######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.MinCaqidaIlaThawraMuqaddimat.Hindawi96837903 #META# Tags: philosophy #META# ID: 96837903 #META# Title: من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: المقدمات النظرية‏ # الفصل الأول: تعريف العلم‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: تسميته‏ # ثالثا: حده‏ # رابعا: موضوعه‏ # خامسا: منهجه‏ # سادسا: مرتبته‏ # سابعا: وجوبه‏ # الفصل الثاني: بناء العلم‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: ظهور الموضوعات من خلال الفرق، وظهور الفرق من خلال الموضوعات‏ # ثالثا: من المسائل إلى الموضوعات، ومن الموضوعات إلى ~~الأصول‏ # رابعا: من الأصول إلى البناء‏ # خامسا: من بناء العلم إلى عقائد الإيمان‏ # سادسا: المصنفات القديمة‏ # الفصل الثالث: نظرية العلم‏ # أولا: نشأة نظرية العلم وتطورها‏ # ثانيا: تعريف العلم‏ # ثالثا: أقسام العلم‏ # رابعا: النظر يفيد العلم‏ # خامسا: كيف يفيد النظر العلم؟‏ # سادسا: وجوب النظر‏ # سابعا: طرق النظر‏ # ثامنا: مناهج الأدلة‏ # الفصل الرابع: نظرية الوجود‏ # أولا: نشأة نظرية الوجود وتطورها‏ # ثانيا: ميتافيزيقا الوجود أو «الأمور العامة» ~~(الواجب)‏ # ثالثا: فينومينولوجيا الوجود (الأعراض)‏ # رابعا: أنطولوجيا الوجود (الجواهر)‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: المقدمات النظرية‏ # الفصل الأول: تعريف العلم‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: تسميته‏ # ثالثا: حده‏ # رابعا: موضوعه‏ # خامسا: منهجه‏ # سادسا: مرتبته‏ # سابعا: وجوبه‏ # الفصل الثاني: بناء العلم‏ # أولا: مقدمة‏ # ثانيا: ظهور الموضوعات من خلال الفرق، وظهور الفرق من خلال الموضوعات‏ # ثالثا: من المسائل إلى الموضوعات، ومن الموضوعات إلى ~~الأصول‏ # رابعا: من الأصول إلى البناء‏ # خامسا: من بناء العلم إلى عقائد الإيمان‏ # سادسا: المصنفات القديمة‏ # الفصل الثالث: نظرية العلم‏ # أولا: نشأة نظرية العلم وتطورها‏ # ثانيا: تعريف العلم‏ # ثالثا: أقسام العلم‏ # رابعا: النظر يفيد العلم‏ # خامسا: كيف يفيد النظر العلم؟‏ # سادسا: وجوب النظر‏ # سابعا: طرق النظر‏ # ثامنا: مناهج الأدلة‏ # الفصل الرابع: نظرية الوجود‏ # أولا: نشأة نظرية الوجود وتطورها‏ # ثانيا: ميتافيزيقا الوجود أو «الأمور العامة» ~~(الواجب)‏ # ثالثا: فينومينولوجيا الوجود (الأعراض)‏ # رابعا: أنطولوجيا الوجود (الجواهر)‏ # | من العقيدة إلى الثورة (1) # | من العقيدة إلى الثورة (1) # | المقدمات النظرية # تأليف # حسن حنفي # | الإهداء # إلى علماء أصول الدين. # تحقيقا لمسئولية جيلنا. # حسن حنفي # | مقدمة # | من الدعاء للسلاطين إلى الدفاع عن الشعوب # تبدأ المقدمات التقليدية في علم أصول الدين بحمد الله، والصلاة والسلام على رسوله، ~~وهي مقدمات إيمانية خالصة، تعبر عن إيمان ذاتي خالص، هو المطلوب إثباته ms001 ، والبرهنة ~~عليه، ولكن العالم الأصولي القديم يعلن عنه، ويسلم به، وكأن مقدماته هي نتائجه، وأن ~~ما بينهما إن هو إلا لهو ولعب وسد فراغ، كما يغيب الأسلوب البرهاني، وعرض الإشكال، ~~وبيان الهدف كما فعلنا في معنى «التراث والتجديد»، عارضين للتراث القديم، قارئين فيه ~~أزمة العصر، ومحللين أزمة العصر مكتشفين فيها بعد التراث القديم، إن التعبير عن ~~مضمون الإيمان كإحدى المسلمات هو نقض للبرهان، وهدم للاستدلال، وضياع للعلم، خاصة ~~ولو كان هذا المضمون هو المطلوب إثباته، إيماننا هو «التراث والتجديد»، وإمكانية حل ~~أزمات العصر، وفك رموزه في التراث، وإمكانية إعادة بناء التراث لإعطاء العصر دفعة جديدة ~~نحو التقدم، فالتراث - كما بينا - هو المخزون النفسي لدى الجماهير، وهو الأساس ~~النظري لأبنية الواقع. # 1 # تبدأ المقدمات التقليدية بتنزيه الله تنزيها مطلقا، والإعلان عن أوصاف ذاته ~~الكاملة، وصفاتها المطلقة، والتعبير عن هذا المطلب الذي هو غاية الإنسان بلغة العشق والهيام، # 2 # وأن تحقيقها صعب المنال، وإدراكها يند عن العقول، ويصعب على الخيال، وتجد ~~الذات نفسها كلما أمعنت في التعبير عن هذا العالم اللانهائي، وأعلنت حيرتها أمامه، ~~وضياعها فيه، أو لجأت إلى الفيض والإلهام، تجد فيه معرفة له، وحاولت الاتصال به كي ~~تنهل منه أو رأت في الطبيعة الآثار عليه، واكتشفت في الكائنات مظاهر لوجوده، وشعرت في ~~نفسها بالدلائل عليه أو أعلنت في النهاية عن حيرة العقول والأفهام، وعجزها عن تحقيق ~~بغيتها، ضعف الطالب، وقوي المطلوب. # 3 # ومع ذلك فإن المقدمات الإيمانية تعلن عن هذا الوجود المطلق الأوحد ~~باعتباره قدرة شاملة، وإرادة مسيطرة، فهو الذي يبدئ ويعيد، وهو الذي يبدأ ويقرر، وهو ~~الذي يحيي ويميت، ويظل العالم الأصولي القديم يتغزل في هذه القوة المسيطرة لدرجة ~~الفناء فيها، وكلما شعر بعجزه قوي مدحه، وكلما شعر بأن الكون لا يسير وفقا لما يحب ~~تصور وكأن «الآخر» قد قام بدلا عنه بالسيطرة على هذا الكون المفقود، وبالتالي ينشأ ~~السلطان؛ الديني أولا ثم السياسي ثانيا، ويصبح للعالم مركز سيطرة واحد لا يتزحزح، ~~ويكون السلطان متفردا بسلطانه، لا ينازعه أحد، ms002 ولا يشاركه شريك ، ولا يعارضه معارض، ولا ~~يقف بجواره ند. يملك كل شيء، ويقدر على كل شيء، لا معقب على قراراته وأوامره؛ # 4 # ومن ثم كان من السهل الانتقال من السلطان الديني إلى السلطان السياسي، ~~ومن الحمد لله إلى الحمد للسلطان، ومن الثناء على الله إلى الثناء على السلطان، ومن طلب ~~العون والمغفرة من الله إلى طلبهما من السلطان؛ لأن التكوين النفسي للطالب واحد، وأحد ~~البدائل يؤدي نفس الوظيفة التي يؤديها الآخر. من هذه القوة المركزية يستمد الإنسان كل ~~شيء إن كان له فعل، أو تفعل هذه القوة بذاتها مستغنية عن الإنسان، فالله مدحض ~~الأباطيل، وكاشف الحق، ودافع الباطل، ومعطي العلم، وواهب المعرفة، والمبرهن والمستدل ~~والمنير الطريق، هو مصدر المعرفة وأساسها، ومعطي السعادة وواهبها، إن معرفة الحق ~~والباطل، والصواب والخطأ، لا تأتي من عل، بل من تأمل في المعطيات الفكرية والواقعية، ~~فالمعرفة النظرية لا تتم كهبة مسبقة، بل عن طريق التحليل العقلي الرصين للأفكار ~~والوقائع، وباستقراء مجرى الحوادث، ذلك لا يمنع من وجود مقاييس للصدق، وأنماط مثالية ~~للفكر، ولكن هذه المعطيات المسبقة تنبع من طبيعة العقل، ويدركها الشعور بحدسه، وليست ~~فعلا لكائن خارجي مشخص، يفعل مباشرة أو بطريق غير مباشر من خلال الإنسان، ولا يمكن ~~التسليم بشيء على أنه حق ما لم يعرض على العقل ويثبت في الواقع أنه كذلك. # 5 # والحقيقة أنه لا يحمي الإنسان المعاصر، ولا يحافظ على مصالح الجماعة إلا الوعي ~~الفردي، وتجنيد الجماهير، وكلاهما لن يتم إلا بالثورة الفعلية. لن يتغير الواقع بفعل ~~خارجي، قادر على دحض الباطل والدفاع عن الحق، بل بفعل الطليعة الواعية من المثقفين التي ~~يتحول فيها الوعي الفرد إلى معبر عن وعي الجماعة، الجماهير هم الدرع الواقي، ~~والطليعة هم رأس الحربة، لا تسليم هناك بشيء، بل لا يؤخذ شيء على أنه حق إن لم يعرض ~~على العقل والواقع وإثبات أنه كذلك، لا يوجد صمام أمان إلا في وعي الإنسان بذاته وليس ~~في «عقدة القبة السماوية» # 6 # التي تغطي الأرض، فلا وكالة إلا ms003 من الأنظمة الاجتماعية والعجز عن مراقبتها ~~وعدم القدرة على مراجعتها. ليس المطلوب في هذا العصر أن يتوه الإنسان تحت هذا الخواء، ~~وأن يضيع في هذه المتاهة، وأن يشعر بضآلته تحت هذا الشمول، بل المطلوب تأكيد ذاته، ~~وإعمال عقله، وإحساسه بالمسئولية، وتحقيقه للرسالة، ووعيه بالجماهير، وإدراكه لحركة ~~التاريخ. ليس مطلب العصر هو تبرئة «عقدة القبة السماوية» الحافظة للعالم من كل سوء، ~~تشبيه أو تجسيم أو شرك، بل معرفة المسئول عما وصل إليه حالنا من احتلال وتخلف، وقهر ~~وطغيان، وفقر وبؤس، وضنك وحرمان، وتشرذم وتبعثر، وذل وهوان. ليس مطلب العصر هو إبراء ~~الذمة، ووضع الطهارة المجردة، افتراضا وأملا، هذه الطهارة التي لا تشوبها شائبة، ~~وتخليصها من مآسي العصر، مع أنها قد تكون أحد مظاهره أو أسبابه، بل المطلب هو تحديد ~~المسئولية عما وقع في حياتنا من مآس وأزمات، وهزائم ونكبات، وكيف يكون الخالص ~~مسئولا عن الشائب؟ وكيف يكون البريء مسئولا عن ذنوب العصر ومظاهر البؤس والشقاء فيه؟ ~~كيف يكون الغني مسئولا عن الفقر، والعادل عن الظلم، والقوي عن الضعف، والقيوم عن ~~المحتل، والواحد عن المتجزئ؟ إن كل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نحن ~~فيها ليست مفروضة علينا ولا مكتوبة من أحد، بل هي نتيجة للأوضاع ذاتها، ويخطئ القدماء ~~عندما يجعلون العلة معلولا، ونخطئ معهم عندما نعلق مآسينا وهزائمنا على مشجب لم يره ~~أحد ولم ينقذ أحدا، لا يعني ذلك رفض الشمول والعموم؛ فالشمول للأفكار وللمبادئ، وهي لا ~~تعطي الإنسان أي ضمان أو أمان بل تعطيه فقط الأساس النظري للتطبيق والممارسة، وتصف له ~~وسائل التحقيق، ولا يتوه فيها العقل، بل يدركها ويحصل منها على معرفة، ولا تضعف أمامها ~~الإرادة بل تتمثلها وتتأكد حريتها، ولا تضمحل أمامها الذات وتفنى، بل تثبت ويتأكد ~~وجودها. # في هذه المقدمات الإيمانية تتحدد علاقة الإنسان بالله، ليس فقط على مستوى المعرفة ~~والنظر، بل أيضا على مستوى السلوك والعمل؛ فالإنسان يحمد الله على نعمه، ويشكره على ~~فضله، مما يجعل العلاقة أحادية الطرف، من واهب إلى موهوب، ومن معط إلى معطى، ms004 وتجعل ~~الإنسان مجرد وعاء للنعم، ومستقبل للعطايا، ومنتظر للجود والإحسان، قد يرفض الإنسان ~~بطبيعته الكرم والفضل، وقد ينفر من الهبات والعطايا؛ لأنه يأبى أن تكون يده هي السفلى، ~~ويد غيره هي العليا، وإن كثيرا من مآسي عصرنا لهو انتظار الكرم والجود، والتشوق إلى ~~الهدايا والعطايا، والتزلف من أجل هبات السلطان حتى أصبح العصر كله عصر تعايش ~~وارتزاق، بل إن سلبية الجماهير اليوم قد ترجع إلى أن معظم مظاهر التغير الاجتماعي في ~~حياتها قد تمت أيضا بفعل الجود والكرم، وكأنها هبات من أعلى، وليست مكتسبات حصلت عليها ~~الجماهير بعرقها وكفاحها، فإذا حصلت الجماهير على بعض حقوقها، فإن الحاكم لم يتفضل ~~عليها بشيء، بل نالت حقها، وحقها ليس منة ولا فضلا عليها من أحد، وقد يكون هذا هو ~~السبب في معاناة عصرنا من اعتبار كل حق منة أو فضلا من رئيس على مرءوس. # فإذا كان القدماء قد حمدوا الله على الكفاية، فإننا نتجه بكل قوانا نحو الناقص ~~ونتوجه إلى ما لم يتحقق بعد، اتجاهنا نحو الحاجة أقوى من نزوعنا نحو الحمد، والحمد ~~على ما هو موجود فيه رضاء واستكانة، والثورة على ما هو مفقود فيه غضب ومطالبة بحق، ~~حالنا لا يتطلب حمدا ولا ثناء على أحد، بل يقتضي رفضا واعتراضا، مطالبة وثورة، ~~نحن لا نحمد بل نتضجر، ولا نرضى بل نغضب، ولا نثني بل ننقد، ولا نشكر، فلا شكر على ~~واجب، بل نثور ونطالب، إن الإحساس بالحق المشخص يعطي الإنسان نوعا من الرضا، ويجعل ~~نفسه طيبة طيعة حامدة شاكرة، وهذا على خلاف مقتضيات تكويننا النفسي المعاصر الذي يشوبه ~~القلق والغليان، وتعتريه عواطف السخط والغضب، يئن تحت ضغوط العجز والحرمان، # 7 # فإذا طلب الإنسان شيئا فإنه يدعو كي ~~يستجاب له، ويسأل كي يعطى له، فتكوينه النفسي قد تعود على السؤال والاستجداء، ~~واعتاد على الشحاذة والتسول، ولن يتغير الواقع عن طريق الدعاء، ولن يطعم جائع بطريق ~~الاستجداء، ولن ينصر مظلوم عن طريق البكاء! الدعاء تعبير عن أماني ورغبات وليس ~~تحقيقا لها، هو حيلة العاجز، ms005 وفعل القاعد، وأسلوب القعيد، وطريق الخامل، وسبيل ~~المستكين، وقد بدأنا تغيير الواقع بالدعاء منذ تراثنا القديم ولم يتوقف حتى عصرنا الحاضر، # 8 # والخطأ لا يتغير بالتوبة والاستغفار، بل بالتعلم والاستفادة منه، ~~والعود من جديد إلى القيام بنفس الأفعال على أساس من المناعة ضد الخطأ والاكتساب النظري ~~والعملي للصواب، لا يوجد ملجأ للإنسان إلا عمله، ولا نجاة له إلا بعمله المشترك مع ~~الآخرين أي بالعمل الجماهيري الذي تؤيده حركة التاريخ، إن الحصول على القوة لا يأتي ~~بالدعاء للقوي، وباستجداء واهب القوة بل يحصل عليها بالاستعداد، والحصول على القوة ~~بالفعل. # ثم تنتقل المقدمات الإيمانية التقليدية من محورها الأول، وهو الله، إلى محورها ~~الثاني، وهو الرسول، وهما المحوران اللذان دار حولهما علم أصول الدين في المرحلة ~~العقائدية المتأخرة، وتشرع في الصلاة والتسليم عليه، # 9 # وفرق بين الصلاة والعلم، بين الترانيم ~~الدينية والتحليلات العقلية، البحث العلمي ليس صلاة، والنظر العقلي ليس دعاء، وسلامة ~~المنهج هو الضامن لليقين، ودقة التحليل هو السبيل إلى الصواب، والتركيز على الرسول ~~بشخصه، وفضله، وكرمه، ومآثره، وفضائله، وسجاياه، تشخيص للرسالة، وتركيز في الوحي على ~~المبلغ إليه، وخلط بين الرسالة والرسول، والنبوة والنبي، ومدح الوحي المشخص في النبي ~~تشخيص للفكر مثل تشخيص الحق، والقدوة لا تعني التبعية لشخص والثناء عليه ومدحه، بل تعني ~~تجربة تاريخية فريدة، وأن الفكر ممكن التحقيق، تجربة يستفاد منها ولكن لا يمتدح ~~محققوها، الهدف هو التجربة، كيف يتحول الفكر إلى واقع، وليس الأشخاص. # ومن مآسي عصرنا تشخيص الأفكار، وعبادة الأشخاص، وقد قوى ذلك فينا الصوفية بنظرياتهم ~~عن «الحقيقة المحمدية»، كما انتشر هذا التيار بيننا لأنه في غياب القدرة على فهم ~~الأمور، وتصور الحقائق، والتعامل مع الأفكار، يستبدل بذلك كله الأشخاص الحسية، والجاهل ~~بما لا يرى يستعيض عنه بما يرى، في حين أن الرسول ما هو إلا مبلغ للوحي، هو مجرد ~~وسيلة لا غاية، فضله من الوحي، ومآثره من الرسالة، وعظمته في الجهاد، وقدوته في الأخلاق ~~مثل أي قائد أو زعيم، فاختياره للرسالة ليس ميزة لشخصه، بل لأن ms006 الرسالة لا بد وأن ~~تبلغ من خلال رسول تتوفر فيه شروط الأداء والتبليغ، والتركيز على الاختيار ~~والاصطفاء ليس من الوحي في شيء، وهو أقرب إلى الاصطفاء اليهودي # Election ~~. والوحي يرمي إلى ما بعد الاختيار، وهو ~~التبليغ، وليس إلى اختيار الشخص ذاته، وإلا خلطنا بين الوسيلة والغاية. # 10 # وكثيرا ما نقف في حياتنا المعاصرة على الأشخاص ونترك أفكارهم، ونتمسك ~~بالأفراد ونترك رسالاتهم؛ لذلك جعلنا الرسول شفيعا في اليوم الآخر، وجعلناه واسطة ~~بين الله والخلق، واقتربنا من المسيحية فيما تقوله في المسيح، واعتبرناه قديما لم ~~يخلق، وأبديا لا يفنى؛ ومن ثم شارك في صفات الألوهية في العقائد الشعبية ~~المبنية على حب آل البيت، والخلود لا يكون للأشخاص بل للأعمال والأفكار. # 11 # ويستمر الفضل والاختيار ليس فقط للرسول، بل في آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان ~~إلى يوم الدين، # 12 # مع أن كل إنسان مسئول فردا، بعمله وليس بانتسابه إلى جماعة، ويحاول كل ~~فريق منا أن يكون هو الوريث لهذه الجماعة الأولى، فكثر الادعاء، واطمأن كل فرد ~~على حاله، ما دام ينتسب إلى العترة الطاهرة، والصحبة الخيرة، وقد يسمح لنفسه ما لا يسمح ~~به لغيره، لأنه هو سليل الجماعة الأولى، مع أننا نعاني من الشللية، ونقاسي من الجماعات ~~المغلقة، ثم يقل الفضل والاختيار حتى يمحي في عصرنا الذي يسوده الشر، ويعمه الضلال؛ ~~ومن ثم يتدهور التاريخ، ويسير في انحطاط مستمر، ويظل التاريخ الأول قدوة للناس، ~~يتقدمون بالرجوع إلى الوراء، ويسيرون إلى الأمام ووجههم إلى الخلف، وهو ما نحن عليه ~~الآن، وكما يبدو في الحركات الإسلامية المعاصرة، وهذا لا يمنع الإنسان من الانتساب إلى ~~جماعة عمل مثل الحزب أو الجمعية، ولكن هذه الجماعة توجد في أي وقت وفي أي مكان، وليست ~~في زمان أو مكان معينين، والتجارب التاريخية التي يتحقق فيها الفكر عامة وليست محددة، ~~قد تكون الجماعة الأولى أقرب إلينا لأنها هي التي تعمل في مخزوننا النفسي والتي يمكن ~~اتخاذها قدوة ودليلا. # 13 # إن الصفوة المختارة ليست أسرة القائد ولا قبيلته ولا أصحابه، ms007 بل هي أية ~~طليعة ثورية في أي مكان وفي أي زمان، تحاول توجيه الواقع بالفكر، فهي ليست جماعة ~~تاريخية نسبية، بل هي جماعة فكرية لا مكان ولا زمان لها، هي كل جماعة حاولت تحرير ~~الإنسان، وتغيير الواقع، ومناهضة الظلم، وأداء الرسالة، وإذا كان هناك وضوح في الرسالة، ~~وإذا اشتمل الوحي على البرهان، فإن ذلك راجع إلى طبيعة الرسالة والوحي، وليس إلى فعل ~~المبلغ، فالوحي بطبيعته واضح، والرسالة بطبيعتها عقلية، وكلاهما يشتملان على البرهان ~~الداخلي، والوضوح النظري للإعلان والبلاغ؛ ومن ثم فالتصديق لا يحتاج إلى معجزة؛ ~~لأن المعجزة برهان خارجي، في حين أن الوضوح النظري برهان داخلي، والقرآن ليس معجزة ~~بمعنى خرق قوانين الطبيعة، بل بمعنى موضوعية الفكر، من ناحية المضمون وناحية الشكل، ~~والتصديق بالفكر والإحساس بأسلوب التعبير، ورؤية المعنى والاتصال المباشر باللفظ. # 14 # وإن إثبات أن الرسول خاتم الأنبياء والمرسلين لا يعني أيضا تركيزا على ~~فضائل شخص أو على مزايا فردية لأحد، بل يعني أن الوحي قد اكتمل، وأنه تطور منذ أول ~~الأنبياء حتى آخرهم، وأن آخرهم يعني أن النبوة قد انتهت، وأن الإنسان قد استقل، وأن ~~عقله قد استطاع أن يصل بنفسه إلى اليقين، وأن فعله بإمكانه أن يحقق رسالة الإنسان دون ~~ما تدخل من أية إرادة خارجية عامة أو مشخصة. # 15 # كما يعني عموم الرسالة أنها أصبحت رسالة للبشر جميعا، وأن هناك حقيقة ~~شاملة يمكن لكل الشعوب معرفتها والوصول إليها. # وبعدما تبدأ المقدمات الإيمانية التقليدية بالحمد لله والصلاة على رسوله، فإنها ~~تشفعهما بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وفي حقيقة ~~الأمر، وطبقا لمقتضيات العصر، لا تعني الشهادة التلفظ بهما أو كتابتهما بل تعني ~~الشهادة على العصر، وذلك ببيان المسافة بين نظام الواقع ومقتضى الفكر، وهي الشهادة ~~النظرية ثم محاولة إلغاء هذه المسافة وتوجيه الواقع طبقا لمقتضيات الفكر، والتضحية في ~~سبيل ذلك بكل شيء حتى بالنفس فتتحقق الشهادة، وهي الشهادة العملية، ويصبح الإنسان ~~شهيدا بعد أن كان شاهدا، فالشاهد والشهيد كلاهما موقف شهادة، ليست ms008 الشهادتان إذن ~~إعلانا لفظيا عن الألوهية والنبوة، بل الشهادة النظرية والشهادة العملية على قضايا ~~العصر وحوادث التاريخ؛ فالتوحيد نوعان، توحيد قول وتوحيد عمل. # 16 # ولفظ الشهادة ~~الأولى «لا إله إلا الله» يحتوي على قضيتين: الأولى ~~سالبة «لا إله»، والثانية موجبة «إلا الله»؛ فالتوحيد فعلان: فعل سلبي يقوم فيه الشعور ~~الفعلي العملي بنفي كل آلهة العصر المزيفة التي تصبح تصورات للعالم ودوافع للسلوك عند ~~الناس، وفعل إيجابي يضع فيه الشعور مثلا أعلى مبدأ واحدا عاما وشاملا، بفعل النفي ~~يتحرر الوجدان الإنساني من كل صنوف القهر والظلم والتسلط والطغيان، وبفعل الإيجاب ~~يضع الإنسان مثلا أعلى ويعلن ولاءه للمبدأ الشامل الذي يتساوى أمامه الجميع، الفعل ~~السالب يحرر الشعور الإنساني من كل صور القهر، والفعل الموجب يضع الشعور حرا خالقا ~~مبدعا؛ الأول يحرر الإنسان من التبعية للقيم السائدة في عصره وما به من تطلعات، ~~والثاني يجعل الإنسان متمثلا لقيم جديدة ومرتبطا بمبدأ عام. # 17 # ولفظ الشهادة الثانية: «أن محمدا رسول الله» إنما تعني الإعلان عن ~~اكتمال الوحي، ونهاية النبوة، وتحقق آخر مراحلها في نظام وتجسده في دولة، وأنه لا ~~يمكن الرجوع إلى الوراء لمراحل سابقة منها، فالتاريخ لا يرجع إلى الوراء، والتقدم ~~جوهر الوعي الإنساني ومسار التاريخ وحركة التطور، فالإنسان بعقله المستقل وبإرادته ~~الحرة قادر على أن يواصل حركة التاريخ وأن يستمر في تقدمه باجتهاده الخاص، فيرث ~~النبوة وتراث الأنبياء، فالعلماء ورثة الأنبياء، والاجتهاد طريق الوحي، والعقل وريث النبوة. # 18 # ونظرا لفراغ المقدمات الإيمانية التقليدية من أي مضمون فكري أو واقعي، عقلي أو ~~مصلحي، فإنها تعبر عن نفسها بأسلوب السجع المملوء بالتلاعب بالألفاظ التي لا تحمل ~~وراءها إلا عواطف إيمانية، فالعاطفة تنشئ اللغة، واللغة تعبر عن العاطفة، ويغيب ~~الفكر كما يغيب الواقع، تعتمد المقدمات على المحسنات البديعية وعلى الإنشاء ~~الخالص دون فكر ودون رؤية أو تحليل لشيء، لا يكمن ~~وراءها إلا بعض الانفعالات الإيمانية تبلغ أحيانا درجة التصوف، وكأن الإعلان عن ~~العلم لا يتأتى إلا بالإغراق في المواجيد الصوفية، والتعبير عنها بالتراشق اللفظي. # 19 ms009 # يغيب الأسلوب البرهاني والتحليل العقلي والوصف الواقعي للظواهر، ويحل محله ~~أسلوب إيماني خالص يعبر عن العشق والهيام لموضوع فارغ، ويكشف عن مواجيد النفس ولوعات ~~الإيمان، وكأن علم أصول الدين كأحد علوم النظر قد تحول إلى علم التصوف كعلم للذوق، ~~وإذا كانت «الأشعرية» قد ازدوجت بالتصوف في العقائد المتأخرة، فإن التصوف قد حل ~~محل الأشعرية كلية في العقائد الإيمانية، حتى الشروح والملخصات فإنها لا تبين الغاية ~~من الشرح أو التلخيص، بل تقوم بشرح المقدمة الإيمانية، فالحمد تعني الحمد، والله يعني ~~الرحمن، والثناء يعني المدح! فاستعاضت عن الفكر بالسجع واللفظ وبلعبة المترادفات، أما ~~في عصرنا فقد بلغت أزماته ومآسيه درجة أن الاعتناء بالمحسنات البديعية أصبح تعويضا عن ~~الشقاء، وتعبيرا عن الخواء، ورغبة في الحصول على شيء حتى ولو كان رنين الصفائح أو قرع ~~الطبول، وأن أول ما نذكره نحن هو الواقع، أزماته وتقلباته، حاله ومآله، حتى يعي الناس ~~حالهم، فالرموز والصور والتشبيهات تكرار وسجع لفظي لا يكمن وراءه وعي، ولا يغير الواقع ~~قيد أنملة. # وأحيانا تختلط المقدمات الإيمانية التقليدية بين الحمد لله والثناء عليه، وبين ~~الدعوة للسلطة والتزلف إليها، فالحديث عن السلطان واحد، السلطان الديني أم السلطان ~~السياسي، السلطان الإلهي أم السلطان البشري أو باختصار الله والسلطان، الأول يمثل ~~السلطة الدينية في قمة الكون والثاني السلطة السياسية على رأس الدولة، وكلاهما يتم ~~الكلام عنه بلغة الجبروت والعظمة، حتى إنه ليصعب الفصل بين السلطانين أو بين السلطتين ~~أو بين الإلهين، إله السماء وإله الأرض، إله الدين وإله السياسة، وقد يكون ذكر اسم الله ~~المطلق وأنه المسيطر على كل شيء تعبيرا عن وضع اجتماعي يتحد فيه ~~الله بالسلطة، فلا فرق بين الثناء على الله والثناء ~~على السلطان، كلاهما يصدران عن بناء نفسي واحد، وكل منهما يغذي الآخر ويدعمه، فالثناء ~~على الله تدعيم للثناء على السلطان، والثناء على السلطان نابع من الثناء على الله، # 20 # وكلاهما قضاء على الذاتية، ذاتية الأفراد وذاتية الشعوب. # فإذا كان هذا هو حال السلطان، فإنه لا يختلف كثيرا في صفاته ms010 عن حال الله، كلاهما ~~منعم، واهب، عادل، عالم، قادر ... إلخ، وتملق السلطان ومنافقته لا يختلف كثيرا عن ~~مواقف الزلفى والنفاق لله ، بل إن الموقفين موقف نفسي واحد، مرة يتجه نحو الله ومرة ~~أخرى نحو السلطان. # 21 # فإذا أتى الشارح فإنه يقوم بنفس الدعاء لله وللسلطان الجديد، فالله قائم ~~والسلاطين تترى. # 22 # وما الفرق بين أسماء الله الحسنى وألقاب السلطان؟ بل إنه في كثير من ~~الأحيان يوصف السلطان بصفات الله! في العقائد المتقدمة ~~تقل المدائح لله فتختفي المدائح للسلطان في حين ~~أنه في العقائد المتأخرة تكثر المدائح لله فتظهر المدائح للسلطان، وكأنه إذا ظهر ~~العقل خف المديح، وإذا عم الإيمان كثر المديح! # وفي عصرنا الحالي، بدلا من الثناء على السلطة، والدعاء للممسكين بها، والقائمين ~~عليها، والقيمين على الناس، مستنصرين لهم، ومؤيدين لخطاهم، فإننا نبين تواطؤ ~~السلطة الدينية والسلطة السياسية، وكيف أن كلا منهما تعيش على الأخرى، وفي كلتا ~~الحالتين، الجماهير هي الخاسرة، والشعوب هي الضائعة، حرية ورزقا، إن مدح خصال السلطان ~~النظرية والعملية تقرب وتملق، مداهنة وتزلف، وصولية وانتهازية، نفاق وكذب ~~وخداع، وهذا ليس دور الجماهير ولا مهمة طلائعها؛ فدورها الرقابة، ومهمتهم النقد، وليس ~~في كليهما مدح أو تعظيم، علاقة الرعية بالسلطان في عالمنا المعاصر وبأوضاعه الحالية ~~التي ينكشف بناؤها من خلال وجداننا القومي، وإحساساتنا الدفينة ليست علاقة طاعة وقبول ~~بل علاقة ثورة ورفض، فكثيرا ما أدت طاعة السلطان إلى الضياع والتخلف والاحتلال، ~~والخروج على السلطان والثورة ضده كان فيه إجبار له على العدل والشورى، والرقابة عليه. # 23 # والسلطان لا يهدي ولا يضل، ولا ينفع ولا يضر، لا تتبع الأفلاك هواه، ولا ~~تتحرى الأقدار رضاه فتلك صفات الله وحده. # 24 # هو سلطة تنفيذية خالصة، والسلطتان التشريعية والقضائية للفكر الذي وعد ~~السلطان بتنفيذه، وعلى أساس التزامه به تمت البيعة له والعقد عليه، واختياره من بين ~~المسلمين؛ فالفكر هو مصدر السلطات، والسلطة الحقيقية الفعلية هما السلطتان التشريعية ~~والقضائية، والسلطان ما هو إلا منفذ للأولى، مطيع للثانية، السلطان ليس ملكا، ولا ~~صاحبا، ولا آمرا ms011 ولا ناهيا، ولا خالقا، ولا قادرا، بل هو منفذ لقانون الفكر، ~~ومطيع لقضائه، ومستمع للمشورة، وقابل للنصح. ليس السلطان باستمرار مصدر الخير والصلاح، ~~بل كثيرا ما يكون مصدرا للفساد والطلاح لنفسه ولشعبه، السلطة في غياب الرقابة ~~الشعبية تفسد، وتعمل لمصلحة القائمين بها، تغنم وتثرى، تتجبر وتنفرد بها، ثم نجد من ~~يعاونها في ذلك؛ تحقيقا لنفس الأغراض، الثراء والسلطة، المنصب والجاه، ثم تضع في ~~الشعوب كل القيم التي تساعدها على تحقيق مآربها مثل الحرمان الجنسي بدعوى الفضيلة ~~والتقوى ثم الإثارة الجنسية بدعوى المدنية وإدخال السرور على النفس حتى يتحول الشعب كله ~~إلى فئتين؛ مثير جنسيا ومثار جنسيا، أو تلهي السلطة الشعب بقوته اليومي، حتى ~~يظل الشعب لاهثا وراءه، تاركا السياسة، وغافلا عن السلطة، تاركا لها مجال السياسة ~~العليا في الحرب والسلام، في الغنى والفقر، في الحرية والقهر، وفي الوحدة والتجزئة، أو ~~تلوح بالمناصب حتى يتهافت عليها الناس، ويتسابق نحوها وزراء الغد، فتعطى لمن لا ~~يستحق حتى يظل عبدا لها، حريصا عليها، يستمد منها قيمته كل من لا قيمة له، إن أزمة ~~السلطة في عالمنا المعاصر أنها لم تأت عن طريق الشورى والبيعة، ولكنها أتت قفزا ~~عليها، واستمرت بقوانين القهر وبحكم العسكر وبسيطرة أجهزة الأمن بعد أن أخذت شرعيتها ~~أولا من الإنجازات الثورية أو الحركات الوطنية التي أدت إلى الاستقلال لا من ~~البيعة والاختيار الحر، أخذت الشرعية من العمل ثم من القوة لا من النظر ثم البيعة، ~~والثورية حتى في أحسن صورها واستمراريتها لا تكفي دون البيعة لتحقيق ذاتها ولاستمرارها ~~ولالتفاف الجماهير حولها، وغالبا ما تنقلب الثورية ضد الشعب، أصل البيعة، ومصدر ~~الشورى. قد تكون السلطة مصدرا للجهل لا للعلم، وقد يكون في مصلحتها نشر الأمية وليس ~~محوها، والقضاء على الثقافة وليس تنميتها، فالسلطة تتأكد في شعب جاهل، وتقوى في جماعة ~~مطيعة، فالجهل طاعة والعلم ثورة، وقد يكون المدح للدولة، لفكرها وعقيدتها، لحزبها ~~ونظامها كما يحدث في عالمنا المعاصر من الدعوة للنظم السياسية وللثورات الوطنية، يكون ~~التاريخ قبلها خواء وظلاما، ثم يحدث ms012 الملاء ويعم العدل في ظل النظام السائد، وبعد ~~الثورات المباركة، وهو ما عاصرناه في جيلنا من جب لما قبل تاريخ ثوراتنا المعاصرة، ~~وشجب لكل ماضينا ثم الازدهار المفاجئ والنهضة الشاملة في ظل النظام القائم وبعد الثورة، ~~فنولد من جديد، ونحيا بعد عدم، ونملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتوجهنا عقائد ~~الشيعة ونحن أهل سنة! # 25 # وهو ما يحدث أيضا في خطب المساجد من الدعوة إلى السلطان، وتأييد للنظام، ~~ومدح للحكام، وهو ما يكثر في عصور الانحطاط كأحد مظاهره أو أسبابه، فالإمام يخشى ~~السلطان فيمدحه، والسلطان يخشى الإمام فيوظفه في رعيته ويجعله تابعا له فقيها ~~للسلطان، وبمدح الإمام تثبت شرعية السلطان في قلوب الناس والجهال، ولو أن الإمام فضح ~~السلطان لما بقي السلطان، وشرعية الإمام في قلوب الناس أرسخ وأعمق من شرعية السلطان. # 26 # فإذا ما تغيرت السلطة بانقلاب أو بوفاة، انصب نفس المدح للسلطان القديم ~~على السلطان الجديد الذي يعطي نفس الصفات، وتكون له نفس المحامد والآثار، وتوجه إليه ~~نفس الدعوات والابتهالات، فمدح السلطان لا يقوم على خصائص موضوعية في السلطان، بل هو ~~اتجاه نحو السلطة بالتملق والزلفى والنفاق، حتى ولو كان السلطان حيوانا! ولقد نشأ ~~بيننا كتاب لهم هذه الوظيفة في مدح القائد الملهم، والزعيم الشجاع، وابن الشعب البار، ~~والمجاهد الأعظم، والرئيس الأفخم، وصاحب القرار، وإذا استنفدت السلطة أحدهم أو ضاقت به ~~أو خدمها بغباء، أو استعمل ذكاءه لحسابه الخاص أتى الآخر، ثم تطول قائمة الانتظار، ~~يود الكل اللحاق بوظيفة مداح السلطان. # 27 # وقد يكون الدعاء لرئيس المصلحة، السلطان الأصغر، الذي بيده الخبز والعيش، ~~الرئيس المباشر الذي بيده الترقية والدرجة، والتقرير والتوصية، والذي يراه الكاتب وجها ~~لوجه؛ فالسؤال هنا مباشرة من شخص إلى شخص وليس إلى ذات مجردة أو لسلطان بعيد قد يسمع ~~وقد لا يسمع، السؤال هنا لشخص حي، يصعد الدرج ويهرول، ويهبط تحفه البركات، ويصعد ~~تنهال عليه الدعوات. # 28 # أما الإهداء فإنه يكون أيضا للحضرة العلية حتى يذكر اسم السلطان في ~~فاتحة الكتاب بعد فاتحة القرآن أو ms013 قبلها، فكل الآراء تتوجه إلى السلطان كما أنها بدرت ~~منه، وخرجت بتوجيهاته. # 29 # أما نحن فإهداؤنا «إلى علماء أصول الدين، تحقيقا لمسئولية جيلنا»، تكاتفا مع ~~العلماء، وإبداء للنصح، وتحملا للمسئولية عن هذا العلم وأثره في الحياة العملية ~~وعلى سلوك الجماهير وعلاقتها بالسلطة، فإذا كان هذا هو المحتوى الرئيسي للمقدمات ~~الإيمانية التقليدية التي تدعو إلى الله وإلى السلطان معا، وتسبح بحمدهما معا خاصة ~~في العقائد المتأخرة، عصر الشروح والملخصات، عصر الانحطاط وتلقي البركات، فإن عصرنا ~~الحالي عصر إصلاح ونهضة، وجيلنا الحالي جيل تغيير وثورة، وكتابه لا يتملقون ~~السلطان الإلهي أو السلطان السياسي، بل يدافعون عن مصالح الشعوب ضد جميع السلاطين، هذه ~~هي مسئولية «من العقيدة إلى الثورة» ومقدمته الأولى. # وإذا كانت بعض المقدمات الإيمانية القديمة تبدأ فقط ب «اسم الله الرحمن الرحيم»، ~~فإننا نبدأ «باسم الأمة»، فالله والأمة واجهتان لشيء واحد بنص القرآن. # 30 # فإذا كان الله قد تم الدفاع عنه عند القدماء وانتصروا في قضيتهم إثباتا ~~للتنزيه، فإننا ندافع عن الأمة التي اعتراها التفتت، وأنهكها الضياع، وتوالت عليها ~~الهزائم، وانتابها العجز، وعمها القعود، وإذا كان القدماء في دفاعهم عن التوحيد قد ~~فتحوا البلدان، وغزوا في سبيل الله، وحرروا الوجدان البشري إعلاء لكلمة الله، فانتصروا ~~في الفكر والشريعة، وحققوا النظر في العمل، فإننا اليوم ندعو الأمة إلى الجهاد وإلى ~~تحرير البلدان، واستعادة الأراضي المغتصبة، وذلك عن طريق تفجير التوحيد لطاقات ~~المسلمين، وعودتهم إلى الأرض، فإذا دافع القدماء عن الله نظرا لأنه كان مظان الخطر ~~والهجوم، فإننا ندافع اليوم عن الأرض فهي المستهدفة، رقعة وثروة؛ فالله بنص القرآن إله ~~السموات والأرض، # رب السماوات والأرض ~~، # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله ~~. فالتوحيد فتح وجهاد، تلك «الفريضة الغائبة»، وهذا الأصل من أصول ~~الإسلام بل وعقيدته الأولى باسم التوحيد، لقد استبيحت حرمات المسلمين، واحتلت ~~أراضيهم، ونهبت ثرواتهم، وانتهكت أعراضهم، وقتلت نساؤهم وأطفالهم، وذبح أبناؤهم، فإذا ~~كان القدماء قد بدءوا مقدماتهم الإيمانية التقليدية «باسم الله» # 31 # فإننا نبدأها باسم الأرض المحتلة في مواجهة الاحتلال ms014 الأجنبي لأراضي ~~المسلمين، وباسم حريات المسلمين في مواجهة صنوف القهر والطغيان، وباسم النصيحة، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وباسم المساواة ~~والعدالة الاجتماعية في مواجهة تجميع الثروات وتكديس الأموال لدى الأقلية المترفة أمام ~~جماهير الأمة التي تموت جوعا وقحطا، بؤسا وعريا، وباسم الوحدة، وحدة الأمة بنص ~~القرآن مرآة لوحدة الله في مواجهة التجزئة والتشرذم والتشتت والتبعثر بين ملوك ~~الطوائف، وباسم التقدم في مواجهة التخلف، وباسم النهضة في مواجهة الانحطاط، وباسم ~~الهوية ضد التغريب، باسم جماهير الأمة، وباسم الأغلبية الصامتة، وباسم عامة المسلمين ~~يصدر «من العقيدة إلى الثورة» بناء على «العقل المصلحي» يجمع بين «علم أصول الدين» ~~وبين «علم أصول الفقه» ليعيد وحدة «علم الأصول» بشقيه. # وفي مرحلة ثانية، # 32 # انتقلت المقدمات الإيمانية من مجرد التعبير عن عواطف الإيمان إلى التركيز ~~على «التأصيل العقلي» للعلم خاصة، وأن علم التوحيد هو الذي يعطي التصورات ويقدم ~~المسببات والأسباب. # 33 # ونستمر أيضا في التأصيل العقلي دون وقوع في أخطاء التجريد أو التشبيه. # 34 # ولكننا نزيد على «التأصيل العقلي» عند المتأخرين «التأصيل الواقعي» عند ~~المعاصرين أسوة بالمصلحين المحدثين حتى يرتبط التوحيد من جديد بالعمل، والله بالأرض، ~~والذات الإلهية بالذاتية الإنسانية، والصفات الإلهية بالقيم الإنسانية، والإرادة ~~الإلهية بالحرية الإنسانية، والمشيئة الإلهية بحركة التاريخ، وإذا كان الدافع عند ~~القدماء هو العلم، فقد كانوا منتصرين في الأرض فاتحين للبلدان، وارثين الإمبراطوريتين ~~القديمتين، الفرس والروم، فإن الدافع لدينا هو العمل، فنحن مهزومون، محتلون، تتداعى ~~علينا الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها، تريد الدولتان العظميان اليوم، في الشرق ~~والغرب، وراثتنا ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ليس المهم لدينا هو فهم العالم كما كان عند ~~القدماء بل تغييره وتطويره والسيطرة عليه، لقد عبرت المقدمات التقليدية الأولى عن ~~واقع العلم والمناقشات النظرية في عصر كان الواقع الفعلي مستورا: البلاد مفتوحة، ~~والجنود منتصرة، والدول قائمة مستقلة، وكان الخطر يتهدد العقائد النظرية الجديدة؛ أي ~~التوحيد، ولقد تغير الوضع الآن فأصبح الخطر على الأرض بعد أن احتلت البلاد، ~~واستعمرت الأوطان، واثاقل ms015 الناس إلى الأرض، وقعدوا عن الجهاد في حين أن التوحيد ~~النظري قائم، وصفات الله ظاهرة، وهو واحد حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، يهدف التأصيل ~~الواقعي إذن إلى إعادة بناء «علم أصول الدين» بحيث تتحول العقيدة إلى ثورة للدفاع عن ~~البلاد، وإطلاق التوحيد من عقاله، وإيقاظه من سباته، وتحويله إلى فاعلية في الأرض، ~~وحركة في التاريخ. # 35 # وإذا كانت المقدمات التقليدية بلا استثناء قد جعلت هدفها الدفاع عن العقيدة، فقد كان ~~الدفاع في معظم الأحوال دفاعا عن عقائد فرقة معينة هي فرقة أهل السنة ضد أهل البدعة، ~~ولكننا لا ندافع عن عقائد فرقة بعينها، بل نعيد تأصيل التوحيد كما ورثناه من القدماء ~~وبعد عرضه على ظروف العصر دفاعا عن مصالح الأمة. ليس الغرض من التأصيل العقلي المصلحي ~~هو الهجوم على «الملحدين»، والدفاع عن عقائد الدين، بل إيجاد البراهين على الصدق ~~الداخلي للعقائد عن طريق التحليل العقلي للخبرات الشعورية الفردية والجماعية، وبيان طرق ~~تحقيقها من أجل إثبات الصدق الخارجي لها وإمكانية تطبيقها في العالم، # 36 # فإذا كان هدف القدماء إثبات عقائد «الفرقة الناجية» ضد «الفرق الضالة»، فإن ~~هدفنا هو الدفاع عن اجتهادات الأمة كلها، ووضع العقائد كلها على قدم المساواة ومعرفة ~~كيف نشأت في ظروف العصر القديمة وكيف يمكن أن تحيا في ظروف العصر الجديدة، إذا كان هدف ~~القدماء هو بيان «الفرق بين الفرق» فإن هدفنا هو «الجمع بين الفرق» في وقت الأمة ~~فيه أحوج ما تكون إلى الوحدة الوطنية، إذا كان هدف القدماء بيان «مقالات الإسلاميين ~~واختلاف المصلين»، فإن هدفنا هو بيان «مقال المسلمين واتفاق المصلين»، إذا كان هدف ~~القدماء عرض «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»، فإن هدفنا هو الكشف عن عقيدة الأمة ~~وكيفية استعمالها من كافة قواها الاجتماعية والسياسية ولصالح من يتم تأويلها وفهمها واستخدامها. # 37 # وإذا كان القدماء قد اتبعوا نهج الالتزام بقواعد السلف، وبما قاله السابقون، ينقلون ~~عنهم، ويهمشون عليهم، ويشرحون عقائدهم دون تجديد أو إضافة حتى أصبح علم أصول الدين لا ~~يقص تاريخ الأمة، ولا يعكس ms016 صورة الأحداث فإن نهجنا هو عدم التأسي بأحد، قدماء أو ~~محدثين، «هم رجال ونحن رجال، نتعلم منهم ولا نقتدي بهم»، وإذا كان القدماء قد آثروا ~~الإتباع دون الإبداع فإننا نرى مأساتنا في الإتباع لا في الإبداع، وأن هناك فرقا بين ~~الابتداع والإبداع؛ الأول خروج على النهج بلا أصول، والثاني تطوير للأصول وتجديد لها، ~~الأول انقطاع بلا تواصل، والثاني تواصل بلا انقطاع. ليس السلف بأفضل من الخلف ~~بالضرورة ولا الخلف أشر من السلف بالضرورة، ولكن لكل عصر اجتهاداته، ولكل جيل ~~إبداعاته، ولكل زمن سلبياته وإيجابياته، ولكن رؤية الماضي كنموذج للإتباع ورؤية ~~المستقبل كنموذج للإبداع كلاهما إسقاط للحاضر من الحساب، وفي ذلك إهدار للإمكانيات ~~البشرية لجيلنا وكأن الحل يوجد خارج عصرنا إما في فردوس الماضي أو في حلم المستقبل، ~~وكلاهما طريقان وهميان للخلاص، وذلك ضد حركة التاريخ ومساره، وتطوره على نحو طبيعي من ~~الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل بفعل الأجيال، وطالما أن القدماء لهم الطول ~~على المحدثين فإن الأمة لم تحسم بعد في حياتها معارك النهضة، ولم تحصل بعد على شروط ~~التقدم، بل إن بعض القدماء يضع لفظ «السلف» أو «السنة» في العنوان إيثارا للسلامة، ~~وتحقيقا للإتباع، سواء من المؤلفين أو من الناشرين، ونحن لا نعتمد إلا على البحث الحر، ~~والإيمان بقدرات الأمة على الإبداع، وتطبيق العقل المصلحي في العقائد، فهي إيمان ~~الجماهير والتي تعطيهم تصوراتهم للعالم ودوافعهم على السلوك، كما فضل بعض القدماء ذكر ~~سند الرواية وكأن العقائد أحاديث تروى من شيخ إلى شيخ بالقراءة والإجازة والمناولة إلى ~~آخر ما هو معروف من مناهج الرواية الكتابية القديمة. # 38 # فإذا كان القدماء قد جمعوا ما في الكتب السابقة المتفرقة وكان التأليف هو التجميع، ~~فإننا نجتهد رأينا من واقع المسئولية، مسئولية الأصوليين الواضعين للعلم والمطورين له. # 39 # لذلك ارتبط «من العقيدة إلى الثورة» بالعقائد الإصلاحية فهي وحدها ~~التي تركز على دور العقائد في تغيير حياة الناس، ~~تصوراتهم وأساليب حياتهم من أجل تغيير الأنظمة الاجتماعية والسياسية وإعادة نظام ~~التوحيد، بل لقد تأسست ms017 دول بأكملها ابتداء من إعادة بناء العقائد، وإن مظاهر الشرك ~~في حياة الناس عديدة ليس فقط زيارة قبور الأولياء والأنبياء، والتبرك بالحجابة ~~والتميمة وممارسة السحر، والرجم بالغيب، والوساطة والشفاعة، وهو الشرك في العبادات، بل ~~أيضا الشرك في المعاملات ووجود مجتمع به أغنياء وفقراء، قاهرون ومقهورون، أصحاب سلطة ~~ومتزلفون منافقون، أو أن يظن إنسان أن لإنسان آخر سلطانا عليه فيمدحه ويداهنه، أو ~~يجبن ويخاف ويسكت على الحق حرصا على الدنيا وإيثار السلامة، ولا يكفي الشرك في العقائد ~~النظرية ابتداء من الغزو الثقافي الحديث إثر حركة الترجمة الثانية وضرورة الرد عليها ~~بالاعتماد على العقائد السلفية والرد على نتائج العلوم الطبيعية والإنسانية الحديثة؛ ~~فذلك نسيان لهموم المسلمين العملية، وإبقاء على النظر دون العمل وإعطاء الأولوية ~~للمستوى النظري القديم على المستوى العلمي الحديث. # 40 # وقد بدأنا بعلم أصول الدين كأول جزء من «التراث والتجديد»؛ لأنه هو العلم الذي يمد ~~الجماهير بتصوراتها للعالم وببواعثها على السلوك، فهو البديل لأيديولوجياتها السياسية ~~خاصة بعد فشل جميع الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، # 41 # فعقائد الإيمان هي التي حافظت على هوية ~~الجماهير وعلى الشخصية الوطنية للبلاد إبان نضالها ضد الاستعمار، وعبارات الإيمان هي ~~التي تخرج على اللسان في لحظات الحسم، مثل: «الله أكبر» أو «سبحان الله» أو «لا إله إلا ~~الله» عند المصابين أو «الله، الله» في لحظات العجب والاستحسان، أو «لك يوم يا ظالم» في ~~لحظات الإحساس بالقهر والعجز عن الظلم. فما سماه القدماء «أرفع العلوم وأعلاها» أو ~~«أشرف العلوم وأسماها» هو عندنا أكثر العلوم فاعلية وأثرا في تصورات الناس وسلوكهم، ~~فالشرف ليس من الموضوع كما قال القدماء، بل من الأثر والقدرة على تحريك الناس، وتجنيد ~~الجماهير والدخول في حركة التاريخ. # 42 # وإذا كان القدماء قد وضعوا عقائدهم بناء على سؤال الأمراء والسلاطين، أو بعد رؤية ~~صالحة للولي أو للنبي، أو بعد استخارة لله، فإننا وضعنا «من العقيدة إلى الثورة» دون ~~سؤال من أحد أو رؤية أو استخارة، بل تحقيقا لمصلحة الأمة وحرصا على وحدتها الوطنية ~~بعد أن أصبحت شيعا ms018 وفرقا في نضالها الوطني وتغيرها الاجتماعي، خاصة بين أنصار التراث ~~وأنصار التجديد، بين الحركة السلفية والحركة العلمانية، وهما الاتجاهان الرئيسيان في ~~جسد الأمة، بدلا من التكفير المتبادل، والصراع على السلطة، واستبعاد كل منهما الآخر؛ ~~فعقائدنا هي حركة الوصل بين جناحي الأمة، والتي من خلالها يستطيع التراث السلفي أن ~~يواجه قضايا العصر الرئيسية، كما يستطيع العلماني التقدمي (الليبرالي أو الاشتراكي أو ~~القومي) أن يحقق أهدافه ابتداء من تراث الأمة وروحها، فيأمن الأول المحافظة ~~والرجعية، ويأمن الثاني الوقوع في التغريب والعزلة عن الناس، يأمن الأول الخروج على ~~المجتمع سرا أو علنا ومعاداة الأهل والوطن، ويأمن الثاني الانتهاء إلى الردة والوقوع ~~في الثورة المضادة، وهذا ما يبرهن عليه واقعنا المعاصر، سواء في موقف الحركة الإسلامية ~~منه أو في انتكاسة الثورة العربية وردتها. # 43 # والغالب على أسماء مؤلفات العقائد التقليدية إما أسماء العلم والتبيين أو أسماء ~~الجدل والإرشاد، أو أسماء تدل على القدرة الشخصية الفائقة أو التواضع الشديد أو أسماء ~~محايدة لتأصيل الدين وشرح أصوله أو أسماء تبين العقائد الناجية طبقا لتصور أصحابها، ~~أو بعض الأسماء التي لا تدل على مسمياتها. # 44 # أما اسمنا فهو: «من العقيدة إلى الثورة»؛ فالعقيدة هي التراث والثورة هي ~~التجديد، العقيدة هي إيمان الناس وروحهم، والثورة مطلب عصرهم، والسؤال هو: كيف يتم نقل ~~الأمة على نحو طبيعي من الماضي إلى الحاضر؟ كيف تعود إلى التوحيد فاعليته في قلوب الناس ~~ليعود نظاما سياسيا لمجتمعاتهم؟ كيف تصبح العقيدة باعثا ثوريا عند الجماهير ~~وأساسا نظريا لفهمهم للعالم؟ كيف يتحول مسلمو اليوم إلى ثوار الغد بعد أن بدءوا ~~ثوراتهم الوطنية العلمانية المحدثة والتي حققت أقل قدر ممكن من الاستقلال، وهو جلاء ~~القوات الأجنبية، ولكن ما زالت الأرض محتلة، والثروات ضائعة، والاقتصاد تابعا، ~~والأبنية متخلفة، والهوية مغتربة، والحريات مقهورة، والأمة مجزأة، والجماهير عاجزة؟ ~~كيف يصبح التوحيد، وهو اسم فعل، تحريرا للوجدان البشري، وتحررا للمجتمعات البشرية ~~وللإنسانية جمعاء؟ # 45 # أما من حيث الألقاب التي تبارى فيها القدماء مدحا لأنفسهم أو تعظيما ~~من الآخرين لهم، فلست ms019 الإمام، ولا القطب، ولا الشيخ، ولا القاضي، ولا الرئيس، ولا ~~العالم العلامة، الحبر الفهامة، ولا الصاحب، ولا الحافظ، ولا المحدث، ولا المحقق، ولا ~~العالم، ولا الأستاذ، ولا المرجع، ولا سيدنا ومولانا! كما أني لست إمام العالمين، ولا ~~قدوة علماء المسلمين، ولا سيف الحق والدين، ولا نجم الملة والدين، ولا فخر الدين، ولا ~~عضد الدين، ولا سيف الدين، ولا أفضل المتقدمين والمتأخرين، ولا سيف السنة، ولا لسان ~~الأمة، ولا حجة الإسلام، ولا صدر الإسلام، ولا شيخ ~~الإسلام، ولا لسان المتكلمين، حجة الناظرين مع فرق المبتدعين، ولا صاحب الفضيلة، ولست ~~العبد الفقير إلى رحمة ربه، الحقير الراجي من الله غفران الوزر. # 46 # بل أنا فقيه من فقهاء المسلمين أجدد لهم دينهم وأرعى مصالح الناس. ليس ~~لنا ألقاب، بل نحن من علماء الأمة، ورثة الأنبياء، والمحافظون على الشرع كما كان ~~فقهاء الأمة من قبل، لا نريد مدحا ولا تعظيما كما ~~فعل القدماء، فقد أعطي نفس اللقب لأكثر من عالم وإمام، وأعطي للإمام والعالم أكثر ~~من لقب، وكثرت الألقاب قبل الاسم وبعده، يصحبه دعاء حتى اختلطت الوظائف بالألقاب، ~~ويتساءل الإنسان: طالما أن في الأمة كل هؤلاء العلماء سيوف الدين، فلماذا احتلت ~~الأرض، ونهبت الثروات، وقهرت الحريات، وتجزأت الأمة، وتخلفت الأبنية الاجتماعية، ~~وتغربت الهوية، وسكنت الجماهير؟ ولا نريد أن نضيف إلى مئات الألقاب واحدا، إنما نحن ~~أحد علماء الأمة وواحد من المجتهدين. # وكما يستعين القدماء بالله، فإننا نستعين بقدرة الإنسان على الفهم والفعل، على النظر ~~والعمل بالاعتماد على النصوص القديمة وتجارب العصر، ولا عصمة لأحد، والخطأ خطئي وحدي، ~~فلا يستطيع الباحث أن يعي كل شيء، وأن يعرف كل تحليل، وأن يكون على علم تام بمطالب ~~العصر؛ ومن ثم فهي اجتهادات ومواقف محتملة، وكل التفسيرات ممكنة إذا كان فيها ~~تلبية لمطالب العصر. فلا توجد صحة نظرية بقدر ما هناك من فائدة عملية. # 47 # وإذا كانت أخطاء القدماء تتغير بالتوبة والاستغفار، فإن أخطاءنا تتغير ~~بالتعلم والاستفادة والمراجعة والنقد، ثم العود من جديد للقيام بنفس المهمة في تأصيل ms020 ~~جديد عقلي مصلحي لعلم أصول الدين على أساس من اجتهاد العصر، والاكتساب النظري والعملي للصواب. # 48 # وإذا كان القدماء يريدون ثوابا في الجنة أو إنقاذا من النار، فإننا نريد ~~صلاح الأمة؛ تحرير أراضيها، وإعادة توزيع ثرواتها بالعدل والمساواة، وإطلاق حرياتها في ~~القول والعمل والاعتقاد، وتوحيد شتاتها، والقضاء على تخلفها ، وإعادتها إلى هويتها من ~~غربتها، وتجنيد جماهيرها؛ نريد تحقيق الإصلاح في الأرض، ومقاومة الفساد فيها. # 49 # ولا أرجو مفازة، ولا أبغي جزاء، بل سير الحضارة بعد أن توقفت، ونقلها من ~~طور إلى طور، من الطور الثاني (من القرن السابع حتى الرابع عشر) إلى الطور الثالث ~~(ابتداء من القرن الخامس عشر)، مفازتي في تحمل المسئولية الوطنية والواجب الحضاري، ~~رسالة العلماء وأمانة الجماهير، لا أطلب ثوابا أخرويا ولا جزاء دنيويا، بل تأدية ~~الرسالة؛ فالرسالة تحتوي على جزائها في باطنها بتحقيقها، وتحول الإنسان من الفردية إلى ~~حياة الحضارة الجماعية، فيتحول الفرد إلى تاريخ، والزمان إلى خلود. # 50 # ونادرا ما تصدر عقائد القدماء عن تجربة شخصية أصيلة، فإذا حدثت فإنها تجربة شروح ~~وحواشي، فالمادة «الكلامية» محفوظة ومرصوصة، يتناقلها المصنفون أبا عن جد، وابنا عن ~~أب، وتلميذا عن شيخ، فهم مصنفون وليسوا مؤلفين، يرتبون ويبوبون مادة صماء لا ~~باعث فيها ولا هدف لها، وأقصى ما يوجد من تجارب شعورية وراء المؤلفات هي تجارب الشرح ~~قبل فوات العمر! # 51 # أما «التراث والتجديد»، وأولى تطبيقاته ~~هذه «من العقيدة إلى الثورة»، فإنه يمثل تجربة ~~العمر دون ما تجريد في العرض أو ادعاء لعلم؛ فالعلم لا يأتي إلا من تجربة، فردية ~~واجتماعية، تكشف عن تجربة جيل بأكمله، في عصر معين، في إحدى مراحل التاريخ، وموضوعية ~~الفكر لا تنفي حياة المفكر، بل إن حياة المفكر ~~وتجربته هي المحل الذي تنكشف فيه موضوعية العلم وشموله، وأرجو ألا تشغلنا زحمة ~~الحياة، والخوض في تجارب العصر، وعيش أزماته عن إعادة بناء العلوم القديمة، وتأسيسها من ~~جديد طبقا لمقتضيات العصر. # كانت تجارب القدماء في أغلبها صوفية، وفي أقلها علمية نظرية، وبالتالي خلت من أي ~~مضمون ms021 اجتماعي، وكيف يهتز العالم كله من مجرد تجربة ذوقية شخصية تعتلج في صدر صاحبها، ~~ويموج بها قلبه، ويهتز لها وجدانه؟ وقد يكون الإحساس بخلاص العالم على يد الشارح؛ ~~تعويضا عن إفلاس علمي حقيقي، أو تغطية لا شعورية عن هزائم العصر، وانهيار الحضارة، أما ~~تجاربنا نحن فهي اجتماعية بالأصالة، تجارب ذات مضمون، وضعناها في التراث، وقرأنا التراث ~~من خلالها فتحولت إلى فكر، وتحول التراث إلى تجربة، وتلك هي مقدمتنا لهذا الجزء ~~الأول من «التراث والتجديد» وهو «من العقيدة إلى الثورة»، محاولة لإعادة بناء علم ~~أصول الدين القديم. # يعبر مشروع «التراث والتجديد» عن تجربة العصر من خلال جيلنا على الأقل، ~~وهو جيل يكشف عن مسار التاريخ المعاصر في أحد مراحله الرئيسية، كما يعكس ~~الصراع الدامي الذي حدث بين «الإخوان المسلمين» التي كانت تمثل الحركة ~~الإسلامية المعاصرة وريثة الإصلاح الديني القديم من الأفغاني إلى محمد عبده إلى ~~رشيد رضا إلى حسن البنا إلى سيد قطب ثم إلي، وبين «الثورة المصرية» منذ ~~«عرابي» حتى «عبد الناصر»، كان أول وعيي بالعالم الحرب «العالمية» الثانية (إذ ~~إني من مواليد 1935م) وكانت عواطفنا ونحن صغار مع دول المحور؛ لأنها كانت ضد ~~بريطانيا التي تستعمرنا، ولم نكن ندري وقتها ماذا تعني النازية أو العنصرية، ~~وكان وعيي الثاني إبان حرب فلسطين 1948م عندما ذهبنا للتطوع في جمعية «الشبان ~~المسلمين» فطلبوا تحويلنا إلى حزب آخر «مصر الفتاة»، ويومها عجبت للفرقة ~~المذهبية في قضية وطنية، ثم دخلت «الإخوان المسلمين» في نفس العام الذي اندلعت ~~فيه الثورة المصرية في عام 1952م، طالبت أن يكون شعار الإسلام مصحفا ومدفعين ~~وليس مصحفا وسيفين، إعلانا للتحديث وتأكيدا على المعاصرة، وكنا مع الثورة ~~في صف «محمد نجيب» الذي دعا في جامعة القاهرة إلى الوحدة الإسلامية، ثم ~~اشتعلنا بثورة محمد مصدق بإيران وتأميم البترول، وهرب الشاه، وكانت أول صدمة ~~تراخى الإخوان في تأييدها، بل وتأييد الكاشاني! ثم حدثت أزمة مارس بين الإخوان ~~والثورة، وكان مشروع المعاهدة المصرية البريطانية أقل مما كانت تطالب به ~~الحركة الوطنية المصرية، كما ms022 انضممنا إلى الحركة الوطنية المصرية العامة التي ~~كانت تطالب بالحريات وبالدستور، ثم اشتعلنا من جديد بالثورة المصرية بعد تأميم ~~قناة السويس في يوليو 1956م، وظهر «عبد الناصر» ليس فقط كمناضل ضد الاستعمار، ~~بل كرمز لحركات التحرر في العالم الثالث كله. # بدأت الأفكار الأولى لمشروع «التراث والتجديد» إذن من أتون الصراع بين ~~«الإخوان» و«الضباط الأحرار»؛ أي بين «الإسلام» و«الثورة» أو بين «القديم» ~~و«الجديد» أو بين «الماضي» و«الحاضر»، خلال أربع سنوات حياتي الجامعية من ~~1952-1956م، واكتشاف توجيه الفكر للواقع، والطاقة والحركة والتغير والجدة ~~والحياة، حتى لقد حسبني أحد الأساتذة كانط أو برجسون، ومنه سمعت لأول مرة تكوين ~~الشعور والإحالة المتبادلة أو القصدية، وأنه يمكن لتجارب الشعور (الدينية ~~الصوفية عندي في ذلك الوقت) أن تتحول إلى علم. # Les methodes ~~d’Exégèse P. V-VI ~~. وفي فرنسا في أواخر 1956م تمت صياغة ~~«المنهاج الإسلامي العام» الذي يتكون من صورتين: الأولى ثابتة تصور ونظام ~~والثانية حركية طاقة وحركة مما انتهى بعد تعديلات طويلة، وتطور في وعي المنهج ~~برسالتي الأولى «مناهج التفسير في علم أصول الفقه» (بالفرنسية)، أولى محاولات ~~التراث والتجديد التطبيقية، وبعد عودتي من فرنسا في صيف 1966م شرعت في كتابة ~~المقدمات النظرية «أزمة الدراسات الإسلامية، التراث والتجديد، ص75-122»، ثم ~~وقعت هزيمة يونيو 1967م، وهنا تحولت من باحث نظري «أكاديمي» إلى باحث ~~اجتماعي، وانتقلت من «الوعي الفردي» الغالب على الرسالة الأولى إلى «الوعي ~~الاجتماعي» من أجل التصدي للهزيمة كمفكر وباحث وعالم (وكانت حصيلة ذلك: ~~«قضايا معاصرة (1): في فكرنا المعاصر»، و«قضايا معاصرة (2): في الفكر الغربي ~~المعاصر») لمدة ثلاثة أعوام، بعدها غادرت البلاد رغبة في الهدوء والنسيان، ~~وتهدئة الخواطر مع السلطات الجامعية والسياسية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية ~~(1971-1975م) جمعت مادة «من العقيدة إلى الثورة» لأول مرة، ثم كتبت «التراث ~~والتجديد» في 1976م كمقدمة عامة بعد أن نضجت في ذهني أزمة التغير الاجتماعي، ~~ولكن حدثت في 1977م الردة الثانية، وانقلاب الثورة المصرية إلى ثورة مضادة مما ~~جعلني أتحول مرة أخرى من باحث ومفكر وعالم إلى «حارس للمدينة» حرصا على ~~الثورة، ms023 وحماية لمكتسباتها، ودفاعا عن مشروعها، وظل ذلك على مدى أربع سنوات ~~أخرى في هذه المهام العاجلة والشهادات المستمرة على أحداث العصر (وكانت حصيلة ~~ذلك: «قضايا معاصرة (3): في الثقافة الوطنية»، و«قضايا معاصرة (4): في اليسار ~~الديني»). ثم جاءت مذبحة سبتمبر 1981م، وخروج اضطراري من الجامعة مما أعطاني ~~عاما كاملا لكتابة «من العقيدة إلى الثورة» للمرة الثانية، وبعد خلاص مصر من ~~أسوأ عقد في تاريخها؛ وهو عقد السبعينيات كتبت «من العقيدة إلى الثورة» للمرة ~~الثالثة في فاس بالمغرب الأقصى خلال عام 1983م بعد أن برزت الحركة السلفية في ~~المشرق كوريث للحركة الإصلاحية الدينية وكبديل للثورات العربية وللحركة ~~العلمانية التقدمية بوجه عام، وبعد رصيدها في تخليص مصر، وعلى هذا النحو يكون ~~«من العقيدة إلى الثورة» قد استغرق عشرة أعوام مثل رسالتنا الأولى عن «مناهج ~~التفسير»، وكم في العمر من عشرات الأعوام؟ لذلك أرجو أن تتوالى أجزاء «التراث ~~والتجديد» تباعا، بعد أن شهدنا على أحداث العصر بما فيه الكفاية، الهدف الآن ~~تنظيرها وإحكامها وتحويلها إلى علم محكم، ويكفي «اليسار الإسلامي» كمنبر عام ~~لبيان كيفية الانتقال «من العقيدة إلى ~~الثورة» ~~⋆ # قد أشفعها جميعا بسيرة ذاتية وقد أترك «التراث والتجديد» يحكي قصة ~~حياتي. ~~⋆ # انظر ~~أيضا باقي الظروف في: التراث والتجديد، ص216. # | الباب الأول: المقدمات النظرية # | الفصل الأول: تعريف العلم # | أولا: مقدمة # لا تحتوي كل المصنفات القديمة على هذه المقدمة العامة للعلم التي يتحدد فيها ~~تسميته، وحده، وموضوعه، ومسائله، ومنهجه، ومرتبته، وفائدته، ووجوبه. أسقطتها كتب ~~العقائد من الحساب إذ لا يهمها الحديث عن العلم بقدر ما يهمها فرض ما يجب على ~~المسلم الاعتقاد به بصرف النظر عن أسس هذا الاعتقاد ومبادئه النظرية، مع أن تحديد ~~العلم جزء من تأسيس العلم. # 1 # كما تغيب عن كتب «عقائد السلف» التي يهمها أيضا صياغة العقائد السلفية ~~باعتبارها عقائد الفرقة الناجية. # 2 # كما أنها لم تظهر في المصنفات الكلامية الأولى قبل القرن الخامس الذي ~~اكتمل فيه بناء العلم، وقبل أن يأخذ نفسه موضوعا. # 3 # ظهرت بعض موضوعات المقدمة مثل وجوب العلم ومنهجه، ms024 وأصبح لها مكان ~~الصدارة على باقي الموضوعات كلها. # 4 # كما ظهرت مرتبة العلم في ثنايا المقدمات الإيمانية الأولى، # 5 # ولكن ظهرت المقدمات كلها ابتداء من القرنين السابع والثامن، مرورا ~~بالحركة الإصلاحية، واستمر الحال على هذا النحو حتى الكتب المدرسية المتأخرة، # 6 # فإذا ظهرت في المتن فإنها تظهر أيضا في شروحه وحواشيه، # 7 # وقد لا تظهر في المتن ولكنها تظهر في الشروح والحواشي كنوع من التطويل ~~وجمع المعلومات. # 8 # وبالرغم من أهمية هذه المقدمة فقد اعتبرها بعض القدماء عارية عن العلم، ~~ولا يوجد علم بلا تحديد، وقد يكون أحد العلوم القديمة بلا موضوع ولا منهج وضارا ~~على الفرد والمجتمع، وهذا هو حال «علم الكلام»، فإنه من أكثر العلوم في تراثنا ~~القديم عرضة للهجوم والتحريم، ولا يوجد علم كثر حوله النزاع، واشتد الخلاف مثل هذا ~~العلم، وقد يكون هذا الغياب أو الحضور العشوائي لتعريف العلم وتحديد موضوعه واختيار ~~منهجه هو ما ترسب في عقليتنا المعاصرة من الحديث عن موضوعات لا وجود لها أو الصمت ~~عن موضوعات موجودة، وقد نتحدث عن أشياء دون حدها، فتظل فضفاضة يستعملها الكثيرون ~~بمعان مختلفة، وقد نستعمل أسماء دون أن يكون لها مسميات، وبالتالي نتعامل مع حدود ~~فارغة بلا مضمون. # 9 # | ثانيا: تسميته # اختلفت آراء القدماء حول تسمية هذا العلم، هل هو «علم الكلام» أو «علم التوحيد» ~~أو «علم الذات والصفات» أو العلم الذي يدور حول «الله والرسول» كما هو واضح في ~~الشهادتين، أو «علم أصول الدين» أو «علم العقائد» أو «الفقه الأكبر»؟ وقد كانت لكل ~~تسمية ظروفها وبواعثها وربما أهدافها، لم ينتشر الاسمان الأخيران كثيرا؛ «فالفقه ~~الأكبر» كان تسمية القرن الثاني حتى قبل أن يبدأ العلم كبناء نظري وليس كمجرد ~~نظريات متفرقة في بعض موضوعاته المتناثرة طبقا للظروف والأحداث، و«علم العقائد» ~~تسمية متأخرة متضمنة في «علم التوحيد»، أما الأسماء الثلاثة الأولى فهي الأسماء ~~الأكثر شيوعا. ~~(1) علم الكلام # بلغت أهمية موضوع «الكلام» الإلهي درجة ~~أنه أصبح الموضوع الأول للعلم، ولكون صفة الكلام من أكثر الصفات المتنازع عليها. # 1 ms025 # والحقيقة أن اعتبار «الكلام» موضوعا للعلم تجاوز عن موضوع العلم ~~ذاته، فالكلام أحد موضوعات العلم وليس موضوعه الأوحد، ولا يمكن أخذ أحد أجزائه ~~واعتباره موضوع العلم كله وهو التوحيد أو العقائد أو الدين، كما أن «الكلام» ~~ذاته موضوع جزئي من موضوع أشمل وأعم وهو موضوع الصفات، فهو الصفة السادسة من ~~صفات الذات السبع (العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الكلام، الإرادة)، ~~أما السؤال الذي من أجله تطايرت الرقاب وقضي على الحريات، وقاسى المفكرون ~~بسببه أشنع أنواع الاضطهاد وهو: هل الكلام قديم أم حادث؟ فإنه ينطبق على سائر ~~الصفات. لم يحدث النزاع في الكلام فقط حتى يكون الكلام هو موضوع العلم بل حدث ~~أيضا في الصفات وفي الأفعال، بل وفي الإلهيات وفي السمعيات كلها بابي العلم ~~الرئيسيين، كما وصل الخلاف إلى حد القتال وشق الأمة إلى فرق متنازعة متحاربة في ~~موضوع الإمامة، آخر موضوع في السمعيات؛ فاعتبار «الكلام» موضوعا للعلم ليس ~~بأولى من اعتبار الموضوعات الأخرى من موضوعات العلم كذلك؛ فهي ليست أقل أهمية ~~سواء من الناحية النظرية أو من الناحية العملية. # 2 # ويحتوي «الكلام» على التباس: هل هو صفة الله، قديمة أم حادثة، أم هو كلام ~~الله الذي أوحى به إلى الرسول، وهو القرآن الكريم؟ والأول لا علم لنا به إلا من ~~خلال الثاني، وبالتالي يكون الوحي من حيث هو كلام أي قرآن هو موضوع العلم كما ~~هو الحال في العلوم الإسلامية الأخرى، خاصة علوم القرآن والتفسير، أو حتى ~~العلوم النقلية العقلية مثل علم أصول الفقه وعلوم الحكمة أو علوم التصوف أو ~~العلوم الإنسانية مثل علوم اللغة والأدب، علم الكلام إذن هو علم «وضعي» يدرس ما ~~هو كائن، وهو القرآن، كتاب محسوس وملموس، ويخرج من هذا الالتباس الأول التباس ~~ثان، وهو أن هذا الكلام هل هو «كلام الله» باعتباره مصدر الوحي أو «كلام ~~الإنسان» باعتباره متلقي الوحي وقارئه بصوته، فاهمه بعقله، مدركه بتجربته، ~~محققه بإرادته؟ الكلام الأول لا يمكن معرفته معرفة مباشرة إلا من خلال الكلام ~~الثاني؛ وبالتالي يكون «كلام الإنسان» ms026 حديثا عن «كلام الله» في عقله وقلبه ~~وبلسانه وصوته، يكون حديثا عن ~~الله # Discours sur Dieu # وليس حديثا من ~~الله # Discours de Dieu ~~، وفي هذه الحالة يمكن للكلام باعتباره الوحي الموجود ~~أمامنا المقروء بصوتنا، المتلو بلساننا، المكتوب بأيدينا، المرئي بأعيننا، ~~المحفوظ في صدورنا، المفهوم بعقولنا والمؤثر في حياتنا، وليس الكلام كصفة لذات ~~مشخصة بل كموضوع موجود بالفعل في وحي؛ أي في معطى تاريخي مدون وملموس، محدود ~~ومتعين - يمكن لهذا الكلام أن يكون موضوعا للعلم بل لعدة علوم منها: علم النقد ~~التاريخي، وهو العلم الذي يدرس صحة الكلام في التاريخ، طرق ضبطه، ووسائل نقله، ~~شفاهيا كما حدث في علم الحديث أو كتابة كما حدث في علوم القرآن. # 3 # علم القراءات واللهجات، وهو العلم الذي يدرس كيفية قراءة القرآن ~~وضمان عدم وقوع اللحن فيه، وهو ما قد يكون أولى مراحل التحريف عمدا أو عن غير عمد. # 4 # علوم اللغة من أجل ضبط الكلام ومعرفة التركيب اللغوي لعبارات الوحي ~~حتى يمكن فهم معناه؛ فاللغة أحد وسائل الفهم، وإليها تنضم علوم البلاغة ~~للتعرف على النواحي الجمالية في أسلوب الوحي وتعبيراته، صوره وخيالاته. # 5 # علوم التفسير، وهي العلوم التي تحاول فهم النصوص والعثور على ~~المعاني، إما بالرجوع إلى اللغة أو إلى أسباب النزول أو إلى حوادث التاريخ أو ~~إلى تاريخ الأديان والعقائد السابقة ... إلخ؛ لذلك تكون التفسيرات لغوية أو ~~أخلاقية أو فقهية أو فلسفية أو عقائدية أو صوفية أو تاريخية أو علمية أو أدبية ~~أو اجتماعية، كل ذلك يتوقف على غاية المفسر ومنهجه واحتياجات عصره. # 6 # وإذا كان القدماء قد قاموا قدر طاقتهم وطبقا لظروفهم بجعل ~~«الكلام» موضوعا للعلوم القديمة المرتبطة باللغة، فإننا قد نكون أقدر على ~~جعله موضوعا للعلوم الإنسانية الحديثة، فباستطاعة علم النفس البحث عن الأسس ~~النفسية التي يقوم عليها الكلام، صياغة أو فهما أو تأثيرا في سلوك الأفراد ~~والجماعات، ويمكن لعلم الاجتماع البحث عن الأسس الاجتماعية التي عليها قام «علم ~~الكلام» ومعرفة الظروف الاجتماعية التي كانت وراء نشأته كما هو معروف في ms027 «علم ~~اجتماع المعرفة»، # 7 # ويمكن لعلم السياسة البحث عن نشأة علم الكلام في ظروف سياسية خاصة، ~~واستعمال الوحي لإفراز إما تراث للسلطة أو تراث للمعارضة كما هو واضح في ~~أدبيات الفرق، ومدى استمرار ذلك حتى الآن في علاقة السلطة بالمعارضة واعتماد كل ~~منهما، خاصة السلطة، على الموروث العقائدي القديم، وقد يجد كثير من المشاكل ~~الكلامية حلوله في مثل هذه العلوم الإنسانية، فهي موضوعات إنسانية، دراستها في ~~العلوم الإنسانية وبمناهجها، وليست موضوعات «لاهوتية» مقدسة تنبع من مصدر قبلي ~~وهو النص الديني أو ترتبط بذات مشخصة خارج الزمان والمكان ، وقد يكون تاريخ ~~«الإلهيات» وتاريخ التفسير مرآة تعكس الإنسانية عليه ظروف كل عصر تمر به أو ~~مشجبا تعلق عليه آمالها واحتياجاتها وطموحاتها التي تحققت أو التي لم ~~تتحقق؛ فهي جزء من «تاريخ الأفكار»، وتاريخ الأفكار جزء من التاريخ الاجتماعي. # 8 # وقد يعني «الكلام» المنهج وليس الموضوع، منهج التفكير أو منهج الحوار أو منهج ~~التأثير أو أسلوب التعبير، فعلم الكلام عند القدماء يورث القدرة على الكلام ~~في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، فالكلام بالنسبة للدين كالمنطق بالنسبة إلى الفلسفة. # 9 # وذلك قد يكون صحيحا، فالكلام منطق الدين، وفي هذه الحالة تكون ~~تسمية «علم أصول الدين» أفضل لأنها تشير إلى البحث عن أصول العقائد؛ أي الأسس ~~النظرية التي تقوم عليها، ويبقى «علم الكلام» تاريخا لعلم أصول الدين، أي ~~اجتهادات الأصوليين في إيجاد صياغات عصرية للعقائد تعبر عن احتياجات كل عصر؛ ~~فإذا كان «علم الكلام» هو تاريخ العقائد، فإن «علم أصول الدين» يكون هو الجانب ~~النظري فيه، إذا كان الأول أقرب إلى الوقائع يكون الثاني أقرب إلى الماهيات، ~~وقد تشتق التسمية خاصة من منهج الحوار، فالعلم «يتحقق بالمباحثة وإدارة ~~الكلام، وغيره يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب»، صحيح أن المنهج الغالب على ~~العلم هو الحوار والمناقشة، ولكن مادة الحوار مستقاة من الكتب، سواء القرآن أو ~~كتب المنطق والفلسفة، وكتب الحكماء الأولين بالإضافة إلى المنبهات الخارجية من ~~الوقائع الاجتماعية وحوادث التاريخ، كما أن الحوار أحد مظاهر الفكر وليس كل ~~نشاطاته؛ ms028 إذ تسبقه التجربة الحية، وصياغاتها الفكرية، ويتلوه التأثير على ~~السامعين ومحاولات فهمه، وقد تكون التسمية من شدة منهج الحوار، فأصبح علم ~~الكلام «أكثر العلوم خلافا ونزاعا، فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين ~~والرد عليهم»، وفي هذه الحالة يتحول الحوار إلى نقاش، والنقاش إلى خلاف، وهو ~~صحيح أيضا إلا أن الحوار أيضا أحد مظاهر نشاط أعم وهو الفكر الحي الذي يقوم ~~على تجارب وتفسير نصوص، وتحركه بواعث وأهداف ومصالح، كما قد ترجع التسمية إلى ~~قوة الأدلة حتى صار «هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للأقوى من ~~الكلامين هو الكلام»، وهذا غير صحيح لأن معظم أدلته ضعيفة يسهل الرد عليه ~~ومناقضتها بأدلة أقوى منها، وبالتالي فهو علم «لا يقنع الذكي، ولا ينتفع به ~~البليد»، ما أسهل نقد أدلة المتكلمين، بعضها بالبعض الآخر حتى تتكافأ الأدلة ~~حتى لقد أصبح من السهل إثبات الشيء ونقيضه من متكلم واحد أو من متكلمين مختلفين ~~طبقا للمزاج أو للمهارة أو للمصلحة، وقد ترجع التسمية إلى اعتماد الأدلة ~~العقلية على الأدلة السمعية وتأثيرها في القلب وقدرتها على الإقناع الحسي ~~التخييلي، فسمي بالكلام المشتق من «الكلم» وهو الجرح، وهذا صحيح فقط في ~~حالة توافر الإيمان، وافتراض الإيمان سلفا بموضوع البرهان، ولكنه غير صحيح مع ~~البرهان العقلي الخالص الذي لا يبدأ بالإيمان بل بالعقل وحده والذي لا يعتمد ~~على الحس والتخييل بل على الحجة والدليل، وقد تكون التسمية لأنه «أول ما يجب ~~من العلوم التي إنما تتعلم وتتعلم بالكلام، ثم خص به ولم يطلق على غيره ~~تمييزا»، والحقيقة أن كل العلوم تتعلق بالكلام موضوعا وحوارا وتعبيرا، ~~ولا يوجد دافع خاص على التخصيص، بل إن علوم اللغة قد تكون أولى بالتسمية لأنها ~~هي التي أخذت الكلام موضوعا لها، وقد تكون التسمية «لأن عنوان مباحثه كان ~~قولهم الكلام في كذا وكذا ...» والحقيقة أن هذا هو أسلوب القدماء في تبويب ~~الفصول، سواء في علم الكلام أو في غيره من العلوم، كما أنها عادة لا يتبعها كل ~~مصنفي العلم. # 10 # وأخيرا ms029 يصعب قبول هذه التسمية، «علم الكلام»، في حياتنا المعاصرة ~~نظرا لسيادة الكلام على مستوى الشعوب والقيادات، بل وربما التاريخ المعاصر ~~كله، وهي «العنتريات التي ما قتلت ذبابة»، حروب الإذاعات، وصحف المعارضة، ورفع ~~الشعارات، والواقع كما هو لم يتغير قيد أنملة حتى ليؤرخ لحياتنا المعاصرة ~~بتاريخ الخطب السياسية والبيانات الحزبية والبرامج السياسية باستثناء بعض مظاهر ~~المقاومة للمحتل في الأرض، مقاومة بطولية، كشهادات في التاريخ، وكقدوة فعلية ~~للجماهير والنظم، وكبلورة ممكنة لنضال أوسع، وكمؤشر حاضر على أن عشرات البيانات ~~عن حقوق الإنسان والتصريحات عن استنكار الضمير العالمي، وإعلانات لجان التحقيق ~~لن تمنع طفلا أو امرأة أو شيخا من أن يموت ذبحا، وما زلنا منذ فجر النهضة ~~الحديثة نصرخ: «ما أكثر القول وأقل العمل». # 11 # ونتهكم على شعوب الكلام، وثقافات اللغة، ومعلقات العصر الحديث على ~~أستار القدس! ~~(2) علم أصول الدين # وتشير هذه التسمية الثانية إلى أن مهمة العلم هو البحث عن «أصول الدين»، وهي ~~عند القدماء أصول عقلية يتم الحصول عليها عن طريق تأسيس العقائد في العقل، أصل ~~الدين في العقائد، وأصل العقائد في العقل، والعقل عند القدماء أيضا يشمل كل ~~شيء؛ الحس والعقل، الحدس والاستدلال، الاستنباط والاستقراء، المعرفة العقلية ~~والمعرفة التجريبية، المعارف النقلية وشهادات التاريخ. # 12 # لذلك يقرن «علم أصول الدين» بعلم آخر هو «علم أصول الفقه»، والعنصر المشترك ~~بينهما هو «الأصل»، وبلغتنا المعاصرة التأصيل، وهو البحث عن الأسس النظرية التي ~~يقوم عليها العلم، وفي نفس الوقت تكون هذه الأسس هي بناء الواقع ذاته وإلا كانت ~~مجرد افتراضات نظرية لا أساس لها في العقل أو في الواقع، التأصيل هو البحث عن ~~المبادئ الأولى للعلم # Axiomatique # وهي في نفس ~~الوقت القوانين التي تتحكم في بناء العلم، والعلاقة بين العلمين عند القدماء، ~~علاقة أصول النظر بأصول العمل؛ فأصول النظر موضوع «علم أصول الدين»، في حين أن ~~أصول العمل موضوع «علم أصول الفقه»، ولما كان الهدف من تأصيل النظر توجيه ~~السلوك يكون علم أصول الدين نظرية السلوك، ويكون علم أصول الفقه معيار السلوك، ~~علم أصول ms030 الدين يحدد التصورات للعالم، ويحدد رسالة الإنسان في الحياة، موقفه ~~من العالم، وعلاقاته بالآخرين، بينما علم أصول الفقه يعطيه مقاييس السلوك، ويصف ~~له كيفية تحقق الأفعال في مواقف معينة، فهو إذن علم معياري عملي في حين أن ~~علم أصول الدين علم نظري خالص، يكون نظرية المعيار وأساس القياس. # ويكون التقابل أحيانا بين «علم أصول ~~الدين» و«علم الفقه» دون توسط علم أصول الفقه، وفي هذه الحالة تكون مهمة علم ~~أصول الدين النظر ومهمة علم الفقه العمل، فإذا كان الفقه هو العلم العملي ~~الخالص الذي يصف أفعال الناس، ويقنن سلوكهم، وكان علم أصول الفقه هو العلم ~~«النظري العملي» الذي يعطينا نظرية العمل ومنطق السلوك ومناهج الفعل، فإن علم ~~أصول الدين هو العلم النظري الخالص الذي يضع الأساس النظري للسلوك، هو إذن ~~نظرية «النظرية العملية» أو علم «العلم العملي»، وبتعبير أبسط يكشف التقابل بين ~~علم أصول الدين وعلم الفقه عن أن علاقة التوحيد بالشريعة هي علاقة النظر ~~بالعمل، ولما كان النظر أصل العمل، فعلم أصول الدين أصل علم الفقه. # 13 # لذلك تقسم الفرق إلى أهل الأصول وأهل الفروع؛ وبالتالي يكون علم ~~أصول الدين هو علم الفرق في الأصول، وعلم الفقه هو علم الاختلاف في الفروع، ~~والأول أخطر من الثاني وأهم. # 14 # وكان نتيجة فصل العلمين عند القدماء إلى علم للأصول وعلم للفروع أن ~~لم يحدث أن تبين أحد كيف تخرج العلوم العملية من الأصول النظرية، بل قد تحول ~~التوحيد إلى عقائد نظرية مغلقة على نفسها، وكأنها حقائق مستقلة بذاتها وليست ~~أيضا دوافع للسلوك وبواعث على العمل، كما تحول الفقه إلى مجرد طاعة للأوامر ~~واجتناب للنواهي على نحو عملي خالص يصل إلى حد العادات والأعراف، مع أن المهم ~~في التأصيل أيضا هو كيفية خروج العمل من النظر، وتحقق النظر في العمل خاصة ~~وأن كليهما «علم الأصول»؛ ومن ثم تكون تفرقة القدماء بين الاعتقاديات باسم ~~التوحيد والعمليات باسم الفقه قد أدت إلى جعل الاعتقاديات مجرد إيمانيات ~~منفصلة عن العمليات دون أن يكون لها أي أسس ms031 عقلية، كما تجعل العمليات مجرد ~~عبادات وشعائر تتم ممارستها بالعادة والتكرار، وكيف تكون العقائد كلها نظرا لا ~~صلة لها بالعمل، ويكون الفقه وحده هو العمل لا صلة له بالنظر؟ وبالرغم من ~~محاولة القدماء الربط بين الاثنين عن طريق الصلة بين اليقين والظن، وهي صلة ~~نظرية منطقية خالصة؛ فالأصول يقينية يمكن الاستدلال عليها والبرهنة على صدقها، ~~والفروع ظنية لأنها مجرد اجتهادات عملية لتحقيق مصالح الناس إلا أن الصلة ظلت ~~أيضا مبهمة، فكيف يخرج الظن من اليقين؟ وإذا كانت الأصول النظرية يقينية لأنها ~~الأسس التي تعتمد على اتساق العقل وقوانين المنطق، وكانت التطبيقات العملية ~~ظنية لأنها الفروع التي تقوم على المصلحة التي قد تختلف من فرد إلى فرد، ومن ~~جماعة إلى جماعة، ومن مكان إلى مكان، ومن عصر إلى عصر، فكيف يكون أساس العمل ~~يقينا ويصدر عنه عمل ظني؟ كيف يمكن من هذه الأسس النظرية الواحدة التي لا ~~تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا تختلف باختلاف الشعوب والأوطان استخراج ~~عمليات تختلف باختلاف الزمان والمكان، وباختلاف الشعوب والأوطان؟ # 15 # إن أهمية «الأصل» هو في البحث عن ~~الأساس، والأساس في «العقل المصلحي» الذي يجتمع فيه علم أصول الدين وعلم أصول ~~الفقه أو علم الفقه، العقل المصلحي هو الذي يجمع بين العقل النظري والعقل ~~العملي، لقد أدى الفصل بين العلمين في حياتنا المعاصرة إلى الفصل بين العقيدة ~~والاستدلال؛ وبالتالي غياب التأصيل في العقل وتحول العقائد إلى عواطف إيمانية ~~خالصة تعوضنا عن نقص العمل وانزوائها في دائرة الوجدان، وانغلاقها وتحولها ~~إلى شيء بدلا من انفتاحها على العالم كبواعث للسلوك، ومقاصد للفعل، كما أدى ~~إلى توقف الاجتهاد في العقيدة وحصره في الشريعة وحدها، واعتبار أن العقائد لها ~~أسس واحدة ثابتة لا تتغير مما أدى إلى ضمورها وقدمها وعدم تعبيرها عن واقع ~~الأمة وظروفها الراهنة، ثم حدث الفصل بين العقيدة والمصلحة، وتحولت العقائد إلى ~~بدائل عن المصالح، وضاعت مصالح الناس ولم ترعها إلا الحركة العلمانية التي نشأت ~~أساسا بسببها وكرد فعل على العقائد الإيمانية اللاعقلية الفارغة من أي مضمون، ms032 ~~وقد أدى ذلك كله في النهاية إلى فصل النظر عن العمل، وبقاء العقيدة دون شريعة ~~فضاعت الشريعة، ولم تغن عنها العقيدة شيئا، وما دامت العقائد مقدسة من الله ~~والشريعة لصالح الإنسان فقد انتشر في عقليتنا الفكر «اللاهوتي» وغاب الفكر ~~الإنساني المصلحي، فتأكدت محورية الله وهامشية الإنسان. ~~(3) علم التوحيد # وتشير هذه التسمية إلى أول عقيدة وأشهرها، وهي عقيدة التوحيد، وحينئذ يكون ~~السؤال: هل التوحيد نظر أم عمل؟ هل هو عدد الآلهة وأنها واحد، أم أنه تحقيق ~~لتصور الوحدانية في العالم؟ الحقيقة أن التوحيد قد يكون علما وقد يكون عملا، ~~وعلم التوحيد هو الأساس النظري للعمل، وعمل التوحيد هو توحيد الشعور ثم توحيد ~~المجتمع ثم توحيد العالم في نظام واحد هو نظام الوحي؛ فالعالم هو نظام العالم، ~~التوحيد فعل من أفعال الشعور يضع ذاته من حيث هو شعور متوحد ومهيئ إلى تصور ~~وحداني للعالم، التوحيد إذن ليس عقيدة بمعنى أنه ليس تصورا نظريا فحسب، بل ~~هو «عملية توحيد»، والاسم نفسه «توحيد» اسم فعل وليس اسما مجردا فارغا أو ~~حسيا يشير إلى شيء، يدل على عملية ولا يدل على جوهر ثابت كما هو الحال في ~~«واحد» من «فاعل»، التوحيد فعل من أفعال الشعور تتوحد فيه قواه وأبعاده ~~ومستوياته نحو ماهية واحدة مطلقة وشاملة، عامة ومجردة، خالصة ومنزهة، وقد حاولت ~~معظم الحركات الإصلاحية الحديثة من قبل إعطاء الأولوية للتوحيد العملي على ~~التوحيد النظري، وتحويل التوحيد إلى طاقة فعالة لتوحيد الشعور الفردي ولجمع ~~شتات الأمة. # 16 # ويقرن باسم «التوحيد» أحيانا اسم «الصفات» فيكون اسم العلم هو «علم التوحيد ~~والصفات»؛ لأن هذا الموضوع أشرف موضوعات العلم، ولأن الصفات هي لب عقيدة ~~التوحيد. والحقيقة أن موضوع الذات والصفات عند القدماء هو لب التوحيد ووصف ~~الذات الكاملة وأوصافها المطلقة، ولكن خطأهم وقوعهم في التشخيص والتثبيت ~~والتحجير والتشيؤ والصنمية والسكون والوثنية في حين أن الذات تكشف عن ~~الوعي الخالص والصفات عن المثل العليا التي يحاول الإنسان تحقيقها في حياته ~~العملية؛ ومن ثم فالذات والصفات تشير إلى الأسس النظرية للسلوك؛ ms033 أي ~~الأيديولوجية التي جاء بها الوحي من أجل تطبيقها في الحياة العملية والتي يجد ~~فيها العالم نفسه في نظامه الأمثل المطابق للعقل والطبيعة، وكان نتيجة تشخيص ~~القدماء للذات والصفات وخروجها من الوعي الخالص وقيم السلوك أن ظهر التناقض ~~الصارخ بين التوحيد النظري والسلوك العملي للأمة أفرادا وجماعات؛ الذي يغلب ~~عليه التشتت والتجزيء والتشرذم؛ ففي حياة الإنسان الفردية انفصم الفكر عن ~~الوجدان عن القول عن العمل فحدث النفاق والجبن وأصبح الفرد مزدوج الشخصية، ~~وبدت مظاهر الازدواجية في حياتنا الثقافية بين الثقافة الدينية والثقافة ~~العلمانية، وفي الحضارة بين التقليد والتجديد، وفي السياسة بين الشرق والغرب، ~~وفي الاجتماع بين المحافظة والتقدمية، وفي الاقتصاد بين الرأسمالية والاشتراكية. # 17 ~~(4) الفقه الأكبر # وهي تسمية لم ترد كثيرا إلا في نشأة العلم ولم تستمر طويلا بعد تطوره ~~واكتماله، وتشير إلى العقائد باعتبارها الفقه الأكبر في مقابل الفقه الأصغر وهي ~~العمليات، وهي توحي بأن النظر أكبر من العمل وأن العمل أصغر من النظر، صحيح أن ~~لفظ الفقه يشير إلى الفهم ولكن لفظ الأكبر يشير إلى أن العلم نظري في حين أن ~~الفقه الأصغر علم عملي وذلك يوحي إما بانفصال النظر عن العمل أو بأن النظر ~~أعلى من العمل، كما أن التسمية ما زالت مرتبطة بالفقه ولا تشير إلى استقلال ~~العلم عن باقي العلوم، وكأن الفقهاء هم واضعوه كفرع من علم الفقه، بل إن ~~مضمونها لم يعش في عقليتنا المعاصرة كما لم يعش كتسمية فقد توارى الفقه؛ أي ~~الفهم والعقل، فتوقف الاجتهاد، وعم التقليد، وتحولت العقيدة إلى إيمان ~~خالص مكتف بذاته، فالأكبر لا يحتاج إلى الأصغر في شيء. # 18 # تبقى إذن ميزة تسمية «علم أصول الدين» لأن به لفظ علم والتركيز على ~~أننا بصدد العلم وليس الإيمان، كما أن به لفظ «أصل» للدلالة على أننا بصدد ~~تأصيل العلم وتأسيسه وليس مجرد القبول والتسليم بالعقائد. ~~(5) علم العقائد # وهو أقل التسميات ذيوعا، ولا توجد إلا في المعاهد الدينية التي تقوم على ~~مناهج التسليم والقبول والتي أسقطت النظر من الحساب، لم يستبقها ms034 التراث كما ~~استبقى علم الكلام وعلم أصول الدين. # 19 # والحقيقة أن أهم ما يميز الوحي في آخر مراحله واكتماله هو أنه لا ~~يحتوي على عقائد # Dogma # أو على نسق من ~~العقائد # Crédo # كأشياء مستقلة بذاتها لا ~~تقبل التغيير والتبديل، تطابق حوادث تاريخية وقعت بالفعل كما هو الحال مثلا في ~~العقائد المسيحية. العقائد في مرحلة اكتمال الوحي تصورات للعالم أو نظريات تكون ~~أساسا للسلوك، يمكن التحقق من صدقها من خلال التجارب الحية في الحياة ~~اليومية للأفراد والجماعات، في الحاضر وعلى مسار التاريخ، العقائد أفعال للشعور ~~نظرية وعملية وليست «أشياء» موجودة في التاريخ وحوادث وقعت فيه بالفعل، هي ~~بواعث على السلوك وليست حقائق مستقلة لها وجودها المنفصل عن موجهات السلوك، إن ~~تحويل العقائد كلها من العمل إلى النظر لهو خروج عن القصد من العقائد، فالعقائد ~~ليست نظريات بقدر ما هي دوافع للسلوك، وبواعث على العمل، العقائد تكون نواة ~~أيديولوجية كاملة: نظرا وعملا، فكرا وسلوكا، يتحول فيها التصور إلى ~~نظام، والعقيدة إلى شريعة، # 20 # ومن المستحيل تقنين الاعتقاد أو تحويله إلى عقائد، فالاعتقاد ليس ~~غاية في ذاته بل هو وسيلة للتأثير في الحياة العملية، الاعتقاد وظيفة سلوكية لا ~~حقيقة نظرية أو صياغة لغوية أو واقعة تاريخية مستقلة بذاتها، الاعتقاد لا يتحدث ~~عن أشياء بل يوجه سلوكا، هو الدافع على الفعل، والباعث على العمل، والجامع ~~للنية، والمحقق للقصد، والمحرك للإنسان، الاعتقاد جهد، ولا يمكن تصوير ~~الجهد بالعقل أو التعبير عنه بالمنطق. ليست العقائد أشياء ثابتة بل مقاصد عامة ~~تحقق منافع الناس وتدبر معاشهم، لم تكن العقائد في نشأتها، وبداية إعلانها ~~عقائد نظرية بل بواعث على السلوك، ولم تنتقل من العمل إلى النظر إلا بعد توقف ~~العمل والبدء في التساؤل النظري عن أساس العمل، ظهر علم العقائد بعد أن ~~توقفت ممارسة العقائد ولم تعد موجهة للسلوك، تظهر ناتئة عنه، طائرة فوقه، ~~فإذا نقص التوجه نحو الأرض ظهر الانعراج نحو السماء، والذي يحقق الله في الحياة ~~العملية لا يسأل عن معنى الله، والذي يمارس حريته في ms035 التاريخ لا يسأل عن معنى ~~الجبر والاختيار، والذي يجعل نفسه مسئولا عن الخير والشر في العالم لا يفترض ~~مسئولية الله عنهما، تحضر العقيدة النظرية في غياب الممارسة العملية. ليس العمل ~~إذن هو ضعف في التأمل، ولكن التأمل ضعف في العمل. # 21 # لذلك أدى «علم العقائد» أو علم الكلام إلى نتائج خطيرة بالنسبة ~~للوحي والإنسان والمجتمع والواقع والتاريخ، تحول التوحيد من مستوى العمل إلى ~~مستوى النظر، وكل تحول من العمل إلى النظر ضمور في التوحيد، كان التوحيد في ~~أول تمثله توحيدا عمليا، ولم تطرح المسائل طرحا نظريا إلا بعد أن ضمر ~~الفعل فتصرفت الطاقة في التساؤل النظري، وكلما ضمر الفعل زادت حدة التساؤل، ~~وتطايرت الرقاب من أجل النظريات في «ذات الله» بعد أن كانت تتطاير من أجل ~~الجهاد في سبيل الله، لم تكن هناك نظرية في التوحيد ساعة تمثله الأول، بل ~~كانت هناك «عملية توحيد» أي تحويل الواقع إلى مثال، وتحويل المثال إلى واقع، ~~فالوحي نظام مثالي للعالم، والعالم نظام طبيعي للوحي حين تزدهر الطبيعة أو ~~يستوي الواقع، لم يوجد «علم العقائد» في الجماعة الأولى لأن التوحيد كان ~~عمليا لا نظريا، التوحيد عملية توحيد بين الفكر والواقع وليس نظرية توحيد ~~بين الممكن والواجب، ولا يعني انتشار ثقافات أخرى في الحضارة الناشئة أي تغيير ~~في الجهة، وتحويل للتوحيد من العمل إلى النظر، فالمعركة الفكرية النظرية ليست ~~بديلا عن المعارك العملية الاجتماعية والسياسية. # 22 # والخطورة أكبر إذا ما تم وضع «علم العقائد» في إطار علم تاريخ الأديان أو في ~~تاريخ الفكر البشري؛ وبالتالي تضيع خصوصية «علم التوحيد» كنمط جديد لعلم ~~العقائد، فالعقائد لها معنى نمطي في تاريخ الأديان، وهي أنها ضد العقل، فوق ~~العقل، سر لا يمكن إدراكه بالعقل، بل إنها على نقيض العقل، تناقض بل وربما ~~أيضا على نقيض الأخلاق، وضد الطبيعة، ولهذا يؤمن بها الناس، وإلا فلماذا يؤمن ~~الناس بالعقائد إذا كانت مفهومة بالعقل، معقولة بالأخلاق، ومدركة بالطبيعة، لها ~~سلطة تقننها؛ لأنها لا تنبع من طبيعة العقل أو من ثنايا الطبيعة، ms036 وهي سلطة ~~يجب التسليم بمقرراتها دون اعتراضها؛ لأنها تعبير عن «الروح القدس» في التاريخ، ~~لها صحة مطلقة خارج التاريخ، لا تتغير، ثابتة مهما تغيرت الظروف والأحوال ~~مما أدى بالناس إلى رفضها كلية وإيثار الحقائق المتغيرة التي تعبر عن ~~مصالحهم واحتياجاتهم ومستواهم الإنساني، وهي مقدسة لم يأت بها بشر، بل من وضع ~~الله الذي أتى بشخصه إلى البشر وجسدها إمامهم عيانا، # 23 # وهي كلها تصورات خاطئة لمعنى العقائد بعد أن تم اكتشاف أنها من ~~وضع التاريخ، تعبر عن تجربة الجماعة الأولى التي آمنت بها وعكست فيها ~~انفعالاتها، آمالها وآلامها، داخلها التعصب الإنساني، وتحزبت لها الفرق، ~~وتطايرت من أجلها الرقاب، ونصبت من أجل المقصلات، ودبرت بسببها المذابح ؛ ~~وبالتالي نشأت الثورة عليها وعلى وضعها نظرا لاستخدام السلطة السياسية إياها ~~للسيطرة بها على العوام ورفض المثقفين لها وإيثارهم أيديولوجية تعبر عن ~~واقعهم، مفهومة مدركة، تتحول إلى نظام سياسي واجتماعي واقتصادي، ويكون بها ~~الخلاص الفعلي للناس، وإن كل مجتمع ما زالت تسيطر عليه العقائد بهذا المعنى ~~السلبي فإنه ينبئ بطبيعة الحال عن ثورة قادمة، بدأت بالإصلاح وتنحو نحو النهضة ~~حتى تتحقق شروط الثورة ومقدماتها، وقد يكون هذا هو حال مجتمعاتنا المعاصرة ~~وانتشار الحركة السلفية فيها حاملة لواء «العقائد» على «المصالح». # | ثالثا: حده # (1) نقد التعريف القديم # يكاد يجمع القدماء على أن «علم التوحيد» أو «علم الكلام» هو «العلم بالعقائد ~~الدينية عن الأدلة اليقينية»؛ أي أنه العلم بالأدلة على صحة العقائد، # 1 # والصدق هنا نظري خالص يخضع لقواعد المنطق، ولأساليب البرهان؛ ومن ~~ثم ينفصل الاعتقاد عن العمل، وهو الفصل الشائع في كل التسميات، فالمراد ~~بالعقائد هنا «نفس الاعتقاد دون العمل»، وكأن العقائد موضوعات نظرية صرفة وليست ~~موجهات للسلوك، كما يخصص القدماء العقائد الدينية بالعقائد «الإسلامية» وحدها ~~في حين أن الأدلة على صحة العقائد تتضمن كل دين، فالعقائد واحدة: وجود الله، ~~وخلق العالم، وخلود النفس حتى ولو اختلفت التسميات وتضاربت الآراء، وقد تجاوز ~~القدماء أنفسهم العقائد «الإسلامية» إلى عقائد الديانات الأخرى حتى أصبح «تاريخ ~~الأديان المقارن» جزءا من ms037 العلم، كما أن هذا الحد وضع للمنهج أكثر منه حد ~~للعلم أي الاستدلال على صحة العقائد «بإيراد الحجج، ودفع الشبه»، وهو المنهج ~~الجدلي ومعاندة الخصوم، والحقيقة أن هذا التعريف يثير عدة تساؤلات رئيسية ~~منها: هل هناك أدلة على صحة العقائد أم أن الأدلة يمكن استعمالها وفقا ~~لأهداف المستدل لإثبات أن الشيء صواب أم خطأ؟ فالدليل آلة كالمنطق يتوقف على ~~كيفية استخدامه والهدف منه، ويمكن لنفس المتكلم أن يستدل على صحة الشيء وخطئه ~~في آن واحد طبقا لمهارته أو مزاجه المتقلب أم مصالحه المتغيرة، كما أنه ~~يصعب الاقتناع من متكلمين متصارعين، كل منهما يثبت بالدليل نقيض ما يقوله ~~الآخر، وكلاهما مقنعان (مثلا: التشبيه والتنزيه، الجبر والاختيار، النقل ~~والعقل ... إلخ)، # 2 # هل هناك نظرية ممكنة يتفق عليها الجميع ما دام الموضوع واحدا، ~~والعقيدة واحدة أم أننا بصدد فرق ومذاهب متصارعة متناحرة متناقضة تضيع فيها ~~وحدة الموضوع؟ وأن هذه الفرق لا تعبر عن العقائد ولا تستدل على صحتها ~~بقدر ما تستخدمها للتدليل على شيء آخر في الواقع والمجتمع والتاريخ؟ فالفرق ~~والمذاهب مصالح، ومواقف عملية وليس النظر عندها إلا غطاء للعمل وأساسا له، هل ~~هناك عقائد صحيحة وأخرى خاطئة كما هو الحال في حديث الفرقة الناجية أم أن هناك ~~عقائد سلطة وعقائد معارضة، وأن الذي يحدد أحد النمطين من العقائد، الهالكة ~~أم الناجية هو الموقع من السلطة ومن يحصل عليها؟ حتى على فرض إمكانية إثبات ~~صحة العقائد بالأدلة، هل أقنعت أحدا؟ هل قويت عقائد الناس أو آمن بها ~~العوام؟ إن الأدلة يمكن الرد عليها بأدلة مضادة فتتكافأ الأدلة، ويقع الناس في ~~الحيرة والتردد والشك واللاأدرية؛ وبالتالي ينتهون إلى الكفر بدلا من الإيمان ~~طبقا لمقاييس «علم الكلام» نفسه وتصنيفه للفرق. # 3 # هل هناك عقائد أصلا أم أنها كلها تعبر عن مصالح وقوى اجتماعية ~~بما في ذلك التوحيد الذي يعبر عن مصالح المضطهدين والمعذبين والمظلومين ~~والفقراء والعبيد والمساكين من أجل إعادتهم إلى البنية الاجتماعية الموحدة، ~~والذي يعبر عن القبائل المشتتة التي مزقت شملها الحروب والمنازعات من ms038 أجل ~~توحيدها في أمة واحدة قادرة على وراثة الأرض والإمبراطوريتين المنهارتين آنذاك؟ ~~إن العقيدة تعبر عن وضع اجتماعي، تأصيل نظري لموقف إنساني، ولما كانت العقائد ~~هي وسائل للحراك الاجتماعي وكان الحراك الاجتماعي بالضرورة حراكا لصالح ~~الأغلبية الصامتة، كانت العقيدة ثورة، وكان تاريخ العقائد جزءا من تاريخ ~~الثورات الاجتماعية، وكان تاريخ الأديان جزءا من التاريخ البشري، هل حل الصراع ~~العقائدي بالإقناع باستعمال الأدلة على صحة العقائد نظريا أم حله بالصراع ~~الفعلي على الطبيعة وفي الواقع؟ لما كان الهدف من العقائد هو التأصيل النظري ~~للأوضاع الاجتماعية والمواقف الإنسانية منها، فإن إثباتها لا يكون بالأدلة ~~النظرية من أجل إثبات صحتها النظرية بل يكون بالدفاع عن هذه الأوضاع، كل من ~~موقفه، بالفعل ، فالتصديق لا يكون بالعقل بل بالممارسة، لا يوجد «علم كلام» ~~مكتبي لإثبات صحة عقائد نظرية، بل حركة صراع اجتماعي، لا يقوم به متكلم من ~~صحن الدار أو المسجد وظهره على عمود، متكئا على وسادة وأمامه المؤلفات ~~والمصنفات، وأمامه التلاميذ، ويحيط به المعجبون والمحاورون، بل يقوم الإمام ~~الفقيه بقيادة هذا الصراع، وقيادة الجماهير في حركة تاريخية دفاعا عن مصالحها ~~وتحقيقا للتوحيد، من المسجد وفي الشارع، في الحقل وفي المصنع، بقوة العقيدة ~~وثقل الجماهير من أجل الثورة. # وربما لا يوجد حد آخر للعلم؛ لأنه لا وجود للعلم على هذا النحو القديم، ومع ~~ذلك يمكن وصفه بعد إعادة بنائه وتصحيحه وإعادته من الوضع الزائف القديم إلى ~~الوضع الصحيح الحالي، وتحويله ليس فقط من «علم الله» إلى «علم الإنسان»، فقد لا ~~يكون هذا التقابل معبرا تماما عن جوهر الحضارة التي نشأ فيها هذا العلم، بل ~~من علم «العقائد الدينية» إلى علم «الصراع الاجتماعي»، فهو العلم الذي يتناول ~~العقائد الدينية كموجهات لسلوك الجماهير اليوم، والتاريخ شاهد على ذلك منذ نشأة ~~الدولة الإسلامية الأولى في المدينة حتى انتصار الثورة الإسلامية الكبرى في ~~إيران - من أجل المساهمة في حل قضاياهم المصيرية مثل الاحتلال، والقهر، ~~والتخلف، والفقر، والتغريب، وسلبية الجماهير. هو العلم الذي يضع الأسس النظرية ~~لسلوك الأمة الفردي والجماعي ms039 في مرحلة تاريخية محددة، وهي المرحلة التاريخية ~~الحالية التي يعيشها جيلنا، فالجماهير ما زالت مؤمنة، تراثية، عقائدية، ولكنها ~~في نفس الوقت في وضع احتلال وقهر وفقر وتجزئة وتخلف وتغريب ولامبالاة، جربت ~~مناهج التغيير الاجتماعي والأيديولوجيات العلمانية للتحديث، ولكن ظلت قضاياها ~~الرئيسية كما هي لم تحل إن لم تزد صعوبة بعد أن جرب التغيير بواسطة القديم، ~~وجرب التغيير بواسطة الجديد كما جرب التغيير بواسطة التوفيق بين القديم ~~والجديد، وكانت النتيجة إما تقوقع القديم في الجماعات الإسلامية الغاضبة، أو ~~تقوقع الجديد في الجماعات السرية المنتشرة أو انتهاء التوفيق إلى ردة ونفاق ~~واستعمال القديم المتخلف كستار للجديد العميل. # 4 ~~(2) وضع تعريف جديد # كما يلاحظ على هذا الحد القديم «العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة ~~اليقينية»؛ أنه خال من أي تحديد لمضمون هذه العقائد الدينية، فإذا كانت ~~العقيدة تعني التوحيد؛ أي نظرية في «ذات» الله فقد يكون ذلك متفقا مع ظروف ~~نشأة العلم القديمة؛ حيث كان التوحيد النظري بهذا المعنى موضع الأخطار، ومظان ~~الطعان بعد أن انتصر «التوحيد العملي» على الأرض وفتحت البلدان عندما أراد ~~الأعداء النفاذ إلى مصدر القوة الجديدة وهي العقيدة، ثم انتصر التوحيد النظري ~~وظهر التنزيه ممثلا في نظرية الذات والصفات والأفعال، وتم إثبات وجود الصانع ~~بالعقل، والبرهنة على صفاته الكاملة، كما تم إثبات النبوة وإمكانها وصدقها، ثم ~~تحول علم التوحيد من الدفاع إلى الهجوم، فأثبت وجوه الخطأ في النقل في الكتب ~~المقدسة في الملل الأخرى، ونقد التجسد والتثليث، وبين خطأ الشرك، وأخطاء ~~الممارسات العملية للكهان والأحبار. # 5 # ولما أصبحت المباحث الفلسفية العامة هي الأسس النظرية لعلم التوحيد ~~بعد أن توقفت في علوم الحكمة، وتسربت إليه، استطاع العلم أن يقضي على آخر ~~ما تبقى من تشبيه وفكر ديني تقليدي أو كاد حتى لم تعد الإلهيات والسمعيات ~~أكثر من ربع العلم، واحتوت المقدمات النظرية الخالصة ثلاثة أرباعه، # 6 # أما اليوم فقد تغيرت مواطن الخطر ومظان الطعان، وتحولت من ذات ~~الله وصفاته وأفعاله إلى أراضي المسلمين وثرواتهم، حرياتهم وهويتهم، ثقافتهم ~~ووحدتهم، قد تتحول أيضا ms040 المقدمات النظرية العامة من نظرية في العلم يغلب ~~عليها الاستدلال ونظرية في الوجود يغلب عليها مبحث الجواهر والأعراض إلى ~~مقدمات نظرية أخرى بها نظرية في العلم يغلب عليها الرؤية المباشرة للواقع ~~والإحصاء الدقيق لمكوناته، ونظرية للوجود يغلب عليها تحليل الوجود الإنساني ~~الاجتماعي ومفاهيمه الرئيسية، مثل الحرية والعدالة والديموقراطية والتقدم ~~والتحرر والنهضة، لقد تغير الواقع الاجتماعي والسياسي كلية عند القدماء ~~وعندنا، وتحول من دولة منتصرة قديما وإمبراطورية مترامية الأطراف إلى دولة ~~محتلة حديثا متجزئة متخلفة تتكالب عليها الدول العظمى كما الأكلة على قصعتها ~~للقضاء على استقلالها، ونهب ثرواتها، ومنع وحدتها، وتشتيت شملها، وإيقاف ~~تقدمها، وإجهاض نهضتها. # 7 # ولما كانت أوضاع الناس الاجتماعية هي أساس الواقع، وكان الواقع ~~أساسا هي الأوضاع الاجتماعية للناس، فإن الأمور العامة القديمة (الواحد ~~والكثير، الماهية والوجود، العلة والمعلول، الوجود والعدم، الوجوب والإمكان، ~~القدم والحدوث ... إلخ) بالنسبة لنا هي المفاهيم الحديثة التي تؤثر في عقول ~~الشباب، مفاهيم الحرية والتقدم والمساواة، والإنسان والمجتمع والتاريخ، ~~والواقع الماضي المهاجم فكرا والمنتصر واقعا عند القدماء هو بالنسبة لنا ~~الواقع الحالي المهاجم أرضا والمهزوم واقعا، وإذا كان العقل عند القدماء أساس ~~نظرية العلم فإن الوعي عندنا هو شرطها، وإذا كان الوجود عند القدماء هو الوجود ~~الطبيعي أو الميتافيزيقي، فإن الوجود عندنا هو الوجود الاجتماعي والسياسي ~~والاقتصادي للأمة، أحوال المسلمين ومصائرهم، ثرواتهم وأراضيهم، وحدتهم وقوتهم، ~~وهو ما فكر فيه المصلحون من قبل، وما حاوله الضباط الأحرار من بعد. # 8 # علم «أصول الدين» إذن هو العلم الذي يقرأ في العقيدة واقع المسلمين ~~من احتلال وتخلف وقهر وفقر وتغريب وتجزئة ولامبالاة، كما يرى فيها مقومات ~~التحرر وعناصر التقدم وشروط النهضة لو تم إعادة بنائه طبقا لحاجات العصر ~~بعد أن بناه القدماء تلبية لحاجات عصرهم، فقد احتلت الأراضي وفي مقدمتها ~~فلسطين، ونهبت الثروات من الاستعمار الخارجي أو الإقطاع الداخلي حتى أصبح ~~يضرب بنا المثل في أعلى درجات الغنى وأحط مستويات الفقر، غنى الأقلية ~~المترفة، وفقر الأغلبية المطحونة، وقضي على الحريات باسم الأهداف القومية ~~والأخطار الخارجية، وانتشرت المحافظة ms041 من ثنايا الثورة المعاصرة وبراثن الحركة ~~التقدمية، وزاد التغريب، وضاعت الهوية أو كادت وهي ترزح تحت أكوام المترجمات ~~التي تمنع العقل من الفكر والإبداع، وتجزأت الأمة وتشتتت، وتقطعت أوصالها ~~وأطرافها بعد أن كانت أمة واحدة قلبا وأطرافا، محورا ومحيطا، مركزا ~~ودوائر. فإذا كان علم أصول الدين يقوم تلبية لحاجات العصر، وكانت هذه متغيرة ~~من عصر إلى عصر، فإننا إذا عددنا حاجات المسلمين اليوم التي يمكن أن تكون مادة ~~لعلم أصول الدين وباعثه الأول على إعادة بناء العقيدة وجدناها: ~~(أ) # الحاجة إلى وضع أيديولوجية واضحة المعالم وسط هذا الخضم الكبير ~~من أيديولوجيات العصر المنتشرة فوق الواقع، سواء كانت مستعارة أو ~~محلية، متخلفة أو توفيقية، بين هذا وذاك. وعلى هذا النحو يمكن حل ~~موضوع «الأصالة والمعاصرة» الذي ما زلنا نتجادل حوله ونبحث فيه منذ ~~فجر النهضة الحديثة حتى الآن، وربما إلى عدة أجيال قادمة أخرى إن ~~لم يقدر لمشروع «التراث والتجديد» أن يعيش ويستمر ويؤثر، وينقل ~~الحضارة من طور إلى طور، من طور الشروح والملخصات إلى طور النهضة ~~الثانية، من القرون السبعة الأخيرة (من السابع حتى الرابع عشر) إلى ~~قرون سبعة قادمة (نهضتنا الأولى من القرن الأول حتى السابع)، ~~حينئذ يربط الناس بين ماضيهم وحاضرهم، ويقومون بحركات التغير ~~الاجتماعي من خلال التواصل لا الانقطاع، وتنتهي الازدواجية من ~~حياتنا، ويتوارى فصام الشخصية الوطنية بين الحركة الدينية المحافظة ~~والحركة التقدمية العلمانية، ويكون «علم أصول الدين» قد حقق الهدف ~~المرجو منه، وهو إقامة علم نظري من أجل توجيه الواقع، سدا للفراغ ~~النظري والركود العملي في حياتنا المعاصرة، فيعاد فهم العقيدة، ~~ويعاد تصورها وتأصيلها في وجدان العصر، وخلق ثقافة وطنية مرتبطة ~~بجذورها في القديم، وقائمة على تحليلات الواقع المعاصر؛ ومن ~~ثم نشأت الحاجة إلى معرفة إحصائية دقيقة لواقعنا المعاصر حتى ~~يمكن فهم العقائد وتفسيرها على أساسها كما يفعل الأصولي القديم في ~~البحث عن العلل الفاعلة والمؤثرة في سلوك الناس، كما أننا في حاجة ~~إلى تحليل نفسي اجتماعي للجماهير حتى يمكن معرفة موجهات سلوكها ~~وبواعثها، وإعادة تفسير ms042 العقائد حتى تكون موجهات مثالية للسلوك، ~~ويستدعي ذلك تطوير حركات الإصلاح الديني الحديث التي لم تؤت أكلها ~~بعد، ولم تستفد أغراضها كلها، بل وإقالتها من عثراتها وردتها ~~وتراجعها من مؤسسها الأول حتى ممثلها الأخير. # 9 # وعلى هذا يمكن الانتقال من الإصلاح إلى النهضة حتى ~~يمكن الانتقال بعد ذلك من النهضة إلى الثورة، كما يستدعي إرساء ~~قواعد النظرة العلمية كما كان الحال عند القدماء خاصة في علم أصول ~~الفقه، وهي النظرة التي تسلم بكل معطيات الواقع المادية والمعنوية، ~~كل ذلك يؤدي بنا في نهاية الأمر إلى صياغة جديدة لعلم أصول الدين ~~وفروعه مثل «لاهوت الثورة»، «لاهوت التحرر»، «لاهوت التنمية»، ~~«لاهوت التغير الاجتماعي»، «لاهوت المقاومة»، «لاهوت التقدم»، ~~«لاهوت العدالة الاجتماعية»، «لاهوت الوحدة»، «لاهوت الجماهير»، ~~«لاهوت التاريخ » ... إلخ، وتلك هي «رسالة التوحيد». ~~(ب) # ليست مهمة علم أصول الدين الجديد نظرية فحسب، بل هي أيضا مهمة ~~عملية من أجل تحقيق الأيديولوجية بالفعل كحركة في التاريخ بعد ~~تجنيد الجماهير من خلال ثورة عقائدها؛ ومن ثم كان من مهامه ~~القضاء على احتلال أراضي المسلمين المباشر منها مثل فلسطين وغير ~~المباشر منها في صورة قواعد أجنبية أو تسهيلات دفاعية برية أو ~~بحرية لقوى أجنبية شرقية أو غربية أو الأحلاف العسكرية أو ~~المناورات المشتركة أو تبادل المعلومات العسكرية والخبرات الفنية، ~~تعددت الأسماء والمسميات واحدة، ومن مهامه أيضا القضاء على نهب ~~ثروات المسلمين من الخارج ونهب الإقطاع لها من الداخل، وإعادة ~~توظيفها لخدمة جماهير المسلمين، والقضاء على استغلال هذه الثروات ~~من الخارج أو الداخل من أجل قيام اقتصاد وطني مستقل للأمة، وكذلك ~~أيضا تنمية موارد المسلمين الطبيعية وعدم تركها نهبا من الخارج ~~أو دون السيطرة عليها وتركها للكوارث والفيضانات، وغريب حقا ~~عندما يذكر الثروة والغنى فيذكر المسلمون؛ الأغنياء الجدد منهم، ~~وعندما يذكر الفقر والجوع يذكر أيضا المسلمون؛ عامة المسلمين، ~~وكأنها ليست أمة واحدة بل أمتان، المال فيها دولة بين الأغنياء، ~~والفقر فيها شائع وعام بين الفقراء، ومن مهامه أيضا القضاء على كل ~~صنوف القهر والتسلط، يضرب بالأمة المثل في ms043 وفرة عدد المسجونين ~~السياسيين، واضطهاد المعارضة، وهربها من أوطانها إلى الخارج، ~~والتصفية الجسدية للخصوم، وصياغة القوانين الاستثنائية والدساتير ~~من أجل التقنين لحكم الفرد المطلق، وإجراء الاستفتاءات الشعبية ~~لانتزاع الناس حرياتها وهي منزوعة سلفا، كما يهدف إلى توحيد ~~الأمة، ولم شتاتها، وجمع أجزائها المبعثرة، وتجاوز الحدود المصطنعة ~~التي وضعها الاستعمار بين أجزاء الأمة، وأثار الأحقاد والضغائن بين ~~طوائفها وجعلها أحزابا وشيعا # كل حزب ~~بما لديهم فرحون ~~. ويكون همه الرئيسي القضاء ~~على كل مظاهر التخلف في الأبنية التحتية والفوقية، في الهياكل ~~الاجتماعية والتصورات الذهنية حتى يمكن نقل المجتمع كله من مرحلة ~~تاريخية إلى مرحلة أخرى، ويتحول من الخلود إلى الزمان، من الفيض ~~والصدور من الأعلى إلى الأدنى إلى التقدم في التاريخ، من الأمام ~~إلى الخلف، كما يقضي على التغريب محافظة على الهوية، ويحجم الآخر ~~إبرازا لدور الأنا، ورد الحضارات الغازية إلى حدودها الطبيعية ~~لإفساح المجال لإبداع الحضارات المحلية، # 10 # وأخيرا تكون المهمة تجنيد الجماهير، فتكون العقيدة ~~المتحركة، والتوحيد الحي، فالتوحيد والجماهير واجهتان لشيء واحد، ~~والعقيدة والحزب يمثلان النظر والعمل، يجمعان بين الإيمان ~~والتصديق، ولا يبدو في ذلك أي تجاوز لعلم أصول الدين وإلحاقه بعلم ~~الفقه؛ وذلك لأن الفصل بين العلمين غير واقع، وإن كنا قد ورثناه ~~من التراث، ومهمتنا إعادة بناء التراث من أجل إقامة «لاهوت الفقه» ~~و«عقيدة الثورة»؛ أي تأسيس علم أصول الدين الذي يقوم على الاجتهاد، ~~والذي يجمع بين النظر والعمل، بين الأصول والفروع؛ وهو «الإسلام ~~السياسي» الذي طالما مارسه المصلحون وحاول صياغته النظار والباحثون. # 11 ~~(ج) # ليست مهمة علم أصول الدين عملية نظرية فحسب، بل عملية فعلية في ~~الواقع؛ أي الدفاع الفعلي وتحقيق التوحيد في العالم الإسلامي، قلبه ~~وأطرافه بصرف النظر عن الأسماء المحدثة له: العالم الأفريقي ~~الآسيوي، العالم الثالث، مؤتمر القارات الثلاث، دول عدم الانحياز، ~~الشعوب المتحررة حديثا ... إلخ، فمنذ فشل الحروب الصليبية قديما ~~في الغارة على العالم الإسلامي، قلبا وبرا، بدأت المحاولة ~~الثانية بالالتفاف حوله، أطرافا وبحرا، فيموت القلب نزيفا ~~وتتآكل الأطراف جمودا، وتتساقط الواحد تلو الآخر. ms044 ينتشر سرطان ~~الغزو الصهيوني الاستيطاني في القلب ابتداء من فلسطين وتتآكل ~~الأطراف تحت ضربات الاستعمار في جنوب شرقي آسيا، ووسط أفريقيا ~~وجنوبها، والحزب الإسلامي الجماهيري قادر على تجنيد المسلمين ~~وطاقاتهم بدلا من التحزب والتشعب والتشتت في الأيديولوجيات ~~العلمانية أو السلبية واللامبالاة وإيثار موقف المتفرج الذي لا ~~يعنيه من الأمر شيء؛ وبالتالي تتأكد وحدة العالم الإسلامي ~~الحالي، الفكرية والعملية، العقائدية والتشريعية، سواء كان ناطقا ~~بالعربية أم بغير العربية، تركية أو فارسية أو أردية أو ماليزية، ~~فالروابط الثقافية، والتاريخ الحضاري، والعقيدة المشتركة، والمخاطر ~~الواحدة؛ أقوى من الحدود القومية. يمكن تكوين جبهة واحدة من دول ~~آسيا وأفريقيا ضد المخاطر التي تهددها والآتية من الاستعمار ~~الغربي القديم والجديد، ومواصلة النضال المشترك من خلال «ثورة ~~العقيدة» أو «عقيدة الثورة»، واستئناف التعريب، والانتشار الحضاري، ~~والتعمير البشري والعمراني، هذه الجبهة تكون نواة لتوحيد المسلمين ~~في نظام واحد، اتحادي أو فيدرالي أو كونفيدرالي أو وحدوي، وهو ما ~~تصبو إليه الأمة وما يعج في صدرها، تأخذ «الخلافة» إذن مدلولها ~~الحديث، يكون هو اتحاد آسيا وأفريقيا والمتعاطفين معه من دول ~~العالم الثالث أو دول عدم الانحياز أو دول القارات الثلاث، ثم ~~تنفتح على الشرق كما كان الحال قديما؛ حيث انتشرت الحضارة شرقا ~~بينما عاداها الغرب حتى الآن، وكما دعي إلى ذلك في حركاتنا ~~الإصلاحية الحديثة من إنشاء «للجامعة الشرقية» بعد أن ربطنا ~~الاستعمار بمنطقته الحضارية، جغرافيا وثقافة، وجعلنا امتدادا ~~بحريا له، ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا وبشريا، ~~وإمكانيات العالم الإسلامي الحالية النظرية والعملية ضخمة تساعد ~~على تحقيق هذا المطلب، يزيد عليها ربط المؤسسات الإسلامية ~~والمعاهد العلمية، ومراكز الأبحاث والجامعات الوطنية والتنسيق بين ~~الأحزاب السياسية وتبادل الصحف اليومية والدوريات حتى يمكن توحيد ~~العمل، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من خطة شاملة يتم إنجازها خطوة خطوة، ~~فالعمل الجماعي هو الوسيلة لخلق إمكانيات جديدة للأفراد؛ وبالتالي ~~تحل مشاكل التربية الإسلامية، وإعادة خلق المسلم الكامل كفرد ثم ~~إعادة بناء الجماعة الإسلامية كأمة من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية، ~~وخلافة الأمة في الأرض؛ وهو ما ركزت عليه أيضا ms045 الدعوات الإصلاحية ~~الحديثة، فإذا تم ذلك يمكن للعالم أن يجد قيادة جديدة فكريا ~~وعمليا، وريادة إنسانية شابة بعد أن تخلت القيادات القديمة، ~~وعلى رأسها القيادة الغربية، عن مثلها، وتوارت إلى الخط الخلفي، ~~وإن كانت ما زالت تصارع من أجل البقاء، ومن أجل البعث بدماء ~~جديدة، وتغيير جذري في النظر والسلوك. # 12 # | رابعا: موضوعه # (1) ذات الله # يظن القدماء خطأ أن موضوع العلم هو «ذات الله»، مع أن «الذات الإلهية» لا ~~يمكن أن تكون «موضوعا» للعلم، فالذات لا تكون موضوعا، حينئذ يكون السؤال عن ~~الذات: هل يمكن تصوره؟ هل يمكن إدراكه؟ هل يمكن الإشارة إليه من أجل التصديق ~~والتحقق من صدقه؟ هل يمكن الحديث أو التعبير عنه؟ هل يمكن أن يتحقق في الحياة ~~العملية؟ «الله» كما يعرفه المتكلمون القدماء ذات، وذات مطلقة، والذات لا ~~يمكن أن تكون موضوعا، الذات تند عن الموضوع وتتجاوزه، وإلا لما كانت ~~ذاتا، سواء الذات الإلهية أم الذات الإنسانية، وفي كل مرة تتحول فيها الذات ~~إلى موضوع يخطئ العلم، ويعم الخلط، فالحديث عن الله إذن خطأ في تصور موضوع ~~العلم، وجعل الذات موضوعا في حين أن الموضوع ذات. # وتحتوي العبارة «موضوعه ذات الله» على تناقض داخلي؛ لأن الله هو المطلق، ~~والعلم بطبيعة موضوعه ومنهجه وغايته تحويل للمطلق إلى نسبي؛ لأنه يخضع الظاهرة ~~العامة إلى ظاهرة خاصة في الزمان والمكان، ويميز بينها وبين غيرها من ~~الظواهر، العلم تحديد للظاهرة في واقعة معينة يمكن السيطرة عليها علميا ~~وتجريبيا والتمييز بينها وبين غيرها من الوقائع، ولا يعمم بعد ذلك إلا ~~بناء على مسلمات سابقة حول الاطراد، وهو ما يحتاج إلى برهان، والله، موضوع ~~العلم، لا يبدو في وقائع، ولا يتمايز عن غيره في وقائع، فكيف يمكن للكلي أن ~~يصير جزءا؟ وكيف يمكن لعقل الإنسان النسبي، بحياته، وإدراكه، ومصالحه وأهوائه، ~~ورغباته وميوله، والموقف الإنساني كله أن يحيط بالذات المطلقة التي لا يعتريها ~~الموت، ولا يحدها عقل أو إدراك، ولا تمسها الرغبات والميول، ولا تنتابها ~~الدوافع والأهواء، ولا يسري عليها أي موقف إنساني؟ ms046 صحيح أن العقل يتميز بصفات ~~الإدراك، وأن الحدس قادر على إدراك البديهيات، وأن أوليات العقل عامة، ~~مطلقة وشاملة، ولكن العقل أيضا موجود في بيئة معينة، وصاحبه ذو مزاج معين، ~~مرتبط بالأهواء والانفعالات، وتسيره المصالح الخاصة والعامة. إن صفة الإطلاق ~~هذه كثيرا ما تخفي تحتها كثيرا من المواقف الإنسانية النسبية، ولكن الغرور ~~الإنساني أو الرغبة في التميز على الآخرين، وإيثار السلطة وحب التسلط يدفع ~~الإنسان إلى خارج موقفه وبيئته ادعاء وغرورا، حتى إذا استطاع الفيلسوف ~~بقدرته على النظر، والرياضي بقدرته على التجريد، والمنطقي بقدرته على الصورية، ~~فإن الله لا يمكن أن يدرك كفكرة أو كمفهوم أو كتصور؛ لأنه «إله حي» يسمع ~~ويبصر ويتكلم ويريد، إله المؤمنين المحتاجين، وليس إله الفلاسفة والنظار، ~~أما إدراكه بالوجدان وبالذوق، فذاك طريق الصوفية وليس طريق المتكلمين، مكانه ~~في علوم التصوف وليس في علم أصول الدين، ولا يعني ذلك أن الله سر، كما هو الحال ~~في المسيحية، لا يمكن معرفته إلا عن طريق الإيمان، فالله بالنسبة لنا هو كلامه، ~~والكلام موجود في القرآن، والقرآن كتاب صح نقله، ويمكن فهمه وتفسيره بل وتأويله ~~طبقا لشروط التأويل، وهو موجود أيضا كمبدأ في المعرفة كفكرة محددة، وفي ~~الأخلاق كمثل أعلى أو مطلب يمكن إدراكه بالحدس والاستدلال من خلال عناصر ~~الثبات في التجارب البشرية، وبتحليل الواقع الاجتماعي والتاريخي، # 1 # وهو أيضا المعنى الشائع للقول المشهور بأن العقول قاصرة عن إدراك ~~ذات الله أو أنها محدودة أو عاجزة، فيكون العيب في نقص العقل وليس في طبيعة ~~الموضوع، واتهام الذات بالجهل وليس بأن الموضوع مستحيل أو مجرد وهم، بادعاء معرفته. # 2 # لذلك احتاط القدماء مرتين؛ الأولى في عدم بحثهم ذات الله مباشرة، ~~بل عن طريق غيرها مثل الجواهر والأعراض؛ أي الأمور العقلية العامة المستقلة ~~عن ذات الله، يدركها العقل كعلم سابق على علم ذات الله، وهي التي أصبحت فيما ~~بعد «المقدمات الضرورية» للعلم، خاصة مبحث الجوهر والعرض الذي بلغ أكثر من نصف ~~العلم، وثلاثة أرباع المقدمات النظرية كلها بنظريتيها، العلم والوجود، في ~~القرنين ms047 السابع والثامن، # 3 # وهو ما حدث أيضا في علوم الحكمة من جعل الحكمة الطبيعية سابقة على ~~الحكمة الإلهية، وجعل الحكمة المنطقية سابقة عليهما معا، أو وضع العلم الطبيعي ~~والعلم الإلهي في علم واحد في تصنيف العلوم. # 4 # والثاني هو الإعلان المبدئي قبل الانتقال من مبحث الوجود إلى وصف ~~ذات الله بأن الذات لا يمكن تصورها أو إدراكها، وبأن «الله في ذاته» يستحيل ~~معرفته ودون الإقرار في نفس الوقت بأنه سر مجهول؛ «فذات الله» في حقيقة الأمر ~~هو «الله في ذاته»، وكل ما لدينا هو تقريب وقياس، وبذل الجهد العقلي قدر ~~المستطاع بالاعتماد على النقل وعدم الخروج عليه، لا فرق في ذلك بين عقليين ~~ونقليين، بين معتزلة وأشاعرة. # 5 # وإذا كان «ذات» الله لا يمكن تصوره أو إدراكه، فإنه أيضا لا يمكن الإشارة ~~إليه حتى يمكن أن يتم به تصديق أو تحقق في العلم. # 6 # ليس هناك شيء في العالم يسمى «ذات الله» يمكن الرجوع إليها أو ~~تكون مقياسا للتحقق وللصدق، وبعبارة منطقية نقول إن «ذات الله» مفهوم بلا ~~ماصدق؛ فهو بحسب تعريفه ليس متعينا في زمان أو مكان، والعلم لا يكون إلا ~~لموضوعات متعينة وإلا كان علما صوريا خالصا لا شأن له بالكثرة، وهو ما لا ~~يمكن استعماله لموضوع «ذات الله» التي هي على اتصال بالعالم من خلال «الصفات ~~والأفعال»، لا يدرس العلم إذن إلا موضوعا موجودا بالفعل وإلا لكان أدخل في ~~الفلسفة التي تدرس التصورات الشاملة أو في علم النفس الذي يدرس نشأة هذه ~~التصورات وتكوينها في الظروف النفسية أو في علم الاجتماع الذي يحلل الظروف ~~الاجتماعية التي تساعد على ظهور مثل هذه التصورات أو في علم تاريخ الأديان ~~لدراسة التصورات المختلفة للموضوعات الدينية حسب الزمان والمكان، والملل ~~والنحل، والشعوب والأجناس، والبيئات الثقافية والحضارات البشرية على مختلف ~~العصور أو في علم الجمال لدراسة التعبيرات الجمالية والشعر الصوفي والفن الديني ~~الذي يعبر عن التصورات المختلفة لله. الحديث عن «ذات الله» إذن خطأ في ~~نظرية الصدق في المنطق القائمة في أحد ms048 معاييرها التقليدية على ضرورة تطابق ~~المفهوم مع الماصدق، حتى ولو أمكن إثبات موجود كامل لا متناه يحوي جميع صفات ~~الكمال كيف يمكن إذن الانتقال من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان؟ بل إن «الدليل ~~الأنطولوجي» نفسه افتراض محض؛ لأن الانتقال من الفكر إلى الوجود لا يمكن أن يتم ~~نظرا، بل لا يتم إلا عملا من خلال جهد الفرد وفعل الجماعة وتحقيق ~~الأيديولوجية في التاريخ، وتحويل المثال إلى واقع، والإمكانية إلى وجوب. # 7 # وإذا كان «ذات» الله لا يمكن تصوره أو إدراكه أو الإشارة إليه، فإنه لا يمكن ~~أيضا التعبير عنه لأن اللغة الإنسانية لا يمكن أن تعبر إلا عن التصورات أو ~~الإدراكات أو الموضوعات أو المعاني الإنسانية، كيف يمكن إذن التعبير عن المطلق ~~بلغة نسبية؟ كيف يتم للإنسان التعبير عن شيء لا يقدر على التعامل معه أو ضبطه ~~ولا يمكن العثور له على صياغة؟ الحديث عن «ذات» الله إذن خطأ في تصور وظيفة ~~اللغة، فأي دراسة لموضوع «الله» لا بد وأن تقع بالضرورة في التشخيص لأنه لا ~~يمكن الحديث عن «الله» إلا باستعمال اللغة الإنسانية، وبإعمال الجهد الإنساني ~~والذهن الإنساني، فتصور الله على أنه صانع وعلى أن له أحوالا وصفات، إيجابية ~~أو سلبية، تصور إنساني خالص، وقد تكون لغة الصمت هي أقدر لغة على التعبير عن ~~«ذات» الله هروبا من قضية اللغة. # 8 # وقد حاول الصوفية حل الإشكال عن طريق الرمز، ولكن اللغة الرمزية ~~أيضا ينطبق عليها قصور اللغة التقليدية، فمهما كان للرمز من قدرات تعبيرية ~~فائقة فإنه يظل محدودا بما يثيره في الذهن من معان مرموز إليها، ويظل الفرق ~~شاسعا بين الرمز والمرموز، وبين المرموز وموضوع الرمز، وإن ما يوحي به الرمز ~~من حس وتخييل وتصوير يثبت أنه لا يمكن الحديث عن «ذات» الله إلا بطريق ~~التخييل والتصوير الفني كما لاحظ ذلك قدماء النقاد والمحدثون المعاصرون. # 9 # ليس أمام الإنسان إذن، إذا ما أراد الحديث عن «ذات» الله إلا ~~التشبيه والقياس، التشبيه بنفسه والقياس على العالم، وإثبات أوصاف الإنسان ~~الإيجابية ms049 كصفات ثبوتية لله، ونفي أوصاف الإنسان السلبية كصفات سلبية عن الله؛ ~~وبالتالي يكون كل حديث عن الله هو حديث عن الإنسان، يتوهم الإنسان أنه يتحدث ~~عن الله في حين أنه يتحدث عن نفسه. # 10 # لذلك قد تكون اللغة الوحيدة الممكنة للحديث بها عن الله هي لغة الإشارة أو ~~الحركة أي لغة الجسد كما هو واضح في الرقص الديني ومظاهر الطقوس وشعائر ~~العبادات، ولكنها أيضا لغة رمز تعبر عن مرموز، فالرمز قد يكون باللفظ أو ~~بالحركة، أما الفعل غير الرمزي فهو «الشهادة»؛ أي لغة المقاومة، وظهور ~~«الذات» الإلهي في الذات الإنساني كحركة ونشاط وفعل ومقاومة وجهاد ونصر. # 11 # الله إذن ليس موضوعا للمعرفة أو للتصور أو للإدراك أو للتصديق ~~أو للتعبير، بل هو باعث على السلوك، ودافع للممارسة، وقصد للاتجاه، وغاية ~~للتحقيق، الله طاقة حالة في الإنسان من أجل أن يحيا ويسلك ويعمل، ويحس ويشعر ~~ويتخيل وينفعل أيضا، الله طاقة حيوية يحولها الإنسان إلى فعل، الله ليس ~~موضوعا ثابتا للمعرفة بل حركة ممكنة تتم من خلال فعل الإنسان، ومشروع يمكن أن ~~يتحقق بجهده، الله ليس تصورا بل فعل، ليس نظرا # Logos # بل عمل Praxis ~~، الله ~~ليس موضوعا لنظرية المعرفة إلا من حيث وجود مبدأ واحد شامل، بل هو باعث ~~سلوكي في علم الأخلاق، الله ليس موضوعا لفهم العالم بل وسيلة لتغييره، الله ~~ليس موجودا وجودا نظريا يمكن إثباته بالدليل العقلي، بل هو عملية إيجاد ~~وتحقق وخلق وتقدم، الدليل الوحيد على وجوده هو دليل عملي لا نظري، والبرهان ~~الوحيد على وجوده هو إيجاده بالفعل عندما يحققه الفرد كغاية والإنسانية ~~كمشروع، الحديث عن «ذات» الله إذن خطأ آخر في نظرية السلوك الفردي الإنساني ~~أولا والاجتماعي التاريخي ثانيا؛ فتصور الله على أنه موجود كامل هو في ~~الحقيقة تعبير عن رغبة، وتحقيق لمطلب، وتمن لأمل، ونظرة بعيدة إلى هدف، وسير ~~حثيث نحو غاية، وليس حكما على وجود في الخارج، فنحن بهذا التصور نعبر عن ~~أعز ما لدينا، وعن أعمق تمنياتنا في أن نكون كاملين عاملين ms050 قادرين، ونبعد عن ~~أنفسنا عيوبنا ونقائصنا من موت وعجز وجهل، فذات الله هو ذاتنا مدفوعا إلى ~~الحد الأقصى، ومثلنا بعد أن شخصناها ماثلة أمام الأعين، «ذات» الله المطلق هو ~~ذاتنا نحو المطلق، ورغبتنا في تخطي الزمان وتجاوز المكان، ولكنه تخط وتجاوز ~~على نحو خيالي، وتعويض نفسي عن التحقيق الفعلي لهذه المثل في الحياة الإنسانية. # 12 # والله ليس موضوعا عقليا يمكن أن يوجد أو لا يوجد، يمكن إثباته ~~أو نفيه بل هو مشروع الإنسانية والذي تحاول تحقيقه منذ وجودها حتى الآن، الله ~~هو تقدم التاريخ الذي يساهم البشر في صنعه، الله ليس موضوعا للبرهنة ~~العقلية على وجوده بل هو تاريخ يتقدم وواقع يتحرك، وجماهير تثور، ودول ~~تقوم، ونهضات تؤسس. الحديث إذن عن «ذات» الله خطأ آخر في تصور التاريخ، وإذا ~~كان من مآسينا المعاصرة غياب البعد التاريخي من وجداننا المعاصر فإن ذلك يرجع ~~إلى ظهور «الله» كبعد رئيسي إن لم يكن البعد الأوحد كما هو الحال في تراثنا ~~القديم، فظهور البعد الرأسي فيه كان بديلا عن ظهور البعد الأفقي في وجداننا ~~المعاصر؛ «فالله» بديل التاريخ، والتاريخ وريث «الله»، الله هو غائية التاريخ ~~كما تبدو في التقدم، وإن اكتشاف مجتمعات أخرى في حضارات مجاورة للتقدم ~~والتاريخ إنما كان تحولا طبيعيا لتصورهم لله، وكما نفعل نحن الآن، في ~~تراثهم القديم. # 13 # والتفكير في الله كموضوع خاص في المجتمعات النامية اغتراب بمعنى أن الموقف ~~الطبيعي للإنسان هو التفكير في المجتمع وفي العالم، وكل حديث آخر في موضوع ~~يتجاوز المجتمع والعالم يكون تعمية تدل على نقص في الوعي بالواقع لو كان ~~الحديث طبيعيا غير مقصود أو على رغبة في التستر والتغطية على ما يدور فيه ~~أو إعطاء لمن يعيشون عليه أمانا وهميا وتعويضا نفسيا عما ينقصهم وعما ~~يسلب منهم لو كان الحديث مصطنعا مقصودا، والشواهد في البلاد النامية على ذلك ~~كثيرة عندما نكثر من بناء المساجد في أقات الهزيمة، وعندما نكثر الحديث عن ~~الله في أوقات الضنك، كما يحدث ذلك أيضا في النظم الرأسمالية عندما ms051 يأخذ ~~الدفاع عن رأس المال صورة الدفاع عن الله، وعندما يتأكد التفاوت بين الطبقات ~~وحق صاحب رأس المال المطلق في أن يفعل ما يشاء في صورة تأكيد للمراتب الإلهية ~~وتثبيت لسلطة الله المطلقة، وحقه الذي لا ينازعه أو يشاركه فيه أحد، الحديث عن ~~الله في المجتمعات النامية في الغالب نقص في الوعي بالواقع إذا كان من الناس ~~وتستر على الواقع إذا كان من السلطة السياسية، # 14 # كما يستغل الدين أيضا في تدعيم النظم السياسية الوراثية، ملك عن ~~ملك أو أمير عن أمير أو ضابط عن ضابط، فالملك واحد سواء كان الله أو الأمير، ~~فكلاهما «صاحب الجلالة» لتدعيم شرعيتها بعد أن نقصتها الشرعية عن طريق عقد ~~البيعة واختيار الأمة، الدين هنا يستعمل «أفيونا للشعب» من السلطة الحاكمة ~~وإن لم يستعمل بعد «صرخة للمضطهدين» في تراث المعارضة. # 15 ~~(2) الصفات والأفعال # وقد يصبح موضوع العلم الذات بعد أن تتشخص أكثر فأكثر، ويصبح لها صفات ~~وأفعال تتعلق بالدنيا وأحوال الناس كما تتعلق بالآخرة وأمور المعاد من حشر ~~وحساب وجزاء، تسير أمور الدنيا من معرفة وسلوك ونبوة وسياسة، وأمور الآخرة ~~من ثواب وعقاب. # 16 # فتصبح أمور الدنيا والآخرة كلها من الممكنات، وتصبح الذات وحدها ~~الواجب الأوحد، لم تكتف الذات بأن تكون تشخيصا لمثل الإنسان وغاياته التي ~~لم تتحقق بعد ولكنها تضخمت حتى شملت كل شيء، فيصبح كل ما عداها ممكنا ~~فانيا، وهي الوحيدة الموجودة الباقية إلى الأبد، وقد يكون ذلك أحد الجذور ~~التاريخية مما نعاني منه في حياتنا المعاصرة من تركيز لأمانينا القومية ~~وتشخيصها في مركز واحد، يكون هو القادر وكل ما سواه تنفيذا لهذه القدرة، في ~~حين أن البحث في العالم ممكن سواء في حوادثه أو في وضع الإنسان فيه، كما أن ~~البحث في مصير الإنسان، في موته وبقائه في التاريخ من خلال آثاره وأعماله ممكن ~~أيضا، ولكن باعتباره موضوعا مستقلا غير ملحق بموضوع آخر يكون هو الشيء ~~والإنسان ظلا له. الحقيقة أن «علم الكلام» عند القدماء علم «لاهوتي» بالمعنى ~~المسيحي الغربي للكلمة # Théologie ms052 # أي نظرية في ~~«الله» أو «علم الله» أو «الإلهيات» بالمعنى الفلسفي، وكل المشاكل الأخرى، ولو ~~أنها تبدو إنسانية في مظهرها إلا أنها لا توضع إلا في علاقة مع الله، فالله ~~طرف في الطبيعة في صورة معجزة، فقد تصور المتكلم القديم أن الله قادر على ~~خرق قوانين الطبيعة في حين أنها نواميس ثابتة يمكن للعقل إدراكها وللإرادة ~~السيطرة عليها في عالم مسخر للإنسان، والله طرف في الحرية في صورة إرادة، ~~فتصور المتكلم القديم أن الحرية تدخل كطرف مقابل للإرادة الإلهية في حين أن ~~طرفها المحدد هو الموقف أو العالم وليست الإرادة الإلهية، والله طرف في العقل ~~في صورة شرع ووحي ونقل، فتصور المتكلم القديم أن النقل هو الطرف المقابل ~~للعقل في حين أن الواقع هو الطرف الآخر للعقل وليس النقل. والله طرف في الخير ~~والشر في صورة خلق شامل لكل شيء بما في ذلك أفعال الإنسان ، فتصور المتكلم ~~القديم أن الخير والشر من الله في حين أنهما مسئولية إنسانية واختيار حر ~~للإنسان كخالق لأفعاله في أوضاع اجتماعية معينة هو مسئول عنها. والله طرف في ~~المعاد ومستقبل الإنسان، فتصور المتكلم القديم أن الله يتدخل في تحديد مستقبل ~~الإنسان ومصيره في حين أن الإنسان وتحقيق رسالته في الحياة هو الذي يحدد ~~مستقبله وكيفية خلوده. والله طرف في السياسة في صورة تعيين الإمام، فتصور عالم ~~الكلام القديم أن الله يعين الإمام، وأن علاقة الرئيس تتحدد برئيس آخر له، ~~هو الله، وليس الشعب الذي يعقد البيعة والذي منه تستمد السلطة، وهكذا دخل ~~الله بصفاته وأفعاله طرفا في كل المشاكل الإنسانية والطبيعية، ووضعت المسائل ~~كلها وضعا لاهوتيا؛ فمسألة خلق القرآن مثلا وضعت وضعا خاطئا بجعل الله ~~طرفا فيها، في حين أن الوحي كلام موجود، مقروء ومسموع، متلو ومحفوظ، يحتوي ~~على تصور للعالم بعد فهمه، وعلى باعث على السلوك بعد ممارسته، فهو موضوع مادي ~~وليس صفة مطلقة لذات مشخصة، والخلق في نهاية الأمر صفة إنسانية لفعل إنساني كما ~~هو واضح عند الفنان. # 17 # علم الكلام إذن مسئول ms053 عن القضاء على النظرة العلمية للظواهر، وذلك بالقضاء ~~على استقلال الموضوعات وربطها دائما بطرف آخر هو الله؛ إذ لا يتحدد أي موضوع ~~مثل الوجود أو الحياة أو الحرية أو السياسة أو الأخلاق ... إلخ إلا إذا كان ~~الله طرفا فيه ثم تفسير هذه الظواهر باللجوء إلى العلة الأولى دون العلل ~~المباشرة؛ ومن ثم يجعل علم الكلام موقف الإنسان في العالم موقفا مغتربا ~~لأنه يتصور أن أمور الدنيا إنما تتحدد بأفعال ذات مشخصة من خارج العالم وليس ~~بأوضاع العالم الفعلية، يمكن إذن تغيير علاقات الأطراف في المسائل الكلامية ~~وجعل الإنسان في علاقات مع الآخرين ومع الأشياء، ووصف الإنسان في العالم كطرف ~~فيه؛ ومن ثم تتغير مادة العلم من مادة لاهوتية إلى مادة اجتماعية، ومن ~~علاقات غيبية إلى علاقات مرئية، وقد يتغير فهم الدين التقليدي الوارد من ~~تاريخ الأديان من عبادة ومعجزة وتشخيص وطقوس وعقائد وسلطة، وسحر وخرافة وغيب ~~وأسرار، ويعود إلى أصله من كونه وصفا للإنسان في العالم كفعل وشعور وفعل ~~وذات. الوحي نفسه مجموعة مواقف إنسانية نموذجية تتكرر في كل زمان ومكان، تصف ~~الإنسان في العالم، فالعالم هو الوطن الأوحد للإنسان، أما علم الكلام فإنه ~~يعرض الوحي في صورة أخرى مخالفة لتلك الصورة التي عرض الوحي بها نفسه. في علم ~~الكلام يضمر الوحي، ويتحجر، ويتقوقع على نفسه، ويصبح لاهوتا في حين أن الوحي ~~نظرية في الإنسان وقصد نحوه. في علم الكلام ينقلب الوحي من الإنسان إلى الله، ~~ويصبح «علما إلهيا»، في حين أن الوحي بناء إنساني ووصف لوضع الإنسان في ~~العالم، بل إن المشكلة الأولى في علم الكلام، وموضوعه الأول، وهو ذات الله ~~وتشخيص ماهيته وأفعاله، موضوعة وضعا خاطئا؛ فالوحي قصد نحو الإنسان، ووصف ~~لوضعه في العالم، وليس وصفا لذات مشخص يدور حول نفسه، يضع المتكلم المشكلة ~~وضعا خاطئا، ويقلب الوضع بتحويل الوحي إلى قصد من الإنسان نحو الله وبتغيير ~~اتجاهه من حيث هو قصد من الله نحو الإنسان إلى قصد من الإنسان نحو الله؛ ~~الوحي قصد موجه نحو الإنسان، يعطيه ms054 نظاما لحياته ومعاشه، هو وصف للعالم ~~وللإنسان في العالم، وصف واقعي حسي، بديهي وجداني، وليس قصدا من الإنسان نحو ~~الله يعطي نظرية في الذات والصفات والأفعال على نحو غيبي افتراضي خالص يقع في ~~التشبيه، وقياس الغائب على الشاهد لا محالة، فما كان في الوحي بداية وهو الله ~~أصبح في علم الكلام نهاية، وما كان في الوحي نهاية وغاية ومقصدا وهو الإنسان ~~أصبح في علم الكلام بداية ومنطلقا. علم الكلام إذن تدمير للوحي كما أن الوحي ~~تدمير لعلم الكلام؛ الوحي تعبير عن وضع الإنسان الأمثل في الجماعة ليدرك ~~المسافة بين الواقع والمثال ويقوم بتحقيق رسالته في التوحيد بينهما بالفعل وعلم ~~الكلام اغتراب للإنسان وقذف به خارج العالم من أجل عبور المسافة من الواقع إلى ~~المثال عن طريق التمني والخيال أو الوهم والخداع، فأيهما موقف صحيح وأيهما ~~موقف مزيف؟ # 18 ~~(3) ذات الرسول # وقد يضاف إلى «ذات» الله «ذات» الرسول ، فيكون موضوع العلم قطبين: الله ~~والرسول؛ وهو ما وضح أساسا في علم الكلام المتأخر في عصر الشروح والملخصات ~~وفي كتب العقائد بعد القرن الثامن الهجري. # 19 # صحيح أن ذات الرسول مخلوق بشري فان، ولكن التركيز على هذين ~~القطبين، الله والرسول، يوحي بعقائد ملل أخرى تعقد رباطا جوهريا بين الشخصين. # 20 # بالإضافة إلى أن هذين القطبين يمثلان مصدر الوحي ورسول الوحي فقط ~~وغياب المرسل إليهم كلية في هذه العلاقة الثنائية وهم الناس والشعب والأمة، ~~وكأن هذا الطرف الثالث لا وجود له كمحور في العقائد كما أن لا وجود له في ~~حياتنا السياسية المعاصرة. إن العلاقة الكاملة ثلاثية: مرسل، ومرسل إليه، ثم ~~رسول يتم بواسطته التبليغ وحمل الرسالة، والمرسل إليه هم الناس، والناس يعيشون ~~في عالم، ويبحثون عن نظام، والرسول ليس له هذه الأهمية التي تجعله محورا من ~~محاور العلم مع الله كمحور أول، فالرسول ما هو إلا مبلغ؛ أي أنه وسيلة وليس ~~غاية، وما على الرسول إلا البلاغ، وإلا وقعنا في «علم السيرة»، وهو من العلوم ~~النقلية الخالصة كما وقعنا في «علم الكلام» الذي ms055 يأخذ المرسل موضوعا له، أي ~~الله. الغاية هم الناس، وهم البشر، وهو العالم، فكيف نسقط الغاية من الحساب، ~~ونجعل الوسيلة جزءا من موضوع العلم؟ وإذا كان التصوف قد ركز على الوسيلة إلى ~~حد الإطلاق فيما سماه «الحقيقة المحمدية»، فإن علم الكلام حتى في حركات ~~الإصلاح الديني الأخيرة يكون قد انتهى إلى مثل ما انتهى إليه التصوف من ~~التركيز على شخص الرسول حتى ضاعت الرسالة وضاع المرسل إليهم، إن الرسول ليس ~~موضوعا مستقلا لعلم أصول الدين لأنه وسيلة إيصال الوحي فقط، ووسيلة تبليغ، ~~فهو وسيلة لا غاية، وطريق لا هدف، وحامل لا محمول، أما الوحي فإنه موضوع ~~مستقل غير مشخص، وإدخال الرسول كجزء من الوحي تشخيص للوحي، وتركيز للتشخيص الذي ~~حدث بتحويل الوحي إلى ذات، في الموضوع الأول وهو «ذات» الله، والانتقال من ~~كلام الله إلى ذات الله؛ وبالتالي تصب علوم الحكمة وعلوم التصوف مع علم ~~الكلام في نفس الاتجاه ، وهو تشخيص الوحي، والتشخيص هو أحد مآسينا المعاصرة، ~~التشخيص السياسي في صورة القائد أو الزعيم، والتشخيص الاجتماعي في صورة الأب أو ~~رئيس المصلحة، والتشخيص الاقتصادي في صورة اللصوص والمرتشين وبطانة السوء، ~~ويلتحم ذلك كله بالدين «الشعبي» القائم على تشخيص الأفكار والمبادئ والعقائد في ~~الرسول وآل البيت والأولياء. # 21 # شخصنا الأفكار في القادة والزعماء، وحولنا صراع الأفكار ~~والمذاهب إلى صراعات بين أفراد، وحولنا الاعتقاد بالنظريات إلى إيمان ~~بالأفراد، وأصبح كل نقد للأفكار هو نقد للأفراد، والولاء للأفكار هو ولاء ~~للأشخاص، هنا تكمن الجذور التاريخية إذن «لعبادة الأشخاص» وهو العيب الرئيسي في ~~الحياة السياسية لدى الشعوب المتخلفة. # 22 # إن إدخال الرسول كجزء من موضوع العلم هو تحويل للتوحيد من أساسه ~~الأفقي - الوحي في التاريخ - إلى أساسه الرأسي، الصلة بين الله والنبي وذلك ~~بالحديث عن نظرية الاتصال، ووسائل الاتصال، والحجاب، والملاك، والمخيلة كما حدث ~~في علوم الحكمة في حين أن ما يهمنا نحن هو الوحي بعد إعلانه - وليس قبله - ~~وفهمه وتفسيره وتأويله من أجل الاستفادة منه في حياتنا العملية كما حرص على ذلك ~~علم ms056 أصول الفقه في تحويل الوحي إلى علم دقيق ابتداء من لحظة الإعلان عنه وليس ~~قبل ذلك حتى لحظة تحققه في الحياة العملية كسلوك للأفراد وكنظام للجماعة، ~~سواء فيما يتعلق بالصحة التاريخية للنصوص من خلال مناهج الرواية أو الفهم لها ~~من خلال مبادئ اللغة وأسباب النزول أو تحويلها إلى سلوك في الحياة العملية من ~~خلال المقاصد والأحكام. # 23 # خلط علم الكلام إذن بين النبي والرسول، وتعرض للنبي كما تعرضت له ~~علوم الحكمة وعلوم التصوف وعلم السيرة، ولم يتعرض إلى الرسول من حيث ~~الرسالة كما هو الحال في علم الحديث أو علم أصول الفقه. فإذا كان الدافع على ~~إقامة علم الكلام هو وقوع أخبار تتعلق بحياة الناس فيمكن تحويل هذه الأخبار ~~إلى علم عن طريق التحقق من صدقها كما هو الحال في علم الحديث أو معرفة ~~معانيها كما هو الحال في علوم التفسير أو الاستفادة منها في الحياة العملية كما ~~هو الحال في علوم الفقه أو التصوف، ولا محل لعلم الكلام، هذا بالإضافة إلى أن ~~كل ما وصل إليه علم الكلام في حديثه المنعرج عن النبي هي صفات النبي الأربعة ~~مثل صفات الله السبعة، وخصال الرئيس العديدة أي التركيز على السمات الرئيسية في ~~الشخص، إذا صلح الشخص انتظم الواقع وصلح الناس، فخصال الأفراد هي التي تحدد ~~طبيعة النظم الاجتماعية، وهو تحليل ناقص يغفل دور المؤسسات والشعوب والأفكار ~~ومن ثم فهو غير علمي، النظم الاجتماعية لها استقلالها عن خصال الأفراد حتى ~~ولو كانت خصال الرؤساء، بل إن شخص الرسول سيتدخل في الجزاء ويخرق قانون ~~الاستحقاق عن طريق الشفاعة كخرق الله لقانون الطبيعة عن طريق المعجزات، لقد ركز ~~العلم على ضرورة المعجزة لإثبات النبوة وتأييدا للأخبار التي أتى بها الرسول؛ ~~وذلك عن طريق أفعال خارقة للعادة في حين أن الوحي في آخر مراحله، وهو الوحي ~~الإسلامي، له يقينه الداخلي، وصدقه الذاتي، ولا يحتاج إلى برهان خارجي، فضلا ~~عن أن المعجزة بمعنى خرق قوانين الطبيعة ربما كانت موجودة في المراحل السابقة ~~للوحي من أجل تحرير ms057 الشعور الإنساني من سيطرة الطبيعة أو من سلطة الحاكم ~~المطلق، فالله وحده هو القادر على كسر كل القوانين الطبيعية وعلى كل النظم ~~السياسية القائمة على حكم الفرد المطلق، ولكن في آخر مرحلة من مراحل الوحي ~~تتحول المعجزة إلى إعجاز، ويكون الفكر والفن، وهما دعامتا الوحي، المضمون ~~والصورة، الموضوع والأسلوب هما موضوعا الإعجاز؛ فالمعرفة الإنسانية مهما ~~تقدمت فإنها ستظل تجد في الوحي نظريات صادقة، وأن الخلق الفني الإنساني مهما ~~عظم فإنه سيظل يجد في أسلوب الوحي عملا فنيا باقيا على كل العصور، الوحي في ~~آخر مراحله إعلان لاستقلال الإنسان عقلا وإرادة دونما حاجة إلى تدخل خارجي ~~في عقله أو في إرادته من أجل الحصول على معرفة أو تحقيق فعل، مهمة الوحي ~~وضرورته هي في إعطاء مجموعة من الافتراضات النظرية تسهل عمليات فهم الواقع ~~بعد التحقق من صدقها بالدليل العملي أو البرهان النظري، كما أنها تقصر ~~الطريق بإعطائها الأساس النظري من أجل أن يكرس الإنسان كل جهده وطاقته في ~~التحقيق، بالإضافة إلى أن هذا الأساس النظري شامل وعام ومحايد، لا يخضع لهوى ~~أو مصلحة، بل يحقق مصالح الفرد والجماعة أيا كانت، وذلك بخلاف المعرفة ~~الإنسانية التي قد يطول البحث عنها والتي قد تقع في التجزئة وأحادية الطرف ~~والتحيز والتي قد لا يتم الوصول إليها قبل نهاية حياة الإنسان والتي قد تنعزل ~~وتنحصر عن الواقع، وتظل في حدود النظرية. وقوع المعجزات الآن إما شعوذة أو ~~سحر أو خرافة أو وهم، ويمكن القضاء على كل ذلك بالنظرة العلمية للواقع، وبتوجيه ~~الجماعة نحو الثقافة النظرية العلمية، وقد تخلفت حركاتنا الإصلاحية الحديثة ~~عن دعوتها وذلك لاستمرار إيمانها بالمعجزات بمعانيها التقليدية كدليل على صدق ~~النبوة، وكخبر متواتر، وإن كانت قد حاولت أن تجعل منها باعثا على الفكر ~~والتأمل في الطبيعة، وكشفا عن مجاهل العلم، ويظل الخوف قائما من أن يتحول ~~هذا البحث إلى تسليم بالأسرار طالما ظل الإيمان سائدا على العقل. ~~(4) الأمور العامة # وقد يكون موضوع العلم هو الوجود بما هو موجود على قانون الإسلام وليس بحثا ms058 ~~إلهيا عاما ودون الوقوع في التشخيص، والموجود هو الذي يمكن إدراكه بالأمور ~~العامة مثل الوجود والماهية، الجوهر والعرض، الوجوب والإمكان، العلة والمعلول، ~~الواحد والكثير ... إلخ، وهي آخر ما وصل إليه علم الكلام من تطور نظري من أجل ~~إدراك معنى الوجود والاستدلال به على مدلوله، وهو أكثر الموضوعات تجريدا ~~وصورية، لقد استطاعت هذه الأمور العامة تحويل الوحي إلى علم أوليات # Axiomatique # أي إلى مجموعة من المبادئ ~~العقلية العامة الواضحة بذاتها، أوليات خالصة لا يسبقها شيء كما هو واضح في ~~نظريتي العلم والوجود. # 24 # موضوع العلم إذن هو «المعلوم»، الذي يمكن معرفته؛ لذلك اشتمل ~~المعلوم على نظرية العلم إجابة على سؤال: كيف أعلم؟ كما اشتمل على نظرية ~~الوجود إجابة على سؤال: ماذا أعلم؟ ولو أن العلم تطور ولم يتوقف من القرن ~~الثامن حتى الآن لكانت تلك الأمور العامة قد ابتلعت الإلهيات وأصبح العلم ~~صوريا خالصا؛ فالإلهيات قد أصبحت عقليات ولم يعد باقيا إلا النبوات أو ~~السمعيات التي عادت من القرن الثامن حتى الآن وابتلعت العلم كله بما في ذلك ~~المقدمات النظرية عن «الأمور العامة» والعقليات وريثة الإلهيات. # وبالرغم من مزايا هذا الموضوع التجريدي إلا أنه يعبر عن إيمان باطني، ~~ويهدف إلى شيء آخر، إما إلى حدوث العالم من أجل إثبات أن الله قديم أو لإثبات ~~أن الوجود متميز عن الماهية في هذا العالم من أجل إثبات أن ماهية الله هو ~~وجوده، وأن وجوده هي ماهيته، ولإثبات أن هذا العلم منقسم إلى جواهر وأعراض من ~~أجل إثبات أن الله هو الجوهر الخالص لا أعراض فيه، ويحدث نفس الشيء بالنسبة إلى ~~الوحدة والكثرة والعلة والمعلول، # 25 # وكلها تصدر عن إحساس مرهف بالإيمان معروضا عرضا عقليا صرفا، ~~وفي هذا الإحساس قد يختلف الناس، فقد يرى البعض أن إثبات حدوث العالم هو ~~المعبر عن هذا التنزيه العقلي، وقد يرى آخر أن قدم العالم هو الأكثر ~~تعبيرا عن ذلك، قد يرى فريق أن عدم الربط بين العلة والمعلول ربطا ضروريا ~~تعبير أصدق عن التصور الإيماني للعالم، بينما ms059 يرى فريق آخر أن الربط الضروري ~~بين العلة والمعلول هو أصدق تعبير عن وجود الله وحكمته، وهكذا يختلف الناس في ~~تعبيرهم عن إحساساتهم الدينية بالصور العقلية. وإنما يرجع اتهام بعضهم لبعض ~~بالخروج عن الدين في أحسن الأحوال، ومع توافر حسن النية، إلى تعدد هذه ~~الصور العقلية أو تضاربها، مع أنها كلها صور إيمانية تعبر عن عواطف إيمانية ~~بالرغم من اختلاف ظروف نشأتها. # 26 # هذا بالإضافة إلى أن هذه الأمور الصورية العامة ما زالت مرتبطة ~~بالجو العام لبيئة ثقافية معينة هي البيئة اليونانية ومفاهيمها، وهي بطبيعتها ~~مثالية، والمثالية والعواطف الدينية صنوان، والخلاف بينهما في الدرجة وليس في ~~النوع، فقط في درجة التجريد. # ولما كانت هذه الصور الدينية ليست وليدة البيئة الثقافية المعاصرة، فإنه لزم ~~ملؤها بمادة معاصرة حتى يمكن أن تعبر عن مضمون معاصر، وإلا ظلت صورية ~~فارغة تعبر عن الطهارة الدينية والتقوى الباطنية التقليدية، إن «الأمور ~~العامة» اليوم ليست هي أفكار الوجود والعدم والماهية، والجوهر والعرض ، الواحد ~~والكثير، العلة والمعلول، الوجوب والإمكان، القدم والحدوث ... إلخ، فقد كانت هي ~~المفاهيم السائدة في الثقافة القديمة بعد ترجمة الثقافة العصرية آنذاك، وكان ~~مصدرها الرئيسي من اليونان، أما اليوم فقد أصبحت أفكار الحرية والعدالة ~~والمساواة والتحرر والتقدم والنهضة بل والثورة والتغير الاجتماعي هي ~~الأفكار السائدة في ثقافتنا المعاصرة منذ فجر نهضتنا الحديثة، والتي أصبحت ~~جزءا من الثقافة العصرية بعد الترجمات عن الثقافات العصرية الحالية ومعظمها ~~وارد من الغرب، وكما عبرت الأمور العامة القديمة عن مقتضيات ثقافتنا القديمة ~~وحاجاتها، فإن الأفكار المعاصرة تعبر أيضا عن مقتضيات ثقافتنا الحالية ~~وحاجات مجتمعاتنا المعاصرة. # 27 # | خامسا: منهجه # لم يفرد القدماء قسما للحديث عن منهج العلم، بل جعلوه جزءا من تعريفه، وهو ~~إيراد الأدلة اليقينية على صحة العقائد الدينية ودفع حجج الخصوم، ورد شبه ~~المعارضين، المنهج إذن مزدوج: الأول إيجابي وهو: «إثبات صحة العقائد الدينية ~~بالأدلة اليقينية»، والثاني سلبي وهو: «دفع حجج الخصوم، ورد شبه المعارضين». # 1 ~~(1) المنهج الإيماني # والمنهج الأول منهج إيماني خالص يقوم على التسليم بالعقائد الدينية ms060 تسليما ~~مسبقا عن طريق الوحي، وفي هذه الحالة تكون وظيفة العقل مجرد إيراد البراهين ~~على صحة المسلمات المسبقة، وهو المنهج المعروف في العصر الوسيط الأوروبي ~~«أومن كي أعقل»، # 2 # أو «الإيمان باحثا عن العقل»، صحيح أن مضمون الإيمان الإسلامي ~~مختلف عن مضمون الإيمان المسيحي؛ لأنه يحتوي على صدقه من داخله في حين يحتاج ~~الإيمان المسيحي إلى صدق خارجي من ألوهية أو نبوة أو معجزة أو إرادة أو إلهام ~~أو سر، وقد وضح ذلك في المقدمات الإيمانية التقليدية وتعبيرها عن الأحكام ~~المسبقة التي يبدأ منها الأصولي المتكلم، وهي عقائد أهل السنة التي يريد ~~البرهنة على صحتها للآخرين وليس لنفسه؛ وبالتالي تكون نتائجه هي مقدماته، ~~ومكتشفاته هي مسلماته، وكأن البحث ذاته ما هو إلا لملأ الفراغ بين المقدمات ~~والنتائج، يقوم منهج علم الكلام عند القدماء إذن على البحث عن الأدلة اليقينية ~~لإثبات صحة العقائد المسلم بها سلفا بعد الإيمان بها، وهو وقوع في «الدور» ~~بين الإيمان والعقل، أومن كي أعقل ثم أعقل كي يزداد إيماني رسوخا، ولكي أثبت ~~للآخرين صحة إيماني، وهو على عكس المنهج في علوم الحكمة الذي يبحث عن بداية ~~عقلية مطلقة دون افتراض إيمان مسبق وإن خرجت صور العقل تعبيرا عن الطهارة ~~الدينية والتقوى الباطنية، يبدأ المنهج الكلامي إذن بالتسليم ثم يثني بالبحث ~~عن الأدلة وإيجاد البراهين على صدق ما سلمنا به أولا، فهو علم إيماني ~~خالص أكثر منه علما عقليا؛ وبالتالي يفتقد شروط العلم وهو البحث عن نقطة ~~بداية يقينية يصل إليها العقل من داخله، وهذا لا يعني أن الإيمان وظيفة له ~~لأنه يكون أحيانا حدسا مباشرا أو تجربة صادقة أو عاطفة نبيلة أو مبدأ ~~مثاليا، وكلها تدخل ضمن وسائل المعرفة وشروط الإدراك، وأحيانا يقدم الإيمان ~~افتراضا نظريا لفهم الواقع، ثم تكون مهمة العالم التحقق من صحة هذا ~~الفرض بالدليل العقلي أو البرهان الحسي، وأحيانا يقدم نظرة شاملة للكون تكون ~~مهمة العالم تحويلها إلى بناء فردي ونظام اجتماعي وحركة في التاريخ، ذلك يمكن ~~تعميم البراهين والأدلة إلى غيره ms061 من المعطيات الدينية، خاصة إذا كان الوحي ~~الإسلامي معطى مثاليا وليس نوعيا كما هو الحال في المراحل السابقة للوحي ~~التي تمسك بها الوعي الأوروبي. # 3 ~~(2) المنهج الدفاعي # والمنهج الثاني الذي يستعمله علم الكلام هو منهج الدفاع عن العقيدة، والذب ~~عنها، ضد البدع والشبه التي يروجها الخصوم من المعاندين والمبطلين؛ فهو علم ~~دفاعي ضد هجوم المنتقدين. # 4 # والحقيقة أن الدفاع ليس منهجا للعلم، بل هو مجرد تقريظ وثناء ومدح للنفس ~~وثلب وهجوم وتجريح للآخر. ليست مهمة العلم الدفاع أو الهجوم، بل تلك مهمة ~~المحاماة، والدفاع والهجوم كلاهما يقومان على التعصب والهوى والمصلحة، ~~ويدلان على نقص في العلم والموضوعية والتجرد والنزاهة والحياد، العلم ~~تحليل عقلي للموضوعات أو وصف علمي للظواهر لإدراك الحقائق الصورية أو المادية ~~أو رؤية للماهيات في التجارب الحية وليس تعصبا أو هوى، دفاعا عنها وهدما ~~لنقيضها، الدفاع شيء والتأسيس النظري شيء آخر، الدفاع همه دحض حجج الخصم ~~واستخدام العقل لذلك صوابا أم خطأ، أما التأسيس فمهمته معرفة البناء النظري ~~للعلم ، الدفاع والهجوم كلاهما معارك في الهواء، وتحويل للنضال الحقيقي من ~~الواقع إلى الفكر، خاصة إذا كانت موضوعات الجدل لا تؤثر في مجريات الأحداث ~~المباشرة مثل خلق القرآن، ووجود الملائكة، وعذاب القبر، والميزان، والصراط، ~~والحوض، الدفاع موقف ينم عن ضعف صاحبه، وهجوم الخصوم يدل على قوة المعارض، ~~وفي النهاية يرجع الفضل إلى الخصم في التحدي والمعارضة وإجبار المتكلم على ~~التفكير والاستدلال، فالخصم ليس شرا، بل هو الباعث والدافع والمحرك والمنشط ~~لذهن الأصولي المتكلم؛ وبالتالي يكون الخصم هو المؤسس للعلم باعتراضاته وليس ~~المدافع عن العلم بأجوبته. # ولا يكون الدفاع عن الدين فحسب، بل عن تفسير معين للدين، ولا عن العقائد ~~الإسلامية، بل عن تصور معين لها، وهو تصور مذهبي لفرقة خاصة هي في الغالب ~~فرقة أهل السنة التي أصبحت، بعد الصراع على السلطة وحسم الصراع لصالحها، ~~الممثلة للعقائد الرسمية للدولة، ضد تراث المعارضة السرية مثل عقائد الشيعة أو ~~المعارضة العلنية من الخارج مثل نظريات الخوارج أو المعارضة العلنية من الداخل ~~مثل ms062 أصول المعتزلة؛ فالدفاع عن المذاهب الكلامية وعقائدها أكثر من الدفاع عن ~~الدين نفسه، وكانت الغاية من تأليف كتب العقائد الدفاع عن عقيدة أهل السنة حتى ~~في علم الكلام المتأخر الذي يظهر فيه العلم مستقلا عن عقائد فرقة بعينها، ~~بادئا بنظرية العلم ومثنيا بنظرية الوجود، وتحويل عقائد الفرق إلى مجرد ~~تذييل للإمامة في نهاية العلم. # 5 # لا عجب إذن أن تكون المصنفات الكلامية في معظمها «سنية أشعرية» إلا ~~فيما ندر؛ دفاعا عن فرقة بعينها هي الفرقة الناجية! الدفاع عن العقائد إذن هو ~~في الحقيقة دفاع عن المذهبية، ودفاع عن الفرق الدينية، ودفاع عن الموقع من ~~السلطة، سلطة الحكم أو سلطة المعارضة. والمذهبية والتحزب كلاهما وقوع في ~~التعصب، والانغلاق، وضيق الأفق، والتضحية بمصالح الناس من أجل وهم انفعالي أو ~~مصلحة خاصة، لا يعني ذلك التخلي عن المعارك الفكرية، فهي ضرورية للتصديق ~~والبرهان، وللحوار بين الفرق لتوعية الجماهير وخلق جو ثقافي عام قادر على ~~تحريك العقول، وتنشيط الأذهان، دون الانتساب المسبق إلى مذهب معين حتى يتم ~~استبعاد «الدجماطيقية» ويبدأ التنوير، وتثار التساؤلات، وتطرح البدائل، ~~ويعاد الاختيار، ودون الولاء لفرقة بعينها، حتى يتم جمع شمل الأمة في إطار ~~الوحدة الوطنية دون صراع على السلطة، إعدادا للأمة لمرحلة قادمة تعود إليها ~~وحدتها المفقودة منذ الفتنة الأولى. # 6 # وغالبا ما يكون الدفاع دفاعا عن النفس وليس دفاعا عن الفكرة، ويكون الهجوم ~~هجوما على الآخر وليس هجوما على الفكرة؛ وبالتالي يقضي على استقلالية الفكر ~~وشموليته، ويتحول إلى فكر متجسد في أفراد وأشخاص، وتتحول الحجة من حجة ضد ~~الفكرة إلى حجة ضد ~~الشخص # Argumentum Ad Hominem # وهو الشائع في حياتنا الثقافية المعاصرة، ولما كان كل ~~فرد يمثل مصلحة خاصة أو مصلحة جماعة تحول علم الكلام إلى علم يكشف عن تضارب ~~المصالح والأهواء، ويعبر عن القوى الاجتماعية وصراعاتها، فالجدل في نهاية ~~الأمر تبرير نظري لصراع القوى الاجتماعية، انقلب العلم إلى تجريح، وقد يكون ذلك ~~أحد أسباب تسمية علم الكلام من «الكلم» أي «الجرح»؛ أي التأثير القوي الذي يصل ~~إلى ms063 حد الجرح؛ لذلك أنشئ علم مستقل هو علم آداب النظر والجدل للتقليل من آثار ~~الجروح والتخفيف من المثالب والطعان على أصحاب الرأي والنظر. # 7 # فإذا كان القدماء قد وجهوا كل هممهم للدفاع عن العقائد القديمة، فإننا ~~نوجه جهدنا لإعادة بنائها؛ لأنها ما زالت تعطينا تصوراتنا للعالم وتعمل ~~كموجهات لسلوكنا المعاصر، وقد يكون بعضها سببا من أسباب الاحتلال والتخلف - ~~وهما أزمتا العصر - ومعوقا لجهودنا من أجل التحرر والتنمية، وقد يكون بعضها ~~مانعا من الاحتلال والتخلف، ودافعا للتحرر والتنمية، ولكن ظل طاقة مختزنة ~~تتجاهلها القوى العلمانية وتحجرها القوى السلفية، إذا كان القدماء قد دافعوا عن ~~العقائد طبقا لحاجات عصرهم، فإننا نحلل الأفكار لمعرفة آثارها النفسية ~~والاجتماعية، وقدرتها على تحريك الجماهير طبقا لمقتضيات عصرنا، كما نحلل ~~الواقع المعاصر ونصف مكوناته الذهنية والنفسية لمعرفة حاجاته، فالدفاع عن ~~العقيدة عند القدماء يصبح هنا تحليلا للأفكار ووصفا للواقع وتنمية للمجتمع، ~~وتغييرا للأوضاع الاجتماعية، ودفعا لحركة التاريخ إلى مرحلة تالية أكثر ~~تقدما، العقيدة باعث على السلوك، وليست حقيقة مستقلة قائمة بذاتها إلا من ~~حيث قدرتها على التغيير، وتصور بناء يجد فيه الواقع ذاته بصورة أفضل وأشمل ~~وأكمل، العقائد في المجتمعات النامية - وذلك لأنها مجتمعات تراثية - طريق ~~للتغير الاجتماعي ووسيلة لتحقيق الأهداف القومية. # 8 ~~(3) هل الجدل علم؟ # والجدل ليس علما، بل هو أقرب إلى الفن منه إلى العلم؛ إذ يقوم على المهارة ~~في إفحام الخصوم، ولا يعتمد إلا على الجهد الفردي الخالص، هو فن يعتمد على ~~الكلام، كما تعتمد الفلسفة على المنطق؛ فالكلام آلة للعقائد كما أن المنطق آلة ~~للعلوم، ومن هنا أتت تسمية علم الكلام «فن الجدل والمهاترات»، # 9 # والغاية من الجدل إفحام الخصم وليس الوصول إلى اليقين الذي يتجاوز ~~الخصمين معا، غايته نفعية خالصة وليست نظرية، في حين أن العلم هو العلم ~~النظري، غايته إقناع الآخرين ليس بالضرورة عن طريق البرهان، بل يمكن أن يتم ~~ذلك عن طريق الإيهام وأساليب الإيحاء وشتى وسائل الإقناع، الجدل مثل الخطابة، ~~كلاهما فن يهدف إلى التأثير على النفوس، الأول بحضور ms064 الخصم المجادل، والثاني ~~بحضور جماهير الناس. # 10 # ولما كانت الغاية من الجدل ليس الوصول إلى الحق، بل إفحام الخصم ~~والانتصار عليه، ولو كان على حق استعملت كل أساليب الإقناع للانتصار عليه، ولو ~~كانت تقوم على الباطل، فالغاية تبرر الوسيلة؛ وبالتالي يصبح الجدل كل المنطق ~~وتمحي التفرقة بين منطق الإقناع (الجدل) ومنطق البرهان (القياس)، ويتحول ~~المنطق من علم معياري إلى علم نفعي، كما يتم الجدل على مستوى انفعالي ~~خالص، ولا يستخدم العقل إلا للعثور على حجج لتأييد الانفعال السابق، والحقيقة ~~أن العلم لا يكون علما إلا إذا تحول إلى نظرية، وقام على أسس عقلية خالصة، ~~والجدل هنا ليس هو جدل الأفكار أو جدل التصورات أو جدل التاريخ، بل هو مجرد ~~الحوار بين متخاصمين، قد يفيد في المعارك الفكرية، في الحوار المعقود بين وجهات ~~نظر مختلفة، ولكنه لا يمكن أن يكون أساسا لعلم، بل يكون نوعا من توحيد الجهود ~~النظرية للوصول إلى الحد الأدنى من الاتفاق الفكري. ليست الغاية أن يقتنع أحد ~~المتحاورين بوجهة النظر الأخرى والتسليم بها، بل إيجاد أوجه الاتفاق كأساس ~~لوحدة فكرية وأوجه الاختلاف وجعلها أقل قدر ممكن تشير إلى الأطر النظرية ~~العامة التي لا أثر لها في المواقف العملية، ولكن دون ذلك لا يؤدي الجدل في ~~النهاية إلى أية نتيجة، إذ لا ينهزم أحد، ولا ينتصر أحد، ولا يبقى إلا ~~التعاند والخصام، فالغاية مجرد إظهار قدرة المجادل وضعف غريمه طلبا للمدح ~~والثناء، إما من العامة أو من السلطان. # 11 # كما يؤدي الجدل إلى النزاع في الحق، والحق النظري لا نزاع فيه، ويؤدي إلى ~~تغلب وجهات نظر فردية تعبر عن قصر نظر أو هوى أو مصلحة على الحق الواحد ~~المجرد الشامل، وبكثرة الجدل تتعدد الحقائق وتضيع وحدتها كمبدأ مسبق، كبديهية ~~ومسلمة، ويكون كل شيء فيه قولان كما هو الحال في الفقه، وكما نسخر في حياتنا ~~اليومية عندما نضرب المثل بضياع الحق من خلال تضارب الأقوال. # 12 # لا يدافع عن الحق بالجدل؛ فالحق لا يدافع عنه، بل يعرض ~~ويحلل عقلا ms065 وواقعا ببيان أسسه العقلية والواقعية، الحق فكرة بديهية أو ~~تجربة إنسانية أو مشاهدة حسية لا خلاف عليها، وكثيرا ما يتحول الجدل إلى ~~مهاترات خالصة، يتحدث المجادل وخصمه في الكل ولا شيء بلا تحديد للألفاظ أو بحث ~~عن المعاني أو إشارة إلى الأشياء، ويصبح الحوار بين صم، لا يسمع أحدهما ما ~~يقول الآخر، المتكلمون يتكلمون، ويفهم الواحد نصف ما يقوله الآخر فهما ~~خاطئا، يسقط ما لا يريد، ويزيد على ما يريد، ويحور ما يفهم حتى يتفق مع ~~مقاله، فلا يفهم إلا ما يريد، ولا يدرك إلا ما يفيده في الرد على الخصوم، ~~وكثيرا ما يأتي الرد قبل الفهم، وبالتالي ينتهي الجدل إلى حوار بين الذات ~~ونفسها، وكأنه حديث النفس بصوت عال، لا يسمعه إلا صاحبه، أو كمن يصدر أصواتا ~~ولا يتلقى إلا صداها. وإذا كان الجدل يهدف إلى إفحام الخصم والقضاء على البدع، ~~فإنه يؤدي إلى عكس ما قصد إليه؛ فالرد على البدع نشر لها، وتعريف بها، ~~بعدها تقوى البدعة، ويتحمس الناس لها. # 13 # لذلك كان التوقف عن الحكم أولا ثم عدم الدخول في علم الكلام ~~ثانيا وسيلة للقضاء على البدعة. # وقد أدرك القدماء أن الجدل يقوم على مسلمات خاطئة؛ إذ يدافع الجدلي عن ~~معتقداته على أنها مسلمات دون أن يبحثها سلفا، ويثبت صدقها؛ الجدل بهذا ~~المعنى تعصب وهوى، بل لا ضير أن يسلم الجدلي بمقدمات الخصم حتى ولو كانت ~~خاطئة ما دام الغرض من ذلك هو إفحامه أو على معاندة الخصم، وذلك بإنكار ما ~~للخصم من مسلمات حتى ولو كانت سليمة، فكما أن الجدل تشبث بالباطل، قد يكون ~~أيضا إنكارا للحق؛ لذلك وصفت الفرق الكلامية المختلفة بأنها «أهل الأهواء»، ~~وتاريخ الفرق بأنه تاريخ «الهوى»، والهوى يقود إلى الضلالة، # 14 # وقد تحتوي بعض المقدمات الإيمانية أحيانا على بيان المناهج ~~الجدلية التي يستعملها المتكلم في عرض موضوعاته وإثباتها والبرهنة عليها؛ وهي ~~مناهج تجمع بين المنطق والأصول والجدل، وأهمها: ~~(أ) # السبر والتقسيم: وهو حصر الأمور في قسمين، وعندما يبطل أحدهما ~~يلزم ثبوت الآخر، ms066 وهو مستعمل أحيانا في مناهج البحث عن العلة في ~~علم أصول الفقه. # 15 # وهو منهج ظني خالص، ولا يوصل إلى اليقين لأسباب عديدة ~~منها؛ أولا: ما الضامن على أن الحصر تام وليس ناقصا؟ ما السبب ~~في أن الأمور تنحصر في قسمين اثنين وليس في ثلاثة أو في أربعة؟ إن ~~القسمة الثنائية ما هي إلا تعبير عن عاطفة دينية في الحق والباطل، ~~والخطأ والصواب، ثم يأخذ المتكلم جانب الصواب ويضع الخصم في جانب ~~الخطأ، وإذا كانت القسمة مستفادة من علم آخر، فما صحة هذا العلم؟ ~~وما هي هذه المقدمات؟ المقدمات إذن ما هي إلا افتراضات مسبقة لم ~~يبرهن عليها بل يتم التسليم بها. ثانيا: لا بد من ترتيب المقدمات ~~على شرط مخصوص وأن يندرج الفرع تحت الأصل استيفاء لشرط الاستغراق، ~~فإن لم يكن الفرع مستغرقا في الأصل استحالت النتيجة، وفي حالة ~~وجود نتيجة فإنها تكون متضمنة من قبل في المقدمات، ويصبح الاستدلال ~~عقيما. ثالثا: ما الدليل على بطلان دعوى الخصم؟ يحتاج المتكلم ~~إذن إلى منهج آخر لإثبات بطلان هذه الدعوى، لماذا يثبت مقدما أن ~~دعوى الخصم باطلة، ودعوى المتكلم صحيحة؟ قد تكون دعوى المتكلم ~~باطلة ودعوى الخصم صحيحة خاصة وأن علم الكلام ما هو إلا محاولات ~~للعثور على أسس عقلية للعقائد، وهي كلها محاولات اجتهادية تخطئ ~~وتصيب. وماذا يحدث لو كانت دعوى الخصم باطلة من وجه وحقا من وجه ~~آخر؟ وما السبب في تصنيف الدعاوى بين الكل أو لا شيء، وكيف يعتمد ~~المتكلم على دعوى الخصم وقد تكون باطلة ولا سبيل إلى التحقق من ~~صحتها؟ رابعا: إن بطلان دعوى الخصم لا يستلزم بالضرورة صدق دعوى ~~المتكلم؛ لأن هذا إثبات الشيء عن طريق نفي الدعوة المضادة، ~~والإثبات عن طريق النفي لا يثبت إلا نفي الضد، ولكن لا يثبت الشيء ~~المراد إثباته؛ لذلك كان «اللاهوت السلبي» # La Théologie Negative # عن طريق نفي الضد هو السائد ~~على «اللاهوت ~~الإيجابي» # La Théologie Positive ~~. خامسا: إذا كان لا بد أن يقوم الخصم ~~بالتسليم بالفرع حتى يثبت ms067 الأصل، فما العمل إذا لم يسلم الخصم؟ ~~السبر والتقسيم إذن منهج جدلي لا يثبت شيئا يقينيا ولا يمكن أن ~~يكون منهجا للعلم. ~~(ب) # ترتيب أصلين تلزم عنهما نتيجة، فإذا سلم الخصم بالمقدمتين سلم بالنتيجة. # 16 # وهذا المنهج أيضا لا يثبت شيئا لأسباب عديدة منها: ~~أولا: ما الدليل على صحة المقدمتين؟ هنا تبدو مقدمات علم الكلام ~~وكأنها أحكام مسبقة أو بديهيات، فإذا كانت أحكاما مسبقة، فإنه ~~يمكن للخصم رفضها بسهولة، وما دام علم الكلام يقوم على أحكام ~~مسبقة، فإنه لا يكون علما، وإن كانت بديهيات، فالبديهيات ليس لها ~~خصوم. ثانيا: إن النتيجة الثالثة التي تلزم من المقدمتين إن سلم ~~بها الخصم لا تكون نتيجة؛ لأنها متضمنة في إحدى المقدمتين أو في ~~كلتيهما؛ ومن ثم لا يكون علم الكلام علما منتجا؛ لأنه ~~مبني على قياسات غير منتجة، ويكون علما عقيما قائما على ~~قياسات عقيمة، وإن رفضها الخصم فذلك يدل على أن القياس كله لا ~~يؤدي إلى الإقناع. ثالثا: يستطيع الخصم أن يتبع نفس المنهج ~~كما يستطيع أي مجادل اتباعه؛ إذ يعرض الخصم مقدمتين إذا سلم بهما ~~المتكلم لزمت منهما نتيجة معارضة له، فهو سلاح ذو حدين يمكن ~~استعماله في الحق والباطل معا. ~~(ج) # إثبات استحالة دعوى الخصم؛ لأنها تفضي إلى المحال، وبالتالي ~~تثبت دعوى المتكلم. # 17 # وهذا المنهج أيضا لا يؤدي إلى شيء؛ لأنه أولا ~~قائم على منهج آخر يثبت به استحالة دعوى الخصم، وثانيا لأن ~~الخصم يستطيع أن يطبق نفس المنهج بإثبات استحالة دعوى المتكلم؛ ~~ومن ثم تثبت دعواه، وتكون النتيجة إثبات دعويين متناقضتين ~~كلتاهما صحيحة جدلا. ثالثا: إن إثبات استحالة دعوى لا تثبت ~~إمكان دعوى أخرى؛ لأن الإثبات بنفي العكس ليس إثباتا بالدليل، بل ~~بوجود الدليل على نفي الضد وليس بوجود دليل على الإثبات. # ومن الممكن صياغة منهج للجدل من خلال المصنفات الكلامية، خاصة الجدلية ~~منها، ويكون ذلك أقرب إلى منطق الكلام منه إلى علم الكلام. # 18 # وقد استطاع علماء الكلام تأسيس منطق جدلي للدفاع عن النفس وتفنيد ~~حجج الخصوم ms068 حتى أصبح علم الكلام كله علما للجدل، فإن لم يبق شيء كمادة للعلم، ~~فعلى الأقل فإن صورة العلم وهو منطق الجدل باقية، لم يترك علماء الكلام رسائل ~~في الجدل مستقلة عن المادة الكلامية، كما أنهم لم يضعوا قواعد للجدل يمكن ~~تطبيقها، ومع ذلك نجد منطق الجدل متناثرا داخل المادة الكلامية يمكن استخلاصه ~~وتصنيفه وتبويبه كنوع من تحليل «المقال» الكلامي ابتداء من «قواعد» الخطاب، ~~ويمكن تصنيف أبواب هذا المنطق في أقسام رئيسية ثلاثة: # 19 ~~(أ) # مناهج النقل أو طرق الرواية، ومهمتها نقد النصوص المنقولة، ~~وتحديد مدى صحتها، ونسبة يقينها، خاصة فيما يتعلق بالحديث ويشمل: ~~نقد الرواية وصحة نسبتها إلى المتكلم، مواجهة نص بنص آخر مساو له ~~أو أقوى منه، مقابلة الإجماع على نص بإجماع آخر مساو له أو أقوى ~~منه، الاتفاق مع التصور الديني العام دون اللجوء إلى نص معين، ~~تحريف نقل رواية المتكلم عن قصد من أجل الكذب المتعمد والتشويه، ~~إما بالنقص أو الزيادة أو التحريف بنقل الألفاظ وتبديلها لإفساد ~~المعنى. ~~(ب) # فهم الروايات وتأويل النصوص، فلا يوجد خبر خالص إلا بفهم ~~وتأويل؛ وبالتالي يمكن تصحيح خطأ فهم الخصم وإعطاء الفهم الصحيح، ~~التفرقة بين الجزء والكل وأن ما يقال على الجزء لا يقال على ~~الكل، وما يقال على الكل لا يقال على الجزء، تحديد مستوى التحليل ~~هل هو إلهيات أم طبيعيات أم إنسانيات، التفرقة بين مفهومين ثم ~~الخلط بينهما مثل الاضطرار والطبيعة فكون الأشياء تسير وفقا ~~لطبيعتها لا تعني أن «المؤله» مضطر لمسايرتها، تحويل الموقف ~~الشخصي إلى موقف عام للمذهب، إثبات الفكرة والدفاع عنها، والإبقاء ~~على تعارض وجهات النظر. ~~(ج) # تفنيد مواقف الخصم ابتداء من تحليل شعوره، وإرجاع موضوعية ~~الفكرة إلى ذاتية القائل بها، وإعلان أن هذه الفكرة المنقودة قد ~~تاب عنها صاحبها وأنها لا تمثل مذهبه؛ ومن ثم إدخال بعد ~~التطور الفكري للمتكلم، وضرورة نسبة أقواله إليه طبقا لمراحل ~~تطوره الفكري، دفع النقد بأنه تشنيع وليس نقدا علميا؛ أي تحويل ~~موضوعية النقد إلى ذاتية الناقد، إيقاع الخصم فيما ينقده، ms069 وباختصار ~~تحويل عقائد المتكلم إلى سلوك شخصي وبناء للشعور وإدخالها في دائرة ~~البواعث والدوافع والمقاصد والأهداف. # والجدل لا يكون منهجا لعلم يقيني، بل لعلم ظني محض؛ لأنه لا يوصل إلا للظن؛ ~~فالجدل طريق ظني لا يوصل إلى اليقين؛ لذلك وضعه المناطقة مع السفسطة والخطابة ~~والشعر منطقا للظن، وأخرجوه من منطق اليقين، لم يستطع علم الكلام أن يكون ~~علما «منحى عن غياهب الشكوك وظلمات الأوهام»، بل كان كل ما انتهى إليه من قبيل ~~الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، والعلم لا يكون علما إلا إذا كان علما ~~يقينيا موصلا إلى اليقين على الأقل من ناحية المنهج وليس من ناحية النتائج؛ ~~وبهذا المعنى تكون علوم التصوف أكثر استحقاقا لتسميتها بالعلم؛ لأنها - على حد ~~قول الصوفية - تؤدي إلى اليقين وإن كان يقينا ذوقيا يقوم على الكشف ~~الخالص. ومع ذلك، يرى القدماء أن مهمة علم الكلام هو تحويل الإيمان إلى يقين، ~~والاستدلال عليها من الأدلة اليقينية من أجل التصديق، بل إن علم الكلام ~~سمي كذلك لأنه هو «الكلام» دون سائر فنون الكلام؛ لأنه هو الكلام الأقوى ~~والأيقن ودونه الأضعف والأظن! # 20 # ولا يوجد الظن - عند القدماء - إلا في العمليات أي الفقه، أما ~~النظر فليس فيه إلا اليقين، والحقيقة أن العمل هو الأولى باليقين من النظر، وأن ~~النظر أولى بالظن من العمل؛ فالأطر النظرية لا يمكن الاتفاق عليها بين الناس، ~~في حين أن الاتفاق على برنامج عمل موحد ممكن، والأمثل بطبيعة الحال هو اليقين ~~في النظر وفي العمل على السواء؛ فغياب اليقين من العمل، إن حدث، يكون أيضا ~~نقصا في النظر نفسه لأن النظر اليقيني يؤدي بالضرورة إلى عمل يقيني. يحدث ~~الظن في العمل نتيجة لارتباط العمل بموقف معين في زمان ومكان محددين؛ ومن ~~ثم وجب التفسير والاجتهاد، ووجب التعين والتخصص، وهذا طبيعي، ولا يخرج على ~~اليقين، ولكنه يقين التاريخ والممارسة وليس يقين النظر، وفي النهاية إذا كان ~~الجدل يؤدي إلى الظن ويتأسس السلوك على الظن فإن الجدل يؤدي إلى السلوك ~~الظني ويمحي اليقين ms070 في الأخلاق. # 21 # وإذا كانت الغاية من علم الكلام تأسيس العقائد على يقين، فإنه قد ~~قام بعكس غرضه وأسسها على ظن خالص، بل إن البدعة التي يود علم الكلام ~~نقضها هي التي تتحول إلى يقين بالعجز عن الرد عليها أو بالرد عليها ظنا؛ ~~وبالتالي يؤدي علم الكلام عن طريق الجدل على عكس ما يرمي إليه، يؤدي إلى تحويل ~~عقائده إلى ظن وعقائد الخصم إلى يقين، # 22 # وإذا كانت الغاية تأسيس الإيمان على يقين، فإن علم الكلام قد انتهى ~~إلى تأسيسه، لا على الظن فقط بل على التقليد أيضا، تقليد أهل السنة والدفاع ~~عن عقائدهم، مع أن التقليد مرفوض في نظرية العلم التي وضعها علم أصول الدين ذاته. # 23 # وبالإضافة إلى الظن والتقليد، أدى علم الكلام إلى الشك والتردد ~~وإلى التعصب والجزم، وهما طرفا نقيض؛ فالشك والتردد مضيعة لليقين النظري، ~~والتعصب والجزم مضيعة للعقل والبرهان، وكأن البحث عن اليقين قد انتهى إلى ~~مضادات اليقين: الظن، والتقليد، والشك، والتعصب. وإذا كانت الغاية من علم ~~الكلام إعطاء الأسس النظرية للعقائد، فإنه لم يعطنا أساسا نظريا واحدا ~~متفقا عليه حتى يمكن إقامة السلوك عليه، وكيف تكون الأسس اليقينية متضاربة، ~~ومختلفا عليها، وتحتوي على الأساس وضده؟ وكيف يحدث الخطأ في اليقين، ومنها ~~الأساس، والعمل كله قائم عليه، والقائم على الخطأ خطأ. # 24 # بالرغم من اتفاق القدماء على أن علم الكلام علم بمقاييس عصرهم وطبقا لظروفه ~~وحاجاته، إلا أنه في الحقيقة ليس علما بمقاييس عصرنا ولا طبقا لظروفه ~~وحاجاته؛ فكل عمل للعقل في النص لديهم كان علما، وكل عرض للوحي عرضا نظريا ~~كان علما حتى اتسع نطاق العلم، وشمل كل جهد عقلي في النص، في حين أن العلم ~~لدينا وصف للظواهر، وتحليل للتجارب، وأن النص بالنسبة لنا هو أحد مصادر ~~المعرفة، أما العلم فإنه علم بالواقع بعد عمل العقل والحس فيه، النص هو وسيلة ~~للعلم وليس موضوعا للعلم، إلا في نظرية التفسير. # 25 # إن العلم لا يكون علما إلا إذا كان له على الأقل موضوع ومنهج، ms071 ~~وعلم الكلام على هذا النحو الذي وصفنا لا موضوع ولا منهج له. # | سادسا: مرتبته # (1) من حيث الموضوع # يضع القدماء علم الكلام في أعلى الدرجات، فهو أشرف العلوم من حيث الموضوع ~~والمنهج والفائدة والغاية. # 1 # هو أشرف العلوم من حيث الموضوع؛ لأنه يتناول أشرف الموضوعات، وهو ~~«ذات الله وصفاته وأفعاله». # 2 # والحقيقة أنه ليس هناك علم «أشرف» من علم آخر؛ فالعلوم كلها على ~~مستوى واحد؛ لأن الموضوعات كلها على مستوى واحد، لا تفاضل بينها في الشرف أو ~~القيمة، علم النبات ليس أشرف من علم الحشرات، وعلم الحيوان ليس أشرف من علم ~~النبات، والعلوم الإنسانية ليست أشرف من العلوم الطبيعية، والعلوم الإلهية ~~ليست أفضل من العلوم الإنسانية، وتعبر ألفاظ «أشرف» و«أفضل» عن أحكام قيمة ~~وليس عن أحكام واقع، كما تعبر عن إسقاط من الإنسان على الواقع وليس عن الواقع ~~ذاته. إن موضوعات الطبيعة لا تتفاوت فيما بينها شرفا وكمالا، بل يقع التفاوت ~~في أعمال الإنسان. # 3 # وإذا كان لموضوع الذات شرف، فهو أنه أول حقيقة يقينية يبدأ منها ~~الإنسان، وهي ذاته وصفاته وفي مقدمتها الفكر، فهي ذات مفكرة، وأفعالها وأولها ~~التغيير والتطوير، فهي ذات فاعلة؛ أي أن الحقيقة اليقينية الأولى التي يضعها ~~العلم ويبدأ منها هي أن الإنسان نظر وعمل، وأن الذات فكر وسلوك، وشرف الذات ~~ناتج عن كونها خالصة متعالية مفارقة، تشير إلى مستوى لامادي مثل المعيار في ~~المنطق، فالخالص أساس الشائب، والصوري مقياس المادي؛ ومن ثم كان علم ~~أصول الدين علما معياريا، نظريا صوريا خالصا، على أساسه يمكن إقامة ~~علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، يتميز الموضوع إذن بكل خصائص العلم المجرد، مثل ~~الشمول والعلو. موضوع العلم هو الشامل لا المتعين، والعام لا الخاص، والمتعالي ~~لا الطبيعي الذي لا يفارق مادته، شرف الموضوع في أنه المبدأ العام الذي ينتسب ~~إليه الإنسان نظرا وعملا، وهو ذاته التي تصل إلى حد الإطلاق عند تحقيق ~~رسالتها، وحين تمتد وتنتشر وتحتوي العالم داخلها فتتحول إلى مطلق. # ويضع علم الكلام ذات الرسول مع ذات الله، كلاهما موضوعان ms072 شريفان، وبالرغم مما ~~في هذا الوضع من نقص في التنزيه للذات الإلهية ومساواتها على نفس درجة الشرف ~~لذات النبي، فإن الذوات الإنسانية لا تتفاضل أيضا فيما بينها، فلا توجد ذات ~~إنسانية أشرف من ذات إنسانية أخرى حتى ولو كانت ذات النبي، الكل بشر، يتمثل ~~نفس الأساس النظري، ويحققه بنفس أنماط السلوك، وليس للنبي وظيفة زائدة على ~~وظائف سائر البشر إلا التبليغ الذي يمكن أن يقوم به أي إنسان، أما صلة ~~النبي كمبلغ بمصدر الرسالة فهو خارج نطاق العلم وأدخل في نظرية النبوة ~~والاتصال في علوم الحكمة. # وإذا نظرنا إلى نتائج العلم التي انتهى إليها في أشرف الموضوعات، وهي الذات ~~الإلهية والذات النبوية، لوجدنا أنها لا تليق بها؛ فقد حدث تأليه للأشخاص عند ~~غلاة الشيعة، كما ظهر تجسيم للذات في عموم الشيعة، كما حدث تشبيه عند أهل ~~السنة، ولم يظهر التنزيه إلا عند المعتزلة، وبالرغم من أن هذا التنزيه أيضا هو ~~تجريد إنساني عال، وإطلاق للصفات الإنسانية إلى أقصى حد، إلا أنهم لم يقدر ~~لآرائهم الاستمرار والبقاء بعد انتصار «الأشعرية» كعقيدة رسمية للدولة، حتى هذا ~~التنزيه الاعتزالي قائم على قدر من التشخيص للذات الإلهية وتصورها على أنها ذات ~~إنسانية لها صفات وأفعال، فما أملنا فيه، ورغبنا في تحقيقه، ولم نستطع جعلناه ~~صفات إيجابية للذات الإلهية، وما تصورنا أنه نقص وعيب فينا نفيناه عن الذات ~~الإلهية، وما عجزنا عن التعبير عنه قسناه على أنفسنا؛ # 4 # ومن ثم انتهى الحديث عن أشرف الموضوعات إلى حديث الإنسان عن ~~نفسه ورجعنا إلى الموضوع الطبيعي. # وبالإضافة إلى هذا الانتقاص من شأن أشرف الموضوعات بتأليه الأشخاص وتأليه ~~الطبيعة، والتجسيم والتشبيه والتشخيص، وهي كلها أخطاء في تصور الألوهية، ~~يتدخل أشرف الموضوعات في الحياة الإنسانية ليقضي على كيانها واستقلالها؛ ففي ~~أفعال الإنسان أدى تصور أشرف الموضوعات إلى القول بالجبر أو بالكسب الذي لا ~~يختلف كثيرا عن الجبر، ووضعت الحرية الإنسانية موضع الشك، كما أدى في تصور ~~العقل إلى إنكار استقلاله وقدرته على فهم الظواهر، وجعله تابعا مبررا لا ~~بادئا ms073 وناقدا. أدى أشرف الموضوعات إلى إثبات أولوية النقل؛ كلام الله، على ~~العقل وهو كلام الإنسان وفهمه وإدراكه، كما كان من الضروري جعل أشرف الموضوعات ~~مسئولا عن الخير والشر معا في العالم، وليست مسئولية الأوضاع الاجتماعية ~~وممارسة الأفراد لحرياتهم، وفي الطبيعة كان من الضروري السماح لأشرف الموضوعات ~~بالتدخل بإرادته المشخصة في سير قوانين الطبيعة وإنكار ثبوتها واطرادها ~~مما يفسح المجال للأسطورة والخرافة، وفي عمل الإنسان كان من الطبيعي لأشرف ~~الموضوعات أن يرعى الإنسان برحمته ويرجئ عمله عن إيمانه، وأن يعفو، وأن يغفر، ~~وأن يتوب على الناس معطيا الأولوية للإيمان على العمل؛ ومن ثم خرج الفعل ~~من الإيمان، وتحول الإيمان إلى إيمان العجائز والضعفاء، وترك الفعل الإنساني ~~حتى يفعل الحاكم ما يشاء، وفي السياسة كان من الطبيعي أن يعين أشرف الموضوعات ~~الحاكم، وأن يطالب الناس بالطاعة والولاء الدائم للسلطة القائمة على الحق ~~الإلهي، وليس على الاختيار الإنساني أو العقد الاجتماعي الذي يمكن أن يفسخ إذا ~~ما خرج الحاكم على بنوده وشروطه، وأصبح الحاكم هو المنقذ والمخلص وليس فعل ~~الإنسان وجهده ورقابته على ما يدور حوله وأمامه. صحيح أنه كانت هناك اتجاهات ~~معارضة تنكر التأليه والتشبيه والتشخيص، وتؤول ذلك كله على أنه مجاز، ~~وتثبت حرية الأفعال، وتؤكد أولوية العقل على النقل، وتجعل الإنسان مسئولا عن ~~الخير والشر، والعمل معبرا عن الإيمان، وترى في الطبيعة كمونا وقوانين ~~ثابتة وطبائع الأشياء، وتجعل من مستقبل الإنسان أملا إنسانيا ونزوعا نحو ~~الكمال وليس تشخيصا لعوالم متخيلة تلعب فيها الذات المشخصة الدور الرئيسي، ~~وتصر على الشورى والبيعة كأساس للحكم، ولكن هذه الاتجاهات ما دامت منقوضة ~~باتجاهات أخرى معارضة، فإنها تكون مجرد وجهات نظر لأصحابها إن لم توصف بالخروج ~~على التقليد والإجماع، وإن لم تتهم بالإلحاد والكفر، فأصبح الخطأ بديلا عن ~~الصواب، والباطل اختيارا أمام الحق، وقد يتهرب الجميع عن الحق والصواب، ~~نظرا وعملا، بدعوى أن فيهما «قولان». ~~(2) من حيث المنهج # وإذا كان الشرف من ناحية المنهج؛ فالمناهج كلها على مستوى واحد من الشرف، كل ~~منهج له موضوعه، وكل ms074 موضوع له منهجه، ويكون الخطأ في المنهج أساسا باستعمال ~~منهج غير ملائم لموضوعه، فالموضوع التجريبي الحسي يلائمه منهج استقرائي، ~~والموضوع العقلي الصوري يلائمه منهج استنباطي، والموضوع الإنساني الشعوري ~~يلائمه منهج استبطاني يقوم على تحليل الظواهر الشعورية، ولما كانت موضوعات علم ~~الكلام قد عرضها القدماء على أنها موضوعات عقلية، فقد استعمل المنهج العقلي في ~~دراستها وفهمها دون المناهج الاستقرائية أو الشعورية، في حين أن العقائد ~~الإسلامية موجهات للسلوك تفعل في الناس، وتؤثر في مجرى حياتهم؛ ومن ثم ~~لزمت المناهج الاستقرائية الإحصائية لمعرفة هذا الجانب العملي من العقائد، ~~وضرورة إلحاق المناهج الاجتماعية بالمناهج العقلية، كما أن العقائد الإسلامية ~~تجارب إنسانية عامة يمكن التحقق من معانيها عن طريق تحليل وإدراك دلالاتها؛ ~~ومن ثم إلحاق مناهج التحليل الشعوري بالمناهج العقلية النقلية التقليدية، ~~وليس هناك منهج أشرف من منهج، فالمناهج كلها على مستوى الشرف على حد ~~سواء. # ولكن السؤال هو: هل استطاع علم الكلام اعتمادا على المناهج العقلية التي ~~مارسها القدماء الوصول إلى الأسس النظرية للعقائد أي إلى أصول الدين؟ هل كان ~~استعمال العلم للعقل استعمالا برهانيا أم استعمالا جدليا؟ هل استطاع ~~العقل أن يوصلنا إلى اليقين، أم أنه لم يتجاوز حدود الظن؟ هل استعمل العقل ~~استعمالا مستقلا، أم أنه كان قائما على النقل؟ الحقيقة أن علم الكلام لم ~~يعطنا إلا أسسا ظنية للعقائد، بدليل اختلافها وتضاربها، وكلها تدعي اليقين والصواب. # 5 # صحيح أن علم الكلام حاول العثور على أسس نظرية للعقائد، وتحويل ~~الإيمان إلى تعقل، والنص الديني إلى معنى مستقل قائم بذاته، وتأسيس التوحيد ~~ذاته على العقل وتحويله إلى علم نظري، # 6 # ولكن ماذا كانت النتيجة؟ تضاربت الأسس العقلية وتشعبت الآراء، ~~حتى إنه ليستحيل معرفة أي أساس نظري هو أساس الدين، وحتى إنه يصعب التعرف على ~~«أصول الدين»، ضاع الحق وسط الآراء، ولم يعد هناك تصور واحد، بل تصورات ~~عديدة، كل منها يدعي أنه أولى بالتمثل والاعتقاد، وكلما وجد الإنسان هواه ~~مع أحدها انتسب إليها، والحق معه ما دام يجد في النص أو في ms075 الرأي سندا له، ~~فالذي هواه مع التجسيم ينتسب إلى التجسيم، والذي هواه مع الجبر يكون جبريا ~~... إلخ. علم الكلام إذن هو تاريخ الأهواء والأغراض والمصالح أكثر منه تاريخا ~~للعقل، ثم ورث الهوى العداوة والبغضاء في النفوس، وضاعت وحدة العقل في تكثر ~~الأهواء، وتلاشت وحدة الوحي في تضارب الرغبات والمصالح. # 7 # إن العقل بإمكانه تنظير كل شيء، وإن شئنا تبرير كل شيء، هو آلة ~~يمكن استخدامها في كل اتجاه، فيمكن إيجاد براهين على التوحيد كما يمكن إيجاد ~~براهين أخرى على التثليث. # 8 # العقل في معظم الأحيان تابع للشعور أو محلل لمضمونه، قد تكون هذه ~~طبيعة العقل أو قد يكون هذا هو أسلوب استخدامه، أو قد يرجع ذلك إلى مستوى النضج ~~الحضاري أو البلوغ الفكري، ولكن هذا هو وضع العقل داخل «اللاهوت» أيا كان، ~~فما من دليل عقلي إلا ويمكن نقضه حتى الأدلة على التوحيد. # 9 # وما من برهان إلا ويمكن الإتيان بنقيضه، ولا يكون العيب في ~~الموضوع مثل التوحيد، بل في أدلة العقل وبراهينه، وتكون نهاية العقل المستخدم ~~لإثبات قضايا الإيمان الوصول إلى ما بدأ منه، وكأن العقل لم يفعل أكثر من ~~تكرار ذاته مرة في البداية ومرة في النهاية، عمل العقل في علم الكلام إذن ~~تحصيل حاصل، ونتائجه نتيجة لاستعمال العقل أيضا تحصيل حاصل، لم يأت بجديد ~~بالنسبة لعقائد الإيمان، ولم يزد شيئا عما حوته النصوص، بل إنه أحيانا ~~قال أقل مما قالته النصوص لأنه قاله معابا، مهلهلا منقوضا عقلا، في حين أن ~~النصوص قد عبرت عنه في اتساق وبشعر وبلغة إنسانية يفهمها كل الناس. قضى علم ~~الكلام على بساطة الوحي ووضوحه، وقدم عوضا عنه تحليلات صعبة عويصة لا يفهمها ~~الجمهور، ولا يقتنع بها العقلاء، وقدم إلى الوحي مسائل لا يستطيع أن يقول ~~فيها شيئا، وهي المسائل العقلية المحضة التي قدمتها البيئة الثقافية القديمة ~~المجاورة مثل الحركة والزمان والجوهر الفرد، والخلاء، والملاء؛ فتحولت قضاياه ~~ومسائله الجوهرية إلى قضايا فرعية لا يمكن الوصول فيها إلى رأي بمقياس شرعي، ~~وكلما ازداد التفريع ms076 والتشعيب العقلي ازداد الابتعاد عن الوحي، واستعصى الوصول ~~فيها إلى رأي يقيني، فقد تركها الوحي لحكم العقل الخالص أو لحكم التجربة أو ~~لحكم الإنسان العام، لم يؤد علم الكلام إلا إلى الخلط والتشويش، ومزج الحق ~~بالباطل، والباطل بالحق، وقول الكل ولا شيء في آن واحد، فإذا كان شرف المنهج هو ~~العقل والبرهان واليقين، دفاعا عن العقيدة بالبرهنة عليها، فإنه قد انتهى إلى ~~إضعافها وتجريحها، وكثيرا ما مات علماء الكلام على دين العجائز. # 10 # ومنهم من انقلب إلى صوفية يؤمنون بالأحوال والمقامات، وبحدود ~~العقل، وبإيمان القلب، وبالعلم اللدني، وهذه هي «نهاية الإقدام». # 11 ~~(3) من حيث الأولوية # وإذا كان الشرف من حيث الأولوية والأساس، فإن علم الكلام يضع نفسه في أول ~~العلوم؛ ومن ثم فهو أهمها وأعلاها، وأعمها وأشرفها؛ لأنه العلم ~~النظري الذي يبحث عن أسس العقيدة وقواعد السلوك، ترجع الأهمية هنا إلى أنه علم ~~نظري يبحث في الأمور النظرية، وهو العلم الشامل الذي يضم كل العلوم، والأساس ~~النظري لها جميعا، وهو الذي يحدد لنا تصور العالم، ليس فقط عن طريق معرفة ~~الحق والاطمئنان النظري إليه، بل أيضا من أجل توجيه السلوك، الشرف هنا يعني ~~درجة التجريد في العلم؛ فأول العلوم هو أكثرها تجريدا؛ لأنه يعطي الأساس ~~النظري للسلوك؛ ومن ثم كان علما معياريا بالنسبة لغيره من العلوم ~~النظرية، هو محك للسلوك ولتحقيق الأفعال؛ وبالتالي فهو الأول والأساس؛ فنظرا ~~لهذا الشرف الناتج عن البحث عن الأسس النظرية والمبادئ العامة، كان هو الكلام ~~وما سواه يعتمد عليه، ويكون في تصنيف العلوم أول ما يمكن تعلمه لأنه لا ~~يحتاج إلى أكثر من الكلام، علم الكلام عند القدماء هو أول العلوم؛ لأنه يبحث في ~~الأسس والمبادئ العامة، وهي أوائل العلوم، ومبادئه بينة بذاتها، وغير ~~مستمدة من علم آخر، وإلا لما كان أول العلوم؛ لذلك اتصل علم الكلام عند ~~المتأخرين بمبادئ العلم الطبيعي والعلم الرياضي لأنها أيضا علوم نظرية أولية. # 12 # والسؤال الآن: هل استطاع علم الكلام بالفعل أن يكون أول العلوم؟ هل استطاع ~~تكوين الأساس ms077 النظري للسلوك؟ إن أول العلوم هو علم سابق على علم الكلام، وهو ~~علم المبادئ العامة ~~للوحي # L’Axiomatique de La Révélation # وهو العلم الذي يضع المبادئ العامة في الوحي والتي ~~تحدد الأسس العقلية العامة لكل العلوم. # 13 # ثم يأتي علم التفسير الذي يضع مناهج تفسير النصوص حتى لا يخضع ~~تفسيرها إلى هوى فردي أو مصلحة شخصية، ثم يأتي علم الإحصاء الاجتماعي الذي يعطي ~~صورة للواقع المراد تنظيره، والذي سيكون مصبا للعقائد، وبعد ذلك يأتي علم ~~التوحيد بعد أن تحددت المبادئ العامة للوحي، وبعد أن اكتملت نظرية التفسير، ~~وبعد أن أدركنا الواقع الذي نعيش فيه، أما إذا قام علم الكلام على أساس من ~~التعصب وليس على التنظير العقلي، وإذا تغلب الهوى على العقل، والانفعال على ~~النظر، والفائدة الشخصية على المصالح العامة، وإذا قصر العلم في التأسيس ~~النظري، ولم يستطع الوصول إلى اليقين فيه واقتصر على الشك والتردد، وإذا ~~انقلب الهدف من العلم وهو تأسيس العقائد إلى إفساد للعقائد والتشويش عليها ~~وضياعها، وإذا تحول البرهان إلى غوامض الكلام وصعوبة المفاهيم وتعذر ~~الوسائل - إذا حدث ذلك كله، فإن علم الكلام لا يكون أشرف العلوم من حيث تأسيسه ~~وتنظيره وأولويته على كل ما عداه. ~~(4) من حيث الغاية # أما إذا كان الشرف من حيث الغاية والفائدة، وهي الحصول على السعادة في ~~الدنيا، ونيل الفوز في الآخرة عن طريق الاشتغال بالمعارف والعلوم والحصول على ~~المعقولات، فإن علم الكلام في الحقيقة من أقل العلوم شرفا لأنه من أخطر ~~العلوم، ومن أقرب السبل إلى التهلكة. # 14 # فلا توجد سعادة معروفة يبحث عنها الناس بالفعل إلا في هذه الدنيا ~~وليس خارجها، ولا يوجد فوز يبغيه الناس ويسعون إليه إلا في هذا العالم، وليس ~~في عوالم أخرى سابقة على حياته كما هو الحال عند الصوفية، أو لاحقة على مماته ~~كما هو الحال عند المتكلمين. ليست الغاية من العقائد تعويض الإنسان عن مآسيه ~~في العالم، ووعده بسعادة مستقبلية تعويضا عن شقائه الحاضر، بل توجيه السلوك ~~نحو العالم، وتحقيق رسالة الإنسان في هذه ms078 الدنيا، وتحقيق غايته على الأرض. # 15 # تعارضت الأسس في علم الكلام، وتضاربت الآراء، وتعددت الحقائق، ~~وسادت الأهواء، وعمت المصالح، وتوهجت الانفعالات؛ فعلم الكلام ليست له أية ~~فائدة عملية، بل على العكس يؤدي إلى مخاطر جمة وضرر بالغ على الفكر والسلوك، ~~على الفرد والجماعة، على الحاضر والتاريخ، هو مضيعة للوقت، ومذهبة للعمر، لا ~~تنتج عنه أية فائدة، واشتغال بما لا يغني أو يفيد. # 16 # علم الكلام يبعد الجماعات عن مصالحها الفعلية، ويقدم لها موضوعات ~~وهمية وإشكالات خاطئة تصرف فيه طاقات الجماعة، وتعطيها معركة وهمية تاركة ~~المعركة الحقيقية للسياسة وممارسة الحركة العلمانية أو نضال الفقهاء، علم ~~الكلام لا يزيد عن كونه كلاما في كلام، وكأن الكلام غايته ووسيلته، وربما ~~سمي العلم «علم الكلام» لأنه كلام، بداية وطريقا ونهاية، مقدمة ~~واستدلالا ونتيجة، لا يحقق فوزا لأحد حتى لصاحب المصنفات فإنها تضره ~~أكثر مما تنفعه، ويعصي بها أكثر مما يطيع، ويعاقب عليها أكثر مما يثاب. # 17 # يمثل علم الكلام خطورة كبرى على الجماعة، فإنه يفرقها أكثر ~~مما يوحدها، ويدعو إلى الاختلاف أكثر مما يدعو إلى الاتفاق، ويقوي من ذلك ~~الفكرة الموجهة من افتراق الجماعة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا ~~واحدة! علم الكلام إذن هو تاريخ الفرق الدينية التي نشأت ابتداء من وقائع ~~تاريخية معينة يتركز معظمها في حوادث الفتنة الأولى، ثم انحصرت عناية كل ~~فرقة في إظهار ما تختلف فيه عن غيرها والبرهنة عليه والتعصب له، وعدم التنازل ~~عنه، كما توجهت عناية الباحثين لذلك، قدماء ومحدثين في بيان «اختلاف ~~المصلين» و«الفرق بين الفرق» في حين أن هذه الفرق كلها خرجت من مصدر واحد وهو ~~الوحي؛ أي أنها تجمع بينها نقطة تلاق في المصدر، كما أن هناك نقطة تلاق أخرى ~~في الوقائع التاريخية التي أصبحت حالات جديدة تستدعي حكما مثل صاحب الكبيرة، ~~وما دامت الفرق قد انغلقت على نفسها، ودافعت عن وجودها مع فكرها ما دامت ~~مهددة في وجودها وفكرها معا، فإن النضال بينها قد تحول إلى نضال مسلح، كل ~~فرقة تهدد ms079 الأخرى بالاستئصال، وأصبح الدفاع عن الفرقة هو دفاع عن البقاء، وقد ~~وصل التنازع إلى حد سفك الدماء وقتل المعارضين. وهو ما استمر حتى جيلنا هذا من ~~اعتقال للمعارضة السياسية بل وتصفيتها جسديا، وتجاوز أدبيات الحوار للتقريب ~~بين وجهات النظر وللجمع بين الآراء مع الحد الأدنى من الاتفاق دون قهر الأغلبية ~~للأقلية، ودون قمع من فرقة السلطة لفرق المعارضة، خاصة وأنها مسائل نظرية صرفة ~~لا تنتج منها شرائع عملية مباشرة، والجماعة حرة في التأويل النظري، وملزمة ~~بدليل العمل الجماعي بصرف النظر عن اختلاف الأطر النظرية عند مختلف الفرق. ~~لقد أدى علم الكلام إلى التشتت والتفرق، وإلى اضطهاد الفرق بعضها للبعض، ~~وتكفير بعضها للبعض، واستعداء كل منها السلطة على الأخرى حتى تفوز هي بفرقة ~~السلطان، فيعم الاضطهاد، وتنتشر الرقابة، ويسود الإرهاب، وتتطاير الرقاب! ~~واستعمال السلطة لقهر الناس على الاعتقاد، ولإجبارهم على الإيمان مضاد لمقصد ~~الوحي الذي أتى معبرا عن الطبيعة، ومعلنا استقلال العقل؛ فاستعمال القوة ~~لإجبار الناس مقابلة تعصب بتعصب، وجهل بجهل، وعناد بعناد، والفكر لا ~~يسايره إلا فكر مثله؛ الفكر هو القادر على التغيير، والعناد لا يطول إذ ينتهي ~~بالعزلة، ولا يقابل إلا بالتسامح، وبالرغم من هذا التشعب والتداخل ~~العقائدي والثراء النظري، فإن السلطة كثيرا ما كانت تتدخل لنصرة فريق على ~~فريق، فيحدث الاضطهاد عندما تتدخل السلطة في المعارك الفكرية. # 18 # علم الكلام إذن من حيث المرتبة ليس بأشرف العلوم، لا من حيث الموضوع ولا من ~~حيث المنهج، ولا من حيث الأولوية، ولا من حيث الفائدة، بل إنه أخطر العلوم ~~العقلية النقلية القديمة من حيث تشويه الوحي والتعمية عن واقع المسلمين. # | سابعا: وجوبه # (1) العامة والخاصة # يكاد يجمع القدماء على قسمة الناس إلى عامة وخاصة، يستوي في ذلك المتكلمون ~~والفلاسفة والصوفية والفقهاء؛ فالعامة غير قادرة على الاشتغال بالأمور النظرية، ~~ولا يجوز إدخال الشك إلى عقائدها بالبحث والنظر، أو الاستدلال على صحتها ~~بالبرهان كما يقول علماء الكلام، كما أنها غير قادرة على إدراك المعقولات ~~الخالصة والأمور المجردة؛ لأنها تحتاج إلى حس ومشاهدة، وغير ms080 قادرة على التأمل ~~العقلي، فدورها في العبادة، وإقامة الشعائر كما يقول الفلاسفة، والعامة أيضا ~~غير قادرة على إدراك الحقائق القلبية والعلوم الكشفية، يكفيها مسطحات الأمور في ~~العقائد والفقه كما يقول الأصوليون، وهي أيضا عاجزة عن أن تفتي أو تجتهد، ~~يكفيها سؤال المفتي أو المجتهد وتقليده كما يقول الفقهاء، فالعامة عند الجميع ~~خارجة عن نطاق العلوم كلها أيا كانت موضوعاتها ومناهجها، يكفيها الإيمان ~~والتصديق والاعتقاد، يكفيها الإذعان والانقياد والتقليد دون تشويش عليهم ~~بالعلوم العقلية والأمور النظرية. # 1 # وقسمة الناس إلى عامة وخاصة قسمة ضيزى، تقوم على الإقرار بالجهل الاجتماعي ~~والتسليم به دون تغييره والقضاء عليه، فالعامة تحتاج إلى تثقيف وتنوير دون ~~أن تنهر عن العلم أو عن التفكير، وتلك هي مسئولية الخاصة؛ فالخاصة هم طليعة ~~العامة، ولا تكون طبقة مستقلة عنها، متعالية عليها وأعلى منها، لكل منها ~~علم أو حقيقة، بل لكليهما نفس العلم، إن لم يكن بصياغته فعلى الأقل بمحتواه. إن ~~وجود طبقتين في المجتمع، طبقة جاهلة، وهي الأغلبية، وطبقة متعالمة وهي ~~الأقلية؛ لتؤدي بالضرورة إلى سيطرة الأقلية على الأغلبية. إن ترك العوام على ~~ما هم عليه، وتحريم الفكر والنظر عليهم ضد التنوير، وتثبيت للأمر الواقع، ورفض ~~لتغييره، وإيمان على علم خير من إيمان على جهل، العامة ليست طبقة ثابتة ومعطى ~~كائن بذاته، بل توجد العامة لنقص في التعليم، وتتلاشى بالتنوير، يمكن ~~القضاء عليها بتثقيفها ومحو أميتها، ونقلها من الاعتقاد الأعمى إلى الإيمان ~~المستنير. قسمة العامة والخاصة ليست قسمة مانعة جامعة، عازلة مغلقة، بل هي قسمة ~~مفتوحة متحركة، تسمح بالانتقال منها وإليها، فكثيرا ما تفرز العامة قادتها، ~~وكثيرا ما ينبغ من العامة مفكروها وعلماؤها وقوادها، وكثيرا ما يخرج من ~~الخاصة جهالها، ليست كل قسمة دائرة مغلقة على نفسها تحتوي على أفرادها ~~بالطبيعة والضرورة، وكيف يطلب من العامة السلبية التامة وقبول ما يعطى لهم ~~وعدم تجاوزها، والإيمان بالتقديس، والتصديق، والاعتراف بالعجز، والسكوت عن ~~السؤال، والإمساك عن التصرف، والكف عن التفكير، والتسليم لأهل المعرفة؟ إن ~~مأساتنا مع جماهيرنا الحالية هو إيمانها بالمقدسات ms081 التي وصلت إلى حد ~~المحرمات # Tabous # التي لا يمكن تناولها أو ~~التفكير فيها أو التعرض لها بالبحث والتحليل، وعلى رأسها مقدسات ثلاث: الله، ~~والسلطة، والجنس. # 2 # ولن تتقدم الجماهير إلا بتناول هذه الأمور وعرضها عرضا عقليا ~~خالصا، وتحليلها تحليلا علميا صرفا حتى تخرج من دائرة الشعور إلى دائرة ما ~~فوق الشعور، وحتى لا تعمل كدوافع باطنية في الخفاء، وتكون علنا ظاهرا على ~~مستوى الفكر والافتراض العلمي، وإلا نشأت الحركات الدينية والسياسية السرية ~~وعم المجتمع مظاهر الانحلال والفساد في الخفاء، وإن من مآسينا المعاصرة أيضا ~~التصديق بما يقال دون طلب للدليل أو البرهان في حين أن ما لا دليل عليه يجب ~~نفيه كما قال الأصوليون القدماء، وأن البرهان هو أساس اليقين، التصديق بلا ~~برهان عجز، وإنكار للعقل، وإهدار للنظر، وكيف نعترف بالعجز عن الإدراك ~~والتوصل إلى الحقائق العلمية، في حين أن قيمة الإنسان مرهونة بثقته بالعقل ~~وبقدرته على الاكتشاف؟ إن التسليم بالعجز لفيه نهاية للإنسان من حيث هو قدرة ~~على البحث والتحصيل، وإعلان للهزيمة في معركة لم تبدأ بعد، وانسحاب من الأرض ~~والعدو لم يحتلها بعد! أما السكوت عن السؤال فهو ضد التفلسف، وضد التفكير، ~~وضد تحديد المسئولية، التساؤل هو الكشف، ويحتوي على نصف الجواب إن لم يكن ~~الجواب كله، أما الإمساك عن التصريف فهي عبودية للحرف، وخضوع للنص، وهدم ~~للعقل أساس النقل، وإنكار للمعنى الذي هو المقصود من اللفظ، وإلا فكيف يمكن ~~الوصول إلى المعاني العامة، والنظريات الشاملة دون جمع للألفاظ تحت موضوع واحد؟ ~~وكيف يمكن فهم الوحي طبقا لروح العصر دون تفسير أو تأويل؟ أما الكف عن ~~التفكير فهو أيضا قهر للذات بلا مبرر، وطلب المستحيل بالنسبة إلى الإنسان، ~~فالإنسان هو هذه القدرة الباطنة على الطرح والتساؤل، وعلى التعالي على المستوى ~~المادي، وتجاوز الأمر الواقع، التفكر الباطني هو أساس الكشف، وهو عالم النظر ~~والافتراض، وأخيرا يأتي التسليم لأهل المعرفة إذ يجعل الإنسان مقلدا لغيره، ~~والتقليد ليس مصدرا للعلم أو للمعرفة. # 3 # إن أوصاف العامة من جهل وتعصب وتقليد ليست ms082 أوصاف الجماهير الواعية التي ~~تقوم بنفسها بالتوجيه والإصدار، بل إنها أحيانا تكون أكثر وعيا من الخاصة؛ ~~وذلك لأنها ما زالت على الطبيعة، تعبر عن واقعها بصدق من خلال أمثلتها ~~الشعبية وأغانيها التلقائية، وأساطيرها المتوارثة، وسير أبطالها في مقابل ~~انعزالية الخاصة، واهتمامهم بمصالحهم الشخصية، وغربتهم عن الجماهير وتراثها، ~~وميلهم إلى تراث آخر يجدون فيه العلم والمعرفة، ودورانهم حول الواقع ~~والالتفاف حوله، والوقوع في التبرير والتنظير لصالح السلطان، إن العامة ذكية ~~بطبعها بحسها الشعبي وإن بدت للخاصة جاهلة، ومستنيرة وإن بدت للغير عمياء، ~~تفهم وتقدر، وتعرف من يتكلم باسمها ومن يتعايش عليها، ولكن ينقصها التنظيم ~~والتحزيب والتجنيد من أجل المراجعة على القادة وفرض مصالحها عليهم. # 4 # لا يقتصر العقل على الخاصة وحدهم دون العامة، فالعقل هو النور ~~الفطري الذي يوجد في كل إنسان، كل إنسان عاقل من حيث هو إنسان، تظهر البداهة ~~عند العامي بحسه الشعبي المرهف، ومعرفته بالواجب، بل كثيرا ما يتعلم الخاصة ~~من العامة، ويتثقفون من تراثها، وكثيرا ما تعلم العامة الخاصة وتعطيهم ~~نموذجا للفكر والسلوك والجرأة على الحق والالتحام بالواقع. ليست العامة جاهلة ~~بطبعها، وليست الخاصة عالمة بطبعها؛ فالحس البديهي موجود عند كل إنسان، وهو ~~القاسم المشترك بين الناس، وأحيانا تكون الخاصة جاهلة، والعامة عالمة، فمن ~~جهل الخاصة تصورهم أن هناك ثقافتين وحقيقتين الأولى لهم والثانية لغيرهم، من ~~جهلها هذه القسمة للناس إلى أذكياء وأغبياء ، حكام ومحكومين، قادة وجماهير، ثم ~~تنصيب أنفسهم من الفريق الأول وغيرهم من الفريق الثاني؛ فهم الأذكياء والحكام ~~والقادة، والعامة هم الأغبياء والمحكومون والجماهير، تنصب الخاصة نفسها كقيادة ~~للعامة فتخطط لنفسها وتعمل لحياتها، وتتصور العالم حسب تكوينها النفسي ~~والاجتماعي وتنسى العامة ومصالحها وإدراكها، وتصوراتها للعالم، وبواعثها على ~~السلوك، وهو ما يسمى في عصرنا الحالي بأزمة المثقفين. ليست الخاصة هي ~~الوحيدة العالمة والتي تهتم بالثقافة دون العامة بل هي طليعة الجماهير ~~والمسئولة عن تثقيفها، لا توجد حقيقتان؛ الأولى للعامة الدهماء والثانية ~~للخاصة العلماء، هناك حقيقة واحدة ينتمي إليها الجميع، ويعبرون عنها في ثقافة ~~واحدة، وبفكرة واحدة، ms083 وبتصور واحد، ومن ازداد وعيا قام بتوعية غيره. # ولا يوجد فريق من الناس كافر بطبعه، يحيد عن الحق كسلوك دائم لأن العقل ليس ~~هبة فيهم، ويكون جزاؤه السوط أو السيف! إن نور العقل قاسم مشترك بين الناس ~~جميعا، وإن تغليب الهوى أو المصلحة على نور العقل أو جحد الحق دون التسليم به ~~كل ذلك يحدث في مواقف محددة، وظروف اجتماعية خاصة، وليس جبلة في الإنسان. ~~الإنسان بطبعه ميال إلى الحق، فإن لم تتغلب الفطرة عليه سادته الظروف، ~~وأصبح خاضعا للموقف، وإننا لنعاني في عصرنا الحاضر من استعمال السيف ضد ~~المفكرين، خاصة لو كانوا ممن غلب لديهم نور العقل على ظروفهم الاجتماعية، ~~وآثروا العقل على الطغيان، ومن يحكم أو يقرر أن هذا الفريق أو ذاك كافر بطبعه ~~لم يهبه الله نور العقل؟ الحاكم أم المحكوم؟ السلطة أم المعارضة؟ من بيده ~~السلطة اليوم أو من سيحصل عليها في الغد؟ إنه في الغالب إما السلطة السياسية ~~أو السلطة الدينية أو كلاهما معا نظرا لتواطئهما المتواتر، ومصالحهما المشتركة. # 5 # إنه لا يحق لحاكم أو لمحكوم، لرئيس أو لمرءوس أن يحكم على أحد أو ~~على فريق بأنه كافر مبتدع، وإلا عدنا إلى تكفير الفرق بعضها للبعض، الكل مجتهد، ~~والمحك هو البرهان، لا يمكن قهر الناس بالسيف باسم العناد أو الكفر أو ~~الضلال، ولكن يترك الناس حتى تأتيهم البينة ويلتزمون بالجماعة طوعا. # 6 # والشك ليس جريمة، والتساؤل ليس كفرا يدان صاحبه، ويجرح أمام الملأ، لأن ~~التقليد والإيمان بالسماع لا يقوم على أساس، فإذا كان هناك فريق من الناس يشك ~~ويتساءل ويريد أن يقيم عقائده على أساس من البرهان، فهم ليسوا مرضى يجب علاجهم ~~بدواء التسليم والإيمان أو بآية أو حديث، الشك عند بعض المعتزلة أول الواجبات ~~على المسلم قبل النظر. # 7 # كما يساعد طلب البرهان القلب على الاطمئنان لليقين كما حدث ~~لإبراهيم الخليل. # 8 # التصديق جزء من الإيمان، ولا إيمان بلا تصديق. ليست العقائد ~~الإسلامية معتقدات تعبر عن أفعال إرادة، بل هي مبادئ نظرية قائمة على ms084 أسس ~~عقلية، العقائد مجموعة من الأسس النظرية التي تقوم عليها كل العلوم، ومجموع ~~المبادئ العامة التي يقوم عليها تصور العالم؛ فهي تعتمد على البرهان لا على ~~القرار الإرادي؛ أي أنه فعل عقل لا فعل إرادة، ويتطلب التصديق لا الإيمان، ~~وهناك تكون العقائد الإسلامية والعقائد المسيحية واليهودية في جانب آخر، ~~فالعقائد الأخيرة قرار إرادي مثل ألوهية المسيح (الكنيسة) أو الشعب المختار ~~(المعبد). في حين أن العقائد الإسلامية لا أسرار فيها كما هو الحال في المسيحية ~~ولا تعسف فيها كما هو الحال في اليهودية، إن وسيلة التخاطب مع المعتقدين ~~بالتقليد والسماع مع ذكاء الفطرة ليس إبعاد الشك عن النفوس وإعادتهم إلى حظيرة ~~التقليد بل تقوية الشكوك حتى يظهر البديل وهو العقل أو العلم، أليس الشك أساس اليقين؟ # 9 # أما المرتابون في عقائدهم فلا تعطى لهم عقائد جديدة، بل يقوون في ~~ارتيابهم، ويعملون عقولهم كما يشاءون، ويصلون إلى الحق بمحض بحثهم الحر دون ~~أن تستعمل معهم مناهج التبشير والاستمالة، وقد نشأ ارتيابهم في المقولات ~~الدينية، وهو ارتياب طبيعي في صور مضمرة، يكشف عن رغبة في التعقيل وبحث عن ~~البداهة، المنهج القويم أفضل بكثير من النتيجة الجاهزة التي يتلقنها الإنسان ~~دون بحث أو تحصيل. # 10 ~~(2) أقسام الواجبات # وقد تقسم الواجبات على أنواع ثلاثة من الناس: العامة، والخاصة، والسلطان؛ ~~فإذا كانت مهمة العامة في التصديق والإيمان من ناحية العمل والتحقيق، فإن مهمة ~~الخاصة المثقفة التفقه في الدين وفي الأحكام وفي القدرة على الاستدلال ~~والاستنباط في المسائل الجديدة التي طرأت على حياة الجماعة، والحقيقة أن ~~العامة أيضا تكون قادرة على الاستدلال عن طريق الاتصال المباشر بالواقع، وطرق ~~الاستدلال الحر والصور المختلفة للمصالح المرسلة، الفلاحون أدرى بقضايا الأرض ~~من فقيه الأرض، والعمال أدرى بشئون مصانعهم من مفكر المصنع، والطلاب أدرى ~~بشئون المعاهد والجامعات من الإداريين والقائمين على إصلاح الجامعة، وكثيرا ما ~~لا تهدف الخاصة في استدلالها إلى رعاية مصالح العامة، فتصدر قراراتها للحفاظ ~~على مكاسبها الخاصة مضحية بمصلحة المجموع، أما واجب السلطان فهو تنفيذي خالص، ~~يعهد إليه ms085 بتنفيذ القانون، ولا يشرع حكما، هو المنفذ لأحكام الخاصة والعامة ~~على السواء، وكثيرا ما كانت السلطة مع الخاصة ضد العامة، يشتري السلطان ذمم ~~العلماء وضمائرهم، ويبيع الخاصة للسلطان فتاويهم وأحكامهم، وينثرون تحت أقدامه ~~تبريراتهم للأوضاع القائمة ولأحكامه الخاطئة، باستطاعة العامة المشاركة في ~~السلطة التنفيذية بالاشتراك في المحاكم الشعبية، وأن تدلي برأيها في التعيين ~~والعزل من خلال المجالس الشعبية، فالشعب هو الحاكم والمحكوم، والأمة هي الراعي والرعية. # 11 ~~(3) الكفاية والعين # السؤال الآن الذي طرحه القدماء: هل علم الكلام فرض عين أم فرض كفاية؟ فجواب ~~المعاصرين أنه إذا كان علم الكلام هو هذا الذي وصفناه، والذي لا موضوع له ولا ~~منهج، ولا فائدة منه فإنه لا هو فرض عين ولا فرض كفاية؛ لهذا السبب حرمه ~~الفقهاء، أما إذا كان القصد منه «لاهوت الأرض» و«لاهوت الثورة» و«لاهوت ~~التنمية» و«لاهوت التقدم» و«لاهوت التحرر» و«لاهوت الوحدة الوطنية»؛ أي العلم ~~الذي يتناول مصالح المسلمين بالتحليل والذي يجند المسلمين للدفاع عن مصالحهم ~~فهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، أما عند القدماء فقد تفاوتت الآراء في علم ~~الكلام بين التحريم التام فهو بدعة وبين الوجوب ندبا أو إباحة. # 12 # أفتى القدماء بالتحريم لأنه بدعة لم تظهر إلا متأخرا، ولم يشتغل ~~الجيل الأول بهذا العلم ولا عرفوه بل أفتوا بتحريمه بقدر ما ظهر منه لديهم. # 13 # وعدم انشغال الجيل الأول بمباحث علم الكلام لا يعني أنهم كانوا ~~من العوام، بل يعني أن التوحيد كان في هذه الفترة من التاريخ توحيدا عمليا ~~لا توحيدا نظريا، وعملية توحيد لا نظرية توحيد. # 14 # وعندما نشأ علم الكلام اعتبره قدماء الفقهاء مضادا للدين ~~واعتبروا المتكلمين وقد خرجوا على الدين ومن ثم لا دين لهم، لا تجوز ~~الصلاة خلفهم، ولا تجوز شهادتهم بل ويجب عقابهم بالضرب والجر في الطرقات! # 15 # لم يشتغل الجيل الأول إلا بالفقه وأصول الفقه؛ لأن الفقه هو ~~العلم العملي الذي يظهر فيه التوحيد العملي والذي يرعى مصالح الناس؛ فقد كانت ~~الحاجة إلى التشريع أمس من الحاجة إلى النظريات إلا ms086 إذا كانت أسس التشريع؛ ~~فالحاجة إلى «تفقيه» الأرض والثروات والنظم الاجتماعية والسياسية ألح من ~~الحاجة إلى البحث عن الأصل والنشأة أو المآل والمعاد، إلا إذا كان في مثل هذا ~~البحث تعميق وجداني للتشريع، ويرتبط بالفقه علوم القرآن والحديث لأنهما مصدرا ~~الفقه وأدلة الأحكام. # 16 # لم يكن المتكلمون في أول الأمر متكلمين، بل كانوا علماء لغة أو ~~حديث أو زهادا ثم غلبت عليهم صناعة الكلام؛ علم الكلام إذن علم طارئ سببته ~~الظروف والأحداث، وليس له أصل في الوحي. # 17 # إن علم الكلام لم يؤد في النهاية إلا إلى التعصب والجهل، وإفساد ~~العقائد البسيطة، والدخول في متاهات الفلسفة، لم يؤد علم الكلام إلا إلى ~~إعمال الهوى في النص، وإلى تغيير العقائد والخروج على الشرع. إن الجهل بعلم ~~الكلام علم، والعلم به جهل؛ لأن الجهل به رجوع إلى البديهة وعود إلى مقاصد ~~الوحي، الإنسان والطبيعة، العلم به انحراف عن الإنسان، وقلب لمقاصد الوحي أو ~~ترك للعالم، واستبدال الوقائع بموضوعات جدلية من وضع العقل الجدلي، لم يؤد ~~الكلام إلا لغير غرضه، فإذا كان غرضه الدفاع عن العقيدة وتثبيت الإيمان، فإنه ~~قد أدى إلى إضعاف العقيدة وإلى جعلها أكثر تعرضا للنقد والتجريح، كما أدى ~~إلى ضياع الإيمان كلية بما يروجه العلم من آراء ومذاهب لا ترضي العقل ولا ~~تصلح من الأمور شيئا. # 18 # ولم يحرمه الفقهاء وحدهم بل تناوله بالنقد والتجريح الحكماء ~~والصوفية؛ فهو علم لا يفيد الذكي، ولا ينتفع به البليد، صعب على العامة لا ~~يمكنهم فهمه ولا ينفع الخاصة الذين فهموه، هو علم بلا جمهور إلا من الخاصة ~~المتحذلقين نظرا، العاجزين عملا، أو من العامة المتشبهين بالخاصة في الحذلقة ~~والادعاء أو في القدرة الوهمية. لا يوجد شيء في هذا العالم إلا ويمكن للعقل أن ~~يرفضه، ويرد عليه، ويفنده؛ فلا هو برهن على صدق الإيمان ولا هو ترك الإيمان ~~بالتسليم خاصة إذا كان من علم الكلام الأشعري. # 19 # رفضه الحكماء لأنه تفكير نظري بدائي على الدين، ما زال يستعمل لغة ~~الدين الخاصة، وليست لغة ms087 الفكر العامة، وما زال يعتمد على الحجج النقلية وليس ~~على الحجج العقلية، ما زال الله فيه ذاتا مشخصة أو مجردة وليس كونا أو ~~عالما، ما زال «ثيولوجيا»، ولم يتحول بعد إلى «أنثروبولوجيا». # 20 # وقد نقده الصوفية من حيث منهجه الذي يعتمد على الجدل وليس على ~~الرياضة والمجاهدة، ويعتمد على العقل كالفلسفة والأصول وليس على القلب، يستعمل ~~مناهج النظر وليس طريق الذوق، كما نقد الصوفية موضوعه في أنه يتناول كلام الله ~~وليس ذات الله، ويجعل الله تصورا وليس وجودا، منزها وليس مدرك محسوسا، ~~ويقع في النهاية في ثنائية الإنسان والله أو العالم والله دون أن يصل إلى توحيد ~~شامل في أحد صورتي «وحدة الشهود» أم «وحدة الوجود». # 21 # فليس هناك علم أجمع العلماء على تحريمه أو نقده أو رفضه أكثر من ~~علم الكلام؛ فقد رفض الفقهاء والفلاسفة والصوفية جميعا الاشتغال به لتناوله ~~موضوعات خاطئة، كانت بدعة وفتنة وكفرا، وأفضل رد عليها هو «التوقف عن ~~الحكم»؛ أي إلغاء المشكلة من أساسها، والعودة إلى النص الخام دون التفريع أو ~~التنويع عليه. # 22 # وإذا كان الموقف هو التحريم التام لعلم الكلام باسم الشرع فلا يمكن ~~صياغة عقائد لأهل السنة لأن كل صياغة تعني إعمال الفكر أو تفسير النصوص، وهي ~~كلها اجتهادات ظنية في حين نجد بعض الفقهاء وقد حرم علم الكلام ثم صنف فيه ~~دفاعا عن عقائد أهل السنة! # ويفضل بعض القدماء جعل علم الكلام فرض كفاية لا فرض عين، يجوز أن يشتغل ~~به الخواص فقط دون العوام، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وهذا البعض هم ~~أهل العلم والفتيا، المتفقهون في الدين، الذين يقومون بمهمة الدفاع عن ~~العقائد ضد تشويش أهل البدعة لها، ولكن يظل العلم محجورا على العوام، يقوم به ~~الخاصة قدر الحاجة وتحقيق المطلب، وكل زيادة على ذلك تعتبر من فضول الكلام، # 23 # ولكن إذا كان علم الكلام ليس هو العلم التقليدي، بل هو العلم الذي ~~يمد المسلمين بأيديولوجية العصر، يأخذ مصالحهم في الاعتبار، يدافع عن أراضيهم ~~وثرواتهم، يجندهم في ms088 حزب، يكون إذن فرض عين على كل مسلم ومسلمة، ويكون واجب ~~كل فرد هو الفهم البسيط للأمور النظرية حتى يكون على وعي بالعمل، ولا يكون مجرد ~~آلة للطاعة والتنفيذ، علم أصول الدين فرض عين، لا بمعنى علم الكلام القديم، # 24 # ولكن بمعنى تأصيل النظر، وتأسيس القواعد التي يمكن بواسطتها إعادة ~~فهم الإسلام كنظام للحياة الفردية والجماعية، حاجة العصر فكرية واجتماعية ~~وسياسية، وعصرنا هو عصر الأيديولوجيات والمذاهب السياسية، وظيفة علم أصول الدين ~~تأسيس الأيديولوجية الإسلامية، وبيان وسائل تحقيقها بالفعل؛ وبالتالي تمحي ~~التفرقة التقليدية بين علم أصول الدين وعلم الفقه أو بين علم الأصول وعلم ~~الفروع أو بين علوم اليقين وعلوم الظن أو بين علوم النظر وعلوم العمل أو بين ~~علم التوحيد وعلم التشريع. إذا كان التوحيد تشريعا للواقع، فالواقع توحيد ~~للتشريع، التشريع توحيد للواقع. إذا كان الخطر القديم قد أتى من النظر في ~~الحضارات المجاورة خطر التشويش على العقائد الجديدة، والطعن في الأنبياء ~~وصدقهم، وإنكار المعاد والحشر، فإن الخطر الآن على ثروات المسلمين واستقلالهم ~~وأراضيهم وشعوبهم؛ ومن ثم لزم تغيير مضمون العلم طبقا لنوعية الخطر ~~واتجاهه، والانتقال من «علم اللاهوت» إلى «لاهوت الأرض»، ومن «لاهوت النبوة» ~~إلى «لاهوت التحرر» ومن «لاهوت المعاد» إلى «لاهوت التنمية» أو «لاهوت ~~التقدم» أو باختصار «من العقيدة إلى الثورة»، والعلم قادر على تطوير نفسه ~~بنفسه طبقا لنوعية الخطر واختلافه من المتقدمين إلى المتأخرين. # 25 # إذا كان علم الكلام قد وضع موضع الاتهام من العلوم التقليدية الأخرى، ووقع ~~الهجوم عليه من علوم الفقه والفلسفة والتصوف، فإنه لم يهاجم أي علم ولم يوضع أي ~~علم تقليدي آخر موضع الاتهام إلا في أقل الحدود؛ ربما لأن علم الكلام كان أولها ~~في الظهور والتكوين، فلم يتم التعرف على العلوم الأخرى إلا في وقت متأخر؛ وفي ~~هذا الوقت انشغل علم الكلام بحروبه الداخلية وبصراع الفرق وهجومها المتبادل أو ~~بالرد على الملل والنحل الخارجية التي غزت الحضارة وانتشرت، وأصبحت تمثل خطرا ~~على الفكر الجديد الناشئ؛ ربما لأنه لم يكن هناك علم كلام ms089 واحد يتحدث باسم ~~التوحيد ضد الأنماط الفكرية الأخرى، فقد اقتربت المعتزلة من الفلاسفة، واقترب ~~الشيعة من الصوفية، واقترب الأشاعرة من الفقهاء وأهل السنة، فوجدت كل فرقة ~~حليفا في أحد العلوم ضد الفرق الأخرى، ومع ذلك نجد إشارات بسيطة في الهجوم على ~~بعض النظريات الفلسفية وعلى رأسها قدم العالم أو قدم المادة أو وصف ~~الفلاسفة لعالم الأفلاك أو لإثباتهم وجود التصورات في الخارج، كما نجد أيضا ~~نقدا للتصوف في نظرياتهم عن الحلول والاتحاد. # 26 # ومع ذلك يظل علم الكلام في قفص الاتهام، ويظل السؤال قائما: هل ~~علم الكلام علم؟ وبأي معنى؟ وتحت أي شروط؟ # | الفصل الثاني: بناء العلم # | أولا: مقدمة # يمكن تصنيف مقدمات المؤلفات الكلامية كلها إلى نوعين: الأولى: مقدمات تاريخية ~~مهمتها تقديم علم الكلام على أنه تاريخ عقائد أو تاريخ فرق أو تاريخ سياسي خالص، ~~وهي مقدمات المصنفات المبكرة، والثانية: تقدم علم الكلام على أنه نظرية في العلم أو ~~نظرية في الوجود، وهي مقدمات المصنفات المتأخرة؛ وبالتالي فالمصنفات الكلامية إما ~~مصنفات في تاريخ العقائد والفرق، أو مصنفات في موضوع العلم ذاته بصرف النظر عن تاريخه. # 1 # وبتعبير معاصر نقول: الشعور إما تطوري أو بنائي. الشعور التطوري هو ~~الشعور التاريخي حيث يظهر فيه العلم مرحلة مرحلة، إما كموضوع أو كجانب موضوع أو ~~كأصل أو كمجموعة أصول، وهو ما سماه القدماء تاريخ الفرق، وهو الشعور الذي يسقطه ~~المنهج التاريخي من حسابه عندما يصف المادة الكلامية على أنها تاريخ فرق محضة لا ~~دخل للشعور فيها، في حين أن توالد الفرق بعضها من بعض يوحي بأن هناك جامعا بينها، ~~هو الشعور التاريخي، أما الشعور البنائي فهو الشعور الذي يظهر فيه العلم كبناء ~~متكامل بصرف النظر عن توالي العصور والأزمنة وأسماء الفرق وتوالدها وتتابعها، ~~ويكون الشعور في هذه الحالة حاملا لأنماط مثالية توجد في كل حضارة، ويعود ظهورها ~~في كل زمان ومكان، وبلغة ثقافتنا المعاصرة في التقائها مع الثقافات المجاورة يشار ~~عادة فيها إلى الشعور التطوري بأنه تتابعي # Diachronique # وإلى الشعور البنائي بأنه ~~تزامني # Synchronique ms090 # ولكن كمنهجين لدراسة ~~الظواهر الإنسانية دون إدخال الشعور الحي في الحساب واستبدال بناء منطقي للذهن ~~الإنساني به. # وتبعا لذلك يمكن عرض علم الكلام بطريقتين: الأولى: تتبع نشأته التاريخية وتطوره ~~وتوالد الفرق بعضها عن بعض، سواء بالتبعية أو بالتضاد أو بالتفريع أو بالتطوير. ~~والثانية: دراسة الموضوعات الكلامية وعرض الفرق من خلالها، وتكون دراسة فلسفية ~~خالصة فيها تجتمع المقالات حول موضوعات أساسية. # 2 # وقد يؤلف عالم الكلام بإحدى الطريقتين أو يتبع الطريقتين معا إما في ~~مصنف واحد أو في مصنفين مستقلين، ولكن بناء العلم هو الذي ساد على تطوره حتى ~~انتهى إلى تقنينه في كتب العقائد المتأخرة، وانزوى تطور العلم ودخل في نطاق التاريخ ~~في حين أنه يمكن الكشف عن تكوين البناء داخل تطور العلم، وأن التطور ما هو إلا بناء ~~في دور التكوين. # 3 # وكما أنه في تاريخ العلم يظهر البناء فإنه في بناء العلم يظهر التاريخ ~~كأحد الموضوعات؛ أي أن تطور الشعور يصبح أحد أبنيته، وأن التاريخ أصبح فكرة أو ~~مثالا أو نمطا تتحد جوانبه في التاريخ؛ فالتاريخ انفصام في وحدة الفكر، ولكنه ~~يعود إلى وحدته الأولى كجزء من بنائه. # 4 # ولم تدون المصنفات الكلامية التي تحتوي على بناء العلم بطريقة واحدة أو بأسلوب ~~واحد أو من خلال مذهب واحد، بل تتراوح بين عدة فرق، وعدة أساليب، وعدة مذاهب على ~~النحو الآتي: ~~(1) # مصنفات تحتوي على بناء العلم من وجهة نظر أشعرية، وهي التي حددت ~~بناء العلم، وهي الأكثرية حتى ليقال إن بناء العلم بناء أشعري. # 5 ~~(2) # مصنفات تحتوي على بناء العلم من وجهة نظر اعتزالية، وهي تشارك في نفس ~~بناء العلم مع المصنفات الأشعرية مع التركيز على بعض الجوانب مثل ~~العدل، وهي الأقلية، لم يحفظها التاريخ نظرا لسيادة الأشعرية حتى ~~أصبحت المذهب الرسمي للدولة. # 6 ~~(3) # مصنفات عقائدية من وجهة نظر سنية سواء في بداية العلم أم في نهايته. ~~وفي النهاية هي الأكثرية عندما ضمر العلم وأصبح علما للعقائد، وهو حال ~~العلم الآن. # 7 ~~(4) # مصنفات تحتوي على مادة العلم دون بنائه، ms091 وهي كالعقائد إلا أنها ~~معروضة عرضا عقليا وكأنها مسائل أصولية. # 8 ~~(5) # مصنفات على أصول مذهبية، وغالبها اعتزالية لما كان المعتزلة هم الذين ~~صاغوا فكرهم في أصول خمس. # 9 ~~(6) # مصنفات على موضوعات، وغالبها أشعري نظرا لأهمية موضوعات معينة مثل ~~التنزيه والتشبيه أو الأسماء والصفات أو خلق القرآن أو خلق الأفعال أو الإمامة. # 10 ~~(7) # مصنفات جدلية خصمية دون بناء، يغلب عليها الموضوعات المتفرقة، من ~~جميع المذاهب، ومعظمها لم يصل إلينا. # 11 ~~(8) # مصنفات إصلاحية إما تعود إلى مصدر العقائد في النصوص وإلى الواقع ~~المباشر لتوجيه النصوص إليها وإما تعيد بناء العلم بحيث يمكن أن ~~يؤدي إلى الغاية المرجوة وهو الإصلاح؛ وذلك عن طريق وصف العلم، وبيان ~~مصادر التشتت أو العودة إلى التاريخ، وتتبع مساره كتقدم حتى ينتهي ~~إلى استقلال الشعور فكرا وإرادة. # 12 ~~(9) # مصنفات حضارية تضع علم الكلام مع العلوم الأخرى في وصف شامل للحضارة، ~~تطورها وبنائها. # 13 # ولم تتحدث المصنفات القديمة التي تضمنت بناء العلم عن تطور هذا البناء، وكأنه ~~من لا شيء، وانتهى إلى لا شيء، أو أتى من ذهن العالم وتقسيمه العفوي للكتاب. # 14 # كان كل عالم قديم يبدأ من فراغ، فأتت المصنفات متجاورة في الزمان لا ~~رابط بينها، في حين أنه يمكن رؤية تطور هذا البناء منذ بدايته واكتماله حتى نهايته؛ ~~إذ لم يكتمل بناء العلم في هذه المصنفات مرة واحدة بل تطور البناء ابتداء من ~~الشعور التاريخي حتى الشعور البنائي، وفي كل مرحلة يظهر جانب من جوانب البناء ويمكن ~~تتبع تكوين البناء على النحو الآتي. # | ثانيا: ظهور الموضوعات من خلال الفرق، وظهور الفرق من خلال الموضوعات # يبحث البناء في هذه المرحلة التكوينية الأولى عن كيانه المستقل عن الفرق، وفي ~~هذه المرحلة يتداخل الشعور البنائي مع الشعور التاريخي، فيظهر الشعور البنائي من ~~خلال الشعور التاريخي مرة، ويظهر الشعور التاريخي من خلال الشعور البنائي مرة أخرى، ~~وقد تمت هذه المرحلة في القرون الخمسة الأولى على النحو التالي: ~~(1) ظهور موضوعات من خلال الفرق (التنبيه والرد) في ~~مقابل ظهور الفرق من خلال ms092 الموضوعات ~~(التمهيد) # تظهر الموضوعات من خلال الفرق بلا إحصاء أو تبويب ولكن كموضوعات متفرقة، ~~تتحدد فيها مادة البناء دون صورته. الفرق، إسلامية وغير إسلامية، هي الأساس، ~~ولكن تنبزغ منها الموضوعات معلنة استقلالها عن التاريخ، وهي تشمل حوالي خمس ~~العلم، وفي مقدمتها موضوعات مثل: باب ذكر متشابه القرآن، وباب ذكر الجامعة ~~والنصيحة في الدين، الأول يدل على أن علم الكلام نشأ من تفسير النصوص، ~~والثاني يشير إلى تربية الجماعة بإرجاعها إلى نصوص الدين كأوامر وليس كنظريات، ~~مما يدل على أن الإحساس بخطورة علم الكلام كان مصاحبا لنشأته. # 1 # تظهر المادة الكلامية من خلال تاريخ الفرق، مختلطة غير واضحة ~~المعالم؛ فهي تاريخ للفرق، وتاريخ للجماعة الأولى، وبيان لعقائد أهل السنة، ~~ونقد للفرق، يختلط في ذلك كله النقل بالعقل مع الاعتماد أكثر على النقل حتى ~~لتقترب بعض المصنفات من كتب الآثار لكثرة ما ورد فيها من منقول. # 2 # ولكن في مقابل ذلك، تظهر الفرق من خلال الموضوعات، خاصة من خلال موضوعي ~~التوحيد والنبوة، ويتم التركيز على الفرق غير الإسلامية؛ لأنها هي التي تمثل ~~الخطورة من الثقافات المجاورة الغازية، حتى إنها تشمل أكثر من نصف العلم. # 3 # ثم تظهر الموضوعات وهي توحي ببناء العلم، فتظهر نظرية العلم ونظرية ~~الوجود كمقدمة للعلم، وهو ما استقر في بناء العلم حتى قبل مرحلة العقائد ~~الأخيرة، ولكنها لا تشمل إلا جزءا من سبعة أجزاء من العلم في حين أن هذه ~~المقدمات هي التي ستبتلع العلم كله فيما بعد، حين اكتمال بناء العلم. # 4 # وفي بناء العلم ذاته، تفوق السمعيات الإلهيات (التوحيد والعدل) من ~~حيث الكم؛ مما يدل على أن العلم ما زال في مرحلته الإيمانية، ولم تصبح فيه بعد ~~العقليات؛ وهي الإلهيات، الموضوع الأشمل والأعم، كما تتداخل السمعيات مع ~~الإلهيات من حيث الأولوية، فأحيانا تكون لها الأولوية إذ تسبق النبوة الحديث ~~عن المجسمة في حين أنها أصبحت تالية للإلهيات في بناء العلم النهائي مما يدل ~~على أن العلم ما زال في مرحلة تسبق فيها السمعيات العقليات، وتغلب فيها ms093 ~~الموضوعات الإيمانية على الموضوعات العقلية. وفي الإلهيات، يفوق التوحيد من حيث ~~الكم العدل حوالي عشرين مرة مما يدل على أن الدفاع عن الله كان هو الغالب على ~~الدفاع عن الإنسان، وأن إثبات الله في ذاته وصفاته كان أهم من إثبات الله في ~~أفعاله، وهو ما حدث في العقائد المتأخرة عندما ابتلع التوحيد العدل من جديد، ~~وضاع العدل لحساب التوحيد، واختفى الإنسان لحساب الله، ولكن يبقى للعدل ميزتان: ~~الأولى أنه مبحث متميز عن التوحيد، ولو أنه قليل من حيث الكم، والثاني أنه ~~أحيانا يسبق التوحيد من حيث الترتيب والأولوية وأحيانا يتلوه، وتداخل التوحيد ~~مع العدل في موضوع الأفعال يدل على ظهور العدل من خلال التوحيد كموضوع مستقل ~~يبلغ أوجه في المصنفات الاعتزالية عندما يفوق العدل التوحيد على الأقل من ~~حيث الكم إن لم يكن من حيث الترتيب، أما السمعيات فإنها تتركز كلها حول ~~موضوعين اثنين: النبوة والإمامة من موضوعات أربع ظهرت فيما بعد في بناء العلم: ~~النبوة والمعاد، والأسماء والأحكام (الإيمان والعلم)، والإمامة، ولكن من حيث ~~الكم تفوق الإمامة النبوة، وتبلغ أربعة أمثالها مما يدل على أهمية السياسة على ~~الدين نظرا لحداثة العهد بالمشكلة السياسية التي فجرت علم الكلام وعملت على ~~نشأته؛ وهو ما نفتقده حتى الآن إذ سقطت الإمامة كلية من العقائد المتأخرة التي ~~تركزت حول موضوعي الله والرسول، وإن اختفاء موضوع المعاد ليدل على أن ظهوره ~~كان متأخرا بعد تباطؤ الدفعة الأولى التي أنشأت الحضارة الإسلامية وعلومها ~~العقلية، وبدأ الناس يفكرون في آخرتهم ودنياهم، وهو ما استمر في كتب العقائد ~~المتأخرة، وما زال يفعل في وجداننا المعاصر، كما أن اختفاء موضوع الإيمان ~~والعلم يدل على سرعة انتهائه من العقائد المتأخرة، وتحويله إلى عقائد الإيمان # Credo # وما يجب على المسلم التسليم به، ~~ولكن تبقى ميزة أخيرة، وهي تركيز العلم كله حول موضوعي التوحيد والإمامة أي ~~الدين والسياسة، وأن شئنا الله والشعب، وأن صوت الله هو صوت الشعب، وهو ما ~~يمكن تطويره فيما بعد فيما يسمى بلغة عصرنا «الدين والثورة». # 5 ms094 ~~(2) من الفرق إلى الموضوعات، أو من الموضوعات إلى الفرق # تظهر الفرق أولا وعلى رأسها فرقتا «أهل الزيغ والبدعة»، و«أهل الحق ~~والسنة» كبابين مستقلين حتى يمكن مقارنة القولين معا، ثم بعد ذلك يتم ~~الانتقال من عقائد الفرقتين إلى العقائد من حيث هي موضوعات مستقلة تحاول أن تضع ~~نفسها في بناء العلم، # 6 # أما من حيث موضوعات العلم ذاته فلم تظهر بعد نظرية العلم ونظرية ~~الوجود، وكأن ظهورهما قد حل محل الحديث عن الفرق، فالعلم بديل عن الإيمان، ~~والوجود بديل عن العقائد، وكان ظهور هاتين النظريتين يمثل تقدما كبيرا في ~~تحديد بناء العلم إجابة على سؤالي: «كيف نعلم؟» و«ماذا نعلم؟» ثم تظهر ~~موضوعات العلم الأساسية بلا بناء واضح، ولكن تبدو موضوعات الإلهيات وقد شملت ~~حوالي تسعة عشر جزءا من العلم، وتحظى السمعيات بالجزء العشرين مما يدل على ~~أن الإلهيات كانت في ذلك الوقت في خطر عظيم في حين أن السمعيات لم تكن كذلك، ~~وأن قوة الدفع في الحضارة كانت في أوجها، فلم تشغل الناس أمور المعاد بل ~~شغلهم أمر التوحيد، وهذا ما تخلفنا نحن عنه الآن عندما سادت السمعيات ~~وجداننا المعاصر من جديد، وفي الإلهيات يفوق التوحيد العدل من حيث الكم ويكون ~~ضعفه، مما يشير إلى أن المخاطر نحو الله كانت أعظم من المخاطر حول الإنسان، ~~وعلى رأس موضوعات التوحيد يبرز موضوع إثبات الرؤية لله بالأبصار، وإثبات قدم ~~القرآن ثم إثبات باقي الصفات مما يدل على أن غاية العلم في البداية كانت إثبات ~~الرؤية ضد منكريها، وإثبات الصفات ضد نافيها، ولكن يبقى العدل متميزا عن ~~التوحيد ويمثل نصفه، أما السمعيات فلا تتناول إلا موضوعين: المعاد، ~~والإمامة دون النبوة، والإيمان والعمل، ويحظى المعاد بثلاثة أرباع السمعيات، ~~ولا تحظى الإمامة إلا بالربع الأخير، وهو ما ساد حتى الآن في العقائد المتأخرة ~~وفي وجداننا المعاصر من سيادة أمور الآخرة، وهي أمور المعاد، على شئون الدنيا، ~~وهي السياسة، كما أن عدم ظهور موضوع النبوة يدل على إمكانية قيام العلم في ~~بدايته دونها، وليس كما حدث في ms095 العقائد المتأخرة من قيامها على محور الله ~~والرسول، وهما أيضا ركيزتان في وجداننا المعاصر، أما سقوط الإيمان والعمل من ~~السمعيات فإنه يدل على أن الموضوع لم يؤخذ مأخذ الجد، فلا عجب أن توارى من ~~العقائد المتأخرة، وتحول إلى مضمون الإيمان، وهي العقائد التي يجب التسليم بها، ~~وسقطت مقولة العمل، وهو ما نعاني منه في واقعنا المعاصر. # 7 # وفي مقابل الانتقال من الفرق إلى الموضوعات يمكن الانتقال من الموضوعات إلى ~~الفرق، فلما كانت كل فرقة كلامية اتجاها فكريا أو يغلب عليها موضوع فكري ~~أمكن تقسيم المادة الكلامية حسب الموضوعات، ثم إدراج الفرق تحتها، وكأن الفرق ~~ما هي إلا حلول متعددة لموضوع واحد، الأصل هو الموضوع، والفرع هو الفرق، ولكن ~~العيب في ذلك أن الموضوع لم يكن إلا رأس موضوع أو عنوان، والمادة كلها من ~~اختلاف الفرق في هذا الموضوع؛ فالمادة الكلامية تعطي تاريخ فرق مقنع تحت ستار ~~الموضوعات، ولكن الفضل يكمن في اكتشاف أن الفرق ليست مجرد تاريخ، بل تندرج ~~تحت أصول فكرية أو موضوعات مستقلة؛ وبالتالي يمكن حصرها ورؤية جدلها فيما ~~بينها، ولو تركت الفرق بلا أصول لما أمكن حصرها أو ضبطها؛ فبناء العلم سابق ~~على تاريخ العلم، والموضوعات هو أساس التشعب والآراء، وقد نشأت الحاجة إلى ~~الأصول من أجل ضبط الفرق إلى عيوب المنهج التاريخي الصرف الذي يكتفي بسرد ~~الفرق وتوالدها عن بعضها البعض، فالتاريخ لا يمكن فهمه بدون الفكر، والحركات ~~الفكرية لا يمكن إدراكها إلا بأنماط عقلية مثالية تكون هذه الحركات تجسيدا لها. # 8 # والأصول أربع: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والسمع والعقل؛ فالأصلان ~~الأول والثاني استقرا فيما بعد في بناء العلم، ولكن الأصل الثالث وهو الوعد ~~والوعيد يشمل مسائل عديدة يدخل بعضها في العدل في موضوع «أفعال الشعور الداخلية»، # 9 # والبعض الآخر في السمعيات مثل موضوع الإيمان والعمل الذي يأخذ اسم ~~«الأسماء والأحكام»، وبعض مسائل المعاد، وأوائلها في الدنيا مثل التوبة والوعد ~~والوعيد دون صورها الفنية من جنة ونار، وصراط وميزان، وحوض وشفاعة ... إلخ، أما ~~الأصل الرابع، وهو ms096 السمع والعقل، فإنه يشمل موضوع العقل والنقل، وهو داخل ~~الإلهيات مع الذات والصفات والأفعال في بناء العلم بعد اكتماله، ويشمل موضوعي ~~النبوة والإمامة، وهما من موضوعات السمعيات، لا توجد إذن تفرقة في الأصول ~~الأربع بين الإلهيات والسمعيات، تلك التفرقة التي حدثت في بناء العلم فيما ~~بعد، وأصبح موضوعا النبوة والإمامة من الموضوعات العقلية لدخولهما تحت أصل ~~السمع والعقل وليس تحت باب السمعيات كما هو الحال في بناء العلم المتأخر، بل ~~إنه لأول مرة يظهر السمع والعقل كأصل مستقل عن التوحيد والعدل، وبالتالي يكون ~~فكرنا المعاصر قد تخلف بفتحه بابا للسمعيات تبعا لبناء العلم المتأخر، ~~وإسقاطه أصل السمع والعقل، كما تخلفت عقائدنا المتأخرة بإسقاط العدل ~~وابتلاعه في التوحيد حتى لم يعد العدل موجودا في سلوك الإنسان أو في النظم الاجتماعية. # 10 # وهنا تبرز أهمية إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة بإبرازها أصل ~~العدل وأصل السمع والعقل من أجل إرساء قواعد العدالة الاجتماعية والعقلانية ~~الحديثة، وبناء على هذه الأصول الأربع تصبح الفرق أربعا: القدرية، والصفاتية، ~~والخوارج، والشيعة. # 11 # ويعد ذلك انتصار العقل على التاريخ إذا علمنا أن تاريخ الفرق كان ~~باستمرار تاريخا موجها بالنص الذي يجعلها ثلاثا وسبعين فرقة! ~~(3) من الفرق ثم الموضوعات بلا بناء إلى الفرق ثم الموضوعات المبنية # في نفس الوقت الذي يظهر فيه علم الكلام ~~على أنه تاريخ فرق يظهر أيضا على أنه موضوعات مستقلة، وإن لم تدخل تحت تبويب ~~معين حتى نعلم بناء العلم، يتم عرض الفرق أولا ثم الموضوعات ثانيا دون أدنى ~~ربط بين الشعور التاريخي والشعور البنائي، وكأن هناك شعورين مستقلين عن بعضهما ~~البعض لا رابط بينهما، بل إن عرض الفرق لم يتم طبقا لأصول معينة فكرية أو ~~طبقا لبناء معين أو حتى طبقا لموضوعات علم الكلام الرئيسية، بل يدور معظمها ~~حول المسائل الطبيعية، وبعض مسائل أصول الفقه والأحكام، وبعض مسائل الكلام مثل ~~الإمامة والذات والصفات دون ترتيب أو تبويب، بل أحيانا بتكرار وسرد وكأن ~~المعاني ما زالت تتحسس طريقا نحو البناء، وكأن علم الكلام ما زال في ms097 بدايته، ~~محاولة لتجميع المعاني، وتحول النصوص إلى موضوعات نظرية وإن لم يجمعها جامع واحد. # 12 # وفي مقابل ذلك يعرض علم الكلام أيضا على أنه فرق، ثم يعرض ثانيا على أنه ~~موضوعات مبنية، ولكن الفرق هي الفرق غير الإسلامية وعلى رأسها اليونان، ~~والنصارى، واليهود، والبراهمة لأن الفرق الإسلامية تركت في نهاية العلم كما هو ~~الحال في المصنفات التي تحدد فيها بناء العلم النهائي، وذكر الفرق غير ~~الإسلامية أولا ليس من أجل السرد والإحصاء أو الإخبار والتعريف أو التاريخ ~~والبيان، بل تقوم الفرق على أساس فكري، وتمثل كل فرقة موضوعا مستقلا، الفرقة ~~موضوع تاريخي مستقل ولكنه يتحقق في التاريخ، والفرق ست: الأولى مبطلو الحقائق ~~أو السوفسطائية، وهي تشير إلى نظرية العلم كمقدمة أولى في بناء العلم. # 13 # والثانية القائلون بقدم العلم دون إله، والثالثة القائلون بقدم ~~العالم وقدم الله، والرابعة القائلون بحدوث العالم بمدبرين أو أكثر. وهذه ~~الفرق الأربع تتناول نظرية الوجود وهي المقدمة الثانية في بناء العلم النهائي، ~~إثبات حدوث العالم وأن له صانعا ومدبرا، # 14 # والفرقة الخامسة التي تثبت حدوث العالم ووجود الصانع وتنكر النبوات ~~كلها كالبراهمة، والسادسة كالخامسة ولكنها تثبت بعض النبوات وتنكر البعض ~~كاليهود والنصارى، وهاتان الفرقتان تتناولان موضوع النبوة، وهو أول موضوع في ~~السمعيات بعد بناء العلم. # 15 # كل فرقة إذن ليست تاريخا بذاتها بل هي موضوع، ومجموعها يكون ~~العقائد الإسلامية في بناء العلم. # 16 # أما الموضوعات فهي ست: التوحيد، ~~والقدر، والإيمان، والوعيد، والإمامة، واللطائف أي الطبيعيات، تشمل الإلهيات ~~التوحيد والقدر، وتشمل السمعيات الإيمان والوعيد والإمامة، أما الطبيعيات ~~فتشير إلى بدايات التفكير العلمي في الطبيعة التي استعملت من قبل كسلم ~~للإلهيات، كما هو واضح في دليل الحدوث، أما النبوة فقد دخلت من قبل في عرض ~~الفرق غير الإسلامية وإثبات التحريف في الكتب المقدسة، كما دخلت أيضا نظرية ~~العلم ونظرية الوجود في عرض الفرق غير الإسلامية، وبالتالي يكتمل بناء العلم ~~بالمنهجين التاريخي والموضوعي، وظهور الشعورين، التكويني والبنائي؛ ومن حيث ~~الأهمية، تفوق السمعيات الإلهيات من حيث الكم إلى درجة ms098 الضعف وهو ما زال ~~مسيطرا على وجداننا المعاصر، ولو أن جزءا من السمعيات يغلب عليها الطابع ~~العملي مثل الإمامة والمفاضلة، أما من حيث الكم، فالطبيعيات هو الموضوع الذي ~~يأتي في الدرجة الأولى مع الإمامة وكأن موضوعي الطبيعة والسياسة هما أهم ~~موضوعين أصوليين في العلم، وهو ما تخلفنا عنه بوجداننا المعاصر عندما توارت ~~الطبيعة، وفتر الناس من قاموس السياسة بعد أن أصبحت حرفة ونفاقا. # 17 # ثم تأتي مسألتا القدر والإيمان في الدرجة الثانية مما يدل أيضا ~~على أن موضوعي حرية الأفعال والإيمان والعمل يأتيان من حيث الأهمية بعد الطبيعة ~~والسياسة، وكأن الإنسان من حيث هو عامل حر هو الذي ينتشر في الطبيعة وفي ~~السياسة، وهو الذي يفعل في التاريخ وفي المجتمع، ثم يأتي في الدرجة الثالثة ~~موضوعا التوحيد والوعد والوعيد، وكأن الإنسان الذي يفعل بحرية في التاريخ ~~وفي المجتمع هو الذي يوحد بالله وهو الذي يكون له مستقبل مضمون. التوحيد إذن ~~ليس شرطا بل مشروط، والفعل الحر في التاريخ والمجتمع ليس مشروطا بل شرط؛ ~~وبالتالي يكون فكرنا المعاصر قد تخلف عندما جعل التوحيد شرطا لا مشروطا، ~~وعندما جعل فعل الإنسان الحر في التاريخ والمجتمع مشروطا لا شرطا، وإذا أخذنا ~~موضوعات الفرق غير الإسلامية في الاعتبار وهي نظرية العلم ونظرية الوجود ~~والنبوة ووضعناها مع الموضوعات الأصولية الست ورتبناها من حيث الأهمية نجد ~~الترتيب الآتي: (1) النبوة. (2) الطبيعيات. (3) الإمامة. (4) القدر. (5) ~~الإيمان. (6) التوحيد. (7) الوجود. (8) الوعد ~~والوعيد. (9) العلم. وهو ما تخلفنا عن معظمه بتركنا مسألة النبوة ودراستها ~~دراسة علمية تاريخية، وتركنا إحساسنا بالطبيعة واتحادنا بها، وفتورنا من ~~السياسة، وقصورنا عن الفعل الحر، وتواري عملنا وراء الإيمان، وإعطائنا الأولوية ~~المطلقة لله وللأخرويات، ثم انحسار العلم عن مظاهر الحياة وعدم إقامتها على أسس ~~علمية؛ فالعلم كان آخر الموضوعات التسع من حيث الأهمية والكم، وإن كان أولها من ~~حيث الترتيب، ومن خلال هذه الموضوعات الأساسية تتم الإشارة إلى الفرق الإسلامية ~~وهي خمس: أهل السنة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج. # 18 # | ثالثا: من المسائل إلى الموضوعات، ومن الموضوعات إلى ~~الأصول # بعد ms099 أن ظهرت الموضوعات من خلال الفرق، والفرق من خلال الموضوعات، وقبل أن ~~يتحدد بناء العلم النهائي ظهرت أيضا عدة مسائل كلامية مستقلة عن الفرق، ثم ~~ظلت تتحد فيما بينها في فصول، وتندرج الفصول تحت أبواب، والأبواب تحت أصول حتى ~~تظهر في النهاية أصول العلم والتي يمكن بعد ذلك من تكوينها في البناء النهائي ~~للعلم، وإذا جاز نمط التقابل الماضي في تحديد الصلة بين الموضوعات والفرق، فإن نمط ~~التدرج والتكوين والتجميع هو الذي يساعد على فهم تكوين البناء النهائي الذي ~~يمكن وصفه كالآتي: ~~(1) من الأقوال المتفرقة إلى الموضوعات المتناثرة # ظهرت بعض الأقوال المتفرقة أو الكلام ينشأ حولها الجدل، هجوما أو دفاعا. ~~هنا يبدو العلم ناشئا من الخصام بين المتحاورين، والصراع بين المواقف ~~المذهبية دون أن يكون له عرض عقلي شامل، وكما هو الحال أحيانا في بيئتنا ~~الثقافية المعاصرة عندما تغلب عليها الأقوال دون الأصول، في هذه المؤلفات ~~الجدلية في الرد على الخصوم لا يكون للعلم بناء معين، بل يدور حول موضوعات ~~متفرقة يجمعها من بعيد البناء العام للعلم، قد يكون للرد على الخصوم بناؤه ~~الشكلي الخاص، وهو دفاع المؤلف عن مذهبه أولا ثم هجومه على مذهب الخصم ~~ثانيا أو الهجوم على مذهب الخصم أولا ثم الدفاع عن مذهبه ثانيا، ويكون ذلك ~~إما بإيراد أقوال الخصم نصا ثم الرد عليها أو بإيراد مقالته ~~معنى ثم تفنيدها، ويتم ذلك عن طريق تصحيح ~~الرواية حتى تنقل المقالة على الوجه الصحيح أو تصحيح فهم المقال ضد التشويه ~~المتعمد إما بالنقص أو الزيادة أو التحريف أو التأويل، وهذا مجاله منطق الجدل ~~وأساليبه وليس موضوعات الكلام، ويتعلق بأساليب البيان أكثر من تعلقه بمضمون البيان. # 1 # كان العلم إذن مجرد مناقشة حول مقالات نظرية دون أن تندرج في بناء ~~نظري للعلم، وكان معظمها يدور حول المعاد والطبيعيات والنبوة وبعض مسائل ~~الفقه والإمامة، ولكن الغالب على المقالات موضوعات المعاد والطبيعيات والإمامة، ~~وهي موضوعات النزاع التي تحاول أن تجد نفسها كموضوعات مستقلة قبل البحث عن أساس ~~نظري أو بناء عقلي ms100 لها، ولكن تظل هناك ميزة وهو الحوار والنقاش والصراع الفكري، ~~وهو ما ينقص بيئتنا الثقافية المعاصرة نظرا لغياب التيارات الفكرية والمدارس ~~الفلسفية باستثناء حركات الإصلاح الدينية الحديثة التي لم تؤت كل ثمارها، بل ~~أوشك صوتها أن يخفت دون صوت بديل. # ثم تظهر المسائل من خلال الأقاويل والآراء والمناقشات، وتحدد المعاني ~~والأوصاف، ولكن يبدأ العلم في الظهور من خلال المسألة، والمسائل كلها تشير من ~~بعيد إلى بناء العلم النهائي الذي سيظهر فيما بعد، تشمل المقدمات - نظريتا ~~العلم والوجود - حوالي عشر العلم على خلاف ما سيبدو في النهاية من ابتلاع ~~هذه المقدمات للعلم ذاته حتى إنها بلغت ثلاثة أرباعه، أما الإلهيات فإنها ~~تشمل حوالي ثلثي العلم، التوحيد الثلث، والعدل الثلث الآخر في مقابل السمعيات ~~التي تشمل الثلث الأخير مما يدل على أهمية الإلهيات قبل السمعيات نظرا لوجود ~~الأخطار التي تواجه التوحيد بصورة أكثر من الأخطار التي تواجه السمعيات، ~~وتتداخل مسائل التوحيد مع مسائل الوجود أعني دليل الحدوث وهو ما زال حاصلا ~~حتى البناء النهائي للعلم، وما زال متحققا في وجداننا المعاصر من ربط بين ~~الوجود والله أو بين الطبيعيات والإلهيات، كما تظهر الفرق الإسلامية والفرق غير ~~الإسلامية المعارضة مما يدل على أن العلم من حيث هو بناء ما زال مرتبطا بالعلم ~~من حيث هو تاريخ، أما السمعيات فإنها لا تشمل إلا النبوة والمعاد، ~~والأسماء والأحكام، وتسقط الإمامة من ~~الحساب، وكأن السياسة لا أهمية لها، وهو ما نعاني منه حتى الآن من فتور الناس ~~من قاموس السياسة، والنبوة أهم الموضوعات السمعية لدرجة أنها من حيث الترتيب ~~تأتي بعد التوحيد مباشرة وقبل العدل، ويتم إثباتها ضد منكريها، وتظهر الفرق ~~أيضا ضمن هذا الإنكار، كما أنها تبلغ من حيث الكم أقل من نصف السمعيات كلها، ~~وضعف الأسماء والأحكام التي لا تتجاوز خمس السمعيات، كما يعادل المعاد النبوة ~~من حيث الكم، وهما معا يشملان أربعة أخماس العلم، وهو ما زال حاصلا في ~~وجداننا المعاصر من سيادة السمعيات وعلى رأسها أمور المعاد. # 2 # ويستمر التصنيف في المسائل ms101 إلى ما بعد ظهور الأصول وإلى ما بعد اكتمال ~~البناء، وكأن المسألة هي الغاية النهائية من إقامة العلم حتى إن المسائل فيما ~~بعد تحولت إلى عقائد، وعادت الأمور مثلما بدأت منه، من العقائد إلى المسائل ~~ثم من المسائل إلى العقائد من جديد، ففي المسائل المتأخرة يسقط العلم كما سقط ~~في العقائد المتأخرة، وكما يغيب في وجداننا المعاصر، ويبلغ الوجود سدس العلم، ~~أي أن موضوعات العلم الإلهية والسمعية ما زالت هي السائدة على المقدمات ~~النظرية، أما الإلهيات فإنها تشمل أربعة أخماس العلم، والسمعيات الخمس ~~الأخير، وفي الإلهيات هذه يمثل التوحيد ستة أضعاف العدل مما يدل على تواري ~~العدل وتقهقره عن التوحيد حتى يضيع كلية في العقائد المتأخرة، ويختفي من ~~وجداننا المعاصر، وفي السمعيات تختلط مسائل النبوة بالمعاد، وتبدأ الإمامة ~~بالدعوة إلى السلطان كما نفعل في أيامنا هذه، ويسقط الإيمان والعمل كما يسقط في ~~عالمنا اليوم، وهو ما حاولت الحركات الإصلاحية الوقوف أمامه، وإبراز موضوع ~~الإيمان والعمل من جديد مع إعطاء الأولوية للعمل على الإيمان. # 3 # وفي دوائر المعارف المتأخرة، يعود العلم من جديد إلى الظهور من خلال الكلام، ~~أي حتى ما قبل المقالات والمسائل، ولكن يوحي مجموع الكلام بالبناء العام للعلم ~~الذي بدأ يتوارى أيضا حتى يفسح المجال للعقائد، فالمقدمات التي تشمل نظريتي ~~العلم والوجود تغطي ربع العلم، أما الإلهيات فإنها تعادل نصف العلم، ~~والسمعيات تمثل ضعف الإلهيات، وهو ما زال سائدا في وجداننا المعاصر مع ضنك ~~العيش، وتأزم الحياة، وفي الإلهيات يضم التوحيد العدل ويحتويه في الأفعال ~~ويكون ضعفه، أما السمعيات فإن الإمامة تسقط منها مما يشير إلى انحسار السياسة ~~من فكرنا الديني المتأخر، ونفورنا منها في واقعنا الحالي بعد تحولها إلى ~~تجارة ومهنة وربح ومكسب، ويعود تاريخ الفرق في الظهور في ختام السمعيات، وفي ~~موضوع الإيمان، # 4 # ولكن من خلال المقالات والكلام والمسائل تظهر الفصول التي تدل على ~~بعض الموضوعات المستقلة وليس على بناء العلم ككل، مثل موضوعات خلق القرآن، ~~والقدرة، والرؤية، والشفاعة، يشير الأول والثالث إلى التوحيد، ويشير ms102 الثاني ~~إلى العدل، وكلاهما أصلان في الإلهيات، وتشير الشفاعة إلى المعاد، وهو أصل في ~~السمعيات، ومع ذلك تشير هذه المسائل إلى بناء العلم، فتظهر نظريتا العلم ~~والوجود لأول مرة دون أن يكونا مقدمتين للعلم، بل يظهران متواريين أمام ~~الإلهيات والسمعيات، ولا يجاوزان جزءا من أربعة عشر جزءا من العلم ذاته؛ ~~ومن ثم يكون العلم المتأخر قد تقدم بالفعل عندما فاقت المقدمتان العلم ~~ذاته، ولو تطور العلم فيما بعد لابتلعت المقدمات كلها ما تبقى من الإلهيات ~~والسمعيات، ويكون فكرنا المعاصر الآن قد تخلف عن هذا التقدم السابق بتواري ~~نظريتي العلم والوجود أمام الإلهيات والسمعيات، ومن حيث الكم تفوق السمعيات ~~الإلهيات إلى حد ما مما يدل على أهمية السمعيات وأمور المعاد في بدايات ~~العلم، وتكون سيادة السمعيات في وجداننا المعاصر عود إلى بدايات العلم وقضاء ~~على تقدمه، وفي الإلهيات يتميز العدل عن التوحيد، ويساويه في الأهمية، ولم ~~يتم ابتلاعه داخل التوحيد كما هو الحال في العقائد المتأخرة وفي وجداننا ~~المعاصر، وفي السمعيات تكون للإمامة وللإيمان والعمل الأولوية على المعاد ~~والنبوة من حيث الترتيب؛ إذ إنها يبدآن السمعيات، ومن حيث الكم إذ إنهما ~~يبلغان ثلاثة أرباع العلم، ويكون فكرنا المعاصر متخلفا عن هذا النمط القديم ~~عندما أصبحت الأولوية للنبوة وللمعاد كما هو الحال في بناء العلم المتأخر، بل ~~إن الإمامة لها الأولوية على الإيمان والعمل من حيث الترتيب والكم مما يدل على ~~أهمية السياسة في بدايات العلم وتخلف واقعنا المعاصر عن هذا النمط القديم ~~بإخراجنا السياسة كلية من بناء العلم، كما هو الحال في العقائد المتأخرة أو ~~على أقصى تقدير اعتبارها ملحقا للعلم وليس داخلا فيه كما هو الحال في بناء ~~العلم النهائي، ومما يدل أيضا على أولوية العمل الجماعي على العمل الفردي كما ~~هو واقع في حياتنا المعاصرة من إعطاء الأولوية للعمل الفردي على العمل الجماعي؛ ~~أي عمل الزعيم على ممارسة الجماهير، وبطولة القائد على إشراك الشعوب، ثم تظهر ~~الموضوعات الأربعة المستقلة من خلال المسائل، وهي الموضوعات التي ما زالت ~~مثارا للجدل ms103 وللخلاف: القرآن، والقدر، والجرح والتعديل، والشفاعة، والرؤية؛ ~~القرآن والرؤية في التوحيد، والقدر والجرح والتعديل في العدل، والشفاعة في ~~السمعيات، ولكن الترتيب من حيث الكم هو في الحقيقة: خلق القرآن، الإرادة، ~~الرؤية، الشفاعة، مما يدل على أن موضوع خلق القرآن كان من أولى موضوعات الجدل ~~والنزاع، وهو الأولى بالإحياء في فكرنا المعاصر بمدلول حديث في اعتبار الوحي ~~تعبيرا عن واقع؛ ومن ثم فهو حادث أكثر منه تنزيلا من فكر ومن ثم ~~فهو قديم، تعني حادث أنه يتغير في فهمه وتفسيره طبقا لمتطلبات الواقع ~~وتعني القديم أنه سابق على التجربة لا يتغير بتغير الواقع وتطور التاريخ، ~~ويعادل موضوع خلق القرآن أربعة أضعاف الرؤية من حيث الكم، هو ما يحدث في فكرنا ~~المعاصر عندما تثار قضية الرؤية في الدين الشعبي وفي الطرق الصوفية دون إثارة ~~قضية خلق القرآن بمدلولها الحديث، وتدل هذه الموضوعات الأربع على سيادة ~~الإلهيات، خلق القرآن، والرؤية، والإرادة على السمعيات في موضوع الشفاعة، وهو ~~أيضا ما يحدث في فكرنا المعاصر، ولكن في الإلهيات، يبلغ التوحيد أربعة أضعاف ~~العدل من حيث الكم، وهذا ما حدث في علم الكلام العقائدي عندما ابتلع التوحيد ~~العدل كلية حتى ضاع العدل من وجداننا المعاصر، وفي السمعيات لا يظهر إلا موضوع ~~الشفاعة وهو ما يحدث في فكرنا المعاصر من استمرار للشفاعة الدينية والدنيوية ~~معا كموجه لسلوكنا القومي. # 5 ~~(2) من الموضوعات إلى الفصول، ومن الفصول إلى الأبواب # ثم تتحول هذه الموضوعات إلى فصول، والفصول إلى أبواب، وقد تم ذلك أيضا في ~~القرنين الرابع والخامس، وإن ظهور الموضوعات في فصول كثيرة دون تبويبها في ~~موضوعات أقل ودون إحصاء لهذه الفصول ليدل على أن بناء العلم لم يكتمل بعد في ~~حين أن الموضوعات قد أخذت استقلالها النهائي، فتظهر نظرية العلم مع شرعيته في ~~حين تختفي نظرية الوجود؛ وذلك يدل على أن انفصاله عن التوحيد فيما بعد يمثل ~~تقدما ملموسا للعلم وتبرز الطبيعة ولو أنها ما زالت سلما لله، وتمثل ~~نظرية العلم حوالي عشر العلم، وبالتالي يكون علم الكلام المتأخر ms104 قد خطا خطوات ~~حاسمة باتساع موضوعي العلم والوجود حتى إنهما أصبحا ثلاثة أرباع العلم، ويكون ~~وجداننا المعاصر قد تخلف عن بناء العلم بإسقاطنا من حياتنا العلم والوجود ~~أو المعرفة والطبيعة؛ نظرا لسيادة الإلهيات وابتلاعها الطبيعة، والسمعيات ~~كبديل للمعرفة، ثم تتعادل الإلهيات والسمعيات من حيث الكم إن لم تفق الأولى ~~الثانية بقليل، وفي الإلهيات يختلط موضوع العدل بالتوحيد مما سهل ابتلاع ~~التوحيد للعدل في علم الكلام العقائدي، ومما يسبب رسوخ تواري مقولة العدل من ~~وجداننا المعاصر، بالإضافة إلى أن التوحيد يفوق العدل من حيث الكم، أكثر من ~~خمسة أضعاف، مما يدل على طغيان التوحيد على العدل في نمط فكرنا القديم، ~~واستمرار هذا النمط حتى الآن باستثناء الأصول الاعتزالية عندما فاق العدل ~~التوحيد، أما السمعيات فتختلط بعض مسائلها مثل الإيمان والعمل مع بعض مسائل ~~العدل، كما تظهر بعض مسائل العدل مع الإمامة مما يدل على تشتت العدل وضياعه ~~بعد أن ابتلع التوحيد جزءا منه، وتشتت الباقي في السمعيات، مرة في المعاد، ~~ومرة في الأسماء والأحكام، ومرة في الإمامة، كما تختلط في السمعيات بعض مسائل ~~الإيمان والعمل مع بعض موضوعات المعاد، وسيادة المعاد على الإيمان والعمل، وهو ~~ما يحدث في فكرنا المعاصر حتى الآن، وتدخل بعض موضوعات النبوة في الإمامة مما ~~يدل على سيادة التفكير الديني على الفكر السياسي، وهو ما يحدث حتى الآن، كما ~~تظهر الإمامة كموضوع إلهي أكثر منه كموضوع سياسي، وانتهاء الإمامة بالهجوم على ~~الروافض من أهل الإباحة وأهل النجوم؛ أي على الصوفية والفلاسفة، مما يشير إلى ~~اتصال العلوم القديمة بعضها ببعض، وبداية ظهور موضوع التاريخ كملحق للإمامة. # 6 # وقد تختفي نظرية العلم، وتظهر نظرية الوجود؛ لأن الربط بين العلم والمعلوم لم ~~يكن ضروريا بعد، كما حدث في بناء العلم، ولا يمثل الوجود إلا حوالي جزء من ~~عشرين جزءا مما يكونه العلم، وهو ما يحدث في وجداننا المعاصر من ربط للعلم ~~بالإشراقيات أو ترك المعلوم بلا علم، ويظهر العلم ذاته من عدة فصول دون عد ~~أو إحصاء، ولكن تبدأ الأبواب ms105 في الظهور، على الأقل باب واحد في ذكر ما يستحيل ~~في أوصاف الباري، وأصل واحد في حدوث العالم ووجود الصانع؛ ومن ثم تبدأ ~~الفصول المتفرقة في التجمع تحت أبواب أكبر، وفي أصول أشمل حتى يظهر بناء العلم ~~فيما بعد، وتبلغ الإلهيات ثلاثة أضعاف السمعيات مما يدل على استمرار النمط ~~القديم في فكرنا الديني المتأخر وفي وجداننا المعاصر، وفي الإلهيات يظهر ~~التوحيد ثم العدل مختلطا ببعض مسائل التوحيد، وكأن العدل ما هو إلا تطبيقات ~~للتوحيد، وليس بابا مستقلا عن فعل الإنسان وعقل الإنسان، ومن حيث الكم يفوق ~~التوحيد العدل، ويبلغ ثمانية أضعافه مما يدل على سهولة ابتلاع التوحيد للعدل في ~~فكرنا الكلامي المتأخر، وضياع العدل كلية من وجداننا المعاصر، وفي السمعيات ~~تبتلع النبوة باقي الموضوعات مثل المعاد والإيمان والعمل، وتظهر مسألة العقل ~~والنقل مع النبوة، وهي في الحقيقة إحدى مسائل التوحيد، وتبلغ النبوة ثلاثة ~~أرباع السمعيات، ولا تترك للإمامة إلا الربع الأخير؛ فالتوحيد هو الموضوع ~~الأول، وما سواه ملحق له، وهو الموضوع الوحيد الذي ظهر على أنه أصل، وهو ~~الموضوع الوحيد الذي ظهر في باب مستقل هو الباب الوحيد، وما سواه فصول، مما يدل ~~على أن علم الكلام كله قائم على أصل واحد هو التوحيد، وهو ما ظهر في إحصاء ~~الأصول قبل بناء العلم الكامل. # 7 # ثم تظهر الفصول في أبواب أكثر، ويتحدد بناء العلم ولو أنها أبواب في القول، ~~وتظهر نظريتا العلم والوجود معا مما يشير إلى بداية استقرار العلم من حيث ~~مقدماته النظرية، ولكنها تشمل من حيث الكم جزءا من خمسة عشر جزءا تكون مادة ~~العلم كله؛ وبالتالي يكون علم الكلام المتأخر قد خطا خطوات واسعة بإعطاء ~~الأولوية للمقدمات النظرية على مادة الكلام ذاتها، ونكون نحن قد تخلينا عن ~~مكاسب العلم المتأخرة بإسقاطنا العلم والوجود من وجداننا المعاصر، وتمثل ~~الإلهيات أكثر من ضعف السمعيات، وهو ما زال أيضا في فكرنا المعاصر عندما ~~نتبادل الإلهيات والسمعيات معا كمحاور في فكرنا القومي، وفي الإلهيات يفوق ~~التوحيد العدل؛ إذ يمثل التوحيد ثلاثة ms106 أخماس الإلهيات، والعدل الخمسين ~~الباقيين، وهو ما استمر في علم الكلام المتأخر باختفاء العدل في بطن التوحيد ~~ثم ضياعه كلية من وجداننا المعاصر، وفي السمعيات تعادل النبوات من حيث الكم ~~الموضوعات الثلاث الأخرى: المعاد، والإيمان والعمل، والإمامة، مما يدل على ~~استمرار هذا النمط حتى الآن في فكرنا المعاصر بتركيزنا على النبوة، وبتفكيرنا ~~في النبي، ويكون موضوع الإيمان والعمل أقل الموضوعات كما هو واضح في حياتنا ~~المعاصرة بالرغم من محاولة الحركات الإصلاحية من تغيير ذلك، وتتداخل بعض مسائل ~~الإمامة مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المعاد والإيمان والعمل، ~~وكذلك تبرز بعض مسائل العدل مثل الآجال والأرزاق والأسعار في السمعيات بين ~~النبوة والمعاد. # 8 # وقد تظهر مع الأقوال والفصول والأبواب الكتب، مجموعة من الأقوال تكون ~~فصلا، ومجموعة من الفصول تكون بابا، ومجموعة من الأبواب تكون كتابا؛ ~~وبالتالي يتحدد بناء العلم أكثر فأكثر في عدة جوانب تكون أساسا للعلم، وتظهر ~~نظريتا العلم والوجود في خمس العلم تقريبا مما يدل على بدايات ابتلاع ~~المقدمات النظرية للعلم، ولكن الوجود يفوق العلم من حيث الكم؛ إذ ينحو نحو ~~الاستقلال بذاته، وتتداخل مباحثه مع التوحيد حتى إنه بقدر ما يظهر الوجود ~~يختفي التوحيد، وبقدر ما يظهر التوحيد المشخص يختفي الوجود، وكأن تحويل ~~«الثيولوجيا» إلى «أنطولوجيا» عملية فكرية وتاريخية طبيعية، وتظهر مباحث جديدة ~~في الوجود مثل مباحث العدل ومباحث الأحوال، وتبدو الإلهيات وقد تجاوزت من حيث ~~الكم السمعيات وكأن السمعيات لا تكون جزءا أساسيا من بناء العلم، حوالي ~~الثمن، والإلهيات سبعة أثمان العلم، على خلاف الحال الآن في وجداننا المعاصر ~~المفتوح على السمعيات بلا تردد، وفي الإلهيات لأول مرة تفوق مسائل العدل ~~مسائل التوحيد؛ نظرا لبلوغ التيار الاعتزالي قمته، ومحاولة الأشاعرة صده، ~~والوقوف أمامه؛ إذ تبلغ مسائل العدل ثلاثة أرباع الإلهيات ، والتوحيد الربع ~~الأخير، وتكون خسارة كبيرة ما حدث فيما بعد في بناء العلم الأشعري عندما ابتلع ~~التوحيد العدل في نظرية الذات والصفات والأفعال، وعندما ضاع العدل كلية من ~~وجداننا المعاصر بالرغم من محاولات بعض الحركات الإصلاحية ms107 من إحيائه من جديد، ~~وتتفصل مسائل العدل إلى الإرادة، والقدر، والتولد، والطبائع، والتعديل ~~والتجوير، أما السمعيات فلا تشمل إلا موضوعا واحدا هي النبوات دون المعاد ~~أو الإيمان والعمل أو الإمامة، مما يدل على استمرار هذا النمط حتى الآن في ~~وجداننا المعاصر، خاصة بتواري الإيمان والعمل والسياسة. # 9 # وقد تختفي الفصول كلية، ويتحول العلم كله إلى أبواب محصاة؛ ومن ثم ~~يبدأ بناء العلم في الظهور؛ فالأبواب تحتوي على الموضوعات، وإن لم تتحول ~~الموضوعات بعد إلى أصول نظرا لأن عدة موضوعات تكون أصلا واحدا، فتختفي نظرية ~~العلم ونظرية الوجود باعتبارهما مقدمتين نظريتين للعلم مما يدل على أن ظهورهما ~~يعد تقدما أساسيا في بناء العلم، خاصة بعد أن اتسعا في فكرنا ~~الكلامي المتأخر، ومما يدل على مقدار التخلف بسقوطهما في فكرنا المعاصر، وقد ~~تبدو بعض مسائل الوجود في التوحيد وكمقدمة له مما يدل أيضا على أن ظهورها في ~~النصف الثاني من القرن الرابع يمثل تقدما أساسيا في بناء العلم خاصة بعد ~~تمددها في علم الكلام المتأخر وابتلاعها نصف العلم تقريبا حتى أصبحت تمثل ~~ثلاثة من مباحثه الستة، ومما يدل على مدى التخلف الذي وقع فيه فكرنا المعاصر ~~باختفائها وتواريها تماما، وتظهر أبواب عشر، تشمل الإلهيات السبع الأولى، ~~والسمعيات الثلاث الباقية؛ فالإلهيات من حيث الكم تمثل تسعة أعشار العلم، ~~والسمعيات العشر الأخير، مما يشير إلى تخلف فكرنا المعاصر الذي قلب الآية، ~~وتجاوزت السمعيات الإلهيات من حيث الكم من كثرة ما ينشر ويذاع في السمعيات، ~~وفي الإلهيات يتميز التوحيد عن العدل، هذا التمييز الذي اختفى في علم الكلام ~~المتأخر والمعاصر، حيث سادت نظرية الذات والصفات والأفعال، وحيث ابتلع التوحيد ~~العدل، مما يدل على تخلفنا عن بعض مواطن فكرنا القديم؛ ومن حيث الترتيب كان ~~للتوحيد الأولوية على العدل، وهو ما ساد العلم منذ بدايته حتى نهايته، وهو أحد ~~أسباب ابتلاع العدل في التوحيد، وأحد أسباب تخلف فكرنا المعاصر. ومن حيث الكم ~~يساوي التوحيد العدل، مما يدل على أن فكرنا القديم قد ركز عليهما معا وعلى ~~خلاف ms108 ما حدث في علم الكلام المتأخر وفي فكرنا المعاصر من اختفاء العدل لصالح ~~التوحيد، وقد فصلت مسائل العدل في ثلاث: القدر، والاستطاعة، والتعديل والتجوير. ~~لم يكن العدل مسألة كلية فحسب، بل ازداد تفصيلا وبناء وتكوينا، وفي السمعيات ~~تظهر موضوعات ثلاث فقط: الإيمان والعمل، والمعاد، والإمامة، ولم تظهر مسألة ~~النبوة مما يدل على أنها لم تكن أساسا في العلم منذ البداية، ومما يشير إلى ~~مقدار تخلف فكرنا المعاصر بتركيزنا على النبوات، ويدل ترتيب المسائل الثلاث على ~~أهمية الإيمان والعمل على المعاد، وهو أيضا ما تخلفنا عنه بتواري موضوع ~~الإيمان والعمل وظهور مسائل المعاد في وجداننا المعاصر. # 10 ~~(3) من الفصول والأبواب إلى القواعد والأصول # وبعد ذلك ينتقل البناء من الفصول والأبواب إلى القواعد والأصول التي تكون ~~دعامة البناء النهائي، فيظهر علم الكلام مندرجا تحت عشرين قاعدة، تختفي نظرية ~~العلم مما يدل على أهمية الوجود على العلم، وهو ما سيتضح أكثر فأكثر عندما يبلغ ~~الوجود ثلاثة أرباع العلم في القرون الثلاثة التالية، السادس والسابع والثامن، ~~ومما يدل أيضا على عدم رسوخ نظرية العلم كجزء من علم الكلام، ومما يفسر ~~أيضا غياب نظرية في العلم من وجداننا المعاصر، ولكن تبدأ نظرية الوجود، ~~بالإضافة إلى تذييل في الجوهر الفرد في نهاية العشرين قاعدة، والكل يبلغ عشر ~~العلم مما يدل على وجود بوادر لفصل الفكر العلمي في الوجود عن الفكر الديني، ~~فقد كان الوجود دائما مقدمة للإلهيات، حول دليل الحدوث أو الإمكان، وانفصال ~~الجوهر الفرد عن البحث يوحي ببدايات التفكير العلمي المستقل، وهو ما نصارع من ~~أجله في فكرنا المعاصر، من أجل استقلال فكرنا العلمي عن فكرنا الإلهي، ويتركز ~~مبحث الوجود على رفض الفيض بعد أن أصبحت نظرية الفيض خطرا على علم الكلام ~~آتيا من علوم الحكمة، ونظرا لهذا الغزو الداخلي، فإن علم الكلام أصبح هو ~~الجانب الإيجابي في مقابل رفض الفلاسفة الحكماء الذي يمثل الجانب الهدمي، فبعد ~~تأسيس علم الكلام على عشرين قاعدة يمكن هدم فلسفة الحكماء الإلهيين أيضا على ~~عشرين قاعدة، وتبلغ الإلهيات من ms109 حيث الكم قدر السمعيات باثنتي عشرة مرة؛ أي أن ~~الإلهيات هي كل العلم تقريبا، وأن السمعيات لا تمثل إلا جزءا من اثني عشر ~~جزءا من العلم، على خلاف فكرنا المعاصر الذي تسوده السمعيات والإلهيات على قدر ~~سواء، وفي الإلهيات تختلط مسائل التوحيد والعدل، فيظهر العدل أولا مركزا ~~على حدوث الكائنات، ويختفي ضمن إثبات الحدوث بإحداث الله، ثم ينتهي التوحيد ~~أيضا ببعض مسائل العدل مثل العقل والنقل، يبدأ التوحيد إذن بمسألة خلق الأفعال ~~وإنكارها وينتهي بموضوع العقل والنقل، وإعطاء الأولوية للنقل على العقل، ويشمل ~~التوحيد أربع عشرة قاعدة تتخللها بعض مباحث الوجود مثل الأحوال والمعدوم ~~والشيء والهيولى والصورة مما يدل على تآكل التوحيد لصالح الوجود كما حدث في ~~علم الكلام المتأخر، فقد ابتلع التوحيد نصف العدل في أول التوحيد، وهو خلق ~~الأفعال، ومع ذلك يشمل التوحيد أكثر من نصف العلم، وأصبح يوازي العدل أكثر من ~~ست مرات مما يدل على تواري العدل في علم الكلام المتأخر، واختفائه كلية في ~~وجداننا المعاصر، أما السمعيات فلا تظهر إلا في القاعدة الأخيرة، القاعدة ~~العشرين، في موضوعات النبوة، والأسماء والأحكام، والمعاد، والإمامة، ولكنها لا ~~تشمل إلا جزءا ضئيلا من العلم دون تفصيل لمسائلها. # 11 # ثم تتناقص القواعد والأصول من عشرين قاعدة إلى خمسة عشر، وهو العدد الكامل في ~~الشريعة، خمس عشرة سنة أو يوما أو آذانا أو درهما أو دينارا أو إبلا أو ~~بقرا أو بعيرا! ولو أخذنا الأعداد من الشريعة لأعطتنا كل الأعداد، خمس ~~صلوات، ستين مسكينا، ستين يوما صياما كفارة، سبعة أيام، سبع ليال، سبع ~~سموات، الشفع والوتر، الواحد، والاثنين، والثلاثة، والأربعة، والعشرة، والسبعين ~~... إلخ، مما يدل على أن العدد خمسة عشر ليس من داخل العلم بل من خارجه، ~~مستعارا من الفقه. تظهر نظريتا العلم والوجود في الأصلين الأول والثاني ، ~~ويمثلان معا خمس العلم أو سدسه تقريبا، ويكون الوجود أكبر قليلا من ~~العلم مما يشير إلى تقدم المقدمات النظرية واحتوائها للعلم ذاته تدريجيا، ~~أما الإلهيات فإنها تبلغ نصف السمعيات، وتبلغ السمعيات ضعفها، وهو ms110 ما يتضح ~~أيضا في وجداننا المعاصر. وتشمل الإلهيات أربعة أصول: (الثالث، والرابع، ~~والخامس، والسادس)، وتتركز على نظرية الذات والصفات والأفعال بالإضافة إلى ~~الأسماء، وهو ما سيتضح أيضا فيما بعد في بناء العلم الشامل، ويظهر العدل ~~متميزا عن التوحيد، وهو ما افتقدناه فيما بعد، ولكن يفوق التوحيد العدل بأكثر ~~من ثلاثة أضعاف، وهو ما استمر في فكرنا المعاصر حتى اختفاء العدل في بطن ~~التوحيد في العقائد المتأخرة وفي وجداننا المعاصر. أما السمعيات فإنها تشمل ~~الأصلين السابع والثامن عن النبوات والكرامات والمعجزات زيادة في تفصيل ~~النبوات، وإضافة أصلين جديدين (التاسع والعاشر) عن الإسلام ومعرفة أحكام ~~التكليف باعتباره آخر مرحلة من مراحل النبوة واعتمادها على العقل في فهم ~~الأحكام، وهو ما بدأ يتضح في الحركات الإصلاحية بحديثها عن الإسلام كشريعة ~~وتاريخ بدلا من الحديث عن النبوة كعقيدة ودين، ويشمل المعاد (الحادي عشر) ~~والأسماء والأحكام (الثاني عشر) والإمامة في الأصول الثلاثة الأخيرة وما يتبع ~~الإمامة من أحكام العلماء والأئمة وتاريخ الفرق. # 12 # وقد يدور العلم كله حول أساس واحد يكون هو بناء العلم، ويكون هو التوحيد بلا ~~مقدمات نظرية من علم أو وجود، وبلا عدل كمحور ثان للإلهيات وبلا سمعيات كمحور ~~ثان للعلم، وذلك من أجل نفي التجسيم والتشبيه والحيز والمكان، وإثبات التنزيه ~~على الطريقة الأشعرية، ويدور العلم حول أربعة أقسام: الأول في إثبات التنزيه، ~~والثاني في تأويل المتشابهات، والثالث والرابع في تقرير مذاهب السلف، وكأن ~~العلم إذن أراد أن يختار له موضوعا واحدا هو الله دون العدل، وهو فعل الإحسان ~~ودون السمعيات التي تشير إلى ماضي الإنسان في النبوة ومستقبله في المعاد، ~~ومحله في الأسماء والأحكام، ومجتمعه في الإمامة. هذا التركيز على الله هو ~~مأساتنا حتى الآن، وقد انغرس في وجداننا المعاصر باعتباره هو الموضوع الأول ~~والأخير في الفكر والسلوك. # 13 # وفي مقابل علم الكلام على الطريقة الأشعرية ومحاولاته لإحصاء الموضوعات من ~~أجل تحديد بناء العلم، كانت هناك محاولات لعلم الكلام على الطريقة الاعتزالية ~~ابتداء من الرسائل في العدل والتوحيد عن القدر ضد ms111 المجبرة إلى ظهور معظم ~~موضوعات العدل والتوحيد # 14 # في عشرين جزءا يعبر عنها بالقول والكلام والفصول، تشمل المقدمات ~~مع الإلهيات ثلاثة أرباع العلم، والسمعيات الربع الأخير، ويبدو أن المقدمات ~~النظرية، أعني نظريتي العلم والوجود، لم تتجاوز جزءا من عشرين جزءا من العلم؛ ~~لأن نظرية العلم تدخل في مسائل العدل، الحسن والقبح، أو النظر والمعارف، ~~والوجود هو المبحث الذي اعتمدت عليه الأشاعرة لصياغة دليل الحدوث أكثر من ~~اعتماد المعتزلة عليه، وما دام العلم ذاته عقليا، فلم يكن هناك داع لتصديره ~~بمقدمات نظرية كما هو الحال عند الأشاعرة عندما ظل العلم لديهم عقائديا، ولفظ ~~الإلهيات لفظ أشعري يغطي مباحث التوحيد والعدل، ولكن المعتزلة لا يضمون ~~الأصلين، التوحيد والعدل، تحت مبحث واحد، هو الإلهيات، من أجل الإشارة إلى ~~ضرورة التمييز بين هذين الأصلين حرصا على عدم ابتلاع التوحيد للعدل كما حدث في ~~علم الكلام على الطريقة الأشعرية، وكما نقاسي منه الآن من اختفاء العدل كلية ~~كأصل مستقل في وجداننا القومي، ولأول مرة يكون التوحيد نصف العدل، ويكون العدل ~~ضعف التوحيد؛ إذ يشمل التوحيد مع المقدمات النظرية الأجزاء الخمسة الأولى، في ~~حين يشمل العدل الأجزاء العشرة التالية، بل إن بعض مسائل التوحيد التقليدية ~~دخلت في مبحث العدل مثل خلق القرآن، وتفصلت مسائل العدل فشملت الإرادة، ~~والتعديل والتجوير، والمخلوق، والتوليد، والتكليف، والنظر والمعارف، واللطف، ~~والأصلح، واستحقاق الذم، والتوبة؛ أي أنها تشمل الموضوعين الأساسيين للعدل، خلق ~~الأفعال، والعقل والنقل؛ أي فعل الإنسان الحر، وعقل الإنسان المستقل، كموضوعات ~~مستقلة، وليس مجرد تطبيقات للتوحيد، فإذا كان التوحيد يشير إلى حق الله، ~~والعدل يشير إلى حق الإنسان، فإن علم أصول الدين الاعتزالي قد أعطى الصدارة ~~لحق الإنسان، وهو ما لم يحافظ عليه علم الكلام على الطريقة الأشعرية عندما ~~ابتلع التوحيد العدل حتى اختفى العدل كلية من وجداننا المعاصر، ويكون علم ~~الكلام الأشعري هو المسئول الأول عن تخلفنا الحالي، وقد حاولت بعض الحركات ~~الإصلاحية قلب الآية، ومعاودة علم أصول الدين الاعتزالي من أجل إعطاء الصدارة ~~للعدل ولكنها لم تؤت أكلها، ms112 ولم تؤثر في الناس، فقد ظل نصفها أشعريا في ~~التوحيد، ونصفها الآخر معتزليا في العدل، وتكون هذه الحركات أكثر جذرية وأشد ~~فاعلية إذا ما حاولت أن تكون اعتزالية في التوحيد والعدل من أجل اتساع المجال ~~لحق الإنسان المطلق وإلا قامت حركات الإصلاح بخطوة إلى الأمام وخطوة إلى ~~الخلف، وتكون واقفة وهي تسير أو سائرة وهي واقفة. # 15 # أما السمعيات فإنها تشمل النبوات، والإمامة، وربما المعاد، ~~والأسماء والأحكام، وتشمل النبوات نصف السمعيات نظرا لأهمية إعجاز القرآن، ~~وإلحاق الشرعيات بالنبوة من أجل التركيز على دور الوحي في المجتمع والتاريخ، ~~وليس في علاقاته بالنبي وبالله، فمهمة الوحي أفقية لا رأسية، بلاغ من النبي إلى ~~الناس وليس بلاغا من الله إلى النبي. # 16 # وعلم أصول الدين الاعتزالي هو الوحيد الذي حاول أن يقيم ذاته على أصول، ويحدد ~~بناء العلم عقليا دون ترك ذلك لفعل التطور والعمل والتاريخ، جيئة وذهابا؛ ~~ومن ثم أمكن تحويل العشرين جزءا الماضية إلى أصول خمسة مشهورة، وهي التي ~~تحدد بناء العلم الشامل مرة واحدة وإلى الأبد، فالمقدمات النظرية الأشعرية عن ~~العلم والوجود موجودة في مقدمات الأصول الخمسة؛ وبالتالي يشترك الاتجاهان في أن ~~بدايات العلم هي في مقدمات النظرية إجابة على سؤالي: كيف أعلم؟ وماذا أعلم؟ ومن ~~حيث الكم تشمل هذه المقدمات النظرية عن أول الواجبات، وهو النظر المؤدي إلى ~~معرفة الله حوالي ثمن العلم، أما التوحيد، وهو الأصل الأول، فإنه يشمل خمس ~~العلم تقريبا، ولكنه بالإضافة إلى العدل، الأصل الثاني، فإنهما يشملان أكثر من ~~نصف العلم؛ وذلك لأن التوحيد نصف العدل، والعدل ضعف التوحيد، فلأول مرة أيضا ~~في أصول الدين يفوق العدل التوحيد، ويتميز عنه في أصل مستقل، وهو ما لم نستطع ~~المحافظة عليه بسيادة علم الكلام الأشعري، وابتلاع التوحيد للعدل، واختفاء ~~العدل كلية من وجداننا المعاصر، وتتفصل في نهاية الأصل الخامس مسائل العدل، ~~القضاء والقدر، أفعال العباد، العون واللطف والمصلحة والتوفيق والعصمة، ~~والآجال، والأرزاق، والأسعار، أما السمعيات باللفظ العشرين فإنها تشمل الأصول ~~الثلاثة الباقية، الأصل الثالث عن الوعد والوعيد ms113 أي المعاد، والأصل الثاني عن ~~المنزلة بين المنزلتين أي الأسماء والأحكام، ~~والأصل الخامس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي الإمامة، وهي كلها تبلغ ~~نصف العدل من حيث الكم؛ أي أنها تعادل التوحيد، ويظل العدل هو نصف العلم، ~~والتوحيد والسمعيات نصفها الآخر، وهذا يعني أن العدل، وهو الأصل الثاني، يعادل ~~من حيث الكم الأصول الأربعة الأخرى ابتداء من التوحيد، الأصل الأول، مارا ~~بالوعد والوعيد، وهو الأصل الثالث، والمنزلة بين المنزلتين، وهو الأصل الرابع، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الأصل الخامس. صحيح أن الإلهيات بالمعنى ~~الأشعري تشمل أصلين: التوحيد والعدل، والسمعيات بالمعنى الأشعري تشمل ثلاثة ~~أصول: الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ولكن يظل العدل، وهو ضعف التوحيد، يوازي العلم كله، إلهياته وسمعياته، ~~أما مسائل التوبة التي تنتهي بها الأصول الخمسة فهي أدخل في الأصل الثالث: ~~الوعد والوعيد. # 17 # وقد يدور العلم كله على بابي التوحيد والعدل؛ أي يقتصر العلم على الإلهيات ~~بالمعنى الأشعري دون السمعيات، مما يدل على أن السمعيات ليست جزءا جوهريا من ~~العلم، ولو شئنا الاختيار بين محور واحد للعلم لأبقينا الإلهيات ولأسقطنا ~~السمعيات، فالإلهيات عقلية، وبالتالي فهي يقينية، في حين أن السمعيات نقلية، ~~ومن ثم فهي ظنية، والظن لا يغني من الحق شيئا، كان علم أصول الدين على ~~هذا النحو الاعتزالي يمثل تقدما خطيرا في الفكر الديني باستيفاء محوري ~~التوحيد والعدل؛ أي الأصلين الأولين دون السمعيات؛ أي الأصول الثلاثة الأخيرة. ~~ليس معنى ذلك التضحية بالعمل وبالسياسة؛ أي بالفرد والتاريخ لأنه يمكن اللحاق ~~بهما من خلال العدل، بل إن مبحثي التوحيد والعدل كليهما يدخلان تحت اسم ~~«التكليف»، تكليف الله للإنسان مما يشير إلى أن علم أصول الدين على هذا النحو ~~يدور حول محوري الله والإنسان، وصلة التكليف بينهما وهو تحقيق ~~رسالة الإنسان، فإذا كان العلم، وهو ~~التكليف، يشمل تسعة أسفار، فإن المقدمتين النظريتين عن العلم والوجود يشملان ~~السفرين الأولين، وهما حوالي خمس العلم، مما يدل على أهمية المقدمات النظرية ~~وإن لم تبتلع بعد ms114 العلم كله كما حدث في علم الكلام المتأخر، ثم هوت واختفت من ~~وجداننا المعاصر، ولكن الوجود يمثل ثلاثة أضعاف العلم مما يدل على أهمية مبحث ~~الوجود، وكيف أنه الوريث الوحيد للتوحيد ونهايته، وليس فقط مقدمة أو سلما ~~له، ثم يأتي التوحيد في الأسفار الثلاثة التالية، الثالث والرابع عن الصفات، ~~والخامس عن الذات، وينتهي الخامس بالكلام في العدل الذي يشمل آخر الخامس ~~والأسفار الأربعة التالية من السادس حتى التاسع عن الحسن والقبح، وخلق الأفعال، ~~والمخلوق، والتولد؛ وبالتالي يمثل التوحيد نصف العدل، والعدل ضعف التوحيد، ~~ومع أنهما متمايزان إلا أنهما متداخلان؛ إذ يأتي الكلام على العدل بعد الذات ~~والصفات؛ أي مع الأفعال، ثم يأتي موضوعا الإرادة والكلام مع مباحث العدل، وكأن ~~صفة الإرادة، هي من صفات الله عند الأشاعرة، هي من مباحث العدل عند المعتزلة؛ ~~لأن المقصود هو الدفاع عن إرادة الإنسان، وليس إثبات إرادة الله، كما أن مبحث ~~الكلام عند المعتزلة من مباحث العدل؛ لأنه إثبات لخلق القرآن، وليس إثباتا ~~لصفة قديمة كما هو الحال عند الأشاعرة، أما من حيث الأصول الأربعة، فيشمل ~~الأصل الأول المقدمات النظرية، والثاني والثالث التوحيد، ذاتا وصفات، ~~والرابع بيان ما لا يجوز عليه، وهنا يظهر العدل متداخلا مع التوحيد؛ فالعدل ~~دفاع إيجابي عن الإنسان ووصف سلبي لله، في حين أن التوحيد دفاع إيجابي عن الله ~~ووصف سلبي للإنسان، ويشمل العدل أكثر من ضعف العلم كله، المقدمات النظرية ~~والتوحيد معا، ويخص العدل بالتفصيل ليس فقط عن طريق الفصول والأبواب، ولكن ~~بالكلام. فهناك الكلام في الأفعال، والكلام في الإرادة، والكلام في القرآن، ~~والكلام في المخلوق، والكلام في التولد، مما يدل على أن هذه الموضوعات التي ~~تكون مسائل العدل ما زالت تكون بطريقة لاشعورية البناء الأساسي للعلم ~~الاعتزالي، ولكنه للأسف لم يظهر في صورة بناء شعوري كما ظهر بناء العلم ~~الأشعري، ومحاولتنا هذه «من العقيدة إلى الثورة» هو انتقال من بناء العلم ~~الأشعري إلى بناء العلم الاعتزالي عن طريق اكتشاف العدل وراء الإلهيات ~~والسمعيات معا، واضعا القرون العشرة الأخيرة ms115 «بين قوسين»، وعائدا إلى القرن ~~الرابع القديم، مطورا بناء علم أصول الدين الاعتزالي، ولاحقا بالحركات ~~الإصلاحية الحديثة، دافعا إياها خطوة أخرى إلى الأمام، ~~نحو بناء العلم الاعتزالي بعد أن تركت نصفه ~~اعتزاليا ونصفه الآخر أشعريا، ويكون هذا تطويرا وتحقيقا لمعنى نهاية ~~الكتاب «في ذكر من ذم القدرية». # 18 # | رابعا: من الأصول إلى البناء # بعد تحول الموضوعات إلى أصول كان من السهل تركيب الأصول في بناء، يكون هو ~~البناء النهائي للعلم، وذلك عن طريق إدخال مجموعة من الأصول معا في أصل واحد أعم ~~وأشمل، بحيث يكون عددها أقل ونطاقها أوسع. وقد تم ذلك تدريجيا على النحو ~~الآتي: ~~(1) نظرية الذات والصفات والأفعال # بدأت نظرية الذات والصفات والأفعال في ~~الظهور على أنها المحور الرئيسي للعلم الذي يضم التوحيد والعدل معا، التوحيد ~~في الذات والصفات، والعدل في الأفعال، ثم إضافة محور آخر هو النبوات أو ~~السمعيات يضم مسائل النبوة والمعاد والإيمان والعدل والإمامة، وقد تسمى هذه ~~الإضافات أو تترك بلا تسمية كما حدث في أول بناء العلم، هذا بالإضافة إلى ~~المقدمات النظرية عن العلم والمعلوم، وقد حدث هذا التركيب في القرنين السادس ~~والسابع على وجه الخصوص، وإن كانت بداياته قد ظهرت في القرن الخامس، وامتدت ~~حتى القرن الثامن، وكان العالم على وعي بهذا التركيب، يبرزه ويوضحه في ~~مقدماته، ولم يتركه على مستوى اللاشعور، يدركه الباحث بعقله أو يركبه ~~بالاستعانة ببناء العلم المتقدم، وقد استمرت المقدمات النظرية في تمهيدات ~~أربع تقيم أساسا نظرية العلم بالإضافة إلى شرعية العلم ودرجة وجوبه، مما يدل ~~على أن التساؤل حول شرعية علم الكلام قد بدأ يدخل ضمن مقدماته النظرية، وهو ما ~~قد سقط أيضا في فكرنا الكلامي المتأخر، وفي وجداننا المعاصر بالتسليم بعلم ~~العقائد دون تساؤل حول شرعية هذا العلم في وقت تضيع فيه مصالح الأمة، وتتغير ~~مظان الأخطار، من الفكر إلى الواقع ، ومن العقيدة إلى الشريعة، ~~ومن التوحيد إلى الأرض، أما الوجود فإنه ~~يعتبر مقدمة للذات في صيغة دليل الحدوث، وإثبات العلم بالصانع، ولا تشمل هذه ~~التمهيدات أكثر ms116 من عشر العلم، مما يدل على أن قلب العلم هي نظرية الذات والصفات ~~والفعال، كل منها تدل على قطب، وتشمل ثلاثة أرباع العلم، وهي كلها في التوحيد، ~~أما القطب الرابع فلا اسم له، ولكنه يشمل النبوة والمعاد والأسماء والأحكام ~~والإمامة، وهو ما سمي فيما بعد بالسمعيات. وفي النهاية يأتي ملحق في تاريخ ~~الفرق عندما يتحول التاريخ ذاته إلى جزء من البناء. # 1 # هناك إذن محوران للعلم بعد التمهيدات وقبل الملحق، وهما الإلهيات ~~والسمعيات كما سميا فيما بعد؛ من حيث الكم تبدو الإلهيات ثلاثة أضعاف ~~السمعيات، وهو ما زال مستمرا في وجداننا المعاصر، ويبدو العدل وقد أصبح جزءا ~~من التوحيد في قطب الأفعال التي تمثل ربع التوحيد من حيث الكم؛ وبالتالي يتوارى ~~العدل داخل التوحيد حتى يتم القضاء عليه كلية كما هو الحال في فكرنا الديني ~~المعاصر، أما القطب الرابع فإن النبوة أهم مباحثه وأكبرها، فهي تمثل نصفه، ~~ويظهر المعاد، والأسماء والأحكام في موضوع واحد، والكل مع الإمامة لا يزيد على ~~ربع العلم، أما التاريخ فإنه لا يزيد على خمس السمعيات التي لا تزيد على ربع ~~العلم مما يشير إلى غياب التاريخ كلية من علم الكلام العقائدي المتأخر، ومن ~~وجداننا المعاصر على السواء. # 2 # ثم تتحول نظرية الذات والصفات ~~والأفعال إلى بناء للعلم يدور حول عشرة أبواب؛ الأول في العلم، والثاني في ~~الوجود، وكلاهما يبلغان سدس العلم كله، ولكن يفوق الوجود العلم بحوالي ستة ~~أضعاف؛ مما يدل على أن المعلوم أصبح أهم من العلم، وأن الوجود بدأ يرث التوحيد ~~حتى تمدد الوجود، ووصل إلى أكثر من نصف العلم بمفرده، والأربعة التالية في ~~الإلهيات، ثم الأربعة الأخيرة في السمعيات، وبالتالي تكون الإلهيات نصف ~~السمعيات، والسمعيات ضعف الإلهيات كما هو حادث في فكرنا المعاصر من تبادل ~~السيادة بين الإلهيات والسمعيات، وتشمل الإلهيات: التوحيد في الأبواب الثلاثة ~~الأولى عن إثبات العلم بالصانع، ثم الذات، ثم الصفات، ثم العدل في الباب الرابع ~~بعنوان «القدر»، وتختفي مسألة العقل والنقل داخل خلق الأفعال؛ فالعدل يتمايز عن ~~التوحيد، ms117 ولكنه نصفه كما أن التوحيد ضعف العدل مما سهل فيما بعد ابتلاع ~~العدل في التوحيد ثم اختفاءه كلية في وجداننا المعاصر، أما السمعيات ~~فتشمل الأبواب الأربعة الأخيرة: النبوات، والنفوس الناطقة وأحوال القيامة ~~(المعاد) والإمامة؛ فالمعاد إذن يشمل بابين، النفس الناطقة وأحوال القيامة، ~~حوالي نصف العلم أو أقل قليلا ابتداء من الموت وتميز النفس عن البدن، ثم ~~يتلوه من حيث الكم الإمامة ثم النبوة، ولا يظهر مبحث الإيمان والعمل أو الأسماء ~~والأحكام في باب مستقل، وهذا هو أول بناء صريح للعلم يظهر في القرن السادس من ~~مقدمتين نظريتين وأبواب ثمان، إلا أن التوحيد جار على العدل في باب الإلهيات، ~~كما أن المعاد جار على الإيمان والعمل في باب السمعيات. # 3 # ويستمر هذا البناء المثمن للعلم بالإضافة إلى المقدمتين بطريقة أو بأخرى، ~~فيدور العلم مثلا على ثمانية قوانين؛ الأول في نظرية الوجود، ويدخل العلم ~~معه، فالأولوية للوجود على العلم، وهو ما اتضح فيما بعد من تمدد الوجود حتى ~~أصبح نصف مادة العلم كلها، ومع ذلك لا تشمل المقدمتان أكثر من واحد من عشرين ~~جزءا من مادة العلم كله في القانون الأول، ثم تظهر الإلهيات في القوانين ~~الأربعة التالية في الصفات، وفي وحدانية الباري، وفي إبطال التشبيه، وفي أفعال ~~واجب الوجود، وتظهر السمعيات في القوانين الثلاثة الأخيرة، في المعاد، وفي ~~النبوات، وفي الإمامة. وتمثل الإلهيات ضعف السمعيات من حيث الكم مما يدل على ~~استمرار هذا النمط حتى الآن في فكرنا المعاصر، ويمثل التوحيد أربعة أضعاف ~~العدل؛ إذ يشمل التوحيد قوانين ثلاثة، في حين يشمل العدل قانونا واحدا، يدخل ~~أيضا ضمن أفعال واجب الوجود وليس أصلا مستقلا عن التوحيد، وتظهر في العدل ~~لأول مرة مادة جديدة تعادل الموضوعات التقليدية للبحث ذاته، مثل خلق الأفعال، ~~والحسن والقبح، والغاية والمصلحة من أجل رفض نظرية الفيض، ورفض قدم العالم، ~~وإثبات الحدوث مما يدل على خطورة نظرية الفيض في القرن السابع بعد غزو علوم ~~الحكمة لعلوم التوحيد، وقد كانت هذه المادة من قبل أدخل في نظرية الوجود، أما ms118 ~~السمعيات فإنها تشمل موضوعات ثلاثة فقط: النبوة والمعاد، والإمامة دون الأسماء ~~والأحكام، مما يفسر تواري موضوع العلم والالتزام السياسي عن حياتنا المعاصرة، ~~وتشمل النبوة والمعاد ثلاثة أرباع السمعيات، والإمامة الربع الأخير، مما يفسر ~~أيضا تواري المسألة السياسية في حياتنا المعاصرة أمام التفكير في الأنبياء وفي ~~أحوال الآخرة. # 4 ~~(2) المقدمات، والإلهيات، والسمعيات # وبعد البناء المثمن للعلم، بالإضافة إلى المقدمتين، والذي بلغ ذروته النظرية ~~في نظرية الذات والصفات والأفعال، بالإضافة إلى أبواب النبوة والمعاد والإمامة، ~~يكتمل بناء العلم في القسمة الأساسية للعلم إلى إلهيات وسمعيات، بالإضافة إلى ~~المقدمتين النظريتين عن العلم والوجود اللذين يصبحان معا نظرية واحدة في ~~أحكام العقل الثلاثة: الوجوب، والجواز، والاستحالة، تضم العلم والوجود معا، ~~وهي النظرية التي أصبحت فيما بعد المقدمة النظرية لعلم الكلام العقائدي، وتشمل ~~هذه النظرية جزءا ضئيلا من مادة العلم كله، جزءا من أربعة عشر جزءا، وتشمل ~~الإلهيات ثلاثة أخماس العلم؛ ومن ثم تفوق مع السمعيات الخمسين، وكلتاهما ~~تتبادلان الأولوية حتى الآن في فكرنا المعاصر، ولكن في الإلهيات يتميز ~~التوحيد عن العدل، ربما لجدل بين الأشاعرة والمعتزلة، ومحاولة الأشاعرة الرد ~~على الموقف الاعتزالي الذي يعطي الأولوية للعدل على التوحيد، ويحدث التميز ~~بإقصار التوحيد على الإلهيات، أما العدل فإنه يدخل في أصل ثان؛ هي «العبودية ~~والصفات المرعية في ثبوت الطلبات التكليفية»، ويتساوى حينئذ التوحيد والعدل أو ~~الإلهيات والعبودية من حيث الكم، ولو أن العدل موضوع تحت شعار «العبودية»، مما ~~يدل على الخسارة التي أدى إليها اختفاء العدل كلية، وابتلاعه في التوحيد، ~~وضياعه من وجداننا المعاصر، أما السمعيات، فإنها تتبادل اسمها مع النبوات، ~~ويظل هذا التأرجح حتى المصنفات المتأخرة باستثناء المصنفات الأساسية في بناء ~~العلم، فالنبوة هي حلقة الوصل بين الإلهيات والعبودية من ناحية وبين السمعيات ~~من ناحية أخرى؛ فهي بعد الإلهيات والعبودية وقبل السمعيات، وتمثل النبوة ~~والسمعيات تقريبا ستة أسباع العلم، ويبقى السبع الآخر للإيمان والعمل، ~~والسياسة، وهذا ما يتضح أيضا في حياتنا المعاصرة من سيادة الفكر النبوي ~~والأخروي على الفكر العلمي والسياسي، ويتساوى قدر النبوات ms119 وأمور المعاد من حيث ~~الكم، وهما يوجهان فكرنا المعاصر على التبادل، ويحدث هذا التحول في بناء العلم ~~عن وعي تام بالبناء دون أن يكون ذلك متروكا لاستنباط الباحث أو لعقلنة المادة. # 5 # ويتحدد بناء العلم في النهاية كبناء كامل ينسج على منواله معظم المؤلفين ~~الأشاعرة في المقدمتين النظريتين، العلم والوجود، والمحورين الأساسيين، ~~الإلهيات والسمعيات، فيقوم العلم مثلا على أركان أربعة: المقدمات، وأحكام ~~الموجودات، والإلهيات، والسمعيات، ولأول مرة تكون المقدمتان أكثر من نصف مادة ~~العلم كله مما يدل على مدى تأخر فكرنا المعاصر باختفاء المقدمات، وتحويلنا ~~العلم إلى مجرد عقائد يجب التسليم بها عن طريق الإيمان، وتبلغ نظرية الوجود ~~وحدها أكثر من ضعفي نظرية العلم مما يشير أيضا إلى مدى تخلف فكرنا ~~المعاصر من اختفاء بعد الوجود منه، وضياع الطبيعة، وطمس الواقع في وجدانه، ~~أما الإلهيات فإنها تشمل موضوعات أربعة: الذات، والصفات، والأفعال، والأسماء؛ ~~ولأول مرة يضاف إلى نظرية الذات والصفات والأفعال مبحث رابع هي الأسماء، وتشمل ~~الأفعال مبحث خلق الأفعال، والحسن والقبح، وهما المبحثان الرئيسيان في أصل ~~العدل، وتعادل الإلهيات السمعيات مرة ونصف، مما يدل على استمرار هذا النمط حتى ~~الآن في فكرنا المعاصر، أما السمعيات فإنها تشمل لأول مرة بوضوح الموضوعات ~~الأربعة: النبوات، والمعاد، والأسماء والأحكام، والإمامة، ولكن النبوة والمعاد ~~يشملان ثلاثة أرباع العلم، في حين يشمل الإيمان والعمل مع السياسة الربع ~~الأخير، مما يدل على تواري العمل والسياسة في حياتنا المعاصرة أمام التفكير ~~النبوي والأخروي، وتتعادل النبوة والمعاد من حيث الكم، وهو ما يحدث بالفعل في ~~فكرنا المعاصر من تبادلهما الظهر فيه، أما أقل الموضوعات كما فهو موضوع ~~الإيمان والعمل، مما يوضح ما نحن فيه الآن من تواري العمل الفردي والجماعي. # 6 # وقد يقوم العلم على بناء ثلاثي مع ~~مقدمة واحدة تشمل نظرية العلم وحدها، والتي تبلغ من حيث الكم ثمن العلم، أما ~~نظرية الوجود فإنها لأول مرة تدخل في بناء العلم، وتمثل أكثر من نصف مادة العلم ~~كله، إلهياته ونبواته، مما يدل على أن فكرنا المعاصر قد ms120 سار على هذا النمط في ~~اختفاء نظرية العلم لأنها لم تكن داخلة في بنائه، بل ظلت مقدمة نظرية له، ~~وتخلف عن هذا النمط أيضا بإسقاطه الوجود من حسابه بعد أن أدخله بناء العلم ~~القديم كجزء منه، فبعد المقدمة النظرية عن العلم يكون العلم ذا بناء ثلاثي في ~~ثلاثة كتب: الأول في الممكنات، والثاني في الإلهيات، والثالث في النبوة؛ ~~الممكنات هي المعلومات، والموجودات والإلهيات هي ذات الله وصفاته وأفعاله، وهي ~~تعادل النبوة من حيث الكم، ويختفي العدل كما هي العادة في الأفعال، أما ~~النبوة فإنها تكون الاسم المفضل عن السمعيات نظرا لأهمية النبوة، وفيها تظهر ~~موضوعات ثلاثة فقط: النبوة، والمعاد، والإمامة، وتتعادل فيما بينها من حيث ~~الكم، وتسقط الأسماء والأحكام مما يدل على تواري العمل من فكرنا ومن وجداننا المعاصر. # 7 # وقد يقوم العلم على بناء سداسي، وهو ~~ما وصل إليه البناء من اتفاق واستقرار، يشمل البناء ستة مواقف، الأربعة الأولى ~~منها في المقدمات النظرية، والاثنان الأخيران في العلم ذاته؛ أي في الإلهيات ~~والسمعيات، ولأول مرة، يدخل العلم والوجود معا كجزأين من بناء العلم، وليسا ~~فقط كمقدمتين نظريتين له، وفي نفس الوقت يفوقان العلم ذاته من حيث الكم؛ إذ ~~يبلغان ثلاثة أرباع العلم، ولا يبقى للإلهيات والسمعيات إلا الربع الأخير، ولو ~~أن العلم تطور في مساره الطبيعي الارتقائي منذ القرن الثامن حتى الآن لكانت ~~المقدمات النظرية هذه قد ابتلعت العلم كله خاصة ما تبقى منه، الإلهيات ~~والسمعيات، خاصة بعد أن تحولت الإلهيات إلى عقليات؛ وبالتالي لا يبقى إلا ~~السمعيات، وإن محاولتنا هذه «من العقيدة إلى الثورة» هو استئناف طبيعي لتطور ~~العلم المتوقف منذ القرن الثامن حتى الآن باستثناء «رسالة التوحيد» في القرن ~~الثالث عشر، وجعله كله عقليات تقوم هي ذاتها على التجارب الحية؛ أي الوجدانيات ~~التي تنكشف «الواقعيات» من خلالها؛ أي واقع العصر، وقضاياه المصيرية، وأحداثه ~~التاريخية. إن الذي حدث منذ القرن الثامن حتى الآن هو أن العلم نكص راجعا إلى ~~الوراء، فاختفت المقدمات النظرية، العلم والوجود، وتحولت الإلهيات والسمعيات ~~إلى ms121 محوري العلم الأساسي، الله والنبي. فضاع العلم وضعنا معه، ويفوق الوجود ~~العلم بحوالي خمسة أضعاف مما يدل على أن تحليل الوجود الذي يأخذ وحده أكثر من ~~نصف العلم، ويشمل ثلاثة مواقف من ستة، هو الوريث الوحيد لعلم أصول الدين، وأن ~~«الأنطولوجيا» هي النهاية الطبيعية ل «الثيولوجيا»؛ فالإلهيات ما زالت مشخصة ~~في وثنية عقلية، في حين أن تحليل الوجود العام هو أقصى درجات التنزيه، وقد تفصل ~~مبحث الوجود حتى احتاج هو ذاته إلى مقدمات نظرية، هي «الأمور العامة» بدل أن ~~كان هو مقدمة نظرية للعلم ذاته، بالإضافة إلى مبحثي «الأعراض والجواهر» بعد أن ~~كانا مبحثا واحدا، أما الإلهيات فإنها تتعادل من حيث الكم مع السمعيات، ~~وتشمل الذات والصفات والأفعال والأسماء، ويختفي العدل بمسألتيه، خلق الأفعال، ~~والعقل والنقل من الأفعال، أما السمعيات فإنها تشمل الموضوعات الأربعة: ~~النبوات، والمعاد، والأسماء والأحكام، والإمامة. وهو ما يحدث في فكرنا المعاصر ~~من تركيزه على النبوة والمعاد، ثم يأتي العمل في النهاية، ثم يضاف تذييل في ~~الفرق، وذلك عندما يتحول تاريخ الفرق إلى موضوع بنائي كنواة للتاريخ الذي ~~لم يقدر له الظهور في بناء العلم إلا على هذا النحو الإضافي، # 8 # ويتحدد بناء العلم السداسي هذا عن وعي من المصنف الذي يحاول ~~تعقيل البناء طبقا للتحليل العقلي الخالص. # 9 # وقد يدور بناء العلم أيضا على ستة ~~أبواب على نفس المنوال السابق، حيث يدخل العلم والوجود معا في بناء العلم في ~~البابين الأولين، وهما يشملان معا ثلاثة أخماس العلم، ومادة العلم ذاته ~~الخمسان الباقيان، ولكن يتوارى العلم من المقدمتين، ولا يبلغ أكثر من جزء من ~~أربعة عشر جزءا، في حين أن الوجود يشمل الثلاثة عشر جزءا الباقية، يشمل العلم ~~الباب الأول في حين يشمل الوجود الثلاثة أبواب التالية، مما يدل أيضا على ~~تواري العلم في حياتنا المعاصرة، بالإضافة إلى تواري الوجود أيضا إلا من ~~الإحساس به كضنك وأزمة تنتظر الفرج أو نتكالب عليه لاحتوائه دون أن نراه أو ~~نتصوره، ويفصل مبحث الوجود إلى مقدمة عن الأمور العامة، ثم ms122 ينفصل مبحثا ~~الأعراض والجواهر، كل منهما في مبحث مستقل، أما الإلهيات فإنها تعادل ~~السمعيات من حيث الكم، ولكنها بدأت تتخلى عن الذات والصفات والأفعال، وظهرت ~~المسائل في مطالب وكلام وفصول، يجمعها الأصلان، التوحيد والعدل، ويتساويان من ~~حيث الكم؛ أي أن مسائل العدل عادت للظهور كصحوة أخيرة قبل الموت النهائي في علم ~~الكلام العقائدي، أما السمعيات، فإنها تشمل الموضوعات التقليدية الأربعة، ~~النبوة، والمعاد، والإيمان والعمل، والإمامة، ويبلغ الإيمان والعمل نصف ~~السمعيات من حيث الكم، وتلك صحوة أخرى قبل النهاية؛ وذلك لأن هذا الموضوع كان ~~يأتي باستمرار في النهاية من حيث الأهمية والكم، بل كثيرا ما كان يتم إسقاطه، ~~وإقصار السمعيات على موضوعات ثلاثة فقط، وبعد الإيمان والعمل في الأهمية والكم ~~يأتي المعاد ثم النبوة، وتأتي الإمامة في النهاية، ولا تمثل إلا ثمن العلم ~~مما يدل على ضعف أهمية السياسة في وجداننا المعاصر. # 10 # ويستمر البناء على ستة مقاصد على نفس المنوال الذي استقر فيه العلم في ~~النهاية في القرنين السابع والثامن، فتدخل المقدمتان النظريتان كجزء من بناء ~~العلم في المقصدين الأول والثاني، وكلاهما يشملان حوالي ثلثي العلم، والعلم ~~ذاته الثلث الأخير، مما يدل على أن نظريتي العلم والوجود هما كل العلم تقريبا، ~~وهما اللذان سقطا من وجداننا المعاصر، في حين بقي الثلث الأخير بإلهياته ~~وسمعياته، ولا تشمل نظرية العلم إلا واحدا من أربعة وعشرين جزءا من العلم أو ~~واحدا من خمسة عشر جزءا من المقدمات، في حين أن الوجود يشمل نصف العلم وأربعة ~~عشر جزءا من خمسة عشر من المقدمات، مما يدل على أهمية الوجود، وكيف أنه أصبح ~~هو البديل الوحيد لعلم الكلام، وهو ما أضعناه في القرون الستة الأخيرة من القرن ~~الثامن حتى الآن قبل الانهيار التام للبناء في علم الكلام العقائدي، وتتفصل ~~أيضا مباحث الوجود إلى الأمور العامة، والعرض، والجوهر، كل منها بحث مستقل ~~بذاته، أما الإلهيات فإنها لأول مرة تسمى العقليات، مما يدل على أن ~~تطور العلم بالقرن الثامن كان قد شارف على ابتلاع الإلهيات بجعلها عقليات ~~خالصة، ms123 ومن ثم يمكن ضمها إلى المباحث النظرية الأولى، وكان بالإمكان ~~فيما بعد ضم السمعيات أيضا إلى العقليات أو العمليات أو المستقبليات أو ~~السياسيات أو التاريخيات؛ وذلك لأن النبوة هي تاريخ الوحي، والمعاد هو مستقبل ~~الإنسان، والإيمان والعمل هو حاضر الإنسان وفعله في الزمان، والإمامة هي ~~السياسة والمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، ولكن لسوء الحظ توقف هذا التطور ~~الأخير، وانهار البناء في علم الكلام العقائدي إلا من ومضة إصلاحية في الحركات ~~الإصلاحية الدينية الأخيرة التي لم تؤت كل ثمارها بعد، وهذا المصنف «من ~~العقيدة إلى الثورة» محاولة لاستئناف هذه الومضة الإصلاحية وتحويلها من أشعرية ~~في التوحيد واعتزالية في العدل إلى اعتزالية في التوحيد والعدل. # 11 # ولكن يبقى البناء النظري هي المقدمات النظرية، والإلهيات ~~والسمعيات، وهي تعادل ما توصلت إليه علوم الحكمة أيضا من قسمة الحكمة إلى ~~منطق وطبيعيات وإلهيات؛ فالمنطق هي نظرية العلم، والطبيعيات هي نظرية الوجود ~~التي شملت الأمور العامة ومبحث الأعراض ومبحث الجواهر، والإلهيات هي الإلهيات ~~والسمعيات معا. # 12 ~~(3) الإلهيات، والنبوات، والسمعيات # وبعد اكتمال بناء العلم بدأ يهتز البناء؛ إما لضياع التحليل العقلي الذي ~~يقوم عليه البناء أو طبقا لمقتضيات ظروف حتمت عليه التفكك والضعف، وأول مظاهر ~~هذا التهدم هو اختفاء المقدمات النظرية التي بلغت أحيانا ثلاثة أرباع ~~العلم، والتي بلغ فيها الوجود وحده نصف العلم، وإقصار العلم على محاور ثلاثة: ~~الإلهيات، والنبوات، والسمعيات؛ فقد تعدد المحور الثاني وازدوج وأصبح بديلا ~~عن المقدمات النظرية، وفي غياب العلم والوجود تحل الأخرويات، وفي غياب العقل ~~يحضر الخيال، وبضياع الواقع يحل الوهم، فبدل أن كانت السمعيات والنبوات في ~~البداية مترادفتين في القرن الخامس أصبحتا الآن منذ القرن الثاني عشر ~~متمايزتين، وأصبحت النبوات وسطا بين الإلهيات والسمعيات؛ لأن السمعيات تؤخذ من ~~النبوات، كان بالإمكان أيضا أخذ النبوات وتحويلها إلى عقليات، ولا تبقى إلا ~~السمعيات بمعنى الأخرويات. # 13 # ويستمر العلم في محاولة التكيف في بنائه مع الظروف الجديدة، ويغلب عليها ~~طابع التجميع؛ ففي نفس الوقت الذي يدور فيه العلم حول محوري الإلهيات ~~والسمعيات، تشمل ms124 المقدمات تعريف العلم وموضوعه وثمرته وفضله ووجوبه، وهو ~~التساؤل القديم حول أساس العلم وشرعيته من جديد، وهو أيضا تساؤل العصر الحاضر ~~في محاولته أخذ الموقف من العلوم التقليدية القديمة بالإضافة إلى مباحث ~~الإيمان، وما يجب الإيمان به، والإسلام، وما ينافي الإيمان، وأحكام العقل ~~الثلاثة، مما يدل على أن العلم قد أوشك على التحول إلى علم عقائد إيماني يقوم ~~على التسليم، ولا تشمل هذه المقدمات على أكثر من جزء من عشرين جزءا تكون ~~مادة العلم، مما يدل على أن تواري المقدمات والإقلال منها قد أدى إلى ما نحن ~~فيه الآن من ضياع للمقدمات النظرية كلها لأي أمر من الأمور، أما الإلهيات ~~فإنها تبلغ نصف السمعيات، والسمعيات ضعف الإلهيات، مما يدل على توجه وجداننا ~~المعاصر نحو السمعيات أكثر فأكثر، وهو ما يحدث حتى الآن، وتبتلع الإلهيات مسائل ~~العدل، فلا يظهر العدل إلا في موضوع واحد داخل الإلهيات، وهو موضوع ما يجوز على ~~الله، أما السمعيات فإنها تشمل النبوة والمعاد دون الأسماء والأحكام؛ لأن ~~العلم كله أصبح موضوعا للإيمان دون العمل، والحقيقة أن الإلهيات والسمعيات ~~كتعبيرين لا يوجدان بل يوجد الإيمان بالله، والإيمان بالرسل، فموضوعات العلم ~~كلها موضوعات للإيمان، أما الإمامة فتظهر في الخاتمة؛ أي أنها خرجت عن كونها ~~أساسا للعلم أو ملحقا به، وأصبحت مجرد دعوة في وجوب نصب خليفة يقوم بأمر ~~الإسلام والمسلمين، يحمي كيانهم، ويصون ثغورهم، إبان الخلافة العثمانية وهي ~~على وشك الانهيار، تدعيما لها، ودفاعا عنها. وتفوق النبوة المعاد من حيث الكم ~~إلى ثلاثة أضعاف مما يدل على تركيز فكرنا الحاضر على النبوة والمعجزة تشخيصا ~~للوحي وليس «توقيعا» له؛ أي تحويله إلى نظام في الواقع، ولكن الجديد هو زيادة ~~محور ثالث مع الإلهيات والسمعيات عن «التأويل» من أجل بيان اتفاق العقل والنقل ~~في الموضوعات الطبيعية والأخرويات، والجغرافيا والتاريخ، وهي العلوم الجديدة ~~المنقولة عن الغرب أو التي تفتح الذهن عليها في واقعه الخاص، فرضت مسألة العقل ~~والنقل ، دون تسميتها، نفسها على العلم من جديد، حتى إنها بلغت ربع مادة العلم، ms125 ~~مما يدل على أن مهمة عالم الكلام الآن هي في أن ينحو نحوا عقليا في تحليله ~~للموضوعات، بل وإعطاء الأولوية لموضوع العقل والنقل على غيره من الموضوعات. # 14 # وتبدو بعض مظاهر التجديد الأخرى عن طريق زيادة موضوع على النبوة أو بتعبير ~~أدق تطوير النبوة بإضافة الرسالة، حيث يبدو الإسلام نظاما عاما للحياة، ~~ويتحد علم أصول الدين مع الفقه ويمحي الفرق بين النظر والعمل، هذا بالإضافة ~~إلى بناء العلم التقليدي الذي يشمل المقدمات النظرية، العلم والوجود، ثم تقسيم ~~العلم ذاته على محورين، الإلهيات من ناحية والنبوة والرسالة من ناحية أخرى، ~~ويبدأ العلم بتجديد ذاته وموضوعه وغاياته والاحتياج إليه مما يشير إلى أن ~~التساؤل الفقهي القديم قد أثير من جديد إحساسا بأن علم الكلام يحتاج إلى ~~إعادة نظر، تبدأ نظرية العلم ثم نظرية الوجود التقليديتان، وتشملان معا ربع ~~العلم؛ أي أنهما توارتا قليلا عن علم الكلام المتأخر، وعادتا إلى حجمهما ~~الطبيعي، أما الإلهيات فإنها تمثل ثلاثة أرباع السمعيات مما يدل على عظم ~~حجم الإلهيات في فكرنا المعاصر، ويبتلع التوحيد العدل في نظرية الأفعال، ولكن ~~يظهر موضوع الحسن والقبح من جديد، مثل باقي الحركات الإصلاحية من أجل إحياء بعض ~~التيارات العقلية القديمة، ومن أجل إرساء قواعد العقلانية في حياتنا المعاصرة ~~ضد مظاهر الخرافة والسحر والشعوذة، وتبدو مسائل العدل من حيث الكم نصف الإلهيات ~~دون أن يبرز كموضوع مستقل، ويسقط لفظ السمعيات ويحل محله النبوة دون ذكر للمعاد ~~أو الأسماء أو الأحكام أو الإمامة، مما يدل على إمكانية تطوير علم الكلام ~~بإسقاط مادة وزيادة أخرى، ولكن إسقاط الإيمان والعمل وإسقاط المسألة السياسية ~~لا يتفق مع ظروف العصر التي تتطلب البداية بالعمل الفردي والجماعي، خاصة ~~وأن إضافة الرسالة على النبوة يتطلب تحقيقها بالفعل، ومن الذي سيحققها إن لم ~~يكن العمل الفردي والجماعي؟ وقد ظهر لفظ «الرسالة» كعنوان أكثر من ظهوره كمادة ~~إضافية على علم الكلام مما يستدعي تطويرا بإضافة مادة جديدة حتى يصدق العنوان عليها. # 15 # ويتم التجديد على نفس المنوال السابق بإظهار مسائل العدل ms126 من بطن التوحيد، ~~وبتحويل النبوة إلى مسار تاريخي وليس إلى اتصال رأسي؛ وبالتالي يختفي أصل ~~السمعيات بالإضافة إلى استبدال نظرية العلم الأولى بوصف تاريخي لنشأة علم ~~الكلام، وكيفية حدوث الفرقة بين المسلمين، فالوصف التاريخي وبيان النشأة ~~والتكوين أحد مصادر تأسيس العلم. تشمل المقدمات حوالي عشر العلم، وتعيد كتابة ~~تاريخه لمعرفة ماذا حدث؟ وكيف نشأ؟ وكيف تطور؟ وكيف تكون؟ فإعادة التفسير ~~والوصف هي الوسيلة للتصفية وإعادة البناء عن طريق الأحكام التاريخية التي هي ~~أحكام فكرية ضمنية من أجل إعادة الوحدة الأولى بين الفكر والواقع قبل انفصالها ~~إلى فرق منذ الفتنة، فوحدة الفكر تخلق وحدة الأمة. # 16 # أما نظرية الوجود فإنها أيضا تظهر في نظرية أحكام العقل الثلاثة ~~التي يمحى فيها الفرق بين العلم والوجود؛ وبالتالي تدور المقدمة حول موضوع ~~واحد، هو الفكر والواقع، إما من الناحية التاريخية الوصفية أو من ناحية الحكم ~~والمنطق، وهو ما نحتاجه حتى الآن من إعادة تقييم لتراثنا القديم، وتحديد لصلة ~~الفكر بالواقع، وفي مادة العلم ذاته يسقط اللفظان معا اللذان يشيران إلى ~~محوري العلم، الإلهيات والسمعيات، وتظهر موضوعاتهما بلا تبويب لأصول متميزة، ~~ولكن تتركز موضوعات التوحيد حول الصفات، وتشمل خمس الإلهيات في حين أن ~~موضوعات العدل، خلق الأفعال، والحسن والقبح، يشملان الثلاثة أخماس الأخرى؛ ~~وبالتالي تظهر مسائل العدل بعد أن اختفت من قبل ضمن باب الأفعال في التوحيد، ~~أما الرسالة، وهي الوريث للنبوة التي هي بدورها الوريث للسمعيات، فإنها تفوق ~~موضوعات التوحيد والعدل إلى درجة الضعف، ويتحدد فيها مسار الوحي في ~~التاريخ، ولكن يضاف بعد جديد هو أخذ موقف من التراث الغربي عن طريق الدفاع ضد ~~هجماته التي قام بها الاستشراق ضد التراث وقيمه؛ وبالتالي يكون موقفنا من ~~التراث الغربي جزءا من دراستنا للتراث الحالي في المرحلة التاريخية الحالية، ~~نهاية الثانية وبداية الثالثة، بعد أن أصبح مفتوحا على التراث الغربي ناقلا ~~أو مقلدا، مترجما أو عارضا، مدافعا أو مهاجما، # 17 # وتسقط موضوعات المعاد والإيمان والعمل والإمامة، مما يدل أيضا على ~~أن العمل السياسي الفردي والجماعي لم ms127 يدخل بعد كجزء أساسي في علم التوحيد إلا ~~عند الشيعة مشخصا في الإمام، مع أن أول التوحيد أي الذات والصفات لا يجد له ~~تفسيرا إلا في آخره؛ أي الإيمان والعمل والإمامة، فالتصور الوحيد لله، وهو ~~الموضوع الأول في علم الكلام لا يوجد إلا في السياسة، وهو الموضوع الأخير، ~~وأن «الذات» لا تتحقق إلا في الأمة، وأن الله بداية والدولة نهاية. # 18 # ورسالة «التوحيد» ليست رسالة مكتوبة، تعني مقالا أو كتابا أو ~~مصنفا، بل تعني مسئولية التوحيد، وغايته، وتحقيقه، ومهمته، ودعوته. # 19 # وقد يغيب بناء العلم كلية ولكن يظل موضوعه قائما مدعما بالنصوص، ويظل ~~موضوعه الأساسي التوحيد الموجه نحو العمل في مقابل التوحيد القديم الموجه نحو ~~التشبيه والتشخيص، وهو التيار الغالب على جميع التيارات الإصلاحية التي تنقل ~~الموضوع من مستوى الفكر إلى مستوى الواقع، ومن جانب النظر إلى جانب العمل. ~~التوحيد موجه للسلوك وليس تصورا ذهنيا، ومع ذلك، لم تؤت هذه التيارات كل ~~ثمارها بعد، لأن التوحيد ما زال تصورا مشخصا، بل وعقيدة إيمانية في حين أن ~~محاربة البدع والخرافات ووسائل التقرب والشفاعة، كل ذلك عمل التوحيد الذي هو ~~عملية حركية، وليس جوهرا ساكنا، ومصنفنا هذا في علم التوحيد «من العقيدة ~~إلى الثورة»، ما هو إلا صهر لهذا التيار في صورة أكثر عقلانية، وبأسلوب تحليلي، ~~يجمع فيه بين التحليل العلمي للموضوع والالتزام العملي بالواقع. # 20 # | خامسا: من بناء العلم إلى عقائد الإيمان # بالرغم من المحاولات الإصلاحية الأخيرة التي تمت في بناء العلم من أجل إعادة ~~ربطه بالواقع، وبالتغيرات التي طرأت على حال المسلمين، فإن بناء العلم ذاته الذي ~~تم تكوينه في القرون الثمانية الأولى قد انهار بانهيار المسلمين، وتخلف ~~بتخلفهم، فتحول من بناء للعلم إلى عقائد للإيمان، تحولت الأصول النظرية إلى ~~عقائد إيمانية، وتوارى التحليل العقلي أمام التسليم والتقليد، وظهر الإسلام على أنه ~~مجموعة من العقائد # Crédo # والإسلام ذاته أبعد ~~الأديان عن هذه الصياغة وإلا كان مسيحية، الوحي الإسلامي مجموعة من الأصول العقلية ~~التي هي أيضا بناء الواقع، وكلاهما يمكن التدليل ms128 عليه ببرهان العقل وتجربة الواقع، ~~أما العقائد فهي مسلمات إيمانية لا تتضمن التصديق بها، بل مجرد التسليم إما عن ~~طريق التقليد أو بفعل إرادي، وإن من أسباب ضياعنا الحالي هو هذا الانهيار في بناء ~~العلم، وضياع جهد عقلي استمر على مدى ثمانية قرون، وإن من مقومات نهضتنا الحالية هي ~~إعادة بناء العلم التقليدي آخذين في الاعتبار أوضاعنا الحالية، ومطورين الحركات ~~الإصلاحية الأخيرة، معطين لها دفعة جديدة، ناقلين لها من الإصلاح إلى النهضة، ومن ~~الدين إلى الحضارة، ومن الوحي إلى التاريخ، ومن العقيدة إلى الثورة. # وقد بدأ الكلام أيضا في أوله بعلم العقائد، وكأن تاريخ العلم في نهايته يعود إلى ~~ما بدأ منه، وكأن نهاية الحضارة شبيهة بأولها من حيث الضعف، وغياب البناء العقلي، ~~وإذا كانت البداية تتطور وتتكون حتى يظهر البناء العقلي للعلم وكيان الحضارة، ~~فإن النهاية انهيار ونكوص وردة ورجوع إلى البداية، لا مستقبل لها ولا أمل أمامها ~~إلا البداية من جديد عن طريق إحياء القديم، وإعادة تفسير بنائه ثم إعادة البناء ~~وتطويره طبقا لظروف العصر ومتطلباته؛ ففي كتب العقائد المتقدمة لا يوجد بناء نظري، ~~بل يوجد فقط ما يجب على المؤمن اعتقاده والتسليم به، وكأن المقدمات النظرية كانت هي ~~الوريث الوحيد لوجوب الإيمان والتسليم بالعقائد، فلما اختفت هذه المقدمات عاود ~~الإيمان بالتسليم إلى الظهور كمقدمة للعلم بديلا عن المقدمات النظرية، وقد غلب على ~~موضوعات العقائد المتقدمة أيضا مسائل الإلهيات والسمعيات دون ترتيب أو تبويب كبناء ~~العلم المتأخر ودون إحصاء أو عد للعقائد كما هو الحال في علم العقائد الآن، ~~تتداخل المسائل فيما بينها بادئة بالتعبير عن مضمون الإيمان ثم متناولة موضوعات ~~الصفات وعلى رأسها الكلام والصفات الخبرية، ثم خلق الأفعال، والإيمان، والنبوة، ~~والإمامة، ثم تعود مسائل الإيمان والوعد والوعيد، والمعجزات، والصفات، وعلى رأسها ~~الرؤية والمسائل الأخروية، كان المهم هو الدفاع عن العقائد، والإعلان عنها، وليس ~~بناؤها النظري أو عدها الإحصائي؛ لأن العقائد لم تكن قد استقرت بعد في بناء أو ~~في إحصاء، فوجودها سابق على البحث عن النظرية ms129 أو عن قياس الكم، وقد تم هذا الإعلان ~~المبكر عن العقائد كرد فعل على المحاولات الأولى التي قام بها المعتزلة لتنظير ~~العقائد دفاعا عنها ضد المعتقدات والمذاهب والآراء الغازية، فإذا كانت العقائد ~~الأولى رد فعل على التعقيل والتنظير، فإن العقائد المتأخرة كانت نتيجة لغياب ~~التعقيل والتنظير. # 1 ~~(1) أحكام العقل الثلاثة وإحصاء العقائد حول الله والرسول # في العقائد المتأخرة، ابتداء من القرن السابع، انقلبت المقدمات النظرية عن ~~العلم والوجود إلى مقدمة واحدة عن أحكام العقل الثلاثة، الواجب والممكن ~~والمستحيل التي يتحد فيها العلم والوجود معا. تقلص العلم إلى أحكام العقل ~~كما تقلص الوجود إلى مقولات ذهنية تشير إليه، كما تحولت الإلهيات (العقليات) ~~والسمعيات (الظنيات) إلى محوري الله والرسول وتشخيص البناء المزدوج للعقائد ~~في قطبين رئيسين؛ وبالتالي كان علم العقائد هو ما يجب وما يستحيل وما يجوز على ~~الله، وما يجب وما يستحيل وما يجوز على الرسول، وبدأ العلم في إحصاء عدد ~~العقائد وحصرها كما فيتفاوت عددها، مرة ثمانية وأربعون، ومرة خمسون، لا أقل ~~من ذلك ولا أكثر! ولما كان الله أهم من الرسول وأعظم، فقد حاز على إحدى وأربعين ~~عقيدة، ولم يبق للرسول إلا سبع عقائد. يشمل الله ستة أسباع العلم، والرسول ~~سبعه الأخير، مما يؤكد تركيز فكرنا القومي على الله متبادلا مع الرسول، في ~~حين أن ما ينقص شعورنا المعاصر محوران غائبان، هما: الإنسان والتاريخ، حاولنا ~~العثور عليهما داخل بناء علم أصول الدين، الإنسان في الإلهيات، والتاريخ في السمعيات. # 2 # وقد بلغت العقائد في الله إحدى وأربعين عقيدة؛ لأن ما يجب له عشرون ~~وما يستحيل عليه عشرون، وما تجوز له واحدة، وقد بلغ ما يجب له عشرون لأن أوصاف ~~الذات ست: الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، وأنه ليس في محل، وأنه ~~واحد. وصفاتها سبع: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، ~~والإرادة. فيكون المجموع عندئذ ثلاث عشرة صفة، ولكن إمعانا في إثبات الصفات ~~ضد منكريها، مع أن نفي الصفات لم يقدر له أن يستمر تاريخيا؛ ومن ثم ~~لم يعد خطرا على ms130 العقائد كي تحدد عددها درءا له، تكررت الصفات مرة للذات، ~~أوصاف الله الستة، ومرة للفعل، صفات الله السبع، لم يعد يكفي العلم، والقدرة، ~~والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، بل أضيف إمعانا لإثبات الصفات: ~~أن يعلم، وأن يقدر، وأن يحيي، وأن يبصر، وأن يتكلم، وأن يريد؛ وبالتالي ~~أصبح الله عالما بعلم، وقادرا بقدرة، وحيا بحياة، وسميعا بسمع، وبصيرا ~~ببصر، ومتكلما بكلام، ومريدا بإرادة، فانقسمت كل صفة على نفسها أو ازدوجت، ~~وأصبح مجموعها أربع عشرة صفة تكون مع أوصاف الذات الست عشرين صفة أضيف إلى ~~صفات الذات السبع صفات فعل سبع، وأصبح المجموع مع أوصاف الذات الست عشرين صفة، ~~فإذا أتينا بأضداد هذه العشرين صفة ونفيناها حصلنا على عشرين أخرى، وهي ما ~~يستحيل له من صفات الذات، مثل: الجهل، والعجز، والموت، والصمم، والعمى، والبكم، ~~والكراهة؛ ومن صفات الفعل وهي: أن يجهل، وأن يعجز، وأن يموت، وأن يصم، وأن ~~يعمى، وأن يبكم، وأن يكره؛ فيكون الله عالما بعلم وليس جاهلا بجهل، قادرا ~~بقدرة وليس عاجزا بعجز، حيا بحياة وليس ميتا بموت، سامعا بسمع وليس ~~أصم بصمم، بصيرا ببصر وليس أعمى بعمى، متكلما بكلام وليس أبكم ببكم، ~~مريدا بإرادة وليس كارها بكراهية، فيكون المجموع ثمان وعشرين صفة، صفة الذات ~~وصفة الفعل وأضدادهما؛ أي سبعة مضروبة في أربعة! فإذا قمنا بنفس التمرين ~~العقلي، الفصل ثم القلب، التمييز ثم العكس، الازدواج ثم التضاد في أوصاف الذات ~~الست، وجدنا القدماء قد قاموا بعملية عقلية واحدة، وهي التضاد والقلب والعكس ~~دون الفصل والتمييز والازدواج، فأضافوا إلى أوصاف الذات الست: الوجود، والقدم، ~~والبقاء، والمخالفة للحوادث، وأن لا في محل، والوحدانية، أضافوا إليها أضدادها، ~~وهي: العدم، والحدوث، والفناء، والمشابهة للحوادث، والحلول، والتعدد من أجل ~~نفيها؛ فأصبح الله وجودا لا عدما، قدما لا حدوثا، بقاء لا فناء، مخالفا ~~للحوادث لا شبيها لها، لا في محل وليس حالا، واحدا وليس متعددا، فيكون ~~المجموع اثنتي عشرة صفة، وبإضافتهما إلى الصفات الثماني والعشرين فيكون المجموع ~~أربعين صفة في الله، ولكن يبقى السؤال: لماذا لم ms131 يقم القدماء بالعملية ~~العقلية الثانية، عملية الفصل والتمييز والازدواج أيضا في أوصاف الذات بين ~~أوصاف الذات وأوصاف الفعل، وأبقت أوصاف الذات وحدها؟ لماذا لا تكون أوصاف الذات ~~أسوة بصفاتها أيضا مزدوجة فيكون الله موجودا بوجود، قديما بقدم، باقيا ~~ببقاء، مخالفا للحوادث بمخالفة للحوادث، لا في محل بلا في محلية، واحدا ~~بوحدانية، ولماذا لا ينقلب كلاهما إلى الضدين، فيكون الله: موجودا بوجود وليس ~~معدوما بعدم، قديما بقدم وليس حادثا بحدوث، باقيا ببقاء وليس فانيا بفناء، ~~مخالفا للحوادث بمخالفة الحوادث وليس شبيها للحوادث بمشابهة للحوادث، لا في ~~محل بلا في محلية وليس حالا بحلول، واحدا بوحدانية وليس متعددا بتعدد، ~~فيكون المجموع حينئذ أربعة وعشرين وصفا للذات، ست منها أولى مضروبة في ~~أربعة، ويكون المجموع النهائي ثمان وعشرين صفة للذات وأربعة وعشرين وصفا لها، ~~فيكون المجموع الكلي اثنتين وخمسين عقيدة في الله وحده على المسلم أن يؤمن بها! ~~سبحان الله! تعالى الله عما يصفون! لا يخضع الإحصاء إذن لتحليل عقلي صارم، ~~جامع مانع، بل هو تنظير كمي صرف للصفات القديمة في صورة عقائد، يعتمد أساسا ~~على عمليات عقلية صرفة، فارغة بلا مضمون، عندما تعيش العقائد على نفسها ومن ~~ذاتها وكأنها ليست تعبيرا عن واقع، وليست موجهات للسلوك، ولا تعطي تصورا ~~للعالم. # فإن كان ما يجب لله وما يستحيل عليه كأول حكمين من أحكام العقل يشيران إلى ~~الشيء وضده؛ أي إلى الصفة وضدها، وهي عند القدماء أربعون في الله، واثنتان ~~وخمسون طبقا للإحصاء العقلي الكامل، فإن الحكم العقلي الثالث، وهو ما يجوز لله ~~فإنه عند القدماء شيئان: الأول ما يمكن فعله أو تركه، وهنا يظهر العدل كملحق ~~للتوحيد، ولا ينال إلا صفة واحدة بعد الأربعين في الله، ويكون أيضا صفة لله، ~~والثاني رؤية الله، رؤيته لفعله ضمن ما يجوز له أي من جانب موضوع الرؤية وليس ~~من جانب ذات الرائي، بل ويظهر الموضوع الثاني، وهو رؤية الله، مزاحما للموضوع ~~الأول وهو ما يجوز فعله وما يجوز تركه، وهو أصل العدل بتعبير المعتزلة، حتى ~~يصبح ms132 العدل عند الأشاعرة، نصف صفة بعد أن شاركتها الرؤية، ومن ثم لا يزيد ~~العدل عندهم على أكثر من واحد في المائة من مادة العقائد كلها، حتى إن العدل ~~ليختفي كلية من العقائد المتأخرة كما هو مختف حتى الآن في وجداننا المعاصر، ~~بل إنه لم يصبح أصلا عقليا أو مصلحة واقعية بل تحول إلى حيز الإمكان، ~~جواز الفعل والترك، وخرج من حيز الوجوب، وجوب العدل، أو حيز الاستحالة، ~~استحالة الظلم، وإذا كان القدماء قد طبقوا قسمة الصفات إلى صفات ذات وصفات فعل ~~ثم قلبها إلى أضدادها ونفيها، فإنهم قد فعلوا ذلك في حكمي العقل الأولين، ما ~~يجب لله وما يستحيل عليه، ولكنهم لم يفعلوه مع ما يجوز له، وتركوها صفة واحدة ~~تشمل صفتين، جواز الفعل والترك، وجواز الرؤية. في حين أنها طبقا لمنطق القسمة ~~والتضاد تصبح يجوز بجواز حرصا على التمييز بين صفة الذات وصفة الفعل، سواء ~~انطبق ذلك على الفعل والترك أم على الرؤية، ولكن يصعب قلب الصفة، صفة الجواز ~~إلى ضدها، فضدها إما الوجوب أو الاستحالة، وهما الحكمان الأولان للعقل؛ ~~وبالتالي تنقسم الصفة الواحدة والأربعون إلى اثنتين، ويصبح مجموع الصفات نظرا ~~وافتراضا اثنتين وخمسين في الوجوب والاستحالة، واثنتين في الجواز، على فرض ~~اعتبار جواز الفعل والترك وجواز الرؤية صفة واحدة، فيكون المجموع أربعا ~~وخمسين، وإذا أردنا فصل الصفتين في الجواز فيجوز الفعل والترك بجواز، وتجوز ~~الرؤية بجواز يكون مجموع العقائد في الله ستا وخمسين! والبقية تأتي! وهل ~~تنتهي عمليات العقل؟ وهل الصفات متناهية؟ # أما الرسول، وهو القطب الثاني مع الله، فإنه يحظى عند القدماء بسبع عقائد، ~~تجب له ثلاث: الصدق والأمانة والتبليغ، وتستحيل عليه ثلاث: الكذب والخيانة ~~والكتمان، وتجوز عليه واحدة وهي الأعراض البشرية، ومن ثم يبلغ مجموع ~~العقائد كلها عند القدماء ثمان وأربعين عقيدة، واحدة وأربعون في الله وسبع في ~~الرسول، وتكون الإلهيات هنا حوالي خمسة أسداس العقائد والسمعيات سدسها الأخير، ~~ولم تظهر مشكلة صفات الذات وصفات الفعل في صفات الرسول من أجل قسمتها ثم قلبها ~~إلى أضدادها ms133 من أجل نفي الصفات، فإن قضية إثبات الصفات ونفيها تتعلق فقط ~~بالله وليس بالرسول، ولكن بقيت مشكلة أخرى في صفات الرسول، وهي أنها كلها صفات ~~نظرية من أجل أداء مهمة التبليغ، فأين الصفات العملية التي استطاع الرسول من ~~خلالها أن يحول رسالتها إلى واقع، وفكره إلى نظام، وشريعته إلى مؤسسات، ودينه ~~إلى دولة؟ لذلك زادت العقائد المتأخرة صفة رابعة، هي «الفطانة»، وضدها ~~«البلادة»، وهي أيضا صفة نظرية أكثر منها عملية؛ لأنها تعبر عن قدرة الرسول ~~في التعبير والفهم أكثر منها عن قدراته في القيادة وإصدار القرار، وإذا أخذنا ~~«علم السيرة» في الحساب كأحد مصادر علم أصول الدين من حيث صفات الرسول لوجدنا ~~أنها أيضا غير متناهية نظريا أو عمليا، فأين صفات التضحية، والشجاعة، ~~والأثرة، والكرم، والعفة والتقوى، والرحمة، والتعاطف إلى آخر هذه الصفات غير ~~المتناهية، خاصة وأنه أكمل البشر صفات عند القدماء وبنص القرآن؟ # 3 # وهل هي صفات خاصة للرسول أم صفات عامة يشارك فيها الناس جميعا بما ~~في ذلك الصفات الثلاث أو الأربع الأولى: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة؟ ~~ألا يشارك فيها أيضا الرواة والنقلة وكل من يحمل رسالة يبلغها للناس؟ لقد ~~انتهت العقائد الإيمانية المتأخرة إلى تشخيص الله وإلى تشخيص الرسول مما كان له ~~أبلغ الأثر في ترسيخ التشخيص في حياتنا القومية، فما زلنا نعدد خصال الناس، ~~خصال الرئيس، وخصال الكبار، وخصال المديرين، ونستزيد منها كل يوم حتى نصل إلى ~~درجة التأليه للأشخاص، والتأليه للرسل والأنبياء. # 4 ~~(2) استغناء الله عن كل ما سواه، وافتقار كل ما عداه إليه # وبعد أن تستمر العقائد على هذا النحو شعرا أو نثرا، يسقط منها العد ~~والإحصاء، ولا تبقى إلا مجموعة عقائد للتسليم بها دون أي تحليل عقلي للشيء ~~وضده، وهو ما تبقى من عقل في علم العقائد، ولكن يبقى القطبان الأساسيان، الله ~~والرسول، يلخصان الشهادتين: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»؛ ومن ثم ~~يعود العلم كما بدأ، وينتهي العلم إلى تكرار مقدماته، وتصبح نتائجه من جديد هي ~~المطلوب إثباته، وكأن الجدل لم ms134 ينته إلى شيء أو انتهى إلى كل شيء؛ إذ إن ~~مقدمات الجدل هي نتائجه، ويكون الجدل قد أصبح موضوعا للعلم كما كان منهجه، ~~ويقع العلم في دائرة مفرغة من المنهج للموضوع ومن الموضوع إلى المنهج، ويتجلى ~~ذلك في نظرية «الاستغناء والافتقار»، استغناء الله عن كل ما سواه، وافتقار كل ~~ما سواه إليه، وهي التي تجعل العلم كله يدور حول قطب واحد؛ وهو الله، الذي يصبح ~~محور الكون، وقمته، وركيزته الأولى، وكل ما سواه قاعدته ومحيطه يدور حوله، ~~وهو ما استقر في وجداننا المعاصر وفي تصورنا الهرمي للعالم، فأثبتنا الله ~~وأضعنا العالم، ودافعنا عن الذات الإلهية، وأسقطنا من حسابنا الذات الإنسانية، ~~وحرصنا على القمة دون القاعدة، ووضعنا كل شيء في المركز دون المحيط، وركزنا على ~~القلب دون الأطراف، وهو ما يفسر مأساتنا المعاصرة في السياسة والاقتصاد ~~والاجتماع والقانون، وما ترتكز عليه نظمنا الحالية، الإقطاع والرأسمالية، ~~والتسلط والطغيان، والبيروقراطية والمركزية، والحرفية والصورية، وانصب كل ~~ذلك في وجداننا المعاصر ملتحما بالتراث الفلسفي من علوم الحكمة، نظرية الفيض ~~والإشراق، وبالتراث الصوفي في نظرية الفناء، حتى طرد كلية علم أصول الفقه الذي ~~كان يمكنه إيجاد التعادل في وجداننا القومي بين الله والعالم، بين التأويل ~~والتنزيل، بين المركز والمحيط، وبين القلب والأطراف. # 5 # والعجيب أن نظرية الاستغناء والافتقار كانت أحد روافد الحركة ~~الإصلاحية الحديثة عن طريق إصلاح العقائد وشحذ الهمم، وإطلاق التوحيد الحبيس من ~~عقاله، وتفجير طاقاته لولا أن ذلك كله كان على حساب العالم والإنسان. # 6 ~~(3) سقوط الإلهيات والاستسلام التام للسمعيات # وأخيرا انتهى علم العقائد بأن أصبحت العقائد ذاتها مجرد مسائل يجب التسليم ~~بها والاستسلام النهائي لها حتى يضيع آخر ما بقي من العلم، وهو الجانب النزوعي ~~الإرادي في العقيدة كما ضاع الجانب العقلي من قبل، تختفي المقدمات النظرية كلها ~~حتى أحكام العقل الثلاثة، ويحل محلها الإيمان الكامل، وتدور معظم المسائل حول ~~السمعيات التي فاقت الإلهيات، تلك التي كانت تمثل قدرا من العقليات، وكأن ~~العدل ذاته قد أصبح من أمور المعاد، ليس من شئون الدنيا ms135 بل من اختصاص الآخرة، ~~وانتهت اليقينيات الممثلة في الإلهيات ولم يبق إلا الظنيات الممثلة في ~~السمعيات، فتحولت «العقيدة» إلى ظن؛ أي على نقيض مضمونها تهدم ذاتها بذاتها، ~~وتحتوي في باطنها على جرثومة فنائها، ويتضخم موضوع النبوة، ويتشخص في ~~النبي، ويسقط الإيمان والعمل والسياسة كلية، ويغرق العلم في متاهة الإيمان ~~بالغيبيات، يضيع العقل، ويختفي الواقع، ونضيع نحن ونختفي معه. # 7 # وهكذا يدل بناء العلم النظري، نشأة وتطورا وتكوينا على مسار العلم المواكب ~~لمسار الحضارة، والمؤشر على قيامنا ونهضتنا ثم كبوتنا ونكوصنا، لم يعد هناك فرق ~~بين علم الكلام وعلوم الحكمة وعلوم التصوف، فقد انتهى الكل إلى التسليم ~~والاستسلام، وإلى أن الله هو الغني الوحيد، وأننا نحن الفقراء، وكأننا في حاجة ~~إلى من يدلنا على مصائبنا، ومن يذكرنا بأننا نعيش خارج العالم، وعلى هامش ~~التاريخ؛ وبالتالي تكون مسئولية علماء أصول الدين من جيلنا في إعادة بناء العلم ~~طبقا لمقتضيات العصر وإن تقلب نظرية الاستغناء والافتقار رأسا على عقب آخر ما ~~وصل إليه العلم وأن تعود المقدمات النظرية إلى ابتلاع العلم كله وأن تبتلع ~~العقليات اليقينيات وريثة الإلهيات، السمعيات، حتى يعود إلينا العقل؛ وبالتالي ~~نعود نحن إلى العالم وإلى مسار التاريخ. # | سادسا: المصنفات القديمة # من العسير استيعاب كل ما قاله القدماء في علم أصول الدين، خاصة خارج المصنفات ~~الكلامية ذاتها، والتعرض له من أهل السنة والفقهاء والمحدثين بالتحليل والنقد ~~والتحريم؛ فذاك مجال الفكر الفقهي. # 1 # ولكننا حاولنا الاعتماد على كل ما أمكننا العثور عليه من مؤلفات ~~منشورة في علم الكلام ذاته والتي أعطيناها الأولوية على غيرها من مؤلفات الفقهاء ~~العامة التي يتعرضون فيها للعلم كتعرضهم للفلسفة والتصوف، وهي عينة مميزة تعطي ~~صورة عن تاريخ علم الكلام منذ نشأته حتى العصر الحاضر، وكان مقياس تمثيل العينة هو ~~تكرار المادة المعروضة في معظم المؤلفات، بحيث كان الاطلاع على مؤلفات أخرى لا يعطي ~~مادة جديدة إلا في أقل الحدود التي لا تؤثر على البناء للعلم وطرق تطويره، فكثير ~~من المؤلفات يغلب عليها طابع التكرار والتقليد للسابقين، ms136 وكثير منها تجميع وتحصيل ~~المادة السابقة من مؤلفات قديمة، في حين أن التقليد ليس من أصول الإيمان، وقد كان ~~هذا هو طابع عصر الشروح والملخصات حفاظا على العلم وتذكيرا للناس ببنائه. # 2 # كما أننا لم نلجأ كثيرا إلى المخطوطات لنفس السبب، وهو تكرار المادة ~~القديمة بعضها لبعض، قد يعطينا المخطوط دلالة من هذا النوع على ذلك التحليل أكثر ~~أو أقل دون أن يخل الجهل به من بناء العلم ذاته وصدق التحليل بالإضافة إلى ~~الصعوبات العملية في الحصول عليها أو في تناولها، وإذا فهمنا المنشور أولا بحثنا ~~عن غير المنشور، وفهم الأقرب إلينا خير من ادعاء البحث عن المجهول. ليس المهم هو ~~تكرار المادة وعرضها، بل إعطاء منهج للتحليل، وطريقة لإعادة البناء، وتحديد موقف معاصر. # 3 # فزيادة المادة تعطي تحليلات أكثر، ولكن بنفس المنهج ولعرض نفس الموقف، ~~ودون أن تغير من المنهج أو من الموقف أو من النتائج شيئا، لو لم نستطع الاطلاع على ~~كل المادة المنشورة في علم الكلام أو لو أننا لم نطلع بما فيه الكفاية على المادة ~~غير المنشورة، فإن ذلك لن يغير شيئا من المنهج المتبع أو من الموقف المحدد، ~~ولما كانت العلوم تتحدد ببنائها، ولا ترتبط بأشخاصها فإنه لا يهم كثيرا نقص ~~المادة لأنها مكررة، وزيادة المادة قد لا تعني زيادة في التحليل كما أن نقص المادة ~~قد لا يعني نقصا مماثلا في التحليل، وليس ذلك مجرد افتراض بل نتيجة لتجارب عديدة ~~في تحليل المادة ثم قراءة مادة جديدة بعد ذلك دون أن تضيف جديدا إلى التحليل أو ~~تنقص منه. # وقد اعتمدنا على المؤلفات الكلامية «الشاملة» التي تتحدث عن علم الكلام وتضع ~~رسالة فيها # Traité ~~، عارضة مادته وموضوعاته، فهي ~~مؤلفات في العلم، وأعطيناها الأولوية على المؤلفات الجزئية الأخرى التي تتناول ~~جانبا واحدا من العلم أو التي تشير إلى موضوع واحد منه أو التي تتعرض له بالنقد ~~والتحريم، فهذه تتضمن حكم القدماء، ولا تحتاج إلى إعادة بناء كالمؤلفات الكلامية ~~الشاملة، هي مجرد دلائل وقرائن على وضع هذا ms137 العلم وشرعيته في التراث القديم، ومؤشر ~~على شرعية التساؤل حول شرعية هذا العلم. # 4 # وكثير من المؤلفات لها شروح وحواش، وقد ساد هذا اللون من التأليف في العصور ~~المتأخرة حين جدب الفكر لانفصاله عن الواقع، وكرر ذاته، وعاش على نفسه، كما تأكل ~~الرأس الذيل في النهاية، يوافق كل شارح المؤلف الأصلي، ويزيد عليه من الحجج أو ~~يضيف إليه من المادة التاريخية أو يعبر عن نفس الفكرة في عبارة أخرى دون أن ينقد ~~أو يعدل أو يغير أو يرفض أو يبدأ من جديد، يزيد من النصوص النقلية أو من الحجج ~~العقلية أو من ذكر أسماء الأعلام أو النصوص من مؤلفات أخرى أو إعرابا للكلام إن ~~لم يجد شيئا! الذهن الشارح والذهن الخالق إذن على طرفي نقيض، والذهن التابع غير ~~الذهن البادئ، لم تضف الشروح جديدا، بل عبرت عن اجترار الحضارة لذاتها في فترة ~~تؤرخ فيها الحضارة لذاتها، تقدم لنفسها الحساب أمام التاريخ، ويحدث هذا ~~الاجترار دائما عندما تكون الحضارة في موضع الخطر، وعندما تضيع الأرض، وتريد ~~الجماعة المحافظة على نفسها، فتدون تاريخها، وتخلد نفسها في الفكر أمام تهديدات ~~استئصالها في الواقع كما حدث لقدماء العبرانيين أثناء الأسر البابلي. # 5 # والشروح والحواشي أكثر شيوعا من التلخيص لأنها أكثر إيفاء بالغرض، ~~وأكثر تعبيرا عن طاقة خاوية تتصرف في فراغ، ومع أنها لا تضيف جديدا، إلا أن ~~أهميتها ترجع إلى أنها مادة خصبة لدراسة العمليات العقلية، والأساليب الفكرية التي ~~أدت إلى التخلف أو التي أدى التخلف إليها كما هو الحال في مؤلفات ~~الباحثين المعاصرين العارضين لمادة القدماء، سواء في العلم أو في السياسة عندما ~~يشرح المعاصرون أقوال الزعيم ويفسر المنظرون خطبه وأقواله وكأنها الدر في ~~أحشاء البحر كامنة، قد تحتوي بعض الشروح والملخصات على بعض الانتقادات الجزئية، ~~ولكنها لا تغير من المضمون شيئا، لا تؤثر في قصد العلم أو في بنائه مما يدل أيضا ~~على مدى تخلف العقلية الشارحة والملخصة «بتمحكه» في الجزء وترك الكل. # 6 # ولما كان الشرح في حاجة إلى مادة يشرح ms138 بها، فقد استعار علم الكلام ~~جزءا من مادته من العلوم الأخرى كالفلسفة، والتصوف، وأصول الفقه، وعلوم القرآن، ~~والحديث، والتفسير، واللغة، مما يشير إلى وحدة الحضارة في نهايتها وكأنها تود ~~لم شملها في وحدة واحدة كما بدأت وحدة واحدة. # 7 # ولا يهمنا في الشروح والملخصات التي يقوم أصحابها بتفنيد آراء مؤلفي ~~المتون أو بيان أغلاطهم أو الحكم فيما نشأ بينهم من خلاف أو حتى رصده، بل يهمنا أخذ ~~المادتين معا من أجل التعرف على وضعهما في بناء العلم؛ أي الارتفاع بالحاجة إلى ~~الموضوع نفسه الذي نود أن نعرف بناءه القديم أو نقله على البناء النفسي المعاصر، ~~وعلى هذا النحو، يفقد اختلاف أوجه النظر دلالته، والحقيقة أن «التراث والتجديد» كله ~~ما هو إلا شروح على الماضي، ولكن لا يعني الشرح هنا مجرد تحصيل حاصل، شرح عبارة ~~بعبارة، ولفظ بلفظ مرادف أو إعراب جملة أو زيادة مادة قديمة تالية على تاريخ النص ~~المشروح أو حتى التأييد أو التفنيد، بل هي إعادة بناء القديم كله على أساس نظرة ~~متكاملة، والبحث عن الموضوعات ذاتها، وكيف أن أبنيتها تعبر عن بناء نفسي قديم، ثم ~~إعادة بناء هذه الموضوعات ذاتها على أساس من أبنيتها النفسية المعاصرة. # وفي نفس الوقت الذي يكون فيه الشرح مجرد شرح داخلي يصيب الإنسان بالإغماء ~~والدوار ويبعث في النفس الخواء؛ إذ لا يزيد الشارح شيئا إلا العبارات الشارحة التي ~~لا تفيد جديدا - يأتي التلخيص كتقييم للمصنف السابق وكمبرز لثمينه دون غثه، ومصلح ~~لحججه وبراهينه، ويكون له دور إيجابي في أحكام العلم إن لم يكن من حيث البناء، فعلى ~~الأقل من حيث الحجج، # 8 # ومع ذلك فالشروح والحواشي على المتون أكثر بكثير من التلخيصات، فالشرح ~~أو الحاشية مجرد جمع مادة، وإضافة تاريخ في حين أن التلخيص تركيز على الجوهر، ~~وإخراج للب من الشروح والحواشي؛ فهو يمثل جهدا أكبر، ويدل على فكر ما زال ~~قادرا على استخلاص اللباب؛ لذلك كان التلخيص أقل بكثير من الشروح والحواشي من ~~حيث الكم، هذا بالإضافة إلى أن الحضارات في ms139 لحظات الشكوك أو الخطر تجمع وتستوعب ~~أكثر مما تلفظ وتستبعد، فمهمة المفكر الحفاظ على كل شيء ولو لفظا أو عبارة في ~~حين أن الملخص يحتفظ بالجوهر، ويحمل معه «ما خف حمله وغلا ثمنه»، وكلاهما طريقان ~~لدرء الأخطار والمحافظة على التراث في لحظة التدوين. # والمصنفات الكلامية ليست فقط مراجع للدراسة، بل هي ذاتها موضوع للدراسة؛ لأنها ~~تكون التراث، وهو موضوع الدراسة الأول. ليس الأمر فقط مجرد أخذ مادة منها ~~لموضوع معين، بل تحليل هذه المادة ذاتها إلى موضوعات، كل عبارة فيها لها دلالة حتى ~~العنوان والمقدمات والتسليمات والصلوات والتحميدات والبسملات والنهايات والدعوات ~~والإشارات إلى «مصر المحروسة» أو إلى «مصر المحمية»، فهي تعبر عن عقلية القدماء ~~ومستواهم الثقافي. المؤلفات الكلامية ما هي إلا مادة تكشف عن البناء الشعوري الذي ~~صدرت هذه المادة عنه، وهو المطلوب الكشف عنه، وإعادة بنائه. المادة ليست هي ~~الظاهرة، بل الظاهرة تكمن فيما وراء المادة أو فيما تحت المادة أو فيما هو أدخل في ~~المادة، وهو البناء الشعوري الذي خرجت هذه المادة منه، ويحتاج إدراكه إلى الذهاب ~~إلى ما وراء الألفاظ، والإحساس بالمضمون الحق وراء الفصول والأبواب؛ وذلك باشتراك ~~الباحث في نفس التجارب، ولو أنها من نوع مخالف، تعبر عن موقف حضاري متقدم؛ ~~ومن ثم لزم على الباحث أن يكون مجددا، خالقا، واضعا للعلم، وليس مجرد ~~ناقل أو عارض أو شارح له. إذا اتحدت التجارب بين القديم والجديد، تم إدراك البناء ~~القديم بالحدس والتجربة المباشرة، وكأن الباحث يتحدث عن نفسه، ويحلل شعوره ~~الخاص، وهو لم يكتمل بعد، في إحدى لحظاته التاريخية الماضية. # ولا يهمنا في طريقة الإشارة إلى المصنفات إرجاع كل فكرة إلى مصدرها، بل أخذ ~~الفكرة ذاتها من المرجع ثم إكمالها من مرجع آخر، وأخذ الزيادة من مصنف وإكمال ما ~~بها من نقص من مصنف آخر، ثم وضع المصنفات كلها معا، كل منها يشير إلى جانب من ~~الفكرة، الأفكار موضوعات مستقلة عن قائليها، وعن مصنفاتها، ولكننا راعينا الترتيب ~~الزمني قدر الإمكان لرؤية تكوين الفكرة نشأة وتطورا، وإلا ms140 فالترتيب الموضوعي ~~المستقل عن الترتيب الزماني والذي يتحول التاريخ فيه إلى مضمون لملء صورة. # 9 # موضوع التحليل هو الموضوع كفكرة وليست أفكار المؤلفين، والفكرة مستقلة ~~عن مؤلفها، بل ولا يهمنا من هو صاحبها أو أول القائلين بها بقدر ما تهمنا الفكرة. ~~لا يهمنا إن كان قائلها هو هذا أو ذاك، بل تهمنا الفكرة ذاتها، المهم هو القضاء ~~على «تشخيص الأفكار» الذي نشأ من تخلفنا مثل تشخيص النبوة في الأنبياء، والذي نشأ ~~أيضا بفعل الاستشراق الغربي، عندما ارتبط المذهب في الغرب بشخص المعلن عنه بعد ~~القضاء على استقلال الفكر والموضوعات في العصور الحديثة. # 10 # وقد اتبع تراثنا القديم هذا الأسلوب، فلم يهتم لمن تكون «أثولوجيا» ~~أرسططاليس، لأرسطو أم لأفلوطين، هذه المشكلة التي من أجلها حكم على التراث القديم ~~بالخلط والتشويش، ولا يهمنا لمن تكون الأفكار لأفلاطون أم لأرسطو؛ فالأشخاص إن هي ~~إلا حوامل للفكر وليست خالقة للفكر، ولا يهمنا حتى إن كانت الأفكار منتحلة أم ~~تاريخية، فالفكر له بناؤه المستقل عن التاريخ، وإن كان يظهر في التاريخ كحركة ومسار ~~وقانون؛ ومن ثم، فإن أي نقد لهذا المصنف يستعمل المنهج التاريخي لن يهدف إلى ~~قلبه، بل ولن يلمس حتى أطرافه، وإن أي نقد حتى ولو صدق تاريخيا، فإنه لن يزيد ~~التحليل إلا عمقا أو إضافة لمادة جديدة تثبت صدق التحليل. # ولا يهمنا تضارب المقالات، ونسبة فكرتين متعارضتين إلى شخص واحد أو ذكر فكرة ~~واحدة لشخصين مختلفين، سواء حدث في مؤلف واحد أو في مؤلفين أو أكثر. ليس الغرض هو ~~التحقق التاريخي من صحة إحدى الروايتين، بل المهم هو تحليل المقالتين فكريا، ~~وبيان نشأتهما في الشعور، وفي الظروف النفسية والاجتماعية التي حددت لحظة النشأة. ~~ليست هناك قضية نسبة مقالة خاطئة لغير صاحبها، بل المهم هو تحليل المقالات ذاتها ~~بصرف النظر عن أصحابها، وقد فعل الحكماء ذلك أيضا عندما حللوا نظرية الفيض، ولم ~~يهتموا بصاحبها أفلوطين أم أرسطو؛ ففي كثير من الأحيان تكون الروايات غير صحيحة، ~~وغير مطابقة للواقع، ولكن ذلك عمل مستقل يقوم ms141 به المؤرخ للتحقق من صدق الرواية، ~~ولكن فيما يتعلق بالباحث، فإنه يحلل المادة في الشعور بصرف النظر عن قائلها، ~~الأشخاص يعرضون موضوعات ولا يضعون فكرا، هم مجرد وسائل تظهر الحضارة من خلالها دون ~~أن يكون لهم الفكر خلقا وإبداعا، فسواء كان المعبر عن الفكرة هذا أم ذاك، فإن ~~الفكرة هي موضوع البحث، والحضارة ليست تاريخ أشخاص بل مجموعة أفكار يهمنا تحليلها ~~ومعرفة دلالتها بالنسبة للفكر وأثرها في الواقع، وفي علم الكلام خاصة، يستحيل وضع ~~فرقة معينة في نظرية معينة أو شخص محدد تحت رأي محدد؛ لأنه لا توجد فرقة واحدة ~~متجانسة، كل فرقة تضم عشرات الفرق الصغيرة، ولكل منها رأي مستقل وأحيانا رأي ~~مضاد، كما أن الشخص الواحد قد تكون له عدة آراء مختلفة حسب كل مسألة، قد يكون في ~~التوحيد معتزليا، وفي العدل أشعريا، وفي الإمامة شيعيا، هناك مثلا أهل ~~التوحيد والعدل، وأهل التوحيد والإمامة، ولا توجد فرقة إلا ولها نقيض، ولا توجد ~~فرقة لها نقيض إلا ولهما فرقة ثالثة تحاول التوسط بينهما، وكذلك الحال في الآراء ~~والمذاهب؛ وبالتالي فإن معرفة «من قال ماذا» من أصعب الأمور تاريخيا في علم ~~الكلام، خاصة وأن العلماء لم يكتبوا بأنفسهم، بل روي عنهم من أصدقائهم وأعدائهم ~~على السواء، ويضيع الجهد في تصحيح نسبة المقالات أكثر من ضياعه في تحليل الأفكار. # 11 # وليست مهمتنا نقد العلماء وبيان عوراتهم وتناقضاتهم، فما أسهل ذاك! ليست المعركة ~~معهم، بل مع بناء فكري قديم نشأ في ظروف تاريخية قديمة ويعاد بناؤه من جديد طبقا ~~لظروف تاريخية جديدة، المعركة مع البناء الحي الذي ما زال يؤثر فينا لا مع ~~البنائين الذين واراهم التراب، ومن منا ليس له أخطاء أو عورات؟ ومن منا لم ~~يقع في تناقضات؟ المهم هو إعادة بناء القديم، واستقامة المعوج، بل إن فكرة الخطأ من ~~الناحية الحضارية لا وجود لها، كل مفكر ما هو إلا معبر عن موقفه الحضاري، ~~والمواقف الحضارية تتغير بفعل التاريخ، ويكون الخطأ فقط هو أخذ موقف حضاري مخالف ~~للحظة التاريخية التي ms142 يوجد فيها المفكر؛ أي أن يعبر عن موقف حضاري سابق (الحركة ~~السلفية)، أو عن موقف حضاري قادم (الحركة العلمانية)، الصواب في التاريخ هو التعبير ~~عن الموقف الحضاري الحالي (التراث والتجديد أو اليسار الإسلامي)، يكون الخطأ هنا ~~بمعنى الجمود، والتأخر، وتخلف الفكر عن الواقع، ويكون الصواب هي الحركة، والتقدم، ~~ومواكبة الفكر للواقع، أما الخطأ بمعنى غياب الاتساق الداخلي فهو خطأ صوري خالص، ~~لا يهمنا في شيء، لسنا أمام مقدمات نستنتج منها نتائج، بل أمام واقع حي نحاول ~~المساهمة في تطويره، وفي القضاء على معوقات تقدمه، مهمتنا عملية لا نظرية، وغايتنا ~~اجتماعية لا صورية، ومنطقنا منطق التغيير لا منطق الاتساع؛ أي مطابقة بناء الفكر مع ~~حركة الواقع وليس مجرد مطابقة الفكر الصوري مع الواقع الأبدي، بل إن تغيير الواقع ~~هو أقصى محاولات تحقيق اتساق الفكر مع الواقع، وإلغاء المسافة بين نظام العالم ~~ونظام الوحي الذي هو نظام الطبيعة وهي تنحو نحو الكمال، نحو التحقق والغاية، بل إن ~~الغاية ليس حل المسائل الكلامية، بل إرجاعها واحدة تلو الأخرى إلى ظروفها النفسية ~~والاجتماعية الأولى التي نشأت منها، ثم ردها إلى الأسس النفسية والاجتماعية الحالية ~~لمعرفة مدى فاعليتها سلبا أم إيجابا، ثم اختيار أحد الحلول من البدائل القديمة ~~المطروحة والتي يفرضها بناء الشعور المعاصر طبقا لحاجات الجيل ومطالبه، فلا توجد ~~هناك حلول نظرية صائبة وأخرى خاطئة، بل توجد حلول فعالة ومؤثرة تهدف لصالح فئة ~~أو لصالح مجموع الأمة، تحقق مطلب السلطة في الشرعية والطاعة أو مطلب المعارضة في ~~الرفض والثورة. # 12 # ولم نقتف أثر رسالة أو كتاب، شرحا أو تلخيصا، بل اتبعنا بناء العلم ذاته، ~~تكملة من جميع المذاهب والفرق، ولم ننتسب إلى فرقة دون أخرى أو مذهب دون آخر، بل ~~حاولنا تحليل جميع المذاهب والفرق تحليلا علميا موضوعيا، لا هدف لنا إلا نشأة ~~الأفكار وآثارها في السلوك والتوجيه، مع أن وجداننا معتزلي، وهدفنا تطوير الاتجاه ~~الاعتزالي خطوة نحو عقل الثورة من أجل إقامة «لاهوت» شامل للثورة، وقد احتفظ ~~التاريخ لنا بمؤلفات الأشاعرة أكثر من ms143 مؤلفات المعتزلة، كان المعتزلة قليلي ~~الكتابة، وأهل مناظرة ورأي، كانوا أقرب إلى قادة الفكر، ومؤسسي الحركات، مما لا ~~يسمح لهم ذلك الموقف بالتأليف كما كانوا أهل معارضة علنية من الداخل، ومواقف ~~مشهودة، وقيادة أمة، وإنارة فكر، وهذا أيضا قد يمنع من التأليف على عكس تراث ~~السلطة وتجنيد النظار، وحشد الأقلام وتفرغ المنظرين له، # 13 # هذا بالإضافة إلى قصر عمر المعتزلة بعد أن أنهتهم المحنة، فضاعت كتبهم ~~واندثرت، وبعد أن سادت الأشعرية وراجت كتبهم، خاصة وأنهم كانوا يمثلون التراث ~~والسلطة في آن واحد، وكانت العقيدة الرسمية السائدة منذ محنة المعتزلة حتى اليوم، ~~كما أن تعبير الأشاعرة عن إيمان العوام والعقائد الشعبية والفكر الشائع جعلهم أقرب ~~إلى الاستمرار والدوام في مقابل تعبير المعتزلة عن مواقف فكرية تستلزم وعيا ~~وبصيرة لا تتوافر في كل عصر ولا توجد عند كل الناس، وقد استمر «علم الأشعرية» بعد ~~اكتمال العلم في الشروح والملخصات تعبيرا عن الواقع المستتب، وسكون الفكر، ~~والركود الحضاري العام. # 14 # لم نستعمل مؤلفات شيعية لأن الفكر الشيعي ليس موجها لسلوك الجماهير، ~~وليس مخزونا فكريا عندها بالرغم من حب آل البيت، وتقديس ولاة الله الصالحين في ~~الدين الشعبي. كان يجوز الاعتماد على مصنفات شيعية لو كان المؤلف إيرانيا أو لو ~~كان الفكر الشيعي سائدا وموجها سلبا أم إيجابا، ولا يعني هذا الانقطاع عن الفكر ~~الشيعي والانعزال عنه؛ وذلك لأنه نمط مثالي يوجد في كل عصر، ويظهر في كل حضارة، ~~ويتكرر في كل زمان ومكان، ربما لو شئنا إقامة حوار بين الفكر الشيعي والفكر السني ~~الآن لجاز تناول الفكر الشيعي، ولكن مهمتنا ليست إجراء مثل هذا الحوار الذي يفصمه ~~التاريخ وتمنعه الأحقاد والضغائن المتوارثة، بل الرجوع إلى وحدة الفكر الأولى وربطه ~~بواقع المسلمين الحالي، فالوحدة تأتي من الفكر ومن الواقع، وليست من توحيد العقائد ~~التاريخية أو إجراء حوار بينها لا يتعدى بعض المتخصصين المتفيهقين، ولا يتجاوز ~~اهتمام الساسة وأهل المراسيم. # ولم نشأ التركيز على صلة الكلام بالعلوم الأخرى، فذلك موضوع آخر. # 15 # ولكننا أشرنا إليها ms144 بمقدار إشارة علم الكلام إليها إما عرضا في نقد ~~بعض التصورات الفلسفية خاصة بقدم العالم والمادة أو بعالم الأفلاك أو بعض مدارك ~~العلوم في التصوف فيما يتعلق بالإلهام أو بعض الأحكام الشرعية فيما يتعلق بالنسك. ~~والإشارة إلى أصول الفقه أوضح لأن علم أصول الدين وعلم أصول الفقه كلاهما علم ~~للأصول، أما الإشارات إلى علم الكلام من العلوم الأخرى فذلك أدخل في هذه العلوم ~~منها في علم الكلام، فذكر علم الكلام في علوم الحكمة يبين موقف علوم الحكمة من ~~علم الكلام وليس موقف علم الكلام من علوم الحكمة، وكذلك الإشارة إلى علم الكلام في ~~علوم التصوف تبين موقف علوم التصوف من علم الكلام أكثر مما تبين موقف علم ~~الكلام من علوم التصوف، هذه المادة الكلامية لا تدخل في بناء علم الكلام، بل تدخل ~~في أبنية العلوم الأخرى. # 16 # ولم نشأ الاعتماد على منهج النص، وذكر كل النصوص الدينية التي تعتمد عليها هذه ~~الفرقة أو تلك، فبالرغم من أن هذه النصوص أصل للفرقة ولنشأة الاتجاه إلا أنها أصل ~~واحد، وهو الأصل الفكري أو العقائدي، وهناك أصل ثان وهو الدوافع النفسية والمصالح ~~الشخصية والظروف الاجتماعية التي امتلأت النصوص بها ففسرتها وأولتها، النصوص ~~مجرد قوالب يمكن ملؤها حسب مقتضيات كل موقف، فالموقف هو الأصل المحدد لا النص، وهو ~~ما نريد إعادة بنائه لمعرفة الدوافع النفسية والظروف الاجتماعية التي من خلالها ~~نشأت الفرقة وخرج المذهب، الاعتماد على النصوص وحدها هو تفسير للفكر وللواقع من ~~خارجهما، وكأن الأفكار والوقائع توجد فقط بوجود النصوص، وكأن الألفاظ لها الأولوية ~~على المعاني والأشياء. صحيح أن النصوص نفسها أساس جميع المذاهب، ولكن لا يمكن من ~~خلال النصوص وحدها معرفة تنوع هذه المذاهب وتفرقها وتشعبها، بل وتضاربها ~~وصراعاتها حتى الموت، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد نص لا يمكن تأويله، ولا يوجد نص ~~صريح الدلالة إلا وله نص صريح مقابل، النصوص إذن لا تفسر نشأة فرقة على التحديد، ~~بل تفسر جميع الفرق وجميع الاتجاهات مهما بلغ تضاربها وتشتتها، كما أن ~~الاعتماد ms145 على النصوص يكسر اتساق تحليل الواقع كما يكسر اتساق الخطاب النظري، إن ~~تحليل الواقع يعتمد على تحليل الوقائع نفسها وعلى وصف الأشياء على ما هي عليه، ولن ~~يلغي النص الواقعة إذا كانت موجودة كما أنه لن يوجد واقعة إن لم تكن موجودة، كما ~~يقضي النص على استقلال الخطاب، ويجعل الفكر قائما على براهين خارجية عنه، وهي ظنية ~~في حين أن الدليل أساسا هو الدليل العقلي؛ أي الدليل اليقيني الداخلي، ولما كانت ~~الأدلة العقلية كل منها يصدر عن الآخر، فإن الموضوع يتحدد ببداهة العقل، والنص لن ~~يغني عن الدليل العقلي إن غاب، ولا ينقض الحجة العقلية إن وجدت. # 17 # والنصوص نفسها إما عقل أو واقع، هي عقل لأنها قائمة على العقل، فلا ~~يوجد شيء في النص إلا ما اعتمد على العقل أولا، العقل أساس النقل على ما هو ~~معروف في تراث القدماء، والنص هو الواقع على ما هو معروف من «أسباب النزول»، وهي ~~الوقائع الأولى التي جاء النص واصفا ومشرعا لها، وكذلك «الناسخ والمنسوخ» ~~اللذان يدلان على تكيف الوحي طبقا لتغيرات الواقع وقدرات الإنسان وإمكانيات التحقيق. # 18 # الرجوع إلى العقل والاعتماد على الواقع إذن رجوع إلى مصدر النص والتقاء ~~معه من حيث أصوله من أجل فهمه وحمايته من أي تأويل مغرض، وإن استعمال النصوص كحجة ~~يقتضي إيمانا مسبقا بها، سواء من الباحث أو من القارئ، وذلك يقلل من درجة ~~شمولية البحث وعلميته ودرجة استقبال جماهير القراء له، في حين أن تحليل العقل لا ~~يتطلب أي إيمان مسبق بشيء، ولا يتطلب إلا العقل الصريح أو رؤية الواقع الموصوف، ~~ولا يعني ذلك أننا نلجأ إلى استعمال الحجج العقلية التي تتشعب في عديد من ~~التقسيمات حتى تخرج على مستوى الفهم، فتتحول إلى جدل عقيم؛ أي إلى دلائل أصعب في ~~الإقناع من الموضوع ذاته، وقد حولنا هذه الأدلة قدر الإمكان إلى خبرات شعورية حتى ~~يمكن أن تكون أكثر إقناعا، وأوضح مضمونا، وأيسر فهما، حولنا العلم من علم جدلي ~~إلى علم برهاني، ومن علم صوري إلى ms146 علم حي، هذه الحجج العقلية المتشعبة هي في ~~الحقيقة الجوانب المختلفة للواقع معروضة عرضا صوريا خالصا، الاحتمالات الصورية ~~في حقيقة الأمر هي إمكانيات واقعية، وإذا اقتضت الضرورة، وحتى نبين مصدر الفكر ~~ووحدته الأولى في النصوص الدينية قد نذكر بعضا من الحجج النقلية في الهوامش السفلى ~~وإعادة تفسيرها حتى تتفق مع الحجج العقلية ورؤية الواقع. والقدح في التفسير لا يكون ~~قدحا في العقل، ولو عورض التفسير بتفسير آخر فإن حجج العقل تظل باقية لأننا نحتكم ~~إلى مقياس ثالث يشمل العقل والنقل معا وهو الواقع الذي نعيش فيه. اليقين من العقل ~~من حيث الاستدلال، والنقل يأخذ يقينه من العقل، والاختلاف في تفسير المنقول راجع ~~أساسا إلى اختلاف في فهم المعقول، ولكن الواقع هو الذي يعطي مادة اليقين التي ~~يحللها العقل في التجربة المباشرة، وسنشير إلى الحجج النقلية ليس باعتبار تفسير ~~صوري لها بل لتحليل أثرها عند سامعيها، ومدى تعبيرها عن متطلبات الواقع من أجل ~~العثور على البناء النفسي الاجتماعي الذي قد تكشف عنه الحجج النقلية من أجل توجيهها ~~نحوه بالتغيير أو استدعاء حجج نقلية أخرى تعطي هذا البناء دفعا وقوة ~~وشرعية. # ومع ذلك فقد اعتمدنا على كثير من المادة الكلامية ووضعناها أحيانا بين قوسين، ~~ولا يعني ذلك أننا نستشهد بها، بل نعطي عينة من مادة نحللها، قد نسقط عبارة أو ~~عبارتين من الوسط لا تخل بالفكرة أو تحدث اضطرابا في السياق، ووضعنا كل ذلك في ~~هوامش الصفحات حتى لا ينكسر الاتساق الداخلي للفكر وبالتالي يكون الجديد في صلب ~~الصفحة والقديم أسفلها، ووجود النصوص في الهوامش أسفل الصفحات، بالرغم من ثقلها ~~وإرهاقها للقراء، ضروري؛ فهذا هو «التراث»، وتحليلنا لها في أعلى الصفحة هو ~~«التجديد»؛ وبذلك يستطيع القراء أن يحكموا ويقارنوا بأنفسهم بعد أن يقرءوا ~~«التراث والتجديد» سواء في جزئه الأول «من العقيدة إلى الثورة» أو في أجزائه ~~التالية، فغالبا ما لا تتاح لهم فرصة الحصول على نصوص دالة من القديم، إما ~~لصعوبة المحل أو لضياع وسط النصوص غير الدالة، النصوص من التراث تسمح ms147 للقراء، ~~العامة منهم أو الخاصة، بالاحتكاك بالتراث وأخذ انطباعات منه بالموافقة أو ~~المخالفة، بالقبول أو بالرفض، بالارتياح أم بالغضب، وهي المادة الشعورية التي يقوم ~~«التجديد» بتحليلها؛ وبذلك أكون قد خففت عن القراء عناء البحث والتمحيص عن ~~القديم، وأكون قد قدمت لهم، ما لم تتح لهم الفرص للتعرف عليه، وأكون قد أبرزت ~~التراث وقدمته، ووضعته في شعور القراء المعاصرين بدل انزوائه وانزوائهم؛ أي ~~أنني أكون قد قمت بمهمة تقديم الطرفين بعضهما للبعض الآخر بعد تباعد وتجاهل ونسيان؛ ~~والنصوص المذكورة ثلاثة أنواع: الأولى نصوص مخالفة تبعث على الغضب حتى يغضب القراء ~~معي على القديم ويشاركونني في الهم، ويعطونني الحق، ويعذرونني، ويفهمون موقفي. # 19 # والثانية نصوص موافقة، يمكن أن يثق بها القراء، تساعدهم على النقد ~~والرد والتطور، وحتى يعلم القراء أن مواقفي لم تأت من فراغ، وليست مجرد هوى، بل لها ~~ما يدعمها أيضا عند القدماء، ولكنها انزوت واختفت باختفاء المعارضة واستتباب ~~النظام، والثالثة نصوص محايدة يمكن إعادة بنائها، وتكون نموذجا لعينات من التحليل، ~~يعاد صياغتها من جديد أو ينسج على منوالها بتحليلات جديدة في المناهج أو في ~~الموضوعات، ولكن الغالب هو النصوص المخالفة، فالغضب أهم من الرضا، والحزن أجدى من ~~الفرح، على الأقل في لحظة الهزائم الحالية، والثورة على القديم أوجب من الإيمان به. ~~ربما استكثرنا من النصوص، وربما تكررت لدرجة أنها قد تصبح نصف الدراسة أو على الأقل ~~ربعها حتى تتضخم الدراسة وتصبح صعبة على القراء في عصر لا يود إلا السرعة ولا ~~يتحمل إلا العرض السريع المقتضب. # 20 # والحقيقة أننا أردنا الدراسة شاهدا على التراث والتجديد معا، وصورة ~~للماضي والحاضر في آن واحد، وذلك حتى يرى القراء كيف يخرج القديم من الجديد، ~~وكيف يخرج الجديد من القديم، وحتى تكون عونا لكل طالب علم أو قائد أمة. من أراد ~~القديم وجده، ومن أراد الجديد وجده، ومن أراد الاثنين معا وجدهما معا، وقد سبب ~~هذا ربما طولا لا فائدة منه، ولكنه ضروري؛ فالدخول في أعماق التراث هي الخطوة ~~الأولى لاكتشاف الجديد، ولا ms148 ينفع مس التراث على نحو سطحي بإشارات عابرة؛ لأنه موضوع ~~البحث والتحليل. «التراث والتجديد» فيه غناء عن التراث الماضي لأنه يجمع ويعرض ~~التراث كله كشاهد على التحليل وكمصدر له حتى تتم المقارنة بينه وبين الجديد حتى ~~يكون القارئ حكما ويكون قاضيا، وقد تكون هناك عدم دقة في فهم النصوص أو خطأ في ~~فهم التحليلات، ولكن ذلك يحدث في كل بحث، وحتى على افتراض وقوع خطأ في فهم نصف ~~المادة وفي نصف التحليلات يبقى المنهج سليما، ويظل الموقف صحيحا يكشفه النصف ~~الآخر من الفهم والتحليل الصحيحين، قد نتخلى أحيانا عن دقة التعبيرات، ونسقط ~~الفروق الدقيقة عن قصد لأن المقصود ليس البحث عن الدقيقات، بل عن أمهات المشاكل، ~~كيف نشأت؟ وما دلالتها؟ هل تفيد معنى أم أنها تحصيل حاصل؟ هل تعبر عن وقائع أم هي ~~تعبيرات إنشائية خالصة؟ لا تحتوي الدراسة على معلومات، فالمعلومات محفوظة في القديم ~~بوضوح وتمام وكمال، ولكنها تحتوي على تحليلات، وإعادة وضع للمشاكل وضعا صحيحا، ~~وإعادة بناء لها طبقا لروح العصر؛ ولذلك فهي تحتاج إلى مشاركة من القارئ الذي ~~بإمكانه إقامة هذه التحليلات بنفسه، إن وجدها صحيحة وافق واتفق، وإن وجدها مخالفة ~~خالف ورفض؛ وذلك لأن هذه التحليلات تعبر عن حياته وعن موقفه، وعن وجوده في هذا ~~العالم، وعن مساره في حركة التاريخ. # وقد كان القدماء على وعي بالكم، فكثيرا ما كان الدافع على التأليف هي مؤلفات ~~مطولة مسهبة، أو مختصرة مخلة، ثم يأتي المؤلف الجديد لتحديد الكم المتناسب بين ~~التطويل الممل والإيجاز المخل، وفي الغالب لا يتحقق الغرض فالذي يريد الاختصار ~~يطيل، والذي لا يريد التكرار يكرر، وقد يقصد المؤلف التكرار من أجل البيان، أو ~~لأجل حياد العرض أولا ثم صدق النقد ثانيا. # 21 # ويطيل المؤلف إذا كانت مصنفاته إملاء أو تدوينا من تلميذ أو ~~مريد، ومن ثم يحتاج إلى تلخيص وتركيز، أو إذا كان جامعا لمادة سابقة، فإنه ~~يحتاج إلى تركيز لأن الجمع كثيرا ما يتكرر أو إذا كان جدلا أو تفنيدا أو ~~ردا، وذلك أنه ms149 يحتاج إلى إبراز رءوس الموضوعات التي تكون البناء الرئيسي للعلم، ~~قد تكون الإطالة بلا مبرر، مجرد إسهاب، وقد تكون تشويشا على المذهب حتى تفقده ~~أساسه العقلي، وقد يكون الاختصار مخلا بالمذهب غير منصف له ودون تبرير كاف لأسسه ~~العقلية، خاصة لو كان المؤلف من خصومه، فإنه يبخسه حقه، ولكن معظم المؤلفات ~~تركز على ضرورة الاختصار. # 22 # فهو أكثر قدرة على التعبير عن القصد ومضمون الفكر، وإبراز البناء ~~الكلي الشامل للعلم، وبعد ذلك يمكن ملؤه فيما بعد بأية مادة تحليلية ومن أي عصر. # 23 # للتطويل عيوب كبيرة؛ إذ إنه يمنع من الاتصال الوجداني بين القارئ ~~والكاتب، ويفقد القارئ حماسه، كما يفقد الكتاب دلالته، وكل كتاب له هدف أو هدفان ~~يتم التركيز عليهما من أجل التعبير عن دعوة العصر وحتى يكون للكتاب فائدة، الإطالة ~~سيحان لهذا التركيز، وطمس لهذه الدعوة؛ ونظرا لأهمية هذا الموضوع، العلم من حيث ~~الكم، تعقد له مسألة خاصة في نهاية الكتاب من أجل التنبيه عليها. # 24 # ونادرا ما تأتي المصنفات من أجل التطويل، وفي نفس الوقت يضيف البعض منها ~~زيادات؛ إما لمادة قديمة أو لتحليلات من مادة العصر التي ازدهرت وأصبحت جزءا من ~~الثقافة العامة، وغالبا ما يحدث ذلك في الشروح، وإلا فمن أين يأتي الشارح بمادة ~~شرحه إن لم يكن من داخلها عن طريق الشرح اللغوي والعقائدي أو من خارجها عن طريق ~~الزيادات والإضافات من مادة خارجية كلامية أو غير كلامية؟ # 25 # ومع ذلك، تنحو معظم المصنفات نحو رفض الخطأين معا: الاختصار المخل ~~والتطويل الممل، خاصة فيما يتعلق بحجج الخصوم حتى تتحقق الأمانة في عرضها ~~ونقلها مستوفاة لقوة الحجج وضرورة الإقناع، ويحدد كل مصنف منذ البداية الهدف ~~من مصنفه وأسلوبه المتبع، وعيوب التأليف في عصره، وأوجه نقص المصنفات التي ~~أمامه، من اختصار أو تطويل أو نقص في الحجة والبرهان واكتفاء بالخطابة والإقناع أو ~~إشارة إلى المقاصد من بعيد أو زيادة وإسهاب في السؤال والجواب، وكثرة الاستدلال أو ~~الاعتماد على الأغاليط لترويج الرأي أو الاحتواء على تناقض داخلي ms150 في الاستدلال ~~وترتيب المقدمات واستنتاج النتائج أو الازدحام بالمادة المكررة كتحصيل حاصل أو ~~تجميع لكل شيء دون تمحيص أو تدقيق، يأتي مصنف جديد ويتخلى عن كل هذه العيوب ، ~~ويأتي بأضدادها محاسن. # 26 # والحركات الإصلاحية الحديثة تنسج أيضا على نفس المنوال، وترفض الإيجاز ~~والتطويل، وتؤثر التركيز على وحدة الفكر وترك الاختلافات بين المذاهب، والجمع بين ~~القديم والجديد طبقا لحاجات العصر مع التركيز على الوضوح والبساطة في الفهم. # 27 # كما أشارت المقدمات الإيمانية إلى حجم المؤلف ونسبته من الاختصار ~~والتطويل، والإيجاز والإطناب؛ فمنها المختصر ومنها المطول، ومعظمها يحاول أن ~~يبتغي بين ذلك سبيلا، وبالرغم مما يبدو على مصنفنا هذا من طول إلا أنه حاول ~~الجمع بين «التراث والتجديد»، وبيان الجذور التاريخية لأزمات العصر في التراث ~~القديم، قراءة للماضي في الحاضر، ورؤية للحاضر في الماضي، فلا يوجد تحليل قام به ~~القدماء إلا وتمت الإشارة إليه، قدر الوسع والطاقة، ليظل وسطا متناسبا بين ~~إيجاز كتب العقائد والأصول وإطناب كتب الحوار والجدل، وقد يكون أحد أسباب الإطالة ~~أيضا ضرورة وضع بعض النصوص القديمة في الهوامش حتى يشعر القراء بالتجارب التي ~~نحللها، وحتى يروا معنا الجذور التاريخية لأزمات العصر في التراث القديم، فإذا ~~ما عاش القراء تجارب القدماء، فإنهم قادرون على مراجعة تحليلات المعاصرين لها، ~~والتحقق من صدقها، وإلا فإنهم يحصلون على المعاني دون تجارب، وعلى الصورة دون مضمون؛ # 28 # لذلك نرجو ألا يقرأ البحث كله دفعة واحدة، بل فصلا فصلا، وموضوعا ~~موضوعا؛ فكل فصل يضع مشكلة مستقلة، وكذلك كل باب يحتاج إلى مناقشة وتدبر، وقد ~~تكون إحدى الفقرات أو العبارات أولى من الأخرى وأدل؛ لذلك كانت سهولة الأسلوب مطلبي ~~في التأليف، فليس العلم هو التعقيد والتصعيب حتى يظن السامع أنه أمام عالم عويص، بل ~~إن أسلوب العلم هو الأسلوب السهل البسيط الذي يستطيع أن يفهمه كل الناس، وهو أسلوب ~~«التراث والتجديد». ليس العلم هو وعورة الأسلوب وصعوبة المفاهيم، وتعقيد الألفاظ، ~~فذلك هو التعالم. إنما العلم هو المدون بأسلوب سهل بسيط، يفهمه العامة قبل ~~الخاصة، وهو ms151 ما سماه علماء البلاغة «السهل الممتنع»، هذه السهولة هي أحد دوافع ~~الشروح والملخصات التي تحاول شرح العويص المعقد مع أنها أحيانا أخرى تشرح البسيط ~~السهل زيادة في السهولة والإيضاح! وتوخي البساطة في الفهم التي يبغيها البعض إنما ~~تحدث بعرض المادة الكلامية عرضا عقليا خالصا، فالبداهة هو مقياس الفكرة، وعلم ~~أصول الدين يقوم على اليقين العقلي، وكل ما هو داخل في الظنيات ليس من صميم ~~العلم، ومن مقتضيات البساطة التخلي عن المصطلحات العويصة كما حاولت بعض الحركات ~~الإصلاحية الحديثة. # 29 # أما روح العصر فهي التي نحتويها بين ضلوعنا، وهي تجاربنا المعاشة، وواقعنا ~~المضني، وسلوكنا اليومي، هي أساسا هذه المادة الحية غير المدونة والتي قد نختلف ~~في تفسيراتها، ولكننا لا نختلف في وجودها، هي المنهل الذي منه يأخذ الأدباء ~~والشعراء والفنانون والمفكرون الاجتماعيون مادتهم، قد تستلهم في الأعمال الأدبية، ~~والمصنفات الفنية، كما قد تدون بطريقة تلقائية في الأمثال العامية والحكم ~~والأساطير والمأثورات الشعبية بوجه عام. لم نشأ الاعتماد على ذلك حتى لا نضع بجوار ~~التراث شيئا أقل منه علمية ودقة وإحكاما، ويختلف عنه مصدرا ورافدا، وحتى لا ~~نقع في انتقائية الأمثلة أو اختلاف تفسيراتها، تركنا ذلك لدراسات أخرى هامشية على ~~«التراث والتجديد» لمخاطبة الجمهور العريض من خلالها، بحيث تكون أقرب إلى تحليل روح ~~العصر، ووصف الواقع وتنظيره تنظيرا مباشرا دون الرجوع إلى التحليل العلمي الصارم القديم. # 30 # ولا يوجد عصر إلا وظهر فيه مؤلف في علم أصول الدين؛ فالتأليف فيه ضروري في كل ~~عصر، لكل عصر مشاكله ومطالبه، وعلم التوحيد إن لم يستجب لمطالب العصر فإنه يظل ~~متخلفا عن واقعه، فيذهب الواقع إلى أفكار ومذاهب أخرى أكثر عصرية، وينشأ الفصل ~~بين الفكر وواقعه، وتنشأ مشكلة «التراث والتجديد» أو القديم والجديد، أو التقليد ~~والخلق أو الإتباع والإبداع، أو الاستعراب والاستغراب، إلى آخر ما يقال بلغة ~~عصرنا. لم يتخل الوحي من قبل عن اللحاق بالواقع، فكان به الناسخ والمنسوخ، والمكي ~~والمدني، والعقيدة والشريعة، وظهر بأصول الفقه الاجتهاد كعامل للتطوير، وبقي أصول ~~الدين متخلفا عن ms152 أصول الفقه؛ وبالتالي كانت مهمة «التراث والتجديد» تطبيق ~~الاجتهاد ونقله من علم أصول الفقه إلى علم أصول الدين، مهمة التأليف في أصول الدين ~~إذن تحريك الهمم، وحثها على التفكير في العقيدة، فهو عمل فكري بالأصالة، يعمل في ~~التجارب الشعورية حتى تحيا عقائد الناس، فتوجه سلوكهم توجيها نظريا بدلا عن ~~التوجه الأحادي الطرف بالدوافع والحاجات وحدها، وترشيد سلوكهم نحو تلبية هذه ~~الحاجات على نحو جذري ودائم، وليس عن طريق الحقن ~~المسكنة، والحلول الوقتية والترغيب تارة والترهيب تارة أخرى. # 31 # مهمة «التراث والتجديد» الشرح والتلخيص، الزيادة والنقصان، زيادة مادة ~~لم يلتفت إليها القدماء مثل المعاني القرآنية للألفاظ الكلامية، مثل: تنزيه، تشبيه، ~~تجسيم، آخرة، دنيا، وعد، وعيد، نقل، عقل، إمامة، خلافة، إيمان، عمل. وكذلك كل ~~موضوعات الطبيعة من جبال وأنهار وطيور وأنعام وأشجار. # 32 # وأهم من ذلك كله الإنسان الذي ذكر في القرآن خمسا وستين مرة، ولم ~~يدخل في بناء علم الكلام كموضوع مستقل. # 33 # مهمة «التراث والتجديد» نقصان مادة عن طريق اختصار كل مادة لا تعبر ~~عن مطالبنا المعاصرة، مثل: مباحث الجوهر والعرض، وزيادة مادة أخرى أكثر تعبيرا عن ~~مطالب العصر، مثل: العقل والعمل، والطبيعة، والسياسة، والثورة، والتنمية، والتقدم، والتاريخ. # 34 # صحيح أن من عيوب «التراث والتجديد» التطويل والإكثار من التحليلات، فلا ~~توجد فكرة قديمة إلا وقد تم تحليلها ثم عرضها على العصر، ولا توجد مشكلة عصرية إلا ~~وكانت محكا للتمحيص والاختيار بين البدائل. يدخل «التراث والتجديد» إذن ضمن ~~المؤلفات المطولة، ويكون بذلك خليفة «المغني ~~في أبواب التوحيد والعدل» أو «المحيط بالتكليف» ما دام أنه تطوير للتيار العقلي ~~الطبيعي الاعتزالي مع إدخال عنصر الثورة والتحرر عليه، وهي مكتسبات في حياتنا ~~المعاصرة، ونرجو من خلفائنا اختصاره وتركيزه. # 35 # وإذا كنا قد درسنا في مقتبل العمر «علم أصول الفقه»، فإننا بعد ~~حوالي عشرين عاما من صدور «مناهج التأويل»، محاولة في علم أصول الفقه، نصدر ~~محاولتنا الثانية «من العقيدة إلى الثورة»، محاولة في بناء علم أصول الدين. # | الفصل الثالث: نظرية العلم # | أولا: نشأة نظرية العلم ms153 وتطورها # (1) مصطلح «نظرية العلم» # يشير مصطلح «نظرية العلم» إلى ~~المقدمات النظرية التي غالبا ما تكون في مصنفات علم أصول الدين التي تعرض ~~لموضوعات العلم دون الفرق. # 1 # ولكنها قد تظهر أيضا في تلك المصنفات التي تجمع بين موضوعات العلم ~~وتاريخ الفرق؛ هي ليست إذن مقصورة على المؤلفات النظرية وحدها، بل قد تكون ~~مقدمة نظرية لتاريخ الفرق التي تعرض الموضوعات من خلالها. # 2 # ويمكن القول إنه في المؤلفات المبكرة عندما كان العلم أقرب إلى ~~تاريخ الفرق منه إلى البناء المستقل لنسق العقائد تظهر نظرية العلم كمقدمة ~~لتاريخ الفرق، وكأن تاريخ العلم لا يمكن تناوله إلا بعد مقدمة نظرية عن ~~العلم نفسه، وفي المؤلفات المتأخرة عندما يختفي تاريخ الفرق تماما، ويظهر ~~بناء العلم مستقلا عن التاريخ، تظهر نظرية العلم أيضا باعتبارها مقدمة للعلم ~~ذاته من حيث هو بناء. # 3 # نظرية العلم إذن هي المقدمة الضرورية لعلم أصول الدين، سواء من حيث ~~هو تاريخ أو من حيث هو بناء. ويبدو أنه نظرا لأهمية هذه النظرية، فإن بعض ~~المؤلفات التي تجمع بين التاريخ والبناء تبدأ بنظرية العلم، وتنتهي بنظرية ~~العلم، ويكون العلم ذاته تطبيقا لهذه النظرية الخالصة في تأسيس العلم. # 4 # ومصطلح «نظرية العلم» يعبر عن هذه المقدمات النظرية التي لم تستقر على مصطلح ~~لها إلا في المصنفات المتأخرة. # 5 # ففي المؤلفات المتقدمة نجد حديثا عن العلم أو التكليف، كما ~~نجد كلاما في العلم والنظر والمعارف وتكافؤ الأدلة، ونجد أيضا تحليلا لمناهج ~~الأدلة وبيانا للحقائق والعلوم. ولكن تحولت هذه الموضوعات في المؤلفات ~~المتأخرة إلى أبواب مستقرة تحت اسم «أحكام النظر» أو «المبادئ» أو «المقدمات»، ~~وأصبحت المدخل النظري للعلم إجابة على سؤال: «كيف أعرف؟» أو «كيف أعلم؟». وهي ~~الأبواب التي سميناها «نظرية العلم». العلم مصطلح من القدماء، ونظرية مصطلح من ~~المحدثين والقدماء على السواء؛ فقد تحدث القدماء عن العلوم النظرية، كما تحدث ~~المحدثون عن «نظرية في كذا». ولما كنا نحاول أن نصوغ هذه المقدمات باعتبارها ~~مدخلا نظريا لعلم أصول الدين فقد سميناها «نظرية العلم». ~~(2) غياب ms154 نظرية العلم # في المؤلفات المتقدمة قد لا تظهر نظرية العلم وكأن علم أصول الدين قد بدأ ~~أولا دون مقدمات نظرية، بل كان مجرد عرض لقواعد الإيمان ومبادئ العقيدة. لم ~~تكن الحاجة قد نشأت بعد إلى ضرورة عرض العلم عرضا نظريا دون افتراض إيمان ~~مسبق بالعقائد أو حتى بالوحي. # 6 # فقد قام الإيمان مقام العلم أولا. فإذا ما ظهرت نظرية العلم فإن ~~ظهورها يكون تطورا طبيعيا للإيمان وتحويلا إلى مستوى النظر. الإيمان في ~~الحقيقة هو نظرية العلم، ونظرية العلم هي التطور الطبيعي للإيمان. فلما ظهر ~~«المعارض» العقلي في الحضارات الأخرى، موجها ضد العقيدة الجديدة، الفاتحة ~~أرضا، والمنتصرة جندا، والمقوضة عروشا، والهازمة جيوشا؛ اضطر علم أصول ~~الدين إلى اللجوء إلى المستوى النظري في التحليل للرد على المعارض ودرء الأخطار ~~النظرية ورد الهجوم بالمثل؛ فتحول الإيمان التقليدي إلى نظرية في العلم، ودخلت ~~مسائل النظر والعلم والمعرفة والدلالة كأساس مشترك بين العلم الجديد الناشئ ~~وبين علوم الحضارات الغازية؛ إذ لا تقل أهمية المنهج عن أهمية الموضوع. كان ~~الحوار بين الحضارات هو التطور الطبيعي للذات الحضارية الجديدة البازغة. لم ~~ينغلق علم الأصول على ذاته، واستبقى الإيمان، بل انفتح على الحضارات الغازية، ~~وتعامل معها بأسلوبها وبلغتها، واستعمل مناهجها وطرق استدلالها. وعلى هذا ~~النحو تأسست نظرية العلم تأسيسا حضاريا. # 7 # وعندما تغيب نظرية العلم، يبدأ العلم بنظرية الوجود مباشرة؛ أي بتحليل ~~العلم، وهو ما عرف فيما بعد باسم دليل الحدوث، وكأن موضوع المعرفة سابق على ~~الذات العارفة، ويمكن معرفته مباشرة دون ما حاجة مسبقة إلى معرفة وسائل ~~المعرفة أو مناهجها. تلجأ الذات مباشرة دون ما حاجة مسبقة إلى معرفة وسائل ~~المعرفة أو مناهجها. تلجأ الذات مباشرة إلى العالم، موضوع المعرفة دون أن ~~تتساءل كيف تعرف أو كيف تعلم، وقبل أن نجيب على سؤال ماذا تعرف أو ماذا تعلم؟ ~~والحقيقة أن افتراض العلم مسبقا دون رؤية منهجية له مخاطر غير محسوبة ~~العواقب، قد تكون من أسباب خلطنا المعاصر، وتخبيطنا في الواقع دون رؤية أو ~~بصيرة، وكأننا نعيش في ms155 عالم الأشياء المصمتة بلا ترشيد أو تعقيل أو تنظير، في ~~عالم لا يحكمه الفكر. فالواقع لا يتحدث عن نفسه، والوجود ليس علما. ولا ~~يقال إن لذلك الغياب، غياب نظرية العلم، والبدء بالوجود مباشرة دلالة أعمق في ~~جعل الوجود هو المعرفة. والبداية بالوجود هي في حد ذاتها نظرية في المعرفة، ~~وكأن الوجود في العالم هو وجود تنشأ منه المعرفة، والمعرفة تالية على الوجود ~~وليست سابقة عليه. # 8 # لا يقال ذلك لأن مجتمعاتنا الحالية تحتاج أولا إلى تأسيس ~~النظر، وإعمال العقل، واكتشاف الواقع من حيث هو فكر؛ فمأساتنا هو حضور الأسطورة ~~مكان العلم، والخرافة بدل العقل، والوهم كبديل للنظر، ونحن لم نتعب من عمل ~~العقل بعد ولم نمل منه ولم نر مخاسره ولا مثالبه، فكيف نرفض ما لا نملك؟ ~~وكيف نهدم ما نريد بناءه؟ # 9 # إن العيش في الواقع مباشرة يتم عن طريق العمل والجهد، وهو ما نحن ~~فيه بجهادنا من أجل لقمة العيش، ومحاولتنا للتغلب على الضنك، وصراعنا من أجل ~~البقاء. ويكون ذلك أيضا في حالة الاسترخاء التام أو السعادة القصوى أو اللذة ~~اللحظية بعد عناء الجهد ومشاق العمل، وتأدية الرسالة. # 10 # إنما المهم هو التنظير والفهم، وإدراك مسار الأمور حتى يكون صراعنا ~~مجديا، قائما على أساس وليس أهوج فرديا انفعاليا، مجرد تعبير عن صرخة ~~الحياة والرغبة في البقاء. ولا يقال إن الاختصار هو المسئول عن غياب نظرية ~~العلم، فالاختصار لا يصل إلى حد القضاء على الأساس المعرفي للوجود وعلى تحليل ~~العقل للواقع وعلى تأسيس العلم. ~~(3) ظهور نظرية العلم كنظرية في المعرفة # تظهر نظرية العلم في المؤلفات المتقدمة مرتبطة بالإلهيات عندما ينقسم العلم ~~إلى علم الخالق وعلم الخلق، العلم القديم والعلم الحادث، العلم الإلهي والعلم ~~الإنساني. وتظهر نظرية العلم منبثقة عن الإلهيات كمولود جديد حتى تأخذ شكلها ~~الكامل المستقل كنظرية في المبادئ أو الأحكام في المؤلفات المتأخرة. وبالتالي ~~يكون كل عود إلى العلم الإلهي رجوعا عن هذا الانبثاق الجديد وإرجاعا للعلم ~~إلى مرحلة ما قبل النشأة والظهور. في حين أنه يمكن ms156 تأسيس العلم الإلهي نفسه ~~باعتباره علما إنسانيا، وذلك لأن الوحي قد نزل في زمان معين ومكان ~~محدد، ولدى شعب بعينه، فهمته العقول، وتمثلته الأذهان، وطبقته الإرادات، ~~وحققته الأفعال؛ وبالتالي فهو علم إنساني كما حدث في علم أصول الدين وعلم ~~أصول الفقه خاصة. # 11 # والعلم الإنساني بتحليلاته الصورية قادر على الحفاظ على صفات ~~العمومية والشمول والموضوعية التي يتصف بها العلم الإلهي، ألا وهو الوحي، كما ~~أنه قادر على صياغة علم صوري خالص يقوم على المبادئ الأولى في لا زمان، وقد ~~أصبحت الإلهيات نفسها جزءا من نظرية العلم، ودخلت ضمن المعرفة الاستدلالية. # 12 # ثم يظهر انقسام العلم الإنساني إلى ~~ضروري واستدلالي، وفي العلم الضروري تثبت المعرفة الحسية والبداهية العقلية، ~~وفي العلم الاستدلالي يثبت النظر، ثم يبدو النظر كأول واجبات المكلف، خاصة عند ~~المعتزلة الذين يجعلون النظر أول الواجبات. # 13 # وأصبح الإيمان جزءا من النظر وليس مصدرا مستقلا للمعرفة. ويدخل ~~النظر، لأهميته وباعتباره أول الواجبات ضمن نسق كامل لنظرية الواجب، ويصبح أحد ~~الواجبات أو أولها. # 14 # بل يتحول الواجب العقلي إلى واجب شرعي، فتظهر بذلك نظرية الوجوب ~~أو التكليف على ثلاث جماعات: العامة، والعلماء، والسلطان، وكأن واجب المواطن، ~~وواجب العالم، وواجب الحاكم نفس الواجب، خاصة واجب العالم الذي عليه إرشاد ~~المواطن والرقابة على السلطان. ليس واجب العالم التمويه على المواطن وتبرير ~~أفعال السلطان كما يحدث في عالمنا هذا في أغلب الأحيان. # 15 # ثم تكتمل نظرية العلم شيئا فشيئا، فتظهر مضادات العلم: الشك، والوهم، ~~والجهل، والتقليد، والإلهام، فالعلم لا يتأسس إلا بعد رفض المعارض، وتطهير ~~الشعور الإنساني من معوقات العلم، ويبدأ تفنيد نظريات الشك وإثبات الحقائق ~~وإمكان معرفتها. هناك شيء موجود يمكن معرفته، سواء كان ماديا أو صوريا. # 16 # ثم يظهر النظر باعتباره شرط العلم وتكون الصلة بينهما صلة الشارط ~~بالمشروط، والعلة بالمعلول. وينقسم إلى صحيح وفاسد. الصحيح هو القائم على ~~الدليل، والفاسد هو الذي لا يقوم على دليل أو الذي يقوم على دليل خاطئ. النظر ~~هو الاستعمال الصحيح؛ أي أنه هو النظر السليم، ms157 يحتوي على معيار صدقه من داخله. ~~كما يظهر التمييز بين النظر الجلي والنظر الخفي، وبالتالي تبدو نظرية العلم على ~~أنها أساسا نظرية في الوضوح. ثم يظهر النظر مرتبطا بالدواعي والخواطر، مما ~~يدل على ارتباط العلم أساسا بالشعور وبسكون النفس. وبالتالي أصبح حد العلم هو ~~العلم الشعوري أو حالة العالم، مرتبطة بحياته، ومنتهية بمنيته. كما ترتبط ~~المقاصد والدواعي بالمنفعة والضرر الناشئين عن فعل النظر أو تركه. # 17 # وأخيرا تبدو محاولات أولى لتحديد العلم باعتباره نظرية شاملة، ~~يشمل النظر والعلم، ومقدمات النظر وطرقه ونتائجه، وكأن العلم يتأسس في العقل، ~~ويقوم على الواقع، ويسكن في الشعور، وتسكن النفس إليه. ثم تظهر مادة العلم ~~الضروري مثل المسلمات العقلية، وبداهات العقول؛ فتظهر نظرية العلم باعتبارها ~~نظرية في العقل. العقل هو وسيلة العلم وآلته، والعلم نتيجته وثمرته؛ كما تظهر ~~أيضا الحدسيات والحسيات كجزء من المعرفة الضرورية. ويظهر التواتر أيضا كنموذج ~~للمعرفة الضرورية يعتمد على الرواية، ومشروط بالبداهة الحسية والعقلية. وأخيرا ~~تظهر الأدلة متأرجحة بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه وعلوم اللغة. فالأدلة ~~ثلاثة: العقل، والسمع، واللغة. يظهر الجانب اللغوي كما يظهر جانب الوحي، وجانب ~~العقل في نظرية العلم. وعندما تتسع الأدلة فإنها تشمل الأدلة الشرعية الأربعة ~~في علم أصول الفقه مع التركيز على الإجماع والقياس أكثر من التركيز على الكتاب ~~والسنة؛ أي أن نظرية العلم تنشأ في الجماعة وتقوم على الاجتهاد. # 18 ~~(4) تداخل نظريتي العلم والوجود # تظهر نظرية العلم في المؤلفات المبكرة على أنها هي المقدمات النظرية الوحيدة ~~دون نظرية الوجود التي يستعاض عنها بدليل الحدوث كمقدمة للإلهيات. أما في ~~المؤلفات المتأخرة فتظهر نظرية الوجود مساوية لنظرية العلم، ثم تتجاوزها ~~وتسودها كي تبتلعها في النهاية. # 19 # وأثناء نظرية العلم قد تظهر بعض مسائل نظرية الوجود، حتى إنه ليصعب التمييز ~~بينهما في المؤلفات المبكرة؛ حيث يتداخل العلم في المعلوم، والوجود في الأدلة. # 20 # ففي بدايات تكوين نظرية العلم تمتد النظرية وتضم الوجود، ويصعب ~~الفصل بينهما. ويظل التأرجح من الأولى إلى الثانية؛ مما يوحي بصعوبة التمييز ~~بين ms158 الذات العارفة وموضوع المعرفة. ولا يعني ذلك ضرورة الفصل بينهما، فالموضوع ~~ينكشف من خلال الذات، والذات تضم الموضوع وتحتويه كاشفة عنه ومتحدة به. هناك ~~إذن حقيقة واحدة، «شيء» واحد، ذات من حيث هي معرفة، وموضوع من حيث هو معروف. ~~ومع ذلك تتحدد نظرية العلم أولا قبل أن ينكشف موضوع العلم ثانيا، خاصة في ~~حضارة ناشئة تكون أولا تصورها النظري للعالم كما كان الحال عند القدماء أو ~~لدى شعب ناهض كما هو الحال في عصرنا، يحاول أن يؤسس نظرية للعلم يدرك بها ~~واقعه. أما الخلط بين الذات والموضوع، والتوحيد بين المعرفة والوجود كما يحدث ~~أحيانا في الحضارات في نهاية عمرها أو في لحظات الهزائم، والرغبة في النصر عن ~~طريق الخيال، فهو إما عود إلى العالم الحسي، والعيش من جديد على مستوى الطبيعة # 21 # أو انغلاق الروح على ذاتها فتصبح فارغة من أي مضمون كما هو الحال ~~في التصوف. # وقد تظهر نظرية العلم داخل نظرية الوجود عرضا دون أن تكون مقدمة لها، وكأن ~~بعض المسائل في نظرية الوجود فيما يتعلق بالاستدلال مثلا لا تحل إلا بنظرية ~~العلم. ينكشف العلم هنا من خلال الوجود، ويكون أحد أنماطه. وقد حدث ذلك في بعض ~~المؤلفات المتأخرة حين قاربت نظرية العلم على الانتهاء وسادت نظرية الوجود. # 22 # وفي بعض الموضوعات، يصعب التمييز بين المعرفة والوجود، مثل تصنيف العلوم بين ~~العام والخاص، كل علم يعبر عن إحدى مراتب الوجود حتى لا يتم الخلط بين العلوم ~~أو بين مستويات الوجود. يعبر العلم الشامل عن الوجود الكلي بينما يعبر العلم ~~الخاص عن الموجود المتعين. # 23 ~~(5) نظرية العلم كنظرية في المنطق # وفي المؤلفات المتأخرة، تطورت نظرية العلم وأصبحت نظرية في المنطق، ~~وبالتالي تكون نظرية العلم في آخر صورها هي نظرية في المنطق أو تكون نظرية ~~المنطق في بدايتها نظرية في العلم. فالمنطق وريث العلم، وهو ما ظهر بوضوح في ~~علوم الحكمة التي أصبح المنطق فيها بديلا عن نظرية العلم وسابقا على ~~الطبيعيات والإلهيات، بل وآلة للعلوم كلها. وتشمل نظرية المنطق ms159 عند القدماء ~~نظرية في الاستدلال ونظرية في الإدراك، الأولى تعنى بصورة الفكر، والثانية ~~تتناول مادة الفكر. # 24 # وابتداء من القرن السادس عندما تسربت مسائل علوم الحكمة إلى علم ~~أصول الدين تحددت نظرية المنطق أساسا كنظرية في التصورات والتصديقات، وكأن ~~علم أصول الدين أصبح ممثلا لعلم حضاري شامل يضم علوم الحكمة، كما سيضم فيما ~~بعد في مرحلة توقف الحضارة علوم التصوف. # 25 # بدأت نظرية المنطق في التخلي عن الحجج النقلية، واعتبرت هذه الحجج ~~غير مفيدة لليقين، وأنها لا تفرد إلا الظن لاعتمادها على اللغة نقلا وتفسيرا. ~~أصبحت الحجج المؤيدة هي الحجج العقلية، كما أصبحت نظرية العلم نظرية في العقل الخالص. # 26 # وفي دوائر المعارف المتأخرة، ظهرت نظرية العلم أيضا متداخلة مع ~~نظرية المنطق. فبعد تحديد العلم وتعريفه باعتباره نظرية في المنطق قل الفصل ~~بين العلم والوجود، وأصبح المنطق هو علم الوجود، وأصبح لدينا علم صوري واحد ~~يتحدد في المنطق باعتباره نظرية في العلم، وفي الوجود باعتباره نظرية في ~~المنطق. وظهر ذلك أساسا في أحكام العقل الثلاثة: الواجب والممكن والمستحيل. # 27 # وقد شملت نظرية العلم في المؤلفات المتأخرة تحليلا للعقل والوجود، والعقل ~~هنا يشمل الحس والوجدان، والوجود يضم المنطق والوجود العام. لقد حاول كثير من ~~علماء أصول الدين من قبل التعرض إلى مشاكل العلم وتأسيس نظرية عقلية يقوم ~~عليها العلم. فخرجت مرة عقلية، ومرة أخرى وجودية، وثالثة نفسية، ورابعة ~~جسمية، وخامسة علمية. ولكنها تمت جميعا باسم العقل وكأنها كانت جميعا تحليلات ~~للعقل ولصور العقل. ظهر العقل إذن في أكثر من صورة، فهو في نفس الوقت نظرية في ~~العلم، ونظرية في الوجود، وهو الغالب. # 28 # وأحيانا يتجاوز تحليل العقل كونه مقدمة عامة للعلم كله إلى أن يصبح مقدمة ~~لكل موضوع كلامي؛ فالحديث مثلا عن مراتب العلوم، والعلة والمعلول، والشرط ~~والمشروط، والحقيقة والحال، وصفات النفس وصفات المعنى يمكن أن يدخل ضمن المقدمة ~~العامة للعلم كما يمكن أن يدخل كأساس نظرية لمسألة الصفات. # 29 # وأحيانا يتسع تحليل العقل حتى يطغى على الموضوعات الكلامية ذاتها، ~~ويصبح ms160 علم أصول الدين مجرد نظرية في العلم ونظرية في الوجود، ويتحول علم ~~«اللاهوت» إلى «أنطولوجيا» عقلية خالصة، وكأن هذا التحول هو مصير كل علم ~~إنساني. فإذا تتبعنا المؤلفات الكلامية لمعرفة نسبة المقدمات النظرية إلى ~~الموضوعات الكلامية نجد أن المؤلفات المبكرة تبدأ كتاريخ للعقائد أو كعرض لها ~~دون مقدمات نظرية تذكر. ثم تبدأ المقدمات النظرية في الظهور تدريجيا حتى ~~تكون في نسبة مساوية للموضوعات الكلامية في المؤلفات المتوسطة . ثم تبدأ ~~المقدمات النظرية في التمدد والانتشار على حساب الموضوعات الكلامية التي تبدأ ~~في الاختفاء تدريجيا حتى تصبح هذه المقدمات النظرية التي تشمل على تحليل ~~العقل هي العلم كله، وكأن «اللاهوت» لا يظهر إلا في مرحلة مبكرة في بناء ~~العلم، ولكن بعد أن يتطور العلم ويكتمل يتلاشى اللاهوت، ويظهر التحليل العقلي ~~الأنطولوجي الخالص. # 30 # وفي آخر ما وصل إلينا من مؤلفات كلامية بدأت الإلهيات في ~~الاختفاء تماما، وأصبحت تسمى «العقليات» أو الواجب، وهو الوجوب العقلي، ~~ولم يتبق من علم أصول الدين القديم إلا السمعيات. # 31 # ولولا توقف العلم في القرون الأخيرة لتطور ولابتلعت المقدمات ~~النظرية - نظريتا العلم والوجود - الموضوعات الكلامية كلها، وتحول علم أصول ~~الدين إلى علم إنساني خالص. # والسؤال الآن: لماذا سادت علوم الحكمة أولا، ثم علوم التصوف وعلوم الفقه ~~ثانيا؛ علم أصول الدين المتأخر؟ هل تم ذلك لتوحيد العلوم الإسلامية في علم ~~حضاري واحد يجمع بين التنزيل والتأويل، بين النظر والذوق، أم أنه هزيمة لعلم ~~الكلام الأشعري الذي ساد منذ القرن الخامس حتى الآن، بما في ذلك الحركات ~~الإصلاحية الحديثة، والذي كان بطبيعته قابلا للتأقلم مع باقي العلوم النقلية ~~العقلية؟ فالفلسفة إشراقية، والتصوف أشعري، والفقه يقوم على الطاعة المطلقة ~~للإرادة الإلهية، والنظام الاجتماعي السياسي نظام تسلطي يهمه الإبقاء على ~~هذا التراث طالما يحث على طاعة أولي الأمر. # 32 # ومع ذلك يظل لعلم الكلام المتأخر الفضل في تأسيس نظرية العلم على ~~أساس أن مبادئ العلم بينة بذاتها دون التوحيد التام بين النظرية العقلية ~~والموضوعات الكلامية. واعتماد علم الكلام على النظرية العقلية كاعتماد ms161 أصول ~~الفقه على اللغة العربية اعتمادا لا ينفي استقلال موضوع علم الكلام أو موضوع ~~الأصول؛ ومن ثم تكون مبادئ الشرعي في غير الشرعي دون أن يؤدي ذلك إلى وقوع ~~في الدور؛ لأن مبادئ غير الشرعي بينة بذاتها. النظرية العقلية هي في نفس ~~الوقت نظرية في البداهة، وبالتالي يمكن تأسيس العلم لأن هناك نقطة يقينية ~~أولية هي البداهة العقلية، خاصة إذا كان الشرعي نفسه يقوم عليها. # 33 ~~(6) اختفاء نظرية العلم # وتبدأ نظرية العلم في الاختفاء حتى في المؤلفات المتأخرة التي يكتمل فيها ~~العلم. ففي زحمة الموضوعات الكلامية وفي مقدمتها موضوع التنزيه، والذي يبتلع ما ~~دونه من الموضوعات، تختفي نظرية العلم وكأنها مقدمة غير ضرورية أمام الإلهيات. # 34 # وفي عصر الشروح والملخصات تبدو نظرية العلم وكأنها تجميع بني ~~نظرية المعرفة ونظرية المنطق دون أن تأتي بجديد، باستثناء عرض بعض المسائل التي ~~ظهرت من قبل، ودون أية مساهمة في الكشف عن أحد جوانب البناء أو إعادة البناء ~~كله من جديد. فنظرية العلم التي بدأت كمسائل متفرقة عادت أيضا كما بدأت بضع ~~مسائل متفرقة، وفقدت رابطها الداخلي وعنفوانها النظري الذي استطاعت به أن ~~تؤسس الإلهيات. # 35 # ثم تحول الوجوب العقلي والوجودي الذي صاغته نظرية العلم بعد ~~اكتمالها إلى الوجوب الشرعي. وأصبح على المسلم أن يؤمن بالواجب الشرعي الذي ~~أصبح بديلا عن الواجب النظري. اختفى النظر، وأصبح الإيمان بالعقائد بمثابة ~~إقامة الشعائر، كلاهما تسليم بنظر أو بعمل، وتقبل للواجب دون أي إعمال للعقل، ~~وهو ما عرف باسم كتب العقائد والثناء عليها، والإكثار منها ومن شروحها، ~~وتدريسها في المعاهد الدينية والكليات الأزهرية حتى الآن، بل لقد عرفت العقائد ~~باسم واضعها؛ نظرا لأنها لا تتمايز في شيء إلا باسم عارضها. # 36 # ويستعاض عن النظر بالتقليد الذي رفضه علم أصول الدين المتقدم حتى ~~للجمهور. وتستمر نظرية العلم في التواري حتى يتحول علم أصول الدين إلى علم ~~إيماني خالص، يحل فيه الإيمان محل العلم، والتسليم محل العقل، والتقليد محل النظر. # 37 # بل إن موضوعات العلم ذاتها لم تصبح نظرية ms162 خالصة تتأسس بالعقل، بل ~~أصبحت قضايا نظرية شرعية اعتقادية، وبالتالي فقد النظر مهمة التأسيس. # 38 # وفي الحركات الإصلاحية الحديثة، لم تظهر محاولات لإعادة نظرية العلم من جديد، ~~وصياغة المدخل النظري لعلم أصول الدين، كما كان الحال من قبل، بل استمرت نظرية ~~العلم في الاختفاء، وحل محلها وصف لتطور العلم في التاريخ لمعرفة ما هو أصيل ~~منه وما هو دخيل عليه. الغاية من تحديد مسار العلم في التاريخ هي معرفة كيفية ~~الانتقال من الوحدة إلى التشتت، ومن الجماعة إلى الفرقة، حتى يمكن تجاوز ~~الحالة الراهنة، حالة التشتت والفرقة، إلى الحالة الأولى، حالة الوحدة ~~والجماعة؛ وبالتالي يعود علم أصول الدين إلى ما كان عليه من توجيه لسلوك الناس ~~نحو العمل. # 39 # وتنتهي «الرسالة» أيضا بنفس الهدف، وصف مسار الوحي في الواقع ~~وتوجيهه له، والعودة إلى هذا التوجيه، وهنا يتحول التاريخ إلى قيمة، والنظر إلى ~~عمل، ويعود علم التوحيد كما كان في بدايته حركة في التاريخ، يغير الواقع، ~~ويبني المجتمعات، ويؤسس الدول قبل أن يتحول إلى علم حضاري نظري، وكأن ~~الإنسان لا يؤسس النظر إلا بعد أن يتوقف العمل. # 40 # وفي حركة إصلاحية أخرى، تختفي المقدمات النظرية ولا يستعاض عنها ~~بأي بديل في وصف التاريخ، بل يتحول التوحيد إلى عمل مباشر، وذلك بتوجيه النصوص ~~الدينية مباشرة نحو الواقع وكأنها سهام موجهة إلى الأوضاع المتردية التي ~~تعيش فيها الجماعة. التوحيد هنا ليس هو التوحيد النظري، بل التوحيد العملي. # 41 # فالحركات الإصلاحية الحديثة جعلت العمل بديلا عن النظر، وظلت تدعو ~~إلى ذلك حوالي أكثر من قرن ونصف، وما زالت الدعوة قائمة، يكررها كل مصلح حسن ~~النية، وكل راغب في التغيير. ولكن السؤال هو الآتي: هل يمكن الدعوة إلى العمل ~~دون نظرية في العمل؟ هل يمكن التغيير دون نظرية في التغيير؟ هل يمكن تحقيق ~~التوحيد العملي دون التوحيد النظري؟ قد يكون أحد الأسباب في أن حركاتنا ~~الإصلاحية الحديثة لم تؤت أكلها بعد. إنها أرادت تحويل النظر إلى عمل دون ~~تأسيس للنظر؛ لذلك ظل الإصلاح مجرد وعظ ms163 وإرشاد، حاثا الناس على العمل، والناس ~~لا تعمل بالمواعظ بل بتغيير تصوراتها للعالم، ونظرتها إلى الكون؛ ومن ثم ~~فالعودة إلى تأسيس العلم، وتحويل التوحيد إلى نظرية هو السبيل إلى إصلاح جذري، ~~والانتقال من الإصلاح إلى ثورة تتأصل أولا في شعور الجماهير، وتمدهم ~~بتصور ثوري للعالم قبل أن تتحقق الثورة بالفعل. # 42 # نظرية العلم هي البناء الأيديولوجي اللازم لثورة الجماهير. # 43 ~~(7) بناء نظرية العلم # إن أهم شيء في البناء الفكري هو البداية الأولى، بعد ذلك يتم بناء الموضوع في ~~نسق عقلي يكشف جوانب الموضوع بحيث يكون النسق العقلي وجوانب الموضوع شيئا ~~واحدا، وهذا ما حدث في تراثنا القديم، وعرف باسم القسمة العقلية التي يتم ~~بواسطتها بناء الموضوع في نسق عقلي، وبالتالي يتوحد فيه المنطق ~~بالوجود. # البداية اليقينية الأولى هو أني حي، أشعر وأعتقد، وفي شعوري واعتقادي يبدأ ~~وجودي ككائن معتقد. الاعتقاد صفة من صفات الكائن الحي، الاعتقاد هنا عام؛ ~~العنوان الشامل للفكر والنظر والعلم وكل أفعال الشعور وأنماط اعتقاده. لذلك جعل ~~علماء أصول الدين العلم والحياة صفتين من صفات «الله» مع القدرة؛ لأن الحياة ~~شرط العلم، والعلم هو الاعتقاد اليقيني. # 44 # البداية اليقينية الأولى إذن هو الاعتقاد أو التصديق، الاعتقاد ~~لأنه لا يمكن لإنسان أن يتحدث إلا وقد اعتقد شيئا، والتصديق لأن أي اعتقاد ~~هو تصديق ضمني أو حكم صريح تقوم به أفعال الشعور قبل أن يتم بتحليل العقل ~~لصورته أو مادته. الاعتقاد مجموعة من الأمور يجدها الإنسان في نفسه بالضرورة، ~~يتوحد فيها الذات والموضوع كواجهتين لشعور واحد يعطي النسق العقلي، ويكشف عن ~~جوانب الموضوع، ويعطي البناء الذي يصبح منطقة في الشعور يتحد فيها العقل ~~والواقع معا. # 45 # ويتحدد الاعتقاد عن طريق القسمة كالآتي: الاعتقاد إما أن يكون جازما أو ~~مترددا، ولا توجد قسمة ثالثة يتوقف فيها الشعور عن أخذ موقف أو إصدار حكم؛ ~~لأن ذلك تردد أيضا. والاعتقاد المتردد إذا تساوى فيه الطرفان كان شكا، وإذا ~~غلب أحد الطرفين الآخر فأصبح الأول راجحا والثاني مرجوحا، فالراجح هو الظن ~~والمرجوح هو ms164 الوهم. أما الاعتقاد الجازم فإن كان غير مطابق فهو الجهل ~~(والمطابقة هنا مع الفكر والواقع على السواء، فهناك اتساق فكري وواقعي يشمل كل ~~جوانب الموضوع)، وإن كان مطابقا بلا سبب فهو التقليد - فالتقليد مطابقة مع ~~القديم بلا سبب - أو عن سبب إما بتصور الموضوع والمحمول معا في لحظة واحدة ~~وهي البديهيات أو بالإحساس وهي الضروريات أو بالاستدلال وهي النظريات. المطابقة ~~عن سبب هو العلم، والبداهة العقلية تسبق الضرورة الحسية، وكلاهما يسبق ~~الاستدلال النظري. وبالتالي يكون تعريف العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق عن ~~سبب بديهي عقلي أو بديهي حسي أو نظري استدلالي. # 46 # استطاع القدماء إذن صياغة نظرية في العلم تقوم على قسمة المنطق إلى ~~منطق يقين ومنطق ظن. يشير منطق اليقين إلى المعرفة اليقينية؛ العقليات، ~~والحسيات، والتجريبيات، والحدسيات، والعقليات، والمتواترات. ويشير منطق الظن ~~إلى المعارف الظنية: الجدل، والمغالطة، والخطابة، والشعر. ويظهر هنا الاحتواء - ~~احتواء قسمة الحضارة المجاورة - في وضع المتواترات كجزء من منطق اليقين، وفي ~~وضع المستورات كجزء من منطق الظن، وفي ذلك لا يختلف علم أصول الدين في احتواء ~~قسمة المنطق القديم عن علوم الحكمة. # 47 # ويمثل هذا التقسيم الذي صاغه القدماء تقدما بالنسبة لعقليتنا المعاصرة. لقد ~~استطاع القدماء التمييز بين الاعتقاد والعلم، بين الاعتقاد الجازم وغير الجازم، ~~وبين الاعتقاد الجازم المطابق وغير المطابق. ولكننا في حياتنا المعاصرة خلطنا ~~بين هذه التمييزات بين العلم والاعتقاد. فكثيرا ما «نعتقد» أو «نظن» أننا نعلم ~~بل وكثيرا ما يسود الاعتقاد حياتنا دون العلم؛ نظرا لغياب المطابقة مع الفكر ~~أو مع الواقع؛ لذلك غاب التحليل العقلي من حياتنا، كما انعزلت اعتقاداتنا عن ~~واقعنا الذي نعيش فيه. كما أننا لا نفرق بين الاعتقاد الجازم وغير الجازم؛ ~~لأننا أقرب إلى الجزم في كل شيء، ونخشى من الشك والتردد في مواقف تحتم النظرة ~~النقدية كما هو الحال بالنسبة للموروث أو أننا نشك أو نتردد في مواقف تحتم ~~الجزم والحسم كما هو الحال في مواجهة السلطة، وحق الشعب في الرقابة عليها، ~~وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ms165 وضرورة التصدي للقضايا المصرية، وعقد ~~حوار وطني شامل حولها، قضايا تحرير الأرض، واسترداد الحريات المغتصبة، ~~وإعادة توزيع الثروة، والوحدة والتجزئة، والتخلف والتقدم، والهوية والتغريب، ~~وتجنيد الجماهير. كما لا نفرق بين الاعتقاد الجازم المطابق وغير المطابق؛ فكثير ~~من اعتقاداتنا الجازمة غير مطابقة تعارض العقل والواقع والتاريخ، ونسلم بها ~~تقليدا. أصبحت اعتقاداتنا متخلفة عن حركة الواقع وتطور التاريخ؛ مما دعا البعض ~~منا إلى لفظ هذه الاعتقادات كلية من أجل اللحاق بحركة الواقع ومسار ~~التاريخ؛ لم يكن أمامهم إلا هذا الخيار. ولا نفرق بين المطابق عن غير سبب مثل ~~التقليد والإلهام والذي هو عن سبب وهي البديهيات العقلية والحسية والاستدلال ~~النظري؛ فكثير من اعتقاداتنا الجازمة المطابقة تقوم على التقليد والإلهام، ~~وتغفل البداهة العقلية والحسية والاستدلال النظري، وكثير مما نظنه بداهة عقلية ~~أو حسية يصدر عن الذائعات وهي الشائعات أو المشهورات والمظنونات التي تروج لها ~~أجهزة الإعلام تضليلا للشعوب ومحوا لرؤيتها المباشرة للواقع، وكثير مما نظنه ~~استدلالا نظريا هو في الحقيقة تبرير يقوم به العلماء المأجورون لما تريده ~~السلطة فيبيعون علمهم في سوق السياسة، ويتبارى العلماء في الصياغة وفي المهارة، ~~وهي تقوم كلها على المغالطات. ما زال يمثل النسق العقلي القديم بالنسبة لحالتنا ~~الراهنة تقدما، ويظل مقياسا لحياتنا العقلية المعاصرة. # 48 # فقد سادت في حياتنا مضادات العلم أكثر من العلم؛ أي الظن والوهم ~~والجهل والتقليد باستثناء الشك لأن ما فينا من قطعية وجزم يمنعان ظهوره، وغاب ~~منا النظر وطرقه. # | ثانيا: تعريف العلم # لما كان علم الكلام «علما»، فإن السؤال يكون: وما هو العلم؟ وما تعريفه؟ # 1 # وبالرغم مما يبدو على التعريفات من مسائل نظرية خالصة إلا أن أهميتها ~~ترجع إلى أنها ضرورية لتعريف العلم قبل تأسيس علم الكلام. وهو ما حدث أيضا في علم ~~أصول الفقه وعلوم التصوف بتحديد كلمة «علم» دون علوم الحكمة التي جعلت المنطق ~~مدخلا لها وآلة للعلوم جميعا. ولا يمكن الحديث عن تعريف «علم الكلام» دون معرفة ~~أولا بتعريف العلم؛ أقسامه، وشروطه، وطرقه. البحث عن إمكانيات المعرفة الإنسانية ~~إذن سابق ms166 على تأسيس هذه المعرفة ذاتها. وربما لا تسمح قدرات العلم الإنساني بإقامة ~~«علم إلهي» يدعي أنه يصدر أحكاما على الله في ذاته، وهو في الحقيقة يتحدث عن طريق ~~القسمة والمثال أو عن طريق التشبيه والقياس؛ قياس الغائب على الشاهد. معرفة ~~إمكانيات العلم إذن مطلب أساسي لتأسيس العلم وقبل الحديث عن أي علم. وقد أسقطنا ~~نحن في حياتنا المعاصرة هذا الجزء من علم الكلام وبدأنا بالذات والصفات والأفعال ~~كما هو الحال في علم الكلام المتأخر دون حديث عن إمكانية العلم بمثل هذا الموضوع ~~وشروطه. # وعندما يعرف العلم فإن الذي يعرف هو العلم الإنساني، وليس «العلم الإلهي» ~~موضوع الذات والصفات والأفعال؛ لأننا لا نعلم علما آخر سوى العلم الإنساني، بل إن ~~الوحي ذاته بعد نزوله وفهمه يصبح علما إنسانيا، سواء كان أصول دين أو أصول فقه، ~~علوم حكمة أو علوم تصوف. والعلم الإنساني لا حدود له. وكل عصر يضيف إلى العلم ~~علما؛ تقدم العلوم إذن غير محدود. لقد استطاع العقل الإنساني أن يدرك التنزيه وأن ~~يتصور اللانهائي ويتمثل اللامحدود. وإن تصور العلم الإنساني محدودا والعلم ~~«الإلهي» غير محدود لهو تصور يقوم على احتقار الذات وتملق الغير، وتعذيب النفس ~~والرضا بالغير. ليس العلم الإنساني محدودا، ولن يزداد «الله» فرحا بأن نجعل علمه ~~لا محدودا. تعبر هذه الثنائية عن تخلف ثقافي واجتماعي؛ حيث تكون الجماعة أقرب إلى ~~الجهل منها إلى العلم، وتجد تعويضا عن جهلها بنسبة العلم إلى قوة خارجية عنها ~~تكون الوصية عليها والملهمة لها، سواء كانت مشخصة أو غير مشخصة، دينية أم ~~سياسية، عاقلة أو أسطورية. هل العلم ضروري لا يحتاج إلى تعريف؟ فكل إنسان يعلم ~~بوجوده، والعلم بالوجود شرط العلم وأساسه، كما أن العلم لا يعرف إلا بالعلم، وهو ما ~~يستلزم الدور، وبالتالي وجبت البداية بعلم ضروري ليس في حاجة إلى تعريف. العلم ~~مساوق لوجود الإنسان، ومطابق لفطرته، كما أن الجهل مضاد لطبائع الأمور. العالم ~~موجود، والجاهل غير موجود، والأمة العالمة موجودة، والجاهلة لا وجود لها؛ لذلك قد ~~يرفض البعض حد ms167 العلم باعتباره لا ضرورة له؛ فكيف يحد العلم وهو أمر بديهي يعلمه ~~كل إنسان وشعر به من نفسه. كما أنه يصعب تحديد العلم لأنه يتحدد بعلم، وهذا العلم ~~بآخر إلى ما لا نهاية. لا بد إذن من علم بديهي لا يحتاج إلى حد، فيكون العلم حينئذ ~~لا حد له. ولا تمنع التفرقة بين تصور العلم وحصوله من الوقوع في الدور؛ لأن تصور ~~العلم، وهي المقدمة، غير حصوله وهي النتيجة. وذلك لأن تصور العلم أيضا يحتاج إلى ~~تصور آخر، وهذا إلى ثالث إلى ما لا نهاية. # 2 # والحقيقة أن العلم بناء نظري، العلم الضروري أولى خطواته. والنظر ~~والاستدلال يفيدان العلم، والرؤية المباشرة للواقع، كما أن الإحصاء الكمي للظاهر ~~يفيد العلم؛ ومن ثم فتعريف العلم ممكن، بل ضروري حتى يتأسس العلم؛ فالبداهة ~~أحد جوانب العلم وليست العلم كله. # والعلم وإن عسر تعريفه إلا أن كل إنسان يشعر به، ويحصل عليه، ويجاهد في سبيله، ~~ويفهمه ويقتنصه، ويرتقي الإنسان في مداركه. ولا يهم تعريف الشيء بقدر ما يهم ~~الحصول عليه. قد تأتي صعوبة من أنه يشمل كل أفعال الشعور ابتداء من النظر ومقدماته ~~حتى العلم ونتائجه؛ وبالتالي يكون من الأفضل إذن تحديد العلم مجازا أو تشبيها ~~لصعوبة الحصول على حد حقيقي للعلم. أو على الأقل يكون العلم بديهيا لا مكتسبا، ~~ومثال ذلك علم الإنسان بوجود نفسه. والحقيقة أن العلم البديهي أحد مراحل العلم وليس ~~كله. وجعل العلم كله بديهيا ضروريا رد للعلم كله إلى أحد مراحله مع إغفال ~~الاكتساب والاستدلال وتحليل العقل، وعمل الشعور. # 3 # ومع ذلك يمكن تعريف العلم عن طريق القسمة ~~ابتداء من الاعتقاد غير الجازم الذي يجعل الإنسان مترددا بين شيئين وهو موقف ~~الشك، أو قادرا على الترجيح بينهما؛ فيكون الراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم. ~~ويكون ذلك تعريفا للعلم عن طريق السلب؛ أي بنفي مضادات العلم، وما ليس بعلم ~~ابتداء من الشك ثم الظن والوهم والجهل والتقليد. وقد أوفى القدماء الحديث في كل ~~منها وكأنه موضوع مستقل؛ نظرا لأهميته وخطورته ms168 على العلم. ~~(1) الشك والظن والوهم # فالشك هو تردد بين معتقدين دون ترجيح ~~لأحدهما على الآخر. ويعتبره القدماء مذهب السوفسطائيين، وهو على ثلاثة أنواع: ~~اللاأدرية، والعنادية، والعندية. وهي في حقيقة الأمر اتجاهات في المعرفة ~~الإنسانية قبل أن تكون فرقا كلامية أو مذاهب تاريخية. لا يهمنا رصد أسماء ~~الفرق القديمة واتجاهاتها وآرائها من الناحية التاريخية الخالصة، بل يهمنا ~~وجود هذا الاتجاه الفكري في كل عصر، وتعبيره عن موقف معرفي خاص وكشفه عن ~~بناء فكري عام. # اللاأدرية هو الشك المبدئي، الشك في ~~الشك إلى ما لا نهاية حتى تنتفي الحقائق ويستحيل العلم . وقد صاغ القدماء حجتين ~~لهدم هذا الموقف، الأولى جدلية مؤداها أن نفي الحقائق هو نفسه حقيقة، ~~والثانية تجريبية تعتمد على إثبات الحركة بالسير، وإثبات الألم بالضرب. ولا ~~ينفع المناظرة أو الأدلة والبراهين لإثبات العلم مع الشكاك عامة ~~واللاأدرية خاصة، لأن إمكانية العلم مستحيلة؛ إذ لا يحدث العلم إلا بالانتقال ~~من معلوم إلى مجهول، والشك ينفي إمكان قيام أي معلوم. الدليل الوحيد هو تجارب ~~الألم واللذة، حرق الأصابع للشكاك مثلا من أجل إثبات المعارف الحسية لهم. # 4 # فالإنسان لا يشعر بحقيقة إلا في موقف، ولا يثور إلا عندما تهدد ~~حياته. التجربة أصدق من الجدل العقلي؛ يتطلب الجدل العقلي التسليم بإمكانية ~~المعرفة ووجوب النظر، في حين أن الموقف اللاأدري لا يسلم بأية حقائق لأنه ~~موقف إرادي خالص؛ لذلك منع القدماء مكالمتهم لعدم وجود أي أساس مشترك ~~بينهم. الشك اللاأدري تقصير في النظر وإنكار لعمل العقل، ونفي لقدرة الإنسان ~~على البحث والكشف، وتحليل الواقع ورؤية مكوناته. هناك حقائق يمكن معرفتها مثل ~~وجود النفس الذي لا يمكن نفيه، وجود نفس الذي يشك؛ فالشك فعل من أفعال النفس؛ ~~لذلك جعل علماء أصول الدين أول أركان نظرية العلم إثبات الحقائق والعلوم. # 5 # هناك حقائق تسكن إليها النفس ضرورة، لا مجال فيها للإيهام أو ~~الخداع، مثل أني موجود الآن، جالس وأكتب، أفكر فيما أكتب فيه، وأني محتل ~~ومتخلف، وأعيش في عصر يسوده النفاق. الشك مضاد لسكون النفس؛ ولما ms169 كانت النفس ~~تطلب سكونها فإنه يستحيل الشك. # 6 # يمكن تفنيد الشك ليس فقط بالرجوع إلى بداهات الحس وأوليات العقل ~~التي تحدث عنها القدماء، بل إلى بداهات الموقف الإنساني، حيث تبرز الوقائع التي ~~يحيا بينها الإنسان؛ فمثلا نحن نعيش في العالم، نتعامل مع الآخرين، نحن شعب ~~أرضه محتلة، وبلده نام، تعيش جماهيرنا في ضنك، تصارع من أجل لقمة العيش. ~~هناك حقائق الحياة المرة التي نعيشها، وإنكارها هو إثبات لوجودها، وإبعاد الشعب ~~عنها وتجاهل أجهزة الإعلام لها عمدا إبعاد للجماهير عن المشاركة في صنع القرار ~~والوعي بها اتقاء لحركتها. نعاني من الفقر يوميا، ونقاسي من الاستغلال كل ~~لحظة. البيروقراطية مأساتنا، والتسلط يجثم على صدورنا، والنفاق يلف ويدور ~~حولنا، والسخط يعمينا، والاضطهاد موجه ضدنا، والعيون تقف لنا بالمرصاد. هذه ~~هي الحقائق اليومية التي نعاني منها ليل نهار، والتي هي مثار حديث الناس في ~~الطرقات علنا أو في الدور همسا، والتي تكمن وراء هموم المواطنين. أدرك ذلك ~~بحياتي، وأعيشه بوجودي، أراه وألمسه، أسمعه وأشعر به، ولا أكاد أخطئ في أي ~~منهما لأنها تتحول إلى ثورة ساخطة عارمة، وانتفاضة شعبية لا ينكرها إلا ~~متسلط يعمل لصالح طبقة تستغل الشعب وتثري على حسابه. وأنضم إلى حزب سياسي يعمل ~~على استرداد حقوق الفقراء من الأغنياء، ويعد لتحرير الأرض وتوحيد المنطقة. ~~الحس يدرك، والوجدان يشعر، والعقل يحلل. ولا يشك في ذلك كله إلا ضال أو ~~مضلل، يريد أن يبقي الوضع القائم كما هو عليه، ويريد أن يقضي على مشاركة ~~الجماهير، وأن يستمر في سلبها حقوقها والتنكر لها، يظهر غير ما يبطن؛ يظهر ~~الشك، ويبطن اليقين، يدعو الناس إلى الريبة، وهو جازم بما يهدف إليه؛ فالشك ~~زعزعة لمعتقدات أصحاب الحقوق، وتثبيت لمعتقدات سالبي الحقوق، الشك ضياع للنظر ~~وبالتالي ضياع للأساس الواعي للسلوك، فلا يبقى إلا الهوى والمصلحة؛ حينئذ تركن ~~النفس إلى الدنيا، ويترك الإنسان رسالته. العمل هو أكبر رد فعل على الشك، ~~واسترداد الحقوق بالفعل أكبر إثبات للحقائق النظرية؛ لذلك كان الشهداء هم ~~الدليل على إثبات وجود الحقائق، وكانت ms170 ثورات الشعوب أكبر دليل على إثبات وجود ~~المبادئ. يمثل الشك إذن خطورة على الحياة الاجتماعية وتاريخ الشعوب، وذلك برفض ~~المبادئ؛ أي رفض الالتزام والانتهاء إلى العدمية أو الفوضوية أو اللامبالاة أو ~~السلبية المطلقة. ومرحلتنا التاريخية التي نمر بها الآن لم تصل إلى هذا الحد، ~~بل إن مأساتنا هي اللامبالاة التي تنشأ من عدم الإحساس بالرسالة، وعدم تحمل ~~الأمانة، وليس من عدم تمثل مبدأ والعمل على تحقيقه. # 7 # ولا يعني إثبات الحقائق الوقوع في «الدجماطيقية»، وإثبات حقائق ~~مستقلة عن الواقع، لا تتغير بتغيره؛ فالحقائق هو هذا الواقع نفسه على مستوى ~~الإدراك. إذا تخلف الإدراك عن الواقع تحول الفكر إلى صورية خالصة، وإذا سبق ~~الفكر تطور الواقع تحول إلى طفولة ومراهقة. ولكن تحويل الواقع إلى فكر ثم ~~العود إلى الواقع للتأثير فيه هي حقيقة ثابتة. لا إثبات إلا لحركة الواقع ~~وصياغتها بالفكر. التاريخ حقيقة أولى، مساره وحركته وتطوره، مثل حقيقة وجود ~~النفس. # والعنادية مذهب من يعترف بوجود الحقائق، وبالتالي يكون أقل شكا من مذهب ~~اللاأدرية الذي ينكر وجود الحقائق أصلا، وينفي إمكان معرفتها. وهو المذهب ~~القائل بتكافؤ الأدلة واستحالة الوصول إلى اليقين حيث تتعادل المواقف كلها، ~~وتتساوى الحجج، وتختلف الآراء وتتضارب الأقوال دون إمكانية ترجيح أحدهما على ~~الآخر. كل الدلائل ينفي بعضها بعضا. ليس هناك دليل إلا وله دليل مضاد، ولا ~~توجد حجة إلا ولها حجة مناقضة. ومن ثم تساوت الآراء في الحق والباطل؛ فهي ~~إما كلها باطل وإما كلها حق. ولما استحال أن تكون كلها حق، فالحق لا ~~يناقض الحق؛ فهي إذن كلها باطل لاستحالة تغلب حجة على أخرى أو دليل على ~~آخر؛ وبالتالي ليس هناك رأي أو مذهب أصح من الرأي أو المذهب المعارض. # 8 # والحقيقة أن القول بتكافؤ الأدلة نفي ~~لبداهات الحس وأوائل العقول ومعطيات الوجدان، مثل وجود النفس ووجود العالم بصرف ~~النظر عن إثبات حدوثه أو نفيه؛ فالأدلة لا تهدم بعضها البعض لأن بداهات الحس ~~وأوائل العقول ومعطيات الوجدان لا يختلف عليها اثنان، بل إنها مقاييس للخطأ ~~والصواب. ms171 والقول بتكافؤ الأدلة إثبات لعلم يقيني لا يتساوى مع نقيضه وهو هذا ~~القول نفسه، وذلك يثبت وجود حقيقة يمكن معرفتها. وهي حجة جدلية يقدمها ~~القدماء لتفنيد رأي الخصم. وأن افتراض خطأ كل رأي يعني أن القول بتكافؤ الأدلة ~~باعتباره رأيا خطأ، وبالتالي ينهزم المذهب لعدم وجود دليل، وهي حجة جدلية ~~لتفنيد رأي الخصم. ولا يمكن أن تصدق الأحكام المتناقضة كلها على شيء واحد ~~كما لا يمكن أن تكون كلها صحيحة لأنها متناقضة أو باطلة. لكل شيء حكم معين ~~هو الحكم الصحيح، وما سواه باطل. الأحكام المتناقضة على الشيء الواحد لا تصدق ~~معا ولا ترتفع معا على رأي المناطقة، بل بها صواب وخطأ، إذا صح أمرها بطلت ~~الأحكام الأخرى. والسبيل إلى التمييز بينها هو البرهان. لا يوجد دليل يهدم ~~دليلا آخر، بل هناك تفسيرات مختلفة تتنازع واقعة معينة. لا يوجد التناقض إلا ~~على المستوى الصوري أو المادي، أما على المستوى الإنساني فيمن الاحتكام إلى ~~الواقع العملي لمعرفة أي التفسيرات أصدق. تدل الأحكام المتناقضة على اختلاف ~~وجهات النظر أكثر مما تدل على تساوي الحق والباطل وتعادلهما، تشير إلى البعد ~~الذاتي أكثر مما تشير إلى البعد الموضوعي، # 9 # وتغيير الإنسان لوجهة نظره لا يعني تغيير الحق أو إنكار وجود حقيقة ~~ثابتة، بل يعني تغيير الظروف والأحوال والمادة وتقييم الحكم طبقا للأدلة ~~الجديدة، وذلك على مستوى تعين المبدأ في الواقع وليس على مستوى المبدأ ذاته. إن ~~كل حكم إنساني هو حكم تقريبي مشروط بدقة البحث وسلامة الإدراك. وقد ينتقل ~~الإنسان من خطأ إلى خطأ حتى يعثر في النهاية على الصواب. ويرجع الخطأ والصواب ~~في الأحكام إلى شمول الحكم واتساعه. الحكم الضيق لا يصدق على واقع أشمل، والحكم ~~الشامل قد لا يصدق على واقع أضيق إذا كان متفردا. قد يكون الانتقال من رأي ~~إلى آخر هو انتقالا من رأي أقل صوابا إلى رأي أكثر صوابا، وهذا الانتقال ~~ذاته إقرار بوجوب الصواب. وطريق الانتقال هو البرهان حتى يتم الوصول إلى ~~اليقين. يمكن إذن الانتقال من رأي ms172 إلى آخر بشرط توافر حسن النية؛ إذ ينضج ~~الإنسان مع تقدم العمر، وتصح آراؤه بدقة البحث وتغير المناهج ومستويات ~~التحليل، وربما لاختلاف اللغة والمصطلحات. وذلك طبيعي؛ نظرا لما يحدث في حياة ~~الإنسان من تطور فكري ونضج علمي، ووعي اجتماعي. إن ثبوت الحقائق لا يعني ~~جمودها من حيث الصورة أو المضمون. # 10 # ولا يعني تفاوت البراهين دقة ووضوحا أنها لا تثبت شيئا، ~~فالناس متفاوتة في الإدراك. ويمكن أن يتضح الخفي، وأن يفصل المجمل، وأن ~~يحكم المتشابه؛ لذلك كان العلم أساسا نظرية في الإيضاح. # 11 # وإن تفاوت الناس في المدركات الحسية لا يعني انتفاء الحقائق وعدم ~~إمكان معرفتها، فذاك راجع إلى اختلاف دقة الحواس وتفاوت عملها وطريقة تحويلها ~~إلى تصورات ثم أحكام. كما يتوقف على درجة تيقظ الشعور، وهو شرط إدراك الحواس. # 12 # ويتوقف على حياد الشعور وعدم تحيزه أو خضوعه لهوى أو مصلحة. ~~ولا يضير المعرفة الإنسانية احتمال الخطأ؛ فالخطأ كالصواب طرفان لها. وقد يحدث ~~الخطأ في فهم الوحي وتحويله إلى علوم عقلية أو إنسانية. والمعرفة لا يضيرها ~~البحث ودقة النظر وشدة الخصومة وتوالي الأجيال؛ فتلك مهمة الإنسان وشرفه ~~وعظمته، وقد يكون البحث عن الحق أولى من الحصول عليه. # 13 # ولا يعني كون البرهان إجماليا العجز عن الإتيان بالبرهان ~~التفصيلي؛ فالعقل قادر على إعطاء أكثر الاستدلالات دقة وتفصيلا. قد يؤدي ~~البرهان الإجمالي إلى التأويل كما تفعل الباطنية، وقد يحدث بعد التصديق وليس ~~قبله. وقد لا يخضع للبحث الدقيق فيكون أقرب إلى التمويه والمغالطة منه إلى ~~البرهان، ولكنه قد يؤدي أيضا إلى العلم إذا امتنع التأويل وكان سابقا على ~~التصديق وخضع لمناهج البحث المحكمة كالسبر والتقسيم. # 14 # وإذا استحال الترجيح بين معتقدين أو تصورين نظر لنقصان الدليل، ~~فإنه يمكن أخذ أنفعهما للناس وأقلهما ضررا دفاعا عن المصلحة العامة والأقرب ~~إلى تحقيق مصالح الأغلبية. إن وجود شيء حقيقي تتمثله الجماهير أو تسعى لتحقيقه ~~لهو الشرط الضروري لأي تغير اجتماعي، وإلا فلماذا يضحي الإنسان؟ ولماذا ~~يستشهد؟ إن ضرورة العمل وثقل الحياة تستلزم أخذ المواقف. ms173 وبدلا من أن تؤخذ ~~بالبخت والمصادفة فتكون عشوائية عابثة يلزم الترجيح إن لم يكن بالدليل النظري ~~فبالمصلحة العامة. وقد نشأ علم بأكمله في علم أصول الفقه لهذا الغرض وهو «علم ~~التعارض والتراجيح» بين الروايات والأدلة. موقف الشك إذن بالإضافة إلى أنه ~~مستحيل عملا لأن الحياة تسير وفقا للاعتقاد؛ مستحيل نظرا لما تقدمه الحياة ~~من بواعث ودوافع ولما تقوم عليه من مقاصد وغايات، تعمل كلها كمرجحات. # ولا يعني اختلاف الآراء وتضاربها وعناد ~~الناس عدم وجود الحقائق أو إمكانية معرفتها أو إنكار شرعيتها أو صدقها؛ إذ يمكن ~~معرفة كل ذلك بالبرهان. وهو أقل منه في العلوم الصورية والعلوم المادية منه في ~~العلوم الإنسانية؛ نظرا لتداخل الأهواء والمعتقدات والمصالح. كما ينشأ هذا ~~الاختلاف والتضارب نتيجة للتكاسل عن طلب البرهان أو الوقوع في التقليد والتسليم ~~بالموروث دون نقد أو تمحيص. كما ينشأ من اختلاف مناهج التحليل ومستوياته ولغته ~~وأسلوبه بين الخطابة والجدل والبرهان. ولا يعني عدم اتباع النفس للحق انتفاء ~~الحق واستحالة معرفته، بل يدل على الجهل أو نقص في الوعي أو تغليب المصالح ~~والأهواء على المبادئ العامة. كما لا يدل تخلف العمل عن النظر على استحالة ~~النظر، بل يدل على الخوف وإيثار السلامة. ولا يعني اختلاف العلماء فيما بينهم ~~انتفاء وجود الحقائق واستحالة معرفتها، بل يشير إلى تعدد التفسيرات طبقا ~~لمكونات الواقع وحركة التاريخ. وكلها مشروعة طبقا للحاجة؛ إذ يتحول الوحي ~~بمجرد نزوله في زمان ومكان معينين ولدى شعب ~~بعينه وفي مرحلة تاريخية محددة؛ يتحول إلى حضارة. والحضارة لها بناؤها ~~الإنساني، ونشأتها طبقا للحاجات البشرية. لا يعني التعدد في التفسيرات إذن ~~التضارب والتناحر، بل الاجتهادات المختلفة طبقا للصالح العام وما تستطيع أن ~~تحققه من نفع للناس. والرأي غير الهوى. الرأي له برهانه، أما الهوى ~~فانفعال ومزاج؛ لذلك كتب الفقهاء في «ذم الهوى»، الرأي قول يقوم على دليل، ~~والهوى دعوى بلا دليل. إن القول بتكافؤ الأدلة ثم الاعتراف بأن أحدها حق والآخر ~~باطل دون التعيين والتخصيص هو اقتراب من اليقين وترك الشك دون أن ms174 تكون هناك ثقة ~~بالعقل وقدرته على تعيين الحق والتمييز بينه وبين الباطل، سواء التعيين النظري ~~أو الترجيح العملي طبقا للصالح العام. إن القول بتكافؤ الأدلة فيما دون «الله» ~~اعتراف بتعيين واحد هو وجود مبدأ أو حقيقة يعقلها الجميع ويترك تفسيرها بعد ذلك ~~طبقا للمجتمعات وحسب مراحل التاريخ. والقول بتكافئها فيما دون «الله» ~~و«النبوة»؛ أي أقوال البشر وتفسيراتهم هو أيضا نزول إلى تعيينات الواقع درجة ~~أكثر والاتفاق على وجود فكر إنساني متكامل ونظام اجتماعي يصلح للناس في كل ~~زمان ومكان. إن القول بتكافؤ الأدلة نظرا لا يمنع من اليقين عملا؛ وذلك لأن ~~الإنسان بموجب عقله يلتزم بمبدأ ينتج عنه إدراك الفضائل وممارستها، ويمكن إدراك ~~هذا المبدأ بالعقل ولكنه يقين عملي خالص. # 15 # وخلاصة القول إن القول بتكافؤ الأدلة يؤدي إلى إنكار عدة أشياء، ~~منها: قدرة العقل على الوصول إلى حقائق الأشياء وبداهة الحس وأوليات العقل ~~ومعطيات الوجدان، قدرة العقل على وصف العاقل وتحليل الأوضاع الاجتماعية وهموم ~~الناس التي تجثم على الصدور، دور الآخرين في إمكانية اطراد التحليل والوصف ~~ولأهمية رأي الجماعة والتجربة المشتركة، حاجة الواقع إلى بناء والعمل إلى نظر، ~~فالترجيح والتفصيل أولى من العشوائية والمصادفة، قدرة الإنسان على الاختيار بين ~~المواقف وتفضيل مصلحة على أخرى، وحرية الحركة في الممارسة، وجود قوى اجتماعية ~~وراء الأدلة تحسم الصراع لمصلحة الأقوى والأدل، وجود حركة التاريخ وقانون ~~الأغلبية وحق الشعوب؛ فاليقين التاريخي لا يقل أهمية عن اليقين النظري والعملي. # أما «العندية»، وهو المذهب الثالث في الشك، فلم يفصل فيه القدماء تفصيلهم ~~للاأدرية والقول بتكافؤ الأدلة. ومع ذلك ترى العندية أن كل الآراء صحيحة عند ~~قائليها، ومن هنا جاءت تسميتها بالعندية، وهي على نقيض العنادية التي ترى ~~الآراء كلها باطلة. والحقيقة أن اعتبار الاعتقادات كلها صحيحة نفي لمعيارية ~~العلم وإمكانية إثبات حقيقة واحدة والتمييز بين الحق والباطل، ووقوع في ~~النسبية المطلقة. وقد قلب القدماء الحجة الجدلية ضد المذهب؛ فالعندية مذهب ~~باطل لأنه عندنا باطل، وبالتالي يكون بطلانه حقيقة. العندية إنكار للصفات ~~الموضوعية للأشياء، وإرجاعها إلى ms175 مجرد انطباعات ذاتية وأمزجة فردية، ~~وإحساسات خاطئة. لا توجد صفات متناقضة في الطبيعة، بل في إدراك الناس لها. ~~كما توجد حقائق موضوعية اجتماعية، مثل ضرورة الثورة استردادا لحقوق الفقراء ~~من الأغنياء، وحصولا على الاستقلال الوطني ضد المحتل الأجنبي، ودفاعا عن ~~الحرية والديمقراطية ضد التسلط والطغيان، وتوحيد الأمة بعد التجزئة والتشرذم، ~~وحفاظا على الهوية ضد التغريب، وتجنيدا للجماهير حتى تكون بثقلها الضمان ~~الوحيد لنيل حقوقها. لا يعني اختلاف التعبيرات ضياع الحقيقة. هناك عدة مستويات ~~لتحليل الواقع وللقدرة على الفعل ولدرجة الوعي ولصراحة التعبير، والقدرة على ~~التعبير عن الصالح العام. # 16 # الشك إذن بمذاهبه الثلاثة لا يمكن أن يكون أساسا لنظرية في العلم تقوم على ~~إنكار الحقائق أو على استحالة معرفتها أو على نسبيتها، وهذا لا يعني ألا يكون ~~الشك مقدمة للنظر وشرطه، بل إنه عند البعض أول الواجبات على المكلف حتى يخف ~~التقليد ويقضي على التبعية. # والظن أعلى درجة من الشك وأقرب إلى المعرفة والعلم؛ لأنه قد تحول من ~~اعتقاد غير جازم إلى اعتقاد جازم يتجاوز التردد إلى الترجيح. ولما كان ~~المرجح ليس دليلا برهانيا يظل الظن في مرتبة الاعتقاد غير الجازم، ولا ~~يرقى مطلبا إلى درجة العلم. فإذا كان الراجح هو الظن فالمرجوح هو الوهم، وهو ~~قياس أمر غير محسوس على أمر محسوس، وهو أساس قياس الغائب على الشاهد الذي هو ~~أساس الفكر «الإلهي» كله. وقد يقوم على ~~المخيلات؛ أي على الصور الشعرية ترغيبا للنفس أو تنفيرا لها. والحقيقة أن ~~القياسات الشعرية قد تكون صادقة؛ نظرا لإحساس الشاعر وصدقه؛ وبالتالي لا يكون ~~النموذج الأمثل للوهم؛ فالوهم إصدار حكم على واقع غير مطابق له، في حين أن ~~الشعر لا يهدف إلا إلى التأثير على النفوس وإيصال تجربة إنسانية تطابقها مع ~~نفسها ومع تجارب الآخرين بالمشاركة. # وبالرغم من أن القدماء لم يتوسعوا كثيرا في وصف الشك والظن والوهم، إلا أن ~~لها أبلغ الأثر في حياتنا المعاصرة؛ فنحن لا نفرق بين منطق الظن ومنطق اليقين، ~~بل نخلط بينهما، فكثيرا ما نستعمل منطق الظن ms176 على أنه منطق لليقين، كما أننا لا ~~نميز بين أنواع الحجج، البرهاني والخطابي والجدلي. فكثيرا ما نخطب ونظن ~~أننا نبرهن، وكثيرا ما نجادل ونظن أننا نستدل. تمثل قسمة القدماء لأنواع ~~الحجج تقدما أكثر مما نحن عليه الآن، بل إن بعض الجوانب في فكرنا المعاصر ~~يقوم على الوهم والمخيلة أكثر مما يقوم على العقل، ويعتمد على المغالطات أكثر ~~مما يعتمد على الحجج والبراهين. نستعمل القياسات الظنية ونظن أنها برهانية. ~~وكثيرا ما نسلم بالمشهورات التي تروجها أجهزة الإعلام فتصبح بمثابة ~~معتقدات للناس بكثرة ترديدها، وتصبح جزءا من ثقافتهم تعمية لهم عن الحقائق ~~البرهانية، كما أننا في حياتنا الثقافية نجادل الخصم دون التسليم بمقدماته ، ~~بل نشغل أنفسنا بتفنيدها؛ ومن ثم يتحول جدلنا إلى تناطح وتنازع وخصام؛ ~~لذلك يستحيل الحوار ولا يكون هناك مجال إلا للتقاذف والاتهامات والسباب. ~~وكثيرا ما تغلب المغالطات على ثقافتنا الوطنية، وتغليب المرجوح على الراجح، ~~كما أننا غالبا ما نقيس غير المحسوس على المحسوس، خطأ في أمور لا تقاس مثل ~~فكرنا لإلهي، وتصوير الله غير المحسوس بالإنسان المحسوس، والوقوع في التجسيم ~~والتشبيه، أو بالنسبة إلى أمور المعاد وقياسها على النعيم والعذاب في الدنيا، ~~في حين أنه يمكن استعمال المحسوس لتفسير نشأة غير المحسوس من حيث الصورة ~~الأدبية والنشأة. فلا يوجد تصور في الذهن إلا ما ينشأ في الواقع أولا، سواء ~~كفعل أو كرد فعل. ولا نقيس غير المحسوس على المحسوس بطريقة صائبة على نحو ما ~~يفعل أصوليو الفقه في قياس الغائب على الشاهد. كما تغلب على فكرنا القومي ~~الخيالات الشعرية والأساليب الخطابية بغية التأثير على النفوس، تأييدا لشخص أو ~~هجوما على آخر، حتى اتهمت عقليتنا على مسار التاريخ بأنها عقلية إنشائية لا ~~خبرية، وبأن لغتنا غنائية وليست تقريرية؛ فنحن نعيش في هذا العالم خطباء وشعراء ~~دون أن نعيش مفكرين وعلماء. # 17 ~~(2) الجهل # والجهل اعتقاد جازم غير مطابق، والاعتقاد الجازم قطعية مضادة للعلم ونقيض ~~النظر، وينقصه البرهان، ويكون عدم المطابقة مع الواقع؛ فمقياس العلم مطابقة ~~الاعتقاد للواقع، إن كان مطابقا كان ms177 علما، وإن لم يكن مطابقا كان جهلا. ~~ويصاحبه سكون النفس وغياب التردد والريبة؛ وبالتالي غياب الظن والوهم. ويمر ~~التطابق بالشعور، وليس مجرد تطابق آلي صوري مادي بين الفكر والواقع؛ أي ~~تطابق بين المفهوم والماصدق. # وبالرغم من أن القدماء لم يفصلوا في الجهل إلا أنه يغلب أيضا كالظن على ~~حياتنا المعاصرة، لا بمعنى عدم العلم أو بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، أي ~~الأمية، التي نتحدث كثيرا عن محوها ونعقد لها البرامج والندوات، فقد يكون ~~غياب العلم علما، وهو الجهل العالم كما هو الحال لدى الأمي العالم. وقد يكون ~~حضور العلم جهلا، وهو العلم الجاهل كما هو الحال لدى المتعلم الجاهل. # 18 # فالأمي بصدق فراسته، وبأمثاله العامية، وبإحساسه بالواقع، بنكاته ~~الشعبية، وبوجدانه التاريخي، وبتراكم آلاف السنين؛ قد يكون أعلم من المتكلم حيث ~~الوعي والانتباه، والقدرة على الرؤية المباشرة للواقع بلا تدليس أو إيهام. كما ~~أن المتعلم باغترابه، وانفصاله عن الواقع، وباستخدامه جعبة من الألفاظ للتضليل ~~والتعمية يكون أجهل من الجاهل، وبل ويكون جهله مركبا لأنه لا يعلم أنه جاهل. ~~قد يكون الجهل في حياتنا المعاصرة ماثلا في عدم الوعي بأنفسنا، وبالمرحلة ~~التاريخية التي نمر بها، وفي غياب مشروع قومي تحققه الأمة، وتجند له ~~قواها، وتحشد له إمكانياتها، بعد أن كان لها واحد وانتكس بعد أن فرغ من مضمونه؛ ~~فأصبح مثل كرة الهواء بلا ثقل من التراث وبلا أساس من الجماهير. قد يكون الجهل ~~في تخلف مؤسساتنا القومية عن درجة تقدم الواقع وحركته، وفي عدم تمثيل ~~السلطتين الدينية والسياسية لحركة الواقع العريض ومحاصرتهما لطلائع هذه الحركة ~~ومحاولة عزلها عن الواقع ومن وسط الجماهير. الجهل هو هذا التفاوت الشديد بين ما ~~يدور في الواقع من قوى للتغير والحركة، وبين النظم الاجتماعية والسياسية ~~القائمة التي تحاول إيقاف هذه القوى والقضاء عليها، وهو في الحقيقة جهل ~~بالتاريخ وبمساره. والإنسان مسئول عن هذا الجهل، ولكننا في حياتنا المعاصرة ~~جعلنا الله مسئولا عنه، وبرأنا أنفسنا من تبعة هذا الجهل بدعوى أن علمنا ~~محدود أمام العلم «الإلهي»، وإدراكنا قاصر عن ms178 إدراكه، وعقلنا ضعيف لا يقدر على ~~تجاوز الحدود التي رسمها الله له. نتوقف أمام الغيب لأن الإنسان ذو علم محدود ~~والله ذو علم مطلق؛ وبالتالي نكون أكثر تخلفا في تحليلنا لأسباب الجهل ~~وتحديد المسئول عنه، في حين أن الجهل لدينا له أسبابه المباشرة في مضمون ~~ثقافتنا التي هي أقرب إلى الاعتقاد الجازم غير المطابق للواقع أو للفكر أو ~~للتاريخ؛ لذلك سادت حياتنا المعاصرة القطعية، وهدم العقل، وإنكار النظر، وإسقاط ~~الواقع من الحساب، وغياب التاريخ كبعد شعوري وكميدان للعمل والتحقيق. ~~(3) التقليد # لقد أفاض القدماء في التقليد كما غصنا نحن فيه إلى الأذقان؛ فالتقليد اعتقاد ~~جازم مطابق، ولكن دون سبب للمطابقة؛ ومن ثم فهو لا يؤدي إلى العلم، هو قطع ~~وجزم دون نظر، هو اعتقاد أي حكم أو تصديق، وجازم لأنه لا شك فيه ولا تردد. ~~ومطابق لأنه يتماثل مع شيء آخر قد يكون تراثا قديما أو معاصرا حديثا أو ~~شخصا ميتا أو شخصية حية، ولكن دون سبب وبلا برهان قطعي من حس أو عقل أو ~~استدلال. التقليد تبعية للآخرين من غير مطالبتهم بالبرهان، لا يرتقي إلى ~~اليقين، ولا يفيد الظن، ولا يمكن اختيار أحد الاحتمالين عن طريق التقليد بلا ~~سبب للتفضيل. # 19 # ويقوم التقليد على بعض الحجج، هي في الحقيقة ضد النظر، فإذا بطل النظر ثبت ~~التقليد اتباعا لبرهان الخلف، نفي الشيء لإثبات نفيضه، وهو برهان سلبي ~~خالص لا يثبت شيئا؛ لأن النظر والتقليد ليسا هما الاحتمالين الوحيدين ~~كطريقين للمعرفة؛ إذ يضع الصوفية الذوق والإلهام. إن مجرد إنكار القياس لا ~~يثبت التقليد، وإنكار الشيء لا يثبت ضده، وبرهان الخلف يدخل ضمن منطق الظن لأنه ~~يقوم على حجة جدلية. ليس التقليد هو البديل الوحيد على فساد القياس؛ فهناك ~~بداهة الحس وأوائل العقول ومعطيات الوجدان. وكل الحجج مستقاة من قصة إبليس ~~وصراعه مع آدم. فقد قاس إبليس النار على الطين، «خلقتني من نار وخلقته من طين»، ~~فأخطأ، وهي حجج ضعيفة لعدة أسباب. فالهدف من القصة هو التأثير على النفس وليس ~~إصدار حكم، والحث ms179 على العمل أكثر من الوصف والتقرير، والإيحاء إلى النفس وليس ~~مصدرا للأحكام الشرعية؛ فهي صورة شعرية أكثر منها حادثة تاريخية، والقصص ~~والمجاز ليسا مصدرا للأحكام. وحتى على فرض صحة استنباط أحكام من القصص فإن ~~أشخاصا كثيرة تقيس وتصيب، وليس كل من قاس فقد أخطأ. ولا يمكن إصدار حكم ~~كلي على واقعة. وكثير من المؤمنين يقيسون ويصيبون. كما تقيس الأنبياء وتصيب، ~~وكما بين الفقهاء ذلك في كتب «أقيسة الرسول»، بل إن الله ذاته يقيس ويصيب، ~~والوحي مملوء بالأقيسة الصائبة على ما بين الفقهاء. ليس الخطأ من القياس في ~~ذاته، بل من طرق الاستدلال الخاطئة. وتقوم مناهج الأصوليين على القياس، والقياس ~~الشرعي يصيب، وهو مصدر من مصادر التشريع. إن أقصى ما تستطيع هذه القصة أن تقدمه ~~هو أنها تنبه على القياسات القائمة على مقدمات خاطئة، فتقيس الكم على ~~الكيف، وليست تلك التي تقوم على المقدمات الصحيحة. هذه الحجج كلها يمكن في نفس ~~الوقت استعمالها دفاعا عن القياس كأحد أشكال النظر وليس فقط ضد ~~التقليد. # وقد صاغ المعتزلة عدة حجج عقلية ضد التقليد لبيان استحالة النظرية والعملية، ~~وضرورة الاستدلال؛ فالمقلد لا يستطيع تقليد المذاهب كلها؛ لتعارضها ولحاجة ~~السلوك إلى مذهب واحد. ولا يمكن أن يكون الاختيار بينها مصادفة عشوائية أو ~~بالمزاج والهوى، بل بالنظر والاستدلال، كما أن المقلد لا يقلد غير العالم؛ ~~لأنه جاهل، بل يقلد العالم الذي له علم عن طريق غير التقليد، وإلا تسلسلنا ~~إلا ما لا نهاية. وعلم العالم إما من العلم الضروري أو العلم النظري. والعلم ~~الضروري مشاع عند الناس جميعا، يستطيعه المقلد وبالتالي فلا حاجة له إلى ~~التقليد، والعلم النظري هو طريق العلم لأن النظر يفيد العلم. هذا بالإضافة إلى ~~أن التقليد يؤدي إلى الخطأ النظري والخطأ العملي على السواء؛ لأنه خال من ~~اليقين، في حين أن العلم يقيني في النظر، وبالتالي يقيني في العمل. # ولا يمكن تقليد الأكثرين لأن الكثرة حجة كمية والعلم كيف. وقد كان الأنبياء ~~أقلية في قومهم وهم الأغلبية. وكان الدعاة والمصلحون أقلية في ms180 أقوامهم. # 20 # وكان أهل الحق باستمرار أقل عددا من أهل الباطل، وهذا لا يعني ~~التنكر لدور الأغلبية أو إهمال مصالحها أو الإقلال من شأنها؛ فالأغلبية ~~الصامتة يدافع عنها الأنبياء والدعاة والمصلحون، ويعبرون عن مصالحها، ~~ويبعثون فيها النظر وحس العلم حتى تستنير وتستقل فتصبح قادرة على الدفاع عن ~~حقوقها بنفسها وحتى تفرز طليعتها من ثناياها وهم العلماء والفقهاء والأمة، ~~وتكون قادرة على قيادتها وحمايتها. وهذا لا يعني أيضا إنكار دور الأغلبية ~~النظري في الإجماع والنزول على رأيها؛ فالإجماع أحد مصادر التشريع ودرءا ~~لمخاطر الفردية والتسلط والاستبداد بالرأي. ولا يقوم الإجماع على تقليد، بل هو ~~أخذ بالدليل النقلي أو العقلي أو المصلحي الذي يعلمه الجميع. # 21 # كما لا يجوز تقليد الأزهدين؛ لأن الزهد لا يعني العلم بالضرورة، بل قد ينشأ ~~عن خطأ في الحكم وعلى جهل بالوحي وانحراف بالدين، كما هو الحال عند الصوفية وفي ~~باقي الديانات، كما لا يعني الفضل بالضرورة، بل قد يكشف عن طمع مقنع ورغبة ~~فيما هو أكثر؛ مما في أيدي الناس. هذا بالإضافة إلى أن الزهد ليس حقيقة نظرية ~~وبالتالي فهو ليس دليلا أو برهانا. # 22 # ولا يمكن تقليد السلف لأن التقليد إنكار لدور العقل، ولضرورة التصديق، ~~وللمسئولية الفردية، ولمهمة الإنسان في التجديد والتطوير والتغيير. تقليد السلف ~~قضاء على الحاضر والمستقبل باسم الماضي، وإيقاف لمسار التاريخ على إحدى مراحله ~~الماضية، فيتحدب التاريخ وتتقوس حركته ويتحول إلى كهف يغلف الإنسان، ~~ويعيش فيه تحت قبوه، وكلما ازداد تمسك الإنسان بالقديم ازداد التحدب حتى ~~ينهار التاريخ، ويتخلف الإنسان، ويلفظ أنفاسه خارج المسار، ويتحول إلى كائن ~~من الحفريات يعيش في طي النسيان. ثم يزداد الأمر سوءا بتدخل التعصب؛ نظرا ~~لغياب العائل والحس والاتصال المباشر بالواقع؛ فتقع الفتن ويحدث الشقاق. قد ~~تكون النشأة الاجتماعية على دين الأسلاف نقطة البداية، ولكنها لا تكون نقطة ~~النهاية بالضرورة؛ نظرا لتطور الوعي ونضج الإنسان وإدراكه لما يحيط به من ~~أمور، وما يأخذه من مواقف. فالحياة تسير نحو الأفضل. إن تقليد السلف هو قول ~~بتكافؤ الأدلة؛ نظرا ms181 لاختلاف أقوال السلف وعدم وجود مقياس للاختيار بينها أو ~~للتحقق من صدق أحدهما. وقد رفض القدماء تقليد السلف بحجة جدلية تقوم على ~~القسمة لمصدر التقليد، الله أو الرسول أو العقل، والمصادر الثلاثة تحرم ~~التقليد، بنص القرآن، وبنص الحديث، وبنظر العقل. حتى إذا صعب على الإنسان ~~الحصول على اليقين النظري فهناك اليقين العملي؛ يقين السلوك القائم على الطبيعة ~~والصالح العام. التقليد إذن ضد العقل النظري وضد العقل العملي على السواء. ~~والإنسان قادر بعقله وبعمله الصالح أن يسير وفقا لهداه. # 23 # التقليد ضد الفطرة، وإنكار لمعطياتها من حقائق وعلوم. والوحي فطري ~~في الإنسان، حتى العامي يدركه بنفسه دون نظر، ببداهة الحس، وأوليات العقل، ~~ومعطيات الوجدان. تقليد العامي إذن إنكار لفطرته حتى ولو لم يستطع استعمال ~~مصطلحات العلماء. يمكنه أن يعبر تلقائيا عن تصوره للحياة دون تقليد ~~للغير. المعرفة إذن طبيعية، سواء الفطرية منها أو الاستدلالية. والتفكير أي طلب ~~الدليل فطري في الإنسان، سواء من بلغته الرسالة أو لم تبلغه. تقوم الرسالة ~~على العقل، والعقل قائم في الإنسان قبل أن تأتي الرسالة. الاستدلال إذن فرض ~~كفاية على من لم تبلغه الرسالة وفرض عين على من بلغته؛ لذلك جعل بعض القدماء ~~موضوع التقليد لفظيا خالصا؛ لأن جميع الناس لا تعرف عن طريق التقليد، بل عن ~~طريق النظر والاستدلال. # 24 # وتحريم التقليد ينطبق على كل الموضوعات، لا فرق بين دينية ودنيوية، بل من حيث ~~هو موقف في الحياة نظري أو عملي لأنه مجرد تبعية واعتقاد جازم بلا دليل. ~~وخطورته في أن المقلد لا يرجع عن تقليده حتى ولو رجع العالم بعد إعماله النظر. ~~تحريم التقليد إذن عام وشامل بصرف النظر عن المقلد، سواء كان فردا أم جماعة، ~~بل لقد تجرأ القدماء، وحرموا تقليد الرسول باعتباره فردا. أما إذا كان ~~التقليد اتباعا لدلالة فإنه لا يكون تقليدا؛ لذلك قبل بعض القدماء تقليد ~~القرآن والسنة القطعية باعتبارها قطعية الدلالة، ولو أن ذلك أيضا خاضع لقواعد ~~اللغة والتفسير. ولا يجوز تقليد الرسول لظهور المعجزة عليه؛ لأن المعجزة ليست ms182 ~~دليلا، بل هي نفسها في حاجة إلى دليل من الحس أو العقل أو الوجدان. التقليد ~~هنا لا يتعدى كونه استرشادا بالتجارب السابقة كقدوة ونموذج، ولكن بعد نظر ~~واستدلال. ومن ثم فإنه لا يكون تقليدا. # 25 # كما يحرم التقليد على العامي للعالم من حيث هو فرد، أما إذا كان ~~سؤالا عن دلالة واسترشادا برأي فإنه لا يكون تقليدا؛ فالعامي قادر بفطرته ~~على إدراكه. وغالبا ما يكون هذا الاسترشاد عمليا عن طريق القدوة وليس ~~نظريا. بل إن طريق التطور ومسار التقدم في إلغاء هذه القسمة للجماعة إلى عامة ~~وخاصة، وهي لا توجد إلا في المجتمعات المتخلفة التي تتسم بأمية الأغلبية ~~وبعلم الأقلية؛ مما يسبب تضليل الأغلبية وحجب الحقائق عنها أو تشويهها، وشراء ~~الأغلبية لحساب الأقلية، وهي في الغالب السلطة السياسية؛ دفاعا عن مصالحها ضد ~~مصالح الأغلبية وحقوقها. # وبالرغم من سقوط المقدمات النظرية، واختفاء نظرية العلم وضمورها، إلا أن رفض ~~التقليد ظل قائما باعتباره الجانب السلبي في نظرية العلم؛ فإيمان المقلد لا ~~يجوز، والتقليد ليس مصدرا من مصادر العلم ولا أصلا من أصوله. كما حرص الفقهاء ~~على نقد التقليد في علم الأصول بفرعيه علم أصول الفقه وعلم أصول الدين؛ فقد ~~قام الوحي ذاته على البرهان والنظر ولم يكتف بدعوى الرسول، وبالتالي يكون عدم ~~الاكتفاء بالتقليد أولى، دعا الوحي إلى إعمال النظر وترك التقليد حتى تثبت ~~المسئولية وتصح المساءلة. # 26 # ويتفاوت حكم المقلد بين الإيمان ~~والعصيان والكفر على سبيل الإطلاق أو على سبيل التقييد. # 27 # والحقيقة أن القول بصحة إيمان المقلد وتحريم النظر لم يتبنه ~~إلا القليل؛ لأنه لا يقوم على دليل نقلي أو عقلي. ويخرج على الإجماع الذي يرى ~~أن التقليد إثم وعصيان بشرط وجود الأهلية وهي القدرة على النظر. ولقد أخذ ~~القدماء حكم الوسط لأن التوازن بين التقليد والنظر كان قائما في حياتهم، ولم ~~تكن خطورة التقليد ماثلة في حياتهم كما هي الآن ماثلة في حياتنا. أما الآن، ~~والناس تؤمن بالتقليد، وتمارسه في حياتها، ولا تستدل على صحة إيمانها أو تطلب ~~اليقين ms183 فيه، فإن اعتبار المقلد كافرا أكثر إيقاظا للناس، وأقوى صدمة لهم. ~~إن المحك في الحكم هو حالنا الراهن، ومأساتنا هي التقليد، وعدم إعمال النظر ~~كحكم شرعي أو كوضع اجتماع والحكم بكفر المقلد يعبر عن ضرورة اجتماعية. وقد ~~أصدره القدماء والمحدثون لإيقاظ المقلدين وحث الهمم على النظر والاستدلال، ~~كما حدث في فكرنا الاعتزالي القديم وفي فكرنا الإصلاحي الحديث، وهو أقوى من حكم ~~المكروه لأن طبيعة المرحلة التاريخية التي نمر بها تجعل التقليد أكبر عائق ~~على التقدم وعلى إعمال العقل. ففي المجتمعات الغارقة في التقليد مثل مجتمعاتنا ~~المعاصرة يكون إصدار الحكم على التقليد بالتحريم أقوى صوتا وأشد إيقاظا ~~للمقلدين. التقليد مظهر من مظاهر التخلف وأحد أسبابه في آن واحد، وسبب ~~مباشر لطغيان السلطتين الدينية والسياسية وسيطرتهما على رقاب الناس. لا تهم ~~أحكام التقليد من ثواب أو عقاب خارج الدنيا، بل الذي يهم فاعليتها لإيقاظ ~~الهمم في هذه الدنيا. للأحكام الشرعية غايات عملية وصدق مادي في الدنيا. ولما ~~كانت حياتنا المعاصرة يغلب عليها التقليد، بل وأشنع أنواع التقليد؛ تقليد ~~الرؤساء الذين لا هم بالعلماء ولا بالفضلاء ولا الأنبياء، بل وتعدى التقليد ~~إلى النفاق والمدح وأصبح رياء ومداهنة. وأصبح الدافع على التقليد ليس طلب ~~النصح والاسترشاد برأي الآخرين، بل تحقيق مصلحة عاجلة أو درء خطر حقيقي أو ~~متوهم؛ فإن تحريم التقليد واجب قومي وشرعي. وقد كان القدماء على وعي بذلك ~~فأجمعوا على رفضه، وكانوا أكثر تقدما مما نحن عليه الآن بدفاعنا عنه ~~واتهامنا لكل من يخرج على التقليد بالخروج والمادية والإلحاد والتبعية والعمالة. # 28 ~~(4) المطابقة في العلم # وبعد أن رفض القدماء مضادات العلم من ~~شك وظن ووهم وجهل وتقليد، لم يبق إلا العلم. ومهما عسر تحديد العلم، فإن ~~الإنسان قادر على أن يصل إليه حتى ولو بأبسط الطرق، وهو طريقة القسمة والمثال؛ ~~مما يدل على أن تأسيس العلم ممكن وأن إقامة نظرية في العلم ممكنة. # 29 # والعلم عن طريق القسمة والمثال هو أحد طرق العلم المستعملة في علم ~~الكلام؛ إذ تؤدي القسمة إلى التمييز ms184 بين المستويات، في الغالب بين الأعلى ~~والأدنى، كما يؤدي المثال إلى القياس والتشبيه. ومع ذلك فطريق القسمة والمثال ~~ليس منهجا علميا يؤدي إلى تأسيس نظرية في العلم، بل أقصى ما يستطيعه هو ~~التصنيف، وقياس الشبيه بالشبيه. وعلى هذا النحو تستحيل معرفة «الله» معرفة ~~نظرية؛ لأن الله لا شبيه له، وإلا وقعنا في التشبيه لا محالة. وهو ما حدث ~~بالفعل في علم الكلام. حتى التنزيه لم يسلم من التشبيه أو على الأقل من ألفاظه ~~وتصوراته ومعانيه. هذا بالإضافة إلى أن التحديد بالقسمة تحديد خارجي محض ~~وليس تحديدا داخليا من بناء الموضوع وماهيته. وهو في حقيقة الأمر ليس حدا، ~~بل ترتيب وتصنيف وبناء لعلاقات الموضوع مع غيره دون وصف لبناء الموضوع ذاته. ~~وعلى هذا النحو يكون العلم «كل اعتقاد جازم مطابق لسبب»؛ فيتميز عن الظن ~~والشك وهما ليسا اعتقادين جازمين. كما يتميز عن الجهل وهو اعتقاد جازم غير ~~مطابق، كما يتميز عن التقليد الذي هو اعتقاد جازم مطابق لغير سبب. التعريف عن ~~طريق التصنيف والترتيب وصف خارجي وليس تحليلا داخليا لمضمون الشيء. وقد ~~تستكمل القسمة بالمثال ويتحدد العلم حينئذ عن طريق المثال، فيقال مثلا ~~العلم مثل إدراك البصر، وحدوث العلم مثل حدوث الصورة في المرآة. ولكن المثال أو ~~ضرب المثل ليس حدا تاما على تقول المناطقة، بل حد ناقص. وقد لا تكون ~~الصورتان مطابقتين تماما من كل ناحية، كما قد يغفل أحد جوانب الصورة أو يقرب ~~بين جانبين مختلفين أو يباعد بين جانبين متشابهين. ليس التشبيه حدا بل هو ~~تقريب للأفهام، ويكون أقرب إلى البلاغة والأدب منه إلى المنطق والعلم. والتمثيل ~~على ما تقول المناطقة أقل يقينا من القياس؛ لأنه يقوم على تشبيه الخاص بالخاص ~~دون منطق البرهان، على ما هو الحال في القياس، وشروط القياس المنتج والفرق بينه ~~وبين القياس غير المنتج. وقد استمر التعريف عن طريق القسمة والمثال في عقليتنا ~~المعاصرة وكما هو واضح في الأمثال العامية من قولنا: «العلم نور» أو «العلم في ~~الصغر كالنقش على الحجر» أو غيرها ms185 من الأمثال. # وقد يعرف العلم بالمعرفة، فكل علم معرفة، وكل معرفة علم، وكلاهما دراية ~~تقوم على سكون النفس. وهنا يتم التحديد عن طريق التعريف بشيء يحتاج إلى تعريف، ~~وبالتالي لا يمنع من الوقوع في الدور؛ حيث يكون الموضوع محمولا، والمحمول ~~موضوعا. العلم والمعرفة مترادفان، وكلاهما يتم في الشعور في نسق عقلي واحد. ~~وكلما كانت المعرفة دقيقة لها منهج وموضوع وغاية كانت أقرب إلى العلم منها إلى ~~مجرد الآراء والنظريات المتناثرة؛ لذلك كان العلم أو المعرفة واقعا لكل شيء، ~~بشرط الاعتقاد بالشيء على ما هو عليه بالاعتماد على شهادات الحس وأوائل العقول. # 30 # وقد حدث هذا الترادف في عقليتنا المعاصرة عندما وحدنا بين ~~المعارف والعلوم بالرغم من أن معارفنا لم تتحد بعد في مناهج دقيقة. فنظن ~~أن كل عارف عالم، وكل عالم عارف، مع أن العلم ليس هو المعارف، بل بناء نظري ~~يتأسس في الشعور، هو نظرية في العقل وفي الواقع وفي الشعور أكثر منه نتائج ~~ومكتشفات لتطبيقها في الحياة العملية. # ولا يمكن أن يكون العلم هو «اعتقاد الشيء على ما هو به»، # 31 # فقط لأنه إذا كان علما مطابقا فقد ينشأ هذا التطابق عن التقليد ~~وليس عن النظر. والنظر منهج العلم وطريقه؛ لذلك كانت المطابقة في العلم قائمة ~~على الضرورة أو الدليل أي المطابقة مع الحس أو مع العقل. وقد يكون التعريف ~~«معرفة المعلوم على ما هو به» أي مطابقة الحكم للواقع أو كما يقول الحكماء ~~«مطابقة عالم الأذهان مع عالم الأعيان». الحق والباطل في الأحكام، والصدق ~~والكذب في الأقوال. والواقع في هذه الحالة ليس هو العلم «الإلهي» أو «اللوح ~~المحفوظ» بل الواقع العريض. التجربة الإنسانية من الحياة ومن التاريخ، العلم ~~«الإلهي» هو الوحي الذي تكيف طبقا للواقع كما هو الحال في «الناسخ ~~والمنسوخ»، والذي هو نداء للواقع كما هو الحال في «أسباب النزول». # 32 # قد يكون اللوح المحفوظ هو قوانين التاريخ، وقد تحققت من قبل أي ~~صدقت في الواقع. العلم البسيط هو المطابقة للواقع، والعلم المركب هو العلم ~~بهذه ms186 المطابقة؛ أي العلم بالعلم. ويكون الجهل البسيط هو عدم المطابقة، والجهل ~~المركب هو الجهل بهذه المطابقة. لا يتعلق العلم بالمستحيل؛ فالمستحيل ليس ~~شيئا، أي غير ثابت في نفسه، والعلم علم بالأشياء؛ ومن ثم لا يتعلق العلم ~~إلا بالأشياء الممكنة. والممكن هو الشيء الذي يمكن التحقق من صدقه، فإذا كانت ~~معرفة الله مستحيلة، فإنها تكون خارج موضوع العلم، وإذا كان العلم هو «معرفة ~~المعلوم على ما هو به» يخرج «علم الله» لأنه ليس معرفة، ولا يمكن معرفته «على ~~ما هو عليه»، ولا يمكن ذلك إلا عن طريق التقريب والتشبيه أو طبقا لقياس الغائب ~~على الشاهد أو طبقا لتأويل النصوص، وهي كلها لا تكون نظرية عقلية في العلم. ~~كما يتضمن هذا التعريف نفس الدور السابق وهو أن العلم معرفة ، والمعرفة علم. ~~وهذا يدل على صعوبة تعريف العلم النظري. أما الرؤية المباشرة للواقع، وحدس ~~الماهيات، وإدراك البداهات، وهو طريق المطابقة، فإنه يحدد منهج العلم وليس ~~نظرية العلم؛ مما يدل على أن منهج العلم هو الذي يحدد نظرية العلم كما حدد ~~منهج علم الكلام تعريف علم الكلام. ولا يختلف في ذلك الأشاعرة عن المعتزلة إلا ~~في اتهام المطابقة عند المعتزلة بأنها تجعل العلم شاملا للتقليد؛ لذلك أضاف ~~المعتزلة «المطابقة عن ضرورة أو نظر» مع استبعاد العلم بالمستحيلات أو بوجود ~~الله، وهو اعتراض لا يقوم على أساس؛ لأن العلم لا يكون إلا علما بالممكن وليس ~~بالمستحيل، ولأن «وجود الله» ليس موضوعا للعلم بشخصه، بل بعلمه وهو الوحي، ~~والوحي علم وموضوع للعلم. # 33 # وكما يرتكز العلم بالمطابقة على أساس نظري في العقل، فإنه يقوم أيضا على ~~أساس شعوري في النفس؛ وبالتالي تظهر الصفات أو المعاني العقلية في النفس حتى ~~تتمايز وتتضح؛ وفي هذه الحالة يكون العلم «صفة توجب لمحلها التمييز بين المعاني ~~لا يحتمل النقيض.» # 34 # العلم موضوع أي صفة ومعنى متميز عن غيره، العلم هو المعنى القائم ~~بالنفس والقادر على التمييز بين المعاني المتناقلة، العلم علم للمعاني ومنهجه ~~الإيضاح، وكل نقيض له هو نقص في ms187 التمييز. # 35 # ترتبط الصفة بالنفس، ويصبح العلم هو ما يحدث في النفس من الواقع من ~~خلال التجربة. ومن ثم لا يمكن إخراج الحواس من المعاني؛ فالحواس طريق ~~الحصول على المعاني، والتجارب موطن لها. العقل هو الرصيد النهائي للمعاني ولكن ~~المعاني تنشأ من التجارب الحية في العالم. لا تتحقق المعاني الكلية إلا في ~~تجارب جزئية. التقابل بين الكل والجزء تقابل في المنطق الصوري لا وجود له في ~~تحليل التجارب الحية لإدراك معانيها المستقلة. لا يظهر المعنى إلا في موقف، ~~والموقف لا يمكن إلا أن يكون موقفا إنسانيا خاصا قد يتكرر بعد ذلك في ~~الزمان والمكان. وعلى هذا النحو يكون العلم هو الذي يوجب كون من قام به عالما. # 36 # فرغما من قيام هذا التعريف على الدور، تعريف العلم بالعالم الآن ~~يظهر الموضوع من خلال الذات؛ نظرا لأنه لا وجود لعلم بلا عالم. فإذا غاب ~~العالم غاب العلم. مما يشير إلى أهمية العلم في الصدور وأهمية موقف العالم. ~~صحيح أن العلم بناء نظري، لكنه موجود في شعور العالم، ويتحدد ببنائه، ويتحقق ~~ببواعثه. فالبناء النظري للعلم لا ينفصل عن تحققه العملي، لذلك ارتبط العلم ~~بالعلماء؛ إذا حضر العلماء حضر العلم، وإذا غاب العلماء غاب العلم، إذا فسد ~~العلماء انهار العلم، وإذا صلح العلماء قام العلم. ترتبط إذن الصفة أو الحال ~~بالإنسان، هل هما نفسه أم غيره أم لا هما نفسه ولا غيره بصرف النظر عن ~~ارتباطهما بالصفات والأحوال «الإلهية»؟ فإنها تعبر عن البناء الإنساني ~~والاجتماعي لنظرية العلم، دور العلماء في تأسيس العلم. # 37 # وبالإضافة إلى وجود العلم كحالة ~~للشعور، كما يركز المعتزلة، إلا أنه أيضا صفة ومعنى كما يركز الأشاعرة. # 38 # والحقيقة أن كون العلم حالا لا يقضي على موضوعية العلم؛ فالعلم ~~علم بالدليل، وبالتالي لا خوف من الوقوع في الذاتية النسبية. يظل النظر الصحيح ~~حالا مختلفا عن النظر الفاسد ولا سبيل إلى التماثل بين الحالين. النظر حال ~~للناظرين. وهناك فرق بين تصور العلم وحصوله؛ فقد يتصور المؤمن الإيمان دون أن ~~يكون مؤمنا، ms188 التصور عقلي وحصوله نفسي. ويدل الدليل بصيغته النفسية، ويمحو كل ~~شبهة. الدليل أيضا دليل وجداني. فإذا كان الدليل هو ما يتوصل إليه بصحيح ~~النظر، فإن السبيل المفضي إلى العلم بوجوب النظر «اختلاج الخواطر في النفس ~~وتعارض الجائزات في الحدس.» النظر علم شعوري؛ لذلك كان العلم صفة للحي؛ أي ~~حالة له وصفة للعالم. تعريف العلم إذن: «اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون ~~النفس إليه.» فإذا كانت الصفة للكائن الحي فالحياة شرط العلم؛ إذ لا علم ~~للأموات وللجمادات، والصفة هي التي يمكن إدخالها بعد ذلك في منطق اليقين ~~تصورا وتصديقا. فسواء كانت نقطة البداية الحالة أو الصفة، فكلتاهما تنتهي ~~إلى تحليل العقل. ويبدو أن إثبات العلم كصفة هو انعكاس لمسألة الصفات في ~~«الإلهيات» حين أثبت الاشاعرة الصفات وأثبت المعتزلة الأحوال. كما أن المسألة ~~انعكاس للطبيعيات، فإثبات الصفة موجه ضد نفاة الأعراض والذين يعتبرون الصفات ~~أجساما. # وقد ارتبطت نظرية العلم أيضا بالعمل والممارسة؛ فإذا كان العلم حالة شعور، ~~فالإرادة أيضا حالة شعور، ومن ثم يكون الشعور مصدر العلم والإرادة معا، ~~ومنبع النظر والعمل سواء. وقد يرمز لهذا التوحيد أيضا في الذات المشخصة في ~~الإلهيات عندما يوحد فيها بين العلم والإرادة. يشمل العلم القدرة، فعل النظر ~~وفعل الإتقان كلاهما مكونان للعلم؛ لذلك فضل البعض جعل العلم «ما يصح ممن قام ~~به إتقان الفعل»، وبالتالي تدخل القدرة على تحقيق العلم. ولا يمكن الاحتجاج على ~~هذا التعريف بعلم الإنسان بنفسه وبالله؛ فذاك أيضا ممكن التحقيق؛ إذ يحقق ~~الإنسان ذاته بتحقيقه رسالته وغايته في الحياة، ومشروع عمره. كما يحقق الإنسان ~~علمه بالله عن طريق تحقيق مقاصد الوحي في العالم، وتحويل الوحي إلى نظام مثالي ~~للعالم، وتحويل العقيدة إلى شريعة، والتصور إلى نظام؛ فالتوحيد ليس نظرا فقط ~~بل عمل أيضا، إدراك وسلوك، فكرة وفعل. # 39 # أما تعريف العلم بأنه «اعتقاد جازم مطابق لموجب»، # 40 # فإنه يخرج التصور من تعريف العلم لأن التصديق هو الذي يطابق أو لا ~~يطابق، كما أن الجزم في الاعتقاد قد يحيله إلى ms189 تعصب وهو ورفض للحوار، وإذعان ~~للمعارض، والتوقف عن التغير والاتساع طبقا للقرائن الجديدة. العلم ليس ~~اعتقادا جازما، بل معرفة نظرية مفتوحة؛ لذلك عرف الحكماء العلم بأنه «حصول ~~الشيء في العقل.» أو «تمثل المدرك في نفس المدرك.» # 41 # وهو تعريف صوري خالص يقوم على إثبات الوجود الذهني للأشياء ~~وتحويلها إلى صور ومعقولات، وينكر دور الحس والمشاهدة والتجربة، بل وينكر وجود ~~الأشياء المادية ذاتها والتأثير عليها وتحريكها وتغييرها والعيش معها، ورؤيتها ~~رؤية مباشرة. وهو تعريف تطهري خالص يقوم على عالم المعقولات كبديل عن ~~الإيمان، كما أنه لا يبين مستوى اليقين في هذا الإدراك، هل هو الشك أم الظن أم ~~الوهم أو الجهل أو التقليد؟ فقد تحصل الصور في النفس بإحدى هذه المراتب في ~~اليقين، وقد تكون علما وقد لا تكون علما، قد تكون صورة ذهنية وقد تكون ~~تخيلا . فبالرغم من أن تعريف العلم بالمطابقة يشير إلى الذهن، فإن المتطابق ~~يكون مع وجود الأشياء في الذهن؛ أي تطابق العقل مع نفسه. العلم هنا بناء الذهن ~~أو صورة الشيء في العقل، وبالتالي لا يختلف العلم عن باقي مكونات الحياة ~~العقلية من تخيل وتذكر. ونظرا لهذه الصورية في تحديد العلم، فقد يعني ~~العلم أيضا عدم النقيض طالما أن التحليل الصوري يقوم على الاتساق. والنقيض ~~يحدث في العلوم الجزئية ولكن مطلق العلم لا نقيض فيه. وإذا كان هذا التحديد ~~العقلي للعلم يتجاوز الانطباع الحسي والسكون النفسي، فإنه يصل إلى تحليل ~~المعاني الكلية الخالصة. والحقيقة أنه لا يتحدد العلم بهذا المستوى الصوري ~~الخالص إلا بعد نشأة العلم في الشعور ثم تحويل مناطق الشعور إلى «أنطولوجيا» ~~خالصة. حينئذ يمكن الاستغناء عن العالم الحسي والتجربة الحية وأفعال الشعور. ~~ولا تجعل المطابقة مع الذهن العلم مجرد صورة بل هو معنى أو صفة أو موضوع. وهو ~~ما سيصبح في علم أصول الدين المتأخر نظرية في المنطق، تصورا وتصديقا، فإذا ما ~~أحدث العلم انكشافا في الشعور فإنه يتحول بعد ذلك إلى قضايا عقلية. # تتجه التعريفات السابقة كلها نحو المطابقة، وتظهر المطابقة في ms190 العقل وبالشعور ~~ومع الواقع؛ لذلك تفاوتت حدود العلم في ثلاث: المطابقة مع الواقع، والمطابقة في ~~العقل، والمطابقة في النفس. المطابقة مع الواقع تمنع أن يكون العلم وهما أو ~~خيالا. والمطابقة في العقل تجعل العلم متسقا مع نفسه قائما على البرهان، ~~والمطابقة في النفس تجعل العلم تمثلا واعتقادا ويقينا. العلم إذن مطابقة ~~الشعور مع نفسه أو هو سكون النفس وتوطينها واطمئنانها وذلك لأن العقل والواقع ~~مجالان للشعور وقطبان له. العلم في الشعور، والشعور مركز اللقاء بين العقل ~~والواقع. لم تجد التعريفات السابقة للعلم بالمطابقة في العقل ومع الواقع ~~مناصا من التعرض لأفعال الشعور في صورة أنماط للاعتقاد وعمليات التوضيح ~~والبيان؛ فأصبح العلم هو الاعتقاد الجازم أو التبيين والاستبصار أو الفهم ~~والفقه والفطنة والإحاطة والإدراك حتى يصل في النهاية إلى سكون النفس ~~والاطمئنان إليه. فالعلم أوسع نطاقا وأشمل من المطابقة مع الواقع فحسب. إذا ~~وقع العلم بعد الشك كان التبيين والتحقق والاستبصار، وإذا كان عملا للعقل ~~سمي فهما وفقها وفطنة. قد يكون العلم هو العقل أو الإحاطة أو الوجود طبقا ~~للحظة العلم وبنائه في الشعور. ولا يدخل هنا موضوع العلم، القديم أو ~~المستحيلات، بل أفعال الشعور المؤدية إلى العلم. ولا يعني وجود العلم في الشعور ~~اتجاها سلبيا أمام الأشياء، مجرد الحصول على انطباعات حسية منها، وأن الشعور ~~لا يكون إلا محصلا مكتسبا مستقبلا بل هو اتجاه إيجابي نحوها لإنارتها ~~وإدراك دلالتها وتعقيلها وتنظيرها وفهمها. يشمل العلم سكون النفس بالنسبة لشيء ~~ما مع إدراك دلالته. الشعور موطن السكون، والواقع به الأشياء، والدلالة ~~يحللها العقل. وعلى هذا النحو يحمي العلم نفسه أولا من الوقوع في الصورية ~~والتجريد لارتباطه أيضا بالشعور الحي وبالواقع الملموس، كما يحمي نفسه ثانيا ~~من التجريبية الفجة لارتباطه أيضا بالشعور الحي وبالعقل، كما يحمي نفسه ثالثا ~~من الوجدانية الانفعالية الخالصة لارتباطه بالواقع الحسي وبالعقل النظري. للعلم ~~إذن كيانه الذاتي والموضوعي، الصوري والمادي بفضل بنائه الشعوري. # | ثالثا: أقسام العلم # (1) العلم الإنساني # كما أن تعريف العلم لا يكون إلا للعلم الإنساني، فالعلم الإلهي ms191 ليس صفة ~~مشخصة للذات، بل هو الوحي المنزل الذي أصبح علما إنسانيا بمجرد كتابته ~~وقراءته وفهمه وتفسيره، فكذلك أقسام العلم لا تكون إلا للعلم الإنساني إلى ~~ضروري ومكتسب أو إلى تصور وتصديق، أو إلى بديهي واستدلالي. لا يقسم العلم ~~إذن إلى إلهي وإنساني، قديم وحادث، علم خالق وعلم مخلوق. فهذه قسمة دينية تقوم ~~على التشخيص بالنسبة إلى العلم الإلهي، وعلى احتقار الذات بالنسبة إلى العلم ~~الإنساني. كما أنها قد تقوم على التملق والمداهنة والنفاق فنجعل العلم ~~الإنساني محدودا والعلم الإلهي غير محدود، وتكون غاية الإنسان التقرب إلى الله ~~وسؤاله العطاء المعرفي أولا ثم الشيئي ثانيا. الأول ينقسم إلى ضروري ~~واستدلالي في حين أن الثاني لا ضرورة فيه ولا استدلال؛ لأنه يتعالى على ذلك ~~ويجاوز هذه القسمة. ويصل حد احتقار الذات إلى وضع العلم الإنساني مع علم ~~الحيوان! كما يصل حد التملق إلى وضع العلم الإلهي مع علم الملائكة ~~والجن! # والحقيقة أننا لا نعلم إلا علما واحدا هو العلم الإنساني. ولا ندري عن علم ~~الحيوان إلا ما يعلمه الإنسان عن الحيوان. ولا ندري عن علم الملائكة أو علم ~~الجن إلا ما يعلمه الإنسان عن هذه العلوم بعد إثبات وجود مثل هذه المصادر ~~للعلم. ولا نعلم عن «علم الله» إلا ما هو موجود في كتاب مدون بلغة معروفة ~~وبعقل يفسر ويفهم ويعقل ويتمثل ويحقق وهو الإنسان المكلف. لا يوجد إذن في هذه ~~العلوم الثلاثة، لو وجدت، إلا العلم الإنساني كطريق لها. نحن لا نعلم عن هذه ~~العلوم الثلاثة شيئا إلا من خلال العلم الإنساني. وقد تكون أدخل في مضادات ~~العلم في الشك أو الظن أو الوهم أو الجهل أو التقليد منها إلى العلم؛ فهي ~~اعتقاد جازم غير مطابق أو هي اعتقاد جازم مطابق من غير سبب. لا يمكن الحديث ~~عن علم الملائكة أو علم الجن لأنه ليس لدينا تجارب عن هذه العلوم. وعلم الحيوان ~~أقرب إلى لغة التخاطب منه إلى علم يقوم على التصور والتصديقات، ويعتمد على ~~النظر والاستدلال. ولا يقال إن ms192 هذه العلوم الثلاثة مذكورة في القرآن؛ # 1 # وذلك لأن الوحي بمجرد نزوله يصبح علما إنسانيا، ويتحول بمجرد ~~قراءته وفهمه إلى علوم إنسانية مثل علوم القرآن وعلوم التفسير وعلم القراءات ~~وعلوم أخرى جزئية متضمنة في علوم القرآن مثل علم أسباب النزول، وعلم الناسخ ~~والمنسوخ، وعلم المكي والمدني، وعلم المحكم والمتشابه ... إلخ، وذلك من حيث ~~التدوين والتفسير. أو يتحول إلى علوم عقلية شرعية مثل علم أصول الدين، وعلم ~~أصول الفقه، وعلوم الحكمة، وعلوم التصوف. أو يتحول إلى علوم عقلية خالصة مثل ~~العلوم الرياضية والطبيعية أو إلى علوم إنسانية خالصة مثل علوم الجغرافيا ~~والتاريخ واللغة والأدب. # 2 # العلم إذن ليس قديما أو حادثا، بل هو العلم الإنساني الذي ينشأ ~~في الشعور، يحلله العقل، ويصدقه الواقع. هو حادث بحدوث الشعور وقديم بقدم ~~الشعور إذا كان مختزنا فيه واستدعته الذكريات أو إذا كان مسلمات في العقل لم ~~ينشأ من التجربة في مقابل العلم الحادث الذي ينشأ من التجربة أو إذا كان ~~«أنطولوجيا» خالصة تكشف عن مناطق مثالية للشعور أو أنماط نموذجية فيه. العلم ~~القديم هو الذي يعتمد على التاريخ وعلى المعلومات المتراكمة وعلى خبرات الماضي، ~~أما العلم الحادث فينشأ في العصر ويحدث في الجيل. إن افتراض أن علومنا محصورة ~~في مقابل علوم «إلهية» لا يمحوها حصر؛ مزايدة دينية وقول مجاني لا يهدف إلا ~~إلى الإعلان عن الذات، ولا يعبر إلا عن إيمان طفولي، ولا يهدف إلا إلى ~~السيطرة على العامة وفرض الوصاية عليها، وذلك لأنه فوق كل ذي علم عليم! والعلم ~~الإنساني في حقيقة الأمر ليس محصورا ولا محاصرا؛ فالعقل قادر على إيجاد ~~أنساق شاملة يضع فيها موضوعاته، كما أن الشعور قادر على رؤية المعاني ~~والدلالات كماهيات مستقلة. والواقع نفسه عريض ومتسع وشامل، يعطي وقائع لا حصر ~~لها كحوامل للمعاني. وأن فكرة وجود علم غير محدود فكرة إنسانية خالصة، لها ~~وظيفة معرفية في الاستمرار في البحث، والاستكشاف المستمر لقوانين الطبيعة، ~~ورفض الجمود المذهبي والقول النهائي في العلم. # 3 ~~(2) العلم بديهي ضروري أو استدلالي نظري؟ # لما ms193 كان العلم «القديم» افتراضا محضا خارجا عن نظرية العلم، # 4 # وهو أحد صفات الله التي لم تدخل بعد كموضوع للعلم؛ فالعلم لم ~~يتأسس بعد، لم يبق إلا قسمة العلم الإنساني إلى علم ضروري بديهي فطري، ~~وعلم استدلالي نظري مكتسب. الأول علم اضطراري يجده الإنسان بنفسه، ويشعر ~~به دون أدنى شك ودون أن يستطيع له دفعا، يأتي الإنسان مهاجما له ولا يمكن ~~الشك فيه. أما الثاني فإنه يحتاج إلى رؤية وتدبر، ويقوم على فكر وطريقة ~~للنظر، ويعتمد على الحجة والبرهان، يمكن الشك فيه، ثم الانتقال فيه من الشك إلى ~~اليقين. لا يقع العلم الضروري بفعل قدرة خارجية، بل يحدث من طبيعة النفس ~~وبقدراتها الخاصة. ولا يحدث العلم الاستدلالي بقدرة خارجية كذلك، بل هو كسب ~~للإنسان بأعمال الجهد والنظر. وإذا كان الإنسان لا يحتاج في العلم الضروري إلى ~~جهد وإعمال نظر، فإنه يحتاج في الاستدلال إلى الجهد والنظر. # 5 # وقد يسمى العلم الضروري العلم البديهي ويعني ما لا يقترن بنفع ~~أو ضرر؛ أي المعرفة الخالصة، في حين أن المعرفة الضرورية قد تقترن بنفع أو ضرر، ~~أي المعرفة الخالصة في حين أن المعرفة الضرورية قد تقترن بنفع أو ضرر لأنها ~~المعرفة الحسية المباشرة، والوجدانية التلقائية التي قد تؤدي إلى اللذة والألم ~~والتي قد ينتج عنها الفرح والحزن. وقد يكون البديهي أخص من الضروري؛ إذ إن ~~البديهي أقرب إلى المعرفة العقلية الخالصة، في حين أن الضروري يشمل الضروري ~~الحسي والعقلي معا، المادي والصوري في آن واحد. # 6 # وكما يكون الضروري بديهيا يكون الاستدلالي مكتسبا. العلم ~~الضروري فطري، والعلم الاستدلالي كسبي. وقد آثر القدماء لفظ الضروري على لفظ ~~الفطري فليس المهم «نشأة» العلم بقدر وجوده. # ولكن إلى أي حد تكون هذه القسمة فاصلة حادة بين العلمين؟ ألا يوجد علم ~~ضروري فطري بديهي يكون في نفس الوقت، على الأقل في نشأته، مكتسبا من ~~التاريخ وتراكم المدركات الحسية، ومحاولات الصواب والخطأ التي عبر بها الفرد، ~~وتتالت على الجماعة، والتي تحدد في النهاية تصورات العالم وخصائص الشعوب؟ ~~«أنا ms194 حر» تجربة ضرورية، ولكن أكتسبها كل يوم بالممارسة حتى تتحول عندي إلى ~~علم ضروري. # 7 # والعلم الفطري ليس فرديا فحسب بل هو علم جماعي وتاريخي يظهر في ~~الأمثال العامية، وحكمة الشعوب، وهي فطرة الناس التي تتراكم، وتتوارثها الأجيال. # 8 # وإذا كان كل علم كسبي هو علما نظريا استدلاليا، فالكسب لا ~~يأتي إلا بالنظر والاستدلال؛ ألا يمكن للكسب أيضا أن يأتي من الحس والمشاهدة ~~والتجربة والعادة؟ # 9 # وقد يمتد السؤال إلى بناء العلم كله متوجها إلى هذه القسمة ~~الحادة الفاصلة فيكون: هل يمكن أن تتحول العلوم الضرورية إلى استدلالية ~~والعلوم الاستدلالية إلى ضرورية؟ ليس السؤال: من الفاعل؟ هل هو فاعل خارجي ~~«الإرادة الإلهية»؛ إذ إنها لا تثبت إلا بعد تأسيس نظرية العلم أو بفعل داخلي ~~في الشعور نتيجة النشأة والتكوين في نظرية العلم، وهو أمر ممكن إثباته؟ مما ~~لا شك فيه أن الحد الفاصل بين العلوم الضرورية والعلوم الاستدلالية صعب المنال؛ ~~إذ لا يمنع العلم الضروري من نظر؛ إذ تختلف الضروريات في الوضوح والخفاء؛ لذلك ~~يمكن تصور كل علم ضروري علما استدلاليا، وكل علم استدلالي علما ضروريا. # 10 # ولما كان العلم الضروري هو الأساسي فيمكن للعلم الاستدلالي أن ~~ينقلب إلى ضروري دون أن ينقلب العلم الضروري إلى استدلالي بالضرورة. الحقائق ~~المطلقة ضرورية، والحقائق الإنسانية قد تكون ضرورية أو استدلالية، وإذا كانت ~~ضرورية تصبح حقائق مطلقة. ولكن لا يمكن أن تصبح الحقائق المطلقة استدلالية وإلا ~~كانت حقائق إنسانية عرضة للخطأ والصواب. # 11 # وهناك شواهد عديدة تثبت وجود علم ضروري في أمور يظن أنها ~~استدلالية مثل وقوع الحوادث على وتيرة واحدة ووفقا لقانون أو نظام لا يعني ~~أنه علم نظري، بل قد يكون علما ضروريا مطردا في الطبيعة البشرية. أو مثل ~~حدوث المعرفة الضرورية طبقا للدواعي والمقاصد فهي أدعى إلى أن تكون ضرورية ~~منها إلى نظرية. لا يوجد إذن حد فاصل بين المعرفة الضرورية والمعرفة ~~الاستدلالية؛ فإن ما يعرفه البعض ضرورة قد يعرفه الآخر استدلالا، وما يعرفه ~~البعض استدلالا قد يعرفه البعض الآخر ms195 ضرورة. هذا بالإضافة إلى أن العلوم ~~الضرورية هي المبادئ اليقينية التي يقوم عليها العلم الاستدلالي؛ فهما لا ~~يكونان نوعين من العلوم، بل هما درجتان للمعرفة وفعلان متمايزان للشعور. # 12 # وقد تحولت هذه القسمة للعلم إلى ~~ضروري واستدلالي في علم الكلام المتأخر؛ إلى قسمة منطقية نظرا لسيادة علوم ~~الحكمة على علم أصول الدين، ونظرا لأن المنطق في علوم الحكمة آلة للعلوم، ~~وبالتالي فهو يعادل نظرية العلم في علم أصول الدين. فالعلم إما تصور أو ~~تصديق. التصور هو العلم الضروري البديهي، والتصديق هو العلم الاستدلالي الكسبي. # 13 # التصور بديهي لأنه «مشعور» به قبل طلبه، والتعريف بالماهية تعريف ~~للشيء بنفسه أو تعريف يستلزم تعريفا آخر يقوم على تصور. فإما أن نقع في ~~الدور أو نسلم بوجود تصورات بديهية ليست في حاجة إلى تعريف. لا يطلب التصور ~~إذن لأنه بديهي، وإذا طلب تصور للنفس أو للروح فإنما ذلك تفسير لفظ أو طلب ~~برهان وكلاهما تصديق. وعلى هذا النحو قد يصبح العلم الضروري هو تعريف مطلق العلم. # 14 # ويظل السؤال الأول قائما: هل يوجد تصور كسبي استدلالي ~~نظري، وهل يوجد تصديق ضروري بديهي فطري؟ قد تحتاج بعض التصورات إلى نظر ~~مثل الجزء والكل، والوجود والعدم، كما تحتاج بعض التصديقات إلى استدلال مثل ~~وجود الله. وقد لا تحتاج بعض التصديقات إلى استدلال إذا أمكن تصور المقدمتين ~~معا والانتهاء إلى النتيجة المباشرة. هناك إذن تصوران: تصور بسيط ساذج، وتصور ~~يتضمن تصنيفا. كما أن هناك تصديقين: تصديق بسيط ساذج، وتصديق يقوم على أحكام ~~متتالية. هناك تصور بسيط وآخر مركب، وتصديق بسيط وآخر مركب. والحقيقة أن ~~التصورات والتصديقات ليست مقولات مستقلة للعلم، بل أفعال للشعور تتفاوت بين ~~البساطة والتركيب. وقد تكون بعض التصورات السمعيات كسبية مثل «الجن» ~~و«الملائكة». وفي هذه الحالة يجب أن تتفق مع شهادة الحس وبداهة العقل والوجدان، ~~وبالتالي ترجع إلى الضرورية. أما التصديقات البديهية فهي إدراكات حسية يمكن ~~الاستدلال عليها مثل قوانين الفكر الأولية. # 15 # قسمة العلم إذن إلى تصور وتصديق قسمة منطقية أي صورية خالصة ms196 ~~تجعل العلم مجرد تصورات وأحكام مع أن التصورات نفسها تنشأ من طبيعة الذهن وهي ~~البديهيات والأوليات، والبعض الآخر ينشأ من الحس والمشاهدة. التصور أحد مراحل ~~بناء العلم، أما الأحكام فبعضها فطري ضروري وبعضها مكتسب نظري، قد تصدر ~~بالعقل وقد تصدر بالوجدان، وقد تكون نتيجة للعادات الاجتماعية. تنشأ التصورات ~~في مواقف إنسانية معينة وتتحكم في التصديقات البواعث والمصالح. لا يوجد إذن ~~بناء منطقي صوري خالص. وقد تبلغ قسمة المنطق إلى تصور وتصديق من الأهمية ~~بحيث تصبح هي ذاتها نظرية العلم. وتصبح نظرية المنطق الجامع بين علم أصول الدين ~~وعلوم الحكمة، ويكون التمييز بين التصور والتصديق هو الحكم المنطقي إثباتا ~~ونفيا. وهنا لا يكون المنطق منطقا بل بحثا في المبادئ العامة في أوليات العلم، # 16 # والحقيقة أن قسمة العلم إلى ضروري واستدلالي إنما ترجع في نهاية ~~الأمر إلى شهادة الحواس ومعطيات الوجدان؛ أي إلى الرؤية المباشرة للواقع ~~وإدراكه ابتداء من مقاصد الوحي وقياس المسافة بين الواقع والمثال، فالرؤية ~~المباشرة للواقع والتنظير له هي أساس العلمين الضروري والاستدلالي. ~~(3) إثبات العلم الضروري # العلم الضروري هو العلم الفطري البديهي الذي يعتمد على الحس والعقل ~~والوجدان، يجده كل إنسان في نفسه دون تعلم أو تكسب، مثل الحسيات ~~والبديهيات والوجدانيات، هو موجود في استعدادات الفطرة. ولا يمكن القول في هذه ~~المرحلة من تأسيس العلم إنه من خلق «الله»؛ لأن الله لم يثبت بعد ولم يظهر ~~بعد كموضوع في بناء العلم؛ فما زال الحديث قائما عن إمكانية قيام نظرية في ~~العلم. لا يمكن إذن جعل العلم كله نظريا بدعوى خلو النفس من الأفكار الضرورية ~~وحدوث العلوم كلها من خلال الكسب؛ لأن نقصان الاستعداد لا يعني غياب العلم الضروري. # 17 # ولا يزول العلم الضروري بالغفلة والنوم؛ لأن الحياة واليقظة والوعي ~~شروط للعلم. فإن لم تحدث المعرفة الضرورية عند شخص ما، فإن ذلك قد يعني أن ~~شعوره كان غافلا، أو أنه قد فقد التوازن بين مستوياته وفقد القدرة على البيان ~~والإيضاح، وأن عدم وجوده عند البعض لا يعني عدم وجوده ms197 مطلقا. ولا يعني اختلاف ~~العلماء فيما بينهم انتفاء العلم الضروري، بل يعني فقدان الشعور شروطه كالحياة ~~أو التجرد أو التوازن؛ فالعلم الضروري عام ومشترك بين العقلاء جميعا، ~~واختلافهم لا يدل على انتفائه، بل قد يشير إلى وجود بعض معارف موروثة تمنع من ~~حدوث المعرفة الضرورية. كما لا تعني ضرورة الشك وأوليته على المعارف الضرورية ~~نفيها؛ لأن وظيفة الشك في نقد الموروث وتأسيس اليقين وإثبات المعارف الضرورية. ~~فإذا ما توافرت الشروط العادية له وجد العلم. إذا وجد إنسان يحيا له حس وعقل ~~وقلب يكون له بالضرورة، علما ضروريا، شهادة الحس، وأوائل العقول، وبداهات ~~الوجدان. # فالعلم الضروري هو القائم على الحس والمشاهدة، وتعني أصلا حاسة البصر، ثم ~~امتدت حتى شملت الحواس الخمس عند القدماء. فلا يمكن إنكار ضرورة الحس دفاعا عن ~~ضرورة العلم النظري بحجة أن الحس لا يمكن أن يكون مصدرا للحكم على الكليات إلا ~~عن طريق الافتراض والاطراد والتعميم. كما أن الحس قد يقع في الخطأ في إدراك ~~الجزئيات؛ إذ ترى الصغير كبيرا والكبير صغيرا، وتشعر بالحار باردا وبالبارد ~~حارا، ونرى الثلج أبيض وهو ليس كذلك، كما أن الحس لا يميز بين الأمثال. # 18 # وكذلك يرى الإنسان صعوبة في التفرقة بين النوم واليقظة. والحقيقة ~~أن الاطراد أساس القانون العلمي، والتعميم يقين عقلي تندرج تحته كل الجزئيات. ~~أما خطأ الحواس في إدراك الجزئيات، فإنه لا يحدث إلا إذا تجاوز الحس ~~إمكانياته، ولم تتحقق شروط الإدراك مثل مسافة الرؤية، واعتدال المزاج، والشعور ~~المحايد. واليقين الحسي لا يقل عن اليقين العقلي. ليست كل الرؤى عمى ألوان، ~~وليس الإدراك الحسي كله خداع. والحس قادر على التمييز بين الأمثال لأنه قادر ~~على إدراك الجزئيات، والعقل قادر على تصور أوجه الشبه بينها، كما أنه يمكن ~~التفرقة بين اليقظة والنوم مهما كان الإنسان مستغرقا في النوم، تضغط عليه ~~الأفكار والرؤى؛ فإنه بمجرد أن يستيقظ يدرك الفرق بين اليقظة والنوم، ومهما ~~استغرق الإنسان في أفكاره وأحلامه وهو يقظ فإنه يدرك بمجرد عودته إلى الوعي ~~بالواقع أنه كان في ms198 لحظة استغراق. إن الحواس لا تخطئ إذا كانت بريئة من الآفات، ~~وإذا كانت تعمل في مداها الطبيعي، وإذا كانت تؤدي وظائفها المحددة. # 19 # والعقل قادر أن يفرق بين الصواب والخطأ في المدركات الحسية، كما ~~أنه يمكن اللجوء إلى مجرى العادات للتفرقة بين النوم واليقظة. إن الحس السليم ~~لا يخطئ، وخطأ الحواس راجع إلى آفة فيها وليس إلى طبيعتها. ولا يوجد برهان على ~~شهادات الحس لأنها معارف ضرورية، والمعارف الضرورية لا تحتاج إلى برهان، كما ~~يستحيل البرهان نفسه دون مقدمات ضرورية لا تحتاج إلى برهان، وإلا وقعنا في ~~الدور أو التسلسل إلى ما لا نهاية. هذا بالإضافة إلى أن خطأ الحواس هو الفرع ~~والبداهة الحسية هي الأصل، خداع الحواس هو الاستثناء وسلامة الإدراك هي ~~القاعدة. هناك حقائق حسية لا يمكن أن تكون خداعا أو وهما، مثل أني جالس الآن، ~~أكتب، والقلم في يدي، وأني أتنفس وأحيا وأفكر، أو أنك الآن تقرأ وتفهم وتستوعب ~~وتحيا وتتنفس وتفكر، أو كأني محتل، مقهور، متخلف، وأن أمامي فقرا وتغريبا ~~وفتورا. هذه الحقائق الوجودية شهادات حسية لا يمكن إنكارها. # 20 # قد تكون الأسباب في إنكار العلوم الضرورية اجتماعية صرفة لا شأن ~~لها بنظرية العلم، مثل الغفلة والإعراض عن الحق، والاشتغال بطلب المعاش أو ~~بزيادة جاه أو مال أو سعيا وراء منصب، وهذا يمكن تجاوزه عن طريق التجرد، ~~واعتبار العلم غاية وليس مجرد وسيلة للمعرفة. وقد يكون تقليد العلماء طبقا ~~لحسن الظن أو الاستحسان أو الهوى مع رفض البرهان وسماع هواجس النفس، والتقليد ~~ليس علما بل علم مضاد. وقد يكون الإنكار باللسان لما يصدقه القلب طمعا في ~~رئاسة أو منصب أو جاه أو خوفا من فقد ميزة. وهذا ناشئ عن موقف العالم وليس عن ~~نظرية العلم وعن ارتباط العلم بموقف العالم واتجاهه، وارتباط النظرية بالبواعث ~~والدوافع والرغبات. كما صعب إنكار المعارف الضرورية من الخصوم لأنهم ينكرونها ~~بمعارف ضرورية وليست معارف الإنكار بأولى من معارف الإثبات. وإذا كانت هناك ~~براهين يقينية على إنكار المعارف الضرورية، فإثبات العلم بها ms199 أولى. وهي نفس ~~الحجة التي تقال أيضا ضد مواقف الشكاك المنكرين للعلوم على الإطلاق. إن إنكار ~~المعارف الضرورية هو إنكار لإمكانية تأسيس العلم وهدم له مع أن الغاية من تأسيس ~~نظرية العلم إقامة «نسق» للعقائد، وبالتالي تستحيل إقامة العقائد. وفي هذه ~~الحالة يكون «الكفر» ضروريا ما دام ليس هناك علم ضروري لإثبات «الإيمان». # 21 # والعلم الضروري هو مطلق العلم بصرف النظر عن موضوع العلم، مثل العلم «بالله». ~~ليس العلم هو العلم الخاص، بل هو العلم العام من حيث هو معرفة دون تحديد موضوع ~~معين، مثل معرفة «الله». مع ذلك لا تمتنع مثل هذه الموضوعات أن تكون موضوعات ~~معرفية مثل البحث عن الخالص أو الشامل أو المطلق أو الفكرة المحددة. ولكن يتم ~~ذلك في نطاق التصورات وعمل الشعور وليس بطريقة التشخيص. # 22 # وهو العلم الضروري الذي يقوم على شهادة الحس في هذا العالم وليس في ~~عالم آخر بعد الموت أو قبل الميلاد، مشاهدة في الحاضر وليس رؤية مستقبلية ~~لما لم يقع بعد. يمكن معرفة الماضي بالعلوم التاريخية والمستقبل بالعلوم ~~المستقبلية. وكلا العلمين يتمان في الحاضر طبقا لشهادة الحس والعقل ~~والوجدان. يمكن معرفة الله ضرورة من حيث هو مبدأ معرفي أو أخلاقي أو كمساواة ~~إنسانية وبناء اجتماعي، فتلك بداهات وجدانية واجتماعية. # 23 # ولا يمكن أن تكون معارف الوحي مثل «إثبات الصانع وصفاته والنبوات» ~~نموذجا للمعارف الضرورية لأن الوحي يقوم على الاستدلال، والجاهل بها مكلف ~~بالنظر. وأن الغاية من العلم إثبات العقائد بالنظر. لا يوجد إلا علم ضرورة ~~بالمشاهدة بعد انقضاء زمن المعجزات؛ فقد أدت المعجزات دورها في التاريخ، وهو ~~تحرير الشعور من أسر الطبيعة، وإبراز التوحيد - التعالي - في شعور الإنسان. بعد ~~أن تحقق ذلك، واستقل الشعور والعقل والفعل أصبح العلم قائما على شهادة ~~الحواس وبداهات العقول وليس فقط على إثارة المشاعر وإلهاب الخيال. # 24 # وهناك فرق بين المعارف الضرورية والأفعال الاختيارية. الأولى ~~ضرورية تتعلق بأفعال الشعور الداخلية، والثانية تتعلق بإرادة الإنسان وأفعالها ~~الخارجية. الأولى لا يستطيع لها الإنسان دفعا لأنها مرتبطة بحياة ms200 الإنسان ~~الشعورية، والثانية أفعال إرادية خالصة يكون الإنسان فيها مخيرا بين ~~الفعل والترك. # 25 # ولا يمكن إنكار البديهيات العقلية بحجة أنها أضعف من الحساب؛ فهي فرع لها، ~~ولأن «من فقد حسا فقد فقد علما.» أو بالاعتماد على عدة حجج كلها لا ~~تثبت للنقد، وقابلة للتفنيد. # 26 # فإن قيل: إن أجلى البديهيات مثل أن الشيء إما أن يكون أو لا يكون ~~غير يقيني، فبين الوجود والعدم هناك الحال، وهو التوسط بينهما، كما أن هناك ~~أشياء لا هي وجود ولا عدم. ومثل ما يقال في البديهيات المشهورة، الكل أعظم من ~~الجزء فهناك جزء آخر معتبر وغير معتبر، أو أن الأشياء المساوية لواحد متساوية، ~~فهي واحدة وليست واحدة، أو أن الجسم الواحد لا يكون في آن واحد في مكانين؛ ~~فالألم في جسمين، والجسم الآخر معتبر وغير معتبر. كما أنها تتوقف على تصور ~~المعدوم وتصور المعدوم يجعله ثابتا وهذا تناقض. كما يتوقف على تميز المعدوم عن ~~الموجود. وكذلك يستحيل ثبوت الشيء وعدمه في نفسه أو لغيره. والحقيقة أن ذلك ~~نقل صوري للبداهة من مستوى العقل النظري إلى مستوى الميتافيزيقا الخالصة التي ~~يكون فيها العقل محلا للتجارب الإنسانية وليس عقلا بديهيا صوريا خالصا. ~~البديهات أمور بديهية، والقدح فيها افتعال غير بديهي. والعلوم الرياضية كلها ~~تقوم على البديهات، والقدح في البديهات هدم لأسس العلوم الرياضية. وإن قيل: ~~هناك صعوبة في التمييز بين البديهيات العقلية وبديهيات العاديات لاستنادهما إلى ~~«القادر المختار» الذي أوجبهما عند المتكلمين أو للأوضاع الفلكية عند الحكماء، ~~وهذا أيضا شك في البديهيات، فإنه بالإمكان التمييز بين بديهيات العقل ومجرى ~~العادات. وكلاهما في نهاية الأمر بديهي بصرف النظر عن نشأتهما. ولا يمكن إدخال ~~احتمال تدخل «القادر المختار» في هذه اللحظة من تأسيس العلم لأنها لم تكتمل ~~بعد. وما زال موضوع «ذات الله وصفاته وأفعاله» مطلوبا إثباته بعد تأسيس نظرية ~~العلم إجابة على سؤال: كيف أعلم؟ وتأسيس نظرية الوجود إجابة على سؤال: ماذا أعلم؟ # 27 # وحتى على فرض الانتهاء من هذا الإثبات، فإن «الله» لا يكون ms201 ~~مخادعا، وليس من صفاته ولا أفعاله التمويه والإيهام والإيقاع في الخلط بين ~~بديهيات العقل وبديهيات العادات. كما أن افتراض الأوضاع الفلكية عند الحكماء لم ~~يثبت بعد في نظرية العلم تحت التأسيس. وهو أقرب إلى أن يكون افتراضا ~~أسطوريا خالصا لا يتحول إلى فرض علمي إلا في علوم الفلك والأرصاد الجوية. ~~وإن قيل: إن للأمزجة والعادات تأثيرا في الاعتقادات مما يمنع وجود بديهيات ~~مستقلة، فمع ذلك، العقل البشري قادر على تجريد البديهيات وعلى الإدراك المباشر ~~وحدس الماهيات، وإلا لكان الفكر البشري كله نتاج الأمزجة والعادات. ولما أمكن ~~التخاطب بين البشر والاتصال بين المجتمعات والتفاهم بين الأجيال على مختلف ~~العصور. ولما كانت هناك حكمة واحدة للشعوب وخبرة مشتركة للجنس البشري. وإن ~~قيل: كثيرا ما تتعارض البديهيات فيما بينها فأيهما نصدق؟ قال إنه يستحيل أن ~~يتعارض القطعيان. وإن تعارضا فلربما لخطأ في المقدمات أو في تصور البديهيات ~~أو لكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. لا تعارض إذن بين البديهيات العقلية، ~~كما أنه لا تعارض بين المتواترات . وقد نشأ علم بأكمله «علم التعارض والتراجيح» ~~لحل التعارض بين القطعيات المتواترة. ولا تختلف البديهيات حسب الزمان والعصر ~~والتطور واختلاف المصالح والأهواء؛ لأنها توجد على مستوى العقل الخالص. ربما ~~يحدث تدخل للزمان والتطور في التعبير عنها وتأويلها وتحقيقها، ولكنها تبقى دون ~~تغير بالرغم من تغير الظروف والأحوال. كما تتجاوز البديهيات حدود المذاهب ~~والعقائد والملل والنحل. فالخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول حسن الصدق وقبح ~~الكذب، بالعقل أم بالشرع خلاف مذهبي، ولا يرجع إلى البديهيات بقدر ما يرجع إلى ~~المواقف الذهبية. وكذلك الخلاف حول خلق الأفعال والرؤية وبقاء الأعراض والوجود ~~والعدم بين الحكماء والأشاعرة أو بين أنصار التنزيه حول الوجود إما مقارن ~~للعالم أو مباين له، وبين الحكماء والمتكلمين حول نهاية الأجسام إلى ملاء أو ~~خلاء، أو بين أنصار الحدوث وأنصار القدم حول قدم الزمان، أو بين الحكماء ~~والمتكلمين حول الخلق من عدم، أو حول الترجيح بمرجح، أو حول محل الألم الإنسان ~~أم الجسم، كل ذلك خلافات مذهبية وليست بديهيات ms202 عقلية، تكشف عن المذهب وليس عن ~~ضرورة العقل. والمذهب بناء عقلي يعبر عن انتماء فلسفي، وموقف اجتماعي ~~وسياسي. إن العقل البديهي قادر على إدراك أوائل العقول، وهو مرتبط بصفاء النفس ~~وتجرد الشعور وحياده منعا للهوى. العقل ليس وسيلة مستقلة للعلم، بل أحد ~~وظائف الشعور العاقل. # 28 # إنكار البديهيات إذن هدم للعلم، وقضاء على العقل، ووقوع في الشك المطلق. ~~بديهيات الحس، وأوائل العقول، وشهادات الوجدان، وتواتر الأخبار، ومجرى العادات ~~كلها بديهيات. وهي المبادئ التي يتصورها العقل بلا واسطة، معرفة واحدة لا ~~تختلف من فرد إلى فرد أو من مجتمع إلى آخر أو حتى من زمان إلى آخر، يدركها كل ~~ذي عقل، وإن شك فيها أحد أو استعصى عليه إدراكها فالعيب به لا بها، ويكون ذا آفة. # 29 # هي مقدمات مغروزة في النفس فطرية فيها، وإذا نشأ الخلاف عليها ~~فبسبب القرب أو البعد عنها. البديهيات واحدة، من طبيعة العقل الخالص، وكل ~~المعارف اليقينية واحدة تستلزم وجود إنسان حي ذي حس وتجربة وحدس وعقل ~~وتواتر ووجدان. فالعقل ليس هو العقل الصوري، بل هو الجامع للحس والوجدان والفكر ~~والعادة. هو أحد قوى النفس مثل الحس والإدراك والخيال. بل إن كثيرا من المباحث ~~مثل «الوحدة والكثرة» في نظرية الوجود من عمل العقل والخيال معا، العقل لإدراك ~~الوحدة والخيال لإدراك الكثرة. العقل هنا شامل لكل شيء، شامل لقوانين الطبيعة ~~وقوانين العقل ذاته، وهي قوانين النطق. ومعرفة أوائل العقول في حد ذاتها نظرية ~~في العلم. # 30 # ولا يمكن استبعاد الوجدانيات من العلم؛ فضرورة الوجدانيات مثل ضرورة الحس ~~والعقل، وهي ليست «قليلة النفع في العلوم لأنها غير مشتركة، فلا تقوم حجة على ~~الغير»؛ لأنها أساس العلوم ومشتركة بين العلماء، والأساس الذي تقوم عليه وحدة ~~العلم؛ فالعلم مشروط بحياة الوعي، والوجدان أحد مظاهره، العلم ليس صفة لموضوع، ~~بل حالة للذات وبناء للشعور. # 31 # لم يفصل القدماء كثيرا هذا النوع من البديهيات؛ نظرا لوجودهم في ~~بيئة ثقافية كان العقل فيها يمثل أحد مظاهر التحدي الحضاري، كما يمثل ~~الوجدان بالنسبة لنا ms203 في الدورة الثانية للحضارة تحديا بالنسبة للحضارات ~~المجاورة. وليست الوجدانيات مجرد عواطف وانفعالات ذاتية فردية نسبية، بل هي ~~تجارب حية تظهر فيها الماهيات التي يمكن إدراكها بالعقل، وفي نفس الوقت ينكشف ~~فيها الواقع العريض. تشمل الوجدانيات الاجتماعيات والسياسيات والاقتصاديات وكل ~~الإنسانيات لما كان الوجدان أساسا تعبيرا عن وجود الإنسان في العالم. ~~(4) إثبات العلم النظري # وكما أنه لا يمكن إنكار العلم الفطري البديهي، فإنه أيضا لا يمكن جعل العلم ~~كله ضروريا فطريا بديهيا، وإنكار العلم النظري الاستدلالي الاكتسابي كما ~~هو الحال عند أصحاب المعارف بالعلوم الضرورية أو أصحاب الطبائع. فالضروري أساس ~~الاستدلالي، والفطري مقدمة للكسبي، والبديهي شرط النظري. لا يمكن أن تكون ~~التصورات كلها ضرورية وإلا لاستحال البحث والنظر، ولم يطلب أحد شيئا من العلوم ~~والمعارف. لا يمكن جعل التصورات الفطرية دون اكتساب؛ فكثير من التصورات تنشأ من ~~الأوضاع الاجتماعية والثقافات السائدة. # 32 # وإثبات العلم الضروري كشرط للعلم وكنقطة يقينية أولى «لأن المطلوب ~~إما مشعور به، فلا يطلب، أو غير مشعور به، فيطلب.» يجعل العلم كله درجة ~~واحدة من اليقين. قد يكون المطلوب في البداية شعورا عاما أو افتراضا أو ~~ظنا أو وهما أو شكا أو تخيلا، ثم يتحقق بعد العلم النظري ويصبح علما ~~يقينيا؛ فالشيء قد يكون معلوما من وجه ومجهولا من وجه. إن إثبات العلم ~~الضروري وحده كبداية أولى؛ لأن الماهية لا تعرف إلا بنفسها، وهذا يتطلب ~~تصورها مسبقا أو بأجزائها، وهي لا تعرف إلا بعد معرفة الكل الذي تنطوي تحته ~~أو في الخارج، وهو لا يمكن معرفته إلا إذا كان شاملا لكل الأفراد مما يحتاج ~~إلى تصور مسبق، افتراض خالص يقوم على تركيب الماهية، في حين أنها كل بسيط ~~لا وجود له في الخارج إلا على سبيل الاختصاص. كما أن معرفة الماهيات أحد أنواع ~~المعارف بالإضافة إلى بناء الماهيات الذي يحتاج إلى استدلال وعلم نظري. إن ~~إثبات العلوم الاستدلالية ضد أصحاب المعارف القائلين بالعلوم الضرورية والمعارف ~~القطعية إنما يتم من خلال العلوم الضرورية ذاتها. فلا يوجد علم بلا ms204 مبادئ ~~أولية؛ وبالتالي ينتفي الجهل. وإذا انتفت المبادئ، كان الجهل ضروريا ونفي ~~العلم. كما يقتضي التكليف العلم بالمبادئ الأولية، فلا يكلف على جهل. ~~والتكليف بالمعرفة قائم على العلم بها ولا يمكن العلم بها نظرا لاحتياج ذلك ~~إلى تكليف يوجب العلم بها ضرورة؛ وبالتالي تستحيل المعرفة ويستحيل التكليف. ~~العلم ضروري وحده بلا علم نظري يدور حول نفسه، ويقع في الدور، ويغلق الذهن ~~معه، ويتحجر العلم. # 33 # يمكن الجمع بين المعارف الضرورية والنظرية؛ فالأولى «بطبع المحل»، ~~والثاني بكسب الجهد والإرادة. ولا يعني القول بالأولى الانتفاء للثانية، بل ~~وجود مقدمات أولية للنظر. المعارف الضرورية ابتداء من المقدمات الضرورية. ~~النظر وسيلة البرهان، وتحليل الواقع تحليلا معرفيا. يتوقف العلم الاستدلالي ~~الكسبي على العلم الضروري؛ وبالتالي فهو يحتاج إلى روية وتدبر بعد بدايته ~~اليقينية في العلم الضروري. لا استدلال بغير ضرورة ولا ضرورة بغير استدلال، بل ~~يكون الاستدلال ضرورة إذا توافرت له المقدمات الضرورية اللازمة. والعلم ~~الاستدلالي، أيضا علم شعوري؛ فالفكر، والروية، والنظر، والحجة، وامتناع ~~الشك في متعلقه، كلها أفعال شعورية. ليس الاستدلال عملا عقليا صوريا، بل ~~هو نظر القلب أو عمل الوجدان فيما غاب، من ضرورة الحس. # 34 # تحدث المعرفة الاستدلالية بالقياس، وهي المبادئ التي يتصور العقل ~~طرفيها بواسطة، وهي تعادل الفطريات التي يحكم فيها بواسطة لا تغرب عن الذهن، ~~وهي قضايا قياساتها معها. وإثبات الأصل بقياس يقوم على الحسيات أو العقل أو ~~التواتر. # وكما أن العلم «الإلهي» لا يدخل كنموذج للمعارف الضرورية في هذه المرحلة من ~~تأسيس العلم، فإنه لا يدخل أيضا كموضوع للعلم النظري من أجل إثبات ضرورته. ~~فإذا كانت المعارف الضرورية هي المعارف الفطرية التي يجدها كل إنسان من نفسه، ~~فإنها تكون بمثابة أوليات العلم والتي تقوم عليها نظرية العلم فيما بعد ~~بالنظر كفعل من أفعال الشعور. صحيح أن هذه الفطرة تحتاج إلى بيئة طبيعية تظهر ~~فيها دون تغليب للهوى والمصلحة. ولكن يظل أيضا هذا الاستعداد الطبيعي للفطرة ~~أيضا نتيجة للأفعال الحرة للشعور. وإذا كان العلم الفطري عند البعض دون البعض ~~الآخر ms205 ليس نتيجة لتدخل إرادة خارجية، فكذلك العلم النظري؛ نظرا لضرورة وجود ~~مقياس للاختيار وإلا كان الاختيار عشوائيا. لا يمكن أن يكون إلا طبقا ~~لاختيار عادل؛ مما يجعل «الإرادة الخارجية» نفسها تخضع لمبدأ العدل، خاصة إذا ~~نتج عن هذه المعارف الضرورية أو النظرية التكاليف، فيكون من لديه هذه المعارف ~~مكلفا والآخرون غير مكلفين، فيخرق مبدأ العدل مرة ثانية. لماذا لا تخلق ~~المعارف الضرورية للبعض وينتج عنها تكليف، ولا تخلق للبعض الآخر ولا يكون لديهم ~~تكليف؟ وإن كان للذين لم تخلق لديهم المعارف الضرورية «تكليف»، فإنهم يكونون ~~أسوأ حظا ممن لديهم هذه المعارف. وتفعل «الإرادة الخارجية» إيجابا عند البعض ~~وسلبا عند البعض الآخر بلا مقياس للاختيار أو للاستحقاق. إن المعارف الضرورية ~~والنظرية شاملة وعامة لا تعرف تحيزا ولا محاباة. أما العمليات والشرعيات ~~فإنها مشروطة بالإرادة الحرة وبخلق الأفعال وبقانون الاستحقاق. وهذه كلها تالية ~~على مرحلة تأسيس العلم وليست جزءا منه. ولا يمكن أن ندخله في هذه المرحلة من ~~تأسيس نظرية العلم. # 35 # وإذا كانت المعارف الضرورية لا تحدث إلا بعد نظر واستدلال ، فذلك ما يجعلها ~~خاضعة لأفعال الإنسان الحرة مثل أفعال النظر، وبالتالي لا تكون ضرورية إلا من ~~حيث الاستعداد والإمكان. والقول بأنه ما دامت المعارف تقع بالطبع لا يجوز ~~التكليف بها يفترض أن التكليف يقع فقط من خارج الطبع مع أنه ما دامت المعارف ~~طبيعية يجوز التكليف بها طبيعيا؛ أي عن طريق التكليف الذاتي. الطبع لا يناقض ~~التكليف، وكلاهما لا يناقضان حرية الأفعال. المعارف الطبيعية مثل المعارف ~~«بالتوليد» تعتمد أساسا على طبيعة النفس البشرية وقدرتها على كشف الحقائق ~~المباشرة كالبديهيات أو المتولدة كالاستدلاليات. # 36 # كما لا يعني القول بالطباع رفض الدواعي والمقاصد؛ فالطبع لا يفعل ~~إلا بعد التنشيط والفاعلية. البواعث حياة الشعور، والقصد بناؤه، والدوافع ~~محركاته. فلا نظر بلا غائبة، والطبع ليس حتميا أو ضرورة عمياء، بل مقدمة ~~للنظر وبداية للغائية؛ لذلك لا يعني القول بالطباع اتباع الشهوات والغرائز ~~والميول، فالطبيعة خيرة، خاصة إذا ظهرت المعارف الطبيعية مع صدق النفس، ~~والتوحيد ms206 بين الداخل والخارج، والإحساس بالغاية والهدف، والالتزام بموقف. يعني ~~القول بالطبائع رفض كل ما هو آت من خارج الطبيعة والمناقض لها سواء في المعارف ~~أو في الأفعال، سواء في الإنسان أو في الطبيعة. القول بالمعارف الضرورية إذن ~~مقدمة للنظر وليس نفيا له، ولا فرق في ذلك بين التمكن من النظر وإتيان النظر ~~بالفعل، بين إتيانه مرة واحدة على الانقطاع أو مرات عديدة على الاستمرار. ~~وغالبا ما يكون النظر مستمرا في الأوقات، الأول، والثاني، والثالث ... إلى ~~ما لا نهاية، ما دام «متولدا في الشعور». قد يكون المانع من النظر أحيانا ~~الظروف النفسية والاجتماعية التي يتكون فيها الإنسان، ويكون ذلك في وقت ~~محدود فحسب؛ فالنظر قادر على اختراق الظروف، وإدراك الحقائق. # | رابعا: النظر يفيد العلم # لما كان العلم قسمين: علم ضروري وعلم استدلالي، أصبح النظر طريقا للعلم. ~~فالاستدلال يقوم على النظر، وشهادة الحس وأوائل العقول ومعطيات الوجدان كلها تستخدم ~~في الاستدلال والنظر. فما النظر؟ ~~(1) تعريف النظر # أعطى القدماء تعريفات عديدة للنظر؛ فالنظر هو «الفكر الذي يطلب به علم أو ~~غلبة ظن.» وقد أثيرت حول هذا التعريف عدة إشكالات خاصة بالظن؛ لأن الظن غير ~~المطابق جهل، والجهل لا يطلب، ولأن الظن غير أصل الظن، ولأن هذا التعريف ليس ~~للماهية بل لأقسامها. والفكر لفظ زائد يمكن الاستغناء عنه. والحقيقة أنه ~~تعريف مقبول لأن باقي التعريفات مذهبية خالصة، مثل: «اكتساب المجهول ~~بالمعلومات السابقة» أو «ترتيب أمور معلومة أو مظنونة للتأدي إلى آخر»، وهو ~~تعريف غير جامع كما أنه يصح لمطلق النظر وليس للصحيح منه، ويكون أشبه ~~بالاستدلال. وقد تحول هذا التعريف في علم أصول الدين المتأخر إلى تعريف ~~منطقي، فأصبح إحضار أصلين في الذهن وطلب التفطن إلى حصول أمر ثالث منهما؛ ~~أي ترتيب تصورات للحصول على تصديقات. وقد يكون هو مجرد التوجه إما بتجريد ~~الذهن عن الغفلات أو بتحديق العقل في المعقولات. الأول تحريك عدمي والثاني ~~وجودي. وهو وصف لنشاط الذهن وتجرد الشعور، وليس للنظر ذاته؛ إذ إن النظر لغة ~~هو الإبصار. الأول موجه نحو ms207 الداخل والثاني نحو الخارج. الأول تنبيه ~~للذات ويقظة لها من غفلتها، والثاني توجيه لها نحو الموضوع وقصدها إليه. ~~والانتظار لا يعني حضور الشيء من الخارج، بل قد يعني حضوره في الشعور. وقد يعني ~~العطف والرحمة لا بمعنى خلقي بل بمعنى معرفي. وقد يعني المقابلة، مقابلة ~~الذات للموضوع أو التفكر بالقلب؛ أي اكتشاف الموضوع في الشعور. النظر إذن ~~تحول الموضوع من البصر إلى الشعور، ومن الرؤية الخارجية إلى الرؤية الداخلية. ~~النظر حياة الشعور، والموضوع الخارجي ما هو إلا الباعث على النظر وليس جزءا من ~~النظر بعد أن يتحول الموضوع الخارجي إلى موضوع داخلي. النظر حركتان للنفس: ~~الأولى نحو المطلوب قصدا وغاية؛ أي اتجاه من الذات نحو الموضوع، والثانية من ~~المطلوب ترتيبا ومراجعة اتجاها من الموضوع نحو الذات. الأولى من أجل الحصول ~~على المادة، والثانية من أجل الحصول على الصورة. العلم الحاصل من النظر علم ~~شعوري يتم في الشعور، ويشمل الشعور الحس للحصول على المادة، والعقل لتحليلها. ~~النظر إذن هو حال الناظر وعمل شعوره، كما أن العلم حالة العالم وعمل شعوره، ~~وكما أن الإرادة حال المريد، والفعل حال الفاعل. لا يعني الحال مجرد حديث ~~داخلي للنفس، بل يعني خروج هذا الحديث على مستوى التأمل والتفكر، حال طمأنينة ~~النفس وسكونها إلى ما تعتقد بعد البحث والبرهان. # 1 ~~(2) قسمة النظر # ينقسم النظر إلى صحيح وفاسد. ولما كان لكل نظر صورة ومادة؛ أي كيفية ترتيب ~~المقدمات ثم المقدمات ذاتها، فقد يفسد النظر من خطأ في الصورة أو من خطأ في ~~المادة أو من خطأ في كليهما. والنظر الصحيح هو كل ما يؤدي إلى العثور على الوجه ~~الذي منه يدل الدليل. فصحة النظر من صحة الدليل. وكل فساد يطرأ على الدليل ~~يطرأ على النظر. وفي علم أصول الدين المتأخر عندما تتحول نظرية العلم إلى نظرية ~~في المنطق يصبح النظر صحيحا بصحة مادته وصورته. يصح النظر إذا ما أدى إلى ~~معرف في التصور وإلى دليل في التصديق. وصحة مادة التصور أي المعرف أن يكون ~~الجنس جنسا والفصل ms208 فصلا، وأن يكون الحد التام من الجنس والفصل القريب، وهي ~~شروط الحد التام. وصحة الصورة أن يتقدم الأعم على الأخص. ويصح النظر في ~~التصديق إذا كانت المقدمتان في حادثة متناسبتين للمطلوب قطعا أو ظنا أو ~~فرضا. ويصح في صورته إذا كانت على ما هو موصوف في أبواب القياس والاستقراء ~~والتمثيل. وهنا تتحول نظرية الصدق في العلم إلى نظرية الصدق في المنطق، فيحتوي ~~على المنطق، وهو من علوم الحكمة، علم العقائد، وهو علم أصول الدين. وأحيانا ~~تستعمل لغة المطابقة دون تحديد طرفي التطابق هل هما الفكر مع نفسه أم الفكر مع الواقع. # 2 # وقد ينقسم النظر إلى خفي وجلي؛ وبالتالي يكون النظر في حاجة إلى منهج في الإيضاح. # 3 # تتفاوت مراتب النظر في الوضوح؛ هناك الجلي الواضح الذي يلوح من غير ~~بحث، يدركه الناظر البعيد والقريب. وهناك النظر الخفي وهو ما يدق ويتخصص، ولا ~~يدركه إلا الناظر الداني. وهي القسمة الأصولية المعروفة للقياس إلى الجلي ~~والخفي. وذلك طبيعي في حركة العلم في الشعور وسكون النفس إليه. قد يكون هناك ~~نظر خفي يحتاج إلى تدقيق، وهنا تأتي مهمة الإيضاح كفعل من أفعال الشعور لتوضيح ~~الخفي، وتحويله إلى جلي. والخفاء والجلاء مقولتان من حيث درجة البداهة ومستوى ~~الحدس. الجلي يستند إلى الضروري استنادا مباشرا، والخفي يستند إليه استنادا ~~غير مباشر، ويحتاج إلى مزيد من النظر والبحث والاستدلال. ويوجد الجلاء والخفاء ~~إما في الصورة أي في طرق الاستعمال وإما في المادة أي في مقدمات الاستدلال، ~~وتفاوتها في مستوى التجريد. ومع ذلك أنكر بعض القدماء قسمة النظر إلى جلي وخفي؛ ~~لأن النظر لا يكون جليا أو خفيا؛ النظر مجرد آلة أو وسيلة تؤدي إلى نتيجة ~~أو غاية. الجلاء والخفاء يوجدان في الدليل أو في الشبهة دون البحث والنظر. وكما ~~لا يوصف النظر عند القدماء بالجلاء والخفاء كذلك العلم، لأن العلم ضد الخفاء. ~~ولا يوجد علم أبين من علم، لا فرق في ذلك بين العلم الضروري والعلم النظري أو ~~بين علوم الأنبياء وعلوم الصديقين وعلوم البشر. ms209 ومع ذلك، لما كان العلم يشمل ~~بداية وهو التصور، ونهاية وهو التصديق، ومسارا وهو سكون النفس، فإن حركة العلم ~~تتم باستمرار بأفعال الشعور، ويتراوح بين الجلي والخفي. وتكون من مهام الشعور ~~عملية الإيضاح المستمرة من أجل الحصول على الجلي الدائم؛ فيحدث اليقين في العلم ~~وتطمئن النفس. لا يكون الخفاء والجلاء في العلم من حيث هي نتيجة، بل من حيث ~~سكون النفس إليه ومن حيث بداهة الرؤية. فالمقصود هنا نظرية العلم أو علم العلم ~~وليس العلم في ذاته من حيث هو مجموعة من النتائج والقوانين. قد يتفاوت الخفاء ~~والجلاء من لحظة إلى أخرى، ومن تجربة إلى أخرى، ومن فرد إلى آخر. وفي العلوم ~~الضرورية تتفاوت البداهة الحسية والعقلية والوجدانية بين القوة والضعف أو بين ~~الوضوح والخفاء، ويكون التفاوت هنا في الدرجة لا في النوع. ~~(3) النظر الصحيح يفيد العلم # بالرغم مما يبدو على ذلك من تحصيل حاصل، إلا أنه في حاجة إلى إثبات؛ نظرا ~~لأن العلم ضروري ونظري، وردا على احتمال الوقوع في الدور؛ نظرا لإثبات العلم ~~النظري بالنظر. # 4 # وقد يتحول إلى سؤال عن طريق القلب فيصبح: وهل النظر الفاسد ~~يستلزم الجهل؟ وتكون الإجابة: إذا كان النظر الصحيح يفيد العلم، فالنظر الفاسد ~~يستلزم الجهل مطلقا، سواء كان الفساد من المادة أو من الصورة. # 5 # لا يورث النظر الفاسد علما أو رأيا من مضاداته مثل الشك والظن ~~والوهم والجهل والتقليد، سواء كان الفساد في صورة الدليل أم في مادته. وذلك لأن ~~الجهل اعتقاد جازم غير مطابق، في حين أن النظر الفاسد نقص في معرفة الدليل أو ~~وجه الدلالة أو وقوع في شبهة. واعتبار النظر الفاسد يفيد الجهل تأكيد على أهمية ~~النظر الصحيح وتحذير من الوقوع في النظر الفاسد الذي لا يكون فقط سبيلا إلى ~~نقص في العلم بل إلى وجود الجهل. هو حماس للنظر الصحيح وحرص عليه. أما اعتبار ~~النظر الفاسد لا يؤدي إلى الجهل فهو تحليل موضوعي لعلاقة النظر بالعلم. النظر ~~آلة والعلم نتيجة، وعيب الآلة لا يؤدي إلى النتيجة المضادة. ms210 الجهل سابق على ~~النظر، ولكنه لا يتلو النظر الفاسد. النظر الفاسد خطأ يمكن تصحيحه، وإعمال ~~النظر في حد ذاته جهد بصرف النظر عن نتائجه. أما اعتبار النظر الفاسد مؤديا ~~إلى الجهل من حيث المادة وليس من حيث الصورة؛ لأن الصورة يمكن تصحيحها دون ~~المادة، فذاك إعلاء من شأن الصورة على المادة وتحويل نظرية العلم إلى نظرية ~~صورية خالصة كما هو الحال في المنطق القديم، في حين أن المادة أيضا يمكن ~~تصحيحها بإكمالها وجعلها ممثلة للمجموع، ومن ثم تتأسس نظرية العلم ~~بجانبيها الصوري والمادي على السواء. # والحقيقة أن هذه القضية، أن النظر الصحيح يفيد العلم، موجهة عند القدماء ضد ~~مذاهب وفرق معينة تنكر أن يكون النظر مؤديا إلى العلم، وهي السمنية التي ~~تجعل المعرفة مقصورة على الحس، # 6 # والمهندسون في الإلهيات الذين يجعلون النظر مفيدا للعلم في ~~الهندسيات وحدها، والقائلون بالعلم دون النظر، والصوفية القائلون بالإلهام، ~~والفقهاء أهل الأثر الذين يرون في الوحي بديلا عن النظر. ~~(أ) # وقد وجهت السمنية ثلاث حجج ضد النظر: الأولى أن العلم الحاصل ~~بالنظر إن كان ضروريا بان خلافه، وإن كان نظريا لزم التسلسل. ~~وبعبارة أخرى إن العلم الضروري لا يحتاج إلى نظر وإن احتاج إلى ~~نظر لزم الدور لإثبات العلم النظري. والحقيقة أن العلم الضروري ~~لا يحتاج إلى إثبات من العلم النظري وإلا لما كان ضروريا. فهناك ~~بداهة الحس، وأوائل العقل، ومعطيات الوجدان التي لا خلاف عليها. ~~أما العلم النظري فهناك اتفاق على وجوده بإجماع العقلاء، يستند ~~إلى الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر؛ وبالتالي فلا وقوع في الدور. ~~والثانية أن المطلوب إذا كان معلوما فلا طلب له، وإن لم يكن ~~معلوما فكيف نعرفه؟ وبتعبير آخر، إذا كان المطلوب معلوما فلا ~~فائدة في طلبه، فإن وجد فكيف يعرف أنه المطلوب؟ والحقيقة أن ~~المطلوب يعلم كافتراض ثم يطلب التحقق من صحته بصرف العموم وطلب ~~التخصيص، أو يعرف المبدأ النظري ويطلب كيفية التحقيق العملي له. ~~والثالثة أن الذهن لا يقوى على استحضار مقدمتين، وبالتالي يستحيل ~~النظر. والحقيقة ms211 أن العلم بحضور مقدمتين لا تستلزم نتيجة إلا بعمل ~~الشعور وحصول تجربة؛ إذ لا تحصل النتائج من المقدمات حصولا آليا ~~حتميا بمجرد حضور المقدمتين. لا بد من توجيه الوجدان، فالذهن ~~والوجدان شيء واحد مع الموضوع. الذهن مجرد قدرة على تحليل الموضوع ~~في الشعور ورؤية حدسية له. وهناك حجج أخرى عديدة للسمنية تفصيلا ~~لهذه الحجج الرئيسية الثلاث. منها ما يعتمد على ضعف الأدلة، في حين ~~أن ضعف الأدلة لا يعني خطأها؛ فهناك أدلة يقينية برهانية، ومنها ~~ما يعتمد على وجود المعارض؛ لأن النظر يفيد العلم فقط في غياب ~~المعارض لا في حضوره، مع أن النظر يقتضي غياب المعارض والرد عليه. ~~والمعارضة في نهاية الأمر جزء من النظر أو النظر المقابل. ومنها ~~أنه إذا وجب النظر المؤدي إلى العلم وجب التكليف، والتكليف غير ~~مقدور، وهذا إعلان لعجز العقل وضعف الإرادة؛ فالإنسان مكلف بعقله ~~على النظر وبإرادته على الفعل، وفي حقيقة الأمر إن معظم الحجج التي ~~تقدمها السمنية حجج صورية خالصة، هدفها إثبات القضية والدفاع ~~عن المذهب، وتعبر عن موقف مسبق، ولا تؤسس نظرية متكاملة في ~~العلم. فلا تعني المعرفة الحسية إقصار المعارف كلها على الحس. بل ~~إن الحس نفسه يشمل العقل والبديهة والوجدان والمشاهدة والحدس ~~والتواتر ومجرى العادات، وليس فقط ما يأتي من الحواس الخمس. كل ~~البراهين الجامعة الموصلة إلى معرفة الحق في كل ما اختلف الناس فيه ~~منشؤها الحس. إن الاقتصار على المعرفة الحسية والشك في المعرفة ~~العقلية إنكار لليقين الحسي والعقلي والوجداني في آن واحد. وإنكار ~~ليقين التواتر الذي يقوم على شهادات الحس والعقل والوجدان. هناك ~~أوليات العقل التي تمنع من التسلسل إلى ما لا نهاية، وهناك العلم ~~الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر، وهناك العلم الحدسي الضروري والعلم ~~النظري الاستدلالي الموصل إلى اليقين. ويثبت يقين العلوم باجتماع ~~المعارف الحسية والعقلية والحدسية والوجدانية والمتواترة إن كان ~~الذهن لا يقوى على استحضار المقدمات أو نشأ منه خلاف. والشك في ~~المعارف اليقينية الأخرى في نهاية الأمر ليس من قبيل المعرفة ~~الحسية، بل ms212 معرفة تثبت أن المعارف ليست كلها معارف حسية. # 7 # ولم يقتصر القدماء بالرد على حجج السمنية، بل وجهوا إليهم حججا، ~~شافعين الدفاع بالهجوم، ومكملين السلب بالإيجاب؛ فالعلم بفساد ~~النظر ليس من قبل المحسوسات، بل يحتاج إلى نظر، والعلم بفساد ~~النظر ليس إما ضرورة أو بالنظر، ولما امتنعت الضرورة لم يبق إلا ~~النظر. ومهاجمة النظر نظر، إما أنه لغو لا يعتد به، أو أنه يتم ~~بالنظر، وهذا إثبات للنظر. كما أن مهاجمة النظر تحتاج إلى نظر، ~~ومعارضة الفاسد للفاسد يحتاج إلى نظر. ولا يمكن أن تتم مهاجمة ~~النظر عنادا وإنما تتم بالنظر. والشك في النظر أنه مؤد للعلم ~~يذهب بالدليل ويعتمد عليه، والدليل يؤدي إلى النظر، والنظر يفيد ~~العلم. ومن ثم ثبت بالدليل أن النظر يفيد العلم ثم وقع إنكار ~~لذلك، فإنما يكون مجرد عناد. # 8 # قد يكون هدف السمنية من حصر المعرفة في الحسية وحدها، وإنكار أن ~~النظر يفيد العلم هو إثبات استحالة ثبوت «الصانع»؛ فالصانع ليس ~~موضوعا حسيا حتى يدرك بالحس، والنظر لا يفيد العلم، وبالتالي ~~لا يمكن معرفة الصانع أو إثباته. وإذا ثبت بالوحي مثلا ظل ~~متوقفا على الدليل العقلي؛ وبالتالي فرض المذهب العقائدي نفسه ~~على نظرية العلم فبترها. ليس لدى الإنسان إلا تأسيس نظرية في ~~العلم، وبعد ذلك لا يهم الموضوعات التي تتأسس في هذه النظرية. وقد ~~يثبت العلم النظري ويظل إثبات الصانع مستحيلا، فلا صلة بين إثبات ~~العلم النظري وإثبات الصانع ضرورة. و«الصانع» الذي لا يثبت بالنظر ~~الذي يفيد العلم يكون خارج نطاق العلم الإنساني. وإن توقف ~~«الصانع» على العلم بالدليل توقف إنساني. ليس لدى الإنسان وسيلة ~~لإثبات أو لنفي إلا النظر المفرد للعلم، والعلم بالدليل وبوجه ~~الدلالة. الموضوعية خارج نطاق العلم ادعاء خالص، وهدم للعلم، ~~وإفساح المجال للإيمان، وبالتالي ترسب الجهل ثم الطغيان. # 9 ~~(ب) # أما المهندسون في الإلهيات فإنهم يثبتون أن النظر يفيد العلم ~~في الهندسيات، خاصة والعلوم الرياضية عامة، ولكن قد لا يفيده في ~~الإلهيات. وإن أقصى ما يستطيع النظر أن يفيده في ms213 الإلهيات هو الظن ~~والأخذ «بالأحرى أو الأخلق»؛ أي بالأولى، وبالمقارنة، والأجدى، وهي ~~براهين نفسية خالصة تقوم على التعالي أو المفارقة. وهي تجربة ~~شعورية أصيلة للتجاوز والبحث عن الصوري والعام والشامل. إذا كان ~~موضوع الإلهيات هو «ذات الله»، فإن أقصى ما يستطيع أن يصل إليه ~~النظر هو الظن إما عن طريق التشبيه لإثبات شيء أو عن طريق ~~التنزيه لنفي شيء آخر. ولهم في ذلك حجتان، الأولى أن الحقائق ~~الإلهية لا تتصور وبالتالي يستحيل التصديق. وكل ما يمكن تصوره ~~هي أعراضها وصفاتها وآثارها وتجلياتها. وبالتالي ليس أمامنا إلا ~~الظن والتقريب، وقياس الغائب على الشاهد إن شئنا معرفة إيجابية ~~تقريبية أو عن طريق التنزيه إن شئنا معرفة مجردة خالصة. الأولى ~~معرفة أدبية تقوم على التشبيه والقياس، والثانية معرفة عقلية ~~تقوم على التنزيه ورفض القياس. الأولى تقرب بين المتشابهين ~~والثانية تفرق بين المتمايزين. الأولى تقوم على التقريب ~~والمحايثة أو الحلول والثانية تقوم على الإبعاد والتعالي أو ~~المفارقة. بل إن «قياس الأولى» الذي يدل على التعالي والمفارقة هو ~~قياس يقوم على التعظيم والتبجيل والاحترام، وهي العواطف الإنسانية ~~التي تكمن وراء عملية التأليه، والتي تكشف عن موقف اجتماعي هو ~~التقديس للأشخاص، وعن وضع سلوكي في العالم وهو التحقيق عن طريق ~~التزلف وليس عن طريق الفعل. والثانية أن أقرب الأشياء إلى ~~الإنسان وهي هويته غير معلومة بحيث كثر عليها الخلاف، ولم يعد من ~~الممكن الجزم بأحد الأقوال المتنازعة، فما بالنا بأبعد الأشياء ~~عنا؟ وأن مقالات الإسلاميين وغير الإسلاميين في «ذات الله» قد ~~اختلفت وتباينت وتضاربت حتى لم يعد الإنسان قادرا على التمييز بين ~~الحق منها والباطل. ويشهد على ذلك علم الكلام نفسه. والكل يدعي ~~النظر والحجة ويقدم الدليل والبرهان بينما الاتفاق على العلوم ~~الرياضية وارد وموجود يتفق عليها العقلاء والناظرون. وبالتالي ~~فالنظر لا يؤدي إلى علم واحد في الإلهيات. والحقيقة أن ذات ~~الإنسان ليست مجهولة، فكل منا يشعر بوجوده، ونفسه أقرب ~~الأشياء إليه. أما ذات الله فإنها لم تدخل بعد في نظرية العلم ~~حتى يمكن الحديث عنها. ms214 فإذا ما تأسست نظرية العلم يمكن الحديث بعد ~~ذلك عن «الوعي الخالص» أو الذات، وليس قبلها. # 10 # والوعي الخالص إذا ما تم إثباته يكون أقرب الأشياء إلى ~~النفس لأنه وعي الوعي أو الوعي بالنفس. فإذا كانت «ذات الله» صورة ~~تشبيهية لوعي الإنسان بذاته، فإن معرفتها تتم بالرجوع إلى هذا ~~الوعي. وإذا كانت ذات الإنسان مضاعفة إلى ما لا نهاية، فإنها تكون ~~معروفة لديه قدر معرفته بذاته. يكفيه استرداد ما خرج منه دفعا أو ~~قصرا. ويمكن للناظرين والعقلاء الاتفاق على الوعي الخالص وصفاته ~~وأفعاله مهما تباينت بشرط العود إلى الوضع الشرعي للإنسان في ~~العالم والقضاء على اغترابه فيه. # 11 ~~(ج) # أما القول بالمعلم كبديل عن النظر، فإنه لا يؤدي إلى تأسيس العلم. # 12 # وقد اعتمد القدماء لرفضه على حجة جدلية، وهي أن ~~المعلم يحتاج إلى معلم، وهذا إلى ثالث، حتى يتسلسل الأمر إلى ما لا ~~نهاية، أو ينتهي إلى مصدر للعلم هو العقل أو الوحي. وافتراض عقل ~~كامل لا يحتاج إلى تعليم هو نفسه افتراض النبي أي الوحي وليس ~~المعلم. ولما كان الوحي يعلم بالعقل كان العقل نقطة البداية في ~~نظرية العلم وليس المعلم. القول بالمعلم إنكار لقدرة العقول على ~~الوصول إلى الحقائق وإنكار للنظر، مع أن الوحي قد حث على النظر ~~ورفض اتباع أي شخص حتى ولو ادعى العلم والإلهام وبلغ به الأمر ~~حد ادعاء الألوهية. إن القول بأن النجاة لا تتم إلا بمعلم بدليل ~~وجود النبي عن طريق الإيمان؛ يستلزم صدق المعلم كصدق النبي. فإذا ~~كانت المعجزة - وهي دليل صدق النبي - ليست أصلا من أصول العلم، ~~فالعلم لا يقوم على حوادث تاريخية، فما الدليل على صدق المعلم؟ ~~والوحي الذي أتى به النبي يدعو إلى النظر والإيمان عن طريق ~~البرهان، وهو طريق المعلم إن أراد التشبه بالنبي. والإلهام ليس ~~طريقا لمعرفة صدق المعلم؛ لأن الإلهام ذاته في حاجة إلى تصديق، ~~وبالتالي لا يكون أساسا للعلم. # 13 # وإن حاجة الناس إلى المعلمين في العلوم العويصة لا ~~يمنع من وجوب النظر. فمهما ms215 أوتي المعلم من مهارة دون نظر من ~~المتعلم فلن يحدث العلم، ولن يتعدى العلم التقليد دون الفهم، ~~والنقل دون الإبداع، والحفظ دون الاجتهاد. إن الخلاف في النظر لا ~~يقدح فيه؛ لأن هناك مقاييس للصواب والخطأ. كما أن الخلاف بين ~~المعلمين لا يقل شأنا عن الخلاف بين النظار خاصة وأنه لا توجد ~~مقاييس للاختيار بين المعلمين إلا التقليد. إن الخلاف في النظر ~~سواء كان في أسهل الأمور أم أصعبها لا يدحض النظر؛ لأن النظر ~~الصحيح لا يؤدي إلى الخلاف. والبرهان قادر على حسم التعارض بين ~~الآراء والتمييز فيها بين الصواب والخطأ، وصعوبة النظر لا تنفي ~~النظر. يمكن للمعلم أن يزيح بعض أسباب الشكوك وأن يوضح بعض جوانب ~~الصعوبة ولكنه لا يعلم من الألف إلى الياء وإلا كان الإنسان ~~مجرد متلق للعلم. ومن أين يأتي علم المعلم؟ لا يأتي من وحي خاص؛ ~~فذاك طريق النبوة، ولا من تفسير الوحي؛ فذاك مشاع للجميع بالعلم ~~بقواعد اللغة وأسباب النزول، ولا من الإلهام؛ فذلك ليس طريقا ~~للعلم. لم يبق إلا النقل والتقليد والوراثة وهو ما يغيب عنه ~~التحقق من صدقه. والعلم بلا نظرية في التحقق أو الصدق لا يكون ~~علما. صحيح أن النظر وحده قد لا يكون نجاة، ولا بد من معلم عملي ~~يهدي ويرشد. ولكن النظر ليس هو النظر الخالص، بل هو مقدمة للعمل، ~~فالعمل جزء من النظر. وكان كبار معلمي الإنسانية من النظار الذين ~~يوحدون بين النظر والعمل. # 14 # قد يكون المعلم عاملا مساعدا على النظر ولكنه لا ~~يكون بديلا عنه وإلغاء له. التعليم أقرب إلى الإرشاد والتوجيه ~~نحو الحقائق منه إلى إعطاء هذه الحقائق نفسها. مهمته مساعدة ~~الإنسان على كشف الحقائق بنفسه دون أن يعطيها له جاهزة بالتلقين. ~~وقد يكون ما نعاني منه في مناهج تعليمنا وتربيتنا من تلقين وفرض ~~للوصايا على العقول من آثار هذا التصور للمعلم مع أنه ليس هو ~~التصور «السني». # 15 # ولكن يبدو أن طبيعة المجتمع المتخلف تتفق مع هذا ~~التصور «الشيعي التاريخي» الذي كانت له ظروفه الخاصة ms216 في مجتمع ~~المضطهدين. إن اتباع الإمام في كل ملة فيما يتعلق بنظرية العلم ~~كبديل عن النظر لدليل على التخلف، ويمثل التيار المحافظ الموجود ~~في كل جماعة. وكلما جهلت الجماعة قوى احتمال ظهور المعلم، تظهر ~~وظيفة المعلم في جماعة تقسم أفرادها بين الدهماء الجاهلة والمعلم ~~الواحد الملهم المعصوم، الرئيس القائد الزعيم المجاهد. وقد تسرب ~~هذا التصور أيضا إلى علوم الحكمة من الفكر «الشيعي التاريخي». فهو ~~أقرب إلى الإمام المعصوم من الولاية العامة في الفكر «السني ~~النمطي». وقد تتقدم المجتمعات «السنية» تاريخيا برفض سلطة الإمام ~~المعصوم الذي يظهر في صورة رئيس ملهم، ورفع الوصايا النظرية ~~والعملية عن الناس كما حدث في كثير من حركات الإصلاح الديني في كل ~~الديانات والملل. إن طاعة الناس للقائد الإمام ليس لأنه معلم ~~معصوم، بل لأنه يمثل قيادة ثورية تقود نضال الشعوب، وتعبر عن مصالح ~~الجماهير، وتحقق أهدافها القومية. اتباع المعلم أو الإمام ~~المعصوم تقليد، وتعويض عن غياب اليقين بالتبعية، واستبدال اليقين ~~الداخلي؛ يقين التصديق، بيقين خارجي؛ يقين الاتباع، وبالتالي ~~ترك النظر والبحث إلى الطاعة والتبعية، وهو ما تقوم عليه كل أنظمة ~~الحكم التسلطية باسم السلطة الدينية تدعيما للسلطة السياسية. إن ~~التقليد بين مضادات العلم مثل الجهل، وليس أساسا لنظرية في العلم؛ ~~يؤدي إلى التهلكة إذا ما أخطأ المعلم ما دام لا توجد مراجعة عليه. ~~ولا يبقى أمام الناس إلا الثورة عليه، والانقلاب من الطاعة المطلقة ~~إلى العصيان المطلق. أما النظر، فإنه طريق النقد وبالتالي سبيل ~~التحرر، على عكس المعلم الذي يؤدي إلى التسليم والقبول ثم إلى ~~الطاعة والإذعان. # 16 ~~(د) # أما أصحاب الإلهام مثل الصوفية، فإنهم ينكرون أيضا أن يكون ~~النظر مفيدا للعلم، ويجعلون الإلهام طريقا للمعرفة، ويعنون به ~~فيض المعرفة على القلب دون إعمال نظر أو تدبر أو روية. ولم يظهر ~~في علم أصول الدين إلا مؤخرا عندما ازدوجت الأشعرية بالتصوف؛ ~~نظرا لتوحيد بعض العلماء المتأخرين بين العلم والمعرفة. # 17 # والحقيقة أن الإلهام قول بلا برهان، وذاتية خالصة ~~فارغة لا تعتمد على أوائل العقول بل ms217 على نقائضها، كما لا يمكن ~~التعبير عنه أو البرهنة عليه أو إيصاله إلى الآخرين أو التحقق من ~~صدقه أو مراجعته وتكراره واطراده. يمكن اعتبار ما يأتي من الإلهام ~~على أقصى تقدير مجرد افتراض يمكن التحقق من صحته بالبرهان عن طريق ~~النظر؛ لذلك فنده القدماء بحجة جدلية مؤداها أنه لا يمكن معرفة ~~الإلهام بالإلهام وإلا تسلسل ذلك إلى ما لا نهاية، وهي نفس الحجة ~~الموجهة ضد المعلم. لا يعرف الإلهام إلا بالنظر وذلك إثبات للنظر ~~طريقا للعلم. ولما كان الإلهام كل ما يفيض على القلب دون نظر أو ~~رؤية، فهل كل ما يحدث في قلب الإنسان من جحود وإنكار للحقائق ~~وخيانة وعمالة وبيع للبلاد يكون إلهاما؟ وبالتالي يؤدي الإلهام ~~إلى إنكار الحقائق بدلا من إثباتها، وأن كثيرا مما أصابنا من ~~شكوك في مبادئنا الوطنية ومشروعنا القومي إنما حدث نتيجة لدعاة ~~الإلهام والأنوار الربانية في الوادي المقدس، وأثناء الاعتكاف في ~~العشر الأواخر من رمضان أو فوق قمم الجبال بالقرب من السماء، وهو ~~حتما خداع في خداع. فكثيرا ما تتم الحوادث بالزيارات والترتيبات ~~والتنسيق والتدبير بالفعل، ويكون الإلهام آنذاك أشبه بالسحر الذي ~~يخفي الحقائق الفعلية من أمام المشاهدين وأن وجود الشك والتردد ~~والظن في حياة الإنسان ليمنع من الإلهام لأن الإلهام لا يأتي إلا ~~بالصواب فهو اعتقاد جازم ويقين ثابت أقرب إلى مضادات العلم منه ~~إلى العلم. وإذا كان الإنسان قادرا على التمييز بين الخطأ والصواب ~~في المعتقدات، فإنها لا تكون إلهاما يقذفه «الله» في القلب، لا ~~يقف أمامه تريث أو رؤية أو قدرة على التمييز بين الأشياء. وإذا ~~بطلت بعض المعتقدات مثل التجسيم والتشبيه فإنها لا تكون إلهاما؛ ~~لأن الإلهام لا يأتي إلا بالصواب طبقا لمدعيه. يصعب إذن التمييز ~~بين الإيهام والإلهام، وإن ارتداد الإنسان كلية عن موقف إلى موقف ~~مناقض أو ترجيح أحدهما على الآخر لا يمكن أن يحدث بالإلهام؛ لأن ~~الإلهام لا يتغير في حقائقه المعطاة. ولما كان الإلهام يأتي من ~~أعلى فإنه يجعل الإنسان مجتث الجذور في الواقع؛ إذ ms218 يجعل مصدر ~~معرفته خارج العالم، وبالتالي يعمى عن الواقع وعما يحدث فيه، ~~ويعيش الإنسان مغتربا في العالم، نافيا وجوده، ومصدر علمه، ~~جاهلا بقوانينه. أما استعمال العقل فإنه عود إلى الواقع واكتشاف ~~لقوانينه، واستعمال لمنهج التحليل والمراجعة والإحصاء. وهذا ما ~~يحدث في حياتنا المعاصرة التي يسودها الإلهام كمصدر رئيسي للمعرفة ~~إن لم يكن مصدرها الأول حتى في قمة السلطة السياسية التي بيدها ~~قرار السلم والحرب والتي عليها مهمة تحرير الأرض. وهو أقرب إلى ~~الارتجال والعشوائية ونقص العلم وادعاء البطولة منه إلى الإلهام ~~الشعري أو الصوفي. بل يوجد الإلهام عند كل صاحب إمارة وعند كل رئيس ~~مصلحة. وهنا يكون الإلهام تعويضا عن نقص في المعرفة أو رغبة في ~~التسلط على رقاب الناس. إن رفض الإلهام كطريق للمعرفة ووسيلة للعلم ~~وبديل عن النظر هو في نفس الوقت استمرار لموقف القدماء وتأكيد على ~~ضرورة النظر في حياتنا المعاصرة درءا لأخطار والوهم والإيهام - ~~ورفضا لكل الوصايا النظرية والعملية عن الجماهير، وإنهاء لتبعيتها ~~لغيرها وردها إلى ذاتها، وأخذها لمصائرها بيدها. وعلى هذا النحو ~~تعود الجماهير إلى الوحي الذي يقوم على النظر، ويكون الوحي قد عاد ~~إليها، وهي القادرة على النظر فيه. # ولا يعني ذلك إنكار الحدوس من حيث هي رؤى مباشرة للواقع تؤدي ~~إلى نوع من المعارف الضرورية؛ وذلك لأن الحدس يقوم على الاهتمام ~~بالموضوع والتركيز عليه، وليس مجرد فيض في القلب بلا مقدمات. ويمكن ~~تحليله بعد حدوثه بالعقل، والتحقق من صدقه بالحس، ومطابقته للواقع ~~بالرؤية. الحدس إحدى وظائف العقل الرئيسية من داخله وليس من خارجه، ~~ابتداء من الحس المباشر إلى الحدس وما بينهما من مدركات حسية ~~وتصورات عقلية واستدلالات نظرية؛ العقل هو الحياة الواعية ~~للشعور. كما لا يعني ذلك إنكار المعارف الضرورية أو العلوم الذوقية ~~والأدبية كالشعر والتصوف؛ فالتجربة الشعرية تعطي معرفة مباشرة، ~~وللشعر قدرة على تصوير الواقع ورؤيته. ولا تقل التجربة الشعرية ~~صدقا عن الاستدلال النظري، بل إن الشعراء أحيانا أصدق رؤية من ~~كثير من المنظرين، ومع ذلك يأتي علم العروض والأوزان ليحول ~~هذه ms219 التجربة الشعرية إلى علم عقلي استدلالي له قوانينه ومقاييسه ~~المحددة. تجد التجربة الشعرية أحكامها في فن الشعر وصناعة ~~الألحان، كما أن التجربة الصوفية لم تحدث بغتة، بل سبقتها مقدمات ~~هي الرياضات والمجاهدات حتى يتحقق شرط العلم، ومع ذلك، تجد التجربة ~~الصوفية كمالها في تنظيرها وتحويلها إلى علم عقلي؛ لذلك اجتمعت ~~علوم الذوق وعلوم النظر معا في «حكمة الإشراق». يمكن للتجربة ~~الصوفية أن تكون موطنا لظهور الدلالات، وتكون حينئذ التجربة ~~الإنسانية العامة الفردية والاجتماعية والتاريخية وليس فقط التجربة ~~الخلقية، بل إنه يخشى من التجربة الخلقية أن تكون قائمة على أساس ~~مرضي، ونقص في الشجاعة، وضعف في السلوك أو على حرمان وكبت غالبا ~~ما يكون جنسيا أو سياسيا؛ نظرا لحاجة الإنسان إلى الحب ~~والثورة. قد تعني التجربة الصوفية تصفية القلب، وسلامة الطوية، ~~وحسن النية، وظهور عاطفة نبيلة تجعل الإنسان قادرا على إدراك ~~الدلالات؛ نظرا لما تحدث المشاعر النبيلة من إرهاف للحس، وتبصرة ~~بالمدركات مثل عواطف الحب والإخلاص والتضحية والوفاء. هناك إذن فرق ~~بين الإلهام الصوفي وحدس الشعور أو تجربة الوجدان؛ الأول ذاتية ~~خالصة لا يمكن التحقق من صدقها إلا بإعادة التجربة ذاتها من ~~الآخرين، في حين أن حدس الشعور موضوعي يمكن التحقق من صدقه؛ ~~الإلهام الصوفي لا عقلي ولا يخضع لتحليل العقل، في حين أن الشعور ~~حدس عقلي يمكن تحليله بالعقل؛ لأن موضوعه معان ودلالات مستقلة ~~وماهيات. يحدث الذوق الصوفي نتيجة للمجاهدة والرياضة في حين يحدث ~~حدس الشعور نتيجة للشعور اليقظ وتوافر الدواعي والمقاصد والاهتمام ~~والصدق مع النفس والالتزام بموقف اجتماعي وحركة التاريخ. ~~(ه) # أما نفي النظر بدعوى النقل والأثر والوحي والنبوة والنص والحكم ~~والأمر، فإن ذلك هدم للوحي ذاته وقضاء للنبوة ذاتها؛ فالعقل أساس ~~النقل، ومن يقدح في العقل يقدح في النقل. وطالما أثبت الفقهاء ~~«اتفاق صحيح المنقول لصريح المعقول». # 18 # لا يعني اكتمال الوحي انتفاء النظر، بل يعني نهاية ~~الوحي بعد تطور طويل، ومراحل متعددة حتى تحقق استقلال الإنسان ~~عقلا وإرادة. أصبح قادرا بعقله على الوصول إلى الحقيقة ~~ومستقلا بإرادته ms220 على تحقيق فكره ومثله، ورفضه جميع الوصايا ~~عليه من السلطتين الدينية والسياسية باسم الإيمان مرة وباسم ~~الزعامة مرة أخرى. كما يعني ثانيا وضع الشريعة باعتبارها نظاما ~~للحياة دائما، وليس لمكان معين أو زمان محدود أو لفترة تاريخية ~~بعينها أو لشعب خاص أو دفاعا عن مصالح طبقة ضد أخرى. ويكون دور ~~العقل استنباط هذه الشريعة من أدلتها الشرعية وتفصيلها طبقا ~~للمجتمعات المختلفة. لقد أعطى الوحي الأسس العامة وترك التفصيلات ~~لعمل الأجيال واجتهاداتها. كما يعني ثالثا بداية عملية الفهم ~~والتفسير والتأويل. الوحي صامت لا يتحول إلى فكر أو سلوك إلا ~~بالفهم والعمل، الوحي ذاته يتأسس في العقل وفي الواقع وفي الجماعة ~~وفي التاريخ؛ ومن ثم كان الفهم هو موطن الوحي ومحله. ومن خلال ~~الفهم يتحول الوحي إلى واقع، وبناء اجتماعي، وحركة تاريخ. # ولا يعني بيان الوحي لكل شيء انتفاء النظر، بل يعني أن الوحي قد ~~حوى كل الأسس العلمية التي يمكن عليها إقامة نظام في الحياة، وأنه ~~لم يترك أساسا إلا بينه. وقد يعني البيان أيضا إعمال النظر ~~وحدوث البيان بالعقل. وظيفة العقل تحويل هذه الأسس العامة إلى ~~نظام معين لجماعة معينة في عصر معين. وتلك وظيفة الاجتهاد كأصل ~~من أصول الشريعة، بيان الأصل يتطلب استنباط الفرع، ولا استنباط ~~بغير نظر، لا يعني إثبات النظر أي تطاول على النبوة. صحيح أن ~~النبوة تفصيل للوحي وتبيان له كنموذج أول وكنمط يمكن الاسترشاد ~~به، ولكن الواقع يتغير، ويحتاج كل عصر إلى تفصيل أكثر نظرا لما ~~يحتويه الواقع من جدة مستمرة. فإذا كان للوقائع الجديدة ما ~~يشابهها في الوقائع النمطية في الوحي، في الكتاب أم في السنة، أخذت ~~أحكامها. ولا توجد واقعة جديدة إلا ولها أصل في الوحي. النظر إذن ~~زيادة بيان وتفصيل بالقياس إلى بيان النبوة وتفصيلها بالنسبة إلى ~~الوحي، خاصة وأن الوحي ذاته يقوم على النظر، والنبوة أيضا تقوم ~~على النظر قياسا على الوحي. ليس النظر إذن تعديا على النبوة، بل ~~هو قياس عليها وعلى الوحي في آن واحد. # 19 # ولا يعني ما ms221 يبدو في الوحي أحيانا من إشارات إلى خطأ ~~بعض الأقيسة خطأ كل قياس، وبالتالي انتفاء النظر، بل يعني رفض ~~النظر الفاسد والدعوة إلى النظر الصحيح. # 20 # وهناك مقاييس لصدق النظر وصحته. بل إن الحجج النقلية ~~ذاتها مدعاة للخطأ نظرا لارتباطها بالنقل والرواية وباللغة والفهم ~~وبأسباب النزول وبالناسخ والمنسوخ وبعدم وجود المعارض العقلي. # 21 # وكما أن مناهج تفسير النصوص تؤدي إلى ضبط استعمالها، ~~فكذلك منطق النظر يؤدي إلى ضبط النظر. # ولا يعني عدم معرفة الثواب بالعقل عدم وجوب المعرفة بالعقل؛ وذلك ~~لأن الوجوب العقلي وجوب مبدأ وليس وجوب نتيجة أو واقعة، وجوب في ~~ذاته بصرف النظر عما يترتب عليه من نتائج. ويمكن معرفة نتائج ~~الأفعال، ثوابا أم عقابا، بالحس والمشاهدة، وبأوائل العقول، ~~وباستقراء حوادث التاريخ. كل من يعمل النظر يكون واعيا حرا، ~~وكل من يتخلى عنه يكون غافلا عبدا. يؤدي وجوب النظر إلى العلم ~~وفهم العالم وتقدم الجماعة، في حين يؤدي انتفاؤه إلى الجهل والغفلة ~~والتخلف. يحتوي النظر على ثوابه من داخله، وهي حياة العقل والحرية ~~والتقدم، كما يتضمن انتقاؤه جزاءه من داخله؛ حياة الجهل والعبودية ~~والتخلف. كما لا يعني الرجوع إلى الأوامر الإلهية إنكار النقل؛ ~~لأنه لا يمكن تنفيذها قبل فهمها ، ولا يمكن فهمها إلا بالنظر. ~~وتنفيذ الأوامر بلا نظر يجعل الإنسان مجرد آلة صماء، في حين أن ~~الوحي أتى للإفهام وللامتثال قبل أن يأتي للتكليف، على ما يقول ~~علماء أصول الفقه. # 22 # الوحي قائم على النظر، يعطي معرفة وسلوكا، ولما كان ~~النظر أساس العمل وجب النظر. # لا يعني تحريم السؤال تحريم النظر، بل تحريم أنواع معينة من موضوعات النظر ~~لا يرجى منها فائدة. ولا يمكن الوصول فيها إلى يقين. بل على العكس ينتج عنها ~~ضرر، ولا تؤدي إلا إلى التشعب والتشتت والتضارب والمحن أو على أقل تقدير إلى ~~الشك والريبة والتردد والظن. وفي كلتا الحالتين يترك العمل، ويصبح النظر مطلبا ~~في ذاته وليس وسيلة لتحقيق العمل. القصد من التحريم هنا توجيه الإنسان إلى ~~الحياة العملية بعيدا عن التشعيبات النظرية ms222 التي لا ينتج منها أي أثر عملي. ~~إن كراهية السؤال في موضوعات متعالية إنما هو من أجل توجيه الجهد إلى العمل، ~~وترك التفكير فيما وراء العالم إلى ما في العالم. النظر موجه إلى العمل، ~~والفكر متجه إلى الواقع بعيدا عن الموضوعات المتعالية التي لا ينتج عنها ~~أثر عملي أو لا تكون منطقة لوجود أو تصور لتحليل خبرة. # 23 # تشير النصوص التي تفيد هذا التحريم إلى هذا المعنى؛ أي توجه ~~الإنسان نحو العمل ووقايته ضد كل إغراق في العالم واغتراب عن الواقع. رفض ~~الحديث عن القدر تأكيد لحرية الإنسان وتحقيق لها من حيث هي قوة فاعلة وليس من ~~حيث هي مسألة نظرية ترتبط بشيء خارج عنها يكون طرفا لها مثل إرادة «الله»، في ~~حين أن العالم هو طرفها وميدانها، والعقبة مانعها وحدها. # 24 # ولا يعني وجود المتشابه من الآيات نفي النظر؛ لأن التشابه له قواعد تحيله إلى ~~محكم فتسكن النفس إليه. ليس التشابه إنكارا للنظر، بل دعوة لإعمال النظر من ~~أجل ترجيح المعنيين طبقا لحاجات العصر ومقتضيات الواقع ولاختيار الإنسان ~~للأفضل والأصلح. وليس إرباكا للعقل وتخديرا له عن مواطن الشبهات. التشابه له ~~دور إيجابي في إبراز دور العقل وليس في إيقاف نشاطه. والإنسان قادر على إحكام ~~المتشابه بما لديه من قرائن. فما الفائدة من متشابه لا يعلمه الإنسان؟ إن القدح ~~في النظر لوجود المتشابه هو أيضا قدح في المحكم؛ لأن المحكم لا يمكن فهمه إلا ~~بالنظر، ولا يمكن التمييز بينه وبين المتشابه إلا بالنظر والفهم. # ولا يعني الرجوع إلى النص كحكم بين وجهات النظر المختلفة إنكار النظر؛ لأن ~~النص نفسه الذي نحتكم إليه لا يفهم إلا بالنظر، ويتأسس في العقل بمعناه ~~الواسع الذي يشمل الحس والمشاهدة. بل إن مقياس فهم النص هو مدى تطابق هذا الفهم ~~مع العقل والحس. النص مرتبط باللغة وبأسباب النزول، ولا يمكن فهم معناه إلا ~~بالرجوع إليهما، وذلك لا يتم إلا بالنظر. لا يعني تعدد وجهات النظر نفي النظر ~~لأن هذا التعدد يمكن التحقق من مدى صحته ms223 بالرجوع إلى الحس والمشاهدة. فالعقل ~~أحد أطراف المطابقة. إذا ما تعددت وجهات النظر من حيث العقل فإنه يمكن اختيار ~~أكثرها تطابقا مع الحس. يضع العقل عديدا من الآراء، والواقع يختار أصلحها ~~له. # ولا يعني الوقوع في الخطأ نتيجة النظر نفي النظر. فالنظر يؤدي إلى الخطأ كما ~~يؤدي إلى الصواب. النظر أداة للصواب والخطأ على السواء. والخطأ في القياس لا ~~يهدم القياس، بل يصحح القياس الفاسد كي يصبح صحيحا. والنظر قادر على تصحيح ~~أخطاء النتائج بمقاييس الصدق المعروفة في المنطق؛ لذلك جعل علماء أصول الفقه ~~للمخطئ أجرا وللمصيب أجرين؛ لأن المخطئ أعمل العقل ومارس النظر. ليس النظر ~~قولا بلا علم أو دليل، بل هو أساسا نظرية في الدلالة، في سكون النفس للدليل. ~~وفيما لا دليل عليه يجب نفيه. ليس النظر اتباعا لهوى أو مصلحة، وليس قولا ~~بظن أو رجما بغيب، بل بداية للعلم اليقيني. لا يؤدي النظر إذن إلى أي مخاطر أو ~~يوهم الوقوع في الخطأ واعتقاد الكذب؛ فالإقدام على النظر خير من الإحجام عنه. ~~بل إن نفي النظر هو الذي يؤدي إلى الوقوع في الخطأ. ولا صواب في التقليد أو ~~التسليم. وإذا كان في الإقدام على النظر خطورة الوقوع في الخطأ، فإن الامتناع ~~عن النظر فيه خطورة أكبر، وهو عدم الوصول إلى اليقين على الإطلاق إلا مصادفة ~~أو عشوائيا. ولكن الإقدام على النظر فيه احتمال الوصول إلى اليقين دون ~~الامتناع عن النظر؛ وبالتالي فالإقدام على النظر خير من الإحجام عنه. # ولا يدل تغير الرأي أو المنهج أو المقدمات أو النتائج على انتفاء النظر، بل ~~يدل على أن النظر هو البحث الدائب عن الدليل. إذا تغير الدليل أو كانت هناك ~~أدلة معارضة أو زادت الأدلة وضوحا، فقد تتغير النتائج وإلا وقع الإنسان في ~~الدجماطيقية؛ أي الاعتقاد بشيء مع وجود أدلة مناقضة لما يعتقده، وجحد الدليل، ~~وبدأ بمقدمات خاطئة، وانتهى إلى استنتاجات باطلة. لا يدل السعي وراء الدليل ~~حيثما كان على انتفاء النظر، بل على تأكيد النظر. بل إن تغيير الرأي هنا ms224 ترك ~~للباطل ورجوع إلى الحق واستبعاد للخطأ والانتهاء إلى الصواب. لا يعني الانتقال ~~من مذهب إلى مذهب انتفاء النظر، بل انتقال المكلف من الباطل إلى الحق بعد العلم ~~بوجه الدليل، وإذا انتقل من باطل إلى باطل فإنه يحدث لاستمرار الشبهة وغياب ~~الدلالة. لا يعني الرأي حدوث تغير طبقا للهوى أو المزاج أو المصلحة وإلا كانت ~~المواقف الإنسانية كلها لا عقلية، تقوم على الإرادة والنزوع أكثر مما تقوم على ~~العقل والروية. وللإنسان علم ضروري يقوم على البداهة الحسية وأوائل العقول ~~ومعطيات الوجدان. ولديه سكون النفس إلى الدليل، وبالتالي القدرة على التمييز ~~بين الحق والباطل، وإلا وقعنا في تكافؤ الأدلة والشك، وهما من مضادات العلم ~~وليسا من مكوناته. # 25 # إن كل إبطال للنظر اعتمادا على الحجج العقلية إنما يثبت وجوب النظر لأنه لا ~~يمكن نفي النظر إلا بنظر. وإذا بطل النظر بالحجج النقلية؛ فإنه لا يمكن فهمها ~~إلا بالنظر. فالنظر واجب في كلتا الحالتين. كما أنه يمكن قلب الحجج النقلية ~~فيثبت النظر. فلا يعقل وجود وحي يستعصى على الأفهام، يتجاوز حدود العقل ولا ~~يعلمه إلا «الله» بالرغم من وجود قرائن يمكن معرفته بها. النظر شرط في فهم ~~الكتاب والسنة. ولولا النظر لظل الوحي صامتا. إن كثيرا من الحجج النقلية التي ~~توحي ببطلان النظر، إما خاصة ترد مورد العموم أو عامة ترد مورد الخصوص. وإن ~~ظاهرها ليدل على غير ما استعملت فيه؛ لذلك كانت الحجج النقلية عند علماء أصول ~~الدين ظنية لتوقفها على اللغة والاستعمال، ووجود حجج نقلية أخرى معارضة يثبت ~~بها النظر وتستعمل في محلها طبقا لقواعد اللغة وأسباب النزول، ولا يمكن قلبها ~~إلى ضدها؛ واضحة لا تحتمل التأويل أو التخريج. # 26 # لا يترك النظر إلا عندما يترك الإنسان نفسه عن وعي أو عن غير وعي إلى التقليد ~~أو الهوى أو المصلحة طلبا للرئاسة أو سعيا وراء منصب أو إيثارا للسلامة ~~والسكون، ودرءا للمخاطر التي قد يتعرض لها النظر من قوى التسلط والطغيان. قد ~~يترك النظر عنادا للحق أو حبا في شخص ms225 أو جهلا بالسمع أو اعتقادا بتكافؤ ~~الأدلة أو تحرزا عن الدخول في المعارك الفكرية. إن ترك النظر قد تكون له ~~أسباب سياسية صرفة لدى الحكام الذين يهمهم إبعاد الشعوب عن النظر أو من الشعوب ~~لإيثارها السلامة وحرصها على لقمة العيش تمثلا واستشهادا لبعض الأمثال ~~العامية التي تكون دينها الشعبي تكوين النصوص الدينية له. # 27 # | خامسا: كيف يفيد النظر العلم؟ # وهو سؤال نظري خالص، أقرب إلى «ميتافيزيقا» العلم منه إلى نظرية العلم؛ لأنه ~~يبحث في البناء النفسي للعلم ويحوله إلى عمليات ارتباطية خالصة، ويغرق فيها مع ~~التضحية بكل بناء العلم العقلي الواقعي. وقد اشتد الخلاف حول أمور ظنية خالصة، ~~لا يمكن فيها الوصول إلى يقين إلا عن طريق الاستبطان. هذا بالإضافة إلى أن الخلاف ~~في النتائج لا يؤدي إلى انهيار نظرية العلم؛ لأنه خلاف في التفسير وليس في ~~الشيء. ~~(1) نظرية التوليد # وقد انحصرت النظريات في كيفية إفادة النظر للعلم في أربع؛ كل اثنتين منها ~~متصارعتان، ولكن الصراع الثاني بين الاثنتين الأخريين أهم وأشد من الصراع ~~الأول بين الاثنتين الأوليين: ~~(أ) # يفيد النظر العلم عن طريق إعداد النفس لتقبل الفيض أو الإلهام. ~~النظر يعد الذهن، والنتيجة تفيض عليه وجوبا. وفي حقيقة الأمر إن ~~هذا الافتراض خروج على النظر ودخول في الفيض والإلهام الذي هو ~~إنكار للنظر. ويجعل مصدر العلم من خارج الشعور وليس من داخله، ~~ويقلل من دور الذهن والنظر. فقد يحدث النظر ويبخل «صاحب» الفيض. ~~وما دام صاحب الفيض كريما، فلماذا النظر؟ صحيح أن هناك معارف ~~حدسية، ولكنها تتم من خلال من النظر ومن داخله قفزا على المقدمات ~~وليست مستقلة عنه، وتتم من داخل الشعور وليس من خارجه. وهذا هو ~~تصور الحكماء الذي يجمع بين تصوري المعتزلة والأشاعرة؛ لأنه يقوم ~~على الوجوب مثل المعتزلة؛ أي وجوب إفادة النظر للعلم ضرورة، ولكنه ~~وجوب من «العقل الفعال» الذي منه يفيض العلم إلى داخل الشعور نقشا ~~عليه بدلا أن ينشأ من داخل الشعور نبتا فيه. صحيح أن الشعور به ~~استعداد وتهيؤ، ولكن العلم لا ms226 ينشأ من «العقل الفعال» الذي حوى كل ~~العلوم. وهو افتراض يجعل نظرية العلم أقرب إلى الأسطورة أو التشبيه ~~الأولي منها إلى تحليل العلم. أين «العقل الفعال»؟ ما هي العلوم ~~المخزونة فيه؟ من الذي وضعها؟ هل هي مدونة (اللوح المحفوظ) أم ~~شفاهية؟ وكيف تنزل إلى عالم الأرض؟ وكيف تدخل في شعور الإنسان؟ ~~وكيف تنقش فيه؟ وهل هي مقولات (تصورات) أم ألفاظ أم معان؟ وكيف ~~يتم الحصول عليها؟ وهل هناك اتفاق عليها كما وكيفا، فهما ~~وتفسيرا؟ إذا كان المقصود وجود الحقائق كأبنية مستقلة في العقل، ~~فإن «العقل الفعال» يكون داخل الشعور وليس خارجه. # 1 ~~(ب) # وقد يفيد النظر العلم عن طريق الوجوب لا عن طريق التولد، يعني ~~الوجوب لزوم النتائج عن المقدمات ضرورة، ويعني عدم التولد أن تكون ~~هذه الضرورة خارجية وليست داخلية؛ لأن الممكنات كلها مستندة إلى ~~«الله»، والله لا يجب عليه شيء. يقوم هذا الافتراض، في واقع الأمر، ~~بخطوة إلى الأمام في الربط الضروري بين النظر والعلم، ثم بخطوة إلى ~~الخلف في رفض أن يكون هذا الارتباط داخليا في الشعور. كما أنه ~~يدخل افتراضا أكبر لا حاجة له حتى الآن في بناء نظرية العلم، ~~وهو إسناد هذا الارتباط الممكن إلى «الله»، والله لم يثبت بعد ~~كذات أو صفات أو أفعال. ما زال في هذا الافتراض حساسية ضد ~~الاعتراف بالطبيعة وقوانينها المستقلة؛ وبالتالي فإنه يعبر عن نظرة ~~متطهرة دينيا مدمرة للعالم علميا. وكل قضاء على الضرورة ~~الداخلية في العالم هدم لنظرية العلم، وقد شاء هذا الافتراض أن ~~يقدم حلا وسطا بين الوجوب والتوليد، فقال بالوجوب غير ~~المتولد، والحلول الوسط لا تؤدي إلى حل الإشكال المنهجي أو إلى ~~إعطاء نظرية جديدة تبين نسبة النظر إلى العلم. القول بالوجوب ~~مع نفي التوليد قول بالوجوب العقلي الصوري دون الوجوب الطبيعي ~~المادي، وهو الوجوب المنطقي الخالص عن طريق إحضار مقدمتين في ~~الذهن ولزوم نتيجة ثالثة منهما. ولكن هذا الوجوب الصوري الآلي ~~يغفل التيار الحي للشعور، كما أنه يجعل العلم قضايا تتداخل فيما ~~بينها عن طريق ms227 الاستغراق، وليست دلالات أو معاني جديدة تحدث في ~~الشعور. كما أنه يغفل نظرية الحدس والرؤية المباشرة للدلالات. إن ~~القول بإفادة النظر للعلم وجوبا ثم إسناد هذا الوجوب إلى «الله»، ~~وهو تحويل هذا الوجوب إلى إمكان خالص وبالتالي القضاء على الوجوب ~~ذاته، وهو المقصود، ويتفق مع مذهب الأشاعرة. # 2 # ولكن الإفادة بلا وجوب لا تعني هدم الضرورة بين النظر ~~والعلم، بل تعني أن العلاقة بينهما غير لازمة أو لازمة بالضرورة، ~~فقد يحدث النظر دون العلم لأن النظر ما زال جاريا ولأن الدلالة لم ~~تنكشف بعد. وقد حصل العلم بأقل قدر ممكن من النظر، وتنكشف ~~الدلالة بسرعة وربما سابقا لأوانها. يتم النظر والعلم في الشعور، ~~وعمل الشعور أوسع بكثير من النظر والعلم؛ النظر مقدمات الشعور، ~~والعلم نتائجه، وبينهما تحدث الرؤية التي لا تحدد متى يحدث العلم ~~بالنظر والتي قد تجعل العلاقة بين النظر والعلم علاقة غير ضرورية ~~من حيث الكم أو من حيث الضرورة. ولكن العلاقة الكيفية ممكنة ~~ومحتملة. لا يعني ذلك إنكار النظر وإثبات حصول العلم بالإلهام، بل ~~إدخال رؤية الشعور لإدراك الدلالة. ليس عمل الشعور النظر والعلم ~~فقط، الوسيلة والغاية، المنهج والقانون، فهناك الدلالة وإدراك الدلالة. # 3 ~~(ج) # يفيد النظر العلم عن طريق العادة، بمعنى الإعداد أو الإفادة أو ~~التضمن أو الاقتضاء. طالما مارس الإنسان النظر أفاد العلم. فارتباط ~~النظر بالعلم عن طريق العادة والتكرار. # 4 # والحقيقة أن ذلك ينفي وجود حقائق علمية مستقلة عن ~~تكوينها، ويخلط بين مستوى النشأة والتكوين ومستوى الماهية ~~والدلالة، ويرد الثاني إلى الأول، مع أن التعالي أو المفارقة له ~~وظيفة علمية هو الحرص على التمييز بين المستويات. أما افتراض أن ~~«الله» هو سبب العادة، وأنه هو الخالق للاقتران بين النظر والعلم، ~~فهو افتراض سابق لأوانه عن تأسيس نظرية العلم؛ لأن «الذات» لم يتم ~~إثباتها بعد. كما أنه خلط بين موضوع تأسيس العلم وموضوع خلق ~~الأفعال، وتصور كل واجب ممكن وإسناده إلى «الله» وبالتالي القضاء ~~على استقلال قوانين الطبيعة. وكيف يمكن المحافظة على التنزيه ~~و«الله» يقرن ms228 بين النظر والعلم كما يقرن بين الاحتراق والنار؟ وقد ~~يكون هذا الاقتران عادة صرفة أو عادة مع الكسب؛ مما يدل على الخلط ~~بين موضوعي العلم وخلق الأفعال. وقد يكون لزوما عقليا محضا، ~~ولكن أيضا بخلق «الله» وليس عن طريق قوانين العقل. وبالتالي يكون ~~هذا الافتراض هدما لقانون العلية وهدما لأوائل العقول. # وقد تصور الأشاعرة أن القول بالتوليد يعني القول بالوجوب، أي ~~وجود علاقة ضرورية بين العلة والمعلول؛ أي بين النظر والعلم، ~~وبالتالي النيل من «الإرادة الإلهية» التي لا يجب عليها شيء، ~~فأنكروا التوليد وجعلوا النظر يتضمن العلم ولا يولده أو يوحده، هو ~~شرط وليس علة موجبة، على عكس التوليد عند المعتزلة الموجب للعلم ~~إيجاب العلة إلى معلولها. وهنا ينشأ الصراع بين نظرية العلم كتحليل ~~للعقل بصرف النظر عن «الإلهيات» وبين نظرية العلم التي تريد أن ~~تكون مقدمة للإلهيات. إن إنكار توليد النظر للعلم وإيجاب وجود ~~العلة للمعلول هو في الحقيقة تفكير «إليه» مقنع؛ إذ لا يجب على ~~«الله» شيء حتى في العلم، في حين أن الوجوب في العلم ضروري لأنه ~~ربط النظر بالعلم عن طريق الدليل هو أيضا وجوب؛ لذلك كانت المشكلة ~~جزءا من خلق الأفعال وليست مسألة علمية خالصة. وسواء كان النظر ~~بفعل الإرادة القديمة أو كسبا للعبد، فإن إحداث النظر للعلم يتم ~~بفعل إرادة خارجية عند الأشاعرة - بالرغم من أن الكسب اقتراب من ~~أفعال الشعور الداخلية - وليس بأفعال الشعور. وبالتالي فإن إدخال ~~افتراض «الله» لتأسيس نظرية العلم سابق لأوانه، بل وهدم للعلم لأنه ~~أوسع بكثير من موضوع العلم. وما زال السؤال: هل النظر يفيد العلم ~~«بالله»؟ لم يطرح بعد داخل نظرية العلم. ومن ثم فكل استباق ~~للفكر «الإلهي» قبل تأسيس نظرية العلم هدم للعلم. # 5 # فضل الأشاعرة - بدافع الإيمان ودون نظر لتأسيس العلم ما دام ~~الإيمان يعطي اليقين والعلم، ما هو إلا مبرر سطحي له لترويجه وسط ~~العامة - فضلوا إفادة النظر للعلم عادة وخلقا. كلما حدث النظر ~~أفاد العلم، وبالتكرار تنشأ العادة على ربط النظر بالعلم، وعلى ~~وقوع ms229 العلم بعد النظر. وهو تصور آلي خالص، ينكر عمل الشعور ~~الداخلي. أما الخلق، فإنه يحدث بتدخل إرادة خارجية تجعل النظر ~~يفيد العلم، وهو التصور المعارض للعادة. يؤدي إنكار التوليد إذن ~~إلى التصور الآلي الذي ينكر حياة الشعور، وجعلها قاصرة على ~~الانطباعات الحسية أو إلى التصور الإرادي الخارجي الذي يجعل ~~الشعور محلا لأفعال أخرى خارجية عنه. وكلا التصورين إنكار ~~لحياة الشعور واستقلاله؛ التصور الآلي تصور ميت لا حياة فيه، ~~يجعل الشعور في حالة من السلب الدائم، لا ينفعه تدخل إرادة خارجية ~~لإحيائه؛ لأنه لا يقوى على ردها، ما هو إلا مستقبل لها، عاكس ~~لما تريد. وكأن الشعور أصبح محاصرا بين طبيعة ميتة وإرادة ~~خارجية لا تفعل إلا في الأموات، والإنسان نفسه لا وجود له كحياة ~~وشعور وأفعال. # 6 # إنكار التوليد هدم للعلم وللرابطة الضرورية بين المقدمات ~~والنتائج، وإلا فإنه يمكن سماع الخبر دون حدوث العلم. ولما كان ~~الوحي قد أتانا بالخبر، فإن إنكار التوليد يؤدي إلى إنكار العلم ~~بصحة الكتاب وبصدق الوحي. إيجاب النظر إذن إيجاب للعلم، ولا وجود ~~لسبب دون المسبب. كمال النظر بتوليد العلم، وكلاهما مقدور للإنسان ~~حسب الدواعي. ولو لم يكن الإنسان قادرا على النظر والعلم لما كان ~~قادرا على أضدادهما من النظر والشك. وإذا كان النظر واجبا ~~بالاضطرار فإن المعرفة واجبة بالاستدلال، وجوب النظر ليس ~~متعذرا؛ فهو في الأول مناط التكليف وفي الثاني مولد للعلم. # 7 # ولا ينفي وقوع التوليد بطريقة لا شعورية وقوع التوليد؛ لأن إدراك ~~التوليد يتطلب قلب النظرة من الخارج إلى الداخل، ورؤية عمل الشعور ~~رؤية مزدوجة. ومع ذلك فالعلم بالعلم ممكن اضطرارا، بل إن العلم ~~بالعلم أساس العلم. يمكن معرفة وجوب النظر للعلم، وهي نظرية العلم ~~ذاتها، وتتبع أحوال الشعور ووصف أفعاله التي بها يتأسس العلم. ~~توليد النظر للعلم هو علم العلم ويحتاج إلى نظر واستدلال، ولا يكون ~~بالضرورة علما ضروريا. # 8 # ولا يعني ارتباط العقل بالحس ونشأة جزء من مادة النظر من الحس ~~الشك في توليد النظر للعلم؛ فالنظر قادر على إحضار ms230 الغائب، وهو ~~ما لا يستطيعه الحس، وقادر على تأمل ما يغيب عن الحس. والعقل قادر ~~على تصحيح أي خطأ في المادة الحسية، وهو قادر كما وكيفا على ~~تجاوز الحس. ويصعب الشك في صحة الإدراك الحسي؛ لأن الحس أحد مصادر ~~المعرفة وأحد وظائف الشعور، والشك فيه يفصله عن عالم الشعور، ويصبح ~~الشعور مجرد وعي فارغ بلا عالم. ولا يمكن رد كل النظر العقلي إلى ~~الحس لأنه أوسع نطاقا وأشمل منه، وكلاهما من أفعال الشعور مع ~~معطيات الوجدان. والكل داخل الشعور المعرفي الذي هو في نفس الوقت ~~إحساس بموقف وإدراك لطبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها الجماعة. # 9 # ولا ينفي الوقوع في الخطأ توليد النظر للعلم؛ إذ يمكن معرفة ~~أسباب الخطأ وتصحيحها ومراجعة النظر في مقدماتها واستدلالاته. ~~الخطأ شائع ويمكن تصحيحه بمقاييس الصدق مثل سكون النفس، والمطابقة ~~مع الواقع واتساق الفكر مع نفسه وانكشاف ماهيات الأشياء في ~~الشعور. فقد يحدث الخطأ من الحواس أو العقل أو الوجدان، ولكن حدوث ~~خطأ في وظائف الشعور يصحح بعضها بعضا، وبالتالي لا ينفي توليد ~~النظر للعلم. # 10 # ولا ينفي إفادة القياس الظن توليد النظر للعلم؛ لأنه على قدر ~~المقدمات تكون النتائج؛ التوليد عملية استخراج المعاني بصرف النظر ~~عن درجة يقينها، وقد يتحول الظن إلى يقين بعد النظر في الأدلة من ~~أجل الحصول على البرهان. # 11 # ولا يعني تفاوت العلم بين الخفاء والجلاء أو الضعف ~~والقوة أو القلة والكثرة أن النظر لا يولد العلم، فالنظر بطبيعته ~~نتيجة لأفعال الشعور أو فعل له. والشعور حالات متغيرة، وتيار ~~حي دائم، يتفاوت النظر فيه بين الخفاء والجلاء. وتكون مهمة ~~الإيضاح هي الانتقال من الخفاء إلى الجلاء، ومهمة أنماط الاعتقاد ~~الانتقال من الظن إلى اليقين حتى يتأسس العلم في الشعور. والوضوح ~~والجلاء في النظر والعلم يكتسبان أثناء عملية التأسيس ولا يحدثان ~~في البداية. فإذا كان اليقين في العلوم الرياضية صوريا بتطابق ~~العقل مع نفسه، وفي العلوم الطبيعية ماديا بتطابق العقل مع ~~الواقع، فإنه في العلوم الإنسانية، في علوم الشعور، تتفاوت المراتب ms231 ~~طبقا لحالاته. بالإضافة إلى أن نظرية العلم هي في الحقيقة تحليل ~~لعلم العلم أو تأسيس للعلم السابق على كل علم خاص، تحليل لأفعال ~~الشعور في العلم من حيث هو علم ووصف لحركة الشعور الداخلية. # 12 # والنظر لا يفسد الشعور؛ لأن الشعور محل النظر، ويعطيه أساسه ~~ومادته وتولده الذي هو خلق العلم وإبداعه. كما أن الشعور لا يفسد ~~النظر، بل يحميه من التشعب والصورية، ويحرص عليه من الوقوع في ~~التجريد والشكلية. ولا ينفي الإجهاد الناشئ من النظر صحته وتوليده ~~للعلم؛ فالإجهاد يتم في الحس والعقل والوجدان والسمع (الخبر). ولكن ~~يتم النظر في حدود الطاقة الإنسانية وعلى قدر الجهد الإنساني. ~~ويمكن التخفيف من حدة الإجهاد بالنظر في أوقات متفاوتة بعد راحة ~~البدن ومع حدوث الاطمئنان في النفس، وبوجود البواعث، وبالإحساس ~~بالغاية، والالتزام بالموقف، والعمل من خلال الجمعيات المتخصصة، ~~والعمل السياسي المنظم، والعمل الجماهيري بدعوة الناس إلى استرداد ~~الحقوق، والعمل اليومي بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، والتجرد ~~والنقاء والعطاء الكلي للهدف القومي؛ كل ذلك يجعل النظر حاضرا ~~دائما نشطا خلاقا مولدا للعلم دون إجهاد أو ملل، بحسن نية، ~~وبلحظات صدق، وبتذوق للجمال، وبمشاعر حب للناس، وبضم للعالم كله. # 13 # ولا يعني حدوث العلم لفرد دون آخر بالرغم من ممارسة كليهما للنظر ~~نفي التوليد؛ لأن شعور كل فرد متميز عن غيره بدرجة في اليقظة ~~والانتباه والتوتر وسرعة إدراك الدلالة. فاختلاف العقلاء في العلم ~~لا يقضي على توليد النظر للعلم. والاختلاف بين الناظرين لا يقضي ~~على موضوعية العلم؛ إذ يرجع الاختلاف إلى تباين القراءات أو الفهم ~~أو التحصيل أو التعبير أو حتى المصالح والأهواء التي يصعب التجرد ~~منها، أو ظروف العصر أو القدرة على اكتشاف وجه الأدلة أو طرق ~~الاستدلال من المقدمات إلى النتائج، أو إدراك العلوم الضرورية أو ~~درجات الاكتساب للعلوم النظرية. ينشأ الاختلاف بين العلماء نظرا ~~لاختلاف أنظارهم في الأدلة، وتفاوتها لديهم بين الغموض والوضوح، ~~والضعف والقوة، والظن واليقين، والشك وسكون النفس، والقدرة على دفع ~~الشبهات، والتفريق بينها وبين الحجج. ولا يختلف العقلاء ms232 على شهادة ~~الحس وأوليات العقل ومعطيات الوجدان. ومقاييس الصدق واحدة عند الجميع. # 14 # وأخيرا فإن القول بأن إعمال النظر بالرغم عن توافر كل الشروط لا ~~يولد العلم؛ إنكار للنظر وللعلم على السواء، وهدم للعقل وللحقائق ~~معا، ووقوع في اللاأدرية والشك أو في السر كموضوع للإلهام أو في ~~التقليد والتسليم. إذا ما توافرت الدواعي على النظر يتم النظر، ~~وإذا ما حدث القصد إلى النظر وتوافرت الأدلة تولد العلم. وإن لم ~~يتولد العلم يكون العيب في غياب الأدلة. النظر نظر في الدليل. ~~وإدراك لوجه الدلالة والاستدلال بها على المطلوب. لذلك كان في ~~النظر ما يولد وما لا يولد طبقا للنظر في الدليل والعثور على وجه الدلالة. # 15 ~~(د) # لم يبق إلا أن النظر يفيد العلم عن طريق التوليد؛ أي أن فعلا ~~يوجب فعلا آخر. النظر فعل للإنسان يتولد منه فعل آخر هو العلم. ~~النظر فعل من أفعال الشعور الداخلية، القصد إليه فعل الإنسان، ولكن ~~النظر كفعل من أفعال الشعور لا دخل للإرادة فيه إلا من حيث القصد ~~والنية والتوجه والفعل. # 16 # والتوليد حادث في الشعور، فالشعور تيار مستمر، تتوالى ~~أفعاله فيتولد العلم. وهو الاستنباط الصوري القديم، استنباط ~~النتائج من المقدمات، ولكن على مستوى أفعال الشعور. أما التذكر، ~~فبالرغم من أنه يبدو غير مولد للعلم؛ لأن التذكر ليس فعلا ~~إراديا مباشرا، إلا أنه في الحقيقة كالنظر، كلاهما فعلان من ~~أفعال الشعور ومولدان للعلم. فالقصد إلى التذكر ممكن وبالتالي ~~يكون فعلا إراديا كالنظر حين التوجه إليه. والنظر قد يكون ~~مثيرا للتذكر، يأتي النظر بمادة المعرفة من الحاضر، ويأتي التذكر ~~بمادة المعرفة من الخبرات المختزنة، وكلاهما يشترك في الدلالة. ~~النظر يستدعي التذكر كما يستدعي الحاضر الماضي، وكلاهما يتحرك ~~بالبواعث وينشط بالمقاصد والغايات. إذن فقد يولد التذكر العلم، ~~فبالتذكر يمكن العثور على دلالات كانت غائبة ثم حضرت. وينشأ قياس ~~النظر على التذكر أو قياس التذكر على النظر من أن كليهما من أفعال ~~الشعور التي تحضر الدلالات وتولد العلم. ولا يعني القياس هنا إفادة ~~الظن أو اليقين، ms233 بل يعني التماثل في أن كليهما من أفعال الشعور. ~~التذكر نوع من النظر المفاجئ؛ إذ يتذكر الإنسان بغتة أو ينظر إلى ~~الوراء إذا ما استرجع ذكرياته ورأى دلالاتها. ولا تتزاحم الذكريات ~~فيكون إحداها أولى بالتوليد من الأخرى، لأن الذاكرة لا تعمل إلا ~~بالدواعي، والدواعي أساس التكليف. لا يتذكر الإنسان إلا ما هو ~~مدفوع نحوه، وما هو في حاجة إليه، وما يحياه في شعوره الحاضر من ~~تحقيق المطالب أو تطلعه نحو المستقبل مثل الخوف من ترك النظر. ~~وطالما أن العلم لا يتولد إلا بتذكر الأدلة وعدم نسيانها، فذلك يدل ~~على أن التذكر كالنظر، كلاهما يولد العلم. # 17 # والمتولدات لا تروك لها، بل تتسم بالاستمرارية والتواصل، وإلا ~~استدعى الأمر تولدا جديدا في كل حالة وانقطاع الذاكرة. ~~وباصطلاح القدماء يولد الاعتماد الأكوان. النظر إذن واجب حالا بعد ~~حال، ويولد العلم، ويستحق المكلف الثواب بفعله والعقاب بتركه. ~~الزمان متصل، والواجب أيضا متصل، ولا حاجة إلى تجديد التكليف. ~~الأمر على الدوام وليس على الانقطاع. تتوالد المعارف من بعضها ~~البعض حتى ولو بدت منقطعة في لحظات. إن التصور الأشعري لأفعال ~~الشعور الداخلية والخارجية يحتاج إلى تدخل إرادة خارجية مشخصة ~~في كل لحظة من لحظات الشعور، وهو يقوم بأفعاله لأنه غير قادر ~~بطبيعته على الاستمرارية والدوام. لا يتوقف الواجب إلا بوجود ~~الموانع، وامتناع الشروط مثل الغفلة والنوم أو الجنون والبله ~~والاخترام (الموت)، وعدم توافر الدواعي ووجود الصارف. لا يعني ذلك ~~وقوعا في الجبرية، إذا حدث السبب حدث المسبب، بل يعني الاعتراف ~~باستمرارية أفعال الشعور من البداية إلى النهاية. الارتباط وجوبي ~~وليس ارتباطا عليا ماديا فحسب. الارتباط الأول هو الأساس ~~والجوهر والثاني هو الفرع والظاهر. لا يعني ذلك «وجوب توبة الرامي ~~قبل أن تصل الرمية» بل وجوبها عن قصد الرماية وهو قصد موجود. إذا ~~كان المكلف قادرا على النظر فهو فاعل النظر، وهو القاصد إليه ~~بحسب إرادته ودواعيه. بل إن أفعال الشعور مرتبطة بالدواعي ~~والمقاصد. فالسهو طارئ، والترك عرضي. # 18 # ليست علاقة النظر بالعلم إذن علاقة صورية خارج ms234 الزمان، بل علاقة ~~تنشأ في الزمان. يحتاج التوليد إلى زمان حتى يحدث النظر العلم. ~~قد يحدث التوليد في اللحظة، وقد يحدث في التأني أو باصطلاح علماء ~~أصول الفقه قد يحدث على الفور وقد يحدث على التراخي. ويرتبط الزمان ~~بالاستعداد الطبيعي. يحتاج الشعور اليقظ إلى زمان أقصر مما يحتاجه ~~الشعور البليد. كما يختلف إحساس كل منهما بالزمان من حيث الشدة والتوتر. # 19 # ولما كان النظر يتم في الوقت، فإنه قد يقع في الحال ~~بعد حدوث الخاطر دون أن يكون محددا بوقت التكليف مثل الصلاة ~~حاضرا أو قضاء، على الفور أو على التراخي، في الوقت المضيق أو ~~الوقت الموسع. لا يعني ذلك أنه يحدث في أي وقت، بل في الوقت ~~الأول للوجوب وفي الوقت الثاني لتوليد العلم، وفي الوقت الثالث ~~للممارسة والفعل. ومع ذلك فقد يكون الأفيد للشعوب التي لا تشعر ~~بوجوب النظر عليها أن يجب عليها في الحال، على الفور دون التراخي، ~~وحاضرا دون قضاء، وفي الوقت المضيق دون الوقت الموسع، حتى يتم ~~إيقاظها من سباتها. # ليست صلة النظر بالعلم إذن صلة آلية، بمجرد وجود النظر يحصل ~~العلم، بل لا بد من التوليد وهي الحالة الشعورية التي يحصل فيها ~~النظر، ويتولد منها العلم إذا توافرت شروط التوليد. ليس كل من ~~علم قواعد الشعر شاعرا، ولا كل من علم قواعد اللغة كاتبا، يمكن ~~معرفة كيفية التوليد ولو أن ذلك ليس شرطا ضروريا لتوليد النظر ~~العلم. ولكن يستطيع فيلسوف العلم أو مؤسسه وصف أفعال الشعور ويبين ~~كيفية التوليد. قد لا يعلم الشاعر ضرورة كيفية حدوث عملية قرض ~~الشعر، ولكن عالم الفن قادر على ذلك بوصفه لعمليات الخلق الفني. ~~وقد لا يتم هذا الوصف قبل توليد النظر العلم. الوصف هو وصف لشيء. ~~يحدث الشيء أولا ثم يتم وصفه ثانيا. لا يعني ذلك أن النظر لا ~~يولد العلم؛ لأن العلم بكيفية التوليد قد يحصل بعد التوليد ذاته عن ~~طريق الاستبطان، ولكن عدم العلم بكيفية الشعور لا ينفي حدوث التوليد. # 20 # التوليد إذن هو طريق الحصول ms235 على الدلالة بعد النظر في الدليل. ~~الدلالة بداية اليقين واستبعاد مضادات العلم من شك وظن ووهم وجهل ~~وتقليد. ولا تحدث إلا في الشعور اليقظ المنتبه دون شعور النائم ~~والغافل، ولا تقع إلا في الشعور العاقل دون شعور الطفل أو الصبي أو ~~المجنون. لا يعني التوليد ارتباطا عليا بين النظر والعلم دون ~~أي شروط، بل يعني انكشاف الدلالة في الشعور ورؤية الماهية بتوافر ~~الشروط. الشعور خالق للمعاني وواهب للدلالات، يتولد فيه العلم. لا ~~يوجب النظر العلم آليا بل بواسطة الدليل. النظر في الدليل يؤدي ~~إلى العلم بالمدلول، وإذا ما عثر الناظر على المدلول فعليه إعادة ~~النظر حتى يعثر على الدليل؛ فلا مدلول بلا دليل. # 21 # والتوليد شرط صحة النظر. إذا طال النظر ولم يحدث العلم فإنه يكون ~~حتما قد توجه بعيدا عن الأدلة. ولا يمنع وقوع الشبهات في النظر ~~نفي التوليد؛ فالشبهات تجيء وتذهب، والناظر قادر على التمييز بين ~~الشبهة والدليل، وذلك بسكون النفس إلى الدليل وطردها للشبهة. كما ~~تنبه الدواعي والخواطر على صحة النظر وتوليده للعلم. إن الوعي ~~الدائم بوجوب النظر يولد العلم ضرورة بالحدس أو الاستدلال. ولا ~~يؤدي عدم النظر إلى الجهل؛ لأن عدم النظر ليس فعلا بل ترك، ~~والترك لا يتحول إلى فعل. كما لا يولد النظر الشبهات؛ فالتوليد ~~طريق العلم ونفي الجهل عن طريق الدلالة، والدلالة محو للشبهة ولا ~~يتضمن بالضرورة توجيه الشك والظن ؛ فالجهل عدم العلم، وهو إدراك ~~العلم ابتداء ولو بطريق النفي، والشك لا يولد العلم. ولا يعني ~~احتمال أن يؤدي إلى جهل انتفاء النظر؛ فالنظر لا يولد الجهل لأن ~~الجهل اعتقاد جازم غير مطابق يحدث من غير نظر، بل لمجرد الاعتقاد، ~~وهو ضد العلم. # 22 # وهناك فرق بين العلم الضروري في التوليد والعلم الضروري في ~~الإلهام. يتم العلم الأول بأفعال الشعور الداخلية بعد النظر، في ~~حين أن الثاني يحدث بالإلهام الناتج عن الطبيعة دون نظر. ويتم ~~الأول بطريقة الرؤية والحصول على الأدلة، في حين يتم الثاني فجأة ~~وبلا مقدمات ودون حاجة إلى دليل. ويمكن ms236 مراجعة الأول والتحقق من ~~صدقه، في حين لا يمكن مراجعة الثاني أو التحقق من صدقه، بل يكون ~~تعبيرا عن طبيعة، ويكون صدقه مرهونا باطراد الطبيعة. # 23 ~~(2) شروط النظر # لا يحدث النظر إلا بشروط هي نفسها شروط العلم؛ من حياة ويقظة وانتباه ونظر. ~~فالحياة شرط العلم لأن العلم حالة للشعور. # 24 # وكذلك شرط النظر مطلقا هو الحياة؛ لا نظر بدون حياة، وانتهاء ~~الحياة معناه انتهاء النظر، الأحياء الذين لا يعملون النظر أموات، والأموات ~~الذين ما زلنا نتعامل مع نظرهم أحياء. ليست الحياة فقط شرط النظر بل نتيجته، ~~ليست فقط مقدمته بل ثمرته، وليست الحياة فقط شرطا للعلم، بل هي الشرط العام ~~الشامل لليقظة والانتباه والنظر والعلم والمعرفة. هي شرط القدرة والسمع والبصر ~~والكلام والإرادة. وقد دعا ذلك البعض إلى إخراج هذا الشرط من حد العلم، ومع ذلك ~~تظهر الحياة كشرط للعلم في الإلهيات كما تظهر في الطبيعيات؛ ففي الإلهيات ~~الحياة شرط العلم والقدرة في صفات الذات، وفي الطبيعيات الحياة شرط وجود الأجسام. # 25 # وقد يتميز شرط النظر أكثر فيصبح العقل. فالنظر يتم بالعقل، ومن له عقل له ~~نظر، ومن لا نظر له لا عقل له. وقد يتميز شرط العقل بشرطي الانتباه واليقظة ~~لما كان العقل هو حياة الشعور اليقظ المنتبه. الانتباه من الغفلة، واليقظة ضد ~~النوم. فالعلم مظهر من مظاهر الحياة، والحياة هي اليقظة والانتباه. لا علم لميت ~~أو نائم أو غافل . والعلم أيضا يبعث على الحياة واليقظة والانتباه؛ هناك إذن ~~علاقة متبادلة بين الشرط والمشروط. لا يحدث العلم إلا بالحياة واليقظة ~~والانتباه، وفي نفس الوقت يبعث العلم على الحياة واليقظة والانتباه. وما يحدث ~~في عالمنا هذا من تجاوز العلم والغفلة يجعلنا نشك في صحة العلم. لو كان العلم ~~صحيحا لما حدث إلا باليقظة ولا حدث الانتباه. # 26 # وقد يجعل البعض النظر ليس فقط شرطا للعلم، بل مضادا له؛ لأنه عدم حصول ~~العلم. والحقيقة أن التضاد هنا غياب وليس تعارض وجود. ومن ثم كان النظر ~~أقرب إلى الشرط منه إلى التضاد. ms237 العلم يحدث بالنظر، والذي يضاد العلم هو الشك ~~والظن والوهم والجهل والتقليد. وقد يجعل البعض الآخر النظر مؤديا إلى العلم ~~دون أن يكون شرطا له؛ فشرط العلم هو الحياة مقارنا للمشروط، ولا يتصور مقارنة ~~النظر للعلم. والحقيقة أن هذا إما إقلال لشأن النظر أو مجرد خلاف لفظي ~~واستبدال لفظ شرط بلفظ آخر هو مؤدى، الأول يدل على الثبوت، والثاني يدل على ~~الحركة، الأول يدل على عدم وجود الضد مثل غياب الإدراك، والثاني يدل على ~~ضرورة وجود المنهج وهو النظر. # 27 # ولا يحتاج النظر إلى علم مسبق؛ إذ أنه سابق على أي علم. بل إن عدم العلم شرط ~~صحة النظر لأن النظر يؤدي إلى العلم. وإذا كان هناك نظران بعد العلم بالمنظور ~~الأول، فإنه يدرك وجها آخر من الدليل لم يدركه النظر الأول؛ فلا يمتنع ~~وجود فكرين في حالة واحدة. وعند من يمنع ذلك يقضي النظر الثاني على ذهول ~~الناظر من العلم بالنظر الأول. وإذا أمكن العلم بالمدلول دون نظر يكون النظر ~~ضروريا لإيجاد البرهان، ويكون النظر هنا تراجعيا من النتائج إلى المقدمات ~~أو من الحدس إلى البرهان. والحدس أحد مراحل النظر، وكذلك التأمل الباطني أو ~~الانتباه المستمر أو رؤية الواقع، كلها لحظات للنظر بشرط ألا يؤدي الجزم ~~بالمطلوب أو بنقيضه إلى تحجر البحث وتعثر النظر، فالجزم اعتقاد قاطع مضاد للنظر. # 28 # في حين يرى البعض الآخر أن العلم بالمطلوب أو الجهل المركب به يبطل ~~النظر؛ إذ كيف يتم النظر فيما علم من قبل؟ وعلى هذا النحو يبطل النظر في وجود ~~«الله» ممن يعلمه مسبقا صحة النظر. وإدخال «الله» كافتراض مسبق قبل إثبات ~~وجوده في أي نظرية في العلم يبطل النظرية. كما أن الجهل المركب يبطل النظر، أي ~~عدم العلم بالعلم أو عدم العلم بالنظر، ومن لا يعرف أن النظر يفيد العلم فإنه ~~لن ينظر، والجهل المركب هو ألا يعلم الإنسان أنه لا يعلم. # ونظرا لقسمة النظر إلى صحيح وفاسد، هناك شروط خاصة للنظر الصحيح، وعلى ~~رأسها اثنان: الأول أن يكون ms238 النظر في الدليل دون شبهة، والثاني أن يكون النظر ~~في الدليل من جهة الدلالة، وهذا كله أدخل في نظرية الاستدلال. أما البحث في ~~الدليل والدلالة ووجه الدلالة، هل هي شيء واحد أم أشياء متغايرة، فذلك كله ما ~~يخرج عن نطاق نظرية العلم ويدخل في ميتافيزيقا العلم. # 29 # وهي أقرب إلى المشكلات الميتافيزيقية الخالصة التي تنشأ من خارج ~~نظرية العلم، مثل هل صفة الشيء هي الشيء أم غيره أم لا هو الشيء ولا هو غيره. ~~يكفينا في نظرية العلم أن يكون وجه الدلالة هو الرابط بين الدليل والمدلول. ~~أما قضية هل يقتضي الإثبات بالدليل إثبات المدلول أم إثبات العلم بالمدلول ~~(أو بتعبير لاحق على نظرية العلم وأدخل في نظرية الوجود: هل يؤدي الدليل على ~~حدوث العالم نفسه أم إلى العلم بحدوث العالم؟ أو بتعبير لاحق على نظرية الوجود ~~وأدخل في نظرية الذات: هل يؤدي الدليل على وجود «الله» إلى إثبات وجود الله، أم ~~إلى إثبات العلم بوجود الله؟) فإن الأمر ما دام يتعلق بنظرية العلم وحدها، ~~فالدليل يؤدي إلى المدلول من حيث هو علم لا من حيث هو واقع؛ ومن ثم لا ~~ينقسم المدلول إلى وجود وعدم أو قدم وحدوث، ولا يمكن أن تتحول نظرية العلم ~~إلى نظرية وجود، أو تكون تقسيمات الوجود هي تقسيمات العلم؛ أي أحكام عقلية عن ~~المعلوم. إن الانتقال من الدليل العقلي إلى المدلول الواقعي يقوم على حكم مسبق ~~هو تطابق عالم الأذهان مع عالم الأعيان، وهو الموقف الأشعري وموقف الحكماء الذي ~~لا يفترض الدليل الأنطولوجي العام في صلة الفكر بالواقع على عكس الموقف ~~الاعتزالي وموقف الفقهاء الذين يميزون بين عالم الأذهان وعالم الأعيان، بين ~~مقولات الذهن وبين الأشياء في العالم، بين بناء الذات وتكوين الموضوع. # 30 # لقد اكتفى القدماء بمطالبة الناظر بالدليل الإجمالي دون التفصيلي، بينما ~~اشترط البعض الآخر التفطن لكيفية الاندراج، وتركيب المقدمات ولزوم النتائج ~~منها، ومنعه آخرون إلا بتصديق ثان وهو ما يلزم بالتسلسل أو لأنه متفاوت في ~~الجلاء والخفاء. # 31 # والحقيقة أن ترتيب ms239 المقدمات ولزوم النتائج وكيفية الاندراج كل ذلك ~~جزء من نظرية العلم، ولكن في طرق النظر وليس في النظر ذاته الذي يفيد العلم. ~~ومنهج الإيضاح أحد طرق النظر. ونظرا لأهمية الأساس الشعوري للعلم أصبح من ~~شروطه هذا التفطن لكيفية الاندراج والترتيب. # | سادسا: وجوب النظر # النظر واجب إجماعا. ولكن الخلاف في طريق ثبوته سمعا أم عقلا. # 1 # لا خلاف إذن على وجوب النظر، وكل من لا نظر له فقد أخل بالواجب الذي ~~أقره الإجماع بصرف النظر عن موضوع النظر. # 2 # ويرتبط موضوع الوجوب السمعي أو الوجوب العقلي بموضوع الحسن والقبح ~~العقليين نفيا أو إثباتا؛ فالوجوب السمعي يقوم على إنكار الحسن والقبح ~~العقليين، الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، في حين أن الوجوب العقلي ~~يقوم على إثباتهما، فالنظر حسن في ذاته، وعدم النظر قبيح في ذاته. يعلم المكلف حسن ~~النظر وقبح عدم النظر كما يعلم حسن المعرفة وقبح الجهل. يقوم وجوب النظر إذن على ~~صفة في النظر، فهو وجوب موضوعي. وهذا لا يعني الوجوب الجبري لأنه قائم على الدلالة ~~وهو حسن النظر. # 3 ~~(1) الوجوب السمعي # تشهد له آيات كثيرة تحث على النظر والتفكر، وكذلك الأحاديث. # 4 # ولكن هذه الشواهد النقلية معارضة بشواهد أخرى يوردها المنكرون ~~للنظر، حجة بحجة، ونقلا بنقل وسمعا بسمع. ~~كما نقلت روايات عن النبي تنهى عن الخصام والجدل في مسائل القدر تقابلها ~~روايات أخرى تحث على النظر. # 5 # والحقيقة أن وجوب النظر يختلط بموضوع النظر، فليس السؤال عن موضوع ~~النظر ، «الله» أم القدر بل النظر ذاته كمنهج أو كطريق للمعرفة بصرف النظر عن ~~موضوع المعرفة. # والحقيقة أن جعل الوجوب الشرعي متوقفا ~~على النبوة، والنبوة على المعجزة، يجعل الدليل كله متوقفا على التبليغ الذي لا ~~يتم إلا عن طريق التواتر. ومن ثم أصبح الدليل خارجيا ثلاث مرات. يتوقف ~~الوجوب على النبوة أولا وعلى صدقها بالمعجزة ثانيا، وعلى صحة نقل المعجزة ~~ثالثا. أما افتراض الوجوب كمجرد إمكانية قبل التبليغ فهو افتراض ما لا يطاق. # 6 # كما يقوم الوجوب السمعي على ms240 أساس النظر والفهم؛ فإنكار النظر إنكار للوجوب ~~السمعي، والعقل أساس النقل بإجماع الأصوليين. ولا يمكن الدفاع عن الوجوب السمعي ~~بأن الوجوب لا يتوقف على العلم بالوجوب حتى يلزم الدور ويتوقف على الإدراك ~~وسلامة الآلات؛ لأن العلم بهذا الوجوب عقلي خالص؛ إذ لا يدرك الإنسان الوجوب ~~إلا بالنظر أي بالعقل، كما لا يمكن الدفاع عنه على أساس أن الوجوب العقلي يعتمد ~~على مقدمات لا يمكن الوصول إليها بالعقل؛ لأن الوجوب العقلي لا يحتاج إلى نظر ~~سابق يعرف به وجوب النظر، وذاك إلى نظر آخر إلى ما لا نهاية؛ لأن النظر بداية ~~أولى وحكم بديهي، وبرهان وجداني. وافتراض أن يقوم النظر على مقدمات غير ~~نظرية هو تسليم بأن مضمون النظر سابق على النظر، ومضمون النظر عند الأشاعرة هي ~~العقائد الدينية، فكيف تكون هي المقدمات الأولى، وهو المطلوب تأسيسها؟ ألا يكون ~~ذلك مصادرة على المطلوب؟ هذا بالإضافة إلى أن هذه المقدمات النظرية الأولى مثل: ~~«ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، مقدمات يعتمد عليها الأشاعرة أيضا في ~~إثبات الوجوب السمعي، وإنكارها إنكار لبدايات العقول، واعتبار العقل «صفحة ~~بيضاء» إلا من مضمون الإيمان؛ أي العقائد الدينية. إن حكم العقل من حيث المبدأ ~~ليس حكما باطلا؛ لأن هذه هي بدايات العلم، كما أنه ليس مستحيلا لأن إمكانية ~~العلم مرهونة بحكم العقل. ولا يهم تحديد بداية لحكم العقل في الزمان قبل البعثة ~~أو بعدها، ولكن بعد انتهاء آخر مرحلة من مراحل الوحي وإعلان استقلال الشعور ~~الإنساني عقلا وإرادة يتوحد فيه العقل والوحي ويصبح زمان البعثة أو بعدها ~~بغير ذي دلالة، فحكم العقل هو حكم الوحي. # 7 # لا يتم الوجوب الشرعي إلا بالعقل، وذلك لأن الإنسان لن ينظر الوجوب الشرعي ما ~~لم يعلم ذلك بالنظر؛ فالنظر هو أول الواجبات. وما دامت المعرفة واجبة شرعا ~~وتحصل أولا بالنظر، فإن الوجوب الشرعي يكون للنظر وليس للمعرفة الواجبة ~~شرعا، وتكون المعرفة مشروطا والنظر شارطا. # 8 # ولا بد من معرفة مصدر الوجوب، وكيف نشأ، بالعقل أو بالسمع، لأن ~~الاكتفاء بالوجوب ms241 وحده بصرف النظر عن مصدره تسليم بحجة السلطة دون مبرر، ~~وبالتالي فهو موقف تعسفي يؤدي إلى هدم الوجوب من أساسه سواء كان عقليا أم ~~سمعيا. يقوم الوجوب على التأسيس، وإلا خدم الوجوب أوضاع التسلط والطغيان التي ~~نشأت في القرون الأخيرة إثر الخلط بين الواجب الديني وطاعة السلطان. # 9 # إذن لا يمكن أن يكون النظر واجبا شرعا؛ لأن وجوب الشرع لا يتم ~~إلا بالنظر وإلا تسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، ومن ثم، لزم الوجوب ~~العقلي. # وكما يكون الوجوب الشرعي بالسمع يكون بالإجماع، وكما أن الوجوب السمعي خاضع ~~للنظر، لأن النص يحتاج إلى فهم وتفسير وذلك لا يتم إلا بالنظر مع افتراض صحته ~~وتواتره، وهو ما لا يثبت أيضا إلا بالنظر؛ فإن الإجماع لا يتم إلا فيما لا نص ~~فيه. وما دام النظر قد وجب بالسمع أي بالنص؛ فدور الإجماع هنا زائد لا لزوم له. ~~وما دام النظر كطريق للمعرفة قد علم بالعقل، فتركيب قياس يدخل فيه النص ~~والإجماع تركيب زائد؛ لأن معرفة النظر كطريق للعلم بالعقل تجعل النظر واجبا ~~بالعقل. هذا فضلا عن أن الإجماع ليس حجة عقلية، بل هو مجرد حجة تعتمد على ~~السلطة، سلطة الجماعة، وأن الإجماع غالبا ما يكون له معارض من داخل الجماعة، ~~ويتغير من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل إلى آخر ما هو معروف من نقد لحجية ~~الإجماع في علم أصول الفقه وعند أصحاب المعارف الضرورية في علم أصول الدين. لا ~~يوجد إجماع مطلق، بل إجماع منقوض، بل ويوجد إجماع مضاد. هذا بالإضافة إلى ~~خضوع الإجماع لمناهج النقل والرواية، إما استحالة نظرا لانتشار المجتهدين في ~~كل مكان، أو احتمالا للخطأ، وهو وارد في النقل. # 10 # وأحيانا يكون الوجوب الشرعي بالنص والإجماع معا. وفي هذه الحالة يظل النص ~~ظنيا ولا يتحول إلى يقين إلا بالإجماع. الدليل السمعي ظني لأن الحجج النقلية ~~حتى لو تكاثرت وتضافرت فإنها تظل ظنية ولا تتحول إلى يقين إلا بالحجج العقلية ~~ولو واحدة. # 11 # ومن ثم فالوجوب السمعي ليس وجوبا، ms242 بل هو مجرد ظن. والوجوب لا ~~يكون إلا يقينا، ولا يقين إلا وأساسه العقل. إثبات معرفة «الله» لا تتم إلا ~~بالنظر، والنظر هو الأصل، ومعرفة «الله» هو الفرع. ومن ثم يحتاج دليل ~~الأشاعرة إلى إثبات الأصل أولا قبل إثبات الفرع. فإذا كانت معرفة «الله» ~~تتوقف على إفادة النظر العلم، وأنه لا يمكن معرفة وجوب النظر سمعيا إلا ~~بالنظر وهو سابق على السمع، فإن النظر يكون أول الواجبات. ولما كانت المعرفة ~~بالدليل تتطلب النظر يكون الدليل تحصيل حاصل؛ لأنه يثبت النظر للناظر أو يكلف ~~غير الناظر بالأمر ولا يثبت له النظر بالدليل. الوجوب إما للذات وهو تحصيل ~~حاصل أو لغيره وهو تكليف لا يتم إلا بالنظر حتى يفهم الفهم أو بالطاعة العمياء ~~دون فهم، وهو أيضا ما يتطلب الفهم من أجل الطاعة. كما أن المعرفة لا تحصل ~~بالنظر ضرورة، بل قد تحصل بوسائل أخرى سواء كانت مؤدية إلى العلم أم مضادة ~~لها مثل التعليم والتصفية. والدليل كله يقوم على افتراض النظر، في حين أن النظر ~~منقوض لاحتمال الشك والظن والوهم والجهل والتقليد كمضادات للعلم. كما أن الدليل ~~يقوم على مسلمة «ما لا يتم إلا به الواجب فهو واجب»، وهي مسلمة لا يقبلها ~~الأصوليون؛ لأن الواجب تكليف وليس استدلالا، وإلا وصلنا بالواجبات إلى ما لا ~~نهاية، ونرزح تحت عبء الواجبات. # 12 # كما أن هذا الدليل يدخل في مقدمته الأولى معرفة «الله»، وموضوع ~~«الذات» لم يثبت بعد في هذه المرحلة من تأسيس نظرية العلم. يقفز على نظرية ~~العلم ويستبق الموضوع، وبالتالي فهو دليل إيماني لأن المقدمة الأولى ما زالت إيمانية. # 13 # وقد رفض بعض القدماء هذا الدليل لأسباب، منها أن تكليف الغافل غير ~~واجب، وصعوبة اطراد الإجماع؛ نظرا لتفرق المجتهدين، وعدم سلامة النقل، ووجود ~~إجماع مناقض. كما لا يمنع أن تتم المعرفة بالنظر دون الإلهام أو التعليم أو ~~التصفية. كما أن الدليل منقوض بعدم المعرفة وبالشك، وأن القول بأن «ما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب.» حكم صوري عقلي وليس حكما شرعيا. ms243 وهي كلها حجج ~~تخضع لضعف الحجج النقلية من النص أو من الإجماع. # وقد حاول بعض القدماء الجمع بين الوجوب السمعي والوجوب العقلي، ولكن ظلت ~~الأولوية للوجوب السمعي. وتقتصر وظيفة العقل هنا على تبرير السمع، ويكون الموقف ~~كله أقرب إلى الوجوب السمعي من الوجوب العقلي. لا يكون الوسط في المنتصف ~~الحسابي، بل يكون أقرب إلى طرف منه إلى الطرف الآخر، كما هو الحال في الوسط في ~~الحياة الاجتماعية، وفي المواقف التاريخية عندما يكون أقرب إلى الفعل أو إلى رد ~~الفعل. إن قبول الوجوب العقلي والوجوب السمعي معا دون تفضيل أحدهما على الآخر ~~يقضي على فاعلية كلا الحكمين، ويغفل طبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها كل ~~مجتمع وأي الحكمين أصلح له؛ لذلك يتبع هذا الجمع إنكار اعتبار النفع والضرر ~~مقياسا للوجوب. # 14 # لقد أفاض علم الكلام المتأخر في مرحلة ~~الركود والتوقف في تحليل هذا الموضوع دفاعا منه عن نفسه، وتأكيدا لموقف ~~الأشاعرة القديم. وقولهم بالوجوب الشرعي تثبيتا للأمر الواقع في إنكار النظر ~~حتى تستمر السلطة الدينية والسياسية في ترؤسها، وحتى تظل الجماهير العريضة في ~~طاعتها، مع أنه لم يأخذ كل هذا الاهتمام من القدماء عندما كان الحوار ما زال ~~مفتوحا بين الاتجاهات الفكرية المختلفة بين الوجوب العقلي والوجوب السمعي. # 15 ~~(2) الوجوب العقلي # النظر إذن واجب بالعقل. وقد اعتمد القدماء لإثبات هذا الوجوب إما على ~~تفنيد الحجج النقلية أو العقلية المعارضة أو على إيراد حجج جدلية جديدة أو ~~على مقاييس النفع والضرر، ما ينتج عن وجوب النظر من نفع وعن عدم وجوبه من ~~ضرر. # لا يعني وجوب النظر عقلا إنكار النبوات والمعجزات، بل القول بأقصر الطرق ~~الذي يتفق عليه كل الناس، وهو العقل وعدم اللجوء إلى السمع إلا إذا دعت الحاجة ~~إليه. هذا بالإضافة إلى أن يقين النبوة يقين خارجي عن طريق المعجزة وليس ~~يقينا داخليا عن طريق التصديق؛ لأن التصديق بالنبوة يحتاج إلى نظر. ومن ~~ثم كان وجوب النظر سابقا على وجوب التصديق بالنبوة. لا يعني وجوب النظر إذن ~~إنكار النبوة بل ms244 يعني البداية بالأساس أولا، وهو النظر قبل ما يتأسس عليه ~~وهي النبوة موضوع التأسيس. # 16 # ولا يؤدي الوجوب العقلي للنظر إلى إفحام الأنبياء؛ فليس طريق إثبات النبوة هو ~~إنكار وجوب النظر، بل إن النبوة يمكن أن تثبت بطرق أخرى تقوم على إثبات ضرورة ~~الوحي. النبوة ما هي إلا طريق الوحي، وليست غاية في ذاتها. بل إن وجوب النظر ~~بالشرع فيه إفحام للأنبياء؛ إذ يقول المكلف: «لا أنظر ما لم يجب، ولا يجب ما لم ~~يثبت بالشرع، ولا يثبت بالشرع ما لم أنظر»، فالنظر إذن واجب عقلا. # 17 # ولا يؤدي الوجوب العقلي قبل البعثة إلى أن يجعل البعثة زائدة لا لزوم لها؛ ~~فالعقل أساس النقل، والطريق إلى فهم الرسالة ومعرفة الوجود الشرعي. ~~كما لا يقتضى القول بالوجوب العقلي للنظر ~~بوجوب التكليف قبل البعثة في حين أن الوجوب السمعي ينفي وجوب مثل هذا التكليف؛ ~~لأن العقل أساس النقل. والقول بالوجوب العقلي قائم على التسليم بوجود معارف ~~ضرورية في الذهن بصرف النظر عن بعثة الرسل. في حين أن الوجوب السمعي للنظر ~~ينكر وجود مثل هذه المعارف ويجعل الذهن صفحة بيضاء قبل بعثة الرسل. # 18 # ويمكن إثبات وجوب النظر عقلا ببعض الحجج الجدلية التي تعتمد كلها على برهان ~~الخلف، منها: لو كان النظر باطلا لما كان واجبا، والنظر واجب بالفعل. لو كان ~~النظر باطلا لما كان كافيا في معرفة «الله»، والنظر كاف في معرفة «الله» ~~بالعقل والسمع، وهذه حجة تدخل موضوع النظر سابقا لأوانه وتفترض أنه «الله» مع ~~أنه لم يثبت بعد. # 19 # ولو كان النظر باطلا لاستحال إثبات ذلك ؛ لأن هذا الحكم يحتاج إلى ~~نظر ومن ثم واجب بفعل النظر. وهي نفس الحجة التي توجه ضد مذهب الشك ~~اللاأدري. لو كان النظر باطلا لما استحق غياب النظر العذاب والخوف؛ فالخوف من ~~ترك النظر دليل على وجوبه. وهي حجة تقترب من النفع والضرر عن طريق البعد النفسي أولا. # 20 # ولا ضير أن يكون الحكم على وجوب المعرفة بالعقل حكما بالوجوب العقلي؛ فالحكم ~~العقلي هو ms245 نقطة البداية من داخل العلم، والعقل قادر على أن يكون ذاتا وموضوعا ~~في نفس الوقت. ليس الوجوب العقلي استحالة من حيث الحكم أو من حيث المبدأ أو من ~~حيث إمكانيات العقل. الحسن والقبح العقليان أمران مبدئيان في العقل. لا يحتاج ~~المكلف إلى معرفة مسبقة بحسن الحسن وقبح القبح وإلا تسلسلنا إلى ما لا ~~نهاية. لا يبدأ المكلف إذن بالبحث أو المصادفة أو الاختيار العشوائي لوجوب ~~النظر، بل يبدأ ببداهات العقول. ولا مانع من وجوب النظر على المكلف وهو يعلم ~~بالوجوب؛ وذلك لأن التكليف يقوم على الوجوب العقلي وليس الأمر الإلهي الذي لا ~~سند له ولا أساس في العقل. وليس ذلك تحصيل حاصل بل تأكيد لأوليات العقل وتأسيس ~~للوحي. من شرائط التكليف إذن أن يكون هناك أساس للتكليف، والأساس في العقل أو ~~في الواقع، للفهم أو للنفع، وهو أساس يقيني يقوم على مسلمات العقول، وبداهات ~~الحس، ومعطيات الوجدان. ليس من الضروري أن يرد التكليف بصيغة الأمر، بل يمكن أن ~~يكون شرط أداء الواجبات، وشرط الواجب واجب. هذا بالإضافة إلى أن الأمر صيغة ~~لغوية للأمر ذاته الذي قد تكون له صيغ أخرى مثل الحث والإيحاء والاستعجاب والدهشة. # 21 # وتتفاوت درجة الوجوب بين الإجمال والتفصيل طبقا للحاجة، وطبقا للاستعدادات ~~الفطرية للإنسان، وطبقا لاتساع المدارك عند كل فرد ومعرفته بقوانين الحياة. ~~فالنظر الإجمالي واجب على الجميع لأنه هو الذي يعطي التصور العام للحياة، ويجعل ~~الإنسان يعيش في هذا العالم ناظرا ومفكرا أي واعيا وداريا. أما النظر ~~التفصيلي فقد يتفاوت من فرد إلى فرد، وطبقا لدرجة التفقه والقدرة على النظر، ~~وحاجة الإنسان إلى البيان. وفي علم أصول الدين المتأخر، في مرحلة التوقف ~~والركود أصبح الدليل المجمل دون المفصل قائما على قصر العقل وحدود المعرفة ~~الإنسانية وليس على مدى الحاجة إليه. كما تحول الدليل الإجمالي إلى مجرد إيمان ~~بالنص الديني. فإذا استطاع البعض البحث عن الدليل التفصيلي، فإنه يكفي الجماعة ~~الدليل الإجمالي. ولكن بزيادة الوعي، ونشر العلم، يمكن لكل فرد أن يقدر على ~~الدليلين معا، الإجمالي ms246 والتفصيلي، على حد سواء. وتمحي التفرقة بين فرض ~~العين وفرض الكفاية، وتصبح الخاصة هي العامة، والعامة هي الخاصة. ويمكن ذلك ~~بسهولة إذا كان موضوع البحث يخص عامة الناس، وما يعانون منه ليل نهار؛ أي أحوال ~~معاشهم وليس موضوعا متعاليا لا يقدر عليه إلا قلة منعزلة أو مترفة لا صلة ~~لها بالجماهير وواقعها إن لم تتكسب من ورائها وتدعي لنفسها العلم، وتعطي ~~لنفسها حق الأمر، وللجماهير واجب الطاعة. # 22 # ويعلم كل عاقل وجوب النظر، كما يعلم أن ترك النظر قبح يجب تجنبه لما ينشأ ~~عنه من أضرار ومفاسد. قد يحصل العلم إذن بوجوب النظر عن طريق الاكتساب إذا ما ~~ترك المكلف النظر مرة فأصابه الضرر، وإذا ما قام به مرة أخرى فعاد عليه ~~بالنفع. فيكتسب العلم بوجوب النظر إن لم يعلم وجوبه ضرورة. يقوم وجوب النظر على ~~تحقيق المصلحة ودفع الضرر، وأي مصلحة في دعوة الناس الآن إلى إبطال النظر؟ إذا ~~كنا نعاني من غياب النظر وسيادة التقليد، والتسليم بالأمر الواقع، فإن وجوب ~~النظر يحث الناس على التفكير ويدعوهم إلى رؤية واقعهم والمطالبة بحقوقهم. إذا ~~غاب النظر ساد التسليم ورسخت التقاليد، وانتشرت الخرافة، وعم الجهل، وقويت شوكة ~~السلطة فتجبرت وطغت. فما أسهل قيادة الجماهير المستسلمة والشعوب المقلدة ~~والجماعات الجاهلة. # 23 # الوجوب العقلي إذن ليس وجوبا صوريا خالصا، بل هو أيضا وجوب ~~واقعي مادي؛ تحقيق المصلحة والفائدة للناظر؛ إذ لا تستقيم الحياة بدون نظر. ~~ومن لا يشعر بفائدة النظر يكون عديم الشعور والإحساس. فائدة النظر فائدة فعلية ~~وليست متوهمة. إن كل من يتوهم ضررا من النظر وفائدة من منعه يكون خاطئا ~~ظانا أو متعمدا. إن منع النظر يعني أن الأبله والمجنون والصبي والغبي أفضل ~~حالا من العاقل الفاهم المستنير المدرك. وما أحلى عند السلطة القاهرة أو ~~الشعوب الغافلة من نعيم الجهل وجحيم المعرفة! لا ينشأ الضرر من الخوف من العقاب ~~في عالم آخر بترك النظر، بل مما يلحق الإنسان في حياته الدنيوية من أخطار ~~ناجمة عن غياب النظر مثل تسلط الآخر عليه ms247 ووضع الوصايا على الجماعة وتسييره ~~كالأنعام. الخطر هو فقدان الحرية وضياع الشخصية المستقلة. إن رفض مقياس المصلحة ~~والمفسدة ضياع للأساس الموضوعي للوحي ولعلة وجود الشرع، وأن تصور ضرورة البعثة ~~على غير أساس المصلحة هو جعل البعثة مجرد عطاء لا أساس له ولا غاية، مجرد عبث ~~يسهل بعد ذلك اجتزازه، وتبقى مصالح الناس بلا أساس. # والسؤال الآن: أي المواقف أصلح للبلاد النامية؟ الوجوب السمعي بشرط العقل أم ~~الوجوب العقلي للنظر وحده دون سائر الأحكام أم الوجوب العقلي على الإطلاق؟ # 24 # إن ثبوت الأحكام كلها بالشرع، ولكن بشرط العقل؛ يجعل دور العقل هذا هو فهم ~~الشرع وتفسيره أو تبريره والدفاع عنه دون أن يكون هو المشرع والمنظر والموجب. ~~وإذا كانت البلاد النامية تعاني من وظيفة العقل في التبرير والدفاع عن شيء آخر ~~يتم التسليم به عن طريق السلطتين الدينية والسياسية، فإن هذا الموقف الأول ~~يكون تثبيتا للوضع القائم في البلاد النامية، وهو جعل العقل تابعا لا ~~متبوعا، وفرعا لا أصلا. # 25 # وثبوت النظر وحده دون سائر الأحكام بالفعل موقف نسبي يريد إثبات ~~النظر كحقيقة أولى وترك باقي الأحكام كمسلمات يمكن للنظر فهمها وتفسيرها، أي ~~تبريرها والدفاع عنها. قد يكون الهدف من هذه الازدواجية استقلال النظر ووجوبه ~~حتى يحدث أثره المرحلي، ثم تأتي أجيال أخرى فتجعل باقي الأحكام واجبة بالنظر ~~بعد أن تكون الجماعة قد تعودت عليه. وبالتالي يتحول الإصلاح إلى نهضة، ~~والنهضة إلى ثورة، وهو المنهج الإصلاحي في التغيير. # 26 # أما وجوب الأحكام كلها بالعقل بما في ذلك النظر، فإن من شأنه ~~إحداث يقظة في البلاد النامية، وثورة فكرية تحدث هزة في النفوس، وتدفع ~~بالجماعة إلى الطفرة، والانتقال من التقليد إلى النظر. ولما كانت مجتمعاتنا ~~تغلب الشرع على العقل نظرا لسيادة الأشعرية منذ القرن الخامس وازدواجه ~~بالتصوف حتى الآن، كان البديل العقلي يكاد يكون معدوما؛ فالقول بالوجوب العقلي ~~إذن إيقاظ للجماهير ورد فعل طبيعي على سيادة الوجوب الشرعي، في حين أن الموقف ~~الإصلاحي الوسط لا يحدث نفس الأثر الفوري في الجماعة؛ لأنه ms248 يخدم الوضع القائم ~~باستثناءات الأحكام من النظر، كما يخدم التغيير في المستقبل بجعله النظر واجبا ~~عقلا. أما الانحياز إلى الوجوب العقلي فما هو إلا رد فعل على الانحياز إلى ~~الوجوب الشرعي. ولا يغير من الانحياز إلا الانحياز المقابل حتى يحدث التوازن في ~~الأجيال القادمة. أما الحلول الوسط في المواقف التي تستدعي انحيازا، فإنها ~~تنفصل إلى طرفين؛ إذ يجذب كل طرف الوسط لصالحه. ولا وجود للوسط إلا بعد أن ~~يتحقق الطرفان في الجماعة كفعل وكرد فعل، ثم يأتي الوسط وقد أثبت كل من ~~الطرفين وجوده. # 27 # وتتحول نظرية الوجوب إلى نظرية في التكليف. فالإنسان لا يقوم بالنظر فقط ~~بالوجوب العقلي، ولكنه مكلف به بالتكليف الشرعي. النظر جزء من التكليف، ~~والتكليف هنا معرفي خالص؛ أي النظر المؤدي إلى المعرفة أو النظر المؤدي إلى ~~العلم. إذا حصل العلم بالمنظور؛ وهنا تبدو نظرية العلم كنظرية في التكليف. وجوب ~~النظر يجعله تكليفا لأن الوجوب تكليف أي التزام. النظر واجب أي تكليف مثل ~~الصلاة والصيام. وإن حصر الواجب أي التكليف في الصلاة والصوم هو أخذ جزء من ~~الواجبات الشرعية، وهو الأسهل، وترك جزء آخر منها، وهو الأصعب. وهو ما تحاول ~~السلطتان الدينية والسياسية التركيز عليه في المجتمع المتخلف. يقوم أداء ~~الواجبات الشرعية على الطاعة ويؤدي إليها، في حين يقوم واجب النظر والتكليف به ~~على الوعي ويؤدي إليه. وإذا ما وعى الناس فكروا في أوضاعهم الاجتماعية ~~والسياسية، وشعروا بمدى القهر الذين هم واقعون تحته. # ويتضمن التكليف جهدا ومشقة، ومن ثم فهو عمل عقل وإرادة معا، عقل ~~للفهم والامتثال وإرادة للعمل والالتزام. والنظر أيضا به جهد ومشقة. فهو ~~معاناة للفكر، ومقاومة للتقاليد الموروثة، ودفع للشبه، وترك للشكوك، ودفع ~~للظنون والأوهام، وابتعاد عن الجهل، وسعي وراء العلم. # 28 # التكليف علم وعمل، والعلم أساس التكليف، والتكليف قائم على العلم. ~~وهذا لا يعني أن العلم لا يحدث أثناء العمل، وهو العلم عن طريق الممارسة، من ~~خلال تجارب المحاولة والخطأ؛ فالعلم النظري الأول الذي يقوم على يقين صوري ~~علم عملي يقوم على ms249 يقين عملي. التوحيد أساس نظري للسلوك، وهو المبدأ الذي ~~على أساسه تقوم وحدة الذات بين الداخل والخارج، ووحدة الجماعة بلا تمايز طبقي، ~~ووحدة الإنسانية بلا تفرقة عنصرية. يمثل التوحيد مجموعة من القيم، يعمل الفرد ~~والجماعة على تحقيقها. # 29 # التوحيد بين العلم والعمل؛ أي بين وجوب النظر والتكليف بالنظر، هو ~~تحقيق لهذا العلم وتحويله إلى أثر في الحياة، وهو ما سماه القدماء الثواب. وهو ~~أيضا سبيل التعلم؛ إذ يتعلم الإنسان من العمل قدر تعلمه من النظر، ويعمل في ~~النظر قدر عمله في العمل. وهو أيضا تبليغ للعلم ونشر له، ليس فقط عن طريق ~~الكلام سماعا، بل أيضا عن طريق العمل رؤية. تحب الجماهير أن تسمع وترى، وتنصت ~~وتشاهد. والعلم الذي لا يتحقق يدخل من أذن ويخرج من الأذن الأخرى. # 30 # والمكلف هو البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة؛ احترازا عن الصبي والمجنون ومن ~~لم تبلغه الدعوة من أهل الفترة؛ أي الذين لم يلحقوا بالنبي الأول أو الثاني. ~~لا فرق في ذلك بين ذكر أو أنثى، بين غني أو فقير، بين رئيس أو مرءوس، حاكم أو ~~محكوم؛ يعم التكليف إذن كل إنسان على هذه الأرض، أما أصحاب المعارف الضرورية، ~~فإن معرفة «الله» لديهم ضرورية لا يحتاجون فيها إلى نظر. وهذا لا يمنع من أن ~~استدلال الأنبياء وحوارهم مع غيرهم من أجل إثبات المعرفة ودحض الجهل. # 31 # أما الذي اخترمته المنية أثناء النظر فقد حكم عليه القدماء بالعصيان في حين ~~أنه قصد إلى النظر، ونوى البحث، وسعى إلى المعرفة، والأعمال بالنيات. لا يهم ~~الوصول إلى المعرفة بقدر ما يهم السعي إليها. فلو كان صادق العزم وحسن النية في ~~البحث والنظر، وكان النظر هو أول الواجبات، فإنه يكون مؤمنا. فإن امتد به ~~العمر ووصل إلى المعرفة، فقد اجتهد وأصاب؛ فهو مؤمن وإن لم يصل، فإن يكن قد ~~اجتهد وأخطأ يكن أيضا مؤمنا؛ العبرة بالاجتهاد، هذا بالإضافة إلى أن الذي ~~اخترمته المنية لم يعد موضوعا للتساؤل لأن الأحياء هم المكلفون بالنظر، والحال ~~أولى من المآل، وإيقاظ ms250 الأحياء أولى من إحياء الأموات. # 32 # ولما كان النظر تكليفا، فإنه يأخذ بأحكام التكليف من ثواب وعقاب. النظر به ~~مشقة، وكل عمل فيه مشقة يقع تحت قانون الاستحقاق. ولا يعني وقوع النظر بطريقة ~~التجريب من خلال المحاولة والخطأ نفي قانون الاستحقاق. النظر بطبيعته ليس شيئا ~~يوجد أو لا يوجد، بل هو قصد للنظر ثم إعمال للنظر بأفعال الشعور. النظر عملية ~~نظر وليس واقعة نظر، عملية تقوم على أفعال الشعور من شك وظن ويقين ومطابقة ~~وإيضاح وبداهة ... إلخ. وينطبق قانون الاستحقاق دائما طالما أن النظر فعل أو ترك ~~قائم. إذا وجد السبب وجد المسبب. لا ينطبق قانون الاستحقاق على أول النظر ~~فقط سواء أكان قصدا أم فعلا؛ نظرا لوجوب استمرارية الأفعال، وإلا كانت ~~الأفعال مجرد بدايات أفعال أولى لا تستمر ولا تنتهي إلى شيء. وذلك لأن الأفعال ~~للتكرار كما قال علماء أصول الفقه. قد يعني الثواب والعقاب مجرد الكمال ~~الإنساني، فالنظر يؤدي إلى الكمال، وغيابه يؤدي إلى النقص. ليس الدافع على ~~الوجوب إذن الذم أو المدح أو الثواب والعقاب، بل هو عمل العقل ذاته وما يحققه ~~من كمال إنساني بالإضافة إلى ما ينتج عنه من تحقيق للمصلحة العامة. ثواب النظر ~~هو الحياة التي يسودها العقل، وعقابه هي الحياة التي يسودها التخبط والضياع. # 33 ~~(3) أول الواجبات # إذا كان النظر واجبا سمعا أو عقلا، فهل النظر أول الواجبات؟ تتراوح ~~الإجابة بين مقدمات النظر وحركة النظر ونتائج النظر؛ أي ما يأتي قبل النظر، وما ~~يقع مع النظر، وما يحدث بعد النظر ابتداء من أفعال الشعور الداخلية إلى عمل ~~العقل ثم إلى أفعال الشعور الخارجية، وابتداء من الخارج إلى الداخل. يبدو ~~النظر وكأنه الحلقة المتوسطة بين أفعال الشعور الخارجية كالعمل والقول حتى ~~أفعال الشعور الداخلية كالاعتقاد والخاطر والدافع والقصد. # ليس أول الواجبات وظيفة الوقت كصلاة ضاق وقتها فتقدم. هذا واجب عملي يسبقه ~~واجب نظري وهو الإحساس بالزمان. وهذا لا يأتي إلا بالنظر الذي يكشف للإنسان ~~تحمله للرسالة. تقوم الواجبات العملية على الواجبات النظرية. ولما كان ms251 علم أصول ~~الدين يهدف إلى تأسيس النظر، في حين أن علم أصول الفقه يهدف إلى تأسيس العمل، ~~فإن جعل وظيفة الوقت الضيق أول الواجبات هو تأسيس العمل قبل تأسيس النظر. أما ~~إذا كان المقصود هو الشعور الداخلي بالزمان، والشعور بالذات من حيث هي وجود في ~~الزمان فإننا نتجه بالأفعال الخارجية للشعور إلى الأفعال الداخلية، ونكون ~~أقرب إلى المقدمات منا إلى النتائج. وإذا كانت مأساتنا في البلاد النامية ~~عدم الإحساس بقيمة الزمان وعدم إحساسنا بالتاريخ، وضياعنا للحاضر في سبيل ~~الماضي العريق أو المستقبل البعيد في الدنيا أو خارجها قد يكون في اعتبار ~~الإحساس بالوقت الضيق كأول الواجبات نفع وصلاح. ويكون في هذه الحالة مقدمة ~~للنظر، وشرطا للمعرفة. وإذا كان المقصود بالصلاة هو الإتيان بفعل الوقت، وكانت ~~مأساتنا في تأجيل الأفعال إلى الغد، فإن اعتبار الفعل في الوقت أو وقت الفعل ~~أول الواجبات فيه أيضا خير وصلاح لما نحن فيه. # 34 # ليس أول الواجبات النطق بالشهادتين؛ فالنطق حركة للشفاه وراءها معنى في ~~الذهن، وشعور في الوجدان، وتصور للعالم، وفعل في الواقع. حركة الشفاه ما هي إلا ~~ظاهر لشيء آخر خفي هو ما وراءها من معان وتصورات ومتطلبات وبواعث ومقاصد. ~~ولا يمكن للمكلف أن ينطق بالشهادتين دون أن يعي معناهما أو يتمثل تصوراتهما ~~أو يفعل بمقتضاهما أو يتحرك ببواعثهما أو يتجه نحو مقاصدهما وإلا لحولنا ~~التكليف إلى مجرد حركات باللسان وتمتمات بالشفاه كما هو الحال في هذه الأيام ~~لدى الحاكم والمحكوم. ليس الإقرار بالشهادتين أول الواجبات على المكلف؛ فذلك ~~هو الوضع في علم أصول الفقه وهذا هو موقف الفقهاء. أما في علم أصول الدين، ~~فأول الواجبات هو النظر لأن النطق بالشهادتين ينبني على معرفة «الله» والتسليم ~~بوجوده والإيمان بالرسول - بعد تأسيس نظرية العلم - وذلك لا يتم إلا بعد حدوث ~~تحول في الشعور واعتقاد بالنظر. وإذا كنا نعاني في حياتنا المعاصرة من كثرة ~~التمتمات، وحركات اللسان والشفاه دون أن نعي ما نقول أو نحقق متطلباته؛ فإن جعل ~~النطق بالشهادتين أول الواجبات لا يؤدي إلى ms252 نفع أو صلاح، بل يثبت الأمر الواقع ~~ويشرع لما هو موجود. فإذا كان الجواب الأول عن أول الواجبات عملا فإن الجواب ~~الثاني قول. وكثيرا ما صاحت حركتنا الإصلاحية الأخيرة: «ما أكثر القول وأقل العمل!» # 35 # ليس أول الواجبات هو الإيمان؛ لأن الإيمان وضع داخلي للشعور يقوم على أساس ~~النظر في موضوع الإيمان. النظر سابق على الإيمان، بل إن علم أصول الدين كله ~~يهدف إلى تأسيس الإيمان على النظر. وإذا كنا في مجتمعات مؤمنة، تعطي ~~الأولوية للإيمان على النظر، فإن اعتبار الإيمان أول الواجبات يثبت الأمر ~~الواقع، ولا يحقق أي نفع أو صلاح. وقد تم اختيار الإيمان أول الواجبات في ~~القرون الأخيرة في فترات التخلف والتوقف والانهيار كدعوة صريحة إلى التسليم ~~وإغفال النظر كمقدمة إلى التسليم للسلطة السياسية وإسقاط المعارضة. بل إن مضمون ~~الإيمان مضمون غيبي خالص حتى يقضي على أية فرصة للنظر والتصديق والتحقق في ~~الواقع من صحة هذا المضمون، والتسليم الخالص دون مراجعة أو بيان أو حتى طلب ~~دليل أو برهان. ولو ظهر فإنه يكون مقدمة للتسليم، وليس مراجعة له، وبابا يدخل ~~منه الإيمان، وليس وسيلة للتحقق من صدقه. # ليس أول الواجبات هو الإسلام؛ لأن المكلف لا يؤمن بالإسلام إلا بعد النظر ~~وتدبر وإعمال للعقل والروية، وإلا كان إسلاما عن طريق العادة والتقليد. يتطلب ~~الإسلام المعرفة به؛ فالمعرفة سابقة على الإسلام، والمعرفة لا تتم إلا بالنظر؛ ~~فالنظر سابق على المعرفة. وإذا كنا نعيش في عصر يغلب على الجميع فيه الإسلام ~~عن طريق العادة أو التقليد، فإن جعل الإسلام أول الواجبات تثبيت للوضع القائم ~~على ما هو عليه دون تغييره إلى ما هو أفضل. # ليس التقليد هو أول الواجبات، فالتقليد من مضادات العلم وليس من طرقه. ولما ~~كان النظر طريق العلم كان أول الواجبات. بل إن النظر يأتي دائما معارضا ~~للتقليد، ونقدا للموروث، ومراجعة للمسلمات. التقليد اعتقاد جازم مطابق لا ~~عن سبب طبقا للعادة أو للموروث، وكلاهما خارج النظر؛ لذلك جعل علماء أصول ~~الدين المقلد عاصيا آثما. يستحيل إذن أن ms253 يكون التقليد أول الواجبات، بل هو ~~أول المحرمات؛ لأنه نفي للنظر، والنظر أول الواجبات. # 36 # ليس الاختيار بين التقليد والمعرفة أول الواجبات؛ إذ كيف يتم الاختيار بين ~~نقيضين، ويكون كلاهما صحيحين في آن واحد؟ المعرفة ضد التقليد، والتقليد ضد ~~المعرفة. ولما كان التقليد نفيا لعلم أصول الدين الذي يهدف إلى تأسيس العلم، ~~وكان المقلد عاصيا، إنما كانت المعرفة هي الاختيار الأوحد. ولما كانت ~~المعرفة لا تتم إلا بالنظر كان النظر هو أول الواجبات. # 37 # ليست المعرفة وحدها أول الواجبات؛ لأن المعرفة لا تتم إلا بالنظر. المعرفة ~~نتيجة للنظر والنظر مقدمة لها. ولا تعني المعرفة بالضرورة معرفة موضوع معين، ~~متعال على وجه الخصوص، بل مجرد إمكانية العلم والوصول إليه. هذه الإمكانية ~~التي لا تحدث إلا بالنظر. وإن افتراض المعرفة قبل النظر ثم افتراض المعرفة ~~بموضوع متعال سبق للنظر مرتين، وبالتالي وقوع في حكمين مسبقين لا يفترضهما ~~النظر. وأحيانا تصبح المعرفة هي العلم، ويكون ذلك حكما مسبقا ثالثا. ليست ~~كل معرفة بالضرورة علما؛ وعلى هذا النحو يختلط موضوع النظر بموضوع المعرفة كما ~~يختلط موضوع المعرفة بموضوع العلم. وقد جعل القدماء «معرفة الله» أصل المعارف ~~الدينية، فمنها يتفرع كل وجوب. ولكن «معرفة الله» أصل المعارف الدينية، فمنها ~~يتفرع كل وجوب. ولكن «معرفة الله» مرحلة تالية لبناء المعرفة ذاتها، وهذه ~~مرحلة تالية لبناء نظرية العلم، وهذه مرحلة تالية لتأسيس النظر كطريق للعلم. ~~قد تكون «معرفة الله» خارج نطاق نظرية العلم وإمكانياتها، وبالتالي لا يكون ~~النظر طريقا إليها. # 38 ~~«الله» موضوع مفارق لا يمكن تصوره أو إصدار حكم عليه كما قال ~~المهندسون في الإلهيات. # 39 # ولكن مطلق المعرفة واجب أو المعرفة بالموضوعات الحسية؛ معرفة ~~النفس، ومعرفة الآخرين، ومعرفة الأشياء، ومعرفة الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ~~ومعرفة حركة التاريخ ومساره. يحدث خلط إذن بين وجوب النظر ووجوب «معرفة الله». ~~فالسؤال يتعلق بوجوب النظر كطريق للعلم وليس بموضوع النظر كموضوع للعلم. وعندما ~~يتحول موضوع وجوب النظر إلى وجوب «معرفة الله»، فإنه يدخل في موضوع لاحق على ~~تأسيس نظرية العلم ms254 وهو موضوع «العقل والنقل». وفي هذه الحالة يجعل الوجوب ~~العقلي معرفة الله واجبة بالعقل؛ فالعقل أساس النقل أو يجعل الوجوب السمعي ~~معرفة الله واجبة بالسمع، فالنقل أساس العقل. # 40 # إن الحديث عن وجوب النظر قد يكون نفسه حديثا في وجوب المعرفة، في ~~حين أن النظر شيء والمعرفة شيء آخر. والمعرفة هي النهاية. النظر هو المنهج ~~والمعرفة هي الموضوع، النظر هو المقدمة والمعرفة هي النتيجة. لا يهم في الوجوب ~~العقلي للنظر وجوب موضوع معين، سواء كان ماديا أم صوريا، بل الوجوب العقلي ~~ذاته من حيث هو نظر وتحليل وفهم وإدراك؛ أي من حيث الذات العاقلة. بعد ذلك يمكن ~~إدراك مقدمات النظر ونتائجه وطرق الاستدلال كما يمكن إدراك بداية الموضوع ~~ومساره ونهايته. وأحيانا تتجه المعرفة نحو الدليل أكثر مما تتجه نحو الموضوع ~~من أجل إظهار المعرفة البرهانية عن طريق الدليل الإجمالي. كما تتجه أيضا نحو ~~الوقت المضيق، فتكون المعرفة مطلوبة في الحال وليس في المآل، على الفور وليس ~~على التراخي. والواجب المضيق هو الخاص الضروري الذي لا بديل عنه، بعكس الواجب ~~الموسع الذي يمكن تأجيله وإيجاد بدائل له. المعرفة إذن، بصرف النظر عن مضمونها، ~~واجب مضيق لا بديل عنها؛ لأنه يقبح تركها. ولما وجب بالعقل ضرورة التحرز من ~~القبيح، فإنه لا يمكن التحرز منه إلا بالنظر. ولا نخشى على هذه المعرفة الفورية ~~من أن تتحول إلى حدس أو إلهام أو رؤية؛ وبالتالي لا يضيع النظر. # 41 # النظر إذن هو أول الواجبات؛ لأن موضوع المعرفة لا يعرف ضرورة أو مشاهدة، بل ~~بالنظر الذي تكون الضرورة والمشاهدة إحدى مراحله. ونظرا لأن سائر الشرائع ~~النظرية لا تعرف إلا بعده، وأن هذه المعرفة لا تتم إلا بالنظر، فإن سائر ~~الواجبات يمكن أن تتأخر بعد النظر. أما وجوب النظر فمقدم عليها جميعا. # 42 # النظر أول الواجبات بشرط التكليف وهو العقل، فيخرج الصبي والمجنون. # 43 # وقد يسبق النظر القصد إلى النظر أو إرادة النظر أو اعتقاد النظر. أول النظر ~~ومقدمته الأولى القصد إليه أو الإرادة له أو الوعي ms255 به أو الإحساس بالموقف ~~والحاجة إليه، وهنا تبدو نظرية العلم كنظرية في القصد والاتجاه نحو الوضوح وهو ~~النظر. وقد اعتبر البعض القصد إلى النظر تكليف ما لا يطاق؛ إذ يجب النظر وقد ~~يعاق القصد إليه. والحقيقة أنه ليس تكليفا بما لا يطاق؛ لأن أي فعل من أفعال ~~الشعور ما هو إلا قصد، ولا يمكن وجوب النظر دون القصد إليه. القصد مقدمة النظر ~~وشرطه؛ لأن النظر في نهاية الأمر عمل العقل، والعقل صورة من صور الشعور. لا ~~يمكن أن يكون النظر مجرد الفعل؛ فالنظر عمل الشعور، ولا يتم مصادفة بل بوعي ~~بالموقف وبإحساس بضرورة الحاجة إليه. يحدث النظر بعد درجة من الوعي ثم يزيد ~~الوعي ويجعله أكثر برهانا. وذلك ليس تكليفا بما لا يطاق. القصد إلى شيء هو ~~الذي يكشف أهمية النظر؛ فالنظر لا يكون إلا نظر الشيء. # 44 # وقد يسبق النظر أو يحدث معه البحث في مقدمات النظر، وهو أول جزء في النظر. قد ~~يكون هو الدليل أو العقل أو عمل العقل. وقد يكون هو النظر في وجوب النظر، فيكون ~~النظر سابقا على النظر؛ إذ يسبق الأنا أفكر عملية الفكر. ولكن هذا السبق ليس ~~أوليا مثل القصد إلى النظر، بل هو تابع للقصد، ويكون جزءا من عملية النظر، ~~وهو الخاص بالاستدلال مع العلم بأن النظر واجب أولي لا يسبقه واجب نظري ~~آخر. المعارف الضرورية هي بداية النظر. وقد يضم النظر والمعرفة والقصد معا في ~~محاولة لوصف النظر في كل مراحله؛ مما يدل على أن النظر ليس مقصورا على مقدماته ~~أو على مساره أو على نتائجه، بل عملية واحدة تشمل الحس والوجدان والشعور ~~والواقع؛ وبالتالي يكون الخلاف لفظيا في أن كل رأي يصف عملية النظر ككل بأحد ~~أجزائها، ويطلق عليه لفظ مثل المعرفة والنظر والقصد والإرادة والاعتقاد. # 45 # وقد يكون الخوف من ترك النظر هو أول الواجبات؛ نظرا لما ينتج من ترك النظر ~~من مضار. والخوف لا ينشأ إلا بعد إدراك أهمية النظر وقيمته، وقد ينشأ بعد ~~النظر، بعد التحقق من ms256 فائدته. كما أن النظر لا ينبني على الخوف ضرورة بل هو ~~تعبير عن طبيعة الإنسان وكماله من حيث هو موجود عاقل، وتعبير عن وجود الدواعي ~~والمقاصد والغايات. # 46 # وقد يسبق النظر الشك، وبالتالي يكون الشك أول الواجبات. صحيح أن الشك من ~~مضادات العلم، ولكنه في هذه الحالة يكون الشك اللاأدري الذي ينكر وجود الحقائق، ~~أو الشك العنادي الذي يؤمن بوجودها ولكن يعاند في التسليم بها وفي إمكانية ~~معرفتها، أو الشك العندي الذي يؤمن بوجود الحقائق وإمكانية معرفتها ولكن يجعلها ~~نسبية. هذا الشك شك مذهبي يجعل الشك غاية في ذاتها. # 47 # أما الشك هنا باعتباره بداية للنظر، فإنه يعني تطهير الذهن من ~~الموروث حتى يمكن النظر ابتداء من أوليات العقل وبداهة الحس. فهو شك منهجي ~~يجعل الشك وسيلة لا غاية. الشك هو الدافع على النظر والهادم للتقليد. لا يمكن ~~النظر مع الجزم؛ لأن الجزم ناف للنظر ومستغن عنه. يتوجه الشك أساسا ضد الجزم ~~من أجل القضاء على القطيعة التي لا تقوم على أساس؛ حتى يمكن للنظر حينئذ أن ~~يعيد تأسيس المعرفة وبناء العلم. يحتاج النظر إذن، وهو خطوة إلى الأمام، إلى ~~الشك، وهو خطوة إلى الخلف. وظيفة الشك هنا التخفيف من حدة الموروث، والإقلال من ~~ضغط قوالبه الذهنية التي قد تمنع سيطرتها من النظر ومن البحث الحر. الشك متضمن ~~في النظر، فلا ينظر الإنسان إلا إذا كان فاحصا وباحثا وغير مسلم بالأفكار ~~المسبقة. الشك في القديم الموروث إذن، وفيما جرت عليه العادة والعرف أولى مهام ~~النظر. ولا يقال إن الشك غير مقدور؛ لأن الشك هو البداية الطبيعية للنظر، ~~وبداية الانتقال من القديم إلى الجديد. لا يتم النظر إلا في وضع اجتماعي، ولا ~~يتحقق إلا في مرحلة تاريخية؛ أي إنه نظر في الزمان وبالتالي يكون مقدورا ~~للناظر بل وباعثا له على النظر. الشك نظر مقلوب أو نظر إلى الوراء أو نظر ~~ناف أو تحرر للنظر من الأحكام المسبقة والعقائد الموروثة. ولا يعني إيجاب الشك ~~نفي إيجاب النظر من حيث هو قوة للرفض. ms257 ليس الشك قبيحا؛ لأن الناظر لا يعلم ~~صحته، فالشك منهج وليس موضوعا، وسيلة لا غاية، بداية وليس نهاية. ويقبح فقط ~~إذا انقلب إلى موضوع وغاية ونهاية، وتحول من نظر إلى علم. يحدث الشك في البداية ~~كمقدمة للنظر، والنظر طريق العلم، فالشك إذن طريق للعلم. وإذا ظل الشك بداية ~~ونهاية، فإنه يكون قبيحا مضادا للعلم. # 48 # فإذا كان القصد إلى النظر أو الشك سابقا على النظر، فإن الخواطر توجد مع ~~النظر. وقد توسع المعتزلة وحدهم في موضوع الخواطر لأنهم هم الذين يوجبون النظر ~~عقلا، ويصفون مسار النظر ابتداء من القصد إلى النظر حتى توليد النظر للعلم. ~~والخاطر هي البارقة التي تظهر في الشعور. يستطيع الإنسان بها أن يدرك الدلالة ~~إدراكا مباشرا، وقد يكون مجرد فرض علمي يحتاج إلى برهان أو نظرية جزئية في ~~حاجة إلى نظرة أعم وأشمل. الشعور موطن الخواطر، يعطي البرقات، وهذه تتوالد في ~~الشعور تلقائيا؛ نظرا لطبيعة الشعور المعطي الواهب. ويرجع إنكار الخواطر إلى ~~رد هذه الدلالات إلى كمال العقل وطبيعة عمله، وليس إلى خلق الشعور المستمر ~~وعمله المتجدد. وبصرف النظر عن إثبات الخاطر أو كمال العقل، فإن الناظر ترد ~~عليه الخواطر وهي الدلالات التي يتم رؤيتها. شعور الناظر في حركة دائبة وبحث ~~مستمر عن الحقيقة، وهذه الحركة تجعل شعوره خالقا لدلالات وواضعا لمعان في ~~مقابل النافي للنظر الذي يتحجر شعوره ويصبح مصمتا بليدا، غافلا راكدا. ~~ولا يقال إن الخواطر والدواعي غير ضرورية ما دام الإنسان يعرف أحواله بنفسه؛ ~~لأن معرفة أحوال النفس لا تتم إلا بالخواطر والدواعي. # 49 # يرد الخاطر على النفس بأفعال الشعور الداخلية وليس من أفعال ~~خارجية أو من إرادات مشخصة متعددة أو واحدة. الشعور بطبيعته وهاب ~~للمعاني. لا يأتي الخاطر من «الله» لأن الخواطر ظنون وافتراضات تتحول إلى ~~براهين فيما بعد، و«الله» لا يوحي بظنون طبقا لهذا الافتراض الذي لم يدخل ~~بعد في نظرية العلم تحت التأسيس. الخاطر معنى غامض وخفي وإلا كان معرفة ~~بديهية، اضطرارا أو استدلالا. # وقد يكون الخاطر اعتقادا أو كلاما؛ ms258 فالخاطر برد على النفس من تداعي ~~الذكريات، ومن حديث النفس الداخلي، ومن حياة الشعور الدائبة. الشعور إدراك ~~وتذكر وتخيل بل وتوهم. وقد يتم الإدراك داخليا وخارجيا معا. كما قد ~~يرد الخاطر من الكلام مسموعا أو مقروءا أو من رؤية إشارة أو تعبير في الوجه ~~بالعين أو بلون البشرة أو بحركة الجسم. يتم الخاطر هنا بحضور المدرك، ومع أن ~~الكلام أخص من الخاطر إلا أنه لا يتم فهمه إلا بالخاطر. فالخاطر أيضا سابق على ~~الكلام، وشرط فهمه. ولا يمكن فهم الكلام إلا بفهم قصد المتكلم، وهذا لا يتم إلا ~~بالخاطر. وكون الخاطر كلاما يعني ارتباطه باللغة. ولكن لا يعني ذلك عدم تعميمه ~~على العقلاء جميعا لأنه لا دليل على وجود عقلاء قد جهلوا اللغات. ولا يكفي في ~~الخاطر أن يكون معنى يرد على النفس أو اعتقاد ظن، بل لا بد أن يكون معبرا ~~عنه في كلام مسموع أو مقروء. ولا ضير أن يحل الكلام في الجسم، فالكلام لا يكون ~~محمولا إلا على جسم، الأذن أو اللسان أو الشفاه أو الهواء. ولا يعني التباس ~~الكلام في الفكر، كما هو الحال عند النائم، ألا يكون الخاطر كلاما؛ إذ يمكن ~~بعد الانتباه التمييز بين الكلام والفكر. فإذا لم يكن الخاطر مجرد ظن أو اعتقاد ~~ونابع من ذاتية خالصة، وإذا لم يكن كلاما حسيا ماديا لبشر أو لغفير بشر ~~فإنه يكون معنى. المعنى هو الجامع بين الذاتية والموضوعية، إما أن يرد على ~~النفس بفعل من أفعال الشعور أو بفعل من أفعال الجوارح. الأول لا يكون إلا ~~ظنا أو اعتقادا لأنه مجرد خاطر لم يتحول بعد إلى يقين في حين أن التالي ~~مرئي محسوس مثل الكلام والكتابة. أما الإشارة فإنها تتوقف على قصد المشير، ~~وبها حضور المتكلم، وبها الموقف، وبها العلاقات بين الذوات في حين أن الكتابة ~~مصمتة يغيب فيها الكاتب، وليست موقفا حيا، ولا توجد فيها علاقات بين الذوات. # 50 # وقد تحولت الخواطر لدينا إلى إلهامات ورؤى منفصلة عن النظر ~~مصدر العلم تحت تأثير التصوف ms259 وازدواجه مع الأشعرية، وأصبحت أقرب إلى البرقات ~~والمكاشفات عند الصوفية. # ولا يرد الخاطر على النفس إلا بشروط، منها: أن يفيد الوجه الذي يدل على وجوب ~~النظر وحسنه بأن يساعد الشعور على إدراك المعاني وعلى رؤية عالم يحكمه الفكر، ~~وأن يتضمن وجوب المعرفة التي يؤدي إليها النظر؛ فالنظر ليس هدفا في ذاته، بل ~~وسيلة للحصول على المعرفة، وأن يتضمن وجه الخوف من ترك النظر ورؤية قبحه، وذلك ~~بالإشارة إلى الأمارات والعلامات التي تبعث على الخوف، وأن يتضمن ترتيب النظر ~~حتى يكون منتجا. وورود الخاطر دون بيان دلالاته يقبح عقلا؛ لأنه يكون بلا ~~فائدة. وإذا كان الخاطر من «الله»، فإن حكمته تبين وجه النفع والضرر فيه. ~~والخاطر من حيث هو تنبيه على الدليل قد يكون عاملا مرجحا بين احتمالين، وهو ~~ما يقوم مقام «المعجزة» عند الأشاعرة. # 51 # وهناك شروط أخرى غير واجبة، مثل أن يكون هناك خاطر مقابل ضد الخاطر الأول ~~حتى لا يكون هناك إلجاء من خاطر واحد. والحقيقة أن الخاطر الواحد لا يلجئ بل ~~يدفع ويحث. الخواطر لا تتعارض ولا ينفي بعضها بعضا، بل تجتمع وتتآزر لتؤسس ~~الفكرة. ولا يأتي الخاطر مستمرا بل متقطعا، ولا يأتي ممن ظهرت «المعجزات» ~~عليه؛ لأن الخاطر يحدث من كلام أو اعتقاد، وكلاهما من أفعال الشعور. الخاطر ~~ظن يتحول إلى يقين بالبرهان بعد النظر، فلا يحتاج إلى يقين خارجي عن طريق ~~المعجزات. ولا ينتج عن الخاطر معرفة بالضرورة؛ لأنه لا يصبح معرفة إلا بعد النظر. # 52 # وتدخل مسألة الخاطر أيضا في حرية الأفعال؛ أفعال الشعور الداخلية نظرا ~~لارتباطها بالدواعي. فمرة يكون الخاطر أقرب إلى المنبه على الدلالة، ومرة ~~يكون هو الدافع على النظر فيكون كالدواعي مثل الخوف من ترك النظر؛ لما يترتب ~~عليه من ضرر يدرك العقل قبحه في حين أن الداعي هو الباعث على النظر. أما ~~الخاطر فهو ما يرد على الذهن بعد توافر الدواعي التي تتوافر عند العاقل دون ~~الصبي أو المجنون أو الساهي أو الغافل. ولا تصل قوة الداعي إلى حد الإلجاء ms260 وإلا ~~انتفى النظر. الدواعي هي التي توجه الإنسان وتدفعه نحو إعمال الذهن، الداعي هو ~~الأمارة التي تنبه الإنسان على ضرورة النظر وتحذر من مضار تركه، ولا يكون ~~التنبيه إلا عند أمر حادث؛ أي في موقف اجتماعي يكون هو المسبب للدواعي ~~والخواطر، فيبدأ حديث النفس. وهذا كله يجعل المعرفة ممكنة. فإمكانية المعرفة ~~تعادل وجود الحوادث والدواعي والتنبيه والخواطر. وذلك كله ينتفي بالسهو ~~وبالغفلة وبآفات السمع وبفقدان الحواس، ومع ذلك، السهو طارئ، والغفلة عرض، ~~وآفات السمع لا تقضي على التنبيه. الداعي من النفس، والخاطر حديث النفس، ~~وكلاهما مرهون بحياة الشعور، كما أن النظر والعلم مرهونان بيقظة الشعور، # 53 # ولا يقوم الخاطر مقام الداعي أو الداعي مقام الخاطر؛ فلكل منهما ~~عمله في الشعور. الداعي هو الباعث، والخاطر ما يرد على النفس أو بعد استدلال. ~~وإن كان الداعي سابقا على الخاطر، فإن ورود الخاطر بعد الداعي لا يجعله ~~زائدا، بل يكون نتيجة طبيعية لوجود الداعي. وإن كان الداعي أقوى حضورا ~~فالخاطر أيضا يكون أقرب إلى النفس والدلالة من مجرد الباعث النفسي. ولا خوف أن ~~يكون الداعي كاذبا أو ماجنا أو هازلا، وألا يكون مخبرا بالنفع والضرر؛ لأن ~~الداعي أمر خطير يمكن التحقق من صدقه بالرجوع إلى الموقف الاجتماعي وليس فقط ~~إلى صدق المخبر إذا ما كان الداعي خبرا. # 54 # والداعي أساس التكليف؛ إذ لا يوجد تكليف بلا داع. ولما كان النظر تكليفا، ~~فإنه يقوم على الدواعي، وهي أشبه بالعلم الضروري الذي يحدث في الشعور؛ إذ إنها ~~مثل الباعث العاقل، يدفع الإنسان إلى أفعال الحسن ويصرفه عن أفعال القبح. وقد ~~يكون أيضا استدلاليا بوقوع نوع من حديث النفس الباطني ومقارنة الدوافع ~~والصوارف. ولكن الغالب عليه أن يكون ضرورة وإلجاء. ويختلف في ذلك فرد عن آخر ~~دون أن ينال هذا الاختلاف من وجود الداعي وما نلجأ إليه من وجوب النظر. # 55 # قد يكون الداعي إذن للفعل أو الترك، للإقدام أو الإحجام، والذي ~~يحدد ذلك حال الشعور صفة في الشيء. ولا يعني وقوع الأفعال عن الدواعي وقوع ms261 ~~القبيح ابتداء؛ لأن الدواعي مجرد البواعث على الأفعال بعدها تحدث الخواطر ثم ~~يأتي النظر من أجل التحقق من صدقها. الداعي هو الباعث وليس صفة الحسن والقبح ~~في شيء. ولا يعني انتفاء الثواب والعقاب على الصغائر انتفاء قبحها وإلا كان ~~هناك داع لفعلها وإغراء عليها. # 56 # وعلى هذا النحو يتحول موضوع النظر كأول الواجبات إلى مقدمة للفعل ~~وأساس نظري للسلوك من خلال الخواطر والبواعث والدواعي. فالنظر متجه بطبيعته ~~نحو العمل، والداخل مفتوح على الخارج؛ مما يجعل النظر يتحول بسهولة إلى موضوع ~~النظر معلنا عن قرب نهاية نظرية العلم وبداية نظرية الوجود كموضوع للعلم. # 57 ~~(4) موضوع النظر # لما كان كل نظر هو نظر في شيء، فما هو موضوع النظر؟ يتراوح موضوع النظر عند ~~القدماء بين «ذات الله وصفاته» وبين المخلوقات من أجل الاستدلال على وجوده وبين ~~شئون الدنيا؛ أي أحوال الناس الاجتماعية ومعاشهم. موضوع النظر إذن إما «الله» ~~أو العالم أو الإنسان. # 58 # وقد ظهرت هذه الموضوعات الثلاثة في بداية تكوين نظرية العلم، وكانت ~~مرتبطة معا باعتبارها ما يجب على المكلف الإيمان به. ولكن بعد تكوين نظرية ~~العلم تمايزت هذه الموضوعات الثلاثة، وأصبحت موضوع النظر بعد أن كانت موضوعا ~~للإيمان. فعندما يتطور الإيمان ويصبح علما يكون العلم هو الوريث الوحيد للإيمان. # 59 ~~(أ) # هل يمكن اعتبار «الله» موضوعا للنظر؟ «الله» موضوع متعال لا ~~يمكن أن يكون موضوعا للنظر من حيث هو كائن مشخص له ذات وصفات وأفعال. # 60 # ولكن يمكن النظر فيه من حيث هو مبدأ معرفي خالي قبل ~~أن يكون تحققا في الواقع؛ أي باعتباره فكرة محددة كما هو ~~معروف في المنطق، أو نموذجا كما هو معروف في العلوم الصورية، أو ~~مثالا كما هو معروف في العلوم الأخلاقية. قد يعني أيضا البحث ~~المستمر عن الخالص وهو ما سماه القدماء التنزيه الذي تعنيه آية # ليس كمثله شيء ~~، أو # سبحان الله عما ~~يصفون ~~. كما أنه يشير إلى مضامين إنسانية مثل وحدة ~~الذات بين القول والعمل، والفكر والوجدان. ووحدة المجتمع بلا ~~طبقات، ووحدة الإنسانية ms262 بلا تفرقة عنصرية أو معسكرات أو مجموعات ~~دول كبرى وصغرى، غنية وفقيرة. يبدو أن القدماء قد شخصوا موضوع ~~العلم، وبالتالي لم يتأسس علم التوحيد على أنه علم صوري خالص أو ~~على أنه أيديولوجية اجتماعية وسياسية. وظهر ذلك إما في العلوم ~~الرياضية عند الرياضيين والحكماء أو في العلوم الشرعية عند الفقهاء. # 61 # وقد أشار القدماء إلى هذه الحقيقة وذلك بتأكيدهم على ~~استحالة معرفة «الله» في ذاته وإمكاننا معرفة الواجب والممكن ~~والمستحيل في حقه. # 62 # وبالتالي تحولت معرفة «الله» إلى نظرية في أحكام ~~العقل الثلاثة. كما أشاروا أيضا إلى دلالة التوحيد الخلقية ~~والاجتماعية والسياسية في اقتران التوحيد بالعدل عند المعتزلة، وفي ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالأصول الخمسة عند المعتزلة هي ~~التي تمثل كيفية تحول التفكير «الإلهي» إلى فكر اجتماعي وسياسي، ~~وكيف يتحول موضوع «الله» إلى التوحيد الذي ينشأ منه العدل، والوعد ~~والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # 63 ~~(ب) # وقد يكون موضوع النظر هي المخلوقات؛ أي آيات «الله» في الكون من ~~أجل الاستدلال بها على وجوده؛ وبالتالي الاغتراب عن الطبيعة ونفيها ~~وهدمها والخروج عليها. # 64 # فليس المقصود من النظر في الطبيعة البحث عن قوانينها ~~من أجل السيطرة عليها والاستفادة منها، بل الانتقال منها إلى إثبات ~~شيء آخر غيرها هو «الله». الطبيعيات هنا ما هي إلا مقدمة للإلهيات ~~كما هو الحال في علوم الحكمة، أو سلم يرتقى عليه من أجل الوصول ~~إلى إثبات وجود «الله» ذاتا وصفات وأفعالا؛ أي العود إلى ~~الموضوع الأول من جديد. الطبيعيات هنا إلهيات «مقلوبة» والإلهيات ~~هي طبيعيات «مسقطة». فإذا كان الموضوع الأول انتقالا من الله ~~إلى العالم، فإن الموضوع الثاني هو انتقال من العالم إلى الله. لا ~~يعني النظر في الطبيعة الدخول في فروع مسائلها مثل الجزء والطفرة ~~والكمون، بل التأمل فيها والبداية بها، مع أن هذه المفاهيم ~~الطبيعية ذاتها لها دلالات وبواعث في الفكر «الإلهي». # 65 # وقد يكون الموضوع «أمور الدين» كحلقة متوسطة بين ~~الفكر «الإلهي» والفكر الطبيعي. فإذا كان النظر في أمور ms263 الدنيا ~~نظرا اضطراريا، فإن النظر في أمور الدين يعلم قياسا. # 66 # تدفع أمور الدنيا المكلف إلى النظر؛ إذ يعيش الإنسان ~~في وضع اجتماعي يدفعه إلى النظر دفاعا عن حقوقه الضائعة. يكتسب ~~الإنسان النظر إذا ما دعا الموقف، وتعود على النظر فيصبح حقا ~~له. النظر في أمور الدين لا يتم إلا قياسا على أمور الدنيا، ~~والنظر في أمور الدنيا هو نفسه نظر في أمور الدين. الأول بمنهج ~~استقرائي والثاني بمنهج استنباطي. الخلاف في المنهج وليس في ~~الموضوع. والمصلحة أساس للنظر والشرع على السواء. ولا يعني ذلك أن ~~الأول ظني والثاني يقيني؛ إذ يمكن الوصول إلى اليقين في أمور ~~الدنيا، كما أن كثيرا من أمور الدنيا تظل ظنية. ولما كان قياس ~~الظن على اليقين ممكنا، فإنه يمكن الوصول في أمور الدين إلى ~~اليقين قياسا على أمور الدنيا. واليقين هنا نظر وعملي معا. وإن ~~استحال النظري يكفي العملي. الدين هو الدنيا، والدنيا هي الدين، لا ~~فرق بين المنهج الصاعد للنظر في أمور الدنيا والمنهج النازل للنظر ~~في أمور الدين. إن تحليل الواقع تحليلا علميا يؤدي إلى نفس ~~النتيجة لفهم النصوص فهما سليما اعتمادا على اللغة والحدس ~~وأسباب النزول والموقف الاجتماعي، حتى ولو كان إدراك المصلحة ~~ظنيا في أمور الدنيا، فإن ذلك يحدث تبعا لتغير المصالح من مجتمع ~~لآخر، ومن مرحلة تاريخية لأخرى. يمكن قياس أمور الدين على هذا ~~الواقع الظني، ويكون ذلك تفسيرا للدين. فالتفسير تصور اجتماعي ~~للدين في لحظة تاريخية معينة. ومع ذلك فإدراك المصلحة ليس ظنا ~~بل يقين عملي. # 67 # قسمة موضوع النظر إذن إلى أمور الدين وأمور الدنيا ~~قسمة ثنائية لا تقوم على واقع. أمور الدين هي أمور الدنيا، وأمور ~~الدنيا هي أمور الدين. هناك موضوعات شعورية واحدة يحللها الشعور ~~بصرف النظر عن مستواها من المادية أو الصورية، وبصرف النظر عن ~~اتجاه القصد. الإنسان واحد له شعور واحد، يعيش في عالم واحد. كما ~~أن قسمة أمور الدين إلى قسمين شبهة ودلالة؛ قسمة تتعلق بتحليل ~~الشعور أكثر مما تتعلق بالموضوع. فالشبهة ms264 تقع في الدليل (النص) ~~والدلالة أيضا تأتي من تخريج النص فيما يتعلق بالحجة النقلية، وقد ~~تعني الشبهة إزالة لبس منطقي. والدلالة هي الفطنة إلى كيفية ~~الانتقال من أمرين إلى ثالث. ولا يعني ذلك انحيازا إلى المثالية، ~~وتفسير الفكر بالفكر، وذلك لأن الشعور باعتباره ذاتا وموضوعا وصف ~~لواقع حياته وتكوينه. # 68 ~~(ج) # موضوع النظر إذن هو التفكير في شئون الدنيا لما كانت شئون الدين ~~قياسا عليها، قياسا للمعقول على المحسوس، وللغائب على الشاهد. ~~والنظر في أمور الدنيا يقوم على دفع الضرر وجلب المصلحة. ومن ~~ثم لا فرق بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه؛ إذ يقوم كلاهما ~~على تحقيق المصالح العامة. # 69 # ولا يعني ذلك وقوعا في النفعية الخالصة، وذلك لأن ~~المصالح العامة من موجبات العقول. هناك إذن مقياسان لصحة النظر: ~~العقل والواقع، البداهة النظرية والمصلحة العملية. ولا يقال إن ~~النظر في أمور الدين لا يجب إلا بدليل، ولا يجب إلا إذا أدى للعلم؛ ~~ولأن الناظر فيه لا يأمن من الهلاك بعكس النظر في أمور الدنيا التي ~~يعلم الضرر فيها؛ وذلك لأن النظر في أمور الدين يؤدي إلى الظن، ~~ويعتمد على الأمارة لا الدليل، ولا يؤدي إلى هلاك أكثر مما يؤدي ~~إليه النظر في أمور الدنيا. يقوم النظر في أمور الدين على التجربة ~~والعادة مثل النظر في أمور الدنيا؛ لأن الداعي له تجربة الخوف من ~~تركه عادة. ولا فرق بينهما من أن النظر في أمور الدين يخشى منه ~~مضرة آجلة وليس عاجلة بعكس النظر في أمور الدنيا. فلا فرق بين ~~المتأخر والمتقدم إلا من حيث الفور والتراخي على ما يقول علماء ~~أصول الفقه. ولا فرق بينهما أيضا من أن النظر في أمور الدين يعتمد ~~على دليل قاطع مثل قول الأنبياء، ولأن المعارف الضرورية لا تقل ~~قطعا عن دليل الأنبياء. # ويصعب أن يكون النظر في أمور الدين موافقا ل «إرادة الحكيم»؛ ~~لأنه يصعب معرفتها إلا من خلال الوحي؛ أي مناهج التفسير؛ أي ~~باللجوء إلى علوم الدنيا، وهي أساس علوم الدين. ولا يتطلب ms265 النظر في ~~أمور الدين وضوحا أكثر مما يتطلبه النظر في أمور الدنيا؛ فالبداهة ~~الحسية والعقلية والوجدانية هي أساس الوضوح في أمور الدين والدنيا ~~معا. ولا يتطلب النظر في أمور الدين كل الفروع في المسائل النظرية ~~الواردة في النظر في أمور الدنيا، فالنظر في كليهما واحد من حيث ~~الأسس العامة. ولا يعني وجوب النظر ~~عند وجود الدواعي أن قول الداعي ~~حجة، بل قد يتم الوجوب للفعل طبقا لمقتضيات الحاجة؛ فالضرر الواقع ~~من ترك النظر في أمور الدين وأمور الدنيا واحد، ويعلم قبحه ضرورة. ~~ولما وجب عقلا النظر في باب الدين، فوجب النظر في جميع الأفعال. ~~ولا ينفي وجود معارف ضرورية عن طريق الإلجاء وجوب النظر؛ فالمعارف ~~الضرورية أولى مراتب النظر. # 70 # | سابعا: طرق النظر # بعد وجوب النظر أصبح آخر جزء في نظرية العلم طرق النظر أو مناهجه. فالطريق هنا ~~يعني المنهج، طرق النظر هي مناهج النظر التي يمكن التوصل بها إلى المطلوب. ويبدو أن ~~هذه المناهج كلها قد تم استعارتها من المنطق؛ فنظرية العلم هي في صورتها الأخيرة ~~نظرية في المنطق، لذلك لما كان الإدراك تصورا أو تصديقا فكذلك المطلوب. إن كان ~~تصورا يكون هو المعرف وإن كان تصديقا يكون هو الدليل سواء كان ظنيا أم ~~قطعيا. وقد يخص بالقطعي وحده وفي هذه الحالة يسمى الدليل الظني أمارة. وقد ~~يخص بما يكون من المعلول إلى العلة، فيسمى عكسه تعليلا؛ أي الانتقال من العلة إلى ~~المعلول. وواضح أن التصديق عند القدماء ليس حكما، بل مجرد الدليل على التصور؛ أي ~~ما يحقق التصور. وإذا كان الدليل بحسب اليقين ظنيا أم قطعيا، فإنه بحسب الدلالة ~~يكون إما برهان دلالة أو برهان علة. ويلاحظ على تصور القدماء لطرق النظر سيادة ~~نظرية المنطق على نظرية العلم، وقبول القسمة التقليدية في المنطق عند الحكماء إلى ~~تصور وتصديق، وأن التصور ينال بالحد وأن التصديق ينال بالبرهان. وهي القسمة التي ~~رفضها الفقهاء وفندوها وبينوا تهافتها وسطحيتها بالرغم من دخولها أيضا كمقدمة ~~في علم أصول الفقه. # 1 # والتركيز أكثر على ms266 الدليل، وهو ما ~~يعادل الحكم المنطقي، وكان أهم شيء في علم أصول الدين ليس التصورات أو الأحكام بل ~~الأدلة. ومن البداية يتم التمييز بين الدليل الظني والدليل القطعي من أجل تأسيس ~~العقائد. والخشية أن تكون الأدلة ظنية ويظنها المتكلم قطعية. كما يبرز برهان العلة ~~كأحد الأدلة وهو ما سيتحول فيما بعد إلى نظرية الوجود في مبحث العلة والمعلول كجزء ~~من المباحث الطبيعية أكثر منه جزءا من نظرية المنطق. تبدو القسمة عقلية بديهية ~~بصرف النظر عن موضوع علم الكلام، وهو «الذات والصفات والأفعال»، وكأن الموضوع كان ~~مجرد وسيلة لصياغة المنهج ووضع نظرية في المنطق. # 2 ~~(1) التعريف # هو الطريق إلى التصور. ولما كان عالم أصول الدين لا يعرف تصوراته فلم يركز ~~على التعريف قدر تركيزه على الأدلة، في حين أن «التراث والتجديد» يركز على ~~التصورات قدر تركيزه على الأدلة لمعرفة هل يمكن تصور «الله»؟ قبل «هل يمكن ~~البرهنة عليه؟» وقد تحدث القدماء في موضوعات ثلاث في التعريف: ~~(أ) # معرفة المعرف به تسبق معرفة المعرف، ويكون غيره وأجلى منه، ويكون ~~مساويه في العموم والخصوص. ويكون التعريف بالخصائص المميزة. فإن ~~كان التمييز ذاتيا فهو الحد، وإن كان غير ذاتي فهو الرسم. وإن ~~كان الذاتي بالجنس القريب فهو التعريف التام، وإلا فهو تعريف ~~ناقص. ويحد المركب دون البسيط؛ لأن البسيط لا حد له. وواضح أنه ~~يستحيل تطبيق هذا التعريف المنطقي في الإلهيات؛ لأن «ذات الله» لا ~~تساوي أحدا في العموم المطلق، ~~ولا يمكن تعريفها بالجنس القريب والفصل البعيد؛ لأن لا جنس لها، ~~فهي جنس الأجناس ونوع الأنواع. كما أنها ليست مركبة حتى يمكن ~~حدها. وأقصى ما يمكن عمله هو التعريف الناقص عن طريق الصفات ~~العرضية وهو الرسم، أقل درجة في التعريف. خاصة وأنه لا يمكن ~~إحصاء الخصائص المميزة لها لصياغة حد لها. ويبدو أن التعريف وضع ~~للمنطق، للموضوعات العقلية الخالصة وليس لأي موضوع «إلهي» خاص. # 3 ~~(ب) # التعريف بالمثال، وهو تعريف بالمشابهة مثل التعريف الناقص أو ~~الرسم وهو الوارد عادة في معرفة «ذات الله»؛ إذ ms267 لا يمكن معرفتها ~~بالحد التام، ولكن يمكن فقط عن طريق القياس والشبه، قياس الغائب ~~على الشاهد الذي يؤدي إلى التشبيه، وهو المستعمل في علم الكلام عن ~~قصد أو عن غير قصد، بوعي أو عن غير وعي. ويكون التنزيه بطبيعة ~~الحال هو رد الفعل. ولكن التنزيه أيضا متعلق بالتشبيه لأنه رد فعل ~~عليه، ورفض سالب له، وما زال يستعمل المفاهيم الإنسانية حتى في ~~صورها الأكثر تجريدا. ولكن يبدو أن المتكلم في خطابه كان يظن أنه ~~يتحدث بالتعريف الأول وهو في حقيقة الأمر لا يتحدث إلا بالتعريف ~~الثاني. فلا سبيل إلى الوصول إلى الأول على الإطلاق إلا عن طريق ~~الثاني. ~~(ج) # التعريف اللفظي، وهو توضيح دلالة لفظ بلفظ آخر أوضح دلالة. ~~ويستعمل في التعريف العام. وتستبعد الألفاظ الغريبة الوحشية، ~~وكذلك الألفاظ المشتركة والمجازية بلا قرينة. ومن ثم يعرف ~~ألفاظ «الذات والصفات والأفعال» وباقي ألفاظ علم الكلام. والحقيقة ~~أنها في غالبيتها ألفاظ مشتركة مجازية، تفيد معاني إنسانية، ثم ~~أطلقت على «الله» على طريق المجاز، بلا قرينة إلا من قياس الغائب ~~على الشاهد. فالإنسان له ذات وصفات وأفعال، ثم أطلقت على «الله» ~~فأصبحت ألفاظا مشتركة مجازية، أصلها الحقيقي في الإنسان. # 4 ~~(2) الاستدلال # هي طريقة الانتقال من المقدمات إلى النتائج، وهو المعنى العام للاستدلال، ~~ويتم هذا الانتقال بعدة طرق: ~~(أ) # الاستدلال بالكلي على الجزئي، وهو القياس، وفي هذه الحالة يتم ~~الانتقال من «ذات الله» إلى غيرها باعتبار أنها الكلي. والحقيقة أن ~~ذلك مستحيل؛ لأنها لا يمكن أن تعرف، ولا يوجد أعم من «ذات الله» ~~يمكن أن يستدل به على ذات الله باعتباره كلا أخص أو جزءا؛ ~~وبالتالي فالقياس المنطقي بهذا المعنى لا يمكن استعماله في معرفة ~~«ذات الله». ~~(ب) # الاستدلال بالجزئي على الكلي، وهو الاستقراء. فإن كان الاستقراء ~~تاما فهو استدلال يقيني، وإن كان ناقصا فهو استدلال ظني. وهو ~~طريق الانتقال من الإنسان إلى «الله»؛ أي من الجزء إلى الكل، طريق ~~التشبيه وقياس الغائب على الشاهد. ويستحيل أن يكون تاما لأن ~~الإنسان لن يستقرئ كل ms268 الجزئيات للاستدلال بها على «ذات الله» ~~باعتبارها كل الكليات بالإضافة إلى أنه خطأ في اتجاه المعرفة. ~~فالانتقال من الجزئي لا يكون إلا لجزئي مثله، دخولا في العالم ~~وليس خروجا منه. # 5 ~~(ج) # الاستدلال بالجزئي على الجزئي، وهو التمثيل أو القياس الفقهي، أي ~~مشاركة الجزأين في علة الحكم. وهو يجوز في الأشياء والأفعال، ولكن ~~لا يمكن معرفة «ذات الله» به؛ لأن الله ليس جزءا ولا يقاس على ~~جزء. أما الاستدلال بالكلي (طبقا للحالة الرابحة في القسمة ~~العقلية)، فالكليان جزئيان لدخولهما تحت عنصر ثالث مشترك. ولا ~~يمكن «لذات الله» ككل أن يساويها كل آخر وإلا كان شركا. ومن ~~ثم يستحيل استعمال هذه الاستدلالات المنطقية في الفكر «الإلهي». # 6 ~~(3) القياس # وهو المنهج الرئيسي في الاستدلال، وقلب المنطق وعمدته. وتأتي معظم أشكاله من ~~المنطق الصوري. وكأن المتكلمين قد اعتمدوا على منطق الحكماء أكثر من اعتمادهم ~~على منطق الأصوليين بالرغم من اشتراكهم معهم في «علم الأصول»؛ أصول الدين عند ~~المتكلمين وأصول الفقه عند الفقهاء. وأهم صور القياس خمس: ~~(أ) # الانتقال من حكم إيجابي أو سلبي لكل أفراد الشيء إلى شيء آخر ~~كله أو بعضه، وثبوت نفس الحكم له قطعا. وبلغة المنطق الصوري، ~~الانتقال من الكلية الموجبة أو السالبة إلى الكلي أو الجزئي الموجب ~~أو السالب. وهو ما يستحيل في معرفة «الله» باعتبارها كلا موجبا ~~(إثبات صفات الكمال) أو كلا سالبا (نفي صفات النقص). ولأنه غير ~~معرف بعد فكيف يمكن الانتقال منه إلى موجب أو سالب آخر، كلي ~~أم جزئي؟ ~~(ب) # الانتقال من حكم لكل أفراد الشيء وحكم مقابل لشيء آخر كلي أو ~~جزئي، فيعلم سلب الحكم الأول عن الشيء الثاني؛ أي الانتقال من ~~الكلية الموجبة إلى الكلية أو الجزئية السالبة عن طريق القلب أو ~~التضاد، ولا يمكن معرفة «الله» أيضا عن هذا القياس؛ لأن «الله» لا ~~يمكن معرفته ثم الانتقال منه إلى معرفة الآخر. ولكن يمكن افتراضا ~~تعريف «ذات الله» تعريفا كليا موجبا، ثم قلبه إلى عكسه كلا ~~أو جزءا وسلب الحكم عنه. إذا كان ms269 «الله» حيا يكون الإنسان ~~ميتا، سواء كان الإنسان الكلي أو هذا الإنسان المتعين. ~~(ج) # الانتقال من ثبوت أمرين لثالث إلى ثبوته فيه سواء كان كليا أم ~~جزئيا. وبلغة الرياضة المساويان لثالث متساويان أو بتعبير أدق ~~المتساويان مع ثالث يكون مساويا لهما. وعلى افتراض معرفة «ذات ~~الله»، فإنه لا يمكن الانتقال منها إلى معرفة شيء آخر؛ نظرا لعدم ~~اشتراك الله مع غيره في صفاته المطلقة، وإلا وقعنا في الشرك في ~~مفهوم المتكلمين. ~~(د) # الانتقال من ملازمة شيئين، ومن وجود الملزوم إلى وجود اللازم، ~~ومن عدم اللازم إلى عدم الملزوم. وبلغة التعليل إذا ثبت وجود رابطة ~~علة بين شيئين، إذا وجدت العلة وجد المعلول، وإذا وجد المعلول ~~وجدت العلة، وهو ما يسمى بقياس العلة بلغة الأصول. وهذا يقتضي ~~أولا معرفة «الله» ثم معرفة أن علاقة «الله» بالعالم علاقة علة ~~بمعلول؛ حتى يمكن استخدام قياس العلة لإثبات وجود «الله»، طالما ~~وجد العالم، وهو المعلول، وجد «الله» لاعتباره علة. ~~(ه) # الانتقال من المنافاة بين أمرين من وجود أحدهما إلى عدم الآخر، ~~وهو إثبات وجود الشيء ثم نفي ضده، وهو ما يقوم عليه التنزيه بإثبات ~~صفات الكمال «لله» ونفيها عن الإنسان وإثبات صفات النقص للإنسان ~~ونفيها عن «الله». # ويستمر التشعيب في أنواع القضايا وقسمتها إلى استثنائية واقترانية، وقسمة ~~الاستثنائية إلى متصلة ومنفصلة. ثم تظهر أشكال القياس الأربعة وضروب كل منها ~~سلبا وإيجابا، كلية وجزئية كما هو الحال في المنطق الصوري. # 7 # ويلاحظ أن كل هذه الأشكال من القياس مستمدة من المنطق الصوري ~~الذي كان نموذجا لنظرية العلم في علوم الحكمة التي طغت على علم الكلام في ~~مرحلة البناء الكامل ودخلت فيه، وليست مستمدة من المنطق الأصولي على ما هو ~~معروف في علم أصول الفقه ونقده لأشكال القياس القديم وتفضيله القياس الشرعي. ~~كما أنها معروضة على نحو نظري خالص دون بيان وجه استعمالها في «الإلهيات»؛ ~~مما جعل نظرية العلم مقطوعة الصلة بموضوع العلم، وكأنها غاية في ذاتها وليست ~~وسيلة لشيء آخر وهو موضوع العلم «الإلهي». تفصل ms270 المنهج عن الموضوع وتستعمل ~~المناهج في الاستدلال على موضوع مفترض سلفا مع أنه هو المطلوب إثباته وتأسيسه ~~بنظرية العلم. وتخرج من نظرية العلم ولا تبدأ ببدايات يقينية أولى لا تسبقها ~~بدايات أخرى؛ نظرا لاستخدامها في افتراضات مسبقة مستمدة من «الإلهيات». ~~وهل يتم التعبير عن الفكر الديني بمثل هذا الوعي النظري المنطقي؟ هل يقوم ~~المتكلم بالتعبير عن خطابه واضعا إياه في هذه الأشكال الصورية للقياس؟ ألم يقع ~~الخطاب الكلامي، بالرغم من نظرية العلم هذه كنظرية في المنطق، في منطق الخطابة ~~والجدل بعيدا عن منطق البرهان؟ وهل يمكن استعمال هذا القياس بصرف النظر عن ~~مادة نظرية العلم أي التجارب التي يخوضها المتكلم والواقع الذي يعيش فيه؟ قد ~~تكون الميزة الوحيدة لهذا القياس هو بيان إمكانية وضع الخطاب الكلامي في قضايا ~~منطقية حتى يكون لها معنى، وكأن الخطاب «الدين» لا يحصل على معناه إلا بتحليل القضايا. # 8 ~~(4) القياس «الديني» # ونعني به ثلاثة أدلة أخرى تعرض القدماء لها وحكموا عليها بالضعف مع أنها ~~دعامة الفكر الديني. أشار علماء أصول الدين إلى الاثنين الأولين منها، بينما ~~أشار علماء أصول الفقه إلى الثالث. ويظهر فيها إبداع نظرية العلم وقدرة الحضارة ~~الجديدة على صياغة منطق جديد في مقابل المنطق الصوري القديم، وهي: ~~(4-1) قياس الغائب على الشاهد # وهو قياس إنساني معرفي؛ إذ لا يعرف الإنسان ما لا يعرف إلا قياسا على ما ~~يعرف، ولا يتصور اللامرئي إلا قياسا على المرئي، وبالتالي قياس «ذات الله» ~~على ذات الإنسان، و«صفات الله» على صفات الإنسان، و«أفعال الله» على أفعال ~~الإنسان، وهو طريق التشبيه، طريق الأشاعرة والمشبهة والمجسمة بوجه عام، لا ~~فرق بين الصفة أو الموصوف أو بين الصورة والجسم، ويقوم على إثبات علة ~~مشتركة بين الغائب والشاهد حتى يمكن القياس عليها. والحقيقة أن ذلك مستحيل ~~وإلا وقع المتكلم في الشرك؛ «فالله» في عرف المتكلمين يتفرد وحده بالذات ~~والصفات والأفعال، فكيف تكون المشاركة؟ قد تكون خصوصية الأصل شرطا مثل ~~صفات «الله» المطلقة مثل الخلق والرزق والإماتة والإحياء والحساب، وقد تكون ~~خصوصية ms271 الفرع مانعا، مثل صفات النقص والموت والفناء والعدم والنصب، ~~ولهذا القياس صور منطقية ثلاث: ~~(1) # الطرد والعكس: أي وجود الصفة في الشيئين أو غيابها عن واحد ~~وحضورها في الآخر. والأفضل وجودهما معا. وهما مبحث العلة عند ~~الأصوليين، فبلغتهم دوران العلة والمعلول وجودا وعدما، إذا ~~حضرت العلة حضر المعلول وإذا غابت العلة غاب المعلول. وهو ~~مبحث أصولي خالص لا يتم إلا في الأفعال الحسية والأمور ~~المرئية التي تخضع للتجريب. ~~(2) # السبر والتقسيم: أي الحصر ثم القسمة، حصر الصفات الذي قد ~~يكون تاما أو ناقصا، ثم التقسيم للبحث عن الصفات المشتركة، ~~وهل يمكن حصر صفات الله؟ # 9 ~~(3) # الإلزامات: وهو القياس على ما يقول الخصم لعلة فارقة. وهو ~~لا يفيد اليقين ولا الإلزام؛ لأنه يعتمد على أقوال الخصم الذي ~~قد يمنع علة الأصل وحكمه، ويجعله واضع الدليل، ويقيم اليقين ~~على الظن. والحقيقة أن هذا وارد في علم الكلام في منهج الجدل ~~الذي يعتمد في مقدماته على مسلمات الخصوم ما دام في ذلك ~~إفحام له، وانتصار عليه. # 10 # وعلى هذا النحو يبدو قياس الغائب على الشاهد مستعارا كلية ~~من علم أصول الفقه دون مراعاة لطبيعة الموضوعين «ذات الله ~~وصفاته وأفعاله» في علم أصول الدين والأحكام الشرعية في علم ~~أصول الفقه، وإلا كنا قد افترضنا سلفا أن موضوع علم أصول ~~الدين موضوع حسي خاضع للتجريب والقياس، وبالتالي لا يفترق ~~الأشاعرة عن المشبهة والمجسمة في شيء، أو الاعتراف ~~والتسليم بأنه لا يمكن معرفة «ذات الله وصفاته وأفعاله» إلا ~~قياسا على ذات الإنسان وصفاته وأفعاله عن قصد أو عن غير قصد، ~~عن وعي أو عن غير وعي. والاعتراف بالحق خير من التمادي في الباطل. # 11 ~~(4-2) قياس الأولى # ولم يذكره علماء أصول الدين في نظرية العلم كجزء من النظرية كما ذكره ~~علماء أصول الفقه في نقدهم للمنطق الصوري القديم ووضع منطق أصولي جديد ~~بدلا عنه. ولكن يظهر معناه في نظرية العلم في عرض موقف «المهندسين في ~~الإلهيات»؛ إذ إن الغاية فيها (الإلهيات) «الظن والأخذ بالأحرى والأخلق ». ~~وهو أقرب إلى ms272 فعل الشعور منه إلى القياس ذي القواعد والأصول. إذا كان ~~الإنسان عالما «فالله» أولى بالعلم، وإذا ~~كان الإنسان قادرا «فالله» أولى ~~بالقدرة، وإذا كان الإنسان حيا «فالله» أولى بالحياة، وإذا كان الإنسان ~~سميعا بصيرا متكلما مريدا «فالله» أولى بالسمع والبصر والكلام ~~والإرادة، وهكذا في باقي الأوصاف والصفات. # 12 # فإذا كان قياس الغائب على الشاهد أصل التشبيه، فإن قياس الأولى ~~أصل التنزيه، ولو أن بدايته في الحس ولكنه يجعل اللامحسوس أولى بصفات ~~المحسوس؛ فهو في حقيقة الأمر تشبيه مقنع أو تشبيه يصارع نفسه في صورة ~~تنزيه، وتكون قمة انتصاره في تأكيد التعالي المستمر # تعالى الله عما يصفون # الذي يكمل القياس نهائيا ~~ويطلقه من بدايته الحسية. # 13 ~~(4-3) ما لا دليل عليه يجب نفيه # ويتفق عليه علماء الأصول؛ أصول الفقه وأصول الدين. فالدليل على الشيء ~~وجوده. وما الفائدة من وجود شيء لا دليل عليه؟ وجود الشيء هو البرهان عليه، ~~والبرهان على الشيء هو الذي يوجده. فالبرهان علة الوجود، والدليل أساسه؛ ~~لذلك كان العلم أساسا هو الاستدلال إثباتا أو نفيا، بالعقل أم بالواقع. ~~وكان هم المتكلمين نقد أدلة المثبتين لشيء وبيان ضعفها عقلا أو حصرها، ~~ثم نفيها واقعا. ولولا ذلك لانتفت الضروريات لجواز أن تكون هناك أشياء ~~لا نراها ولا دلائل عليها، ولانتفت النظريات لجواز معارض للدليل لا نعلمه. ~~ولما كان ما لا دليل عليه لا متناه كان إثباته محالا؛ إذ إن قدرات ~~الإنسان تمنع من إثبات شيء لا دليل عليه. وإذا كان عدم الدليل في نفس الأمر ~~ممتنع، فذلك يكون دافعا على البحث الدائب عن الدليل وعدم إثبات شيء لا ~~دليل عليه، وعدم الرضا بالعلم الظني والمشكوك فيه والجهل، والوهم، ودفع ~~المعارض؛ لأن ذلك ضروري في القطعيات. والدليل هو الدليل العقلي الخالص الذي ~~يشمل الحس والوجدان والذي لا يعتمد على الإيمان بشيء مسبقا وإلا كان حكما ~~وابتسارا. وذلك يتطلب قدرا من الشجاعة والاعتراف، فوجود الأشياء معرفتنا ~~لها؛ ومن ثم تكون الأولوية المطلقة للمعرفة على الوجود. # 14 ~~(5) المقدمات # وهي مادة العلم التي يتم ms273 الاستدلال عليها وهي على نوعين: قطعية وظنية. ~~(5-1) المقدمات القطعية # وهي المقدمات التي تنشأ منها نتائج قطعية، إذا صح الاستدلال، وتأتي ~~القطعية من طبيعة مادة المقدمات اليقينية، وكأن الصواب والخطأ ليس من صورة ~~العلم وحدها، ولكن أيضا من مادته، وهي سبع. ~~(1) # الأوليات: وهي البداهات التي لا تخلو أي نفس منها بعد تصور ~~الطرفين، مثل المسلمات والبديهيات. وتعتمد عليها نظرية ~~العلم في بداية العلم، وذلك مثل وجود الإنسان ووجود العالم ~~والحقائق الضرورية النظرية أو العملية ومنها شهادات الوجدان ~~التي لا تقل بداهة عن أوائل العقول. ~~(2) # الحدسيات: وهي البديهيات العقلية الخالصة، مثل دلالة إتقان ~~الصنعة على الصانع. وهي استدلال مباشر بلا مقدمات وتوسط، بل ~~بالقفز من المقدمات إلى النتائج مباشرة. وهي مثل الأوليات، ~~ولكن مع قدر من الاستدلال الحدسي أو مثل القضايا التي قياساتها ~~معها دون أن تكون متضمنة فيها. وهو ما يدركه الحس أو العقل ~~أو الوجدان مرة واحدة بلا تأمل أو انتظار أو تكرار أو تحقق. ~~وقد يكون وجوديا كوجود الإنسان، أو بدنيا كالصحة والمرض، ~~أو «فزيولوجيا» كاللذة والألم، أو عاطفيا كالغم والفرح، ~~أو إراديا كالقدرة والعجز، أو نزوعيا كالإرادة والكراهة، ~~أو إدراكيا كالإدراك والعمى. # 15 # وهناك معارف ضرورية حدسية تخبر عن الواقع بالخطاب ~~الذي يلقيه المتكلم على السامع. والعلم بالانفعالات النفسية عن ~~الآخرين علم بديهي بشرط وجود الأمارة مثل حمرة الخجل وصفرة ~~الوجل. والعلم بالمبادئ الخلقية أيضا علم بديهي. ~~(3) # قضايا قياساتها معها: وهي البديهيات المركبة التي يمكن حلها ~~إلى بديهيات بسيطة مثل أن الأربعة تساوي اثنين واثنين؛ أي ~~الاستدلال الصحيح الذي يقوم مقام بديهية ويعادل المعارف ~~الفطرية. والحقيقية قد تختلف درجة البداهة لهذه القياسات ~~باختلاف درجة الوضوح والبساطة فيها، وهي أشبه بالقضايا ~~التحليلية في الرياضة بصرف النظر عن درجات التحليل ومدى ~~خطواته. ~~(4) # المشاهدات: وهي المدركات الحسية التي يحكم العقل بصحتها مع ~~الحذر من خداع الحواس. وظاهر الحس منها يسمى حسيات، وباطن ~~الحس منها يسمى وجدانيات. فبالرغم من خداع الحواس، إلا أن ~~الإدراكات الحسية موجودة. # 16 # وهنا تتكرر الوجدانيات مرة ms274 ثانية، فكأنها في ~~أوائل العقول، وفي الحدسيات وفي القضايا التي قياساتها معها، ~~وكأنها هي الشامل لمجموعة المعارف البديهية بصرف النظر عن ~~مستوى البداهة، العقل أم الحس أم الرؤية الحدسية. ~~(5) # المجربات: وهي ~~المدركات الحسية التي يحكم العقل بصدقها مع تكرارها وتحولها ~~إلى عادات وقوانين ثابتة؛ لذلك أصبحت المشاهدة ومجرى العادات ~~حد مقاييس الصدق في علم الأصول وتكرار المدركات الحسية، مثل ~~تكرار المقدمات في الاستدلال، كلاهما يؤدي إلى اليقين. # 17 ~~(6) # الوهميات في المحسوسات: وهي المدركات الحسية العادية أو ~~أحكام الحس مثل الحسيات على مستوى العقل مثلا كل جسم في جهة. ~~ويمكن تسميتها الحدوس الحسية التي قد يكذبها العقل، ولكنها جزء ~~من المعرفة البشرية ومادة العلم. ~~(7) # المتواترات: وهي ~~الأخبار التي يمتنع في رواتها تواطؤهم على الكذب. ويدخل موضوع ~~التواتر كما هو وارد في علم أصول الفقه في نظرية العلم، وليس ~~فقط باعتبار الأدلة النقلية أو العقلية النقلية. فالتواتر يؤدي ~~إلى العلم الضروري، مثل العلم بوجود المدن أو العلم الاستدلالي ~~مثل العلم بالتوحيد. يفيد العلم على عكس أنصار المعارف الحسية ~~أو العقلية أو الذين يجوزون اجتماع الأمة على الخطأ، ~~وبالتالي يمنعون أن يكون التواتر أساسا لعلم ضروري. # 18 # وقد فصل علم مصطلح الحديث وعلم أصول الفقه شروط ~~التواتر وإفادته لليقين، وهي أربعة: اتفاق المتن مع شهادة ~~الحواس ومجرى العادات؛ منعا للأسرار والخرافات، وأن يكون ~~السند متعدد الرواة مستقلين عن بعضهم البعض؛ ليمنع تواطؤهم ~~على الكذب، وأن يكون العدد كافيا؛ حتى يزيد من احتمال اليقين، ~~وأن يكون انتشار الرواية متجانسا في الزمان؛ منعا لانتحال ~~الأخبار أو لمؤامرات الصمت حول الخبر الصحيح. والمشهور خبر ~~ينقصه تجانس الانتشار في الزمان إذا كان أولا محصورا ثم ~~انتشر ثانيا، وربما كانت المصلحة سببا في انتشاره. ~~فالمتواترات هي الروايات التاريخية الصحيحة بالاشتراك مع دلائل ~~الحس والعقل، بل إنها لا تفيد اليقين بمفردها إلا باعتمادها ~~على الحس والعقل. وقد أتى الوحي كمقدمات من هذا النوع. ~~والتواتر ليس جمع آحاد وآحاد، بل هو خبر مستقل واحد، له ~~وحدته وبناؤه الداخلي؛ لأن مجموع ms275 ظنين لا يكون يقينا. يقين ~~خبر الواحد في عدالة الراوي وضبطه وصدقه. وله شروط خاصة. ولا ~~يهم اعتبار العلم الناشئ عن التواتر ضروريا أم كسبيا، فهو ~~ضروري بمعنى أنه معرفة بديهية كمعرفة الحس وبداهة العقل، وهو ~~كسبي لأن التواتر يقوم على شروطها مجموعها دليل الحس والعقل والوجدان. # 19 # ويدخل التواتر نفسه كجزء في نظرية أعم، وهي ~~نظرية الخبر وقسمته إلى تواتر وآحاد ومتوسط بينهما، وهو ما ~~فعله علماء أصول الفقه في باب الأخبار. ويظهر أثر هذه القسمة ~~في النظر والعمل على السواء؛ فالتواتر يورث اليقين في النظر ~~والعمل، في حين أن الآحاد يورث اليقين في العمل فقط، ويكون ~~النظر ظنيا. وإذا كان التواتر يورث علما ضروريا والآحاد ~~علما مكتسبا، فإن التوسط بينهما يقوم على قرائن واستدلالات ~~أخرى. والأخبار كلها من تواتر وآحاد ومستفيض تدخل في قسمة أعم ~~للخبر من حيث هو خبر إلى خبر صادق وخبر كاذب. فالخبر الصادق ~~مطابق للواقع، والخبر الكاذب غير مطابق للواقع. والخبر هو ~~المعلن بلسان شخص حي مرئي وليس رسالة أو تبليغا باطنيا أو ~~خارجيا؛ أي إنها الروايات التاريخية الشفاهية أو المدونة، ~~وهي أساس المعرفة التاريخية. # 20 # وقد اختلف القدماء في ترتيبها، أو في عددها. # 21 # والحقيقة أنه يمكن تصنيفها في مجموعات ثلاث: الحس، والعقل، ~~والخبر؛ فالحس يشمل الأوليات والحدسيات والقضايا التي قياساتها معها. ثم ~~يأتي الخبر في النهاية الذي لا يستقل بذاته ويعتمد على مقدمات الحس الثلاث ~~ومقدمات العقل الثلاث. # 22 # لم يغفل القدماء تحليلات الشعور ولم تكن تحليلات الشعور غائبة عندهم؛ ~~فالنظر حركة للنفس نحو المبادئ وترتيبها نحو المطلوب، النظر عمليتان ~~شعوريتان، الفكر حركة النفس في المعاني، حديث النفس، والعلم الضروري علم ~~بداهة الأشياء في النفس، والاستدلال نظر القلب للمطلوب، والإيمان تصديق ~~النفس. وهي عظيمة النفع في العلوم، مشتركة بين الناس، يسهل إقناع الآخرين ~~بها. ليس النظر تحليل العقل لذاته والتفكير في موضوعات صورية خالصة، بل هو ~~التأمل والتفكر في النفس وفي الطبيعة وفي معاني النصوص والآيات. فالموضوع ~~إما نص لغوي أو ظاهرة ms276 طبيعية، والإنسان جزء من الطبيعة. النظر نظر في ~~موضوع، والموضوع الخارجي يتحول إلى موضوع داخلي وجودا وعدما. النظر هو ~~الاعتبار؛ أي رؤية الدلالة في الشعور، وموضوعات علم أصول الدين موضوعات ~~شعورية أساسا، يمكن تأسيسها عقلا أو بناؤها واقعا. هي موضوعات إنسانية. ~~التوحيد بناء شعوري، والحرية تجربة شعورية، والفعل تحقيق شعوري، والعمل ~~تحليل شعوري، والنبوة بعد شعوري، والمعاد اتجاه شعوري. فبالرغم من أن ~~شهادات الوجدان لم يكن لها قسم خاص في ~~المقدمات القطعية إلا أنها موجودة في كل نوع وكأن الحس والعقل والخبر أبعاد ~~للشعور، وكأن الشعور يتخارج في الحس والعقل والخبر. # 23 # وفي حياتنا المعاصرة تأخرنا عما عرضه القدماء، فغلبنا الخبر ~~على شهادات الحس وأوائل العقول، وأصبح الدليل الوحيد هو: «قال الله» و«قال ~~الرسول»، في حين أن الخبر له شروط وفي مقدمتها الاتفاق مع شهادات الحس ~~وبداهات العقل. وأسقطنا المدركات الحسية والتحليلات العقلية من مقدماتنا ~~النظرية، وتحولت شهادات الوجدان إلى انفعالات عامة تنم عن ضيق النفس ~~وتبرمها بالبيئة ورفضها للواقع ورغبتها في الثأر والانتقام. فضمر الوحي، ~~وتحجرت النبوة، وتقوقع النص داخل نفسه. يتحدث المؤمنون لبعضهم البعض دون ~~ما قدرة على الحوار مع غيرهم، وأصبحت المقدمات القطعية في العلم هي مسلمات ~~الإيمان أو موضوعات الغيب التي تدخل فيها روايات الدين الشعبي وخيالاته، ~~والتي تكون أكبر دعامة للسلطة السياسية وللنظم القائمة. وفي علم الكلام ~~المتقدم كانت هذه المقدمات السبع التفصيلية مجرد أقسام للعلم الضروري الذي ~~يشمل: ~~(أ) # العلم بالذات وبوجودها؛ فهذه هي الضرورة الوجودية أو البداهة ~~المباشرة، مثل: أنا أفكر، أنا أحيا، أنا أكتب، أنا أتنفس، أنا ~~أحس، أنا موجود. ~~(ب) # العلم بالمدركات الحسية، مثل: أرى الورقة أمامي، أحس بالقلم ~~في يدي، أسمع صوتا في الخارج. وعند بعض القدماء قد تحصل بعض ~~المدركات من غير طريق، مثل حصول إبصار من غير بصر أو سمع من ~~غير أذن، وهذا جائز في المدركات العقلية وحدها التي ليس لها ~~حاسة، بل تلك التي تنتج من تحليل العقل أو رؤية الشعور، وهما ~~طريقان للمعارف. وإن إدراك ms277 الدلالات إدراكا مباشرا لا يعني ~~تدخل أفعال خارجية في الشعور ، بل يعني أن الشعور مفتوح بطبعه ~~وخالق بطبعه وقادر على رؤية المعاني رؤية مباشرة. ويستحيل خلق ~~مدركات حسية بلا حواس. ليس كل إحساس إدراكا، فالإحساس يلزمه ~~الانتباه حتى يتحول إلى إدراك، والمادة الحسية تحتاج إلى ~~دلالة. الشعاع الخارجي من الموضوع إلى الذات هو الانطباع الحسي ~~يقابله شعاع آخر داخلي من الذات إلى الموضوع، وهو الإدراك، ~~وذلك عمل الشعور وحده. # 24 ~~(ج) # العلم بأحوال الذات، فالذات لها أحوال مثل الهم والانفطار، ~~وهي المدركات الوجدانية. # 25 # وبالتالي تكون المعارف أوائل العقول وشهادات الحس ومعطيات ~~الوجدان، كما وضح في علم الكلام المتقدم. # وفي علم الكلام المتأخر أيضا قد ينقسم العلم الضروري طبقا لكمال العقل ~~إلى علمين: ~~(أ) # ما يعد من كمال العقل ويستند إلى ضرب من الخبر، مثل تعلق ~~الفعل بفاعله. (وهذا لا يحتاج إلى خبر، بل الخبر في حاجة ~~إليه). وعلم آخر لا يستند إلى ضرب من الخبر، مثل العلم بوجود ~~الذات. والحقيقة أن العلم الأول ليس خبريا، بل هو علم ~~بديهي ضروري، وإذا كان الخبر هنا يعني النظر والاستدلال، فإن ~~هذا العلم يظل بديهيا. ~~(ب) # ما لا يعد من كمال العقل ويختلف فيه العقلاء، وهذا ليس علما. # 26 # كان المتقدمون على هذا الربط بين الحس والعقل والخبر كمقدمات ضرورية ~~لمادة العلم، وما دون ذلك لا يكون علما. وكانت المقدمات القطعية نموذجا ~~للعلم الضروري وأولها المعرفة الحسية الناشئة من الحواس السليمة، المشاهدات ~~والحسيات، وتكون إحدى المقدمتين في القياس، وتسمى أحيانا مدارك ~~العلوم أو وسائل المعرفة لا المعرفة ذاتها، وهي ليست الحواس العضوية، بل ~~الإدراكات الحسية، ولا الأجسام المدركة كجواهر مستقلة، بل الإدراكات التي ~~من فعل الذات. # 27 # والعلم الشعوري علم اضطراري بديهي كالعلم الحسي، وهو ما يجده ~~كل إنسان بنفسه ويشعر به دون أدنى شك، وقد يسمى أحدهما بالآخر فيتساوى ~~العلم بالمدركات مع علم المرء بنفسه مع استحالة جميع المتضادات. # 28 ~~(5-2) المقدمات الظنية # أما المقدمات الظنية فهي أربع: ~~(1) # المسلمات: وهي التي ms278 تقبل على أنه قد تمت البرهنة عليها من ~~قبل في مكان آخر. فعلم الكلام ليس علما مستقلا بذاته عن ~~باقي العلوم، بل يبني مقدماته على غيره، وهي أقل المقدمات ~~الظنية خطورة؛ إذ عليها يعتمد الدعاة. ولذلك تعددت فروع علم ~~الكلام وأساليبه ومستوياته؛ فهناك علم الكلام العلمي أو ~~الرياضي أو الإنساني الذي يبدأ بمسلمات أحد هذه العلوم ويعتمد ~~عليها. وفي هذه الحالة يكون الفضل للعلوم الأخرى، ويكون علم ~~الكلام مجرد «متسلق» عليها، علم كل العصور وكل المفكرين وكل ~~العلوم. ولما كانت مقدمات العلوم متغيرة طبقا لاكتشافات كل ~~عصر تغيرت مادة علم الكلام وأصبح مشاعا كالمرأة المشاع. ~~ليست وظيفة علم الكلام اكتشاف علوم أو وضع نظريات، ولكن ~~الاعتماد على العلوم والنظريات القائمة لدعوة الناس؛ فهو مجرد ~~علم إقناعي خطابي جدلي ليس له مادة من ذاته ولا يقدم إلا ~~الأسلوب والمحاجة. ~~(2) # المشهورات: وهي التي يتفق عليها الجم الغفير من الناس، أي ~~المسلمات الاجتماعية المقبولة في كل مجتمع، والتي تعبر عنها ~~الأمثال الشعبية وحكم الشعوب. وهي أيضا متغيرة من عصر إلى ~~عصر، ومن مكان إلى مكان، ومن أمة إلى أمة. وقد لا يتفق البعض ~~منها مع المقدمات القطعية، مقدمات الحس أو العقل أو الخبر. وقد ~~لا يتفق مع المقدمات الظنية الأخرى مثل المسلمات. وقد تتغير ~~كلية بعد أن يتم نقدها ورفضها ووضع مقابل لها أقرب إلى الصلاح ~~وأكثر تعبيرا عن روح كل عصر. ويقوم بذلك عادة الرواد ~~والمفكرون الأحرار في كل عصر. وهي غير محصورة في عدد معين، ~~ومتنوعة وعلى جميع المستويات. كثيرا ما تتعارض فيما بينها كما ~~هو الحال في الأمثال العامية. # 29 ~~(3) # المقبولات: وهي التي تؤخذ ممن حسن الظن فيه وتصديقه وامتناع ~~الكذب عليه. وهي أقرب إلى التقليد لأنها تقوم على التصديق ~~بمصدر الحكم وليس بالحكم ذاته، كما أنها أقرب إلى الخبر الذي ~~يعتمد على صحة النقل، وفي الأخبار من الأنبياء غنى عنه. وهي ~~الأقوال المأثورة والسير والملاحم، المشهورات إذن عبارة لغوية ~~تكشف عن عمليات شعورية سابقة عليها، مثل التشبيه والتنزيه. ~~وتدل ms279 على أنه لا يمكن الحديث عن «الله» أو عن العقائد إلا من ~~خلال الثقافة الشعبية أو ثقافة الجماهير والأعراف والعادات ~~والصور الذهنية المتوارثة في تراث الأمم والشعوب. ~~(4) # المقرونة بقرائن: مثل نزول المطر بوجود السحاب، وهي ~~الاستدلالات الحسية والمشاهدات والمجربات وأكثر المشهورات ~~قبولا، ولكنها ظنية لاعتمادها فقط على القرائن الحسية دون ~~بداهات العقول أو الخبر؛ مما يدل على أن مادة علم الكلام ~~مستمدة من مشاهدات الحوادث ومجريات الأمور. # 30 # وهنا تمحى التفرقة بين صورة المنطق ومادته. فلا فرق بين ~~القياس الذي يعطينا صورة الفكر وبين الحسيات والمتواترات التي ~~تعطينا مادة الفكر. ولا فرق في مادة الفكر بين المقدمات ~~القطعية والمقدمات الظنية. الكل معارف «كلامية»، فرق بين صورة ~~الفكر ومادته، ولا بين مادة ومادة. وهو ما يميز المنطق الكلامي ~~عن المنطق الصوري. # | ثامنا: مناهج الأدلة # وتبلغ نظرية العلم ذروتها في الأدلة؛ إذ إن نظرية العلم في نهاية الأمر هي نظرية ~~في الدلالة. فالدليل يؤدي إلى المدلول، والمدلول إلى الدال، والدال إلى ~~المستدل، وكلها عمليات شعورية تتم بأفعال الشعور. # 1 # الدليل هو ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يصح باضطرار. # 2 # فالعلم الحاصل هو المطلوب أو المدلول، وازدواج الأصلين الملتزمين لهذا ~~العلم هو الدليل، والعلم بوجه اللزوم هو العلم بوجه دلالة الدليل. وقد يكون الدليل ~~علة أو معلولا أو الاستدلال بأحدهما على وجود الآخر؛ لذلك تحول موضوع العلة ~~والمعلول إلى مبحث مستقل في «نظرية الوجود». ويكون النظر في الدليل إجماليا أو ~~تفصيليا، والواجب على المكلف معرفة العقائد بالدليل الإجمالي. وأما التفصيل ~~ففرض كفاية. وقد يكون الدليل هو المرشد إلى معرفة الغائب عن الحواس، وهو ما يعرف ~~باسم الأمارة أو الإيماءة أو الإشارة أو العلامة أو القرينة أو الحال. ويسمى ~~دليلا مجازا؛ نظرا لتشابهه في الوظيفة مع الدليل. وقياس الغائب على الشاهد يقوم ~~على أدلة من هذا النوع. والفرق بين الدليل والأمارة هو أن الدليل يلزم من العلم به ~~العلم بوجود المدلول، أما الأمارة فهي التي يلزم من العلم ms280 بها ظن وجود المدلول. # 3 # وقد يكون الدليل عقليا خالصا؛ أي الفكر والتأمل، وقد يكون لغويا ~~نصيا، فتكون العبارة أو النطق هي الدليل لأنها تعبر عن النظر والتأمل، # 4 # والبحث في الدليل العقلي وهو الذي أدى إلى البحث في أنواع الأدلة ووجه ~~الدلالة. فالدليل العقلي يلزم من وجوده وجود المدلول. وقد يحدث اللزوم من طرف إلى ~~آخر، فيكون الاستدلال بالمشروط على الشرط أو بالمعلول على العلة أو بالعلة على ~~المعلول. كما يمكن من البحث عن البرهان إبطال النقيض وهو ما يسمى ببرهان ~~الخلف. # والأدلة ثلاثة: أدلة نقلية خالصة، وأدلة نقلية عقلية أو عقلية نقلية، وأدلة عقلية خالصة. # 5 # فالمطالب ثلاثة أنواع: الأول ما لا يمتنع عقلا إثباته ولا نفيه، ~~فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل؛ أي الخبر، مثل وجود الأشخاص والمدن. والثاني ما ~~يتوقف عليه النقل، مثل وجود «الله» ووجود الرسول، وهذا لا يثبت إلا بالعقل وإلا لزم ~~الدور لأن الوحي يتطلب وجود «إله» يرسل رسولا، ومن هنا يكون العقل أساس النقل ~~ليس فقط من حيث قصد الوحي، بل أيضا من حيث مضمون الوحي والتصديق به وصدقه في ~~الواقع، وفي هذه الحالة يكون الدليل مركبا من العقل والنقل أو من النقل والعقل. ~~والثالث مثل الحدوث والوحدة وسائر الأمور العامة، فهي أمور يمكن إثباتها بالعقل؛ إذ ~~تمتنع معارضته بالدليل كما تمتنع معارضته بالنقل لأنها غير متوقفة عليه. # 6 ~~(1) نقد الدليل النقلي # والحقيقة أن الدليل النقلي الخالص لا يمكن تصوره لأنه لا يعتمد إلا على صدق ~~الخبر سندا أو متنا، وكلاهما لا يثبتان إلا بالحس والعقل طبقا لشروط التواتر ~~... فالخبر وحده ليس حجة ولا يثبت شيئا على عكس ما هو سائد في الحركة السلفية ~~المعاصرة من اعتمادها شبه المطلق على «قال الله» و«قال الرسول» واستشهادها ~~بالحجج النقلية وحدها دون إعمال للحس أو للعقل، وكأن الخبر حجة، وكأن النقل ~~برهان، وأسقطت العقل والواقع من الحساب في حين أن العقل أساس النقل، وأن القدح ~~في العقل قدح في النقل، وأن الواقع أيضا أساس النقل ms281 بدليل «أسباب النزول» ~~و«الناسخ والمنسوخ». ولا يمكن إثبات صحة الخبر بالمعجزة وحدها، ولا يمكن تصديقه ~~فقط بإثبات الصحة التاريخية عن طريق النقد الخارجي دون الاهتمام بالنقد الداخلي ~~أي بفهمه وتفسيره وإيجاد تطابقه مع الحس والعقل، مع التجربة البشرية الفردية ~~والاجتماعية. الدليل النقلي في حقيقة الأمر هو في نفس الوقت دليل حسي وعقلي، ~~فالوحي متعدد الأطراف متشعب في الحس والعقل. وهو وحي وعقل وواقع، ثلاثة جوانب ~~لشيء واحد، الوحي أحدها، يقوم على العقل ويرتكز على الواقع. ليس العقل مغلقا ~~على نفسه بل يضم الوحي، والوحي ليس صوريا بل يقوم على الواقع، والواقع ليس ~~ماديا مصمتا ولكنه يتقبل الوحي كما يتقبل تنظير الواقع له. بل إن ما يعلم ~~بالقياس والنظر أو بالحس والمشاهدة لا يعلم بالخبر. فالحس والعقل من شروط ~~التواتر. ولا يعطي الخبر جديدا مستقلا عن المعارف الحسية والعقلية. ما عرف ~~بالحس أو النظر أو الاستدلال لا نحتاج إلى معرفته بالخبر، باستثناء «الشعائر» ~~وهي بالنسبة للعقلاء العمل الصالح؛ لأنها بواعث على التقوى. قد يؤثر الخبر وحده ~~في العامة لأنها لا تقدر على استعمال العقل وتؤثر الخيال، ولا تقدر على فعل ~~الحسن لذاته وتجنب القبح لذاته وحاجتها في ذلك إلى الخبر. يقين التواتر ليس من ~~الخبر باعتباره خبرا، بل من شروط التواتر وفي مقدمتها التطابق مع شهادة الحس ~~والعقل والوجدان وامتناع التواطؤ على الكذب. فالتواتر يتضمن يقينه الداخلي دون ~~حاجة إلى صدق خارجي، خاصة ولو كان عن طريق هدم قوانين الطبيعة أو مناقضة أوائل ~~العقول أو اضطراب في المعارف الحسية عن طريق المعجزات. # 7 # والدليل النقلي يقوم على التسليم المسبق بالنص كسلطة أو كسلطة إلهية لا يمكن ~~مناقشتها أو نقدها أو رفضها؛ فهو دليل إيماني صرف، يعتمد على سلطة الوحي، وليس ~~على سلطة العقل، وبالتالي فلا تلزم إلا المؤمن بها سلفا، تلزم المسلمين ~~المؤمنين وحدهم دون المسلمين (غير المؤمنين)، ودون سائر أهل الملل والنحل الذين ~~لا يؤمنون بسلطة الوحي. وبالتالي يفقد العلم بهذا الدليل قدرته على الحوار مع ~~الخصوم، سواء من الداخل ms282 أو من الخارج، وهو الذي أتى للدفاع عن العقيدة ضد ~~منتقديها من أهل الزيغ والبدع والأهواء الضالة. في هذه الحالة لا تنفع إلا حجة ~~العقل وحده الذي يشارك فيه الجميع ويسلم ببراهينه وحججه. فإذا كانت المدارك ~~الحسية والعقلية عامة مع كافة الخلق إلا من لا عقل له ولا حس، وكان الأصل ~~معروفا، فإن التواتر بنفسه لا يفيد علما ولا ينفع إلا من آمن به ووصل إليه، ~~كما أن السمعيات لا تنفع إلا من يثبت السمع عنده. # 8 # وقد جعل ذلك مهمة المفسر الدفاع عن حقوق «الله» مصدر النص دون حقوق ~~الإنسان. نصب نفسه مدافعا عن حقوق الله ناسيا حقوقه هو كإنسان وغير عالم بأن ~~الدفاع عن حقوق «الله» ليس من مهمته، وبأن الدفاع عن حقوق الإنسان هو في نفس ~~الوقت دفاع عن حقوق «الله»، وأن إثبات حقوق «الله» دون إثبات حقوق الإنسان هو ~~في حد ذاته إنكار لحقوق «الله»؛ إذ لا تثبت حقوق «الله»، وفيها إنكار لحقوق ~~الإنسان. # ويصطدم الدليل النقلي بمشاكل اللغة والتفسير والفهم؛ فالنص ليس حجة عقلية ~~بديهية، بل هو خاضع لقواعد التفسير ولأصول الفهم ولشروط الإدراك، النص بذاته ~~ليس حجة بل هو مقروء ومفهوم ومفسر ومحول إلى فكرة في زمان محدد أو مكان ~~معين. لا يكون الدليل النقلي دالا إلا بعد المواضعة، ومن جهة المعنى المستخرج ~~من المنطق ظهرت اللغة كأحد مكونات الفكر، وظهر الدليل اللغوي دالا من جهة ~~المواطأة على معاني الكلام. والدلالة اللفظية لا تفيد اليقين في علم أصول الدين ~~على عكس ما قد تفيده في علم أصول الفقه. ومن ثم فالدلائل النقلية كلها لا ~~تفيد اليقين؛ نظرا لاعتمادها على اللغات. ولما كان الدليل مكتوبا فقد ظهرت ~~الرموز والحروف كأحد مكونات الدليل. # 9 # كما يرتبط الفهم بمعرفة قواعد التفسير، سواء في منطق الألفاظ مثل ~~الحقيقة والمجاز، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، ~~والمطلق والمقيد، إلى آخر ما وضعه علماء أصول الفقه. ويساعد ذلك منطق السياق من ~~فحوى الخطاب ولحن الخطاب، وصلة النص بالواقع في «أسباب ms283 النزول» و«الناسخ ~~والمنسوخ». وبالتالي فإن الحجج النقلية كلها ظنية حتى لو تضافرت وأجمعت على شيء ~~أنه حق؛ لم يثبت أنه كذلك إلا بالعقل ولو بحجة عقلية واحدة، وذلك لاعتمادها ~~على اللغة والرواية والأقيسة ولاحتمال وجود المعارض العقلي. ولا تتحول إلى يقين ~~إلا بقرائن من الحس والمشاهدة. والقرائن الحسية ليست فقط تدعيما للحجة النقلية ~~بل للحجة العقلية كذلك. فالواقع أساس النقل والعقل على السواء. # 10 # يبدأ الدليل النقلي من خارج العقل وتكون وظيفة العقل مجرد الفهم في ~~أحسن الحالات أو التبرير في أسوأ الحالات. الدليل النقلي إذن يقضي على وظيفة ~~العقل في تحليل الوقائع وعلى طبيعته المستقلة. وكيف يكون العقل وسيلة للمعرفة ~~ويبدأ الدليل النقلي؟ وكيف يبدأ الدليل النقلي وحجته لم تعلم إلا بالدليل ~~العقلي؟ وكيف إذا تعارض العقل والنقل فمن الحكم؟ لا يكون إلا العقل. وكيف إذا ~~تعارض النقل والعقل؟ يكون إثبات العقل وتأويل النقل، فالعقل أساس النقل. إن ~~النص لا يثبت شيئا، بل هو في حاجة إلى إثبات، في حين لا يقف شيء غامض أمام ~~العقل، فالعقل قادر على إثبات كل شيء أمامه أو نفيه. لا مفر إذن من البداية ~~بالدليل العقلي، فالعقل أساس النقل. وكون النقل حجة بداية عقلية. # 11 # إن النقل لا يعطي إلا افتراضات يمكن التحقق من صدقها في العقل ومن ~~صحتها في الواقع، كما يعطي حدوسا يمكن البرهنة على صدقها بالعقل وعلى صحتها في ~~التجارب اليومية، ويكون المحك في النهاية العقل والواقع. العقل وحده وسيلة ~~التخاطب، والواقع وحده هو القدر المشترك الذي يراه جميع الناس، فالاستدلال ~~العقلي والإحصاء الاستقرائي دعامتا اليقين. # وكلما تطور علم الكلام قل اعتماده على النص وزاد اعتماده على العقل، كما حدث ~~بعد القرن السادس عندما اعتمد اعتمادا كليا على العقل حتى أصبح وريثا لعلوم ~~الحكمة مستمدا مادته ومنهجه ونظريته في العلم ومصطلحاته منها. وكأن نقد علوم ~~الحكمة في القرن الخامس والدعوة إلى التصوف أدى إلى هروب الحكمة، فتلقفها ~~التوحيد في علم الكلام المتأخر ثم تلقفها التصوف في القرنين السادس والسابع في ms284 ~~التصوف الإلهي. وقد كان هذا الاعتماد وقتيا لأن علم التوحيد اعتمد فيما بعد ~~على أصول الفقه وعلى علوم التصوف. وكما ~~اختلطت مقدماته من قبل بالمنطق والحكمة فقد اختلطت فيما بعد بأصول الفقه وبالتصوف. # 12 # وفي الشروح والملخصات ظهر العقل من أجل إيجاد اتساق الخطاب مع ~~نفسه بمزيد من الاستدلال دون إضافة واقع جديد حتى انزوى العقل في النص ولم ~~يخرج منه. اتسق الفكر، وأمكن التعبير عنه في قضايا عقلية معدودة والإسهاب فيها ~~بإيجاد الدلالة العقلية عليها ثم التدليل على الأدلة ثم التدليل على التدليل ~~إلى ما لا نهاية حتى أصبح العقل بلا موضوع إلا ذاته. فالاعتماد على العقل ~~الخالص بلا واقع اجتماعي للناس صورية خالصة تعبر عن البيئة الثقافية القديمة. ~~بل لقد تحول التصوف إلى حجة مضادة للعقل وهادمة له، وبالتالي تم القضاء على ~~أساس العلم. # ويعطي الدليل النقلي الأولوية للنص على الواقع، فهو بداية من خارج الواقع ~~وكأن النص هو الواقع مع أن النص في بدايته واقعة معروفة في أسباب النزول. يغفل ~~الدليل النقلي ليس فقط الواقعة الجديدة المشابهة، بل أيضا الواقعة الأولى؛ ~~وبالتالي يستخدم النص طائرا في الهواء بلا محل، يخلقه واقعه من نفسه، فيظل ~~فارغا بلا مضمون. ينغلق النص على ذاته أو يستعمل في غير موضعه طبقا للهوى ~~والمصلحة كواقع بدليل. إن النص بطبيعته مجرد صورة عامة تحتاج إلى مضمون يملؤها. ~~وهذا المضمون بطبيعته قالب فارغ يمكن ملؤه من حاجات العصر ومقتضياته التي هي ~~بناء الحياة الإنسانية التي عبر فيها الوحي في المقاصد العامة. ومن ثم ~~فالتأويل ضرورة للنص. ولا يوجد نص إلا ويمكن تأويله من أجل إيجاد الواقع الخاص ~~به. لا يعني التأويل هنا بالضرورة إخراج النص من معنى حقيقي إلى معنى مجازي ~~لقرينة، بل هو وضع مضمون معاصر للنص؛ لأن النص قالب دون مضمون. التأويل هنا ~~ضرورة اجتماعية من أجل تحويل الوحي إلى نظام بتغيير الواقع إلى واقع مثالي. ~~حتى النصوص الجلية الواضحة التي لا تحتاج في فهمها إلى تأويل أو إلى سبب نزول، ~~بل ms285 إلى مجرد الحدس البسيط، حتى هذه النصوص لفهمها حدسا تحتاج إلى مضمون معاصر ~~يكون أساس الحدس. وبدون هذا المضمون المعاصر لملء النص الجلي لا يمكن رؤيته ~~حدسا . وقد حوت النصوص أنماطا مثالية للوقائع يمكن أن تكون أصولا لمجموع ~~الوقائع الجديدة اللامتناهية، وتلك هي مهمة القياس الشرعي. العلاقة إذن ليست ~~بين العقل والنقل وحدها ولكنها علاقة ثلاثية بإدخال طرف ثالث هو الواقع يكون ~~بمثابة مرجع صدق وتحقيق لو حدث أي تعارض بين العقل والنقل. ولا يكاد يتفق اثنان ~~على معنى واحد للنص في حين أن استعمال العقل أو اللجوء إلى الواقع يمكن أن ~~يؤدي إلى اتفاق. ولا تستطيع اللغة وحدها أن تكون مقياس فهم النص والتوفيق بين ~~المعاني. تحتاج اللغة إلى حدس وهو عمل العقل أو إلى تجربة وهو دور الواقع. ~~فالواقع واحد لا يتغير. ولا يمكن الخطأ فيه لأنه واقع يمكن لأي فرد أن يتحقق من ~~صدق الحكم عليه. وإن كل اختلافات الأحكام على الواقع إنما ترجع في الحقيقة إلى ~~اختلافات في مقاييس هذه الأحكام وأسسها وليس إلى موضوع الحكم. وغالبا ما تكون ~~هذه الأسس ظنونا أو معتقدات أو مسلمات على أحسن تقدير أو مصالح وأهواء ~~ورغبات وسوء نية على أسوأ تقدير. وفي حقيقة الأمر الفكر هو الواقع، والواقع هو ~~الفكر، وليس لأحدهما أولوية زمانية على الآخر أو أي نوع من الأولوية من حيث ~~الشرف والقيمة. الفكر واقع متحرك والواقع فكر مرئي. وكل فكر لا يتحقق في ~~الواقع لا يكون إلا هوى أو انفعالا ذاتيا، وكل واقع لا يتحول إلى فكر يكون ~~واقعا مصمتا أو واقعا ناقصا. # وأولوية النص على الواقع تعطي الأولوية للتقليد على التجديد، وللماضي على ~~الحاضر، وللتاريخ على العصر. # 13 # يرجع التاريخ إلى الوراء لأنه ما زال يعتمد على سلطة الوحي وأمر ~~الكلمة، وما زال يتطلب الطاعة المطلقة لمجرد الأمر، في حين أن اكتمال الوحي ~~يعني بداية العقل وأن الوحي ما هو إلا تعبير عن كمال الطبيعة وكمال الإنسان. ~~منهج النص يحيل الشعور إلى شعور سلبي خالص، ms286 يجعله مجرد آلة لتنفيذ الأوامر ~~دون تعقيل لها أو حتى إيمان شخصي بها. # 14 # والتقليد ليس منهجا عقليا أو نقليا، بل هو من مضادات العلم. ~~وتقدم العلم مرهون برفع التقليد. # 15 # ولما كان النص فارغا إلا من الوقائع الأولى التي سببت نزوله، فإن كثيرا ~~ما تتدخل الأهواء والمصالح الشخصية والظنون والمعتقدات لتملأ النص وليست مقاصد ~~الوحي ذاتها. ومن ثم يتحول النص إلى مجرد قناع يخفي وراءه الأهواء ~~والمصالح والنزعات والرغبات والميول. وتتمثل الخطورة أكثر فأكثر في موضوعات ~~السياسة كما يبدو ذلك في استعمال منهج النص في الإمامة عند القائلين بأن ~~الإمامة بالنص. فقد نص الكتاب على إمامة شخص بعينه وجعلها في سلالته؛ ومن ~~ثم يعارض منهج النص مبدأ الوحي في الشورى ~~والخروج على الإمام العاصي. والنص سلاح ذو حدين. يمكن استعماله وتوجيهه ضد ~~قائله وقلب الحجة النقلية عليه. يستطيع صاحب كل مذهب أن يعتمد على نص وأن يجد ~~له نصا في الكتاب يؤيده، بل يستطيع أنصار المذاهب المتعارضة أن يجدوا جميعهم ~~نصوصا لتأييدهم إما عن حسن نية أو سوءة نية مهما كانت هناك من مناهج للتعارض ~~والتراجيح. وفي حقيقة الأمر يخضع منهج النص للاختيار الاجتماعي والسياسي ~~للنصوص. فقد حوت النصوص كل شيء. ويمكن لكل فرد أن يجد فيه ما يبغي وما يهوى. ~~صحيح أن هناك مقاييس موضوعية، مثل مبادئ اللغة وأسباب النزول والمصالح العامة، ~~ولكن مع ذلك لا يخلو استعمال النص عن هوى أو رغبة أو ميل أو مصلحة بصرف النظر ~~عن درجتها خاصة أم عامة. ولا يعني ذلك بالضرورة سوء النية، ولكن كل فرقة تود ~~نصرة آرائها بالاعتماد على سلطة النصوص فتختار ما يوافق هواها. النص في الحقيقة ~~تابع لشيء آخر هو الرأي أو الهوى أو المزاج؛ فهو يستعمل خادما لا مخدوما، ~~وتابعا لا متبوعا. وعموم النص يعطيه القدرة على خدمة الجميع على قدم ~~المساواة، يعرض النص خدماته على الجميع، ويمكن إثبات شيئين متعارضين من ~~فريقين مختلفين بنفس النص، كل منهما يرى فيه نفسه ويسقط عليه ما يريد. # 16 ms287 # لذلك يؤدي استعمال منهج النص إلى إحساس باليقين المطلق والحق ~~المسبق، فيؤدي إلى التعصب وعدم الاستعداد للتنازل عن شيء أو تغيير الموقف أو ~~الفهم المتبادل أو السماع للغير. وكثيرا ما يؤدي إلى القطيعة في النظر. يوجه ~~السلوك فيؤدي إلى الامتثال والتحزب والفرقة والحمية والتكفير. يؤدي إلى ضيق ~~الأفق والحنق وإلى سرعة اتهام المخالفين بالكفر والإلحاد والخروج على الدين ~~وعلى الدولة ويستحيل معه تجميع الأمة على فكرة أو هدف؛ فيقضي على الوحدة ~~الوطنية. # مع ذلك فقد يكون لمنهج النص أحيانا وفي فترات تاريخية محددة بعض الأثر ~~والفاعلية؛ فالعكوف على النص يؤدي إلى العثور على إمكانياته ~~اللامحدودة وفهم معانيه المتضمنة فيه ~~والتدقيق في هذه المعاني وإخراج الكامن منها دون نسيانه أو لفظه أو إهماله ~~جانبا باعتباره تاريخا مدونا أو تراثا مكتوبا أو أساطير الأولين. ويؤدي ~~ذلك إلى إيجاد منطق للنص، منطق لغوي يكون وسيلة لإحكام المعاني حتى لا يقال ~~فيه بالظنون، ومنطق عملي لتوجيه السلوك، ومنطق واقعي لفهم العالم وتغييره. ~~وربما يؤدي ذلك إلى عثور على منطق داخلي للنص يكون منطقا للوحي ثم استعماله ~~لنقد كل أنواع المنطق الأخرى صورية أو مادية أو كشفية؛ لذلك قام الفقهاء، ~~حملة النص، بنقد المنطق القديم ووضع منطق جديد باسم النص. # 17 # وقد يمتاز منهج النص بأنه يبدأ ببداية تجعل عمل العقل قائما على أساس ~~يقيني، وتحمي نشاط العقل من التشعب والتشتت والتقلب والتذبذب، كما تحميه من ~~الظنون والأوهام والمعتقدات والشكوك والمصالح والأهواء. يقوم النص هنا بدور ~~الأوليات أو البديهيات. هذه الوحدة الفكرية الأولى تظهر في الالتزام العلمي ~~بوحدة الأمة وبمنهج الجماعة وعدم اللجوء إلى الرأي الشخصي إلا بعد مشورة ~~الجماعة؛ فالآخر له وجود معرفي وله وظيفة معرفية. والحقيقة تكون أكثر يقينا ~~في شعور الجماعة وتكون أكثر قابلية للتحقيق والتصديق والمراجعة. # وقد يعطي منهج النص بعض الشجاعة والقوة على الرفض الحضاري إذا ما تخلت ~~الجماعة عن النص واتبعت التقليد، وابتعدت عن المركز وقبعت في المحيط. يقوم ~~منهج النص هنا بعملية تطهير، ويعيد المجتمع إلى القلب من ms288 الأطراف، ويعود إلى ~~الناس الإيمان بالنص في مواجهة إعمال العقل، وترجع الحضارة إلى الأنا في مواجهة ~~الآخر، تحافظ على الهوية ضد «التغريب» أو «التغريق»، والدفاع عن الأصالة في ~~مواجهة دعوى المعاصرة والتحديث . يكون منهج النص عاملا مطهرا كلما تكاثرت ~~النظريات العقلية وتراكمت فوق الواقع حتى أوشك النص على النسيان، فينتفض النص ~~ويقوم بحملة نقدية ضد تراكمات العصور. وينشط العقل من جديد ناقدا نفسه أو ~~مدافعا عن حقه في البداهة أو منظرا من جديد. وهذه الانتفاضات عمليات ~~حضارية طبيعية تجدد بها الحضارة نفسها ~~من ذاتها ثم تنشأ المشكلة من جديد إلى أن يسير النص إلى العقل (علوم الحكمة) أو ~~إلى القلب (علوم التصوف) أو إلى الواقع (علم أصول الفقه) أو إلى العقائد (علم ~~أصول الدين). عملية «الامتداد الحضاري» ليست تقليدا وتبعية للآخرين، وعملية ~~«الانكماش الحضاري» ليست رجعية ومحافظة وتخلفا، بل هما عمليتان ضروريتان ~~في كل حضارة، كل منهما تعبر عن ضرورة وواقع وحاجة، وتدرأ أخطارا مخالفة للأخرى. # 18 # أما الدليل النقلي العقلي أو العقلي النقلي، فإنه لا وجود له لأن كل وسط ~~أقرب إلى أحد الطرفين، وهو أقرب إلى النقلي منه إلى العقلي وينتهي في الغالب في ~~حالة التعارض إلى تغليب النقل على العقل وهدم العقل. ويصعب التركيب بين النقل ~~والعقل لأنهما متضادان. النقل به كل حدود الرواية واللغة والتفسير والعقل موطن ~~البداهة والوضوح والتمييز. والاتساق الفكري للخطاب العقلي لا يسمح بكسره أو ~~قطعه بأدلة خارجية. واليقين الداخلي مكتف بذاته لا يحتاج إلى يقين خارجي ~~زائد. ~~(2) الدليل العقلي # لم يبق إذن إلا الدليل العقلي، والعقل هنا بمعناه الشامل الذي يشمل الحس ~~والعقل والخبر. غرض التحليل العقلي هو عرض النص ذاته على المستوى العقلي الخالص ~~ودفع المعارض العقلي، بل وتخيله والرد عليه سلفا حتى ليعد تحليل العقل من ~~أدق ما قدمه علماء أصول الدين من اتساق نظري. تقوم القسمة العقلية بعرض ~~الموضوع أولا على المستوى النظري واحتمالاته المختلفة ثم يقوم العقل بتفنيد ~~كل احتمال حتى يبقى احتمال واحد ممكن بضرورة العقل. وهو ms289 ما يحدث أيضا على ~~مستوى التجربة في الأصول ومناهج البحث عن العلة والمعروفة بطريقة السبر ~~والتقسيم أي تحليل العوامل ثم عزل العوامل غير المؤثرة لمعرفة العامل المؤثر؛ ~~لذلك دخلت نظرية «العلة والمعلول» ضمن «الأمور العامة» في «العلوم». والقسمة ~~العقلية هي في الحقيقة الجوانب المختلفة للموضوع والذي ينكشف في الشعور بعد ~~تحليله. # ميزة الدليل العقلي أنه يبدأ ببداية يقينية هو وضوح العقل وبداهته، فلا ~~يحتاج إلى إيمان مسبق بأي نص. يقضي العقل على كل لبس في فهم النصوص كما يقضي ~~على كل تفسير حرفي أو مادي له أو أي تفسير يضع المبادئ الإنسانية العامة موضع ~~الخطر. العقل هو الوريث الشرعي للوحي. ولما اكتمل الوحي فإن العقل هو التطور ~~الطبيعي له. منهج العقل إذن هو الاستمرار الطبيعي للنبوة، والتطور الطبيعي لها. ~~العقل هو الوسيلة لفهم السلوك حتى لا يكون الإنسان مجرد آلة لإطاعة الأوامر. ~~يفهم العقل أساس السلوك ودافعه وباعثه حتى ينبعث منه السلوك عن طبيعة، ويصدر ~~منه الفعل عن تمثل واقتناع. منهج العقل منهج إنساني مهمته الدفاع عن حقوق ~~الإنسان، العقل والحرية والشورى والالتزام. لا توجد خطورة للقضاء على موضوعية ~~الوحي فالموضوعية لا تعني وجود وقائع مادية وذوات مشخصة بل تنبع الموضوعية ~~من طبيعة العقل وإمكانية تحويل الوحي إلى سلوك ونظام. منهج العقل هو العامل ~~الفكري الذي تنبني عليه الحضارة. العقل هو منشئ الحضارة، وتقاس درجة تقدم كل ~~حضارة بدرجة عقلانيتها. وهو القادر على استيعاب كل الصدمات الحضارية واحتواء كل ~~النظريات الغازية، وإعادة بنائها داخل النظرية العقلية العامة. لمنهج العقل ~~قدرة فائقة على الامتصاص الحضاري للثقافات الواردة، ويغلب منهج العقل الجديد ~~على القديم، ويهمه الحاضر أكثر من الماضي. ويقوم على نوع من الشجاعة العقلية ~~والثقة بالنفس دون استناد إلى القديم استناد الخائف المضطرب أو الهارب الفار. ~~ويؤدي منهج العقل في النهاية إلى الانفتاح على الآخرين بما لديه من قدرة على ~~الحوار. فيحمي من الوقوع في التعصب؛ فالدليل هو الطريق لإثبات الحقيقة، ~~والبرهان هو المحك في اختلاف الناظرين. # وبالرغم من مزايا منهج ms290 العقل إلا أنه نظرا لاستخداماته العديدة وتفريغه ~~أحيانا من بعديه الآخرين الشعور أي الداخل والواقع أي الخارج، فإنه يتحول ~~إلى مجرد آلة صورية تدرك أشكال القياس دون مادة العلم. يستعمل أحيانا للتبرير ~~أكثر من استعماله للتحليل. تبرير المادة المعطاة سلفا لإيجاد اتساقها الداخلي ~~دون تحليلها إلى عناصرها الأولية، وبيان مدى تطابقها مع التجربة الحية ومع ~~الواقع العريض. ربما يقف العقل أمام بعض الموضوعات مثل «السمعيات» قابلا لها، ~~جاعلا أقصى عمله هو تأويلها وفهمها بما يتفق معه وليس بيان نشأتها؛ أي الدخول ~~في تكوين الموضوع ذاته. وإن قدرة العقل على التمثل والرغبة في البحث عن ~~الاتساق العقلي جعلته قادرا على التمثل الحضاري لكل التراث العقلي المعاصر له، ~~فخفت قدرته على النقد وعلى الرفض؛ لذلك خرج نقد المنطق «الأرسطي» القديم على يد ~~الأشاعرة والفقهاء أكثر مما خرج من أيدي المعتزلة والحكماء. بل إن الرغبة في ~~بناء اتساق العقل واحتواء المعارض قد وصلت إلى حد التشعب الفكري والتجريد ~~الخالص حتى ضاعت الموضوعات المبدئية، وتحولت إلى موضوعات صورية خالصة. تحول ~~الوحي إلى جدل، وتحولت الموضوعات إلى حجج، وأصبح التفكير مجرد محاجة ومماحكة. ~~وقد لا يستطيع العقل الحصر في القسمة وبالتالي يكون بناء الموضوع ناقصا. وقد ~~تند بعض الموضوعات عن القسمة العقلية وذلك لأن الحياة أحيانا لا تقبل القسمة ~~ولا يمكن تحويلها إلى موضوعات صورية خالصة وإلا فقدت وجودها كمضمون. وأحيانا ~~تكون القسمة العقلية كاملة نظرا من حيث الفكر، ولكنها غير مرضية عملا من حيث ~~السلوك. يمكن تحليل إمكانيات السلوك في موقف إلى إمكانيتين أو ثلاث وكل منها لا ~~يمكن استعمالها وكأن القسمة العقلية أضيق نطاقا من الموقف الوجودي ذاته. العقل ~~دون نص أو تجربة أو واقع ينتهي إلى تأمل نظري خالص يبحث عن الحكمة لذاتها، ~~وتصبح الفضائل كلها نظرية، وقد يغالى في العقل فيكون المطلق، ويكون المطلق ~~عقلا وعاقلا ومعقولا في وقت واحد. # 19 # فإذا تحول كل نص إلى حجة عقلية قائمة بذاتها حتى أصبحت قوة النص تتمثل في قوة ~~الحجة التي تعبر عنه، ms291 فإن الحجة العقلية لا تمس إلا الذهن، ولا ترمي إلا إلى ~~الاتساق المنطقي. وتترك الشعور نفسه وربما الواقع أيضا دون اقتناع أو توجيه، ~~وتمثل نظرا للوجود الشعوري والواقعي لموضوع الحجة. لذلك كان التحليل الشعوري ~~الواقعي لهذا الموضوع هو الطريق لمعرفته أو الحكم عليه إثباتا أو نفيا. وإذا ~~اشتدت التعريفات العقلية، وتشعبت الحجج لإثبات الدعوى أو نقيضها واستحال ~~الفصل بينهما إن لم يكن قد صعب الفهم من قبل؛ يمكن الحسم باللجوء إلى تجربة ~~شعورية واقعية تكون هي المادة التي تسمح للشعور بالتحليل وللواقع بالرؤية من ~~أجل إصدار حكم، وذلك لأن الحجج الصورية تماما عاجزة عن أن يكون العقل منها ~~حكما دون «أسباب النزول» أي دون واقع معاش وتجارب فردية واجتماعية. والإفاضة ~~في أنواع الأدلة العقلية الخالصة جزء من علم المنطق. لذلك يؤثر القدماء ~~الاقتصار على وجوه الاستدلال من استنباط واستقراء وتمثيل دون دخول في موضوعات ~~المنطق العامة. ولكنها تستعمل استعمالا جدليا كما تستعمل في حجج البحث عن ~~العلة في أصول الفقه استعمالا جدليا. # 20 # ويؤثر القدماء تعدد الأدلة بتعاضدها نظرا لاختلاف الأذهان في درجة ~~التعلم وقبول اليقين. وقد لا يقنع الاعتماد على دليل واحد الجمهور. # 21 # لذلك تدخل مناهج الأدلة سواء في البداية في علم الكلام المتقدم أو في النهاية ~~في علم الكلام المتأخر في موضوع أعم وهو الأدلة الشرعية. ففي نظرية العلم في ~~المؤلفات المبكرة تبدو كأنها خارجة من ثنايا علم أصول الفقه، كما أنها تعتمد ~~على الأدلة الشرعية كمصدر للعلم وتزيد عليها دليل العقل. # 22 # وقد تجتمع هذه الأدلة مع أدلة المنطق من استنباط وقياس وتمثيل. # 23 # فالعلوم الشرعية قسم من العلوم النظرية؛ لأن صحة الشريعة مبنية على ~~صحة النبوة، وهذه لا تعلم إلا بطريق النظر والاستدلال. # 24 # فالعلوم النظرية نوعان: عقلي وشرعي، وكلاهما مكتسب بالنظر ~~والاستدلال. # والأحكام الشرعية مأخوذة من أربعة أصول: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. ~~وهنا يدخل علم الأصول كجزء من نظرية العلم. وتمتد نظرية العلم حتى تحتوي المنطق ~~والأصول والتصوف والفلسفة والحديث. # 25 # فالكتاب يحتوي على ms292 الوحي، وهو اليقين المطلق. ولكنه وحي مدون، ~~ومن ثم يحتاج إلى تفسير واستدلال قائم على طبيعة اللغة واستعمالها في ~~التعبير، وإنكار النبوة قضاء على هذا الأصل. # 26 # والسنة على خلاف الكتاب، منها المتواتر الذي يورث العلم الضروري، ~~والمستفيض الذي يورث العلم المكتسب، في حين أن الكتاب يورث العلم الضروري. ~~التواتر يورث اليقين في العلم والعمل، في حين أن الآحاد يورث اليقين في العمل ~~فقط ويبقي العلم ظنيا. # 27 # وأما الإجماع فهو اتفاق كل عصر، وهو استدلال جماعي يعطي يقينا ~~أكثر من الاستدلال الضروري، ويكون أقل عرضة للخطأ. # 28 # وأما القياس فهو استدلال فردي في واقعة ليس فيها نص من كتاب أو ~~سنة أو إجماع، وهو على درجات متفاوتة من اليقين. # وهكذا تنتهي نظرية العلم بعد أن بلغت ذروتها في نظرية المنطق وصبت في ~~النهاية في نظرية الأدلة في علم أصول الفقه، وكأن نظرية الأدلة الشرعية في علم ~~أصول الفقه أوسع نطاقا من نظرية العلم في علم أصول الدين؛ نظرا لاحتوائها على ~~دور الجماعة في الاستدلال ودور الواقع والمصالح العامة من خلال شعور المجتهد ~~وإحساسه بمصالح الأمة. جمعت بين المعرفة الحسية والعقلية والوجدانية، وضمت ~~إليها المعرفة التاريخية من خلال التواتر، ولكن نقصها شيئان يمكن إكمالهما من ~~المعاصرين حتى تكتمل نظرية العلم. # الأول تحليل اللغة؛ لغة العلم ومصطلحاته، فهذه تركها القدماء وكأن لغة ~~العلم مفترضة سلفا، خاصة وأن علم العقائد له مصطلحاته الخاصة مثل: «الله»، ~~«الإيمان»، «الآخرة»، منها ما هو حسي عقلي مثل الإيمان والعمل والإمامة، ومنها ~~ما هو تاريخي مثل النبوة، ومنها ما هو غيبي مثل: «الله» و«الآخرة». # 29 # والثاني تحليل الواقع الذي منه نشأ علم العقائد ووصف الآثار الفعلية للعقائد ~~في حياة الناس وكيفية توجيهها لسلوكهم. وهل يمكن تغيير التصورات لإحداث تغيير ~~مماثل في الأفعال. فالتوحيد عند القدماء ليس فقط توحيد نظر بل توحيد عمل. يبدو ~~أن التركيز عندهم كان على الأول دون الثاني في حين أنه عندنا قد يكون التركيز ~~على الثاني دون الأول. # 30 # مع ذلك يظل الدرس ms293 المستفاد من القدماء هو أنه لا يمكن تأسيس علم للتوحيد دون ~~تأسيس مسبق لنظرية في العلم. فليس المهم هو الموضوع بل المنهج، بل إن طبيعة ~~الموضوع والنتائج فيه والحكم عليه إنما هي مشروطة بالمنهج المتبع ونوعية الأدلة ~~فيه. نظرية العلم في النهاية هي التي تحدد موضوع العلم. # | الفصل الرابع: نظرية الوجود # | أولا: نشأة نظرية الوجود وتطورها # (1) مصطلح نظرية الوجود # تشير نظرية الوجود إلى كل المباحث النظرية بعد نظرية العلم، وهي المباحث التي ~~تضم أساسا طبقا لعلم الكلام المتأخر مبحثي الأعراض والجواهر. ولما كانت ~~الأعراض والجواهر تمثل الأجسام أو الموجودات وضعت تحت مصطلح «نظرية الوجود»، ~~ولأن «الأمور العامة»؛ أي المقدمة النظرية لمبحثي الأعراض والجواهر تجعل ~~الوجود أهم مباحثها. وتعني نظرية الوجود «المعلوم» في مقابل نظرية العلم. فإذا ~~كانت نظرية العلم تجيب على سؤال: كيف أعرف؟ فإن نظرية الوجود تجيب على سؤال: ~~ماذا أعرف؟ وبالتالي يدل سبق نظرية العلم على نظرية الوجود سبق المعرفة على ~~الوجود. فالموجود هو المعلوم وليس المجهول. الموجود هو موضوع العلم وليس له ~~وجود مستقل عن العلم؛ لذلك تتداخل نظرية الوجود في بداياتها مع نظرية العلم ~~وكأنها تنشأ من داخلها فينفصل المعلوم عن العلم، ويتخلق الموضوع من الذات. ~~ولا يذكر اسم الموجود بل المعلوم. نظرية العلم تعرض لكيفية العلم من ناحية ~~الذات، ونظرية الوجود تتناول المعلوم من حيث الموضوع. وتبدأ نظرية الوجود كلها ~~من قسمة المعلوم إلى معدوم وموجود، ثم قسمة الموجود إلى قديم وحادث، ثم قسمة ~~الحادث إلى جوهر (جسم) وعرض. # 1 # وفي المصنفات الاعتزالية والأشعرية معا تتداخل نظريتا العلم ~~والوجود لإثبات حدوث العالم وأن له محدثا، فالغاية إثبات وجود «الله» ومعرفة ~~الطريق الذي يتوصل فيه إلى العلم «بالله»، وأنواع الدلالة، وأن معرفة «الله» لا ~~تكون إلا بالعقل وبالنظر إلى أفعاله، وهنا يكون دليل الحدوث أقرب إلى نظرية ~~العلم منه إلى نظرية الوجود. # 2 ~~(2) غياب نظرية الوجود # تغيب نظرية الوجود بل وكل المقدمات النظرية بوجه عام من كتب العقائد ~~المتقدمة منها أو المتأخرة، ففي الأولى لم ينشأ ms294 بناء العلم بعد، وفي الثانية ~~اختفى بناء العلم. وفي كلتا الحالتين يصبح العلم موضوعا للإيمان الخالص بلا ~~حاجة إلى نظرية في العلم أو نظرية في المعلوم أي الوجود. تعرض هذه المصنفات ما ~~يجب على المؤمن الاعتقاد به فرضا دون أي مدخل نظري أو إقناع عقلي أو تأصيل ~~بديهي للأسس العامة التي تقوم عليها العقائد. # 3 # كما تغيب نظرية الوجود في العقائد المبكرة عندما تصاغ ضد العقائد ~~المضادة، وتدخل مباشرة في الصراع العقائدي دون إرساء أية قواعد مشتركة للحوار ~~ودون وجود أية أسس نظرية مشتركة تكون الحد الأدنى للجمع بين المتحاورين، ~~عقائد في مواجهة عقائد، وعقائد «أهل سنة» في مواجهة عقائد «أهل بدعة» حتى ~~العصور المتأخرة. كما تغيب نظرية الوجود في المصنفات المبكرة للعقائد المضادة ~~للرد على عقائد أهل السنة مثل: عقائد المعتزلة؛ إذ إن غرضها هو عرض عقائد ~~الفرق والرد على هجوم الفرق المخالفة، سواء كانوا أهل السنة أو الشيعة أم ~~فرق المشبهة والمجسمة أو الجبرية. # 4 # وتغيب نظرية الوجود كذلك من المصنفات التي ما زالت تتأرجح بين ~~العقائد وتاريخ الفرق. # 5 # فالغرض ليس تأسيس العقائد العامة التي يتفق عليها المسلمون جميعا، ~~بل عرض عقائد الفرق، والتركيز على أوجه الاختلاف وليس على أوجه الاتفاق، وكأن ~~التشتت والتبعثر والتشرذم أولى بالرصد من الوحدة والائتلاف. كما تغيب نظرية ~~الوجود من مصنفات العقائد التي تعرضها في صيغة تساؤلات وتبدأ بالإلهيات ~~مباشرة، مثل الله وصفاته، ودون أي تأصيل نظري مسبق. # 6 # ولا تغيب نظرية الوجود عن كتب العقائد المتقدمة والمتأخرة فحسب، بل ~~تغيب أيضا من مصنفات علم الكلام التي تعتمد على الحجج النقلية وحدها ودون ~~البناء النظري المحكم. وبالرغم من حضور بعض مسائل نظرية العلم إلا أن موضوعات ~~الوجود تختفي تماما؛ لأن «الله» لا شأن له بالعالم. # 7 # وأقصى ما تظهر فيه في بدايات النظر في ذات «الله» تعالى والأدلة ~~على وجوده باستعمال دليل الحدوث. # 8 ~~(3) نشأة نظرية الوجود # نشأت نظرية الوجود ابتداء من دليل الحدوث الذي تتداخل فيه نظرية العلم ~~ونظرية الوجود بداية. ms295 فهو دليل والأدلة جزء من نظرية العلم، يعتمد على الحدوث، ~~والحادث هو الجسم الطبيعي. ليس لنظرية الوجود في هذه الحالة وجود مستقل، بل هي ~~جزء من النظر في ذات «الله»؛ أي من صلب العلم وليس من المقدمات النظرية، ~~فالطبيعيات هنا مقدمة للإلهيات، والطبيعية سلم إلى ما بعد الطبيعة، فبراهين ~~وجود «الله» كلها براهين كونية بعدية استقرائية طبيعية. يتم الانتقال إذن ~~من نظرية العلم إلى التوحيد مارا ببرهان الحدوث كمقدمة لإثبات وجود «الله» ~~وليس بحثا مستقلا في الطبيعة، ويدخل ضمن موضوع «الذات». # 9 # كان الدافع إذن على نشأة نظرية الوجود هو «بيان حدوث العالم». ~~ولأجل ذلك تم بيان معنى العالم وأجزائه المفردة، وإثبات الأعراض والأجزاء ~~المركبة من العالم وما يحدث ابتداء لا عن نسل وما يحدث عن تناسل من ~~الحيوانات، ثم بيان أقسام الأعراض واختلافها عن الأجناس واستحالة بقائها، ~~وتجانس الأجسام والرد على الدهرية والثنوية، ثم إثبات حدوث الأعراض وإبطال ~~الظهور والكمون، واستحالة تعري الأجسام من الألوان والأكوان والطعوم ~~والروائح، ثم إثبات الهيولى ووقوف الأرض ونهايتها، ووقوف السموات وأعدادها، ~~وإثبات نهاية العالم وجواز فنائه، كل ذلك قبل معرفة الصانع ونعوته الذاتية، ~~وكأن البحث في العالم والدخول فيه شرط البحث فيما وراء العالم والخروج عنه، ~~وكأن المتناهي في الصغر يؤدي بالضرورة إلى المتناهي في الكبر، وكلما أوغل ~~المتكلم في «الطبيعة» رأى «الله». # 10 # وعلى هذا النحو استطاع علماء الكلام إنشاء «اللاهوت الطبيعي» على ~~نحو فيزيقي مادي خالص وكأنه علم «فيزياء». وظهر ذلك أيضا في علوم الحكمة ~~وعلوم التصوف، بل وفي علم أصول الفقه. # 11 # وتبدو أحيانا نظريتا العلم والوجود معا كمقدمتين لدليل الحدوث. ~~فكما ينقسم العلم إلى قديم ومحدث؛ أي إلى علم «إلهي» وعلم إنساني، كذلك ينقسم ~~الوجود إلى قديم ومحدث؛ أي إلى وجود «إلهي» ووجود طبيعي. # 12 # لذلك تبدو نظرية الوجود وكأن الهدف الأساسي منها هو إبطال القول ~~بقدم العلم قبل صياغة دليل الحدوث، وكأن معارضة قدم العالم هي التي أدت ~~بالمتكلمين إلى إثبات حدوث العالم وأن له محدثا. # 13 # وأول ms296 ما يظهر من الأبحاث هو مبحث الأعراض دون أن تسبقه «الأمور العامة» أو ~~«أحكام الموجودات» من أجل الاستدلال بالأعراض على «الله» بعد إثباتها وإثبات ~~حدوثها وحاجتها إلى محدث، ثم إثبات الأكوان وحدوثها وعدم خلو الأجسام منها، ~~وهي تدخل ضمن النسب في مبحث الأعراض، ثم الرد على شبه قدم العالم وإثبات ~~احتياج الأجسام الحادثة إلى محدث، ورفض نظريات القائلين بالنفس والعقل والعلة ~~وأصحاب النجوم والتي ستتحول فيما بعد إلى أقسام الجوهر في مبحث الجوهر. # 14 # وقد تظهر أبواب في إثبات المحدثات الدالة على «الله» وإثبات ~~الأعراض والأكوان كنهاية لنظرية العلم دون أن تكون مستقلة عنها وكبداية لأصل ~~التوحيد. ولا يظهر من نظرية الوجود إلا حدث الجسم والاستدلال عليه، وأن الحوادث ~~لا أول لها لتخصيص «الله» وحده بصفة القديم، دون أي بناء نظري محكم لمباحث ~~نظرية خالصة، وكأن صفات «الله» كانت موجهات لا شعورية لعلم الطبيعة مما يقضي ~~على موضوع العلم الطبيعي ويجعله مجرد إيمان خالص أو افتراض مسبق. # 15 # وأحيانا تبدو نظرية الوجود كلها وكأنها مقدمة لإثبات حدوث العالم. حينئذ ~~تصعب التفرقة بين نظرية الوجود ودليل الحدوث. وفي هذه الحالة يقال مباشرة ~~بيان حدوث العامل وليس أقسام المعلوم. ثم يتركز الدليل كله على قسمة العالم إلى ~~أعراض وجواهر، ثم إثبات حدوث الأعراض في حين أن القسمة إلى جوهر وعرض في نظرية ~~الوجود هي مجرد قسمة للحادث. # 16 # ويظهر إذن مبحث الجواهر والأعراض في نظرية الوجود وكأنه جزء من ~~مقدمات الإلهيات، حتى إنه ليستحيل التفريق بين التوحيد والطبيعيات؛ إذ تحلل ~~الجواهر والأعراض تحت كتاب التوحيد. # 17 # وكثيرا ما يكون العالم وحدوثه مباشرة كمقدمة لموضوع «الله» ~~وصفاته دون نظرية للعلم ودون أي عرض نظري لمباحث الوجود بالرغم من استعمال ~~مصطلحات الجوهر والأعراض والحدوث والقدم؛ فالقول في حدث العالم أقرب إلى أن ~~يكون مقدمة للذات والصفات مع استعمال مصطلحات نظرية الوجود مثل الأكوان والسكون ~~والحركة والاجتماع والافتراق والجوهر والأعراض والحدوث والقدم. # 18 # ويتركز المبحث كله على دليل الحدوث واستحالة عدم القديم. يبدأ حدث ~~العالم ms297 قبل البداية بالعقائد وكأنه مقدمة لها. # 19 # ولما كانت نظرية الوجود أكثر تطورا من نظرية العلم وتحليل المعلوم ~~بعد تحليل العلم، فإن بعض المصنفات المتقدمة مقتصرة على نظرية العلم، وتنتقل من ~~نظرية العلم إلى دليل الحدوث كمقدمة للإلهيات دون ذكر لنظرية الوجود. ومبحث ~~الجواهر والأعراض ذاته مقدمة للإلهيات وتحديد للأدلة على وجود «الله». # 20 # ويستمر إثبات حدوث العالم كباعث أساسي لظهور مباحث الوجود حتى في علم الكلام ~~المتأخر، وكأن القول بقدم العالم ما زال خطرا قائما. ويستحيل الفصل بين نظرية ~~الوجود وبداية الإلهيات في موضوع «القول في حدث العالم ووجود الصانع جل جلاله». # 21 # وقد تكون وسيلة إثبات حدوث العالم وأن له محدثا مجرد حجج نقلية ~~دون العقلية؛ مما يدل على أن دليل الحدوث تعبير عن إيمان مسبق أكثر منه ~~تأصيلا عقليا. # 22 # وأحيانا تكون نظرية الوجود جزءا من مادة المعلوم وتنفصل عن ~~المقدمات النظرية وتكون نظرية العلم وحدها هي المقدمة. أما نظرية الوجود ~~فتدخل جزءا من بناء العلم. # 23 # وقد دخلت الطبيعيات في كتب التوحيد المتأخرة في المقدمات؛ أي في ~~أبحاث القدم والحدوث، الجوهر والعرض، الكم والكيف في نظرية الوجود. وفي ~~المقدمات المتأخرة حدث فصل بين نظرية الوجود والإلهيات، في حين أنه في المقدمات ~~المبكرة لا يوجد مثل هذا الفصل، بل تؤدي نظرية الجوهر والأعراض تلقائيا بطريق ~~مباشرة إلى إثبات الصانع القديم الواحد الباقي الذي لا شبيه له. # ثم يظهر موضوع ثالث مع مبحثي الأعراض والجواهر، وهو أحكام العقل الثلاثة: ~~الوجوب والإمكان والاستحالة، لتنصهر فيها نظريتا العلم والوجود معا. فهي ~~أحكام عقلية وبالتالي تتعلق بنظرية العلم، وفي نفس الوقت تتعلق بالموجودات، ~~وبالتالي ترتبط أيضا بنظرية الوجود. وأخذت الموضوعات الثلاثة عنوانا آخر هو ~~«الأمور العامة» أو «أحكام الموجودات». فإذا اعتبر دليل الحدوث أقرب إلى ~~الأحكام الثلاثة فهو أدخل في نظرية الوجود، وإذا اعتبر أنه بداية لموضوع الذات ~~فهو أدخل في الإلهيات. وقد أظهرت أحكام العقل الثلاثة من قبل في نظرية العلم ~~قبل أن تتحول إلى «الأمور العامة» في نظرية الوجود. ms298 وقبل بناء العلم النهائي ~~يتم تفصيل نظرية الوجود كله تحت «القول في حدث العالم» في مباحث متفرقة دون ~~بناء نظري محكم. # 24 # فمسألة حدوث العالم هي نقطة الالتقاء بين نظرية الوجود ومبحث الذات ~~الهدف منها إثبات وجود «الله» أول صفة للذات وهنا يدخل تحليل مقدمات الدليل عن ~~حدوث الأعراض. # 25 # ولا تتعدى بعض المصنفات المتأخرة إلى إثبات الواجب بذاته وكأن ~~الفكر الطبيعي لا وجود له. # 26 # تكتمل عناصر نظرية الوجود إذن بظهور «أحكام الموجودات»، وفيها ~~يجتمع الركن الأول من أركان نظرية العلم «أحكام النظر». وفي هذا العنصر تنفصل ~~مباحث أحكام الموجودات مثل الوجود والحال، وتقسيم الموجودات إلى واجب لذاته ~~وممكن لذاته أو إلى القديم والمحدث، وتفصيل القول في الجوهر والعرض والأجسام ~~قبل الدخول في ركني الإلهيات والسمعيات. # 27 # وأحيانا تسمى «أحكام المعلومات» بعد المباحث المتعلقة بالعلم ~~والنظر أي نظرية العلم. وتضم نفس موضوعات الوجود والعدم والحال والماهية ~~والأحكام العقلية الثلاثة ثم مباحث الأعراض من حركة وسكون كما تظهر الكيفيات ~~الحسية دون تفصيل في مبحث الجواهر. # 28 # وفي بعض كتب العقائد تظل أحيانا نظرية الوجود قائمة قبل أن تغيب ~~نهائيا وكأنها حديث عن العلم بأجزائه من محدث وأعيان وأعراض وجواهر مركبة أو بسيطة. # 29 # وهو أيضا الغالب على الكتب المدرسة من ذكر لموضوعات متناثرة لا ~~بناء فيها قبل تقسيم المعلوم إلى وجود وعدم وحال، والجوهر والعرض قبل الانتقال ~~إلى أدلة إثبات الصانع. # 30 # لم تكن الطبيعيات في نظرية الوجود من المسائل المختلف عليها نظريا في نشأة ~~الحضارة أو حتى من اختلاف الأصول أو عمليا في الفروع. # 31 # ولا تظهر في الموسوعات الكلامية أو في كتب العقائد الاعتزالية؛ ~~فالأصول الخمسة خالية من الطبيعيات. # 32 # بل تظهر في ذكر آراء ممثلي الفرق في شتى المسائل المتفرقة وليست ~~غالبا في كتب العقائد. # 33 # وقد تظهر في آخر كتب العقائد كتذييل. # 34 # كما تظهر إذا ما عرض التوحيد على أنه موضوعات لا فرق ويكون ~~الاختلاف في «الدقيق» أو «اللطائف». فما وضعه المعتزلة في النهاية وضعه ms299 ~~الأشاعرة في البداية، وما جعله المعتزلة نتيجة جعله الأشاعرة مقدمة، فالعلم عند ~~المعتزلة نتيجة للتوحيد وعند الأشاعرة مقدمة له. # 35 ~~(4) بناء نظرية الوجود # وفي مرحلة اكتمال العلم في القرنين السادس والسابع بلغت نظرية الوجود تقريبا ~~نصف العلم. وتضم ثلاثة أبحاث: «الأمور العامة»، «الأعراض»، «الجواهر»، طبقا ~~لقسمة الوجود إلى الواجب، والعرض، والجوهر. # فالأمور العامة أقرب إلى المبادئ العقلية العامة التي يتوحد فيها العقل ~~والوجود، والتي يصعب فيها التفرقة بين الميتافيزيقا والأنطولوجيا لأنها تتعرض ~~للواجب أو لواجب الوجود، وهو مبدأ ميتافيزيقي وواقع أنطولوجي في آن واحد. هي ~~بمثابة مقدمات عامة لمفاهيم الوجود الأساسية مثل: الوجود والعدم والماهية، ~~والوجوب والإمكان والاستحالة، والوحدة والكثرة، والعلة والمعلول. البعض منها ~~يقوم بذاته مثل الماهية والبعض الآخر عن طريق الثنائية المتقابلة، مثل: الوجود ~~والعدم، الوحدة والكثرة، العلة والمعلول، والبعض منها ثلاثي الوجوب والإمكان ~~والاستحالة. ويمكن اعتبار الوجود والعدم قسمة ثلاثية إذا أدخلنا بينهما ~~الواسطة، وهو الحال. البعض منها أقرب إلى الفلسفة وربما إلى الفلسفة «الإلهية» ~~في التصوف مثل الوجود والعدم، والماهية، والوجوب والإمكان والاستحالة، والوحدة ~~والكثرة، والبعض الآخر أقرب إلى أصول الفقه مثل العلة والمعلول. وقد تكون ~~الأمور العامة ما لا يختص بقسم من أقسام الوجود، بل منطق الوجود كله الذي يشمل ~~الواجب والعرض والجوهر، # 36 # أي أحكام الوجود الصوري أو العقل الوجودي وكأن «الأمور العامة» ~~تقوم على افتراض ميتافيزيقي مسبق هو الهوية بين العقل والوجود، بين الفكر ~~والواقع، بين الروح والطبيعة. # ولكن يظل قلب نظرية الوجود هما مبحثا الأعراض والجواهر، يمثلان لب المقدمات ~~النظرية كلها وثلاثة أرباعها كما؛ إذ لا تمثل الأمور العامة إلا ربعها. # 37 # وقد كانت من قبل لا تمثل إلا أقل من ثلثها. # 38 # كما أن مبحث الأعراض وحده لب نظرية الوجود، ويمثل نصف مباحث الوجود ~~كلها، ومرة ونصف مبحث الجوهر. # 39 # والأعراض في صيغة الجمع في حين أن الجوهر في صيغة المفرد وكأن هناك ~~أعراضا كثيرة وجوهرا واحدا في مبحث الأعراض والجواهر. وأحيانا الجوهر ~~والأعراض وكأن الجواهر العديدة المنقسمة وغير المنقسمة ذاتها ms300 من نفس وعقل تنتهي ~~كلها إلى جوهر واحد. والبداية بالأعراض قبل الجوهر، وكأن الحدوث والتغير ~~والانتقال فيهما سابق على الجواهر ومؤد إليها؛ مما يدل على البداية بالظواهر ~~قبل الحقائق، واكتشاف العالم الطبيعي كما يبدو قبل اكتشاف الأشياء ذاتها. ~~فالإنسان يعرف الظواهر قبل الأشياء ولا يدرك الأشياء إلا من خلال مظاهرها. ~~وتبدو القسمة الرباعية مع الثلاثية في أبحاث الأعراض (الكم، والكيف، والنسبة، ~~والإضافة)، وفي أبحاث الكيف (الحسية، والنفسية، والكمية، والاستعدادية)، وفي ~~أبحاث الجوهر (الجسم، عوارض الأجسام، النفس، العقل)، وفي أبحاث الجسم (الأفلاك، ~~الكواكب، العناصر ، المركبات). ولما كان الغالب على الأعراض الكم والكيف والنسبة ~~والإضافة، وأطولها الكيف، وأهمها الكيفيات المحسوسة والنفسانية والكمية ~~والاستعدادية، فقد ظهر الإنسان قاصدا نحو العالم. ولما كان الغالب على مبحث ~~الجواهر؛ أي عالم الأجسام النفس والعقل، فقد ظهر العالم قاصدا نحو الإنسان. ~~وبالتالي يكون مبحث الأعراض والجواهر هو مبحث «الإنسان في العالم» أو مبحث ~~الإحالة المتبادلة بين الإنسان والعالم. وإذا كانت «الأمور العامة» هي بحث في ~~«الواجب» طبقا لقسمة الوجود إلى واجب وعرض وجوهر كانت نظرية الوجود مركزة ~~أساسا على الإنسان بين الواجب والعالم؛ أي الإنسان بين عالمين، بين المقال ~~والواقع، أو بين الفكر والوجود، أو بين الروح والطبيعة. وبالتالي يظهر بناء ~~نظرية الوجود الثلاثي في: «ميتافيزيقا الوجود» أو «الأمور العامة» (الواجب)، ~~وفي «فينومينولوجيا الوجود»؛ أي ظواهر الوجود (الأعراض) وفي «أنطولوجيا ~~الوجود»؛ أي الأجسام (الجوهر). # فما يسمى المباحث الطبيعية في علم أصول الدين هو في حقيقة الأمر نظرية ~~الوجود، وبوجه خاص مبحثا الأعراض والجواهر، الغرض منها دراسة المعلوم، أي ~~الموجود أو المعدوم إذا كان المعدوم شيئا وليس الغرض منه المبحث الطبيعي من ~~أجل تأسيس علوم الطبيعة. قد يأتي المبحث الطبيعي على نحو غير مباشر بدراسة ~~المعلوم والمبحث في الوجود والتجرد نهائيا عن المبحث الديني في «الله» كذات ~~وصفات وأفعال التي تتلو المقدمات النظرية كلها، وليست سابقة عليها، وكأن تأسيس ~~العلم الطبيعي ممكن بالاستقلال عن الفكر الديني، ثم يأتي الموضوع الأول في ~~الفكر الديني تاليا عليه. وإن شئنا يكون ms301 البحث الطبيعي هو المدخل للفكر ~~الإلهي. وقد بلغ مبحثا الأعراض والجواهر حدا من الاستقلال لدرجة أنه أمكن ~~التأليف فيهما تأليفا مستقلا، سواء من القدماء أو من المحدثين. # 40 # ولكننا أسقطناها من وجداننا المعاصر، فغاب العلم الطبيعي وضاع ~~منا الإحساس بالعالم ولم يبق إلا الواجب الشخصي، وأصبح الإنسان معلقا في ~~الهواء بلا أرض تحت قدميه، يناجي الواجب الشخصي ويستمد منه العون والبقاء؛ ~~ففقد التوازن حتى أمكن تعليقه بعد ذلك في غياهب السجون، قدماه إلى أعلى ورأسه ~~إلى أسفل وهو يصرخ من آلام التعذيب وما من مجيب! # وفي نظرية الوجود المتأخرة يشار صراحة إلى المباحث الفلسفية، وتوضع لها ~~الأقسام الخاصة وتذكر إما بتأييد أو المعارضة، ويقوم الجدل بين علم أصول ~~الدين وعلوم الحكمة، بين المتكلمين والفلاسفة. وتتشعب التقسيمات بين المتكلمين ~~والحكماء. وتسود تقسيمات الفلسفة فهي أشد تنظيرا وأوسع أفقا وأكثر اتفاقا مع ~~العقل. فإذا كان علم الكلام العقلي قد قضي عليه مبكرا، فإن الفلسفة قد أتت ~~في النهاية وأعطت الكلام ما فقده من قبل من تعقيل وتنظير، ولو أنه كان التعقيل ~~الفلسفي بما فيه من إشراقيات وخيال. # 41 # لم تتوقف الحركة العقلية إذن في القرن الخامس بعد القضاء على ~~الحركة الاعتزالية. ظهر العقل متخفيا في علم الكلام السني بعد القرن الخامس ~~في هذه المقدمات النظرية، نظرية العلم وخاصة نظرية الوجود. ولم تزد نظرية ~~الوجود في المصنفات المتأخرة شيئا من مباحث الوجود المتقدمة إلا التفريعات ~~والحجج الواردة من الفلسفة عن الوجود والماهية والممكن والجوهر والعرض، وكأنها ~~أبحاث لذاتها، وفقدت دلالاتها الأولى في الفكر الديني وأصبحت أبحاثا منطقية ~~وجودية خالصة. # 42 # وقد يكون سبب الاتصال بالمباحث الفلسفية أن الفلسفة ذاتها أصبحت ~~تمثل خطرا على العقيدة؛ فبعد أن راجت الفلسفة في الحضارة تحول علم الكلام إلى ~~هذا الخصم الداخلي بعد أن أقام معركته من قبل مع الخصوم الخارجية أو البدع ~~الأولى. فبقدر ما استفاد منها نقدها، وقام معها بعملية الاحتواء، # 43 # وبإدخال المادة الفلسفية، دخلت الثقافات الأجنبية التي كانت ~~الفلسفة قد تمثلتها من قبل، خاصة ms302 الفلسفة اليونانية وعلى وجه أخص ~~الطبيعيات منها، فيقتبس منها في الشروح. وكثيرا ما تؤخذ كلية كما هو الحال في ~~المنطق، وتحتوي داخل المقدمات إما في العلم أو في الوجود أو في النفس الناطقة. # 44 # كان هناك وعي تام بأن هذه التحليلات الجديدة مستمدة من علم آخر ~~هو علوم الحكمة؛ فهي تقسيمات لعلم آخر. فتتجاوز تقسيمات المتكلمين مع تقسيمات ~~الحكماء. وما سماه المتكلمون المحدث سماه الحكماء الممكن. والقديم عند ~~المتكلمين هو الواجب عند الحكماء، والجسم عند الحكماء هو الجوهر عند المتكلمين. ~~كما يستعمل المتكلمون «الجواهر المفارقة» ~~لإثبات بعض الموضوعات السمعية. وبالتالي نشأت عملية «تشكل كاذب» داخلي بين علم ~~أصول الدين وعلوم الحكمة. وبالرغم من اعتماد علم الكلام المتأخر على أقوال ~~الحكماء إلا أن الاختلاف بين العلمين واضح، والاختلاف بينهما أكثر من الاتفاق ~~طبقا لرصد المتكلمين. # والآن ما هي دلالة هذه المقدمات النظرية الخالصة؟ هل هو تفكير ديني مجرد، ~~وبالتالي استطاع الفكر الديني أن يصوغ نفسه صياغة عقلية مجردة؟ هل هي قسمة ~~عقلية مجردة لها آثار على الفكر الديني؟ # 45 # هل هي قسمة عقلية مجردة، بحث في الميتافيزيقيا والفينومينولوجيا ~~والأنطولوجيا العامة؟ هل هو فكر ديني مقنع لا بد من القضاء عليه كما يفعل ~~الفقهاء والعودة إلى علم الكلام الأشعري أو إلى عقائد السلف القائمة على النصوص ~~الخام؟ توحي الألفاظ المستعملة بأنها كلها تتبع قسمة عقلية واحدة تعبر عن ~~تجربة دينية واحدة، يعبر عنها مرة بلغة الوجود مثل الواجب والممكن والمستحيل، ~~ومرة بلغة المنطق مثل الإثبات والنفي، ومرة ثالثة بلغة الميتافيزيقا مثل ~~الواحد والكثير ومرة رابعة بلغة الفلسفة مثل الوجود والماهية، ومرة خامسة ~~بلغة الطبيعة مثل الجوهر والعرض، ومرة سادسة بلغة اللاهوت مثل القديم والحادث، ~~وهي القسمة المباشرة التي تعبر عن التجربة الدينية، نقطة البداية والنهاية. ~~والحقيقة أن كل هذه التقسيمات تشير إلى بعد واحد، وهو البعد الرأسي الذي ~~يستقطب فيه الوجود بين طرفين موجب وسلب، وجود وعدم، واجب وممكن، واحد وكثير، ~~ماهية وجوهر، قديم وحادث، جوهر وعرض. فنظرية الوجود التي قدمها علم ms303 الكلام ~~كمقدمة لمادته هي في الحقيقة خادمة للإلهيات أو تعبير عن الإلهيات في صورة ~~عقلية خالصة. # 46 # ولكن ما مدى صدق نظرية العلم أو نظرية الوجود على المعطيات الدينية ~~الأخرى؟ هل تصلح هذه النظرية أو تملك أن تكون أساسا نظريا لمجموع العقائد في ~~كل دين؟ يبدو أن المتكلمين يبحثون في الممكنات على «قانون الإسلام». فهل ~~استطاعت هذه المقدمات النظرية بالفعل أن تكون مبادئ أولانية لكل عقيدة؟ # 47 # هل بلغت من الشمول بحيث يمكن أن تكون علما أولانيا لكل معطيات دينية؟ # 48 ~~(5) اختفاء نظرية الوجود # ثم انحل البناء في عصر الشروح والملخصات وتحولت نظرية الوجود إلى مجرد تجميع ~~لمواد القدماء عن الصفة والموصوف والعلة والقوة الجسمانية والتضايف والوحدة ~~والكثرة والأعراض والجواهر والقدم والحدوث دون إحكام نظري، وانفصل المنطق عن ~~الطبيعة وأصبح الانتقال من الوجوب إلى الحدوث مجرد استدلال صوري. # 49 # ثم عادت مصنفات العقائد كما بدأت بلا مقدمات نظرية، # 50 # وأنه يجب على المؤمن أن يؤمن بخمسين عقيدة أو عشرين صفة، وأصبح عد ~~العقائد أو الصفات بديلا عن الأحكام النظري. # 51 # وغابت مسائل الطبيعيات من العقائد كما وصفها أهل السنة إلا من ~~العلم بحدوث العالم في أقسامه من أعراض وأجسام كمقدمات لإثبات الصانع وصفاته، ~~وكأن العلم الطبيعي ليس جزءا أساسيا في العلم الديني، وكأن عقلية التوحيد لا ~~تبدو في تصور الطبيعة. ويبدو ذلك في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة ~~(خمسة عشر أصلا) ليس من بينها الطبيعيات. # 52 # ولا تظهر الطبيعيات في كتب التوحيد المتأخرة كموضوع مستقل مثل ~~الإلهيات والسمعيات. # 53 # ولا تدخل في المسائل الكبرى لعلم التوحيد كالتوحيد والعدل والوعد ~~والوعيد والسمع والعقل. # 54 # وقد ظل هذا الاعتقاد سائرا إلى الآن. # 55 # ولكن قد تختفي نظرية الوجود بدافع إصلاحي ويوجه النص مباشرة إلى ~~الواقع دون ما حاجة إلى عرض نظري. # 56 # ومع ذلك تظل أحكام العقل الثلاثة هي كل ما تبقى من نظرية الوجود في ~~العقائد المتأخرة، وفي بعض الحركات الإصلاحية. فلم تبق إلا أحد موضوعات خمسة ~~من الأمور ms304 العامة أو ميتافيزيقا الوجود. وقد حاولت بعض مصنفات العقائد ~~الإصلاحية العودة إلى بعض المقدمات النظرية فلم تجد إلا مبحثا واحدا من ~~الأمور العامة أو الكلية وهي الأحكام الثلاثة وحولته من أبحاث في الوجوب ~~والإمكان والاستحالة يتحدى فيها العقل بالوجود إلى أحكام العقل الثلاثة دون ~~وجود، وبالتالي سقطت مباحث القدم والحدوث، وانتهت مباحث الأعراض والجواهر، ~~وكأن أحكام العقل الثلاثة تكفي كمقدمة نظرية للعقائد، وتطبيقها في الله وفي ~~الرسول، ما يجب اعتقاده في الله وما يستحيل وما يجوز، وما يجب اعتقاده في ~~الرسول وما يستحيل وما يجوز. # 57 # تقلصت نظرية الوجود كلها إلى أحكام العقل الثلاثة التي تجمع بين ~~العلم والوجود كما كان الحال في البداية. # 58 # بل تسقط معظم الحركات الإصلاحية المعاصرة في رسائل التوحيد ~~الطبيعيات، وقد تسقط الأحكام الثلاثة كلية، ويكفي عرض العقائد في الله وفي ~~الرسول ما يجب منها وما يستحيل وما يجوز. # 59 # وعندما يبدأ العلم بأحكام العقل الثلاثة تأتي نظرية الوجود مباشرة ~~دون العلم كنظرية صورية خالصة يجتمع فيها العلم والوجود معا في نسق صوري. ~~فأحكام العقل الثلاثة الواجب والممكن والمستحيل هي في نفس الوقت وصف للوجود. ~~فالعقل والوجود واحد. ومن ثم يختفي هذا الفصل التقليدي التعسفي بين ~~المعرفة والوجود. وقد يتداخل دليل القدم والحدوث مع دليل الوجوب والإمكان، ثم ~~يسقط في النهاية ويتحول دليل الوجوب والإمكان إلى أحكام العقل الثلاثة، وتصبح ~~المقولات ثلاثة بدل اثنتين. وقد تكون الأحكام الثلاثة لا هي أحكام وجود ولا هي ~~أحكام عقل بل تصبح مجرد أحكام إيمان؛ فالإيمان بالله على ثلاثة أقسام: واجب ~~ومستحيل وجائز، كما أن الأحكام الشرعية خمسة وقواعد الإسلام خمسة وأركان ~~الإيمان ستة، وكأن مجرد العدد يكفي كإطار نظري # 60 # أو السؤال عن الإيمان المباشر أو الجمع بين عقائد الإيمان وأحكام العقل. # 61 # وقد يفيض الشراح المتأخرون في شرح أحكام العقل بشرح كلمة ~~«العقل» واعتباره سرا روحانيا تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية، ~~عمله في القلب، ونوره في الدماغ، وابتداؤه من حيث نفخ الروح في الجنين، وأوله ~~كمال ms305 البلوغ؛ أي تفسير العقل على أنه شيء، وضياع التأسيس النظري لوظيفة العقل؛ ~~فيصبح عقلا نورانيا إشراقيا بلا موضوع وبلا وجود. # 62 # | ثانيا: ميتافيزيقا الوجود أو «الأمور العامة» ~~(الواجب) # تشير ميتافيزيقا الوجود إلى الأمور العامة أو الأحكام الكلية، أو «الممكنات» التي ~~يتحد فيها العقل والوجود دون تشخيص عقلي في «واجب الوجود»، كما هو الحال عند ~~الحكماء. أي أن نظرية الوجود تبدأ بأكثر المبادئ عقلية وشمولا، وفي نفس الوقت ~~تمحى التفرقة بين المبدأ والواقع، بين الفكر والوجود. وهي ممكنات لأنها ما زالت في ~~نطاق العقل والأحكام الصورية الخالصة دون إثبات شيء بالفعل وكأنها تصف عمل العقل في ~~الوجود أو عمل العقل في نفسه أو رؤية الوجود لذاته. # 1 # وتشمل ميتافيزيقا الوجود أو «الأمور العامة» خمسة مباحث: الوجود والعدم، ~~والماهية، والوجوب والإمكان والاستحالة (الامتناع)، والوحدة والكثرة، والعلة ~~والمعلول. لبها مبحث الوجود والعدم، وأقلها مبحث الوحدة والكثرة. وتتساوى الأبحاث ~~الثلاثة الأخرى كما. # 2 # ولأول مرة في القرن السادس تظهر بناءات عقلية جديدة مستمدة من ~~الحكماء مثل الوحدة والكثرة والعلة والمعلول، وهي موضوعات ميتافيزيقية خالصة تجمع ~~بين الفكر والوجود، وتساعد على تطوير علم التوحيد من علم معرفي إلى علم وجودي ~~صوري بالرغم من أنها أبنية عقلية تطهرية تسمح بظهور الفكر الديني التقليدي. ~~فالعلة هو «الله» والمعلول هو العالم، والوحدة هو «الله» والكثرة هو العالم. ويبدو ~~أن إسقاط هذا البعد الأول من نظرية الوجود إنما كان نتيجة لتشخيص الفكر الديني ~~الذي استمر في الأشعرية السائدة والتي أصبحت حتى الآن مقياسا للقراءة ~~والاختيار. ~~(1) الوجود والعدم # لما كانت نظرية العلم إجابة على سؤال كيف أعلم؟ فإن نظرية الوجود إجابة على ~~سؤال: ماذا أعلم؟ وإذا كان السؤال الأول قد أجاب عن سؤال ما العلم؟ فإن ~~السؤال الثاني يجيب عن سؤال ما المعلوم؟ موضوع العلم إذن هو المعلوم. وعلى هذا ~~النحو تتحول نظرية العلم إلى نظرية الوجود، وكأن نظرية العلم لم تكن إلا ~~تحليلا للذات العارفة، في حين أن نظرية الوجود تحليل لموضوع المعرفة ولأقسام ~~المعلومات. وفي علم الكلام المتأخر ms306 يصبح لنظرية الوجود الصدارة المطلقة على ~~نظرية العلم، فينتقل المنطق كله من نظرية العلم إلى نظرية الوجود. فبعد أن كان ~~منطقا نظريا أصبح منطقا وجوديا، ويأخذ ذلك كله اسم «الممكنات»؛ فالممكن ~~هو الجامع للمنطق النظري وللمنطق الوجودي على السواء. # 3 # المعلومات هي الموجودات، وتحليل الموجودات يأتي عن طريق الأحكام ~~العقلية؛ فالعقل وسيلة لتحليل الوجود. ~~(1-1) قسمة المعلوم # ويأتي تحليل المعلومات عن طريق القسمة عند المتكلمين والحكماء على ~~السواء؛ فالمعلوم عند المتكلمين إما موجود أو معدوم؛ لأن المعلوم أعم من ~~الموجود لأنه قد يكون موجودا أو معدوما. وينقسم الموجود إلى قديم وحادث، ~~ثم ينقسم الحادث إلى جسم وجوهر وعرض. وهنا تبدو القسمة العقلية تعبيرا عن ~~إيمان ديني خالص؛ لأن مقولة «القديم » استباق لموضوع الصفات وافتراض ~~ديني إيماني مسبق؛ إذ لا يوجد إلا الحادث كوجود عيني. أما القديم ~~فهو افتراض ذهني خالص يأتي عن طريق القلب أو التضاد بالاقتران أو ~~التضايف. فالموجود القديم كالعلم القديم، كلاهما مطلوب إثباته، وبالتالي ~~فلا يدخلان في نظرية العلم أو في نظرية الوجود كبناء أولاني نظري ~~خالص. فكما تداخلت الإلهيات في نظرية العلم في قسمته إلى قديم وحادث تدخلت ~~أيضا في نظرية الوجود في قسمته إلى قديم وحادث، وهي القسمة المبدئية التي ~~لا مبرر حسيا لها، بل تعبر عن مجرد الإيمان الخالص وتتخلى عن التعقيل ~~من أجل تأسيس العلم وتأصيل الوجود. قسمة الوجود إلى قديم وحادث افتراض ~~مسبق، وهو المطلوب إثباته، أي إنه استدراك على المطلوب، واعتباره مسلمة. ~~أما قسمة الحادث إلى جسم وجوهر وعرض، فإنها تقوم على مفهوم التحيز؛ أي ~~الوجود في المكان؛ فالحادث إما أن يكون متحيزا وهو الجوهر أو حالا في ~~متحيز وهو العرض أو لا هذا ولا ذاك. فالجوهر والأعراض هما ببساطة الشيء ~~وصفاته. أما الجسم فهي مقولة ثالثة لإفساح المجال للأفلاك والأجرام ~~والكواكب طبقا لعلم الفلك القديم. فإذا كانت القسمة الأولى الجوهر ~~والأعراض لها ما يبررها في علوم الطبيعة في الصفات الأولى والصفات الثانية، ~~فإن القسمة الثالثة وهو الجسم حكم مسبق مفروض ms307 على الطبيعة لخدمة غرض ~~ديني خالص. كما أن الذي منع القسم الثالث من الوجود الذي لا يكون متحيزا ~~أو حالا في متحيز هي عاطفة التأليه ورفض مشاركة الموجودات العينية في ~~صفات الموجود القديم وهو «الله». قسمة المتكلمين إذن في بدايتها علمية، وفي ~~مقصدها ليست علمية؛ لأنها تدخل المطلوب إثباته كأحد فرعي القسمة، وهو ~~الموجود القديم، كما أنها تجعل القسمة الثالثة فارغة لإعطاء الفرصة للذهن ~~لنفيها خشية الشرك، وكأن وظيفة العقل هو إفساح المجال لتأسيس العقيدة. # 4 # هذا بالإضافة إلى أن إعمال ~~العقل على هذا النحو لا يخدم العقل ولا الإيمان؛ لأنه يتنازل عن حق العقل ~~في التنظير الخالص ويضعف التنزيه. فلا العقل يقبل ولا الإيمان يرضى وضع ~~«الله» مع الأجسام والجواهر والأعراض، وأن يفسح له مكان لمزاحمة الأشياء، ~~وأن يكون طرفا في قسمة عقلية محدودة. فهذا مضاد للعقل ولعواطف التنزيه ~~على السواء. وأن أقصى درجات التنزيه وضع «الله» في «قمة الكون» وفي أعلى ~~رتبة كملك للملوك، وهي إحدى صور التشبيه. # 5 # فالتفكير في «الله» وإدخاله في قسمة الموجود هو قلب للوجود عن ~~طريق التشابه أو التضاد، فيكون الله موجودا وليس جسما أو جوهرا أو ~~عرضا. وينتهي الأمر إلى أنه لا يمكن التفكير في «الله» إلا كطرف للعالم، ~~فيكون في مقابل الحادث لا في محل، ولا يحتاج إلى محل بفعل عواطف ~~التأليه. # والمعلوم عند الحكماء أيضا هو الموجود. ولكن ينقسم الموجود إلى وجود ~~ذهني يظل جزءا من نظرية المعرفة وإلى وجود عيني خارجي بناء على القسمة ~~المشهورة بين عالم الأذهان وعالم الأعيان. وينقسم الموجود العيني إلى واجب ~~وممكن وممتنع أو ضروري وجائز ومستحيل، وهنا تبدأ القسمة في الاضطراب. ~~فالموجود العيني الواجب لا وجود له لأن واجب الوجود ليس عينيا بل ذهني ~~خالص، والوجود الممتنع أو المستحيل ليس وجودا عينيا، فالمستحيل لا وجود ~~له، ولكنه افتراض عقلي ثان. ويبقى القسم الثالث الوحيد الممكن وهو الوجود ~~العيني الممكن. ويبدو أن الإيمان عاود الظهور من ثنايا العقل ففرض الوجود ~~والواجب أو الضروري وجعله وجودا ms308 عينيا لإفساح المجال لإثبات «الله»، ثم ~~انقلب عن طريق الضد إلى الوجود الممتنع المستحيل دون أن يستلزم بذلك وجودا ~~عينيا له إلا إذا كان «الشيطان» في الأذهان؛ فهو القادر على فعل ~~المستحيلات. والبداية كلها في كلتا الحالتين الواجب والممتنع، الضروري ~~والمستحيل هو الممكن أو الجائز، فهو الوسط الذي له وجود بين طرفين لا وجود ~~لهما إلا افتراضا بفعل الإيمان في العقل وزحزحته إياه عن وظيفته في العلم ~~لإفساح المجال للمعلوم الإيماني الخالص الذي استعصى على العقل وشرع بفرض ~~نفسه عليه قبل أن يتأسس فيه. تصح القسمة عندما يعمل العقل في الحس ويدرك ~~الوجود العيني الممكن ثم تفسد عندما يتدخل الإيمان، فيدفع العقل إلى طرفين ~~فيوقعه في افتراضين لا عقليين ولا وجوديين، وهما الواجب والممتنع أو ~~الضروري والمستحيل، فإذا كشفت هذه القسمة البداية بالوجود العيني أي العالم ~~الحسي، فإنها تكشف أيضا على أن النهاية أي الواجب أو الضروري هو مجرد ~~يقين إيماني أو أخلاقي أو معنوي أو مجرد افتراض معرفي وليس وجودا حسيا ~~مرئيا، نشأ عن طريق التضايف أو التضمن أو الالتزام كعلاقة الابن بالأب ~~أو الكبير بالصغير. واليقين الديني أو الأخلاقي أو المعرفي مطلب حقيقي. ~~ولكن الإشكال هو هل يتحقق هذا المطلب من داخله فيكون فارغا بلا مضمون، ~~ذاتا بلا موضوع، متقوقعا على النفس، نرجسية، وانعكاسا مجردا، أم أن ~~يكون له مضمون من العالم وفي العالم كبناء للشعور الفردي وكنظام اجتماعي ~~وكقانون لحركة التاريخ؟ # أما قسمة الممكن إلى جوهر وعرض، فعلى الأقل لم تفترض قسما ثالثا وهو ~~الجسم لإفساح المجال لعالم الأفلاك القريب من «الله» والمشارك له في ~~الصفات! ولكن يعود الإيمان ليقصي العقل، وذلك بقسمة الجوهر إلى قديم، وهو ~~ما لا أول لوجوده ومحدث وهو ما له أول. وفيها تظهر الغاية من هذه ~~التقسيمات المتتالية في نظرية الوجود والتي تبدو عقلية طبيعية يخرج كل ~~منها من الآخر خروجا طبيعيا منطقيا وهو إثبات وجود «الله» أو استنباطه ~~من تحليل عقلي وجودي مسبق. # أما قسمة الممكن إلى جوهر وعرض فهي قسمة ms309 طبيعية تدل على وجود عنصري ~~الثبات والتغير في الطبيعة، الجوهر هو الثابت والعرض هو المتغير، ثم تتحول ~~هذه القسمة إلى تصور عام للإنسان والمجتمع والتاريخ. وهو التصور القائم ~~على القلب والأطراف أو المركز والمحيط، والتي ارتكز عليها الفكر الديني وهو ~~في أعلى درجات التنزيه. # 6 # بل ويمكن أن يقال إن قسمة الجسم إلى جوهر وأعراض قسمة عقلية ~~افتراضية لا تأتي من طبيعة الجسم؛ فالجسم جسم، يتغير لونه وشكله، ثقله ~~وخفته، حرارته وبرودته، وضعه ومكانه، هيئته وملامحه، خشونته ونعومته. لماذا ~~افتراض أن هذه التغيرات أعراض تقوم على جوهر هو الثابت والحامل؟ إن افتراض ~~الجوهر نابع من إيمان عقلي بوجود الثابت وراء المتغير، وأن هناك مركزا ~~ثابتا لكل المتغيرات تدور حوله كما تدور نقط المحيط حول مركز الدائرة. وهو ~~تصور عقلي خالص أو صورة فنية تعبر عن نوع معين من العلاقات الاجتماعية ~~أو الطبيعية من بين عدد آخر من التصورات الممكنة مثل أن الجسم يتغير شكله ~~ولونه ووضعه وهيئته طبقا للاستعمال أو المجال؛ أي أن الجسم يدخل في علاقة ~~مع الإنسان كطرف مقابل له، ومن ثم فلا مكان للطبيعيات المجردة بل ~~الطبيعيات للاستعمال. وقد حاول القدماء إيجاد هذه العلاقة مع الطبيعيات ~~ولكنهم جعلوها رأسية لإثبات وجود «الله» في حين أن علاقات الطبيعيات ~~بالإنسان علاقة أفقية تجعل الإنسان والطبيعيات معا جزءا من التاريخ ~~وبعدا للزمان. لما كانت علاقة الطبيعيات «بالله» بعد الخلود، ومن ثم ~~لزم الجوهر الثابت فهو المؤشر لوجود «الله» الثابت في مقابل الأعراض ~~المتغيرة فهي المؤشر لوجود العالم المتغير. # وقد انحاز المتكلمون المتأخرون لموقف الحكماء بالرغم من إنكارهم الوجود ~~الذهني؛ فقسموا الوجود العيني إلى إما ما لا أول له وهو القديم، أو ما له ~~أول وهو الحادث؛ لإفساح المجال لنظرية الخلق وإثبات قدم «الله». وقسموا ~~الحادث إلى متحيز وهو الجوهر؛ أي الجسم الحسي والحال في المتحيز وهو العرض، ~~ومنعوا قسمة ثالثة لوجود لا متحيز ولا حال في متحيز؛ حتى لا يشارك «الله» ~~أحدا في وجوده، فهذه القسمة تصدق على «الله» وحده. ms310 قبل المتكلمون قسمة ~~الحكماء في الجزء الذي يسمح لهم بإدخال مضمون الإيمان في القسمة العقلية ~~على نحو متسرع دون انتظار للتأصيل النظري له على نحو عقلي طبيعي ~~خالص. ~~(1-2) هل المعدوم معلوم أو موجود؟ # إذا كان المعلوم إما موجودا أو معدوما، وكان الموجود كما بان عند ~~المتكلمين والحكماء معلوما، فهل المعدوم معلوم مثل الموجود؟ المعدوم ~~معلوم وتدل عليه نظريات المتكلمين واختلاف الحكماء فيه. فالشيء قد يكون ~~معلوما من وجه، مجهولا من وجه آخر سواء كان ذلك في الطبيعيات أم في ~~الإلهيات. وبالتالي يكون الإنسان عالما جاهلا في نفس الوقت وقد يكون علمه ~~وجهله في نفس المحل أو في محلين مختلفين. وإن اختلاف مناهج التحليل ~~وتضارب وجهات النظر إنما يدل على أن العلم الإنساني تعبير عن مواقف ~~مختلفة أكثر منه علما محايدا. فالعلم منظور اجتماعي بل علاقات أقوى، ~~وجدل بين الموجود والمعدوم، بين المعلوم والمجهول. # 7 # قد يكون الموجود أو المعدوم كلاهما معلوما من وجه ومجهولا من ~~وجه آخر، أما من حيث الإجمال والتفصيل فيكون الإجمال علما بوجه وغياب ~~التفصيل جهلا بوجه آخر. والأولى معرفة الشيء إجمالا وتفصيلا خاصة في ~~مجتمعات يغلب على فكرها القومي العموميات دون التفصيلات مثل المجتمعات ~~النامية أو في مجتمعات أخرى يغلب على فكرها الجزئيات دون الكليات كما هو ~~الحال في المجتمعات الصناعية المتقدمة. وإما من حيث مستوى التحليل ومنظور ~~البحث؛ وبالتالي يكون نفس الشيء موضوعا لعدة علوم. الإنسان موضوع لعلم ~~وظائف الأعضاء من حيث هو وظائف بيولوجية وموضوع لعلم النفس من حيث هو ~~حياة، وموضوع لعلم الاجتماع من حيث هو في علاقة مع الآخرين، وموضوع لعلم ~~الاقتصاد من حيث هو كائن منتج، وموضوع لعلم السياسة من حيث هو كائن منظم. ~~وإنكار أن يكون الشيء موضوعا لعلمين حرص على العلم «الإلهي» أن يشاركه ~~علم آخر في نفس الموضوع، في حين أن نظرية العلم هي فقط نظرية في العلم ~~الإنساني، بما في ذلك الوحي بعد التنزيل، ومن ثم فهو تخوف لا أساس له. # 8 # ولا يعني ذلك أن ms311 يكون المعلوم بالضرورة شيئا؛ فقد يكون شيئا ~~وقد يكون معنى الشيء أو صفته أو دلالته. ولكن لا بد من حضور الشيء الدال أو ~~استنباط معان جديدة من دلالات أشياء موجودة بالفعل حتى يكون للمعلوم وجود ~~وبالتالي يصح البحث في الأمور الذهنية وفي الموجودات في الخارج على حد ~~سواء. والنزاع في المعدوم الممكن لأن الممتنع منفي اتفاقا. # 9 # وهو معلوم عند جمهور المتكلمين بمعنى أن انتفاءه معلوم. # 10 # وهو ثلاثة أقسام: الأول ما كان موجودا، فعدم ومعرفته ممكنة ~~مثل الآثار المندثرة والحوادث الماضية، والثاني ما لم يوجد وليس مما يوجد ~~وهو الممتنع وهذا لا يمكن معرفته لأنه ليس معلوما أي موضوعا للعلم، ~~والثالث ما لم يوجد وسيوجد وهذا يمكن معرفته، وهو ما نعنيه اليوم بالدراسات ~~«المستقبلية». معرفة المعدوم إذن ممكنة لأن عدم الوجود معلوم بالبديهة ~~ولأنه مقدور أي يمكن إحضاره ولأن المعارف الممكنة أشمل من المعارف الواقعة ~~ولأن معرفة النفي والسلب ممكنة، بل إن الموضوع كله من «الممكنات»، وإلا ~~وقعنا في الغياهب والأساطير والخرافات واتبعنا في ذلك سبل السحر والشعوذة والإلهام. # 11 # فإذا كان المعدوم معلوما فهل هو موجود؟ وإذا كان موجودا فهل هو شيء؟ ~~وإذا كان شيئا، فماذا يعني الشيء؟ والحقيقة أن المعلوم قد يكون موجودا ~~وقد يكون معدوما، وقد يكون شيئا وقد يكون لا شيئا. فالمعلوم أعم من ~~الموجود ومن الشيء؛ إذ يمكن العلم بالصفر في الحساب وبالنقطة في الهندسة ~~وبالعدم في الفلسفة. كلها موضوعات صورية؛ إذ لا يعني الوجود بالضرورة ~~الوجود الحسي، بل قد يعني الوجود الصوري أو الوجود الشعوري. كما يمكن العلم ~~بالمستحيلات والمتناقضات والمتضادات وهي من المعدومات. فهناك منطق ~~للمستحيلات والمتناقضات والمتضادات وهي من المعدومات. فهناك منطق للمستحيل ~~ومنطق للتضاد ومنطق للتناقض. فإذا قيل العدم موجود، فقد يعني الوجود هنا ~~السلب أو الحرمان أو النقص أو الغياب أو الفراغ أو العدم الخالص، وهي كلها ~~أنماط وجود. هناك ميتافيزيقا للعدم، وحساب للمجهول في الرياضيات وحساب ~~الصفر. واعتبار المعدوم موجودا وموضوعا للعلم يجعل العلم صوريا خالصا ~~كما يجعله ms312 مطلقا لا حدود له (المعتزلة)، في حين جعل المعدوم عدما لا يكون ~~موضوعا للعلم هو إيثار للعلم الموضوعي الذي لا يتناول إلا الموجود (الأشاعرة). # 12 # ويبدو أن المزايدة في الدين تؤدي إلى الوقوع في المادية، في ~~حين أن الفكر النزيه يؤدي إلى الصورية ويكون أكثر تنزيها من الفكر الديني ~~الصريح. والحقيقة أن موضوع العلم الذي يتفاوت بين المعدوم والموجود هو ~~أساسا موضوع شعوري. ففي الشعور وجود وعدم، حضور وغياب، ملاء وفراغ، عطاء ~~وأخذ، إرسال واستقبال، إيجاب وسلب. ويقارب موقف الحكماء موقف المعتزلة في ~~إثبات المعدوم لاعتمادهم عليه في قسمة الموجود إلى تحقق في الخارج وهو ~~الموجود الخارجي، والتحقق الذهني وهو الموجود الذهني. والموجود الخارجي إن ~~كان لا يقبل العدم لذاته فهو الواجب لذاته، وإن كان يقبله فهو الممكن ~~لذاته؛ فتعريف الموجود لذاته قائم على الضد وهو امتناع العدم لذاته، وتعريف ~~الممكن لذاته قائم على الشبيه وهو إمكان العدم لذاته؛ ~~مما يدل على استحالة الحديث عن الوجود ~~لذاته دون قلبه من الضد أي العدم لذاته. فالوجود لذاته أو واجب الوجود من ~~المفاهيم المتضادة منشؤها العدم والتغير والإمكان؛ أي العالم الحسي ~~المتغير. ويرتبط إثبات المعدوم أو نفيه بمسألة تأثير الفاعل المختار ومسألة ~~جعل الماهيات بناء على أن الجعل هو التأثير. # 13 # ولا يعني ذلك بالضرورة وجود إرادة خارجية مشخصة، بل يمكن ~~أن يكون من إرادة الإنسان وفعله واختياره الذي يوجد من عدم ويعدم بعد ~~إيجاد. ويصعب الحديث عن المعدوم هل تتساوى ذواته وهل تتمايز لأنه نقص محض ~~لا وجود فيه، بل هو سلب وجود، ولا تمايز في السلب. # 14 # وقد تكون علاقة الموجود بالمعدوم علاقة لغوية منطقية صرفة يعبر عنها ~~بلغة الإثبات والنفي. فالمعلوم إما أن يكون متحققا في الخارج وهو ~~الوجود أو غير المتحقق في الخارج وهو المعدوم. المعلوم متحقق في الخارج ~~وليس مجرد وجود ذهني وإلا كان معدوما. فالمعرفة والوجود متطابقان. وتدخل ~~في هذا التطابق نظرية الحكم. ومن ثم يكون الوجود هو الثابت والمعدوم ~~هو المنفي، فالثابت أعم من الموجود ms313 والمنفي أعم من المعدوم. يدخل الوجود ~~والعدم إذن في نظرية أعم هي نظرية الإثبات والنفي. وبالتالي ترجع نظرية ~~الوجود إلى نظرية الحكم، وهي التي تجمع بين نظرية الوجود ونظرية المعرفة. # 15 # وتتفاوت درجات المعدوم من العدم المنطقي المطلق وهو التناقض ~~إلى العدم الناشئ عن غياب القدرة، ولكن يمكن أن يوجد إن وجدت. وقد ينشأ ~~العدم من الزمان كالأشياء التي وجدت في الماضي ثم لم تعد توجد في الحاضر، ~~أو من الأشياء التي لا توجد في الحاضر، ولكنها قد توجد في المستقبل؛ فالعدم ~~يحيل إلى القدرة والزمان؛ أي إلى البعد الشعوري في العدم باعتباره أحد ~~عناصر الموقف الإنساني في علاقاته بالأشياء وبالآخرين. # 16 # أما أحكام العدم فيقع فيها الاختلاف طبقا لتصور العدم؛ فعند ~~البعض المعدوم ليس بثابت وعند البعض الآخر المعدوم ثابت. في الحكم الأول ~~الذات هي الماهية، إذا عدمت الذات عدمت الماهية. وفي الحكم الثاني الذات ~~زائدة على الماهية، إذا عدمت الذات بقيت الماهية. # 17 # الحكم الأول أقرب إلى نفي العدم كشيء، والثاني أقرب إلى ~~إثباته. أما الأحكام المنطقية الأخرى فهي ذاتها أحكام الوجود ولكن بصيغة ~~النفي مثل: عدم المعلول يؤدي إلى عدم العلة، وعدم المشروط يؤدي إلى عدم ~~الشرط، وعدم الضد يؤدي إلى صحة الضد الآخر. # 18 # والحقيقة أنه لا يمكن إدخال الوجود والعدم كمادة للحكم في ~~قضايا محلية دون تجارب شعورية للوجود والعدم. حينئذ لا تكون أحكام ~~الوجود والعدم أحكاما عقلية صورية بل أحكام شعورية. ولا يكون صدق الحكم ~~مطابقة عالم الأذهان مع عالم الأعيان، بل مطابقة الحكم مع مضمون الشعور. ~~الوجود والعدم تجربتان شعوريتان وليسا موضوعين صوريين أو منطقيين. # 19 # وقد يكون الخلاف بين الإنكار والإثبات لا يصدق على نفس المعنى، ~~فالإنكار يتصور العدم سلب إيجاب، والإثبات يتصوره عدم ملكة. فقد يكون ~~النزاع في نهاية الأمر لفظيا. # 20 ~~(1-3) هل المعدوم شيء؟ # عند المعتزلة المعدوم الممكن شيء؛ لأن الماهية غير الوجود. ومنعه ~~الأشاعرة لأن الوجود عندهم نفس الحقيقة. وعند الحكماء الشيئية تساوق الوجود ~~فالمعدوم في الذهن معدوم ms314 في الخارج، فهم أقرب إلى الأشاعرة. # 21 # ويعتمد إثبات العدم على سببين. الأول: أن المعدوم متميز وأن ~~كل متميز ثابت. والحقيقة أن العدم نفي كالممتنعات والخيالات وليس ثابتا. ~~والثاني: أن المعدوم متصف بالإمكان وأنه صفة ثبوتية. والحقيقة أن ~~الإمكان ليس ثبوتا، بل مجرد إمكانية وجود. كما يعتمد على حجة دينية ~~خالصة مؤداها أن المعدوم في الأزل ليس «الله» وهو غيره، والغيران شيئان! ~~والحقيقة أن ذلك كله من عمل الخيال فلا يوجد أزل كواقع وشيء، ولا يوجد ~~«إله» مغاير له؛ فهذه كله افتراضات مسبقة وتمرينات عقلية لتأصيل العواطف ~~الدينية التي تعبر عن نقص في التعقيل وعن ضعف في الوعي الاجتماعي، وعن قصور ~~في رؤية الواقع. ويعتمد نفي العدم على حجج صورية منطقية مثل أن الثبوت ~~أمر زائد على الذات والعدم ليس كذلك أو أن العدم أقل تناهيا من الوجود أو ~~أن العدم قبل الوجود صفة نفي أو أن العدم صفة نفي أو أن العدم زوال ~~للتمايز، وكلها تنزع العدم من مجرد موقف شعوري إلى إثبات وجود موضوعي له. ~~فالإثبات والنفي حكمان منطقيان، والعدم غياب وجود وليس أقل منه تناهيا. ~~الإثبات أعم من الوجود والنفي أعم من العدم. في الإثبات والنفي صدق وكذب ~~واتساق وتناقض لا وجود لهما في الوجود والعدم؛ لذلك انتهى جمهور المتكلمين ~~إلى أن القول بثبوت المعدوم ينفي المقدورية؛ أي قدرة الفعل على التغير ~~وعجزه أمام العدم وافتراض العدم أساس الوجود، والوجود قائما عليه. ولو كان ~~العدم ثابتا لانتفت القدرة التي تريد تحويل العدم إلى وجود ولكان العدم ~~واجبا لا يمكن تغييره وتحويله إلى وجود ممكن أو إمكان وجود. ولو ثبت ~~المعدوم لكان أعم من النفي وأقوى منه؛ وبالتالي استحال رفضه أو تحويله إلى ~~وجود أي إلى أساس. المعدوم ليس شيئا وإلا خشي منه الناس وأثبتوه عجزا عن ~~مقاومته، وسلموا به ضعفا وخورا، يأسا واشمئزازا، كرها للنفس وللآخرين، ~~وبصاقا على العالم. لا يمكن أن تكون للمعدومات الممكنة قبل وجودها ذوات ~~وأعيان وحقائق، فهذا إيهام للناس بوجود المعدومات كحقائق، بل ms315 هو غياب ~~الوجود ونقص الهبة وضعف الفعل وتخاذل الناس على تحقيق الوجود. الذوات في ~~العدم معراة من الصفات ولا توصف بصفات الأجناس لأنها ليست وجودا مثل ~~الحياة أو الجواهر أو الأعراض. # 22 # إن خطورة إثبات المعدوم هو العدم ~~على نفس درجة الوجود كالوجود، وبالتالي إعطاء العدم وجودا يصعب نفيه، وهو ~~نوع من التشاؤم والاعتراف بالأمر الواقع والاستسلام للهزائم كما هو الحال ~~في «الوعي الأوروبي» المعاصر وفي فلسفات القدماء عند المانوية خاصة، بل ~~وفي الديانة المسيحية بفعل الخطيئة الأولى. # 23 # العدم ليس وجودا، بل هو مجرد غياب أو نقص، الأصل هو الوجود، ~~والعدم طارئ عليه، الوجود حضور والعدم غياب. الوجود ملاء والعدم خلاء، ~~الوجود عطاء والعدم غثيان، الوجود انفتاح والعدم انغلاق، الوجود حياة ~~والعدم موت؛ ومن ثم يستحيل وجود العدم. «وإنما بقاء الباطل في غيبة ~~الحق عنه.» # 24 # وإذا كان الدافع عند قدماء الأشاعرة لنفي كون العدم شيئا هو ~~وجود «الله» القادر على كل شيء، على نفي الوجود والعدم على السواء، فلا ~~الوجود ولا العدم ثابتان، فإن الدافع لدينا هو القدرة المتولدة عن نفي ~~كون العدم شيئا على تحريك الشعوب والثقة بالنفس وتغيير الواقع ورفض ~~الاستسلام وما يبعثه في الروح من تفاؤل وأمل، وما يثيره في النفس من خيال ~~على الإتيان بالمستحيلات. إن إثبات كون العدم شيئا يحول الغياب إلى حضور، ~~والعدم إلى وجود، والاستثناء إلى قانون. المعدوم ما لا تحقق له في نفسه وهو ~~المنفي، أو له تحقق وهو الثابت؛ فالعدم أخص من النفي، العدم مجرد نفي ولا ~~يوجد نفي له تحقق يكون عدما ثابتا. الاحتلال غياب للاستقلال، والطغيان ~~غياب للحرية، والرأسمالية غياب للاشتراكية، وسلبية الجماهير غياب لنشاطها، ~~والتخلف غياب للتقدم، والتجزئة غياب للوحدة، والتغريب غياب للهوية، فالوجود ~~استقلال وحرية واشتراكية وتقدم ووحدة وهوية وتجنيد للجماهير، وما دون ذلك ~~مجرد طارئ عرض حادث أي مجرد عدم. هناك وجود ولا وجود. والعدم هو اللاوجود، ~~أي إنه ليس وجود عدم بل عدم وجود. العدم طارئ نتيجة لغياب الوجود. الأصل هو ~~الوجود وغيابه ms316 عدم. العدم غياب وجود وليس وجود غياب. # ولكن هل المعدوم شيء؟ وماذا يعني الشيء؟ لقد استطرد القدماء في وجود ~~العدم ومعرفة نوعية وجوده صوريا منطقيا أو ماديا حسيا. # 25 # والحقيقة أن هذه إطالة في موضوع فلسفي صرف دون أن تكون له ~~دلالة مباشرة في موضوع الوجود والعدم الذي هو أحد موضوعات «الأمور العامة» ~~في نظرية الوجود. قد يوجد الشيء صوريا، وقد يوجد ماديا، وقد يوجد ~~شعوريا. فالمعدوم إن لم يكن له وجود صوري أو مادي فله على الأقل وجود ~~شعوري، وهو الشعور بالعدم وما يولده في النفس من غثيان وقرف في موقف ~~اجتماعي وسياسي محدد، في حالة ضعف وعجز أو هزيمة واستسلام. وهو موقف طارئ ~~في حياة الشعوب. # 26 ~~(1-4) هل هناك واسطة بين الوجود والعدم (الحال)؟ # وضع القدماء التقابل بين الوجود والعدم، وجعلوا الواسطة بينهما هو الحال ~~بين منكر ومثبت. # 27 # والحال انتقال وحركة من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى ~~الوجود؛ أي أن الصلة بين الوجود والعدم هي الصيرورة. فالحال صيرورة ~~والصيرورة حال. ولكن خلط القدماء بين موضوع ثبوت العدم والحال كواسطة في ~~موضوع واحد، مع أنهما موضوعان متمايزان. # 28 # ويثبته الحكماء لأنه لما كان الشيء موجودا في الخارج ~~ومعدوما، فإن هناك واسطة بينهما، والتي هي الوجود في الذهن بين الوجود ~~والعدم أو الإمكانية أو الحال أو الوجود في حالة مشروع أو تضمن أو قوة، ~~وجود بالقوة يتحول إلى وجود بالفعل عن طريق الخلق والإبداع والتحقق الذاتي. ~~ولما كان موضوع العلم عند القدماء هو المعلوم، فإن المعلوم إما الموجود ~~أو المعدوم أو الحال. # 29 # وينكر جمهور الأشاعرة الحال لإنكارهم الوسط بين الوجود والعدم. ليست هناك ~~حاجة إلى الانتقال من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى الوجود؛ لأن «الله» ~~قادر على كل شيء. ومن ثم انتهوا إلى إنكار الصيرورة، ووقعوا في ~~الثنائية المتعارضة بين الوجود والعدم. ويشاركهم في ذلك جمهور المعتزلة ~~بالرغم من إثباتهم العدم ونفي الأشاعرة له. وبالتالي أصبح نفي الحال هو ~~الرافد الأساسي والمكون الرئيسي ms317 لوعينا القومي. ويؤدي نفي الحال أولا ~~إلى إنكار الواسطة بين الوجود والعدم والانتقال من طرف إلى آخر عن طريق ~~القلب والعنف والتحول من الشيء إلى ضده وعدم الثبات على شيء والوقوع في جدل ~~الكل ولا شيء وقسمة الناس إلى مؤمنين وكافرين والزعماء إلى خونة وأبطال، ~~كما هو الحال في وجداننا المعاصر. كما يؤدي ثانيا إلى إنكار الصيرورة ~~والحدوث والتغير والزمان والحركة والتاريخ ودور الفعل الإنساني فيه. ويؤدي ~~ثالثا إلى إعطاء الأولوية للفعل الخارجي على الفعل الداخلي لتفسير الحركة ~~والتغير بعد أن تخلى الإنسان عن دوره في التاريخ، وتخلت الأمة عن فعلها ~~ووجودها فيه. ويخشى المنكرون للأحوال من أن إثبات الحال قد يؤدي إلى ~~التسلسل، والتسلسل «يسد باب إثبات الصانع» مع أنه يجوز امتناع التسلسل في ~~الموجودات وعدم امتناعه في الأحوال. كما أن إثبات الصانع ليس هدفا مسبقا ~~يحدد نتائج العلم؛ مما يدل على أن علم الأشعرية خصوصا ليس علما ، بل هو ~~تكييف للمادة العلمية وللنتائج العلمية وللمواقف العلمية طبقا لأهداف ~~معروفة سلفا وعلى رأسها إثبات الصانع. # 30 # أما إثبات الحال، فإن القدماء قد اعتمدوا فيه على بعض الحجج الصورية، ~~منها أن الوجود ليس موجودا وإلا زاد وجوده وتسلسل، ولا معدوما وإلا اتصف ~~بنقيضه؛ من ثم فهو أقرب إلى الواسطة بين الوجود والعدم وهو الحال. ~~ومنها أن السواد مركب من اللونية وفصل يمتاز به وهو قابضية البصر فرضا، ~~ومن ثم يكون اللون حالا للذات بمناسبة الموضوع أو حالا للموضوع ~~بمناسبة الذات. والحقيقة أنه ليس المهم إعطاء حجج صورية لإثبات الحال، بل ~~تكفي التجارب الشعورية التي تكشف عن الوجودات في حالة انتقال من وجود إلى ~~عدم أو المعدومات في حالة انتقال من عدم إلى وجود. يكفي ملاحظة حركتي ~~الإعدام أو الإيجاد مثل الحالات المتوسطة بين الصحة والمرض وهي النقاهة، أو ~~بين الحياة والموت وهو الاحتضار، أو بين الطفولة والرجولة وهي المراهقة، أو ~~بين الاحتلال والاستقلال وهي الحماية والوصاية والتبعية والأحلاف ومناطق ~~النفوذ والانحياز. قد يكون الحال أقرب إلى الوجود منه إلى العدم، ms318 أو أقرب ~~إلى العدم منه إلى الوجود؛ إذ يصعب إيجاد الحال كوسط متناسب بين طرفين. ~~فالحال انتقال وحركة وليس حسابا ونقطة. كما تتمايز الذوات الإنسانية ~~المتساوية بالأحوال. الوجود الإنساني واحد، ولكن الأحوال هي التي تختلف. # 31 # ويؤدي إثبات الحال إلى عكس ما يؤدي إليه نفيه؛ يؤدي أولا ~~إلى إثبات الصيرورة والحركة والفعل والزمان والتاريخ والتحقق والإبداع ~~والخلق، ويؤدي ثانيا إلى التدرج دون الوقوع في جدل الكل ولا شيء وإدراك ~~المراحل وإعداد الخطط، ويؤدي ثالثا إلى إفساح المجال للفعل الإنساني في ~~العالم ودور الأمة في التاريخ. وقد قسم القدماء الحال إلى نوعين: الأول ~~معلل بصفة موجودة كتعليل القادرية بالقدرة، أو غير معلل مثل اللونية ~~للسواد؛ مما يجعل الحال ليس مجرد عرض بل علة؛ أي إنه حال مؤثر وفعال. ~~وقد يكون الحال علة وجود وعدم؛ وبالتالي تكون الأحوال موجدة وعامة، ~~والثاني عندما تتساوى الذوات وتتمايز بالأحوال. فالحال هو الذي يميز الذات ~~عن الأخرى ؛ مما يدل على أن الذات هي أحوالها. وتوصف الأحوال بالتماثل ~~والاختلاف كصفات وكأحوال، وتكون أقرب إلى الأحوال النفسية أو الوجودية منها ~~إلى «أحوال» الأشياء. # 32 ~~(1-5) ماذا يعني «الوجود»؟ # تصور الوجود بديهي، والدليل على ذلك أني موجود، وأن الوجود تصور وتصديق ~~في آن واحد. كما أن قسمة الوجود إلى وجود وعدم قسمة بديهية. ولا يمكن أن ~~يكتسب بالحد لأن الوجود بسيط لا أجزاء له أو بالرسم لأن الرسم ليس تعريفا ~~بالمهية وأنه لا أعرف ما الوجود. وإذا كان الوجود لا يتصور، فإن ذلك لأنه ~~إحساس بديهي وإن لم يتحول إلى تصور عقلي. وقد صاغ القدماء حجتين ~~صوريتين ضد تصور الوجود: الأولى أن يكون التصور بتميزه عن غيره، وهو ما لا ~~يعقل إلا بعد الوجود، فيلزم الدور. والثانية أن التصور حصول الماهية في ~~النفس وهو حدوث وجود في وجود، فيجتمع المثلان. والحقيقة أن بداهة الوجود لا ~~تحتاج إلى حجج صورية منطقية جدلية، فالوجود تجربة حية وليس تصورا. # 33 # ويبدو أن مبحث الوجود والعدم عند القدماء ليس نظرية مستقلة ~~للوجود، بل ms319 جزء من مبحث التصورات ويطغى أحيانا عليه. وهنا يكون الوجود ~~جزءا من المعرفة لم يستقل عنها، ولكنها المعرفة المنطقية، وكأن المنطق هو ~~الوسط بين المعرفة والوجود، وهو الذي يضمهما معا. فتصور الوجود بديهي لأنه ~~جزء من الوجود الشخصي المتصور بداهة، ولأن التصديق البديهي بأن النفي ~~والإثبات لا يجتمعان قائم على تصور الوجود والعدم. فتصورهما أولا ~~بالبداهة، وبداهة التصديق متوقفة على العلم بالجزء؛ لذلك تحتاج إلى دليل. # 34 # وإذا كان الوجود مبحثا من مباحث التصور، وكان تصورا ~~بديهيا، فإن الحكم عليه يكون كسبيا استدلاليا. # 35 # ولا يمنع كون الوجود بديهيا ثم الاختلاف في كونه جزئيا أم ~~كليا، واجبا أو ممكنا، عرضا أو لا عرضا، جوهرا أو لا جوهرا، ~~موجودا أو اعتباريا، لا تحقق له في الأعيان أو واسطة، وأفراده عين ~~الماهيات أو زائدة؛ لأن هذه الاختلافات تحليل العقل لتجربة الوجود البديهي. ~~ويمكن تجاوز هذه الاختلافات بتحليل العقل للموضوعات ذاتها واتفاق نتائج هذا ~~التحليل مع تجارب عديد من الأفراد. وهداية «الله» لا تحل هذه الاختلافات؛ ~~لأنها ليست خطأ أو صوابا، بل تتناول مستويات مختلفة من الوجود. # 36 # ومعظم الأحكام المنطقية على الوجود كتصور بديهي تقوم على ~~إسقاط مقولات أخرى مثل الكل والجزء والبسيط والمركب على الوجود لتحديده، ~~وهي طريقة لا تؤدي إلى شيء بل إلى وضع أشياء ثم نفيها أو إثباتها أو خلق ~~مشاكل لفظية من نفس النوع المثالي القائم على القسمة العقلية ثم تمرين ~~العقل المتطهر عليها. ويكون الحكم في النهاية هو اختيارا لما تقتضيه درجة ~~الطهارة! الوجود ليس صفة في الشيء بل هو الشيء الذي يحياه الإنسان، يراه ~~ويحميه، يراه ويحسه ويلمسه. والصفة مجرد تجريد عقلي للاستعمال والتعبير. # 37 # والوجود أيضا رابطة في القضية تتكون من ثلاثة عناصر، الموضوع ~~والمحمول والرابطة. ولا تحتاج القضية في اللغة العربية إلى ظهور الرابطة ~~لأن الوجود متضمن في الموضوع؛ إذ يثبت الوجود بمجرد ثبوت الموضوع، لا يوجد ~~موضوع إلا وهو موجود، الوجود بداهة وجود لا تحتاج إلى إثبات بفعل الكينونة. # 38 # ومع ذلك قيل ms320 في تعريف الوجود عدة تعريفات منها أنه الثابت بالعين؛ ~~فالوجود رؤية حسية ومشاهدة عيانية. ومنها: أنه المنقسم إلى فاعل ومنفعل، ~~أو إلى حادث وقديم، والفاعل والمنفعل غير الحادث والقديم، الأولى: طبيعية، ~~والثانية: تعتمد على الأولى لإثبات فاعل قديم كما يقتضي بذلك الإيمان. ~~ومنها: أنه ما يعلم ويخبر عنه، فالوجود هو المعلوم الذي يأتي علمه عن ~~طريق الخبر، فالوجود لا يوجد إلا من خلال المعرفة، وهي مرحلة التعبير ~~والإيصال للآخرين عن طريق اللغة. # وفي حقيقة الأمر أن الوجود لفظ مشترك بين عديد من الموجودات، الإنسان ~~والأشياء والعالم وما يفترضه على أنه «الله»، وذلك لعدة أسباب، منها التردد ~~في وصف الموجودات به وعدم الجزم في الاستعمال؛ مما يوحي بأنه يفيدها ~~جميعا. كما يقال على الواجب والممكن والجوهر والعرض لاشتراك في صفة ~~واحدة هي الوجود أكثر من اشتراك لفظ العين للعين والبئر. وكما أن العدم ~~مفهوم واحد لا تمايز فيه فكذلك الوجود. والاشتراك قضية ضرورية إذ إننا ~~نعلم بالضرورة الشركة بين الموجودات ، وأن نفي الاشتراك يثبت الاشتراك لأن ~~تصور مفهوم واحد غير مشترك يلزم إثبات ذلك في كل موجود، ولا يجوز إثبات ~~دعوى عامة في كل موجود على حدة ولو لم يكن مشتركا لما تميز الواجب عن ~~الممكن؛ فالتمايز يعني الاشتراك بقدر ما يعني الاختلاف. # 39 # وبالتالي فالإنسان موجود، والشيء موجود، والعالم موجود، ~~و«الله» موجود باشتراك الاسم. ويكون السؤال: كيف تبدأ تجربة الوجود وتصوره؟ ~~لا ريب أن الأشياء لا تعي الوجود. و«الله» لا يتحدث عن نفسه إلا من خلال ~~الوحي؛ أي اللغة وبالتالي لزم فهمه وتفسيره ابتداء من الوعي الإنساني. ~~الإنسان وحده إذن هو الموجود حقيقة وكل ما سواه موجود بالمجاز. وهو ~~المعني الأول باللفظ ثم يطلق الوجود على كل شيء آخر سواء العالم أم ~~«الله» قياسا على وجود الإنسان. # وقد انتبه لذلك القدماء عندما قرروا أن الوجود أيضا لفظ مشترك أو ~~متواطئ أو مشكك. فالوجود قد يكون عينيا أو ذهنيا، خطيا أو ~~لفظيا. الوجود العيني وجود متأصل وهو حقيقة الشيء، والثاني غير ms321 متأصل ~~بمنزلة الظل من الجسم؛ أي صورة الشيء. والآخران مجازيان يكون الوجود بهما ~~اسم الشيء وصورة اسمه والكل لاحق على السابق. فالوجود يطلق على الشيء وعلى ~~الصورة الذهنية. وهو لفظ منطوق وكلمة مكتوبة؛ فالاشتراك واضح في هذه ~~المعاني الأربعة للفظ الوجود. # 40 # ثم تأتي بعد ذلك عاطفة التأليه لتجعل وجود الله سابقا على كل ~~هذه الموجودات دون تحديد مسبق لمعنى اللفظ هل حصل الوجود العيني أم الذهني ~~أم الخطي أم اللفظي. أي إن المتكلم بعد أن ميز الاشتراك في اللفظ تمييزا ~~علميا دقيقا عاد واستعمل علمه من أجل المزايدة «بالله» على العلم، ~~واعتبار «الله» فوق قسمة العلماء لا يدخل في أحدها. وتحدث هذه المزايدة ~~عادة في الشروح على المتون وفي الحواشي على الشروح؛ لأن صاحب المتن يضع ~~العلم عن طريق القسمة العقلية، والشارح أو صاحب الحاشية ليس أمامه إلا ~~المزايدة عليها بعواطف التأليه التي تظهر في غياب العلم والتحليل والقسمة ~~العقلية المحكمة. # 41 # ولا يعني الاشتراك الاتحاد في الوجود كما هو الحال في نظريات ~~الحلول والاتحاد ووحدة الوجود عند الصوفية، بل يعني مجرد الاشتراك في اللفظ ~~ثم حدوث الخلط في المعنى ثم دخول عواطف التأليه للفصل في هذا الخلط وإعطاء ~~الأدنى للإنسان وللعالم وتشخيص الأعلى في «الله». # 42 # ومع ذلك فإن ظهور الوجود كمفهوم مشترك هو بداية لإدخال تحليلات ~~اللغة مع الفكر والوجود، وأن معظم الخلط يقع بسبب هذا الاشتراك اللفظي في ~~الماهية؛ فالوجود يحكم عليه بالإثبات والنفي ويمكن تقسيمه إلى واجب وممكن ~~أو جوهر وعرض. ويخشى من ذلك على الماهية التي هي أساس الحكمة والقسمة وعلى ~~زحزحتها عن الوجود. # 43 # ويصعب حينئذ التفرقة بين الاشتراك اللفظي والاشتراك المعنوي ~~لأن الاستعمال والجدل يجعلان الاشتراك اللفظي يقود حتما إلى الاشتراك المعنوي. # 44 # ويصعب جعل الوجود حقيقة واحدة تختلف بالإضافات والقيود ~~والاعتماد على تمايز الماهيات لأن اللغة قادرة على إحداث هذا الاشتراك؛ فلا ~~سبيل لنا إلى المعاني المتميزة إلا من خلال اللغة المشتركة. ولما كان ~~الموجود معنى زائدا على الماهية كان الاتفاق ms322 بالوجود والاختلاف بالماهية. ~~الوجود أعم وأشمل وأقرب إلى الأذهان وفهم الناس عن الماهية؛ ومن ثم ~~فلا مناص من اشتراك اللفظ، ولا يقدر على التمييز إلا الحكماء! ~~(1-6) هل الوجود في الذهن أم في الواقع؟ # أثبت الحكماء الوجود الذهني؛ لأنهم فلاسفة يجعلون العقل هو الوجود ~~ويعتمدون في ذلك على عدة حجج، منها أننا نتصور ما لا وجود له في الخارج ~~ونحكم عليه بأحكام ثبوتية مثل الاستحالة والعدم، وأن المفهومات كلية ~~والموجودات في الخارج شخصية جزئية، ومن ثم فالكليات تتعلق ~~بالموجودات، وأنه لولا الوجود الذهني لما أمكن أخذ القضية الحقيقية للموضوع ~~وهي الكلية الموجبة أو إعطاؤها أية أهمية. وقد نفى المتكلمون الوجود الذهني ~~لسببين: الأول أن الوجود الذهني يجعل الدهن قابلا للحرارة وللبرودة، ~~والثاني أن حصول حقائق في الذهن مما لا يعقل؛ فهي كلها اعتبارات ذاتية ~~خالصة لا تصف الوجود في شيء. # 45 # وكثيرا ما نتصور ما لا وجود له. # 46 # كان الهدف من التمييز بين الوجود العيني والوجود الذهني عند ~~المتكلمين نفي الوجود الذهني والاعتراف بالوجود العيني وحده على أنه الوجود ~~الحقيقي. ويشارك الفقهاء المتكلمين في هذا الإنكار وأنه لا يوجد متحققا ~~في الخارج إلا الأشياء، وأن التصورات والمبادئ والكليات لا توجد إلا في ~~الأذهان دون العيان. كما يدل على أن البناء العقلي الكلامي أو الفلسفي كله ~~لا وجود له؛ إذ لا يوجد إلا الأشياء المتحققة في الخارج. بل إن نظرية العلم ~~كلها أو نظرية الوجود هما بحثان في المبادئ العامة والأمور الكلية وهي ~~بحوث منهجية صرفة وليست إثباتا لوجود عيني. # 47 # كيف يتم إذن الانتقال من المعرفة إلى الوجود، كيف يتم الخروج من عالم ~~الأذهان إلى عالم الأعيان؟ إذا كان هناك دليل على حدث العالم، فهل المدلول ~~حدث العالم بالفعل أم العلم بحدث العالم؟ والذي لا يخرج من العلم بالحدث ~~إلى المحدث نفسه لا تنقسم المدلولات لديه إلى وجود وعدم أو حدوث وقدم. # 48 # والحقيقة أن هذه هي قضية المثال والواقع. المثال في الذهن ~~كتصور ونموذج وكبناء مثالي للعالم، ولا ms323 يوجد في الواقع إلا بعد تغيير ~~الواقع بالفعل، وتحويل المثال إلى بناء في العالم. فهي ليست مشكلة ~~«الكليات»، المشكلة الأفلاطونية القديمة، في الذهن أم في الواقع ولكنها ~~مشكلة النظام المثالي للعالم قبل التحقق أو بعده. الخلاف إذن بين المتكلمين ~~والحكماء لا معنى له، ومخاطر إثبات الوجود الذهني لا خوف منها. فلا يعني ~~ذلك الشرك، بل يعني إثبات المثال فارغا من أي مضمون، والإبقاء عليه في ~~الذهن دون عملية التحقق. ليس الخوف على التوحيد من الشرك بل الخوف عليه ~~من العجز والموت والصورية، بقاء المثال بلا تحقق، وبقاء الوضع القائم بلا ~~تغيير. ~~(2) الماهية # لم يضع القدماء الماهية في مقابل الوجود، بل وضعوها مستقلة بمفردها ~~وكأنها مثال. وقد غلب على البحث طابع التجريد، وكأننا في علوم الحكمة الخالصة ~~وليس مجرد مقدمة نظرية في علم أصول الدين. # 49 # وماهية الشيء حقيقته، هي أصله وجوهره وأساسه وما به قوامه وما ~~يقوم عليه وجوده. الوجود بلا ماهية عدم، وجود هش لا أساس له. باعتبار ~~التحقق تسمى ذاتا وحقيقة، وباعتبار التشخص تسمى هوية. تغاير ~~عوارضها اللازمة والمفارقة وتتمايز عما عداها. وإن كانت معان في الشعور فهي ~~متمايزة فيه. إن كانت مطلقة تسمى مجردا، وإن كانت مشخصة تسمى مخلوطة ~~أو مشخصة. تكون مجردة إن لم تكن متحققة في الخارج وغير متعينة، وتكون ~~مخلوطة إذا زيد عليها شيء. وبالتالي فهناك إمكانية التمييز بين الصوري ~~والمادي في الماهيات. # 50 # ومن ثم تخطئ «نظرية المثل» في اعتبار الماهيات المجردة ~~موجودة في العالم الخارجي. # 51 ~~(2-1) الماهية البسيطة والماهية المركبة # والماهية إما بسيطة، أو مركبة؛ وذلك لأن الأشياء إما عقلية لا ~~يتمايز أجزاؤها في الخارج أو خارجية يتمايز أجزاؤها في الخارج؛ فالماهيات ~~العقلية بسيطة، والماهيات الخارجية مركبة. وينتهي المركب إلى البسيط؛ ~~فالبسيط أصل المركب. الماهيات البسيطة هي المعاني البديهية والمركبة هي ~~الاستدلالات والقياسات والإحصائيات. وهنا تبدو الماهيات معرفية خالصة، ~~ماهيات عقلية ذات وجود معرفي. # 52 # ولكن تنقسم الماهيات أيضا على نحو كمي مادي. فإذا كانت ~~الماهية المركبة من أجزاء فتنقسم الأجزاء ms324 إلى متداخلة في العقل كالأجناس ~~والفصول إن صدقت الأجزاء بعضها مع بعض، وإلا تكون متباينة في الخارج. ~~والمتداخلة إذا صدق كل منها على الآخر فهما متساويان، وإلا فبينهما عموم ~~وخصوص، إما مطلقا وإما من وجه دون وجه. وأما المتباينة فإما أن ~~يتبين الشيء مع علة أو معلول أو ما ليس كذلك. والأول إما مع الفاعل أو ~~القابل أو الصورة أو الغاية. والثاني مثل الخالق، والثالث إما متشابهة أو ~~متخالفة إما عقلا أو خارجا! فالأشياء بعضها بديهي وبعضها وجودي. ~~وهذه كلها أبحاث رياضية هندسية منطقية وجودية أصولية صورية خالصة دون أن ~~تصدق على مادة معينة، ولا هدف لها إلا تحليل العقل البسيط ودون أن تكون ~~هناك خصوصية كمدخل خاص لعلم أصول الدين وموضوع العلم فيه. وكل مقولتين ~~متعارضتان؛ فالتداخل عكس التباين في الأجزاء. والتساوي؛ أي وضع الجزأين على ~~مستوى أفقي واحد عكس العموم والخصوص؛ أي وضع الجزأين على مستوى رأسي ~~بين الأعلى والأدنى. والتباين يؤدي إلى العلل الأربع المعروفة في الطبيعيات ~~عند الحكماء. أما التشابه، فإنه يكون في الذهن أو في الواقع. وقد تنقسم ~~الماهية المركبة على نحو وجودي خالص فتكون إما وجودية أو لا ~~وجودية، وتكون الوجودية إما حقيقية أو إضافية ممتزجة. والثاني مثل القديم ~~فهو موجود لا أول له. وهنا يتضح أن القسمة تفسح المجال إلى وجود ~~«الله» كموضوع للعلم. وبالتالي تكون أقرب إلى التمرينات العقلية أو ~~القوالب الذهنية التي ستتحكم في الفكر الديني. # 53 # والمركب إما ذات أو صفة، وتكون الماهية مركبة من أجزاء ~~إذا كانت مشاركة لغيرها في ذاتي ومخالفة لذاتي آخر وليس لعارض؛ ~~فالماهية تقبل الشركة دون التعيين. الماهية لا تأبى الشركة، في حين أن ~~الشخص يأباها، فهي فيه زائد وهو التشخص. ونسبة الماهية إلى الشخصيات ~~كنسبة الجنس إلى الفصول. والتعيين وجود في الخارج، والماهية لا تتحقق ~~عيانيا في الخارج، ولكنها تظل غير معينة في الذهن عند الحكماء. أما ~~المتكلمون فيجعلون التعين أمرا عدميا؛ لأن الماهيات لا تتعين في ~~الخارج حفاظا على التوحيد ولإنكار الكليات في ms325 الخارج، وبالتالي يفصل ~~المتكلمون بين الصوري والمادي، في حين يجعل الحكماء بينهما واسطة هو التحقق. # 54 # والحقيقة أن كل هذه التقسيمات لا تشير إلى أية تجربة حية ~~خرجت منها يمكن التحقق من هدفها بالرجوع إليها، وبالتالي ظلت صورية ~~خالصة أقرب إلى المنطق الوجودي الصوري الخالص. قسمة الماهية إذن أقرب ~~إلى الخطاب القائم على نفسه، يضع مسائل ثم يحلها بالقسمة، فكر يقوم ~~على نفسه لا على وقائع أو تجارب، فكر صوري بلا مضمون، وتحليل عقلي ~~لروح التطهر التي تسير الخطاب وتحدد مشاكله وتختار حلولها. الماهية ~~أطهر من الوجود؛ ولذلك فهي الكلي وهو الجزئي، هي البسيط وهو المركب، هي ~~العام وهو الخاص، هي الأول وهو الثاني. ولكن أحيانا تظهر المقولات ~~الإنسانية من ثنايا الخطاب الصوري، مثل لفظ: «حاجة كل ماهية إلى أجزائها أو ~~كل نوع إلى أجناسه.» فهذه لغة وجدانية تدل على أن المقدمات النظرية بالرغم ~~من بلوغها مستوى عاليا من التجريد، إلا أنها ما زالت تكشف عن الأساس ~~الوجداني في الإنسان، وهو الأساس الذي يقوم عليه الفكر الديني عامة ~~والأشعرية خاصة. ~~(2-2) هل الوجود نفس الماهية أم جزؤها أم زائد عليها؟ # وهنا يظهر التقابل بين الوجود ~~والماهية بعد أن كان كل منهما معروضا بمفرده. وتظهر علاقة التقابل في ~~صورتي الهوية والاختلاف أو الكل والجزء، والأولى هي الأغلب. وقد طرح ~~القدماء إجابات ثلاثة: الأولى أن الوجود نفس الماهية في الكل؛ لأنه لو كان ~~زائدا لكانت الماهية غير موجودة نظرا لعلاقة الهوية بينهما. والحقيقة أن ~~ذلك قائم على افتراض أن الماهية قائمة بالوجود وهو المطلوب إثباته، كما أن ~~الدليل يقوم على برهان الخلف، وهو دليل سلبي خالص. أما قيام الصفة ~~الثبوتية بالشيء كفرع لوجوده في نفسه ضرورة، وبالتالي لو كان الوجود ~~زائدا على الماهية لسبقه وجود آخر ولزم التسلسل، فتلك حجة تقوم على ~~نفس الافتراض السابق، وعلى برهان الخلف، وعلى افتراض أن كل وجود لا بد له ~~من علة لوجوده، وهو طابع الفكر الديني الإيماني الذي يريد التقهقر إلى ~~الوراء لإثبات علة أولى ms326 لا تسبقها علة أخرى حتى يستريح الضمير الديني ~~ويرتكن إلى بداية يقينية تعطيه الثقة بالبداية الأولى التي عليها يقوم كل ~~شيء بعد ذلك كالبنيان الراسخ. لا يعني ضعف هاتين الحجتين رفض ~~الافتراض الأول، بل يعني أن التدليل عليه لا يثبت شيئا، ويظل ~~الافتراض قائما بلا حجة أو دليل. # 55 # والثاني أن الوجود نفس الماهية في الواجب وإن زاد في الممكن؛ ~~لأنه لو كان الوجود زائدا على الماهية في الواجب لكان محتاجا، والمحتاج ~~إلى الغير ممكن ويكون معلولا لغيره، ولا يكون واجبا. والحقيقة أن هذه ~~حجة وجدانية خالصة بقدر ما كانت الحجج الأولى جدلية صرفة؛ فلفظ ~~«الاحتياج» لفظ ديني يعبر عن عاطفة دينية هي الإحساس بالنقص والعوز أمام ~~الكامل الغني، ثم إبعاد هذا الوضع النفسي المؤلم رغبة في التنزيه وبعدا ~~عن الاحتياج؛ لأن الاحتياج نقص والإنسان يبغي الكمال، فيقتطع الكمال من ~~نفسه ويجرده ثم يشخصه في الواجب الذي يمتد فيه الوجود بالماهية في ~~مقابل الممكن الذي هو نحن في عالم الاحتياج للأغيار؛ فبقدر ما نحط من ~~النفس نعلي من الآخر، وبقدر ما نتهم الذات نبرئ الغير. # 56 # والثالث أن الوجود زائد على الماهية في الواجب وفي الممكن. ~~الوجود زائد في الممكن؛ لأن الوجود يتمايز عن الماهية في الإنسان؛ فالمثال ~~لم يتحقق بعد، والواقع لم يتحول بعد مثالا. الماهية بمفردها تقبل ~~العدم ومع الوجود تأباه، مما يدل على بقاء المثال حتى ولو لم يكن هناك ~~واقع. وهناك ماهيات معقولة مجردة مثل المعقولات الرياضية لا وجود لها في ~~الواقع ويستحيل التعريف في حالة التوحيد بينهما، وإلا كان المحمول والموضوع ~~شيئا واحدا. وإن لم يكن الوجود زائدا على الماهية لكان نفسها أو جزءها. ~~والأول باطل لأنه مشترك دونها والثاني باطل لأن الجزء ليس أعم من ~~الذاتيات. والوجود زائد على الماهية في الواجب؛ فلو لم يكن الوجود زائدا ~~على الماهية فيه لكان مجردا بلا وجود. ولو كان مجردا لكان علة نفسه ~~ويلزم التسلسل، ويستحيل التجرد أن يكون مبدأ الممكنات. والحقيقة أن هذه ~~الحجج الصورية كلها ms327 إنما تقوم اعتمادا على قياس الغائب على الشاهد؛ أي ~~قياس الواجب على الممكن عن طريق القلب؛ أي إنها مواقف إنسانية خالصة تبدأ ~~بتحليل الممكن الحسي المادي، ثم تقبله فينتج وصف الواجب عن طريق الضد؛ ~~فبالرغم من هذه الصورية في التحليل إلا أن هناك تجارب شعورية قائمة ~~وراءها أسقطها التحليل من الحساب. فإذا كان الوجود تجربة حية فالماهية هي ~~جوهر الوجود وأساسه. وجوهر الوجود رسالته ودعوته التي يحققها. وهي ~~متميزة عن الوجود في البداية هذا التمايز بين المثال والواقع. هي سبب ~~الحياة والباعث ودفع الواقع إلى اللحاق بالمثال، وتحقيق المثال في ~~الواقع. الوجود هو الماهية بمعنى أن الوجود ليس هو الجسم أو الأعراض بل ~~جوهره؛ أي الرسالة. الماهية هي النطق والفكر والوعي والرسالة والحركة ~~والإمكانية والحرية والتحقق، يمكن أن تتوحد مع الوجود. ولكن هذا ~~التوحيد بين الوجود والماهية توحيد مشروع أو مشروع توحيد، توحيد مستقبلي ~~يتحول إلى توحيد بالفعل في الحاضر بعملية التحقق وفي مسار التاريخ. ~~وحدة الوجود والماهية غاية تتحقق في المستقبل ابتداء من الحاضر كإمكانية ~~ومشروع. أما التمييز بين الواجب والممكن، فالممكن هو وجودي، والواجب هو ~~ما ينبغي أن أكون عليه، وبالتالي يكون الممكن والواجب مرحلتين من الوجود ~~الإنساني وحالتين له. في الممكن يتمايز الوجود عن الماهية كواقع. وفي ~~الواجب يتحد الوجود بالماهية كمثال، الأول في البداية والثاني في ~~النهاية. ولكن الواجب والممكن ليسا موجودين مستقلين أحدهما من الآخر، ~~الأول نسبي والثاني مطلق، وبلغة القدماء الأول «حادث» والثاني «قديم» ~~بمعنى «جديد»؛ أي ما سيحدث في المستقبل وما سيقع في التاريخ. الماهية زائدة ~~على الوجود، والوجود زائد على الماهية في البداية كنوع من الفصام في ~~الوجود الإنساني بين المثال والواقع، ولكن يتحول هذا الرتق إلى عملية ~~توحيد، فتتحول الماهية إلى وجود بالفعل، ويتحول الوجود إلى ماهية ~~بالفعل. الماهية نفسها عملية تخلق لوجودها. والوجود نفسه عملية إيجاد ~~لماهيته وإظهار لمكمونه، وبالتالي يمكن تجاوز الطرفين المتقابلين ~~والحلين المتعارضين، بل والحلول الوسط، بالرجوع إلى تجربة الوجود ~~الإنساني الحية السابقة على القسمة. ليست مذاهب ms328 القدماء إذن متعارضة ~~متضاربة متناقضة، بل تصف مراحل مختلفة لعملية التحقق، وحالات وجدانية ~~متباينة لهذه العملية كما يقول الصوفية. فلا يوجد خطأ مذهب وصحة آخر. كل ~~مذهب يصف مرحلة تحقق وحالتها الوجدانية. وبالتالي لا يمكن إثبات الصواب ~~والخطأ النظريين في المذاهب القديمة بحجج صورية منطقية جدلية، بل بتحديد ~~لحظتها في التجارب الشعورية. # 57 ~~(2-3) هل الماهيات مجعولة يحتاج بعضها البعض؟ # وإحساسا من القدماء بهذه العملية طرحوا سؤالين: الأول هل الماهيات ~~مجعولة؟ والثاني هل تحتاج الماهيات أو أجزاء الماهيات بعضها إلى البعض ~~الآخر؟ والسؤال الأول يقوم على افتراض الجعل؛ أي النشأة والخلق والتحقق ~~والجهد والفاعلية. و«الجعولية» تعني عند القدماء الاحتياج إلى الفاعل وإلى ~~الغير. والمذاهب القديمة ثلاثة: الأول الماهيات غير مجعولة مطلقا كرد ~~فعل على النشأة والمجعولية حرصا على المثال واستقلاله كإمكانية خالصة ~~وكهدف أسمى، وكغاية قصوى، وهو المذهب الذي يعطي الأولوية للتأمل على ~~الفعل، وللنظر على العمل. والثاني الماهيات مجعولة مطلقا وقد كان الدافع ~~عند القدماء أن «الله» هو خالق كل شيء، الوجود والماهية على السواء، في حين ~~أن المجعولية هو انكشاف الماهيات في الشعور أو تحقيقها كإمكانية وكمطلب ~~ومثال. فالماهية طيعة للفاعلية والتأثير، بمعنى صيرورتها من حال الإمكان ~~إلى حال التحقق، من حال الماهية إلى حال الوجود. وهذا هو أيضا معنى ~~الاحتياج؛ فالاحتياج من لوازم الوجود. والمذهب الثالث يجعل الماهيات ~~المركبة مجعولة بخلاف الماهيات البسيطة بدافع التوسط بين المذهبين ~~السابقين. ولكن حتى إذا كانت البسيطة مثل البديهيات لا جهد فيها ولا صنعة ~~فإن انكشافها في الشعور أيضا يجعلها معطاة منها؛ ففيها قدر من ~~المجعولية، وإن كان أقل من الماهيات المركبة. # 58 # أما السؤال الثاني عن حاجة الماهيات أو أجزائها بعضها البعض الآخر، ~~فإنما هو ناتج عن المجعولية وكأنها المذهب السائد بين نفي الحكماء ~~والمعتزلة وإثبات الأشعرية. ولكن دوافع المجعولية والاحتياج في علم ~~الأشعرية تقوم على استبعاد الدور وعلى ضرورة الانتهاء إلى حاجة من غير ~~محتاج، فتكون العلاقة بين الماهيات علاقة علة بمعلول، وكامل بناقص، ~~واستقلال وتبعية، مما يخفي في ms329 ثناياه علاقة الفكر الديني بين الأعلى ~~والأدنى أو بين «الله» والعالم، حتى ولو تمت صياغتها على نحو منطقي ~~بالكليات الخمس، حاجة الفصل إلى الجنس، وعدم حاجة الجنس إلى الفصل، ~~واستحالة أن يكون الجنس جنسا للفصل، واستحالة تعدد الفصل القريب، ~~واستحالة أن يقوم فصل إلا بنوع واحد أو جنس واحد. وفي حقيقة الأمر تنشأ ~~هذه العلاقة من الموقف الإنساني ومن طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة ~~التي يسودها الأعلى والأدنى، الرئيس والمرءوس، الحاكم والمحكوم. # 59 ~~(3) الوجوب والإمكان والاستحالة # والقسمة هنا ثلاثية صريحة: الوجوب، ~~والإمكان، والاستحالة؛ فقد كان الوجود والعدم قسمة ثنائية صريحة وثلاثية مقنعة ~~نظرا لتوسط الحال. وكانت الماهية مفهوما واحدا صريحا وقسمة ثنائية مقنعة؛ ~~فقد كانت طرفا في ثنائية الوجود والماهية. والبنية الثلاثية واحدة. فإذا كان ~~الحال هو الانتقال من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى الوجود، فإن الإمكان هو ~~الانتقال من الوجوب إلى الاستحالة أو من الاستحالة إلى الوجوب؛ فالوجوب في ~~مقابل الاستحالة والإمكان وسط. وكثيرا ما توصف باسم الفعل: الوجوب والإمكان ~~والاستحالة أو اسم الفاعل: الواجب والممكن والمستحيل. والاختيار الأول أكثر ~~تجريدا وصورية من الثاني؛ لأنه يضم مناطق عامة ولا يشير إلى موجودات ~~بعينها. كما تختلف الألفاظ وتترادف؛ فالواجب هو الضروري، والممكن هو الجائز، ~~والمستحيل هو الممتنع، ولكن الثلاثي الأول أكثر تجريدا، ومن ثم فهو عند ~~الحكماء أظهر. أما الثلاثي الثاني: الضروري والجائز والممتنع، فهو أكثر ~~حسية، ومن ثم فهو عند المتكلمين أظهر باستثناء علم الكلام المتأخر الذي ~~تبنى مفاهيم الحكماء. أما من حيث ترتيب المفاهيم الثلاثة، فعادة ما يأتي ~~الطرف المثبت أولا، ثم الوسط ثانيا، ثم الطرف المنفي ثالثا. الطرفان في ~~الطرفين، والوسط في الوسط، مما يدل على هذا الانتقال من الوسط إلى الطرفين ~~انتقالا تدريجيا طبيعيا. وبقدر ما أفاض القدماء في الوجوب والإمكان، ~~فإنهم لم يتكلموا في الاستحالة إلا قياسا على المفهومين الآخرين الوجوب ~~والإمكان على عكس إفاضتهم في العدم وهو على نفس المستوى مع الاستحالة. مع أن ~~الاستحالة يمكن أن تكون مناسبة لتحدي القدرة الإنسانية على ms330 الفعل وتجاوز ~~العقبات وإعطاء الثقة بالنفس على أنه لا مستحيل أمام العزم والإرادة والدوافع ~~والبواعث وعلى قدرة الإنسان على الإيجاب؛ أي تحويل الإمكان إلى وجوب، وتحويل ~~الاستحالة إلى إمكان. ~~(3-1) أحكام العقل الثلاثة # وقد بدأت أحكام العقل الثلاثة في ~~نظرية العلم كأحكام للعقل الخالص. # 60 # ثم انتقلت من العقل إلى الوجود مع التوحيد بينهما، حتى إنه ~~ليصعب معرفة هل هي أحكام عقلية كما كانت في البداية أم مناطق وجود. ثم رقيت ~~ثالثا في علم الكلام المتأخر في مرحلة العقائد الإيمانية إلى أحكام عقلية ~~كما بدأت، وهو السائد حتى الآن؛ أي نظرية في الحكم العقلي على الوجود. ~~وتدخل مادة التوحيد كلها في هذه النظرية، ما يجب وما يمكن وما يستحيل في حق ~~«مولانا»، وما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الرسل، وأصبحت ~~تستعمل من أجل عد الصفات وسهولة ~~إحصائها. واستمر الأمر كذلك في الحركات الإصلاحية مع التركيز على القطب ~~الأول «الله» دون القطب الثاني «الرسول» الذي تحول إلى نظرية عامة في النبوة. # 61 # ثم تضاءلت أحكام العقل الثلاثة أكثر فأكثر، وتحولت إلى ~~مجرد دليل عقلي ضمن مجموعة أخرى من الأدلة الشرعية والعادية. يظهر ~~الدليل السمعي من جديد كأحد مصادر المعرفة في مواجهة الدليل العقلي، ~~ويتحول التقابل بين الوجوب والاستحالة إلى التقابل التقليدي القديم بين ~~العقل والسمع كما يتحول الإمكان أو الجواز العقلي إلى تردد بين ~~الدليل العقلي والدليل السمعي. # 62 # وتدخل نظرية أحكام العقل الثلاثة ضمن نظرية أعم وهي أقسام ~~الحكم؛ فالحكم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي وعادي وعقلي. الشرعي ~~موضوع علم أصول الفقه، والعادي يعرف ~~بالتجربة وتكرارها، والعقلي يفهم بالعقل المجرد من غير تجربة ولا ~~وضع. ويسارع الشارح المتأخر في الحكم العادي بإعلان الإيمان الأشعري ~~وجعل الحكم العادي من فعل إرادة خارجية مباشرة بأن يخلق «الله» الاحتراق ~~في النار دون أن يكون هناك تأثير للنار كعلة مباشرة. والحكم العقلي نابع ~~من العقل، وهو العقل الصوفي وليس العقل الفلسفي، نور يقذفه «الله» تعالى ~~في القلب، تدرك به النفس العلوم الضرورية ms331 والنظرية، محله القلب. ~~وبالتالي ينكر الشراح المتأخرون عمل العقل التحليلي الاستدلالي نظرا ~~لازدواج الأشعرية مع التصوف. أما الحكم الشرعي فخطاب «الله» تعالى ~~المكلف بأفعال المكلفين بالطلب أو الإباحة أو الوضع؛ ف «الله» أيضا ~~واضع الحكم الشرعي. وتعود نظرية الحكم إلى نظرية العلم عند الشرح، فيسقط ~~الوجود من الحساب. وتعود بعض أقسام العلم مثل الضروري والنظري. فينقسم كل ~~من الواجب والممكن والمستحيل إلى ضروري ونظري، وبالتالي تكون الأقسام ستة ~~وتتفاوت الأمثلة بين الأجرام السماوية والمفاهيم الرياضية. # 63 # كما ينقسم كل حكم إلى لذاته ولغيره. هناك واجب لذاته ~~وواجب لغيره. والواجب لذاته ينقسم إلى مطلق ومقيد؛ فالواجب الذاتي ~~المطلق مثل ذات «الله» وصفاته، والمقيد، مثل التحيز للجرم. والواجب ~~لغيره كوجود شيء من الممكنات في زمن علم «الله» ووقوعه فيه. كما ينقسم ~~المستحيل إلى لذاته ولغيره. والمستحيل لذاته إلى مطلق ومقيد. ~~فالمستحيل لذاته المطلق كالشريك «لله» تعالى، والمقيد كعدم تحيز ~~الجرم. والمستحيل لغيره كوجود شيء من الممكنات في زمن علم «الله» وعدم ~~وقوعه. وظيفة هاتين القسمتين لذاته ولغيره، والمطلق والمقيد، لإفساح ~~المجال لذات «الله» وصفاته، وهو الموضوع الأول بعد نظرية الوجود. وواضح ~~فيها دخول تحيز الجرم مع «الله» على نفس مستوى التحليل والتماثل ~~مشابهة واختلافا، وإن كان الله في المطلق وتحيز الجرم في المقيد ~~وكأن الطبيعيات تأبى إلا أن تفرض نفسها على الإلهيات، وكأن الإلهيات تظل ~~خاوية أو معلقة في الهواء دون ارتكازها على الطبيعيات. # 64 # والأحكام الثلاثة أمور اعتبارية صرفة لا وجود لها إلا في الذهن، ~~مقولات للشعور، ومفاهيم للعقل، وعلى أقصى تقدير مناطق صورية يضعها الشعور ~~لتحليل الوجود. وقد حاول البعض جعلها أمورا وجودية والقفز من فوق العقل ~~إلى الطبيعة، ومن داخل الشعور إلى العالم الخارجي؛ لأن الوجوب واجب بنفسه ~~وليس باعتبار العقل؛ ولأن نقيضه اللاوجوب وهو عدمي، وبالتالي فهو وجودي ~~وأنه لو كان إمكانه عدميا لم يكن الممكن ممكنا. والحقيقة أنها أمور ~~اعتبارية صرفة لا وجود لها في الخارج إلا من حيث افتراض الدليل ~~الأنطولوجي وهو افتراض إيماني صرف، وانتقال ms332 من الفكر إلى الوجود قفزا ~~وافتراضا بناء على معطيات الإيمان ومطلب النفس وحديث الروح ومناجاة «الله». # 65 # وبالتالي فهي لا تثبت شيئا بالفعل، ومحاولة استعمالها بعد ~~ذلك لإثبات وجود «الله» لا تثبت شيئا بالفعل، ولا تثبت إلا موجودات ~~ذهنية خالصة. ولا سبيل إلى تحققها في الخارج إلا كمشروع يتحقق بالفعل ~~من خلال الجهد. والخارج قابل للتشكل طبقا لهذه المقولات الذهنية الأربع ~~حتى يتحد معها تماما عندما تتحقق هي بالفعل، وبالتالي يتم التوحيد بين ~~العقل والوجود. هي أقرب إلى المطلب النفسي أو الأخلاقي أو النزوع النفسي ~~منها إلى التصور البديهي أو المقولة المنطقية. وبهذا المعنى تكون أقرب ~~إلى الوجود كقصد أو اتجاه أو حالة دون أن تكون وجودا بالفعل إلا بعد ~~التحقق. كما أنها تدل على أحكام قيمة؛ فالواجب أشرف من الممكن، ~~والمستحيل مجرد سلب للواجب عن طريق القلب وليس له وجود أصلي. ويظهر ~~ذلك بوضوح في الشروح المتأخرة عندما يخف تحليل العقل وتظهر شدة الانفعال، ~~وكذلك في الحواشي عندما تخف حدة العقل وتظهر وطأة الانفعال. # 66 # وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه كأساس ميتافيزيقي لدليل ~~الحدوث. وليبق دليل الحدوث دليلا بعديا خالصا يعتمد على مقدمات حسية ~~صرفة. وفي نهاية الأمر تكشف هذه الأحكام الثلاثة إلى علاقة الاستقلال ~~بالتبعية، وهي علاقة الوجوب بالإمكان؛ فالوجوب استقلال والإمكان تبعية، وهي ~~بنية العلاقة الاجتماعية على مستوى التجريد والتبرير العقلي الذي يأخذ صيغة الإيمان. # 67 ~~(3-2) أحكام الوجوب # يصعب إصدار أحكام على الوجوب كمقولة مجردة؛ ومن ثم كانت معظم ~~الأحكام على الواجب؛ فالواجب واجب لذاته ولا يكون واجبا بغيره؛ إذ إن ~~الواجب إما أن يكون ذاتيا أو غيريا أو وضعيا أو وقتيا. والواجب ~~لذاته ينافي الواجب لغيره؛ فهو الوجود المستقل الذي لا يحتاج في وجوده ~~إلى غيره، وهو «واجب الوجود» الذي لا يحتاج في وجوده إلى سبب أو مرجح ~~كما يقول الحكماء؛ وبالتالي فهو يمثل أعلى درجة من درجات الاستقلال ~~والاكتفاء الذاتيين، كما أنه بسيط ليس مركبا لا في الذهن ولا في ~~الخارج؛ فالبساطة من صفات ms333 المثال؛ لأن الوجود في الخارج محتاج، والمحتاج ~~ممكن. لا يتركب عن غيره، واجب من جميع جهاته؛ لأنه بسيط لا تركيب فيه. ~~لا يصح عليه العدم. لا يزيد وجوده على ماهيته، بل وجوده عين ماهيته ~~وماهيته عين وجوده؛ لأن الوحدة أكمل من الكثرة، والهوية أشرف من الاختلاف ~~فليس وجوبه زائدا على وجوده. ولا يكون مشتركا بين اثنين لأنه نفس ~~الماهية، واحد لا يقبل الشركة. يجوز أن تعرض له صفات تستلزمها ذاته فيكون ~~الوجوب الذاتي صفة لتلك الهوية فقط، وسائر النعوت واجبة لوجوب تلك ~~الهوية، وتكون الوحدة صفة لتلك الهوية. وتبدو هنا إرهاصات الإلهيات ~~وموضوع العلة بين الذات والصفات والوحدة بينها الاختيار الاعتزالي ابتداء ~~من مقدمات نظرية أشعرية في نظرية الوجود. وقد برز ذلك في الحركات ~~الإصلاحية المعاصرة عندما تمت المزاوجة بين أحكام الموجودات وصفات ~~«الله»، وبالتالي لم يعد هناك فصل بين نظرية الوجود وموضوع الذات ~~والصفات. وبعد أن كان واجب الوجود تحليلا للوجود أصبح حكما عقليا من ~~أحكام الذهن ثم واجبا شرعيا وانتقل بذلك التوحيد من الوجود إلى العقل ثم ~~من العقل إلى الفعل. # 68 # واجب الوجود هي نقطة البداية في نظرية الوجود وقمتها في آن واحد، ~~والركن الأساسي في التوحيد كما يبدو في موضوع الذات والصفات؛ فهو أقصى ما ~~وصل إليه علم الكلام من تجريد. يعبر عن التصور المثالي للعالم، وريث ~~التصور الديني التقليدي، وآخر ما وصل إليه تحول «الثيولوجيا» إلى ~~«أنطولوجيا». وعلى هذا النحو يعد بحثا عقليا خالصا أو تحليلا ~~أنطولوجيا صوريا تعبيرا عن الطهارة الدينية تعبيرا عقليا مجردا. ~~اكتمل الخطاب العقلي المثالي ولم يعد يعطي جديدا أو يتغير تغيرا ~~نوعيا، بل ظل يعبر عن التصور الديني للعالم. وبالتالي يمكن الإضافة ~~في وصف أحكام واجب الوجود كلما اشتد التوتر الديني وازدهرت العواطف دون ~~خروج على أوصاف الاستقلال الذاتي والبساطة والهوية والوحدة وكأنها إرهاصات ~~الوعي الخالص قد بدأت. تقلص الفكر الموضوعي وضمر، وأصبح مرتكنا كلية ~~على الفكر الذاتي الخالص في صورة عقلية مجردة. لم يعد هناك موضوع بل ~~مجرد قوالب ms334 ذهنية صورية تعبيرا عن الطهارة العقلية، وبمجموعة من الألفاظ ~~المختارة القابلة للقسمة الثنائية التي تساعد على التعبير عن هذه الطهارة ~~بحركة من الأعلى إلى الأدنى أو من الأدنى إلى الأعلى. # 69 # وفي حقيقة الأمر إن أوصاف واجب الوجود، الاستقلال، والبساطة، والوحدة، ~~والهوية، كلها أوصاف المثال الذي يفرض واقعه، ويعبر عن مطلب واقتضاء. ~~وليس افتراضا أو ملجأ أو ملاذا أو عونا أو نصرا ناتجا عن ضعف وعجز ~~أو كراهية وعدوانية كما هو الحال في الفكر الديني. هو الواجب الذاتي ~~والإحساس بالأمانة والرسالة والتضحية، ~~لا يقبل المساومة أو النسبية، وهو لفظ مشترك مما يدل على أنه ليس متفردا ~~بالوصف؛ فواجب الوجود في نفس الوقت يعبر عن عواطف دينية وأحكام عقلية ~~ومناطق وجودية وأهداف إنسانية وقوانين تاريخ. ليس واجب الوجود كائنا ~~مشخصا يحس ويشعر، يسمع ويرى، يتكلم ويريد، بل هو المثل الإنساني الأعلى ~~وغاية الإنسانية القصوى، موجود دائما كإمكانية ويتحقق بالفعل من خلال ~~الجهد الإنساني؛ فهو موجود في النفس كدافع وباعث واتجاه وقصد، وموجود في ~~الذهن كتعال وتجاوز ومفارقة، وموجود في الواقع كبناء اجتماعي مثالي ~~متوحد في أمة، وموجود في التاريخ كقانون حركة وتقدم. # واجب الوجود تصور أخلاقي اجتماعي سياسي تاريخي، وما الذهن أو الوجود ~~إلا وسائل تعبير وصياغة أو إطار مرجع وإحالة. الواجب هو الواجب الأخلاقي، ~~والواجب الأخلاقي هو الواجب العقلي والواجب الأنطولوجي؛ فنظرية القيم هي ~~أساس نظرية المعرفة ونظرية الوجود. «الإبستمولوجيا» و«الأنطولوجيا» كلاهما ~~تعبير عن «الأكسيولوجيا». الوجود هو الوجود الخلقي؛ أي نزوع النفس نحو مطلب ~~وغاية ومثال. كل أحكام واجب الوجود هي في الحقيقة تعبير عن ضرورة الخير ~~الأقصى والنفع العام ومصالح أمة وأهدافها القومية المعبرة عن الأهداف ~~الإنسانية جمعاء. هو تعبير عن مطلب نفسي أكثر منه وصفا لواقع حاضر من أجل ~~تطويع الواقع للمطلب وتوجيهه بالمثال. ولما كان المطلب قد يتحقق وقد لا ~~يتحقق فإنه يصبح مشروطا بالفعل، ويتحول الوجوب إلى إمكانية محضة ولا ~~تتحول إلى وجوب إلا بالفعل؛ فالوجود الحقيقي هو الممكن الذي يتحول إلى ~~واجب. الواجب في البداية ms335 ممكن، وفي النهاية واجب وأمام العاجز مستحيل. ~~الواجب ممكن قد تحقق والمستحيل ممكن امتنع. ولما كان الفعل لا حدود له، ~~فالمستحيل غير واقع. # 70 ~~(3-3) أحكام الإمكان # وكما كانت أحكام الوجوب هي أحكام الواجب فإن أحكام الإمكان هي أيضا ~~أحكام الممكن. والممكن لذاته هو الذي لا يلزم من فرض وجوده ولا من فرض ~~عدمه من حيث هو محال؛ أي أن تعريفه بالإضافة إلى الاستحالة وليس تعريفا ~~للممكن لذاته؛ فالممكن إحدى لحظات الانتقال إلى الواجب نافيا المستحيل. ~~وتقوم أحكامه كلها على لغة الاحتياج؛ فالممكن هو المحتاج إلى سبب. وتصوره ~~ضروري؛ لأن الممكن هو الذي يستوي طرفاه ولا يترجح أحدهما إلا بسبب. ويمكن ~~أن يكون تصوره استدلاليا؛ إذ إنه يقوم على الترجيح بين المتساويين أو ~~ابتداء من الوجود والعدم بلغة الحكماء. والاحتياج هو الحدوث بلغة ~~المتكلمين أو الإمكان مع الحدوث أو الإمكان بشرط الحدوث. الممكن مفهوم ~~ميتافيزيقي والحدوث مفهوم طبيعي. لذلك آثر المتكلمون بعد ذلك الحديث عن ~~أحكام القديم، وهو الواجب عند الحكماء، وأحكام الحادث وهو الممكن عند ~~الحكماء، وكأن الفرق بينهم هو فقط في درجة التجريد بين الميتافيزيقا ~~والفيزيقا، بين ما وراء الطبيعة والطبيعة. ليس أحد طرفي الممكن بأولى من ~~الآخر لذاته نظرا لضرورة المرجح . يحتاج الممكن إلى علة تكون سبب ~~وجوده. والإمكان لازم للماهية وإلا أصبح ممتنعا وهو ذو ماهية وأن ماهيته ~~تحدث من خلال التحقق. لا يستغني الممكن في حال بقائه عن المؤثر. ولما ~~كان الممكن أساسا هو الذي لا يوجد بذاته، بل يحتاج في وجوده إلى علة ~~أو سبب فهو تابع غير مستقل، مركب غير بسيط، تختلف أجزاؤه ولا يتمتع بهوية ~~مع ذاته، متعدد وليس واحدا، صفاته إذن مقابلة لصفات الواجب. لا يتحقق ~~إلا لعلة أو سبب أو باعث. تحركه الدوافع. تصور القدماء أن علته وسبب ~~وجوده من خارجه، وهي من داخله، من طبيعة الفصم فيه وليست مفروضة عليه، ~~يتحقق بفعله الطبيعي وبتلقائيته وبإرادة حرة كامنة فيه، وليس بفعل الآخر ~~فيه. بل إن الحركات الإصلاحية الحديثة لم تتخل ms336 عن لغة الاحتياج؛ فالممكن ~~يقتضي الواجب ويحتاج إليه، ولكن الواجب لا يحتاج إلى الممكن ولا يقتضيه. ~~والرجحان مقولة إنسانية خالصة تعبر عن وجود الاحتمال في السلوك وعن حرية ~~الاختيار ووجوب البواعث على الترجيح. كما أن الحاجة مقولة إنسانية تعبر ~~عن موقف إنساني خالص لأن الطبيعة لا تحتاج. # 71 # والاستغناء مقولة إنسانية؛ فالطبيعة لا تستغني عن شيء ولا ~~تفتقر إلى شيء. الوجود الإنساني الهش في لحظات الضعف والخور وفي أوقات ~~الهزيمة والعجز هو الذي يحتاج ويفتقر إلى غيره لا إلى ذاته. إن أهم صفة في ~~الممكن هي الزمان والحركة؛ فالممكن في الحاضر والمستقبل، أما الماضي فقد ~~تحول إلى واجب، وهو وجوب إنساني خالص، ولا ممكنات خارج الموقف الإنساني. # 72 # وفي حقيقة الأمر إن علاقة الواجب بالممكن علاقة الاحتياج إنما ~~تكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية وبنيتها؛ إذ لا يحتاج السيد إلى العبد ~~في حين أن العبد يحتاج إلى السيد. لا يحتاج الراعي إلى الرعية في حين تحتاج ~~الرعية إلى راع، وهي صورة التسلط ونموذج القهر. وإذا كانت الممكنات ~~متعددة والواجب واحد وبالتالي فعلاقة الواجب بالممكن هي علاقة الواحد ~~بالكثير، علاقة الحاكم بالمحكومين، وهي نفس العلاقة بين «الله» والعالم. ~~ويكون السؤال إذن: كيف يتغير هذا النمط في العلاقات؟ هل يتغير بتغير ~~الفكر الديني حتى يتغير الوضع السياسي أم يتغير الوضع السياسي حتى ~~يتغير الفكر الديني؟ # 73 # وهل صحيح أن السيد لا يحتاج إلى العبد وإلا فمن الذي سيقوم ~~بالعمل اليدوي وبالإنتاج؟ وهل صحيح أن العبد يحتاج إلى السيد وإلا ففيم ~~كانت ثورة العبيد؟ # ولم يفصل القدماء أحكام المستحيل كما فصلوا أحكام الواجب والممكن ~~نظرا لأن المستحيل كالعدم ليس شيئا، وبالتالي لا يمكن تحديده إلا إضافة ~~إلى الواجب والممكن؛ فالمستحيل لذاته لا يطرأ عليه وجود؛ لأن العدم من ~~لوازم ماهيته. والمستحيل لا يوجد لا في الخارج ولا في الذهن. والمستحيل في ~~حقه «تعالى» ما لا يتصور في العقل وجوده. وفي حقيقة الأمر، المستحيل أيضا ~~مقولة إنسانية خالصة من مقولات المنطق واللغة وليس من مقولات ms337 الفعل ~~والسلوك؛ أي إنها مقولة نظرية وليست مقولة عملية؛ فالمستحيل في المعنى ~~اجتماع الضدين؛ إذ إن الضدين لا يجتمعان. والمستحيل في القول هو القول ~~المتناقض بأن يقال الإنسان قائم قاعد أو قائم ولا قائم أو أن الإنسان حر ~~عبد أو حر ولا حر. والمستحيل في المعنى والقول هو كل قول لا معنى له وإلا ~~كان لغو كلام. أما الكذب فليس محالا كموقف إنساني وإن كان محالا بمعنى ~~أنه قول متناقض مع الواقع طبقا لنظرية التطابق. ولكنه لما كان يبدو في ~~موقف إنساني حي وليس في منطق صوري تجريدي تشابك مع الموقف الإنساني ودخل في ~~نطاق الرؤى والتأويلات والأهواء والمصالح، وأصبح جزءا من منطق الاشتباه. # 74 ~~(3-4) أحكام القديم # وتنتهي كل المباحث الوجودية إلى قسمة الوجود إلى قديم وحادث. وهنا تبدو ~~نظرية الوجود وكأنها مقدمة للإلهيات أو تعبير عقلي عنها. «الله» هو القديم، ~~والعالم هو الحادث حتى إنه ليصعب التمييز بين نظرية الوجود وبين الموضوع ~~الأول في العلم وهو التوحيد، ويكون دليل الحدوث هو حلقة الاتصال بين ~~نظرية الوجود وموضوع التوحيد، بل ويتعداها أحيانا إلى موضوع الإيمان عندما ~~ينقسم الإيمان أيضا إلى قديم وحادث، بل وكل شيء إلى قديم وحادث. # 75 # ولا يوجد انتقال طبيعي من مقولتي الواجب والممكن إلى مقولتي ~~القديم والحادث، وكأن هناك افتراضا مسبقا بأنهما شيء واحد يعبران عن ~~عملية شعورية واحدة بلغتين مختلفتين: الأولى لغة الميتافيزيقا والثانية ~~لغة الطبيعة، الأولى لغة الحكماء والثانية لغة المتكلمين، وكأن المتكلمين ~~كانوا أقرب إلى علماء الطبيعة من الحكماء. # ويتحدث القدماء عن القديم والحادث لا عن القدم والحدوث بدافع تشخيص ~~المفاهيم حتى تساعدهم في تصوير الذات المشخص والحديث عنه. فيجعلون أحكام ~~القديم اثنين؛ الأول: أنه لا يستند إلى القادر المختار؛ أي إنه لا يتأثر ~~بالإنسان وحرية أفعاله. لا يؤثر فيه شيء، وخارج عن نطاق الحرية الإنسانية ~~كالعالم والوجود. يتصف القديم بأنه مغاير للحرية الإنسانية. أما ~~الحكماء فإنهم أسندوه إلى الفاعل؛ لأن إيجابه بالذات وليس بالفعل، وهو ~~تصور يجعل القديم أكثر حيوية ونشاطا ms338 نظرا لاتصافه بالفعل وليس ~~بالقدم. وقد حذا بعض المتكلمين حذو الفلاسفة وجوزوا استناد القديم إلى ~~الموجد بالتأثير فيه ودوام هذا الأثر. ولكن ما زالت الأغلبية ترى عدم جواز ~~استناده إلى المختار؛ لأن الاختيار مسبوق بقصد الإيجاد؛ أي إنه مشوب ~~بالحدوث والإمكان أو بالعدم والاستحالة. ويكون الخلاف في القديم هل هو موجب ~~أم مختار؟ ولا حرج في جعله مسبوقا بقصد الاختيار؛ لأن الاختيار هنا ~~بالذات لا بالزمان. أما عدم جواز استناده إلى الموجب القديم فلأن ذلك ~~يؤدي إلى الحدوث. وبالتالي يظل السؤال عن القديم، هل هو ضرورة أم حرية؟ وهو ~~الفرق بين المتكلمين والحكماء بوجه عام. # 76 # والحكم الثاني للقديم أنه يوصف به ذات «الله» تعالى اتفاقا عند ~~الأشاعرة. وأنكره المعتزلة لفظا وقالوا به معنى؛ فالقول بالقدم مشابه ~~لقول النصارى في إثبات أقانيم ثلاثة قديمة: العلم والوجود والحياة. وأثبت ~~المتكلمون سبعة: العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة. # 77 # وهنا يدخل موضوع قدم الصفات استباقا قبل أوانه، وكأن ~~«القديم» تمهيد مسبق للإلهيات في موضوع الصفات. وفي حقيقة الأمر إن القديم ~~ليس صفة للذات لا لفظا ولا معنى، بل هو تجربة إنسانية صرفة إيجابا ~~وسلبا؛ فالقديم يعني الأصل والجذور والامتداد في الماضي والعمق التاريخي. ~~أما إذا تحول إلى هروب إلى الماضي من حيث هو قيمة في ذاته تعويضا عن ~~أزمات العصر وعجزا عن الدخول في تحدياته وانعدام الرؤية المستقبلية، فإنه ~~يصبح تجربة سلبية. # 78 ~~(3-5) أحكام الحدوث # وبالرغم من تشخيص القدم في «القديم»، إلا أن الحدوث لم يتشخص هنا في ~~«الحادث»؛ لأنه لا حاجة له؛ فالتفكير في الطبيعة وفي الموجودات لا يحتاج ~~إلى تشخيص. وكما أن للقديم حكمين فللحادث حكمان: الأول أن الحادث هو ~~المسبوق بالعدم؛ أي إنه كان معدوما قبل أن يكون موجودا، أوله العدم. أو ~~هو المسبوق بالغير وهو تعريف أعم. ويركز القدماء على البداية دون ~~النهاية، مع أن الحادث هو ما هو مسبوق بالعدم وما ينتهي إلى عدم. ويبدو أن ~~السبب في ذلك هو ربطه بالقديم عن طريق القلب؛ ms339 فعكس القديم الحادث وعكس ~~الباقي هو الفاني، وهو ما سيظهر في أول موضوع من الإلهيات في أوصاف الذات. ~~والثاني أن الحدوث بهذا المعنى يستدعي مادة ومدة عند الحكماء؛ أي مادة ~~وزمانا. ومع ذلك لم يستطع الحكماء حل قضية القدم والحدوث لهما بالرغم من ~~التفرقة بين الإمكان الوجودي والإمكان الاستعدادي؛ فقال الحكماء بقدم ~~المادة وقدم الحركة وقدم الزمان. # 79 # ويبدو أن هذين المفهومين في حقيقة الأمر القدم والحدوث كان ~~الهدف منهما إيجاد تبرير عقلي لنظرية الخلق. وقد أدى هذا التبرير إلى أن ~~جعل العدم هو الأصل والأساس والوجود ملحق به خارج عنه وطارئ عليه؛ فالعدم ~~سابق على الوجود. في البداية كان العدم مع أن العدم لا وجود له عند ~~الأشاعرة. ولا تحل النظرية كيفية خروج الوجود من العدم. وهل يخرج الشيء ~~من اللاشيء؟ وهل تخرج المادة من اللامادة؟ وإذا كان «الله» سابقا على ~~الخلق، فهل «الله» مساوق للعدم، وهل العدم مساوق «لله»؟ وماذا عن الواسطة ~~بين الوجود والعدم وهو الحال؟ وهل يتم الخروج بإرادة خارجية أم بتطور ~~طبيعي داخلي؟ ومن ثم تكون شبهة قدم العالم عند المتكلمين واختياره ~~عند الحكماء لها ما يبررها حلا لكل هذه التساؤلات. إنه الساحر فقط ~~القادر على إخراج الوجود من العدم في هذا النموذج؛ أي الإرادة الخارجية ~~القادرة على إخراج شيء من لا شيء، أو هو الفعل المعجز الذي يخرق قوانين ~~العلم والطبيعة. والسحر خداع للحواس ودوران حول انتباه الشعور. أما ~~المعجزات فقد ارتبطت بتاريخ الإنسانية في الماضي من أجل تحرير الشعور، وبعد ~~إكمال الغاية: استقلال العقل وحرية الإرادة، أصبح الإنسان قادرا بعقله على ~~فهم قوانين الطبيعة الثابتة وإدراكها، كما أصبح قادرا بإرادته على تسخيرها لصالحه. # 80 # إن عيب الحدوث هو جعل العالم تابعا غير مستقل هشا، أقرب إلى ~~العدم منه إلى الوجود لا استقرار فيه ولا نظام، طيعا لإرادة قاهرة ~~تسيره كيفما تشاء. وميزته أنه يجعل الإنسان قادرا عليه، طيعا لقدرته ~~ومستقبلا لفعله الحر، يكيفه حسبما يشاء، فينشأ الصراع بين إرادتين: ~~إرادة الزعيم الأوحد أم ms340 إرادة الجماعة والأمة. # إن مفهومي القدم والحدوث هما في حقيقة الأمر من الأمور الاعتبارية ~~التي توجد في الذهن لا في الخارج. وهما مفهومان متضايفان؛ إذ لا يفهم ~~أحدهما بدون الآخر، بل ومتعارضان بقدر ما يعطى للأول يسلب من الآخر، ~~وبقدر ما يعطى للآخر يسلب من الأول. ويكون السؤال: أيهما الأساس ~~وأيهما الفرع؟ الحادث أولا ثم بالقلب يتحول إلى قديم؟ أم القديم ~~أولا ثم بالقلب يتحول إلى الحادث؟ إن المشاهدة تثبت أن المعرفة إنما ~~تنشأ من خلال الحواس، وكما وضح ذلك في نظرية العلم. وبالتالي ينشأ مفهوم ~~الحادث أولا في ذهن الإنسان؛ إذ إنه يعيش في عالم متغير متقلب؛ عالم ~~الكون والفساد بتعبير القدماء. ثم يتحول هذا المفهوم بفعل الإيمان أو ~~اقتضاء لمطلب نفسي إلى النقيض وهو القديم حتى يستطيع الإنسان أن يجد ~~اتزانه في العالم بين المثال والواقع، بين الواجب والممكن أو بين القديم ~~والحادث؛ فالإنسان موجود بين عالمين. ~~(4) الوحدة والكثرة # وتبلغ أيضا قمة الأبحاث النظرية في مبحث «الوحدة والكثرة»، كما كان الحال ~~في مبحث الوجود والعدم، وهو المبحث الميتافيزيقي الأول كما هو معروف في الفكر البشري. # 81 # تظهر نظرية الوجود أيضا في مبحث الوحدة والكثرة، ويضم هذه المرة ~~الميتافيزيقا والأنطولوجيا وليس الميتافيزيقا والطبيعة كما هو الحال في مبحث ~~القدم والحدوث. وهما أيضا مفهومان متضايفان لا يفهم أحدهما إلا بالإحالة ~~إلى الآخر. ولكن بما أنهما مفهومان مجردان، وليس أحدهما مجردا والآخر ~~حسيا، صعب معرفة النشأة الحسية لأحد المفهومين الوحدة أم الكثرة، أيهما ~~الأصل وأيهما الفرع؛ فالإنسان واحد والآخرون والأشياء كثيرة، فهل الوحدة أصل ~~الكثرة استنباطا، أم إن الكثرة أصل الوحدة استقراء؟ هل الجدل النازل هو ~~الأصل أم الجدل الصاعد؟ هل هما منهجان عقليان أم طريقان وجوديان؟ عمليتان ~~شعوريتان أم حركتان اجتماعيتان؟ من الأعلى إلى الأدنى أو من الأدنى إلى ~~الأعلى، أم قانونان تاريخيان من الأمام إلى الخلف أو من الخلف إلى ~~الأمام؟ ~~(4-1) الوحدة # الوحدة تساوق الوجود عند القدماء، فلا وجود بلا وحدة. ولما كان الوجود ~~كثيرا، فإن الوحدة تساوق ms341 الكثرة. الوحدة والتعدد واجهتان لشيء واحد. ~~والوحدة كون الشيء بحيث لا ينقسم إلى أمور مشاركة في الماهية، في حين أن ~~الكثرة ما يقابلها من الاعتبارات العقلية دون أن تكون عدما لها أو ضدا ~~أو مضايفة؛ فمقابلة الوحدة والكثرة ليست ذاتية بل عرضية. الوحدة عدم ~~القسمة إلى أمور مشتركة، والكثرة قسمتها إلى أمور مشاركة. أما الوحدات ~~العددية فهي وحدات مستقلة في حين أن مراتب الأعداد متباينة بالماهية. ~~وينقسم الواحد إلى واحد بالشخص، وهو الذي يمنع نفس مفهومه عن الحمل على ~~كثيرين، وإلى واحد من وجه وكثير من وجه وهو الواحد بالغير. والواحد بالشخص ~~إن لم يكن له مفهوم فهو الوحدة مثل النقطة، وإن كان له مفهوم فهو إما ~~ذات تصنع أو تفارق أو تتصل حين تشابه الأجزاء أو تجتمع حين اختلافها ~~وهذا هو الواحد الأنطولوجي. أما الواحد من وجه والكثير من وجه؛ أي الواحد ~~لا بالشخص، فهو إما أن يكون ماهية إذا أطلق على النوع أو يكون جزءا ~~منها إذا أطلق على الجنس والفصل، وإما أن يكون خارجا عنها، ويكون إما ~~محمولا أو موضوعا، وهذا هو الواحد المنطقي. كما ينقسم الواحد الوجودي إلى ~~تام وناقص، وينقسم التام إلى طبيعي ووضعي واصطناعي. والواحد المنطقي يكون ~~اتحادا إما بالنوع في المماثلة أو بالجنس في المجانسة أو بالعرض. ~~والواحد بالعرض بالكم مساواة ، وبالكيف مشابهة، وبالإضافة مناسبة، وبالشكل ~~مشاكلة، وبالوضع موازاة، وبالأطراف مطابقة. # 82 # يثبت هذه الأمور الحكماء وينكرها المتكلمون. ويبدو أن ~~إثبات الحكماء هو الذي طغى على أنظار المتكلمين نظرا لدخولها كجزء من ~~نظرية الوجود بالرغم من خشية المتكلمين من إثبات المعاني خارج الذهن خشية ~~الوقوع في الشرك. ولما كان إثبات الحكماء صوريا خالصا، فلم يعش في ~~وجدان الأمة. وفي حقيقة الأمر إن هذه الأمور من الاعتبارات العقلية ~~الخالصة؛ أي إنها من وضع الشعور وإسقاطها على الواقع. الوحدة والكثرة ~~تصوران أو نظرتان أو قطبان للشعور يشارك فيهما العقل والخيال. # 83 # ولكنهما يعبران عن تصور مثالي للعالم الذي هو تجريد ~~للعواطف الدينية والمواقف الاجتماعية والسياسية؛ ms342 فالوحدة والكثرة في ~~نشأتهما ليسا مفهومين رياضيين أو تصورين منطقيين، بل وضعان اجتماعيان ~~وموقفان إنسانيان؛ فهناك الواحد والكثير على مستوى الطبقات الاجتماعية ~~والأحزاب السياسية والدول المستقلة. قضية الوحدة والتنوع مثل قضية الهوية ~~والاختلاف تظهر في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والوطنية. هناك ~~نظم واحدية بلا تعدد، فتظهر نظم تسلط وطغيان. وهناك نظم تعدد ~~وتكثر فيظهر فيها التشتت والتفرق وسيادة الأقوى على الأضعف. وإذا كان ~~القدماء قد صاغوا الأمر على مستوى صوري خالص، فإنما يرجع في حقيقة الأمر ~~إلى موقف ديني من العالم - فالله هو «الواحد» والخلق هم الكثير - يعبر ~~بدوره عن موقف اجتماعي وسياسي؛ فالحاكم هو الواحد والمحكمون كثيرون، وصاحب ~~رأس المال واحد والمنتجون كثيرون، والرئيس واحد والمرءوسون كثيرون، والحق ~~واحد والباطل كثير، والصواب واحد والخطأ كثير، والهدى واحد والضلال كثير، ~~مما يرجعنا إلى طبيعة المجتمعات أحادية الطرف، ومما يحيلنا إلى حديث ~~«الفرقة الناجية»؛ # 84 # لذلك غابت في وجداننا القومي وحدة الشخصية بلا نفاق ومداهنة ~~وتملق، ووحدة الطبقات الاجتماعية بلا أغنياء وفقراء، والوحدة الوطنية بين ~~فرقاء النضال، والوحدة السياسية بين الدول المستقلة حديثا، والوحدة ~~الاقتصادية بين الدول المتكاملة بالرغم من شعارات وحدة الهدف، ووحدة ~~المصير، ووحدة الذات، ووحدة اللغة، ووحدة الدين، ووحدة الأمة. هناك الواحد ~~بلا كثرة في النظام والحكم، وكثرة بلا وحدة في الدول والشعوب والمصالح ~~المتباينة والأهواء المتضاربة ومعارك الحدود وحرب الإذاعات والتخوين المتبادل. # 85 ~~(4-2) الكثرة # أما مباحث الكثرة فإنها في الغالب مباحث الإثنينية، وكأن الجمع قد ~~تقلص إلى المثنى دون ما بعده، مع أن الأصوليين قد جعلوا أقل الجمع ~~ثلاثة. ويبدو أن التقابل بين الاثنين قسمة عقلية تساعد على تجريد العواطف ~~الدينية ووضعها في صيغة القديم والحادث والواجب والممكن؛ فالواحد هو الواجب ~~القديم، والكثير هو الممكن الحادث. والاثنان هما الغيران، ولا يتحدان لأن ~~الاختلاف بين الهويتين أو الماهيتين اختلاف بالذات. الغيرية نقيض الهوية، ~~وينقسم الاثنان قسمة عقلية مجردة صرفة، إن اشتركا في الماهية، فهما ~~متماثلان وإلا فهما متخالفان، وإن اشتركا في الوضع فهما متلاقيان، وإلا ~~فهما متساويان، ms343 وإن لم يشتركا فهما متباينان، وإن امتنع اجتماعهما فهما متقابلان. # 86 # وإن وجدا معا فهما إما ضدان أو مضافان، وإن كان أحدهما ~~وجوديا والآخر عدميا فهما إما حقيقيان أو مشهوران. وإن لم يعتبر ~~الوجود والعدم، فأحدهما سلب والآخر إيجاب. وقد يقتصر الأشاعرة تسهيلا ~~للقسمة على ثلاثة أقسام: المثلان وهما الموجودان المشتركان في الصفات ~~النفسية، المشاركة في الوجوب والإمكان والاستحالة، والضدان وهما معنيان ~~يستحيل لذاتهما اجتماعهما في محل من ~~جهة، ولم يشترط المعتزلة اتحاد المحل، والمتخالفان وهما موجودان لا يشتركان ~~في صفة النفس ولا يمتنع اجتماعهما لذاتيهما في محل من جهة. # 87 # والمتقابلان لا يجتمعان عند الحكماء في زمان واحد في ذات ~~واحدة من جهة واحدة. فإما أن يكون أحدهما سلبا للآخر أو لا يكون. ~~والأول هما المتضايفان وإلا فهما الضدان. ولا يكون التضاد إلا بين أنواع ~~جنس واحد. وما يتوهم بخلاف ذلك نحو الفضيلة والرذيلة ونحو الخير والشر فمن ~~العدم والملكة؛ إذ التضاد فيه بالعرض. ولا تنطبق إذن هذه القسمة العقلية ~~الصورية على الأفعال اليومية والمواقف الإنسانية. ولا تضاد إلا بين الأطراف ~~وذلك ثابت بالاستقراء. وقد يكون التقابل بالذات بين السلب والإيجاب، أو قد ~~يكون التضاد أقوى التقابلات. # 88 # والسؤال الآن ما الحكمة من كل هذه التقسيمات النظرية الصورية ~~مسبقا دون تجارب تصدقها ودون أي موضوع تشير إليه؟ هل هي حلول نظرية لمباحث ~~نظرية وكأننا في الرياضيات البحتة، وبالتالي استطاعت الأمور العامة أن ~~تعطينا علما أولانيا لمقولات الفكر ومناطق الوجود أم إننا في فكر مثالي ~~كنوع من التجريد والتنظير للفكر الديني الذي يعبر عن عواطف الإيمان؟ ألا ~~تنتهي هذه المعادلات كلها إلى ثنائية «الله» والعالم؟ أليس موضوع الوحدة ~~والكثرة هو على نحو ما موضوع وحدة الذات، وتعدد الصفات أول موضوع في ~~الإلهيات؟ وهل الحياة الإنسانية والتجارب البشرية تتضمن هذه التقسيمات ~~الرياضية؟ وماذا عن التقابل والتضاد وعدم الاشتراك في الماهية والتغاير؟ ~~ألا توجد تجارب إنسانية مثل الحب والوفاء والإخلاص والتضحية تثبت إمكانية ~~الاتحاد بين الاثنين المتغايرين، وأن الهوية أعمق من الاختلاف ms344 وأن الواحدية ~~أصل الإثنينية؟ يبدو أن رغبة العواطف الدينية في التمييز بين «الله» ~~والعالم دفعت العقل إلى أن يضحي بالتوحيد المطلوب الدفاع عنه، فانقلب الهدف ~~إلى هدف مضاد. هذا الإثبات للإثنينية كتغاير مبدئي قد يكون وراء الازدواجية ~~في شخصياتنا القومية وما ترتب عنها من آثار في السلوك. # 89 # وقد تكون وراء التشتت والتشعب والتضارب في حياتنا السياسية ~~وكأننا أصحاب ديانات ثنوية ولسنا دعاة توحيد! ~~(5) العلة والمعلول # والمبحث الأخير في الأمور العامة هو مبحث «العلة والمعلول»، مستعار من علوم ~~الحكمة ومن علم أصول الفقه، وكأن علم أصول الدين وهو بصدد تأسيس المقدمات ~~النظرية لم يستطع أن يبدع أسسا له واكتفى باستعارة أسسه من العلوم النقلية ~~العقلية الأخرى. ويشمل المبحث أيضا مفهومين: «العلة» و«المعلول». وتوضع ~~العلة قبل المعلول؛ أي الفاعل قبل الفعل، والسبب قبل المسبب كما هو الحال في ~~الواجب والممكن، والقدم والحدوث. وهو الوضع الاستنباطي العام الذي يبدأ من ~~الكل إلى الجزء أو ما يسمى بالتنزيل دون البداية بالمعلول والانتهاء إلى ~~العلة استقراء كما هو الحال في الفكر العلمي بوجه عام. وهناك عدة تعريفات ~~للعلة كلها تكرر نفس اللفظ وتكون أقرب إلى تحصيل الحاصل، منها: «ما كان ~~المعتل بها معتلا» أو «ما أوجبت معلولها عقبها على الاتصال وإن لم يمنعه ~~مانع» أو «التي تغير حكم محلها وتنقله من حال إلى حال» أو «ما تجدد الحكم ~~بتجددها» أو «الصفة الحالة للحكم أو المثيرة له أو المؤثرة فيه» أو «كل ما أوجب ~~استحقاقه تسميته به أو الصفة الموجبة لمن قام به حكما». # 90 # فهي كلها تعريفات نظرية لا تختلف كثيرا فيما بينها من حيث ~~دلالاتها؛ فالمبحث هنا عن الأسس النظرية العامة للعلم، وليس تعريفا محددا ~~لإحدى مقدماته. وقد تكون معنى أي ليست ذواتا قائمة بل معاني خشية التعدي على ~~الإرادة «الإلهية» المشخصة وإنكار أية فاعلية لها. وقد تكون العلة تصورا ~~بديهيا ليس في حاجة إلى تعريف. # 91 # وفي كل الأحوال يقوم مبحث العلة والمعلوم على فكرة الاحتياج مثل ~~مباحث الواجب والممكن والقدم والحدوث؛ ms345 فكل شيء محتاج إلى غيره، وهو احتياج ~~ضروري؛ فالمحتاج إليه هو العلة والمحتاج هو المعلول، ويجعل الاحتياج العلة ~~مستقلة والمعلول تابعا، وتكون العلاقة بينهما علاقة الاستقلال بالتبعية. ~~والعلة لا تتعدى محلها كما هو الحال في العلم الطبيعي، أو يتعداها كما هو ~~الحال في العلم الإلهي؛ لأن «الله» مريد بإرادة حادثة قائمة بذاتها؛ فتوابع ~~الحياة كالعلم والقدرة إذا قامت بجزء من الحي أوجبت للجميع حكمها مع أن هذا ~~يتوقف على الموقف الخاص كما يتوقف على قوة العلة والتأثير وعلى نطاق العلل ~~الطبيعية والموانع والشروط، وليس فقط على العلة المشخصة. # 92 # والعلة والمعلول أو العلية والمعلولية اعتباران متضايفان لا يفهم ~~أحدهما إلا بالآخر من لواحق الوجود والماهية ومن الاعتبارات العقلية التي لا ~~تتحقق في الأعيان وإلا لزم التسلسل عند المتكلمين. ولا يجتمعان في شيء واحد ~~إلا باعتبارين كالعلة المتوسطة التي هي علة لمعلولها ومعلولة لعلتها. والسؤال ~~الآن: هل هما من لواحق الوجود والماهية، أم بحث مستقل من الأمور العامة؟ وإذا ~~لم يكن لها وجود في الخارج، فهل قوانين الطبيعة من وضع الذهن؟ # وتطغى مباحث الحكماء على مبحث العلل، خاصة في نظرية العلل الأربع: المادة ~~والصورة للمركب والفاعلية والغائية للبسيط؛ فعند الحكماء لا يكون البسيط ~~قابلا وفاعلا، وهو تصور تنزيهي للبسيط، وكأن الفاعلية شرف والتأثر نقص، ~~وكأن العلية كمال والمعلولية نقص؛ فالعلة عند الحكماء إما جزء الشيء أو ~~خارجا عنه. والأول إما الصورة إن كان بالفعل أو المادة إن كان بالقوة. ~~والمادة لها أسماء عدة؛ فهي القابل والعنصر في البداية «والأسطقس» في النهاية. ~~والمادة والصورة علتان للماهية والوجود. أما الثاني فإما ما به الشيء وهو ~~الفاعل، أو ما لأجله الشيء وهي الغاية، وكلاهما علة الوجود. الصورة والمادة ~~للمركب، والغاية لا تكون إلا لفاعل مختار. وهنا تبدو نظرية العلل الأربع ~~معبرة عن تصور مثالي للعالم الذي يعبر بدوره عن عاطفة دينية متطهرة. ~~ويبدو فيها «الله» علة فاعلة وعلة غائية في آن واحد، متقدما على العالم ~~ولاحقا عليه، يدفع بالإرادة ويحرك بالعشق. ثم يستعير المتكلمون ms346 بعض أحكام ~~العلل من الحكماء، منها أن الواحد بالشخص لا يعلل بعلتين مستقلتين؛ لأن ~~الاحتياج للعلية وليس للعلل واحة أم كثيرة؛ ولأن العلتين أجزاء لعلة تامة ~~واحدة. وأما المثلان فهما واحد بالنوع ويجوز تعليله بعلتين مستقلتين. ويمكن ~~لمعلولات كثيرة أن يكون لها علة واحدة بسيطة. وليس السبب في ذلك أن جميع ~~الممكنات مستندة إلى «الله» فذلك هو المطلوب إثباته؛ لذلك منعه الحكماء إلا ~~بتعدد آلة أو شرط أو قابل منعا للإطلاق. كان يمكن لمبحث العلة والمعلول ~~والأمثلة المعطاة من الحرارة والبرودة والسخونة أن تكون مدخلا للعلم الطبيعي ~~وأن يتحول المنهج من القسمة العقلية إلى التجربة الفعلية فينشأ العلم وتتحول ~~ميتافيزيقا الوجود إلى علوم الطبيعة ولأصبح التوحيد مقدمة لنشأة العلم ~~والتوجه نحو العالم بدلا من التعبير عن العواطف الدينية بقسمة عقلية متطهرة ~~والاتجاه خارج العالم. لقد استطاع الحكماء تفصيل العلل المادية؛ فالقوة ~~الجسمانية لديهم تفيد أثرا متناهيا في المدة والشدة والمدة؛ لأن كل قوة في ~~المادة لها مقاومة وحركة قسر ذاتي. إلا أن تدخل الفكر الإيماني التطهري يقضي ~~على الفكر العلمي كي يوحي بأن العلة البسيطة وحدها هي التي لها تأثير غير ~~متناه. إن بزوغ الفكر العلمي من خلال الفكر التطهري ليبدو واضحا في مبحث ~~العلة والمعلول، ويتم الصراع بين تعدد العلل الثانية ووحدة العلة الأولى، ~~وكأن مبحث الوحدة والكثرة هو الذي ساد مبحث العلة والمعلول خاصة عند الحكماء. # 93 # ولكن تبارى المتكلمون في مبحث العلة والمعلول لإثبات امتناع الدور واستحالة ~~التسلسل إلى ما لا نهاية، وضرورة الانتهاء إلى علة ليست معلولة لعلة أخرى، ~~وكأن العلاقة الدائرية بين العلة والمعلول، أن تكون العلة معلولا وأن يكون ~~المعلول علة إلى ما لا نهاية، وكأن هذه العلاقة مضادة للفكر الديني الطولي ~~التطهري. ولماذا يكون الدور ممتنعا أي أن يكون شيئان، كل منهما علة للآخر ~~بواسطة أو دونها؟ ولماذا التفكير في العلة والمعلول ببداية مطلقة وفي خط ~~طولي؟ ولماذا لا تكون العلة معلولا ويكون المعلول علة في دورة أبدية مثل الماء ~~والبخار والطاقة والمادة؟ ms347 وفي المثل المشهور بين «الفرخة والبيضة»، لماذا ~~البحث عن «بيضة» أو «فرخة أولى»؟ وأي التصورين أقرب إلى العلم، التصور ~~الطولي أم التصور الدائري؟ أي التصورين يعبر عن الفكر الديني؟ صحيح أن ~~العلة مع المعلول، فلا معلول بلا علة ولا علة بلا معلول. ولكن حتى هذا لم يصل ~~إليه وجداننا القومي حتى الآن؛ إذ نرى عللا بلا معلولات، ومعلولات بلا علل، ~~ولا يوجد رباط ضروري بين العلة والمعلول مما يسبب نقل «التكنولوجيا» في مجتمع ~~متخلف، ومعالجة قضية التقدم من منظور متخلف. # 94 # ولماذا يستحيل التسلسل إلى ما لا نهاية، أن يستند الممكن إلى علة والعلة إلى ~~علة، وهو أقرب إلى تصور اللانهائية أساس التوحيد؟ لماذا لا بد أن نصل ~~بالضرورة إلى علة أولى تكون هي علة العلل؟ أليس هذا هو الفكر الديني المسبق ~~الذي يقوم على افتراض بداية أولى ونهاية أخيرة، وغاية قصوى وبقاء أبدي ... إلخ؟ ~~إن كل الأسباب التي تقال لإثبات استحالة التسلسل إلى ما لا نهاية لتعبر عن ~~افتراضات مسبقة من العقل التطهري مثل أن كل ممكن في حاجة إلى واجب. هذا افتراض ~~مسبق، وإسقاط مقولتين دينيتين عقليتين على مفهوم علمي طبيعي وهو العلية. إن ~~امتناع التسلسل لا يكون إلا في أمور موجودة بالفعل وليست متوهمة أو اعتبارية ~~خالصة. وفي الطبيعة دورات مستمرة، ولا توجد بداية مطلقة ولا نهاية قصوى. يقوم ~~الفكر العلمي على التواصل والاستمرارية وليس على الانقطاع. والعلة والمعلول وما ~~بينهما متناهيان. ولكن ذلك لا يعني تحويلهما أو على الأقل واحدا منها إلى ~~الضد؛ أي إلى علة أولى؛ فالدافع لذلك الرغبة في تحجيم العالم ورده إلى حدود ~~من أجل إطلاق قوى طرف آخر تسيطر عليه وتحتويه. # 95 # ويجوز أن يؤدي تسلسل العلل إلى زيادة المعلول؛ لأنه يمكن أن يكون ~~لعلة واحدة أكثر من معلول. # 96 # وتتداخل مباحث الأصول في السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان، دون العزيمة ~~والرخصة عند المتكلمين، وهي أحكام الوضع الخمسة، # 97 # كعرض نظري خالص دون أن تكون مرتبطة بالأفعال أو موجهة للسلوك كما ~~هو ms348 الحال في علم أصول الفقه. لا تتحقق العلة إلا باجتماع الشرائط وانتفاء ~~الموانع. ولكن الشرط جزء من الفاعل؛ لأن الفاعل لا يكون إلا باستجماع الشرائط ~~وامتناع الموانع. وعدم المانع ليس جزءا من الوجود، بل مجرد عرض طارئ كاشف عن ~~شرط وجودي. ويبين الشرط والمانع أن العلة والمعلول تتعلق بأمور تتحقق وليس ~~بمقولات نظرية صرفة. # ويبدو أن مبحث العلة والمعلول يختلف باختلاف نفي الأحوال أو إثباتها، مما يدل ~~على أهمية الحال كواسطة بين الوجود والعدم؛ فعند إثبات الحال تكون العلة صفة ~~توجب لمحلها حكما فتخرج الجواهر. العلة هنا صفة وليست مادة وهو أقرب إلى ~~تعريف الأصوليين. وحكم الصفة لا يتعدى المحل. المعلول الحكم الذي توجبه الصفة ~~في محلها؛ فالمعلول ليس مادة بل حكما. العلة صفة والمعلول حكم وهو أقرب إلى ~~منطق الأفعال عند الأصوليين منه إلى فلسفة العلم عند الحكماء. وحكم العلة ~~يتعدى محلها ولا يقتصر عليه كما هو الحال عند منكري الأحوال. العلة هنا شاملة ~~وعامة وليست قاصرة وخاصة؛ لأن العلة الأولى تقبع في الماوراء الذهني. والعلة ~~وجودية سواء ضرورة أو استدلالا وذلك نفي لكون العدم علة. والعلة العقلية مطردة ~~كلما وجد الحكم ومنعكسة، كلما انتفت العلة انتفى الحكم. وكل مطردة منعكسة ~~وليس كل منعكسة مطردة؛ فالإثبات أساس النفي وليس النفي أساس الإثبات؛ لذلك يظل ~~برهان الخلف برهانا سلبيا خالصا. وإيجاب العلة ليس مشروطا بشرط، إنما ~~الشرط في التحقق. ولا توجب العلة الواحدة حكمين مختلفين نظرا لضرورة ~~وجود مقاييس عامة للأفعال. ولا يثبت حكم بعلتين على عكس نفاة الأحوال حتى لا ~~تختلط الأفعال. والفرق بين العلة والشرط أن العلة مطردة والشروط غير مطردة، ~~والعلة وجودية والشرط قد يكون عدميا أو متعددا أو مركبا أو محل الحكم ~~أو صفة. والعلة لا تتعاكس بخلاف الشرط. والشرط قد لا يبقى ويبقى المشروط. ~~والصفة لها شرط وليس لها علة. والواجب لا يتحقق على عدم الشرط. والعلة مصححة ~~اتفاقا وفي الشرط خلاف. # 98 # وآخر قسم في مبحث العلة والمعلول يعرضه القدماء هو فيما لا يصح ms349 تعليله وما ~~يصح، وهو ما يعادل مبحث الصحة والبطلان في علم أصول الفقه؛ فما لا يصح تعليله ~~هو تعليل الذات في كونها ذاتا، فتلك بداهة شعورية ووضوح وجودي لا يحتاج إلى ~~تعليل. ولا يصح تعليل العدم والانتفاء وكل ما يؤدي إلى صفة النفي؛ لأن العدم ~~ليس موجودا. ولا يصح تعليل صحة كون العالم معلوما، فذلك تحصيل حاصل. والفعل ~~الواقع لا يحتاج إلى علة؛ لأن الوقوع ذاته خير دليل على وجود العلة دون ما ~~حاجة إلى إثبات. ولا تعلل أوصاف الأجناس، لما كان السواد سوادا والجوهر ~~جوهرا فالهوية لا تعلل. ولا يعلل التماثل والاختلاف؛ فالتضايف بداهة ~~حسية وقانون قلب عقلي. كما لا يعلل تضاد المتضادين وتغاير الغيرين. # 99 # أما ما يصح تعليله فهو كل حكم ثبوت لذات قائمة بنفسها عن معنى قام بها ~~مثل كون العالم عالما والقادر قادرا (إثبات الصفات للذات). والواجب لا ~~يمتنع تعليله لوجوبه كما أن الجائز لا يجب تعليله لجوازه (البراهين على وجود ~~«الله» أو إثبات الصانع)؛ فالحادث موجود وحسي، والواجب افتراض عقلي في حاجة إلى ~~إثبات. ويصح تعليل الأحكام المتوقفة على الدليل والتي لا يقطع فيها بإثبات ~~أو نفي إثبات للشيء، وكأن التعليل عامل مكمل للاستدلال. # 100 # ويتضح من هذا كله أن العلة والمعلول والشرط والمشروط كلها مفاهيم مساعدة ~~للفكر الديني العقلي. وأن الخلاف حول الأمور العامة هو في حقيقة الأمر خلاف ~~حول تصور العقائد وكيفية تنظيرها يبدو فيه الصراع بين الفكر العلمي والفكر ~~الديني، بين الفكر الطبيعي والفكر الإلهي. كما يتضح من هذه الأمور العامة ~~القسمة الثنائية للوجود التي تعبر عن التصور المثالي للعالم، وريث التصور ~~الديني التقليدي مثل الوجود والعدم، الجوهر والعرض، القديم والحادث، وهي ~~القسمة التي تعطي أحد الطرفين كل الثقل الأنطولوجي ثم تسلبه كلية عن الطرف ~~الآخر أو على الأقل تجعل أحد الطرفين شارطا والآخر مشروطا، وتجعل صلتهما صلة ~~التابع بالمتبوع وهو ما رسخ في وجداننا القومي حتى الآن. # يبدو مبحث العلة والمعلول على أنه مبحث طبيعي في فلسفة العلوم أو في ms350 المنطق ~~التجريبي، أو مبحث أصولي يحلل منطق السلوك، أو مبحث فلسفي عام من العلة ~~الأولى والعلل الثانية. وفي هذه الحالة الأخيرة يكون تعبيرا من الموقف الديني ~~الذي يعبر عن نفسه بالطهارة العقلية التي تعبر عن نفسها بدورها في قسمة ~~عقلية ذات طرفين تنظمهما علاقة شرف؛ فالبسيط أشرف من المركب، والكلي أفضل ~~من الجزئي، والذاتي سابق على العرض، والعام له الأولوية على الخاص؛ وذلك لأن ~~العلة أشرف من المعلول وسابقة عليه. وهل مبحث العلل أدخل في نظرية العلم أو ~~في نظرية الوجود؟ إلى أي حد يمكن أن يكون مبحث العلل أساسا عقليا أو ~~وجوديا للعقائد؟ وما اختلاف ذلك عن علوم الحكمة وعلم أصول الفقه؟ أم إن هذه ~~الأسس العقلية هي التي أتاحها العصر والتي كان لا بد وأن تدخل في البحث عن أسس ~~عقلية للعقائد؟ # 101 # وهل هي مجرد أبحاث مجردة ميتافيزيقية خالصة، أم إنها تتجاوز حدود ~~نظريتي العلم والوجود في المقدمات النظرية إلى توجيه السلوك وتنميط الأفعال؟ ~~وأحيانا يثور الشعور كله باسم التجربة الحية ضد هذه التقسيمات العقلية التي ~~تترك الشعور فارغا من أي مضمون حتى لو عبرت هذه التقسيمات عن الطهارة ~~العقلية والنظرة المثالية للعالم تعبيرا عن الموقف الديني. # 102 # هل هذه الأمور النظرية العامة مستمدة من طبيعة العقل ويمكن تطبيقها ~~على معطيات دينية أخرى، أم إنها مستمدة من العقائد «الإسلامية» وبالتالي يمكن ~~لكل عقائد إقامة أمور عامة نظرية خاصة بها؟ يسمح الافتراض الأول بإقامة علم ~~بديهي أولاني لجميع العقائد # Axiomatique # بينما ~~يحتاج الافتراض الثاني إلى وضع الأمور العامة الخاصة بكل نسق عقائدي في نظرية ~~أعم تكون هي المقدمات الأولية لكل نظام عقائدي. # 103 # والسؤال الأهم: هل التزم علم أصول الدين بهذه «الأمور العامة» أم ~~إنه خرج عليها في حومة الحماس للعقائد، وفي فورة الانفعال الديني حتى تساقطت ~~المقدمات النظرية بعد أن أصبحت فارغة بلا مضمون، وعادت العقائد كما بدأت ~~مضمونا للإيمان؟ وهل الأمور العامة الآن هي هذه الأطر النظرية التي تعتمد على ~~القسمة العقلية والانتهاء إلى طرفين ومنطق ms351 علاقات بين الأعلى والأدنى، أم إنها ~~الظروف الاجتماعية والسياسية التي تعيشها الأمة والتي تفرض إطارها النظري؟ لقد ~~كانت العقائد قديما في حاجة إلى تنظير من أجل الدفاع عنها ضد المخاطر النظرية ~~التي واجهتها من العقائد المجاورة. أما الآن فالعقائد في حاجة إلى تنوير ضد ~~المخاطر العملية التي تواجهها والتي تهدد الأنظمة المنبثقة منها. فالأمور ~~النظرية العامة التي صاغها القدماء بحثا عن أسس عقلية للعقائد هي الأوضاع ~~الخاصة لدينا التي تفرض علينا الدفاع عن مصالح الأمة. # 104 # | ثالثا: فينومينولوجيا الوجود (الأعراض) # تعني كلمة «فينومينولوجيا» هنا ببساطة ظواهر الوجود لما كانت الأعراض هو ما ~~يظهر، وما تبدو الأجسام من خلاله. # 1 # فقد كانت «ميتافيزيقا» الوجود أو الأمور العامة المدخل النظري لنظرية ~~الوجود عن طريق التوحيد الصوري بين العقل والوجود. أما الآن فهو المدخل الطبيعي ~~الواقعي الحسي الاستقرائي للوجود، الوجود كما يبدو من خلال الظواهر. ومن ثم ~~فهو مبحث في «الظاهريات». قدمت «الأمور العامة» الأطر النظرية لظواهر الوجود، ~~الأولى كصورة والثانية كمضمون؛ ومن ثم تتحول وحدة العقل والوجود من مستواها ~~الصوري في «ميتافيزيقا» الوجود أو «الأمور العامة» إلى مستواها المادي في ~~«فينومينولوجيا» الوجود. ~~(1) تعريف العرض وإثباته وقسمته وأحكامه وغايته # العرض صفة للشيء، والأعراض مظاهر الطبيعة، ما يظهر للإنسان كموضوع للوصف. ~~تتصدر مبحث الأعراض إذن نظرية في الصفات؛ إذ إنها أعم من ~~الأعراض، والأعراض إحدى حالاتها. وبصرف ~~النظر عن هذا المدخل النظري للأعراض وصلتها بالصفات، وهل الصفات مادية في الشيء ~~وبالتالي تكون موضوعا للعلم الطبيعي أم معاني في الشعور وبالتالي تكون موضوعا ~~للفلسفة، فإن تعريف العرض عند المتكلمين هو أنه موجود قائم متحيز أو ما لو ~~وجد لقام بالتحيز لأنه ثابت في العدم. # 2 # وعند الحكماء ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع؛ أي في محل ~~مقوم. # وإثبات الأعراض معلوم بالحس والمشاهدة. فإذا ثبتت الأعراض ثبتت الجواهر ~~بالضرورة، فلا توجد الأعراض إلا في محل وهو الجوهر. ومن ثم يستحيل إثبات ~~الجوهر جسما دون إثبات للأعراض؛ لأن الجوهر لا يعرف إلا من خلال الأعراض، ms352 ~~كما أن الوجود لا يعرف إلا من خلال مظاهره. وإنما تعبر هذه المحاولة عن رغبة ~~في إدراك الثبات لا الحركة، والدوام لا التغيير. وإثبات الأعراض أبعاضا ~~للأجسام مشكلة لفظية؛ فسواء كان العرض في الجسم أو بعض الجسم فهو موجود. ~~وإثبات الأعراض صفات للأجسام أو معاني لا هي الأجسام أو غيرها محاولة لإدراك ~~الطبيعة في بعديها الصوري والمادي، العقلي والحسي. إن إثبات الأعراض في نهاية ~~الأمر هو إثبات لبعدي الطبيعة: الأعراض والجواهر، لما كانت الجواهر لا تتعرى ~~عن الأعراض ولما كانت الأعراض لا توجد إلا في محل. ومن ثم يصعب نفي الأعراض. # 3 # وتنقسم الصفات الثبوتية باعتبارها أعراضا ~~إلى صفات نفسية، وهي التي تدل على الذات مثل الجوهر والوجود أو الذات، وإلى ~~صفات معنوية، وهي التي تدل على معنى زائد كالتحيز والحدوث وقبول الأعراض. # 4 # وهي نفس القسمة القديمة للممكن عند الحكماء أو للحادث عند الفلاسفة ~~إلى جوهر وعرض؛ فالممكن إما أن يكون في موضوع وهو العرض أو لا في ~~موضوع وهو الجوهر. والحدث إما أن يكون متحيزا وهو الجوهر أو قائما ~~بالتحيز وهو العرض أو لا متحيزا أو لا قائما بالتحيز. وتدل هذه ~~القسمة الأولى على الرغبة في البحث عن نقطة يقينية بديهية تبدأ منها قسمة ~~الوجود تكون هي التموضع أو التحيز أو الحلول أو القيام؛ أي تحقيق الوجود في ~~صورته الأولى، ثم تتوالى التقسيمات تبعا لضرورة العقل حتى يتم استنباط الوجود ~~كله ظواهر وأجساما من ضرورة العقل. وقد تنقسم الصفات الثبوتية إلى صفات ~~نفسية وصفات معنوية كالصفة المعللة، وصفات حاصلة بالفاعل وهي الحدوث، وصفات ~~تابعة للحدوث ولا تأثير للفاعل فيها منها واجبة كالتحيز وممكنة تابعة ~~للإرادة. فإذا كان القسمان الأولان يؤسسان العلم الطبيعي كان القسمان الآخران ~~يؤسسان العلم الإنساني باعتبار كون الشيء قابلا للفعل والأثر. # 5 # فإذا كانت هذه القسمة الأولى للأعراض باعتبارها صفات من أجل تعريف العرض، ~~فإن قسمة الأعراض من أجل تصنيفها هي التي تكشف عنها؛ ~~فالأعراض عند الحكماء تنحصر في المقولات ~~التسع اعتمادا على الاستقراء؛ فالعرض ms353 إما يقبل لذاته القسمة وهو الكم، ~~ويدخل فيه المتصل والمنفصل، أو يقتضي النسبة لذاته وهي النسبة؛ أي يكون ~~مفهوما ومعقولا بالنسبة إلى الغير. والثاني ما لا يقبل القسمة وهو الكيف ~~الذي لا يقبل القسمة ولا النسبة. وتشمل النسبة سبعة أعراض: الأين، والمتى، ~~والوضع، والملك، والإضافة، وأن يفعل، وأن ينفعل؛ فالأعراض التسعة هي الكم ~~والكيف، ثم تشمل النسبة باقي الأعراض السبعة. ثم انفصلت الإضافة من النسبة ~~وكونت قسما مستقلا، وبالتالي أصبحت الأعراض أربعا: الكم والكيف والنسبة والإضافة. # 6 # وهنا تبدو المقولات التسع تفريعات أكثر مما تتحمل ضرورة العقل ~~التي ترضى أولا بالقسمة الثلاثية نسبة وقسمة وسواهما بعد القسمة الثنائية ~~للممكن في الموضوع وهو العرض والممكن في اللاموضوع وهو الجوهر. وهنا يتم ~~احتواء المقولات الطبيعية في الممكن ما دامت لا تعارض العقل، خاصة وأنه لا ~~يشار إلى مصادر تاريخية لها في حضارات أخرى قديمة أم مجاورة. # 7 # ليست الأعراض أجناسا لما تحتها، أو أنواعا لما فوقها؛ فليس الأمر هنا ~~يتعلق بمنطق الدوائر المتداخلة والاستغراق، بل صفات الأشياء على مستوى واحد ~~في الطبيعة. ويدخل في تقسيم الإدراك داخل الكيفيات النفسانية قسمته إلى ظاهر ~~وباطن؛ والباطن إلى تصور وتصديق؛ والتصديق إلى جازم وغير جازم إلى آخر ما ورد ~~من قبل في نظرية العلم، مما يدل على أن الفصل بين نظرية العلم ونظرية الوجود، ~~بين الذات والموضوع لا وجود له. # أما عند المتكلمين، فتنقسم الأعراض إلى ~~نوعين: الأول ما يختص بالحي وهي الحياة وما يتبعها من الإدراكات وغيرها ~~كالعلم والقدرة. والثاني ما لا يختص بالحياة كالأكوان والمحسوسات؛ أي الظواهر ~~الطبيعية الصامتة. وفي حقيقة الأمر إن كلا القسمين ينتميان إلى الظواهر الحية ~~مع اختلاف في الدرجة لا في النوع؛ فالمحسوسات موضوعات للحواس، والحواس أحد ~~مظاهر الحياة النفسية والبدنية، والأكوان لا تعرف أيضا إلا من خلال الحواس، ~~والحواس مظاهر حية للإنسان. الظواهر الحية إذن هي أول ما يعرفه الإنسان من ~~العالم، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة تظهر الحياة للإنسان في العالم قبل أن ~~يظهر له أي ms354 شيء أو طرف آخر مثل «الله». ويظهر الإنسان ككائن حي، ويظهر العالم ~~كموضوع مدرك للكائن الحي؛ وبتعبير آخر تظهر الحياة كذات وكموضوع. وظواهر ~~الحياة الذاتية والموضوعية معا ظواهر متناهية مرئية وليست ظواهر افتراضية؛ ~~أي إن الأعراض المرئية الملموسة هي موضوع العلم الأول. تقسيم العرض إذن إلى ~~غير حي وحي قسمة متداخلة؛ فالمحسوسات جزء من الحي. والألوان والأضواء مدركات ~~للبصر. والأصوات والحروف من مدركات السمع. والحرافة والمرارة والملوحة ~~والحلاوة، والدسامة والحموضة والعفوصة والقبض والتفاهة مدركات للذوق. والحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة، والثقل والخفة، والصلابة واللين مدركات اللمس. ~~فالمحسوسات ليست أجساما طبيعية، بل هي مدركات من عضو حي وهو جسم الإنسان؛ ~~لذلك نشأ التكرار في وصف العرض الحي بأنه سمع وبصر. وإذا عرفنا أن الحواس ~~الظاهرة والباطنة موضوع تحليل في العلوم الضرورية، المحسوسات والمشاهدات ~~والتجريبيات والحدسيات وبداءات العقول وجدنا أن وصف الإنسان قد تكرر ثلاث، ~~مرات مرة في نظرية العلم وأخرى في أقسام العرض غير الحي وثالثة في أقسام ~~العرض الحي، وكأن الأولى نظرية في العقل، والثانية نظرية في الموضوع، ~~والثالثة نظرية في الذات. ويلاحظ على تصنيف المتكلمين تفصيل بعض الأعراض دون ~~البعض (الأكوان، الألوان)، ووضع عدم الأعراض مثل الجهل والصمم والعمى، ووضع ~~موضوعات من نظرية العلم مثل الشك والاعتقاد، وترك البعض الآخر مثل الصحة والمرض. # 8 # ويلاحظ أن قسمة المتكلمين ذات طابع حسي؛ فهي تقسم المحدث، وليس ~~الممكن؛ أي ما هو قائم في العالم بالفعل وليس ما هو مفترض بالذهن كما يفعل ~~الحكماء؛ ومن ثم دخلت لديهم في القسمة الأعراض «الروحانية». وقد تزيد بعض ~~التقسيمات على العرض المشروط بالحياة التحرك، وتجعل مظاهر العلم كلها من حياة ~~وعلم وقدرة وإرادة وكلام ولذة وألم وبصر وشم في قسم واحد هو الإدراك، ثم ~~يقسم الإدراك قسمين: إدراك الجزئيات بالحواس وإدراك الكليات. وهنا تقترب ~~القسمة من قسمة الحكماء بإضافتها الحركة وهو ما سماه الحكماء التهيؤ بالدفع ~~(قوة) أو بالتأثر (لا قوة). # وفي كلتا القسمتين عند الحكماء والمتكلمين يبدو الإنسان والطبيعة، وتبدو ~~الظواهر الإنسانية الطبيعية كنوع من ms355 العلاقة بينهما. # 9 # فوجود الإنسان في الطبيعة هو أول مظاهر الوجود الإنساني. الإنسان ~~يوجد مع الآخر، ويتعامل مع الأشياء. ولولا سقوط هذه المقدمات النظرية لما غاب ~~هذا البعد الطبيعي للإنسان أو بعد الإنسان الطبيعي من وجداننا المعاصر، ~~والسؤال الآن: هل هذه القسمة للأعراض طبيعية صرفة أم إنها تخدم غاية خارج ~~الطبيعة؟ إن إدخال قسم لا يدخل في العرض أو الجوهر (الجسم) هو إفساح ~~المجال من جديد إلى وجود عالم آخر مفارق لهذا العالم. وقد يكون الهدف من إثبات ~~الأفعال كأعراض نزع مسئولية الإنسان عنها وحريته في الإتيان بها وممارستها. # 10 # ومع ذلك فإن قسمة الأعراض على هذا النحو، خاصة عند المتكلمين، لا ~~توحي بهذا القصد قدر ما توحي به قسمة الجواهر التي تسمح أكثر من الأعراض ~~بالجواهر المفارقة. # ويتفق الحكماء والمتكلمون بوجه عام على أحكام الأعراض؛ فهي مرة مذكورة في ~~قسمة الحكماء ومرة أخرى في قسمة المتكلمين. ومعظمها يبدو معقولا وإن كان يكشف ~~عن الصراع بين الفكر العلمي الطبيعي والفكر الديني الإلهي، فمنها: ~~(أ) # لا يجوز قيام العرض بالعرض عند أكثر العقلاء خلافا ~~للفلاسفة، وذلك اعتمادا على حجتين: الأولى أن قيام الصفة يعني ~~تميزها في الموصوف وليس في الصفة، والثانية أنه لو قامت الصفة ~~بصفة لزم التسلسل إلى ما لا نهاية ولا بد من الانتهاء إلى الجوهر ~~كحامل للأعراض. وقد احتج الفلاسفة بأن السرعة والبطء قائمان ~~بالحركة دون الجسم، والخشونة والملامسة قائمان بالسطح دون الجسم مع ~~أن الحركة والسطح كليهما أعراض للجسم. وقد يرجع الخلاف بين ~~المتكلمين والحكماء إلى وجود نموذج «إلهي » مسبق، وهي قضية الذات ~~والصفات التي توازي قضية الجوهر والأعراض؛ فالقيام لا يستدعي ~~التحيز عند الفلاسفة؛ لأن صفات «الله» قائمة دون تحيز، ~~وبالتالي يمكن قيام العرض بالعرض! ويكون السؤال أي المسألتين ~~هما الأصل وأيهما الفرع؟ إن الجوهر والأعراض في العلم الطبيعي هو ~~أساس الذات والصفات في العلم «الإلهي»؛ نظرا لنشأة المعارف في ~~الحس، ثم قياس الغائب على الشاهد كما هو معروف من نظرية العلم. # 11 ~~(ب) # لا ينتقل ms356 العرض من محل إلى محل عند المتكلمين، وبالتالي تبقى ~~صفات الأشياء ملازمة لها، ولأن تشخصه ليس لذاته عند الحكماء. ~~والحقيقة أن هذه مسألة علمية خالصة. والمشاهد أنه يجوز انتقال ~~العرض من محل إلى محل كانتقال الروائح إلى ما يجاورها والحرارة ~~إلى ما لا يلامسها بصرف النظر عن فاعل هذا الانتقال، سواء كان ~~الفاعل المختار أو الفيض من العقل «الفعال» للاستعداد الذي يحصل من ~~المجاورة! ويبدو أن الرغبة في تثبيت العرض في المحل ما زال يهدف ~~إلى غاية أبعد، وهو تثبيت العلاقة بين الذات والصفات في موضوع ~~التوحيد. ~~(ج) # لا يقوم العرض بمحلين ضرورة ولا يحل العرضان في محل واحد؛ ~~وذلك كما لا يوجد الجسم في مكانين ولا يوجد المكانان في جسم؛ ~~فالعرض يتعين في محله. ولا يفصل في ذلك في حقيقة الأمر إلا ~~الفكر العلمي. يخشى من هذا الحكم تقطيع العالم وتجزئته وتفرد ~~ظواهره منعا لاستمرار العالم واطراده، وكأن الاستمرار والبقاء ~~صفات للإرادة الشخصية خارج العالم وليس للظواهر الطبيعية في ~~العالم. وقد جوز بعض قدماء المتكلمين قيام العرض بمحلين في ~~التأليف مثل الجوار والقرب؛ فالعرض لا يخص المحل وحده بل يعم ~~أكثر من محل. يوجد اللون والرائحة في أكثر من شيء. هذه التجزئة ~~الأشعرية إضعاف للعالم وتقوية للإرادة المشخصة، في حين أن هذا ~~إضعاف لها؛ لأن بقاءها مشروط بفناء العالم وليس بقاء من ذاتها ~~بالاستقلال عن العالم بالرغم من بقائه. # 12 ~~(د) # العرض لا يبقى زمانين في علم الأشعرية؛ لأنه يقتضي التجدد ~~المستمر وتخصيص كل وقت بوقته بفعل القادر المختار. # 13 # واعتمدت في ذلك على حجج ثلاث: الأولى أنه لو بقيت ~~الأعراض لكانت باقية، والبقاء عرض، ولا يقوم العرض بالعرض، ~~وهذا إدخال للعقل في دوائر مغلقة منعكفا على ذاته وتحويله إلى ~~جدل فارغ بلا مضمون. والثانية أنه خلق مثله في الحالة الثانية، ولو ~~بقي لاجتمع المثلان. وهذا افتراض مسبق لإفساح المجال للقدرة ~~«الإلهية» التي تنفي ما قامت به أولا بلا سبب أو علة، بل لمجرد ~~إظهار القوة على حساب العالم. ms357 والثالثة أنه لو بقيت لامتنع زوالها، ~~وكأن وظيفة القدرة «الإلهية» تدمير العالم لتثبت ذاتها. وهذا كله ~~يقتضي أن تكون الظواهر الطبيعية غير مستقرة بذاتها، بل تحتاج إلى ~~بقاء وتجدد باستمرار بتدخل إرادة خارجية، وهو افتراض ~~ميتافيزيقي خالص لا يؤثر في الظواهر الطبيعية ما دامت قائمة ~~ومطردة. ولا يؤثر إلا إذا تجددت الظواهر وتحولت مما يبرر ~~تدخل إرادة خارجية. وهو موقف يهدم العلم الطبيعي ويدافع عن ~~الإرادة «الإلهية» على حساب استقلال الطبيعة وقوانينها، وكأن ~~الدفاع عن الإرادة «الإلهية» لا يكون إلا بهدم أسس العلم وبقاء ~~العالم. أما الحكماء فقد قالوا ببقاء الأعراض، وما لا يبقى يختص ~~بوقته لا قبل ولا بعد، وهو أقرب إلى التصور العلمي وبقاء ظواهر ~~الطبيعة. واعتمدوا في ذلك أيضا على حجج ثلاث: الأولى أن ~~المشاهدة تقر استمرار الظواهر؛ أي إثبات العالم دون نفيه دون ~~تدمير لهذا التصور الحسي العلمي بأي افتراض ميتافيزيقي مسبق. ~~والثانية أنه لا يجوز مثله في الأجسام؛ أي إثبات الأجسام وبقاؤها ~~في العالم دون تدميرها أو إلحاقها بإرادة تبرر وجودها في كل ~~لحظة وجود. والثالثة أنه يجوز إعادة العرض في الوقت الثاني، ~~وبالتالي فوجوده أولى. # 14 # ويبدو من الموقفين الفرق بين الفكر الديني عند ~~الأشاعرة وبعض المعتزلة، والفكر العلمي عند الحكماء. وقد يرجع ~~الخلاف أساسا إلى تصور الزمان، الزمان المتقطع المتجدد في كل ~~لحظة عند الأشاعرة مما يسمح بتدخل الإرادة «الإلهية» والزمان ~~المتصل المستمر عند الحكماء الذي تسري فيه قوانين الطبيعة. # وبالإضافة إلى أحكام الأعراض، يعرض القدماء عدة مسائل مكملة حول بقاء الأعراض ~~وفنائها وجنسها ورؤيتها، لم تتحول بعد إلى أحكام صريحة عليها اتفاق أو ~~اختلاف. يتفق الأشاعرة والمعتزلة معا على عدم بقاء الأعراض. ويبدو أن الدافع ~~في ذلك هو تخصيص وصف البقاء للذات «الإلهية»، كما يبدو ذلك في موضوع التوحيد. ~~ويكون السؤال: أيهما أكثر أثرا في حياة الناس وصالحهم، فناء الأعراض أم ~~بقاؤها؟ وهي مسألة فرعية على موضوع الفناء والبقاء بوجه عام، سواء للأجسام أم للأعراض. # 15 # ومن ثم كان السؤال الثاني: هل ms358 تفنى الأعراض؟ وهل تفنى بفناء ~~أو تبقى ببقاء؟ واضح أن القضية ليست سؤالا علميا بقدر ما هو تمرين عقلي ~~سابق لأوانه على موضوع الذات والصفات في موضوع التوحيد. وبالتالي فهو ليس ~~سؤالا علميا بقدر ما هو افتراض ميتافيزيقي. # 16 # ويكشف عن ذلك السؤال الثاني بعد الإجابة المعروفة سلفا بفناء ~~الأعراض، وهل تجوز إعادة الأعراض؟ ولما كان المعاد ضمن نسق العقائد كانت ~~الإجابة معروفة سلفا؛ ومن ثم تحول السؤال العلمي في نظرية الوجود إلى ~~إجابة إيمانية صرفة، وكأن علم أصول الدين لم يصبر حتى يتم مقدماته النظرية ~~ويستكمل أحكامها. ما دامت الأعراض لا تفنى فإنها باقية، وما دامت باقية فإنها ~~لا تعود. # 17 # والسؤال لنا نحن: أيهما أفضل لوجداننا القومي وصالحنا العام، ~~تركيز الفناء أكثر وأكثر كما تكشف عن ذلك الأمثال العامية: «الدنيا فانية»، ~~«كله فان»، أم إدخال البقاء كطرف ثان حتى يعاد التوازن المفقود إلى وعينا ~~القومي؟ ليس «الباقية في حياتك» أو «البقاء لله»، وكأننا في جنازة، ولكن البقاء ~~للبطولة والتضحية والشهادة، البقاء للأبطال وللشعوب في معارك التاريخ. # وكما تشخص الطبيعة تطبع الأشخاص وتصبح الأفعال أيضا من الموضوعات الطبيعية. ~~وهذا ما يبدو في السؤال عن جنس الأعراض الذي يخلط بين مقولة منطقية وبين فعل ~~إنساني وظاهرة طبيعية. كما يكشف عن رغبة في تجاوز العالم الطبيعي وظواهره إلى ~~العقل المنطقي بأجناسه وأنواعه كنوع من الإحكام والسيطرة عليه. والمنطق الصوري ~~تصور مثالي للعالم ويصح أن يكون قالبا للفكر الديني. قد يكون السؤال لا ~~معنى ولا دلالة إلا من حيث كشف عن الصراع بين الفكر العلمي الطبيعي والفكر ~~الديني «الإلهي»، # 18 # الأول لا يفرق بين ظاهرة وظاهرة، يضعها كلها تحت المجهر، في ~~حين أن الثاني يرتب المظاهر بين الأعلى والأدنى طبقا لمراتب الشرف ~~والكمال. # وكيف يثار سؤال عن رؤية الأعراض والأجسام ما دامت الظواهر والأشياء محسوسة ~~مرئية أمامنا؟ يبدو أن كثيرا من المسائل ليست مشاكل، بل تمرينات عقلية أو ~~مشاكل مفتعلة لإظهار بواعث دينية تدفع إلى التعظيم والتبجيل وإحداث الفصم في ~~الشعور بين ms359 الأدنى والأعلى، بين الناقص والكامل، لا فرق في ذلك بين الأعراض، ~~الحركة أو السكون أو اللون. قد تكون عقيدة عدم جواز رؤية «الله» هي السبب في ~~القول برؤية الأعراض والأجسام حتى يظهر الاختلاف والتباين بين المستويات. ~~وإنكار الحكماء رؤية الأجسام ليست بدافع ديني، بل لتوسط الألوان والأضواء، ~~مما يجعل الأجسام ليست مرئية بذاتها. وإذا كانت رؤية «الله» جائزة عند ~~الأشاعرة، فلأنه موجود وشيء؛ فالأشياء بالأحرى تكون مرئية مما يدل على حفاظ ~~الحكماء على الفرق بين المستويات أكثر من حفاظ الأشاعرة، وأن تنزيه الحكماء ~~ظل قائما في حين تحول تنزيه الأشاعرة إلى تشبيه وتجسيم. # 19 # إن معظم التساؤلات حول الأعراض والجواهر تمرينات عقلية من أجل إثبات صريح ~~أو ضمني لقدرة مطلقة لإرادة مشخصة. # 20 # وتكون الإجابة باستمرار إجابتين: الأولى تغليب القدرة على الطبيعة ~~من حيث المبدأ، والحفاظ على المبدأ، والتضحية بالطبيعة، وهو موقف خاطئ؛ لأن ~~المبدأ ليس في حاجة إلى دفاع عنه، بل الذي في حاجة إلى احترام ودفاع هما ~~الطبيعة والإنسان. ولا تكون طريقة الدفاع بالهجوم على الطبيعة والنيل منها ~~والطعن في قوانينها والقضاء على استقلالها والتضحية بها، بل باحترامها وإدراك ~~قوانينها الثابتة وتسخيرها لصالح الإنسان، وهو دفاع صوري بلا مضمون، دفاع مجاني ~~بلا ثمن، يكشف عن مزايدة رخيصة على إيمان العقلاء وعقل الحكماء ومشاهدات ~~العلماء. ويؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى سيادة الفكر الديني على الفكر العلمي. ~~ويؤصل لكل النظم التسلطية والأنساق المطلقة في السياسة والاجتماع والقانون ~~والأخلاق. وهذا يعني استمرار التخلف؛ إذ ~~إن التقدم مشروط باكتشاف الطبيعة واستقلال قوانينها. وهو وقوع في الثنائية ~~المتعارضة التي يعطى فيها لطرف كل شيء ويسلب عن الطرف الآخر كل شيء، فتصبح ~~الحياة توترا بين قطبين: إيجاب مطلق وسلب مطلق، يتمثل الحاكم الأول ولا ~~يبقى للمحكومين إلا الثاني، والسبب إثبات قدرة «الله» على حساب عجز الإنسان! ~~ويا ليت ذلك قد أدى إلى المحافظة على التنزيه، بل جعل «الله» ساحرا وليس ~~قادرا. واستخدام الطبائع كبرهان على وجود «الله» قبل الأوان يكشف عن الهدف ~~النهائي من ms360 هذا الموقف. فيستعاض عن الحدوث بالتضاد والتنافر الذي يستحيل ~~اجتماعهما إلا بقاهر لهما. فيؤدي ذلك إلى القضاء على الطبائع واستقلال قوانين ~~الطبيعة، وتفسير اجتماع الطبائع بالعلل الخارجية وليس من ذوات الأشياء؛ ~~فالهزيمة ترجع إلى القدرة والفقر للقسمة والنصيب. وتقوم العلل الخارجية بالجمع ~~بين الأضداد عن طريق القهر والغلبة وتأكيد السلطة على الطبيعة والبشر؛ فالدليل ~~يثبت حق السلطة أكثر مما يثبت الذات المشخصة؛ أي إنه دليل صفة وليس دليل ذات. ~~وكأن الهدف إثبات ضعف الإنسان وعجزه أمام الطبيعة وعدم قدرته على الجمع بين ~~الأضداد لأنه خاضع تحت القهر شأنه كالطبيعة، لا حيلة له ولا قدرة. وينتهي الأمر ~~إلى تصور «الله» على أنه قاهر للطباع، ومضاد لطبائع الموجودات، وأنه يجمع بين ~~المتناقضات. وهو التصور البدائي للألوهية تعبيرا عن العظمة والقوة والسلطان، ~~وإنكارا لقوانين الطبيعة، وتأييدا للقهر الاجتماعي في الأخلاق والسياسة، أو ~~اغترابا عن الواقع وجهلا بمكوناته وبنيته أو هروبا إليه تعويضا عن فقد ~~العالم وحلا وهميا لأزمات العصر. وغالبا ما يكون حل المتناقضات عن طريق ~~الجمع بينهما وليس عن طريق قضاء أحدهما على الآخر مما يسمح بوجود طبقات ~~اجتماعية متنافرة في نظام اجتماعي واحد، وبالتالي يلغى الصراع الاجتماعي. # 21 # أما الثانية فهي تضحي بالتشخيص من أجل الطبيعة وثبات قوانينها ~~واستقلالها، وهو أقرب إلى الموقف الديني العلمي والوعي بعمليات التشخيص. وهو ~~الموقف الأصوب؛ لأنه دفاع عن الطبيعة واستقلال قوانينها، وعن حق العلم في ~~معرفتها والسيطرة عليها وتسخيرها. وهو في نفس الوقت دفاع عن المبدأ العام على ~~نحو إيجابي وفي تنزيه مطلق دون التضحية بحق أحد الأطراف في سبيل الآخر. كما ~~يعبر عن صدق الطوية وإخلاص النية دون مزايدة تؤدي إلى نفاق. وهو أقرب إلى ~~التوحيد منه إلى الثنائية وأكثر دفعا نحو التقدم ووضع نهاية للتخلف ~~وللركود الحضاري. وهو أقرب إلى نظم الحرية والديموقراطية والاشتراكية؛ حيث ~~يكون الحاكم والمحكوم طرفين متساويين ليس فيهما أعلى وأدنى، بل ويكون الأدنى هو ~~الرقيب على الأعلى وشرط وجوده. ~~(2) الكم # الكم هو أول أقسام الأعراض. يسبق الكيف مما يدل ms361 على أهمية الصفات الكمية ~~والقياس والإحصاء، وأن الكيف بالرغم من أهميته يتلو الكم ثم تتلو بعد ذلك ~~النسبة والإضافة. لا يظهر الكيف إلا بعد الكم، ولا يوجد كيف خالص إلا في كم، ~~وكأن التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي طبقا للقول المشهور. وبلغة الحكماء ~~تسبق المادة الروح، ويكون للواقع الصدارة على الفكر. وبلغة الفكر الديني يأتي ~~العالم قبل «الله» والبدن قبل النفس. # وللكم خواص ثلاث؛ الأولى: القسمة، سواء وهمية (افتراض الشيء غيره) أو فعلية ~~(الفك والفصل)، والثانية: العد سواء بالوهم كالمقدار أو بالفعل كالعدد، ~~والثالثة: المساواة ومقابلاها؛ أي الزيادة والنقصان. وهي مقولات ثلاث يمكن ~~استخدامها لتحليل الأشياء ومعرفتها. # وينقسم الكم إلى متصل، مثل الخط، أو منفصل، مثل العدد، وهي قسمة تقوم على ~~التواصل أو الانقطاع، وينقسم المتصل إلى غير قار الذات وهو الزمان لاشتراك الآن ~~بين الماضي والحاضر والمستقبل، أو قار الذات وهو المقدار، وهي قسمة تقوم على ~~الحركة والثبات، الحركة في الزمان والثبات في المكان. وينقسم المقدار إلى حجم ~~في الجهات الثلاث، أو سطح في جهتين أو خط في جهة واحدة، وبالتالي تكون أبعاد ~~الجسم ثلاثة: الطول والعرض والعمق، الطول للامتداد الأول، والعرض ~~للامتداد الثاني، والعمق للامتداد الثالث. وينقسم العدد إلى وحدات تكون نفس ~~ذاتها؛ أي الكم بالذات، وهي الوحدة والكثرة، أو عارضة فتكون الكم بالعرض، وهي ~~إما محل الكم كالجسم أو الحال في الكم كالضوء القائم بالسطح أو الحال في محل ~~الكم كالسواد أو المتعلق بالكم مثل القوة متناهية أو غير متناهية. وهي قسمة ~~عقلية على أساسها تقوم العلوم الطبيعية والعلوم الرياضية. وتشمل العلوم ~~الطبيعية الفيزيقا والميكانيكا (الحركة) أو الديناميكا (الزمان )، وتشمل العلوم ~~الرياضية الهندسة والحساب. وبالتالي تكون العلوم الطبيعية امتدادا حقيقيا ~~لقسمة الكم؛ أي لمبحث الأعراض في المقدمات النظرية في علم أصول الدين وليست ~~علوما مستقلة تماما عن إطارها الحضاري. # 22 ~~(2-1) العدد # أنكر المتكلمون العدد، وأثبته الحكماء، وذلك لسببين: الأول أن العدد ~~مركب من الوحدات، والوحدات ليست وجودية، وعدم الجزء يستلزم عدم الكل ~~ضرورة، وعدم وجود ms362 الوحدات ناشئ من منع التسلسل لأنها لو وجدت فلها وحدة ~~إلى ما لا نهاية ولأنها لا تنقسم. والثاني لأنه يدل على أن الكثرة عدمية. ~~فكر المتكلمين إذن أكثر التصاقا بالواقع من فكر الحكماء؛ وذلك برفضهم ~~إثبات المعقولات الذهنية في الخارج بالرغم من أن الواحد يقال على معان ~~كثيرة كالواحد بالاتصال والاجتماع، ووحدته أمر وجودي بالضرورة حتى ولو لم ~~ينقسم؛ لأن لا كم له بل هو أمر اعتباري، والكثرة مجموع الوحدات، وبالتالي ~~فهي موجودة بهذا المعنى. لا يرى المتكلمون وجودا إلا للمحسوس في حين يرى ~~الحكماء الوجود للمحسوس وللمعقول على السواء. فإذا كان فكر المتكلمين ~~حسيا، فإنه يصعب ابتداء منه إثبات ما يخرج عن الحس والمشاهدة. وبالتالي ~~تكون نتائجه مثل إثبات وجود «الله» وخلود النفس مناقضة لمقدماته ومناهجه. ~~وتكون الحكمة أقرب إلى إثباتها لأنها تثبت المعقولات الذهنية وتعطي لها ~~وجودا بالفعل؛ لذلك أسس الأصوليون المنطق الحسي بينما تمثل الحكماء ~~المنطق الصوري. # 23 ~~(2-2) المقدار # أنكر المتكلمون المقدار أيضا؛ لأن الجسم يتركب من الجزء الذي لا يتجزأ ~~ولا يوجد اتصال بين أجزاء الجسم. إنما يرجع التفاوت إلى قلة الأجزاء أو ~~كثرتها. وتعني القسمة فرض جوهر دون جوهر ولا عاد له إلا الأجزاء اللهم ~~إلا وهما. ولكن كيف تصدر أحكام بالوهم؟ ولقد عرف المتكلمون من قبل أنهم ~~من أنصار النظرة الحسية للعالم، فلماذا لم يستعمل هذا المنطق الحسي لإثبات ~~المقدار وساروا وراء افتراض الجزء الذي لا يتجزأ الذي هو من صنع الوهم؟ ~~الحقيقة أن إنكار المقدار هو إنكار للكم وللأجسام وللأشياء وللعالم وتفتيت ~~للجسم إلى أجزاء. هو هدم للعالم وقضاء عليه حتى تتدخل الإرادة المشخصة من ~~الخارج فيسهل القضاء على الأشياء وكأنما غرضها هو «فرق تسد»! ولكن ~~أثبته الحكماء لسببين؛ الأول توارد مقادير مختلفة على الجسم الواحد. ~~والثاني أن الجسم يتخلخل ويتكاثف وجوهريته باقية وكلاهما نفي للجزء الذي لا ~~يتجزأ. والحقيقة أن إثبات المقدار لا يحتاج إلى حجج بل يثبت بالحس ~~والمشاهدة وبالتعامل مع الأشياء في الحياة اليومية. # 24 # لقد رد الحكماء الاعتبار ms363 للعالم وأثبتوا حقيقة الأشياء مع أنهم ~~يثبتون الموجودات في الأذهان. ولكن يبدو أنهم تبادلوا المواقف مع المتكلمين ~~فأثبتوا الموجودات في الخارج بينما وقع المتكلمون في أسر الوهم. ~~(2-3) الزمان # كما أنكر المتكلمون الزمان لسببين؛ الأول أن الزمان ليس تقدما ~~بالعلية أو الذات أو الشرف أو الرتبة مثل تقدم الأمس على اليوم، واليوم ~~على الغد. هناك مجموع الزمان ولكن لا وجود للزماني الآتي بمعنى اللحظة؛ أي ~~الزمان المحدد. والثاني أن الماضي سيحضر، والحاضر سيمضي في المستقبل. ~~الماضي ما كان حاضرا والمستقبل ما سيصير حاضرا. ولما كان الحاضر غير ~~موجود فلا ماضي ولا مستقبل. والحقيقة أن ذلك ليس إنكارا للزمان بمعنى ~~اللحظة والآن على ما يبدو، بل إثبات للديمومة وللاستمرار دون الانقطاع في ~~الزمان الكوني. # 25 # وبالرغم من أنه لا توجد إشارة مباشرة لدافع ديني على إنكار ~~الزمن بل الاعتماد على حجج فلسفية خالصة، إلا أن الدافع قد يكون لا ~~شعوريا وهو إيثار الزمان؛ كل الزمان للذات المشخصة وإنكاره على العالم ~~لما كان العالم فانيا دون العلم بأن التزمن وسيلة لإثبات الفناء. ~~والحجتان تخلطان بين الزمان بمعنى تعاقب الليل والنهار أو الزمان الحسابي ~~وبين الزمان كإحساس داخلي بالزمان، وهو الذي سماه القدماء الوقت، سواء من ~~الأصوليين أو الصوفية. # 26 # فالوقت لحظة شعور الفعل وليس للشيء أو للفلك. فالزمان بعد ~~للإنسان وليس للأشياء وليس جوهرا مجردا لا يقبل العدم. # أما الحكماء فقد أثبتوا الزمان بحجتين؛ الأولى: أن الزمان عدد الحركة، ~~مرتبط بها وبالمسافة والسرعة والبطء. والثانية: أن الأب مقدم على ~~الابن ضرورة في الزمان. والحقيقة أن الحجتين معا تخلطان أيضا بين الزمان ~~الطبيعي الكمي والزمان الشعوري الكيفي؛ فالزمان أقرب إلى مباحث الكيف منه ~~إلى مباحث الكم؛ لذلك ظل متأرجحا بين المقولات؛ فهو مرة في مقولة الكم ~~المتصل الذي لا توجد أجزاؤه معا أو الكم غير قار الذات، ومرة يكون جوهرا، ~~ومرة يكون عدد الحركة أو عنصرا من عناصرها، بل إن الزمان ذاته يتأرجح بين ~~الإثبات والنفي؛ فإثبات الزمان النفسي يؤدي إلى إنكار الزمان ms364 الطبيعي، ~~وإثبات الزمان الطبيعي يؤدي إلى إنكار الزمان النفسي. وكيف ينكر الأصوليون ~~الزمان والأفعال لا تتم إلا في الزمان؟ وهنا يبدو أن علم أصول الفقه ~~بتحليلاته للزمان، الوقت والفور والتراخي والقضاء، كان أصدق من علم أصول ~~الدين الذي أنكر الزمان وخرج منه متوهما أنه بذلك يدافع عن كل الزمان عن ~~القدم والبقاء كصفتين محجوزتين «لله» يعطيان إليه فيما بعد. ~~(2-4) المكان # وبالرغم من إنكار المتكلمين العدد والمقدار والزمان إلا أنهم أثبتوا ~~المكان وكأنهم لا يخشون منه خشيتهم من الزمان على تصورهم «لله»؛ فالمكان ~~موجود ضرورة، مشار إليها بهنا وهناك، تنقل فيه الأجسام، متفاوت في ~~الزيادة والنقصان. نظرة المتكلمين للعالم إذن مكانية كمية وليست زمانية ~~كيفية؛ لأن «الله» هو كل الزمان أو الدهر. # 27 # وقد أثبت الحكماء المكان أيضا وهو عند بعضهم الهيولى. # 28 # لذلك ارتبط المكان بالمادة وأصبح لفظا مشتركا يطلق على ~~المكان والمادة في آن واحد. وعند آخرين هو الصورة لأن المكان هو الحاوي ~~للشيء المحوى والصورة كذلك، وهو خلط بين المكان والصورة. # 29 # فالمكان هو السطح الباطني للحاوي المماس للظاهر من المحوى، وهي ~~صورة تجريبية للتماس وليست تعريفا للمكان. أما التعريف الثالث للمكان ~~وهو البعد المفروض وهو الخلاء؛ فقد جوزه المتكلمون ومنعه الحكماء. ~~والدافع عند المتكلمين هي قدرة «الله» على خلق الهواء في الخلاء وملئه ~~بوجوده وإرادته وفاعليته. كما أن «الله» قد يعدم الجسم الذي أمامه ويخلق ~~جسما مكانه دون ما حاجة إلى التخلخل والتكاثف. يريد المتكلمون إذن إثبات ~~الخلاء حتى يملأه الله بإرادته وقدرته في حين منعه الحكماء؛ لأن العالم ~~مادة لا فراغ فيها. ويعطي الحكماء خمس تجارب عملية لاستحالة الخلاء؛ فأي ~~الفريقين أكثر تنزيها وتعظيما وإجلالا «لله»؟ # 30 # وتثار عدة أسئلة: # الأول : # هل هناك دلالة للعلم الطبيعي على العلم «الإلهي» كما هو ~~وارد في «اللاهوت» العلمي أو اللاهوت الطبيعي؟ وماذا يفعل ~~العلم «الإلهي» لو تغير العلم الطبيعي في تعريفاته ~~وتصوراته ونظرياته ونتائجه؟ وماذا يفعل علم العقائد لو ~~ناقضه العلم الطبيعي؟ وماذا يحدث لو أساء المتكلم تأويل ms365 ~~العقيدة وفهم العلم معا؟ وهل مصير العلم «الإلهي» أن ~~يتعلق باستمرار على نتائج العلم الطبيعي دون أن يكون له ~~بنيته الداخلية المستقلة؟ ألا يعني ذلك ربط الثابت ~~بالمتحول؟ ألا يكون للعلم الطبيعي شرف الكشف والاختراع ~~ولا يكون للعلم الإلهي إلا عمليات التبرير والتأويل وكأنه ~~علم «طفيلي» لا يعيش إلا على إنجازات العلوم الأخرى؟ ألا ~~يخضع العلم كله الطبيعي والإلهي معا لظروف كل عصر ~~وروحه وتصوراته، وبالتالي لا يكون هناك مجال للتصور ~~المطلق أو للحقيقة المطلقة؟ # والسؤال الثاني الأهم: # هل العلم الطبيعي كما يعرضه المتكلمون والحكماء علم ~~«إلهي» مقلوب؟ وهل العلم «الإلهي» علم طبيعي مفارق؟ هل ~~هناك إمكانية لقيام علم ثالث؛ علم صوري خالص يستحيل فيه ~~التفرقة بين العلم «الإلهي» والعلم الطبيعي؟ وأي العلمين ~~أصدق نظرا أو أكثر تصديقا في الواقع التجريبي؟ # والسؤال الثالث: # هل يمكن الحديث عن المكان والزمان والحركة والمسافة ... ~~إلخ، اعتمادا على تحليل العقل الخالص أو على البواعث ~~والموجهات الدينية دون إخضاع ذلك كله إلى التجربة في ~~العلوم الطبيعية؟ هل موضوعات الطبيعة موضوعات للتأمل أم ~~للتجريب؟ لقد حاول الحكماء استعمال التجربة ولكن ظل ~~المتكلمون في نطاق التأمل النظري الموجه بالموجهات ~~الإيمانية. # والسؤال الرابع والأخير: # هل لهذا الحديث أثر في علم العقائد؟ هل يتأثر تصور ~~العقيدة بمفاهيم السرعة والبطء والمسافة والبعد؟ ألهذا ~~الحد يمكن الإيغال في التأصيل النظري للعقائد في موضوعات ~~تخرج عن نطاق التأصيل المتسق مع العقائد ذاتها بحيث تكون ~~موجهات لسلوك الناس؟ إن المكان موجود بالبديهة كأحد ~~مجالات حركة الجسم ونشاط الإنسان. المكان مجال للرؤية ~~والحركة، وميدان للنشاط والفعل، وموطن للصراع والنضال. ~~ولكل عصر تعريفاته وتصوراته طبقا لظروفه ومستواه ~~الثقافي ولغته الحضارية. فإذا كان القدماء قد آثروا النظر ~~ولغة الحاوي والمحوى، فإن عصرنا يفرض العمل ومفاهيم الحركة ~~والفعل والنشاط والسعي في المكان؛ وبالتالي يكون المكان هو ~~التاريخ الحاضر الذي يغيب فيه الفصل بين الزمان والمكان. # 31 ~~(3) الكيف # الكيف عرض لا يقبل القسمة أو اللاقسمة، ولا يعقل بالقياس إلى الغير، بل ~~يدرك ويحس ويشعر به بالتجربة الباطنية. والكيف ms366 هو لب مبحث الأعراض، تشمل ~~نصفه تقريبا. يأتي بعده الكم والنسبة على قدرين متساويين. وتأتي الإضافة في ~~المحل الثالث. # 32 # وتنقسم الكيفيات استقراء لها إلى أربع: المحسوسة، والنفسانية، ~~والمختصة بالكميات، والاستعدادات؛ أي إنها تشمل الظواهر النفسية والجسمية معا. ~~تظهر الحياة إذن في أربع دوائر: الحس، والنفس، والقدرات، ثم المعقولات في ~~الخارج، وهي الكيفيات المتعلقة بالكم مثل النقطة والخط والدائرة؛ فهي كيفيات ~~محضة لا وجود لها. ليست الكيفيات إذن في الإنسان وحده، مع أنه هو الغالب، بل ~~في الطبيعة أيضا؛ فالطبيعة عالم للإنسان، والإنسان موجود في الطبيعة. ويكون ~~السؤال بالنسبة لها: هل الكيفيات مقولات رياضية أم إنها حالات نفسية؟ وهل ~~الحالات في الطبيعة أم في النفس؟ وتمثل الكيفيات المحسوسة والنفسانية تقريبا ~~كل الكيفيات بينما لا تمثل الكيفيات المختصة بالكميات والكيفيات الاستعدادية ~~إلا أقل القليل مما يدل على أنها كيفيات بالتبعية وليست كيفيات بالأصالة. # 33 # كما أن الكيفيات النفسية تبدو أكثر امتدادا من الكيفيات المحسوسة؛ ~~وذلك لارتباط الحس بالشعور؛ فالشعور هو موطن الحس ومركزه. # 34 # كما أن الكيفيات الاستعدادية ضئيلة للغاية من حيث الكم مع أن ~~الاستعداد هو بداية التحول من النظر إلى العمل، ودراسة الأفعال والتحققات في ~~مرحلة الكمون. ~~(3-1) الكيفيات المحسوسة # تنقسم الكيفيات المحسوسة أولا إلى قسمين: انفعالات وانفعاليات؛ ~~فالانفعالات هي كيفيات محسوسة غير راسخة؛ أي مجرد انطباعات حسية عن العالم ~~الخارجي داخل عالم الحياة؛ أي المحسوسات الداخلية. فإن دامت واستقرت ورسخت ~~تحولت إلى كيفيات حسية، وإن تزمنت ولم تستقر ظلت كما هي مجرد انفعالات؛ ~~أي انطباعات حسية، تفاعل الضوء مع البصر أو الصوت مع السمع دون أن يتحول ~~إلى مدرك حسي. وقد سميت انفعالات النفس كذلك لأنها طارئة وسريعة؛ أما ~~الانفعاليات فهي الكيفيات المحسوسة التي رسخت وتحولت إلى مدركات حسية ، ~~وهي انفعاليات؛ لأن الإحساس انفعال للحاسة. والمحسوسات إما حس أو مزاج، ~~وهي تابعة للمزاج إما بشخصها كحلاوة العسل أم بنوعها كحرارة النار. ~~فالمحسوسات مفتوحة على عالم النفس، والنفس تحتوي على المزاج والانفعالات. ~~الكيفيات المحسوسة انفعالات للمزاج بالنوع عند الحكماء ms367 وهي محسوسات لغير ~~الحي القائم بالتحيز؛ أي العرض أحد أقسام الحدث عند المتكلمين. # 35 # ويبدو هنا ظهور الإنسان مع الطبيعة في الكيفيات المحسوسة وظهور ~~الإنسان بكل مكوناته من حس ونفس وعقل. والسؤال الأول: هل الانفعالات ~~سريعة طارئة غير راسخة أم إن هناك انفعالات دائمة وعواطف مستقرة وحاضرة؟ ~~وهل المدركات الحسية دائمة وراسخة، أم إنها أيضا متزمنة متغيرة؟ يبدو أن ~~المتكلمين قد انحازوا إلى الحس على حساب الانفعال؛ فالحس مرتبط بالعالم، له ~~مضمون في حين أن الانفعال فارغ من أي مضمون. في الحس ذات وموضوع، والانفعال ~~ذات بلا موضوع. # والكيفيات المحسوسة الخارجية خمس: الملموسات، والمبصرات، والمسموعات، ~~والمذوقات، والمشمومات، وهي تأتي من الحواس الخمس. والألفاظ تشير إلى ~~الموضوعات الحسية وليس إلى مجرد الإحساسات أو الحواس؛ اللمس والبصر والسمع ~~والذوق والشم. لقد دخلت الحواس من قبل في نظرية العلم كمادة بديهية له، ~~ولكنها تدخل هنا في نظرية الوجود كموضوعات حسية أو محسوسات، ليست كقالب ~~للشعور بل كمضمون للشعور. وهي في صيغة الجمع وليست في صيغة المفرد، مما يدل ~~على وظيفة الحواس الدائمة ومحسوساتها المتكررة. وتمثل الملموسات نصف ~~الكيفيات المحسوسة كما وكأن اللمس عند المتكلمين وسيلة للإدراك. ثم بعد ذلك ~~تأتي المبصرات والمسموعات. ولا تقل أهمية المذوقات عن المبصرات والمسموعات ~~في حين تقل المشمومات للغاية مما يدل على أهمية الذوق على الشم كما دل من ~~قبل على أهمية البصر على السمع. وبالتالي فقد وضع المتكلمون الحواس في ~~نظام للأولويات: اللمس، والبصر، والسمع، والذوق، والشم، مما يشير إلى ~~أهمية الملموسات؛ أي الإحساس بالأشياء باللمس عن طريق اليد، وكأن اللمس ~~أفضل وسيلة للمعرفة لتأسيس علم أصول الدين! فالإحساس بالعالم عن طريق اللمس ~~ومعاشرة الأشياء قبل رؤيتها وسمعها وذوقها وشمها، وكأن الوحي يلمس ~~والعقائد تحس باليد! ثم تأتي بعد ذلك المدركات البصرية قبل السمعية في ~~مجتمع كان الوحي والشعر فيه فنونا سمعية، ولم تكن له فنون بصرية إلا فيما ~~بعد؛ الزخرفة والعمارة. كما تبدو أولوية المذوقات في الطعوم على المشمومات ~~في الروائح؛ فاللمس أقرب الحواس إلى الشعور ms368 والشم أبعدها. وتتفق آراء ~~الحكماء والمتكلمين في تحليل الحواس الخمس وموضوعاتها. # 36 # وتتضح الأضداد في المحسوسات مثل صفات الحرافة والحرارة، ~~الملوحة والحلاوة، الدسومة والحموضة، العفوصة والقبض؛ أو في الملموسات مثل ~~الحرارة والبرودة، الرطوبة واليبوسة، الثقل والخفة، الصلابة واللين أو في ~~الأكوان مثل الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، وكأن الإحساسات جوهرها ~~التعارض، تقوم على قسمة ثنائية متعارضة تبدو فيها الطهارة الدينية مسقطة ~~على الطبيعة. ويكون أحد طرفي القسمة المتعارضة أشرف من الطرف الثاني؛ ~~فالحرارة أفضل من البرودة، والخفة أعلى من الثقل، والصلابة أفضل من اللين، ~~والملاسة أفضل من الخشونة. # ويطرح المتكلمون عدة أسئلة حول الحواس الخمس: تعريفها وعددها وجنسها ~~ووظيفتها وفعلها ... إلخ. وتبدو جميعا وكأنها لا دلالة لها في أغلب الأحيان ~~دلالة مباشرة في علم أصول الدين ولكنها قد تكشف عن بزوغ الفكر العلمي من ~~ثنايا الفكر الديني، وعن هذا التوتر بين الفكر العلمي المستقل والفكر ~~الديني التابع للعقائد فيما يتعلق بالدفاع عن قدرة «الله». وقد تكون صورة ~~«الذات والصفات» قد ظهرت مسبقا كصورة للحواس الخمس وعلاقة النفس بالبدن أو ~~علاقة كل منهما بالحواس؛ فمثلا في تعريف الحواس تتراوح التعريفات بين ~~التعريف الأسطوري وما يقابلها من نفي لها، أو بين التعريف المثالي والتعريف ~~المادي. الأول هو التعريف الديني سواء من الديانات القديمة في الغالب أو ~~من الفكر الديني الجديد، والثاني هو التعريف العلمي الذي حمله المعتزلة في الغالب. # 37 # كما يكشف سؤال: هل يقدر «الباري» على خلق حاسة سادسة، وعلى ~~أن يقدر عباده على خلق الأجسام على نفس الصراع بين الفكر الديني والفكر ~~العلمي فيما يتعلق بإظهار القدرة الخارقة من «الباري» ومقاومة الطبيعة ~~لها باعتبارها قانونا مستقلا ووجودا ذاتيا يستعصي على الفعل الخارجي. # 38 # كما يكشف سؤال هل الحواس من جنس واحد على إسقاط مفهوم الوحدة ~~والكثرة على الحواس. وبطبيعة الحال يفضل الفكر الديني وحدة الحواس في جنس ~~واحد، بينما يؤثر الفكر العلمي تعددها في أجناس مختلفة. # 39 # وتطرح أسئلة أخرى حول وظيفة الحواس، وكيف يتم الإدراك بفعل ~~إرادة خارجية أو بفعل ms369 إرادة الإنسان أو بفعل العضو الحاس ذاته، مما يكشف عن ~~الصراع بين الفكر الديني والفكر الإنساني والفكر العلمي، وكأن إرادة ~~الإنسان تتلو إرادة «الله»، ثم يأتي فعل الطبيعة كوارث لإرادة الإنسان، ~~وكأن مسار الفكر من «الله» إلى الإنسان، ثم من الإنسان إلى الطبيعة. مثلا: ~~هل الشم والذوق واللمس إدراك للمشموم والمذوق والملموس؟ أي هل يمكن ~~الانتقال من الذات إلى الموضوع، ومن الحس إلى المحسوس، ومن الداخل إلى ~~الخارج؟ وتتراوح الإجابة بطبيعة الحال بين الحل المثالي الذي ينفي إمكانية ~~الخروج والحل الموضوعي الذي يبين إمكانية الإدراك. ولكن كيف يقع إدراك ~~المحسوسات؟ وهنا تتراوح الإجابة بين فعل «الله» المباشر أو فعل «الله» من ~~خلال الحواس أو فعل الإنسان. # 40 # ولكن هل يفعل الإنسان ~~الإدراك من خلال الحواس مختارا؟ وهنا يعود الفكر الديني لسلب الإنسان فعله ~~الحر حتى فعل الحواس من أجل الدفاع عن أن «الله» هو المفاعل المختار. ولكن ~~الفكر العلمي يطرح السؤال من أجل معرفة هل للإرادة دور في فعل الحس أم إنه ~~فعل شرطي منعكس صرف يتعلق بوظيفة العضو الحاس؟ # 41 # ويعود الفكر الديني للتشكك ويسأل: هل يقدر العضو الحاس على ~~الفعل دون تدخل الإرادة «الإلهية»؟ وهكذا يظل الصراع محتدما بين الفكر ~~الديني والفكر العلمي حتى في تحديد وظيفة العضو الحاس الحيوية الصرفة، وكيف ~~يدرك المدرك الشيء ببصره، وما محل الإدراك، العضو أم جزء العضو أم ~~الانتباه والوعي أي الشعور؟ وهل يمكن أن يحدث إدراك بلا حواس؟ وماذا عن ~~الصورة في المرآة، هل هي شيء أم انعكاس؟ # 42 # ثم يطرح الفكر الديني سؤالا أخيرا يكشف به من همه الأول، ~~وهو: هل يعرف «الله» دون معرفة الأشياء عن طريق الحس؟ وبتعبير آخر: هل ~~يعرف «الله» دون المعارف الحسية؟ وقد كانت الإجابة بطبيعة الحال بالنفي ~~نظرا لنقل الفكر العلمي في الكيفيات الحسية، وهو ما ظهر فيما بعد في دليل الحدوث. # 43 ~~(أ) الملموسات # الملموسات نوعان: الحرارة وما يتبعها من رطوبة ويبوسة، والاعتماد وما ~~يرتبط به من صلابة وملامسة. فالحرارة تفرق المختلفات، وتجمع ms370 ~~المتماثلات؛ والبرودة بالعكس. التصعيد فعلها الأول، والجمع والتفريق ~~لا زمان له. وقد تحدث الحرارة بالفعل من التماس، وبالقوة من ~~الأدوية، ويعرف ذلك بالتجربة والقياس، وباللون وبالطعم وبالرائحة، ~~وبسرعة الانفعال مع استواء القوام وقوته. والحرارة الغريزية والكوبية ~~النارية متخالفة بالماهية لاختلاف آثارها، والغريزية أشد الأشياء ~~مقاومة للنارية. والحركة تحدث الحرارة، وذلك ثابت بالتجربة، وقد يقع ~~العكس أيضا. أما البرودة فهي عدم الحرارة، والتقابل بينهما تقابل ~~العدم والملكة. وإذا كانت الحرارة والرطوبة متقابلتين، فكذلك الرطوبة ~~واليبوسة. والأوليان أقرب إلى الذات والأخريان أقرب إلى الموضوع. ~~والرطوبة سهولة الالتصاق والانفصال، والأشد التصاقا أرطب. والرطوبة ~~غير السيلان. واليبوسة تقابل الرطوبة إن عسر الالتصاق والانفصال أو ~~عسر التشكل. # 44 # ويلاحظ في كل ذلك اعتماد المتكلمين على طبيعيات الحكماء، ~~بل وعلى أوائل المترجمين منهم في تعريف الألفاظ، وبالتالي يكون السؤال: ~~هل الطبيعيات عند المتكلمين مرتبطة بعلم أصول الدين كمقدمة نظرية له ~~وكتفكير عقلاني وتطور طبيعي للتفكير الديني، أم إنها مقحمة عليه من ~~علوم الحكمة نظرا لسيادتها عليه بعد ضعف علم الكلام المتأخر واستمرار ~~العنفوان الفكري في علوم الحكمة؟ أم كان الأمران معا تطويرا طبيعيا ~~للفكر الديني إلى فكر علمي في علم أصول الدين بالاعتماد على ما تم قبل ~~ذلك كمشروع مماثل في علوم الحكمة؟ على أية حال يكشف ذلك عن قدرة علم ~~أصول الدين على الحديث عن الطبيعيات بصرف النظر عن الإلهيات، وضم ~~التحليل العقلي مع التجربة، وبالتالي الاقتراب من الفكر العلمي وتأسيس ~~علم «الديناميات الحرارية»، وهو ما سقط من وعينا القومي مستبدلين إياه ~~بنقل العلوم من الغرب التي كانت تطويرا لعلومنا هذه بعد أن تمت ~~ترجمتها في العصر الوسيط الأوروبي. # 45 # أما الاعتماد فهو ما يوجب للجسم المدافعة لما يمنعه من الحركة إلى ~~جهة ما. وقد يكون نفس المدافعة. # 46 # الاعتماد هو مقاومة الجسم لليد، ومقاومة اللمس واليد ~~للأشياء إحساسا بالعالم وبوجود الإنسان. والمدافعة غير الحركة لأنها ~~توجد عند السكون بمقاومة الأشياء لليد وللجسم. ولها أنواع بحسب أنواع ~~الحركة؛ إما إلى أعلى أو إلى أسفل أو ms371 إلى سائر الجهات. والجهات ست: ~~الأمام والخلف واليمين والشمال والفوق والتحت، وهي الاتجاهات البديهية ~~كما يشعر بها العامة. وقد تكون ثلاثا طبقا لأبعاد الجسم كما يتوهم ~~الخاصة؛ فالعامة أصدق حسا من الخاصة، والتجربة البشرية في الحياة ~~العامة أوسع نطاقا وأشمل من التجربة العلمية الهندسية للأجسام. وقد ~~يجعل البعض الجهة الحقيقية العلو والأسفل؛ أي الخفة والثقل في العلم، ~~وهو ما استقر في وجداننا القومي في تصور العلاقات بين الأعلى ~~والأدنى، وليس بين الأمام والخلف (التقدم والتخلف)، أو بين اليسار ~~واليمين (المساواة الاجتماعية والتفاوت الطبقي). ويسمي الحكماء ~~الاعتماد ميلا ويقسمونه إلى ثلاثة أقسام: الميل الطبيعي، وهو ميل ~~غير مقرون بالشعور، وهو الميل الإرادي، بالإحالة إلى الإرادة. أما ~~الصلابة فهي كيفية بها تتم ممانعة الغامز، واللين عدم الصلابة. ~~والملامسة استواء بعض الأجزاء، والخشونة عدمه عند المتكلمين وكيفيتان ~~قائمتان بالجسم أو بسطح الجسم عند الحكماء. # 47 # ويبدو أن الاعتماد أقرب إلى مباحث الأكوان؛ أي أقرب إلى ~~العرض القائم بالمتحيز غير الحي. يظهر فيها الشعور والإحالة إلى ~~موضوعات الإرادة وغيرها، ويبدو فيها الإنسان كمحور لمعرفة الجهات ~~وتصور الطبيعة. بل يبدو فيها قانون الجاذبية واضحا بالتركيز على ~~الخفة والثقل، تجاهي الأعلى والأدنى. ويكون السؤال: هل هذا المبحث أقرب ~~إلى المعرفة الطبيعية التي لا شأن لها بالفكر الديني، وتخضع للتجربة ~~والعقل والمراجعة أم إن له دلالة في الفكر الديني خاصة بالتركيز على ~~اتجاهي الأعلى والأدنى دون باقي ~~الاتجاهات؟ ~~(ب) المبصرات # وتشمل المبصرات الألوان والأضواء. أما موضوعات الصغر والكبر ~~والقرب والبعد ففروع على الألوان والأضواء، وتبصر بواسطتهما عند ~~الحكماء. ولا يمكن تعريفهما لظهورهما. وكل محاولة للتعريف، مثل تعريف ~~الضوء بأنه «كمال أول للشفاف من حيث هو شفاف»، فإنها تقع في تعريف ~~الأوضح بالأخفى، وبالتالي لا تستوفي شروط الحد. # وقد نفى البعض الألوان. وإنما نتخيل البياض من مخالطة الهواء المضيء ~~للأجزاء الشفافة الصغيرة جدا، والسواد ضد ذلك. # 48 # وأثبتهما البعض الآخر على أنهما الأصل والباقي تركيب ~~منهما. وقيل الأصل خمسة: السواد والبياض والحمرة والصفرة والخضرة. # 49 # والضوء شرط وجود ms372 اللون عند الحكماء. أما عند الأشاعرة ~~فهو أمر يخلقه «الله» في الحي ولا يشترط بضوء ولا مقابلة ولا غيرهما. ~~والظلمة عدم الضوء؛ أي رد الموضوع إلى الذات والوجود إلى المعرفة، وكأن ~~التوحيد وظيفة معرفية تمكن العين من الرؤية كما تقول الصوفية. ~~والظلمة مانعة من الرؤية حيث تغيب الأشعة الداخلة إلى العين. ويحدث ~~اللمعان بوجود سطح مستو أملس؛ إذ إن الخشونة تباين للأجزاء وتمنع من ~~اللمعان. ولكن الأغرب هو السؤال عن اللون هل هو الطعم أم غيره؟ وهل ~~الطعم هي الرائحة أم غيرها؟ وكأن الحواس يمكن أن تقوم بعمل بعضها ~~البعض؛ فتسمع العين وتبصر الأذن ويذاق اللون والرائحة والصوت. ولكن ~~يكاد يتفق أهل النظر على تفرد كل حاسة بمحسوسها؟ # 50 # أما الأضواء، فالضوء عند بعض الحكماء أجسام صغار تنفصل من المضيء ~~وتتصل بالمستضيء. # 51 # وللضوء مراتب: المضيء لذاته وهو الضوء مثل الشمس، ~~والمضيء لغيره، وهو النور مثل القمر ووجه الأرض. # 52 # هناك شيء غير الضوء يترقرق على الأجسام، وهو إما لذاته ~~وهو الشعاع، وإما من غيره وهو البريق. وتشبه البريق إلى الشعاع ~~تشبه النور إلى الضوء. # 53 # قد يتكيف الهواء بالضوء فيكون شرط اللون، وقد يمنع البعض ~~الملازمة بينهما. وفي كلتا الحالتين يكون السؤال إلى أي حد استطاع ~~الفكر العلمي أن يبزغ من ثنايا الفكر الديني؟ وما مقدار تصديق العلم ~~لهذه التحليلات التأملية لموضوعات العلم؟ ~~(ج) المسموعات # والمسموعات أيضا نوعان: الأصوات والحروف، الأصوات العامة ثم تخصيصها ~~في اللغة. وهنا يبدو الانتقال من الظواهر الطبيعية إلى الظواهر ~~الإنسانية، من الصوت إلى اللغة. وقد قيل في تعريف الصوت إنه التموج ~~أو القرع أو القلع. وماهيته بديهية. وهنا يبدو الصوت موجودا في ~~الخارج. وقيل أيضا هو كيفية قائمة بالهواء يحملها إلى الصماخ لا ~~لتعلق حاسة السمع به كالمرئي. وقيل إن ما يقال في البصر يقال في ~~السمع وفي سائر الحواس؛ إذ لا يتم الإدراك إلا بتوافر اتجاهين: اتجاه ~~من الشيء المدرك نحو الشعور من خلال الحس، واتجاه مقابل من الشعور نحو ~~الشيء المدرك أيضا ms373 من خلال الحس. وقد منع البعض الانتقال واشترط البعض ~~الآخر شرط المسافة بين المصوت وحاسة السمع. # 54 # فإذا ما صادم الهواء أملس كجبل أو جدار رجع إلى ~~الوراء، فيحدث صوت هو الصدى مثل الكرة المرمية إلى الحائط. وليس لكل ~~صوت صدى؛ إذ لا بد من مسافة وجسم أملس أو صلب. ولكن السؤال هل ~~الصدى تموج جديد للهواء أم رجوع للهواء الأول؟ يتضح من ذلك ~~التحليل العلمي الصرف لظاهرة الصوت دون ما تدخل علل خارجية سواء في ~~سماع الصوت أو الصدى، بالرغم من بقاء بعض التساؤلات التي تكشف عن بقايا ~~الفكر الديني، مثل: هل يبقى الصوت؟ هل يكون صوت واحد في مكانين؟ هل ~~الصوت جسم؟ هل يكون لا لمصوت؟ وذلك كله حتى يتفرد «الله» بالبقاء ~~وبالشمول وباللاجسمية وبالقدرة. # 55 # أما الحروف فهي كيفية التعرض للصوت مدة وثقلا، وتنقسم الحروف ~~إلى مصوتة، وهي حروف المد واللين؛ وصامتة. وهي إما زمانية صرف ~~كالفاء والقاف، وإما آنية صرفة كالتاء والطاء، وإما آنية تشبه ~~الزمانية كالراء والحاء والخاء. وهي إما متماثلة كالباءين ~~الساكنين، أو متخالفة بالذات كالباء والجيم، أو بالعرض كالباء ~~الساكنة والمتحركة. وقد جوز قوم الابتداء بالساكن ومنعه آخرون. ~~ويجوز الجمع بين الساكنين في الصامت المدغم قبله مصوت. أما ~~الصامتان فقد جوزه قوم ومنعه آخرون. # 56 # يتضح من ذلك خروج علم الأصوات كجزء من علم اللغة، وكلاهما ~~تموضع علمي لجوانب التوحيد. ويبدو الصراع بين الفكر العلمي والفكر ~~الديني في عدد من التساؤلات قد لا تكون بذات دلالة إلا على نحو يكشف ~~عن هذا الصراع مثل: هل يتكلم الإنسان بكلام غير مسموع؟ هل يتكلم بكلام ~~في غيره؟ فقد سمع الرسول الوحي وحده دون غيره، وألقى في روعه الكلام. ~~ومثل: هل هناك كلام بغير اللسان؟ هل يمكن إلقاء الكلام في الروع بغير ~~اللسان عن طريق اتصال الروح بالروح أو الذهن بالذهن حتى تصح النبوة في ~~أحد معانيها وحتى يصح الإلهام؟ هل يبقى كلام العباد؟ ومن ثم يمكن ~~إفراد «الله» وحده بصفة البقاء. وعادة ما تتراوح الإجابة ms374 بين النفي ~~والإثبات. الإثبات في السؤالين الأولين والنفي في الثالث دفاعا عن ~~الفكر الديني، والنفي في السؤالين الأولين والإثبات في الثالث دفاعا ~~عن الفكر العلمي. # 57 # كما تكشف عدة تساؤلات أخرى عن طرح علمي خالص استطاع أن ~~يفلت من حصار الفكر الديني، مثل: هل كلام الإنسان صوت أم غير صوت؟ هل ~~كلام الإنسان حروف؟ وما هو أقل الحروف لتكوين الكلام؟ هل الكلام ~~مؤلف؟ هل يمكن أن ينطق كل فرد بحرف ويكون مجموع حروف الكلمة كلاما؟ ~~فالكلام قد لا يكون صوتا؛ لأن هناك لغة الإشارات والرمز والحركات ~~الإيمائية. وعدد حروف الكلمات موضوع في علم اللغة. ونطق كل فرد بحرف ~~لتكوين كلمة موضوع لعلم النغم. # 58 # ولكن يبدو أن هذا الفكر العلمي البازغ من ثنايا الفكر ~~الديني قد تم إسقاطه من الحساب، ثم إجهاضه بسيادة الفكر الديني وحده. ~~فانفصل العلم عن الدين، والشيء عن العقيدة، والبدن عن النفس، والعالم ~~عن «الله». # 59 ~~(د) المذوقات # والمذوقات هي الطعوم. وأصولها تسعة حاصل ضرب ثلاثة في ثلاثة؛ فالفاعل ~~حار أو بارد أو معتدل، والقابل إما لطيف أو كثيف أو معتدل، فتخرج ~~المذوقات التسع. ومن هذه الطعوم البسيطة تتركب طعوم لا نهاية لها كما ~~تتركب الألوان؛ فالبشاعة مرارة وقبض. والزعوقة ملوحة وحرارة. والطعوم ~~كلها ترد إلى الحرارة والكثافة. # 60 ~~(ه) المشمومات # قد لا تظهر المشمومات ضمن الكيفيات المحسوسة في قسمة أعراض غير ~~الحي، بل تظهر في أعراض الحي (الحياة والقدرة والعلم والإرادة واللذة ~~والألم والسمع والبصر). ومع ذلك عرض لها القدماء كأحد المحسوسات. ~~ولا بد من أن يتوافر فيها شيئان: الأول: ~~اتجاه المشموم نحو الشعور، ثم اتجاه ~~الشعور نحو المشموم. ويتقابل كلا الاتجاهين في الحس؛ فالحاسة ما هي إلا ~~المجال الحسي للشعور. وتنقسم المشمومات إلى ملائم طيب، ومنافر منتن. ~~كما تنقسم حسب ما يقابلها من طعم فيقال رائحة حلوة أو حامضة، أو ~~بالإضافة إلى محلها كرائحة الورد أو التفاح. # 61 # لقد حللت المقدمات الكيفيات المحسوسة، فكشفت عن الصراع بين الفكر ~~العلمي والفكر الديني. وفي كلتا الحالتين ms375 ينفصل الفكران عن الأسس ~~الاجتماعية للفكر؛ فالكيفيات المحسوسة مدركات اجتماعية. فالملموسات ~~تتوقف على رقة الجلد الناعم للأيدي الناعمة للطبقة الراقية، أو خشونة ~~الجلد الخشن في الأيدي الغليظة للطبقة العاملة. والمبصرات أيضا مدركات ~~اجتماعية، فتتسع حدقة الفقراء أمام قصور الأغنياء، وتضيق حدقة الأغنياء ~~اشمئزازا من أكواخ الفقراء. تدرك الأبصار القاذورات في كل مكان. أما ~~المذوقات فلا يدركها إلا من له معرفة بطعومها. والجوع يدفع إلى ~~الالتهام دون مذوقات المترفين. والمسموعات من خلال أجهزة الإعلام وما ~~بها من كذب ونفاق. والمشمومات للروائح الكريهة وفضلات الطعام في ~~الطرقات وأوساخ نفايات المنازل وطفح المجاري. فإذا كان القدماء قد ~~حاولوا إخراج الفكر العلمي من ثنايا الفكر الديني، فإننا نحاول إخراج ~~الفكر العلمي الاجتماعي من ثنايا الفكر الديني العلمي. وإذا كان ~~القدماء قد انتهوا إلى أنه لا وجود لعلم نفس إلا من خلال علم النفس ~~الفزيولوجي، فإن لدينا لا يوجد لعلم نفس إلا من خلال علم النفس ~~الاجتماعي. ~~(3-2) الكيفيات النفسانية # وكما أن الكيفيات المحسوسة إذا كان راسخة سميت انفعاليات، وإلا كانت ~~انفعالات، فكذلك الكيفيات النفسانية إذا كانت راسخة سميت ملكات، وإن لم ~~تكن سميت أحوالا. وكل حال يصير ملكة بالتدريج قدر رسوخه. # 62 # وتنقسم إلى عدة أنواع: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، ~~وبقية الكيفيات النفسانية من لذة وألم، وصحة ومرض. والعلم والقدرة هما ~~الكيفيتان النفسانيتان الغالبتان على باقي الكيفيات، كما مما يدل على ~~أهمية النظر والعلم كبعدين للإنسان. # 63 # وفي النفسانيات يصعب التفرقة بين نظرية العلم ونظرية الوجود، وكأن النفس ~~ذات وموضوع في آن واحد؛ فالنفسانيات إما حياة أو إدراكات أو قدرة ~~وإرادة أو لذة وألم أو صحة ومرض. والإدراكات أهمها لأنها تنقسم إلى ظاهر ~~وباطن. والباطن إما تصور أو تصديق، والتصديق إما جازم أو غير جازم، ~~والجازم إما بموجب أو بغير موجب فيكون تقليدا. والواجب إما يقبل ~~النقيض وهو الاعتقاد أو لا يقبل وهو العلم. وغير الجازم إن تساوى الطرفان ~~فهو الشك، وإن كان راجحا فهو الظن، وإن كان مرجوحا فهو الوهم. # 64 # وهنا تبدو ms376 النفس جامعة للحياة والإدراك والإرادة والظواهر ~~الجسمية، وتبدو الإدراكات شاملة للإحساسات الداخلية والخارجية وللمنطق؛ ~~فالمنطق جزء من النفس، ومراتب العقل ملكات للنفس، وكأن الكيفيات ~~النفسانية تبشر بقرب الجواهر المفارقة؛ النفس والعقل. # ويتضح أيضا أن الكيفيات النفسية هي نفسها التي أصبحت فيما بعد صفات ~~الذات أو الصفات الوجودية للذات: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، ~~والكلام، والإرادة مع اختلاف الترتيب. أصبحت الحياة الصفة الثالثة، والعلم ~~الصفة الأولى، والإرادة الثالثة، والقدرة الرابعة. أما صفات السمع والبصر ~~والكلام فقد دخلت في الكيفيات المحسوسة، المسموعات والمبصرات، والكلام في ~~الحروف والأصوات. ويكون السؤال: كيف يوصف «الله» بالكيفيات النفسانية وهي ~~أعراض؟ ألا يؤدي وصف الذات على هذا النحو بتحويل «الله» إلى مجموعة من ~~الأعراض؟ أليس «الله» جوهرا طبقا للتصورات؟ أليس من الأفضل تحويل هذه ~~الكيفيات النفسانية إلى جواهر حتى يصح تأسيس الصفات عليها؟ أليست أحق ~~بالجواهر من الأجسام والعناصر والكواكب والأفلاك؟ ~~(أ) الحياة # والحياة أول الكيفيات النفسية، لها السبق عليها، وكل ما سواها من علم ~~وإرادة وقدرة وباقي الكيفيات إنما هي مظاهر لها. الحياة هي الكيفية ~~النفسية الأولى، ولا شيء قبل الحياة. والموت عدم الحياة. ولا يوجد ~~تعريف موجب للموت. قيل إنه كيفية وجودية يخلقها «الله» في الحي، فهو ~~ضدها. وهنا يبدو الفكر الديني عاجزا عن وضع تعريف نظري للحياة أو ~~الموت، ولا يجد أمامه إلا الحجة النقلية، # 65 # وكأن «الله» يخلق الموت وهو حياة. إذا كانت الحياة تخلق ~~الحياة، فالموت نقص وعيب، و«الله» كمال لا يصدر عنه نقص أو عيب، وحياة ~~لا يصدر عنه موت. وإلا كان «الله» جامعا بين الأضداد. وعند الأشاعرة ~~يجوز أن يخلق «الله» الحياة في جزء واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ، ~~وكأن «الله» قادر على خلق حياة في اليد بمفردها دون البدن. وهي مزايدة ~~على الطبيعة لحساب الوهم، و«الله» غني عن المزايدة، وكأن أفعال «الله» ~~كلها معجزات ضد قوانين الطبيعة مما يعطي وجداننا القومي نفس البنية ~~النفسية لفعل الخوارق المعجزات ضد قوانين الطبيعة، فلا نجد أمامنا إلا ~~السحر والأوهام أو ننتظر ms377 المخلص من الشرور والآثام. أما الحياة عند ~~الحكماء والمعتزلة فهي مشروطة بالبنية المخصوصة؛ أي بالجسم والكيفيات ~~من اعتدال وغيره. ولكن الحياة ليست وحدها الحياة البدنية، بل هي ~~الحياة الشعورية؛ فالنفس تتعلق بالبدن من حيث هو مجموع الوظائف ~~الحيوية كما تتعلق بالشعور الخالص. الحياة عند القدماء «قوة تتبع ~~اعتدال النوع ويفيض منها سائر القوى»؛ قوى الحس والحركة والتغذية، سواء ~~في النبات أو الحيوان أو الإنسان. والمقصود حياة الإنسان. أما حياة ~~النبات والحيوان فلدراستها والتعلم منها وليس لحياتها. ولما كانت ~~الحياة أقرب إلى الحياة العضوية بما فيها من لذة وألم وصحة ومرض أو إلى ~~الحياة النفسية بما فيها من قوى حس وحركة، فهي ليست وصفا للذات ~~المشخصة الخالصة المبرأة عن الجسم. # 66 ~~(ب) العلم # والعلم الكيفية النفسانية الثانية بعد الحياة، وتتداخل موضوعاتها مع ~~نظرية العلم؛ فالعلم ذات وموضوع في آن واحد، ذات في نظرية العلم، ~~وموضوع في نظرية الوجود. والعلم لا بد فيه من إضافة بين العالم ~~والمعلوم؛ أي إنه علاقة بين الذات والموضوع، وحالة شعورية تظهر فيها ~~العلاقة بين قالب الشعور ومضمون الشعور. وعند الحكماء هو الوجود ~~الذهني؛ إذ قد يعقل ما هو نفي محض وعدم صرف. وقد يطابقه أمره في ~~الخارج وقد لا يطابقه. وقد نفى ذلك المتكلمون لاستحالة أن يكون في ~~الذهن موضوعات في الخارج، واستحالة أن تكون ماهية الجبل والسماء في ~~الذهن. ولكن هل يجوز تعلق العلم الواحد بمعلومين؟ وهو سؤال يبدو في ~~الإجابات عليه الصراع بين الفكر العلمي والفكر الديني. فإذا كانت ~~الإجابة بالجواز فذلك كعلم «الله» الذي يتعلق بذاته وبالبشر في آن ~~واحد. وهو تمثيل بلا جامع؛ لأن علم «الله» لا يشبه علمنا. وإذا كانت ~~الإجابة بالاستحالة، وإلا تعلق العلم بأمور غير متناهية، استحال ~~العلم «الإلهي». وبالتالي يصبح علم «الله» دافعا للإثبات والنفي على ~~السواء حتى يصعب معه الفكر العلمي الخالص. # 67 # وإن قيل لا يجوز تعلقه بنظريين ويجوز تعلقه بضرورين؛ ~~ففي الأول جهد واكتساب فردي، وفي الثاني عموم وشمول، شارك الإنسان ~~علم «الله» في الضروري ms378 وتفرد بعلم في النظري، وهذا أيضا حجر على ~~العلم «الإلهي» الشامل لكل شيء. وإن قيل لا يجوز تعلقه بمعلومين يجوز ~~انفكاك العلم بهما، وإلا جاز انفكاك الشيء عن نفسه. الجواز الذهني لا ~~نزاع فيه، والخارجي هو موضوع الخلاف. # 68 # والحقيقة أنه لا يجوز؛ فكل علم متعلق بمعلومه لضبط ~~العلم. وإلا لتنازع المعلوم علوما كثيرة، ولتنازعت العلوم الكثيرة ~~معلوما واحدا. وكل علمين تعلقا بمعلومين فهما مختلفان تماثلا أو ~~اختلفا وإلا لم يجتمعا. والمتعلقان بمعلوم واحد فمثلان إن اتحد المعلوم ووقته. # 69 # ولكن هل يمكن وجود علم لا معلوم له مثل العلم بالمستحيل، ~~فإنه ليس شيئا والمعلوم شيء؟ هل يمكن أن تكون هناك معرفة بلا موضوع؟ ~~فالإجابة بالإثبات تؤثر الجانب الصوري في العلم، والإجابة بالنفي ~~توحد بين الجانبين الصوري والمادي في العلم. # 70 # وتعود بعض الموضوعات الأولى في نظرية العلم في الظهور، وكأن الفصل ~~بين العلم والوجود إنما هو فصل تعليمي صرف لا وجود له بالفعل. ~~فالوجود يحيل إلى العلم من خلال الحواس والذات العالمة، وكأن الذات علم ~~ووجود في آن واحد؛ فالجهل المركب اعتقاد جازم غير مطابق وهو ضد ~~العلم، في حين أن الجهل البسيط هو مجرد عدم العلم، ويقرب منه السهو ~~والغفلة والذهول والنسيان. ويظهر العلم أيضا على أنه مجموعة من ~~الاعتقادات تنقسم إلى ظن ويقين، ويبدو العلم وكأنه أحد صفات الوجود. ~~وتظهر معظم مسائل نظرية العلم من جديد، حد العلم هل هو سلبي أم إيجابي، ~~تعلقه بمعلوم أو بمعلومين، إجمال المعلوم، تغاير المعلوم، العلم ~~الضروري والعلم الاستدلالي، اجتماع الأضداد، هل المعلوم موجود أو معدوم ~~... إلخ. # 71 # وقد يكون الشيء معلوما من وجه ومجهولا من وجه. # 72 # وقد يعلم الشيء بالفعل ويعلم بالقوة عن طريق اندراج ~~المقدمات مما يسمح بتقسيم العلم إلى ضروري واستدلالي. كما ينقسم العلم ~~إلى تفصيلي وإجمالي. ثم تفرض القسمة نفسها افتراضا على العلم ~~«الإلهي»، هل هو إجمالي دون تفصيلي وهو ما يجيز الجهل، أو هل هو تفصيلي ~~وبالتالي يشارك العلم الإنساني وهو العلم المقرون بالجهل؛ أي ms379 العلم ~~المقيد المنفي عن «الله»؟ # 73 # وهل هذا تحليل علمي أم موقف وجداني خالص باتهام الإنسان ~~بالنقص وتبرئة «الله» عنه ووصفه بصفات الكمال؟ والعلم إما فعلي كما ~~نتصور أمرا ثم نوجده، أو انفعالي كما يوجد أمر ثم نتصوره. الفعلي قبل ~~الكثرة، والانفعالي بعدها. الفعلي قبلي والانفعالي بعدي. وعلم «الله» ~~عند الحكماء فعلي؛ لأنه السبب لوجود الممكنات. علم «الله» قبلي لأنه ~~ليس في حاجة إلى الأشياء. وكأن القبلي أشرف من البعدي، والاستنباط أكمل ~~من الاستقراء، وهو تمجيد للعقل عند القدماء. وأحيانا يبدو المتكلمون ~~عقليين مثل الحكماء، وأحيانا أخرى حسيين مثل الأصوليين. ولكن تمتاز ~~الصور العقلية عن الخارجية عند الحكماء بأنها غير متمانعة في الحلول، ~~بل متفاوتة تحل الكبيرة محل الصغيرة، ولا ينمحي الضعيف بالقوي، ولا ~~يجب زوالها. وإذا زالت سهل استرجاعها. # 74 # وتثار من جديد قضية العلم الضروري والعلم النظري، وهي قسمة العلم ~~الأساسية في نظرية العلم في صيغة سؤالين: هل يستند العلم الضروري إلى ~~النظري؟ والإجابة بين النفي لاقتضائه توقف الضروري على النظري وبين ~~الإثبات. والثاني هل ينقلب العلم الضروري والنظري؟ وتتراوح الإجابة ~~أيضا بين النفي، وإلا لجاز الخلوي عن الضروري وهو محال بالوجدان، ~~وبين الإثبات لتجانس العلوم أو النفي في الضروري الذي هو شرط لكمال ~~العقل والإثبات فيما غير ذلك. # 75 # ويجوز انقلاب النظري إلى ضروري اتفاقا ليس بخلق «الله» ~~علما ضروريا كما يقول الأشاعرة، بل لتفاوت الناس في القدرة على ~~ممارسة الحدس وإدراك البداهات. وقد منع المعتزلة هذا الخلق في العلم ~~«بالله» وصفاته؛ لأن الإنسان مكلف به. والفرق بين هذه الموضوعات في ~~نظرية العلم وفي نظرية الوجود أنها في الأولى مستقرة من حيث البناء ~~والحكم، في حين أنها في الثانية مجرد تساؤلات تثبت أن العلم أحد ~~مظاهر الكيفيات النفسية ولا يهم بناؤه ولا أحكامه. فأحكام العلم في ~~نظرية العلم صريحة، وهي استحالة انقلاب الضروري إلى نظري أو استناده ~~إليه، وإلا امتنعت بداهات الحس وأوائل العقول. # كذلك يثار موضوعا الحس والعقل في نظرية الوجود كما أثيرا من ~~قبل في ms380 نظرية العلم مع هذا الفرق في الاستخدام بين الحالتين. فإدراكات ~~الحواس علم بمتعلقاتها عند الأشعري. وخالفه الجمهور نظرا لاختلاف ~~العلم عن الرؤية نظرا لخداع الحواس وحدود المعرفة الحسية. وهنا تبدو ~~الأشعرية نظرة حسية للعالم في الصلة الضرورية بين الحس وموضوع الحس؛ أي ~~بين الإدراكات والمدركات. وارتباط البصر بالعلم ارتباط جوهري، ولكن ~~لا يجعلهما متماثلين. فالبصر مصدر لمادة علمية دون أن يكون هو العلم؛ ~~إذ يستطيع العلم بعد ذلك أن يستغني عن البصر. ويعاد ذكر الفرق بين ~~الانطباع الحسي والإدراك في نظرية الرؤية؛ فالأول خروج شعاع من الشيء ~~تجاه البصر، في حين أن الثاني مقابلة هذا الشعاع الأول بشعاع من ~~البصر إلى الشيء. ومن ثم يتم الإدراك كوعي بالمبصر. الشعاعان ~~المتبادلان بين العين والشيء هما في الحقيقة بين الشعور والشيء. لا يتم ~~الإدراك إذن إلا بتوجه الأشياء نحو الشعور، وبتوجه الشعور نحو ~~الأشياء. الأول دون الثاني انطباع حسي، والثاني دون الأول وعي ~~فارغ بلا مضمون. وقد رفض المتكلمون النظرية الضوئية في الإدراك حرصا ~~على تفسير صفات السمع والبصر في «الله» بلا حاسة أو شيء أو شعاع، وكأن ~~الفكر الديني عامل محدد للفكر العلمي إن إيجابا أم سلبا. # 76 # ومحل العلم الحادث غير متعين عقلا عند الأشاعرة، بل يجوز أن يخلقه ~~«الله» في أي جوهر أراد. ولكن دل النقل على أنه القلب. # 77 # وعند الحكماء محل الكليات النفس الناطقة المجردة لبراءتها ~~ومحل الجزئيات المشاعر العشرة الظاهرة والباطنة؛ فالعلم في الحس والنفس ~~والعقل ومجموع ذلك كله هو الشعور الذي سماه النقل القلب أو الفؤاد. ~~ولا يمكن أن يخلق «الله» العلم في الجماد؛ لأن شرط العلم حياة الشعور. # 78 # وقد تكون مراتب العقل هي مراتب النفس. وقد تبدو في العلم ~~كأحد مظاهر الكيفيات النفسانية كمبحث من مباحث الأعراض. وقد تبدو في ~~النفس كجوهر متصل بالبدن ومقدمة لإثبات الجواهر المفارقة؛ فعند ~~الحكماء للعقل أربع مراتب: العقل الهيولاني، وهو الاستعداد المحض، قوة ~~بلا فعل؛ والعقل بالملكة، وهو عقل حادث، وظيفته العلم بالضروريات، ~~ويحس بالجزئيات؛ والعقل بالفعل، ms381 وهو ملكة استنباط النظريات من ~~الضروريات؛ والعقل المستفاد تحضر فيه النظريات ولا تغيب عنه. وهي نظرية ~~أسطورية صرفة بعكس نظرية المتكلمين الحسية؛ فإذا كان العقل عند ~~المتكلمين مرتبطا بالحس، فإنه عند الحكماء متعلقا بمصدر آخر للعلم ~~من خارج العالم، كما هو الحال في النظرية الإشراقية التي استقرت عند ~~الحكماء من الصوفية، وهي صورة شعرية خالصة تقوم على تشبيه الضوء أو ~~النقش، لا تعطي أي دور للحس ولا للعالم الطبيعي، وتجعل النفس سلبية ~~خالصة عليها استقبال المعارف، ولا تضع في حسابها أي نقد للمعرفة من ~~جراء النسيان. وهل يمكن للنفس أن تتذكر كل شيء ما دامت في جلباب ~~البدن؟ ولكن بالإضافة إلى نظرية المتكلمين الحسية ونظرية الحكماء ~~الأسطورية، هناك نظرية الأصوليين العملية السلوكية؛ فالعقل مناط ~~التكليف إجماعا، والنظر واجب عقلا وشرعا وإجماعا. # 79 ~~(ج) الإرادة # والإرادة عند المعتزلة هو اعتقاد النفع أو ظنه. وقيل ميل يتبع ذلك ~~وهو مغاير للعلم. هي ميل نفسي نحو جلب نفع أو دفع ضرر؛ ومن ثم ~~فهي في حاجة إلى مرجح، وهي عند الأشاعرة غير مشروطة باعتقاد النفع أو ~~الميل إليه، هي استواء الطرفين دون ما حاجة إلى مرجح مثل الهارب من ~~السبع على مسافتين متساويتين، والعطشان الذي لديه قدحان من الماء ~~متساويان من جميع الوجوه، والجائع الذي لديه رغيفان، وهو مستحيل ~~إنسانيا؛ إذ يبطل السلوك وتتوقف الحياة بلا دافع أو مرجح. # 80 # والإرادة مغايرة للشهوة؛ لأنها تتعلق بنفسها دون الشهوة. ~~كما أنها قد تكون للكريه مثل الدواء دون أن تشتهيه بل تتنفر عنها. ~~وهي في نفس الوقت غير التمني لأنها تتعلق بمقدور مقارن حاضر أو ~~مستقبل غير محال أو ماض، ثم تثار عدة قضايا أخرى تخرج عن نطاق هذا ~~الوصف المادي للإرادة إلى وصف تأملي خالص، ثم إلى فكر ديني صريح، ~~مثل: هل إرادة الشيء كراهة لضده؟ الحقيقة أن أمور الحياة ليس فيها تضاد ~~عقلي؛ فقد يريد الإنسان الشيء ولا يكره ضده. فالتحليل العقلي والقلب ~~المنطقي شيء، والموقف الوجودي شيء آخر. كما تثار عدة مسائل ms382 أخرى عقلية ~~نظرية صرفة تفقد دلالتها على المستوى المادي، مثل: هل إرادة الضدين ~~ذاتية أم موضوعية؟ أو تثار قضية حرية الأفعال كاستباق للموضوع الذي ~~سيتأسس فيما بعد في نظرية الأفعال أو في أصل العدل. ثم تبدأ ~~التساؤلات تتطور شيئا فشيئا حتى تخرج من التحليل المادي للإرادة إلى ~~التأملات الدينية الخالصة، مثل أن الإرادة تفيد متعلقها صفة، للفعل ~~طاعة ومعصية، وللقول أمر وتهديد، وذلك لربط الإرادة بالفعل والفعل ~~بالصفة، وعدم الاقتصار على الميل أو الاعتقاد بالنفع، وبالتالي دخول ~~حكم القيمة على حكم الواقع. # 81 # ومثل تساؤل: هل تسلسل الإرادات إلى الوراء للحصول على ~~إرادة أولى ضرورية؟ وهنا يتم الخروج عن الإرادة الإنسانية إلى الإرادة ~~«الإلهية». والعرض موضوع البحث هي الإرادة الإنسانية. أما الإرادة ~~القديمة التي توجب المراد اتفاقا فهي مجرد افتراض عقلي يتغلب على ~~مصاعب الإرادة الإنسانية «الحادثة»، ويتخلى عن ضعفها ووهنها، ويقلب ~~الضعف قوة، والوهن عزما. في حين أنه يجوز إيجاب الإرادة الحادثة ~~للمراد إذا كان قصدا إلى الفعل؛ فالقصد يتقدم على الفعل قبل العزم ~~والجزم، وبالتالي يسترد المعتزلة للإنسان ما سلبه الأشاعرة منه وأعطوه ~~لغيره وهو «الله». # 82 ~~(د) القدرة # والقدرة تعادل العلم في الأهمية في الكيفيات النفسانية. وهي صفة ~~تؤثر وفق الإرادة، فخرج ما لا يؤثر كالعلم وما لا يؤثر لا على وفق ~~الإرادة كالطبيعة. القدرة هي قوة الإرادة. القدرة هي القوة، والإرادة ~~هي التنفيذ والتحقيق. هي عند البعض سلامة البنية عن الآفات، وعند آخرين ~~بعض القادر وقيل بعض المقدور؛ حيث يصعب التفرقة بين القدرة كذات ~~والقدرة كموضوع؛ أي بين الإرادة والفعل. وتنقسم الأفعال المقدورة إلى ~~ما يحتاج إلى آلة وإلى ما لا يحتاج؛ فالقدرة أوسع وأعم وأشمل من آلات ~~التنفيذ؛ اليد أو اللسان. والقدرة غير المزاج؛ فالمزاج من الكيفيات ~~المحسوسة، بينما القدرة من الكيفيات النفسانية. وقد يمانع المزاج ~~القدرة؛ إذ إن بالقدرة إرادة وروية وقصد وغائية وهدف وعلم، في حين أن ~~المزاج أقرب إلى الخلقة والهوى. والقوة تقال للقدرة لأنها جنسها، وهو ~~مبدأ التغيير في آخر. وأخيرا ms383 الخلق ملكة تصدر عنها الأفعال بلا ~~روية، وتنقسم إلى فضيلة ورذيلة، الفضيلة الوسط والملكة الأطراف، وهو ~~مغاير للقدرة لأنه طبيعة وفطرة؛ أي قوة طبيعية وليست إرادية. والعزم هو ~~جزم الإرادة بعد التردد؛ أي هي الإرادة الحاسمة المنفذة. وطريقة ~~إثباتها الوجدان؛ إذ يشعر بها كل إنسان من نفسه. وقد تثبت عندما يأتي ~~الفعل من بعض دون البعض الآخر، فيظهر الفرق بين القدرة والعجز. # 83 # وقد تثبت عند العلم بصحة الشخص. والحقيقة أن القدرة إحساس ~~بديهي يدركه كل إنسان بوجدانه حتى عند وجود الموانع التي تسبب العجز ~~الطارئ، فإذا سألنا: هل المقدور تابع للعلم أم للإرادة؟ نجد أنها نفس ~~المسألة التي عرض لها الحكماء بالنسبة إلى الخلق: هل الخلق بالعلم ~~ضرورة أم بالإرادة اختيارا؟ وأصلها مسألة في القدرة الإنسانية ثم ~~تعميمها وإطلاقها ورفعها إلى مستوى خارج عن النطاق الإنساني. المقدور ~~تابع للإرادة عند المعتزلة لأنها حقيقة القدرة، ولا يكون تابعا للعلم؛ ~~لأن صاحب الملكة يصدر عنه أفعال لا يقصدها. والعلم بذاته المبني على ~~تصديق يتحول بالضرورة إلى فعل متجاوزا القدرة على خلاف العلم ~~الأقل تصديقا واقتناعا، فإنه في حاجة إلى القدرة. وقد توصل ~~المعتزلة في فروعهم على القدرة إلى «عتبة الجهد»؛ أي إلى آخر حد ~~يمكن للقدرة أن تتحمله، وذلك في عدة تساؤلات، مثل: هل من يتمكن من حمل ~~مائة وزن ويعجز عن حمل مائة أخرى يقال له عاجز؟ كل قدرة لها حد أو ~~عتبة لا تتجاوزها. وهذا لا يتنافى مع أصل القول بتعلق القدرة بجميع ~~المقدورات. ومثل: إذا حمل شخصان مائتي وزن، هل تم الحمل بقدرة كل واحد ~~مما يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد أم بقدرة مشتركة؟ والإجابة ~~بطبيعة الحال بالقدرة المشتركة؛ لأن اجتماع مقدورين ممكن إذا كانت ~~القدرة مشتركة بين قدرتين إنسانيتين كما هو الحال في العمل الجماعي ~~وليس بين قدرتين غير متكافئتين؛ حيث تبتلع القدرة الكبرى القدرة ~~الصغرى كما هو الحال بين القدرة «الإلهية» والقدرة الإنسانية. # ولكن هل تغيب القدرة في ساعة المنع أو العجز أو النوم؟ هل ms384 الممنوع عن ~~الفعل قادر عليه؟ منعه الأشاعرة؛ إذ إن القدرة مع الفعل، «والله» لم ~~يخلق القدرة دون ما حاجة إلى ضد. وجوزه المعتزلة لأن العجز يضاد ~~القدرة، والمنع المقدور وجوديا مضاد للمقدور. والحقيقة أن العجز ~~والمنع من الطوارئ والقدرة هي الأساس ليست بخلق خارجي بل بفعل داخلي ~~وبإحساس وجداني بديهي وبتمسك بحقوق الإنسان وبحقه في الفعل وبأدائه ~~لرسالته. العجز عرض مضاد للقدرة أو عدم القدرة أو نفي للعرض. # 84 # فالقدرة هي الأساس، والعجز طارئ عليها. أما عجز المتحدي ~~عن معارضة القرآن فهي قدرة نسبية على التحدي والخلق والإبداع، وليست ~~عجزا إلا عند من قال بصرف الدواعي، ومن جعل فعل «الله» مسببا ~~لعجز، وإرادة «الله» نفيا للإرادة الإنسانية فيقضي على تكافؤ الفرص ~~منذ البداية من أجل ممارسة التحدي والإتيان بالخلق المشابه. وهل النوم ~~ضد القدرة؟ اتفقت المعتزلة وكثير من الأشاعرة على امتناع صدور الأفعال ~~المتقنة المقصودة من النائم، وجواز القليلة منها بالتجربة. أما ~~الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين عامة والمعتزلة خاصة؛ لفقد شرائط ~~الإدراك، وعند الأشاعرة لخلاف العادة. ولم يثبتها إلا بعض الأشاعرة، ~~وهو ما ساد في وجداننا القومي حتى الآن. # 85 # وعند الحكماء يوجد المدرك في النوم في الحس المشترك يرد ~~على النفس من العقل الفعال ثم يلبسه خيال الصور أو يرد عليه من الخيال ~~مما ارتسم فيه من اليقظة، فمن دام في فكره شيء رآه في منامه، وذلك ~~موضوع تفسير الأحلام في علم النفس. وللمعتزلة عدة فروع على هذا الأصل، ~~منها: هل يخلو القادر عن جميع مقدوراته؟ جوزه البعض على الإطلاق ~~وجوزه البعض الآخر عند المانع، ومنعه عند عدمه في المباشر دون التولد. # 86 # فالإنسان مهما كان عاجزا فإنه قادر على فعل شيء، سواء كان ~~مباشرا أو توليدا. لا يوجد إذن عجز مطلق. ومثل: هل الترك عدم فعل ~~المقدور؟ قيل إن كان قصدا يتعلق به الذم. وقيل إنه من أفعال القلوب، ~~وقيل إنه فعل الضد؛ لأنه مقدور والعدم مستمر. والحقيقة أن الترك ~~عدم فعل المقدور وليس العجز عن الفعل. ms385 # وإلى هذا الحد يغلب الفكر العلمي في تحليل القدرة على الفكر الديني . ~~ولكن تظهر عدة تساؤلات كي تعطي الغلبة للفكر الديني على الفكر العلمي، ~~مثل: هل يجوز مقدر بين قادرين؟ بطبيعة الحال جوزته الأشاعرة مطلقا؛ ~~لأن قدرة العبد غير مؤثرة مع شمول قدرة «الله». # 87 # ومنعه المعتزلة لامتناع قدرة غير مؤثرة. واتفق الأشاعرة ~~على امتناع قدرتين مؤثرتين وقدرتين كاسبتين؛ لأن الكسب هو خلق «الله» ~~للقدرة الحادثة. وقد نفى البعض القدرة الحادثة تماما وقال بالجبر، وهي ~~مكابرة؛ لأن هناك فرقا بين الصاعد بالاختيار والهابط بالضرورة. # 88 # والحقيقة أن هذه مسألة ستأتي في موضوع خلق الأفعال، ولا ~~تدخل في المقدمات النظرية العامة التي تحاول وضع أوليات للفكر والوجود ~~دون أن تدخل بعد في موضوع العقائد. ومع ذلك، وفي هذا الوقت المبكر في ~~تحليل القدرة كأحد الكيفيات النفسانية يظهر الصراع بين نظريتي الجبر ~~والكسب من ناحية، وحرية الأفعال من ناحية أخرى؛ نظرا لاستحالة تعلق ~~مقدور بين قادرين؛ فالجبر يضحي بقدرة الإنسان لإثبات قدرة «الله». ~~ويحاول الكسب إدخال قدرة الإنسان في الحساب، ولكنه يجعلها مشروطة بقدرة ~~«الله» وينفي استقلالها. وتدافع حرية الأفعال وحدها عن القدرة ~~الإنسانية بصرف النظر عن أي اعتبار آخر؛ فقدرة الإنسان وحريته هما ~~الأولى بالدفاع. يمكن تعلق المقدور بقادرين إنسانيين، مثل اشتراك ~~اثنين أو أكثر في عمل واحد في آن واحد أو على فترات، وبالتالي يكون ~~العمل الجماعي مقدورا لأكثر من قدرة، ولكنها قدرات على مستوى واحد، ~~وليست قدرة حادثة وقدرة قديمة أو قدرة نسبية وقدرة مطلقة. ولا تتعلق ~~القدرة بالضدين، بل بمقدورين مطلقا عند الأشعري بناء على أن القدرة ~~مع الفعل بينما تتعلق بجميع مقدوراته عند المعتزلة. وعند فريق ثالث قد ~~تتعلق القدرة القائمة بالقلب بجميع متعلقاتها دون الجوارح، كل واحدة ~~منها تتعلق بجميع متعلقاتها، إما دون متعلقات الأخرى أو فكل منها ~~لا يؤثر في متعلقات الأخرى نظرا لغياب الأدلة، أو تتعلق القدرة ~~القلبية بمتعلقها دون العضوية. # 89 # والقدرة هي مجرد القوة على مبدأ الأفعال المختلفة، نسبتها ~~إلى الضدين، سواء ms386 قبل الفعل. وتطلق أيضا على القوة المشجعة لشرائط ~~التأثير، وهي لا تتعلق بضدين في حال الفعل. # 90 # والحقيقة أن القدرة على عمل الضد ممكنة نظرا من حيث القوة ~~الجسمية، ولكنها قد تكون مستحيلة من حيث القصد والهدف والغاية ~~والمصلحة؛ فالقدرة على القتل موجودة جسمانيا، ولكنها تعارض الهدف ~~والقصد، وهي المحافظة على الحياة. ولا فرق في ذلك بين أفعال الشعور ~~وأفعال الجوارح، بين الأفعال الداخلية والأفعال الخارجية. # 91 # ولا يوجد حل نظري ومقياس مجرد لصدق الآراء، بل يوجد وصف ~~القدرة على الفعل في موقف محدد. # وفي موضوع القدرة تبحث عدة مسائل تدخل في الجبر والاختيار، مثل: حد ~~القدرة بأنها سلامة الأعضاء كما هو الحال عند الأشاعرة، أو أنها شيء ~~متحيز يدل على الاختيار كما هو الحال عند المعتزلة، أو بحث صلتها ~~بالفعل هل هي مع الفعل مثل الأشاعرة أو قبل الفعل ومع الفعل وبعد ~~الفعل؛ أي القصد والتحقيق والإيقاع مثل المعتزلة. وكذلك العجز هل هو ~~صفة وجودية أم صفة عدمية؟ وتتم التساؤلات على نحو مادي صرف بتحليل ~~القدرة الإنسانية ككيفية نفسانية مع تواري الفكر الديني إلى أقل حجم؛ ~~فالقدرة مع الفعل لا قبله ولا بعده في نظرية الكسب الأشعري المشهورة. ~~وعند المعتزلة قبل الفعل. ومنهم من قال ببقائها حال الفعل. وإن لم تكن ~~قدرة عليه فهي شرط البنية. ومنهم من نفاه لأن إيجاد الموجد محال، ~~ولأنه يلزم القدرة على الباقي ولأنه يوجب حدوث قدرة «الله»، وأنه يلزم ~~تكليف الكافر بالإيمان. لا تبقى القدرة غير متعلقة؛ فهي تتعلق بالفعل ~~قبلها وبعدها، الفاعل في الأولى يفعل، وفي الثانية فعل، وفي الثالثة مفعول. # 92 # وقد تولد القدرة في محال متفرقة حركات إلى جهات مختلفة، ~~وأما في محال مجتمعة فلا. وذلك يتوقف على نطاق الفعل يمكن أن يكون ~~في جهات مختلفة أو في محال مجتمعة إثر محاضرة في طلاب متفرقين أو متجمعين. # 93 # وبالرغم من أن الكلام لا يدخل ضمن الكيفيات النفسانية، بل ضمن ~~الكيفيات المحسوسة، نظرا لارتباطه بالسمع، الأصوات والحروف، إلا أنه ~~يشار إليه ms387 كملحق للكيفيات النفسانية؛ نظرا لأنه أيضا كلام نفساني؛ ~~أي معان في الشعور قبل أن تتخارج إلى أصوات وحروف. وقبل أن يتحول إلى ~~صفة مطلقة لذات مشخصة في التوحيد، كما تظهر بعض الكيفيات النفسية ~~الأخرى المتصلة بالإرادة مثل المحبة وقيل هي الإرادة، محبة «الله» لنا ~~إرادته لكرامتنا، ومحبتنا «لله» إرادتنا لطاعته؛ فالمحبة عاطفة. وكذلك ~~الرضا وهو الإرادة عند المعتزلة وترك الاعتراض عند الأشاعرة. وكلاهما ~~جانبان للإرادة المعارضة والتسليم؛ فالرضا فعل وليس ترك فعل، إيجاب ~~وليس سلبا. # 94 # وعلى هذا النحو يمكن الاستمرار في تصنيف العواطف ~~والانفعالات الإنسانية حول الكيفيات النفسية، وبالتالي تمحي التفرقة ~~الأولى بين الانفعاليات والانفعالات. ~~(ه) بقية الكيفيات النفسانية # يذكر القدماء منها ما يكون أدخل إلى الحالات الجسمية منها إلى ~~الكيفيات النفسانية مثل اللذة والألم، والصحة والمرض، وترك العواطف ~~والانفعالات الإنسانية، وهو ما عرضه الصوفية في الأحوال والمقامات، وما ~~عرض له الحكماء باسم انفعالات النفس أو قوى النفس أو فضائل ~~النفس. # فاللذة والألم بديهيان يشعر كل إنسان بهما؛ لذلك لا يعرفان. قيل ~~اللذة إدراك الملائم، والملائم كمال الشيء. وعند بعض الأطباء لا توجد ~~لذة، بل يوجد فقط دفع الألم. # 95 # واللذة والألم صفتان مختلف في نسبتهما إلى الذات المشخصة ~~لوضوح أساسها الإنساني الخالص وما بهما من نقص وعيب وسلب وعدم. ولكن ~~لما ظهر الإنسان داخل الكيفيات فقد ظهر بكل أبعاده النفسية والجسمية، ~~الحسية الانفعالية. # أما الصحة والمرض، فالصحة ملكة أو حالة تصدر عنها الأفعال من ~~الموضوع، تنطبق على الحيوان وعلى الإنسان. هي كيفية للبدن في مقابل ~~المرض، حالتان له مثل اللذة والألم. # 96 # ويظل السؤال لم التوقف عند هذا الحد في الكيفيات ~~النفسية؟ أين الاحترام والتبجيل، الفرح والحزن، القبض والبسط، الخوف ~~والرجاء، إلى آخر ما قاله الصوفية والحكماء في انفعالات الحس أو حالات ~~الوجدان أو فضائل النفس؟ لقد بدأت الكيفيات تأخذ طابعا حسيا ماديا ~~مما كان يؤهل لتأسيس علم النفس «الفيزيقي» والانتقال من دراسة النفس ~~إلى البدن كما هو واضح في اللذة والألم، وفي الصحة والمرض. ولكن يبدو ~~أن ms388 الفكر الديني أوقف الاتجاه حتى يستطيع بعد ذلك رفع هذه الكيفيات ~~النفسانية إلى درجة الصفات المطلقة للذات المشخصة. وهل يمكن إعادة ~~التصنيف والاختيار بين هذه الكيفيات النفسانية دون حد أدنى ودون حد ~~أعلى، خاصة لو كانت النية إسقاطها على الذات المشخصة، واستعمالها ~~لوصفها قياسا للغائب على الشاهد؟ ولقد بدأت باقي الكيفيات النفسانية ~~في صورة ثنائية متعارضة مما كان يؤهل إلى البحث عن الأسس الاجتماعية ~~للحالات النفسية؛ فاللذة والألم، والصحة والمرض تشير إلى أوضاع ~~اجتماعية؛ أوضاع الترف والفقر، النعيم والبؤس، البطنة والجوع، التخمة ~~والشظف، أمراض الوفرة وأمراض الحرمان. وهو ما لم يتم في الكيفيات ~~النفسانية الأولى؛ فقد ظهرت الحياة دون الموت، والعلم دون الجهل، ~~والإرادة دون الوهن، والقدرة دون العجز، وكأن صحوة المثال جعلت المتكلم ~~ينسى الواقع، وبالتالي يعجز عن قياس المسافة بين الواقع ~~والمثال. ~~(3-3) الكيفيات الكمية # قد يبدو التعبير متناقضا؛ فالكيفيات لا تكون كمية، والكميات لا تكون ~~كيفية؛ نظرا للتقابل التقليدي بين الكيف والكم. ومع ذلك فالكيفيات الكمية ~~تمثل مرحلة انتقال من الكيفيات المحسوسة والنفسانية إلى النسبة والإضافة ~~اللذين يبدو فيهما اجتماع عرضي الكم والكيف معا لحقا بالكم ~~واستردادا له. وهي باختصار الكيفيات التي تعرض للكم، إما وحدها فتكون ~~المنفصلة كالزوجية والفردية أو المتصلة مثل التثليث والتربيع، وإما مع ~~غيرها كالحلقة والزاوية. ويعتمد القدماء على تعريفات المهندسين للخط ~~والدائرة والكرة والأسطوانة والمخروط. هل يعني ذلك أن المفاهيم الرياضية في ~~الحساب والهندسة هي نموذج الكيفيات الكمية؛ أي حال الأعداد والأشكال؟ ~~وأيهما أقرب لها مباحث الكيف مع المحسوسات والنفسانيات، أم مباحث الكم مع ~~العدد والمقدار والزمان والمكان؟ ولماذا هذا الاقتضاب التام فيها بالمقارنة ~~إلى الكيفيات المحسوسة والنفسانية؟ هل يفقد الصوري دلالته إلى هذا الحد؟ # 97 ~~(3-4) الكيفيات الاستعدادية # وقد يبدو التعبير أكثر قبولا من التعبير السابق؛ وذلك لأن الاستعداد ~~كيف وليس كما. وهي مثل القبول ويسمى ضعفا أو ميلا أو تأثرا ~~أو الدفع ويسمى قوة. القبول من الملاءمة والدفع من المفاخرة، وهذا ~~بخلاف قوة الفعل. يبدو أن الكيفيات الاستعدادية أقل بكثير ms389 مما يمكن أن ~~تكون؛ فهي التي توصل التهيؤ والإمكانية والتحقق وكأن المحسوسات والنفسانيات ~~والكيفيات الكمية ما هي إلا مقدمات لإعداد النفس وتهيئتها إلى شيء؛ ولذلك ~~تبدو مباحث الكيف مفلطحة للغاية في المحسوسات والنفسانيات ومضمرة للغاية في ~~الكيفيات الكمية والاستعدادية؛ أي في التعامل مع صور الأشياء وفي إعداد ~~النفس. وهل هي القبول والدفع فقط أم هناك الإقدام والإحجام وغيرها؟ وما ~~صلتها بالعواطف والانفعالات؟ وما عددها وما تصنيفها؟ هل هي فطرية أم ~~مكتسبة؟ هل هي حالات أم ملكات؟ هل فقدت دلالتها بالنسبة للفكر الديني؟ هل ~~أحجم الفكر العلمي من الدخول في الفكر الرياضي في الكيفيات الكمية وفي علم ~~النفس في الكيفيات الاستعدادية؟ هل يمكن للفكر المتوقف في هذه المقدمات ~~النظرية أن يستعيد نشاطه ويستأنف تقدمه؟ # 98 ~~(4) النسبة # وبعد الكم والكيف تأتي النسبة. وتأتي وحدها عند القدماء في صيغة الجمع ~~«النسب»، في حين أن الكم والكيف والإضافة في صيغة المفرد. والنسب من ~~الأعراض لأنها متغيرة. وهي أقرب إلى مباحث الكم لأنها تشمل الأكوان على مصطلح ~~المتكلمين والأين على مصطلح الحكماء، وبالتالي فهي أقرب إلى المكان، وهو من ~~مباحث الكم كالعدد والمقدار والزمان. والأين أكبر من مبحث الأكوان مما يدل على ~~انتشار المكان على الأكوان وامتداد أقوال الحكماء على أقوال المتكلمين. # 99 # يتحدث المتكلمون عن الأكوان ويعنون بها الجواهر، في حين يتحدث ~~الحكماء عن الأين ويعنون به الحركة. لذلك ارتبطت المباحث والنسبة أيضا ~~بمبحث الجواهر لأنها تتعلق بأعراض الأجسام مثل الحركة والسكون والمماسة ~~والمجاورة، والاجتماع والافتراق والتأليف. كما أنها ترتبط بالكيفيات المحسوسة ~~في الملموسات واعتماد اليد ومقاومة الأشياء لها. ومن ثم ارتبطت الأكوان ~~بالكيفيات المحسوسة لأنها مدركة حسيا عن طريق البصر أو اللمس. # وقد أثبت الحكماء المقولات النسبية وأنكرها المتكلمون إلا الأين لعدة وجوه: ~~منها أنها لو وجدت لزم التسلسل لأن محلها يتصف بها، ووجودها إليه نسبة؛ لأن ~~أجزاء الزمان بعضها لبعض نسبة. ولو وجدت لوجدت الإضافة، وهي لا تتحقق إلا ~~بوجود المنتسبين، فيوجد التقدم والتأخر معا. ولو وجدت لزم اتصاف الباري ~~بالحوادث لأن ms390 له مع كل حادث إضافة بأنه موجود معه وقبله، بأنه متقدم عليه وبعده ~~لأنه متأخر عنه. # 100 # والحقيقة أن الإضافة للأشياء ونسبتها فيما بينها ليست من الذات ~~المشخصة التي هي حتى الآن افتراض خالص أو إيمان صرف، وبالتالي فلا خوف عليها من ~~الحوادث؛ لأنها لا صلة لها بالعالم. واحتج الحكماء بأن كون السماء فوق الأرض ~~ومقابلة الشمس لوجه الأرض تعلم ضرورة. وتنفي أدلة المتكلمين وجود النسب في ~~الخارج وتجعلها مجرد وجود في العقل من وضع الذهن ومن نسيج الشعور لما كان ~~الإنسان بؤرة للعلاقات بينه وبين الأشياء، وبينه وبين الآخرين. # والسؤال الآن: هل هناك دلالات دينية لهذه الموضوعات؟ هل تكشف أيضا عن الصراع ~~بين الفكر والدين؟ # ويدخل في مباحث الأكوان عند المتكلمين مواضيع الحركة والسكون والتأليف ~~والمجاورة والممارسة والمباينة والافتراق، وكرد فعل عليها تظهر مفاهيم الكون ~~والطفرة والتولد كتصورات بديلة للحركة والسكون، وكأن هناك تصورين للأكوان: ~~تصور كمي للأجزاء، وتصور كيفي للكليات. فما هي الأكوان؟ إن حصول الجوهر في ~~الحيز معلل بصفة قائمة بالجوهر يسمى بالكائنية، والصفة التي هي علتها ~~تسمى بالكون. منعه البعض إما لوقوع في الدور وإما لأن الحصول في الحيز ~~المخصوص من خلق «الله» وكأن «الله» يتدخل في تكوين الأشياء وكينونتها وسكنها في المكان! # 101 # والأكوان أربعة؛ لأن الحصول في الحيز إما أن يعتبر بالنسبة إلى ~~جوهر آخر أولا. والثاني إن كان مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز فسكون، وإن كان ~~مسبوقا بحصوله في حيز آخر فحركة. السكون حصول ثان في حيز أول، والحركة ~~حصول أول في حيز ثان. وأما القسم الأول فإن كان بحيث يمكن أن يتخلل بينه ~~وبين الآخر ثالث فهو الافتراق وإلا فهو الاجتماع. والاجتماع واحد والافتراق ~~مختلف؛ لأن منه قرب وبعد ومجاورة. وإذا تحرك الاختلاف فإنه يأخذ صورتين: ~~الأولى إذا تحرك الجسم تحرك الجوهر الظاهر منه اتفاقا، ثم اختلف في ~~المتوسط المباين. والثاني إذا كان الجوهر مستقرا في مكانه وتحرك عليه آخر ~~بحيث تتبدل المحاذاة، فالمستقر يتحرك. ثم يتغير موضوع الحركة والسكون إلى ~~موضوع ms391 التأليف والمجاورة والمماسة؛ وذلك لأن كل جوهر فرد محفوف بستة جواهر أخرى ~~من جهاته الست؛ فالجوهر الفرد له ست مماسات وست مباينات، وقد منع ذلك بعض ~~المتكلمين. التأليف والمجاورة إذن جائزان. ثم وقع الاختلاف: هل المجاورة غير ~~الكون؟ هل التأليف والمماسة غير المجاورة؟ هل المجاورة واحدة بينما يتحد ~~التأليف والمماسة؟ هل المجاورة تأليف؟ هل المماسة نفس المجاورة أم متعددان؟ هل ~~يتغير الكون إذا تعرض لمماسات ومجاورات؟ هل المتوسط من الجوهرين كلما قرب من ~~أحدهما بعد عن الآخر؟ هل يقال للجوهر إذا ماس من جهة إنه مباين من الجهة ~~الأخرى؟ هل تجوز المباينة والافتراق في جملة جواهر العالم؟ هل يطلق القول ~~بتضاد الأكوان عند من لم يجعل المماسة كونا؟ بل تصبح الأسئلة نظرية خالصة ~~مثل: ماذا تعني الحركة والسكون؟ هل يحلان في الجسم؟ هل هما في المكان الأول ~~والثاني؟ هل يكون الساكن في حال سكونه متحركا بوجه من الوجوه؟ # 102 # وما دلالة هذه التساؤلات كلها؟ وهل تكشف عن الصراع الدائم بين ~~الفكر الديني والفكر العلمي؟ هل هو فكر علمي خالص بعد أن قد توارى الفكر الديني ~~إلى أقل حجم له؟ هل يختفي الفكر الإلهي أولا بالفكر الميتافيزيقي ثم يختفي ~~الفكر الميتافيزيقي ثانيا بالفكر العلمي؟ # 103 # هل الفكر العلمي الخالص دلالة على التوحيد؟ هل الفكر العلمي نفسه ~~هو الفكر الديني، وبالتالي يكون التوحيد هو الطبيعة كموضوع ومنهج ونتيجة؟ فإذا ~~كان الرد بالإيجاب يكون الفكر العلمي تأصيلا للفكر الديني وتطويرا له، ويكون ~~الفكر الديني مقدمة للفكر العلمي وجزءا من تاريخه وأحد مراحله التاريخية. ~~ونكون بإسقاطنا الفكر العلمي كلية ودعوتنا إلى الفكر الديني، بل وإلى الفكر ~~«اللاهوتي» المشخص، قد عدنا إلى الوراء، وانتهينا إلى حيث كنا في البداية، ~~وتكون الحضارة قد أدت دورتها وعدنا من جديد كما بدأنا إلى نقطة الصفر ~~الأولى. # وبالإضافة إلى النظرية الآلية للأجزاء مداخلة ومجاورة ومماسة، اجتماعا ~~وافتراقا، بل وتأليفا، حتى في دراسة أفعال القلوب من الإرادات والكراهات ~~والعلوم والنظر ظهرت نظرية حيوية أخرى للأجسام تقوم على الكمون والطفرة والظهور ms392 ~~تتحدى الفكر الديني في نظرية «الخلق من عدم»، والذي انتهى بدوره إلى اتهامها ~~بالدهرية وإنكار الخلق مع أنها تصور جديد للخلق، وهو التخلق الذاتي. ~~«فالله» خلق الأشياء دفعة واحدة، وأكمن بعضها في بعض أصلا، وهو ملاحظ في ~~ظواهر الحياة مما أدى إلى اعتراف الفقهاء بها اعتمادا على الحس والمشاهدة ~~ومجرى العادات. # 104 # وإثبات الطفرة يؤدي إلى إنكار الجزء الذي لا يتجزأ الذي يقوم عليه ~~التصور الآلي الأول. وفي حقيقة الأمر، إن إثبات الكمون والطفرة يساعد على ~~الخلق والإبداع ومعرفة المراحل والإحساس بالتاريخ والشعور بالزمان وأخذ رؤية ~~مستقبلية غائية، بدلا من النظر إلى الماضي والتقدم إلى الوراء. يمكن أن يكون ~~الكمون والطفرة جزءا من الثقافة الوطنية للشعوب النامية إذا كان ينقصها الحركة ~~والتغير ويعوزها التخطيط المتصل القائم على التسلسل والرؤية المستقبلية ~~والإحساس بالمراحل، وتساعدها على الإبداع الذاتي. كما أنها تساعد الفكر العلمي ~~الآلي في الشعوب الصناعية على تجاوز الآلية وحتمية الطبيعة والتحليل الكمي إلى ~~مزيد من التحليل الكيفي، والتمييز بين المستويات دون أن تنقلب إلى ضدها وتتحول ~~إلى إشراقات صوفية في النفس وفي الطبيعة؛ ومن ثم يتحول العلم إلى تصوف ~~بتحويل المادة إلى روح، والديمومة إلى انقطاع. # وتعادل مباحث الحكماء في الأين مباحث المتكلمين في الأكوان؛ فكلاهما ~~مبحث في الحركة. والحركة عند الحكماء كمال أول بالقوة من حيث هو بالقوة. ~~وهو تعريف يقوم على إسقاط وجدانيات من لفظ كمال أول كمقولة دينية ~~أخلاقية. ويتضح ذلك أيضا من تعريفهم للنفس بأنها كمال أول. تعريف الأين إذن ~~إسقاط من تعريف النفس على الطبيعة، ومن الذات على الموضوع، وهو ما يشير إليه ~~الحكماء بحديثهم عن وظيفة التوهم. وللحركة معنيان: الأول التوجه، وهو ~~كيفية بها يكون الجسم أبدا متوسطا بين المبدأ والمنتهى. والثاني الأمر ~~الممتد من أول المسافة إلى آخرها ولا وجود له إلا في التوهم. كل هذه ~~التقسيمات إذن من صنع الفكر المثالي وريث الفكر الديني قبل أن يتحول إلى ~~فكر علمي. ومقولات الحركة أربع: الأولى الكم، وهو التخلخل، وضده التكاثف، ~~والنمو وعكسه الذبول. ms393 والثانية الكيف والحركة فيه تسمى استحالة. والثالثة ~~الوضع مثل حركة الفلك. والرابعة الأين، وهو النقلة التي يسميها المتكلم حركة. ~~وباقي المقولات لا تقع فيها الحركة مثل الجوهر والمضاف والملك والمتى وأن يفعل ~~وأن ينفعل. فالجوهر تتبدل صورته، والمضاف طبيعة غير مستقلة، والمتى وجود الجسم ~~فيه يتبع الحركة وكذا الملك، وأن يفعل وأن ينفعل أثبت البعض فيهما حركة. وفي ~~حقيقة الأمر إن الجوهر مبحث خاص، والمضاف مع الملك أحد أقسام الأعراض بعد ~~النسبة، والمتى أي الزمان دخل في الكم مع العدد والمقدار والمكان. أما أن ~~يفعل وأن ينفعل فهو جزء من مباحث الكيف في الكيفيات الاستعدادية. ومن ثم ~~توضع مقولة الأين موضع الصدارة وتتفاوت المقولات الأخرى بين الإثبات والإنكار؛ ~~إذ يتداخل الأين والمكان والحركة والسكون والقوة والفعل والكمال الأول ~~والكمال الثاني معا لتكون أبحاثا في المكان والحركة تحت عرض الأين. يبدو ~~الوجود وكأنه وصف لوجود دينامي تتقلب عليه الأعراض. والعلة للحركة الطبيعية ~~ليست الجسمية وإلا دامت الحركة بدوامها، وليست الطبيعية لأنها ثابتة. فإن لم ~~تكن المادية أو الصورية فلم تبق إلا الفاعلة أو الغائبة. آثر المتكلمون الأولى ~~نظرا لسيطرة الفكر الديني، والحكماء الثانية نظرا لسيادة الفكر الفلسفي. ~~وتقتضي الحركة أمورا ستة: ما به أي الفاعل، ما له أي المحل، ما فيه أي ~~المقولة، ما منه أي المبدأ، وما إليه أي المنتهى، ثم المقدار أي الزمان. وقد ~~زادت هذه القسمة على القسمة الرباعية الأولى شيئين: المقولة والزمان. ومع ذلك ~~فالحركة واحدة. ووحدة الحركة إما شخصية أو نوعية أو جنسية؛ الأولى وحدة ما ~~له، والثانية وحدة ما فيه وما منه وما إليه، والثالثة وحدة ما فيه. وقد تكون ~~الحركات متضادة بشرط دخولها تحت جنس واحد، وتضاد الحركات ليس لتضاد ما فيه، ~~بل لتضاد ما إليه؛ أي الغاية والمنتهى. والحركة ليست كما بالذات، بل ~~بالعرض، وتنقسم ثلاثة أقسام: إما بحسب المسافة، أو بحسب الزمان، أو بحسب ~~المتحرك. وما يوصف بالحركة إما أن تكون الحركة فيه بالحقيقة أو بالعرض مثل ~~السفينة والراكب. والأول إما أن ms394 تكون الحركة في غيره وهي الحركة القسرية أو ~~فيه إما مع الشعور وهي الإرادية، أو لا وهي الطبيعية مثل حركة النبات. ~~والحركة إما سريعة أو بطيئة. وعلة البطء في الطبيعية ممانعة المخروق ، وفي ~~القسرية والإرادية ممانعة الطبيعة. وبين كل حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة ~~سكون، وكل حركة مستقيمة قد تنتهي إلى سكون. # 105 # والآن، ما دلالة هذا الحديث المطول كله عن الحركة؟ هل لها دلالة في الفكر ~~الديني حيث تكشف كيف تحول الفكر الديني إلى فكر مثالي؟ # 106 # هل لها دلالة في الفكر العلمي؛ حيث تكشف كيف استقى المتكلمون ~~والحكماء أبحاثهم من العلماء التجريبيين؟ هل لهذه البحوث كلها أهمية من أجل ~~تأسيس نظرية في المعلوم تصلح لأن تكون مع نظرية العلم مقدمات نظرية لتأسيس ~~علم أصول الدين؟ وما المطلوب الآن؟ هل يترك مبحث النسبة على هذا المستوى ~~الطبيعي العلمي من التحليل أم يرفع من جديد إلى مستوى الفكر المثالي أم يعاد ~~بناؤه في الشعور كبواعث على الفعل؟ وهل يمكن الانتقال من العلم الطبيعي إلى ~~العلم الاجتماعي والسياسي؟ هل الحركة حركة الأجسام، أعراضا وجواهر أم حركة ~~المجتمعات شعوبا وتاريخا؟ هل يمكن الاستفادة من تقسيمات القدماء لأنواع ~~الحركة وعللها خاصة العلة الغائية، القصد والاتجاه في التخطيط وتحديد الأهداف ~~وصياغة رؤى مستقبلية؟ هل يمكن أن تتحول هذه التمرينات العقلية كلها التي ~~تكشف عن الصراع بين المستويات في تحليل بين الإيمان والحكمة والعلم إلى حركات ~~واقعية بالفعل للشعوب في التاريخ؟ # 107 # هل يمكن الاستفادة من قسمة الحركة إلى يمين ويسار أو إلى خلف ~~وأمام؛ للمساهمة في حركات التغير الاجتماعي، ودفع الأمة نحو مزيد من التقدم، ~~والقضاء على معوقاته، وإنهاء التخلف من جذوره بعد أن استقر الأعلى والأدنى في ~~وجداننا القومي؟ ألا يترك تحليل القدماء للحركة وجدان المحدثين فارغا بلا ~~مضمون؟ ويكون السؤال: كيف يمكن إدخال المضمون الاجتماعي والسياسي لوجدان ~~المحدثين في تحليل القدماء للحركة في الأكوان عند المتكلمين والأين عند ~~الحكماء؟ ~~(5) الإضافة # والإضافة آخر قسمة للعرض بعد الكم ~~والكيف والنسبة. ويعني إضافة شيء لشيء آخر ms395 مثل أن الأبوة هي المعقولة بالنسبة ~~إلى الغير؛ أي البنوة. وأهميتها لتأصيل الفكر الديني هو أن كثيرا من الموضوعات ~~الدينية لا تعقل إلا بالإضافة. وقياس الغائب على الشاهد بالإضافة. وقد يكون ~~تصور «الله» هو في حقيقة الأمر تصور بالإضافة إلى الإنسان؛ فالإضافة أساس ~~القياس والنسبة، وهو جوهر منطق العلاقة. وخواص المضاف اثنتان: الأولى التكافؤ ~~في الوجود والعدم بحسب الذهن والخارج، والثانية وجود التكافؤ في النسبة وهو ~~الانعكاس. ولا تستقل الإضافة بوجودهما؛ فحصولها يتبع لحوقها بالغير. وتقسم ~~الإضافة إلى عدة تقسيمات؛ الأولى: التوافق كالجوار والتخالف كالابن والأب. ~~الثانية: الإضافة لصفة واحدة من المضافين مثل العشق، أو لصفة في أمرهما ~~كالعاطفية. والثالثة: أقسام المعادلة مثل الغالب والقاهر والمانع، وفي الفعل ~~والانفعال مثل القطع والكسر، وفي المحاكاة مثل العلم والخبر، وفي الاتحاد مثل ~~المجاورة والمشابهة. والرابعة: المقولات كلها مثل الجوهر في الأب والابن، والكم ~~مثل الصغير والكبير. والخامسة: وجود اسم لها من الطرفين أو من أحدهما أعدم ~~وجوده منهما. والسادسة: وضع اسم لها ولموضوعها يدل عليها بالتضمن. واضح من هذه ~~القسمة أنها قسمة صورية خالصة بالرغم من وجود بعض الأمثلة الشارحة. ومع ذلك ~~فالأمثلة قد تفرض بذاتها على الممثول؛ فالعشق ليس مثلا لإضافة من طرف واحد؛ ~~لأنه قد يكون متبادلا وإلا كان حركة العاشق نحو المعشوق كما هو الحال في علوم ~~الحكمة وفي علوم التصوف، وهو ما استقر في وجداننا القومي حتى الآن في صيغة ~~علاقة التبعية بالاستقلال. ويغلب على القسمة الفكر المثالي الخالص دون أثر ~~للفكر الديني أو للفكر العلمي فيه. # 108 # ولكن الأهم من ذلك كله في الإضافة هو إدخال التقدم والتأخر من أقسام ~~المضاف؛ فعند الحكماء التقدم والتأخر على خمسة أوجه: الأول بالعلية مثل ~~تقدم المضيء على الضوء. والثاني بالذات مثل تقدم الواحد على الاثنين. ~~والثالث بالزمان مثل تقدم موسى على عيسى. والرابع بالشرف مثل تقدم أبي بكر ~~على عمر. والخامس بالرتبة مثل أن يكون أقرب إلى مبدأ معين. والترتيب إما عقلي ~~كما في الأجناس أو وضعي كما في صفوف ms396 المسجد. أما عند المتكلمين فهناك تقدم ~~كما لأجزاء الزمان بعضها على بعض طبقا للتصور الآلي لحركة الأجسام. ولما ~~أراد بعض الحكماء الحصر قالوا إن التقدم إما أن يكون حقيقيا أو اعتباريا، ~~والأول يتوقف فيه المتأخر على المتقدم من غير عكس، والثاني لا بد من مبدأ تعتبر ~~إليه النسبة، وذلك إما كمال أو لا. وعند هذا الحدث يتوقف وصف القدماء ~~للتقدم والتأخر دون تدخل موضوعات عقائدية أو تاريخية وتبقى صورية منطقية ~~محايدة، خارج المكان والزمان بعد أن وضع الحكيم والمتكلم نفسيهما خارج التاريخ. # 109 # والأمر بالنسبة لنا يختلف؛ فالتقدم والتأخر أزمة العصر ووجدان الجيل ~~كله، وهدف قومي يسعى إليه الجميع يخطط له، ويعمل على تحقيقه. ومن ثم ~~فإننا نحول تصنيف القدماء من المستوى الصوري المنطقي إلى المستوى المادي ~~التاريخي العملي؛ فالتقدم بالعلية لا يعني فقط تقدم المضيء على الضوء، بل ~~تقدم العلة على المعلول في إمكانيات العمل والمحاربة. والتقدم بالذات لا يعني ~~فقط تقدم الواحد على الاثنين، بل يعني أولويات التخطيط لصالح الأغلبية. ~~والتقدم بالزمان لا يشير فقط إلى تقدم موسى على عيسى، بل يشير إلى مراحل ~~التاريخ وتطور النبوة وقانون التقدم. والتقدم بالشرف ليس فقط تقدم أبي بكر ~~على عمر كما هو الحال في عقائد القدماء، بل هو التفاضل في النقاء والطهارة ~~والأسبقية للجهاد. والتقدم بالرتبة، سواء العقلية أو الوضعية، لا يعني ~~تقدما في الأجناس أو في ترتيب الصفوف، بل يعني التقدم في درجة العلم ~~والفضل والأهلية. إن التقدم لا يعني تقدم الزمان في حركات الأجسام، بل تقدم ~~التاريخ في حركات الشعوب. وقد يكون تقدما اعتباريا وهو تقدم الذهن، ~~التصورات والمناهج، أو حقيقيا فهو تقدم الواقع والأبنية الاجتماعية. وفي ~~كلتا الحالتين هو تقدم حقيقي وليس وهما. ومن ثم فالتقدم بالذات ليس مجرد ~~تقدم صوري ماهوي، بل بحسب الوجود والتاريخ، تقدم الشعوب والمجتمعات، تقدم ~~الإنتاج وتقدم الخدمات. # ولقد استطاع القدماء في تنبيههم في آخر مباحث الأعراض التنويه بفضل التقدم ~~على التأخر، وأن الأصل هو المستقبل ثم يصير حاضرا فماضيا. # 110 # كما ms397 أن للتقدم معنى زائدا على التأخر، سواء من حيث الذات فهو ~~مقدم عليه، أو من حيث العلة فهو موجد، أو من حيث الزمان من حيث أن له زمانا ~~أكثر، ومن حيث الشرف فهو أكمل، وفي الرتبة من حيث وصوله إلى الغاية أولا. # 111 # يمكن إذن البحث والخوض في أعماق المقدمات النظرية لعلم أصول الدين، ~~والعثور على شروط التقدم وأسس النهضة، بعيدا عن الأفكار الشائعة عن النظرة إلى ~~الماضي والحنين إليه الذي يمثل الفكر الديني كما يبدو في الحركة السلفية. وقد ~~لا يكون فضل التقدم على التأخر بعيدا عن مقصد الوحي ونصوصه الصريحة. # 112 # | رابعا: أنطولوجيا الوجود (الجواهر) # ومبحث الجواهر هو المبحث الثالث في نظرية الوجود بعد «ميتافيزيقا الوجود» أو ~~الأمور العامة و«فينومينولوجيا الوجود» أو الأعراض. # 1 # وكأن مسار نظرية الوجود وهو الانتقال من المبادئ الميتافيزيقية العامة ~~التي يتحد فيها الفكر بالوجود إلى ظواهر الأشياء كما تبدو للإنسان ثم إلى الأشياء ~~ذاتها، وكأن الإنسان وجود بين عالمين، عالم المبادئ العامة وعالم الأجسام ~~المادية. ومع أن الجواهر عند المتكلمين هي الأجسام؛ الأجسام المادية الملموسة ~~المرئية المحسوسة، وعند الحكماء الجواهر المفارقة؛ ففي كلتا الحالتين يكون الإنسان ~~بين عالمين. # ويشمل مبحث الجواهر مباحث أربعة: الجسم، وعوارض الأجسام، والنفس، والعقل. ~~وأشملها الجسم الذي يطغى على ثلاثة أرباع المبحث، بل إن عوارض الأجسام ذاتها أشمل ~~من النفس والعقل. # 2 # وأهم ما في الجسم هي قسمته وليس حقيقته أو أعراضه؛ فهي تشمل أكثر من ~~نصف المبحث مما يدل على أن منهج الكلام يقوم أساسا على القسمة العقلية أكثر مما ~~يقوم على التعريف أو التحليل. # 3 # وتدخل مقولة الجسم مع الجوهر والعرض في قسمة ثلاثية للمحدث الذي ينقسم إلى جسم ~~وجوهر وعرض؛ فالجسم هو المؤلف المركب من جوهر وعرض، والجوهر الذي له حيز، ~~والحيز هو المكان، والعرض الذي يعرض في الجوهر. الجسم إذن هو القابل للعرض، وهو ~~الجوهر، وهو «الجزء الذي لا يتجزأ كجسم وجوهر.» # 4 # ويطلق الجسم عند الحكماء بالاشتراك على معنيين: الأول الجسم ~~الطبيعي، وهو موضوع ms398 العلم الطبيعي، وهو جوهر له أبعاد ثلاثة متقاطعة على زاوية ~~قائمة. والثاني الجسم التعليمي موضوع العلوم التعليمية؛ أي الرياضية، ورفضوا تصور ~~المعتزلة بأنه الطويل العريض العميق. قد يكون هو القائم بنفسه الذي لا يتجزأ أو هو ~~الوجود الذي يعني الجسم بلا تعين أو تحيز أو هو الشيء. # 5 # وهي كلها تعريفات تجعل الجسم مجسما في أغلب الأحوال، وأقرب إلى ~~المشاهدة الحسية والبداهة العقلية، سواء في العلم الطبيعي أم في العلم الرياضي أم ~~في العلم الإنساني. ليس الجسم مجموعة أعراض مجتمعة، بل لا بد من جوهر؛ فالعلاقة ~~بينهما ليست علاقة حامل بمحمول. ليس الجسم مجرد صفاته، بل هو المتحيز أو المحل ~~القابل للحال. واعتبار الجسم مجرد صفات إنكار لقوام الشيء. # 6 # واعتبار الأجزاء هي الأعراض كاللون والطعم والحر والبرد والخشونة ~~واللين خلط بين الصفات الأولى والثانية. فالصفات الأولى هي ما يحدد «الجزء الذي ~~لا يتجزأ» كالوجود والثقل والطول والعرض والعمق. أما الصفات الثانية فهي التي ~~تظهر من خلال الحواس الخمس، وهي الأعراض لا الأجزاء. وقد يكون الجسم هو المماسة من ~~إحدى الجهات. وهذا تحديد للجسم من الخارج، وقد تكون المماسة من أسفل حتى يمكن للجسم ~~أن يرتكز على آخر. وقد تكون من جهات أخرى حتى يكون القديم محاطا بالأجسام. ويبدو ~~أن الذي يحدد التصور الطبيعي للجسم هنا هو التصور «الإلهي». # 7 # والمماسة بعد المجاورة وقبل التأليف، والمباينة ضد المجاورة. خلاصة ~~القول أن الجسم عند المعتزلة والفلاسفة هو الطويل العريض العميق، ذي الأبعاد ~~الثلاثة. وعند الأشاعرة هو المتحيز القابل للقسمة ولو في جهة واحدة. وعند كليهما ~~الجسم مؤلف أو متألف ومنقسم إلى جهات ثلاثة، أو مؤلف من أربعة أجزاء أو ستة أو ~~ثمانية أو ستة وثلاثين جزءا أو من عدد غير محدد من الأجزاء. # 8 # فإذا ما تحدد الجسم بالأبعاد الثلاثة، فإنه يكون قابلا للقسمة كما ~~يقول الحكماء إلى ما لا نهاية، وليس له أجزاء يتوقف عليه. # 9 # أو يكون هو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة، وينقسم إلى أجزاء صغار لا ~~تنقسم أصلا ms399 أو لا تنقسم فعلا غير متناهية، وهو الجوهر الفرد الذي ينكره ~~الحكماء. # ينقسم الجوهر عند الحكماء إلى خمسة جواهر: صورة إن كان حالا، وهيولى إن كان ~~محلا، وجسما إن كان مركبا منهما، وإن كان لا حالا ولا محلا فإنه يكون ~~نفسا إن تعلق بالجسم تعلق التدبير، وعقلا إن لم يكن كذلك. يمكن فهم نفس القسمة ~~بأنه إذا كان الجوهر له أبعاد ثلاثة فهو جسم، وإن كان جزؤه به بالفعل فصورة وإلا ~~فمادة. وإن لم يكن جزءا وكان متصرفا فيه فنفس وإلا فعقل. هنا تبدو القسمة وكأن ~~غايتها الانتقال من الوجود الحسي المركب من مادة وصورة إلى الوجود العقلي البسيط ~~مثل النفس والعقل، في حين أنه عند المتكلمين لا جوهر إلا المتحيز. قد يقبل القسمة ~~وهو الجسم وقد لا يقبلها وهو الجوهر الفرد. فالجسم البسيط يقبل القسمة. وبالتالي ~~فهناك أربعة احتمالات: الأول أن الأجزاء موجودة بالفعل ومتناهية. والثاني أن ~~الأجزاء موجودة بالفعل وغير متناهية. والثالث أن الأجزاء موجودة بالقوة ومتناهية. ~~والرابع أن الأجزاء موجودة بالقوة وغير متناهية. # 10 # ولذلك كانت الأجزاء المفردة في العالم نوعين: الأول مفرد في ذاته ~~ينتفي الانقسام عنه. والثاني مفرد في الجنس دون الذات. وهو بدوره نوعان: الأول ~~جوهر واحد وهو الجزء الذي لا يتجزأ، وكل جسم من أجسام العالم ينتهي إلى جزء لا ~~يتجزأ. الثاني كل عرض في نفسه، فإن كل شيء واحد مفتقر إلى محل واحد. # 11 ~~(1) الجوهر الفرد # والجوهر الفرد لا شكل له. # 12 # ولا يشبه شكلا من الأشكال، لا طول له ولا عرض ولا عمق، لا يماس ~~ولا يجاور ولا يلاصق، ومع ذلك قابل لجميع الأعراض إلا التركيب لأنه جزء لا ~~يتجزأ. وقد يبدو ذلك متناقضا لأن الأعراض لا يمكن حملها إلا على جسم. الحركة ~~والسكون أعراض لا تحل إلا في محل. ولماذا تجوز عليه الحركة والسكون واللون ~~والمماسة والطعم والرائحة ولا تجوز عليه باقي الأعراض مثل الطول والتأليف أو ~~العلم والقدرة والحياة؟ لماذا تجوز عليه الأعراض الأولى إذا كان منفردا ولا ~~تجوز ms400 عليه الأعراض الثانية إذا كان منفردا؟ والإنسان جزء لا يتجزأ ويجوز عليه ~~الطول والعلم والقدرة والحياة. # 13 # وقد قيل إن له خطا من المساحة، أو هو نقطة على خط. والأشكال ~~الهندسية تعبر عن درجة أعظم من التعظيم والإجلال، الدائرة أو المربع أو ~~المثلث. فالأشكال الهندسية تعبر عن معان إنسانية، وما هي إلا رموز لأشياء ~~أخرى هي حقائق مستقلة. الخط هو اللامتناهي، والمثلث هي الدولة التي ترتبط ~~بمركز أعلى واحد أو العالم الذي في قمته «الله»، والمربع هو التناهي المحدد ~~الواضح. أما الدائرة فإشكالها أنها تعبر عن التناهي لأنها محددة في ~~المساحة، وعن اللاتناهي لأنها تدور إلى ما لا نهاية، ولأن محيطها متصل إلى ما ~~لا نهاية؛ ومن ثم كانت أفضل شكل هندسي للتعبير عن قدم العالم. # 14 # وهو حادث لأن المادة حادثة لا قديمة، ومتناه لأن التناهي من طبيعة ~~الحادث. وأجمعوا أنه إذا انضم جزء لا يتجزأ إلى آخر حدث طول وإلا كيف تكونت ~~الأجسام؟ وهنا تتراوح التصورات له بين التصورات الميتافيزيقية الخالصة، ~~والتصورات المادية. والسؤال الآن: هل له وجود حقيقة، سواء كان وجودا ~~ميتافيزيقيا رياضيا في الأذهان أم وجودا حسيا في الأعيان، أم إنه من ~~صنع الوهم ليخدم غاية دينية معينة؟ هل هو تحليل علمي للأجسام الطبيعية أم إنه ~~محاولة لإرساء مقدمات لإثبات وجود «الله» كما سيبدو ذلك في إثبات الصانع في ~~موضع الذات؟ # لذلك اختلف فيه المتكلمون والفلاسفة بين الإثبات والنفي، يثبته المتكلمون ~~وينفيه الحكماء وكأنهما هذه المرة يتبادلان الأدوار، فيثبت المتكلمون شيئا ~~من صنع الوهم لا وجود له إلا في الأذهان، وهم الذين لا يثبتون شيئا إلا في ~~الحس، بينما ينفيه الحكماء، وهم الذين يثبتون المعاني في الذهن متجاوزين ~~للحس. ويتبع المتكلمون في ذلك حججا رياضية وفلسفية وطبيعية، منها ما يعتمد على ~~الإثبات، ومنها ما يقوم على برهان الخلف؛ أي إثبات استحالة النقيض وهو ~~الهيولى والصورة عند الحكماء. مثلا الجوهر الفرد كالنقطة في الرياضة التي ~~منها تتكون جميع الأشكال الهندسية، الخط والزاوية والمثلث والمربع والمستطيل ~~والدائرة ... إلخ. ms401 والحقيقة أن هذه كلها موجودات ذهنية لا وجود لها في الخارج ولا ~~تنقسم إلا بالوهم ولا تجتمع أو تفترق إلا بالخيال. وإن أصغر الزوايا مجرد ~~افتراض عقلي لا وجود له مثل النقطة والخط والموضوعات الرياضية كلها؛ فمعظم ~~الأدلة الرياضية مستقاة من الفكر التمثيلي. الرياضة خاصة الهندسة في النقط ~~والخطوط والمساحات تقوم على التماس ، والتماس إثبات للجواهر الفردة. وهذا أيضا ~~إغفال للشيء وحديث عن بديله. أما إثبات الجوهر الفرد عن طريق إثبات قسمة ~~الحركة والزمان، استحالة وجود أجزاء لا متناهية وإلا استحالت الحركة كما يفعل ~~الأشاعرة؛ فهو إثبات خاطئ؛ وذلك لأن الزمان والحركة لا ينقسمان إلا من حيث هما ~~مكان. ليس بالحركة ماض أو حاضر أو مستقبل؛ فهذا إبدال للمكان بالزمان. الزمان ~~إحساس بالزمان شعور به، والحركة تغير في الزمان. وكلاهما وحدة واحدة لا تركيب ~~فيها. التركيب افتراض عقلي خالص يقوم على التجزئة والتفتيت من أجل الهدم ~~والقضاء على العالم من أجل إثبات، ولو كفاية بعيدة، إرادة مشخصة وقدرة خارجة عن ~~العالم وعليه. # 15 # وسواء كان الجوهر الفرد لا ينقسم أصلا أو فعلا، فهو لا ينقسم ~~لأنه لا وجود له بالفعل. والأجسام البسيطة لا تنقسم ولا تتجزأ لأنها بسيطة. ~~والصورة جوهر لا جسمي فكيف تنقسم الصورة؟ والعقل جوهر، والنفس جوهر فكيف تنقسم ~~الجواهر؟ كما يثبت المتكلمون الجوهر الفرد ببرهان المماسة؛ مماسة الكرة على ~~البسيط في الجوهر الفرد، ويثبتونه أيضا بالقرين، وهي نقطة الخط التي يتكون ~~منها الخط ولا ينقسم. وإن مماسة الكرة لسطح لا تثبت الجزء إلا افتراضا لأنا ~~لا نرى إلا الكرة فوق السطح. ومماسة خط لخط فوقه يدل على تماس الأجزاء افتراضا ~~أيضا. ويرد المتكلمون على الاعتراض الخاص بالجوهر الفرد وإثباته بالنقطة ~~بالنسبة للخط على أن ذلك عرض، والأعراض لا تنقسم بأن الأعراض أيضا تنقسم. # 16 # الحقيقة أنه يمكن أيضا نفي الجوهر ببرهان المماسة؛ وذلك لأن كل ~~جوهر فرد لا بد وأن تكون له جهات ست، يمين ويسار، وأمام وخلف، وأعلى وأسفل، ~~يحاذي بها الجواهر الفردة الأخرى. ومن ثم ms402 فكل جوهر فرد يتجزأ. ويرد ~~المتكلمون على الشبهة بأن الجوهر الفرد لا يتجزأ بأن كل الاعتراضات والإلزامات ~~تقوم على افتراض الجوهر الفرد وليس على نفيه؛ ومن ثم كان إثباته أقرب. ~~وهذه الطريقة تلزم المتكلمين جميعا في إثبات استحالة الرأي المعارض حتى يثبت ~~الرأي المطلوب. كما يرد المتكلمون على الجهات الست بأن كل ما له جهة ~~فمنقسم وهو ليس الجوهر الفرد، كما أن إثبات الجهة لا يعني الانقسام إلى ما لا ~~نهاية؛ لأن الجهات أعراض وليست جواهر أو هي نسب وليست ذوات. ويعتمد المتكلمون ~~في كل الأحوال لإثبات مذهبهم على مقدمتين: الأولى أن كل منقسم له أجزاء بالفعل ~~والثانية أنها متناهية. # 17 # والحقيقة أنهما مقدمتان جدليتان فارغتان لا يثبتان شيئا بالفعل، ~~لا تعتمدان إلا على العقل الصوري القادر أيضا على تفنيدهما صوريا بنموذج ~~صوري آخر. إن استحالة الانقسام إلى ما لا نهاية لإثبات وجود الجزء تفكير قائم ~~على عقلية مركبة على افتراض أن النهائي من صنو الطبيعة، وأن اللانهائي من ~~خارجه. ويستعمل المتكلمون في ذلك حججا خطابية صرفة مثل: لو وجدت القسمة إلى ~~ما لا نهاية لغمرت وجه الأرض! كأن قسمة حبة القمح إلى أقسام لا متناهية تغمر ~~حقول مصر وغيطانها، وإذن لأمكن بذلك إشباع الجياع! # 18 # وبعض الحجج الصورية الأخرى تكون مليئة بالمتناقضات، مثل: كيف ~~يتركب الجسم من جزء لا يتجزأ ولا يتجزأ، أو لو جاز جزء على ملتقى اثنين لم ~~يكن لا يتجزأ!... # إن حجج إثبات المتكلمين للجوهر للفرد كلها افتراضات عقلية تعبر عن بناء ~~عقلي مركب على النهائي واللانهائي، أو على مجرد تحصيل حاصل لا يأتي بجديد، ~~مثل: «كل منقسم له أجزاء بالفعل وأنها متناهية.» فكل منقسم له بطبيعة الحال ~~أجزاء، وكل جزء متناه. ولا غرابة في ذلك؛ إذ يؤيده الحس والمشاهدة، ولا يحتاج ~~إلى أدلة تثبت هذه الحقيقة البينة. وكأن الفكر لا يسير إلى الأمام بل يسير إلى ~~الوراء. والذي لا يتقدم خطوة يتراجع خطوات، وينتهي به الأمر إلى النكوص ~~المستمر، والتعايش على ذاته والواقع منه بريء ms403 وهو غريب عليه. ومعظم الأدلة ~~الفرعية لإثبات هذه الحقيقة البديهية تقوم على استحالة الرأي المضاد؛ فالحجة ~~القائلة بأنه لو كان المنقسم واحدا للزم انقسام الوحدة لا تثبت شيئا؛ لأن ~~البداهة لا يمكن إثباتها إلا بالدوران حولها وإثبات ما يخالفها. والحجة بأن لو ~~كان واحدا لكان التفريق إعداما له أيضا تقوم على رفض الرأي المضاد. والحجة ~~بأن الجسم مقاطع لأجزاء متمايزة بالفعل تحصيل حاصل؛ لأنها تعرف الكل بأجزائه ~~ولم تأت بجديد كمن يقول: الإنسان له رأس وبطن وذراعان وساقان. ما إثبات أن ~~الجواهر الفردية متناهية في الجسم فإنها لا تحتاج إلى دليل؛ فالجسم له طول وعرض ~~وعمق، ويشغل مساحة ويتحيز في المكان. ومن ثم فهو محدود متناه. ولكن ~~العقلية المركبة على بناء المتناهي واللامتناهي تتوهم أن الحكم على الجواهر ~~الفردية الداخلة في تكوين الجسم بأنها متناهية لتعطي الفرصة لإثبات موجود لا ~~متناه وهو إيهام تقع فيه النفس. وإثبات هذه الحقيقة البديهية، وهي أن الأجسام ~~متناهية، لا تحتاج إلى دليل، خاصة ولو كانت الأدلة كلها خاطئة تقوم على الخلط ~~بين الزمان والمكان وتكرر حججا دخلت من حضارات أخرى بعد تمثلها وأصبحت ~~جزءا من الثقافة الإسلامية العامة. وهي حجج تهدف إلى هدم الإلهيات وإنكار ~~الحركة وتحويل الزمان إلى مكان. فمثلا الحجة بأنه لو كانت الأجزاء غير متناهية ~~لامتنع قطع المسافة في زمن متناه خلط صريح بين الزمان والمكان، ونظرة ~~خارجية تقسيمية تجاورية للزمان على أنه مدد متتالية، والمكان على أنه مسافات متتابعة. # 19 # أما إثبات تناهي الأجزاء بأنها محصورة فتحصيل حاصل، وكأن الإنسان ~~يريد أن يثبت تناهي الساق لأنه محصور بين القدم والركبة! أما التناهي عن ~~طريق التأليف وزيادة الأجزاء فيزيد الحجم أو تنقص الأجزاء فينقص الحجم، فتحصيل ~~حاصل، كمن يقول إن الواحد إذا أضيف إليه واحد أصبح اثنين، وإن الاثنين إذا ~~طرحنا منها واحدا يبقى واحد! # وإذا كانت حجج المتكلمين ضد قسمة الجسم إلى ما لا نهاية عند الحكماء سليمة ~~وقوية، إلا أن ذلك لا يعني صحة رأي المتكلمين في وجود الجوهر ms404 الفرد. صحيح أن ما ~~له أطراف وأضلاع يستحيل أن ينقسم إلى ما لا نهاية، وأن الانفصال إلى ما لا ~~نهاية يقتضي الاتصال إلى ما لا نهاية. ولما كان الجسم متصلا إلى نهاية كان ~~انفصاله متصلا إلى نهاية، وإن كان انقسام الجسم قسمين غير متساويين كان انقسام ~~القسم الأصغر إلى ما لا نهاية أكبر من انقسام القسم الأكبر. ويعرف الحكماء بأن ~~كل هذه الانقسامات بالقوة وليست بالفعل؛ أي إنها افتراضات وهمية وليست وقائع محسوسة. # 20 # وتعتمد حجة الحكماء على أن الجسم واحد متصل قابل للقسمة إلى ما لا ~~نهاية، لا لأنه مركب من أجزاء لا تتجزأ. والجسم متصل بشهادة الحس وقابل ~~للقسمة إلى ما لا نهاية. موقف الحكماء أقرب إلى بداهة الحس وأوليات العقل، وهي ~~أن الأجسام متداخلة في نفسها، وأن قسمة الجسم إلى قسمين يفقده الجسمية ويحيله ~~إلى جزء من الجسم، ويتحول من المعنى الفلسفي إلى المعنى الطبيعي. # 21 # الأجسام متصلة كما يرى الحكماء ولكنهم يجعلونها قابلة للقسمة ~~ولانقسامات غير متناهية، وهذا أيضا افتراض لا يزيد ولا ينقص شيئا من واقع ~~الأشياء، ومن حيث مدلولها الفلسفي، وإن كان لها مدلول علمي في البحث عن قوانين ~~الطبيعة، ويدل على عقلية مركبة على بناء اللامتناهي والتناهي. لقد أصاب ~~الحكماء في إنكارهم الجوهر الفرد، وفي تصورهم أن الجسم جوهر واحد متصل، ~~ولكنهم عادوا فهدموا ما بنوه بجعلهم الجسم منقسما إلى ما لا نهاية، فوقعوا في ~~نفس الافتراض الذي لا لزوم له، والذي لا يقدم في كثير أو في قليل. ومع ذلك ~~فحجج الحكماء أكثر إقناعا، حجج المحاذاة التي تثبت جهة الجسم يمينا ويسارا ~~أو أعلى وأسفل لا تدمر جسمية الأشياء ولا تحيلها هباء منثورا أو نقاطا هندسية. # 22 # ومن ثم كان موقف الحكماء أكثر اتساقا مع العقل والواقع من ~~موقف المتكلمين؛ لذلك انتشرت علوم الحكمة فوق علوم التوحيد وضمته وطوته وأعادت ~~صياغته؛ لأنها كانت تمثل نسقا عقليا أكثر تقدما من نسق الكلام. يعطي ~~الحكماء تصورا أكثر عقلانية ولو أنه ليس أقل «إلهية» بالضرورة، ms405 وهو أن ~~الجسم مكون من مادة وصورة، المادة للانفصال والصورة للاتصال. ولما كانت ~~الصورة لا تنفصل عن الهيولى استحال انقسام الهيولى، وإلا انقسمت الصورة. ~~والدليل على إثبات الهيولى والصورة هو إثبات الهيولى لكل جسم، وعدم خلو ~~الهيولى عن الصورة أو الصورة عن الهيولى، وأن الهيولى ليست علة ~~الصورة؛ فالأدنى لا يكون علة للأعلى، وأن لكل جسم صورة نوعية، وأن لكل جسم ~~حيزا طبيعيا. والجسم الواحد لا يكون له حيزان طبيعيان. # والحقيقة أن إثبات الجوهر عند المتكلمين ونفيه عند الحكماء إنما ينتهي إلى ~~حقيقة واحدة، وهي إثبات الجوهر المفارق بصرف النظر عن الوسيلة والحجة؛ إذ يريد ~~المتكلمون إثبات تناهي الأشياء من أجل إثبات اللاتناهي، ويريد الحكماء إثبات لا ~~تناهي الأشياء أيضا من أجل إثبات اللاتناهي. والخلاف بينهما فقط في درجة ~~التنظير والإحكام الجدلي. فإذا كان إثبات الجوهر بأن كل متناه محصور، وبالتالي ~~لا يمكن أن يشتمل الجوهر على ما ليس بمتناه، ليس إثباتا للجوهر الفرد، بل نفي ~~لقسمة الشيء إلى ما لا نهاية على ما يقول الحكماء، فكذلك إثبات الجوهر الفرد من ~~صنو إثبات الهيولى والصورة التي لا تنفصل إحداهما عن الأخرى؛ ومن ثم لا ~~يتجزآن؛ فالحكماء يثبتون التجزؤ عندما ينكرون على المتكلمين الجوهر الفرد. # 23 # ويهاجم المتكلمون البديل الذي يقدمه الحكماء في تصورهم للجسم ~~على أنه هيولى وصورة، ويعتمدون على هذا التصور لرفض حججهم في إنكار الجوهر ~~الفرد وإثبات القسمة إلى ما لا نهاية. إن تصور الحكماء للهيولى والصورة ~~إثبات للتناهي ورفض للاتناهي؛ لأن اتصال الصورة بالهيولى متناه وليس لا ~~متناهيا وإلا كان الجسم لا متناهيا، وهذا التناهي هو الجوهر الفرد. # ويتفق كثير من المتكلمين، وعلى رأسهم المجسمة، على نفي الجزء الذي لا يتجزأ ~~مع الحكماء، مع أن المجسمة هم أصحاب الطبيعة ومحللوها. كما كان القول بالطفرة ~~رد فعل على تجزئة الأجسام، وتصورا بديلا عن الجزء الذي لا يتجزأ ما دامت ~~الطبيعة ليس لها حد ولا نهاية. # 24 # ولكن رد الفعل الحاسم جاء من جانب الفقهاء الذين تمثلوا النظرة ~~الحسية ms406 ودافعوا عن تصور المتكلمين الحسي الدائم، والذين تخلوا عنه هذه المرة ~~لحساب الجزء الذي لا يتجزأ الذي هو من صنع الوهم. # 25 # كما رفضوا الصورة باعتبارها جوهرا وجعلها كيفية أو عرضا. ~~فالفقهاء الذين يعرف عنهم بأنهم المدافعون عن «الله» هم الذين يدافعون عن ~~الحركة والتغير والمادة دون الثبات والصورة. ويرد الفقهاء على الحجج ~~الخمس التي يوردها المتكلمون لإثبات الجوهر الفرد، واحدة وراء الأخرى؛ فالأولى ~~تعتمد على الحركة التي لا بد من قطعها؛ ومن ثم فهي متناهية. وهذا في حقيقة ~~الأمر خلط بين المكان والحركة. يرفض الفقهاء الجوهر لأنه ليس هناك جزء لا ~~يتجزأ لا تستطيع مقدرة «الله» أن تقسمه إلى قسمين إلى ما لا نهاية. إنكار ~~الجوهر الفرد هنا قائم على إثبات قدرة «الله» المطلقة. وهكذا أدت الغايات ~~«الإلهية» إلى تضارب في تصورات الطبيعة؛ لأنه لا يبدأ أحد من الطبيعة كما هي، ~~بل يأخذها الجميع سلما لإثبات الإلهيات، كل حسب تصوره لها؛ فعند البعض أن ~~إثبات جوهر فرد فيه إثبات لله حتى يمكن فهم الشرعية العقلية لهذا الجوهر الذي ~~لا ينقسم. وإنكار الجوهر الفرد لإثبات قدرة الله المطلقة القادرة على قسمة ما ~~لا ينقسم. وكيف تجتمع أبعاد الجسم، الطول والعرض والعمق، من جواهر فردة لا ~~أبعاد لها؟ مم تنشأ الأجسام إذن وكيف يجتمع الخط من نقاط لا طول لها ولا عرض ~~ولا عمق؟ كيف تكون مساحة من نقاط لا وجود لها؟ لا بد إذن من إثبات قسم له طول ~~وعرض ومساحة تتكون منه الأجسام. # والثانية تعتمد على حجة المماسة التي تعتمد بدورها على التجاور في المكان ~~والملاصقة في الجوهر الفرد. ولكن كيف تتم ملاصقة ما لا وجود له وما لا طول ولا ~~عرض ولا عمق، ولا جهة من أمام أو خلف أو أعلى أو أسفل أو يمينا أو يسارا؟ فكل ~~حيز متناه في أبعاده، والتجاور هو ملاقاة الأبعاد بعضها البعض أو ملاقاة ~~الجهات. # والثالثة قدرة الله على تفريق الأجزاء المجتمعة إلى أجزاء لا تتجزأ وإلا ثبت ~~عجزها. وبالتالي فإن إثبات ms407 الجزء الذي لا يتجزأ هو مجرد وسيلة لإثبات قدرة الله ~~المطلقة. ولكن العالم لم يوجد من أجزاء جمعها «الله» بل العالم موجود فحسب. ~~ولماذا يجمع «الله» أجزاء متفرقة ولا يفرق أجساما مجتمع وكلاهما إثبات ~~للقدرة؟ إن «الله» قادر على إثبات جزء لا يتجزأ، ولكنه لم يخلقه بالفعل في بنية ~~هذا العالم. بل إن إثبات الجزء الذي لا يتجزأ قد يكون تعجيزا «لله» لأن الله ~~قادر على قسمته. ومن ثم فإثبات القدرة يأتي عن طريق قسمة الجزء الذي لا ~~يتجزأ إلى ما لا نهاية على قول الحكماء لو كانت الغاية إثبات القدرة الإلهية ~~ونفي العجز. ولكن الإنسان نفسه غير قادر على قسمة الشيء إلى أجزاء لا تتجزأ. ~~لذلك قرر البعض أن لقدرة الله كمالا وآخر لا تستطيع بعده أن تخرج إلى ~~الفعل؛ أي إن إثبات الجزء الذي لا يتجزأ أدى إلى تعجيز الله وإلى غير ما كان ~~يهدف إليه منه. # 26 # وإثبات الجوهر الفرد أن الافتراق نتيجة الاجتماع هو دليل على ~~مسلمة، وهي أن الأشياء قبل أن تجتمع كانت متفرقة، وهو ما يحتاج إلى دليل أيضا ~~كمن يريد إثبات الافتراق بأن الأشياء كانت مجتمعة من قبل، وهو ما يحتاج إلى ~~دليل. # والرابعة الكبر والصغر، وأن أقسام الصغير أقل من أقسام الكبير. وهذا خلط ~~بين المتناهي في الكبر والمتناهي في الصغر، وخلط بين الكم والكيف. فالجزء ~~الذي لا يتجزأ واحد في الكبير والصغير، بالإضافة إلى أن مجموع هذه الوحدات ~~الصغيرة الكيفية التي لا طول ولا عرض ولا عمق لها نظرا لا تنتج جسما له طول ~~وعرض وعمق بالفعل. والغاية من إثبات التناهي في العالم هو الرد على الدهرية ~~التي أخطأت، فتصورت اللامتناهي موجودا في العالم بالفعل بإثبات أن الأجزاء ~~لا متناهية؛ لأن الله قادر على ذلك. هنا يختلف الفقهاء عن الحكماء في السبب مع ~~اتفاقهم في الرأي. # والخامسة أن الأشياء لها كل؛ ومن ثم فهي متناهية، وأن الله يعلم عددها. ~~ويدل ذلك على أن موضوع الجزء الذي لا يتجزأ مجرد تمرين عقلي ms408 من أجل صفتي ~~القدرة والعلم، ولا وجود له بالفعل كموضوع مادي. وأن أقصى وجود له هو أنه موجود ~~ذهني من اختراع الوهم ليساعد في عمليات الحساب والرياضة، وإقامة أنساق صورية ~~خالصة يجوز استخدام البعض منها للسيطرة على قوانين الطبيعة. # 27 # يتفق الفقهاء إذن مع الحكماء وفريق من المتكلمين الحسيين في نفي الجزء الذي ~~لا يتجزأ، وإثبات أن كل جزء يتجزأ إلى ما لا نهاية مع اختلاف الدواعي والأسباب. ~~ولا يكتفي الفقهاء ببيان تهافت أدلة المتكلمين ونقدها، بل يوردون حججا لنفي ~~الجزء الذي لا يتجزأ، وإثبات أن كل جزء يتجزأ أبدا تجمع بين البداهة ~~والاستدلال، وتنتقل بين المستويات الرياضية والطبيعية والإلهية. مثلا، الجزء ~~الذي لا يتجزأ إما موجود خارج العالم؛ ومن ثم فالعالم يتكون من أجزاء ~~لا تتجزأ أو لا يكون موجودا. وإما أن يكون موجودا في العالم كعرض يقوم ~~بغيره أو كجوهر يقوم بنفسه. وإن وجد في العالم فلا بد من أن يلاقى وأن يماس، ~~ولا بد له من جهات، وهي صفات لا تتوافر في الجزء الذي لا يتجزأ. وإذا كان الجزء ~~الذي لا يتجزأ لا طول له ولا عرض ولا عمق، فكيف ينتج الكم من الكيف والجسم من ~~اللاجسم؟ وإذا كان اجتماع جزأين لا يتجزآن أطول بالضرورة من وجودهما متفرقين ~~كان لهما طول. وإن صغر الأجسام وكبرها يوحي بأن الجزء الذي لا يتجزأ له طول ~~وعرض وعمق. وإذا كان الجسم يتكون من أجزاء لا تتجزأ وكان للجسم لون، كان ~~للجزء الذي لا يتجزأ لون، وكان كل ذي لون يتجزأ. وبالتالي لا ينفع دفاع ~~الأشاعرة بأن الجزء الذي لا يتجزأ ذو لون واحد. إن كل جسم يتجزأ ضرورة. أما ~~الجزء الذي لا يتجزأ إذا كان جسما فإنه إن لم يتجزأ يكون باطلا معدوما. ~~والجزء من على المحيط يمر بأجزاء أكثر من الجزء الذي في المركز؛ ومن ثم ~~فالجزء الذي لا يتجزأ يتجزأ. وإذا وضع الجزء الذي لا يتجزأ على سطح أملس إن ~~كان لا يزيد على السطح فهو معدوم، وإن ms409 زاد عليه فله حجم؛ ومن ثم ينقسم. ~~وهل ثقل جزء لا يتجزأ من الحديد له مثل الوزن الذي لجزء لا يتجزأ من القطن؟ ~~ويمكن إقامة خطوط ساقطة إلى ما لا نهاية بين متوازيين مما يدل على نفي الجزء ~~الذي لا يتجزأ. وفي المثلث المتساوي الأضلاع يكون الوتر أكبر من الضلعين ولا ~~يفسر هذا الكبر إلا وجود أجزاء لها طول. ويمكن قسم الدائرة إلى قسمين ~~متساويين حتى ولو كانت مكونة من أحد عشر جزءا؛ ومن ثم فالجزء يتجزأ. وإذا ~~كان قصد الأشاعرة إثبات الإلهيات، فإنهم قد انتهوا إلى مناقضتها والوقوع في ~~الشرك لأنهم وصفوا الجزء الذي لا يتجزأ بأوصاف «الله»؛ إذ إنه لا طول له ولا ~~عرض ولا عمق ولا شكل ولا لون ولا حد له، لا يرى ولا يحس ولا يلمس، وليس بذي ~~مادة. وينتهي الفقهاء إلى أن الأجسام جواهر وأعراض لا أجزاء لم تتجزأ ولا صورة ~~ولا هيولى. ويرفضون تصور المتكلمين والحكماء على السواء. # 28 # فالفقهاء هم الذين دافعوا عن الجواهر والأعراض دعامة نظرية الوجود ~~في المقدمات النظرية التي حاول المتكلمون إرساء قواعدها. # الجوهر الفرد إذن افتراض ذهني خالص يقوم على الخلط بين المنفصل والمتصل، بين ~~الذهن والمادة، بل إنه ينشأ من عمل الوهم أو الخيال الرياضي. ولا فرق في ذلك ~~بين تصورات المتكلمين أو الحكماء للجوهر الفرد، فإنه ليس من عمل العقل. ~~والوهم لا يمكن أن يؤيد بالدليل لأنه وهم، والوهم افتراض لا سند له من العقل ~~أو من الواقع، ولكنه مجرد صورة خيالية أقرب إلى التشبيه منه إلى الاستدلال. ~~وأدخل في الفن منه إلى العلم. # 29 # فالجزء الذي لا يتجزأ ليس اقتراحا علميا يمكن التحقق من صدقه، ~~وليس واقعا حسيا يمكن التحقق من وجوده؛ لذلك اختلف في تصوره المتكلمون، ~~كل يتصوره حسب خياله وما يقتضيه وهمه، وكلها تصورات لا يمكن التحقق من صدقها لا ~~في العقل ولا في الواقع. # 30 # ومع ذلك فهو يكشف عن رغبة في التمسك بالطرفين معا بمقتضيات العقل ~~ومتطلبات الحس. فالجزء الذي لا ms410 يتجزأ لا طول له ولا عرض ولا عمق، لا يماس ولا ~~يجاور ولا يلاصق، ومع ذلك قابل لجميع الأعراض والتركيب؛ لأنه جزء لا يتجزأ. ~~ولما كانت الأعراض لا يمكن حملها إلا على جسم، وأن الحركة والسكون أعراض لا ~~تحل إلا في محل كان لا بد أن يكون جسما؛ فالجزء لا يتجزأ افتراض من وضع ~~الوهم كجسم، والأعراض واقع حي مدرك بالعقل. فهو إذن جمع بين الوهم والعقل، بين ~~الافتراض والواقع. واعتبار الإنسان جزءا لا يتجزأ أيضا جمع بين العقل ~~والوهم، بين الحس والخيال، بين الافتراض والواقع. فالإنسان وحدة واحدة لا تتجزأ ~~إلى أعضاء أو إلى بدن وفكر، أو إلى حس وعقل أو إلى فعل وانفعال. فمجموع هذه ~~المظاهر كلها هو الإنسان. بل إن الإنسان هو المثل الأول للجزء الذي لا يتجزأ. ~~ولكن الإنسان من ناحية أخرى له طول وعرض، ويتحيز في مكان. وكل هذه ليست من ~~صفات الجزء الذي لا يتجزأ. والإنسان ليس جزءا بل هو كل. صحيح أن العلم والقدرة ~~والحياة والإرادة من مظاهر الإنسان، ولكن لماذا إنكار الحركة والسكون والمماسة ~~والمباينة واللون والطعم والرائحة، وهي كلها مظاهر للبدن؟ البدن يتحرك، ~~والإنسان يسكن ويماس، ويباين ويتلون، وله طعم ورائحة. وإذا كان الجزء الذي لا ~~يتجزأ لا يوجد إلا بالوهم وإذا اجتمع جزءان يوجدان في الواقع، فإنه يكون جمعا ~~بين الافتراض والواقع، بين الوهم والحس. من أين يأتي الوجود باجتماع جزأين لا ~~وجود لهما؟ وكيف يوجد الكم مع اجتماع كيف محض؟ ولماذا جزءان وليس ثلاثة أو ~~أربعة أجزاء؟ إنه لأقرب إلى العقل باجتماع جوهرين يحدث جسم واحد. ومع ذلك لا ~~يمكن تسمية الجوهر الفرد جسما؛ لأن الجسم هو المتآلف والجوهر الفرد لا يتألف. # 31 # واعتبار أن الجزء لا يتجزأ له ست جهات هو أيضا توفيق بين الوهم ~~والعقل، بين الافتراض والواقع. ومع ذلك فالجهات الست أعراض هي غيره، وكأن ~~الجوهر الفرد ما زال افتراضا خالصا للوهم. # 32 # فإذا ما أخذ بعض الحكماء حلا وسطا يجعل الجزء الذي لا يتجزأ ~~متوسطا ms411 متجزئا بالقوة إلى ما لا نهاية ومتجزئا بالفعل إلى نهاية وغاية، يشير ~~أيضا إلى البعد الافتراضي الأساسي الوهمي. وكيف يثبت جسم واحد متصل وفي نفس ~~الوقت يكون متجزئا إلى ما لا نهاية؟ أليس الأول مشاهدة حس، والثاني افتراض ~~وهم؟ # والآن نأتي إلى بيت القصيد، هل الجوهر الفرد مقولة ميتافيزيقية، وبالتالي ~~يكون أمرا اعتباريا أو موجودا ذهنيا، لا في الخارج شأنه شأن الأمور ~~العامة في ميتافيزيقا الوجود والماهية، والواجب والممكن والمستحيل، والقديم ~~والحادث، والوحدة والكثرة، والعلة والمعلول، أم هو مقولة طبيعية؛ أي جسم موجود ~~بالفعل، جوهر حامل لأعراض، يكون موضوعا للعلم الطبيعي؟ أم لا هو ذا ولا ذاك، ~~بل هو مقولة دينية صرفة، الغرض منها إثبات وجود «الله» مع أنه سابق لأوانه في ~~هذه المرحلة من تأسيس موضوع العلم وهو نظرية الوجود؟ فإذا كان الاحتمال ~~الأول؛ أي الوجود الذهني، فلا حرج فهو تصور وارد ويمكن استعماله في العلوم ~~الرياضية. وإن كان الاحتمال الثاني؛ أي الجسم الطبيعي، فالقول الفصل في ذلك ~~للعلم الطبيعي الرياضي أو التجريبي. وإن كان الاحتمال الثالث؛ أي التصور الديني ~~من أجل إثبات الصانع، فهل حقق هذه الغاية أم إنه انتهى إلى أخذ صفات «الله» بدل ~~أن يعطيها إياه؟ فإذا كان لا جسم له ولا عرض، ولا شكل، ولا لون، ولا طعم، ولا ~~رائحة، ولا حركة، ولا سكون، فماذا عن صفات التنزيه «لله» وأنه ليس في محل ولا ~~يشبه الحوادث؟ وأي الموقفين أكثر دفاعا عن الدين وحرصا على «الله»، إثبات ~~الجوهر الفرد الذي يشارك «الله» في بعض صفاته، وعلى رأسها التفرد، أم نفي ~~الجوهر الفرد حتى يتفرد «الله» وحده بصفاته وتثبت قدرته المطلقة دون ما حاجة ~~إلى وسائل مصطنعة للدفاع عنها وإثباتها؟ # يبدو أن المتكلمين أعدوا «الجوهر الفرد» كمقدمة لإثبات وجود الله أولا ثم ~~صفاته ثانيا. فإذا ما انقسم الجسم إلى جزء لا يتجزأ لا يحتوي على سبب وجوده من ~~ذاته، وبالتالي فإنه يحتاج في وجوده إلى غيره؛ ومن ثم يثبت وجود الله. وإن ~~انقسم إلى ما لا نهاية ms412 كما يقول الحكماء، فإن اللانهائي يقود أيضا إلى اللا ~~نهائية؛ ففي كلا التصورين يثبت وجود «الله». خشي المتكلمون من قسمة الجسم إلى ~~ما لا نهاية خشية على العلم الإلهي الذي يحصر كل شيء، فآثروا إثبات الجزء الذي ~~لا يتجزأ دفاعا عن القدرة الإلهية على الإيجاد من عدم، وبالتالي يثبت شيئان في ~~وقت واحد، قدرة «الله» وخلق العالم. وخطورة رأي الحكماء عند المتكلمين هو النيل ~~من علم «الله» وإنكار العلم الكلي لأنه ما دامت الأجزاء لا تتناهى، فعلم «الله» ~~بها لن يكون تفصيلا، بل جملة وهو مرادف للجهل. كما أنه يمثل خطورة على دليل ~~الحدوث الذي يقوم على تناهي العالم؛ فما لا نهاية له لا يدخل في الحدوث. أما ~~الحكماء فإنهم يبدون أكثر اتساقا؛ لأن معلومات «الله» ومقدوراته لا نهاية لكل ~~واحد منها، وبالتالي يتسق العلم والقدرة مع المعلوم والمقدور. أما عند ~~المتكلمين فيتحدد علم «الله» بنهاية الجزء الذي لا يتجزأ كما تتحدد قدرته به. ~~وفي كلتا الحالتين ليس الغرض من المقول في الجزء الذي لا يتجزأ تأسيس العلم ~~الطبيعي، بل تأسيس الخطاب «الإلهي». ليست النظرية وصفا للطبيعة بقدر ما هي ~~وسيلة لإثبات وجود «الله» وصفاته مثل العلم والقدرة. وعلى هذا النحو يكون الفكر ~~«الإلهي» موجها للفكر العلمي. في كلتا الحالتين الغاية واحدة وهو المبحث عن ~~«الله» من خلال الطبيعة أو توجيه الذهن البشري «بالله» كوظيفة معرفية؛ فالوحدة ~~الأولى هي الوحدة البسيطة التي منها تتركب الأشياء وهي مماثلة للواحد. ~~والصورة أيضا هو العنصر الباقي في الطبيعة الذي يدل على الخالق كما تدل النفس ~~على البدن والمخلوق على الخالق. ومن ثم انتهى المتكلمون والحكماء، كل ~~بطريقته وبإحساسه الديني إلى إثبات المشاركة في الصفات بين الجوهر الفرد ~~والمطلوب إثباته وهو «الله». فالجوهر الفرد لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا ~~رائحة ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يرى؛ ومن ثم فهو يشارك «الله» في صفات ~~التنزيه، وأنه «ليس كمثله شيء.» وإذا كان الجوهر الفرد جسما فإنه ينفع من ~~يتصور الله على أنه «جسم»، ms413 فيشاركان معا في صفة الجسمية؛ أي في صفات التشبيه ~~كما شاركا من قبل في صفات التنزيه. وفي حالة التنزيه ما قيمة جوهر فرد لا شكل ~~له ولا ينسب إليه شكل من الأشكال، ولا يمكن التعرف عليه أو رؤيته؟ إنه مجرد ~~افتراض محض من أجل غاية أخرى أبعد ما تكون عن الطبيعة، وكأن علم التوحيد آثر ~~استبدال عالم الافتراض بعالم الواقع، وعالم الوهم بعالم الحقيقة. وفي حالة ~~التشبيه يكون «الله» قد أثبت جسما مثل الجوهر الفرد. فسواء كان الجوهر الفرد ~~لا ينقسم أصلا أو فعلا، فهو لا ينقسم لأنه لا وجود له. وجعل الجواهر الفردة ~~غير متناهية في الصغر أو في العدد هو إشراك لها مع صفات «الله». وسواء كان ~~الجسم ينقسم أو لا ينقسم أو انقسم إلى نهاية أو إلى لا نهاية أو كان مكونا ~~من أجزاء أو وحدة واحدة، فالنهاية واحدة، وهي أنها كلها مقدمات خطابية جدلية ~~لإثبات وجود «الله» وتصور صفاته طبقا للحساسية الدينية عند المتكلمين ~~والحكماء، ودرجة إحساساتهم بالطهارة العقلية ودوافعهم الإيمانية. إن إثبات وجود ~~«الله» على افتراضات عقلية هو تأسيس هاو لا صرح له ولا بناء. وهل من الضروري ~~تدمير العالم وتجزئته وتقطيعه إربا إربا إلى حد المتناهي في الصغر حتى يثبت ~~«الله» على أشلاء؟ لقد استعمل الوحي عديدا من الأدلة تعتمد على شهادات الحس ~~وأوائل العقول وبداهات الوجدان واعتمادا على مقاييس المنفعة والضرر وصالح الأمة. # 33 # بل يبدو الفكر الديني خاصة عند المتكلمين وقد وقع في دور، فالجوهر ~~الفرد وسيلة لإثبات وجود «الله» و«الله» هو الذي يمكننا من رؤية الجوهر الفرد. ~~وكيف ترى ما لا جسم له ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا لون، وما لا يدرك بالحواس؟ # 34 # يبدو أن موضوع الجوهر الفرد كله بصرف النظر عن الخلاف حوله بين إثبات وإنكار ~~أو حول التصورات فيه، إنما يعبر عن عاطفة دينية وليس عن موقف عقلي. وأن ~~تصور الجسم بين مقولتي القسمة والتناهي إنما يعبر عن رغبة في الوصول إلى ~~الوحدة البسيطة الأولى التي ms414 منها تتكون الأشياء. فالرغبة في الذهاب من ~~المركب إلى البسيط، من المتناهي إلى اللامتناهي عاطفة دينية تعبر عن نفسها ~~عقلا وإن لم يكن لها ما يقابلها في الواقع. الجسم جسم لا ينقسم إلى أجزاء ~~متناهية أو لا متناهية. هذه الوحدة الأولى هي النقطة الهندسية التي تبدأ منها ~~الخطوط والمساحات والحجوم، وهي اللحظة الزمانية التي يبدأ منها الحاضر والماضي ~~والمستقبل، وهو الواحد في العدد الذي منه تبدأ العمليات الحسابية من جمع وضرب ~~وقسمة ، وهو الجزء الذي لا يتجزأ في الطبيعة الذي منه تتركب الأجسام، وهو ~~«الله» مصدر الكون ومنشؤه وغايته ونهايته. وهنا يبدو أثر الفكر الديني الإلهي ~~في الفكر الطبيعي والرياضي والإنساني، وكأن «الله» وظيفة معرفية في تصور ~~العالم والأشياء. ولا يمكن تصور أجزاء غير متناهية لأنها ستشارك الله في صفة ~~وهي اللاتناهي. ومن ثم كان الجزء الذي لا يتجزأ متناهيا. وهنا يبدو الفكر ~~الديني الإلهي فكرا محددا كما أنه فكر موجه. ولا تهم الحجج التي يثبت ~~بها تناهي الأجسام، حجة القسمة إلى النصف، ثم قسمة النصف إلى النصف، وهكذا حتى ~~تصل إلى الجزء الذي لا يتجزأ، ولا يهم مصدرها. الجزء الذي لا يتجزأ إذن تفكير ~~ديني لاهوتي في الطبيعة؛ فهو أحد التصورات الطبيعية للتوحيد. أما الجزء الذي ~~يتجزأ فهو تصور علمي كمي للطبيعة. وقد قالت الفرق بالتصورين، تصور ~~المتكلمين من ناحية، وتصور الحكماء والفقهاء من ناحية أخرى، كل طبقا ~~لتصوره للتوحيد وإحساسه بالتعظيم والإجلال. وقد آثر فريق ثالث التوقف عن ~~الحكم، فهو أكثر أمانة؛ إذ يدل على أن العقل هنا لا يتعامل مع واقع، بل مع ~~عواطف التعظيم والإجلال، كل مفكر ودرجته من العقلانية، يختار ما يشاء من ~~التصورات التي تساعده على الإعلان عن تعظيمه وإجلاله في أكثر الصور إحكاما في رأيه. # 35 # والقضية الآن هي: إذا كان مبحث الجسم وما نتج عنه من نظرية الجوهر الفرد بين ~~الإثبات والإنكار تفكيرا دينيا إلهيا مقنعا، فلماذا لا يتحول إلى تفكير ~~ديني إنساني صريح؟ أليست الإلهيات هي إنسانيات مقلوبة؟ # 36 # ألم يحاول ms415 الوحي تأسيس علم إنساني؟ لقد كشف الجسم عن دائرة الأشياء ~~أو عن بعد الطبيعة في الحياة الإنسانية كما ستكشف باقي الأجسام؛ الأجسام التي ~~لها مزاج عن بعد الإنسان. وإذا كان مبحث الأعراض ~~قد كشف عن بعد الإنسان صراحة، فإن مبحث ~~الجواهر يكشف عن بعد الطبيعة بنفس الدرجة من الصراحة والوضوح. ولما كان ~~الإنسان ذا بعد اجتماعي، فإن بعدي الإنسان والطبيعة لا يكتملان إلا ببعديهما ~~الاجتماعي والسياسي إذا ما أراد الفكر الديني الإبقاء على مفهوم الوحدة المتمثل ~~في الجزء الذي لا يتجزأ. ومن ثم تظهر هناك مفاهيم وحدة الشخصية، والوحدة ~~الوطنية، وحدة الشعب، ووحدة الأمة، ووحدة التاريخ. وبالتالي يصبح لكثير من ~~مسائل الجزء الذي لا يتجزأ مدلول. ويتأسس الفكر العلمي مستقلا عن الفكر ~~الديني، ويتحول الفكر الديني إلى علوم الاجتماع والسياسة. ~~(2) عوارض الأجسام # 37 # عوارض الأجسام هي الأحكام الخاصة بالأجسام أو دلالاتها، وأهمها حدوث الأجسام وتناهيها. # 38 # وهنا ينقسم الجسم إلى ذات وصفات، وهي نفس القسمة السابقة إلى ~~جواهر وأعراض؛ فالجوهر هو الذات، والأعراض هي الصفات. ولكن هذه المرة تتخلى ~~اللغة الطبيعية عن مكانها إلى اللغة الميتافيزيقية للاقتراب من الإلهيات وإثبات ~~الجواهر المفارقة، وأهم أحكامها ثلاثة: الأول ما يتعلق بالقدم والحدوث، ~~والبقاء والفناء ثم الإعادة، والثاني ما يتعلق بصلة الجواهر بالأعراض وجوبا ~~أو إمكانا أو استحالة، والثالث ما يتعلق بوحدة الأجسام أو تعددها. ويتضح من ~~هذه الأحكام أنها في حقيقة الأمر عود إلى «الأمور العامة» أو «ميتافيزيقا ~~الوجود» وقراءة مبحث الجواهر من خلالها. فالقدم والحدوث، والوجوب والإمكان ~~والاستحالة، والوحدة والكثرة من مباحث الأمور العامة. ويبرز السؤال القديم من ~~جديد: هل هذه الأحكام ميتافيزيقية طبيعية خالصة أم إنها تكشف عن موجهات الفكر ~~الديني؟ هل هي أحكام فلسفية علمية صرفة أم إنها مقولات تمهيدية للدفاع عن عقائد ~~الإيمان، وبالتالي فهي فكر ديني مقنع؟ ~~(2-1) القدم والحدوث # لما كانت الأجسام ذوات أو صفات، وكان الاحتمالان القدم والحدوث، أصبحت ~~لدينا احتمالات أربعة: الأول أن تكون الأجسام محدثة بذواتها وصفاتها، وهو ~~الحق عند المتكلمين، وبه قال ms416 المليون من المسلمين واليهود والنصارى ~~والمجوس. والثاني أن تكون قديمة بذواتها وصفاتها، وبه قال متأخرو الحكماء. # 39 # فالأجسام فلكيات وعنصريات، والفلكيات قديمة بموادها وصورها ~~وأعراضها إلا الحركات والأوضاع المشخصة. والعنصريات قديمة بموادها وصورها ~~الجسمية، بنوعها وجنسها. والثالث أن تكون قديمة بذواتها محدثة بصفاتها عند ~~أوائل الحكماء. # 40 # ثم اختلفوا في الذوات، هل هي أجسام، وأي أجسام هي؟ والرابع أن ~~تكون حادثة بذواتها قديمة بصفاتها، وهو باطل؛ فالأصل لا يكون حادثا والفرع ~~قديما، وتناقض عقلي لأن الذات هي الأصل والصفات الفرع، ولا يكون الفرع ~~أشرف من الأصل. # 41 # والحقيقة أن الخلاف ليس بين هذه الاحتمالات الأربعة فيما يتعلق بالذات ~~والصفات والقدم والحدوث، بل بين اثنين منها فحسب، بين القدم والحدوث، ~~سواء كانا في الذات أم في الصفات؛ فعند الأشاعرة الأجسام حادثة لأن الأجسام ~~لا تخلو عن الحوادث، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وتثبت المقدمة ~~الأولى بأن الأجسام لا تخلو عن الأعراض وأن الأعراض حادثة. وإثبات الثانية ~~بأن الجسم لا يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان. ويبدو أن دليل الحدوث قد ~~بدأ بعد دليل الجوهر الفرد لإثبات الصانع، وهو الموضوع الأول في التوحيد ~~كاشفا عن الغاية البعيدة من مبحث الأجسام، وهو إثبات وجود الله إما عن ~~طريق الجوهر الفرد أو عن طريق الحدوث. وخطأ هذا الدليل هو قيامه على وهم أن ~~التغير حدوث، وأن تغير الأعراض تعني أنها حادثة؛ فالتغير قيمة وكمال، ~~في حين أن مفهوم الحوادث عند المتكلمين لا قيمة ونقص؛ وبالتالي فالقول بأن ~~الأعراض حادثة يخلط بين حكمي قيمة، الأول إيجابي والثاني سلبي. والقول ~~بأن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث تحصيل حاصل، لا يضيف جديدا. كما ~~أنه ينتقل من الحكم على الأعراض؛ أي الصفات، إلى الحكم على الذوات؛ أي ~~الأجسام، مع أنه من الاحتمالات الأربعة أن تكون الأجسام قديمة بذواتها ~~محدثة بصفاتها، وهو اختيار أصحاب الطبائع من المعتزلة كحل وسط بين حدوث ~~الأجسام بذواتها وصفاتها، وهو حل الأشاعرة، وقدم الأجسام بذواتها وصفاتها ~~وهو اختيار ms417 الحكماء. # وقد تمت إعادة صياغة هذا الدليل عدة مرات من المتقدمين والمتأخرين. وأزاد ~~عليه البعض عدم جواز استناد القديم إلى السبب الموجب؛ فالأجسام فعل الفاعل ~~المختار، وبالتالي تكون حادثة. # 42 # وهذا بداية بالقديم مباشرة، وهو المطلوب إثباته، دون المحدث ~~وهو موضوع البحث. كما أنه حكم قيمة صرف «لا يجوز ...» وليس حكما عقليا أو ~~وصفا مرئيا لشيء مادي. وأحيانا يكون الدليل ذا بداية حسية تقوم على ~~المشاهدة للحركات وتجدد الأعراض على الأجسام، ثم يحدث القلب عن طريق ~~العكس والتضاد، ويقال: «والقديم ليس كذلك.» مع أنه لم تحدث دراسة للقديم ~~ولا تحليل خاص له، ولكن حدث فقط إدانة الجسم الحادث ثم تبرئة القديم، وكأن ~~الخطيئة الأولى لا تمحوها إلا البراءة الأصلية! # 43 # وحجج القدم أربع: الأولى أن المادة قديمة، وإلا احتاجت إلى مدة أخرى ~~وتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، وأنها لا تخلو عن الصورة، وبالتالي يلزم ~~قدم الجسم مادة وصورة. وأهمية هذا الدليل انه يقوم على مفهوم التسلسل ~~إلى ما لا نهاية، وينفي ضرورة وجوده مادة أولى وبداية أولى، وبالتالي يكون ~~فكرا يقوم على التواصل لا على الانقطاع، وهي ميزة الفكر العلمي، والثانية ~~أن الزمان قديم وإلا كان عدمه قبل وجوده قبلية لا يجامع فيها السابق ~~والمسبوق، وتتميز الحجة بنفس الميزة السابقة، وبالتالي تكون أقرب إلى ~~الاتساق العقلي من افتراض لا زمان قبل الزمان. بل إن هذا اللازمان لا يفهم ~~إلا بالإضافة إلى الزمان وبالنسبة إليه، فيكون زمانا بمعنى ما أو زمانا إضافيا. # 44 # والثالثة أن فاعلية الفاعل للعالم قديمة ويلزم منه قدم ~~العالم. فلو كانت حادثة لتوقفت على شرط حادث، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح ~~ويلزم التسلسل. ومع أنها حجة تفترض المطلوب إثباته إلا أنها أقرب إلى ~~الاتساق العقلي من أن الفاعل القديم لا يصدر عنه إلا شيء قديم، كما أن ~~الفاعل الحادث لا يصدر عنه إلا شيء حادث. فلو كان العالم حادثا لصدر عن ~~موجود حادث، وبالتالي ينتفي وجود «الله». والرابعة أن صحة العالم لا أول ~~لها وكذلك صحة ms418 تأثير الباري فيه، وبالتالي يكون كلاهما قديم لمصاحبة العلة ~~للمعلول ولمقارنة المعلول بالعلة. # 45 # ويبدو أن المعركة احتدمت قبل أن تبتدأ، وأن حجج إثبات حدوث ~~العالم أو قدمه إنما كانت تخفي المعركة الحقيقية على وجود الصانع وقدمه ~~التي ستظهر في أول موضوع الذات. # فإذا كان الاحتمال الرابع متناقضا؛ أي حدوث الذات وقدم الصفات، فلم ~~يبق إلا الاحتمال الثالث، وهو قدم الذات وحدوث الصفات الذي يحاول الجمع ~~بين المطلبين المتعارضين: الاتصال والتمايز، وأن يجمع بين التصورين ~~المتعارضين: التصور الديني والتصور الطبيعي. فالنظريتان الأوليان: الحدوث ~~والقدم ، كل منهما رد فعل انفعالي على الآخر، يأخذ صورة النظرية. وكل ~~مطلب أصيل في الإنسان مطلب الحدوث ومطلب القدم، الرغبة في الانفصال ~~والرغبة في الاتصال، البحث عن الأصالة والسعي نحو الجدة. وقد تم التعبير عن ~~هذا الاحتمال الثالث بصورة إشراقية أسطورية تجعل ذات العالم قديمة وصفاته ~~محدثة، وبالتالي يخرج العالم من أصل روحي. وتكون الصعوبة حينئذ في تفسير ~~كيفية صدور هذه الأعراض المادية من هذا الجوهر الروحي. ولما كان هذا ~~التصور أقرب إلى العاطفة الصوفية منه إلى التصور العقلي، فقد اعتمد ~~على الصور الفنية أكثر من اعتماده على الحجج العقلية، وظهرت لغة النور ~~والفيض والإشراق والعشق والتذكر والمعرفة والاحتياج والشوق إلى آخر ما هو ~~معروف من مصطلحات حكمة الإشراق. ويكون العالم رحلة مؤقتة للروح تخلص فيه ~~من المادة العارضة للرجوع إلى مصدرها الروحي الأول تنعم بعد بؤس، وتلتذ ~~بعد ألم، فتسود عواطف التأليه على ما بقي من حكمة، وتتحول نظرية الفيض ~~والصدور إلى نظرية في الخلاص والرجوع. # 46 # فإذا ما استطاع العقل التغلب على الخيال، واستطاعت التصورات ~~السيادة على الإشراقيات، ظهرت اللغة الرياضية بدل الصور الفنية، وتحول ~~العالم كله إلى أعداد لا فرق فيه بين قديم وحادث، ويصبح الواحد هو الأصل لا ~~فرق في ذلك بين الواحد الرياضي والواحد الطبيعي والواحد في عقيدة التوحيد. # 47 # ولكن ظهر هذا الاحتمال الثالث في صيغة علمية عند أصحاب الطبائع ~~في الجمع بين التصورين تلبية للمطلبين، وهو القول بالخلق عن ms419 طريق الطبائع ~~أو التخلق. فإذا كانت الأجسام مخلوقة، فإن الأعراض متخلقة بطباعها؛ ~~فالإيجاب بالذات لا بالإرادة، وبالطبع لا بالقدرة. # 48 # وفي حقيقة الأمر، إن الصيغ الثلاث أقرب إلى القدم منها إلى ~~الحدوث. والسؤال الآن: هل مشكلة الذوات والصفات أساسا في الأجسام ثم نقلت ~~بعد ذلك إلى الله في موضوع الذات والصفات؟ وهل مشكلة القدم والحدوث ~~أساسا في الأجسام في الطبيعيات أو في الإنسانيات، ثم نقلت بعد ذلك إلى ~~صفات الذات في الإلهيات؟ # والقضية هي: هل يمكن نقل هذه المسألة، القدم والحدوث من المستوى ~~الميتافيزيقي النظري إلى المستوى الاجتماعي السياسي العملي؟ وأي الاحتمالات ~~الأربعة أفضل وأكثر فعالية لحركات التغير الاجتماعي؟ هل المجتمعات محدثة ~~بذاتها وبصفاتها، وبالتالي لا يكون لها وجود دائم ومستمر؟ هل هي قديمة ~~بذاتها وبصفاتها وبالتالي يستحيل عليها التغيير؟ هل هي قديمة بذاتها محدثة ~~بصفاتها مما يسمح ببقاء المجتمعات كذوات وتغيير الأنظمة الاجتماعية كصفات؟ ~~أو أنها مشكلة وهمية من الأساس يحسن إلغاؤها وليس نقلها من المستوى ~~الميتافيزيقي الطبيعي إلى المستوى الاجتماعي؟ # 49 # وإذا كنا ما زلنا مجتمعات تراثية، فلا سبيل إلا نقلها دون ~~إلغائها حتى تتحول إلى رصيد فعال في حركة التغير الاجتماعي. # 50 # فمهما كانت هناك محاولات لإلغائها، فإنها ستفرض نفسها. ~~وبالتالي فالأفضل نقلها من الفكر الديني إلى الفكر الاجتماعي ~~والسياسي. ~~(2-2) البقاء والفناء والإعادة # وينبني القول بفناء العالم على إثبات حدوثه كما ينتج القول ببقائه على ~~إثبات قدمه. فمن قال بالحدوث قال بالفناء ثم الإعادة، ومن قال بالقدم ~~قال بالبقاء. فإذا كان الجسم ذا أبعاد ثلاثة أو ذا جهات ست، فالأبعاد ~~متناهية سواء كانت في ملأ أو خلاء. ويثبت المتكلمون ذلك بحجج رياضية، ~~ويردون على الحجج الرياضية للخصوم باستعمال كل المسائل الرياضية والطبيعية ~~من أجل مسلمات الفكر الديني إثباتا أو نفيا. وإثبات فناء الأجسام يتضمن ~~فناء العالم مع أنه شتان ما بين إعدام شيء وإعدام العالم كله. المتناهي ~~في الصغر محسوس ومرئي، أما المتناهي في الكبر فليس كذلك. # 51 # وبالتالي يظهر سؤال: متى يفنى العالم وكيف؟ وتتفاوت ms420 الإجابة ~~بطبيعة الحال بين تحديد عمر للعالم أو ترك ذلك للعلم «الإلهي». كما ~~تتفاوت الإجابة عن كيفية الفناء بين القدرة «الإلهية» غير المسببة أو بخلق ~~«الله» الفناء أو بمنع البقاء أو بقطع الأكوان. # 52 # ولا يمكن معرفة ذلك كله عقلا أو حسا، بل كلها ظنون وأوهام، ~~وهي كلها من مضادات العلم وليست من نظرية العلم. وهنا يبرز موضوع «الجنة ~~والنار»، وهل يفنيان بفناء العالم، فإن بقيا شاركا الله في صفة الخلود، ~~وتناقضا مع فناء العالم، وإن فنيا تناقضا مع عقيدة الثواب والعقاب الأبديين. # 53 # وهو استباق لموضوع المعاد من السمعيات، قفزا على الإلهيات ، ~~مما يدل على تسرع الفكر الديني في الظهور دون ما انتظار للتأصيل. وإذا ~~كانت الأجسام غير باقية، فعدم بقاء الأعراض أولى لما كانت الأجسام لا تخلو ~~من الأعراض، ولما كانت الأعراض لا تقوم إلا بالأجسام؛ فأحكام الأجسام أو ~~عوارضها تصدق بالتبعية على الأعراض. # 54 # وفي حقيقة الأمر، إن فناء العالم ليس واقعة مادية؛ فهذا ما يحدده ~~العالم الطبيعي إن استطاع، ولكنه واقعة شعورية دالة. العالم يوجد في الشعور ~~في لحظة الوعي به ويفنى لحظة فقدان هذا الوعي. وفي كلتا اللحظتين لوجوده في ~~الشعور أو لغيابه منه له آثار على السلوك للأفراد والمجتمعات؛ إذ تمثل ~~عقيدة فناء العالم خطورة بالغة على الحياة كما هو الحال في نظرية الخلق وفي ~~دليل الحدوث؛ وذلك لأنها توحي للإنسان بأن هذا العالم لا قيمة له، وأنه ليس ~~قائما بذاته، وأنه يستمد وجوده وقيمته من عالم آخر منفصل عنه، فهو سلب ~~محض؛ ومن ثم يوحي للإنسان بالتخلي عنه والاتجاه إلى الإيجاب الخالص؛ ~~ومن ثم ينشأ الاغتراب والانحراف والانعراج وكل مظاهر الاعوجاج في ~~السلوك. توحي عقيدة فناء العالم بأن هذا العالم لا أهمية له، ولا بقاء له ~~بذاته مما يبعث على الغثيان ويجعل العدم هو أساس وجوده ومصدره، وبالتالي ~~تكون الأفعال فيه غير مجدية وغير باقية، وبالتالي فهي فانية مثله. وهذا ~~هدم للعالم وتدمير له، ونظرة إعدامية لبنيته، كما أنه إنكار للغائية وسبب ~~وجود ms421 الإنسان فيه. كما توحي بأنه يمكن تعويضه وبالتالي انتظار عالم آخر ~~أفضل من هذا العالم. كما أنها وسيلة رخيصة لإثبات بقاء الله وقدرته على ~~الإعدام، وكأن الله يعدم ولا يوجد، يعذب ولا ينعم، يهدم ولا ~~يبني، وكأنه كاره للبشر، عدو للعالم، يفرح لعذاب الآخرين! وهو صورة ~~«الطاغية» وليس «الإله»! # ومع ذلك فقد فرض البقاء نفسه على الفناء في القول بالإعادة. فإذا كانت ~~الأجسام تفنى فإنها تعود. وهذا حل لإشكال بإشكال آخر، وتصحيح خطأ بخطأ ~~ثان، ومجموع الخطأين لا يكون صوابا. كيف تتم الإعادة؟ وهل الذي ابتدأ ~~في الدنيا هو الذي يعاد في الآخرة؟ # 55 # وأين تتم الإعادة؟ وهل تكون إعادة أبدية فتشارك الأجسام ~~«الله» في صفة البقاء وإن لم تشاركه في ~~صفة القدم؟ فإذا ما نجح المتكلمون في زحزحة الأجسام في البداية، فإنها ~~تعود وتفرض نفسها في النهاية. # بقاء الأجسام إذن هو الأكثر اتفاقا مع العقل ومع الواقع والأكثر نفعا ~~في الحياة الاجتماعية والسياسية. وإن كان خطأ فهو خطأ واحد وليس خطأين؛ ~~فالأجسام باقية، هذا ما تقرره شهادة الحس بالرغم من التغير والحركة ~~والفناء. لا تفنى إلا الأعراض بمعنى تغيرها وطريانها على الأجسام. ~~الأجسام باقية ضرورة. وعند البعض ليس بسبب بقائها في الحس لأن الأعراض ~~كذلك، بل لأنها ضرورة عقلية. وعند البعض الآخر استدلالا بأنه لو لم تكن ~~الأجسام باقية لارتفع الموت والحياة والتسخن والتبرد. # 56 # والحقيقة أن بقاء الأجسام يؤدي إلى بقاء العالم، وله ميزة ضخمة ~~وآثار إيجابية على السلوك الفردي والاجتماعي؛ فالوجود هو الأساس وليس ~~العدم، والعمل فيه باق ومنتج ولا يضيع هباء فيه، وليس خارجا عنه تعويضا ~~أو مكافأة، يحدث فيه التراكم التاريخي ويقع فيه عمل الأفراد والجماهير، ~~يتضمن غائية وقصدية بعيدا عن العشوائية والمصادفة، وفيه تنزيه «لله» عن ~~اللعب بالعالم وتدميره والتشكك فيه والقضاء على قوانينه ~~واستقلاله. ويسترد البقاء كصفة للعالم ~~بدلا من عزوها للذات المشخصة، روح العالم، فلا يدفع العالم الثمن، ولا ~~يخرج الإنسان منه خاسرا، ويقوم بدوره فيه قادرا لا عاجزا، ومناضلا لا ~~هاربا، ms422 ومؤثرا الحاضر القريب على المستقبل البعيد. وما الفائدة من ~~تدمير العالم ثم يعيش الإنسان في خراب، وعزاؤه في الإعادة؟ «وإن عادوا ~~عدنا.» قد يكون الأقرب إلى التجربة البشرية والاطمئنان النفسي والروحي هو ~~صيرورة البقاء والفناء، تجدد الأجسام والجواهر حالا بعد حال، تجدد ~~مستمر من داخل الأشياء وليس من خارجها، وتجدد الحياة البشرية الفردية ~~والاجتماعية دون نفي للمسئولية، بل توزيعها على الجماعة في العمل الجماعي ~~المشترك. وعند الحكماء لا عالم غير هذا العالم وإن برهنوا على ذلك بأسباب ~~رياضية طبيعية دون إشارة إلى دور الفعالية والنشاط كما يحتاج جيلنا. ~~(2-3) هل تتعرى الجواهر عن الأعراض؟ # هل يمكن الجمع بين العرض وضده؟ هل يمكن وجود أعراض مجتمعة دون جواهر؟ هل ~~يبقى العرض بعرض مثله؟ كلها تساؤلات قد لا يكون لها أي موضوع فعلي يمكن ~~الحديث عنه وبحثه موضوعيا سواء بتحليل العقل للموضوع أو بتحليل الموضوع ~~بالتجربة. هي صياغات من وضع العقل المرتبط بالإيمان الديني من أجل أن يسمح ~~للذهن بالإعلان عن مواقفه إما بإثبات الإمكانية أو الاستحالة. في الأولى ~~يتغلب الفكر الديني على الفكر العلمي، وفي الثانية يتغلب الفكر العلمي على ~~الفكر الديني. أهمية هذه التساؤلات إذا كانت جادة هي في كشفها عن بزوغ ~~الفكر العلمي من ثنايا الفكر الديني بصرف النظر عن نوعية الإجابة، وتعرية ~~مرحلة في تاريخ الفكر الإنساني ونموذج حضاري فريد، كيف يمكن تأسيس العلم ~~ابتداء من التوحيد؟ فإثبات جواز تعري الجواهر عن الأعراض لا يتم بسبب ~~علمي، وإن بدا ذلك، بل لأن «الله» قادر على كل شيء. كما أنه قادر على الجمع ~~بين الأضداد مثل العلم والجهل، والحياة والموت والقدرة والعجز. كما أنه ~~قادر على أن يخلي الجسم عن العرض وضده، وأن يبقى بلا أعراض. ولا يفترق في ~~ذلك جمهور الأشاعرة عن بعض المعتزلة. وهو أيضا قادر على إيجاد أعراض ~~مجتمعة دون جواهر، وعلى إبقاء العرض بعرض مثله كالساحر فاعل الأعاجيب أمام ~~دهشة الناس! # 57 # أما إثبات استحالة تعري الجواهر عن الأعراض، والجمع بين ~~العرض وضده، ووجود أعراض ms423 بلا جواهر أو بقاء العرض بعرض مثله، فهو ~~دفاع عن قوانين الطبيعة وعن استطاعة العقل الوصول إليها، وتسخيرها لصالح ~~الإنسان، وتأسيس للفكر العلمي. # 58 # وأحيانا يقوم المتكلمون بدور الحكماء، ويقوم الحكماء بدور ~~المتكلمين. وفي هذه الحالة يظل المتكلمون مدافعين عن حق الذات المشخصة ~~إثباتا للاختيار ومنعا لإجبار القانون العلمي لها وتحديده لقدرتها ~~المطلقة. فلو لزم من وجود الجوهر وجود العرض لكان الرب مضطرا إلى إحداث ~~العرض عند إحداث الجوهر ولانتفى الاختيار. وما من معلوم إلا ويمكن أن ~~يخلق «الله» في العبد علما به. فإذا ما أراد المتكلمون خطابا علميا ~~وجدوا أن الهواء والماء خال من اللون وضده أو من جعل قبول الأعراض ~~معللا بالتحيز والدوران. بل إن لفظ العرض لا يمنع منه كتاب أو سنة ~~أو إجماع أو لغة، وليس لفظا منقولا، بل نابع من التراث، وليس مستعارا بل ~~مأخوذ من الأصول ذاتها. وتتفق بالمصادقة مع الألفاظ الجديدة مثل الجوهر ~~والعرض، ثم انتقلت من التشريع الخاص ~~إلى الوجود العام، ومن العمل إلى النظر، كما نشأت ألفاظ أصول الفقه نشأة ~~تلقائية في «الرسالة». ~~(2-4) هل الأجسام متجانسة؟ هل الأجسام جنس ~~واحد أم أجناس متعددة؟ # والتجانس هذا لا يعني الاستغراق المنطقي، بل يعني وحدة الجوهر. هل الجوهر ~~جنس واحد؟ هل جوهر العالم واحد؟ وهو سؤال يعيد من جديد موضوع الوحدة ~~والكثرة على مستوى الجواهر: هل الجوهر واحد أم الجواهر متعددة؟ وبطبيعة ~~الحال آثر البعض وحدة الجوهر دون التعدد فتنشأ معضلة التمايز، وآثر البعض ~~الآخر التعدد إيثارا لشهادة الحس مضحيا بالوحدة كأمر اعتباري خالص، أو ~~بالوحدة الكيمائية كما يحدث في التفاعل. وما زالت القضية تعبيرا مثاليا ~~عن فكر لاهوتي بصدد الطبيعة. وقد يكون السبب في التركيز على أن الوحدة هي ~~الأصل الرغبة في التمايز مع الديانات القديمة التي ترى ~~أن الاختلاف هو الأصل بصرف النظر عن عدد ~~الجواهر بالرغم من خطورة التماثل في الوحدة بين صفات «الله» وصفات الأجسام. # 59 ~~(3) أقسام الجسم # والجسم هو العنصر الثالث في القسمة الثلاثية للوجود إلى جوهر وعرض ms424 وجسم. ~~ولكن يتداخل مع الجوهر ويختلط به، فيكون الجسم داخلا تحت الجوهر، ~~ويكون الجوهر داخلا تحت الجسم. فالجوهر ~~إما منقسم وهو الجسم أو غير منقسم وهو الجوهر الفرد. وهنا يبدو الجسم جسمين، ~~جسم مادي وجسم معنوي. والجوهر إما هيولى وهو المحل أو صورة وهو الحال، أو ~~مركب منهما وهو الجسم، أو غير مركب وهو المفارق. والمفارق إما نفس أو عقل. ~~وهنا أيضا يبدو الجسم جسمين، جسم مركب وجسم بسيط، الأول مادي والثانوي ~~معنوي. والغاية من القسمة إثبات الجسم المعنوي كالنفس والعقل. والجسم المركب ~~كالمعادن والنبات والحيوان، والبسيط كالعناصر الأربعة أو كري مثل الأفلاك ~~والكواكب. البسيط إما كري مرئي كالأفلاك والكواكب أو معنوي كالعقل والنفس. ~~وهنا تدخل المباحث الكونية والمباحث الطبيعية في مباحث الوجود، واقتراب أجسام ~~الأفلاك والكواكب من الجواهر المعنوية كالعقول والنفوس. وهنا يتسرب إلى علوم ~~الكلام الفلكيات والكونيات وهو أضعف الأجزاء في علوم الحكمة، ومباحث ظنية ~~خالصة، في حين أن علم الكلام علم قطعي. # 60 # ويبدو أن هدف القسمة كلها هو إثبات المفارقات؛ أي الجواهر ~~الروحانية التي تتسق فيما بينها بقسمة خاصة. فالجواهر الروحانية هي التي لا ~~تكون متحيزة ولا حالة في متحيز، وقد قال بها ~~الحكماء، وهي الهيولى والأرواح البشرية أو النفوس السماوية والعقول أو ~~الملائكة. بل تتم قسمتها من حيث تأثيرها في الأجسام. فالجواهر المفارقة إما ~~مؤثرة كالملأ الأعلى والعقول العشرة وهي كاملة غير حادثة أو مدبرة، وهي إما ~~علوية كالنفوس الفلكية أو سفلية للبسائط أو للأشخاص. والجواهر المفارقة للأشخاص ~~هي النفوس الناطقة التي تشمل القوى العاقلة والإدراكات والتي تتعلق بحدوث النفس ~~وبالبدن وبالحواس الخمس الداخلية والخارجية والتي تنتهي إلى بقاء النفس. وقد ~~تكون الجواهر غير مؤثرة ولا مدبرة مثل الملائكة القائمة بفعل الخير أو ~~«الشياطين» القائمة بفعل الشر أو «الجن» المستعدة للقيام بفعل الخير والشر على ~~السواء. وهنا يبدو تأليه الطبيعة العليا، وإعطاء الأعلى قيمة أكثر من الأسفل، ~~وتصور البسيط أشرف من المركب، وإعطاء الأعلى قوة وسيطرة على الأسفل. ويقترب ~~تأليه الطبيعة من الأسطورة وتشخيص صفات ms425 الأفعال من خير وشر. ويظل هذا الجزء من ~~مباحث الوجود أضعف الأجزاء من ناحية تحليل العقل وتحليل الوجود. # 61 # ولكن القسمة الشائعة هي قسمة الجسم إلى مركب وبسيط. ~~والبسيط ينقسم بدوره إلى فلكي وعنصري، ~~والفلكي إلى الأفلاك والكواكب، والعنصري إلى العناصر الأربعة. أما المركب ~~فإنه ينقسم إلى ما لا مزاج له وإلى ما له مزاج. وينقسم ما له مزاج بدوره إلى ما ~~لا نفس له وما له نفس. والنفس إما نباتية أو حيوانية أو إنسانية دون الدخول ~~في المفارقات مثل النفس والعقل. # 62 # ومن ثم تكون الأجسام خمسة، ثلاثة من البسائط وهي الأفلاك ~~والكواكب والعناصر الأربعة، واثنان من المركبات وهي ما لا مزاج له وما له ~~مزاج سواء ما لا نفس له أو ما له نفس. # 63 ~~(3-1) الأفلاك # والأفلاك الثابتة بالمرصد تسعة تشتمل على أربع وعشرين كوكبا؛ الأول: ~~فلك الأفلاك، وهو الفلك الأطلسي لأنه غير مكوكب، وهو «العرش» المجيد في ~~لسان الشرع، والجهة فيه منتهى الإشارة ومقصد المتحرك. وأوصافه أنه بسيط، ~~شفاف، لا ثقيل ولا خفيف، لا حار ولا بارد، لا رطب ولا يابس، لا يكون ولا ~~يفسد، لا يتحرك في الكم، فيه ميل مستدير دون مستقيم، يتحرك يوميا. ~~وتوهم المتكلمون له خمس دوائر: دائرة الأفق، وسط السماء، أول السموات، ~~السمت، الارتفاع. والثاني: فلك الثوابت، وله حركة بطيئة تتم الدورة في ~~30000 سنة أو 36000 سنة، وهو الفلك الموافق المركز؛ أي إن مركزه مركز ~~العالم ومركز الأرض. والثالث: فلك الشمس. والرابع: أفلاك القمر. ثم تأتي ~~بعد ذلك الأفلاك الخمس الباقية. # 64 # ويلاحظ على هذا المذهب أنه حاول تأليه الطبيعة الكونية ~~وإدخالها في نظرية الوجود، وهي حركة مقابلة لتجسيم المعبود. فإذا كان ~~المعبود لا يجسم نظرا للاعتراضات العقلية والحجج المضادة، فإن الطبيعة ~~تؤله بسهولة عندما يتضخم الإحساس الديني إلى أبعد صوره، فيتحول إلى خيال ~~يعبر عنه بالصور الفنية. فيأخذ فلك الأفلاك وهو أعلى الأفلاك وأشرفها ~~دور العرش المجيد في لسان الشرع، ويأخذ «الله» الدرجة الأولى بكرسيه، وجهته ~~منتهى الإشارة، ومقصد ms426 كل حركة، وغاية كل اتجاه، أوصافه تشارك أوصاف الذات، ~~صورته الاستدارة، وهي صورة الأبدية واللانهائية. أفلاكه السموات كما أن ~~كرسيه العرش. وتأتي هذه المادة كلها من علم الفلك القديم وما وصل إليه ~~تاريخ هذا العلم عند القدماء. فالأرض مركز العالم الذي يتحد به فلك ~~الثوابت. وتشمل الأجسام الكونيات والأرضيات معا؛ أي تشمل دراسة الكواكب ~~والنجوم وعالم السماء. ويكون السؤال: ما العمل إذا ما تغير علم الفلك ~~وأعطى مادة أخرى مخالفة لمدة القدماء مع تقدم وسائل العلم الحديث؟ وكيف ~~تتأسس العقائد إذن، وهي اليقين المطلق على إحدى مراحل تاريخ العلم وهو ~~اليقين النسبي؟ كيف يقام الثابت على التغير؟ ويتأسس اليقين على الظن؟ ~~هذه الكونيات لا هي علم لأنها تغيرت ولا هي دين لأنه لا سند لها منه. هي ~~مجرد نسق قديم لإكمال نظرية الوجود حتى تشمل الكونيات كجزء من الطبيعيات، ~~فتضم السموات إلى الأرض، و«الله» إلى العالم في ملحمة واحدة بطلها الإيمان ~~ومأساتها العقل. # 65 ~~(3-2) الكواكب # وهي كلها شفافة ومضيئة إلا القمر فإنه كمد، يستمد نوره من الشمس. تختلف ~~أشكاله حسب قربه أو بعده منها، فيكون هلالا أو بدرا ... إلخ. وهناك خسوف ~~القمر ومحوه وكسوف الشمس. وقيل في محو القمر آراء كثيرة: إنه خيال أو شبح ~~أو سواد أو تسخين النار أو جزءا لا يقبل النور. ويبدو وجه القمر مصورا ~~بصورة إنسان. وهذا في الحقيقة تعطيل لفعل الطبيعة؛ لأن لكل عضو طلب نفع أو ~~دفع ضرر؛ بالتالي يتم تشخيص الطبيعة وإسقاط الرؤية الإنسية عليها. أما ~~بقية الكواكب فهي أجسام سماوية حافظة لوضعها معه. وكل مجموعة في مجرة. ~~ويعتمد المتكلمون هنا على أقوال العلماء يدخلونها في أنساقهم. # 66 # وأحيانا لا يجدون فيها شيئا يحولونها إلى فكر ديني صريح أو ~~مقنع فيعودون إلى أصل الوحي في القرآن، إما لإثبات الظواهر الفلكية مثل ~~الكسوف والخسوف، أو للعودة إلى نظرية الوحي الأولى في أن الطبيعة للإنسان، ~~والأشياء للاستعمال؛ أي الكونيات الإنسانية. # 67 # ولكن في معظم الأحوال يعتمد المتكلمون في تصوراتهم للأفلاك ~~والكواكب لا على ms427 تحليلات العلماء ولا على أصول الوحي، بل على تصورات وهمية ~~مستمدة من الثقافة القديمة وخيالات الناس. # 68 # ويكون السؤال بالنسبة لنا: لماذا يكون الجسم هي أجسام الكواكب ~~والأفلاك؟ ولماذا يتأصل علم أصول الدين في علم الفلك مثل علوم الحكمة؟ قد ~~يكون الجسم بالنسبة لنا هو الأجسام الأرضية أو الأجسام البشرية. ولو دفع ~~التأمل في الأفلاك والكواكب إلى غزو الفضاء لما كان ذلك تعويضا عن نسيان ~~أجسام الأرض وأجساد البشر. ~~(3-3) العناصر # وقد جعلها المتأخرون أربعة أقسام: الأول خفيف مطلق يطلب المحيط في جميع ~~الأحياز، حارة بالحس ويابس وهو النار. والثاني خفيف مضاف تحت النار وفوق ~~الآخرين، حار رطب بالطبع وهو الهواء. والثالث ثقيل مطلق في المركز، بارد ~~يابس وهو الأرض. والرابع ثقيل مضاف فوق الأرض وتحت الآخرين، بارد رطب ~~بالطبع وهو الماء. وهناك أقسام متوسطة مثل البخار فهو ماء وهواء، والتربة ~~فهي أرض وهواء، والطين فهو أرض وماء، والدخان وهو نار وهواء وتراب، مما ~~يجعل طبقات العناصر سبعا مثل طبقات السموات! # 69 # وهي تقبل الكون والفساد على عكس الأجسام البسيطة في السماء. ~~الكواكب والأفلاك تتركب منها المركبات عن طريق التحليل وعن طريق ~~التركيب. ثم يتم التركيز على الأرض، وتظهر وكأنها العنصر الرئيسي أو مركز العناصر. # 70 # فالأرض في وسط الكل؛ لأن الكواكب في جميع الجهات. وهي كروية ~~الشكل كما أن الماء كري. # 71 # وتستعمل الريح في إثبات كروية الأرض. والكرة تعبر عن ~~التناهي واللاتناهي في آن واحد. ومع ذلك فالأرض متناهية الأطراف، وذلك ~~إثبات لنهاية العالم. # 72 # وليس لها عند الأفلاك قدر محسوس. بها ظواهر مكانية راسخة مثل ~~الجبال، ويحلل القدماء سبب تكونها. وبها ظواهر زمانية مثل الصبح، وسبب ~~تكونه، كرة البخار تتكيف بالضوء لقبولها نور الشمس. وبها ظواهر تجمع ~~بين الزمان والمكان مثل خط الاستواء، وهو ما يوازي من الأرض معدل النهار. ~~والأفق يقطع المعدل وجميع المدارات بنصفين! ثم يأخذ موضوع هل الأرض ساكنة ~~أم هاوية حيزا بارزا وكأنه موضوع رئيسي تعم به البلوى وتتعلق به مصالح ~~الناس. بطبيعة ms428 الحال يبدو الخيال الشعبي وأساطير القدماء لتفسير سكون الأرض. # 73 # ويكون السؤال: هل هذا الوصف كله علم أم فلسفة أم دين؟ فإن كان ~~علما فهو يمثل إحدى مراحل تاريخ العلم، وإن كان فلسفة فهي تعبر عن ~~تصور القدماء للكون، وإن كان دينا فلا تعم به البلوى وليس موضوعا ~~للعقائد ولا تتأسس عليه. ولكن يبرز أحيانا البعد الإنساني للكون، وأن ~~الأرض سكن للإنسان بما فيها من نبات وماء وحيوان، وأن كل ما فيها إنما ~~مسخر من أجله. ولكن يتدخل الفكر الديني في هذا الوصف الإنساني للكون، ~~ويجعل كل ذلك من فعل الذات المشخصة، ويقضي على جلال الطبيعة وحكمتها. # 74 ~~(3-4) المركبات التي لا مزاج لها # 75 # والمزاج هو فعل الصورة الجسمية في مادتها ثم في مادة تجاورها. فالمجاورة ~~شرط التفاعل، وبالأولى المساطحة التي تكون بالسطح. وكلما كان السطح أكثر ~~كانت المماسة أتم بحسب تصغر الأجزاء. والعناصر المختلفة الكيفية إذا ~~تصغرت أجزاؤها واختلطت حتى يحصل التماس فعلت كل صورة في مادة الآخر. وقيل ~~هو كيفية متشابهة تحصل من تفاعل عناصر متصغرة الأجزاء بحيث تكثر صورة كل ~~صورة كيفية الآخر. وقيل هو تفاعل أجزاء الأشياء؛ أي التفاعل الكيميائي ~~الطبيعي بين العناصر. المزاج إذن هو حالات الأشياء. ~~والسؤال الآن: هل المزاج حالات للأشياء ~~بالفعل أم هو إسقاط من أحوال النفس ومزاجها على الطبيعة وتشخيص ~~لها؟ # وينقسم المزاج طبقا للكيفيات الأربعة للانفعال: الحرارة، والبرودة، ~~والرطوبة، واليبوسة. والاعتدال الحقيقي هو حدوث الانفعال بين طرفين على حد ~~الوسط، وإلا فهو المعتدل بحسب الطب أو غير المعتدل. هناك فرق إذن بين ~~الاعتدال الطبيعي، وهو افتراض عقلي مجرد، والاعتدال الحيوي وهو اعتدال ~~الجسم الحي. علوم الطب والحياة إذن تدخل مع العلم الطبيعي في نظرية الوجود ~~باعتبارها علوما طبيعية. وإن أعدل الأعضاء لهو الجلد سيما للأنملة، ~~سيما للسبابة. لذلك تستعمل في الفرق بين الملموسات! وأعدل أنواع ~~المركبات؛ أي أقربها إلى الاعتدال الحقيقي، نوع الإنسان. فالإنسان نموذج ~~الاعتدال بين العناصر. ثم تختلف الأصناف؛ أي الأجناس البشرية، في عملها ~~طبقا لموضعها الجغرافي ms429 بين خط الاستواء؛ حيث تتشابه أحوال الناس في الحر ~~والبرد وسكان الإقليم الرابع؛ حيث تحسن الأحوال وتطول الأعمار، وتجود ~~الأذهان وتكرم الأخلاق. # 76 # وأعدل الأشخاص هو أعدل شخص من كل صنف. وتؤثر الأوضاع ~~الجغرافية في المزاج طبقا لموضع الإنسان من المنخفض أو الجبل أو البحر أو ~~التربة أو الرياح أو الأشجار ... إلخ. # 77 # وهنا يبدو الإنسان الطبيعي في المزاج، وتظهر معه البيئة ~~الجغرافية، كما تبدو التجمعات البشرية الطبيعية كتعبير عن تفاعل الإنسان ~~مع الطبيعة. # والمركبات التي لا مزاج لها هي الظواهر الجوية والأرضية بفعل حر الشمس؛ ~~إذ تصعد أجزاء هوائية مائية وتصبح بخارا، أو نارية أرضية وتصبح دخانا. ~~والأول من شدة الحر يتحلل إلى ماء وهواء، والثاني من شدة البرد يصبح ~~سحابا، فإذا بلغ درجة الزمهرير بلا ~~جمود فهو مطر أو بجمود فهو إما ثلج قبل الاجتماع أو برد بعد الاجتماع. ~~وإن لم يبلغ درجة الزمهرير فهو الضباب، ويكون بلا جمود الطل ومع الجمود ~~الصقيع. والثاني؛ أي النارية الأرضية وهو الدخان، إما أن يكون مع سحاب أو ~~يصل إلى كرة النار أو إلى كرة الزمهرير. فإن كان مع السحاب وبرد فهو الرعد، ~~أو سخن وكان خفيفا فهو البرق، أو سخن وكان ثقيلا فهي الصاعقة. وإن وصل ~~إلى كرة النار ولم يتصل بالأرض وكان لطيفا فهو الشهاب، أو كثيفا فهي ~~الذؤابات والأذناب والنيازك وذوات القرون، أو غليظا وهي العلامات السود ~~والحمر. وإن اتصل بالأرض فهو الحريق. وإن وصل إلى كرة الزمهرير فهو إما ~~ريح أو زوابع وأعاصير، وإن انكسر عليه ضوء القمر فهي الهالة، أو ضوء الشمس ~~فهو قوس قزح. ومن البخار والماء في الأرض إن كان خفيفا يخرج البخار، أو ~~كان ثقيلا تخرج العيون. ومن البخار والدخان تخرج الزلازل والبراكين. # 78 # وفي محاولة تعريف هذه الظواهر يظهر الصراع بين الفكر العلمي والفكر الديني. # 79 # وأحيانا يأتي الفكر الفلسفي بينهما وكأنه تحصيل حاصل. # 80 # وقد يتم تجاوز ذلك كله بتساؤلات نظرية صرفة عن العالم والدنيا. # 81 # وفي النهاية يبدو تشخيص الطبيعة ms430 أو تطبيع الإنسان، يبرز ~~الإنسان كبعد للطبيعة كما تبرز الطبيعة كبعد للإنسان في التقابل بين ~~العالم الكبير والعالم الصغير عند الحكماء. # 82 # بل إن العالم من العلم؛ أي من الحس والشعور؛ فالعالم هو عالم ~~الشعور، وليس للعالم زمان بل الشعور هو شعور بالزمان. # 83 # وتظل القضية أنه في حومة الصراع بين التصور الديني والتصور ~~العلمي للعالم يبرز الإنسان بين الله والطبيعة. # 84 # وفي احتدام الصراع بين التصور العلمي للطبيعة؛ الطبيعة ~~المستقلة التي تخضع لقوانين حتمية ومطردة، وبين التصور الديني لها؛ الطبيعة ~~التابعة لإرادة مشخصة تفعل ما تشاء بلا قانون أو علية وبلا قصد أو غائية. ~~يبرز الإنسان من ثنايا التصورين مدركا لقوانين الطبيعة ومسخرا إياها ~~لصالحه. ~~(3-5) المركبات التي لها مزاج # وهي تنقسم قسمين: ما لا نفس له، وما له نفس. وتظهر النفس هنا على أنها ~~كيفية من المزاج. # 85 # والمركبات التي لا نفس لها هي المعادن، وتنقسم إلى منطرقة وغير منطرقة. # 86 # فالمنطرقة هي الأجساد السبعة المتكونة من اختلاط الزئبق ~~والكبريت المتكونين من الأبخرة والأدخنة، وهي: الفضة، والذهب، والخارصين، ~~والنحاس، والرصاص، والحديد، والأسرب. # 87 # وغير المنطرقة تكون إما للين مثل الزئبق، فتتحلل بالرطوبات ~~كالأملاح والزاجات، وإما كالطلق والزرنيخ. هناك إذن تصوران: الأول ~~يقوم على القسمة العقلية التي لا يمكنها حصر أنواع المعادن مما يدل على قصر ~~منهج القسمة والتي لا يمكنها احتواء جميع مركبات الطبيعة. والثاني ~~التصور الديني الذي يجعل كل المركبات خاضعة للفاعل المختار؛ وبالتالي ~~يستحيل العلم والكشف عن القانون؛ لأن كل مظاهر الطبيعة تحدث بفعل إرادة ~~خارجية مشخصة وليس طبقا لقوانين مستقلة ومطردة. # 88 # والحقيقة أن أصل الوحي إنما يشير إلى المعادن باعتبارها ~~للاستعمال وللاستخدام في السلم والحرب، وهو الأساس الذي يمكن عليه بناء العقيدة. # 89 # أما المركبات التي لها مزاج ونفس فهي النفس. # 90 # والنفس كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتغذى وينمو أو يحس ~~ويتحرك بالإرادة أو يعقل بالكليات ويستنبط بالرأي. وقد يعبر عنها بلازم ~~واحد من حيث إنه ذات حياة بالقوة، وهو ms431 تعريف الحكماء، يظهر فيها الكمال ~~والجسم والحياة، والعقل أحد مظاهرها. تتعلق بالبدن وليست مفارقة له. والنفس ~~من حيث هي مبدأ الآثار قوة، وبالقياس إلى المادة صورة، وإلى طبيعة الجنس ~~كمال. والتعريف أقرب إلى النفس الحيوية، مبدأ الحس والحركة والاستدلال، ~~تجمع بين الوظائف البدنية والوظائف النفسية. # 91 # وتنقسم النفس إلى النفس النباتية، وهي كمال أول لجسم طبيعي من حيث هو ~~يتغذى وينمو؛ فالكمال جنس، والأول تعني إخراج الكمالات الثانية كتوابع من ~~الأول من العلم والقدرة. والجسم تعني إخراج كمال المجردات، والطبيعي تعني ~~استبعاد الصناعي، والآلي تعني العناصر. والنفس الحيوانية كمال أول لجسم ~~طبيعي آلي من جهة ما يحس ويتحول بالإرادة. فالإحساس والحركة وظيفتان أعلى ~~من التغذي والنمو. والنفس الإنسانية كمال أول لجسم آلي من حيث يعقل الكليات ~~ويستنبط بالرأي. هناك إذن مراتب للنفس، الكل يشترك في الكمال والجسمية ~~والطبيعة والآلية. وكل مرتبة عليا تحتوي على وظيفة أو وظائف أكثر من ~~المرتبة الدنيا. فالنفس الحيوانية تزيد على النفس النباتية التمتع بالحياة ~~والتحرك والإرادة، والنفس الإنسانية تزيد على النفس الحيوانية عقل الكليات ~~واستنباط الرأي. # 92 # وتتضمن النفس النباتية قوى طبيعية أربعا: اثنتان لبقاء الشخص وهي ~~الغاذية والنامية، الغاذية تحيل الأجسام داخل الجسم، وقد يحدث توقفها ~~الموت لأنها متناهية، والنامية تدخل الغذاء بين الأجزاء. واثنتان يحتاج ~~إليهما لبقاء النوع وهما المولدة والمصورة، المولدة تفصل من الغذاء ما ~~يصلح أن يكون مادة للمثل، والمصورة توجد في الرحم خاصة تعطي الأجزاء الصور ~~والقوى. وهذه القوى الأربع تخدمها قوى أربع أخرى. القوة الجاذبة وهي التي ~~تجذب المحتاج إليه، ويدل عليها حركة الغذاء من الفم إلى المعدة، والقيء، ~~وجذب المعدة للغذاء في التمساح والرحم بعد الطمث للمني، وجذب الأعضاء للدم ~~من الكبد. والقوة الهاضمة ولها أربع مراتب، في المعدة ثم الكبد ثم العروق ~~ثم الأعضاء. والقوة الماسكة وهي التي تمسك الغذاء ريثما تفعل فيه الهاضمة ~~فعلها. وأخيرا القوة الدافعة، وهي إما للغذاء المهيأ للعضو إليه وإما ~~للفضل عنه (التبرز، التقيؤ ... إلخ). وقيل إن هذه الأربع تخدمها الكيفيات ~~الأربعة. ms432 فأشد القوى حاجة إلى الحرارة الهاضمة ثم الجاذبة ثم الدافعة ثم ~~الماسكة. وأشد القوى حاجة إلى اليبوسة الماسكة ثم الجاذبة ثم الدافعة. ~~والهاضمة لا حاجة لها إلى اليبس، بل إلى الرطوبة. وقد تتضاعف هذه القوى في ~~بعض الأعضاء مثل الجاذبة في المعدة. # 93 # وفي حقيقة الأمر، إن التفسير بالقوى هو نوع من الفكر الديني ~~القائم على التشخيص. فبدل أن تكون هناك وظيفة هناك قوة مشخصة حية مريدة ~~عاقلة. وهذا النوع من البيولوجيا العقلية يمثل أحد مراحل التفكير العلمي. ~~ويكون السؤال: كيف تتأسس العقائد اليقينية على فكر تاريخي ظني؟ ألا يعني ~~ذلك القضاء على الثابت في سبيل المتحول؟ وماذا لو انهار هذا البناء القديم ~~كله كما انهار الآن في المرحلة الآنية لتاريخ العلوم البيولوجية؟ # وتتضمن النفس الحيوانية قوتين مدركة ومحركة. والمدركة إما ظاهرة أو باطنة. # 94 # والقوى المدركة الظاهرة تشمل المشاعر الخمس: # 95 # البصر، ويتم سواء بانعكاس صورة المرئي بتوسط الهواء المشف ~~إلى الرطوبة الجلدية وانطباعها في جزء منها؛ أي الشعاع من الخارج إلى ~~الداخل، من الموضوع إلى الذات، من الشيء إلى العين، أو يتم بالشعاع المقابل ~~من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى الموضوع، ومن العين إلى الشيء. # 96 # والسمع ويحلله القدماء تحليلا ماديا خالصا عن طريق الهواء ~~والقارع والمقروع والصماخ والعصب والطبلة ... إلخ. والشم قوة في زائدتين في ~~مقدم الدماغ، تحدث فيه الرائحة بتحلل أجزاء الجسم وسريانها في الهواء. ~~والذوق أعصاب على اللسان من خلال الرطوبة. وأخيرا اللمس أعصاب الجلد. وهو ~~أربعة: المحاكة بين الحار والبارد، بين الرطب واليابس، بين الصلب واللين، ~~وبين الأملس والخشن. وقد تكون قوة الذوق مشروطة باللمس لما كانت الحاستان ~~تعملان عن طريق الأعصاب والاحتكاك. وهناك محسوسات مشتركة كالمقادير ~~والأعداد والأوضاع والحركة والسكون والقرب والبعد والمماسة، تشترك فيها ~~أكثر من حاسة لإدراكها. وتختلف الحواس الظاهرة قوة وضعفا في حالة ~~سلامتها. ويتضح من هذا التحليل سيادة النظرة العلمية الخالصة لعمل الحواس، ~~بل والتصور المادي لوظائفها دون اللجوء إلى علل خارجية مما يسبب للمتكلمين ~~مشكلة «نفي الفاعل ms433 المختار». # 97 # كما أنه يكشف عن حضور الإنسان كجوهر من خلال النفس كما كان ~~حاضرا كعرض من خلال الكيفيات المحسوسة؛ فالحواس نقطة التقاء بين الأعراض ~~والجواهر، في الأعراض كمحسوسات وفي الجواهر كحواس، في الأعراض كظواهر ~~طبيعية وفي الجواهر كقوى للنفس، في الأعراض كموضوع وفي الجواهر ~~كذات. # أما القوى المدركة الباطنة فهي أيضا خمس: الحس المشترك، وهي القوة ~~التي تسهم فيها صور الجزئيات المحسوسة بالحواس الخمس فتطالعها النفس ثمة ~~فتدركها؛ أي إنها أول مرحلة في النفس بعد الحس، وهي إدراك الحس، وتحويل ~~المحسوسات إلى مدركات كما هو الحال في القطرة النازلة والشعلة الدائرة ~~والخطوط والدوائر الهندسية. والخيال يحفظ الصور المرتسمة في الحس المشترك ~~كالخزانة له وبه يعرف من يرى ثم يغيب ثم يحضر. وهنا يختلط التذكر ~~بالتخيل. والوهم يدرك المعاني الجزئية كالعداوة التي تدركها الشاة من ~~الذئب، ويكون السؤال: هل هذا وهم أم استعداد طبيعي غريزي؟ والحافظة تحفظ ~~المعاني التي تدركها الوهمية، ونسبتها إلى الوهم نسبة الخيال إلى الحس ~~المشترك. وأخيرا المتخيلة وهي تتصرف في الصور المحسوسة والمعاني ~~بالتركيب والتفصيل، مثل إنسان ذي رأسين. وإذا استعملها العقل سميت ~~مفكرة، وكأن القوة الناطقة هنا ليس لها استقلال خاص، بل هي إحدى وظائف ~~المخيلة، وكأن النطق قد حجز للنفس الناطقة كجوهر مفارق. ومع أن لكل قوة ~~مركزا في الدماغ طبقا للنظرية المادية في عمل الحواس، إلا أن الحواس ~~الباطنة تمثل درجة أقل في ارتباط النفس بالمادة، وتكون بمثابة حلقة اتصال ~~بين الحواس الظاهرة وبين النفس الناطقة. # 98 # ولكن منها ما يدخل في العلم الظني مثل الوهم والخيال في نظرية ~~العلم. ويمكن من خلال هذا التفاوت في ارتباط الحس بالمادة، والانتقال من ~~الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة الارتفاع درجة أخرى إلى النفس الناطقة ~~وإثبات خلود النفس؛ فبالرغم من ارتباط الحواس بالمادة، إلا أن النفس التي ~~هي علة الحواس لا تتعلق بالمادة. وقد ظهر ذلك أيضا في نظرية العلم عند ~~تحليل عمل الحواس المادي لإفساح المجال لتدخل إرادة خارجية لذات تعطي ~~المعاني وتؤسس العلوم. والمهم ms434 هو ظهور الحواس في نظرية العلم وفي نظرية ~~الوجود في مبحثي الأعراض والجواهر على حد سواء، وكأن علم أصول الدين كله ~~يتأسس من خلال المحسوسات وبداية من العالم الحسي. وهنا أيضا يسود ~~التصور العلمي الذي يجعل الإدراك من عمل الحواس كمظهر من مظاهر النفس ~~دون تدخل «القادر المختار»، سواء عند المتكلمين أو الفلاسفة. # 99 # فعند المتكلمين كل إدراك مرتبط بحسه، وآفة العضو توجب آفة ~~فعله، وإن عمل الحواس ببساطة هو ارتسام ما له وضع وحيز؛ أي الحاسة، مع قدرة ~~الحواس الباطنة على التمييز بين المربعين المجتمعين على مربع واحد. وعند ~~الحكماء الحواس آلات والنفس مدركة لجميع صنوف المدركات. وهي قادرة على ~~الحكم بالكلي على الجزئي، وبكل جزئي على أنه غير الآخر. والإنسان يدرك ~~بوجدانه أنه يسمع ويبصر ويجوع ويشبع. والنفس مدبرة للبدن وفاعلة ~~للجزئيات؛ وبالتالي فهي مدركة للجزئيات. إنما في جيلنا نحن بدأ الطعن في ~~شهادة الحواس وإثبات خداعها إما تمويها على الناس وتعمية لهم أو تبعية ~~لمذاهب غربية تدافع عن الموروث القديم، أو إحساسا بالطهارة الفارغة ~~وإرضاء للذات. فالمثالية العقلية هي الوريث الطبيعي للإيمان ~~القديم. # ولم يفصل القدماء في القوى الفاعلة كثيرا، وكأن الفعل أقل أهمية من ~~الإدراك الظاهري أو الباطني، ربما لأن ذلك أدخل في علم الأخلاق، سواء في ~~علوم الحكمة أو علوم التصوف أو علم أصول الفقه. ولكن هذه العلوم قد ~~تناولت أيضا ظواهر الإدراك ولم يغب عنها الفعل. اقتصر القدماء على قسمة ~~القوى إلى باعثة ومحركة، الباعثة لجلب نفع وتسمى شهوية، أو لدفع ضرر ~~وتسمى غضبية. أما المحركة فهي التي تمدد الأعصاب فتقرب الأعضاء ~~من مبادئها كما في قبض اليد وتراخيها، أو تبعد الأعضاء كما في البسط. وهي ~~المبدأ القريب للحركة والمبدأ البعيد التصور، وبينهما الشوق والإرادة؛ فإن ~~النفس تتصور الحركة فتشتاق إليها فتريدها إرادة قصد وإيجاد فتحصل. # 100 # وبالرغم من أهمية البواعث، فإن القدماء أيضا لم يفصلوا ~~فيها، وركزوها كلها في جلب المنافع ودفع المضار، ~~مع أن ذلك جزء من غائية أوسع وقصدية ~~أشمل هو ms435 أداء الرسالة وتحقيق الغاية في التاريخ. وهل الغضب يكون فقط لدفع ~~الضرر؟ أليس هناك غضب لجلب النفع إذا ما منع النفع؟ وهل النفع فردي أم ~~اجتماعي؟ مادي أم معنوي؟ نفع ماذا ونفع من؟ وهل الحركة هي فقط الحركة ~~الفيزيقية أم حركات الأفراد والشعوب وحركة التاريخ؟ ولماذا الاقتصار على ~~الحركة البدنية، حركة الأعضاء بالرغم من الإشارة إلى دور التصور؛ أي ~~الفكر والشوق والإرادة؛ أي الوجدان والأفعال؟ إن الحركة أيضا هي نزوع ~~النفس واتجاه الشعور، حركة المجموعات ومسار الشعوب. والنفس الإنسانية ~~بالرغم من أنها جوهر مفارق مع العقل إلا أنها أيضا تتويج للنفس من حيث هي ~~مجموع الوظائف الحية؛ فهي من المركبات التي لها مزاج نفسي وفي نفس الوقت ~~جوهر مفارق. وقواها العقلية اثنتان: النظرية باعتبار إدراكها للكليات ~~والحكم بينها إيجابا أو سلبا، والعملية باستنباطها للصناعات الفكرية ~~ومزاولتها للرأي والمشورة. كما يحدث فيها من القوة هيئات انفعالية مثل ~~الضحك والخجل والحياء دون أن يفرد القدماء قسما خاصا للقوى الانفعالية ~~أو الوجدانية أو العاطفية. واكتفوا بجعل القوى العملية جزءا من قوى النفس ~~مثل القوة النظرية. # 101 ~~(3-6) هل هناك جواهر مفارقة، النفس أو العقل؟ # يبدو أن النظرة المادية الغالبة على تحليل النفس قد وجدت تعويضا لها ورد ~~فعل عليها في الجواهر المفارقة، النفس والعقل، آخر مباحث الجواهر وآخر ~~موضوع في المقدمات النظرية أيضا وربما أيضا في خاتمتها عن الجن ~~والشياطين! وتبدأ النفس المفارقة بالنفوس الفلكية وليس بالنفس الإنسانية؛ ~~أي بنفس الكون أو بروح الطبيعة تريد احتواء العالم كله أولا قبل أن ~~تتحول إلى نفس فردية مجردة. والنفوس الفلكية هي أيضا مجردة لأن حركات ~~الأفلاك إرادية؛ فالحركة إما طبيعية أو قسرية أو إرادية. والأولان باطلان ~~لأنها مطلوبة ومتروكة، فلا تكون طبيعية، ولأنها ليست طبيعية فلا تكون ~~قسرية. وإرادتها ليست عن تخيل محض، وإلا امتنع دوامها عن نظام واحد؛ فهي ~~إذن ناشئة عن تعقل كلي. # 102 # ولها مع القوة العقلية قوى جسمانية هي مبدأ للحركات الجزئية. ~~ومع ذلك ليس لها حس ولا شهوة ولا غضب؛ ms436 لأن الاحتياج إليها لجلب المنافع ~~ودفع المضار لحفظ الصورة عن الفساد، وصورتها لا تقبل الفساد. ويبدو أن ~~القدماء هنا قد برءوها من أوجه النقص الإنساني من حس وشهوة وغضب ~~لاقترابها من الملأ الأعلى، وعدم طريان الفساد عليها أو النفع والضرر حتى ~~يمكن الاستمرار بعد ذلك خطوة أبعد في تشخيص الذات المجردة وراء الأفلاك. ~~وفي حقيقة الأمر، إن النفوس الفلكية إسقاط من النفس الإنسانية على الطبيعة ~~وتشخيص حيوي للأفلاك في موضوعي النفس والإرادة، وكأن المتكلم كلما نظر إلى ~~أعلى أله وكلما نظر إلى أسفل جسم. وقد انتهى أحيانا إلى الخلط بين ~~الدورين، يجسم حين ينظر إلى أعلى ويؤله حين ينظر إلى أسفل. أسقط ~~المتكلم على الأفلاك الوعي الخالص الذي يبحث عنه وشخصه فيها قبل أن ~~يشخصه في ذاته وهو لا يعلم أنه بذلك يقع في خطأي التجسيم والشرك. فالوعي ~~الخالص ليس مجسما ويتفرد في صفاته دون أن يشاركه فيها أحد؛ لذلك رفضها الفقهاء. # 103 # وإن كان لا بد من مفارقات فهي المبادئ الإنسانية التي تحرك ~~الأفراد والجماعات، مبادئ الحرية والعدالة والمساواة التي تتراءى في كتبنا ~~ويستشهد الشباب في سبيلها، وما زالت قادرة على نهضة أمة وتحقيق مصالح الشعوب. # 104 ~~(أ) النفس # وقد تفاوتت النظريات في النفس الإنسانية بين النظرية المادية الصرفة، ~~والنظرية الحسية، والنظرية العقلية ثم النظرية المفارقة. فالنظرية ~~المادية الصرفة عند بعض المعتزلة تجعل النفس جزءا لا يتجزأ من القلب ~~لدليل عدم الانقسام مع نفي المجردات، أو قوة في الدماغ أو ثلاث قوى، ~~إحداهما في القلب وهي الحيوانية، والثانية في الكبد وهي النباتية، ~~والثالثة في الدماغ وهي النفسانية، أو أنها أجزاء لطيفة سارية في البدن ~~باقية من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها تخلل ولا تبدل أو أنها ~~الدم المعتدل؛ إذ بكثرته واعتداله تقوى الحياة وبالعكس، أو أنه الهواء؛ ~~إذ بانقطاعه طرفة عين تنقطع الحياة، أو أنها الهيكل الخصوصي أو الأخلاط ~~المعتدلة كما وكيفا أو اعتدال المزاج النوعي. # 105 # كل هذه النظريات هي التي سببت رد الفعل المقابل التي ms437 ~~تجعل النفس مفارقة للبدن ومتميزة عنه، فالنقيض يولد النقيض. # والنظرة الحسية هي نظرية الأشعرية، والفقهاء تجعل النفس جسما طويلا ~~عريضا عميقا ذا مكان عاقل مصرف للجسد. النفس والروح اسمان مترادفان ~~والمسمى والمعنى واحد. والدليل على ذلك انقسامها على الأشخاص، وأنها ~~لو كانت جوهرا والعلم من صفاتها لكانت عالما، وبالتالي يعلم زيد ما ~~يعلمه عمر، وأنها إما خارج الفلك أو داخله، والأول باطل لتناهي الجرم ~~فلم يبق إلا الثاني وهو جسم، وأنها لا تقع تحت جنس آخر غير الجوهر، ~~وبالتالي فهي جسم. وقد يتم تفصيل النظرية الحسية بجعلها عرضا كسائر ~~أعراض الجسم لا يشاهد إلا بالحواس أو أنها النسيم الداخل والخارج بالتنفس. # 106 # ويكون السؤال الآن كيف يقول أهل السنة بجسمية النفس؟ أليست ~~هذه نظرية مادية؟ كيف يعارضون إذن أصحاب الطبائع وباقي الماديين؟ كيف ~~يتم التوفيق بين مادية النفس وإثبات تمايزها عن البدن وإثبات خلودها من ~~أجل الحساب والعقاب في الآخرة طبقا لنسق العقائد لديهم؟ كيف يوافق ~~الفقهاء عليها ويدافعون عنها ويجدون الأدلة على صدقها وفي نفس الوقت ~~يهاجمون النظرة المثالية العقلية عند المعتزلة أو النظرية المجردة التي ~~تثبت النفس المفارقة عند الحكماء؟ يبدو أن تبادل الأدوار بين المتكلمين ~~والحكماء قد وصل إلى حد قلب الأدوار حتى إنه أصبح من الصعب معرفة أي ~~الفريقين المادي وأيهما المثالي. # والنظرية العقلية هي التي دافع عنها أوائل المعتزلة والتي تجعل النفس ~~جوهرا لا جسما ولا عرضا لا طول له ولا عمق، لا في مكان، ولا ~~يتجزأ، وأنها هي الفعال والمدبر للبدن وهي الإنسان. # 107 # وهي التي أصبحت النظرة الحسية عند الأشعرية رد فعل عليها ~~كرد فعل على الخصم دون تحكيم للعقل أو انصياع للبرهان. وهي النظرية ~~التي كانت مهمتها الدفاع عن لا مادية النفس ضد النظرية المادية. لذلك ~~كانت الحجج كلها سلبية تقوم على برهان الخلف؛ أي استحالة كون النفس ~~جسما، وإبطال موقف الخصوم حتى تثبت لا مادية النفس. فلو كانت النفس ~~جسما لتحركت بتحركه ولوجب أن نعلم ببعضها أو كلها، ولزادت في الكمية ms438 ~~بجمع جسم آخر، وكانت بين الخفة والثقل، ولكانت ذات خاصية خفيفة أو ~~ثقيلة، حارة أو باردة، لينة أو خشنة، ولكانت لها كيفيات محسوسة، ولوقعت ~~تحت جميع الحواس أو بعضها، ولكان لها طول وعرض وعمق وسطح وشكل، ولقبلت ~~التجزئة بين الصغير والكبير، ولكانت مستحيلة متغيرة، ولكان لها نفس أو ~~غذاء، ولكان اتصالها بالجسم إما مجاورة أو مداخلة أو ممازحة، ولكانت ~~تعرف بالمماسة، ولكانت مسايرة للجسم في العمر من القوة إلى الضعف ~~ومن الضعف إلى القوة. # والحقيقة أن هذه الحجج كلها يمكن استعمالها لإثبات تمايز النفس عن ~~البدن؛ وبالتالي الانتهاء إلى النظرية الرابعة والأخيرة، وهي تجرد ~~النفوس الناطقة؛ فالنفوس الإنسانية مجردة، ليست جسمانية ولا جسما، ~~تعلقها بالبدن تعلق التدبير والتصرف. # 108 # ونفاها المتكلمون على الإطلاق. وحجة الحكماء أنها تعقل ~~البسيط فتكون مجردة، وأنها تعقل الوجود وهو أمر بسيط، ولأنها تعقل ~~المفهوم الكلي، وأنها تعقل الضدين ويستحيل ذلك إذا كانت جسما أو ~~جسمانيا، وأنها لو كان العاقل منها جسمانيا لعقل محله، ولا يوجد ~~جسم فينا محل العلم كالقلب أو الدماغ . # ثم يصل المتكلم والحكيم كلاهما إلى بيت القصيد في إثبات حدوث النفس ~~وتمايزها عن البدن، وأنها باقية لا تفنى بفنائه. فحدوث النفس يبدو ~~متناقضا مع إثبات جوهريتها اللاجسمية. ولما كان الجسم حادثا فالنفس ~~لا يمكن أن تكون كذلك. لذلك يبدو أن حدوث النفس كان الغرض منه ليس ~~إصدار حكم طبيعي أو حتى عقلي على النفس، بل لتخصيص صفة القديم «لله» ~~دون أن يشاركه فيها أحد. حدوث النفس إذن قلب لقدم الله من أجل إعطاء ~~الإنسان أقل مما يعطى «الله»، وإعطاء «الله» أكثر مما يعطى ~~الإنسان. لذلك كان القول بقدمها أكثر اتساقا مع جوهريتها ~~اللاجسمية. وكانت الحجج ضد الحدوث أقوى من الحجج لإثباته مثل أن كل ~~حادث له مادة، وأنه لو لم تكن أزلية لم تكن أبدية، وأنه يلزم عدم ~~تناهي الأبدان. # 109 # كما تثير نظرية حدوث النفس إشكالا ثانيا، وهو متى يحدث ~~الحدوث مع البدن أو قبله؟ وكل منها تؤيده الأدلة النقلية ويصعب ms439 ~~إيجاد أدلة عقلية لإثبات أحد الرأيين ضد الآخر. # 110 # وتتطلب نظرية الحدوث بيان كيفية تعلق النفس بالبدن. ولما ~~كان يغلب عليها النظرة التطهرية والتصور الثنائي الإيماني كان ~~تعلقها به تعلق العاشق بالمعشوق لتوقف كمالاتها ولذاتها عليه. ~~وهي صورة شعرية توحي باتجاه الأدنى نحو الأعلى وتصور إشراقي يرى ~~الخلاص في التجرد عن العالم، سبب الشرور والآثام، والعيش مع النفس ~~الخالصة. تدين طرفا وتبرئ طرفا، تجعل واحدا سالبا والآخر موجبا، ~~والعلاقة بينهما أحادية الطرف، صعودا لا هبوطا. وكيف تعشق النفس ~~البدن ولا يعشق البدن النفس؟ أليس هذا العشق متناقضا مع كمال النفس ~~ونقص البدن، وأن الناقص هو الذي ينحو نحو الكمال؟ ويتصارع الفكر العلمي ~~مع الفكر الديني في تفسير العشق. فهو إما عشق مادي عن طريق الأعضاء، ~~وإما عشق روحي عن طريق «القادر المختار». # 111 # ثم تأتي نظرية بقاء النفس تتويجا لمباحث النفس وكأنها ~~الغاية القصوى من إثبات تجردها وحدوثها وتميزها عن البدن؛ فالنفس ~~لا تفنى بفناء البدن لأنها ليست مادة مثله. لها بعد البدن سعادة ~~وشقاوة. وبالرغم من محاولة الحكماء والفقهاء إيراد حجج على بقاء النفس ~~بتميزها عن البدن، فحظ النفس من الفضائل غير حظ البدن، وأن النفس سبب ~~التذكر والعلم، في حين أن البدن سبب النسيان والجهل، وأن تجربة النوم ~~تثبت بقاء النفس في غياب البدن، والنوم موتة صغرى. وكل هذه الحجج لا ~~تخفي الإغراق كلية في الإيمان الديني وفي النظرة الطوباوية الأخروية ~~للعالم، وكأن علم أصول الدين قد التحق بعلوم التصوف، وكأن المقدمات ~~النظرية كلها؛ نظرية العلم ونظرية الوجود، قد تحولت إلى تأملات ~~إشراقية تعطي النفس المعرفة النظرية والسعادة العملية. # 112 # والحقيقة أن النفس هي مبدأ النشاط الحيوي في الإنسان من حس وتخيل ~~وتذكر وتعقل وحركة وسلوك، لا فرق في ذلك بين نفس وبدن. الإنسان ~~واحد، ونشاطه واحد، وأي تصور ثنائي له يقسمه قسمين، ثم بعد ذلك تنشأ ~~صعوبة الربط بينهما، فيستحيل ذلك لأن مجموع خطأين لا يكون صوابا. ~~الحياة إذن لا فرق فيها بين نفس وبدن، والبقاء فيها ms440 أيضا لا فرق بين ~~نفس وبدن؛ فالحياة باقية، إما الحياة العضوية عن طريق النسل، أو الحياة ~~العقلية عن طريق الذهن، أو الحياة الاجتماعية عن طريق الفعل. فالإنسان ~~باق بجسده عن طريق الخلف، وباق بذهنه عن طريق الفكر، وباق بفعله ~~عن طريق أثره في الحياة ودوره في التاريخ. # 113 ~~(ب) العقل # أما العقل فإنه وجود أكثر منه ملكة، وشيء أكثر منه فكرا، ~~وبالتالي أصبح العقل شيئا ماديا وليس نظرا واستدلالا. أثبته ~~الحكماء اعتمادا على حجة نقلية. # 114 # وقد لا تعني هذه الحجة خلق شيء، بل تعني أولوية الفكر على ~~الواقع وأهميته، وبالتالي لا يمكن تفسيره حرفيا بمعنى خلق الشيء، بل ~~معنويا بمعنى أهمية الفكر ووجوب النظر، وهو ما يتفق مع نظرية العلم. ~~وقد اعتمد الحكماء في إثباته على أن «الله» واحد ولا يصدر عنه إلا ~~واحد. ويستحيل أن يكون جسما لتركبه ولتقدم الهيولى والصورة عليه ~~ضرورة ولا أحد جزأيه؛ إذ لا يستقل بالوجود عن الآخر، ولا عرضا؛ إذ ~~لا يستقل بالوجود دون الجوهر، ولا نفسا؛ إذ لا تستقل بالتأثير دون ~~الجسم. وإذا ثبت أن الصادر عن الأول عقل فإن له اعتبارات ثلاث: وجوده ~~في نفس تعقل، وجوبه بالغير كنفس، وإمكانه لذاته كجسم. هناك إذن عقل ~~ونفس وفلك لكل عقل. ولما كانت هناك عقول عشرة، يفيض كل منها عن ~~الآخر، ويفيض الأدنى عن الأعلى والأخس عن الأشرف. # 115 # حتى نصل إلى العقل العاشر، وهو العقل الفعال المفيض ~~للصور والأعراض على العناصر والمركبات بسبب ما يحصل من الاستعدادات ~~المسببة عن الحركات الفلكية وأوضاعها، وهي ملحمة الفيض المشهورة في ~~الفلسفة الإشراقية التي أفرزتها علوم الحكمة وعند المتكلمين، هذه ~~الأمور كلها إن كانت وجودية؛ أي موجودة في الأعيان، فلا بد لها من ~~مصادر، وإن كانت اعتبارية؛ أي موجودة في الأذهان، امتنعت أن تكون ~~مصدرا للأمور الوجودية. وهي في حقيقة الأمر مجرد صور فنية تعبر عن ~~جلال العالم العلوي بعد أن يئس الصوفي من صلاح الدنيا. وقد استطاع ~~المتكلمون الكشف عن هذه الجوانب الإنشائية عند الحكماء ms441 في نظرية العقول ~~العشرة والعقل الفعال. # 116 # وقد اعتبر الحكماء العقول أشرف من «الملائكة». وهذا تشريف ~~للعقل، ولكن العيب أنه العقل باعتباره شيئا موجودا وليس العقل ~~الاستدلالي. هو العقل كموضوع وليس العقل كمنهج، ويكون حديث العقل أكثر ~~خطورة عندما يكتمل لتأييد القدر والجبر ضد الاختيار وحرية الأفعال. # 117 # وهنا ينتهي العقل الكوني إلى الجبر الكوني، ويتحول علم ~~أصول الدين إلى الإشراقيات الكونية الخالصة. # 118 # لذلك كان موقف الفقهاء أفضل لنفيهم العقل الكوني وإثباتهم ~~العقل الاستدلالي الذي يغيب ويحضر، يشتد ويضعف. فالعرض له ضد، وهو ~~قوة ممكنة وليس جوهرا واجبا. # 119 # إن هناك فرقا بين تأليه العقل الكوني عند الحكماء ~~واستعمال العقل الاستدلالي عند المتكلمين والفقهاء. ليس كمال العقل في ~~مرتبته بين الوجودات، بل في استعماله وآثاره وإقامة حياة الأفراد ~~والمجتمعات عليه. وقد عرض الحكماء لأحكام العقول باعتبارها موجودات ~~وليست باعتبارها أحكاما عقلية. وجعلوها ليست حادثة لأن الحدوث يستدعي ~~مادة، وليست كائنة ولا فاسدة لأنها بسيطة، وأن نوع كل عقل منحصر في ~~شخصه؛ إذ إن تشخصه بماهيته وليس بالمادة، وأن ذواتها جامعة لكمالاتها، ~~وأنها عاقلة لذواتها، وأنها تعقل الكليات وكل المجردات، وأنها لا تعقل ~~الجزئيات لأنها تحتاج إلى آلات جسمانية ولأنها تتغير. ومع ذلك فقد فرض ~~العقل الاستدلالي نفسه على العقل الكوني في الأحكام الأخيرة في تعقل ~~الكليات. ولكن العقل عاد وتطهر وبرأ نفسه من العلم بالجزئيات؛ ~~لأنها تحتاج إلى حواس ولأنها متغيرة والعقل الإلهي ثابت لا يدرك إلا ~~الكليات. وظهر على أنه صوري خالص يستنكف من المادة، كامل يستبرئ من ~~النقص، فأصبح كماله وشموله فارغا بلا مضمون. # 120 ~~(ج) هل هناك جن وشياطين؟ # ولكن العجيب أنه بعد هذا الحديث كله عن العقل والفيض والمعقولات ~~تنتهي نظرية الوجود، بل والمقدمات النظرية كلها، بخاتمة عن «الجن ~~والشياطين»، وهو ما ترسب في وجداننا القومي عندما غاب العقل وحضر ~~الجن والشياطين! وهي عند المليين وليس جمهور العلماء أو ملايين الناس ~~«أجسام تتشكل بأي شكل شاءت»، وكأنها حواة أو أبطال أساطير أو آلهة ~~وثنيين. وقد ms442 أنكرها الحكماء لأنها إما أن تكون لطيفة أم لا، وكلاهما ~~باطل؛ فالأول يلزم أنها لا تقتدر على الأفعال الشاقة وتتلاشى بأدنى ~~قوة، وهو خلاف الاعتقاد الذي يجعلها قادرة على خرق العادات؛ والثاني ~~أنه لا يوجب أن ترى ونحن لا نراها. ولو جوزنا أجساما كثيفة لا ~~نراها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال وبلاد لا نراها، ودقات وطبول لا ~~نسمعها؛ وهو سفسطة.» والعجيب أن المتكلمين يردون على حجج الحكماء ~~لإثبات الجن والشياطين؛ فقد يقوى الشفاف على الأعمال الشاقة ولا ينفعل ~~بسرعة. ولا يلزم رؤيتها، يفيض عليها «القادر المختار» مع لطافتها قوة ~~عظيمة؛ لأن القوة لا تتعلق بالقوام. وقد قال قوم إنها النفوس الأرضية ~~وهي مختلفة؛ فمنها «الملائكة» الأرضية، ومنها الجن، ومنها الشياطين، ~~فهذه «جنود ربك لا يعلمها إلا هو»، وكأن علم أصول الدين بمقدماته ~~النظرية لتأسيس العلم آثر النكوص وإعلان العجز عن تأصيل موضوعات ~~العقيدة فسلم واستسلم واعتقد وآمن. وقال قوم هي النفوس الناطقة ~~المفارقة؛ فالخيرة تتعلق بالخيرة وتعاونها على الخير وهي الجن، ~~والشريرة تتعلق بالشريرة وتعاونها على الشر وهي الشياطين «والله أعلم ~~بحقائق الأمور»! أي إنها النفوس المفارقة، وكأن الحساب والعقاب قد ~~تما من قبل. وكيف تكون الجن نفوسا خيرة وهي تسترق السمع بنص الوحي؟ # 121 # يبدو أن تشخيص قوى الخير والشر أو التعبير عنها في صور ~~فنية قد منع المتكلمين والحكماء معا من البحث عن الأسس الاجتماعية ~~للشر، واكتفوا بتصويره عجزا عن مواجهته وتغييره. # 122 # ومع أنها كانت عند القدماء مجرد خاتمة لمبحث الجواهر، ~~إلا أنها أصبحت عند المتأخرين موضوعا محببا إلى النفس لجذب انتباه ~~العامة اعتمادا على الخيال الشعبي وهدما لكل المقدمات النظريات ~~الأولى. وتساءل المتأخرون هل يأكلون (أي الجن) ويشربون ويتناكحون، أم لا؟ # 123 # هل يدخلون في الناس أم لا؟ # 124 # هل يخبرون الناس بشيء أو يخدمونهم؟ # 125 # هل هم مكلفون أم مضطرون؟ # 126 # هل لهم ثواب ويدخلون الجنة؟ # 127 # وانتهت النظرة الحسية والتحليل العلمي المادي الذي ساد ~~تصور المتكلمين. ولم تفلح الحركات الإصلاحية في تغيير الأمر، وتساءلت ms443 ~~أيضا عن الحكمة في خلق الجن! # 128 # وتساءل القدماء أيضا عن الشياطين ناسين المقدمات النظرية؛ ~~نظريتي العلم والوجود، ووقعوا كلية في الغيبيات والظنيات والسمعيات، ~~وكأن بداهات الحس وأوائل العقول وشهادات الوجدان لم تعد مقياسا ~~للصدق وأصلا للتأسيس، ولم يعد هناك إلا الروايات الظنية، المشهورات ~~والذائعات دون المتواترات. هل يرون في الدنيا؟ # 129 # هل يجوز انقلابهم في صور الإنس أو في أي صور أخرى إذا ~~أرادوا ذلك؟ # 130 # هل يسترقون بعضهم البعض؟ # 131 # هل يطيقون على حمل ما لا يطيق البشر على حمله؟ # 132 # هل هم يعلمون ما في القلوب؟ # 133 # هل يوسوسون؟ # 134 # وتتراوح الإجابات بطبيعة الحال بين الإثبات والنفي؛ ~~الإثبات تدعيما للتصور الديني للعالم، والنفي بناء على التصور ~~العلمي الذي يعمل إلى حد تصور الصرع في مقابل وسوسة الشيطان. # 135 # وقد ظلت بعض هذه التساؤلات حتى حركات الإصلاح الأخيرة. ~~فالشيطان هو المسئول عن البدع وعن كل مظاهر الشرور في العالم بما فيها ~~الطاغوت. لم يستطع المتكلمون والفقهاء معا وهم الذين دافعوا عن ~~التصور الحسي للعالم أن يحافظوا على مكتسبات نظرية العلم ونظرية ~~الوجود، وانتهت المقدمات النظرية بالوقوع في الغيبيات المحضة، والظنيات ~~الخالصة، والبعيدة كل البعد عن مصالح الأمة. # خاتمة # لقد استطاعت نظرية الوجود في نهاية الأمر أن تجعل العلوم هي الطبيعة، وأن ~~يظهر الإنسان أيضا من خلال الطبيعة في مقابل «الله» مثبتا دوره في الكون في ~~إدراك قوانين الطبيعة والسيطرة عليها. فموضوع علم أصول الدين كما ظهر من نظرية ~~الوجود هو الطبيعة، وأنه لا تفكير في «الله» إلا بعد التفكير في الطبيعة، وكأن ~~الدين لا يتأسس إلا في العلم. لا يمكن الوصول إلى «الله» إلا من خلال الطبيعة، ~~وفي هذا تتفق كل العلوم الإسلامية الأربعة: علم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، ~~وعلوم الحكمة، وعلوم التصوف. وهذا يعني أن الأدلة على وجود «الله» أدلة ~~بعدية خالصة. «الله» نتيجة وليس مقدمة، نهاية وليس بداية، غاية وليس أصلا، ~~مقصدا وليس أساسا، اتجاه وليس شيئا ... إلخ. ولهذا السبب تتجاور الطبيعيات ~~والإلهيات وتتداخل وكأنهما ms444 علم واحد. تدرك الإلهيات بلغة الطبيعة، وتدرك ~~الطبيعة بلغة الإلهيات. «الله» جوهر، والشيء جوهر. «الله» شيء والشيء الطبيعي ~~شيء، «الله» موجود والشيء الطبيعي موجود. وقد يصل الأمر إلى استحالة التصرف ~~في أي الموضوعين يكون الحديث في «الله» أم في الطبيعة. # 136 # والحقيقة أن كل هذا التوحيد الطبيعي، أو الطبيعة التوحيدية، لم تكن ~~الغاية منه تحليل الطبيعة أو إثبات وجود الإنسان في الطبيعة، بل إثبات الإلهيات ~~بصورة أخرى بطريق بعدي، أو إسقاط الإلهيات على الطبيعة على نحو قبلي؛ ~~وبالتالي جعل الطبيعة متحدثا رسميا باسم «الله». فإذا ما انتهى الأمر إلى ~~أن تصبح الإلهيات والطبيعيات علما واحدا، فذاك إنما يأتي كنتيجة وبطريق ~~المصادفة وليس كمسلمة أو كنتيجة قصدية. الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل، ~~والإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى، ولكن المهم بالنسبة لنا هو كيف استطاع ~~العقل التوحيدي النظر إلى الطبيعة، وهل يمكن أن يوجه العقل التوحيدي تحليل ~~الطبيعة؟ إن ما ظهر في نظرية الوجود هو أن كل تحليل طبيعي كان مقدمة لإثبات صفة ~~إلهية أو نفي أخرى. فتحليل الأعراض لإثبات حدوثها مقدمة لإثبات صفة القديم. ~~وتحليل المثلين والمختلفين لنفي الشبه، وتحليل الجسم لنفي صفة الجسمية عن ~~«الله»، وتحليل الأكوان والاعتمادات لنفي صفة المكانية عن «الله»، وتحليل ~~الجوهر لنفي صفة الجوهرية عن «الله» وتحليل الشيء لنفي صفة الشيئية عن «الله». ~~ومع ذلك يمثل الفكر الطبيعي المستقل بوادر صراع الفكر العلمي مع الفكر ~~الديني، وصراع العقل لإثبات سلطته أمام طبيعة مستقلة لها قوانينها المطردة ~~الثابتة. فالطبيعيات تدل أكثر ما تدل على بزوغ الفكر العلمي من ثنايا الفكر ~~الديني أكثر مما تدل على تحليل علمي للطبيعة. وذلك موجود في تاريخ العلوم ~~الطبيعية والرياضية وفي علوم الحياة، مثل الطب والتشريح والنبات. وبتعبير آخر ~~تمثل الطبيعيات الصراع بين تحليل الواقع والتعبير الإنشائي، وتكشف عن التباين ~~بين الموقف العلمي والموقف الخطابي. وقد استعملت الطبيعيات كجزء من علم ~~التوحيد المنهج التأملي الخالص؛ أي إنها طبيعيات عقلية وليست طبيعيات علمية ~~تقوم على التحليل المعملي وعلى التجارب العلمية، وعلى القياس وفرض ms445 الفروض ~~والتحقق من صحتها. ومع ذلك إذا ما احتاج العالم إلى بعض تصورات نظرية ~~تساعده على إجراء التجارب العلمية، فالطبيعيات العقلية تستطيع أن تمده بمثل هذه ~~التصورات عن المداخلة والتركيب والمزج والاتحاد والملامسة والمجاورة ... إلخ. ~~وهذا يحدث دائما في تاريخ العلم المرتبط بالميتافيزيقا الخالصة أو بعلوم ~~الحكمة. فإذا ما حدث اكتشاف علمي دائم لا يتغير، فإن ذلك يحدث بالعرض وليس ~~بالجوهر، نتيجة لعمل الذهن في التوحيد عن طريق وصف ظواهر الطبيعة وتحليل ~~الواقع المادي. «الله» إذن رؤية موجهة للذهن نحو الطبيعة أو «فكرة محددة»، ~~كما يقول المناطقة. ومع ذلك، وبالرغم من أن هذا الكلام في «الدقيق» يبدو أقرب ~~إلى الطبيعيات منه إلى الفكر الديني، إلا أن الفكر الديني يظهر من ورائه ~~كافتراض بعيد غير محتمل الوقوع، ولا يؤثر وجوده في الوصف العقلي للطبيعة. ~~أما أزمات العلم التي يمكن لميتافيزيقا الطبيعة أن تمدها ببعض التصورات ~~لحلها، فإنها لا تحدث إلا بعد نشأة العلم وتطبيق العلم وتوجيه العلم للحياة ~~الإنسانية. # تكشف إذن هذه المقدمات النظرية كلها عن أن التوحيد يمكن أن يقوم على أصول ~~عقلية يمكن الوصول إليها مسبقا، وهذا هو الذي أدى بالفعل إلى تأسيس نظريتي ~~العلم والوجود. # 137 # وتبدو في المؤلفات الكلامية الأولى وتظهر تدريجيا حتى تبتلع ~~موضوعاتها في نظريتي العلم والوجود الموضوعات الكلامية نفسها. # 138 # ويصبح علم الكلام كله علما نظريا أو أنطولوجيا يتحد فيه ~~العلم والمنطق، وتحليل العقل وتحليل الوجود، حتى ليصعب بعد ذلك التفرقة بين ~~علم الكلام والفلسفة والميتافيزيقا. ويبدو الحديث في الموضوعات الإلهية، وعلى ~~رأسها التوحيد، وكأنه حديث عارض راجع إلى نقص في قدرة العقل على التنظير، أو ~~كأن تطور هذه الموضوعات مرتبط بمرحلة معينة من تطور العلم. فإذا ما تطور العلم ~~واكتمل أصبح الوجود هو موضوع علم الكلام، وعالم الكلام باحث الوجود، والإلهيات ~~الأنطولوجيا العامة، والمتكلم هو الفيلسوف الميتافيزيقي الباحث في الوجود. # 139 # ويمثل علم الكلام المتأخر محاولة للتوحيد بين الأساس العقلي للكلام ~~وللحكمة على السواء، ويبرز في تعريف الموضوعات أوجه التشابه والاختلاف بينهما. # 140 ms446 # وبالرغم من اقتراب علم الكلام من علوم الحكمة إلا أنه يقوم على ~~أساس عقلي خاص به، وكأن هذا الانتقال من النقل إلى العقل كان تطورا طبيعيا ~~من داخله وليس تبنيا لعلوم الحكمة التي كانت في حقيقة الأمر إشراقية أكثر ~~منها عقلية، وأسطورية في بعض جوانبها أكثر منها واقعية، في حين كان علم الكلام ~~صاحب نظرة حسية عقلية لم يتخل عنها إلا في النهاية عندما ضعفت عزائمه ووهنت ~~قواه، وتسرب إليه الإيمان التقليدي من جديد. بل إن علم الكلام يقف أحيانا من ~~علوم الحكمة موقف العداء، ويرفض تصوراتها للعالم مثل قدم العالم والجواهر المفارقة. # 141 # ويذكر الحكماء دون تعيين. وأحيانا يعين أحدهم وهو الذي بين ~~أحكام الوجود والعدم والواحد والكثير والواجب والممكن والمستحيل، والوجود ~~والماهية، ولديه تبلغ الفلسفة أقصى ما وصلت إليه من تجريد. # 142 # فإذا كان مسار علم الكلام التقليدي وتطوره في التاريخ يثبت أن ~~النظرية العقلية، سواء في نظرية العلم أو في نظرية الوجود، تطغى على الموضوع ~~الإلهي، أو أن الأساس العقلي يبتلع تدريجيا الموضوع نفسه، فإننا بتطوير علم ~~الكلام لمرحلة أخرى نصل إلى صياغة نظرية عقلية شاملة تتلاشى فيها الموضوعات ~~الإلهية حتى يصبح علم الكلام علما عقليا خالصا، وحتى يتأسس العلم في ~~النهاية بتحويل موضوعه من موضوع حسي مادي وجداني نفسي وهو التشخيص أو التشبيه، ~~إلى موضوع عقلي علمي خالص؛ وبالتالي يتحقق مشروع علم الكلام الذي وضعه هو ~~لنفسه، وهو تأسيس علم أصول الدين في مقدمات نظرية خالصة مثل نظريتي العلم ~~والوجود، هذا المشروع الذي توقف منذ القرن الثامن حتى الحركات الإصلاحية ~~الحديثة، وما كاد ينهض حتى خبا من جديد. # 143 # ويكون أيضا قد تخلى عن منهج النص الحرفي أو المعنوي (التأويل)، ~~واعتمد على القسمة العقلية الخالصة. هذه المقدمات النظرية التي تحتوي على نظرية ~~العلم ونظرية الوجود ليست من قبيل الترف العقلي أو الاستطراد أو الاستعارة من ~~علوم أخرى؛ علوم الحكمة أو علوم الفقه والأصول أو علوم التصوف، بل هو آخر ما ~~وصل إليه علم الكلام من تنظير ms447 للموضوعات الإلهية. # 144 # وهذا لم يمنعه أنه في بعض الأحيان عندما يضعف التنظير تطل الإلهيات ~~بين الحين والآخر، خاصة في الصياغات الأولى لنظرية العلم، وفي الصياغات ~~الأخيرة لنظرية الوجود. # 145 # لذلك كان استعمال علم الكلام المتأخر للحجج النقلية قليلا للغاية؛ ~~لاعتماده على القسمة العقلية وحدها، ورغبته في إقامة نظرية عقلية خالصة على ~~عكس علم الكلام المتقدم الذي لا يتجاوز كونه تجميعا لبعض النصوص في موضوع واحد وشرحها. # 146 # ومع ذلك فقد انتهت نظرية العلم اعتمادا على تحليل العقل وحده إلى ~~أن صار العقل فارغا بلا مضمون، يعيش العقل على نفسه، وتظهر قواه بفعله الخاص، ~~فتتشعب التقسيمات حتى ولو لم تكن بذات دلالة، بالنسبة للموضوع الرئيسي، وكأن ~~العقل عندما يبلغ حدا من الصورية فإنه يترك موضوعه الأساسي ويعيش على ذاته، ~~ويخرج نسيجا من الخطوط الهندسية المتسقة مع نفسها، وينسج شبكة من التقسيمات ~~ونظاما من الأبنية ينطبق على كل موضوع، ويكون هو الموضوع المثالي للعقل المتسق ~~مع بنية العقل ذاته. فإذا ما تحول العقل إلى الوجود فإنه يحوله أيضا إلى ~~وجود صوري، وكأن العقل يصف ذاته؛ فالعقل الصوري والوجود الصوري صنوان. # والسؤال الآن: هل تكفي نظريتا العقل والوجود وحدهما لإقامة العلم؟ صحيح أن ~~العقل هو العلم، والوجود هو المعلوم. ولكن العقل والوجود كليهما يظهران في ~~الشعور، والعلم والمعلوم كلاهما بعدان للشعور؛ ومن ثم احتاجت نظرية العلم ~~ونظرية الوجود إلى نظرية ثالثة هي نظرية الشعور. وكما تقوم نظرية العلم بتحليل ~~العلم ونظرية الوجود بتحليل الوجود، فإن نظرية الشعور تقوم بتحليل الشعور ~~واكتشاف العقل والوجود كبعدين للشعور. وعلى هذا النحو يمكن التغلب على هذين ~~الانحرافين الصوري والمادي في نظريتي العلم والوجود بإيجاد الشعور كطرف يظهر ~~فيه العقل والوجود. فالعقل هو الجانب العاقل للشعور، هو الذات العاقلة، والوجود ~~هو الجانب الوجودي للشعور أو هو الموضوع الموجود. يستطيع تحليل الشعور القضاء ~~على صورية العلم وصورية الوجود على السواء. والشعور قادر على إعطاء مادة جديدة ~~خصبة ومتجددة يقوم العقل بتحليلها؛ ومن ثم لا يعيش العقل على ذاته، ms448 ولا ~~يتحول إلى مجرد آلة نسيج لتصورات وتقسيمات، بل يعمل في تحليل مضمون التجارب ~~التي يقدمها الشعور والتي تكشف عن نفس التجارب التي منها تنبثق النصوص الكلامية والدينية. # 147 # والحقيقة أن تحليل الشعور ليس غريبا على مادة الكلام، بل متغلغل ~~فيها مطمور داخل القسمة العقلية وتحليلات الوجود. تظهر كلمة شهادة الوجدان ~~كثيرا على أنها حجة. والوجدانيات، شهادة الحس الباطنة، أحد مصادر العلم طبقا ~~لنظرية العلم، فإذا كانت المقدمات النظرية لعلم الكلام قد أعطتنا: ~~(1) # نظرية عقلية محكمة تعبر عن أقصى ما وصل إليه العلم من تنظير ~~عقلي، ولكن تحكمها ثنائية عقلية متطهرة تعبر عن تصور ديني ~~للعالم، وهي المثالية العقلية التي تعبر عن الإيمان الديني ~~التقليدي. ~~(2) # نظرية وجودية محكمة تعبر عما وصل إليه علم الكلام من تنظير ~~عقلي في وصف الوجود، ولكن تحكمها نفس الثنائية المتطهرة التي ~~تقسم العالم إلى قطبين: قطب موجب وآخر سالب، وتجعل العلاقة ~~بينهما علاقة أولوية وشرف، علاقة نقص وكمال. # وعلى هذا النحو تكون مهمتنا إذن في تطوير هذه المقدمات النظرية ~~كالآتي: ~~(1) # تحويل القسمة العقلية، وهو الطابع الغالب على نظرية العلم التي ~~تعبر عن الموقف الديني المتطهر إلى تحليل عقلي خالص لا يتبع ~~أسلوب القسمة، بل التحليل المتشعب الاتجاه الذي يكشف عن البناء ~~الشعوري للموضوع. ~~(2) # تحويل القسمة الوجودية، وهو الطابع الغالب على نظرية الوجود إلى ~~خبرات شعورية بالعالم تكشف عن ماهيته، وتكون موضوعا للتحليل ~~العقلي. # فإذا كان علم الكلام القديم قد تطور من مرحلة الحجة النقلية إلى مرحلة ~~الحجة العقلية إلى مرحلة التحليل الوجودي الخالص، فإنه يمكن أن ينتقل الآن إلى ~~مرحلة جديدة، وهي مرحلة التحليل الشعوري للموضوعات من خلال الخبرات الحية، ~~ويكون المعلوم هو المشعور به. فعلم الكلام نشأ وتطور ولم يتوقف تطوره إلا ~~في عصر الشروح والملخصات، والعصر الثاني للنقل والترجمة عن الحضارات المجاورة. # 148 # فمن الممكن إذن تطويره من جديد، خاصة وأننا باحثون منتسبون إلى ~~الحضارة ولسنا مستشرقين خارجين عنها أو عليها؛ فهي جزء منا ومن تصورنا ~~للعالم، ومن وجودنا، ونحن جزء منها كتحقق ms449 تاريخي لها، ثقافة ونظاما ~~ودافعا. فتسير الحضارة من جديد وتنتقل من طورها الثاني الذي توقفت فيه في ~~القرون السبعة الأخيرة إلى طورها الثالث الذي تلحق به بطورها الأول في القرون ~~السبعة الأولى. فلسنا أمام علم مقدس، بل أمام نتاج تاريخي خالص، صب كل عصر ~~ثقافته وتصوره فيه. وتصور القدماء تصور تاريخي خالص يعبر عن عصرهم ~~ومستواهم الثقافي، كما أن تصورنا تصور معاصر يعبر عن روح عصرنا ومستوانا ~~الثقافي. فإذا استطاع باحث أو جماعة من الباحثين الوعي بروح العصر وباحتياجاته ~~ومتطلباته، فإنه يمكنه ويمكنهم تطوير العلم به، وأن يؤرخ لعلم الكلام بهذا ~~التصور الجديد كما تؤرخ حاليا طبقا للمراحل القديمة، مرحلة الحجة ~~النقلية، مرحلة التحليل العقلي، مرحلة التحليل الوجودي. ويطبق هذا المنهج ~~الشعوري على خطوتين: ~~(1) # يقرأ النص القديم، وغالبا ما يكون نصا صوريا عقليا ~~مجردا، فيشعر القارئ بشيء، ويكون هذا الشيء هو المادة الناقصة، ~~فيكمل تحليل النص به. ولما كان الباحث هو الباحث المعاصر، فإن مادة ~~الشعور تعبر عن البناء النفسي المعاصر. وكثيرا ما يكون النص ~~مادة صرفة مثل التحليل الفزيولوجي للحس، وهنا يبدو الشعور وكأنه ~~يرفع هذه المادة ويضعها على المستوى العقلي الشعوري، وإعطاء نظرية ~~في الإدراك شعورية بقدر ما هي فزيولوجية. وإذا وجد الشعور نفسه ~~أمام نص كوني يقوم على تشخيص الطبيعة من تصور للأفلاك على أنها ~~نفوس حية عاقلة وتصور للفيض وللعقول العشرة وكل ما يقال عن ~~المفارقات، فإن الشعور يبدأ بتحليله العقلي ويعيد بناء الموضوع على ~~أساس عقلي حتى يتلاشى التشخيص والخيال والإشراقيات. ~~(2) # نظرا لأن تحليلات القدماء لا تكفي؛ إذ يغلب عليها التحليل ~~العقلي للوجود الصوري، فإننا نضيف عليها مادة جديدة مستقاة من ~~الوجود الإنساني، أو من روح العصر. وكما استعمل القدماء الشعر ~~الجاهلي وشعر الفرق، فإنه يمكن استعمال الشعر الحديث باعتباره ~~معبرا عن احتياجات العصر. # 149 # ولما كان الشعر هو الفن الغالب على تراثنا القديم، ~~فإنه يمكن استعمال كل ضروب الفن السائدة في عصرنا من شعر ورواية ~~وقصة ومسرحية. وإذا كان القدماء أيضا قد استعملوا أمثال ms450 العرب، ~~فإننا نعتمد أيضا على الأمثال العامية، بل وعلى الأزجال التي ~~تعبر عن روح الشعب على نحو قد يكون أصدق من الأدب ~~المدون. # ولما كان الشعور في حقيقته وعيا، وكان الوعي في واقع الأمر وعيا ~~اجتماعيا، فإن منهج الشعور هو منهج لتحليل الواقع الاجتماعي. فالشعور ليس ~~وعيا خالصا منعزلا عن محيطه ودوائره، عالم الأشياء، وعالم الآخرين، بل هو ~~وعي اجتماعي يكشف عن بناء الواقع ومكوناته. # 150 # ولما كان الواقع هو في نهاية الأمر تراكم للماضي، وأحد مراحل ~~التاريخ، فإن الوعي الاجتماعي هو أيضا وعي تاريخي. وعلى هذا النحو يتحول علم ~~الكلام القديم من الحجة النقلية إلى التحليل العقلي إلى وصف الوجود، ثم يصب ~~في نهاية الأمر في التحليل الاجتماعي والسياسي للوعي التاريخي في حياة الأمة. ~~وعلى هذا النحو يعود علم الكلام إلى نشأته الأولى؛ أي إلى علم أصول الدين؛ حيث ~~صبت فيه الأمة القديمة تاريخها وصراعاتها وأزماتها وقرأت واقعها في العقيدة ~~كما يبدو ذلك في عقائد الفرق. ولربما يستطيع جيلنا نحن أن يقرأ في عقائده ~~اليوم، كما فعل القدماء، تاريخه وصراعاته وأزماته، فتتأصل ثورته من خلال ~~عقيدته. ms451