######OpenITI# #META# URI: 1443HasanHanafi.MinNaqlIlaIbdacTalif.Hindawi16172737 #META# Tags: philosophy #META# ID: 16172737 #META# Title: من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث #META# AuthorID: 51618527 #META# Author: حسن حنفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الفصل الأول: تمثل الوافد‏ # أولا: أنواع التأليف‏ # ثانيا: المترجمون‏ # ثالثا: الكندي‏ # رابعا: الرازي والخازن والسجستاني والقوهي‏ # خامسا: الفارابي، والعامري، وابن سهل‏ # سادسا: ابن سينا‏ # سابعا: ابن الهيثم، وعلي بن رضوان‏ # ثامنا: ابن باجه وابن رشد‏ # الفصل الثاني: تمثل الوافد قبل تنظير الموروث‏ # أولا: المترجمون: ثابت بن قرة، ويحيى بن عدي‏ # ثانيا: الرازي، وابن الجزار، والبلدي، والعامري، وابن هندو‏ # ثالثا: مسكويه‏ # رابعا: ابن سينا، والبيروني، وابن الهيثم‏ # خامسا: ابن بختيشوع، وابن رضوان، والخيام‏ # سادسا: الطغرائي، واللوكري، وابن باجه‏ # سابعا: ابن زهر وابن رشد والعرضي‏ # الفصل الثالث: تمثل الوافد مع تنظير الموروث‏ # أولا: يحيى بن عدي، والعامري، ومسكويه، وابن سينا‏ # ثانيا: ابن باجه‏ # ثالثا: المجوسي، وابن البيطار، والطوسي، والفارسي، وابن الألعاني‏ # رابعا: داود الأنطاكي، والقليوبي، والمنذري‏ # الإهداء‏ # الفصل الأول: تمثل الوافد‏ # أولا: أنواع التأليف‏ # ثانيا: المترجمون‏ # ثالثا: الكندي‏ # رابعا: الرازي والخازن والسجستاني والقوهي‏ # خامسا: الفارابي، والعامري، وابن سهل‏ # سادسا: ابن سينا‏ # سابعا: ابن الهيثم، وعلي بن رضوان‏ # ثامنا: ابن باجه وابن رشد‏ # الفصل الثاني: تمثل الوافد قبل تنظير الموروث‏ # أولا: المترجمون: ثابت بن قرة، ويحيى بن عدي‏ # ثانيا: الرازي، وابن الجزار، والبلدي، والعامري، وابن هندو‏ # ثالثا: مسكويه‏ # رابعا: ابن سينا، والبيروني، وابن الهيثم‏ # خامسا: ابن بختيشوع، وابن رضوان، والخيام‏ # سادسا: الطغرائي، واللوكري، وابن باجه‏ # سابعا: ابن زهر وابن رشد والعرضي‏ # الفصل الثالث: تمثل الوافد مع تنظير الموروث‏ # أولا: يحيى بن عدي، والعامري، ومسكويه، وابن سينا‏ # ثانيا: ابن باجه‏ # ثالثا: المجوسي، وابن البيطار، والطوسي، والفارسي، وابن الألعاني‏ # رابعا: داود الأنطاكي، والقليوبي، والمنذري‏ # | من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (2) التأليف # | من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (2) التأليف # | تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث # تأليف # حسن حنفي # | الإهداء # إلى حكماء الأمة من جيلنا، # قضاء على التغريب في عصر. # حسن حنفي # | الفصل الأول: تمثل الوافد # | أولا: أنواع التأليف # يمثل التأليف مرحلة أعلى من العرض؛ فهو أكمل قسمة من حيث البنية العقلية، ~~وأعمق تحليلا من حيث الغوص في ms001 المعاني، وأكثر برهنة وأدلة من حيث طرق ~~الاستدلال، وتوجيه المادة نحو نظرية أعم تخرج من نطاق الخصوصية اليونانية ثم ~~تطبيقها على المادة العربية وانطلاقا منها كخاص آخر أشبه بالعام، أكثر قدرة على ~~احتواء الخاص الأول. # وللتأليف عدة أنواع يبدو فيها التحول من النقل إلى الإبداع طبقا لنسبة الوافد ~~والموروث والقدرة على تجاوزهما معا إلى الإبداع الخالص عندما يعتمد النص على بنيته ~~الداخلية اعتمادا على تحليل العقل الخالص دون مصادر خارجية من الوافد أو الموروث، ~~وطبقا لمراحل التأليف المنطقية التي يتحد فيها التاريخ بالبنية يمكن التمييز بين ~~ست منها، ثلاثة في التأليف، ثم يتحول التأليف إلى ثلاث أخرى في التراكم: ~~(1) # تمثل الوافد، عندما يعتمد النص على الوافد وحده من أجل تمثله بعد ~~ترجمته والتعليق عليه وشرحه وتلخيصه وجمعه وعرضه، وحتى يتحول إلى ~~ثقافة داخلية ولا يبقى وافدا خارجيا. ~~(2) # تمثل الوافد قبل تنظير الموروث، عندما يعتمد النص أولا على المصدر ~~الخارجي ثم يبدأ الموروث في الظهور متفاعلا مع الوافد على ~~استحياء. ~~(3) # تمثل الوافد مع تنظير الموروث، عندما يتعادل المصدران الداخلي ~~والخارجي كما ويتفاعلان كيفا استعدادا لخلق نص جديد يتجاوز الوافد ~~والموروث. وهو ليس تعادلا حسابيا، بل رياضي تقريبي، وحرف العطف ~~«الواو» أو «مع» يفيدان نفس المعنى. ويظهر التراكم بتغير المعادلة ~~والتحول من أولوية الوافد إلى أولوية الموروث. ~~(4) # تنظير الموروث قبل تمثل الوافد، عندما يبدأ التحول بأولوية المصدر ~~الداخلي على المصدر الخارجي بعد أن تم تمثل الوافد على نحو شبه كلي، ~~وسيادة الموروث عليه بعد أن بدأ التراكم الفلسفي في الظهور وبداية ~~الوعي التاريخي الفلسفي. ~~(5) # تنظير الموروث عندما يختفي الوافد كلية ويتحول النص إلى تنظير ~~للمصدر الداخلي، ويشتد التراكم الفلسفي الداخلي، ويفكر الوعي التاريخي ~~على نفسه ومساره منتقلا من التاريخ إلى البنية. ~~(6) # الإبداع الخالص عندما يختفي الوافد والموروث كلية، ويعتمد النص على ~~ذاته على بنية الموضوع المتحدة مع بنية العقل؛ فلم يعد الإبداع في ~~حاجة إلى نقل خارجي أو داخلي. # ولا يوجد حد فاصل بين هذه الأنواع الستة، إنما هي أنواع متصلة. نسبة ms002 الوافد إلى ~~الموروث هي التي تميز بينها في مسار التحول من النقل إلى الإبداع. # ويمكن تحليل كل نص على حدة لبيان مكوناته، الوافد والموروث وآليات الإبداع ~~أسوة بالعرض، وهو ما يبقي على النص وحدته كعمل فلسفي فني، عيبه التكرار خاصة في ~~آليات الإبداع؛ لذلك ربما كان من الأفضل ضم الوافد كله معا في مجموعة النصوص ~~التي تمثل الوافد لمعرفة وضع أرسطو أو أفلاطون أو سقراط في هذا النوع الأدبي وليس ~~نصا نصا. وقد يفرض الواقع الطريقتين معا؛ فعرض الوافد يكون نصا ~~نصا. # وبالرغم من أن نصوص تمثل الوافد نوع أدبي واحد، إلا أنها تمثل تتاليا في ~~الزمان وتتابعا في التاريخ، ابتداء من مؤلفات المترجمين حتى ابن رشد ~~وابن النفيس؛ فالبنية لا تضحي بالتاريخ، والتاريخ لا يضحي بالبنية. لقد استمر ~~تمثل الوافد من البداية إلى النهاية، ولم يتوقف منذ المترجمين الأوائل في القرن ~~الثالث حتى ابن النفيس في القرن السابع، مع أن المنطق والتاريخ يقتضيان أن تمثل ~~الوافد ما هو إلا خطوة مبدئية ومرحلة أولى تنتهي إلى الإبداع الخالص. والواقع أن ~~تمثل الوافد هو مصدر دائم يصب في الوعي التاريخي، هو البداية الضرورية لكل إبداع ~~لاحق؛ فلا إبداع بلا نقل، ولا استمرار في الإبداع دون الاستمرار في النقل. # ولا يعني تمثل الوافد مجرد القبول، بل يعني أيضا الرفض والنقد والمراجعة؛ فهو ~~تمثل فعال جدلي، بداية التفاعل بين الآخر والأنا؛ فالأنا لها وجود ثقافي، وإن لم ~~يتخارج بعد في مواجهة آخر له حضور ثقافي فعلي. # وبالرغم من أن طريقة عرض تمثل الوافد عن طريق أسماء الحكماء ليست بالطريقة ~~المثلى لأنها تشخيص للفكر، إلا أنه لا يوجد أفضل منها في رؤية التتابع التاريخي ~~داخل البنية المتصلة. ولا يعني اسم العلم شخصه، بل تأليفه أو نصوصه. وقد حذف حتى ~~لا يتكرر أمام كل علم. ولما كانت الأعلام تعرض ثقافة ولا تضعها، فإن الحضارة هي ~~المقصود من وراء توالي الأعلام. # وبالرغم من أن العادة هي عدم ذكر النصوص إلا ما ندر منها في الهامش تفاديا ms003 ~~لعيوب «من العقيدة إلى الثورة»، وأكثر نصوصه العارضة والدالة على موقف، إلا أن بعض ~~النصوص الدالة في التأليف قد تم ذكرها في الهامش لإبراز الموقف والإقلال من شأن ~~هوامش الأرقام الصورية الصامتة. # ولا يعتمد تمثل الوافد على إسقاط الموروث كلية؛ فالموروث هو الوعاء الشعوري أو ~~اللاشعوري الذي يتم فيه صب الوافد كما هو الحال في رسالة الفارابي «معاني العقل»، ~~أربعة من أرسطو، وواحد من المتكلمين، وواحد في الثقافة الشعبية. وفي كل الأنواع ~~الأدبية يظل الموروث حاضرا بطريقة مباشرة، مثل المراحل من الثانية حتى الخامسة، ~~أو بطريقة غير مباشرة، مثل النوع الأول «تمثل الوافد»، والنوع السادس «الإبداع ~~الخالص». # وقد قام بتمثل الوافد تاريخيا حنين بن إسحاق (264ه)، والكندي (252ه)، والرازي ~~(313ه)، والخازن (ه)، والسجستاني (331ه)، والفارابي (339ه)، والعامري (381ه)، ~~وابن سينا (428ه)، وابن الهيثم (430ه)، وابن باجه (533ه)، وابن رشد (595ه)، ولكن من ~~حيث الأهمية والكم يأتي الفارابي أولا؛ فهو بحق المعلم الثاني، ثم الكندي؛ فهو ~~بحق فيلسوف العرب، ثم ابن سينا؛ فهو بحق الشيخ الرئيس، ثم حنين بن إسحاق رئيس ~~مدرسة الحكمة، وابن الهيثم بطليموس الثاني، وابن باجه دفين فاس، ثم الرازي كبير ~~الأطباء، وابن رشد الشارح الأعظم. # 1 # | ثانيا: المترجمون # (1) حنين بن إسحاق # المترجمون نقلة وشراح ومؤلفون في نفس الوقت، تدخل أعمالهم في الترجمة والتعليق ~~والشرح والتلخيص والعرض والتأليف، وإن كانت الترجمة هي الغالبة. ولما كانوا في ~~بداية الحركة الفلسفية وأول من اتصلوا بالوافد عن طريق النقل، غلب على مؤلفاتهم ~~تمثل الوافد. ولأنهم كانوا من النصارى، فقد قل تنظير الموروث أو غاب كليا؛ ~~نظرا لأنه لم يكن رئيسيا في ثقافتهم بالرغم من أنهم كانوا على صلة بالحكماء، ~~مثل يحيى بن عدي والفارابي. # ولا تدخل هذه المؤلفات ضمن تاريخ الأدب العربي المسيحي، بل ضمن تاريخ الفكر ~~الإسلامي؛ لأنها لا تمثل تيارا مستقلا داخل الحضارة الإسلامية، بل تشارك ~~في نفس التحليل العقلي المثالي للأخلاق أسوة باليونان، كما هو الحال في «تهذيب ~~الأخلاق» ليحيى بن عدي؛ فاليونان هم القاسم المشترك بين الحكماء ms004 والمترجمين، وهي ~~جزء من العمليات الحضارية ومراحل التحول من النقل إلى الإبداع في الحضارة ~~الإسلامية، من الترجمة والتعليق إلى الشروح والتلخيص والعرض والتأليف، إلى الإبداع ~~الخالص أسوة بنصوص حكماء الإسلام؛ فالعمليات الحضارية لا تفرق بين مؤلفين ~~مسلمين ومسيحيين ويهود ومجوس. كما لا تدخل هذه المؤلفات ضمن تاريخ العلم العام، ~~في المرحلة العربية الإسلامية بعد الشرق القديم، ثم اليونان مع العصر الوسيط ~~المسيحي تمهيدا لتاريخ العلم العربي؛ فلكل حضارة تاريخها الخاص وتحقيبها للتاريخ ~~العام بناء على مركزيتها؛ فالعلم العربي الإسلامي ليس في العصر الوسيط، بل في ~~المرحلة الأولى للحضارة الإسلامية التي أرخ لها ابن خلدون قبل أن تأتي في المرحلة ~~الثانية بعد ابن خلدون وحتى الآن، في عصر الشروح والملخصات، وحتى فجر النهضة ~~العربية الحديثة. # ولا تدخل هذه المؤلفات كجزء من تاريخ العلم العربي في مصادره الأولى؛ لأنها جزء ~~من بنية ثقافية حضارية إسلامية مع باقي العلوم، وإبداعها في تراثها وعصرها، وليس ~~بالقياس إلى العلم الغربي الحديث. هي جزء من علوم الحكمة؛ فالعلوم الطبيعية ~~والرياضية جزء من الطبيعيات، وليست علوما مستقلة عن نسق العلوم العام الذي بدأ في ~~«إحصاء العلوم». ~~(أ) ولحنين بن إسحاق (264ه) «في حفظ الأسنان واللثة واستصلاحها»، وهو صاحب ~~التفرقة بين أنواع تأليفه بين الثمار والتفسير والجوامع قبل ابن رشد، وهو تأليف ~~علمي دقيق خال من الإنشاء، يظهر الوافد فيه على استحياء؛ أبقراط، ثم جالينوس، ~~طبيبان في ذهن طبيب، والإحالة إلى قدماء الأطباء وحكماء الأطباء؛ ففي موضوع القيء ~~جميع الأطباء خلا أبقراط يأمرون من يحتاج إلى القيء في الشهر مرتين، وهو أمر أن ~~يكون في الشهر مرة. ويعتمد حنين على وصف جالينوس للسنين. # 1 # ولا يقتصر الوافد عند حنين على الوافد اليوناني، بل يشمل أيضا الوافد الهندي؛ إذ ~~يتحدث عن الساذج هندي؛ فقد كان التراث الهندي سابقا على التراث اليوناني في شبه ~~الجزيرة العربية عبر التجارة. # 2 # ومن مؤلفات المترجمين النصارى تظهر البنية الإسلامية أيضا من المؤلف أو الناسخ ~~باعتبارها بيئة حضارية عامة للمسلمين والنصارى على حد سواء. ms005 تظهر البسملة ~~والحمدلة والصلاة على الرسول وآله، والاعتماد على المشيئة الإلهية، مع بعض الصفات ~~الأصلية الفلسفية، مثل «واهب العقل والحياة». # 3 ~~(ب) وفي «المسائل الطبية» له أيضا، المضموم إليها مسائل حبيش بن الحسن على مذهب ~~أبقراط في الطب؛ فالتأليف عمل جماعي، يتصدر جالينوس وباغلوس الفيلسوف ~~وأندروماخوس في فقرات متتالية، وكأن الوافد قد تم حصاره بالتأليف متحولا إلى ~~تراكم في إبداع خالص. # 4 # ويذكر كلهم في تاريخ الأدوية المفردة والمركبة لعلاج سم الأفاعي. ~~فكان المبدع الأول باغلوس الفيلسوف، ثم أندروماخوس المتمم والمكمل له، ثم ~~جالينوس المصحح له والمظهر لحسناته وفضائله، ثم جاء حنين بن إسحاق المؤلف ~~نفسه متحدثا عن نفسه كآخر جزء من التاريخ، انتزع من جالينوس قولا مجملا، ~~وجعله مثل البذر لطالب الغلة من كتاب الترياق. اكتملت الحقيقة عند جالينوس ثم اجتهد ~~في بيانها حنين، كما اكتملت الديانات السابقة في الإسلام ولم يبق بعده إلا ~~الاجتهاد في التشريع. # 5 # ويظهر اسم «اليونانيون» وصفة «اليونانية»، وفي كلتا الحالتين الإشارة إلى اللغة. ~~ويسمي اليونانيون حمى الدق أفطيفيوس، وكل حيوان ينهش في لغة اليونانيين تيريون، ~~وكل دواء ترياق. ويسمي اليونانيون الحمى بأربعة أسماء طبقا لاختلاف درجات ~~الحرارة، وتسمى باليونانية طبقا لكثرة مادتها أو شدة حرارتها، ويذكر اسم ~~عفونة المرة الصفراء وعفونة البلغم باليونانية. # 6 # ولا يظهر من الموروث أعلام أو موضوعات باستثناء بعض الأسماء الجغرافية التي ~~تعبر عن بيئة محلية، مؤسسا بذلك علم الطب الجغرافي أو علم الجغرافيا الطبية، ~~مثل حدوث البياض عن برد بلاد الصقالبة، والسواد عند سخونة بلاد السودان. # 7 # ويغلب عليه الطب العقلي الفلسفي، وتغلب على نصائحه البداهة، وهو طب خالص خال ~~من المعارك الطبية أو المدارس الفلسفية، سهل بسيط وواضح، يكاد يخلو من الأعلام، ~~ويعتمد التأليف على فهم القسمة، وهي أولى مراحل التعريف، وهو أقرب إلى الثقافة ~~الطبية. ولما كان الطب ثقافة القدماء أتت معجزات المسيح طبية، كما أتت معجزات ~~العرب أدبية نظرا لثقاتهم الأدبية، ومعجزات اليهود مادية نظرا لطبيعتهم ~~المادية. # وكثير من أسماء الأمراض والأدوية ما زال معربا ms006 دون أن يفقد النص أسلوبه ~~العربي الأدبي، على خلاف معاصرينا من الشوام والمغاربة في نقلهم من التراث الغربي، ~~بل يصل الأمر إلى التشبيهات، مثل «النبض رسول لا يكذب». # 8 # ويخلو من البسملات والحمدلات. ~~(ج) و«كتاب العشر مقالات في العين» منسوب له أيضا، وهو أقدم كتاب في طب العيون ~~ألف على الطريقة العلمية. # 9 # يتصدر أسماء الأعلام جالينوس، ثم أرباسيوس، ثم بولس الأجنيطي، ثم ~~حنين نفسه، ونيلس، ثم أبقراط، وقراطيس، وقابيطون، وأندراس، وفيلوكسانوس (صاحب كتاب). # 10 # وقد ألف حنين هذا الكتاب على رأي أبقراط وجالينوس كما هو وارد في ~~العنوان دون ادعاء الإبداع؛ فهو تأليف في الوافد المنقول دون إضافة أو إنقاص أو ~~نقد أو تطوير. # 11 # الكتاب «مؤلف على ما بينه وشرحه جالينوس الحكيم بأوضح ما قدر عليه ~~من القول وأوجزه». يعني تمثل الوافد؛ إذن الفهم، ثم إعادة العرض بوضوح وإيجاز، ~~وهو نوع من الطب العقلي الذي يعتمد على البداهة وحدها، من مدرسة القياس، وليس من ~~مدرسة التجربة في الطب. ويكمل النص في آخر المقالة السادسة مما نقله الرازي في ~~«الحاوي». ويظهر الجانب النفسي «الروح النفساني» في وظيفة العين. # 12 # ويذكر القدماء إحالة إلى التراث الطبي القديم واستئنافا وتجاوزا له. # 13 # يذكر السريان والعرب وحبيش في إطار ترجمة الوافد. والكتاب مزود ~~بالرسوم التوضيحية. # 14 # ولكن الأكثر ترددا هو صفة اليونانية، ثم اسم «اليونانيون»، ثم القدماء. وتعني ~~الصفة اللغة، ذكر اسم المرض أو الداء معربا قبل الترجمة أو بعدها. # 15 # وأحيانا تذكر بعض الأسماء المعربة دون ذكر صفة اليونانية؛ لأنها ~~واضحة أنها كذلك. والأسماء المترجمة تكشف قدرة فائقة على نحت المصطلحات. ويظهر ~~الواقع المحلي؛ فأسماء الأدوية مثل الصمغ العربي والعرب والعربية والسرياني ~~والسريانيون والتمر الهندي. # 16 # وتدل عبارات الربط على أن التمثل رغبة في الإيضاح؛ «وهذا ما أردنا ~~إيضاحه»، «وهذا ما أردنا تفسيره». # 17 # وكما يبدأ النص بالبسملة ينتهي بسؤال الله أن يحفظ السائل وينفعه، ~~وينفع الناس بالكتاب على يده دهرا طويلا وسنين كثيرة، ولا يطلب مكافأة إلا حسن ~~الدعاء، ويتخلل ms007 النص اللجوء إلى المشيئة الإلهية في تعبير «إن شاء الله». ~~(د) وفي «كتاب المولودين» لحنين أيضا يتصدر أبقراط؛ فهو الوحيد الذي كتب في ~~الموضوع قبل حنين، واسمه «في المولودين لثمانية أشهر». # 18 # ويزيد حنين على ما سبقه إليه أبقراط ويعلل تعليلاته. # 19 # ولم يشتهر الكتاب لعدم المعرفة بلغة أبقراط ولا بالغرض من كتابه. ~~وكرر الكتاب العنوان من جديد. يصرح فيه حنين أنه مجرد شارح لمعاني أبقراط في ~~كتابه المذكور. وفي الخاتمة تحت مسائل أبقراط في «المولودين لثمانية أشهر»؛ مما ~~يصعب معه التمييز بين التأليف والعرض ووضع المسألة بطريقة السؤال والجواب، وهو ~~أسلوب تعليمي. ويسمي نفسه خادم أمير المؤمنين في عنوان الكتاب؛ مما يدل على ~~توظيف العلماء عند السلاطين وخضوعهم لهم. ويتكرر العنوان في مسائل ألفها للسيد ~~أمير المؤمنين أطال الله بقاء خادمه حنين بن إسحاق المتطبب، # 20 # ويبدأ بالبسملة والاستعانة بالله وسؤاله التوفيق، ولا ينتهي بالإيمانيات. # 21 ~~(ه) ولا فرق في تأليف المترجمين بين تمثل الوافد والعرض؛ فمقالة حنين بن إسحاق ~~«في الضوء وحقيقته» جمعها من كتب أرسطوطاليس بمجرد إعادة كتابتها وعرضها عرضا نسقيا. # 22 # تمثل الوافد هنا يعني تجميع موضوع من أماكن متفرقة ثم وضع إطار نظري ~~له. ويذكر أرسطو (مرتين)، وكتاب النفس (مرة واحدة)، ويضم عشر فقرات تبدأ منها ~~بأحد أفعال القول: قال، احتج فقال، فالقول يسبقه الاحتجاج. ونسبة صيغة «احتج فقال» ~~أعلى من صيغة «قال» فحسب؛ # 23 # فالاحتجاج والقول حجة وبرهان، دليل وموقف، أسوة بأسلوب الفقهاء في ~~الرد مسبقا على اعتراضات الخصوم. ويبين دخول المؤلف في فكر أرسطو وحججه ~~وبراهينه ورؤيته من الداخل، وليس نقله من الخارج. وبالرغم من الغياب الكلي للموروث ~~وغياب البسملات إلا أن الحمدلات في النهاية حاضرة. # 24 ~~(2) قسطا بن لوقا # ومن الواضح أن أعمال المترجمين تقع في تمثل الوافد؛ فهم أقرب إليه وأبعد عن ~~الموروث، وهم أول من خرج من الترجمة إلى التعليق إلى الشرح والتلخيص والجامع قبل ~~العرض والتأليف والتراكم. مثال ذلك رسالة «الفرق بين النفس والروح» لقسطا بن لوقا، ~~أو ربما ms008 لإسحاق بن حنين. # 25 # فيحال إلى أفلاطون ثم أرسطو ثم ثاوفرسطس، وجالينوس، وأبقراط، وخروستوس؛ فأفلاطون ~~وأرسطو هما فيلسوفا النفس يعبران عن وجهتي النظر؛ استقلال النفس عن البدن عند ~~أفلاطون، وارتباطهما معا عند أرسطو. # 26 # ويحال إلى محاورة «طيماوس» لأفلاطون. ومن الفرق يذكر الفلاسفة ~~والأطباء اليونانيون تمايزا بينهم وبين غيرهم. فتمثل الوافد لا يقضي على ~~المغايرة بين الأنا والآخر. # والتأليف بناء على سؤال عيسى بن أرخانشاه طبقا لعادة العرب في التأليف وأحكام ~~السؤال والجواب في أصول الفقه. # 27 # سؤاله عن الفرق بين الروح والنفس وأقوال الأوائل فيه. ولا يخلو النص من ~~تعليق في الهامش من المحقق المؤلف أو القارئ أو الناسخ؛ فالتعليق ليس فقط على ~~الترجمة، بل على التأليف، # 28 # والجواب في غاية الاختصار والإيجاز؛ فالتأليف ما زال في أوله عند المترجمين. # 29 # ويبدأ بتحديد ماهية كل من النفس والروح، أوجه التشابه بينهما وأوجه ~~الاختلاف، أوجه الاتحاد بينهما وأوجه التمايز. # والبداية من أعلى، كمحاولة للتعريف النظري الخالص؛ مما يدل على درجة عالية من ~~التحديد وتمثل الوافد. وهو تأليف شارح؛ أي أنه أقرب إلى العرض، وهو أولى