفاق. فالعلم كان صفة القوم نظرا لأن الوحي علم يتلقونه ~~بالخبر والرواية، ويشمل العلم التشريع لأن الوحي عقيدة وشريعة، تصور ونظام، ~~أصول دين وأصول فقه. والزهد كان سلوكا عاما مميزا لكل الأصحاب، والكرم ~~كان شيمة عامة يتنافس فيها المؤمنون، والشجاعة صفة غالبة في مجتمع ~~المحاربين، والقوة العضلية ميزة خلقية لا تفاضل فيها، وحسن الخلق وحلاوة ~~الدعابة ميزتان توجدان في أكثر من شخص غير معينتين في شخص واحد بعينه. ~~أما القرابة من الرسول ونسبه له فليست ميزة شخصية ولا فضلا، كما أن ~~أولاده من صلبه بالرغم من إمامتهم، فإن فضلهم يرجع إلى استحقاقهم وليس إلى نسبهم. # 14 # وكما يحدث اختلاف في الترتيب بين الثالث والرابع، أو بين الأول والرابع، ~~أو بين الثاني والرابع ، وكأن الرابع لا يزاحم الثالث فقط في الفضل، بل ~~يزاحم أيضا الأول والثاني أيضا، يؤخذ الأول على الإطلاق بصرف النظر عما ~~يليه في الفضل، سواء من داخل الخلفاء الثلاثة أو من خارجهم من باب الرفاق. ~~فقد يكون الأول على الإطلاق هو الثاني أفضل الخلفاء الأربعة جميعا. وأي ~~فضل أفضل من العدل وأي أفضل من الفاروق؟ وقد يأتي في البداية أحد من أهل ~~العلم والرواية يتبع في علمه الفاروق، وقد يأتي أحد المناصرين له، أول من ~~آواه في بيته أو نصره بسيفه. # 15 # وقد يأتي الترتيب في الفضل ثنائيا أو ثلاثيا طبقا لمقاييس ~~العلم والشجاعة، والنظر والعمل. # 16 # وكلها في الحقيقة اختيارات سياسية ms173 لقيادات هي تعطي شرعية ~~للفرقة السياسية التي تنتسب لهذا الصاحب أو لذاك كزعيم سياسي؛ فالموضوع ~~إنما نشأ أصلا تبريرا للتاريخ، وتعبيرا نظريا عن الصراع السياسي بين ~~السلطة والمعارضة، كل منها تحاول أن تجد شرعية لها في التاريخ، سواء في ~~الأمر الواقع أو فيما ينبغي أن يكون. وما الأمر الواقع إلا مؤامرة تمت ~~منذ البداية، والواقع لا يكون مبدأ، والمستقبل الحاصل للشرعية والحق ~~المهضوم الذي لا يضيع، بل لا بد أن يكون أقوى من الحاضر الذي فيه الاستسلام ~~للأمر الواقع وحكم الظلم. وإن ترتيب الخلفاء الأربعة لهو ترتيب زماني صرف ~~طبقا لحوادث تاريخية صرفة، وليس ترتيبا أصلا في الفضل النظري. # إذا كان الخليفة الأول قد مات طبيعيا فإن الخلفاء الثاني والثالث ~~والرابع قد ماتوا غيلة؛ أي بتدخل عوامل خارجية. وكان يمكن للرابع أن يموت ~~اغتيالا قبل الأول، وكان يمكن للثاني أن يعيش قبل الرابع. ويتساوى الأربعة ~~في مشاهدة التنزيل ومعرفة التأويل لو كان التفضيل يعني هذه العموميات ومدح ~~الرفاق والثناء على خصائصهم، ولو كان يعني الفضل عند الله والسبق في الدين. # 17 # وهو ما لا يعرفه أحد إلا بالنص القاطع دون إمكانية الحكم فيه ~~بالعقل أو بالواقع؛ وبالتالي تغيب عنه الأدلة العقلية والتاريخية، ويصبح ~~خارج علم أصول الدين الذي يقوم على العقل والنقل، والذي يكون فيه العقل ~~أساس النقل؛ لأن الظن لا يغني عن الحق شيئا طبقا لنظرية العلم في ~~المقدمات الأولى. وهي مسألة لا يمكن الحصول فيها على يقين نظرا لصعوبة ~~إيجاد مقاييس للتفضيل إلا العمل والاستحقاق، والحكم فيها بالفضل ليس للناس؛ ~~لأن الاستحقاق في المعاد وليس في الدنيا. وقد وضعها القدماء ورأوا فيها ~~جزءا من العلم كملحق للإمامة عن طريق التقليد، والتقليد ليس أصلا من أصول ~~العلم، فهي فرع للفرع. ونظرا لأن الإمامة فرع فقد وضعت أيضا في بنية ~~العلم عن طريق جريان العادة. وقد كان للموضوع أهميته في الماضي، فقد سالت ~~لأجله الدماء، ولكنه لم يعد بذي أهمية الآن إلا كحادثة تاريخية صرفة يجد ~~فيها كل نظام سياسي ms174 حجة شرعية له في الانتساب لأحد الأطراف كما هو الحال ~~في شرط القرابة. قد يتجاوز الأمر دافع الحسد والتعصب لصعوبة تفسير حوادث ~~التاريخ بالعوامل الفردية والانفعالات النفسية وحدها، ولكن الأهم هو أنها ~~حوادث تاريخية لا تهم إلا بقدر ما يقرأ الحاضر نفسه في الماضي، ويبدو ~~الأمر وكأنه اختلاف في تفسير التاريخ. # 18 # كذلك لعدم نفعه، بل لاحتمال الضرر منه كتعمية الواقع وتغليفه ~~بالماضي، ونسيان الصراع الحالي تحت غطاء الصراع الماضي يمكن التوقف فيه، أو ~~التفويض فيه لله، وهو أيضا نوع من التوقيف، إلغاء للمسألة. ولا يعني ذلك ~~تصويب القاعدين إلا لأنه لم يتبين لهم الحق في الأمر فتوقفوا فيه، ولكن ~~لا يجوز القعود فيه إذا ما تبين الحق فيه، فالإمامة واجبة، والتوقف ~~امتناع أساسا عن تكفير الصحابة والطعن فيهم، وإيثار الفضل للكل. قد يصل حد ~~التوقف إلى إنكار الوقائع التاريخية كلها؛ فالفتنة لم تقع، والحروب بين ~~المسلمين لم تحدث. # 19 # وإذا كانت دعوة العصمة من بعض الرفاق، والطعن والتكفير من البعض الآخر في ~~الرفاق أنفسهم، وكلاهما رد فعل على الآخر، فمن الأفضل الإمساك عن هذا وذاك، ~~عن التعظيم والتحقير، إما عن طريق الشك في الروايات والأخبار، أو عن طريق ~~تأويلها من أجل الحفاظ على سيرة الخلفاء في التاريخ واستمرارهم قدوة في ~~السلوك. ولقد فعل الجميع بناء على اجتهاد، وللمخطئ أجر، وللمصيب أجران. # 20 # وأصبحت كل فرقة تدافع عن نفسها ضد تهمة التفضيل التي تعني ~~الثناء على بعض الرفاق والطعن في البعض الآخر؛ # 21 # لذلك كان من الأوفق عدم إدخال هذه المسألة في علم أصول الدين ~~كلية، لا للعوام ولا للخواص؛ فالعوام لهم حاضرهم وعقائدهم لمواجهة مشاكل ~~عصرهم، والخواص لديهم العلم النافع لإرشاد العوام؛ فلا تدخل هذه المسألة ~~ضمن التعليم أو تدرج في المصنفات والآثار؛ لأن التعليم لا يكون إلا بما ~~ينفع، وبما يمس مصالح الأمة في كل عصر. # 22 ~~(2-3) هل هناك تفضيل بين الصحابة؟ # وقد لا يكون التفضيل بين الأفراد، بل يكون بين المجموعات والأصناف، أو ~~بلغة القدماء بين ms175 الطبقات، فهناك مراتب للرفاق، كل مجموعة سابقة في مرتبة ~~أعلى من المجموعة اللاحقة، فالأولون الأولون، والسابقون السابقون. وتتفاوت ~~مراتب الفضل في الزمان ابتداء من عصر النبوة إلى عصر الخلافة. وهناك خمس ~~مراتب: الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرون بالجنة (منهم الخلفاء الأربعة، ~~أي الستة الباقون)، والبدريون الذين شاهدوا أحدا، وأهل بيعة الرضوان ~~بالحديبية. وقد لا تعني المشاهدة الحضور الفعلي، بل يمكن الحضور أجرا؛ أي ~~من له فضل المشاركة بالمال أو بالتأييد بالنية ولكن منعته الظروف من ~~الحضور. وقد تتداخل المراتب ويكون الإنسان في الوقت نفسه خليفة ومن العشرة ~~المبشرين بالجنة وبدريا وأحديا ومن أهل بيعة الرضوان، وذلك مثل ~~الخلفاء الأربعة. وإذا كان فضل الأربعة الأوائل قربهم من الرسول، فإنما كان ~~ذلك عارضا تاريخيا محضا عن طريق بيعة الأمة وعقدها على واحد منهم ~~تباعا، وكان يمكن لعارض تاريخي آخر، كالاغتيال أو الموت أو الاستشهاد، أن ~~يغير نظام الأسبقية في الزمان. أما العشرة المبشرون بالجنة، فإن ذلك يدل ~~على مجرد التعبير عن الاستحقاق؛ لأن الحساب لم يتعد بعد، وإلا كان مصادرة ~~على المطلوب، مصادرة على حق الله، حتى ولو تم ذلك من الرسول. والتبشير في ~~الدنيا مثل الشفاعة في الآخرة مضاد لقانون الاستحقاق. وفضل أهل بدر هو ~~بداية القتال بين الثورة الجديدة وبين النظام القديم، والتحول من الدعوة ~~السلمية إلى الكفاح المسلح. أما فضل أهل أحد فهو الثبات في القتال ~~واستئنافه بمزيد من الطهارة الثورية دونما نظر لمصلحة أو كسب دنيوي. أما ~~أهل بيعة الرضوان فهو الثبات حتى في أضعف لحظاتها، والقدرة على مواصلتها ~~بوسائل أخرى. ولكن ماذا عن الشهداء في كل عصر؟ ولماذا يكون شهيد الحق نصير ~~ثورات المحرومين والمظلومين أقل فضلا من الثوار الأوائل في معارك الثورة ~~الأولى؟ وهل الإنسان مسئول عن وقت قدومه إلى الدنيا والعصر الذي عاش فيه، ~~أم أن مسئوليته في تقبله لها في أي عصر وجد وفي أية معركة فرضت عليه؟ ~~وإن الاختلاف على هذا الترتيب، وإدخال من صلوا إلى القبلتين في مراتب ~~الفضل الأولى، يدل على أن ms176 الموضوع كله حكم قيمة لا سند له من الوحي أو ~~العقل أو الواقع. # 23 # ومما يدل على أن التفضيل حكم قيمة أو موقف نفسي خالص أن أهل ~~بدر ليسوا فقط من الإنس، بل أيضا من الجن ومن الملائكة، يحاربون مع ~~المسلمين. وقد تدخل الملائكة الذين شهدوا بدرا في التفضيل، ليس فقط مع ~~باقي الصحابة في هذا التصور التدرجي المقل للفضل، ولكن أيضا مع باقي ~~الملائكة التي لم تشاهد بدرا. وكأن مشاهدة الملائكة لبدر قرار حر تستحق ~~عليه الثواب، وأن بلاءهم بناء على جهد وفيه مخاطرة واستشهاد يستحقون عليه ~~الخلود. وإذا كانت الملائكة قد تدخلت في نصر بدر، فما فضل أهل بدر؟ وإذا ~~كان الله أنزل على الأعداء النعاس والمطر والرعب في قلوبهم، فالمعركة غير ~~متكافئة، فلا المنتصر قد انتصر، ولا المهزوم قد هزم. وإذا كان عدد الإنس ~~في بدر ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، وعدد الجن والملائكة ثلاثة آلاف، فالنصر ~~يرجع للملائكة وليس لأهل بدر، وقد بلغت الملائكة حدا من القوة تجعلها ~~قادرة على إتمام النصر بأنفسها دونما حاجة إلى بشر يقطفون ثماره، فالملك ~~الواحد يقلع الأرض! ويبدو الخيال الشعبي في تصورهم عددا وعدة وركبا ~~ولباسا وألوانا، فتمثلوا برجال بيض على خيل بلق عمائمهم بيض ~~مرخية على ظهورهم، أو سود أو صفر أو حمر أو خضر، وكأنهم على أنواع ~~مختلفة الألوان، صوف أبيض على نواصي الخيل وأذنابها كدليل على عظمة الركب، ~~ثم جاء جبريل على فرس أحمر، وعليه درعه، ومعه رمحه، كقائد مبارز ~~مبرز. رمى أحد الأعداء بحجر فكسر رباعيته، فلم يولد من نسله إلا أهتم ~~أبجر، وكأن العيب الخلقي متوارث، الأهتم يلد أهتم! ثم دخلت في وجنته حلقتان ~~أخرجهما أحد المؤمنين بأسنانه فسقطت، فكان أحسن الناس هتما. وكأن جبريل ~~وهو بهذه القوة في حاجة إلى من يخرج الحلقتين من وجنته من بشر فان! وهل ~~يصاب جبريل أصلا؟ وإنه ليصاب بحلقتين وهما أكرم من الحجارة، وأكثر زينة ~~للوجنتين. وهل هناك فرق بين هتم من حجارة قبيح وهتم حسن من نزع الأسنان ms177 ~~للحلقتين من وجنة جبريل؟ ويدخل الرسول مع الملائكة لإجراء المعجزات مع أنه ~~ليس إلا بشرا، معجزته إعجاز القرآن. وإذا كان الرسول قد تنبأ بمواقع ~~الشهداء على الأرض ومصارعهم، فلماذا لم تحفظهم الملائكة إذا كانت قادرة على ~~الحرب؟ وإذا كان الرسول قد أخذ من الحصى كفا فرمى به المشركين فأصاب ~~أعينهم فانهزموا، فما الحاجة إلى الملائكة أو الجن أو الإنس؟ وإذا كان ~~الرسول قادرا على أن يقلب العرجون سيفا، ورد الشق إلى الوجه، ورد العين ~~المفقودة، فالأولى كان حمايتها منذ البداية. # وذلك كله صور فنية تدل على الإيمان بالنصر لتقوية العزيمة ورفع الروح ~~المعنوية، مثل تثبيت رمل الأرض كصورة للثبات تحت الأقدام، وأن اطلاعه على ~~المستقبل ليعطي ثقة لجنده، ويساعدهم على الثبات في النزال والشدة في ~~القتال والإيمان بالنصر في الحرب. وإذا كان ذلك حقيقة، فلماذا لم يأت ~~للمسلمين في معاركهم وهزائمهم الأخيرة مدد من السماء كما أتى للأوائل؟ وأين ~~كانت الملائكة في أحد؟ إن الأمر كله رغبة وتمن وثقة بالنصر. ومما يؤيد ~~ذلك أيضا ظهور بعض المصطلحات الصوفية، مثل مقام الخوف الذي كان فيه النبي، ~~ومقام الرجاء الذي كان فيه الصديق، نظرا لسيادة التصوف على العقائد ~~الأشعرية المتأخرة. # 24 # وقد يحدث اختزال لهذه الدرجات الخمس للفضل من الأربعة إلى ~~العشرة إلى البدريين إلى الأحديين إلى الرضوانيين إلى درجتين فقط، ~~المهاجرين والأنصار، أو الأولين من المهاجرين والأولين من الأنصار دون حكم ~~فردي على إنسان بأنه أفضل من إنسان آخر في طبقته، وكلاهما مشهود له ~~بالإيمان دون الكفر، سواء قاتل في الفتنة مع هذا الفريق أو ذاك أم قعد عنها ~~ولم يشارك فيها واعتزل الناس. وقد يزداد تفضيل المراتب ليس فقط إلى ~~درجتين، بل إلى سبع عشرة درجة طبقا للسبق إلى الإسلام بالإضافة إلى الجهاد ~~فيه. ويظهر فضل الأفراد من خلال فضل الطبقات. ويصنف الأفراد طبقا ~~للذكورة أو الأنوثة، للبلوغ أو للقرابة أو للقرشية أو القبلية. ولما صعب ~~تحديد ذلك تاريخيا على وجه الدقة فقد وقع الاختلاف فيه. وبالنسبة للجهاد ~~في الإسلام ms178 يصنف المجاهدون في القتال مثل أول من قتل كافرا. وكل سابق ~~إلى الإسلام أسلم على يديه آخرون يأتون في الطبقة الثانية ويأتي أبناؤهم ~~في درجة ثالثة. ثم يأتي الأنصار في مجموعات، وعلى فترات؛ الهجرة الأولى مع ~~الرسول، والثانية حتى الوقعة الأولى، والثالثة حتى الخندق والحديبية، ~~والرابعة حتى فتح مكة. وتزيد المعارك من اثنتين، بدر وأحد، إلى ثلاثة ~~بإضافة الخندق. ثم يأتي المسلمون الذين دخلوا في يوم الفتح، ثم الذين دخلوا ~~أفواجا والباب مفتوح على مصراعيه. ثم يأتي الصبية الذين أدركوا ~~الرسول، ثم الصبية الذين حملوا إليه في حجة الوداع. # 25 # والحقيقة أن مقياس الأسبقية إلى الإسلام يحكمه عارض تاريخي ~~بقدر ما تحكمه الإرادة الحرة. ويشمل العارض التاريخي الميلاد والوجود في ~~الزمان والمكان والقبيلة والصدفة التي لا دخل للإرادة الحرة فيها. كما أن ~~الأسبقية قد تتعارض أحيانا مع الاستحقاق؛ فقد يكون لأخوين السبق نفسه، ~~ولكن يبايع أحدهما الإمام الجائر بينما يستشهد الآخر في قتاله. # 26 ~~(2-4) هل هناك تفضيل بين القرون؟ # ويبدأ السقوط التدريجي في الانهيار نحو مزيد من الانحدار، وذلك بالانتقال ~~من الصحابة الذين شاهدوا الرسول إلى التابعين الذين شاهدوا الصحابة، إلى ~~تابعي التابعين الذين شاهدوا التابعين. وهي ثلاثة أجيال متتابعة. الجيل ~~الأول، وهو جيل الصحابة، يتلوه جيلان آخران، جيل التابعين وجيل تابعي ~~التابعين. وعندما تسقط الإمامة من العقائد المتأخرة، يدخل الموضوع كملحق ~~للنبوة. وقد يمثل اعتبار الصحابة بهذا المعنى ورثة النبوة بالرغم من ~~الانحدار التدريجي بعد الغرور باعتبارهم ورثة الأنبياء، خاصة وأن لا أحد ~~منهم يكفر نفسه أو يخطئها. ويمثل كل جيل قرنا، فيكون خير القرون قرن ~~الرسول، ثم القرن الذي يليه. وإذا كان القرن مائة عام، فإن الصحابة ~~والتابعين في القرن الأول، وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ~~ابتداء من القرن الثاني. فكل قرن يضم جيلين لو كان نضج الإنسان يتم وهو ~~فيما بين الأربعين والخمسين. وسمي القرن قرنا لأنه يقرن أمة بأمة، ~~ويواصل جيلا بجيل؛ فتتابع القرون إنما يعني تتابع الأجيال وتواصلها ~~بالرغم من علاقة ms179 التدهور والانحدار ومسار السقوط جيلا بعد جيل، وقرنا بعد ~~قرن. ولا يشترط تساوي الأجيال في الزمان؛ فإذا كان طول الصحبة شرط ~~الصحابي مع النبي، فإنه لا يكون بالضرورة شرط التابعي مع الصحابي؛ لذلك ~~اختلفت القرون في الطول، أطولها قرن الصحابي الذي يزيد على مائة عام، ~~وأوسطها قرن التابعي الذي يبلغ السبعين عاما، وأقصرها قرن التابعي الذي ~~يبلغ الخمسين عاما. وكلما توالت القرون قلت المدة لرسوخ العلم واحتواء ~~الرواية وسهولة جمعها وتدوينها جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن. وبلغة العصر، ~~كلما توالت الأجيال كلما ازدادت سرعة الاتصال ونقل المعلومات، وقلت المدة ~~وانتشر الخبر. # 27 # وقد تذكر مراتب التابعين بالأسماء وزيادة في التفضيل أو ~~بالنسب، مع أن القرابة ليست مقياسا في التفضيل. وقد ترتبط مراتب التابعين ~~في آخرها بمراتب العلماء لما كانوا حملة العلم، كما ترتبط في أولها بمن ~~أدرك العشرة المبشرين بالجنة، كلهم أو بعضهم. وقد تكون الغاية من التفضيل ~~عدم الخلط في الروايات، خاصة في الإسناد الذي يتطلب معرفة عصور الرواة وأزمانهم. # 28 # وقد يتحول الحساب التفصيلي إلى حساب إجمالي، وتصبح الخلافة ~~استمرارا للنبوة بعدها يسقط التاريخ مباشرة في خط منكسر دونما تدرج، ~~فإما خلافة وإما ملك عضود. فالخلافة نيابة عن النبوة في عموم مصالح ~~المسلمين، وتوقف بنهاية الخليفة الرابع، وبعدها تتحول إلى ملك عضود؛ لذلك ~~كان للخلفاء الأربعة الفضل على باقي الصحابة لرعايتهم مصالح المسلمين ~~وتدبير شئونهم؛ فالملوك والأمراء يضرون بالرعية ولا يرعون إلا مصالحهم ~~الخاصة، لم يأتوا ببيعة من الأمة، بل وراثة وملكا. # 29 # وإذا ما تم حساب الواقع بالسنين، مدة الخلفاء الأربعة لقاربت ~~على الثلاثين سنة بالشهر وباليوم، سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام، والثاني: ~~عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، والثالث: إحدى عشرة سنة وعشرة شهور وتسعة ~~أيام، والرابع: أربع سنوات وتسعة أشهر وسبعة أيام. فيكون المجموعة تسعة ~~وعشرين عاما وخمسة أشهر وأربعة أيام. # 30 # ولما لم تكتمل المدة ثلاثين سنة تماما، كان لزاما إضافة أحد ~~الأئمة من أولاد الخليفة الرابع الذي انتهى ببيعة الإمام الجائر، أو ms180 أحد ~~الخلفاء الآخرين المشهود له بالحق والعدل، وبأنه أعاد سيرة الخلفاء ~~الراشدين! والإشكال الأعظم في إدانة التاريخ مما يسبب حرجا لمبرري ~~الأنظمة السياسية الذين يريدون إلحاقها بالنبوة والخليفة انتسابا إلى ~~الرسول، أو استمرارا للخلفاء الراشدين؛ فيخفف القطع إلى الاحتمال، أو ~~يخفف كمال الخلافة بخلافة ناقصة، ولكنها ليست الملك العضود! وبهذا ~~التبرير يستطيع ملوك اليوم وأمراؤهم إيجاد نسب لهم بالنبي أو صلة لهم ~~بالخلفاء الراشدين. إن الأمر كله لا يعدو مجرد تعويض نفسي عن هزائم العصر ~~ومقارنتها بانتصارات الماضي. ولما كانت إمكانيات العمل في الحاضر مستغلقة ~~تم الانفتاح على الماضي، وظهر هذا التصور المنهار للتاريخ المتساقط ~~المتهاوي المغمور تدريجا أو انكسارا. والحقيقة أن لكل عصر روحا، ولكل ~~نظام سياسي أسسا، ولا توجد روح لكل العصور ولا نظام لكل الأزمان. لو كان ~~المقياس في التفضيل هو الصحبة، فإنه يمكن للمعاصر اليوم أن يكون من رفاق ~~الرسول وصحبه شعوريا بتمثل قيمته وأخذ سلوكه قدوة. وقد يكون التابعي ~~أفضل من الصحابي، وقد يكون تابع التابعي أفضل من التابعي، وقد يكون إيمان ~~مسلم اليوم أقوى وأعمق من إيمان مسلم الأمس. وهل يقل الشهيد في الأرض ~~المغتصبة اليوم الذي يفجر نفسه مع المتفجرات في حصون العدو عن إيمان ~~المسلمين الأوائل؟ وماذا عن جندي اليوم الذي يقف أمام الإمام الجائر ~~ببندقية ينهي بها حكم الخيانة ونظام العمالة والتبعية، ويحمي شرف أمة، ~~ويزيح عار جيل بأكمله؟ وما ذنب الأواخر أنهم لم يولدوا في زمن الأوائل، ~~والميلاد عرض تاريخي لا يدخل في نطاق حرية الإرادة، وبالتالي يكون خارج ~~الاستحقاق؟ تقوم الإمامة في التاريخ إذن على نظرية في التدهور. في البداية ~~كان الكمال والوحدة والفضيلة، وفي النهاية كان النقص والتجزئة والرذيلة. ~~وإذا كانت رؤية النبوة هكذا، فهل هي نبوة أم معرفة بقوانين التاريخ ~~والتطور؟ إذا كان النبي مجرد مبلغ للوحي وليس منبئا بالمستقبل، فإن تحول ~~الخلافة إلى ملك عضود يكون أقرب إلى استقراء الحوادث وسبر التاريخ ومعرفة ~~قوانينه. فكل ثورة تتحول إلى ثورة مضادة، وكل نظام جديد ينتهي وينكسر ~~بمخلفات ms181 النظام القديم. إن التفضيل على هذا النحو المنهار إنما يقضي على ~~تعددية النماذج؛ فكل صحابي نموذج في السلوك ورؤية في العمل لا فضل لإحداها ~~على الأخرى. قد يوجد نموذج يعطي الأولوية للمثال على الواقع، وللمبدأ على ~~الحالة الخاصة، وهو نموذج صالح في بعض الأوقات والظروف التاريخية. وقد ~~يوجد نموذج آخر عكسي يعطي الأولوية للواقع على المثال، وللحالة الخاصة على ~~المبدأ، ويكون صالحا أيضا في ظروف تاريخية أخرى؛ فكلاهما صحيح نظرا، ~~وكلاهما يطبقان عمليا في لحظتين تاريخيتين مختلفتين. أما التفضيل ~~بمعنى المراتب واختلافهما بين الأعلى والأدنى أو بين السابق واللاحق، بين ~~السلف والخلف، فإنما يقوم على التصور الهرمي للعالم الذي نتج عن الإشراق، ~~والذي صبت فيه الأشعرية المزدوجة بالتصوف وعلوم الحكمة. إن الأفضلية لا ~~تكون بين فرد وفرد أو أمير وأمير، بل بين نظام ونظام بمقدار ما يحققه كل ~~نظام من رعاية لمصالح الناس وحفاظ على وحدة الأمة؛ لذلك ظهرت تصورات أخرى ~~للتاريخ تضع الأفراد على المستوى نفسه إبقاء على التعددية، أو تصور آخر ~~عكسي يجعل الخلف أفضل من السلف، والقرن المتأخر أفضل من القرن المتقدم؛ ~~فوراءهم تراث طويل وتجارب سابقة، وأمامهم رصيد ضخم من التجارب البشرية ~~وخبرات الأجيال. # 31 # ولكن هذه التصورات البديلة المتعددة النماذج أو الارتقائية ~~الاتجاه لم تستقر في وعينا القومي لأنها لم تكن التصور الغالب في الذات؛ ~~لأنه كان تصور المعارضة في حين كان التراث تراث سلطة. ولم يستقر هذا التصور ~~الارتقائي إلا في أحد جوانب الوعي في الأمم المجاورة على نحو أسطوري عن ~~طريق انتظار الإمام الغائب الذي سيكون بيده سبيل الخلاص. ~~(2-5) هل هناك تفضيل بين العلماء؟ # وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء، كما أن الخلفاء نيابة عنهم في مصالح ~~الأمة، وقع تفضيل أيضا بين العلماء. فهل يأتي العلماء بعد الرسل باعتبار ~~أنهم ورثة الأنبياء، أم بعد الخلفاء الأربعة، أم بعد المبشرين بالجنة، أم ~~بعد أهل بدر أو أحد أو بيعة الرضوان؟ وأي علماء أفضل، علماء الأول أم ~~الثاني أم الثالث أم علماء الأمة إلى يوم ms182 الدين؟ وأي علماء وفي أي علم؛ ~~العلوم النقلية أم العلوم العقلية أم العلوم النقلية العقلية؟ وهل أفضل في ~~درجة العلم أم في فضائل أخرى تزخر بها مصنفات العلم والعلماء؟ وما هو ~~موقفهم؛ التقليد أم التجديد، التبعية أم الاستقلال، الترديد أم إعادة ~~البناء، التكرار أم الخلق والإبداع؟ # 32 # وهل يمكن رصد كل العلماء حتى يوم الدين حتى يكون الحكم بالفضل ~~جامعا مانعا شاملا صادقا، وإلا كان مبتسرا على علماء قرن أو قرنين؟ ~~في كل الأحوال تنتهي الإمامة بأحكام العلماء والأئمة؛ أي في الإمامة ~~العلمية لا السياسية. قد يغلب أحيانا أئمة الفقه، تصنيف دقيق للعلم ~~والعلماء، ولكن يكشف عن ازدواج الأشعرية بالتصوف، وارتباط الفقه بالحديث، ~~وظهور علوم النحو والبلاغة؛ وبالتالي مزج العلوم النقلية مثل الفقه والحديث ~~بالعلوم النقلية العقلية مثل الكلام والتصوف، وظهور بعض العلوم الإنسانية ~~كالنحو والبلاغة. لا تذكر علوم القرآن والتفسير والسيرة ضمن العلوم ~~النقلية، ولا تذكر أيضا علوم الجغرافيا والتاريخ ضمن العلوم الإنسانية. ~~أما العلوم العقلية الخالصة الرياضية والطبية فتختفي تماما؛ ربما لأن بعض ~~هذه العلوم لم يكن قد ظهر أو انتظم بعد، وربما لأن العلوم المذكورة أقرب ~~إلى العلوم النقلية في مجموعها من العلوم العقلية. ويذكر ترتيب السلطة، ~~ويختفي علماء الفرقة الضالة، أي تراث المعارضة، ويضرب حوله مؤامرة الضعف والنسيان. # 33 # وفي عرض كل عام تظهر غايتان؛ الأولى: تاريخية؛ أي ترتيب ~~العلماء طبقا للطبقات والعصور، فهذا أولهم من المتكلمين، وهذا أولهم من ~~الفقهاء وأئمة الحديث. وهو تاريخ مذاهب ؛ أي من وجهة نظر الفرقة الناجية ~~وحدها فرقة السلطة في مقابل الفرقة الضالة، وهي فرق المعارضة بكل صنوفها، ~~العلنية منها والسرية، الداخلية منها والخارجية. وتذكر أسماء العلماء ~~وعناوين مصنفاتهم. والغاية الثانية: مذهبية عقائدية لنقد عقائد الفرق ~~المخالفة وتفنيد مذاهبها، وكلها أحكام قيمة من وجهة نظر السلطة القائمة ~~التي تعتبر نفسها الفرقة الناجية؛ فيستعمل سلاح الألقاب، فالمعارضة إما ~~قدرية تنكر القدر، أو خارجية تخرج على الإمام، أو غلاة روافض تتطرف وترفض. ~~وتذكر أقوالها بلفظ «زعم» أو «ادعى»، في حين أن الفرقة ms183 الناجية أهل ~~السنة والاستقامة أو أهل الحق أو أصحاب الحديث أو الجمهور؛ أي الغالبية في ~~مقابل الأقلية. كما تذكر أسماء المصنفات في الرد على الفرق المخالفة، ~~والفتاوى من فقهاء السلطان بتحليل دمائهم! وينتزع منها أية شرعية في ~~العقائد، وينكر عليها انتسابها إلى الإمام الرابع أو إلى الصحابة حتى ~~تبدو خارجية أو هامشية أو دخيلة أو منحرفة. والغاية من هذا التاريخ كله هو ~~تشويه الخصوم السياسيين حتى يسهل بعد ذلك عزلهم عن الناس، والتخفيف من ~~آثارهم على الحياة العامة باستعمال سلاح التكفير والتضليل. والاعتماد على ~~آراء الفقهاء وأئمة الحديث وسلطتهم في نقد الخصوم من المتكلمين يهدف أساسا ~~إلى العامة الذين في تصورهم أن الفقهاء على حق والمتكلمين على باطل؛ فإذا ~~ما تصدى الفقهاء المتكلمون من الفرقة الناجية إلى متكلمي الفرق الضالة ~~فإن الحق يتصدى للباطل! كما يضم إلى الفقهاء بعض الصوفية والأدباء ~~والشعراء لما لهم من ثقة عند الناس؛ وبالتالي يشتد الحصار حول الخصوم ~~العقلانيين العنيدين صعبي الفهم والكلام. وإن حددت المناظرات في مجلس ~~السلطان لتدل على استعمال السلطة لفقهائها ضد الخصوم، وأن السلطة ~~السياسية هي الحكم الفصل في خصومات المتكلمين؛ فالعقائد تدور في اللعبة ~~السياسية، والخلاف بين المذاهب إنما يدور حول كرسي الحكم، ويحرسه عسكر ~~السلطان. ويبرز فقيه السلطان الأول ومؤسس مذهب السلطة وزعيم الفرقة ~~الناجية على أنه هو الحق والسلطة والدين، وأن الأمة كلها تابعة له، وأن كل ~~من دونه خارج عليه. وتلاميذه هم القضاة الذين يفصلون بين الحق والباطل، ~~ويحكمون في منازعات الخصوم. وما داموا قد حكموا بتضليل الفرق المخالفة، ~~فإنهم لا يخطئون. وإذا كانوا يحكمون في المناطق النائية حتى الحدود ~~والثغور، فالأولى أن تؤخذ أحكامهم في المناطق القريبة وفي المدائن في قلب ~~البلاد. وإذا كان من تلاميذه كبار المفسرين والمؤرخين، فالأولى بالتتلمذ ~~عليه والسماع إليه عامة الناس. # 34 # ومن ترتيب أئمة الفقه يظهر مجموع الفقهاء على عقائد الفرقة ~~الناجية، فرقة السلطة، ابتداء من العشرة المبشرين بالجنة والفقهاء الأربعة ~~الذين أجمعوا جميعا على رأي السلطة؛ فالعشرة لهم الآخرة، ms184 والأربعة لهم ~~الحكم في الدنيا؛ وبالتالي تكون عقائد السلطة قد فازت بالدنيا والآخرة في ~~آن واحد. وإذا حدث خلاف بين الأربعة اختلفت الأمة، وإذا حدث اتفاق بينهم ~~اتفقت الأمة. وما دامت الأمة قد أجمعت على عقائد الفرقة الناجية وتكفير ~~الفرق الضالة، فعلى هذا النحو تكون الأمة. فإذا ما حدث خلاف بين الفقهاء ~~فإنه لا يكون في أصول الكلام، بل في فروع الفقه؛ وبالتالي لا يحدث خرق ~~للإجماع على عقائد الفرقة الناجية. فإذا ما حدث خلاف في أصول العقائد، فإنه ~~لا يحدث في العقليات، بل في السمعيات، مثل الإيمان هل هو مجرد إقرار ومعرفة ~~أم يصحبه تصديق وعمل، أو في موضوع من العقليات يتم التفويض فيه والتسليم ~~بعجز العقل عن معرفة كنه الأشياء. وقد انتصر الفقهاء لعقيدة الفرقة ~~الناجية، وأبطلوا قول الخصوم في الاستطاعة وخلق الأفعال حتى يتم استسلام ~~الناس لقوى خارجية عنهم يصعب بعد ذلك معرفة أيها من الله وأيها من ~~السلطان. وأكبر الخصوم مراسا هي المعارضة العقلية العلنية الداخلية التي ~~تتطلب المواجهة بالحجة علنا وأمام الناس؛ فالإجماع مع الفرقة الناجية، ~~والتفرق والخروج والاختلاف مع الفرق الضالة. وإن حكم أئمة الفقه، وهم ~~الأصحاب، في أهل الأهواء هو عدم جواز الصلاة خلفهم ورد شهادتهم لأنهم زنادقة! # 35 # وفي ترتيب أئمة الحديث والإسناد يظهر علماء الفرقة الناجية على ~~أنهم حملة العلم ونقلة الرواية، فيوثق بهم على أساس أنهم ورثة ~~الأنبياء. وهم أصحاب التصانيف والتآليف في الرد على أهل الأهواء، وهم أهل ~~الجرح والتعديل والثقات العدول؛ وبالتالي تقبل شهادتهم، ويتم التسليم ~~بأحكامهم ضد المدلسين الضعفاء، أهل الأهواء. # 36 # أما ترتيب أئمة التصوف والإشارة، فهم في مجملهم ما يزيد على ~~الألف، وليس من بينهم أهل الأهواء إلا ثلاثة؛ حلولي واتحادي، وهو ما لا ~~تقبله العامة، ومعتزلي طرده الصوفية من بينهم كما يطرد الطيب الخبث! ولما ~~كان الصوفية أئمة العامة والمسيطرين عليهم في الطرقات والزوايا، فإن ~~كلامهم مسموع ورأيهم صائب. وهم أهل التصوف والإشارة الذين يفهمون ما لا ~~يفهمه غيرهم؛ وبالتالي كانت الثقة بهم أعظم ms185 لعلومهم الدينية التي لا يجوز ~~الاعتراض عليها. # 37 # أما ترتيب أئمة النحو واللغة، فهم أولا جميعا من الفرقة ~~الناجية، ولا أحد منهم من الفرق الضالة، وكل تصانيفهم في الهجوم على ~~المعارضة العقلية العلنية الداخلية. وإن كل من يجالسها أو يخالطها أو ~~يصادقها أو يتأثر بها فهو مذموم مكروه مثلها، تهمة يجب الدفاع عنها. وأهل ~~اللغة والأدب مثل الصوفية قريبون من العامة؛ فأذواق العامة في اللغة والأدب ~~لا تقل عن أذواقها الصوفية؛ وبالتالي يمثل علماء اللغة والنحو سلطة ~~أدبية يمكن بعدها الثقة بهم، وتصديق أحكامهم على أهل الأهواء. # 38 # وبالإضافة إلى هذا كله فإن كل أهل الثغور، أي حدود الأمة ~~وأطرافها حيث تجب الحماية للداخل والصد للأعداء في الخارج، كلهم من عقائد ~~الفرقة الناجية، وليس فيها من عقائد أهل الأهواء شيء؛ فحماية الأمة إذن ~~تأتي من الفرقة الناجية، وخرابها يأتي من أهل الأهواء؛ وبالتالي كان جهاد ~~أهل الثغور بالحجة والاستدلال ضد أهل الأهواء، وفي مقدمتهم القدرية، جزءا ~~من الجهاد ضد الأعداء حماية للأمن وتحصينا لثغورها. الفرقة الناجية هم أهل ~~الفكر والسلاح، والفرق الضالة هم أهل الهوى والخنوع! وهكذا يكتب ~~التاريخ، ويفاضل بين العلماء، دفاعا عن السلطة ضد خصومها بعد أن لبست ثوب ~~الفرقة الناجية، وألبست خصومها ثوب الفرق الهالكة. # 39 ~~(2-6) هل هناك تفضيل بين الأمم؟ # وتنتهي مراتب التفضيل بالتفضيل بين الأمم واعتبار أمتنا أفضل الأمم، # 40 # ولكن السؤال: هل هي أفضل الأمم على الإطلاق، أم أنها كذلك ~~مشروطة بشرط أو بشروط؟ فهي أفضل أمة لأن فيها تم اختتام الوحي وإنهاء ~~مراحله المتتالية منذ خلق البشرية حتى الآن، فهي الأمة التي اكتملت فيها ~~التجربة، ولديها رصيد الأمم الأخرى وتجاربها، هي نهاية تطور الوحي وخاتم ~~النبوة؛ وبالتالي تمثل الوعي الإنساني المستقل القادر بعقله وبإرادته على ~~أن يعتمد على نفسه دونما حاجة إلى عون خارجي في فهم الطبيعة أو في التأثير ~~عليها؛ فهي أمة بلا وصاية ولا تبعية. هذا هو الشرط الأول. وهي خير أمة ~~أخرجت للناس، ليس على الإطلاق، ولكن لأنها تأمر ms186 بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ ~~أي إنها أمة قادرة على الرقابة، رقابة الشعب على الحكام، ورقابة المؤسسات ~~الدستورية على الأجهزة التنفيذية، وتعلن عن ذلك على الملأ وفوق رءوس ~~الأشهاد؛ فهي أمة حرة في التعبير عن الرأي والقول والعمل، لا تخشى في الله ~~لومة لائم، لا تسكت عن الحق ولا ترضى بالظلم. وهذا هو الشرط الثاني. لم ~~يفصل القدماء هذه المرتبة في التفضيل؛ لأن الأمم الأخرى كانت منضوية تحت ~~الأمة الحضارية الجديدة، فلم تشعر بأهمية التفضيل قدر شعورها بالتفضيل مع ~~الخصوم السياسيين. ومع ذلك يظل السؤال: إلى أي حد تستوفي الأمة حاليا ~~هذين الشرطين، أم أنها الآن مغلوبة على أمرها تابعة وتحت الوصاية، وأن ~~أمما أخرى غيرها استحقت هذه الشروط، وبالتالي تكون أفضل منها؟ ~~(3) التوحيد بداية النهضة # إذا كان التفضيل بداية الانهيار، فإن التوحيد بداية النهضة؛ فبقدر ما توجد ~~شواهد نقلية على سقوط الإمامة وانهيار الخلافة في التاريخ، توجد شواهد أخرى ~~نقلية وعقلية وواقعية على تقدم التاريخ ونهضة الشعوب والاتجاه نحو المستقبل. ~~وإن هذه الرؤية الأولى، الانهيار المستمر للتاريخ، إنما تولدت من شعور بالحزن ~~والأسى على ما وقع في الأمة من فتنة وشقاق وتحول الخلافة إلى ملك، والإمامة ~~إلى وراثة، وركون الناس إلى الدنيا، فكان من الطبيعي أن يخرج هذا التصور ~~للتاريخ على أنه انهيار مستمر. وما أسهل بعد ذلك من وجود نصوص دينية بهذا ~~المعنى حتى يحدث تطابق بين التجربة النفسية والنص الديني. ومع بدايات النهضة ~~الحالية منذ حركات الإصلاح الديني الأخيرة، وحركات التحرر الوطني، ومحاولات ~~التفكير في شروط النهضة، يبرز التوحيد من جديد مرتبطا بالنهضة كرؤية للتاريخ ~~مخالفة للرؤية الأولى، التاريخ كتقدم واتجاه نحو المستقبل، وأنه في الإمكان ~~أبدع مما كان، وأن هناك مجالا للسبق، فالسابقون السابقون، لمن شاء منا أن ~~يتقدم أو يتأخر. ~~(3-1) الإنسان والتاريخ # كشفت محاولة إعادة بناء علم أصول الدين عن وجود بعدين رئيسيين فيه، هما ~~الإنسان والتاريخ، وهما البعدان الناقصان أيضا في وجداننا المعاصر. وقد ~~يكون تغليفهما في علم التوحيد القديم هو السبب في اختفائهما ms187 من وجداننا المعاصر. # 41 # فإذا انقسم العلم إلى قسمين رئيسيين، العقليات والسمعيات، أو ~~الإلهيات والنبوات، فإن القسم الأول هو في الحقيقة مبحث الإنسان؛ فالله هو ~~الوعي الخالص، الذات، أي شعور الإنسان بوجوده، ليس له بداية في الزمان، ~~ينشأ في الشعور ويبقى فيه طالما كان الشعور يقظا. لا يوجد في محل؛ فالشعور ~~زمان لا مكان، ولا يشبهه شيء لأنه وعي خالص، وواجد تعبير عن وحدة الشعور. ~~فإذا ما تعين هذا الوعي الخالص فإنه يتسم بصفات الوعي النظرية ~~والعملية، النظرية مثل العلم الذي يأتي من السمع والبصر ويعبر عن نفسه ~~بالكلام، والعملية مثل الإرادة والقدرة. وهذه الصفات النظرية والعملية إنما ~~هي تعبير عن الحياة اليقظة. والوعي الخالص والوعي المتعين كلاهما يعبران ~~عن الإنسان الكامل، الإنسان المثالي، ما يجب أن يكون عليه الإنسان، سواء ~~كوعي خالص كذات أو كوعي متعين بالصفات. فإذا ما تحول الإنسان الكامل إلى ~~الإنسان المتعين فإنه يظهر كحرية وعقل، والحرية سابقة على العقل لأنه بها ~~يثبت وجوده ويستقل عن الإنسان الكامل، ثم يظهر العقل كأساس للحرية؛ إذ إن ~~الحرية عاقلة. وتبدو حرية الإنسان المتعين في خلق الأفعال؛ أي إنه يكون ~~صاحب أفعاله مسئولا عنها، سواء أفعال الشعور الداخلية أو أفعال الشعور ~~الخارجية، أو أفعال البدن في الطبيعة أو أفعال الإنسان في المجتمع؛ فأفعال ~~الشعور الداخلية من إدراك وعلم أفعال حرة، وأفعال الشعور الخارجية تقوم ~~على الاستطاعة، وأفعال البدن في الطبيعة تجعل فعل الإنسان ممتدا ومنتشرا ~~في العالم ومحدثا لمساره، ويصب خلق الأفعال في النهاية في أفعال الإنسان ~~في المجتمع والتاريخ، حيث يكون مسئولا عن وضع أمة في لحظة معينة وعن ~~مصيرها في التاريخ. ولما كانت الحرية عاقلة برز العقل أساسا للنقل، وأصبح ~~العقل قادرا على إدراك حسن الأفعال وقبحها، وعلى إدراك الصلاح والأصلح ~~وفهم الغائية في التاريخ. ولكن بسبب هذه الرؤية المنهارة للتاريخ لم يظهر ~~الإنسان فيه، وتحول الإنسان الكامل إلى مجرد رمز وأمل ومشجب يتعلق به ~~الإنسان المتهور بلا إرادة مستقلة وبلا عقل قادر. ولم يبق أمام الإنسان ms188 ~~المقهور إلا التصوف والإشراق حتى يحدث التطابق بينه وبين نفسه هروبا من ~~العالم، وتعويضا عن اغترابه فيه. # وقد كشفت السمعيات أو النبوات عن البعد الثاني وهو التاريخ، سواء ~~التاريخ العام الممتد منذ البداية في النبوة وحتى النهاية في المعاد، أو ~~التاريخ المتعين بفعل الإنسان الفردي أو بفعل الدولة كنظام سياسي؛ ~~فالإنسان يصب في التاريخ، وكما أن الإنسان كامل ومتعين، فكذلك التاريخ ~~عام ومتعين. والتاريخ العام هو تاريخ الوحي أو تاريخ الفكر، وتاريخ الفكر ~~هو تاريخ الوعي أو الوعي التاريخي، تجارب البشر السابقة، حياة الشعوب، ~~ونهضات الأمم وسقوطها. ويصعب الوعي التاريخي في الوعي الفردي، فيصبح ~~الوعي الفردي وعيا تاريخيا، ويصبح الوعي الفردي مسئولا عن التاريخ ~~ودافعا إياه نحو غايته ونهايته في المعاد. وطبقا لفعل الإنسان في ~~التاريخ، وعيه بالماضي والتزامه بالحاضر، يتحدد مسار التاريخ في المستقبل. ~~وطبقا لهذا التحدد يحدث المعاد كنهاية للفعل وإمكانيات التحقق. كما يتحدد ~~مصير الإنسان فيه بالفناء أو البقاء، طبقا لفعله ووجوده في الحاضر بالعدم ~~أو الوجود. يتعين التاريخ إذن بفعل الفرد الذي يقوم على النظر، والذي يتحول ~~فيه النظر إلى تصديق بالوجدان. ويكون الفعل بالكلمة والإعلان كتعبير عن ~~النظر والصدق، ويكون أيضا بأفعال الجوارح. ولما كان الفرد لا يعيش بمفرده، ~~بل يعيش في جماعة، ظهر النظام السياسي كاكتمال لفعل الفرد، وأصبحت الدولة ~~استمرارا لوجوده وتحقيقا لاختياره؛ فالفرد والدولة تعينان للتاريخ ~~العام، أي إن العمل والسياسة تعينان للنبوة والمعاد. يكشف إذن علم ~~التوحيد عن حضور الإنسان والتاريخ في شقيه العقليات والسمعيات أو ~~الإلهيات والنبوات؛ وبالتالي تأخذ الأصول الخمسة معنى جديدا؛ فالتوحيد ~~والعدل هما الوعي الخالص والوعي المتعين؛ أي الإنسان. والوعد والوعيد ~~والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي السمعيات؛ أي ~~النبوة والإيمان والعمل والإمامة. والأصول الثلاثة تشير إلى التاريخ. وإذا ~~كانت الأصول الخمسة هي أفضل الصياغات القديمة لعلم التوحيد، فإن الإنسان ~~والتاريخ هما الأصلان المعاصران له، وهما في الوقت نفسه البعدان الناقصان ~~في وجداننا المعاصر نتيجة للاغتراب القديم؛ وبالتالي يكون التحدي للعلماء ~~وللساسة هو إيجاد ms189 الصلة بين هذين البعدين في علم التوحيد وفي وجداننا ~~المعاصر حتى يعود العلم حيا في القلوب فيملؤها، كما يقضي على الفراغ ~~النظري في الممارسة السياسية المعاصرة، وينتهي هذا الفصام القديم بين ~~التوحيد والواقع، ويقضي في نفس الوقت على الاغتراب الديني لجيلنا بإيجاد ~~الصلة بين التوحيد والثورة. ~~(3-2) التوحيد والثورة # إذا كان الإنسان والتاريخ هما محورا علم أصول الدين، وكان الإنسان ~~قابعا وراء الإلهيات (العقليات)، والتاريخ وراء النبوات (السمعيات)، كان ~~«الله» و«الإمام» هما عصبا العلم. وإذا كان الله هو ركيزة الدين، والإمام ~~هو ركيزة السياسة، أصبح الدين والسياسة هما محورا العلم كما تجلى ذلك في ~~موضوعه الأول، الذات، وموضوعه الأخيرة، الإمامة، الله والسلطان، الدين ~~والدولة، أو التوحيد والثورة، وهما الموضوعان الرئيسيان في العلم. قد ~~يختلطان معا عند القدماء وعند المعاصرون، في الوعي التاريخي القديم وفي ~~الوجدان الشعبي المعاصر، فيصبح الإله سلطانا، والسلطان إلها؛ ويسهل على ~~السلطان التأله، كما يسهل على العامي اعتقاد الإله سلطانا؛ لذلك كان من ~~الظواهر الإيجابية في علم التوحيد الالتزام السياسي؛ فقد ظهر العلم موجها ~~للواقع ومتحدا به. وكما تظهر العلاقة بين التوحيد والإمامة من خلال الله ~~والسلطان، تظهر أيضا من خلال الله والمعارضة؛ فليس إقرار النظام بأكثر ~~اعتمادا على التوحيد من زعزعة النظم والثورة عليها. كان الدين هو ~~أيديولوجية القدماء، وما زال يكون الرافد الأساسي في أيديولوجية الناس. ~~وكما كانت الدعوة إلى الطاعة تتم باسم السلطان، كذلك كانت الثورة عليه ~~تقوم باسم الله، بل إن الثورات المضادة كانت أيضا تقع باسم الله، وكذلك ~~كانت المطامع الشخصية وحب القيادة والرغبة في السلطة كل ذلك تصفية للخصوم. ~~وكانت الثورة سياسية واقتصادية واجتماعية في آن واحد، وما الثورة على ~~السلطان إلا الشكل الخارجي لها. # 42 # فإذا كان التوحيد لا يتحقق إلا بالثورة، ولا يجد غايته إلا فيها، فإن ~~تحقق الوعي الخالص في التاريخ لا يتم إلا بالفعل، بجهد الإنسان وعمل ~~الجماعة، وكأن الفعل هو المحرك الأول لهذه العملية. وما ظنه القدماء أنه ~~المحرك الأول هو في حقيقة الأمر فعل الإنسان ms190 في عملية تحقق الوعي الخالص ~~في التاريخ، وما ظنه القدماء على أنه وجود يمكن إثباته في البداية ~~بالبراهين العقلية هو في حقيقة الأمر عملية الإيجاد ذاتها من البداية إلى ~~النهاية؛ فالوجود صيرورة أو عملية إيجاد، أو كما قال القدماء حال ينتقل فيه ~~الوجود إلى عدم أو العدم إلى وجود. الفعل شرط الوجود عن طريق عملية الإيجاد ~~التي لا تتم إلا من خلال الفعل. فإذا كان الله هو الوعي الخالص، فإنه لا ~~يوجد إلا من خلال عملية الإيجاد من خلال الفعل وبنشاط الذات؛ فقد يوجد وقد ~~لا يوجد طبقا لنشاط الذات، وبناء على القيام بعملية الإيجاد أو النكوص ~~عنها. هو إذن أقرب إلى الإمكان منه إلى الوجوب أو الامتناع. وما دامت عملية ~~الإيجاد مرتبطة بنشاط الذات، فإمكانية الوجود تكون فردية خالصة، توجد ~~بالنسبة لمن يقوم بعملية الإيجاد ولا توجد بالنسبة إلى آخر لا يشارك في ~~الإيجاد. الوجود إذن فردي محض بالنسبة للفرد وبالنسبة للوعي الخالص. الوجود ~~إحالة متبادلة بينهما، بقدر ما يوجد الفرد يوجد الوعي الخالص، وبقدر ما ~~يوجد الوعي الخالص في الفرد يزداد وجود الفرد ووعيه بعملية الإيجاد. وقد ~~تستغرق عملية الإيجاد حياة الفرد كلها؛ إذ إن الوعي الخالص مشروع الفرد. ~~الله إذن مشروع شخصي، وحياة الفرد تحقيق لهذا المشروع، ويتحقق المشروع ~~بتحقيق الفرد لرسالته في العالم. ولما كان نشاط الفرد ممتدا إلى نشاط ~~الجماعة ويصب فيه، فإن عملية الإيجاد تكون جماعية بقدر ما هي فردية. ولما ~~كانت الجماعات تتوالى ويتراكم جهدها، كان مشروع الفرد والجماعة هو ذاته ~~مشروع الإنسانية. باكتمال الوحي تكتمل الإنسانية، ويصبح مشروعها تحقيق ~~الوحي كنظام مثالي للعالم، أو تحويل الأيديولوجية وهي الوحي إلى بناء ~~للواقع. فإذا ما تم ذلك على مستوى النظر والإدراك تحول الوعي الخالص إلى ~~تاريخ على مستوى العمل والسلوك. هذا التحقق في العالم ليس خروجا عنه كما ~~هو الحال في علوم التصوف، بل هو داخل فيه، وقائم على التزام الإنسان بقضايا ~~العالم وليس بتخليه عنها إنقاذا لذاته، وهو يظن أنه قد أنقذ العالم ms191 ~~معه؛ ومن ثم هناك خلاف جذري بين عملية التوحيد كإيجاد وحدة الوجود ~~الصوفية بالرغم من أن كليهما حول التوحيد إلى عملية. فوحدة الوجود وحدة ~~نظرية خالصة وليست وحدة عملية؛ إذ لا يتحقق الوحي فيها كنظام مثالي ~~للعالم، ولا يتغير الواقع، بل يظل كما هو عليه. لا تعني وحدة نظرية هنا ~~أنها وحدة عقلية، بل تعني أنها وحدة بلا عالم، وحدة صورية بلا مضمون، مجرد ~~افتراض نظري دون أن تتحقق بالفعل. هي وحدة خالية من أي مضمون اجتماعي، وحدة ~~ميتافيزيقية خالصة، وكأن التوحيد بين الله والعالم هدف في ذاته، في حين أن ~~عملية الإيجاد وحدة عملية تتم بالفعل بين الوحي والعالم، لها مضمون ~~اجتماعي أساسا، وسيلة لتحقيق غاية هي تغيير نظام العالم إلى كمال له، ~~وتحقيق مثال الوحي فيه. وحدة الوجود عملية وهمية من صنع الخيال، وليست ~~عملية واعية تقوم على تحليل الواقع وعلى تنظير القضايا. وحدة الوجود لا ~~تتم إلا في نفس الصوفي، ولا تنقذ إلا إياه، وكأنها وحدة تقوم على أنانية ~~خالصة، ينقذ الصوفي نفسه ويترك العالم، في حين أن عملية التوحيد هي أساسا ~~غيرية تقوم على التضحية بالذات في سبيل خلاص العالم. وحدة الوجود تنتهي ~~بالقضاء على الفردية وإلغاء الشخصية، والغوص في عالم واحد يفقد فيه ~~الإنسان ذاتيته، في حين أن عملية الاتحاد قائمة في البداية على إثبات ~~الذاتية في البداية دون التخلي عنها في النهاية؛ فالشهادة أقوى إثبات لها ~~بتحويل الموت إلى خلود. وحدة الوجود وحدة فردية خالصة لا تتم إلا في نفس ~~الصوفي دون الجماعة أو الحزب أو الجماهير أو التاريخ. والحلقة الصوفية أو ~~الطريقة جماعة محدودة مهمتها عملية محضة في بداية الطريق، ولكن في ~~النهاية تظل فردية خالصة، في حين أن عملية الإيجاد وحدة فردية وجماعية تتم ~~في الفرد وفي الجماعة، في الإنسان وفي الأمة. وحدة الوجود لو تمت كعملية ~~فإنها تتم في الماضي وفي تاريخ النبوة، وتتحقق بالفعل بانتهاء النبوة، ولا ~~تترك للمستقبل شيئا، في حين أن عملية الإيجاد تهدف أساسا إلى المستقبل، ~~وتتحقق ms192 إلى الأمام في العالم. تتم وحدة الوجود بتدخل إرادة خارجية تفعل ~~وتنفذ، تختار وتشاء. وشرط ذلك إسقاط التدبير وإلغاء الفرد لحريته وإرادته، ~~في حين أن عملية الإيجاد عملية حرة خالصة، يخلق الإنسان بها ذاته، ويحقق ~~بها مشروعه بفعله الحر. وإذا بدت وحدة الوجود وكأنها عملية تتم لصالح الله ~~وليس لصالح البشر؛ لأنه أحق بالوحدة والاتحاد معه من غيره، فإن عملية ~~الإيجاد تتم لصالح البشر، فهو أحوج إلى الوحدة والتوحيد من غيره. # 43 ~~(3-3) الحزب الثوري # إذا كان الوحي كنظام مثالي للعالم يتم من خلال الفرد، وكان العمل الفردي ~~ينفتح على العمل الجماعي ويتحد به، فإن تنظيم العمل الجماعي الأمثل يتم ~~في الحزب. ولما كان التوحيد ثوريا، فإن التوحيد لا يتحقق إلا بالحزب ~~الثوري. الحزب هو الصورة المثلى لتحقيق المشروع والتعبير عن النشاط، ~~والانتساب إلى حزب هو أول خطوة لتحويل النظر إلى عمل. الحزب هو التعبير عن ~~الحياة في أعلى صورها، وهو النشاط المحقق للمشروع. الحزب هو لب مسألة ~~التوحيد، والحل لانفصام التوحيد عن العدل، والإنسان عن التاريخ. هو الذي ~~يحقق الكلمة على الأرض، ويثبت وجودها بالفعل، لا بالبراهين العقلية ~~والأدلة النظرية. الحزب هو الذي يحول الوحي إلى نظام مثالي للعالم، هو ~~المحقق للمطلق في التاريخ. والحزب هو عصب الدولة، وعماد النظام السياسي. ~~الحزب خليفة شعب الله المختار الذي أدى دوره من قبل في إتمام الوحي في ~~صورته النهائية، وفي تربية الشعور الإنساني حتى أصبح شعورا فرديا ~~مستقلا عن الجماعة، يتمتع بحرية كاملة في النظر والعمل. لا يتحقق ~~التوحيد كنظام مثالي في العالم عن طريق إنشاء حكم إلهي في دولة وضعية، بل ~~بإعلاء نظام العالم تدريجيا حتى يتحد مع نظام الوحي؛ أي بتطوير الدولة ~~القائمة وجعلها أكثر قربا من نظام الوحي. يظل الوحي من جانب المعارضة ~~والرقابة في الدولة في مواجهة السلطة الفعلية. وإقامة الدولة الإسلامية لا ~~تأتي مرة واحدة، بل تقوى أقرب الدول إليها دون القضاء على الكل من أجل ~~إقامة المثل الأعلى من البداية إلى النهاية طبقا لجدل الكل ms193 أو لا شيء. # 44 # والحزب هو اتفاق الجماعة واجتماعها على هدف مشترك، وليس مجرد ائتلاف ~~لجماعات متضاربة الأهداف مختلفة المشارب متنافرة الغايات، يمثل مصلحة ~~الناس لا مصلحة طبقة أو فئة، ويلتحم الحزب بجماهيره لأنه ليس طبقة تعلو ~~عليها أو تتكسب على حسابها، بل هو المعبر عن إرادتها، والموجه لعملها ~~السياسي، والمحقق لأغراضها، والقائد لنضالها، والموحد لجهودها، والمنظر ~~لسلوكها. مهمة الحزب التوجيه والمعارضة أكثر من التنفيذ والتبعية؛ لأنه ~~سلطة معنوية لا سلطة تنفيذية. ويقوم بدور التوعية للجماهير قبل أن يبدأ ~~الممارسة الفعلية بعملية التغيير حتى يمكنه أن يكسبها في صفوفه. وتعني ~~التوعية تغيير البناء النفسي للجماهير، وهو شرط لثورتها على الواقع. ويعتمد ~~الحزب أساسا على الشباب الذي يضفي عليه جدته وخلقه وإبداعه وحركته ~~ونماءه. فكثيرا ما يثقل الفكر والممارسة بطول العمر. ويقوم تربية الأفراد ~~تربية للكوادر التي تتم من خلال الممارسة داخل الجماعة، الحزب. لا تعارض ~~إذن بين البداية بتربية الفرد أو تربية الجماعة. تربية الأفراد تربية ~~للكوادر التي تتم من خلال الممارسة داخل الجماعة، وتغيير الجماعة لا يتم ~~إلا بعمل الكوادر من خلالها. ودور الحزب الأساسي بعد التكوين قيادة الكفاح ~~المسلح؛ فالكفاح المسلح ليس فقط جزءا من البناء الأيديولوجي، بل هو ~~واقع العصر، عصر التحرر من الاستعمار والإقطاع. # 45 # ولفظ «الحزب» وإن كان غريبا على روحنا المعاصرة بعد أن شوهته الأحزاب ~~التقليدية والحديثة، أو بعد أن غاب تماما من وجداننا المعاصر نظرا لقيام ~~السلطة بدوره، فإنه تصور إيجابي عن احتياج الجماهير. وهو لفظ مألوف في ~~تراثنا القديم بمعنى فرقة، وهو مذكور في الوحي مرة بالجمع مما يوحي بتعدد ~~الأحزاب، ومرة مثنى مما يوحي بنظام الحزبين، ومرة مفردا مما يوحي ~~بنظام الحزب الواحد؛ # 46 # فتعدد الأحزاب الذي يقوم على التشتت والاختلاف والتضارب يؤدي ~~بالجماعة إلى التفتت والانهيار، وإلى التناحر والشقاق؛ مما يؤدي إلى ~~الانهيار التام للجماعة وضياع وحدتها وقوتها. # 47 # وينتهي تعدد الأحزاب إلى تفتتها