######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.MinCaqidaIlaThawraNubuwwa.Hindawi46862959 #META# Tags: philosophy #META# ID: 46862959 #META# Title: من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الباب الرابع: التاريخ العام‏ # الفصل التاسع: تطور الوحي (النبوة)‏ # أولا: مكانها، وموضوعاتها، ومعناها‏ # ثانيا: وجوبها، واستحالتها، وإمكانها‏ # ثالثا: هل المعجزة دليل على صدق النبوة؟‏ # رابعا: تطور النبوة‏ # خامسا: اكتمال النبوة‏ # سادسا: وقوع النبوة‏ # سابعا: إعجاز القرآن‏ # ثامنا: الشخص أم الرسالة؟‏ # تاسعا: تواتر الرسالة‏ # عاشرا: مضمون الرسالة‏ # الفصل العاشر: مستقبل الإنسانية (المعاد)‏ # أولا: وضع المشكلة‏ # ثانيا: قانون الاستحقاق‏ # ثالثا: دوام الاستحقاق‏ # رابعا: شمول الاستحقاق‏ # خامسا: الموت‏ # سادسا: حياة القبر‏ # سابعا: المعاد‏ # ثامنا: علامات الساعة‏ # تاسعا: اليوم الآخر‏ # عاشرا: الجنة والنار‏ # الباب الرابع: التاريخ العام‏ # الفصل التاسع: تطور الوحي (النبوة)‏ # أولا: مكانها، وموضوعاتها، ومعناها‏ # ثانيا: وجوبها، واستحالتها، وإمكانها‏ # ثالثا: هل المعجزة دليل على صدق النبوة؟‏ # رابعا: تطور النبوة‏ # خامسا: اكتمال النبوة‏ # سادسا: وقوع النبوة‏ # سابعا: إعجاز القرآن‏ # ثامنا: الشخص أم الرسالة؟‏ # تاسعا: تواتر الرسالة‏ # عاشرا: مضمون الرسالة‏ # الفصل العاشر: مستقبل الإنسانية (المعاد)‏ # أولا: وضع المشكلة‏ # ثانيا: قانون الاستحقاق‏ # ثالثا: دوام الاستحقاق‏ # رابعا: شمول الاستحقاق‏ # خامسا: الموت‏ # سادسا: حياة القبر‏ # سابعا: المعاد‏ # ثامنا: علامات الساعة‏ # تاسعا: اليوم الآخر‏ # عاشرا: الجنة والنار‏ # | من العقيدة إلى الثورة (4) # | من العقيدة إلى الثورة (4) # | النبوة - المعاد # تأليف # حسن حنفي # | الباب الرابع: التاريخ العام # | الفصل التاسع: تطور الوحي (النبوة) # | أولا: مكانها، وموضوعاتها، ومعناها # لما كانت العقليات الشق الأول من علم أصول الدين وقد ظهر ~~فيها الإنسان قابعا وراءها ومنبعا للإلهيات، يظهر التاريخ ~~في الشق الثاني من العلم وهو السمعيات أو النبوات كمنبع لها؛ ~~وعلى هذا النحو تكشف العقليات والسمعيات أو الإلهيات والنبوات، ~~وهما الشقان الأساسيان في علم أصول الدين، عن الموضوعين ~~الرئيسين فيه وهما الإنسان والتاريخ وإن بديا غير ظاهرين ~~مغتربين؛ الإنسان مغترب في الذات والصفات والأفعال، ~~والتاريخ مغترب في النبوة والمعاد، محاصر بين الماضي ~~والمستقبل، ومحصور بين إيمان العامة وفردية الإمام. # وكما شملت العقليات موضوعات أربعة؛ الذات والصفات وخلق ~~الأفعال والحسن والقبح، فإن السمعيات أيضا تشمل موضوعات ~~أربعة؛ النبوة والمعاد والأسماء والأحكام (الإيمان والعمل) ~~والإمامة؛ فالنبوة إذن موضوع في السمعيات، وتبدأ النبوة باب ~~السمعيات؛ لأنها الطريق إلى معرفة ms001 الأخبار المتعلقة بالمعاد ~~والأسماء والأحكام والإمامة؛ لذلك ظهرت مسألة الكلام ليس كصفة ~~ولكن من حيث هو كلام يمكن نقله تاريخيا ويكون مصدرا ~~للمعرفة. وهي كلها أبعاد للتاريخ؛ فالنبوة تشير إلى تطور ~~الوحي في الماضي، والوحي هو التاريخ، والمعاد يشير إلى تاريخ ~~الإنسانية في المستقبل، وكلاهما يكون التاريخ العام ~~للإنسانية جمعاء، ماضيها ومستقبلها؛ ثم يبرز الفرد في التاريخ ~~في الأسماء والأحكام في بعدي النظر والعمل، كما تظهر الدولة ~~بعد الفرد في صيغة الإمام؛ وبالتالي يظهر التاريخ المتعين في ~~الفرد والدولة منبثقا من التاريخ العام، وكأن الفرد بنظره ~~وعمله هو القادر على تحويل التاريخ العام للإنسانية جمعاء إلى ~~تاريخ خاص للفرد. ولما كان الفرد يعيش مع آخرين نشأت الدولة ~~كامتداد للفرد، وأصبحت الدولة هي المحققة للتاريخ العام ~~والمحولة له إلى تاريخ خاص لمجتمع بعينه في مرحلة تاريخية ~~بعينها؛ فالدولة باعتبارها ممثلا للأفراد هي الوريث الوحيد ~~للتاريخ العام. # والنبوة أبعد الموضوعات عن التجريدات العقلية والمقولات ~~الفلسفية وأقربها إلى اللغة الشائعة، وكذلك الأمر في سائر ~~الموضوعات السمعية، ما دام العقل قد غاب ومفاهيمه قد اختفت، ~~ولم يعد هناك إلا الشواهد السمعية دون تأويل أو تعقيل أو ~~تنظير، وهي أكثر الموضوعات اعتمادا على النص والأخبار تواترا ~~وآحادا؛ لذلك كان موضوع الأخبار جزءا منها. ومع ذلك يظهر ~~الطابع الجدلي للدفاع وللرد على الخصوم، وكأن مهمة العقل هي ~~الدفاع عن مسلمات الإيمان وأخبار السمع، وكذلك الحال في باقي ~~الموضوعات السمعية خاصة المعاد، وكأن القدماء قد اكتفوا ~~بإعمال العقل في الإلهيات وحولوها إلى عقليات وتركوا ~~السمعيات لأجيال أخرى تقطع النصف الثاني من الشوط، فيتحول ~~العلم كله إلى عقليات. فإذا كان السلف قد قطعوا النصف الأول من ~~الشوط تكون مهمة الخلف قطع النصف الثاني منه؛ وبالتالي يتحول ~~علم أصول الدين من علم عقلي نقلي إلى علم عقلي خالص لاحقا ~~بمجموعة العلوم العقلية. ~~(1) مكانها في العلم # يتدرج موضوع النبوة ويأخذ مكانه في العلم؛ ابتداء من ~~عدم ظهوره على الإطلاق في الكتب المتقدمة إلى ظهوره ~~تدريجيا حتى يأخذ وضعه بعد العقليات ms002 وفي أول السمعيات، ~~حتى يصبح ذا أهمية بالغة في العقائد المتأخرة، ويصبح ~~قطبا ثانيا في العقائد التي تدور على قطبين رئيسيين؛ ~~الله والرسول. فلا تظهر في مصنفات التوحيد المتقدمة أو ~~المتأخرة كما لا تظهر في مصنفات المعتزلة كأصل من الأصول الخمسة، # 1 # ثم تبدأ في الظهور في النهاية إثباتا لكمال ~~الأنبياء ثم إثباتا لآيات الأنبياء ولكرامات الأولياء في ~~مقابل قضاء الحاجات للأعداء ثم ذكر أبناء النبي، # 2 # ثم تظهر أيضا في كتب العقائد المتقدمة بعد ~~التوحيد، الذات والصفات والأفعال، وقبل الإمامة في عدة ~~مسائل أهمها: جواز النبوة، وعموم النبوة، وعدم نسخها، ~~والمعجزة ثم الإعجاز. # 3 # ثم تظهر النبوة لأول مرة بعد التوحيد سلبا، وذلك برفض ~~نظريات البراهمة وإنكار النبوة، ثم إثبات نبوة محمد والرد ~~على من أنكرها من المجوس والصابئة والنصارى، وإثبات ~~الأخبار ضد اليهود، وإثبات النسخ أيضا ضدهم، وإثبات عموم ~~الرسالة ضد العيسوية. وبعد ظهور الصفات والأصول تأتي مباحث ~~الخبر والتواتر والآحاد كمقدمات للإمامة. # 4 # ثم تظهر النبوات في آخر الحسن والقبح كمقدمة ~~لباب النبوات. ثم تظهر مرة أخرى بعد التوحيد والعدل. # 5 # وقد تدخل النبوات ضمن التكليف العقلي كما أنها ~~تدخل ضمن تطور الوحي. # 6 # وفي المصنفات الاعتزالية تظهر النبوة في آخر ~~باب العدل الذي يشمل حرية الأفعال والحسن والقبح. # 7 # وتظهر النبوة بعد العدل ثم المعجزات والكرامات ~~ثم معرفة أركان الإسلام وأحكام التكليف والأمر، وكأن ~~النبوة تدخل في موضوعات الفرد والدولة، فتظهر على أنها فعل ~~في التاريخ، وتتحول من عقيدة نظرية إلى مسار عملي في ~~الفرد والجماعة، تحقيقا للرسالة في التاريخ كما هو الحال ~~في الحركة الإصلاحية الحديثة. # 8 # وقد تنهي النبوات أبواب التوحيد؛ إذ منها ~~يستنبط الوعد والوعيد والإيمان والإمامة، ويدور الكلام ~~فيها في ثلاثة أمور؛ جواز بعثة الأنبياء، ووقوع البعثة، ~~ونبوة محمد. # 9 # ثم تأخذ النبوة شيئا فشيئا مكانها الطبيعي في العلم ~~بعد انتهاء العقليات، وكأول موضوع في السمعيات؛ فتظهر بعد ~~التوحيد والعدل دون أن تكون بابا في السمعيات بعد النبوة مباشرة، # 10 # ثم تظهر ms003 مرة أخرى بعد التوحيد والعدل ولكن ~~الأخبار تظهر كمقدمة للإمامة . # 11 # ثم تبدو النبوة في بداية القطب الرابع بعد ~~الأقطاب الثلاثة الأولى عن الذات والصفات والأفعال، وقبل ~~المعاد والإمامة، وملحقها عن تاريخ الفرق دون ذكر للقطب ~~كله؛ تحت باب السمعيات. ويثبت جوازها كآخر فصل من الأفعال؛ ~~أي في العدل قبل الانتقال إلى القطب الرابع والأخير الذي ~~يبدأ بإثبات النبوة الخاصة، وكأن إثبات النبوة العامة ~~أدخل في الأفعال ونفي الواجبات على الله في الجواز. # 12 # وبالرغم من هذا الاستقرار النهائي لمكان ~~النبوة في العلم قد تضطرب مباحثها وتتأرجح مسائلها، ولكن ~~معظمها يأتي بعد العدل ويتداخل مع بعض مسائل السمعيات ~~الأخرى كالإيمان، # 13 # وقد تظهر النبوة بعد مسائل العدل وقبل المعاد ~~والإمامة ثم تظهر كرامات الأولياء والنسخ بعد الإمامة في النهاية، # 14 # وقد تظهر النبوات بعد العدل وقبل المعاد والإمامة. # 15 # وتأتي النبوة بعد الوعد والوعيد وقبل المعاد ~~ثم تظهر من جديد بعدها في العصمة وأفضلية الأنبياء على ~~الملائكة، ثم تظهر مسائل الوعد والوعيد والمعاد من جديد ~~مما يدل على أنها جزء من السمعيات. # 16 # وتبدو النبوات بعد المعاد وقبل الإمامة في ~~محورين أساسين؛ جوازهما بالعقل ووقوعهما بالفعل، مع ترك ~~الحشو التاريخي والغيبي منها. # 17 # ثم تظهر النبوة لأول مرة في باب السمعيات في ~~مكانها المستقر مع المعاد والأسماء والأحكام والإمامة. # 18 # ثم يهتز البناء في العقائد المتأخرة؛ فتظهر النبوة بعد ~~المعاد والوعد والوعيد والإيمان والعمل وقبل الإمامة في النهاية. # 19 # كما تظهر بعض موضوعات للنبوة بعد العدل، مثل ~~الملائكة ثم بعد مسائل التوحيد، ثم يبرز المعاد ومسائل ~~الإيمان والعمل والوعد والوعيد ثم المعاد في بعثة الرسل ثم ~~تأتي الإمامة والتاريخ في النهاية. # 20 # وفي بعض الموسوعات المتأخرة تظهر النبوة ~~بوضوح دون بناء نظري، ولكنها تحتوي على تعريف النبي ~~والفرق بينه وبين الرسول والمعجزة والملائكة وعصمتهم، ~~والأنبياء وشرفهم ومحبتهم. # 21 # وفي العقائد المتأخرة عندما يرتكز علم التوحيد على قطبي ~~الإلهيات والنبوة تبدأ النبوة في القطب الثاني وتكون شاملة ~~للحشر والجزاء وللإمامة معا، ms004 # 22 # وقد يتفصل القطب الثاني ويشمل الملائكة ~~والكتب والسمعيات والقضاء والقدر، # 23 # وقد يشمل الباب الثاني بعد التوحيد الإيمان ~~بالرسل والأنبياء والسمعيات، # 24 # وقد تتفضل الملائكة مع الأنبياء كالقطب الثاني ~~في التوحيد مع الله ثم السمعيات التي أتى بها النبي. # 25 # وبعد التوحيد تظهر أحيانا مسائل الملائكة ~~والكتب وعددها والأنبياء وأصحاب الشرائع وعدد الأنبياء ~~والرسل وأسماؤهم ثم يأتي المعاد في النهاية. # 26 # وأحيانا تكون مباحث النبوة والرسالة القطب ~~الثاني بعد الإلهيات، وتسقط السمعيات ودون أن تطغى على الإلهيات. # 27 # وفي العقائد المتأخرة أيضا بالإضافة إلى انتظام ~~العقائد في قطبي الله والرسول ينطبق على كل منها نظرية ~~الوجوب والإمكان والاستحالة؛ # 28 # فيندرج الإيمان بالرسل تحت نظرية الواجب ~~والممكن والمستحيل؛ ثلاثة للواجب: الصدق والأمانة ~~والتبليغ، وأضدادهما للمستحيل: الكذب والخيانة والكتمان، ~~والجائز واحد وهي الأعراض البشرية؛ فالعقائد في الرسل ~~سبعة. وأحيانا تظهر بعد التوحيد كعقائد تسعة؛ أربعة في ~~الوجوب، وأربعة أضدادها في الاستحالة، وواحدة في الجواز، ~~وبعدها تأتي باقي السمعيات؛ الجن والملائكة والأنبياء ~~والأولياء ثم التاريخ. # 29 # فمن الخمسين عقيدة التي يجب على المسلم أن ~~يؤمن بها يشغل الله منها واحدا وأربعين والرسل تسعة. ~~وقد يدخل إرسال الرسل فيما يجوز على الله، وتظهر الأفضلية ~~بينهم والمعجزات ونسب الرسول وأولاده قبل الخصال ~~الأربعة؛ الصدق، والأمانة (العصمة)، والتبليغ، والفطانة، ~~والأدلة عليها؛ وأخيرا جواز وقوع الأعراض البشرية وبعدها ~~تظهر السمعيات. وقد تظهر نفس الموضوعات مع عدد الأنبياء، ~~ثم تفضيل الملائكة وتفضيل الكتب المقدسة، ثم الإيمان بما ~~أتى به الرسول؛ أي بالسمعيات، ثم النهاية بحياة الرسول ~~ومولده وآياته وأولاده وحياته. وأحيانا تتضخم النبوة ~~كما حتى تطغى على التوحيد. وقد يزاد على ذلك كله ~~الإقرار بأن النبوة غير مكتسبة بل فضل من الله، وأنها ~~مؤيدة بالمعجزات، وأنها ليست في النساء، ويعاد من جديد ~~التفضيل والمعجزات ومنع النسخ والمعراج ثم التاريخ ~~والقرن والخلافة والمبشرون بالجنة وبداية الاختلاف وظهور ~~الأئمة وتقليدهم والأولياء وكراماتهم. ثم تأتي باقي ~~السمعيات كالإيمان والعمل والإمامة. # 30 # وفي إحدى الحركات الإصلاحية تعود معظم موضوعات النبوة ~~التقليدية ms005 مع بعض التوجيهات العملية مثل المعارضة لزيارة ~~القبور وكبار الأولياء، وتظل الملائكة والشياطين والجن، ~~ويتم التركيز على التاريخ الساقط بعد النبوة والخلافة دون ~~محاور ودون بناء عقلي محكم. # 31 # وفي حركة إسلامية أخرى تظهر ضرورة النبوة ~~كتكملة لمبحث الحسن والقبح، ثم تظهر النبوة تحت الرسالة ~~العامة «المعجزة وما يجب للرسل» ثم حاجة البشر إلى الرسالة ~~ودوافعها النظرية «المعرفة» والعملية «السعادة» ثم الوحي ~~وتعريفه وكونه ممكن الوقوع ثم وظائف الرسل، ورسالة محمد ~~والقرآن والإسلام ثم الاحتجاج على الإسلام. طغت النبوة على ~~التوحيد وأصبحت أوسع منه ثلاث مرات. تحولت النبوة إلى ~~الرسالة، واختفت الغيبيات منها وقل التركيز على شخص النبي، ~~وظهرت مفاهيم التقدم في التاريخ واكتمال الوحي وبداية ~~التعامل مع التراث الغربي والرد عليه. # 32 ~~(2) موضوعاتها ومحاورها # ونظرا لأهمية موضوع النبوة فإنها تخرج أحيانا من ~~البناء النظري للعلم ومكانها الطبيعي بين التوحيد والعدل ~~وبين الإيمان والعمل والمعاد والإمامة، وتدخل في المقدمات ~~النظرية الأولى بعد نظرية العلم ونظرية الوجود، وتدخل عصمة ~~الأنبياء في الإيمان والعمل ثم تظهر نبوة النساء والرؤيا ~~في اللطائف، # 33 # كما تدخل النبوة لأهميتها في المقدمات إثباتا ~~لإمكانها ضد منكريها أو مثبتي استمرارها وشمولها للطبيعة. # 34 # كما تظهر بعض موضوعات النبوة في كتب الحجاج، ~~مثل دلائل النبوة والعصمة والنسخ والأخبار. # 35 # وبالرغم من بقاء هذه الموضوعات متفرقة ~~متناثرة ومتداخلة فيما بينها إلا أنه يمكن جمعها في ~~عدة محاور رئيسية نظرية أو عملية، عقلية أم تاريخية؛ ~~وبالتالي يمكن عرض الموضوع وبناؤه بعد بيان تطوره ~~واكتماله، وأنه من خلال هذا البناء يمكن رؤية المحاور ~~الرئيسية فيه تكثر أو تقل؛ فإذا كانت الموضوعات خمسة عشر، ~~فإنه يمكن وضعها في محاور رئيسية أقل، في ثلاثة مثلا؛ ~~معناها وجوازها ومعرفتها، عدد الأنبياء وترتيبهم وصحة ~~نبواتهم، وخاتمهم وعموم رسالته، وتفضيل الرسل بعضهم على بعض. # 36 # وإن كانت الموضوعات تسعا فإنه يمكن أيضا ~~وضعها في محاور أقل، مثل إثباتها، وعصمة الأنبياء، ~~وتفضيلهم، والمعجزة، والكرامة. # 37 # وإذا كانت الموضوعات خمسا فإنه يمكن أيضا ~~وضعها في محاور أقل، مثل ms006 جوازها، ودليل صدقها، وخاتم ~~الأنبياء، وأحكامهم. # 38 # وإذا كانت الموضوعات أربعا فإنه يمكن أيضا ~~تلخيصها في محاور أقل؛ جوازها والدليل على صدقها وخاتم الأنبياء. # 39 # وإذا كانت الموضوعات ثلاثة فإنه يمكن ضمها ~~في موضوعين اثنين؛ جوازها وصدقها. # 40 # أما إذا كانت الموضوعات اثنين، فإنها تكون ~~محورين أساسيين في بيان جوازها بالعقل ثم في بيان ~~وقوعها بالفعل؛ الأول يعرض للحق النظري والثاني يعرض ~~للواقع العملي. # 41 # والحقيقة أن محاور النبوة الرئيسية أقل من ~~موضوعاتها؛ هي بطبيعة الحال تبدأ بالسؤال النظري عن وجوبها ~~أو استحالتها أو إمكانها، وهو سؤال الحق النظري وأنها ~~ممكنة الوقوع، ثم يظهر المحور الثاني عن الدليل على ~~صدقها؛ المعجزة أو غيرها، ثم يبدأ المحور الثالث عن ~~تطورها بداية ووسطا ونهاية، وعلاقة المراحل بعضها ~~بالبعض ناسخا ومنسوخا، وتوقفها كلية باكتمالها وتحقيق ~~الغاية منها، ثم يظهر المحور الثالث والأخير عن النبوة في ~~آخر مراحلها والدليل على صدقها، وهو الإعجاز وطرق نقلها، ~~ورسالتها دون شخص نبيها، وأخيرا عن مضمونها العقائدي ~~والتشريعي الذي يتناوله علم الأصول؛ ففي هذه المحاور ~~الثلاثة تندرج كل الموضوعات المتناثرة؛ فتاريخ الأنبياء ~~وتاريخ الأديان، سواء ديانات إبراهيم أو الديانات الشرقية ~~القديمة والحوار معها، أكثر من الحوار مع الفرق ~~الكلامية، كل ذلك يدخل في المحور الثاني عن تطورها، وكل ~~الموضوعات المتعلقة بشخص النبي، مثل العصمة والتفضيل، كل ~~ذلك يدخل في المحور الثالث عن الرسالة التي تجب شخص النبي. ~~أما الموضوعات الغيبية كالملائكة وكيفية اتصال النبي بها ~~فكلها تدخل في المحور الأول حول وجوبها واستحالتها ~~وجوازها، ولكن يظل المحوران الرئيسيان للنبوة هما إمكانها ~~ووقوعها، لا الموضوعات التاريخية الصرفة ابتداء من شخص ~~النبي حتى صحابته وتابعيه وآل بيته، ولا الموضوعات الغيبية ~~الصرفة وهي طريقة اتصال النبي بمصدر الوحي، كما هو الحال ~~في نظرية الاتصال في علوم الحكمة. ~~(3) معناها وحقيقتها # تعني النبوة الخبر أو الإخبار؛ فالوحي يأتي من الخبر، ~~والخبر مصدر الوحي؛ الخبر هو الدال، والوحي هو المبادئ ~~العامة في المعرفة الإنسانية لا شخص النبي، وموضوعه حياة ~~البشر وصالح الناس وليس شخص ms007 المرسل أو الرسول. تعطي ~~النبوة إذن معارف وأخبارا، فهي من جانب المعرفة من أجل ~~توجيه السلوك؛ لذلك جاءت النبوة اشتقاقا من النبأ أي ~~الخبر بالهمزة؛ أي الإعلام، والإعلام غير الإلهام، وليس من ~~باب الظن والوهم أو الكهانة أو النجوم، بل إخبار الله بما ~~يكون. النبوة إذن نوع من المعرفة متميزة عن أنواع ~~المعارف الأخرى؛ يقينها باطني، ومعرفتها يقينية. إذا كان ~~الإلهام كشفا فالنبوة استدلال، وإذا كان التوهم ظنا ~~فالنبوة يقين، وإذا كانت الكهانة من استراق الشياطين السمع ~~من السماء، فيرمون بالشهب الثواقب وقد انقطعت بمجيء ~~الرسول، فالنبوة عقل وليست سحرا، وإذا كانت النجوم تجارب ~~تتعلم، فالنبوة علم وليست تخمينا أو خرافة، وإذا كانت ~~الرؤيا لا يدري أحد صدقت أم كذبت، فالنبوة لا تأتي إلا ~~في اليقظة دون الحلم. # 42 # وهناك معان زائدة في النبوة تتحدث عن كيفية المعرفة، ~~صحيح أن الوحي لغة يعني الإعلام في خفاء ولكنه اصطلاحا ~~إعلام الله للأنبياء، إما بكتاب أو برسالة ملك أو بمنام أو ~~بإلهام، وإلهام غير الأنبياء في هذه الحالة ليس وحيا، ~~فالوحي للتشريع وليس فقط للمعارف النظرية؛ لذلك قد يجيء ~~الوحي بمعنى الأمر وبمعنى التسخير، ويكون الإلهام بمعنى ~~الهداية والإشارة، ويطلق بهذا المعنى على القرآن والسنة؛ ~~أي على الوحي المكتوب والمدون، وقد يزاد على هذا المعنى ~~الزائد أصلا تفصيل كيفية حدوث الوحي، بأن يخلق الله حالة ~~في النبي يسمع بها مثل صلصلة الجرس، أو من خلال ملك ~~يتمثل رجلا؛ أي عن طريق الصوت أو الرؤية، عن طريق السمع ~~أو البصر، من خلال الأذن أو العين؛ أي من خلال الحواس. ~~وهذه المعاني الزائدة يصعب تأصيلها عقلا وتبقى سمعية خالصة. # 43 # وقد ركز الفلاسفة على النبوة بهذا المعنى الزائد داخل ~~نظرية الاتصال؛ فقد أراد الفلاسفة أن يجمعوا فيها خواص ~~ثلاثا؛ أن يكون النبي مطلعا على الغيبيات ما دامت ~~النفوس الإنسانية مجردة قادرة على إدراك المجردات، وأن ~~تظهر منه الأفعال الخارقة للعادة ما دام بروحه قادرا على ~~التأثير، وأن يرى الملائكة مصورة ويسمع كلامها وحيا، ~~نوما ms008 أو يقظة. # 44 # والحقيقة أن هذه الخواص الثلاث تجسيد للمعاني ~~الزائدة في النبوة وتصوير لها؛ فالنبوة ليست غيبية بل حسية ~~تؤكد على رعاية مصالح العباد، والغيبيات اغتراب عنها، ~~والمعارف النبوية دنيوية حسية تتعلق بشئون الناس وصلاح ~~معاشهم، كما أنها إخراج للنبي عن حدود الطاقة البشرية، ~~وجعل صدق النبوة خارجيا وليس داخليا وضد قوانين العقل ~~والطبيعة وليس معها، كما أن هذه المعاني الزائدة المشخصة ~~وقوع في الغيبيات وإخراج للنبوة من محورها الأفقي، النبوة ~~في العالم ومسارها في التاريخ إلى محورها الرأسي، النبوة ~~كطريق بين النبي والله، طريقة للوصول خارج الزمان وخارج ~~التاريخ، ولا يهمنا في النبوة طريقة الإيصال؛ الوحي أو ~~الرسول أو من وراء حجاب، ولا يهمنا أيضا في النبوة ~~الملك وأنواعه وطريقة قدومه وجرسه وصوته وشكله، ولا يهمنا ~~ثالثا خيال النبي، وكيف كان يأتيه الوحي نائما أم يقظا، ~~لا شأن لنا بالصلة بين الله والرسول وطريقة الاتصال بينهما ~~بالملاك أو بغيره، اسمه وشكله وصوته؛ فذلك لا يمكن ~~معرفته حسا أو عقلا، ولا شأن لنا بالنبوة بين الملائكة ~~والجن والشياطين أو البهائم والطير والجمادات ما دامت ~~مثلنا، نحن البشر؛ فهي كلها موضوعات مفارقة لا تسمح بها ~~نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى، ما يهمنا هو ~~الرسالة ذاتها التي بها صلاح العباد، والنبوة للبشر ~~وحدهم؛ فطريق النبوة جزء زائد على تعريفها وخارج عن ~~حقيقتها. # وقد تعني النبوة معنى ثانيا غير الإعلام والإخبار وهي ~~الرفعة، فالنباوة من غير همزة ما ارتفع من الأرض؛ وبالتالي ~~يكون النبي هو رفيع المنزلة عند الله، وهو معنى يترك ~~النبوة ويتجه نحو النبي، ويترك الرسالة ويعرف الرسول، ~~ويترك النبوة في التاريخ ويتصور علاقة النبي بالله، ~~ويؤثر قيمة الارتفاع على الانخفاض، والصعود على الهبوط، ~~ويفضل التأويل على التنزيل، وهو ما يعارض سير الوحي ~~ومسار النبوة. # 45 # وليست وظيفة النبوة الإخبار بالمستقبل؛ فتلك كانت وظيفة ~~النبي قبل خاتم النبوة كدليل على الصدق، وطبقا للمعنى ~~الاشتقاقي للفظ في اللغة العبرية. # 46 # أما المعنى في ختم النبوة فهو تحليل الحاضر ~~وليس الإخبار ms009 بالمستقبل، وإذا كان هناك قصص فإنما يهدف إلى ~~إعطاء الحاضر ومد الوعي بدروس الماضي وخبرات الأمم ~~السابقة؛ فالوعي بالحاضر هو وعي بالتاريخ، وما الحاضر إلا ~~تراكم للماضي. الماضي عبرة ودرس وتطور يصب في الحاضر، ~~مسارا من الماضي إلى الحاضر وليس نكوصا من الحاضر إلى ~~الماضي. أما المستقبل فمرهون بفعل الحاضر ومشروط ~~باستمرارية الماضي في الحاضر؛ فالماضي هو مستقبل الحاضر ~~ومستقبل المستقبل على حد سواء. يظن القدماء أن النبوة ~~تنبؤ بالمستقبل وقراءة له، ويظن المعاصرون أن النبوة رجوع ~~إلى الماضي، والنبوة في حقيقة الأمر هي تحليل للحاضر ~~لمعرفة جدل الماضي والمستقبل فيه، وقراءة الماضي هي ~~استبصار للمستقبل، وما الحاضر إلا لحظة التقاء بينهما يتم ~~فيها كشف القوانين ورؤية حركة التاريخ. # وتسمى النبوة بعدة ألفاظ مترادفة مثل البعثة ~~والرسالة. الوحي والنبوة متقاربان، والبعثة والرسالة ~~متقاربان؛ الوحي هو كل العلم، والنبوة الطريق إليه؛ ~~والبعثة النبوة المعلنة، والرسالة النبوة المكلفة. تدل ~~المصطلحات الأربعة المتقاربة على تدرج من النظر إلى ~~العمل أو من العام إلى الخاص، من الوحي إلى النبوة إلى ~~البعثة إلى الرسالة. # 47 # وتتضمن النبوة كرسالة أربعة أطراف: مرسل وهو الله، ~~ومرسل إليه وهو النبي، ومرسل إليهم وهم العباد، ~~ومرسل وهو الشيء؛ فالمرسل هو الوعي الخالص والمرسل ~~هي الرسالة. وأهم طرف من هذه الأطراف الأربعة ليس ~~المرسل أي الوعي الخالص؛ فذلك هو موضوع التوحيد، باب ~~العقليات، الشق الأول في علم أصول الدين، وليس المرسل ~~إليه أي شخص النبي؛ فهو مجرد رسول لإيصال الرسالة. أهم طرف ~~في المعادلة الرباعية هي الرسالة أي التكليف، والمرسل ~~إليهم أي نحن البشر، عباد الله في التاريخ. شخص النبي إذن ~~ليس أحد موضوعات النبوة ومعنى زائد في تعريفها، النبي ~~مجرد واسطة لإيصال الرسالة من المرسل إلى المرسل ~~إليهم، وليس جزءا من النبوة بشخصه. طبعا هناك شروط ~~النبوة إذا ما توافرت عند أي إنسان يكون هو النبي، لا ترجع ~~النبوة إلى جسم النبي أو إلى عرض من أعراضه أو حتى إلى ~~علمه بربه؛ فذاك يقع من غير نبوة أو علم ms010 النبي بكونه ~~نبيا، فالمعلوم غير معلوم بعد، بل ترجع إلى الرسالة ~~والمرسل إليهم حتى ولو كان المرسل مجهولا، وكأن ~~المرسل إليه غائب بشخصه، اختفى بعد إيصال الرسالة وأداء ~~الأمانة، وتبقى الرسالة طالما بقي المرسل إليهم يحملونها ~~عبر الأجيال ويحققونها في التاريخ. # ولكن هل هناك فرق بين النبي والرسول؟ الفرق بين النبي ~~والرسول هو الفرق بين التصور والنظام، بين العقيدة ~~والشريعة، بين النظر والعمل. يأتي النبي بالنظر وبالعقيدة ~~وبالتصور، ولا يأتي بالضرورة بنظام أو شريعة أو يبني ~~مجتمعا ويؤسس دولة، فالنظر لم ينعقد بعد، في حين أن ~~الرسول هو الذي يولد النظام من التصور، ويحقق الشريعة ~~من العقيدة، ويحول النظر إلى عمل، كما يشير النبي إلى ~~البعد الرأسي فقط؛ الصلة بينه وبين الله، في حين أن الرسول ~~يشير إلى البعد الأفقي أيضا؛ أي الصلة بينه وبين الناس ~~في التبليغ وحمل الرسالة وأداء الأمانة، ومن هنا أتت صفات ~~الرسول الأربعة؛ الصدق والأمانة والتبليغ والفطنة، ~~واستحالة أضدادها؛ الكذب والخيانة والكتمان والتهور. ~~ويشتق لفظ النبي من فعل لازم في حين يشتق لفظ الرسول ~~من فعل متعد، الأول لا يشير بالضرورة إلى كل الأطراف في ~~حين يشير الثاني ضرورة إلى الأطراف الأربعة؛ المرسل، ~~والمرسل إليه، والمرسل إليهم، والرسالة. يطالب النبي ~~بالتصديق فحسب بينما يطالب الرسول بالتصديق وبالعمل. ~~الإيمان عند الأول مجرد إقرار وتصديق في حين أنه عند ~~الثاني إقرار وتصديق ونظر وعمل. قد لا ينجح النبي في ~~النبوة، ويصيبه من الأذى الكثير، فدوره هو الشهادة على ~~العصر في حين أن الرسول مطالب بالنجاح؛ بناء المجتمع ~~وتأسيس الدولة؛ لذلك كان بالنبوة تعظيم واستحقاق نظرا ~~للشهادة أما الرسالة فجزاؤها قدر الأعمال، وإن كان كلاهما ~~مؤيدا بالمعجزات فإن تأييد النبي بها أقوى من تأييد ~~الرسول الذي يكفيه يقين الرسالة الداخلي، والقدرة على ~~تكوين الأفراد وتجنيد المؤمنين والدفاع عن النفس بالفعل، ~~ومقابلة العنف بالعنف، والأخذ بأسباب القوة بغية الانتصار. # 48 # | ثانيا: وجوبها، واستحالتها، وإمكانها # والسؤال الأول النظري هو جواز البعثة وهل هي واجبة أم ~~مستحيلة أم ممكنة، فإثبات النبوة ms011 أو إنكارها إحدى المسائل ~~الأساسية التي تصنف طبقا لها الفرق، والحقيقة أن الفرق ~~بين الوجوب والإمكان ليس كبيرا؛ فكلاهما إثبات للنبوة في ~~مقابل الاستحالة التي تعني الإنكار، إنما الخلاف بين الوجوب ~~والإمكان إنما فقط في درجة الإثبات، إما الوجوب ضرورة أو ~~الوقوع إمكانا. إنما يخشى من الوجوب الوقوع في الواجبات ~~العقلية، الواجبات على الله مثل الصلاح والأصلح واللطف ~~والألطاف والعوض والاستحقاق؛ وبالتالي يكون الخلاف بين الإنكار ~~والإثبات، ثم يتفرع الإثبات إلى الضروري والممكن. # 1 ~~(1) هل النبوة واجبة؟ # النبوة واجبة على أسس ثلاث؛ فهي واجبة أولا نظرا ~~للواجبات العقلية، مثل الصلاح واللطف والعوض والاستحقاق ~~وطبقا للحسن والقبح العقليين، ووجوبها ضروري بناء على ~~الضرورات العقلية، وهي واجبة ثانيا لأنها أصلح للعباد ~~وبناء على نظرية الصلاح والأصلح؛ فالإنسان في حاجة إلى ~~الدخول في معاملات، وإلى علم ما يحصل به الانقياد والعون، ~~والحاجة إلى قوانين وسنن وشرائع، وهي واجبة ثالثا نظرا ~~لأنها لطف من الله طبقا لنظرية اللطف والألطاف؛ فلما كان ~~العقل لا يستقل بالتعريفات التشريعية كان لطفا من الله ~~وكرما منه أن يتم نعمته على الإنسان وهو أشرف ~~المخلوقات؛ ومن ثم النبوة تعبير عن كرم المبدأ الأول؛ ~~الله، ولطف الله بالعباد، النبوة إذن واجبة بناء على ~~الواجبات العقلية ونظريتي الصلاح واللطف. # 2 # وتكون الصعوبة حينئذ في كيفية الجمع بين الحسن والقبح ~~العقليين، وقدرة العقل على إدراكهما كصفات موضوعية في ~~الأفعال، وفي نفس الوقت احتياجه إلى النبوة كعون له على ~~التكاليف؛ فما دامت التكاليف واجبة عقلا فإنها لا تحتاج ~~إلى وجوب ثان بالنبوة، بل إن الصلاح والأصلح واللطف ~~والألطاف والعوض عن الآلام والاستحقاق كل ذلك من الواجبات ~~العقلية؛ وبالتالي ليست أساسا لوجوب النبوة. # وإذا كان التكليف عقليا، واستحقاق الثواب والعقاب ~~عقليا، والتنبيه والتحذير تأكيدا لما في العقول، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد الأصول العقلية ~~الخمسة، فكيف تجب النبوة بناء على هذا الوجوب العقلي ~~المكتفي بذاته وإلا كان الوجوب وجوبين؛ وجوب عقلي ضروري ~~ووجوب شرعي إضافي زائد لا حكم له؟ وإذا كانت الحياة ~~امتحانا ms012 واختبارا وجهدا ومعاناة، فإن ذلك إنما هو نتاج ~~لممارسة الحرية، وهي من العقليات وليست من السمعيات ~~كالنبوة. ليست النبوة إذن من الواجبات العقلية إلا بناء ~~على الصلاح واللطف باعتبارهما واجبين عقليين، فإذا ما ~~حكم العقل أن النبوة بها صلاح العباد ولطف من الله بهم، ~~تكون واجبة على هذا الأساس كحكم عقلي بالصلاح واللطف، ~~وليس كحاجة وعون ومدد نتيجة لقصور العقل وحاجته إلى وصاية ~~أو هداية. وما العمل لو حكم العقل باستغنائه عما سواه، ~~وبقدرته على معرفة الصلاح والأصلح دونما حاجة إلى نبوة؟ # 3 # والعجيب أن تعتمد إحدى الحركات الإصلاحية الكبرى، ~~الأشعرية في التوحيد الاعتزالية في العدل، على تبرير واجب ~~النبوة بهدم العقل والعلم والاجتماع والسياسة؛ أي هدم ~~أسس الدين ذاته، وكأن إثبات وجوب النبوة لا يتم إلا على ~~حساب الأسس الحسية والعقلية والاجتماعية التي تقوم عليها ~~العقيدة ذاتها؛ وبالتالي لم يبق حتى نصف الاعتزال في ~~العدل، وأصبح نصف الأشعرية في التوحيد هو السائد في موضوع النبوة؛ # 4 # مما يدل على أن أنصاف الحلول في الحركة ~~الإصلاحية انتهت إلى الأشعرية السائدة منذ ألف عام، وقد تم ~~ذلك من قبل في حركة إصلاحية سابقة فيما وراء النهر، عندما ~~تحولت الماتريدية بعد عدة أجيال إلى الأشعرية ~~التقليدية، فهل تجب النبوة لأنها تعطي مجموعة من المعارف ~~النظرية التي لا يستطيع العقل الوصول إليها؟ هل تعطي ~~معرفة الصانع وصفاته والعقل قادر على الوصول إليها بإجماع ~~نظار الأمة متكلمين وحكماء؟ هل حاجة البشر إلى الرسالة ~~هي حاجتهم إلى معرفة الغيبيات وفي مقدمتها حياة النفس بعد ~~مفارقتها البدن وقد أجمع الحكماء على إثباتها بالعقل؟ ولم ~~تمنع النبوة في كل دين ولدى كل ملة من منع فريق من إنكار ~~خلود النفس ووجود حياة أخرى بعد الموت. إن التوحيد كله ~~يمكن إدراكه بالعقل بما في ذلك الصفات السمعية، وإلا ~~لما كون العدل باب العقليات في علم أصول الدين في مقابل ~~السمعيات ومنها النبوة، وكيف تكون النبوة طريق العلم ~~بالتوحيد والسمعيات لا تؤدي إلى العقليات؛ فالسمعيات ظن ~~والعقليات يقين على ms013 ما هو معروف في نظرية العلم في ~~المقدمات النظرية الأولى؟ والصفات كلها مثل الإنسان، ~~الإنسان الكامل وليس الإنسان المتعين، الإنسان كما ينبغي ~~أن يكون وليس الإنسان كما هو كائن. وفيم الحسن والقبح ~~العقليان؟ أليست هناك معارف عقلية؛ حسن عقلي وقبح عقلي؟ ~~فالتوحيد حسن عقلي، والشرك قبح عقلي، وإذا خاف الإنسان ~~الخطأ النظري وقع في التردد والشك وفي الظن والجهل؛ أي في ~~كل مضادات العلم، فإن العقل قادر على بث الطمأنينة فيه ~~وتحويل التردد والشك إلى قطع، والظن إلى يقين، والعلم إلى ~~جهل، وإذا كانت الحاجة إلى النبوة هي أنها تشير على العقل ~~بطرق الاستدلال، أليس العقل قادرا على ذلك وهو واضع منطق ~~البرهان؟ وهل النبوة منطق صوري أم منهاج عملي للناس؟ وهل ~~تعطي النبوة هذا المنطق الاستدلالي عن طريق النص أم أنها ~~في حاجة إلى العقل لاستخراج هذا المنطق؛ وبالتالي يكون من ~~عمل العقل في النبوة وليس من عمل النبوة وحدها؟ # 5 # فإذا ما اكتفت النبوة في منطق الاستدلال بالنص ~~وحده، فإنه يظل ظنيا لاعتماده على النص ولا يتحول إلى ~~يقين إلا بالعقل، على ما هو معروف في باب الأدلة في نظرية ~~العلم في المقدمات النظرية الأولى. # 6 # إن العقل قادر على صياغة منطق للبرهان يقوم ~~على أوليات العقل وبداهات الحس وشهادة الوجدان، كما أنه ~~قادر على وضع نظرية في الصدق يمكن بها التحقق من صحة ~~نتائجه وصدق براهينه، في حين يظل البرهان على صدق النبوة ~~خارجيا محضا إذا كان هو المعجزة، أو ذاتيا خالصا إذا ~~كان مجرد الإيمان. يبدو أن الوحي ما زال معروضا حتى في ~~الحركات الإصلاحية الحديثة على أنه نظرية في النبوة؛ أي ~~الوحي الرأسي مصدر المعارف النظرية، في حين أن الوحي ليس ~~فقط نظرية في النبوة، بل نظرية في التاريخ؛ أي الوحي ~~الأفقي مصدر التشريع العملي والأساس النظري للعمل الفردي ~~والجماعي؛ لذلك سرعان ما تحولت نظرية النبوة كوعي رأسي ~~في الحركة الإصلاحية الحديثة إلى نظرية إشراقية صوفية، ~~وانتقلت من الفلسفة إلى التصوف، وتحول النبي من منظر ms014 ~~وقائد إلى صوفي وولي. إن تفاوت العقول في الإدراك لا يعني ~~أي نقص في العقل، بل يعني خطأ في استعماله، ويمكن ~~بمنطق البرهان وبنظرية الصدق وبالمراجعة والاستدلال ~~المشترك تجاوز اختلاف العقول والوصول إلى الاتفاق بينها، ~~واتفاق العقلاء أولى من اختلافهم، وبداهات العقول ~~وأولياتها واحدة، عامة وشاملة، لا اختلاف عليها بين ~~العقلاء، والنبوة لا أسرار فيها ولا غموض، بل أفكار واضحة ~~ومتميزة يمكن إدراكها بالعقل السليم والتحقق من صدقها بالبرهان. # 7 # هل تجب النبوة لحاجة الإنسان إلى التجريب، وكأن الإنسان ~~قاصر على استخدام الحواس والاعتماد على المحسوسات ~~والمشاهدات والمجربات وهي جزء من المعلومات طبقا لنظرية ~~العلم في المقدمات النظرية الأولى؟ التجريب موضوع العلم ~~التجريبي ومادته الأولى، وقد برع القدماء في العلوم ~~التجريبية في الطبيعة والكيمياء والأدوية والطب، ولم ~~يكتفوا بالطب النبوي، وأسسوا المبادئ العامة للطب ~~التجريبي، ونقدوا المنطق الصوري، ووضعوا قواعد المنهج ~~التجريبي. العلم التجريبي علم إنساني يهدف كالعلم العقلي ~~إلى الكشف عن قوانين الطبيعة من أجل السيطرة عليها ~~وتسخيرها لصالح الإنسان، وما فائدته إن كانت النبوة تغني ~~عنه؟ والمعروف تاريخيا أن العلوم النبوية كانت أقرب إلى ~~العلوم الإشراقية الصوفية منها إلى العلوم العقلية ~~التجريبية، لا تحتوي النبوة على أسس علم الفلك وإن كانت ~~توجه الشعور نحو الطبيعة والتأمل في الكون والنظر إلى ~~الأهلة لمعرفة المواقيت، حتى يأتي العقل والتجريب ليضع ~~قواعد علم الفلك وأصوله. إن الصناعات والعلوم التجريبية من ~~اكتشاف الإنسان واختراعه؛ لذلك كانت الطبيعيات سابقة على ~~الإلهيات في علوم الحكمة، كما كان المنطق سابقا على ~~الطبيعيات؛ فالعقل والتجريب سابقان على النبوة، بل والطريق ~~إليها، كما أن العقل والطبيعة سابقان على النظر إلى الله ~~والطريق إليه، كما بان من قبل في نظرية الوجود في المقدمات ~~النظرية الأولى أن المحدث هو الطريق إلى القديم وأن ~~الصنع دليل على وجود الصانع. # 8 # هل تجب النبوة لحاجات عملية؛ أي للتنفيذ والتحقيق وأداء ~~الرسالة، ما دام الإنسان غير قادر على سن القوانين وتأسيس ~~الشرائع وإقامة الدول أو تجنيد الجماهير وتوجيه الأمم وفتح البلدان؟ # 9 ms015 # ألا يمكن للعقل قيادة المجتمعات مثل قيادة ~~الإمام لها؟ هناك أيضا العقل الاجتماعي والعقل السياسي ~~والعقل التاريخي لوضع القوانين وسن الشرائع. صحيح أن ~~النبوة تحتوي على تشريع، ولكنها توجيهات عامة في حاجة إلى ~~تفصيلات واستنتاجات من العقل والواقع، من واقع المجتمع ~~واستقراء حوادث التاريخ. صحيح أن النبوة تحتوي على بعض ~~التوجيهات الخلقية والإرشادات العملية، ولكن لا تكفي ~~الدعوة إلى المحبة والتعاون أن تكون أساسا لتكوين المجتمع ~~الإنساني، وهل النبوة في نهاية الأمر نظرية في التأليف ~~الاجتماعي أم في الصراع الاجتماعي؟ هل وظيفة النبوة حل ~~الصراع الاجتماعي أم حسمه؟ إيقافه أم حله؟ إن المجتمع في ~~حاجة لفهم تركيبه وقوانين حركته وصراعه إلى أكثر من المحبة ~~والعدل والمبادئ العامة والقيم النظرية. صحيح أن الحاجة ~~إلى التعاون وتأسيس المجتمعات وإقامة الدول تكشف عن الأساس ~~الاجتماعي للوحي وعن البعد الأفقي له، كما تكشف المعارف ~~النظرية عن البعد الرأسي فيه، ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان ~~قاصر عن إدراك الحقائق الاجتماعية وعاجز عن توجيه الأمور ~~العملية، وتأسيس الدول، وتدبير الملك. إن علوم السياسة ~~والاجتماع والقانون والتاريخ أيضا من وضع الإنسان مثل ~~باقي العلوم العقلية والتجريبية. ولماذا تهدم القوانين ~~الإنسانية وتبين مفاسدها وعيوبها من أجل إثبات وجوب ~~الشرائع النبوية؟ ألا تثبت النبوة إلا على أنقاض البشرية؟ ~~إن تغير القوانين البشرية ليس عيبا بل تطور واجتهاد، ~~كما هو الحال في الفقه، وإن اختلاف الطبائع والشعوب وارد ~~في القوانين البشرية والشرائع الإلهية على حد سواء. # 10 # وإن هذا التضارب ~~بين القانون البشري ~~والقانون السماوي لهو أساس الثنائية في وجداننا المعاصر، ~~وأحد أسباب مصائب عصرنا في الصراع بين الاتجاه العلماني ~~والحركة السلفية. إن وظيفة الرسل في قيادة الأمم هي نفسها ~~وظيفة القادة والأبطال، ولم تخل البشرية من كليهما معا ~~دون أن يكون أحد الفريقين بديلا عن الآخر أو سببا ~~لإيجاده، بل إن رئاسة الأنبياء تقوم على تصور هرمي ~~للعالم؛ النبي في القمة، والناس في القاعدة، وما بينهما ~~القواد والوزراء والعمال، طبقا لنظرية الفيض وترتيب ~~العقول وترتيب الأجناس والأنواع ومراتب ms016 القوى الإنسانية؛ ~~فالنبوة عند القدماء نظام رئاسي هرمي بالضرورة كما هو واضح ~~في «المدينة الفاضلة»، علاقة الرئيس بالمرءوس علاقة القمة ~~بالقاعدة أو المركز بالمحيط، وكأن سلطة النبي سلطة مركزية ~~رئيسية، قاهرة ومسيطرة، وكأن السلطان لا يكون إلا أعلى ~~عليين والناس أسفل سافلين! # 11 # بالإضافة إلى هذه الفوائد العامة للبعثة التي تجعلها ~~ضرورية واجبة، هل هناك فوائد أخرى لها على التفصيل؟ هنا ~~تظهر العبادات على أنها الدافع الأول على ضرورة البعثة، ~~والتي لا يستطيع العقل أو الواقع الوصول إليها، ولماذا ~~تكون العبادات ضد العقل والطبيعة ومفروضة عليهما دون أن ~~تكون تعبيرا عنهما؟ وهل العقل عادة والشرع عبادة والعادة ~~لا تكون عبادة؟ إن وضع العقل في مقابل العبادة يجعل ~~العبادة لا عقلية غير مفهومة وغير معللة بحكمة مع أن ~~العلة أساس التشريع يمكن إدراكها بالعقل والتجريب، ولا ~~توجد عبادة واحدة، وكل ملة تعبد بشعائرها، وترى فيها أنسب ~~تعبير عن إيمانها وعقائدها، وإذا كان العمل عبادة فإن ~~العقل قادر على أن يصل إليه دون أشكال ورموز وصور لا ~~تعبر عن جوهر الإيمان وقصد العقيدة. # 12 # كيف تثبت النبوة إذن كضرورة نظرية وعملية على حساب العقل ~~من أجل هدمه، وإرادة الإنسان من أجل إعلان عجزه، ودونما ~~حاجة إلى القدرات البشرية وعلومها وصناعاتها وسياساتها ~~وشرائعها؟ إن الوحي علم مستقل بذاته يستنبطه الإنسان ويضع ~~قواعده وأصوله، لا هو بعلوم الدين ولا هو بعلوم الدنيا، هو ~~علم المبادئ الأولى التي تقوم عليها العلوم جميعا، وهي ~~مبادئ عقلية وطبيعية، شعورية ووجودية في آن واحد. # 13 # وإن كل ما يمكن التوجه به ضد العقل الإنساني ~~والقدرة البشرية، يمكن التوجه به أيضا إلى تفسير النبوة ~~وتأويل الوحي الذي يقوم به عقل الإنسان، وتظهر فيه مصالحه ~~ويفرض فيها إرادته، وهل سلم الإيمان من التعصب والجهل؟ ~~أليست القوانين المستنبطة من الشرائع النبوية تتدخل فيها ~~الأهواء الفردية والمصالح الاجتماعية المتضاربة حين ~~تطبيقها؛ وبالتالي يقضي على حسنها في ذاتها؟ إن الشهرة ~~والغفلة والنسيان وكل مظاهر النقص الإنساني تعم العقل، ~~سواء عمل بمفرده أم فسر ms017 النبوة وأول الوحي، وهل ~~استطاعت النبوة أن تخفف من نقائص الإنسان وهي أول من ~~يعترف بها؟ # 14 # حتى أمور المعاد التي قد تكون أحد بواعث وجوب ~~النبوة، فإن العقل قادر على أن يصل إليها، وقد توصلت ~~مجتمعات بأكملها إلى خلود النفس دون نبوة، كما أن العقل ~~قادر على أن يصل بمفرده إلى قانون الاستحقاق، وأن الجزاء ~~على قدر الأعمال، عقابا أم ثوابا ؛ فلا يوجد فعل إلا وله ~~أثر، ولا يوجد أثر إلا في العالم، سواء كان في الحال أو في ~~المآل، مباشرا أو غير مباشر. # 15 # وكيف يكون الإحساس بالقلة والقهر أساسا لوجود ~~الوحي وضرورته؟ ألا يثبت الوحي إلا بقهر الإنسان وإحساسه ~~بالضآلة والعجز أمام قوة عظمى تعرف أفضل منه وتقدر على ما ~~لا يقدر عليه؟ وهل استطاعت النبوة أن تمنع الإنسان من أن ~~يعمل عقله أو يمارس حريته أو أن تجعله أكثر عقلانية ~~وأعظم قدرة؟ فالنبوة لم تمنع الإنسان من إنكار وجود الله، ~~أو إنكار النبوة، أو عدم التصديق بالمعجزات، أو إنكار ~~الشرائع ورفضها بناء على القبح العقلي والضرر المادي، أو ~~إهمال التطبيق والاكتفاء بالجانب النظري كما هو حال البشر ~~الآن، أو إسقاط فاعلية الجانب الأخروي والتخويف بالوعد ~~والوعيد، أو نشوب القتال والفتن والحروب الطائفية التي لا ~~تقل عن الحروب العلمانية. # 16 # إن العقل ليس بحاجة إلى عون، وليس هناك ما يند عن ~~العقل. العقل يحسن ويقبح وقادر على إدراك صفات الحسن ~~والقبح في الأشياء، كما أن الحسن قادر على الإدراك ~~والمشاهدة والتجريب، لا طريق إلى الصانع إلا العقل والحسن، ~~ويمكن معرفة الأخلاق بالفطرة، والاستحقاق واجب عقلي، ~~وكمال النفس بالنظر والعمل، وذلك هو موقف الفقهاء دون ~~مزايدة في الإيمان أو هدم للمعرفة الإنسانية. # 17 ~~(2) هل النبوة مستحيلة؟ # إن القول باستحالة النبوة هو رد فعل طبيعي على القول ~~بوجوبها؛ فكلاهما طرفا نقيض، إثبات ونفي، وجوب واستحالة؛ ~~فبينما يقوم الوجوب على هدم العقل والعلم والاجتماع ~~والسياسة والقانون، تقوم الاستحالة على تأكيد العقل والعلم ~~وعلى الاعتراف بقدرات الإنسان النظرية والعملية على تأسيس ms018 ~~العلوم الاجتماعية. # وهناك ثلاثة دوافع للقول بالاستحالة، إما الامتناع من ~~حيث المبدأ والإمكانية النظرية الخالصة (العقل الأولاني أو ~~المبدئي)، أو الامتناع من حيث كفاية العقل دونما حاجة إلى ~~مصدر آخر للمعرفة (العقل النظري)، أو الامتناع من حيث ~~التكليف العملي وإن كانت مقبولة نظريا (العقل العملي). # 18 ~~(أ) الاستحالة المبدئية # تقوم الاستحالة المبدئية؛ أي الإنكار الميتافيزيقي ~~للنبوة وإثبات استحالة البعثة، على حجج ثلاث؛ ~~الأولى: لا بد أن يعرف المبعوث أن المرسل له هو ~~الله، ولا طريق إلى معرفة ذلك؛ فلعل المرسل هو الجن، ~~والحقيقة أن هذه الحجة تجعل النبوة متوقفة على ~~المرسل، في حين أن النبوة واقعة تاريخية، يقينها في ~~وقوعها الذي يفرض إمكانها، وبرهان صدقها داخلي ولا ~~يتوقف على المرسل أو حتى على المعجزة كدليل على صدق ~~النبي، كما أن افتراض الجن افتراض غيبي غير مرئي، ~~كالمرسل سواء بسواء، والنبوة مسارها في التاريخ ما ~~بعد الرسول وليس ما قبله؛ أي البعد الأفقي وليس البعد ~~الرأسي. النبوة الرأسية ليست جزءا من النبوة؛ أي من ~~السمعيات، بل هي جزء من الإلهيات؛ أي العقليات في ~~صفتي الكلام والإرادة. لا يهم في النبوة مصدرها؛ أي ~~ما قبل الإعلان، بل تبليغ الرسالة بعد الإعلان وضمان ~~صحتها التاريخية، وهو اليقين الخارجي، ثم ضمان صدقها ~~النظري وإمكانيات تحقيقها ومطابقتها للواقع وهو يقينها ~~الداخلي، وليس المطلوب في النبوة لمعرفة صدقها إمكانية ~~التمييز بين كلام الله وكلام الإنسان ما دام يأتي في ~~صوت إنساني وبلغة إنسانية ولرسول إنساني ليبلغه للناس، ~~ولا يسمع كلام الله مباشرة إلا بالصوت من خلال الأذن ~~الإنسانية. صحيح أنه لا يوجد اضطرار بأن ما تلقاه ~~الرسول علم من الله، ولو أراد الله علما لاضطره ~~إليه، ومع ذلك فإن الإنسان قادر بمفرده عن طريق ~~الاستبصار واستشراف الباطن معرفة ما يدور في نفسه وذلك ~~بانعكاس نظرته إلى الداخل والتركيز على شعوره، كما ~~يستطيع أن يستشرف شعور الآخرين ببصيرته، خاصة إذا ~~كانت تربطه بهم علاقة حب، والحدس يقين لا ظن، يمكن ~~أن يتكرر. قد يخطئ مرة ولكن لا ms019 يخطئ كل المرات، ولا ~~يعني خطؤه عدم وقوعه أو استحالته. # 19 # والحجة الثانية أن الرسول من الله كمرسل ~~إلى الرسول كمرسل إليه إن كان جسمانيا فلا بد أن ~~يكون مرئيا؛ وبالتالي تستحيل النبوة لأن الرسول من ~~الله إلى النبي جسماني لم يره أحد. والحقيقة ألا يهم ~~أيضا كيفية وصول الوحي من الله إلى الرسول؛ فذلك أدخل ~~في نظرية النبوة في علوم الحكمة وليس في علم أصول ~~الدين . صدق النبوة في صدق الكلام ومطابقته للواقع ~~ومصالح الناس، صدق النبوة في صحتها التاريخية ونقلها ~~المتواتر أولا، ثم في صحة تفسيرها طبقا لقواعد اللغة ~~وأسباب النزول ثانيا، ثم في إمكانية تحقيقها تحقيقا ~~لمصالح الناس ثالثا، وكما هو الحال في علم أصول الفقه. # 20 # ويمكن أن تكون وسيلة الاتصال غير مرئية ~~بخلق علم ضروري في النفس دونما رسول، ويمكن أن يكون ~~الرسول مرئيا للمرسل إليه وحده دون غيره أو يكون ~~مرئيا له ولغيره دون أن يتعرف الغير عليه كرسول. # 21 # والحجة الثالثة أن التصديق ~~بها يتوقف على ~~العلم بوجود المرسل، وذلك لا يحصل إلا بغامض النظر ~~وغير مقدر بزمان، ولما كان للمكلف الاستمهال ودعوى ~~عدم العلم فيلزم إفحام النبي وعبث البعثة، وإلا لزم ~~التكليف بما لا يطاق وهو قبيح عقلا، والحقيقة أن ~~التصديق بالنبوة لا يتوقف على وجود المرسل، بل على ~~الصدق الداخلي وبرهان العقل ومصالح العباد، بالإضافة ~~إلى الصدق الخارجي عن طريق التواتر لإثبات الصحة ~~التاريخية للنصوص؛ أي للوحي المكتوب. وقد يكون البرهان ~~واضحا بديهيا وليس غامضا، ويمكن في عمر الإنسان ~~الوصول إليه ويكون في العمر بقية للتنفيذ، وربما ~~يعبر عن هذه الاستحالة بالتساؤل حول كيفية اتصال ~~المطلق بالنسبي واللامرئي بالمرئي، فإذا كان الاتصال ~~لا يتم إلا بين نوعين متجانسين، فكيف يتم اتصال بين ~~طرفين مختلفين؟ فإذا كان الله غير مشاهد أو مرئي، ~~فكيف يتم الاتصال بينه وبين الرسول وهو مشاهد مرئي؟ ~~وإذا كان الرسول مشاهدا مرئيا، ألا يقتضي ذلك أن ~~يكون الطرف الآخر كذلك؟ ويسهل الرد على هذا التساؤل ~~بالتفرقة بين المطلق ms020 والنسبي اعتمادا على حجج ~~العقول، واستنادا إلى نظرية الوجود بالتفرقة بين ~~القديم والحادث، أو بين الواجب والممكن، أو حتى ~~بالرجوع إلى المبادئ العامة الأولى في التفرقة بين ~~العلة والمعلول. # 22 # وقد يعترض على وجوب النبوة بمسألة التفضيل أو ~~الاختيار، فإذا كان البشر متساوين فكيف يفضل إنسان ~~على آخر يختار كي يكون نبيا؟ لا يكفي لتبرير ~~الاختيار الحر مجرد إرادة المختار؛ لأنه تبرير لا ~~عقلي، ولا يكفي أن يكون سبب الاختيار والتفضيل عمل ~~النبي واجتهاده؛ فكثير هم العاملون المجتهدون؛ ~~وبالتالي يظل السؤال قائما: لم هذا العامل المجتهد ~~بعينه؟ ولا يكفي أيضا أن يكون سبب الاختيار هو اضطرار ~~النبي للعلم؛ إذ يظل السؤال قائما: لماذا اضطرار هذا ~~الإنسان بعينه كي يكون نبيا ~~دون غيره، فضلا عن ~~أن اضطراره لا يفسر سبب الاختيار والتفضيل بقدر ما ~~يفسر كيفية تلقي الوحي، ولا يكفي أيضا أن يقال ~~إن سبب الاختيار هو قدرات طبيعية لدى الرسول؛ لأن ~~القدرات خلقية لا دخل فيها لمسئولية الأفراد ~~واستحقاقهم الشخصي؛ وبالتالي يظل سؤال الاختيار ~~قائما، خاصة وأن الرسول ينال أعظم أجر وأفضل منزلة، ~~والحقيقة أنه لا رد على هذا السؤال الشخصي، وسيظل ~~باستمرار واردا في هذا الشخص أو ذاك. # 23 # إنما الرد الوحيد هو ضرورة وجود الرسول ~~كوسيلة لتلقي الوحي، ولما كان الشخص مجرد وسيلة، فإن ~~سبب التعيين يكون سؤالا افتراضيا صرفا. الرسول هنا ~~هو عموم الشخص وليس خصوص الرسول. # تقوم إذن الاستحالة المبدئية على إنكار النبوة على ~~أساس مبدئي ومنهجي قبل أن تتناولها كموضوع تاريخي؛ ~~وبالتالي لا يمكن التعرض لها إلا على هذا الأساس؛ أي ~~بيان إمكان النبوة قبل بيان وقوعها. ~~(ب) الاستحالة العقلية # وتقوم الاستحالة العقلية على اكتفاء العقل دونما ~~حاجة إلى مصدر آخر للمعرفة، فالمعرفة مصدرها واحد وهو ~~العقل، ففي العقل الكفاية لكل أنواع المعارف؛ وبالتالي ~~تستحيل النبوة، ويكون إنكار النبوة على درجتين، إما ~~أن تنكر النبوة على الإطلاق بلا استثناء، أو تثبت ~~نبوة وتنكر أخرى؛ الأولى أقرب إلى الإنكار المبدئي ~~الميتافيزيقي، والثاني إنكار عملي شعوبي طائفي ms021 يفضل ~~نبيا على آخر، ويعترف بنبوة دون أخرى، ويصعب التوفيق ~~فيه بين الإنكار المبدئي والاعتراف الجزئي. # 24 # ولا يعني إنكار النبوة، نظرا لاكتفاء العقل، ~~إنكار التوحيد؛ فالتوحيد من العقليات، فلا تعارض إذن ~~بين توحيد الصانع وإنكار النبوة، إثباتا للعقليات دون ~~السمعيات. يقوم التوحيد الفطري على العقل والطبيعة ~~وليس في حاجة إلى نبوة كأحد المعارف العقلية أو ~~الواجبات العقلية، وما دام العقل يستطيع أن يصل إلى كل ~~ما يصل إليه الوحي في النظر والعقائد وفي العمل ~~والشرائع، فلا حاجة إلى النبوة كنظرية في المعرفة أو ~~كنظرية في الأخلاق. إن إنكار النبوة على الإطلاق إنما ~~يدل على الثقة بالعقل البشري وإلى الاعتراف بالطبيعة ~~والفطرة، فإذا كان العقل والطبيعة قادرين على هداية ~~الإنسان، فما الحاجة إلى النبوة؟ # 25 # وقد تقوم الاستحالة العقلية على تحسين العقل ~~وتقبيحه؛ فما حسنه العقل يفعل وما قبحه العقل ~~يترك، وما لم يحكم فيه العقل بحسن أو بقبح يفعل ~~عند الحاجة، ويترك عند عدمها؛ فالعقل والطبيعة هما ~~أساس الحكم على الأشياء، بل إن العقل قادر على الوصول ~~إلى التكليف وإلى الواجبات العقلية، ومنها شكر ~~المنعم والعوض عن الإيلام بلا استحقاق، مثل إيلام ~~البهائم عند الذبح. وقد تستعمل قاعدة الحسن والقبح ~~العقليين كحجة جدلية لإثبات استحالة النبوة عقلا؛ ~~فإما أن يكون النبي مستدركا بالعقل أم لا، فإن كان ~~الأول فلا فائدة من انبعاثه، وإن كان ضد العقل فلا ~~يمكن قبوله. وقد أكمل الله العقول، وجعلها قادرة على ~~إدراك الحسن والقبح والتمييز بينهما، وجعلها دليلا ~~على الخالق ومرشدا ~~لمصالح الخلق منعا للظلم ووسيلة للعلم، فلا حاجة ~~للنبوة في وجود العقل، وإن أتت متفقة مع العقل فهي ~~إضافة زائدة لا لزوم لها ولا غاية، وإن أتت مخالفة له ~~فلا يمكن قبولها لما كان العقل هو الأساس. # 26 # واعتبار الناس محجوجة بعقولهم لا يدل على أي أثر ~~خارجي، بل يعبر عن ضرورة داخلية في نظرية الحسن ~~والقبح العقليين عند المعتزلة، وأن العقل أساس ~~النقل، وأن كل ما يتوصل إليه بالسمع يمكن معرفته ~~عقلا، ms022 حتى الشرعيات والعبادات إن لم تعرف بخواصها ~~فإنها تعرف بغاياتها، ويستحيل أن يكون السمع أساس ~~العقل؛ لأن الأدلة والبراهين عقلية خالصة لا سمع فيها، ~~كما أن معرفة الحسن والقبح واردة قبل السمع، وقد أمكن ~~إدراك التوحيد والعدل بالعقل، وهما البابان الرئيسيان ~~في العقليات وهي الإلهيات، ويشترك في النظر جميع ~~العاقلين بشرط الوعي، فلا يكف عن النظر إلا نائم أو ~~مجنون أو ساه، وإن الاستشهاد على منع النظر بمن يمنع ~~النظر لهو استشهاد على الطبيعي بالشاذ، والطبيعة تؤدي ~~إلى النظر أكثر مما تؤدي إلى الجهل، فالطبيعة عاقلة، # 27 # بل إن الإنسان بعقله قادر على تحدي النبوة ~~مثل قدرة «الشيطان» الذي طلب الاستمهال فاستمهل، ولما ~~كانت النبوة ترتكز على العقل فلا خوف من تحدي العقل ~~للنبوة، وإلا كان العقل يتحدى نفسه وهو البناء الذي ~~تقوم النبوة عليه. # 28 # وفي كل عقل خاطران؛ خاطر للإقدام من الله، وخاطر ~~للإحجام من «الشيطان». وللإنسان حرية الاختيار بين ~~الخاطرين أو الباعثين. الخاطران في القلب؛ الأول ~~يدعو للحق والثاني يدعو للباطل، ويقع التكليف بوقوع ~~هذين الخاطرين، وإن غفلة الغافل عن الخواطر ليست ~~نقضا للخواطر، بل نقض للغافل، كما لا يعني تعارض ~~الخواطر الشك وتكافؤ الأدلة، بل تعني حرية الإنسان ~~وضرورة اختياره بين الخير والشر، وأن عدم وقوعها من ~~إنسان لا يعني أنها لا تقع ضرورة عند كل إنسان، ~~والخاطران ليسا عقليين فحسب، بل هما في القلب باعثان ~~يكشفان عن صراع العواطف وحياة الوجدان، ويكونان شرط ~~الحرية والاختيار دون إلجاء، ويتفق هذان الخاطران مع ~~الثنائية المتعارضة المعروفة في كل دين وملة بين ~~الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الفضيلة والرذيلة، ~~بين الحسنة والسيئة، وما ينتج عنها من ثنائية الجزاء ~~في الثواب والعقاب. # 29 # وتحيل الخواطر إلى موضوع الحرية والاختيار أكثر من ~~إحالتها إلى موضوع العقل المكتفي بذاته دونما حاجة إلى ~~نبوة؛ فقد يوجد الخاطران متضادين، الأول من الله ~~والثاني من «الشيطان»، وعلى الإنسان أن ينصر الأول على ~~الثاني في معركة الخواطر. # 30 # وقد يكون خاطر الدعوة إلى الطاعة ms023 أمرا ~~خفيا للطاعة من الله، يقابله أمر خفي للعصيان من ~~الشيطان، وقد يكون الخاطر قولا جليا من الله بلا ~~واسطة أو بتوسط رسول مقرون بمعجزة، وقد يكون الخاطران ~~مجرد باعثين في القلب على الإقدام والإحجام؛ أحدهما ~~للطاعة، والثاني للمعصية، من أجل الاختيار بينهما ~~دونما حاجة إلى تجسيم أو تشخيص أو تشبيه، وإلا لزم ~~في حال الشيطان تكليفه بخاطرين؛ واحد من الله والآخر ~~من شيطان آخر، ويتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية. # 31 # والحقيقة أن الخواطر إنما هي البواعث ~~النفسية والمرجحات العقلية التي تجعل الإنسان يختار ~~بينها، وهي أقرب إلى طباع النفس وميولها ورغباتها، وما ~~تميل إليه وما تنفر منه طباعا؛ فالعقل والطبيعة ~~صنوان. # قد يستطيع الإنسان معرفة الحسن والقبح عن طريق ~~التصفية؛ فالأفعال الإنسانية إن كانت خيرة ترتفع نفس ~~فاعلها بحيث تكون أقرب إلى الملائكة والنفوس المجردة؛ ~~وبالتالي لا تحتاج إلى نبوة من خارجها وإلى أنبياء ~~يرشدونها وكان ذلك ثوابها. أما إذا كانت أفعالها ~~سيئة هبطت إلى أسفل واقتربت من عالم الحيوان، وكان في ~~ذلك عقابها، وهي نظرية التناسخ التي هي أقرب إلى ~~النظريات الإشراقية التطهرية الأخلاقية؛ الصعود إلى ~~النور والهبوط إلى الظلمة. لا تحتاج عالما آخر للثواب ~~أو العقاب، بل يتم ذلك في هذا العالم في دورات الحياة ~~المتعاقبة. العقل هنا هو تصفية القلب، العقل الباطني ~~الذي لا يحتاج أيضا إلى نبوة أسوة بالعقل الاستدلالي. # 32 # والحقيقة أن هذه النظرة لا تصدق إلا على الصفوة ~~العاقلة صاحبة الوعي المتميز، ولكنها لا تصدق على ~~عامة الناس، هي ليست تكذيبا للأنبياء على الإطلاق، ~~ولكنها تبين أن عقل الصفوة قادر على الاستغناء عنها. # 33 # فبالنسبة للعامة هناك أمور، خاصة ~~العبادات وأشكالها، في حاجة إلى نبوة لبيانها؛ إذ لا ~~يستطيع العقل الاهتداء إليها وإن استطاع معرفة الحكم ~~منها وغايتها، ويظل الأمر بالنسبة للخاصة أن العبادات ~~وأشكالها لا تكون جوهر النبوة التي هي في حقيقتها ~~معارف نظرية يستطيع العقل أن يصل إليها. قد تكون ~~النبوة ضرورية لعامة الناس الذين لم يتعودوا على ~~ممارسة النظر ms024 وإعمال العقل، ولكنها ليست ضرورية للخاصة ~~الذين تعودوا على النظر وعلى إعمال العقل، وقد ينشأ ~~هذا التعود إما بالطبيعة وإما بالاكتساب وإما بكليهما ~~معا، وهو ما أكده الفلاسفة أيضا، ومع ذلك يمكن ~~للعامة أيضا بحسها الشعبي وببصيرتها التلقائية أن ~~تدرك حقائق النبوة، خاصة العملية منها، مثل ~~المساواة والعدالة، وهي الحقائق التي تتوق إليها ~~الجماهير الغفيرة نظرا لما تعانيه من فقر وضنك؛ ~~فالخاصة بعقولها، والعامة بضنكها يمكنها إدراك حقائق ~~النبوة، كما يمكن بواسطة نشر التعليم تحويل العامة ~~إلى خاصة، فيصبح كل أفراد المجتمع من الخاصة، وإذا ~~كان العقل يستطيع أن يعرف كل شيء نظرا وعملا، عقيدة ~~وشريعة، فقد تظل ممكنة لإباحة بعض الأشياء يحظرها العقل. # 34 # وإذا كان العقل في غنى عن الرسل، فقد كان ~~بإمكان الله اضطرار العقول إلى معرفته دونما حاجة إلى ~~اللف والدوران وتأسيس الوحي على العقل وجعل من يقدح في ~~العقل يقدح في النقل، وإذا كان العقل هو الأساس ففيم ~~النقل؟ وما الفائدة من الرسل إذا كان في العقل مندوحة؟ ~~إذا كان العقل يحسن ويقبح، فما فائدة الوحي؟ # 35 # ليس القول باكتفاء العقل استبدادا ~~بالرأي، ولكنه ثقة بالعقل وإعلان لاستقلاله، وهو ما ~~ترمي إليه النبوة؛ # 36 # فالمدافع عن النبوة ضد العقل إنما يتمثل ~~النبوة في مراحلها الأولى قبل اكتمالها، والمدافع عن ~~العقل مكتفيا بذاته دونما حاجة إلى نبوة إنما يتمثل ~~النبوة في آخر مراحلها بعد اكتمالها؛ فالنبوة وسيلة ~~لاكتمال العقل، وكمال العقل غاية النبوة. ~~(ج) الاستحالة العملية # وتقوم الاستحالة العملية على نفي التكليف ابتداء أو ~~نفي اعتبار الشرائع مضادا للعقل. فما الداعي إلى ~~الخلق ثم التكليف؟ وإذا كان الخلق نعمة فإن التكليف ~~نقمة؛ وبالتالي يكون الفعل متناقضا بين أوله وآخره، ~~وتتمثل استحالة التكليف تفصيلا في عدة أمور؛ إذ كيف ~~يكون التكليف ممكنا مع جبر الأفعال لما كانت ~~الأفعال كلها واقعة بقدرة الله ومعلومة من قبل؟ إن ~~ضياع حرية الإنسان أمام إرادة مطلقة تعلم كل شيء ~~سلفا يقضي على شرعية التكليف أولا، وعلى أسباب وجود ~~النبوة ذاتها ثانيا. ms025 كيف يبعث نبي ومعلوم سلفا ~~مصير الإنسان وماذا سيفعل وإذا كان سيهتدي أم لا؟ ما ~~فائدة التبليغ ومصير الإنسان مقدر من قبل؟ كيف ~~يعاقب الإنسان وهو معروف سلفا أنه سيموت كافرا حتى ~~ولو أرسلت إليه الرسل؟ ذلك سفه، والعقاب ظلم قبيح، ~~كما أن التكليف إضرار لما يلزمه من التعب والنصب في ~~حالة الفعل، والعقاب في حالة الترك؛ فهو تعب في الدنيا ~~وعقاب في الآخرة، وإذا كان التكليف لا لغاية فإنه يكون ~~عبثا، وإذا كان لغرض يعود على الله فالله منزه عن ~~الأغراض وغني عن العالمين، وإذا كان لغرض يعود على ~~الإنسان فإما أن يكون ضررا وهو منتف يرفضه العقل، ~~وإما أن يكون نفعا وهو ما لا وجود له؛ فالتكليف إضرار ~~بالعقاب، خاصة للكفار وللعصاة، وإذا كان التكليف مع ~~الفعل فلا فائدة لوجوبه ما دام في الفعل غنى عنه، ~~وإذا كان قبل الفعل فإنه يكون تكليفا بما لا يطاق؛ ~~لأن الفعل قبل الفعل محال، وأخيرا فإن التكليف ~~بالأفعال الشاقة يشغل عن التفكير ويحيد عن معرفة الله، ~~فالفاعل لا يكون حكيما والحكيم لا يكون فاعلا. # 37 # والحقيقة أن كل هذه الحجج ضد التكليف يمكن الرد ~~عليها؛ فالخلق بلا تكليف مجرد طبيعة دون عقل، ومادة ~~دون حرية، وإن ما يميز الإنسان عن باقي الظواهر ~~الطبيعية هو التكليف الحر، وإلا كان مجرد مخلوق مثلها؛ # 38 # فكما أن الخلق نعمة فإن التكليف نعمة ~~الخلق في الطبيعة ونعمة التكليف في الحرية، صحيح أن ~~التكليف يبطل بعقيدة الجبر، فكيف يتم التكليف وكل شيء ~~يتم بقدرة الله بما في ذلك أفعال المكلف، ولكنه لا ~~يبطل بحرية الاختيار وهي أحد مكتسبات العدل. إن ~~التكليف يكون قدحا في النبوة على افتراض الجبر، ولكنه ~~لا يكون قدحا إذا كان قائما على حرية الاختيار؛ ~~وبالتالي يكون للوحي مبررات وجوده، وإذا كان التكليف ~~إضرارا عاجلا فإن ذلك من أجل منفعة آجلة؛ مشقة ~~الاستيقاظ مبكرا للصلاة لا تعادلها منفعة الأفعال ~~المبكرة وفوائد الصلاة، ومشقة الصيام لا تعادلها ~~مآثره في السيطرة على النفس والإحساس بالآخرين، ms026 ومشقة ~~الجهاد والتضحية بالنفس لا يعادلها نصر الأمة وبقاء ~~الحق، والثواب والعقاب متضمنان في الأفعال. # 39 # والفعل القبيح يتضمن عقابه من داخله؛ ~~تأنيب الضمير وحكم الناس، والقصاص من الأفراد فيه حياة ~~للمجموع، وإن غاية التكليف هو تحقيق الرسالة وازدهار ~~الحرية وكمال الطبيعة وتحقيق إمكانيات الوجود ~~الإنساني، والتكلف تكليف قبل الفعل بما يطاق، في حدود ~~الطاقة والقدرة والأهلية؛ وبالتالي فهو ممكن، وليس ~~تكليفا من الخارج، بل هو التزام داخلي تعبيرا عن ~~قدرات الإنسان على تغيير العالم. ليست الغاية معرفة ~~نظرية بالله، بل هي تكليف عملي، وهو تحقيق المعرفة ~~النظرية بالفعل، فالفعل ليس ضعفا في النظر، بل تحقيق ~~وإتمام له. # فإذا ما تم الاعتراف بالبعثة وإمكانها، فإنه قد ~~يمتنع وقوعها نظرا لمعارضة الشريعة لمقتضيات العقل؛ ~~وبالتالي لا تكون من عند الله، مثل ذبح الحيوان ~~وإيلامه، وتحمل الجوع والعطش في أيام معينة، ومنع ~~الملاذ التي بها صلاح البدن، والتكليف بالأفعال ~~الشاقة، وتفضيل بعض الأماكن على البعض الآخر، والإتيان ~~ببعض الشعائر التي لا توافق العقل، والالتزام ببعض ~~الأحكام التي تعارضه، مثل تحريم النظر إلى الحرة ~~الشوهاء وإباحته إلى الأمة الحسنة. # 40 # والحقيقة أن هذه الأشياء لا تطعن في ~~النبوة وتجعلها مستحيلة؛ لأنها ليست جوهر التوحيد، ~~فالوحي لا طقوس فيه ولا شعائر، والعبادات فيه صورة ~~والمعاملات هي المضمون، ويمكن القيام بالصورة دون ~~المضمون أو تمثل المضمون بصور أخرى، فالطقوس لا تمس ~~جوهر الوحي، ومع ذلك يمكن إدراك دلالاتها وأخذ ~~الدلالة وترك الأشياء الدالة؛ فالبعض منها رموز مثل ~~رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة، ويمكن إيجاد ~~دلالاتها في التجربة البشرية فيما يتعلق بالذكريات ~~ورغبة الإنسان في زيارة الآثار والأطلال وأماكن ~~المحبين ومنازل الشعراء وآثار المفكرين للرجوع ~~بالذهن إلى الماضي وتذكر سير الأبطال واسترجاع حياة ~~المجاهدين، والسعي رمز للجهاد، ورمي الجمرات رمز ~~للنضال، كما يمكن إسقاطها كلية كما فعل الحكماء، ~~ولكن العامة في حاجة إلى طقوس وشعائر واحتفالات ~~ومواكب، والوحي أتى للجميع، عامة وخاصة؛ وبسبب هذا ~~الجانب اللاعقلي في صور العبادات رفض الفقهاء التعليل ~~وأبطلوا القياس، ولكن ms027 يظل التعليل أساس الأحكام ويظل ~~القياس أصلا من أصول التشريع؛ فليس كل ما في الشريعة ~~مضادا للعقل، بل إن الأحكام التي بها صلاح العباد، ~~أي كل ما يتعلق بالمعاملات، يمكن فهمها بالعقل ~~وإدراك غايتها وقصدها. # والشريعة في نهاية الأمر وسيلة لا غاية، وسيلة يحصل ~~بها الإنسان على فائدة، ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة؛ ~~فالصيام مثلا وسيلة للإحساس بالآخرين جوعا وعطشا، ~~ولكن يمكن للإنسان أن يشعر بذلك دون الصيام وحده، ~~وذلك بالالتزام بقضايا الفقر ومشاكل الجماعة، وإذا كان ~~الصيام نوعا من الراحة للبدن، فإنه يمكن للإنسان أن ~~يخفف من طعامه وشرابه وقاية للبدن وحرصا على صحته، ~~وإذا كان الصيام يدل على أن للإنسان إرادة على بدنه ~~وقدرة على التحكم في وظائفه العضوية، فيمكن للإنسان ~~أن يمارس هذه الإرادة في مواقف اجتماعية في حالة ~~حصار أو سجن أو فقر، وبنفس الطريقة إذا كانت الغاية من ~~الصلاة هي الاطمئنان الداخلي وحضور الفكر اليومي ~~والرجوع إلى الباطن لتعادل الكفة مع مشاغل اليومية، ~~فيمكن تحقيق هذه الغاية لا بالصلاة وحدها بل بالتفكر ~~أو التأمل أو الاكتفاء بالفنون والآداب والعلوم، وإذا ~~كانت الغاية من الصلاة الإحساس بالوقت ووقوع الأفعال ~~في الزمان والإحساس بالفور، وبأن لكل لحظة فعلا، وإلا ~~لكان الفعل قضاء، فإنه يمكن الحصول على هذا ~~الإحساس بالزمان ليس بالصلاة وحدها، ولكن بالإحساس ~~بالعمر والشعور بالغاية والرسالة وبضرورة العمل على ~~تحقيقها، ووضع خطة يومية للتنفيذ على مراحل، وإذا كانت ~~الغاية من الصلاة صحة البدن وسلامة الأعضاء ونظافة ~~الجسم بالحركات والقيام والقعود والوضوء والطهارة، فإن ~~الإنسان يستطيع أن يحصل على هذه الفائدة لا بالصلاة ~~وحدها ولكن عن طريق الرياضة البدنية وبالنظافة ~~الدائمة، وأخيرا إذا كانت الغاية من الزكاة هي إحساس ~~الإنسان بأن ما يملك ليس له، وبأن للآخرين حقا فيه، ~~فإن الإنسان بطبيعته وبفكره وبنظام الوحي لا يملك ~~شيئا، وكل ما في الواقع يستخدم لمصلحة الجماعة؛ فلا ~~يوجد حق للأنا وللآخر، بل يوجد حق للجماعة، وإذا كانت ~~الغاية من الزكاة سيولة المال ورفض كنز الأموال، فإن ~~الإنسان بفكره ms028 وتنظيمه لاقتصاده يمنع اكتناز الأموال؛ ~~فالمال للاستثمار وليس للاكتناز. العبادات إذن معقولة ~~ولها أسسها الواقعية في مصلحة الإنسان، ولا تقوم على ~~مجرد قرار أو سلطة أو رسم أو صورة، حتى إنه من الصعب ~~وصفها بأنها طقوس أو عبادات، بل هي أفعال. # 41 # وبالتالي يبرز سؤال، لماذا إذن العبادات والشرعيات ~~إذا كان الإنسان يستطيع الوصول إلى غاياتها بأساليب ~~أخرى؟ لا يستطيع ذلك إلا من أوتي حظا من الوعي ~~والثقافة، وهو ما لا يتأتى للجميع، ولما كان الوحي ~~أسلوبا في مخاطبة الجميع فإنه أتى بهذا الأسلوب في ~~التعامل حتى يسهل على الجميع فهمه وتطبيقه والعمل به، ~~فالخاصة والعامة معا قادرون على حد سواء على فهم ~~العبادات، ولكن الخاصة وحدهم هم القادرون على الحصول ~~على الغايات بوسائل أخرى، وإذا كان المجتمع كله خاصة ~~واستطاع أن يكون على درجة من الوعي والثقافة، فإنه يصل ~~إلى نفس الغايات بوسائل متعددة، ولكن اتحاد الوسائل قد ~~يكون أيضا نوعا من توحيد السلوك وأكثر ضمانا للوصول ~~إلى الغايات من وسائل أخرى ما زالت تحت التجربة، وهو ~~ما لاحظه الحكماء من قبل؛ فالفلسفة والشريعة متفقتان ~~في الغاية وهو صلاح النفس وتحقيق كمالها، وكأن الأخلاق ~~هي نقطة الالتقاء بين الفلسفة والشريعة؛ فإذا ما أدى ~~تطبيق الشرائع إلى نفاق بغياب الفضائل الداخلية وحضور ~~الصور الخارجية أتت الفلسفة لتعيد إلى الصورة مضمونها ~~وإلى الشريعة حياتها، وإذا خير العاقل بين التقوى ~~دون الشرائع أو بين غياب التقوى وحضور الشرائع لكان ~~الأول هو الأكمل. أما فيما يتعلق بذبح الحيوان وإيلامه ~~فلا يكفي لإثبات شرعية ذلك أن يقال إنه مسموح به من ~~قبل المالك، فهذا تصور خارجي للشرعية، وجعل العقل ~~والطبيعة معا تابعين لإرادة خارجية إنما يمكن فهم ~~ذلك باعتبار أن الإنسان سيد الكون، وكل شيء مسخر له. ~~ولماذا الرفق بالحيوان والرفق بالإنسان أولى؟ لذلك ~~هناك قانون الاستحقاق وقانون العوض عن الآلام كي يعيش ~~الإنسان راضيا عن نفسه مقيما للعدل ونافيا للجور ~~والظلم. ~~(3) النبوة ممكنة # إن لم تكن النبوة واجبة أو مستحيلة فهي ممكنة أي ms029 ~~جائزة، والقول بوجوبها وضرورتها لا يحتاج إلى إثبات، ~~والقول باستحالتها في حاجة إلى دلائل نفي. أما القول ~~بإمكانها فهو في حاجة إلى إثبات، ووقوعها بالفعل دليل على ~~إمكانها وكأن وقوع الشيء بالفعل أكبر دليل على إمكانه. لا ~~يثبت إمكان النبوة أولا ثم وقوعها ثانيا على ما هو معروف ~~من أسبقية الفكر على الواقع، والمبدأ على الحادثة، ولكن ~~يثبت إمكان النبوة بعد وقوعها؛ أي بأسبقية الواقع على ~~الفكر. لا يتم إثبات النبوة قبليا استنباطيا بل يتم ~~بعديا استقرائيا. يثبت الإمكان من الوقوع ولا يثبت ~~الوقوع من الإمكان، وهو ما يتفق مع التوجيه العام لعلم ~~أصول الدين في اعتبار مبحث الوجود سابقا على التوحيد، وأن ~~معرفة الحادث هو الطريق إلى معرفة القديم، وبلغة الحكماء، ~~سبق الطبيعيات على الإلهيات. ما دامت الرسالة واقعة ~~فالنبوة ممكنة الوقوع؛ ومن ثم كان إنكار النبوة أو ~~القول باستحالتها إنكارا للواقع وهدما للضرورة، وما دامت ~~نبوة محمد، ونحن عليها، قد وقعت، فالنبوة جائزة حتى لا ~~يقول أحد أنا لا أدري هل النبوات السابقة قد وقعت أم لم ~~تقع؛ فإمكان وقوع النبوة من وقوعها بالفعل كما أن إثبات ~~الحركة يكون بالحركة بالفعل، ولكن، ماذا نفعل بمن لا ~~يسلم بوقوعها وينكر حدوثها بالفعل؟ هناك القرائن ~~الحسية وفي مقدمتها الكتاب المدون والمقروء والنقل ~~المتواتر. وهل يثبت الواقع فكرا؟ وهل تشرع الواقعة ~~للمبدأ؟ نعم، فلا شيء يسبق الواقع شرعا، وشرعية المبدأ ~~إنما تكمن في واقعيته، وفي علم أصول الفقه أن وضع الشريعة ~~ابتداء ووضعها للأفهام هو في نفس الوقت وضعها للامتثال ~~ووضعها للتكليف. # 42 # وهل يثبت العام من الخاص؟ فالعام تجريد والخاص ~~واقع، كما تثبت النبوة في آخر مراحلها أولا قبل أن تثبت ~~النبوات السابقة التي يخبر عنها في ختم النبوة المنقولة ~~نقلا متواترا، وهناك فرق بين إمكان النبوة ووقوعها من ~~ناحية وبين تحقيقها من ناحية أخرى، فالأولى إمكانية نظرية ~~خالصة بينما الثانية إمكانية عملية تتحقق بحرية الأفعال. # 43 # وقد يكون الوحي ممكن الوقوع بدليل وجود الحدس والمعرفة ~~المباشرة في الحياة الإنسانية، ms030 والحقيقة أن تفاوت البشر ~~في العقول وإلهام البعض وإبداع البعض الآخر والذكاء الخارق ~~لفريق ثالث لا يعني إثبات النبوة، بل يشير إلى إبداع ~~الإنسان وقدراته على الخلق، والنبوة في النهاية ليست معرفة ~~نظرية فقط، بل هي تشريع عملي وتحقيق فعلي، ولا يحتاج إمكان ~~وقوع الوحي إلى إثبات وسائط غير مرئية أو مرئية، فالرؤية ~~المباشرة لا تحتاج إلى وسائط. # 44 # وقد يثبت إمكان النبوة عن طريق نظريتي الصلاح ~~واللطف؛ فالنبوة بها صالح العباد، وهي تفضل ولطف، وذلك ~~إثبات للنبوة بالعودة إلى الحسن والقبح العقليين والعقل ~~الغائي، كأحد مظاهر العدل. # 45 # وقد تثبت النبوة بدليل نظري خالص مستمد من ~~التوحيد؛ أي وجود الله وصفاته، خاصة الكلام والقدرة، ~~فالله متكلم وقادر؛ وبالتالي تكون النبوة من كلامه ~~والبعثة في قدرته. النبوة ممكنة لأن أفعال الله جائزة، ~~ولما كانت النبوة تستعمل أيضا طبقا لمنهج النص والشواهد ~~النقلية لإثبات وجود الله، فإن استعمال وجود الله لإثبات ~~النبوة وقوع في الدور. وما الفائدة من استعمال النبوة ~~تراجعيا لإثبات وجود الله وقد تم من قبل إثباته في ~~التوحيد؟ وكيف تثبت السمعيات العقليات؟ ولماذا تتراجع ~~النبوة إلى المرسل أي إلى ما قبل النبوة، ولا تتقدم إلى ~~المرسل إليهم وإلى الرسالة في التاريخ أي إلى ما بعد ~~النبوة؟ وهل مصدر النبوة بالنسبة لنا الله أم أسباب النزول؟ # 46 # وقد تثبت النبوة نظرا بأنها تعطي التفصيلات بعدما ~~يعطي العقل العموميات، وفي هذه الحالة يكون العقل فوق ~~النبوة، وتكون النبوة تابعة للعقل، وقد يستغني الإنسان ~~بالعموميات عن التفصيلات؛ فالعموميات هي الأساس، وما ~~التفصيلات إلا تطبيقات فرعية لها، العموميات هي الروح ~~والتفصيلات هي الجسد. وماذا لو قال آخر إن النبوة تعطي ~~العموميات في حين يجتهد العقل في استنباط التفصيلات وهو ~~أقرب إلى صلة النبوة بالعقل؟ أما المجربات فهي من العلم ~~الطبيعي وليست من الوحي، ولا يمكن أن تتوقف العلوم ~~الطبيعية والتجريبية على السمع، فإذا كانت التجربة ليست ~~يقينية لتغيرها حسب الأفراد، فإنها مطردة من فرد إلى ~~آخر ومن مكان إلى آخر ومن زمان ms031 إلى آخر، كما أن العقل ليس ~~هو العقل الصوري المجرد، بل هو العقل الشامل للطبيعة ~~والتاريخ ومجرى العادات وشهادة الحس والوجدان؛ أي كل ما ~~لدى الإنسان من بديهيات حسية أو عقلية أو وجدانية أو ~~إنسانية عامة تؤيدها تجارب العصور وخبرات الشعوب. أما ~~المعارف النظرية الأخرى مثل معرفة الله وصفاته، فالعقل ~~قادر على الوصول إليها بعد أن أصبحت من مكتسبات التوحيد. ~~أما أمور المعاد مثل الوعد والوعيد وكل ما يتعلق بالغيبيات ~~فلا تثبت إلا بعد ثبوت النبوة؛ لأن طريق العلم إليها ~~الروايات والأخبار. # 47 # وقد تثبت النبوة عملا بإثبات حاجة الإنسان إلى التعاون؛ ~~وبالتالي إلى الرئاسة . ولما كان الإنسان لا يستطيع أن ~~يقيم معاشه إلا بالاشتراك مع آخر، لزمت النبوة كي تضع ~~قانونا ينظم العلاقات الاجتماعية وتسن الشرائع وتضع ~~النظم، وكأن النبوة لا تثبت إلا ببيان أن الإنسان وحش ~~لأخيه الإنسان، وأنه لا بد من حاكم عادل ونظام وشريعة ~~لصلاح الخلق تأتي من الخارج لتحقيق الصلاح مع غياب أي ~~تصور داخلي لعقد اجتماعي حر قادر على تحقيق التعاون ~~وتنظيم شئون الرئاسة. إن تنوع حاجات الإنسان النظرية ~~والعملية أيضا لا محدود، لديه الحدس والاستدلال، العلم ~~الضروري والعلم النظري، ولديه القدرات الفردية والجماعية ~~على العمل والتحقيق، فإذا ما أعطت النبوة النظر والعمل ~~لتلبية حاجات الإنسان إلى معلم أصبح الإنسان قاصرا في ~~حاجة إلى وصي، وكأن الإنسان عاد إلى ما قبل النبوات، وكأن ~~النبوة لم تصل بعد إلى خاتمها. ولماذا تثبت النبوة بتدمير ~~الإنسان وجعله قاصر الفهم والإدراك، عاجزا عن الفعل ~~والحركة، تفرض عليه الوصاية بدعوى الهداية؟ يبدو أن حجج ~~وجوب النبوة قد عادت لإثبات إمكانها حتى لحق الإمكان ~~بالوجوب، وكأن الإمكان هو مجرد وجوب مقنع. # 48 # إن إمكان النبوة قد يؤدي إلى الأدوار ~~الآتية: ~~(أ) # يعطي الوحي بداية يقينية مطلقة حتى يتجنب ~~الإنسان محاولات الخطأ والصواب إلى ما لا ~~نهاية، ويبقى احتمال الخطأ في الفهم والتطبيق ~~أقل. صحيح أن العقل قادر على الوصول إلى هذه ~~البدايات اليقينية، ولكن الوحي يقصر الوقت ~~ويقلل الجهد ms032 ويعطي دفعة للعقل بالأوليات ~~الأولى، ثم تكون مهمة العقل بعد ذلك الاستدلال ~~وإيجاد الأنساق المحكمة والتطبيقات العملية ~~والتكيف حسب الزمان والمكان. علاقة الوحي ~~بالعقل إذن هي علاقة الحدس بالبرهان، علاقة ~~المقدمات بالنتائج. إن البداية اليقينية شرط ~~لليقين في الاستدلال، وإن الفكر كله هو علم ~~البدايات أو علم الأوليات، خاصة أن هذه ~~البدايات قد تم تجريبها في الوعي الإنساني على ~~مدى تطور البشرية، وأصبحت مجربة من قبل ~~ومحققة في التاريخ. ~~(ب) # قد يشرع الوحي لبعض الأعمال ويسن بعض ~~النظم والقوانين محققا بذلك النظريات في ~~صيغة تشريعات؛ وبالتالي يقوم بتأسيس النظر ~~والعمل معا. ولا يعني ذلك مجرد الشعائر التي ~~قد تكون ضرورية للعامة كطريق للعمل الصالح، بل ~~أيضا النظم السياسية والاقتصادية التي ~~يجهد المنظر نفسه في الوصول إلى أفضلها ~~وأكثرها تحقيقا للمصالح العامة. وعندما يقوم ~~ذهن واحد بوضع النظريات والتشريعات ~~المستنبطة منها يكون ذلك أقل احتمالا للخطأ ~~من وضع النظريات وحدها وترك التشريعات ~~لاستنباط ذهن آخر. الوحي هنا ضرورة عملية لما ~~كانت حياة الناس في حاجة أولا إلى نظم ~~وتشريعات حتى وإن لم تدرك الأسس النظرية ~~التي تقوم عليها، ويبقى للذهن البشري أيضا ~~استنباط نظريات تفصيلية من التشريعات العامة ~~طبقا للزمان والمكان، وكلما كان الضبط في ~~البدايات أحكم كانت الدقة في الاستنتاجات ~~أعظم، فإذا كان الحدس الأول هو حكمة التشريع ~~أو فلسفته، فإن النظرية العامة تكون هي أساس ~~استنباط القوانين وصياغة التشريع. ~~(ج) # يعطي الوحي نظرة كلية شاملة للحياة مقابل ~~النظرة الإنسانية المتجزئة؛ فنظرا لوضع ~~الإنسان في زمان معين ومكان معين وفي ~~مجتمع محدود في طبقة بعينها؛ أي باختصار نظرا ~~للموقف الإنساني ولكل المحددات الإنسانية، ~~لا يستطيع الإنسان إلا أن يدرك موقفه الخاص ~~مهما كانت لديه من قدرة على الحياد والتجريد ~~وعلى العموم والشمول. يستطيع الوحي أن يقابل ~~هذه التجزئة ويعطي نظرة شاملة كلية للحياة؛ ~~وبالتالي يأمن الإنسان من الوقوع في وجهات ~~النظر الخاصة المحددة، ونظرا لما قد ينتاب ~~النظرة الخاصة من نقص في الحياد ومن صعوبة ~~التمييز بين الرأي والهوى، فإن ms033 الوحي يحمي من ~~هذا الخطر؛ فالوحي باعتباره تعبيرا عن الوعي ~~الخالص يعطي تصورا محايدا لا يقوم على ~~هوى أو مصلحة أو انفعال. صحيح أن الفيلسوف ~~يمكنه أن يتجرد عن الهوى كما يمكنه أن ~~يحقق حياد الشعور، ومع ذلك يظل الوحي يمثل ~~ضمانا أكثر لعديد من المنظرين. الوحي إذن ~~قادر على إعطاء هذه المعرفة الشاملة الموضوعية ~~الخالية من وجهات النظر التي يتميز بها ~~الإنسان، وخاليا من الأهواء والرغبات ~~والتميزات التي تخضع لها الأحكام البشرية. ~~حقائق الوحي منصفة غير متحيزة، لا تأخذ ~~نظر فرد دون فرد أو مصلحة جماعة دون جماعة، ~~وكأن التاريخ قد اكتمل والحقائق البشرية ~~العامة قد عرفت. ~~(د) # يمكن للوحي توفير الجهد وتقصير المسافة ~~واختصار الشوط؛ فلو أن الإنسان بجهده الخاص ~~أراد الحصول على النظريات ثم استنبط منها ~~التشريعات لكان في حاجة إلى عدة أعمار. يأتي ~~الوحي لتخفيف الحمل، ويكفي الإنسان مئونة ~~البحث النظري في الأسس العامة للتطبيق حتى ~~يكرس الإنسان وقته وجهده للعمل والتحقيق. ~~ولا يعني ذلك إبطال الإنسان لعمل العقل، فمهمة ~~العقل هنا عملية في التفسير وهو ما سماه ~~الأصوليون تخريج المناط وتنقيح المناط وتحقيق ~~المناط؛ أي معرفة العلل المؤثرة في الواقع ~~والتي على أساسها قامت الأحكام، وهنا تمحى ~~التفرقة بين العقل النظري والعقل العملي، بين ~~فهم العالم وتغييره. النظر كيفية العمل، ~~والفهم من أجل التغيير. أعطى الوحي اليقين ~~النظري حتى يركز الإنسان جهده على التطبيق ~~العملي؛ فلو ظل الإنسان طيلة حياته يبحث عن ~~اليقين النظري فربما انقضى نحبه ولم يصل إليه ~~بعد. فمتى يتمثل هذه الحقيقة ويستفيد منها؟ ~~وماذا يفعل قبل أن يكتشفها؟ يمكن للوحي ~~تقصير المسافة إلى النصف، فيعطي الإنسان ~~اليقين النظري حتى يخصص عمره وجهده للتطبيق ~~العملي. وإجابة على السؤال الأول: هل ~~النبوة ضرورية أم ممكنة أم مستحيلة؟ يمكن ~~القول بأن النبوة كانت ضرورية قبل آخر مرحلة ~~فيها، قبل أن يكتمل الوعي الإنساني ويستقل ~~عقلا وإرادة، ثم أصبحت ممكنة لحظة اكتمال ~~الوحي، وهي الآن مستحيلة بعد اكتمال الوحي ~~واستقلال الإنسان. # 49 # | ثالثا: هل المعجزة ms034 دليل على صدق النبوة؟ # إذا كانت النبوة جائزة؛ أي ممكنة الوقوع، فما الدليل على ~~صدقها بعد وقوعها؟ هل المعجزة دليل على صدق النبوة؟ وماذا تعني ~~المعجزة؟ وما برهانها؟ وما شروطها؟ وما دلالتها؟ وما هي ~~أنواعها؟ وهل هي ضرورية أم جائزة أم مستحيلة؟ وما الفرق بين ~~المعجزة والكرامة والسحر؟ وهل مستمرة باستمرار النبوة أم ~~منقطعة بانقطاعها؟ لقد ركز القدماء على المعجزة لدرجة أنها ~~أصبحت الموضوع الأول في النبوة، بل وبديلا عنها، فأصبحت ~~الوسيلة غاية والغاية وسيلة، ولم تنج من ذلك حتى الحركات ~~الإصلاحية الحديثة. ~~(1) معناها، وشروطها، ودلالتها ~~(أ) معناها # المعجزة في اللغة مأخوذة من العجز، وهو نقيض القدرة ~~ونفيها، والمعجز في الحقيقة هو فاعل المعجز في ~~غيره وهو الله، وزيدت الهاء للمبالغة؛ فالمعنى الأول ~~للمعجزة هو إثبات عجز الإنسان ونفي قدرته وإثبات قدرة ~~الله ونفي عجزه. المعجزة بهذا المعنى من الله أساسا ~~وليس لها هدف آخر مثل صدق النبي، وكأن الله هو الذي في ~~حاجة إلى صدق ألوهيته وتصديق الناس له، فلا تسمى ~~معجزة النبي إلا مجازا لأن الله هو المعجز حقيقة، ~~وسميت كذلك لأن من ليس نبيا يعجز عن الإتيان بما ~~يظهره الله على النبي، ولكن يظل فاعل المعجز هو ~~الله، وهو القادر على إظهار المعجز على النبي كدليل ~~على صدق نبوته، ~~وعلى من ليس بنبي كدليل على قدرة الله. ولما كانت ~~المعجزات من الله يظهرها على النبي كدليل على قدرة ~~الله، ففي هذه الحالة قد لا تكون دليلا على صدق ~~النبي، بل مجرد دليل على قدرة الله القادرة على إظهار ~~المعجز على النبي وعلى من ليس بنبي. # 1 # والحقيقة أنه لماذا تكون المعجزة من ~~العجز، عجز الإنسان وقدرة الله؟ هل هذا احترام للإنسان ~~وتعظيم لله أم أنه تعظيم لله على حساب الإنسان؟ وهل ~~تثبت قدرة الله بإثبات عجز الإنسان، وهل عجز الإنسان ~~شرط لإثبات قدرة الله؟ وهل نحتاج لإثبات قدرة الفيل ~~إثبات عجز النملة أو لإثبات قدرة الأسد إثبات عجز ~~الفأر، تعالى الله عما يصفون؟ ألا يمكن إثبات قدرة ms035 ~~الإنسان وقدرة الله في نفس الوقت؟ إن إثبات قدرة الله ~~ليس تعظيما له ما دامت على حساب قدرة الإنسان، وإن ~~قدرة الله أعظم من أن تثبت بعجز الإنسان. فإذا كان هدف ~~المعجزة إثبات قدرة مطلقة فوق قدرة الإنسان ~~المحدودة، فهذا ليس غاية الوحي، بل إن غاية الوحي عكس ~~ذلك تماما، إثبات أن لا قدرة فوق الإنسان، وأن ~~الإنسان قادر قدرة مطلقة. غاية الوحي رفض قوى ~~الطبيعة والسيطرة وقوى الطغاة العاتية وقوى البخت ~~والمصادفة وكل القوى غير العاقلة. إذا كانت الغاية من ~~المعجزة إثبات قدرة مطلقة، فهذه لا تحتاج إلى إثبات. ~~إذا كانت الغاية منها إثبات عجز الإنسان أمام القدرة ~~المطلقة فهو كإثبات أن الفيل قادر على سحق النملة، ~~كما أن ذلك موضوع قد سبق إثباته في التوحيد في الصفات، ~~العلم والقدرة والحياة. وكيف يوضع الإنسان والله ~~متكافئين في الإثبات والنفي؟ وكيف تصور العلاقة ~~بينهما عكسية وليست طردية؟ إن الأولى عند إثبات قدرة ~~الله إثبات قدرة الإنسان، فالعلاقة بينهما علاقة الوعي ~~الخالص بالوعي المتعين، علاقة الإنسان الكامل ~~بالإنسان المتعين، فكلاهما وعي خالص والخلاف فقط في ~~درجة التعين، كما أن إثبات عجز الإنسان حطة في شأنه ~~وتجويز العبث والظلم على الله. فكيف يخلق الله إنسانا ~~عاجزا ثم يطالبه بالتكليف؟ وإذا كان الله قد خلق ~~الإنسان على صورته ومثاله، فالأولى أن يخلق الله ~~القادر الإنسان قادرا، ولو كان الإنسان عاجزا لكان ~~الله عاجزا مثله، تعالى الله عما يصفون. # وقد يزاد على هذا المعنى الأول معنى ثانيا يبرز ~~دور المعجزة كدليل على صدق النبي، وهو الغاية من ~~المعجزة، ويجعل هدفها ليس بدايتها قدرة الله، بل ~~نهايتها الدلالة على صدق النبي. وهو تعريف للشيء بعلته ~~الغائية في مقابل تعريفه كما سبق بالعلة الفاعلة؛ ~~لذلك يتم البحث في هذا المعنى عن المعجزات الدالة على ~~نبوة الأنبياء، وفي صفاتها اليقينية، ودلالتها، ~~واختصاص الأنبياء بها، وما يجوز فيها وما لا يجوز، وفي ~~صفة المبعوث وما يتعين به من غيره في أحواله التي يجب ~~أن يكون عليها، كما يتم ms036 البحث فيمن تظهر المعجزة عليه، ~~وحاجة النبي إليها، وكيف يستدل بها على صدقه، وفي ~~معجزات كل نبي حتى إعجاز القرآن في آخر مرحلة في الوحي ~~وختم النبوة. # 2 # وقد يزاد معنى ثالث على المعجزة عندما تصبح ~~خرقا لقوانين الطبيعة وأمرا على خلاف العادة، وهنا ~~يكون معناها ليس بالعلة الفاعلة وهو الله أو بالعلة ~~الغائية وهي الدلالة على صدق النبي، بل بالعلة ~~المادية؛ أي كظاهرة طبيعية على خلاف العادة، مناقضة ~~لقوانين الطبيعة ويصاحبها التحدي؛ تحدي البشر على ~~الإتيان بمثلها أو على معارضتها ومنع وقوعها؛ وبالتالي ~~إعلان الإنسان عجزه عن المعارضة وعلى الإتيان بمثلها. # 3 # والسؤال الآن: هل يمكن خرق قوانين ~~الطبيعة ؟ أليست سنن الكون دائمة وثابتة حتى يمكن ~~للإنسان إدراكها وتسخيرها؟ وما فائدة التحدي مقرونا ~~مع عدم المعارضة؟ إن التحدي لا يكون صحيحا قائما على ~~تكافؤ الفرص إلا إذا كان مقرونا بالقدرة على ~~المعارضة. هل عدم المعارضة فضيلة؟ وهل النموذج الأسمى ~~لفعل الإنسان هو التسليم بالعجز والإذعان؟ أليست مأساة ~~المسلمين اليوم في الإذعان لقوى القهر والاستسلام ~~للطغيان وعجزهم عن المعارضة؟ ولقد تحدى الشيطان من ~~قبل وأصبح التحدي عاملا مؤثرا في الدنيا وأصبح كل ~~شيء مجندا، الأنبياء والرسل، والشرائع، والعقول، ~~لمواجهة تحدي الشيطان. ~~(ب) شروطها # ويمكن استنباط شروط المعجزة من جملة تعريفاتها ~~السابقة؛ فمن شروطها أن تكون من فعل الله أو ما يقوم ~~مقامه، وأن تكون خارقة للعادة دون أن يكون ذلك في ~~مقدور النبي، وأن تتعذر معارضتها، وأن تكون ظاهرة على ~~مدعي النبوة حتى تكون دليلا عليها، وألا يكون ما ~~ادعاه وأظهره مكذبا لها، وإلا تكون متقدمة على ~~الدعوى بل مقارنة لها، فالتصديق قبل الدعوى غير مقبول ~~وأن يتم ذلك في زمن التكليف قبل زواله أو بعده أو بعد ~~الموت، ويشترط أيضا التحدي بها أو الاكتفاء بقرينة. # 4 # وبعض الشروط تخل بالتعريفات الأولى ~~ومناقضة لها، مثل أن تكون من فعل الله أو ما يقوم ~~مقامه، وليس هناك من يقوم مقام الله أو يقدر على ~~المعجزات سواه بما في ذلك الرسول أو ms037 «الملاك»، وأن ~~التطابق مع الدعوة وعدم الاختلاف معها لا يكون بمجرد ~~تطابق القول مع المعجزة، بل بمقياس ~~آخر للصدق، مثل ~~تطابق القول مع العقل أو المعجزة مع الواقع، وكثير من ~~المعجزات تتم قبل التكليف للنبي، بل وقبل ولادته كما ~~هو معروف في البشارة، وبعد مماته في الظواهر الطبيعية ~~مثل الرعد والبرق ساعة الموت. # 5 # وإن توقفت المعجزات بنهاية التكليف أو ~~بالموت فالكرامات مستمرة بعد الموت، وقد يقال إنها ~~قبل البعثة أو بعدها كرامة وأثناء البعثة معجزة. # 6 # ومن المعنى الأول للمعجزة، الله هو الفاعل للمعجز، ~~وهو أيضا الشرط الأول، أن يكون هو الفاعل أو غيره. ~~يميز القدماء بين نوعين من المعجزة؛ الأول ما لا ~~يقدر على جنسها غيره، مثل إحياء الأموات، وإبراء ~~الأكمه والأبرص، وقلب العصا حية، وفلق البحر، وإمساك ~~الماء في الهواء، وتشقيق القمر، وإنطاق الحصى، وإخراج ~~الماء من بين الأصابع؛ والثاني خلق الله اختراعا ~~وكسبا لصاحب المعجزة، مثل إقدار الإنسان على الطفر ~~والصعود إلى السماء، وقطع المسافة البعيدة في الساعة ~~القصيرة، وإطلاق لسان الأعجمي بالعربية مما لا تجري به العادة. # 7 # فمقياس التصنيف ما يدخل تحت قدرة الله وما ~~يدخل تحت قدرة العباد، أو حدوث فعل غير معتاد مثله، ~~وتعجيز الفاعل بشيء معتاد عن فعل مثله. # 8 # وفي كلتا الحالتين يكون مقياس التصنيف ~~القدرة الإلهية والعجز الإنساني، أو على أكثر تقدير ~~القدرة الإلهية والاكتساب الإنساني، وعند الحكماء ~~المعجزة ثلاثة أنواع: ترك وفعل وقول. الترك مثل ~~الإمساك عن التحدث بخلاف العادة، والفعل لا يأتي إلا ~~من النبي، مثل فتق الجبل أو شق البحر، والقول إخبارا ~~بالغيب والتنبؤ بالمستقبل. ويفسر الحكماء المعجزة ~~تفسيرا نفسيا؛ فالترك هو انجذاب النفس إلى عالم ~~القدس واشتغالها عن البدن، زهدا في العالم، وقدوة ~~للغير، وهو معروف عند أصحاب الرسالات وكبار القواد ~~والزعماء في موقفهم من العالم؛ فالمعجزة تعبير عن قدرة ~~النفس الخالصة على الإتيان بما لا تستطيعه النفس قبل ~~الصفاء، قدرتها على المعرفة والاستكشاف، في حين أن ~~الصوفي يقرن النظر بالعمل في المعجزات ويجمع بين ms038 ~~معجزات المتكلمين العملية ومعجزات الحكماء النظرية. # 9 ~~(ج) دلالتها # هل تدل المعجزة على صدق النبي؟ عند القدماء إذا قام ~~النبي بمعجزة واحدة وعجز الناس عن معارضتها، فقد ~~لزمتهم الحجة وكانت دليلا على صدق النبي ووجوب ~~تصديقه ووجوب طاعته. # 10 # ولا يجوز لهم مطالبته بمعجزة أخرى؛ فإن ~~عصوه جاز لله عقابهم على عدم تصديقهم بالمعجزة ~~الأولى، وكأن المعجزة ليست للتكرار. # 11 # ويكاد يجمع القدماء على أن البرهان ~~خارجي وهو المعجزة سواء كانت واجبة أو ممكنة أو ~~مستحيلة. فهل تؤدي المعجزة إلى تصديق الرسول، وهي ~~برهان خارجي عن طريق القدرة وليس داخليا عن طريق ~~اتفاقها مع العقل أو تطابقها مع الواقع؟ وكيف يتم ~~التصديق بالمعجزة دون وسائل المعرفة وطرق العلم وخارج ~~نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى؟ وهل تؤدي ~~المعجزة إلى الطاعة والانقياد دون إعمال للعقل أو ~~التحقق من مضمون الخبر غاية ومصلحة وواقعا؟ ولماذا ~~لا تتكرر المعجزة للتأكيد وللتيقن كما تتكرر التجربة ~~كأحد شروط صدقها؟ وكيف يثبت الله أو يعاقب بناء ~~على تجربة واحدة تصديقا أو إنكارا. لقد أخبر الوحي ~~عن عشرات المعجزات لنبي واحد، واحدة تلو الأخرى، يتم ~~التصديق ثم الإنكار للأولى، ثم التصديق والإنكار ~~للثانية وهكذا دونما يأس أو ملل. وإن المجريات، وهي ~~تكرار للمحسوسات والمشاهدات لجزء من مادة العلم طبقا ~~لنظرية العلم. وماذا كانت النتيجة في النهاية؟ وقعت ~~معجزات بالمئات ولم يصدق الناس بالأنبياء، بل وازداد ~~البعض منهم كفرا وعصيانا، في حين عندما توقفت ~~المعجزات بمعنى خرق قوانين الطبيعة وأصبح الدليل على ~~صدق النبوة داخليا أي عقلا وواقعا، نظرا وعملا، ~~فكرا ومصلحة، آمن الناس وأسسوا مجتمعات وأقاموا ~~دولا وفتحوا العالم القديم. # 12 # وأن الذين صدقوا بالأنبياء عن طريق ~~المعجزات لأقل من الذين صدقوا بهم عقلا وواقعا ~~ومصلحة وتشريعا. # 13 # إن التصديق بالنبوة إنما يتم باتفاقها مع العقل ومع ~~مصالح الناس وليس بالمعجزة، طالما لم تؤد المعجزة ~~إلى التصديق بالنبوة وطالما انتفت شروطها؛ إذ لا يكفي ~~في صدق المعجزة سلامتها عن المعارضة، فقد تكون عدم ~~معارضتها ناشئة من جهل ms039 مؤقت بقوانين الطبيعة التي ~~خيل للناس نقضها، والمعجزة غير الآية؛ فالآية ليست ~~معجزة لأنها دليل متسق مع الطبيعة والعقل في حين أن ~~المعجزة ضد الطبيعة وضد العقل. الآية صادقة في حين قد ~~تكون المعجزة خادعة بالسحر. بالأولى خطورة خطأ ~~الإدراك والتفسير وعدم رؤيتها، وبالثانية خطورة عدم ~~التصديق. وإذا كانت المعجزة تصيب الإنسان بضآلته ~~وجهله وعجزه أمام الطبيعة، فإن الآية تعطيه الثقة ~~بعقله وبالقدرة على معرفة قوانين الطبيعة واستقرائها ~~وتسخيرها لصالحه، وإذا كانت المعجزة تجعل الكون سرا ~~مغلقا لا يمكن الدخول فيه فإن الآية تجعل الطبيعة ~~كتابا مفتوحا، وموضوعا للتأمل والبحث، تسهل القراءة فيه. # 14 # والآية هي في نفس الوقت ظاهرة طبيعية وآية ~~قرآنية، فالتأمل في الطبيعة هو تأمل في النص، وفهم ~~النص هو رؤية للطبيعة، والظاهرة الطبيعية قد تكون ~~الأرض والسماء أو الشمس والقمر، أو الليل والنهار، أو ~~الرياح والبرق، أو نباتية أو حيوانية أو إنسانية، وليس ~~فيها معنى المعجزة بمعنى خرق قوانين الطبيعة وقوع شيء ~~على غير المألوف والمعتاد. # 15 # وتدل المعجزة عند القدماء بأن يخلق الله العلم ~~بالصدق بعد وقوع المعجز؛ فالله هو الذي أوقع ~~المعجز وهو الذي أحدث العلم دونما نظر أو استدلال؛ ~~وبالتالي يكون السؤال: وما فائدة المعجزة إذن والله ~~قادر على خلق العلم مباشرة دونما حاجة إلى ~~مناسبة؟ # وهل المناسبة مجرد عادة وبالتالي يكون التصديق مجرد ~~ارتباط عادات بين النبي والمعجزة؟ وإذا كانت المعجزة ~~تظهر أيضا على يد الكاذب فما أهميته كدليل على صدق ~~النبوة؟ وما مقياس التصديق بين النبي الصادق والنبي ~~الكاذب ما دامت المعجزة تظهر على كليهما، وما دام ~~التصديق بها مجرد ارتباط بين عادات، بين النبي والمعجزة؟ # 16 # ثم كيف تقام صحة الأصل على صحة الفرع؟ ~~كيف يقاس صدق النبوة، وهو الأصل، على صحة المعجزة وهي ~~الفرع؟ أليس ذلك دورا؟ فالعلم بصحة المعجزة من صدق ~~النبوة، والعلم بصدق النبوة من صحة المعجزة! # 17 # إن المعجزة هي في النهاية حديث بلغة ~~العصر وتحد لمستواه العلمي وتجاوزه إلى مستوى آخر ~~يجمع بين العلم والفاعلية ms040 في الطبيعة، مثل موسى ~~والسحر، وعيسى والطب، ومحمد والبلاغة؛ # 18 # وبالتالي فهي ليست ضد العقل أو العالم، بل ~~هي تقدم للعقل وتطوير للعلم. ~~(2) استحالة المعجزة # إن لم تكن المعجزة مستحيلة عقلا لأنها واقعة مشاهدة عند ~~بعض القدماء والمحدثين، فإنها عند البعض الآخر مستحيلة ~~نظرا وعملا، إمكانا ووقوعا؛ # 19 # فالبناء العقلي الذي تقوم عليه المعجزة بناء ~~هاو لا أساس له، ويمكن التحقق من تهاوي هذا البناء ~~بالعودة إلى معاني المعجزة وشروطها ودلالتها، وتقوم ~~استحالة المعجزة على إنكار العلم بها. # 20 # فلا يكفي القول بأن الله خالق ومالك كل شيء ~~لبيان إمكان المعجزة ووقوعها؛ فهذا هو تصور المجبرة، ~~يفعل في الطبيعة ما يشاء؛ فلو كان ذلك صحيحا لما احتاج ~~إلى رسول ومعجزة وتصديق وحساب وعقاب؛ فباستطاعته أن يخلق ~~علما وتصديقا وإيمانا وثوابا للجميع، وقد تكون من فعل ~~الرسول لتميز نفسه على باقي النفوس بصفائها وقدراتها ~~الخاصة على التخيل، أو لمزاجه الخاص وقدراته الإبداعية ~~المتميزة على غيره أو لكونه ساحرا عليما ببعض الطلسمات ~~وببعض المركبات، كالمغناطيسية والكهرباء والضوء والصوت ~~وسائر قوى الطبيعة، لعله علم ببعض الأجسام النباتية أو ~~الحيوانية لها خواص عجيبة لا يعلمها الآخرون وليست لباقي ~~الأجسام المألوفة، ولعله متصل ببعض «الجن والشياطين» ~~والأرواح الفلكية أو الملائكة يعينونه عليها ويجعلونه ~~أقدر من غيره على الإتيان بالأفعال غير المعتادة، ولعله ~~تعلم صناعة النجوم وتأثيرها على هذا العالم واستعمل هذا ~~الفن للتأثير على الناس إن حقيقة أو إيهاما، ولعل ما يقع ~~منه كرامة لا معجزة، مجرد أفعال لأولياء يتخيلها الناس ~~فيها لأنهم ينتظرون منهم أشياء على غير المألوف ما دامت ~~حياته كلها كذلك. # 21 # ومع أن الكرامة من نفس نوع المعجزة إلا أنها ~~أخف وطأة وأكثر مشاهدة وأقرب إلى الفهم، والمعجزات قدح في ~~العقل وإنكار لبديهيات العقول ورجوع بالتطور البشري إلى ~~الوراء قبل ختم النبوة، حيث كان العقل يقف عاجزا عن فهم ~~قوانين الطبيعة، فيلجأ ~~إلى السحر والعبادة درءا للخوف واتقاء للمخاطر، كما أنها ~~إنكار لقوانين الطبيعة؛ فالمعجزة قدح في العقل وقدح في ~~الطبيعة. ms041 وإن تكرار المعجزات إنما يدل على أنها ليست ~~خوارقا للعادات، وإنما هي حوادث تتكرر على مدى العصور، في ~~كل زمان ومكان؛ وبالتالي ينتفي منها الطابع الفريد، فإذا ~~ما تكررت الحوادث الفريدة فإنها لا تصبح معجزة، وقد تحدث ~~الحوادث الفريدة في قطر آخر أو بفاعل آخر ولا تكون فريدة ~~فيه أو عنده، ويجوز العقل وقوع أمثالها في الماضي ~~والحاضر والمستقبل. ما يهم فقط هو رصد حوادث التاريخ ~~ومعرفة تاريخ السير والأبطال وحياة القادة العظام، وإذا ~~ما تكررت الحادثة الفريدة أمكن إخضاع التكرار لقانون، ~~وأصبحت الحوادث الفريدة كلها إنما تتم طبقا لقانون طبيعي، ~~وتصبح حوادث طبيعية، بل إن خرق الحادثة الواحدة الفريدة ~~للقانون الطبيعي العام إنما يتم وفقا لقانون آخر وليس ضد ~~القانون الأول، ويساعد تكرارها على اكتشافه؛ ومن ثم ~~تنتظم قوانين الطبيعة فيما بينها من حيث الخصوص والعموم، ~~ما يصدق على بعض الظواهر، وما يصدق على بعض آخر أعم من الأول. # 22 # وقد تكون المعجزات في النهاية من فعل الأجسام ~~بطباعها وليس خرقا لقوانينها، وتحدث طبقا للطبائع وليس ~~قلبا لها؛ فقوانين الطبيعة ثابتة لا تخرق بفعل أحد، وإن ~~خرقها لأدل على النفي منه على التصديق، وأدعى إلى زعزعة ~~الثقة بالعقل وبالعلم منه إلى إعطاء معرفة أو تصديق بديل. ~~هناك إذن قوانين الطبيعة وخواص الأشياء التي تمنع من ~~التصديق بالمعجزة؛ بمعنى مناقضتها لها وجريانها على غيرها. ~~المعجزات إذن ليس شيء منها من فعل الله؛ فالله قد خلق ~~الأجسام ثم خلقت الأجسام الأعراض بأنفسها، وليست المعجزة ~~حدوث أجسام وإنما حدوث أعراض في الأجسام على وجه لم تألفه ~~العادة، والمتولدات من أفعال لا فاعل لها إلا الأجسام ~~التي تتولد عنها الأعراض. # 23 # إن القول بالطبائع ليس إنكارا للصفات عامة ~~وللكلام خاصة، أو إنكارا للشرع وإسقاطا للتكليف؛ فهذا ~~إرهاب باسم الذات والصفات للعلم وللحرية. # وإن تم التسليم بأن فاعل المعجزة هو الله، فلم يفعلها ~~من أجل التصديق وأفعال الله غير معللة بعلة أو بفرض أو ~~بغاية؟ ولماذا لا تكون المعجزات ابتداء وهو أقرب إلى نفي ms042 ~~العلية والغائية. وقد تكون المعجزة تكرارا لعادة ~~متطاولة، أو كرامة لولي، أو إرهاصا لنبي آخر، أو ~~امتحانا لعقول المكلفين وليس بالضرورة للتصديق. وما ~~حاجة الله إلى المعجزة وبقدرته مشافهة الخلق أو خلق ~~التصديق فيهم بلا وسيلة أو ذريعة أو مناسبة؟ وهل المعجزة ~~دليل صدق؟ وهل الصدق خارجي ضد العقل والطبيعة أم داخلي ~~باتفاقه مع بداهة العقل وقوانين الطبيعة ومصالح الناس؟ وقد ~~يقع التصديق بالإيهام أو بالاجتهاد أو بالتأويل، كما هو ~~الحال في المتشابهات، فيكون للمصدق نعم الثواب، بل إن ~~التصديق على هذا النحو متعذر؛ فإما أن يتم التصديق بنفس ~~دعوى النبي وخبره فيه احتمال الصدق والكذب، وإما أن يتم ~~بأمر خارجي، إما بمشافهة مع الله، أو باقتران قول يدل على ~~صدق الرسول، ويكون هذا القول المقترن إما في مقدوره، ~~وبالتالي يكون في مقدورنا، أو في مقدور الله وحده، معتادا ~~وبالتالي يكون في مقدورنا، أو على غير المعتاد فيكون فعلا ~~لله وحده يثبت قدرته ولا يثبت صدق النبي. وطالما سأل ~~نبي معجزة في وقت معين أو مكان معين، فلم تحدث لأنها ~~مخصصة بمشيئة الله وإرادته. إن اقتران بعض المعجزات ~~بدعوات الأنبياء إنما كانت من قبيل الاتفاق وبمحض ~~المصادفات، كما أن وقوعها قبل دعوته أو بعدها لا يكون ~~دليلا على صدقه إن لم يكن دليلا على كذبه. # 24 # وما العمل إذا شك الناس حتى بعد وقوع المعجزات ~~ولم يحدث التصديق بها؟ هل من الضروري وجود معجزة خاصة لكل ~~مصدق، وإلا فليس أمامنا إلا التقليد أو الخبر أو الإيمان ~~بلا دليل؟ وماذا تفعل الأجيال التي لم تلحق بالأنبياء ~~وتشاهد معجزاتهم؟ هل تستمر المعجزات لهم وتتكرر جيلا ~~بعد جيل، وبالتالي لا تصبح معجزات فريدة بواقع التكرار، ~~أم تتوقف المعجزات وتصبح الأجيال اللاحقة بلا دليل على ~~صدق النبوة؟ ليس أمام الأجيال الحالية إلا التصديق ~~بالأنبياء السابقين بناء على روايات المعجزات إن كانت ~~متواترة، وبالتالي يكون الخبر المتواتر بالنسبة لها هو ~~الدليل على وقوع المعجزة. وإذا كان الخبر المتواتر دليلا ~~فالأولى أن يكون كذلك مباشرة على ms043 صدق النبوة، بتواتر ~~الكتاب مباشرة ووصوله بلا تحريف أو تبديل، بلا زيادة أو ~~نقصان، خاصة وأن النبوة هي علاقة المرسل إليه بالمرسل ~~إليهم، وهي الرسالة وليست علاقة المرسل بالمرسل إليه ~~وهي النبوة. # 25 # وإن تم التسليم بأن الله فعلها من أجل تصديق المدعي، ~~فلماذا يكون كل من صدق الله فهو صادق؟ يحدث هذا إذا ثبت أن ~~الكذب على الله محال، وهذا لا يتأتى إلا بإثبات الحسن ~~والقبح العقليين في أفعال الله، وإلا لاستحالت معرفة ~~امتناع الكذب عليه. إن ارتباط العجز بصدق الله يوجب على ~~الله الصدق، وهو مخالف لأصل عدم وجوب شيء عليه، وإن عدم ~~وجوب الصدق يجوز الإضلال على الله؛ وبالتالي يجوز إظهار ~~المعجزات على يد كاذب، ولا يظهرها على يد صادق، دون أن ~~يكون في ذلك نقض للألوهية وإضرار بالربوبية ، وإن كثيرا من ~~الأنبياء لم تربط دعوتهم بالآيات والمعجزات أو بتصديقها؛ ~~مما يدل على ارتباط صدق الرسول بالمعجزات، حتى ولو أمكن ~~التمييز بين المعجزات والكرامات من ناحية، وبين السحر ~~والطلسمات من ناحية أخرى، فكيف يتم التصديق بالأولى ~~وتكذيب الثانية، والكذب والإضلال والغواية وكل القبائح ~~تجوز على الله، ما دام الله لا يجب عليه شيء؟ # 26 # وكيف يجيز الله أمثال هذه المعجزات على أيدي ~~الكذبة لإضلالهم دون أن يوقفهم أو ينهيهم أو يحذرهم ~~أو يخبر الناس بها؟ وهل يجوز على الله الإضلال والله لا ~~يفعل القبيح؟ شرط النبوة أنها من الله صدقا، وأن الله لا ~~يفعل الكذب شرط أساسي به يمكن التفرقة بين المعجزة على ~~يد صادق والمعجزة على يد كاذب، وأن ظهور المعجزات على أيدي ~~الكذابين مدعي النبوة إنما يدل على أن المعجزة ليست ~~دليلا على صحة النبوة، وإذا كانت المعجزة تقع من غير ~~الأنبياء فما الدليل على أن كل من تقع منه المعجزة ليس ~~نبيا؟ وإذا وقعت المعجزة على أيدي الكذبة فما الدليل على ~~صدق النبي حتى ولو أتى بمئات المعجزات؟ وما الفرق بين ~~المعجزة التي تقع على يد النبي الصادق وتلك التي تقع على ~~يد النبي ms044 الكاذب؟ وما الفرق بينهما لو كان كلاهما خرقا ~~لقوانين الطبيعة، وجريانا على غير المألوف، وسريانا على ~~نقيض العادة؟ وحرصا على الصدق الإلهي وصدق النبي، فإن ~~الأقرب هو عدم ظهور المعجزة على أيدي الكذابين، حتى ولو ~~كان في ذلك عدم إعطاء الأولية المطلقة للقدرة الإلهية ~~على صدق النبي. أما ظهور المعجزة أو الكرامة على أيدي ~~أعداء النبي، مثل «إبليس» أو فرعون، فإنه ممكن ~~لاستدراجهم ثم عقوبتهم، وهي في هذه الحالة تسمى قضاء ~~حاجات ليزدادوا طغيانا وليزدادوا عقابا. وكيف يجوز ذلك ~~على الله؛ استدراج الأعداء لزيادة العقاب، تكذيبهم وإبطال ~~المعجزات والكرامات لهم؟ ألا يعود الأمر من جديد كما كان، ~~ظهور المعجزة على أيدي الكذابين وأعداء النبي، فيبطل الصدق ~~الإلهي، كما يبطل صدق النبوة، وتعجز الإرادة الإلهية، ~~وتقوى إرادة الأعداء؟ # 27 # أما بالنسبة لمقارنة المعجزة بالتحدي وعدم المعارضة، فقد ~~لا يبلغ التحدي كل القادرين على المعارضة، ولعل القادرين ~~تركوا المعارضة تواضعا، إعلاء لكلمة الله، أو خوفا من ~~السيف، أو انشغالا عنها بشئون المعاش، وقد تتم المعارضة ~~ولا تظهر؛ لإخفائها وطمس آثارها. وإن كان البعض قد عجز عن ~~المعارضة فلربما لا يعجز البعض الآخر، بل إن عجز البعض ~~الأول لا يدل على صدق النبي، بل على تفاوت القدرات في ~~الفاعلية والأثر. وشرط التحدي أن يكون المتحدى بمثله ~~داخلا تحت القدرة حتى يصح التحدي، وإلا لو طلب من ~~الإنسان زحزحة الجبال أو إحداث زلزال فلا يكون تحديا بل ~~تعجيزا. وإن كان التصديق يتم ضرورة، فإن الضرورة أيضا ~~ليست بأولى بالتصديق من التكذيب، ورؤية المعجزة على أنها ~~سحر أو رؤيتها على أنها معجزة يظهر دافع العناد. # 28 # فإذا كانت المعجزة دليل الصدق الوحيد على النبوة، ~~واستحالت المعجزة استحالت النبوة بدورها، وإن لم يكن للناس ~~طريق آخر لإثبات النبوة غير طريق المعجزات الخارقة للعادات ~~وبطلت المعجزات بطلت النبوات، وحوصر الطريق إلى الله. ~~وما الذي جعل المعجزة هي الطريق الوحيد لإثبات النبوة ~~وأولى بالدلالة عليها من غيرها؟ وهي لا تصدق النبوة إلا ~~بهذا الطريق القائم على وجود المحال ms045 الممتنع في العقل ~~والطبيعة؟ إن المعجزة إنكار لمبادئ العقل الثابتة ولقوانين ~~الطبيعة المطردة، فكيف تكون دليلا على وحي يستند أساسا ~~إلى مبادئ العقل وقوانين الطبيعة؟ وكيف تكون الأعراض ~~دليلا على وجود الله. إذا كانت المعجزة تغيرات في ~~الأعراض وجريانها على نحو غير مألوف على الأجسام، فكيف ~~تكون الأعراض، وهي مشروطة بالأجسام ولا تستقل بذاتها، ~~دليلا على وجود الجواهر المفارقة؟ إن العرض لا يؤدي إلى ~~جوهر، والمشروط لا يؤدي إلى الشارط، كما أن الفرع لا ~~يثبت الأصل، والمعجزة فرع والنبوة أصل. # 29 # وما الفائدة من إثبات النبوة بالمعجزة الآن، ~~والنبوة واقعة مسلم بها في حين أن التسليم بالمعجزة أقل؟ ~~لقد كان الزمن الماضي زمن نشر الرسالة والرد على منكريها ~~وليس الأمر كذلك الآن. إن التحدي الآن هو تحويل الوحي إلى ~~علم يقوم على العقل، ويستند إلى الطبيعة ، ويحقق مصالح ~~الناس، أو بلغة العصر تحويل الوحي الذي أتت به النبوة إلى ~~أيديولوجية تملأ في الناس فراغهم النظري، وتقضي على فتورهم ~~ولامبالاتهم وتجندهم؛ لاسترداد حقوقهم، والدفاع عن ~~استقلالهم وحرياتهم، والمحافظة على أراضيهم ~~وثرواتهم. # لقد لاحظ القدماء خاصة الحكماء أيضا التفسير النفسي ~~للمعجزات؛ فإذا كانت المعجزات إما تركا أو فعلا أو ~~قولا، فإن الترك يحدث بانجذاب النفس إلى عالم القدس ~~واشتغالها عن البدن زهدا في الحياة، وعلى ما هو معروف من ~~سير كبار القادة والزعماء. والفعل تعبير عن القدرة ~~المطلقة الناتجة عن الإحساس بالحق وضرورة بلوغ الهدف، ~~والقدرة على الخيال؛ صعود الجبال، قطع الفيافي والقفار، ~~عبور المحيطات، ركوب الهواء والصعود إلى القمر والكواكب. ~~أما القول فإنه يعبر عن القدرة على التنبؤ بناء على ~~إحساس بالتاريخ وشعور بمساره، وإدراك لقوانينه، ومعرفة ~~بالمراحل الماضية، وبالمرحلة الحالية، وبالمرحلة ~~المستقبلية. فالوعي النبوي هو وعي تاريخي، يعي دروس الماضي ~~من تاريخ النبوة، ويعرف بنية الحاضر، ولديه رؤية واضحة للمستقبل. # 30 # وقد يتضخم البناء النفسي فيتحول من قدرة فعلية ~~إلى وهم، ومن صورة إلى حقيقة، ومن باعث إلى شيء، ومن إيجاب ~~إلى سلب، ومن عبقرية إلى جنون. هنا يتم الفصل ms046 بين الذات ~~والموضوع، فتتضخم الذات على حساب الموضوع حتى تبلغ الذات ~~الموضوع ويضيع الموضوع المتضخم، فينشأ الوهم وخداع ~~الحواس، وينتهي العقل وتختفي الطبيعة. وهنا تغضب الطبيعة ~~لموت المسيح، وينشق القمر وتنكسف الشمس لموت إبراهيم، ~~ويسبح العصا بين يدي الرسول، ويحن الجذع إليه، ويشبع ~~المئات بل والآلاف من لقمتين وسمكتين. وقد يتحول التفسير ~~إلى تفسير اجتماعي سياسي، ويصبح الأنبياء زعماء سياسيين ~~مهمتهم تسييس العامة وتجنيدها وتعبئة مقدرات الأمة وشحذ ~~إمكانياتها؛ فالأنبياء في التاريخ القديم هم كبار ~~المصلحين والمعلمين، بل والقادة، لنشر مثل ومبادئ ~~تتجاوز عصورهم من أجل نقل الوعي الإنساني إلى درجة أرقى، ~~ومرحلة تالية في طريق اكتمال النبوة، وإعلان استقلال الوعي ~~الإنساني عقلا وإرادة. # 31 # وكرد فعل على إثبات النبوة بالمعجزة كبرهان خارجي، ~~يكفي سماع الخبر من الرسول وتصديقه بلا حجة أو برهان أو ~~دليل، أو حتى التأكد من صحة الخبر ما دام المطلوب هو ~~التصديق بصرف النظر عن صورة الدليل. # 32 # إذا كان الدليل هو المعجزة، وإن لم تكن ~~المعجزة دليلا، فالنبوة بلا دليل أفضل فإنها صريحة، ولكن ~~كيف تجوز النبوة وكيف يسمع الوحي بلا تصديق؟ والحقيقة أن ~~عدم الإتيان بالمعجزات، أو بدلائل إثبات صدق النبوة، لا ~~يدل بالضرورة على انتفاء كل دليل على ذلك؛ فقد توجب ~~النبوة بمجرد الخبر وصدقه الخارجي في التواتر وصدقه ~~الداخلي في الاتفاق مع العقل والطبيعة ومصالح الناس، وأن ~~مجرد سماع الخبر لا يكفي لصدق النبوة، وإن كان كافيا في ~~المجتمعات المضطهدة المنتظرة أمامها المخلص وسماع ~~ندائه وبلاغه، فالإمام يعبد ولا يمكنه إجراء المعجزات ~~أمام كل المجتمعات؛ وبالتالي يكفي السماع بظهوره. والمطلوب ~~تصديق الناس واتباعهم الأئمة، بصرف النظر عن البرهان ما ~~دام البرهان هو المعجزة وليس العقل؛ أي خلب اللب وليس دليل ~~العقل، استرعاء الانتباه واستيلاء الدهشة وليس المنطق ~~والبرهان. # وقد سبب رد الفعل هذا رد فعل ثان، وهو المطالبة ~~بالدليل الذي ليس هو المعجزة، فالمعجزة ليست دليلا، ~~والخبر يحتمل الصدق والكذب؛ # 33 # فلا يحتوي الوحي على معجزة من فعل النبي؛ أي ~~دليل خارجي ms047 دون تصديق داخلي، ولا يكفي مجرد الخبر دون صحة ~~تاريخية مشروطة بالتواتر. ليست المعجزة دليلا خارجيا ~~يمكن الاعتماد عليه والتصديق به، بل مجرد شاهد خارجي على ~~قدرة الرسول، لا يمكن التحقق من صدقها إلا بدليل الحس ~~وبداهة العقل وشهادة الوجدان. المعجزة برهان خارجي وليست ~~برهانا داخليا، والتصديق لا يكون خارجيا، ولا يكون ~~إلا داخليا. ليست المعجزة دليلا على صدق خاتم الرسل، في ~~آخر مرحلة من مراحل الوحي، بل دليل الوحي ذاته من النواحي ~~الأدبية والفكرية والتشريعية، وليس ذلك معجزة بل إعجازا. ~~ربما قامت المعجزات في المراحل السابقة للوحي لإيقاظ ~~الشعور، وتحريره من سيطرة القوى المادية والسياسية، ولكنها ~~لا تستطيع أن تحرر الشعور بطريقة أبقى، أكثر دواما، ~~وأشد رسوخا، بل إن المعجزة بوضعها القديم تأخذ مدلولا ~~جديدا وهي قدرة الإنسان المطلقة على الفعل، وتخطي ~~العقبات، وعلى عدم وجود المستحيل أمامه. الرسول هو القدوة ~~في تطبيق الوحي، والنموذج الأول لهذا التطبيق، والتجربة ~~الرائدة في هذا المجال. # إن دليل النبي هو صدق رسالته بتطابق ما يأتي به مع العقل ~~والواقع ومصالح الناس؛ فالدليل ليس خارجيا من المرسل، ~~بل داخليا، من الرسالة ذاتها. ليس دليلا خارجيا من ~~معجزة أو بتدخل إرادة خارجية من الله أو من الرسول، أيا ~~كانت في قلوب المؤمنين لإحداث التصديق، بل دليل داخلي ينبع ~~من طبيعة العقل وشهادة الواقع. ليس نظام الوحي معجزا ~~بمعنى عدم قدرة الإنسان على الإتيان بمثله؛ إذ يستطيع ~~الإنسان بعقله أن يصل إلى كل حقائق الوحي. وكي لا يطول ~~الوقت، ويضيع العمر، ويبذل الجهد في النظر ولا يبقى شيء ~~للعمل، وللأمان من الخطأ، أو من تشعب وجهات النظر ~~الجزئية وتضاربها، أعطى الوحي النظام الشامل مسبقا؛ ~~حتى يبذل الإنسان جهده في فهم التفصيلات والتطبيق وفي ~~التحقيق العملي. ولا يعني صدق الرسالة مجرد سلامتها من ~~أخطاء القياس، بل ~~تطبيقها في الواقع، ومعرفة صدقها بالتجربة وفي حياة الناس. ~~وفي هذه الحالة يكون صاحبها صادقا، لا بمعنى أنه أتى من ~~عند الله، فالجانب الغيبي في النبوة لا يدخل فيها، بل ms048 يعني ~~أن رسالته صادقة في الواقع، يثبتها العقل، وتؤيدها ~~التجربة، ويجد الناس فيها حلولا لمشاكلهم وبناء لمجتمعهم. # 34 ~~(3) هل هناك فرق بين المعجزة، والكرامة، والسحر؟ # إذا كانت المعجزة هي خرقا لقوانين الطبيعة وجريا على ~~غير العادة، فما الفرق بينها وبين الكرامة والسحر؟ الحقيقة ~~أنه لا خلاف بين الثلاثة في النوع، ما دامت كلها خرقا ~~لقوانين الطبيعة، وسيرا ضد مجرى العادات، وإنكارا ~~لبداهات العقول، ولكن الخلاف في الدرجة فقط، وهو خروج من ~~علم أصول الدين إلى علوم التصوف؛ لذلك يكثر الاستشهاد ~~بأقوال الصوفية أكثر من مقالات الفرق. ~~(أ) المعجزة والكرامة # وتظهر المعجزات على أيدي الصالحين والأولياء ظهورها ~~على أيدي الأنبياء، وفي هذه الحالة تسمى كرامات، ~~ومع ذلك فهي لا تثبت نبوتهم، بل قد تضادها أفعال ~~أخرى تجر إلى إسقاط الشرائع وإبطال التكاليف، وتؤدي ~~إلى تعدي الحدود وإيقاف الأحكام. # 35 # أما ~~الولاية فتعني العامة فعل الأوامر واجتناب النواهي، ~~وهي نوعان؛ الولاية العامة وهي مكتسبة بإرادة الإنسان ~~ومجاهداته، والولاية الخاصة وهي العطايا الربانية ~~كالعلم اللدني ورؤية اللوح المحفوظ، ذاتية خالصة لا ~~دليل عليها يمكن بواسطته التيقن من صدقها. # 36 # كما تظهر المعجزات أيضا على أيدي ~~الخادعات للأعداء، مثل الشياطين التي تتشكل في صور ~~مألوفة لتوسوس للإنسان وتخدعه، وفي هذه الحالة لا ~~تكون المعجزات خاصة بالأنبياء وحدهم، بل بالصالحين ~~والأولياء والأعداء، ويستحيل بعدها معرفة هل هي دليل ~~على النبوة أم على الولاية أم على العداوة، وهل هي ~~دليل على الصدق أم تساوى فيها الصدق والكذب، النبي ~~والمتنبي؛ لذلك قد تخصص ظهور المعجزات على الأولياء ~~بالكرامات، وتبقى ~~المعجزات للأنبياء، والكرامات للأولياء. # 37 # والكرامة تيسير لأسباب الخير وتعسير ~~لأسباب الشر، # 38 # وهذا عود من جديد لمسألة الحرية الإنسانية ~~لأفعال الشعور الداخلية، وكأن المعجزة أو الكرامة هما ~~نيل من أحد مكتسبات العدل، ورجوع إلى الوراء من جديد. ~~تفسر الولاية وكأنها التوفيق والطاعة والعون؛ أي ~~تدخل الله إيجابيا في أفعال الشعور الداخلية في ~~حرية الأفعال، أو تعبيرا عن الواجبات العقلية مثل ~~الصلاح واللطف، فالولاية قضاء للحاجة وتفريج للكرب. ms049 ~~الولاية توقع حدوث شيء نظرا لشدة الحاجة إليه، ثم ~~بعد حدوثه بالفعل يشعر الإنسان أنها ولاية مع أنها شدة ~~الحاجة بعد انقضائها، ولو لم تكن الحاجة ملحة ~~والانتظار طويلا لكانت حادثة عادية. # 39 # ومع ذلك هناك فروق بين المعجزة والكرامة. تظهر ~~المعجزة على يد النبي بينما تظهر الكرامة على الولي، ~~فالفرق بين المعجزة والكرامة هو الفرق بين النبي ~~والولي أو بين النبوة والولاية، ومن صدق بالمعجزة ~~صدق بالولاية، ومن آمن بالأنبياء آمن بالأولياء، ولكن ~~كيف يوضع النبي على مستوى الولي، والنبوة على مستوى ~~الولاية، والمعجزة على مستوى الكرامة؟ أليس ذلك حطة من ~~النبوة ورفعا للكرامة؟ وإذا كانت المعجزة لتصديق ~~النبي فإن الكرامة لقضاء الحاجة؛ فغاية المعجزة دينية ~~في حين أن غاية الكرامة عملية، وإذا كانت الغاية من ~~المعجزة دينية، أي الإيمان بالله، فإن الغاية من ~~الكرامة أخلاقية، أي التقوى والعمل الصالح، وإذا كان ~~صاحب المعجزة معصوما ، فإن صاحب الولاية ليس كذلك، # 40 # وإذا كانت المعجزة من فعل الله أكثر من ~~فعل النبي، فإن الكرامة من فعل الولي أكثر من فعل الله ~~أو النبي، وقد يكون للكرامة بهذا المعنى ميزة على ~~المعجزة، وهي أنها من فعل الإنسان، وتثبت قدرته على ~~التأثير النفسي، وكيف أن التركيز على الشعور يخلق ~~موضوعه، سواء حقيقة أو مجرد إيحاء بذلك للآخرين؛ لذلك ~~تقع المعجزة ضرورة بينما تقع الكرامة ضرورة أو اختيارا. # 41 # وإذا كانت المعجزة يراها كل إنسان، فإن الكرامة لا ~~يراها إلا الولي. رؤية المعجزة عامة لكل الناس بينما ~~رؤية الكرامة خاصة للولي وللأولياء. فائدة المعجزة إذن ~~عامة في حين أن فائدة الكرامة خاصة. # 42 # وإذا كانت المعجزة تقع في كل وقت يريده ~~النبي، فإن الكرامة تقع في وقت مخصوص يريده الله، ومع ~~ذلك المعجزات قبل البعثة كرامات؛ لأن المعجزات دليل ~~على صدق النبوة، والبعثة لم تكن قد بدأت بعد. # 43 # وإذا كان الإعلان عن المعجزة واجبا حتى ~~يراها الناس ويصدقوا النبي، فإن كتمان الكرامة ~~ضروري. المعجزة تتطلب المعارضة والتحدي، وبالتالي ~~الإعلان عنها ضروري، في ms050 حين أن الكرامة ليست كذلك، ~~فتظل طي الكتمان، وقد يطلع الله عليها بعض عباده المخلصين، # 44 # ولكن ما فائدة الكتمان؟ وكيف يعرف الناس ~~الكرامة ما دامت مجهولة، لا تتعدى غاية الكرامة إلا ~~الثقة بالنفس، والفرح بالذات، والرضا عليها، وبث ~~الطمأنينة فيها، وإدخال السعادة عليها، ويظل السؤال ~~ألا تظهر الكرامة على يد الفاسق، كما تظهر النبوة على ~~يد النبي الكذاب؟ كيف السبيل إلى التفرقة بين الكرامة ~~الحقة والكرامة الكاذبة؟ # والحقيقة أنه لا فرق بين المعجزة والكرامة، من حيث ~~إن كليهما يؤديان إلى خرق قوانين الطبيعة وإنكار ~~أوليات العقل. # 45 # وقد تجرأت الحركة الإصلاحية الحديثة على ~~نفي الكرامات وخوارق العادات على يد الأولياء، وإثبات ~~المعجزات وخوارق العادات على يد الأنبياء وحدهم، # 46 # وقد قامت بذلك اتكاء على الموقف ~~الاعتزالي الوسط القديم؛ # 47 # فلو جازت الكرامة لبطلت دلالة المعجزة على ~~النبوة، وضاع التخصيص، ولجاز ظهورها على غير النبي ما ~~دامت عامة وشائعة. لو صحت كرامات الأولياء لبطلت ~~معجزات الأنبياء، ولو جاز اختراق العادات من كل وجه ~~لجاز اختراقها من كل وجه، لا فرق في ذلك بين كرامة ~~ومعجزة، وينتهي الأمر إلى التشكك في قوانين الطبيعة ~~ووجود الإنسان في عالم يحكمه الوهم وتسيره الرغبات المكبوتة. # 48 # وإذا كان الإنسان قادرا بالدعاء على ~~التأثير في الطبيعة سرا من خلال فعل الله وهي ~~الكرامة، فالأولى أن يكون قادرا على التأثير فيها ~~مباشرة عن طريق الفعل علانية أمام الناس وعلى رءوس ~~الأشهاد، وليبقى عملا رائدا وسنة للناس، حاضرا في ~~التأريخ. وإن تجرأت الحركة الإصلاحية على إنكار ~~الكرامات، فإنها ما زالت تثبت المعجزات مع تساويهما ~~في خرق قوانين الطبيعة، وقلب لمجرى العادات، وإخلال ~~للقواعد بالرغم من وجود أصل قديم لنفي المعجزات حرصا ~~على إثبات قوانين الطبيعة. # 49 # ولماذا الدفاع عن خرق العادات؟ وأيهما ~~أفضل؛ أن نعيش في عالم له سنن وقوانين، يوثق به ونتحكم ~~فيه، أم نعيش في عالم لا يحكمه قانون ولا يوثق ~~بنظمه؟ وإذا كانت المعجزات تصح فقط في هذا العالم دون ~~أي عالم آخر، حيث ms051 تسود فيه الإرادة المطلقة بلا ~~طبيعة، فكأن الهدف من المعجزة هو القضاء على الطبيعة ~~وعلى قوانينها الثابتة في هذه الدنيا، حتى تضطرب حياة ~~الناس، فيستسلمون للقوة القاهرة القادرة على كل شيء، ~~بما في ذلك الطبيعة التي استعصى على الناس فهمها ~~والسيطرة عليها. وهل خلق السموات والأرض على هذا ~~النظام شبيه بخوارق العادات؟ # 50 # وهل تثبت قدرة الله بالضرورة بخرق ~~العادات، والأقرب إلى الحكمة أن تثبت بالنظام وسنن ~~الكون؟ والرسول نفسه لا يخرق الطبيعة ولا تنخرق قوانين ~~الطبيعة فرحا له أو حزنا على موت أبنائه. ولماذا ~~تستغل نتائج العلم وقوانينه الحديثة مثل اللاتحدد ~~لإثبات المعجزات وإنكار قوانين الطبيعة، وهي قوانين ~~متغيرة تثبت اليوم ما تنفيه غدا، وتنتفي بالأمس ~~ما تثبته اليوم، وتجعل الدين ملحقا للعلم وتابعا ~~له؟ إن وجود ظواهر شاذة في الطبيعة إنما تحدث وفقا ~~لقوانين أخرى أعم منها وأشمل؛ فالمعجزة حادثة طبيعية ~~تحدث وفقا لقوانين أخرى أعم منها وأشمل؛ فالمعجزة ~~حادثة طبيعية تحدث وفقا لقانون طبيعي نجهله حتى ~~الآن. المسألة إذن مرهونة بتقدم العلم، وتاريخ ~~المعجزات جزء من تاريخ العلم وتقدمه. # 51 ~~(ب) المعجزة والسحر # ولما كانت المعجزة خرقا لقوانين الطبيعة فإنها ~~تقترب من السحر والشعوذة والمخاريق والطلسمات والحيل، ~~فهي كلها خرق لقوانين الطبيعة وهدم لبداهات العقل ~~وشهادة الحس إن حقيقة أو خيالا، واقعا أو إيهاما؛ ~~فالسحر عند البعض موجود وثابت، فيرتقي الساحر في ~~الهواء أو يقلب الإنسان حمارا؛ فالسحر قلب للأعيان، ~~وإحالة للطبائع حقيقة ليس خداعا، وكل من يثبت ~~المعجزة بهذا المعنى، فإنه يثبت السحر على هذا الأساس. # 52 # ولا فرق بين السحر والعين فكلاهما ثابت موجود، # 53 # وهناك عديد من الشواهد النقلية تدل على ~~وجوده، ترتكز على وقائع تاريخية محددة كانت أسباب النزول. # 54 # والسحر نوعان؛ الأول: ما يأتي من قبل ~~الكواكب من خلال الطلسمات في التأليف بين الطبائع، ~~والثاني: هي الرقى، وهو كلام مكتوب من حروف مقطعة ~~غدت قوة تثير الطبائع. # 55 # فإذا كان السحر يشارك المعجزة والكرامة في أن الكل ~~خرق لقوانين الطبيعة وهدم لبداهات ms052 العقول، أصبح الفرق ~~بينهم في الدرجة لا في النوع، فإذا كان فاعل المعجزة ~~هو الله مباشرة أو من خلال النبي، فإن فاعل السحر هو ~~الجن والشياطين؛ وبالتالي يزداد الأمر غموضا في ~~المجهول. وإذا كانت المعجزة خارج نطاق القدرة ~~الإنسانية فإن السحر يكون من مقدورات البشر، ويكون ~~الله قادرا عليه. السحر نوع من القدرة الخارقة في ~~حدود القدرة البشرية، وتمن مستمر للإنسان أن يكون ~~أقدر مما هو عليه إن استعصت عليه الحيل، وانقطعت به ~~السبل. وإذا كانت الحيلة من أنواع السحر تظل المعجزة ~~من الله والحيلة ليست كذلك، وتظل المعجزة حادثة خارقة ~~للطبيعة في حين قد لا تكون الحيلة كذلك يمكن ~~تعلمها، وهناك علم بأكمله للحيل. وإذا كانت ~~المعجزة لا يقع فيها الاشتراك بل تظل خاصية فريدة ~~للنبي، فإن الاشتراك يقع في الحيل. وإذا كانت المعجزة ~~للأنبياء وحدهم فإن الحيل لأهل صناعة الحيل. وإذا كانت ~~المعجزة تحديا لأهل الصناعة فإن الحيلة ليست كذلك لهم، # 56 # ولكن تستعمل المعجزة لغة السحر إذا كان ~~العصر عصر سحر؛ فالمعجزة إنما تأتي بلغة العصر وطبقا ~~لمستوى علومه، # 57 # ولكن يظل يغلب عليهما معا أنهما خرق ~~لقوانين الطبيعة، وتغير في جواهر الأجسام، حتى إذا ~~توجهت المعجزة أساسا إلى الجواهر يتوجه السحر أساسا ~~إلى الأعراض. # 58 # وبالرغم من أن الكرامة أيضا كالمعجزة ~~وقضاء حاجات، ولا تظهر إلا على ولي تقي فاضل، فإن ~~السحر شر لا يظهر إلا على فاسق؛ فالتعارض بين ~~الكرامة والسحر مثل التعارض بين الخير والشر. # 59 # وطبقا لهذه الفروق بين المعجزة والكرامة ~~من ناحية والسحر من ناحية أخرى لا تكون المعجزة سحرا. # 60 # والحقيقة أن الفرق بين المعجزة والسحر ليس كبيرا، ~~ما دام كلاهما خرقا لقوانين الطبيعة وإنكارا لبداهات العقل. # 61 # كلاهما يقوم في الشعور على بناء واحد، ~~وكلاهما يؤدي وظيفة واحدة. وإن اعتبار المعجزات حيلا ~~ومخاريق رد فعل طبيعي على اعتبارها وقائع حدثت ~~بالفعل، فكل منهما رد فعل على الآخر، وهي في ~~الحقيقة صور فنية للتأثير على النفوس والإيحاء بالمعاني. # 62 # إن الطبائع ms053 لا تتغير لا بفعل المعجزة ولا ~~تحت أثر السحر. هناك خواص للأشياء لا يمكن التحايل ~~عليها أو سحرها إلا بخداع الحواس والإيهام. ليس هناك ~~عين أو رقى؛ فالعين مجرد حدوث شر للآخر بناء على ~~استكثار الخير له، ودون هذا الحكم النفسي من الذات فلا ~~حكم بالشر على الواقع. أما بالنسبة للرقى فلا وجود ~~لقدرة للكلام الكتابي المدون، مقطعا في حروف أو ~~مجمعا في جمل. لا أثر للكلام إلا من خلال الصوت ~~والتعبير والجهر بالقول، أو بتنفيذه في أحكام عملية ~~وسلوك فعلي. وقد قامت إحدى الحركات الإصلاحية من قبل ~~برفض الرقى والتماتم والأحجبة. إن ما يسمى سحرا هو ~~تفاعل كيميائي في الظواهر الطبيعية، طبقا لقوانين ~~التفاعل التي يسميها الجاهل بها سحرا، كما أن ~~الحقائق تقوم على التمييز بين الواجب والممكن ~~والمستحيل، وهي من بداهات العقول. السحر كالمعجزة نفي ~~لقوانين الطبيعة، وزعزعة لثقة الشعور بالطبيعة والعقل، ~~وجعله خاضعا لصاحب السلطة والأثر. # | رابعا: تطور النبوة # لم يظهر الوحي مرة واحدة، بل وقع على مراحل؛ لا توجد إذن ~~نبوة واحدة، بل عدة نبوات متتالية منذ أول الأنبياء وهو أول ~~البشر، آدم، حتى آخر الأنبياء، دون أن يكون آخر البشر، محمد. ~~فما الصلة بين مراحل الوحي السابقة؟ وما الصلة بين هذه المراحل ~~جميعا وآخر مرحلة التي بها خاتم النبوة؟ ما صلة السابق ~~باللاحق واللاحق بالسابق؟ هل صلة تقدم واكتمال، تغير ~~وثبات، تطور وبناء؟ # وقد سمى القدماء ذلك «النسخ»، ولا يعني النسخ فقط تبديل ~~آية بدل آية، كما هو الحال في آخر مرحلة من مراحل الوحي، بل ~~ظهور وحي تابع لوحي آخر، وظهور نبوة بعد نبوة. يعد النسخ ~~هنا بين مرحلة وأخرى، وليس بين آية وآية داخل نفس المرحلة. هو ~~النسخ العام وليس النسخ الخاص، نسخ النبوة وليس نسخ الآية، نسخ ~~المسيحية لليهودية، ونسخ الإسلام للمسيحية مثلا. والنسخ لا ~~يكون إلا في الشرائع والنظم والعبادات والأعراق، أما في ~~العقائد فلا يوجد نسخ؛ فالقوانين النظرية واحدة لا تتبدل، أما ~~كيفية ممارساتها وتطبيقاتها وصياغاتها في قوانين وتشريعات، فهي ms054 ~~التي يقع فيها النسخ. لا يعني النسخ إذن الإبطال والإزالة، بل ~~يعني التطور والتقدم وتكييف الشريعة طبقا لدرجة تقدم الوعي ~~البشري في الأصول والفروع، ودفعها درجة أخرى إلى الإمام ~~إسهاما في عملية الإسراع في التطور؛ من أجل الوصول إلى تحقيق ~~الغاية من الوحي، وهو استقلال الوعي الإنساني عقلا وإرادة، في ~~حين أن النسخ في آخر مرحلة يتوجه فقط إلى الفروع دون ~~الأصول. # ولم يقتصر القدماء على ديانات الوحي المذكورة فيه فحسب، بل ~~ضموا إليها الديانات البشرية الأخرى، التي قد تكون في أصلها ~~نبوات إلهية، أو تكون نبوات إنسانية صرفة؛ لذلك لا يقتصر ~~القدماء على الحديث عن اليهودية والمسيحية والإسلام كبرى ~~المراحل، بل أيضا عن البراهمة والصابئة والمجوس، خاصة وأن ~~لهم مواقف بالنسبة لديانات الوحي، ويعترفون بأنبيائهم ويقرون بنبواتهم. # 1 # وقد تعرض القدماء للفرق والديانات التي عرفها ~~العرب والمسلمون؛ فاليهودية والمسيحية فرق عربية، ولا شأن ~~لها باليهودية والمسيحية كما عرفها الغرب بعد ذلك، ثم نقلنا ~~نحن معرفتها بهم منه، اللهم إلا إذا كان هناك استمرار بين ~~الفرق العربية القديمة والفرق الغربية الحديثة. الفرق ~~اليهودية والمسيحية هي الفرق داخل الحضارة وليس خارجها، ~~وكذلك البراهمة والصابئة والمجوس هي الفرق التي عرفتها ~~الحضارة وانتشرت داخلها بعد أن تحول أصحابها إلى الدين ~~الجديد، أو بقى البعض منهم على دياناتهم القديمة، أو عرفها ~~المسلمون فقط تاريخيا إثر الترجمة ومعرفة ديانات الأمم ~~السابقة ومللها، سواء كانت بلادها مفتوحة أو لم تفتح بعد، ~~واقتصر الأمر على نقل تراثهم. وأخذ القدماء معارفهم عن ~~الديانات القديمة من مصادرها الأولى؛ أي من الكتب المقدسة ~~لكل دين وملة، وليس من كتب تاريخ الفرق القديمة، أو رواية ~~وسماعا دون التحقق من المصادر؛ وبالتالي فإن معرفتهم بها ~~موثقة، وليست كمعرفتنا نحن بآراء الخصوم وفرق المعارضة، ~~التي لا نعلمها في الغالب إلا من كتب تاريخ الفرق التي ~~كتبتها الفرق الناجية. ويثبت القدماء نبوة كل الأنبياء وكل ~~مراحل الوحي السابقة؛ دفاعا عن اكتمال الوحي وشموله ضد ~~منكري إحدى مراحله نيابة عن باقي الفرق، فكأنهم يقومون ~~بعملهم ms055 وبعمل غيرهم، وكأن آخر مرحلة هي الأمينة على شمول الوحي ~~واكتمال النبوة، وهي القادرة على تبني الوحي في تمامه وكماله ~~حرصا عليه، وليس دفاعا عن قوم أو ملة أو عنصر أو جنس، ~~وتنكرا للأقوام والملل والشعوب الأخرى؛ فكل ملة تقطع ~~مراحل الوحي وتوقفه عندها، وآخر مرحلة تعترف بالمراحل ~~جميعا، ولا توقف الوحي إلا عند اكتمال النبوة وتحقق غاية ~~الوحي في التاريخ، وقد قام بذلك البعض دون البعض، سواء في نشأة ~~الحضارة أم في ذروتها، في المشرق أو في المغرب؛ فقد بدأت الأمم ~~المغلوبة بعد الفتح التوجه إلى الدين الجديد من الخلف، بعد أن ~~عجزت عن مواجهته من الأمام بنشر دياناتها السابقة وعقائدها ~~القديمة في حضارة تقوم على التسامح الديني والحوار الفكري ~~وتعدد الأديان. # 2 ~~(1) هل يستحيل النسخ بين المراحل؟ # إذا كان من الممكن تناول موضوع النبوة إمكانا ~~ووقوعا على نحو نظري خالص، فإنه يصعب فعل ذلك حين ~~الحديث عن تطور النبوة؛ فما دام الأمر مع التاريخ فلا بد ~~من أسماء أنبياء وأسماء فرق ومذاهب، ويتحول علم أصول ~~الدين بالضرورة من علم للعقائد إلى علم للفرق. وتطور ~~النبوة إنما يعني بتعبير اصطلاحي «النسخ»؛ فالتطور يعني ~~المراحل، والنسخ هو أحد أشكال العلاقات بين هذه المراحل. ~~ولما كانت النبوة متطورة، وكان الوحي قد وقع على مراحل ~~عدة، كان من الضروري أولا إثبات النسخ ضد منكريه وهم ~~اليهود، وتنكر اليهود النسخ لأنها تتضرر منه مرتين؛ مرة ~~بنسخ المسيحية لليهودية، ومرة بنسخ الإسلام للمسيحية؛ ومن ~~ثم كانت المحاولات لإثبات النسخ (بالإضافة إلى التحريف ~~الذي تشارك فيه المسيحية) موجهة أساسا ضد اليهود مع ~~تعديد فرقهم المختلفة، وهم قسمان؛ القسم الأول أبطل ~~النسخ ابتداء كاستحالة عقلية ولم يجعله ممكنا؛ إذ ~~يستحيل أن يأمر الله بشيء وينهى عنه، فينقلب الحق باطلا ~~والباطل حقا، وتتحول الطاعة إلى معصية والمعصية إلى ~~طاعة، ويوقع الله في الجهل والندم، ويحدث تغيرا في ~~العلم الإلهي، وتقلبا في الإرادة الإلهية، وهو سؤال ~~البداء: هل يجوز البداء على الله؟ ولكن نظرا لاختلاف ~~الفرق اليهودية فيما ms056 بينها حول النسخ فيما يتعلق بأي ~~النبوات تنسخ، فلم تفصل في هذه الحجة الأولى، حجة ~~البداء، ولكن فصلت فيها الفرق الإسلامية المنكرة ~~للنسخ طبقا لهذه الحجة النظرية المبدئية. # 3 # والقسم الثاني أجاز النسخ، ولكنه أنكر وقوعه ~~في نبوته وإن وقع في نبوات الآخرين، واعتمادا على حجة ~~نقلية من موسى يحرم فيها وقوع النسخ في التوراة. الفرق ~~اليهودية كلها تثبت النسخ، ولكنها تختلف في المنسوخ ~~ومداه ووجهته. # إن جواز النسخ عقلا وعدم وقوعه نقلا يجعل العقل ~~معارضا للنقل، كما يجعل الجواز العقلي فارغا بلا مضمون ~~ما دام لا يقع، في حين أن الجواز العقلي والإمكان الواقعي ~~شيء واحد، والاعتماد في ذلك على النقل يضعف من الجواز ~~العقلي، فالمعارض العقلي أقوى من النقل؛ وبالتالي إن ~~نقل عن موسى قوله إن شريعته آخر الشرائع فإنه يكون ~~معارضا بالعقل؛ لأن نبوة موسى إحدى مراحل الوحي، وهناك ~~فرق بين وقوعه سمعا وعدم وقوعه نقلا؛ فقد يقع سمعا ولا ~~ينقل، وعدم نقله لا ينفي عدم وقوعه، فإن وقع ونقل؛ أي ~~فإن قاله بالفعل فقد يعني ذلك مجازا بأن شريعته شريعة ~~عظيمة، وأنه ليس في الشرائع أعظم من التوراة. والتوراة ~~بالفعل لا تنسخ؛ لأنها تحتوي على مجموع القيم الإنسانية ~~العامة، وأعيد تثبيتها في شريعة عيسى كليا وفي شريعة ~~الإسلام جزئيا. ويمثل هذا القول خطورة أعظم إذا ما تم ~~الانتقال من نسخ الشرائع إلى نسخ النبوات، ومن عظمة ~~التوراة وشريعتها التي لا تنسخ إلى إنكار النبوات ~~التالية لموسى، مثل نبوة عيسى ونبوة الإسلام. ويبدو أن ~~الهدف من إنكار النسخ ليس التمسك بشريعة التوراة اعتمادا ~~على قول موسى، بل إنكار لنبوتي عيسى والإسلام؛ لأن من ~~اليهود من يقر بنبوات تسعة عشر نبيا بعد موسى. وقد ~~يكون الدافع الأول والأخير هو إنكار نبوة الإسلام، وليس ~~نبوة عيسى الذي يثبت شريعة التوراة ويعمل بها، ولكن فقط ~~يجددها من الداخل ويعيد إليها روحها وتقواها الباطنية، ~~فلو جازت نبوة الإسلام لجاز نسخ الشرائع قبله؛ وبالتالي ~~تبطل شريعة التوراة مع أن نبوة الإسلام تثبتها. ms057 والنسخ ~~في الحقيقة ليس رفعا، بل تبديل حكم بحكم آخر مثله أو خير ~~منه، وكل نظرة تراثية تأخذ بأقوال الأحبار فإنها ترفض ~~النسخ، فالنسخ تجديد في حين أن أقوال الأحبار تقليد. # 4 # وقد ينكر نسخ الشرائع عقلا وسمعا؛ فنسخ الشرائع محال ~~عقلا وجاء السمع بتأكيد حكم العقل. وهو موقف أكثر اتساقا ~~من جواز النسخ عقلا وامتناع نقله سمعا. وتقوم الاستحالة ~~العقلية على بعض المقولات الإسلامية التي كانت سائدة ~~بالأندلس، سواء عند بعض الفرق الإسلامية، مثل البداء ~~وتجويز الجهل على الله، أو في علم أصول الفقه باستحالة نسخ ~~الأشياء قبل امتثاله وقت فعله، فالشريعة اليهودية كانت ~~متمثلة منذ موسى، وكان وقت فعلها قد حان، ومثل نسخ ~~الأخف بالأثقل على سبيل العقوبة للمكلف، وشريعة عيسى ~~وشريعة الإسلام ليست بأثقل من شريعة التوراة إن لم تكن ~~أخف. ويظهر الأثر الإسلامي على هذه الفرقة اليهودية في ~~أخذها التوراة وحدها وما في كتب الأنبياء، وتكذيب أقوال ~~الأحبار. أما النقل عن موسى فسنده ضعيف، وإن صح فمعناه ~~مشروط بعدم خلو نبي آخر، فإن بطل استحالة النسخ عقلا ~~وشرعا صح جوازه. # 5 # وقد يكون الهدف من النسخ التوقف عند مرحلة دون مرحلة، ~~والاعتراف بنبي وإنكار نبي آخر، وهو ما يعارض مسار ~~التطور والهدف من توالي النبوات. قد تعظم مرحلة بالنسبة ~~إلى أخرى، وقد تشير مرحلة إلى تغير كيفي بينما تشير ~~الأخرى إلى مجرد تغير كمي؛ لذلك كانت نبوة موسى وهارون ~~ويوشع لا يمكن إنكارها؛ فموسى صاحب التوراة، وهارون صاحب ~~المعبد والخلافة، ويوشع غازي الأرض والآخذ بيد اليهود من ~~التيه والمستقر في فلسطين. فبينما تقصر النبوة لقصورها ~~على أنبياء «الشريعة والأرض» توسع لتصبح كل من تظهر ~~عليه المعجزات من أجل رد الاعتبار لباقي الأنبياء من بني ~~إسرائيل، ثم تعتبر المعجزات في حالة عيسى ومحمد حيلا ~~ومخاريق تبطل نبوتيهم، ثم يستثنى عيسى كنبي صادق بأنه ~~لم يظهر بعد، وأنه سيظهر في نهاية الزمان. ونهاية الزمان ~~على الأرض؛ لأنه لا يوجد بعث وحياة بعد الموت. ونظرا ~~للخلاف التاريخي حول التوراة، ms058 فقد يكون لكل فرقة توراتها، ~~تقرأ فيها عقائدها، وترى فيها نفسها، فالتوراة هي السجل ~~التاريخي لكل فرقة. أما أرض المعاد فالشام وليس فلسطين، ~~ونابلس وليس القدس، ما دام سليمان ليس نبيا؛ مما يدل على ~~أن القدس لم يكن لها هذه الدلالة التي لها الآن في ~~اليهودية، لا قبل سليمان ولا بعده. # 6 # ويمكن الاعتراف بنبوات المراحل السابقة، بشرط ألا تكون ~~نسخا لبعضها البعض، وكأن نبوة وحي مستقل بذاته، وليست ~~حلقة في مسلسل النبوات؛ وبالتالي تنتفي الحكمة من التسلسل، ~~ألا وهو تطور البشرية وارتقاؤها من مرحلة إلى أخرى. كل ~~نبوة مستقلة بذاتها؛ وبالتالي لا يحدث تراكم كمي يؤدي إلى ~~تغير كيفي، ولا يحدث تواصل بين النبوات، وتبدأ كل نبوة ~~من الصفر ومن حيث بدأت الأولى لدى شعب آخر؛ وبالتالي ينتهي ~~خط التقدم الذي يخترق النبوات، أو على الأقل يغيب التصور ~~الحلزوني لها الذي يجمع بين الدائرة والخط، بين العود ~~الأبدي والتقدم. وكل نبوة محدودة بقوم وجنس، وليست عامة ~~للبشر جميعا، ولا توجد نبوة واحدة قادرة على اختراق حدود ~~القومية والجنس بما في ذلك اليهودية؛ فالنبوة خاصة وليست ~~عامة، فإذا كان النسخ جائزا عقلا ولكن غير واقع عملا، ~~فإنه يكون بلا فائدة، ويكون الجواز العقلي مجرد افتراض ~~صوري لا أثر له ولا فاعلية فيه، فإذا ما تم الاعتراف ~~بنبوتي عيسى ومحمد، كل منهما لقومه، عيسى لبني إسرائيل، ~~ومحمد لبني إسماعيل (وأيوب لبني عميص، وبلعام لبني مواب)، ~~فإنهما لا ينسخان شريعة موسى، فلا تواصل بين النبوات، ولا ~~أثر لأحدهما على الأخرى. ولما كان عمر الدنيا قصيرا لا ~~يتحمل التغيير والتبديل، ونسخ شريعة وإحلال أخرى، ظلت ~~شريعة موسى باقية، وكأن الحياة تعني الثبات دون التغير، ~~وكأن حياة الإنسان وسيلة وبقاء الشريعة غاية. والحقيقة أن ~~التواصل بين النبوات، ونسخ الشريعة المتقدمة للشريعة ~~السابقة، اعتراف بوحدة الوحي وتطوره حتى اكتماله في خاتم ~~النبوة التي تصبح عامة للناس كافة. إن عموم الرسالة لا ~~ينقض خصوص النبوة، كما أن خصوص النبوة لا يعارض عموم ~~الرسالة، فما من قوم ms059 إلا وفيهم نذير، وقد يكون لقوم واحد ~~رسولان، وفي هذه الحالة يتفقان في الشريعة، وقد يكون رسول ~~في قوم دون قوم، وقد يظهر رسول عند قوم ورسول آخر عند ~~آخرين، وفي هذه الحالة لا يؤدي اختلاف الزمان إلى اختلاف ~~في الواجبات العقلية، فإذا كان عموم الرسالة مشروطا ~~بالتبليغ بالرغم من خصوصية النبي وقومه، إلا أن هناك ~~رسالات عامة حملها أنبياء للناس جميعا؛ فقد كانت نبوة آدم ~~إلى جميع ولده الذين أدركوه، وكانت نبوة إدريس لجميع الناس ~~في عصره، وكانت نبوة نوح أيضا كذلك، وإلى ما بعد الطوفان، ~~إلى أوان النبي الذي بعده، حتى لا يخلو البشر من رسالة، ~~وكانت نبوة إبراهيم إلى الناس كافة، ومنها رسالة محمد إلى ~~البشر كافة والذين نعرفهم في الدنيا. # 7 # وقد يثبت النسخ لأن فيه فائدة للملة، وتنكر نبوة ~~محمد لأن فيها إنكارا لها. وهذا موقف متناقض تتعارض ~~نتائجه مع مقدماته؛ فإثبات النسخ يتضمن التسليم بتطور ~~الوحي وباكتمال النبوة؛ أي بنسخ كل مرحلة لاحقة للمرحلة ~~السابقة، وبنسخ المرحلة الأخيرة للمراحل السابقة كلها، ~~ونفي النسخ يجعل من المراحل السابقة مجرد تمهيدات وإرهاصات ~~لها، وأن أنبياء بني إسرائيل ما هي إلا صور مكررة ~~ومصغرة للصور الكبرى الفريدة، السيد المسيح. # 8 # ويمكن اختيار إحدى مراحل النبوة، واعتبارها هي النبوة ~~كلها طبقا للاتفاق في المزاج والهوى، وتقوم بذلك الديانات ~~التاريخية التي تختار النبوات التي تتفق معها، ثم تختزل ~~باقي المراحل فيها؛ فقد تكون النبوة لآدم وحده دون غيره من ~~الأنبياء، فآدم هو الإنسان الأول وهو النبي الأول، وبعد ~~ذلك تستطيع الإنسانية أن تسير بمفردها برسالة التوحيد ~~والعدل؛ أي بالعقليات دون السمعيات، والعقليات جوهر ~~العقيدة وأساسها، ودون أن يتلقى آدم رسالة، فقد يكون ~~معذورا إذا كان جحودا ناكرا؛ لأنه لم يأته نذير. أعطت ~~النبوة الأولى دفعة أولى للإنسان علما وخلقا؛ # وعلم آدم الأسماء ~~كلها ~~. وإذا كانت النبوات جوهرها واحد فلم ~~التكرار؟ ليست الشرائع جوهر التوحيد، والإنسان قادر على ~~صياغة شرائعه طبقا للظروف، ولكن التوحيد غير متطور؛ ~~وبالتالي فلا نبي إلا ms060 آدم. # 9 # والحقيقة أنها نظرة مثالية طوباوية، تجعل ~~الخاص عاما، وترى أن الإنسانية قادرة على التعليم من ~~نبوة واحدة، وأن الحقيقة النظرية لها الأولوية على التشريع ~~العملي، ولكن في واقع الأمر تحتاج الإنسانية إلى نبوات ~~متتالية؛ حتى تتعلم من تجارب الصواب والخطأ، وحتى تتراكم ~~عندها الخبرات، وحتى تتسع دائرة الخاصة أكثر فأكثر، وتقل ~~دائرة العامة. وقد يتم اختيار إبراهيم وحده دون غيره؛ ~~فإبراهيم أبو الأنبياء، صاحب التوحيد الطبيعي ومؤسس دين ~~الفطرة؛ دين العقل والحنفاء، دين الأخلاق والعمل الصالح ~~والتقوى الباطنية. ولما كان الإسلام دين إبراهيم، الحنيفية ~~السمحة، كان الدين واحدا، والنبوة واحدة؛ الدين الشامل ~~للإنسانية جمعاء، وإن إبراهيم بمفرده كان أمة، ومن يرغب عن ~~دينه فإنه لا يكون موحدا. # 10 # وهي نظرة طوباوية توحد بين الخاصة والعامة، ~~بين الحكيم والناس. وكم في البشر من إبراهيم؟ وكم من الناس ~~يوحدون على الطبيعة اعتمادا على العقل واستئناسا ~~بالفطرة؟ وإذا كان البراهمة يرفضون نبوة موسى وعيسى، ~~فالتوحيد الطبيعي ليس في حاجة إلى خلاص ولا إلى تشريع، فإن ~~المانوية تثبت نبوة عيسى لإشراقه في النفس، كمعلم ~~داخلي، والذي لا يحتاج الإنسان معه إلى تشريع. والحقيقة أن ~~كل محاولة لإثبات النبوات اللاحقة بعد النبوة السابقة هي ~~في نفس الوقت دليل لإثبات تطور النبوة في آخر مراحلها ~~حتى خاتم النبوة. # 11 # وقد تتوقف النبوة على شيث وإدريس وعلى ~~كتابيهما، بالرغم من التظاهر بالاعتراف بنبوة عيسى، حتى ~~يعتبروا كالنصارى في الحقوق الاجتماعية. # 12 # وقد تقتصر النبوة على زرادشت. ولما ضاع معظم ~~أجزاء كتابه التي بها الشرائع، تحول الدين المجوسي إلى ~~دين سري لا يباح منه بشيء، ودخلت فيه الأساطير التي تتحدث ~~عن وحدة أول البشر وأول الرسل مثل آدم. فلما قتله الشيطان ~~خرج من صلبه نطفة غاصت في الأرض ونبتت منها يباستان، ~~فصارتا ذكرا وأنثى؛ أصل البشر جميعا. فإذا سهل فهم ~~اختزال النبوات على بعض الأنبياء العظام، آدم وإبراهيم، ~~فإنه يصعب قصرها على أنبياء للديانات التاريخية تعارض ~~العقل والطبيعة، وتكون أكبر حجة على حاجة الإنسانية إلى ~~نبوات ms061 حتى يرقى وعيها ويستقل عقلا وإرادة. # 13 ~~(2) جواز النسخ بين المراحل # وقد تحول موضوع النسخ بين المراحل في العقائد ~~المتأخرة إلى أحد موضوعات الإيمان، من حيث الكم وإن لم ~~يكن من حيث الكيف، من حيث العدد وإن لم يكن من حيث ~~الدلالة، من حيث التراكم والتكرار وإن لم يكن من حيث ~~المعنى والتطور. فيجب معرفة الرسل المذكورة في القرآن ~~تفصيلا وغيرهم إجمالا. هناك إذن مجموعتان من الأنبياء ~~والرسل، مجموعة لم يذكرها القرآن ومجموعة أخرى ذكرها، فعدد ~~الأنبياء والرسل في الواقع أكثر بكثير مما ورد في القرآن، ~~فلا توجد أمة إلا خلا فيها نذير، ولكن القرآن قص البعض ولم ~~يقصص البعض الآخر. # 14 # ربما قص ما هو مخزون في الوعي العربي، وما ~~يتناقله الناس، وما ترسب في أذهانهم، خاصة إذا كانوا ~~موضع تبجيل واحترام مثل إبراهيم، وربما قص ما له دلالة ~~أكثر من غيره حتى يتم التركيز على بعض النماذج المثالية، ~~كما هو الحال في أصول الأحكام، ثم قياس الفروع عليها ~~لاشتراك معها في العلة أو الدلالة، وربما قص البعض رغبة ~~في الاختصار، فيستحيل ذكر عشرات الآلاف من الأنبياء ~~والرسل، وإلا كان مجرد سجل تاريخي لا يستوعبه الناس، ولا ~~يدركون دلالته، واستحال حفظه، وتحول الوحي إلى سجل ~~للتاريخ وحوليات له. # 15 # فإذا أمكن معرفة مجموعة الأنبياء والرسل التي ~~ذكرها القرآن، فكيف يمكن معرفة المجموعة الأخرى خارج ~~الإشارة العامة عن وجودهم استنباطا من القرآن، وخارج ~~الإشارة إلى عددهم في الأحاديث رغم تفاوتها في درجة الصحة ~~التاريخية؟ هل للأرقام المذكورة مثل 100024 صحيح؟ هل له ~~دلالة رمزية؟ وهل يمكن استنباط أن عدد الأمم السابقة هو ~~مثل هذا العدد، ما دامت كل أمة لها نبي أو رسول؟ وما هي ~~هذه الأمم والأقوام والمجتمعات وأين كانت؟ وماذا كانت ~~نبوات الأنبياء ورسالات الرسل؟ وهل اندثرت كلية أم ما ~~زالت باقية آثارها؟ وهل منها خارج بني إسرائيل والعرب؟ هل ~~منهم من ظهر في شعوب آسيا؛ الصين والهند وفارس؟ هل منهم ~~لاوتزي وكونفوشيوس وبراهما وماني؟ هل منهم حكماء ms062 الصين ~~والهند وأنبياء فارس الذين نادوا بالتوحيد وبالعمل الصالح ~~وعزفوا عن الدنيا وزكوا الروح؟ هل ظهر البعض في أفريقيا ~~أو في الأمريكتين؟ وما أكثر الديانات في القارات الثلاث ~~والحضارات التي قامت على أسسها؟ وإذا كان أولو العزم من ~~الرسل المذكورة في القرآن، فهل يمتد الأمر ويتسع ويصبح ~~كل زعيم وقائد ومرشد وكبير للقوم وساحر ومعلم وفاضل ~~نبيا أو رسولا؟ هل يصبح كل من يحمل دعوة أو رسالة ~~نبيا، وكل محارب ومقاتل ومجاهد وقائد ورئيس ~~رسولا؟ # والخلاف عند القدماء في عدد الأنبياء والرسل يتراوح بين ~~100024 على أكثر تقدير، وبين خمسة وعشرين على أقل تقدير، ~~فالعدد الأول لا سند له إلا الرواية التي قد تصح وقد تضعف ~~تاريخيا، وقد يكون للعدد مدلول رمزي غير مألوف بتركيبه ~~وإن كان مألوفا بجمع أعداده؛ 4 + 2 + 1 = 7، والرسل منهم ~~313 معتمدا على نفس السند الظني، وله نفس الدلالة ~~الرمزية؛ 3 + 1 + 3 = 7، وقد يكون لذلك سند تاريخي آخر، ~~وهو عدد الذين جاوزوا النهر مع طالوت في قتل جالوت، وعدد ~~أصحاب النبي في غزوة بدر، وإلى هذا الحد تبلغ نسبة الرسل ~~من الأنبياء 1 : 3195 تقريبا، وكأن العقائد النظرية وفي ~~مقدمتها التوحيد أصعب بكثير في الاقتناع بها من الشرائع ~~العملية ، ولكن هناك اتفاق على أن أولهم آدم وأن آخرهم ~~محمد، وعلى أن الكتب أربعة؛ التوراة على موسى، والزبور على ~~داود، والإنجيل على عيسى، والفرقان على محمد، # 16 # وهناك شبه إجماع على أن العدد الأصغر وهو 25 ~~هم الأنبياء والرسل المذكورة في القرآن تفصيلا، وكأن نسبة ~~ما ذكر القرآن إلى نسبة ما لم يذكر القرآن 1 : 4001، وكأن ~~القرآن لم يذكر شيئا على الإطلاق، وذلك يدعو إلى مزيد من ~~التشكك في صحة العدد الكبير الأول. # 17 # ولا يوجد تفضيل ~~نبي على آخر أو رسول على آخر، بل هناك مراحل كمية وكيفية، ~~أساسية وفرعية، تطور مستمر وتطور منكسر؛ أي تطور ~~وثورة في تاريخ النبوة ومسار الوحي. ليس التفاضل بين أشخاص ~~الأنبياء، بل بين رسالاتهم كمراحل متتالية لتطور وحي ms063 ~~واحد؛ فتفاضل الرسالات ليس من حيث القيمة، بل من حيث ~~درجتها في تطور الوحي في التاريخ، وقد يتجاوز التفضيل ~~إلى إنكار النبوات أو بعضها، أو يخف إنكارها ويتحول إلى ~~تفضيل، وفي كلتا الحالتين يدل الاختزال أو التفضيل على ~~شعوبية أو قومية، وتعصب كل ملة لأنبيائها والتضحية بكمال ~~الوحي ووحدته من خلال التطور. ومن الطبيعي أن تعتبر كل ملة ~~نبيها آخر الأنبياء وأن لا نبي بعده، أو أن نبيها أفضل ~~الأنبياء وأن لا نبي أفضل منه، وهو على رءوسهم يوم القيامة ~~شهيدا عليهم جميعا. وما هو مقياس التفضيل؟ هل هي طريقة ~~مخاطبة الله للنبي سواء مباشرة أو بواسطة وأفضلية الأولى ~~على الثانية؟ النبوة الرأسية؛ أي صلة الله بالنبي وطريقة ~~الاتصال به لا شأن لنا بها، ولا يمكن معرفتها أو التحقق ~~من صدقها، وما يهمنا هو النبوة الأفقية؛ أي صلة النبي ~~بالأجيال التالية وتبليغها الرسالة وحفظها صحيحة تاريخية ~~بمناهج نقل مضبوطة شفاها أم كتابة، وقد تكون الواسطة ~~أفضل؛ لأنها تدل على رقي أعظم من حيث التنزيه لله ودرجة ~~التطور في النبوة؛ فالاتصال بلا واسطة يعني التشبيه (النار ~~مثلا) في حين أن الواسطة تعني التنزيه (الملك). وهل يكون ~~مقياس التفضيل الأبوة والبنوة ونسب الرسول وسلالته؟ قد ~~يخرج الابن الكافر من الأب المؤمن ، أو الابن البار من الأب ~~العاق. ولا يكون المقياس المعجزات أو الكرامات كيفا أو ~~كما؛ فخاتم الأنبياء ليس له معجزات، وليست المعجزة ~~بالمعنى القديم؛ أي خرق قوانين الطبيعة دليلا على صدقه، ~~وإلا كان عيسى من هذه الناحية صاحب أكبر قدر ممكن من ~~المعجزات، واعتبار خاتم الأنبياء صاحب معجزات بالمعنى ~~القديم هو قراءة للماضي في الحاضر، وليس قراءة الحاضر في ~~الماضي، وإسقاط المعنى القديم للمعجزة على المعنى الجديد ~~لها، وليس قراءة المعنى القديم للمعجزة وتفسيره بالمعنى ~~الجديد لها. المعجزة الجديدة في الإبداع الأدبي الفكري في ~~النظم والتشريع، في النظر والعمل، في العقيدة والشريعة. ~~ولا يكون مقياس التفضيل أيضا درجات الثواب، ومراتب الجنة ~~التي لم تقع بعد، والتي لا نعلم عنها شيئا، والتي ms064 هي ~~نتيجة للأعمال، ولكن قد تكون مقاييس التفضيل الخصوص ~~والعموم في الرسالة طبقا لمراحل الوحي؛ فالمرحلة السابقة ~~للخاصة والمرحلة اللاحقة للعامة. قد تكون درجة الانتشار ~~ومقدار النفع الذي تحققه النبوة في التاريخ؛ فكلما كان ~~انتشارها أوسع ونفعها أكبر كانت أقرب إلى الفطرة والعقل، ~~وبالتالي أقرب إلى خاتم النبوة واكتمال الوحي. وقد يكون ~~المقياس هو رتبة النبوة وليس النبي، ودرجة الرسالة وليس ~~الرسول في تطور الوحي، في البداية أم في النهاية، أبعد ~~عن الاكتمال أو أقرب إليه؛ فالفضل يرجع إلى الرسالة وليس ~~إلى شخص الرسول، وأواخر الأنبياء أقرب إلى اكتمال النبوة ~~من أوائل الأنبياء. # 18 # وقد يكون التفضيل أحد وسائل تقليص عدد الأنبياء والرسل ~~في خمسة وعشرين نبيا ورسولا إلى خمسة فقط، وهم أولو ~~العزم من الرسل، وهم الأنبياء والرسل الذين أصبحوا قادة ~~أمم وزعماء شعوب، وحولوا الرسالة من النظر إلى العمل، من ~~العقيدة إلى الشريعة، وجعلوا الوحي دولة ونظاما للعالم. ~~هم أكثر من الصابرين على البلاء، ذوو الحزم والجد والصبر، ~~نجباء الرسل، بل هم المأمورون بالجهاد وبالقيادة، ~~والقادرون على الزعامة المؤهلون للرياسة، أصحاب السياسة، ~~ومنهم خاتم النبوة، وقد كانت القيادة لشعبين؛ اليهود، ~~فلما فشلت أصبحت للعرب؛ لذلك قد يكون عشرة منهم أولو ~~العزم؛ خمسة عند اليهود وخمسة عند العرب. # 19 # فإذا كان نوح وإبراهيم وموسى ومحمد أنبياء ~~زعماء، ورسلا قادة، فهل الأمر كذلك عند عيسى؟ يبدو أن ~~أولي العزم ليسوا فقط أنبياء ~~زعماء، ورسلا قادة، بل ~~هي مراحل أساسية في تطور النبوة؛ عيسى للحقيقة، ونوح وموسى ~~للشريعة، وإبراهيم ومحمد للدين الطبيعي. وقد يستبعد آدم؛ ~~لأنه لم يكن له عزم بسبب الغواية. وقد يوضع يوسف وأيوب ضمن ~~الخمسة؛ لأن كلا منهما صاحب بلاء وصمود. ويخضع ترتيب ~~الخمسة إلى التطور الزماني للوحي في التاريخ. # وآخر الشرائع ناسخة لكل الشرائع السابقة، بفعل التطور ~~وارتقاء التاريخ واكتمال النبوة. ولما كانت لا توجد شريعة ~~بعدها فهي ناسخة لا منسوخة، وباقية في التاريخ كبناء بعد ~~اكتمالها كتطور، ولا يعني ذلك استمرار تغير المصالح ~~والمنافع وبقاء الشريعة ms065 على ثباتها الأول، بل يعني أن ~~أسسها العامة أصبحت تعبر عن كمال العقل وازدهار ~~الطبيعة، وأن التغير بعد الاكتمال إنما هو في التفاصيل ~~وطرق التطبيق، وذلك متروك للاجتهاد وطرق الاستنباط. أما ~~العقائد النظرية فلا نسخ فيها، مثل التوحيد والعدل ~~والمضمون الاجتماعي للرسالة، ومستقبل الإنسانية (المعاد). # 20 # ولماذا يخرج عمل الفرد ونظام الدولة، وهما ~~الموضوعان الأخيران في السمعيات، من العقائد النظرية؟ أما ~~سؤال على أي شرع كان خاتم الأنبياء قبل البعثة فهو سؤال ~~شخصي لا يمس جوهر الرسالة، فحياة الرسول قبل البعثة ليست ~~جزءا منها، وحياته بعد البعثة تطبيق لها وليست جزءا من ~~البعثة بذاتها. ومع ذلك فالإجابة على السؤال هي أنه لم يكن ~~على شريعة سابقة، بل كان على دين الفطرة، دين العقل ~~والطبيعة، أصل دين إبراهيم، فشريعة موسى أصبحت منسوخة ~~بشريعة عيسى، وشريعة عيسى لم يتم نقلها نقلا صحيحا ووقع ~~التحريف فيها، والصحيح منها نقله رواة لم تسلم عقائدهم ~~النظرية أيضا من التبديل والتحريف، وفي مقدمتها استبدال ~~التثليث بالتوحيد، والذين سلموا من التحريف النظري قلة ~~لا يبلغ عددهم يقين التواتر. # 21 # ولا يعني اكتمال الوحي إلغاء الرسالات وإعدام الأنبياء، ~~بل يعني أن العقل هو وريث الوحي، وأن الوحي قد أكمله وبه ~~استقل الشعور، فلا يقال إن الأنبياء اليوم ليسوا أنبياء ~~ولا إن الرسل رسل، وإن رسول الله ليس كذلك الآن؛ لأن ذلك ~~خلط بين مراحل التاريخ. كان الأنبياء أنبياء وكان الرسل ~~رسلا، وأدوا أدوارهم في التاريخ، وتحققت غاية الوحي ~~المرحلية، وهم كذلك الآن تاريخيا، ولكن بطبيعة الحال، لا ~~يظهرون اليوم كأنبياء وكرسل من جديد؛ فقد تطور الزمان، ~~وتحققت الغاية، واكتملت النبوة، وأصبح العقل قادرا على ~~التمييز بين الحسن والقبيح، والإرادة حرة قادرة على ~~الاختيار؛ فالقول إذن خلط في مراحل التاريخ بين الماضي ~~والحاضر، بين الوسيلة والغاية، بين الوقوع والاكتمال، بين ~~التطور والبناء. وإذا كانت الحجة في ذلك أن الروح عرض، ~~وأن العرض يفنى أبدا ولا يبقى زمانين، فإن ذلك يكون ~~خلطا بين المستوى الطبيعي والمستوى الإنساني؛ فالروح ليست ~~عرضا ms066 بل هي جوهر مستقل، وهي ليست فانية، بل باقية من ~~حيث هي فكر، كما أنه خلط بين المرسل إليه والرسالة، بين ~~الشخص والمبدأ، فإن فني المرسل إليه فالرسالة باقية ~~تواترا عبر الأجيال، شفاها أو كتابة، نظرا أو عملا، ~~عقيدة أو شريعة، وإن انقضى الشخص فالمبدأ يتمثله الإنسان، ~~وتحققه الجماعات، وتطبقه الأمة، ويكون أساس الدولة. # 22 # وقد استطاعت الحركة الإصلاحية الحديثة إدراك تطور ~~الوحي، من خلال مفهوم التقدم، وأن مراحل الوحي الكبرى ~~تنتهي إلى كمال الإنسانية ممثلة في استقلال العقل وحرية ~~الإرادة، وتشبيه الإنسانية بالكائن الحي وأدواره من ~~الطفولة إلى الصبا ثم إلى الرجولة. هناك إذن تواز بين ~~تطور الوحي ورقي الإنسان واكتمال كليهما في آخر ~~مرحلة فيه. أخذ الوحي طابعا تجريبيا تعليميا للإنسان ~~تأكيدا على أهمية التجربة وتكييفا للشريعة طبقا لقدرات ~~الإنسان وطاقته، فإذا ما تحققت غاية النبوة اكتملت؛ ~~فالنبوة وسيلة لا غاية، والوحي طريق وليس نهاية، وتلك كانت ~~الحكمة من التطور والتدريج والمراحل؛ # 23 # لذلك تخاطب الأديان العقل والحس والوجدان؛ ~~حتى تكتمل إدراكات الإنسان، وتزدهر وسائل معرفته. تخاطبه ~~بالعقل وتطالبه بالبرهان، وتجمع بين الحس والعقل، بين ~~التجربة والمنطق، وترفض التقليد واتباع الآباء والأجداد ~~بلا برهان، وتدعو إلى الاجتهاد وإلى إعمال النظر، وتحث على ~~العلم والتفقه، وتجعل العلماء ورثة للأنبياء. ووصل العقل ~~إلى درجة من الكمال في المرحلة الأخيرة، حتى إدراك الذات ~~والصفات والأفعال، وصل إلى أعلى درجة في التنزيه ضد مظاهر ~~التأليه والتجسيم والتشبيه في المراحل السابقة. لقد كان من ~~أهم مهام الوحي توضيح اللبس في النظر، وإزالة الخلط في ~~المبادئ العامة، ورفض الشرك والتوسط والأسرار والتقاليد، ~~وكل ما يعارض العقل من وهم وظن وشك، والتأكيد على الوضوح ~~والتميز والبداهة في النظر والعمل، في العقيدة والشريعة؛ ~~مما يفسر سهولة الإسلام ويسر أحكامه وعدالة شريعته. أصبح ~~الإسلام لذلك دين الفطرة، دين العقل والطبيعة والحرية، ~~ينتشر بسهولة ويسر دون غزو أو قوة أو سيف، وفي نفس الوقت ~~أصبح الإنسان قادرا على التأثير في الطبيعة، وقادرا على ~~الاختيار الحر؛ فاستقلال العقل مطابق ms067 لحرية الإرادة، ~~وإعمال النظر متزامن مع الالتزام وتحمل المسئولية. وقد ~~ظهرت ممارسات الحرية في الواقع في نظم الحكم التي سادت ~~في الأندلس، حتى هاجر إليها يهود أوروبا هربا من ~~الاضطهاد الديني، كما ظهر في الحركات الإصلاحية الحديثة ~~الإحساس بالتماثل بين الوحي وبين ما ظهر في أوروبا في عصر ~~التنوير، من إعلاء لمبادئ استقلال الفكر وحرية الإرادة، ~~واعتماد على العقل والطبيعة، وحرص على التقدم ورؤية ~~للإنسان وللمجتمع، وبالرغم من حملة الغرب على الشرق حملة ~~واحدة إبان الحروب الصليبية لمدة مائتي عام، إلا أنهم ~~رجعوا منه بالعلم والفكر، ثم أصلحت أوروبا حالها، واعترف ~~الغرب بفضل الإسلام وما نهل منه، وما كان وراء نهضته ~~الحديثة من عقلانية وتنوير. # 24 # انتشر الإسلام بسرعة لم يعهد لها نظير في ~~التاريخ؛ لحاجة الأمم إلى الإصلاح، وتعبير الإسلام عن ~~حاجات الجزيرة العربية للوحدة والعدالة، وحاجة العالم ~~القديم إلى مثل جديدة قادرة على إعادة بناء نظمه بعد ~~تهاوي الإمبراطوريتين القديمتين، نتيجة للحروب ~~المتبادلة، وبسبب السيطرة والقهر والتدمير المتبادل. لقد ~~ثبتت الأديان مصالح الناس، وكانت دافعا على تقدمهم ~~وبقائهم في التاريخ، وأصبحت التجارب الإنسانية كلها رصيدا ~~لرقي البشرية، وتحولت الشعائر والطقوس من رموز في ~~الديانات القديمة وحركات صورية، إلى أفعال للأمة؛ للفرد ~~وللجماعة، إلى إصلاح في الأرض ومواجهة الإفساد فيها، إلى ~~أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وحفاظ على وحدة الأمة، ومنع ~~للفتن والشقاق والحروب. # ومع ذلك فلم تسلم الحركات الإصلاحية الحديثة من بعض ~~النقائص، بالرغم من تركيزها على دور النبوة في التاريخ ~~كعامل للتطور الإنساني والرقي البشري. فليست النبوة الآن ~~في حاجة إلى إثبات؛ فلا أحد ينكر النبوات، سواء في ~~مراحلها أو في المرحلة الأخيرة، والتحدي الأعظم اليوم هو ~~في تخلف الأمة، التي غاية الوحي فيها هو تحقيق التقدم في ~~مقابل أمم توقفت عند مراحل الوحي السابقة، اليهود ~~والنصارى، وأنكرت خاتم النبوة، ومع ذلك تقدمت اعتمادا ~~على العقل والطبيعة، وممارسة لحرية الإرادة، وإثباتا ~~لحقوق الإنسان والمجتمع. التحدي الآن هو الإجابة على ~~الاعتراض المشهور؛ كيف تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ أو ms068 ~~هو الفرق بين الإسلام والمسلمين وكأنهما نقيضان. لقد عرف ~~الغرب الإنسان ووجوده في التاريخ، وهو لب علم أصول الدين ~~في بابيه الرئيسيين؛ العقليات والسمعيات. ما زالت ~~الحركة الإصلاحية الحديثة في حاجة إلى مزيد من الأحكام؛ ~~التركيز على الرسالة دون الشخص، وإعادة اكتشاف الإنسان ~~والتاريخ يتجاوز الأسلوب الأدبي والطرق الخطابية، والتحول ~~الجذري من الأشعرية إلى الاعتزال، ثم من الاعتزال إلى واقع ~~المسلمين؛ حتى لا يظل سوء توزيع ثرواتهم مؤسسا على ~~التفاوت في الرزق بقدر من الله، ولا يبقى للإنسان إلا ~~الإحسان لأخيه الإنسان. # 25 ~~(3) النسخ في آخر مرحلة # ويمتد موضوع النسخ من تطور الوحي وعلاقة كل مرحلة ~~سابقة بمرحلة لاحقة، إلى آخر مرحلة وتطورها على مدى ثلاث ~~وعشرين سنة، منذ بداية الوحي حتى آخره. فإذا كان النسخ ~~الأول بين المراحل هو النسخ الخارجي، فإن النسخ داخل آخر ~~مرحلة يكون هو النسخ الداخلي. غاية النسخ بين المراحل هو ~~إحداث تقدم في البشرية، بينما غاية النسخ في آخر مرحلة ~~هو الإسراع في التطور داخل مجتمع واحد، وفي وعي بشري ~~محدد؛ فقد أصبح الإسراع في التطور من أجل اللحاق بالبناء ~~ضروريا، لدرجة أن يحدث النسخ في مرحلة واحدة؛ مما يدل ~~على سرعة التغير والتطور في المرحلة الأخيرة، كالعداء ~~الذي يسرع في آخر الخطى لينال السبق والفوز. والنسخ في ~~المرحلة الأخيرة موضوع رئيسي في علم الأصول بشقيه، علم ~~أصول الدين وعلم أصول الفقه، في الحديث عن الأدلة الشرعية ~~الأربعة؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وفي الحديث ~~عن الدليل الأول خاصة، كما ظهر في موضوع التعادل والتراجيح ~~لحل مشكلة تعارض النصوص، فلربما كان أحدهما ناسخا والآخر ~~منسوخا، بل إنه يكون موضوعا مستقلا باسم علم الناسخ ~~والمنسوخ في علوم القرآن، أو كباب في علم أصول الفقه فيما ~~يتعلق بالأخبار، إلا أن للفرق الكلامية عدة آراء فيه، ~~ولكن النسخ هنا مستمد من مادة علم أصول الدين وحده نظرا ~~للتمايز بين العلوم. # والنسخ في آخر مرحلة من مراحل تطور النبوة ليس فقط ~~جائزا، بل هو واقع بالفعل. فهو جائز إسراعا ms069 في التطور، ~~وتكييفا للشرائع طبقا لها. وهو واقع بالفعل، يرصده علماء ~~النسخ كشرط لاستنباط الأحكام. # 26 # ومع ذلك فقد يتم إنكار النسخ إلى أنه ~~«البداء»؛ أي إن الله يبدو له شيء ثم يبدو له شيء آخر، ~~فيتغير علمه وتتغير إرادته، وهو ما لا يجوز على الله. ~~وتغير العلم يعني الجهل، وتغير الإرادة تعني الخديعة، ~~وكلاهما ضد الحسن والقبح العقليين، وضد مصالح الناس؛ قلب ~~الحق باطلا والباطل حقا. # 27 # والحقيقة أن البداء ليس مشكلة موجودة في الواقع، بل هو ~~وضع لمشكلة المعرفة الإنسانية، مشكلة المظهر والحقيقة. هل ~~العلم مطابق للمظهر أم للحقيقة؟ ولما كان العلم مدفوعا ~~إلى حد الإطلاق بدافع عواطف التأليه، فإنه يكون بطبيعة ~~الحال مطابقا للواقع وللحقيقة، سواء عن وعي وهو تطور ~~العلم بناء على اكتشاف واقع جديد، أو عن لا وعي كما يحدث ~~في الإدراك الخاطئ. فإذا ثبت العلم متغيرا تكون الصفات ~~حادثة، والحدوث في الصفات أقل شرفا من القدم. النسخ أمر ~~شرعي يتعلق بأفعال العباد، وليس بصفات الله، مثل العلم أو ~~القدرة؛ لذلك كان موقف أصول الفقه أسلم بالحديث عن النسخ ~~حديثا وضعيا صرفا؛ أي التطور في الأحكام، لا شأن له ~~بالتغير أو الحدوث في صفات الله. البداء ليس مشكلة في ~~الصفات وافتراض حدوث تغير في العلم، بل هو مشكلة إنسانية ~~خالصة تتعلق بصلة الفكر بالواقع ، كما هو معروف في تاريخ ~~العلم، وفي التجارب الإنسانية القائمة على المحاولة ~~والخطأ. فإنكار البداء إنما يبقي في الحقيقة التنزيه، ولا ~~شأن له بالنسخ، أو بآثار هذا الإنكار على النسخ؛ أي على ~~تطور الحياة الإنسانية. إنكار البداء دفاع عن العلم ~~الإلهي ضد الجهل، ودفاع عن الله وعلمه الضروري غير ~~المكتسب أو المستفاد، دفاع عن العلم الاستنباطي، واعتبار ~~العلم الاستقرائي حطة في شأن العلم الإلهي، دفاع عن العلم ~~الثابت؛ لأن العلم المتجدد تغير ونقص. # 28 # فإذا كان علم الله تابعا لتغير الواقع يكون السؤال: هل ~~علم الله على شرط؟ والإجابة نفيا تثبت العلم المطلق ~~وتنفي التغير منه، وتضع الشرط في المعلوم لا ms070 في العالم، ~~ويكون العلم هنا صفة أزلية، علما مطلقا يحتوي على كل ~~شيء، الماضي والحاضر والمستقبل، لا يتغير بتغير الحوادث، ~~يحتوي على جميع المعلومات؛ وقائع وممكنات، الظاهر منها والباطن. # 29 # والإجابة إثباتا تثبت تغير العلم تبعا ~~لتغير الواقع، أو يكون العلم أوسع نطاقا من الواقع حتى ~~يستطيع أن يتقبل كل احتمالاته؛ ومن ثم تكون الأولوية ~~للواقع ولفعل الإنسان؛ وبالتالي يكون العلم الإلهي والفعل ~~الإلهي تابعين لفعل الإنسان؛ فالإنسان هو الذي يحدد ~~بفعله نتيجة العلم والفعل الإلهيين. الفعل الإنساني هو ~~الشارط والفعل الإلهي هو المشروط. والشرط هنا لا يعني شرط ~~الوجود، بل يعني أولوية الفعل؛ لا يعني الشرط هنا شرطا ~~منطقيا، بل يعني مجرد أولوية الفعل من حيث العمل. # 30 # والحقيقة أنه لا توجد بداوات، بل تحقق أولا ~~حتى تتم المعرفة التجريبية وتتحقق الغاية من البداء؛ فلا ~~يعني البداء الجهل، أو نفي الحسن والقبح العقليين، أو ~~قلب الحق باطلا والباطل حقا. ليس البداء مجرد تغيير ~~الرأي بلا سبب تعبيرا عن مطلق القدرة وعظمة المشيئة، بل ~~هو درس تعليمي في العلم التجريبي، وقدرة الفكر حسب الواقع ~~بعد نداء الواقع للفكر في «أسباب النزول»، ولا يحدث خارج ~~الوقت، أو في أي وقت اتفق في تطور الزمن والتغير في ~~التاريخ من السابق إلى اللاحق. يشير البداء إلى مشكلة ~~التغير في الزمان، وأن العلم يتغير بتغير الواقع ؛ كلما ~~تغير الواقع تغير العلم طبقا له، وهو معنى النسخ عند ~~الأصوليين. إثبات البداء وجهة نظر إنسانية خالصة تعطي ~~الأولوية للإنسان، وإلى تغير العلم حسب الواقع ودرجة ~~تطوره. فالوحي تجريبي بمعنى أنه لا يكون وحيا نهائيا ~~إلا إذا تطابق مع الواقع. الواقع هو وسيلة تحقيق صدق ~~الوحي؛ ضيقه أو اتساعه. كان الوحي قديما متسعا ~~بالنسبة للواقع، كان يحتاج إلى تطوير وإلى دفعة خارجية له، ~~ثم ترك الواقع لتطوره الطبيعي ومساره التاريخي، وأصبح ~~الوحي بعد ذلك متحدا مع التطور الطبيعي للواقع. والواقع ~~هنا ليس هو الواقع المصمت الخالص، بل هو الواقع التاريخي ~~الذي يشمل البشر وممارسة الشعوب وإرادة الجماعات. ms071 وقد ~~تصور البعض أن إثبات البداء فيه خطورة على الفعل ~~الإنساني الذي تحقق بالرأي الأول، ثم عليه الآن أن يتغير ~~طبقا للرأي الجديد؛ لذلك يمكن إثبات البداء فيما لم ~~يعلمه الإنسان، ونفيه عما يعلمه ويطلع عليه؛ خشية أن يفعل ~~الإنسان طبقا للعلم الأول، فيفشل فعله، فيرفض العلم كله. ~~وهي تفرقة أقرب إلى نفي البداء منها إلى إثباته؛ لأن ما لم ~~يطلع عليه الإنسان لا يعلمه، وما دام لا يعلمه فلا ~~يحدد سلوكه بالنسبة إليه. # 31 # وكما يمكن إنكار البداء لإطلاقية العلم ~~وثبوته وقدمه، يمكن إنكاره أيضا بالتمييز بين صفة ~~العلم وصفة الإرادة، التمييز بين النظر الثابت الذي لا ~~يتغير وبين العمل الذي يتغير من مكان إلى مكان، ومن زمان ~~إلى زمان، إثباتا للتنزيه وللعلم المطلق الذي لا يتغير. # 32 # يشير البداء إذن إلى الفرق بين العلم ~~والإرادة؛ فقد يكون هناك علم لا تتبعه إرادة، وقد تكون ~~هناك إرادة تابعة لعلم جديد. وقد عبر القدماء عن هذه ~~الصلة في سؤال: هل يجوز على الله الترك؟ فالإجابة نفيا ~~إثبات لعدم تغير العلم والإرادة معا؛ وبالتالي إثبات ~~قوانين عامة في الطبيعة وفي الحياة الإنسانية، والإجابة ~~إثباتا تعني أن التغير ممكن في العلم والسلوك، إما مما ~~أخبر عنه من ثواب وعقاب قد لا يحدث، ما دامت الغاية منه، ~~التأثير على النفوس وإقامة حياة خلفية كاملة، قد تحققت، ~~وإما أن الرحمة قد تفرض العفو دون العدل، وكلاهما من الصفات. # 33 # وبالرغم من أن القول بالبداء نشأ في ظرف ~~تاريخي معين، كتبرير لحدوث شيء غير متوقع، وبالتالي ~~يمكن رده إليه، إلا أن رد الأفكار إلى مجرد الوقائع ~~التاريخية وقوع في النزعة التاريخية الخالصة؛ لذلك يظل ~~البداء دلالة نظرية لتجربة شعورية. # 34 # إن النسخ أمر وضعي يتعلق بالشريعة والقدرة الإنسانية، ~~وليس بالعلم والإرادة الإلهية، فتوالي النصوص في الزمان ~~يجعل بعضها ناسخا وبعضها منسوخا؛ لذلك يكون من عيوب منهج ~~النص استعمال المنسوخ بدل الناسخ، سواء داخل كل مرحلة، أو ~~داخل آخر مرحلة يكتمل فيها الوحي. ويعني النسخ بهذا ms072 المعنى ~~تطور الوحي في الزمان وبيان مدة العبادة؛ فالعبادة تتم ~~في الزمان، والزمان وقت، والوقت تطور، والتطور تاريخ، ~~ولا يهم بعد ذلك رفع الحكم أو عدم رفعه؛ فالمهم هو بيان ~~وقته. وسواء كان ذلك رفعا أم غير رفع؛ فذلك خارج عن نطاق ~~الحكم؛ لذلك كان من شروط النسخ انفصال الناسخ عن المنسوخ ~~بمدة من الوقت. فالزمان هو الأساس «الأنطولوجي» للنسخ، ~~وكأن الإنسان يحدث في حياة الإنسان، فهو تطور في الزمان ~~الوجودي وليس في التاريخ، فالغاية من تطور الوحي في ~~التاريخ هو تطور الشعور وارتقاؤه نحو الكمال، وكأن ~~الناسخ أقوى من المنسوخ، وتتحدد قوته بمدى احتوائه العلم ~~والعمل على السواء، ولكن يتم النسخ بالفعل في العمل وليس ~~في النظر. لا يوجد نسخ للعلم النظري، بل في كيفية التطبيق ~~العملي، وإن تغير الأساس النظري للسلوك ليس نسخا، بل ~~تغير له من حيث الامتداد والاحتواء. # 35 # والنسخ أمر لا يتعلق بالتلاوة، بل يتعلق بالأحكام ~~وبالسلوك البشري؛ فالنص مع أنه عمل أدبي يتذوق ~~بالتلاوة، إلا أن النصوص كلها أدب على هذا النحو، لا فضل ~~لنص على نص من الناحية الجمالية، ولكن نص الوحي جمال ~~وتشريع، تذوق وسلوك، كما لا يعني النسخ تغيير الفكر ~~المسجل في لوح أبدي، فتلك صورة فنية الغاية منها إثبات ~~تدوين العلم؛ فالعلم المدون أكثر حفظا من العلم المروي ~~شفاها، أو المحفوظ في الذاكرة، أو المتصور في الذهن ؛ ~~لذلك قامت المعاملات على التدوين في وثائق، ودونت العهود ~~والمواثيق، وكان حظ الكتب المقدسة التي لم تدون ساعة ~~إعلانها، أقل بكثير من ناحية الصحة التاريخية من الكتب ~~المقدسة الأخرى التي دونت ساعة تبليغها. فأم الكتاب ~~أو اللوح المحفوظ صورتان فنيتان للتدوين، وتشخيصان للوحي، ~~وتشبيهان له. # 36 # وقد يقع النسخ في حكم كلي أو في حكم جزئي؛ ~~طبقا لحاجة التغير ومقدار التكيف مع الواقع؛ فلو كانت ~~الحاجة جذرية والتكيف أساسيا حدث النسخ الكلي، أما لو ~~كانت الحاجة ضئيلة والتكيف صغيرا كان النسخ جزئيا. # 37 # فالنسخ رفع، وليس تبديلا، كي يأتي حكم آخر ~~خير من ms073 الأول، من حيث النفع أو مثله من حيث الكمال، ولكن ~~هل يجوز النسخ في الأخبار كما هو جائز في الأحكام؟ إذا ~~احتوى الخبر على تصور نظري فالنسخ لا يتعلق بالتصورات، ~~فالمبادئ العامة التي يقوم عليها الوحي ثابتة لا تتغير، ~~وإنما التغير في كيفية تطبيق هذه المبادئ في الزمان ~~والمكان، حسب درجة استعداد الواقع، وطبقا لدرجة تحمل ~~الطاقة الإنسانية، أما إذا احتوى الخبر أحكاما فإن النسخ ~~يقع فيها. والنسخ لا يعني البداء؛ أي تغير العلم الثابت ~~أو وقوع الخطأ فيه، بقدر ما يعني تكييف الحكم حسب الواقع، ~~والوحي حسب التطور؛ من أجل تثبيت الشريعة، والمحافظة على ~~التقدم الذي أحرزه الشعور الإنساني بفعل الوحي ودفعاته الأولى. # 38 # وإذا كان الوحي نوعين، قرآن وسنة، وهناك دليلان آخران ~~إجماع وقياس، فهل يجوز لكل من الأدلة الأربعة أن يكون ~~ناسخا والآخر منسوخا؟ إن الوحي ثابت لا يتغير بإرادة، ~~حتى ولو كانت إرادة المرسل إليه؛ لذلك لا ينسخ القرآن ~~إلا قرآنا، ولا ينسخ القرآن بالسنة على الإطلاق؛ فذاك ~~بيان وتخصيص وليس نسخا. الوحي كما هو موجود في الكتاب ~~قائم لا يمكن نسخه، إما بنفسه أو بسنة. # 39 # فالنسخ قضية خاصة بتطور الوحي في التاريخ، ~~وقياس النظم على أساس القدرات الإنسانية واستعدادات ~~الواقع، وقد اكتمل الوحي في آخر مرحلة؛ فالمنسوخ الموجود ~~في الكتاب لا يزال قائما، كواقعة، أو كمثل، أو كنموذج، ~~كقانون رخو مماثل لطبيعة رخوة. المنسوخ والناسخ إذن معا ~~واقعة مثالية، وهي تكيف النظم والتشريعات طبقا لدرجة ~~استعداد الواقع. إذا وقع النسخ فإنما يتم داخل كل درجة، ~~الكتاب داخل بعضه بعضا، أو السنة داخل بعضها بعضا، ولكن ~~السنة لا تنسخ القرآن؛ وكيف ينسخ الفرع الأصل؟ والقرآن لا ~~ينسخ السنة؛ فكيف ينسخ الأصل الفرع؟ كيف ينسخ اللاحق ~~السابق، وكيف ينسخ النظر العمل؟ القرآن لا ينسخ السنة؛ لا ~~لأن السنة أصل عليه، بل لأن السنة توضيح عملي لا تحتاج إلى ~~نسخ، والعمل يتغير بتغير الظروف، والسنة لاحقة على القرآن ~~في الزمان. يكون النسخ هنا بيان تفصيل ووجه عبادة، ms074 ولا ~~يمكن للقرآن أن ينسخ السنة فكلاهما وحي، وإن حدث فيكون ~~القرآن تصحيحا للسنة وليس نسخا، ولكن يمكن أن تنسخ ~~السنة السنة، ويمكن اعتبار ذلك بيانا مغايرا للبيان ~~الأول، تغيير النظم بتغيير الواقع، وتظل واقعة التغيير ~~نفسها هي النموذج. ولا ينسخ المتواتر إلا متواتر مثله، ~~ولا ينسخ الواحد إلا متواتر أقوى منه، ولا يمكن نسخ ~~المتواتر بالواحد أو الواحد بالواحد؛ فالواحد قد يكون ~~منسوخا، ولكنه لا يكون ناسخا، في حين أن التواتر قد يكون ~~منسوخا بتواتر، ويكون باستمرار ناسخا. # 40 # ولا يمكن نسخ شيء من القرآن والسنة بالإجماع ~~أو بالقياس؛ فدليل النص، قرآنا أو سنة، أصل، والإجماع ~~والقياس كل منهما فرع، والفرع لا ينسخ الأصل، # 41 # ولكن يمكن تخصيص عموم النص بالقياس الجلي. # 42 # ويستعمل النسخ كحل لمشكلة تعارض النصوص. ومع أن ~~التعارض بين النصوص جزء من مادة علم أصول الفقه فيما يتعلق ~~بالتعارض والتراجيح، إلا أنه يبدو أيضا كأحد مشاكل منهج ~~النص. والتعارض لا يكون بالضرورة نسخا، بل قد يكون ~~مجملا ومبينا، عاما وخاصا، مطلقا ومقيدا، ~~مستثنى منه ومستثنى تأكيدا على البعد الشخصي للنص. ~~فالسلوك منه ما تشترك فيه الجماعة، ومنه ما لا يكون إلا ~~شخصيا فرديا خالصا. وقد ينشأ التعارض من وصف لنفس ~~الفعل الفردي، ولكن في حالتين أو في ظرفين مختلفين؛ وهو ~~ما يدل على أن الوحي ليس نظرا فحسب، بل هو وصف للنظر في ~~مواقف عملية، وهو ليس نصا فحسب ، بل هو نص يتحقق في واقع؛ ~~فإذا كان النظر هو الإنسان والوضوح، فإن العمل هو القدرات ~~الشخصية والمتغيرات الفردية. # 43 # ومع ذلك فقد كان التعارض بين النصوص في حد ~~ذاته موضوعا كلاميا مستقلا، ولكن من ناحية وحدة الوحي ~~وعدم وقوع التناقض فيه دفعا للخلاف بين الفرق، وتمسك ~~كل منها بنصوص لتأييد مذهبها؛ فانتقل الخلاف بين المذاهب ~~نظرا لاعتمادها على الحجج النقلية، إلى تعارض بين ~~النصوص، وضرب الكتاب بعضه ببعض، وتجزئته والقضاء على وحدته ~~في المعارك الكلامية بين الفرق. والتشابه في الآيات له ~~قصد عملي في السلوك؛ ms075 فيئول طبقا لحاجة كل عصر وظروفه، ~~والتعارض إنما هو مسك للأطراف جميعا في بؤرة واحدة، ~~وتجميع لوجهات النظر المختلفة في رؤية شاملة، كدرس تعليمي ~~في الوحدة والتعدد، ما دمنا في إطار الثبات والتغير ~~ومجرى التاريخ. # 44 # | خامسا: اكتمال النبوة # بعد تطور النبوة يكتمل الوحي فتتوقف النبوة؛ فالنبوة لا ~~تستمر إلى ما لا نهاية، وكل تطور ينتهي إلى بناء، وكل بداية ~~لها نهاية، وكل تحقق له كمال. ومع ذلك، نظرا لارتباط ~~الإنسان بالنبوة، وطول إلفه لها، وتعوده عليها، وركونه ~~إليها، فإنه يظن أن حاجته لها دائمة، فيأخذ الوسيلة بلا غاية، ~~ويتمسك بالنبوة دون تحقيق غايتها في استقلال العقل وحرية ~~الإرادة، لا يتصور وقوف الخير، ولا انتهاء العون، طالما أنه ~~مضطهد مهان مغلوب على أمره، في حاجة إلى قوة وغلبة، يتطلع ~~إلى ما هو أقوى من العقل، وهي النبوة، وإلى ما هو أقوى من ~~الإرادة وهو الله. ففي المجتمع النبوي المضطهد لا سبيل إلى ~~مقاومته، أو الخلاص منه في المجتمع المضطهد، إلا باستمرار ~~النبوة بنبوة جديد، أو بتأويل النبوة الأولى بوظيفة جديدة تكشف ~~سر النبوة، كالإمامة أو الولاية أو الرؤية أو الحكمة، وربما ~~أيضا الإلهام والحدس والفراسة والكهانة وكل وسائل الاطلاع على ~~الغيب والمعارف المباشرة. تستمر النبوة إذن في مجتمع الاضطهاد، ~~كما قد تستمر في النخبة والصفوة التي ترث النبوة وتنهل من نفس ~~مصدرها، كولاية الولي ورؤية الصادق وحكمة الفيلسوف وصفاء نفسه، ~~بصرف النظر عن كيفية الاتصال والحكم عليها نبوة أو إلهاما أو ~~درجة من درجاتها. فعلى النقيض من اكتمال الوحي وبداية العقل ~~تستمر النبوة ولا تتوقف، ثم يتوقف عمل العقل على الإطلاق. وبدل ~~أن يستمر الاجتهاد يتوقف الاجتهاد وتستمر النبوة، وتظل ~~الإنسانية في حاجة إلى وصي عليها، أو من يستعمل النبوة ~~للوصاية عليها. # 1 # وقد يبلغ الأمر في القول باستمرار النبوة إلى حد القول بأن ~~في البهائم رسلا. وما دامت هناك نبوة للجن والشياطين عند فريق ~~أهل السنة، فلماذا لا تكون في غيرهم من الحيوانات والطيور ~~والحشرات عند فريق آخر؟ # 2 ms076 # وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تستمر أيضا في ~~النباتات وعند كل الكائنات الحية عند أنصار الحشائش والنباتات؟ ~~ولماذا لا تستمر في الجمادات وهي عند الله أيضا كائنات حية ~~تسبح له بلغة لا يفهمها البشر؟ أليس كل حيا ما دام ~~مخلوقا من الله الحي الذي يتصف بصفة الحياة؟ والحقيقة أن ~~القول بإطلاق النبوة على هذا النحو واستمرارها هو أيضا فرض ~~للوصايا على الإنسان، واستعمال لغة النبوة في مجتمع الاضطهاد، ~~ويقابل بها توقف النبوة في مجتمع السيطرة والقهر؛ سلاح ~~بسلاح، ولا يفل الحديد إلا الحديد، استمرار النبوة عند ~~المقهور في مقابل توقفها عند القاهر، وهذا تكليف ما لا ~~يطاق؛ فالتكليف شرطه العقل والإرادة، ولا الحيوان ولا النبات ~~ولا الجماد مكلف؛ لأنها تفتقد شرطي التكليف. يتصرف الحيوان ~~بالطبيعة مثل النمل والعنكبوت، وليس بالعقل والإرادة، ~~والحيوانات كالمجانين والأطفال والصبية تفقد أيضا شرطي ~~التكليف، وإن مخاطبة الجمادات في القرآن تصوير فني؛ فالعالم ~~عالم إنساني خالص. بالتصوير الفني يمكن الحديث مع مظاهر ~~الطبيعة كما يفعل الشعراء، وبالنظرة الإنسانية إلى الكون ~~يمكن الحديث مع الطبيعة. إن الرسالة لا تبلغ إلا للبشر، ~~للكائنات الحية العاقلة الحرة؛ أي لكل ذي وعي ممكن؛ لأن مهمة ~~الوحي تحرير الوعي الإنساني من الأسر الطبيعي أو الاجتماعي؛ ~~كي يصبح وعيا مستقلا عقلا وإرادة. إن الإنسان وحده من ~~سائر مخلوقات الكون هو المحاور لله والطرف المقابل له في ~~الرسالة، وهذا تكريم من الله لبني آدم. والإنسان سيد الكون، ~~وكل ما في الكون مخلوق له بما في ذلك الحيوان لطعامه وركوبه ~~وزينته ومنفعته. الإنسان وحده هو المكلف، تقتصر النبوة عليه، ~~ثم تتوقف حين اكتمال الوحي وتحقيق غايته باستقلال العقل وحرية ~~الإرادة. ~~(1) هل الإمامة استمرار للنبوة؟ # قد لا تكتفي الإمامة بوظيفتها العملية في قيادة الأمة ~~وتطبيق شريعتها، ولكنها تأخذ منحنى نظريا وتصبح ~~تشريعية بدورها، ثم يتجاوز دورها إلى أن تصبح استمرارا ~~للنبوة ومفسرا لها وكاشفا عن أسرارها، وقد يصل الأمر ~~أخيرا إلى أن تتجاوز النبوة إلى الألوهية، فيصبح ~~الإمام إلها ويعود العلم إلى التوحيد من ms077 جديد. # 3 # ويظهر ادعاء النبوة في الجماعات المضطهدة من ~~زعمائها؛ إحساسا منهم بالرسالة، ورغبة منهم في تخليص ~~مجتمعاتهم من الاضطهاد، وأن تسهل له قيادها، وأن تدين له ~~بالطاعة والولاء. يشعر الزعيم أنه منادى وأن صوتا ~~داخليا يناديه. وهو إحساس إنساني خالص، وليس له أي وجود ~~واقعي، خاصة إذا كان المجتمع دينيا حديث العهد بالنبوة، ~~يجد فيها الزعيم نفسه قادرا على التأثير إذا هو صاغ هذا ~~الهاتف الباطني في صورة نبوة فعلية، حتى يحدث أثرها في ~~السمع والطاعة. تبدأ النبوة إذن بإحساس صادق من قائد أحس ~~مجتمعه بالظلم والاضطهاد، وأن عليه رسالة يؤديها، وأن ~~هاتف الحق يدعوه للانتصار. النبوة هنا إحساس بالرسالة، وهو ~~إحساس طبيعي في مجتمع مضطهد وفي قيادة مقهورة. # وتستمر النبوة في ~~علي وأولاده حتى الابن السابع أو الثاني عشر، وهو المهدي المنتظر، # 4 # بل إنها ما كان ألا تكون إلا في علي لولا خطأ ~~في المرسل إليه من الواسطة، أو خديعة من الرسول الذي ~~ادعى الأمر إلى نفسه ولم يكن له. وقد تخطئ الواسطة عن قصد ~~أو عن غير قصد، وقد يدعي الرسول النبوة له بالاتفاق ~~والتواطؤ مع الواسطة أو بدونها، # 5 # وقد تستمر النبوة في الأئمة جميعا، وتصبح ~~الإمامة نبوة وكل إمام نبيا في وقته، # 6 # وقد تستمر النبوة في دعاة الأئمة، وليس في ~~الأئمة وحدهم، ويتحول داعي الإمام شيئا فشيئا إلى إمام ~~ثم إلى نبي، وقد يغالي الداعية فينكر النبوة، ويجعل ~~نفسه نبيا أو يجعل غيره من القادة أنبياء. وهنا تكون ~~الدعوة أو الإمامة ضد النبوة وبديلا عنها، وليس فقط ~~استمرارا لها أو مفسرة إياها، بل تكون هي النبوة الوحيدة، ~~وينزل الوحي على الإمام، ويعلم الغيب وأسرار الله، ويكون ~~مؤيدا بالنصر على الأعداء، وهو ما لم يحدث حتى للنبي. # 7 # وقد يصل الأمر بالإمام أو بالداعية النبي إلى ~~حد الألوهية، فيصبح إلها لا فرق بين المرسل والمرسل ~~إليه. وتتبادل المواقف بين الإله والإمام النبي؛ نظرا ~~لسيطرة النبوة الرأسية على النبوة الأفقية؛ طلبا للقوة في ~~مواجهة الخصوم، ms078 وطلبا للطاعة من الناس. فلا تهم الرسالة؛ ~~أي النبوة الأفقية، بل يهم الخروج على مجتمع السيطرة ~~وتجنيد الناس. وقد لا يدعي الإمام النبي بالضرورة ~~الألوهية؛ إذ يفصل بين نفسه كإمام أو كداعية وبين الله، ~~حينئذ قد يكتفي بأن تكون علاقته بالله علاقة حب ومعرفة، ~~وليست علاقة اتحاد أو حلول. وإن رفع الإمام النبي إلى ~~مرتبة الألوهية لتقابل خفض أعدائه إلى مرتبة الشيطانية ~~أو الجنية. كلها حالات نفسية للرفع والخفض، للإيجاب ~~والسلب، للإثبات والنفي. # 8 # وإذا لم يكن الداعية نبيا فهو على الأقل شريك في ~~النبوة أثناء حياة النبي، ووريثها بعد مماته. # 9 # وإن لم يكن شريكا فهو على الأقل وصى للنبي، ~~وقد يكون الوصي أحيانا أكثر أهمية من النبي؛ فالنبي أذاع ~~الكلمة وبلغها، ولكن الوصي هو الذي يفسرها ويعطيها ~~معناها ويكشف مخبأها. النبي بلا وصي صوت في الهواء، أو ~~شكل على ورق، بل قد تتجاوز نبوة الداعية النبوة الأصلية، ~~وتعطي علما لم تعطه الأولى. # 10 # وقد يبز الإمام أو الداعية النبي ذاته في ~~العلم، فيعلم ما لا يعلمه بعد أن ورث علمه من النبي أولا، ~~ثم فاقه وزاد عليه علما وعمقا وفهما، ويتحول الرسول إلى ~~مجرد كاتب يعلم اللغات، في حين أن العلم الحي عند الإمام؛ ~~وبالتالي تكون نسبة الرسول للإمام نسبة الأمي للعالم. ~~وتتجاوز وظيفة الداعية المعرفية المعرفة العادية إلى ~~المعرفة عن طريق الإلهام، وهي في الغالب المعرفة الصوفية. ~~تنبع المعرفة في قلب الإمام وتصدر الحكمة منه، كما يعطي ~~الداعية لنفسه الحق في معرفة الغيب ، وهي المعرفة التي لا ~~يعملها أحد حتى الأنبياء، بل إنه ليس في حاجة إلى نبوة؛ ~~لأنه الله، والله يعلم، وعلمه سابق على النبوة. ويكون ~~الداعية قادرا على فعل المعجزات ما دام مؤيدا بالنبوة؛ ~~نظرا لالتصاق النبوة بالمعجزة، ولشدة التوتر النفسي الذي ~~يجعل الإنسان قادرا على الإتيان بالأفعال غير المتوقعة، ~~حقيقة أو وهما. # 11 # والحقيقة أن اعتبار الإمام نبيا تعميم للنبوة، في حين ~~أن النبوة واقعة فريدة لا تتكرر. النبي هو وسيلة الاتصال ~~بين نبع ms079 الوحي والآخرين، وسيلة واحدة خاصة، في حين أن ~~وظيفة الإمام وظيفة عملية خالصة، وليست نظرية كوظيفة ~~النبوة، تنحصر في تطبيق الوحي، وتحويله إلى نظام للجماعة؛ ~~فإذا كانت وظيفة النبوة نظرية وعملية فإن وظيفة الإمام ~~عملية خالصة، ولا تتجاوز الجانب النظري إلا بالاجتهاد في ~~الفروع. تتمثل خطورة الإمام النبي أو الداعية النبي في فتح ~~الباب لظهور الأدعياء والمتنبين والمجانين، وكل من لديه ~~إحساس بالاضطهاد، أو كل من لديه إحساس بأنه مختار مخلص ~~صاحب رسالة. وكثيرا ما يحدث ذلك في المجتمعات التي تعتقد ~~بالإمامة وبالنبوة، كما تتمثل أيضا في تحويل الإمامة من ~~الوظيفة العملية إلى الوظيفة النظرية، وكثرة التفسيرات ~~الخيالية للوحي، وتصريف الطاقة البشرية في نظريات عن ~~الحياة والكون والإنسان يغلب عليها طابع الإشراق؛ فيضعف ~~العقل، ويعود إلى ما قبل اكتمال النبوة، ناقصا في حاجة ~~إلى عون؛ وتضعف الإرادة، وتعود أيضا إلى ما قبل اكتمال ~~النبوة، ناقصة في حاجة إلى معين. والحقيقة أن ادعاء ~~النبوة يقوم على أسس نفسية في مجتمع الاضطهاد وفي ~~القيادة المضطهدة، سواء ادعاها القائد عن سوء نية حتى تتم ~~له السيطرة على الجماعة، أو بصدق اعتقاد. فادعاء النبوة في ~~كلتا الحالتين وسيلة يصطنعها القائد لإحداث السمع ~~والطاعة، وليس تحولا طبيعيا من الإحساس بالرسالة إلى ~~سماع الهاتف. وقد نشأ الأنبياء الدعاة أو الأئمة الأنبياء ~~في مناطق الكوفة وجوها النفسي؛ جو الاستشهاد، والذي يبعد ~~عن جو البصرة وبغداد الذي يغلب عليه العقل والمنطق. وقد ~~يستعير الإمام أو الداعية المتنبي بعض الصور والأفعال ~~النمطية من النبوات السابقة؛ فقد يتمثل المدعي للنبوة ~~حياة النبي وسيرته، فيكون حرفيا مثله بائع حنطة، أو تبان ~~أسوة بباقي الأنبياء الذين كانوا رعاة ونجارين، وحتى تبدو ~~النبوة في أضعف الناس وأبسطهم وأبعدهم عن الهرج والهالة ~~والأضواء «يوضع سره في أضعف خلقه». # 12 # كما يدعو أثر تاريخ الأديان في بعض الأساطير ~~التي تحيط بهم، خاصة وأن القائلين بها كانوا على علم ~~بأساطير مشابهة في دياناتهم التي كانوا يعتنقونها قبل ~~دخولهم في الدين الجديد. # 13 # ولكن ما يهمنا اليوم ms080 ليس تكذيب نبوة هذا أو ~~ذاك؛ فهذا أمر لم يعد له دلالة الآن، ولم يعن لهذه ~~الفرق القديمة وجود، ولا ينتج عن ذلك إلا إثارة الأحقاد ~~في وقت تحتاج الأمة فيه إلى وحدتها بين سنة وشيعة، خاصة ~~بعد اندلاع الثورة الإسلامية الكبرى في إيران، والتأكيد ~~على أن ليس المهم في الإمامة عقائدها النظرية، بل آثارها ~~العملية، وهو مقياس أصولي بين الظن النظري واليقين ~~العملي. ~~(2) هل الرؤية أو الحكمة استمرار للنبوة؟ # هل تقوم الرؤية مقام الإمامة وتأخذ وظيفتها في استمرار ~~النبوة؟ هل الرؤية الصالحة درجة من درجات النبوة؟ إذا كانت ~~الرؤية قبل ختم النبوة واكتمال الوحي، وقبل المرحلة ~~الأخيرة فهي ممكنة، بل إن النبوة ذاتها ممكنة حتى ولو ~~لم يقصها الوحي؛ فلربما دعا إليها من الأنبياء الذين لم ~~يقصوا علينا، وربما كانوا من حكماء البشر وملهميهم. # 14 # أما بعد اكتمال الوحي وختم النبوة فالرؤية ~~خيال باطل بالنسبة للنبوة، وإن كان يمكن أن تكون حقا ~~بالنسبة إلى قدرة الإنسان على التنبؤ بمستقبله، مثل قدرته ~~على تذكر الماضي ومعرفة الحاضر؛ فالإنسان ممتد في ~~الزمان، ووعيه متصل من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر ~~إلى المستقبل، وإن هموم الإنسان لتظهر في الأحلام، ~~وتوقعاته للمستقبل تتراءى في الحاضر؛ وبالتالي يسهل ~~تفسيرها وقراءتها وترجيح أحد احتمالاتها على الأخرى. وإن ~~رؤيا النبي ليست جزءا من نبوته؛ لأن النبوة لا تتم إلا في ~~حالة اليقظة؛ حتى يتم استيعاب الوحي وحفظه، أو تبليغه ~~لكتبة الوحي للتدوين؛ فالوحي كلام والرؤية مجرد صور. ~~وليس كلام الوحي من اختيار النبي ليصف به ما يراه من صور، ~~بل هو وحي بالمعنى واللفظ. إن رؤيا النبي، مثل رؤى غيره ~~من البشر، تعبير عن همومه اليومية وتطلعاته المستقبلية. # 15 # الرؤيا لها تفسير طبيعي في حياة الإنسان، ولا ~~شأن لها باتصال المرسل بالمرسل إليه، وهي مثل ما يخطر ~~للبصر دون حضور موضوع؛ أي الرؤية الباطنية للشعور بعد قلب ~~النظرة. ويتم ذلك في حال اليقظة كما يتم في حال النوم، ~~ومثلها مثل أحلام اليقظة، وهي من فعل الطبائع؛ ms081 طبيعة ~~النفس وطبيعة البدن، وليست من فعل الله. وإذا كان صدق ~~الرؤيا لا يتحقق إلا في الواقع، يكون الواقع هو المحك في ~~صدق الرؤية؛ وبالتالي لا تحتوي الرؤيا على صدقها الباطني. ~~هي مجرد أضغاث أحلام تعبر عن مكنونات النفس، ولا شأن لها ~~بالصدق أو الكذب؛ فهي ليست وسيلة للمعرفة، بل استمرار ~~لحياة الشعور دون حالة اليقظة، وإعمال لخيال الإنسان في ~~غياب العقل الواعي؛ فهي تفكير من نوع خاص، وتفسيرها الصادق ~~إنما يتم بعد الوقائع، ثم قراءة هذا الواقع في صور الرؤيا. ~~ولو لم تحدث الوقائع على هذا النحو لما أمكن أن يكون ~~للرؤيا أي معنى. # 16 # فإن لم تكن الرؤية استمرارا للنبوة، فهل الحكمة استمرار ~~لها؟ هل تستطيع النفس بتصفيتها أن تدرك ما يدركه ~~النبي؟ هل يستطيع الحكيم بعقله أن يدرك الحقائق كما ~~يدركها النبي؟ والحقيقة أن السؤال نفسه إنما يتوجه إلى ~~النبوة الرأسية، لا إلى النبوة الأفقية؛ أي إلى نظرية ~~الاتصال، وليس إلى النقل المتواتر. هو سؤال علوم الحكمة في ~~نظرية الاتصال، وليس سؤالا في علم الأصول بشقيه؛ علم ~~أصول الدين وعلم أصول الفقه الذي يتوجه إلى النبوة في ~~التاريخ وعبر الأجيال كعقائد نظرية وكسلوك عملي. إن تجرد ~~النفس الناطقة بطبيعة الحال يجعلها قادرة على إدراك ~~الحقائق النظرية، كما أن تفاوت النفوس في درجات الصفاء ~~والتجريد تجعلها أيضا متفاوتة في درجات الإدراك. فالوحي ~~بهذا المعنى عام وليس خاصا، يستطيعه الفيلسوف كما ~~يستطيعه النبي. # 17 # واعتبار الوحي تعبيرا عن الطبيعة الإنسانية ~~ليس إنكارا للنبوة بقدر ما هو إثبات لدوامها عن طريق نزوع ~~الطبيعة ؛ فالطبيعة هي الوحي، والوحي هو الطبيعة، وكل ما ~~يميل الإنسان إليه يطبعه هو الوحي، وكل ما يتوجه به الوحي ~~هو اتجاه في الطبيعة. الوحي والطبيعة شيء واحد. ولما كانت ~~الطبيعة مستمرة فالوحي بهذا المعنى مستمر، والنبوة دائمة، ~~ولكنا أنبياء يوحى إلينا من الطبيعة، وصوت الطبيعة هو ~~صوت الله. والوحي الطبيعي هو أكبر رد فعل على الوحي ~~الرأسي؛ فهو وحي بلا معجزات ولا ملائكة ولا أنبياء، ومع ~~ذلك ms082 يقر بالتوحيد وبالبعث وبالجزاء؛ مما يجعل استعمال ~~لفظ الوحي هنا استعمالا مجازيا خالصا، أي إدراك العقل ~~القائم على الطبيعة، وبطبيعة الحال يستمر الوحي بهذا ~~المعنى طالما أن هناك عقلا وأن هناك طبيعة. # 18 ~~(3) حفظ الوحي وبقاء الشريعة # وقد يضاف إلى الادعاء بالنبوة والقدرة على إجراء ~~المعجزات القول بنسخ القرآن، وإبطاله كله أو بعضه، وبقدرة ~~الإمام النبي على إحضار قرآن جديد ووحي آخر وشريعة بديلة، ~~فيتوقف الوحي القديم ذاته، وتنسخ شريعته كلية، ويفسح ~~المجال إلى الإمامة؛ النبوة الجديدة. ويكون الإمام الجديد ~~من الصابئة؛ أي من دعاة الدين الطبيعي، ولا يكون من العرب، ~~بل من العجم؛ مما يدل على الدافع السياسي وراء القول ~~باستمرار النبوة ونسخ آخر شرائعها. فإن لم يتم استبدال ~~العرب كلية، فيمكن استبدال فريق بفريق، وظهور الإمام ~~النبي في الجماعة المضطهدة؛ لذلك يجوز البداء والنسخ، ليس ~~فقط داخل آخر مرحلة، بل أيضا بعدها. # 19 # وقد يشكك في الوحي المدون نفسه، كله أو ~~بعضه؛ فقد انتقل القرآن ورفع، أو أحرقت المصاحف قبل أن ~~تجمع، فالقرآن الأول غير القرآن الثاني، وقد يحدث فيه ~~التبديل زيادة أو نقصانا، مثال ذلك إخراج قصة يوسف من ~~القرآن؛ لأنها قصة عشق، وكأن العشق ليس أحد مظاهر الوجود ~~الإنساني مثل النبوة والعصمة. # 20 # ولا خفاء في أن الدافع لذلك دافع سياسي خالص؛ ~~من أجل التشكيك لدى العامة في الرسول ودحض شرعيته، إما ~~بزيادة نص أو بنقص آخر كان ينص صراحة على إمام ~~آخر. # وقد يبدو من المتناقض التسليم بأن النبوة في آخر ~~الزمان. والحقيقة أن هذه معتقدات أهل السنة في علامات ~~الساعة من أمور المعاد، ولكن المسيح الدجال لن يأتي بنبوة ~~جديدة؛ فقد توقفت النبوة، وإلا لظلت الإنسانية قاصرة ~~حتى نهاية الزمان تنقصها مرحلة، ابتداء من ختم النبوة حتى ~~المسيح الدجال، معلقة في التاريخ، لا هي ناقصة تتطور، ~~ولا هي كاملة تعتمد على نفسها. ولا يأتي بشريعة جديدة، ~~ولكنه ينزل على شريعة الإسلام، فيطبقها عنوة بعد أن ~~تراخى في تطبيقها الحكام، وتساهل فيها الناس، ويحيي ~~القرآن ms083 في قلوب الناس بعد موات. # 21 # ومعظم الروايات عن آخر الزمان إنما تعبر عن ~~الأمل في المستقبل والثقة بالنصر، تعويضا عن ضعف الحاضر ~~وهزائمه. فإذا ما ظهر في القدس أو حتى داخل العالم ~~الإسلامي، فإنه يحرر الأرض ويقضي على مظاهر القهر، ~~ويعيد توزيع الثروة، ويوحد الأمة، ويقضي على التغريب، ~~ويقاوم التخلف، ويجند الجماهير، كل ذلك تعبيرا عن ~~تطلعات المسلمين اليوم. # | سادسا: وقوع النبوة # بعد الحديث عن إمكانية النبوة يأتي وقوع النبوة بالفعل. وما ~~يهمنا هو وقوعها في المرحلة الأخيرة التي تتضمن من قبل وقوعها ~~في المراحل السابقة، فالنهاية تدل على البداية في حين أن ~~البداية لا تدل على النهاية. الحديث الأول مجرد حديث في ~~الإمكانيات النظرية وعدم الاستحالة العقلية، في حين أن الحديث ~~الثاني هو نقل لما وقع بالفعل، وتناول لموضوع تاريخي، ~~بالإضافة إلى صحة نقله، بالرغم من هذا الوقوع إلا أنه يمكن ~~أيضا وجود أدلة عليه، إما الأخبار منها في كتب الأنبياء ~~السابقين، أو أحوال النبي قبل البعثة، أو المعجزات بالمعنى ~~القديم، أو الإعجاز بالمعنى الجديد. ~~(1) أخبار الأنبياء السابقين # إذا كانت كل مرحلة تؤدي إلى المرحلة التالية، فإن هذا ~~التطور يكون مخبرا عنه؛ فالمرحلة السابقة تخبر عن ~~قدوم مرحلة لاحقة؛ فالدليل على خاتم النبوة هو إخبار كل ~~نبي سابق بما سيتلوه من تنبؤات وما يتبعه من أنبياء. ~~والحقيقة أن هذا الدليل ليس حاسما من حيث الواقع وإن كان ~~مقبولا نظرا؛ فدقة الوصف بالمكان والزمان والتعيين ~~والاسم قد لا يكون دليلا على الصدق، بل قد يكون دليلا ~~على الكذب، كما هو الحال في بعض الكتب السابقة، مثل إنجيل ~~يوحنا الذي يكثر من هذه التفصيلات للإيهام بالصحة ~~التاريخية؛ فتفصيلات الإطار حتى ولو طابقت الواقع قد لا ~~تعني صدق الواقعة. وماذا لو كان النص السابق محرفا ~~ومبدلا في نصوص لم تثبت صحتها تاريخيا؟ وماذا لو كان ~~النص موضوعا وكثير من النصوص قد تم وضعها بعد حدوث ~~الواقعة إسقاطا من الحاضر على الماضي؟ وماذا لو كان النص ~~الأصلي محذوفا أو منقوصا من أجل ms084 تزييف الوقائع والطعن في ~~شرعيتها؟ وماذا لو كان النص مؤولا بحيث ينطبق على ~~الواقعة بعد حدوثها ولا يشير إليها؟ وماذا لو كان النص ~~بغير ذي دلالة، ثم تحدث الواقعة فتجعل النص دالا، بل ~~وتخلق فيه دلالته قصدا بعد أن كانت الدلالة بالمصادفة؟ ~~وكيف يمكن الاستدلال بالمراحل السابقة وهي منسوخة، خاصة ~~إذا جاز النسخ في الأخبار جوازه في الأمر والنهي، وإذا ~~جاز في العلم جوازه في الإرادة؟ وهل من الضروري أن تعلمه ~~المراحل السابقة وتخبر عن قدوم مرحلة لاحقة، أم أن ذلك ~~يتكشف من الموضوع ذاته من خلال علاقة داخلية؛ علاقة ~~الوسيلة بالغاية، أو العلة بالمعلول، أو المقدمة بالنتيجة، ~~أو الافتراض بالقانون؟ ولا يدخل هذا الإخبار ضمن المعجزات؛ ~~لأنه ليس خرقا لقوانين الطبيعة، ولا نقضا لمجرى العادات. # 1 # ولن يقنع الإخبار به إلا أصحاب الدين الجديد ~~الذين آمنوا بالمراحل السابقة، وقدروا على تجديد الدين. ~~أما الأمم الأخرى التي لم تبلغها المراحل السابقة، أو التي ~~بلغتها وأصرت على المحافظة على دين الآباء، فيظل الإخبار ~~بالنسبة لهؤلاء بغير ذي دلالة، كما أن مجرد الخبر هو إيمان ~~بالرواية دون العقل، والرواية ظنية طبقا لنظرية العلم؛ ~~ومن ثم يصبح وقوع النبوة معتمدا على إخبار الأنبياء ~~السابقين ظنيا خالصا. ~~(2) أحوال النبي قبل البعثة # هل يمكن اعتبار أحوال النبي قبل البعثة دليلا على ~~وقوعها وإثباتا لها؟ إن معظم ما ينقل عن ذلك إنما يأتي ~~أيضا من الأخبار، وليست السابقة التي تنتهي إليه بتحقق ~~النبوة، بل اللاحقة عليه التي تقص من أخبار الماضي، وهي في ~~غالبها أخبار آحاد لا تفيد إلا الظن، والمتواتر منها ~~أيضا بمفرده لا يفيد إلا الظن، طبقا لنظرية العلم؛ ~~لاحتياج الدليل النقلي إلى دليل عقلي ولو واحد. وكثير من ~~هذه الأخبار قد وضعت بعد البعثة، إسقاطا من الحاضر على ~~الماضي؛ فبعد ظهور العبقرية يتم الحديث عن بوادرها، وبعد ~~وقوع النبوة يتم اكتشاف إرهاصاتها. وغالبا ما كانت في كتب ~~السيرة تبجيلا للرسول، وتعظيما للنبي من أجل جعله فوق ~~مستوى البشر، متفردا بالوقائع، مصطفى بالصفات. وعلم ms085 ~~السيرة ليس علم أصول الدين؛ الأول نقلي خالص والثاني نقلي ~~عقلي، تكفي في الأول الحجج النقلية في حين أنها تظل في ~~الثاني ظنية، ولا تتحول إلى يقينية إلا بحجة عقلية ولو ~~واحدة، طبقا لنظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى. ~~ولو كانت معجزات قبل البعثة فإنها لا تدل على البعث؛ لأن ~~هذه المعجزات قد وضعت قبلها. وتكون المعجزة دليلا على ~~صدق النبوة إذا كانت مقارنة لها، لا قبلها ولا بعدها. وإذا ~~كان الرسول لا يكون كذلك قبل البعثة، وهو مجرد إنسان عادي، ~~لا نبيا ولا رسولا قبل البعثة، فكيف تظهر عليه أحوال ~~غريبة؛ كرامات أو معجزات؟ وإذا كانت هذه الأحوال مجرد ~~كرامات قبل البعثة ومعجزات بعد البعثة، فهل ننتظر من ~~الأولياء الذين تظهر عليهم الكرامات أن يتحولوا إلى أنبياء ~~فيما بعد؟ ليست المعجزات قبل البعثة مقدمات لتلك التي تقع ~~بعدها؛ فالمعجزة لا تحتاج تقديما بمعجزة أخرى، أو تصديقا ~~لما سيأتي بعدها من معجزات، وإلا لتسلسل الأمر إلى ما لا ~~نهاية، وظهرت ضرورة معجزة أولى صادقة بذاتها لا تحتاج إلى ~~معجزة أخرى قبلها. وإن حياة النبي قبل البعثة جزء من حياته ~~الخاصة وليست العامة. # وقد تقسم أحواله قبل البعثة إلى أمور في ذات الرسول، ~~وإلى أمور في صفاته، وإلى أمور خارجة عنه؛ فالأمور التي في ~~ذاته مثل النور الذي كان يتقلب في آبائه إلى أن ولد، وهي ~~حتما صورة مجازية للخير والحق والعدل، والنور صورة إلهية ~~ولغة النبوة في الديانات القديمة. والتقلب في الآباء إحدى ~~صور التناسخ، أو أحد مظاهر حلول الأبوة في البنوة في ~~الديانات القديمة أو الفرق الكلامية . وهو ضد التصور ~~الإسلامي الذي يجعل المسئولية فردية، بما في ذلك النبوة ~~التي لا تورث ولا تورث بنص الوحي. # 2 # وكيف يتولد النور في آباء النبي ولم يكونوا ~~مهتدين بعد بما في ذلك الجد والعم؛ الأقرباء المباشرون ~~الذين رأوا الرسول قبل البعثة، أو الذين بلغتهم البعثة وهم ~~أحياء. أما إن كان في ولادته مختوما مسرورا، نزل واضعا ~~إحدى يديه على عينيه والأخرى ms086 على سوأته، فذلك تقابل ~~الخير والشر، النور والظلمة، فاليد على العين حماية لها من ~~النور، واليد على السوأة تغطية لها. فالرسول خير وليس به ~~شر، وهو ما يضاد المألوف في الولادة؛ فالجنين لا يتحرك ~~إراديا ولا يعرف مكان عينيه من سوأته، وربما يكون ~~مغمض العينين من دماء الرحم، والسوأة إدراك اجتماعي ~~ينشأ بالتربية، وقد يكون ذلك تغطية لموضع الوطء في مجتمع ~~يسوده الشذوذ الجنسي ووطء الولدان. أما أن يكون خاتم ~~النبوة بين كتفيه، فهو تحويل المعنى إلى شيء؛ فالختم هو ~~النهاية وليس الخاتم، كما هو واضح في «وختامه مسك». وكيف ~~يدخل الخاتم رحم الأم؟ وهل يكون في الأصبع أم بين ~~الكتفين؟ وكيف يقبض الجنين عليه ولا يقع؟ وما حجم الخاتم ~~وشكله ومعدنه؟ وكيف لم يرفض جسد الأم الجسم الغريب منه؟ ~~أما أن تطول قامته عند الطويل وتتوسط عند الوسيط، فذلك يدل ~~على أن رؤيته ذاتية خالصة، وأنه يبدو على أحسن وجه طبقا ~~لتصور الرائي، وأن الذات هي التي تخلق الموضوع، وأن ~~الإنسان يرى العالم على شاكلته، وكما يهوى ويرغب؛ فالمسيح ~~عند الأسود أسود، وعند الأبيض أبيض، والرسول عند الطويل ~~طويل وعند القصير قصير. أما الرجم بالنجوم عند قرب بعثته، ~~وكون ذلك سبب إسلام قوم من الكهنة، فهو إدخال لعنصر ~~الطبيعة في النبوة؛ فالطبيعة أيضا تشعر بالنبي وتتنبأ ~~به وتتهيأ له؛ ولذلك نموذج في الإنجيل بتنبؤ ملك المجوس ~~بولادة المسيح بالنظر إلى النجوم. والنجم في التصور القديم ~~جسم لطيف منير، له روح وعقل ونفس وحياة؛ وبالتالي فهو ~~صادق فيما يخبر به. # 3 # والنوع الثاني من أحواله قبل البعثة هي أمور في صفاته، ~~مثل الصدق والأمانة والعفاف والشجاعة والفصاحة والسماحة ~~والزهد، وبلوغه النهاية في العلوم والمعارف، وتمهيد ~~المصالح الدينية والدنيوية. وهي صفات عامة لا تميز النبي ~~عن غيره، ولا الرسول عن باقي البشر؛ فقد كان الصحابة كذلك. ~~وهناك شجاعة القادة، وفصاحة الخطباء، وسماحة الأتقياء، ~~وزهد الأولياء، وأمانة الأمناء على بيت المال، وصدق ~~المخلصين، وعفاف المؤمنين، وعلوم الحكماء، ومعارف ~~الصوفية، ودفاع الفقهاء المحتسبين ms087 عن المصالح الدينية ~~والدنيوية، وإلا كان الكل أنبياء ورسلا، ولم يتميز عنهم ~~خاتم النبوة بشيء، ولكانت النبوة سمات إنسانية خالصة، ~~وقيما إنسانية رفيعة تستهوي الناس كما تستهويهم سير ~~الأبطال والقادة والعلماء. # 4 # أما النوع الثالث من أحواله قبل البعثة وهي الأمور ~~الخارجة عنه، فهي تجمع بين الصفات الجسدية العضوية ومظاهر ~~الطبيعة، وذلك مثل شق بطنه وغسل قلبه. والحقيقة أن ذلك لا ~~يتعدى صورة معنوية للطهارة، كما هو الحال في الأمثال ~~العامية. فالقلب ليس في البطن بل في الصدر، والشرور ليست ~~في القلب عالقة به فيغسل منها، ولكنها صفات في الأفعال ~~يدركها العقل وتختارها الإرادة. وإن كان الرسول خيرا ~~محضا دون شر، فقد انتفت حرية إرادته واختياره بين الخير ~~والشر، وامحى منه التكليف وضاع منه الاستحقاق. وهي صورة ~~رمزية للعصمة التي ستصبح إشكالا نظريا فيما بعد عندما ~~يتحول صدق الرسالة إلى عصمة الرسول. أما إظلال الغمامة ~~فوقه فهي صورة للحماية والحفظ والرعاية، ولكن هل الحماية ~~من مظاهر الطبيعة فقط أم الحماية من شرور البشر وضغائن ~~الأعداء؟ وهل الأمراض من حرارة الشمس وحدها؟ وأين الحماية ~~من البرد وسائر الأمراض؟ وكيف توجد الغمامة في الحر ~~القائظ وعدم وجود البخار من البحار؟ وكيف تظلل الغمامة ~~وهي تسير بسرعة الريح إنسانا يسير بسرعة الإبل؟ أما تسليم ~~الحجر والمدر عليه فهو نوع من تعرف الطبيعة وحساسيتها ~~للنبوة في مقابل جحود البشر والتنكر لها. وحديث الطبيعة مع ~~النبي معروف في تاريخ الأديان من قبل، مثل حديث سليمان مع ~~الهدهد والنمل. وحديث الحجر أعجوبة في مجتمع صحراوي فيه ~~الحجارة في وحشة الصحراء، وسلام المدر أيضا أمنية في ~~مجتمع صحراوي يرنو فيه الإنسان للبعيد إذا ما عز القريب. # 5 ~~(3) هل له معجزات بالمعنى القديم؟ # إذا كانت المعجزة بالمعنى القديم وفي المراحل السابقة ~~على ختم النبوة هي خرق قوانين الطبيعة والجريان على غير ~~المألوف، فإن هذا المعنى لا يكون ساريا في آخر مرحلة من ~~مراحل النبوة عندما يكتمل الوحي وتتحقق غايته، وهو استقلال ~~العقل وحرية الإرادة، وإلا كان ذلك ارتدادا ms088 للماضي وعودا ~~إلى التبعية وحاجة الإنسان إلى وصايا خارجية، وذلك إنكار ~~للتقدم والتحقق وقدرة الوحي على تربية الإنسانية وكمالها ~~ورقيها. المعجزة يقين خارجي لا ينفع في مرحلة اكتمال الوحي ~~واستقلال العقل والإرادة، بل إنها تكون مناقضة لهما؛ ~~فالإسلام دين العقل والحرية، ولا تنفع معه خرق قوانين ~~الطبيعة التي تنهدم بها قوانين العقل، ويكون الفعل فيها ~~لقدرة خارجية وليس لقدرة الإنسان؛ فالمعجزة مستحيلة من حيث ~~المبدأ في آخر مرحلة من مراحل النبوة، ولكن هل هي واقعة؟ # 6 ~~(أ) استحالة نقل المعجزة بالآحاد أو ~~بالتواتر # إذا كانت المعجزة واقعة بالفعل، فليس هناك من سبيل ~~إلى معرفتها إلا بالنقل، ولا يكون النقل إلا بأخبار ~~الآحاد، أو بالأخبار المتواترة. وأخبار الآحاد لا ~~تورث إلا الظن ولا يحدث بها اليقين، وتظل محتملة ~~الصدق والكذب. وكثير من روايات المعجزات أخبار آحاد، ~~وأخبار غير متواترة؛ لذلك كانت كلها في الأحاديث وليست ~~من القرآن؛ لأن القرآن خبر متواتر نقله الكافة عن ~~الكافة، وليس كالحديث الذي به الآحاد والمتواتر. ~~والآحاد لا يورث علما؛ ومن ثم لا يكون الآحاد ~~طريقا إلى العلم بوقوع المعجزة. # أما المتواتر، فليس مجموع آحاد، بل له شروط أربعة في ~~مقدمتها الاتفاق مع الحس والعقل، بالإضافة إلى العدد ~~الكافي الذي يستحيل معه التواطؤ، واستقلال الرواة عن ~~بعضهم البعض، وتجانس انتشار الرواية في الزمان. لا ~~يمكن إذن إثبات المعجزة بالتواتر؛ لأنها تعارض ~~شهادة الحس وبداهات العقل ومجرى العادات، وهي أحد شروط ~~التواتر، والتواتر فيها ليس مثل التواتر على شجاعة ~~علي؛ لأن شجاعة علي تطابق الحس ومجرى العادات، وليس ~~فيها ما يناقض أوليات العقل أو قوانين الطبيعة. ~~وكثير من روايات المعجزات كانت في أصلها آحادا ثم ~~أصبحت متواترة. # 7 # وقد توفرت الدواعي نظرا لغرابتها وشهرتها على ~~نقلها متواترة، ولكن لم يحدث، وظلت آحادا؛ مما يدل ~~على أنها رؤية أفراد؛ أي إدراك ذاتي لمعجب أو لجمهور ~~أو خطأ حواس لمخدوع. ولا يمكن إثبات المعجزات ~~بالاضطرار أو بالنظر والاستدلال القائم على التواتر؛ ~~فالمعجزات لم تتواتر إلا بعد أن كانت آحادا، ms089 وربما ~~كانت بدايات الآحاد وضعا؛ فهي تفقد إذن شروط التواتر. ~~لقد وضعت الأحاديث التي تروي المعجزات في فترة ~~متأخرة، ثم نسبت إلى مبلغ الوحي، ثم اختلقت ~~الشواهد الحسية والوقائع المعينة والتحديدات الزمانية ~~والمكانية؛ للإيحاء بأن الراوي إنما قد روى عن مشاهدة ~~مباشرة ومعاينة للوقائع ومعاصرة للأزمان. وهذا معروف ~~في تاريخ الأديان؛ فقد حدث نفس الشيء في رواية الإنجيل ~~الرابع عندما أعطى الراوي التحديات الزمانية والمكانية ~~ووصف الوقائع المادية؛ ليوحي بالمعاصرة مع أنه موضوع ~~في عصر متأخر. وهناك عدد آخر من الروايات لا تذكر ~~المعجزات وتسكت عن تكذيبها. والسكوت ليس دليلا على ~~التصديق وإن لم يكن دليلا قاطعا على التكذيب، كما أن ~~السكوت ممكن على اختلاف الأحاديث الراوية للمعجزات ~~وفي عصر متأخر، ولو كانت موضوعة في عصر متقدم لأمكن ~~تكذيبها، وإذا كان العصر المتأخر هو الذي وضع ~~الأحاديث فإن ذلك يدل على أنها حاجة اجتماعية شاملة ~~تعم الجميع؛ الرغبة في تعظيم الأشخاص. فالسكوت عليها ~~ليس سكوتا في الحقيقة، بل تعبير عن رضا جماعي، لا عن ~~تواطؤ، بل عن حاجة. وقد كان في كل عصر من يكذب هذه ~~الأحاديث، إن لم يكن بالنقد الخارجي فبالنقد الداخلي ~~اعتمادا على العقل؛ ففي عصر النقل والتفسير بالمأثور ~~كان الغالب هو النقد الخارجي للرواية، ولكن في عصر ~~متأخر ظهر النقد الداخلي القائم على العقل، وبدأ الشك ~~في المعجزات ليس فقط كرواية ولكن أيضا كموضوع، ليس ~~فقط في السند ولكن أيضا في المتن، ليس فقط في الوضع ~~التاريخي بل أيضا في خلق الواقعة. وربما في عصر آخر ~~تصبح رواية المعجزات أكثر ضررا على الأمة من أي شيء ~~آخر، إذا ما كان الجيل يدعو إلى التأكيد على سلطان ~~العقل، ودور العلم، والاعتماد على الحرية والتخطيط، ~~وليس على إجراء المعجزات. # ولا يتعلق الأمر بالسند وحده، بل يتعلق أيضا ~~بالمتن؛ أي بصياغة الخبر؛ فالتواتر وإن كان شرطا في ~~السند إلا أن النقل الحرفي هو شرط المتن، بلا زيادة أو ~~نقصان، أو تقديم وتأخير، أو إظهار أو إضمار. والنقل ~~بالمعنى مثل ms090 خبر الآحاد لا يورث المعجزات زيادة أو ~~نقصانا، وفي وصفها إجمالا أو تفصيلا مدعاة للشك ~~فيها؛ وبالتالي في رواياتها، وعادة ما يكون الاتجاه ~~في الرواية نحو الزيادة أكثر مما هو نحو النقصان؛ ~~فكلما زاد التعظيم والإجلال زادت قدرة الخيال ~~الشعبي على خلق الوقائع في السير وتاريخ الأبطال، ~~وكلما حضر المعنى وتوترت النفس به نسج الخيال وقائع ~~دالة عليه؛ فالمعنى هو الذي يخلق الواقعة أكثر مما ~~تدل الواقعة على المعنى. ويحدث ذلك إذا ما كانت هناك ~~واقعة واحدة نمطية تستخدم كأصل في القياس الشعوري، ~~فتختلق طبقا له عدة وقائع أخرى على نفس المنوال، ~~وإذا ما تم ذلك في بيئة ثقافية وسياسية مواتية، مثل ~~الأمية والقهر السياسي، يزداد عمل الخيال من الدعاة ~~والقصاصين والرواة؛ إلهاء للناس عن مشاكلهم اليومية، ~~وإغراقا في الإعجاب بسيد المرسلين. فيسر الحاكم ~~الجالس وراءهم والمستفيد من مدح المداحين مرة لسيد ~~المرسلين وخاتم النبيين، ومرة لأمير المؤمنين ورئيس ~~المجاهدين. # ولا يعني إنكار هذه المعجزات القديمة الظنية إنكار ~~وقوع النبوة؛ فوقوع النبوة لا يثبت حتى بالمعجزات ~~المتواترة بهذا المعنى القديم، ولا يعني وجود قدرة ~~مطلقة، إنها تثبت إطلاقها وسلطانها بالوقوف أمام ~~قدرات أخرى؛ قدرة العقل وقدرة الطبيعة، بل الأقرب أن ~~تكون متفقة مع العقل والطبيعة. وما دام العقل أساس ~~الوحي، وأن بديهيات العقل ومسلماته هي ذاتها حقائق ~~الوحي وتصوراته، فلا يكون هناك أي دور للمعجزة. ~~النبوة طريق لإيصال الوحي، والوحي هو العقل، ولا حاجة ~~إلى دليل لإثبات النبوة أو لصدق النبي إلا اتفاق ~~رسالته مع العقل. ليس الشك في هذه المعجزات القديمة ~~غياب التحدي منها، بل لوقوعها ومعارضتها للعقل ~~والطبيعة ولجوهر الوحي في آخر مراحله. إن إثبات صدق ~~المعجزة بصدق الرواية حتى ولو كانت متواترة، هو إثبات ~~صدق خارجي بصدق داخلي آخر، وابتعاد عن الصدق الداخلي ~~للنبوة مع مزيد من التضحيات بأوليات العقل وقوانين ~~الطبيعة وشعور الجماعة، ورجوع بالوحي إلى الوراء، إلى ~~مراحله الأولى، وكأن الإنسانية لم ترتق، وكأن وعيها ~~لم يكتمل باستقلال العقل وحرية الإرادة. وما الفائدة ~~من جعل ms091 النبي هرقلا؟ لقد كان من الصحابة مثل عمر خاصة ~~معجبا بجانبه الإنساني؛ بشخصه وبعدله وبمبادئه ~~وبرعايته لمصالح الناس، وكان العقلاء معجبين برسالته ~~وبشريعته دونما حاجة إلى إجراء المعجزات. وهل حديث ~~الحيوانات وشهادة الإبل بأن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله شرف للتوحيد؟ وأين البراهين على ~~وجود الله والدلائل على صدق النبوة إمكانا ووقوعا، ~~هل تفهمها الإبل؟ إن هذا الجانب لأضعف أجزاء علم ~~أصول الدين مع أمور المعاد، ولا يوازي الذات والصفات ~~والأفعال. صحيح أنها ضمن السمعيات دون العقليات، ولكن ~~يمكن نقل السمعيات خطوة نحو العقليات، وجعلها كلها ~~عقليات. وقد كانت في الطريق إلى ذلك لولا توقفها في ~~المرحلة الأولى للحضارة الإسلامية في القرون السبعة ~~الأولى. ~~(ب) تصنيف المعجزات # لو كانت المعجزات في كتب موحى بها لطبقت عليها ~~عدة مناهج، مثل تحليل الأشكال الأدبية. # 8 # ومع ذلك يمكن إجراء ذلك على متون الحديث ~~بالرغم من ظنيتها، ويكون مقدمة نحو نقل السمعيات إلى ~~العقليات، ونحو نقل العلوم النقلية، مثل علوم السير ~~والحديث إلى العلوم العقلية. وسيقتصر التحليل على ~~شيئين: الأول وضع المعجزات في إطار تاريخ الأديان؛ فقد ~~صيغت بناء على أنماط مثالية سابقة معروفة ومروية في ~~الجزيرة العربية، وشكلت خيال الرواة للدين الجديد، ~~وربما وضع كثير منها في نطاق دسائس اليهود والنصارى ~~إرجاعا للإسلام إلى المراحل السابقة، وطمسا لخصائص ~~الدين الجديد؛ لأنه على مستوى المعجزات لا يمكنه ~~الصمود أمام القدر الهائل منها في النبوات السابقة. ~~والدليل على ذلك وضع علماء أصول الدين ما يسمى ~~بالمعجزات الجديدة في إطار المعجزات القديمة، وكيف ~~اجتمع لخاتم الأنبياء كل المعجزات القديمة بعد أن كانت ~~متفرقة في الأنبياء السابقين، وكأنها مباراة ومنافسة ~~في إجراء المعجزات، كما وكيفا. # 9 # والثاني تصنيف المعجزات في مجموعات متناسقة من حيث ~~مادتها، طبقا للبيئة الجغرافية، وهي بيئة الصحراء ~~التي كانت الإطار المادي للخيال الجديد. فإذا كانت ~~المعجزات المروية في علم أصول الدين وحده تتراوح ما ~~بين الأربعين والخمسين، فإنه يمكن تصنيفها في سبع ~~مجموعات تتعلق بالفلك أو الطبيعة أو الجماد ms092 أو النبات ~~أو الحيوان أو الإنسان أو المجتمع. ~~(1) # فبالنسبة للفلك تروى معجزات؛ الأولى شق ~~القمر أو انشقاق القمر أو انفلاق القمر. ~~والاختلاف في الصياغات يدل على عملية ~~التخييل والخلق الفني. # 10 # فلفظ «شق» فعل متعد يدل على ~~قوة خارجية فاعلة أكثر مما يدل عليه لفظ ~~«انشقاق» وهو فعل لازم يوحي وكأن ~~الفاعلية في داخل الشيء، وهو تصور أقل ~~عظمة من الأول؛ فالقوة الخارجية في الخيال ~~أقدر من القوة الداخلية، وأكثر تشخيصا ~~وجذبا للانتباه من القوة الداخلية التي ~~هي أقرب إلى التفسير العلمي، وإذا ما حدث ~~الشق أو الانشقاق فإنه يحدث بطبيعة الحال ~~الفلق أو الانفلاق، فهما حركتان متضادتان، ~~ولا يمكن أن يظل القمر منشقا إلى ما ~~لا نهاية؛ لأن المعجزة خرق مؤقت لقوانين ~~الطبيعة. وقد تعتمد الصيغة على نص قرآني ~~لواقعة مشابهة مع تغيير وقتها، بدل أن ~~تكون في آخر الزمان كعلامة من علامات ~~الساعة تحدث في وقت النبي. ويضاف إليها ~~التعليل لهذا النقل من الآخر إلى الأول، ~~ومن المستقبل إلى الحاضر، مثل أن يكون ذلك ~~ردا على الأعداء حين السؤال عن وقت ~~الحادثة. ويحدث نقل آخر من الأرض إلى ~~السماء؛ فمعجزات السماء أقوى من معجزات ~~الأرض. وفي حالة الشق كفعل متعد يظهر ~~الفاعل وهو سبابة الرسول يشق بها القمر في ~~السماء، إشارة إلى الطاعة وصورة للسكين، ~~وتوجيها للأمر. وهذا ليس بجديد؛ فقد حدث ~~من قبل لدى أنبياء بني إسرائيل في توقف ~~الظل والشمس. أما وقوف الشمس مدة من الوقت ~~وردها بعد المغيب فواضح أنه نسج على ~~أصل انشقاق القمر مرة بشق الكم، ومرة ~~بتغيير الكيف، بتوقيف الحركة كما وقفت ~~ليوشع بن نون عندما كان مع بني إسرائيل ~~يقاتل الجبارين. # 11 # وقد يحاول بعض المعاصرين ~~إثبات ذلك علميا، فلا يثبت المعجزات ~~ولا ينكرها، أو ينكرها كحادثة خارقة ~~للعادة، ويثبتها كحادثة طبيعية. وفي هذه ~~الحالة يصبح العلم هو أساس الإثبات أو ~~النفي وليس الرواية، كما يصبح مقياسا ~~لصدق المعجزة؛ وبالتالي لصدق النبوة، ولا ~~تصح المعجزة مباشرة دليلا على صدق ~~النبوة. ولما ms093 كان العلم نتاجا للغرب، ~~يصبح التراث الغربي مقياسا لتراثنا ~~القديم؛ وبالتالي يزداد وقوعنا في التغريب ~~بدل تخلصنا منه. والحقيقة أن الشمس ~~والقمر آيتان لله لا ينكسفان ولا ينخسفان ~~لموت أحد بنص الحديث، يخضعان للقانون ~~الطبيعي، ومسخران لنفع الإنسان. وأي ~~اضطراب فيهما يسبب اضطرابا مشابها ~~في حياة الإنسان. # 12 # وفي مجتمع صحراوي لم يكن ~~للآلهة أو للسحرة فيه أي قدرة على خرق ~~قوانين الطبيعة، ولدى قبائل تجهل قوانين ~~العلم، كان من الطبيعي أن يكون انشقاق ~~القمر وتوقف الشمس في الخيال الشعبي ~~ولدى رواة المدح وكتاب التعظيم أحد ~~وسائل التخييل وطرق الإقناع. ~~(2) # أما ظواهر الطبيعة الأخرى فتأتي هذه ~~المرة من الأرض وليس من السماء. ليس من ~~الشمس والقمر والنجوم وهي قيم في نهار ~~الصحراء وليلها، بل من طبيعة أرضها ~~وحاجاتها، مثل الماء للسقي أو للوضوء. فمن ~~هذا النوع نبع الماء بين أصابعه، وقد ~~يضاف إلى ذلك الغاية أو العلة أو العلة ~~الغائية لذلك، وهو وضوء الجيش، أو سقيه ~~العدد الكبير من الماء اليسير أسوة ~~بمعجزة الطعام، إشباعه الخلق الكثير من ~~الطعام القليل. وقد يضاف شرب الدواب مع ~~شرب البشر، ما دام الكل عطشى، وكائنات ~~حية، ورحمة عامة. ولو استمرت فترة الخلق ~~كما تستمر عند الصوفية لشربت الطير ~~والهوام وكل ذي حياة ونفس، كما يظهر ~~النموذج القديم في تاريخ الأديان مذكورا ~~في صياغة المعجزة، مثل خروج الماء من ~~الحجر لموسى، واعتبار المعجزة الجديدة ~~أعجب من النمط القديم. وقد تذكر شهادة ~~الحاضرين لتوثيق المعجزة والتصديق بها ~~أمام الشهود. وقد تتحول المعجزة من مجرد ~~واقعة وقتية إلى ظاهرة طبيعية دائمة، ~~فيصبح الماء عينين في مكان محدد مثل ~~تبوك، وقائمين إلى الآن أسوة ببئر زمزم ~~الذي يوجد حتى اليوم. فليس محمد أقل من ~~إبراهيم وإسماعيل وهو من نسلهما على أية ~~حال. وبدلا من أن يأتي الماء نبعا من ~~الأرض، قد يأتي نزولا من السماء، فينزل ~~المطر بدعواه حتى ولو في وقت الصحو دونما ~~حاجة إلى غمام، فذاك أعظم حتى لا يكون ~~هناك رابط ضروري بين العلة ms094 والمعلول. ونبع ~~الماء ونزول المطر في بيئة صحراوية جافة ~~يعد معجزة في حد ذاته، وفي مجتمع الماء ~~حياته، والجفاف موته. # 13 ~~(3) # أما ظواهر الجماد فهي في مقابل الماء ~~في الصحراء، فذلك مثل تسبيح الحصى بين ~~يديه، وتسليم الحجر عليه، وكلام الجماد. # 14 # وقد يسبح الحصى بين يديه ~~من فعله أو من يديه؛ أي من فعل الرسول، ~~وهو أكثر إغراء؛ نظرا لوجود العلة ~~الخارجية من مجرد التسبيح بعلة داخلية، ~~تسبيح الحصى من ذاته. وقد يكون التسبيح ~~يبن الأصابع أو في الكف، صورتي الحركة أو ~~الثبات؛ بين الأصابع نظرا لوجود صوت ~~الخشخشة، وفي الكف بلا أصوات طبيعية وهو ~~أعظم وأقدر وأبلغ. وقد يسمع الحاضرون ~~التسبيح؛ أي بحضور الشهود والجمع الغفير؛ ~~حتى لا تكون المعجزة ذاتية فردية، وحتى ~~يعطى لها تصديق موضوعي جماعي. فلو كان ~~هناك احتمال الخطأ في واحد فلا يمكن أن ~~يعم هذا الاحتمال الجميع. وقد يسلم ~~الحجر عليه ويتعرف على النبي، مقابلة ~~بجهل الإنسان وتكذيب غير المصدق به؛ ~~فالجماد أكثر تصديقا من الإنسان. وقد ~~يتكلم الجماد من مجرد لمس النبي له، ~~وكأن النبوة كما هو الحال في المثل ~~الشعبي: «تخلي الجماد ينطق». فما بال ~~الإنسان لا ينطق تصديقا بها؟ وفي جو ~~الصحراء حيث يعز الكلام، ولا يجد الأعرابي ~~من يكلمه، فإنه يشعر لا محالة بكلام ~~الحصى والجماد له حتى يأنس في وحدته، وكما ~~هو الحال في الشعر العربي، وفي كل شعر في ~~الخطاب المتبادل بين الشاعر وظواهر ~~الطبيعة. ~~(4) # أما ظواهر النبات فتتمايز فيما بينها؛ ~~بين الصوت، مثل تسبيح العنب والرمان؛ وبين ~~الحركة أي الصورة، مثل حنين الجذع، ومجيء ~~الشجرة في صورة هادئة، أو انقلاعها في ~~صورة عنيفة. # 15 # فقد يسبح العنب والرمان ~~بمجرد أن يحضره جبريل في طبق أمام ~~الرسول تعرفا عليه. وفي حنين الجذع قد ~~يزداد تفصيل اليابس؛ حتى يظهر التناقض بين ~~الحنين واليبس؛ فالحنين يحتاج إلى رطوبة ~~وحياة وهو طبيعي، في حين أن حنين اليابس ~~إيقاع تناقض بين الحنان واليبس؛ أي بين ~~الحياة والموت. وقد يزداد الحنين بالجذع ms095 ~~حتى يلتزم؛ أي يطوي نفسه على الرسول، ~~ويكور نفسه حوله ملتزما بتعرفه على ~~النبي! # وقد يكون الحنين بحضور الجميع؛ أي بحضور ~~الشهود؛ حتى يزداد الأمر تصديقا ويتجاوز ~~نقد خداع الحواس لفرد واحد. وقد يحن الجذع ~~في واقعة خاصة في النبوة، ليس فقط النبوة ~~العامة، بل إحدى لحظاتها في الخطبة؛ فقد ~~كان الجذع منبرا قبل بناء المنبر، ولم ~~يشأ أن يستغيى عن الرسول، فعاود الحنين ~~إليه ومال عليه، ولم يترك الرسول حتى ~~طيب الرسول خاطره، فعاد واستقام الجذع! ~~وقد يضم الصوت إلى الصورة، فيتكلم ~~الجذع، ويئن وهو يحن ويسمع الحاضرون ~~كلامه. أما بالنسبة لحركة النبات فقد تجيء ~~الشجرة بأمره وترجع بأمره إلى مغرسها، على ~~عكس الإنسان العاصي الذي لا يأتمر بأمر ~~الرسول. فللرسول قدرة على تحريك مظاهر ~~الطبيعة وتحريك النبات. قد توصف الحركة ~~فقط في صيغة مختصرة، مثل مجيء الشجرة، وقد ~~تفصل الحركة بالعلة الفاعلة وهو الأمر، ~~كما يفصل مسار الحركة ذهابا وإيابا؛ ~~إلى مغرسها إيابا، ومن مقلعها إيابا. ~~وقد توضع الواقعة كلها في قصة وحوار؛ طلب ~~أعرابي دليلا على النبوة واستجابة النبي ~~لذلك بإجراء الواقعة. وقد حاول المعاصرون ~~تفسير ذلك علميا عن طريق قوانين الهواء، ~~ودفع الريح للجذع، ومن خلال الثقوب، ~~فيتحرك وتحدث الصوت، أو بقانون الميل ~~والعودة إلى المكان الطبيعي، كما يفسر ~~إجابة الشجرة له بقانون الجاذبية. وهذا ~~يحيل المعجزة إلى حوادث طبيعية لا تخرق ~~قوانين الطبيعة، بل تتفق معها، ولكنها ~~تجعل العلم هو الأساس؛ وبالتالي لا تصبح ~~المعجزات دليلا على صدق النبوة أو ~~وقوعها. ~~(5) # أما ظواهر الحيوان فهي أكثر بكثير من ~~ظواهر الفلك أو الطبيعة أو الجماد أو ~~النبات؛ نظرا لأهمية الحيوان في البيئة ~~الصحراوية، طعاما وركوبا ودفاعا. ~~وتتفاوت ظواهر الحياة بين الصوت، أي ~~الكلام والمكالمة والنطق والإنطاق والشكوى ~~والشهادة والخطاب والسلام والتكليم؛ وبين ~~الصورة، أي الحركة كالمجيء والذهاب أو ~~حدوث تغير غير متوقع في وظائف ~~الحيوان. فمن معجزاته إنطاق العجماء أو ~~نطق العجماء أو نطق البهائم؛ فالنطق فعل ~~طبيعي من الشيء في حين أن الإنطاق بعلة ~~فاعلة ms096 خارجية، وهي أقوى من الحالة الأولى، ~~والأمر كذلك في مكالمة الأعجم أو كلام ~~الحيوان الأعجم؛ الثانية فعل طبيعي في حين ~~أن الأولى لها علة فاعلية خارجية. وتحت ~~هذا العنوان العام يدخل كثير من الوقائع ~~التفصيلية التي قد تقل أو تكثر، ومثال هذا ~~كلام الذئب أو مكالمة الذئب؛ فالأول للشيء ~~والثاني للفاعل، أو إنطاق الله للذئب ~~للإخبار عن النبوة أو شهادة الذئب له ~~بالنبوة. وقد تأتي الصورة مع الصوت، ~~فتصبح الواقعة كلام الذئب ومجيئه، أو ~~بالحركة فقط، فتصبح مجيء الذئب. وقد ~~تتضح الغاية من الكلام؛ فلا يكون مجرد قول ~~بل شهادة؛ أي قول حق بطريقة علنية أمام ~~الأشهاد. وقد تتغير الواقعة ودلالتها ~~والهدف منها؛ فبدل أن يكون كلام الذئب ~~للشهادة على النبوة تكون للاعتراف بأخذ ~~شاة، في حين أن الخلق لا تعترف بنبوة ~~محمد. وقد يأخذ الكلام صيغة إنشائية بدلا ~~من الصيغة الإخبارية؛ تعبيرا عن الجانب ~~الوجداني في الموقف، فيصبح نموذج كلام ~~الحيوان هي شكاية الناقة، شكوى البعير، ~~شكوى البعير له بالتخصيص. وقد يتحول الأمر ~~من الشكاية إلى شهادة بالبراءة، فتشهد ~~الناقة ببراءة صاحبها من السرقة، أو إلى ~~الكشف عن الشفقة والرحمة بالحيوان من ~~الظبية التي ربطها الأعرابي، فسألت الرسول ~~الإطلاق حتى ترضع وليدها وضمنت الرجوع، ~~فأطلقها ورجعت وهي تشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله أكثر مما يشهد ~~الحكماء ببراهينهم ويثبتون بأدلتهم! وقد ~~تكون صيغة الكلام ليس مع الذئب أو الناقة ~~أو الظبية، بل مع الغزالة التي تسلم ~~وتتعرف عليه. أما تغيير الوظائف العضوية ~~للحيوان فمثل درور الضرع من الشاة اليابسة ~~الجرباء التي لا لبن لها مرارا، ومثل أكل ~~الأرضة كل ما في الصحيفة المكتوبة على ~~الأشخاص؛ بني هاشم وبني عبد المطلب، حاشا ~~أسماء الله؛ أسوة بما كان متبعا في ~~اليهودية المحافظة من تحريم مسح أو رمي ~~أو وطء أو إتلاف أي صحيفة عليها اسم الله، ~~بل يجب حينئذ لفها في باطن الأرض؛ ~~فأسماء الله لا تمحى! # 16 # كما أن لذلك أنماطا سابقة في ~~تاريخ اليهود عند ms097 أنبياء بني إسرائيل في ~~كلام سليمان للهدهد، وحديث المسيح في ~~المهد صبيا. ولقد حاول المعاصرون إيجاد ~~تفسير علمي لذلك استشهادا بالببغاء، ولكن ~~الببغاء لا يفهم كما فهم الذئب والبعير ~~والناقة والغزالة والظبية. ~~(6) # أما ظواهر الطعام والصحة، أي ما يتعلق ~~بالبدن، فيأتي في المقدمة كلام الذراع أو ~~تكليم الذراع؛ الصيغة الأولى تصف الفعل ~~والثانية تصف الفعل مع الفاعل. وأحيانا ~~تتفصل الصيغة ويأتي سبب الكلام، فتصبح ~~كلام الذراع المسمومة. ولما كان هذا ~~الكلام شهادة على النفس فقد تصبح الصيغة ~~شهادة الشاة المسمومة. وقد تتحول الواقعة ~~إلى قصة بها حوار مباشر، مع تعليل لسبب ~~الحديث، وهو خلق الله في الذراع كلاما، ~~وقول الذراع للرسول: «لا تأكلني إني ~~مسمومة.» وقد تنقل بعد صيغ ظواهر ~~الجماد، مثل تسبيح الحصى، فتصبح تسبيح ~~الطعام من أجل تقابل بين الطعام المسموم ~~والطعام الطيب؛ الأول ينبه على الشر ~~والثاني يسبح بالخير. وإذا ما عرفنا أن ~~الدعوة كانت موجهة من يهودي، فإن هذه ~~الواقعة بصيغتها المختلفة إنما تدل على ~~العناية بالنبي وحفظه من عداء اليهود له. ~~أما الواقعة الثانية، تكثير الطعام، فلها ~~صياغات عدة تختلف فيما بينها من البداية ~~أو الوسط أو النهاية؛ فقد تكون البداية ~~مجرد وصف لواقعة مادية وأنها حادثة مثل ~~جعل الطعام كثيرا؛ وقد يقرب الواقعة ~~درجة من الخيال، فتصبح تكثير الطعام ~~القليل؛ وقد يزاد عليها العلة الفاعلة، ~~فتصبح تكثير الطعام القليل ببركته ~~ودعائه؛ وقد تزاد الدلالة وتتحول من ~~الواقعة المادية إلى الواقعة الإنسانية، ~~وتتحول البداية من الجعل والتكثير إلى ~~الإطعام والإشباع، فتصبح الصيغة إطعام ~~الرسول المئين والعشرات من صاع شعيرة مرة ~~بعد مرة، مع زيادة تحديد كمي للطعام ~~ولعدد الناس ولمدة الزمان؛ تقوية للدلالة ~~وإثارة للانتباه. وكذلك إطعامه النفر ~~الكثير من طعام يسير قرارا بحضرة المجموع ~~حتى يزاد الشهود، وتتحول الواقعة من ~~إدراك فردي قد يقع في خداع الحواس إلى ~~إدراك جماعي ورؤية موضوعية. وتصل الدلالة ~~إلى أقصاها عندما تصبح الصيغة إشباع ~~الخلق الكثير من الطعام القليل، أو إشباع ~~الخلق الكثير من الطعام اليسير. وربما ~~تزداد ms098 الصيغة وتتضخم على نحو إنشائي ~~بالترادف؛ لإحداث مزيد من الأثر على ~~الناس، فتصبح إشباع العدد الكبير والجم ~~الغفير من الطعام اليسير. وللواقعة نمط ~~قديم في تاريخ الأديان في تكثير المسيح ~~للطعام، وإطعامه الخلق الكثير من طعام ~~قليل، وشرب الخلق الكثير من الماء القليل ~~ببركته ودعائه مع تحديد كمي للطعام ~~بسمكتين وللشراب بقربتين، وفاض من ~~الطعام والماء ما يكفي لخلق أكثر. ومما لا ~~شك فيه أن حضور جمع غفير بحضرة القائد أو ~~الزعيم يجعل أحوالهم النفسية في غاية ~~التواتر، وعواطفهم في غاية الحدة، بحيث ~~يفقدون الإحساس بالجوع والشبع والعطش ~~والروي من الناحية العضوية. ويكفي أقل ~~القليل من الطعام والماء لسد جوعهم وعطشهم ~~ما دامت النفس في هذه الحالة من التوتر ~~والعواطف في هذه الدرجة من الحدة. وهي ~~تجربة نفسية إنسانية، يشعر بها عامة الناس ~~من لقاء الأمهات للأبناء بعد طول غياب، ~~ولقاء المحبين بعد طول هجران، ولقاء ~~الصوفية بالله بعد مخاطر الطريق. أما ~~الواقعة الثالثة فتتعلق بالأمراض العضوية، ~~مثل إزالة الضر من الأمراض. وقد تزاد على ~~ذلك العلة الفاعلة المادية المباشرة مثل ~~لمس اليد، فتصبح شفاء الأمراض العضال ~~بمجرد لمسة؛ أو العلة المعنوية غير ~~المباشرة مثل الدعاء، فتصبح شفاء ~~الأمراض العضال على يده بمجرد لمسه ~~لأصحابها أو دعائه لهم. وقد يزداد التفصيل ~~باسم الرحمة والمريض وحضور الشهود ومدة ~~الشفاء، فتصبح الواقعة إبراء عيني علي ~~من الرمد بحضرة الجماعات في ساعة. وقد ~~يشتد الخيال بوقائع الصحة والمرض، ويصبح ~~استبدال الأعضاء والأطراف، ابتداء من رد ~~عين أحد أصحابه بعدما قلعت فعادت أحسن ~~مما كانت، حتى إحياء الميت بمجرد دعائه. # 17 # ولهذه الوقائع أنماط سابقة في ~~تاريخ حياة المسيح من إبراء الأكمه ~~والأبرص وإحياء الموتى، مع أن البيئة ~~العربية لم تكن بيئة طب ودواء؛ مما يدل ~~على تغلب النمط القديم أحيانا على ~~البيئة، كما تتغلب البيئة أحيانا فتفرض ~~وقائعها، كما هو الحال في ظواهر الحيوان. ~~ويحاول بعض المعاصرين تفسير ذلك علميا ~~عن طريق الإشارة إلى قوانين الطب وزرع ~~الأعضاء في الأجسام، خاصة إذا كانت ms099 من ~~نفس الأجسام. فإذا كان ذلك صحيحا تظل ~~المعجزة خداعا؛ لأنها توهم الناس بأنها ~~خرق لقوانين الطبيعة مع أنها حادثة طبيعية ~~تتم وفق قانون طبيعي نجهله، ولكن بتقدم ~~العلم يمكن فهمه؛ وبالتالي يبقى الناس ~~في الجهل، ويرسى إيمانهم على الخداع. ~~فإذا ما تعلم الناس اهتزت قواعد ~~الإيمان، وتحولوا من الإيمان بالعقائد ~~والأنبياء إلى الإيمان بالعلم والعلماء، ~~ويكون الفضل لاكتشاف الحقائق للعلم، ~~ويصبح العلم ضد الإيمان تضاد الحقيقة ~~للوهم، ويتحول الإيمان بالمطلق إلى ~~إيمان بالنسبي، خاصة إذا ما تغير العلم ~~وتغيرت اكتشافاته، ويصبح الدين مجرد ~~متسلق على العلم مبررا لوجوده من ~~خلاله. وما دام وقع الدين في التبرير فلا ~~فرق بعد ذلك أن يقع في تبرير العلم أو ~~تبرير السياسة، وما دام يستمد وجوده من ~~غيره فلا فرق بعد ذلك أن يستمد وجوده من ~~رجال العلم بعد أن يصبح رجال الدين هم ~~رجال العلم أو من رجال السياسة، وقد يتآزر ~~الفريقان وتتحدد السلطة الدينية مع السلطة ~~السياسية في مواجهة حقائق الإيمان التي هي ~~حقائق المجتمع وأوضاعه الحالية. ~~(7) # أما الظواهر الاجتماعية المتعلقة به ~~فهي مثل الإنذار بالغيب والتنبؤ به، ~~وقدرته على إحداث عاهات بالآخرين ~~المعادين له، أو الكاذبين عليه ~~والمتذرعين لرفض مطالبه، وما يتعلق ~~بنبوته وطريقة الاتصال بمصدر الوحي، أو ~~ببعض شعائره مثل رمي الجمار. ولكن تتجلى ~~هذه الظواهر خاصة في حروبه مع الأعداء ~~وحمايته وهو في مرحلة الضعف، أو انتصاره ~~وهو في مرحلة القوة، سواء كان ذلك ساعة ~~مولده أو بعد مولده وبعثته؛ فإنباؤه ~~بالغيب وإنذاراته كثيرة، منها دعاء اليهود ~~إلى تمني الموت، وإخبارهم بعجزهم عن ~~ذلك، وأنهم لن يتمنوه أبدا. وقد يتأتى ~~ذلك بمعرفة الطباع واستقراء لسلوكهم في ~~التاريخ، دون أن يكون في ذلك بالضرورة ~~تنبؤ بالغيب، ومن ذلك إنذاره بمصارع أهل ~~بدر بحضرة الجيش موضعا موضعا، وقد يكون ~~ذلك نتيجة للمعرفة بقوانين الحرب وإدراكا ~~لموازين القوى. أما إخطاره بالنور الواقع ~~في سوط الطفيل فربما لانعكاس الضوء على ~~السيف في وهج الشمس من كثرة النزال، ~~واستعمال ذلك نفسيا من أجل ms100 شحذ الهمم ~~وتقوية الروح المعنوية. # أما دعاؤه على الذي قلد مشيته بأن ~~يكون كذلك، فقد يكون ذلك أثرا نفسيا ~~على المقلد من هول ما فعل، وهو تقليد ~~مشية الرسول، وتحويل الأمر الجاد إلى أمر ~~هزل وارتباكه، فتحول الشيء المصطنع ~~إلى مشي طبيعي. أما دعاؤه على بنت الحارث ~~الذي ادعى أن بها بياضا فبرصت في الحال، ~~فقد يكون هذا البياض الأول بدايات البرص ~~الذي لم يتعرف عليه الحارث. أما عدم ~~تكاثر الجمار بالرغم من رميه أجيالا ~~وأجيالا، فقد يكون ذلك من فعل الريح، أو ~~أنه يؤخذ منه نفسه ليرمي من جديد، أو ~~لأنها من صغرها لا يمكن أن تكون جبالا ~~حتى جيل الرواة؛ فتكوين الجبال يحتاج إلى ~~ملايين السنين ومعاصر لعمر الأرض. أما ~~ظهور جبريل مرتين، مرة في صورة دحية ~~بحضرة الناس، ومرة أخرى في صورة رجل لم ~~يره أحد من قبل؛ فطبيعي ألا يرى ~~الإنسان وظيفة المخاطب؛ أي الطرف الآخر، ~~إلا إذا كان هو الطرف الأول المحاور. أما ~~الباقون فلن يروا فيه إلا مجرد إنسان، ~~سواء كان معروفا من قبل أو لم يكن كذلك. ~~أما وقائع قصة هروبه من مكة واختفائه بغار ~~حراء، فهي تدل كلها على الحماية والرعاية ~~والنصر المرتقب؛ فالرمي بالتراب من أجل ~~إعماء العيون يحدث من جراء إثارة الغبار، ~~كما هو الحال في العواصف والضباب التي ~~يصعب معها الرؤية. وعدم رؤية الأعداء له ~~في الغار ممكن إذا كان الموضوع خارج ~~زاوية الرؤية إذا رأى الإنسان أمامه وكان ~~موضوع الرؤية تحت قدميه أو العكس. أما ~~قصة فتح الباب في حجر صلد في جنب الغار، ~~فهي طويلة الصياغة، القصد منها الإيحاء ~~بالتعجيز؛ فالحجر صلد وليس رخوا، والباب ~~المفتوح في جنب الغار وليس في واجهته؛ مما ~~يدل على الصعوبة في نوع الحجر وفي مكان ~~الفتح. أما كون الباب موجودا من قبل فهذا ~~ما يحتاج إلى علماء الآثار، وليس إلى مجرد ~~رواية الراوي. والدليل العقلي المروي بأنه ~~لو كان موجودا يومئذ لما أمكن الاختفاء ~~فيه، يكشف عن الرغبة في الإقناع العقلي ms101 ~~متجاوزا البحث الأثري. وإن تعليل العلة ~~بعلة الإقناع والتحديد الكمي معروف من ~~تاريخ الروايات أنه لا يدل على شيء واقعي، ~~بقدر ما يدل على أكبر قدر من الإيحاء ~~بالصدق في الاختلاق. والتأكيد على الزمان ~~بأنه ما زال ظاهرا حتى اليوم يدل على ~~القدرة على الصمود في وجه عوامل التعرية ~~وهزات الأرض. وشهادة الناس من كافة أرجاء ~~الأرض ضرورية؛ حتى تتحول الرؤية الذاتية ~~للفرد إلى رؤية موضوعية للجماعة. وإن عدم ~~قدرة أهل الأرض فتح الباب الثاني لهو ~~إبراز للتحدي، وهو أحد شروط المعجزة. ~~ويعاد الاستشهاد بجموع الحاضرين من قريش ~~الذين كان بإمكانهم رؤية الباب لو كان ~~هناك. ويزداد الأمر إعجابا عندما توجد ~~آثار رأسه وكتفيه ويديه باقية حتى اليوم ~~في الحجر، مع أن الحجر لا ينطبع بآثار ~~اليد أو الرأس أو الكتفين، ولا يتأثر إلا ~~بعوامل التعرية على مدى مئات السنين. وإن ~~الاهتزازات الأرضية لقادرة على إحداث ~~تغيرات في الصخور ما يتخيله الإنسان على ~~أنه أبواب ومغارات تنفتح وتنغلق، وما يراه ~~الهارب أنه تم لإخفائه عن أعين الأعداء؛ ~~ولكي تكتمل الصورة ترسخ قوائم فرس سراقة ~~في الرمال. وقد يحدث ذلك من شدة الركض حتى ~~الوصول إلى منطقة كثبان رملية، فتغوص فيها ~~القدمان كما تغوص المركبات وتدور العجلات ~~حول نفسها في المكان. هذا في مرحلة الترقب ~~والخوف وقبل انتصار البعثة. أما بعد ~~الإعلان عنها وقوة الشوكة والتمكن من ~~أسباب الغلبة، فتظهر وقائع المقاومة ~~والنزال والوقوف في وجه الأعداء. وقد ~~ترتبط في البداية ببعض الظواهر الأخرى مثل ~~الطعام؛ فكما أمكن تكثير الطعام فكذلك ~~أمكن قضاء غرماء جابر من تمر يسير حشي ~~بجانبه، وتزويد عمر أربعمائة راكب بتمر ~~يسير، وبقي التمر بالجنب، في مكان معين ~~خاف عن الأعين وليس في الأمام. وعلى نمط ~~رمي التراب في وجه الأعداء في حالة الدعوة ~~السرية، يمكن أيضا بعد الدعوة العلنية ~~رميه في وجوه الكفار يوم الحرب، فيصيب ~~عين كل واحد فينهزموا. وليزداد ذلك ~~تأكيدا تأتي الحجة النقلية: # وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى ~~. ~~وقد يغالي بعض ms102 المعاصرين في اعتبار ذلك ~~نوعا من الغازات أو الإشعاعات أو الغبار ~~النووي الذي لا يفرق بين الأعداء ~~والأصدقاء، إحساسا بعجزهم عن مجارات ~~العلم، وتحويلهم العلم إلى نوع من ~~المعجزات الجديدة. قد تحدث معجزات أخرى في ~~الحروب، بعضها معلوم وبعضها مجهول، مثل ~~دفاع أربد عنه. وقد تحمى المدن قبل ~~البعثة وأثناء ولادته إكراما له، مثل رمي ~~الله جيش أبرهة صاحب الفيل بالحجار عام ~~غزوه مكة، وتلاوة ذلك في القرآن حتى الآن ~~بركة ودعوة؛ فللبيت رب يحميه. فكما أن ~~شخص الرسول محاط بالرعاية فكذلك مكان ~~مولده، ومركز شعائره، وقدسية مدينته. ولا ~~يمنع ذلك من وجود طير جارح في الصحراء ~~بجموع غفيرة، كما هو الحال في موسم ~~الهجرات، تبحث عن طعامهم في صحراء قاحلة. ~~فلما وجدت الجيش وبقايا طعامه وروائحه، ~~حطت عليه كما يحط الجراد على الزرع فلا ~~يبقى منه شيء. # 18 # لذلك كانت المعجزات بهذا ~~المعنى القديم طريقا مسدودا، ولم تعد ~~دليلا على وقوع النبوة أو صدقها، وأصبح ~~الدليل نوعا جديدا من التحدي، هو التحدي ~~البشري، عقلا وإرادة، متفقا مع اكتمال ~~الوحي وتحقيق قصده. # | سابعا: إعجاز القرآن # إعجاز القرآن هو البديل الجديد في آخر مرحلة من مراحل الوحي ~~عن المعجزات القديمة أثناء تطور الوحي وقبل اكتماله. كانت ~~المعجزة بالمعنى القديم خرقا لقوانين الطبيعة، وجريانا على ~~غير المألوف، وصدما لبداهات العقل، ونقضا لشهادات الحس، لا ~~تسلم من خداع أو وهم، وإن كانت حقيقة فتدل على جهل بقوانين ~~العلم. ومن الناحية العملية لم يؤمن بها إلا البسطاء، وكذب ~~بها الأولون. أما الإعجاز الجديد فهو ظاهرة طبيعية، كلام حسي ~~منظوم يعرفه كل متكلم، سواء كان أميا أم متعلما يتجه ~~إلى العقل والحس والوجدان للتأثير فيها إقناعا ورؤية ~~وتصديقا. وإذا كانت المعجزة من فعل الله في الطبيعة من خلال ~~الرسول، وليس من فعل الرسول مباشرة متوجهة إلى عامة الناس؛ ~~فالإعجاز كلام طبيعي حسي موجه إلى الإنسان مباشرة كفرد ~~مستثيرا قدراته على التحدي؛ وبالتالي ينفصل الكلام عن مصدره ~~الأول وعن واسطته الثانية. وإذا كان شرط التحدي هو ms103 تكافؤ ~~الفرص، فكون المعجزة من الله لا يجعل فيها تحديا ولا تكافؤ ~~فرص، في حين أن الإعجاز به تحد وبه تكافؤ فرص؛ فالكلام في ~~متناول الجميع، يقدر عليه الكل. وكيف يجاري الإنسان الله ~~في المعجزة؟ لو كانت من الرسول لكان التحدي قائما. وإذا كانت ~~المعجزة القديمة منقطعة بانتهاء عصرها فإن الإعجاز باق إلى ~~نهاية الزمان، طالما أن هناك إنسانا قابلا للتحدي وقادرا ~~على الدخول فيه. وإذا كان من ضرورات المعجزة القديمة صحة ~~تواترها في الماضي، فإن الإعجاز الجديد يقتضي تحديا مباشرا ~~في الحاضر والمستقبل. الإعجاز إذن تطوير للمعجزة القديمة، التي ~~كانت وسيلة الوحي لتغيير بناء الشعور البشري، وتحريره من سيطرة ~~المادة الطبيعية المستغلقة، أو من سيطرة السلطان البشري ~~القاهر. ولما لم تنجح هذه الوسيلة في كثير من الأحيان، فهي ~~استبدال خرافة بخرافة، كان الشعور يرجع باستمرار إلى طبيعته ~~الأولى بعد أن تغير وكأنه لم يتغير مطلقا؛ لذلك انتهى دور ~~المعجزة بعد استقلال الوعي البشري واكتمال الوحي، وتحولت ~~المعجزة الطبيعية القديمة إلى إعجاز الكلام الجديد وتحدي ~~القدرة البشرية على الخلق الأدبي والتشريعي؛ ومن ثم يكون ~~الإعجاز حافزا مستمرا للشعور على الخلق، ودافعا مستمرا ~~للفكر على التحدي. # 1 ~~(1) التحدي والمعارضة # يقوم الإعجاز الجديد على عنصري التحدي والعجز عن ~~المعارضة؛ فالتحدي هو مطالبة الإنسان أن يأتي بمثل هذا ~~القرآن؛ أي استثارة القدرة البشرية على الخلق والإبداع، ~~وعلى هذا النحو يحقق الإعجاز الجديد أحد شروط المعجزة ~~القديمة وهو التحدي، دون الوقوع في مثالبها وهو خرق قوانين ~~الطبيعة، وهدم قوانين العقل، ومحدوديتها في القدرة على ~~الإقناع. ولما كان التحدي يقتضي تكافؤ الفرص فإن اعتبار ~~القرآن من عند الله يجعل الفرص غير متكافئة؛ فكيف يتحدى ~~الإنسان الله ويجاريه في صنعه؟ ولو كان القرآن من عند ~~الرسول لكان التحدي أقرب إلى تكافؤ الفرص، بالرغم أيضا ~~من تأييد الرسول بالاتصال، في حين أن الشاعر المتحدى ليس ~~مؤيدا إلا بقدراته الإبداعية الخاصة. وليس تنزيها لله ~~أن يقف الإنسان متحديا له في صنعه، وليس احتراما ~~للرسول أن يقف الشاعر متحديا ms104 له فيما يبلغ به ~~ويعلنه للناس من عند الله. وكيف يكون التحدي ممكنا لو ~~كانت نتائجه معروفة من قبل وإعلان النتيجة مسبقا بفشل ~~الإنسان والحكم عليه بذلك إلى نهاية الزمان بحرف النفي ~~للتأبيد «لن»؟ # 2 # وكيف يكون التحدي ممكنا والتهديد بالعقاب ~~قائم، سواء في حالة النجاح أم في حالة الفشل؟ وهل جزاء ~~قبول المتحدى العقاب؟ ألا يفت ذلك في عضد المتحدى إذا ~~علم النتيجة مسبقا بأنه خاسر، وبأنه سينال العقاب نتيجة ~~على تجرئه على قبول التحدي والقيام به؟ ومن الطبيعي أن ~~يكون موضوع التحدي معلوما، وليس مستورا خفيا لا يعلمه ~~أحد، وإلا ففيم التحدي وفيم الإعجاز؟ لا يكون التحدي ~~إلا لشيء معروف، وإلا لكان إيهاما أو خداعا، بل إن ~~التحدي منصوص عليه، والعلم به من القرآن ذاته. # 3 # وإن الشرط الأساسي للتحدي لهو القدرة على المعارضة. أما ~~أن يقال إن الله أعجزهم عن المعارضة فذلك ضد مبدأ التحدي ~~وتكافؤ الفرص. فكيف يطالب القاهر المقهور أن يكون حرا؟ ~~وكيف يطالب المصارع المكتوف اليدين أن يكون ندا؟ ~~وأما أن يقال بصرف الدواعي وأن القوة على التحدي مرفوعة، ~~فذلك أيضا نقص في شرط التحدي؛ فللتحدي شروط عديدة، منها ~~توفر الهمم والدواعي، وتجنيد كل الطاقات الإنسانية ~~أفرادا وجماعات، تأليفا وتجميعا، استكمالا لشروط ~~المعارضة حتى لا تكون معارضة محجمة منذ البداية. شرط ~~التحدي إذن توفر الدواعي وعدم وجود الصوارف، وباستحالة ~~المعرفة يستحيل التحدي، وصرف الدواعي يعني تدخل إرادة ~~خارجية تقضي على أساس التحدي المتكافئ الأطراف، سواء كان ~~صرف الدواعي للخلق أو للنقل. وإذا كانت المعرفة تعني ~~ارتفاع القوة ومنع التحدي والحيلولة عن المعارضة، فذلك ~~إعلان للنتيجة مسبقا قبل بداية المباراة؛ لعدم وجود ~~تعادل بين الخصمين، ولغش في التحكيم؛ وبالتالي لا ~~يستحق المتحدى وهو في هذا الوضع أي تبكيت، ولا يكون عليه ~~تثريب. إن التحدي لا يتم آليا بمجرد المواجهة، بل يلزمه ~~التأمل والبحث وشروط الخلق والإبداع؛ فلا يحدث الإعجاز ~~بمجرد سماع الوحي ومقارنته بغيره، بل يحتاج إلى تدبر ~~وروية. # ليس الإعجاز حادثة تقع في التو ms105 واللحظة، ويعلن المتحدى ~~التسليم بعدها؛ وبالتالي فلا يمكن القول بأن الله ينسى ~~الحافظ حتى يحفظه من جديد فيتأمله ويتدبره، وإلا كان ~~تدخلا خارجيا في عمل المتحدى؛ وبالتالي يضيع الشرط ~~الأول وهو تكافؤ الفرص، # 4 # كما أن ذلك ضد العدل، وقد ثبت من قبل أن ~~العدل أصل من أصول العقيدة بعد التوحيد، وكلاهما أصلان ~~عقليان قطعيان لا يخرقان بأحد الموضوعات السمعية مثل ~~النبوة في أحد موضوعاتها. فإذا ما حدثت المعارضة فمن ~~الطبيعي العلم بها ونقلها، وإلا تضيع محاولات السابقين؛ ~~فكما نقل القرآن والحديث تنقل المعارضة أيضا نقلا ~~متواترا، خاصة في مجتمع تظهرت عبقريته في وضع مناهج ~~النقل وتطبيقها على الكتب المقدسة السابقة. وقد كثر أعداء ~~المسلمين بحيث كان من مصلحتهم نقل المعارضة وتحدي القرآن ~~بها، ولا يمكن كتمان ذلك مدة طويلة دون الإعلان عنه، ~~خاصة وقد كان التحدي عظيما وعلى الأشهاد. ولا مكان لصرف ~~الدواعي في النقل فتتم المعارضة وتظل طي الكتمان، أو تنسى ~~ويذهب ذكرها وضبطها؛ لصرف الدواعي وهممهم عن حفظها ~~والتوفر على نقلها؛ فالإحساس بالتحدي يتضمن ضرورة إيصاله؛ ~~لأن الفن تعبير وإيصال. ولا يمكن صرف الدواعي بصرف وسائل ~~الإيصال، وإلا كان التحدي غير متكافئ؛ بتدخل إرادة خارجية ~~قادرة على إيصال النبوة، ثم تمنع إيصال التحدي. وقد تم ~~النقل بالفعل لبضعة نماذج معروفة من المخالفين والموافقين ~~على السواء. # 5 # فإن قيل: لقد كفت المعارضة حتى لا يذهب ~~إيمان الناس، وترك الناس المعارضة لإعراضهم عن النظر؛ حتى ~~لا يوجب التكذيب. فيقال إن بعض الدوائر كانت أحرص على ~~تكذيب الناس واستخدام الحجة ضد المؤمنين، بل قد نشأ علم ~~الجدل لهذا الغرض؛ دفاعا عن التوحيد ضد منتقديه. كانت ~~هناك مصلحة إذن لدى الأعداء للمعارضة بالنظر؛ حتى يذهب ~~النظر إيمان الناس ويكذبون النبوة. # 6 # ويستحيل أن تكف المعارضة لدخول شبهة على الناس؛ فالعرب ~~أهل فصاحة وبلاغة ولا تدخل عليهم شبهة في فنهم، واستطاعوا ~~كشف المنتحل من الصحيح، وهم رواة شعر وأقدر على الحكم في ~~حالة وقوع الشبهة من عدمها. # 7 # ولا يمكن أن تمنع ms106 المعارضة خوفا من ~~السيف؛ فالتحدي يتطلب تكافؤ الفرص وحرية الخلق والإبداع. ~~وقد ظهرت المذاهب والنظريات والأفكار والآراء والمعارضة ~~دون خوف، وعرفت الحضارة كلها بأنها حضارة العقل والفكر ~~الحر، ومطالبة البرهان، وقرع الحجة بالحجة. وشجاعة ~~المفكرين لا ترهبها السيوف ولا يهيبها الاضطهاد، ~~والنماذج على ذلك كثيرة في التاريخ. وهل مصير المعارضة ~~باستمرار مواجهتها بالسيف؟ بل إن العكس هو الأصح، عندما ~~عجزوا عن المعارضة بالقلم أو المعارضة بالسيف دون خوف، فلم ~~يكن أمامهم إلا المعارضة بالقلم وقبول التحدي؛ لجئوا إلى ~~المعارضة بالسيف. # 8 # وإن اشتغال العرب بالمحاربة والقتال ما كان ~~يمنعهم عن المعارضة وقبول التحدي؛ فهم أهل شعر وفصاحة، كما ~~أنهم أهل حرب وقتال. وإن لم تشغلهم الحروب عن العلم ~~والتفقه في الدين، فالأولى ألا تشغلهم عن التحدي ~~والمعارضة لجوهر الإسلام وكتابه ووحيه الذي عليه دعامته. ~~وإن النصر في التحدي لأبلغ من النصر بالسيف، وإن هزيمة ~~الوحي لأمضى على الأمة من هزيمة جيوشها. # 9 ~~(2) أوجه الإعجاز # قد يدخل الإعجاز مع صفة الكلام في مبحث الصفات، وهو بهذا ~~المعنى لا يكون دليلا على صدق دعوى النبي؛ لأن الكلام ~~موضوع مستقل بذاته، وليس وسيلة لإثبات شيء آخر، أو تصديق ~~شخص، أو تكذيبه. # 10 # وبالرغم من الاختلاف في سبب الإعجاز فإن هذا ~~الاختلاف لا يمنع من وجود أوجه متعددة له بالرغم من ~~الاختلاف حولها؛ فالاختلاف في سبب الإعجاز لا يقدح في ~~واقعة الإعجاز. # 11 ~~(أ) هل الإعجاز في النظم والبلاغة؟ # إذا لم يكن القرآن معجزة بمعنى خرق قوانين الطبيعة، ~~أو هدم مبادئ العقل، فهو إعجاز أدبي بمعنى استحالة ~~التقليد. القرآن إذن عمل أدبي أصيل ليس تقليدا ولا ~~يمكن تقليد مثله. يتم تناول القرآن إذن هذه المرة ~~كعمل شعوري، وليس كموضوع صوري، كما هو الحال في خلق ~~القرآن، أو قدمه وربطه بإرادة خارجية مطلقة، ولا ~~هو موضوع مادي؛ أي القرآن كجسم أو كشيء مقروء أو مسموع ~~مكتوب أو متلو، ينتقل أو لا ينتقل. فهل القرآن ~~معجز بنظمه وفصاحته نظرا لأن الإنسان ناطق، ولقد ~~كرم الله آدم ms107 وعلمه الأسماء كلها، واللغة شرف ~~والفصاحة بيان؟ قد يبدو لأول وهلة أن القرآن إعجاز ~~بنظمه وبلاغته؛ فالعرب أهل جزالة وفصاحة ونظم وبلاغة، ~~وقد خير العرب بين السيف والمعارضة، فاختاروا أشد ~~القسمين وهو المعارضة. وإذا كانت كل معجزة قد أتت ~~طبقا لعلم كل قوم ومستوى ثقافتهم؛ الطب عند عيسى ~~والسحر عند موسى؛ فقد أتى القرآن كإعجاز في النظم؛ ~~فالعرب أهم شعر وفصاحة. وإذا كان الرسول أفصح العرب ~~فقد أتى بعمل في مثل فصاحته. # 12 # والعمل الأدبي لا ينقسم إلى أجزاء بل هو ~~كل واحد. ليس العمل الأدبي كما بل هو كيف، ولا ~~يمكن أخذ جزء منه وتذوقه تذوقا أدبيا دون كله، ~~وقد عرف ذلك من العرب جملة وتفصيلا. # 13 # وقد يتجاوز النظم إلى البلاغة؛ أي ~~القدرة على التعبير عن المعاني بأدق الألفاظ؛ فقد ~~اشتمل القرآن على معان تعجز العلوم الإنسانية كلها أن ~~تصل إلى دقيقاتها. # 14 # وقد اعترض بعض القدماء على ذلك بحجج عقائدية ~~ولغوية معا؛ فإذا كان القرآن قديما فلا يمكن ~~للحادث تقليده، وإن أمكن تقليده فلا بد أن ~~يكون القرآن ~~حادثا، وإذا كان الكلام من فعل الله فكيف يتحدى الله ~~نفسه؟ ليس الإعجاز إذن في ترتيب الحروف أو النظم؛ ~~فالكلام إنساني خالص، وليس كلاما إلهيا؛ لأن الكلام ~~الإلهي يبطل التحدي. # 15 # وإن تطبيق قواعد النظم والبلاغة التي اشتقها الإنسان ~~من اللغة لتجعل كلام الله إنسانيا خالصا تطبق ~~عليه مقاييس لغة البشر وكلامهم. # 16 # أما حفظ القرآن لدى نقلته ورواته فليس ~~معجزا، فالمهم هو القرآن وليس حفظه أو نقله الذي ~~يخضع لمناهج الرواية، كما أن حافظه وناقله مسلم؛ ~~وبالتالي لن يدعي النبوة، وإن لم يكن مسلما وكان ~~حافظا للقرآن، فليس القرآن هو الدليل الوحيد؛ فهناك ~~التواتر وإجماع الأمة وتحقيق الوحي في التاريخ. # 17 # كما اعترض بعض القدماء على وجوه البلاغة؛ ~~فإذا كانت البلاغة هي ما قل ودل فإن أبلغ خطبة من خطب ~~العرب وأشعر قصيدة من قصائدهم، توفي بهذا الغرض دون ~~تفاوت كبير بينها وبين بلاغة القرآن، والشواهد على ذلك ms108 ~~كثيرة. وقد اختلف الصحابة في بعض القرآن، حتى لقد ~~استبعد البعض منهم بعض سوره؛ لأنها لا تنطبق عليها ~~قواعد البلاغة العربية وأصولها. وقد سبب ذلك مشكلة عند ~~الجمع، ولم توضع الآية في المصحف إلا عن بينة أو ~~يمين. وإذا كان لكل صناعة مراتب فلا ريب أن محمدا كان ~~أفصح أهل عصره ولا ريب. وهذا هو سبب إعجاز القرآن. # 18 # وقد يقال أيضا إن بالقرآن شعرا بالرغم ~~من نفي القرآن لذلك، وإن فيه لحنا، وإن فيه تكرارا ~~بلا فائدة، وإن فيه كثا من الخطب والقصائد الطويلة، ~~بحيث لو تتبعها البلغاء لوجدوا فيه سقطا وتناقضا، ~~بل وزيادة ونقصانا. وإذا كانت في القرآن ألفاظ ~~فارسية، فكيف يمكن القول بفصاحته وبلاغته؟ # 19 # لذلك اعتبر البعض أن القرآن من جنس كلام ~~العرب، مجرد أعراض لا تدل على الله ولا على الرسول، ~~يقدر العرب على مثله؛ وبالتالي ليس معجزا من حيث ~~النظم والبلاغة، بل يقدر الناس على ما هو أحسن منه. ~~فليس في النظم إعجاز، لا في كلام الله ولا في كلام ~~العباد، بل إن الزنج والترك الخزر قادرون على ~~الإتيان بمثله وبأفصح منه، حتى ولو لم يعلموا قواعد ~~النظم وأصول التأليف. ولا يمكن أن يكون الإعجاز في ~~النظم؛ فقد ضاعت النصوص الأصلية للتوراة والإنجيل، بل ~~لم تحفظ على الإطلاق بلغتها الأصلية، وما زال الناس ~~يتعبدون بها إلى اليوم. # 20 # إن ما قيل في إعجاز النظم والبلاغة هي ~~أمور متفاوتة في النظم والأشعار، ولا يوجد بين القرآن ~~وبينها إلا اختلاف في الدرجة وليس في النوع؛ فالنظم ~~الغريب أمر سهل بعد سماعه ويمكن تقليده. # 21 # وكيف يكون الإعجاز لغير العرب من الأمم ~~الداخلة في الإسلام أو المعادية له، والتي يقبل ~~شعراؤها التحدي؟ ليس الإعجاز إذن في النظم والبلاغة ~~فقط، بل يتجاوز ذلك إلى المعنى، وقد يكون المعنى فكرا ~~أو نظاما، عقيدة أو شريعة ، وقد يقع هذا لمن لا يعرف ~~العربية، وقد آمن كثير من غير الناطقين بالعربية ~~بالوحي بعد اقتناعهم بخصائصه ونظمه وإن لم تحدث لهم ~~انطباعات ms109 جمالية بأسلوبه، وقد يكون ذلك فيما بعد ~~دافعا إلى التعريب، وتعلم العربية؛ فالإسلام ليس ~~فقط عقيدة نظرية أو شريعة عملية، بل هو حركة تعريب، ~~كما أن كل علم باللغة العربية هي مقدمة للاقتناع ~~بالإسلام؛ لذلك كان كل المسلمين عربا وكل العرب ~~مسلمين. واللغة نفسها، في حالة الإعجاز بالنظم ~~والبلاغة، تحيل إلى المعنى. اللفظ مجرد وسيلة لإيصال ~~المعاني، والوحي ليس فقط بيانا وصياغة، بل هو مضمون ~~ومعنى؛ فالقرآن قبل أن يكون نظما هو معنى، وإلا لما ~~كان دليلا. ولا يمكن الإيمان به دون فهمه، ولا ~~يمكن فهمه دون أن يكون له معنى، والمعنى مستقل عن ~~الله وعن الرسول وعن الإمام وعن المفسر، معنى مستقل ~~في الذهن، يدركه العقل، ويشعر به الوجدان، ويراه ~~الحس متحققا في الأعيان. وإن وجود المحكم ~~والمتشابه، والظاهر والمؤول، والحقيقة والمجاز، ~~ليدل على ضرورة أحكام المعنى بوضع قواعد مضبوطة ~~لتحديد الصلة بين اللفظ والمعنى. وإن فهم المعنى لهو ~~السبيل إلى الكشف عن ما يسمى بالمتناقضات فيه، بل ~~لقد تحول ذلك في علم أصول الفقه إلى علم بأكمله هو ~~علم التعارض والتراجيح. # 22 # وفي الحقيقة إن القضية كلها موضوعة وضعا خاطئا في ~~الإعجاز النظمي؛ فإذا كان الإعجاز الأدبي لا يعني حدوث ~~معجزة على يد الرسول، بمعنى حدوث شيء خارق للعادة، وهو ~~تبليغ رسول أمي بهذا العمل الأدبي الفريد، فذاك ~~تصور للإعجاز على أنه معجزة. وإذا كان الإعجاز هو ~~استحالة التقليد والإتيان بمثله، فهو تحد للقدرة ~~الإنسانية على التأليف والخلق. فالمقصود بالإعجاز تحدي ~~قدرة الآخرين، وليس إظهار قدرة النبي أو قدرة خارجية ~~على يد النبي بمعنى المعجزة التقليدي، وهو الخروج على ~~المألوف وخرق قوانين الطبيعة وهدم مبادئ العقل. ليس ~~الإعجاز بهذا المعنى خرقا لقوانين الإبداع الفني من ~~قبل إرادة خارجية لإثبات صدق النبي، فهذا هو معنى ~~المعجزة القديمة، بل تحدي البشر على الإتيان بمثل هذا ~~العمل الأدبي . والحقيقة أن الإعجاز حتى بهذا المعنى ~~الجديد يظل قاصرا. # فإذا كان المعجز هو النظم، أي ترتيب الكلام على ~~نحو فني لا يمكن معه ms110 لأي فنان آخر أن يأتي بمثله، ~~يكون الإعجاز هنا إعجازا أدبيا خالصا. وهذا يحدث ~~في كل عمل فني؛ فالعمل الفني الأصيل لا يمكن تقليده ~~أو الإتيان بمثله، بل إن المقلد نفسه لا يكون ~~فنانا. هذا بالإضافة إلى استحالة فصل النظم عن المعنى ~~والمعنى عن الشيء أو القانون؛ نظرا لارتباط الشكل ~~بالمضمون ارتباطا عضويا، كما يقتضي بذلك تعريف ~~البلاغة عند القدماء. فما يقال إذن عن احتمال أن يأتي ~~الناس بمثله احتمال خاطئ فنيا أساسا، فلا يستطيع ~~فنان أن يقلد عملا فنيا آخر، حتى ولو كان في ~~إمكانية ذلك ولديه العلم والمهارة الكافية، فلا يكون ~~عمله في هذه الحالة عملا فنيا أصيلا، بل مجرد عمل ~~مقلد، وتكون مهارته في التقليد وليس في الإبداع، في ~~الصنعة وليس الطبيعة. ولما كان التقليد أصلا ليس ~~أسلوبا فنيا، وبالتالي لا تثبت استحالة التقليد ~~إعجاز القرآن بقدر ما تثبت أن الفنان الذي يقلد ~~ليس فنانا على الإطلاق؛ فالتقليد في نهاية الأمر ليس ~~طريقا إلى الخلق الفني. ~~(ب) هل الإعجاز في الإخبار بالغيب؟ # يتجلى الإخبار بالغيب عند القدماء في القصص القرآني ~~وإخبارنا بأخبار الأولين. لم يعرفها العرب ولم يعرفوا أمثالها. # 23 # والحقيقة أن العرب كانت لديهم أمثال هذه ~~القصص في أقوال الكهان والقصص العربي، وفي ~~الإسرائيليات التي كانت معروفة في الأوساط العربية ~~اليهودية، بل إن أسباب نزول القصص هي معارضته للقصص ~~القائم، قصصا بقصص حتى لا يكون المسلمون أقل قصصا من ~~غيرهم. والماضي ليس غيبا؛ فحوادث الماضي قد وقعت ~~بالفعل ويمكن معرفتها عن طريق علم الآثار ودراسة ~~الوثائق والحفريات؛ فالقصص القرآني بهذا المعنى وذكر ~~أخبار الأولين ليس بمعجز؛ إذ يمكن للوثائق ~~والحفريات وعلوم التاريخ أن تقوم بذلك. وحتى لو حدث ~~ذلك، لو أخبر القصص القرآني بأخبار الأولين كما تفعل ~~الوثائق في علوم التاريخ، فليست المعجزة في أن هذا ~~النبي الأمي يقص هذا القصص ولم يكن مؤرخا ، ولا عالم ~~آثار، أو حتى كاتبا؛ فذلك أيضا تصور للإعجاز ~~الجديد على أنه معجزة قديمة بالمعنى التقليدي؛ أي خرق ~~قوانين الطبيعة، كما ms111 أن حجة الأمية لتوحي بأن محمدا ~~هو مؤلفها؛ وبالتالي تؤدي إلى إنكار الوحي، بل إن ~~الإعجاز هو أخبار السامعين بحوادث مضت واندثرت، ~~وتضاربت فيها الآراء، وضاعت الحقائق وسط الظنون ~~والأوهام. الإعجاز هو إمكان التحقق من صدق هذا القصص ~~بنتائج البحوث التاريخية الحالية، والتحقق من صدق ~~روايات القرآن عن عقائد الأمم السابقة وأحكامه عليها ~~بالنتائج الحالية لعلوم النقد التاريخي للكتب المقدسة. ~~والحقيقة أن الغاية من القصص لا هذا ولا ذاك، بل إعطاء ~~الدرس الأخلاقي من التجارب السابقة، والاستفادة من ~~الرصيد التاريخي للإنسانية وخبراتها؛ فهو قصص تعليمي ~~وليس إخباريا، يحتوي على معان ولا يشير إلى حوادث. ~~هو إعادة عرض للمعاني عن طريق الوعي التاريخي وليس ~~الوعي الفردي، وعرضه كقانون للتاريخ وليس كمعنى ~~مستقل. وهذا التحقق التاريخي للمعنى هو أحد براهين ~~صدقه بالإضافة إلى البرهان النظري العقلي. # 24 # وقد يتمثل الإخبار بالغيب لا في قصص الأولين ~~والإخبار عن الحوادث الماضية، بل في التنبؤ بحوادث ~~المستقبل والإخبار بها، وهو أقرب إلى الغيب من أخبار ~~السابقين؛ لأن المستقبل لم يقع بعد في حين أن حوادث ~~الماضي قد وقعت؛ فعدم العلم بها ليس غيبا إلا بمعنى ~~الجهل بالمعلوم، كما أن وقوع حوادث يعلمها البعض ولا ~~يعلمها البعض الآخر لا تكون غيبا، والإخبار بها لا ~~يكون تنبؤا بالمستقبل. # 25 # والحقيقة أن الإخبار بحوادث المستقبل ليس ~~إخبارا بالغيب بمعنى معرفة المجهول الذي لا يقع، بل ~~هو قدرة على معرفة مسار الحوادث في المستقبل بناء على ~~تجارب الماضي والمعرفة بتاريخ الأمم والشعوب؛ فالتنبؤ ~~قائم على معرفة بقوانين التاريخ، وليس اكتشاف علم غيبي ~~لا وجود له. هو تحقيق قوانين التاريخ في المستقبل، كما ~~تحققت في الماضي. وحتى لو كان محمد أميا، فإن ~~معرفة قوانين التاريخ لا تحتاج إلى قراءة أو كتابة أو ~~معرفة بالآثار والوثائق، بقدر ما هي معرفة فطرية ~~بحركة الشعوب؛ فالوعي التاريخي أساس الوعي السياسي، ~~ويتمتع القائد السياسي والزعيم المحنك بكليهما، حتى ~~ولو كان أميا، وتاريخ القادة والزعماء شاهد على ذلك. ~~لا تعني النبوة إذن الإخبار عن المستقبل ms112 بمعنى الإخبار ~~بالغيوب؛ لأن الإخبار بالمستقبل ممكن باستقراء حوادث ~~التاريخ، ورصد تجارب الأمم، وتحليل الأوضاع الحاضرة، ~~ومعرفة مصير الأمة طبقا لقوانين التاريخ. وهذا علم ~~إنساني، علم التاريخ، أو فلسفة التاريخ، أو علوم ~~المستقبل، وليس علما غيبيا، فلا شيء يحدث في العالم ~~في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، إلا ويمكن للإنسان ~~معرفته. وجعل الإعجاز الجديد إخبارا عن الغيب وتنبؤا ~~بالمستقبل هو رجوع بوظيفة النبوة إلى الوراء، وهي ليست ~~وظيفة الوحي في مرحلته الأخيرة. ليس الإخبار عن الغيوب ~~دليلا على النبوة أو أحد أوجه الإعجاز القرآني؛ فليست ~~وظيفة النبوة الإخبار بالغيب والتنبؤ بالمستقبل، كما ~~كان الحال في مراحل الوحي السابقة، ولكن يمكن معرفة ~~المستقبل باستقراء حوادث التاريخ، وقوانين التطور ~~البشري التي تثبت وجود قوانين لبقاء المجتمعات أو ~~لفنائها، ابتداء من قوانين السلوك البشري الفردي أو ~~الجماعي. يمكن إذن باستقراء السلوك الحاضر لجماعة ~~معينة في الماضي والحاضر معرفة مصيرها في المستقبل، ~~وليس هذا غيبا، بل معرفة للمستقبل بناء على شواهد في ~~الماضي وقرائن في الحاضر. إن تحقيق النبوة ليس تنبؤا ~~بالغيب، بل قراءة للحاضر في الماضي عن طريق استقراء ~~حوادث الماضي ومعرفة قوانين التطور، وقراءة للماضي في ~~الحاضر عن طريق إسقاط الحاضر على الماضي وتحويله إلى ~~ماض نمطي موجه وقرائن الحاضر. فهناك قوانين للصراع ~~الاجتماعي والتاريخي فيما يتعلق بالهزيمة والنصر. ~~فعندما يتعادل الحق والباطل، أي عندما يتصارع باطلان، ~~تكون الغلبة يوما لهذا ويوما لذاك؛ فالأمر يعود إلى ~~القوة المحضة التي لا يساندها حق، وعندما يكون ~~الصراع بين الحق والباطل فالغلبة بالضرورة للحق على ~~الباطل، إن لم يكن في الحاضر ففي المستقبل، ولو كانت ~~معظم النبوءات تعبيرا عن الأول في النصر، تخبر بها ~~الجيوش شحذا لعزيمتها وتقوية لمعنوياتها، ثم تتحقق ~~الرؤية ويظن أنها تحقق للنبوءة. # 26 # ومن قوانين التاريخ الاتفاق على مبادئ ~~عامة تحكم سلوك الشعوب، منها حرية الاعتقاد والسلوك ~~طبقا لمبادئ عامة إنسانية تعترف بها كل الشعوب. ~~وبالرغم من توجيه القدماء بعض الاعتراضات على هذا ~~الوجه من الإعجاز، فالتنبؤ بالغيب قد يكون كرامة ms113 وليس ~~معجزة، كما أنه يقع من المنجمين والكهنة، وليس فقط ~~من الأنبياء. وهو إقصار للمعجزة على الغيب، وكأن ما ~~ليس بغيب لا يكون معجزا. # 27 # إلا أن الحركة الإصلاحية الحديثة تجمع بين ~~إعجاز القدماء وقوانين التاريخ، في أسلوب أدبي خطابي، ~~في وصفها انتشار الإسلام بسرعة لم يشهد مثيلها في ~~التاريخ، وكأن هذا الانتشار نفسه معجزة قديمة أو إعجاز ~~جديد، دون صياغة عقلية لقوانين التطور ومسار التاريخ. ~~والحقيقة أن التنبؤ بالمستقبل، كأحد وظائف النبي، لها ~~أنماطها السابقة لدى بني إسرائيل، وكما هو واضح في ~~نبوءات المسيح. ولماذا يكون محمد وهو آخر الأنبياء ~~وخاتم النبوة أقل قدرة من الأنبياء السابقين؟ أما ~~أمور المعاد فليست غيبية؛ لأنها تخضع لقانون ~~الاستحقاق، وتحقيقا لأصل العدل، كما أن أمور الحلال ~~والحرام ليست أمورا غيبية، بل هي أدخل في علوم ~~التشريع. ~~(ج) الإعجاز التشريعي # ويندرج الإعجاز التشريعي من قانون الاستحقاق وتطبيق ~~أصل العدل، وهي الأسس العقلية التي تقوم عليها أمور ~~المعاد، وفي مقدمتها الوعد والوعيد حتى وضع الشريعة ~~وإقامة الدولة. فأمور المعاد ليست أمورا غيبية، بل ~~يمكن معرفة أسسها العقلية، مثل قانون الاستحقاق ~~بالعقل. أما أمور الحلال والحرام فتدل على قواعد ~~السلوك البشري، وما يجب وما لا يجب؛ الأوامر والنواهي ~~في كل ملة ودين. وقد لاحظ القدماء ذلك على مستوى ~~المعنى؛ أي الحكمة الأخلاقية والفضائل العملية. أما ~~علماء أصول الفقه فهم الذين دققوا في الحكمة ~~التشريعية؛ فبالنبوة تثبت معان كبرى قائمة على كمال ~~العقل والتحقق في التاريخ، ولا تتحقق هذه المعاني فقط ~~في شخص الرسول، ولكنها معاني مستقلة يدركها كل عقل، ~~ويتحقق من صدقها كل إنسان، بلا حاجة إلى معجزات بمعنى ~~خوارق العادات، ولا يحتاج الإنسان لتصديقها إلا إلى ~~استقلال العقل وحرية الإرادة. # 28 # ولكن المعاني الخلقية والحقائق الإنسانية ~~العامة قد تحولت إلى نظم وشرائع، وتحققت عمليا ~~في حياة الأفراد والجماعات، وأسست دولا، وأصبحت ~~حركات في التاريخ. ولو كانت مجرد حقائق علمية ~~واكتشافات رياضية، لكانت في العلوم الهندسية ~~والرياضية والحسابية وفي العلوم الطبيعية أمثلة لها. # 29 # فالإعجاز ms114 التشريعي يخص آخر مراحل الوحي ~~عند اكتماله، ولا يخص المراحل السابقة. كانت مهمة ~~المراحل السابقة المساهمة في تطوير الوعي الإنساني، ~~بالتركيز على جوانب دون جوانب أخرى؛ مرة على القانون ~~في شريعة موسى، ومرة على الحب في شريعة عيسى، ولكن عند ~~اكتمال الوحي أمكن إعلان استقلال الشعور الإنساني، ~~وأنه لا وجه للتركيز على جانب واحد، وإنما الحاجة إلى ~~نظام تشريعي متكامل، وحقيقة كلية شاملة لكل العصور ~~والأمكنة في مبادئها الأولى، وأن التحدي التشريعي قائم ~~إلى يوم الدين، ليس في الماضي فقط كما هو الحال في ~~المعجزات القديمة، ولا في الحاضر فقط كما هو الحال في ~~الإعجاز البلاغي والتحدي في الخلق. فالتحدي بالنظام ~~الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقانوني، أي التحدي ~~بالمذاهب الفكرية، هو القائم والباقي. وإذا كنا نعيش ~~في عصر الأيديولوجيات، فالتحدي الأيديولوجي هو الوريث ~~لكل التحديات القديمة بمعجزاتها وإعجازها. فالعصر عصر ~~أيديولوجية وليس عصر بلاغة ونظم أو إخبار بالغيب، إلا ~~عن طريق حساب الاحتمالات للمجهول، أو التنبؤ بالمستقبل ~~كما هو الحال في العلوم المستقبلية. ويضم الإعجاز ~~التشريعي جانبين: الأصول العامة التي تقوم على الحكمة ~~البشرية ورصيدها في التاريخ، ثم استنباط أحكام الشريعة ~~وتحقيقها في الزمان والمكان، في فنون وصناعات ~~واجتماعيات وسياسات. وكما تساعد قواعد اللغة على ~~إحكام المتشابهات، تقوم قواعد الاستنباط وطرق البحث عن ~~العلة بتكييف المبادئ طبقا للزمان والمكان، وبتحقيقها ~~في الواقع فيحل التعارض النظري. وما ظنه البعض على ~~أنه تناقض على مستوى المبادئ هو في الحقيقة تكيفات ~~طبقا لظروف كل عصر. فالإعجاز التشريعي في علم أصول ~~الفقه؛ أي في الشق الثاني من علم الأصول. # 30 # والإعجاز التشريعي ليس فقط على المستوى ~~النظري الاستنباطي في الاجتهاد، بل أيضا على مستوى ~~التحقق الاجتماعي والتاريخي؛ فهو إعجاز في الفكر وفي ~~الواقع، في النظم وفي التاريخ، من حيث القدرة على نشر ~~الدعوة، وتجنيد الجماهير، وتغيير الأبنية الاجتماعية، ~~وبناء دولة جديدة أصبحت وريثة لأكبر إمبراطوريتين ~~قديمتين، الفرس والروم، في أقل وقت ممكن. تحولت ~~قبائل الجزيرة العربية إلى طلائع واعية لحركة تغير ~~اجتماعي وتاريخي، وأعطت مثلا ms115 في التنظيم وفي القيادة ~~ما زالت تمثل في وجدان الأمة قدرة على التمثل ~~والاقتداء ورفض الواقع والتطلع إلى عالم أفضل، لدرجة ~~أن أصبح التقدم في التاريخ هو لحاقا بقدوة الصحابة ~~وبسيرة الخلفاء. # 31 # | ثامنا: الشخص أم الرسالة؟ # إذا كانت النبوة تحتوي على أربعة أطراف؛ المرسل والمرسل ~~إليه والمرسل إليهم والرسالة، وكان المرسل موضوع التوحيد ~~أول العقليات، فإن المرسل إليه موضوع النبوة أول السمعيات، ~~ويكون السؤال حينئذ في المرسل إليه: هل تتحدد صلته ~~بالمرسل فيكون لدينا البعد الرأسي في النبوة، أم تتحدد صلته ~~بالمرسل إليهم وبالرسالة فيظهر البعد الأفقي في النبوة؟ ~~وبصيغة أخرى: هل ترتكز النبوة على الشخص أم على الرسالة؟ إن ~~المتتبع لتاريخ علم العقائد يجد هناك تشخيصا واضحا للنبوة؛ ~~أي التركيز على النبوة كشخص دون النبوة كرسالة، وتظهر النبوة ~~كشخص في الإسراء والمعراج، وفي العصمة، وفي التفضيل بين الرسل ~~والأنبياء، ثم تتشخص في سيرته الذاتية؛ أولاده ونسبه وأصحابه ~~وزوجاته، مرة في علاقته بالصوري ومرة في علاقته بالمادي، مرة ~~بالنسبة إلى الروح ومرة بالنسبة إلى البدن. فما يجب له من صفات ~~الصدق والأمانة والتبليغ والفطنة، وما يستحيل عليه من صفات ~~الكذب والخيانة والكتمان والتهور أو البلادة، وهي صفات إن كانت ~~للمرسل إليه إلا أنها شروط لأداء الرسالة. ~~(1) النبوة كشخص # وتظهر النبوة كشخص في حياة الرسول الخاصة وسيرته ~~الذاتية، والتي لا تتعلق في كثير من الأحيان بالرسالة ~~كتبليغ متواتر لها مضمون فعلي يتصل بحياة الناس. ~~ويعطي القدماء نماذج لهذه النبوة المشخصة في الإسراء ~~والمعراج، وفي عصمة النبي، وفي تفضيل الأنبياء، وفي سيرته ~~الذاتية. ~~(أ) الإسراء والمعراج # لم يظهر هذا الموضوع كجزء من العقائد إلا في العقائد ~~المتأخرة في مرحلة انحسار العقل وزيادة النقل؛ ففي ~~العقائد المبكرة يذكر كأحد موضوعات الإيمان في ~~النبوة، ولكنه في العقائد المتأخرة يزداد تفصيلا في ~~وصف السموات السبع، وسدرة المنتهى، والبراق، وجبريل، ~~وميكائيل. وهي مادة مستمدة أحيانا من علوم السيرة، ~~وأحيانا أخرى من الخيال الشعبي والمصنفات فيه. # 1 # وبتحليل إحدى الروايات الواردة في كتب ~~العقائد المتأخرة يلاحظ ms116 أن الخلاف في مكان ووقت ~~وقوعها، قبل الهجرة أو بعدها، في بيت أم هاني أم ~~عائشة، قد يكشف تنافسا بين الزوجتين لنيل شرف ~~الواقعة، أو قد يكشف تنافسا آخر بين المهاجرين ~~والأنصار لنيل الشرف، قبل الهجرة للمهاجرين وبعد ~~الهجرة للأنصار. ولم يبدأ الرسول رحلته إلا بصحبة ~~ملكين؛ جبريل وميكائيل، رسول الوحي ورسول الله. ولا ~~تكون الصحبة إلا باثنين يمينا ويسارا؛ تعبيرا عن ~~مرتبة الصديق ورفعة المنزلة، ثم حملاه إلى المسجد وهو ~~مكان طاهر لشق صدر قلبه وغسله وملئه علما وحكما؛ ~~فالحمل إلى المسجد أفضل من السير به إلى المسجد، كما ~~هو الحال في أفعال الصلاة، ولم يتألم حين شق صدره على ~~نقيض مناظر الصلب التي تألم فيها المسيح، حتى يزداد ~~تحمله لآلام البشر، في حين أن الألم هذه المرة لا ~~وجود له. وهذا يعبر عن تصور الدينين للألم؛ وجود ~~أم عدم، فشل أم نجاح. وقام جبريل، وليس ميكائيل، ~~بالغسل، ووضع فيه العلم والحكمة؛ لأنه ملك الوحي. ~~وللواقعة نمط سابق في كرامات النبي قبل البعثة في شق ~~صدره وغسله، ورفع المضغة السوداء منه، وتخليصه من ~~الشيطان. وكلها أفعال الطهارة من المسجد إلى القلب إلى ~~السماء؛ نقطة البداية ونقطة النهاية والمحمول بينهما. ~~وركب الرسول البراق دون أن تعطي مصنفات العقائد ~~وصفا له كما تعطي كتب السير؛ لأن قدر الخيال ~~الشعبي فيه لا نهاية له. وفي الطريق إلى المسجد الأقصى ~~رأى عجائب لا تذكر، ولكن من الطبيعي أن يركب البراق ~~وينظر حوله وهو يقطع هذه المسافات الشاسعة، أن يرى ما ~~لا يراه غيره من عابري الفيافي والقفار، خاصة من رسول ~~تعود على هذه الرحلة، ويعرف ما فيها من مناظر الطريق ~~قبل البعثة وهو يقود القوافل إلى الشام. وبطبيعة الحال ~~أن يصلي إماما في بيت المقدس التي هي قبلة ~~المسلمين قبل أن تتحول إلى البيت العتيق. وكيف يصلي ~~والصلاة لم تفرض بعد إلا بعد الرجوع من الإسراء ~~والمعراج؛ فقد فرضت الصلاة على المسلمين بعدها؟ ~~وصلى إماما بالأنبياء والرسل؛ لأنه خاتم الأنبياء. ~~ومن الطبيعي أن ms117 تكون الغاية مقدمة على الوسيلة، ~~والنهاية على المقدمة. أما صلاته بالملائكة مع الرسل ~~والأنبياء فيتطلب نزول الملائكة من السماء إلى بيت ~~المقدس أولا. وهي أفعل تفضيل على الأنبياء والرسل ~~زيادة في إبراز الإمامة للجميع. ولا يذكر كم من ~~الوقت أخذ الإسراء ولا أية صلاة كانت؟ أما المعراج ~~فمرقاة من ذهب ومرقاة من فضة؛ فلكل مسار معراج، ~~ولكل قطار قضيبان، والذهب والفضة أغلى معدنين يصبو ~~إليهما كل إنسان راغبا في الثروة والغنى ومتع ~~الدنيا. ويبدو أن المعراج ليس روحيا خالصا، بل هو ~~معراج مادي من معدنين ماديين. وهل يحتاج العروج إلى ~~السماء طيرا في الهواء إلى مسار مادي وطريق معدني؟ ~~وحتى يزدان الركب بهاء وجمالا وأبهة تحفه ملائكة ~~يمينا وملائكة يسارا، يحفان بالموكب الملكي صحبة ~~وزينة وتكريما. وعلى كل عتبة سماء يخبر جبريل ~~ملائكته بقدوم الرسول، فيرحبون به ويعظمونه، فيظهر ~~فضله، فيسر قلبه، ويزداد شكره لربه. وفي صياغات ~~أخرى توصف السماء بالياقوت الأحمر والأخرى من الزبرجد ~~الأصفر، وإحدى درجاته من الفضة وأخرى من الذهب مكللة ~~بالدر والياقوت! وهو وصف غني رأى كل هذه الجواهر ~~وعرفها، أو وصف تاجر مجوهرات ربما يعبر عن حرمان ~~الناس؛ حتى يستطيع الخيال أن يؤثر فيهم ويجذبهم ~~إليه. وهل السماء مادية حتى تكون فيها درجات من ذهب ~~وفضة؟ وتلاحظ ثنائية المعدن وتمايز الألوان بين ~~الأحمر والأصفر صراحة، أو الأصفر (الذهب) والأبيض ~~(الفضة) بطريق غير مباشر. وقد يكون ذلك وصفا لألوان ~~الشفق؛ الحمرة والصفرة، أو لألوان الطيف، كما يلاحظ ~~تنوع المعادن من ياقوت وزبرجد، ذهب وفضة، در وياقوت، ~~وتكرار الياقوت مرتين. وكيف بالذي يسرى به ثم يعرج ~~وفي شوق إلى اللقاء، ويلتفت إلى هذا النعيم المادي ~~الحسي كله الذي يبعد النفس عن نعيمها الروحي؟ وقد ~~تكون السموات سبعا وبها سدرة المنتهى لوصف نهاية ~~المطاف. وهنا يتوقف علم أصول الدين ويعتمد على علوم التصوف. # 2 # والحقيقة أن هذه الرؤية لها نمطها التقليدي في تاريخ ~~الأديان، مثل صعود باروخ ودانيال إلى السماء على عمود ~~أو مركبة من نار؛ رمز القوة ms118 عند اليهود. ولها ما ~~يشابهها أيضا في أساطير اليونان، بل إن السماء في ~~ديانات الشرق (كوريا) لتصبح هي المبتغى والمطلب. ~~فهي بهذه الصيغة أقرب إلى الأساطير الشعبية التي ~~يخلقها الرواة للتأثير في النفوس، واللعب بعواطف ~~الإيمان، واستعمال كل الواقع النفسي والاجتماعي ~~للحاضرين من أجل الإقناع والتأثير. هل هو رمز على ~~هزيمة الكفار في غزوة بدر، ورؤية النبي لنفسه وهو ~~سيدخل مكة فاتحا، كما هو الحال في رؤى عديدة من ~~قبل، مثل رؤية يوحنا التي تبشر بانتصار المسيحية على ~~الإمبراطورية الرومانية؟ الحقيقة أن الرواية كلها ~~معارضة لروح الإسلام ومنهجه وطبيعته ورسالته؛ ~~فالإسلام دين واقعي ورسالة إنسانية. اكتمل فيه الوحي ~~واستقل فيه العقل وأصبح للإرادة حرية الاختيار، ولكن ~~الرواية عود إلى الوراء، إلى قصص الأنبياء عند بني ~~إسرائيل؛ حتى لا يكون خاتم الأنبياء أقل من الأنبياء ~~السابقين في مجتمع تصل المنافسة فيه بين الدين الجديد ~~والديانات القديمة، خاصة اليهودية، حد العداء السافر ~~والحرب العلنية. تشير الرواية إلى جوانب غيبية ~~والإسلام ليس دينيا غيبيا. هل هي مشاهدة للعالم ~~على نحو تجريبي بالرؤية الحسية؟ ولكن التجربة هنا ~~فردية صرفة، مثل تجارب الصوفية التي لا يمكن إيصالها ~~إلا رمزا. وماذا رأى وماذا شاهد؟ لقد كان قاب قوسين ~~أو أدنى؛ أي إنه لم ير الموضوعات ذاتها، ولكنه رأى ~~صورا وخيالات لها، كما يفعل الأنبياء بعد البعثة، ~~وكما يحدث للشعراء والأدباء والصوفية. هل أخذ منها ~~علوما يستفيد منها الناس، أم أنها تجارب ذوقية خالصة؟ ~~وما هي هذه العلوم التي أخذها ولم يبلغها للناس؟ وما ~~الفائدة العامة من التجارب الذوقية الفردية؟ هل هي ~~مكافأة للرسول؟ وكيف تعطى المكافأة والرسالة لم تتم ~~بعد؟ هل هي معجزة من معجزاته مثل باقي المعجزات ~~القديمة؟ ولكن المعجزة بهذا المعنى لم يعد لها وجود. ~~وقد أتى الإعجاز الجديد بديلا عنها، وفي إعجاز القرآن ~~الكفاية، وهو التحدي البشري الأدبي والتشريعي، من حيث ~~الشكل ومن حيث المضمون. وإذا كانت الغاية منها تعليمية ~~تجريبية صرفة، وهو ما يطابق منهج الإسلام في النسخ، ~~فإن فرض الصلاة أثناءها، ms119 ثم سماع النبي تجارب الأمم ~~السابقة على لسان أنبيائها في قدرات الأفراد والشعوب ~~على تحمل العبادات، وتخفيض عدد الصلوات من الخمسين ~~إلى الخمس صلوات، تكون العبادات كلها قد حققت الهدف ~~منها، وهو فرض الصلوات الخمس على الأمة بناء على ~~تجارب الأمم السابقة وطبقا لخبراتها؛ وبالتالي تصبح ~~الرواية كلها في حاجة إلى تفسير وتأويل. # لذلك يؤثر البعض تصور الإسراء والمعراج روحيا ~~خالصا، فهما صورتان فنيتان لتميز النفس عن البدن، ~~ولصعود الروح إلى الملأ بحثا عن المعرفة وطلبا ~~للسعادة، ورمزان للتعالي والمفارقة يشيران إلى يقظة ~~الشعور، وإلى قدرته على التعالي والمفارقة. وهذا جائز ~~على طريقة الفلاسفة، وما حاولوه من قبل في نظريات ~~الاتصال بين العقل المنفعل والعقل الفعال، أو ما ~~حاولوه من قبل في نظرية النبوة. وقد تمت هذه الرحلة ~~الروحية في النوم لا في اليقظة، وتمت الرؤية بالروح ~~لا بالعين. وعلى أقصى تقدير لم تصل الرواية إلى حد ~~التواتر؛ وبالتالي لا تفيد اليقين. وإذا كان الإسراء ~~من مكة إلى بيت المقدس قطعيا نظرا لإمكانية رؤية ~~النفس عن بعد، فإن المعراج من بيت المقدس إلى السماء ظني. # 3 # وقد يحاول البعض تفسير ذلك علميا؛ بأن ~~يماثل بانتقال إبليس من مكان إلى مكان، وبحركات ~~الأفلاك السيارة، على قدر عال من السرعة، دون أن ~~نشعر بها، وبصعود الجسم الخفيف إلى السماء؛ بسبب ضغط ~~الهواء، أو حتى برجال الفضاء وهم يسبحون. # 4 # ومع ذلك تظل من جنس تأويلات الحكماء، ~~ولكنها مرتبطة بنتائج العلم، وإليه يرجع الفضل في ~~فهم السمعيات. ولما كان العلم نسبيا، متغيرا ~~طبقا لتقدم العلم، أصبحت السمعيات كذلك، وغاب عنها ~~طابع الإطلاق واليقين حتى ولو كانت متواترة. والرؤية ~~موجودة في أصل الوحي في عمومها، وهي الإسراء فقط دون ~~الإعراج، وما سوى ذلك من الآيات تؤخذ قياسا كما يفعل ~~الصوفية، ويديرونها حول واقعة الإسراء. # 5 ~~(ب) عصمة الأنبياء # والحديث عن عصمة الأنبياء هو من مظاهر الحديث عن ~~النبوة كشخص لا كرسالة، مع أن النبي مثل باقي البشر ~~ينطبق عليه قانون الاستحقاق، وهو بشر معرض ms120 للصواب ~~والخطأ، ولكن له ميزة التصحيح لإعطاء الدرس وتعليم ~~الناس؛ فهو على اتصال دائم بالوحي، وسلوكه قدوة. ~~الأنبياء بشر كغيرهم من البشر، ليس لديهم أية ميزة إلا ~~أنهم وسائل تبليغ للرسالة. ولما كانوا هم أول من ~~حققوها وطبقوها، فمن الطبيعي أن يكون سلوكهم هو ~~السلوك الأمثل بالنسبة إلى الجماعة، فسلوكهم بهذا ~~المعنى أكمل سلوك بشري؛ بدليل نجاح رسالاتهم، واتخاذ ~~الجماعات لهم قدوة ومثلا، خاصة في السلوك العام الذي ~~لا يؤثر في الرسالة في شيء. # ولكن هل يصل حد النموذج أو القدوة أو الأسوة إلى حد ~~العصمة؟ وما هي العصمة؟ هل العصمة خلق من الله في ~~النبي، وبالتالي هي هبة له من الله؟ لو كانت كذلك لكان ~~النبي معصوما بالضرورة، ولما استحق أي فضل أو جزاء ~~على عصمته. ولما كان السؤال نفسه ممكنا لغياب ~~احتمال الخطأ أصلا، ولما كان الفعل موجودا للحساب؛ ~~لانعدام حرية الإرادة منذ البداية، ورجوع أصل العدل ~~إلى أصل التوحيد. هل هي ملكة نفسية تمنع من الفجور، ~~وتحصل بالعلم بمثالب العاصي ومناقب الطاعات؛ وبالتالي ~~تكون مكتسبة بجهد النفس وبعد معاناة؛ وبالتالي تستحق ~~الجزاء؟ إذا كانت الملكة أقرب إلى الفضل واللطف ~~والهبة والعون والتيسير، فهي أقرب إلى أفعال الله داخل ~~أفعال الشعور الداخلية؛ وبالتالي لا تكون أفعالا حرة، ~~ولا تستحق جزاء. وإن كانت أفعالا مكتسبة للإنسان ~~بجهده وبناء على حرية إرادته، استحقت الشكر، وأصبح ~~الخطأ فيها ممكنا؛ وبالتالي استحالت العصمة؛ بمعنى ~~عدم الوقوع في الخطأ عمدا أو عن غير عمد. # 6 # ويعتمد إثبات العصمة على عدة حجج، منها ~~ما يتعلق بالنبوة كنظرية في الاتصال؛ علاقة النبي ~~بالله وهي الأضعف، ومنها ما يتعلق بالنبوة كتبليغ ~~رسالة، وهي الأقوى. فإذا كان الله قد قرن بكل إنسان ~~شيطانا، وأن الله أعان النبي على شيطانه، فأسلم فلا ~~يأمره إلا بالخير، فذاك أيضا قضاء على حرية الفعل ~~الإنساني أصلا؛ وبالتالي يضيع الاستحقاق. ووضع النبي ~~في مرتبة أعلى من سائر البشر، أقرب إلى «الملائكة» ~~منهم إلى سائر الخلق، فيستحيل التكليف؛ وبالتالي ~~يستحيل الثواب والعقاب. ولا ms121 يرجع الفضل في العصمة ~~حينئذ إلى الرسول بل إلى الله، وتكون هذه ميزة له ~~وحده دون سائر الأنبياء، مثل داود وسليمان. وتظل حجة ~~الخطأ قائمة طالما أن أفعالا خاطئة قد تمت، سواء ~~صغيرة أم كبيرة، عن عمد أو عن غير عمد. وإذا كان ~~الرسول قد تم شق قلبه من قبل لاستنزاع الشيطان مرة ~~قبل البعثة من كراماته، ومرة بعد البعثة في بداية ~~الإسراء والمعراج؛ فكيف يعود إليه من جديد كي يخطئ ~~النبي، فيعينه الله عليه ويعصمه منه؟ أما الحجج ~~الأخرى المتعلقة بالنبوة كتبليغ رسالة فهي أقرب إلى ~~العقل، ولكن يمكن أيضا ردها. صحيح أنه لو صدر عنهم ~~الذنب لحرم اتباعهم، ولو أذنبوا لردت شهادتهم؛ فلا ~~شهادة لفاسق، ولو صدر عنهم لوجب زجرهم؛ لعموم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكانوا أسوأ حالا من ~~العصاة، لا يألون عهد الله، ولكانوا غير مخلصين، ولا ~~يكونون أنبياء، ولكانوا من حزب «الشيطان» وليس من ~~«حزب الله» مع أن الله وصفهم بأنهم يسارعون إلى ~~الخيرات، ولكن ذلك كله يقوم على افتراض مسبق، وهو أن ~~النبي أكثر من بشر، ولا يجوز عليه ما يجوز على سائر ~~البشر من خطأ وسهو ونسيان، مع أنه بشر رسول؛ يأكل ~~الطعام، ويمشي في الأسواق، وابن امرأة كانت تأكل ~~القديد. صدقه من صدق رسالته، وتصديق الناس له من ~~تصديقهم لها. التوحيد أصل والعدل أصل آخر؛ في التوحيد ~~الله قادر على كل شيء، وفي العدل الإنسان حر ~~الإرادة، مستقل العقل، يخطئ ويصيب، كما يجوز عليه ~~الصحة والمرض، القوة والضعف، الشباب والشيخوخة، الحياة والموت. # 7 # وقد يخف هذا الموقف المبدئي الإيماني شيئا ~~فشيئا، بالتخلي تدريجيا عن إثبات العصمة حتى نفيها، ~~ابتداء من التفرقة بين ما قبل البعثة وما بعدها. فإن ~~جاز بعض الخطأ قبل البعثة فلا يجوز بعدها؛ فقبل البعثة ~~لم يكن الرسول مكلفا، ولا متعبدا بشريعة، ولا ~~مخاطبا برسالة؛ وبالتالي انتفى موضوع الصواب ~~والخطأ؛ ولكن في نفس الوقت ينفي ذلك وجود الدين ~~الطبيعي وشريعة العقل؛ دين الفطرة، بل ينفي وجود ~~كرامات قبل البعثة، ms122 فلا تجوز المعصية والكرامة في نفس ~~الوقت، كما ينفي حجة مكارم الأخلاق التي عرفت عن ~~الرسول قبل البعثة، والتي تستعمل أحيانا كأحد ~~مبررات اختيار الرسول كرسول، كما يناقض بعض عموم ~~الآيات، مثل: # وإنك لعلى ~~خلق عظيم # دون تخصيص لما بعد البعثة ~~أو قبلها. # 8 # وقد تجوز السهوة والغفلة؛ أي الأخطاء لا ~~عن قصد وعن غير عمد، في حين لا تجوز الأخطاء المقصودة ~~المتعمدة؛ فلا يرتكب النبي خطأ وهو عالم به أو عن ~~عمد، بل يفعله عن سهو وخطأ وسوء تقدير. وهذا يتفق مع ~~المسئولية عن الفعل بوجه عام، ليس عند الرسول فحسب، بل ~~عند باقي المكلفين؛ فشرط الفعل هو القصد، والأفعال ~~غير المقصودة ليست أفعالا تكليفية، وقد يقع الخطأ عن ~~تأويل واجتهاد، وليس عن قصد وعمد. # 9 # والاجتهاد أصل من أصول التشريع، وللمخطي ~~أجر وللمصيب أجران. وقد تجوز عليهم الصغائر دون ~~الكبائر؛ إذ لا يجوز عليهم الكفر والفسق، وهو ما ينتج ~~عن ارتكاب الكبائر. # 10 # ولكن ماذا يحدث عند الذي لا يفرق بين ~~الصغيرة والكبيرة؟ وكيف تجوز الصغائر وفي نفس الوقت ~~يكون النبي قدوة، وأفعاله سنة، وقد بعث ليتمم ~~مكارم الأخلاق؟ وإن جازت الكبائر مع الصغائر فلا يجوز ~~الكذب في التبليغ؛ لأنه خيانة وكتمان، وهي صفة تمس ~~الرسالة، لا يمكن تجاوزها وإن أمكن التجاوز عن ~~الأخطاء التي تمس الشخص. # 11 # وقد تقع منهم الأخطاء ويغفرها الله لهم، ~~كما يغفر لباقي البشر، دون زيادة أو نقصان، بعد إعلان ~~التوبة والندم. والحقيقة أن كل ذلك إن وقع فهي دروس ~~تعليمية للناس، وتوجيه للأمة وإرشاد لها، ولا أحد ~~معصوم من الخطأ ما دام بشرا يمارس حريته ويعمل ~~عقله؛ فقد ينسى النبي، كما ينسى البشر، حتى في حفظ ~~الوحي، وقد ينتابه ما ينتاب البشر من أهواء وانفعالات، ~~وقد يرجح مرجوحا، وقد يخطئ في التحليل وفي إدراك ~~موازين القوى، وقد يتسرع أو يهتم، وقد يشك، وقد يعزم ~~ويجزم ويقطع. ويأتي درس التصحيح في حالة النبي كتعليم ~~وتوجيه وإرشاد. وعلى هذا النحو ترى الأجيال بعده ~~التوتر ms123 بين الواقع والمثال، بين ما هو كائن وما ينبغي ~~أن يكون. وقد تكون كثير من الأفعال مشروطة أو محتملة ~~ولم تقع بعد، ولكن التنبيه عليها وذكرها كحالة ~~افتراضية قد تقع فيما بعد، يدخل في إطار هذا الدرس ~~التعليمي، وهو منهج الوحي في التعليم من المحاولة ~~والخطأ، وفي إعادة التكليف طبقا للواقع، وكما هو واضح ~~في النسخ. # 12 # والحقيقة أن القول بعصمة الأنبياء هو رد فعل على ~~القول بعصمة الأئمة؛ فإذا كانت هناك عصمة كتعبير عن ~~التبجيل والتعظيم للقائد والزعيم، فالنبي أولى بها من ~~الإمام. والقول بعصمة الإمام تستدعي القول بجواز الخطأ ~~على النبي، والقول بعصمة الإمام في الحقيقة إنما هي ~~نتيجة لزعامته لمجتمع الاضطهاد، وضرورة سيطرته على ~~الجماعة وقيادته لها؛ فالعصمة تعطيه قوة معرفية ~~وعملية، وتسمح له بالقيادة والإرشاد أكثر مما يعطيه ~~جواز الخطأ والمراجعة عليه من الناس، وهو نتيجة لاتجاه ~~المجتمع العظيم لتبجيل الزعماء والقادة، ورؤية خلاصه ~~فيهم ومن خلالهم، ورفعهم إلى مستوى الأنبياء بل ~~والآلهة؛ ففي كل المجتمعات المضطهدة تبرز أهمية ~~الإمامة وصفاتها مثل العصمة، وطالما كان الإمام ~~معصوما كان مطاعا، ويبرز ذلك في كل مجتمعات التسلط ~~عندما يدعي الزعيم السياسي أنه هو وحده العالم ~~والقائد والملهم والمرشد والمعلم، وأنه لا تجوز ~~مراجعته أو نقده أو الخروج عليه، وأنه لا يجوز حتى لمس ~~بغلة السلطان أو نقدها بكلمة، بل إن النبي يجوز أن ~~يكفر ويعصي ويرتكب الكبائر، في حين لا يجوز ذلك على ~~الإمام. وإن حاجة الإمام إلى العصمة أكثر من حاجة ~~النبي؛ فإذا كان للنبي وحي يصححه فإن الإمام ليس له ~~إلا العصمة. العصمة إذن سلاح سياسي لزعزعة الثقة في ~~القيادة المعارضة؛ أي النبوة أو الخلافة، ولزرعها في ~~قيادة جديدة هي الإمامة، فكل زعيم يدعي قومه أنه ~~أولى بالعصمة من الآخر؛ وبالتالي أولى بالطاعة لأمره ~~والانتصار له، وبالتالي يتنازع العصمة الخصمان؛ دعاة ~~النبوة ودعاة الإمامة، مجتمع التسلط ومجتمع الاضطهاد. ~~كل منهما يبغيه دفاعا عن ذاته؛ فدخلت العصمة كسلاح ~~سياسي في الصراع من أجل السلطة. # 13 # ثم يطرح ms124 موضوع العصمة من الحاضر إلى الماضي، ومن ~~آخر مراحل النبوة إلى أولها عبر التاريخ، ومن خاتم ~~الأنبياء إلى الأنبياء السابقين، والغرض من ذلك تأصيل ~~موضوع العصمة الحالية تاريخيا إثباتا أم نفيا؛ ~~وبالتالي تستعمل أخطاء الأنبياء السابقين؛ إما ~~لإثبات العصمة أو لنفيها وتأويلها. والحقيقة أن موضوع ~~العصمة لدى الأنبياء السابقين مرتبط بتاريخ النبوة؛ ~~فكان لا يعير النبي السابق أفعال العصيان؛ لأنها ~~مظهر من مظاهر القوة والعظمة، مثل داود وسليمان في ~~علاقاتهم النسائية، ومثل موسى في القوة والتشيع لقومه ~~على حساب الحق وشمول المبادئ وعموم القيم. فكل نبي ~~يعبر عن مرحلة نبوته؛ فهناك أنبياء لهم صفة الملك ~~دون الفضيلة، مثل داود وسليمان، وأنبياء لهم صفة القوة ~~دون الحق، مثل موسى. أما محمد خاتم الأنبياء؛ أي ~~النبوة في مرحلتها الأخيرة، فقد بعث ليتمم مكارم ~~الأخلاق. ففي المراحل السابقة: النبوة - الملك، أو ~~النبوة - القوة، يجوز فيها العصيان؛ وبالتالي تنتفي ~~العصمة. أما في المرحلة الأخيرة في مرحلة النبوة - القدوة، أو النبوة - فلا يجوز فيها العصيان. # 14 # كما يطرح السؤال بالنسبة ل «الملائكة» ~~بدافع المبالغة، بمقارنة الأنبياء بالملائكة، وإن كان ~~الاتفاق على عصمة الملائكة أسهل؛ فهم ليسوا مكلفين؛ ~~وبالتالي ليسوا محاسبين، وهم ليسوا بشرا؛ وبالتالي ~~ليسوا أحرارا عاقلين في موقف الاختيار بين الحسن ~~والقيبح. لا يفعلون الخير إلا جبرا، باستثناء إبليس ~~الذي أثار استعمال حريته في الاعتراض والرفض؛ فكان ~~جزاؤه استعمال الحرية إلى أقصى حد، وإمهاله وإعطاءه ~~الزمان كله لتحدي حرية الإنسان ذاتها. # 15 # ولو أن إبليس عند البعض لم يكن من ~~الملائكة بل كان من الجن، وباستثناء هاروت وماروت، ولو ~~أنهما أيضا عند البعض لم يكونا من الملائكة. وإدراج ~~إبليس مع الجن في اللغة تغليبا. وقد زادت التفاصيل ~~فيه في العقائد المتأخرة إلى حد جعل الجن ~~متعبدين بالإسلام، طعامهم الروث والعظام. وربما لم ~~يسأل إبليس الله النظرة، وربما لم يعص إبليس بتركه ~~السجود لآدم، ولكن لجحده بالله. وكذلك زاد التفصيل في ~~قصة هاروت وماروت، وأنهما ليسا ملكين عصيا الله ~~وشربا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا الناس، ms125 وزنيا ، ~~وعلما زانية اسم الله الأعظم، فطارت به إلى السماء، ~~فمسخت كوكبا وهي الزهرة، وأنهما عذبا في غار بابل، ~~وأنهما يعلمان الناس السحر. والحقيقة أن إبليس هو ~~رمز الحرية والرفض وتحدي الإنسان. أما هاروت وماروت ~~فإنها قصة في نفس السياق؛ يتلو الشيطان على ملك ~~سليمان، ويعلمان السحر، فيفرقون بين المرء وزوجه، ~~ويضررون بالناس، ولكن الإنسان قادر على الدخول في ~~التحدي ومقاومة الشر والدفاع عن صالحه وكيانه. ~~(ج) تفضيل الأنبياء # فإذا كان الأنبياء يسري عليهم ما يسري على باقي ~~البشر من الأخطاء، فهل يتفاضلون فيما بينهم أو ~~يتفاضلون مع غيرهم؟ يعرض القدماء أولا مسألة التفضيل ~~بين الأنبياء والملائكة؛ أيهما أفضل، قبل أن يعرضوا ~~لتفضيل الأنبياء فيما بينهم، ثم يأتي بعد ذلك التفضيل ~~بين الأنبياء والأئمة ما دام كلاهما يشاركان في ~~العصمة أو في القيادة والزعامة، ويأتي ثالثا التفضيل ~~بين الأنبياء والأولياء ما دامت لكل فريق كرامات ~~ومعارف وسلطة على البشر. # والحقيقة أن تفضيل الأنبياء على الملائكة أو تفضيل ~~الملائكة على الأنبياء لا أساس له؛ لأنه تفضيل بين ~~طرفين غير متساويين، وليسا من نفس النوع. فالأنبياء ~~بشر والملائكة ليسوا من البشر. الأنبياء أشخاص مرئية، ~~لها أفعال في التاريخ، ويمكن الحكم عليهم، في حين أن ~~الملائكة أشخاص معنوية، لا يمكن الحكم عليها إلا ~~ظنا. ولا يمكن مقارنة المادي بالمعنوي، المرئي ~~باللامرئي، فهما ليسا من نفس النوع. الأنبياء معروفون ~~برسالاتهم وأعمالهم، وآثارهم في التاريخ؛ أي تأسيس ~~الدعوات وإقامة الدول وتشكيل عقائد الناس وتوجيه ~~سلوكهم. أما الملائكة فلم يرها أحد، ولم تؤثر في ~~التاريخ، ولم تعرف إلا سمعا من النبوة؛ وبالتالي لا ~~يوجد إلا طرف واحد، هو النبوة أو الأنبياء الذين ~~وجدوا في التاريخ، وأخبروا عن الملائكة. وما هو ~~مقياس التفضيل؟ العصمة؟ درجة الخطأ؟ الرتبة عند الله؟ ~~شرف الوظيفة؟ وإذا أمكن معرفة ذلك في حال الأنبياء، ~~فكيف يمكن التعرف على كل ذلك في حال الملائكة؟ كيف ~~يمكن معرفة عصمتهم أو درجة أخطائهم أو رتبتهم عند ~~الله؟ أما الوظائف فلا تتفاوت فيما بينها شرفا ورتبة، ~~بل ms126 هو نوع من تقسيم المهام وتوزيع الأعمال؛ فالنبوة ~~للتبليغ للناس، والملاك للتبليغ للنبي، وليس هذا ~~بأفضل من ذاك. وبطبيعة الحال لا يكون التفضيل بين ~~المادة والروح، بين المرئي واللامرئي، فليست الروح ~~بأفضل من المادة، ولا المادة بأفضل من الروح، ولكن ~~يكفي التفضيل من حيث الفعل والغاية والرسالة. وقد يكون ~~الكائن الحر العاقل مثل الإنسان أفضل من الكائن ~~المجبر مثل الحيوان أو النبات أو الجماد أو الملاك. ~~وما الهدف من التفضيل؟ الاختيار أم الترجيح أو التمثل ~~في السلوك؟ هل الهدف مجرد معرفة نظرية من عقلية تتصور ~~الموضوعات في سلم شرف وترتيب رأسي صاعد أو نازل، أم ~~أنه تفضيل ينتج عنه أثر عملي سلوكي في حياة الناس ~~العملية؟ هل هو نتيجة لعملية التعظيم والتبجيل لرفع ~~الأنبياء درجة أعلى، أو للتقرب إلى الملائكة صعودا ~~إليهم وزلفى؟ وما هي نتيجة التفضيل؟ وكيف يتم الاختيار ~~بين الأنبياء والملائكة في الأفضلية؟ وهل هي أفضلية ~~فعلية أم مجرد حكم قيمة طبقا للهوى والمزاج ودرجة ~~الإحساس بالتعظيم والتبجيل والاغتراب عن ~~الواقع؟ # فإذا ما تم تفضيل الملائكة فلأن اللامرئي أفضل من ~~المرئي، والمجرد أفضل من العيني، والروحانيات متعلقة ~~بالهياكل العلوية في حين تتعلق النفوس بالهياكل ~~السفلية، والروحانيات مبرأة عن الشهوة والغضب ومن ~~الشرور كلها، وهي نورانية لطيفة، على عكس الجسمانيات ~~المركبة، تقوى على الأفعال الشاقة وتعلم المجردات ~~والكليات. وكل هذه الأسباب في الحقيقة إنما تنبع من ~~النظرية الإشراقية، ومن المواقف الصوفية التي تكشف عن ~~اغتراب عن الواقع وبعد عنه، وتطهر فيه، وهروب منه. # 16 # وقد يتخصص الحكم بتفضيل الملائكة على ~~الأنبياء؛ بأنهم الملائكة الذين لا يعصون ربهم نظرا ~~لواقعة إبليس. وقد يعم الحكم في تفضيل الملائكة ليس ~~فقط على الأنبياء، بل على جميع الناس وعلى عامة الخلق. ~~وقد يتم التخصيص برسل الملائكة؛ فهم أفضل من عامة البشر. # 17 # وتفضيل الأنبياء على الملائكة أكثر واقعية من ~~التفضيل الأول، وهو أكثر مثالية، ويعتمد هذا التفضيل ~~أيضا على حجج نقلية؛ فقد أمرت الملائكة بالسجود ~~لآدم، كما أن الله علم آدم الأسماء كلها، ms127 والذي يعلم ~~أفضل من الذي لا يعلم، وأن عوائق البشر عن العبادة من ~~شهوة وغضب، وقدرته على العبادة وتكليفه، لتجعله أكثر ~~استحقاقا من الملائكة التي لا يوجد لديها مثل هذه ~~العوائق، وأن وجود الإنسان في عالم الاختيار بين ~~الملاك والحيوان يجعله أكثر حرية وحركة وغنى عن ~~الملائكة التي لا توجد إلا في عالم واحد، وليس لها ~~هذا الاختيار؛ وبالتالي فهي مجبرة على الخير وعلى ~~الثبات فيه. وقد يزاد التخصيص في التفضيل، فتصبح ~~رسل البشر أفضل من رسل الملائكة، وعامة البشر أفضل من ~~عامة الملائكة. لقد كان هاروت وماروت عجلين في بابل ~~وليسا ملائكة، أو كانا ملكين عاصيين. وكيف تكون ~~زبانية النار أفضل من الأنبياء؟ وحين يتم التخصيص ~~بالملائكة السفلية فالأنبياء حتما أفضل منهم، ويظل ~~الخلاف فقط في الملائكة العلوية. # 18 # الملائكة رسل إلى الأنبياء، لا يؤثرون ~~في العالم كما يفعل الأنبياء، ليست لهم إرادة وعقل ولا ~~موت ولا حياة كما لسائر البشر، بل قد يكون الإنسان ~~العادي أفضل من الملائكة والأنبياء؛ فكلاهما رسول ~~إليه مباشرة أو بتوسط. والإنسان صاحب رسالة وأمانة ~~مثل الملائكة والأنبياء، ولكنه ليس معصوما مثل ~~الملائكة، أو مؤيدا من الله مثل الأنبياء. هو موجود ~~في العالم يعتمد على إرادته الحرة وعقله المستقل؛ ~~وبالتالي كان امتحانه أعظم، وكان جزاؤه ربما ~~أكبر. # ثم يصبح التفضيل داخل كل نوع؛ تفضيل الملائكة على ~~بعضهم البعض، وتفضيل الأنبياء بين بعضهم البعض، فيكون ~~السؤال: من هو أفضل الملائكة ثم من هو أفضل الأنبياء؟ ~~والسؤال بهذا الوضع يكون أكثر اتساقا مع نفسه؛ لأن ~~التفاضل بين كائنات من نفس النوع، فيصح التفضيل من ~~حيث المبدأ وإن ظل خاطئا من حيث الواقع. وكيف يمكن ~~تفضيل الملائكة فيما بينهم؟ وعلى أي مقاس؟ وهل يتم ~~التفضيل وظيفيا بناء على تقسيم الأعمال وتوزيع ~~المهام؟ ولكن الوظائف متكاملة، ولا فضل لإحداها على ~~الأخرى. الفضل فقط في أداء الوظيفة أو في عدم الأداء. ~~ولما كانت الملائكة كلها مطيعة فالكل في الفضل سواء؛ ~~فجبريل وعزرائيل وإسرافيل وميكائيل كلها وظائف لا ~~تفاضل بينها، ms128 مثل وظائف الحواس؛ وظيفة العين ووظيفة ~~أذن ... إلخ. # 19 # وماذا يعني تفاضل الأنبياء فيما بينهم؟ ~~الأنبياء هم مجرد وسائل لتبليغ الوحي، وليس لهم أي فضل ~~بأشخاصهم على غيرهم، وليس بينهم تفاضل؛ إذ إن كل نبي ~~يمثل مرحلة من مراحل تطور الوحي، ولا تفاضل بين ~~المراحل، بل تكامل بينها، بل إن المرحلة المتقدمة ~~لأنها أقل رقيا ليست بأفضل من المرحلة المتأخرة ~~لأنها أكثر رقيا، ولا المرحلة المتأخرة لأنها أكثر ~~رقيا أفضل من المرحلة المتقدمة لأنها أقل رقيا، ~~بل إن المرحلة الأخيرة والتي فيها يتم اكتمال الوحي ~~وتتحقق الغاية منه، ليست بأفضل من المراحل السابقة ~~التي لولاها لما اكتمل الوحي، بل ربما كان الأمر أكثر ~~صعوبة في المراحل السابقة عنه في المرحلة الأخيرة، بعد ~~أن تعودت البشرية على الوحي وارتقت بفضله. وكم لاقى ~~من الأنبياء السابقين من العذاب والهوان والقتل ما لم ~~يلاقه آخر الأنبياء، وكم عوقبت أمم الأنبياء ~~السابقين بالطوفان أو الغرق في البحر أو بالربح أو ~~بالجراد والقمل ما لم تعاقب به آخر الأمم. وعند كل ~~أمة نبيها أفضل من جميع الأنبياء؛ لأنها أفضل من جميع الأمم. # 20 # وقد يمتد التفاضل فيشمل الملائكة والأنبياء والبشر؛ ~~فيأتي جبريل في المقدمة، وبعده ميكائيل، ثم بقية رؤساء ~~الملائكة، ثم عوام البشر؛ وقد يأتي الأنبياء أولا، ~~كل حسب فضله، وفي مقدمتهم خاتم الأنبياء، ثم الخلفاء ~~الأربعة، ثم التابعون، ثم يقل الفضل قرنا بعد قرن؛ ~~وقد يأخذ الأولياء مكانا عليا بين البشر قبل ~~الصحابة أو بعدهم؛ وقد يتفاضل من صحب الرسول من الجن ~~مع أصحابه من الإنس، أو على الأقل يتساوون فضلا؛ ~~فكلاهما صحابة! ويستمر التاريخ في النزول انحدارا من ~~السماء إلى الأرض، وتلحق النبوة بالإمامة، ويصبح ~~التاريخ تاريخ انهيار وسقوط بعد أن كان تاريخ رفع وعلو. # 21 # والحقيقة أن موضوع التفضيل إنما يكشف عن ~~عقلية التدرج والمراتب، وتصنيف البشر حسب درجات الكمال ~~والشرف، وهو تصور يقوم على أخطاء عدة؛ منها تصور ~~الناس على درجات رأسية، يتفاضلون فيما بينهم علوا ~~وسفلا، مع أن البشر جميعا ms129 متساوون لا يتفاضلون إلا ~~أفقيا أماما أو خلفا؛ # لمن ~~شاء منكم أن يتقدم أو ~~يتأخر ~~، وتكون المنافسة على أخذ ~~الدرجات العليا، وليس على السبق إلى الأمام وخلق ~~الأفعال، وذلك كله إحساس بالتعويض والعجز. فالمحاصر ~~في الواقع يفك حصاره إلى أعلى، فيتقدم نحو الوهم، ثم ~~يتشخص ذلك كله في موضوع التفاضل بين الملائكة والرسل، ~~وداخل عناصر كل مجموعة فيما بينها. # كما يظهر التفضيل بين الأنبياء والأئمة. والتفضيل من ~~حيث المبدأ ممكن؛ لأنه تفضيل من نفس النوع؛ أي ~~مفاضلة بين البشر. وتشتد المفاضلة خاصة عندما توضع ~~الإمامة كاستمرار للنبوة، وعندما يوضع الإمام وريث ~~النبي. وإن تفضيل الأئمة على الأنبياء هو تفضيل للفرع ~~على الأصل؛ فالأئمة خلفاء الرسل كما أن العلماء ورثة ~~الأنبياء، ولا إمام ثانيا بلا نبي أولا. وإذا ما ~~اشتد التفضيل وأصبحت الأمة أفضل من الملائكة، فلأن ~~الأنبياء أفضل من الملائكة؛ وبالتالي تكون الأئمة ~~بالضرورة أفضل من الملائكة. وإذا ما تم تفضيل الأنبياء ~~على الأئمة فذلك تفضيل للأصل على الفرع، وللسابق على ~~اللاحق، وللنبوة على تأويلها، ولكن يصبح السؤال نفسه ~~بغير ذي معنى إذا ما كانت نتيجة التفضيل علاقة ~~التساوي بينهما، من حيث إن كليهما بشر لا يألو جهده ~~في تحقيق الرسالة، ولكن يظل للنبي ميزة الاتصال ~~والبداية، في حين أن ليس للإمام هذه الصفة. يوجد النبي ~~في المحورين الرأسي والأفقي معا، في حين يوجد ~~الإمام في المحور الأفقي وحده، ولكن نظرا لظروف ~~المجتمعات المضطهدة فقد يصل الأئمة إلى درجة ~~التأليه؛ فهم قادة الجماعة الذين سيحولون الاضطهاد ~~إلى حرية، ويقلبون الجور إلى عدل، ومن الطبيعي أن تكون ~~الأئمة حركة تصحيح لانحراف مسار النبوة، ولكن في ~~المجتمعات السوية يقتضي التنزيه أن يظل الإمام إنسانا ~~بشرا خالصا؛ تحقيقا لرسالة النبي واستمرارا لها. # 22 # وكما يظهر التفضيل بين الأنبياء والأئمة تحت أثر ~~الإمامية، فكذلك يظهر التفضيل بين الأنبياء والأولياء ~~تحت أثر الصوفية. وكيف تكون الولاية أفضل من النبوة، ~~والولاية الفرع والنبوة الأصل؟ إن الوضع النفسي ~~والاجتماعي للولي مشابه إلى حد كبير للوضع النفسي ~~والاجتماعي ms130 للإمام، إلا أن الولي كان في مجتمع العجز ، ~~وكان الإمام في مجتمع الاضطهاد، وكلاهما مجتمع هزيمة. ~~فإذا كانت النبوة السلاح الرئيسي للنظام القائم ~~والدولة المسيطرة، فقد كان من الطبيعي أن ترتفع درجة ~~الإمام في مجتمع الاضطهاد، وأن يرتفع الولي في مجتمع ~~العجز، فيصبح الإمام والولي أعلى درجة من النبي ~~وأفضل منه. وعلى هذا النحو يمكن للناس اتباع ~~الإمام والولي دون النبي؛ وبالتالي ينضمون إلى ~~المعارضة ضد السلطة، ولكن في المجتمع السوي ~~الأنبياء أفضل من الأولياء لو كان التفضيل يعني ~~الاتصال بالوحي وتبليغ الرسالة، وهذا ما يحدث للنبي ~~دون الولي. وإذا كان الصحابة أفضل من الأولياء، فكيف ~~يكون الأولياء أفضل من الأنبياء؟ النبي كامل ومكمل، ~~في حين أن الولي كامل فقط ولا يكمل أحدا، وليست له ~~رسالة يبلغها للناس. النبي كامل عقيدة وشريعة، ~~تصورا ونظاما؛ فكماله أشمل، في حين أن الولي كامل ~~روحيا فقط، ولكنه ليس قائدا وزعيما ومؤسس دولة ~~كما هو الحال عند النبي. إن موضوع التفضيل لا يتعدى ~~كونه سلاحا سياسيا من أجل الصراع على السلطة، وإن ~~تفضيل القادة إنما يعبر في حقيقة الأمر عن أحقية ~~مجتمع كل منهم في السلطة بقاء أو انقلابا، طاعة ~~أو خروجا. # 23 ~~(د) سيرة النبي # وتبلغ ذروة تحويل النبوة إلى شخص وليس إلى رسالة، في ~~تحويل سيرة النبي من علم السيرة إلى علم أصول الدين، ~~وتصبح أحد قواعد العقائد في موضوع النبوة؛ ففي سيرة ~~النبي يتحول الرسول من رسالة إلى شخص وسيرة ذاتية؛ ~~نسبه من جهة أبيه ومن جهة أمه، وأولاده ذكورا وإناثا ~~كجزء من العقائد. وهي معلومات تاريخية خالصة حول شخص ~~الرسول لا دلالة لها، بل وتعارض جوهر الرسالة بأنها ~~ليست وراثة من أب أو جد، ولا توريثا لابن أو حفيد. ~~تحولت الرسالة إلى شخص النبي، وتم الخلط بين الرسالة ~~والرسول. ويسود الخلط حتى الآن، يحفظه الصبية في ~~الكتاتيب، وتغنى في التواشيح في أجهزة الأعلام، ~~وتنشد في الموالد، وتعطى في المصحات والمستوصفات ~~كأسماء للمواليد الجدد، تبركا وتيمنا، كما يدخل ~~في الاعتقاد أسماء ms131 الأمكنة، مثل مكة والمدينة، وأزمنة ~~مولده ووفاته، وقد تكون القدس وفلسطين أقرب إلى قلب ~~المسلم وروحه ووجدانه وأدخل في العقائد؛ فالضائع أكثر ~~حضورا في الذهن من الموجود. وما أهمية معرفة أولاده ~~وترتيبهم وأحفاده؟ وهل هذا الترتيب زمانيا حسب تاريخ ~~الولادة، أم شرفيا حسب الشرف وكما يقتضيه الصراع ~~السياسي والأحقية في الإمامة؟ وهل ترتيب الزواج حسب ~~الزمان، أم حسب الفضل، أم حسب درجة قربهن إلى الرسول؟ ~~ويستعمل ذلك اليوم لإضفاء الشرعية على كل حاكم بنسبة ~~نفسه إلى بني هاشم، وأمنيته أن يكون أميرا للمؤمنين ~~وخليفة لهم، حتى ولو كان سفاحا قاتلا، أو فاسقا ~~عاصيا، أو ناهبا لثروات الأمة وقاهرا لعلمائها. إن ~~ذلك جزء من علوم السيرة، وليس جزءا من علم أصول ~~الدين، فمكانه هناك أليق. وما الفائدة من وضع أزواجه ~~كجزء من العقائد دون أصحابه، وقد كان دور أصحابه في ~~الرسالة أكبر بكثير من دور أزواجه؟ ولقد قام القرآن ~~بتقريع بعضهن، والتخفيف على النبي مما أصاب النبي ~~بسببهن، بل لقد حاربت إحداهن خيرة الصحابة وسالت دماء ~~المسلمين، بل لقد وضع أيضا أعمامه وعماته. ولماذا ~~لا تستمر القائمة في وضع أخواله وخالاته، وأبناء وبنات ~~العمومة وأبناء وبنات الأخوال؟ بل ووضعت أيضا ~~مرضعته! لقد دخل هذا الجزء في العقائد المتأخرة بعد ~~أن تشخصت النبوة، واختفت كرسالة في أوضاع سياسية ~~تتشخص فيها المجتمعات والأمم في أشخاص الزعماء ~~والساسة، وتسمى الدول بأسماء سلاطينها، وكلهم إلى ~~رسول الله منتسب! ولولا بقايا من حياء لوضع كل ~~منهم كجزء من التعليم الوطني شجرة النسب، وهو ما ~~يعارض روح الإسلام وأقوال الرسول ذاته في طلبه للناس ~~أن يأتوه بأعمالهم ولا يأتوه بأنسابهم. وقد تكون ذلك ~~آثار جاهلية وانتصارا لنعرات بعض القبائل دون البعض ~~الآخر؛ ولذلك نمط سابق في تاريخ الأديان في مقدمات ~~الإنجيل، في إرجاع نسب المسيح إلى داود أولا، ثم إلى ~~آدم ثانيا؛ لإثبات نسله من تاريخ الملوك والأنبياء، ~~وفي بعض الأنساب توضع أسماء الأنبياء مثل إلياس ~~وخضر، ولولا صعوبة النقل إلى آدم لاكتملت شجرة النسب! # 24 ~~(2) النبوة ms132 كرسالة # إن ما يهم في النبوة ليس محورها الرأسي؛ نظرية الاتصال ~~وكيفيته وطرقه؛ فهذا أدخل في علوم الحكمة، بل محورها ~~الأفقي؛ أي تبليغ الرسالة للناس من المرسل عبر المرسل ~~إليه إلى المرسل إليهم، وهو الأدخل في علم الأصول. ~~فالنبوة وسيلة لتبليغ الوحي، وتبدأ صلتنا بالوحي بمجرد ~~إعلانه وتبليغه. أما قبل ذلك فليس لدينا وسيلة للتعرف على ~~كيفيتها. وقد دخل المرسل إليه، وهو الله، من قبل في ~~التوحيد، في نظرية الذات والصفات. والحديث عن وسيلة ~~الاتصال، مثل الملائكة والجن والشياطين، كل ذلك لا دخل له ~~في الوحي الذي يبدأ تبليغ الرسول به للناس، وحمل الناس ~~الأمانة، وتحقيقها في التاريخ. إن المرسل إليه ليس فقط ~~هو النبي، بل إن النبي هو مجرد وسيلة إلى المرسل إليهم ~~وهم الناس، والتوقف على الرسول تشخيص للنبوة وإيقاف ~~للتبليغ وقطع للرسالة وكتمان لها. أشخاص الأنبياء لا تكون ~~جزءا من الوحي؛ فالأنبياء مجرد وسائل للتبليغ، وتبقى ~~الرسالات بعد انقضاء الأنبياء، وتبقى الرسالات تترى حتى ~~اكتمال الوحي، واندراجها جميعا في آخر مرحلة. # 25 # كما أن إثبات النبوة عن طريق إثبات الصانع ~~وقدرته لا تؤدي إلى شيء؛ لأنه لا يمكن نفي الصانع وإثبات ~~النبوة؛ فالنبوة أساسا رسالة، والذي يهم هو مضمونها وليس ~~مصدرها. لا تنشأ بقرار من سلطة مطلقة، ولا تعني وجود ~~معلم لم يتعلم، بل تعني نداء الواقع للفكر، وطلب رسالة ~~أثر وقوع أزمة في التطور الإنساني، والتعثر في ارتقاء ~~الوعي البشري. # 26 # فإذا لم تكن النبوة شخص الرسول، فهل هي صفة فيه أم صفة ~~خاصة بالرسالة التي يحملها؟ وإن كانت صفة فيه فهل هي فطرية ~~أم مكتسبة؟ والحقيقة أن النبوة ليست صفة في شخص الرسول؛ ~~فذلك أيضا تشخيص للنبوة في صفات النبي، بل هي صفة للرسالة ~~التي يحملها؛ تواترها، ومضمونها، وتحقيقها. فلا تتوقف ~~النبوة عند النبي، بل تستمر في الرسالة إلى نهاية الزمان، ~~طالما أن هناك مكلفا قادرا على الفعل والتمييز. وعلى ~~افتراض أنها صفة للنبي فهي صفة لا فطرية ولا مكتسبة، أو ~~هي فطرية ومكتسبة في ms133 آن واحد؛ فالنبوة ليست مجرد اختيار ~~أمر بالتبليغ، بل صفة حالة في النبي؛ فهي في هذه الناحية ~~فطرية وليست مكتسبة، من الداخل أكثر من الخارج؛ ومن ثم ~~فلا احتياج إلى أمر خارجي، بل إلى ظروف الاضطهاد والظلم ~~التي تفجر طاقات النبي الدفينة. تعني فطرية عند القدماء ~~أنها هبة من الله، وهذا أيضا عود إلى المحور الرأسي في ~~النبوة، وإلى إرجاع النبوة إلى المرسل وليس إلى المرسل ~~إليهم ثم إلى الرسالة. النبوة فطرية لأنها تمثل ~~استعدادات خاصة في النبي، وفي نفس الوقت مكتسبة لأنها ~~تنشأ في ظروف القهر والاضطهاد، ويأتي النبي محررا للأمة ~~من التسلط والطغيان. # 27 # وإذا كان النبي هو قائد الجماعة، وهو المؤهل ~~بصفاته لمهمة القيادة، فهل تكون النبوة جزاء؟ وإذا نجح في ~~رسالته وحقق غايته وانتصرت الجماعة، فهل عليها ثواب؟ ~~النبوة ليست جزاء بل اختيار لأفضل القوم زعيما لهم؛ ~~لصفاته وقدراته وأهليته. وكيف تكون جزاء ولم تتم بعد؟ ~~وعلى أي شيء يكون الجزاء ما لم تتحقق؟ الجزاء، ثوابا ~~وعقابا، لكل فعل، والنبوة باعتبارها فعلا يكون لها ~~الجزاء بهذا المعنى، ولا تكون في الأصل ابتداء؛ لأن ~~الاختيار يكون بناء على الأهلية والقدرة، وإلا كان ~~الاختيار عشوائيا بلا سبب، # 28 # ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة ما دامت النبوة ~~مركزة على الرسالة وليس على الشخص؛ وبالتالي لا يهم جنس ~~مبلغ الرسالة، ذكرا كان أم أنثى، فالشخص ما هو إلا ~~وسيلة للتبليغ، ولكن الواقع من تاريخ الأديان أن الأنبياء ~~الذكور هم الغالب على الأنبياء الإناث، على مدى تاريخ ~~النبوة، وفي كل مراحل الوحي؛ نظرا لما تتطلب النبوة من ~~مهام الحرب وفنون القتال، ومن واقع التاريخ البشري وإحصاء ~~قادة الحرب فإن الغالبية كانت من الذكور. # 29 # وقد تحولت الصفات في العقائد المتأخرة في إطار نظرية ~~الوجوب والجواز والاستحالة؛ ما يجب للرسول وما يمتنع عليه ~~وما يجوز له من صفات، وكانت النتيجة أربع صفات للوجوب، ~~وأربعة أضدادها في الاستحالة، وصفة واحدة في الجواز؛ ~~وبالتالي يجب على المسلم كما آمن بواحد وأربعين عقيدة ms134 في ~~الله أن يؤمن بتسع عقائد في الرسول. ولما كانت الصفات ~~الأربعة الثانية فيما يستحيل على الرسول مضادة للصفات ~~الأربع الأولى، فيما يجب للرسول، أمكن وضعها في أربع صفات ~~واحدة إثباتا ونفيا، إيجابا وسلبا، فالاستحالة هي قلب ~~للوجوب؛ الأولى يجب عليه الصدق ويستحيل عليه الكذب، فالصدق ~~أول شرط للتبليغ؛ والثانية تجب عليه الأمانة وتستحيل عليه ~~الخيانة، والأمانة في التبليغ مثل الصدق فيه؛ والثالثة يجب ~~عليه التبليغ ويستحيل عليه الكتمان، والتبليغ هو الإعلان، ~~وهو الغاية الرئيسية من النبوة، ووظيفتها الأولى؛ والرابعة ~~تجب عليه الفطانة ويستحيل عليه التهور أو البلادة؛ لذلك ~~نجحوا في قيادة الأمم وفي تأسيس الدول. وتجوز عليهم ~~الأعراض البشرية من موت وفناء ومرض وعجز وشيخوخة وطعام ~~وشراب وجماع ونوم؛ فالنبي ليس إلها، ولا خالدا، ولا يصعد ~~إلى السماء، ولا يسير على الماء، بل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. # 30 # وإذا كان الرسول قدوة في السلوك وأسوة حسنة للناس، فقد ~~رسب في وعينا القومي أضداد الصفات أكثر من استقرار الصفات ~~ذاتها؛ فتوارى الصدق وراء التهور أو البلادة، وجعلنا ~~الأعراض البشرية مستحيلة، ورفعنا الزعماء إلى مصاف الآلهة، ~~فلا تموت ولا تمرض، وأضفينا عليها صفات الوجوب، وقدسناها ~~عن صفات الاستحالة. # وبالرغم من محاولة بعض الحركات الإصلاحية الأخيرة تحويل ~~صفات النبي الأربع إلى خصائص للرسالة العامة، فالتبليغ ~~أساسا هو إبلاغ الناس الخبر وإيصال الرسالة؛ وبالتالي ~~القضاء على تشخيص النبوة، التي قد تكون هي الجذر التاريخي ~~لتشخيص السياسة والمبادئ والرسالات في أشخاص الرؤساء، ~~سرعان ما تحولت من جديد تحت أثر علوم السيرة إلى نبوة ~~مشخصة، بل وامتدت الخصال الأربع وتكاثرت وأصبحت ~~بالعشرات، وتحولت من صفات محددة خاصة بتبليغ الرسالة ~~إلى صفات بدنية وجسمية ومزاجية خاصة، مثل حسن صورته وبياض ~~وجهه المشوب بالحمرة ونور عقله وذكاء لبه وحكمه وعفوه ~~وصبره وجوده وسخائه وسماحته وشجاعته ونجدته، ثم تمتد ~~الصفات الفردية إلى الصفات الاجتماعية، مثل حسن عشرته ~~وأدبه ورحمته ووفائه وتواضعه وعدله وعفته وزهده ووقاره ~~وصحته وهيبته، والاعتقاد بنجاة أبويه نظرا لنجاة أهل ~~الفترة كلها، هكذا بلا ms135 أعمال أو استحقاق، أو بعد إحيائهما ~~من جديد وإيمانهما به، وكأن الله مسيح آخر يبعث الموتى من ~~القبور قبل يوم الدين، وهو ما يظهر في المدائح النبوية ~~والتواشيح الدينية التي تسمع في الموالد والأعياد، كما ~~تسمع الأغاني في مدح صفات الزعماء. # 31 # | تاسعا: تواتر الرسالة # إذا كانت النبوة تقوم على أربعة أطراف؛ المرسل والمرسل ~~إليه والرسالة والمرسل إليهم، وكان النبي موضوع التوحيد، ~~والمرسل إليه هو شخص النبي كتشخيص للنبوة بقيت الرسالة ~~والمرسل إليهم. وأهم ما تتطلبه الرسالة بعد التبليغ هو ~~تواترها؛ أي صحتها التاريخية وبقاؤها بلا تزييف أو تبديل أو ~~تحريف، ثم فهمها حتى يمكن أخيرا تطبيقها في الحياة العلمية، ~~وتحويلها إلى شريعة وإلى نظام مجتمع ودولة. # 1 # وتواتر الرسالة ليس معجزة قديمة، ولا حتى إعجازا جديدا، ~~ولا حفظا إلهيا؛ # إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~، ~~بل هو نتيجة لعمل علمي تاريخي في البحث عن مناهج النقل وطرق ~~الرواية. فصحة الوحي التاريخية ليست معجزة، بل هو عمل ~~المؤرخين والرواة والنقل وعلماء الحديث. ومما ساعد على ذلك ~~كتابة الوحي منذ ساعة الإعلان؛ فلم يمر بمرحلة شفوية قد يحدث ~~فيها التغيير والتحريف والتبديل. حفظت نصوص الوحي كتابة، ~~وانتقلت من يد إلى يد حتى جمعها، ثم جمع الحديث بعد ذلك بمناهج ~~النقل الشفاهي التي وضعها علماء الحديث ومنها التواتر. لقد ~~حفظ الوحي في آخر مراحله ودون كلمة ومعنى، في حين أن ~~الوحي كتابة، وانتقلت من يد إلى يد حتى جمعها، ثم جمع الحديث ~~فقط لعدم تدوين الوحي لحظة الإعلان، ثم جمعه بعد ذلك دون معرفة ~~بمناهج النقل وطرق الرواية، بل طبقا لمقاييس عقائدية صرفة؛ ~~العقيدة الغالية، أو عقيدة السلطة الدينية، أو طبقا لقرارات ~~هذه السلطة ذاتها؛ حصارا للعقائد المعارضة وتطويقا لها. # 2 # والوحي المكتوب أو الشفاهي قبل التدوين هو نقل أو سمع، ~~وكلاهما خبر، والمخبر ليس جزءا من الخبر؛ لأن الخبر يكون ~~جزءا بوجود السامع، لا بوجود المتكلم، هذا بالإضافة إلى أن ~~المرسل باعتباره مخبرا أولا هو موضوع التوحيد في نظرية ~~الذات ms136 والصفات والأفعال، والمرسل إليه باعتباره مخبرا ~~ثانيا مجرد وسيلة؛ فالنبوة ليست شخصا، بل رسالة؛ فلم يبق ~~إلا الرسالة والمرسل إليهم؛ أي الخبر والسامع. # والخبر كلام يحتمل الصدق والكذب؛ أي إنه قول أو خطاب يمكن ~~التحقق من صحته وصدقه؛ لذلك لم تدخل العبارات الإنشائية ضمن ~~الخبر، ولكن هل يعني ذلك أن التمني والتعجب والاستفهام ~~والتساؤل والاستنكار وكل الصيغ الإنشائية لا يمكن إيجاد ~~وسيلة للتحقق من صدقها؟ هل هي مجرد صيغ إنشائية لا تعبر عن ~~واقع على الإطلاق، أي واقع، حتى ولو كان واقعا شعوريا؟ وهل ~~الصيغ الخبرية خبرية تماما دون أن يكون فيها إنشاء، سواء فيما ~~يتعلق بسلامة الإدراك أو خطئه أو بحياد الشعور وميله أو بصحة ~~القضايا وكذبها؟ ألا يعبر الخبر نفسه عن رغبة في وصف الواقع ~~وإصدار أحكام عليه كما هو؟ وهل هناك واقع مجرد دون رؤية ~~إنسانية؟ أليس الواقع نفسه مكونا من مكونات الموقف ~~الإنساني؟ ولماذا يدخل النفي والإثبات والمدح والذم والتعجب ~~عند القدماء في الخبر، ويخرج الاستفهام والأمر والنهي والأسف ~~والتمني والسؤال؟ أليس التعجب صيغة إنشائية مثل السؤال والتمني؟ # 3 # ثم تظهر قسمة الوجود الثلاثية إلى واجب وممكن ومستحيل في ~~تقسيم الخبر، فينقسم الخبر إلى ثلاثة أقسام: خبر عن واجب وهو ~~الخبر الضروري، وخبر عن ممتنع وهو الخبر عن المحال، وخبر عن ~~ممكن، ثم تظهر نظرية العلم في الخبر عن الضروري؛ إذ يشمل ~~الضروري المعرفة الحسية والمعرفة العقلية والمعرفة السمعية، ~~وهي القسمة الأصولية أيضا للأخبار. وفي الخبر عن ممكن يتحدد ~~صدقه أو كذبه بالدليل، والدليل قد يكون داخليا بالاتفاق مع ~~الحس والمشاهدة والعادة، أو خارجيا عن طريق التواتر؛ ~~فالتواتر جزء من نظرية الخبر باعتباره دليلا على صدق الخبر الممكن. # 4 ~~(1) شروط التواتر # والتواتر يفيد العلم اليقيني، وما سواه من مناهج النقل ~~وطرق الرواية لا يفيد إلا الظن. وإنكار ذلك يؤدي إلى ~~إنكار النبوة، من حيث إمكانية نقلها وصحة النقل تاريخيا، ~~وبوجه خاص إنكار صحة القرآن تاريخيا وانتقاله مدونا، ~~وإنكار صحة الحديث تاريخيا وانتقاله شفاهيا. وفي هذه ~~الحالة ms137 لا يبقى لصدق النبوة إلا صدقها النظري بأعمال ~~العقل، وصدقها العملي بتحقيقها في الواقع. ولا يفيد ~~التواتر العلم اليقيني بذاته، بل بشروطه، وهي شروط أربعة ~~تؤدي في مجموعها إلى يقين التواتر، وإذا ما نقص شرط منها ~~يصبح الخبر آحادا لا يفيد إلا الظن؛ فالآحاد ليس هو ~~الخبر المروي عن طريق واحد، ولكنه المتواتر الذي تسقط منه ~~أحد شروطه الأربعة، حتى ولو كان مرويا بأكثر من ~~واحد. # والشرط الأول للتواتر: # هو العدد الكافي من الرواة. ولا يوجد ~~عدد معين كما، بل يوجد عدد محدد ~~كيفا؛ أي العدد الذي بواسطته يحدث اليقين ~~بصحة الخبر دون حد أدنى بأقل الجمع وهو ~~ثلاثة، أو بأكثر الجمع الذي قد يصل إلى ~~المائة أو المائتين إلى ما لا نهاية. ~~فالأخبار المتواترة بمجموعها، وليس ~~بآحادها تعطي اليقين. فالتواتر كل معنوي ~~لا يتجزأ. العدد فيه ليس الكم المنفصل، ~~بل الكيف المتصل؛ أي ما يمكن بواسطته ~~الحصول على اليقين؛ فليست المائة مجموع ~~أرقام آحاد تبلغ المائة، ولكنها عدد معنوي ~~يعطي اليقين لكونه مائة لا تنقسم. وفي ~~التواتر المعنوي لا يكون العلم مصادرة، بل ~~علم بعدي ناشئ من التواتر، ويقين العلم ~~ناشئ من العلم الذي يكتفي بالعدد؛ فإثبات ~~العلم بعد التواتر، وإثبات اليقين بالعدد ~~الكافي. وكلما زاد عدد الرواة زاد اليقين، ~~حتى يحدث اليقين وتتوقف الزيادة في الرواة ~~عن أن يكون لها أية دلالة؛ وبالتالي يحدث ~~التواتر المعنوي، وهو مثل الاستقراء ~~المعنوي الذي هو أحد طرق استنباط في الشريعة. # 5 # والشرط الثاني: # هو استقلال الرواة عن بعضهم البعض، بحيث ~~يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإذا جاز الكذب ~~على واحد فلا يجوز الكذب على الكل؛ فالكل ~~ليس مجموع آحاد، بل له شخصية معنوية ~~جديدة، صفاتها استحالة التواطؤ على الكذب؛ ~~نظرا لانتشار الرواة في جميع أقطار ~~الأرض، وعدم اجتماعهم في مكان واحد أو في ~~زمان واحد، بعد سماع الإعلان بالتبليغ. # 6 # والشرط الثالث: # هو تجانس انتشار الرواية في الزمان، أو ~~العلم باستواء الطرفين في الرواية، ~~استواء أول الرواية مع وسطها وآخرها من ~~حيث ms138 الانتشار؛ فقد يكون أول الرواية غير ~~منتشر في الجيل الأول، ثم يتزايد ~~انتشارها في الأجيال اللاحقة؛ نظرا ~~للمصالح الجديدة التي كانت وراء هذا ~~الانتشار، وقد تكون الرواية في أولها ~~منتشرة في الجيل الأول، ثم تتوارى في ~~الأجيال اللاحقة؛ نظرا لظهور مصالح جديدة ~~معارضة كانت وراء الصمت عنها وكتمانها. ~~الحالة الأولى من الأقل انتشارا إلى ~~الأكثر انتشارا، والحالة الثانية من ~~الأكثر انتشارا إلى الأقل انتشارا. أما ~~تجانس الانتشار عبر الأجيال خاصة في ~~الفترة الشفاهية، فيبين عدم تغير ~~الظروف وتجدد المصالح وحياد الراوي؛ ~~وبالتالي أصبحت الرواية معروفة عند ~~الكافة، ينقلها الكافة عن الكافة، من جيل ~~عن جيل دون ذيوع زائد أو كتمان مريب. # 7 # والشرط الرابع: # هو الإخبار عن حس؛ فالرواية في أصلها ~~إخبار عن حس ومشاهدة، سمع أو بصر. وشهادة ~~الحس مع أوائل العقول مكونان رئيسيان في ~~نظرية العلم قبل المكون الثالث وهو ~~النقل. فصحة النقل قائمة أولا على شهادة ~~الحس وأوائل العقل وبداهة الوجدان. يقين ~~التواتر إذن ليس خارجيا فحسب؛ أي ~~الاتفاق مع مجرى العادات، بل هو أيضا ~~يقين داخلي بالاتفاق مع ما يحس به ~~الإنسان من نفسه وما يشعر بوجوده، وذلك ما ~~يجعل العلم الناتج عن التواتر علما ~~اضطراريا. يعطي التواتر إذن حقائق ~~بديهية حسية وحدسية ووجدانية ثابتة لا ~~تتغير، يدركها الحس، ويراها العقل، ~~ويشعر بها الوجدان لأول وهلة بعد سماعه. # 8 # ومن هنا تأتي استحالة ~~المعجزات؛ لأن شرط نقلها هو التواتر، وشرط ~~التواتر الإخبار عن حس، والمعجزة تناقض ~~ضرورات الحس وبداهات العقول. ولا يوجد ~~دليل عقلي على إثبات الكرامة أو المعجزة ~~إلا الخبر. ولما كانت رواياتها كلها ~~ينقصها شروط التواتر، فهي كلها آحاد لا ~~تفيد إلا الظن. وإن غياب الاتفاق مع الحس ~~ليعادل رواية عشرين راويا فيهم واحد من ~~المبشرين بالجنة، # 9 # وبالإضافة إلى النقد التاريخي ~~للروايات المتضمنة للمعجزات، فإنه ~~يمكن القيام بنقد داخلي؛ فعلى فرض صحة ~~الرواية فإنه يجوز أن تكون المعجزة خطأ ~~في الإدراك، أو جهلا بالواقعة، أو خطأ ~~في التصورات، أو عدم دقة في التعبير، ms139 ~~واستعمال الأساليب الإنشائية بدلا عن ~~القضايا الخبرية، خاصة في عصر لم يكن ~~الشعور التاريخي فيه محايدا، بل كان ~~ملتزما انفعاليا بالوقائع المروية، ~~ويميل بطبيعته إلى التفخيم والتضخيم من ~~أجل التأثير على النفوس. فقد كانت الغاية ~~من الرواية نشر الدين والدعاية له، كما هو ~~الحال في معظم الروايات في تاريخ الأديان، ~~خاصة المسيحية وانتشارها في الجماعة ~~الأولى. # النبوة إذن واقعة بيقين التواتر، والتواتر أساس المعرفة ~~التاريخية، يستحيل معه التواطؤ على الكذب، وبه نقلت ~~أعلام الأنبياء. التواتر يفيد اليقين، وهو يقين قائم على ~~العادة وعلى استقراء الوقائع وحكم العادة. ولما كان الخبر ~~وسيلة لإعطاء بداية يقينية أولية يبدأ منها العقل كان لا ~~بد أن يعطي علما ضروريا. فإذا ما أعطى بداية ظنية فإن ~~البناء كله، المعرفي والسلوكي، يكون ظنيا. # فإذا ما أفاد التواتر العلم لشروطه الأربعة، فإن الآحاد ~~لا يفيد إلا الظن. وخبر الواحد ليس هو الخبر الذي يرويه ~~واحد، بل هو الخبر الذي يفقد شرطا من شروط التواتر ~~الأربعة؛ ومن ثم يكون ظنيا في العلم وإن ظل يقينيا في ~~العمل. ولما كان علم التوحيد علما نظريا لا عمليا ~~فخبر الواحد في العقائد لا يكون أساسا لليقين، ولا يقال ~~في العقائد بالظن. ولما كانت معظم روايات السمعيات آحادا، ~~وخبر الواحد لا يعطي إلا الظن في النظريات، استحال تأسيس ~~السمعيات وهي الشق الثاني في علم أصول الدين بعد الشق ~~الأول وهي العقليات؛ التوحيد والعدل. ولما كان لا ينتج ~~عنها عمل أو فرض أو شريعة باستثناء موضوعي النظر والعمل، ~~والإمامة والسياسة، فأهميتها في الحياة العملية أهمية غير ~~مباشرة عن طريق الأثر النفسي للعقائد، وليس عن طريق ~~الواجبات والفروض؛ لذلك يمكن اللجوء إلى البناء الشعوري ~~لخبر الواحد، والبحث عن شروط الراوي الواحد؛ حتى يكون ~~للرواية أكبر قدر ممكن من الصحة التاريخية؛ وبالتالي من ~~اليقين العلمي. وهي أيضا شروط أربعة: الإسلام والعدالة ~~والضبط والبلوغ، وهي صفات موضوعية لشعور الراوي، تضمن ~~سلامة إدراكه وخلوه من الهوى وحياده. فالإسلام شرط ~~الالتزام بالتبليغ والانتساب إلى حضارة والولاء لمبادئها. ~~والعدالة ms140 شرط أخلاقي؛ حياد الشعور وسلامته من الهوى. ~~والضبط شرط إدراكي بالنسبة لسلامة الحواس؛ السمع والحفظ ~~والأداء، الأذن والذاكرة واللسان. والبلوغ شرط عقلي حتى ~~يتم الاتفاق بين الحس والعقل والنقل. وما سوى ذلك من شروط ~~خاصة إذا كانت لا تتوافر فيها الموضوعية لا تدخل كعامل في ~~اليقين. أحوال الشعور إذن، وضعه أم حياده، ضرورية لمعرفة ~~صدق الخبر. وتعلم هذه الأحوال بتحليل الشعور وليس ~~بالخبر، وإلا تحول الأمر إلى دور؛ تعرف الأحوال ~~بالخبر، ويعرف الخبر بالأحوال، مثل أن يكون أحد الرواة ~~من العشرة المبشرين بالجنة، أو من أهل الجنة الذين لا ~~يحصى عددهم، والذين ما زالوا في غياب المجهول لم تتم ~~أعمالهم بعد حتى يكون لهم استحقاق. # 10 # ولا يوجد وسط بين التواتر والآحاد. المشهور ~~الذي هو في الأصل آحاد، ثم أصبح متواترا هو آحاد؛ لأنه ~~تواتر ينقصه شرط التجانس في الزمان. ولما كان الآحاد هو ~~التواتر مع نقص أحد شروطه، فإن الخبر في النهاية لا يكون ~~إلا متواترا حتى يفيد العلم القطعي. # 11 # فإذا ما استحال يقين التواتر لسند الرواية بضرورة ~~مطابقتها للحس والعقل، فإنه يبقى ضرورة مطابقة متن الرواية ~~أساسا، ليس فقط مع الحس والعقل، بل مع الواقع أيضا. وإن ~~لم يكن تواتر الرسالة دليلا على صدقها تكون مطابقتها ~~لمبادئ العقل وضرورات الواقع أدلة أخرى على صدقها؛ ~~فالمطابقة لا تكون مع التاريخ وحده، بل أيضا مع بداهات ~~العقل ومع مصالح الناس. الوحي إثبات لحقائق العقل والواقع. ~~وقد يدخل الشعور في التعريف، وتكون المطابقة أو عدم ~~المطابقة بعلم أو بغير علم. وقد يدخل بعد ثالث للتعريف ~~في نشأة القضية ذاتها؛ هل هي خبر؛ أي سمع ونقل من وحي، أم ~~هي خبر قائم على الإدراك والتصور ثم الإيصال والمشافهة؟ لا ~~يعلم صدق الخبر أو كذبه إلا بعد التحقق في الواقع لا ~~قبله، وقبل التحقق يكون الخبر مجرد افتراض. مضمون الخبر لا ~~يقل أهمية عن روايته، ومتن الرواية أحد وسائل تحقيق صدقها ~~مثل سندها. والتحقق من صدق المتن لا يقل أهمية عن التحقق ms141 ~~من صحة السند. # 12 ~~(2) تطبيق شروط التواتر على الكتب المقدسة # وشروط التواتر ليست خاصة برسالة دون رسالة، أو بكتاب دون ~~كتاب، أو بأمة دون أمة؛ فهي شروط واحدة تنطبق على أية ~~رسالة، وعلى أي كتاب، ولدى أية أمة. ولو أنها تخرج من كتاب ~~خاص وحالة خاصة، إلا أنه يمكن تعميمها حتى تستقل كمناهج ~~رواية، وطرق نقل يصح تطبيقها على كل الكتب المقدسة ~~الأخرى في مراحل الوحي السابقة، أو حتى روايات الأدب ~~الشعبي، وروايات الشعر العربي القديم. وتبرز قوة الوحي في ~~آخر مرحلة له، من حيث تواتر الرسالة، وصحتها في التاريخ، ~~ونقده لتحريف الكتب المقدسة الأخرى تاريخيا وعقائديا ~~وسلوكيا، من حيث الصحة التاريخية، وفهم العقائد، وسلوك ~~أهل الكتاب. # 13 # فإذا ما طبقت شروط التواتر ومناهج النقل وطرق الرواية ~~على الكتب المقدسة السابقة، التوراة والإنجيل؛ فسرعان ما ~~يظهر تحريفها وتبديلها كما وصف القرآن، وكأن الاكتمال ~~يفترض التاريخ، والبناء يكشف عن التطور، وتدوين آخر مرحلة ~~مقياس لما كان يمكن أن يتم في المراحل السابقة. وقد ~~يستقل هذا الموضوع عن النبوة، ويصبح جزءا مستقلا، ~~ويكون موضوعا جديدا أقرب إلى تاريخ الأديان ونقد النصوص، ~~وهو ما تحول بعد ذلك في حضارة أخرى، هي الحضارة الغربية ~~الحديثة، وبفضل الحضارة الإسلامية إلى علم مستقل باسم ~~«النقد التاريخي للكتب المقدسة»، كما استقل من قبل أحد ~~أوصاف الذات الست وهي الوحدانية، لتصبح تاريخا ~~للوحدانية مقلوبا؛ أي عقائد الشرك والوثنية في الفرق ~~غير الإسلامية. # 14 # وتظهر المناهج الإسلامية، سواء من علم أصول ~~الفقه أو من مصطلح الحديث، والتي استمد منها علم أصول ~~الدين هذا الجزء عن تواتر الرسالة في موضوع النبوة. وترفض ~~النظريات اللاهوتية في النقد مثل رفع الله كلامه من الصحف؛ ~~لإنقاذه من التحريف، وهو مثل حفظ الله كلامه في القرآن؛ ~~فالتوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح لم يرفعهما الله، بل ~~ضاعا؛ إما في مرحلة الشفاهي، أو تم تحريفهما وتبديلهما ~~زيادة ونقصانا في مرحلة النقل الكتابي. # ويمكن تصنيف أحكام القدماء على التوراة والإنجيل، وكيف ~~أنهما لم يستوفيا نقلهما شروط التواتر في ms142 ثلاث قضايا ~~رئيسية؛ الأولى تحريف النصوص وتبديلها وتغييرها؛ وبالتالي ~~عدم صحتها تاريخيا، وتستعمل لإثبات هذه القضية مناهج ~~تحليل النصوص، وذكر أهمها وأسمائها وضياع النصوص، مع ذكر ~~العوامل الاجتماعية والسياسية التي كانت وراء النقل، وحال ~~الدولة قبل السقوط وبعده، ودور الأخبار في التزييف. ~~والثانية سوء فهم هذه النصوص المحرفة، وتزييف عقائدها، ~~وضياع التوحيد والعدل، وإنكار النبوات والمعاد، ونهاية ~~العمل الصالح، وسقوط الدولة؛ فأصبح التحريف مضاعفا؛ ~~تحريف النصوص أولا، ثم تحريف العقائد الثانية. والثالثة ~~سوء أفعال أهل الكتاب، وعدم قيام النصوص بدورها الرئيسي في ~~توجيه سلوك الأفراد والجماعات. # فالتوراة التي بين أيدينا اليوم محرفة ومبدلة، وليست ~~منزلة من عند الله، ولم تبق التوراة واحدة لم تتغير ولم ~~تتبدل عبر الأجيال؛ فتاريخ النص يثبت هذا التغيير ~~والتبديل، سواء أثناء قيام الدولة أو بعد انقراضها. ~~وتخالف السبعينية توراة عزرا الأولى وليست مطابقة لها. ~~ولا يوجد اتصال بين الأنبياء والرواة، بل تنقطع سلسلة ~~الرواة ولا تتعدى كونها مشهورة، وهي مملوءة بالأخطاء ~~التاريخية؛ فهناك تواريخ يقص فيها موسى حياته قبل مولده ~~وبعد وفاته، وضعها الأحبار على لسانه؛ فقد كان لهم دور ~~بارز في التحريف والتبديل في النصوص والشرائع، وهي مملوءة ~~بالاضطراب الزماني، وتحتوي على خلط في الأنساب، واضطراب في ~~إحصاء الأجيال، كما أنها مليئة بالوقائع المعارضة لحوادث ~~التاريخ وعلوم الطبيعة والجغرافيا، في وصف أنهار الأرض ~~ومصابها ومنابعها وروافدها، ويناقض بعضها البعض من حيث ~~التحديدات المكانية؛ مما يكشف عن خطأ المترجم ووضع ~~الأحبار؛ فالتوراة مناقضة للواقع التاريخي والجغرافي ~~(النقد الخارجي)، ومتناقضة فيما بينها (النقد الداخلي، ~~ومراجعة الكتاب على نفسه). # 15 # وبالنسبة للقضية الثانية، سوء فهم العقائد، ~~فهي مملوءة بالتشبيه وهو مضاد للتنزيه، وتوحي بعض ~~عباراتها بتعدد الآلهة. وكيف يصارع يعقوب الله أو ~~الملائكة؟ كيف يعجز الله صراع يعقوب؟ وما الفائدة من ~~صراع نبي وملاك؟ كل ذلك مظاهر للتشبيه. وكيف يجوز البداء ~~على الله؟ وكثيرا ما تبطل النبوات وينكر البعث والجزاء. ~~وفي المعجزات تقوم السحرة كما تقوم الأنبياء بإجراء ~~المعجزات، وكثير من رواياتها تناقض الحس والعقل. # 16 # أما ms143 القضية الثالثة الخاصة بالسلوك فإن كثيرا ~~من أشعارها مثل «شعر الأشعار» (نشيد الإنشاد) كلام أحمق ~~لا يعقل، مضاد للأخلاق ولتنزيه الله. وكثير من ~~مطالبها مضادة للكمال الخلقي، ومحال أن تأتي شريعة ~~الأنبياء بما لا يفهم أو يضاد الأخلاق. وتتناقض التوراة ~~مع القانون الخلقي للاستحقاق ثوابا أو عقابا في إهلاك ~~قوم لوط؛ الصالحين والطالحين. والنبي مضاد للأخلاق كما هو ~~الحال في قصة ضيوف إبراهيم المنتحلة؛ إذ كيف يرتكب ~~الأنبياء المحرمات؟ وكيف يقع أبناؤهم وبناتهم في ~~المحرمات؟ كيف يطيع النبي أهواء قومه؟ وأخيرا لم يتحقق ~~المعاد في التوراة باحتلال العبرانيين من الفرات إلى النيل ~~وإن كانوا قد احتلوا فلسطين وأجزاء من لبنان وسوريا ومصر. # 17 # أما بالنسبة للإنجيل فتبرز نفس القضايا الثلاث: التحريف ~~في النصوص، سوء فهم العقائد، وأخيرا قضية السلوك الخلقي. ~~فبالنسبة للقضية الأولى يبدأ تاريخ المسيحية بمؤامرة ~~يهودية نفذها بولس، مثل مؤامرة عبد الله بن سبأ، فبولس ~~هو المسئول عن تبديل المسيحية ووضع شرعة جديدة، وهناك ~~عديد من المتناقضات داخل كتب النصارى مع التاريخ ~~والوقائع والحوادث، واختلاف في التواريخ وعمر الأجيال من ~~آدم إلى إبراهيم، وهو خلاف قائم أيضا بين السبعينية ~~وتوراة اليهود. وفي الأناجيل أيضا تناقضات بالنسبة ~~للتوراة، فهل هي نسخ لها؟ والاختلافات في الروايات في ~~الزمان والمكان والرتبة والمال كثيرة، مثل رواية اختيار ~~المسيح للتلاميذ في الأناجيل الأربعة، وروايات جحد ~~التلاميذ له مرة قبل أن يصيح الديك ومرة بعده، وتناقضات في ~~روايات الإيمان عند التلاميذ. وكيف يعطي المسيح للتلاميذ ~~قوة على الأسباط الاثني عشر وفيهم يهوذا؟ وهناك اختلافات ~~كثيرة بين الأناجيل الأربعة، كما أن هناك أناجيل أخرى ~~كثيرة غير الأناجيل الأربعة تحتوي على كثير من أقوال ~~المسيح الصحيحة، ولكن لا تعترف بها الكنيسة؛ لأنها لا ~~تقر بعقيدة التثليث. وهناك تناقضات في دخول المسيح ~~القدس، وتناقضات في نسب المسيح في بدء الخلق وهي فواتح ~~الأناجيل الأربعة، كما أن معجزاته مضطربة ومتناقضة ~~تقوم على الكذب في النقل. ولا توجد تفرقة بين السحر ~~والمعجزة كما هو الحال في التوراة؛ فالأنبياء الكذابون ms144 ~~يقومون بإجراء المعجزات. وكثير من أمثال المسيح غير مطابقة ~~للواقع؛ مما يدل على وضعها خاصة في أمثال الزرع، والمسيح ~~غير خبير بالفلاحة مثل الذي وضعها. وتثبت مقدمة إنجيل ~~لوقا بأن الأناجيل مؤلفة باعترافه من نصوص سابقة، وليست ~~رواية متواترة أو شهادة عيان مباشرة. # 18 # أما بالنسبة لسوء فهم النصوص وتزييف العقائد، ~~فتأتي عقيدة التثليث كنموذج فريد؛ فقد تمت استعارة لغة ~~الأبوة والبنوة من التوراة ومن الديانات القديمة، والتي ~~على أساسها قامت كل العقائد الأخرى الباطلة المناقضة ~~لشهادة الحس وأوائل العقل وبداهة الوجدان. وهي لغة مجازية ~~تم تأويلها حرفيا لتصبح حقيقة، مع أن كثيرا من النصوص ~~من داخل الأناجيل نفسها تؤيد أن المسيح إنسان وليس ~~إلها. ويعترف المسيح نفسه وعلى لسانه بأنه نبي وأنه ابن ~~الإنسان، وقال ذلك مرات عديدة أكثر مما قال إنه إله أو ابن ~~الإله؛ فالألوهية قد أعطيت للمسيح فيما بعد من الأجيال ~~اللاحقة؛ فهي رؤية بعدية، إسقاط من الحاضر على الماضي، ~~وليست رؤية قبلية من الماضي إلى الحاضر، وقد ساهم في ذلك ~~أبناء الكنيسة، وكانوا وراء كل ضلال. وزاد على ذلك أثر ~~اليهودية على النصرانية، بالرغم من تحذيرات سلس، وتأكيده ~~على التمايز والانفصال ضد الخلط والاتصال، وقد اتضح هذا ~~التناقض أيضا في نظرية الكلمة في أول إنجيل يوحنا. وهناك ~~تطاول على القدرة الإلهية وطعن في التوحيد، فليس المسيح ~~إلا نبيا لا شأن له بالأب. وكيف يتوالد الابن عن الأب؟ ~~وهي كلها في الحقيقة معان مجازية تدل على درجة القرب ~~والتعاطف بين البشر، ولكن تحولت ألقاب المسيح، مثل الابن ~~والمعلم والسيد، إلى عقائد فعلية شخصية شيئية، وليس مجرد ~~وصفه بأنه الابن الصالح، كما أن علاقة المسيح بالكون ~~متناقضة؛ إذ إنه بشر وإله وطبيعة في آن واحد، وامتحان ~~الشيطان للمسيح يدل على أنه أقوى منه؛ فكيف يكون الشيطان ~~أقوى من الله؟ وهناك تناقضات عديدة أخرى في رواية الصلب، ~~حول من حمل جثة المسيح، وحول اللصين؛ مرة كلاهما كافر، ~~ومرة واحد كافر والآخر مؤمن، وكذلك في أقوال المسيح على ~~الصليب. ms145 وقال المسيح بالرجعة ولم يرجع؛ مما يدل على عدم ~~تحقيق النبوة، كما وعد المسيح أنه أتى ليتكلم بلغة لا ~~يعلمها أحد ولم يتحقق الوعد. وهناك أيضا تناقضات في رواية ~~البعث وفي تصوراته؛ فكيف يجلس المسيح على يمين الله؟ وهناك ~~تناقضات أخرى عديدة بالنسبة للملائكة وأمور المعاد. والروح ~~القدس ليس خاصا بالمسيح وحده، ولكنه عام لكل الأنبياء؛ ~~وبالتالي فلا مجال لتفضيل نبي على بني أو في تفضيل البشر ~~على الأنبياء، وتشويه صور الأنبياء السابقين، مثل ~~التناقضات التي في رواية يحيى المعمدان. وكيف يقوم ~~التلاميذ بمعجزات وفيهم الجبان والخائن؟ وكيف يشك التلاميذ ~~المؤيدون بالروح القدس في المسيح وفي نفس الوقت يجرون ~~المعجزات؟ وهل كانت مريم على دين المسيح والتلاميذ أم على ~~أي دين؟ # 19 # أما بالنسبة لقضايا الأخلاق والسلوك فإن عقائد ~~الخطيئة الأولى والخلاص والفداء تعارض حرية الاختيار ~~والمسئولية الفردية وقانون الاستحقاق. هناك إجبار متبادل ~~من الله على الإنسان ومن الإنسان على الله، وكل ضد العدل ~~كما كان التجسد ضد أصل التوحيد، كما أن كثيرا من الوعود ~~التي أعطاها المسيح بالنسبة إلى مغانم الدنيا لم تتحقق. ~~وكثير من الشرائع المنقولة عنه لا تطابق العقل والواقع، ~~ولا ندري من خلال النصوص؛ هل رسالته رسالة حرب أم سلام؟ ~~والحقيقة أن كل هذه النتائج لها ما يؤيدها في علم النقد ~~التاريخي للكتب المقدسة، الذي نشأ بعد ذلك في الحضارة ~~الغربية الحديثة بأكثر من ألف عام. اعتمد القدماء فيها على ~~المادة الموجودة في عصرهم، ولم يستعملوا أحكام القرآن على ~~الكتب السماوية الأخرى، إلا كافتراضات يمكن التحقق من ~~صدقها في التاريخ. # 20 # | عاشرا: مضمون الرسالة # تنتهي النبوة في آخر المطاف إلى كونها رسالة متواترة؛ أي ~~صحيحة تاريخيا، وبعد ذلك يأتي الموضوع الأخير وهو مضمون ~~الرسالة وفحوى الخطاب، وهو الموضوع الذي تناوله علم أصول ~~الفقه، ومع ذلك توجد بعض مواده في علم أصول الدين، ويكون ~~السؤال: هل مضمون النبوة غيبي أم حسي؟ نظري أم عملي؟ عقائدي أم ~~تشريعي؟ وإذا كانت موضوعات النبوة غيبية فهل يمكن إثباتها ~~حسيا؟ وإذا ms146 كانت حسية، فهل هي أشخاص انقضى نحبها أم كتب ما ~~زالت متواترة؟ وإذا كانت الكتب فهل هي وسيلة أم غاية. هل الكتب ~~مغلقة على نفسها أم تحيل إلى شيء آخر هو قصدها وغايتها ~~وهدفها الذي هو خارج الكتاب؟ كيف يمكن الانتقال من اللغة ~~لفظا ومعنى إلى اللغة باعتبارها إحالة إلى الأشياء في العالم ~~الطبيعي؟ وهل العالم هو عالم الأشياء أساسا أم عالم ~~البشر؟ # وقد ظهر ذلك في العقائد المتأخرة، خاصة في تحديد مضمون ~~الإيمان على أنه إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره. # 1 # وهي موضوعات متناثرة يدخل البعض منها في ~~العقليات وقد تم عرضه، والبعض الآخر في السمعيات، والنبوة أولى ~~موضوعاتها. فالله هو الأصل الأول في العقليات، وهو التوحيد في ~~نظريات الذات والصفات، والقضاء والقدر هو الأصل الثاني في ~~العقليات، وهو العدل في حرية الاختيار وفي الحسن والقبح؛ أي ~~الإرادة والعقل. أما الكتب والرسل فهي موضوعات النبوة؛ أول ~~السمعيات، واليوم الآخر هو موضوع المعاد؛ الموضوع الثاني في ~~السمعيات، وتبقى الملائكة وحدها التي لم يتم تناولها في موضوع ~~النبوة إلا بصدد عصمة الأنبياء. ويلاحظ في هذا المضمون أنه ~~يشمل الموضوعات الستة؛ أربعة في العقليات، واثنين في ~~السمعيات، ويترك الاثنان الآخران في السمعيات، وهما: الإيمان ~~والعمل، والإمامة والسياسة، وكأن عمل الفرد ونظام الحكم لا ~~يدخلان ضمن قواعد الإيمان. لا حقوق المواطن ولا اختيار الحاكم ~~يدخلان ضمن إيمان المسلم، فيظل إيمان المسلم نظريا لا ~~عمليا، إلهيا لا إنسانيا، أخرويا لا دنيويا. وإذا ~~كان آخر موضوعين في السمعيات هما التاريخ المتعين؛ أي خلق ~~التاريخ، فإنه من البديهي أن الغاية من إسقاطهما هو إخراج ~~المسلم من التاريخ وسلب عمله وإنكار وجوده؛ ومن ثم يكون إيمان ~~المسلم قمة بلا قاعدة، رأسا بلا جسد، خلودا بلا زمان، وعيا ~~بلا تاريخ، وكأنه روح لا جسم له، مجرد طائر شريد في الهواء، لا ~~مستقر له في أرض أو وطن. وهو ما ترسب في وعينا القومي حتى ~~الآن، وكان أحد أسباب ضياع الأرض من تحت ms147 الأقدام، وضياع الثروة ~~من بين أيدي الناس. ~~(1) الموضوعات النظرية (الغيبية) ~~(أ) الله والقضاء والقدر والرسل والكتب واليوم ~~الآخر # وضع القدماء الله أول موضوع للإيمان، فهل الله موضوع ~~النبوة؟ إن الله هو في أصل التوحيد أول موضوع في ~~العقليات ، والعقليات سابقة على السمعيات ومستقلة ~~عنها وغير مشروطة بها، ولا يمكن أن يكون الأصل ~~موضوعا للفرع، أو أن يكون السابق متضمنا في ~~اللاحق، بل إن السمعيات يمكن معرفتها من العقليات؛ ~~وبالتالي يمكن الاستدلال على النبوة من صفة الكلام ~~في موضوع الصفات في التوحيد. يمكن معرفة الله وإثبات ~~وجوده عقلا؛ وبالتالي فهو الأول، والنبوة تبني عليه ~~وتستدل منه. وإذا بان أن الله كذات وكصفات هو الإنسان ~~الكامل كان أول مضمون للإيمان هو الإيمان بالإنسان ~~الكامل، وإذا كان لفظ «الله» في القرآن مقرونا بلفظ ~~«الأرض» في «إله السموات والأرض»، «رب السموات ~~والأرض»، «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله»، كأن ~~الإيمان بالله هو في نفس الوقت إيمان بالأرض؛ فقد تعود ~~الأرض تحت الإقدام بعودة الأرض إلى الله في قواعد الإيمان. # 2 # أما القضاء والقدر فقد دخل من قبل في الأصل الثاني، ~~العدل، في العقليات قبل السمعيات؛ فهو من الموضوعات ~~العقلية لا السمعية، وهو إيمان بخلق الإنسان لأفعاله، ~~وليس بالسعادة والشقاء المكتوبين على الإنسان وهو ما ~~زال في بطن أمه؛ «السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي ~~من شقي في بطن أمه.» ولماذا اختيار إحدى النظريات وهي ~~الجبر كأحد قواعد الإيمان، وليس نظرية أخرى مثل الكسب ~~أو الاختيار، أو وضع رأس الموضوع ذاته وهو خلق الأفعال ~~مثل الله، دون اختيار أحد النظريات فيه كالتأليه أو ~~التجسيم أو التشبيه أو التنزيه؟ هل تهدف قواعد الإيمان ~~إلى الترويج إلى نظام سياسي معين يقوم على القهر ~~وعلى سلب حريات الناس؟ وهل يمكن أن يؤمن الإنسان ~~بالقضاء على حريته، فيدمر نفسه بيده؟ # 3 # أما اليوم الآخر فلا يكون موضوعا للإيمان؛ لأنه ~~سيأتي في المعاد ثامن موضوع في السمعيات بعد النبوة، ~~وهو لم يثبت بعد في بناء العلم، فكيف ms148 يتم الإيمان بشيء ~~مسبق مفترض دون تأسيس أولا؟ وماذا عن تفصيلات ~~اليوم الآخر ابتداء من الموت وعذاب القبر حتى الجزاء؟ ~~هل يدخل ذلك كله في مضمون الإيمان باليوم الآخر؟ وماذا ~~عن هذا اليوم، وما يحدث في هذا الزمان، وما قبل قدوم ~~اليوم الآخر؟ ماذا عن الدنيا قبل الآخر؟ وماذا عن ~~أفعال العباد قبل الجزاء؟ وهل تأتي النهايات قبل ~~المقدمات، والثمرات قبل الغروس؟ # 4 # أما فيما يتعلق بالرسل فقد بان أن موضوع النبوة ليس ~~هو تشخيص الرسول، بل رسالته؛ وبالتالي فالرسل ليست ~~موضوعا للإيمان. الرسل مجرد وسائل النبوة للإسلام ~~والإخبار والتبليغ وليست موضوعها، ويمكن الاستغناء ~~عنها بالوحي المباشر، كما أن كل النبوات بها أنبياء ~~ورسل، وليس الرسول خاصا بآخر مرحلة من مراحل الوحي. ~~وكيف يتم التمييز بين الأنبياء والرسل الصادقين منهم ~~والكذبة؟ وإثبات الرسول بالمعجزة مجرد إثبات خارجي، ~~وإثباته بالإعجاز يحيلنا إلى الكتاب وليس إلى ~~الرسول، وجعل النبوة رسالة وليس شخصا. # 5 ~~(ب) هل الملائكة موضوع للنبوة؟ # بقي إذن موضوع الملائكة، وقد ظهر من قبل في المقدمات ~~النظرية الأولى في نظرية الوجود في مبحث الجوهر إجابة ~~على سؤال: هل هناك جواهر مفارقة؟ وكان منها طبقا ~~للحكماء أربعة: الله والنفس والعقل والملاك. فالملاك ~~عند الحكماء صورة مفارقة؛ أي موجودات مجردة نظرا ~~لإمكانية وجود صور بلا مادة، كما ظهر الموضوع من قبل ~~في النبوة، في التفضيل؛ تفضيل الملائكة على الأنبياء ~~أو الأنبياء على الملائكة، ثم يظهر الموضوع هذه المرة ~~كأحد قواعد العقائد. # 6 # والحقيقة أنه لا يظهر إلا في العقائد ~~المتأخرة، بل حتى في الشروح على المتون المتأخرة، ~~ولم تظهر في العقائد الأولى إلا كموضوع وافد من علوم ~~الحكمة، وقد استقاه الشراح المتأخرون من القصص ~~الشعبي وكتب السير والأحاديث الموضوعة؛ لجذب انتباه ~~العامة وتحريك خيالهم؛ حتى ينعموا بهذه العوالم ~~العلوية تعويضا عن مآسيهم السفلية، وحتى ينشغلوا ~~بالآخرة عن دنياهم، وينصرهم المدعم بالملائكة عن ~~هزائمهم، وتحديد المسئولية عنها. والعجيب في الأمر هو ~~الدخول في كل هذه التفصيلات؛ في ماهية الملائكة ~~وأنواعها ووظائفها ومقاماتها، وكأنها ms149 موضوعات حسية ~~يمكن إدراكها بالحس، أو عقلية يمكن معرفتها ~~بالعقل، أو نقلية متواترة، أو بها صلاح الناس وقضاء ~~أمور العباد! بل إن كثيرا من الحركات الإصلاحية ~~الحديثة لم تسلم منها. # 7 # فما هي الملائكة؟ هي أجسام لطيفة نورانية قادرة على ~~التشكل، ولا يراها أحد في أي من صورها، ومثال ذلك في ~~الطبيعة الهواء الأثير الذي يأخذ أشكالا عديدة ولا ~~يراه أحد. والحقيقة أن الضغط يحول الغاز إلى سائل، ~~والسائل يمكن رؤيته، ولكن المتأخرين، ليبينوا ~~استحالة الرؤية، جعلوا الله خالق الرؤية في العين؛ ~~وبالتالي تكون الرؤية مشروطة بقدرته، كما أن تعلق ~~ذرات التراب بالهواء تجعل رؤية الهواء ممكنة في ~~الرياح أو تحت أشعة الشمس. وقد قال القدماء في الأثير ~~مثل هذا القول في تحديده كجسم لطيف. وهو من نور ~~لشفافيته وعلو رتبته؛ فإذا كان النور عاملا مساعدا ~~على الرؤية للأجسام، فإنه يكون هو نفسه موضوع الرؤية ~~في حالة الملائكة، وهو أقرب إلى تفسير الحكماء الذي ~~اعتمده المتكلمون الطبائعيون. وتشكيلاتها جميلة ~~باهية تفرح ولا تحزن، بعكس تشكيلات الجن التي ~~ترهب وتخيف. والنور أشرف من النار؛ النور للملائكة، ~~والنار للشياطين والجن، والطين للإنسان. # 8 # وهي كلها تشبيهات إنسانية تدل على رغبة ~~الإنسان في المفارقة، وفي الحصول على موجودات مفارقة ~~لا مادة لها، تكون أقرب إلى قلبه من الموجودات ~~المادية. فعندما يئس من العالم المادي ومن إمكان ~~معرفته أو التأثير فيه، فإنه ينقلب إلى العالم ~~الروحاني؛ فلعل به معارف أفضل، ولعله هو يصبح ~~مفعولا فيه بفاعل أشرف وأسمى. وما دام الإنسان ~~موضوعا للأثر وليس مؤثرا، فعلى الأقل يكون ~~المؤثر فيه شريفا؛ فالملائكة إذن نتيجة للإشراقيات، ~~وازدواج الأشعرية بالتصوف في الشروح ~~المتأخرة. # وبعد الحديث عن مادة الملائكة وأجسامهم يطرح موضوع ~~جنسها؛ ذكر أم مؤنث. وإذا كان النص أحيانا ينفي ~~الأنوثة فإنما يتم ذلك استهزاء بقوم يرون الذكر ~~شرفا والأنثى عارا، فأخذوا أفضل القسمين وتركوا لله ~~القسم الآخر، ولقد يكون إبليس وحده هو الذكر وأن له ~~أنثى؛ لأن له ذرية مثله. فإذا ما حدث ذلك بعد ms150 الطرد ~~يظل الحكم الأول بنفي الذكورة والأنوثة عن الملائكة ~~قائما. وإذا ما كانت له ذرية قبل الطرد لأصبح الخلاف ~~لغويا نصيا بين النفي والإثبات. وإذا كانت ~~الملائكة بناتا فقد يعني ذلك الستر؛ ستر الله للبنات؛ ~~فهن أحوج للستر من الذكور في مجتمع الذكور. فإذا كان ~~عيسى قد ظهر ولم يكن مستورا، فإن آدم عندما هبط إلى ~~الأرض ظل يخصف عورته من ورق الشجر ليستر نفسه. # 9 # وهذا كله إسقاط من الإنسان وبيئته على ~~موضوع لا يدركه الحس، ولا يتصوره الذهن. # ولما كان للملائكة هذا القدر من الرتبة العلوية ~~والشفافية الجسمية، فهم يقدرون على ما لا يقدر عليه ~~سائر البشر؛ فيجرون المعجزات، مثل قطع المسافات بين ~~السموات والأرض في مدة قصيرة جدا، وتمر أمامنا ولا ~~نراها، وتفعل أفعالا عظيمة يعجز عنها البشر. وتحاول ~~إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة تفسير ذلك وتبريره ~~بظواهر الطبيعة، وباكتشافات العلم الحديث؛ فالرياح ~~تقلع الأشجار العظيمة وتهدم الأبنية العالية، ~~والكهرباء تجر الأثقال التي يعجز عنها ألوف الرجال، ~~والإنسان قادر بأصبعه وعضلات ساعده القيام بأفعال ~~صعبة، وهي كلها من أوامر مخه، وهو جسم لطيف نحيل ~~يحرك الأعضاء من خلال الأعصاب، بالرغم من فساده بأقل ~~شيء ولو بنقطة دم زائدة فيها. وإمكان ذلك كله يرجع إلى ~~الله القادر على كل شيء! # 10 # كما أن سرعة قطع المسافات يمكن تبريرها ~~بقانون الجاذبية؛ فالجسم الساقط من الشمس تكون سرعته ~~أكبر بكثير من الجسم الساقط على الأرض في أول ثانية، ~~كما أن سرعة حركة الأفلاك ودوران الأرض أكبر بكثير مما ~~نشعر بها. ولماذا لا تذكر أيضا سرعة الصوت والضوء ~~لتبرير سرعة الملائكة؟ # 11 # واضح من ذلك أنه لا سبيل إلى معرفة ~~الغائب إلا بالقياس على الشاهد، وإذا كان الشاهد هو ~~العلم، فإن موضوعات العقائد لا تفهم حينئذ إلا ~~بالعلم، ويكون العلم هو وسيلة معرفة عقائد الإيمان، ~~إذا ما تغير العلم تغير فهم العقائد. ولما كان ~~العلم باستمرار متغيرا أصبح فهم العقائد متغيرا ~~كذلك؛ وبالتالي تحول نسق العقائد كله من الثبات إلى ~~التغير، وأصبحت ms151 مادة العقائد كلها هي مادة العلم، وبدل ~~أن يصبح المتكلمون تابعين للساسة يصبحون هذه ~~المرة تابعين للعلماء؛ الساسة الجدد، أو الذين يعملون ~~أيضا عند الساسة القدماء. وعلى الرغم من هذا التفسير ~~العلمي لقدرة الملائكة إلا أن اللجوء إلى قدرة الله ~~على كل شيء لا يتم التنازل عنه، وكأن تفسير العلم لا ~~يتنافى مع الإيمان بالقدرة، وليس بديلا عنه، فيتجاور ~~العلم مع الإيمان؛ الأول وافد من الآخر، والثاني نابع ~~من الذات، ويصبح المسلم مقلدا للآخر وناقلا عنه، ~~ومطمئنا إلى إيمانه القديم، وكأنه قد جمع بين ~~الحسنيين؛ علم الآخر وإيمان الذات، وهو ما نحن عليه ~~حتى اليوم. # أما من حيث باقي الأوصاف، فقد يكون مكانهم في ~~السماء؛ نظرا لقربهم من عالم الأفلاك، وهو عالم ~~مشابه لها، من حيث الشفافية واللطافة والحياة والحركة. # 12 # ومن هنا أيضا أتى مقامهم المحمود، ~~وانتظامهم صفا صفا، # 13 # قد يترقون كما يفعل البشر من أسفل إلى ~~أعلى طبقا لأداء الوظائف، وقد يظل كل منهم في رتبته ~~بلا استحقاق. وهم مأمورون لا يعصون الله في أمرهم؛ ~~وبالتالي فهم معصومون، سواء كان منهم الرسل أو لم يكن. # 14 # لا يأكلون ولا يشربون ولا يتغوطون، ولا ~~يلد بعضهم بعضا، ويذكرون الله كثيرا وفي كل وقت، ليس ~~لهم حظ من الجنان، ولا من رؤية الرحمن. وقيل إن جبريل ~~وحده هو الذي ينظر إلى الله مرة واحدة؛ حتى لا ينالهم ~~الجميع الفضل بما في ذلك العاصي المعاقب وتفضيله ~~على الرسل. وهو إسقاط موضوع الرؤية في الصفات من عالم ~~الشهادة إلى عالم الغيب؛ حتى يمكن تفضيل الثاني على الأول. # 15 # وما المانع أن يرى النور النور، ما دام ~~الأمر كله تشبيها وتعبيرا عن موقف إنساني خالص؟ فإذا ~~ما عوقبوا فليس عقابهم مثل عقاب الملاك على الكفر، ~~فجزاؤه النار مثل إبليس، وإن كان دون ذلك فعليه العقاب ~~مثل هاروت وماروت، ومن استحق الثواب فله لذة الطاعة لله! # 16 # كل ذلك إسقاطات من الإنسان على ما لا ~~يعلم، وتصور حسي مادي لنعمه، وظلم للمطيع للملائكة ms152 ~~بأن تكون له لذة الطاعة، والطاعة فعل، فكيف تكون ~~ثوابا؟ وكيف يكون من أهل الجنة دون أن يكون ذلك ~~ثوابا؟ يبدو أن الصراع بين الرؤية لعالم الملائكة، ~~كالنور والعصمة والطاعة، في صراع مع الرؤية الواقعية ~~لها؛ العصيان والجزاء، وكلاهما رؤيتان إنسانيتان ~~خالصتان. وقد يكون ذلك رد فعل على اليهود، الذين جعلوا ~~عصيان الملائكة بلا حدود، وعقابهم إلى حد مسخ الله ~~لهم. # ولكن الموضوع الغالب في موضوع الملائكة هو تصنيفها ~~طبقا لوظائفها ومهامها وتكليفاتها. فالملائكة على ~~أنواع، وتندرج في مجموعات، لكل مجموعة رئس تسلط ~~عليه الأضواء، له اسم ووصف، وربما يندرج الرؤساء كلهم ~~في مجموعة واحدة تحت رئيس الرؤساء، وهو في العادة ~~جبريل. وعلى المسلم أن يؤمن بالملائكة أولا إجمالا ~~من حيث نوعهم وجنسهم وعصمتهم، ثم تفصيلا من حيث ~~تصنيفهم في مجموعات. قد يكون التفضيل بالشخص بناء على ~~اسم رئيس للمجموعة، وقد يكون بالنوع بناء على الوظيفة ~~العامة اللا مشخصة، فإذا صنفنا بالشخص فالرئيس يكون ~~لدينا جبريل الموكول بالوحي إلى الأنبياء، وميكائيل ~~الخاص بالرزق والأمطار، وعزرائيل الذي يقبض الأرواح، ~~وإسرافيل نافخ الصور يوم البعث، وهؤلاء الأربعة أكبر ~~الملائكة. وهناك تصنيف بالشخص دون أن يكون وراءه نوع، ~~أي رئيس بلا مرءوس، مثل منكر ونكير، فتانا القبر، ~~ورضوان خازن الجنان، ومالك خازن النيران، ورقيب وعتيد ~~على جنبي الإنسان، واحد لتسجيل الحسنات والآخر ~~للسيئات. هناك إذن عشرة ملائكة: أربعة رؤساء مجموعات، ~~وستة رؤساء بلا مجموعات. فإذا ما كان التصنيف بالنوع ~~يكون لدينا: حملة العرش، وأعوان عزرائيل، والحفظة، ~~والكتبة. وقد يضاف إلى حملة العرش الحافون حوله، ~~وملائكة الجنة المعاونون لرضوان. وقد يتم تقسيم ~~الرؤساء والمجموعات معا في أربعة أقسام؛ ~~المتصرفون: جبرائيل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل؛ ~~الحافظون: رقيب وعتيد؛ الفاتنون: منكر ونكير؛ ~~الخازنون: مالك ورضوان. # 17 # والحقيقة أن تصنيف الملائكة إنما هو تشخيص ~~للوظائف، وتقسيم للعمل والمهام. # فجبريل هو ملاك الوحي الموكل إليه من الله إبلاغ ~~الرسل والأنبياء؛ فهو الواسطة بين الله والنبي، وجبريل ~~أمين الوحي والمأمور بتبليغه، وحامل العلوم، وهو الذي ~~سماه الحكماء العقل الفعال، وما ms153 سمته الديانات ~~السابقة الروح القدس، وأحيانا يتناوب العقل الفعال ~~على جبريل واللوح المحفوظ. ونظرا لأهمية كبير الأكابر ~~فقد زادت التفصيلات فيه، من حيث الشكل والمهنة وطريقة ~~الأداء؛ فله ستمائة جناح، ومن ورائها جناحان أخضران ~~ينشران ليلة القدر، واللون الأخضر هو اللون المفضل ~~عند الصوفية والأولياء، مثل العمامة الخضراء والثوب ~~الأخضر والراية الخضراء، وجناحان آخران لا لون لهما ~~وإن كانا إلى السواد أقرب ساعة هلاك القرى؛ تعبيرا ~~عن حالتي الفرح والغضب، والرضا والسخط، أو عن موقفي ~~الخير والشر. وقد يصاغ حوار بين جبريل والمحتضر حول ~~سؤال جبريل أن يموت الميت على الحنيفية السمحة؛ أي ~~الإيمان بالرسالة التي بلغها، وكأنه يزاحم عزرائيل ~~في مهمته، أو يضفي على واقعة الموت دلالة، أو يثبت ~~حرية الإنسان وعقله في آخر لحظة قبل فوات الأوان ~~وانقضاء العمر. # 18 # وإذا كان جبرائيل هو المعني بالروح فإن ~~ميكائيل هو المعني بالبدن؛ هو ملاك الأمطار والبحار ~~والأنهار، ملاك الأرزاق من المال والبنين، وكل زينات ~~الحياة الدنيا دون أن يكون له فعل في ذلك إلا بمشيئة ~~الله، فكل ما يحدث في الدنيا من رزق هو من مهام ~~ميكائيل، وهو ما يتفق مع الآجال والأرزاق والأسعار ~~بمشيئة الله في آخر أصل العدل. ميكائيل هو أمين ~~الأمطار في بيئة صحراوية تعتمد على المطر وتقوم بصلاة الاستسقاء. # 19 # أما إسرافيل فموكول باللوح المحفوظ والنفخ ~~في الصور، مع أن اللوح المحفوظ أقرب إلى وظائف جبريل ~~من حيث هو حامل العلوم. أما إذا كان يعني التاريخ ~~ونهاية الزمان، فيدخل في اختصاص إسرافيل، وكيف يكون ~~الصور قرنا من نور به ثقوب، فالنور كيف وليس كما، ~~والنور أشعة، وكيف تكون في الأشعة ثقوب؟ وكيف يكون فيه ~~ثقوب بعدد أرواح من يموت في ذلك اليوم أو منذ بداية ~~الخليقة؟ وهل كل ثقب يخرج صوتا يتجه إلى الميت ~~فيميته أو ينبهه؟ وهل سينفخ في الصور وما زال في ~~الأرض أناس مكلفون؟ ولماذا تنفخ نفختان فقط؟ ~~الأولى يهلك فيها كل شيء، باستثناء سبعة أشياء: ~~العرش، والكرسي، واللوح المحفوظ، والقلم، والجنة ms154 ~~والنار، والأرواح؟ والعدد سبعة له مدلوله الرمزي عند ~~القدماء وفي تاريخ الأديان؛ وفي النفخة الثانية تبعث ~~جميع الخلائق؛ من مات من قبل ومن مات في النفخة ~~الأولى. ولماذا يكون بين النفختين أربعون عاما؟ ~~وماذا يكون عليه حال الدنيا في ذلك الوقت المعلوم؟ ~~وفيم الانتظار؟ ولماذا هذا السكون الموحش بين الموت والحياة؟ # 20 # وهل في ذلك نمط قديم عندما كان بين موت ~~المسيح وبعثه أربعين يوما، وفي مصر القديمة بين موت ~~الإنسان وتحلله أربعين يوما، وهو ما هو سائد حتى ~~الآن في مدة الحزن حتى اليوم الأربعين؟ وأخيرا ~~عزرائيل يوكل إليه قبض الأرواح كلها، حتى ولو كانت ~~قملة أو بعوضة أو برغوثا! وهل هي مكلفة حتى تموت وتبعث؟ # 21 # أما باقي الملائكة فهي تشبيه إنساني خالص، وقياس ~~للغائب على الشاهد؛ فلا يوجد مكان به ثروة إلا وله ~~أمين، ولا يوجد مكان مهم إلا وله حارس؛ فرضوان خازن ~~الجنة، ومالك خازن النار؛ واسم الأول مشتق من الرضا ~~والسرور في حين أن الثاني مشتق من مسك الرقبة وملك ~~الزمام والقبض على الأرواح ولوي الأعناق. أما أنواع ~~الملائكة فهي المرءوسة التي تقوم بوظائف مساعدة ~~للرئيس، مثل حملة العرش، والملتفين حوله في صورة ~~الملك. أما الكتبة فهم الذين يسجلون على الإنسان ~~أفعاله الحسنة أم القبيحة، ولكل نوع ملاك خاص، ~~يسجلون عليه كل قول أو اعتقاد أو فعل، لا يفارقونه ~~إلا في حالات الإنسان في حياته الخاصة، كالجماع والغسل ~~والخلاء، وقد يسمى الأول رقيبا والثاني عتيدا، ~~والاسم الأول أرحم من الثاني، والثاني أقسى من الأول. ~~قد يتغيران كل يوم وليلة مرة كفترة عمل تنتهي لغيرهما، ~~وقد يبقيان معه طول عمره في حياته وحتى مماته، ويجلسان ~~على قبره يستغفران له إن كان مؤمنا! ولكن ماذا يفعلان ~~إن كان كافرا؟ قد توحي ضرورة التغير بالأمانة ~~والنزاهة ومع الأثر عليهما من الإنسان لطول عشرة ~~ومصاحبة، وقد تزداد التفصيلات في الزمان والمكان، فإن ~~تغيرا فإنهما يتعاقبان على الإنسان عند صلاة العصر ~~وصلاة الصبح؛ أي كل اثنتي عشرة ساعة مرة، فترة ms155 ~~صباحية، وفترة مسائية. أما من حيث المكان فقد يجلسان ~~على عاتقيه أو بجوار ذقنه أو شفتيه أو عنقه أو ~~ناجذيه، وكلها أجزاء من الرأس أو النصف الأعلى من ~~الإنسان، وأحيانا يكون المكان مزدوجا له جانبان، ~~لكل جانب ملاك مثل العاتقين والناجذين والشفتين، ~~وقد يكون المكانان أفقيين وهو الأفضل كالعاتقين، ~~فيكون الرقيب على اليمين والعتيد على اليسار، وقد ~~يكونان رأسيين، مثل الشفتين والناجذين؛ وبالتالي ~~يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل، وبطبيعة الحال يكون ~~الرقيب إلى أعلى والعتيد إلى أسفل، وقد يكون المكان ذا ~~جهة واحدة كالذقن والعنق، وفي هذه الحالة يصعب التوجه ~~في المكان إلا إذا كان للذقن جانبان من ناحيتي ~~الوجنتين، وكان للعنق أيضا جانبان من ناحيتي ~~الكتفين. أما الحفظة فهم يحفظون المؤمنين من الشر، ~~ويحفظون الكافرين من الجن، وكيف يتم ذلك قبل أن يتحدد ~~المؤمن ويتميز عن الكافر، والحياة ما زالت جارية ~~متقلبة؟ وأين دور حرية الإرادة واستقلال العقل في ~~حفظ الإنسان؟ وكيف يتنازع الكتبة؟ كيف ينازع ملك ~~الحسنات ملك السيئات، ويمنعه عن الكتاب لمدة ست ساعات؛ ~~فلعل الإنسان يتوب؟ وماذا لو تاب الإنسان بعد ست ~~ساعات، والتوبة ممكنة حتى آخر لحظة في حياة الإنسان؟ ~~هل يقوم الملاك بمحوها؟ # 22 # وللملائكة وظائف أخرى في الأرض، في حياة الناس وبين ~~المسلمين ساعة الشدة وفي وقت المعارك، في مقابل دور ~~الشياطين والجن وإبليس، فإذا ما وسوس الشيطان للمسلمين ~~في بدر يفت في عضدهم، ويبين لهم سوء أحوالهم في ~~مواجهة أعدائهم من عطش وجوع؛ أرسل الله للمسلمين مطرا ~~من السماء ليشربوا ويغتسلوا ويملئوا الأسقية ولتنبت ~~الأرض. وإذا ما أشاع إبليس في أحد أن محمدا قد قتل، ~~فقتل من المسلمين عدد كبير بفعل إشاعة إبليس، بعد أن ~~وهن المسلمون وفترت عزائمهم، وكما في الحديبية أن ~~الكفار قد قتلوا عثمان، ورفع صوته به حتى يضعف موقف ~~المسلمين، في مقابل ذلك ولمواجهة عداوة الجن والشياطين ~~وإبليس، حارب الملائكة مع المسلمين في بدر سبعون من ~~الجن وثلاثة آلاف من الملائكة، مردفين، يتبع بعضهم ~~بعضا في موجات، ثم ms156 زادوا إلى خمسة آلاف، وتمثلوا في ~~رجال بيض على خيل بلق عمائمهم بيض، أرخوا ~~أطرافهم بين أكتافهم كما هو الحال في المشاهد الفنية ~~للفرسان. ولما كانت الألوان في هذه الصورة غيرة ~~متناسقة، رجال بيض وعمائم بيض، أصبحت العمائم ~~سودا أو صفرا أو حمرا أو خضرا لظهور تضاد ~~الألوان، وكان قتل الملائكة للمشركين يعرف بآثار ~~سيوفهم في الأعناق والبنان؛ أي المفصل نقطا سودا مثل ~~حرق النار تعبيرا عن دقة التصويب في المقتل، نقطة ~~سوداء صغيرة في مفرق العنق. فإذا ما تصدى إبليس ~~للمسلمين، وكان على رأس المشركين تصدى رئيس الملائكة ~~له وهو جبريل، فارسا لفارس، ورئيسا لرئيس، مثل ~~مبارزات الفرسان العرب في القتال قبل بدء المعارك ~~تقوية لحماس الجند ورفعا لمعنوياتهم. وبالرغم من ~~تشكل إبليس في صورة سراقة بن مالك، ورفعه الراية، ~~وندائه على الكفار لقتال المسلمين، ووعدهم بالنصر، ~~وخطب فيهم، إلا أنه هرب بمجرد رؤيته جبريل كبير ~~الملائكة، ثم عاد فخطب ليبرر نكوصه بأنه يرى ما لا ~~يرى المشركون، ومذكرا بأنه من المنظرين، وبأنه ~~متروك حرا في غواية الناس، ولا يعترض عليه أحد، ولا ~~يقف أمامه إلا الإنسان وحده، وكأن الله أراد أن يسلح ~~الإنسان ليس فقط بإرادته الحرة وعقله المستقل تحقيقا ~~لغاية الوحي، ولكن أيضا بملائكته؛ أي بفعل الله ~~المباشر من خلال الملائكة، وهو ما يناقض إتمام الوحي ~~وتحقيق غايته. وأحيانا يستبدل ميكائيل بجبريل، ~~فيظهر ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار من تعقبه القوم ~~الكافرين، ويراه الرسول ويبتسم له، ولا يرى المؤمنون ~~إلا ابتسامة الرسول! ويعود جبريل من جديد بعد ميكائيل ~~على فرس أحمر عليه درعه ومعه رمحه، وقد يكون اللون ~~الأحمر من آثار دماء الكفار، وقد يكون لون النصر ~~وعلامة القتال، ويعرض جبريل على الرسول خدماته حتى ~~يرضى بتكليف من الله فيرضى الرسول. والعجيب في مثل هذه ~~الروايات هو ذكر الحكمة منها؛ أي سبب وضعها وهو تقوية ~~المسلمين وتكثيرهم في أعين الكفار. صحيح أن ملاكا ~~واحدا مثل جبريل قادر على هزيمة الكفار، بل واقتلاع ~~الأرض، ولكن كثرة الملائكة عدة ms157 وعددا إرهاب للكفار ~~وتفتيت لعزائمهم أمام المسلمين. قد تقاتل بالفعل كما ~~فعلت يوم بدر، وقد تحضر كل قتال دون أن تقاتل ~~تضخيما وإكثارا لعدد المسلمين في أعين الكفار ~~وإرهابا لهم، وكأن الأمر كله خداع حواس! # 23 # والملائكة الذين شهدوا بدرا أفضل ممن ~~لم يشهدها منهم، والجن قياسا على ذلك في المؤمنين ~~منهم، ولكن إذا كان اختيار الملائكة والجن في بدر أو ~~عدم اختيارهم لا يرجع إليهم بل إلى الله، فكيف يستحقون ~~الفضل دون غيرهم وليس لهم فضل فيه؟ وقد تم ذلك كله في ~~إطار معجزات الرسول في الحرب، ومنها اشتراك الملائكة ~~والجن إكراما له ورضا عنه. والتنبؤ بمصارع المؤمنين ~~في بدر ومواطنها قد يتم بناء على معرفته بشجاعة ~~الرجال وقلة العدد (ثلاثمائة تقريبا) وضيق المكان ~~وفنون المبارزة. أما رمي الرسول المشركين بكف من حصى، ~~فشاهت وجوههم، وأصاب بها أعين جميعهم وهم بالآلاف، ~~فإنما ذلك تقوية لنفوس المسلمين وشحذا لهممهم. وقد ~~تؤدي كثرة العدد إلى زحام بين الكفار في بحثهم عن ~~المؤمنين القلائل، وفي الزحام يضيع الإنسان ويفقد ~~رؤيته لمن يبحث عنه، خاصة لو كان عدد المشركين ~~بالنسبة للمؤمنين عشرة إلى واحد. أما رمي الرسول ~~كافرا بحجر فكسر رباعيته، فلم يولد من نسله إلا ~~أهتم، ثم دخول حلقتين في وجنته، ونزع أحد المؤمنين ~~لهما بأسنانه فكان أحسن الناس هتما، فهو تقابل عضوي ~~بين الخير والشر، بين أسوأ هتم وأحسن هتم، بين الرسول ~~كفاعل والرسول كمفعول فيه، وكلها صور فنية من سير ~~الأبطال لاسترعاء انتباه السامعين، خاصة لو كانوا ~~يعيشون جو الهزائم وحالات الإحباط. # 24 # ويقال في الجن ما يقال في الملائكة، من حيث إنها ~~تدخل ضمن عقائد الإيمان عند الشراح المتأخرين؛ فهي ~~مثلها قادرة على التشكل، والاحتجاب عن الأبصار، ~~والقدرة على الإتيان بالأفعال العظيمة، ولكنها تختلف ~~عنها في أنها ليست نورانية، بل نارية، وأنها مكلفة ~~تطيع وتعصي؛ فمنهم المؤمنون ومنهم الكافرون. # 25 # والحقيقة أنهما معا يعبران عن عالم ~~واحد، وهو عالم التمني والرغبة في تجاوز الحس، وقلب ~~العجز مقدرة، وتحويل التناهي ms158 إلى لا تناهي. والفرق بين ~~الملائكة والجن هو مجرد فرق في الدرجة، وليس فرقا في ~~النوع، يتمايزان فيما بينهما فقط في درجة الشرف ومرتبة ~~الكمال؛ فالملائكة أعلى من الجن من حيث الطاعة ~~والإيمان، ولكن الجن أقرب إلى الإنس منهم إلى ~~الملائكة؛ لأنهم مكلفون يعيشون حياة البشر من طعام ~~وشراب وتناسل، ويسترقون السمع، فهم وسط بين كمال ~~الملائكة ونقص البشر. # لذلك تراوح القدماء فيما بينهم في موضوع الملائكة ~~بين الإثبات والإنكار؛ # 26 # فالإثبات يعتمد على النصوص الواردة، وهي ~~في معظمها، باستثناء نصوص أصل الوحي، آحاد أو مشهورة ~~لم تبلغ درجة التواتر، وكلها وضعت في عصور متأخرة، ~~مستمدة من الخيال الشعبي وقصص الأبطال. والحقيقة أن ~~موضوع النبوة هو عالم الإنس وليس عالم الجن، وعالم ~~البشر وليس عالم الملائكة، وعالم الشهادة وليس عالم ~~الغيب. والملائكة من السمعيات الخالصة، في حين أن ~~موضوع النبوة من العقليات؛ أي المصالح العامة. وليس ~~بإثبات الملائكة تقام مصالح الناس، وليس بإنكارها ~~تنهدم وتعطل؛ فهي موضوع نظري خالص أقرب إلى القصص ~~وشحذ الهمم وتقوية المعنويات، والإيمان بها موجود في ~~كل الديانات، وليس منها ما يخص خاتم النبوة وآخر مرحلة ~~تطور الوحي، وهي في النهاية موضوعات ثانوية لوظائف ~~ثانوية، وسائل وطرق وليست موضوعات وغايات. والله قادر ~~على الحديث مع الأنبياء، وعلى قبض الأرواح، وعلى تقدير ~~الأرزاق، وعلى بعث الموتى، بلا واسطة الملائكة، وهو ~~قادر على معرفة أفعال العباد بلا كتبة أو حفظة، كما ~~أنه قادر على تسيير أمور الجنة بلا رضوان، وتدبير شئون ~~النار بلا مالك، ولا يحتاج إلى حملة عرش من تحته أو من ~~حوله، فلا يمكن التضحية بالتنزيه من أجل التشبيه، أو ~~بالعقليات من أجل السمعيات. # والحقيقة أن «الملائكة» في أصل الوحي ليسوا أساسا ~~موضوعا للإيمان، بل وسيلة لرد الإنسان إلى نفسه ~~وإرجاع البشر إلى ذواتهم، ببيان الفرق بين الاستحالة ~~والإمكان، بين اللامعقول والمعقول. # 27 # وكما أن دورها في أداء الوظائف التي ~~يطلبها الله منها، فإن دورها أيضا في السجود للإنسان؛ ~~لأن الإنسان أعظم منها وأقدر بالتكليف والتمكن ms159 منه ~~بحرية الإرادة واستقلال العقل، كما أنها تسجد لله ~~سجودها للإنسان، وكأن الإنسان مع الله في قيمة السجود ~~لله! ولقد أعلم الله الملائكة مسبقا بجعله الإنسان ~~خليفة له في الأرض، كقرار علني من أجل قبول علني؛ حتى ~~تنتفي الأعذار ويستحيل الرفض والإنكار، وكان جزاء ~~الطرد من الجنة والتحول من النقيض إلى النقيض؛ من ~~الملاك إلى الشيطان، ولا شفاعة لها خارج قانون ~~الاستحقاق. ~~(2) الموضوع العملي # إذا كان الإيمان بالله يدخل في العقليات في أصل التوحيد، ~~والقضاء والقدر في أصل العدل، واليوم الآخر في المعاد، ~~والرسل في النبوة، لم يبق إلا الكتب وهي الموضوع الحسي ~~الوحيد المنقول من جيل إلى جيل نقلا متواترا حتى الآن ~~وإلى نهاية الزمان. الإيمان بالكتب إذن هو أقرب الموضوعات ~~إلى الحس وأبعدها عن الغيب؛ كتب الوحي أو كتب التاريخ ~~والآثار. أما الكتب فهي وحدها الباقية، والكتب هي التوراة ~~والزبور والإنجيل والقرآن، # 28 # وهي الكتب الموجودة لدينا حتى الآن، ولكن أين ~~صحف إبراهيم؟ هناك روايات كثيرة عنها عند أهل الكتاب، وقد ~~تكون لها مصادر عربية مفقودة، خاصة وأن إبراهيم كان ~~معروفا في الجزيرة العربية، وكان دين الحنفاء موضع احترام ~~وتعظيم فيها، وقد وضع القدماء التوراة قبل الزبور، على ~~خلاف الترتيب الزماني؛ ربما لأهميتها ولاحتوائها على ~~الشريعة. وللقرآن أسماء أخرى، مثل الفرقان والكتاب والذكر. ~~وكل كتاب يعبر عن مرحلة من مراحل الوحي السابقة، وتتبع ~~هذه المراحل يؤدي إلى اكتشاف قانون تطور النبوة، منذ ~~الإعلان الأول حتى اكتمال الوحي، والكتاب في متناول ~~الإنسان؛ يمسكه بيده، ويقرؤه بلغته، ويفهمه بعقله، ~~ويحققه بفعله. الكتاب إذن هو مضمون النبوة الحسي العملي، ~~وهو مجرد وسيلة وليس غاية، مجرد أداة وليس هدفا. إنما ~~الهدف هو تحقيق الرسالة المتضمنة فيه. ولكي يتم ذلك هناك ~~ثلاث مراحل؛ الأولى إثبات الصحة التاريخية للنقل منعا ~~للتحريف والتبديل، والثانية الفهم الصحيح منعا لسوء الفهم ~~والتأويل، والثالثة تطبيق الشريعة منعا للإيمان الميت. ~~والكلام النظري غير ممكن الوقوع. يتضمن المضمون العملي ~~للرسالة إثبات صحتها وفهم نصوصها وتطبيق أوامرها، وهنا ~~يتحول علم أصول ms160 الدين إلى علم أصول الفقه ويصب فيه، وتعود ~~إلى علم الأصول وحدته المفقودة بين النظر والعمل؛ وعلى هذا ~~النحو لا يصبح موضوع النبوة من الموضوعات المتعالية، ~~بل يكون مسار الرسالة في التاريخ. ولأول مرة يظهر الإسلام ~~كجزء من النبوة، كما اتضح في الحركة الإصلاحية الحديثة، في ~~متناول الرسالة العامة، انتقالا من المجردات والنظريات ~~إلى الوقائع المحسوسة، ومن التوحيد إلى النظم؛ فالإسلام ~~وانتشاره في التاريخ هو معجزة النبوة، ولكنه ظل حديثا ~~عاما عن الإسلام في التاريخ، وانتشاره ومآثره، وتكوين ~~جيل وقادة، وقضاء على إمبراطوريات ودول، ونشأة نظم ~~جديدة، أو تقريظ للإسلام والدفاع عنه إعجابا بالماضي، ~~وربما تعويضا عن هزائم العصر. وظل أيضا مدحا للشريعة ~~الغراء دون تحقيقها علميا، وبيان المسافة بين المثال ~~والواقع ووسائل التنفيذ. وهو حديث خارج الزمان والتاريخ، ~~وبلا أرض أو شعب أو شعب أو وطن، وكأنها مدائح نبوية أو ~~تواشيح دينية أو مدائح سلطانية. ويرتبط بذلك الدفاع عن ~~الإسلام ضد الانتقادات المعاصرة وشبهات الغربيين، مثل دعوى ~~انتشار الإسلام بالسيف تنكرا لمبادئ الإسلام، وتعلم ~~الرسول الشريعة من أسفاره إنكارا للوحي. ومع ذلك هناك ~~جذور عند القدماء إلى العودة بالنبوة إلى التاريخ والدخول ~~فيه؛ وذلك بإظهار الإسلام ذاته وعرض شريعته طبقا لحاجات ~~المسلمين. فينتظم الحديث في ثلاثة أقسام رئيسية؛ العبادات ~~وهي أركان الإسلام الخمس مع الجهاد دون تخصيصه كركن ~~سادس، المعاملات وتشمل الأحوال الشخصية والحدود ~~والمحرمات والمباحات والأموات، الشرعيات وتشمل الأدلة ~~الشرعية والفرق بين العقليات والشرعيات. # 29 ~~(أ) الأدلة الأربعة # بعد ضمان تواتر الرسالة في التاريخ وحفظها صحيحة ~~عبر الأجيال، تأتي قضية الاستدلال؛ استدلال الأحكام من ~~الأدلة؛ أي الاستفادة من الرسالة في استنباط الأحكام ~~من أجل تطبيقها؛ وبالتالي تحقيق الرسالة. والأدلة ~~أربعة على ما هو معروف في علم أصول الفقه الكتاب، ~~والسنة، والإجماع، والقياس. الكتاب والسنة دليلان ~~نصيان، والإجماع والقياس دليلان عقليان. ولما كان ~~الكتاب والسنة أيضا يعتمدان على العقل، سواء في شروط ~~التواتر، أو في الاعتماد عليه كدليل قطعي، أو في ~~إدراكه للحسن والقبح كصفات موضوعية في الأفعال، ~~وكأبنية ms161 فعلية في المجتمع؛ كان العقل أساس الأدلة ~~الشرعية الأربعة، وهي التي انصبت كلها في النهاية في ~~الاجتهاد؛ أي في دليل العقل. فالعقل أساس النقل في ~~الدليلين النقليين؛ الكتاب والسنة، والعقل أساس ~~النقل في دليلي الإجماع والاجتهاد؛ نظرا لأن الإجماع ~~يقوم على نقل وعقل جمعي، ولأن الاجتهاد يقوم على نقل ~~وهو الأصل، وعلى عقل في الفرع، وعلى عقل في استنباط ~~علة الحكم من الأصل، وعلى عقل في تحقيقها في الفرع، ~~وعلى عقل في معرفة تشابهها حتى يمكن تعدية الحكم. ~~فالأدلة الأربعة كلها ترتكز على الدليل الرابع؛ دليل ~~العقل؛ وبالتالي كانت الأولوية الفعلية للدليل العقلي ~~على دليل النقل، وكما هو معروف في نظرية العلم، وفي ~~المقدمات النظرية الأولى. # 30 # وبالتالي كان ترتيب الأدلة الأربعة: ~~القياس ثم الإجماع ثم السنة ثم الكتاب، ترتيبا ~~تصاعديا يرتكز على القاعدة الطبيعية، وهو القياس أو ~~الاجتهاد، وهو دليل العقل. فعلى الإنسان أن يجتهد ~~رأيه، فإن لم يجد ففي إجماع الأمة، حاضرا أم ماضيا، ~~فإن لم يجد فعليه بالسنة ثم بالكتاب. وهناك اتفاق ~~مبدئي بين الأصل الأول؛ الاجتهاد، والأصل الرابع؛ ~~الكتاب، فالطرفان يلتقيان. ولا خلاف بين العقل والنقل؛ ~~فالعقل أساس النقل، ومن يقدح في العقل يقدح في النقل؛ ~~نظرا لموافقة العقل الصريح مع النقل الصحيح، كما قال ~~فقهاء الأمة من قبل. وعلى هذا النحو يمكن أن يكون ~~إبداع. أما تصور الأدلة الأربعة قديما فيقوم على أن ~~النقل أساس العقل، فالقرآن والحديث نقل، والإجماع ~~يعتمد على نقل، والقياس يعتمد أصله على نقل؛ فهو إنكار ~~لدور العقل وللصفات الموضوعية للأفعال وللأبنية ~~الاجتماعية. وإن الترتيب التقليدي للأدلة ابتداء من ~~القرآن فالحديث فالإجماع فالقياس، يجعل الهرم قائما ~~على قمته، والمخروط مرتكزا على رأسه، وكأن المعاني ~~والأشياء كلها متضمنة في اللغة، وهذا هو منهج التقليد. # 31 # ولا يمكن فهم القرآن إلا باللغة وأسباب ~~النزول والناسخ والمنسوخ؛ فقد دون منذ لحظة الإعلان؛ ~~وبالتالي فليست هناك حاجة إلى تطبيق التواتر فيه كما ~~هو الحال في الحديث. وتعني «أسباب النزول» أولوية ~~الواقع على الفكر، وأن كل ms162 آية هي تعبير عن موقف وحل ~~لمشكل، وبنية نظرية ممكنة لوضع اجتماعي قائم. ~~والناسخ والمنسوخ يعني وجود التطور داخل الوحي، وتكييف ~~الشريعة طبقا لقدرات الواقع؛ فاللغة تجمع القرآن ~~والحديث، وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ خاصان ~~بالقرآن وحده. # 32 # أما السنة فإنها في حاجة إلى نقل متواتر؛ ~~نظرا لأنها انتقلت بمرحلة شفاهية على مدى مائتي عام ~~قبل تدوينها. فالسنة دليل بشرط تواترها كما هو معروف ~~في شروط التواتر في نقل الرسالة ، والتواتر وحده يفيد ~~اليقين. أما الآحاد، وهو ما يفقد أحد شروط التواتر، ~~فلا يورث إلا العلم الظني، ولا سبيل لمعرفة صحته إلا ~~بعدالة الراوي وضبطه وبلوغه وإسلامه؛ أي إلى بنية ~~شعوره التاريخي، وكذلك المشهور الذي كان في أصله ~~آحادا ثم أصبح متواترا في نقله، فهو واحد من حيث ~~المبدأ، متواتر من حيث الواقع لا يفيد إلا الظن. ~~ومعظم السمعيات وأمور المعاد أخبار مشهورة. التواتر ~~يوجب العلم والعمل في حين أن الآحاد يوجب العمل ~~دون العلم. # 33 # والإجماع حجة غير نصية، وإن كان يعتمد على نص ~~يؤخذ أساسا للعقل. والنص هنا قد يكون متواترا أو ~~آحادا أو مشهورا؛ وبالتالي ترجع قطعية الإجماع أو ~~ظنيته إلى نوع النص الذي يقوم عليه، وفي هذه الحالة ~~يلحق الإجماع بأحد الدليلين النصيين. أما العقل ~~الجمعي فهو نوع من الاستدلال الجماعي يقوم به علماء ~~الأمة. صحيح أن الإجماع هو عمل جماعي للعقل، يعبر ~~عن وعي تاريخي يعطي مزيدا من الاطمئنان، أكثر مما ~~يعطي الاستدلال الفردي، كما أنه يحول النص من ظن ~~إلى يقين؛ لأنه يعطي له فهما في الزمان والمكان ~~ومضمونا في التاريخ، وهذا مما يدعو البعض إلى إثبات ~~حجية الإجماع. # 34 # ومع ذلك فللإجماع حدود تجعل البعض الآخر ~~أقرب إلى نفيه كحجة في الاستدلال. # 35 # فالإجماع يرتبط بتفسير جماعة في زمان ~~ومكان معينين. ولما كان نصه أقل عمومية وأكثر ~~خصوصية من نصوص الكتاب، فهو غير ملزم إلا للعصر الذي ~~انعقد فيه دون العصور التالية، وإلا كان ملزما لكل ~~العصور، وكان ذلك عائقا عن التقدم، ومانعا من ms163 ~~الإبداع وأقرب إلى التقليد. إن الإجماع خاضع لمصلحة ~~العصر، ولما كانت المصالح متمايزة، ما يكون مصلحة ~~لجماعة قد يكون مضرة لأخرى في عصر آخر، أو لنفس ~~الجماعة في نفس العصر، كان ملزما فقط لعصره. ~~فإلزامه كل عصر يجعله قوة على الإبداع، ودافعا على ~~التقدم، ويقلل التبعية للقدماء، ويخفف من ثقل ~~الماضي، كما أنه يصعب أحيانا التفرقة بين الإجماع ~~والتقليد. فالإجماع إن لم يكن قائما على يقين؛ أي إنه ~~إذا لم تتوافر شروطه ، وغالبا ما لا يحدث ذلك، فإنه ~~يكون تقليدا خفيا. ومن شروطه ضرورة اعتماده على أصل ~~نقلي متواتر، وأن يكون تاما، وألا يعارض إجماعا ~~سابقا؛ فالمصالح تتغير ولكن لا تنقلب، إلى آخر ما هو ~~معروف في علم أصول الفقه من شروط المجتمعين في العلم ~~والفضل، بل هناك صعوبة في الاتفاق على شروط ثابتة ~~للإجماع الصحيح. فما زال الأساس النظري للإجماع خاضعا ~~للرأي والظن والهوى والمصلحة، مثل: هل هو إجماع خاص أم ~~عام؟ هل هو أهل الحل والعقد أم عامة المسلمين؟ كم عدد ~~المجتمعين؟ هل هناك حد أدنى للإجماع؟ هل هو إجماع ~~مطلق أم إجماع بالأغلبية؟ وما هي حدود الأغلبية؟ ما ~~هو هدف المعارضة؟ ماذا لو كانت معارضة واحد فقط؛ هل ~~يبطل الإجماع؟ وفي علم أصول الفقه ما يجعل الأسس ~~النظرية للإجماع أسسا خلافية؛ وبالتالي كيف يكون ~~أساسا للاستدلال ودليلا للعقل الجمعي؟ وتخضع نصوص ~~الإجماع لما تخضع له نصوص الوحي من تفسير وتأويل، وكل ~~تأويل هو اختيار اجتماعي، أو هو إسقاط نفسي من ~~المفسر الذي هو في الحقيقة نتاج اجتماعي؛ وبالتالي ~~يتحول الخلاف في الإجماع إلى خلاف حول تأويل النصوص، ~~ونعود إلى الحجة النصية من جديد، ويزداد الأمر صعوبة ~~إذا ما ظهر الإجماع كحل لمشكلة التعارض بين النصوص في ~~الكتاب أو السنة أو بينهما معا؛ فتعارض نصوص الكتاب ~~ظاهري وله حله؛ إما في النسخ أو في التأويل، في حين أن ~~التعارض بين نصوص الإجماع حقيقي؛ إما لخطأ في النقل، ~~أو لتغاير المصالح من عصر إلى عصر، ومن جماعة إلى ~~جماعة ms164 في نفس العصر. وقد يكون هناك إجماع على الشيء ~~وضده في آن واحد في عصرين مختلفين، أو عند جماعتين ~~مختلفتين في عصر واحد. إن نص الإجماع في نهاية الأمر ~~هو حجة سلطة، وليس حجة عقل، وإن كانت حجة السلطة ~~تقبل في نصوص الوحي؛ لأنه غير معرض للخطأ في الفكر ~~أو في الرواية، إلا أنه لا يمكن قبولها في نص ~~الإجماع المعرض للخطأ في الحكم، والمرتبط بمصلحة ~~عصر معين وجماعة معينة، والمعرض لخطأ في ~~الرواية. وإذا كان الإجماع هو إجماع أهل الحل والعقد ~~أو إجماع العامة، فغالبا ما يكون الحكم تعبيرا عن ~~الوضع الطبقي للمجتمعين؛ فاختيار العلماء غير اختيار ~~العامة. صحيح أنه نظرا وشرعا لا فرق بين ~~الاختيارين إذا كان الطرفان يتمثلان الحق، ولكن ما ~~يحدث عملا هو أن أحكام الإجماع إنما تعكس الأوضاع ~~الطبقية للمجتمعين وصلتهم بالسلطة السياسية، أكثر ~~مما تعكس حقيقة أو تصنع يقينا. وهناك فرق بين ما ~~ينبغي أن يكون وما هو كائن ما دمنا مع بشر؛ أي مع ~~أهواء ومصالح. وفوق ذلك كله يجوز الإجماع في اللغة وفي ~~التشريع، ولكنه يصعب في النظريات؛ أي في الاعتقاديات؛ ~~لأن أساس النظر بات يقيني ثابت، في حين أن العمليات ~~تراعي الظروف والمصالح؛ فلا يجوز الاستدلال بالإجماع ~~في موضوعات علم أصول الدين وإن جاز في موضوعات علم ~~أصول الفقه. # 36 # ولا يوجد خلاف أكثر اتساعا من الخلاف حول الدليل ~~الرابع وهو القياس. ويعتمد إنكار القياس على سببين ~~رئيسيين: الأول إثبات العلم السمعي الضروري وكفايته ~~دونما حاجة إلى علم عقلي مساعد أو مكمل أو مؤسس، ~~والثاني مخاطر العقل والقياس واحتمالات الخطأ فيه. ~~والحقيقة أن الدفاع عن العلم السمعي لا يكون بهدم ~~العقل؛ لأن العقل أساس النقل، بل إن الأدلة الثلاثة ~~الأولى التي هي أقرب إلى السمع، الكتاب والسنة ~~والإجماع، لا تقوم إلا على الدليل الرابع وهو العقل؛ ~~فالعقل أساس النقل، والإجماع عقل جماعي، ولا يفهم ~~الكتاب والسنة بل لا ينقلان إلا بالعقل؛ فالاتفاق مع ~~العقل شرط التواتر. وماذا عن الجهد الفردي في ms165 الفهم؟ ~~وماذا عن دور الإنسان في الفهم والنظر؟ ليس العقل ~~هادما للنقل، بل مؤسس له ومؤول له؛ حتى يكون ~~للنقل دعامة يقوم عليها، وحتى يكون له أثر يحدث فيه. # 37 # أما مخاطر العقل فهي متوهمة لا أساس لها؛ إذ كيف ~~يؤدي العقل إلى الاستبداد بالرأي، العقل هو التنوير، ~~والتنوير ضد الاستبداد بالرأي. القطيعة مضادة للعقل؛ ~~لأن العقل يقوم على البرهان. القطيعة جزم ترفض ~~البراهين المضادة، والعقل حوار يخضع للبراهين المضادة. # 38 # وحتى على افتراض الجزم في الرأي والقطع ~~فيه، فإن ذلك لا يبرر الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد دون ~~رأي تقليد، كما وضح ذلك في نظرية العلم في ~~المقدمات النظرية الأولى. والرأي ليس اعتقادا أو ~~تقليدا أعمى، بل هو برهان يقيني، والعقل هو التوسط لا ~~التطرف؛ إذ يستطيع العقل إحكام الأطراف ومعرفة البناء ~~والرؤية المحايدة والتجرد والنزاهة، في حين أن الهوى ~~أحادي الطرف، متميز منحاز. # 39 # ولا يعني احتمال الخطأ في القياس عدم ~~شرعيته؛ فكل اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، والمجتهد ~~يخطئ ويصيب، وللمخطئ أجر وللمصيب أجران. وقواعد ~~القياس وأشكاله قادرة على أن تضمن صحة القياس، كما أن ~~تعدد الأقيسة لا يعني التشتت والتضارب والاختلاف؛ ~~وبالتالي تكافؤ الأدلة؛ فالأقيسة عامة وشاملة يتفق ~~عليها كل الناس، وتعدد المذاهب والآراء لا يطعن في ~~صحة الرأي، بل يبين تغاير المصالح من جماعة إلى ~~جماعة، ومن فرد إلى فرد، ومن مكان إلى مكان، ومن زمان ~~إلى زمان. وفي علم أصول الفقه، الحق متعدد والصواب ~~كثير ما دام يؤدي إلى تحقيق مصالح العباد. والخلاف ~~النظري لا ينفي وحدة العمل، ووحدة العمل لا تتطلب وحدة ~~النظر بالضرورة. # 40 # ولا يعني العقل أي تفضيل للنظر على العلم ~~أو للتأمل على الفعل؛ فالعقل نظري وعملي، تأملي وفعلي. ~~العقل النظري هو الباحث والسائل والموضح والكاشف، ~~والعقل العملي يوجه نتائج العقل النظري إلى الحياة ~~العملية. وكل مسألة نظرية لا ينتج عنها أثر عملي ~~فخارجة عن علم الأصول. # العقل ليس شبهة يبدأ بها تاريخ العالم. وكيف يبدأ ~~تاريخ العالم كله بشبهة العقل؟ هل ms166 لأن اللعين الأول ~~قاس واستدل؟ وعلى هذا النحو يكون الفكر الإنساني الآن ~~عودا إلى الشبهة الأولى أو تكرارا لها في شبهة ~~ثانية، ويكون العقل الإنساني هو استمرارا لعقل ~~الشيطان! فقد نشأت الشبهات في آخر الخليقة بتحكيم ~~العقل أيضا؛ لأن العقل يخلط بين المستويات منذ أول ~~الخليقة! فهل نشأت الشبهات في أول الخليقة بتحكيم ~~العقل؟ هل تاريخ الحضارة الإنسانية هو تاريخ الضياع ~~والضلال؟ إن العقل هو وسيلة درء الشبهات، وتوضيح ~~اللبس، وإحكام المتشابهات، والتمييز بين المستويات. # 41 # هناك القياس الجلي الذي يكون الفرع فيه ~~أولى بالحكم من الأصل، وهناك القياس الذي فرعه من معنى ~~أصله دون أن يكون أحدهما أولى من الآخر، وهناك القياس ~~بغلبة الأشباه والترجيحات. هناك قياس العلة، وقياس ~~الدلالة وقياس الشبه. كل ذلك من أجل دقة المعنى ~~والوصف، وليس من أجل الاشتباه. إن قياس إبليس طلب ~~للعلة، وطلب العلة إحكام الظواهر وإدراكها في علاقتها ~~بالمعلول. طلب العلة هو البحث عن السبب من أجل سيطرة ~~الإنسان على قوانين الطبيعة والتنبؤ بمسارها. # 42 # خطأ إبليس ليس في القياس الصحيح، بل في ~~القياس الخاطئ في خلطه بين الكم والكيف، بين الجبر ~~والحرية؛ فالنار ولو أنها أفضل من الطين إلا أن الطين ~~بفعل الروح بها كيف؛ وبالتالي فهي أغنى وأقدر. وقد ~~يكون الطين أي الأرض أقيم عند شعب محتل، حياته الأرض، ~~وكرامته في الأرض، في حين أن النار في الأرض، والشمس ~~غالبا عليها، ومعروفة ديانات الشرق من قبل. ليس الخطأ ~~في القياس في ذاته؛ أي في صورته، بل في مادته وأهدافه ~~ونواياه واستخداماته وتطبيقاته، ولقد قاس إبراهيم ووصل ~~إلى الحق؛ فالقياس لا يؤدي إلى الباطل ضرورة. ليس ~~القياس محاجة وجدلا بالضرورة، بل قد يكون برهانا ~~ويقينا. ولماذا احتقار الذات، وإدانة النفس، واتهام ~~العقل، واستصغار الإنسان لنفسه؟ # 43 # والحقيقة أن كل مصادر الشريعة الأربعة ~~مرتكزة على المصدر الرابع وهو الاجتهاد، قد يصيب ~~وقد يخطئ؛ لذلك وضعت شروط للاجتهاد حتى يكون احتمال ~~الصواب أرجح من احتمال الخطأ. # 44 # في دليل العقل يتوحد علم أصول ms167 الدين ~~وعلم أصول الفقه؛ الأول في نظرية الحسن والقبح ~~العقليين، والثاني في دليل القياس. يتوحد العلمان ~~في العقل ويجد علم الأصول وحدته في العقل. ومع ذلك تظل ~~القسمة عند القدماء قائمة بين الأحكام العقلية ~~والأحكام الشرعية. فإن كانت العقول تدل على صحة الصحيح ~~واستحالة المحال في التوحيد والعدل والوعد والوعيد، ~~فإنه لا وجوب قبل الشرع، وإذا استدل العاقل على ذلك ~~قبل ورود الشرع لما استحق الثواب، ولو كفر ما استحق ~~العقاب، ولو أنعم الله عليه بعد ذلك بالشرع كان لطفا ~~ونعمة وفضلا، وإن عذب الكافر كان عدلا. فإذا أمكن ~~معرفة الله بالعقل فإن وجوبها بالشرع. وأفعال العقلاء ~~كلها قبل الشرع على الإباحة، لا تحليل فيها ولا تحريم. ~~ليس في الأحكام العقلية ناسخ ومنسوخ كما هو الحال في ~~الأحكام الشرعية. وإذا كانت الأحكام العقلية قد تكون ~~بعينها مثل كون العرض سوادا، وقد تكون بغيرها كما ~~يدل الشيء في العقل بنفسه على غيره، مثل دلالة الفعل ~~على الفاعل، فإن الأحكام الشرعية إما أن تكون اسما أو ~~دليل اسم أو معنى مودعا في الاسم، فالأحكام ~~الشرعية في الوجود والحظر والإباحة تعرف من الخبر، ~~والخبر على لسان الرسول، وأحكام المعاد بالخبر وإن دل ~~العقل على الجور؛ لذلك كان تحليل الخطاب هو منطق الخبر ~~من أجل إحكام لغته، من حيث العموم والخصوص، أو التشابه ~~والإحكام، أو الإجمال والتبيين. # 45 # والحقيقة أن هذه الثنائية بين حكم العقل ~~وحكم الشرع، تنتفي بمجرد التوحيد بين العقل والنقل، ~~وتأسيس النقل على العقل. يعطي العقل الحكم الكيفي ~~ويفصل النقل الحكم الكمي. يحدد الحكم العقلي ~~الغاية والهدف بينما يحدد الحكم الكمي الوسيلة ~~والطريقة. يكشف الأول العلة الغائية بينما يحدد ~~الثاني العلة المادية. ولما كان العقل والشرع لا بد ~~لهما من خطاب كان الطريق لمعرفة الأحكام هو تحليل ~~الخطاب. ~~(ب) تحليل الخطاب # بعد إثبات الصحة التاريخية للنص تأتي مرحلة فهمه ~~وتفسيره وتأويله إن اقتضى الأمر، ويأتي تحليل الخطاب ~~باعتباره نظرية في التفسير؛ أي في فهم النص. وإذا كان ~~كل خطاب يحتوي على ms168 ثلاثة عناصر؛ اللفظ والمعنى والشيء، ~~تضمن تحليل الخطاب هذه العناصر الثلاثة؛ اللفظ ~~المستعمل، والمعنى المستفاد منه، والشيء المشار ~~إليه بهذا اللفظ وله هذا المعنى. # ولكن قبل الشروع في تحليل عناصر الخطاب على نحو ~~علمي صرف، يتأكد أولا أن الخطاب ليس مجرد قول أو ~~كلام، بل هو تكليف وأمر، فهو خطاب موجه نحو الإنسان، ~~نداء إلى الفعل، وتوجيه للسلوك، فهو ليس مجرد لغة بل ~~أمر، ليس مجرد معرفة نظرية بل توجه عملي. والتكليف ~~من الكلفة، أي من المشقة والعمل والجهد، # 46 # بل إن تحليل الخطاب هو في الواقع تابع ~~للتكليف والأمر وجزء منه؛ فالوحي أولا تكليف وأمر، ثم ~~يأتي بعد ذلك تحليل الخطاب كأحد عناصره. ويتحدد أولا ~~معنى التكليف وأقسامه وشروطه وترتيبه وأوصافه، ~~المكلف والمكلف، وما يصح وروده فيه قبل تحليل ~~أقسام الخطاب في الأمر والنهي والاستخبار، ثم تأتي بعد ~~ذلك مباحث الألفاظ على ما هو معروف في علم أصول الفقه، ~~ولكن على نحو مختصر مثل العموم والخصوص، # 47 # والمجمل والمفسر، ثم تأتي مباحث ~~المعاني مثل دليل الخطاب أو مفهوم الخطاب؛ من أجل فهم ~~المعنى مباشرة دون المرور بتحليل الألفاظ، كما يمكن ~~فهم الدلالة ليس فقط من اللفظ، بل أيضا من الفعل؛ فعل ~~النبي. فما دام الخطاب تكليفا وأمرا فإنه إذا ما ~~تحقق هذا الأمر في فعل، فإن هذا الفعل يكون خطابا ~~متحققا له نفس الدلالة اللفظية في الخطاب. وقد يدخل ~~موضوع النسخ مقرونا بالخبر، وهو أحد أقسام الخطاب، ~~كأحد وسائل التراجيح حين تعارض الخبرين، ولكنه في ~~الحقيقة أدخل في تطور النبوة. # 48 # وبالرغم من أن التكليف يكون ابتداء؛ نظرا لحصول ~~الإنسان على حرية الإرادة واستقلال العقل؛ نتيجة ~~لتطور الوحي واكتماله وتحقيق غايته بشرط البلوغ، إلا ~~أنه أيضا يكون لغاية، وهو استمرار تحقيق الوحي كنظام ~~مثالي للعالم تزدهر فيه الطبيعة من خلال الفعل ~~الإنساني الفردي والجماعي. التكليف ابتداء نابع من ~~طبيعة المكلف، ومع ذلك فيه تحقيق لمصالح الناس، ~~والتكليف من طبيعة الإنسان، ومع ذلك له إرادة لحدوثه ~~وإرادة لكونه وإرادة لفعله. ms169 # 49 # ويظل النظر أول الواجبات على المكلف؛ أي فعل العقل ~~وليس عمل اليد، ويبدأ النظر إما ضرورة أو بداهة أم ~~استدلالا، على ما هو معروف في نظرية العلم وقسمته إلى ~~ضروري ونظري. # 50 # ويظل السؤال بعد ذلك عن المعارف العقلية ~~التي يتم الحصول عليها بالنظر بنوعيه؛ فهي معارف ~~نظرية أولا، مثل العقائد المعرفة بالله وبصفاته وعدله ~~وحكمته وجواز الرسل والتكليف، ثم تفصيل أركان الشريعة. ~~فتبدأ المعارف من التوحيد إلى العدل إلى النبوة؛ أي من ~~العقليات بأصليها إلى أول موضوع في السمعيات ينتهي ~~إلى تحقيق أحكام الشريعة. وقد تبدأ المعارف بالنفس ~~أولا ثم بالمعارف النظرية ثانيا؛ أصلي التوحيد ~~والعدل، وما دون ذلك من أحكام الشريعة لا يعرف إلا ~~بالخبر. والحقيقة أن هذا الفصل بين المعارف النظرية ~~والتحقيقات العملية يجعل النظر موضوعا مستقلا ~~بذاته؛ موضوعا ومنهجا، ويجعل العمل موضوعا ~~منفصلا عنه؛ موضوعا ومنهجا أيضا، وهو ما يعارض ~~التطور الطبيعي من النظر إلى العمل. # 51 # ولا يعني التكليف أن هناك مكلفا ~~ومكلفا؛ فذاك تشخيص للتكليف وتصوير له على أنه أمر ~~بين طرفين، من أعلى إلى أدنى، مثل تشخيص النبوة ~~وجعلها علاقة بين طرفين؛ أعلى وأدنى. فالحياة والعلم ~~ليسا صفتين في المكلف، بل هما شرطان للتكليف، ~~والعقل والإرادة ليسا صفتين في المكلف، بل هما ~~شرطان للتكليف، والعقل والإرادة ليسا صفتين للمكلف، ~~بل هما أيضا شرطان للتكليف؛ فلا تكليف لميت جاهل بليد عاجز. # 52 # وللتكليف أسس موضوعية في صفات الفعل ~~المكلف به، ولا يمكن أن يتحول الأمر إلى نهي، ~~والنهي إلى أمر، بمجرد إرادة المكلف، وإلا كان ذلك ~~إلغاء للطبيعة والعقل، وهدما للحسن والقبح ~~العقليين، وهما من مكتسبات العدل. # 53 # وبعد التأكيدات على أن الخطاب هو تكليف وأمر، ينقسم ~~الخطاب إلى أربعة أقسام: أمر ونهي وخبر واستخبار. وقد ~~يضم الاستخبار إلى الخبر؛ لأن الاستخبار هو طلب ~~الخبر؛ وبالتالي لا يكون قسما مستقلا؛ وبالتالي ~~تكون قسمة الخطاب ثلاثية؛ أمر ونهي وخبر. ولما كان ~~النهي هو ضد الأمر كان الأمر هو الأساس، خاصة إذا كان ~~الأمر بشيء ms170 نهيا عن ضده، والنهي عن كل شيء أمر بضده ~~عند من يجوز القلب العقلي في الأحكام دون البنية ~~الموضوعية والموقف الحياتي لها؛ وبالتالي تكون ثنائية؛ ~~أمر وخبر، ولكن أين باقي الصيغ والتي يمكن جمعها ~~في الصيغة الإنشائية، مثل التمني والتعجب والاستفهام؟ ~~بل لقد أضاف القدماء صيغا أخرى، مثل الوعد والوعيد ~~والطلب والشفاعة والتلهف والاستثناء. وقد تكون القسمة ~~كلها واحدة لما كان الخبر أيضا نوعا من الأمر غير ~~المباشر؛ فالقصص مع أنه إخبار عن أحوال الأمم السابقة ~~إلا أنه درس وعظة وعبرة لتقوية الأمر في بداية القصة ~~أو في نهايتها، فالخبر أمر يتضمن وسيلة الاقتناع به ~~وطرق الإيحاء من أجل تحقيقه، وإلا كان مجرد أمر صوري ~~عسكري غير مشفوع برجاء أو تمن. وصيغ الإنشاء لا ~~تدل على حطة منزلة، بل تدل على رفعة القدر، ومن تواضع ~~للإنسان رفع. أما قسمة الخطاب المفيد إلى اسم وفعل ~~وحرف، فهي قسمة لغوية صرفة، ليس لها دلالة مباشرة في ~~خطاب التكليف، مع أنه يمكن حتى في هذه الحالة رؤية ~~الفعل والفاعل؛ فالاسم هو الفاعل المكلف، والفعل هو ~~التكليف، والحرف هو الرابطة التي تربط الفعل والاسم في ~~الزمان والمكان. # 54 # ومع ذلك تظل القسمة الثلاثية للخطاب إلى ~~أمر ونهي وخبر هي القسمة الغالبة، ويضم الأمر والنهي ~~معا في مقابل الخبر. # فما هو الأمر والنهي؟ هل هما الإثبات والنفي على ~~مستوى العقل وليسا على مستوى الفعل؛ إذ إن الحكم إما ~~عقلي أو فعلي؟ النفي والإثبات متصلان في العقل، وقد ~~يكونان منفصلين في الوجود؛ فلو أمكن للعقل نفي ~~المعدوم منطقيا إلا أنه في الوجود لا ينفي إلا ~~الموجود. فإذا تداخل الإثبات والنفي في العقل فإنهما ~~قد يتمايزان في الوجود. فإذا كان الإثبات في العقل ~~والنفي حكمين كليين؛ إثبات الشيء هو إثباته من جميع ~~أوجهه، ونفي الشيء هو نفيه من جميع أوجهه، فإنهما في ~~الوجود حكمان جزئيان؛ فإثبات شيء هو إثبات محمول، ~~والمحمول أحد وجوه الموضوع؛ فإثبات صفة لا يعني إثبات ~~كل الصفات، ونفي صفة لا يعني نفي كل ms171 الصفات. # 55 # وإذا كان في حكم العقل أن الأمر بشيء نهي ~~عن ضده، فإنه في الوجود قد لا يكون كذلك؛ فالحكم ~~الشرعي لا ينقلب. الأمر الشرعي قد لا يكون نهيا عن ~~ضده، والنهي عن شيء قد لا يكون أمرا بضده. الحكم ~~الشرعي خاص بالفعل وليس عاما للعقل، والمواقف ~~الإنسانية خاصة وإن تكررت في مواقف أخرى مشابهة، ~~ولكن الإنسان لا يقيس فعلا واحدا على فعل واحد آخر ~~في نفس الموقف. # 56 # في الأفعال صفات موضوعية وجودية لا يمكن ~~قلبها حضورا وغيابا، وجودا وعدما. وهو أحد ~~مكتسبات الإنسان المتعين في قدرته على التمييز بين ~~الحسن والقبيح العقليين كصفات موضوعية في الأشياء؛ ~~حتى يبدو التوافق والتطابق بين العقل والطبيعة. # 57 # لذلك انقسمت الأفعال إلى أحكام خمسة كما هو معروف في ~~الأحكام الشرعية في علم أصول الفقه: الوجوب والندب ~~والإباحة، والكراهية والحظر أو التحريم. فالأمر يعني ~~الوجوب، والنهي يعني الحظر عقلا، ولكنهما قد يعنيان ~~درجتيهما الممكنتين؛ أي الندب والكراهة بدلالة، ~~وقد يعني الأمر المباح أيضا بدلالة، بل قد يتوسع ~~البعض ويدخل الصيغ الإنشائية من ترغيب وإرشاد في ~~الأمر، وتهديد ووعيد وإهانة وتأديب في النهي؛ # 58 # لذلك ارتبط الأمر والنهي بموضوع القدرة ~~التي تكون وراء تحديدات درجات الأمر والنهي بين ~~الضروري والممكن. وكما هو الحال في التمييز بين ~~الحكم العقلي والحكم الفعلي، فكذلك الأمر في القدرة؛ ~~فالقدرة على الفعل قد لا تكون قدرة على الترك ~~بالضرورة، والقدرة على الترك قد لا تكون قدرة على ~~الفعل بالضرورة. # 59 # ويكون الأمر والنهي بالظاهر منعا للتأويل ~~من حيث المبدأ؛ فالتأويل استثناء وليس قاعدة. # 60 # أما الخبر فقد ورد من قبل في تواتر الرسالة وشروط ~~التواتر، وهو ما يرد أيضا في الدليل الثاني وهو ~~السنة في علم أصول الفقه، ولكنه هنا هو أحد صيغ ~~الخطاب بعد الأمر والنهي، وليس منهجا للنقل وطريقا للرواية. # 61 # والقول أعم من الخبر؛ فالكلام يشمل الخبر ~~وغيره. القول يشمل القضايا الخبرية والإنشائية على ~~السواء. وأهم شيء في الخبر كصيغة في الخطاب هي نظرية ~~الصدق ms172 والتمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الكاذب؛ فلم ~~يعد المطلوب هنا هو الصدق التاريخي؛ أي صحة النقل من ~~حيث السند، بل صدق الخبر ذاته من حيث المتن. وقد يكون ~~الصدق صوريا خالصا بمعنى اتفاق الخبر مع المبادئ ~~الكلية للعقل، وهو الصدق النظري الخالص. وقد يكون ~~صدقا ماديا صرفا بمعنى مطابقة الخبر للواقع طبقا ~~لمبدأ التحقق. والواقع هنا هو الواقع الإنساني وليس ~~الواقع الكوني وعقائد الثنوية في النور والظلام. قد ~~يكون صدقا إنسانيا خالصا بمعنى صدق الفعل ومطابقته ~~للنية والقصد؛ وبالتالي انتفت الجبرية من صدق النية ~~والقصد، فالنية أحد أفعال الحرية، والجبر ليس به حرية ~~قصد أو اختيار نية؛ فالصدق والكذب ليسا ضروريين؛ أي ~~كون الصادق صادقا بالضرورة والكاذب كاذبا بالضرورة، ~~بل الصدق مرهون بالحرية والعقل. # 62 # الصدق والكذب إذن مرتبطان بالشعور؛ قد ~~يكون الشعور صادقا، ولكن من حيث النية يحدث تطابق ~~بين الخبر والواقع، وقد يكون الشعور كاذبا من حيث ~~النية ويحدث نفس التطابق. فالصدق والكذب ليسا فقط ~~أمرين صوريين أو ماديين لا شأن لهما بقصد الشعور؛ ~~نظرا لضرورة توافر النية في الصدق والكذب. وإن صح ~~الكذب من غير قصد، فالصدق لا يصح من غير قصد، وإن كان ~~الكذب خضوعا للغرور أو غيابا للقيمة، فإن الإخبار ~~بالصدق تعبير عن الواجب وحضور للقيمة في الشعور، وما ~~ينبغي أن يكون. # وسواء كان الخطاب أمرا ونهيا أم خبرا، فإنه في ~~كلتا الحالتين يحتاج إلى فهم لمعناه، ولا يتأتى هذا ~~الفهم إلا بمبادئ اللغة. وقد اقتصر علماء أصول الدين ~~على بعض المبادئ المستعارة من علم أصول الفقه، مثل ~~العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمجمل ~~والمبين، والظاهر والمؤول. ولم يزيدوا على ذلك ~~مبادئ أخرى، مثل الحقيقة والمجاز، وهو من أوائلها، أو ~~المطلق والمقيد، والمستثنى والمستثنى منه وهي من ~~أواخرها. وبعض المبادئ تتغير أسماؤها، مثل المجمل ~~والمبين الذي يسمى المجمل والمفسر. والبعض لا ~~يكون ظاهرا كمبدأ، بل كحالة ثانية لمبدأ آخر، مثل ~~المحكم والمتشابه الذي يدخل ضمن حالات المجمل ~~والمفسر. وبعض المبادئ تظهر في أحد جوانبه فقط، مثل ms173 ~~الظاهر والمؤول الذي لا يظهر إلا في المؤول وهو ~~الأهم؛ لأن الظاهر لا إشكال فيه، ولأن نقد الباطنية ~~أهم من نقد الظاهرية. وقد تظهر بعض المبادئ كحالات ~~خاصة، مثل المجمل والمفسر والمحكم والمتشابه. ~~وقد تظهر كمبادئ عامة، مثل العموم والخصوص ~~والتأويل. # ومع أن العموم والخصوص صيغة لغوية إلا أنها تكشف عن ~~البعد الشخصي للنص؛ الفردي أو الجماعي. فالنص متوجه ~~إلى الشخص، وموجه لسلوك الفرد والجماعة. اللغة ~~للسلوك والصيغة للفعل. فإذا كان النص صورة بلا مضمون، ~~فإن تحديد الخاص والعام فيه تحديد لمضمونه لبيان البعد ~~الشخصي في النص والعامل الفردي في الأمر، بصرف النظر ~~عن التحديد الكمي للعام. وغالبا ما يكون التحديد بأقل ~~الجمع اثنين فما أكثر. والقول بالعموم وحده وإنكار ~~الخصوص هو تحويل للخطاب إلى مبدأ كلي صوري شامل وإنكار ~~للبعد الفردي؛ التزام بالعزيمة دون الرخصة وبالقاعدة ~~دون الاستثناء، كما أن إثبات الخصوص دون العموم هو ~~إنكار أن أفعال الإنسان إنما هي أنماط عامة للسلوك ~~تنطبق على كل إنسان في كل زمان، وليست أسماء أعلام ~~خاصة تطلق على فرد معين أو جماعة معينة، في زمان ~~معين ومكان معين، بل إن الفعل الفردي لا يكون كذلك ~~إلا إذا كان نمطا عاما، قائما على مبدأ عام. ~~العموم والخصوص إذن واجهتان لشيء واحد، يمكن تخصيص ~~العام كما يمكن تعميم الخاص. لا يوجد عام إلا ~~ويمكن تخصيصه، ولا خاص إلا ويمكن تعميمه. # 63 # وصيغة العموم هي الأصل، ولا يتحول إلى ~~خصوص إلا بمخصص من السنة أو الإجماع أو القياس، ولكن ~~هل يكون العقل مخصصا؟ في هذه الحالة يكون العقل ~~مؤولا لا مخصصا؛ فالتخصيص نص من جنس العموم. وإن ~~لم يكن في الوعد تخصيص ففي الوعيد تخصيص؛ لأن تحقيق ~~الوعد مبدأ عام في حين أن تخصيص الوعيد من رفعة القدر. # 64 # ومن صفات التخصيص أن يكون العموم ظاهرا، ~~وألا يتأخر عنه وإلا كان نسخا. # 65 # وبعد العموم والخصوص يأتي المجمل والمفسر، وهما ~~المفهومان اللذان يشملان أساسا المحكم والمتشابه ~~والظاهر والمؤول. فالمجمل هو الذي يحتاج إلى ms174 تفسير؛ ~~وبالتالي فتعريف كل مفهوم يتم بالمفهوم الآخر، فهما ~~مفهومان متضايفان أو متقابلان أو متضادان. أما ~~التأويل، خاصة الباطني منه، فهو خروج على قواعد ~~التفسير، والظاهر هو إمساك عنها. ويكون المجمل في ~~عدة مواطن؛ فقد يكون الإجمال في الحكم والمحكوم فيه، ~~وهو أشد أنواع الإجمال؛ فالنص هنا يحتوي على معنى ~~عام لم يتحول بعد إلى حكم في الزمان والمكان، ولا ~~يتوجه إلى محكوم فيه بعينه. وقد يكون الإجمال في الحكم ~~فقط، في حين أن المحكوم فيه معلوم، وهو أقل إجمالا من ~~الأول. فالحكم هو الذي يحتاج إلى أن يتحول من معنى ~~عام إلى حكم خاص طالما أن المحكوم فيه قد تحدد من ~~قبل. وقد يكون الإجمال في المحكوم فيه في حين أن الحكم ~~معلوم، وهو عكس الحالة السابقة؛ لأن الإجمال هذه المرة ~~في الإنسان الذي يتوجه إليه الحكم، في حين أن الحكم قد ~~تحول من قبل من معنى عام إلى حكم خاص. وقد يكون ~~الإجمال في الحكم والمحكوم له، ولكن المحكوم عليه ~~معلوم، وفي هذه الحالة يكون المعنى ما زال عاما ولم ~~يتحول بعد إلى حكم، وفي الإنسان الذي يتوجه إليه ~~الحكم، في حين أن الفعل الخاص وهو المحكوم عليه معروف. ~~يدل إذن المجمل والمفسر، وهو ما سماه الأصوليون ~~في علم أصول الفقه المجمل والمبين، على بعد ~~الإنسان الفردي وفعله الذي يتوجه إليه الحكم، في حين ~~يدل الخاص والعام على بعد الإنسان أيضا من حيث هو ~~فرد أو جماعة. المجمل هو القول والمبين هو الفعل، ~~ولما كان القول أوسع نطاقا من الفعل احتاج المجمل ~~إلى تبيين. # 66 # ويدخل المحكم والمتشابه أيضا كحالة خاصة في ~~المجمل والمفسر؛ من أجل إحكام الزمان والمكان ~~للفعل الإنساني؛ لذلك كانت مواطن الإجمال الباقية خاصة ~~باللفظ والمعنى؛ فقد يكون الإجمال في اللفظ من جهة ~~صلاحه لمعنيين حتى يتم اختيار أحدهما طبقا للزمان ~~والمكان؛ أي الواقعة التي يتم فيها الفعل، وهذا هو حال ~~المحكم والمتشابه. وقد يكون الإجمال في اللفظ في ~~نفسه معلوما ثم صار مجملا باستثناء ms175 مجمل، وهذا ~~هو حال المستثنى والمستثنى منه. وقد يكون الإجمال في ~~اللفظ معقول المعنى لغويا، وضعت الشريعة له شروطا، ~~مثل ألفاظ الصلاة والزكاة، ولكنه في حاجة إلى تأويل ~~آخر؛ أي إخراج اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر؛ ~~لوجود دليل أو إمارة أو قرينة، وهذا هو حال الظاهر والمؤول. # 67 # والمحكم هو الواضح الذي ليس في حاجة إلى تأويل في ~~حين يحتاج المتشابه، وهو الذي يشير إلى معنى واحد ~~في حين يشير المتشابه إلى معنيين يتم ترجيح أحدهما ~~دون الآخر؛ حتى يمكن الإشارة إلى واقعة واحدة دون ~~الأخرى. ويمكن معرفة المتشابه فهو ليس سرا؛ ~~وبالتالي لا يكون نموذج التشابه الحروف الأولى من ~~السور؛ فهذه تدخل في حساب الأسلوب الجمالي واللغوي ~~كما هو معروف في الأساليب الأدبية. المحكم هو الذي ~~لا تأويل له غير تنزيله على عكس المتشابه الذي له ~~تأويل، وقد يستعمل تعبير الألفاظ المشتركة للمتشابهات، ~~مثل الوجه واليد والعين. وليس نموذج المتشابه هو ~~القصص؛ لأنه لا يحتوي على معنيين، ولو كان متشابها ~~لما أدى وظيفته في ضرب الأمثلة لحقائق التاريخ ~~المستمدة من سلوك الأفراد والجماعات وتاريخ الشعوب. ~~فالقصص ليس متشابها؛ لأن الغرض منه ليس وصف التاريخ ~~وإعطاء أخبار تاريخية، بل وصف التجربة البشرية وإيجاد ~~دلالتها في لحظة اكتمال الوحي واستقلال الشعور ~~الإنساني، كما أن القصص للإيحاء والإقناع وليس ~~لاستنباط الأحكام؛ للترويح على النفس وليس للتشريع. ~~وليس المتشابه هو أمور المعاد وشئون الأخرويات؛ فهذه ~~يمكن تأويلها مجازا تعبيرا عن رغبة الإنسان في ~~عالم تسوده العدالة المطلقة في مقابل هذا العالم ~~الذي يعيش فيه الظالم ويشقى فيه العادل، عالم تنكشف ~~فيه الحقيقة في مقابل هذا العالم الذي تسوده الأقنعة ~~والدوار. وقد يكون المحكم هو الوعد والمتشابه هو ~~الوعيد؛ نظرا لاحتماله معنيين؛ التخويف أو العقاب، ~~توجيه السلوك أو تنفيذ الترهيب، والأول يحقق النفع ~~الفعلي والهدف من الوعيد في حين أن عدم تحقق الثاني ~~يدل على علو القدر ورفعة المنزلة. فإذا كان المحكم ~~عقاب الفاسق، والمتشابه ما خفي عقابه، فقد يكون ذلك ~~أيضا ms176 لخطورة الفسق؛ أي خروج العمل على النظر وعدم ~~تطابق الفعل مع القول. والحقيقة أن المحكم والمتشابه ~~دافع على البحث والنظر، وصارف عن الجهل والتقليد، ~~كما أنه يدل أيضا على درجة عالية من الفصاحة وتذوق ~~اللغة، كما هو الحال في الحقيقة والمجاز، وكل جهد هو ~~في النهاية ثواب أعظم. # 68 # أما الظاهر والمؤول فإنهما يكونان لب تحليل ~~الخطاب خاصة المؤول. فالتأويل سلاح ذو حدين؛ ~~يمكن أن يفيد في ضبط الأحكام والاستدلال عليها؛ ~~وبالتالي إثباتها من أجل تحقيقها، وهذا هو التأويل ~~اللغوي، ويمكن أيضا أن يقضي على الأحكام ويرفعها من ~~أجل نفيها أو إسقاطها، وهذا هو التأويل الباطني. يقوم ~~التأويل اللغوي على طبيعة اللغة وصلتها بالفكر، في حين ~~يقوم التأويل الباطني على صلة اللغة بالشيء. الأول ~~تأويل أولي يبغي الصورة الفنية، بينما الثاني تأويل ~~مادي يبغي الشيء. الأول تأويل نظري يهدف أولا إلى ~~معرفة المبدأ، بينما الثاني تأويل عملي يهدف إلى تغيير ~~الواقع مباشرة. ومع ذلك فإن هدف التأويل اللغوي إحكام ~~المبدأ النظري من أجل تحقيق الفعل، في حين أن التأويل ~~الباطني يهدف إلى إسقاط الشرائع وإبطال الحدود. هدف ~~الأول الخارج والتحقق، وهدف الثاني الداخل والتأمل. ~~وتأويل الشريعة لا يعني رفعهما أو تبديلها أو تجسيمها؛ ~~فالشرائع أفعال، والأفعال تهدف إلى تحقيق أبنية مثالية للعالم. # 69 # التأويل منهج حق قد يراد به باطل إذا كان ~~الغرض منه هدم الشريعة والقضاء على فاعليتها في ~~العالم. وإذا توجه التأويل اللغوي إلى الأفعال فإن ~~التأويل الباطني يتوجه إلى الطبيعة والكون؛ أي التأويل ~~الباطني للظواهر لتأويل الطبيعة الخارجية واستشراف ~~ظواهرها فيما وراء اللغة. التأويل اللغوي تأويل للنصوص ~~في حين أن التأويل الباطني تأويل للطبيعة، وتأويل ~~الطبيعة هو في الحقيقة إسقاط العواطف والانفعالات ~~الإنسانية على ظواهر الطبيعة، فالطبيعة خالية من ~~المعنى، والإنسان هو الذي يسقط من شعوره المعاني على ~~الطبيعة كما هو الحال في اختبارات الإسقاط. وإذن كان ~~الهدف من التأويل اللغوي تثبيت حقائق الوحي وإزالة ~~الشك فيه، في حين أن التأويل الباطني يهدف إلى هدم ~~حقائق الوحي ms177 وتثبيت الشك فيه لأن زعزعة النظر أولى ~~درجات الانسياب في العمل؛ لذلك كان التأويل اللغوي ~~علنيا يذاع، في حين أن التأويل الباطني سر ~~يكتم، وبينما لا يفسر التأويل اللغوي إلا المعاني ~~يفسر التأويل الباطني الرموز. فالنصوص كلمات، ~~والكلمات حروف، والحروف أعداد، والأعداد أسرار. # 70 # وإذا كان التأويل اللغوي يقوم به فرد ~~واحد، فإن التأويل الباطني يحتاج إلى معلم. الأول ~~يضع حقائق موضوعية لإيصالها للناس، والثاني يستخرج ~~الحقائق من قلوب السامعين وتوليدها منها دون إيصال ~~حقائق له. وإذا كان التأويل اللغوي يهدف إلى معرفة ~~الحقيقة فإن التأويل الباطني يهدف إلى التأثير على ~~الناس. والتأثير ليس فقط منهجا في الفهم، بل أيضا ~~منهج في الإقناع والإيحاء عند الخصوم للتشكيك ~~والتضليل. لا يعتمد على العقل بقدر ما يعتمد على ~~الإيحاء الباطني. فإذا اعتمد التأويل اللغوي على قواعد ~~اللغة فإن التأويل الباطني يعتمد على التحليل النفسي ~~والاجتماعي للسامع لمعرفة كيفية إقناعه والتأثير عليه. # 71 # وإذا كان التأويل اللغوي لا يتعلق ~~بالأحكام بقدر ما يتعلق بالاعتقادات، فإن التأويل ~~الباطني يهدف إلى العمليات والنظريات معا حتى يفك ~~الارتباط بين الحكم والفعل بتدخل المعاني والنظريات، ~~فيتوه العقل فيها ويفقد توجهاته العملية. # 72 # وإذا كان التأويل يعني لغويا العودة إلى ~~الأصل، فإن التأويل الباطني يرجع الوحي إلى النبوة، ~~ويرجع النبوة إلى مصدر الوحي. ومع ما في هذا من ميزة ~~في القضاء على تشخيص الوحي في شخص النبي، فإنه مع ذلك ~~يقع في تشخيص مقابل، وهو تشخيص الوحي في شخص الإمام ~~أو في شخص الله. # 73 # والحقيقة أن التأويل له أسسه الاجتماعية والسياسية ~~المحلية، وليس ناشئا عن مصدر خارجي يوناني أو غيره، ~~كما لم تأت التأويلات الباطنية من مصدر عربي سابق؛ ~~فالنظريات لها نشأتها الاجتماعية والسياسية. # 74 # التأويل من حيث المبدأ محاولة للبحث عن ~~الحقائق فيما وراء الألفاظ والوقائع التي تشير إليها ~~المعاني، ولكنه من حيث الواقع قراءة مذهب كل إنسان في ~~النص والتعرف على نفسه فيه؛ تدعيما لمواقفه وهدما ~~لمواقف الخصوم في مجتمع النص فيه سلاح وسلطة؛ ~~فالتأويل ms178 هو منهج جبر النص للدفاع عن المذهب ثم تكييف ~~النص حسبه؛ فالمذهب هو الأساس والنص هو الفرع. # 75 # ولما كان خلاف المذاهب هو في الحقيقة ~~التعبير الأيديولوجي للصراع على السلطة، كان التأويل ~~الباطني أحد وسائل زعزعة السلطة القائمة. والمعارضة ~~التي تبنت التأويل الباطني إما الشعوبية التي كانت ~~تريد إرجاع الملك إلى العجم دون العرب، أو قبائل ~~العرب التي لم تخرج النبوة منها. وهذه هي صفوة ~~المعارضة أو قيادتها بالإضافة إلى العامة التي لا ~~تقتدر على مناهج النظر وطرق الاستدلال. # 76 # وفي مقابل الباطنية تخرج الظاهرية تتمسك ~~بظاهر النصوص. # 77 # قد يكون ذلك دفاعا عن السلطة القائمة، ~~ومنعا لإيجاد مضمون جديد للنص غير مضمون السلطة، ~~ودافعا جديدا له غير واقعة السلطة؛ وبالتالي تم ~~«قفل» النص وتثبيته وعدم تحريكه؛ حتى لا يقوم بتوجيه ~~الواقع وتغيير النظام القائم. وقد يصل الأمر إلى حد ~~تكفير المتأولين مثل باقي فرق المعارضة باعتبارها ~~فرقا هالكة؛ فكل فرقة تكفر الفرق المخالفة. ولما ~~كانت الفرقة التي تكفر المتأول في السلطة، والتي ~~تقوم بالتأويل في المعارضة، كفرت السلطة المعارضة ~~تحت ستار التأويل، وتحت شعار المحافظة على ظاهر النص. # 78 # وقد تعطي شرعية الإمساك عن التأويل ~~بتأويل بعض النصوص، كما تعطي شرعية التأويل بتأويل ~~نفس النص؛ فسواء كان الأمر نهيا عن التأويل أو أمرا ~~بالتأويل ففي كلتا الحالتين يحتاج إلى تأويل. # 79 # والحقيقة أن التأويل ضرورة ولا يكفر من ~~يقوم به. وحتى لا ينتج عن التأويل قول خاطئ يؤدي إلى ~~فعل خاطئ، كانت هناك قواعد للتأويل وشروط للمفسر، ~~مثل العلم باللغة العربية وبأسباب النزول والوعي ~~بالمبادئ النظرية؛ التوحيد والعدل، والحاجات العملية ~~لجماهير المسلمين. # 80 # وبالإضافة إلى هذه المبادئ اللغوية: العام والخاص، ~~والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والظاهر ~~والمؤول، هناك أيضا أدلة تتجاوز اللغة إلى المعنى ~~مباشرة سماها الأصوليون في علم الأصول دليل الخطاب ~~أو لحن الخطاب أو فحوى الخطاب. ويعني المفهوم أو دليل ~~الخطاب الذهاب إلى المعنى الشامل الكلي داخل الألفاظ. ~~ويسمى أيضا مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؛ أي ~~إدخال كل معنى ms179 يتفق مع اللفظ فيه، وإخراج كل معنى ~~يخالف اللفظ منه. ويدخل في ذلك السياق؛ أي المعنى ~~الكلي للجملة الذي قد لا تفيده الألفاظ المفردة. فإذا ~~لم تفد الألفاظ في مفرداتها فإنها تفيد بسياقها، ~~فلا يوجد خطاب إلا وله متعلق، وقد يكون متعلق ~~الخطاب فيما بين السطور. # 81 # ولما كانت الدلالة ليست فقط لغوية بل أيضا فعلية، ~~فإن تحليل الخطاب ليس هو الطريق الوحيد للدلالة، بل ~~أيضا أفعال النبي؛ فدلالة فعل النبي مثل دلالة ~~الخطاب، ورؤية الدلالة مثل فهمها، وإدراك الدلالة مثل ~~تصورها. وما دام الرسول قدوة وفعل نموذج فإن دلالته ~~تصبح عامة للناس جميعا؛ فأفعاله تنفيذ لأوامر ~~وتمثل لها. وإنما يكون الخلاف في وجه الدلالة؛ هل هو ~~الوجوب أو الندب أو الإباحة؟ ومن ثم كانت دلالة ~~الأفعال لا تستقل بذاتها، بل هي دلالات مساعدة لدليل ~~الخطاب حامل الدلالات الأولى. فالوحي خطاب قبل أن يكون ~~فعلا، ورسالة قبل أن يكون رسولا. # 82 # وعلى هذا النحو تصب مباحث علم أصول الدين في علم ~~أصول الفقه، ويجد النظر تحقيقه في العمل، وتهبط النبوة ~~من الإيمان بالملائكة والغيب إلى فهم الرسالة من أجل ~~قضاء المصالح والسعي بين الناس. ~~(ج) تحقيق الرسالة # وكما صب علم أصول الدين في علم أصول الفقه في الأدلة ~~الأربعة وفي تحليل الخطاب، فإنه يصب هذه المرة في علم ~~الفقه تأكيدا على الانتقال من المضمون النظري للنبوة ~~إلى المضمون العملي. وتتحقق الرسالة في العبادات وفي ~~المعاملات، في الشقين الرئيسيين لعلم الفقه. ~~وتتركز العبادات في أركان الإسلام الخمسة، وليس المهم ~~فيها هو إعادة تكرار المادة الفقهية، بل معرفة دلالتها ~~على أصلي العدل والتوحيد. ليس المهم ممارستها كما، ~~بل دلالته كيفا، بل إن الأهم من ذلك كله هو الانتقال ~~من أصولها النظرية في علم التوحيد إلى دلالتها العملية ~~في العبادات في علم الفقه، إلى الممارسة العملية في ~~المجتمعات. فالشهادتان لم يتم التركيز عليهما بالرغم ~~من أنهما أساس باقي العملية في المجتمعات، في عمليتي ~~النفي والإثبات، في حركتي الرفض والقبول، والعصيان ~~والطاعة. وقد يكون ms180 السبب هو دخولهما في باب الأسماء ~~والأحكام؛ أي في النظر والعمل باعتبارهما صيغة القول ~~والإقرار. فالشهادتان ليستا باللسان والقول فقط، بل ~~بالتصديق والفعل. ليستا في الداخل فقط في الذهن ~~والقلب، وهو أضعف الإيمان، بل في الخارج أيضا بالكلمة ~~والفعل، باللسان واليد. والشهادة ضد الكتمان والصمت ~~«ومن يكتم الشهادة فإنه آثم قلبه». والصلاة إحساس ~~بالزمان وبأداء الفعل فيه، واقتراب من الأفعال الخلقية ~~واجتماع وتعارف، وتباحث في أحوال المسلمين. النية ~~شرطها حتى لا تكون نفاقا وكسبا للمال أو الشهرة أو ~~الجاه أو تعمية على السرقة والنهب والاحتيال. ليست ~~طاعة لأمير المؤمنين إماما، بل تأدية لواجب الأمة ~~انتسابا. تتلوها الزكاة؛ أي حق الجماعة على الفرد في ~~أمواله، وسيولة للمال في المجتمع ضد اكتناز الثروات ~~بلا استعمال. والصوم تهذيب للنفس وشحذ للإرادة وإعلان ~~على تجاوز الإنسان لنفسه ولعالمه، وعيش على مستوى ~~الجماعة، وإحساس بحاجات الفقراء، وبأحوال المساكين. ~~والحج اجتماع للمسلمين في زمان ومكان معين لبحث أمور ~~الأمة ووحدتها، والممارسة العملية للوحدانية في العمل. ~~وفوق ذلك كله يأتي ركن الجهاد الذي يتصل بالركن الأول؛ ~~الشهادتين، فالطرفان يلتقيان، فالشهادة والشهيد من ~~نفس المصدر «شهد»، فالشاهد والشهيد صنوان. ويكون ~~الجهاد من أجل فكرة قبولا ورفضا، ويكون بالعقل ~~والمحاجة، ويكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~ويكون بالنصيحة، ويكون جهادا فعليا؛ جهاد الأعداء ~~في حالة الظلم والعدوان والاعتداء واحتلال الأراضي ~~والإخراج من الديار ونهب الثروات واستباحة الحرمات ~~وامتهان الكرامات. فإذا ما تم تحرير أراضي المسلمين ~~ووحدتهم وأصبحوا في مثل قوة الأعداء وأقوى منهم، ~~وتطاحن أعداؤهم فيما بينهم وانقسموا إلى معسكرين ~~كبيرين وقوتين عظميين يدمر بعضهم بعضا، في هذه ~~اللحظة التاريخية، يمكن للأمة أن تقوم بدورة جديدة ~~في التاريخ، تدعو إلى الإسلام. ولا تعني «الجزية» أكثر ~~من استعلاء المسلمين ووصولهم إلى درجة أخذ زمام ~~المبادرة في التاريخ، ولا يجوز الصلح مع العدو المحتل ~~أو الاعتراف به وإنهاء الحرب معه، وواجب الإمام سد ~~الثغور وبناء الجيوش وإعداد الأمة لرد الظلم والعدوان. ~~وفي هذه الحالة يكون الجهاد فرض عين لا فرض كفاية، ms181 لا ~~يسقط عن أحد لأن الآخرين يقومون به وإلا كان من ~~المتخلفين القاعدين. الجهاد تتويج للنبوة في الأرض ~~وتحقيق للرسالة في التاريخ. # 83 # أما المعاملات فإنها تنقسم إلى الأحوال الشخصية أي ~~أحكام الفروج، والأحوال العامة أي أحكام العاملات، ~~والقانون الجنائي أي أحكام الحدود، والقانون المدني أي ~~المحرمات والمباحات، ثم أحكام الأموات. وليس المهم في ~~هذه الأحكام ذكر الأنماط المثالية لها، يقرأ الإنسان ~~فيها أمانيه ويجد فيها تعويضا عن مآسيه. يجد فيها ~~الحاكم فرصة للمزايدة على الإيمان، ووسيلة لتغطية نظام ~~حكمه والتستر عليه بستار الإسلام، بل المهم هو ذكر ~~أحوال الناس، وكيف أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو ~~السبيل لإعطاء الناس حقوقهم قبل مطالبتهم بأداء ~~واجباتهم. ليس المهم عرض أحكام النكاح والرجعة والطلاق ~~والخلع والظهار والإيلاء والعدة واللعان والرضاع ~~والمهر ونفقات الأزواج ، بل المهم معرفة أوضاع الأزواج ~~ومشاكل طالبي الزواج من مسكن وقوت وأوضاع المطلقات ~~أو الموقوفات، فلا هن متزوجات ولا مطلقات، وأوضاع ~~دور الحضانة، وارتفاع المهور. وهناك فرق بين الشريعة، ~~المبادئ العامة المنصوص عليها والتي لا تتغير، والفقه ~~الذي هو اجتهاد الفقهاء والمشرعين في كل عصر. الأول ~~ثابت، والثاني متغير. فإذا تغيرت الظروف اليوم ~~فمهمة المجتهد تجديد الفقه في ضوء الشريعة، خاصة فيما ~~يتعلق بقوانين الطلاق وتعدد الزوجات، طالما نقص ~~التعليم وقتل الوعي الديني، كما أن الخلاف بين الفرق ~~القديمة حول أحكام الفروج خلاف تاريخي صرف؛ فلا ~~الفرق موجودة ولا أحكامها مطبقة. وتغيب الفرق ~~الجديدة بالرغم من حضور المشاكل المعاصرة. # 84 # أما أحكام المعاملات فقد غلبت عليها أحكام ~~التجارة أولا فالزراعة ثانيا. وبطبيعة الحال أن تقل ~~منها أحكام الصناعة والتعدين. وقد كثرت مشاكل المال ~~والتجارة وتعقدت النظم البنكية والنقدية، وأصبحت ~~عملات المسلمين، أو على الأقل فريق منهم، لا قيمة لها ~~بين عملات الفريق الآخر القوية في البنوك الأجنبية ~~يستثمرها أعداء المسلمين. وعظمت مشاكل الزراعة، ومات ~~فريق من الأمة جوعا وقحطا، بينما يموت الفريق الآخر ~~بطنة وشبعا. واتسعت الأراضي القاحلة، وقلت ~~الأراضي الزراعية، وزاد عدد الفلاحين حتى لقد احتاج ~~الأمر إلى إعادة ms182 نظر في الملكية الزراعية. فكما أن ~~الأرض لمن يصلحها، فالأرض لمن يفلحها، ولا نصيب ~~للملاك الغائبين في الأرض. وإن أخذ جزء من عمل الفلاح ~~الأجير من جراء كرائه الأرض لهو سلب لعمله من مالك ~~لم يعمل وله مصدر رزق آخر في المدينة. وإذا كان ~~القدماء قد عرفوا الذهب والفضة والنحاس والحديد، فقد ~~عرفنا نحن النفط الذي تنطبق عليه نظرية الركاز؛ أي إن ~~كل ما في باطن الأرض ملك للأمة، وليس لأمير أو قبيلة ~~أو نظام. وقد تفاوتت الدخول بين الأغنياء والفقراء ~~لدرجة التفاوت بين السماء والأرض؛ مما تطلب إعادة ~~توزيع الدخول بين المسلمين. # 85 # أما أحكام الحدود فليس القصد منها تخويف ~~المسلمين وإرهابهم من الشريعة الإسلامية، أو حماية ~~الأغنياء من غضب الفقراء، أو تطبيقها عليهم وحدهم دون ~~الشرفاء، وليس صلبها حد الزاني وشارب الخمر، بل حد ~~السارق والقاهر والظالم؛ فقد أتت الشريعة لاسترداد ~~حقوق الضعفاء من الأقوياء. وإن الهدف من الحد هو البحث ~~الاجتماعي أولا قبل تطبيقه لمعرفة السبب؛ فقد يكون ~~هناك مانع من تطبيقه. # 86 # أما المحرمات والمباحات فليس المقصود ~~منها تكبيل الطبيعة بالأغلال، بل العودة إلى البراءة ~~الأصلية في المباحات، والتعبير عن مقتضيات الطبيعة في الواجبات. # 87 # وإن أحكام الأحياء في النهاية من مأكل ~~ومسكن وملبس لأولى من أحكام الأموات من غسل وكفن ودفن. # 88 # | الفصل العاشر: مستقبل الإنسانية (المعاد) # | أولا: وضع المشكلة # مستقبل الإنسانية هو الشق الثاني من التاريخ العام بعد ~~الشق الأول؛ النبوة. وإذا كانت النبوة تعني ماضي الإنسانية، ~~فإن المعاد يشير إلى مستقبل الإنسانية. والماضي والمستقبل، ~~البداية والنهاية، كلاهما جانبان للتاريخ العام؛ إذا كان ماضي ~~الإنسانية يمثل حركة الذهاب، فإن مستقبل الإنسانية يمثل ~~حركة الإياب؛ وإذا كانت النبوة تمثل فعل الله في التاريخ من ~~خلال الأنبياء، فإن المعاد يمثل فعل الله في التاريخ من خلال ~~الشهداء؛ وإذا كان ماضي الإنسانية يتحدد في الزمان، فإن ~~مستقبلها يكون أقرب إلى أن يتحدد في الخلود. الدنيا بداية ~~الآخرة، والآخرة نهاية الدنيا، والانتقال من أحدهما إلى الآخر ~~هو الانتقال ms183 من الحياة الدنيوية إلى الحياة الأخروية، وما ~~الموت إلا لحظة الانتقال من الحياة الأولى إلى الحياة ~~الثانية. ~~(1) هل هو أصل مستقل؟ # مستقبل الإنسانية أو المعاد موضوع يتلو طبيعيا موضوع ~~النبوة؛ فالنبوة تتعلق بماضي الإنسانية وتاريخ وعيها ~~تطورا واكتمالا، في حين يتعلق المعاد بمستقبل الإنسانية ~~ونتائج أفعالها المستقلة؛ الحرة العاقلة. كلاهما تاريخ ~~عام؛ الأول تاريخ الماضي والثاني تاريخ المستقبل. الأول ~~تاريخ تحقق في حين أن الثاني تاريخ لم يتحقق بعد، ولكنه ~~في سبيل التحقق. فالمعاد نهاية النبوة ومستقبلها، والنبوة ~~بداية المعاد وماضيه. موضوع مستقبل الإنسانية أو نهاية ~~العالم، أي المعاد، يأتي بطبيعة الحال بعد تطور الوحي ~~وتاريخ الإنسانية الماضي كدرس ثان فيها؛ الأول بفعل ~~الأنبياء والثاني بفعل الشهداء، وكأن النبوة لها معنيان: ~~الأول تحققها كنظر، والثاني تحققها كعمل. التحقق الأول ~~في الماضي قام به الأنبياء، والثاني في المستقبل يقوم به ~~الشهداء. التاريخ إذن متصل من الماضي إلى المستقبل، ~~متحقق بالفعل وممكن التحقق من جديد. وفي هذه الحالة لا ~~يكون مستقبل الإنسانية أو المعاد موضوعا مستقلا عن ماضي ~~الإنسانية أي النبوة، فتدخل أمور المعاد على أنها جزء من ~~النبوة، فكلاهما من السمعيات. # 1 # وقد يكون الموضوع مع موضوع آخر، وهو النظر والعمل؛ أي مع ~~الأسماء والأحكام نظرا لارتباطهما معها، فأفعال الاستحقاق ~~هي أفعال الإيمان والعمل، أفعال الإقرار والتصديق، وأمور ~~المعاد ما هي إلا نتيجة لها. وفي هذه الحالة يكون مستقبل ~~الإنسانية مشروطا بحاضرها، ويكون التاريخ العام تحققا ~~للتاريخ المتعين ابتداء من أفعال الاستحقاق للفرد. ولما ~~كانت أفعال الفرد هي أفعال الاستحقاق؛ أي الأفعال الحرة ~~العاقلة، ارتبط الموضوع أيضا بأفعال الشعور الداخلية مثل ~~الإيمان والكفر، والتوفيق والهداية والخذلان والضلال. # 2 # وقد يعود الموضوع إلى الحسن والقبح العقليين والعقل ~~الغائي والصلة بين العقليات والسمعيات والفرق بين الوجوب ~~والإمكان؛ أي إلى أصل العدل في العقليات؛ فقانون الاستحقاق ~~الذي ينبني عليه مستقبل الإنسانية نتيجة للحسن والقبح ~~العقليين وتوليد الأفعال لنتائجها توليدا طبيعيا؛ ~~فإذا كانت الأفعال حسنة أو قبيحة في ذاتها، فإن إثابة ~~المطيع وعقاب العاصي شيء ms184 حسن في ذاته، كما أن عقاب ~~المطيع وإثابة العاصي شيء قبيح في ذاته. والموضوع مرتبط ~~بالغائية والغرض؛ لأن نفي الاستحقاق يقوم على نفي الغاية ~~والغرض، في حين أن إثبات الاستحقاق يقوم على إثبات الغاية ~~والغرض. وهو مرتبط أيضا بمسألة السمع والعقل؛ فكثيرا ~~ما توضع مسائل الثواب والعقاب مع السمعيات، وإذا ما ~~ألحق قانون الاستحقاق بالسمعيات لم يعد قائما على ~~العقل؛ وبالتالي ينتفي القانون ذاته. وقد يرتبط الموضوع ~~بالوجوب والجواز؛ تدخل أمور المعاد ضمن الواجبات؛ فالله لا ~~يجوز عليه الكذب، والخلف كذب، وهو الكذب النظري؛ أي ~~الإخبار بشيء غير واقع، وهو الكذب العملي أيضا؛ أي ~~الإخبار بشيء على أنه سيفعله في المستقبل ثم لا يفعله، ~~سواء كان هذا الواجب شرعيا أم عقليا. وعند المتأخرين ~~يدخل في الجواز؛ إذ يجوز على الله الترك والفعل، ويجوز ~~عليه عقاب المطيع وثواب العاصي؛ فالاستحقاق يدخل في الجواز ~~لا في الواجبات، مثل ثواب المطيع وعقاب العاصي، ولا في ~~المستحيلات، مثل عقاب المطيع وثواب العاصي. # 3 # وقد يرتبط موضوع المعاد بصفة الكلام في التوحيد؛ أي في ~~الأصل الأول من العقليات؛ فالمعاد خبر، والخبر قول أو ~~خطاب، وكلاهما كلام. ويتأرجح الحديث في الكلام بين الكلام ~~كصنعة أزلية، أو الكلام للخطاب مثل الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار. الأول موضوع ديني عقائدي في التوحيد، والثاني ~~موضوع علمي لغوي في النبوة كرسالة. # 4 # وقد يبدو الموضوع كأصل مستقل هو «الوعد والوعيد»، أحد ~~الأصول الخمسة بعد التوحيد والعدل؛ فإذا كان الأصل الأول ~~للتوحيد قد ضم موضوعي الذات والصفات، وكان الأصل الثاني ~~العدل قد احتوى على موضوعي خلق الأفعال والحسن والقبح ~~العقليين، يكون الأصل الثالث وهو الوعد والوعيد يشير ~~إلى أمور المعاد؛ نظرا لأنهما يتعلقان بأحكام الأفعال من ~~حيث نتائجها في التاريخ واستمرارها فيه بعد الموت؛ لذلك ~~ارتبط موضوع الوعد والوعيد كأصل من الأصول الخمسة بالمعتزلة، # 5 # في حين ارتبط موضوع المعاد بالأشاعرة. ويتداخل ~~مع أصل العدل سواء في خلق الأفعال أو في الصلاح والأصلح؛ ~~فالإرادة المطلقة لا تمنع من اختراق الحرية الإنسانية ~~لها. ms185 وإذا كان الوعد والوعيد نتيجة للتكليف، فإن التكليف ~~قائم على العقل وحرية الاختيار. وقد تسمى «علوم» الوعد ~~والوعيد لأنها تشمل عدة موضوعات تتناول الأصلين ~~العقليين؛ التوحيد والعدل، وباقي الموضوعات السمعية ~~كالنبوة والأسماء والأحكام. وقد يتركز الوعد والوعيد على ~~أحد موضوعاته، مثل الاستحقاق لو أنه في العقائد المتأخرة ~~يرتكز على السمعيات؛ أي على تشخيص الاستحقاق بعد نفيه ~~كمبدأ عقلي. # 6 # ويقوم تحديد الوعد والوعيد على النفع والضرر، وهما ~~مقياسان للتشريع بالإضافة إلى مفهوم المستقبل كمكان ~~للحدوث؛ فهما لا يعنيان الثواب والعقاب في الحال، بل في ~~المآل، وليسا مجرد مكافأة أو عقاب، بل استمرار لمقياس ~~النفع والضرر في الشريعة. فأفعال الاستحقاق هي أفعال وردود ~~أفعال؛ أفعال مباشرة وأفعال متولدة، مقدمات ونتائج، ~~علل ومعلولات. فإذا كانت أفعال الدنيا هي الأفعال ~~المباشرة، فإن الوعد والوعيد يمثلان الأفعال المتولدة ~~أو ردود الأفعال أو نتائج الأفعال أو معلولات الأفعال ~~الأولى باعتبارها عللا لها. لا يوجد فعل إلا وله رد فعل، ~~ليس فقط في الحال، وهو موضوع الشريعة أو علم أصول الفقه، ~~بل أيضا في المآل، وهو موضوع العقيدة؛ أي علم أصول الدين. # 7 # ويشتمل موضوع المعاد على قسمين رئيسيين: الأول كل ما ~~يتعلق بقانون الاستحقاق نفيا أو إثباتا، وهل يجوز فيه ~~الخصوص أو الاستثناء أو الشفاعة أو الولاية والعداوة أو ~~الموافاة البشارة وشروط التوبة. والثاني تطبيق هذا المبدأ ~~في الحياة بعد الموت؛ وبالتالي كل ما يتعلق بالمعاد ~~الجسماني أو الروحاني وحياة القبر وعلامات الساعة، واليوم ~~الآخر وما فيه من حساب وميزان وصحف وكتبة وإنطاق للجوارح ~~وصراط وحوض، وجنة ونار، إلخ. فالقسم الأول هو قانون ~~الاستحقاق الذي طبقا له سيتم الحساب، الجزء الثاني عملية ~~الحساب ذاتها. الأول هو القانون، والثاني هو الاتهام ~~والمرافعة والحكم والتنفيذ. ولا يأتي الثاني قبل الأول؛ ~~لأن العلم بالقانون شرط المساءلة. # 8 ~~(2) أفعال الاستحقاق # وأفعال الاستحقاق هي أفعال الشعور الخارجية الحرة ~~العاقلة، وليست أفعال الشعور الداخلية أو أفعال الاضطرار ~~التي لا تتوافر فيها الحرية أو العقل كأفعال الصبية ~~والمجانين وأفعال النائم والساهي. وقد ms186 كانت حرية الإرادة ~~وكمال العقل من مكتسبات العدل الذي تولد من التوحيد، ~~وكان استقلال الوعي الإنساني الفردي من مكتسبات النبوة؛ ~~أفعال الاستحقاق إذن هي أفعال كل فرد حر وعاقل ومسئول. ~~القادر على النظر والعمل هو الإنسان الواعي الحر العاقل، ~~وليس الطفل أو الصبي أو المجنون أو الذي ينتسب إلى آبائه ~~أو قومه أو عشيرته؛ فيكون مثلهم إيمانا أو كفرا، طفلا ~~أو بالغا. كل نفس بما كسبت رهينة، وكل إنسان قد ألزم ~~طائره في عنقه، ولا تزر وازرة وزر أخرى. أفعال الأطفال ~~والصبية ليست أفعال استحقاق؛ وبالتالي لا يستحقون العقاب ~~في النار أو في غيرها. فليس أطفال المشركين في النار مثل ~~آبائهم؛ لأنهم لم يبلغوا بعد مرحلة البلوغ وسن التكليف. ~~وكيف يتحول الطفل من الكفر إلى الإيمان حتى يصح له الثواب، ~~أو من الإيمان إلى الكفر حتى يستحق العقاب؟ وهل يتحمل ~~الطفل جريرة أبيه ؟ وما ذنب طفل كفر أبوه فيدخل النار ~~مثله، في مقابل طفل آخر آمن أبوه فيدخل الجنة مثله؟ إذا ~~كان الأبوان مسئولين عن إيمانهما وكفرهما، فأين تقع ~~مسئولية الطفلين؟ وأين تكافؤ الفرص بالنسبة لهما؟ وماذا ~~لو شب الطفل وبلغ وأدرك وأنكر دين آبائه وارتد عنه وآمن ~~بعد كفر ولكنه اخترم قبل أن يبلغ أشده؟ وماذا لو شب الطفل ~~من أب مؤمن ثم كفر بعد البلوغ وكمال العقل ولكنه اخترم ~~وهو صغير؟ هنا يظهر ارتباط إيمان الأطفال بالصلاح والأصلح ~~من جديد؛ مما يدل على استحالة تأسيس السمعيات دون ~~العقليات. وكيف يظل أطفال المؤمنين مؤمنين أطفالا بالغين ~~حتى يكفروا، ويظل أطفال الكفار كفارا أطفالا وبالغين حتى ~~يؤمنوا، وليس لديهم الوعي الحر العاقل المسئول الذي به ~~يمكنهم أن يتحولوا من الإيمان إلى الكفر أو من الكفر إلى ~~الإيمان؟ فإذا ما تحول أطفال المؤمنين بعد البلوغ وكمال ~~العقل والإدراك من الإيمان إلى الكفر، وإذا ما تحول ~~أطفال الكافرين بعد البلوغ وكمال الإدراك والعقل من الكفر ~~إلى الإيمان، فإن هذا التحدي الأخير هو فعل الاستحقاق؛ ~~لأنه الفعل الحر العاقل وليس الفعل السابق. وإن ms187 ممارسة ~~الأطفال الشرائع مثل أبويهم قبل مرحلة البلوغ وكمال ~~العقل إنما تتم تقليدا وتبعية، وإيمان المقلد لا يجوز، ~~والتقليد ليس طريقا إلى المعرفة كما وضح ذلك في نظرية ~~العلم. وكما يدان الكافر المقلد # إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون ~~، كذلك لا يؤخذ ~~بإيمان المؤمن المقلد؛ فالنظر أول الواجبات كما وضح ذلك ~~أيضا في نظرية العلم. وماذا لو تحول الأبوان وهما ~~عاقلان بالغان من الكفر إلى الإيمان أو من الإيمان إلى ~~الكفر؛ هل يتحول أطفالهما معهما من الكفر إلى الإيمان أو ~~من الإيمان إلى الكفر، وهم لا يعرفون ما الإيمان وما ~~الكفر؟ ألا يكون ذلك أخذ فرد بجريرة آخر، وتحميل غير ~~العاقل البالغ مسئولية العاقل البالغ؟ # 9 # وإذا كان من الطبيعي أن يدعى الأطفال إلى ~~الإسلام بعد البلوغ وكمال العقل، فمن غير المعقول أن يصدر ~~حكم عليهم بالبراءة منهم قبل البلوغ وهم غير مدركين وغير ~~عاقلين وغير بالغين. والأقرب إلى العقل الحكم ببراءتهم ~~وليس بالبراءة منهم، الحكم بموالاتهم وليس بعداوتهم، وإلا ~~ففيم كان الحكم الشرعي في حالة الحرب بتحريم قتل الأطفال ~~والنساء؟ فالأطفال لم يبلغوا بعد ولم يصلوا إلى كمال ~~العقل، والنساء يطعن أزواجهن في الغالب إيمانا وكفرا. ~~ولا يكفي البلوغ وحده، بل لا بد من كمال العقل؛ فالبلوغ ~~العضوي قد لا يصاحبه كمال العقل، وقد يأتي كمال العقل ~~قبل البلوغ العضوي. # 10 # وكيف يحكم على الأطفال بأنهم مؤمنون أطفالا ~~وبالغين طبقا لإيمان آبائهم، أو بأنهم كافرون أطفالا ~~وبالغين طبقا لكفر آبائهم، وتتم التسوية بين الطفولة ~~والبلوغ، بين اللاعقل والعقل؟ وما دور البلوغ والعقل إذا ~~صدر حكم بعدهما؟ وبناء عليهما فكيف يصدر حكم مخالف ~~قبلهما وطبقا لأي مقياس سوى التقليد؟ # 11 # إن وعي الإنسان لا يحدث بالتقليد أو بالوراثة، ~~بل بالإدراك والتمثل والاختيار العاقل. ويزداد الأمر خطورة ~~في الفقه المترتب على الحكم على الأطفال بالإيمان والكفر ~~فيما يتعلق بالدية والميراث؛ فقتل الطفل الكافر لا دية له ~~ولا يرث ولا يورث؛ وبالتالي تستباح دماء الأطفال ~~وأموالهم وممتلكاتهم أخذا بجريرة ms188 الآباء. والحقيقة أن ~~الوصول في الحكم على الأطفال إلى حد استباحة دمائهم ~~وأموالهم إنما يرجع في حقيقة الأمر إلى أطفال المخالفين ~~الذين استباحوا دماء أطفال مخالفيهم؛ واحدة بواحدة، وطفلا ~~بطفل. إن قتل غير البالغ العاقل جريمة يحرمها الشرع؛ ~~لأن أفعاله خارجة عن الاستحقاق. # 12 # والحقيقة أن الاعتماد على الحجج النقلية لا يبرر ~~الحكم بأخذ الأطفال بجريرة الآباء؛ فالحجة النقلية لا ~~تعطي الظن لخضوعها للتأويل ولقواعد التفسير ولمنطق اللغة ~~من محكم ومتشابه، ومجمل ومبين، وخاص وعام، وظاهر ~~ومؤول، وحقيقة ومجاز، ولشتى صيغ الخطاب؛ فالخبر غير ~~الأمر أو النهي، والقصص غير التشريع. إن الحكم بالإيمان ~~والكفر لا يكون إلا على العقلاء البالغين، والأطفال ليسوا ~~كذلك؛ فلا سبيل إذن إلى التفرقة بين أطفال المؤمنين وأطفال ~~المشركين في الدنيا أو في الآخرة، ولا ضير أن يرث الأطفال ~~فيما بينهم في الدنيا أو أن يوجدوا معا في الآخرة، لا ~~فرق بين مؤمن وكافر؛ لأنهما حكمان لا ينطبقان عليهم. وإن ~~كثيرا من هذه الحجج النقلية معارضة بأخرى تؤكد ~~المسئولية الفردية، مثل: # وإذا ~~الموءودة سئلت * بأي ~~ذنب قتلت ~~، وغيرها من الآيات المماثلة. # 13 # ونظرا لصعوبة الحكم بعذاب الأطفال وبأخذهم بجريرة ~~آبائهم، فقد يترك الأمر اختيارا لله، إن شاء عذب وإن ~~شاء غفر، لا عن طريق الاستحقاق ولا عن طريق الانتقام، بل ~~لأنه صاحب المشيئة والإرادة. وهذا تخل عن قانون ~~الاستحقاق وعن أصل العدل وإرجاع المسألة إلى التوحيد، إلى ~~صفة الإرادة. وإذا ما كان أطفال المؤمنين في الجنة، فليس ~~لأن آبائهم مؤمنون، بل لأنهم أطفال لم يبلغوا ولم يصلوا ~~بعد إلى الأمر والتكليف. # 14 # وكيف يؤجج الله نارا فيأمر الأطفال ~~باقتحامها، فإن فعلوا استحقوا الجنة وإن لم يفعلوا استحقوا ~~النار؟ وكيف يدخل الأطفال النار ثم يخرجون منها إلى الجنة؟ ~~هل هو عقاب أم ثواب؟ ولماذا يعاقب من لا يقحم نفسه في ~~النار ويلقي بنفسه إلى التهلكة وهو غير مكلف؟ وعلى أي ~~أساس تتم التفرقة بين الأطفال؛ بين من يرمي نفسه في النار ~~ومن يحجم عنها؟ وأين الخوف الطبيعي؟ ms189 وأي طفل سيلقي نفسه ~~في النار؟ وهل للطفل إرادة عاقلة واختيار حر يختار بهما ~~بين الإقدام والإحجام؟ وهل يمتحن الله الأطفال بعد ~~الاخترام وقبل التكليف وبعد انقضاء الزمان؟ إن ذلك ~~الامتحان لا يحدث للبالغين ولا للذين لم تبلغهم دعوة ~~الإسلام؛ فامتحان البالغ المكلف في الدنيا وليس في الآخرة، ~~والذي لم تبلغه دعوة الإسلام غير مكلف، وأفعاله خارج ~~الاستحقاق بالرغم من إمكانية العاقل الوصول إلى أصلي ~~التوحيد والعدل. # 15 # وقد يغالي البعض الآخر في قدرات الطفل على المعرفة ~~والتمييز، ويجعله قادرا على إعمال عقله وعلى الوصول إلى ~~أصلي التوحيد والعقل، فإن استطاع نال الثواب وإن عجز نال العقاب! # 16 # وكرد فعل على تكفير الأطفال وعقابهم على ~~كفرهم بناء على كفر آبائهم، قد يجعل البعض إيمان الأطفال ~~وراثيا من عهد الذر الأول! فيولد الأطفال مؤمنين، ~~سواء ولدوا من مؤمنين أو كفار منذ قولهم «بلى» الأولى، ~~ومن مات منهم قبل البلوغ دخل الجنة، وفي هذه الحالة أيضا ~~تنتفي المسئولية الفردية؛ لأن الإيمان وراثة حدث قبل سن ~~البلوغ وكمال العقل. وماذا يحدث لو بلغ الطفل وكفر وأبواه ~~مؤمنان، أو إذا آمن وأبواه كافران؟ كيف يتحول البالغ ~~العاقل من الكفر إلى الإيمان أو من الإيمان إلى الكفر وقد ~~كان الإيمان ضرورة أولى وواقعة كونية لا يمكن التحول عنه ~~بفعل إرادي حر؟ # 17 # وقد يحاول البعض التخلص من المأزق كلية ~~بتحريم دخول الأطفال مؤمنين أو مشركين الجنة أو النار، بل ~~يصيرون ترابا؛ لأنهم أقرب إلى الكائنات الطبيعية غير ~~المكلفة، وهو أقرب إلى العقل، إلا أنه ينكر قيمة ~~الحياة التي تظهر في براءة الطفل وضحكته وحب الناس له ~~وتضحية الوالدين في سبيله. # 18 # والأقرب إلى العقل في هذا كله أن الأطفال ما داموا غير ~~مكلفين، فإنهم لا يستحقون ثوابا ولا عقابا. ولما كان ~~العقاب أقسى وأخطر، فالعقاب خطأ أشد من الثواب خطأ؛ ~~فإن الأطفال لا يكونون في النار حتى يبلغوا ويصلوا إلى ~~كمال العقل والقدرة على التمييز، وتصبح أفعالهم أفعال ~~استحقاق. ليس المهم في أي مكان يذهبون ms190 في الآخرة، ولكن ~~المهم هو أنهم ليسوا في النار. وإذا تساوى الثواب والعقاب ~~فالله إلى الثواب أقرب، وإن تساوى الاستحقاق بين الجنة ~~والنار فالإنسان إلى الجنة أقرب. لا يستحق الطفل موالاة أو ~~عداوة قبل البلوغ وكمال العقل، ولكن نظرا لأنه طبيعة فإنه ~~يكون قبل البلوغ إلى الموالاة أقرب. # 19 # لذلك كان الأقرب إلى العقل والطبيعة أن يكون الأطفال في ~~الجنة، لا ثوابا ولا تفضلا، بل لأن ذلك أقرب إلى ~~الخير، والطبيعة خيرة والعقل فياض معطاء، ولا فرق في ذلك ~~بين أطفال المؤمنين وأطفال الكافرين؛ فكلاهما لم يبلغا ولم ~~يحدث لهما كمال العقل وهو شرط التكليف، خاصة إذا كانت ~~المعارف كسبية نظرية استدلالية، والنظر ليس مشروطا ~~بالبلوغ؛ النظر بلوغ عقلي في حين أن البلوغ كمال جسدي. ~~وأهم ما يصل إليه النظر هو العقليات؛ أي أصلا التوحيد ~~والعدل، إثبات الذات والصفات، وإثبات الحرية والعقل، ولا ~~يهم بعد ذلك تفريعاتها ودقيقاتها. وقد يكون النظر بخاطر ~~وقد لا يكون، على ما هو معروف في نظرية العلم في المقدمات ~~النظرية الأولى. # 20 # وقد يضاف أصل الوعد والوعيد، والحقيقة أنه من ~~السمعيات وليس من العقليات، مثل النبوة والإيمان والإمامة ~~عند القدماء. وهذا لا يمنع من تصور الأفعال حسنة في ~~ذاتها أو قبيحة في ذاتها، أو أن لكل فعل نتيجة واستمرارا، ~~وأن نتائج الأفعال من جنسها، وتلخيص ذلك كله في قانون ~~الاستحقاق أو في الواجب العقلي؛ فلا يحسن الفعل لأجل ~~الثواب ولا يقبح العقاب، بل لأجل الوجوب العقلي. وإن كانت ~~الموضوعات سمعية فالنظر فيها ضروري في الحالة الثانية أو ~~في الحالة الثالثة بمجرد سماعها في الحالة الأولى، # 21 # ولكن يظل أصل المعارف معرفة النفس؛ أي معرفة ~~الذات ثم معرفة أصلي التوحيد والعدل. ولا تعارض بين كون ~~الأطفال في الجنة، لا فرق بين مؤمنين وكافرين، وبين ~~استحقاقهم للثواب والعقاب طبقا للإيمان والكفر بعد تمام ~~العقل؛ فالعقل شرط التكليف. فإذا كان عاقلا ولم يصل إلى ~~التوحيد والعدل؛ أي إلى أصلي العقليات، استحق العقاب، بل ~~ودوام العقاب؛ فكمال الإنسان في ms191 تمام العقل، وليس بالضرورة ~~في وقت البلوغ؛ فقد يكون العقل تاما قبل البلوغ، وقد يقع ~~البلوغ ولا يحصل تمام العقل. # 22 # بل إن الكمال العقلي شرط البلوغ الجسدي في ~~الشرع، ولا تقبل صلاة المجنون أو الساهي أو النائم حتى ~~ولو بلغ الحلم، ولا تختلف الفرق في كون العقل شرط ~~التكليف، أو في القول بالمعارف العقلية وبأصلي التوحيد ~~والعدل، إنما الخلاف فقط في كون هذه الأصول عقلية أم ~~شرعية؛ لذلك يبطل عذاب الأطفال أخذا بجريرة الآباء ~~بطلانا شرعيا؛ لمعارضته نصوص الوحي الجلية، وعلى هذا ~~إجماع الأمة؛ فالإنسان مؤاخذ بعد الفعل وليس قبل الفعل، ~~وإذا كان مؤاخذا بعد الفعل، فكيف يكون مؤاخذا قبله ~~والفعل لم يتم بعد؟ وإذا كان الإنسان يولد على الفطرة، ~~وكانت الفطرة دين العقل والطبيعة وهو دين الحنفاء، فإن ~~الصبي والمجنون كليهما يموتان عليه؛ وبالتالي يموتان ~~مؤمنين، ويكون مكانهما الجنة، ولا ينطبق ذلك إلا على ~~البشر، دون غيرهم من الموجودات الحية الأخرى؛ الملائكة أو ~~الجن أو الشياطين. فالملائكة لا يتوالدون ولا أطفال لهم، ~~والجن والشياطين إن كانوا يتوالدون فإنهم غير مكلفين ~~مثلنا برسلنا ووحينا وشريعتنا، ولا ينفي ذلك كون الجنة دار ~~جزاء على الأعمال؛ لأنها أيضا دار تفضل لما كان الخير ~~أقرب إلى العقل والطبيعة، ولا يهم ماذا يفعل الأطفال في ~~الجنة؛ هل خدامها أم سادتها؟ بل دلالة ذلك على العدل ~~وتطبيق لأصله طبقا لقانون الاستحقاق. # 23 # وينتج عن ذلك فقه عملي في الدنيا؛ إذ يدفن ~~المؤمنون من أطفال المشركين في مقابر المسلمين، ويحال ~~بينهم وبين أبويهم، ومع ذلك يجعل لهم من أموالهم. ولو ~~بلغوا وكانوا على دين آبائهم لم يكونوا مرتدين. ولو ~~كانوا من آباء مسلمين ثم ارتدوا بعدما بلغوا فلم يكونوا ~~مرتدين لبقائهم على الأصل. ولو أسلم أحد أبويهم كانوا ~~على دينه؛ فدين الطفولة إلى إسلام البالغين أقرب. # 24 # وكما تتطلب أفعال الاستحقاق البلوغ وكمال العقل، فإنها ~~أيضا تتطلب القصد والنية. والطاعة التي لا يراد الله بها ~~ليست فعل استحقاق؛ فالأعمال بالنيات، والعمل غير المشروط ~~بالنية لا ms192 يكون استحقاقا، فإن أتى صاحب الهوى والزنديق ~~بأفعال حسنة دون قصد منه وهو في كفره، فهي لا تعتبر ~~كذلك؛ لأن النية هي شرط استحقاق الفعل. وإذا ما أتى صاحب ~~الهوى أو الزنديق بفعل حسن لأنه حسن في ذاته فتلك نية ~~وقصد، وتكون فعل استحقاق بالرغم من الكفر النظري، وذلك مثل ~~أفعال أهل الكتاب الحسنة التي يؤجرون عليها ويستحقون ~~عليها الثواب، بالرغم من اضطرابهم في أصلي التوحيد ~~والعدل، وقولهم بالتثليث والتجسد في التوحيد، وبالخطيئة ~~والخلاص في العدل. وإن كفر المجوسي لإيمان المجوسي ~~بمجوسيته لا يعني طاعته لله لكفره بسائر الديانات الأخرى، ~~فتلك الطاعة بالمصادفة والتبعية وليست بالقصد والنية. ولا ~~حتى النظر والاستدلال الأول يكون طاعة لله إن لم يكن الهدف ~~منه معرفته والقصد إليه. النظر والتوجه إلى الموضوع من ~~شروط صحة النظر، وإن إعلاء قيمة النظر لا يكون بالتعرف على ~~موضوعه بالمصادفة، بل بالقصد إليه وجعله أول الواجبات. # 25 # كما لا تدخل في أفعال الاستحقاق أفعال الخطأ ~~والسهو؛ لأنه ينتفي منها القصد والنية، في حين أن الإصرار ~~على أي ذنب كفر. فعل الاستحقاق إذن هو الفعل القائم على ~~الإرادة والقصد مع سبق الإصرار وعقد العزم. # 26 # ولا تلزم أفعال الاستحقاق إلا من بلغته ~~الدعوة، ومن لم تبلغه الدعوة فإنه معذور غير مسئول؛ لذلك ~~كان أحد واجبات الرسول التبليغ، وكان اسمه مشتقا من ~~الرسالة؛ أي حامل البلاغ والإعلان. فكل من بلغته الرسالة ~~أصبحت أفعاله أفعال استحقاق في أي ركن من الأرض كان وأصبح ~~مكلفا، ومن لم تبلغه الدعوة كان معذورا بجهله وغياب ~~معرفته، وإذا كانت أفعال الأطفال خارج الاستحقاق فإن ~~بلوغهم الدعوة وعدم فهمها يعادل عدم بلوغها، بالرغم من ~~القدرة على فهمها. # 27 # أفعال الاستحقاق إذن هي أفعال البالغين كاملي ~~العقول، أفعال القصد والنية بعد التبليغ، وليست أفعال ~~الصبية والمجانين وأفعال السهو والخطأ والنسيان أو من لم ~~تبلغه الدعوة، هذه الأفعال وحدها هي التي ينطبق عليها ~~قانون الاستحقاق. الأفعال القابلة للحكم هي الأفعال ~~المؤثرة المقصودة، القائمة على التدبر والروية، وتتوافر ~~فيها النية ms193 الحسنة أو السيئة. وصاحب الفعل هو المكلف ~~الحر العاقل البالغ. وهي الأفعال المستحقة المدح والذم ~~وما يتبعهما من الثواب والعقاب؛ فالفعل قد يقبل المدح فقط ~~دون أن يترتب عليه ثواب، وقد يقبل الذم فقط دون أن يترتب ~~عليه عقاب؛ فالاستحقاق إذن على درجتين؛ الأولى استحقاق ~~عند الناس وهو المدح والذم، والثاني استحقاق عند الله وهو ~~الثواب والعقاب. # 28 # والاستحقاق يكون على الفعل وعلى الترك؛ فالترك ~~فعل سلبي لأن عدم الفعل فعل، والإمساك عن الفعل إتيان ~~لفعل، وإن منع الفعل عن التحقق هو تحويل له من الخارج إلى ~~الداخل، ومن الواقع إلى الإمكان؛ فعدم الفعل ليس فعلا ~~عدما، بل هو فعل شعور داخلي أو فعل إرادة تحيط بالشعور ~~وتمنعه من التخارج. فالثواب والعقاب على الفعل وعلى عدم ~~الفعل لأنهما فعلان مختلفان؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ ~~فالمندوب فعل والمكروه عدم فعل، والأول له ثواب، ثواب ~~الفعل؛ والثاني له أيضا ثواب مثل الأول، ثواب عدم الفعل. ~~فإذا كان الفعل حركة فإن عدم الفعل معنى؛ أي امتناع ~~الإرادة عن التحقق. فالإنسان غير الجماد في حالة عدم ~~الفعل؛ لأن عدم الفعل عند الإنسان فعل إرادي، في حين أنه ~~في الجماد سكون طبيعي. ولا يتشابه عدم الأفعال؛ فعدم ~~الإيمان ليس مثل عدم الكفر؛ الأول قبيح والثاني حسن. فإن ~~تشابها في الفعل الإرادي فإنهما متمايزان في الصفة؛ ~~فصفات الحسن والقبح موضوعية في الأفعال. # 29 # | ثانيا: قانون الاستحقاق # ويعني قانون الاستحقاق ثواب المطيع وعقاب المسيء، أو أن ~~الجزاء من جنس الأعمال. وهو قانون يشمل العقليات والسمعيات ~~معا؛ فالله لا يكذب ومن صفاته العلم لا الجهل؛ فالقانون تعبير ~~عن الذات والصفات؛ أي عن أصل التوحيد. كما أن الله عادل لا ~~يظلم؛ وبالتالي يكون القانون أيضا تعبيرا عن العدل ومن ~~مقتضيات العقول استنادا إلى الحسن والقبح العقليين. كما ~~يشمل السمعيات؛ فهو جزء من رسالة الأنبياء، وعليه سيتم ~~الجزاء في المعاد. كما أنه يقوم على ربط الإيمان بالأعمال، ~~سواء في الفرد أو في الحاكم؛ وبالتالي فإنه يشمل أيضا موضوع ~~الأسماء والأحكام ms194 وموضوع الإمامة آخر موضوعين في ~~السمعيات. ~~(1) هل يمكن نفي الاستحقاق؟ # إن نفي قانون الاستحقاق هو في واقع الأمر نفي للارتباط ~~الضروري بين الفعل ونتائجه، بين العلة والمعلول، وهو ما ~~ينافي الأمور العامة في نظرية الوجود في المقدمات النظرية الأولى. # 1 # فكل فعل يؤدي إلى نتيجة، كما أن كل علة تؤدي ~~إلى معلولها. وتكون نتائج الأفعال المقصودة من نوع الأفعال ~~ذاتها، كما تكون المعلولات من جنس عللها. الثواب إذن ~~نتيجة طبيعية للطاعة، والعقاب نتيجة طبيعية للمعصية، كما ~~أن الاحتراق نتيجة طبيعية للنار، والتجمد نتيجة طبيعية ~~للبرودة، لا فرق في ذلك بين قانون العقل وقانون الطبيعة. ~~قانون الاستحقاق إذن قانون عقلي، وهو في نفس الوقت قانون ~~طبيعي، ولا يمكن قلب القانون أو عكسه أو خرقه أو إيقافه ~~أو إبطاله، طالما أن هناك عقلا وطبيعة. ولا يعني ذلك ~~حتمية في السلوك الإنساني؛ فحرية الاختيار وخلق الأفعال ~~أحد مكتسبات العدل وهو من العقليات، ولا يمكن هدم ~~العقليات بالسمعيات، بل تتأسس السمعيات بالعقليات. # 2 # هدم قانون الاستحقاق إذن هو تدمير للطبيعة ~~وقضاء على السلوك الإنساني وإيقاع الاضطراب والعشوائية ~~فيه، وتأسيس الحياة الإنسانية على عدم الثقة والضياع ونقص ~~التوجيه وغياب التطلع إلى المستقبل. فكيف يعاقب المطيع ~~ويثاب العاصي؟ وكيف يوثق بالعقل وبالقانون إذا ما تم ~~تدميره في المستقبل؟ كيف يوثق بأي شيء؟ كيف يقضى على كل ~~ضمان وينزع كل اطمئنان؟ ليس المهم هو الإثابة أو العقاب، ~~بل أثر ذلك على الحاضر، وضياع ثقة المطيع بطاعته فيعصي، ~~واعتزاز المسيء بإساءته فيستمر فيها. وما دام الحال في ~~النهاية سواء بين المطيع والمسيء، وما دام الأمر سيقلب ~~فينال المثيب عقابه والمسيء ثوابه، ففيم الاستمرار في ~~الطاعة أو ترك العصيان؟ أليس ذلك استخفافا بالعقل وهدما ~~للحكمة الإلهية وقضاء على الشرائع؟ كيف يستطيع الإنسان أن ~~يعيش في عالم لا يحكمه قانون؟ كيف يعيش الإنسان حياته وهو ~~لا يضمن نتائج أعماله؟ # 3 # كيف يترك مصير الإنسان لمطلق المشيئة ~~والإرادة؟ كيف تترك الأفعال أمام احتمال تطبيق قوانين ~~متعارضة ومتناقضة، لو طبق أحدها كان ms195 ظلما ولو ~~طبق الآخر كان عدلا؟ صحيح أن الله حر الإرادة، ولكن ~~الإنسان أيضا قد فعل واجتهد ويريد أن يعرف مصيره طبقا ~~لعالم يحكمه قانون ثابت وعدل. وإذا كان ذلك معروفا في ~~الدنيا فيما يتعلق بالديات والكفارات، فالأولى أن يكون ~~معروفا في الآخرة حيث لا خطأ هناك ولا جور. وهل علاقة ~~الله بالإنسان علاقة المالك بالعبد؟ ألا توجد خطورة في ~~أن تتحول هذه العلاقة من المستوى الديني إلى المستوى ~~السياسي والاجتماعي، ويتحول كل مالك أو حاكم إلى إله وكل ~~إنسان إلى عبد مملوك يتصرف فيه المالك أو الحاكم كما يشاء؟ ~~أليس التصور، تصور السيد والعبد، تصورا إقطاعيا ~~خالصا، يفعل السيد مع العبد ما يشاء وليس للعبد أي حق، ~~حتى حق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية؟ وأين حق ~~الثورة؛ ثورة العبيد على الأسياد أو على الأقل حق حرية ~~العبيد وحق المساواة بين الناس؟ وكيف تكون العلاقة بين ~~القوي والضعيف مجرد إرادة القوي دون حقوق الضعيف؟ # 4 # وكيف يكون الثواب فضلا وليس استحقاقا، في ~~حين يكون العقاب عدلا واستحقاقا ؟ ولماذا يتم التفضل على ~~الإنسان إذا ما أعطي حقه أداء لواجبه، في حين يعطى إليه ~~استحقاقه من العقاب إذا ما تهاون فيه؟ وهل من شيمة الإله ~~التصدق بالثواب وفرض العقاب؟ ولماذا يجوز الابتداء بالثواب ~~دون الاستحقاق، في حين يكون الاستحقاق للعقاب فقط؟ بهذا ~~التصور يكون الله أقرب إلى الانتقام منه إلى العفو، وأكثر ~~رغبة في العقاب منه في الثواب، وكأن الله يتضجر بالطاعة ~~فيعطي الثواب تفضلا، ولكنه يتنعم بالمعصية فيعطي ~~العقاب استحقاقا وتشفيا! لماذا يكون الثواب فضلا ~~والعقاب عدلا؟ هذا تصور سوداوي وقاس لله. فلماذا لا ~~يكون كلاهما عدلا واستحقاقا؟ لماذا يقتر الله في الثواب ~~ويكون كريما في العقاب؟ أو لماذا يكون الثواب طبقا للكرم ~~والجود والإرادة، والعقاب طبقا لقانون الاستحقاق؟ إن ~~الأقرب إلى الألوهية هو العكس؛ أن يكون الثواب عن استحقاق، ~~أما العقاب فيتنازل الله عنه بالعفو. والعجيب أن يعرف ~~الأشاعرة بأنهم أهل الرحمة لا أهل العدل، في حين أنهم ~~أخذوا ms196 العدل فيما وجبت فيه الرحمة، وجعلوا الرحمة فيما وجب ~~فيه العدل. ولو أدخلنا الجنة من غير عمل لا نكون ~~مستحقين لها. والذي لا عمل له ولكن له كرامة لا يقبل ~~ثوابا تفضلا على شيء لم يفعله، كما يأخذ الجائزة الأولى ~~في سباق وهو آخر الفائزين! إن الثواب لا يكون تفضلا أو ~~إنعاما أو إحسانا، بل يكون استحقاقا، وإلا أصبح الإنسان ~~عبيد إحسانات الآخرين، ولأصبح الناس عبيد إحسانات الحاكم ~~«وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا»! إن نتائج أفعال الإنسان لا ~~تأتي من أعلى هبة ومنة، بل تأتي من أسفل كسبا ~~واستحقاقا، وإن حقوق الشعوب لا تكون منة وهبة من ~~الحكام، بل تكون استخلاصا لها منهم عنوة وقسرا بعد نضال ~~لأجله يطول لعدة أجيال وفي أعمار لعدة حضارات. هناك ارتباط ~~ضروري بين الطاعة والثواب لا يمكن فصله، وإلا لما كانت ~~هناك طاعة، ولما وجد الثواب طريقا إلى شيء يكون جزاء له. ~~ليس العقاب انتقاما من الله، بل مجرد نتيجة للفعل تحدث في ~~الدنيا، سواء قبل الموت أو بعده، لما كانت الحياة مستمرة. ~~وما الموت إلا نقطة بداية جديدة، وانتقال من فعل الفرد إلى ~~فعل الجماعة من خلال السنة والقدوة، والأثر والفكر. ومع أن ~~العقوبة إيلام إلا أنها زجر في الحاضر ورعاية مصلحة في ~~المستقبل، مع أنها إيلام للجاني إلا أنها تخفيف عن آلام ~~أخرى؛ إرشاد وإصلاح. فالعقاب من أجل العقاب إيلام وتشف ~~وغيظ. إنه ليصعب الخروج على تصور العدل، بأن يعاقب ~~الله بغير ذنب؛ فالواقعة لا تخرج من المبدأ ولا تعتمد ~~عليه. ولما كانت الواقعة لم تحدث بعد يظل المبدأ قائما ~~معلنا عنه في الخطاب. إن الفضل والعدل مبدآن متعارضان؛ ~~الفضل كرم، والعدل استحقاق. # 5 # وكيف لا يكون العمل علة الاستحقاق؟ وما البديل؟ الكرم ~~والجود؟ النسب والحسب؟ الإيمان الذي لا يتحقق في عمل؟ لا ~~يوجد مقياس آخر للاستحقاق أكثر عدلا من العمل. وإن كل ~~الحجج التي تقال لنفي العمل كمقياس للاستحقاق إنما ~~تصور قدرة الله فوق عدله، وإرادته فوق حكمته؛ فكيف تكون ~~قدرة ms197 الله على الترك مقياسا للعظمة والقدرة؟ كيف تغلب ~~الإرادة والقدرة على العدل؟ كيف يقضي التوحيد على العدل، ~~والعدل أحد مكتسباته؟ وإذا كانت الطاعة شكرا على ~~النعم، فإن الشكر فعل يستلزم الثواب. وليس الشكر بالفم ~~وحده، بل يكون بالفعل والطاعة والتمتع بالنعم دون ~~الإضرار بالنفس، ويكون الجحود فعلا يستوجب العقاب؛ فشكر ~~الله على النعم إذن لا ينفي العمل كأساس للاستحقاق بل ~~يؤكده؛ لأنه فعل يستحق الثواب كما أن الجحود فعل يستحق ~~العقاب. ولا يكون شكر الله مكافأة على النعم؛ إذ لا ~~يمكن مكافأة الله؛ فالله لا ينتظر مكافأة من أحد، وهي ~~مكافأة ضئيلة بالنسبة لعظم النعم، كما أن حياة الإنسان ~~ووجوده ليسا هبة من أحد عليه. إن الإنسان لا يعمل من أجل ~~النعم السابقة واستبقاء لها؛ فمهما عمل الإنسان فإنه لن ~~يوفي نعمة الحياة والوعي والعقل والإبداع حقها. وهذان ~~مستويان مختلفان بين المتناهي في الكبر وهو النعم، ~~والمتناهي في الصغر وهو شكر الإنسان. ونعم الحياة ليست ~~معطاة بل موجودة، ليست في مقولة الملكية بل في مقولة ~~الوجود؛ فهي أضخم بكثير من أن يمتلكها إنسان أو يهبها أحد. ~~ويخشى من التصور التجاري المحض: ما دام الإنسان قد استلم ~~البضاعة فعليه دفع الثمن، حتى ولو كان ثمنا بخسا لا يتفق ~~مع عظمة المشتريات. وهل الله في حاجة إلى شكر النعم؟ وهل ~~أفعال الإنسان شكر على النعم أم أداء للرسالة وتحقيق ~~للأمانة؟ إن فعل الإنسان لا يكون فرضا على الله، بل هو ~~احترام الله لفعل الإنسان واكتساب الإنسان لفعله من الله، ~~وهو أحد مكتسبات العدل من التوحيد. الإنسان حبيب الله ~~ومعشوقه، وخليله وصفيه، مخلوقه وكليمه، بدليل إرسال الوحي ~~إليه، وخلق الكون له، وجعله سيدا له، وتكريمه إياه في ~~البر والبحر، وتسخير المخلوقات لأجله. # 6 # إن وضع الإنسان في الحياة في حالة الثقة ~~بالنفس وضع من ذاته وليس كرما أو جودا من أحد، نتائج ~~عمله تأدية لواجباته ولا شكر على واجب. إن قانون الاستحقاق ~~لا يجوز إلا بين متكافئين، أما نعم الله والثواب عليها ~~فغير ms198 متكافئين؛ هذا شكر المنعم وليس الاستحقاق. لا ~~يعني الاستحقاق أن الثواب والعقاب يعودان على الله بنفع أو ~~ضرر، ولكن تزداد ثقة الإنسان بفعله وبنتائجه وبقوانين ~~الطبيعة وسنن الكون، فالله غني عن العالمين، وإنما أتى ~~الوحي لمصلحة الإنسان. # 7 # إن التكليف لا يتطلب بالضرورة القضاء على صفات ~~الأفعال الذاتية وموضوعية القيم، بل قد يكون التكليف ~~تأكيدا وإثباتا لها؛ مما يدل على ارتباط الأصول بعضها ~~ببعض. ولا تقضي موضوعية القيم على الحرية، بل على العكس هي ~~شرط لها؛ فموضوعية القيم تعطي الحرية ثباتا عمليا ~~واستقلالا نظريا، وتجعلها مباشرة في مواجهة موضوعها. ~~ولماذا يضيع جهد الإنسان ومشقته وتعبه بلا جزاء؟ ولماذا ~~تقع النتائج ابتداء دون مقدمات، كرما دون استحقاق، هبة ~~ومنة لا كسبا وتحصيلا؟ والعجيب أن يتجه إلى ذلك أنصار ~~الكسب، وإثبات الكسب هنا أولى من أجل الاستحقاق، وليس لسلب ~~الإنسان حريته وخلقه لأفعاله. كيف يحصل الإنسان على نتائج ~~فعله من غير تعب ولا نصب؟ ليست المشكلة هي القدرة على ~~العطاء، بل استحقاق العطاء. ليس الأمر من وجهة نظر الله، ~~بل من وجهة نظر الإنسان. وما فائدة العطاء لو كان جبرا ~~ومنة؟ وما قيمته لو كان من السيد إلى العبد؟ # 8 # لذلك ارتبط الاستحقاق بحرية الأفعال؛ ومن ثم ~~فثواب الملائكة ليس كثواب البشر، فالملائكة ليسوا أحرارا ~~وليسوا مكلفين مأمورين وطائعين، في حين أن البشر ~~مكلفون مأمورون ومنهيون بناء على تمتعهم بشروط ~~التكليف؛ حرية الأفعال وكمال العقل. فالإنسان وحده هو ~~الموجود الحر العاقل الذي اختار الرسالة لحملها، والأمانة ~~لتبليغها، والكلمة لتحقيقها. # 9 # وقد تؤخذ حلول وسط؛ إما باستحقاق العقاب والتفضل ~~بالثواب، أو باستحقاق الثواب والتنازل عن العقاب! والأول ~~انتقام وسوداوية وحقد وتشف وغضب، وكأن قانون العقل هو ~~قانون العقاب وحده، والثواب تفضل وتنازل وعطاء ومنة لا ~~يعرف إلا بالسمع. قد يكون ذلك في حق الغير ممكنا؛ ~~فالغير المسيء لي عقابه واجب عقلي لا تسامح فيه، في حين ~~أن ثوابه على فعل الطاعة لا يؤثر كثيرا فيها؛ لأن ~~الطاعة حسنة لذاتها وليس لثوابها، ولا يعفو ms199 الإنسان عن ~~المسيء له إلا بسمع، ولكن ألا يجعل ذلك السمع معارضا ~~للعقل ومناقضا له، بل وهادما إياه؟ وهل يكون أساس العقاب ~~وحده في العقل في حين أساس العفو أو الثواب بالسمع؟ وإذا ~~كان الأمر بالنسبة إلى النفس، فهل تود النفس توقيع العقاب ~~عليها عقلا وإرجاء الثواب إلى السمع؟ ألا يكون ذلك ~~تعذيبا للنفس إيلاما للذات؟ ولماذا لا يتنازل العقل عن ~~العقاب في حين يتنازل عن الثواب وكأن حق الآخر لا تنازل ~~فيه ولا يكون التنازل إلا في حق الذات؟ إذا كان العقل لا ~~يقبل الإساءة، فإنه قد يقبل التنازل عن الثواب إذا ما جاء ~~السمع به. هل هذه تضحية بالذات في سبيل الغير، أم أنه ~~تعذيب للذات بالإبقاء على عقابها والتنازل عن ثوابها؟ # 10 # أما الثاني وهو استحقاق الثواب والتنازل عن ~~العقاب فهو أقرب إلى الطبيعة الخيرة، وهو من شيم ~~القدرة على العفو، فالعفو عند المقدرة. والعقاب في النهاية ~~ليس غاية في ذاته بل وسيلة للإصلاح، وإذا ما تم صلاح الناس ~~يصبح العقل بلا داع أو هدف. فإذا ثبت الثواب بالعقل ~~فالعقاب ينظر فيه بالعفو؛ نظرا لإمكانيات الندم ~~والتوبة، وإن لم يتم الصلاح فالعقاب لا فائدة منه، وغرض ~~التكليف هو النفع، فإن لم ينتفع المكلف وعصى فقد فوت ~~على نفسه النفع وهو أكبر عقاب له، وتتوقف الغاية من العقاب ~~الأول. والله منزه عن إنزال العقاب بالناس إن فوتوا ~~صلاحهم في الدنيا، ولن يعود عليه شيء بالنفع إذا ما تم ~~العقاب. التعذيب في حد ذاته ضرر خال من المنفعة، والله ~~منزه عنه أو حتى عن النفع، بل العقاب والنفع إنما هما ~~لصالح الإنسان، وليس الدافع لتوقف العقاب هو خلق الله ~~للأفعال، فذاك ضد مكتسبات العدل؛ الحرية والعقل؛ فالعقاب ~~من نتائج التكليف. وقد يكون التنازل عن العقاب فضلا أو ~~تعبيرا عن الرحمة والقدرة. # 11 # ولكن في هذه الحالة تظهر عدة اعتراضات رئيسية، ~~منها افتراض الكذب في الخبر، أو تأويله بحيث يتبدل القول، ~~وتجويز عدم خلود الكفار في النار. وهي اعتراضات عقائدية ms200 ~~صرفة، جدلية دينية. # 12 # ولكن المهم هو الاعتراضات في التجربة ~~الإنسانية؛ فإذا كان إبقاء الثواب وإيقاف العقاب يعبران ~~عن نزعة إنسانية، وهي تجربة التسامح والعفو، فإنه أيضا ~~يكشف عن جانب آخر فيها، وهو رفض الإنسان العفو عن الظالم ~~والقاهر والمعتدي والقاتل، فذلك كله ضد العدل؛ فبقدر ما ~~يتضمن شعور المطيع العفو عن العاصي يتضمن أيضا الفرح ~~لعقابه، وبقدر ما في نفسه من رحمة وعطف بالناس بقدر ما ~~يحز في نفسه أيضا مرور الظالم بلا عقاب، والقاتل بلا ~~قصاص. صحيح أن المطيع أخذ ثوابه في الدنيا من تقدير الناس ~~واحترامه له، كما أخذ العاصي عقابه في الدنيا من تصغير ~~الناس له واحتقاره إياه، ولكن ماذا عن المؤمن المصاب ~~والعاصي الذي خلا من العقاب؟ ~~(2) إثبات الاستحقاق # الاستحقاق إذن قانون عقلي ثابت مثل القانون الطبيعي، ~~يثبته العقل وتؤكده التجربة البشرية، ولا تهم جهة ~~الوجوب هل هو وجوب شرعي أو وجوب عقلي؛ فالشرع يقوم على ~~العقل، والعقل أساس النقل. # 13 # وثبوت الاستحقاق شرعا من الأدلة الشرعية من ~~الكتاب والسنة والإجماع تأكيد على ثبوته عقلا وهو ~~القياس؛ فالاستحقاق ثابت نصا، وخطاب الله صادق لا كذب ~~فيه، بل تبدو الذات نفسها متحققة بصفاتها ومنها الرحمة؛ # كتب على نفسه ~~الرحمة ~~؛ ومن ثم لا خوف من وجوب ~~الاستحقاق على أنه إيجاب على الله وفرض عليه. وإن إثبات ~~الوجوب السمعي وحده يقضي على الغاية من التكليف، وهو إلحاق ~~النفع بالإنسان ودفع الضرر عنه، ويجعل التكليف بلا غاية ~~ولا غرض. ولا يقال لو أبقانا الله على العدم لاسترحنا، ~~فالإنسان بمحض حريته اختار الأمانة وحمل الرسالة، فهو أفضل ~~من السموات والأرض والجبال التي استراحت من عبء الرسالة ~~ومشاق التكليف. إن استحقاق العقاب يدل عليه السمع والعقل ~~معا. ولما كان العقل أساس السمع فوجوب الاستحقاق وجوب ~~عقلي، والوعد والوعيد قانون عقلي ثابت. وليس الوجوب الشرعي ~~والعقلي مجرد عادة أو تجربة بشرية متكررة، فالعادة تأكيد ~~لوجوب الشرع والعقل وليست بديلا عنهما. الشرع والعقل ~~تأكيد للطبيعة، والطبيعة تأكيد للشرع والعقل. # 14 # ولكن يظل العقل ms201 هو الأساس الذي ينبني عليه ~~العقل، والذي تؤكده الطبيعة. # 15 # فالاستحقاق لنفع الإنسان، إثابة المطيع ~~وعقابا للعاصي، به صلاح الإنسان، والله لا يفعل إلا ~~الصلاح، وهو منزه عن جلب النفع لنفسه ودفع الضرر عن ~~ذاته. وإذا كان الإنسان قادرا على إدراك الحسن والقبح في ~~الأفعال، وقادرا على الاختيار بينها، فالاستحقاق واجب ~~عقلي نتيجة لحرية الاختيار وللحسن والقبح العقليين. ~~وتجتمع الحرية والعقل في الطبيعة؛ فقد خلق الله فيها شهوة ~~الحسن ونفرة القبح من أجل وجوب الاستحقاق. # 16 # إن منع المطيع من الثواب والمسيء من العقاب ظلم، والظلم ~~ضد العدل، والعدل أصل عقلي مثل أصل التوحيد. # 17 # وإذا كان التكليف مع القدرة فترك الثواب قبيح، ~~وإذا كلف الإنسان الأفعال الشاقة فإنه يستحق عليها ~~الثواب، ولا يجوز التفضل بالثواب ابتداء، وإلا لما تمت ~~الأفعال الشاقة، ولما حسن التكليف بها. ولا يكفي المدح ~~كثواب، بل لا بد من نفع فيه، وكل مدح إنما يخفي وراءه طلب ~~نفع أو دفع مضرة. وإذا كان المدح يتم في الدنيا فإن الثواب ~~يتم في الآخرة؛ وبالتالي ثبتت ضرورة إعادة الأموات ~~واستمرار الحياة بعد الموت لوقوع الثواب، كما يثبت الثواب ~~برجعة الأموات وثبوت حياة بعد الموت، حتى الأفعال النظرية، ~~مثل معرفة الله، بها مشقة الفكر ومعاناة النظر وجهد ~~القريحة، كما أن الخير بطبعه الذي يطيع طبقا لطبيعته ~~يستحق الثواب، ثواب الطبيعة وازدهارها وكمالها والحرص على ~~استقامتها؛ فالطبيعة حرة، والحرية إدراك وجهد. وليس ~~التكليف بالأفعال الشاقة من النعم العظيمة فحسب، بل ~~أيضا لأجل الإثابة عليها استحقاقا ليحيا من حيي عن بينة ~~ويهلك من هلك عن بينة. فالإنسان لم يكلف عبثا، وحياته ~~امتحان واختبار له بفعله وجهده. إن جهد الفعل يؤدي إلى ~~تقوية الذات وتحقيق إمكانياتها بفعل الإنسان؛ فهو خلق ~~أفعال، وإبداع وجوب يثاب عليه. # 18 # والاستحقاق أيضا تعبير عن الأصلح، وإن لم يكن ~~تعبيرا عن الأصلح فإنه يكون تعبيرا عن اللطف. # 19 # والحقيقة أن نتائج الأفعال قد تكون مباشرة في الحال وغير ~~مباشرة في المآل. قد تظهر في الدنيا وقد ms202 تتولد بعد انقضاء ~~العمر. قد لا تكون نتائج الأفعال بالضرورة بعد الموت وعلى ~~نحو مادي، بل قد تكون في هذه الدنيا على نحو معنوي. وإن ~~كانت نتائج مادية فقد لا تكون نفعا ماديا مباشرا ~~للفاعل، بقدر ما تكون تحقيقا لمصلحة الجماعة وخلودا في ~~ذكراها. وقد لا يكون الثواب بالضرورة هو الجنة أو العقاب ~~حتما هو النار، ولكن تكون نتائج الأفعال من جنسها دون ~~تحديد أشخاصها. وإذا كانت الأفعال حسنة وقبيحة في ذاتها، ~~وكانت أفعال الإنسان تتم بلا إلزام ولا جزاء، فعليه أن ~~يسعى، وليس عليه إدراك النجاح. وكل استباق للمستقبل خارج ~~بنية الفعل ذاته، فإنه يكون رجما بالغيب، وتجديفا على ~~الله، ودخولا للإنسان فيما لا يخصه، وقد يكون المستقبل ~~أكثر غنى وثراء من رؤية الحاضر له. # | ثالثا: دوام الاستحقاق # فإذا ما ثبت قانون الاستحقاق من حيث المبدأ، فإنه يكون في ~~حاجة إلى إثبات آخر من حيث الدوام حتى يتضمن الاستحقاق دوام ~~الثواب والعقاب. وهل ينقطع الثواب والعقاب؟ هل الاستحقاق على ~~التخليد أم على العفو؟ وقد طرح السؤال بمناسبة عقاب مرتكب ~~الكبيرة. فالكبيرة هي الفعل الذي يكون عقابه أكثر من ثوابه، ~~على عكس الصغيرة ؛ هي الفعل الذي يكون ثوابه أكبر من عقابه. ~~تبين الكبيرة قلة الاكتراث بالفعل وحطة العدالة، في حين تبقى ~~الصغيرة على حسن الظن ولا تحط بالعدالة. الكبيرة ما قرن بها ~~حد أو لعن أو وعيد بنص الكتاب والسنة، ما توعد به الله ~~والرسول، وما دون ذلك فهو صغير. # 1 # يدخل في تعريف الكبيرة إذن الوعد والوعيد لما كانت ~~الكبيرة ما قرن بها الوعيد؛ لذلك كان دوام الاستحقاق هو لب ~~الكلام في الوعد والوعيد، وهي المسألة المعروفة باسم «بيان ~~أجل الوعيد»، كما يدخل في تعريفها العمد والإصرار، ويتحدد ~~العمل الكبير الخارج على النظر بمقدار الأثر السيئ الذي يحدث ~~منه بعد تحققه، والحكم السيئ التابع له. وهذا هو معنى ~~الفسق؛ فالفسق في اللغة هو الخروج، وفي الشرع الخروج عن ~~الاستقامة؛ أي عن طاعة الله بارتكاب الكبيرة، باشتراط عدم ~~التأويل. ولا ms203 يهم معرفة الكبائر؛ فذاك موضوع علم الفقه. وقد ~~يوضع الموضوع أيضا في الأسماء والأحكام؛ أي المنزلة بين ~~المنزلتين، ولكنه هنا يكون بالنسبة لاستحقاق الثواب والعقاب، ~~وليس لمعرفة الإيمان والعمل والدرجة المتوسطة بينهما. ~~والتمييز بين الكبيرة والصغيرة وارد في تحليل الأفعال ~~الإنسانية، ولكن السؤال الأهم هو: هل تصبح الصغائر بانضمام ~~بعضها إلى البعض من الكبائر؟ هل يتحول التراكم الكمي إلى ~~تغير كيفي؟ إن خروج الفعل من النظر مرات عدة لا يتراكم ~~فيصبح فعلا واحدا أكبر؛ فكل فعل له وجوده الخاص القائم على ~~بناء شعوري خاص؛ فاجتماع عدة أفعال عملية حساب عقلي، ~~وليست عملية تحقق شعوري، كما أن اجتماع أفعال كبيرة لا ~~تجعل صاحبها كافرا؛ لأن تكرار الكبائر كأفعال لا يقضي على ~~صحة النظر. # 2 # ولا تعرف الصغائر بأعيانها، بل بمبادئها؛ ~~فالصغائر لا متناهية من حيث الكم، في حين يمكن إدراك معانيها ~~من حيث الكيف. ~~(1) دوام الاستحقاق وشرطه # ويعرف الدوام والانقطاع في الاستحقاق بالعقل قبل ورود ~~السمع، وقد يعرفان بالسمع أيضا تأكيدا لوجوب العقل؛ ~~فالتوحيد والعدل أصلان عقليان تستحق معرفتهما الثواب. ~~أما إذا عرفا بالسمع وحده فاحتمال نقضه بسمع آخر وارد؛ ~~وبالتالي ينقطع الاستحقاق. إذا كان العقل أساسا للنقل فإن ~~الوحي يتحول إلى وحي إنساني خالص، وقانون عقلي دائم ~~يستحيل فيه الانقطاع، فيدوم الاستحقاق، ثوابا وعقابا. ~~أما إذا كان النقل أساس العقل، فاحتمال التأويل وارد؛ ~~وبالتالي التخصيص والاستثناء في الوعيد. بالعقل تكون أحكام ~~الأفعال عامة شاملة على التخليد، وبالنقل تكون خاصة ~~مستثناة على العفو. ولا فرق في العقل بين الأفعال؛ أفعال ~~الجوارح أم أفعال القلوب، أفعال الحسن والقبح أم أفعال ~~الإيمان والكفر. وقد تستثنى أفعال الشعور الداخلية، ولا ~~تبقى إلا أفعال الشعور الخارجية موضوعا للاستحقاق. ولا ~~يهم في الاستحقاق كم العذاب، بل المهم هو وقوعه كنتيجة ~~للأفعال القبيحة. ويستوي في المعرفة العقلية الثواب ~~والعقاب خشية أن تكون معرفة الثواب بالعقل وحده، في حين ~~أن معرفة العقاب وهي الأخطر لا تتم إلا بالسمع. وقد يصاغ ~~السؤال بطريقة أخرى، وذلك بالتمييز بين التنزيل والتأويل؛ ms204 ~~فالتنزيل حكم العقل والتأويل حكم السمع. # 3 # دوام الاستحقاق إذن عقلي ونقلي معا، والعقل ~~أساس النقل؛ فكل فعل له رد فعل، وكل فعل له نتائجه من ~~نوعه. وقد أخبر الله بدوام الاستحقاق، فإن انقطع كان خبرا ~~كاذبا وهو محال. وإذا علم المستحق بانقطاع الاستحقاق ~~ثوابا أم عقابا، فقد يكون ذلك تثبيطا لعزيمة المطيع، ~~وتشجيعا للعاصي على العصيان وإغراء له به، وهو قبيح ~~مناقض لقصد الدعوة وهدف الرسالة. وإذا كان استحقاق ~~الثواب منفعة، واستحقاق العقاب مضرة، فإنه يستحيل الجمع ~~بينهما في فعل واحد. وينطبق الحكم على الأفعال وحدها، ~~وليس على أسسها النظرية (الإيمان والكفر)؛ فالاستحقاق ~~للأفعال وليس للتصورات، والنيات تدخل مع الأفعال وليست مع ~~التصورات؛ فالأفعال لها صفاتها الموضوعية في ذاتها، بصرف ~~النظر عن التصورات التي تقوم عليها، والحكم على التصورات ~~هو مزايدة في الاستحقاق، بل وإنكار للأفعال المستحقة ~~إذا ما قامت على تصورات نظرية مخالفة، وقد تصاغ حجج ~~عقلية جدلية تقوم على القسمة، واستحالة وجود قسمة ~~لانقطاع الاستحقاق. فإما أن يعفى عن العاصي أم لا؛ فإن لم ~~يعف عنه دخل النار أبدا، وإن عفي عنه؛ فإما أن يدخل ~~الجنة أم لا، ولا يصح أن يدخل الجنة لأنه ليس مطيعا، ولا ~~وسط بين الجنة والنار، ولأن دخول الجنة لا يكون إلا عن ~~استحقاق، ولو لم يستحق العقاب على الدوام لما قبح عذاب ~~الفساق وخلودهم في النار. والعقاب كالذم يثبتان معا في ~~الاستحقاق، ويزولان معا، ولا يجوز إثبات أحدهما دون ~~الآخر. ولما كان الذم يستحق على الدوام، فكذلك يكون ~~العقاب مستحقا على الدوام. وقد تصاغ حجج لغوية ~~مستمدة من عموميات الوعيد. # 4 # والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بحجج عقلية ~~جدلية، بل يعتمد أساسا على التجربة البشرية، وإنما أتت ~~الحجج العقلية لتعقيل الموقف الإنساني؛ فهناك تجارب ~~إنسانية تجعل الاستحقاق أقرب إلى الدوام والتخليد منه إلى ~~الانقطاع والعفو، مثل ضرورة عقاب الظالم والطاغي، وضرورة ~~القصاص من القاتل، وضرورة عقاب الناهب لثروات الناس ~~والقاضي على وحدة الأمة. وليس ذلك فقط ردعا للمسيء أو ~~إيجابا على ms205 الله، بل هو شعور إنساني دفين، خاصة لو ~~كان الإنسان قد وقع تحت الإساءة، وناله منها الأذى. ويأتي ~~السمع مؤيدا لهذه التجربة الإنسانية. # 5 # وشرط الدوام هو العناد والإصرار، وإتيان ~~الأفعال عمدا عن روية وتدبر، وبنية وقصد، بل إن ~~العمد والإصرار هما أحد معاني الكبيرة. وليست العبرة بكم ~~الأفعال وتكرارها، بل بالفعل الواحد دون التكرار، ولكن ~~التكرار يفيد أكثر معاني العمد والإصرار. # 6 # وإن صاحب الكبيرة إن مات مصرا عليها فإنه ~~مخلد في النار؛ تطبيقا لقانون الاستحقاق، ومن مات ولا ~~كبيرة له فإنه لا يدخل النار أصلا، ويخلد في الجنة. ~~الاستحقاق هنا يقتضي الدوام؛ دوام الثواب والعقاب، وشرط ~~الدوام الإصرار والعناد؛ أي دوام القصد والنية والإرادة. ~~أما صاحب الكبيرة عن اجتهاد فيسقط منه دوام العقاب؛ لسقوط ~~شرط العناد والقصد. ولا ينقطع دوام الاستحقاق إلا بالتوبة؛ ~~فالتوبة روية وقصد، وفعل ونية؛ وبالتالي تكون فعلا. ولا ~~عفو ولا مغفرة قبل التوبة، وإلا وقعنا في العفو غير ~~المشروط بالاستحقاق، كما هو الحال في الأخلاق اليهودية القديمة. # 7 ~~(2) هل ينقطع الاستحقاق؟ # إذا كان الاستحقاق دائما على التخليد، فهل ينقطع بالعفو ~~أو بغيره؟ الحقيقة أنه قد ينقطع الاستحقاق، ولكن الإشكال ~~كيف ومتى؟ هل ينقطع الاستحقاق لوجود فرق نوعي بين الطاعة ~~والمعصية؛ أي بين الوعد والوعيد، وذلك بتحقيق الوعد وإرجاء ~~الوعيد؟ فالثواب نتيجة حتمية للطاعة، في حين أن العقاب ~~نتيجة محتملة للعصيان، والمطيع يود جزاءه ثوابا، ولكن ~~العاصي لا يود جزاءه عقابا. وهي نظرة إنسانية خالصة ~~تقوم على الرحمة، وليست نظرة قانونية تقوم على العدل. ~~تعتمد على روايات ظنية، أخبار آحاد، أكثر من اعتمادها على ~~العقل، ومعارضة بروايات أخرى تتفق مع دوام الاستحقاق، ~~وتطابق قانون العقل. وإن تعلق آيات العقاب بدوام ~~السموات والأرض، وهما منقطعتان، ينطبق على العقاب والثواب ~~معا، كما أن مغفرة الله لكل شيء إلا التوحيد كلها آيات ~~مجملة في حاجة إلى بيان؛ فالعدل منبثق من التوحيد ~~ونابع منه، وكلاهما من العقليات. وقد يعني ذلك تأكيدا ~~للإرادة المطلقة وإثباتا للصفات، وقد يكون ذلك للصغائر ms206 ~~دون الكبائر أو للبعض دون البعض، وقد يغفر الله الذنوب ~~جميعا للمؤمنين وحدهم دون الكافرين. والمغفرة مشروطة ~~بالتوبة، وليست مجانية بلا مقابل، وإلا كانت إغراء على ~~المعصية، وتساوى فيها المطيع والعاصي. # 8 # وقد تعطى روايات أخرى تتحول إلى حجج عقلية ~~نقلية، مثل انقطاع العقاب لصاحب الأفعال العظيمة، كالسبق ~~في الإيمان، والشهادة في أول المعارك. والحقيقة أن السبق ~~في الإيمان فعل استحقاق، وليس مجرد استحقاق بلا فعل، بما ~~في ذلك الأنبياء. أما الأطفال والسقط فهم خارج أفعال ~~التكليف. وأما الشفاعة فضد الاستحقاق وخرق له، وإعطاء فعل ~~إنسان لآخر بغير استحقاق. ويزداد الأمر صعوبة بمعرفة أصحاب ~~الشفاعة بالاسم، وكأنها تزكية دنيوية لهم وقبول لأفعالهم ~~مهما كانت، ما داموا من المبشرين بالجنة. أما أصحاب ~~اليمين؛ أي الذي تفوق حسناتهم سيئاتهم، فإن انقطاع العقاب ~~عندهم مشروط بأفعال الطاعة، وموافاتها أفعال المعصية؛ ~~فانقطاع العقاب هنا دوام للثواب. وعلى النقيض من ذلك يكون ~~أصحاب الشمال الذين تفوق سيئاتهم حسناتهم، فينقطع الثواب ~~ويدوم العقاب. إن الأعمال العظيمة أفعال استحقاق تطوي ~~الصغائر في داخلها وتصبح من اللمم؛ إقالة لذوي العثرات، ~~واعترافا بالضعف الإنساني. # 9 # ولكن هل يكون التصور وحده سببا للدوام، حتى ولو كانت ~~هناك أفعال سببا للانقطاع؟ هل لا يضر مع الإيمان معصية، ~~ولا ينفع مع الكفر طاعة؟ وأيهما أكثر استحقاقا من حيث ~~الدوام والانقطاع؛ التخليد أو العفو، المؤمن العاصي أم ~~الكافر المطيع؟ أيهما أكثر استحقاقا، نظر بلا عمل أم عمل ~~بلا نظر؟ إن كثيرا من المسلمين قد لا يدخلون الجنة؛ لأنهم ~~لا يستحقونها نظرا لمعاصيهم، وإن كثيرا من الكفار ~~ليدخلون الجنة نظرا لطاعاتهم. وإن جعل الخلود للكفرة ~~وحدهم دون المؤمنين تعذيب للآخرين، وإنقاذ للذات، وجعل ~~مقياس الاستحقاق النظر دون العمل. إن التصور وحده ليس ~~فعلا للاستحقاق؛ فالتصور هو أساس للسلوك وموجه له، وما ~~دام السلوك قد خرج عن التصور يصبح التصور فارغا من غير ~~مضمون. وإن تعدد الأطر النظرية شرعي ما دام يؤدي إلى ~~وحدة العمل؛ لذلك كان خبر الآحاد يورث الظن في النظر، ~~واليقين في ms207 العمل. ليس النظر وحده مقياس الاستحقاق دون ~~العمل. والقول بأن المؤمن العاصي لن يذوق النار، وأن ~~الكافر المطيع لن يذوق الجنة، قسوة وأنانية وغرور، مثل قول ~~اليهود بأنهم أبناء الله وأحباؤه، ينكر العمل الصالح، ~~ويخلط بين الظن النظري واليقين العملي. ولا يمكن أن تكون ~~الحجة في ذلك نفي الاستحقاق، وإلا عدنا على بدء؛ ~~فالاستحقاق ثابت عقلا وسمعا. ولا تكون الحجة إثبات ~~الاستحقاق في الثواب دون العقاب، قبل التوبة والتخلي عن ~~شرط استحقاق العقاب، وهو العناد والإصرار. أما التفضل فهو ~~إلغاء للاستحقاق وإنكار للفعل. إن أقصى ما يمكن عمله هو ~~دوام الاستحقاق ثوابا إذا كان الترجيح للحسنات على ~~السيئات، أو عقابا إذا كان الترجيح للسيئات على الحسنات. ~~وقد تقام حجج جدلية لإثبات انقطاع عقاب المؤمنين ودوام ~~عقاب الكافر، مثل الحجة التي تعطي احتمالات ثلاثة: دخول ~~صاحب الكبيرة الجنة بإيمانه وهو باطل، أو دخوله النار ~~بكبيرته وهو باطل، أو دخوله النار بكبيرته ثم الجنة ~~بإيمانه وهو الحق. فالفعل هو المنقطع، والتصور هو الدائم. ~~العمل هو الجزء، والنظر هو الكل. وكذلك حجة إثبات انقطاع ~~العقاب على الفعل بدوام الثواب على التصور. وهذا كله يجعل ~~الدوام والانقطاع خاضعين لقوانين فرعية، مثل الإحباط ~~والتكفير والموازنة وغيرها، وهي كلها تقوم على حساب ~~الأفعال، وليس على مجرد التصورات. # 10 # وقد يترك الأمر كله جوازا عند الله دون فرض ~~للدوام أو الانقطاع، وهو إرجاع للسمعيات إلى العقليات، ~~وعود بالعدل إلى التوحيد. وقد تخفف النار ويخفف ~~العذاب إيثارا لانقطاع العقاب ودوام الثواب، وقد يصل حد ~~تخفيف العذاب إلى أن يكون العصاة المؤمنون في النار دون ~~عذاب ودون استمتاع بالجنة. وقد يتقرر مبدأ الانقطاع للعقاب ~~كمبدأ لا لأشخاص معينة. # 11 # وقد ينقطع العقاب ويدوم الثواب عن طريق التخصيص ~~والاستثناء، واعتبار آيات الوعد من المحكمات، وآيات ~~الوعيد من المتشابهات بها عموم وخصوص. صحيح أن ذلك أقرب ~~إلى التفسير الإنساني؛ فالغاية من الوحي مصلحة الإنسان لا ~~عقابه، ومع ذلك فالخطورة هو التأويل بالتخصيص والاستثناء ~~لحساب فئة دون فئة، ويكون سلاحا ذا حدين، ms208 توجهه كل ~~فئة إلى خصومها. وإن تعميم النصوص أو تخصيصها إنما يخضع في ~~حقيقة الأمر إلى البواعث والأفكار وإلى المصالح والأهواء ~~أكثر من خضوعه لقواعد اللغة. تأتي قواعد اللغة لتأييد ~~الباعث والفكرة، وليس لطردها؛ لذلك يستحيل أن يكون في ~~العموم استثناء أو تخصيص؛ لأن ذلك يقضي على قانون ~~الاستحقاق؛ فالاستثناء أو التخصيص يدل على الأثرة ~~والأنانية، أخذ الثواب وترك العقاب، دوام الثواب وانقطاع ~~العقاب، ثواب الأنا وعقاب الغير. ولماذا لا يكون في الثواب ~~أيضا تخصيص واستثناء، وأن يكون الهدف من ذلك التشجيع على ~~الخير وتقوية الباعث عليه؟ ولو كان الوعيد منقطعا أو غير ~~واقع، لكان ذلك دافعا للناس إلى الإثم، وتشجيعا لهم ~~عليه. وما هي أنواع الأفعال التي يكون فيها التخصيص؛ حقوق ~~الله أم حقوق العباد؟ لو جاز في حق الله، فهل يجوز في حق ~~العباد؟ وأي نوع من أفعال العباد يجوز فيها الاستثناء؛ ~~القتل، أكل أموال الناس بالباطل، والظلم والطغيان؟ وهل أهل ~~الصلاة كلهم مستثنون بصرف النظر عن أعمالهم؟ وهل القرآن ~~أساس على الخصوص ثم بعد ذلك يحمل على العموم، أو إنه على ~~العموم ثم يحمل بعد ذلك على الخصوص؟ # 12 # وقد يعني الخصوص الاستثناء والمحاباة والتحيز، ~~وهو نقض لقانون الاستحقاق؛ فإذا غفر الله لواحد غفر ~~للجميع، وإذا عوقب واحد عوقب الجميع، فلا مجال ~~للاختصاص ما دام الكل في المقياس النظري واحدا، إلا إذا ~~تصورنا اختلافا في درجات المعرفة والفهم. وهنا يكون ~~الحساب على أعمال الشعور الخالصة، وليس على أعمال الجوارح؛ ~~أي الأفعال في العالم. وكيف يغفر للجميع، فيستوي صاحب ~~الذنوب الكثيرة مع صاحب الذنوب القليلة؟ على أقصى تقدير ~~يغفر للأكثر ثوابا والأقل عقابا، وهو أقرب إلى العقل. ~~وإن إرجاع الموضوع إلى مشيئة الله لهو وقوع في الإرجاء ~~دون حل للإشكال العقلي، وعود بالعدل إلى التوحيد، بل ناقض ~~التخصيص والاستثناء التوحيد؛ لجعلهما المشيئة خاصة بفرد ~~دون فرد، في حين أنها عامة لكل الأفراد. والعدل يقتضي ~~معاملة الأفراد جميعا تحت قانون واحد، مع الأخذ بعين ~~الاعتبار المواقف الخاصة لكل فرد، ms209 المراعاة ضمن القانون ~~العام، والتي تكون فيها الأولوية أيضا للفعل الإنساني في التوبة. # 13 # والحقيقة أنه لا يمكن رد كل شيء إلى المشيئة ~~الإلهية كما هو الحال في الإرجاء، وفي الوقت نفسه إصدار ~~أحكام على منع التخليد للكفرة وعدم تخليد المؤمنين في ~~النار، كما أن الإرجاء وقوع في مقياس مزدوج بالنسبة ~~للكافرين وللمؤمنين، إثباتا لدوام العقاب للكافرين، ~~وبانقطاعه عن المؤمنين. ولما كان الإرجاء يعتمد أساسا على ~~روايات، وليس على براهين عقلية، فقد ظهر عدم اتساق بين ~~إدخال الجنة للمؤمنين العصاة في النهاية وبين تعذيبهم؛ بين ~~دوام الثواب وانقطاع العقاب، بين التخفيف والتخليد، بين ~~القول بانقطاع العقاب ورفض الإحباط والتكفير، والموازنة ~~التي تحاول فهم الانقطاع من داخل الدوام حتى ينقطع العقاب ~~ويدوم الثواب؛ # 14 # لذلك كان الأقرب إلى العقل هو إثبات الدوام ~~للاستحقاق ثوابا كان أم عقابا؛ إيثارا للعدل حتى ولو ~~أدى ذلك إلى التضحية بالعفو. # 15 # كما أن اعتبار الآيات للترغيب والترهيب قضاء ~~على موضوعية الوعيد وشموله واستقلاله، وإن كان يدل على أن ~~الهدف منها هو التأثير في النفوس وتوجيه السلوك، وليس ~~الاستحقاق المادي ثوابا كان أم عقابا. وليس القصد من ~~العقاب منفعة الله أو الإضرار بالإنسان والإجحاف به؛ لأنه ~~ليس مسئولا عن أفعاله، بل القصد منه التأكيد على نتائج ~~الأفعال كجزء من الأفعال ذاتها ومسئولية الإنسان عنها. فلو ~~وقع الضرر بالإنسان من أفعال الغير فإن الغير يتحمل ~~مسئولية هذا الضرر، ولا يرضى الإنسان إلا بأن يوقع ~~العقاب على من أساء إليه. # 16 # قد يكون التخليد في النار يأسا وتشاؤما ~~وقسوة، خاصة إذا كان رفض التخليد للمؤمنين والكفار على ~~السواء، ولكنه يكون استحقاقا، ودوام الاستحقاق أكثر دفعا ~~للإنسان وحثا له على تجدد الفعل عن طريق التوبة؛ أي قطع ~~العقاب ودوام الثواب. # 17 # وهل من الصالح العام التشكك في عقاب مرتكب ~~الكبيرة، وما أكثر القتلة وسفاكي الدماء، وناهبي أموال ~~اليتامى ظلما، والمستعبدين رقاب الناس؟ إن العقاب على ~~الكبائر نتيجة للفعل وليس حقا للمالك؛ فالإنسان لا يملكه ~~أحد، بل هو فعله، وإلا ms210 ضاعت العلاقة الضرورية بين الفعل ~~والأثر، أو بين العلة والمعلول. إن إبطال عقاب فاعل ~~الكبيرة يناقض العقل والعدل، ويثبت اللامعقول والظلم. ~~وهو مناقض أيضا للعادة ولحكمة الشعوب ولطبائع الأشياء ~~كما بدت في الأمثال العامية وخبرات البشر، وهو مناقض ~~للشرع؛ لأن الشرع يستلزم التوبة قبل العفو، والندم قبل ~~المغفرة. وإن العفو قبل التوبة والمغفرة قبل الندم ليس ~~مظهرا من مظاهر الكرم والمروءة، بل هو جور وظلم وعطاء ~~لمن لا يستحق. إن الغاية من عقاب المسيء هي التربية ~~والإعداد، وإن إبطال العقاب ينقض التربية، ويجعل الإساءة ~~طبيعة. صحيح أن العفو أقرب إلى الطبيعة الخيرة من ~~العقاب، ولكن ليس قبل تربية الشعور. إن العفو عن المسيء ~~قبل إدراكه معنى الإساءة قد يلجئه إلى الإساءة من جديد؛ ~~لأنها لم تكلفه شيئا من ضرر أو عقاب ما دام العفو ~~قائما، كما هو الحال في الأخلاق اليهودية التي تجعل بني ~~إسرائيل أبناء الله وأحباءه؛ وبالتالي لن يعاقبهم الله ~~مهما بلغت إساءاتهم ومعاصيهم. إن إثبات دوام العقاب للمسيء ~~ليس موجها ضد الخصوم؛ ضد الكافرين من المؤمنين، وضد ~~الفرق الهالكة من الفرق الناجية؛ وبالتالي ليس سلاحا ~~دينيا في خصومات سياسية، بل هو إقرار للعدل وإثبات للاستحقاق. # 18 ~~(3) متى يسقط الاستحقاق؟ # لا يسقط الاستحقاق إلا في حالتين؛ الأولى طبقا لقانون ~~الموازنة بشقيه، الإحباط والتكفير؛ والثانية في حالة التوبة. # 19 # ولا يكون الإسقاط للثواب على الإطلاق حرصا ~~على منفعة العباد، لكن يكون الإسقاط للعقاب وحده، بل إن ~~الإحباط والتكفير ليسا إسقاطا للثواب، بل هو إسقاط للعقاب ~~برفع ما يعادله من الثواب. العفو إذن بهذا المعنى وفي ~~هاتين الحالتين ممكن بعد الموازنة والتوبة، وليس قبلهما؛ ~~وبالتالي يكون مشروطا بالحسنات التي توافي السيئات في ~~حالة التكفير، أو في حالة عقد العزم والنية في حالة ~~التوبة. وما فائدة التوبة إذا تمت المغفرة دونها؟ لا ~~يحدث العفو قبل الندم، ولا تقع المغفرة قبل التوبة؛ لأن ~~فعل الله مشروط بفعل الإنسان وتال له. وإذا جاز العفو عن ~~الصغائر بلا توبة، فإنه لا يجوز العفو عن ms211 الكبائر دونها. # 20 # ولا يكون العفو بإطلاق، بل بتخصيص كل حالة على ~~حدة. وإذا جاز العفو في ذنب في حق الله فهذا حق الله في ~~العفو عنه. أما الذنب في حق العباد فالعفو عنه لا يكون بلا تعويض. # 21 # وهل يستوي العفو عن الحاكم والمحكوم، وعن ~~الغني والفقير، وعن القوي والضعيف، وعن الظالم والمظلوم، ~~وعن القاهر والمقهور؟ ~~(أ) الموازنة (الإحباط والتكفير) # ويعتمد القول بالموازنة على ربط آيات الوعيد بآيات العفو، # 22 # وتعني وضع الحسنات والسيئات، الطاعات ~~والمعاصي، في ميزان واحد؛ فإذا رجحت الحسنات والطاعات ~~يخصم منها السيئات والمعاصي، وهذا هو التكفير؛ ~~وبالتالي يسقط العقاب ويدوم الثواب. أما إذا رجحت ~~السيئات والمعاصي فإنه يخصم منها الثواب، فينقطع ~~الثواب ويدوم العقاب، وهذا هو الإحباط. وقد تدخل ~~التوبة مع الموازنة في التكفير الشامل. والإحباط ~~والتكفير هما أساس مغفرة أهل الكبائر، وهما للأعمال ~~وليسا للتصورات؛ فالإيمان لا يكفر السيئات، والكفر ~~لا يحبط الأعمال. وكلاهما يحدثان في حياة الإنسان ~~وليس بعد الموت، في الدنيا وليس في الآخرة؛ فالدنيا ~~دار استحقاق. وكلاهما يحدث بالنسبة لاستحقاق الثواب ~~والعقاب في الآخرة وليس في الحدود الدنيوية، وإلا ~~لتعطلت الحدود. # 23 # ويثبت الإحباط والتكفير نتيجة للتخليد ~~والدوام؛ فالمكلف إما أن يستحق الثواب فيثاب، أو ~~يستحق العقاب فيعاقب، أو لا يستحق الثواب ولا ~~العقاب، فلا يثاب ولا يعاقب، وهذا محال، وقد ~~يستحق الثواب والعقاب، فيثاب ويعاقب دفعة واحدة، ~~وهو محال أيضا؛ وبالتالي لم يبق إلا أن يؤثر ~~الأكثر في الأقل، وهو المطلوب. # 24 # ويتداخل قانون الموازنة مع قانون العوض ~~في العقاب؛ فالتكفير عوض عن العقاب، والإحباط عوض عن الثواب. # 25 # وللإحباط والتكفير عدة موازين طبقا للكم والكيف؛ ~~إذ لا يمكن إحباط الطاعات كلها بمعصية واحدة، ولا ~~يمكن التكفير عن المعاصي كلها بطاعة واحدة. هناك ~~مقاييس عدة للموازنة طبقا للعدد؛ أي الكم المنفصل، ~~وطبقا للمقدار؛ أي الكم المتصل، وطبقا للشدة والتوتر ~~والعمق؛ أي الكيف، وربما أيضا طبقا للجهة؛ أي الضرر ~~والنفع المادي والمعنوي، وطبقا للإضافة؛ أي مقدار ~~الضرر والنفع بالنسبة للفرد والجماعة. ms212 # 26 # وتدخل التوبة والشفاعة كعنصرين في ~~الموازنة؛ فالتوبة من الكبائر تغفر كل السيئات مهما ~~بلغت، ويكون صاحبها من أهل الجنة، فالكبير يجبر ~~الصغير. وإذا لم تتم التوبة من الكبائر فالموازنة، ومن ~~رجحت حسناته على سيئاته وكبائره فإنها تسقط، وهو من ~~أهل الجنة لا يدخل النار؛ وإن استوت حسناته على كبائره ~~وسيئاته فهؤلاء أهل الأعراف، وقفة أمام النار ولا ~~يدخلونها ثم يدخلون الجنة؛ ومن رجحت كبائره وسيئاته ~~حسناته فهم مجازون بقدر ما رجح لهم من الذنوب من ~~لفحة واحدة إلى خمسين ألف سنة في النار، ثم يخرجون ~~إلى الجنة بالشفاعة للرسول وبرحمة الله! وكلهم يجازون ~~بالجنة بما فضل لهم من الحسنات، ومن لم يفضل له حسنة ~~من أهل الأعراف فدونهم، وكل من خرج من النار بالشفاعة ~~وبرحمة الله فهو سواء في الجنة مما رجحت له حسنة ~~فصاعدا. فالشفاعة هنا بعد الاستحقاق وليس قبله، ~~وتغليب للخير على الشر، وللعفو على العقاب، وللرحمة ~~على العدل. # 27 # ولا يعني القول بالإحباط أنه لو جمع ~~المكلف بين الطاعات والمعاصي أن يكون مثابا ~~معاقبا في حالة واحدة؛ وذلك لأن كل واحد منهما ~~يسقط الآخر، فإذا سقط الأقل بالأكثر لم يجب ذلك؛ ~~فالقانون هو إسقاط الأقل بالأكثر، ولكن ما العمل إذا ~~استوى الطرفان؟ هؤلاء هم أهل الأعراف، لهم وقفة أمام ~~النار ولا يدخلونها، بل يدخلون الجنة. ومن رجحت كبائره ~~وسيئاته بحسناته فهم مجازون بقدر ما رجح لهم من الذنوب ~~من لفحة واحدة إلى بقاء 50000 سنة في النار، ثم ~~يخرجون منها إلى الجنة بشفاعة الرسول ورحمة الله بقدر ~~ما بقي لهم من حسنات! وما لم يفضل له حسنة من أهل ~~الأعراف فمن دونهم. وكل من خرج بالنار بالشفاعة وبرحمة ~~الله فهم كلهم سواء في الجنة، حسنة فصاعدا! فهل هذه ~~الحالة واردة؛ حالة تساوي الحسنات والسيئات، أم إنه ~~إذا حدث ذلك فالإنسان بطبيعته إلى الخير أقرب لما كان ~~الشر طارئا عليه؟ وماذا تعني الوقفة أمام النار دون ~~دخولها؟ هل ذلك جزاء لاستواء الطرفين؟ وقد تحرق ~~الوقفة ثم يكون ms213 المسار إلى الجنة بلا استحقاق. # 28 # وفي روايات أخرى يترك الأمر للمصادفة ~~المحضة بعد أن يسير الإنسان على خيط رفيع أحد من ~~السيف وأدق من الشعرة، إن وقع يمينا ففي الجنة وإن ~~وقع يسارا ففي النار! وكأن جهد الإنسان وعمله ونيته ~~ينتهي به الأمر إلى المصادفة العشوائية! وكيف يسير ~~الإنسان على هذا الخيط الرفيع الأحد من السيف والأدق ~~من الشعرة؟ وكيف يسير البشر كلهم عليه الذين وقعوا في ~~هذا التساوي، وكأنه اختيار آخر ومحنة أخرى، وقد انتهت ~~دار التكليف وهم في دار الجزاء؟ وكيف يكون الترجيح ~~طبقا لشفاعة الرسول بلا مبرر عقلي من قانون ~~الاستحقاق؟ وهل سيشفع الرسول لكل أهل الأعراف؟ وإذا ~~كان هناك مقياس للشفاعة فلماذا لا يكون منذ البداية ~~مقياسا للترجيح بزيادة الثواب؛ وبالتالي دخول الجنة ~~عن استحقاق؟ كما أن الترجيح طبقا لرحمة الله أيضا ~~بلا مبرر عقلي، وكسر لقانون الاستحقاق بالتفضل، ~~وقضاء على العدل بالرحمة. وكيف توضع شفاعة الرسول مع ~~رحمة الله كعلة مرجحة على المستوى نفسه، وكأن الله ~~أصبح رسولا أو الرسول إلها؟ # ومهما يكن من شيء، فإن الإحباط والتكفير لا يكونان ~~إلا في الصغائر. أما الكبائر فإن عقابها لا يزول بكثرة ~~الطاعات، ولا ينقطع إلا بالتوبة. وإن تراكم الصغائر ~~لا يجعلها كبيرة، وكأن التراكم الكمي لا يؤدي إلى ~~تغير كيفي. ومن عمل الكبائر ومات عليها قبل التوبة ~~وله حسنات رجحت كبائره عند الموازنة. أما من هم ~~بسيئة ثم تركها مختارا فتكتب له حسنة، فإن تركها ~~مغلوبا لم تكتب حسنة ولا سيئة تفضلا من الله، ولو ~~عملها كتبت له سيئة واحدة؛ ولو هم بحسنة ولم يعملها ~~كتبت له حسنة واحدة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات. ~~كل ذلك لأن الأعمال بالنيات، وأن الأفعال مرهونة بمقاصدها؛ # 29 # فأفعال الشعور أقرب إلى الخير، فإذا ما ~~تحققت إلى أفعال خارجية تضاعف الخير. أما النوايا ~~السيئة إذا لم تتحول إلى أفعال خارجية عن طريق حرية ~~الإرادة، فإنها تظل أقرب إلى الخير بفضل ممارسة ~~الحرية. إن المهم في ذلك كله هو ms214 تطبيق العدل بعد ~~ممارسة الحرية. ولا يهم في ذلك قياس الأفعال إيجابا ~~وسلبا على نحو كمي متخارج، بل دلالتها على الأفعال ~~على نحو متداخل؛ فقد يكون في عمل واحد نية وصدق، ~~وفي أعمال كثيرة ضعف وتكاسل. لا يعني الإحباط ~~والتكفير إذن مجرد إلغاء الأكثر للأقل إلغاء كميا، ~~بل يعني احتواء النفع للضرر، والحسن للقبيح، والإحسان ~~للإساءة، والخير للشر. ليس المهم في ذلك وقائعها ~~الأخروية، بل آثارها ونتائجها الدنيوية في دفع الناس ~~نحو الخير تطابقا مع الطبيعة، وحرصا عليها من الزيف، ~~وتأكيدا على تجدد الأفعال، والقدرة على تجاوز الأفعال ~~السيئة طالما وجد الزمان واستمر التكليف. ~~(ب) التوبة # والتوبة هي الحالة الثانية التي يسقط فيها ~~الاستحقاق؛ فإن لم يسقط العقاب بالإحباط والتكفير فإنه ~~يسقط بالتوبة. ولا تزول آثار الأفعال السلبية إلا بعقد ~~العزم والإصرار على التغيير، وليس بمجرد تداخل ~~الأفعال، وإلغاء النفع للضرر، والإحسان للإساءة. ومن ~~لقي الله مسلما تائبا من كل كبيرة، أو لم يكن عمل ~~كبيرة قط، فسيئاته كلها مغفورة، وهو من أهل الجنة، ولو ~~بلغت سيئاته ما شاء الله لها أن تبلغ. التوبة من ~~الكبيرة عامل مرجح في الموازنة. # 30 # وقد تكون التوبة بالقول إذا كان الفعل ~~قولا، وقد تكون بالفعل إذا ما تحول الفعل السيئ إلى ~~بناء واقعي دائم. التوبة هنا هدم للبناء القبيح، ~~ومعاودة لبناء جديد أفضل؛ لذلك تأتي التوبة آخر فصل ~~في الكتاب؛ كي تكون خاتمة الأعمال التوبة؛ أي تجدد ~~الفعل إلى ما لا نهاية، والبداية المستمرة من جديد على ~~البراءة الأصلية. # 31 # والتوبة لغة تعني الرجوع والإنابة؛ أي الإبطال؛ ~~واصطلاحا التراجع عن الزلات. ويتضمن تعريف التوبة ~~ثلاثة أشياء: ترك الزلة في الحال، والندم على ما فات، ~~وعقد العزم في المستقبل على عدم العودة إليها. فهي فعل ~~من أفعال الشعور الداخلة، أفعال القلب، قبل أن تكون ~~فعلا من أفعال الشعور الخارجية، أفعال الجوارح. ~~التوبة إذن معرفة درجات الفعل ومراتبه بين الأعلى ~~والأدنى، وترك الأدنى إلى الأعلى طبيعة واختيارا. # 32 # لذلك كانت للتوبة شروط ثلاثة: الأول ترك ms215 ~~المعصية في الحال، على الفور دون تأخير، وفي اللحظة ~~وليس في الديمومة، كفعل حر طبيعي دونما مقارنة أو ~~انتظار أو تدبر أو حساب، وإلا كان الأمر مجرد إعادة ~~حساب وليس توبة؛ فهي أقرب إلى الفعل الحدسي منه إلى ~~الفعل الاستدلالي. ولا يهم أن يكون عيب التأخير هو ~~تراكم الذنوب، وزيادة الذنب الأول ذنبا ثانيا، بل ~~المهم هو عدم تحول الإدراك إلى فعل فوري؛ وبالتالي ~~عدم تجدد الفعل في الحال. كما يتضمن التغير الفوري رد ~~المظالم، وإعادة الحق إلى أصحابه؛ فالتوبة ليست فقط ~~فعل نقاء للضمير، بل هو فعل اجتماعي؛ تصحيح للواقع ~~الفعلي، وإلا كانت التوبة فعل شعور فارغ لا مضمون له؛ ~~مجرد ستار على الظلم وتبرئة للذمة أمام النفس. # 33 # لذلك انقسمت التوبة إلى حق الله وهو ~~الجانب المعنوي، وإلى حق البشر وهو الجانب المادي الذي ~~ترد فيه المظالم. # 34 # والثاني الندم على ما فات. والندم فعل ~~شعور يتعلق بفعل واقع خرج على مبدأ عقلي وعلى بناء ~~واقعي، ويتضمن جانبي الفعل المعنوي والمادي، ويكون ~~مصاحبا بالتألم والأسى والحزن على ما وقع من معاص؛ ~~لذلك كانت التوبة تقع من فعل مضى، وليس من فعل ~~مستقبل؛ فالمعصية لا يعقد العزم على إتيانها في ~~المستقبل مقرونة بالتوبة منها؛ فذاك سوء نية. ويمكن ~~للندم أن يتجدد كالتوبة، وكلما تجدد زالت آثار ~~المعصية من النفس، وانتزعت من جذورها وآثارها. # 35 # وهو فعل عاقل يتم به إدراك وجه القبح في ~~الفعل الماضي، ووجه الحسن في الفعل الحاضر والمستقبل، ~~في الفعل الجديد. وقد يظهر الندم في صورة الاعتذار ~~كفعل من أفعال اللسان أو الشعور. والاعتذار هو إصدار ~~حكم خلقي على النفس أمام الآخر مع رد المظالم، وإرجاع ~~الحق إلى أصحابه، وهو فعل فردي في حق من وقعت الإساءة ~~في حقه؛ من فرد إلى فرد، ومن فعل لفعل. وإن وقع ~~للجماعة فالاعتذار يكون لها، وهو فعل طبيعي ناتج عن ~~الندم، يسقط بموت المساء إليه؛ وبالتالي يخالف البدل ~~والعوض العجلين في الدنيا. # 36 # والثالث العزم على عدم العودة إلى ms216 الفعل ~~المسيء في المستقبل. والعزم من أفعال القلوب والجوارح، ~~نية وفعلا، وهو آخر فعل في التوبة؛ فترك الزلة في ~~الحال والندم وحدهما لا يكفيان لإتمام فعل التوبة دون ~~التزام شعوري وفعلي في الزمان؛ فترك الزلة في الحال ~~وحدها كفعل وقتي غير ممتد في الزمان لا يكون توبة، ~~والندم وحده دون أن يكون مصاحبا للعزم على أمثال ما ~~ندم عليه في المستقبل لا يكون توبة. # 37 # وتتجدد التوبة أكثر من مرة، حتى ولو عاد ~~الفعل بعد عقد العزم، بشرط توافر الشروط الثلاثة في ~~التوبة الأولى. التوبة فعل متجدد بتجدد الأفعال ~~وتغير المواقف وتوتر الإنسان، في موقف يجمع بين الحرية ~~والضرورة؛ بين الاختيار والحتمية. وإن الخوف من التوبة ~~الثانية هو فقدان التوبة لمضمونها، فتصبح فعلا آليا ~~يضمن به الإنسان تجاوز المعصية. أما إذا توافر حسن ~~النية فتجديد التوبة نتيجة طبيعية لتجديد الفعل. وقد ~~تكون التوبة عن ذنب بعينه، في أضعف الأحوال، وهي ~~التوبة الجزئية، وقد تكون عن كل الذنوب، وهي التوبة ~~الشاملة، وهي أحسن الأحوال. التوبة الجزئية ينقصها ~~خلوص النية، ولا تسد كل ثغرات تسرب الطاقة على ~~الأفعال، في حين تكون التوبة الشاملة أكثر قدرة على ~~تجديد الشعور كله، وليس فعلا واحدا بعينه، بحيث ~~يعاد بناء الوجود الإنساني كله من جديد، نظرا ~~وعملا، تصورا وسلوكا. # 38 # لذلك، التوبة واجبة ليس فقط كفرض شرعي، بل كضرورة ~~وجودية وواقعة طبيعية؛ تعبيرا عن رغبة الإنسان في ~~التجدد المستمر. وسبب الوجوب دفع الضرر عن النفس. ولما ~~كانت الأضرار في الكبائر وجبت التوبة عنها؛ لأن ~~الأضرار من الصغائر لا تأثير لها إلا تقليل الثواب. ~~وتجب التوبة لأن المكلف لا يخلو حاله من أمور ثلاثة: ~~أن تكون طاعاته أكثر من معاصيه، فالمعاصي صغيرة لا يجب ~~التوبة عنها عقلا بل سمعا. أن تكون معاصيه أكثر من ~~طاعاته، وهنا تجب التوبة؛ لأنه صاحب كبيرة، فتسقط ~~العقوبة. أن تكون طاعاته مساوية لمعاصيه، وهو محال. ~~التوبة إذن هي الطريق إلى التجدد المستمر، والتقدم ~~الدائم نحو الأفضل. # 39 # ولا يهم في التوبة قبولها؛ ms217 لأنها من ~~أفعال الشعور؛ تطهيرا للنفس وتجديدا للروح. فقبولها ~~ليس من طرف خارجي، بل من حدوث التجدد نفسه؛ وبالتالي ~~فإن السؤال عن غفران الكبائر بالتوبة هل هو استحقاق أم ~~تفضيل يفترض الإجابة في طرف آخر يقبل التوبة أم رفضها ~~دون أن يقصرها على أفعال الشعور. ولا يهم أيضا إذا ~~كانت التوبة تسقط العقوبة أم لا؛ فالتوبة كتجديد ~~للفعل في الزمان من طرف الشعور التائب، وليست من طرف ~~شعور آخر مستقبل للتوبة أو للاعتذار. # 40 # ومع أن التوبة فعل فردي لا يتعدى فعل ~~الغير، إلا أن لها أحكاما عامة تحض الفرد والجماعة، ~~وتتعلق بالجانبين الشعوري والمادي؛ فالتوبة واجبة من ~~جميع الذنوب، لا خلاف بين ذنب وآخر. لا تجوز التوبة من ~~ذنب دون ذنب، بل تصح التوبة من جميع الذنوب دون ~~نوعية للأفعال. وإن تنوع أفعال الشعور لا حدود لها، ~~وإذا كانت التوبة من الصغائر فالتوبة عن الكبائر أولى. ~~وتكون صحة التوبة من المعاصي إجمالا من غير تعيين ~~للذنب المتوب عنه؛ فالتوبة فعل كيفي، وليست فعلا ~~كميا، فعل نوعي للشعور، وليست فعلا خاصا له. ولا ~~تصح التوبة مؤجلة حتى آخر الزمان في البعد وعلى ~~الأمد الطويل حتى لا يبقى زمان للعزم، وإلا لأجل ~~الإنسان التوبة إلى وقت الاحتضار. أما لو حدث ذلك عن ~~حسن نية وقصد فهي فعل، وإن كان يفتقد إلى الشرطين ~~الأول والثالث؛ ترك الزلة في الحال؛ لأنه لم يعد في ~~القوس منزع؛ وعقد العزم على عدم العودة إلى مثله في ~~المستقبل، فقد انقضى الزمان. ولم يبق من التوبة إلا ~~الندم. وتصح التوبة من كل الناس، مؤمنين وكفارا، ~~مطبوعين ومهديين. وإيمان الكافر توبة وندم، إن لم يكن ~~على مستوى الفعل فعلى الأقل على مستوى النظر؛ ففعل ~~الإدراك في نهاية الأمر أحد أفعال الشعور، والتائب ~~يعلم بما يلزمه أن يتوب عنه، ببعضه أو كله، وإلا لما ~~تحقق تجدد الفعل في الزمان، وتطهير الشعور، وصفاء ~~السريرة، وخلوص النية. وما دامت التوبة فعلا من أفعال ~~الشعور فهي فعل عاقل حر. ولا تجوز التوبة ms218 من القول ~~القبيح إن لم يكن مولدا. أما الأفعال المولدة ~~فالتوبة منها تحدث بإبطال التوليد نفسه. ولا يكفي هنا ~~الترك والندم والعزم؛ إذ تكون التوبة من الأفعال ~~الواقعة المسببة القصدية، وإبطال التوليد يحتاج إلى ~~علم بقبح الأفعال المتولدة من الفعل القبيح الأول، ~~وذلك يتم إما بسكون النفس أو بدليل العقل. لا تصح ~~التوبة من فعل مع استمرار قيام سببه المولد؛ ومن ~~ثم يكون القضاء على السبب هو شرط التوبة. ولا يمنع ~~التراخي بين السبب والمسبب من وقوع التوبة، بل تقع ~~على قدر الوسع، وعلى قدر احتواء الزمان. كما تلزم ~~التوبة أيضا عن فعل صدر من فعل آخر عن طريق ~~العادة، وليس عن طريق التولد؛ فالعادة فعل جبري في ~~حاجة إلى ضمه إلى نسيج الأفعال الحرة. وأخيرا لما ~~كانت التوبة فعلا متعديا إلى الخارج، كما أنها فعل ~~لازم إلى الداخل، استلزمت أحكام التعويض. وهنا يتحول ~~علم التوحيد إلى علم الفقه لمعرفة هذه الأحكام؛ ~~فالتوحيد أساس الشرع، وتختلف الأحكام الفقهية طبقا ~~للأحكام العقلية في التوبة. والقاعدة العامة أنه لا ~~تقبل التوبة إلا بعد رد مظالم العباد، ثم يفعل الله ~~ما يشاء في حقه؛ فالمهم هو حياة الناس في الدنيا، وليس ~~حياتهم في الآخرة. إذا كانت التوبة من فعل واقعي ~~أدى إلى وضع اليد والاستحواذ، فيجب رفع اليد والتخلي ~~عنه حتى تصح التوبة. وتكون توبة السماسرة ~~والمضاربين بإرجاع الأموال العامة، وردها إلى ~~أصحابها. وصحة الملكية في النفع العام لا في الإضرار ~~العام، ورد الحقوق جزء من أداء الواجبات. # 41 # | رابعا: شمول الاستحقاق # كما أن الاستحقاق ثابت ودائم، فهو أيضا شامل لا يفرق بين ~~مكلف ومكلف، ويظل العمل وحده هو مقياس الاستحقاق دون ~~موافاة الله لأحد؛ أي دون موالاة للبعض أو عداوة للبعض الآخر. ~~فالموافاة تحيز لو كانت قبل الفعل، وهي لا تتجاوز كونها ~~استحقاقا بعد الفعل، والبشارة هي استباق للحوادث، وحكم ~~مسبق بالاستحقاق ثوابا لبعض الأفراد دون البعض الآخر، ~~والاستحقاق عام وليس خاصا. أما الشفاعة فإنها نقص للاستحقاق، ~~وانقطاع للعقاب للعاصين دون المؤمنين؛ ms219 فشمول الاستحقاق إذن ~~موجه ضد الموافاة، ولاية وعداوة، وضد البشارة وضد ~~الشفاعة. ~~(1) الموافاة (الولاية والعداوة) # لما كان الاستحقاق أساسا أخرويا محضا، فإنه لا يمكن ~~أن تحدث موافاة فيه بعد أن تتم الأعمال، وينقضي العمر، ~~وينتهي التكليف؛ فالثواب والعقاب لا يكونان استحقاقا إلا ~~في الآخرة؛ فإذا ما حدث توفيق أو خذلان في الدنيا، أي ~~ولاية وعداوة من الله، فإن ذلك يكون تدخلا في حرية أفعال ~~الشعور الداخلية قاضيا عليها؛ وبالتالي نرجع إلى أصل ~~العدل من جديد. والفعل الحسن يولد طاقاته من ذاته، ويصبح ~~أكثر قدرة على التحقيق، في حين أن الفعل القبيح يفرغ ~~الطاقات، ويقضي على الذات، ويؤدي إلى الخذلان؛ لذلك قد ~~يدخل موضوع الموافاة، أي الولاية والعداوة، في حرية ~~الأفعال مع أفعال الشعور الداخلية. # 1 # الموافاة في الدنيا ولاية أو عداوة، سواء قبل الفعل أو ~~مع الفعل أو بعد الفعل، ليست فقط تدخلا في حرية الأفعال، ~~بل هي أيضا قضاء على التوبة، وسلب الإنسان قدرته على ~~الفعل المتجدد. وسواء كان هذا التدخل بالعلم أو بالقدرة، ~~فإنه في كلتا الحالتين قضاء على شمول الاستحقاق بتخصيص ~~وقتي؛ الإيمان والكفر، وهما لحظتان متجددتان طبقا ~~لاستمرار التكليف. وإن التبرئة المسبقة أو الإدانة ~~المسبقة لقضاء على الاستحقاق كنتيجة لم تتحقق بعد، ~~وكمسار للفعل لم تتحدد وجهته بعد؛ نظرا لحرية الأفعال. ~~وإن الولاية من الله للبعض والعداوة للبعض الآخر لقضاء ~~على شمول الله؛ وبالتالي على شمول الاستحقاق، كما أن الرضا ~~من الله على البعض بصرف النظر عن كفرهم مثل سحرة فرعون، ~~وسخطه على البعض الآخر بصرف النظر عن إيمانهم مثل ~~المنافقين، لهو اهتزاز لكل شيء للاستحقاق على الفعل، ولكن ~~الفعل وحده مناط الاستحقاق. إن رضا الله عن المؤمنين مهما ~~عصوا، وسخطه على الكافرين مهما أطاعوا، لهو نقض أساسا ~~لقانون الاستحقاق، وتصور الثبات في الله مهما تغيرت ~~الأفعال، بل إن هذا الثبات يدل على محاباة وتحيز؛ محاباة ~~المؤمنين لإيمانهم به بصرف النظر عن العصيان، والتحيز ضد ~~الكافرين لعدم إيمانهم به مهما كانت طاعاتهم، وكأن الله لا ~~يراعي ms220 إلا ذاته؛ الإيمان به من دونه بصرف النظر عن أفعال ~~الخير أو الشر للعباد. # 2 # وقد يقال بالموافاة نظرا لعلم الله الشامل ~~الذي يعلم المآل، فيرى الحال من خلال المآل، ويرى الحاضر ~~والماضي من خلال المستقبل. وفي هذه الحال يرد أصل العدل ~~إلى أصل التوحيد، ويضحى بالفعل الإنساني من أجل العلم ~~الإلهي، ولا فرق في ذلك بين الإرادة عند الأشاعرة والعلم ~~عند المعتزلة. # 3 # وقد ينشأ القول بالموافاة، ليس من تغليب ~~الإرادة والعلم الإلهيين على الفعل الإنساني في فرقة ~~السلطة، ولكن من الظروف النفسية لفرق المعارضة؛ ~~فالموافاة تعطي المعارضة العلنية الجهرية تأييدا لها من ~~الله ضد السلطة، تقوية للمقاومة، وتبريرا نظريا لها ~~من العقيدة. وسرعان ما يوجد المبرر في العلم المطلق ~~والإرادة الشاملة، وكأن أفعال المقاومة وقراراتها مصير ~~محتوم مقدر من قبل، بل إن أفعال الشعور نفسها من اعتقاد ~~وإيمان قدر مسبق يأخذ الله فيه بيد الإنسان، يدبر ~~أمره، وينسج له مصيره، ويقوده إلى غايته مهما كانت أفعال ~~الإنسان. فالموافاة إذن هي هذا الجبر الفعال الذي يوجه ~~أفعال الإنسان إلى غايتها، ينصر بها المظلومين وهم أولياء ~~الله على الظالمين وهم أعداء الله. # 4 # وقد تتحول الولاية والعداوة من مجرد فعلين ~~لله تعبيرا عن الإرادة والعلم إلى صفتين له في ذاته؛ ~~فالحق الإنساني مؤيد بالولاية الإلهية، والباطل الإنساني ~~مهدد بالعداوة الإلهية. الولاية أخذ الإنسان لله في صفه، ~~والعداوة أخذ الإنسان لله ضد أعدائه. وماذا لو فعل العدو ~~ذلك أيضا، وجعل الولاية من جانبه، والعداوة ضد عدوه؟ يكون ~~الإنسان في كلتا الحالتين قد أخذ المؤله من جانبه ضد ~~أعدائه، سواء كان هو نفسه أم خصمه؛ وبالتالي يتحول الله ~~كسلاح في معارك الخصوم. وأن إثبات الولاية والعداوة كصفات ~~ذات أو حتى كصفات فعل يؤدي إلى القضاء على الحرية ~~الإنسانية؛ إذ تحدد الصفات مصائر الناس فيما يتعلق ~~بأفعال الشعور. # 5 # وفي جماعة مضطهدة أخرى ولكن سرية تتحول ~~الولاية والعداوة أيضا إلى سلاح لتقوية الجماعة؛ فالولاية ~~للإمام والعداوة لأعدائه؛ فالولاية للذات والعداوة للغير؛ ~~وبالتالي يتحول ms221 الله إلى سلاح لتقوية الفرد ضد الخصوم. ~~ولما كثر المتخاصمون أصبح الله سلاحا ضد الكل يضرب في كل اتجاه. # 6 # إن الولاية والعداوة على هذا النحو ضد الشرع ~~والعقل معا؛ فكثيرا ما يتغير حكم الشرع طبقا لأفعال ~~الناس وانتقالهم من الإيمان إلى الكفر، أو من الكفر إلى ~~الإيمان، كما أن الرضا والسخط من الله تابعان لأفعال ~~الإنسان ومتغيران بتغيرها. ولا ينال ذلك من شمول العلم ~~الإلهي؛ لأن تغير الأحكام الشرعية طبقا للأفعال موجود ~~في العلم الإلهي، فهو علم ثابت بالتغير. # 7 # إن الولاية والعداوة ممكنان بعد حال الإيمان ~~والكفر، وبعد أفعال الحسن والقبح، كنتيجة وليس كمقدمة، ~~كنهاية وليس كبداية. وإن كل وضع للولاية والعداوة في ~~البداية لهو إنكار لقيمة الفعل ولقانون الاستحقاق؛ ~~تبريرا لأفعال الحاكم اللامشروطة، والذي يرعاه الله ~~بولايته، ويحفظه بالعداوة لأعدائه. # 8 ~~(2) البشارة # كما أن الموافاة لا تحدث في الدنيا قبل الأفعال وإلا ~~كانت قضاء على الحرية، ولا في الآخرة وإلا كانت خرقا ~~للاستحقاق، فكذلك البشارة؛ فالبشارة حكم مسبق على ~~الأفعال قبل اكتمالها، وقبل انقضاء العمر، وقبل نهاية ~~الزمان؛ هي تثبيت للحكم بالرغم من سريان الفعل. والحقيقة ~~أن الأحكام تالية للأفعال، وليست سابقة عليها. وإذا كانت ~~البشارة نوعا من إثبات التخصيص والاستثناء، فكيف يمكن ~~إثباتها وفي الوقت نفسه رفض التخصيص في الوعيد؟ # 9 # الفرق بينهما في الإغراء؛ فالتخصيص في الوعيد ~~إغراء على فعل القبائح، لكن البشارة ليست كذلك، ولا أيضا ~~إغراء على فعل الحسنات؛ لأن المبشرين معلومون بأسمائهم ~~وصفاتهم في بدايتهم، وإن كانوا في النهاية يصلون إلى عامة ~~الناس. يبدءون بالعشرة، ثم يصبحون أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم ~~أهل بيعة الرضوان بالحديبية، ثم سبعين ألفا من الأمة يتسع ~~كل منهم في سبعين آلفا آخرين، وفيهم أشخاص بعينهم إن لم ~~يكن واحدا بعينه، وكأنه يساويهم كلهم! وربما يتسع الأمر، ~~فيبلغ كل من بلغته دعوة الإسلام؛ وبالتالي تذهب الأمة كلها ~~إلى الجنة، بشرى للجميع، ويضيع الاستحقاق. وبعد أن يعين ~~الرسول ضمن العشرة الأوائل وهو الذي بشر بهم، قد يدخل ms222 في ~~ذلك أيضا آل البيت نساء ورجالا، ممن ظلموا قهرا ~~وعنوة، وممن استشهدوا مقاومة للظلم ودفاعا عن الحق؛ ~~وقد يدخل في ذلك زوجات الرسول، بالرغم من نقد الوحي لهن، ~~واشتراك إحداهن في الحرب وسفك الدماء، خاصة وأن الفريق ~~المختار لم يكن هو أصوب الفرقاء. وماذا لو كان في العشرة ~~المبشرين بالجنة أغنياء القوم في مجتمع أغلبيته من ~~الفقراء؟ وماذا لو كان فيهم من اعتزل الفتنة حتى لا يزاد ~~من سفك الدماء، لا نصرة للظالم، ولا دفاعا عن المظلوم؟ ~~وهل يمكن تعيين المبشرين بالجنة بالاسم، سواء كانوا ~~عشرة، أم ثلاثمائة، أم سبعين ألفا؟ وماذا لو تغير فعلهم ~~بعد البشرى؟ هل تظل البشارة حكما؟ أليس في ذلك أيضا حكر ~~على الإرادة الإلهية؟ ألا يعطي ذلك نوعا من الرخصة في فعل ~~أي شيء حلالا كان أم حراما ما دام الحكم قد صدر؟ ربما ~~يكون الهدف من ذلك هو الإعلاء من شأن الأعمال العظيمة، مثل ~~الشهادة والتضحية بالنفس والوجود في الطلائع والتصدي ~~للمخاطر ونصرة الحق والمحافظة على وحدة الجماعة. ومع ذلك ~~فهي كلها أفعال استحقاق، وليست أفعالا ضد الاستحقاق، بل ~~إن الأنبياء أنفسهم أيضا يخضعون لقانون الاستحقاق، إنما ~~يدخلون الجنة بأفعالهم. وفي النهاية لا يمكن للرواية ~~بنفسها أن تستقل في تأصيل النظر؛ فالمبشرون بالجنة ~~رواية تصطدم بقانون الاستحقاق دواما وشمولا، وطبقا ~~لنظرية العلم الرواية ظن والعقل يقين. # 10 # كما يتضح أن المبشرين بالجنة هم عادة أهل السلطة ~~ودعاة السلطان، في حين أن المبشرين بالنار هم أهل ~~المعارضة ودعاة الثورة الذين سموا أهل الأهواء، ومعظمهم ~~من الفرق المعارضة. وما أسهل من قيادة العامة من ~~المبشرين بالجنة، ومن حصار المعارضة باتهامها بأنها من ~~أهل النار تنفيرا للعامة منهم، خاصة وأن العامة من أهل ~~الجنة ومن المبشرين بها مع أهل السلطان سواء بسواء. فإن ~~لم تكن هناك بشارة، فهناك على الأقل القطع بإيمان البعض ~~مثل الملائكة أو الأنبياء؛ لأنهم مختوم لهم بالإيمان، ~~ومشهود لهم بالعصمة. والحقيقة أن الاستحقاق لا يكون إلا ~~للمكلفين من البشر، لا ينطبق إلا ms223 على الإنسان الذي حمل ~~أمانة التكليف، والنبي كذلك. أما غير البشر من الملائكة ~~والجن فلا ندري عنهم بالعقل شيئا. # 11 # قد يكون المؤمن المقطوع بإيمان هو ما سماه ~~القدماء «شاهد الحال»، الذي يعذب في معتقده، ويتحمل ~~الأذى لأجله، هو المؤمن قطعا. هنا يكون الإيمان هو ~~التضحية بالذات في سبيل المعتقد، بصرف النظر عن مضمونه. ~~أما إذا كان المضمون عاقلا مستمدا من أصلي التوحيد ~~والعدل، فيكون «شاهد الحال» هو صاحب الاستحقاق. # 12 ~~(3) الشفاعة # الشفاعة أيضا، وربما أكثر من الموازنة والبشارة، تنال ~~من شمول قانون الاستحقاق. وقد ارتبطت الشفاعة بالعفو؛ ~~فكلاهما يعطيان مغفرة عن غير استحقاق لأصحاب الكبائر. وكما ~~أن العفو والإحباط نقيضان، فالشفاعة والتوبة أيضا نقيضان، ~~ومن جوز المغفرة بلا توبة جوز الشفاعة، ومن منعها منع ~~الشفاعة. كما ترتبط الشفاعة بالوعد والوعيد؛ نظرا لأنها ~~أحد شبه المرجئة في تخصيص الوعيد والاستثناء منه فيما ~~يتعلق بدوام عقاب الفساق. وهي موضوع سمعي خالص لا يعتمد ~~على الحسن والقبح العقليين، بل على النقل وحده، وعلى ~~مطلق المشيئة. وقد زاد الموضوع أهمية في العقائد ~~المتأخرة، مثل حال كل الموضوعات السمعية كفرصة لإظهار ~~الغيبيات، وكل ما هو ما مضاد للعقل، حتى في الحركة ~~الإصلاحية الحديثة. وكانت أهميتها قد زادت منذ البداية بعد ~~ظهور البدع والحاجة إلى العفو كغطاء من الإيمان على قبح الأفعال. # 13 # والشفاعة من الشفع، وهو ضد الوتر؛ أي الثاني مع الأول، ~~الآخر في مصاحبة الذات. فالشفاعة تدل على الجماعة والصحبة ~~والتعاون واتجاه الفرد نحو الآخر والآخر نحو الفرد، كما ~~تدل على حاجة الإنسان إلى الغير، فكأن صاحب الحاجة بالشفيع ~~صار شفعا. وفي الاصطلاح مسألة الغير أن ينفع غيره أو يدفع ~~عنه مضرة. فالشفاعة بهذا المعنى هي اختيار الأصلح من أجل ~~الإنقاذ، وموضوعها وصول المشفوع له إلى حاجته، وهي إما طلب ~~نفع أو دفع ضرر. # 14 # ولكن يظل السؤال: هل هو اعتماد كلي على ~~الغير، وتشفع به، وتسلق عليه؛ أم اعتماد أساسي على ~~الذات، وثقة أولى بالنفس، ثم بعد ذلك توسع الفعل ~~وامتداده نحو ms224 الآخرين؟ # وتنقسم الشفاعة أربعة أركان: المشفوع إليه وهو الله، ~~الشفيع وهو الرسول، المشفوع له وهو المؤمن، المشفوع فيه ~~وهو الكبيرة. وتتضمن الشفاعة علو رتبة المشفوع إليه ~~والشفيع عن المشفوع له، وهذا أيضا في طلب الحاجة؛ لذلك ~~كانت فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع، والدلالة على منزلة ~~المشفوع إليه، والمشفوع إليه يكرم الشفيع. # 15 # ولما كان المشفوع إليه هو الله، فإنه يدخل في ~~العقليات في أصل التوحيد. بقي إذن المشفوع فيه وهو ~~الكبيرة، والمشفوع له وهو المؤمن، والشفيع وهو ~~الرسول. # فالمشفوع فيه هو الكبيرة؛ فالشفاعة أحد حلول قضية ~~التخليد والدوام في النار لصاحب الكبيرة؛ إذ إنه يكون في ~~النار استحقاقا، ثم يخرج منها بشفاعة الرسول. # 16 # ولما كانت الكبيرة عصيانا وفسقا وفجورا، ~~فالشفاعة تكون أيضا للعصاة وللفساق وللفجار، ولكن لماذا ~~الشفاعة لأهل الكبائر وهناك التوبة؟ وهل تجب الشفاعة ~~التوبة؟ وإذا كانت الشفاعة قادرة على إخراج مرتكب ~~الكبيرة من النار وقطع العقاب، فإن التوبة قادرة على عدم ~~إدخاله النار أصلا. وقد تكون الشفاعة لأهل الأعراف الذين ~~تساوت حسناتهم مع سيئاتهم ويمرون أمام النار، فإذا رجحت ~~حسناتهم سيئاتهم فإنهم يدخلون النار ولا يخرجون إلا بشفاعة ~~الرسول ورحمة الله. فالشفاعة هنا تدخل في الموازنة، ~~وتبطل الإحباط والتكفير، وتكون حاملا مرجحا في حالة ~~الاستواء بين الطرفين. وهي حالة افتراضية أساسا؛ نظرا ~~للطبيعة الخيرة كعامل مرجح فيها. ولماذا تتقدم ~~الشفاعة على رحمة الله أو تساويها وتعادلها؟ أليست رحمة ~~الله كافية كعامل مرجح دون شفاعة؟ # 17 # وقد تكون الشفاعة للكفار لتعجيل فصل القضاء، ~~وتخفيف أهوال يوم القيامة! # 18 # لذلك كان مكانها يوم الإراحة من الوقف. فهل ~~الله بطيء في العقاب، متباطئ في الحساب، فرح بإطالة ~~الانتظار له ليزيد عذابا نفسيا حاضرا على العذاب ~~البدني المتوقع؟ ولماذا يخفف الله عنهم الأهوال إذا ~~كانت جزءا من العذاب؟ ولماذا يستعجل الرسول، والعجلة في ~~القضاء ضد العدل، كما أن العجلة من الشيطان؟ وقد تكون ~~الشفاعة في الجن والإنس! وماذا فعل الجن؟ هل له رسل ~~وتكليف؟ وهل قبل الأمانة طوعا واختيارا كما قبلها ms225 الإنسان؟ # 19 # فإذا كانت الكبيرة أساسا هو المشفوع فيه، فمن المشفوع ~~له؛ المؤمن أم الموحد أم التائب؟ ولماذا الشفاعة؟ هل ~~لرفع الدرجات في الجنة، أو لعدم دخول النار، أو لدخول ~~الجنة بغير حساب؟ هل هي لهذه الأمة أم لكل الأمم بلا ~~استثناء؟ قد تكون الشفاعة لمن استحق دخول النار كي لا ~~يدخلها، وهذا في الحقيقة قضاء على الاستحقاق وعلى دوامه، ~~وقول بانقطاع العذاب أو بعدم وقوعه دون شرط التوبة. وماذا ~~يكون رد فعل من دخل النار عن استحقاق؟ أليس ذلك عدم مساواة ~~في العقاب؟ أليس ذلك إثارة ضغائن في الجنة وثورة في النار ~~لمن لم ينالوا الشفاعة؟ وماذا يكون رد فعل أهل الجنة الذين ~~عملوا الحسنات، ودخلوا الجنة بعد دخول النار، وغيرهم لم ~~يدخل النار شفاعة؟ وأين يذهبون إن لم يدخلوا النار؟ هل ~~يدخلون الجنة أم يبقون في الأعراف؟ وقد تكون الشفاعة ~~لإخراج الموحدين من النار، لمن له ذرة إيمان في قلبه. ~~وهذا أيضا تفضيل للنظر على العمل، مع أن الاستحقاق يقوم ~~على العمل، وليس على النظر، وهو أيضا ظلم الكفار الذين ~~لهم أعمال صالحة. وهو مناقض لقانون الموازنة، الإحباط ~~والتكفير، كما أنه ضد التوبة، وإلغاء لوظيفتها، وقضاء على ~~الهدف منها. وإذا كانت الشفاعة تخفيفا عن بعض الكفار في ~~أوقات مخصوصة، فهذا تخصيص بلا استحقاق، واستثناء دون حق، ~~وتحيز ومجاملة تناقض العدل. # 20 # وإذا كانت الشفاعة لأطفال المشركين، فهل ~~الأطفال عقلاء بالغون أحرار حتى يكونوا مكلفين؟ وإذا ~~كانت الشفاعة للمؤمنين المطيعين، فإن في توبتهم كفاية ~~لانقطاع العقاب ودوام الثواب. # 21 # وإذا كانت الشفاعة لصلحاء الأمة ليتجاوز عنهم ~~في تقصيرهم في الطاعات، فإن الأعمال العظيمة تجب ~~المعاصي، والتضحية بالعمر وبالنفس تجب اللمم. أما إذا ~~كان المقصود من الشفاعة رفع الدرجات، وبلوغ مراتب أعلى في ~~الجنان، فإن ذلك طمع، ورغبة في المزيد أسوة بما كان يحدث ~~في الدنيا من زيادة غنى الغني، ورفاهية المترف، ويسر ~~الموسر، بمزيد من الطاعات والعبادات. فالدرجات العليا في ~~الدنيا لا بد وأن يقابلها رفيع الدرجات في الآخرة؛ ms226 حتى ~~تستمر مزايا الدنيا بدعوى دوام الثواب! كما يؤدي ذلك إلى ~~إثارة الأحقاد والضغائن والمنافسة في الجنة عند من لم ~~تنلهم الشفاعة. وهل في الجنة رغبات وأطماع وهي دار السلام والصفاء؟ # 22 # وتتم الشفاعة لدفع العذاب ولرفع الدرجات ضد ~~قانون الاستحقاق. لا يرفع العذاب إلا بالموازنة أو ~~التوبة؛ لأن الشفاعة دونهما، إعطاء نفع لمن لا يستحق. ~~والدعاء لا يرفع العذاب؛ فالدعاء قول والتوبة عمل، وما ~~أكثر القول وأقل العمل! ولماذا تتم الشفاعة لعدد معين ~~70000 كل واحد منهم يشفع في 70000 ألفا مثلهم؟ # 23 # فيكون مجموع المشفع لهم 4900000000؛ أي أقل ~~من خمسة مليارات بقليل، وهم أقل من عدد سكان الأرض حاليا ~~بمليار واحد! ولماذا هذا العدد بالذات؟ هل عدد رمزي به ~~الرقم 7، وبه الأصفار والآلاف زيادة في التعظيم ~~والمبالغة؟ أليس هذا العدد أكثر من مسلمي الأرض؛ وبالتالي ~~يتطلب ذلك الشفاعة لغيرهم؟ وهل الرسول على علم مسبق ~~بأفعال العباد المستقبلة، أم هو قانون عام للتاريخ يمكن ~~التنبؤ به؟ وإذا كانت الشفاعة لأهل الجنة من هذه الأمة، ~~فهم ليسوا بحاجة إليها ما داموا في الجنة. وإذا كانت للناس ~~جميعا بصرف النظر عن الأمة تصبح عامة للكل؛ وبالتالي تفقد ~~خصوصيتها للبعض، وفي عموميتها يكون إثباتها مساويا لنفيها. # 24 # إن إدخال قوم الجنة بغير حساب ضد قانون ~~الاستحقاق، وعدم مساواة بين من دخلها بحق وبين من دخلها ~~بغير حق. وما فائدة العمل لمن دخلها بحق؟ وفيم كان الجهد ~~والتعب والنصب؟ وهل لم يعد العمل هو مقياس الجزاء؟ على ~~الأقل لا بد من وجود مراتب في الجنة لمن دخلها بجهد عرقه، ~~ولمن دخلها شفاعة. وقد يثار خلاف حول أيهما يكون في ~~مرتبة أعلى من الآخر؟ ويلاحظ في المشفوع لهم التضاد ~~في المجموعات بين إدخال قوم الجنة بغير حساب، وبين عدم ~~إدخال قوم النار استحقوا دخولها؛ أو بين إدخال المؤمنين ~~المذنبين الجنة، وبين إخراج العصاة الموحدين من النار. ~~أما باقي الشفاعات فلا حد لها، إنما صاغتها أحاديث من نسج ~~الخيال الشعبي حول البطل والبطولة الفردية، وحاجة ms227 الدهماء ~~إلى مخلص. وهنا يبدو الرسول زعيما لأمة، وشيخا لقبيلة، ~~ورئيسا لجماعة. # أما فيما يتعلق بالشفيع وهو الرسول، فإن شفاعته تأتي ~~بطلب الناس بعدما يتقاعس الجميع، ويرفض باقي الرسل؛ إذ ~~يسأل الناس الرسل، فيعتذرون ولا يتقدم إلا سيد الخلق، ~~فيقول أنا لها، ويسجد ويشفع؛ فهو الذي يتصدر الجمع، ويسبق ~~الرسل، ويشهد على جميع الشهداء. # 25 # وللرسول شفاعتان: شفاعة خاصة وشفاعة عامة. ~~الأولى لمن يستحق من مرتكبي الكبائر، والثانية مقام ~~محمود للناس جميعا. إذا كانت الأولى نوعا من الاستحقاق، ~~فالثانية نوع من التفضل، لا يبدأ الرسول في طلبها إلا بعد ~~أن يسجد، فإذا أذن له الله شفع من أسعد الناس بها، ولا ~~تكون لمن أشرك بالله. # 26 # فإذا كانت الشفاعة الصغرى خاصة لأهل الكبائر، ~~فإن الشفاعة الكبرى تكون لكل من دخل في قلبه ذرة إيمان، بل ~~لكل مخلوق من البشر إنقاذا له من هول الموقف. فإذا كانت ~~الصغرى زيادة على التوبة، فإن الكبرى قضاء على الاستحقاق ~~كلية، وتغليب للنظر على العمل. وكيف تكون الشفاعة من هول ~~الموقف والحساب لم يتم بعد، وكأن الشفاعة هنا ضد الحساب؛ ~~أي مناقضة لتطبيق قانون الاستحقاق؟ وقد تكون للنبي شفاعات ~~أخرى غير هاتين الشفاعتين، يكثر من ذكرها الخيال ~~الشعبي الذي ينطلق لتحديد زمانها ومكانها وأشخاصها كلما ~~زاد الإحساس بالبطولة الفردية، واشتدت حاجة الإنسان إلى ~~مخلص بعيدا عن فعلهم وخارج أنفسهم. # 27 # وكيف يشفع الرسول لغيره وهو نفسه بشر ينطبق ~~عليه قانون الاستحقاق، وهو نفسه محاسب مثل غيره من ~~البشر؟ كيف يكون له هذا القدر من الشفاعة وهو أيضا محكوم ~~عليه وليس حاكما، وهو متهم وليس قاضيا؟ # والأخطر من ذلك كله هو تعميم الشفاعة لغير الرسول؛ ~~وبالتالي لا تصبح خاصة به وحده وميزة له باعتباره آخر ~~الأنبياء والمرسلين، وتصبح عامة للملائكة والأبناء والرسل ~~والأولياء والصحابة والشهداء والعلماء وصلحاء الأمة ~~والمؤمنين ولكل الناس على قدر منازلهم والفقراء وأطفال ~~المؤمنين. إن تعميم شفاعة النبي له ولغيره يقضي على الخاص ~~فيصبح عاما؛ وبالتالي يضيع كلية قانون الاستحقاق، ووقوع ~~الجزاء طبقا ms228 للأعمال، كما أنه يسقط شفاعة النبي كخصوصية ~~له، وهو القصد من الشفاعة، بل إنه ينفي الشفاعة كلية ~~طالما غاب القصد منها، وتوقف معناها الأول، كما أن تعميم ~~الأوقات والأماكن والأشخاص هو قضاء على وقت الحساب وخصوصية ~~المكان وأصحاب الكبائر. وإن إثبات الشفاعة في الدنيا ولكل ~~الناس ليجر إلى الوساطة والمحاباة والتحيز، ويقضي على ~~العمل، وهو أساس الاستحقاق في الدنيا. وكيف تكون الشفاعة ~~لملك والملك غير مكلف أساسا، والإنسان أعظم منه؟ ~~وطبقا لأي مقياس سيشفع الملك؟ كيف نشفع الملائكة في ~~البشر؟ أليس الإنسان أفضل منها بتقبله الأمانة؟ ألم تسجد ~~الملائكة لآدم؟ ألم تعارض الملائكة إرادة الله كما فعل ~~إبليس؟ وهل الملائكة لها رسل وتكليف، خاطبها الله ونادى ~~عقلها واستثار حريتها كما فعل مع الإنسان؟ لا يشفع للإنسان ~~إلا عمله؛ فالاستحقاق أحد مظاهر التكريم. وهل يشفع نبي ~~لنبي آخر مثله؟ وإذا كانت الشفاعة لصاحب الكبيرة، فهل من ~~الأنبياء من ارتكب الكبائر؟ وإذا كان قد حدث فلماذا يشفع ~~للنبي ولا ينال استحقاقه ثوابا بحسناته وعقابا بسيئاته، ~~وهو بشر، أسوة بباقي البشر؟ أليس محمد سيد المرسلين وخاتم ~~الأنبياء والشفاعة خاصة به وتكريم له؟ كيف يشفع له نبي ~~آخر وهو شاهد الشهداء، «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا»؟ وكيف يشفع موسى وهو الغاضب ~~الكاره؟ كيف يشفع نوح وهو اللاعن المدمر؟ كيف يشفع عيسى ~~وهو الحنون القابل لكل الشرور والآثام عن رضا وطيب خاطر؟ ~~كيف يشفع يحيي وهو المقطوع الرأس؟ كيف يشفع النبي وهو ~~يستسلم للقضاء، ويرى أن كل ما يقع من شرور في العالم إنما ~~يتم بإذن الله وبكامل إرادته ومشيئته؟ وهل يشفع الأولياء؟ ~~ألا يضع ذلك الأولياء في مصاف الأنبياء والرسل ~~والملائكة؟ وما مقياس صدق الولاية؟ لقد فرق الفقهاء من ~~قبل بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ من أجل التفرقة ~~بين الكذب والادعاء والسحر والشعوذة، وبين الولاية الحقة. ~~وهل هناك ولاية أساسا؟ أليس ذلك إدخالا لعلوم التصوف في ~~علم أصول الدين؟ إن الاعتماد على شفاعة الأولياء هو تدمير ~~للعقل ms229 وللفعل، وهما دعامتا قانون الاستحقاق. وهل تشفع ~~الصحابة وهم أولى بالشفاعة؟ وهل الصحابة في مكانة الملائكة ~~والأنبياء والرسل كشفعاء؟ ألا يخطئ الصحابة ويصيبون؟ ~~الصحابة محاسبون مشفوع لهم مثل غيرهم. كيف يكون المشفوع ~~له شفيعا؟ وهل يشفع عمر إن شفع عثمان؟ ومن يشفع لأبي ~~سفيان؟ وهل يشفع عمر لخالد بن الوليد أو خالد بن الوليد ~~لعمر؟ وهل يشفع الشهداء؟ إن الطليعة قد ضحت بنفسها، ~~وطالما حاولت تجنيد الجماهير معها. فبعد ذلك هل تشفع ~~الطليعة في الخانعين والهابطين والمثبطين والقاعدين ~~والمخلفين الذين اثاقلوا إلى الأرض؟ هل يشفع الشهداء ~~فيمن أعطاهم الشهادة؛ القتلة والظلمة والحكام والسلاطين؟ ~~صحيح أن منزلة الشهادة في منزلة النبوة، ولكن الشهادة ~~عمل، فكيف يشفع العامل فيمن لا عمل له؟ وهل يشفع العلماء؟ ~~والعلماء عكس الشهداء؛ هم أصحاب نظر، والشهداء أصحاب فعل. ~~ألا يعطي ذلك أولوية للنظر على العمل، أو على الأقل يكون ~~النظر مساويا للعمل؟ صحيح أن النظر قيمة، ولكن العمل ~~قيمة أعظم. كيف يشفع العلم للجهل، والمعرفة للشك، واليقين ~~للظن؟ ألم يخش العلماء غير الله، فباعوا علمهم على موائد ~~الحكام؟ وهل يعمل كل العلماء بعلمهم، أم إنهم هم العاملون ~~وحدهم؟ وهل يشفع اجتماع النظر والعمل في أحد أجزائه؛ أي ~~النظر وحده أو العمل وحده؟ وهل يشفع صلحاء الأمة وأتقياء ~~القوم؟ وهل يشفع الأصل في الأقل صلاحا؟ ألا يمنع ذلك ~~الصالح أن يكون أصلح ما دام الأصلح سيشفع له، وما فقده ~~الإنسان في الدنيا يجده في الآخرة، وما لم يحصل عليه في ~~البداية يحصل عليه في النهاية؟ وهل يشفع المؤمنون بعضهم ~~لبعض وكأن الأمر مجاملة، أو بتعبير شعبي «شيلني وشيلك»؟ ~~وكيف يشفع مؤمن لنبي، ويشفع الأقل درجة للأعلى درجة؟ هل ~~المؤمن أعلى درجة من النبي؟ هل يشفع أحد من الصحابة وهم في ~~ذروة الإيمان لمحمد؟ هل يتشفع مؤمن منهم في باقي الأنبياء ~~والرسل في إبراهيم وموسى وعيسى؟ وكيف يتشفع مؤمن لمؤمن ~~آخر؟ في هذه الحالة لن تكون الشفاعة كرامة للأنبياء، وخاصة ~~لخاتم المرسلين، بل تكون عامة لجميع المؤمنين؛ وبالتالي ms230 ~~تضيع الشفاعة باعتبارها كرامة للأنبياء. وإن الشفاعة بهذا ~~المعنى لتعطي الإنسان المؤمن أكثر مما يستحق، ويعطى ~~المشفوع له أقل ما يستحق، وتحيل البشر إلى قسمين؛ يدا ~~عليا تعطي ويدا سفلى تأخذ. وكيف يشفع الناس قدر منازلهم؛ ~~وبالتالي تصبح الشفاعة عامة للكل، وتفقد خصوصيتها لواحد ~~بعينه؟ وإذا كانت المنزلة هي التي تحدد قدر الشفاعة، ~~فالعمل أساس المنزلة والشفاعة معا. وهنا تسقط الشفاعة ~~باعتبارها بديلا للفعل. وكيف يشفع الفقراء؟ ولماذا لا ~~يأخذ الفقراء حقهم في الدنيا بدل أن يكونوا وسيلة لدفع ~~العقاب عمن سلبوهم حق الحياة ونهبوا ثرواتهم؟ أليس ذلك ~~إرضاء للفقراء في الآخرة عن طريق الإيهام، وتحويل ~~عبوديتهم إلى سيادة، وضعفهم إلى قوة، وعجزهم إلى إرادة، ~~فينسوا فقر الدنيا أمام غنى الآخرة؟ بعد أن كان الفقير ~~محكوما أصبح حاكما، وبعد أن كان عبدا أصبح سيدا، وبعد ~~أن كان مشفوعا له أصبح شفيعا! وكيف يشفع أطفال المؤمنين ~~الصابرين على البلاء؟ وأي بلاء يصيب الأطفال في الجنان؟ ~~وكيف يرفع الظلم عن الأطفال المذبوحين المعذبين ~~المبتوري الأطراف المبقوري البطون بإيهام الشفاعة لهم، ~~وبأنهم شفعاء لجلاديهم؟ # 28 # لذلك كله كانت الشفاعة مستحيلة؛ بناء على عدم جواز ~~العفو والمغفرة قبل التوبة. # 29 # وإذا كانت التوبة واجبة فلم الشفاعة؟ وإذا ~~كانت الشفاعة واجبة فلم التوبة؟ الشفاعة على عكس التوبة؛ ~~فالشفاعة لا تحدث تغييرا في القلوب أو الجوارح، في ~~الأفعال الداخلية أو الأفعال الخارجية، في حين أن التوبة ~~تحقق الهدف منها، وهو إحداث التغير الفعلي في حياة ~~الإنسان، والاعتماد على النفس، والتعليم، وتغير الرؤية، ~~وتحسين السلوك. الشفاعة كسب بلا جهد، وثمرة بلا غرس، وجني ~~بلا زرع، ومعلول بلا علة، ونتيجة بلا مقدمات. تقضي الشفاعة ~~إذن على التوبة وقدرة الإنسان على إنقاذ نفسه بنفسه، بفعله ~~المتجدد، وتعلمه عن طريق المحاولة والخطأ. قد يركن ~~الإنسان إلى الشفاعة ما دام يعرف النتيجة مسبقا، أو ~~يهدف إليها قصدا، أو يتاجر بها، ويترك الجهد والتدبير ~~والإرادة والعقل. وقد يصاغ ذلك في حجة جدلية مؤداها أن ~~الرسول إما أن يشفع لصاحب الكبيرة وهو ما ms231 لا يجوز؛ لأنه ~~إثابة من لا يستحق، وإما لا يشفع وهو ما يجوز؛ لأنه يقدح ~~بإكرامه. ولما كان المكلف لا يدخل الجنة تفضلا، بل عن ~~استحقاق، وكانت العقوبة على الدوام، فكيف يدخل المطيع ~~الجنة أو يخرج المسيء من النار بشفاعة الرسول مع تأكيد ~~الوحي أنه لا شفيع للظالمين؟ ففي حالة استواء الطرفين بين ~~جواز الشفاعة وعدمها يبرز الاستحقاق ليرجع نفي الشفاعة. # 30 # إن الشفاعة تثير عدة إشكالات حتى ~~لمثبتيها؛ فإذا لم يشفع الرسول لم تكن له كرامة، وإن شفع ~~فإنه ينقض قانون الاستحقاق، خاصة إن لم تسبقها توبة. وهل ~~الشفاعة أعلى من قانون الاستحقاق؟ أليست الشفاعة نقضا ~~للاستحقاق؟ أليس الله قادرا على الرحمة بلا شفاعة؟ أليست ~~الشفاعة إعطاء النبي أكثر مما يستحق من حيث كونه بشرا، ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق: # قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا ~~رسولا ~~؟ ألا تجعل الشفاعة واسطة بين العبد ~~والرب؛ وبالتالي يقضي على أهم خصائص الإسلام؟ إن الشفاعة ~~تقضي على الفعل وعلى الجهد الذاتي، وتجعل الاستحقاق مجرد ~~تفضل. وإذا كانت الشفاعة للحصول على المراتب العليا، فإنها ~~تقوم حينئذ على الطمع من جانب المشفوع لهم، بل وعلى ~~الدنية في الدين وعلى الشحاذة، واليد العليا خير من اليد ~~السفلى. إن الشفاعة أقرب إلى الأخلاق اليهودية، نظرية ~~البقية الصالحة التي لأجلها يغفر الله خطايا باقي الأمة، ~~والتي سمحت لها بفعل ما تشاء وعصيان القانون بفضل شفاعتها ~~لها. وهي أقرب أيضا إلى نظرية # نحن ~~أبناء الله وأحباؤه ~~. والعلاقة ~~الخاصة بين العبد والرب التي لا تقوم على أساس الاستحقاق. ~~وتشبه أيضا عقيدة حمل المسيح لآثام البشر، والتي تسمح ~~للمؤمن أن يفعل ما يشاء ما دام المسيح سيحمل وزر أخطائه ~~بدلا عنه، ويكفر عنه بدمه، ولا يمحوها فقط بشفاعته. وقد ~~تصبح الشفاعة مجرد موضوع شخصي صرف، طلب الشفاعة للنفس ~~وإنكارها على الخصوم. وإن دعاء المرجئة أن يكونوا من أهل ~~الشفاعة هو سماح لهم بأن يكونوا من العصاة أصحاب الكبائر. ~~ومن حق من لم يشفع لهم الغضب والتمرد ما دامت الشفاعة ms232 لا ~~تقوم على استحقاق. ولا يمكن اتهام من ينكر الشفاعة بأنه ~~يفعل ذلك لأنه ليس له حظ منها؛ فهذا إسقاط إثبات الشفاعة ~~لسبب شخصي، وهو العفو عن الأخطاء والمعاصي بلا توبة وعن ~~غير استحقاق على من يقوم بإنكارها حرصا على تجدد الفعل في ~~الدنيا بالتوبة، وعلى نتائج الفعل في الآخرة بالاستحقاق، # 31 # بل إنه في إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة لا ~~يستشفع بالله على خلقه. فما بال الاستشفاع بالرسول على الله؟ # 32 # وهناك أدلة نقلية معارضة على عدم جواز الشفاعة عند ~~القدماء، أو على تعميمها في الرسول وفي غيره، في وقت ~~الحساب وفي غيره من الأوقات؛ فدلالتها على العموم من حيث ~~الأشخاص والأزمان، وليست على الخصوص. ولم يبق عند ~~المعتزلة إلا العفو عن الصغائر مطلقا، وعن الكبائر بعد ~~التوبة، والشفاعة لزيادة الثواب. # 33 # وهناك شبهات أخرى ضد الشفاعة يذكرها القدماء ~~تجمع بين النقل والعقل، ويصعب تفنيدها؛ فروايات الشفاعة ~~معارضة بمثلها، وتضعيفها لا يزيد على تضعيف روايات ~~الشفاعة ذاتها، خاصة وأنها وردت في روايات أخرى تمنع ~~الشفاعة عن قاتل النفس ومدمن الخمر وعاق الوالدين، ~~وهي أمهات الكبائر التي تقضي على الحياة. وتعارض هذه ~~الروايات أخبارا أخرى تسقط الفعل من الحساب، مثل: «من ~~قال لا إله إلا الله دخل الجنة.» أو: «وإن زنى، وإن سرق.» ~~أو «وإن قتل وشرب الخمر رغم أنف أبي ذر.» وهو ما يعارض ~~أيضا روح الوحي وأصل العدل. وإذا كان العمل جزءا من ~~الإيمان، فكيف تتم الشفاعة فيمن لا عمل له؛ أي لا إيمان ~~له؟ وكيف تكون الشفاعة لكل مؤمن وإن لم يكن له عمل؟ إن فصل ~~الإيمان عن العمل، وإخراج العمل عن الإيمان، إغراء على ~~إتيان المعاصي، ودافع على ارتكاب الذنوب. ليس الظلم هو ~~الشرك والكفر النظري، بل هو الظلم العملي؛ ظلم الأفعال: # الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم ~~. ولا شفاعة ~~تنفع الكافر لأجل أعماله، وليس لأجل نظره. وإن إخراج ~~العذاب من أصل الإيمان والتوحيد وجعله في الكفار وحدهم ~~مجرد نرجسية؛ حبا للذات وعداوة للآخر. # 34 # والحقيقة أن ms233 آيات الشفاعة تشير إلى النفي أكثر مما ~~تشير إلى الإثبات؛ # 35 # فالشفاعة لله وحده، وليس لدونه أية شفاعة. # 36 # وفي حال الإثبات لغيره تكون مشروطة برضاء الله ~~وبإذنه، أو بعهد اتخذه الله مع الشفيع، أو لمن يشهد بالحق. # 37 # وتنكر الشفاعة بأسلوب السخرية والتساؤل، ~~وكأن إنكار الشفاعة أمر بديهي لا يحتاج إلى إنكار. # 38 # وإن وجدت بصرف النظر عن الشفيع، فإنها لا ~~تنفع في شيء، إما لفوات الأوان، أو لعدم استحقاقها. # 39 # وهي لا تكون على الإطلاق للظالمين أو للتابعين ~~أو للمشركين الذين أشركوا في فعلهم آخرين معتمدين عليهم، ~~تابعين لهم. # 40 # أما الشفاعة في الدنيا أهي خير أم شر، فذلك ~~أمر إنساني خالص؛ أي من عمل خيرا أو شرا فجزاؤه من ~~جنس ما عمل. # 41 # | خامسا: الموت # بعد إثبات قانون الاستحقاق ودوامه وشموله يبدأ القسم الثاني ~~من المعاد، وهو تحقيق المعاد أو تنفيذه بالفعل في مكان المعاد، ~~وطبقا لإجراءات المعاد. وهي السمعيات بالمعنى الدقيق؛ إذ قد ~~يدخل الاستحقاق كقانون عقلي، إما في موضوع خلق الأفعال، أو في ~~موضوع الأسماء والأحكام (الإيمان والعمل). # 1 # وقد تدخل السمعيات أيضا كأحد ملحقات النبوة، ~~والنبوة في آخر مراحلها، وقد تتضخم فتصبح هي والنبوة نصف ~~العقائد، كما كان التوحيد من قبل النصف الأول. # 2 # ولما كانت أحكام المعاد مبلغة من الرسول، فإنه ~~يدخل كأحد جوانب السمعيات مع النبوات والأسماء والإمامة. # 3 # وفي العقائد المتأخرة وتحت أثر علوم الحكمة، ~~تضمحل السمعيات كلها، ولا يظهر إلا المعاد، وهو ما سبقت إليه الفلسفة. # 4 # وأحيانا تختفي السمعيات في العقائد المتأخرة، ~~كما أنها لم تكن قد ظهرت بعد في إحدى العقائد المتقدمة. # 5 # وكما تختفي السمعيات من إحدى الحركات الإصلاحية ~~الحديثة تتضخم أحيانا في العقائد المتأخرة، وتمتلئ ~~بالأحاديث الغيبية وبالتاريخ والتصوف . # 6 # وتبدأ المصنفات القديمة عادة بالسمعيات، ثم ~~بقانون الاستحقاق على أساس أنه هو مقياس الحكم وأساس الحساب، ~~في حين أن قانون الاستحقاق هو الأساس العقلي للسمعيات، وما ~~السمعيات إلا تشخيص وتخييل وتمثيل له. وقد يتأرجح موضوع ~~الشفاعة ms234 بين الاستحقاق العقلي والسمعيات التخييلية. ومع ذلك ~~يبرز سؤال: هل يمكن وضع السمعيات في بناء عقلي؟ كيف يمكن أن ~~توجد سمعيات في بناء عقلي؟ ونظرا لاعتماد السمعيات على ~~الأخبار؛ أي على صدق النبي، ارتبطت بموضوع النبوة، في حين ~~ارتبط الاستحقاق بموضوع العدل وهو من العقليات. فأمور المعاد ~~كجزء من السمعيات مضادة لأصول التوحيد؛ فالجهل مضاد ~~للمعرفة، والقبول مضاد للتأصيل. # 7 # ومعظم هذه السمعيات آتية من السنة وليست من ~~القرآن؛ مما يوحي بأنها فرعية لا أصلية، نقلية لا عقلية؛ ~~وبالتالي يمكن الاستغناء عنها، باعتبارها ظنا خالصا تخضع ~~لصدق الرواية ومدى الحاجة لها. فلو كانت مهمة في الدين تعم ~~بها البلوى، لوجدت في القرآن. يقين السمعيات إذن يقين ~~خارجي خالص، وليس له إلا برهان خارجي، وهو صدق الرواية ~~وصحتها تاريخيا. ولما كان هذا اليقين الخارجي لا يصل إلى حد ~~التواتر؛ وبالتالي فإنه يكون ظنيا مرتين؛ مرة لأنه رواية، ~~وأخرى لأنه خبر آحاد. لا تعطي السمعيات يقينا نظريا، خاصة ~~إذا كانت أخبار آحاد، وإنما تعطي يقينا عمليا فقط، وتظل ~~ظنية من حيث النظر. فالغاية من السمعيات إذن ليست إعطاء حقائق ~~نظرية، بل إعطاء توجيهات عملية. لا تهدف إلى يقين العقل، بل ~~إلى احتمال الممارسة. كما أن الحقائق النظرية التي تعطيها ليست ~~ضرورية، أي فطرية طبيعية، ولكنها حقائق مكتسبة تتم عن طريق ~~التعلم والتلقين؛ فهي حقائق لا تنبع من النفس، بل تأتي من ~~المجتمع؛ وبالتالي لا تكون حقائق ثابتة وعامة وشاملة، بل تتغير ~~تبعا لتغير المجتمعات، وتكون مشروطة بمستوى العلم في كل مجتمع ~~وبدرجة رقيه فيما يتعلق بالقدرة على التنظير، والانتقال من ~~مستوى الحس والتمثيل والتخييل إلى مستوى العقل والنظر ~~والبرهان. ~~(1) الانتقال من الحياة إلى الموت # تبدأ رحلة الحياة الأخرى بالموت. فماذا تعني الحياة ~~وماذا يعني الموت؟ وكيف يقع الموت طبعا أم قسرا؟ وإذا تم ~~قسرا، فهل يكون بالقتل أم بالشهادة؟ بفعل الآخر أم بفعل ~~الذات؟ وتتراوح الإجابات على هذه التساؤلات بين ثلاثة ~~مستويات: المستوى الإلهي والمستوى الطبيعي والمستوى ~~الإنساني. فالموت على المستوى الإلهي ms235 هو عود إلى موضوع ~~الآجال والأرزاق والأسعار، فالموت هو نهاية الأجل وانقضاء ~~العمر، فلكل أجل كتاب؛ # 8 # فالإيمان بوجوب الموت أحد مظاهر السمعيات. أما ~~المستوى الطبيعي فإنه يجعل الموت موضوعا للعلم. ولما كانت ~~الطبيعيات إلهيات مقلوبة، وكانت الإلهيات أيضا موجهة ~~أساسا ضد الطبيعيات، كان الموت كموضوع طبيعي بين ~~الطبيعيات والإلهيات؛ فإذا كانت الحياة حركة، فالموت سكون؛ ~~وإذا كان الجسم الحي لا يتحرك إلا بدافع، فالموت نهاية ~~للدوافع والبواعث. وما الفائدة من تحريك الله لجسم ميت ~~بلا دافع، وكأن الله يعمل خارج قوانين الطبيعة، بل وضدها؟ ~~أما المستوى الإنساني فإنه متعدد الاتجاهات بين الوصف ~~الصوري والوصف المادي والوصف الشعوري الخالص؛ فالموت ~~مضاد للحياة، والضدان لا يجتمعان. والموت ليس عدما ~~محضا ولا فناء محضا، بل انقطاع تعلق الروح بالبدن؛ ~~مما يتطلب فيما بعد تحديد معنى الروح، وكيفية تعلقها ~~بالبدن. والموت انتقال من حال إلى حال، ومن دار إلى دار؛ ~~فالموت تحول، واستمرار للحياة بشكل آخر، وهو ما يتطلب ~~إثبات المعاد وكيفيته. # 9 # فإن لم يحدث الموت طباعا فإنه يقع إما بالقتل أو ~~بالشهادة. فما هو القتل وما هي الشهادة؟ لقد عرف القدماء ~~القتل عن طريق تحديد مكانه في القاتل أو في المقتول، في ~~العلة أو في المعلول؛ فقد يكون القتل من الضارب الذي ~~يسبب خروج الروح. وإن حركة الضارب دون خروج الروح لا ~~تكون قتلا؛ فالقتل هنا من العلة أولا قبل أن تكون من ~~المعلول. وقد يكون القتل هو حركة خروج الروح أولا مع كون ~~القتل من القاتل، فيكون القتل في هذه الحالة من المعلول ~~أولا قبل أن يكون من العلة. والمسئولية في الحالة الأولى ~~تعزى إلى القاتل كلية؛ فهو العلة الفاعلة، في حين أنها ~~تعزى إليه في الحالة الثانية جزئيا؛ لأن القتل أولا هو ~~حركة في المقتول بمناسبة القاتل وليست منه. قد يموت ~~المقتول خشية السيف قبل أن يهبط السيف عليه، وفي هذه ~~الحالة يكون القتل من المقتول أكثر من القاتل، ويتأكد ذلك ~~المعنى بجعل القتل في المقتول حينما يخرج الروح ms236 منه بسبب ~~القاتل، على عكس الموت عندما يخرج الروح بلا سبب. وقد يكون ~~القتل في القاتل والمقتول معا؛ في المقتول حال وقوع القتل ~~به، وفي القاتل حال فعل القتل؛ فيكون القتل حينئذ في ~~العلة والمعلول في آن واحد. وقد يتحدد القتل في المقتول ~~وحده، لا عن سبب، أو عن كونه معلولا، بل عن طريق إبطال ~~البنية، ومنع الحياة من الجسم، مثل قطع الرأس. فالقتل ~~تغيير في البنية، وحدوث خلل فيها، واضطراب في نظامها. # 10 # ولما كان تحديد القتل بهذا المعنى يحيل إلى ~~الروح جاز التساؤل عن الروح؛ حتى لا يتم تعريف شيء وهو ~~القتل، بشيء آخر أغمض منه وهو خروج الروح؛ فالروح عند ~~البعض جوهر وإلا لم تقبض، جسم لطيف تشتبك بالبدن ~~كاشتباك الماء بالعود الأخضر. وهي عند البعض الآخر ليست ~~جسما ولا عرضا، بل جوهر مجرد متعلق بالبدن للتدبير، ~~غير داخل منه ولا خارج عنه. هناك إذن تصوران للروح، مادي ~~وصوري، وكلاهما ظن. قد توجد بالأمر والخلق، وقد توجد ~~تدرجيا، وكلاهما أيضا ظن. # 11 # أما الشهادة فإنها تأتي من التفرقة بين المقتول والميت. ~~فهل كل مقتول ميت؟ فالمقتول ليس بميت من أجل إفساح المجال ~~لحياة الشهداء، فإذا كان كل مقتول ميتا عند البعض، وذلك ~~لأن كل نفس ذائقة الموت، فإنه عند البعض الآخر المقتول ~~ليس بميت. وإذا كان التصديق بالموت يقع عند البعض بالحس ~~والمشاهدة دونما حاجة إلى نص، فإنه عند البعض الآخر هو ~~فراغ الآجال كما هو في النص. فإذا كان الموت عند البعض ~~مجرد اختلال في نظام الطبيعة، كما كان القتل، أو هو مسار ~~كوني، أرحام تدفع وأرض تبلع، دورة مستمرة من الحياة إلى ~~الموت، فإنه عند البعض الآخر مجرد صفة للميت، كما أن ~~الحياة صفة للحي. ولكن يظل السؤال: هل الموت وجودي أم ~~عدمي؟ إذا كان وجوديا عند البعض فهو كيفية؛ أي صفة ~~وجودية تضاد الحياة، ويكون عند البعض الآخر عدمي؛ أي عدم ~~الحياة، ويكون التقابل بينهما مثل التقابل بين الملكة والعدم. # 12 # ولكن في الشهيد ms237 يمحى التقابل؛ إذ إنه ميت حي؛ ~~مما يدعو إلى سؤال: هل الموتى أحياء تتصل أرواحهم ~~بأجسادهم؟ إن لم يحدث ذلك عند الميت، فإنه يحدث بالضرورة ~~عند الشهيد؛ فالشهداء أكمل حياة من الموتى. وهذا هو معنى ~~أن أرواحهم في حواصيل طيور خضر؛ أي إن الأرواح متصلة ~~بالأجساد. فالشهيد حي، وجسده حي، وروحه في جسده. # 13 # وقد يفسر ذلك في الدنيا بعد آثار الروح في ~~الجسد في قدرة الجسد في الحياة على ازدياد القدرات الحسية ~~فيه (الرؤية والشم عن بعد)، أو في الموت في مقاومة الجسد ~~لمظاهر التحلل. فإذا كان الشهداء أكمل حياة من الموتى، فهل ~~الأنبياء أكمل حياة من الشهداء؟ ولا يقتصر الأمر فقط على ~~الأنبياء الشهداء، مثل يحيى وعيسى، بل على الأنبياء الذين ~~كانت حياتهم شهادة من خلال أعمالهم وإخلاصهم وتفانيهم في ~~أداء الرسالة وتبليغ الأمانة. # 14 # والحقيقة أن الشهادة تتحدد بأهدافها؛ فليست ~~الشهادة لذة في أبدان الشهداء، سواء لحاجة أم لغير حاجة، ~~وإلا وقعنا في نظرة حسية للأمر، بل تتحدد بالغاية أو ~~الهدف الذي مات الشهيد لأجله. فهناك شهيد الدنيا الذي قاتل ~~من أجل الغنيمة، وهي ليست شهادة، بل طمعا في الرزق وحبا ~~في الدنيا وإيثارا للمال، خاصة وأنه ليس ماله، بل مال ~~الآخرين. وهناك شهيد الآخرة، كالمطعون والمبطون؛ فهو مثل ~~الأول في الثواب، ولكن دونه في الحياة والرزق، ولا تجري ~~عليه أحكام الشهداء في الدنيا؛ فإنه يغسل ويصلى ~~عليه؛ فهو شهيد لأنه مات مقتولا دون توقع، ودون إعداد ~~للموت، اختطفه الموت اختطافا، وانتزعت منه الحياة ~~انتزاعا، يضاف إلى ذلك قدر الآلام. وهناك شهيد الدنيا ~~والآخرة؛ شهيد الحرب الذي قاتل لإعلاء كلمة الله، وهو أعلى ~~الشهداء منزلة، وأرفعهم درجة، وهو الذي يضحي بحياته في ~~سبيل المبدأ والعقيدة. # 15 # وقد يكون كل من قتل ظلما فهو شهيد، وقد يكون ~~كل من صبر على الألم والقتال في الحروب هو الشهيد، وقد ~~يكون الشهيد هو من جعل حياته شهادة على عصره، مثل الشاهد ~~العدل؛ فالشهيد هو الشاهد، والشهادة تكون على العصر كما ms238 ~~تكون بالنفس. الشهادة هي الصبر على البلاء وألم الجراح ~~والمعاناة، وليس مجرد القتل. الشهادة في الحياة، وليست في ~~الموت، وشهادة الموت هي أعلى درجة من شهادة الحياة. ولكن ~~هل تكون الشهادة أحيانا طمعا في الدنيا وتعويضا عن ~~الحرمان فيها؟ فالشهداء في الغالب من الفقراء، وغالبا ما ~~لا يستشهد الغني حرصا على ما لديه في الدنيا، وعدم ~~حاجته إلى التعويض. الشهادة التضحية بالأقل وإيثار للأكثر، ~~التخلي عن العارض بالإبقاء على الجوهر. ومع ذلك فالشهادة ~~في أعلى درجاتها هي من أجل تحويل العرض إلى جوهر، والطارئ ~~إلى دائم؛ وذلك بمقاومة الظلم والطغيان من أجل تحقيق ~~المثال في الواقع، لا هروبا من الواقع، أو تعويضا عن ~~مآسيه، ولا رغبة في المثال وهجر الواقع، والتخلي عن ~~المسئولية عنه. فالشهادة ليست حكما من الله على الإنسان، ~~بل هي الهدف الذي من أجله يضحي الإنسان بحياته تحقيقا ~~له ونصرة لمبدئه. وما دام الشهيد قد ضحى بكل شيء بحياته ~~كلها، فإن ذنوبه في هذه الحالة تستدرك؛ فإن الشهادة أعلى ~~درجة من درجات التوبة. تمتص الأفعال الجزئية داخل الفعل ~~الكلي، ويصبح الفعل الكلي حاويا لكل الأفعال الجزئية، ~~وربما دونما حاجة إلى قانون الموازنة والتكفير عن الجزء ~~بالكل. ~~(2) أحكام الأموات # وأحكام الأموات أقرب إلى علم الفقه منه إلى علم أصول ~~الدين؛ أي إلى علوم الفروع منها إلى علوم الأصول. وتشمل ~~حكم الكفن والمؤنة والغسل والدفن، ومنها حكم الديون ~~والوصايا التي تقضي منهم، ومنها أيضا حكم الميراث. أما ~~الكفن والمؤنة، فمن رأس مال الميت كجزء من تصرفه الأخير، ~~وقبل الديون والوصايا والميراث. وإن تطوع أجنبي بذلك ~~إبقاء لتركته لديونه، فإنه يتم بموافقة ورثته. والتطوع ~~خير وتعاون وبر بالآخرين. وللمقطوع قضاء بعض الديون إرضاء ~~للطرفين؛ للميت وللحي على السواء، أفضل من الكفن والمؤنة. ~~فإن لم يكن له مال فكفنه ومؤنه على من كان ينفق عليه في ~~حياته، كرد للجميل وحسن للصنيع. فإن لم يكن ففي بيت ~~المال؛ مال المسلمين ما يغني عن الجميع، فالأمة كفيلة ~~بأبنائها في الموت إن تناستهم في ms239 الحياة. وكفن المرأة ~~ومؤنها على الزوج، أو عند ذوي الأنساب منها. وإن لم يكن ~~لها ذا ولا ذاك، أو كانوا ولكن عن عجز، ففي بيت المال ~~غنى عن الجميع. # 16 # فمواراة الجسد التراب بكل مظاهر الاحترام ~~والتكريم حق للإنسان يقوم به الآخرون عنه؛ ذوو القربى أو ~~من ينوب عن الأمة. واحترام الجسد امتداد لاحترام الإنسان، ~~واحترام الإنسان حيا كجسد وحقه في المأكل والمشرب ~~والملبس والمسكن حق ممتد منذ لحظة الموت في الغسل ~~والكفن والمؤنة، فلا تأكله السباع، ولا يترك جيفة، ولا ~~يحرق فتذروه الرياح، أو يلقى به في البحر، أو يحنط ~~حفاظا عليه من البلى، أو يوضع رفاته في حائط. إنما نشأ ~~الجسد من الطين وإلى الطين يعود، وخرج من الأرض وإلى الأرض ~~يعود. # أما حقوق الآخرين فيتم ردها بالبينة، وبشهادة الميت ~~وقت الصحة، ثم وقت المرض، ثم بإقرار الورثة بعد الموت. # 17 # وتقسم حقوق الآخرين طبقا لنسبة الديون؛ ~~إقرارا للعدل، وأداء للحقوق. فإن كانت التركة تفي ~~بالديون، ولا يفيض منها شيء، قضيت؛ وإن كانت تقصر عن ~~الديون، وكان صاحب الدين واحدا، قضي إليه بعد الكفن ~~والمؤنة؛ وإن كانوا جماعة، وكان بعضهم أولى من بعض، ~~كالمرتهن والمجني عليه وراد السلعة بالعيب ونحوهم، فهو ~~مقدم فيما أولى به على غيره؛ فالحقوق أولويات، ورد ~~الحاجة إلى المرتهن أولى من تعويض المجني عليه، وتعويض ~~المجني عليه أولى من رد السلعة المعابة. وإن كانت ديونهم ~~في الذمة، ولم يكن بعضهم أولى من بعض، قسمت التركة ~~بينهم طبقا لمقادير ديونهم، فإن لم تكن كافية قسمت ~~التركة بينهم طبقا لنسب ديونهم، فإن فضل شيء قضي كما ~~أقر به الوارث؛ فحقوق الآخرين دين في رقبة الورثة، ~~والورثة هم امتداد للميت، وللوفاء بحقوق الآخرين. # أما الوصايا والعطايا فإنها تقلل من حدة الميراث؛ ~~فالمال للغير بصرف النظر عن الأنساب والأرحام وصلة الدم ~~والقرابة. فالوصايا الثلث، وللورثة رد ما زاد منها على ~~ثلثي الباقي من التركة بعد المؤنة والديون. # 18 # أما العطايا في المرض فقد تكون من الثلث، وقد ~~تكون ms240 من رأس المال، إلا العتق في المرض؛ فإنه من الثلث. # 19 # وتقدم العطايا في المرض على الوصايا، ~~وتقدم من كل واحدة منها ما قدمه إذا عجز الثلث عن ~~الكل؛ فإرادة المحتضر وقرار آخر لحظة في حياته في النهاية ~~له الأولوية على نسب التوزيع للتركة، وكأن الإنسان حتى ~~آخر لحظة قادر على الفعل الإرادي الخاص قبل القانون ~~الصوري العام. # أما الميراث، أي ما تبقى من التركة، فليس هناك إلا ~~القانون الصوري العام طبقا لنسق القرابة. ولا تعني ~~القرابة هنا مجرد النسب والعصب والدم، بل تعني درجة ~~الارتباط بالميت والشعور به؛ الفرح بحياته والحزن بموته، ~~لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى، بين الآباء والأجداد، بين ~~الأبناء والأحفاد (النسب الطولي)، ولا فرق في ذلك بين ~~أبناء الأعمام أو العمات (النسب العرضي)، ولا فرق في ذلك ~~بين الزوج والزوجة بحكم العشرة المشتركة التي تعادل حكم ~~القرابة والرحم، ولا فرق في ذلك بين العصبة والحلف، بين ~~الحر والمولى المعتق. # 20 # أما الصدقة والدعاء والصلاة على الميت، فإن كل ذلك يدل ~~على إمكانية استمرار فعل الإنسان حتى بعد الموت، من خلال ~~فعل الآخرين فيه وأثرهم عليه، كما أن الإنسان بعد وفاته ~~يكون له أثره على الآخرين من خلال أفعاله وسننه وأعماله ~~وأفكاره، فكذلك للآخرين أثر عليه من خلال صدقاتهم ودعائهم ~~وصلاتهم له، وهو حق الإنسان مردود إليه؛ فكما أدى ~~الإنسان خيرا في حياته للآخرين، فإنهم يردون له الخير ~~في مماته. فالصدقة تقع من الحي إلى الميت، وواجب الأنا ~~تجاه الغير، واستمرار لفعل الميت وكأنه حي عن طريق الصدقة، ~~بصرف النظر عمن يقوم بها كحركة جسدية. والدعاء، دعاء ~~الحي للميت، يعني استمرار حياة الميت، وإعطاءه فرصة أخرى ~~للفعل، هذا إذا كان دعاء للأحياء فعلا. أما إذا كان مجرد ~~التعبير عن أمان بصدق، والتركيز على الأهداف بالقلب مما ~~يخلق موضوعه الشعوري كشرط لإيجاد بالفعل، فالدعاء للآخر ~~يكون من هذا النوع، استمرارا لأمانيه، وتركيزا لقلب ~~الآخر عليها من أجل إيجادها. أما الصلاة على الميت فهي ~~أيضا استمرار لحياة ms241 الميت وأثره في الآخرين، وكأن الميت ~~ما زال يعيش في مجتمع المؤمنين ودائرة الأصدقاء. كل ذلك ~~يعني التواصل لا الانقطاع. وبالرغم من أن الموت نهاية لفعل ~~الفرد المباشر بالجسم، إلا أنه بداية لفعل الآخرين بالجسم ~~امتدادا لفعل الميت واستمرارا لقصده. وقد يحدث التواصل ~~بين الآخرين بصرف النظر عن المعتقدات النظرية؛ لذلك تجاب ~~دعوة المظلوم حتى ينتصر من الظالم؛ ففي مقاومة الظلم ~~وإقامة العدل يتساوى كل الناس. # 21 ~~(3) هل هناك ملاك للموت؟ # وعلى الضد من اعتماد علم أصول الدين على علم الفروع ~~والوفاء بحقوق الميت، يظهر علم أصول الدين على نحو غيبي ~~خالص بالنسبة لملاك الموت. فنظرا لعظمة الموت وجلاله ~~وهيبته كان الموت أصل نشأة الدين كله، ثم أصبح له ملاك، ~~كما أن لله ملائكة نظرا لعظمته وجلاله، وكما أن للملوك ~~أعوانا ووزراء. لما كان الموت حدثا ضخما في حياة ~~الأفراد والجماعات، أصبح له ملك، وتم تشخيصه بالخيال. ~~وملاك الموت عزرائيل، أي عبد الجبار، # 22 # عظيم الهيبة ضخم البنيان، رأسه في السماء ~~العليا، ورجلاه في تخوم الأرض السفلى، ووجهه مقابل للوح ~~المحفوظ، والخلق بين عينيه، وله أعوان بعدد من يموت، يرفق ~~بالمؤمن ويعنف بالكافر. يظهر للمؤمن بصورة حسنة، وللكافر ~~بصورة بشعة. يقبض أرواح البشر، الإنس والجن، ويقبض أعوانه ~~أرواح البهائم والحشرات! وهو من رؤساء الملائكة، لا يجوز ~~سبه، بل إن سبه كفر. كان يأتي لقبض الروح جهارا. ولما ~~تصور في صورة شخص لقبض روح موسى، فقأ موسى عينه، فلم ~~يظهر منذ ذلك الوقت. ولا يحكم على موسى؛ لأن موسى من ~~الأنبياء الحكام! ثم أعاد الله عينه له. كان يقبض الروح ~~بغير مرض، فكثر سب الناس له، فشكا إلى الله، فجعل الله ~~الأمراض قبل الموت وعلة له يشغل الناس عنه. وهو آخر ~~الملائكة موتا، الملائكة يموتون بعد النفخة الأولى ويحيون ~~قبل الثانية! إذا جاء والعبد على عمل صالح يسهل الموت ~~عليه، وإذا جاءه وهو على السواك يسهل أيضا عليه، وكأن ~~العمل الصالح يعادل السواك في الفم! ومما يسهل الموت ~~وما بعده من ms242 الأهوال صلاة ركعتين ليلة الجمعة بعد ~~المغرب، وقراءة سورة الزلزلة بعد الفاتحة خمس عشرة مرة؛ ~~فهي تعادل نصف القرآن. ويتضح من هذا كله أنها صور فنية ~~للتعبير عن العظمة والهيبة والخشية والفزع والرغبة في ~~الاطمئنان والتخفيف من آلام الموت. فاسمه يعني العظمة ~~والجبروت؛ مما يتفق مع هيبة الموت. منظره مفزع؛ ~~تعبيرا عن خشية الإنسان منه. جدار رأسه في السماء العليا، ~~ورجلاه في تخوم الأرض، تعبيرا عن الضخامة، وأنه يملأ ~~الأرض بجسده، ومحيط بكل شيء، بصرف النظر عن إمكانية ~~الحركة لمثل هذه الضخامة، وعدم التناسب بين ملاك الموت ~~وبين الإنسان من حيث الحجم، والتناقض بين المتناهي في ~~الكبر والمتناهي في الصغر، وعدم الاقتصاد في الحجم، ~~وعدم التناسب بين الوسيلة والغاية، بين الفيل والنملة. وإن ~~وجود وجهه في مقابل اللوح المحفوظ تعبير أيضا عن ~~الضخامة وعن العدالة؛ فاللوح المحفوظ به كل شيء، وكأن ~~عزرائيل يقرأ منه آجال الناس، وينفذ ما فيها من انقضاء ~~للأعمار. وإن أضواء الخلق بين عينيه يدل على أنه لا كم ~~بعده؛ فالخلق عدد كبير، ولكنه قادر على احتوائهم بين ~~عينيه والإحاطة بهم، حتى دون ذراعين، وكأنه قادر على ~~الإطاحة بهم إذا ما حرك الجفنين أو الرمش الواحد! وهو ~~بهذا الوصف رئيس الملائكة؛ فالموت له الكلمة النهائية في ~~الحياة. وكيف يكون رئيسا على جبريل وهو حامل الوحي ~~ومبلغ الرسالة؟ وهل الموت أعلى قدرا من الوحي؟ وكيف ~~يكون الموت أعلى قدرا من الحياة لما كانت المحافظة على ~~الحياة من ضمن مقاصد الوحي؟ وهو آخر الملائكة موتا ~~تعظيما وإجلالا؛ فالقابض على الأرواح قادر على أن يكون ~~أطول حياة من الآخرين. ومن الذي سيقبض روحه؟ هل سيقبض روح ~~نفسه؟ هل سيميته الله؟ ولا يجوز سبه احتراما للموت؛ ~~فالجليل والعظيم لا يسب، ولكن الإنسان القوي قادر على ~~الوقوف أمامه وتحديه، بل ومنازلته وفقء عينه كما فعل ~~موسى القوي. وإذا كان صاحب حكم فلا تثريب عليه ولا عقاب؛ ~~فالإنسان يقهر الموت لو كان قادرا عليه. وإن إعادة الله ~~لعينه من جديد لعود إلى الهيبة ms243 والاحترام له؛ حتى تخشع له ~~النفوس. والناس أكثر احتراما للمبصر من الأعور. ويتضح ~~صراع الفكر العلمي مع الفكر الغيبي الأسطوري في جعل ~~الأمراض سببا متوسطا بين الإنسان وملك الموت؛ حتى لا ~~يسبه الإنسان، ويجعله مسئولا عن إنهاء حياته، فينشغل ~~الإنسان بالمرض عن ملاك الموت؛ أي بالعلم عن الدين! ويتضح ~~الأساس الإنساني في نشأة الأسطورة في سب الإنسان لملك ~~الموت، ثم شكاية هذا الأخير لله، ثم عقد المصالحة بين ~~الاثنين عن طريق طرف ثالث وهو العلية. ولما كان للموت ~~خشية ورهبة، فإن ملاك الموت يظهر بصورة حسنة للمؤمن، ~~وبصورة كريهة للكافر، كما أن ملك الموت يرق مع المؤمن ~~في قبض روحه، بينما يعنف مع الكافر، وكأن الحساب قد بدأ من ~~قبل، وكأن الحكم بالثواب والعقاب قد صدر قبل الاتهام، وقبل ~~الدفاع، وقبل الشهود، وقبل المحاكمة! وإذا كان العمل ~~الصالح طريقا لتخفيف أهوال الموت، بما في ذلك قراءة ~~القرآن، فلماذا سورة بعينها في وقت معين، وكأن الأمر ~~مجرد حجاب أو أحجية أو تعويذة تقي الإنسان من الشر؟ وكيف ~~يكون السواك على مستوى العمل الصالح وقراءة القرآن، وهو ~~أقل تقوى وصلاحا، ومجرد اقتداء شكلي بعادات الرسول، أو ~~تمسك بنظافة الفم والجسد، وطهارة الروح أولى؟ وإذا كان ~~ملك الموت قابضا لأرواح البشر تكريما لهم، بالرغم من ~~صعوبة أن يتم ذلك كله في وقت واحد وفي مكان واحد لعديد من ~~الناس يموتون في وقت واحد في أماكن مختلفة، فإن أعوانه ~~يقبضون أرواح البهائم والحشرات مع أنها غير مكلفة، لا ~~تفرح لثواب، ولا تخشى من عقاب. # 23 # ملك الموت إذن صورة فنية تعبر عن هموم ~~الإنسان نحو الموت، وهي أبلغ في التعبير والتأثير من مجرد ~~الوصف العلمي أو التنظير العقلي لواقعة الموت. # | سادسا: حياة القبر # بعد الموت تظهر أمور المعاد أو الأخرويات بالمعنى الدقيق ~~ابتداء من حياة القبر؛ فبمجرد دفن الميت ومواراة الجثة ~~التراب، هل ينتهي كل شيء انتظارا ليوم البعث والنشور، ابتداء ~~من علامات الساعة حتى يوم الحساب واستحقاق الإنسان الثواب ~~والعقاب، الجنة أو النار؟ ms244 إن حياة القبر فيما يبدو هي حياة ~~متوسطة بين الموت الأول والحياة الثانية، استمرار للحياة ~~الأولى في القبر قبل أن يموت الإنسان ميتة ثانية هي الميتة ~~الدائمة حتى يوم البعث ويوم الحساب، وتسمى حياة البرزخ؛ أي ~~الانتقال من الحياة إلى الموت عن طريق حياة ثانية مؤقتة. ومع ~~أنه لفظ قرآني، إلا أن استعماله كثر عند الصوفية في وصفهم ~~لعوالم الروح. حياة القبر إذن من الأمور المتوسطة بين الدنيا ~~والآخرة، وقد كثرت الإشارة إليها في العقائد المتأخرة، أو في ~~الشروح المتأخرة على العقائد المتقدمة، ثم تحول بعد ذلك ~~إلى موضوع مستقل يعمل فيه الخيال الشعبي بحرية تامة، بصرف ~~النظر عن علم أصول الدين. # 1 # البرزخ إذن هو الحياة المتوسطة بين الموت والبعث، تتراءى ~~فيه أحوال القيامة قبل البعث، تعرض النار على الكفار. ولكن ~~لماذا لا تعرض الجنة أيضا على المؤمنين؛ لينعموا بريحها، ~~ويتنشقوا نسيمها، كما يتألم الكفار من لهيب النار؟ وهل في ~~القبر زمان، فيعرض فيه الموتى على النار صباحا ومساء؟ وكيف ~~تعرض النار على الكفار والجنة على المؤمنين، والحساب لم يتم ~~بعد، ولم يحدث دفاع، ولم ينطق حكم، ولم يوقع جزاء؟ ربما هي ~~بقايا العقائد القديمة في حياة القبر، كما هو الحال في تاريخ ~~البشرية عند بناة الأهرام، كسكن للموتى وتحنيط الأجساد ووضع ~~الطعام والشراب والحلي معه؛ حتى تنعم الروح حين تعود إلى ~~الجسد. وربما هي رغبة في قهر الموت واستمرار الحياة؛ تخفيفا ~~لآلام القبر، وحرصا على راحة الميت، وما زالت ذكراه حية في ~~الأذهان، والدموع في الأجفان، رغبة في الاتصال؛ إذ لا تعقل ~~هذه الفجوة بين الموت والبعث، بين الفناء والخلود. ~~(1) هل تعود الروح؟ # ولكن افتراض حياة في القبر يتطلب عودة الروح إلى الجسد، ~~فهل تعود الروح إلى الجسد بعد مفارقته؟ وماذا تفعل الروح ~~إذا عادت ولم تجد جسدا موارى في التراب، كما هو الحال ~~في الغريق الذي طواه اليم، أو الجسد الذي أكله السبع، أو ~~الذي مزقته السيوف إربا إربا، أو الذي حرقته النار ~~فصار رمادا؟ أين تعود ms245 الحياة؟ هل تعود الأجزاء إلى الجسد ~~حتى يكتمل ثم يعود إليه الروح، أم تعود الروح إلى الأجزاء ~~المتبقية؟ وماذا لو كان الجزء المتبقي هو اليد أو ~~الأصبع دون القلب أو الرأس أو اللسان؟ # 2 # لقد رأى القدماء أن الحياة ترد إلى «عجب ~~الذنب»، وهو آخر سلسلة في العمود الفقري من أسفل، والتي ~~منها يخرج ذيل الحيوان، فهو الجزء من الجسد الذي لا يفنى ~~ولا يأكله التراب، ومنه بدأ الخلق الثاني والبعث، وهو ~~المكان الذي يجمع بين الصلب والترائب، والذي فيه يتكون ~~المني ويحفظ، وهو ماء الحياة الذي منه يبدأ الخلق ~~والتكوين في الأرحام. وكيف يعذب أو ينعم «عجب ~~الذنب» دون أن ترد فيه الحياة؟ وكيف ترد الحياة إلى ~~العظم قبل أن يكسوها اللحم وتسري فيه الدماء؟ وقد يؤجل ~~رد الحياة إلى «عجب الذنب» إلى البعث والنشور قبل الخروج ~~من القبور ليوم الحساب. وهل يظل النخاع في «عجب الذنب»، ~~ولا يجف حتى تبدأ منه الحياة من جديد؟ # 3 # وكيف ينعم أو يتألم «عجب الذنب» وهي عظام ~~نخرة، ليس بها جهاز عصبي للآلام والإحساس إن لم ترد ~~إليها الحياة؟ وهل تتألم العظام الحية ونخاعها بها طري لم ~~يجف بعد؟ وهل اللذة والألم يحدثان في العظام، ويتحولان ~~إلى إدراك يتم المقصود بهما في عبرة الإنسان وجزائه على ~~الأعمال، أم مجرد لذة وألم لموضوع طبيعي غير مدرك لا ~~اعتبار له، ولم يفعل شيئا بمفرده، بل كان مجرد آلة ~~لإنسان عاقل ومريد باختيار؟ وإذا ما تحلل البدن، فأين ~~تعود الروح قبل أن يحيي الله العظام وهي رميم يوم البعث ~~والنشور؟ ومتى تعود الروح إلى الجسد؟ هل تعود بمجرد ~~مواراته ووضعه في اللحم وطيه في القبر؛ أي بعد الموت ~~مباشرة والجسد ما زال طريا حيا، به لحم ودم وعظم، ~~وقبل أن يتساقط الجلد ويتشقق الرأس، وما زال بالجسم بعد ~~مظاهر الحياة، أم بعد أن يتحلل ويبلى وتأكله الديدان؟ وهل ~~ستنتظر الروح قبل أن تعود تحول الجسد وفناءه حتى تعود إليه ~~وتحييه؟ وكم من الوقت تظل حياة ms246 القبر قبل أن يبدأ الموت ~~الثاني انتظارا للبعث والنشور؟ وهل تحفظ الروح الجسد من ~~البلا إذا ما عادت إليه؟ وهل تحرك الروح الجسد، وتجعله ~~قادرا على الكلام؟ يبدو أن عودة الروح إلى الجسد الغرض ~~منها الرد على الأسئلة التي يلقيها الملكان؛ فتانا ~~القبر، وكأن دور الإنسان في الإجابة فحسب دون إلقاء أي ~~سؤال أو اعتراض! # 4 # وما الفائدة من جواب المؤمن أو الكافر وقد ~~انتهى العمر، وانقطع التكليف؟ وقد سجل كل شيء من قبل، ~~ولا داعي لإجابات نظرية إضافية، وأعمال الإنسان في دنياه ~~خير إجابة على نظره. وهل النظريات أفعال؟ وكيف يصر ~~الكافر على كفره وقد علم أن الأمر جد، والمعاد حق، ولا ~~يأخذه فرصة للتوبة؟ وهل المقصود من السؤال الامتحان ~~والاختبار لوجود فرصة للاختيار ومراجعة المواقف؟ وكيف ~~يتكلم المؤمن وينطق بالشهادتين؟ وما الفائدة من ذلك ~~وأعماله في الدنيا خير شاهد على إيمانه من قبل؟ وماذا لو ~~أخطأ في الإجابة من هول الموقف، ومن الظروف غير العادية ~~التي هو فيها؟ وماذا عن الكافر صاحب الأعمال الحسنة، ولكن ~~في إطار نظري مخالف؟ وماذا يقول المؤمن العاصي الذي ~~يجيب صوابا نظرا، ولكن أعماله مخالفة لإجاباته؟ وماذا ~~يقول الحكيم المتأول صاحب العمل الصالح؟ وماذا يقول ~~اليهودي والنصراني الذي اهتزت تصوراته في التوحيد ~~والعدل؟ وماذا يقول اللاأدري أو الشاك أو الملحد؟ وكيف ~~يتحدث الأبكم؟ ولا يتضح الهدف من إعادة الروح إلى الجسد؛ ~~أهو المعرفة النظرية أم التعذيب والتنعيم؟ هل مجرد الإجابة ~~على سؤال الملكين أم الجزاء، ثوابا كان أم عقابا؟ يبدو ~~أن الهدف من إعادة الحياة إلى المادة يكون بالقدر الذي ~~يمكن به سؤال الملكين وعذاب القبر أكثر من نعيمه، وليس ~~لباقي الأفعال الاختيارية. ويظل الميت في قبره دفينا بلا ~~حرية في أسئلته أو في أفعاله، وقد كان من قبل سجينا ~~حيا، وهو الآن سجين ميت؛ شقاء في الحياة وعذاب في ~~الممات! لذلك قد يكون من الأسلم عند البعض الآخر أن تكون ~~حياة القبر بالروح لا بالبدن، وأن يكون السؤال والعذاب ~~بالروح لا بالبدن. ms247 ويخلق ذلك إشكالا آخر وهو مستقر ~~الأرواح. أين كانت الأرواح قبل أن تأتي إلى القبر؟ وهل ~~للروح مكان تنتقل منه أو إليه؟ ولماذا تعود الروح إلى ~~القبر بالذات حيث يرقد الجسد، وهي ليست في حاجة إليه، وقد ~~كان يمكن للمساءلة والعذاب أن تتما خارج القبر؟ قد يكون ~~الأمر كله مجرد خيال شعبي يقوم على شدة الارتباط بالموتى ~~الأعزاء، وكما ظهر في تاريخ الفكر البشري، ابتداء من ~~عبادة الموتى وأرواح الأسلاف وإعادتها وزيارتها، ثم بناء ~~الأهرام وتحنيط الجثث والإعداد للحياة الأخرى باعتبارها ~~استمرارا للحياة الدنيا. وقد تكون حياة القبر المرحلة ~~الثالثة في تاريخ البشرية؛ مرحلة متوسطة بين الموت ~~والحياة، حتى تأتي مرحلة رابعة وأخيرة تكون الكلمة فيها للعلم. # 5 ~~(2) أين مستقر الأرواح؟ # إذا كانت الأرواح تعود إلى الجسد، فهي تنتقل من مكان إلى ~~مكان؛ وبالتالي يبرز سؤال: وأين مستقر الأرواح؟ وهل ~~هناك تصور مكاني لها؟ وإذا كانت الأجساد مطمورة في ~~القبور، فالأرواح لا بد وأن تكون في مكان ما. وتتراوح ~~التصورات لمستقر الأرواح بين التصورات المكانية الحسية ~~الفجة، وبين التصورات المكانية الروحية التي تتناسب مع ~~موضوعها؛ فقد تكون الأرواح في بئر أو في صناجة الجابية؛ ~~فإذا كانت أرواح الكفار فهي في بئر، وإن كانت أرواح ~~المؤمنين فهي في الجابية؛ أي في مكان أفضل. روح الكافر في ~~مكان عميق مغلق مظلم، في حين أن روح المؤمن في ~~مكان مسطح مفتوح منير. وهو أقرب إلى التصورات ~~القديمة عند شعوب المنطقة (اليونان والرومان)، ودياناتها ~~(اليهودية والنصرانية). وقد تكون الأرواح على أفنية قبورها ~~تحوم حولها وتدور فيها، سواء كان الفناء مفتوحا أو ~~مغلقا، عاريا أم مستورا. وهو تصور أقرب إلى طبيعة ~~الروح الطائر الذي يحتاج إلى مكان فسيح مفتوح حتى تسهل ~~الحركة فيه. وفي هذه الحالة ألا تخطئ الأرواح قبورها، أو ~~تكون أقرب إلى الحمام الزاجل الذي يخطئ منطلقه وهدفه؟ ~~وهل تظل الأرواح طائرة فوق أفنية قبورها ليل نهار، أم ~~تهدأ أحيانا وتستقر في مكان ألصق إلى الأرض؟ فإذا ما ~~عادت الحياة إلى القبر، هل ms248 تهبط الأرواح من الأفنية إلى ~~أقبية، ثم إذا ما انتهى السؤال والعذاب تصعد من جديد إلى ~~الأفنية، وتظل هكذا إلى يوم البعث والنشور؟ # 6 # وقد تكون الأرواح في مكان روحي متسق مع ~~طبيعتها، وهو أقرب إلى الزمان منه إلى المكان، وهو البرزخ ~~الذي تم فيه «عهد الذر»؛ فقد خلق الله الأرواح جملة، وهي ~~نفس الأنفس العاقلة الحاسة، وأخذ عهدها وشهادتها وهي ~~مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الله الملائكة بالسجود ~~لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجسام والأجساد يومئذ تراب ~~وماء، ثم أقرها حيث شاء، وهو البرزخ، والذي ترجع إليه ~~بعد الموت. ولا يزال يبعث منها إلى الأجساد المتولدة من ~~المني المنحدر من أصلاب الرجال في أرحام النساء، ثم يتم ~~امتحان الناس واختيارهم في الدنيا. وبعد الوفاة تعود ~~الأرواح إلى البرزخ الذي منه أتت. رآها الرسول ليلة ~~الإسراء والمعراج عند السماء الدنيا؛ أرواح أهل السعادة ~~على يمين آدم، وأرواح أهل الشقاء على يساره عند «منقطع ~~العناصر». وهنا يتم الخلط بين الزمان والمكان؛ فالبرزخ ~~زمان، ومنقطع العناصر والسماء الدنيا مكان. وتعود الأرواح ~~من جديد إلى الأجساد من البرزخ إلى القبور يوم البعث ~~والنشور وحين قيام الساعة، وهي الحياة الثانية. فالحياة ~~الثانية ليست في القبر، بل استعداد لليوم الآخر. وتنقسم ~~الأرواح فريقين: السعداء على يمين آدم، والأشقياء على ~~يساره. وهو تصور مكاني. كما تعجل أرواح الأنبياء والشهداء ~~والسعداء إلى الجنة، وتتباطأ أرواح الأشقياء إلى النار، ~~وهو تصور زماني. وإن تصور البداية بالعهد قبل الأجسام ~~يجعل من الصعب تصور إمكانية الخطأ، وإلا كانت الأجساد أقوى ~~من الأرواح، مصدرا للنسيان؛ نسيان العهد، وإنكارا للشهادة. # 7 # إن الحكمة من الإسراء هي التدليل على إمكانية ~~تحويل عالم الغيب إلى عالم شهادة يمكن رؤيته؛ أي إدراكه ~~بالحواس، ومعايشته بالتجربة. ولا يمكن تأويل «عهد الذر» ~~على أنه عهد التزام بالطاعة، وإلا كان حجة للبشر لا عليهم، ~~وإسقاطا للأمر، وإلا لما وجد على الأرض إلا مؤمن؛ # 8 # لذلك يأتي التصور الآخر للروح على أنه عرض ~~في مقابل هذا التصور الماهوي ms249 على أنه جوهر؛ فالروح عرض ~~لا يبقى وقتين، يعود ثم يفنى آلاف المرات في الثانية ~~الواحدة. هو روح متجدد، صيرورة الحياة والموت، انتقال ~~من الوجود إلى العدم ومن العدم إلى الوجود. # 9 # وهو تصور أقرب إلى التصور العلمي القائم على ~~التوحيد بين الروح والمادة؛ فإذا كان التصور الأول يقوم ~~على ثنائية الروح والبدن والتمييز بينهما ومفارقة أحدهما ~~للآخر، فإن التصور الثاني يقوم على التوحيد بين الروح ~~والبدن، وعلى أحادية النظرة للإنسان. وما الروح والبدن أو ~~الحياة والموت إلا حالتان يتبدل عليهما الإنسان، وينتقل من ~~إحداهما إلى الأخرى. وفي مقابل هذين التصورين ~~الميتافيزيقيين تركز إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة ~~على تحريم زيارة قبور الصالحين والأولياء دون الدخول في ~~المتاهات القديمة؛ إما لقصورها الفكري، أو لتركيزها على ~~السلوك العملي للمسلمين؛ فالموت ظاهرة اجتماعية، والتبرك ~~بالقبور وزيارتها تخل عن الاعتماد على النفس، وشرك ~~بالتوحيد، وإنكار للعدل؛ أي لقدرة الإنسان النظرية والعملية. # 10 ~~(3) هل هناك سؤال للملكين؟ # وسؤال الملكين أو جوابهما نيابة عن الإنسان نتيجة ~~عودة الروح إلى الجسد؛ فلا حساب ولا سؤال أو جواب بدون ~~حياة. وقد يكون الهدف من إعادة الروح إلى الجسد هو سؤال ~~الملكين للميت في قبره، وامتحانه فيه، واستنطاقه مكنون ~~نفسه قبل يوم الحساب. وقد يكون الهدف من السؤال هو إعادة ~~الروح إلى الجسد، وإثبات حياة القبر؛ وبالتالي يتردد ~~الإنسان؛ أيهما علة وأيهما معلول؟ هل إعادة الحياة إلى ~~الجسد من أجل السؤال، أم إن السؤال من أجل إعادة الحياة ~~إلى الجسد؟ وقد تعود الروح إلى الجسد دون أن يحيا الإنسان ~~من جديد حياة اليقظة، بل يكون أشبه بحلم النائم؛ فإذا ما ~~تيقظ الإنسان كلية فقد يعارض، وقد يفعل، وقد يختار. ~~والنوم موتة صغرى، والموت نومة كبرى. وإذا ما عادت الروح ~~إلى أجزاء الجسد وليس إلى جله، فكيف تتكلم أجزاء الجسد ~~التي دفع الله بالحياة فيها؟ كيف يتكلم القلب وحده بلا ~~لسان وشفتين؟ هل هناك لغة غير منطوقة بلا لسان وصوت وفم ، ~~وبلا عقل وذهن وإدراك؟ وقد ترد الحياة إلى النصف ms250 الأعلى؛ ~~لأن بها الرأس والفهم ومعظم الحواس، دون النصف الأسفل. ~~وكيف يمكن إحياء جزء وترك الباقي؟ أليس الوعي كيفا خالصا ~~دون كم؟ وهل يتجزأ الوعي الخالص أو يوجد في مكان؟ فإن ~~استعصى السؤال للبدن، فإنه يكون للروح. فالسؤال في هذه ~~الحالة لا يتطلب عودة الروح إلى الجسد، بل مجرد عودة ~~الروح. والسؤال للروح الخالص أفضل من سؤال الجسد الميت. ~~والأمثل هو سؤال الروح في البدن بشرط عودة الروح وحضور ~~البدن. ومن أين تأتي الروح؟ وإلى أين تعود؟ هل تأتي من ~~البرزخ، وتعود إلى القبر؟ وأين مستقر الأرواح؟ # 11 # والآن، لماذا يسأل الملكان والميت الحي يجيب؟ وهل يقتصر ~~دور الإنسان وهو في هذه الظروف غير العادية على الإجابة؟ ~~إن السؤال أقوى من الجواب، والجواب مشروط بالسؤال. السؤال ~~يدل على قوة السائل، في حين أن الإجابة تدل على ضعف ~~المجيب؛ لذلك كان السؤال والجواب أقرب إلى الاستجواب، كما ~~يتم في أقسام الشرطة لتحرير المحاضر، أو في أجهزة ~~المخابرات للتعرف على الجناة. وهل هناك اعتراضات وشهود؟ هل ~~هناك تسجيل وتدوين؟ هل هناك تسجيل للحساب؛ مناقشة وردود ~~واعتراضات؟ وما الهدف من السؤال وكل الإجابات معروفة ~~سلفا، قد تم تدوينها في صحائف الأعمال في الدنيا، وتعرض ~~على الإنسان في الآخرة، فيأتيها المؤمن بيمينه والكافر ~~بشماله؟ فإذا كان حساب المناقشة وطلب العلية أهم من حساب ~~العرض الإخباري الخالص، يكون سؤال الملكين في القبر أهم ~~من الحساب الختامي. ولماذا حساب المناقشة المبدئي والله ~~وملائكته يعلمون الرد، وكل شيء لديهم في لوح محفوظ؟ لماذا ~~السؤال والإجابة عليه معروفة سلفا، ومدونة في صحائف ~~الأعمال؟ ألا يعرف الملكان الإجابة قبل السؤال؟ إذن يكون ~~السؤال في هذه الحالة أقرب إلى الامتحان الكاذب أو ~~الاختبار الخادع؛ لأنه لا توجد فرصة للمراجعة أو التعلم أو ~~التوبة. وإذا كانت الحكمة من السؤال إظهار المؤمنين من بين ~~العصاة، أليس ذلك معروفا من قبل؟ وهل يحتاج الله إلى أن ~~يتباهى أمام الملائكة بالمؤمنين؟ وهل من صفات الله أن يفضح ~~الكافرين أمام الملائكة أم ستر عيوبهم؟ وكيف ms251 يفضح الله ~~الكافرين أو يشمت فيهم أمام الملائكة والزمان ما زال، ~~والميت في القبر، والصلاة على الميت والدعاء له مستمر من ~~الآخر، ويوم البعث لم يحن بعد؟ ألا يصيب ذلك المؤمن ~~بالغرور والكافر بالحسرة؟ وماذا عن دفاع الكافر بأنه ما ~~زال في القوس منزع؟ وكيف يصدر الحكم عليه قبل الدفاع، ~~ويدان قبل المرافعة؟ إن هذا لأشبه بالحساب قبل يوم الحساب ~~أو بحساب صغير قبل الحساب الكبيبر، بتدريب على الحساب ~~وتمرين عليه، بتمثيل حساب قبل الحساب النهائي الفاصل، وإلا ~~فكيف يبدأ الحساب قبل قيام الساعة؟ هذا هو هم الساعة قبل ~~الأوان. يتراءى المستقبل في الحاضر كما يتراءى الحاضر في ~~الماضي. والعجيب أنها كلها أسئلة نظرية خالصة عن ~~التصورات والمعارف، وليس أسئلة عملية عن النظم والأفعال، ~~وكأن الإيمان له أولوية على الأفعال، وكأن النظر له وجود ~~مستقل عن العمل؛ فالأسئلة كلها عقائدية حول الله والرسول ~~والدين، وليست أسئلة عملية حول تطبيق الشريعة أو حقوق ~~الإيمان وواجبات المكلف. والأعجب من ذلك كله عدم تساوي ~~الأسئلة من حيث الصعوبة بين المؤمن والكافر. فتعطى ~~الأسئلة السهلة للمؤمنين والصعبة للكافرين؛ حتى تسهل إجابة ~~الفريق الأول، وتصعب إجابة الفريق الثاني محاباة وتحيزا، ~~وهو ما يناقض أبسط قواعد العدل وتكافؤ الفرص. وكيف تختلف ~~أحوال السائلين في الضعف والشدة، في الرفق أو الغلظة، في ~~المساعدة وعدم المساعدة، في السهولة والصعوبة، في طول ~~المدة أو قصرها، في وضوح الموضوع وغموضه، في تكرار السؤال ~~وعدم تكراره، وفي عدد السائلين؟ وهل من العدل أن يعطى ~~المؤمنون أسهلة سهلة في موضوعات واضحة في مدة طويلة مع ~~مساعدة الملكين لهم ومعاملتهم الرقيقة معهم، في حين ~~يعطى الكافرون أسئلة صعبة في موضوعات غامضة وفي مدة ~~قصيرة ودون مساعدة وفي معاملة غليظة؟ وكيف لا تكون ~~الأسئلة واحدة لكل من الفريقين، المؤمنين والكافرين، ~~فيسأل البعض في أجزاء، بينما يسأل الآخر في الكل؟ كما ~~تكون الأسئلة عامة للبعض وخاصة للبعض الآخر. وتكون الأسئلة ~~عن الأشخاص بلا تعظيم لهم؛ حتى يكون للإنسان جرأة على ~~الحكم بلا خوف من العظماء، ms252 وبلا تبجيل لهم، كما هو الحال ~~في الدنيا. ويدل ذلك على إسقاط أمور الدنيا على بدايات ~~الآخرة عن طريق النفي والسلب، وكأن قياس الغائب على الشاهد ~~ليس فقط هو أساس العقليات في أصلي التوحيد والعدل؛ مما ~~يؤدي إلى التجسيم والتشبيه، بل والتنزيه، بل أيضا هو أساس ~~السمعيات في أمور المعاد. والأعجب من ذلك كله هو حدوث غش ~~في الامتحان عندما يساعد الملكان المؤمن في الإجابة، ولا ~~يساعدان الكافر، بل إن الأمر يصل بالملكين إلى حد ~~التدليس على الكافر؛ حتى يوقعاه في الخطأ عنوة، ثم بعد ~~ذلك يعذب في القبر وفي الآخرة بعد الحساب النهائي؛ ~~جزاء له على خطئه! وكيف يكون الملكان معصومين من الخطأ ~~طبقا لعصمة الملائكة، ثم بعد ذلك يقومان بالتدليس على ~~الكافر، فيزيدا شقاءه شقاء، وعذابه عذابا، وهو ما يناقض ~~الرحمة الإلهية، خاصة إذا كان الغرض من سؤال الملكين هو ~~إعطاء فرصة للعصاة من أجل النجاة؟ وهل لا بد أن ينجح ~~المؤمن بالضرورة وأن يرسب الكافر بالضرورة؟ وقد يكون لدى ~~الكافر جواب سديد صريح، ولا يكون لدى المؤمن إلا النفاق ~~والرياء. قد يكون عند الكافر إبداع أصيل، ويكون عند ~~المؤمن تقليد مميت. يبدو أن ظروف السؤال كامتحان تناقض ~~العدل؛ وبالتالي تناقض السمعيات العقليات. وفي هذه الحالة ~~تبقى العقليات، ويعاد تأويل السمعيات؛ حتى تتفق مع ~~العقليات، وتفهم أمور المعاد طبقا لأصل العدل. # 12 # ويتجاوز الأمر الامتحان إلى توقيع العقاب، ~~فيضرب الكافر بالمرزبة عقابا له على جهله أو خطئه، وكأن ~~الإجابة بعدم المعرفة خطأ، في حين أنه يخطئ من يفتي بغير ~~علم. والحقيقة أن الإنسان ما دام عقله معه فهو قادر على ~~الإجابة، بل قادر على أن يتحول من المسئول إلى السائل، وأن ~~يأخذ بتلابيب الملكين ويسألهما بدوره عن ربهما ودينهما ~~ورسولهما، فتنقلب الآية، ويصبح المسئول سائلا والسائل ~~مسئولا. هذا السؤال هو فتنة القبرة، والملكان السائلان هما ~~فتانا القبر، وكأن الإنسان لم تكفه فتن الحياة حتى ~~تلاحقه الفتن حتى القبر! ولماذا يكون في القبر فتنة وهو ~~مظلم، والميت قد انتقل ms253 من الدنيا إليه، وهو عالم جديد ~~لم يألفه؟ ولماذا لا يكون هناك نوع من تخفيف العقاب، عذاب ~~الوحدة والوحشة والظلمة والقبضة والضغطة والصمت؟ # ولمن يكون سؤال الملكين في القبر؟ أللجن والملائكة؟ ~~وهل عاشت الجن والملائكة في الدنيا وماتت ثم دفنت أجسادها ~~وواراها التراب؟ وهل هي مكلفة ومحاسبة في الدنيا، وفي ~~حاجة إلى فتنة في الآخرة؟ قد يكون السؤال للجميع باستثناء ~~الملائكة والجن. وفي هذه الحالة، لماذا لا يسأل الملائكة؟ ~~هل لأنهم غير مكلفين؟ ولماذا لا يسأل الجن؟ هل هم ~~مكلفون مثل الإنس ما دامت لهم رسل مثلنا، وما داموا ~~أمما مثلنا؟ وهل للملائكة والجن قبور يتم السؤال فيها؟ ~~وهل تموت الملائكة والجن كما نموت نحن؟ وكيف يمنع الجن ~~طاعة الإنسان في شهر رمضان؟ أيكون هو المسئول عن معاصي ~~الإنسان فيه؛ وبالتالي يصطدم عمل الجن مع أصل العدل وخلق ~~الإنسان لأفعاله؟ وكيف يسجن الجن في شهر رمضان؟ ومن الذي ~~يطلق سراحه فيما بعد؟ ومن هم سجانوه؟ وكيف؟ وأين؟ وقد ~~يستثنى الأنبياء من السؤال وأطفال المسلمين والصبية ~~والعشرة المبشرون بالجنة والصديقون والشهداء وقراء ~~القرآن، وقد تتوالى الاستثناءات حسب الاختصاص والإعجاب! ~~فما الفرق بين قراء القرآن وحملة العلم؟ وما الفرق بين ~~الأطفال وبسطاء الناس وحسني النية وأصفياء القلوب؟ ألا ~~يكون ذلك ضد قانون الاستحقاق، والحكم سلفا قبل أن يصدر ~~الحكم طبقا للأعمال؟ أم إن هؤلاء جميعا أحكامهم بديهية ~~معروفة مسبقا، ليست في حاجة إلى إصدار بعد مداولة؟ ~~وماذا عن معاصي الأنبياء وذنوبهم في حالة عدم العصمة؟ هل ~~لأن الحسنة الكبيرة تحجب السيئة الصغيرة طبقا لقانون ~~الإحباط والتكفير؟ وفي حالة عدم السؤال، كيف يسأل ~~الأنبياء عن عقائد نظرية هم رسلها وحملتها والمبلغون بها ~~والمؤتمنون عليها؟ وكيف يسأل الأنبياء عن جبريل والوحي، ~~خاصة وكأن هناك شكا في علمهم أو إيمانهم بها؟ وكيف ~~يسأل الصبية والأطفال عن عقائد نظرية وهم قبل سن ~~التكليف؟ وكيف يساوى في السؤال أو عدم السؤال الأنبياء ~~والأطفال أو الصبية والرسل؟ وكيف يسأل محمد خاتم ~~الأنبياء والمرسلين والشاهد على الرسل والأمم؟ ولماذا ms254 لا ~~يسأل ملازم سورة تبارك، أو من قرأ سورة الإخلاص في مرضه ~~ثلاثا، أو من مات يوم الجمعة أو ليلتها؟ هل في القرآن ~~إنقاذ؟ وهل تتفاضل سور القرآن؟ وهل يتفاضل الموت في أيام ~~الأسبوع والإنسان لا حيلة له في تحديده، فلكل أجل كتاب؟ ~~أليس من يقرأ القرآن في مرضه أخوف ممن يقرؤه في صحته؟ ~~وهل هناك تفاضل في أسباب الموت؟ ومن مات بالطاعون فقد مات ~~غيلة، ولم تعط له فرصة النجاة والتوبة. والطاعون هنا ~~أشبه بحوادث الطريق، والسكتات القلبية، والموت الفجائي دون ~~إعداد. قد يكون كل ذلك أقرب إلى الخيال الشعبي الذي يعبر ~~عن تقديس الأبطال والقديسين واحترام العلماء وتقديس القرآن ~~ويوم الجمعة، وتفضيل سورة على أخرى نظرا للسهولة العملية ~~والمقتضيات الإجرائية، أو الموضوعات المطابقة للمواقف، مثل ~~قراءة سورة «يس» على المقابر. # وإذا كان السؤال للكفار دون المؤمنين، فكيف يتم ذلك ~~والإجابة معروفة سلفا؟ وهل الكفر نظري أم عملي؟ وإذا كان ~~السؤال للمؤمنين أيضا مع الكافرين، فالجواب أيضا معروف ~~سلفا، وإلا لما كانوا مؤمنين، ولما أمكن تمييزهم عن ~~الكافرين. وكيف يلهم المؤمن الجواب وكأنه لا يعرفه، وكأن ~~إيمانه أعمى، بالإضافة إلى أنه غش في الامتحان؟ وهل المؤمن ~~عاجز عن الاعتماد على النفس والإجابة من علمه وإيمانه ~~وتصديقه؟ ولماذا يضرب الكافر ولا يساعد مثل المؤمن في ~~شيء، ويسرع إليه العذاب وكأن وقته قد حان، وساعة الحساب ~~قد حلت؟ وإذا كان السؤال للمسلمين وحدهم، فهل يكون على ~~المسائل النظرية، والحساب ليس على النظريات، بل على ~~الأفعال؟ وما فائدة السؤال عنها والإجابة يعرفها المسلم ~~مسبقا وإلا لما كان مسلما؟ وإذا كان السؤال للأمة ~~كلها، فمن المسئول في الأمة؟ وإذا كان السؤال للأمم كلها، ~~فالناس كلهم مسلمون مكلفون، حتى الذين لم تصلهم رسالة ~~الأنبياء. وكيف يسأل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، لنا ~~منهم أعمالهم دون تصوراتهم؟ وهل يكون السؤال عن عقائدهم ~~الخاصة ورسلهم، أم عن أعمالهم التي يتساوى فيها الجميع؟ ~~وكيف يحاسب الملكان كل الأموات، ولدى كل الأمم في كل أطراف الأرض؟ # 13 # وهل ms255 هناك فرق بين حساب المناقشة القائم على طلب العلة في ~~سؤال: لم فعلت هذا؟ وحساب العرض القائم على الإخبار في ~~سؤال: فعلت هذا وغفرته لك؟ والتعليل أساس الشرع، وهو ~~السؤال الحق، في حين أن الإخبار ليس سؤالا. وكيف يسأل عن ~~التعليل وكل شيء معلوم، خاصة في عقيدة الجبر ونظرية الكسب، ~~ما دام الله فاعلا لكل شيء. وأهداف الإنسان ودوافعه ~~معلومة أيضا في خلق الأفعال. وما الفائدة من حساب العرض ~~إذا كانت المغفرة قد أعطيت من قبل؛ وبالتالي لا يكون ~~المسئول فيها في وضع المساءلة الفعلية وهو يعلم الإجابة ~~سلفا، وكأنها مساءلة شكلية في أوضاع متميزة لمسئولين ~~من العلية؟ ومتى يقع ذلك؟ إذا كان السؤال بين النفختين في ~~الصور، فذلك يكون قبيل البعث، وليس بعد الدفن مباشرة ~~والجسد ما زال طريا قادرا على تقبل عودة الروح ~~والإحساس بالعذاب. هل هو إذن استباق للمستقبل ورؤياه في ~~الحاضر؟ وما الفائدة منه إذا كان الحساب سيتم وسيعرف ~~الإنسان النتيجة؟ وكيف يتم سؤال الملكين بين النفختين ~~والملائكة تموت في الحال؟ كيف يصح السؤال من ملائكة ~~تموت؟ وقد لا يبدأ السؤال بمجرد الموت قبل الدفن، ولكن بعد ~~أن يدفن؛ فقبل الدفن ما زالت الميت بين أهله، وحوله حياة ~~الصراخ والعويل، اليأس والأمل، الحب للفقيد والترحم عليه. ~~فالفقيد ما زال في الذاكرة لم يطوه النسيان. وما إن يطويه ~~ظلام القبر تبدأ الحياة المتصلة، ويبدأ السؤال بعد التفرغ، ~~وكأن لحظة السؤال تتفاوت بين الآخرة والدنيا، بين آخر ~~الزمان قبيل البعث وبين أول الزمان بعيد الدفن. # 14 # فإذا سهل حل الزمان فإنه يصعب حل المكان. ~~فماذا يحدث لو لم يدفن الميت، ولم يعرف له قبر، مثل ~~الذي أكله السبع، أو الذي طواه اليم، أو الذي تحول إلى ~~رماد في الحريق؟ وماذا لو انتقل الميت من قبر إلى آخر؟ ~~وماذا لو اختلطت عظامه بعظام غيره في المدافن الجماعية إثر ~~الكوارث والحروب، أو في مقابر عامة المسلمين؟ وبأي لسان ~~يتم السؤال؟ بالعربية؟ وماذا عن غير الناطقين بالعربية؟ أم ~~بالسريانية؟ أم يسأل ms256 كل واحد بلسانه؛ مما يتطلب معرفة ~~الملكين بكل اللغات؟ وهل يسأل الملكان أم يكفي واحد ~~منهما؟ وهل من العدل التخفيف على البعض بسؤال ملاك واحد، ~~والتصعيب على البعض الآخر بسؤال الملكين معا؟ وهل من ~~العدل أن يجتاز إنسان امتحانا واحدا، وأن يجتاز غيره ~~امتحانين؟ وهل من العدل أن يسأل واحد سؤالا واحدا أو ~~ثلاثة أسئلة أو ثلاث مرات، وأن يسأل الآخر أكثر من سؤال ~~وأكثر من مرة؟ وهل من العدل أن يسأل واحد يوما واحدا أو ~~سبعة أيام، وأن يسأل آخر أربعين صباحا؟ إن كثرة الأسئلة ~~وطول مدة الامتحان تدل على أن الطالب صعب المراس، قادر ~~على الصعود والحوار والجدل أكثر من صاحب الأجوبة الجاهزة ~~على الأسئلة القليلة في المدة الوجيزة. الأول امتحان ~~للكبار، والثاني امتحان للصغار. الأول امتحان يقوم على ~~الرأي والمقال، والثاني يقوم على مجرد وضع علامات صواب أو ~~خطأ على أجوبة معروفة سلفا. # 15 # وهل من العدل أن يسأل بعضهم عن بعض ~~اعتقاداته، والآخر يسأل عنها كلها؟ هل من العدل إقامة ~~امتحان لمتسابقين خصمين؛ الأول في جزء من المقرر، ~~والثاني في المقرر كله؟ وهل موضوعات الامتحان نظرية ~~خالصة ولسانية قولية مثل الشهادتين وأمر التوحيد؟ صحيح ~~أن الأسئلة الشخصية مثل الإيمان بمحمد: ماذا تقول في هذا ~~الرجل؟ وإنما القصد منها عدم التعظيم للأشخاص؛ ليتميز ~~الصادق في الإيمان عن المرتاب، وحتى تنزع هالة التقديس ~~عن موضوعات السؤال. ولكن الإجابة بنعم من واحد قد لا تدل ~~على الصدق الفعلي، كما أن الإجابة بلا أدري من آخر لا ~~تستدعي الشقاء إلى الأبد؛ فالشك بداية اليقين، وعلم ببرهان ~~خير من إيمان بتقليد، ومن أفتى بغير علم فقد جهل، ومن لا ~~يعلم فإنه يقول الله أعلم. وهل يليق بالملائكة تعذيب البشر ~~إلى هذا الحد، وهو ما يعارض صورة الملاك ووصفه في الخيال ~~الشعبي وفي التجربة البشرية؟ وهل تصبح صورة الملكين ~~دائما هي صورة عزرائيل، ملك الموت؟ كما أنه يصعب تحديد ~~مكان وقوف الملكين حين السؤال. قد يقف واحد منهما عند ~~الرأس، والآخر عند ms257 القدمين؛ للإحاطة بالميت من قمة رأسه ~~إلى أخمص قدميه. وهل يجوز وقوف الملاك عند القدمين أم إن ~~رتبته في الشرف تتطلب الوقوف عند الرأس، فالرأس أشرف من ~~القدم؟ الأول على يمين الرأس، والثاني على يساره من على ~~الكتفين، وكأنهما محمولان على الإنسان، قريبان من ~~الأذنين والشفتين واللسان. وهل يصل حجم الملكين إلى هذا ~~الحد القليل بحيث يدخلان القبر الذي لا تتجاوز مساحته بضعة ~~أمتار، ويقفان على رأس الإنسان في مساحة لا تتجاوز شبرا ~~واحدا؟ والخيال الشعبي والروائيات تجعل الملاك من حيث ~~الحجم أكبر بكثير من حجم الإنسان، يصل حجم البعض إلى ما ~~بين السموات والأرض! وقد تزداد التفصيلات في وصف الملكين ~~والمعاونين لهما، وكلما تزداد التفصيلات يزداد الشك في ~~الرواية، كما تزداد نسبة الخيال الشعبي؛ فيدخل عنصر اللون ~~في العيون، فتكون إحدى العينين سوداء والأخرى زرقاء، وهما ~~لونان أحدهما داكن والآخر فاتح، لونا الخير والشر، الإيمان ~~والكفر، مثل الأسود والأبيض، وزرقة السماء مثل بياض القلب. ~~وقد يكون كلاهما أسودي العينين؛ فالسواد لون البشاعة ~~والقبح. وقد تعني زرقة العين مجرد تقليب البصر والتحديق ~~إلى القبور؛ حتى يظهر بياضها، ثم تحول المعنى اللغوي إلى ~~وصف شيئي. وقد يحمل أحدهما بيده مطرقة من حديد يضرب بها ~~رأس الكافر عندما يعبر عن لاأدريته وشكه، فيصيح من وجع ~~الضربة، بينما يتراءى للمؤمن مقعده من الجنة بعد أن أبدل ~~الله مقعده من النار بعد اجتيازه الامتحان والإجابة على السؤال! # 16 # وقد تظهر ملائكة أخرى مساعدة، مثل ناكور ~~ورومان، يقومان بدور المراقب العام! يعلن رومان ~~الامتحان، أو يفتح محضر السؤال والجواب! وقد يسمى ~~الملكان «رقيب وعتيد»، الثاني أعنف من الأول، كما هو الحال ~~في منكر ونكير، ولكن قد يسبقهما رومان الذي يطلب من الميت ~~أن يجتاز الامتحان كتابيا، وأن يكتب ما عمله في الدنيا. ~~ولا مجال لاعتراض الميت بأنه لا قلم له ولا مداد ولا ~~قرطاس؛ إذ يخبره رومان بأن القلم أصبعه، وبأن المداد ~~ريقه، وبأن الكفن قرطاسه! وهل يكتب الأصبع؟ وهل يترك الريق ~~الأبيض علامة على ms258 كفن أبيض؟ أو هل تتسع رقعة الكفن للكتابة ~~خاصة لأعمال الأشقياء؟ ألم يدون كل شيء من قبل في ~~صحائف الأعمال؟ وهل يتذكر الإنسان وهو ميت كل فعله في ~~الدنيا؟ وما المانع ألا يكتب إلا الخير؛ إنقاذا للنفس؟ ~~وكيف يكتب من دفن ويداه مبتورتان، أو الذي لم يدفن وكان ~~بلا جسد بعد أن أكله السبع، أو ابتلعه اليم، أو التهمته ~~النيران؟ وأين يكتب من دفن بلا كفن، أو من سرق كفنه لصوص ~~المقابر، أو دافنو الموتى بعد مغادرة الأهل وإنهاء مراسم ~~الدفن؟ وبماذا يكتب من جف ريقه، ولم يعد في حلقه مداد ~~من هول ما يرى؟ وماذا يفعل الأمي الذي لا يعرف الكتابة؟ ~~وهل يجوز أن يقطع رومان قطعة من الكفن، فيعري الجسد؛ كي ~~يكتب عليها الميت أعماله، ثم يعلقها رومان على عنقه بلا ~~خيط أو مشبك؟ وماذا لو طالت القطعة، ولم يكف الكفن، فيصبح ~~الميت عاري الجسد مغطى الذقن؟ وقد يظهر إبليس متشفيا ~~منتصرا بعد سماع إجابة الكافر، وإن لم يظهر متحسرا ~~حزينا على إجابة المؤمن. ولكي تكتمل الصورة قد يقعد إبليس ~~في ركن من القبر حتى يستكمل غوايته حتى آخر لحظة، وكأن ~~الوقت وقت التكليف. ولا يثبت النبي ولا توجد أية رقية ~~منه لمساعدة الميت، كما كان الحال في الدنيا عندما كان ~~الوحي مساعدا للإنسان في مقابل الغواية، وكأن الإنسان في ~~حياته كان له معين، ولكن بعد مماته يكون وحيدا بلا ~~نصير. # ولإيجاد حل لكل هذه الصعوبات يلجأ إلى الأساس النفسي؛ ~~إذ يخيل للإنسان أنه محاسب بين ملكين له خاصين، ~~فهما له وللجميع في الوقت نفسه، في كل زمان ومكان، وكأن ~~الأمر مجرد إحساس شعوري أو خيال شعبي يدل على تجربة ~~إنسانية؛ تجربة الموت، وما قد يتخيله الإنسان المهموم ~~بسلوكه وأفعاله لما قد يحدث بعد الموت. ويظل الإنسان ~~مطاردا بالغواية والإيقاع حتى ما بعد الموت، في حياة القبر! # 17 # والحقيقة أن كل هذا الوصف إنما يأتي من الروايات ~~والأخبار الضعيفة، والتي لم تعتمد عليها كتب العقائد ~~المتقدمة ، بل امتلأت ms259 بها الشروح المتأخرة مستمدة ~~مادتها من تآليف مستقلة عن علم أصول الدين، بعد أن أصبح ~~موضوعا مستقلا تكثر فيه التآليف في فترات الانحطاط؛ ~~تعويضا عن مآسي العصر وأحزان الزمان وهزائم المجتمعات ~~وانهيار الدول؛ فتنشأ الأخرويات كتعويض عن الدنيويات، ~~وكانتصار للروح بعد هزيمة البدن، وكأمل في المستقبل بعد ~~ازدياد الكرب في الحاضر. كلها روايات وأخبار لا تتوافر ~~فيها شروط التواتر، وفي مقدمتها الاتفاق مع العقل والحس ~~ومجرى العادات، بل ولا حتى ترتقي إلى أخبار الآحاد. وهي ~~على هذا النحو لا تعطي اليقين النظري أو العملي. لم يرد ~~منها شيء في أصل الوحي الأول وهو القرآن، وليس في الحديث ~~الصحيح كل هذه التفصيلات النظرية التي لا تهم السلوك ~~العملي وتوجيه حياة الناس؛ فهي أمور لا تعم بها البلوى، ~~ولا ترتبط بها مصالح الأمة. إنما يمكن فهمها بناء على ~~تحليل التجارب البشرية، وهي ليست التجارب التي يعتمد عليها ~~المتأخرون لإثبات حياة القبر الصحيح منها، مثل النوم أو ~~المرض مثل الهلوسة وباقي الأمراض العقلية، أو ما سماه ~~القدماء عجائب النفس، وما نشاهده من صور أو خيالات في ~~النوم أو اليقظة، بل التجارب البشرية العادية، مثل الرغبة ~~في قهر الموت وتجاوزه، واستمرار الحياة، والخوف من عواقب ~~الأمور، وتحسب نتائج الأعمال. # 18 # وقد تبدو أهمية ذلك في مراقبة النفس وحسابها، ~~خوفا من الله، والرقابة على الذات واستدراك الأمور، ولكن ~~الخيال الشعبي حولها إلى استجواب كما يحدث في المباحث ~~العامة، وتعذيب كما يحدث في المخابرات العامة، وتسجيل ~~اعترافات كالتي تقوم بها أجهزة الأمن؛ قياسا للغائب على ~~الشاهد، ونقلا من الواقع إلى الخيال. وقد كانت البداية ~~مجرد أسماء ثم تحولت إلى أشياء بعد تحجر التجارب الحية ~~الفردية والاجتماعية، وخلقها موضوعات من ذاتها تشخصها ~~وتتعامل معها، فيسعد الإنسان بوهمه وخياله الذي صنعه. قد ~~يكون منكر هو العقل والقول، ونكير هو الحكم عليهما بذلك، ~~وليسا شخصين أو ملكين. تتحول الأسماء إلى معان مستقلة، ~~ثم تتحول هذه إلى أشياء، ثم تتشخص الأشياء وتحيا وتصبح ~~شخصيات حية، كما كان الحال في ألقاب ms260 المسيح. فهما للمؤمن ~~مبشر وبشير، وبالنسبة للكافر منكر ونكير. هي أسماء تعبر ~~بدلالاتها على التجربة الإنسانية، بل إنها ألفاظ يعبر ~~بها الإنسان عن تجاربه في الحياة، ثم تتحول الأسماء إلى ~~معان، ثم إلى أشياء، ثم إلى أشخاص، ثم تصبح مقدسات ~~وفاعلات في العالم ضد الإنسان أو معه طبقا لعواطف الإيجاب ~~والسلب وانفعالات الخير والشر. وهو ما يحدث باستمرار في ~~ألقاب الأنبياء وصفات الآلهة. # 19 # ويقوم الخيال الشعبي المتصل بنوع من ~~التواتر المعنوي، فيصبح مترادفا عند عديد من الشعوب، ~~يعبر عن حكمة البشر وتجاربهم الحية عبر التاريخ. فهناك ~~ملك للخير على اليمين، وملك للشر على اليسار، كريمان ~~كاتبان، يدونان كل شيء إلى يوم الحساب. وهي الثنائية ~~الدينية التقليدية المعروفة في الديانات القديمة القائمة ~~على الصراع بين الخير والشر. وقد كانت هناك أنماط سابقة ~~من هذه الخيالات في البيئة الحضارية القديمة فيما يتعلق ~~بحياة القبر، سواء في ديانات مصر القديمة، مثل عودة ألكا ~~وألبا إلى القبر وتحنيط جثة الميت واستئناف الحياة من جديد ~~فيه، وكذلك في أسطورة إيزيس التي لمت أشلاء زوجها وأخيها ~~أوزوريس، فعادت إليه الحياة، أو في معجزات المسيح، وتقطيعه ~~الطير أربعة أجزاء، ثم جمعها وعودة الحياة إليه. يمكن إذن ~~بدراسة أساطير الموت والبعث دراسة مقارنة من خلال تاريخ ~~الأديان معرفة هذه الأنماط المثالية الأولى، التي عليها ~~تم نسج صور حياة القبر في بيئة حضارية لم تكن تريد ~~الإحساس بالنقص أمام سير الأولين وقصصهم. وما أكثر ~~الصور الشعبية حول الموت وحياة الميت بعد الموت، مثل تلك ~~التي يطير فيها التابوت، أو يخف حمله وسط تهليل ~~المشيعين وراءه بأنه من أولياء الله، يتشبثون به حتى ~~لا يطير في الهواء، أو يسير التابوت بسرعة، أو يتوجه نحو ~~حبيب أو شخص أليف، ثم يحط في مكان ولا يتزحزح منه، ~~فيدفن فيه بناء على رغبة الميت واختياره الأخير. وفي ~~حياة القديسين بعد الموت، ومقاومة رفاتهم للفناء والتحلل، ~~أمثلة أخرى عديدة على أن الروح قادرة على أن تظل في الجسد ~~بعد موته، فتحافظ عليه وتحرسه ms261 من الفناء، وقادرة على ~~اختراق المادة، والإبقاء عليها دما وعظما في أوعية أمام ~~أنظار المشاهدين، على ما هو معروف في تاريخ الأديان وتقديس ~~رفات القديسين. وقد أفاض المتأخرون في هذه الأوصاف؛ ~~اعتمادا على الخيال الشعبي، وإلهابا لمشاعر العامة، ~~ونقصا في العقل عند الداعية والجمهور وبموافقة السلطة. ~~وكان من الطبيعي في مقابل إثبات حياة القبر وصورها كأشياء، ~~أن ينشأ رد فعل بالإنكار أو بالتأويل. # 20 # والحقيقة أنه يمكن تحويل هذا الجزء كله إلى ~~عقليات عن طريق التساؤلات حوله؛ حتى يمكن فهمه عن طريق درء ~~المعارض العقلي؛ حتى لا تكون أمور المعاد الأخروية أضعف ~~أجزاء علم أصول الدين. كما يمكن تحويلها إلى صور فنية ~~الغرض منها التأثير على الجمهور، وتصبح جزءا من تاريخ ~~الأدب الديني. كما يمكن تحويلها إلى فلسفة لتجاوز الموت؛ ~~فلسفة أمل مثلا، أو فلسفة حياة متصلة. وقد تكون في ~~النهاية بدايات علوم للمستقبل، وحساب المستقبل، والتنبؤ ~~بمساره في صورتها الأولى عندما كانت مرتبطة بتاريخ ~~الأديان. ~~(4) هل يوجد عذاب في القبر؟ # ويبدو أن الغاية القصوى من حياة القبر وسؤال الملكين هو ~~في النهاية عذاب القبر للكافرين ونعيمه للمؤمنين؛ ولذلك قد ~~يكون هو الموضوع الوحيد المذكور في الأخرويات، مع البرهنة ~~عليه والدليل على وجوده. وأحيانا يكون عنوانا للموضوع ~~كله عن طريق تعريف الشيء بعلته الغائية وهو عذاب القبر، ~~وليس بعلته الفاعلة وهي حياة القبر. وبالرغم من أن ~~الأدلة جميعها من الأخبار والروايات البعيدة التأويل من ~~القرآن والمشهورة في الحديث، إلا أن بعض الأدلة يقوم على ~~قياس الغائب على الشاهد دون إعطاء أدلة عقلية صرفة، ودون ~~الرد مسبقا على المعارض العقلي. ومثال ذلك حياة ~~النائم بين الحياة والموت أو حالة المرض أو الصراع أو ~~المغمى عليه. وقد يكون المثل هو الوحي ذاته، عندما يرى ~~الرسول جبريل ولا يراه من حوله. # 21 # وهذه الأمثلة كلها لا يجوز القياس عليها؛ ~~فالنوم وحالات المرض ورؤية الرسول لجبريل، كل ذلك إنما يتم ~~أثناء الحياة، وليس بعد الموت. ولا يمكن قياس ما يحدث بعد ~~الموت على ما ms262 يحدث قبل الموت؛ نظرا لاختلاف الفرع مع ~~الأصل. إنما يمكن فقط إرجاع تصورات ما بعد الموت إلى ~~نشأتها في الحياة؛ تعبيرا عن تجربة بشرية؛ الرغبة في ~~تجاوز الموت، وتعدي الانقطاع، واستمرار الحياة. ومع ذلك ~~تظل الأدلة الغالبة لإثبات عذاب القبر ونعيمه هي الأدلة ~~النقلية المستمدة معظمها من الحديث، وليس من مصدر الوحي ~~الأول وهو القرآن. وما ذكر من المصدر الأول تأويل ~~بعيد؛ فالمعيشة الضنك لا تشير إلى عذاب القبر، وما ذكر ~~من المصدر الثاني إما أنه غير متواتر بل مشهور، والمتواتر ~~منه لا يعني النار فيه عذاب القبر في الدنيا في حياة ~~القبر، بل في الآخرة، وقد يعني البعض منها تشبيها وتورية ~~وخصوصية للرسول، وقدرته على سماع ما لا يسمعه الناس أسوة ~~بالوحي. والعجيب أن مثبتي عذاب القبر يئولون القرآن ~~دون حاجة، ويأخذون الحديث حرفيا حيث الحاجة إلى التأويل. # 22 # وإن تجويز عذاب القبر بناء على جواز إحياء ~~الموت في القبر لأن تعذيب الجماد لا يتصور، يعود إلى ~~الموضوع السابق، وهو: هل تجوز إعادة الحياة إلى جسد الميت؟ ~~ويكون إثباتا بشيء آخر يحتاج إلى إثبات، ويكون من الهدف ~~رد الروح إلى الجسد وتصور نوع من الحياة، بل والحياة ~~العاقلة، حتى يمكن للعذاب أن يتحقق منه هدفه، وهو وقوع ~~عذاب القبر. # 23 # ولكن الحياة شرط العلم في الصفات، وليست شرط ~~العذاب في أمور المعاد. وكيف تكون الحياة شرط العلم في ~~العقليات، وتكون شرط عذاب القبر في السمعيات؟ ويظل ~~الاعتراض قائما: وهل يحتاج إثبات عذاب القبر إلى شرط ~~العلية وهو الحياة؟ أليس الله بقادر على إحياء الميت في ~~القبر دون شرط العلية، سواء كانت علة فاعلة أو علة ~~مقارنة؟ إن الله قادر على كل شيء، بما في ذلك إحداث الحياة ~~في الميت بلا علة مقارنة. # 24 # وقد تكون الفائدة منه الردع والزجر، وحث ~~الإنسان على فعل الخير. ولكن في هذه الحالة، أليس في عقاب ~~اليوم الآخر ما فيه الكفاية؟ وما الفائدة من هذا الردع ~~السابق لأوانه؟ وإن لم يرتدع العاصي من الردع ms263 الكبير، فهل ~~يرتدع من الردع الصغير؟ وكيف يكون هناك ردع والأفعال حسنة ~~وقبيحة في ذاتها؟ # 25 # فإذا ما ثبت عذاب القبر حرفيا وشيئيا، هل يكون ~~بالجسد، أم بالروح، أم بالروح والجسد، أم بالشخص؟ فإذا كان ~~في الجسد، فهل يجوز العذاب في أجزائه إن استحال الكل؟ ما ~~دام الله قادرا على كل شيء، فإن النعيم والعذاب يكونان في ~~الأجزاء، كما يجوزان في الكل بقدرته. وعلى هذا النحو، يتم ~~تأييد الروايات الظنية بالقدرة المطلقة؛ حتى يتأكد الظن ~~السمعي باليقين العقلي، ويمحى الشك بالقهر، ويقضى على ~~العقل بالإيمان. وفي هذه الحالة، يجوز كل شيء بالقدرة ~~والإيمان، فيجوز العذاب لكل الجسد أو لأجزاء منه، مثل ~~مساءلة الملكين. والجواز في العذاب أكثر قبولا؛ لأن ~~الجسد يحس، في حين أن اليد والرجل لا ينطقان، ولا ينطق ~~إلا اللسان. ولكن كيف يجوز تعذيب من اختفى جسده كلا ~~وجزءا، سواء أكله السبع، أو طواه اليم، أو حوله الحريق ~~إلى رماد؟ وكيف يعذب الجماد بلا حياة؟ وما الفائدة من ~~العذاب ما دام لا يوجد إحساس بالألم؟ فإن صعب الحل يكون ~~العذاب للأرواح والأجساد معا بعد أن تعود الأرواح إلى ~~الأجساد. وهنا أيضا تنشأ صعوبة احتمال غياب الأجساد في ~~بطن السبع، أو في أعماق اليم، أو بين ألسنة النيران، فلا ~~تجد الأرواح ما تحل فيه وتعود إليه، وكأن الأجساد شرط ~~وجود الأرواح. وهل يجوز تعذيب شخص في شخص آخر، تعذيب ~~الإنسان مأكولا أو مهضوما في بطن السبع؟ وما الفائدة ~~وألم الافتراس قد تم، وأصبح الإنسان عصارة معدية لا تتألم ~~كإنسان، وإن تألمت فإن آلامها ستصيب السبع من معاصي ~~الذي في بطنه؟ فإن استعصى الأمر يكون العذاب للأرواح وحدها ~~دون الأجساد. حينئذ ما فائدة إثبات عودة الأرواح إلى ~~الأجساد، وإيجاد مستقر للأرواح، ومساءلة الملكين، ~~والجواب باللسان، وعذاب القبر من خلال الجسد؟ لا يبقى إلا ~~أن يكون عذاب الأرواح صورة فنية؛ إسقاطا من الحاضر على ~~المستقبل، وتصور المستقبل بناء على الحاضر؛ تعبيرا عن هم ~~المستقبل وثقل الحاضر، والتخوف منهما معا. فالأفعال ~~الماضية ms264 خاصة القبيحة منها تطل على الحاضر ، وتجثم على ~~المستقبل، فيشعر الإنسان بآلام الضمير ووخز النفس عندما ~~ينكشف الحجاب، وتسقط الأقنعة، وينتهي العمر. # 26 # ثم يوصف عذاب القبر على نحو تفصيلي؛ فمنه ضم القبر ~~وضغطه على الميت، حتى يهشم ما تبقى من ضلوع الجسد، حتى ~~تلتقي حافتاه ويصبح الجسد بين المطرقة والسندان! وكيف ~~تتحرك جدران القبر وتتحرك الأرض؟ وماذا تفعل للذي حوت جثته ~~الماء، أو أنياب السبع ومعدته، أو أفواه الديدان؟ وماذا ~~عمن بقي في العراء بلا قبر؟ وقد تكون ضغطة الكافر مثل ~~سقوط السقف على العظام، أو تهشيم الترام الأرجل، أو زنقة ~~القفص الصدري بين الركبتين. أما المؤمن فضغطة القبر عليه ~~تكون مثل ضغطة الأم الشفيقة على ولدها من السفرة العبيقة! ~~وهو تصور إنساني خالص، وصورة شعبية للذة الالتصاق ~~التي يصعب التفرقة فيها بين الألم واللذة. # وكيف تفرق الأرض بين المؤمن والكافر، فتضم الأول برفق ~~وتعصر الثاني وتهشم أضلاعه؟ وإن كان بالصحراء أو باليم، هل ~~يضم عليه الجو، أو تخنقه المياه، ويضيق عليه المكان؟ ~~وقد يقوم بالعذاب الوحوش؛ تسعة وتسعون تنينا تنهش لحم ~~الميت وتلدغه؛ لإعراضه عن أسماء الله التسعة والتسعين، كل ~~اسم بتنين! فإن لم تكن هناك عظام لتهشيمها فهناك لدغ ~~العقارب والحيات، وإن لم يكن هذا ولا ذاك فهناك الضرب. ~~وماذا لو مات الإنسان من شدة ضغط العظام أو نهش اللحم أو ~~اللدغ أو الضرب؟ هل يموت ثم يحيا ثم يموت، وهكذا إلى أبد ~~الآبدين؟ وهل هو تعذيب في سجون الدنيا وعذاب في القبور ~~طريقا إلى الآخرة؟ وكيف تتكلم الأرض وتنذر الكافر ~~وتبشر المؤمن؟ كلام الأرض زهد وتصوف وسوداوية، ورفض ~~للعالم، واحتقار للإنسان، ولفظ له حيا وميتا. وتأتي ~~كثير من التصورات من التصوف، حيث يذخر بالخيال الشعبي ~~واصفا حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. # 27 # ويستثنى من عذاب القبر الأنبياء وآل البيت؛ ~~إذ تحنو الأرض على فاطمة أم علي؛ فقد ألحدها الرسول ونزع ~~قميصه ووضعه عليها؛ حتى لا تمسها النار أبدا! # 28 # وهل يبقى القميص إلى يوم القيامة؟ وما ms265 شفاعة ~~قميص؟ كالشرطي يلصق شرائطه على الحائط ويذهب، ويقف العسكر ~~صفا أمامها لا يتحركون؛ فهي بديل عنه ورمز له، وحافظة ~~للنظام في غيابه. ولماذا فاطمة أم علي، وليس فاطمة زوجة ~~علي، وليس عليا ذاته أو بنيه؟ ولماذا قارئ سورة الإخلاص ~~في مرضه، وليس قارئ القرآن في صحته؟ ألا يستثنى من العذاب ~~إلا الإنسان في حالة الضعف وبمجرد الإيمان بالوحدانية دون ~~ممارسة العدل؟ # ويتم عذاب القبر في البرزخ. والبرزخ يعني الانتقال من ~~مكان إلى مكان أو من زمان إلى زمان؛ فهو مفهوم يختلط فيه ~~المكان والزمان معا. وهو لفظ قرآني يشير إلى المكان ~~أكثر مما يشير إلى الزمان، ويكثر استعماله في التراث ~~الشيعي وفي الفكر الصوفي. وقد يكون لفظا أعجميا أكثر من ~~كونه لفظا عربيا. ولماذا تكون هناك مرحلة متوسطة بين ~~الحياة والموت، حياة هي موت، وموت هو حياة؟ ولكن إيقاع ~~الأصوات يدل على أن الحوادث تحدث في الزمان، وأن الزمان به ~~مراحل كما أن المكان به مراتب. يحيا الإنسان مرتين، ويموت ~~مرتين؛ يحيا في الدنيا ثم يموت، ثم يحيا في القبر مرة ~~ثانية، وتنتهي حياة القبر بعد المساءلة والعذاب، ثم يموت ~~ميتة ثانية حتى يبعث من جديد، فيحيا بعد البعث والنشور. ~~قد تكون الحياة الثانية، حياة القبر، نموذجا أو «بروفة» ~~لما سيحدث بعد ذلك، وقد تكون استمرارا للحياة الدنيا ~~والجسد ما زال دافئا ولم تسر فيه برودة الموت بعد؛ لذلك ~~فهي حياة متوسطة، مثل البرزخ، بين الحياة الدنيوية ~~والحياة الأخروية. وقد يرفع العذاب يوم الجمعة وفي شهر ~~رمضان. وإن مات الإنسان يوم الجمعة أو ليلتها يكون العذاب ~~ساعة واحدة؛ وذلك بحرمة النبي. ولماذا يتفاضل الزمان؛ ~~يوما في الأسبوع هو يوم الجمعة أو ليلتها، أو شهرا في ~~السنة هو شهر رمضان، لا تكون فيه ضغطة القبر؟ هل هي لحظات ~~متميزة في الزمان؟ ولماذا يعود العذاب بعد ذلك؟ هل هو ~~التعذيب؛ فالعذاب المنقطع أشد على الإنسان من العذاب ~~الدائم؛ فبعد أن تندمل الجروح ويبرأ الإنسان تتقيح ~~الجروح، وينتكس المريض ويعاوده الألم؟ وكيف ms266 يبدأ العذاب ~~بين النفختين في الصور مع سؤال الملكين ، والنفخ في الصور ~~من علامات الساعة، والساعة لم تقم بعد؟ والنفخ في الصور ~~يعني ازدواج الصورة السمعية مع الصورة المرئية. ولماذا ~~تموت الملائكة بين النفختين وكلها حياة أبدية، ولا داعي ~~لموتها؟ ومن الذي يقوم بوظائفها بعد موتها؟ وكيف يبدأ عذاب ~~القبر والحساب النهائي يوم البعث لم يتم بعد، والمحاكمة لم ~~تعقد بعد، ولم يسمع فيها قول الشهود أو دفاع ~~المتهم، بل ولم يصدر فيها حكم القاضي؟ وما وجه السرعة ~~في إنزال العذاب بالكافر وبمن يستحق العقاب وهو لن يفر ~~من قبره، ولا ملجأ أو مخبأ له؟ وهل يستعجل الله عذاب البشر ~~إلى هذا الحد؟ هل الله سوداوي منتقم جبار إلى هذا الحد؟ # 29 # ونادرا ما يتم الحديث عن نعيم القبر، أو وصفه بمثل هذه ~~الدقة والتلذذ، كما يتم ذلك في وصف عذاب القبر! بل إن ~~عنوان الموضوع عذاب القبر، وليس نعيم القبر. ومع ذلك فإن ~~نعيم القبر يكون بأن يتحول القبر إلى جنة، بفرشها الوثير، ~~وروائحها الطيبة، وحياتها الناعسة. يصبح القبر روضا من ~~رياض الجنة، به زرع وحياة وماء ورباحة في المكان. يتسع ~~القبر ويصبح فسحة من المكان إلى البلد البعيد الذي يشتاق ~~إليه الإنسان، وبه غلمان وولدان تؤنس المطيع في وحدته ~~إن كان من أهل العلم، به نور وشاب جميل بيده قنديل، ~~دونما ذكر للجنس طبقا لعادات البيئة الصحراوية وممارسات ~~البدو، وإن كانت هناك مقدماته والتمهيدات له. وقد يكون ~~الشاب الجميل تشخيصا للعمل الصالح، وقد تكون صحبة الغلمان ~~تعويضا عن وحدة العالم وعزلته في الدنيا مع القلم ~~والقرطاس؛ استباقا للحور العين في جنة النعيم. # 30 # وبإدراك صور النعيم يدرك التقابل بينه وبين العذاب، ~~ونشأة الصورة الفنية بقياس الغائب على الشاهد. فتوسيع ~~القبر في مقابل ضغطه، ورحابة المكان في مقابل ضيقه، وجعل ~~القنديل فيه ضوء مقابل الظلمة، وفتح طاقة فيها هواء في ~~مقابل الاختناق، وانفتاح في مقابل الانغلاق، وامتلاؤه ~~بالريحان مقابل عفن الجيفة، الرائحة الطيبة في مقابل ~~الرائحة النتنة. وهل في ms267 القبر نعيم، في ظلمته ووحدته ~~ووحشته وعزلته، وديدانه وتعفنه وتحلل الجسد فيه؟ وكيف يتم ~~النعيم في القبر في وحشته وظلمته ورائحته وعزلته وغربته ~~وصمته مثل صمت القبور، وفقره وترابه وديدانه وحشراته، ~~وفوقه موبقات سكان القبور، وحوله شراذم العصاة ~~والمذنبين والفارين؟ أم إن النعيم يكون بتخفيف العذاب ~~والخنق والضغط والروائح العفنة؟ وبالتالي يرجع السؤال ~~الأول: هل هناك عذاب القبر؟ وهل هناك حية فيه؟ ومع ذلك يظل ~~التركيز على عذاب القبر دون نعيمه؛ للترهيب لا للترغيب، ~~وكأن الحياة توضع خصيصا للعذاب، وكأن الحياة للعذاب، ~~وكأنما تعاد الحياة إلى الجسد في القبر كي يتعذب الإنسان ~~من جديد، عذاب في الحياة، وعذاب في الممات! أليست هذه ~~نظرة سوداوية، واتجاها تشاؤميا في الحياة، وصادية ~~يتلذذ بها صاحبها بالتفنن في عذاب الآخرين؟ وهل أصبح الألم ~~له مثل هذا الوجود الضاغط، بحيث يتحول إلى عقيدة في علم ~~أصول الدين؟ ألم يبعث الرسول هاديا ولم يبعث جابيا؟ ~~وكيف يكون للعذاب كل هذا الثقل ممن عرف عنهم أنهم من ~~أهل الرحمة؟ وكيف يخلق العقل للتعذيب والتمتع بالعذاب، ~~والعقل نور العلم ونعمة الفكر وطريق الهداية، وكأن وظيفة ~~العقل هي تبرير الشر وتقبله، وليس الاعتراض والتمرد عليه؟ ~~وهل يعذب العقل وهو نعمة من الله وروح منه؟ وهل خلق ~~الله الحياة للتعذيب أم للنعم والتمتع بخيرات الله؟ أليست ~~الحياة كالعقل إحدى نعم الله؟ # فإذا كان العذاب للعصاة، فإن النعيم يكون للمؤمنين؛ ~~فالعذاب للمؤمنين الفاسقين العصاة والكافرين على حد ~~سواء. فإذا كان كافرا يدوم عذابه إلى يوم القيامة، ولا ~~يرفع عنه إلا يوم الجمعة أو ليلتها، وفي شهر رمضان لحرمة ~~النبي، فلا يعذب أحد كافرا أو مؤمنا لحرمته. وإن كان ~~مؤمنا عاصيا ينقطع عنه العذاب يوم الجمعة وليلتها وشهر ~~رمضان، ثم لا يعاوده العذاب إلى يوم القيامة. وكأن العذاب ~~له يدوم لمدة سنة واحدة ثم ينقطع! وإن كان مؤمنا مطيعا ~~تكون له ضغطة خفيفة تذكره بهول الموقف؛ لما تنعم بنعم ~~الله ولم يشكر. وكأن العذاب قادم قادم، والألم وارد وارد ~~عند الجميع، لا ms268 فرق بين مؤمن وكافر، ولا فرق بين مؤمن ~~عاص ومؤمن مطيع . # 31 # وقد يرفع العذاب عن المؤمن العاصي بدعاء أو ~~بصدقة؛ أي بفعل الآخر، وليس بفعله هو، وهو ما يناقض قانون ~~الاستحقاق. وهل الصدقة وهي فعل، مثل الدعاء وهو مجرد قول؟ ~~أليست الصدقة عطاء والدعاء شحاذة؟ أليست الصدقة صورة ~~ومضمونا وتقوى وشيئا، في حين أن الدعاء صورة بلا مضمون، ~~تقوى فارغة بلا شيء؟ العذاب إذن نوعان: دائم للكفار ~~والعصاة، ومنقطع لبعض العصاة بدعاء أو صدقة. ويكون دور ~~الآخر هو رفع العذاب عن الذات بدعاء وهو مجرد قول، أو ~~بصدقة وهو فعل؛ وبالتالي فهو أفضل. قد يعني ذلك استمرار ~~إمكانية تغير مستقبل الميت بفعل الآخر، كاستمرار فعل الميت ~~في حياة الآخرين. قد تكون هذه دلالة على الترابط ~~الاجتماعي، وقد تكون دلالة على استمرار الأمل لتخفيف ~~العقاب؛ إيثارا للعفو على العقاب، وللرحمة على العدل. فلا ~~نهاية لإمكانية الإنقاذ، ولا مكان لليأس؛ فإنه لا ييئس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون. ولا يعني الإيمان في هذه ~~الحالة إلا الأمل المستمر بلا حدود. # عذاب القبر إذن تصور شعبي للظلام والهواء الراكد الساكن ~~والرائحة العفنة والوحدة والعزلة والوحشة، يعبر عن ~~تجربة إنسانية فعلية في الشاهد يسقطها الإنسان على ~~الغائب؛ فلا يعرف الموت إلا قياسا على الحياة. إن إثبات ~~عذاب القبر كواقعة شيئية تسبب رد فعل في إنكاره أيضا ~~كواقعة شيئية. وإذا قام الإثبات على الرواية والسمع، فإن ~~الإنكار يقوم على المعارض العقلي، والعقل في النهاية أساس ~~النقل. فالميت لا حياة له؛ وبالتالي لا تعذيب له، ولم ير ~~أحد عذاب القبر، أو آثار التعذيب على جثة إذا ما فتح ~~القبر، ولم تسمع أصوات الأنين أو تأوهات الألم. وأين يقع ~~العذاب إذا ما تحولت الجثة إلى عظام بالية، أو تقطعت ~~إلى أجزاء في أجواف السباع وحواصل الطيور وأقاصي التخوم ~~ومدارج الرياح؟ # 32 # وبين الإثبات والنفي للواقعة الشيئية، هناك ~~إثبات الدلالة التي لا يمكن نفيها؛ فالعذاب هو شعور ~~الإنسان بالفعل القبيح وتأنيب الضمير، والنعيم هو شعور ~~الإنسان بالرضا ms269 وبأداء الرسالة. العذاب والنعيم يشيران ~~إلى تجربة الإنسان في النقص والكمال، في الفشل والنجاح، في ~~الإحباط والتحقق؛ ومن ثم يجد المتكلمون حقائقهم في ~~تأملات الحكماء. # 33 # | سابعا: المعاد # بعد حياة القبر بكل ما فيه من عودة الأرواح إلى الأجساد، ~~وسؤال الملكين، وعذاب القبر، هل ترجع الأموات إلى الدنيا أم ~~تموت من جديد ثم تعود إلى الآخرة؟ وإذا عادت إلى الدنيا، هل ~~تعود كلها عامة وخاصة، شعوبا وقادة، أم لا يعود إلا الأئمة؟ ~~وأين تذهب الأرواح بعد أن تنتهي حياة القبر؟ هل تعود إلى ~~الدنيا وتتناسخ في أبدان أخرى، أم ترفع إلى مكانها ~~ومستقرها؟ وأين هو هذا المكان أو المستقر؟ ومتى يبدأ المعاد ~~وكيف؟ هل هو معاد جسماني يقوم على إمكانية إعادة المعدوم لما ~~كان العدم شيئا، أم هو معاد روحاني؟ وماذا يعني البعث وكيف ~~يتم؟ كل ذلك أيضا إنما يوجد في المرحلة المتوسطة بين الدنيا ~~والآخرة، ما بعد الدنيا وما قبل الآخرة، قبل علامات الساعة ~~والحساب والعقاب. ~~(1) رجعة الأموات # بعد عذاب القبر، وتحقيق الغاية من الحياة فيه بعودة ~~الأرواح إلى الأجساد، هل ترجع الأموات إلى الدنيا فتعاقب ~~وتثاب، أو يكون لها حياة أخرى في هذه الأرض في أجساد ~~أخرى، وهي عقيدة التناسخ، أم تبعث الأموات من جديد بعد ~~حياة القبر ومغادرة الأرواح للأجساد، وتبدأ أمور المعاد في ~~الآخرة يوم قيام الساعة ليتم الحساب، الثواب أم العقاب؟ ~~الافتراض الأول هو رجع الأموات، والثاني هو المعاد ~~بشقيه؛ المعاد الجسماني والمعاد الروحاني. وقد تكون ~~رجعة الأموات للعامة أو للخاصة، لعامة الناس أو لخاصة ~~الأئمة، أو لعلي بوجه أخص، مثل عودة الإمام الغائب حتى ~~يقاتل الدجال ويقيم العدل والقسط. فإذا مات إمام فإن ~~جميع الأمة لا يموتون، بل يظل في كل عصر إمام حي؛ فالإمام ~~هنا لا يحتاج إلى الرجعة، بل يظل في الأرض ليموت موتة أو موتتين. # 1 # والحقيقة أنه لو رجع الأموات إلى الحياة ~~لعجل الثواب والعقاب، ولانتفت الغاية من الإعادة؛ ~~فإحضار المستقبل يغني عن تأجيل الحاضر إلى المستقبل. ~~والقول برجعة الأموات ms270 إنما يعبر عن عقائد المجتمعات ~~المضطهدة التي مات زعماؤها ولم يحققوا غاياتهم بعد؛ ~~فرجعتهم إنما تعني معاودة رسالتهم واستئناف نشاطهم؛ لذلك ~~كانت الرجعة للأئمة أكثر منها للجماهير. وبوجود الزعامة ~~العائدة، وبعودة البطل، تصحو الجماهير، وتلتف العامة ~~حولها. ويوجد نموذج سابق لذلك في البيئة الدينية والتراث ~~الحضاري الشائع عند بني إسرائيل الذين يشاركون الشيعة في ~~عقدة الاضطهاد. # فإن لم تثبت رجعة الأموات جاءت عقيدة التناسخ ثم عقيدة ~~الرفع. فالتناسخ عود إلى الدنيا وإيثار لها على الآخرة، ~~والرفع تطهر وإيثار للآخرة على الدنيا، وكلاهما طريقان ~~متقابلان. فالتناسخ استعجال بالثواب وبالعقاب، ورفض ~~للانتظار إلى يوم الحساب، وعصفور في اليد خير من عشرة في ~~الغد، وثواب الدنيا وعذابها مشاهدان للعيان؛ فالأولى أن ~~تعود الأرواح إلى الدنيا؛ الخيرة منها في أجساد حسنة، ~~والشريرة منها في أجساد قبيحة. وهي عقيدة تجمع بين العلم ~~والأسطورة، بين المشاهدة وعقدة الاضطهاد. والروح الخير ~~يكون هو الملاك، والروح الشرير يكون هو الشيطان. # ولما كانت النفس لا تتناهى، فهي تعاود الحلول في ~~الأجسام. وما أسهل بعد ذلك من تأويل الحجج النقلية بحيث ~~تتفق مع عقيدة التناسخ، خاصة تلك الآيات التي تتحدث عن ~~تركيب الصور وخلق الإنسان وخلق الأزواج من نفسه، بتأويل ~~حرفي يقضي على الدلالة. # 2 # وهناك صورة أخرى للتناسخ في عقيدة الدهرية ~~تمنع من انتقال الأرواح إلى غير أنواع أجسادها التي فارقت. ~~فلما كان العالم لا يتناهى، فوجب أن تتردد الأنفس في ~~الأجساد أبدا، ولا يجوز أن تنتقل إلى غير النوع الذي وجب ~~لها بطبعها وشرفها تعلقا به وإشراقا فيه، ولا تحتاج ~~النفس في هذه الحالة إلى شرائع، يكفيها شرف طبعها وخلودها. ~~والحقيقة أن هناك تمايزا بين أنواع النفس، بين النفس ~~الناطقة وهي نفس الإنسان، والنفس غير الناطقة وهي نفس ~~الحيوان. وهذا ما يؤكده الحس والعقل، وتؤيده المشاهدة والبرهان. # 3 # أما القول بأن الأرواح تنتقل إلى أجساد ~~أنواعها، فيعارضه إثبات تناهي العلم وحدوثه. فكيف تحل ~~نفس لا متناهية في عالم لا متناه؟ كما أن الاختلاف بين ~~الأشياء في العالم أكثر ms271 من الاتفاق، والفروق أكثر من ~~التشابهات؛ وبالتالي استحال أن تحل الروح في جسد يشابه. ~~ولما كانت الأشخاص متفردة بأرواحها، وكانت الأعمال أحد ~~مظاهر هذا التفرد، استحال أن تحل روح شخص في شخص آخر. # 4 # كما لا يثبت التناسخ بمجرد مشاهدة عقاب في ~~الدنيا لمن لا يستحق، مثل مرض الأطفال وذبح الحيوان، وبأن ~~يكون بالضرورة عقابا مستحقا لأرواح اكتسبت هذه ~~الأجساد. فطبقا للصلاح والأصلح، كان من الأصلح عدم خلق ~~مرض الأطفال أو ذبح الحيوان، بدلا من عذابهما وجعلهما ~~يتحملان عقاب الآخرين. # 5 # إن القول بتناسخ الأرواح هو رد فعل طبيعي على ~~القول بحدوث النفس؛ فكلاهما خطآن يلغي أحدهما الآخر. ~~فالقول بحدوث النفس يسبب القول بقدمها. التناسخ ضد ~~قانون الاستحقاق، فمن الذي سيعاقب؟ أي بدن وأي نفس؟ كما ~~يؤدي القول بالتناسخ إلى القول بقدم الكائنات وأزليتها؛ ~~وبالتالي المشاركة في صفات الله، كما ينفي المعاد وكل ما ~~يتعلق به من بعث وحساب وعقاب. ولو صح التناسخ لتذكرنا ~~الحياة الماضية، ولأصبح الإنسان وعاء للتاريخ، ومخزنا ~~للحوادث لكل الناس. ولو لزم التناسخ للزم أن تكون الأرواح ~~بعدد الأبدان، وإلا لو زاد عددها لظل بعضها طائرا في ~~الفضاء بلا أجساد. # 6 # عقيدة التناسخ إذن نظرة أخلاقية للنفس، تبغي ~~الانتقام والعقاب من النفوس الظالمة التي فقدت براءتها ~~الأولى. عقابها في النزول؛ فنزولها إلى الأبدان نسخ، وإلى ~~الحيوان مسخ، وإلى النبات رسخ، وإلى الجماد فسخ؛ وثوابها ~~في الصعود، التخلص من الأبدان والتعلق بالأجرام. وواضح أن ~~العقاب أهم من الثواب، فتفصيل العقاب أكثر حضورا من ~~عمومية الثواب. # 7 # وفي مقابل عقيدة النسخ عقيدة الرفع. الأولى هبوط ~~والثانية صعود. الأولى عود إلى العالم من أجل الانتقام منه ~~أساسا، والثانية هروب منه تطهرا وتعففا عن آثامه. ~~فالبريء الطاهر لا يموت، ولكنه يرفع إلى الملكوت، ويعيش ~~في مجتمع الأطهار بعيدا عن أرض النفاق والآثام، ويستطيع ~~أن يبلغ في هذا الرفع أعلى الدرجات، بل أعلى من الأنبياء ~~والملائكة؛ وبهذا الرفع لا يقال إن الإنسان يموت. # 8 # وبهذا المعنى لا يفهم في أمور المعاد ms272 ~~إثباتها أو إنكارها، بل فهم دلالاتها على أنها تعويض عن ~~الظلم الدنيوي؛ فالأخرويات هي صياغة نظرية لهذا التعويض. ~~وإن إنكارها والقول برجعة الأموات في عقيدة التناسخ هو رفض ~~لانتظار الحساب والعقاب الذي تعد به الأخرويات التقليدية ~~في آخر الزمان، وانتظار للخلاص في هذا العالم، ورغبة في ~~الإسراع بعقاب الظالم في هذه الدنيا تشفيا منه، ورؤية ~~الانتصار الآن وهنا ما دامت رجعة الأموات ممكنة، وما دام ~~تناسخ الأرواح ممكنا. فتحل الروح الظالمة في جسد شرير، ~~وتحل الروح العادلة في جسد خير. ~~(2) المعاد الجسماني # يقوم افتراض المعاد الجسماني على الهوية والاختلاف بين ~~الإنسان والعالم، بين العالم الصغير والعالم الكبير؛ ~~فالإنسان عالم صغير، والعالم إنسان كبير. كما يقوم على ~~جدل الخراب والتعمير، وهو ما سماه القدماء الكون ~~والفساد، جدل الهدم والبناء. فتخريب العالم الصغير هو موت ~~الإنسان، وتعميره هو بعثه وإحياؤه من جديد، وتخريب العالم ~~الكبير هو فناء العالم، إما بتفريق أجزائه، أو عدمه وخرابه ~~في بعثه وإعادته في اليوم الآخر؛ لذلك يشمل الموضوع ~~مسألتين: الأولى إعادة المعدوم كموضوع ميتافيزيقي ~~كوني صرف، إعادة كل شيء، وهو يتعلق بالعالم الكبير؛ ~~والثاني إعادة الأرواح إلى الأبدان كموضوع إنساني خاص. ~~فإذا ثبت الموضوع الأول ثبت الثاني؛ فالثاني ما هو إلا ~~حالة خاصة من الأول. وفي الموضوع الثاني يظهر افتراضان: ~~المعاد الجسماني والمعاد الروحاني. الأول حشر الأجساد، ~~والثاني خلود النفس. والمقصود شرعا في علم أصول الدين ~~المعاد الجسماني؛ أي حشر الأجساد، في حين أن المعاد ~~الروحاني؛ أي رجوع الأرواح إلى ما كانت عليه من التجرد عن ~~علاقتها بالأبدان واستعمال الآلات، فهو المقصود في علوم الحكمة. # 9 # ولكن هل يمكن ثبوت المعاد الجسماني فقط وإنكار النفس ~~الناطقة؟ إن إنكار النفس الناطقة عادة ما يكون نظرة ~~مادية لا تقول بإعادة شيء، بل بفناء المادة أو بقائها دون ~~القول بالوجود أو البقاء من عدم. وما الفائدة من القول ~~بالمعاد الجسماني دون نفس، والنفس هي مصدر حياة البدن وشرط ~~الإدراك والإحساس بالثواب أو بالعقاب؟ كيف تعود الأجسام ~~دون إعادة الحياة إليها، ms273 والنفس إنما تعني هذه الحياة في ~~الأبدان؟ ومع ذلك يمكن إثبات المعاد الروحاني دون المعاد ~~الجسماني، وذلك بعد إثبات تميز النفس عن البدن ، وبقائها ~~متجردة عنه بعد فناء البدن. وفي هذه الحالة لا حاجة إلى ~~إحياء الأبدان، ولا يكون الثواب والعقاب جسمانيا، بل ~~يكونان روحانيين خالصين. والحل الثاني أي إثبات المعاد ~~الروحاني رد فعل على الحل الأول، وهو إثبات المعاد ~~الجسماني. أما إثبات المعادين معا، الجسماني والروحاني، ~~فهو يجمع بين الاثنين كنتيجة طبيعية لتلافي عيوبهما، ~~وتأكيدا لمقتضيات الشرع ولحكمة الإشراق. # 10 # وقد يسبب ذلك رد فعل في إنكار المعادين ~~معا؛ وبالتالي يكون الحل الرابع رد فعل على الحل الثالث، ~~كما كان الحل الثاني رد فعل على الحل الأول. أما التوقف عن ~~الحكم في الكل فلصعوبة الحكم على النفس؛ هل هي المزاج ~~المرتبط بالبدن؛ وبالتالي يستحيل إعادتها مع فناء البدن؟ ~~هل هي جوهر باق بعد فساد البنية؛ وبالتالي يمكن القول ~~بالمعاد الروحاني؟ فإذا كان لا يجوز إعادة المعدوم نظرا ~~لأنه لا شبهة في انعدام الجسم، فإن التردد يكون في انعدام ~~النفس؛ وبالتالي التردد أيضا في الجزم ببقائها. وبالرغم ~~من أن هذا الحل الخامس في مصدره التاريخي الأول من خارج ~~الحضارة، إلا أنه طبقا للبنية العقلية، وبعد التعرف عليه ~~وعرضه على العقل، أصبح جزءا من نسق الحلول، خاصة وأن ~~التوقف عن الحكم أحد الحلول المتبعة ذاتيا في داخل ~~الحضارة في عرض مسائلها الخاصة. # 11 # فهل الإعادة واجبة؟ وإن كانت واجبة، هل هي واجبة بالشرع ~~أم بالعقل؟ وإن لم تكن واجبة بالشرع، فهل هي جائزة بالعقل؟ ~~وإذا كان الحق هو المعاد الجسماني مطلقا، فهل يكفر ~~المنكرون لحشر الأجساد؟ إن الوجوب الشرعي يصطدم بالرواية ~~والسمع الظني، والظن لا يكون أساسا للوجوب؛ نظرا لجواز ~~ضعف السند وتأويل المتن، والوجوب العقلي في حاجة إلى ~~براهين يقينية من الحس والمشاهدة. لم يبق إذن إلا الجواز ~~الشرعي أو العقلي. ولما كان العقل أساس النقل، يكون الجواز ~~عقليا بالأساس. وإذا كان الابتداء ممكنا، فالإعادة تكون ~~أيضا ممكنة؛ لأن الإعادة ms274 مشروطة بالابتداء، والابتداء شرط ~~الإعادة. ولكن في الواقع، وبصرف النظر عن الحجج العقلية، ~~يعتمد الجواز العقلي على تحليل التجارب البشرية، مثل ~~الرغبة في مقاومة الموت ، وتجاوز الفناء، والقصد نحو البقاء. # 12 # فالإعادة صياغة نظرية لتجربة إنسانية تريد ~~الإبقاء على الماضي حاضرا ومستقبلا؛ حتى ينكشف الحق، ~~ويظهر العدل. وما الزمان ذاته إلا مرآة للخلود. ويحيل أقل ~~الزمان إلى كل الزمان بالضرورة. أما الوجوب العقلي فإنه ~~لقانون الاستحقاق، ثواب المطيع وعقاب العاصي، وهو قانون ~~عام بصرف النظر عن أوجه تحققاته وتشخيصها، بإعادة المعدوم ~~وحشر الأجساد والحساب واليوم الآخر والجنة والنار. # وإذا كانت الإعادة للأجسام، فهل تكون للجواهر أم للأعراض ~~أم لكليهما معا؟ وهو مبحث ميتافيزيقي صرف، يعود إلى ~~نظرية الوجود في المقدمات النظرية الأولى، # 13 # بل وتغلب عليها المباحث الطبيعية في الجواهر ~~والأعراض وأنواع الأعراض وأجناس الحركات والتقديم ~~والتأخير، مما يخرج الموضوع من مستواه الإنساني، وهو ~~الرغبة في مقاومة الموت والاتجاه نحو الخلود، إلى مستواه ~~الطبيعي أو الميتافيزيقي الصوري الخالص. # 14 # ومع ذلك فإن الإعادة للأجسام دون الأعراض ~~تجعلها مركزة على الأقوى؛ وبالتالي تسهل إعادة الأضعف، ~~خاصة وأن الجواهر لا تنفك عن الأعراض، وأن الأعراض لا ~~توجد دون الجواهر، وأن القادر على إعادة الجواهر يكون ~~أقدر على إعادة الأعراض. وإذا كان المعاد معنى، والمعنى ~~لا يقوم بالعرض، يكون المعاد فكرة، والفكرة ليست في ~~العرض، بل في الذهن. وتثار قضية جواز إعادة الأعراض على ~~أساس أنها هي الإشكال؛ لأن الأعراض محمولة على الجواهر، ~~وإعادتها لا تمثل اعترافا بقدرة أو بعلم زائد؛ نظرا ~~لأنها قد تتبع إعادة الجواهر؛ فالجواهر لا تتعرى عن ~~الأعراض، والأعراض لا تعود بأعيانها، بل بإعادة الجواهر. ~~وما الفائدة من إثبات قدرة على الأضعف؛ أي إثبات الأعراض ~~وإعادتها؟ ألا يكون إثبات الجواهر وإعادتها أجدى؟ وما ~~الفائدة من إعادة الأعراض وهي أضعف من إعادة الجواهر؟ إن ~~إعادة الجواهر، وليس الأعراض، أقرب إلى العقل، وإلى ~~التعامل مع الماهيات والأسس. وإن قسمة الأعراض إلى باق ~~وغير باق، وجواز إعادة الأولى دون الثانية، هي قسمة ms275 تدخل ~~تصور الجوهر في الأعراض؛ إذ إن العرض الباقي هو الجوهر، ~~وتكون أقرب إلى إعادة الجواهر دون الأعراض؛ لذلك كان من ~~تحصيل الحاصل القول بالإعادة الشاملة للأجسام والأعراض ~~معا، بالرغم مما يدل عليه القول من تأكيد على الإعادة ~~دون تفريق بين الموضوعات. فإذا كان الإيجاد الأول للجواهر ~~والأعراض معا، فكذلك تكون الإعادة الثانية أسوة بالإيجاد الأول. # 15 # ويبدو أن الغرض من الإعادة ليس فقط تطبيق ~~قانون الاستحقاق، ولكن إثبات القدرة الإلهية، ورجوع إلى ~~أصل التوحيد، وإثبات لجهل الإنسان الذي لا يعرف كيفية بعض ~~الأعراض، ولكن الله أعلم بها. فما كان في مقدور العباد لا ~~تصح إعادته؛ لأن الإعادة دليل على القدرة الإلهية؛ ~~وبالتالي لا بد من سلبها من الإنسان، خاصة إذا كانت ~~أفعالا فردية خاصة، وليست أفعالا نوعية. وإذا كان ما ~~يجهل الإنسان كيفية إعادته يعود، وما عرف الإنسان كيفية ~~إعادته لا يعود، تكون الإعادة كما هي إثباتا للعلم ~~الإلهي؛ فما يجهله الإنسان يعلمه الله، وما يعلمه الله ~~يجهله الإنسان. والحقيقة أن قضية إعادة المعدوم بعينه ~~قضية ميتافيزيقية خالصة، وما يهم هو إعادة الروح إلى ~~البدن؛ حتى يمكن الحساب. فهي قضية خاصة في الإنسان، وليست ~~قضية عامة في الطبيعة. # فإذا ما عادت الأجسام جواهر وأعراضا، فكيف تتم الإعادة؟ ~~قد تتثبت إعادة المعدوم من لا شيء؛ لأن العدم كلي ~~شامل لا يبقي على شيء؛ # كل شيء ~~هالك إلا وجهه ~~. والله هو الأول ~~والآخر، الظاهر والباطن، لا يبقى معه شيء. بدأ الخلق من لا ~~شيء، ويعيده من لا شيء. والأجسام نفسها تقبل الوجود ~~والعدم، والله قادر على كل الممكنات، عالم بكل الجزئيات. ~~ألا يتطلب ذلك أن يهلك الله كل شيء؛ الملائكة والجن ~~والشياطين والمردة والحور العين والولدان المخلدون ~~والجنة والنار؛ حتى لا يبقى معه شيء قبل البعث والنشور؟ ~~والحقيقة أن هذه الحجج على جواز إعادة المعدوم من لا شيء، ~~إنما هي حجج لاهوتية تثبت قدرة الله، وليست حججا ~~طبيعية تثبت إمكانية الإعادة من عدم، وهي أدخل في أصل ~~التوحيد لإثبات صفتي العلم ms276 والقدرة أكثر من دخولها في ~~إثبات المعاد، وهي نفس فكرة الخلق من لا شيء، تعاد من ~~جديد بالنسبة للإعادة بطريق الأولى؛ فالقادر على الخلق من ~~لا شيء يكون أقدر على إعادته من لا شيء. # 16 # وهو التصور القائم على افتراض الانفصال بين ~~الوجود والعدم، أو بين العدم والوجود، ولا يتم الاتصال ~~بينهما إلا عن طريق الأمر التكويني الإرادي، وليس عن طريق ~~التطور الطبيعي، من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى ~~الوجود. وقد يمكن إعادة المعدوم عن طريق تفريق الأجزاء ~~وتأليفها، بحيث يحصل منها مثل الهيئة الأولى التي كان ~~الشخص عليها في النشأة الأولى؛ فتكون عودة النفس إلى البدن ~~الأول دون أن يتطلب ذلك بالضرورة عودة المعدوم بعينه؛ ~~فالإعادة تركيب ثان، وليس إعادة من عدم؛ فلا شيء يأتي من ~~لا شيء في الخلق أم في الإعادة. # 17 # ولو وقع إعدام الكل لوقع إعدام الجنة والنار، ~~ولو وقع إعدام الكل وعودة الكل لاستحال؛ فالمعدوم لا يعود. ~~وإن لم يعد الشيء بعينه لاستحال الاستحقاق؛ لأن الاستحقاق ~~فردي وليس كليا، ولكن هل يتحلل جسد الأنبياء أم إن لهم ~~وضعا خاصا؟ والحقيقة أن ذلك تشخيص للنبوة، ليس فقط في ~~شخص النبي بل في جسده، وقضاء على الرسالة وإحلالها في ~~البدن. وهل يختلف جسد محمد عن أي جسد كائن حي؟ وهل هناك ~~فرق بين إعادة الناس البسطاء، وإعادة الحور العين والغلمان ~~المخلدين، وكأن أجسادهم من طبقة أخرى؟ هل يتكون البسطاء ~~من عدم محض، في حين يتكون الحور العين والولدان ~~المخلدون من تجميع الأجزاء فحسب؛ رغبة في ألا يفنى ~~الحور العين والولدان المخلدون، وحرصا عليهم ممن ~~يفنون وهم لا يدرون، وكأن الراغب الفاني يشتهي المرغوب فيه ~~الذي لا يفنى، فتفنى الذات، ويبقى موضوع رغبتها؟ ويدل ذلك ~~على أن الموضوع كله إنما يعبر عن رغبة إنسانية، وهو ما ~~سماه القدماء بحسب الذهن الذي لا بحسب الخارج. والواقع ~~أن هذا التصور أقرب إلى التصور المادي القائم على اتصال ~~المادة وتطورها من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى ms277 ~~الوجود، وهو التصور العلمي القائم على الاتصال في مقابل ~~التصور اللاهوتي القائم على الانفصال، وهو تصور لا يحتاج ~~إلى علة فاعلة خارجية، في حين يحتاج التصور اللاهوتي إلى ~~علة فاعلة مشخصة . # وبالإضافة إلى التصور الإرادي المشخص والتصور المادي ~~المتصل، هناك تصور إشراقي خالص لكيفية الإعادة أقرب إلى ~~الأسطورة منه إلى الدين أو العلم؛ إذ تتحرك النفوس ~~والأشخاص بالشرائع بتحريك النبي والوحي في كل زمان، دائرا ~~على سبعة سبعة حتى ينتهي إلى الدور الأخير ويدخل زمان ~~القيامة. ترتفع التكاليف، وتضمحل السنن والشرائع. وهي ~~وسيلة لبلوغ النفس الإنسانية كمالها درجة العقل، وائتمامها ~~به، ووصولها إلى مرتبه. وتلك هي القيامة الكبرى، فتتحلل ~~تراكيب الأفلاك والعناصر والمركبات، وتنشق السماء، وتتناثر ~~الكواكب، وتتبدل الأرض، وتطوى السماء، ويحاسب الخلق، ~~ويتميز الخير من الشر، والمطيع من العاصي. وتتصل جزئيات ~~الحق بالنفس الكلي، وجزئيات الباطل بالشيطان المبطل. فمن ~~وقت الحركة إلى وقت السكون هو المبدأ، ومن وقت السكون إلى ~~ما لا نهاية له هو الكمال. وفي هذه الحالة، لا يبعث إلا ~~من استطاع بلوغ مراتب الكمال العليا من أولاد آدم وحدهم ~~دون غيرهم، طبقا لقدراتهم على تصفية النفس وتخليد الذات. ~~وهي نظرية في الخلود في العالم عن طريق الكمال، يبلغ عليها ~~الطابع الكوني الإشراقي، وليس الطابع النظري العقلي الخالص. # 18 # والحقيقة أنه لا يهم كيفية الإعادة، وكيف ~~تعود الأرواح إلى الأجسام، وكأننا في مبحث طبيعي؛ ~~فالإعادة تصور إنساني خالص لتجاوز الموت واستمرار ~~الحياة. هي رغبة إنسانية، وليست حدثا طبيعيا، مطلب ~~إنساني يفرض نفسه على الطبيعة من كثرة التركيز عليه، ~~واقتضاء تحققه، والاستجابة له. # فإذا ما تم الانتقال من الإعادة كموضوع عام إلى الإعادة ~~كموضوع خاص، أي حشر الأجساد، ظهر موضوع الزمان. فهل يعاد ~~الزمان باعتباره عرضا؟ وإذا عاد، فهل يعود بأبعاده؛ ~~الماضي والحاضر والمستقبل؟ هل يعود بأعمار الإنسان والعالم ~~المتتالية، أم في آخر لحظة فيه؟ هل يعود الزمان وحدة ~~واحدة أم في لحظاته المتعاقبة؟ ويثير موضوع إعادة الزمان ~~أشكال التتابع والتتالي والمراحل والتطور. هل يعود مرة ~~واحدة أم ms278 على مراحل؟ هل يعود دفعة واحدة أم بالتدريج؟ إن ~~عودة جميع الأزمنة تساعد على الشهادة على الأعمال ~~المتحققة فيها، وما وقع فيها من طاعات وآثام. ومع ذلك قد ~~تصعب إعادته؛ نظرا لاجتماع متنافيات مثل الماضي والحاضر ~~والمستقبل في آن واحد، وهي صعوبة منشؤها قياس الغائب على ~~الشاهد، خاصة لو كان الغائب حالة افتراضية لا يمكن ~~تصورها، ولكن الزمان تيار جارف، وإذا عاد فإنه يعود كذلك. ~~أما الزمان المتوقف فإنه لا يكون حياة، ربما يكون فقط ~~تعاقب الزمان في الإعادة أسرع إيقاعا منه في الدنيا. ~~وينعكس الإشكال نفسه على الحشر كله، هل يتم الحشر دفعة ~~واحدة أم على فترات متعاقبة؟ # 19 # وبالإضافة إلى سؤال الزمان تبرز أشكال الهيئة: ~~هل تكون الإعادة كما كان الحال في الدنيا، أم تكون بصور ~~أخرى متغيرة؛ الكافر يزداد قبحا، والمؤمن يزداد حسنا؟ ~~ولكن الحساب لم يتم بعد حتى تتغير الصور، وعودة صور ~~الدنيا وقبحها وقذارتها وأمراضها وبؤسها استمرار للبؤس ~~بعد أن أنهاه موت البائسين، كما أنه استمرار لبهاء ~~الأغنياء، وكأن الموت لم يكن نهاية للترف ومساواة ~~بالفقراء؛ وبالتالي يعيش البؤساء في البؤس مرتين، كما ~~يحيا الأغنياء في الغنى مرتين. # 20 # ولماذا يكون حساب يوم الميعاد بمقدار خمسين ~~ألف سنة؟ وما الدافع لتضخيم الحساب؟ هل يرجع السبب في ذلك ~~إلى كثرة العدد؟ قد يكون الهدف هو الدلالة النفسية؛ أي ~~طيلة الانتظار والإحساس بطول الوقت؛ نظرا لأهمية الحدث فيه. # 21 # وقد ينكر موضوع الإعادة كله، ليس فقط باعتباره كيفية؛ ~~أي استحالة المعدوم من لا شيء، وإمكان ذلك بالتجميع ~~والتفريق للأجزاء، بل إنكار الإعادة من الأساس كموضوع ~~ميتافيزيقي خالص، أو كموضوع جزئي في إنكار حشر الأجساد. ~~ويأتي إنكار الإعادة نتيجة لعدة عقائد سابقة، منها إنكار ~~حدوث العالم؛ فما دام العالم موجودا قديما وباقيا لم ~~يفن، فإنه لا يعود. وهو أقرب إلى المنطق والاتساق ما دامت ~~الإعادة نتيجة طبيعية للقول بالحدوث والإيجاد ومن عدم؛ ~~فالإيجاد من عدم يتلوه طبيعيا الإيجاد بعد العدم. أما ~~إذا ثبت حدوث العالم، ثم أنكرت الإعادة ms279 بعد العدم، فإنه ~~يكون بين النتيجة والمقدمة عدم اتساق منطقي؛ فما دام إثبات ~~الوجود من عدم قد تم، فإن الإعادة تكون أسهل؛ وبالتالي لا ~~يمكن إثبات الحدوث وإنكار الإعادة. أما إذا ثبت حدوث ~~العالم وإعادة المعدوم، فإنه لا يمكن بعد ذلك إنكار البعث ~~والقيامة فيما يتعلق بحياة الإنسان بعد الموت، ابتداء من ~~حياة القبر حتى الثواب والعقاب في الجنة والنار؛ إذ لا ~~يمكن إثبات الأساس وهو الإعادة، وإنكار الفرع وهو الحشر، ~~ولا يمكن إثبات المبدأ العام، وإنكار إحدى حالاته الخاصة؛ ~~فالغاية من إثبات الإيجاد من عدم هي إثبات حشر الأجساد. ~~أما إثبات صدق العالم وإثبات الإعادة، ثم إنكار البعث ~~والقيامة وإسقاط الشرائع، فإنه أيضا يأخذ الوسائل دون ~~الغايات؛ فالغاية من إثبات حدوث العالم والإعادة هي إثبات ~~حشر الأجساد، والغاية من إثبات حشر الأجساد هي الثواب ~~والعقاب جزاء على الأعمال طبقا لقانون الاستحقاق، ~~والغاية من ذلك كله إقامة الشرائع؛ فالعقائد النظرية وسائل ~~لتحقق غايات عملية، والتصورات الدينية إنما هي وسائل ~~لأفعال خلقية. # 22 # وإن إثبات حدوث العالم أو قدمه إنما موضوعه ~~نظرية الوجود في المقدمات النظرية الأولى، وإنما المكان ~~هنا لإثبات إعادة المعدوم وحشر الأجساد أو ~~إنكارهما. # ويتم إنكار الإعادة ضرورة أو استدلالا. فالضرورة تقوم ~~على أن تخلل العدم بين الشيء ونفسه محال؛ وبالتالي يكون ~~الوجود بعد العدم غير الوجود الذي قبله، ولا يكون المعاد ~~هو المبدأ بعينه. وأما الاستدلال فإنه يقوم على ثلاث حجج: ~~الأولى أن الشيء بعد عدمه نفي محض، ولا تبق هويته أصلا، ~~فلا يعود، والمحكوم عليه متميز عن غيره، والمتميز ~~ثابت غير معدوم؛ فالمعدوم لا يمكن إصدار الحكم عليه ~~بإعادته؛ لأنه أساسا غير موجود، وإصدار الحكم لا يكون إلا ~~على موجود متميز، كما أن الحكم بأن المعاد عين الأول ~~يستدعي تميزه حال العدم، وهو محال. والثانية أن إعادة ~~المعدوم بتقدير وقوعه لا يتميز عن مثله؛ وبالتالي تبطل ~~الإعادة للشيء الفردي. ولماذا الإعادة بعينها والله قادر ~~على إيجاد مثله مستأنفا؟ وفي هذه الحالة، لا يتميز ~~العادي من المستأنف، ms280 وتلزم الاثنينية بلا امتياز، وهو ~~محال. والثالثة أنه لو أعيد المعدوم لتمت إعادته ~~والأول معه؛ وبالتالي يكون مبتدأ، وهو تناقض؛ لأن الإعادة ~~ثانية، وليست أولا. وإذا كان المعاد معادا بجميع عوارضه ~~ومنها الزمان، فلا يكون الوقت الأول معادا ثانيا، وإلا ~~كان خلفا. # وقد يأتي الإنكار من أن الإعادة كلها من عمل الوهم، وأن ~~الهلاك إنما يعني التقابل لكل ممكن، وأن ذلك يتطلب إعدام ~~الجنة والنار، وأنه يستحيل إعادة المعدوم. # 23 # ويستمر إنكار الحالة الخاصة، وهي حشر الأجساد، ~~بحجج جديدة مستمدة من حجج المبدأ العام، وذلك مثل ~~قدم العالم؛ وبالتالي يستحيل الحشر، أو إن الجنة والنار ~~إما في هذا العالم أو في عالم آخر، وإذا كانتا في هذا ~~العالم فإما أن تكونا في عالم الأفلاك أو في عالم العناصر، ~~والأول ليس فيه فساد ولا فناء ولا ألم؛ وبالتالي لا إعادة ~~له؛ لأنه باق، والثاني يوجب التناسخ. ويستحيل في عالم ~~آخر؛ لأنه لا وجود للشكل الكروي خارج العالم. وقد تكون ~~الحجج أكثر حسية بعيدة عن موضوع العالم، مثل لو أكل إنسان ~~إنسانا، وأصبح المأكول جزءا من الآكل، فكيف يعود ~~المأكول؟ وهل إذا عاد الآكل يعود المأكول ضرورة؟ وهل يكون ~~المأكول إذا عاد فردا مشخصا؟ وإذا كان القصد من الحشر ~~الإيلام أو الإلذاذ، فالإيلام لا يصح من الحكيم، ~~والإلذاذ باطل لورود العقاب. # 24 # والحقيقة أنها في معظمها حجج صورية طبيعية ~~ميتافيزيقية للإنكار، يرد عليها إما بحجج مثلها، أو ~~بحجج أخرى تعتمد على التجربة الإنسانية. فالإعادة أسهل من ~~الابتداء، والقادر على الأول قادر على الثاني بطريق ~~الأولى. وقد يؤدي إنكار الإعادة وحشر الأجساد إلى القول ~~بوجود أبعاد وامتدادات لا متناهية لضرورة وجود أجسام لا ~~تتناهى؛ وبالتالي القول بقدم العالم؛ مما ينافي القول ~~بالحدوث، وهو ما يحيل إلى نظرية الوجود من جديد في ~~المقدمات النظرية الأولى. ولكن قد تئول الإعادة مع حشر ~~الأجساد بأن الغاية منها ليست العقيدة النظرية التي ~~تطابق واقعة مادية يمكن معرفتها بالعلمين الطبيعي أو ~~الإلهي، بل الغاية منها عملية صرفة؛ فالإعادة ms281 وحشر ~~الأجساد الغاية منهما الترغيب والترهيب، وحث الناس في ~~حياتهم على العدل، وإبعادهم عن الظلم؛ حتى يصلح حالهم في ~~الدنيا. وتأويل أمور المعاد على هذا النحو مثل تأويل ~~الصفات؛ فالغاية من العقليات والسمعيات واحدة، وهي توجيه ~~النفس في الدنيا، وليس إعدادهم للآخرة. أما حجة الاحتياط ~~فهي رهان على الحشر، حتى إن خسر الإنسان في حالة عدم وقوعه ~~لا يخسر شيئا، وإن كسب في حالة وقوعه فإنه يكسب كل شيء. ~~وهناك تكون الحياة مقامرة، والعقائد رهانا، الغاية منها ~~أيضا المكسب العملي في الدنيا؛ فحساب الآخرة إنما يتم ~~تحصيله في الدنيا؛ فلا وجود ليقين نظري في أمور المعاد، ~~إنما اليقين عملي خالص. # 25 # وكأن القرآن من قبل قد جادل المنكرين للحشر ~~كما يجادل المتكلمون الفلاسفة؛ وبالتالي دخل الموضوع في ~~علم العقائد من مناقشتين تاريخيتين؛ الأولى في بداية ~~الحضارة في أصل الوحي، والثانية بعد اكتمالها. # 26 ~~(3) البعث # ثم تتحدد المسألة أكثر فأكثر، وتتحول من مجرد مسألة ~~ميتافيزيقية، إعادة المعدوم بوجه عام إلى حشر الأجساد ~~بوجه خاص، إلى موضوع البعث الذي يجمع بين العام والخاص؛ ~~ففي إعادة المعدوم الأولوية للفعل وللقدرة الإلهية، في حين ~~أنه في البعث الأولوية للشيء. والبعث والنشور معنى واحد، ~~وهو الإخراج من القبور. وحشر الأجساد يعني سوقها إلى ~~الموقف المسمى بالحشر بعد بعثهم من القبور المسمى ~~بالنشر. فهي كلها معان متقاربة، والخلاف بينها في ~~التوقيت؛ أي في وقت الحدث. فالبعث والنشر أولا ثم الحشر ~~ثانيا. الأول الخروج من القبور، والثاني الوصول إلى ~~الموقف. والمهم هو عموم البعث، وليس بعث فرد بعينه؛ لأنها ~~قضية مبدأ، وليست قضية شخص. # 27 # ويتم البعث عن طريق تجميع الأجزاء الأصلية من ~~أول العمر إلى آخره حتى ولو قدمت، ويتم البعث ابتداء من ~~العظم بعد أن يتحلل اللحم وتأكله الديدان؛ فالعظام هي التي ~~تحيا يوم القيامة، كما أنها ما يخلق قبل أن يكسوه اللحم. # 28 # والحشر على أربعة أنواع: اثنان في الدنيا، ~~واثنان في الآخرة. ففي الدنيا إخراج اليهود من جزيرة العرب ~~إلى الشام، وسوق النار ms282 التي تخرج من أرض مدن باليمن للكفار ~~وغيرهم من كل حي قرب قيام الساعة إلى المحشر، فتثيب ~~معهم، وتقيل معهم، فتدور الدنيا كلها وتطير، ولها دوي ~~كدوي الرعد القاصف، وحكمتها الامتحان والاختبار. من علم ~~أنها مرسلة من عند الله وانساق معها سلم منها، ومن لم ~~يكن كذلك أحرقته وأكلته. وبعد سوقها لهم إلى المحشر يموتون ~~بالنفخة الأولى بعد مدة. هذان النوعان في الدنيا، وواضح في ~~المكان الأول هو المعنى الحرفي للحشر؛ أي إخراج الناس من ~~مكان إلى مكان، مثل إخراج اليهود من الجزيرة العربية أحد ~~أهداف الإسلام السياسي الأولى، ثم إخراج الكفار بالنار من ~~مدن اليمن خارج الجزيرة إلى يوم القيامة. من تعرف عليها ~~سلم منها، ومن لم يعرفها احترق بها. وهذا النوعان يدلان ~~على أن النوعين الآخرين إنما هما امتداد لحشر الدنيا في ~~الآخرة قياسا للغائب على الشاهد. أما نوعا الآخرة، فهما ~~البعث والخروج من الأرض إلى يوم الحشر، راكبا أو ماشيا ~~أو منكفئا على وجهه، وصرف الناس من الموقف إلى الجنة ~~والنار. الأول يبدأ من الأرض خارجا عنها. وصور الخروج ~~تطابق نوع الأعمال؛ أفضلها الراكب، وأقلها الماشي، وآخرها ~~المنكفئ على الوجه. الراكب هو التقي، والماشي على رجليه ~~هو قليل العمل، والمنكب على وجهه هو الكافر. الركوب ~~دلالة العظمة، والمشي للرجل العادي، والانكفاء على الوجه ~~علامة الذل والمهانة. والثاني حشر الناس من الموقف قبل ~~الحساب إلى الجنة أو النار بعد الحساب. وقد فصل الصوفية ~~أنواع الحشر، واعتمد علم أصول الدين في هذا الموضوع على ~~خيالات التصوف. # 29 # ويكون البعث بالأجساد والأرواح معا، وليس ~~بالأجساد وحدها؛ لأن الأجساد لا تحيا إلا بعودة الأرواح ~~إليها، وليس بالأرواح وحدها؛ لأن الثواب والعقاب للأجساد ~~والأرواح معا. والبعث غير التناسخ؛ ففي التناسخ تعود ~~الأرواح إلى أجساد مختلفة في الدنيا؛ الروح الحسنة في ~~قالب حسن، والروح السيئة في قالب سيئ؛ أي انتقال الروح من ~~بدن إلى بدن مخالف للأول دونما جنة أو نار، في حين أن ~~البعث هو عود الروح إلى الأجزاء الأصلية من أول ms283 العمر إلى آخره. # 30 # ويبدأ الحشر بأنواعه الأربعة من مكان معين ~~هو القدس المبدلة، التي لم يعص الله أحد عليها، وهي ~~غير القدس المدينة الأرضية. هذا من حيث المكان. أما من حيث ~~الزمان، فيبدأ بالنفخة الثانية، وهي نفخة البعث؛ إذ تجمع ~~الأرواح في الصور ، وفيها ثقوب بعددها، تخرج الأرواح إلى ~~أجسادها، فلا تخطئ روح جسدها. أما النفخة الأولى، نفخ ~~إسرافيل في الصور النفخة الأولى، فعندها قد تفنى النفس، ~~وقد لا تفنى. إنما لا خلاف في بقائها بعد النفخة الأولى ~~بعد فناء الجسم، حتى الأنبياء والملائكة الأربعة الرؤساء ~~والحور العين وموسى. النفخة الأولى إذن فناء الأرواح ~~كلية، ما بقي منها قبل موت أجسادها، أو ما بقي منها بعد ~~موت أجسادها. والنفخة الثانية بعث الأرواح من ثقوب الصور ~~بعددها، وكأن الصور بها آلاف الملايين من الثقوب. ماذا ~~يكون طوله إذن؟ وهل وظيفة الصور إصدار الصوت أم بعث ~~الأرواح؟ هل هو آلة سمعية أم آلة بصرية؟ المهم في ~~النفختين أن البعث يتم في الزمان، وما بين النفختين ~~أربعون عاما! ولكن بحساب من؟ بحساب الدنيا أم بحساب الآخرة؟ # 31 # وكيف يكون مصنوعا من نور، والنور ليس مادة ~~تكون بها ثقوب، ويمسك بها إنسان، وينفخ فيها بفمه؟ وكيف ~~يكون عرضها ما بين السموات والأرض؟ وماذا يكون طول إسرافيل ~~وعرضه وهو الذي يمسك بها بيديه، ويحرك على ثقوبها ~~أصابعه؟ وهل الروح تحتاج إلى مثل هذه الضخامة، أم إن كل ~~تضخيم هو تشخيص لمدى الهول الذي يلاقيه الإنسان بعد الموت، ~~وما ينتظره من حساب؟ # ثم يبدأ الخروج من الأرض والحشر إلى الموقف. ولكن من هو ~~أول من تتشقق عنه الأرض؟ بطبيعة الحال هو النبي، كما أنه ~~أول داخل إلى الجنة، وبعده نوح. ولماذا نوح دون موسى أو ~~عيسى؟ ألا تقول كل أمة عن نبيها إنه أول من يخرج إلى ~~الحشر، وأول من يدخل الجنة؟ ولما يرد بعده الصحابي ~~أبو بكر قبل باقي الأنبياء؟ ولماذا لا يأتي عمر بعد أبي ~~بكر قبل الأنبياء، وفضل عمر ورؤيته يشهد بها ms284 الجميع، ~~وما زالت حتى الآن قدوة ونبراسا على الجرأة على الواقع، ~~والدفاع عن مصالح الناس، ونموذج الحاكم؟ أليست هذه ~~المفاضلة إسقاطا في الدنيا على الآخرة طبقا لتصور ~~المجتمع لأفضلية الأنبياء وترتيب الصحابة؟ ويكون الحشر في ~~صور مختلفة حسب الأعمال؛ فإذا كان الإنسان زانيا فإنه ~~يخرج في صورة قرد؛ ربما لأن الحياة الجنسية للقرود وحياة ~~المشاع، ومؤخرتهم ظاهرة حمراء مكورة، تدل على العري وعدم ~~الحياء، وهو مصدر التهكم الإنساني عندما يوصف إنسان بأنه ~~قرد. وإذا كان من آكلي السحق والمكس فإنه يحشر في صورة ~~خنزير؛ لما كان الخنزير آكل القذارات والأوساخ. وإذا كان ~~جائرا في الحكم فإنه يحشر أعمى؛ نظرا لأن الجور عماء، ~~والظلم فقدان للبصيرة والرؤية. وإذا كان معجبا بعمله ~~فإنه يخرج أصم أبكم؛ حتى لا يستمر في الإعجاب، فلا يتحدث ~~بثناء النفس، ولا يسمع ثناء الآخرين، وكأن نعمته في الدنيا ~~قد حرم منها في الآخرة. وإذا كان واعظ سوء منافقا، ~~تخالف أفعاله أقواله، فإنه يحشر ماضغا لسانه، مدليا ~~على صدره، يسيل القيح من فمه؛ جزاء له على لوكه بالكلام ~~دون إتمامه بالأفعال. وإذا كان مؤذيا لجيرانه فإنه يخرج ~~مقطوع الأيدي والأرجل؛ جزاء له على سعيه بالسوء، ~~واستعماله الأطراف للأذى. وإذا كان ساعيا بالناس إلى ~~السلطان فإنه يخرج مصلوبا على جذوع من نار، يلاقي من نفس ~~العذاب الذي سببه للآخرين. وإذا كان مقبلا على ~~الشهوات واللذات مانعا حق الله من أمواله، فإنه يخرج أشد ~~نتنا من الجيف، وكأنه أكل في بطنه نارا وسعيرا. وإذا ~~كان من أهل الكبر والعجب والخيلاء، فإنه يخرج لابسا جبة ~~سابغة من قطران لاصقة بجلده؛ إذلالا له وكسرا لنفسه ~~وقلبا لدنياه في آخرته. # 32 # ولكن، هل سيبقى المكلفون وحدهم العقلاء البالغون، أم ~~سيبعث غيرهم من المجانين والصبيان؟ ولم يبعثون إذا ~~كانوا لا يحاسبون؟ وفي أية صورة يخرجون وهم غير ~~مكلفين، ولا ينطبق عليهم قانون الاستحقاق؟ هل يبعث ~~الملائكة وهم غير مكلفين أيضا وإن كانوا يحيون ويموتون؟ ~~وكيف يموتون ولا أجساد لهم؟ ما رسالاتهم؟ وهل يقصرون في ms285 ~~أدائها حتى يستحقوا الثواب والعقاب؟ وهل لهم عقل وحرية ~~وإرادة حتى يعقلوا ثم يعترضوا كما فعل إبليس؟ وهل يحشر ~~الجن والشياطين؟ من هم أنبياؤهم ورسلهم؟ وما هي رسالاتهم ~~التي أرسلت إليهم؟ وهل لهم عقل واستطاعة على الفعل حتى ~~يكونوا محاسبين؟ هل تبعث البهائم والحشرات والطيور؟ هل ~~تبعث الوحوش الكاسرة والحيوانات المفترسة؟ من هم رسلهم ~~وأنبياؤهم؟ وما جوهر رسالاتهم؟ وهل لديهم عقل ورؤية أو ~~قدرة واستطاعة على الفعل؟ وماذا عن السقط الذي تتم أعضاؤه ~~ولم ير النور بعد، ولكن دخلت فيه الروح؟ هل هو مسئول ~~بالغ عاقل حتى تعاد إليه الحياة، ويبعث ويقف يوم الحشر ~~انتظارا للحساب؟ ولكن هل تقاس الأمور الأخروية على ~~الأمور الدنيوية؟ إذا كان الصبية والأطفال والمجانين ~~والسقط كل ذلك غير مكلف في الدنيا، ألا ترد إليه الروح ~~في الآخرة لما كانت الآخرة هي دار الحياة والبقاء؟ وإذا ~~كان السقط الذي دخلت فيه الروح قبل أن يرى الدنيا يرد في ~~الآخرة في مثل أهل الجنة طولا وعرضا، وبهاء وجمالا، ~~ألا يكون ذلك استحقاقا؛ وبالتالي يتساوى مع أهل الاستحقاق ~~على الأعمال؟ والحقيقة أن كل هذه الصور إنسانية خالصة، ~~تقوم على قياس الغائب على الشاهد، خاصة في صور الحشر، ~~وطريقة الوصول إلى المحشر، وفي تصور الأطفال في الجنان، ~~والحشرات في دورات المياه. # 33 # فكما أن الموت قد لا يكون مجرد حادثة طبيعية بتوقف وظائف ~~الحياة، بل يكون موتا شعوريا، فكم من الناس أحياء وهم ~~أموات، وكم من الناس أموات وهم أحياء، فكذلك قد لا يكون ~~البعث واقعة مادية تتحرك فيها الجبال، وتموج فيها البحار، ~~وتخرج لها الأجساد، بل يكون البعث هو بعث الحزب، وبعث ~~الأمة، وبعث الروح. فهو واقعة شعورية تمثل لحظة اليقظة ~~في الحياة في مقابل لحظة الموت والسكون؛ ولذلك كانت مشاهد ~~البعث كلها حياة وحركة؛ يعني البعث استمرار الحياة، وأن ~~الموت ما هو إلا حالة عارضة؛ لذلك آثر كثير من الأدباء ~~تسميتهم رواياتهم «البعث»، وكثير من السياسيين تسمية حزبهم ~~«البعث»، وهو الاسم المفضل عند جميع رواد النهضة ~~الحضارية ms286 لدى كل شعب وعند كل أمة. ~~(4) المعاد الروحاني # وفي مقابل رجعة الأموات والمعاد الجسماني والبعث، وكلها ~~تتطلب إعادة الحياة إلى الجسد، مما يسبب صعوبات نظرية ~~ومشاكل يصعب حلها، يأتي المعاد الروحاني واضعا حدا لهذه ~~الصعوبات، ومستبعدا معظم الإشكاليات، مستغنيا عن الجسد ~~كلية؛ فالمعاد للأرواح وحدها، وهي التي ستنال الثواب أو ~~العقاب، ولكن استبعاد إشكاليات إحياء الجسد أوقع في ~~إشكاليات أخرى بالنسبة للروح. فإذا كانت الإعادة ممكنة ~~بشكل ما، فماذا تعني الروح في المعاد الروحاني؟ ~~(أ) ماذا تعني الروح؟ # التصورات تتفاوت بين التصورات المادية والتصورات ~~الروحية؛ فقد تكون الروح جسما لطيفا شفافا ينتشر في ~~البدن ويتشابك معه، يصعد ويهبط، ويعرج ويرد إلى ~~البرزخ، وهو جسم ذو صورة وشكل وهيئة، لا في الظلمة ~~والكثافة والرقة واللطافة؛ فالصورة أقرب إلى طبيعة ~~الروح من المادة، والشكل أنسب لها من الثقل والوزن، ~~والهيئة أكثر ملاءمة لها من الكثافة والظلمة. وإن رفع ~~الروح والعروج به في حواصل طيور خضر إلى الجنة، ~~والهبوط به إلى سحيق النار، يدل على أن الروح جسم، كما ~~أن إقبال بعضها في يوم «ألست بربكم» بوجهها والبعض ~~الآخر بظهرها، دليل آخر على أنه جسم. الروح هنا صورة ~~الجسم أو هيئته، لما كانت الصورة هي مبدأ التفرد للجسم ~~والتعين للمادة. ولكن يظل الإشكال قائما: هل الروح ~~جسم؟ وما صلته بالبدن؟ هل هما متحدان ما دامت الروح ~~جسما أم متمايزان؟ وما وجه التمايز؟ قد تكون أقرب إلى ~~الاتحاد كما هو الحال عند المتكلمين، أو أقرب إلى ~~التمايز كما هو الحال عند الحكماء. ولكن لا يوجد مكان ~~للروح في الجسد، وإلا إذا قطع عضو في حيوان قطع عضو ~~في الروح؛ وذلك لأن لطافتها تقتضي سرعة انجذابها من ~~العضو المقطوع قبل انفصالها. وإذا كانت بالجسم، هل ~~تكون بالبطن أو القلب؟ ولماذا لا تكون في الدماغ وهو ~~آخر ما يموت من جسد الإنسان؛ إذ تصعد الروح من ~~القدمين إلى الرأس؟ قد يكون اتصال بعضها تنجيزيا، ~~أي دفعة واحدة، والبعض الآخر تدريجيا. الأول بالطفرة ~~والثاني بالتطور. الأول بالخلق ms287 والثاني بالطبيعة. وقد ~~تظهر الحياة في الجسد عادة، وليس بملامسة الروح له؛ ~~وبالتالي تكون الروح علة مقارنة، وليست علة فاعلة. # 34 # وقد ظهر هذا التصور المادي للروح في إطار ~~التصورات المادية القديمة التي انتشرت في البيئة ~~الحضارية؛ فقد كانت الروح جسما ماديا يوصف بالطول ~~والعرض والعمق. وهو تصور طبيعي صرف، لا يدخل في ~~الاعتبار صلتها بالبدن. وقد تكون لها صفة الحد ~~والنهاية؛ وبالتالي لا تفارق البدن عند الموت؛ ومن ~~ثم لا تميز الحيوان في شيء. # 35 # وقد يتحدد الروح بالنفس، ويكون هو مصدر الحياة ~~ومبدأها. ولا يختلف في هذه الحالة أيضا عن الجسد أو ~~أحد عناصره مثل الدم أو المزاج، وهو اجتماع العناصر ~~الأربعة في معنى خامس، أو الحرارة الغريزية، أو ~~الأبخرة المتصاعدة إلى الدماغ، والذي يتولد من حركة ~~الدم في الشرايين والأوردة التي بها حياة كل حيوان، ~~ولا تختص بنوع الإنسان وحده، وهو موضوع علم التشريح. # 36 # ولكن تظل الروح جسما والحياة عرضا لها. ~~ومع ذلك تظهر بدايات التمرد على هذا التصور حين اعتبار ~~البدن آفة على الروح وباعثا على الاختيار، وكأن الروح ~~تتململ من وجودها في البدن، وتتمرد عليه، وتبغي ~~التمايز عنه والاستقلال منه والخروج عليه. ولو خلص ~~الروح من البدن لكانت كل أفعاله على التولد والاضطرار. ~~وقد تصبح النفس معنى بين الجسم والجوهر؛ حتى يمكن ~~الجمع بين التصورين المادي والروحي. وقد يحدث التمايز ~~بين النفس والروح، وبين الروح والحياة؛ فالحياة عرض. ~~وفي هذه الحالة، يكون النوم سلوب النفس والروح دون ~~الحياة. ولكن، هل النفس عرض للجسم، آلة يستعين بها ~~على الفعل؟ هل هناك روحان في كل جسد؛ روح اليقظة تغيب ~~عند النوم، وروح الحياة التي تفارقه عند الموت؛ ~~فالموتة موتتان؛ موتة عند النوم، وموتة عند الموت؟ وقد ~~ارتبط هذا التصور المادي النسبي، الروح باعتباره نفسا ~~وحياة وعرضا، بالبيئة الحضارية القديمة بعد عرضها ~~على العقل والسمع وإيجاد بعض المشروعية لها، خاصة ~~وأنها تجمع بين المطلبين العلمي والديني، العقلي والسمعي. # 37 # وقد تكون جوهرا متعلقا بالبدن غير داخل ~~فيه ms288 ولا خارج عنه، ولا تكون جسما ولا عرضا. وهو ~~أيضا تصور متوسط بين المادي والروحي، لا يبعد عن ~~المادي، ولا يصل إلى الروحي. # 38 # وفي وسط هذه التصورات للروح لا ينسى ~~الموضوع الأساسي، وهو المعاد والثواب والعقاب والغاية ~~من إعادة الروح إلى الأجساد، ولكنه أيضا يتم تصوره ~~على نحو مادي مكاني؛ فهناك أماكن للروح بعد الموت، ~~وتختلف أماكن أرواح السعداء عن أماكن أرواح الأشقياء. ~~قد تكون أرواح السعداء بأفنية القبور، أو في البرزخ ~~عند آدم في السماء الدنيا، ولكنها لا تستقر على حال، ~~تسرح حيث شاءت، وقد تصل إلى الشام، وقد تعود إلى بئر ~~زمزم، وهي متفاوتة في مكانها أعظم التفاوت، كسبق على ~~تفاوت مراتبها في الجنة. أما أرواح الكفار ففي بئر في ~~حضرموت، سجين في الأرض السابعة السفلية. الأرواح ~~السعيدة حرة تسرح كيفما شاءت، والأرواح الشقية سجينة. ~~الأولى في السماء، والثانية في الأرض. الأولى في ~~الارتفاع، والثانية في الانخفاض. # 39 # والحقيقة أن كل هذه التصورات لمكان الروح ~~إنما هي شخصية خالصة طبقا لاختيار المكان. فكيف تكون ~~أرواح السعداء فوق أبنية القبور، وهي كما تعلم من حال ~~المقابر مكان الموبقات والفارين والهاربين واللصوص ~~والأشقياء؟ وإذا كان اختيارها لزمزم ما يبرره، فما ~~سبب اختيارها لجابية الشام؟ هل لأن هناك بيت المقدس؛ ~~وبالتالي تكون هناك عدالة في التوزيع والاختيار بين ~~القبلتين مكة والقدس؟ ولماذا تصعد في البرزخ عند آدم ~~في السماء الدنيا وتترك الأرض؟ وهل السماء مكان؟ وأين ~~يكون التفاوت في الأرض، على أفنية القبور أو في مكة أو ~~في القدس؟ ولماذا تكون أرواح الأشقياء في حضرموت؟ هل ~~لأسباب جغرافية صرفة؛ الحر، الجفاف، أم لأسباب ~~سكانية؛ الوحدة والعزلة ووحشة الصحراء، أم لأسباب ~~سياسية؟ ولماذا لا تتفاوت مراتب الأرواح في الأرض ~~طبقا لسوء الأعمال؟ وإذا كانت الأرض عيبا تبقى فيها ~~الأرواح الشريرة ولا تصعد إلى السماء، فإنها أيضا ~~إحدى اختيارات الأرواح الطيبة. وكيف يمكن التمييز بين ~~الأرواح الطيبة والأرواح الخبيثة والحساب لم يتم بعد، ~~والأعمال لم تعرض بعد، وكأن الحكم قد صدر قبل ms289 ~~الدفاع؟ ونظرا لهذه الصعوبات كلها في تصور الروح ~~مسبقا يمكن التوقف عن الحكم، وتفويض الأمر، ~~والإمساك عن الخوض فيه. # 40 # وقد يستدل على عدم الخوض فيها، وبأنها سر ~~ضد الاعتقادات الشائعة، بأنها شيء يخرج من فم الميت، ~~وبأنها كالهواء أو الأثير عند الطبائعيين المتأخرين، ~~أو كالحيوانات الصغيرة جدا التي توجد في الحياة، ~~والتي لا ترى حتى بالمجسمات والمكبرات للمرئي، أو ~~كالعقار الصغير، أو شرارة النار، أو الجزء الصغير من ~~السم، أو المغناطيس غير المرئي وخاصية الجذب ولا يرى بالعين؛ # 41 # فالتفويض نفسه يقوم على تصور مادي للسر ~~الذي يراد الإمساك عنه! # وإذا كان التصور المادي للروح قد غلب على علم أصول ~~الدين، فقد ظهر التصور العقلي للروح في علوم الحكمة ~~بتعريف الروح على أنها هي العقل، وبعد أن طغت علوم ~~الحكمة على علم أصول الدين في المرحلة المتأخرة، ~~وقبل مرحلة العقائد والشروح. وفي الوقت نفسه يسهل ~~هذا التعريف إثبات خلود النفس والقول بخلود العقل ~~كحل وسط بين الفناء والبقاء، وكرد على البيئة ~~الحضارية القديمة؛ وبالتالي ينتقل موضوع الروح من ~~مستوى البيولوجيا والفيزيقا إلى مستوى الميتافيزيقا ~~والحكمة، ومن شهادة الحس إلى بداهة العقل، ومن النفس ~~الحية إلى النفس الناطقة؛ فالعقل أحد قوى النفس، وقد ~~توجد النفس دون عقل كما هو الحال في المجنون والصبي ~~والطفل. والعقل نظري أو عملي. الأول قوة على أفعال ~~الفكر والرؤية، أو الحدس والاعتقادات؛ والثاني قوة ~~عملية على الأفعال السلوكية. قد يطلق على الأول ~~الجوهر المتعلق بالجسم تعلق التدبير والتصرف، وهو ~~المشار إليه في حديث «أول ما خلق الله العقل»، وحال ~~النفوس بالقياس إليه حال الإبصار بالقياس إلى الشمس. ~~والثاني مستمد من المعنى اللفظي للعقل المستمد ~~من «العقال»؛ أي المنع، في فك العقال؛ أي في حرية ~~السلوك. لذلك ارتبط العقل بالعلم والتكليف؛ فهو أداة ~~العلم وشرط التكليف. وإن تفضيل العقل على العلم أو ~~العلم على العقل لهو إدخال حكم قيمة في حكم واقع. ~~العقل وسيلة العلم وأداته، وليس أحدهما بأفضل من ~~الآخر. أما أنواع العقل فهي كلها ms290 إسقاطات إنسانية ~~وصور فنية لشيء واحد هو الوعي العاقل والتجربة ~~العاقلة. العقل الغريزي الذي يتهيأ به الإنسان لإدراك ~~العلوم النظرية هو الوعي في بداية تعقله. والعقل ~~الكسبي الذي يكتسبه الإنسان من معاشرة العقلاء هو ~~التجربة العاقلة والقدرة على التعلم. والعقل العطائي ~~الذي يعطى للإنسان لتوجيهه العلمي هو العقل الحدسي، ~~الذي به يدرك الإنسان الحقائق النظرية فجأة بلا ~~تعمد وروية، والذي به يتوجه نحو الخير بالإرادة ~~الطبيعية. وعقل الزهاد الذي يكون به الزهد هو العقل ~~الفاعل، العقل الإرادي الذي به يأخذ الإنسان موقفا من ~~العالم. والعقل الشرفي هو العقل الكامل الذي لا يكون ~~لشخص بعينه فحسب، مثل النبي، بل يكون للحكيم الذي ~~يستطيع أن يصل به إلى أعلى درجات الكمال النظري ~~والعملي. وهو في كل الحالات عقل إنساني صرف، وعي ~~خالص، أكثر من العقل البيولوجي المرتبط بقوى النفس ~~الحية، وأقل من العقل الإلهي الحاصل على النور ~~الرباني. هو أقرب إلى عقل الحكماء منه إلى عقل ~~المتكلمين أو الصوفية. # 42 ~~(ب) هل الروح متميزة عن البدن؟ # والحقيقة أنه لا يهم معرفة الروح وحدها أو البدن ~~وحده، بل ما يهم هو معرفة هل الروح متميزة عن ~~البدن من أجل إثبات المعاد الروحاني. فإذا تميزت ~~الروح عن البدن، وكان البدن فانيا، ثبت بقاء الروح ~~بعد فناء البدن؛ وبالتالي يثبت المعاد الروحاني. يتوجه ~~السؤال الآن ليس إلى الروح وحدها أو إلى البدن وحده، ~~بل إلى الأنا؛ هل هي واحد أم مركب من اثنين؟ هل ~~الأنا جسم، أم نفس وجسم، أم نفس خالص؟ # 43 # فإذا كانت الأنا جسما، فهل يكون البدن هو ~~الأنا؟ هل يكون الأنا هو البدن من أول العمر إلى ~~منتهاه، في كل أجزائه وصوره؟ هل هو البنية المحسوسة ~~أو العضو الحي؟ وكيف تكون الأجزاء الداخلة فيه ~~والخارجة عن هويته أجزاء من الأنا؟ وقد يكون الأنا ~~جزءا لا يتجزأ من القلب، أو أجزاء لطيفة سارية في ~~الأعضاء، أو روحا لطيفة في الجانب الأيسر من القلب ~~أو الدماغ، وقد يكون هو الأخلاط الأربعة في المزاج ms291 أو ~~الدم، وقد يكون عبارة عن الحياة. وهنا تظهر الأنا على ~~أنها الأنا البيولوجي الذي يتحدث عنه الأطباء، ~~ويتعاملون معه في حالة التشخيص والعلاج. # 44 # ولكن، هل الأنا هو مجرد هذا الجسم الحي أو ~~البدن العضوي؟ يبدو أن الأنا ليس هذا البدن المحسوس؛ ~~لأن له ذاتا يعبر عنه بضمير المتكلم، الشخص الأول ~~بالرغم من الغفلة عن الأعضاء؛ فعندما يقول الإنسان ~~«أنا»، فإنه يعني هويته، ويعبر عن ذاته، ولا يشير ~~إلى بدنه أو أعضائه. وقد تقطع الأعضاء الظاهرة، وقد ~~تفنى وتنحل إلى عناصر بسيطة، وتظل الأنا أو النفس ~~باقية من أول العمر إلى آخره، بل إن مسار البدن غير ~~مسار النفس؛ فإذا كان البدن كلما تقدم العمر ضعف ~~وذبل، فإن النفس تقوى وتنضج؛ مما يدل على أنهما من ~~طبيعتين مختلفتين، يوجدان في الزمان في مسارين ~~مستقلين ومتقابلين. وإذا كان البدن قادرا من خلال ~~الحواس على إدراك المحسوسات، كل حس يدرك محسوسا، ~~فإن النفس هي القادرة على إدراك المحسوسات الكلية ~~الظاهرة والباطنة؛ أي المعقولات. وإذا اقتصر عمل ~~الحواس على الإدراك، فإن نشاط النفس يمتد إلى إدراك ~~الكليات والحكم بها ابتداء من الجزئيات. وإذا كانت ~~أفعال البدن غريزية أو انعكاسية، فإن أفعال النفس ~~إرادية اختيارية. وإذا كان نشاط النفس يتمثل في إدراك ~~المدركات الحسية والعقلية، الجزئية والكلية، وكانت ~~هي الفاعل لجميع أنواع الأفعال، فإن البدن لا يوصف ~~بمثل هذه النشاطات، كما تدل عديد من الشواهد النقلية ~~على بقاء الحياة بعد الموت متمثلة في حياة الشهداء. ~~هناك إذن جوهر ناطق بعد الموت، مستقل عن البدن ~~ومتميز عنه، وهو النفس. # 45 # هناك نفس مستقلة عن البدن تحتاج البدن ~~كآلة؛ فالجوهر لا تأثير له إلا من خلال البدن. # 46 # ولكن تظل المشكلة قائمة في حالة التركيب؛ ~~أي الجمع بين الأنا النفسي والأنا الجسمي، وهي كيفية ~~الجمع والتركيب؛ لذلك آثر الحكماء تميز النفس عن ~~البدن كمقدمة لإثبات بقائها والاستغناء عن البدن كلية. ~~فإذا كان العلم بالله لا ينقسم، وكان محله هو النفس، ~~تكون النفس كذلك، والحال كذلك ms292 أيضا بالنسبة لكل علم ~~وفعل. كما أن القوة العقلية تقوى على أفعال غير ~~متناهية، في حين تكون قوى البدن محدودة لا تقوم إلا ~~بأفعال متناهية. # 47 # وتكون العلاقة بين النفس والبدن علاقة ~~الاستنباط بالاستقراء، العقل بالحس، الكل بالجزء، ~~الجدل النازل بالجدل الصاعد. ~~(ج) هل تفنى الروح بفناء البدن؟ # كان الهدف من السؤال السابق عن تميز الروح عن البدن ~~هو طرح هذا السؤال الأخير: هل تفنى الروح بفناء البدن؟ ~~فالقول بعدم التمايز والتوحيد بين الأنا والجسم، يؤدي ~~إلى القول بفناء الروح مع فناء البدن، وأنه ليس عند ~~الله أرواح شهداء ترزق. # 48 # وبالتالي يكون للموت الكلمة الأخيرة، وهو ~~ما يضاد التجربة الإنسانية، والرغبة في تجاوز الموت ~~واستمرار الحياة، والكشف عن الحقائق، واسترداد الحقوق ~~والقصاص من مغتصبيها. أما القول بالتمايز، فإنه يؤدي ~~بالضرورة إلى القول ببقاء النفس، سواء كان ذلك مع حشر ~~الأجساد أو بدونها كجوهر خالص. فإذا كان المتكلمون ~~قد ركزوا على إثبات حشر الأجساد، فإن الحكماء قد ~~ركزوا على بقاء الأرواح بعد فناء الأجساد. فالنفس ~~الناطقة لا تقبل الفناء عند المتكلمين الأشاعرة؛ لأن ~~المواظبة على الفكر تفيد كمال النفس ونقصان البدن؛ ~~فلو فنيت النفس بفناء البدن لامتنع أن يكون الموجب ~~لنقصان البدن سببا لكمال النفس، وإذا كان عدم النوم ~~يضعف البدن فإنه يقوي النفس؛ مما يدل على أنهما ~~يسيران في خطين متعاكسين. وفي سن الأربعين يزداد ~~كمال النفس، ويبدأ البدن في الضعف والوهن. وعند ~~الرياضات الشديدة تحدث للنفس كمالات عظيمة، وتلوح لها ~~الأنوار، وتنكشف لها المغيبات، في حين يضعف البدن. ~~وهي حجج مشابهة لحجج الحكماء في إثبات تميز النفس ~~عن البدن. هذا بالإضافة إلى أقوال الأنبياء والحكماء ~~مما يثبت الجزم بعدم فناء النفس بفناء البدن، ~~وببقائها بعد فنائه. # 49 # أما حجج بقاء النفس عند الحكماء، فإنها ~~تعتمد على أن النفس بسيطة لا تركيب فيها؛ فالنفس ~~الناطقة لا تقبل الفناء لأنها بسيطة. ولو قبلت الفناء ~~لكان للبسيط فعل وقوة، وهو محال. ولو صح عليها العدم ~~لكان إمكان العدم مقدما لا محالة ms293 على العدم، ~~واستدعى ذلك الإمكان محلا باقيا، مع أن الشيء لا ~~يبقى عند عدمه. ولو صح العدم على النفس لكانت مركبة ~~من مادة وصورة، وذلك غير صحيح؛ لأنها ليست جسما. ولو ~~عدم جزء لكان قابلا للعدم، ولافتقر إلى عدم آخر ~~باق، وتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، وهو محال. ~~فالإمكان هنا وجود وليس مجرد حكم ثبوتي، والنفس ~~الإنسانية باقية بعد البدن، ولا تفنى بفنائه، ولا لسبب ~~من أسبابه؛ لأنه لا وجود لتعلق بينهما، لا بالتقدم ~~والتأخر، ولا بالمعية والتكافؤ. التقدم إما بالزمان أو ~~المكان أو الشرف أو الطبع. وإن كان التقدم بالذات لكان ~~علة صورية أو فاعلية أو مادية أو غائية. وإن كان ~~التعلق بالتكافؤ فهما متطابقان. وفي كل الحالات، لا ~~يجوز ذلك في تعلق النفس بالبدن؛ فالنفس حادثة ليس لها ~~مكان، وليست متكافئة مع البدن، أو علة مادية له. إنما ~~النفس تتقدم عليه بالشرف والطبع، وهي أقرب إلى العلة ~~الصورية أو الفاعلة، لما كانت النفس صورة البدن أو أحد كمالاته. # 50 # والحجة العظمى حجة إشراقية خالصة، وهي إثبات سعادة ~~النفوس بعد المفارقة نتيجة للعلم. فالنفس إما جاهلة، ~~فتتألم بعد المفارقة لشعورها بالنقص، ولا مطمع لها في ~~زواله؛ أو عالمة لها هيئات رديئة مكتسبة من ملامسة ~~البدن، فإذا ما فنى البدن رسخ العلم، وشعرت بسعادتها. ~~سعادة النفوس إذن لا تكون إلا بعد الموت بعد تخلصها من ~~علائق البدن. وإذا كانت اللذة إدراك الملائم، وكان ~~الملائم إدراك المجردات، فالمجردات لا تحصل إلا بعد ~~الموت. وعلى عكس ذلك يكون شقاء النفوس الجاهلة بسبب ~~الهيئات البدنية المتعلقة بالنفس. # 51 # فسعادتها بحصول كمالها؛ أي أن تكون عالمة ~~بالعقليات، متصلة بالجواهر الروحانية. وبعد ~~المفارقة تكون أقدر على ذلك، وتكون إما قد عقلت ~~شيئا من كمالها ليس بطبعها، أو أن تكون حصلت عليه ~~بطبعها مشتغلة بالرياضات. وقد يتقدم الحجة تقسيم ~~قوى النفس إلى ثلاث: شهوانية، ومحلها الكبد، وهي أدنى ~~المراتب؛ وغضبية، ومحلها القلب، وهي أوسطها؛ وناطقة، ~~ومحلها الدماغ، وهي أشرفها. فإذا فنيت القوتان ~~الأوليان بفناء البدن، ms294 فإن القوة الثالثة، وهي النفس ~~الناطقة، تبقى بكمالاتها. كما قد تنقسم قوى النفس إلى ~~نظرية وعملية، ثم تنقسم النظرية إلى مراتب، أشرفها ~~النفس القدسية الإلهية، ثم يتلوها شرف النفس التي حصلت ~~لها اعتقادات حقة في الإلهيات والمفارقات دون برهان ~~يقيني، بل اعتقادا وتقليدا، ثم تتلوها النفوس ~~الخالية من الاعتقادات الحقة أو الباطلة، البرهانية أو ~~التقليدية. وأخيرا تأتي أقل النفوس درجة من حيث ~~الشرف، وهي النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة. # 52 # والحقيقة أن هذه حجة إشراقية ~~«أفلاطونية» خالصة، لما كانت المعرفة الحقة لا تتم ~~إلا بعد الموت. والسؤال الآن: هل كمال المعرفة ~~والسعادة في العلم أم في العلم والعمل؟ وهل العلم هو ~~الرياضي والإلهي؛ وبالتالي هو العلم الديني وليس ~~الدنيوي، الصوري وليس المادي، العقلي وليس الحسي؟ هل ~~المعرفة لذة أم وسيلة للعمل؟ ولماذا لا تكون السعادة ~~في العمل والتحقيق والدخول إلى العالم، بدل الخروج منه ~~والتأمل فيه؟ لماذا لا تكون السعادة في الثورة والغضب ~~والتمرد، وليس في الإشراق والنقاء والصفاء؟ وإذا كانت ~~النفوس تختلف من حيث طباعها وماهياتها، وليس فقط من ~~حيث قدراتها ومجاهدتها، فكيف يكون هناك ثواب وعقاب ~~طبقا لقانون الاستحقاق؟ إن هذه الحجة تطهرية خالصة ~~تكشف عن الرغبة في قسمة الإنسان والعالم إلى قسمين: ~~الأول دنيء مملوء بالشهوات لا يصدر منها إلا بالجهل ~~والموت، والثاني طاهر متعفف زاهد لا تصدر منه إلا ~~الحكمة والخلود. ويخضع ترتيب قوى النفس وحالاتها ~~وطباعها إلى هذه النظرة التطهرية التي تستنكف من ~~العالم وتهرب منه، باحثة عن شيء آخر خارج العالم، ~~فتطير منه فارغة من غير مضمون، وتتركه وراءها. ولما ~~كانت النفس أيضا مشدودة إلى العالم من خلال البدن، ~~فسرعان ما يتكالب الجسد عليه؛ وبالتالي يكون الإنسان ~~متطهرا من جانب النفس، متكالبا على العالم من جانب ~~البدن، ويصبح مقسما بين السماء والأرض، مشدودا بين ~~الله والعالم، فتضيع وحدته. # لذلك غلبت الإشراقيات والنظريات الصوفية على علوم ~~الحكمة؛ وبالتالي على علم أصول الدين. ولم يسلم ذلك من ~~دخول بعض جوانب السحر والطلسمات ما دامت الروح ~~المتجردة أو ms295 النفس القادرة قد وصلت إلى كمالاتها ~~النظرية والعملية، وتجردت عن علائقها في البدن وعن ~~صلتها بالعالم. وقد ظهر ذلك في العقائد المتأخرة بعد ~~أن توقف تطور علم التوحيد، وتسربت الفلسفة إليه ~~بعد استبعادها منذ القرن الخامس، وعادت إلى علم ~~التوحيد الذي لا يشك فيه أحد من وراء ستار، بل تحولت ~~مسألة النفوس الناطقة في العقائد المتأخرة إلى ~~مسألة مستقلة معتمدة على الاستعارة من التحليلات ~~الفلسفية. وينضم المعاد النفساني إلى المعاد الروحاني، ~~ويظهر خلود النفس مع حشر الأجساد. # 53 # وما أسهل بعد ذلك من تأويل الحجج النقلية ~~التي تتفق مع هذه الحجة الإشراقية. ويتجاوز الأمر من ~~مجرد حجة لإثبات بقاء النفس بعد فناء البدن إلى إثبات ~~للثواب والعقاب في هذه المفارقة ذاتها، فنعم النفوس ~~الطاهرة في معرفتها، وشقاؤها في جهلها، دونما حاجة إلى ~~ثواب أو عقاب حسيين حيث لا بدن. # 54 # وتنتهي حجج بقاء النفس بعد فناء البدن إلى ~~غايتها القصوى، وهي إثبات المعاد الروحاني، وهذا الذي ~~ركزت عليه مراحل الوحي السابقة، في حين ركزت ~~المرحلة الأخيرة على المعاد الجسماني. فالمعاد ~~الروحاني وارد، والمعاد الجسماني وارد أيضا، والجمع ~~بينهما بناء على العقل والشرع. وكلاهما يدل على رغبة ~~الإنسان في تجاوز الموت واستمرار الحياة. # 55 # الأول ليس موضوعا للتكليف، ولا يرفضه ~~الشرع رفض الحكماء لحشر الأجساد. يدل عليه العقل ~~والشرع، وتؤيده بداهة الوجدان. # والحقيقة أن المعاد الروحاني يقوم على تصور ثنائي ~~للعالم، الحط من شأن البدن والإعلاء من شأن النفس. وهي ~~نظرة متطهرة للعالم، ترى المادة شرا والروح خيرا؛ ~~مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى رد فعل عكسي؛ تصبح ~~المادة خيرا والروح شرا، كما هو الحال في المذاهب ~~المادية، أو تتحول إلى نفاق ورياء عندما يعيش الإنسان ~~على مستوى المادة، ويتظاهر بأنه يسلك على مستوى الروح. ~~فطالما هناك ثنائية متعارضة لا يسلم الإنسان إما ~~الوقوع في الخلط بينهما بدعوى التمييز، فيعيش في مستوى ~~المادة مغطيا نفسه بمظاهر الروح، وهو النفاق؛ أو ~~تتسرب إليه المادة كلما أغرق في الروح، وكأن الصورة لا ~~تعيش ms296 إلا بمضمون، حتى ولو على نحو خفي. وكثيرا ما ~~تنتهي تحليلات الروح إلى وصف للمادة. والتصور الثنائي ~~للعالم تصور طفولي للإنسان قائم على ثنائية الخير ~~والشر والثواب والعقاب، في حين أن الإنسان البالغ ~~العاقل يعمل الخير لذاته، ويتجنب الشر لذاته، دونما ~~انتظار لثواب أو خوف من عقاب، دونما ترغيب أو تخويف. ~~وهذا لا يمنع من حدوث ردود أفعال للأفعال الحسنة أو ~~القبيحة في الدنيا، في الحال أو في المآل تكون في رأي ~~الناس جزاء أو عقابا، وهي أفعال متولدة في الطبيعة ~~ومنتجة في التاريخ. والتصور الثنائي للعالم موقف صاد ~~يقوم على الالتذاذ بعذاب الآخرين؛ وبالتالي فهو موقف ~~يقوم على الكراهية لا المحبة؛ فالآخر غير قادر على ~~الوصول إلى المعاد الروحاني مثل وصول الأنا، وهذا ما ~~يعطي الأنا نوعا من السرور والرضا عن الذات في مقابل ~~عذاب الآخر وإحباطه؛ لذلك منع الصوفية العذاب للآخرين ~~عندما أحبوا كل البشر. ومنهم من رغب فداء البشر كلهم ~~بعذابه وحده، ويصبح الإنسان بطلا منقذا، مركز ~~العالم، ومحور التاريخ. وفي الوقت نفسه، يكون التصور ~~الثنائي للعالم موقفا ماسوشيا يقوم على تعذيب البدن ~~في سبيل إعلاء الروح، وكلما عذب البدن درجة صعدت ~~الروح درجة، وكلما اشتد العذاب كما قويت الروح ~~كيفا، وكلما اشتد العذاب كيفا تجلت الروح وجودا؛ ~~فالألم البدني لذة في سبيل سعادة أعظم هي رقي الروح. ~~والتصور الثنائي للإنسان تصور تشاؤمي؛ لأنه يقوم على ~~أن البدن شر والروح خير، وأن هذا العالم ميئوس منه، ~~وأن لا أمل فيه، وأن الرجاء كله خارج العالم، في ~~العالم الآخر. يقوم باليأس من إنقاذ العالم، ثم يعوض ~~هذا اليأس في إنقاذ الروح؛ لذلك يظهر هذا التصور ~~الثنائي للعالم في لحظات الضعف والهزيمة عندما يتحد ~~الإنسان بالجزء الفاني، ويعشق الجزء الخالد؛ تعويضا ~~له عن الهزيمة، أو عندما يتحد القاهر بالجزء الخالد، ~~ويفعل في المقهور الذي اتحد مع الجزء الفاني ما يشاء، ~~ثم يود المقهور أن يصبح قاهرا؛ كي يحول القاهر ~~إلى مقهور بالفعل. يعبر إذن هذا التصور الثنائي عن ~~جدل ms297 الهزيمة والنصر، ويكشف عن أن الحياة معركة، ولكنه ~~يجعلها مشخصة فردية خارج العالم من أجل إنقاذه! ~~والتصور الثنائي للعالم تصور «رأسمالي» يقوم على ~~المنافسة والمسارعة إلى الكسب، يعوض الخسارة إلى ~~مكسب وبأسرع الطرق، لا عن طريق النزول إلى الأسواق، ~~بل عن طريق المضاربة والمراهنة واحتوائها من أعلى. ~~ففهم قوانين اللعبة مقدمة لاحتوائها، وكأن اللاعب ~~الكبير يترك اللاعبين الصغار يتنافسون على الفتات، وهو ~~يتمتع بالقسط الأكبر، ويمتلك القسط الأعظم. يتعامل ~~الصغار مع «الصرف»، في حين يتعامل الكبير مع «الأوراق ~~البنكية». وإذا كان الصغار فقراء، فالخوف على الأغنياء ~~أن تكون أوراقهم المالية غير مغطاة، أو أن تكون ~~شبكاتهم بلا رصيد. وأخيرا التصور الثنائي للعالم ~~تصور طبقي يقوم على افتراض طبقات في العالم الآخر ~~يتميز الإنسان بأعلاها عن غيره، وتنتقل المنافسة من ~~الأرض إلى السماء، ومن الدنيا إلى الآخرة؛ فالصعود ~~دائما إلى أعلى وعلى درجات، دون أن يكون هناك هبوط. ~~ويتربع على القمة الفرد الأقوى والأغنى والأكمل، وكأن ~~التصور الثنائي للعالم ينتهي إلى تصور فردي خالص؛ ~~إنقاذا للذات على حساب الآخرين. # وكرد فعل على هذا التصور الثنائي، سواء في المعاد ~~الجسماني أو المعاد الروحاني، أصبح الخلود للنفس ~~الكلية المتحدة بالنوع، وليس للنفس الفردية. لا يتحقق ~~الخلود بتشخيص الرغبات، بل يتحقق بالفعل من خلال ~~الزمان بالنشاط والجهد؛ وذلك بتحقيق الإنسان وغايته في ~~الحياة، وبتحوله إلى تاريخ وحضارة. ويمكن للإنسان أن ~~يخلد نفسه من خلال حياته بنشاطه وفعله وعمله، عندما ~~ينتج فكرا ويترك أثرا؛ وبالتالي يتحول وجوده ~~الزماني إلى وجود حضاري، كما يفعل الفلاسفة والشعراء ~~والثوار والشهداء. ليس الخلود واقعة يمكن الحصول عليها ~~أو لا يمكن لكل فرد، بل هي عملية تخليد، إمكانية ~~محضة مشروطة بجهد الإنسان وفعله، وكل قادر على ~~الخلق والتأثير. فالمعاد ليس جسمانيا أو روحانيا، ~~بل المعاد إنساني خالص تكشف عنه رغبة الإنسان في ~~مقاومة الموت واستمرار الحياة عن طريق أفعاله في ~~الدنيا وآثاره في الناس، فيتحول وجوده الفردي إلى ~~وجود جماعي، ويخلد الفرد في الجماعة، ويبقى في الأمة. # 56 # | ثامنا: علامات ms298 الساعة # وبعد إثبات إمكانية المعاد، يبدأ البحث في توقيته وساعة ~~حدوثه. وقبل حدوثه يمكن معرفة ذلك بعلامات؛ فعلامات الساعة هي ~~إيذان بقرب حدوث المعاد، ونهاية الزمان، وانقضاء الأعمار، ~~وانتهاء رحلة الحياة، وأن لم يعد هناك مجال للتكليف أو ~~الاستحقاق أو الاختيار. فإذا ما انتفت الغاية جاءت النهاية. ~~وهي موجودة قبل ظهور الأنبياء والإعلان عن النبي أو قدومه. ~~يخلو أصل الوحي منها، ولكنها موجودة في الأحاديث التي تعتمد ~~على الخيال الشعبي ، والتي تنبئ بحوادث آخر الزمان، كما هو ~~معروف في كل الأخرويات؛ تعويضا عن هموم الناس، وتفريجا ~~لكربهم، وتوسيعا لخيالهم إذا ما ضاق العقل، واتجاها نحو ~~المستقبل الأفضل إذا ما استعصى الحاضر وتأزمت أحواله. كما ~~أنها تكثر للغاية في العقائد المتأخرة، وتستمد من كتب ~~التفسير والتاريخ والسير، حيث يزداد الخلق الشعبي، وتكثر صور ~~المعاد والأحاديث الأخروية الضعيفة. # 1 # وهناك نماذج عديدة منها في الديانات المحيطة ~~والمعروفة في البيئة الحضارية، والتي يمكن دراستها في الأساطير ~~المقارنة، وفي علم التاريخ المقارن للأديان. وهي علامات لا ~~يمكن تجربتها أو التحقق من صدقها لا عقلا ولا تجربة؛ لأنها لم ~~تحدث بعد، ولم يرها أحد؛ وبالتالي يكون السؤال: هل هي علامات ~~حسية تقع بالفعل، أما إنها دلالات ومعان لتجارب ووقائع حاضرة ~~يستطيع بها الإنسان أن يتخيل المستقبل، وأن يطمئن عليها كلما ~~ازداد قلقا على حاضره؟ فالإنسان يتخيل مستقبله بناء على ~~حاضره، ثم يشخصه وكأن سيحدث بالفعل في وقائع مستقبلة في آخر ~~الزمان. وكلما قوي المعنى وعمقت الدلالة، زاد تشخيصها كوقائع ~~وإثباتها كحوادث. # ولا يهم عدد العلامات أو حجمها؛ فقد تكون خمسا أو عشرا؛ ~~أي خمسة مضروبة في اثنين. ربما يكون للعدد خمسة معنى رمزي، ~~ولضربه في اثنين دلالة رمزية أخرى. أما قسمتها من حيث الحجم ~~خمسة كبرى وخمسة صغرى، فإنها تدل فقط على التقابل في الصور ~~بين الأكبر والأصغر، طبقا لدرجة حضور المعنى وعمقه في الشعور. ~~ومع ذلك يمكن تصنيف العلامات إلى ثلاثة أنواع: الأول يتعلق ~~بالصراع بين الخير والشر، والثاني خاص بقوانين الطبيعة، ~~والثالث يسير ms299 إلى نهاية التكليف. ~~(1) الصراع بين الخير والشر # وتشير أول مجموعة من العلامات إلى الصراع بين الخير ~~والشر، ظهور الشر وسيادته، ثم تغلب الخير عليه في النهاية، ~~وتشمل: ~~(أ) ظهور المسيح الدجال # والمسيح الدجال إنسان من بني آدم، وليس شيطانا، ~~وكأن الإنسان سيطغى في الأرض حتى يفسد كل شيء، وهو ~~كافر لا أمل في إيمانه، مجبر على الكفر لا اختيار ~~عنده بينه وبين الإيمان؛ وبالتالي يكون شرا ~~مطلقا. يدعي الألوهية؛ أي يخلط بين المستويات، ~~ويقضي على الخالص، وينكر الخير الأعم. # 2 # يطوف بالدنيا كلها بثا للفساد الشامل ~~وعما للخراب. سمي مسيحا لمسحه الأرض يوم أحد ~~أربعين يوما، فهو مرتبط بالشر؛ بهزيمة أحد، وسياحته ~~في الأرض تأييدا للكفار. وقد يكون سبب التسمية أنه ~~ممسوح العين اليسرى. وفي التصورات الشعبية ممسوح ~~العين، كريه، وشرير. والعين اليسرى تشير أيضا إلى ~~الشر والقبح أكثر مما تشير العين اليمنى. على عكس ~~تسمية المسيح عيسى ابن مريم الذي يسيح في الأرض دونما ~~علاقة بأحد، أو لأنه يمسح كل ذي عاهة فيبرأ، أو لأنه ~~ممسوح بالبركة والخير طبقا لرصيد الصور المستمد من ~~البيئة الدينية المحلية، مثل مسح السيد المسيح على ذوي ~~العاهات لإجراء المعجزات، أو دهن ماريا المجدلية له ~~بالزيت، ومسحها له بالعطور. وربما تتحدد المدة التي ~~يظهر فيها المسيح الدجال بأربعين يوما، أسوة بعودة ~~المسيح الحق أربعين يوما إلى الأرض بعد البعث لتعليم ~~التلاميذ، على ما هو معروف في الدين المسيحي. وقد ~~تشير الأيام الأربعون إلى بعض مظاهر الحزن وطقوس ~~العزاء في الديانة المصرية القديمة، وهي فترة الحزن ~~قبل بداية تحلل جسد الميت وبروز عظام الوجه وتشققه. ~~وقد تنفصل الصورة أكثر فأكثر طبقا لإبداعات الخيال ~~الشعبي، بل تتحول الواقعة إلى قصة بها حوار بين الشر ~~والخير، بين المسيح الدجال والسيد المسيح أو من ينوب ~~عنه مثل الخضر. تتحول الواقعة إلى حدث درامي كامل، ~~فيتحدد المكان في أرض المشرق بخراسان؛ ربما لبعدها، أو ~~لغزوات التتر والمغول، أو لعدم عروبتها، أو لعجمة ~~لسانها. واسمه صاف، وهي تسمية عن طريق ms300 القلب، وتسمية ~~الشيء بضده إمعانا في إبراز الصفة عن طريق التقابل. ~~وكنيته أبو يوسف؛ أي إن له اسما مشهورا؛ ربما إشارة ~~إلى أبي يوسف الثقفي الحجاج، قاطع الرءوس. ودينه ~~اليهودية؛ تعبيرا عن عداء اليهودية، بالرغم من أن ~~اليهودية دين من عند الله، وأحد مراحل الوحي. وقد يكون ~~أعور، وليس فقط ممسوح العين اليسرى، والأعور أكثر ~~قبحا من المبصر، أو ممسوح أحد العينين، فالقرصان ~~أعور. والقائد الإسرائيلي بالنسبة للعرب أعور. والعين ~~الأخرى لم تسلم من بقعة صفراء تجعله أعور بعين وأقرب ~~إلى العمى بالعين الأخرى. ومكتوب بين العين العوراء ~~والعين العمياء كافر! وكأن الجبين سبورة أو قرطاس! ~~وبأي لون تكون الكتابة؟ وبأية لغة؟ وما حجمها؟ وماذا ~~عن المؤمن الذي لا يعرف القراءة أو اللغة، أو المؤمن ~~الأعمى؟ كثير الشعر مثل الحيوان، وليس أملس مثل ~~الغلام. وبعد الوصف الجسدي المظهري له تبدأ الصحبة. ~~معه جنة ونار يسيران معه وكأنهما شخصان؛ الخير على ~~اليمين، والشر على اليسار. وكذلك تسير معه الأنهار، ~~دون تحديد من الخلف أو الإمام، وهي إلى الأمام أقرب. ~~ومع أن الجنة تجري أيضا من تحتها الأنهار، إلا أنها ~~فيما يبدو جداول رقيقة لتصوير الرياض وحدائق القصور ~~الأندلسية، بل يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت؛ ~~مما يدل على قدرته الفائقة على صنع الخير؛ مطر السماء ~~ونبات الأرض. يأمر الأرض فتخرج كنوزها فتسير معه؛ ~~رمزا للغنى وأموال الذهب الأسود. وبالتالي فهو قادر ~~على أن يفعل المعجزات مثل الأنبياء. ثم يبدأ الحوار، ~~وتظهر شخصية أخرى، فيتحول الحديث إلى قصة. يظهر الخضر ~~رجلا جميلا في مقابل بشاعة الدجال. والخضر صورة ~~النقاء الصوفي والتأويل الرمزي والفعل المستقبلي. ~~يستمر الدجال في الغواية، غواية خضر، وكأنه استمرار ~~لفتاني القبر، وامتحان الراحة الأخيرة. ولا يسأل ~~الدجال، بل يبدأ بالإقرار الخاطئ، ولا يطلب من المسئول ~~إلا إقرارا على إقرار، ولكن الخضر يكتشف كذب الدجال، ~~ويلعنه، ويقر بالله رب العالمين، ويتحول من ملاك ~~طاهر إلى ضارب بالسيف يشق الدجال نصفين، ثم يأمره ~~بالقيام، فيحيا الدجال بقدرة الله من جديد؛ كي يعلن ms301 ~~الخضر من جديد عجزه عن فعل أي شيء، ويتحول المسئول ~~إلى سائل، والممتحن إلى ممتحن؛ وبالتالي يحول ~~الخضر السؤال النظري عن الله إلى تحد عملي بالقدرة، ~~كما هو الحال في إعجاز القرآن، وتحدي القدرة الإنسانية ~~به. ثم ينتقل الحوار إلى وصف الركب؛ فإذا كان لجبريل ~~براق بجناحين، فللدجال حمار أعور مثل صاحبه. وإذا ~~كان ما بين أذنيه أربعون ذراعا، فما بالك برأسه ~~وجسده وقدميه وذيله، وما بالنا بصاحبه! وإذا كانت ~~خطواته ميلا ، فما بالنا بسرعته! وكيف بهذه الضخامة ~~يحدث الحوار مع الخضر، ويشقه الخضر نصفين؟ وبأي سيف ~~يتم الشق إن لم يكن الخضر عملاقا مثله، والسيف أشبه ~~بقوس قزح في السماء؟ مهمة الخيال الشعبي التصوير عن ~~طريق التضخيم؛ حتى يحدث التأثير. وتتدخل التعريفات ~~اللغوية وسط الواقعة الدرامية؛ فالدجال من الدجل؛ أي ~~التغطية؛ لأنه يغطي الحق بالباطل. ثم تستمر القصة ~~بحوار آخر، وتأكيدا على أنها فتنة، بل وأعظم الفتن ~~بغية للتضخيم، يستعاذ فيها كما فعل الرسول، حتى تثبت ~~صحتها. وينشأ الحوار الآخر من أجل الإقناع؛ فيحضر ~~الدجال الشيطان في صورة الأبوين؛ ليشهدا شهادة زور عن ~~خوف أو تدليس على أن الدجال هو الرب الذي يؤمن به. ~~وتحتوي شهادتهما على التحذير المقنع من أنه الرب، ~~ولكن عليه أن يبتعد، لا أن يقترب. وفي هذا الامتحان، ~~يتدخل علم الأشعرية بأن من ثبته الله على الإيمان ~~مر بنجاح، ولم يضر شيئا دون قانون الاستحقاق على ~~الأعمال. ويسوح الدجال في كل الأرض، إلا الأماكن ~~المقدسة فيها؛ مكة والمدينة والقدس والطور، الأماكن ~~المقدسة في الوحي في مراحله الثلاث؛ إذ تحرسها ~~الملائكة، وتطرد الدجال عنها، وكأن الملائكة في مساعدة ~~الإنسان، تعينه على الخير وتمنع عنه الشر، ثم يظهر ~~عامل الزمان دون تحديد بأربعين يوما؛ نظرا لاختلاف ~~الناس فيه، فلا يعلم الزمان إلا الله، وكأن الحمار لم ~~يكف الدجال؛ إذ إن له جساسة؛ أي دابة تجس الأخبار ~~له، وتجمع المعلومات؛ حتى يكون على بينة من أمره. ~~وبغية في إعطاء بعض الأمل بعد اليأس، والتشجيع بعد ~~الإحباط، والترغيب بعد ms302 الترهيب، يظهر الدجال مسلسلا ~~بحديد في يديه ورجليه في جزيرة! وكيف يسير ويركب ~~ويطوف وهو في هذه الحالة؟ وأي سلاسل تقوى على من ~~ينزل الأمطار، ويفجر الأرض، وينبت الزرع؟ ~~ولتأكيد واقعة الحبس، يمر شاهد عيان موجود بالفعل، ~~وشخص تاريخي معروف باسمه، ويسأل الدجال عن النبي؛ ~~لإبراز التناقض بين موضوع السؤال والشخص المسئول، ثم ~~يرجع السائل ليخبر النبي بما حدث! ~~(ب) نزول المسيح عيسى ابن مريم # ينزل المسيح عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال انتصارا ~~للخير على الشر. وأحيانا يظهر المهدي مع المسيح في ~~رواية واحدة يؤديان الدور نفسه بالنسبة للمسيح ~~الدجال. يظهر المهدي أولا، فيحاصره المسيح الدجال، ~~ثم يأتي المسيح عيسى ابن مريم ليخلص المهدي؛ مما يدل ~~على وجود علاقة بين المخلصية المسيحية والمهدية؛ أي ~~بين الأسطورة النموذج والأسطورة المحلية. وقد يظهر ~~المهدي وحده كإحدى علامات الساعة، فتصبح الأسطورة ~~واقعا تتدخل فيه التحديدات المكانية والزمانية، ~~وتحديدات أخرى عقائدية؛ لضبط الرواية، وجعلها وكأنها ~~حدث تاريخي مستقبلي واقع بالفعل. فقبل موت عيسى ~~بعد نزوله عند قيام الساعة، تتوحد الملل في الإسلام ~~الحنيف؛ إعلانا لنهاية النبوة، واكتمال الوحي، وتحقيق ~~الواقع، وتطابق الفكر مع التاريخ. وقد يكون الزمان هو ~~وقت طلوع الشمس. ويبقى المسيح في الأرض أربعين سنة، أو ~~سبعين سنة، أو سبع سنين. ويمكن التوفيق بين الرأيين ~~باعتبار الأربعين سنة مدة مكثه قبل الرفع، فإن رفع ~~وله ثلاث وثلاثون سنة يكون مجموع سنوات مكثه قد ناهز ~~السبعين. وقد يكون العدد أربعون والعدد سبعون أعدادا ~~رمزية أو نمطية؛ فهناك العلماء السبعون الذين ترجموا ~~التوراة إلى اليونانية (السبتانت)، وهناك السبعون ~~تلميذا، وهي الدائرة الأوسع بعد الدائرة الأضيق؛ ~~دائرة الحواريين الاثني عشر، وهناك العدد سبعة كعدد ~~رمزي كوني في السموات السبع والأرضين السبع والأيام ~~السبع. وقد علم المسيح التلاميذ أربعين يوما بعد ~~البعث وقبل الرفع الثاني. وفي مصر القديمة يكتمل الحزن ~~في الأربعين. وقد يتحدد زمان النزول بصلاة الصبح بداية ~~الزمان وقت طلوع الشمس وبكارة اليوم. وقد يكون الزمان ~~شعوريا خالصا؛ فإذا مكث المسيح أربعين ليلة يسبح ms303 في ~~الأرض، فإن اليوم من أيامه يكون كالسنة أو كالشهر، أو ~~يكون اليوم كالجمعة. وقد تكون سائر الأيام كأيامنا. ~~أما بالنسبة للتحديدات المكانية، فإن المهدي يظهر ~~أولا في الحرمين الشريفين، ثم يأتي إلى بيت المقدس، ~~فيحاصره الدجال، ثم ينزل المسيح عيسى ابن مريم من ~~المغارة الشرقية من دمشق الشام ويقتل الدجال، وهي ~~أماكن مقدسة في الحجاز وفي الشام، ولا تقل دمشق قدسية ~~عن القدس. والمنارة من الشرق، وليس من الغرب؛ فالشرق ~~أكثر قدسية من الغرب. وقد ينزل عيسى من السماء؛ ~~فالسماء أكثر شرفا من الأرض. وعلى هذا النحو ينتقل ~~الصراع السياسي إلى رموز جغرافية؛ الحجاز والشام معا ~~في مواجهة بغداد والعراق. ويدفن المهدي بين النبي ~~والصديق، أو بين الشيخين؛ أي في مكان شريف. كما ~~يدفن المسيح بعد أن يصلي عليه المسلمون في روضة ~~محمد؛ لأنه خلق من الأرض بعد نفخ جبريل في طوقها. وقد ~~ينزل المسيح من السماء الثانية التي يسبح فيها الله، ~~وهي أقرب إلى الأرض ساعة النزول من السماء السابعة. ~~وفي وقت النزول تقوم الملائكة بأبواب مكة والمدينة، ~~ويفر الناس إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم المسيح ~~الدجال، ويحاصرهم، وكأن العذاب والخلاص بالشام! قد ~~يكشف ذلك عن الصراع بين الحجاز والشام، أو كنوع جديد ~~من المعراج من الحجاز إلى الشام. ومع هذه التحديدات ~~الزمانية والمكانية، يظهر البطل المسيح عيسى ابن مريم؛ ~~فيقتل المسيح الدجال بضربة واحدة فيقتله في الحال، ~~فيذوب كالملح في الماء. ينزل المسيح من السماء ~~الثانية، حيث كان يسبح الله؛ أي إنه هو الخير ~~المطلق. لا يأكل ولا يشرب؛ لأن الطعام والشراب من ~~مظاهر النقص. ينزل واضعا يديه على أجنحة الملائكة، ~~طائرا مثلهم دون ركوب، جسد على جسد، لابسا ثوبين ~~مصبوغين بورس ثم بزعفران؛ دلالة على الزركشة ~~والرائحة العطرة. يكسر الصليب الذي هو رمز لتحريف ~~عقائد الناس فيه، ويقتل الخنزير رمز تحريف شريعته، ~~ويترك الجزية رمزا للسماحة والغفران. يتزوج من امرأة ~~من حزام، وهي قبيلة باليمن؛ رمزا لتحريف شريعته من ~~الزواج إلى الرهبنة. ويولد له ولدان، موسى ms304 ومحمد؛ أي ~~إن الأنبياء من نسل واحد. ولا ينزل عليه جبريل بشرع ~~جديد؛ لأن شريعة الإسلام آخر الشرائع، ثم يجتمع المسيح ~~بالمهدي وقد أقيمت الصلاة، يشير المهدي إلى عيسى ~~المسيح دلالة على اقتداء المسيح بالرسول لما كان ~~المهدي نائبا عنه. ويتضح في الرواية أثر التصور ~~الشيعي في نيابة الإمام عن الرسول، وأفضلية الإمام على ~~النبي. ولا ينزل المسيح إلا بعد أن ينقضي التكليف في ~~الأرض، فلا يبقى فيها مكلف واحد؛ وبالتالي لا ~~امتحان ولا اختبار ولا حرية ولا عقل. والحكمة في نزوله ~~الرد على اليهود والزاعمين قتلهم له؛ فالرواية تذكر ~~تعليل النزول، ويتضح فيها الجدل مع اليهود. فالإسلام ~~والمسيحية معا في كفة، واليهودية في كفة أخرى. وفي ~~زمانه يكون رخاء كثير وتكون بركة، حتى لتكاد تكفي ~~رمانة واحدة جماعة كثيرة، كما كان الحال أيام ~~معجزاته في تكثير السمك والخبز والماء. ويعم الأمن؛ ~~فترعى الغنم مع الذئب، وتلعب الصبيان بالحيات، حيث لا ~~شر ولا عدوان. وتتعرف الطبيعة على المسيح الدجال، وعلى ~~المسيح ابن مريم، ويتكلم الشجر، وينادي الحجر. وبصرف ~~النظر عن الترتيب الزماني والتحديد المكاني وظهور ~~البطل وتحقيق أفعاله وأحوال عصره، فإن الرواية كلها ~~إنما تعبر عن رغبة في الخلاص في المستقبل، وانتصار ~~الخير على الشر؛ أسوة بما كان في الديانات السابقة، ~~وكان يصعب أن يأتي محمد ليقوم بدور المخلص في نهاية ~~الزمان؛ لأن محمدا يقوم بذلك في الدنيا، ولكن أعطيت ~~الوظيفة للمسيح؛ فهي وظيفته التقليدية، ويشاركه فيها ~~الإمام تعبيرا عن الجماعة المضطهدة، وأملها في ~~انتصار الخير على الشر، وغلبة الحق على الباطل، وسيادة ~~العدل على الظلم. وينزل المسيح الدجال، وليس موسى ~~الدجال، أو محمد الدجال؛ لأنه في مقابل المسيح عيسى ~~ابن مريم كخير مطلق هناك المسيح الدجال كشر ~~مطلق. أما محمد وموسى فإنها قادران على الانتصار ~~بنفسيهما عن طريق الفعل، انتصار محمد على قومه، ~~وانتصار موسى على فرعون. # 3 ~~(ج) حرب يأجوج ومأجوج # وما إن تنتهي العلامتان الأوليان، خروج المسيح ~~الدجال ثم نزول المسيح عيسى ابن مريم لقتله، تأتي ~~العلامة ms305 الثالثة وهي «يأجوج ومأجوج». فماذا يعني ~~الاسمان؟ هل هما اسمان عربيان أم أعجميان؟ هل يعبران ~~عن حدث تاريخي مستقبلي مثل القتال بين قبيلتين أم ~~معسكرين، أم مجرد صورتين للخير والشر؟ ولكن لا توجد ~~إشارة واضحة على أن أحدهما خير والآخر شر، بل كلاهما ~~شر، يقاتل بعضهما بعضا، وكأن الشر يدمر نفسه، ~~وينتهي بالصراع بين الأشرار. وقيل إنهما من ذرية يافث ~~بن نوح؛ أي من ذرية الإنسان الشرير، رمز الشر وأصله. ~~وقيل إنهما من الترك، وكأن صورة الترك هي الهرج ~~والمرج والحرب والقتال، كما كان الحال مع غارات التتار ~~والمغول. ويدل ذلك على الوضع المتأخر للرواية بعد ~~هجمات الشرق على العالم الإسلامي. وبالإضافة إلى تحديد ~~هوية الاسمين تأتي التحديدات الزمانية والمكانية ~~كالعادة. فالزمان هو زمن عيسى ومحمد في آن واحد؛ ~~فالرواية لا تعتني بالترتيب الزماني للحدث التاريخي، ~~بل يكفيها وقوع الحدث في الزمان المتصل، وليس في ~~الزمان المنفصل. فيطوف يأجوج ومأجوج في زمن عيسى وأمة ~~محمد فوق رءوس الجبال. هل تستمر الحرب بينهما سبعمائة ~~عام حتى يمكن الجمع بين عيسى ومحمد في زمن واحد؟ ~~ولماذا تهرب أمة محمد فوق رءوس الجبال، وتكتفي بالدعاء ~~عليهما بلا حرب «يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف»؟ ~~وهل هذه هي صورة الإسلام المجاهد والأمة المجاهدة، في ~~حين يأتي خلاصها على يد المسيح؟ وهنا يظهر المسيح في ~~ثلاث علامات من خمس؛ مما يدل على أثر النصرانية في ~~تصور العقائد لعلامات الساعة. ولماذا تصعد أمة الإسلام ~~فوق رءوس الجبال وهي تعلم أنها لم تعصم ابن نوح من ~~الطوفان، أم إن المسلمين يستعدون لنوع من حرب ~~الصواريخ والفضاء؟ # 4 # وقد تزداد تفصيلات يأجوج ومأجوج من حيث ~~الشكل والحجم. فهم مختلفون في الصفة؛ منهم من طوله ~~مساو لعرضه حرصا على التناسق الكمي في الحجم وإن ~~كان عدم تناسق في الشكل، وإلا كان الإنسان مربعا! ~~ومنهم من يفرش أحد أذنيه ويلتحف بالأخرى، كتعبير عن ~~كبر الأذنين، وعدم الاحتياج إلى موضوع خارجي من ~~أسفلها كي ينام عليه، أو من أعلاها يلتحف به. ms306 هو لحم ~~متصل، ذات وموضوع. لهم أضراس كالسباع، ومخالب في ~~أظافرهم كالحيوانات، تعبيرا عن الافتراس والنهش في ~~اللحم والقطع بالمخالب. أولهم بالشام يشرب من طبرية ~~وآخرهم بالعراق؛ مما يدل على كبر حجمهم وضخامة ~~عددهم، يملئون الشام الكبرى. يقتلون أهل الدنيا ~~جميعا، ثم يتجهون لمقاتلة أهل السماء. يرمون جهة ~~السماء بالنشاب، فترجع ملطخة بدماء أهلها. ويضلهم ~~الله استدراجا لهم وزيادة في صلافتهم وغرورهم، ~~وكأنها إسرائيل يمتد حلمها من الفرات إلى النيل، والتي ~~يصل طيرانها من المغرب إلى كراتشي؟ ثم يموتون جميعا ~~بآفة في رقبتهم؛ دود يخرج منها، يموتون مرة واحدة لا ~~فرادى، وكأنه طاعون لا يبقي ولا يذر. ولا حاجة إلى ~~المسيح عيسى ابن مريم لخلاص الدنيا من شرورهم، وهم ~~جميعا كفار لا إيمان لهم. # 5 # وقد تزداد التفصيلات أكثر فأكثر طبقا ~~للخيال الشعبي في واقع جغرافي مخالف. فبعد قتل ~~المسيح عيسى ابن مريم للمسيح الدجال، يوحي الله إليه ~~أنه قد أخرج عبادا له لا يدان لأحد بقتالهم، وهو ما ~~يعارض النداء إلى الجهاد. ويأمر الله المسيح بأخذ ~~عباده المؤمنين إلى الطور أمانا وحرزا، وكأن ~~المؤمنين جماعة طاهرة منعزلة صوفية يخشى عليها من ~~الانقراض. ويبعث الله «يأجوج ومأجوج» من كل نسل، وليس ~~من نسل معين، يسرعون في المشي تعبيرا عن الجد ~~والنشاط والحركة العسكرية، وكأنهم من المظليين. يمر ~~أولها على بحيرة طبرية، فيشربون ماءها حتى تجف، وهي ~~بالشام طولها عشرة أميال؛ تعبيرا عن الجيش العرمرم. ~~ويمر آخرها فلا يجدون آثارا لماء، ولكنهم لا يموتون ~~من العطش. وذلك أيضا تعبير عن الفوضى وعدم النظام ~~والأنانية، فلا يبقي أول الجيش ماء لآخره، فالسابقون ~~السابقون. ثم يحصرون عيسى وأصحابه، ويحاصرون ~~الحيوان، وكأن رأس الثور عندهم تبلغ قيمته مائة دينار ~~عندنا؛ مما يدل على أنهم يحاصرون المؤمنين، ~~ويستولون على معاشهم. ولما كان عيسى وأصحابه لا يقدرون ~~عليهم، مع أنه قدر على قتل المسيح الدجال، فإنه يرغب ~~إلى الله ويدعوه، فيرسل عليهم الله النغف في رقابهم، ~~فيصبحون خرسا، ويموتون مرة واحدة. فالله يأتيهم من ~~الرقاب، وهي ms307 نقطة الضعف في جسد الإنسان، وحيث مقتل ~~السيف. ثم يهبط عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون ~~فيها شبرا واحدا موضع قدم لزحمتهم، وكأنهم قد عادوا ~~إلى الحياة من جديد، فيدعو المسيح عيسى ابن مريم الله ~~من جديد، ويرجو النصر، فيرسل الله طيرا كأعناق ~~البخت، فتحملهم وتطرحهم أرضا حيث شاء الله، وكأنها ~~طير كاسرات قادرة على هزيمة هذه الكائنات الوحشية، ~~فلا يفل الحديد إلا الحديد، ثم يرسل الله مطرا ~~لا يبقي ولا يذر؛ ليغسل الأرض من آثار الدماء، ~~ويكنسها من مخلفات المعركة والأشلاء، حتى يتركها ~~بيضاء من غير سوء، ثم يقول لها: «أنبتي ثمرك.» فتعود ~~الأرض مخضرة مثمرة كالعروس! وتبدو المعركة هنا ~~طبقا لنموذج عام الفيل، والطير الأبابيل التي ترمي ~~بحجارة من سجيل، فتهزم جيش أبرهة وتنقذ الكعبة. # 6 # وقد خرج يأجوج ومأجوج أمما، كل أمة ~~أربعمائة ألف، والعدد أربعون من الأعداد الرمزية في ~~الموت والحياة. ولا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين ~~تطوف بين يديه من صلبه، فهو يتوالد ويتكاثر ولا يمكن ~~إفناؤه. وهم من ولد آدم؛ أي إنهم إنس، لا جن ولا ~~ملائكة. يسيرون إلى خراب الدنيا وكأن البشر يخربون ~~عمرانهم بأيديهم. يشربون طبرية ودجلة والفرات حتى ~~يأتوا بيت المقدس. وتتداخل الروايات، كل منها يزيد ~~تفصيلا. تدل على معركة في الخيال بعد أن توقفت ~~المعارك في الواقع، كما هو الحال في «رؤيا يوحنا» عند ~~النصارى. وتدل على عجز المؤمنين أمام طغيان الكافرين. ~~هل يأجوج ومأجوج هم الأمويون في مقابل آل البيت؟ هل ~~هي إسرائيل في مقابل المسلمين اليوم؟ وكيف يكون ~~الأمل في النصر عن طريق الدعاء وتدخل الله بالدود في ~~الرقاب وإماتة الأعداء، وكأن معجزات المسيح لم تعد ~~قادرة على إنقاذ المخلص، وكأن جهاد المسلمين أصبح ~~عاجزا عن نصرة الحق والقضاء على الظلم؟ # 7 # ويمكن ضبط الرواية بالرجوع إلى أصل الوحي، ~~الذي يذكر يأجوج ومأجوج بصدد قصة ذي القرنين، وإقامة ~~سد بينهما وبينه وانتصاره عليهم، وليس عجزه أمامهم، ~~وهي حادثة في الماضي، وليست في الحاضر تعيدها الرواية ~~كعلامة ms308 من علامات الساعة، كما يمكن الرجوع إلى علوم ~~التاريخ والجغرافيا والآثار للبحث عن بقايا هذا السد، ~~وآثار هؤلاء القوم في كل بقاع الأرض، والتحقق من مكان ~~خروجهم، فلعلها سيبيريا التي تغطيها الثلوج، مع أن ~~ذا القرنين أقام سدا بزبر الحديد، ونفخ فيه النار! # 8 # صحيح أن أصل الوحي قد أشار إلى يأجوج ومأجوج ~~مرتين؛ مرة كحدث وقع في الماضي، ومرة كحدث سيقع ~~في المستقبل، ولكن الأولى لا تدل على عجز الناس ~~أمامهم، بل تدل على قوة الحيلة، وعظم المقاومة، وإقامة ~~سد من الحديد المنصهر المغطى بالقطران الذي لم ~~يستطع يأجوج ومأجوج اختراقه. فكيف بالقدرة في الماضي ~~تتحول إلى عجز في المستقبل؟ ربما تدل العلامة على ~~الفوضى وانتهاء النظام واختلاط الحابل بالنابل، يموج ~~البعض في البعض، ويصبح البشر جميعا يأجوج ومأجوج. # 9 ~~(د) خروج الدابة # وهي ناقة من فصيل ناقة صالح لما عقرت ولم يدركها ~~طالب هربت! ويدل ذلك على أن علامات الساعة قد تم ~~تخيلها طبقا لمعجزات الأنبياء؛ وبالتالي يتحول ~~الماضي إلى مستقبل. ينفتح للناقة حجر وينطبق عليها؛ ~~اتقاء للكفرة، وحفظا لها منهم، وتظل فيه إلى وقت ~~خروجها كي تنتقم منهم. وفي هذا الوقت تكون مسلحة ~~بعصا موسى وخاتم سليمان؛ وذلك لأن عيسى ليس نبي ~~الانتقام. تجلو وجه المؤمنين بالعصي، وتختم على فم ~~الكافر بالخاتم، لا ينجو منها هارب. فالعصي هنا مصدر ~~النور والطهارة لجلاء وجه المؤمنين، والخاتم للطبع على ~~فم الكافرين، فيعرفون بالختم كأنه ماركة مسجلة. يصل ~~ارتفاعها إلى السحاب؛ مما يدل على الضخامة والعظمة ~~والعلو، ريشها جمع من كل حيوان؛ وبالتالي فهي تمثل ~~جنس الحيوان كله، كما جمع جسمها كل الحيوان. رأسها رأس ~~ثور رمزا للضخامة، وعينها عين خنزير رمزا للقبح، ~~وأذنها أذن فيل رمزا للفخامة والتدلي على نحو يأجوج ~~ومأجوج، وقرنها قرن إيل رمزا للقوة والفتوة وهو ~~الخرتيت، وعنقها عنق نعامة رمزا للطول، وصدرها صدر ~~أسد نظرا للضخامة والقوة، ولونها لون نمر نظرا لجمال ~~التخطيط، بدلا من اللون الأجرب للأسد، وخاصرتها خاصرة ~~هر في التلوي والالتواء وخفة ms309 الحركة وسرعة الدوران، ~~وذنبها ذنب كبش رمزا للضخامة والطراوة والليونة ~~والدسامة، وقوائمهما قوائم بعير في الاتساق والارتفاع ~~والنظم، بين كل مفصل ومفصل اثنتا عشرة ذراعا؛ حتى ~~تقوى القوائم على حمل هذا الارتفاع الذي يصل إلى ~~السحاب. وكيف لدابة بمثل هذه الضخامة أن تجلو وجه ~~المؤمن، أو أن تطبع فم الكافر، ويكونان أمامها مثل ~~النملة أمام الفيل؟ وهل أداء الوظيفة يحتاج إلى مثل ~~هذه الضخمة والتبذير في الإمكانيات؟ # 10 # وللدابة ثلاث خروجات: الأولى بأقصى اليمن ~~في جنوب الجزيرة العربية، ويفشو ذكرها في البادية، ~~ولكن لا يدخل ذكرها مكة باعتبارها مكانا مقدسا ~~محروسا. وبعد مدة تخرج مرة ثانية قريبة من مكة، ~~فيفشو ذكرها في البادية ومكة، وكأنها في المرة ~~الثانية تقترب أكثر فأكثر، ويتسع نطاق أثرها. ثم تخرج ~~مرة ثالثة، وفيها عيسى ابن مريم؛ وبالتالي يصبح ~~المسيح عاملا مشتركا في العلامات الأربع الخاصة ~~بصراع الخير والشر. يطوف المسيح بالبيت ومعه المسلمون؛ ~~إذ تهتز الأرض تحتهم، ويتشقق الصفا مما يلي شعر ~~الدابة، وتخرج رأسها من الصفا. وهنا يتحد الجسد ~~الحيواني مع الطبيعة الكونية؛ فاهتزاز الأرض يماثل ~~جريان الدابة. وينشق الصفا وتخرج رأس الدابة، ويجري ~~الفرس ثلاثة أيام؛ أي إن الدابة هنا فرس طبقا للتصور ~~العربي لنموذج الدواب، وثلاثة أيام طبقا لروايات ~~الصلب في النصرانية، وصعود المسيح إلى السماء، وزحزحة ~~الصخرة بعد ثلاثة أيام، ويحدث كل ذلك ولم يخرج إلا ~~ثلثي الدابة! وبعد خروجها كلية يمس رأسها السحاب، ~~وتمشي على الأرض، وتسمى الجساسة؛ لأنها تجس الأرض ~~قبل السير عليها. طولها ستون ذراعا، ولها أربع قوائم ~~وزغب. وهنا يبدو عدم التناسق في الوصف؛ مرة ينقلب ~~الخيال في وصول رأسها إلى السحاب، ومرة يتغلب الواقع ~~فيكون طولها ستين ذراعا، ولها أربع قوائم وزغب. # 11 # وقد تخرج الدابة من جبل الصفا مباشرة، ~~فيتصدع لها الجبل والناس سائرون إلى منى أو من ~~الطائف؛ أي وقت الحج؛ حتى يحدث التقابل بين الشر والخير. # 12 # وقد تستعمل الدابة اللغة المكتوبة أو ~~اللغة المسموعة، فتكتب بين عيني المؤمن مؤمنا فيضيء ~~وجهه، ms310 وبين عيني الكافر كافرا فيسود وجهه. # 13 # وبأي مداد تكتب؟ وبأية لغة تعبر؟ وهل ~~يمكن بضخامة أصبعها الكتابة على هذه المساحة الصغيرة؟ ~~وتكلم الناس ببطلان الأديان إلا دين الحق، وكأن دين ~~الحق قادر على مقاومة التحريف والتبديل والتغيير، ~~وتصدر أحكاما بالإيمان والكفر على الناس وكأنها على ~~علم بهم، وكأنها مزيج من الشر والخير. تخرج من أعظم ~~المساجد حرمة وهو المسجد الحرام؛ مما قد يمنعها من ~~الحديث ببطلان الأديان. وقد يعني ذلك اكتمال الأديان ~~كلها، ونهاية النبوة في الإسلام؛ فبطلان الأديان إنما ~~يعني ارتباطها بمراحل سابقة في الزمان والمكان. الدابة ~~إذن عالمة تعرف الكتابة والكلام باستعمال حروف من نور ~~وظلمة، تكتب بالأبيض للمؤمن، وبالأسود للكافر. وكيف ~~تعرف الدابة من المؤمن ومن الكافر قبل يوم الحساب؟ وهي ~~بهذا المعنى أشبه بالملكين منكر ونكير، بنعيم المؤمن ~~أو بعذابه في القبر قبل اليوم الآخر. يتضح من ذلك كله ~~أثر الخيال الشعبي في وضع الرواية في بيئة صحراوية؛ ~~فالدابة تتكلم وليس الإنسان الشرير أو الشيطان؛ نظرا ~~لأهمية الدابة في حياة البدو. وهي ذات قوائم كدليل على ~~البهيمية والحيوانية. وما فائدة الزغب والريش وحر ~~الصحراء لا يتحمل ذلك، ولا فائدة منه إلا أن يقي ~~الحيوان من زمهرير الشتاء، ووبر الجمل قصير، اللهم إلا ~~إذا كان ذلك تعبيرا عن العظمة والرخاء؟ وكيف يتكلم ~~الحيوان ببطلان الأديان؟ وهل يعلن عن ذلك الحيوان؟ ~~وكيف يتم الإعلان عن شرف الموضوع بأخس الوسائل؟ وهل ~~الحيوان قادر على التمييز بين الأديان الباطلة ودين ~~الحق؟ وهل هو حيوان عاقل؟ كما يظهر أحيانا بعض ~~التناقض في الاجتماع في شيء واحد الخير والشر معا؛ ~~إذ يخرج الحيوان رأسه من الصفا، وهو مكان مقدس، ~~فتبطل الأديان من مهبط الأديان! ولماذا يطوف عيسى ~~بالبيت، وليس محمدا وهو أولى بالطواف؟ # 14 # ولماذا لا يطوف إبراهيم وإسماعيل وهما ~~اللذان رفعا القواعد من البيت؟ وكما تظهر المبالغة ~~تبعا لقدرة الخيال الشعبي، فيتصدع الجبل من خروج ~~الدابة، وتجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها، وكأن ~~في الثلثين الباقيين لا توجد قوائم. ms311 فإن وجدت، فكيف ~~تجري الفرس على قوائم أقل؟ وقد لا يستطيع تحمل مثل ~~هذا الجسد الضخم أربع قوائم وحدها، ولا أقل من مئات ~~من الأقدام. وقد تتناقض العلامة مع نفسها أو مع غيرها؛ ~~إذ كيف تخرج الدابة والناس تطوف بالبيت، والأنبياء ~~تقوم بمناسك الحج، وفي الوقت نفسه تكون علامة أخرى، ~~وهو ألا يوجد على الأرض مؤمن واحد؟ ~~(2) خرق قوانين الطبيعة # وبعد علامات الصراع بين الخير والشر، وهي علامات ~~إنسانية خالصة تتعلق بالإنسان والحيوان، بالأفراد ~~والجماعات، بالأبطال والشعوب، تأتي علامة واحدة أخرى ~~تشير إلى اضطراب قوانين الطبيعة، وتوقف اطرادها وجريانها ~~وفقا للعادة؛ فتشرق الشمس من المغرب، وتغرب من الشرق. ~~تخرق قوانين الطبيعة، وتنتهي إمكانية الحياة في عالم لا ~~يحكمه قانون، ولكن هذا الاضطراب مؤقت وليس دائما؛ إذ لا ~~يستمر أكثر من ثلاثة أيام طبقا لروايات الإنجيل، ثم تصعد ~~الشمس إلى وسط السماء دليلا على العظمة والارتفاع والحد ~~الفاصل بين الفوضى والنظام، حيث لا ميل ولا انحراف شرقا ~~أم غربا، ثم يسود القانون الطبيعي من جديد ويطرد ~~جريانه، فتشرق الشمس من المشرق وتغرب من المغرب؛ تغليبا ~~للنظام على الفوضى، وللقانون على الاستثناء. ويوجد لذلك ~~نموذج سابق في التوراة، وهو وقوف الشمس ليوشع. فالخيال ~~الشعبي ينسج تصوراته طبقا لنماذج سابقة في تاريخ الأديان، ~~النصرانية واليهودية خاصة كأديان منافسة في الجزيرة ~~العربية. فإذا ظهر المسيح في العلامات الأربع في الصراع ~~بين الخير والشر، يظهر يوشع في خرق قوانين الطبيعة؛ ~~وبالتالي لا يكون المسلمون أقل من النصارى واليهود في تصور ~~أمور المعاد. وكما عاب أهل الكتاب على محمد عدم معرفته ~~بأقاصيص الأولين، وأرسل الله له أحسن القصص، فكذلك نسج ~~الرواة خيالات المعاد وعلامات الساعة؛ حتى لا يكونوا أقل ~~من أهل الكتاب. فإذا ما تحدث القصص عن الماضي وعن ~~التاريخ، فإن علامات الساعة تتحدث عن المستقبل. وإذا كان ~~الماضي تذكرة وعظة وعبرة، فإن المستقبل تخطيط وإعداد ~~ورؤية، وكلاهما بعدان لوعي تاريخي واحد. وقد يكون ~~الغرض من هذا الاضطراب في سير قوانين الطبيعة واطرادها ~~هو تنبيه الإنسان ms312 على نهاية الزمان وانتهاء التكليف؛ ~~وبالتالي إعطاؤه إمكانية قصوى للتوبة وتعديل السلوك ~~والتنبه إلى الفعل. فالتوبة تحدث في الزمان، وعلامة الساعة ~~إنما تحدث في الزمان؛ فالساعة هي الزمان أو لحظته القصوى ~~والأخيرة، فالعلامة هي التنبيه للإنسان لأن يلحق بالزمان ~~قبل أن يمضي وينقضي. قد تكون التوبة خاصة بالمؤمن العاصي ~~وحده دون الكافر، وقد تغلق على الكافر وحده. والأقرب أن ~~تكون للمكلف عامة العاقل البالغ بصرف النظر عن وضعه؛ ~~حتى يعطى الأمل للجميع. ومنذ عودة النظام إلى يوم القيامة ~~لا تقبل التوبة، وكأن الزمان قد استهلك، والحياة قد ~~استنفدت، ولم يعد هناك أمل في التغيير. فإذا ما اعترض ~~العقل على كل ذلك، فما أسهل اللجوء إلى القدرة الإلهية ~~الشاملة؛ وبالتالي إرجاع السمعيات إلى أحد الاختيارات في العقليات. # 15 ~~(3) انتهاء التكليف # وهناك علامات أخرى تدل على انتهاء التكليف ونهاية ~~الزمان، منها ظهور المهدي، وقد دخلت في صراع الخير والشر ~~مع ظهور المسيح عيسى ابن مريم. ومنها الدخان الذي يصيب ~~الكافر حتى يصبح كالسكران الذي يفقد وعيه وتوازنه، ويصيب ~~المؤمن منه كهيئة الزكام؛ وذلك لأن له بعض الأعمال السيئة. ~~ويمكث الدخان في الأرض أربعين يوما يخرج من أنف الكافر ~~وعينيه ودبره من كثرته فيه، ولا يخرج من المؤمن من أية ~~فتحة فيه لقلته عنده! وكيف يميز الدخان بين المؤمن ~~والكافر؟ وكيف لا يصيب الدخان المنتشر في الهواء المؤمن ~~والكافر بلا تمييز، نظرا لحمل الهواء له وعدم القدرة على ~~السيطرة على التيار، خاصة إذا مكث المؤمن والكافر في ~~المكان نفسه وفي مواجهة التيار نفسه؟ وقد يكون الكافر ~~سكيرا يحب السكر فيلتذ به. ولماذا يصيب المؤمن ~~القليل منه وهو مؤمن تائب؟ أليس الزكام في نهاية الأمر ~~مرضا يبرأ منه الإنسان؟ ولماذا تحديد الزمان بأربعين ~~يوما إلا إذا كان العدد الأربعون ما زال رمزا للموت ~~والحياة كما هو في الدين المصري القديم وفي الدين الشعبي ~~الآن؟ وقد تعني العلامة، رجوع أهل الأرض كله كفارا، ~~نهاية الإيمان، وانتهاء إمكانية الفعل والتحقق، وسيادة ~~اليأس التام والتشاؤم المطلق. فالزمان ms313 تغير وحركة ~~وصراع ونصر وغلبة، وما دام الأمل قد انتهى ينتهي الزمان ~~بدوره. وقد تكون العلامة خراب الكعبة على يد الحبشة بعد ~~موت عيسى؛ فالكعبة رمز للإيمان، وخرابها على يد الحبشة ~~إسقاط الماضي على المستقبل، ومد عام الفيل إلى نهاية ~~الزمان كنوع من هم الماضي وتحوله إلى هاجس في ~~المستقبل. ويظهر عيسى من جديد حيا مقارنا بالكعبة، مع ~~أن إبراهيم أو إسماعيل أو محمدا أولى بالقرآن. وقد تكون ~~العلامة رفع القرآن من المصاحف والصدور أيضا بعد موت ~~عيسى. وبطبيعة الحال لا يعني ذلك رفع المداد من الورق؛ ~~فالقرآن ليس حروفا بالمداد على ورق وصحائف، إنما يعني ~~رفعه من الصدور، ونسيان المؤمنين له، وضياعه منهم، وعدم ~~العمل به؛ وبالتالي انتهاء الوحي عن كونه موجها للعالم ~~ومطابقا للطبيعة. ولا يستطيع البشر أن يعيش بلا علم أو ~~عمل. وكيف يقضي الناس أمام الله يوم القيامة بلا حجة من ~~القرآن إذا ما رفع من الصدور، خاصة وأن من حفظ القرآن ~~طبقا لإحدى الروايات لا يمس جسده النار شفاعة له، ولا ~~يحرق مع حافظه؟ # 16 # والحقيقة أن علامات الساعة المذكورة في علم العقائد ليس ~~منها شيء في أصل الوحي، وهناك علامات أخرى في أصل الوحي ~~ليست منها، إنما أتت علامات الساعة في علم العقائد من ~~روايات ضعيفة وضعها الخيال الشعبي لاستكمال النسق ~~العقائدي؛ حتى لا تكون العقائد الإسلامية بأقل من العقائد ~~النصرانية أو اليهودية؛ وبالتالي أتت علامات الساعة على ~~منوالها. ويصعب في أصل الوحي التفرقة بين علامات الساعة ~~وبين بدايات اليوم الآخر، وهي صور تجمع بين الحقائق ~~البشرية وبين الحوادث الكونية، ولكن ليس بها أثر لمخلص أو ~~مهدي أو مسيح دجال أو نبي؛ فهناك خسف القمر، وجمع الشمس ~~والقمر، وتكوير الشمس، وانشقاق السماء والقمر، وهوي ~~النجم، ونفخ الصور. تكون السماء كالمهل، والجبال كالعهن. ~~يخرج الناس من الأجداث سراعا، وكل منهم لا يسأل إلا عن ~~نفسه. يكون الناس كالفراش المبثوث، والجبال كالعهن ~~المنفوش. يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، ~~وتزلزل الأرض، وتدك دكا. # 17 ms314 # ولكن الأهم من ذلك كله أنه إذا كان المقصود من ~~علامات الساعة معرفة ميقاتها، فذلك مستحيل؛ فالساعة، أي ~~نهاية الزمان، غير معلومة؛ لأن الزمان تجربة معاشة، تكون ~~الساعة هي ساعة الزمان أو ساعة الأجل. أما يوم الساعة فإنه ~~غير معلوم، مع أنه يأتي يقينا، لا يعلمه إلا الله ~~باعتباره كل الزمان، تأتي الساعة بغتة. ليس الغرض منها ~~معرفة وقتها وعلامتها، بل الإعداد لها والإحساس بالزمان ~~قبل انقضاء العمر وانتهاء التكليف. # 18 # | تاسعا: اليوم الآخر # وبعد علامات الساعة يبدأ اليوم الآخر، ومدته من أول الحشر ~~حتى تنفيذ الأحكام. والحقيقة أن هذه المدة شعورية خالصة؛ فقد ~~تطول على الكافر، وتتوسط على الفاسق، وتقصر على المؤمن حتى ~~يكون كصلاة ركعتين. ولا يترك إلى ما لا يتناهى في الزمان؛ ~~نظرا لأن مصير الإنسان إلى الجنة أو إلى النار. أما مكانه فهو ~~أرض يخلقها الله ليقف فيها الخلائق. مكان ليس في مكان؛ نظرا ~~لانتهاء الأرض. وهو تصور محض لضرورة الوقوف في مكان قياسا ~~للغائب على الشاهد. فإذا اجتمع الزمان والمكان يكون اليوم ~~الآخر هو يوم الجمعة في أرض الشام؛ اليوم المقدس في الأرض ~~المقدسة. وله أسماء عدة؛ فهو اليوم الآخر لأنه آخر يوم من ~~أيام الدنيا، وهو يوم القيامة لقيام الناس فيه من قبورهم، ~~ووقوفهم أمام الخالق، وقيام الحجة لهم أو عليهم، وهو يوم ~~النشور لأن الناس ينشرون فيه، وهو يوم العرض لأن الناس ~~يعرضون فيه، وهو يوم الوقف لأن الناس يقفون فيه. # 1 # وفي أصل الوحي يسمى يوم الفصل ويوم الحشر ويوم القيامة ~~واليوم الآخر. وما يحدث فيه يسمى الصافة والقارعة والطارق ~~والصارخة؛ أي بالدلالة الصوتية للتنبيه والإنذار. كما يسمى ~~الطامة والغاشية؛ نظرا لوقعها الثقيل على النفوس من رهبة ~~الحساب. والحقيقة أنه يصعب التفرقة بين اليوم الآخر في الدنيا ~~واليوم الأول في الآخرة، كما يصعب التفرقة بين علامات الساعة ~~في الدنيا ومناظر القيامة ابتداء للآخرة؛ مما يدل على اتصال ~~الزمان، وتغير أشكال الحياة فيه. ~~(1) الموقف، والحوض، والقصاص # ويبدأ اليوم الآخر بأهوال الموقف، وكأن التعذيب ms315 قد بدأ، ~~والحساب قد انتهى، والحكم قد صدر. وتتفصل أنواع التعذيب ~~دون أنواع النعيم؛ رغبة في إيلام الذات وإيلام الآخرين، ~~تضيقا على النفس، وزيادة في الكرب، وحملا للهموم، ~~وإعلانا من المصائب؛ فمنها طول الوقوف والانتظار للحساب ~~وبداية العذاب، عذاب الحشر، وطول الانتظار والجهل بالمصير، ~~وكأن الطوابير والترقب وجهل المصير في الدنيا وفي الآخرة. ~~يطول الانتظار، ويشتد الزحام تحت حرارة الشمس وفي عز الحر، ~~وكأن القيظ يلاحق الناس في الدنيا والآخرة، وكأن حرارة ~~جهنم قد بدأت تباشيرها، وامتد لهيبها. وتكون الشمس فوق ~~الرءوس عمودية على الناس؛ حتى يشتد قيظها دون دفء الصباح ~~أو نسمة الغروب. وكيف تكون الشمس وقد كورت من قبل كأحد ~~علامات الساعة ودب فيها الفناء؟ وهل الفناء يكون للأرض فقط ~~دون الشمس والقمر والنجوم؛ لأن الأرض وحدها هي المسكونة، ~~أم يكون الفناء للمجموعة الشمسية؟ ويتصبب عرق الناس من ~~لهيب الشمس تفوح منه رائحة نتنة، يصل العرق إلى الكعبين ~~للبعض، وإلى الركبتين للبعض الآخر، وإلى الأحشاء عند ~~فريق ثالث، وإلى الأذقان عند فريق رابع، كل قدر ~~أعماله! وكيف يتم تقييم الأعمال والحساب لم يتم بعد؟ وما ~~ذنب المؤمنين في الحشر عندما يلحقهم عرق العصاة ورائحة ~~عرقهم النتنة والجسد ملاصق للجسد، والكتف في الكتف؟ ولا ~~يتكلم الإنسان إلا بإذن الله. والصمت في هول الموقف عذاب ~~مضاعف؛ لأن الزحام يولد الكلام تعبيرا عن الهول ~~وتخفيفا للكرب، والواقف المنتظر لا حق له فيه، ولا ~~يستثنى من ذلك إلا الأنبياء والأولياء والصلحاء. وهل ~~يتساوى الأولياء والأنبياء؟ وهل يتساوى الصلحاء مع ~~الأولياء؟ وكيف يتم الاستثناء في وسط الجمع الحاشد؟ وهل ~~يتميز البعض في طوابير الانتظار كما يحدث في الدنيا عندما ~~تحشد الدهماء والجموع، بينما يقضى للمتميزين حاجاتهم ~~دون وقوف أو انتظار؟ # 2 # وتخفيفا من أهوال الموقف وحرارة الشمس، يكون لكل نبي ~~حوض يشرب منه المؤمنون، ويمنع عنه الكافرون إلا النبي ~~«صالح»؛ فحوضه ضرع ناقته! وقد يكون حوض النبي أعرض ما دام ~~خاتم الأنبياء تضم نبوته سائر النبوات كما يضم حوضه سائر ~~الأحواض، ويكون أكثر ms316 ورودا. وقد يكون لخاتم الأنبياء وحده ~~حوضه كرامة له! فإذا كانت أهوال الموقف مماثلة في قيظ ~~الشمس عذابا قبل العذاب، فإن الحوض نعيم قبل النعيم، وكأن ~~العذاب والنعيم قد بدآ من قبل. # 3 # وكيف تكون للرسول كرامة وهو بشر مثل باقي ~~البشر، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ فإثبات الحوض قائم ~~على إثبات الكرامة؛ فإذا ما تم إنكار الكرامة تم إنكار الحوض. # 4 # وكيف يكون الرسول وهو أرحم البشر أجمعين بهذه ~~القسوة، يمنع العطشان من الحوض، وهو متدلي اللسان لاهث ~~النفس، والرسول إنسان؟ وماذا عن باقي الأمم إن لم يكن لكل ~~نبي حوض ؟ ولماذا يكون حوض صالح ضرع ناقة إن لم تكن المعجزة ~~في النبوة رصيدا في الميعاد؛ وبالتالي يحد الماضي ~~المستقبل بتصوراته وتخيلاته؟ وتزداد التفصيلات في وصف ~~الحوض مكانا؛ طولا وعرضا وعمقا، ولونا ورائحة. فمن ~~حيث الشكل هو حوض أو نهر لا تنافس بينهما ما دام المعنى ~~واحدا، وهو الدلالة وتخفيف عذاب العطش، وهو متصل بالجنة ~~ونهرها، وكلاهما كوثر؛ فالحوض مصدر النعيم مثل أنهار ~~الجنة، مع أن الكوثر لغويا تعني الخير البالغ في الكثرة، ~~وقد لا تعني شيئا حسيا ماديا مكانيا. مكانه مع ~~الوقف وقبل الصراط؛ لأن الناس يخرجون عطشى من القبور، وكأن ~~الإنسان في القبر ما زال له جسد ولسان وحلق يشعر بالعطش! ~~وقد يكون هناك حوضان: الأول قبل الصراط والميزان، والثاني ~~في الجنة. الحوض قبل الصراط؛ فالناس عطشى، والحوض بعده ~~إرهاصا للجنة. وقد يعترض من القدماء بأن الحوض لو كان ~~قبله لحالت النار بينه وبين الماء الذي ينصب فيه من ~~الكوثر، وكأن النار متوسطة بينهما، أو أنه يستحيل التغلب ~~على هذه الصعوبة بالالتفاف والكباري والسدود، أو أن القدرة ~~الإلهية ليس في استطاعتها الإجابة الفعلية على هذا ~~الاعتراض. مكانه على الأرض المبدلة، وهي أرض غير الأرض ~~التي فنيت، ولا سبيل إلى معرفتها إلا قياس الغائب على ~~الشاهد. هو جسم مخصوص متسع الجوانب على أرض بيضاء ~~كالفضة. فهو حوض حسي حتى لا يكون مجرد خيال أو وهم، ~~متسع الجوانب تعبيرا ms317 عن الفيض والكرم، على أرض بيضاء ~~كالفضة تعبيرا عن الصفاء والنور والطهارة. واتساعه لمسافة ~~ما بين أيلة ومكة، أو ما بين صنعاء ومكة، أو بين بيت ~~المقدس ومكة، فهناك طرف ثابت وهو مكة، وطرف آخر متحرك ~~وهو آيلة أو صنعاء أو بيت المقدس. الأول في وسط الجزيرة، ~~والثاني في جنوبها أو في شمالها. وقد تكون المسافة ما بين ~~المدينة وبيت المقدس، فتحل المدينة مكان مكة، ويكون القياس ~~شمالا لا جنوبا. وقد تكون المسافة في جنوب الجزيرة ما ~~بين عدن وعمان على طول حضرموت، حتى يحدث التقابل بين ظمأ ~~حضرموت وري الحوض. وقد تتحدد المسافة أكثر فأكثر ~~بالمسيرة بين نقطتين؛ فالمسيرة بين عدن وعمان شهرا، وما ~~بين مكة وأيلة شهرا، وما بين صنعاء والمدينة شهرين، وقد ~~كانت هذه الجهات تمثل أطراف الأرض القصية في الجزيرة ~~العربية؛ وبالتالي يدل قياسها على اتساع الحوض وكثرة الماء ~~بالتقابل مع قحط الجزيرة. # 5 # زواياه مربعة دليلا على الاتساق الهندسي، ~~مستو ماؤه ضد الهيجان، صفحته هادئة ضد الأمواج حتى يصح ~~الشرب في هدوء وسكينة، لونه أبيض ناصع مثل اللبن، مثل كل ~~شراب الجنة، وطعمه أحلى من العسل، ورائحته أطيب من رائحة ~~المسك. أمينه جبريل عليه حارس مع علي، ويصرف أمته بالضرة ~~والتحجيل؛ مما قد يدل على بعض الصور التي تنشأ في مجتمع ~~الاضطهاد والانتقال من الفقر التام إلى الغنى التام. من ~~الناس من يشرب منه لدفع العطش، ومنهم من يشرب للتلذذ، ~~ومنهم من يشرب لتعجيل المسرة. الشرب الأول حاجة، والثاني ~~متعة، والثالث ازدياد. على الحوض ولدان صغار ذكورا ~~وإناثا يخدمون الآباء والأمهات، وهي صورة المجتمع البدوي ~~القبلي. في أيديهم أكواب وأقداح ومناديل لتجفيف الفم، ~~وعليهم قباب الزخرف والنقوش. قد تكون الأقبية من الديباج، ~~والمناديل من نور. بأيديهم أباريق من فضة وأقداح من ذهب. ~~كيزانه كنجوم السماء باعتبار العدد أو اللمعان. يسقي ~~الولدان آباءهم وأمهاتهم إلا من سخط الله عليهم فلا ~~يسقونهم، فيتفرق الولدان عن آبائهم وأمهاتهم، وتمحى عاطفة ~~الرحمة والبر بالوالدين في يوم الفراق، وكأن الله ms318 يفرق ~~بين الابن وأبيه والبنت وأمها على الحوض. من شرب منه يوم ~~القيامة لم يظمأ أبدا، وكأن في شربه أعظم لذة من شراب ~~الجنة. ولا يشرب منه إلا من قدر له عدم دخول النار، ~~وكأن من يدخل النار قد قدر له العطش في الأولى وفي ~~الآخرة، قبل الحساب وبعده، # 6 # بل ولا يشرب منه كل من ينكره، وكأن إنكار ~~الحوض يحتاج إلى عقاب بالعطش، وهي حجة تهديدية توعدية ~~أكثر منها حجة عقلية، وكأن الاجتهاد والرأي جريمة يستحق ~~صاحبها العقاب. كما قد يدعى على المنكرين له بألا يشربوا ~~منه هجوما على الشخص دون حوار مع الأفكار، مع أن الإنكار ~~هو نوع من تأويل الحوض بالخير الكثير أو النبوة أو القرآن ~~أو الرضا والرضوان. # 7 # ولا يمكن رد الإنكار إلى أثر خارجي دون تناول ~~للصورة ذاتها، هل هي حس أم تخييل، واقع أم إيهام، حدث ~~تاريخي أم بنية نفسية؟ لذلك قد لا يكفر منكره، بل ~~يخطأ فحسب؛ لأنه مما لا يجب اعتقاده. # 8 # وعلى هذا النحو، لا يقع التعطيل فقط في ~~الإلهيات، بل يقع أيضا في الأخرويات، وهو قائم أساسا على ~~رفض مادية المعاني وحرفية النصوص. # وأخيرا يأتي القصاص كأحد أحداث الموقف، قصاص المظلوم من ~~الظالم، وكأن أداء حق البشر قبل الحساب سابق على أداء حق ~~الله بعد الحساب. # 9 # وهو مشابه لقوانين الاستحقاق والتعويض ~~والإحباط والتكفير والموازنة؛ وبالتالي يكون أدخل في العدل ~~منه في المعاد، أو يكون المعاد تحقيقا لمبادئ العدل، ولكن ~~ألا يكون القصاص هنا رغبة في الانتقام لا يجوز في هول ~~الموقف؟ ألا يكون تسرعا في تطبيق مشخص للعقاب وأخذا ~~بالثأر دون انتظار الحساب؟ ألا تغيب فيه روح التسامح لا من ~~الإنسان ولا في غيره. إنه في الحقيقة سبق للحساب؛ فقد يكون ~~لدى الإنسان عذر مقبول أو دافع نبيل. وهل يجوز للإنسان ~~أن يقتص بيده أم إن الله هو الذي يقتص له كما يقتص له ~~الإمام في الدنيا؟ وإذا ما اقتص المقتول بيده من قاتله، ~~فكيف يحاسب القاتل؟ هل ms319 يبعث من جديد حتى يتم حسابه ~~وينال عقابه؟ وهل هناك قصاص من القاتل عندما يقتل قاتله في ~~الدنيا؟ ألا يكون ذلك أشبه بدورة لا نهاية لها، مثل الأخذ ~~بالثأر في صعيد مصر؟ وكيف يكون القصاص بين الحيوانات وهي ~~غير مكلفة، خاصة إذا قام الله بذلك بنفسه؟ وقد وضع الله ~~قانون الغاب. هل أكل القوي للضعيف قانون طبيعي من صنعه؟ ~~هل يقتص الله من الأسد لأنه أكل أرنبا، أو من القطة لأنها ~~أكلت فأرا؟ وكيف يعيش الأسد والقط؟ ولماذا لم يضع الله ~~فيها عقلا كما وضع في الإنسان، ويكون ذلك أصلح لها من ~~القصاص؟ وإذا كان الصياد يصطاد الأسد، والسبع يأكل القط في ~~الدنيا، فلماذا لا يكون ذلك قصاصا؟ يتضح من ذلك أن ~~السمعيات لا يمكن أن تتأصل إلا على نحو عقلي أسوة ~~بالعقليات، خاصة وأن معظمها قد أتى من الشروح المتأخرة، ~~ومستمدا من كتب التصوف حين توقف العقل، فاستمدت ~~العقائد الأشعرية مادتها منه. ~~(2) الحساب، والميزان، والحفظة، والكتبة، وإنطاق ~~الجوارح # بعد الموقف والحوض والقصاص يأتي الحساب والميزان والحفظة ~~والكتبة وإنطاق الجوارح. وإثبات أحدها يؤدي إلى إثبات ~~الآخر، كما أن تأويل أحدها يؤدي إلى تأويلها كلها. # 10 # ويبدأ الحساب بالوقوف بين يدي الله. ولا يعني ~~الوقوف هنا الحركة وانتصاب القامة بقدر ما يعني بداية ~~الحساب والامتثال أمام القاضي في ساحة العدالة. # 11 # ثم يبدأ الحساب بعد الوقوف. والحساب يعني ~~التحقيق الفعلي والنهائي لقانون الاستحقاق. ومع أن الله ~~يعلم كل شيء، ولا فائدة تعود عليه من الحساب، ولكنه صورة ~~القضاء العادل؛ حتى يعرف الإنسان أعماله، حسنات أو سيئات، ~~وحتى تعطى له كل الفرص للدفاع وللمحاجة. الغاية من ~~الحساب إقناع الإنسان، وليس فرضا عليه، وإعطاؤه أكبر فرصة ~~للدفاع عن النفس، لا أن يكون متهما لا يعرف التهمة، ~~ويصدر عليه الحكم وهو لا يعرف السبب، كما تصور ذلك ~~الروايات الإنسانية والآداب عند كل الشعوب. وقد لا يحتاج ~~الإنسان إلى حكم يصدر عليه من حاكم أو قاض؛ إذ يحكم على ~~نفسه بنفسه بعدما يشهد على نفسه. ms320 وليس الهدف من الحساب ~~معرفة قدر الأعمال من حيث الكم فحسب، بل أيضا معرفة ~~الكيف؛ فالقياس كمي وكيفي في آن واحد؛ حتى يتحقق العدل. ~~وبالرغم من أن الحساب علني، إلا أن الله قد يخفي سيئات ~~العبد عن العباد حفاظا على كرامتهم، وتسترا على سوءاتهم، ~~مغفرة لهم، وكأن المغفرة تتم مباشرة قبل السؤال والجواب ~~وبلا توبة. كما تتفاوت درجات الحساب؛ منها اليسير ومنها ~~العسير، منها الجهر ومنها السر، والحساب منه الفضل ومنه ~~العدل. ويكون الحساب فردا فردا. قد يطول عند البعض وقد ~~يقصر عند البعض الآخر، ولكن من الذي يقوم بالحساب؟ قد يقوم ~~الله نفسه به، وقد ينيب الملائكة عنه ، وقد يقوم به الله ~~والملائكة معا، ولكن هل يتحدث الله بصوت قديم فالكلام ~~صفة قديمة، أم بصوت مخلوق لأن الصفات حادثة؟ هل يخلق ~~الله صوتا في أذن السامع أم يكشف عن الإنسان الحجاب ليعلم ~~الحساب دون صوت؟ # 12 # وقد يتم الحساب من خلال الطير من تحت العرش، ~~فتلتصق بعنق صاحبها، فيأخذها الملك وينادي على صاحبها، ~~ويدفعها له بيمينه، أو بعد ثقب ظهر الكافر، ويأخذها منه ~~بشماله! فكل إنسان ألزم طائره في عنقه؛ أي حمل مسئوليته ~~ونتائج أعماله، وليس طيرا حقيقيا حول العنق. واليمين ~~حسن والشمال سيئ طبقا للسنة في الطعام باليد اليمنى ~~ودخول المسجد بالرجل اليمنى. ويستغل ذلك في السياسة لجعل ~~السلطة أهل اليمين والمعارضة من أهل اليسار، فتحسن ~~السلطة وتقبح المعارضة. # 13 # ويستثنى الملائكة والأنبياء وسبعون ألفا من ~~هذه الأمة ومن تبعهم من الحساب، وهم الذين وصلت أعمالهم ~~الحسنة من البداهة بحيث تصبح نتيجة الحساب معروفة سلفا. ~~وأفضل من يحاسب وأولهم أبو بكر. وماذا عن الصبية ~~والمجانين والمعذبين في الأرض؟ ولماذا يستثنى سبعون ~~ألفا يتبع كلا منهم سبعون ألفا، فتكون النتيجة ~~4900000000؛ أي ما يقارب الخمسة مليارات، وهو ما يعادل ~~سكان الأرض تقريبا؟ وهل التقليد يغني عن الحساب؟ وإن ~~استثناء المعصومين من الحساب يدل أيضا على أثر شيعي، وأن ~~كل فريق يستثني أصحابه بأن الحساب، ويضع فيه خصومه. وتكون ~~أمة الإسلام ms321 آخر أمة في الحساب، مع أنها أولها في الفضل ~~والخير، فهل هذا عدل أم كرم أم موضوعية صرفة؟ هل لأن ~~أخطاءها قليلة أم إن مسئولياتها جسام؟ أليست محتلة ~~ومتخلفة ومقهورة ومستغلة ومجزأة ومغربة ولا مبالية، ~~تعرف الحق ولا تعمل به، وهو أسوأ مما لا يعرف الحق؟ هل ~~سيكون ترتيب الحساب للأمم طبقا لترتيب ظهور الأنبياء، وهو ~~أقرب إلى العدل، ومراعاة لتطور التاريخ؟ مع العلم بأن آخر ~~المحاسبين هو أطول الواقفين والمنتظرين! لذلك كان ~~الفضلاء أول المحاسبين من كل أمة، وأسهلهم وأسرعهم ~~حسابا. وإذا تم إنكار الحساب للكل، أو حساب الكفار وحدهم، ~~فلأن نتائج الأعمال جزء لا يتجزأ منها، وتحتوي على الثواب ~~والعقاب من داخلها. فالحساب هنا زيادة خارجية وإضافة ~~صورية على شيء قد تحقق بالفعل. وكيف يحاسب من جهل ~~الحق نظرا، وهو حال الكفار، ولم يجد عليه برهانا؟ قد ~~يحاسب على أعماله الطبيعية وعقله البديهي بطريقة أسرع ~~وأسهل وأخف. # 14 # ويكون الحساب والمساءلة، أي السؤال والجواب، ~~وأخذ الأقوال، وفتح محضر التحقيق، حتى يمكن نزع الاعتراف ~~من المتهم حتى تثبت التهمة عليه. # 15 # وبعد الحساب والمساءلة يأتي الميزان؛ إذ هناك ترتيب في ~~أمور الحساب. الميزان قبل الصراط وبعد الحساب. # 16 # والسؤال هو: هل هو ميزان ذو لسان وكفتين؟ ~~ولماذا تكون الكفتان من ذهب؟ وهل هناك صنج؛ أي وحدات قياس؟ # 17 # والذهب مادة قيمة تسترعي الانتباه، وتثير ~~الخيال، وتدل على العظمة والشرف أكثر من الحديد والنحاس، ~~فينضم قياس المرتبة والشرف والأولى إلى قياس الغائب على ~~الشاهد، ولكن ما هو الموزون؟ إذا كانت صحائف الأعمال فهي ~~رقائق؛ صحف من ورق أو من جلد، ثقلها أو خفتها لنوعها وليس ~~للكتابة فيها. هل الموزون جسم يخف ويثقل؟ هل هو كاغد ~~مكتوب عليه خيرات العباد وشرورهم، ثم يخلق الله فيه ثقلا ~~أو خفة فيترجح به الميزان؟ إن لكل شيء ميزانا، المعيار ~~للخفة والثقل، والمكيال للأحجام، والذراع والفرسخ والميل ~~للمسافات، والعدد للمعدودات، وميزان الأعمال والأقوال ما ~~يليق بها. ومع ذلك يظل السؤال: هل الموزون الأعمال أم ~~صحائف ms322 الأعمال؟ المعاني والقيم أم تشخيصها في صحف ~~مكتوبة؟ وهل الأعمال حبر على ورق، ومداد على صحائف؟ وماذا ~~عن صنف الورق أو الجلد وعدد الصحائف؟ قد تكون صحائف الخير ~~على ورق رقيق شفاف، وصحائف الشر على ورق غليظ، فترجح ~~كفة الشر على الخير. وما نوع الخط ونظامه وكيفية كتابته؟ ~~فقد يكتب الكثير في مساحة قليلة، وقد يكتب القليل في ~~مساحة كبيرة على ما هو معروف في فن الخط العربي. توزن ~~الحسنات في كفة من نور، وتوزن السيئات في كفة أخرى من ~~ظلمة، وكأن نوع الأعمال يؤثر في كل كفة تأثيرا من نوعه. ~~والأمر كله تشبيه وتخييل تعبيرا عن أحكام قيمة، ولكن ~~هل يمكن إثبات الميزان ونفي وزن الأعراض لأنها لا وزن لها؟ ~~وكيف تدخل الأعراض في الحساب؟ إن عدم وزن الأعراض هو أحد ~~حجج النفي؛ وبالتالي يكون الموقفان، إما إثبات الميزان ~~الحسي أو إثبات الميزان المعنوي. # 18 # ويزداد تفصيل الصحف، نوعها ومكان تعليقها ~~وكيفية أخذها وقراءتها؛ فكتاب المؤمن أبيض، وكتاب الكافر ~~أسود. وهي لغة النور التشبيهية التي تعبر عن التقابل بين ~~النور والظلمة تشبيها للحسنة والسيئة، ولكن كيف تأتي ~~الكتب وتعلق في العنق؟ تطيرها الريح من خزانة تحت ~~العرش، فلا تخطئ كل صحيفة عنق صاحبها، ثم تأخذها الملائكة ~~فتعطيها لهم باليد. إلى هذا الحد بلغت دقة التصويب! ~~ولماذا لا تأتي في اليد مباشرة وتأتي على حركتين؟ ويدخل ~~أبو بكر كرئيس بلا صحف؛ لأن حسناته بديهية وأكثر من ~~سيئاته. وعمر أول من يأخذها بيمينه كدليل على منهجين؛ ~~النص عند أبي بكر، والواقع عند عمر. وأبو مسلم أول من ~~يأخذها بشماله؛ لأنه أول من حارب النبي يوم بدر. فهذا ~~تصوير لمواقف دنيوية. يأتي ليأخذ كتابه بيمينه، فيجذبه ~~ملك، فيخلع يده، فيأخذه بشماله وراء ظهره. وهي صورة فنية ~~أقرب إلى الحركات المسرحية لتصوير الصراع بين الخير والشر، ~~والتقابل بين الحسنة والسيئة. وإذا كانت «لا إله إلا الله» ~~مكتوبة في صحيفة، فإنها تعادل كل السيئات، وكأن الإعلان ~~عن التوحيد مجرد عبارة مكتوبة، وليست شهادة فعلية ms323 بالقول ~~والعمل، بالإقرار وبالفعل. وهل يقرأ كل إنسان كتابه أم ~~يقرأ عليه؟ وماذا عن الأمي؟ وماذا عن الأعمى أو الأصم؟ ~~وبأية لغة تكتب الصحف وتتم قراءتها؟ # 19 # والذي يزن الأعمال هو جبريل مع أنها ليست ~~وظيفته، ويقوم ميكائيل أمينا على جبريل منعا للسهو أو للخطأ، # 20 # ولكن هل يزن الله بنفسه أم ينظر إلى الملائكة ~~تزن بدلا عنه؟ وقد توزن بعض الأشياء بذاتها في غير ما ~~حاجة إلى وازن، الحكم بالنفس على النفس. فهل هذا ممكن؟ هل ~~تتوفر الأمانة في حساب الذات خاصة ولو كانت السيئات أعظم؟ ~~وما السبب؟ هل انشغال الملائكة وترفع الله أم بلاء ~~وامتحانا للمؤمن أو ثقة به؟ وماذا لو رغب المؤمن أيضا ~~زيادة مراتبه في الجنة وأفاض المكيال ووفى الميزان؟ ولماذا ~~يستثنى سبعون ألفا من الميزان يدخلون الجنة بغير حساب ~~ولا صحف؟ وبأي مقياس يتم الاختيار؟ وهل هو ميزان واحد ~~بالرغم من تعدد الخلق، أم هي موازين عدة متشابهة يجمعها ~~اسم الجنس أو النوع؟ إن كل هذه التساؤلات تجعل الميزان ~~مجرد صورة حسية للعدل والقسطاس سيرا على طبقة التخييل، ~~وهي أساس الإعجاز عند البلاغيين، ولا ترفض إحالة الموضوع ~~كله إلى مقررات العقول؛ فالتأويل هو السبيل للخروج من جدل ~~الإثبات والنفي. وجعل الموضوع كله خارج عقول البشر هو هدم ~~لإمكانية تأسيس العلم طبقا لنظرية العلم في المقدمات ~~النظرية الأولى. والإثبات ثم التوقف في الكيف تحصيل حاصل، ~~خطوة إلى الإمام وخطوة إلى الخلف. # 21 # وما دامت هناك صحف منشورة أو معلقة، فهناك كتبة، ~~وكتبة من الملائكة. وما دامت هناك صحيفتان، فهناك ملكان، ~~وكأن ملكا واحدا لا يكفي لكتابة الحسنات والسيئات، أو أن ~~اليد الكريمة التي تخط الحسنات لتستنكف أن تخط ~~السيئات. وكيف يكون هناك ملاك للسيئات؟ أليس ذلك تناقضا ~~بين الفاعل والفعل، بين الشخص والوظيفة؟ الأقرب إلى كتابة ~~السيئات أن يكون الشيطان الذي يسر بكتابة السيئات ويحزن ~~لكتابة الحسنات. وأين ستحدث الكتابة في الدنيا مكان الحدث ~~أم في الآخرة مكان التسجيل؟ وبأي لغة؟ وبأي قلم؟ وفي أي ~~قرطاس؟ ms324 وهل يخفى على علم الله شيء حتى تدون أفعال ~~العباد؟ قد يكون ذلك احتراما للتدوين وتنفيذا للشرع في ~~كتابة الوصاية والديون والعقود. وهل يعرف الملائكة القراءة ~~والكتابة وعديدا من اللغات واللهجات للأمة الإسلامية؟ ~~وماذا عن الأمم والشعوب الأخرى ولغاتها وأفعالها وقيمها؟ ~~هل هناك مقاييس للحكم على الأفعال؟ وهل الأفعال من الوضوح ~~بحيث يسهل تصنيفها بين الخير والشر؟ وكيف يمكن تقييم الفعل ~~وهو متشابك بين النية والغاية، بين القدرة والقيمة؟ وهل ~~على الملاك ملاك إلى ما لا نهاية؟ وهل على الجن والشياطين ~~والأنبياء والأولياء والصالحين ملائكة؟ وماذا يفعل ملك ~~الشمال الذي لا يجد شيئا يكتبه للملائكة والأنبياء ~~والأولياء والصالحين والمعصوم، في حين يئن ملك اليمين من ~~كثرة الكتابة وتدوينه للحسنات ؟ وماذا سيفعل ملك اليمين ~~الذي لا يجد شيئا يكتبه للكفار وللذين حبطت أعمالهم، ~~بينما يئن ملك الشمال من كثرة كتابته للسيئات والمعاصي؟ ~~هل في ذلك مساواة للأعمال؟ وإذا كان الكتبة يفارقون ~~الإنسان في أوقات البول والغائط وعند الجماع والغسل، ولا ~~يفارقونه ما دون ذلك، ولو كان في بيته جرس أو كلب أو صورة، ~~فهل يمكن للإنسان أن يأتي ما يشاء من أفعال في هذه الأوقات ~~وهو ضامن عدم التسجيل عليه؟ ولماذا لا يفارق الحفظة العبد ~~في هذه الأوقات مثل الكتبة، ويصرون على مصاحبته؟ هل ~~يحفظونه من الضرر، أو لما يصدر عن الإنسان من قول أو فعل ~~أو اعتقاد؟ وهل الإنسان عاجز عن أن يحرس نفسه بنفسه؟ وكيف ~~تقع المصائب للإنسان وعليه حفظة؟ وإذا كان القدماء لا ~~يعرفون كيفية ذلك، فلماذا إدخاله في علم العقائد، وهو علم ~~مهمته النظر والبحث عن الأسس العقلية التي تقوم عليها ~~دفعا للشبهات عنها؟ # 22 # وقد تزداد التفصيلات حول المكتوب والكتبة؛ ~~فالمكتوب ليس الأقوال، بل الأفعال والاعتقادات والنيات، ~~كذكر القلب سرا بعلامة يعرفونها بها، ولكن أليس من ~~الأقوال ما هو بمثابة الأفعال؛ فالكلمة إعلان عن حق وأمر ~~بفعل؟ ولماذا لا تكتب الأقوال بينما تكتب النيات ~~والاعتقادات؟ وماذا تفعل الكتبة بما يهم الإنسان به دون ~~أن يفعله؟ وماذا ms325 تفعل بما تاب الإنسان عنه؟ هل تمحوه؟ ~~وماذا تفعل بالأفعال الجماعية؟ لأي الأفراد تنسبها؟ وكيف ~~تحدد الكتبة المسئولية في الأفعال المشتركة؟ وإذا كانت ~~أفعال الصبية والمجانين لا تدون لأنها ليست أفعال ~~تكليف، فهل لهم كتبة؟ وماذا يفعلون؟ وماذا تفعل الكتبة في ~~أفعال الكفار؟ كيف تقيمها، خاصة إذا أتى الكافر بأفعال ~~صادقة حسنة النية؟ وقد يزداد العدد من اثنين إلى أربعة ~~أو عشرة أو عشرين، عشرة بالنهار وعشرة بالليل بالتناوب، ~~وكأن الملائكة ينتابها تعب ونصب! بل وتتحدد أماكنها؛ واحد ~~عن يمينه، وواحد عن شماله، واثنان بين يديه، واثنان على ~~حاجبيه، وواحد قابض على ناصيته، إن تواضع رفع وإن تكبر ~~خفض، واثنان على شفتيه لا يحفظان عليه إلا الصلاة، ~~والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه! فاليمين والشمال ~~مفهوم لتدوين الحسنات والسيئات، ولكن ما وظيفة الملكين ~~بين يديه وعلى حاجبيه؟ هل يكتبان ما تفعل يداه وما تنظر ~~عيناه؟ وإذا كانت وظيفة الاثنين على الشفتين الحفاظ على ~~الصلاة، فأين صدق النية والعزم دونما حاجة إلى ملكين؟ أم ~~إن وظيفتهما تدوين الأقوال وكل ما يخرج أو يدخل من الفم؟ ~~أما هذا العاشر الذي يحرس الإنسان من أن تدخل الحية في ~~فمه، فأين هذه الحية؟ وماذا تعني؟ وهل رأينا إنسانا تدخل ~~حية في فمه إلا إذا كان ساحرا؟ وكيف يقف الملكان على ~~الحاجبين والشفتين وكأنهما حواة أو بهلوانات في سرك؟ ~~ولماذا يراجع الإنسان ما دون الملكان كل يوم خميس حتى ~~يقر بما فعل ويلقى ما سواه؟ وهل يخطئ الملكان في ~~التدوين وتكون الرقابة في النهاية للإنسان عن نفسه؟ وماذا ~~لو نشأ نزاع بينهما، بين الإنسان والملائكة، فمن الحكم؟ ~~ولمن القول الفصل؟ قد يعني الملكان مجرد شهود بين الله ~~وخلقه طبقا لقانون العدل وضرورة الشهود على ما هو معروف ~~في الدنيا وفي الشرع. # 23 # وقد تكون هناك صلة بين هذا التدوين وما يحدث ~~في المجتمعات الحالية من تدوين كل شيء على الإنسان، وتسجيل ~~ما يصدر منه من أقوال وأفعال، ورصد ما يبدو منه من حركات ~~وسكنات، ms326 واستعمال شتى وسائل جمع المعلومات وأجهزة التصنت ~~والتجسس على حياة الناس الخاصة والعامة. ففي مجتمعاتنا ~~رقباء على الرقباء، ومتصنتون على المتصنتين، حتى تتجمع ~~الخيوط كلها في يد الحاكم الأعظم. وقد يسمى الملكان؛ ~~فأحدهما رقيب والآخر عتيد، أسوة بمنكر ونكير. وبصرف النظر ~~عن الأسماء، هل تشير إلى مسميات أم لا، فقد تشير الأسماء ~~إلى وظائف، وليس إلى أشخاص وظائف الرقابة والحفظ. ولما ~~كانت ثنائية الخير والشر أصيلة في الخيال الشعبي، فالأول ~~لكتابة الحسنات والثاني لكتابة السيئات، يلازمانه طيلة ~~حياته، يدونان حسناته وسيئاته. وهذا يتطلب عددا من ~~الملائكة ضعف عدد البشر في الماضي والحاضر والمستقبل؛ حتى ~~يكفي بالناس، لكل فرد اثنان. وقد يكون لكل فرد ملكان؛ ~~اثنان بالنهار واثنان بالليل؛ فتكون الملائكة أربعة ~~يتعاقبون عند صلاة العصر وصلاة الصبح؛ أي بعد منتصف النهار ~~وبعد منتصف الليل؛ وبالتالي يكون عدد الملائكة أربعة أضعاف ~~عدد البشر، ولا يتغايران عليه ما دام حيا. وإذا مات ~~يقومان على قبره يسبحان ويكبران ويهللان، ويكتبان ~~ثوابه إلى يوم القيامة إن كان مؤمنا، ويلعنانه إلى يوم ~~القيامة إن كان كافرا. دورهم إذن يتعدى دور الكتبة إلى ~~دور الحاكم والمقيم والداعي بالخير أو الشر، بالبركات أو ~~اللعنات. يدونان الأعمال في الزمان والمكان لمزيد من ~~الضبط والإحكام. ملك اليمين أمير على ملك اليسار، ولا يكتب ~~ملك اليسار شيئا إلا بإذن ملك اليمين. لا تدون السيئة ~~إلا بعد ست ساعات من وقوعها؛ فلعل الإنسان يتوب عنها. ~~ولماذا ست ساعات تماما لا أقل ولا أكثر؟ وهل يعطي ذلك ~~الإنسان الحق في أن يفعل ما يشاء ثم يتوب عنه قبل انقضاء ~~الساعات الست بدقيقتين، أم إن ذاك يعتبر نوعا من ~~الحيل الفقهية أو سوء النية في الأخلاق؟ فإذا ما انقضت ~~الساعات الست، لماذا يدعو عليه الملاك بالموت ويناصبه ~~العداء؟ ألم تنشأ بينهما صداقة طول العمر؟ # 24 # والحقيقة أن هناك اشتباها بين جعل الكتابة ~~بكاتبين وآلة وقرطاس ومداد، وجعلها كناية عن الحفظ ~~والعلم. وقد يصل التشبيه إلى حد جعل الملكين معلقين ~~على ناجذي الإنسان أو ms327 عاتقيه أو عنقه أو ذقنه. وقد تتعدد ~~الكتب؛ فهناك كتب أعمال العباد، وهناك كتب اللوح المحفوظ، ~~وهناك كتب الملائكة التي بها أوامر التصرف في العالم. صحف ~~الحفظة موضوعة تحت العرش رمزا للحفظ في الخزانة. وما ~~الحاجة إلى كل هذه الكتب والتدوين البعدي فيها بعد وقوع ~~الحوادث، واللوح المحفوظ قد دون فيه كل شيء من قبل؟ إن ~~الهدف من كل ذلك هو مجرد تصوير فني للرقابة على النفس، ~~ومعرفة النفس بكل أفعالها لتذكر الإنسان بأن كل شيء ~~معروف، وأنه لا أسرار هناك تكتم وتخفى. ويحدث ذلك خاصة ~~بالنسبة لأفعال الحلال والحرام، أو حتى أفعال الندب ~~والكراهة. أما أفعال الإباحة فإنها لا تكتب؛ لأنها لا ~~تتطلب رقابة نفسية، بل مجرد تعبير عن طبيعة. # 25 # وإنطاق الجوارح للشهادة على الإنسان. فالجوارح التي قامت ~~بالأفعال؛ أي الأعضاء المباشرة مثل الأيدي والأرجل والألسن ~~والسمع والبصر والجلد، بالإضافة إلى الأرض؛ أي المكان، ~~والليل والنهار؛ أي الزمان؛ فالفاعل وميدان الفعل مكانا ~~وزمانا، الكل يشهد على الفعل. وقد تتكلم الأعضاء بلا ~~لسان، وقد يشهد كل عضو بمفرده طالما أن له بنية حية ~~ويتكلم بلا لسان، أو قد ينوب اللسان في الشهادة عنه. ~~والشهادة الأولى أقوى؛ لأنها مباشرة ولا وسيط، وأبلغ من ~~حيث الخيال الشعبي. وسواء نطقت الجوارح أم أنطقها الله، ~~فإن المهم هو شهادتها على الإنسان في أفعاله، وإلا لتحول ~~الموضوع إلى صفة القدرة في مبحث الصفات. ويبدو هنا أيضا ~~رصيد المعجزات في إنطاق الجوارح، وكيف أن رصيد النبوة ~~يصب في المعاد؛ فنطق العجماء مثل إنطاق الجوارح؛ فإذا ~~كانت الأفعال في الدنيا تدور في نطاق السر والكتمان، فإنها ~~في المعاد تصبح مكشوفة على الملأ وأمام الأشهاد، وابتداء ~~من البدن في الزمان والمكان. # 26 ~~(3) العرش، والكرسي، والقلم، واللوح # وكلها مناظر القاضي على منصة الحكم؛ العرش والكرسي، ~~وبعده القلم واللوح، وبه سجل الأعمال والكاتبون؛ أي ~~الكتبة الكرام. # 27 # فالعرش جسم عظيم، والعظم عكس الصغر، مصنوع من نور عكس ~~الظلام، علوي ضد السفل، من زبرجدة؛ أي من أحجار كريمة في ~~مقابل ms328 الأحجار العادية. لونها أخضر، وهو اللون الديني ~~المفضل لعباءة النبي وللطرق الصوفية، أو أحمر وهو لون ~~الحمية والنار والفاعلية والشيطان. ليس كرويا، بل قبة ~~فوق العالم؛ مما يدل على الاحتواء، فالتحديب أفضل وأسمى ~~من التقعير. أعمدته أربعة، وهي صورة للعرش والحمل. تحمله ~~الملائكة كمحفة تأكيدا للعظمة، وفي الآخرة ثمانية زيادة ~~في العظمة. تصل رءوس الملائكة عند العرش في السماء السابعة ~~وأقدامهم في الأرض السفلى؛ تعبيرا عن طول القامة وعظم ~~المهابة، # أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء ~~. قرونهم كقرون ~~الوعل، ما بين قرن وقرن خمسمائة عام؛ مما يدل على اتساع ~~الجبهة كي تقدر على حمل العرش. وعظم الحامل يدل على عظمة ~~المحمول. ومع أن صورة القرن للشيطان وليس للملاك، إلا أن ~~الوعل المقرن صورة بدوية كريمة. # 28 # وكل ذلك رجم بالغيب وقول بلا دليل. # أما الكرسي فهو أيضا جسم عظيم من نور تحت العرش، ~~ملتصق به، فوق السماء السابعة، ثابت معه لا يتزحزح، ~~والسماء السابعة أعلى وأشرف من السموات الست الأولى طبقا ~~للعدد الرمزي سبعة، بين الكرسي والعرش مسيرة خمسمائة عام؛ ~~فالعدد خمسة أيضا عدد رمزي في الديانات القديمة، في ~~اليهودية والنصرانية وفي أطراف الإنسان. والقصد هو الدلالة ~~على العظمة. اتساع الكرسي والعرش مثل اتساع جبهة الوعل، ~~والتقدير بالمسيرة الزمنية أعظم وأبعد من التقدير بالمسافة المكانية. # 29 # والقلم جسم عظيم يتناسق مع الكاتب واللوح وعظم المادة ~~المكتوبة، مصنوع من نور، فالنور مادة شفافة، والشفاف أرقى ~~من المعتم. وقد يكون مصنوعا من اليراع، وهو القصب؛ حتى ~~يكون أسوة بقلم الدنيا الذي يستعمله الخطاط لتحسين الكتابة ~~وتجميلها. يخط كل شيء، وكأن القلم جبري يتفق مع عقيدة ~~الجبر؛ فالجبر في الأفعال يتفق مع التجسيم في أمور المعاد. ~~وهذا يتناقض مع صحائف الأعمال عند الكتبة الذين يكتبون ~~علما بعديا، في حين يكتب هذا القلم علما قبليا. ~~والعلم القبلي الذي أمر الله بكتابته أشرف من العلم البعدي ~~عند الكتبة. # 30 # والكاتبون هم الذين يدونون ما في صحف الملائكة ~~الموكلين بالتصرف في العالم كل عام أولا بأول، ثم ms329 ~~يدونون كتابا واحدا به جميع ما كتبوا في الصحف ~~المتفرقة، ويضعونه تحت العرش. هناك إذن ثلاثة كتب: صحف ~~الأعمال التي يدونها الملكان في الدنيا، وصحف الملائكة ~~التي يكتب فيها الكاتبون أوامرهم كل عام، وكتاب تجمع فيه ~~هذه الأوامر تحت العرش، نسخة أخرى جامعة عند الله في خزانته. # 31 # أما اللوح فإنه ليس للكاتبين ولا للكتبة؛ لأنه لا يكتب ~~فيه أحد من الملائكة بالقلم على قرطاس، وبمداد وخط، ولكن ~~يكتب فيه بمجرد القدرة الإلهية. مصنوع أيضا من نور، ~~فالنور أشرف من الظلام، وله وجهان؛ أحدهما به ياقوتة ~~حمراء، والآخر به زمردة خضراء؛ أي إنه قلم مزركش مثل ~~أقلام الأغنياء وعلية القوم، وهو أشرف من أقلام الرصاص أو ~~الأقلام الجافة عند عامة الناس، تتهادى بها النخبة، ~~وتوقع بها المعاهدات بين الدول . واللون الأخضر لون ~~قدسي، لون عمامة النبي ووشاح الصوفي وبيارقه، واللون ~~الأحمر لون الشفق والفورة والهيجان، # 32 # وهما الحجران الكريمان نفسهما الموجودان في ~~العرش. يكتب فيه العلم القبلي، العلم الإلهي قبل أن تقع ~~الحوادث، ويكتبها الكتبة في صحف الأعمال كعلم بعدي. هناك ~~إذن أربعة كتب من الأدنى إلى الأعلى: صحف الأعمال يكتبها ~~الكتبة كعلم بعدي بعد حدوث الأفعال، وصحف الملائكة التي ~~يكتب فيها الكاتبون أوامر الله لهم كل عام، ينقلونها من ~~اللوح المحفوظ كنوع من تكليف الأعمال، والكتاب الذي تجمع ~~فيه هذه الأوامر كلها ويوضع تحت العرش في خزائن الله، ~~وكما يحدث في الدنيا في أرشيف صاحب العمل أو رئيس الديوان، ~~وأخيرا اللوح المحفوظ الذي تضع فيه القدرة الإلهية العلم ~~الإلهي مدونا، فيكون في الأعيان وليس فقط في الأذهان. ~~وإن دعوة القدماء بالإمساك عن الجزم عن اليقين تعني أن كل ~~ذلك قياس للغائب على الشاهد، ورجم بالغيب. ~~(4) الصراط # والصراط هو الطريق إلى الجنة أو إلى النار بعد انتهاء ~~الحساب والحكم بالثواب أو العقاب، وكأن المؤمن أو الكافر ~~لا يستطيع أن يدخل كل منهما الجنة أو النار مباشرة ومن ~~أوسع الأبواب، بل لا بد للمرور في طريق هو الصراط، خروجا ~~من قاعة ms330 المحكمة إما إلى العالم الفسيح إذا كان بريئا، أو ~~إلى ظلمات السجن إذا كان مذنبا. قد يكون ذلك إجحافا ~~بالمؤمن الذي يود أن يقفز من قاعة المحكمة إلى رحابة ~~العالم دون المرور بالصراط، وحتى لا يتساوى مع الكافر الذي ~~يستحق السير في الدهليز الطويل. وكما يكون ممدودا إلى ~~الجنة والنار، فإنه قد يكون ممدودا بينهما مثل الأعراف، ~~وقد يكون ممدودا إلى النار فقط، وقد يكون منصوبا فوق ~~جهنم، وقد يكون ممدودا بين النار والجنة؛ النار أولا ~~والجنة ثانيا. والأفضل أن يكون منذ مخرج القاعة معبران؛ ~~معبر للمؤمنين ومعبر للكافرين؛ حتى لا يختلط المؤمن ~~بالكافر بعد الحساب. وقد يكون الصراط بين ظهراني جهنم، ~~وليس معبرا فوقها. # وفي هذه الحالة، ما ذنب المؤمن كي يسير فيه ويمر إلى ~~الجنة من خلال جهنم ؟ الأقرب ألا يمر عليه الكفار، بل ~~يذهبون إلى النار قذفا أو تعذيبا إلا إذا كان المقصود ~~العذاب البطيء، وألا يمر عليه المؤمنون إلا إذا كان ~~المقصود تشويقا إلى الجنة وتمرينا لهم على النعيم؛ حتى ~~لا يصابوا بصدمة عصبية عند رؤية الحور العين. وقد يكون ~~الصراط طريقا واحدا يتشعب إلى طريقين؛ طريق يمنى ~~وطريق يسرى. الأول لأهل السعادة، والثاني لأهل الشقاء. # 33 # أما بالنسبة إلى شكله أو حجمه، فهو أحد من ~~السيف وأدق من الشعرة، وهي صورة شعرية تلهب الخيال ~~وتثير العجب. فهل يستطيع مثل هذا الخيط الرفيع أن يحمل ~~المؤمنين والكفار كلهم من أول الخليقة حتى آخرها؟ وإذا كان ~~السير عليه صعبا وفيه مهلكة، فلماذا يسير عليه المؤمنون ~~ولا يسير عليه الكفار وحدهم؟ هل يستطيع أن يتحمل ثقل ~~الإنسانية جمعاء؟ وما طوله؟ وأي قوة تحمله؟ وما بدايته؟ ~~وما نهايته؟ أين يتعلق في البداية والنهاية؟ وهل يتقوس من ~~ثقل الحمل؟ وهل يمكن ذلك دون أن تكون هناك حوامل أخرى بين ~~الحين والآخر؟ كيف يسير الناس عليه والوقت زحام شديد، ~~فرارا وهرولة؟ وما الترتيب؟ صغارا وكبارا؟ أنبياء ~~وأولياء؟ إنسا وجنا؟ وكيف يكون أحد من السيف وأدق من ~~الشعرة ويختلف في الضيق والاتساع؟ ms331 يبدو أن المبالغة لا ~~تلتفت إلى التناقض في الصورة الفنية. المهم أن يكون الطريق ~~طويلا وعريضا. وكيف يقاس الخيط صعودا وهبوطا وهو ممتد ~~أفقيا لا رأسيا؟ هناك فرق بين السير على الجبل وبين ~~التسلق عليه. # 34 # ويختلف الناس من حيث السرعة في السير عليه، ~~كل حسب عمله؛ فمنهم من يجتازه اجتياز الريح، مثال ~~الأنبياء، والبرق الخاطف بلا تعب ولا نصب، وبالمقابل يسير ~~عليه الكافر ببطء مثل بطء السلحفاة تعذيبا له. ومتى سيصل ~~الكافر إلى النار وهو بمثل هذا البطء؟ وهل عذاب السير على ~~الصراط أعظم من طريق النار؟ إن التباطؤ في مثل هذه الحالة ~~على الصراط نعيم بالقياس إلى لهيب النار. بل إنه من الأصلح ~~للكافر أن يتباطأ وأن يزداد طول الصراط إبعادا لوقت ~~الحريق قدر الإمكان. إن اختلاف أشكال العبور عليه في ~~السرعة، مثل البرق والريح والطير والجواد والسعي والمشي ~~والحبو على الرجلين أو اليدين أو الجر على الوجه، لتصوير ~~اختلاف الأحكام طبقا للأعمال سيرا إلى الجنة أو النار. ~~وهو موقف شعوري وليس موقفا ماديا، إحساس ذاتي وليس ~~وصفا موضوعيا، ورؤية كيفية وليست حسابا كميا. ~~الزمان على الصراط شعوري كالمسافة منه. منهم من يمر عليه ~~في الأزمان، ومنهم من تستغرق فيه الأعوام والأعوام مثل ~~أشيل والسلحفاة؛ فالمسافة تقاس بالزمن ويتحول المكان إلى ~~زمان. وإذا كان المسير عليه ثلاثة آلاف سنة، فمتى يدخل ~~الإنسان الجنة أو النار؟ # 35 # يتسع الصراط على أهل الجنة ويضيق على أهل ~~النار؛ فالمكان شعوري أسوة بالزمان، وكما تتسع جدران ~~القبر على المؤمن وتضيق على الكافر، وكما تفتح طاقة في ~~القبر على المؤمن ويختنق الكافر. وأثناء السير على الصراط ~~تتدخل الملائكة، فتدفع الكفار للوقوع في النار، وهم ~~مكبلون بالنواصي والأقدام، وكأن القسوة والإسراع في ~~العذاب من شيم الملائكة! ولماذا لا تتدخل ملائكة أخرى ~~للدفاع عن المؤمنين وحرصهم من الوقوع، أو على الأقل ~~مساندتهم حتى يصلوا إلى بر الأمان؟ يوضع للمؤمنين عليه ~~مائدة يأكلون منها ما يتدلى من ثمار الجنة، وكأنها وليمة، ~~وليست امتحانا أو اختبارا. وكيف ms332 تنصب الموائد على ~~الصراط الذي هو أحد من السيف وأدق من الشعرة؟ وكيف ~~توضع الموائد والناس من فوق الصراط طوابير الواحد تلو ~~الآخر؟ وكيف التمييز بين المؤمنين والكافرين إلا إذا كان ~~هناك طابوران منفصلان لكل فريق، وحتى لا يزاحم الكافر ~~فيقعد على مائدة المؤمن درءا للجوع، خاصة وأنه قد حرم ~~الشراب من الحوض في الموقف قبل الحساب؟ وقد يقع الكافر على ~~الصراط إذا ما تشابكت كلاليبه به وكأنه مسمار، فيتشبث به ~~بكلتا يديه، فيعتدل ويسير أعواما وأعواما. وقد ينجو بعد ~~ذلك وكأن الأمر جذب لانتباه المشاهدين، وتلاعب بعواطف ~~النظارة كما هو معروف في الفنون المرئية باسم التعليق # Suspense ~~. # 36 # وهناك أسئلة على الصراط، وكأن الناس لم يشبعوا أسئلة، ~~وكأن المحاكمة لم تنته بعد. وهي أسئلة سهلة عن الصلاة ~~والصوم والزكاة والحج، يعرفها كل إنسان، ولا تمثل أية ~~صعوبة أو امتحان أو ابتلاء أو اختبار. بعض الأسئلة فقط عن ~~ظلمات الناس وحقوقهم. ويسأل جبريل الناس عن عمرهم فيما ~~أفنوه، وعن شبابهم فيما أبلوه؛ لأنه هو الموكول بالوحي ~~والعلم، وعن علمهم ماذا عملوا به. وميكائيل يسأل مع جبريل؛ ~~لأنه هو الموكول بالآجال. وهل من وظائف جبريل وميكائيل ~~سؤال المؤمنين على الصراط؟ # 37 # وأحيانا يتدخل الله نفسه لإنقاذ من يشاء ~~بإرادته المطلقة، أو يترك ذلك للمصادفة، وكأن الله ~~والمصادفة على المستوى نفسه كعوامل مرجحة. وما الحكمة من ~~الصراط ما دام هناك ترجيح من عوامل خارجية؛ الله أو ~~المصادفة؟ ويختلط الصراط بالأعراف الذي يسير فيه من تساوت ~~حسناته مع سيئاته ولا يستطيع أن يدخل الجنة أو النار. قد ~~يتفضل الله عليه فيدخله الجنة أو قد يترك للمصادفة، ~~إما إلى الجنة أو إلى النار. والترجيح الأول أقرب إلى ~~العدل؛ فإنه في حالة تساوي الخير والشر يتغلب الخير؛ لأنه ~~أقرب إلى الطبيعة. أما ترك الأمر إلى المصادفة فإنه إنكار ~~لطبيعة الخير إن وقع في الجنة، وتغليب للشر إن وقع في النار. # 38 # والحقيقة أن الصراط لا يعني شيئا مجسما ~~حسيا على ما يصف القدماء، بل يعني ms333 مجرد الطريق المستقيم. ~~ولا سبيل إلى تأويل الروايات التي قد توحي بذلك إن لم تكن ~~ضعيفة أو موضوعة من الخيال الشعبي. والتوقف خطوة إلى ~~الوراء وخطوة إلى الخلف. والتفويض مجرد إرجاء وتأجيل ~~للموضوع وإحالته إلى الآخر الأقدر. وأيهما أفضل، الإبقاء ~~على الظاهرة وتفويضها؛ أي الوقوع في الخطأ ثم إعلان الجهل، ~~أم تأويلها عقليا إنسانيا؟ وقد دخلت هذه العقائد كلها ~~إلى الشروح المتأخرة من كتب التصوف عندما ازدوجت به ~~الأشعرية، وقامت عليه بعد أن ضعف أساسها العقلي الذي منه ~~قامت في البداية. فالصراط مقدمة للمعراج ما دام الأمر كله ~~عبورا وسيرا وصعودا. وهناك فرق بين التحليلات العقلية ~~والأذواق الصوفية. # 39 # إن اللجوء إلى القدرة الإلهية المطلقة لهو ~~عود بالمعاد إلى الصفات، وإيثار المعجزة في الدنيا ~~والآخرة، وكأن إحدى معجزات المعاد السير على الحبل كما هو ~~الحال في السرك والألعاب البهلوانية. وإن الوجود لا يعني ~~المرور على جسر، بل مجرد العبور إلى جهنم بعد المحاكمة. ~~فإذا أدى الإثبات إلى الإنكار فإن التأويل قادر على ~~تحويل الشيء إلى معنى؛ وبالتالي تأصيل العقائد والاقتراب ~~بالسمعيات من العقليات. # 40 # | عاشرا: الجنة والنار # بعد الصراط، يدخل المؤمنون الجنة والكفار النار؛ فالجنة دار ~~للمتقين، والنار دار للفاسقين. # 1 # ليست الجنة تفضلا، وليست النار انتقاما، بل ~~الجنة ثواب والنار عقاب طبقا لقانون الاستحقاق. # 2 # وهما مخلوقتان؛ لأنهما جزء من العالم، بل إن نعيم ~~الجنة وعذاب النار مخلوقان كذلك؛ فقد خلق الله النعيم في الجنة ~~والعذاب في النار، وكأن القدرة الإلهية وراء الإنسان بالمرصاد، ~~تخلق نعيمه في الجنة وعذابه في النار، وتمنعه حتى من أن يذوق ~~نعيم الجنان بنفسه، وأن ينال عذاب النار عن استحقاق كقانون ~~طبيعي، الجزاء من جنس الأعمال. والله لا يقدر أن يزيد أو ~~ينقص نعيم أهل الجنة أو أهل النار، وإن قدر الإنسان على ~~الظلم، فالله ليس بقادر عليه طبقا لقانون الاستحقاق. # 3 ~~(1) أوصاف الجنة والنار # يبدو أحيانا أن القدماء قد أفاضوا في وصف الجنة أكثر من ~~وصف النار على عكس عذاب القبر؛ إذ تم ms334 وصفه أكثر من نعيمه. ~~توصف الجنة على أنها في مكان، مكان متناه محدود ما دامت جسما، وتوصف أحيانا بأنها الجنة التي كان فيها ~~آدم وزوجه، وهي جنة على الأرض، وليست جنة في السماء. ~~والدليل على ذلك أمر آدم بالهبوط. وقد يتحدد مكانها ~~جغرافيا بين فارس وكرمان، أو بأرض عدن، أو بفلسطين كورة ~~بالشام طبقا لقدسية المكان. وقد تكون جنة آدم مخالفة لجنة ~~الخلد؛ ومن ثم تكون الجنة في الآخرة فوق السموات السبع ~~وتحت العرش، وهو ما يعادل أيضا عظمتها وقدسيتها. # 4 # ولو كانت جنة الخلد لما أكلا من الشجرة رجاء ~~أن يكونا من الخالدين. وجنة الخلد لا كذب فيها، وقد كذب ~~إبليس. وقد اكتشف فيها آدم عريه والجنة ليس بها عري. وشعر ~~آدم بالحر والبر والجنة ليس بها قيظ ولا زمهرير. والقضية ~~الآن: هل هذا موضوع، جنة آدم في السماء أم في الأرض ؟ أليست ~~الجنة تعويضا عن بؤس خلفائه في الأرض؟ وتزداد التفصيلات ~~في وصفه الجنة؛ فأبوابها متفاوتة تصويرا لتنوع الشعائر؛ ~~فهناك باب للصلاة وباب للصوم تركيزا على خصوصية الأفعال. ~~أبوابها ثمانية عشر، وأكبرها باب الصلاة، يدخل منها من ~~يكثر النفل، والبعض منها لا يدخله إلا الصائمون. ويدخل ~~الناس الجنة بيضا مكحولين؛ فالبياض لون الصفاء والكحل ~~الأسود في العين جمال عربي. وماذا عن لون الشعر؟ ليس لهم ~~لحية إلا آدم؛ رمزا لمهابة آدم أو لفطريته وبدائيته؛ فهو ~~أبو البشر، الإنسان الأول، ولكن أليست اللحية سنة عن ~~الرسول في الدنيا، فلماذا لا تكون كذلك في الآخرة؟ وهل ~~تحلق لحى أهل الجنة بما في ذلك الأنبياء؟ ويكونون في ~~طول آدم ستين ذراعا، وعرضه حوالي سبعة أمتار؟ وماذا عن ~~حجم الأبواب التي تسمح بمرور هذه الأجسام في مثل هذه ~~الضخامة؟ وماذا عن حجم الأطفال الصغار أو القصار؟ هل ~~يضيعون بين أرجل هؤلاء العمالقة؟ قد يتساوى الصغير مع ~~الكبير، ويصبح الجميع في حجم واحد، ذو قامة واحدة. وفي ~~هذه الحالة، ألا يؤدي ذلك إلى الملل في الرؤية بسبب غياب ~~التمايز والفردية؟ والجنة بها درجات ms335 طبقا للأعمال، وكلها ~~متصلة بمقام الوسيلة، حيث مشاهدة الرسول. نشرت الشمس على ~~أهل الجنة كلهم. أكبر نعيم فيها رؤية وجه الله ومشاهدة ~~الرسول على ما يقول الصوفية. للجنة سبع درجات متجاورة، ~~أوسطها أفضلها. والعدد سبعة عدد رمزي في الديانات القديمة ~~يدل على طهارة الروح وكمال النفس. والأقرب أن تكون متعالية ~~وليست متجاورة، وبطبيعة الحال يكون العرش أعلاها. وذلك يدل ~~على رغبة الإنسان في السعي إلى الدرجات العليا أسوة بما ~~كان يفعل في الدنيا من الصعود الاجتماعي والارتقاء الطبقي. ~~ومن أعلى درجة وهو الفردوس تتفجر أنهار الجنة، ثم تنتقل ~~إلى الدرجات الأخرى؛ وذلك تعبيرا على البيئة الصحراوية ~~وحاجتها إلى الماء. الفردوس أعلاها، ثم جنة المأوى، جنة ~~الخلد، جنة النعيم، جنة عدن، دار السلام، دار الجلال. ~~ويطلق على الجميع جنة عدن تعبيرا عن السلام والطمأنينة ~~وغياب أي خوف وذعر. حارسها رضوان سيد خزنة الجنة، يفتحها ~~أولا لسيد الخلائق. # 5 # تتم لهم فيها مجامعة الحور العين، وهن ~~مطهرات حسان، عرب أتراب، يجامعن بحماس وعفية، ويشاركن ~~أهل الجنة لذة الجماع. وقد خلقن ليلتذ بهن المؤمنون. ولا ~~تموت الحور العين أبدا لدرجة السؤال عن أفضليتهن على ~~الأنبياء والملائكة! الواحدة منهن تلبس سبعين حلة للزينة ~~والتجمل والتغير جذبا لانتباه أهل الجنة، نور ساقها يضيء ~~منها كما فعلت ملكة سبأ مع سليمان، فرصيد النبوة يصب في ~~المعاد، يزين آذانهن بالقرط. وقد سمين الحور لشدة ~~بياض العين مع سواد الحدقة. ووصفهن بالعين لاتساع عيونهن. ~~وفي كل مرة تفض الأبكار تعود البكارة دون دماء البكارة ~~وآلام الفض. وأين متعة شهر العسل بعد فض البكارة دونما ~~حاجة إلى بكارة جديدة؟ ينكحهن الجن والإنس؛ فالجن مثل ~~الإنس تكليفا وحسابا، ثوابا وعقابا. قد تكون البكر ~~صورة للطهارة والجدة والبراءة، ولكن يظل السؤال: لماذا هو ~~فعل قبيح في الدنيا وفعل حسن في الآخرة؟ هل ما يحرم ~~الناس منه في الدنيا يباح لهم في الآخرة؛ وبالتالي يكون ~~إشباع الآخرة تعويضا عن حرمان الدنيا؟ وكيف يتم لهؤلاء ~~العملاقة مجامعة الحور العين، ومن صفات جمالهن الصغر ms336 ~~وتناسق الأجسام؟ وماذا عن طول ذكرهم وصغر فروجهن؟ وهل ~~تقوى الحور العين على مجامعة هؤلاء العمالقة؟ وماذا عن ~~عددهن؟ يبدو أن كل ساكن من أهل الجنة له ما يشاء من الحور ~~العين دون عدد معين، فهن ملك يمينه دون حد أقصى بأربعة ~~كما هو الحال في الدنيا في الزواج الشرعي. وبالإضافة إلى ~~الحور العين هناك الولدان المخلدون مثل غلمان الدنيا ~~جمالا وبهاء، مزينون بالجواهر لشرح الصدر والقرط في ~~آذانهم. وهم أولاد الكفار الذين يموتون قبل البلوغ متعة ~~للمؤمنين! ويبدو أن المجتمع العربي بما فيه من شذوذ جنسي ~~وحب للغلمان قد أسقط متعته على الآخرة، فتصورها على غرار ~~الدنيا! والنعيم لا يحصى، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر كما يقول الصوفية. # 6 # ومن الطبيعي في مقابل هذا التجسيم والتشبيه للجنة كحوادث ~~ووقائع أو أشخاص، فتصبح الجنة رجلا والنار رجلا، كما ~~شخصت عواطف التأليه والشرائع من قبل أن يأتي الإنكار. # 7 # وتئول النصوص بحيث تدل على معاني النعيم ~~الروحي كما يفعل الحكماء، والتأويل أولى من التفويض؛ ~~فالتأويل اجتهاد وعلم، والتفويض اعتراف بالجهل، وكلاهما ~~يمنع من الوقوع في التفسير الحرفي للنصوص. # 8 # ولا مفر من أخذ المعارض العقلي في ~~الاعتبار؛ إذ كيف توصف الجنة ماديا طولا وعرضا؟ هل ~~العالم كله جنة؟ وهل عالم الأفلاك كله جنة؟ وأين العالم ~~الذي ليس بجنة؟ هل تبلغ الجنة كل شيء، أم إن ذلك مجاز ~~الاتساع ضد ضيق المكان والحشر في الحجرات، وهو ما تأنفه ~~النفس في زحمة المكان؟ وأين مكان النار لو ابتلعت الجنة ~~المكان كله؟ ولو كانت الجنة موجودة بعرض السموات والأرض ~~لأدى ذلك إلى التناسخ، حيث تنتقل النفس إلى عالم العناصر ~~وتعود منه. وما الفائدة من وجود الجنة والنار الآن ~~فارغتين، احتلال مكان واستهلاك مياه، وتعيين خدام، إناثا ~~وذكورا دون عمل؟ فالأولى عدم وجودهما الآن ووجودهما آخر ~~الزمان عندما تنشأ الحاجة لها. فالوظيفة تنشئ الشيء ~~وتوجده. وإن إنكار الدرجات في الجنة تأكيد لمبدأ المساواة ~~المطلقة؛ فالتفاوت الطبقي من آثار ms337 الدنيا، وليس من سمات ~~الآخرة. وينفي حشر السباع والطيور والحشرات في الجنة أن ~~البلوغ والعقل شرطا التكليف، وأن الجنة دار استحقاق. فإذا ~~دخل كل ذي روح الجنة، فإن ذلك يكون لأن الحياة في نفسها ~~قيمة يحافظ عليها. فإذا تساوى الموت والحياة، فالحياة أقرب ~~إلى الطبيعة، كما أنه إذا تساوى الشر والخير، فالخير أقرب ~~إلى الطبيعة. # أما النار فمكانها في الأرضين السبع، كما أن الجنة في ~~السموات السبع، سفل في مقابل علو، وهبوط في مقابل صعود. ~~ومنها نار الدنيا بعد أن وضعت في البحر مرتين حتى تقل ~~حرارتها، ويسهل استعمالها، وينتفع بها. أوقد عليها ألف ~~سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى ~~اسودت، فخرجت سوداء مظلمة، وجمرها أحمر محرق. وهي ~~جسم لطيف محرق يميل إلى جهة العلو. لها أيضا سبعة ~~أبواب أو سبع طبقات طبقا للعدد الرمزي سبعة. وكما أن ~~رضوان حارس الجنة ، فإن «مالك» وكيل النيران. له أصابع بعدد ~~أهل النار، ولو وضع أصبعا على السماء لأذابها! # 9 # وهي كلها صور فنية من أجل المبالغة والتأثير ~~في النفس لا تمنع من بروز المعارض العقلي. فكيف تكون في ~~الأرض وفي الوقت نفسه دار عقاب بعد فناء الأرض ومن عليها؟ ~~وكيف تبرد في ماء البحر مرتين والنار والماء نقيضان لا ~~يجتمعان؟ وبأي نيران يحمى عليها ألف سنة؟ وهي نيران في ~~حاجة إلى نيران أخرى؛ كي يحمى عليها، وتبرز ألوانها ~~البيضاء في الألف سنة الأولى، والحمراء في الألف الثانية، ~~والسوداء في الألف الثالثة، وكل نيران في حاجة إلى نيران ~~إلى ما لا نهاية حتى الوصول إلى نيران أولى ليست في حاجة ~~إلى نيران أخرى لتحميتها. والألوان نوع من الزركشة في ~~الخيال الشعبي حتى تكون أكثر إيقاعا في النفوس. وكيف يكون ~~لخازنها أصابع بعدد أهل النار؟ كيف يكون حال اليد إذن وحال ~~الذراع والجسد كله؟ وما وظيفة كل أصبع؟ وكيف يذيب الأصبع ~~السماء كلها، والخازن في السماء والعرش في السماء؟ وزيادة ~~في العذاب يكون داخل النار الزمهرير والحيات والعقارب ms338 حتى ~~يثير التضارب بين الحار والبارد الخيال، وتجتمع لسعة ~~اللهيب مع لسعة العقرب ولدغة الحية، وكله إحساس بالجلد ~~وبسطح البدن. وكما في الجنة درجات كذلك في النار درجات ~~طبقا لدرجات العذاب أو لمجموعات المعذبين. وتقوم ~~الدرجات إما على أجزاء البدن ومساحة الأعضاء المعرضة ~~للعذاب، أو على شدة النيران وخفتها، أو على طول المدة ~~وقصرها. ويظهر هذا التفاضل في صيغة حسية؛ فكما أن للجنة ~~درجات سبعا فكذلك للنار درجات سبعا؛ أعلاها جهنم، ~~وتحتها لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم ~~الهاوية. وباب كل واحدة من داخل الأخرى على الاستواء، مثل ~~الحمام العمومي وحجراته المتداخلة طبقا لشدة البخار. وبين ~~أعلى جهنم وأسفلها خمس وسبعون سنة، أحرها هواء محرق، ~~لا حجر لها سوى بني آدم وأحجار الأوثان، وهي أحجار قابلة ~~للاشتعال من عظمة جرمها، وكأن الأحجار كائنات حية مثل ~~بني آدم، استقبلت محرقاته وقرابينه. كل درجة لها طائفة ؛ ~~فاللظى لليهود، والحطمة للنصارى، والسعير للصابئين، وسقر ~~للمجوس، والجحيم لعبدة الأصنام، والهاوية للمشركين، وجهنم ~~لمن يعذب على قدر ذنبه من المؤمنين، ثم تصير خرابا ~~بخروجهم منها، وكأن النار تعرف الطائفية الدينية والتفرقة ~~بين الأديان! يتفاضل أهلها في العذاب؛ أقلهم عذابا توضع ~~حجرتان من نار في أخمصيه، ولا يكون الأشد إلا إلى جذب ~~الأذون! يعذب المؤمن العاصي على الصراط وهو على متن ~~جهنم، يصيبه لفح النار ولهبها، فيتألم بمقدار عصيانه، ثم ~~يدخل الجنة. وقد يصل عذاب آخر مثل الجثة المقلاة على نار ~~متأججة! وأخفها إحساس بالعذاب لحظة ثم يصير الإنسان ~~بعدها كالنائم لا يحس بها فعل لحظة من عذابها. # 10 # قد يتحول عوام الدهرية والنصارى والزنادقة ~~ويصيرون في الآخرة ترابا، وكذلك الأطفال والبهائم، # 11 # وكذلك السقط الذي ألقي فيه الروح، تعاد ~~إليه ويدخل الجنة كأهلها في الجمال والطول، وإن لم يبلغ ~~ذلك يصير ترابا. والحقيقة أن كل ذي روح تعود له روحه ~~حفاظا على الحياة كأحد مقاصد الوحي الضرورية. إنها كلها ~~صور فنية تعبر عن القبح؛ فجهنم من الجهامة، وهي كراهة ~~المنظر. تنشأ ms339 النار من الحسد؛ أي إنها تعبير حسي عن ~~انفعال إنساني، وتصوير فني لأحد المواقف الإنسانية. فإذا ~~كان الإنكار رد فعل على الإثبات، وكلاهما يتحدث في واقعة ~~حسية، فإن التأويل رد فعل عليهما معا عندما يبحث عن أسسها ~~النفسية وصورها الفنية. والتأويل أولى من التفويض؛ لأن ~~التفويض اعتراف بالجهل وتخل عن تأصيل العلم، في حين أن ~~التأويل اجتهاد علم ولو بغلبة ظن. # 12 # ورغبة في تنزيه الله عن الشر، قد يتنعم أهل ~~النار في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة؛ وبالتالي لا ~~عذاب ولا ألم. # 13 # وفي مقابل اعتبار النار في الحقيقة والعذاب في ~~الحقيقة؛ وبالتالي يثبت فعل الله للشر والضرر تكون النار ~~مجازا ويكون العذاب مجازا؛ فبالتأويل يمكن تنزيه الله عن ~~الشر، واعتبار الشر مجازا في العالم؛ وبالتالي يتحقق ~~هدفان في العدل وفي المعاد. # 14 ~~(2) هل تفنى الجنة والنار؟ # ويرتبط هذا السؤال بدوام الاستحقاق والتخليد؛ فالجنة ~~والنار هما مكان الثواب والعقاب وتنفيذ قانون الاستحقاق. ~~فإذا كان الاستحقاق دائما، فهل الجنة والنار كذلك؟ إذا ~~بقيتا شاركتا الله في الخلود، ولم يتفرد الله بصفة البقاء، ~~وإذا فنيتا لم يدم الاستحقاق ولم يخلد. القول بدوام ~~الجنة والنار وأبديتهما إنما يخضع للتفسير الحرفي للنصوص ~~«خالدين فيها أبدا»، ولا يتحول الإنسان من الجنة إلى ~~النار أومن النار إلى الجنة إلا بقانون الموازنة أو ~~بالتوبة. وقد يكشف القول بدوام الجنة والنار عن صادية، حيث ~~ينعم المؤمنون إلى الأبد ويتعذب الكفار إلى الأبد دونما ~~تغيير أو أمل. ومع أن الله قادر على إفنائهما إلا أنهما ~~باقيان لا يفنيان. وقد يبدو ذلك متناقضا؛ فإذا كانت الجنة ~~والنار مخلوقتين، فإنهما بالضرورة فانيتان. الخلق يتبعه ~~الفناء، والقدم يتبعه البقاء، ولا يوجد مخلوق يبقى أو ~~قديم يفنى. # 15 # لذلك كان الأقرب للتنزيه حفاظا على صفة ~~البقاء لله وحده أن تفنى الجنة والنار، وذلك أيضا ظاهر في ~~النص الذي يقول بفناء كل شيء إلا الله، وبقياس عرض الجنة ~~والنار بالسموات والأرض وهما فانيتان. قد يغتم أهل ~~الجنة، ولكن يفرح أهل النار! ms340 ويمكن رفض التخليد بناء على ~~حجج طبيعية، وليس فقط على حجج إلهية. فما دامت القوة ~~الجسمانية متناهية، فلا بد من فنائها، كما أن دوام ~~الإحراق مع بقاء الحياة مستحيل عقلا؛ فالإحراق يحيل إلى ~~رماد وينتهي الشيء المحروق، والنار تفنى بالرطوبة؛ ~~وبالتالي تنتهي إلى عدم، وتقل حرارتها كلما طال الزمان، ~~وتفقد الطاقة جزءا منها؛ وبالتالي فمصيرها إلى النهاية والفناء. # 16 # وانقطاع حركات أهل الجنة والنار حل وسط بين ~~البقاء والفناء؛ فالسكون الدائم يجمع بينهما. وإذا ما أتى ~~وقت الفناء، وكان المؤمن قد تناول بإحدى يديه كأسا ~~وبالأخرى «مزة»، وأتى وقت السكون، فإنه يبقى دائما على ~~هيئة المصلوب! والحقيقة أن ذلك يرتبط بالتوحيد قدر ارتباطه ~~بالمعاد. فلأن مقدورات الله لها كل وغاية، وحد ونهاية، ~~تنتهي قدرته على الخالقية؛ وبالتالي يسكن أهل الجنة فيها، ~~وهو ما يضر التوحيد وإطلاقية الصفات، كما أنه لا يحل مشكلة ~~مشاركة الجنة والنار في صفة البقاء؛ لأنهما يظلان باقيين ~~وإن كانا ساكنين. فهذا الحل الوسط لا يرضي متطلبات ~~التوحيد في الصفات وفي المعاد. # 17 ~~(3) الخلود في الأرض # ظهرت دعاوي التجسيم والتشبيه والتنزيه ليس فقط في ~~العقليات، بل في السمعيات، وليس فقط في التوحيد، بل في ~~أمور المعاد. فالتجسيم في التوحيد تجسيم في المعاد، ~~والتشبيه في التوحيد تشبيه في المعاد، والتنزيه في التوحيد ~~تنزيه أيضا في المعاد. # 18 # والحقيقة أن أمور المعاد كلها خطأ في تفسير ~~النصوص وتحويل للصور الفنية إلى وقائع حادثة؛ فأمور المعاد ~~لا تشير إلى وقائع مادية وحوادث فعلية، وعوالم موجودة ~~بالفعل في مكان ما يعيشها الإنسان في زمان ما، بل هي ~~بواعث سلوكية ودوافع للفعل للتأثير على السلوك، والحث على ~~الطاعة ترغيبا تارة، وترهيبا تارة أخرى. وليس المقصود ~~بالدوافع الثواب على الحسنة والعقاب على السيئة؛ فالأفعال ~~الصالحة لا تحتاج إلى ثواب وعقاب. ويمكن ممارسة الحياة ~~الخلقية بلا جزاء، ثوابا كان أم عقابا. أليس حسن الأفعال ~~في ذاته مدعاة للإتيان بها، وقبح الأفعال لذاته مدعاة ~~لتجنبها؟ وهل ينتج أسلوب الترغيب والترهيب فتحسن الأفعال ~~في الدنيا، أم ms341 إنه قد ينتج عند البعض ولا ينتج عند البعض ~~الآخر؟ هل المعاد باعث نفسي على صلاح العالم تخويفا ~~للظالمين، أم إنه يقود برد فعل وهو تعويض المظلومين؟ قد ~~ينجح الترغيب عند الفقراء تعويضا عما هم عليه من فقر، ~~ولكن قد لا ينجح الترهيب عند الأغنياء؛ فالحاضر لديهم أولى ~~من المستقبل. قد لا ينجح مع الظالمين والطغاة والمستغلين ~~إلا الثورة عليهم بالفعل، واسترداد حقوق الفقراء منهم، ~~وحصول الناس على حرياتهم المسلوبة، حتى لو تصدق ~~الأغنياء، فهل الدار الأخرى مكافأة لهم أم لعقابهم على ~~فائض أموالهم؟ وهل أعمال الخير هي الصدقة وإطعام المساكين ~~وبناء المساجد والزوايا والتكايا، أم إعادة توزيع الثروة؟ # 19 # إن أمور المعاد في نهاية الأمر ما هي إلا تعبير عن عالم ~~بالتمني عندما يعجز الإنسان عن عيشه بالفعل في عالم يحكمه ~~القانون ويسوده العدل؛ لذلك تظهر باستمرار في فترات ~~الاضطهاد، وفي لحظات العجز، وحين يسود الظلم ويعم القهر، ~~كتعويض عن عالم مثالي يأخذ فيه الإنسان حقه، ويرفع ~~الظلم عنه. أمور المعاد في أحسن الأحوال تصوير فني يقوم ~~به الخيال تعويضا عن حرمان في الخبز أو الحرية، في القوت ~~أو الكرامة، في الرزق أو الحق، في عالم يحكمه القانون ~~ويتحقق فيه العدل. وهي تعادل في علم أصول الدين المدن ~~الفاضلة في علوم الحكمة. تنشأ أمور المعاد إذن نشأة ~~سياسية اجتماعية اقتصادية. # 20 # وبطبيعة الحال أن ~~ينشأ رد فعل على التصور الثنائي، وأن ينشأ تصور بديل هو ~~التصور الواحدي للعالم؛ فهناك دنيا واحدة وآخرة واحدة هي ~~نفسها الدنيا. فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه ~~الدنيا، وليس في عالم آخر يحشر فيه الإنسان بعد الموت. ~~الدنيا هي الأرض، والعالم الآخر هو الأرض. الجنة ما يصيب ~~الإنسان من خير في الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر ~~فيها. وهو ما قاله الفلاسفة أيضا عن النعيم الروحي ~~والعذاب الروحي في هذا العالم، وإنكار النعيم البدني ~~والعذاب البدني في عالم آخر. ولا يهم ماذا تعني الدنيا، ~~هل هي الهواء والجو، أم هي كل ما ms342 خلقه الله من الجواهر ~~والأعراض، بل يكفي أنها دار عمل وحياة وبقاء. إن واقع ~~النعيم والعذاب في الدنيا لا يمكن إنكاره، سواء كان ذلك ~~امتحانا للإنسان وابتلاء له ليزداد إيمانه وشكره، أو كان ~~ثوابا وعقابا على أفعاله دون انتظار؛ إذ إن نتائج الفعل ~~قد تظهر في الحال أو في المآل، في حياة الإنسان أو بعد ~~مماته، كما هو الحال في السنن والآثار. # 21 # ويؤكد ذلك عدد كبير من الأغاني الشعبية ~~والأمثال العامية عن أن الجنة هي حضور الحبيب والأنس به، ~~والنار غياب الحبيب وعذاب الفراق. # 22 # وقد يجعل هذا التصور الناس أكثر حرصا على ~~العمل في الدنيا والتمسك بها، بدلا من الرضا وانتظار ~~تعويضها في زمن آخر وفي مكان آخر. وقد يظهر تصور الخلود ~~في الدنيا في عقيدة التناسخ، وانتقال الروح المنعمة إلى ~~جسد منعم، والروح المعذبة إلى جسد معذب بالأمراض ~~والأسقام والشيخوخة، أو إلى جسم حيوان. # 23 # وقد تتشخص الجنة والنار في رجلين؛ الأول تجب ~~موالاته والثاني تجب معاداته؛ مما يدل على ارتباط أمور ~~المعاد بالظروف النفسية والاجتماعية والسياسية لمجتمع الاضطهاد. # 24 # وفي هذه الحالة لا تفنى الدنيا كما قد تفنى ~~الآخرة، وكأنه عندما تضيع الدنيا تخلد وتفنى الآخرة كما هو ~~الحال في التجسيم، وعندما تنال الدنيا تفنى وتبقى الآخرة ~~كما هو الحال في التنزيه، أو كأن خلود الدنيا وفناء الآخرة ~~تعريض ينشأ عن حال الفقد والعجز في الدنيا بإثبات خلودها ~~وفناء الآخرة. # 25 # وقد تتعدد الديار، دنيا وآخرة، لتجمع بين التصورين ~~الثنائي والواحدي لعلاقة الدنيا بالآخرة؛ فقد تكون الديار ~~خمسا؛ داران للثواب، والثالثة للعقاب، والرابعة للابتداء، ~~والخامسة للابتلاء. وقد كلف الخلق في دار الابتلاء بعد ~~اختبارهم في الدار الأولى، ولا يزال التكوين والتكرير، ~~الاختبار والتكليف، في الدنيا حتى يمتلئ مكيال الخير ~~ومكيال الشر. فإذا امتلأ الأول أصبح العمل كله طاعة ~~والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة وكأنه لم يلبث ~~طرفة عين. ومطل الغني في الحياة وحبه لها ظلم له. وإذا ~~امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية والعاصي ms343 شرا ~~محضا، فينتقل إلى النار وكأنه لم يلبث طرفة عين. # 26 # وقد يعبر عن رسالة الإنسان في الحياة ~~فنيا بالصورة، فتنشأ أمور المعاد، فتكون الدنيا دار عمل، ~~والآخرة دار جزاء، وتتحول رسالة الإنسان في الحياة ~~ليحققها. فمن حقق رسالته ارتفع إلى أعلى عليين، في ~~مكانة أفضل من الذين استمروا في النعيم الدائم؛ لأنهم ~~حصلوا على جزائهم بجهدهم لا بخلقهم. وإذا لم يحققوا ~~الرسالة هبطوا أسفل سافلين، تسلب منهم الرسالة، ويتحولون ~~إلى أقل مرتبة من الوجود، وهي مرتبة غياب الوعي وحياة ~~الشعور، ثم تعطى لهم فرصة ثانية للاختبار والتكليف. ~~وهكذا تستمر الحياة، تكليف برسالة، ونجاح أو فشل في ~~التحقيق، لا نهاية ولا يأس، بل عملية مستمرة لمزيد من ~~الارتفاع للبعض، ومزيد من الانخفاض للبعض الآخر؛ حتى يظهر ~~التقابل بين الملاك والحيوان، بين النعيم المطلق والعذاب ~~المطلق، بين حياة الوعي وحياة اللاوعي، بين اليقظة والموت. # 27 # صحيح أن المعاد يكشف عن هم المستقبل لدى كل إنسان ~~ولدى الإنسانية جمعاء، خوفا منه أو ثقة فيه، ويخطط كل ~~كائن حي للمستقبل، بما في ذلك الطير والحشرات من أجل تخزين ~~الطعام وفقس البيض، وأن عبادة الأسلاف وأرواح الموتى ~~والتطلع إلى المستقبل من أجل التعرف عليه والإعداد له، قد ~~يجعل من المعاد أساس الحضارة، وأنه لولاه لانهارت الأمم، ~~وقصر نظر الإنسان. أمور المعاد هي الدراسات المستقبلية ~~بلغة العصر، والكشف عن نتائج المستقبل ابتداء من حسابات الحاضر؛ # 28 # ولذلك احتوى كثير من النصوص على صور فنية ~~لتصوير المعاد، ليس الغرض منها إصدار أحكام واقع، بل أحكام ~~قيمة. ليس المطلوب منها إيجاد تطابق معانيها مع وقائع ~~مادية، بل كشف هذه المعاني عن جوهر التجربة الإنسانية في ~~المستقبل. لا يحيل النص إذن إلى وقائع مادية، بل يكشف عن ~~وقائع شعورية تعبر عن بنية الوجود الإنساني. إن قسمة ~~الحياة إلى دنيا وآخرة، إلى ديني ودنيوي، لتعبر عن تصور ~~ثنائي للحياة يكشف عن تخلف وكبت وحرمان وتعويض وعجز ~~واستكانة وخور. ولا تعني الآثار المترتبة على الفعل ~~التصوير الفني لهذه الآثار من ms344 جنة أو نار؛ فالجنة هي ~~الفائدة المترتبة على النظر، والنار هي الضرر الناتج عن ~~غياب النظر كما هو الحال في تأويل الفلاسفة. الجنة هي آثار ~~الفعل الحميد في الدنيا، والنار هي آثار الفعل القبيح ~~فيها. أمور المعاد إذن هي أولا خطأ في التفسير وتحويل ~~الصور الفنية إلى وقائع مادية، وهي ثانيا خطأ في الاتجاه ~~وتحويل هذا العالم إلى عالم آخر؛ مما يكشف عن موقف ~~مغترب منحرف، معوج منعرج في الحياة، وهي ثالثا خطأ ~~في القصد؛ فليس المقصود منها الحساب الكمي في النهاية، بل ~~توجيه السلوك والتأثير فيه منذ البداية. وكلما عمقت ثقافة ~~الإنسان وقوي وعيه وقلت غربته عن العالم، فإنه لا يكون ~~في حاجة إلى خلق مثل هذه العوالم الوهمية، وأصبح قادرا ~~على التفرقة بين عالم التمني وعالم الواقع. وفي المواقف ~~الثورية تغير المجتمعات حالها بالفعل، وتفرق بين النية ~~والعمل، بين القصد والفعل، بين البداية والنهاية. # إن الخلود رغبة إنسانية خالصة، وتعبير عن طموح الإنسان ~~لتجاوز فنائه وحدوثه؛ فهي رغبة على الدوام لتجاوز الزمان، ~~وطموح في البقاء لتجاوز الفناء. ليس في الخلود فترة انتظار ~~من لحظة الموت إلى لحظة قرار الخلود، بل الخلود متصل لا ~~انتظار فيه عندما يؤثر الإنسان في حياته، ويستمر أثره ~~بعد مماته. الخلود واقع وليس تمنيا، حاضر وليس مستقبلا، ~~يكتسب ولا يوهب. وبالخلود يستمر فعل الإنسان، ويظل ~~الإنسان فاعلا مؤثرا من خلال جهده وأثره طالما هو ~~دائما فعال. يتم الخلود في هذا العالم من خلال الأثر ~~الذي يتركه الإنسان في شعور الآخرين وفي واقعهم. لا يحدث ~~الخلود في عالم آخر، بل في هذا العالم، وفي حياة الناس ~~عندما يتحول سلوك الإنسان إلى قدوة، وحياته إلى نموذج. ليس ~~الخلود ميزة فردية يستأثر بها إنسان دون آخر بصادية يفرح ~~صاحبها بنعيمه المقيم وبعذاب الآخرين، بل هي فردية بمعنى ~~أنها مشروطة بجهد الفرد في البداية، ثم تحيل الإنسان كجزء ~~من الحضارة والتاريخ في النهاية. ومع ذلك فالخلود فردي قد ~~يحدث لفرد دون فرد؛ لأنه كسب؛ وبالتالي ليس كل البشر ms345 ~~خالدين. الخلود فقط لمن حول حياته الزمانية إلى حياة ~~أبدية. ليست درجات الخلود خارج هذا العالم في مراتب ~~اجتماعية، ومكاسب مادية، ومنازل ودور من أدوار وقصور، أو ~~زمان يقصر أو يطول، بل درجات الخلود في هذا العالم طبقا ~~للأثر الذي يحدثه فعل الإنسان في حياته على الآخرين. قد ~~تحدث أخطاء في عملية التخليد نتيجة للاجتهاد، خطأ أم ~~صوابا، ونتيجة لضعف الباعث أو شدته، أو شوب القصد ~~وطهارته، أو غموض الهدف ووضوحه. تلك هي بنية الجهد ~~الإنساني الحر كدليل على حرية الإنسان واختياره الحر. وقد ~~تحدث مظاهر نكوص في عملية التخليد عندما تضعف الروح، أو ~~يتفتت الأثر، أو عندما يحدث أثر مضاد، ولكن هذه هي حياة ~~الخلود، حياة تسري عليها قوانين الحياة؛ النشوء والنماء، ~~الانكماش والضمور. الخلود في النهاية للحضارة وللتاريخ، ~~وللشعب صاحب الحضارة وصانع التاريخ. الخلود عملية يساهم ~~فيها كل الأفراد، كل يكمل الآخر حتى يخلد الذهن البشري ~~الخالق المبدع، وهو ما سماه الحكماء خلود العقل ~~الفعال، ولكنه هذه المرة عقل الأمة أفرادا وجماعات، حال ~~في التاريخ وليس مفارقا للعالم. وإن الخلود الفردي ليجد ~~كماله في خلود الجماعة في الحضارة والتاريخ. ms346