مراحل ~~التأليف، والغاية منه تحديد معاني الألفاظ كما هو الحال في الشروح المتأخرة عند المؤلفين. # 30 # وكالعادة تبدأ الرسالة بالبسملات والاستعانات بالله بالدعوة للسائل. # 31 ~~(3) يحيى بن عدي # ويغلب على المقالات الفلسفية ليحيى بن عدي (264ه) التحول من النقل إلى الإبداع في ~~العرض والتأليف والتراكم، تمثل الوافد حتى الإبداع الخالص، تمثل الوافد قبل ~~تنظير الموروث، ثم تمثل الوافد مع تنظير الموروث، ثم يغيب تنظير الموروث قبل ~~تمثل الوافد وتنظير الموروث. يغلب الطرفان النقيضان، الأول تمثل الوافد، ~~والسادس الإبداع الخالص؛ ثم الطرفان الوسيطان، الثاني تمثل الوافد قبل تنظير ~~الموروث، والثالث تمثل الوافد مع تنظير الموروث؛ ويغيب الوسطان، الرابع تنظير ~~الموروث قبل تمثل الوافد، والخامس تنظير الموروث. ولا توجد مقالات في العرض الجزئي. # 32 # وسبب تغليب تمثل الوافد هو القرب من الترجمة، وكان يحيى بن عدي مترجما ~~وفيلسوفا في آن واحد، ناقلا وعارضا. ويغلب على الموضوعات المنطق ms009 أكثر من ~~الطبيعيات والإلهيات؛ فهو تلميذ الفارابي. ~~(أ) ففي مقالة «في غير المتناهي» يتصدر أرسطو ومؤلفاته، السماع الطبيعي، ثم قاطيغورياس. # 33 # يستشهد بأرسطو على القضايا الأولية، مثل أن الجزئيات التي لا تدخل في ~~الكليات لا تكون الكليات حاضرة لها، كما صرح بذلك في قاطيغورياس، كما يشرح قول ~~أرسطو في المقالة الأولى من السماع الطبيعي إن غير المتناهي كم، وفي المقالة ~~الثالثة إن ما لا نهاية له قائم بنفسه لغموض القولين؛ فالتمثل هنا بمعنى ~~الإيضاح. # ولا يعني تمثل الوافد وغياب تنظير الموروث الانعزال عن العصر وقضاياه، بل هو ~~استجابة إلى شك متفلسفة العصر من قبل الوهم وسوء القياس، والظن بالعدد أنه ~~ذو نهاية من تلقاء أوله، وغير متنهاه من تلقاء آخره. يبين ابن عدي فساد هذا ~~الرأي وبطلان هذا الوهم، وإثبات أنه لا يوجد في العدد معنى غير التناهي أو عدد لا ~~نهاية له. ويعتمد في ذلك على الأوائل في العقل. وقد يكون الدافع على ذلك تفرد ~~الله بصفة اللامتناهي كما أوضح الكندي من قبل. وإذا كانت الرسالة تبدأ بالبسملة من ~~الناسخ فإنها تنتهي بطلب تأييد «الله الهادي إلى الحق، البادئ بالجود على الخلق، ذي ~~الجود والحكمة والحول، ولي العدل، وواهب العقل»، له الحمد والشكر كما هو أهل ~~له. ~~(ب) وفي «تبيين وجود الأمور العامية، والنحو الذي عليه تكون محمولة، والنحو الذي ~~تخرج به من أن تكون محمولة» يتصدر الفيلسوف أرسطو ومؤلفاته، البرهان، ثم السماع ~~الطبيعي، ثم الكون والفساد والنفس. # 34 # ويؤخذ قول أرسطو حجة لمنكري وجود المعاني والصور الذهنية والنفسية في ~~الخارج؛ لقوله في «البرهان» إن الصور فرع باطل، وإن إثباتها في الخارج ليس ~~اضطرارا؛ ولقوله في «النفس» إن ما يوجد في الخارج هي الأشخاص، وقوله في «الكون ~~والفساد» إن الجسم العام لا وجود له. كل ذلك في إطار نقده لنظرية المثل، وهو سوء ~~تأويل لأقوال أرسطو. صحيح أن أرسطو ينكر وجود المعاني الكلية في الخارج، ولكنه ~~يثبت وجودها وجودا منطقيا، كما صرح في «قاطيغورياس» أن ليس كل الموجودات في ms010 ~~موضوع، وصرح في «البرهان» بإمكانية وجود كلمات تضم الأجزاء، وهي الأمور العامة، ~~وبين أيضا أن البرهان لا يكون إلا على الكلي وليس على الجزئي، وأن البرهان على ~~الكلي أفضل من البرهان على الجزئي. وإذا كان العلم لا يكون بما ليس بموجود، فكيف لا ~~يكون للكليات وجود منطقي، وأرسطو فيلسوف مبرز وعاقل؟ من الواضح إذن إثبات أرسطو ~~المعاني كأنواع، والأنواع لها وجود منطقي، وهو ما صرح به أرسطو في «السماع ~~الطبيعي»، كما أن الصورة متصلة بالمادة، والمادة تقبلها؛ فالصورة ليست مجرد وهم؛ ~~ومن ثم يفسد تأويل قول أرسطو بأن المعاني لا توجد إلا في النفس. الموجودات عند ~~أرسطو على درجات بين المادة والصورة، كما صرح بذلك في «السماع الطبيعي». يعني ~~تمثل الوافد إذن تصحيح فهم أقوال أرسطو ضد سوء تأويلها من مختلف الفرق، والعودة ~~إلى نصوص أرسطو المتقابلة في عديد من مؤلفاته المنطقية والطبيعية لإعطاء التأويل ~~الصحيح، وهو ما كرره ابن رشد فيما بعد. وباستثناء البسملة في البداية من المؤلف ~~أو الناسخ لا توجد إيمانيات أو حمدلات أو دعوات وصلوات. ~~(ج) وفي «مقالة في تزييف قول القائلين بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ» لا ~~يذكر من الوافد إلا «السماع الطبيعي»، وهو نقد للمتكلمين مثل نقد ابن رشد؛ فقد ~~تبين فيه أن لكل صورة من الصور الطبيعية مقدارا من العظم لا يوجد في أصغر منه، ~~وهو تلبيس من الخصوم. # 35 ~~(د) وفي «مقالة بينه وبين إبراهيم بن عدي الكاتب، ومناقضته في أن الجسم جوهر ~~وعرض» يذكر أرسطو مرة واحدة اعتمادا عليه لإثبات فساد العالم أي فئاته، وهي ~~قضية أولية في العقل لا تحتاج إلى برهان. ومع ذلك فإن الدليل هو أن كل جسم جوهر ~~وعرض سواء في هذه الدنيا أو في غيره. ويكشف ابن عدي عن التصور الديني للعالم، وما ~~هو مستقر به في الديانات من القول بالمعاد والثوب والعقاب. وقد حدث التراكم الفلسفي ~~في هذه الفترة المبكرة؛ فيحيى بن عدي يناقض إبراهيم بن عدي. # 36 ~~(ه) وفي «قول فيه تفسير أشياء ms011 ذكرها عند ذكره فضل صناعة المنطق» لا يذكر إلا ~~الفيلسوف أرسطو ثم السوفسطائيون. # 37 # وهو دفاع عن المنطق ضد مغالطات السوفسطائيين، وإثبات للمنطق المعياري ~~ضد المنطق البرجماتي. ويعتمد على أرسطو في إخراج النتائج اليقينية من المقدمات ~~اليقينية الكاذبة، والنتائج الكاذبة من المقدمات الكاذبة. وبعد البسملة من المؤلف ~~أو الناسخ تتم الدعوة بطول العمر للسائل، فالمقالة إجابة على سؤال، والدعوة لله ذي ~~الجود والحكمة والحول، ولي العدل، وواهب العقل، والشكر له دائما كما هو أهل ~~له. ~~(و) وفي مقالة «في تبيين أن الشخص اسم مشترك» لا يذكر إلا فرفوريوس، وتعريفه ~~للشخص الذي يطلق على كل واحد ضد المتفلسفين الذين زاغوا عن الحق، واعترفوا أنه ~~يدل على معنى واحد بعينه عام موجود لجميع الأشخاص. تمثل الوافد هنا يعني تصحيح ~~خطأ الفلاسفة؛ فالشخص اسم مشترك يدل على معنيين. ولا يذكر من الموروث إلا المثل ~~العربي زيد وعمرو لضرب المثل على اسم شخص. وينتهي المقال إلى أن اسم الشخص مشترك، ~~وأن المعاني التي يدل عليها متفقة أسماؤها وليست متواطئة، بتوفيق الله وتسديده ~~وحين معونته. وينتهي المقال بالدعوة بالتوفيق والتسديد وحسن العون من الله. # 38 # فالموضوع وافد، جزء من ثقافة المترجم وإطاره المرجعي، ولكن القالب ~~موروث من مبحث الألفاظ عند الأصوليين في اشتراك الاسم. # 39 ~~(ز) وفي «مقالة في الموجودات» يذكر الفيلسوف أرسطو، ثم السماع الطبيعي. # 40 # يذكر تعريفه في النفس بأنها كمال، وتحديده للطبيعة بأنها مبدأ وحركة ~~وسكون في الشيء بالذات لا بالعرض، وتحديده للهيولى بأنه الموضوع الأول لشيء شيء ~~الذي عنه يتكون الشيء وموجود فيه لا بطريقة العرض، وتحديده للصورة بأنها خلقة لما ~~فيه بنفسه مبدأ الحركة، وهي الصورة الهيولانية. والحركة كمال ما هو بالقوة بما هو ~~كذلك، والزمان مدة تعدها الحركة بالمتقدم والمتأخر. كما بين في السماع الطبيعي ~~أنه ما لم تكن هناك حركة لا يكون هناك زمان، وعرف المكان بأنه السطح الداخل من ~~الجسم المادي للسطح الخارج من الجسم المحوي. وبين في المقالة الرابعة من «السماع ~~الطبيعي» أن الخلاء غير موجود. ms012 ولا تزال كلمة «الأسطقسات» معربة؛ فالتعريفات أشبه ~~ببداية المصطلحات، وكلها من أرسطو، ولقبه الحكيم. # أما الموروث فيظهر في البسملة من المؤلف أو الناسخ، وتعريف الباري أولا بأنه ~~جوهر غير ذي جسم، جواد، حكيم، قادر، أزلي، عاقل ذاته، على غاية الحقيقة، أقدم من ~~كل ما سواه بالذات وبالمرتبة وبالشرف، علة وجود كل موجود غيره، وتكون كل متكون. ~~وينهي المقالة بالحمدلة. ~~(ح) وفي «القول إن كل متصل فإنه ينقسم إلى أشياء تنقسم دائما بغير نهاية» لا ~~يذكر إلا كتاب إقليدس استشهادا به على أن كل خط منقسم قسمين دون التصريح بوجود ~~الجزء الذي لا يتجزأ. والموضوع تجريدي أقرب إلى البراهين الرياضية. وتبدأ المقالة ~~بالبسملة، وتنتهي بعون الله. # 41 ~~(ط) وفي «إثبات طبيعة الممكن، ونقض حجج المخالفين لذلك، والتنبيه على فسادها» ~~بالرغم من أنها رسالة موجهة إلى أبي بكر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن الحسن ~~بن قريش في العنوان، إلا أنها لا تذكر إلا الوافد؛ أرسطو، ثم كتاب باري أرمنياس، ثم ~~الفلاسفة القدماء. # 42 # وهي الرسالة الوحيدة المقسمة إلى أبواب (وفصول)، وعرض ملخصها ~~سلفا، والموضوع هو حل الخلاف بين الفلاسفة القدماء حول طبيعة الممكن، وحله عن طريق ~~«اقتصاص كلام أرسطو»؛ أي العودة إلى الأصول والتنبيه على مواطن الغلط ضد النافين ~~له، وإيراد البراهين على إثباته، وبيان المستغلق من كلام أرسطو وتوضيحه. فالتمثل ~~يعني إزالة الخلاف بين الشراح اليونان والذهاب من الأنا إلى الآخر، ثم توضيح ~~الأصول ذاتها عند الآخر؛ فهو واجب تجاه الآخر قبل أن يكون واجبا تجاه الأنا. وحجة ~~النفاة مأخوذة من كلام أرسطو من ضرورة صدق أحد النقيضين وكذب الآخر. نشأ الخلاف ~~بين الفلاسفة القدماء ابتداء من كتاب العبارة لأرسطو باري أرمنياس. والخلاف بين ~~القدماء هو: هل الجزئيات في الزمان المستقبل ممكنة أم هي ضرورية كلها؟ وحله ~~باقتصاص كلام أرسطو الفيلسوف في حجة النافين للممكن، ثم إبطالها من غير زيادة أو ~~نقص على «قصته». المعاني الكلية فيها الإيجاب والسلب؛ وبالتالي الصدق والكذب، وليست ~~المعاني الجزئية. ويتم شرح ذلك تفصيلا ms013 حسب معانيه بتحليل ألفاظ الزمان مثل «الآن»، ~~وألفاظ الحكم مثل السلب والإيجاب، وبيان مضمون بعض الألفاظ مثل الأمرين، ويعنيان ~~الوجود والعدم. يرد أرسطو على النافين للممكن سلبا ثم يثبته إيجابا. ويشرح ~~ابن عدي غرضه في فصل فصل من العبارة حتى يلم العبارات بقصدها. مواضع الغلط في ~~حجج النافين هو عدم التمييز بين حال وجود الشيء إذا كان موجودا وحال وجوده على ~~الإطلاق. # ويبدو التصور الديني في حجة نفي الممكن، وهو سبق العلم الإلهي، وهو علم ضروري ~~خال من الممكنات، وهو ليس سببا عنصريا (ماديا) أو صوريا أو فاعلا أو ~~كماليا (غائيا) أو أدويا (من أداة) أو مثاليا، وهو تحديد للموضوع عن طريق ~~السلب لأنواع العلل الأرسطية أن تكون نافية للممكن. وعلم الله المسبق هي حجة ~~المتكلمين لإثبات القدر ونفي الاستطاعة وخلق الأفعال. يحيل ابن عدي إلى رسالته في ~~ماهية العلم؛ مما يدل على تكامل مشروعه الفكري. وتضرب الأمثلة بزيد وعمرو لبيان ~~الفرق بين الماهية والوجود طبقا للأسلوب العربي. ويوصف الباري بجل اسمه، وتعالى ~~عما يقوله الضالون. ويتم عرض الرسالة بتأييد الله ذي الجود والحكمة، ولي العدل ~~وواهب العقل، وهي صفات الحكماء ونعوتهم لله. ويتم البحث بمعونة الله وحسن توفيقه ~~بالتوكل على الله. # | ثالثا: الكندي # (1) الرسائل الفلسفية والطبيعة ~~(أ) نظرا لأن الكندي (252ه) أول الفلاسفة، ويمثل تحولا من الترجمة إلى ~~التأليف، ومن الكلام إلى الفلسفة، ظهر «تمثل الوافد» لديه بوضوح. وأهم ما يميز ~~تأليف الكندي، مثل «رسالة إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى»، انفتاحه على ~~الوافد إلى أقصى حد؛ مما ساعده على تمثله، ونقده إلى أقصى حد؛ مما ساعد على ~~تجاوزه، الانفتاح على الآخر والاستقلال عنه، تقريظ القدماء وتطويرهم، والتأكيد على ~~أهمية الأوائل وتصحيح أقوالهم، ضرورة البداية بالسلف وضرورة استمرار الخلف، الجمع ~~بين القديم والجديد، أو بلغة العصر بين الأصالة والمعاصرة. أهم ما يميز الكندي ~~إذن هو الوعي التاريخي العام بتطور الحضارات، وإكمال اللاحق منها السابق. وكما لا ~~تستطيع حضارة واحدة أن تصل إلى كل شيء، كذلك لا يستطيع فرد واحد ms014 أن يعرف كل شيء. ~~ومن هنا أتت ضرورة التكامل والتراكم والتعاون بين الحضارات؛ فكل حضارة لها ~~المبرزون والعاديون. ونظرا لعدم استطاعة إنسان واحد بعمره القصير وجهده المحدود ~~الوصول إلى الحقيقة، لزم تضافر الجهود، وتراكم الأعمار، ومساهمة الأجيال، وتعاون ~~الأمم، وتكامل الحضارات. هناك شركة بين الحضارات وألفة بين الشعوب. وتتحقق هذه ~~الوحدة الحضارية من خلال العمل . تتعاون الأمم حضاريا فيما بينها، ويساهم كل ~~منها بدوره في صياغة حضارة إنسانية شاملة واحدة. يحدث التراكم الحضاري من أجل ~~التقدم البشري. البشرية كلها مشروع بحث عن الحق والكشف عنه، ومساهمة كل أمة في هذا ~~المشروع دون مركزية لإحداها، أو عنصرية لقوم، أو إجحاف لحق الأمم الأخرى، بل ~~الاعتراف بدور الأمم السابقة وفضلها بالدفاع عنها. كل أمة تكمل الأمم السابقة، ما ~~نقص عندها. هناك تكامل بين الأمم، وليس الهدم أو الإنكار المتبادل. مهمة المحدثين ~~إكمال ما ترك القدماء ناقصا في نظرة كلية شاملة؛ فالأجزاء فيه تتجه نحو التكامل، ~~والكل يضم الأجزاء فيه. # 1 # الخلاف بين الحضارات في اللسان، وليس في الفكر، أو في البحث عن الحق ~~وطلبه، أو الوصول إليه؛ لذلك لزم شكر القدماء والاعتراف بفضلهم؛ إذ لا يمكن ذم ~~من كانوا أحد أسباب المنافع الكبرى والصغرى، حتى وإن قصروا عن الحق فإنهم شركاء فيه ~~بما أفادوه من ثمار فكرهم التي استفاد منها البشر جميعا. لم يستأثر شعب بالحق كله، ~~بل ساهم في معرفته الجميع؛ فالشكر لهم جميعا للصغير والكبير لمن ساهم بالقليل ~~وبالكثير؛ فلولا القدماء لما كان المحدثون، والحق فوق الأمم والشعوب، ولا يضير ~~الحق أن يعلن من الأمم البعيدة والأجناس القاصية، وكأن الكندي يعبر عن آية # وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا ~~. # 2 # بداية الوعي بالتاريخ هو البداية بالقدماء وإكمالهم، والتحول من النقل ~~إلى الإبداع. # 3 # ولم يذكر الكندي أرسطو في «رسالة إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى»، وهي ~~عمدة رسائله الفلسفية، إلا مرة واحدة استشهادا به على فكرة الكندي الخاصة بضرورة ~~احترام القدماء، أو أخذ الحق من أي مصدر كان دون الانغلاق على الذات ms015 والتشنج ضد ~~الآخر ورفضه، مجرد حجة خارجية لفكرة داخلية اعتمادا على أكبر سلطة عند القدماء في ~~الحضارات القديمة لإيجاد نوع من التواصل بين القديم والجديد؛ لذلك كانت أكثر ~~الألفاظ ورودا في مؤلفات الكندي التي تتمثل الوافد «القدماء»، «حكماء القدماء». # 4 # ولا يشير الكندي إلا إلى كبار الحكماء المبرزين منهم؛ فهم علامات ~~تطور الحضارة البشرية. والإشارة إلى القدماء على وجه العموم دون تحديد حضارة خاصة، ~~وإن كانت اليونانية هي الأغلب، أو تعيين لتيار أو فيلسوف خاص، وإن كانت الرواقية ~~هي الأغلب. وتحقيق المناط في التاريخ لا يهم، بل المهم الفكرة والاتجاه ~~القصد. ~~(ب) وفي «سجود الجرم الأقصى» قد تتحول حضارة بفكرة تقبلها باقي الحضارات، مثل ~~فكرة تقابل العالم الأصغر مع العالم الأكبر، وتصبح فكرة معقولة في حكمة البشر ~~بصرف النظر عن الشعب القائل بها أولا. له فضل السبق، ولكنها مستقلة عنه، تطابق ~~العقل والواقع، صورة فنية، تشبيه إنساني، تسانده الملاحظة والتجربة ويدعمه النقل، # وفي الأرض آيات للموقنين * ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~، ورددها إخوان الصفا فيما ~~بعد. تمثل الوافد إذن يقوم أحيانا على انفتاح على الموروث بطريقة لا شعورية؛ إذ ~~يقبع الموروث في اللاشعور يستقبل الوافد في الشعور. # 5 # ويشير الكندي إلى ما أسماه القدماء الحكماء من اليونانيين بعد المشاهدة والتجربة ~~والتعليل، ويصدق أقوالهم؛ فمراجعة كتب القدماء ضرورية قبل التسليم بها، ولا يمكن ~~معرفة كتب القدماء دون معرفة أوائل العلوم، وإلا كان الناقل لها كالحمار يحمل ~~أسفارا، كالأمي الذي لا يعرف لغة أو يقرأ كتابا. وتتم مراجعتها بالحس ~~والمشاهدة، والانتقال من اللفظ والمعنى إلى الشيء، ومن الخطاب إلى الواقع، ودون ذلك ~~لا يمكن فهم كتب القدماء. شرط الفهم معرفة العلم أولا قبل قراءة كتاب علم، ~~انتقالا من الشيء إلى اللفظ، ومن الواقع إلى الفكر. هناك إذن حدود للمعرفة ~~المكتبية التي لا حصر لها، ولكن يمكن ضبطها بالتجربة المباشرة؛ لذلك يفرق الكندي ~~بين الاسم والمسمى، وحدة المسمى وتعدد الأسماء؛ فالشيء مستقل عن اللغة، ~~والموضوع سابق على الإدراك؛ لذلك تشير الحضارات إلى نفس الشيء ms016 بلغات متعددة. ~~يستعمل الكندي إذن منهجا مركبا في العلم. حين تمثل الوافد يقوم على أربع خطوات، ~~هي: ~~(أ) # معرفة أوائل العلوم الطبيعية، وترتيبها وفنونها والصبر عليها؛ ~~فالتمثل لا يبدأ بالكتاب، بل بالمعرفة السابقة عليه، انتقالا من الشيء ~~إلى اللفظ، ومن العالم إلى اللغة، ومن الأنا إلى الآخر. ~~(ب) # مراجعة كتب القدماء؛ فالتمثل ليس موقفا سلبيا يقوم على التحصيل ~~والتعليم والنقل ، بل على مراجعة المنقول ابتداء من المعروف بالعقل ~~والتجربة. ~~(ج) # معرفة لغتها والتفرقة بين الأسماء والمسميات حتى يسهل التفاعل بين ~~الأنا والآخر، بين المنقول والأشياء المستقلة عنها، والتي هي مشاع بين ~~الحضارات جميعها. ~~(د) # العلوم الإنسانية نسبية محدودة، تختلف في إدراكها الحضارات والشعوب. ~~ومن هنا أتت ضرورة التكامل بينها من أجل رؤية متكاملة للموضوع المستقل ~~وراء المنقول. # 6 # وأحد أسباب تمثل الوافد عند الكندي اختصار ما أطاله القدماء طبقا لما عرف صحته ~~وجربه بنفسه؛ فهو ليس اختصارا للأقوال، بل تحقق من صدقها، واستبقاء ما طابق ~~الواقع، وحذف الحشو والإطالة، وما لا يطابق الواقع أشبه بدور «الجوامع» عند ~~ابن رشد. ويتم الاختصار بناء على التجربة، والمراجعة لأقوال القدماء، والتوثق من ~~صحتها بمراجعتها على التجارب تمحيصا لها، وهو مقياس مستمد لا شعوريا من ~~مصطلح علم الحديث، مراجعة الخبر على الحس؛ فشهادة الحس أحد شروط التواتر مع العدد ~~الكافي، واستقلال الرواة، وتجانس انتشار الرواية في الزمان. # 7 # المطابقة مع الحس أساس الحكم على صحة ما يقوله القدماء كرواية ~~تاريخية، كما هو الحال في نظرية العلم في علم الأصول واليقين في الأخبار. لا يكفي ~~في العلم مجرد روايات السابقين ونقل آرائهم، بل لا بد من تمحيصها وتصديقها وزيادتها ~~بالعلم المباشر. # 8 # ولا يشذ على هذه المراجعة والتصديق أحد، حتى ولو كان أرسطو. ~~(ج) وفي «المد والجزر» روى أرسطو أن نصول السهام إذا رمي بها في الجو ذاب ~~الرصاص الملصق بها، وهي رواية محرفة؛ لأن رصاص السهام لا يذوب في نار المدة التي ~~يخرق بها السهم الجو، ولا يمكن أن يحمي الهواء أكثر من النار، ms017 كما أن الهواء الذي ~~يخرق السهم يتغير بهواء جديد؛ فالتجربة لا تصدق هذه الرواية عن أرسطو، والتجربة ~~مدعاة للتصديق؛ لأن الحس مقياس صدق الخبر. # 9 # ويذكر أرسطو للتحقق من صدق رواية ذوبان رصاص السهام باختراقها الجو؛ ~~لأن التجربة أثبتت أن الحرارة المتولدة عن الاحتكاك بالهواء أقل من حرارة النار، ~~كما أن الهواء البارد اللاصق في الجو يبرد حرارة الاحتكاك بالهواء المحتك؛ ~~فالرواية عن أرسطو محرفة بالضرورة. ~~(د) وفي «رسالة الجو» يراجع الكندي من القدماء أقوال مارينوس وبطليموس، ~~وقياساتهما لارتفاع البخار معللا بارتفاع الجبال في بيئتهم؛ فالعلم تحليل كمي، ~~وليس فقط تحليلا كيفيا؛ يعتمد على القياس، وليس على مجرد الرأي؛ فالإحالة إلى ~~الآخر بناء على سؤال التراث، ومراجعة صحة نتائج الآخر بعد تجربة الذات، كان يمكن ~~للكندي ذكر غيرهم؛ فالتخصص لا يعني التشخيص أو الإعجاب بشخص دون غيره. # 10 # ويسمي الكندي أصحاب المقالات في علم الهيئة المتكلمين، وهو لفظ موروث لتمثل ~~الوافد؛ ومن ثم يصبح القدماء أشبه بفرقة كلامية ما دامت قد انتشرت أقوالها