إلى عدة أحزاب، كل منها ~~قائم بذاته، لا يجمعها جامع. # 48 # ولا يعني تعدد الأحزاب بالضرورة ms194 اختلافات فكرية وتعددا في ~~المناهج وتباينا في الأطر النظرية، بل قد تكون متعددة وكلها مجتمعة على ~~الباطل، وكلها يبغي الاستغلال والسيطرة، ويكون الخلاف فقط في قسمة الغنائم ~~والصراع على السلطة. ونظام الحزبين بالضرورة يجعل أحدها ناصرا للحق أكثر ~~من الآخر؛ لأن الحق لا يختلف عليه اثنان. # 49 # وأما الحزب الواحد فهو الحزب الحق المعبر عن الفكر، والمدافع ~~عن مصلحة الجماهير، والحريص عليها، في مقابل حزب مضاد لا يمثل مصلحة ~~الجماهير ولا يعبر عنها. # 50 # يصب التوحيد إذن في معترك السياسة، وتنتهي الوحدة الأولى إلى ~~التفرق والتحزب، ويظهر التوحيد في الصراع السياسي بين الشرعية ~~واللاشرعية. وهنا تبدأ مرحلة أخرى لكتابة التاريخ، تاريخ الانتقال من ~~الوحدة إلى الفرقة، ومن الفرقة الناجية إلى الفرق الضالة. وهو في حقيقة ~~الأمر الصراع بين السلطة والمعارضة، بين الدولة والخصوم، بين السلطان ~~والخارجين عليه. ولما كان السلطان بعد انهيار التاريخ قد اغتصب البيعة، ~~قامت المعارضة لإعادتها عقدا واختيارا. كانت المعارضة الأولى إذن مجرد ~~محاولة لاسترداد الشرعية، ولولا تفتتها وانقسامها وتشرذمها وصراعها فيما ~~بينها على السلطة لأمكن توحيدها والقضاء على السلطة الباغية. ومحاولة ~~للسلطة للدفاع عن نفسها شهرت سلاح التكفير ضد الخصوم، وتوحدت بالفرقة ~~الناجية، واتهمت خصومها بالكفر والضلال. # 51 # | خاتمة: من الفرقة العقائدية إلى الوحدة الوطنية # بعد انهيار الإمامة في التاريخ، وانحدار التاريخ تدريجيا من جيل إلى جيل، ~~وتحول الخلافة إلى ملك عضود، وتناقص الفضل في الأئمة، والابتعاد عن عصر النبوة، ~~وترتيب العلماء في طبقات من الصحابة إلى التابعين إلى تابعي التابعين، يكتب تاريخ ~~علم أصول الدين من هذا المنظور في «تذييل للإمامة» كخاتمة لها أو كأصل مستقل عنها. ~~وإذا كانت الإمامة في التاريخ تسير في خط هابط، من الكمال إلى النقص، ومن الحق ~~إلى الباطل، ومن النجاة إلى الضلال، ومن الوحدة إلى التفرقة، فإن الماضي يحتوي على ~~الحق والصدق أكثر مما يحتويه الحاضر أو المستقبل. ولا يمكن بلوغ هذه الفترة الأولى ~~لأنها فريدة في التاريخ لا تتكرر، والزمان لا يرجع إلى الوراء؛ ومن ثم كان ~~الانهيار ms195 يعبر عن ضرورة تاريخية لا مهرب منها ولا مفر. وينتهي ذلك إلى رفض ~~الحاضر والإقلال من شأنه، بل ومعاداته واليأس منه ورفض تطويره، ثم العيش بالوجدان ~~في عصر ذهبي ماض لا يمكن العودة إليه إلا بالخيال؛ فينتهي الأمر إلى انفصام في ~~الشخصية الوطنية بين واقع مزر، وماض مزدهر، ومستقبل ينازعه الانهيار المستمر ~~أو العودة به إلى الماضي، وكلاهما مستحيل. ينتهي الأمر كله إلى وقوع في ثنائية الحق ~~والباطل، الإسلام والجاهلية؛ مما ينتج عنه التغيير إما بالجمعيات السرية أو ~~الاغتيالات السياسية، أو بتدبير الانقلابات حتى يمكن أن تتحقق العودة إلى الماضي ~~واللحاق بالعصر الذهبي اعتمادا على أنه لا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. # 1 # ولما كان علم أصول الدين قد دون بطريقتين؛ إما كعلم للعقائد، وهي الطريقة التي ~~كتب بها هذا المصنف «من العقيدة إلى الثورة»؛ أو كتاريخ للفرق؛ فقد تحول ~~تاريخ الفرق ابتداء من القرن الرابع إلى موضوع في علم العقائد كتذييل للإمامة أو ~~كملحق لها، كدليل على الانهيار في سورة التشرذم والتفرق والتبعثر، والقضاء على ~~الوحدة الأولى التي كانت في العصر الأول، عصر النبوة والخلافة، قبل أن تتحول ~~الخلافة إلى ملك وإمارة؛ لذلك قد يأتي التذييل التاريخي بعد الإمامة في باب ~~«اللطائف» والطبيعيات لبيان نشوء التفرقة عن وحدة الفكر الأولى. # 2 # وقد يتحول هذا التاريخ إلى إدانة؛ إذ تصدر الفرقة الناجية أحكاما ~~بالكفر على الفرق الضالة الهالكة؛ مما يستبعدها من الجماعة ويحاصرها فيها. فالحكم ~~بالكفر العقائدي إنما يترتب عليه تحديد العلاقات الاجتماعية بالقطيعة بين الفرق ~~الضالة وسائر الأمة. وعلى هذا النحو يصبح تاريخ الفرق جزءا من نسق العقائد كملحق ~~للإمامة، كما أن الإمامة كلها ملحق للتوحيد، وكأن السياسة والتاريخ ملحقان للعقائد ~~ولا يدخلان في جوهرها؛ وبالتالي يمكن استرداد تاريخ الفرق، وهي الطريقة الثانية ~~التي كتبت بها العقائد داخل علم العقائد، الطريقة الأولى؛ وبالتالي يتحول التاريخ ~~إلى بنية، والتطور إلى نسق، وتكتمل مادة العلم بشقيها في بنية واحدة. # 3 # تاريخ الفرق إذن أحد الموضوعات في نسق العقائد، ms196 وهو مسألة الفكر في ~~التاريخ أو تاريخ العقائد أو عقائد التاريخ. ونظرا لأهمية مسار الوحي في التاريخ ~~فقد أتت به إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة في البداية، وليس في النهاية كتذييل أو ~~كملحق للإمامة؛ وبالتالي يكون أدخل في نظرية العلم في المقدمات الأولى أو بديلا ~~عنها. فبدلا من نظرية العلم يؤرخ العلم لذاته، وكيف انتقل التوحيد من وحدة ~~العقيدة إلى فرقة المذهب، وبداية ظهور البدع والمؤامرات في التاريخ، وانقسام الأمة ~~إلى طوائف، وغلو طرفين منها وتوسط طرف ثالث، وبداية الاشتغال بالعلوم بناء على ~~وحدة الدين والعقل، وكأن هذا المسار سنة كونية تكشف عن حكمة إلهية، ثم تعود من ~~جديد في آخر مبحث النبوة في الحديث عن الإسلام كنظام آخر وكمرحلة من مراحل النبوة، ~~ثم انتشار الإسلام في التاريخ؛ مما يدل على ارتباط النبوة بالتاريخ وبالتحقق فيه، ~~بالرغم من ظهور بعض الموضوعات الأخرى مثل أخبار الآحاد والرؤية، والأول يتعلق ~~بنظرية العلم، والثاني بالذات والصفات. يظهر التاريخ إذن في نهاية علم التوحيد ~~ابتداء من النبوة والخلافة والإمامة؛ فالنبوة حركة التاريخ، والخلافة الأولى مثله ~~ونمطه الأول، والإمامة استمراره وبقاؤه. أما الفرق فهي ضياع للتاريخ. # 4 # وقد قامت مصنفات تاريخ الفرق أيضا على التاريخ الموجه بحديث الفرقة ~~الناجية، وهو ليس تاريخا موضوعيا للفرق، بل تاريخ ذاتي خالص من وجهة نظر ~~الفرقة الناجية ومؤرخيها وعقائدها لاتهام الآخرين وتنجية النفس تحت ستار بيان ~~وحدة الأمة الأولى، وضياعها وتشتتها وانتقالها من الوحدة إلى الفرقة؛ مما يوحي ~~بضرورة العودة من الفرقة إلى الوحدة من جديد. ويتم التاريخ الموجه بطريقتين؛ ~~الأولى: محايدة دون نقد، مع أن مجرد تصنيف الفرق إلى غلاة ومتوسطة يتضمن نقدا ~~مبطنا واتهاما غير مباشر، بل إن مجرد تصنيف الفرق هو إحدى وسائل عرضها من وجهة ~~نظر الفرقة الناجية. والثانية: ناقدة على أساس عقائد الفرقة الناجية، وذلك من أجل ~~إرجاع الفرقة إلى الوحدة، والشتات إلى الجمع، حفاظا على وحدة الأمة المتمثلة في ~~وحدة العقيدة. # 5 # وكما كان التفضيل بين الأمم من مستويات التفضيل، فقد ظهرت حضارات الأمم ms197 أيضا ~~ضمن تاريخ الفرق، ابتداء من الحضارة الإسلامية كلها بما في ذلك علوم الأصول ~~وعلوم الفروع؛ إذ تؤرخ بعض المصنفات في تاريخ الفرق لبعض العلوم الإسلامية ~~الأخرى وليس لعلم الكلام وحده، فيضم علماء الكلام في أهل الأصول المختلفة في ~~التوحيد والعدل والوعد والوعيد، وعلماء أصول الفقه في أهل الفروع المختلفين في ~~الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية؛ وبالتالي يدخل علم الكلام في إطار باقي ~~العلوم، ومنها العلوم النقلية. # 6 # فإذا ما حدث تكفير عقائدي في علم الكلام، أي في علم الأصول، فإنه ينتج ~~عنه تكفير شرعي في علم الفقه، أي في علم الفروع. وقد يوضع علم العقائد في إطار ~~أعم من العلوم النقلية داخل الحضارة الإسلامية؛ في إطار علم تاريخ الأديان، إما ~~مباشرة أو عن طريق غير مباشر؛ مباشرة عندما تخصص أجزاء مستقلة للملل ~~والنحل، أو بطريق غير مباشر عندما يضم إلى الكلام في بعض موضوعاته - خاصة ~~العقليات - بعض المقارنات مع أنساق العقائد الأخرى مع نقدها، مثل: رفض أن الله ~~جوهر، ونقد التثليث في إثبات أن الله واحد، ونقد الاتحاد والحلول في إثبات التنزيه، ~~ونقد النصوص الدينية في معرض إثبات مناهج النقل وعلى رأسها التواتر، ونقد اليهودية ~~في معرض إثبات النسخ ونفي اليهود له. كما تم نقد جميع المذاهب الثنوية من مرقونية ~~وديصانية ومجوسية في إثبات وحدانية الله. # 7 # ثم يوضع علم العقائد في دائرة الحضارات. فكما ورث علم العقائد ~~الإسلامية علوم العقائد الأخرى من الديانات المجاورة، كذلك ورثت الحضارة الإسلامية ~~تاريخ الحضارات القديمة لتؤرخ مذاهبها وفرقها. وهنا يدخل تاريخ الحضارة البشرية ~~كله في علم الكلام في أجزاء مستقلة عنه، وفي مقدمتها الحضارتان اليونانية ~~والرومانية، أزهى حضارتين قديمتين. # 8 # قد توضع المقالات غير الإسلامية خارج مصنفات علم التوحيد؛ حتى يظل ~~علم التوحيد نسقا إسلاميا خالصا دون تحوله شيئا فشيئا، ومن دائرة إلى ~~دائرة، إلى معادل للحضارة الإسلامية، أو صورة للحضارات البشرية كلها. # 9 # | أولا: مقدمة: هل يجوز تكفير الفرق؟ # يعتمد تكفير الفرق على حديث «الفرقة الناجية»، # 1 # سواء تم عرضها على نحو ms198 موضوعي محايد أو على نحو ناقد مفند؛ ففي ~~كلتا الحالتين يتم حصر الفرق وجمعها وتصنيفها وتكفيرها طبقا لهذا الحديث. وهو ~~حديث مشكوك في صحته، وليس متواترا، والتواتر هو شرط اليقين في الأدلة السمعية، ~~والاتفاق مع الحس والعقل أحد شروط التواتر. وهل يعقل أن تكون اجتهادات الأمة كلها ~~ضلالا؟ ألا يعارض ذلك القواعد الأصولية من أن للمخطئ أجرا وللمصيب أجران، ومن ~~أنه إذا كان الحق العملي واحدا فإن الحق النظري متعدد؟ إن اختلاف صيغ الحديث في ~~متنه ليدل على عدم صحته؛ إذ يتراوح المتن بين العموم والخصوص، بين الإطلاق ~~والتقييد. فإذا كان المعنى صحيحا في بدايته إطلاقا، فإن تخصيصه وتقييده، سواء في ~~عدد الفرق الهالكة أو في تعيين الفرقة الناجية، يشكك في صحته؛ فالصيغة الكبيرة ~~تشير إلى افتراق اليهود إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة، ~~والمسلمين ثلاثا وسبعين فرقة، وكأن الافتراق سنة الكون، وقانون التطور، ومسار ~~التاريخ! ووجود العدد سبعة في كل الأرقام الثلاثة يكشفه عن رمزية الأعداد في ~~البيئات الدينية الشرقية القديمة، يونانية أو مسيحية أو إسلامية. وهل صحيح ~~تاريخيا افتراق الأمم الثلاثة طبقا لهذه المتوالية الحسابية؟ وهل يطابق هذا ~~الإحصاء الواقع التاريخي؟ وهل هذا الإحصاء للفرق في الماضي، أم في الماضي والحاضر، ~~أم في الماضي والحاضر والمستقبل؟ وهل يمكن إحصاء فرق لم تحدث بعد، بل قد تحدث في ~~المستقبل، أم أنها نبوءة في المستقبل تدل على معجزة للرسول؟ ولماذا تزيد كل أمة ~~فرقة على الأمة السابقة؟ هل يدل ذلك على رقي بدليل الزيادة المطردة، أم على تأخر ~~بدليل أن الفرقة تشتت مضاد للوحدة؟ وفي هذه الحالة الأخيرة يكون اليهود خيرا ~~من النصارى، وكلاهما خيرا من المسلمين؛ لأنها أقل فرقة وتشتتا ولو بفرقة واحدة ~~على الأقل. وقد ينتهي الحديث دون تعيين للفرقة الناجية، ويتوقف عند «إلا واحدة»، ~~ويترك الاستثناء دون تعيين. وهو أقرب إلى العقل والتجربة؛ حتى تظن كل فرقة أنها ~~الناجية فتعمل صالحا؛ لأن اليقين عملي وليس تاريخيا. وكأن الاعتقاد هو الذي ~~يولد اليقين، وكأن كل فرقة تعتقد ms199 أنها ناجية فتعمل صالحا تكون كذلك تاريخيا، ~~وهي المقصودة. وهي كذلك بالفعل، بعملها الصالح، تكون ناجية؛ فالقصد الفعلي هو القصد ~~التاريخي. وقد يتم التعيين للفرقة الناجية، «هي ما أنا عليه أنا وأصحابي»، وذلك ~~بالتأكيد على فرقة تاريخية بعينها، والتأكيد مرتان بلفظ «أنا»، أي الرسول وأصحابه، ~~وهما جماعته التابعون له، جماعة تاريخية معينة هم الصحابة دون غيرهم. وهذا ما ~~يناقض روح الإسلام وسلوكه العملي؛ فكل من يتبع الرسول ويأخذه قدوة فهو مثل ~~صحابته، بدليل أن أهل السنة والحديث في كل عصر حتى يوم الدين. ومع ذلك لم ينفع ~~التحديد التاريخي النظري، وطغى عليه التحديد السلوكي العملي، وادعت كل فرقة أنها ~~الفرقة المقصودة بالنجاة، فهي أحق باتباع الرسول من غيرها، وحدث التقاتل بينهما، ~~فأيهما الفرقة الناجية؟ والجواب أنها أصبحت كلها هالكة بفعل التقاتل وإراقة دم ~~الأخوة؛ لأن القاتل والمقتول في النار. وزيادة في الإيحاء بصدق التعيين يتدخل ~~السائل في صيغة الحديث بعد التعداد الأول، «قيل يا رسول الله: ما هي؟» فالتعيين ~~إنما جاء على طلب خاص وسؤال محدد، وليس مجرد تخصيص للعموم. وكي يحدث التطابق ~~التاريخي بين العدد والواقع التاريخي في الماضي والحاضر فحسب، فقد خلط بين الفرق ~~الكبيرة والفرق الصغيرة، ثم تم تقسيم الكبيرة إلى فرق متعددة صغرى حتى يمكن ~~إكمال العدد ثلاثة وسبعين. فالفرق الكبيرة في الحقيقة ثلاث، والأقل منها في الكبر ~~خمس، فيكون مجموع الفرق الكبرى نسبيا ثمانية. ثم تنقسم الفرق الثلاث الكبرى؛ ~~الأولى إلى عشرين، والثانية إلى اثنتين وعشرين، والثالثة إلى عشرين. وتنقسم اثنتان ~~من الخمسة الأولى إلى خمس فرق، والثانية إلى ثلاث، في حين تبقى الثلاثة الأخرى من ~~الخمس بلا قسمة. # 2 # وهناك فرق متشابهة تم الفصل بينها لضرورة إكمال العدد. # 3 # أما الفرقة الناجية فهي واحدة لا قسمة فيها، مع أن بها عشرات الفرق ~~المتمايزة فيما بينها، وكلها من الفرق الناجية. وقد تدخل بعض الفرق الصغرى مع ~~الفرقة الكبرى. # 4 # كما أن البعض منها متداخل يصعب الفصل بينها. # 5 # وقد تنقسم فرقة صغرى إلى فرق أصغر ms200 حتى يصعب العدد ويضطرب، ولا ~~يعرف هل يصح للفرقة الصغرى عدد أم للفريقات الصغرى فقط. # 6 # وقد ذكرت الفرق دون مراعاة لترتيب تاريخي أو ترتيب من حيث الكبر أو ~~الأهمية، بل يكفي فقط المطابقة للعدد السبعين المذكور. ومن الطبيعي أن تأتي الفرقة ~~الناجية في النهاية، فختامه مسك، وما بعد الضلال إلا الهداية. وبقدر ما يتم ~~التفضيل في الفرق الضالة وتقسيمها إلى فرق، والفرق إلى فرق أصغر، تعرض ~~الفرقة الناجية وحدة واحدة، متحدة متماسكة، وكأنها هي رأي الأمة والجمهور، الأصل ~~والجذع، وما دونها الفروع والشتات. الفرقة الناجية تجمع، والضالة تفرق. الأولى ~~توحد، والثانية تبعثر. وهو حكم قيمة مسبق يقوم بالكشف عن موقف السلطة السياسي ~~تجاه المعارضة، وموقف الدولة تجاه خصومها السياسيين؛ فالسلطة هي الأساس، والمعارضة ~~خروج عليها. والحقيقة أن الفرقة الناجية تكون أيضا من فرق، بل ومن فرق صغيرة ~~عدة، ولا تمثل إجماعا واحدا على رأي واحد، سواء في المسائل النظرية أو في ~~الموضوعات العملية. يجمعها جميعا التسليم بالأمر الواقع والإقرار بالسلطة القائمة. # 7 # وقد استعمل سلاح الألقاب لنصرة الفرقة الناجية، وحصارا للفرق الهالكة، ~~استعملته السلطة ضد فرق المعارضة؛ فالمتكلمون أهل الأهواء، والمعتزلة معطلة مجوس ~~الأمة، والثوار خوارج، والرافضون شيعة أو روافض ... إلخ. وقد استمر هذا التقليد ~~متبعا حتى الآن في اتهام فرق المعارضة بالعمالة والإلحاد والكفر والخروج. وقد ~~أتت معظم التسميات والأوصاف والألقاب من الآخرين، أي من الخصوم، وليس من الفرقة ~~ذاتها موضوع الاتهام؛ فالمعتزلة والشيعة والخوارج، وهي فرق المعارضة الرئيسية ~~الثلاثة، كلها نعوت من الفرقة الناجية، وتوحي كلها بالخروج على النهج القديم ~~والصراط المستقيم؛ فالمعتزلة من الاعتزال من الجماعة، والشيعة من التشيع والخروج ~~على الحياد والموضوعية، والخوارج من الخروج على الإمام ورفض السلطة وإعلان العصيان. # 8 # وتسمي فرق المعارضة الفرقة الناجية بالأموية، وأنصارها ~~بالأمويين؛ أي السلطة. فإن صعب الحصول على اسم متميز يدين ببنائه اللفظي، فإنه ~~يمكن استعمال أسماء أخرى من مضمون الفرقة الهالكة واتجاهها، مثل الباطنية لقولها ~~بالباطن دون الظاهر، أو الحرمية لإباحتها المحرمات، أو السبعية لقولها بالأئمة ms201 ~~السبعة. وقد يشتق الاسم من اللباس، مثل المحمرة للبسهم الحمرة، أو تسميتهم ~~المسلمين حميرا. وقد يشتق الاسم من الأسماء الوثنية التي ينتسبون إليها، مثل ~~البابكية أو المزدكية. فإن استعصى ذلك كله نسبت الفرقة إلى اسم مؤسسها، وكأنها ~~فرقة شخصية تدور حول زعيمها، وليس لها موقف فكري أو اتجاه نظري، وكأن الخلاف بين ~~الفرق هو صراع على السلطة. وما دامت السلطة بيد الدولة فإن خصومها عصاة خارجون ~~على القانون. وقد يستمد الاسم من المكان حتى ترتبط بمنطقة وبلد دون جماعة ~~وأنصار، ودون فكر ورأي. فإذا ما ارتبطت الفرقة باسم الرأي والعقيدة، فإنها في ~~الغالب عقائد ضالة، مثل إنكار القدر والجبر والتشبيه والتأليه. # 9 # وكثيرا ما يتم الاعتماد على بعض الأحاديث المشكوك في صحتها لتأييد ~~التسمية واستعمال سلاح الألقاب، مثل «القدرية مجوس هذه الأمة». وكثير من هذه ~~الأحاديث تشير إلى عقائد ظهرت في وقت متأخر بعد عصر النبي، وقد وضعت من أجل حصار ~~الخصوم السياسيين، وهدم عقائدهم باستعمال الحجج النقلية، سلطة سياسية تعتمد على ~~سلطة دينية. معظمها أحاديث ظنية ضعيفة السند، يعارض متنها العقل والحس والمشاهدة. # 10 # وعلى الضد من ذلك تستعمل ألقاب المدح والثناء لوصف الفرقة الناجية، ~~مثل أهل الحق والإثبات، وكلها في مقابل أهل الأهواء، أهل الزيغ، أهل الضلال، أهل ~~البدع. وينجح سلاح الألقاب في مجتمع يفضل الحق على الباطل، والاستقامة على ~~الاعوجاج، والسنة على الاجتهاد، والتقليد على البدعة، والإثبات على النفي، والجماعة ~~على التفرد؛ فأهل السنة يسيرون على الطريق الرئيسي دون تشعيب أو تفريق، وأهل الحديث ~~يأخذون بالحديث دون تنكر له في مجتمع تحولت فيه سلطة القرآن إلى سلطة الحديث، ~~وتشخصت فيها النبوة في شخص النبي، وتحول الحديث فيه إلى السيرة. وأهل السلف ~~أفضل من الخلف الذين تركوا الصلوات واتبعوا الشهوات. وهم الأصحاب، جمهور الأمة، ~~الجماعة، وليسوا الأعداء أو إحدى فرق الأمة أو أحد شعابها. إذا ما سميت أشعرية ~~فلأن مؤسسها نصير أهل السنة والمدافع عن الحق ضد أهل الأهواء. الفرقة الناجية ~~هي التي بها خلاص الأمة، فرقة الدولة، ms202 وحزب السلطة. ولكن يظل السؤال: ناجية عند ~~من؛ عند الله أو عند السلطان؟ # 11 # وقد يحدث نزاع حول الفرقة التي ينطبق عليها الاسم المذموم «القدرية»، ~~هل هم نفاة القدر أم مثبتوه؛ من ينفي القدرة عن الله ويثبتها للإنسان، أم من ~~يثبتها لله وينفيها عن الإنسان، وذلك في حالة صحة الخبر؟ وبالتالي يستعمل سلاح ~~الألقاب في كل الأوجه وعند جميع الفرق كسلاح وكسلاح مضاد، مع أن فرق المعارضة ~~لها أسماؤها من نفسها، مثل «أصحاب العدل والتوحيد»، ولكن الذي اشتهر هي أسماؤها من ~~الخصوم الذين كتبوا التاريخ ودونوا عقائد الفرق. # 12 # ويتضح سلاح الألقاب أيضا في صياغات العبارات، أي في ألفاظ الحديث؛ ~~فإذا كان الأمر يتعلق بذكر رأي لفرقة ضالة، فإن اللفظ يكون «زعم» أو «ادعى» أو ~~«افترى» أو «كذب». أما إذا كان الرأي للفرقة الناجية، فإن اللفظ يكون «قال» أو ~~«أجمع» أو «اتفق». ويقوم المؤرخ أحيانا باستجلاب اللعنات على صاحب الفرقة الهالكة، ~~أو توعده بالسلطان، أو استعداء الجمهور عليه. ويتجاوز نقد أفكاره إلى الطعن في ~~شخصه وأخلاقه وسيرته، كأن الغرض من مصنفات الفرق هو الدفاع عن مذهب الفرقة ~~الناجية، والتعريض بآراء الخصوم تحت ستار التاريخ. # والحقيقة أن التكفير سلاح سياسي ضد الخصوم تحت ستار العقائد، سلاح متبادل بين ~~السلطة والمعارضة، بل وسلاح متبادل بين فرق المعارضة بعضها ضد البعض الآخر؛ مما ~~يسبب في تبعثرها وتشتتها وتفرقها، فتضعف أمام السلطة الواحدة. وكما يصل تكفير ~~الفرقة الناجية إلى حد تكفير كل فرق المعارضة، فإن إحدى فرق المعارضة في المقابل ~~تكفر كل من لابس السلطان، أو اتصل به، أو زايد في الإيمان. # 13 # وماذا يبقى من فرق الأمة لو كفر الجميع؛ لو كفرت الفرقة الناجية ~~الفرق الهالكة ضد الخصوم تحت ستار المعتقدات والمزايدة في الإيمان تملقا للعامة ~~ودفاعا عن السلطان؟ بل إن العقائد ذاتها هي أيضا سلاح نظري عند كل فرقة تدافع ~~به عن مواقفها الاجتماعية والسياسية. لا يوجد إذن تكفير نظري أو عملي، بل يوجد ~~تباين في المواقف السياسية، وبالتالي اختلاف في الأطر ms203 النظرية. فإذا ما تم إرجاع ~~«الإلهيات» إلى «الإنسانيات»، وبالتالي العودة إلى التجارب الإنسانية الأولى التي ~~منها نشأت الإلهيات، ينتهي سبب التكفير؛ فقد كان في أحسن الأحوال وبفعل الفقهاء ~~حكما شرعا على صور فنية ونظريات دفاعية أو هجومية لها تأويلها في التجارب ~~الإنسانية، وليس بناء على أحكام عقلية أو شرعية. وإذا ما تم الاتفاق على حد ~~أدنى من المواقف السياسية والاجتماعية، ودون الوقوع في المزايدة الإيمانية أو تبعية ~~للسلطات السياسية، فإنه يمكن نزع سلاح التكفير، والسماح باختلاف الأطر النظرية على ~~أساس أنها اجتهادات نظرية في مواقف اجتماعية مختلفة. وتظل كلها شرعية في إطار ~~الوحدة الوطنية لأمة واحدة. # | ثانيا: هل هناك تكفير عقائدي نظري؟ # كان تكفير الفرقة الناجية للفرقة الضالة الهالكة تكفيرا عقائديا نظريا ~~بالأساس قبل أن يكون تكفيرا عمليا، إخفاء للمواقف العملية، وإبرازا للعقائد ~~النظرية؛ تملقا للعامة ودفاعا عن السلطان. فهل يتم التكفير طبقا للآراء ~~النظرية أم للأفعال؟ إن الآراء النظرية ما دام لا ينتج عنها فعل فإنها تظل خارج ~~نطاق التكفير، بل إن تعريف الفرقة الناجية للأمة هو كل من نطق بالشهادتين؛ فالإيمان ~~قول قبل أن يكون نظرا أو تصديقا أو فعلا. فكيف يتم التكفير النظري والنظر ليس ~~من الإيمان عند الفرقة الناجية؟ وكيف يتم التكفير في أصلي التوحيد والعدل؟ هل يكفر ~~أحد في التوحيد والعدل؟ لماذا يكفر من يرى أن هناك ذاتا لها صفات وأن هناك إنسانا ~~حرا عاقلا ومسئولا؟ ولماذا تكفر باقي الأصول الخمسة، الوعد والوعيد والمنزلة ~~بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وإذا اتفقت فرق المعارضة ~~الرئيسية الثلاث على أصلي التوحيد والعدل، فإن ذلك يعني التكفير النظري لها جميعا. # 1 # والحقيقة أن الفرق إنما نشأت أولا بسبب موضوعات عملية، وفي مواقف ~~عملية، وبناء على اختلافات عملية وليست نظرية؛ فقد نشأ صراع حول السلطة وحول ~~الشرعية، حول البيعة والعقد، ثم تحول هذا الخلاف إلى مسألة نظرية في الإيمان ~~والكفر، والطاعة والعصيان. كانت المسألة إذن عملية في إطار نظري مثل مرتكب الكبيرة ~~أو التحكيم، ثم أخذت بعد ذلك ms204 طابعا في مسألتي الأسماء والأحكام وفي الإمامة، ثم ~~انتقل العرض النظري لها إلى عرض نظري آخر على مستوى الأصول العقلية في التوحيد ~~والعدل. كان الخلاف إذن حول الموضوعين الأخيرين في السمعيات، ثم انتقل بعد ذلك إلى ~~العقليات؛ أي نظرية الذات والصفات والأفعال التي هي أساس أصلي التوحيد والعدل. لم ~~يكن الخلاف حول النبوة والمعاد، أي حول التاريخ، في الماضي وفي المستقبل، بل كان ~~حول الحاضر، الفرد والجماعة، العمل والدولة، ثم امتد الخلاف بعد ذلك طابعا ~~نظريا في مسألتي الأسماء والأحكام وفي الإمامة، ثم انتقال وكأنها موضوعات ~~مستقلة بعيدة عن نشأتها العملية. ولما كان نسق العقائد يقوم على مقدمتين نظريتين، ~~نظرية العلم ونظرية الوجود، وعلى قسمين رئيسيين؛ الأول عن الإلهيات، وهي ~~الإنسانيات؛ الوعي الخالص (الذات) والوعي المتعين (الصفات)، وهو الإنسان الكامل، ~~ثم خلق الأفعال والعقل الغائي، وهو الإنسان المتعين؛ والثاني عن السمعيات أو ~~النبوات، وهو التاريخ، تاريخ الوحي (النبوة) ومستقبل البشرية (المعاد)، وهو التاريخ ~~العام، ثم النظر والعمل (الأسماء والأحكام) ثم الحكم والثورة (الإمامة)، وهو ~~التاريخ المتعين وتذييلها عن انهيار التاريخ (تكفير الفرق)؛ فإن التكفير العقائدي ~~ينصب على كل موضوع على حدة. ~~(1) هل هناك تكفير في المقدمات النظرية؟ # يبدأ علم أصول الدين بمقدمات نظرية أولى، نظرية العلم إجابة على سؤال «كيف ~~أعلم»، ونظرية الوجود إجابة على سؤال «ماذا أعلم». والسؤال عن الذات العارفة ~~يسبق السؤال عن موضوع المعرفة، وهي موضوعات نظرية صرفة تنبع من طبيعة الذهن، ~~ولا يكاد يختلف عليها عاقلان. ومع ذلك كفرت فيها الفرقة الناجية الفرق ~~الضالة. ~~(1-1) نظرية العلم # إن الموضوعات التي تكفر فيها الفرقة الناجية الفرق الهالكة فيما يتعلق ~~بنظرية العلم في حقيقة الأمر ليست عقائد، بل هي مجرد نظريات في العلم أو ~~طرق في النظر والاستدلال يختلف فيها النظار دون أن يكفر بعضهم أو كلهم. ~~فإذا كان من ضمن نظرية العلم قسمة المعرفة إلى ضرورية واستدلالية، فإن ~~التركيز على المعارف الضرورية، واعتبار أن كل المعارف ضرورية، حتى إن ~~الكسبية منها تكون ضرورية كذلك ويقوم على ضروري، ms205 ليس كفرا، بل تثبيت ~~للمعارف واعتبارها مغروزة في النفس؛ وبالتالي تحول نسق العقائد كله إلى ~~معارف فطرية غير مكتسبة، تأتي من طبيعة النفس وليس من الخارج، وهو ما ~~يجعل الإيمان واجبا عقليا. # 2 # وما الحكمة في التركيز على المعارف المكتسبة؟ هل السبب في ذلك ~~الرغبة في تلقين الناس نسقا للعقائد يعارض الفطرة ويأمر بالخضوع للسلطان ~~والتسليم لأولي الأمر؟ ولكن ذلك سلاح ذو حدين؛ إذ يمكن أيضا رفض ما ~~تلقنه السلطتان السياسية والدينية للناس ما دامت معارفهما مكتسبة، وتوجيه ~~المعارف الفطرية، مثل الثورة على الظلم والخروج على الإمام الجائر، ضد ~~المعارف المكتسبة. وفي النهاية، الضروري أقوى من المكتسب، وأرسخ منه في ~~النفس، وأقوى منه كباعث ومقصد. ولماذا يكفر القول بأن المعرفة تتولد من النظر؟ # 3 # أليس هذا هو الخلق والإبداع؟ ومم تأتي المعرفة إن لم تتولد ~~من النظر؛ أي من طبيعة العقل ومن التركيز على المعارف الضرورية؟ يبدو أن ~~الباعث أيضا هو إبعاد الذهن عن التفكير، وجعله مجرد حصيلة لمعارف خارجة ~~تأتي من السلطتين الدينية والسياسية، وهما بيدهما توجيه المعرفة ووسائل ~~التلقين. ولماذا يكفر القول بأن المعرفة واجبة بالعقل قبل الشرع؟ # 4 # أليس ذلك احتراما لعقل الإنسان وتأسيسا للشرع على العقل؟ ~~ولماذا جعل العقل خاويا من أية معارف، وأن المعرفة لا تجب إلا بالشرع؟ ~~فإذا كان المتحدث باسم الشرع هو السلطة السياسية، وهو في الوقت نفسه ~~السلطة الدينية، لزم على الإنسان طاعة أولي الأمر دون إعمال للعقل. ~~ولماذا يكفر القول بأن التواتر لا يحتمل الكذب، وأن الإجماع والقياس ليسا بحجة؟ # 5 # وما العيب في جعل التواتر يفيد الصدق ولا يحتمل الكذب؟ هل ~~القصد من ذلك الطعن في التواتر وتجويز الكذب عليه بحجة الإجماع أو القياس؟ ~~وإذا كان الإجماع يحدث من فقهاء السلطان وليس من علماء الأمة، فإنه لا يكون ~~مصدرا للعلم. وإذا كان القياس أيضا إنما يقع لتبرير حكم السلطان الجائر، ~~فإنه لا يكون حجة. إن الدفاع عن الإجماع والقياس في مواجهة النص المتواتر ~~ترجيح للسلطة البشرية على سلطة النص؛ وبالتالي ms206 احتكار التأويل. إن الإجماع ~~يتغير من عصر إلى عصر، والإجماع السابق لا يلزم الإجماع اللاحق. والقياس في ~~نهاية الأمر اجتهاد فرد واحد، مجرد رأي وظن. وإذا كان الحال كذلك فيقين ~~التواتر أولى. فهل هذا ضلال يستحق التكفير؟ وما العيب في التشدد في ~~الروايات وقد تطايرت الرقاب اعتمادا على روايات تروجها السلطة ضد الخصوم؟ # 6 # وإن تحديد عدد الرواة بعشرين، وأن يكون من بينهم من لا يتطرق ~~إليه الكذب مثل واحد من المبشرين بالجنة، لا يستدعي التكفير، وإنما ~~يستوجب نقد شروط يصعب تحقيقها. والحقيقة أن تكفير هذه الاتجاهات في نظرية ~~العلم إنما يتعارض مع نظرية العلم لدى الفرقة الناجية ذاتها؛ مما يدل على ~~أن للتكفير هدف إبعاد الخصوم السياسيين، ولكنه تحت ستار العقائد وباسمها؛ ~~فالأدلة النقلية دون أدلة عقلية ظنية؛ # 7 # وبالتالي لا استحالة في القول بالمعارف الضرورية، أو توليد ~~المعارف بالنظر، أو وجوبها قبل الشرع؛ بل إن بدايات نظرية العلم كنظرية في ~~المنطق، في التصورات والتصديقات، وفي أنواع الحقائق بسيطة أو مركبة، وأنواع ~~التعريفات بالمثل أو بالمشابهة أو باللفظ، إنما يعتمد على تحليل العقل ~~الخالص، وأن اللفظ نفسه تكون دلالته واضحة وظاهرة على المقصود. # 8 # وإن إنكار المعارف الفطرية والواجبات العقلية لهو اتفاق مع ~~بعض نظريات العلم عند فرق المعارضة؛ مما يدل على أن الغاية من التكفير ليس ~~الخلاف حول العقائد بقدر ما هو استبعاد الخصوم السياسيين. # 9 ~~(1-2) نظرية الوجود # وكما كفرت الفرقة الناجية الفرق الضالة في بعض آرائها في نظرية العلم، ~~كذلك كفرتها في بعض آرائها في نظرية الوجود في بحث الجواهر والأعراض. فما ~~العيب في اعتبار الأعراض أجساما، وأن يكون الجوهر مؤلفا من أعراض؟ # 10 # أليس هذا ما يعرفه الجميع، وما يتفق مع الموروث الفلسفي العام، ~~بل ومع إيمان العوام؟ هل بالضرورة لا بد أن تكون الأعراض مجرد صفات، وأن ~~يكون الجوهر وحده هو الجسم؟ إن تصور علاقة الجوهر والعرض على أنها علاقة ~~مركز محيط، يكون أقرب إلى تحقيق أهداف السلطة في تصور العلاقة بين ~~الحاكم والمحكوم؛ ms207 وبالتالي يكون كل تصور مخالف يعطي العرض بعض ~~الاستقلال عن الجوهر، أو يكون مشاركا له في صفة مثل الجسمية؛ يكون ~~كفرا! وإن بعض نظريات الفرق الضالة إنما تشابه نظريات الفرقة الناجية، ~~مثل جواز خلو الجوهر عن الأعراض، وجواز قيام العلم والقدرة والإرادة والسمع ~~والبصر بالميت، ولكن بهدفين مختلفين؛ # 11 # عند المعارضة جواز وجود الحاكم من غير محكوم، وضرورة وجود ~~مظاهر الحياة الحسية؛ وعند السلطة لأن الله قادر على كل شيء، حتى على فعل ~~المتناقضات، فلا يصمد أمامه قانون عقل أو طبيعة. أما اعتبار المعدوم ~~شيئا، وبالتالي يكون له جوهر وعرض، فربما للتأكيد على وجود العدم، بل نفيه ~~وإنكاره، وحتى يصمد العدم كطرف مقابل للوجود، وحتى يتساوى الطرفان، ولا ~~يكون الوجود إيجابا والعدم سلبا مطلقا. # 12 # وما المانع من دراسة الأفعال الإنسانية دراسة طبيعية من خلال ~~مفهومي الجوهر والأعراض؛ وبالتالي تتساوى الأعراض فيما بينها كأعراض ~~لجوهر واحد وإن لم تتساو من حيث الحكم النظري؟ فالإيمان علم، والجهل كفر، ~~وكلاهما أعراض للفعل أو للنظر من حيث هو جوهر. والأهم من ذلك كله هو تكفير ~~نظريات الكمون والطفرة والخلق المستمر والتقدم والتأخر والظهور في الطبيعة. # 13 # ما العيب في أن يكون الخلق قد تم دفعة واحدة، ثم يستمر الخلق ~~من تلقاء نفسه، فتظهر الصفات الكامنة فيه؟ وما الحاجة إلى الخلق المتقطع ~~من الخارج، كل شيء في حاجة إلى خلق؟ ولماذا يكون الخلق المستمر نظرية ~~هالكة، والخلق المتقطع نظرية ناجية؟ وأيهما أكثر تنزيها لله، ورعاية ~~لمصالح العباد، وأكثر اتفاقا مع العقل والعلم؟ وما العيب في الطفرة التي ~~تشير إلى الخلق الإلهي في الطبيعة، وتجعل الكيف مخترقا للكم، وتضع ~~الحرية ليس في الإنسان فقط بل في الطبيعة كذلك؟ وما الكفر في القول بأن ~~الجنة والنار لم تخلقا بعد طالما أنه لا توجد حاجة الآن لهما، أو أنهما ~~كامنان في الوجود وسيظهران بالخلق المستمر ؟ وما الكفر في القول بأن الله ~~خلق الأجسام، ثم تظهر الأعراض في الأجسام بعد كونها فيها بفعل الخلق ~~المستمر؟ هل كل فعل ms208 لا بد وأن يأتي من الخارج وليس من الداخل، وكأن كل ما ~~يحدث في الكون إنما يقع بفعل إرادة خارجية، وليس بفعل إرادة ذاتية؟ وما ~~المانع أن تجذب النار أهلها بنفسها دون أن يدفعهم أحد فيها، وكأن كل شيء ~~يتحرك بطبيعته نحو غايته؛ فغاية النار إحراق من يستحقها، ونهاية من يستحقها ~~الوقوع في النار؟ ولماذا تكون نظرية الجزء الذي لا يتجزأ التي رفضها ~~الفقهاء هي النظرية الناجية، في حين تكون نظريات الطفرة والكمون والظهور هي ~~النظريات الهالكة؟ إن القول بالطفرة والكمون والظهور ما هو إلا رد فعل على ~~القول بالجزء الذي لا يتجزأ، ورد الاعتبار الكيفي الحيوي للطبيعة بعد ~~سقوطها في التصور الكمي الآلي. إن المذهب الطبيعي الذي يظنه الناس دعامة ~~الإلحاد القائم على العلم الطبيعي هو عند الطبائعيين أنفسهم دفاع عن ~~التوحيد ضد المشبهة والمجسمة، وإبقاء على الحسنيين معا، الدنيا ~~والآخرة، العلم والدين، الطبيعة والله، دون التضحية بأحدهما من أجل إثبات ~~وحدانية الآخر. وإن اتهام مذهب الطبائع بالإلحاد لهو حكم من السلطتين ~~السياسية والدينية قائم على تصور وحدانية الله بمعنى وحدانية الحاكم، ~~وإنكار استقلال الطبيعة والإرادة الذاتية للشعوب. # 14 # إن الخلق من عدم الذي يظنه الناس تعبيرا عن الإيمان هو في الحقيقة ~~إفراز السلطتين السياسية والدينية للتعبير عن المزايدة في الإيمان، ~~والتملق لشعور العامة، وإيقاع لها في السحر بهدف إثارة الإعجاب وسحر اللب ~~والخيال؛ وبالتالي فإن عقيدة الفرقة الناجية ليست بأقرب إلى الإيمان من ~~عقائد الفرق الضالة. إن الرغبة في التعظيم والمغالاة لتؤدي إلى عكس ~~المقصود؛ فمثلا جواز الاقتصار على خلق السموات مغالاة في التعظيم؛ لأن ~~الإرادة المشخصة قادرة على كل شيء، ولكنه إنكار في الوقت نفسه للعناية ~~واصطدام بالحكمة، وهما من صفات الذات المشخصة كالإرادة تماما، بالإضافة ~~إلى أنه رفض لتكوين العلم وبنائه وتدمير للحياة فيه، وكأن الحياة كان يمكن ~~أن تكون على غير ما هي عليه ، وافتراض عالم آخر ممكن مخالف لهذا العالم ~~الواقع، واستبدال التمني بما هو موجود بالفعل، وإنكار لواقعية العالم، ~~وافتراض عالم آخر لا ms209 وجود له إلا تعبيرا عن قدرة مشخص يغالي في تعظيمها ~~إلى حد تدمير كل ما سواها. وإن افتراض وجود أجسام لا ترى لا من حيث الوجود ~~ذاته، بل من حيث إمكان رؤيته، هو افتراض وجود علم خارج نطاق المعرفة ~~الإنسانية. وإن افتراض عالم متوهم هو هدم وإنكار لعالم الواقع. وإذا قويت ~~الرؤية بوسيلة ما، وإذا استطاعت العين أن تمد بصرها من الداخل أو من ~~الخارج، فيمكنها أن ترى الأجسام. يمكن رؤية باطن الأجسام الشفافة بنفاذ ~~الشعاع، كما يمكن رؤية باطن الأجسام المعتمة باستعمال المناظر المكبرة. ~~الرؤية ممكنة ما دامت الأجسام موجودة، فإذا لم توجد الأجسام تستحيل ~~الرؤية. وإذا وجدت عين تتوافر فيها شروط الرؤية تكون الرؤية ممكنة. # 15 # إن الخلق له معان كثيرة، وليس أحدها بأولى من الآخر أو أكثر ~~منه. كلها تصورات طبقا لمدى الإحساس بالتنزيه، ولاستقلال الطبيعة، ~~وإثبات الحرية الإنسانية. فقد يعني الخلق التقدير المسبق ونشأة الكون كله ~~بناء على قدر سابق. حينئذ تتم التضحية بالحرية الإنسانية التي لا تخضع ~~لأي قدر مسبق، بل تعبر عن الإمكانيات البشرية الخالصة. الخلق بهذا المعنى ~~قضاء على فعل الإنسان وفعل الطبيعة معا، ويوحي بأن هذا العالم لا يفعل ~~فيه إلا من هو أقوى منه، وأن الإنسان لا يستطيع أمامه شيئا. يقف عاجزا لا ~~يفعل إلا ما قد قرره القدر المسبق، وفي الوقت نفسه لا ينشأ العلم الذي ~~يهدف إلى السيطرة على الطبيعة ما دامت خارج كل سيطرة إنسانية. # 16 # وقد يعني الخلق إثبات قدرة قديمة أمام كسب الإنسان بقدرة ~~حادثة من أجل إنقاذ الحرية الإنسانية داخل تصور عام للخلق. وهذا إرجاع ~~للخلق إلى مشكلة القدرة بين القدم والحدوث. # 17 # وقد يعني الخلق إثبات قدرة مطلقة مسيطرة على الطبيعة، ~~والقضاء التام على استقلال ظواهرها، وسلب أية قوة كامنة فيها، في طبائع ~~الأجسام، وأن إثبات الله فاعلا للطبيعة ومجعلا لها قضاء عليها وعلى استقلالها. # 18 # وقد يعني الخلق الفعل لا بآلة. # 19 # وهنا يتميز الخلق الإلهي عن الخلق الإنساني الذي يحتاج إلى آلة ms210 ~~الخلق، وجود من وجود بلا توسط آلة، وإلا كان صنعا. ولكن يظل التصور ~~الإنساني هو أساس التصور الإلهي للخلق عن طريق القلب. وقد يتحول الخلق إلى ~~تجسيم مادي مشخص بتحول الخالق إلى صانع، والمخلوق إلى مصنوع. # 20 # ولا يفترق تصور الفرقة الناجية عن أي تصور ثنائي للعالم ~~وقسمته إلى قديم ومحدث؛ فهي قسمة مادية. القديم لا مادة، والمحدث ~~مادة. والقسمة تتحدد على أساس مادي. ويسهل أن يتحول التصور إلى تجسيم ~~خالص حتى يكون أكثر اتساقا بدل التجسيم المقنع، وهو القول بالقديم الذي ~~يتحدد بنفي المادة الحادثة عنه. ومن أجل رد اعتبار المادة، والتي جعلها ~~الخلق سالبة محضة حين سلب عنها كل قوة، فقد تحولت إلى مادة خالقة ~~تشارك الذات المشخصة في فعل الخلق. # 21 # كما أن هناك تصورات عديدة لكيفية حدوث الخلق، ليس أحدها ~~بأولى من الآخر. هناك الخلق من عدم بفعل الإرادة وبأمر «كن»، وهو خلق ~~للشيء من لا شيء. # 22 # وقد يحدث الخلق لا بالإرادة وحدها، بل بالإرادة والحركة. فلا ~~تحدث الإرادة والذات ثابتة، بل تتحرك الذات كلها، والحركة هي الإرادة. # 23 # وقد يحدث الخلق في الذات المشخصة نفسها، فالذات المشخصة محل ~~للحوادث. ولا يحدث الخلق بالإرادة بل بالقول. وكما أن الذات المشخصة باقية، ~~كذلك لا تعدم الحوادث ولا تخلو منه الأجسام. وقد نشأ هذا التصور كرد فعل ~~للتصور الأول الذي يجعل الله خارج العالم ومنفصلا عنه. # 24 # وقد يحدث الخلق على درجات كما هو معروف عند الحكماء في نظرية ~~الفيض، وتكون بدايته أشرف نقطة، ثم تقل مراتب الشرف كلما هبطنا حتى نصل ~~إلى أقل الدرجات. قد تكون البداية جسما في التجسيم، وقد لا تكون جسما في ~~التنزيه، أو قد تكون أسطورة قائمة على التفسير الحرفي للنصوص. # 25 # وتتنوع تصورات الخلق إلى درجة نفي الذات المشخصة كلية، ولا ~~يهم بعد ذلك أن يكون قدم العالم حسيا ماديا أو معنويا صوريا من ~~حيث الإمكانية. # 26 # كل هذه تصورات للخلق ليس أحدها بأولى من الآخر، وكلها تمثل ~~ردود أفعال على ms211 بعضها البعض، بما في ذلك تصورات الفرقة الناجية التي كانت ~~السبب في حدوث تصورات بديلة عند الفرق الهالكة. لا يكون أحدها أصوب من ~~الآخر، أو أحق بالإيمان وأبعد عن الضلال. وهناك أسئلة نظرية خالصة ناتجة ~~عن التوتر بين التنزيه والتشبيه لا يمكن تكفير أحد فيها؛ فهي كلها آراء ~~نظرية طبقا لدرجة قرب الفكر من التنزيه أو من التشبيه. فإذا كان السؤال: ~~هل خلق الشيء هو الشيء أم غيره؟ فإن جعل الخلق غير الشيء يركز على جانب ~~الفاعل والإرادة، أي من جانب الخالق، في حين أن التوحيد بين الخلق والشيء ~~يجعل الخلق من جانب المخلوق. الرأي الأول يجعل أهم عامل في الخلق هو الفعل ~~الإرادي أو العلة الفاعلة، في حين يركز الرأي الثاني على العلة المادية. ~~التصور الأول يضع تمايزا بين الذات والموضوع، بين الأنا والآخر، في حين أن ~~الثاني يوحد بين الذات والموضوع، بين الأنا والآخر. تتصل الإلهيات ~~بالطبيعيات في الخلق؛ فعندما تطغى الإلهيات الخلق هو الشيء أو يكون الشيء ~~بلا صفة. في التصور الإلهي يطلق للإرادة الحرية في أن تخلق إلى ما لا ~~نهاية، في حين أنه في التصور الطبيعي تتحدد الإرادة بأفعالها وبخلقها المتناهي. # 27 # والتصور الطبيعي يقضي على التشخيص، ويرى الخلق في الشيء، ~~والإرادة في الطبيعة، والحياة في المادة، وهو أساس نشأة العلم. والحقيقة أن ~~ذلك ليس تفكيرا في الخلق باعتباره صفة إلهية، بل في الخلق باعتباره ~~عملية إنسانية؛ ثم يحدث التمايز بين الإنسان والله بحجة الأولى أو ~~المفارقة. فإذا كان الخلق هو المخلوق في الإنسان، فإن الخلق يكون مخالفا ~~للمخلوق في الله. وقد يحدث تمايز بين أفعال الخلق، فيكون الخلق هو المخلوق ~~في البداية، ولكن الإعادة غير المعاد في النهاية إثباتا لتطور الخلق ~~وتغايره. فإذا كان الخلق صفة فإنه يصعب بعد ذلك معرفة هل هي صفة للخالق أم ~~صفة للمخلوق، مجرد محاولة للخروج من إشكال قديم عن طريق إلغائه. # 28 # وتستمر الإشكالات العقلية في كل تصور دون حل، خاصة في ~~التصور الثنائي الأول. فإذا كان الخلق ms212 غير المخلوق، فهل يكون الخلق ~~مخلوقا؟ وهنا يكتمل التصور الثنائي بتصور أحادي، فيكون الخلق مخلوقا ~~هروبا من قدم العالم. فكل تصور مكمل للآخر، التغاير والتماثل، ~~الاختلاف والاتفاق. ويدخل بعد الحقيقة والمجاز في التصورات؛ مما يدل على ~~أنها جميعا صيغ إنشائية، وليست أحكاما على واقع، وإنما جميعا تقوم على ~~قياس الغائب على الشاهد. # 29 # والعجيب أن الفرقة الناجية اختارت تصورا دون آخر على أنه ~~التصور الحق، وهو أن خلق الشيء هو المخلوق اعتمادا على عدم جواز وجود ~~واسطة بين الخالق والمخلوق؛ وبالتالي تكون أقرب إلى التصور الأحادي ~~الطبيعي. وفي هذه الحالة لا يجوز تكفير المشبهة والمجسمة. # 30 # وكما لا يجوز تكفير أحد التصورين الإلهي والطبيعي، فإنه لا ~~يجوز أيضا تكفير التصور الإنساني؛ فالخلق صفة إنسانية خالصة، بل إنها ~~أولى صفات الإنسان، وأخص ما يميزه وما يعبر عن حريته. يبدو ذلك عند ~~الفنان الخالق المبدع. ولكن الإنسان نظرا لاغترابه عن العالم وعجزه عن ~~الدخول فيه، نسب إلى الذات المشخصة أفضل ما لديه، وتعبد صفة الخلق بدلا ~~من ممارسته. أما العالم فإنه ينشأ في الشعور لحظة الوعي به؛ فقد لا يكون ~~العالم موجودا على الإطلاق عندما يكون خارج الشعور، وقد يكون موجودا في ~~إنسان لأنه نشأ في شعوره، وغير موجود بالنسبة إلى إنسان آخر لم يعه بعد. ~~ليست النشأة إذن مادية كونية، فذاك موضوع علم نشأة الكون، بل نشأته في ~~الشعور. السؤال عن النشأة الكونية نظرة مادية خالصة، في حين أن النشأة ~~الشعورية نظرة إنسانية مثالية. الأولى ادعاء وغرور، والثانية تصف الواقع ~~على ما هو عليه. ~~(2) هل هناك تكفير في العقليات (الإلهيات)؟ # تبدأ العقليات في علم العقائد بالأدلة على وجود الوعي الخالص (الله)، ثم ~~بوصفه بأوصاف ستة ثم بصفات سبع، فهل هناك تكفير فيها؟ هل هناك رأي واحد صائب ~~ناج بينما تكون الآراء كلها ضالة هالكة؟ فإذا كانت الأدلة كلها تبدأ من ~~العالم، ومن تحليل الطبيعة ابتداء من نظرية الجوهر والأعراض، فما وجه الكفر في ~~القول بأن الأعراض لا تدل على الباري؛ إذ ms213 كيف يدل الأدنى على الأعلى؟ وكيف ~~تستعمل الأعراض للدلالة على الأجسام؟ وكيف تستعمل الطبيعيات كمقدمة للإلهيات؛ ~~وبالتالي ربط الثوابت بالمتغيرات؟ بل إن رأي الفرقة الناجية بالإجماع على حدوث ~~العالم ووجود الباري فيه تدمير للعالم لإثبات الله، وكأن الأعلى لا يثبت إلا ~~بعد فناء الأدنى. وإذا كان النظر الصحيح هو المفضي إلى العلم بحدث العالم، ~~فالعلم بحدث العالم ما هو إلا مقدمة لإثبات القديم؛ أي إنه النظر المفضي إلى ~~الإلهيات عن طريق إثبات حدث العالم. # 31 # وهل يمكن البدء بالطبيعة والانتهاء منها إلى ماهيتها عن طريق ~~الذهاب من الدليل إلى المدلول، ومن الآية إلى معناها؟ يتضمن العقل أوليات أو ~~مقدمات هي التي تؤدي إلى التوحيد؛ فعلم التوحيد يقوم أساسا على نظرية في أوائل ~~العقول وبداهاته. ليس التوحيد تشخيصا أو تجسيما أو تشبيها، بل هو بناء عقلي ~~يقوم على مجموعة من المسلمات البديهية. التوحيد مجموعة من الحقائق الأولية ~~تنشأ من طبيعة العقل، أو هو بناء أولي للعقل. # 32 # ولكن هل يفضي الإثبات بالدليل إلى إثبات المدلول أو إلى إثبات العلم ~~بالمدلول؟ هل يؤدي الدليل على حدث العالم إلى حدث العلم نفسه أو إلى العلم بحدث ~~العالم؟ ما دام الأمر متعلقا بنظرية العلم، فالدليل يؤدي إلى المدلول من حيث ~~هو علم لا من حيث هو واقع؛ ومن ثم لا ينقسم المدلول إلى وجود وعدم أو قدم ~~وحدوث، ولا يمكن أن تتحول نظرية العلم إلى نظرية وجود. وتكون تقسيمات الوجود هي ~~تقسيمات العلم؛ أي أحكام عقلية على المعلوم. # 33 # والانتقال من الدليل العقلي إلى المدلول الواقعي يقوم على حكم ~~مسبق، وهو تطابق عالم الأذهان مع عالم الأعيان، وهو حكم منطقي يقوم على ~~افتراض ميتافيزيقي، وهو الدليل الأنطولوجي. وهو ما يتطلب الاقتضاء والتوليد، ~~توليد النظر للعلم، واقتضاء الذات الموضوع. # 34 # إن تكفير الفرق الهالكة لإنكارها وجود الله لم يؤد بالفرقة ~~الناجية إلى إثباته نظرا لتغاير العلم والمعلوم، واختلاف الدليل والمدلول؛ ~~فالإنكار هنا أكثر صراحة من وهم الإثبات. وإن ارتباط الدليل بالمستدل يجعل ~~إثبات وجود الله ms214 أو إنكاره مشروط أولا بوجود الناظر؛ وبالتالي يأتي ثبوت وجوده ~~أولا قبل إثبات وجود موجود آخر. المعرفة سابقة على الوجود، والذات العارفة ~~سابقة على موضوع المعرفة؛ لذلك أتت نظرية العلم سابقة على نظرية الوجود. ولا ~~سبيل إلى التطابق بينهما إلا تدريجيا بتحقيق الوعي الخالص في الوعي المتعين، ~~وتحقيق الوعي المتعين في حرية الأفعال والعقل الغائي، ثم تحقيق التاريخ العام ~~في التاريخ المتعين، وتحقيق التاريخ المتعين في الفرد والدولة، في فعل الفرد ~~وفعل الجماعة، وباختصار عن طريق تحقيق الإنسان في التاريخ. ~~(2-1) الوعي الخالص (الذات) # ولماذا يكون القول بأصلي التوحيد والعدل هوى وضلالا، ويكون القائلون ~~بهما في النار؟ أليس التوحيد هو التنزيه، والعدل هو الحرية والعقل والغائية ~~والصلاح والاستحقاق؟ وما العيب في نفي الصفات لو كان ذلك هو شرط إثبات ~~التنزيه واتقاء مخاطر التشبيه؟ وما العيب في إثبات الصفة تكون هي عين ~~الذات لدرء تهمة النفي والتعطيل، واقترابا من الرأي الآخر دون الوقوع في ~~محاذيره؟ وهل إثبات الصفات مع مخاطر التشبيه أولى بالإيمان وأبعد عن الكفر ~~من نفي الصفات مع إثبات التنزيه؟ ولماذا يكفر القول بأن الصفات أحوال لا ~~قديمة ولا حادثة، لا معلومة ولا مجهولة، وضعا للسؤال من جديد، وإيجادا ~~لحل وسط بين الإثبات والنفي، وتحويل المسألة كلها من المستوى الطبيعي في ~~الجوهر والأعراض إلى المستوى النفسي للذات والأحوال؟ فإذا كان الله لا يوصف ~~بالقدم ولا بالبقاء، فلأن كل وصف له هو وقوع في التشبيه. لا يوصف الله ~~بالقدم لأن القدم من صفات البشر وخصائص الأشياء، كالحب القديم والجبن ~~القديم والعرجون القديم. # 35 # صحيح أن القول بإلهين مضاد لوصف الوحدانية، ولكنه أثر من ~~آثار الديانات القديمة، خاصة إذا كانا غير متساويين؛ واحد قديم، والثاني ~~حادث يحاسب الناس يوم القيامة، كما هو الحال في المسيحية في العلاقة بين ~~الله والمسيح، ويكون ذلك أقرب إلى تاريخ الأديان منه إلى علم العقائد الإسلامية. # 36 # وما المانع من أن يصير أهل الآخرة إلى جمود حتى لا يشاركوا ~~الله في صفة الخلود؟ إن التضحية بخلود ms215 أهل الجنة والنار من أجل إثبات خلود ~~الله أقل خطورة من المشاركة في الخلود، والتضحية بخلود الله من أجل خلود ~~النعيم أو العذاب. فما لا نهاية له صفة للذات؛ أي البقاء. وكما أن الله لا ~~أول له فإنه لا آخر له، عكس الإنسان الذي له أول، وهو الخلق أو لحظة وعيه ~~وإثبات وجوده، وله نهاية، وهو الموت أو لحظة عدمه وخموله. # 37 # وما المانع من نفي الرؤية، رؤية الله، ولماذا يكفر من ينكرها؟ ~~وهل الله شيء أو موضوع في مقابل الذات يمكن رؤيته بالعين؟ وهل الله موضوع ~~أم ذات شخص أم مبدأ، شيء أم فكر؟ إن الإنسان لا يرى وعيه، بل يشعر بنفسه، ~~ولا يرى أي وعي خالص، بل يشعر بحضوره ويتعامل معه. هل الله ذات أم موضوع، ~~شخص أم مبدأ، جسم أو تصور؟ # 38 # أما باقي الصفات السبع فإن نفيها أو تأويلها إنما كان حرصا ~~على التنزيه؛ فالعلم ذاته والسمع والبصر إنما هي وسائل للعلم، وليست صفات ~~مستقلة، والقدرة والإرادة ليستا في محل، والحياة ضد الآفات، والكلام مخلوق ~~حتى لا يوصف الصوت والحرف بالقدم. أليس ذلك كله دفاعا عن التنزيه وحرصا ~~من مخاطر التشبيه؟ إن اعتبار الكلام مخلوقا محدثا إنما كان غرضه تنزيه ~~الله عن الحدوث، وإثبات الفعل الإنساني والفهم الإنساني، وتحقيق الإنسان ~~بعلمه للوحي في التاريخ. لقد أرسل الوحي للإنسان وليس لله، وفهمه ~~الإنسان بعلمه، وعبر عنه بلغته، وقرأه بصوته؛ وبالتالي يكون كلام الله هو ~~كلام الإنسان المفهوم والمقروء والمكتوب والمتحقق. أما اعتبار الإرادة ~~حادثة لا في محل، فإن الغرض منه نفي المكانية عنها كما نفيت من قبل عن ~~الذات، ومن أجل إنقاذ الحرية الإنسانية. # 39 # أما الأسماء فإنه لا يجوز إطلاقها على الله نظرا لما توحي به ~~أيضا من تشبيه يقوم على قياس الغائب على الشاهد. # 40 # إن الأوصاف والصفات والأسماء كلها إنما هي تدل على الحياة ~~الكاملة بلا آفات أو نقص، تعبر عن الإنسان الكامل باعتباره وعيا خالصا ~~ومتحققا في العالم. ~~(2-2) الوعي المتعين (الصفات) # وكما ms216 يتم تكفير أصلي التوحيد والعدل، فإنه يتم أيضا تكفير القول ~~بالتأليه والتجسيم. # 41 # وكما يرتبط التوحيد بالعدل وحق الإنسان في أن يكون حرا ~~وعاقلا، يرتبط التوحيد أيضا بالإمامة نتيجة للقول بألوهية الأئمة. ~~وبالرغم من وجود أنماط سابقة في الديانات القديمة لتأليه الإنسان أو ~~الطبيعة، كما هو الحال في اليهودية والمسيحية، أو في الديانات الشرقية في ~~فارس والهند والصين، وبالرغم مما قد يكون وراء ذلك من نيات ومقاصد لإفساد ~~العقيدة الجديدة، وبث الفرقة، وضياع القوة، والتشويش على التوحيد، فإن ~~تأليه الإنسان أو الطبيعة إنما يخضع لظروف نفسية واجتماعية وسياسية محلية. ~~ففي مجتمع الاضطهاد تسود العواطف والانفعالات العقل والرؤية، وتتشخص ~~الألوهية في الإمام المنقذ المخلص، ويظهر حالا في كل شيء، في ~~الإنسان وفي الطبيعة، في النفس وفي العالم. يتحول ظلم الإمام واستشهاده إلى ~~نصره، ويؤدي النقيض إلى النقيض، وينقلب السلب إلى الإيجاب، من لا شيء إلى ~~كل شيء، من النقص إلى العظمة، من العجز إلى القوة، ومن النصر إلى الهزيمة، ~~ومن الإنكار إلى الإثبات. يحل الله في الإمام بعد أن رفض البشر الاعتراف ~~به والانقياد به. وهو حي لم يقتل؛ فالحق باق لا يموت، وكل من اتصل به ~~من ذرية أو أصحاب أو جماعة فإنه يكون مثله. # 42 # وكما أن الله والإنسان شيء واحد، فكذلك الله والطبيعة شيء ~~واحد، لا فرق بين الخالق والمخلوق في أسطورة الخلق حتى يكون الله قريبا من ~~الطبيعة، وتكون هي قريبة من الله؛ فالتركيز على الروح يحيلها إلى روح ~~شامل يضم الطبيعة، وصاحب الهدف يرى غايته في كل شيء. والخلق يكون من طبيعة ~~الخالق، نورا في مقابل الظلمة، حقا في مواجهة باطل. كل مظاهر الطبيعة ~~صفات له وآثار لقدرته، السحاب والريح والرعد والبرق. يتم الخلق بالكلمة ~~وليس بالإرادة، كلمة الحق في مقابل كلمة النفاق. ويتم الكلام بالاسم ~~الأعظم، وليس باسم الملوك والأمراء والسلاطين. فرض الخلق على غيره لأن غيره ~~هو الخلق، وهو ذاته. الله يخلق من ذاته إلها يكون هو نفسه مثل المسيح. # 43 # والله جسم، موجود ms217 واقع مرئي، وذلك أن ضياع الواقع والأرض ~~والدولة يتحول إلى وجود جسمي ملموس حق، فيكون الله جسما. الإمساك بشيء ~~بدلا من فقده، والتمسك بشيء بدلا من تلاشيه. والجسم مكان تتلاقى فيه ~~الأبعاد وليس مسطحا، له عمق فيبعد عن السطحية. يتكون من نور، أو نظائر ~~مشعة، أو معادن معتمة؛ نظرا لاجتماع النور والظلمة في الجسم. إله يلمس ~~ويمسك به تعبيرا عن رغبة الإنسان في الإمساك بالضائع والتمسك بالمفقود. ~~يقوم ويقعد، يتحرك ويسكن، وليس موتا وثباتا. ما زال النشاط موجودا فيه ~~تعبيرا عن الرغبة في المقاومة، واستمرار حياة النضال في مجتمع الاضطهاد؛ ~~فالإرادة حركة، والحركة إرادة. # وتعويضا عن سلطان الدنيا وملك الأرض يكون الإنسان الإله ملكا على رأسه ~~تاج، فإذا ما تكلم فإن التاج يقع من على رأسه من هيبة الكلام وقوة الصوت. ~~الخير والشر نور وظلمة كونيان. تعبر لغة الملوك والتيجان عن الإمامة ~~الضائعة والملك المفقود والحكم المغصوب. وهو على صورة إنسان؛ إذ إن الإنسان ~~الضائع يتحول إلى إله عليه وفرة سوداء كالحصان العربي، وما يتصف به من قيم ~~جمالية. النصف الأعلى مجوف حتى يمتلئ بالعلم والمعرفة. والمجوف أكثر ~~شفافية من المصمت، وإن كانت المصمت أكثر صلابة. للأجوف رنين وصوت، ~~وللمصمت سكون وموت. وهو مماس للعرش، لا وجود لمسافة بينهما تدل على عدم ~~تطابق أو عدم تناسب؛ مثالا للعظمة والإحكام. تحمله الملائكة وهو أقوى ~~منها، مثل الكركي تحمله رجلاه، تصويرا أقرب للناس وأقل تجريدا. له لون ~~وطعم ورائحة، له مذاق، وليس كالماء، أو الإله المجرد، أو الطعم المائع الذي ~~يصيب الإنسان بالقيء والغثيان. تنبع الحكمة من قلبه؛ مما يدل على العلم ~~الضروري الفطري المغروز في النفس، وفي الوقت نفسه علم تجريبي بناء على ~~خبرة العالم ومعرفة البشر وعرك الحياة. وبقدر ما يكون العلم باطنيا ~~داخليا يكون أيضا تجريبيا خارجيا يتغير طبقا للأحداث، فتبدو أشياء ~~ثم تتغير المعارف طبقا لتطور الواقع وتغير الأحداث، ويتم ذلك خارج الخطأ ~~والصواب؛ فالمعرفة كشف للشيء، وما دام الشيء يتغير فالمعرفة كذلك، وهذا ما ~~بدا في النسخ. ms218 وذلك تعليم للبشر للجمع بين العلمين القبلي والبعدي، الفطري ~~والكسبي ، الضروري والنظري، الحدسي والاستدلالي. # 44 # لا فرق إذن بين القول بحدوث الصفات أو نفيها والقول بالتجسيم، ~~كلاهما كفر. # 45 # ولكن هل التشبيه هو الإيمان؟ هل إثبات الصفات وقدمها هو الرأي ~~الصائب، وما دونه هو الضلال؟ وما الفرق بين تشبيه الله بالإنسان وبأن يكون ~~له وجه ويد وعين، وبين تجسيم الله في صورة إنسان يقوم ويقعد ويتحرك، والأمر ~~في كلتا الحالتين يتجاوز اللغة والصورة الفنية إلى الشيء نفسه؟ وما الفرق ~~بين تصور التجسيم لله على أنه جسم، وتصور التشبيه له على أنه جسم حي، لحم ~~ودم وعظم؟ وهل السبب في استثناء الفرج واللحية نفاق السلاطين وتربية لحاهم، ~~ثم فسادهم وانحلالهم وإطلاق العنان لفروجهم؟ إن الفرق بين التجسيم والتشبيه ~~ليس فرقا في النوع، بل هو فقط في الدرجة. التجسيم أكثر صراحة من التشبيه، ~~والتشبيه أكثر خوفا. كلاهما يقوم على تصورات الملأ والمحاذاة والبعد ~~والتناهي والجهة والتحت والفوق والعلو والسفل. # 46 # ما الفرق بين إثبات نزول الله وصعوده إلى السماء الدنيا في ~~التشبيه، وبين القيام والقعود والحركة في التأليه والتجسيم؟ وأيهما أكثر ~~تنزيها لله، إثبات الأعضاء لله أم تأويل النصوص، فيكون الاستواء هو ~~الاستيلاء، والقدرة والاحتواء، وأن يكون الوجه هو الحضور، واليد المقدرة، ~~ويكون العين والسمع والبصر هو العلم، والجنب بمعنى الأمر، والفوق بمعنى ~~العلو والتعالي؟ هل المطلوب المحافظة على المعاني الحرفية للنصوص والوقوع ~~في التشبيه، أم تأويل النصوص حفاظا على التنزيه؟ # 47 # أيهما أفضل؛ التفسير الحرفي للنصوص والوقوع في التشبيه، أم ~~التأويل العقلي لها حرصا على التنزيه؟ وما الحكمة في تصوير اليد والقبضة ~~كيد فعلية إلا الرغبة في البطش؟ وأيهما أفضل؛ الشيئية المادية المشخصة ~~لله، أم النظرة الإنسانية العامة العقلية له؟ وأيهما أفضل؛ أن يكون لله وجه ~~وعينان وشفتان وأذنان ووجنتان وأنف وجبهة وذقن، أم يكون له ما هو بمثابة ~~الحضور والذات والنفس؟ # 48 # وأيهما أفضل؛ أن يوصف الله بأنه «فوق» عباده حقيقة في المكان، ~~أم أنه المستولي عليهم والأعلى منهم؟ وأيهم ms219 أكثر تنزيها؛ وصف الله بأنه ~~متين، أي تخين جسما، أم أنه قوي؟ وأيهما أكثر فهما ؛ وصف الله بأنه شديد ~~بمعنى القوة العضلية، أم بمعنى أن حكمه نافذ؟ # 49 # وأيهما أكثر عقلا؛ إجراء النصوص على ظواهرها، أو تفويض ~~معناها، أو تأويلها؟ إن التفسير الحرفي يوقع في التجسيم أو التشبيه، ~~والتفويض تسليم بالعجز وهدم للعلم، لم يبق إلا التأويل حرصا على التنزيه ~~ودفاعا عنه. # 50 # وهل الصواب مع الفرقة الناجية التي ترفض التأويل وتقبل ~~النصوص على ظواهرها، فتقع في التشبيه وتلحق بالتجسيم، أم مع الفرق الضالة ~~التي تقبل التأويل حرصا على التنزيه؟ أليس العقل أساس نظرية العلم؟ ألا ~~يشمل التفسير الحرفي للأدلة النقلية القطعية للعقل؟ وإن فريقا من الفرقة ~~الناجية لينضم إلى الفرق الهالكة في التأويل إيثارا للتنزيه دفعا للتشبيه. # 51 # كما يرفض فقهاء الأمة وحماة عقائدها التشبيه، ويبقون على ~~التميز بين المستويات؛ فقياس الغائب على الشاهد يوقع لا محالة في التشبيه، ~~وعلى هذا القياس تقوم عقائد الفرقة الناجية. # 52 # ومع ذلك فإن كل عقائد الفرقة الناجية في حاجة إلى برهان، هي ~~مجرد تكرار لعقائد الإيمان بالاعتماد على الحجج النقلية دون تأصيل أو تأسيس ~~لعلم الأصول، ولا مفر من الدفاع على التنزيه ولو بأسلوب النفي، كما هو ~~الحال في «آيات السلوب». بالنفي يتم استبعاد مظاهر النقص الإنساني، ~~وبالإثبات يتم استبقاء مظاهر الكمال الإنساني. # 53 # فالأوصاف والصفات كلاهما في الوصف وليس في الموصوف، في الذات ~~وليست في الموضوع. أما الخبر فإنه لا يتوجه إلى وصف الأشياء مباشرة دون ~~عقل الذات وفهمه له. # 54 ~~(2-3) خلق الأفعال # فإذا ما تركنا التوحيد إلى العمل، من الإنسان الكامل (الذات والصفات) إلى ~~الإنسان المتعين (الحرية والعقل)، فما الكفر في القول بخلق الأفعال وإثبات ~~حرية الإنسان، وبأنه قادر على أفعاله مسئول عنها؟ # 55 # وما دام هذا المبدأ قد ثبت، وحرية الإنسان أصبحت واقعا، فما ~~المانع من الاتساق العقائدي واستنباط النتائج من المقدمات حتى يتولد العدل ~~من التوحيد، ويخرج منه خروج الإنسان المتعين من الإنسان الكامل؟ قد يتطلب ~~هذا ms220 القول بفناء مقدورات الله دفاعا عن حرية الإنسان. # 56 # والأمور كلها تشبيه في تشبيه، إنما الخلاف في الصياغات، ~~واختلاف الإحساس بها طبقا للعواطف الدينية . تؤدي حرية الإنسان إلى ~~استحقاقه للمدح أو الذم، وقانون الاستحقاق لا يخرق لأنه نتيجة للحرية. ~~وإذا كان الإنسان خالق أفعاله، وعلى ذلك يتم الاستحقاق، فما المانع القول ~~كإحدى مسلمات التوحيد ومقتضيات العدل بأن الله لا يقدر على ما يقدر عليه ~~الإنسان؟ فالله هو العلم والاتساق والواجب والصدق، أي إنه المبدأ النظري، ~~في حين أن الإنسان هو الفعل والتحقق، أي الواجب العملي. لا تعارض إذن بين ~~الإنسان الكامل والإنسان المتعين، بين المثال والواقع. هذا التفرد للإنسان ~~إنما يتم بخلق الأفعال؛ وبالتالي لا يمكن وأد المولود الجديد باسم الأب ~~الذي منه تولد. إن إرادة الله لفعل الإنسان تعني فقط أنه أمر به أو أخبر ~~عنه، لا أنه فعله وقام به بدلا عنه، وإلا لزاحم الله الإنسان، ولنافس ~~الأب الابن. وكيف يتولد الابن ويمنع عنه الماء والهواء؟ وإذا كان الله لا ~~يقدر على ما أخبر بعدمه أو علم عدمه، في حين أن الإنسان قادر عليه، فليس ~~ذلك تعجيزا لله وإثباتا لقدرة الإنسان الفائقة، بل لأن الله هو التطابق ~~والاتساق؛ تطابق النظر والعمل، اتساق الفكر والوجود، في حين أن في الإنسان ~~هناك توترا بين الاثنين. فالإنسان قادر على أن يفعل ما لا يعرفه بعد، ~~ويعلم ما لم يفعله بعد. هذا هو التمايز بين الإنسان الكامل حيث يتطابق ~~المثال والواقع، وبين الإنسان المتعين حيث يتغايران. ولما كان العقل والصدق ~~متناقضين، وكان الإنسان الكامل هو التطابق والاتساق، فإنه لا حرج من القول ~~بأن الله يقدر على ذلك كله. وخطأ الصياغتين هو افتراض تعارض القدرة والعقل، ~~وكلاهما صفتان متسقتان في الإنسان الكامل. وإن كفر إعطاء الأولوية للعقل ~~على القدرة ليس بأكثر من الكفر الناتج عن إعطاء الأولوية للقدرة على العقل. ~~وإذا كان العقل مداد الاتساق فإنه لا حرج أيضا، زيادة في التأكيد عليه، ~~ورغبة في مزيد من التعين، من القول بأن الله لا ms221 يقدر على تعذيب الأطفال ~~والمجانين. وإذا كانت الغاية من الإعجاز التحدي، فما المانع من قبول ~~الإنسان الدخول في هذا التحدي، وجعل الإنسان قادرا على أن يأتي بمثل العمل ~~المعجز؟ وهل التحدي محكوم عليه سلفا بعدم قدرة الإنسان الدخول فيه وقبوله ~~والإتيان بالمثل؟ لو كان الأمر هكذا لما كانت هناك فرصة متكافئة بين ~~الطرفين المتنافسين، # 57 # بل إن أية محاولة أيضا لأخذ قدرات أوسع في الاعتبار متشابكة ~~مع القدرة الإنسانية، وذلك مثل قدرات الطبيعة بما فيها من دوافع وموانع يتم ~~أيضا تكفيرها حتى يتم استئثار الله بكل القدرات. وكأن الإيمان لا يصلح إلا ~~بهذا التصور الأحادي المطلق للقدرة. وقد يتولد الفعل من فعلين، وقد تتعلق ~~القدرة بمقدورين أو قادرين، ولا يعني ذلك شركة في القدرة الإلهية، بل ~~اعتراف بالقدرة الإنسانية وتشابكها مع باقي القدرات في الطبيعة، بل قد ~~تتولد الأعراض في الطبيعة من تلقاء ذاتها دونما حاجة إلى قدرة إنسانية أو ~~غيرها، فالطبيعة خالقة تكمن فيها الظواهر ثم تبدو تدريجيا أو بالطفرة. # 58 # وإذا ما ركزت الفرقة الناجية على الجوانب الغيبية في القدرة، ~~فهل هو كفر من الفرق الضالة أن تركز على الجوانب الحسية، وأن تعتبر ~~القدرة في سلامة البنية وتأثيرها في الطبيعة؟ ليس للإنسان فعل غير ~~الإرادة، وكل ما سوى أفعال الإنسان حادثة بالطبيعة، بل إن الإرادة من الميل ~~الطبيعي في الإنسان وليس خموله، يقظته دون سهوه وغفلته. وهل التركيز على ~~طبائع الأشياء كفر، واللجوء إلى إرادة خارجية قاهرة تفعل ما تشاء كسلطان ~~أعظم لا يرده أحد هو الإيمان؟ بل إن تصور أفعال الله تتم طباعا أقرب إلى ~~الطبيعة الخيرة، حيث تكون إرادة الله تعبيرا عن حريته، لا كارها ولا ~~مكرها؛ ومن ثم كانت حرية الإنسان خلق الله له في العالم، وأمره إياه دون ~~إجباره وقهره، بل تركه لطبيعته الحرة المماثلة لطبيعة الخالق. # 59 # وهل الإيمان بالضرورة هو إثبات قدرة قادرة على ما لا يكون وعلى ~~ما لا يعلم القادر، ضد حرية الإنسان وضد قانون الطبيعة؟ وهل الغاية من ذلك ms222 ~~هي عتبة السلطان الجائر؟ فما أسهل بعد ذلك إذا ما قامت العقيدة بإعداد ~~البناء النفسي للناس على هذا التسليم للإرادة وإنكار فعلها وقدرتها ~~وحريتها، أن تستسلم لإرادة السلطان الجائر والرضوخ لأوامره. # 60 # وقد انتهى ذلك في العقائد المتأخرة إلى عودة العدل إلى التوحيد بعد أن ~~خرج منه، وتدمير العالم كله، حرية الإنسان وقانون الطبيعة. وأصبح العالم ~~دائرا بين قطبين؛ الأعلى موجب يستغني عن كل ما سواه، والثاني سالب مفتقر ~~كل ما عداه إليه؛ وبالتالي تأسست أنظمة القهر في الذهن وفي النفس على ~~أسس تصورية كونية خالصة قبل أن تتأسس في الواقع كأنظمة سياسية تعتمد على ~~العسكر والجند. # 61 # التكفير إذن سلاح مشهور ضد الخصوم السياسيين، حتى ولو كانت ~~عقائدهم تشارك عقائد الفرقة الناجية، ولكن تستعمل لحساب المعارضة ~~والثورة، وليس لحساب الخضوع والاستسلام. فإثبات القدر ونفي قدرة الإنسان لو ~~كان ذلك من أجل قدرة الثورة على الظلم، واتباع التكليف الذي هو أصل ~~البقاء، فإنه يكون كفرا. أما إذا أدى إلى الخضوع والتسليم فإنه يكون ~~إيمانا! وإثبات الجبر، والاعتراف بالقضاء والقدر، لو كان الهدف من ذلك ~~الثورة ضد الظلم والانتصار للحق ضد الباطل - وهو ما حاولته الحركات ~~الإصلاحية الحديثة باعتبار أن الإيمان بالقضاء والقدر يولد قوة هائلة ~~على التحرر؛ لأنه يمنع من التردد والإحجام والشك والتذبذب - فإنه يكون ~~كفرا. أما إذا ولد الإيمان بالقضاء والقدر الاستسلام للأمر الواقع، ~~والخضوع للسلطان، فهو لب الإيمان! # 62 # إن الفرقة الناجية في موضوع خلق الأفعال تعلن عن الإيمان، وهو ~~تحصيل حاصل دون برهان أو إقناع. وإذا كان عمل العقل في التوحيد غالبا ما ~~يكون تحصيل حاصل، إلا أن عمله في خلق الأفعال يقوم على تحليل السلوك ~~الإنساني. وما الفائدة من الدفاع عن حق الله وحقوق الإنسان أولى بالدفاع؟ ~~ألا تؤدي عقائد الفرقة الناجية في موضوع الأفعال إلى تدمير الإنسانية ~~المستقلة، والقضاء على المبادرة الحرة، وإنهاء أية إمكانية للخلق والإبداع؟ ~~ألا ينتهي ذلك إلى تبرير نظم القهر والطغيان، فما أسهل أن يتمثل ~~السلطان دور الله، ثم يزحزحه ms223 شيئا فشيئا حتى يتحول إلى سلطان إله، ~~ويتحول الله إلى إله سلطان؟ هل النجاة في الاستسلام للأمر الواقع، وإنهاء ~~أية إمكانية للتغيير في الحاضر أو المستقبل؟ ~~(2-4) العقل الغائي # ولا يظهر سلاح التفكير كثيرا في موضوع العقل الغائي، الشق الثاني من ~~أصل العدل في الإنسان المتعين؛ إذ تتفق الفرق جميعا الناجية والضالة في ~~أن للعقل دورا في فهم النقل، وهو أساس نظرية العلم في المقدمات النظرية ~~الأولى، بل يحتاج التشبيه إلى عقل من أجل الأحكام النظرية. ولا غرابة أن ~~يكون أول الخلق حيا حتى يصح منه الاستدلال؛ إذ لا استدلال بلا حياة. # 63 # وإن تحليل الألفاظ في النقل لا يتم إلا بالعقل، وإلا لكان ~~استعمالا لحجة سلطان بلا برهان. ولا سبيل إلى إحكام الألفاظ المتشابهة، ~~أو إلى تحقيق المجاز، أو تخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو الاستثناء، إلا ~~بإعمال العقل في اللغة. والألفاظ إما من الوحي أو من الاستعمال أو من ~~العقل؛ فالعقل الذي يشمل الحس والاشتقاق قرينة لفهم النص مع الاصطلاح ~~والعرف. وإن تحليل الترادف والاشتراك والتضاد إنما يتم ذلك كله بالعقل. ~~وإذا كان اللفظ إنما هو وسيلة لحمل المعنى ودال على دلالة، فإن المعنى أو ~~الدلالة لا يمكن فهمها إلا بالعقل. # 64 # لا سبيل إذن إلا استعمال التأويل؛ فإذا كان التفسير الحرفي ~~يوقع في التجسيم والتشبيه، فإن التأويل الباطني يوقع في تجسيم مضاد، ~~وتشخيص للنص، وتعيين له في واقع نفسي معين. فإذا كان التجسيم والتشبيه ~~يتمان في مجتمع السلطة، فإن التأويل الباطني يتم في مجتمع الاضطهاد. فكل ~~مضطهد يثور على الاضطهاد يكون بيانا للناس، وهو المخاطب بالوحي، وهو الذي ~~يحل روح الإله فيه، ويكون الظالم هو الطاغوت والشيطان. # 65 # فإذا كان التأويل الحرفي إنما يتبع المتقدمين ويقلد السابقين ~~دون إعمال لقواعد اللغة أو لمصالح الأمة، فإن التأويل العقلي إنما يهدف إلى ~~تنزيه التوحيد وتثبيت العدل. إن الفهم الحرفي للنصوص يؤدي إلى تحويل الصورة ~~الذهنية إلى شيء، والأثر النفسي إلى واقعة مادية، والخيال إلى حس، حتى ولو ~~اصطدم ذلك ms224 بالعقل والطبيعة والحرية وخالف المسئولية والقانون والعدل، في ~~حين يبدو أن العقل هو السبيل لفهم حقائق الوحي، وتحويلها من الصورة الذهنية ~~إلى المعنى العقلي، من التشبيه إلى وجه الشبه. التأويل العقلي إذن هو ~~السبيل إلى التنزيه وفهم الوحي، والقضاء على كل أساس مادي أو حسي في ~~التجسيم، والرجوع من الصور الذهنية إلى المعاني العقلية، والانتقال في ~~النهاية من التشبيه إلى التنزيه. العقل هو الوسيلة التي بها يمكن إحكام ~~التشابه في النصوص؛ إذ إن كثيرا منها مجازيا لا يحتوي على فكرة بقدر ما ~~يوحي بصورة فنية الغرض منها التأثير على النفوس؛ فالتأويل ضرورة للتنزيه. # 66 # فإذا كان العقل أساسا للنقل فمن المستحيل تكفير القول بالواجبات ~~العقلية، أو تبرئة الله عن فعل القبائح، وتنزيهه عن فعل الشرور والآثام، أو ~~الصلاح والأصلح، والغائية والعلية، أو اللطف والألطاف، أو العوض عن الآلام. ~~فما العيب في الإنسان العاقل؟ أليس الحسن والقبح العقليان أفضل من الحسن ~~والقبح الحسيين وأوسع نطاقا وشمولا؟ وما الضرر في العقل الغائي؟ ما ~~العيب في ارتباط أفعال الله بمصلحة الإنسان وتبرئة الله عن الشرور والظلم ~~والقبح؟ وما الضرر في اعتبار الإنسان حرا مسئولا، وأن الخير والشر من ~~فعله بدلا من نسبتهما إلى الله وتدمير حرية الإنسان، أو تبرئة الله واتهام ~~الإنسان؟ وأيهما أفضل في تصور العالم؛ العشوائية أم الغائية، اللامعقول أو العلية؟ # 67 # إن عقائد الفرقة الناجية إنما هي دفاع عن الله، في حين أن ~~عقائد الفرق الهالكة إنما تدافع عن الإنسان. وإلى أي الدفاعين نحن أحوج؟ ~~ويؤدي الدفاع عن الله إلى الدفاع عن السلطان؛ فكلاهما دفاع عن السلطة ~~المطلقة، فتختلط السلطتان، سلطة الله وسلطة السلطان، في أذهان العامة وفي ~~نفوس الجماهير. في هذا التصور لا وجود لقانون معروف مطلق وشامل، بل يوجد ~~قانون مشخص بإرادة السلطان. لا وجود للغائية والقصدية، لا وجود للمراجعة ~~والتظلم، أو الرقابة والسيطرة الشعبية، لا وجود للعدل كمقولة بعد أن ~~ابتلعها التوحيد من جديد، وأصبح مسيطرا على كل شيء. لا وجود للثورة على ~~الظلم بعد أن أصبح ms225 كل واقع في العالم عدلا. # 68 # فكيف ينجو الإنسان بنفسه بعقائد الفرقة الناجية؟ ولم الاتهام ~~بالضلال وللقول بأن الإنسان هو الروح، وأن البدن آلتها؟ # 69 # أليست هذه هي النظرة المثالية السائدة عند كل الفرق وفي إيمان ~~العوام والموروث العقائدي للأمة؟ ألا يتفق هذا التصور مع النظرة المثالية ~~للعالم؟ إن عقائد الفرقة الناجية إنما تمت صياغتها من وجهة نظر الله، ~~فيضع المتكلم نفسه مكان الله وينظر إلى العالم، فيراه ذاتا وصفاتا ~~وأفعالا، ويرى إرادته المخالفة لإرادات الناس، ويراه الآمر والناهي في ~~الأشياء، ويرى كل ما في العالم خاضعا له. بينما تمت صياغة عقائد الفرق ~~الهالكة من وجهة نظر الإنسان، فيرى المتكلم ذاته محضة لا يمكن ردها إلى ~~صفات أو إلى أفعال، ويرى الإنسان حرا مريدا قادرا له عقل يدرك به ~~الحسن والقبح. فالفرق الهالكة أقرب إلى الموقف الإنساني، أما بالنسبة ~~للفرقة الناجية، فالله وحده هو القادر على إثباتها؛ لأن عقائدها متضمنة ~~في العلم الإلهي. الفرق الهالكة أقرب إلى التواضع ووصف الأمور على ما هي ~~عليه، في حين أن الفرقة الناجية أقرب إلى الغرور والادعاء وهي يتصف الأمور ~~من خارج الموقف الإنساني، فتنتهي إلى تحطيمه، وتقع في الاغتراب. فإذا ما ~~قارنا فترتين من التاريخ، كل منهما تعبر عن روح العصر وروح الحضارة، ~~الأولى عصر الازدهار، والثانية عصر الانهيار، لوجدنا أن الإجماع السابق ~~إنما نشأ في عصر معين، في مجتمع منتصر عبر عن نفسه في نسق عقائدي ~~مركزي، لاهوت القوة والسيطرة والخضوع والطاعة. كل شيء يدور في كنف هذه ~~السلطة المركزية ممثلة في الله أو في السلطان أو في الأمير أو في رب ~~الأسرة. ولما كانت روح العصر وروح الحضارة قد تغيرا حاليا نفسيا ~~واجتماعيا، أصبح هذا اللاهوت القديم أحد أسباب مآسيه، يستغله الطاغية ~~لتركيز سلطانه في نفوس الناس. وما أسهل انقياد الجماعة للطاغية إذا كان ~~لديهم من قبل الاستعداد النفسي لذلك. وفي هذا العصر حيث بدأت حركات ~~التحرر، ينشأ لاهوت التحرر أو لاهوت الثورة، وينشأ إجماع جديد؛ إذ إن لكل ~~عصر إجماعه ms226 يعبر عنه وعن مصالح الناس، يثبت القدرية على خلق الأفعال ~~وسلطة العقل وحق الجماعة وضرورة الثورة على الظلم ورفض السلطة المركزية، ~~وما يتبعها من خضوع وطاعة وولاء. ~~(3) هل هناك تكفير في السمعيات (النبوات)؟ # تشمل السمعيات موضوعات أربعة: النبوة ؛ أي تاريخ البشرية في الماضي وتطور ~~الوحي. والمعاد؛ أي مستقبل البشرية وإمكانية حياة أخرى بعد الموت. والإيمان ~~والعمل. وأخيرا الإمامة. وكلها من السمعيات التي لا يجوز تكفير أحد فيها؛ ~~لأنها لا يمكن إثباتها بالعقل. فإذا جاز تكفير أحد في الإلهيات، أي العقليات، ~~لأنها من القطعيات، يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى يقين، فإنه لا يجوز تكفير ~~أحد في السمعيات، أي النبوات؛ لأنها من الظنيات التي لا يستطيع الإنسان أن يصل ~~فيها إلى يقين نظرا لاعتمادها على النقل فقط، والنقل لا يعطي إلا الظن، والظن ~~لا يغني من الحق شيئا؛ وبالتالي فإن تكفير الفرق الضالة في السمعيات هو في ~~ذاته خروج على عقائد الفرقة الناجية. ~~(3-1) تطور الوحي (النبوة) # ففي موضوع النبوة، ما العيب في القول بأن نظم القرآن ليس بمعجزة في ~~ثقافة تقوم على الإبداع الشعري واللغوي؟ ولماذا لا يكون الإعجاز خارج ~~النظم في الفكر والتشريع والمنهج، وهو ما لم يعرفه العرب كثيرا من قبل؟ ~~وما الذي يمنع الإنسان من أن يثبت جدارته، قابلا التحدي، قادرا على ~~النظم شعرا وإبداعا وخلقا متشبها بالله دون تقليد للقرآن ما دام ~~الإعجاز ليس في النظم بل في الفكر، ليس في الصورة بل في المضمون؟ ليس ~~القرآن كتاب تحليل وتحريم، بل كتاب فكر، وليس الغرض منه تغليف العالم ~~بقوانين وتقييد السلوك الإنساني بقواعد، بل مساعدة الطبيعة على الازدهار، ~~والحياة على النماء. وإن إنكار سورة منه مثل سورة يوسف نظرة تطهرية صرفة، ~~وكأن الجنس عيب وتحليله رذيلة، وكأن الصمت فيه واجب والتستر عليه فضيلة. ~~وإذا كان القرآن حادثا فهو جسم؛ وبالتالي ينطبق عليه التحول إثباتا لدخول ~~الوحي في العالم، قراءته وسماعه بالصوت، وكتابته ورؤيته بالحرف، وفهمه ~~بالذهن، وتطبيقه بالفعل. فما دام القرآن قد نزل فقد أصبح جزءا ms227 من العالم ~~ولم يعد صفة أزلية للذات الإلهية كما هو الحال في الكلام. وكلما ركزت ~~الفرقة الناجية على الكلام الأزلي والقرآن القديم، حدث رد فعل عند الفرق ~~الهالكة بإثبات الكلام في العالم والقرآن الحادث. وما أسهل أن يولد الدفاع ~~عن حق الله دفاعا مضادا عن حق الإنسان. ولماذا إثبات كرامة الأولياء ~~وتعميم المعجزة على غير الأنبياء؟ أليس ذلك خرقا لقوانين الطبيعة، ~~وإيهاما للناس، وقضاء على العقل والفعل والمبادرة والمسئولية الفردية؟ ~~وكأن من الطبيعي أن يولد تركيز الفرقة على الأنبياء كدليل على صدق النبوة ~~واستمرارها في الأنبياء قول الفرق الهالكة بجواز بعثة الرسل بلا دليل. # 70 # وفي مجتمع الاضطهاد من الطبيعي أن يصير الإمام نبيا إن لم يكن إلها؛ ~~فهو صاحب رسالة وبلاغ، صاحب دعوة وحق، إحساسا بالدعوة والرسالة من أجل شحذ ~~الهمة ولم الشمل وتجنيد الدعاة. وكرد فعل على اغتصاب السلطة من الإمام ~~الجائر يرتفع الإمام المظلوم إلى مصاف النبي. وكأن النبوة أساس للإمام ~~وليست للنبي. ولكن الذين أخذوا مكان الإمام، أئمة الزور، هم الذين منعوه. ~~والقول بأن جبريل أخطأ في تبليغ الرسالة إلى الرسول الحق هو مجرد تشبيه ~~ومغالاة من أجل إعادة الحق الضائع إلى الإمام المهضوم. وإذا كان النبي يأخذ ~~النبوة من الله بواسطة جبريل، فإن الإمام نبي من الله مباشرة، يمسح الله ~~رأسه بيده، ويطلب منه التبليغ للناس مباشرة بلا حاجة أو واسطة، وهي درجة ~~في القرب أعظم. والوحي متصل لا ينقطع، تتواصل النبوة في الإمامة؛ مما ~~يجعلها أكثر قدرة على تجنيد الناس. وقد تعمم النبوة، ويصبح كل مؤمن ~~نبيا حتى ينشأ الفرد الداعية صاحب الفكرة والمحافظ على المبدأ. وقد يبلغ ~~إيمان البعض إيمان الملائكة؛ فليس صعبا إنشاء الإنسان المتوفق ~~«السوبرمان». ينالون الخلود، ويرفعون إلى السماء كما هو الحال في تاريخ ~~الأديان في اليهودية (أخنوخ، دانيال)، وفي المسيحية (المسيح). وقد يغلب ~~الواقع الحلم فيموتون. النبوة والرسالة صفتان غير الوحي. والوحي هو الشيء ~~المحمول، والرسالة علاقة النبي بغيره (البعد الأفقي)، أما النبوة فعلاقة ~~النبي بالله (البعد الرأسي). إذا ms228 ما تطورت النبوة ثبتت الإمامة؛ لأن تطور ~~النبوة إثبات للإمامة وتحقيق لغايتها. كل مرسل رسول، وليس كل رسول مرسلا. ~~وذلك إثبات آخر للإمامة؛ لأن الإمام مرسل، وبالتالي فهو رسول. والمعجزة ~~والعصمة ليسا حكرا على النبي، بل يعمان الإمام. الخلاف إذن بين الفرقة ~~الناجية والفرق الضالة خلاف في الدرجة وليس في النوع؛ فكلاهما يثبتان ~~المعجزة والكرامة والعصمة، ثم يختلفان في الثبوت فيه؛ النبي وحده أم النبي ~~والإمام. وإن الظروف النفسية لمجتمع الاضطهاد، عزل الإمام وتثبيت خلفاء ~~النبي، هي التي ولدت رد فعل دفاعي مضاد، تثبيت الإمام حتى ولو أدى ~~ذلك إلى عزل النبي. # 71 # إن الفرقة الناجية لا تميز بين مراحل الوحي السابقة وبين آخر ~~مرحلة، وتقضي على الفرق في النوع بين العموم والخصوص، بين تطور النبوة ~~واكتمالها، بين الحاجة إلى المعجزة كبرهان خارجي، والحاجة إلى دليل داخلي ~~في الفكر والتشريع. فالوحي في آخر مرحلة عندما تكتمل النبوة لا يفعل ~~الأعاجيب، ولا يقوم على المعجزات، بل يكون قد أدى غرضه، وهو الإسراع في ~~تطور الوعي الإنساني وتحقيق كماله، حرية الإرادة واستقلال الذهن. فإذا ما ~~تحققت الغاية لم يعد الإنسان بحاجة إلى نبوة، يكتمل الوحي وتنتهي ~~النبوة، ويصبح العلماء ورثة الأنبياء؛ أي استمرار الوعي النظري والممارسة ~~العملية في قيادة الأمة وتأسيس الدولة. وهو أيضا ما أكدته الحركة ~~الإصلاحية الأخيرة. # 72 ~~(3-2) مستقبل الإنسانية (المعاد) # وفي موضوع المعاد، لماذا يكفر قانون الاستحقاق؟ ولماذا الاعتراض على منع ~~التوبة في حالة الإصرار عليها والعلم بها والقدرة عليها؟ # 73 # وما العيب في أن يكون العقل مناط التكليف؟ أليست هذه كلها ~~أيضا من عقائد الفرقة الناجية؟ ليس المهم إذن هو التكفير العقائدي النظري، ~~بل مدى توظيف هذه العقائد دفاعا عن السلطة كما تفعل الفرقة الناجية، أم ~~الثورة عليها كما تفعل الفرق الضالة. وأيهما أفضل؛ الاستحقاق أم الشفاعة، ~~التوبة أم العفو، الشهادة أم البشارة كطريق للجنة؟ ونظرا لأهمية التكليف ~~والإيمان، فمن الطبيعي أن يكون اليهود والنصارى والزنادقة والمجوس والأطفال ~~والبهائم لا يدخلون جنة ولا نارا؛ فالعقل والتبليغ أساس ms229 التكليف. وهو لا ~~يختلف كثيرا عن عقائد الفرقة الناجية. وفي تشخيص قانون الاستحقاق بعد ~~الموت، فإن القول بالتناسخ هو نوع من إثبات خلود الروح والمادة معا، كما ~~هو الحال عند آخر الحكماء في خلود العقل الكلي ضد الفردية والتقطع من أجل ~~الشمول والتواصل، بالرغم من الاعتراضات الفقهية عليه. وقد يكون الدافع ~~لإنكار القيامة هو حدوث الهول والزلزلة في الدنيا، فلم يعد هناك فرق بين ~~الواقع والخيال؛ إذ يتحول الواقع إلى خيال، والخيال إلى واقع. فالنعيم ~~والعذاب في الدنيا وليسا في الآخرة، دون حاجة إلى تعويض عن الدنيا في ~~الآخرة. وقد يحدث تشخيص للجنة والنار، فتصبح الجنة رجلا تجب موالاته وهو ~~الإمام، والنار رجلا تجب عداوته وهو عدو الإمام، يتحول كل شيء إلى الإمام ~~ونقيض الإمام. ولماذا تخلق الجنة والنار الآن ولا حاجة لأحد بهما؟ من ~~يقطن فيهما؟ وما الفائدة منهما وهما بلا سكان؟ وأيهما أفضل؛ مشاركة الجنة ~~والنار صفة البقاء، أم القول بفنائهما حتى يبقى الله وحده؟ وما دام الأمر ~~كله تشبيها وتشخيصا، فالقول بأن الجنة والنار لم يخلقا بعد هو أقرب ~~إلى العقل، وأكثر سيطرة على الخيال. # 74 # إن عقائد الفرقة الناجية في أمور المعاد تشخيص وتشبيه وتصوير، ~~كما هو الحال في التوحيد، دون تمييز بين قانون الاستحقاق وصوره المشخصة. ~~تقضي على قانون الاستحقاق، وتوقع الإنسان في عالم لا يضبطه قانون ولا يحكمه ~~فكر، وتتحول الفرقة الناجية إلى أهل هوى وضلال. # 75 ~~(3-3) النظر والعمل (الأسماء والأحكام) # ويبدو أن التكفير العقائدي النظري في أصلي التوحيد والعدل كان الغرض منه ~~استبعادا عمليا لفرق المعارضة. فإذا وقع التكفير في الموضوعات العقلية ~~الأربعة، الذات والصفات وخلق الأفعال والعقل والنقل، فإنه لم يقع إلا في ~~موضوعين سمعيين، النبوة والمعاد، دون الإيمان والعمل والإمامة، مع أن ~~هذين الموضوعين هما بيت القصيد. النبوة والمعاد يشيران إلى التاريخ العام، ~~في حين أن النظر والعمل والإمامة تشير إلى التاريخ المتحقق. والقصد كله ~~هو تكفير العمل الفردي والعمل الجماعي. الأول متمثل في الفعل، والثاني في ~~الثورة. القصد من ms230 الأول إخراج العمل من الإيمان حتى لا يتم تكفير السلطان، ~~والثاني الغرض منه الطاعة لأولي الأمر حتى لا يقع الخروج عليهم. العمليات ~~إذن هي الغاية من التكفير تحت غطاء النظريات. # 76 # ففي موضوع الإيمان والعمل من الطبيعي أن يتحول الإيمان في جماعات ~~الاضطهاد إلى ثنائية متصارعة بين النور والظلمة في نسيج أسطوري. الإيمان ~~نور، والكفر ظلمة. والإيمان للمضطهدين، والكفر للبغاة. الإيمان هو نور ~~الكون وحلو المياه، والكفر ظلمة الأشياء وملوحة البحار. وإذا كان الإيمان ~~قديما في عهد الذر حيث شهد الخلق على أنفسهم بالإيمان بقولهم «بلى» في عهد ~~«ألست»، فهو باق في الجميع إلا المرتدين. وإذا كان إيمان المنافق مثل ~~إيمان الأنبياء، فذلك للضيق بالجميع وفقدان القدرة على الحكم، والانتهاء ~~إلى التناقض والعدمية في كل شيء. # 77 # وكان من الطبيعي استحلال المحرمات في مجتمع الاضطهاد، في ~~عالم كفر بالقوانين والشرائع، يجعل الظلم دولة، والحق سجنا، والعدل ~~استشهادا. وإذا سقطت الشرائع فإن ذلك دفاع عن النفس ضد الآخر، فالشرائع ~~تطبقها دولة الظلم ويرفضها مجتمع الاضطهاد، يكفي فهمها حتى تسقط كما هو ~~الحال عند الحكماء والصوفية. وإذا كانت جماعة الاضطهاد هي أقلية مضادة، ~~فإن إبطال الشرائع يكون هدما لمجتمع الأغلبية، غيره من المجوس، وانتقاما ~~لزوال دولتهم. إن طبيعة المجتمع المغلق تؤدي إلى تكييف القانون طبقا ~~للجماعة، فتجوز شهادة الزور على المخالفين، واستباحة المحرمات فيما ~~بينهم؛ فالحلال والحرام طبقا لنوع المجتمعات مغلقة أو مفتوحة، ولنوع ~~نظم الحكم قاهرة أو معارضة؛ فالحلال والحرام وسيلة السلطة للضبط ~~الاجتماعي، كما أن الإباحة وسيلة المعارضة لزعزعة أركان النظام. # 78 # وما العيب في استقطاب الناس وتجنيد الجماهير ونشر الدعوة وبث ~~روح المعارضة من أجل القضاء على حكم الظلم والطغيان؟ وإذا كانت الدولة ~~صاحبة فتوح باسم الدعوة، فإن الثورة صاحبة الحق. وإن تجنيد الناس في الثورة ~~عن طريق الإقناع الفردي لهي وسيلة للانقضاض على النظام من الداخل عن طريق ~~خلق فراغات فيه، وتكوين بؤر ثورية من داخله، حتى يقوم النظام كله على فراغ، ~~فينهار لانحسار أمته وفقده مساندتها له. ms231 # 79 # ولا يتم فقط تكفير مجتمع الاضطهاد المغلق لإسقاطه الشرائع كلية، بل يتم ~~أيضا تكفير مجتمع المعارضة المفتوح. # 80 # والعجيب تكفير من يسقط الشرائع ومن يثبتها، وكأن الشرائع ~~مجرد ذريعة فقط لتكفير المعارضة أيا كان نوعها. فما العيب في جعل الإيمان ~~علما والكفر جهلا؟ ألا يشير العلم والجهل إلى مستوى النظر والمعرفة في ~~السلوك؟ وما العيب في القول بالمنزلة بين المنزلتين، ومحاولة إيجاد حكم ~~لمرتكب الكبيرة بين الإيمان والكفر حفاظا على وحدة الأمة، وفي الوقت نفسه ~~حفاظا على وحدة الإيمان والعمل؟ ليس في القول بالمنزلة بين المنزلتين ~~تهاون مع الصغيرة أو مع الكبيرة؟ فمن الفساق من هم أشر من الزنادقة ~~والمجوس. المهم هو زعزعة الأحكام المتناقضة على طرفي النقيض، مثل رفض ~~الإجماع على حد الشرب، واعتبار سارق الحبة منخلعا عن الإيمان، وإيجاد حكم ~~يستجيب إلى مطلبي النظر والعمل، ضرورة الوحدة في النظر والتمايز في ~~العمل. وعلى هذا يقوم قانون الاستحقاق. # 81 # وقد تم أيضا تكفير الاتجاهين المتعارضين في الإيمان والعمل، اتجاه ~~الشدة واتجاه اللين، # 82 # وكأن الهدف هو تكفير كل فرق المعارضة، تجريح سلوكها، سواء ~~أسقطت الشريعة أم قالت بالتوسط فيها، سواء أخذت موقفا متشددا أو أخذت ~~موقفا لينا. فما العيب في القول بضرورة النظر السليم ومعرفة الحلال ~~والحرام كرد فعل على الخلط النظري في الإيمان كأساس معرفي للسلوك؟ ما ~~الخطأ في التركيز على المعرفة كأساس للسلوك في التفرقة بين الإيمان ~~والتكفير؟ أليست معرفة الله ضرورية للإيمان ضرورة الفعل والسلوك؟ وإذا كانت ~~أسماء الله معايير للسلوك، فإن الإيمان يكون معرفة الإنسان بها والكفر جهله ~~بها، ببعضها أو كلها، ومع ذلك يمكن العذر بالجهالة؛ وبالتالي لا يمكن تكفير ~~الفرقة الناجية لذلك إلا إذا كان القصد من التكفير استبعاد المعارضة، ~~والتستر على ذلك بالآراء والمواقف النظرية. # 83 # أما بالنسبة للعمل، فلماذا يكفر من يأخذ الأمور بالشدة في وقت ~~عز فيه العمل، وعم الجهل والخلط، وازدهر فيه النفاق، وتم التشريع فيه ~~للفسق؟ وما العيب في جعل العمل جزءا متمما للإيمان، فالإيمان بلا عمل ms232 ~~فارغ، والعمل بلا إيمان أهوج؟ لقد كان ذلك رد فعل طبيعي على إخراج العمل ~~عن الإيمان، أو اعتبار مرتكب الكبيرة مؤمنا؛ حماية للسلطان، ودفاعا ~~عنه، واتقاء له من مخاطر الثورة ضده. فمرتكب الكبيرة كافر نظرا لأهمية ~~العمل والعمل المؤثر. وقد يصل إلى حد تكفير النبي إذا ما ارتكب الكبيرة. ~~ومع ذلك قد يظل مرتكب الكبيرة وموحدا، وإن كان غير مؤمن، أو يكون كافر ~~نعمة وليس كافر ملة. وفي هذه الحالة لا يمكن للفرقة الناجية تكفيره نظرا لتوحيده. # 84 # ولما كان الطرفان يلتقيان فقد تتحول الشدة مع الآخر إلى اللين ~~مع الذات؛ الشدة مع مجتمع القهر، واللين مع مجتمع الاضطهاد، فلا حرام إلا ~~ما حرم القرآن. وهذا مظهر من مظاهر التشدد مع الآخر كرد فعل على ~~الاحتكام إلى أهواء الناس. والسكر من الشراب الحلال حلال؛ لأن العبرة ~~بالبداية لا بالنهاية، هذا مظهر من مظاهر اللين مع النفس. وإيقاف الحدود ~~للقاذف والزاني تلبية لمطالب المجتمع المغلق في مواجهة مجتمع القهر، ~~الطهارة في مواجهة النجاسة. وإن الإبقاء على الحدود وعدم التكفير على ~~الإطلاق هو إبقاء على بعض الصلاة بالمجتمع الأم، ومع ذلك يؤدي نظام القرابة ~~والمصاهرة من بين مجتمع القهر وأخذ الزكاة من العبيد إلى تقويته، وإحكام ~~غلقه في مواجهة مجتمع القهر. ويمكن قبول طاعة لا يراد الله بها ما دامت ~~تؤدي إلى صلاح النفس، فالطاعة حسن في ذاته. # 85 # ومن مظاهر التشدد اعتبار الأطفال كالآباء إيمانا وكفرا في ~~مجتمع القهر. وما المانع أن يتحمل الأطفال المسئولية منذ الصغر مع الكبار، ~~سواء مع الآخر أو مع النفس؟ وقد تجب البراءة من الطفل حتى يدعى إلى ~~الإسلام، ودعاؤه إليه بعد البلوغ. # 86 # والإمام هو عصب مجتمع الاضطهاد؛ لذلك ارتبط موضوع الإيمان ~~والعمل بموضوع الإمامة؛ فتطبيق الحدود لا يجوز إلا للإمام، فهو السلطة ~~الشرعية فيه في مقابل السلطة اللاشرعية للسلطان الباغي في مجتمع القهر. ~~والأولوية لإيمان الإمام أو كفره نظرا لآثار ذلك على إيمان الناس وكفرهم؛ ~~لذلك يرفض التحكيم بصرف النظر عن مطالبة أنصار الإمام ms233 به، فلا تحكيم بين ~~الحق والباطل. ويتم تكفير القعدة عن القتال في صف مجتمع الاضطهاد، فذلك ~~خنوع واستسلام، ومساومة على الحق، وتأييد للظلم. وقد تمارس بعض مظاهر ~~العنف، مثل اغتيال المخالفين، للقضاء على نظام البغي والتسلط. ويدخل الله ~~مع مجتمع الاضطهاد في موالاته ومعاداة مجتمع القهر. # 87 # والحقيقة أن مشاركة كثير من الفرق الضالة في العقائد نفسها، ~~مثل أصلي التوحيد والعدل، تجعل الفرق الضالة تمثل تيارا رئيسيا في ~~عقائد الأمة، وليس مجرد فرق متفرقة بينها فروق؛ مما يدل على إمكانية ~~التوحيد بينها في عقائد مضادة ضد النسق الحضاري للفرقة الناجية؛ وبالتالي ~~تكون العقائد اثنتين؛ عقائد حكم وعقائد ثورة، عقائد سلطة وعقائد ~~معارضة. # ويصل حد التكفير إلى حد تكفير الفرقة الناجية لنفسها وتضليلها لعقائدها، ~~وذلك باعتبار الإيمان مجرد معرفة أو إقرار أو تصديق، وإخراج العمل منه ~~وإرجائه إلى يوم الدين، يكفي أن يكون الإيمان معرفة بالله وخضوعا ومحبة ~~بالقلب بصرف النظر عن الأفعال، ولا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع ~~الإيمان طاعة، وأن إبليس كان مؤمنا لأنه كان عارفا بالله، وكفر فقط ~~لاستكباره ورفضه الخضوع والسجود، ولا يحكم عن إنسان فاسق على الإطلاق، ~~بل أنه فسق في فعل خاص، ولا تهم الوقائع التاريخية كمصداق للإيمان؛ ~~فالإيمان له مضمونه الداخلي وليس الحدث الخارجي، ومحمد كشخص تاريخي، ومكة ~~كمدينة، والكعبة كمكان خارج مضمون الإيمان. الإيمان مكتف بذاته، منعكف ~~على ذاته، لا شأن له بالعالم الخارجي. # 88 # وواضح من هذا الموقف الرغبة في تبرئة السلطان، وذلك بالفصل بين ~~إيمانه وعمله. تكفيه معرفة الله ومحبته ورجاء أفعاله إلى يوم الدين، ~~يحاسب عليها في الآخرة، ولا تحاسبه الأمة عليها في الدنيا. وقد يكون ~~تكفير الفرقة الناجية للإرجاء نوعا من التعمية والتستر على مواقفها الخاصة ~~المشابهة للإرجاء. ~~(3-4) الحكم والثورة (الإمامة) # أما موضوع الإمامة فيكشف عن المواقف السياسية للفرق، واستعمال الفرقة ~~الناجية سلاح التكفير ضد الخصوم السياسيين؛ فليست الإمامة كلها رجعة ~~وتقية وعصمة وألوهية للإمام، بل هي أيضا أحكام تاريخية تكشف عن اختيار ~~سياسي، ثم نسجت ms234 النظرية حوله فيما بعد. وفي شدة الأزمة وفي قلب الفتنة ~~يتم تكفير الجميع حتى الإمام الذي لم يقاتل؛ فاليأس من الحفاظ على وحدة ~~الأمة أدى إلى التشرذم والتقوقع، وتحولت الأمة إلى أمم صغيرة، كل ~~منها على حق، والجميع على باطل. وكان من الطبيعي التمسك بالإمام المظلوم ~~وبأولاده ونسبه زيادة في التمسك به لما تحولت الخلافة إلى ملك عضود؛ ~~فابن الإمام أولى بالحكم من ابن الملك أو الأمر! ولكن لماذا يكون الخلاف ~~السياسي مدعاة للتكفير؟ وهل الصراع على السلطة أمر عقائدي؟ ولماذا تكفير ~~من يجمع بين النص والشورى، أو من يقول بالشورى كما تقول الفرقة الناجية، أو ~~من يقول بالدعوة والخروج قتالا للإمام الظالم، وهو ما تقوله أيضا الفرقة ~~الناجية؟ ولماذا تكفير من يتوقف عن التكفير؟ هل لا بد من إشهار سلاح ~~التكفير في مجتمع ديني حتى يسهل عزله سياسيا، فيتم حصاره بين رفض السلطة ~~له وترك الجماهير له؟ فإذا ما تحولت الإمامية إلى موقف سلفي خالص، فهل ~~ستظل سببا للتكفير؟ # 89 # وفي مجتمع الاضطهاد من الطبيعي أن يحيا الإمام باستمرار في ~~وجدان المضطهدين، وإن غاب فإنه يعود من جديد من عزلته وتقيته ليقود ~~الثورة. وهل يكون للظلم الكلمة الأخيرة؟ وهل يكون الاستسلام للأمر الواقع ~~هو الحل النهائي والسلوك الأمثل؟ هل يموت الإمام ظلما دون أن يستأنف دورة ~~أخرى من القتال؟ لقد عاد المسيح معلما، ولماذا لا يعود الإمام منقذا ~~ومنجيا؟ إن المهدية و«الميشانية» صنوان في تاريخ الأديان بالنسبة لمجتمع ~~الاضطهاد. إن تناسخ الأرواح بين الأئمة يعني الاتصال التاريخي بينهم، ووجود ~~روح في التاريخ وقانون باطني يحكم بانتصار الثورة على الظلم. ليس الأئمة ~~مجرد أفراد منفصلين متقطعي الأوصال. الاتصال أقوى من الانفصال، والتواصل ~~أمضى من الانقطاع. إن حياة الإمام وخلوده لرد فعل طبيعي في مجتمع ~~الاضطهاد على موته ظلما واستشهاده في القتال. كما تدل عصمة الأئمة على ~~مدى ثقة الناس في الزعيم، وعدم جواز الخطأ عليه، في حين أن النبي لا يحتاج ~~إلى ذلك لأنه مؤيد من الله. ولماذا لا يكون ms235 الإمام معلما بعد أن ضاع ~~العلم من صدور الناس؟ # 90 # وإذا شهر سلاح التكفير ضد فرق المعارضة السرية من الداخل، فالأولى أن ~~يشهر ضد فرق المعارضة العلنية من الخارج الذين يقاومون السلطان، ~~ويجعلون العمل جزءا لا يتجزأ من الإيمان، ويكفرون مرتكب الكبيرة. وهل كان ~~من يرفض شرط القرشية يكون ضالا؟ إن القرشية شرط حتى لا تخرج الإمامة من ~~قبيلة بعينها، في حين أن شروط الإمامة العلم والعدل والورع، وليس فيها ~~النسب أو الحسب. وإن عدم وجود نصب الإمام لينتج عن إيمان بالفطرة الخيرة ~~دونما حاجة إلى سائس يسوسها، على عكس الفرقة الناجية التي تصر على وجوب ~~الإمامة والطاعة له. وإذا وجبت الحرب فإنها لا تكون إلا ضد عسكر السلطان، ~~ولا تكون الغنيمة إلا من أموالهم. وهي آراء سياسية لا تستوجب الكفر أو الضلال. # 91 # ويتم أيضا تكفير فرق المعارضة العلنية في الداخل؛ لأنها ترفض تكفير ~~الفرق المتنازعة والدخول كطرف في نزاع تتطاير من أجله الرقاب، فهل رفض ~~التكفير كفر؟ ألا يكفر من قال لأخيه أنت كافر؟ وإن عدم تفسيق أحد الفريقين ~~لهو أقرب إلى لم الشمل وجمع الكلمة مثل عدم تفسيق أحد بعينه. ولا يوجد ~~حل ثالث ممكن في إطار وحدة الأمة، ورفض الدخول في النزاع بين الأطراف، ~~واستمرار نزيف الدم من رقاب المسلمين. وما العيب في الميل إلى مجتمع ~~الاضطهاد، والتعاطف مع آل البيت وتقدير شهدائهم، وبأحقية الإمام المهضوم ~~وفضله، وربما النص عليه لظرف خاص دون أن يكسر ذلك النظرية العامة في ~~الاختيار والبيعة؟ وقد يكون أبلغ رد فعل على عقائد الفرقة الناجية ~~باعتبارها عقائد السلطان هو تكفير كل من لابس السلطان ونافقه وبرر صنعه. ~~ونظرا لأهمية الوحدة في الأمة فإن وقوع الاختلاف بينها يجعل الإمامة ~~صعبا. وهذا حكم واقع وليس حكم فكر، ولكنه يطعن في شرعية الإمام الجائر. ~~ونظرا لشدة التوتر النفسي في الفتنة فقد كان أحد الحلول إنكار الوقائع ~~التاريخية، وجعل الأمر كله أهواء وأغراضا وميولا، وكأن الهوى هو الذي ~~يخلق الواقعة وليس فقط العقيدة. إن التكفير ms236 في الفروع وارد، والاجتهاد فيها ~~لا يضل ولا يضلل، وإلا كان الفقهاء كلهم موضع اتهام بالضلال. هناك علم ~~للاختلاف في أصول الفقه أنشئ لذلك الغرض، وهو أولى من علم الفرق ~~واختلافات المتكلمين، وأخف وطأة من الخلاف في العقائد. # 92 # إن ما يهم الفرقة الناجية هو وجوب نصب الإمام والطاعة له، وتعيين ذلك ~~في التاريخ ابتداء من الخلفاء الأربعة على التفضيل، ثم بداية السقوط ~~والانهيار ، حتى يظل التاريخ مشدودا إلى الوراء نحو هذا النموذج الأول في ~~العقائد وفي الحكم. وإن كان ذلك صحيحا فتجب الثورة على النظم الحالية ~~التي أصبحت ملكا عضودا أو إمارة، أو غلبة معسكر تحت ستار عقائد الفرقة ~~الناجية وبتبرير منها. ولا يكون للسلطان الحكم في الدنيا، بل تكون له أيضا ~~الجنة في الآخرة حتى يطيعه الناس في دينهم ودنياهم. وهل يستوي شهداء ~~الإسلام في معاركه الأولى، ومن أراقوا دماءهم في سبيل الدعوة، مع من آزروها ~~سلما وبيعة ونصرة؟ إن النصرة بالدم أفضل ترتيبا من النصرة بالقلب أو ~~اللسان. وإذا لم يجز تكفير أحد من أهل القبلة فلا يجوز تكفير أحد لآرائه ~~النظرية في العقليات أو في السمعيات، وإن حدث ذلك فإنه يكون ستارا ~~عقائديا لإخفاء العزل السياسي للخصوم. وحكم الفقهاء ليس هو حكم ~~المتكلمين، وعلماء أصول الفقه لا يصدرون أحكاما إلا على الأفعال، في حين ~~يصدر علماء أصول الدين أحكاما على الأقوال. # 93 # وبالرغم من أن الفرقة الناجية قديما قد تكون هي الفرقة ~~الضالة، وأن تكون الفرق الضالة قديما هي الفرقة الناجية، إلا أن جيلنا ~~يرد الاعتبار إلى الفرق الضالة قديما، ويعيدها إلى حظيرة الأمة بشرعية ~~وعلانية، وينهي عزلها السياسي عن جماهير الأمة. # | ثالثا: هل هناك تكفير شرعي عملي؟ # لم يكن التكفير العقائدي النظري إلا وسيلة لتكفير أعظم وأهم، وهو التكفير الشرعي ~~العملي بغية العزل السياسي لفرق المعارضة، ودفاعا عن النظام القائم. تلك طريقة ~~إدارة الصراع السياسي في المجتمعات التي تكون فيها الحجج نقلية اعتمادا على سلطة ~~التراث. ليس الأمر إذن مجرد فرق عقائدية، بل يتجاوزها إلى ms237 حقوق الأفراد المدنية ~~الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك ارتبط علم أصول الدين بعلم أصول الفقه، ~~والعقيدة بالشريعة، والأصول بالفروع. وقد اعتبر هذا الموضوع خارجا عن علم الأصول ~~وأدخل في علم الفروع، مسألة فقهية لا تدخل في علم أصول الدين. # 1 # وإذا كان موضوع التكفير الشرعي العملي لا دخل للعقل فيه، وإنما يعتمد على الأدلة ~~السمعية وحدها، فكيف يكون موضوعا في علم أصول الدين الذي يعتمد على الأدلة العقلية ~~والسمعية معا، والذي تكون فيه الأدلة العقلية أساس الأدلة السمعية حتى يتحول ظن ~~النقل إلى يقين العقل، على ما هو معروف في نظرية العلم في المقدمات النظرية؟ إن ~~أقصى ما يمكن عمله هو اعتباره من السمعيات، مثل النبوة والمعاد والأسماء والأحكام ~~والإمامة، التي ليس فيها يقين، وتظل ظنية خالصة، ولكن تزداد الخطورة أكثر لأن ~~الموضوعات السمعية الأربعة نظرية خالصة لا يترتب عليها كفر شرعي عملي، في حين أن ~~الكفر الشرعي العملي تترتب عليه آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية تؤدي إلى ~~الحصار والعزلة لمن يشهر ضده سلاح التكفير، بل إن معرفة الكافر تأتي من أضعف ~~الروايات، من الأخبار عن حال الآخرة وأمور المعاد، وأنه في النار على التأييد ~~أولا، ثم حكمه في الدنيا ثانيا فيما يتعلق بالقصاص والنكاح وعصمة المال؛ أي فيما ~~يتعلق بحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية. # والعجيب أنه طبقا لعقائد الفرقة الناجية أن القول الكاذب أو الاعتقاد الجاهل ليس ~~موجبا للتكفير، وعلى أسوأ الأحوال بالسمع، في حين أنه يمكن معرفة الكذب والجهل ~~بالعقل. وقد يكون الدافع على هذا التأكيد رفض المحاجة في الأحكام الشرعية، ~~واعتبار الحكم على الناس بالكفر لا رجعة فيه ولا مراجعة لأنه لا دخل للعقل فيه، مع ~~أن كل الأحكام الشرعية التي بها قطع وظن تصدر عن أصل واجتهاد، واحتمال المراجعة ~~فيها وارد، ومع ذلك فالأمر كله لا يخلو من تعصب وهوى. كل فرقة تكفر ما سواها؛ ~~فالتكفير سلاح ضد الخصوم. وتاريخ الفرق ليس تاريخا موضوعيا محايدا؛ لأنه لا ~~يوجد مقياس واحد لصحة العقائد. ولما كانت الفرقة الناجية هي فرقة السلطان ms238 كانت هي ~~المحك الذي تقاس صحة عقائد فرق المعارضة. # 2 # ومع ذلك وضعت الفرقة الناجية مقياسين للتكفير؛ الأول إنكار أصل شرعي ~~معلوم بالتواتر، والثاني ما علم صحته بالإجماع. وكأن التكفير ليس للعقائد، بل ~~لمناهج النظر وطرق الاستدلال، هو تكفير منهجي وليس تكفيرا موضوعيا؛ فالتواتر ~~مصدر للعلم ولا يمكن إنكاره؛ لأنه جزء من نظرية العلم، وشرط يقين الحجج النقلية؛ ~~وبالتالي هو أساس التسليم بالأصول والمصادر الشرعية. وشروط التواتر الأربعة؛ العدد ~~الكافي، استقلال الرواة، الإخبار عن حس، التجانس في الزمان؛ تجعله يقينيا. ولكن ~~هل هناك من ينكر أصلا شرعيا معلوما بالتواتر بالفعل أم أنها حالة افتراضية ~~خالصة؟ وإن وجدت، فهل هي فرقة من فرق المعارضة أم فرقة من فرق الأمة، من داخل ~~الأمة، من داخل الحضارة أو من خارجها؟ في الحقيقة لا يمكن لأحد إنكار التواتر ~~شرعا أو عقلا؛ لأنه أساس المعرفة التاريخية قديما وحديثا. وهو أحد أبواب علم ~~أصول الفقه للتحقق من الصحة التاريخية للمصدر الثاني للتشريع، وهو السنة. ولكن يظل ~~السؤال بالنسبة لعلم أصول الدين قائما: هل يكون مضمون الإيمان الوقائع التاريخية، ~~الأشخاص والوقائع والحوادث والبلدان، تعرف بالتواتر شأن المعارف التاريخية، أو ~~حتى الشعائر والطقوس بما في ذلك التجارب التاريخية ورصيد الشعوب من الخبرات ~~المشتركة؟ هل مضمون الإيمان الفتنة ووقائعها، وحياة الرسول مناكحه وأزواجه وأصحابه، ~~أم نسق من العقائد تعطي تصورات للعالم ودوافع للسلوك؟ فقد يحدث إنكار للوقائع ~~التاريخية كأحد الحلول للمشاكل النظرية بصعوبة إصدار أحكام على الأحداث، أو إغراقا ~~في الذاتية والانفعال ضيقا بالعالم. فهل يكون الصوفية بهذا المعنى كفرة نظرا لأن ~~الواقع الصوفي شعوري وليس واقعا تاريخيا، وكذلك المعتزلة في تأويلهم صفات ~~التجسيم والتشبيه؟ ليست الوقائع التاريخية ووجود الأشخاص أصلا من أصول الدين، بل ~~المعاني والدلالات كتصورات للعالم وبواعث للسلوك ومقاصد للتحقيق. ولما كان لا تواتر ~~إلا في المحسوسات؛ لذلك لا يمكن إثبات حدوث العالم بالتواتر لأنه غير محسوس، إنما ~~يمكن إثباته بالدليل العقلي، وإذا كان واضعو شروط التواتر وجامعو الأحاديث من ~~الفرق الناجية، فإن هذا القياس الأول ms239 للتكفير «إنكار أصل شرعي معلوم بالتواتر» ~~يظل سلاحا في الفرقة الناجية ضد الخصوم السياسيين. # 3 # أما القياس الثاني «إنكار ما علم صحته بالإجماع»، فإن الإجماع حجة ~~غير قاطعة لورود شبه كثيرة، وإن تطابق العدد الكبير على رأي واحد لا يوجب إلا ~~العلم الشرعي دون العلم النظري. ولا يشهد التواتر بحجية الإجماع؛ فهذا إثبات شيء ~~بشيء آخر مطلوب إثباته، فيلزم التسلسل. لا يستند الإجماع إلى دليل شرعي متواتر، ~~وإلا لما كانت هناك حاجة إلى الإجماع. وإنكار الإجماع دليل عقلي قطعي؛ لأن فيه ~~تنازلا عن الرأي حتى تجتمع الآراء كلها على رأي واحد، وإن كان هناك تواتر فإنه ~~يحتمل التأويل. ولا يمكن الحكم على تأويل النصوص بالإجماع؛ لأن الإجماع سابق على ~~العقل، كما أن السنة سابقة على الإجماع، والكتاب سابق على السنة. لا يمكن إذن ~~اتهام أحد بأنه خارق للإجماع؛ لأن الإجماع فيه شك، وهو المطلوب إثباته. إنما أتى ~~إثبات الإجماع لناحية عملية صرفة، ولأن إنكاره يجر إلى «أمور شنيعة». وإذا كان ~~الإجماع هو إجماع السابقين، وملزما لإجماع اللاحقين، فإنه يتحول إلى حجة سلطة في ~~أيدي الفرقة الناجية. والأمثلة على إنكاره كلها قياسات إخراجية، مثل الخروج على ~~الإجماع على اكتمال الوحي ونهاية النبوة. ويدل ذلك كله على أن مسائل علم أصول الدين ~~تجد حلها في علم أصول الفقه. # 4 ~~(1) حقوق الأفراد # يترتب على التكفير الشرعي العملي نتائج تتعلق بحقوق الأفراد والمساس بها. وإن ~~إنهاء العقائد النظرية بهذه الأحكام الفقهية العملية لتدل على مدى ارتباط ~~علم أصول الدين بعلم أصول الفقه، وكيف أن الهدف النهائي للعقائد هو هدف سياسي ~~بالأصالة، اعتبار الفرد جزءا من الأمة مطيعا لأولي الأمر أو خارجا عليها ~~خارجا على السلطان. الهدف من التكفير إما الضم السياسي للفرد مع النظام ~~السياسي، أو العزل السياسي له وحصاره بين رجال الشرطة وفقهاء السلطان. # وتنقسم حقوق الفرد إلى حقوق يحصل عليها أثناء حياته، مثل الشهادة والإسلام ~~وأكل الذبيحة والتزاوج ... إلخ، وحقوق يحصل عليها بعد مماته، مثل الصلاة عليه ~~ودفنه والإرث منه. ولا يمكن ms240 تقسيمها أيضا إلى حقوق فردية وحقوق اجتماعية؛ ~~لأنها كلها حقوق اجتماعية؛ فإمامة الصلاة عمل فردي وقيادة جماعية، والسلام ~~عمل فردي ولكنه يدل على علاقة اجتماعية، والشهادة عمل فردي ولكنه حكم على ~~الآخرين. ولكن يمكن تصنيف حقوق الأفراد إلى اجتماعية واقتصادية وسياسية بالرغم ~~من إمكانية التداخل بينها أو الجمع. # 5 ~~(1-1) الحقوق الاجتماعية # تشمل الحقوق الاجتماعية إمامة الصلاة أثناء حياة الفرد، أو الصلاة عليه ~~ودفنه في مقابر المسلمين بعد مماته، ورد السلام عليه وأكل ذبيحته والتزاوج ~~معه. فصاحب الرأي الذي سمي الضال أو صاحب الهوى، وهو المعارض للنظام ~~السياسي وممارساته، لا تجوز له إمامة الصلاة؛ لأن إمامة الصلاة هي الإمامة ~~الصغرى التي تقود إلى الإمامة الكبرى، ونظرا للقوة المعنوية والثقة ~~الدينية التي يتمتع بها الإمام. وما دام يقول الحق، ويقوم بخطبة الجمعة، ~~ويلقي الدروس، يستمع إليه الناس، ويكون مؤثرا في طاعتهم أو ثورتهم على ~~الحكم. كما أن الصلاة عليه بعد موته اعتراف من الجماعة بإمامته وقيادته ~~للثورة كما هو الحال مع القادة العظام. أما الدفن في مقابر المسلمين فهو ~~أيضا اعتراف بالوحدة في الحياة والموت بين الإمام وجمهور المصلين، وبأنهم ~~معه في الحركة والثبات، فوق الأرض وتحت الأرض، روحا وبدنا، ثورة وثرى. # 6 # وكيف للناس الدخول في قلوب الناس، والتفتيش في ضمائرهم، ~~والتعرف على عقائدهم، ثم الحكم عليهم بالنجاة أو الضلال، بالإيمان أو ~~الكفر؟ وما أدراني أن يكون المؤمن منافقا؟ أما رد السلام فإنه يشير إلى ~~الترابط الاجتماعي بين الناس طبقا للنصيحة: «ألق السلام على من تعرف وعلى ~~من لا تعرف.» فإلقاء السلام بداية التعارف، والإعلان عن رابطة مبدئية بين ~~الناس، ورد السلام هو استجابة لهذا النداء الأول. وبعد السلام يأتي الكلام. # 7 # أما الشهادة فهي عنوان الثقة، ودليل على قول الحق؛ فالساكت عن ~~الحق شيطان أخرس. الشهادة هي الإعلان؛ لذلك كان أول فعل للشعور إعلان ~~الشهادة حتى ولو سقط دونها شهيدا. ولا تقع الشهادة فقط على الصغائر، بل ~~على الكبائر، لا تقع على الجرائم الفردية للمحكومين، بل على الجرائم ~~الجماعية ms241 للحكام. ولما كانت شهادة المعارضة على جبروت السلطة مؤثرة في ~~الناس، وجب استبعادها وإسقاطها من فقهاء السلطان. # 8 # أما أكل الذبيحة فإنه دليل على وجود ترابط اجتماعي أقوى من ~~مجرد إلقاء السلام والرد عليه، بل التزاور والتعارف والتصادق والتحالف ~~والعشرة «العيش والملح». وإن تحريم الفرقة الناجية أكل ذبائح الفرق ~~الضالة لهو حصار اجتماعي، وقطيعة بين الأهل والجيران والمعارف والأصدقاء. ~~وكيف تحرم ذبائح المسلمين وقد ذكر اسم الله عليها؟ ألم تحلل ذبائح أهل ~~الكتاب؟ هل أهل الكتاب الذين لا يشاركون المسلمين في العقائد أقرب إليهم ~~من أهل الأهواء الذين يشاركون المسلمين في العقائد ولكن يختلفون فقط في ~~تأويلها؟ وكلما حرم فقهاء السلطان ذبائح الفرق الضالة ردت عليهم هذه ~~بالمثل، وزادت القطيعة، واحتنقت القلوب، وزاد الغيظ في النفوس، ولم يعف ~~أحد عن أحد، وانهارت العروة الوثقى التي لا انفصام لها. # 9 # أما التزاوج فهو قمة الترابط الاجتماعي بعد الصلاة والسلام ~~والشهادة والطعام، اختلاط الدم والنسب، وتحويل الترابط الاجتماعي إلى لحم ~~ودم. فإذا ما تم عزل الفرق الضالة من المصاهرة والنسب مع باقي الأمة، فإنه ~~يسهل بعد ذلك استئصالها واستبعادها، فتضمر وتموت. وهل يدخل الزوج في عقائد ~~الزوجة حين طلبها للزواج؟ وإذا كنا نتزاوج مع أهل الكتاب الذين يخالفون ~~الأمة في العقائد، أفلا نتزاوج من أهل الرأي الذين يختلفون مع فقهاء ~~السلطان في تأويلها؟ وهل يصل الأمر إلى فسخ العقد ووجوب العدة والصداق؟ # 10 ~~(1-2) الحقوق الاقتصادية # فإذا ما تم العزل السياسي الاجتماعي يستمر إحكام العزل اقتصاديا، ~~ويحرم صاحب الرأي من حقوقه الاقتصادية، مثل حقه في الإرث، وحقه في ~~الغنيمة والفيء، وحقه في المبايعة والعقود. فبالنسبة للإرث لا يرث صاحب ~~الرأي ولا يورث، وهو حكم مخالف لنص القرآن الذي يجعل الإرث مشروطا ~~برابطة الدم وحدها كعامل من عوامل توزيع الثروة مع الوصية، أي إرادة الميت، ~~وقضاء الدين، أي حق الآخر. وقد يزداد الحصار الاقتصادي بتصفية أموال صاحب ~~الرأي ومصادرتها، وتسربها إلى الجماعة باسم الإرث؛ فهو لا يرث من الأمة، ~~ولكن الأمة ترثه؛ وبالتالي ms242 تنتهي أموال المعارضة ويتم تصفيتها اقتصاديا. ~~وهل يسهل التمييز بين الكسب قبل البدعة والكسب بعدها من أجل تحليل الإرث ~~قبلها وتحريمه بعدها، وكأن الرأي يتم في وقت معلوم؟ وهل المسلم صاحب الرأي ~~أشر على الأمة من الكتابي المخالف لها في العقيدة، ويحرم عليه من ~~التوارث بينما يحل للكتابي؟ # 11 # كما يحرم على صاحب الرأي المبايعة وعقود المعاوضة؛ حتى يتم ~~أيضا حصاره اقتصاديا عن طريق النشاط التجاري، وهو المورد الرئيسي ~~للثروة في المجتمع، فلا يحق له البيع والشراء. ويحكم الحصار عندما ~~يحرم عليه العوض؛ وبالتالي يجوز حرق ممتلكاته وإتلاف زراعته وتبديد ثورته ~~دون أن يكون له حق العوض! ثم ترك حق قتله للسلطان، أي التصفية الجسدية ~~الأخيرة، بعد أن تمت تصفيته من قبل اجتماعيا واقتصاديا. # 12 ~~(1-3) الحقوق السياسية # ويعتبر صاحب الرأي المخالف عدوا للأمة يجب قتاله، أمواله غنيمة ~~للمحاربين وفيء لبيت المال، داره دار حرب. وإن كان فيها مسلم ينتسب إلى ~~الفرقة الناجية تكون داره دار إسلام. يعلن الحرب عليه، القتال أو الجزية، ~~وكأنه عدو للمسلمين، يبلغ بالدعوة، الإسلام أو القتال أو الجزية. وإن ~~كان أهل السنة في داره ظاهرين، يظهرون السنة بلا خفير ولا جوار من مجير، ~~حينئذ تكون داره دار إسلام ما دامت الغلبة للفرقة الناجية! واللقيط فيها ~~حر مسلم ما دامت الأغلبية فيها لأهل السنة. وإن لم تكن الأغلبية لأهل ~~السنة فهي دار حرب، واللقيط فيها كاللقيط في دار الحرب، وما يؤخذ منها ~~غنيمة وفيء بخمس أو بغير خمس. وأهل الدار تجب عليهم الجزية مثل المجوس، ~~لكن المرتدين لا تقبل منهم الجزية مثل الكفار. وقد يجوز استرقاقهم ~~واسترقاق أولادهم من بعدهم، فيؤخذ الصغار بجريرة الكبار! فالحكم على ~~المخالفين في الرأي إنما يتحدد بمقدار حضور أهل السنة معهم، أغلبية أم ~~أقلية، كما هو الحال في الأخلاق اليهودية عندما يشفع للأغلبية العاصية من ~~أجل القلة المؤمنة، ولكن هذه المرة يشفع للأغلبية المعارضة من أجل ~~الأغلبية السائدة أصحاب السلطة. # 13 # فماذا يبقى لصاحب الرأي المخالف كحياة اجتماعية دون الصلاة مع ms243 جماهير ~~المسلمين، وإلقاء السلام عليهم، والشهادة معهم، وأكل ذبيحتهم، والتزاوج ~~منهم، والتوارث والمبايعة والعقود معهم؟ وهل وصل الأمر إلى حد اعتبار ~~المخالف في الرأي أشد على المسلمين من أعدائهم، داره دار حرب، يعرض عليه ~~إسلام الفرقة الناجية أو القتال أو الجزية، أمواله غنيمة وفيء؟ وهل يحارب ~~المسلمون المخالفون في الرأي على أحكام فقهية ظنية عليها خلاف بين ~~الفقهاء، ومعرضة للصواب والخطأ؟ وماذا عن روح الشريعة التي تسمح بالتعدد ~~في الرأي وتصويب المجتهدين؟ لقد وصل الأمر أيضا إلى حد عدم جواز السماح ~~بالشك في كفر أهل الأهواء، وضرورة تكفيرهم قطعا. وهذه قطعية وجزم في أمور ~~نظرية صرفة، في موضوعات خلافية يجوز فيها الصواب والخطأ. ومن هنا ينشأ ~~الرأي الواحد والفكر الواحد والمذهب الواحد، وكأن الأمر سباق متبادل في ~~تكفير الشاك بين الدولة وخصومها. أليس الشك في تكفير الآخر هو بداية ~~المصالحة الوطنية بغية المحافظة على وحدة الأمة؟ # 14 ~~(2) فرق الأمة # وتصنف فرق الأمة ليس بناء على عقائدها النظرية واختلافها حولها، بل طبقا ~~لما يترتب على ذلك من أحكام شرعية؛ ففرق الأمة إما أن تكون خارجة على الأمة ~~كلية، ضدها في كل الأحكام، أو تكون خارجة عليها جزئيا، معها في بعض الأحكام ~~وضدها في البعض الآخر. في الخلاف العقائدي النظري ينشأ الاختلاف التشريعي ~~العملي، ومدى الاتفاق أو الاختلاف في العقائد هو الذي يحدد طبيعة العلاقات ~~الاجتماعية. الفرق الأولى المخالفة للأمة كليا هي الفرق التي تنتسب إلى ~~مذاهب وعقائد انتشرت داخل الحضارة ومن خارجها، وأصبحت تكون روافد فيها. ~~والفرق الثانية المخالفة للأمة نسبيا هي فرق المعارضة التي تأتي من داخل ~~الحضارة، وتعطي تأويلا لعقائدها مخالفا لتأويل الفرقة الناجية، حزب ~~السلطان. وقد تنضم غلاة فرق المعارضة إلى الفرق الأولى نظرا لسهولة ~~تعرضها لآثار من البيئة الحضارية والمذاهب المجاورة التي دخلت ضمن الحضارة ~~الجديدة الناشئة. وإذا تم التقارب مع الفرقة الناجية، فإن ذلك يتم على مستوى ~~الدفن والفيء والغنيمة والصلاة، ولكن تظل فرق المعارضة معزولة عن جماهير ~~الأمة؛ إذ لا تجوز الصلاة عليها أو خلفها، ms244 أو أكل ذبيحتها، أو التزاوج منها؛ ~~حتى يظل الحصار الاجتماعي مضروبا حولها. # 15 # وعلى هذا النحو يصبح علم أصول الدين هو الحاوي لتاريخ الفرق داخل الحضارة ~~وخارجها. وتضم الفرق داخل الحضارة ليس فقط الفرق الكلامية، بل أيضا باقي ~~العلوم، مثل الحكمة وأصول الفقه والتصوف، بل وباقي العلوم النقلية والعلوم ~~العقلية والعلوم الإنسانية، وتدور كلها حول موضوع الحضارة. الإنسان هو موضوع ~~الحضارة وبؤرتها؛ فالإنسان قابع في قلب الوحي، مقصد الله له، والكلام ذراعه ~~الأيمن لدفع التأليه والتجسيم والتشبيه، والحكمة ذراعه الأيسر لدفع قدم العالم ~~وفناء البدن، والأصول قدمه اليسرى يقف بها على الأرض ويثبت نفسه في الواقع، ~~والتصوف قدمه اليمنى يرفعها إلى أعلى ليستريح من هموم الدنيا. فالعلوم الأربعة ~~هي أطراف الإنسان الأربعة، والوحي قلبه في صدره، وكلها مرتبطة بالفهم في الرأس ~~ومركز الحركة للأطراف. وتضم الفرق خارج الحضارة كل المذاهب والديانات ~~والعقائد التي أتت من البيئات المجاورة ثم أصبحت محلية بعد انتشار الحضارة ~~الجديدة الناشئة فوقها، وضمها إياها، واحتوائها لها. وأحيانا لا ينفصل الحديث ~~عن الفرق خارج الحضارة، أي فرق الأمة، عن الفرق داخلها، أي فرق المعارضة. ~~فهي حضارة واحدة أصبحت ممثلة للبيئات الحضارية القديمة المجاورة، بعد أن تم ~~التعرف عليها وترجمتها وتمثلها، ومبدعة لفرقها الخاصة؛ وبالتالي أصبحت ~~الحضارة حلقة من تاريخ الحضارات البشرية، كما أصبح علم أصول الدين ممثلا ~~لعلم تاريخ الأديان. # 16 # وغالبا ما يحكم التصنيف الأصول لا الفروع، مناهج النظر لا ~~نتائجه، رغبة في التأصيل دون التفصيل، بل إن التكفير العقائدي النظري ذاته ~~إنما يرجع إلى التكفير المنهجي النظري على الرغم من غلبة النظرة الفقهية ~~أحيانا، والكلامية أحيانا أخرى، والأصولية أحيانا ثالثة. # 17 ~~(2-1) هل هناك كفرة لا تقبل منهم الجزية؟ # وتصنف فرق الأمة ابتداء من الكفر العام إلى الكفر الخاص؛ فهناك ~~الكفرة الذين لا تؤخذ منهم الجزية، والذين لا صلح معهم أو مهادنة، إما ~~الإسلام وإما القتال، وكأن الفرق الكلامية الحضارية قد تحولت إلى فرق ~~عسكرية تستدعي النزال بالسيف. وإن حصرها في خمس عشرة فرقة أمر ms245 تعسفي ~~خالص، ورغبة في الإبقاء على هذا العدد الرمزي في تبويب الأصول وتأصيل ~~الأبواب. ولا يوجد ترتيب معين بين الفرقة والموضوع الذي عرفت به. ~~واتفاقا مع العدد المقترح تكررت المواقف نفسها في فرق متعددة. # 18 # ويدخل معها مشركو العرب؛ فالعرب كلها لا بد وأن يكونوا مسلمين، ~~والإسلام دين الجزيرة، موحدا لقبائلها. لا يوجد فيها وثني، وإن أمكن ~~كتابي أو صابئي أو مجوسي. # 19 # فوحدة الجزيرة مقدمة للانطلاق بوحدة خارجها. ولكن طبقا لنسق ~~العلم ومنظومة العقائد الثلاثية بين المقدمات النظرية الأولى (نظرية العلم ~~ونظرية الوجود)، والإلهيات (العقليات)، والسمعيات (النبوات )، يمكن القول إن ~~معظم الفرق تتعلق بنظرية الوجود، ويتم تكفيرها بسببها، وهي مجرد مقدمة ~~نظرية للإلهيات، يتلوها التوحيد ثم النبوة والمعاد. ولكن لا يظهر على ~~الإطلاق أصل العدل أو موضوع الإيمان والعمل أو موضوع الإمامة؛ لأنها ~~موضوعات عقائدية صرفة لا تمس الفرق الحضارية، في حين أنها الموضوعات ~~الرئيسية لفرق المعارضة. # ففي نظرية العلم تبدو السوفسطائية أولى فرق الكفرة الذين لا تؤخذ منهم ~~الجزية؛ فهي إنكار للحقائق، والحقائق أساس الاعتقادات؛ فالسوفسطائية تنكر ~~العلم، وتنكر وجود أي شيء يمكن معرفة حقيقته. وإن خفت فإنها تقف موقف ~~اللاأدرية بين الإثبات والنفي. وإن وجدت مثل هذه الحقائق فإنها تكون تابعة ~~للاعتقادات؛ أي نسبية خالصة دون إمكانية الاتفاق عليها موضوعيا. تكفي إذن ~~السوفسطائية ولا تقبل منها الجزية، إما الإسلام أو القتال. فالحقيقة ~~موجودة ويمكن معرفتها، وتكون معرفتها شاملة وموضوعية. ويهم الفرقة ~~الناجية القطع والحسم والإثبات حتى يمكن تربية جماهير الأمة على الاعتقاد ~~الثابت الذي يقترب من التعصب؛ فالسلطان موجود، وشرعيته معروفة ولا خلاف ~~عليها. فالشك يولد التفكير، والتفكير يؤدي إلى الرفض. وقد انتهى الأمر إلى ~~القطيعة الخالصة؛ فبانتهاء الشك ينتهي الفكر، مع أن الشك أساس اليقين. أما ~~السمنية فإنها تقر بشيء يمكن معرفته، ولكنها لا تثبت إلا المعرفة ~~الحسية فقط. أما النظر فتتكافأ فيها الأدلة، وتتعادل فيه الحجج؛ وبالتالي ~~يبطل النظر كطريق إلى المعرفة؛ فهي أيضا لا يقبل منها الجزية، إما ~~الإسلام وإما القتال. فلا يكفي التسليم ms246 للسلطان حسيا عن طريق القوة ~~والغلبة والعسكر، بل لا بد من التسليم عقليا وشرعيا حتى يتأصل ~~الاعتقاد، ولا يأتي سلطان آخر أكثر غلبة يدركه الحس فيستسلم له. وقد ~~أدى إنكار المعرفة الحسية إلى أن أصبح وجداننا القيمي لا يعتمد عليه، ~~وهو في النهاية أساس النظر، وأصبح النظر خاويا من غير مضمون. # 20 # أما بالنسبة لنظرية الوجود فتتنوع الفرق، وتشمل الدهرية وأصحاب الطبائع ~~وأصحاب الهيولى وأصنافا من الفلاسفة وكفرة المنجمين. فعند الدهرية، العالم ~~قديم طبيعة وإنسانا، لا أول له، والتسلسل إلى ما لا نهاية غير مستحيل. ~~وهل لا بد أن يوجد إنسان أول أو سنبلة أولى أو علة أولى منفصلة عن ~~معلولها؟ ألا يؤدي ذلك إلى التشخيص وتصور الإله على أنه صانع؟ وإذا هوت ~~الأرض أبدا إلى ما لا نهاية فإن طاقتها تتناقص. إن القول بعدم البداية ~~الأولى ليس إلحادا، بل هو أكثر عقلانية من حيث الفهم. التواصل أقرب إلى ~~العلم، والانقطاع أقرب إلى الدين. والعالم موضوع علمي، والقول بقدمه فكر ~~علمي. أما الخلق فموضوع ديني، والقول بحدوثه فكر ديني. ولكن لماذا تكفير ~~الدهرية وهي تؤمن بوجود الله، ولكنها فقط تتصور العالم قديما بقدمه حتى ~~لا تتصوره صانعا، وبناء على حجج عقلية تثبت قدم العالم، وفي مقدمتها ~~قدم العلم، وقد كان العالم فكرة في الذهن الإلهي قبل خلقه بالإرادة أو ~~الأمر؟ أما أصحاب الطبائع فيقولون بقدم العناصر الأربعة، وكل أنواع النبات ~~والحيوان والجواهر مركب منها، وقد اختلفت باختلاف الصور لاختلاف المزاج ~~في التركيب. والأفلاك طبيعة خامسة قديمة غير قابلة للاستحالة والتغير. ~~والصانع قديم، لوجوب سبق الفاعل للفعل. فالقدماء ستة؛ العناصر الأربعة ~~والفلك والصانع. وهي تصورات فلسفية ممكنة سادت الحضارة لا تستوجب التكفير والقتال. # 21 # ولا يفترق أصحاب الهيولى عن أصحاب الطبائع إلا في التفاصيل؛ ~~فعند أصحاب الطبائع للعالم هيولى قديمة وأعراض حادثة، وأن الأعراض تظهر من ~~الجواهر القديمة طباعا، ولكل جنس من العالم هيولى مخصوصة؛ أي إن الهيولى ~~الأولى تتعين في جواهر خاصة، كل منها قديم. وهو تصور ممكن لا يستوجب ms247 ~~التكفير أو القتال. أما الفلاسفة فإنهم أصناف؛ صنف يقول بقدم العالم ونفي ~~الصانع، وصنف ثان يقول بقدم العالم وأن له علة قديمة، وصنف ثالث يقول ~~بأن الصانع متصور بالعقل. فالصنف الأول القائل بقدم العالم ونفي الصانع ~~يعطي الأولوية للموضوع على الذات، ولا يقع في التشخيص، ويتصور أن لكل شيء ~~علة، وأن الشيء هو معلول؛ أي مفعول وليس شيئا. وهي بداية القسمة بعد ذلك ~~في السياسة إلى حاكم ومحكوم. والصنف الثاني القائل بعالم قديم وعلة ~~قديمة يظل على الموقف الأول الطبيعي، ولكنه يقترب من الثاني الديني دون ~~الوقوع في التشخيص، فيكون الشيء علة ومعلولا، ذاتا وموضوعا. والصنف ~~الثالث القائل بأن الصانع متصور بالعقل هو قمة الإيمان العاقل، فالعقل ~~أساس النقل، وبداية علم أصول الدين، والانتقال من الطبيعة إلى ما وراء ~~الطبيعة عن طريق الأدلة على وجود الله. فهل في هذا كفر يستوجب القتال؟ وهل ~~تأويل الفلاسفة مخالف لنصوص الشرع أم أنه تعقيل لها لمزيد من الإنسانية ~~والعقلانية والروحانية والشمول؟ أليس إنكار علم الله بالجزئيات صورا ~~إنسانية عن العلم الاستنباطي ضد العلم الاستقرائي، وهو أقرب إلى الفلاسفة، ~~على حين أعطى علماء أصول الفقه الأولوية للمنطق الاستقرائي على المنطق ~~الاستنباطي من أجل إصدار الأحكام على الجزئيات؟ أليس إنكار حشر الأجساد، ~~والتعذيب بالنار، والتنعيم في الجنة بحور العين والمأكل والمشرب والملبس من ~~أجل إثبات المعاد الروحي والنعيم الروحاني، أقرب إلى العقل والإنسانية؟ ~~أليس القول بتقدم الله على العالم هو تقدم بالرتبة كتقدم العلة على ~~معلولها دون أن يعني ذلك تقدما في الزمان، إحدى التصورات الممكنة التي لا ~~يرفضها العقل؟ إن تأويل الفلاسفة للنصوص والانتهاء إلى هذه القضايا الثلاث ~~إنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد، والقوم بقدم العالم، ليس ~~تكذيبا للنبوة وللرسالة، بل تحويل للعقائد إلى معان عقلية تتفق وطبيعة ~~العصر والروح المثالية للفلسفات القديمة؛ نعمة العقل، ومنهج الاستنباط، ~~ولذة الدهشة والمعرفة. وإن التعديل الفاسد ليس كذبا أو كفرا، بل هو ~~اجتهاد خاطئ له أجر. فهل يستوجب قول الفلاسفة تكفيرا أو قتالا؟ # 22 # أما ms248 كفرة المنجمين فإنهم يقولون بقدم الأفلاك والكواكب، وبأن ~~حركاتها سبب وقوع الحوادث في العالم. يقول البعض منهم بألوهة الشمس ~~وعبادتها، والبعض الآخر بألوهة الشمس والقمر. الأول سلطان النهار، والثاني ~~سلطان الليل. ويقول فريق ثالث بعبادة الكواكب السبعة مدبرات العالم. ~~ويفضل فريق رابع القول بقدم زحل وحده لأنه أعلاها. كلها فرق جعلت ~~العالم العلوي بين الإلهيات والطبيعيات كخطوة انتقال من الفكر الديني إلى ~~الفكر العلمي. فهل تكفر وتستباح دماؤها؟ ولماذا اعتبرت الصابئة، وهم ~~عبدة الكواكب، مع أهل الكتاب يقبل منهم الجزية ويبقون على عقائدهم؟ # 23 # أما بالنسبة للإلهيات فيكفر الذين عبدوا إنسانا محدودا ، مع أن المسيحية ~~تقول بذلك أيضا بتأليه المسيح، بل وتقول الفرقة الناجية أيضا بتأليه ~~الإنسان الكامل. # 24 # كما يكفر الذين قالوا بعبادة رأس مخصوصة من رءوس الناس وكتمان ~~الدين على غيرهم. فهل هذا دين؟ وما دام أمره مكتوما على العامة، فلم ~~تعم به البلوى، وليس له دلالة إلا من حيث عبادة الإنسان وتأليهه. # 25 # ويكفر الذين يقولون بعبادة الملائكة، مع أنها جواهر مفارقة مثل ~~العقل والنفس والله، فلا غرابة أن تكون موضوعا للعبادة، ووضعها كذلك في كل ~~دين وملة، هي أقرب إلى الإناث منها إلى الذكور، وتعكس طبيعة التكوين ~~الاجتماعي ووضع المرأة في تفضيل الذكور على الإناث. وفي النهاية هي فرق ~~تاريخية صرفة لم يعد لها وجود، ولكن يظل سلاح التكفير مشهورا ضدها إلى حد ~~القتال منعا للخروج على عقائدها الفرقة الناجية؛ وبالتالي منعا للخروج ~~على السلطان. # 26 # أما الحلولية فإنها تقول بعبادة كل صورة حسنة لأن الله حل ~~فيها، أو بحلول الله في الأنبياء ثم في الأئمة. # 27 # وهي أقرب إلى الرومانسية الأدبية التي توجد في مجتمع الاضطهاد ~~من أجل رفع العالم بعد سقوطه، وتثبت الزعماء بعد استشهادهم أو اختفائهم. ~~ومثلها التناسخية التي تقول بانتقال الأرواح في الأجساد ثوابا وعقابا. # 28 # وبالنسبة للسمعيات تكفر البراهمة بالرغم من إقرارهم بحدوث العالم وتوحيد ~~صانعه وعدله وحكمته؛ لأنهم أنكروا النبوات والشرائع، وأثبتوا تكليف المعرفة ~~من وجهة خواطر العقول؛ فقد كلف ms249 الله العباد بأن يعرفوه بعقولهم، وأن ~~يشكروه على نعمه، وألا يظلم بعضهم بعضا. وحرموا ذبح البهائم وإيلامها ~~بلا ذنب. وإيلام الله لها في الدنيا لأجل عوضها في الآخرة. فأين الكفر في ~~ذلك؟ ألا يتفق ذلك مع اكتمال الوحي وانتهاء النبوة، واكتمال الوعي الإنساني ~~باستقلال العقل والإرادة؟ وما العيب في قانون الاستحقاق، وأنه لا ذنب دون ~~استحقاق إلا بعوض؟ وما المانع من نظرة إنسانية عامة ترفع الحيوان من حيث ~~هو روح إلى مستوى الإنسان؟ أليست البراهمة أولى بالاعتبار من اليهود ~~والنصارى الذين ينكرون خاتم النبوة؟ وهل يكفر أحد في السمعيات أم أنه لا ~~كفر إلا في العقليات؟ # 29 # أما النظر والعمل فيكفر كل من ينتهي إلى الإباحة. وقد تحدث ~~الإباحة نتيجة للقول بالحلول، فيحدث اطمئنان داخلي لتأييد الروح للبدن؛ ~~أو نتيجة للقول بإلهين والصراع بين النور والظلمة، فإذا ما تغلب النور ~~حدثت الإباحة؛ أو نتيجة للقول بالطبائع، فيصبح الشرعي هو الطبيعي. ~~والإباحة رد فعل طبيعي على النفاق في التمسك بالشريعة في الظاهر وعصيانها ~~في الباطن، ورد على قهر الأوامر، ورد اعتبار إلى ميول الطبيعة التي يتم ~~إثباتها في علم أصول الفقه، كما هو الحال في التوحيد بين المباح أو الحلال ~~وبين الطبيعي وهو ما تمليه الفطرة. # 30 ~~(2-2) هل هناك كفرة تقبل منهم الجزية؟ # وهؤلاء أقل شرا من الكفرة الذين لا تقبل منهم الجزية؛ إذ يمكنهم أن ~~يتعايشوا مع الأمة، وأن تقبلهم الفرقة الناجية بين ظهرانيها، ولديهم خيار ~~ثالث بين الإسلام والقتال، وهو خيار الجزية حفاظا على عقائدهم، وأمانا ~~للأمة من عداوتهم. وهم أربع فرق؛ الصابئة واليهود والنصارى والمجوس. فهل ~~هذه الفرق الأربع على مستوى واحد؟ هل الصابئة والمجوس مثل اليهود ~~والنصارى؛ وبالتالي تتساوى ديانات خارج الوحي مع ديانات الوحي؟ وهل عبادة ~~الكواكب عند الصابئة، والقول بإلهين عند المجوس، مقبول من الفرقة الناجية؟ ~~ولماذا إذن تكفير الدهرية وأصحاب الطبائع والهيولى والفلاسفة والمنجمين، ~~وهم يقولون بقدم العالم والأفلاك، وهي تشارك الصابئة في عبادة الكواكب؟ ~~ولماذا تكفير من يقول بإلهين والمجوس تقول به؟ ms250 وهل الصابئة عبدة أوثان أم ~~عبدة طبيعة؟ # 31 # تقول الصابئة بحدوث العالم وإثبات الصانع، وأنه لا يشبه شيئا، ولكن ~~الصانع خلق الفلك حيا ناطقا سميعا بصيرا مريدا مدبرا العالم، ~~والكواكب ملائكة. وهو قول مشابه للتوحيد باستثناء حياة الأفلاك. وما دام ~~الأمر كله تشبيها، قياسا للغائب على الشاهد، فلا فرق بين إسقاط الحياة ~~والسمع والبصر على الوعي الخالص أو على الطبيعة. وهو مشابه لقول الفلاسفة. ~~فلم لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال دون الجزية ويقبل من الصابئة ~~الجزية؟ وإن عدم الوصف بصفات الإثبات أفضل من الوقوع في التشبيه، كما أن ~~نفي صفات النقص عنه أقرب إلى التنزيه؛ فلا يقال حي عالم قادر، ولا يقال ~~ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز. وإن الزيادة في عدد الأنبياء لا يخرج عن ~~النبوة؛ وذلك لأن الوحي قص بعض الأنبياء ولم يقصص البعض الآخر. كما أن ~~ممارسة الشعائر مثل الصلاة والصيام كيفا لا تستلزم كما معينا، ولا ~~تتطلب الالتزام بقوانين الطعام أو قواعد الطهارة شكلا خاصا ما دام ~~الاتفاق قد تم على الجوهر والقصد. وقد تكون الأحوال الشخصية أكثر إحكاما، ~~فلا طلاق إلا بحكم ولا جمعا بين امرأتين. إن لم تكن الصابئة قد وجدت في ~~الماضي، فإنها ستوجد في المستقبل برسول من العجم ينزل عليه كتاب من السماء ~~جملة واحدة ينسخ به الشرائع السابقة، ويعلن الاتفاق بين دين الوحي ودين ~~الطبيعة ودين الأخلاق. # 32 # والسؤال: هل ما زالت الفرق القديمة موجودة حتى يمكن التعامل ~~معها؟ وإن لم تكن موجودة ولم توجد بعد، فكيف يتم إصدار حكم عليها؟ وهل توجد ~~فرق حاليا ليس لها حكم شرعي حتى يمكن التعامل معها؟ وهل تشير الصابئة ~~إلى فرق تاريخية معينة، أم أنها اختيار نظري من طبيعة العقل لدين ~~الطبيعة؟ # أما اليهود فهم أهل كتاب بالرغم من اختلافهم فيما بينهم، وتعدد فرقهم ~~واختلافهم حول توراتهم وشرائعهم وعدد أنبيائهم، وحول النسخ وإثبات اكتمال ~~الوحي ونهاية النبوة. وهناك فرق أخرى أقرب إلى توحيد المسلمين قديما ~~وحديثا، وتشاركهم في أصلي التوحيد والعدل؛ وبالتالي ms251 يصعب تكفيرهم في العقليات. # 33 # أما النصارى فليس كلهم مشركين غير موحدين، وإن كانت الغالبية ~~تقول بالتثليث على اختلاف درجات التركيز حول طبيعة المسيح، إله أو ابن الله ~~أو ثلاثة أقانيم في جوهر واحد، وعلى اختلاف درجات تصور اتحاد الله بالابن ~~بين الاتحاد على الحقيقة، وبين ظهور النقش في الطين والشمع وظهور الشعاع ~~على ما ظهر عليه. وهي أقوال لا تختلف كثيرا عن أقوال الصوفية في الاتحاد ~~بالله، وحلول الله في الإنسان ووحدته في العالم. وهي تصورات نظرية ترفضها ~~فرق أخرى قديما وحديثا تقول بالتوحيد. وتظل الممارسة العملية لبعض ~~الفرق التي تمارس التقوى والفضيلة، وتأتي بالأعمال الصالحة، هي المحك في ~~ولايتها، التزاوج منها وأكل ذبائحها واعتبارها ضمن فرق الأمة. # 34 # وأخيرا أشكل الأمر في المجوس؛ هل هم أهل كتاب أحدثوا القول ~~بصانعين، أحدهما بخلق الخير والآخر بخلق الشر، ثم رفع كتابهم كما هو الحال ~~في رفع السيد المسيح؟ هل هم ثنوية في الأصل من أصحاب النور والظلمة ودانوا ~~بعبادة النار؟ هل تؤخذ منهم الجزية كأهل الكتاب، ويكونون كأهل أوثان في ~~الذبائح والنكاح؟ وما دية المجوسي، مساوية لدية المسلم نفسا بنفس، أو لا ~~تساويها لأن المسلم لا يقتل بالذمي؟ وما دية الذمي، نصف دية المسلم أو ~~ثلثها؛ وبالتالي تكون دية المجوسي خمس دية الذمي أو جزءا من خمسة عشر ~~جزءا؟ ألا يساوي إنسان إنسانا آخر في القصاص؟ وهل يتدخل الخلاف العقائدي ~~في قيمة الإنسان، أم أن الغرض من ذلك كله هو تجويز فشل المخالف في الرأي ~~والتخلص منه؟ # 35 ~~(2-3) حكم من لم يبلغهم الإسلام أو المرتدين عنه # وهذه ليست فرقة بقدر ما هي جماعة لم تبلغها دعوة الإسلام، أو بلغتها ثم ~~ارتدت عنه. الأولى معذورة لأنه لا حكم إلا بعد البلاغ، والثانية لا عذر ~~لها للنكوص والارتداد. وفي كلتا الحالتين تنبع قيمة الإنسان من فكره، ~~ويستمد وجوده من عقيدته؛ فالذين لم تبلغهم دعوة الإسلام إن كانوا وراء السد ~~أو في طرف من أطراف الأرض ولم تبلغهم دعوة الإسلام، وكانوا معتقدين ms252 لما دل ~~عليه العقل من حدوث العالم وتوحيد الصانع وصفاته، فهم كالمسلمين؛ فالعقل ~~والوحي طريقان يوصلان إلى الحقيقة نفسها، ولكن لما كان الإسلام عقيدة ~~وشريعة يظل السؤال: هل لا بد لهم من شريعة؟ لو بلغتهم دعوة الإسلام فإنهم ~~يدعون إلى أحكام الشريعة. فإن امتنعوا عن قبولها ولم يكونوا على شرع أهل ~~الكتاب، صاروا كالوثنية الذين لا تقبل منهم الجزية. وفي هذه الحالة ألا ~~تشفع لهم معارفهم النظرية، خاصة إذا ما أدت إلى السلوك الفاضل والعمل ~~الصالح؟ ألا تكفي شريعة العقل العملية، شريعة الطبيعة والفطرة، وهو الإسلام ~~الطبيعي؟ وإن كانوا أهل كتاب ولم تبلغهم دعوة الإسلام، ثم امتنعوا عن قبوله ~~بعد إبلاغهم، صاروا مثل أهل الجزية، ولا يجوز قتلهم قبل دعوتهم إلى الإسلام ~~وإقامة الحجة عليهم، فلا عقيدة بلا حجة. ولكن ما العمل إذا غلبوا بالحجة، ~~أو إذا لم يقتنعوا بالحجة وأصروا على طلب البرهان؟ وما ديته في حالة ~~القتل؟ أيكون بغير دية ما دام بغير عقيدة، فقيمة الإنسان بعقيدته، أم له ~~دية المسلم، فلا فرق بين إنسان وآخر من حيث قيمته، أو كدية أهل دينه ~~يهوديا كان أم نصرانيا، أو كدية المجوسي إن لم يكن له دين؟ # 36 # أما المرتد فإنه يستتاب وإلا قتل، ولا تقبل منه الجزية حتى تستباح ~~دماء المخالفين في الرأي باعتبار الرأي المخالف ردة. ولما كان الرجال ~~هم أداة المقاومة أكثر من النساء، فقد خف الحكم على المرأة المرتدة. قد ~~يكون حكمها كالرجل تستتاب، ولا تقتل دون أن تسترق أو لا تقتل. فإن ~~لحقت بدار الحرب جاز استرقاقها بعد السبي حتى لا تفكر في المقاومة ~~والخروج على السلطان. ويجب قضاء الصلوات والصوم المتروكين في حالة الردة ~~دون الحج. وقد لا يوجب ذلك، وإنما الذي يوجب هو الحج قبل الردة. وأداء ~~الشعائر لا يتم إلا بالعقيدة، حيث يجب الاستسلام المطلق لعقائد الفرقة ~~الناجية ولأوامر السلطان. أما أولاد المرتدين فيجوز استرقاقهم إرهابا ~~للآباء، وقد يتركون لحالهم رحمة بالآباء. وارتداد الصبي غير صحيح، ويظل ~~على عقائد السلطان. أما إسلامه ms253 فصحيح أيضا إلا إذا رجع عنه بعد بلوغه ~~فيصير مرتدا. وإن إظهار الصبي الإسلام يفرق بينه وبين أبويه حتى لا ~~يفتناه عن دينه، وإن رجع إلى دين أبويه كان من أهل الجزية وليس من ~~المرتدين. وإذا ارتد الزوجان انفسخ النكاح إن كانت الردة قبل الدخول، ~~ويوقف على العدة إن كانت بعد الدخول، فإن انقضت التوبة قبل الرجوع إلى ~~الإسلام انفسخ النكاح، وإن أسلما قبل العدة بقيا على النكاح الأول. وقد ~~يبقى النكاح إعطاء للأولوية للعشرة التي تجمع بين الزوجين على العقيدة ~~التي تفرق بينهما. وهكذا تصبح الفرقة العقائدية وسيلة لفك أواصر الرباط ~~الاجتماعي، وكأن السلطان هو الأب والزوج لجميع المؤمنين، يشاطرونه عقائده ~~ويمتثلون لأوامره. إنما الغاية من الحكم على المرتد عزله اجتماعيا، فلا ~~تحل ذبيحته ولا نكاحه، ولا دية له، ولا قصاص على قاتله. # 37 # وكثيرا ما يستعمل قانون الردة حاليا للإرهاب الفكري ~~والسياسي. وهي واقعة لا تعم بها البلوى، وتبلغ ندرتها إلى حد استحالتها. ~~وأين السبي والاسترقاق الآن، ومن الذي يمارسه؟ إنما تقضي الردة الآن ~~الرجوع إلى الوراء وتبني مرحلة سابقة من مراحل سابقة من مراحل الوحي دون ~~مرحلته الأخيرة، حيث يكتمل الوحي وتختتم النبوة، ويعان عن استقلال ~~الإنسان عقلا وإرادة؛ فالردة نكوص وتراجع، في حين أن الإسلام تأكيد ~~لتحقيق الوحي لغايته، تقدم الوعي الإنساني حتى يصل إلى مرحلة ~~الاستقلال. ~~(3) فرق المعارضة # فرق المعارضة في مقابل فرق الأمة هي التي تنشأ من الداخل أساسا قبل أن ~~تنشأ من الخارج، وتعبر عن قوى اجتماعية وسياسية داخلية، ثم تلتحم فيما بعد ~~مع فرق الأمة لتقوية مواقفها وتدعيم عقائدها. وهي على ثلاثة أنواع؛ الأول فرق ~~المعارضة السرية في الداخل التي تقوى على المعارضة العلنية في الداخل أو في ~~الخارج، والتي تعبر عن مجتمع الاضطهاد عن الأقلية المحاصرة من الأغلبية. رفضت ~~المساومة، وعجزت عن استئناف المقاومة بعد أن استشهد أئمتها، فتحولت إلى حركة ~~سرية تحت الأرض تنتظر الفرصة السانحة لمعاودة النشاط العلني واستمرار المقاومة ~~الفعلية. والثاني المعارضة العلنية في الخارج التي تستأنف النضال ms254 العلني، ولكن ~~في جماعات منفصلة على هوامش المجتمع وفي محيطه، وليس في وسطه ومركزه، لتقويض ~~مجتمع البغي بالانقضاض على أطرافه من الخارج بدل تقويضه من الداخل، عن طريق ~~إفراغ قلبه وهدم سلطته. والثالث المعارضة العلنية في الداخل، وهي المعارضة ~~المستمرة التي تبغي الدخول في الصراع العقلي أولا؛ فهي مقدمة للصراع الفعلي ~~وشرطه. تعتمد على العقل والحوار، وعلى استعمال الحجج والبراهين. تقوم بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر علنا بالحق مستوفية شروطه كأصل من أصول الدين، ~~ولا تستعمل إلا السلاح العقلي من أجل تنوير الناس وتثوير الجماهير. فإذا غاب ~~الانفعال والفعل على الفريقين الأولين، فإن العقل والتنوير هما الغالبان على ~~الفريق الثالث. وإذا سهل اتهام الفريقين الأولين بقلب نظام الحكم واستعمال ~~العنف، فإنه يصعب اتهام الفريق الثالث لأنه يجهر بالحق ولا يخفي شيئا، ويدعو ~~إلى إعمال العقل ويطلب البرهان، ولا يتسلح إلا بحرية الفكر الذي لا يعيش القهر ~~والبغي إلا في غيابه؛ لذلك كان الهجوم الأكبر من فريق السلطان على المعارضة ~~العلنية في الداخل؛ فالأولى يسهل حصارها عقائديا لمغالاتها في تصوير ~~العقائد وقيامها بالنشاط السري، والثانية يسهل حصارها عمليا لانقضاضها ~~بالسلاح على جماهير الأمة. أما الثالثة فيصعب حصارها نظريا لقوة أصليها، ~~التوحيد والعدل، وعمليا لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنصح الحكام، ~~وتدعو إلى الشورى علنا والناس شهود، وليس أمام السلطان إلا الإقناع أو الاقتناع. # 38 ~~(3-1) المعارضة السرية في الداخل # وتشمل كل الفرق التي ظهرت في مجتمع الاضطهاد، يغلب عليها طابع التحول ~~إلى الداخل، والانقلاب إلى الباطن، والمغالاة في الرفض، والتشيع والتحزب ~~لفريق دون فريق. # 39 # تغلب على عقائدها موضوعات الألوهية والنبوة والإمامة، دون ~~العدل بعد أن كفروا بالعدل في الدنيا، ودون المعاد بعد أن رفضوا العدل في ~~الآخرة. وفي مقابل الاختيار الإنساني يضعون القدر، وفي مقابل العقل يضعون ~~الروح. ويرون الإيمان نفاقا، والعمل تبريرا للظالم. غرض المعارضة السرية ~~في الداخل تقويض الدولة وهدم النظام، والقضاء على السلطة اللاشرعية. فإذا ~~ما اتحدت مصالحها مع إحدى فرق الأمة الحضارية، فإن المؤامرة تتحول ms255 إلى ~~نظام الإسلام ذاته من أجل ضياع شوكته، ابتداء من ضياع العقيدة والقضاء على ~~أسباب قوتها. ففي الإلهيات تظهر الثنائية بديلا عن التوحيد؛ ثنائية الله ~~والشيطان، الخير والشر. ومع أن الأول خلق الثاني إلا أنهما معا مدبران ~~للعالم؛ وبالتالي يقضى على الدين الجديد القائم على التوحيد، وتعاد ~~الثنائية القديمة، وتساعد ثنائية الخير والشر فرق المعارضة على مقاومة ~~سلطة البغي؛ لأنها عقائد صراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين ~~المقهور والقاهر، وكما تساعد عقائد التوحيد عند الفرقة الناجية على قهر ~~المعارضة باسم الإله الواحد والسلطان الأوحد. وبالنسبة للنبوات، لما كان ~~تركيز فرقة السلطان على أن المعجزة هي الدليل على صدق النبوة، فقد أنكرت ~~المعجزات الخارقة للعادة من أجل إنكار النبوة وتقوية الأئمة. كما تم إنكار ~~الملائكة من السماء الحاملين للوحي في معرض إنكار النبوة من أجل تقويض ~~مصدر النبوة في الوحي. وتم تأويل الملائكة لحساب المعارضة؛ فجبرائيل ~~وميكائيل وإسرافيل زعماؤها، أما الشياطين فهم مخالفوهم، الأبالسة علماء السلطان. # 40 # ليس الأنبياء سحرة، بل قادة. هم قوم أحبوا الزعامة، فساسوا ~~العامة بالنواميس والحيل طلبا للزعامة وبدعوى النبوة، ثم استعبدوهم ~~بالشرائع من أجل إبقاء الناس تحت إمرتهم، على عكس الأئمة الذين يأتون ~~لتحرير الناس، لكل نبي دور سبع، إذا انقضت ظهر في دور آخر. يقومون بتأويل ~~الشرائع حتى تخف قبضتها على الناس ويتحررون منها؛ فالصلاة الثناء على ~~الإمام، والزكاة دفع الخمس إليه، والصوم الإمساك عن إفشاء أسرارهم عند ~~مخالفيهم، والزنا إفشاء أسرارهم بغير عهد. وينتهي التأويل إلى إسقاط ~~العبادات والحدود؛ فيباح الخمر، ويباح نكاح ذوات المحارم، ويعود دين ~~المجوس. فإذا كانت الثنائية عقيدة صراع لمجتمع الاضطهاد في مقابل عقيدة ~~التوحيد لمجتمع الغلبة، فإن الإمامة أيضا تكون في مجتمع الاضطهاد ووسيلة ~~تحرر من النبوة كعنصر قهر في مجتمع الغلبة. وإذا كان تطبيق الحدود ~~والشرائع في مجتمع القهر وسيلة للضغط الاجتماعي، فإن تأويل الشرائع في ~~مجتمع الاضطهاد وسيلة للتحرر من الشريعة حتى تسقط نهائيا، ويتحرر ~~الإنسان مع نفسه أولا قبل أن يتحرر من الآخر، وإلى ms256 الداخل قبل أن يتحرر ~~إلى الخارج؛ فالإباحة رد فعل طبيعي على الكبت. وإن طبيعة السلوك في ~~المجتمع المغلق هو التحرر في إطار الانغلاق، التحرر المنعكس على الذات ~~كوسيلة لتقويض مجتمع القهر من الداخل. # 41 # وكان من الطبيعي أن تحكم عليها فرقة السلطان بأنهم مجوس، تؤخذ ~~منهم الجزية، وتحرم ذبائحهم ونكاحهم، أو بأنهم زنادقة تقبل توبتهم إذا ~~جاءوا تائبين، ولا تقبل بعد ضبطهم متلبسين في خلاياهم السرية. # 42 # وقد تعتمد عقائد أخرى للمقاومة السرية لا على الثنائية المتعارضة بين ~~الخير والشر، بل على الحلول، حلول الله في الإنسان، وحلول الروح في البدن. ~~فنتيجة لإبعاد الله عن العالم يأتي إليه، ونتيجة لإبعاد المظلوم وإنكار ~~حقه فإنه يتأكد بحلول الله فيه. يظل الله حاضرا حتى ولو فني الإنسان، ~~فالحق باق حتى ولو انهزم أنصاره. وكما يحل الله في الإنسان يحل في ~~الكون، ويصبح الله والإنسان والطبيعة شيئا واحدا. هذا الإنسان الذي يحل ~~فيه هو الإنسان المتميز، القائد الزعيم، وهو الإمام الذي يقوم بالتبليغ عن ~~الرسالة ثانية باسم الله إلى الأمة ليمحق الظلم، ويعيد الحق، ويؤسس ~~العدل. فإذا ما حلت الروح في البدن أصبح سلوك الجوارح شرعيا بفعل ~~الروح، فتسقط العبادات والمحرمات والشرائع التي تمارسها وتطلبها فرقة ~~السلطان، وتكون للجماعة السرية شريعتها الخاصة التي تقوم على التحرر الذاتي ~~مع النفس إن استحال التحرر من الآخر في الخارج. وتجوز شهادة الزور على ~~مخالفيهم، بل وخنقهم تقوية لأواصر الجماعة السرية، وتفكيكا لنظام جماعة ~~الغلبة والقهر. كل من عداهم كافر، كافرون الذين لا يناصرون الإمام الحق، ~~وكافر الإمام الحق الذي يترك قتال أعدائه. ونتيجة ذلك كان حكم فرقة ~~السلطان عليهم بالردة، وحكمهم حكم المرتدين. # 43 # وقد تأخذ عقائد المعارضة صورا أبسط بدلا من الثنائية بين الله ~~والشيطان، أو حلول الله في الإمام، وهي عقائد التجسيم والتشبيه؛ ففي ~~التجسيم يكون لله حد ونهاية من جهة السفل، ومنها يماس عرشه، ويكون محلا ~~للحوادث، يرى الشيء برؤية تحدث فيه، ويدرك ما يسمعه بإدراك ما يحدث فيه. ~~وفي التشبيه يكون الله ms257 على صورة إنسان. وإذا ما عبد الإنسان الله فإنه يعبد ~~إنسانا مثله. والحقيقة أن التجسيم والتشبيه إنما يمثلان رد فعل على ~~إبعاد الله عن حياة البشر، واعتباره الفوق المطلق الذي ليس كمثله شيء، ثم ~~يعتمد السلطان على هذا التصور ليتمثله ويصبح هو الله. فبدلا من الله ~~السلطان أو السلطان الله، هناك الإله التاريخ أو التاريخ الإله، الذي يحدث ~~فيه كل ما يقع في العالم من حوادث ومآس. وهناك الإله الإنسان والإنسان ~~الإله، أي إنسان وليس السلطان القريب من المباشر والشبيه به. ولا يعني ~~ذلك إفساد دلالة الحدوث على التوحيد؛ لأنه إن لم يكن العالم حادثا ثم يكن ~~هناك طريق لمعرفة الصانع، فالعالم ليس سلما لغيره، وإثبات الله لا يكون ~~على حساب العالم بنفيه. فالله هو العالم، والعالم هو الله. وبالتالي تعود ~~الروح إلى الطبيعة كي ترفعها إليه. وكلهم في حكم الكفرة عبدة الأوثان عند ~~فرقة السلطان. # 44 # وفي صياغة أخرى لعقائد المعارضة بالإضافة إلى الثنائية المتعارضة بين ~~النور والظلمة، أو حلول روح الله في شخص الإمام، أو القول بالتجسيم ~~والتشبيه، يتم الإعلان عن ألوهية الأئمة. فالإمام لم يمت، بل هو حي قائم ~~في الجبال يعيش مع الأسود والنمور وفي الكهوف والوديان، تأتيه الملائكة ~~برزقه غدوة وعشية، لا يموت إلا بعد أن يعيد الحق إلى نصابه، ويملأ ~~الأرض عدلا كما ملئت جورا. يتحد بالعالم وبالكون فيأتي في السحاب. ~~والتصديق به داخلي محض عن اقتناع باطني، وليس عن شهادة حسية، حتى ولو ~~أوتي أنصاره بدماغه سبعين مرة لم يصدقوا بموته. # 45 # وما دام الإمام إلها حيا لم يمت فإنه يعود ويرجع، ينتظره ~~الناس حتى يقودهم للقضاء على نظم البغي وشرائع البطلان. ومن الطبيعي في ~~مجتمع الاضطهاد أن يتحول الموت إلى حياة، والهزيمة إلى نصر، والزعيم إلى ~~إله؛ فالتقصير في حق الإمام يؤدي إلى الغلو فيه. وقد ترتبط ألوهية الأئمة ~~بالتجسيم، فيكون الرب سبعة أشبار بشبر نفسه؛ نظرا لأن العدد سبعة عدد ~~رمزي، والله يكون مقياس نفسه ذاتا وموضوعا، ولا يقاس بشيء غيره. ms258 لحم ~~ودم على صورة إنسان ترد عليه الشمس مرتين، على رأسه تاج، أعضاؤه على عدد ~~حروف الهجاء، الألف للساقين. لما أراد أن يخلق تكلم باسمه الأكبر، فوقع ~~التاج؛ فالله كلمة، أي إن جسمه حروف، وعدد أعضائه بعدد الحروف، الألف ~~للساقين، والخلق جزء منه بالكلمة، تاج على رأسه. فالله إنسان وكون، ثم ~~يتحول التوحيد إلى العدل عندما يكتب الله بأصبعه أعمال العباد من المعاصي ~~والطاعات؛ أي إنه كل شيء مقدر سلفا، ولا حرية ولا اختيار للعباد. ولما ~~كانت رؤية المعاصي مثيرة للإزعاج والغضب، انفض عرقا واجتمع منه بحران؛ ~~الأول مالح مظلم للمعاصي، والثاني عذب نير للطاعات. وكأن العالم في ~~البداية أصله الشر. فلما رأى ظلمة في البحر وأتى ليأخذها، طار وأخذه، وقلع ~~عيني الظل، وخلق منه الشمس وشمسا أخرى، الكفار من الملح المظلم، ~~والمؤمنون من العذب النير. هذه أسطورة تمثل الصراع بين الخير والشر بين ~~العدل والظلم، بين مجتمع الاضطهاد ومجتمع القهر. مصائر البشر طبقا لخطة ~~كونية، وليست طبقا لاختيار العباد بعد أن أساء العباد الاختيار، أو وقعوا ~~تحت ضغوط الرشوة والتعذيب، فتأففوا واختاروا على غير ما اعتقدوا. # 46 # وإذا كان الله قريبا من العباد فإن علمه محدث، لم يكن يعلم ~~شيئا حتى أحدث لنفسه علما. والله يريد الشيء ويعزم عليه، ثم تبدو له ~~البداوات؛ لأن علمه حادث متغير. وقد رجع ذلك إلى قوة الحوادث وإلى قرب ~~الله، وأن الله يصبح كصفحة للتاريخ تسطر فيها الحوادث، وتسجل مآسي البشر. # 47 # وفي السمعيات، تظهر النبوة على أنها الموضوع البارز في عقائد المعارضة ~~السرية في الداخل، فالنبوة تعني القدرة الخارقة، وهي مستمرة في الأئمة. وهم ~~مثل خاتم الأنبياء حرفيون، بشر عاديون، وليسوا من الأشراف بالضرورة. فكما ~~تحل روح الله في الأئمة تستمر النبوة فيهم. # 48 # وقد تأتي النبوة للإمام من الأساس بعد غلط جبريل وخلطه بين ~~محمد والإمام. وبصرف النظر عن تعارض ذلك مع العقل، كيف يغلط جبريل سهوا أو ~~عمدا والملائكة لا تخطئ، وإن أخطأت فالله يصححهم كما يفعل مع الأنبياء؟ ~~وكيف ms259 يتعمد جبريل الخطأ وهو مطيع بالضرورة، معصوم من الخطأ؟ وهل يمكن ~~الخطأ بين أوصاف خاتم الأنبياء وأوصاف الإمام النبي؟ # 49 # والإلهام طريق المعرفة وللإمام، وهو أوثق من القرآن الذي بدل ~~وزيد فيه ونقص منه. # 50 # كل ذلك إنما يهدف إلى إعطاء قوة لزعيم جماعة الاضطهاد حتى ~~يستطيع الوقوف على قدم المساواة مع النبي في مجتمع القهر والغلبة. وفي ~~المعاد تفنى الجنة والنار، ويكون الثواب والعقاب في هذه الدنيا إلى أبد ~~الآبدين دونما انتظار إلى حياة بعد الموت ما دامت الأرواح تتناسخ؛ ~~الخيرة في ملائكة، والشريرة في حيوانات. الخيرة هم دعاة مجتمع ~~الاضطهاد، والشريرة زعماء مجتمع الغلبة. # 51 # وفي الإيمان والعمل، وطبقا لطبيعة المجتمعات السرية، فإنه ~~تسقط الشرائع التي تمثل أداة ضغط وضبط اجتماعي في يد مجتمع القهر والغلبة، ~~ويباح كل شيء. وفي الوقت نفسه يخلق المجتمع السري شريعته الخاصة التي ~~تساعد على تماسكه الاجتماعي، ويخلق محرمات جديدة فيه؛ فيتراوح سلوك ~~المجتمعات السرية بين التوسع والتضييق، بين الإباحة والتحريم، بين اللين ~~والتشدد، دون توسط أو اعتدال؛ فالسلوك باستمرار في أحد الطرفين. # 52 # وفي الإمامة الكل كافر، من بايع غير الإمام، والإمام لرفضه ~~حرب من لم يبايعه. وقد كان الإمام مرتدا قبل أن يتولى الإمامة. وقد يكون ~~النبي هو المسئول عن هذا الخطأ لعدم توضيحه الأمر عن الإمامة من بعده. # 53 # ويبدو أن النماذج الدينية من البيئات الحضارية المجاورة قد ~~ساهمت في إثراء الصور الفنية وتنوع أشكال التعبير، خاصة من اليهودية ~~والمسيحية. وقد شاركت اليهودية مجتمع الاضطهاد في الظروف الاجتماعية ~~والسياسية نفسها فيما يتعلق بألوهية الأنبياء والأئمة، أو مشاركتهم في ~~الخلق باعتبارهم أول المخلوقات، ونزولهم آخر الزمان أو رجعة الأموات. وقد ~~تداخلت البيئتان ليس فقط بفعل الترجمة، ولكن بفعل التعايش بين الأمم داخل ~~الأمة الكبرى. ولكن يظل العامل الغالب هو الظروف النفسية والاجتماعية ~~لمجتمع الاضطهاد الذي قد ظهر في شكل سياسي كما هو الحال في فرق المعارضة، ~~أو في شكل احتفالي كما هو الحال في جماعات الصوفية. # 54 ~~(3-2) المعارضة العلنية في ms260 الخارج # وتشمل كل فرق المعارضة التي آثرت حمل السلاح لتقويض دولة الظلم علنا. ~~ولما استحال ذلك في الداخل لاصطدامها مع فرقة السلطان والعسكر والشرطة، ~~فإنها خرجت على أطراف الأمة للعودة إليها غزوا وفتحا جديدا. ويستحيل ~~تكفير عقائدها في الإلهيات؛ لأنها تقوم على أصلي التوحيد والعدل، كما هو ~~الحال في المعارضة العلنية في الداخل، ولكن يأتي التكفير أساسا موجها ضد ~~السمعيات (النبوات)، خاصة في موضوعي النظر والعمل والإمامة، أي في عمل ~~الفرد وعمل الجماعة، فعل الفرد وفعل الدولة. فإذا كانت قوة المعارضة السرية ~~في الداخل في الإلهيات في عقائد التأليه والتجسيم والتشبيه، فإن قوة ~~المعارضة العلنية في الخارج في النبوات في النظر والعمل وفي الإمامة. ويصعب ~~على فرقة السلطان تكفير التنزيه وتكفير أصلي التوحيد والعدل. ونظرا لأن ~~المعارضة العلنية في الخارج أهل عمل وليسوا أهل نظر، متحمسون سياسيا ، ~~فإنهم يعتمدون في نظرهم على المعارضة العلنية في الداخل، وهم أصحاب النظر ~~والمعارضة العقلية. # 55 # ففي السمعيات لا يظهر موضوع النبوة إلا قليلا؛ فتحت وطأة المعارضة ~~لفرقة السلطان وللنظام اللاشرعي تستلهم نبوة أخرى قادمة من قوم آخرين ~~تنسخ النبوة التي تحولت إلى شريعة ظالمة. تستمر النبوة ولا تنقطع؛ لأن ~~تحول النبوة إلى خلافة ظالمة لا تقضي عليها إلا نبوة جديدة. ويكون ~~الدين الجديد عودا إلى الدين الطبيعي بعد أن انهار دين الوحي ومثلته ~~دولة ظالمة. ويكون للدين الجديد كتاب آخر مطابق للدين الطبيعي ينزل مرة ~~واحدة، ويكشف الحقائق مرة واحدة دون تغير أو تطور أو نسخ طبقا لمصالح ~~أحد، حتى ولو كان الإنسان نفسه أو جماعة المؤمنين. ويكفي للإيمان الشهادتان ~~حتى ولو كانت النبوة للعرب وحدهم، والتزم الناس بالشهادة الأولى، ثم ~~طبقوا شرائع اليهودية أو النصرانية؛ فشريعة خاتم الأنبياء تحولت على ~~أيدي الناس إلى شريعة ظالمة. في هذه الأمة إذن شاهدان؛ الأول خاتم ~~الأنبياء، والثاني شاهد آخر قد لا يتعين ظهوره قبله أو بعده. وهنا تلحق ~~المعارضة العلنية في الخارج بالمعارضة السرية في الداخل في إثبات الحاجة ~~إلى إمام آخر؛ أي إلى قيادة ms261 جديدة للأمة. وتعبيرا عن التطهر والتزهد ~~والتعفف تنكر إحدى سور القرآن التي تشير إلى الغواية تمسكا بالنقاء ~~والطهارة الروحية. # 56 # وبصرف النظر عن إشارة عابرة إلى المعاد، واعتبار أن عذاب النار ليس هو ~~العذاب الوحيد، وأن العذاب لمخالفيهم وليس للموافقين معهم، لغيرهم وليس ~~لهم، فإن الموضوع الغالب على المعارضة العلنية في الخارج في السمعيات هو ~~النظر والعمل والإمامة. وهما متشابكان؛ إذ إن الثاني، إيمان الإمام أو ~~كفره، يقوم على الأول، تحديد معنى الكفر والإيمان. فمرتكب الكبيرة كافر، ~~ومن لا عمل له لا إيمان له، ولا وسط بين المؤمن والكافر، فاسقا كان أم ~~عاصيا أم منافقا؛ ففي لحظات المقاومة لا وجود للحلول الوسط، ولا يثبت إلا ~~طرفا الصراع، الشيء ونقيضه. وكيف يوجد وسط بين الإيمان قولا دون التصديق ~~وجدانا أو التحقيق عملا؟ والمعصية جهل، وليست مجرد ارتكاب فعل مخالف ~~للإيمان . ومن أتى بكبيرة فقد جهل، ليس من أجل الفعل، ولكن من أجل المعرفة؛ ~~فالفعل معرفة، والعمل نظر؛ فلو ضاع الفعل والعمل ضاعت المعرفة والنظر. وقد ~~تكون المعرفة بالله والمعرفة بالنبي؛ فمن عرف الله وكفر بالنبي فهو كافر لا ~~مشرك، ومن جحد الله أو جهله فهو مشرك. فالمعرفة بالله، أي التوحيد، أساس ~~الإيمان والكفر تأصيلا للأصول وبحثا عن الجذور. # 57 # وإذا كانت الكبيرة هي ما طبق فيه الحد، فإن أي فعل مهما كان ~~صغيرا وكان به الإصرار كان كبيرا. # 58 # ويظهر التأرجح بين الشدة مع الخارج واللين مع الداخل في قوانين ~~الطعام والنكاح؛ فيكفر الإمام في كل مكان، وتحرم المياه كلها لو وقعت فيها ~~قطرة خمر! ويحرم طعام أهل الكتاب، وتحرم أنواع من الطعام مثل ذكر الحيوان، ~~رمز الحياة والقوة والعنف، أو طهارة واستحياء وتعففا، والقضاء على من ~~نام في رمضان فاحتلم واجب، ويحرم أكل السمك حتى يذبح، ويكفر من يخطب في ~~العيدين، الفطر والأضحى. ومن مظاهر اللين الشرب من ماء الحموم، ولا صلاة ~~واجبة إلا ركعة واحدة بالغداة وأخرى بالعشي، وأن الواجب في الزكاة نصف ~~العشر مما سقي بالأنهار والعيون، والحج ms262 في جميع شهور السنة، ولا تؤخذ ~~الجزية من المجوس، بل يصل الأمر باللين إلى تصور أن أهل النار في لذة مثل ~~لذة أهل الجنة. ويمكن إسقاط حد الخمر، ويجاز نكاح البنات وبنات البنين ~~وبنات الإخوة وبنات الأخوات حفاظا على جماعة المؤمنين. # 59 # وتبلغ حماية مجتمع الاضطهاد ولذاته ومقاومته لمجتمع الغلبة ~~ونصرته لإمام العدل في مواجهة الإمام الظالم في تكفير المخالفين. ولا فرق ~~بين البالغين والأطفال، بين الرجال والنساء. وكل من قعد عن نصرتهم أيضا ~~فهو كافر؛ فالحق مع الخروج على الإمام الظالم، ولا سبيل للقضاء على الظلم ~~إلا بالخروج بالسلاح، واستعمال العنف، وقتل المخالفين، والقسوة على ~~المخالفين أشد من القسوة على أهل الكتاب. # 60 # وبالرغم من استطاعة الناس الاستغناء عن الإمام نظرا لطبيعتهم ~~الخيرة، والتي لا تفسد إلا بالسلطة الجائرة، فإن الإمام هو الذي يقوم ~~بتطبيق الحدود؛ وبالتالي هو الذي يحدد الكفر، وإذا كفر الإمام كفرت رعيته ~~معه مهما امتدت أطراف البلاد شرقا وغربا، ومن مات قبل أن تبلغه الرسالة ~~فقد كفر أيضا. يكفرون الأمة، والأمة تكفرهم، ومع ذلك يمكن التعايش بينهم ~~ما داموا لا يحملون السلاح؛ فالمحك هو الطاعة لأولي الأمر والإذعان للسلطان. # 61 ~~(3-3) المعارضة العلنية في الداخل # وتمثل المعارضة العلنية في الداخل أقوى أنواع المعارضة وأمضاها؛ نظرا ~~لأنها معارضة شرعية تقوم على النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وليس في أصولها النظرية الخمسة، التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة ~~بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يستوجب التكفير إلا عن ~~سوء نية وتعمد حصار. وهي معارضة عقلية لا انفعالية، علنية لا سرية، ~~تعتمد على الحجة والدليل، وتطلب مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان. ~~يصعب إذن تكفيرها على مستوى العقائد النظرية أو الممارسات العملية. وهي ~~التي أنشأت الحضارة؛ لأنها تعمل عقليا من الداخل، كما أنها كانت الدافع ~~على صياغة عقائد فرقة السلطان كرد فعل عليها، ولتحقيق غايات مضادة ~~لها. ويمكن عرضها بطريقتين؛ الأولى بعقائدها الرئيسية، ثم بعقائدها الفرعية ~~طبقا لتنوعات الفرق داخلها؛ والثانية طبقا لموضوعات علم أصول الدين بصرف ms263 ~~النظر عن فرقها الرئيسية أو الفرعية. الأولى الموضوعات من خلال الفرق، ~~والثانية الفرق من خلال الموضوعات. # 62 # وإن تسمية الفرق بأسماء مؤسسيها لأولى وسائل الإبعاد ~~والمحاصرة، وكأن الفرقة تدعو لأفكار مؤسسها وليست نسقا عقائديا ~~مكتملا يبني موضوعات عقائدية وأصولا عقلية، بل توضع مع المشبهة، وفرق ~~بين التنزيه والتشبيه؛ أو مع الجبرية، وفرق بين الجبر وخلق الأفعال. # 63 # ولا تذكر من فرق الأمة إلا فرق المعارضة دون فرق التأييد ~~مثل الصوفية، مع أن عقائدهم مخالفة تماما لعقائد فرق السلطان؛ مما يدل ~~على أن مقياس التكفير ليس العقائد، بل طاعة السلطان. فالصوفية ليسوا من ~~قوى المعارضة، بل نزعة هروبية من العالم في البداية، وتنتهي بالاستسلام ~~والرضوخ والإذعان. تؤيدها الدولة نظرا للمصالح المشتركة بينهما في إبعاد ~~الناس عن العقل، والوقوع في أسر الشعوذة والسحر. وقد قامت عقائد الفرقة ~~الناجية وازدوجت بعقائد الصوفية ما دامت الغاية واحدة. كما تم استثناء ~~الفلاسفة عن التكفير، وعقائدهم شبيهة بعقائد المعارضة السرية من الداخل، ~~ويعتمدون على التأويل مثلهما. ولا تقسم الفرق حسب العقائد، بل حسب ~~التطرف والاعتدال، الإسراف والاقتصاد، المغالاة والتوسط، وكأن الهدف هو ~~القضاء على التطرف والإسراف والمغالاة حتى يبقى النظام قائما على الحلول ~~الوسط بعد استبعاد وحصار كل الحلول الجذرية. فكل الفرق تقوم على التأويل، ~~والتأويل مشروع بناء على حق الاجتهاد؛ فدماء المسلمين وأموالهم محرمة ~~فيما بينهم بواقع الشهادتين، وإن ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ ~~في سفك دم مسلم واحد. التكفير إذن ليس من أجل العقائد، بل من أجل المواقف ~~السياسية، وهذه تتحدد بالتطرف أو التوسط تجاه السلطان. # 64 # ففي المقدمات النظرية الأولى في نظرية العلم، ما العيب في القول بأن ~~المعارف ضرورية؟ أليست المعارف الضرورية هي المعارف الفطرية المغروزة في ~~النفس، والتي تدل على أن الطبيعة البشرية عاقلة؟ أليست المعرفة الضرورية ~~شرطا للمعرفة الاستدلالية، وكلاهما شرط التكليف؟ إن رفض المعارف الضرورية ~~من فرقة السلطان، والتركيز على المعارف المكتسبة، إنما يهدف إلى زعزعة ثقة ~~الإنسان بعقله، وإيمانه بالمعارف الآتية من الخارج، والتي تأتي ms264 من نظام ~~الدولة، وليست من داخل الفرد. وإن الصراع بين المعارف الداخلية والمعارف ~~الخارجية هو صراع سياسي بين الحرية الطبيعية والقهر الاجتماعي، بين ~~المساواة الطبيعية واللامساواة الاجتماعية. أما التدقيق في شروط التواتر ~~وتصعيبها، فإن ذلك رد فعل على التساهل فيه، ومن أجل التخفيف من سلطة ~~النقل؛ فتحديد العدد بخمسة، وأن يكون من بينهم ولي، إنما هو إمعان في ~~الدقة، وتركيز على شرط الأمانة الداخلية والورع في النقل، بعد أن خضع النقل ~~أحيانا للهوى والتحزب والمصلحة. # 65 # ولكن الغالب في التكفير هو نظرية الوجود؛ لأنها تتعلق بالعالم والسيطرة ~~عليه؛ فالوجود في ظاهره طبيعيات، ولكن في حقيقته إلهيات مقلوبة على ~~الطبيعة؛ وبالتالي أمكن التكفير فيها لأنها ليست مسائل طبيعية خالصة لا تمس ~~العقائد. فإذا تكونت نظرية الوجود من الأمور العامة (الميتافيزيقا) ومبحث ~~الأعراض (الظاهريات) ومبحث الجواهر (الأنطولوجيا)، فقد كان الغالب هو مبحث ~~الأعراض والجواهر أكثر من ميتافيزيقا الوجود الخالصة التي هي مبادئ صورية ~~عامة يحكمها العاقل، مثل الوجود والماهية والعدم والوحدة والكثرة والعلة ~~والمعلول والوجوب والإمكان والاستحالة، باستثناء إثبات المعدومات أشياء على ~~الحقيقة لا نهاية لها، وذلك تعبير عن قوة الإحساس بالظلم من أجل إثبات ~~الشر، وليس مجرد تبخيره بتفاؤل المتنصر الذي بيده الأمر. # 66 # وفي مبحث الأعراض غلب مبحث الكيف على أنه تحليل للحواس، ~~وخاصة الرؤية. والقول بأن الحواس أكثر من خمس، سبع مثلا، من أجل التركيز ~~على أهمية المعارف الحسية وتنوعها. # 67 # ويطغى مبحث الجواهر والأجسام على مبحث الأعراض والكيف؛ وذلك ~~تكفيرا للقائل بالموقف الطبيعي من أجل هدم القانون وإثبات لقدرة الله ~~المطلقة القادرة على إيجاد جواهر بلا أعراض، أو أعراض بلا جواهر، وإنكار ~~نظريات الكون والطفرة والتولد وخلق الأجسام لأعراض بذاتها؛ وبالتالي يتم ~~تدمير الطبيعة لحساب الله، أي القضاء على العالم لحساب السلطان، مع أن خلق ~~الطبيعة لذاتها ليس إنكارا للخلق. والخلاف هو: هل الخلق من الخارج أم من ~~الداخل؟ هل هو خلق وفق إرادة مطلقة أم أنه يتم وفقا لقانون؟ وكيف يخلق ~~الله الشرور والآثام والعقارب والحيات والآفات؟ ms265 وهل يصدر عن الخير شر، ~~وعن الحكمة سفه، وعن الإتقان خلل؟ وأيهما أكثر تنزيها لله؛ أن يكون هو ~~خالق الشر أم أن يكون الإنسان مصدر الشر؟ وإذا كان الخير من الله، والشر من ~~الإنسان، أليس سوداوية صرفة، واتهاما للذات أن يكون السلطان مصدر الخير، ~~ولا يفعل إلا الخير، وأن الشر مصدره الإنسان الشرير، وهو المعارض الرافض ~~لأوامر السلطان؟ ولصالح من إنكار العلل الثانية، وإرجاع كل شيء إلى العلة ~~الأولى؟ ألا يعني ذلك إنكار إرادات البشر، وتحويلها كلها إلى إرادات واحدة ~~يصعب بعدها معرفة إرادة من، إرادة الله أم إرادة السلطان؟ ولماذا تكفير ~~القائل بأن الأعراض كلها من جنس واحد؟ ولماذا التمايز في المادة؟ إن الهدف ~~من الفكر العلمي هو إيجاد قانون مطرد، وإيجاد المتشابهات في الأشياء، في ~~حين أن الهدف من الفكر الديني هو إيجاد الاستثناءات والمختلفات في الأشياء. ~~وإن إثبات الأعراض حركة أقرب إلى العلم من إثباتها أشياء ثابتة. ولماذا ~~تكفير القبائل بأن الأجسام خلقت الأعراض بأنفسها؟ وهل يحتاج كل عرض إلى ~~خلق مستقل وتدخل الإرادة الإلهية في كل لحظة، وكأن الشيء ليس له قوة ~~طبيعية من داخله؟ وما الكفر في أن يخلق الله قوانين الطبيعة، وأن تكون هي ~~أسباب الحركة والثبات في الكون؟ وما العيب في أن يكون الإنسان خالقا ~~للإدراكات على سبيل التولد؟ أليس الإنسان صاحب أفعاله الجسمية العضوية؟ وهل ~~تدخل قدرة الله في عمل العين أو الأذن؟ هل هذا تنزيه لله وتقديره حق قدره ~~أم هو تصور اللاهوت القاهر ضد العلم وضد قوانين الطبيعة؟ وأيهما أقرب ~~لإثبات القدرة الإلهية؛ خلق الأعراض أم خلق الأجسام؟ ما العيب في القول بأن ~~الإنسان مدبر الجسد، وأن الله مدبر الكون، وأن مملكة الإنسان في بدنه كما ~~مملكة الله في الطبيعة؟ هل هذا شرك؟ وهل من عظمة الله الاستئثار بكل شيء ~~دون قوانين ودون أسباب أو وسائط؟ أليس ذلك تبريرا للسلطة المطلقة في ~~السياسة والاجتماع، أو في غيرها من النشاطات الإنسانية ابتداء من بنية ~~النفس وتصورات الذهن؟ وما المانع من إثبات ms266 أعراض لا نهاية لها؟ وهل يوقع ~~ذلك في الشرك لأن الله لا نهاية له؟ وهل التفرد بالوحدانية يعني الاستئثار ~~بها أم تعميمها حتى تكون الوحدانية في كل شيء؟ ألا يمكن التفكير في الطبيعة ~~دون حدود لاهوتية؟ إن اللاهوت موقف نفسي خالص، وليس موقفا علميا، يعبر ~~عن وضع وجداني تجاه العامل، وليس عن اتجاه علمي نحو الطبيعة. وما العيب ~~في القول بالطباع أو قانون الجاذبية وباقي قوانين الطبيعة؟ هل مهمة اللاهوت ~~إدانة العلم وإثبات العقيدة ضد قوانين الطبيعة وتصور الله مضادا للعالم؟ ~~ألا يؤدي ذلك إلى النتيجة العكسية بإثبات الطبيعة ضد الله، وقوانين العلم ~~ضد قواعد الإيمان؛ ومن ثم ينتهي علم العقائد إلى القضاء على نفسه بنفسه، ~~وإثبات شرعية مكتسبة للعلم؟ وما المانع أن تكون الرؤية بين الرائي والشيء ~~المرئي تفاعلا مشتركا بين الذات والموضوع، وأن تكون الأجسام كيفيات محضة ~~تتلاقى فيها الذاتية والموضوعية، بدلا من الذاتية الخاصة والموضوعية ~~الخالصة، ووضع الله كذات مطلق يرى الأشياء بدل الإنسان ولا ينفعل بها؟ ~~وما الداعي لإدخال الله في خلق الإدراكات الحسية بعد تقابل الذات والموضوع؟ # 68 # ولماذا تكفير القائل بأن الإنسان جسد لا روح؟ وماذا يكون ~~الإنسان إذن إن لم يكن هذا المرئي أمامنا؟ إن علاقة الله بالعالم مثل علاقة ~~الروح بالبدن، مدبر له دون أن يكون حالا فيه. وما العيب في تعريف النفس ~~بأنها ماهية لا وجود، ماهية خالصة؟ # 69 # وفي الإلهيات كان القول بحدوث الصفات حرصا على الذات الإلهية، وتنزيها ~~لها من الشرك والقول بتعدد القدماء، الذات والصفات، واعترافا بأن الصفات ~~هي في النهاية تشبيه، تطلق على الإنسان حقيقة، وعلى الله مجازا. وإنكار ~~الصفات ليس وقوعا في التعطيل، بل حرص على التنزيه الخالص، وعلى أن الله ~~ليس كمثله شيء، تعالى عما يصفون. كما أن ذلك سيحل قضية خلق الأفعال، ~~ويعطي الإنسان القدرة على خلق أفعاله بنفسه؛ فإنكار الصفات أو القول ~~بحدوثها هو إثبات سلبي لحرية الأفعال عن طريق القضاء على موانعها، وفي ~~مقدمتها علم الله المسبق وإرادته المطلقة. فلماذا إذن تكفير ms267 القائل بقسمة ~~العلم إلى قسمين؛ الأول العلم بالعام والشامل، والثاني العلم بالخاص؛ الأول ~~قبلي، والثاني بعدي؟ ليس في ذلك وقوع في التناقض أو إثبات جهل الله، وليس ~~ظاهره علما وباطنه جهلا، إنما الغاية إثبات العلم الاستقرائي الإنساني ~~الذي يقوم على الكسب والمعارف الخارجية، ثم إنقاذ الحرية الإنسانية من علم ~~الله المسبق الحاوي لكل شيء. وإن اعتبار الصفات أحوالا هو تحول الموضوع ~~من مستوى الطبيعة، الجوهر والأعراض، إلى مستوى النفس، فأحوال النفس هي أحد ~~الحلول الوسط بين الذاتية والموضوعية، بين الإثبات والنفي، بين القدم ~~والحدوث، بين التشبيه والتنزيه، بل إن التجسيم أيضا دافعه عند الصوفية ~~وعند جماعات الاضطهاد. فالواقع أبلغ من الفكر، والمادة أكثر حضورا من ~~الروح، والحس مشاهدة، والعقل تصور. وإن اعتبار الأفعال من العرش وليس من ~~الله هو زيادة في التنزيه حتى يبقى الله، وليس كمثله شيء، غير متصل ~~بالحوادث. والسمع والبصر وسائل للعلم، وليسا صفات مستقلة حتى يمكن رد ~~التشبيه إلى التنزيه. وما المانع أن يقال إن الله عقل وعاقل ومعقول كما هو ~~الحال عند الحكماء، فالمثل الأعلى هو وحدة الذات والموضوع؟ إن إثبات الحدوث ~~في الذات أو في الصفات هو في النهاية إثبات للزمان والتغير والحركة ~~والتاريخ، ورفض تصور الله فاعلا بلا مضمون، فالله محل للحوادث، وكل ما ~~يحدث في التاريخ إنما يحدث فيه، فلا شيء خارج الله ما دام الله هو كل شيء. ~~وإن خلق الأشياء على منوال سابق ونمط في الذهن صورة إنسانية لما يكون ~~عليه الخلق يقاس فيها الغائب على الشاهد. وإن نفي الرؤية إنما هو رفض ~~لتحويل الذات إلى موضوع، والوعي الخالص إلى مادة. وفي الوقت نفسه يكون ~~إثبات حدوث الكلام عودا إلى تجسيم الكلمة وتحقيقها في التاريخ، ما دامت ~~أصبحت مقروءة ومسموعة ومكتوبة ومرئية كصوت وحرف، أو محققة ومطبقة كمعنى ~~وشريعة. وإنه لمن الأجدى الاعتراف بأن الإنسان لا يقدر على أن يصف الله في ~~ذاته، بل أن يدركه قياسا للغائب على الشاهد، وأن الأصل في الوصف هو ~~النفي؛ نفي النقائص الإنسانية وقلبها ms268 إلى أوصاف الكمال الإلهي. # 70 # وفي أصل العدل، لماذا يكون خلق الإنسان لأفعاله ومسئوليته عنها كفرا؟ ~~ولماذا تكون حرية الاختيار كشرط للتكليف كفرا؟ إن استرداد الإنسان ~~لأفعاله، وجعلها إما له أو للطبيعة، لأنه لا يمكن أن يكون لا فاعل لها ~~أصلا، أو أن يكون فاعلها هو الله، لأن الله لا يفعل مباشرة في الطبيعة، ~~ذلك ليس تجديفا على الله أو إنكارا لسلطانه؛ لأن قوانين الطبيعة من خلق ~~الله، وسنن الكون من وضعه. ليس في خلق الأفعال أي خروج على التوحيد، بل هو ~~إكمال له وإثبات للوسائط والأسباب. وهل الله ساحر ومشعوذ، يقلب القوانين ~~رأسا على عقب، يجعل الشيء ساكنا متحركا أو في مكانين معا أمام دهشة ~~الناس؟ إن بعض العبارات بالرغم من صياغتها التي قد تصطدم بإيمان العوام تحت ~~سيطرة فرقة السلطان تدافع عن القدرة الإنسانية والقانون الطبيعي. إن القول ~~بفناء مقدرات الله إنما يهدف إلى إثبات حرية الإنسان، وإن إثبات الإنسان ~~خلق أفعاله ليس وقوعا في الشرك، بل وحدانية الفعل ومسئولية الإنسان، بدلا ~~من إعزاء الوحدانية والمسئولية إلى الله كما هو الحال في الجبر، أو إثبات ~~الشركة بين الله والإنسان كما هو الحال في الكسب. وما المانع، بصرف النظر ~~عن الصياغة، أن يقال إن الله مطيع لعباده إذا فعل مرادهم؟ لهذا الحد ~~بلغت قيمة الإنسان واحترامه لنفسه ولفعله. # 71 # وما العيب في أن تكون للإنسان استطاعة قبل الفعل لأخذ القرار، ~~ومع الفعل للتنفيذ، وبعد الفعل لاستمرار النتائج وبقاء الأثر؟ وهل في إثبات ~~استطاعة الإنسان وقدرته أي خروج على العقيدة أو الشريعة؟ وكيف تقام ~~الشريعة إن لم يكن للإنسان استطاعة على الفعل؟ وكيف يقع التكليف والاستحقاق ~~دون استطاعة؟ ولماذا لا يكفي القول بالجبر وإنكار الاستطاعة والفعل؟ هل ~~العدل أقل قيمة من التوحيد؟ ولماذا لا يكفر القول بالقضاء على حرية الإنسان ~~وعقله؟ هل التكفير فقط في حق الله وليس في حق الإنسان؟ وهل يكفر الإنسان ~~لقوله بفناء الجنة والنار أو بحدوث علم الله، ولا يكفر لقوله بالجبر ~~وإنكاره المسئولية، وكأن إيمان ms269 الناس بالجبر في صالح فرقة السلطان، ويظل ~~القائل به مؤمنا مطيعا ومواطنا صالحا؟ يكفر الإنسان إذا ما قال ~~بعقائد فرق المعارضة، ويؤمن إذا قال بعقائد فرقة السلطان! # 72 # وفي العقل الغائي الشق الثاني في أصل العدل، ما الكفر في القول بالصلاح ~~والأصلح أو بالعلية والغائية في الخلق؟ ما العيب في أن يوجب الله على نفسه ~~القانون درسا للإنسان وتعليما له بأن كل شيء يخضع لقانون، وأن لا شيء ~~متروك للهوى أو للمصادفة؟ وبصرف النظر عن الصياغة التي قد تبدو متناقضة - ~~كيف يوجب الله على نفسه فعلا وكيف يخضع نفسه لقانون - وبصرف النظر عن ~~النتائج المتخوف منها - كيف تكون أفعال الله الحادثة - فإن الغاية هي ~~تصور عالم يخضع لقانون حتى يمكن تسخيره والعيش فيه. إن وجود قانون خلقي أو ~~طبيعي لا يعني تحديد أية قدرة مطلقة؛ وذلك لأن صفات هذا القانون الاطراد ~~والعموم والشمول، وهي صفات مطلقة يدركها الإنسان ويمتد بها، فيكون قادرا ~~على خلق أفعاله وممارسة حريته. وما العيب في أن يكون الإنسان خالقا، ~~والتضحية بالله في سبيل الإنسان يرضاها الله؟ بل إن خلق الإنسان لأفعاله لا ~~حدود لها، ويستطيع المسلم أن يفعل حسنات أكثر من النبي لو طال عمره. ولماذا ~~سد الطريق أمام إمكانيات الإنسان وتفاؤله؟ بل إن الله يزيح علل العباد حتى ~~يجعلهم أكثر قدرة مما هم عليه. وهو لا يفعل بهم إلا الصلاح، ولا يختار إلا ~~الأصلح لهم. لم يخلق الإيمان ولا الكفر ولا أفعال العباد، ولكن العباد هم ~~خالقو أفعالهم الداخلية والخارجية والطبيعية والاجتماعية. وهو لا يظلم ~~أحدا، ولا يخرق قانون الاستحقاق، ولا يقلب الأضداد، ولا يفعل الشر. وأيهما ~~أكثر تنزيها لله إذن؛ جعل الله وهو الخير مصدر الشر، أم تبرئته عن فعل ~~الشر؟ أيهما أخطر؛ ارتكاب خطأ في الصياغة اللغوية بقول «الله لا يقدر على ~~...» أم ارتكاب خطأ فعلي وهو جعل الله مسئولا عن الظلم؟ الله خير محض ولا ~~يفعل الشر، بعكس الإنسان الذي يفعل الحسن والقبيح. ليس معنى ذلك أن الإنسان ~~أقدر من الله، ms270 بل إن للإنسان حرية الاختيار، ولله ضرورة الخير. فما البديل ~~عن هذا التصور بحيث يحفظ لله ضرورته، وللإنسان حريته؟ # 73 # وبالنسبة للسمعيات، فإن القول باستمرار النبوة هو رغبة في استمرار ~~المقاومة بالسلاح الفكري نفسه. ولما أولت فرقة السلطان النبوة لصالحها، ~~فإن فرق المعارضة قالت باستمرارها. فليس من العدل أن تتحول النبوة إلى ~~خلافة ظالمة، ولا تستمر كي تحقق غايتها من إقرار العدل. فالنبوة مستمرة ~~في المقاومة، والإمام العادل وليس الإمام الظالم هو خليفة النبي، والزمان ~~لم ينته بعد، والتطور لم يكتمل بعد، والنبوة لم تحقق غايتها بعد طالما ~~أن حكم العدل لم يتحقق، وأن حكم الظلم هو الذي يسود. ولا يتطلب ذلك إلهاما ~~من الله أو وحيا منه بالضرورة، بل يمكن أن تكون النبوة مكتسبة؛ فكل من ~~بلغ الغاية من الصلاح وطهارة النفس أدرك النبوة، فالنبوة ليست هبة أو ~~اختصاصا أو وقفا على أحد، بل هي عامة في كل من يبغي الإصلاح ويهدف إلى ~~الكمال؛ فكل داعية رسول، وكل رسول داعية. الرسل مثل الزعماء والقادة ~~والمصلحين والثوار، يهدفون إلى تغيير مجتمعاتهم إلى ما هو أفضل، ولا حاجة ~~إلى ألقاب مثل رسول الله أو نبي الله خشية أن يتحول اللقب إلى شخص، ~~وتنقلب اللغة إلى وجود، والمظهر إلى الحقيقة، والنداء إلى مناد. يكفي ~~النداء على الرسول أو على المصلح باسمه دون ألقاب؛ منعا للتأليه أو ~~التعظيم الزائد كما حدث في الديانات السابقة. والقرآن هو تجسيد النبوة، ليس ~~بالضرورة في المصاحف المكتوب في الورق بالحبر بين دفتي الكتاب، بل هو إحدى ~~صياغاته أو رواياته أو حكاياته؛ فالوحي أكثر من صياغاته الزمانية، وتجربة ~~أعم من التجسيدات الوقتية. ولا حرج في إنكار بعض حروف القرآن، أي قراءاته؛ ~~لأنها اجتهادات شخصية تصيب وتخطئ. # 74 # وفي موضوع المعاد، لماذا لا يكون العقاب في الدنيا قبل الآخرة، في العاجل ~~قبل الآجل؟ وهل يتحمل العقاب على الظلم التأجيل؟ وإذا كان الأمر كله مجرد ~~تشبيهات وصور وقياس للغائب على الشاهد، فلماذا يكون تشبيه أفضل من آخر ~~وأولى منه؟ إن ms271 العقاب في الدنيا أفضل من العقاب في الآخرة، ويعطي المظلوم ~~أملا لرفع الظلم عنه في الدنيا برؤيته عقاب الظالم والقصاص منه تطبيقا ~~لقانون العدل، وإلا كان فارغا من غير مضمون بلا زمان ولا مكان، بلا شعب ~~وبلا تاريخ. وأيهما أفضل؛ تصور الثواب في جنة حسية بها طعام وشراب ونكاح، ~~أم جنة روحية أرفع قدرا بها معرفة وحكمة وتأمل؟ وأيهما أفضل؛ القول ببقاء ~~الجنة وأهلها فيشاركان الله في صفة البقاء، أم القول بفناء الجنة وأهلها ~~حتى يظل الله متفردا وحده بالبقاء؟ وإذا كان الأمر كله تشبيها في تشبيه، ~~وقياسا للغائب على الشاهد، فما المانع أن تجذب النار أهلها طباعا لما ~~كانت الطبائع أساس الحركة والاندفاع؟ أليست كل إلهيات طبيعيات مقلوبة، ~~كما أن كل إلهيات طبيعيات مقلوبة؟ وإذا عم قانون الاستحقاق على كل كائن ~~حي، فلماذا لا يحشر يوم القيامة الكلاب والخنازير والحشرات وكل مخلوق حي؟ ~~وما المانع أن يكون العقاب على كل كائن حي ترابا؛ أي تنعدم منهم حياة ~~الوعي ويقظة الشعور؟ وهل يألم الأطفال وهم غير عاقلين مكلفين، والهدف من ~~العقاب تصحيح حياة الوعي وبناء الشعور؟ وإذا كان الأمر كله أمنيات وتمنيات، ~~فما المانع أن يرى الله يوم القيامة في صورة يخلقها ويكلم عباده منها؟ # 75 # وفي النظر والعمل، لماذا تكفير القول بالمنزلة بين المنزلتين؟ ألم يؤد ~~دورا في التخفيف من حدة تكفير العصاة أو التضييق على جعلهم مؤمنين؟ لماذا ~~لا يكون المسلم فاسقا أو عاصيا أو منافقا إذا ما ارتكب الكبيرة، ويكون ~~وسطا بين المؤمن والكافر بحيث يتأكد على رد الفعل وأثره في كمال الإيمان؟ ~~وإذا كان من شروط التوبة ترك الزلة في الحال، والندم على ما فات، والإصرار ~~على عدم العودة عليها في المستقبل، فما وجه الضلال في ذلك؟ وإذا كانت ~~التوبة من ذنب تقتضي التوبة من جميع الذنوب، فإن ذلك لتحميس التائب وجعله ~~أقرب إلى الكمال الكمي بالإضافة إلى الكمال الكيفي. لا يكون ذلك قسوة بقدر ~~ما هو سلوك مبدئي لا يعرف الاستثناء؛ فالمعصية تساوي جميع المعاصي، ms272 ومن ~~قتل النفس فكأنما قتل الناس جميعا. والسلوك المبدئي العقلي في المعارضة ~~العلنية لا يفترق عن أسلوب التطرف والمغالاة عند المعارضة السرية في ~~الداخل. وإن العاصي قد تتحول عنده المعصية إلى طبيعة ثانية، فيطبع على ~~قلبه، وتنتهي لديه حرية الاختيار، ولا يمكن تغييرها إلا بطبيعة ثانية ~~أقوى، أو بالرجوع إلى الطبيعة الأصلية الأولى. والشهادة لا تطلب للشهادة؛ ~~لأنها تعني إنهاء المقاومة وتغليب الظلم، بل تعني الإعداد للنصر، وأن تكون ~~فرص النجاح أكبر من احتمال الهزيمة. وإذا كان أساس الجزاء والعقاب هو قانون ~~الاستحقاق، فمن الطبيعي ألا يدخل الأطفال أو غير العقلاء؛ إذ ليس لهم ثواب ~~ولا فضل، ويصيرون ترابا؛ أي يتحولون إلى جماد. وإذا كانت الحياة نعمة ~~وتقدما بالنسبة إلى الجماد، ولا يمكن إرجاعها إلى الوراء، فقد يصير ~~الأطفال إلى الجنة لتغليب الحياة على الموت، ونظرا لطبيعة الخير. وما ~~المانع من البعث الروحي دون الجسدي، والروح أفضل من الجسد؟ وما المانع من ~~بقاء المادة دون فنائها، والقول بدورات لا متناهية، وتحول المادة ~~وتعاقب الأشكال والصور على مادة لا تفنى؟ # 76 # أما بعض المسائل العملية الأخرى، فإنها ترتبط بطبيعة مجتمع ~~المقاومة من أجل توثيق الروابط الاجتماعية فيه وشحذ المقاومة، ولمزيد من ~~الضبط والإحكام في مواجهة الآخر، وفي الوقت نفسه التراضي والتسامح واللين ~~مع النفس تخفيفا عنها؛ فقد يحلل شحم الخنزير ودماغه وتفخيذ الذكور، وقد ~~يحرم أكل الثوم والبصل، ويوجب الوضوء عن قرقرة البطن. ونظرا للحساب ~~العقلي الكمي للمعارضة العقلية العلنية، فقد يحدد نصاب السرقة تحليلا ~~رياضيا دونما مراعاة للقصد والنية، دون أن يستوجب ذلك الكفر أو الضلال. # 77 # وينتهي موضوع الإيمان والعمل في موضوع الإمامة الذي يتراوح أيضا بين ~~الشدة واللين؛ الشدة مع مجتمع القهر، واللين مع مجتمع المعارضة؛ التصلب مع ~~الخارج، والتراخي مع الداخل؛ القسوة مع الآخر، والعطف مع الذات. فإذا كانت ~~الثروة في مجتمع القهر أقرب إلى الحرام منها إلى الحلال في صناعة أو تجارة، ~~فإنه لا يجوز للمعارضة إلا قوت يومها تعففا عن المال الحرام، وتكون دماء ~~مجتمع ms273 القهر وأمواله مباحة. وفي مقابل هذا التشدد مع الآخر يجوز نكاح ~~المتعة تساهلا مع النفس. ولا يجوز الطلاق بكنايات وإن قارنتها نية الطلاق ~~تعبيرا عن الدقة المتناهية والتشدد في حقوق الغير. ويمكن الشك في شهادة ~~المجتمع كله تحريا للعدالة. # 78 # فإذا ما صعب تجريح عقائد المعارضة فإنه يسهل اتهامها بالعمالة ~~للخارج، وتبعيتها لأفكار أجنبية، وترويجها لأفكار مستوردة من الكفار، ~~سواء من البراهمة أو النصارى أو المجوس، # 79 # ويصبح حكم المعارضة العلنية في الداخل حكم المجوس أو المرتدين، # 80 # وتتوحد الفرقة الناجية بالأمة كلها، وتكفر فرق المعارضة ~~بأنواعها باسم الأمة، وهي في النهاية إحدى الفرق، فرقة السلطان. فإذا ~~شابهت عقائد الفرق الضالة عقائد الفرق الناجية نجت، وإذا خالفتها هلكت. # 81 # ونظرا لضيق فرق المعارضة بفرقة السلطان فإنه ينتهي ضيقها ~~ببعضها البعض، ويكفر بعضها بعضا، كل منها يعتبر نفسه الوريث الشرعي ~~لها، فتفتت المعارضة، وينتهي الأمر بمزيد من السيطرة لفرقة ~~السلطان. ~~(4) فرقة السلطان # إذا كانت الفرق الهالكة هي فرق المعارضة بأنواعها، فإن الفرقة الناجية هي ~~فرقة السلطان . وعلى هذا الأساس، الاختلاف في الموقف السياسي، يتم التكفير تحت ~~ستار الخلاف العقائدي. ولكن هل عقائد الفرقة الناجية تعلو على النقد ولا تجد من ~~يجرحها ويخطئها؟ ومن هي الفرقة الناجية؟ هل هي فرقة واحدة أم فرق عديدة؟ ~~وهل هناك عقائد موحدة لها أم أن الخلافات بينها لا تقل عن الخلافات بين الفرقة ~~الناجية والفرق الضالة؟ يرفض التراث الفقهي كل علم العقائد بما في ذلك عقائد ~~الفرقة الناجية، ويبين أنها لا تستقيم مع العقائد كما تعرضها النصوص الدينية، ~~كما أنها لا تستقيم مع العقل. وهو نقد عقائدي صرف، وليس نقدا سياسيا تحت ~~ستار العقائد؛ لأن الفقهاء في معظمهم ليسوا من فرقة السلطان ولا من فرق ~~المعارضة، بل هم حماة الشرع والمدافعون عن مصالح الأمة دفاعا مباشرا، ~~متجاوزين الأحزاب السياسية ودوائر البلاط. وتتعدد الفرق داخل الفرقة الناجية ~~بحيث تتشعب داخل فرق المعارضة، وتصبح لا وجود لها إلا من خلال بعض فرق ~~المعارضة. فالجميع أهل سنة وحديث. وهي ms274 فرق خاطئة في تصورها وصياغتها للعقائد، ~~ولكن دون تكفير أو تضليل. # 82 # ويتوجه النقد الفقهي لعقائد الفرقة الناجية مباشرة إلى الإلهيات في الذات ~~والصفات، ثم إلى السمعيات في النبوة والإيمان والعمل، دون التعرض للمقدمات ~~النظرية الأولى، نظريتي العلم والوجود. فمصطلحا الذات والصفات ليسا مصطلحين ~~شرعيين، ولم يردا في الوحي، باستثناء لفظ الاسم. إنما هي كلها تشبيهات ~~إنسانية وليست مصطلحات، يستعملها الإنسان طبقا لمعانيها ومدى تطابقها مع ~~التجارب النفسية الفردية والاجتماعية. الاسم من الشرع، أما التسمية فمن ~~الإنسان، لا تشبيها ولا تنزيها، بل خروجا أصلا على المصطلحات الشرعية ولغة ~~الوحي. ليس لله إلا اسم واحد شرعي، والباقي كلها تأويلات للإنسان، وتعبيرات عن ~~أحواله وتجاربه وأذواقه. وإن وصف الذات أو الصفات أو الأسماء ليدل على خلقها ~~كلها. فماذا يعني أن صفات الله ليست باقية ولا فانية ولا قديمة ولا حديثة، ~~ولكنها لم تزل غير مخلوقة بالرغم من القول بأن الله باق؟ فإن استعصى مفهوم ~~الصفة يستبدل بمفهوم الحال أو المعنى، وهما مفهومان إنسانيان صرفان مثل الصفة. ~~وماذا يعني أن للناس أحوالا ومعاني لا معدومة ولا موجودة، ولا معلومة ولا ~~مجهولة، ولا مخلوقة ولا غير مخلوقة، ولا أزلية ولا محدثة، ولا حق ولا باطل، وهي ~~علم العالم بأن له علما ووجود الواجد لوجوده؟ هذا كله هوس، مثل القول بأن الحق ~~غير الحقيقة، وهو ما ليس في لغة ولا شرع. هل الكفر حقيقة وليس بحق؟ إن القول ~~بصفات قديمة فيه إبطال للتوحيد، وإثبات للتعدد والشرك. وإن إثبات علم الله ~~وقدرته لا يأتي بطريقة إثبات صفات قديمة؛ إذ لا يجوز تسميته إلا بنص وبلفظ ~~شرعي، من كلام الله ذاته، وليس من كلام الإنسان. # 83 # ومهما تم من إثبات التغاير بين علم الله وعلمنا، وبين قدرة الله ~~وقدرتنا، فنظرا لاشتراك الاسم فإن كلا العلمين والقدرتين يدخلان تحت صفة واحدة ~~هي العلم أو القدرة. فهل يجوز أن يشارك الإنسان الله في صفاته، أو أن يشارك ~~الله الإنسان في تسمياته؟ ومهما تم من إثبات قدم علم الله وقدرته، ms275 وحدوث علمنا ~~وقدرتنا، يظل الاشتراك قائما في وقوع العلمين أو في وقوع القدرتين تحت جنس ~~واحد. ومهما أفردنا الله بهذه الصفات، وأطلقنا عليه وحده هذه التسميات، فإن ~~الإنسان محتاج إليها، والخلق يوصف بها، والحاجة تقتضي التلبية؛ وبالتالي زاحم ~~الإنسان الله في الصفات والأسماء. صفات الله إذن هي نسبة الإنسان صفاته له، ولا ~~يمكن فصلها بعد نسبتها إلى الله عن الإنسان قياسا للغائب على الشاهد. وإذا كان ~~المعنى صوابا فإن التسمية خطأ. وإذا كانت النية صحيحة فإن النتيجة خاطئة. لم ~~يخلق الله الإنسان إذن على صورته ومثاله، بل إن الإنسان هو الذي سمى الله على ~~صورته ومثاله؛ فبدلا من أن يكون الله تصورا حديا أو فكرة محددة للإنسان، ~~أصبح الإنسان هو التصور الحدي أو الفكرة المحددة لله. وبدل أن يكون الإخلاف ~~هو الأساس بين الغائب والشاهد، أصبح التماثل هو الأساس. إذا كان الله مريدا ~~بنفسه فإن الإنسان مريد بإرادة، أو إذا كان الإنسان مريدا بإرادة فإن الله، ~~لأنه أعظم، مريد بنفسه. كما أن الأمر بالشيء لا يدل على كونه مرادا، والنهي ~~عنه لا يدل على كونه مكروها، إلا بناء على قياس الغائب على الشاهد. # 84 # لم تمنع عقائد الأشاعرة إذن من الوقوع في التجسيم والتشبيه، ولم ~~يمنعها الاحتراز بقولها «بلا كيف» عن ذلك؛ لأنه مجرد تحصيل حاصل، خطوة إلى ~~الوراء وخطوة إلى الخلف، هروب والعقل إقدام. إن القول بقدم الصفات يؤدي إلى ~~القول بأزلية الكلام؛ وبالتالي أزلية القرآن وهو كتاب، حبر وورق، كما يؤدي إلى ~~القول بأزلية العالم لما كان العالم مخلوقا بالعلم الإلهي والإرادة الإلهية. # 85 # وقد أدى هذا التصور لقدم الصفات إلى خطأ أعظم في تصور قانون ~~للطبيعة بدعوى الرد على الدهرية والحكماء والثنوية في القول بحتمية قوانين ~~الطبيعة، وانتهى الأمر إلى إنكار سنن الله في الكون، ورفض العلل المباشرة، ~~وإنكار حرق النار وإذابتها، وسكر الخمر، وشبع الخبز، وري الماء للشجر، وبرودة ~~الثلج، وشبع الطعام، وسقوط الحجر، وحلاوة العسل، ومرارة الصبر، وكأن الله خلق ~~ذلك عند اللمس والذوق، حتى ms276 ولو بدون حواس، عندما يكون لقشور العنب رائحة، ~~وللحصى والفلك طعم ورائحة. وهو حمق أدى إلى إنكار الطبائع. كما انتهى الأمر ~~إلى الوقوع في الأساطير الكونية، مثل أن يكون في الأجرام جسم عظيم يمسكها من ~~أن تهوي، ثم أفناه وخلق غيره إلى ما لا نهاية، وإنكار قوانين الجاذبية. # 86 # أما فيما يتعلق بأصل العدل، فإن نقد الفقهاء لعقائد الفرقة الناجية إنما ~~يتجه نحو سوء استعمال العقل في تأصيل العقائد، وهو أيضا نقد الحكماء لعقائد الأشعرية. # 87 # فالعقل عند الفرقة الناجية لا هو عقل ولا هو نقل؛ فالحجج العقلية ~~لا تستقيم، وتأويل النصوص بعيد؛ فلا هي أحسنت التأويل، ولا هي تركت النصوص على ~~ظاهرها. وقد اقتربت الفرقة الناجية من بعض نظريات العدل عند المعارضة العلنية ~~في الداخل فيما يتعلق بوجوب الصلاح والأصلح، واستحالة الظلم والفساد على الله، ~~وهو ما يناقض عقائد الأشعرية بأنه لا يجب شيء على الله، وبأن القول بالصلاح ~~والأصلح تكذيب لله، وبأن عدم قدرته على إظهار المعجزات على يد كذاب تعجيز لله. # 88 # وتأخذ السمعيات نصيبا أوفر من نقد الفقهاء للفرقة الناجية، خاصة النبوة ~~والإيمان والعمل. فبالنسبة للنبوة كان محمد رسول الله في الماضي، في فترة ~~نبوته وفي حياته، ولكنه ليس كذلك اليوم. فالنبوة موقوتة بزمان، وظاهرة في عصر؛ ~~لأنها تعبير عن تطور الوحي طبقا لتطور الوعي البشري. وليس السبب طبيعيا، أن ~~الأرواح أعراض تفنى ولا تبقى وقتين. أما الدليل على صدق الرسول فليس إطعامه ~~المئين والعشرات من صاع شعير # 89 # مرة بعد مرة، وسقيه الألف والألوف من ماء يسير ينبع من بين ~~أصابعه، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة، وتكلم الذراع، وشكوى البعير، ومجيء الذئب؛ ~~وذلك لأنه لم يتحد الناس بذلك، ولا توجد آية إلا ما تحدى به الكفار فقط. ~~وهي معجزات بها كثير من الخيال الشعبي وأنماط البيئات الحضارية الأخرى. # وعلى العكس من ذلك وفي مواجهة المعارضة العقلية يكون النظر في دلائل الإسلام ~~فرضا، ويكون الشك في صحة النبوة شرط النظر، وهما طرفا نقيض، إما الخرافة أو ~~الشك. ms277 في الأول لا فرق بين النبي والساحر، وفي الثاني لا فرق بين النبي ~~والفيلسوف. وقد يأتي يقين النبوة من التواتر. أما إعجاز القرآن فإنه قد يكون ~~النظم وهو ما تقول به فرق الأمة كلها، أو القرآن القديم الذي لم ينزل، ولم ~~يقرأه أحد، ولم يسمعه أحد! فكيف يكون هذا المجهول معجزا؟ وكيف يدخل به الناس ~~التحدي؟ والقرآن الذي بين دفتي المصحف فإنه مقدور عليه، أقل سورة منه ليست ~~كذلك، بل مقدور على مثله. أما تقسيم آيات القرآن وترتيب مواضع السور فمن الناس، ~~وليس من الله؛ وبالتالي ينكر بعض الأشاعرة التوقيف. هو من الإجماع وليس من ~~النبي. ويمكن قراءة القرآن بالفارسية على خلاف إجماع الأمة على قراءته ~~بالعربية. وعند أحد الأشاعرة، خالف كل من فقهاء الأمة الإجماع، إما في سجدة في ~~قراءة القرآن، أو في اعتبار البسملة جزءا منه، أو إبطال القياس مصدرا من ~~مصادر التشريع. # 90 # أما بالنسبة لشخص النبي فلا يلزمه زكاة مال؛ لأنه اختار أن يكن ~~عبدا، والعبد لا زكاة عليه، فلم يورث ولم يرث، وخشي العامة. وقد اختلفت الفرقة ~~الناجية في كون النبي أفضل أهل زمانه حالة إرساله أو ما بعدها حتى موته، ~~والناس فيه بين مقصر ومطول، بين مخصص ومعمم. وتجوز الكبائر من الأنبياء ~~حاشا الكذب في البلاغ، وقد يجوز للنبي الكفر بعد الرسالة، وجميع المعاصي الصغار ~~والكبار، بما في ذلك قتل النساء وتعريضهن، وتفخيذ الصبيان. ولما ازدوج التصوف ~~بالأشعرية، وأصبح كل منهما يدعم الآخر لحساب السلطان؛ الأول صعودا إلى الله ~~واتحادا به، والثاني نزولا من الله وطاعة له؛ فقد جعل بعض الصوفية الأشعرية ~~الأولياء أفضل من الأنبياء والرسل، فسقطت عنهم الشرائع، وحلت لهم المحرمات، ~~واستباحوا نساء غيرهم. وفي الوقت نفسه رأينا أنهم يرون الله ويكلمونه، ويقذف ~~الله في قلوبهم علما لدنا! يجالسون الله ويرونه في صورة إنسان لحما ~~وعظما، فرحا وحزنا، يعيش معهم في الأزقة وهم وراءه كمجنون الحارة! # 91 # وفي أمور المعاد تفنى الجنة والنار حتى يبقى الله وحده لا يشاركه ~~أحد في صفة ms278 البقاء. وتسري الروح وتنتقل من جسم إلى آخر كما تنتقل أرواح الشهداء ~~إلى حواصل خضر، فالروح تبعد وتقرب، تسكن وتتحرك. تعود الحياة إلى «عجب ~~الذنب»، منه خلق ومنه يعود من جديد. # 92 # ويظهر موضوع الإيمان والعمل أكثر من الإمامة، وبه كل نقائص الصلة بين الإيمان ~~والعمل؛ فقد يكون الإيمان قولا وإقرارا باللسان فحسب، أو تصديقا بالوجدان ~~فقط، أو معرفة نظرية صرفة، أو عملا أهوج لا يسنده نظر. فالإيمان ليس معرفة ~~فقط، وإن كفر فرعون وإبليس لم ينشأ من نقص في المعرفة. ولا يمكن أن يكون ~~الإيمان عقدا بالقلب فقط وتصديقا بالوجدان بلا تقية، وإن عبد الأوثان أو ~~التزم باليهودية أو النصرانية وعبد الصليب وأعلن التثليث، وإلا ففيم الإيمان؟ ~~وكيف يتخارج في قول أو في فعل؟ ولا يمكن أن يكون الإيمان بالقول وحده، وإن ~~اعتقد الكفر بقلبه، وأن تكون له الجنة، فالقول ما هو إلا دليل على الوجدان، ~~والوجدان تصديق للمعرفة، والكل يتخارج في الفعل. ولا يكفي أن يكون الإيمان ~~فعلا ظاهريا بالإسلام وتكذيبا باللسان بلا تقية؛ فالقول تعبير عن معرفة ~~وتصديق، ولا يمكن إخراج الفعل من الإنسان حتى لا تضر مع الإيمان سيئة، ولا ~~تنفع مع الكفر طاعة. ولماذا لا تقبل التوبة إذا ما استوفت شروطها من الندم ~~على ما فات، وترك الزلة في الحال، وعقد العزم على عدم العودة لها في المستقبل، ~~وتكفي في ذلك معصية واحدة دون كلها؟ ولماذا لا يغفر الله الصغائر بارتكاب ~~الكبائر؟ فإذا ما تم اقتران المعرفة بالتصديق بالقول بالفعل ظهر الإيمان الكامل ~~المؤدي إلى الجنة بالضرورة دونما كسر لقانون الاستحقاق، فالبداية الحسنة تؤدي ~~إلى النهاية الحسنة دونما تدخل في علم الله أو إرادته. # 93 # وفي موضوع الإمامة يشترط البعض أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه، ~~ويجيز البعض الآخر وجود إمامين في وقت واحد. وفي العمليات لا يجيز البعض ~~تنفيذ حكم شرعي اجتهادي في نازلة بعد الانتقال إلى نازلة أخرى، بينما يحرم ~~البعض الآخر ذبائح أهل الكتاب، ويخطئ فريق ثالث حروب الردة، ويرى الصواب في ms279 الرجوع. # 94 # وفرق المعارضة بأنواعها هي في الأساس أحزاب سياسية اتخذت العقائد سلاحا ~~لتثبيت السلطة أو للقضاء عليها؛ وبالتالي لا تفهم العقائد إلا من خلال ~~المعارك السياسية. وكان سلاح التكفير في أيدي السلطة وخصومها سلاحا سياسيا ~~متسترا وراء الدين في مجتمع العقائد فيه مصدر سلطة، والنص مرجع وحكم. ولا ~~فرق بين فرقة ناجية وفرق ضالة، كلها سواء. وما كفرته الفرقة الناجية هي ~~نفسها وقعت فيه، وأتاها الفقهاء يضللون عقائدها كما ضللت هي عقائد الفرق ~~الضالة. ومن أعلى من الفقهاء سلطة في مجتمع ديني أو سياسي يقوم على الدين؟ ~~لقد تبارت جميعها في الكلام وتركت الفتوح، وشقت وحدة الأمة، وزرعت الأحقاد، ~~وأشعلت الفتن فيها، وسفكت الدماء باسم العقيدة، كل منهم يدافع عن إله السماء ~~ويترك إله الأرض. وجرى الحكام مجراهم وراء المذاهب النظرية، فتحولت السلطة ~~السياسية إلى حكم بين المذاهب، وأصبح السيف هو الفيصل بين الأقلام. لا فرق إذن ~~بين تراث السلطة وتراث المعارضة، بين فرقة السلطان وفرق المعارضة، في ضياع جهد ~~الأمة فيما لا يفيد تأكيدا لاغتراب الناس عن مواقعهم، وتعمية للناس عن ~~مشاكلهم الحقيقية ورؤية واقعهم. وإن لجوء الفقهاء إلى النص الخام أقرب إلى ~~العودة إلى منبع الطاقة الحية والقوة الضاربة الطبيعية ضد صياغات الفكر ومتاهات ~~العقول. ومع ذلك يظل هو أيضا سلاحا متبادلا بين الفقهاء، فقهاء الأمة ~~وفقهاء السلطان. # 95 # | رابعا: من الوحدة إلى التفرق أو من التفرق إلى الوحدة # إذا كان تاريخ الفرق قد دخل كملحق للإمامة وتذييل لها في بعض مصنفات ~~العقائد، فإنه هو الموضوع الرئيسي في معظم مقدمات مصنفات الفرق. # 1 # تبدأ المقدمات ببيان أوجه الخلاف وكيفية وقوعه، وكيف تحولت الوحدة ~~الأولى إلى كثرة، وكيف تشعبت الأمة إلى فرق، وكيف تحولت موضوعية الدين ~~والعقائد إلى ذاتية الأهواء والمصالح، وكأن علم الكلام الغرض منه هو إعادة الرتق ~~والعودة من التفرق إلى الوحدة، ومن الهوى إلى العقل، ومن المصلحة إلى الفكر، ومن ~~الذاتية إلى الموضوعية. # 2 # والوحدة الأولى هي وحدة الجماعة التي وحدها الوحي لأول مرة؛ فهي ms280 إذن ليست فقط ~~وحدة الفكر، بل وحدة الأمة، ووحدة الأمة في وحدة فكرها وهو الوحي. ولما كان الفكر ~~ما هو إلا عمل قبل أن يتحقق تعني وحدة الأمة وحدة الفكر والعمل على السواء. # 3 # ولا يكفي أن تؤمن الأمة بإحدى مراحل الوحي، نبوة بعينها، بل بالوحي ~~الشامل في كافة مراحله حتى ختم النبوة وتحقيقها في التاريخ. ولا تكون وحدة الأمة في ~~وحدة العمل الرمزي الممثل في ممارسة الطقوس والشعائر؛ لأن العمل أوسع من ذلك ~~بكثير، عمل مباشر، فكر يتحقق. # 4 # وحدة العمل الرمزي تعبير عن وحدة الفكر والعمل في الواقع العريض، وليس ~~العمل المتقوقع على ذاته المنفصل عن الواقع. كما أن وحدة الفكر ليست وحدة العقائد ~~المنفصلة عن الواقع، بل هي وحدة المقاصد والغايات التي تتحقق في الواقع كأنظمة ~~مثالية تعبر عن طبيعته وكماله. # 5 # والتفرق ليس هو الخلاف حول المسائل العملية، بل هو التفرق في المسائل النظرية. ~~المسائل العملية الخالصة أدخل في علم الفقه وفي علم أصول الفقه منها في علم أصول ~~الدين. قد تثير بعض المسائل العملية إشكالات نظرية، وتكون بداية لاتجاه كلامي، ~~كما هو الحال في موضوع الإمامة، والتي أصبحت عنوانا لفرقة بأكملها، ومثل موضوعات ~~الإيمان والعمل والكفر والطاعة والمعصية، والتي كانت مسائل عملية برزت في الفتنة ~~لتحديد سلوك الناس، ثم نشأت حولها فرق بأكملها. # 6 # والفرق الفقهية التي تدور خلافاتها حول المسائل العملية لا تدخل تحت ~~أية فكرة موجهة، سواء تلك التي تشير إيجابا أم سلبا إلى الفرق أو إلى أحدها ~~بالنجاة أو الهلاك. ففي المسائل العملية كل الحلول صواب ما دام يبذل فيها الجهد، ~~أو يكون أحدها صوابا والآخر خطأ دون تعيين. وإذا عين الخطأ فلا يعني ذلك ~~الضلال، ويكون الصواب هو النجاة، بل يعني الاجتهاد في كلتا الحالتين، ويظل الأمر ~~ظنيا نظريا وإن كان يقينيا عمليا. وقد يتغير ذلك من فرد إلى آخر، ومن عصر ~~إلى عصر، ومن مكان إلى مكان. فالمسائل العملية قائمة على تعدد الحقائق على ~~المستوى النظري. ولا فرق بين علم ms281 أصول الدين وعلم أصول الفقه في الجمع بين الفرق ~~أو المدارس المختلفة. صحيح أن التفرق في أصول الدين أخطر منه في أصول الفقه؛ لأنه ~~تفرق على الأصول النظرية، إلا أن التفرق في أصول الفقه يدل على تفرد الواقع وعلى ~~تكيف فهم الوحي حسب الزمان والمكان. لا يوجد صواب نظري واحد في علم أصول الفقه، ~~فالكل مصيب. # 7 # وقد يرجع التفرق على الأصول النظرية أيضا إلى مواقف عملية، الموقع من ~~السلطة، أصول السلطان أم أصول المعارضة، ولكنها في كل الأحوال تظل أصولا ~~نظرية. ~~(1) أصول التفرق والوحدة # هل التفرقة والوحدة طبيعيان أم أن لهما أصولا يردان إليها؟ وهل هذه ~~الأصول جغرافية طبيعية أم قومية حضارية أم عقائدية مذهبية؟ وماذا تعني ألفاظ ~~الدين والملة والحنيفية والشرعة والمنهاج والسنة والجماعة؟ ~~(1-1) هل التفرق جغرافي طبيعي؟ # قد ينقسم الناس جغرافيا حسب الأقاليم، وتتحدد طبائعهم وأمزجتهم بل ~~وأفكارهم حسب طبيعة كل إقليم. وفي الجغرافيا القديمة لما كانت الأقاليم ~~سبعة، فالأمم سبعة. وقد ينقسم الناس حسب الاتجاهات الأربعة، ويحدد كل ~~اتجاه سلوك الناس وطبائعهم وآراءهم، بل ودياناتهم ونحلهم. # 8 # والحقيقة أن هذه القسمة جغرافية خالصة، لا تبدأ من الوحي ومن ~~تشعبه وتحوله إلى فرق بتدخل الموقف الإنساني وتكوينه الاجتماعي ~~وصراعاته السياسية. ليس الشعور الإنساني شعورا طبيعيا بمعنى أنه محدد ~~بالمكان؛ فمع أن الشعور محمول في المكان إلا أنه مستقل عنه، ومع أن ~~الشعور موجود في البدن، والبدن يتحرك في العالم، والعالم يتفاوت في المناخ ~~نظرا لبعد أجزائه عن الشمس أو قربها منها، إلا أن الشعور مستقل، وأن ~~المناخ وإن حدد أسلوب الحياة المادي إلا أنه لا يحدد ماهية الشعور ~~المستقلة. ~~(1-2) هل التفرق قومي حضاري؟ # فإذا صعدنا درجة أعلى تحول التقسيم من المستوى الجغرافي الطبيعي إلى ~~المستوى القومي الحضاري؛ فلكل قوم خصائص تظهر في حضارته طبقا للجنس ~~والمزاج والتكوين النفسي. فإذا كانت كبار الأمم أربعة، العرب والعجم والروم ~~والهند، فإنها تنقسم إلى طبيعتين رئيسيتين؛ الأولى تقرير خواص الأشياء، ~~والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية، كما هو ms282 الحال ~~عند العرب والهند. وهي الطبيعة الأقرب إلى المثال الذي يظهر في الماهيات في ~~الطبيعة أم في الروح، في العالم أم في الله، في الفلسفة أو الدين. والثانية ~~تقرير طبائع الأشياء، والحكم بأحكام الكيفيات والكميات، واستعمال الأمور ~~الجسمانية، كما هو الحال عند العجم والروم. وهي الطبيعة الأقرب إلى الواقع، ~~والتي يظهر فيها العلم الكمي كما هو الحال في العلم الطبيعي. وهو الاختلاف ~~بين الشرق الفنان، والغرب العالم. # 9 # وعلى فرض صحة هذا التقسيم، فإن هذا الحصر غير جامع لكل الشعوب؛ ~~فأين شعوب الصين واليابان وباقي أمم آسيا؟ وأين شعوب أفريقيا إن كانت الأمم ~~في أمريكا لاتينية ما زالت مجهولة في العالم القديم؟ وأين شعوب مصر والشام ~~وما بين النهرين والعبرانيون القدماء؟ وهل يشتمل الروم اليونان وباقي شعوب ~~الغرب؟ وهل يمكن تصنيف شعوب الأرض كلها لهاتين الطبيعتين، أم أن هناك طبائع ~~أخرى؟ ألا توجد شعوب كاملة تجمع بين الطبيعتين؟ وهل القسمة إلى الطبيعتين ~~حكم واقع أم حكم قيمة؟ هل يفضل العرب والهند العجم والروم؟ ألا يوجد تمايز ~~بين العرب والهند أو بين العجم والروم على الرغم من اشتراك كل منها في نفس ~~الطبيعة والمزاج؟ وكيف يفسر انتشار الإسلام بين العجم وهم من طبيعة ~~مخالفة للعرب، أكثر من انتشاره بين الروم وهم من طبيعة مشابهة للعجم؟ ~~ولماذا لم ينتشر الإسلام في أرجاء الهند قاطبة وهي تشارك العرب في ~~التكوين والمزاج. هل يعني ذلك أن رسالة الإسلام تتجه شرقا؟ والحقيقة أن ~~الشعور الإنساني غير مرتبط بالجنس أو اللسان أو التاريخ أو الحضارة ~~المشتركة. وإن كان نسبيا مرتبطا بلغته واستعاراته وتشبيهاته ومقولاته ~~ونظرته للعالم، إلا أنه يستطيع أن يفارقها ويصبح شعورا فكريا عاما ~~يتجاوز القوميات ويتعالى على الأجناس. هذا فضلا عما في الأحكام على ~~الحضارات من مخاطر وعدم دقة وتميز. وخصائص الشعوب تنشأ من سلوك حضاري في ~~لحظة معينة من تطورها في التاريخ دون أن تكون أبدية تمس جوهر الشعور ~~أو تحكم على ماهيته. ولا يقتصر قوم أو قومان على طبيعة واحدة، بل توجد ms283 ~~الطبيعتان معا عند كل قوم، وينشأ التياران المثالي والواقعي، الروحي ~~والمادي، العقلي والحسي، الصوفي والعلمي. فهذان بعدان للشعور الإنساني ~~والشعور الحضاري على السواء، قد يغلب أحدهما على الآخر في فترة زمنية ~~معينة نتيجة لتطوره في التاريخ، ولكن لا يوجد حكم عام شامل على الحضارة ~~بأنها كذلك، أحادية الطرف إلى الأبد. وقد يتداخل البعدان بطريقة غير سوية، ~~فيتحول العقلي إلى عاطفي وانفعالي وهوائي وذاتي وغيبي وحسي وكمي وجسمي، ~~يعبر عن ضنك وضيق واختناق ولهث؛ وبالتالي تفسد الطبيعة، وتكون في حاجة إلى ~~وحي يعيدها إلى ثورتها ويحقق كمالها. ~~(1-3) التفرق العقائدي المذهبي # والحقيقة أن البشر يختلفون فيما بينهم طبقا للعقائد والمذاهب؛ أي طبقا ~~للديانات والأهواء. الفكر هو سبب التفرد والتنوع والتخصص والتميز. الشعور ~~إذن ليس هو الشعور القومي، بل هو الشعور الفكري الذي يجمع العقائد ~~والمذاهب، الأديان والفلسفات. تحديد ماهية الشعور من فكرة تحديد ماهوي ~~لا مادي، مثالي لا موقفي؛ فالفكر ماهية الشعور. البشر إذن ملل ونحل، أهل ~~ديانات وأهل أهواء. # 10 # ولكل قسم طبيعة؛ الأول مستفيد مطيع، وقد يكون مقلدا ~~فتضيع الاستفادة؛ والثاني مستبد برأيه مبتدع، وقد يكون مستنبطا برأيه ~~فيضيع الاستبداد. الأول يؤمن بالنبوات والشرائع، والثاني لا يؤمن إلا ~~بالعقل وبأحكامه. # 11 # وهذا التقسيم قائم في الحقيقة على فكرة موجهة من النصوص ~~الدينية، الاتباع أم الإبداع، التقليد أم التجديد. فالشعور إما آخذ أو ~~معط، قابل أو رافض، مستفيد أو مفيد، متعلم أو معلم. فالنبي والفيلسوف ~~صنوان، والنبوة والفلسفة شقيقتان رضيعتان، والعقل جامع بين الاثنين. وكما ~~لا تنتهي الفلسفة بالضرورة إلى إنكار، كذلك لا ينتهي الدين بالضرورة إلى ~~طاعة. ويمكن للفلسفة أن تكون تقليدا، ويمكن للدين أن يكون ثورة. لا يتعلق ~~الأمر بالدين والفلسفة كميدانين، ولكن يتعلق بمنهجين وموقعين يظهران في ~~الدين والفلسفة والعلم والفن والحياة. # ولما كان لكل دين كتاب، وهو مقياس من داخل الحضارة لأنها قامت على كتاب، ~~فقد تنقسم الديانات إلى أربع فرق؛ الأولى ديانات كتاب منزل محقق، مثل ~~اليهودية والنصرانية والإسلام؛ لذلك دخل النقد التاريخي للكتب المقدسة ms284 ~~جزءا من علم أصول الدين للتحقق من الصحة التاريخية للكتاب. # 12 # والثانية ديانات شبهة كتاب، مثل المجوسية والمانوية؛ مما يدل ~~على اعتبار خاص لهذين الدينين، واعتبار المجوس مثال أهل الكتاب، وأن الذي ~~يجمع بين الوحي المنزل ونبوة أخرى هو الكتاب المقدس في ملة؛ فالكتب ~~إذن كثيرة. والثالثة ديانات حدود وأحكام دون كتاب، مثل الصابئين الأوائل. ~~وتنتقل بطريق شفاهي، ويكون التراث الشفاهي مصدر سلطة مثل التراث المدون. ~~والرابعة ديانات ليس لها كتاب ولا شبهة كتاب ولا حدود وأحكام، مثل المذاهب ~~الفلسفية والوثنية وعبادة الكواكب والبرهمانية. وهنا تدخل الفلسفة كقسم في ~~الدين، ولا يعترف لها بكتاب مقدس؛ لأن الفلسفة لا تقديس فيها. ~~والوثنية وعبادة الكواكب دين الطبيعة، والبرهمانية دين العقل، وكلاهما لا ~~يحتاجان إلى كتاب. # 13 # ويؤخذ كل دين من مصادره الأولى، أي من الكتاب المقدس عند ~~الملة، فهو أوثق المصادر خاصة إذا كان صحيحا تاريخيا، وأبعدها عن ~~التأويلات والتفريعات والإضافات اللاحقة. # 14 # ولما كان التفرق العقائدي المنهجي عاما لكل الشعوب، وكان الإسلام أحد ~~الديانات، وله مذاهب وله كتاب، قد تبدأ الفرق غير الإسلامية أولا، ثم ~~تأتي الفرق الإسلامية بعدها تبعا للتطور الزماني لرؤية تطور الوحي ~~واكتمال الوعي البشري. وقد تبدأ الفرق الإسلامية أولا ثم تأتي الفرق غير ~~الإسلامية على أساس أن البناء يظهر التطور، والنهاية تثير البداية. قد ~~يبدأ بالديانات العامة أولا، ثم يتم إحصاء الفرق الإسلامية ثانيا. وقد ~~يبدأ عرض الفرق الإسلامية أولا، ثم يأتي إحصاء الديانات الأخرى ثانيا. ~~الأول ترتيب زماني تاريخي، والثاني ترتيب موضوعي مذهبي. بالطريقة الأولى ~~تذكر الفرق الكلامية في معرض تاريخ الأديان العام، وكأنها فرق أهل ~~الإسلام قبل أن يبدأ عالم الكلام في عرض مادته حسب الموضوعات؛ فالأديان هي ~~الملل، والفرق الإسلامية هي النحل. الملل هي الديانات المختلفة ~~كاليهودية والمسيحية والإسلام، والأهواء كالمذاهب الفلسفية، والنحل ~~كالديانات التاريخية الخالصة. # 15 # وعندما توضع المادة الكلامية في إطار تاريخ الأديان المقارن، ~~وتظهر الفرق في إطار تاريخ الأديان العام، يقوم التصنيف على نظرية في ~~الحقيقة، وهي أن الحقيقة موجودة يمكن ms285 معرفتها، وهي حقيقة واحدة كاملة في ~~مقابل حقائق متعددة ناقصة. ويقوم الإيمان بالوحي من حيث المبدأ على حقيقة ~~واحدة موجودة وكاملة يمكن معرفتها والوصول إليها. وتعادل نظرية الحقيقة ~~هذه نظرية العلم في مصنفات العقائد، فيشار إلى الموقف السوفسطائي، سواء ~~الشك المطلق أو الشك النسبي، وتثبت الحقائق والعلوم. # 16 # والطريقة الثانية تذكر الفرق غير الإسلامية كإحدى الفرق الإسلامية. ~~وهنا يصبح علم أصول الدين هو الأصل، وتاريخ الأديان هو الفرع. # 17 # ولا يخلو مصنف كلامي من إشارة إلى الديانات الأخرى ~~وفرقها، حتى في المصنفات المتأخرة التي بوبت حسب موضوعات العلم، ~~والتي تجاوزت تاريخ الفرق المحض؛ ومن ثم أصبح موضوع تاريخ الأديان أو ~~تطور الوحي من موضوعات علم الكلام يدخل في التوحيد. # 18 # وأحيانا تدخل فرق غير كلامية ضمن الفرق الكلامية. وهنا ~~يبدو علم الكلام وكأنه تاريخ الفكر الديني داخل الحضارة، وليس فقط تاريخا ~~للفرق الكلامية التي تكون مادة علم الكلام. # 19 # وقد يصنف علماء الكلام في مقالات الديانات الأخرى دون ذكر ~~للفرق الإسلامية. وفي هذه الحالة يكون عالم الكلام عالم تاريخ أديان خالص ~~لحضارات وديانات أخرى. # 20 # وقد يتعدى تصنيف الفرق الخارجة على الإسلام إلى إخراج فرق إسلامية نشأت ~~داخل الحضارة الإسلامية، مثل بعض النظريات الفلسفية في قدم العالم، وقدم ~~الزمان والمكان، وأزلية النفس ، وتدبير الفلك. فعلم الكلام هنا يشمل كل ~~الفرق الخارجة عن الإسلام، سواء كانت من حضارة أخرى أو من داخل الحضارة ~~خارج علم الكلام في الفلسفة أو التصوف. فهو تاريخ للفكر الديني بوجه عام، ~~وليس تاريخا لعلم الكلام بوجه خاص من ملل وأهواء ونحل. وفي المقابل قد ~~تدخل فرق غير إسلامية تمثل حضارات وافدة ضمن الفرق الإسلامية؛ لأنها ~~أصبحت ممثلة داخل الحضارة الإسلامية ولم تعد وافدة عليها، إما لأن لها ~~ممثلين، أو لأن الاتجاه ظهر تلقائيا في الحضارة الإسلامية بمساعدة ~~الاتجاه المماثل في الحضارات الوافدة أو بدون مساعدتها. ومما يساعد على ~~إدخال هذه الفرق ضمن الفرق الكلامية الرغبة في إكمال عدد الفرق في ~~التاريخ الموجه. # 21 # وقد يكون التاريخ ms286 المذهبي تاريخا داخليا محضا للحضارة دون ~~ذكر أية حضارات مجاورة دخيلة. وفي هذه الحالة يكون التاريخ موجها بحديث ~~الفرقة الناجية. # 22 ~~(1-4) تحديد المصطلحات # إذا كان التفرق عقائديا مذهبيا، فالأولى تحديد مصطلحات الدين، ~~والملة، والحنيفية، والشرعة، والمنهاج، والسنة، والجماعة، والإسلام. # 23 # فالدين هو الامتثال، والامتثال هو التعبير عن الطبيعة بالفكر. ~~ولا يعني ذلك الطاعة والانقياد، فذلك ما تعاني منه الأمة حاليا في ~~علاقتها بالسلطان، بل هو رفض كل ما يعارض الطبيعة والحرية والعقل، هذا ~~الرفض الناشئ من الامتثال للفكر وإدراك الهوة بين الطبيعة والمثال. ليس ~~الدين هو الجزاء؛ لأن فعل الخير، العمل الصالح، مستقل عن الجزاء ~~والعقاب، ولكن في طبيعة الفعل جزاؤه، وجزاؤه أثره وفاعليته؛ فعلى الخير ~~يعطي خيرا، ويحدث في هذا العالم من حياة الفاعل، أو يكون كامنا فيظهر في ~~الأجيال التالية ويظل موجها للحضارة. وإذا كان الدين يعني الحساب، فإن ~~الحساب على الفعل يكون ذاتيا، بمراجعة داخلية. أما الحساب الخارجي ~~فعادة ما يكون مصدرا للخوف والتخفي؛ وبالتالي مصدرا للإرهاب والنفاق، لا ~~فرق في ذلك بين حساب الله وحساب السلطان. والحساب ليس بالضرورة حساب الآخر ~~للذات، أي حساب الدولة للمواطنين، بل حساب الذات للآخر، حساب المواطنين ~~للدولة من خلال الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة. وإذا كان الدين يعني ~~التعبد، فإن التعبد ليس الإتيان بحركات رمزية تكشف عن الصلة بين ~~الإنسان والله، بل القيام بأفعال مباشرة في العالم تؤثر في الناس وتحدد ~~مسار العلاقات الاجتماعية. وإذا كان الدين في النهاية وضعا يسبق العقول ~~باختيارها إلى ما هو خير لهم بالذات، فإن هذا الوضع يتفق مع الطبيعة ~~البشرية الحرة العاقلة، ويؤكدها، ويساعدها على الازدهار والكمال. # 24 # ويتحول الدين إلى ملة لأن الامتثال جماعي. الدين هو الذي يعطي الهوية ~~للجماعة، ويحولها إلى جماعة فكرية. لا يوجد فكر دون جماعة، ولا يوجد ~~دين بلا أمة، ولا يوجد مذهب فكري دون شعب؛ لأنه لا يوجد وحي بلا تاريخ. ~~وصف الدين هو وصف للأمة، وتحليل الدين هو تحليل لحال الأمة. # 25 # والملة هي ملة إبراهيم، ms287 وهي الحنيفية السمحة، ويضادها ~~الخروج على طريق العقل والطبيعة. والأمة جماعة مثالية، حققت وحدة الفكر ~~واستقلال الشعور وتدرك نظام الطبيعة، الأمة فكر نمطي، والفكر جماعة ~~مثالية تمنع من التشتت الفكري والحضاري، وتحرص على الوحدة المثالية بين ~~الفكر والجماعة، بين الوحي والتاريخ. وتتوالى الملل حسب قانون الجمع بين ~~الأضداد وجدل التاريخ، والانتقال من الموضوع إلى نقيض الموضوع إلى مركب ~~الموضوع. عرف آدم الأسماء كلها، وعلم نوح معانيها، ثم تحقق إبراهيم من ~~كليهما. الأمة المثالية إذن هي التي تجمع بين الأسماء المعاني والواقع، ~~بين الألفاظ والدلالات والأشياء دون تبعثر للأسماء، وتحولها إلى شقشقات ~~لفظية وضمور للمعاني، وتحولها إلى ثوابت، وغياب للوقائع والأشياء. # 26 # وإذا تحول الدين إلى ملة، فإن الملة تتحول إلى منهج للجماعة. وباتحاد ~~الفكر بالجماعة يظهر التشريع، وهو تنظيم الفكر للجماعة، وتوجيهه لسلوكها، ~~وتخطيطه لحياتها. وقد تطورت الشرائع كما تطور الفكر وتطورت الجماعة، ~~واكتملت بظهور الجماعة المثالية. فالتشريعات تنبع من الفكر وتقوم عليه، ~~وتعبر عن واقع دفاعا عن مصالح الجماعة. # 27 # فإذا تم الاتفاق على المنهاج نشأت الجماعة الفكرية المذهبية. ~~الجماعة هي ممثلة الفكر في التاريخ، وتحوله إلى شريعة ونظم. ولما كانت ~~الشرعة منزلة ففي تطور الوحي في التاريخ جاء التنزيل أولا، ثم التأويل ~~ثانيا، ثم الجمع بين التنزيل والتأويل ثالثا. وهو منهج الأمة المثالية ~~التي جمعت بين الفكر والجماعة . التنزيل بلا تأويل صورية وفراغ، والتأويل ~~بلا تنزيل مضمون عاطفي بلا صورة وروح طاهرة بلا بدن، والجمع بين التنزيل ~~والتأويل هو إيجاد الوحدة بين الصورة والمضمون، بين الروح والبدن، بين ~~المثال والواقع. ويكون ذلك في التاريخ جمعا بين القديم والجديد، بين ~~الماضي والحاضر. التنزيل بلا تأويل جمود، والتأويل بلا تنزيل هوى. # 28 # والأديان كلها مراحل مختلفة لدين واحد اكتمل في آخر مرحلة. كل مرحلة ~~تثبت المرحلة الأولى وتكملها. فإذا اكتمل الوحي انتهت النبوة، واستقل ~~العقل، وتحررت الإرادة، واكتملت الفطرة، وثبتت الحقيقة، ووضح المثال. ~~أصبح الوحي تاريخا، والفكر واقعا؛ فالواقع دليل الفكر، والفكر دليل الحق. ~~ووقوع الوحي لا يستلزم بالضرورة البحث ms288 عن مصدر مشخص للوحي ولا حتى شخص ~~للنبي؛ فالوحي واقع في التاريخ ويتطور معه أفقيا، وليس علاقة رأسية بين ~~شخصين. والبرهان على صدقه متضمن فيه وليس خارجا عنه، طبيعة الفكر ~~نفسها المطابقة للواقع، للفطرة والطبيعة، والشامل لكل التجارب البشرية ~~النمطية. موضوعية الوحي وشموله مقياسان لصدقه. الدليل ملازم له، لا هو ~~سابق له، ولا لاحق عليه. السابق إرهاص على ضرورة ظهور الفكر، واللاحق تحقيق ~~لمسار الفكر وإثبات لواقعيته. لا تستلزم النبوة في آخر مراحلها إثبات صدقها ~~بآية خارجة عنها. آياتها الوحيدة من داخلها كفكر مطابق للواقع، وهذا ~~الواقع هو التجربة الإنسانية الشاملة وماهياتها وقوانين التاريخ. ~~فالتوحيد هو جوهر الدين، وما أتى به الأنبياء منذ آدم حتى محمد. وبمجرد ~~تحقيق غاية الوحي، استقلال الوعي الإنساني، عقلا وإرادة، يقف تطوره ~~وتنتهي النبوة، ويتوقف تطور التاريخ في الأصول، ويبقى تطوره في الفروع، ~~والتي يمكن للاجتهاد أن يجد لها تشريعاتها ويستنبط لها أحكامها. ويكون ~~التاريخ حينئذ دون مراحل، وكأن التاريخ يخضع نفسه للخلود، ويمحي عنه ~~طابع الزمان. # 29 # وإذا كانت الفرق إسلامية على وجه الخصوص، فماذا يعني الإسلام؟ وهنا تأتي ~~الفكرة الموجهة لتحدد الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان؛ الأول ~~بداية، والثاني وسط، والثالث كمال. الأول عمل باللسان (قول)، والثاني عمل ~~بالقلب (تصديق)، والثالث عمل بالجوارح (فعل). الأول العبادات، والثاني ~~العقائد، والثالث المعاملات. ولكن أليست العبادة أيضا بالقلب وبالجوارح، ~~فتشمل العقائد والمعاملات؟ وفي آخر مرحلة من مراحل الوحي يكون الوحي ~~إمكانية تحقيق من خلال طاقة الإنسان. ولما كانت الطاقة قولا ووجدانا ~~وعملا كان القول هو الإعلان عنه، والوجدان تمثله، والفعل تحقيقه. ليس ~~الإسلام إذن هو مجرد الخضوع والانقياد بالمعنى الشائع دون تمييز بين الله ~~والسلطان، بل هو تعبير عن الطاقة الإنسانية، بالقول باللسان والعمل ~~بالجوارح، بالكلمة والفعل. الإسلام إذن أقرب إلى الشهادة باللسان وباليد. ~~فإذا كان الخارج قيدا وقهرا ورضوخا للأمر الواقع، فإن الإسلام يكون ثورة ~~وتحررا وغضبا ورفضا وتمردا. وتبدأ العقائد المتأخرة من الإيمان، ~~وتعرفه بأنه الاستسلام والانقياد، وتجعل مضمونه إما الغيبيات أو العبادات ~~أو ms289 الحدود دون فكر أو فعل، ودون حق أو طلب. ويفرغ الإيمان من أي مضمون ~~اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي يربط المؤمن فردا وجماعة بمصالحه وحياته، ~~ويجعله قادرا على الدفاع عن حقوقه، وليس فقط مطالبته بتحقيق واجباته. # 30 # وبهذا المعنى، الإسلام كاستسلام، يشار إلى الفرقة الناجية، ~~فرقة السلطان. # 31 ~~(2) من الوحدة إلى التفرق # تصف الفرقة الناجية تاريخ الفكر البشري، بل وتاريخ الإنسانية ذاتها، كمسار من ~~الوحدة إلى التفرق، من الطاعة إلى العصيان، من الخير إلى الشر؛ وبالتالي تتم ~~إدانة التاريخ والزمان والتطور، وإدانة كل جهد بشري وقضاء على التعددية. ولا ~~سبيل إلى صلاح العالم ونجاة البشرية إلا بالعودة من جديد من التفرق إلى الوحدة، ~~من العصيان إلى الطاعة، ومن الشر إلى الخير. ومرة يتم هذا الوصف بصورة فنية ~~شعرية رمزية عن طريق رفض الشيطان السجود لآدم قياسا للنار على الطين، وهو ~~قياس كمي خاطئ يغفل الكيف؛ ومرة أخرى، وهو الهدف من هذا الوصف، عن طريق وصف ~~مسار علم أصول الدين على أنه انتقال من النقل إلى العقل؛ وبالتالي يضل كما ~~ضل الشيطان من قبل. الأمة إذن لها بدايتان؛ الأولى قياس الشيطان، والثاني ~~إعمال العقل! وكلاهما شر؛ الأول أدى إلى الطرد من الجنة، والثاني أدى إلى ~~الفرق الضالة! ~~(2-1) التاريخ الرمزي # يبدأ التاريخ، عند الفرقة الناجية، بصورة فنية أقرب إلى الشعر منها إلى ~~العلم، وأدنى إلى الخيال منها إلى الواقع، توحي بأن التفرق والتشتت ~~حدثا في البداية لأول مرة منذ الخليقة قبل أن يقع للمرة الثانية في ~~التاريخ الإنساني بعد ظهور الوحي. فالتاريخ له بدايتان؛ الأولى بداية ~~الخليقة، والثانية اكتمال الوحي ووحدة الفكر. البداية الأولى افتراضية ~~خالصة، تعتمد على التاريخ الشعري أو على التفسير الفني للنصوص الدينية ~~للحصول على دلالة مشابهة للبداية الثانية، وكأن التاريخ يعود كما بدأ. ~~ولا يقتصر الأمر على الدلالة الشعرية، بل يفسر النص الفني على أنه يحتوي ~~على وقائع حدثت بالفعل. حدث التشتت الأول في البداية بإعمال الرأي ~~والقياس، وذلك بمقابلة الرأي بالنص، أو مقابلة الهوى بالأمر، إعمالا ms290 للعقل ~~وإثباتا للحرية. # 32 # والتاريخ الشعري القائم على الصور الفنية أفضل استعمالا من ~~التاريخ الأسطوري، إلا إذا فهمت الأسطورة كصورة فنية. فلفظ الأسطورة يعني ~~في التراث وفي أصل الوحي الخرافة بالتعارض مع الواقع، في حين أن لفظ الشعر ~~والتخييل ألفاظ تراثية، وكذلك الحال مع لفظ الصورة الشعرية وانتمائها إلى ~~الثقافة الأدبية المعاصرة. # 33 # وتعتمد هذه البداية الشعرية مع الكتب المقدسة الأخرى القائمة ~~على عقائد السقوط والطرد والحرمان كوقائع وحوادث تاريخية، وليس فقط كصور ~~شعرية. ونظرا لاعتماد الفرقة الناجية على التفسير بالمأثور، فقد دخلت ~~كثير من الإسرائيليات لتأصيل عقائدها، وهي الصورة الشعرية نفسها الموجودة ~~في حضارات أخرى وتفسر لا على أنها صراع العقل مع النقل، وصراع ~~الموضوعية مع الذاتية، وصراع الحرية مع القدرية، بل على أنها تنقل أخبارا ~~عن وقائع العصيان والحرمان والطرد والخطيئة والسقوط. # 34 # وتضع الصورة الشعرية شبهات سبعة # 35 # تفيد بأن الموقف الإنساني شبهة، وأن السؤال عنها يوقع لا ~~محالة في تناقض، وهي الشبهات نفسها التي يقوم عليها علم الكلام. تمثل ~~الفرق الهالكة، وفي مقدمتها المعارضة العلنية من الداخل، اختيار الشيطان ~~نظرا لاعتمادها على العقل. وتمثل الفرقة الناجية، فرقة السلطان، اختيار ~~الله نظرا لاعتمادها على النقل. الشبهة الأولى تشير إلى تعارض العلم ~~المطلق مع الخلق باعتباره مصيرا وتاريخا محددا في العلم، ومع ذلك ~~مرهون بحرية الإرادة الإنسانية. وإذا كانت الفرقة الناجية تأخذ صف العلم ~~الإلهي وتضحي بالخلق الإنساني، فإن الفرق الهالكة خاصة المعارضة العلنية ~~من الداخل تأخذ جانب الحرية الإنسانية وتضحي بالعلم المسبق. فإذا كان ~~القياس هو المزايدة في الإيمان أمام العامة وفي أعين السلطان، كان ~~الاختيار لعقائد الفرقة الناجية! والحقيقة أن العلم المطلق لا يمنع من ~~تقرير مصير الإنسان لذاته؛ لأن العلم المطلق علم حقيقي، أي أنه مطابق ~~للواقع، لا بمعنى أنه يفعل مباشرة، بل بمعنى أنه يفعل من خلال الفعل ~~الإنساني. وهذا لا يعني أن العلم المطلق خامل غير مؤثر، بل بمعنى أن ~~الإنسانية لا تتحقق إلا بالفعل في التاريخ. العلم مسار التاريخ، أو فكر ~~العمل، ms291 أو نظرية السلوك، إذا ما بعد العلم عن التشخيص الذاتي كصفة لذات ~~مشخص. والشبهة الثانية تشير إلى التعارض بين خلق الإنسان على إرادة الله ~~وبين تكليفه على إرادة الإنسان الخاصة. فإذا أخذت الفرقة الناجية الاختيار ~~الأول، فإن الهالكة تأخذ الاختيار الثاني. أليس فضل الله على الإنسان ~~عظيما أمام السلطان وفي أعين العامة؟ والحقيقة أن التكليف إثبات لغاية ~~الإنسان ودعوته، وأن الحياة الإنسانية أساسا هي تحقيق الرسالة. ولا يتم ~~هذا التحقيق وفقا لإرادة مسبقة، فالإرادة المطلقة هي إرادة التاريخ ~~وقوانينه ومساره التي تتحقق بالفعل الإنساني الفردي والجماعي على السواء؛ ~~وبالتالي تبتعد الإرادة المطلقة عن التشخيص الذاتي الخارجي، وتعود إلى ~~أصلها كقانون عام لمسار التاريخ، أو كنمط للتحقيق والتكليف ليس مضادا ~~للحرية، وليس مانعا لها، بل هو موجه لها يعطيها أساسها النظري ومسارها ~~المختار. والشبهة الثالثة عن أمر الشيطان بالسجود لآدم وعصيان الشيطان لله، ~~بطبيعة الحال تختار فيها فرقة السلطان الطاعة لله وتنفيذ الأوامر، بينما ~~تختار الفرق الهالكة العصيان ورفض السجود لأحد إلا لله، حتى ولو كان ذلك ~~عصيانا لأوامر الله. واختيار الفرقة الناجية يرضاه السلطان، ويتملق أذواق ~~العامة إيمانهم الاجتماعي بالله. ومن ذا الذي يرفض أوامر الله وأوامر ~~السلطان؟ والحقيقة أن الإنسان هو القيمة الأولى في الحياة على رأس سلم ~~القيم، وله يخضع كل شيء في الطبيعة، وكل فعل في التاريخ يقاس بمدى تحقيقه ~~لهذه القيمة؛ فرفض السجود لآدم هو رفض للاعتراف بالإنسان كقيمة مطلقة. ~~وإن السجود للإنسان وليس السجود لله لهو تنفيذ للأمر الإلهي وتحقيق ~~لإرادته. والشبهة الرابعة تحتوي على الحكم بإدانة كل من لا يعترف بالإنسان ~~كقيمة أولى، حتى ولو كان السبب في عدم الاعتراف التشدق بالإيمان والمزايدة ~~فيه بدعوى عدم السجود إلا لله. الإنسان قيمة في أعلى سلم القيم. وقد ~~تتنازل قيم أخرى أعلى منه حتى الفكر المطلق ليعلن أن الإنسان قيمة أولى. ~~وهو بهذا الإعلان والاعتراف يثبت إطلاقيته، فلا إطلاقية تثبت إلا بإثبات ~~الإنسان كقيمة أولى. والشبهة الخامسة أنه بالرغم من لعن الشيطان وإصدار ~~حكم عليه بالإدانة، ms292 فقد دخل الجنة ووسوس للإنسان. ولا يعني ذلك أن كل ما ~~يأتي للإنسان من أفكار فإنها من وسوسة الشيطان كما تقول الفرقة الناجية ~~وكما يريد السلطان، بل تعني أن الاعتراف بالإنسان كقيمة أولى ليس مجرد ~~اعتراف نظري، بل هو جهد عملي يتحقق بالفعل، وكأن الاعتراف النظري يحتاج ~~إلى اعتراف آخر عملي بدفاع الإنسان عن وضعه كقيمة أولى، والدخول في صراع ~~مع كل القوى التي تنكر عليه هذا الحق. فالإنسان ليس إمكانية محدودة ذات ~~اتجاه واحد، بل هو إمكانية تحقق سلبا أم إيجابا. هو إمكانية تحقق في ~~مواقف تتخللها عقبات؛ لأن وجود العقبة ضرورة لتحقق الإمكانية، وحشد ~~الطاقات النظرية والعملية. وقد تكون الموانع ذاتية مثل الأهواء ~~والانفعالات، وقد تكون موضوعية مثل الأوضاع الاجتماعية والسياسية. فالمانع ~~ضرورة لتخطيته، والعقبة شرط لتذليلها. والشبهة السادسة عن وسوسة الشيطان ~~ليس فقط لآدم، بل لأولاده، تتملق أذواق العامة عن براءة الأطفال وعدم ~~مسئوليتهم عن غوايات الآباء. والحقيقة أن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ~~ومكان؛ بناؤه واحد، وشعوره واحد، وموقفه من العالم واحد، لا فرق بين أب ~~وابن، أو بين أسلاف وأحفاد. كل إنسان مسئول عن نفسه من حيث هو إنسان، وليس ~~من حيث هو ابن لأب. والشبهة السابعة والأخيرة عن السبب في الاستمهال ~~والنظرة، فإنها تقوم أيضا على المزايدة في الإيمان، وافتراض تدخل الله ~~لهزيمة الشيطان دفاعا عن الإنسان، وحرصا له من الوقوع في الغواية، وإنكار ~~دور الإنسان والزمان وحركة التاريخ. والحقيقة أن الزمان قد أعطي للإنسان ~~ليفعل فيه، كما أعطي له التاريخ ميدانا للعمل؛ فلا نهاية بلا بداية، ولا ~~خاتمة بلا مشروع. الإنسان حياته، وحياته تاريخه، وتاريخه سلوكه، وسلوكه ~~تحقيق لغاية، وغايته رسالته، ورسالته مصيره. # وطبقا لهذا التاريخ المعبر عنه بالصورة الفنية تئول الوقائع الحالية ~~حسب الفكر المسبق على ما هو معروف في تاريخ الأديان باسم تنميط الوقائع؛ ~~فأسئلة الفرق الكلامية كلها لا تخرج عن الأسئلة الأولى التي سألها إبليس، ~~ويكون التاريخ حينئذ عودا على بدء، ومعيدا لنفسه. # 36 # والحقيقة أنه إذا كان هذا ms293 الوصف يعني الانحدار والسقوط ~~والتشتت والتفرق، أي إذا كان وصفا سلبيا، كان جحدا للواقع، ~~وإيقافا لحركة التاريخ، وإلغاء لعمل الفكر البشري، وقضاء على الحضارة. ~~أما إذا كان هذا الوصف يشير إلى حركة إيجابية تظهر فيها أنماط الفكر في ~~كل زمان ومكان، ودون حركة دورية، ودون إدانة للتاريخ، كان وصفا واقعيا ~~يثبت الحركة والزمان والتاريخ. فالتقابل بين العقل والهوى، بين الموضوعية ~~والذاتية، بين الخارج والداخل، بين الأمر والتلقائية، بين التسليم والرفض، ~~تقابل يعبر عن الموقف الإنساني العام في كل زمان ومكان بإضافة بعض ~~النضج في التجربة البشرية أثر تراكم التجارب والاستفادة منها، ثم تتحول ~~البداية الزمانية الافتراضية الأولى في الصورة الفنية في أول العالم إلى ~~بداية زمنية فعلية ساعة ظهور الوحي وإعلان النبوة. ويبدو التفسير النمطي ~~للوقائع أيضا؛ فكل ما وقع من حوادث التاريخ وقعت أنماطه في الجيل الأول. ~~ويصعب تغيير التاريخ دون نمط؛ ولذلك يكون تطور التاريخ في بنائه، ويكون ~~ماضيه في حاضره، وحاضره ماضيه. يتم تفسير الحاضر بالماضي، والماضي ~~بالحاضر؛ فالشعور الإنساني واحد، والموقف من الحياة واحد؛ فلا تاريخ بلا ~~شعور، ولا شعور بلا تاريخ. # 37 # وفي كلتا الحالتين، البداية الأولى والبداية الثانية، يظهر الدرس ~~المستفاد، وهو أن الانتقال من الوحدة إلى التشتت عمل من أعمال العقل، أو ~~بتعبير أدق نقص في العقل، وتحكم بالهوى، وتأويل للنصوص، وإعمال للجهد. ~~وكأن السؤال عن العلة جريمة تستحق العقاب، وكأن عقل الإنسان قاصر عن فهم ~~الأسباب، بل ولا يجوز للإنسان أن يتساءل وأن يستدرك. # 38 # تعني البداية الأولى أن الإيمان بالتوحيد يقتضي التسليم، وأن ~~أي استفهام بعد الإيمان يدل على عدم صدق الإيمان، مع أن إبراهيم سأل حتى ~~يطمئن قلبه واستجيب لسؤاله؛ فالسؤال والاستفسار والاستدراك نزوع إنساني ~~لا يجحد. # 39 # كما نشأت الشبهات في أول الزمان من إعمال العقل، فإنها نشأت ~~أيضا في أول ظهور الوحي وإعلان النبوة من إعمال العقل، والسؤال والرغبة في ~~المعرفة، والقياس والبحث عن العلة. فكل إعمال للعقل خروج على النبوة، وكل ~~سؤال انحراف عنها. فالخوارج هم العقلاء، ms294 والعقلاء هم الخوارج! إن السؤال ~~ليس شبهة، بل هو خلق حضاري، وبداية لتحدي الواقع وتنظيره بالفكر. ~~والاستدراك ليس هدما، بل هو عثور على تصور متناسق للعالم حتى يشعر ~~الإنسان بوئام معرفي مع الطبيعة يستطيع بعده من السيطرة على قوانينها ~~وتسخيرها لصالحه. وما دام التفسير خلقا إنسانيا يعبر عن وجود الإنسان ~~في موقف، فإنه يكون معبرا بالضرورة عن هذا الموقف الذي يتدخل فيه الهوى ~~والانفعال والمصلحة. ويكون السؤال: هل هذا الهوى ذاتي أم موضوعي؟ هل هذه ~~المصلحة فردية أم جماعية؟ وبالإجابة على ذلك يتحول الوحي إلى حضارة، ~~والنبوة إلى تاريخ. وهذا كله ليس سلبا بل إيجاب، وليس نقصا بل كمال، وليس ~~سقوطا بل رفع، وليس طردا أو حرمانا بل تكليف وحرية. # 40 # إن تحويل العالم الطبيعي إلى عالم مدرك ليس نفيا للوحي، بل ~~هو تمثل للوحي كمعرفة قبل استعماله كموجه للسلوك، وتأصيله كبناء نظري ~~مثالي للعالم. فالوحي لا يتحدث بنفسه، بل يعطيه الإنسان اتساقه العقلي، ~~ويكتشف أساسه النظري. والإنسان ليس آلة تؤمر فتطيع، بل هو إمكانيات للفهم ~~والتمثل، وقدرات السلوك القائم على البواعث، وإمكانية حركة تلقائية تعبر ~~عن طبيعته المثالية. أوامر الوحي ليست قواهر وزواجر وموانع وروادع، بل ~~موجهات للسلوك، وبواعث للفعل، تثبيت لغاية، وتأسيس لنظر، وازدهار لطبيعة، ~~واكتمال لموقف. # ويعيد التاريخ نفسه، ويدور الشعور في التاريخ، ويخرج علم الكلام في ~~بداية ثالثة ناشئا عن إعمال العقل في النص. ولما كان العقل صورة للجهد ~~الإنساني ، فقد يكون أقرب إلى الهوى أو الرأي أو المصلحة أو سوء النية أو ~~النفاق. ولما كان العقل أعور، أي لا يرى إلا من جانب واحد نشأت الفرق، ~~كل منها يعبر عن جانب، وكلها نتيجة إعمال العقل! فهل هذه صورة العقل؟ ~~ألا يوجد عقل بديهي لا دخل فيه للهوى؟ هل العقل سبب للسقوط والانحدار أم ~~سبب للتطور والازدهار؟ ويقوم حكم العقل على القياس، ويعني القياس بالضرورة ~~التماثل بين شبيهين، وهو قياس الشبه؛ ومن ثم يؤدي القياس إلى قياس ~~الغائب على الشاهد؛ مما يؤدي بدوره إلى التقصير في ms295 حق الغائب، والغلو في حق ~~الشاهد؛ أي إنزال الغائب إلى مستوى الشاهد، ورفع الشاهد إلى مستوى الغائب. ~~فالقياس يقلل المسافة بين المثالي والواقعي حتى يتم إلغاؤها كلية في ~~النهاية. وهي حقيقة معرفية تعبر عن الموقف الإنساني في إدراكه لنفسه ~~وللعالم، فهو يعبر عن الغائب بالشاهد إن كان يريد الواقع والعمل والتاريخ، ~~ويعبر عن الشاهد بالغائب إن كان الشاهد متأزما يريد دفعه إلى المثال ولو ~~التعبير عنه بالتمني. وقياس العلة كقياس الشبه محاولة للسيطرة على ~~العالم وإخضاعه بعد فهمه وتنظيره. هو قياس يبحث عن سبب الوجود ومن أجل ~~اكتشاف قوانين الطبيعة حتى يسير الإنسان معها، يستمد منها قوته ~~ويوحدها مع قواها. قامت المعارضة السرية في الداخل بالحكم على الخالق في ~~الخلق وانتهت إلى الغلو، وقامت المعارضة العلنية في الداخل بالحكم على ~~الخلق في الخالق وانتهت إلى التقصير. الأولى حلولية الصفات، والثانية ~~مشبهة الأفعال. الأولى تشبه الخالق بالخلق، والثانية تشبه الخلق بالخالق. # 41 # وترد بعض الحركات الإصلاحية الحديثة الاعتبار لهذا المسار الطبيعي من ~~الوحدة إلى التعدد، باعتبار أنه من صنع العقل والتفسير والتأويل لفهم النص ~~وتعقيل العقيدة؛ فانفصام الوحدة وتحولها إلى فرق وشعب ليس ظاهرة ~~سلبية تدل على عصيان، بل هي بداية الفكرة ونشأة الحضارة. # 42 # وقد ساهمت في ذلك عوامل عدة، منها عامل حضاري، وهو فعل ~~الحضارات القديمة الدخيلة، وضرورة الرد عليها. ومنها عامل اجتماعي فقهي؛ أي ~~فعل الأحداث الجديدة، وضرورة فهمها، واستنباط أحكام لها. ومنها عامل ~~سياسي، أي التعبير عن الصراع بين السلطة والمعارضة. كما يتطلب ذلك معرفة ~~الظروف القديمة التي أدت إلى نشأة الحضارة وكيفية نشأتها، ثم معرفة ~~الظروف الحالية التي يمكن أن تساعد على نشأة حضارة جديدة، ثم مقارنة بين ~~المرحلتين. فإذا تشابهت الظروف تشابهت الحلول والمواقف الحضارية، وإذا ~~اختلفت الظروف اختلفت أيضا الحلول والمواقف، وتحتم إعادة الاختيار من ~~جديد. وهنا تبدأ عملية تنقية التراث ونقد التراث، وإعادة الاختيار بين البدائل. # 43 # وبناء على ذلك حاولت الحركات الإصلاحية الحديثة إعادة وصف ~~نشأة علم الكلام وتطوره لتصفيته من شوائبه ms296 التاريخية، والتوقف في مسائله ~~العقائدية التي لا ينتج عنها أثر عملي لتغيير الواقع الحالي، بل والتي قد ~~ينتج عنها أثر مضاد. # 44 # كما تهدف بعض الحركات الإصلاحية إلى العودة إلى الوحدة الأولى ~~بطريق صحي تقضي على هذا التشتت والتفرق، وتعيد الوحدة الوطنية. فإذا ~~كان الغرض من ذلك التوحيد بين المذاهب، فلا يعني ذلك التوحيد بين الجماعات، ~~وتحقيق نوع من المصالحة الوطنية بين عدة قوى اجتماعية، بل يعني توحيد ~~الفكر ذاته، والرجوع إلى الأصول الأولى وإعادة تفسيرها بناء على متطلبات ~~الواقع، وتخليص المذاهب الفكرية من الوقائع التاريخية القديمة التي سببت نشأتها. # 45 # لذلك لا يعتبر ظهور الحركات الفكرية داخل الحضارة الإسلامية بدعا ~~وأهواء، فذلك حكم قيمة وليس حكم واقع، بل هي حركات طبيعية عبرت عن ~~البيئة الثقافية التي انتشر فيها الدين الجديد بأسلوب هذا الدين، وهي ~~عملية حضارية طبيعية. # 46 # فقد نشأ علم الكلام كنظرية في العقل، ومحاولة لتنظير الأحداث، ~~وإيجاد الأدلة والبراهين، وهو ما يسمح به الوحي ذاته، بخلاف مراحل الوحي ~~السابقة التي لم يستطع العقل تنظيرها، وكان السبيل إليها العاطفة والقلب ~~والانفعالات، أو الإرادة المطلقة التي لا تبرير لها. # 47 # وقد كان الاعتماد على العقل من طبيعة الوحي وبواعثه، وليس من ~~خارجه من حضارة أخرى أو من ضرورة الحوار معها. ولم تكن الباطنية فرقة ~~كلامية بقدر ما كانت فرقة فلسفية أو صوفية أو فقهية كرد فعل على مسألة ~~العقل والنقل، وإيجاد بعد ثالث هو القلب أو الباطن؛ فهي تشارك العقل ضد ~~النقل في التأويل، ثم تفترق عن العقل في وسيلة التأويل. # 48 # ونظرا لأهمية القضاء على وحدة الأمة جعلت الحركات الإصلاحية ~~موضوع الفرق في مقدمة الرسالة، ليس في مؤخرتها كما هو الحال في المصنفات ~~التقليدية عندما ضمت موضوع الفرق كملحق للإمامة. ~~(2-2) التاريخ الموجه # ويصاغ مسار التاريخ من الوحدة إلى التفرق لا على نحو شعري، صورة ~~العصيان، بل على نحو تاريخي خالص بناء على توجيه خاص من حديث الفرقة ~~الناجية الذي يحكم من قبل بأن النجاة في الوحدة، والهلاك ms297 في التفرق، ~~ويحدد عدد التشعب والتفرق، ويحصيها في اثنين وسبعين. وبالرغم من محاولة ~~المؤرخ ضبط كل فرقة وحصرها، وتبني نظرة موضوعية محايدة، إلا أن حديث ~~الفرقة الناجية يظل موجها له. ويختلف مؤرخ عن آخر في نسبة التاريخ ~~الموضوعي إلى التاريخ الموجه؛ فقد يعرض المؤلف للفرق أولا عرضا ~~موضوعيا، ثم يعود فينقدها فاصلا بين العرض والنقد، وهو يقوم في ذلك على ~~التاريخ الموجه. # 49 # وقد يعرض المؤلف عرضا موضوعيا للفرق داخل الحضارة ~~وخارجها دون نقد، ولكنه يقوم أيضا على التاريخ الموجه دون استعماله ~~صراحة في العد والإحصاء. # 50 # وقد يعرض المؤلف عرضا موضوعيا للفرق داخل الحضارة ~~مبينا الانتقال من الوحدة إلى التفرق. # 51 # وقد يعرض المؤلف منذ البداية للفرق بالتاريخ الموجه. # 52 # وفي كل الحالات ينتقل الشعور من التاريخ الفكري النمطي إلى ~~التاريخ الموجه، وترفض الفرق كلها إلا واحدة. # ويستعمل التاريخ الموجه إما في تاريخ الفرق أو في نسق العقائد. ففي ~~تاريخ الفرق يقوم التاريخ الموجه بتتبع نشأة الفرق طبقا لتوجيه ~~فكري مسبق من النص الديني، فلا يكون البحث التاريخي بحثا خالصا، بل ~~تحقيقا لفكرة مسبقة، والبحث عنها في الوقائع الدالة عليها، بل وتنظيم ~~الوقائع طبقا لها، واختيار ما دل عليها منها. # 53 # وفي نسق العقائد القائم على التاريخ الموجه يكتفى بذكر ~~العقائد النمطية، لا تلك التي خرجت عليها. # 54 # ومن مصنفات العقائد ما يضع التاريخ الموجه في البداية وليس ~~في النهاية، فتصير العقائد موجهة وليس التاريخ. وهناك مقدمات أخرى ~~لمصنفات العقائد الغرض منها بيان اعتقاد الفرقة، وهي في الغالب الفرقة ~~الناجية، وتفنيد آراء الفرق الأخرى. ومعظمها مقدمات لمصنفات عقائدية ~~خالصة مهمة العقل فيها تبريرها، وأصحابها من الفقهاء الأشاعرة، وهي ~~المؤلفات التي تعتبر نواة المصنفات العقائدية الكاملة التي تعرض ~~لبناء العلم ذاته، والغالب عليها إثبات آراء أهل السنة والجماعة وتفنيد ~~آراء المعتزلة. # 55 # يستعمل التاريخ الموجه إذن في المؤلفات العقائدية كمقدمة ~~لها لتوجيه العقائد دون ذكر للفرق. # 56 # وهناك بعض المؤلفات العقائدية لا يهمها إلا أن تعلم ~~اعتقادات الفرقة التي ينتسب ms298 إليها المؤلف، وهي أيضا في الغالب الفرقة ~~الناجية دون أية محاولة للإقناع النظري بها، وهي التي أصبحت فيما بعد ~~موضوع الشروح على المتون. # 57 # وبعض المؤلفات الكلامية الأخرى موضوعة للعبرة والاستبصار ~~والحفاظ على العقيدة، مهمتها تربوية خالصة للمحافظة على العقائد، ~~وإقامتها على أسس راسخة، والتنبيه إلى مواطن الخطر في الديانات والنحل ~~الأخرى؛ فهي أيضا دفاع تربوي ديني لترسيخ الإيمان، أو دفاع تأسيسي ليس ~~المقصود به الرد على الخصوم، بل تأسيس العقيدة، وإيجاد أصول عقلية في ~~الإيمان حتى يتحول إلى تصديق، أو حتى يطمئن القلب كما حدث ذلك لإبراهيم. ~~ويكون ذلك في معرض تأسيس العقيدة الإسلامية ضمن تاريخ الأديان. # 58 # وقد يكون الكتاب جدليا من أوله إلى آخره ردا على كتاب ~~آخر، ردا من مذهب على مذهب بتفنيد النصوص، والدفاع ضد الهجوم، ودحض ~~الافتراءات والادعاءات، وتصحيح التشويهات والتحريفات. # 59 # وتعتبر كل كتب الفقهاء الكلامية أيضا من هذا النوع. # 60 # وفي العقائد المتأخرة قد يكون التاريخ الموجه أيضا مقدمة ~~للعقائد، وفي هذه الحالة يكون بديلا عن المقدمات النظرية، ويكون التاريخ ~~التفصيلي العددي الذي يصدر حكما بهلاك الفرق كلها وبنجاة فرقة واحدة وتسميتها. # 61 # كما يذكر حديث الفرق في الحواشي والشروح المتأخرة؛ أي إن ~~التاريخ الموجه ظل ساريا في تاريخ العلم كله، يعاد ويكرر دون توقف، ~~وما زال موجها شعوريا للحضارة. # 62 # وقد يذكر حديث الفرق في آخر المؤلفات الكلامية عندما ~~يتحول التاريخ إلى جزء من بناء العلم. # 63 # حتى علم الكلام المتأخر الذي يسوده الطابع العقلي الخالص لم ~~يسلم من الانفعالات، وتكفير الفرق، والطعن في إيمان الأشخاص. # 64 # ولكن هل يمكن كتابة تاريخ موضوعي للفرق دون أن يكون موجها، خاصة ولو ~~كانت الفرق هي فرق المعارضة؟ هل يمكن كتابة تاريخ لتراث المعارضة من وجهة ~~نظر تراث السلطة؟ إن ذلك يقتضي اتباع منهج تاريخي محايد يقوم على تقصي ~~الحقائق، وعلى ابتغاء الموضوعية المطلقة دون تحريف أو تشنيع، أو زيادة أو ~~نقصان، بالتحقق من صدق الروايات، وقد حاول ذلك بعض المؤلفين الذين اتبعوا ~~هذا ms299 المنهج بدقة تامة في التحقيق التاريخي لصحة الروايات والمصادر. لا ~~تعارض في هذه الحالة بين التاريخ الموجه والتاريخ الموضوعي، بل إن ~~الموضوعية التاريخية قد لا تدرك إلا بالتوجيه الفكري لها؛ فالتوجيه ~~الفكري هو الذي يحدد رؤية التاريخ. تقتضي الموضوعية عدة أمور، منها: عدم ~~النقصان في رواية آراء المخالفين، التوثق من مصادر المعلومات، عدم أخذ ~~العقائد من روايات الخصوم، الفصل بين المصادر الأولى والمصادر الثانية التي ~~قد تشوه آراء المنقول، عدم الخلط بين المذاهب، عدم التشويه لها وتعمد ~~تحريفها، أخذ أقوال الخصوم بألفاظها وليس فقط بمعانيها، الحياد في النقل # 65 ~~... إلخ. ومع ذلك يصعب كتابة مثل هذا التاريخ لعدة أمور أيضا، ~~منها أنه لا يمكن للشعور الموجه مهما كان موضوعيا توجيهيا أن يكتب ~~تاريخا موضوعيا للفرق؛ إذ لا يمكن كتابة تاريخ نظري في مواقع صراع ~~عملي، ولا يمكن كتابة تاريخ محايد دون نقد، دفاع وهجوم، مهما بلغ المؤرخ ~~من حياد؛ فالمؤرخ جزء من عملية الصراع ذاتها، وطرف فيها بطريقة أو بأخرى، ~~بتعاطف أو ميل أو هوى؛ لذلك لا يمكن كتابة عرض محايد دون تشويه للخصوم، ~~ورسم صورة «كاريكاتيرية» له. لا يمكن كتابة تاريخ المعارضة مع الدقة ~~المتناهية في الروايات، بل قد يعتمد المؤرخ على رواية ضعيفة ما دام فيها ~~صورة مشوهة للمعارضة، أو رأي يسهل نقده، وموقف يمكن تجريحه، فينقل ~~التراث المشوه دون الصحيح مع تلمس الأخطاء. وحتى مع النقل الصحيح لا ~~تسلم الرواية من تأويل. # وهذا ما حدث بالفعل في كتابة تاريخ الفرق؛ فقد حدث خلط بين القيمة ~~والتاريخ؛ إذ توضع الفرقة الناجية أولا في البداية كنمط تقاس عليه ~~الفرق الضالة، وتعرض عقائدها كنموذج يحتذى لعقائد الفرق الضالة، وكأن ~~عقائد الفرقة الناجية هي الحق، وما سواها انحرافات عنه. والحقيقة أنه ~~تاريخيا لم تظهر عقائد الفرقة الناجية إلا في النهاية عندما حددتها ~~الأشعرية في مذهب متسق، كرد فعل على سائر الفرق الأولى التي كانت تقوم ~~بدور أهل السنة في الدفاع عن التنزيه ضد التأليه والتجسيم. # 66 # فلما انقلبت الأشعرية عليهم استحوذت ms300 على اسم أهل السنة، ~~وتحولت الفرقة الأولى التي كانت تقوم بدور أهل السنة إلى فرق المعارضة. ~~كانت المعارضة الأولى، معارضة الفرق قبل انشقاق الأشعرية عليها، عقائدية ~~فعلية، في حين كانت المعارضة الثانية بعد انشقاق الأشعري تهمة سياسية. وقد ~~توضع الفرقة الناجية في النهاية كأوصاف، وكأنها جماعة أو حزب أو قوة وليس ~~فقط كعقائد، وتكون بشخصها سلوكا يحتذى به. وكما بدأت الأمة بوحدة الوحي ~~الأولى ثم تشعبت إلى أهل الأهواء وإلى الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وهي ~~ليست منه، فإنها ترجع كلها إلى الفرقة الناجية؛ فهي المفسرة الصحيحة ~~للوحي الأولى، والمتحدث الرسمي باسمه. # 67 # بل إن تصنيف الفرق والفصل بين أهل الأهواء الذين ينتسبون إلى ~~الإسلام، وبين فرق تنتسب إلى الإسلام وهي ليست منه، حكم قيمة على فرق ~~تاريخية من الصعب إصداره، بل ولا يحق للمتكلم إصداره لأنه يحتاج إلى ~~مقياس للحكم، ومقياس حكمه آراؤه ومذاهبه حتى ولو كانت اعتقادات الفرقة ~~الناجية، خاصة وأن ما يطلق عليه اسم الفرق الخارجة على الإسلام هي ~~نفسها الفرق التي أطلق عليها أهل الأهواء، ولكن أكثر غلوا وتطرفا. # 68 # وهل يجوز إصدار حكم شرعي مثل الخروج على الأمة من منظور ~~عقائدي؟ أليست الأمة وحدة عمل قبل أن تكون وحدة نظر؟ إن الحكم على باقي ~~الفرق بالانحراف عن النمط حكم صوري خالص يغفل الوظيفة الاجتماعية التي ~~أدتها هذه الفرق كرد فعل على الأوضاع الاجتماعية، كما هو الحال في رد ~~الفعل الاعتزالي لإثبات التنزيه ضد التأليه والتجسيم، وفي إثبات خلق ~~الأفعال ضد الجبرية، وكرد فعل الخوارج ضد التوسط بين الحق والباطل، والفصل ~~بين الإيمان والعمل، بل إن رد الفعل هذا هو الذي حفظ لوحدة الفكر مسارها ~~وشواهدها، وإن كانت معلنة من فرق مختلفة، وهو الذي حفظ التوازن بين ~~تعدد المذاهب. هو شاهد تاريخي على استحالة ضياع الوحدة الفكرية للأمة ~~وتوازنها، وعدم إسقاطها على جانب دون جانب حتى لا تكون أمة عوراء. # 69 # إن توجيه الوقائع بأفكار مسبقة مناف للبحث التاريخي الموضوعي، خاصة ~~لو كانت أفكارا خاطئة وليست أوليات ms301 بديهية أو أفكارا صحيحة، وهي في هذه ~~الحالة حالة في الشعور يتجه بها الشعور نحو موضوعه دون توجيه زائد فكري ~~أو عملي. وحتى لو كان التوجيه الأيديولوجي ممكنا فإنه يحتاج إلى منطق ~~لضبطه واستعماله، والاطمئنان أولا إلى أن الأيديولوجية علمية مطابقة ~~للواقع وليست منافية له. والوحي الصحيح تاريخيا أيديولوجية علمية ~~توجه الشعور طبقا لطبيعته؛ فالحياة موقف، والتاريخ رؤية ولو لا شعورية؛ ~~وبالتالي يحمي الوحي الشعور من مخاطر ثلاث؛ الحياد الأقرب إلى التعايش ~~والتكسب بالعلم والكتب المقررة، وهو ما يفيد تراث السلطة ما دام الفكر ~~قد تحول إلى كسب، والعمل إلى مصلحة. الحياد الذي يخفي هوى صاحبه، والذي ~~يكون إما مع تراث السلطة أو تراث المعارضة، الانتصار إما لتراث السلطة أو ~~لتراث المعارضة، وهو ما حدث في تدوين تاريخ الفرق. لا بد إذن من إثبات أن ~~عقائد الفرقة الناجية أولا هي معيار الفكر ومثاله، وأنها تمثل لوحدة ~~الفكر، وأن فكرها مطابق للواقع، وأنها أكثر صدقا من أفكار الفرق. وما ~~العمل لو ادعت كل فرقة أنها الفرقة الناجية، وتنتهي الأمة إلى التشتت ~~وإلى التكفير المتبادل، ويقضى على وحدة الأمة ووحدة فكرها إلى الأبد؟ وقد ~~حدث ذلك بالفعل في تاريخ الفرق، وترسب في وعينا القومي، وكانت له آثار ~~سلبية على وحدة الأمة. وما الضامن لصحة الفكرة الموجهة تاريخيا؟ ماذا ~~يحدث لو كانت الفكرة الموجهة غير صحيحة تاريخيا؟ عندئذ يتحول التاريخ ~~كله إلى خطأ؛ لأن البحث يقوم على افتراض خاطئ؛ فالتاريخ الموجه قائم ~~أساسا على افتراض نظري مصدره الخبر؛ أي التاريخ. فالتاريخ يحكم نفسه، ~~ويؤرخ ذاته. وماذا يحدث لو اختارت كل فرقة مذهبها كموجه للتاريخ، ~~وأصبح لدينا عديد من التواريخ الموجهة، فيضيع النمط الفكري المعياري ~~ويحل الهوى؟ # والأخطر من ذلك كله في التاريخ الموجه هو إدانة التاريخ والتطور والزمان ~~كميدان خلق وإبداع، واتهام الفكر وزعزعة الثقة بالعقل، واعتبار قوى الشر ~~في العالم أكثر حسما من قوى الخير؛ ومن ثم لا يقاومها إلا الإيمان ~~بالله والإذعان للسلطان، نظرة تشاؤمية تؤدي في النهاية إلى التخدير التام. ms302 ~~يقوم التاريخ الموجه على أن هذا المسار من الوحدة إلى الكثرة مسار مرضي، ~~وليس مسارا طبيعيا؛ وبالتالي لا بد من تصحيحه في أية حركة إصلاحية. فبعد ~~أن وجدت الجماعة الأولى ممثلة لوحدة الفكر ووحدة الفهم، تنشأ ظروف ~~جديدة ومواقف إنسانية متعددة تحدث منها تفسيرات جديدة تعبر إما عن حق ~~وعلم، أو هوى وظن، حتى يبعد العهد بالوحدة الأولى، ثم تتفتت هذه الوحدة ~~إلى اتجاهات تنتهي إما إلى العلمانية الخالصة ممثلة هذا التعدد الجديد، ~~أو إلى السلفية الخالصة ممثلة هذه الوحدة الأولى؛ ثم تنشأ دعوتان؛ الأولى ~~تريد الابتعاد عن الوحدة الأولى، وتتكيف حسب تطور الزمان والتاريخ؛ ~~وأخرى سلفية تود العودة إلى الوحدة الأولى متفادية الكثرة ولاغية ~~للتشعب؛ ثم تصبح الجماعة حيرى بين هاتين الحركتين، ماضيها ومستقبلها، ~~روحها وبدنها، تاريخها وحاضرها. وكلاهما مستحيل عملا وواقعا؛ لأن الوحدة ~~الأولى في صورتها القديمة أصبحت أقل اتساعا من تشعب الواقع، وأضعف من ~~قواه المتضاربة. ومع ذلك تستطيع أن تحوي تشعب الواقع لو استطاعت أن ~~تتجدد، وأن تحتوي على هذا التشعب في باطنها. وإذا تم ذلك باسم التشعب وباسم ~~الجديد على حساب الوحدة الأولى، فإنه سرعان ما يتم حصاره بأخطبوط هذه ~~الوحدة حتى يتم ابتلاعه كلية داخلها. هذا العصر الأول الذي كانت فيه ~~الوحدة قبل التشتت هو العصر الذهبي، وما تلاه انحراف وسقوط، سقوط تاريخي ~~وليس سقوطا شخصيا. وليس هذا في الحقيقة وصفا لتعدد الفكر، بل هو حكم ~~على التاريخ وإدانة له باسم العصر الذهبي؛ مما يؤدي إلى الخروج على الواقع ~~بعد الحكم عليه بالمروق. وهو يدل على يأس من التقدم إحساسا بأن الأمة لا ~~يمكنها الوصول إلى ما كانت عليه أولا. # 70 # وكيف تكون الفرق كلها هالكة مخطئة؟ كيف يمكن إدانة التاريخ ~~كله؟ كيف يكون تاريخ البشرية كله تاريخ ضلال وخطأ وبهتان؟ إن الفرق كلها ~~عمل حضاري، كل منها تعبر بموقفها الإنساني عن الوحي في لحظة تاريخية ~~معينة، وفي وضع إنساني خاص، ولمصلحة اجتماعية لطبقة أو سلطة. وكلها ~~اجتهادات، والاجتهاد ليس خطأ. والاجتهاد المؤدي إلى ms303 خطأ هو أيضا ~~اجتهاد صائب لتوافر نية البحث عن الصواب. أليس للمخطئ أجر، وللمصيب ~~أجران؟ والفرقة الناجية واحدة، هي البداية والنهاية. تضم الفرق الأخرى ~~وكأنها قوس حضاري فتح ثم أغلق إلى غير رجعة. دعواها تكرار النصوص وتقنين ~~العقائد حتى تنتهي قصة الضلال، وتعود الإنسانية إلى الهداية، فتلحق ~~بالوحدة الأولى التي فيها بدأت. وهي نظرة صوفية خالصة، العودة إلى عالم ~~الذر وإلى الوعي المطلق تجريدا للنفس وتخليصا لها. فيتم فك ~~الارتباط بين الإنسان والعالم، ويقضى على المعارضة من أساسها، ويتم ~~الاستسلام نهائيا للسلطان. ومع ذلك فالعودة إلى الوحدة الأولى عملية ~~مستحيلة ميئوس منها، لا يمكن تحقيقها من جديد أو اللحاق بها قديما. ~~تبدأ النظرية متفائلة بالدخول إلى الواقع، وتنتهي متشائمة بالخروج على ~~الواقع، وتصبح الأمة كاليهود في عصر الشتات، ويكون ذلك إعلانا ليوم ~~القيامة، وينتهي حتى تفاؤل الأخرويات وقتل المسيح ابن مريم المسيح الدجال. # 71 # إذا كان التاريخ إملاء من الفكر على التاريخ، وثناء على قمته في ~~الوحدة الأولى التي سارت في خط منحدر دون إمكانية الرجوع إليها بعد أن ~~فسدت العقول، وساءت النيات، وعم التأويل، وضعف الإيمان، وتشعبت ~~المصالح، وسادت الأهواء، وتشتت الجمع، وإذا كان أيضا رفضا لهذا ~~التشتت باعتباره مسارا طبيعيا تنشأ منه الحضارة، وتظهر فيه العلمانية ~~التي هي التطور الطبيعي للظواهر الدينية، حيث يفرض الواقع تشريعاته ويصبح ~~هو المشرع الأول والأخير، إذا كان التاريخ الموجه هو كذلك، فإن الرجوع ~~إلى الوحدة يعبر عن موقف نفسي يكشف عن بنية محددة. فهو عاطفة تطهر ~~وليس تصورا علميا للتاريخ، يأنف من الموقف الإنساني، ومما قد يحرك ~~التاريخ من حيلة وخداع وسوء نية ومصلحة وهوى، ولا يرضى إلا بالعامل الخلقي ~~كمحرك أول وأوحد للتاريخ. كما يكشف عن ثنائية متعارضة بين الكمال ~~والنقص تدل على حرب نفسية داخلية تظهر في التعارض بين الطرفين، وما ينتج ~~عن ذلك من تعصب وحمية، أو نفاق وازدواجية. كما يدل هذا التعارض على نقص ~~في الوعي بالموقف، وعلى عجز في تغيير الواقع. وهو إدانة للواقع كله لدرجة ~~سوء ms304 المعاملة والسب، واتهام الواقع كله بالعجز والكفر والعصيان والخروج؛ أي ~~إنه حكم بالكلمة وليس تغييرا بالفعل. وهو ادعاء وإعلان عن الذات أكثر ~~منه رغبة في تغيير الواقع، إعلان الذات عن تمثلها للوحدة الأولى الضائعة ~~من أجل سلطة أو صدارة أو تسلط. وهو عجز عن الدخول في الواقع والعيش معه، ~~والتعرف على بنائه على نحو علمي، وتحليله تحليلا عقليا هادئا. وهو ~~عود على بدء يصيغ قواعد للعقائد # Credo # هي نفسها موضوع الخلاف، عود إلى الصفر، إلى نقطة الخلاف الأولى. والخلاف ~~ضروري لا مهرب منه؛ لأنه عمل العقل في النص. وأخيرا يؤيده فقهاء ~~السلطان باسم الله وبمباركة السلطان، ما دام يجمع الأمة على العودة إلى ~~الماضي تاركين الحاضر لأهله. # ولا يعني نقد التاريخ الموجه أي قضاء على النمطية والمعيارية والأفكار ~~الموجهة، بل يعني توحيد الجهود وإفساح المجال للاجتهاد النظري ضد القطيعة ~~والمذهبية؛ فالاجتهاد الفكري القائم على تحليل الواقع، لا الدفاع عن ~~المصالح الشخصية لأصحاب السلطة، أو لأوضاع طبقية، هو السبيل لتصور تاريخ ~~معياري، وفي الوقت نفسه عريض يجمع الاتجاهات المتعددة، ويعيد إليها ~~وحدتها الفكرية الأولى مستقراة هذه المرة من واقع الأمة ومن وحدتها ~~الوطنية؛ ومن ثم تنتهي الوصاية من الفرقة الناجية على الفرق الضالة، ~~وينتهي تكفير مذهب واحد لباقي المذاهب. فوحدة الفكر لا تعني القضاء على ~~تعدده، وتعدد الفكر لا يعني القضاء على وحدته. وإذا كان تاريخ الفرق ~~هو تاريخ الصراع السياسي، فما أسهل تكفير الحزب الحاكم لأحزاب المعارضة، ثم ~~تكفير أحزاب المعارضة بعضها للبعض حتى يتم القضاء نهائيا على الوحدة ~~الوطنية. ويزداد الأمر صعوبة إذا كان التشتت النظري والعملي مصدره من ~~الخارج نقلا من مذاهب وافدة من حضارات أخرى وبيئات ثقافية مجاورة، ~~حينئذ تكون العودة إلى الوحدة الأولى حركة رافضة لهذا التشتت الوافد من ~~أجل بعث تعددية من داخل الوحدة وليس من خارجها. فوحدة الفكر لا تمنع من ~~تعدد النظر، وتعدد النظر لا يمنع من وحدة العمل. ليس المهم هو صك براءة ~~لنجاة فرقة أو جماعة، أو حتى صدق الفكر الذي ms305 تمثله، والعقائد التي تصوغها، ~~إنما نجاة الواقع وتحقيق متطلباته، وفي مقدمتها الاستقلال ضد الاحتلال، ~~والتحرر ضد القهر والتسلط، والمساواة ضد الظلم الاجتماعي، والوحدة ضد ~~التجزئة، والتنمية في مواجهة التخلف، والهوية في مقابل التغريب، وتجنيد ~~الجماهير في مواجهة السلبية واللامبالاة. وكيف تكتب النجاة لجماعة ~~واقعها مثل واقعنا الحالي؟ وماذا تكسب الجماعة لو كتبت لها النجاة ~~والسلامة وهي محتلة مقهورة يأكل فيها الغني أموال الفقير، مجزأة ~~مغتربة متخلفة، ويعيبها الفتور؟ لا تعني الفرقة الناجية جماعة معينة ~~من الناس دون غيرهم، بل تعني التيار الأساسي في الفكر الذي يجمع بين ~~الفكر والواقع، بين الثابت والمتحول، بين القديم والجديد. ولا يعني ذلك أن ~~الوسط ضد الأطراف، بل يعني أنه هو العملية الأكثر علمية في النظر إلى ~~الواقع، والجمع بين كل مكوناته، واستخدام كل طاقاته. ولا تعني الفرق ~~الضالة أنها هالكة خاطئة مدانة، بل قد تكشف عن الوجه الآخر الذي حاولت ~~الفرقة الناجية تغطيته. وإن فكر المعارضة لأكثر دلالة من فكر السلطة؛ ~~فثورة الفكر على العقائد والمؤسسات لها ما يبررها في التاريخ، وأكثر ~~إثراء للفكر وإبقاء على حيويته وخصوبته؛ إذ إنه فكر منتج خلاق ~~مبدع، حتى ولو كان بخلق المقابل والضد. لا توجد فرقة ناجية وأخرى هالكة، ~~بل كل فرقة إنما تعبر عن موقف سياسي، وتتسلح بسلاح العقيدة وتصوغها طبقا ~~لأهدافها. التكفير خروج على الدين والعلم معا. كل نظرية اجتهاد، وكل ~~اجتهاد شرعي، وكل فهم مقبول ما دام مؤيدا بالدليل، ومن قال لأخيه «أنت ~~كفر» فقد باء بها. # 72 # وإذا كان من الهجوم والدفاع بد فلم تعد المادة الكلامية ~~القديمة وحدها مصدر الخطر إلا بقدر ما ترسب منها في الوعي القومي، ولكن ~~أصبحت أيضا المادة الكلامية الجديدة الواردة من الحضارة الغربية وتترسب في ~~أذهان المثقفين؛ لذلك يقوم علم الكلام في الحركات الإصلاحية الحديثة ~~بمهمتين؛ الأولى تصفية القديم، والثانية الرد على الشبهات الجديدة الواردة ~~من الحضارات المعاصرة. # 73 ~~(2-3) الإحصاء العددي # هل يمكن الاعتماد على التاريخ الموجه لإحصاء الفرق؟ وإلى أي حد يتفق ~~هذا الإحصاء الموجه ms306 مع الموضوعية التاريخية؟ تتسم الفكرة الموجهة أحيانا ~~بعدم الاطراد؛ فهي مرة تعدد الفرق وتحدد الفرقة الناجية على وجه ~~العموم؛ مما يتيح لكل فرقة اعتبار نفسها الفرقة الناجية، وتصنيف الفرق ~~المعارضة على أنها الفرق الضالة. # 74 # ومرة أخرى تحدد الفكرة الموجهة الفرقة الناجية وتبين ~~أوصافها، بل وتعين طريقها، وتذكر اسمها؛ مما يوحي بأن الفكرة الموجهة ~~على هذا النحو هي من وضع الفرقة الناجية. فإذا صعب ضبط العدد والإحصاء ~~تاريخيا فإنه يلجأ إلى العقل الخالص؛ فالعقل هو وسيلة وضع الحقائق ~~وإثباتها. وإجماع العقول على قوانين ثابتة مثل مبادئ الهوية وعدم التناقض ~~والثالث المرفوع، مبادئ عقلية خالصة أقر بها السمع! والفكر الموجه هو ~~الفكر النمطي الذي لا يمكن تصالحه أو تواطؤه مع أي فكر آخر، وهو في الوقت ~~نفسه المقياس والمعيار والمحك. # 75 # تتحدد الفرقة الناجية إذن ويتعين الصواب عقلا؛ وبالتالي ترجع ~~الفرقة إلى وحدة يصدقها العقل. فإذا كانت الوحدة الأولى التي قدمها ~~الوحي قد تشعبت بفعل المواقف الإنسانية المتشعبة والاتجاهات المتعارضة، ~~فإن ذلك كله يرجع إلى وحدة ثانية يصنعها العقل. # فإذا كان علم الكلام هو تاريخا للفرق من أول الخلق حتى الآن، فكيف يمكن ~~حسابها وإحصاؤها وعدها؟ # 76 # هنا يتدخل رمز العدد كما تدخل من قبل رمز العصيان في تصنيف ~~المادة الكلامية، سواء من حيث الفرق أو الموضوعات. وغالبا ما يكون العدد ~~سبعة، وهو العدد الرمزي المعروف في الديانات الشرقية القديمة؛ فالنظرية ~~الرياضية تحكم المادة الكلامية وتضبطها، وتعطيها نوعا من العقلانية ~~والإدراك، والحصر الحسابي طريق للحصر الكلامي، وفلسفة الحساب قادرة على أن ~~تكون أساس فلسفة الإحصاء؛ وبالتالي يجتمع العقل والخيال لضبط مسار التاريخ. # 77 # وباللجوء إلى الحساب، وهو الأمر الصوري الخالص، يأمن الكاتب ~~ظهور أجنبيته وأعجميته في العلوم الدينية العقلية. كما أن ميزته ضبط ~~الأفكار وعدها، وعدم الوقوع في الحشو والاستطراد، وترك الحواشي على الرسم ~~المعهود، وهو تاريخ وتوجيه، يعطي القسمة ويحدد مسار الفكر. وقد يجتمع علم ~~الحساب وعلم الكتابة في وضع خطة البحث. # 78 # وتكون النظرية العقلية منتجة إذا استطاعت إيجاد ms307 الدلالة ~~لمضمونها، وهي المادة الكلامية. أما إذا كانت مجرد تحصيل حاصل تجعل من ~~صورتها مضمونها، فإنها لا تنتج شيئا. حينئذ يحال إلى علم العدد كعلم ~~مستقل. وأحيانا يتدخل العدد للتحديد الكمي للأبواب والفصول. # 79 # والفكرة الموجهة ليست مضبوطة دائما؛ فقد تشير إلى فرق الديانات ~~الأخرى. المجوس ستفترق إلى سبعين، واليهود إلى إحدى وسبعين، والنصارى إلى ~~اثنتين وسبعين، والمسلمون إلى ثلاث وسبعين، حتى تكتمل صورة الوحي في كل ~~مراحله. وقد تشير إلى المسلمين فقط اكتفاء بالوحي في آخر مرحلة. فإذا ~~أشارت إلى الديانات السابقة، فهل هذا العدد واقع بالفعل أم أنه مجرد افتراض ~~عقلي أو محض خيال؟ إن إظهار الترتيب على هذا النحو التصاعدي يوحي ~~بالارتقاء والتطور والزيادة المفتعلة حسابيا. # 80 # وهي في الحقيقة ليست زيادة؛ لأن الفرقة الزائدة هي الدين ~~الجديد. فاليهود هم المجوس السبعون بالإضافة إلى اليهود، والنصارى هم ~~المجوس السبعون بالإضافة إلى اليهود والنصارى، والمسلمون هم المجوس السبعون ~~بالإضافة إلى اليهود والنصارى والمسلمين. فالأساس هو العدد سبعون، ولماذا ~~يكون الارتقاء بزيادة فرقة واحدة؟ وهل الفترة الزمانية بين المجوس واليهود ~~أو بين اليهود والنصارى أو بين النصارى والمسلمين لا تسمح إلا بزيادة فرقة ~~واحدة، وهي في النهاية الجديد، أي لا زيادة بالمرة؟ وهل خلاف المسلمين مثل ~~خلاف الأمم السابقة، المجوس واليهود والنصارى، وقد أتى الإسلام لحسم الخلاف ~~بين الملل، والتركيز على وحدة الأمة الشبيهة بوحدانية الله؟ أليس المسلمون ~~أولى بقلة الخلاف؟ وكيف يوضع المجوس مع ديانات إبراهيم الثلاث، خاصة وأنها ~~لا تعيش في الوجدان القومي مثل اليهودية والنصرانية؟ هل يكون ذلك أسوة ~~بالفقه، وبأنهم مثل أهل الكتاب؟ وإذا كانت هناك صيغ بها المسلمون وحدهم، ~~فإن إدخال المقارنة مع الأمم السابقة على هذا النحو التصاعدي الذي يوحي ~~بالتقدم، وإن كان في الخلاف، يلهب الخيال، ويجعل الحديث أكثر إغراء من ~~حيث التنبؤ والترتيب والإيقاع والموسيقى. وهناك أحاديث نمطية أخرى تضع ~~المراحل السابقة للنبوة في رؤية واحدة؛ اليهود إلى منتصف النهار، والنصارى ~~حتى العصر، والمسلمون حتى العشاء. # وتزداد الصعوبة عندما يتم الانتقال ms308 من مستوى الخيال العددي إلى مستوى ~~الواقع الإحصائي. هل حدث إحصاء تاريخي، وانتهى إلى هذه الأعداد الدقيقة، ~~سبعون، وواحد وسبعون، واثنان وسبعون، وثلاثة وسبعون، كأفضل ما يكون عليه ~~القانون الطبيعي من حيث الدقة والرتابة والانتظام، أم أنه مجرد تحقيق ~~الخيال العددي في الواقع عن طريق الانتقاء والاختيار؟ وبلغة المنطق، هل ~~الإحصاء استقرائي أم استنباطي؟ هل هو إحصاء للفرق الماضية أم الحاضرة أم ~~المستقبلة؟ وكيف يكون الاستقراء لفترة معينة في التاريخ؟ ومن الذي قام ~~به، واحد أم مجموعة للأمم الأربعة في كل العصور؟ وماذا عن تاريخ الفرق ~~اللاحق على الفكرة الموجهة؟ هل هو استقراء علمي للماضي أو الحاضر أم نبوءة ~~للمستقبل؟ صحيح أنه يمكن القول بأن الفرق السابقة على الفكرة الموجهة ~~أنماط مثالية تتكرر في كل عصر، وأن العدد المعطى حوى هذه الأنماط كلها ~~سابقا ولاحقا. ولكن هذا القول يقتضي أولا حصر هذه الأنماط وجعلها ~~ميسورة؛ فالأنماط التي تبلغ السبعين لا يمكن وعيها، كما تقتضي ثانيا إرجاع ~~كل الفرق اللاحقة إلى الأنماط السابقة. وهذه خطورة كبرى؛ فقد لا يحدث ~~اتفاق بين الفرق اللاحقة ونمطها السابق، وقد يغفل أحد أوجه الاختلاف ~~ويظن أنه تشابه. # 81 # وكيف يظل العدد كما هو لا يزيد ولا ينقص في كل زمان؟ وكيف يمكن ~~توجيه التاريخ في المستقبل بأفكار موجهة أخرى تشير إلى المستقبل وتحدد ~~مساره، كما هو الحال في أحاديث المهدي المنتظر وفي حديث المجددين؟ ~~والأفكار الخاصة بالمهدي تظهر عادة في المجتمع المضطهد، كما هو الحال في ~~المجتمع الشيعي، تساعد على ظهوره خاصة إذا عينت الفكرة المهدي بالوصف ~~أو بالرسم أو بالاسم. # 82 # وشتان ما بين الرؤيتين؛ الفكرة الموجهة تشاؤمية تقول بحتمية ~~الاختلاف والشقاق، بينما الفكرة المهدوية تفاؤلية تقول بحتمية الخلاص والنجاة. # 83 # وهربا من عدم تطابق العدد المحدد نظريا مع الإحصاء ~~التاريخي، يكون التمييز بين الأصول الثابتة التي تطابق العدد والفروع ~~المتغيرة التي لا حصر لها، وهي قسمة من أصول الفقه في التمييز في الاجتهاد ~~بين الأصول والفروع. ولكن حتى في هذه الحال، هل تظل ms309 الأصول كما هي؟ ألا ~~تتغير بتغير التاريخ؟ هل يظل عدد الفرق كما هو ماضيا وحاضرا ~~ومستقبلا؟ قد يستطيع الفكر في زمن معين أن يصل إلى كل الأنماط ~~الممكنة، وكل الاختيارات البشرية، وكل ما يأتي بعد ذلك يدخل تحت هذه ~~الأنماط؛ وبالتالي لن يأتي التاريخ بنمط جديد، وكل ما سيقع في المستقبل ~~سيجد له نمطا في الماضي؛ فالتطور يدخل في البناء، والواقع يحكمه الفكر. ~~ومع ذلك يمكن الرجوع إلى وحدة الفكر دون إدانة للتعدد وتكفير للفرق، وهي ~~قوى اجتماعية وتيارات سياسية لا يمكن ضربها والقضاء عليها بإخراجها من ~~الجماعة. وماذا عن الحضارات المجاورة التي دخلت الحضارة الأصلية وأصبحت ~~جزءا منها؟ هل تدخل ضمن الفرق المحصاة؟ إن معظم المذاهب الوافدة كان ~~لها ممثلوها داخل الحضارة الجديدة باعتبارها وارثة للحضارات السابقة. ~~وأحيانا يتم إحصاء الفرق ليس فقط عند البشر، بل أيضا عند الجن؛ أي عند ~~أمم أخرى؛ أي في مظاهر حياة في كواكب أخرى؛ فالإنس شامل للجن! وإذا استحال ~~حصر فرق الأنس، فالأولى استحالة حصر كل تفرق وتشتت في الكائنات الحية. ~~وهل يوجد مكلفون عاقلون خارج الإنس؟ ولماذا لم تحص فرق المجوس واليهود ~~والنصارى؟ قد يكون الدافع إلى ذلك عدم وجود صراع على السلطة في هذه الفرق ~~بعكس المسلمين؛ مما يوحي بأن إحصاء الفرق والحكم بهلاكها إلا واحدة إنما ~~هو في جوهره صراع سياسي بين السلطة والمعارضة. أما إحصاء الفرق في سبعين، ~~فهو أحد مشتقات العدد سبعة، وهو عدد رمزي في تاريخ أديان الشرق، سبعون ~~شيخا ترجموا التوراة السبعينية، سبعون تلميذا للمسيح، السبع فواتح في ~~كتاب الإعلان في العهد الجديد، سبعون مرة للاستغفار، الحروف السبع للقرآن، ~~الأئمة السبعة. بل يشير العدد أيضا إلى ظواهر طبيعية تتفق مع الظواهر ~~الروحية، مثل الأيام السبعة والسموات السبع والأرضين السبعة ... إلخ. وقد لا ~~يعني العدد الضبط الإحصائي بقدر ما يعني التعدد. # 84 # وفي النهاية يرفض بعض المتكلمين الأفكار الموجهة لحوادث ~~التاريخ، وآثروا القيام بتاريخ فكري خالص دون التنكر لوحدة الفكر كوحدة ~~نمطية يتم الانحراف عنها والتشتت فيها. ms310 # 85 # وبالرغم من التعسف النظري في اختيار عدد الفرق، فقد جاءت كل المحاولات # لإحصائها تتفق مع هذا العدد السبعيني بطريقة أو بأخرى. وحتى يكتمل العدد ~~تدخل الفرق غير الإسلامية أحيانا مع الفرق الإسلامية، أو للتمويه على أن ~~إحصاء الفرق أمر تاريخي خالص، وليس لتكفير المعارضة باسم فرقة السلطان. # 86 # وأحيانا توضع فرق أخرى غير كلامية مثل الحكماء والصوفية، ~~إما مع الفرق غير الإسلامية أو مع الفرق الإسلامية. وكيف يمكن لعلم أصول ~~الدين أن يرصد جميع المذاهب والفرق خارج الحضارة الإسلامية، وأن يقوم ~~بمهمة تاريخ علم للأديان؟ يمكن ذلك بالاقتصار على الأصول دون الفروع، وعلى ~~أمهات المذاهب لا المقالات، وتصنيف الفرق غير الإسلامية حسب الأهمية دون ~~مراعاة لترتيب زماني أو موضوعي. # 87 # ولما استحال عرض ثلاث وسبعين فرقة، فكان لا بد من تجميعها في فرق كبرى ~~وفرق صغرى، أو أمهات الفرق وصغار الفرق، أو أصول الفرق ثم فروع ~~الفرق. ويقل التجميع والتصنيف ابتداء من عشر فرق؛ العشرة فالثمانية ~~فالسبعة فالخمسة فالأربعة، وهو الحد الأدنى لتصنيف أمهات الفرق أو الفرق ~~الكبرى أو أصول الفرق. والحقيقة أنه يمكن رد الفرق كلها ابتداء من ~~الثلاث وسبعين فرقة حتى الأربع الكبرى إلى أربع فرق رئيسية؛ ثلاثة منها ~~تمثل المعارضة؛ المعارضة السرية في الداخل (الشيعة)، والمعارضة العلنية في ~~الخارج (الخوارج)، والمعارضة العلنية في الداخل (المعتزلة)، والرابعة هي ~~فرقة السلطان. تضم فرق المعارضة الثلاث إذن الاثنتين وسبعين فرقة ~~الهالكة، بينما تضم فرقة السلطان فرقة واحدة هي الفرقة الناجية. # 88 # فهل يعقل أن تكون فرق المعارضة بمثل هذه الكثرة وكلها ~~هالكة، وتكون فرقة السلطان بهذه القلة وهي الوحيدة الناجية؟ وأين الصراع ~~على السلطة داخل فرقة السلطان؟ وأين الخلاف في الرأي بين الفرق الصغرى في ~~الفرقة الناجية؟ وأين الاتفاق في الرأي بين الفرق الضالة ؟ ومعروف أن ~~المعارضة العلنية في الداخل (المعتزلة) هي التي وضعت الأصول العامة في ~~التوحيد والعدل، والتي اعتمدت عليها باقي فرق المعارضة الأخرى؛ السرية في ~~الداخل (الشيعة)، والعلنية في الخارج (الخوارج). فرق الأمة إذن أربع على ms311 ~~المستوى نفسه دون هلاك أو نجاة. # 89 # وهي أمهات الفرق التي تنتظم بعد ذلك الفرق الثلاث وسبعين ~~جمعا وطرحا وضربا وقسمة. # 90 # والحقيقة أن كل هذه الفرق الصغيرة لا تهم تاريخيا بقدر ما ~~تهم لإكمال العدد. حتى ولو وجدت تاريخيا، فما الفائدة من ذكر فرق ~~انقضى عهدها وانقرض أنصارها؟ وكلها أسماء أعلام أكثر منها موضوعات؛ مما يدل ~~على ربط الفرق بأشخاص أصحابها، وكأنها خلافات شخصية. ولا يمكن حفظها أو ~~استرجاعها أو حتى استعمالها. وهل القصد تشويه وحدة الأمة وبيان خلافاتها ~~حتى يهرع الناس إلى الفرقة الناجية طلبا للوحدة والأمان؟ والعقائد مجرد ~~سلاح في يد الخصوم تكشف عما تحتها، وهو الصراع السياسي بين القوى السياسية ~~المختلفة بين المعارضة والسلطة. معركة الصراع في الحقيقة هي معركة ~~اجتماعية سياسية، خصومات أهواء وصراع مصالح. للعقائد ظهر وبطن؛ ظهرها ~~الدين، وباطنها السياسة؛ ظاهرها الله، وباطنها العالم. # 91 ~~(3) من التفرق إلى الوحدة # إذا كان المسار الأول للتاريخ الفكري من الوحدة إلى التفرق عند القدماء، فإن ~~المسار الثاني له يمكن أن يكون من التفرق إلى الوحدة عند جيلنا. فالفرق الثلاث ~~وسبعون يمكن ردها إلى ما هو أقل منها إلى فرق كبرى أربع هي فرق المعارضة ~~الثلاث وفرقة السلطان؛ أي الصراع بين المعارضة والسلطة في مجتمع واحد. فالوحدة ~~قائمة، وحدة الصراع بين القوى الاجتماعية، يرتكز كل منها على أصول عقائدية ~~يمكن أن تكون بؤرة توحيد جديدة تختلف عليها الفرق. فبدلا من أن تكون الوحدة ~~علة فاعلة في البداية، والتفرق علة غائية في النهاية كما هو الحال عند ~~القدماء، يكون التفرق هو العلة الفاعلة، والوحدة هي العلة الغائية في ~~عصرنا. ~~(3-1) الشعور البنائي (المذهبي) # تكشف الفرق الأربع، ثلاث للمعارضة وواحدة للسلطة، عن وجود موضوعات ~~للخلاف أو عقائد يتم عليها التفرق، كل فرقة حسب موقفها السياسي. فالمعارضة ~~السرية في الداخل تقول بالحلول، ويتم تكفيرها دينيا كستار للإبعاد ~~السياسي. والمعارضة العلنية في الخارج يصعب تكفيرها دينيا لقولها بأصلي ~~التوحيد والعدل، وهما اليقين في الإلهيات، فلا مفر من تكفيرها سياسيا ~~بدعوى الخروج ms312 على السلطان. والمعارضة العلنية في الداخل يصعب تكفيرها ~~دينيا لقولها بالأصول الخمسة كفكر للمعارضة؛ لذلك يتم تكفيرها دينيا ~~وسياسيا، ويظل التكفير السياسي أقوى. وتظل المعارضة العلنية في الخارج ~~والداخل عن طريق أصلي التوحيد والعدل أقوى من المعارضة السرية في الداخل ~~عن طريق الإمامة. وفرقة السلطان أيضا يسهل تكفيرها من الفقهاء لفصلها ~~الإيمان عن العمل. # 92 # وكثير من فرق المعارضة الفرعية تقرب من فرقة السلطان؛ مما يدل على أن ~~جذور الفرقة الناجية عند الفرق الضالة، وأن جذور الفرقة الضالة في الفرقة ~~الناجية. إذا هلكت المعارضة هلكت السلطة معها، وإن نجت السلطة نجت المعارضة معها. # 93 # فكل فرقة تمثل عقيدة ومذهبا وفكرا، سواء كانت المعارضة ~~سرية، أم علنية في الداخل أم في الخارج، أو كانت للسلطة. وتمثل الفرق ~~بصرف النظر عن كونها فرقا تاريخية خالصة، تيارات فكرية واتجاهات ~~نظرية يمكن تحديد أصولها وتحويلها إلى تصورات مختلفة للعالم، أو مناهج ~~حياة، أو نظم اجتماعية وسياسية. كل فرقة حولت الوحي إلى مذهب نتيجة ~~لظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية. # فالفرقتان الكبيرتان اليوم، السنة والشيعة، كل منهما يمثل اتجاها ~~فكريا من التوحيد حتى الإمامة، في الله وفي الطبيعة، في الإنسان وفي ~~المجتمع. فبينما تقول الشيعة في التوحيد بالتأليه أو التجسيم، تقول السنة ~~بالتشبيه أو التنزيه. وبينما تقول الشيعة بالفيض، وبأن الفرق بين الروح ~~والمادة هو فرق في الدرجة لا في النوع، تقول أهل السنة بالخلق، وأن الفرق ~~بين الروح والمادة فرق في النوع لا فرق في الدرجة. وفي الإنسان بينما تقول ~~الشيعة بوجود حقائق الوحي في القلب، ويمكن العثور عليها بالتأويل، فإن ~~استعصى التأويل فتقليد الإمام، يثبت السنة بديهيات العقول، ووضوح النصوص، ~~واجتهادا في فهمها. وبينما ترى الشيعة أن نموذج السلوك الأمثل هو الطاعة ~~والانقياد وتنفيذ تعاليم الإمام، ترى السنة أن نموذج السلوك الأمثل هو ~~الفعل الحر والعمل المسئول. وبينما ترى الشيعة أن الإيمان مكتف بذاته، ~~وأنه إيمان بحب آل البيت، ترى السنة أن الإيمان قول وعمل، وأن لا وجود ~~للإيمان إلا بالعمل. وبينما تقول الشيعة بوحدة ms313 الأديان، ولا ترى ضيرا في ~~الاستعانة بمراحل الوحي السابقة، أو الإلهام اللاحق الذي يكشف عنه الأئمة، ~~يقول السنة باكتمال الوحي وانتهائه بانقطاع الرسل. وبينما تقول الشيعة ~~بتعيين الإمام، تقول السنة بالشورى وبالبيعة العامة. وبصرف النظر عن الفروق ~~في الدرجة في هذا التقابل عند كل فريق، وعلى فرض صحة هذا التقابل كاختيار ~~فكري، فإنه نظرا لتغير الظروف الاجتماعية لكل منهما عبر التاريخ، فقد ~~انقلب الاختيار. فقد لا يقل السنة تجسيما وتشبيها بل وتأليها من ~~الشيعة، ولا يقل الشيعة تنزيها عن السنة. وقد لا يقل أهل السنة ~~تأويلا من الشيعة، ولا يقل الشيعة حرفية من السنة. وليس السنة أقل طاعة ~~من الشيعة، في حين أن الشيعة قادرون على المعارضة والثورة. كما أصبح ~~الإيمان عند السنة مكتفيا بذاته، في حين أصبح عند الشيعة عملا ~~تاريخيا. وقد وقع السنة في الروحانية، وضاع لديها الفصل بين الروح ~~والمادة، وأصبح الشيعة أكثر فصلا بينهما من السنة. كما أصبحت السنة أكثر ~~موالاة للنصارى واليهود من الشيعة، يقومون بتعيين الإمام وراثة من ~~العسكر، بينما تثور الشيعة على ملك الملوك. فالشعور المذهبي هو اختيار ~~عقائدي يكشف عن موقف سياسي متغير من عصر إلى عصر؛ وبالتالي يكون أحد ~~أبعاد الشعور التاريخي. # وفي داخل السنة هناك اختياران آخران؛ المعتزلة والأشاعرة، على طرفي ~~نقيض، المعارضة العقلية المستنيرة والسلطة النصية القاهرة. وكل فرقة تمثل ~~مذهبا متكاملا، ابتداء من التوحيد والخلق والبعث ونهاية العالم. # 94 # ففي التوحيد تنكر المعتزلة الصفات حرصا على التنزيه، وتنكر ~~كل صور التشبيه والتجسيم حتى ولو اضطرت إلى تأويل النصوص لإثبات معانيها ~~العقلية. ولما أنكرت الصفات أثبتت حرية الإنسان؛ فالإنسان خالق أفعاله، ~~ومسئول عن الخير والشر في العالم، وقادر على الأعمال. وفي النهاية يكون له ~~ما قدم من خير أو شر دون وساطة أو شفاعة، ويكون الحكم بعد البعث وهو ~~على وعي به وليس قبله. وكما رفض التجسيم في البداية يرفض في النهاية؛ ~~فالثواب والعقاب خلقيان أكثر منهما ماديين؛ فالرضا عن الذات أفرح للنفس من ~~الجزاء المادي، وتأنيب الضمير أوقع ms314 على النفس من العذاب الجسماني. أما ~~الأشاعرة فتمثل المذهب المقابل؛ تثبت الصفات ولا ترى حرجا في القول ~~بالتشبيه، بل وبالتجسيم، حرصا على حرفية النصوص. وما دامت الصفات مثبتة ~~فهي أيضا فاعلة في العالم؛ فهي مسئولة عن كل ما يقع من الإنسان ومن ~~الطبيعة من خير أو شر. وفي النهاية يبدأ الحساب الجسماني، والحكم على أفعال ~~الإنسان، وتوقيع الجزاء المادي عليه ثوابا أم عقابا. # ونظرا لغلبة المذهب على الفرقة، والموضوع على التاريخ، فقد عرفت كل ~~فرقة بالموضوع الذي اشتهرت به، وأصبحت الموضوعات عناوين لفرق؛ فغلاة ~~الشيعة يقولون جميعا بالتأليه وبالتجسيم وبالتشبيه، وهو أحد الحلول لموضوع ~~التوحيد، فإذا ذكر التأليه أو التجسيم ذكر غلاة الشيعة. وتقول المعتزلة ~~بالتنزيه المطلق ونفي الصفات، فإذا قيل التنزيه أو نفي الصفات ذكر ~~المعتزلة. ويغلب على الخوارج والمرجئة موضوع الإيمان والعمل، فإذا ذكر ~~الموضوعان ذكرت الفرقتان. # 95 # ويغلب على كل فرقة موضوع أو أكثر؛ فمثلا يغلب على الخوارج ~~موضوعا الإمامة والإيمان والعمل؛ مما يدل على الطابع العملي لفكر الفرقة، ~~وليس الطابع النظري كما هو الحال في الذات والصفات أو الجبر والاختيار؛ ~~لذلك أسست الفرقة فقها ونظمت تشريعا. والأهم من ذلك كله هو انتظام ~~الفرق كلها في أصول بصرف النظر عن عددها. فإذا كانت الأصول أربعة؛ ~~التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والإيمان والعمل؛ وكانت أمهات الفرق ~~أربعا؛ الشيعة والخوارج والمعتزلة ومرجئة (أشاعرة)، ثلاثة للمعارضة وواحدة ~~للسلطة؛ اختلفت الشيعة والمعتزلة في التوحيد، والمرجئة والخوارج في الإيمان ~~والعمل، والمرجئة والمعتزلة في الوعد والوعيد، والشيعة والخوارج في الإمامة. # 96 # كل حل لمشكلة ليس قائما بذاته، بل يؤدي إلى حل المشكلة الأخرى ~~بالطريقة نفسها؛ فإنكار الصفات يؤدي بالضرورة إلى ترك العالم مفتوحا إلى ~~فعل الإنسان وحرية اختياره، كما يؤدي بالضرورة إلى إعمال العقل وإثبات ~~قوانين مطردة للطبيعة. أما إثبات الصفات فإنه يؤدي إلى إثبات فاعليتها في ~~الطبيعة ، ومزاحمة الفعل الإنساني ومشاركته، وإلى تصور الطبيعة ميدانا ~~للصفات المطلقة، والعقل واقفا وراء النقل؛ أي نافيا لاستقلال العقل ~~والطبيعة. ~~(3-2) الشعور الجدلي (التاريخي) # يكشف الشعور المذهبي ms315 البنائي على أن الفرق موضوعات، وأن الموضوعات أصول، ~~وأن أمهات الفرق تدخل في جدل بينها حول هذه الأصول؛ فالمعتزلة والشيعة على ~~طرفي نقيض في التوحيد، والشيعة والخوارج على طرفي نقيض في الإمامة، ~~والخوارج والمرجئة على طرفي نقيض في الإيمان والعمل، والمعتزلة والمرجئة ~~على طرفي نقيض في الوعد والوعيد. ويستطيع الشعور الجدلي أن يصف التاريخ، ~~وفي الوقت نفسه يدرك دلالة المذهب، ويبرز النسق العقائدي للفرقة، وذلك من ~~خلال نشأة الفرق وتوالدها بعضها عن البعض الآخر طبقا لقانون الفعل ورد ~~الفعل؛ أي طبقا للمنهج الجدلي القائم على التعارض والأضداد. # 97 # ولا يوجد منهج محكم في معظم المصنفات الكلامية لعرض تاريخ ~~الفرق. ويتأرجح معظمها بين تتبع النشأة الزمانية وبين عرض الموضوعات ~~العقائدية، وإن كانت أقرب إلى المنهج الثاني؛ أي عرض الفرق من خلال ~~الموضوعات. ويختلف الترتيب الزماني والموضوعي حسب الموضوع؛ ففي الإمامة ~~مثلا تظهر الرافضة أولا ثم يناقضهم فيها الخوارج، في حين أنه في التوحيد ~~تقول الرافضة أولا بالتأليه أو التجسيم ثم يظهر المعتزلة ويقولون بالتنزيه. # 98 # وقد ينشأ رد الفعل على الفور إذا كانت عملية خالصة مثل ~~الإمامة، أو متأخرة إذا كانت نظرية تحتاج إلى تفكير وتدبر مثل التوحيد. ~~فبعد أن ظهر التأليه مبكرا للغاية في حياة علي لم يظهر توحيد المعتزلة ~~ونفي الصفات إلا متأخرا. وقد ظهرت الروافض بدعوى التأليه، فظهورهم هنا ~~سابق على الخوارج فيما يتعلق بالتأليه، وقد حدث ذلك في حياة علي. # 99 # وفي هذا الجو العام من التوتر النفسي وجهل العرب، وشدة ~~انتسابهم إلى الدعوات في عصر الدعوات، يمكن أن يكون عبد الله بن سبأ منشئ ~~التأليه من خلفياته الدينية القديمة. لم يكن العرب يعرفونه؛ إذ كانت ~~الوثنية لديهم سطحية، بالإضافة إلى أنه يقوم على الإعجاب بالبطل في عصر ~~البطولة وبين الأبطال. فالخوارج والشيعة نقيضان، وإن لم يخرج النقيض من ~~النقيض زمانيا. نشأ الخوارج أولا برفضهم إمامة علي، ثم نشأ الشيعة ~~ثانيا بعد مقتل علي وبنيه. فمن حيث موقعهم من علي هما نقيضان، وإن تولد ~~أحدهما عن الآخر ms316 زمانيا. # 100 # وينطبق قانون الفعل ورد الفعل أو قانون الجدل من الموضوع إلى نقيض ~~الموضوع إلى مركب الموضوع، ليس فقط على تاريخ الفرق وتوالد بعضها من ~~البعض الآخر، بل أيضا على موضوعات العلم الرئيسية؛ إذ تحل المشكلة ~~أولا باختيار أحد النقيضين، ثم يأتي الحل الثاني بالنقيض، وأخيرا يأتي ~~الحل الثالث يحاول الجمع بين النقيضين في وسط متناسب متفاديا الغلو ~~والتطرف. يأتي الحل الأول في ظروف نفسية واجتماعية معينة، ثم يأتي نقيضه ~~لإعادة التوازن، وإبراز ما خفي، إذ لا يقف أمام التطرف إلا تطرف مضاد، ثم ~~يأتي الحل الثالث لإلغاء الطرفين ومحاولة استعادة التوازن الفكري. فمثلا ~~في نظرية الوجود (الطبيعيات) يقضي فريق على استقلال الطبيعة وعلى فعلها، ~~ويجعل حركتها ومسارها من خارجها؛ فينشأ رد فعل عند أصحاب الطبائع القائلين ~~بالطباع، وأن فعل الطبيعة وحركتها من داخلها بفعل طبائع الأشياء؛ ثم يأتي ~~فريق ثالث يجمع بين النقيضين ويقول بالطبائع، ولكنه يجعلها مخلوقة. # 101 # وفي التوحيد يعرض التأليه أو التجسيم أو التشبيه من الشيعة، ~~فينشأ رد الفعل من المعتزلة فيقترحون التنزيه لدرجة نفي الصفات، فالتعطيل ~~أكبر رد فعل على التجسيم والتشبيه، ثم يأتي الحل الثالث الذي اقترحه ~~الأشاعرة لإعادة التوازن الفكري، ويقترحون إثبات الصفات بلا تشبيه ولا ~~تعطيل تفاديا لتطرف النقيضين. # 102 # وفي خلق الأفعال (الجبر والاختيار) يعرض الجبر المطلق ~~أولا، وتثبت الإرادة الإلهية المطلقة، وتنكر حرية الاختيار؛ ثم ينشأ ~~رد الفعل ويوضع النقيض، فتتأكد حرية الاختيار ومسئولية الإنسان المطلقة ~~عن أفعاله؛ ثم يأتي الحل الثالث للجمع بين النقيضين، ويقال بالكسب وبخلق ~~القدرة في زمان الاستطاعة. # 103 # وأحيانا تظهر القدرية وكأنها إثبات لدعوى نفي القدر وإثبات الاستطاعة. # 104 # وقد تضم المسألتان، مرتكب الكبيرة والاختيار، في مسألة ~~واحدة هي الفعل أو السلوك. فإذا كانت المسألة هي الاختيار يكون إثبات ~~الاختيار رد فعل على الجبر لا العكس. # 105 # وفي العقل والنقل يقال أولا إن النقل مكتف بذاته ولا يحتاج ~~إلى عمل عقلي يخرج النص من مكانه، وتقدم الحشوية الاقتراح؛ فينشأ رد ~~الفعل ليجعل العقل أساس ms317 النقل، فإذا تعارض النقل مع العقل أول النقل ~~لحساب العقل، ويقدم المعتزلة هذا الرأي؛ ثم يأتي حل ثالث يجمع بين العقل ~~والنقل، ويعرض اتفاق صحيح المنقول مع صريح المعقول ابتداء. # 106 # وفي الحسن والقبح العقليين يقول فريق بأن حسن الأشياء وقبحها ~~من خارج الأشياء، وأن الأشياء لا تحتوي على صفات موضوعية كالحسن والقبح؛ ~~ثم ينشأ رد الفعل بقول فريق آخر بأن حسن الأشياء أو قبحها من داخل الأشياء، ~~وصفات موضوعية يدركها العقل؛ ثم يأتي فريق ثالث ليحاول الجمع بين ~~النقيضين، فيجعل حسن الأشياء وقبحها في الأشياء إلا الشرائع التي يكون ~~حسنها أو قبحها من خارجها. # 107 # وفي الوعد والوعيد يثبت المعتزلة وجوب الثواب والعقاب طبقا ~~للأعمال، وينفي أهل السنة هذا الوجوب، ويجعلون كل شيء مرهونا بمشيئة ~~الإرادة المطلقة، ويأتي فريق ثالث ليقول بالوجوب الشرعي. # 108 # وفي الإيمان والعمل يبدأ الخوارج والمرجئة على طرفي نقيض. ~~يثبت الأولون العمل كمعبر وحيد عن الإيمان، وإلا فلا إيمان ويكون ~~الكفر. ويثبت الآخرون الإيمان مكتفيا بذاته دون عمل، ويكون الإيمان في ~~غياب العمل. ثم تقترح المعتزلة المنزلة بين المنزلتين للجمع بين الحلين ~~المتعارضين، والإبقاء على جزء من الإيمان وجزء من العمل. # 109 # نشأت المرجئة بدعوى الإرجاء في الإيمان؛ أي تأخير العمل على ~~الإيمان كرد فعل على الأحكام القاطعة التي صدرت وقت الفتنة على الناس ~~بالإيمان والكفر والفسق، حيث تقطعت الرقاب من جراء الحكم على أعمال ~~الناس وجعل العمل مقياس الإيمان والمعبر عنه. فإذا كان الخوارج يثبتون ~~صلة الإيمان بالعمل، فإن المرجئة يثبتون الإيمان دون العمل، ويجعلونه ~~نظرا ومعرفة. وإذا كانت الخوارج تحكم على الناس بالكفر والإيمان، فإن ~~المرجئة ترجئ الحكم. وإذا كانت الخوارج ترى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ~~فإن المرجئة ترى أن الإيمان يزيد وينقص. وإذا كانت الخوارج ترى أن الدار ~~دار كفر وحرب، فإن المرجئة ترى أن الدار دار إيمان وسلام. # 110 # كما تظهر المعتزلة إثباتا لدعوى المنزلة بين المنزلتين كدعوى ~~مناقضة للكفر أو للإيمان؛ ومن ثم تشارك الخوارج في الصلة بين ms318 الإيمان والعمل. # 111 # وفي الإمامة يقول فريق بالتعيين وهم الشيعة، ثم يظهر رد الفعل ~~عند فريق آخر في القول بالاختيار المطلق وهم المعتزلة والخوارج، ثم يأتي ~~فريق ثالث يجمع بين التعيين والاختيار، ويجعل الأئمة من قريش، وهم أهل ~~السنة والأشاعرة. # وكثيرا ما يكون الجمع بين النقيضين أقرب إلى طرف منه إلى الطرف الآخر؛ ~~فالطبائع المخلوقة أقرب إلى إنكار الطبائع منه إلى إثباتها، وإثبات الصفات ~~أقرب إلى التشبيه منه إلى التنزيه، والكسب أقرب إلى الجبر منه إلى ~~الاختيار، واتفاق النقل مع العقل أقرب إلى القول بأولوية النقل على العقل، ~~والمنزلة بين المنزلتين أقرب إلى إيمان الأشاعرة منه إلى إيمان الخوارج، ~~وجعل الأئمة من قريش أقرب إلى التعيين منه إلى الاختيار. وقد لا يبدو الوسط ~~على الإطلاق نظرا لأنه لا يمثل شيئا، وأن التعارض الفعلي هو بين الموضوع ~~ونقيضه، فهما طرفا الفكر، وهما الاتجاهان ولا ثالث لهما، ولا يذكر الوسط ~~على الإطلاق، وهما في الغالب المعتزلة والأشاعرة؛ ففي التوحيد هناك إثبات ~~الصفات وإنكارها ... إلخ. # 112 # ويظهر التعارض بين النقيضين دون وجود حل ثالث بينهما خاصة في ~~المسائل الصغرى؛ فالتعارض بين الطرفين أقوى من الجمع بينهما في طرف ثالث، ~~فتغيب المقولة الثالثة بتاتا. ففي الحسن والقبح يظهر الطرفان المتناقضان: ~~الحسن والقبح صفتان من خارج الأشياء، فالأشياء ذاتها ليست حسنة ولا قبيحة. ~~والحسن والقبح صفتان من داخل الأشياء، صفتان موضوعيتان في الأشياء يدركها ~~العقل. ولكن الطرف الثالث، وهو أن الحسن والقبح بناءان اجتماعيان، غائب ~~تماما. وفي العقل والنقل أيضا يبدو الطرفان المتقابلان على أنهما النقل ~~أساس العقل أو العقل أساس النقل، وإذا تم التوحيد بينهما فإنه يتم عن طريق ~~التخصيص والاستثناء وإخراج ميدان الشرائع من العقليات. أما المقولة ~~الثالثة، وهي الواقع، فهي غائبة بتاتا. فالواقع هو أساس النقل والعقل على ~~السواء؛ أي التطابق مع الواقع. وقد تظهر الحلول الثلاثة، النقيضان والجمع ~~بينهما في لا زمان، تظهر جميعا في وقت واحد؛ مما يدل على أن الحلول ~~الثلاثة نماذج دائمة للفكر، وأنه لا يعني ظهورها بالضرورة ms319 ظهور فرقة ~~تاريخية متزامنة أو متتالية في الزمان لتمثيلها والتعبير عنها؛ فالقول ~~بأن الإنسان بدن فقط أو روح فقط أو بدن وروح يظهر في الوقت نفسه وعند كل ~~فرقة. وقد يظهر قانون الجدل داخل الفرقة الواحدة بين الغلاة والمعتدلين؛ ~~مما يجعل الحد بين الفرق صعبا؛ فمعتدلو الروافض مثلا الزيدية مثلا لا ~~يبتعدون عن المعتزلة، وغلاة أهل السنة لا يبتعدون عن التجسيم والتشبيه عند الروافض. # 113 # ولا يكون فريق بعينه باستمرار هو الممثل للفعل أو لرد الفعل أو للجمع ~~بينهما، قد يكون فريق هو صاحب الفعل مرة، وهو القائم برد الفعل مرة ~~ثانية، وهو الذي يجمع بين النقيضين مرة ثالثة. ففي التوحيد الشيعة هم ~~أصحاب الفعل بقولهم بالتأليه والتجسيم، وأصحاب الفعل أيضا في الإمامة في ~~قولهم بالتعيين، ولكنهم في العقل والنقل أصحاب رد الفعل في ممارستهم ~~للتأويل كرد فعل على الالتزام الحرفي بالنصوص، وفي كشفهم لميدان الشعور ~~والعواطف والانفعالات ضد عالم العقل المجرد، وفي تركيزهم على الحلول كرد ~~فعل على المفارقة. والمعتزلة باستمرار هم أصحاب رد الفعل؛ فهم القائلون ~~بالتنزيه ضد التشبيه، والمثبتون للحرية ضد الجبر، والمثبتون للعقل ضد ~~الحشوية، والقائلون بالشورى ضد التعيين، والقائلون بالطبائع ضد أهل السنة. ~~ولكنهم يحاولون أيضا الجمع بين النقيضين في المنزلة بين المنزلتين. ولكن ~~الغالب بأن الأشاعرة هم القائلون باستمرار بالجمع بين النقيضين؛ فهم ~~يمثلون أهل الوسط والاتزان. ففي الطبيعة يقولون بطبائع مخلوقة، وفي ~~التوحيد يثبتون الصفات بلا تشبيه ولا تعطيل، وفي الحرية يثبتون الكسب ~~وسطا بين الجبر والاختيار، وفي العقل والنقل يوفقون بينهما دون إعطاء ~~الأولوية لأحدهما على الآخر، وفي الإيمان والعمل يحاولون الجمع بينهما دون ~~الحكم بأحدهما على الآخر. وفي الإمامة يحاولون الجمع بين التعيين بالنص ~~والبيعة بالشورى بجعل الإمامة في قريش. # وبالرغم مما يقال عن مميزات الجمع بين النقيضين من فضائل الاتزان ~~والاعتدال، والتعبير عن الأصول وعدم الانحراف عنها، واتباع الحق دون ~~الهوى، والتعبير عن مصلحة الجماعة العامة دون ترجيح حق فئة على أخرى ، فإن ~~العيوب والمثالب أوضح وأكثر خطورة وأشد ضررا؛ ms320 فكثيرا ما يتحدد الجمع بين ~~النقيضين عن طريق النفي، مثل إثبات الصفات بلا تشبيه أو تعطيل، أو إثباتها ~~بلا كيف. وهذا مستحيل؛ لأن إثبات الصفات يقتضي وصف هذا الشيء المثبت، ~~والقول بأن الصفة لا توصف تهرب من الإشكال الأول. الاكتفاء بتحديد الفكر ~~عن طريق النفي اتجاه سلبي خالص وهروب من أخذ المواقف. وفي هذه الحالة يكون ~~التوقف عن الحكم وإلغاء المشكلة أفضل وأكثر صراحة. فإذا حاول التوفيق بين ~~النقيضين قول شيء إيجابي فإنه لا يتجاوز تحصيل الحاصل، مثل صفة بلا وصف، أو ~~شيء لا ككل الأشياء؛ فمثل هذه الأحكام لا تتجاوز «محلك سر»، خطوة إلى ~~الإمام وخطوة إلى الخلف. فإذا حاول الجمع بين النقيضين قول شيء أكثر ~~إيجابية، فإنه في العادة يمكن نقضه بالعقل؛ لأنه لا يقوم أساسا على نظرية ~~في العقل، بل يلحق العقل بالنقل، ويجعل عمله الفهم والتفسير، وليس الوضع ~~والتأصيل وتأسيس بداهات العقول. وفي الغالب يكون تنظيم العقل على هذا النحو ~~غامضا صعبا على الجمهور، كما يمكن للعقلاء نقضه. وقد كان هذا الموقف هو ~~العدو الألد لموقف الفلاسفة، خاصة آخر الحكماء الذين شنوا باسم العقل ~~أشنع هجوم على الجمع بين النقيضين والمواقف المتوسطة باسم العقل. وأخيرا ~~فإن التوسط بين الطرفين نهاية للحضارة وقضاء على الفكر؛ فهو يعبر عن نقص ~~في الشجاعة وعدم التزام بالمواقف، ومحاولة تجاوز المتناقضات لا عن طريق ~~صراعها، بل بالتعالي عنها وتفادي حركتها المتناقضة. وهذا ما حدث بالفعل؛ ~~فقد انتهى الفكر، وتوقفت الحضارة، وهدأ الانفعال، ورجع الناس إلى العقائد ~~الأولى دون أي عمل عقلي أو حضاري، ثم أصبحت العقائد المذهب الرسمي للدولة، ~~فأصبح المتوسط هو فكر السلطة، واستحال بعد ذلك قول شيء أو تأسيس دعوى كفعل ~~أو كرد فعل. # وأصحاب ردود الأفعال هم في الغالب أصحاب المواقف الجذرية، أي المعارضة ~~بأنواعها الثلاثة، وعلى رأسهم الشيعة والخوارج والمعتزلة. فالتأليه ~~والتنزيه موقفان جذريان لا وسط بينهما، الجبر والاختيار، التعيين والبيعة، ~~النقل والعقل، الإيمان والعمل، الطبيعة والخلق؛ كل ذلك مواقف جذرية لا تقبل ~~الوسط أو التوسط. ويمتاز ms321 الفعل كموقف جذري، بأنه دعوة تقول شيئا، وتضع ~~موضوعا وتقيم مذهبا، وتؤسس فكرا، وتبدأ تيارا. كما أن الفعل موقف ~~جذري، العامل المحرك للفكر، وهو المثير الذهني، شوكة في البدن، مهمته ضرب ~~المائدة بقبضة اليد، وإثارة المشاعر، وتفتيح الأذهان. ويعبر عن ظروف العصر ~~وبنائه النفسي والاجتماعي. هو المحول للوحي إلى موقف، والمعبر عن الدوام ~~في الزمان. وباختصار إن هذا المثير هو البادئ للحضارة؛ إذ تؤرخ الحضارات ~~ببداية الدعاوى الفكرية الأولى التي أثارت الانتباه. والدعوات الأصيلة ~~تظل باعثا على ردود الأفعال باستمرار مع توالي العصور وتعاقب ~~الأجيال. # وقد يعاب على الفعل كموقف جذري التطرف والمغالاة، وإيقاف الوحي على ~~ساق واحدة، ورؤية الحقيقة بعين واحدة، وإحالتها إلى جانب واحد. وهذا ~~العيب هو طبيعة تكوين الحضارة، فما دام الوحي قد تحول إلى وضع، وتمثلته ~~جماعة في ظروف نفسية واجتماعية معينة، يبدو الوحي في هذا السياق معبرا ~~عن الطرف الآخر من الواقع. فإذا كان الواقع اضطهادا خرج الوحي تحررا، ~~وإذا كان الواقع استئصالا خرج الوحي في صورة دعوة سرية، وإذا كانت ~~الأغلبية منحازة خرج الوحي دعوة إلى أخذ الحق من النص غير المنحاز. وقد ~~يعاب على الفعل كموقف جذري أنه عاطفي انفعالي خالص. والحقيقة أن الحضارة ~~كلها موقف انفعالي، وأن الأفكار في نشأتها تجارب حية عند الجماعة، وأن ~~الفكر ذاته انفعال وصل إلى حد التنظير في موقف نفسي واجتماعي متزن. ~~وإذا كان الواقع منحازا فلا يمكن التعبير عنه فعلا أو كرد فعل إلا ~~انفعالا. لا يظهر العقل إلا في المرحلة الثالثة، وهي الجمع بين النقيضين، ~~ولكن الفعل ورد الفعل هما مرحلتان انفعاليتان. وقد يعاب على الفعل ثالثا ~~أنه يعبر عن هوى أو مصلحة، ولا يعبر عن حقيقة مستقلة أو عن مصلحة ~~الجماعة. ولكن هذا العيب أيضا يعبر عن طبيعة الجماعة ومسارها في التاريخ، ~~وتفرقها إلى جماعات أصغر كل منها تحاول تمثيل الجماعة الكبرى، وتجعل ~~تصورها تصور الوحي. وما دام الوحي قد أعلن عن الجماعة، وما دام التفسير ~~قد بدأ، فإنه من الصعب التمييز بين الحقيقة ms322 والمصلحة، أو بين الوحي والهوى. ~~كل جماعة تثبت ذاتها من خلال الوحي، ويحدث الصراع. وتبقى أبعد الجماعات عن ~~الهوى وأقربها للوحي إذا ما ضمت الجماهير إليها وجذبتهم لها. وقد يعاب ~~على الفعل رابعا أنه يتحول في نهاية الأمر إلى مذهب مغلق، وإلى عقيدة ~~محكمة تكون مماثلة للوحي أو بديلا عنه، وأحيانا مناوئة له. وهذا ~~أيضا طبيعي؛ فإذا ما تقدمت الجماعة في العمل خرج نظارها إلى عرض ~~الاتجاه عرضا عقليا خالصا، فيتحول الموقف النفسي الاجتماعي تدريجيا ~~إلى مذهب. وبتعاقب الأجيال يتكاثر العمل العقلي المذهبي، وتتحدد جوانب ~~المذهب، ويتضح اتساقه العقلي إلى أن يقضى عليه بفعل الزمان، أو تظهر ~~دعوات جديدة أكثر شبابا وحيوية تكون بداية مذهب جديد. وقد تحاول ~~الأجيال الشابة للمذهب القديم تجديد حياته بالرجوع إلى الأصول الأولى ~~ومحاولة إيجاد الاعتدال، خاصة بعد تغير الموقف النفسي الاجتماعي ~~الأول. # أما ردود الأفعال فإنها تتميز أيضا بأنها هي الممارسة للفكر والملتزمة ~~به، والقائمة على المحافظة على الطرف الآخر الذي غاب في الفعل. رد الفعل هو ~~الجانب الآخر، الطرف المقابل. ومن التوتر بين الفعل ورد الفعل تنشأ ~~الحياة الفكرية، وتظهر الأفكار الثانوية حتى بداية محاولات الجمع بينهما. ~~ردود الفعل هي التي تبين حدود الفعل، وتعطي البديل، وتعبر عن التكامل ~~الفكري أكثر مما تعبر عن الظروف النفسية والاجتماعية. يوضع العقل في مقابل ~~الانفعال، والحق في مقابل الهوى. رد الفعل هو التحدي المستمر للفعل، ~~المحدد لسلطته، والواقف له بالمرصاد، والمعبر عن حق المعارضة الفكرية ~~وعن حرية الفكر. ومع ذلك قد ينتاب رد الفعل بعض العيوب، وفي مقدمتها ~~تمثل السلطة والاعتماد عليها، وتحويلها إلى فكر رسمي للدولة، فتصبح بعد ~~ذلك مقياسا للحق، وما عداها كفر وضلال. تنقلب حرية الفكر إلى قهر، ويضيع ~~حق المعارضة الذي نشأ رد الفعل تعبيرا عنه. # وسواء عرضت المادة الكلامية كموضوعات أو كفرق، كشعور بنائي أو كشعور ~~جدلي، فكلا الطريقين يؤديان إلى الفكر وإلى الموضوعات الفكرية؛ فالفرق ~~الكلامية اتجاهات فكرية، والتاريخ ليس تاريخ حوادث خالصة أو وقائع مادية، ~~بل هو ميدان لتحقق ms323 الأفكار وظهور الأينية الفكرية للوحي. فقد تطور ~~موضوع التوحيد مثلا في مراحل ثلاث؛ التأليه والتجسيم عند الشيعة، غلاتها ~~ومعتدليها، والتنزيه وإنكار الصفات عند المعتزلة، ثم التشبيه وإثبات ~~الصفات عند الأشاعرة. هذا التطور التاريخي نفسه هو بناء الموضوع الفكري؛ ~~فالتأليه والتجسيم هما الموضوع، والتنزيه بإنكار الصفات هو نقيض الموضوع، ~~والتشبيه بإثبات الصفات هو مركب الموضوع. المراحل التاريخية هي نفسها ~~الجوانب المختلفة للموضوع، لا فرق بين تطور الشيء وظهوره في التاريخ وبين ~~بنائه وتحليله في الشعور. وما يقال عن التوحيد يقال أيضا في خلق ~~الأفعال، وفي العقل والنقل، وفي الإيمان والعمل، وفي الإمامة، ويقال أيضا ~~في الطبيعيات، وفي الوحي، وفي الإنسان. # 114 # وهنا تبرز أسئلة ثلاثة؛ الأول: إذا كانت الفرق الكلامية اتجاهات ~~فكرية، وكانت الاتجاهات الفكرية أنماطا مثالية للفكر البشري، وكانت هذه ~~الأنماط تكون جوانب مختلفة للموضوع، فالسؤال هو: هل أعطى التاريخ كل هذه ~~الأنماط؟ هل كشفت الحضارة جوانب الموضوع؟ هل باستطاعة الباحث اكتشاف أنماط ~~جديدة وكشف جوانب أخرى للموضوع؟ فمثلا في التوحيد ظهر التأليه والتجسيم ~~والتشبيه كفرق واتجاهات وأنماط وجوانب للموضوع، ولم يظهر بعد التوحيد ~~كوظيفة. وفي خلق الأفعال ظهر الجبر والكسب وحرية الاختيار، ولكن لم يظهر ~~بعد التحرر. وفي العقل والنقل ظهرت أولوية العقل كما ظهرت أولوية النقل، ~~ولكن لم تظهر بعد أولوية الواقع ... إلخ. والسؤال الثاني: إذا كانت ~~الاتجاهات الفكرية أنماطا مثالية للفكر البشري، فهل هذه الأنماط حلول ~~متزامنة أو متتالية في الزمان، أم أنها جوانب مختلفة لموضوع واحد؟ ~~فالتوحيد كموضوع تأليه في أحد جوانبه، وتجسيم أو تشبيه من جانب آخر، ~~وتنزيه من جانب ثالث. وخلق الأفعال هو جبر من جانب، وكسب من جانب، وحرية ~~اختيار من جانب ثالث. مهمة الباحث الآن عرض الاتجاهات الفكرية التي تمثلها ~~الفرق كجوانب مختلفة لموضوع واحد. وكأن الباحث ينظر إلى الموضوع من عل ~~كمشاهد محايد. والسؤال الثالث: إذا كانت الفرق الكلامية تمثل اتجاهات ~~فكرية، فالسؤال هو: هل هذه الاتجاهات الفكرية أنماط دائمة للفكر الديني ~~تتكرر في كل زمان ومكان؟ ففي التوحيد مثلا لا ms324 تمثل الشيعة التأليه ~~والتجسيم فقط، ولا تمثل السنة التشبيه فقط، ولا تمثل المعتزلة التنزيه ~~فقط، بل إن التأليه والتجسيم والتشبيه والتنزيه أنماط مثالية للفكر الديني ~~أو الفكر البشري العام فيما يتعلق بالألوهية. وكذلك الأمر في خلق الأفعال؛ ~~فلا تمثل الجبرية الجبر، ولا تمثل الأشعرية الكسب، ولا تمثل المعتزلة ~~حرية الاختيار؛ بل إن هذه الحلول الثلاثة، الجبر والكسب والاختيار، تمثل ~~أنماطا مثالية لمشكلة الحرية تتعدى حدود الزمان والمكان. ويمكن أن يقال ~~الشيء نفسه في العقل والنقل، وفي التعيين والبيعة، والكمون والخلق، ~~والإيمان والعمل، فيصبح علم أصول الدين علما بنيويا لكل حضارة وللفكر ~~البشري العام. # والتعدد في جوانب الموضوع وتطوره إنما هو مقدمة للاختيار البشري طبقا ~~لظرف كل عصر. وقد لا يكون اختيار العصور الماضية هو اختيار كل عصر؛ فما ~~يكون فعلا عند القدماء قد يكون رد فعل عند المعاصرين، وما قد يكون وسطا ~~عند القدماء قد يكون فعلا أو رد فعل عند المعاصرين، وما قد يكون فعلا أو ~~رد فعل عند القدماء، فلا يكون وسطا عند المعاصرين. فالمعاصرون جيل الفعل ~~ورد الفعل إيقافا للانهيار وبعثا للنهضة. قد تحتم الظروف النفسية ~~والاجتماعية المعاصرة مرة اختيار الموضوع، ومرة أخرى اختيار نقيض ~~الموضوع، ومرة ثالثة مركب الموضوع، ومرة رابعة إلغاء المشكلة كلية ~~والعودة إلى الواقع الملموس أو النص الخام مصوبا نحوه. فمن الطبيعيات ~~مثلا يحتم واقعنا المعاصر اختيار استقلال قوانين الطبيعة واطرادها ~~ردا على تكويننا النفسي الذي يرجع الأفعال إلى خوارق العادات. وفي ~~التوحيد يكون التعطيل موقفنا النفسي المعاصر أكثر مساهمة في حل عقدنا ~~العقلية، وذلك بالقضاء على التشخيص في الفكر المعياري، وإفساح المجال ~~للإنسان لأن يفعل دون أن يوضع في بوتقة عامة تحيط بها الأغلاف. وفي خلق ~~الأفعال تحتم ظروفنا النفسية المعاصرة نقيض الموضوع، وهو إثبات حرية ~~الأفعال تقليلا من وطأة الجبرية وحتمية الأفعال التي نرزح تحتها، إما ~~جبرية الدين أو جبرية الدنيا وخضوع الجماهير للإرادة المطلقة المشخصة، ~~إرادة الله أو إرادة السلطان، أو خضوعها لحتمية الرغيف والقهر المادي. كما ~~يحتم واقعنا المعاصر ms325 اختيار العقل أساسا للنقل ردا على حشوية العصر، ~~واعتماده على النقل كحجة دون اتساق عقلي أو استشهاد واقعي. كما أن ~~الظروف النفسية لواقعنا المعاصر، إن كنا صادقي النية في التغيير، تتطلب ~~اختيار وجوب الثواب والعقاب، تصور العالم يحكمه قانون، ولا يخضع لإرادة ~~مشخصة وأهوائها. كما يحتم واقعنا المعاصر اختيار الموضوع، وهو وحدة النظر ~~والعمل، ردا على الفصل بينهما في حياتنا، أو تأخير العمل على النظر أو ~~الحكم على العمل كما تفعل مرجئة العصر. وقد يعاني واقعنا المعاصر من ~~التوسط قدر ما يعاني من التطرف، ولكن توسط السلطة أخطر على الأمة من ~~تطرف المعارضة، والأجدى تطرف السلطة وتوسط المعارضة. والتطرف العاقل ~~من أجل تغيير الوضع القائم خير من التوسط المبرر للأوضاع القائمة. كما ~~يحتم واقعنا المعاصر اختيار رد الفعل القديم، وهو البيعة، ردا على ~~ظروفنا الحالية التي يغلب عليها التعيين، وأن «الإمامة في العسكر» حتى ولو ~~كانت في صيغة بيعة صورية معروفة نتائجها مسبقا. وقد تحتم ظروفنا خلق ~~فرقة رابعة أو وضع حل رابع، فيلغي المشكلة تماما ويعتبرها متاهة عقلية، ~~ويفضل حلها بإلغائها والرجوع إلى الأصول الأولى العامة التي حددت ~~الموضوعات بلا تفريعات أو انحرافات، أو طرح مسائل نظرية لا ينتج عنها قيمة ~~عملية، بل ينتج منها التشتت والتفرق والضياع. وقد تمثل الفقهاء ~~القدماء والمصلحون المحدثون هذا الاتجاه، الله وظيفة، والحرية تحرر، ~~والنص واقع، والحياة هدف، والوعي مستقل، والمعاد مستقبل، والحكم ثورة. # 115 ~~(3-3) الشعور الاجتماعي (السياسي) # إن الشعور (المذهبي) البنائي الذي يكشف عن بنية العقائد والمذاهب والشعور ~~الجدلي (التاريخي) الذي يكشف عن تطور الفرق وتاريخها، إنما هما في الحقيقة ~~داخلان في الشعور الاجتماعي (السياسي) الذي يفسر نشأة العلم وتكوينه، ~~تطوره وبناءه. قد يكون علم الكلام هو أول العلوم العقلية النقلية من حيث ~~الزمان، تظهر فيه المحاولات الأولى لفهم النصوص فهما عقليا وتحويلها إلى ~~معان، ثم تحويل المعاني إلى نظريات ومذاهب حول الإيمان والكفر والفسق ~~والعصيان والنفاق. وقد نشأ نشأة داخلية محضة لإيجاد أساس نظري للسلوك ، ~~ولتنظير الأحداث التي وقعت وتكاثرت ms326 في الفتنة وما بعدها. وقد أدى البحث ~~عن النظرية إلى تفسير النصوص؛ فالنص الديني هو المرجع الأول للنظرية، ثم ~~أدى اختلاف المصالح وتضارب الأهواء إلى اختلاف في تفسير النصوص التي ~~تؤديها كل فرقة لصالحها، ولإثبات آرائها والدفاع عن مواقفها ومواقعها. نشأ ~~علم الكلام نشأة داخلية محضة دون أن يتأثر بمؤثرات أجنبية في نشأته؛ ~~مما حدا بالبعض إلى اعتباره الفلسفة الإسلامية الحقة، وأنه الممثل ~~الوحيد للفكر الإسلامي، وهو الذي ظهرت فيه أصالة المسلمين فكان تصويرا ~~لأحداث الواقع وتطوره. أما التقاء الحضارة الناشئة بحضارات أخرى وافدة ~~بعد ترجمة أعمالها، فهو عامل متأخر ساعد على تطوير العلم، وقوى من ~~تحليلاته العقلية، وخفف من وطأته كعلم للعقائد، كما وضح ذلك في ~~المؤلفات الكلامية المتأخرة، بل إن هذا العامل لم يأت مباشرة من ~~الحضارات الوافدة، بل أتى من الفلسفة التي تشبعت بها ثم حذا علم الكلام ~~حذوها. ومع ذلك استطاع العلم ضمها ووضعها في إطاره وضع الفرع في الأصل، ~~وأصبح علم الكلام ممثلا لعلم تاريخ الأديان ووارثا له. # علم الكلام إذن ليس تاريخا مقدسا. ويخطئ البعض عندما يوحد بينه ~~وبين العقيدة الدينية، خاصة بعد أن وحد البعض بين علم الكلام والعقائد، ~~وجعل علم الكلام أصول الدين. وهناك فرق شاسع بين علم الكلام والعقائد ~~الدينية؛ فعلم الكلام محاولات اجتهادية لفهم العقيدة أو للعثور على ~~أساس نظري لها، وتخضع كل هذه المحاولات للظروف التاريخية التي نشأت فيها، ~~وللأحداث السياسية التي سببتها، وللغة العصر التي عبرت بها، وللمستوى ~~الثقافي الذي ظهرت من خلاله. لا يمكن إذن التوحيد بين العقيدة كحقيقة ~~مطلقة، وبين الصياغات التاريخية لها التي تحدث في زمان معين، ومكان ~~معين، وبلغة معينة، وعلى مستوى ثقافي معين. # 116 # ويظل السؤال قائما: هل العقائد المطلقة أو العقائد في ذاتها ~~موجودة بالفعل، أم أن الوحي نزل في فترة معينة بلغة معينة، وعلى ~~مستوى ثقافي معين، وفي حضارة معينة، وفي مرحلة تاريخية معينة من ~~تطور الوعي البشري؟ الوحي ذاته صياغات تاريخية ظهر على مراحل إنسانية ~~متتالية ، وبلغات إنسانية متعددة، وفي ms327 سياقات حضارية مختلفة. # 117 # ويظل السؤال أيضا: هل يمكن للعقيدة المطلقة أن تتحدث عن ~~نفسها؟ هل يقرأ الوحي الوحي ويفهم ذاته، أم أنه في اللحظة التي يقرأ فيها ~~الوحي ويعبر عنه في فكرة، أو في وصفه تجربة، أو في تحليله لواقع، فإن ~~العقيدة تتحول إلى فهم معين في عصر معين، وزمان معين، ولجماعة ~~معينة، بل ولشخص معين؟ # 118 # علم الكلام علم تاريخي محض، وليس علما مقدسا أو علما ~~للعقائد الدينية نشأ مواكبا للأحداث التي وقعت للجماعة منذ الجيل الأول. ~~ولو تغيرت الأحداث لتغير العلم. علم الكلام ما هو إلا غطاء نظري ~~لأحداث الساعة في بيئة توجه الوقائع توجيها نظريا، ويحتاج كل سلوك ~~فيها إلى أساس نظري من الوحي. # والمنهج الاجتماعي في تفسير نشأة الأفكار وتطورها ليس فقط مطلبا ~~علميا للعصر، وبديهية من بديهيات العقول، وواقعا ملموسا مشاهدا عند ~~كل فرد أبرزته إحدى الحضارات المجاورة، وأطلقت عليه «علم اجتماع المعرفة»، ~~بل إنه كان يستعمل في التراث القديم لتفسير نشأة الأفكار. فتذكر الفكرة ~~ثم تذكر الواقعة سببها، أو تذكر الواقعة ثم الأفكار التي نشأت منها. # 119 # هو إذن ليس منهجا مستحدثا من حضارة أخرى، أو يدل على ~~تبني أيديولوجية خاصة، بل هو المنهج السائد أحيانا في مؤلفات القدماء ~~عن وعي أو عن غير وعي. والمؤلفات الكلامية في النهاية هي تاريخ الجماعة ~~لفكرها تاريخا فكريا واجتماعيا معا؛ فكثيرا ما ينتقل المؤلف من ~~الفكر إلى الواقع، ومن التوحيد إلى الإمامة، ومن الصفات إلى الشرعيات، دون ~~إحساس بتغير الموضوع. وإذا كنا نحن نفصل أحيانا بين الفكر والتاريخ، ~~فإننا نفعل ذلك لسببين؛ الأول تعارض المنهجين في البيئات الثقافية المحيطة ~~بنا، ووصول هذا التعارض في ثقافتنا وأثره علينا. فعلم اجتماع المعرفة ~~يعارض النظرية المثالية في المعرفة، ولا سبيل إلى الجمع بينهما. # 120 # والثاني نقص في وعينا الاجتماعي، وفي علمنا بتاريخ نشأة ~~الأفكار لانشغال طبقتنا المتوسطة بالأفكار مستنكفة من الوقائع ~~الاجتماعية ذاتها. وكيف تنشأ ميزتنا، وهي الثقافة، من قاع الدست؟ وبالرغم ~~من أهمية الأفراد في التاريخ إلا أنه ms328 لا يمكن تفسير حوادث التاريخ بمجرد ~~ظهور الأفراد، إما عن حسن نية أو عن سوء نية، وتكون الحضارة قد نشأت لمجرد ~~ظهور أفراد حسني النية أو سيئي النية. والحقيقة أنه لو لم يظهر الأفراد ~~لظهرت الأفكار من الحوادث التي كانت ستفرضها، وما الأفراد إلا المعبرون ~~عنها، أو من التقاء الثقافات وظهور الثقافات الوافدة بعد تمثلها في لغة ~~الثقافة الناشئة، وإدخالها في تصوراتها للعالم. # 121 # وقد يوضع الأفراد داخل إطارهم الحضاري، ويتم تحديد سلوكهم ~~الاجتماعي. وهنا يظهر سوء النية والتحايل والكيد والخداع والمكر والدسيسة ~~والخديعة كعوامل محركة للتاريخ. # 122 # وكان الواقع النفسي للجماعة مهيئا لقبول هذه الأفكار التي ~~تعبر عن هذا الواقع، ومن قام بها أهل خبرة بالأديان والشعوب، بتاريخ ~~الأديان وبحكم الشعوب. # ليس هناك إذن ما يسمى بعلم الكلام، بل هناك تاريخ للفرق الإسلامية؛ ~~فنحن لا نجد حديثا عن علم الكلام قبل القرن الخامس، ولا نجد في كتب الفرق ~~حديثا عن علم الكلام أو حتى تعريفا له إلا في المؤلفات المتأخرة؛ مما ~~يدل على أن ما اصطلح بتسميته علم الكلام هو في الحقيقة تاريخ الفرق ~~الإسلامية. ولما كانت معظم الفرق قد نشأت نشأة سياسية، أو أن لعقائدها ~~مدلولا سياسيا صراحة أو بباعث سياسي متستر وراء اختلاف الآراء في فهم ~~النصوص وصياغة النظريات، فإن ما يسمى علم الكلام إن هو إلا تاريخ الفرق ~~الإسلامية، وأن تاريخ الفرق الكلامية ما هو إلا تاريخ اجتماعي وسياسي ~~للمجتمع الإسلامي في عصوره الأولى. # 123 # ويرفض كثير من علماء الكلام التاريخ الموجه، ويؤثرون تاريخا ~~موضوعيا خالصا يكون في جوهره تاريخا سياسيا، ويدل على نشأة الفرق ~~الكلامية نشأة سياسية، وأن أول مشكلة تعرض لها علم الكلام كانت مشكلة ~~سياسية وهي الإمامة، وأن طابع الأحداث في الجيل الأول كان طابعا سياسيا، ~~ثم عبر الخلاف السياسي عن نفسه في تفسير النصوص للحصول منها على نظرية. ~~والسياسة لا تعني شيئا منفصلا عن الدين، فالدين ينظم كافة شئون الحياة؛ ~~لذلك قد يصعب القول بأن علم الكلام نشأ نشأة سياسية بالمعنى الحديث؛ ms329 لأن ~~الأحداث التي هزت وجدان المسلمين في العصر الأول وعلى رأسها الفتنة، لم ~~تكن أحداثا سياسية بالمعنى الحديث، بل كانت وقائع أثارت الفكر. لم يكن في ~~ذلك الوقت ولا في هذه البيئة ولا في هذا الفكر تمييز بين العامل السياسي ~~والعامل الديني. كان الفكر، وهو الوحي، الموجه لسلوك الجماعة والمنظم ~~لحياتها، وكان الواقع الذي تعيشه واقعا متكاملا، موجها بالفكر؛ لذلك ~~لا يمكن اتهام الخوارج بأنهم خلطوا شئون الدين بشئون الدولة؛ لأن الدين ~~والدولة كانا شيئا واحدا. # 124 # تبدأ الحوادث بالفتنة التي رجت شعور الجماعة، وجعلت الخلاف ~~أساسا خلافا سياسيا حول موضوع الإمامة. # 125 # فإذا كانت الإمامة هي أولى المشاكل التي أثارها المسلمون، فإن ذلك يدل ~~على أن علم الكلام نشأ نشأة سياسية. وإذا ما تمت إعادة بناء العلم من ~~جديد على أنه علم إنساني، فإن هذه المحاولة تقوم أيضا على واقع سياسي ~~خالص، تحرير الأرض، والقضاء على التخلف، وإعادة بناء المجتمع، وإرساء قواعد ~~الديمقراطية، وتأسيس المجتمع اللاطبقي. # 126 # وقد ظهرت الإمامة كمشكلة عملية لا كمشكلة نظرية، ولم تنشأ ~~منها فرقة؛ فقد كان يكفي إلقاء الفكرة الموجهة حتى تحل المشكلة، ويطيع ~~الناس، وتتوحد الجماعة. وقد تساءل الناس: هل الخلاف السياسي من الفروع أم ~~من الأصول؟ هل هو من المسائل الاجتهادية أم من المسائل النصية؟ هل هو من ~~المسائل الفقهية أم من المسائل العقائدية؟ # 127 # والقول بإمامة المفضول مع وجود الأفضل إثبات للأمر الواقع، ~~وبيعة فكرية للحكم الأموي، وتخل عن صاحب الحق الشرعي، وقبول للمساومة، ~~والرضا برغد العيش. والقول بأن الإمامة تكون من خارج قريش رفض للحكم ~~الأموي الذي يعتمد على النسب لقريش، ورفض للحكم القومي الذي يجعل من الحاكم ~~عربيا بالضرورة، وإعطاء الحق لكل الرعايا عربا كانوا أم موالي في أن ~~يصبحوا أئمة للأمة وحكاما لها. # 128 # والقول بأن الإمامة لا تكون إلا بالإجماع رفض لأي حكم لم ~~تجمع عليه الأمة كالحكم الأموي مثلا. وبالرغم مما قد يوحي به التشيع ~~بأنه أقل معارضة من حيث إن الإمام بالتعيين وليس بالاختيار، وإنه ms330 مصدر ~~الحق والتشريع حتى يرجع ويأخذ بنواصيهم بدل الثورة الفعلية في الحاضر، وأن ~~في خلوده قد يجد أنصاره عزاء ونصرا نفسيا واطمئنانا إلى الحق الضائع ~~دون أن يأخذوه بالفعل، بالرغم من كل ذلك إلا أنه أيضا قاوم الحكم القائم ~~بالقوة نفسها التي قاوم بها بعض علماء الكلام السنيين. ولم تخل سنة من ~~خروج إمام على الحكم الأموي. فمن الناحية النظرية القول بخلود الإمام ~~والقول بالرجعة يعبر عن الأمل في الانتصار، ويثبت ضرورة انتصار الحق على ~~الظلم مهما طال انتظار المظلومين والمضطهدين. # ولم يكن التوحيد أول المسائل الخلافية، بل نشأ نتيجة إعمال العقل في ~~النصوص. أما المشكلة السياسية فقد كانت تابعة للمسائل العقائدية حتى ~~تحولت هي نفسها إلى مسألة اعتقادية. # 129 # وكانت للنظريات والآراء مدلولات سياسية؛ فإنكار القدر وإثبات ~~الإنسان حرا مختارا في أفعاله، مسئولا عن الخير والشر، يجعل حكم ~~الولاة أصحاب السلطة مسئولين عن أفعالهم ولا يمثلون قدر الله، كما يجعل كل ~~المواطنين مسئولين عن أعمالهم، ويبعثهم على الثورة ضد السلطة المغتصبة ~~الخارجة على إرادة الجماعة. # 130 # وكل موضوعات علم الكلام ونظرياته لها مدلولات سياسية خالصة؛ ~~ففي التوحيد مثلا تهدف فكرة الله المخلص أو الإمام المؤله إلى تحريك ~~الجماهير، وإعطائها أملا بالنجاة والخلاص من الظلم، وانتصار الحق ضرورة في ~~النهاية، بينما تهدف فكرة الله القوة إلى تثبيت الوضع القائم، وإلى الطاعة ~~للسلطة القائمة الممثلة لله القوة. وإعطاء الأولوية للنقل على العقل يثبت ~~الوضع القائم، ويجعل الأمر موكولا للتفسير، والتفسير تقوم به السلطة ~~الدينية التي تعتمد عليها السلطة السياسية. وإعطاء الأولوية للعقل على ~~النقل رفض للوضع القائم ولتعاون السلطتين الدينية والسياسية، ووضع مقياس ~~عام للناس جميعا حاكمين محكومين، وهو مقياس العقل وطريق البرهان. وإخراج ~~العمل عن الإيمان أو إرجاؤه إثبات للوضع القائم، وجعل الإيمان خاويا لا ~~يتطلب حركة وفعلا، ولا يتحول إلى رفض أو ثورة. وجعل العمل جزءا من ~~الإيمان وتعبيرا عنه رفض للوضع القائم، وجعل الإيمان أساس حركة وفعل ~~وتغيير وثورة. أما مسألة خلق القرآن فقد ظهرت متأخرة للغاية. # 131 ms331 # وكان لعلماء الكلام الأوائل أثر بعيد في توجيه مجرى الحوادث؛ فقد كانوا ~~من أوائل المعارضين للحكم الأموي. وكثيرا ما استعملت السلطة الآراء ~~الدينية كحجج للقضاء على قوى المعارضة التي قامت أساسا تطبيقا للأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. # 132 # لا تمثل الفرقة إذن اتجاها فكريا فحسب، بل تمثل قوة ~~اجتماعية تعبر عن وضع اجتماعي. وقد تتحالف مع السلطة القائمة، وقد تتعارض معها. # 133 # وقد نشأت الخوارج من سلوك عملي أثناء التحكيم، # 134 # واستمروا في المعارضة والرفض للحكم الأموي كما استمر ~~الشيعة وآل البيت، كل لحسابه. وهكذا تشتتت المعارضة إلى فريقين ~~متنازعين، وبقي الخصم قويا. # 135 # وقد شارك المعتزلة في ثورات بعض آل البيت للأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. # 136 # والمعتزلة هم أول من ردوا البدع قبل الأشاعرة، فكانوا هم أهل السنة ~~والجماعة قبل أن يظهر الاسم ويتبلور؛ فهم الذين ردوا على القدرية مع ~~أنهما فيما بعد أصبحوا قدريين؛ # 137 # لذلك ظهر المعتزلة مبكرين للغاية، وانتهوا أيضا مبكرين، ~~على حين ظهر الأشاعرة متأخرين، وانتهوا متأخرين. وقد بلغ المد الاعتزالي ~~أوجه في القرن الثالث، في حين لم يخل قرن واحد من ممثل للأشاعرة. وإذا ~~ظهر الأشاعرة مبكرين فإنما يرجع ذلك إلى أنهم قد نسبوا أنفسهم إلى الفقهاء ~~والمحدثين الذين كانوا يشتغلون بمسائل عملية خالصة لا بمسائل نظرية، ~~فضمهم الأشاعرة إليهم وكأنهم يكملون لهم الجانب النظري فيما يتعلق ~~بالعقائد. وكان المعتزلة الأوائل من الدرجة الأولى في العلم والبيان، كانوا ~~هم حملة العلم الأوائل، وهم الذين أعملوا العقل في النظر والاستدلال. نشأت ~~الحضارة على أيديهم أولا. كما استطاع المعتزلة أن يقوموا بعمل جماعي بعد ~~تعرفهم على بعضهم البعض، فما دام العقل هو الحكم فهناك موضوعات وحقائق ~~مستقلة يمكن للجميع الوصول إليها، ولا مكان للعبقرية الفردية التي قد تعبر ~~عن هوى أو ادعاء. ولا يوجد الاتجاه الاعتزالي باعتباره اتجاها عقليا ~~عند المعتزلة فقط، بل يوجد أيضا ممثلا لدى كل فرقة، وكأن التنزيه والعقل ~~والحرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبادئ عامة تتعدى حدود الفرق، ~~وأصبحت قاسما ms332 مشتركا بينهم. ففريق من الشيعة مثلا يقول بالإمامة ~~والاعتزال (الزيدية)، وفريق من الخوارج يقولون بالقدر ويثبتون الاستطاعة ~~للإنسان (الميمونية). وكان الاعتزال ثورة على التقليد والتعصب واللجاج، ~~ويعتز بالعقل والبرهان ضد التقليد والهوى والمحاجة. وكان المعتزلة أول ~~من استعان بثقافة الغير، الفلسفة اليونانية. لم يكن ذلك رغبة منهم في ~~تبعيتها، بل لأنها راجت في البيئة الثقافية بعد عصر الترجمة، وأصبحت ~~جزءا من الثقافة المعاصرة آنذاك. فاستعملتها المعتزلة كعلوم للوسائل لا ~~كعلوم للغايات، خاصة من متأخريهم في القرن الثالث. # 138 # وكان معظم الفلاسفة معتزلة نظرا لاعتماد كلا الفريقين على العقل. # 139 # وقد خرجت الأشاعرة من جب المعتزلة وكرد فعل عليها، # 140 # واستعملوا المنهج نفسه الذي استعمله المعتزلة، وهو العقل ~~والثقافة العقلية المعاصرة (اليونانية)، ولكنهم خلطوا بين العقل والنقل، ~~فلا هم انتهوا إلى شيء معقول في النقل أو في العقل. فهم في الوقت نفسه ~~يرجعون إلى أهل السلف، ويلتزمون بخط الفقهاء وأهل السنة والحديث، ويحاولون ~~إعطاء الأساس النظري للاتجاه الفقهي. وظلت هذه المحاولة مشبوهة عند ~~الفقهاء، المحاولة التي تريد الجمع بين أهل السنة والعقل. وظل الأشعري ~~مشبوها بشبهة الاعتزال؛ إما لأنه ظل متأثرا بطريق الاعتزال، أو لأنهم ~~كانوا يرفضون أي عمل عقلي في النص. وظل الحنابلة يرفضون الأشاعرة وقتا ~~طويلا لا يقبلون محاولاتهم العقلية في النصوص. # 141 # ويظهر الأشاعرة كحل وسط بين الاتجاهات المتعارضة بكل ما في ~~هذا الموقف المتوسط من مميزات وعيوب. # 142 # فإذا كان المعتزلة قد روجوا الفلسفة في أول الأمر طلبا ~~للدليل العقلي والبرهان النظري، فقد فرضت الفلسفة نفسها في النهاية على ~~الأشاعرة في القرون المتأخرة بعد أن خمد العقل وركد العلم. فسادت المباحث ~~الفلسفية المباحث الكلامية، واعتمد الأشاعرة كلية على تحليلات الفلاسفة ~~يجدون فيها الأساس العقلي الضائع منهم. فما يتهم به الأشاعرة المعتزلة ~~وقعوا هم أنفسهم فيه، وشتان ما بين الموقعين؛ أخذ المعتزلة الفلسفة كوسيلة، ~~وظلت الغاية هي التوحيد، في حين أن الأشاعرة أخذوا الفلسفة كغاية، وتوارى التوحيد. # 143 # وبالرغم من أن الأشاعرة متأخرة في الظهور إلا أن شيخها ms333 لا يعتبر واضع ~~أصول العلم؛ فعلم الكلام ظاهرة حضارية أكثر منها اكتسابا عبقريا، على ~~عكس علم أصول الفقه الذي وضع قواعده الشافعي. ولما كان الأشاعرة هم أصحاب ~~التأليف، فقد اعتبروا واضعي علم أصول الدين دون غيرهم. # 144 # ثم جمد المذهب الأشعري، ولم يعد الدليل هو الوسيلة الوحيدة ~~إلى اليقين. # 145 # وبعد جمود الفكر واتباع التقليد، ظهرت الشروح والملخصات ~~تعبر عن الفكر الشارح أكثر مما تعبر عن الفكر المشروح، # 146 # ثم خمد الشرح وساد الجهل على العلم لدرجة أن منع بعض ~~المصلحين شرح مؤلفاته. # 147 # فإذا كان علم الكلام كغيره من العلوم الإسلامية، بل وكالحضارة ~~ذاتها، فقد نشأ من النص ثم عمل العقل فيه، فإنه يعود إلى النص من جديد بعد ~~أن تجمد العقل، وساد التقليد، وحل الجهل محل العلم. # 148 # وفي العقائد المتأخرة اختلط التوحيد بالتصوف خاصة في الشروح، ولم توجد ~~مادة يشرح بها # 149 # إلا من التصوف، وأحيانا من الفقه والأصول، وابتعد عن الفلسفة ~~لأنها لم تعد خطرا على التوحيد. ومعظم الصوفية أشاعرة؛ لأن التصوف موقف ~~أشعري قلبي، والأشاعرة موقف صوفي عقلي، ومن السهل تحويل التوحيد كما ~~يتصوره الأشاعرة إلى توحيد كما يعبر عنه الصوفية بمجرد تغيير المنهج من ~~العقل إلى القلب. # 150 # وفي المؤلفات المتأخرة يسود التصوف، ويقتبس من أقواله ومن ~~أشعار الصوفية وأناشيدهم. # 151 # كما يظهر في المؤلفات المتأخرة الفقه والأصول، وتسود المادة ~~الكلامية، وكأن اللجوء إلى الفقه والتشريع فيه اليقين. # 152 # والفقهاء غالبا أشاعرة بلا استثناء؛ لأن الفقهاء هم ~~المدافعون عن أهل السلف، وهم الممثلون لأهل السنة والجماعة، والأشاعرة ~~يعتبرون أنفسهم أهل السنة والجماعة. # 153 # ثم جاء الإصلاح الديني محييا مذهب الأشاعرة. # 154 # ولكن غزو الثقافات الأجنبية الوافدة ما زال يدعو إلى إعادة ~~بناء علم أصول الدين من جديد. # 155 ~~(3-4) خاتمة الخاتمة # وكما تبدأ المصنفات القديمة بمقدمات إيمانية تنتهي أيضا بنهايات ~~إيمانية، وليس بالضرورة بتذييل في الفرق. تعترف بالجهل التام، وكأن تأسيس ~~العلم لم يؤد إلى أي علم. تصف الله بأوصاف أزلية، وفي الوقت نفسه ms334 يعلن ~~عن حيرة العقل، وكأن أداة العلم لم تؤد إلى أي علم. ويختفي العلم، وتبدأ ~~مناجاة صوفية؛ مما يدل على سيادة علوم التصوف على باقي العلوم. وينقلب ~~التصوف ضد عقائد الفرقة الناجية، فلا يمكن وصف الله أو رؤيته. وكلما ازدادت ~~المناجاة تعظيما لله زاد الإنسان تحقيرا لنفسه. وكيف يعاد بناء علم ~~أصول الدين دون اكتشاف للذاتية؟ # 156 # وقد تكشف خواتيم أخرى عن أن هدف العلم هو تبرير الدين ~~والدفاع عنه وتثبيته، مع دعوات للحفظ ضد الغواية، وطلب للمغفرة والعفو، ~~وكأن العلم غواية تؤدي إلى الخطأ بالضرورة وتجب التوبة منه. ويبرز منهج ~~الاقتداء بسنة الرسول وتقليد صحابته والتابعين، مع أن التقليد ليس مصدرا ~~للعلم. وقد تحتوي الخواتيم على اعتذار عن التطويل والحشو، أو ما يقع فيه ~~المصنف من أخطاء، يرجو عملا صالحا يوضع في حسابه يوم القيامة، مع ذكر ~~الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. # 157 # وقد تكون الخواتيم آيات قرآنية صرفة توحي بقوة العقيدة ~~والاستخلاف في الأرض، وكأننا هنا بصدد فعل وعمل لا قول ونظر، مع التمسك ~~بطريقة السلف والإصرار عليها بعيدا عن الخلف. # 158 # ونحن إنما نقدم «من العقيدة إلى الثورة» اجتهادا منا، ~~واستئنافا لعلم أصول الدين بعد أن توقف منذ سبعة قرون، وتطويرا له بعد ~~«المواقف» و«رسالة التوحيد» في عصر التحرر من الاستعمار في الخارج والقهر ~~في الداخل، وفي فترة الردة من قلب مصر المحمية. # 159 # | المصادر والمراجع # بعد استبعاد الدراسات الثانوية في علم أصول الدين نظرا لأنها في حاجة إلى ~~مراجعة، فهي موضوعات دراسة وليست دراسة موضوعات، اقتصرنا على المصادر والمراجع ~~الأصلية التي تحتوي على نصوص العلم؛ نظرا لأننا نؤسس نصا جديدا. ونقسمها ~~في مجموعات أربع؛ مصنفات العقائد الأشعرية، مصنفات العقائد الاعتزالية، كتب ~~الفرق الأشعرية، وأخيرا المصادر المطبوعة والمخطوطة التي لم نرجع إليها إلا ~~لماما. وقد رتبناها ترتيبا زمانيا وليس أبجديا لمعرفة تطور العلم، وبدأنا ~~باسم المصنف وتاريخ وفاته بين قوسين ثم باسم مؤلفه، ولم نعتمد على عقائد ~~الشيعة ونصوصها لأنها لا توجد في وعينا القومي ms335 كجزء من التراث الحي، ولغلبة ~~الاتجاهات الصوفية والفلسفية عليها. # | أولا: العقائد الأشعرية # (1) الفقه الأكبر (الفقه) # كتاب «الفقه الأكبر» للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، رضي ~~الله عنه (150ه)، وشرحه للإمام الهمام ناصر السنة، وقامع البدعة، شيخ عصره، ~~ملا علي القاري الحنفي (1001)، تغمده الله برحمته. طبع بمطبعة دار الكتب ~~العربية الكبرى على نفقة صاحبها مصطفى البابي الحلبي وأخويه بكري وعيسى بمصر، ~~(بدون تاريخ). ~~(2) كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع (اللمع) # للإمام أبي الحسن الأشعري (330ه)، صححه وقدم له وعلق عليه الدكتور ~~حمودة غرابة، مدير المركز الثقافي الإسلامي بلندن، مكتبة الخانجي بالقاهرة ~~ومكتبة المثنى ببغداد (جماعة الأزهر للتأليف والترجمة والنشر)، مصر، ~~1955م. ~~(3) الإبانة عن أصول الديانة (الإبانة) # لإمام المتكلمين، ناصر سنة سيد المرسلين، الذاب عن الدين، الشيخ أبي الحسن ~~علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن ~~أبي بردة بن موسى الأشعري، صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، المتوفى سنة بضع وعشرين ~~وثلاثمائة (والأصح 330ه). عنيت بنشره ومراجعة أصوله والتعليق عليه إدارة ~~الطباعة المتيرية، مصر، (بدون تاريخ). ~~(4) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (الإنصاف) # لإمام المتكلمين، سيف الإسلام، القاضي أبي بكر الطيب الباقلاني البصري ~~(403ه)، تحقيق وتعليق وتقديم محمد زاهد بن الحسن الكوثري، وكيل المشيخة ~~الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقا (1296-1371ه)، الطبعة الثانية، مؤسسة ~~الخانجي للطباعة والنشر والتوزيع، 1382ه/1963م. ~~(5) التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة ~~(التمهيد) # تأليف الإمام أبي بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني (403ه)، ضبطه وقدم له ~~وعلق عليه محمود محمد الخضيري، المدير المساعد للبحوث والثقافة الإسلامية ~~بالأزهر الشريف؛ محمد عبد الهادي أبو ريدة، مدرس الفلسفة بكلية الآداب بجامعة ~~فؤاد الأول، دار الفكر العربي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ~~1366ه/1947م. ~~(6) أصول الدين (الأصول) # تأليف الإمام الأستاذ أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (429ه)، ~~المجلد الأول، وهو كتاب أصول الدين. التزم بنشره وطبعه مدرسة الإلهيات بدار ~~الفنون التركية بإستانبول، الطبعة الأولى، ms336 إستانبول، مطبعة الدولة، ~~1346ه/1928م. ~~(7) الفصل في الملل والأهواء والنحل (الفصل) # للإمام ابن حزم الظاهري الأندلسي (456ه)، خمسة أجزاء في مجلدين، مكتبة ~~ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، (بدون تاريخ). ~~(8) لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة (لمع الأدلة) # لعبد الملك الجويني (إمام الحرمين أبو المعالي) (419-478ه)، تقديم وتحقيق ~~الدكتورة فوقية حسين محمود، مدرسة الفلسفة بكلية البنات بجامعة عين شمس، راجع ~~التحقيق المرحوم الدكتور محمود الخضيري، المؤسسة المصرية العامة للتأليف ~~والأنباء والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، الطبعة الأولى، ~~1385ه/1965م. ~~(9) كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (الإرشاد) # لإمام الحرمين الجويني (419-478ه)، حققه وعلق عليه وقدم له وفهرسه ~~الدكتور محمد يوسف موسى، أستاذ في كلية أصول الدين بالأزهر؛ علي عبد المنعم ~~عبد الحميد المدرس في الأزهر الشريف، معهد القاهرة، مكتبة الخانجي، مصر، ~~1369ه/1950م. ~~(10) العقيدة النظامية (النظامية) # لإمام الحرمين الجويني، مطبعة الأنوار، القاهرة، 1367ه. ~~(11) الشامل في أصول الدين (الشامل) # لإمام الحرمين الجويني (478ه)، حققه وقدم له علي سامي النشار، فيصل ~~بدير عون، سهير محمد مختار، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1969م. ~~(12) الاقتصاد في الاعتقاد (الاقتصاد) # تأليف حجة الإسلام محمد أبي حامد الغزالي الطوسي، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح ~~وأولاده، القاهرة، 1382ه/1962م. ~~(13) بحر الكلام في علم التوحيد (البحر) # تأليف الإمام الأجل، رئيس أهل السنة والجماعة، سيف الحق والدين، ~~أبي المعين النسفي (508ه)، القاهرة، 1340ه/1922م. ~~(14) نهاية الإقدام في علم الكلام (النهاية) # تصنيف الشيخ الإمام العالم عبد الكريم الشهرستاني (548ه)، حرره وصححه ~~الفردجيوم، (بدون تاريخ). ~~(15) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، من العلماء والحكماء المتكلمين ~~(المحصل) # تأليف الإمام الحجة، ناصر الحق، فخر الدين، محمد بن عمر الرازي (606ه)، طبع ~~بمعرفة السادات أحمد ناجي المجالي ومحمد أمين الخانجي وأخيه، الطبعة الأولى، ~~المطبعة الحسينية المصرية، (بدون تاريخ). ~~(أ) # تلخيص المحصل للعلامة نصر الدين الطوسي (887ه) (في ~~الذيل). ~~(16) معالم أصول الدين (معالم) # للإمام فخر الدين المذكور. ~~(17) المسائل الخمسون في أصول الكلام (المسائل) # للإمام فخر الدين، حجة الإسلام، محمد بن عمر الرازي، طبعت على نفقة الشيخ ~~محيي الدين صبري الكردي، بمطبعة كردستان ms337 العلمية، لصاحبها فرج الله زكي الكردي، ~~بمصر المحمية، 1328ه. ~~(18) أساس التقديس في علم الكلام (الأساس) # تأليف الإمام فخر الدين أبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرازي (606ه)، ~~مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، 1354ه/1935م. ~~(19) غاية المرام في علم الكلام (الغاية) # سيف الدين الآمدي (551-631ه)، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، المجلس الأعلى ~~للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1391ه/1971م. ~~(20) العقائد النسفية (النسفية) ~~(أ) # شرح العلامة المحقق، الحبر الفهامة المدقق، سعد الدين ~~التفتازاني (791ه)، على العقائد النسفية للإمام الهمام، قدوة ~~علماء الإسلام، نجم الدين عمر النسفي (642ه). ~~(ب) # حاشية الخلخالي (862ه). ~~(ج) # حاشية الإسفراييني (943ه). # دار إحياء الكتب العربية لأصحابها عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، (بدون ~~تاريخ). ~~(21) طوالع الأنوار (الطوالع) # للقاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (756ه). ~~(أ) # شرح الدواني (908ه). ~~(ب) # حاشية السيالكوتي، المطبعة الخيرية، مصر، 1322ه. ~~(ج) # حاشية المرجاني. ~~(د) # حاشية الخلخالي (1014ه). ~~(ه) # حاشية الكلنبوي (1205ه) (الشيخ إسماعيل). ~~(و) # حاشية محمد عبده (1323ه). # إستانبول دار سعادت (1316ه). ~~(22) المواقف في علم الكلام (المواقف) # عضد الله والدين، القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (756ه)، عالم الكتب، ~~بيروت، مكتبة المثنى، القاهرة، مكتبة سعد الدين، دمشق، (بدون تاريخ). ~~(أ) # شرح الجرجاني. ~~(23) المقاصد # سعد الدين التفتازاني (791ه). ~~(أ) # شرح المقاصد لسعد الدين التفتازاني. ~~(ب) # أشرف المقاصد لأحمد بن محمد بن يعقوب الولالي المكناسي، الطبعة ~~الأولى، المطبعة الخيرية، 1325ه، مصر. ~~(24) السنوسية # الإمام محمد بن يوسف السنوسي الحسني (895ه)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى ~~البابي وشركاه، (بدون تاريخ). ~~(أ) # شرح أم البراهين على السنوسية للعلامة الشيخ أحمد بن عيسى ~~الأنصاري، محمد علي صبيح وأولاده، مصر، (بدون تاريخ). ~~(ب) # الخلاصة السنية لأبي حجاب. ~~(ج) # شرح الهدهدي. ~~(د) # حاشية الشرقاوي (1194ه)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي ~~الحلبي، مصر، (بدون تاريخ). ~~(ه) # حاشية الدسوقي (1214ه) على أم البراهين، دار إحياء الكتب ~~العربية، عيسى البابي وشركاه، مصر، (بدون تاريخ). ~~(و) # حاشية البيجوري (1227ه) على السنوسية. ~~(ز) # حاشية الإنبابي على الباجوري، دار إحياء الكتب العربية، عيسى ms338 ~~البابي الحلبي، مصر، (بدون تاريخ). ~~(25) الدر النضيد من مجموعة الحفيد (الدر) # الشيخ الإمام الأجل، شيخ الإسلام، أحمد بن يحيى محمد الحفيد الهروي الشافعي ~~(906ه)، الطبعة الأولى، مصر، 1322ه. ~~(26) كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد (الكتاب) # للإمام المجدد، شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب (1206ه)، محمد علي صبيح، ~~القاهرة، (بدون تاريخ). ~~(27) كفاية العوام في علم الكلام (الكفاية) # محمد الفضالي (1223ه). ~~(أ) تحقيق المقام للشيخ إبراهيم البيجوري (1227ه)، دار إحياء الكتب العربية، ~~عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، (بدون تاريخ). ~~(28) عقيدة العوام (شعر) # الشيخ العالم اللوذعي، السيد أحمد المرزوقي المالكي (1258ه). ~~(أ) نور الظلام للعلامة الشيخ محمد نووي الشافعي (1277ه)، دار إحياء الكتب ~~العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، (بدون تاريخ). ~~(29) رسالة الباجوري (الباجوري) # العالم العلامة، البحر الفهامة، الشيخ إبراهيم الباجوري (1297ه). ~~(أ) تيجان الدراري للإمام المحقق، والفهامة المدقق، الشيخ محمد نووي ~~الجاوي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، (بدون ~~تاريخ). ~~(30) رسالة التوحيد (الرسالة) # الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (1323ه)، طبعها السيد محمد رشيد رضا منشئ ~~المنار، الطبعة السادسة عشرة، دار المنار، مصر، 1373ه. ~~(31) جوهرة التوحيد (الجوهرة) (شعر) # تأليف اللقاني الأب. ~~(أ) # إرشاد المريد. ~~(ب) # تحفة المريد على جوهرة التوحيد للبيجوري (1223ه)، تصحيح وتعليق ~~حسين عبد الرحيم مكي المدرس بالأزهر الشريف، محمد صبيح وأولاده، ~~القاهرة، 1384ه/1964م. ~~(ج) # حاشية الأمير على شرح عبد السلام اللقاني الابن على جوهرة ~~التوحيد، محمد علي صبيح، القاهرة، 1373ه/1953م. ~~(32) العقيدة التوحيدية # الشيخ أحمد الدردير. ~~(أ) # شرح العقباوي. ~~(ب) # حاشية العقباوي، محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، بدون ~~تاريخ. ~~(33) الخريدة البهية (الخريدة) (شعر) # الشيخ أحمد الدردير. ~~(أ) # شرح الخريدة للإمام أبي البركات سيدي أحمد الدردير، تصحيح وتعليق ~~حسين عبد الرحيم مكي المدرس بالأزهر الشريف، الطبعة الأولى، محمد ~~علي صبيح وأولاده، القاهرة، 1374ه/1954م. ~~(34) جامع زبد العقائد التوحيدية، في معرفة الذات الموصوف بالصفات العلية ~~(الجامع) # العالم العلامة المسمى ولد عدلان من الأقطار السودانية، السيد مضوي ~~الحاج، واد مدني، سودان، بدون تاريخ. ~~(35) وسيلة العبيد في علم التوحيد (الوسيلة) # محمد ms339 الإمام الطاهري. ~~(أ) # القول المفيد لوحيد زمانه، ونادرة عصره وأوانه، عمدة المحققين، ~~مولانا الشيخ محمد بخيت، قاضي ثغر الإسكندرية، المطبعة الخيرية، ~~الطبعة الأولى، القاهرة، 1326ه. ~~(36) الحصون الحميدية لمحافظة العقائد الإسلامية (الحصون) # الأستاذ صاحب الفضيلة الشيخ حسين أفندي الجسر (1327ه)، الطبعة الأولى، محمد ~~علي صبيح وأولاده، القاهرة، (بدون تاريخ). ~~(37) التحقيق التام في علم الكلام (التحقيق) # محمد الحسيني الظواهري من علماء الأزهر الشريف، ومدرس بكلية أصول الدين، ~~الطبعة الأولى، النهضة المصرية، القاهرة، 1358ه/1939م. ~~(38) مسائل أبي الليث ~~(أ) # قطر الغيث للشيخ محمد نووي الجاوي، دار إحياء الكتب العربية، ~~عيسى البابي الحلبي، القاهرة، (بدون تاريخ). # | ثانيا: العقائد الاعتزالية # (1) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ما قصد به من الكذب على المسلمين ~~والطعن عليهم (الانتصار) # أبو الحسين عبد الرحيم بن عثمان الخياط المعتزلي (حوالي 300ه)، مع مقدمة ~~وتحقيق وتعليقات الدكتور نيبرج، الأستاذ بجامعة أبسالة مملكة السويد، دار الكتب ~~المصرية، القاهرة، 1344ه/1925م. ~~(2) شرح الأصول الخمسة (الشرح) # لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد (415ه)، تعليق الإمام أحمد بن الحسين بن ~~أبي هاشم، حققه وقدم له الدكتور عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، ~~الطبعة الأولى، 1384ه/1965م. ~~(3) المحيط بالتكليف (المحيط) # القاضي عبد الجبار (415ه)، جمع الحسن بن أحمد بن متوية، تحقيق عمر السيد ~~عزمي، مراجعة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، المؤسسة المصرية للتأليف والأنباء ~~والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1965م. ~~(4) المغني في أبواب التوحيد والعدل (المغني) (عشرون جزءا) # إملاء القاضي أبي الحسن عبد الجبار الأسدابادي (415ه). # الجزء الرابع: # رؤية الباري، تحقيق الدكتور محمد مصطفى حلمي، الدكتور ~~أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، القاهرة، 1965م. # الجزء الخامس: # الفرق غير الإسلامية، تحقيق محمد محمد الخضيري، القاهرة، ~~1965م، وكلاهما مراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، وبإشراف الدكتور ~~طه حسين، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، ~~الدار المصرية للتأليف والترجمة. # الجزء السادس: ~~(1) التعديل والتجوير، تحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، ~~ومراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، بإشراف الدكتور طه حسين، ~~الطبعة الأولى، القاهرة، 1962م. (2) الإرادة، تحقيق الأب ج. ش. ~~قنواتي، مراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، إشراف الدكتور طه حسين، ~~القاهرة، (بدون ms340 تاريخ)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة ~~المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر. # الجزء السابع: # خلق القرآن، قوم نصه إبراهيم الأبياري، بإشراف الدكتور ~~طه حسين، الجمهورية العربية المتحدة، وزارة الثقافة والإرشاد ~~القومي، الإدارة العامة للثقافة، الطبعة الأولى، ~~1380ه/1961م. # الجزء الثامن: # المخلوق، تحقيق الدكتور توفيق الطويل، سعيد زايد، راجعه ~~الدكتور إبراهيم مدكور، بإشراف الدكتور طه حسين، الدار المصرية ~~للتأليف والترجمة، (بدون تاريخ). # الجزء التاسع: # التوليد، تحقيق الدكتور توفيق الطويل وسعيد زايد، راجعه ~~الدكتور إبراهيم مدكور، بإشراف الدكتور طه حسين، المؤسسة ~~المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية ~~للتأليف والترجمة، القاهرة، (بدون تاريخ). # الجزء الحادي عشر: # التكليف، تحقيق الأستاذ محمد علي النجار، الدكتور عبد الحليم ~~النجار، مراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، إشراف الدكتور طه حسين، ~~المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار ~~المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1385ه/1965م. # الجزء الثاني عشر: # النظر والمعارف، تحقيق الدكتور إبراهيم مدكور، بإشراف ~~الدكتور طه حسين، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء ~~والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، (بدون ~~تاريخ). # الجزء الثالث عشر: # اللطف، حققه الدكتور أبو العلا عفيفي، وراجعه الدكتور ~~إبراهيم مدكور، بإشراف الدكتور طه حسين، وزارة الثقافة ~~والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة ~~والطباعة والنشر، القاهرة، 1382ه/1962م. # الجزء الرابع عشر: # الأصلح، استحقاق الذم، التوبة، تحقيق الأستاذ مصطفى السقا، ~~راجعه الدكتور إبراهيم مدكور، إشراف الدكتور طه حسين، المؤسسة ~~المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية ~~للتأليف والترجمة، القاهرة، 1385ه/1965م. # الجزء الخامس عشر: # النبوات والمعجزات، تحقيق الدكتور محمود الخضيري، الدكتور ~~محمود قاسم، مراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، وإشراف الدكتور طه ~~حسين، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، ~~1385ه/1965م. # الجزء السادس عشر: # إعجاز القرآن، قدم نصه على نسختين خطيتين أمين الخولي، ~~بإشراف الدكتور طه حسين، الجمهورية العربية المتحدة، وزارة ~~الثقافة والإرشاد القومي، الإدارة العامة للثقافة، القاهرة، ~~1380ه/1960م. # الجزء السابع عشر: ~~(الموجود منه) الشرعيات، حرر نصه من مصورة واحدة أمين ~~الخولي، وأشرف على إحيائه الدكتور طه حسين، وزارة الثقافة ~~والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة ~~والطباعة والنشر، القاهرة، 1963م. # الجزء المتمم العشرين: # القسم ms341 الأول، في الإمامة، تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود، ~~الدكتور سليمان دنيا، مراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، بإشراف ~~الدكتور طه حسين، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، ~~(بدون تاريخ). # | ثالثا: تاريخ الفرق # (1) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (مقالات) # شيخ أهل السنة والجماعة، الإمام ابن الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (330ه)، ~~تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، جزءان، النهضة المصرية، الطبعة الأولى، ~~القاهرة، 1369ه/1950م. ~~(2) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (التنبيه) # الإمام الفقيه المحدث الثقة، أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي ~~الشافعي (377ه). قدم له وعلق عليه محمد زاهد بن الحسن الكوثري، وكيل ~~المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقا، مكتبة المثنى، بغداد، مكتبة ~~المعارف، بيروت، 1388ه/1968م. ~~(3) الفرق بين الفرق (الفرق) # صدر الإسلام الأصولي، العالم المتفنن، عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي ~~الإسفراييني التميمي (429ه/1037م)، حقق أصوله وفصله وضبط شكله وعلق على ~~حواشيه محمد محيي الدين عبد الحميد، محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، (بدون ~~تاريخ). ~~(4) الملل والنحل (الملل) # الشهرستاني (548ه)، خمسة أجزاء، محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، (بدون ~~تاريخ). # | رابعا: بعض المصادر الأخرى # هناك بعض النصوص والمصادر العامة الأصلية التي تم الاطلاع عليها دون الاقتباس ~~منها؛ فالمادة مكررة وليس بها جديد. وهناك بعض المصادر الأخرى التي لم نطلع ~~عليها إلا لماما؛ إما لأنها مطبوعة ويصعب العثور عليها، أو مخطوطة. ~~(1) بعض المصادر الأخرى في العقائد الأشعرية ~~(1-1) كتاب التوحيد # للشيخ الإمام علم الهدى، أبي منصور بن محمود الماتريدي السمرقندي (333ه)، ~~حققه وقدم له الدكتور فتح الله خليف، دار المشرق، بيروت، 1970م. ~~(1-2) كتاب البداية من الكفاية في الهداية في أصول الدين # للشيخ الإمام نور الدين الصابوني (580ه)، حققه وقدم له الدكتور فتح ~~الله خليف، دار المعارف، مصر، 1969م. ~~(1-3) الأصول والفروع # لابن حزم الأندلسي (456ه)، تحقق وتقديم وتعليق الدكتور محمد عاطف ~~العراقي، الدكتورة سهير فضل الله أبو وافية، الدكتور إبراهيم إبراهيم هلال، ~~الطبعة الأولى، النهضة العربية، القاهرة، 1978م. ~~(1-4) العقيدة الطحاوية # شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني، 1394ه. ~~(1-5) الاعتقاد على مذهب السلف ms342 أهل السنة والجماعة # للإمام الحافظ الكبير أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (458ه)، صححه ~~ونشره لأول مرة العلامة السلفي الشيخ أحمد محمد مرسي، القاهرة، ~~1380ه/1961م. ~~(1-6) عقائد السلف # للأئمة أحمد ابن حنبل (241ه)، البخاري (276ه)، ابن قتيبة (276ه)، عثمان ~~الدارمي (280ه)، القاسمي (1332ه)، علي سامي النشار، عمار جمعي الطالبي، ~~منشأة المعارف، الإسكندرية، 1971م. ~~(1-7) عقيدة الفرقة الناجية # للصابوني (580ه)، الصنعاني (840ه)، المقريزي (845ه)، محمد بن عبد الوهاب ~~(1206ه)، الشوكاني (1225ه)، إعداد وتقديم عبد الله حجاج، دار الوحي، ~~القاهرة، (بدون تاريخ). ~~(1-8) مجموعة التوحيد # لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، دار ~~الفكر، القاهرة، 1978م. ~~(1-9) قلائد الخرائد في أصول العقائد # العلامة الكبير، معز الدين، السيد محمد المهدي الحسيني الشهير ~~بالقزويني (1300ه)، حققها وعلق عليها جودت كاملي القزويني، بغداد، ~~1972م. ~~(1-10) الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية # الأستاذ العلامة، شيخ المحققين، الشيخ طاهر بن صالح الجزائري ~~(1338ه)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، ~~1380ه/1960م. ~~(2) بعض المصادر الأخرى في العقائد الاعتزالية ~~(2-1) رسائل العدل والتوحيد # الإمام الحسن البصري (110ه)، الإمام القاسم الرسي (246ه)، القاضي ~~عبد الجبار بن أحمد (415ه)، الشريف المرتضى (840ه)، دراسة وتحقيق محمد ~~عمارة، دار الهلال، القاهرة، 1971م. ~~(2-2) رسائل العدل والتوحيد # الإمام يحيى بن الحسين (298ه)، دراسة وتحقيق محمد عمارة، دار الهلال، ~~القاهرة، 1971م. ~~(2-3) المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين # لأبي رشيد النيسابوري المعتزلي سعيد بن محمد بن سعيد (400ه)، تحقيق ~~وتقديم د. معن زيادة، د. رضوان السيد، معهد الإنماء العربي، الطبعة الأولى، ~~بيروت، 1979م. ~~(2-4) في التوحيد # ديوان الأصول لأبي رشيد سعيد بن محمد النيسابوري (400ه)، تحقيق د. محمد ~~عبد الهادي أبو ريدة، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1969م. ~~(2-5) التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض # الحسن بن متوية النجراني المعتزلي (469ه)، تحقيق وتقديم وتعليق د. سامي ~~نصر لطف، د. فيصل بدير عون، دار الثقافة، القاهرة، 1975م. ~~(2-6) باب ذكر المعتزلة # من كتاب المنية والأصل في شرح كتاب الملل والنحل لأحمد بن ms343 يحيى بن ~~المرتضى (840ه)، اعتنى بتصحيحه توما أرنلد، دار صادر بيروت، حيدراباد ~~الدكن، 1316ه. ~~(2-7) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة # أبو القاسم البلخي (319ه)، القاضي عبد الجبار (415ه)، الحاكم الجشمي ~~(494ه)، اكتشفها وحققها فؤاد السيد، الدار التونسية للنشر، تونس، ~~1974م. ~~(3) بعض المراجع المطبوعة والمخطوطات التي لم نطلع عليها ~~(3-1) تهذيب الكلام # سعد الدين التفتازاني (791ه). ~~(3-2) المعتمد في أصول الدين # للقاضي أبي يعلى الحنبلي الفراء، حقق له د. وديع زيدان حداد، ~~بيروت. ~~(3-3) كتاب الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد # للإمام العلامة ابن علي الشوكاني، مطبعة المنار، مصر، 1340ه. ~~(3-4) الروضة البهية فيما بين الأشعرية والماتريدية # تأليف أبي عذبة، حيدراباد، 1322ه. ~~(3-5) خلافيات الحكماء مع المتكلمين وخلافيات الأشاعرة مع الماتريدية # عبد الله بن عثمان بن موسى، دار الكتب المصرية، رقم 3441ج. ~~(3-6) تأويلات أهل السنة للماتريدي # دار الكتب المصرية، 873 تفسير. ms344