في ~~الداخل، وكأنها من الفرق غير الإسلامية. يدرس الكندي الموضوع، فإذا ما اتفق مع ~~القدماء أشير إليهم، خاصة إذا كان القدماء من المنجمين؛ أي من العلماء غير ~~العلميين. وقد يرجع اختلاف العلماء إلى اختلاف الأسماء على نفس المسميات. # 11 # وواضح أن المراجعة تتم أولا في العلم اليوناني قبل أن تكون في ~~الفلسفة اليونانية، وأن تمثل الوافد كان أولا للعلم قبل أن يكون للفلسفة؛ فقد ~~كان الكندي طبيبا ورياضيا وطبيعيا وفيلسوفا، يدرس الطبيعيات والرياضيات ~~دراسته للإنسانيات والإلهيات. # وصلة القدماء بالمحدثين صلة الأصول بالفروع، وهما مفهومان أصوليان؛ فقد وضع ~~القدماء القواعد وبنى المحدثون عليها، وهي نظرة أيضا أصولية، الأصل والفرع في ~~القياس الشرعي. يضع القدماء المقدمات ويستنتج المحدثون النتائج، والبحث بلا ~~مقدمات لا يؤدي إلى شيء، ومضيعة للعمر والوقت. وإن ظهور تعبيرات، مثل القدماء ~~المبرزين من المتفلسفين قبلنا من غير أهل لساننا، حكماء القدماء من غير أهل ~~لساننا، القدماء من اليونانيين، الحكماء القدماء، المتقدمين، القدماء من حكماء ~~اليونانيين، لأكثر ms018 ذكرا من أعلام اليونان، أرسطو وأفلاطون وسقراط وبطليموس ~~وأيسقلاوس والإسكندر. يحيل الكندي إلى القديم من أجل تأصيل الجديد، ويتمثل الوافد ~~من أجل تنظير الموروث فيما بعد بصرف النظر عن الأشخاص، وهو وعي تاريخي حضاري عام ~~يكشف عن تفاعل الحضارات، وليس تبعية مفكر لمفكر، أو إعجاب فيلسوف بفيلسوف، أو عشق ~~حكيم لحكيم، كما يفعل الباحثون في هذا العصر. ~~(ه) وفي «الجواهر الخمسة» يذكر الكندي من المجموعات الفلاسفة واختلاف آرائهم في ~~الزمان دون ذكر لأفلاطون أو أرسطو، كما فعل في المكان. قال بعضهم إنه الحركة ~~ذاتها، بينما أنكر ذلك البعض الآخر. ثم يتحقق الكندي من صواب أحد القولين أو خطئه ~~دون الاعتماد على أفلاطون أو أرسطو، أو ذكر لهما أو لغيرهما. يحكم الكندي على ~~الأقوال ويفصل بينها كما يفصل الإسلام مع باقي الديانات، وكما يفعل القدماء مع ~~الكتب السابقة، حكما وفصلا للخطاب، # مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~، وكما يفعل ابن رشد ~~القاضي للفصل بين المتخاصمين وهم الشراح. ويحيل إلى شرحه لكتاب المقولات؛ أي ~~إلى الأنا متمثلا الوافد، وليس الوافد مباشرة كما هو الحال في العرض. # 12 # ويشير الكندي في «الجواهر الخمسة» إلى أرسطو (مرتين)، وأفلاطون (مرة واحدة)، ~~وربما استعمل الكندي لأول مرة صياغة «قال» الحكيم أرسطوطاليس بداية بالقول، وليس ~~بداية بالشيء، ووصفه بأنه الحكيم احترام له. وسبب الاحترام أن الحكمة ضالة ~~المؤمن، والحكيم من صفات الله؛ فأرسطو مر على الإسلام أولا. ويقدم الكندي ~~قراءة إسلامية لأرسطو اليوناني، ويحدد الموضع الذي قال فيه أرسطو ذلك توخيا ~~للدقة، واستشهادا بعلم مدون، وليس فقط برأي شخص عن هوى أو ظن، ثم يظهر أفلاطون ~~مع أرسطو في تعريف المكان، واختلاف الفلاسفة فيه سبب غموضه وخفائه؛ فبينما أنكره ~~البعض، قال البعض الآخر مثل أفلاطون إنه جسم، وقال فرد ثالث إنه ليس بجسم، وقال ~~أرسطو إنه موجود وبين. لم يذكر الكندي إذن أفلاطون وأرسطو بشخصيهما، بل لأنهما ~~يمثلان رأيين بنيويين في المكان، وليسا مقصورين عليهما فقط، بل يشاركان فيهما ~~غيرهما من الفلاسفة. ويستعمل الكندي عبارة ms019 «أما أرسطوطاليس»؛ أي إنه قد يكون لديه ~~القول الفصل في النهاية، ثم لا يترك الكندي لأرسطو هذا القول الفصل في النهاية دون ~~توضيحه والكشف عنه بمزيد من البرهنة. هناك إذن تحقق ومراجعة، وليس تبعية أو تقليدا. # 13 # والانتقال من القديم إلى الحديث هو انتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن الصعوبة إلى ~~السهولة، وكان تطور الحضارات كما برز في تطور الفلسفة هو نحو مزيد من الإيضاح والسهولة. # 14 # ويكون كل تأليف بلغة عصره وعادة أهل الزمان؛ فلكل عصر أسلوبه ولغته ~~ومستوى ثقافته، وطبقا للجهد البشري بالرغم من بقاء بعض المصطلحات المعربة من عصر ~~إلى عصر آخر مثل «الأسطقسات». ~~(و) ثم يذكر أرسطو (مرة واحدة) مع أفلاطون (ثلاث مرات)، التلميذ مع الأستاذ، في ~~«ماهية النوم والرؤيا»؛ # 15 # فأرسطو هنا الفيلسوف المبرز تابع لأفلاطون حكيم اليونانيين راويا ~~عنه أقواله في النفس بأن لها علما بالطبع، وأنها تحيط بجميع الأشياء المعلومة ~~حسية كانت أم عقلية؛ فأفلاطون هو حكيم اليونانيين، آخر ما وصل إليه القدماء من ~~علم، والكندي يستأنف العلم القديم بالعلم الجديد. وقد انتهى أفلاطون طبقا لرواية ~~أرسطو إلى ما وصل إليه الكندي من قبل، ولم ينقله فقط أرسطو عن أفلاطون، بل اقتناه ~~وتبناه؛ وبالتالي تتأكد السلطة العلمية للقدماء مرتين؛ أفلاطون العالم، وأرسطو ~~العالم الراوي. ويستشهد الكندي بأفلاطون على أنه قال نفس الشيء قبله طبقا لرواية ~~أرسطو؛ فالكندي هو العالم. ويتأكد قوله بحجة تاريخ العلم، أفلاطون عن طريق رواية ~~أرسطو طبقا للأمانة العلمية، وعن طريق تأكيد ما قاله بالعلم والبرهان دون تقليد أو ~~تبعية. صحيح أن الكندي يستعمل لفظ «فنطاسيا» المعرب، ويعني القوة أو التخيل، أي ~~الرؤية والنبوة والأحلام؛ وذلك لأن الكندي أول حكماء الإسلام، وما زال المصطلح ~~العربي لم يستقر بعد بين النقل والتعريب؛ فالقوة المصورة عند الكندي هي التي ~~يسميها اليونان فنطاسيا، وليست الفنطاسيا عند اليونان هي التي يسميها الكندي ~~القوة المصورة. الكندي لديه المسمى واليونان لديهم الاسم، ربطا للجديد بالقديم، ~~واستمرارا لتاريخ العلم. وفي مقابل أفلاطون وأرسطو ذكر الكندي مصدرا موروثا، ms020 أو ~~بالأصح واقعا محليا، هو حمزة بن نصر وذويه كنموذج لأضغاث الأحلام ونكس القول ~~وتخليط الكلام، وهو من المرويات في الثقافة الشعبية الموروثة. # 16 ~~(ز) وفي رسالة الكندي في «العقل» يذكر أرسطو (ثلاث مرات)، وأفلاطون (مرتين)، ~~وأرسطو هو الأول في الذكر. وقد تمت الإشارة إلى اليونان بناء على سؤال من ~~الواقع، وليس تبعية لهذا الفيلسوف أو ذاك أو نقلا عن الآخرين؛ فالتعامل مع اليونان ~~تعامل مع الواقع بعد أن أصبح الوافد جزءا منه، وكأننا مع الوحي والواقع وأسباب ~~النزول؛ فالواقع يسأل والواقع يجيب. الواقع يسأل عن رسم قول في العقل واليونان ~~تجيب، اليونان ككل وليس واحدا بعينه، حضارة الغير من لها باع في العلم، ومن ~~حاولت الإجابة على الأسئلة قبل إجابة الوحي عليها، ثم يتخصص الآخر الوافد ~~بالمحمودين منهم وإعلامهم وثمار أشجارهم، وأرسطو أحدهم، معلم أفلاطون. أرسطو هو ~~الزبد، وصانعها هو أفلاطون. ويعترف الكندي بالجميل حتى في فهم الآخرين، ويحاول ~~التوفيق بينهما؛ فحاصل قول الأستاذ هو قول التلميذ؛ إذن ما حاوله الفارابي فيما ~~بعد ليس جديدا، بل بدايته عند الكندي، وهو مشروع حضاري إسلامي استمر أيضا في ~~الحضارة الغربية في عصريها الوسيط أو الحديث، ثم يبدأ الكندي بأرسطو بعد كل هذه ~~المقدمات ورأيه في العقل ثم يبني عليه، ويطوره، ويكمله، بناء واضحا سهلا؛ ~~فالعقل أربعة أنواع؛ الأول: العقل الذي بالفعل أبدا. والثاني: العقل الذي بالقوة، ~~وهو للنفس. الثالث: العقل الذي خرج من النفس من القوة إلى الفعل. والرابع: العقل ~~الذي يسميه الكندي الثاني، العقل بالحس لقرب الحس من الحي، وعموم ذلك يسمى العقل. ~~لم يقل الكندي إن العقل الذي بالفعل هو أبدا العقل الإلهي في بداية التحول من ~~الكلام إلى الفلسفة، ومن العقيدة إلى الفكر الخالص. # 17 # يتفلسف الكندي ثم يستشهد بأرسطو، سلطة القدماء وثقافة العصر، على صدق ~~تفلسفه. أرسطو يأتي بعد الكندي وليس قبله. الكندي هو المقروء، وأرسطو هو القارئ، ~~كما كان ابن رشد هو المشروح، وأرسطو هو الشارح. يأتي الكندي بحججه الداخلية ثم يأتي ~~أرسطو بحجج خارجية؛ فأرسطو ms021 هو الذي يتفق مع الكندي، وليس الكندي هو الذي يتفق مع ~~أرسطو. ولو كان هناك خلاف لأعلن عنه؛ فالموافقة تعني احتمال المخالفة. ~~(ح) ويذكر الكندي في «الحيلة لدفع الأحزان» الإسكندر (خمس مرات)، منها ~~أم الإسكندر (مرة واحدة)، وسقراط (ثلاث مرات)، ونيرون (مرة واحدة)، وشخصية ~~الإسكندر الأكبر في الفكر الإسلامي وعلاقته بأرسطو نموذج الملك الفيلسوف والفيلسوف ~~الملك، رفقة الفكر. وقد نسج الخيال العربي الإسلامي قصصا وحكايات وأساطير حول ~~الإسكندر الأكبر وعلاقته بأمه وأستاذه وجنوده، بل ووروده في القرآن في قصة ذي ~~القرنين، وأصبح موطنا خصبا للانتحال. كتب الإسكندر إلى أمه رسالة يوصيها فيها ~~بدفع الأحزان بداية بنداء «يا أم إسكندر»، كما هي عادة العرب. وربما هي قراءة ~~عربية لوصايا الإسكندر، البداية تاريخية، والنهاية إبداعية. ويضرب الكندي بالإسكندر ~~المثل في الحيلة الرابعة لدفع الأحزان؛ الشعور بالتأسي بالماضي، والإحساس بتيار ~~الشعور الجارف. وتظهر عبارات أرسطو ومصطلحاته على لسان الإسكندر، مثل الكون ~~والفساد. هل كان الإسكندر في أقواله وأفعاله فيلسوفا حقا، مخلصا لتعاليم ~~أرسطو، أم أنها قراءة سقراطية أو أرسطية للإسكندر وتحويله إلى مثال؟ # 18 # ويشير الكندي إلى سقراط اللاتيني في حكاية بعد البرهان المنطقي لتصويره في سيرة ~~من لا يحزن؛ لأنه لا يقتني شيئا يحزن لفقده، سواء كان اقتناء الأشياء أو اقتناء ~~العواطف مثل الحب، وتحديده بالأثيني أي المغاير للعربي الإسلامي. كما يذكر الكندي ~~حكاية أخرى للملك نيرون مع الفيلسوف وهو سنيكا دون أن يعينه الكندي بشخصه ~~اكتفاء بالموقف، وتفيد نفس المعنى؛ الفرح الظاهري بامتلاك الشيء الثمين يسبب ~~الحزن على فقده. ولم يلتزم الكندي بنص معين، بل بين احتمال الوضع الأخلاقي ~~للتاريخ. وتدل الحكاية على حضور الوافد الروماني مع الوافد اليوناني. وأخيرا يقوم ~~الكندي بتصحيح أقوال اليونان باعتباره مسئولا عن تراث الأقدمين؛ فيصحح قول ~~أبسقلاس في المطالع، ويراجع اختلافاتها بعد مراجعة كتب القدماء في علم حقيقة ~~الكواكب ومعرفة ماهيتها، وينقد أرسطو القدماء اعترافا بإمكانية تقصيرهم كبشر. # 19 ~~(2) آليات الإبداع. وكما جرت العادة في محاولة وضع منطق للفكر ونشأة النص وتكوينه ~~في آليات الإبداع ms022 في الشرح والتلخيص والعرض، فإنه يمكن اتباع ذلك أيضا في التأليف ~~وعلى نسب متفاوتة. وأول شرط للإبداع هو التمايز بين الأنا والآخر؛ فبالرغم من ~~هذه القدرة على تمثل الوافد واحترام القدماء وتعظيمهم، إلا أن هناك تباينا ~~وتمايزا وتقابلا بين الأنا والآخر، والحديث عن الأنا بضمير المتكلم الجمع، ~~منفعتنا، منافعنا، لساننا، مطلوباتنا، شكرنا، زماننا، مددنا؛ ومن الأفعال أشركونا، ~~أفادونا، خرجنا؛ ومن الأدوات لنا، عندنا، قبلنا؛ وذلك مقابل الآخر في ضمير الغائب ~~المفرد والجمع، الاسم والفعل مثل هم؛ إنهم قصروا، سهلوا، فكرهم. وأرسطو فيلسوف ~~اليونانيين، وليس فيلسوف المسلمين، وصفا للتمايز بين الأنا والآخر؛ وسقراط ~~الأثيني، وليس البغدادي أو البصري. # 20 # ويستعمل الكندي لغة التقنين لغة معيارية، وليست تقريرية وصفية؛ «ينبغي أن ...» ~~«يحسن بنا ...» مثل لغة الشراح، وكأن الفلسفة أمر معياري بناء على طبيعة العقل؛ ~~لذلك كثيرا ما يبدأ الكندي بمصادرات أخلاقية عملية بديهية معيارا للحكم. # 21 # ومع ذلك فإن الفلسفة عند الكندي ليست نسقا جاهزا أو معرفة مسبقة، بل ~~هي عملية تفلسف؛ فلا يوجد فلاسفة، بل متفلسفون؛ ولا توجد فلسفة، بل تفلسف؛ أي ~~البحث عن الحق تواضعا وليس غرورا، تساؤلا وليس اعتقادا، وينقد الكندي متفلسفة ~~العصر، ويوجه الإبداع كله نحو العصر من أجل نقده واكتشاف أوضاع الزيف فيه. وتبدأ ~~الرسائل بمخاطبة القراء، جمعا وفردا؛ فالقضية اجتماعية، والفكر تجربة مشتركة، ~~والمؤلف صاحب رسالة، والتأليف خطاب بين المؤلف والقارئ، الخطاب علاقة بين ذوات، ~~وليس علاقة بين موضوعات، مع استعمال عديد من الأساليب الإنشائية، مع الدعاء لمن ~~كتب له الرسالة. # 22 # وتبدو آليات الإبداع في أولى مراحل التأليف في تمثل الوافد كتأليف مصطنع ~~مركب مفكك تنقصه الوحدة الداخلية نظرا لغياب الإبداع الخالص، ويبدو ذلك في ~~«الفلسفة الأولى»، وفي رسالة «العقل». وترجع أهمية رسالة «الفلسفة الأولى» إلى أنها ~~بداية التأليف؛ ومن ثم تثار عدة موضوعات: هل هي كتاب أم رسالة؟ ليس مقياس التفرقة ~~الكم وحده، بل المضمون. الكتاب بناء ونسق، والرسالة موضوع جزئي. الكتاب لا شخصي ~~يقترب من التجريد، والرسالة شخصية أقرب إلى المحاولة الأدبية. الكتاب ms023 له عنوان ~~صغير ودقيق، والرسالة لها عنوان طويل. الكتاب لا يبدأ بحرف «في أن ...» والرسالة ~~تبدأ به. ورسالة الكندي تتأرجح بين النوعين. # وهل هي رسالة أم رسالتان أم أكثر نظرا للبنية المصطنعة للكتاب؟ الحقيقة أنها ~~عدة نصوص تبين نشأة النص الفلسفي على دفعات في بداية التأليف ثم الربط المصطنع ~~بينها، مجموعة من الأفكار بصرف النظر عن البنية التي ظهرت فيما بعد عند ابن سينا. # 23 # يتكون الكتاب من خطبة وأربعة فنون، وأهمها الخطبة؛ ففيها الموضوع ~~والمنهج والموقف الحضاري ، الصلة بين الفلسفة والدين كموضوع وكوضع مؤسسي اجتماعي، ~~ثم يبدأ الفن الثاني دون الأول، وكأن الخطبة كانت بمثابة الفن الأول عن المناهج ~~والقسمة، وأن الوجود وجودان، ثم يأتي الفن الثالث عن الطبيعي والمنطقي والرياضي ~~والوحدة والكثرة. ثم يتلو الفن الرابع عن الله؛ أي الواحد، وكلها أربعة فنون من ~~الجزء الأول من الفلسفة الأولى دون الجزء الثاني. ولا تتناسب الفنون الأربعة كما؛ ~~الخطبة أقصرها، والفن الثاني أوسطها، والفنان الثالث والرابع أكبرهما ومتساويان. # 24 # ولا يظهر موضوع النفس بالرغم من الثنائية كتصور رئيسي للعالم؛ ومن ثم ~~تغيب الخطة العامة. والحديث عن الفن، وليس عن الموضوع اللاشخصي؛ إحساسا بالتمايز ~~بين الأنا والآخر. ومن مظاهر الربط المصطنع بين الفقرات بعبارات خارجية التذكير ~~بما فات والتقديم لما هو آت، أو الدعاء، أو الإعلان عن القول وعدم ترك الموضوع ~~يتحدث عن نفسه حتى يتطور الموضوع تلقائيا على نحو طبيعي، # 25 # وأحيانا يحتاج الفكر أن يوضح ذاته ويشرح نفسه بنفسه فيستعمل أسلوب ~~البيان والإيضاح. # 26 # وتتنوع الموضوعات بلا رابط بينها، تبدأ بتقسيم العلوم إلى الفلسفة ~~والرياضة والطبيعة، ثم باستعراض تاريخي يكشف عن الإطار الحضاري للفلسفة. يتجاوز ~~الكندي أرسطو ويرفض إشراك العالم مع الله في التوحيد، ويثبت نهاية الجرم، ويقول ~~بالخلق دونما حاجة إلى فيض الفارابي وابن سينا، على غير ما هو شائع في الدراسات ~~الاستشراقية والعربية المقلدة، أو إلى قدم ابن رشد. يفضل أفلاطون على أرسطو؛ ~~لأن أفلاطون أقرب إلى الصانع؛ وبالتالي إلى الخالق. # ويبدو التأليف المصطنع في «رسالة ms024 العقل»، والتي تقوم على التقسيم والمقارنة وذكر ~~المتقابلات، وهو المنهج المتبع في بداية التأليف؛ فبعد الدعاء والسؤال يذكر رأي ~~أرسطو في العقل، ثم شرحه بالمادة والصورة والنفس، ثم رأي الكندي في العقول الأربعة، ~~وأخيرا تأتي الخاتمة والحمدلة. # 27 # وقد حدد لها الكندي نوعا أدبيا، وهو «موجز خبري»، أو «كلام ~~مرسل». وهي رسالة قصيرة تقريرية تضع الأحكام والآراء العامة دون إفاضة في ~~البرهان مع ذكر بعض الفلاسفة. ولفظ الخبر المرسل من مصطلحات علم الحديث وعلم أصول ~~الفقه؛ مما يدل على مصدر نشأة المصطلحات . # 28 # وبالرغم من تمثل الوافد وأنه لا يضم إلا الوافد ظاهريا، إلا أن البيئة ~~الدينية تظهر في بدايات النصوص ونهاياتها، وتعبر عن الجو الثقافي العام الذي ~~يتم فيه البسملة والحمدلة والدعاء والصلاة والسلام على الرسول وآله وصحبه أجمعين، ~~وتتراوح بين البسملة والحمدلة والدعاء بالتوفيق بالله، أو البسملة وإثبات العزة ~~لله، أو البسملة وإثبات القوة والحول لله، ولا توجد آية قرآنية أو حديث نبوي؛ ~~فالعقل يعمل تلقائيا ويبني موضوعه داخليا. وقد تظهر في البداية الدعوة للقراء ~~بالتوفيق إلى طاعة الله، وقد يظهر هذا الجو الديني وسط الرسالة بعد المقدمة وقبل ~~بداية الرسالة. # 29 # وتنتهي الرسائل أيضا بنفس التصور الديني للعالم كمفتاح للرسالة كلها بعد ~~التمرينات العقلية العديدة في الطبيعيات أو الرياضيات، وهو تصور عن الواحد كنوع ~~من الخاتمة تصب فيها الرسالة كلها، وعادة ما تكون من نوع الموضوع، والحديث عن ~~الله بالمصطلحات الفلسفية مثل العقل والقوة والقدرة، والخاتمة الأكثر شيوعا هي: ~~الحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد النبي وآله أجمعين. وأحيانا يكون الدعاء ~~مع الخاتمة، الدعاء بالتوفيق. والسؤال لتتميم الكمالات وجميع الدالات على وحدانية ~~الله وحكمته، والدعوة لمصابرة النفس على اقتفاء آثارها، وإنارة طريقها، وتوسيع علمها. # 30 # والتوجه بالدعاء للخلفاء عادة قديمة استمرت حتى الآن، ووصلت إلى حد التملق، ~~ليس فقط عند المتكلمين، فقهاء السلطان، بل أيضا عند الحكماء المتجردين عن الدنيا. # 31 # فدور المفكر بالنسبة إلى السلطان هو دور المرشد والناصح، الآمر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر، وليس ms025 المداح والداعي، وإلا أصبح المفكر مثل فقيه ~~السلطان. وتكون الدعوات بطول العمر والبقاء، والتنبيه على الأصل الرفيع والنسب ~~الشريف، والدعوة بحسن الأخلاق، وتطهير القلب، والصون من الزلل، والعمل للآخرة ~~أعمالا صالحة. وقد تصل كثرة الدعاء عبر السنين إلى مدح السلاطين بالرغم من # قتل الخراصون ~~، والحث عن الابتعاد عن المدح. ~~ويتداخل الإنشاء مع المدح، والأدب مع العلم، والوجدان مع العقل، المبالغة جزء من ~~المدح، وقد يصل إلى حد المبالغة، مثل: # إذا بلغ الرضيع لنا فطاما # تخر له الجبابر ساجدينا # فالسلطان هو خير الناس أجمعين، وأفضل الخلق. وتتداخل صفات الله مع صفات الرسول مع ~~صفات السلطان في أفعل التفضيل؛ فلا فرق بين المدائح النبوية والمدائح السلطانية بعد ~~أن يتحولا معا إلى مدائح صوفية في التراث الشعبي، وإلى مدائح سياسية لأنظمة ~~الحكم. وهي صورة واحدة للسلطان تقابلها صورة الحاكم الظالم الغاشم القاهر، «أشر ~~الخلق وأرذله»، وهو موجود أيضا في التراث الشعبي. ولا يتوقف المدح على الحاكم ~~وحده، بل على السلالة الشريفة كلها، وكأن الفضائل وراثة من بقايا المدح القبلي ~~الجاهلي. # وأحيانا يكون الدعاء أقصر، طبقا لشحنات المؤلف، ووجدانه للحفاظ، والصون من كل ~~آفة وشر وزلة ابتغاء للآخرة. وقد يصبح الدعاء أكثر من مرة في البداية والوسط ~~والنهاية، وتكون الصيغة هي الخطاب المباشر والدعوة بضمير المخاطب المفرد، وقد تكون ~~الدعوات فلسفية لفهم العلم وتفهيم المسائل العويصة، وقد لا يتجاوز الدعاء ذكر «أيها ~~المحمود»، والسؤال هو: إذا كان كل هذا الخير في الحكام، فلماذا انهارت الدول، وضاعت ~~الشعوب، وفسدت الأخلاق، وعم الجهل، وساد القهر، وعم الظلم؟ # | رابعا: الرازي والخازن والسجستاني والقوهي # (1) الرازي # التراث العلمي هو جزء من التراث الفلسفي، الطبيعيات والرياضيات، وليس منفصلا عنه ~~باسم تاريخ العلم وبداياته الأولى قبل اكتماله في العلم الغربي الحديث، وكما هو ~~الحال في جمعيات تاريخ العلم الدولية في الغرب الآن، وهو ليس جزءا من تاريخ العلم ~~عند العرب كرد فعل على الاستشراق، بل هو جزء من التراث الفلسفي لا ينفصل عنه، ~~وليس في مواجهة مع التراث الديني أو الفلسفي ms026 كما هو الحال في الإسقاطات المعاصرة ~~على التراث القديم من الصراع بين السلفية والعلمانية، ومثال ذلك بعض مؤلفات الرازي ~~الطبية، والخازن والقوهي الرياضية، والسجستاني الفلسفية. ~~(أ) ففي كتاب «ما الفارق» أو «الفروق» أو «كلام في الفروق بين الأمراض» للرازي ~~(313ه)، لا يذكر إلا جالينوس (مرتين) متبوعا بالرازي، البداية والنهاية، النقل ~~والإبداع، اليونان والمسلمين، حتى ولو كان الرازي من وضع الناسخ؛ لأن المؤلف لا ~~يتحدث عن نفسه؛ # 1 # فالدلالة الحضارية قائمة نظرا للعمل المشترك بين المؤلف والقارئ ~~والناسخ والمالك. ويستأنف الرازي ما قاله جالينوس في الإسهال، ويؤكد على صحته ~~ويدلل عليها، وإذا ما ذكر جالينوس أن ورم المحدب أسرع من نحافته، فإن الرازي ~~يدلل على صحة هذا القول نظرا لعدم نفوذ الغذاء من المحدب. كما يذكر بعض الأطباء ~~على العموم، دون تحديد وافد أو موروث، بداية لتصور العلم، لا مشخصا في ~~الاعتبار، وكموضوع مستقل. # ويقوم الكتاب على التقابل بين الطبيعة والجسد؛ فالطب جزء من الطبيعيات، ومنهجه ~~البحث عن التشابه والاختلاف بين الأمراض لإيجاد تشخيص أو علاج كلي للأسباب الأولى؛ ~~فقد يكون الاختلاف ظاهريا وليس بالحقيقة، وقد يكون التشابه ظاهريا والاختلاف ~~حقيقيا. ويحدد الرازي الغاية والمنهج والأسلوب أولا من أجل تأسيس العلم. ~~يصنف الأمراض من الرأس إلى القدم، من أعلى إلى أدنى، بناء على تصور لا شعوري ~~موروث من الفيض أو من سلم القيم. # 2 # ويعتمد هذا التصور على العقل والتجربة، القياس والمشاهدة، في تصور حتمي عام ~~لقوانين البدن والطبيعة، بطريقة السؤال والجواب، وما هو أليف في تأليف كتب الطب ~~بحثا عن أسلوب ونوع أدبي ولغة، بالرغم من وجود بعض المصطلحات المعربة. وكان سبب ~~التأليف هو التنظير المباشر للواقع، وتلبية لحاجة العصر، وكرد فعل على نقل الطب ~~من الكتب دون تأسيس العلم بالقياس والتجربة، واكتشاف القوانين الطبية الكلية بمنطق ~~التشابه والاختلاف؛ فبالرغم من ذكر جالينوس إلا أن الإبداع منذ البداية كرد فعل ~~على نقل الأطباء. ويعتذر الرازي عن القدماء؛ فتقصيرهم ليس في ذاته، فقد اجتهدوا قدر ~~الوسع والطاقة، ولكن لتغير الزمان وتقدم ms027 العلم. # 3 ~~(ب) وفي «كتاب القولنج» لا يذكر جالينوس إلا مرة واحدة في معرض النقد الذاتي؛ # 4 # فقد راجع جالينوس موقفه في كتابه في الأعضاء الأولية؛ مما يدل على أن ~~الرازي يعلم مقدار الاجتهاد في الطب، صوابه وخطئه، وضرورة مراجعة أحكام الأطباء ~~منهم ومن غيرهم. وهو نص واضح ومركز دقيق، سهل الأسلوب، ويتضمن الوصف والتشخيص ~~والعلاج بالنباتات وليس بالكيماويات. وبالرغم من قلة الوافد وغياب الموروث إلا أن ~~البيئة الدينية تظهر في بداية النصين الطبيين للرازي؛ البسملة، والحمدلة، والشكر ~~على النعم، والشهادة على الوحدانية في السر والعلن، وطلب الرحمة والغفران، ~~والصلاة على النبي وآله أجمعين؛ كما تظهر الدعوات بالتوفيق وتعليقه على المشيئة، ~~وبعض العبارات الفلسفية مثل واهب العقل. # 5 ~~(2) الخازن # وإذا كان جالينوس عند الرازي في الطب هو نموذج الوافد، فإن إقليدس وديوفنطس ~~ونيقوماخوس الرياضي هم نماذج الوافد في «المثلثات القائمة الزاوية المنطلقة ~~الأوضاع» لأبي جعفر الخازن من علماء الرياضيات في القرن الرابع الهجري، # 6 # فيستشهد بكتاب الأصول لإقليدس وليس نقلا عنه؛ # 7 # إذ يضع الخازن نظريته ثم يتبعها بعبارة «على نحو ما بين ...» ويحدد ~~الشكل والمقال من كتاب الأصول، ودون أن يذكر مؤلفه إقليدس نظرا لشهرته، ولاستقلال ~~العمل عن صاحبه في بناء العلم. ويؤرخ للرياضيات اليونانية، ويبين كيف استمد ~~نيقوماخوس صناعة العدد وأصولها من إقليدس. ويحيل الخازن إلى ديوفنطس بنفس الطريقة، ~~الاستشهاد به على القسمة العددية، أو عرض الموضوع ذاته الذي يوضح ما أراده ~~ديوفنطس؛ فدراسة الخازن توضح ما تركه ديوفنطس غامضا. كما يحيل الخازن إلى أصحاب ~~الارتماطيقي والمفسرين لكتاب الارتماطيقي؛ مما يدل على علمه بالأدبيات حول علم ~~الحساب بصرف النظر عن أشخاص المؤلفين؛ فالعلم له أوائل هي كليات، وكماله في الجزئيات. # 8 # وبالرغم من الطابع التجريدي للرسالة إلا أنها تكشف عن مسار الفكر في ~~عبارات التقديم والاستدراك، وكلما خفت الدعوات الدينية خفت الدعوات إلى ~~السلطان، وكلما قلت الدعوات لله قد تختفي الدعوات للسلطان. # 9 ~~(3) السجستاني # وبالرغم من أن أبا سليمان السجستاني هو الراوي عن الفلاسفة والمصدر الرئيسي لأبي ~~حيان ms028 كمؤرخ للفلسفة في «صوان الحكمة»، إلا أن رسالته «في المحرك الأول» من نصوصه ~~النادرة التي يظهر فيها تمثل الوافد الفلسفي قبل الفارابي وابن سينا وابن باجه ~~وابن رشد، لا يظهر في النص إلا أرسطو والإسكندر الأفروديسي والفيلسوف والسماع ~~الطبيعي (مرة واحدة)، بحيث يمكن أن توضع بين تمثل الوافد والإبداع الخالص في هذا ~~الوقت المبكر، والموضوع بين الطبيعة وما بعد الطبيعة. ويذكر أرسطو في معرض ~~الدفاع عنه ضد سوء تأويل الشراح له؛ فالمسلمون أولى بأرسطو من شراحه اليونان مثل ~~الإسكندر، كما حدث في سوء تأويل المقالة الثامنة من السماع الطبيعي بفهمها على ~~مستوى الطبيعة الحسية، وليس على مستوى الميتافيزيقيا والتجريد العقلي. وتسمية أرسطو ~~الفيلسوف بداية للتحول من الشخص إلى الرمز في مسار القضاء على تشخيص العلم في ~~العلماء. وبالرغم من قصر المقال تكثر عبارات وصف مسار الفكر، وتنتهي بالحمدلة ~~والصلاة على خير الخلق وآله. # 10 ~~(4) القوهي # وفي «كتاب صنعة الأصطرلاب بالبرهان» لأبي سهل ويجن بن رستم القوهي (335ه)، يظهر ~~الوافد في موضوع المخروطات. لا يذكر من الوافد إلا أبولونيوس وكتابه «المخروطات»، ~~وفي نفس الوقت يحيل القوهي إلى رسالتيه «إحداث النقط على الخطوط في نسب السطوح» ~~و«إخراج الخطين من نقطة على زاوية معلومة». # 11 # وتغلب أفعال البيان وضرب الأمثلة وأفعال الإرادة والتوهم والبحث عن البرهان، ~~وتكثر أيضا عبارات مثل «ونريد أن نعمل باقي الأعمال بالتمام»؛ فالبرهان الهندسي ~~يتطلب عملا تاما. وللكتاب غرض محدد يستبعد أغراضا أخرى، محدد المقصد ~~والغاية. ويتضمن المقال سبعة عشر رسما توضيحيا. # 12 # ما تم توضيحه من قبل فلا حاجة إلى تكراره، وما يحتاج إلى توضيح يتم بالتمام. # 13 # وبطبيعة الحال لا تظهر إلا صيغة «أقول» من صيغ أفعال القول؛ فالقوهي هو ~~الذي يتحدث. # 14 # ومن الموروث تظهر البسملة في البداية، والحمدلة في نهاية المقالة الأولى. # 15 # | خامسا: الفارابي، والعامري، وابن سهل # (1) الفارابي # قد يعتبر الفارابي (339ه) هو الفيلسوف الذي يظهر لديه تمثل الوافد؛ فهو ~~المعلم الثاني، ويبدو ذلك في «معاني العقل» التي يظهر فيها أرسطو (8 مرات) ~~بمفرده؛ ms029 فالعقل له ستة معان؛ الأول: في الثقافة الشعبية عند الجمهور عندما تصف ~~أحدا بأنه عاقل. الثاني: معناه عند المتكلمين انتقالا من الثقافة الشعبية إلى ~~الثقافة الجدلية، ما ينفيه العقل ويثبته جدلا. أما المعاني الأربعة الأخرى فتأتي ~~من الوافد عند أرسطو في المنطق والأخلاق والنفس وما بعد الطبيعة العقل البرهاني في ~~المنطق، والعقل الأخلاقي في كتاب الأخلاق، والعقل النفسي في كتاب النفس، والعقل ~~الإلهي في كتاب ما بعد الطبيعة على هذا النحو صعودا من أسفل إلى أعلى، من الجمهور ~~إلى الميتافيزيقا، العقل البديهي أو الفطري، والعقل الجدلي، والعقل النظري، والعقل ~~العملي، والعقل الحيوي، والعقل الإشراقي القادر على الاتصال بالعقل الفعال. # 1 # لم يكن هدف الفارابي مجرد ذكر أرسطو ومعاني العقل الأربعة لديه، بل إدخاله في ~~منظومة أوسع من الثقافة الشعبية والموروث الكلامي؛ ومن ثم يتزاوج الوافد مع ~~الموروث، الخارج مع الداخل، مع الثقافة الشعبية وبداهة الفطرة لصياغة نظرية متكاملة ~~في معاني العقل، تمثلا للوافد، وتنظيرا للموروث، وترسيخا للثقافة الفلسفية في ~~الثقافة الشعبية؛ أي في الواقع. # 2 # يدخل الفارابي إلى الجوهر مباشرة، العقل إله الفلسفة اليونانية وأساس ~~الحضارة الإسلامية ليبنيه بعد تمثل الوافد وتنظير الموروث وغرزهما في الواقع ~~المعاش. المقصود احتواء أرسطو من الوافد والمتكلمين من الداخل، لتأسيس العقل ~~البرهاني. وقد يشير المعنى الشعبي للعقل الشائع عند الجمهور إلى التعقل والدين ~~والفضيلة؛ فالإنسان العاقل هو الإنسان جيد الرؤية في استنباط الخير وتجنب الشر، ~~وهو المعنى الذي يتجاوز الحضارات والتاريخ والسائد عند كل الشعوب وما يقابل العقل ~~عند المتكلمين، المشهور في بادئ الرأي هو العقل الخطابي أو الجدلي عند أرسطو، والذي ~~نقده ابن رشد في صيغة الأقاويل الخطبية والجدلية. وصيغة الفارابي «العقل الذي يذكره ~~أرسطو في كتاب ...» وليس العقل ذاته الذي يعرف الفارابي معانيه المختلفة، ويحدد ~~وضعه فيما ذكره أرسطو، وهو قوة في النفس يحصل بها الإنسان اليقين من المقدمات ~~الكلية الضرورية الصادقة دون قياس وتعلم، بل بالطبع والفطرة. هذه المقدمات هي ~~مبادئ العلوم النظرية، هو العقل النظري أساس العلم النظري الذي تحدث ms030 عنه الفارابي ~~من قبل في «فلسفة أرسطوطاليس». ولا يستعمل الفارابي إلا كلمتين معربتين، ~~الأسطقسات وهيولانية، وما زالتا معربتين حتى الآن. # 3 # وبالرغم من ظهور الموروث في العقل عند المتكلمين إلا أن تمثل الوافد أظهر. يظهر ~~الموروث في البداية وليس في النهاية كوعاء تحتي، وليس كإكمال فوقي. المعنيان ~~الأول والثاني محليان؛ فالأول هو المعنى الشائع العرفي للاستعمال في الواقع الخاص، ~~والثاني المعنى الموروث عند المتكلمين. والكلام هو العلم الأصيل قبل الوافد، والذي ~~نشأ قبل عصر الترجمة. يقوم الفارابي بتأسيس معاني العقل وتأصيل أرسطو، معاني العقل ~~في الوافد الأرسطي في الموروث الكلامي، والموروث في الثقافة الشعبية. ويستعمل ~~الفارابي لفظ «دين» بالمعنى العادي؛ العقل هو النقل، والتعقل هو التدين، والدين هو ~~الفضيلة؛ وهو معنى أقرب إلى العقل العملي. الدين إذن طبيعي ومرادف للعقل والأخلاق ~~عند عامة الناس، ومن يستعمل العقل في الشر لا يسمى عاقلا، بل ماكرا أو داهيا. ~~ويستعمل الجمهور العقل في معنى الفضيلة، ويتوقف عن استعماله في الشر. # 4 # والمعنى الثاني هو العقل عند المتكلمين؛ أي المشهور في بادئ الرأي عند الجميع، ~~الرأي المشترك عند الأكثر، عقل الأغلبية، إجماع الأمة، وهو عقل محلي صرف لا إشارة ~~فيه إلى أرسطو أو غيره، مبني على أن الأمة لا تجتمع على خطأ. الفلسفة هنا تبدأ من ~~علم الكلام كي تتجاوزه بعد استعماله كوعاء يوضع فيه الوافد فينشأ نتاج جديد من ~~تفاعل الوافد مع الموروث. وعقل المتكلمين ليس هو العقل البرهاني النظري؛ لأن ~~مقدماتهم ليست أولية ضرورية صادقة، بل مستمدة من بادئ الرأي المشترك، يقصدون ~~شيئا ويستعملون شيئا غيره، والعقل الجدلي غير العقل البرهاني، ثم يأتي العقل ~~البرهاني لتصحيح أخطاء المتكلمين. هناك إذن جدل مزدوج للعقل، تصحيح الموروث ~~بالوافد؛ أي تصحيح خطأ المتكلمين ببرهان الفلاسفة، والعقل الجدلي بالعقل البرهاني، ~~والثاني وضع الخارج في الداخل؛ فالفعل الشائع عند أرسطو هو العقل عند الجمهور. # 5 # والعقل العملي هو الذي يذكره أرسطو في المقالة السادسة من كتاب الأخلاق دون إشارة ~~إلى أرسطو أو ذكره مرة ثانية. يكفي تحديد ms031 مكان المقال. وتذكر الأخلاق على العموم ~~بحيث يتحول كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس المحدد إلى علم الأخلاق العام أو إلى ~~موضوع الأخلاق ذاتها، وهو ما يعادل العقل العملي الذي تحدث عنه الفارابي ذاته في ~~فلسفة أرسطوطاليس، والذي يتعلق بالمشيئة والاختيار، وهو جزء من النفس، يحصل ~~بالمواظبة والاعتياد وبطول التجربة. مقدماته إرادية من أجل الفعل أو عدم الفعل، ~~التأثير أو الاجتناب، الإقدام أو الإحجام، وبتعبير الأصوليين الأمر والنهي في ~~صيغتي افعل أو لا تفعل. ويتزايد هذا العقل مع طول العمر، وينمو بالمران، ويتفاضل ~~فيه الناس، ويمكن بعد ذلك في نهاية العمر طلب البرهان النظري عليه. # 6 # والحقيقة أن هذا التعقل للعقل العملي قد يحدث قبل المشيب، والإنسان ~~ما زال في مقتبل العمر . # 7 # والعقل النفسي يذكره أرسطو في كتاب النفس على أربعة أنحاء: عقل بالقوة، وعقل ~~بالفعل، وعقل مستفاد، وعقل فعال. ولا تهم أسماء العقول وألفاظها؛ فقد يكون ~~العقل بالقوة هو العقل بالملكة أو العقل الهيولاني، وقد يكون العقل المستفاد هو ~~العقل بالفعل. الأول في مرحلة التعلم، والثاني بعد إتمام التعلم. الأول تطور، ~~والثاني بناء. الأول منهج، والثاني موضوع. ولا فرق بين العقل الفعال ومصدر ~~المعرفة الأول خارج النفس، الوحي أو اللوح المحفوظ أو العلم الإلهي أو الصحف ~~الأولى، صحف إبراهيم وموسى، التوراة أو الإنجيل أو القرآن. إنما المهم عملية ~~الانتقال من مرحلة الطبيعة إلى مرحلة العلم، مثل انتقال الجنين في الرحم من مرحلة ~~إلى مرحلة، العلقة فالمضغة فالعظام فاللحم فالروح، أو انتقال الطفل في مراحل ~~تعلمه من سنوات الطفولة إلى سنوات البلوغ، من العلم البديهي إلى العلم المكتسب، من ~~الفطرة إلى التعليم، وكلها تسميات لمسميات، ألفاظ متعددة لمعان واحدة. هي ~~عملية تعليمية، وليست عملية كونية أو عضوية؛ عملية شعورية نظرية، وليست عملية ~~بيولوجية طبيعية مثل الشمعة والنقش عليها، وكأن الحقيقة تنشأ بتركيز العقل، وكما ~~بين الفارابي في نشأة المنطق في كتاب الحروف. # 8 # العقول الثلاثة الأولى في كتاب النفس وليس في ما بعد الطبيعة، بالرغم ~~من اختصاص ما بعد الطبيعة بنظرية ms032 الاتصال. وفي العقل الرابع تظهر لغة الضوء ~~والإشراق، لغة البصر والإبصار والشفافية والانعكاس، فيتحول العقل من الأخلاق إلى ~~المعرفة، وتصبح مقولات الأخس والأشرف والأقدم مقولات أخلاقية معرفية، ويتم ~~الانتقال من الكثرة إلى الوحدة؛ فالصور في العقل الفعال غير منقسمة، بينما في ~~المادة منقسمة. # 9 ~~(أ) وفي «المسائل الفلسفية»، وهي إحدى وأربعون مسألة، لا يظهر أرسطو إلا في ~~مسألتين؛ الأولى: المسألة الثلاثون عن حد الخير والشر الإنساني. والثانية والثلاثون ~~في حد النفس، بعد الواحد والثلاثين عن الفرق بين الإرادة والاختيار. وهي مسائل سئل ~~عنها الحكيم الفيلسوف الشيخ وكأنها فتاوى فلسفية، كما فعل ابن رشد في «فصل المقال»، ~~وسؤال عن حكم النظر. عرف الفارابي القوى والملكات والأفعال الإرادية التي إذا ~~حصلت عاقت عن حصول الغرض وهي الشرور، والتي إذا حصلت حصل المقصود وهي الخيرات؛ أي ~~الغاية والتحقق، في حين أن تعريفهما عند أرسطو في كتاب الخطابة أن الخير هو الذي ~~يؤثر لذاته ويتشوقه كل ذوي الفهم والحس، والشر عكس ذلك. وهو تعريف أقل حركية ~~مع أن به الغاية، ومع ذلك يتفق مع تعريف الفارابي. يضع الفارابي حده أولا ثم ~~يستشهد باتفاق أرسطو معه ربطا للماضي بالحاضر، والقديم بالجديد. ولم يكن حد أرسطو ~~النفس بأنها استكمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة جديرا بأن يذكر، ولكنه ~~ذكر بالاقتران مع سؤال الإرادة والاختيار لما كان من مقولات النفس، كما ذكر ~~بالاقتران موضوع الجوهر وقسمته إلى هيولاني وصوري، وقسمة الجسم إلى طبيعي وصناعي، ~~وقسمة الطبيعي إلى ما له حياة كالحيوان، وما ليس له حيوان كالأسطقسات، ثم ذكر ~~الأسطقسات وأنها مبادئ الجواهر المركبة، ثم ذكر الهيولى آخر الهويات وأخسهما، ~~ولولا قبولها الصورة لكانت معدومة بالفعل بعد أن كان معدوما بالقوة، ثم يأتي ~~الحديث عن تناهي الأفلاك وإنكار وجود أي جوهر وراءها أو شيء أو خلاء أو ملاء؛ لأنها ~~موجودة بالفعل؛ وبالتالي فهي متناهية، ولو كان لا متناهيا لكان موجودا بالقوة ~~كما قال الكندي من قبل، والأجرام السماوية كلها موجودة بالفعل. ويستشهد بحكاية ~~أفلاطون عن سقراط ms033 أنه كان يمتحن عقول تلامذته، فيقول لو كان الوجود غير منتهاه ~~وجب أن يكون بالقوة لا بالفعل. ويظهر فيها أثر منهج الرواية والخبر في الحضارة الإسلامية. # 10 # كما يشير الفارابي إلى الحكيم (مرة واحدة) إشارة إلى التحول من العالم إلى ~~العلم، ومن الشخص إلى الموضوع، كما يحيل إلى سقراط كمثل في قضية بدلا من زيد أو ~~عمرو، ويحيل إلى أسماء كتب أرسطو معربة مثل قاطيغورياس (أربع مرات)، وإيساغوجي، ~~أو ترجمة مثل المقولات والقياس والخطابة، تعاملا مع العلوم وليس الكتب، الموضوعات ~~وليس الأسماء، كما يحيل الفارابي إلى تفسيره كتاب المقولات بمشيئة الله؛ فالإحالة ~~هنا إلى عمل الفارابي، إلى قراءته أرسطو بطريقة حكماء المسلمين، وربط كل أفعاله ~~بالمشيئة الإلهية. يحيل الفارابي إلى أرسطو بأسماء كتبه معربة ، وإلى مؤلفه هو ~~بأسماء موضوعاتها، مثل المقولات والقياس والخطابة. كما تظهر بعض الألفاظ المعربة، ~~مثل «الهيولى» و«الهيولاني» و«الأسطقسات»، بعد أن استقرت وأصبحت أشبه بالترجمة. ~~كما يشير الفارابي إلى القدماء ذكرا للتاريخ، وربطا للماضي بالحاضر، واعترافا ~~بقدر من سبقوه نقدا لهم أو إكمالا لتحليلاتهم، مع الإشارة إلى المتأخرين إحساسا ~~بالزمن وتطوره من القدماء إلى المحدثين. # 11 ~~(ب) وفي «عيون المسائل» لم يذكر الفارابي أحدا من اليونان إلا أفلاطون في ~~المسألة الأخيرة من اثنتين وعشرين مسألة في موضوع وجود النفس قبل البدن، ومعه ~~التناسخيون، وفي معرض الرفض والاستنكار والمعارضة، وكذلك وجودها بعد البدن متنقلة ~~في أبدان أخرى كما يقول التناسخيون حرصا على فردية الثواب والعقاب. ذكر أفلاطون ~~إذن في معرض جمع الأخطاء في تصورات النفس، وليس وحده جريا وراءه وتبعية له مع فتح ~~أفق جديد، وهو وجود النفس بعد البدن إثباتا للمعاد، وتصحيحا للتصور اليوناني ~~بالتصور الإسلامي. وتتفاوت مراتب النفوس بعد الموت بما تستحق من ثواب وعقاب؛ ~~فالإنسان مسئول عن ذلك في دنياه كما هو مسئول عن صحة بدنه. ويسترسل الفارابي في ~~الوعاء، ويفيض في شرح التصور الإسلامي المعياري؛ فيذكر عناية الله المحيطة بكل شيء ~~والمتصلة بكل كائن، وبقضائه وقدره يحدث كل شيء خيرا أو شرا. والشر محمود ms034 ~~للكائنات الخاضعة للكون والفساد، ولولا الشرور لما كانت الخيرات، واليسير من الشر ~~أفضل من الكثير، والكثير من الخير أفضل من القليل، وكأن اللاشعور يعبر عن مضمون # عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون ~~. وهنا يتحول الفارابي إلى متكلم بين ~~الأشاعرة والمعتزلة؛ فهو أشعري يقول بالقضاء والقدر، ومعتزلي يقول بالمسئولية ~~الفردية. هو أشعري يجعل الشر والخير من الله، ومعتزلي يجعل الشر والخير في نسيج ~~الفعل الإنساني في جدل السلب والإيجاب. # 12 # كما يشير الفارابي إلى الحكيم (أربع مرات) بطريقة لا شخصية إظهارا ~~للموضوع لا الشخص، وتقديرا لفضل القدماء. المطالب أربعة: الموجب والسالب والكلي ~~والجزئي. ومنها تتكون أشكال القياس. والاستحالة تغير يعرض للجوهر. والحكيم ~~يبحث عن الحقائق الموجودة. كما يحيل إلى القدماء، وليس إلى أرسطو وحده، بل إلى ~~التراث اليوناني كله؛ اعترافا بالتاريخ، وبجهود السابقين، وذكر اختلافاتهم، وحل ~~هذا الاختلاف عند المتأخرين؛ فالتطور يكتمل في البناء كما هو الحال في تاريخ ~~النبوة. كما يحيل إلى قاطيغورياس في السؤال عن الحركة إن كانت من الأسماء ~~المشتركة، فكتب الحكيم جزء من ثقافة الناس يسأل عنها الفارابي ولا يستدعيها من ~~تلقاء نفسه، ويحيل إلى شيء موجود بالفعل. # 13 ~~(ج) وفي «فصوص الحكم»، وهو الكتاب الصوفي، يستشهد الفارابي بالأساطير اليونانية؛ ~~جوع بوليموس (مرتين) كدليل على أنه ليس كل جوعان يتوق إلى الطعام إلا بعد كشف ~~الغطاء، محولا الأساطير اليونانية إلى ثقافة شعبية تستقى منها الأمثلة. # 14 ~~(ه) وفي كتاب «السياسة» لم يذكر أحدا من القدماء إلا أفلاطون (مرة واحدة) ~~كخاتمة للرسالة، واستشهادا بأقاويله كحكايات ونوادر وأمثال من القدماء، وليس في ~~صلب الرسالة، مجرد أقوال مأثورة كنوع أدبي تختم به الرسالة، وهي أقوال موجزة ~~وكأنها أحاديث الرسول، لها ما يشابهها في الموروث المحلي. ويظهر فعل القول في صيغة ~~المبني للمعلوم، الشخص الثالث المفرد، وهي الصيغة المثلى «قال أفلاطون»، أو «قال» ~~فحسب؛ لأن القول لا يحتاج إلى دقة أو إلى إثبات صحة تاريخية. وصيغة قيل في ms035 المبني ~~للمجهول أكثر استعمالا؛ تهربا من الصحة التاريخية، أو لعدم تحديد المواضيع التي ~~اقتبست منها الأقوال. واستعملت صيغة «سئل» في المبني للمجهول، وكان أفلاطون مفت ~~يسأل فيجيب طبقا لأحكام السؤال والجواب عند الأصوليين. ويمكن تصنيف مجموع ~~الاثنين وثلاثين قولا مأثورا التي تحدد علاقات الإنسان مع أطراف أخرى في خمسة ~~موضوعات: الإنسان مع الله، ومع النفس، ومع الأكفاء، ومع الرؤساء، ومع المرءوسين. ~~وهي كلها معان واردة في الموروث، ومقبولة بالعقل والبديهة، وتحسها الفطرة. # 15 ~~(د) وأهم كتاب في العلم المدني للفارابي هو «آراء أهل المدينة الفاضلة» لم يذكر ~~فيه من اليونان إلا أنبادقليس وبارميندس في آخر الكتاب، ويذكر القدماء (مرتين) في ~~معرض الحديث عن المدن الضالة وإرجاعها إلى أهواء النفس، مثل الشهوة والغضب وسائر ~~عوارضها المضادة للجزء الناطق ، فينشأ تعارض الفاعلين كما يقول أنبادقليس. والبعض ~~أرجع ذلك إلى تضاد الحوار كما هو الحال عند بارميندس؛ فالموت عندهم موتان؛ موت ~~طبيعي، وموت إرادي. الأول مفارقة النفس الجسد، والثاني إبطال عوارض النفس من الشهوة ~~والغضب. فالحياة نوعان، طبيعية وأخلاقية، من أجل الكمال والسعادة. عوارض النفس من ~~الشهوة والغضب قسر في الإنسان، وهي آراء ضالة أتت من القدماء، وانبثقت منها ملل ~~في كثير من المدن الضالة، ولكن بارميندس ليس من الطبائعيين، ولا يقول بتضاد ~~المواد، وهو الميتافيزيقي الخالص الذي يتأمل في الوجود العام. يبين الفارابي فساد ~~هذه الآراء ولا يعرضها فقط. العرض أمانة الماضي، والنقد أمانة الحاضر، والعلم ~~أمانة المستقبل. # 16 ~~(و) وفي «كتاب الملة» لا يذكر الفارابي إلا القدماء (مرتين)؛ فالملك بالضرورة ~~الملك الفاضل، ولا يقال الجاهل. ويستشهد بالقدماء لأنهم لا يطلقون على الرئاسة ~~الجاهلة ملكا اعتمادا على التاريخ وبحجج الحضارات السابقة كمرحلة في تاريخ ~~الإنسانية، كما يستعمل الفارابي تسمية القدماء القوة التي يقدر بها الإنسان على ~~الاستنباط بحسب المشاهدة والتعقل، والتي تحصل بالمعرفة والتجربة في آن واحد. # 17 ~~(ز) وفي كتاب «السياسات المدنية» يشار إلى مصطلحات التشكل الكاذب، مثل العقل ~~المنفعل والعقل المستفاد والعقل الفعال، كما هو الحال في كتاب النفس، وإلى ms036 ~~اعتبار القدماء من يتصف بالعقل بالفعل هو الملك على الحقيقة. # 18 ~~(2) العامري # وبالرغم من كثرة مؤلفات العامري (381ه) إلا أن تمثل الوافد كان قد تم بصورة ~~أشمل عند الفارابي، فغلبت على مؤلفاته المراحل الأخرى للتأليف مع تنظير الموروث. ~~وللعامري رسالة واحدة فيها تمثل الوافد بمفرده، هي «الإبصار والمبصر»، يذكر فيها ~~إقليدس وبطليموس وجالينوس وأرسطو والإسكندر وثامسطيوس (مرة واحدة)، وينقد العامري ~~حكماء المهندسين، مثل إقليدس وبطليموس، وأتباعهما الذين زعموا أن الاتصال لا يكون ~~إلا بخروج الضوء من الحس إلى المحسوس في شكل مخروطي، من الموضوع إلى الذات، وهي ~~النظرية الرياضية. ويؤيد النظرية الأخرى لجالينوس وأرسطو والإسكندر وثامسطيوس التي ~~تقول بخروج الشعاع من الرائي إلى المرئي، من الذات إلى الموضوع، مؤيدا أولوية ~~الذات على الموضوع، والمعرفة على الوجود. ويحيل إلى شرح كتاب النفس (مرة واحدة) ~~إلى تفسير كتاب البرهان لأرسطو دون تحديد من الشارح هو أو غيره. كما يذكر الحكماء ~~والمتأخرين (مرتين) لبيان الاستمرار من القدماء إلى المحدثين، وهذا هو معنى ~~تمثل الوافد. # 19 ~~(3) ابن سهل ~~(أ) وفي «كتاب الحراقات» للعلاء بن سهل (النصف الثاني من القرن الرابع الهجري) لا ~~يعني تمثل الوافد مجرد النقل والاستيعاب، بل العرض على العقل والمراجعة، وتحويل ~~النقل اليوناني إلى العقل الإسلامي أو العقل الخالص؛ ومن ثم يلتقي الطرفان؛ تمثل ~~الوافد، وهو النوع الأدبي الأول في التأليف، مع الإبداع الخالص، النوع الأدبي ~~الثالث في التراكم. # 20 # ويعني تمثل الوافد البيان وإيجاد البرهان واستبعاد التناقض؛ لذلك تكثر عبارات ~~«وذلك ما أردنا أن نبين»، «وكذلك نبين»، «لمثل ما بينا فيما تقدم»، كما ~~يعني إيجاد البراهين على صحة الوصف واستبعاد التناقض؛ لذلك تكثر أيضا عبارات ~~«برهان ذلك»، «وهذا محال». # 21 # ولما كان تمثل الوافد نوعا من التأليف، تظهر أفعال القول في صيغة ~~المتكلم المفرد «أقول». # 22 # ونظرا لوحدة العمل يحيل السابق إلى اللاحق، واللاحق إلى السابق. # 23 # والمقال مزود برسوم رياضية توضيحية تبين انكسار الأشعة. # 24 # لم يذكر من الوافد إلا أرشميدس والقدماء؛ فالموضوع من أصحاب التعاليم، القدرة على ~~إحراق ms037 جسم بضوء على مسافة بعيدة كما أحرق أرشميدس سفن الأعداء؛ # 25 # فاللجوء إليه جزء من المعرفة بتاريخ العلم وجهد القدماء وفضلهم فيه في ~~وصف الإحراق بضوء الشمس المنعكس على مرآة، وإكمال ما تركه القدماء، وصف الإحراق ~~بضوء الشمس الذي ينفذ في آلة وينعطف في الهواء؛ فالسياق حربي، ويمكن أن يكون أيضا ~~في السلم لتوليد الطاقة. # ومع ذلك تظهر عادة المؤلفين العرب بالتوجه بالكتاب إلى السلطان، وقدر نعمه في ~~إظهار العلوم حتى يشيع في الناس ذكرها. # 26 # وكما يبدأ المقال بالبسملة والاستعانة بالله ينتهي أيضا بالوثيقة ~~الشرعية؛ الناسخ، ووقت النسخ، ثم الصلاة على محمد وآله أجمعين. # 27 ~~(ب) وفي «البرهان على أن الفلك ليس هو في غاية الصفاء» للعلاء بن سهل أيضا، يعني ~~التمثل إيجاد البراهين على صحة ما ذهب إليه بطليموس في المناظر ابتداء من تصفح ~~المقالة الخامسة منه، # 28 # ومع ذلك لا تظهر صيغ أفعال القول إلا مرة واحدة في ضمير المفرد الغائب ~~«قال». # لذلك لا يذكر من الوافد إلا بطليموس في المناظر # 29 # كنقطة بداية لإكمال مسار العلم في التاريخ بمزيد من البرهان، والتحول ~~من النقل اليوناني إلى العقل الإسلامي؛ فمسيرة العلم على الإطلاق هو التحول من ~~النقل إلى العقل. وكما يبدأ المقال بالبسملة والاستعانة بالله ينتهي بالوثيقة ~~الشرعية؛ خط الناسخ والمنسوخ منه، والمقابلة بين النسخين، ثم الحمدلة والصلاة على ~~محمد وآله أجمعين. # 30 ~~(ج) وقد تكون الرسالة قصيرة للغاية، مجرد فقرتين، مثل «مسألة هندسية» لابن سهل ~~أيضا. الفقرة الأولى الموضوع، والثانية بيانه بعبارة «وذلك ما أردنا أن نبين». # 31 # | سادسا: ابن سينا # (1) الرسائل الفلسفية # وبالرغم من صمت ابن سينا (428ه) عن مصادره، وهو صاحب العرض النسقي في الموسوعات ~~الثلاث، إلا أن تمثل الوافد يبدو في بعض رسائله على استحياء، خاصة أرسطو أو ~~الحكيم وأفلاطون وجالينوس وفرفوريوس، ولا يتجاوز كل منهم مرة واحدة. ~~(أ) ففي رسالة «الحدود» ذكر أرسطو وفرفوريوس (مرة واحدة)، أرسطو كتاريخ الفلسفة ~~اليونانية ومرحلة من مراحلها، مثل استعمال لفظ الجوهر على كل ذات، وجوده ليس ms038 في ~~موضوع، واصطلاح الفلاسفة على ذلك منذ عهد أرسطو، ثم ذكر الحكيم (مرة واحدة) ~~تحولا من الشخص إلى المثال. وإحالة إلى كتاب «طوبيقا» في الحد على أنه القول ~~الدال على ماهية الشيء. # 1 # كما يحال إلى الفيلسوف في كتاب «البرهان» إشارة إلى أحد معاني العقل الثمانية ~~عند الحكماء، والفرق بينه وبين العلم. وقد يشار إلى الكتب وحدها؛ فهي الأبقى ~~وصاحبها هو الزائل، مثل الإحالة إلى كتاب «النفس» في أنواع العقول، وإلى كتاب ~~«البرهان» للحديث عن العقل بالفعل الذي هو العقل بالملكة بعد استكمال قواه. ~~فأرسطو الحكيم الفيلسوف مذكور مع الفلاسفة القدماء والحكماء، والإحالة إلى الكتاب ~~يدل على مدى ارتباط المنطق بالنفس في تحليل ملكات العقل. # 2 # كما يذكر فرفوريوس في حد المضاف، حد الجنس بالنوع. # 3 ~~(ب) وفي «الجوهر النفيس» بالرغم من أنها تعبر عن رأي القدماء من كلامهم ~~المترجم إلا أنه لم يذكر أرسطو، ولم يذكر من اليونان إلا صفة ديمقريطسية (مرة ~~واحدة)؛ ففي البداية كانت الأجسام الديمقريطسية هي الأجزاء التي تتجزأ، ثم شاعت ~~في علم الكلام فأصبحت وافدا علميا بعد أن تم تعشيقه فيما يشابهه في ألفاظ ~~الذرة، # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره *ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره ~~. # ويرد قول الحكيم (أرسطو) إلى قول الإلهي (أفلاطون) في الكون والفساد والإبداع، ~~شرح التلميذ بالأستاذ من أجل بيان وحدة الفكر الفلسفي اليوناني، وفي نفس الوقت ~~يدافع ابن سينا عن أرسطو ضد شراحه من العامة المتفلسفة الذين حرفوا قوله، ~~وجعلوه ملحدا يقول بالدهر؛ فقد قال أرسطو إن السماء غير مكونة ولا فاسدة؛ لأنها ~~لا ضد لها. فأول ذلك العامة على أنه قول بأزلية العالم، وأرسطو عن ذلك براء، ~~وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، في حين ذكر الأقدمون بل ذكر الحكيم (مرة ~~واحدة) والإلهي (أفلاطون) والقدماء والعامة من المتفلسفة (مرة واحدة) في الظاهر. ~~الرسالة تأليف في المنقول، مجرد عرض، أو على الأكثر انتقال من النقل إلى العرض ~~والتمثل، ولكنها في الحقيقة موجهة إلى الداخل، إلى نقد علم الكلام كما ms039 يفعل ~~ابن رشد في «تفسير ما بعد الطبيعة» في نقده لعلم الأشعرية من خلال تفسير أرسطو، ~~بالرغم من عدم وجود آية قرآنية أو حديث نبوي. اللغة من القدماء، ولكن المضمون أي ~~المعنى والشيء من الواقع الفلسفي المحلي طبقا لظاهرة التشكل الكاذب. وهناك إحساس ~~بالتغاير مع الآخر بتكرار ألفاظ الأقدمين والقدماء في مقابل المحدثين، وما زالت ~~بعض الألفاظ المعربة مستعملة، مثل «هيولى»، وحتى الآن. ويحيل ابن سينا موضوع ~~الفعل والانفعال إلى باقي كتبه في تحليل قوى النفس؛ مما يكشف عن وحدة الرؤية ~~والتصور، كما يظهر القرآن ليس فقط تصورا، بل تعبير. # 4 ~~(ج) وفي رسالة «دفع الغم من الموت» لا يذكر من اليونانيين أحد إلا أفلاطون مرة ~~واحدة في عرض السببين الثاني والثالث من الخوف من الموت؛ الأول جهل مصير النفس، ~~والثاني انحلال الذات مع انحلال البدن، وبعد التمييز بين الحياة الإرادية والحياة ~~الطبيعية استشهد بوصية أفلاطون الحكيم، روح الله رسمه، لطالب الحكمة. الموت ~~الإرادي هو إماتة الشهوات، والحياة الإرادية السعي لها، والحياة الطبيعية بقاء ~~النفس في الغبطة الأبدية. إماتة الشهوات إراديا تبعث على الحياة الطبيعية؛ ومن ~~ثم يكون الخلود بيد الخلود، إن شاء حصل عليه، وإن شاء بدده. # 5 ~~(د) وفي رسالة «في الأجرام العلوية» لا يذكر إلا جالينوس باسمه (مرة واحدة) في ~~إشارة إلى كتابه «في منافع الأعضاء»، الذي عد فيه في كتب الحكمة أربعة آلاف دليل ~~حكمة، وحكم في الحيوان والإنسان إثباتا للعناية عن طريق الطب. وكان السبب في ~~ازدهار الطب ليس فقط سببا عمليا، الحاجة إليه في مداواة الجرحى في الحروب، بل ~~سبب نظري؛ البحث في ميدان من ميادين العلوم الطبيعية يكشف عن العناية الإلهية. أما ~~أرسطو فإنه يشار إليه أنه الحكيم تحولا من الشخص إلى النمط، ومن المؤلف إلى ~~الموضوع، كخطوة نحو الانتقال من الحكيم إلى الحكمة، ومن المؤلف إلى النص. # 6 # ويدافع ابن سينا عن قول أرسطو إن السماء غير مكونة من شيء ولا فاسدة ~~لأنها لا ضد لها. ولكن العامة من المتفلسفة حرفوا هذا ms040 القول إلى غير معناه، ~~وأمضوا في الإلحاد والقول بقدم العالم. يبرئ ابن سينا أرسطو من التهمة التي لصقت ~~به كما لصقت بابن رشد، وهو القول بقدم العالم، بعد إثبات جالينوس بالأدلة ~~والبراهين العناية الإلهية؛ ومن ثم لا خلاف بين الوافد والموروث. # ويذكر ابن سينا «الأقدمين» باعتبارهم الحضارة القديمة الوافدة، ورأيهم في جوهر ~~الأجرام السماوية والمذهب المحقق عنده منهم بمقدار اطلاعه عليهم. يراجع التراث ~~القديم بعد التحقق من صحة الرواية كي يتفرغ من ذلك التحقق من صحة الآراء، وهذا هو ~~الباعث على التأليف في الوافد، # 7 # وأحيانا يسميهم الأوائل باحثا عن رأيهم في جوهر الفلك؛ فالبحث في ~~الطبيعة مقدمة في البحث عن الفلك لفتح مذهب اليونان المغلق على التصور الديني. ~~والحديث عن الطبيعيين أو الحكماء الطبيعيين هو حديث عن الآخر، الغرب القديم، الوافد ~~في مقابل الموروث، للتحقق من صدقه دون تعيينهم بأنهم يونان أو غير يونان، بل ~~التراث الفلسفي السابق احتراما للقدماء كما فعل الإسلام مع المسيحية واليهودية ~~وباقي الديانات السابقة عليه من قبل، في تواضع تام، وقدرة على الاطلاع، واعتمادا ~~على المشاهدة، وليس على القول المجرد من أجل إعادة زرعه في الموروث في التصور ~~الديني العام، وصفا للقديم في الجديد. وسبب الحديث عن الأجرام العلوية تعرضه ~~لموضوع الأجسام السماوية، وهو موضوع ديني؛ الباعث إذن خارجي وداخلي، وافد وموروث. ~~ويتحدث ابن سينا عن تطور الفكر اليوناني دون تسميته ووضعه في إطار محليته، وجعله ~~مجرد تاريخ فكر بشري ورثته الحضارة الجديدة من الحضارات القديمة. والتاريخ يصحح ~~نفسه، انتقالا من الخطأ إلى الصواب، من الجزء الذي لا يتجزأ إلى مبادئ الطبيعة، ~~الصورة والمادة، ومن التشعب إلى الإجماع. كما تحدث الفارابي من قبل عن تطور ~~الفكر المنطقي من النقص إلى الكمال، من الانفعال إلى الحكمة، ومن الخطابة والجدل ~~إلى القياس والبرهان. تطور الفكر البشري هو تطور الإنسانية كلها، واتجاهها نحو ~~الكمال، وكشف الحقائق، وكما فعل ابن عربي في «فصوص الحكم». # 8 ~~(ه) وفي «أحوال النفس» ذكر أرسطو في الفهرس في أن قوى النفس واحدة ms041 طبقا لأرسطو، ~~في حين أن أفلاطون هو المذكور في النص والذي له رأي مخالف. ويوصف أفلاطون بأنه ~~الإلهي كما هو الحال عند الفارابي، فهل يقول أفلاطون بتعدد قوى النفس حقيقة وليس ~~بوحدتها؟ وكيف يوصف بالإلهي أي بالتوحيد وهو يقول بتعدد قوى النفس؟ ويعارض ~~ابن سينا أحيانا أفلاطون دون الإعلان ضرورة عن انتسابه لأرسطو. وهل الدفاع عن ~~أرسطو دفاع عن أرسطو ذاته وعن واقعية أرسطو، أم أنه تأكيد على واقعية الإسلام ~~اعتمادا على أرسطو تدعيما للموروث بالوافد، واتفاقا للمنقول مع المعقول؟ في حين ~~قرأ آخرون في أفلاطون الإلهي الصوفي الإشراقي ممثلا لروح الإسلام ضعفا وتعويضا، ~~فناء وخلودا. كما يحيل ابن سينا إلى بعض كتب أرسطو المنطقية مثل «طوبيقا» لبيان ~~الجنس أن يجب أن يجعل مطلقا على الشيء، ومن كل جهاته لا من جهة واحدة. ولا تظهر ~~ألفاظ معربة في أحوال النفس إلا لفظ أسطقسات، والنبطاسيا (ثلاث مرات). # 9 # وبالرغم من أن أحوال النفس تمثل للوافد إلا أنها لا تخلو من تحليلات الموروث ~~وألفاظه وموضوعاته، فلا مضمون بلا صورة، ولا محتوى بلا وعاء. يكثر ابن سينا من ~~استعمال المعاني المجازية والتشابه، أي اشتراك الاسم، ليس فقط في الإلهيات، بل ~~أيضا في الإنسانيات؛ فيسمي كل عمل اجتماعا في المساكن باشتراك الاسم، واليد ~~المقطوعة والشلاء يد باشتراك الاسم، والميت إنسان باشتراك الاسم، والنفس المفارقة ~~نفس باشتراك الاسم، وهي صورة البدن باشتراك الاسم، وكل واحدة من قوة النفس العاملة ~~والعالمة عقل باشتراك الاسم. # 10 # وتظهر الموضوعات المحلية مثل التواتر في أحوال النفس؛ فالتواتر ليس فقط في ~~المنطق، بل أيضا في علم النفس في بيان كيف تستعين النفس بالبدن ومتى تستغني عنه، ~~متى ينفعها ومتى يضرها، مستعارا من علم الحديث، واستعارته من قبل في علم أصول ~~الفقه. تعين القوى الحيوانية النفس في أشياء، منها أن يورد الحس الجزئيات فتحدث ~~لها أمور أربعة؛ الأول: انتزاع النفس الكليات من الجزئيات عن طريق التجريد. ~~والثاني: إيقاع النفس مناسبات بين الكليات سلبا وإيجابا، وهو الاستدلال. والثالث: ~~تحصيل المقدمات التجريبية، وهو ms042 التمثل أو الاستقراء، حسيا أو قياسا. والرابع: ~~التواتر. فالنفس الإنسانية تستعين بالبدن لتحصيل المبادئ للتصور والتصديق، والتصديق ~~بالتواتر لا يرجع إلى صحة السند، بل إلى صدق المتن ومطابقته لقوى النفس العلمية والعملية. # 11 # فإن زاحم الخيال قوى النفس ضعف التواتر، وإن كان المنطق هو المسيطر ~~صح التواتر؛ فالتواتر مصدر للمعرفة الصحيحة من خلال النفس الناطقة. والسؤال الآن: ~~هل حصول المعارف في النفس يجعل المعرفة جزءا من علم النفس؟ هل وجود النفس بالبدن ~~وحصول المعارف بالنفس يجعل البدن جزءا من نظرية المعرفة؟ هل لأن التواتر أحد مصادر ~~المعرفة يصبح بذلك جزءا من موضوع علم النفس؟ هل التواتر يدخل في موضوع علم النفس ~~وتطهيرها وخلاصها من البدن؟ هل يدخل مع قوى النفس الحسية والخيالية؟ يستعمل ~~ابن سينا لفظ التواتر في اللغة العادية في «حي بن يقظان»، ويعني به الأخبار ~~اليقينية، وكأنه رمز معرفي. وأخيرا يظهر الأسلوب العربي والأمثلة العربية؛ مما ~~يدل على التأليف المحلي. # 12 ~~(و) وفي رسالة «القولنج » لا يظهر إلا جالينوس استشهادا بقوله (مرة واحدة). ~~وابن سينا كالعادة صامت عن مصادره إلا الاستثناء. والرسالة وسط بين القصر والطول. ~~فصولها قصيرة، ومع ذلك تغلب عليها الإيمانيات والدعوة لله والسلطان؛ فالرسالة ~~مكتوبة لخزانة السلطان، وليس للصالح العام. # 13 ~~(2) آليات الإبداع # ولا تختلف آليات الإبداع في تمثل الوافد عنها في باقي الأنواع الأدبية منذ ~~التفسير والتلخيص والعرض، من تحليل أفعال القول أو أفعال البيان والإيضاح، ووصف ~~مسار الفكر، وإيجاد البراهين والاتساق العقلي، وبيان وحدته، والإحالة إلى نفسه أو ~~إلى غيره، والانتقال من السابق إلى اللاحق، من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل. # 14 # ويحيل العلم إلى باقي العلوم تأكيدا لوحدة العلوم في منظور واحد. ~~وتقوم الإحالة على نظرية حتمية في تقسيم العلوم، والتي يسميها الفارابي «إحصاء ~~العلوم»؛ فكل علم تتأسس مبادئه في علم آخر، ومبادئ العلوم الجزئية تتأسس كلها في ~~علم كلي هو الفلسفة الأولى؛ لأنه لا يمكن البرهنة على مبادئ العلوم من العلوم ~~الجزئية ذاتها؛ فيحيل موضوع النفس إلى كتب النطق؛ إذ يعتمد ms043 تحليل قوى النفس ~~الناطقة الخمسة التي تداخل فيها النفس الحيوانية مع النفس الإنسانية على كتب المنطق ~~في المقدمات الذاتية المشهورة؛ أي قياس النفس إلى نفسها، وهو ما يعادل العقل ~~النظري. كما يحال إلى كتب الأخلاق لمزيد من التفصيل عن التوسط بين الخلقين الضدين. # 15 # ويظهر أيضا هم الاختصار واستبعاد التطويل، خاصة في الرسائل كنوع ~~أدبي، ومع ذلك قد يطيل آخرون لجعل الموضوع أوضح وأجلى. # 16 # وتظهر البدايات والنهايات الإيمانية في تمثل الوافد، مثل الدعوة إلى العبر، ~~والله أعلم، وقد تظهر في وسط الرسالة بعض الأساليب القرآنية الحرة واحدة تلو ~~الأخرى لتقوية الأسلوب، والإقلال من التعامل مع الخارج، واستعمال الموروث الأصيل ~~كمخزون أدبي. # 17 # | سابعا: ابن الهيثم، وعلي بن رضوان # (1) ابن الهيثم # ويقوم ابن الهيثم (432ه) بتمثل الوافد الرياضي، والرياضيات جزء من الطبيعيات في ~~علوم الحكمة، ويأتي في المقدمة بطليموس ثم أرسطو ثم أرشميدس ثم إقليدس، وتدل بعض ~~العناوين، مثل «حل شكوك حركة الالتفاف»، «الشكوك على بطليموس»، أن تمثل الوافد لا ~~يعني بالضرورة العرض أو تعشيق الوافد في الموروث، بل قد يعني أيضا النقد والشك في ~~الوافد والمراجعة والتحقق من صدقه. ~~(أ) ففي «حل شكوك حركة الالتفاف» يتم الحوار في الداخل على الخارج، ونقد السابقين ~~الذين تعاملوا مع الوافد وأساءوا تأويله، كما يفعل ابن الهيثم مع «مولاي الشيخ» ~~الذي يكن له احتراما كبيرا بالرغم من ظاهريته وحرفيته في فهم بطليموس؛ فقد أخذ ~~الشيخ كلام بطليموس من غير تأمل أو تأويل، نقلا من غير فهم. ولا يستشهد ابن الهيثم ~~بأقوال بطليموس فقط، بل بأقوال مولاي الشيخ على بطليموس في نص مزدوج، يقرأ ~~ابن الهيثم مولاي الشيخ قارئا بطليموس. # يهز ابن الهيثم السلطة القديمة، سلطة الوافد، أو سلطة الوافد بعد أن يتحول ~~إلى موروث، ويعيد مراجعة النصين على الواقع والتجربة حتى يتقدم العلم ضد تقديس ~~القدماء. وخطأ بطليموس أنه وضع أصولا نظرية ثم ناقضها تجريبيا. ولا يكفي في ذلك ~~منهج الاستشعار الذي استعمله الشيخ؛ أي الإحساس الغامض دون البرهان الواضح، والحكم ~~بالظن دون ms044 اليقين. # 1 # كما أخذ الشيخ الكلام على ظاهره دون تأويل، على التقريب وليس على ~~التحقيق، على العموم وليس على الخصوص؛ مما قد يخرج النص عن قصده. # ويستعمل ابن الهيثم منهج التمييز بين المعاني؛ إذ يرجع خطأ الشيخ أنه لم يختر بين ~~ثلاثة معان؛ مما جعله يتشكك ويبعد عن الحق. # 2 # ومهمته البيان والتوضيح لأقوال الشيخ ولأقوال بطليموس، وتبديد سوء فهم ~~الشيخ لأقوال بطليموس معيدا قراءة الاثنين لمعرفة أين الخطأ. يبحث ابن الهيثم عن ~~الاتساق بين المقدمات والنتائج، ويراجع مسار الفكر حتى يكتشف التناقض والشناعات ~~والمجالات فيه، والانتهاء إلى النتائج الصحيحة في الاستدلال عن المقدمات الصحيحة في القراءة، # 3 # بل يفترض ابن الهيثم وجود عدة نسخ للنص المقروء قد يكون اختلافها هو ~~سبب الاختلاف في فهمها. # ويقدم ابن الهيثم منهجا يقوم على ثلاث خطوات؛ الأول: ضرورة تأويل النص وعدم ~~فهمه حرفيا؛ أي إنه ينقد موقف الحشوية، كما فعل ابن رشد. والظاهر والمئول ~~مقولات أصولية. والثاني: أخذ المعاني دون شك، وفهمها بيقين دون ظن، والتوثق من ~~يقينها بالبرهان . والثالث: توضيح المعاني الغامضة وفهمها فهما دقيقا؛ مما يتطلب ~~الجهد والعناء. وبدون هذه الخطوات الثلاث يتحول الموضوع إلى مجرد وهم، عنقاء ~~مغرب. # ويتصدر بطليموس ثم أرسطوطاليس ثم مولاي الشيخ، ومن الكتب يتصدى كتاب ~~«الاقتصاص» ثم المجسطي ثم المناظر. # 4 # ويراجع ابن الهيثم بطليموس نفسه متجها إلى الأصول الأولى دون التوسط ~~بشرح «مولاي الشيخ» ليرفع التناقضات الموهومة في عمل بطليموس، مستعينا بباقي ~~أعماله، ومصححا الكتاب بالكتاب، المجسطي بالاقتصاص، واستعمال نفس ألفاظه حتى ~~تستبدل بها ألفاظ أخرى لا تفيد نفس المعنى، واكتشاف ما قاله بطليموس بنفسه وما لم يقله. # 5 # ويحدد في الكتاب المقالة والمكان حتى لا يتحدث انطباعا على ~~الإطلاق. # ويعتذر ابن الهيثم عن بعض أخطاء بطليموس؛ لأن بطليموس نفسه يعتذر عنها ويدخل في ~~فكره، ويصف كيف يتأمل ويفكر ويستدل، بل يتوجه ابن الهيثم إلى مصادر بطليموس عند ~~أرسطو والتمييز بين القول بالحركة عند كل منهما. يبين قصد أرسطو وقصد بطليموس ~~ومدى اتفاقهما واختلافهما؛ فابن ms045 الهيثم يقوي النصين معا، ويهيمن عليهما كما ~~يهيمن القرآن على الإنجيل والتوراة، يصدق مضمونهما ويصحح ألفاظهما. # 6 # ويدل ذلك على أن بطليموس هو الذي يشرح ابن الهيثم، وأن ابن الهيثم هو ~~الدارس، ويستعمل أقوال بطليموس تأييدا له إن كانت مطابقة، أو نقدها ومراجعتها ~~وتصحيحها إن كانت مخالفة؛ لذلك يكثر تردد ألفاظ: صحيح، تصحيح، غلط، خطأ. ~~فابن الهيثم يترك النص ويتجه نحو الموضوع حتى يراه، ثم يعود إلى النص ليراجعه على الموضوع. # 7 # هنا يرتبط تمثل الوافد بالشرح، إلا أن تمثل الوافد تجاوز للشرح إلى ~~مستوى آخر؛ فهو أول مرحلة من مراحل التأليف، في حين أن الشرح مجرد فهم له على ما ~~هو عليه. # وإن خطأ «مولاي الشيخ» هو تصديق بطليموس في كل شيء، ولكنه يصدق بطليموس من غير ~~برهان ولا حجة، بل تقليدا ونقلا، وكأن أصحاب الحديث لا يصح أن يكونوا علماء ~~لأنهم مجرد نقلة عن الرسول، تعودوا على منهج النقل، وليس على منهج البرهان كما هو ~~الحال عند أصحاب التعاليم. ويصعب عليه تغليط بطليموس وكأنه نبي، مع أن لبطليموس ~~أغلاطا كثيرة في مواضع كثيرة من كتبه؛ فكثير من أقواله في المجسطي متناقضة، يضع ~~أصولا للهيئات ثم يناقضها، وقد كان في نية ابن الهيثم تأليف كتاب في علم الهيئة ~~يرصد فيه أغلاط بطليموس، كما أن له أغلاطا في كتاب المناظر والبرهان على أشكال ~~المرايا. معاني كتاب «الاقتصاص» يبطل أكثرها ويضعف. وألف ابن الهيثم منشورين ~~في العاجل يبين غلط بطليموس في ذلك التدوير. # 8 ~~(ب) وفي «الشكوك على بطليموس» يتقدم بطليموس على الإطلاق كي يصبح هو العلم ~~الوحيد، ويتقدم المجسطي ثم الاقتصاص ثم المناظرة. # 9 # ولا يعني تمثل الوافد مجرد القبول والاستيعاب والتعلم، بل يعني الشك ~~في الوافد ونقده وتجاوزه، كما يدل العنوان؛ من أجل القضاء على تقليده، وتحوله إلى ~~اعتقاد مضاد لتقدم العلم. وقد استمر هذا التيار النقدي للوافد حتى في ~~العصور المتأخرة. # 10 # فالنقد مشروع حضاري لعدة أجيال، وهو موقف واع مقصود، يعبر عنه ~~ابن الهيثم؛ فطالب الحق ليس ms046 هو قارئ كتب المتقدمين وحسن الظن بهم، بل هو الناقد ~~لفهمه، الباحث عن الحجة والبرهان، لا المتبع لقيل وقال، والخصيم للكل دون تحامل أو ~~تسامح حتى يدرك الحق والباطل في كلام القدماء، ويتحقق من صدق أو خطأ أقوالهم. # 11 # ويستعمل ابن الهيثم عدة مناهج للنقد والمراجعة والتصحيح؛ أولا: منهج اتساق ~~الفكر، وتطابق النتائج مع المقدمات، وعدم الوقوع في التناقض والمحال والشناعة. # 12 # وقد يكون سبب الغلط اللغة، وسوء استعمال الألفاظ، وعدم دقة المصطلحات. ~~المقياس إذن هو تطابق الفكر مع نفسه، واتباع قواعد القياس؛ فالهيئة التي فرضها ~~بطليموس للكواكب الخمسة باطلة لأنها خارج القياس، وفرض الحركة على دوائر مجردة ~~أيضا خارج القياس؛ # 13 # لذلك يرفض ابن الهيثم التناقض في المعاني والأقوال والتصورات والأصول ~~الصحيحة، كما يرفض ما ينتج من محال وفحش. وقد يكون المقياس هو التناقض مع الواقع؛ ~~فالوجود خلاف القول. # 14 # وقد تكون المعاني صحيحة، ولكن أوجه الاستدلال تتبين ببراهين أخرى، ~~كما هو الحال في بعض إشكالات كتاب المناظر؛ لذلك تكثر ألفاظ: التناقض في المعنى، ~~المحال في الوجود، الغلط في التصور أو الظاهر، المناقض للأصول الصحيحة، المحال ~~الفاحش في مقابل الصحيح، البين، البرهان. # 15 # وأحيانا يجد ابن الهيثم لبطليموس العذر لبعض ما نسيه أو أخطائه، مثل ~~نقص البراهين، والقفز على المقدمات، والسهو الذي لا يعتري البشر منه. وأحيانا أخرى ~~ليس له عذر في مواضع ارتكب الخطأ فيها قصدا. ويراجع ابن الهيثم ما قاله في كتاب ~~المجسطي مثلا على ما قاله في كتاب آخر من أجل تفسير العمل كله بعضه ببعض في وحدة ~~المذهب ونسقه الكلي. ويدعم منهجه بالنصوص، واقتباس الأقوال، والإشارة إلى موضع ~~القطع والوصل، وإعطاء فرصة لبطليموس لتأويل صحيح لأقواله بعد عرضها على العقل ~~والتجربة، مع السير خطوة خطوة مع فكره لمعرفة مساره، وأين القفز فيه في الأصل أو الشرح. # 16 ~~(ج) وفي «مقدمة ضلع المسبع» يتقدم أرشميدس وحده؛ # 17 # فالرسالة مختصرة دون الإضرار بالمعنى على مقدمة أرشميدس في ضلع المسبع. ~~ويكمل ابن الهيثم براهين أرشميدس؛ فأساس برهان أرشميدس ms047 هو المثلث الذي عمل منه ~~المسبع يمكن إعادة توظيفه لعمل المربع منه. كما يوسع ابن الهيثم الموضوع ويكمله، ~~وهو ما يحتاج إليه أرشميدس لإثبات ضلع المسبع؛ فإكمال النتيجة يفيد في إعادة وضع ~~المقدمات. كما يجد ابن الهيثم العذر لأرشميدس واضعا إياه في سياقه التاريخي؛ ~~فالعلم يتقدم بتقدم التاريخ. # 18 ~~(د) وتبدأ «رسالة في الكرة المحرقة» لابن الهيثم أيضا من المقالة الخامسة من ~~كتاب «المناظر» لبطليموس، # 19 # دون ذكر للسياق التاريخي والاكتفاء بالموضوع العلمي؛ «شعاع يخرج من ~~الشمس على خطوط مستقيمة، وينفذ في كل جسم مشف مقابل للشمس. فإذا نفس في جسم ~~مشف، ثم لقي جسما آخر مشفا مخالفا الشفيف لشفيف الجسم الذي هو فيه، ولم يكن ~~قائما على سطح الجسم الثاني على زوايا قائمة، انعطف ولم ينفذ على استقامة.» # 20 # يعني التمثل هذا القدرة على العرض النظري الخالص بداية من نقطة ~~تاريخية عند اليونان، تتحول إلى الإبداع الخالص عندما ينتهي الوافد كلية، ولا يبقى ~~إلا العقل الخالص؛ لذلك لا يذكر من الوافد لا بطليموس والمناظر. ويوضع المقال داخل ~~مجموع أعمال ابن الهيثم، مثل «المناظر» و«خطوط الساعات». # 21 # تغيب ألفاظ القول، وتكثر صيغ ألفاظ البيان؛ لأن ابن الهيثم لا يشرح قولا، بل ~~يوضح برهانا، بل قد يكون فعل البيان مزدوجا عندما يتم بيان البيان من أجل مزيد ~~من الإيضاح. # 22 # وهو بيان للبرهان؛ أي للبحث عن المنطق الداخلي للموضوع. # 23 # ويقوم البيان على الافتراض، كما هو الحال في البراهين الرياضية، توهم ~~الخطوط من أجل بناء البرهان الهندسي عليها؛ لذلك يظهر تعبير «وإذا توهمنا»، وحتى ~~يمكن استبعاد المحال، بالإضافة إلى عدد من الرسوم والأشكال التوضيحية، كما يحيل ~~اللاحق إلى السابق، والسابق إلى اللاحق، لبيان وحدة الموضوع ووحدة الاستدلال في ~~عبارات مثل «وإذ قدمنا». وكما يبدأ المقال بالبسملة والدعوة بالتيسير والإتمام ~~بالخير والسعادة، ينتهي بالحمدلة والصلاة على الرسول وآله أجمعين. ~~(ه) وفي «رسالة الكرة المحرقة» لابن الهيثم أيضا، تحرير كمال الدين الفارسي ~~(718ه)، يبدو التمثل مزدوجا بين ابن الهيثم والفارسي، تمثلا على تمثل ms048 نحو ~~مزيد من التحول من النقل إلى العقل، من الوافد إلى العقل الخالص. # 24 # الفارسي يتمثل ابن الهيثم متمثلا بطليموس. # 25 # يستبعد المقدمات التي ذكرها ثم يدخل في الموضوع مباشرة في الكرة ~~المحرقة، وهي أن زاوية الانعطاف في الزجاج أصغر من نصف العطفية وأكبر من ربعها؛ ~~لذلك لا يذكر من الوافد إلا بطليموس وكتابه المناظر، ثم ابن الهيثم وكتابه في خطوط ~~الساعات؛ مما يدل على وحدة عمل ابن الهيثم؛ ولذلك أيضا تتعادل ألفاظ القول بين ~~«قال» و«يقول»؛ أي ابن الهيثم، و«أقول»؛ أي الفارسي. # 26 # ففي تمثل الوافد أيضا يقع التراكم، بداية الإبداع؛ فالتمثل أول نوع في ~~التأليف، والإبداع آخر نوع في التراكم. ويعتمد الفارسي على أكثر من نسخة من مقال ~~ابن الهيثم ليستوثق من صحة النص. # 27 # وتظهر أفعال البيان والإرادة لتدل على أن التحرير رغبة المتمثل الثاني في ~~توضيح المتمثل الأول؛ التمثل الأول فعل عقلي، والتمثل الثاني فعل إرادي. والفعل ~~الإرادي يحقق المطلوب وما يحتاج إليه، ويستبعد المحال والتناقض، ويلخص ~~النتائج، ويستقري الحاصل، ويضيف التكملة والحاشية؛ فهو فعل كيفي في البيان، وكمي ~~في التركيز والشرح. والمقال به ستة رسوم توضيحية وجدول واحد. ولا يظهر من الموروث ~~إلا ابن الهيثم، رحمه الله، متمثلا الوافد دون بسملة أو حمدلة. # 28 ~~(و) وفي «مقالة عن ثمرة الحكمة» يأتي إقليدس في المقدمة، لدرجة تلقيب ابن الهيثم ~~بإقليدس الثاني بعد بطليموس الثاني. # 29 # ويعرض ابن الهيثم لما سماه إقليدس الرأي العام أو الإشكال مع موقف ~~نقدي، يتفق مع بعض، ويختلف مع البعض الآخر؛ مما يتطلب الصبر على تأمله؛ فالعلم صبر وتأمل. # 30 # ولا يهم إذا كان ابن الهيثم هو مؤلف المقال أم أنه منتحل عليه؛ فهذا سؤال ~~الاستشراق، فالنص له استقلاله الداخلي بصرف النظر عن مؤلفه؛ ميلاده ووفاته وحياته. ~~تحليله من أجل التعرف على مكانه في التحول من النقل إلى الإبداع. وابن الهيثم في ~~الرياضيات مثل ابن سينا في علوم الحكمة، يمثل القدرة على التنظير لدرجة الاقتراب ~~من الإبداع الخالص لولا ذكر الوافد وتمثله. ms049 درس في بداية حياته أرسطو وجالينوس ~~وبطليموس وإقليدس، ثم تجاوزهم وانتقل من تمثل الوافد إلى الإبداع الخالص في بعض ~~رسائله الأخرى. ويستعمل الاسم المنقول مثل علم التأليف الذي يسميه اليونانيون ~~الموسيقى حرصا على التمايز بين الأنا والآخر. # 31 # منهجه يعتمد على الشك في المنقول، سواء كان الوافد أو الموروث أو ~~الوافد الموروث حتى يتأكد من صحته، صحة النقل أو صحة الفهم والتأويل، صحة المتن ~~وصحة السند بلغة علم الحديث. ويتم التصديق إما عن طريق العقل والبرهان أو بطريق ~~التجربة والملاحظة والمشاهدة، لا فرق في ذلك بين العلوم الرياضية أو الطبيعية أو ~~الإنسانية. والتعبير عن النتيجة بلغة علمية دقيقة وبأسلوب مختصر بعيدا عن ~~الإنشائيات واللغو والتطويل. والمثابرة في العمل ضرورية بالرغم من الشعور بحتمية ~~النهاية وهموم قصر العمر. # والهندسة تجمع بين الرياضة والمنطق، الهندسة منطق الرياضة، وهي أساس العلوم ~~الرياضية الأربعة، تعطي خواص الأشكال الهندسية في الهندسة، وخواص الأعداد في ~~الحساب، وخواص علم التأليف في الموسيقى، وخواص علم الهيئة في الفلك. وعلى أساس ~~الهندسة تنشأ باقي العلوم الصناعية. # 32 # والرياضة بديل عن المنطق في قسمة الحكمة إلى رياضيات وطبيعيات ~~ومنطقيات. # وابن الهيثم متكلم وفيلسوف، ألف في الرد على ابن الراوندي والرازي والمعتزلة ~~والمتكلمين، ولإثبات أن أدلة المتكلمين فاسدة لا تقوم على برهان ضروري، حتى ولو ~~كان الموضوع إثبات حدوث العالم كما فعل ابن رشد فيما بعد. # ولا يخلو فكر ابن الهيثم من جانب أخلاقي عملي بالرغم من التأصيل الهندسي ~~الطبيعي، لدرجة الشك في صحة «ثمرة الحكمة» لأفلاطونيتها في تقسيم قوى النفس، وتناول ~~موضوع الأحلام، وجمعها بين العلوم الطبيعية والإلهية والرياضية. أراد منها ~~ابن الهيثم تعليم المبتدئين أصول الحكمة اعتمادا على أصول الهندسة؛ # 33 # إذ تستطيع الهندسة، وهي منطق الرياضيات، الوصول إلى الأمور الطبيعية، ~~التي هي الحكمة ومبادؤها وعللها وأسبابها، وإلى الأمور الإلهية، حكمة الله وذكره ~~في هيئة السماء والأرض وما بينهما، فلزم إثبات الباري حكيما قادرا خبيرا. # 34 # وفي الرسائل الأربع تنتهي ثلاثة منها دون «الشك على بطليموس» بالإيمانيات، ~~ابتداء بالبسملة ms050 والحمدلة، والثقة بالله، ودعوته للعصمة من الزلل، والتقصير ~~والخلل، والاستعانة بمشيئته، والتوكل عليه، العزة لله، وحده لا شريك له. ويدعو ~~ابن الهيثم لمولاه الشيخ بحراسة الله له، بالرغم من تقليده لبطليموس وامتعاضه من ~~نقده. ويستشهد بآية قرآنية # إن بعض الظن ~~إثم # لإثبات ضرورة الانتقال من الظن إلى اليقين. ويحمد لابن الهيثم ~~أنه لم يدع للسلطان بعد دعاء الله. # 35 ~~(2) علي بن رضوان # وفي «المستعمل من المنطق في العلوم والصنائع» لعلي بن رضوان (453ه)، يدل العنوان ~~على تحويل المنطق من منطق صوري إلى منطق للاستعمال، وأنه ليس فقط في قواعد الفكر، ~~بل أيضا في العلوم والصنائع، لا فرق بين منطق تقليدي قديم ومنطق علمي حديث. وينقسم ~~إلى مقالات ثلاث بلا عناوين؛ الأول: عن الأجناس العشرة، ويضم المقولات والعبارة. ~~والثاني: عن القياس والبرهان؛ أي منطق اليقين. والثالث: عن الجدل والمغالطة ~~والخطابة والشعر؛ أي منطق الظن. فلا يعني تمثل الوافد مجرد التكرار والنقل ~~والتقليد، بل يعني بداية الإبداع والنقل الحضاري. وهو على وعي باختلاف الترتيب بينه ~~وبين أرسطو؛ فأرسطو يبغي العلم والعمل، وابن رضوان يبغي العمل فحسب. # 36 # يدرس ابن رضوان الموضوع ثم يبين موضعه في منطق أرسطو، مثل الفصل الرابع من كتاب العبارة، # 37 # ويركز منطق أرسطو، ويبين سبب إطالته في تعليم صناعة الجدل ~~واستقصائها في ثماني مقالات، # 38 # ويؤيد تقسيم الفيلسوف المخاطبات إلى خمس ما دامت القسمة تتفق مع العقل والموضوع. # 39 # وكان ابن رضوان على وعي بتقدم المنطق من القدماء إلى المحدثين. ~~التمثل ليس الثبات على اللحظة الأولى التي نشأ فيها المنطق عند القدماء، بل تمثله ~~واستيعابه عند المحدثين. ويختلف المناطقة في طرق تعبيرهم «وقد جرت عادة القدماء أن». # 40 # ولا يعني تمثل الوافد مجرد تحصيل واستيعاب، بل يتضمن التأمل والفهم، ~~كما تدل على ذلك صيغ «وإذ تأملنا»، «وإذ قد لخصنا». # 41 # ويظهر الاستدلال في الانتقال من المقدمات إلى النتائج، وهو استدلال ~~معياري لما ينبغي أن يكون عليه الفكر «ولذلك ينبغي أن تفهم». كما تظهر أفعال ~~البيان؛ مما يدل على ms051 أن التمثل توضيح وشرح. # 42 # وتتم مخاطبة القارئ «وإذا عرفت هذا»؛ فالتمثل تجربة مشتركة، ورسالة ~~حضارية واحدة بين المؤلف والقارئ. # 43 # ومن الوافد يذكر الفيلسوف تحولا من الشخص إلى النموذج وأرسطوطاليس ثم إقليدس وأبقراط؛ # 44 # فقد استخرج أرسطو صناعة المنطق. ويشار إلى جميع الفلاسفة والمشهورين ~~من الفلاسفة أو ذوي النباهة منهم دون تحديد من الوافد أو الموروث. # 45 # ويحال إلى كتاب العبارة بمفرده؛ لأنه أقرب إلى مباحث اللغة. ويضرب ~~المثل بكتابي «كليلة ودمنة» و«العرس والعرائس». وما زالت بعض الألفاظ المعربة ~~مستعملة، مثل أسطقس وأسطقسات. # ويضرب المثل بمواد طبية من أبقراط، إن الحرارة تكثر في الأجواف في الشتاء؛ مما ~~يتطلب قلة البلغم، في حين أن البلغم يكثر؛ فهذا خلف؛ أي اختلاف النتائج عن ~~المقدمات تجريبيا، وذلك في أمثلة البرهان. كما يضرب المثل بأمثلة طبية أخرى؛ ~~فالمنطق للاستعمال منطق تجريبي. كما يضرب المثل ببرهان إقليدس لما يستعمل في ~~العلوم والصنائع، وهو برهان مكون من مقدمتين. وما يجري في الهندسة يجري في سائر ~~العلوم الطبيعية، مثل الجرم السماوي. # وتظهر اللغة العربية في عادة الإشارة إلى المجهول بزيد وعمرو. كما يضرب المثل ~~بأرسطوطاليس وسقراط، بنفس الطريقة لشرح «متى» كعرض، أو على أشخاص جزئية. ويذكر ~~الناسخ الشيخ أبا الحسن علي بن رضوان. # 46 # وتظهر مادة الموروث تلقائيا؛ فما دام المنطق للاستعمال فإنه يكون نافعا في ~~التخلق بأخلاق الصالحين. والشرائع ضربان؛ عقلية: وهي ما يذعن إليه كل عاقل، مثل ~~مواساة صديق أو قريب، وحب الغير مثل حب النفس، والبر بالوالدين، وشكر المنعم، وهي ~~متواترت في كل أمة. والثانية: وضعية، وهي الشرائع الخاصة بكل أمة أو صنعة، ومنها ~~شرائع الطوائف الإلهية عن نبوة أو وحي من الله ومن الإمام أو الفقيه. والفرق بين ~~الإمام والفقيه والمتكلم أن الإمام قائم بأمر الشريعة ويحمل الناس عليها، والفقيه ~~يعنى بالحلال والحرام، والمتكلم هو الذي يتكلم في أصول الفقه ونصرة الدين بأقاويل، ~~لا فرق بين عالم أصول الفقه وعالم أصول الدين. ويتم الاحتكام إلى الشريعة الوضعية ~~في حالة الخصام بين طائفتين، ms052 أو إلى الشريعة العقلية العامة في حالة الخلاف بين البشر. # 47 # وكما يبدأ الكتاب بالبسملة والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه، ينتهي ~~بالحمدلة، وأحيانا في آخر كل مقال. # 48 # | ثامنا: ابن باجه وابن رشد # (1) ابن باجه ~~(أ) وفي «الغاية الإنسانية» يحال إلى أرسطو والحكماء فقط؛ # 1 # إذ يستشهد ابن باجه بقول أرسطو إنه إذا حصل الإنسان على الكمال فقد نجا ~~من مجاهدة الطبيعة وآلامها والنفس وقواها، وصار كما يقول أرسطو في فرح وسرور ~~دائمين. مجرد اتفاق في الآراء، وتوافق في الخواطر، كنموذج لإجماع العقلاء وتبادل ~~الخبرات بين الحضارات. كما يستعمل لفظ الحكماء دون تحديد انتمائهم للوافد أو ~~الموروث بعد أن أصبح الوافد موروثا. ويحيل إلى «تدبير المتوحد» أكثر مما يحيل ~~إلى أرسطو والحكماء مجتمعين؛ مما يدل على أن مذهب ابن باجه يأتي قبل مذهب أرسطو، ~~وأن تمثل الوافد ليس من أجل تمثل الآخر، بل من أجل إبداع الأنا. # 2 # وما زال لفظ «الأسطقسات» معربا هو المستعمل، وحتى الآن. ~~(ب) ولابن باجه (533ه) أعمال صغيرة يتمثل فيها الوافد؛ فقد أتى في القرن السادس ~~بعد أن كانت عملية تمثل الوافد قد تمت؛ ففي «قول يتلو رسالة الوداع» # 3 # يحيل إلى أرسطو فحسب، ثم يحيل من أعماله إلى الحيوان، ثم السماع ~~الطبيعي، والسماء والعالم، والكون والفساد. # 4 # فبعد أن يقوم ابن باجه بدراسة الموضوع يستشهد بأرسطو، مثل وجود حسي ~~أبدي في البذر مجانس لأسطقسات الكواكب؛ لأن جوهرها واحد وهو العقل، ومثل حد النفس ~~بأنها استكمال لجسم طبيعي ذي الحياة للنعم في الأولى والآخرة. وهو غير التعريف ~~التقليدي المشهور لتعريف النفس عند أرسطو. أما بالنسبة إلى أعمال أرسطو فإنه يبين ~~أن جوهر الفاعل عقل إلهي، ويحيل إلى السادسة عشرة من كتاب «الحيوان»، فإذا يبين ~~أن به روحانية، كما رأى الأوائل أن السماء مسكن الروحانيين، فإنه يحيل إلى ~~«السماء والعالم» وإلى «السماع الطبيعي». كما يحيل في «التمييز بين الترداد ~~والتردد» إلى آخر المقالة الثانية من «الكون والفساد». ولا يحيل ابن باجه إلى ~~مؤلفات أرسطو وحده، ms053 بل يحيل إلى مؤلفاته هو، مثل «رسالة الوداع» و«النفس» و«تدبير ~~المتوحد» و«النبات»؛ تأكيدا لوحدة المذهبين، أرسطو وابن باجه، وتفسير الجزء بالكل. # 5 ~~(ج) وفي «الصورة الأولى والمادة الأولى» لا يذكر إلا الحكيم (مرة واحدة) دون أن ~~يعني أرسطو بالضرورة، بل أي حكيم من الوافد أو الموروث في موضوع طبيعي إلهي ~~باعتبارهما علما واحدا؛ فالطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل، والإلهيات طبيعيات ~~مقلوبة إلى أعلى. # 6 # ويبدو فيها ابن باجه جامعا علم الكندي، ومنطق الفارابي، وإشراقيات ~~ابن سينا. كما يحيل إلى بعض مؤلفات أرسطو؛ فقد تحول الوافد إلى نصوص وليس ~~أشخاصا، إلى مؤلفات وليس مؤلفين، بداية للتحول من الشخص إلى العلم، ومن التراث ~~العلمي إلى العلم ذاته؛ فإذا كانت أول الصورة تحصل في المادة هي صورة الأسطقسات ~~لأنها بسائط الموجودات، يحيل ابن باجه إلى «الكون والفساد» ثم «الآثار العلوية» ~~و«السماء والعالم»، كنوع من الأدبيات السابقة. # 7 # ابن باجه هو الدارس، وأرسطو هو صاحب الأدبيات في الموضوع قبله. وما زال ~~يستعمل لفظ «الأسطقسات» معربا. # 8 ~~(د) وفي «تراتب العقول وخلودها» يذكر من الوافد كتاب «إيضاح الخير» (مرة واحدة)، ~~وليس اسم علم، تحولا من المؤلف إلى النص، ومن النص إلى العلم، كنوع من التأكيد ~~والتثبت من الموضوع الذي درسه ابن باجه من قبل مع تحديد للأبواب الرابع والمائة ~~والخامسة والمائة والسادس والمائة؛ مما يدل على معرفة دقيقة بالكتاب . ولا يذكر ~~مؤلفه نظرا لشهرته لأولوية النص على الشخص، وإمكانية نسبة النص إلى أكثر من شخص، ~~وربما هو كتاب «الخير المحض» المنسوب إلى البغدادي، والمنتحل على النسق ~~الأفلوطيني. والرسالة دينية الطابع، تبين ثلاثة أمور للتقرب إلى الله، ذكره ~~باللسان تمجيدا أو تعظيما، وأخذ الجوارح بما يعطيه القلب، وتجنب ما ينهى عن ~~ذكره أو يشغل القلب عنه، وذلك كله لا يتم إلا بالصبر على الدوام معه. وتنتهي ~~الرسالة بمخاطبة القارئ وتبصرته، إذا أخذ ما فيها كان من المخلصين لله، ولا يتم ~~ذلك إلا بالصبر على إدامته. # 9 ~~(2) ابن رشد # وبالرغم من الصورة الشائعة عن ابن رشد (595ه) ms054 أنه «الشارح الأعظم»، أي أنه يقوم ~~بتمثل الوافد، إلا أن الشروح والملخصات والجوامع كانت في الحقيقة استعمال الوافد ~~لنقد الموروث، خاصة علم الأشعرية؛ أي الكلام، والفلسفة الإشراقية، خاصة ابن سينا، ~~ولكن يظهر تمثل الوافد في مقالاته الصغيرة المنطقية والطبيعية (ثمانية عشر مقالا) ~~فيما لا يتجاوز مقالين طبيعيين «في المزاج»، و«في البذور والزروع». ~~(أ) «في المزاج». يتقدم جالينوس باعتباره منطقيا وطبيعيا، ثم أرسطو. ويختفي ~~الشراح نظرا لأن المقالة في الطب، وجالينوس هو الطبيب، وليس أرسطو. ويحال إلى ~~القدماء ثم إلى الفلاسفة والمفسرين على العموم. كما يحال إلى «في المزاج» نفسه ~~ربطا لأجزائه وتفسيرا للكتاب بالكتاب، ثم إلى «الكون والفساد» و«الآثار العلوية». # 10 # ويدافع ابن رشد عن أرسطو ضد سوء تأويل جالينوس له عندما جعل المفاعلات ~~أربعة؛ الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة؛ مع أنهما عند أرسطو اثنان فقط؛ فقد ~~أخطأ جالينوس تصور الأربعة بضرب اثنين في اثنين، فاعل ومنفعل. عند أرسطو الحرارة ~~والبرودة فاعلتان، واليبوسة والرطوبة منفعلتان، وعلاقة الصورة بالهيولى هي علاقة ~~الفاعل بالمنفعل. وخطأ جالينوس قياسه الكل على أنه فاعل ومنفعل كأضداد. ويقوم ~~ابن رشد بدور الحكم والقاضي والإمام الواحد، ويبحث عن سبب سوء التأويل كما يفعل ~~القاضي لمعرفة أدلة الاتهام أو البراءة، اتهام جالينوس، وبراءة أرسطو. وسؤال ~~ابن رشد إلى أي حد يمكن إضافة جالينوس إلى الرأي القديم في المزاج يوافق الأصول ~~الطبيعية، ويدل على البحث عن الأصل، كما هو الحال عند الأصوليين. # 11 # ولجالينوس مقالة في «المزاج» يبين فيها أن الأمزجة تسع؛ فالدافع على التأليف هو ~~الموضوع، هل الأمزجة تسع كما هو الحال عند جالينوس، أم أربع كما هو الحال عند ~~أرسطو؟ والأمزجة ثمان بالإضافة إلى المعتدل، وهو الموجود في اللحم في جلد الكف ~~وطرف السبابة؛ فالمعتدل في أطراف النوع. وتوجد فيه كيفيات الأسطقسات بمقادير ~~متساوية، من الحار والبارد، والرطب واليابس. وقد غلط جالينوس في إضافة المعتدل ~~إلى الكيفيات الأولى؛ لأنه شبه الأمور الطبيعية بالأمور الصناعية؛ فأرسطو أكثر ~~طبيعية من جالينوس، قايس بينهما، وتصور أن كل واحد منها فاعل ومنفعل. ms055 # 12 # وبالنسبة للمشائين الأمزجة الأربعة مركبة على نحو وجودها في ~~البسائط، ولكن جالينوس وأتباعه لم يفهموا هذا المعنى في فعل الحرارة والبرودة في ~~الرطوبة واليبوسة، وجعلوا كل واحدة من الأربعة فاعلة، وأولوا أرسطو تأويلا ~~بعيدا. والمشاءون مجرد رواة للتاريخ الفلسفي ينقل عنهم جالينوس. # 13 # ويضع ابن رشد جالينوس مع تاريخ الحكماء، وأنه استدرك ما فات جميع الفلاسفة ~~والأطباء قبله، وتابعه من أتى بعده، ويشكره ابن رشد على حسن صنيعه، ويحكم بينه ~~وبين القدماء، أيهما حق وأيهما باطل، ويشكر صاحب الحق وينبه على غلط صاحب الباطل. ~~ويستشهد بالقدماء؛ فليس كل ما يقوله القدماء خطأ على الإطلاق. وعلى مستوى ~~المصطلحات ما زال ابن رشد يستعمل أيضا اللفظ المعرب «الأسطقسات» مفردا ومثنى ~~وجمعا، وليس المترجم بعد أن استقر، مثل الموسيقى والجغرافيا والفلسفة والسفسطة. # 14 # ولا فرق في آليات الإبداع بين الشرح والتلخيص والجامع والعرض والتأليف من حيث ~~تحليل أفعال الشعور المعرفي، ومنطق الاستدلال، والتطابق بين المقدمات والنتائج، ~~والمسار الفكري بين البداية والنهاية، والمنطق المعياري باستثناء أفعال القول؛ لأن ~~التأليف لا يبدأ بشرح أقوال. يظهر أرسطو كأحد مكونات التأليف أثناء تمثل الوافد. ~~إنما تظهر أفعال القول للمعترض الذي يرد عليه سلفا طبقا للأسلوب الفقهي. كما ~~تظهر أفعال البيان والإيضاح للغرض والقصد؛ فالتأليف قصدي وليس مجرد تجميع. وتظهر ~~أفعال الشعور المعرفي التي تبين أفعال الفكر في اتجاهه القصدي. فغرض ابن رشد فحص ~~عدد إضافات المزاجات والموجود في كل نوع من الأجسام المتشابهة الأجزاء، سواء كانت ~~لذي نقص أو لم تكن؛ فإن النظر في المزاج يكون ذاتيا أو جسميا. ويبدأ بالإعلان ~~عن القصد، وينتهي بالإعلان عن تحقيق القصد. وتظهر البيئة الدينية كالعادة في ~~البداية والنهاية، بالبسملة والحمدلة، والصلاة والسلام على الرسول، وطلب الرضا عن المؤلف. # 15 ~~(ب) وفي «البذور والزروع» يظهر أرسطو وحده دون أي شارح أو أي فيلسوف آخر. # 16 # ولا توجد إحالات إلى مؤلفات لأرسطو أو لابن رشد؛ نظرا لأنها مكتفية ~~بذاتها. ويبدأ المقال بأرسطو لمعرفة مسار فكره، وهو نفس بنية الموضوع؛ نظرا لوحدة ms056 ~~العقل والطبيعة؛ لذلك أتى المقال بسيطا سهلا واضحا. يعرض أرسطو من الداخل عن ~~طريق عرض الموضوع متجاوزا القول في الشروح والملخصات والجوامع. ولا يوجد نقد ~~لأحد، بل فقط بيان الاتساق الفكري الداخلي وحقيقة الموضوع أو موضوعية الحقيقة ~~تمثلا للوافد. ويرفع ابن رشد الاشتباه في فهم أرسطو بين الذي يتحرك من ذاته والذي ~~يتحرك بالمحرك الأول، والشبه مقدمة للاشتباه. الموضوع في ظاهره طبيعي، وفي حقيقته ~~ديني؛ لأن الفكر الديني يفضل النوع الثاني، الحركة بالمحرك الأول على النوع الأول، ~~الحركة الذاتية لأن النوع الثاني يسمح بوجود محرك أول لا يتحرك؛ ومن ثم يمكن إثبات ~~وجود الله. يؤلف ابن رشد في الموضوع ثم يحيل إلى تأليف أرسطو لبيان الاتفاق في ~~النتائج بين حكيمين في حضارتين مختلفتين، وربما بمنهجين مختلفين؛ جزئي عند أرسطو، ~~اتفاق العقل والطبيعة، وكلي عند ابن رشد، اتفاق الوحي والعقل والطبيعة. تمثل ~~الوافد هو إخراج ما بالقوة إلى ما بالفعل في الوافد، إظهار الكامن، قراءة ما بين ~~السطور، دفع الشيء إلى نتائجه الأخيرة، القول في استدلالاته ومعاركه ثم نقله إلى ~~بؤرة الحضارة الجديدة كمرحلة من مراحل التحول من النقل إلى الإبداع. # 17 # ويبين ابن رشد غرضه منذ بداية المقال، الفحص عن القوى الموجودة في البذور ~~والزروع، جوهرها ووجودها، فاسدة أم غير فاسدة، الجنين المحمول قبل أن يتكون، وكل ~~ما تتوق النفس إلى معرفته. ويشعر ابن رشد بمسار فكر أرسطو، مقدماته ونتائجه، ~~خطواته ووحدة مذهبه. ويحيل الأجزاء إلى الكل. يقول أرسطو ويقول ابن رشد. فليس ~~القول حكرا على أرسطو، بل إن قول ابن رشد أكثر من قول أرسطو. # 18 # ليس الحديث عن البذور والزروع موضوعا قرآنيا مباشرا، وإن كان موضوعا ~~قرآنيا غير مباشر؛ نظرا لوجود الصورة في القرآن؛ ومن ثم فإن اتفاق فلسفة أرسطو ~~مع العقل والطبيعة يجعل من السهل اتفاقها مع الوحي والحكمة الشعبية؛ أي التاريخ؛ ~~فالطبيعة قيمة. ويظهر ذلك من استعمال تعبيرات مثل «أكرم في وصف جسد الطبيعة»، ~~«أكرم من الأسطقسات الأربعة»، واستعمال لفظ إلهي بهذا المعنى التفضيلي يكون به ms057 ~~الكرم والشرف. ويبدو أن تمثل الوافد يتم عن طريق إيجاد وعاء عقلي خالص أو طبيعي ~~أو من الوحي اللاشعوري في وعي المؤلف؛ فالوعاء معد ومهيأ لاستقبال الوافد. ~~وعلى مستوى المصطلحات يستعمل ابن رشد اللفظ المعرب «الأسطقسات»، وليس المترجم ~~العناصر، بعد أن تحول بطول الاستعمال إلى لفظ عربي أصله أجنبي، وفي القرآن البعض منه. # 19 # وتظهر البيئة الدينية للتأليف في البداية بالبسملة، والنهاية بالحمدلة، وطلب ~~العون من الرب، والصلاة والسلام على الرسول وآله، وطلب الرحمة والرضا للمؤلف. ~~إيمانيات في موضوعات طبيعية، لا فرق بين أن يكون ذلك من المؤلف أو الناسخ أو ~~القارئ؛ فالنص عمل حضاري مشترك، وثيقة حضارية تعبر عن موقف واحد. # 20 # | الفصل الثاني: تمثل الوافد قبل تنظير الموروث # | أولا: المترجمون: ثابت بن قرة، ويحيى بن عدي # (1) ثابت بن قرة # وكما ساهم المترجمون في تمثل الوافد فإنهم ساهموا أيضا في تمثل الوافد قبل ~~تنظير الموروث؛ فهم المؤلفون الأوائل. ولم يظهر تمثل الوافد قبل تنظير الموروث قبل ~~القرن الثالث؛ فقد كان القرن الثاني بداية عصر الترجمة، أي نقل الوافد وقلة التراكم ~~الفلسفي في الموروث. ويغلب على هذا النوع من التأليف علم الطب لحاجة الحضارة ~~القائمة الجديدة إليه في مداواة الجند؛ فهو علم عملي قبل أن يكون علما نظريا ~~جزءا من الطبيعيات عند اكتمال بنية علوم الحكمة عند ابن سينا. لم يكن الموروث في ~~ذلك الوقت يتجاوز الطب النبوي، المرويات في الطب عن الرسول. # ويمثل كتاب «الذخيرة في علم الطب» لثابت بن قرة (288ه) هذا النوع من التأليف. ~~جمعه ابنه سنان ابن قرة، مجرد تجميع علم دون منهج، قياس أو تجربة أو حيل، ولا يوجد ~~أسلوب يعبر عن وحدة العمل وتأليفه، أو تجارب شخصية توحي بممارسة الطب. # 1 # ولو أن بعض عبارات التذكير بما فات تبدأ أحيانا ربطا للاحق بالسابق. # 2 # تبدو فيه بداية المصطلحات الطبية مثل الصفة؛ أي تركيب الدواء. ويغلب ~~على أسماء النباتات والأعشاب فيه أسلوب التعريب عن اليونانية مباشرة. # ويتصدر الوافد بطبيعة الحال على الموروث، ويأتي جالينوس في ms058 المقدمة، يليه أبقراط. # 3 # ويعطى لجالينوس لقب الحكيم أو الفاضل، ولأبقراط لقب الفاضل، بداية ~~للتحول الشخصي من الشخص إلى النموذج، وتقديرا للوافد الذي سيظهر عند الكندي كموقف ~~حضاري. ومن مؤلفات جالينوس المحال إليها: تدبير الأصحاء، حيلة البرء، الأهوية ~~والبلدان، الميامير، أغلوقون، طيماوس. وواضح خروج الحكمة الخالصة مثل طيماوس من ~~ثنايا الطب. ومن مؤلفات أبقراط يذكر «الفصول». وتبدو بعض الألفاظ معربة مثل ~~الماليخوليا، الإيلهسيا. # أما الموروث فيأتي ابن ماسويه في الصدارة، ثم حنين بن إسحاق، ثم الحارث بن كلدة ~~طبيب العرب، ثم ابن سرابيون. # 4 # وتظهر البيئة الدينية الإسلامية أيضا في مؤلفات النصارى نظرا لتحول ~~الإسلام إلى ثقافة يومية للجميع، سواء كان ذلك من المؤلف أو الناسخ أو القارئ أو ~~المالك، مثل البسملة والاستعانة بالله وطلب العصمة والتوفيق وهو الأغلب، والحمدلة ~~والصلاة على الرسول وآله الأكرمين. وتبرز بعض تعبيرات النصارى مثل «إيلاوس»، ~~وتأويله «رب ارحم». # 5 ~~(2) يحيى بن عدي # لم يقتصر المترجمون فقط على تمثل الوافد نظرا لقربهم منه ومعرفتهم به، والقيام ~~بأولى خطوات التحول من النقل إلى الإبداع؛ فالمترجمون مثل المؤلفين ذوو ثقافتين، ~~الوافد والموروث، وإن غلب الوافد. بدأ المترجمون المؤلفون بوضع الوافد في وعاء ~~الموروث حتى ولو كان المحوي أكبر من الحاوي. ~~(أ) مثال ذلك «تعاليق عدة في معان كثيرة» ليحيى بن عدي (364ه) بعد الكندي ~~والرازي والفارابي. # 6 # وتشمل موضوعات متفرقة لتعريفها، أشبه برسالة في المصطلحات ~~الفلسفية. # يتصدر تمثل الوافد على تنظير الموروث، ويتصدر أرسطو ومؤلفاته مثل قاطيغورياس، ~~ثم باري أرمنياس ، ثم القياس (أنالوطيقا الأولى)، وما بعد الطبيعة، ثم فرفوريوس ~~وأفلاطون. ويذكر لفظ اليونانيين وأسطقس. # 7 # يذكر أرسطو في تعريف المتقابلات في قاطيغورياس، ثم يعلق ابن عدي ~~لإعطاء مزيد من البراهين، ويبدد الشكوك، ويعطي حد المضاف في السرياني على ما ~~أورده أرسطو ويبين معناه، ويبين أيضا حد أرسطو للكيفية والإضافة، ويستشهد ~~برأيه في الحمل، ويستشهد في قوله في قاطيغورياس عن الذوات الجنسية في موضوع الجن، ~~ثم يشرح قوله في قاطيغورياس إنه بالواجب صارت الأنواع والأجناس وحدها دون غيرها ms059 ~~كالجواهر الأول والجواهر الثواني، ويفسر قوله بقوله، والعودة إلى قاطيغورياس، بأن ~~الألفاظ المفردة لها معان مفردة. كما أن أرسطو جعل الموجود في قاطيغورياس اسما ~~مشتركا تشترك فيه المقولات العشر، وسماه فيما بعد الطبيعة جنسا. وجعل أرسطو ~~المعلوم هو العلم، إذا رفع العلم رفع المعلوم، كي يشحذ المتعلمون أفكارهم؛ ~~فأرسطو عالم تربوي. ويبرر ابن عدي عدم بيان أرسطو غرضه في كتاب قاطيغورياس كما ~~فعل في باقي كتبه أنها أوساط على مراتب مختلفة. وربما شك في التقديم والتأخير ~~لها. ويضع ابن عدي جدولا لشرح استخراج الحد الأوسط في القياس بين المقدمات ~~والنتائج، ويشرح رأيه في جهات القضايا، الضروري والممتنع والممكن. ويلاحظ على ~~أرسطو أن حرف السلب إنما يقرن بالأسوار. كما يبين رأيه في المقدمات التي يكذب ~~بعضها بعضا، ولا يمكن أن تصدق لتناقضها أو تضادها، ويوضح معنى قول أرسطو إن الكل ~~يدل على أن الحكم كلي وليس المعنى. كما شرح أرسطو في باري أرمنياس أن الكلمة على ~~العموم هو المحمول. ويعلق ابن عدي على ترتيب القضايا عند أرسطو بين الإيجاب ~~والسلب. والموضوع منطقي تجريدي. يبدو تمثل الوافد وكأنه محاولة للإيضاح والفهم ~~والتقطيع جزءا جزءا حتى يتم هضم الوافد قبل تمثله. أما فرفوريوس فقد عرف الآخر ~~بأنه ما خلف غيره بطبيعته، وهو ما يعتمد عليه ابن عدي في تحديد الشخص بأنه اسم ~~مشترك. ويضرب أفلاطون المثل بالجن على الكائنات غير الناطقة وغير المائتة؛ وبالتالي ~~عدم تنافي الفصلين. وما زال لفظ «أسطقس» معربا، مع الإحالة إلى اليونانيين الذين ~~يسمون الإنسان ناظرا. # أما الموروث فيعتمد ابن عدي على تعليق أبي سليمان المنطقي السجستاني على إضافة ما ~~بالقوة إلى ما بالقوة، وما بالفعل إلى ما بالفعل، حتى تصح الإضافة. كما يعلق ~~على تفسير أبي بشر متى بن يونس على مقدمات القياس، وكيف أنه تفسير عويص. # 8 # ولا يغيب الدافع الديني متخفيا وراء التجريد المنطقي؛ فالله تعالى هو ~~موجد الممكنات. ~~(ب) وفي «كتاب أجوبة بشر اليهودي عن مسائله» يتصدر أرسطو مع إحالات إلى ~~قاطيغورياس، ثم السماع الطبيعي، ms060 ثم باري أرمنياس والبرهان واللام والسماء والعالم، ~~ثم يظهر الإسكندر مع إحالة إلى مقاله «العناية»، وجالينوس مع إحالة إلى «الكبير في ~~النبض» و«الصغير في النبض»، ثم أفلاطون، ثم أنكساجوراس وثامسطيوس وأفلاطون ~~وفرفوريوس، ثم أبقراط مع إحالة إلى «الفصول»، وديمقريطس، وأفيقوس، وبرقلس ~~الأفلاطوني. ومن الفرق يأتي الحكيم، ثم الإسكندرانيون، ثم الفلاسفة. # 9 # وتشمل قسمين؛ الأول: سؤال بشر اليهودي. والثاني: أجوبة ابن عدي. # 10 # السؤال من الموروث اليهودي، والجواب من الموروث النصراني حول ~~الوافد. # كان السؤال عن رواية أرسطو في السماع عن رأي أنكساجوراس في أن مبادئ الأشياء بلا ~~نهاية متشابهة الأجزاء بعضها من بعض، ويظهر فيها الأغلب مثل الماء. وقام أرسطو ~~بتفنيد الرأي، ثم شرح ثامسطيوس نقد أرسطو، فهل أفحم أنكساجوراس؟ كما بين أرسطو في ~~المقالة الرابعة من السماع الطبيعي أن المكان هو نهاية ما يحويه، فكيف تكون كرة ~~الكواكب الثابتة في المكان؟ وبين في «السماء والعالم» أنه ليس وراءهما خلاء ولا ~~ملاء، وهو الكل، فهل لا مكان لها؟ ولما حد الحركة بالزمان، ألا يوجد زمان بلا حركة ~~أم أن الزمان جوهر قائم بنفسه والحركة تقدره، وهو رأي الإسكندر كما رواه جالينوس، ~~وهو رأي أفلاطون أيضا؟ فهل الحق مع أرسطو أم جالينوس؟ يرى أرسطو في السماع أن كل ~~جسم متناه فقوته متناهية؛ مما يلزم عنه أن تكون قوة الفلك متناهية، مع أنها ~~ليست كذلك. كما بين في مقالة «اللام» أن الله علة العلل، مع أنه قسم العلل في ~~البرهان إلى أربعة، فأي علة يكون الله؟ وكيف يكون علة والله مثل العقل مفارقا؟ ~~كما أن أرسطو في «باري أرمنياس» يبحث عن الموجبة، ويرى أن السالبة المناقضة أشد ~~عنادا لها. وأثبت الإسكندرانيون خطأ أرسطو في ذلك، ويرون العكس، وينقضون حجج ~~أرسطو. وأرسطو على حق، والإسكندرانيون لم يفهموا أقواله. كما قسم أرسطو الموجودات ~~في قاطيغورياس إلى جوهر وعرض، وإلى عشرة أقسام، فما هي القسمة؟ هل هي الأجناس ~~والأنواع؟ ولم صارت الموجودات عشرة؟ وهل يزيد الإسكندرانيون عليها؟ كما تحدث ~~أرسطو في «قاطيغورياس» عن ناطق غير ms061 مائت، فهل هي الكواكب كما يعتقد ~~فرفوريوس؟ # أما بالنسبة للإسكندر، فقد عدد الآراء في العناية في مقالة عنها. ينكرها البعض ~~مثل ديمقريطس وأفيقوس، ويثبتها البعض في الكليات والجزئيات، وهو ما يرويه الإسكندر ~~عن أفلاطون. وأرسطو مع الإسكندر يرى أن الله يعنى بالكليات دون الجزئيات. ويحصي ~~الإسكندر حجج كل فريق. # أما أبقراط فقد صرح في «الفصول» بأن من عرض له الصرع قبل نبات شعر عانته، فإن ~~برأه يكون بتقدم السن، فإذا وصل إلى سن الخامسة والعشرين فإنه يموت به، دون بيان ~~ذلك منه ولا عن جالينوس. وصرح جالينوس في «الكبير في النبض» أن أجناس النبض عشرة ~~دون برهان، حتى حين ذكر في «الصغير في النبض» سبعة فقط، وبرر ذلك يحيى النحوي ~~بعدم تحمل المتعلمين لهذه الثلاثة دون ذكر برهان. # 11 # ويجيب يحيى بن عدي عن المسألة الأولى عن طريق شرح ثامسطيوس لكلام أنكساجوراس ~~ثقة من ابن عدي بالشارح اليوناني. والجواب عن المسألة الثانية بتحليل لفظ المساواة ~~يتضح صواب رأي الحكيم. والجواب عن الثالثة الظن بأن كل جسم في مكان، وأن علة مكانية ~~الأجسام جسميتها وهم لا يلزم الحكيم. والجواب عن الرابعة في صواب ما قاله الحكيم ~~في تحديد الزمان. والجواب عن الخامسة، شك يحيى النحوي، هو أن الحكيم قال بأن القوة ~~متناهية، وليس الجسم، وفرق بين الجسم وقوته. والجواب عن السادسة بأن الله علة ~~فاعلة للفلك ومكون له وأقدم منه، وفرق بين التكوين والحدوث، كما بين الحكيم ~~في قاطيغورياس. والجواب عن السابعة صواب رأي الحكيم أن المعاند للإيجاب سلبي دون ~~إيجاب ضده، وكما شرح أبو بشر. والجواب عن الثامنة من شرح أبي بشر لقاطيغورياس أن ~~العرض ليس جنسا للتسع مقولات. وجواب التاسعة قوة البرهان على أن المقولات عشر. ~~وجواب العاشرة ما قاله الإسكندرانيون في حل الشك في حمى الدق اعتمادا على القياس ~~والمعقول. وجواب الحادية عشرة أن الفلاسفة لم يستعملوا أقسام الجسم على أنها أجناس ~~أو أنواع، بل فصول. وجواب الثانية عشرة أن العناية تعم كل الأشياء المعلولة، وإن ~~لم تكن ms062 على قدر متساو؛ مما جعل البعض يظن أنها للبعض دون البعض الآخر. وعلى هذا ~~يتفق الفيلسوفان الجليلان أفلاطون وأرسطو على الرغم من ظن البعض أنهما مختلفان، وهو ~~ما لا يتفق مع عظمة الفيلسوفين ولا حقيقة الفلسفة، إنما الخلاف في الرؤية؛ ظن ~~أفلاطون العناية شاملة لكل المعلولات، في حين أنها عند أرسطو تنتهي إلى كليات ~~الكائنات الفاسدة، وكلاهما تعظيم لله؛ الأول للإرادة؛ فالعناية الشاملة للكل ~~والجزء، والثاني للعقل، العناية للجزئيات الفاسدة عن طريق كلياتها. وقد أفسد هذا ~~اللقاء برقلس الأفلاطوني بتأييده أفلاطون على أرسطو مدافعا عن إيمانيات أفلاطون ~~على عقليات أرسطو. ويعتذر ابن عدي عن الجواب على المسألتين الطبيتين لأنه غير خبير ~~بهذه الصناعة؛ مما يدل على تواضعه وأمانته العلمية. # 12 # أما الموروث فإنه لا يتعدى السائل اليهودي عرس بن عثمان بن سعيد الموصلي، وعدم ~~استطاعة أبي إسحاق إبراهيم بن بكوس الرد على تساؤلاته، ولا شيخ ابن عدي أبا سعيد. ~~وقد يكون السائل هو بشر بن سمعان اليهودي اعتمادا على كتاب ابن أبي سعيد عرس ~~بن عثمان بن سعيد اليهودي الموصلي صاحب بني عمران. وقد سأل عيسى بن أسيد عن سبب كون ~~المقولات عشرة، وميله إلى أنها أكثر طبقا لرأي أرسطو. ويكشف السياق عن اشتغال ~~اليهود أيضا بالوافد اليوناني، وليس النصارى وحدهم. وكانت هناك مراسلات بينهما ~~حول الشكوك على أرسطو. ويعتذر ابن عدي عن عدم مناقشة هذه المسائل شفاها مع أبي ~~إسحاق إبراهيم بن بكوس، واستفتاء الشيخ أبي سعيد في ذلك، والاكتفاء بالرد المكتوب ~~في ثقافة تزاوج بين الشفاه والتدوين. كما يظهر أبو بشر متى بن يونس، رضي الله عنه، ~~شارحا لأرسطو، خاصة قاطيغورياس، واعترافا بمشيخته. # 13 # ويحيى النحوي بين الوافد والموروث. # وتتضح الدوافع الدينية في الأسئلة والأجوبة، ليس فقط من حيث الشكل والأسلوب، بل ~~أيضا من حيث المضمون والتصور؛ فالأسئلة والأجوبة تبدأ بالبسملة وتنتهي بحسبنا الله ~~ونعم الوكيل، والله ولي التسديد، وهو حسبه كافيا ومعينا، وله الحمد المستحق له. ~~لا فرق بين يهودية السائل، ونصرانية المجيب، وإسلام الناسخ والقارئ. كما ms063 تتوجه ~~الأسئلة والأجوبة بالدعوات للسائلين والمجيبين بطول العمر والبقاء، وبتأييد الله، ~~وزيادة في العلم، ونفع الناس به، وعز الله، والعشم بالله على التشوق لمعرفة الحق، ~~واللجوء إلى المشيئة الإلهية. وفي الإجابة دعوة بأن يفيض الله على السائل من نور ~~الحكمة، وأن يزيد الله من علمه، ولا يوصف الله إلا بعبارات التنزيه، مثل جل ~~وتعالى، الباري جل اسمه، تقدست أسماؤه، جل ثناؤه إلى خلائقه. # 14 # أما من حيث المضمون فيتضح التصور الديني للعالم في موضوع العناية الإلهية، هل ~~هي شاملة للكليات الباقية دون الجزئيات الفاسدة كما يقول أرسطو؟ وهو ما اتهم به ~~حكماء المسلمين بإنكار علم الله بالجزئيات، كما قال أرسطو، تحولا من العناية إلى ~~العلم. يرى أفلاطون أن الله علة فاعلة في العالم، ويراه أرسطو مفارقا له، وهو ~~الصراع الشهير عند المتكلمين بين التشبيه والتنزيه عند الأشاعرة والمعتزلة، وبين ~~الإرادة والعقل، بين الغزالي وابن رشد. وهناك من أنكر العناية كلها بالكليات ~~والجزئيات معا إيثارا للنظرة العلمية الآلية، تفسير الطبيعة بنفسها، كما هو الحال ~~عند أفيقورس وديمقريطس؛ فالعناية صفر لا معنى لها ولا وجود لها البتة، وإن كل شيء ~~يجري بالاتفاق، اتفاق الأجزاء التي لا تتجزأ من الأشكال. وهو ما يفسر كل ما في ~~العالم من التغاير. # 15 ~~(ج) وفي مقالة «التوحيد» من الوافد يذكر أرسطو والسماع الطبيعي مرة واحدة، ومن ~~الموروث «متكلمي عصرنا» مرة واحدة؛ فهو من حيث الشكل طبقا لتحليل المضمون أقرب ~~إلى تمثل الوافد قبل تنظير الموروث، ومن حيث المضمون أقرب إلى الإبداع الخالص نظرا ~~لطول الرسالة وقلة الإحالة . # 16 # ويذكر سقراط، كما يذكر زيد وعمرو عند العرب، أو بطرس وبولس في الغرب ~~المعاصر، للدلالة على الشخص المجهول بمعنى «أحد من الناس». # ومع ذلك فالموضوع من الموروث، «التوحيد»، والرسالة محاولة للتحول من الكلام إلى ~~الفلسفة، ومن التشبيه إلى التنزيه، ومن النقل إلى العقل، ومن العقيدة الإسلامية إلى ~~الحكمة الخالدة التي تجمع بين الإسلام والنصرانية؛ فقد اختلف الناس في معنى ~~الوحدانية؛ أنه لا نظير له، وأنه موجود كما يقول ms064 أحد متكلمي عصرنا، وأنه مبدأ ~~العدد، وأنه أحد المعاني التي يوصف بها سواه من الموجودات. كما اختلفوا في ~~وحدانيته؛ من كل الجهات، أم أنه واحد من جهة (الذات)، وكثير من جهة أخرى (الصفات)؟ ~~ويراجع ابن عدي كل هذه الأقوال للتثبت من صحتها بعقلية الفيلسوف وبرهانه، وليس ~~بإيمان المتكلم وجدله. ويبطل ابن عدي كل هذه الآراء السابقة، أن الوحدانية تعني ~~نفي الكثرة، وأنه لا نظير له، وأنه الموجود مبدأ المعدودات، أو أنها مشتق من اسم ~~معنى موجود في ذاته، أو أنه واحد من كل وجه. وبعد النفي يأتي الإثبات، إثبات ~~الكثرة داخل الوحدة، ربما دفاعا عن التثليث كعامل موجه. هنا يبدو ابن عدي ~~متكلما متخفيا في صورة فيلسوف؛ فمن المستحيل أن يكون الله واحدا بالقوة يخرج ~~إلى الفعل في جهات كثيرة؛ فهو واحد بالقوة كثير بالفعل، بالرغم مما قد يتضمنه ~~هذا التخارج من حركة وتغير لا يجوزان على الله. وقد كان دليل التمانع شائعا عند ~~المتكلمين، صاغه الأشعري ونسب إليه، وربما كان شائعا قبله في النقاش بين ~~المتكلمين والفلاسفة. # والرسالة مملوءة بالتعبيرات الإسلامية، مثل الخالق تبارك اسمه، الخالق جل وتعالى، ~~الباري تعالى ذكره، الخالق جل ذكره، العلة عز وجل. كما تبدو العبارات الإيمانية ~~داخل الفقرات، مثل: «الله الهادي لكل حقيقة، البادئ بنفع جميع الخليقة، المستعين ~~وعليه أتوكل، وهو حسبي كافيا ومعينا»، وختم المقالة «بحمد الله ذي الجود والحكمة ~~والمحل، ولي العدل، وواهب العقل، حمدا متصلا دائما على حسن توفيقه ومعونته». ~~فالتوكل عليه، والاستعانة به، وبه العون والحسبان والكفاية، وله الشكر الذي يستحقه، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله. # 17 # | ثانيا: الرازي، وابن الجزار، والبلدي، والعامري، وابن هندو # (1) الرازي # ويبدو أن التأليف في مراحله الأولى كان في الطب؛ نظرا للحاجة إليه في مداواة ~~الجنود في الفتوحات الأولى، وبطبيعة الحال يأتي الرازي (313ه) في مقدمة الأطباء ~~الأوائل بكتابيه «المنصوري» و«الحاوي». ~~(أ) في «المنصوري» الطب علم نظري وعملي، صناعة تدبير الجسد وسياسته، ويحتاج ~~العقل إلى التدريب في الصناعات التي يحتاج إليها الإنسان، هو علم ms065 غامض يحتاج إلى ~~فهم، وهو قسمان؛ تدبير الجسم الصحيح في حالة الصحة مثل الطب الوقائي، وتدبير الجسم ~~السقيم في حالة المرض وهو الطب العلاجي. يجمع بين التحليل النظري ودراسة الحالات. # 1 # يغلب عليه الاختصار والإيجاز بالرغم من اتساعه على عشر مقالات. واضح ~~الوصف والأسلوب بالرغم من أعجميته؛ فهو ليس كتابا في الأدب. علمي خالص. دلالته على ~~الفلسفة الطبيعية ليست كبيرة. المقالة الأولى في المدخل في الطب، وفي شكل الأعضاء ~~وهيئتها، تحتوي على فلسفة الطب؛ أي معرفة الأشياء الطبيعية، مثل الأسطقسات ~~والمزاجات والأعضاء والقوى والأرواح والأفعال، ثم معرفة العلل، ثم معرفة الدلائل. # 2 # ويحيل بعض الكتاب إلى بعض، وتذكير اللاحق بالسابق، مثل تفسير الكتاب بالكتاب. # 3 # يغلب عليه الوافد في العمق (أربعة أعلام)، ويأتي في المقدمة جالينوس ثم أبقراط ثم ~~أرماسوس ومادريوس. # 4 # وقد ذكر الوافد كلية في فقرة واحدة عن مصادر الطب اعترافا بجهد ~~القدماء، ورصد الخلافات بينهما، مثل خلاف مادريوس في القول بالأسطقسات. ولا غرابة ~~أن يستعمل فعل «زعم» لجالينوس عندما زعم جالينوس أنه لم ير أحدا ممن يشفي هذا ~~الدواء، وتروى تجارب عن جالينوس، وليس فقط أقواله التي تؤكد ما انتهى إليه الرازي بنفسه. # 5 # وهي أعلام قليلة نسبيا، وكأن الإبداع في بداية الحضارة كان أكثر من ~~النقل في النهاية، كما هو الحال عند ابن البيطار، ولكن يغلب عليه الموروث في ~~الاتساع على مستوى واحد، (خمسة أعلام) بولس، وأهرون، وحنين بن إسحاق، ويحيى ~~بن ماسويه، والخمار. # 6 # ولا فرق بين وافد وموروث في تاريخ الطب. وربما صمت الرازي عن باقي ~~المصادر كما صمت ابن سينا. وقد يكون الإبداع مبكرا بعد تمثل الوافد، وقد يكون ~~النقل هو السائد بعد أن يحدث التراكم الداخلي الكافي؛ فالإبداع على درجات من ~~تمثل الوافد إلى تمثل الوافد وتنظير الموروث، على اختلاف النسب بينهما، حتى ~~الإبداع الخالص. ويحيل الرازي إلى بعض العلماء، قدماء الأطباء، الحكماء، بعض ~~القدماء. ويحال إلى اليونانيين؛ مما يدل على التمايز بين الأنا والآخر. # 7 # ويظهر الوافد، الهند والصين، في أسماء ms066 بعض الأدوية على طول تاريخ الطب العربي ~~الإسلامي، مثل الساذج الهندي، والدار صيني، والصمغ العربي؛ # 8 # فالطب مرتبط بالبيئة الجغرافية وأحوال البلدان؛ نظرا لأثر الحرارة في ~~الأجسام، تجعيد الشعر عند الحبشاء، وأدمة العرب، وارتباط الأخلاق بألوان العيون، ~~ودلائل الشعر والحاجب والأنف الجهة والفم والشفة والأسنان، وكأنها بدايات علم الفراسة، # 9 # بل ويتعرض لبعض المؤسسات الاجتماعية، مثل تسري المماليك، # 10 # بل يتحدث الرازي عن الأوضاع الاجتماعية لمهنة الطب في «محنة الطبيب»؛ # 11 # فالطبيب يجمع بين القراءة والمشاهدة، بين الاطلاع والنظر؛ أي إنه يجمع ~~بين المنقول والمعقول باصطلاح الموروث، غايته الآخرة وليست الدنيا، على عكس ما هو ~~شائع عن الرازي وابن رشد من المادية وإنكار النفس المستقلة عن البدن. كما أنه ~~يحاول أن يحول علم الطب إلى ثقافة شعبية عامة بأسلوب الجوامع والنكت حتى يمكن ~~المساهمة في الوعي الطبي؛ # 12 # لذلك وضع أسلوبا أدبيا يخاطب به العامة والخاصة، أقرب إلى السهل ~~الممتنع. وفي نفس الوقت ينقد الممارسات الجاهلة في عصره، ولو أنه خارج موضوع ~~الكتاب وأدخل في النقد الاجتماعي. # 13 # بل ويبدو الموروث داخل العلم نفسه عندما يوصف البدن كخلق الله عز وجل؛ فقد جعل ~~العظام عماد البدن ودعامته، وركب في جثة الإنسان أجساما ما متحللة غير دائمة ~~البقاء والثبات؛ حتى لا يبقى الشخص الواحد دائما، كما هيأ آلات التناسل لبقاء ~~النوع بحاله، وخلق الثدي ليحول الدم إلى لبن. # 14 # وكما يبدأ الكتاب بالبسملات ينتهي بالحمدلات، والدعوة بالتوفيق، ~~والتوكل على الله وعلى مشيئته وإذنه. # 15 # ويتعادل الوافد مع الموروث عددا، ولكنه يفوقه عمقا. # 16 # ويأتي في الصدارة جالينوس ثم أبقراط ثم ديسقوريدس ثم روفس ثم بولس ~~وزنبور الحكمة. # 17 # وتتعدد الأفعال بين أفعال القول والذكر والظن، بالإضافة إلى فعل «زعم» ~~الذي يعني النقد والتمايز عن المنقول؛ فتمثل الوافد ليس مجرد تحصيل، بل مراجعة. ~~ويذكر لجالينوس بعض مؤلفاته، مثل العشر مقالات، نصائح الرهبان؛ ولأبقراط كتاب ~~«الفصول»، ويعطي أبقراط لفظ الحكيم. كما تذكر بعض الألفاظ المصرية اليونانية بعد ~~اسمها العربي ربطا للوافد بالموروث. # 18 ms067 # ومن الوافد الشرقي يذكر التمر هندي والصمغ العربي، ويذكر العمل بالسابق ~~تأكيدا على وحدته. # 19 # وفي الموروث يتصدر ابن ماسويه ثم إسحاق ابن عمران ثم الكندي وبختيشوع بن جبريل ~~وقسطا بن لوقا وأبو بكر عم المؤلف، # 20 # ويذكر معظمهم في سياق تأليف الأدوية أو إصلاحها أو كمصادر للروايات الطبية. # 21 ~~(ب) و«الحاوي» في الطب للرازي من نفس النوع، تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. # 22 # ومن الوافد يأتي جالينوس في المقدمة، في وسط الفقرة وفي بدايتها، ~~بالاسم الكامل أو بالحرف. وقد يذكر رواية عن آخرين مثل قسطا، وتذكر مؤلفاته دون ~~اسمه، مثل حيلة البرء؛ نظرا لشهرتها دون الحاجة إلى نسبة. ويذكر أبقراط وأفلاطون ~~من خلاله نظرا لمقارنته بينهما. وبعض المؤلفات تنسب إلى جالينوس نظرا للشك في ~~صحتها. وبعد جالينوس يأتي ديسقوريدس، والغالب عليها ذكر الأمراض والأدوية، ثم روفس، ~~ثم أبقراط، ثم عشرات الأطباء تباعا، الأكثر تردادا فالأقل. ويتضح تواري أرسطو ~~كلية أمام أطباء اليونان. # 23 # أما الموروث فإنه يغلب عليه الأطباء النصارى، حلقة الوصل بين الوافد والموروث. ~~ولما كانوا من النصارى العرب كانوا أقرب إلى الموروث منهم إلى الوافد. والأقلية ~~منهم من اليهود. ويأتي في المقدمة ابن ماسويه، ثم أهرن القس، # 24 # ثم اليهودي دون اسم بل تكفي الملة، ثم حنين بن إسحاق، ثم علي بن ربن ~~الطبري، ثم الكندي طبيبا، ثم ثياذوق وشمعون، ثم مسيح الدمشقي، ثم بختيشوع، ثم ~~ماسرجويه وجرجس، ولا يغيب الموروث الشرقي الفارسي والهندي خاصة في أسماء الأدوية. # 25 # وكان الرازي على وعي بالفرق بين الطب الجديد والطب القديم، وكثير ~~الإشارة إلى الطب القديم. وبالرغم من حداثة الرازي إلا أن التراكم التاريخي لديه ~~واضح، ليس فقط نصارى اليونان، بل أطباء المسلمين مثل الكندي إعلانا عن مصادره. ~~وتتفاوت أجزاء الحاوي بين النقل والإبداع؛ إذ يقل الإبداع في البداية ويزداد ~~النقل، في حين يزداد الإبداع في النهاية ويقل النقل. وكالعادة يبدأ كل جزء ~~بالبسملة، وينتهي بالحمدلة والصلاة على الرسول، دون ذكر لآيات القرآن أو أحاديث ~~النبي. كما تظهر العبارات ms068 الدينية التقليدية، مثل المشيئة الإلهية والتوفيق ~~الإلهي. ~~(ج) ويدل كتاب «الشكوك للرازي على كلام فاضل الأطباء جالينوس في الكتب التي نسبت ~~إليه» للرازي أيضا على قدرة الموروث على نقد الوافد وتجاوزه، بالرغم من الاعتراف ~~بفضله. ويذكر ذلك بكتاب ابن الهيثم «الشكوك على بطليموس»، وهو دفاع عن جالينوس، ~~وتبديد الشكوك حوله اعتمادا على نصوصه، والتأليف بينها، ورفع التناقض منها، بالرغم ~~من استجهال الناس للرازي ولومه وتعنيفه، واتهامه بأنه يستعذب مناقضة رجل بقامة ~~جالينوس، وهو اتهام غير صحيح؛ فالرازي يقدر جالينوس وأستاذيته له ومنفعته ~~بمؤلفاته، ومع ذلك فإيثار الحق أولى من التبعية للأساتذة وتقليدهم، وهو ما فعله ~~جالينوس نفسه في كتاب «منافع الأعضاء» عندما وبخ من يقبل منه بغير برهان. ولو كان ~~جالينوس حيا لما لام الرازي على الإفصاح عن هذه الشكوك، بل لحمده وشكره؛ لذلك قال ~~أرسطو: «أحب أفلاطون، ولكن حبي للحق أعظم.» ولا يعني ذلك أن المتأخرين أفضل من ~~المتقدمين، بل يعني أن المتقدمين معرضون للسهو والغفلة الموكلة بالبشر، وغلبة ~~الهوى على الرأي، وأن الصناعات تزداد وتقترب من الكمال على الأيام. وقد ناقض ~~ثاوفرسطس أرسطوطاليس في أوضح أجزاء الفلسفة بعد الهندسة الذي هو المنطق. وبين ~~ثامسطيوس غلطه في كثير من المواضع، ويتعجب من ذهاب ذلك على الحكيم. وقدر جالينوس ~~نفسه على القدماء والأجلة من أهل زمانه وصبره عليهم، وأطال الكلام فيهم. ولم ينج ~~من نقده أحد من الفلاسفة أو الأطباء، وكلامه عليهم حق. ولا يسلم من النقد إلا كتب ~~الله المنزلة التي لا يجوز مراعاتها ما دام المخبر بها حقا لم يقصر في بيانه. # 26 # لذلك تكثر أفعال القول «قال»، ومعه «أقول»، تحولا من النقل إلى الإبداع، ~~وتجاوزا للمنقول إلى المعقول. ويتخيل الرازي الاعتراض سلفا ويرد عليه في صيغة ~~شرطية «فإن قيل»، أو «إن قال قائل»، ثم جواب الشرط «قيل». ومع فعل القول تأتي باقي ~~أفعال الشعور المعرفي، مثل «أتى»، «أخذ»، «نظر»، «بان»، «ظن» ... إلخ. # 27 # وأحيانا تظهر أفعال القول كأسماء، مثل «قوله»؛ أي التعامل مع ~~الموضوعات وليس مع الأقوال. ms069 كما يظهر القصد والغاية عاملا موجها لمسار الفكر ~~كله. # ويتصدر الوافد الموروث. من الوافد يأتي أولا جالينوس، ثم أرسطوطاليس، ثم ~~أبقراط وأفلاطون، ثم أبنادقليس، ثم أرسطراطس، وثاوفرسطس، وخروسيبوس، ثم أبرخس، ~~وأسقليباوس، وثاليس، وثامسطيوس، وديسقوريدس، وديوقلس. # 28 # ومن أسماء الفرق اليونانية يظهر الأطباء والطبيعيون، ثم الحكماء، ثم الفلاسفة ~~والقدماء واليونانيون والمهندسون أصحاب التعاليم، وأصحاب العلم الإلهي، وأصحاب ~~المظلة، وأهل النظر، والجدليون والخطباء، والروم والمتفلسفون ومحبو الحكمة. # 29 # وتتم المقارنة بين اللغة اليونانية واللغة العربية؛ إذ يعيب الرازي على ~~جالينوس قوله إن لغة اليونانيين أعذب اللغات وأطلقها على عكس سائر لغات الأمم التي ~~هي أشبه بصياح الخنازير أو نعيق الضفادع، وهو نفس إحساس العرب بلغتهم؛ إذ يستثقلون ~~لغة الروم. ومن الوافد الشرقي يتصدر البراهمة والهند وملوك الهند. # 30 # ويحيل الرازي إلى أربعين عملا من أعمال جالينوس؛ مما يدل على أنه على علم بفكره ~~كله من خلال أعماله كلها، ويحلل الموضوعات عرضا خلال أكثر من عمل، وليس فقط ~~طولا من خلال عرض الأعمال. # 31 # ومن الموروث يتصدر حنين بن إسحاق، ثم الرازي، ثم أبو جعفر محمد بن موسى فيلسوف ~~العرب، وأحمد بن الطيب السرخسي، وشخصان غير معينين، مثل رجل وجيه بمدينة السلام، ~~ورجل أنا معلمه ومرشده. # 32 # ومن أسماء الفرق العرب، متفلسفو الإسلام، المعزمون، اليهود. ومن ~~أسماء المدن والأقاليم بغداد، العراق، الجبل، الري. # 33 # ومن أسماء الكتب الجامع الكبير أو الجامع، وهو الحاوي. كما يحيل إلى سبعة عشر ~~عملا له؛ مما يدل على وحدة الفكر. # 34 # وكما يبدأ الكتاب بالبسملة، وينتهي بالحمدلة لواهب العقل وولي العدل والحكمة ~~والفضل، حمدا بلا نهاية كما هو أهل ومستحق. تتخلل الفقرات التعبيرات الإيمانية، ~~مثل: يشهد الله، إن شاء الله، أسأل الله الهداية والكفاية منه، ومسألتي على الله، ~~يعلم الله. # 35 ~~(2) ابن الجزار # 36 ~~(أ) لم يكن الهدف في التأليف في الطب فقط التحليل النظري أو مداواة الجند في ~~الفتوحات، بل أيضا مداواة المرضى في السلم، خاصة وقت السفر، والعرب رحالة، ~~والطرق طويلة في بيئات صحراوية، حارة أو ms070 باردة. ~~(أ) مثال ذلك «زاد المسافر وقوت الحاضر» لابن الجزار من أطباء القرن الرابع، # 37 # وهو من مدرسة قيروان الطبية؛ مما يدل على وحدة الثقافة وتعدد المدارس ~~والاتجاهات. وأهم ما يميزها تطبيق القوانين الطبية على البيئات الخاصة، كما هو ~~الحال في فقه النوازل، والفقه المالكي السائد في المغرب العربي. كما يغلب عليه ~~التطبيق العملي أكثر من التحليل النظري، والفصل بين الطب والصيدلة، بين عمل الطبيب ~~في العيادة وعمل الصيدلاني. ومع ذلك تمت صياغة الكتاب على المنهاج الطبي والقانون ~~الصناعي، ويقوم على أربع خطوات: العلة، وحدها، والبرهان، والعلاج. فأتى مختصرا ~~واضحا ومفسرا. وبالرغم من أن الغاية هو التشبه بأفاضل الفلاسفة، إلا أن التجربة ~~مصدر للمعرفة الطبية؛ فالتجربة جزء من الحكمة؛ لذلك يقول ابن الجزار: وقد جربناه، ~~وقد جربته أنا وحمدته، وقد عملته وجربته، وهو دواء نافع ألفته وجربته ~~فوجدته نافعا. # 38 # ويعني تأليف الدواء تركيبه؛ فالطب صنعة؛ لذلك يسمى الطبيب المتطبب؛ ~~أي الذي يمارس صناعة الطب. # كما يتدخل الله في تفسير الظواهر الطبية الجسمية أو النفسية؛ فيقال إن الله إذا ~~غضب على أحد من خلقه رماه بالصرع، ثم مواجهة ذلك باليقين العلمي عند جالينوس، ~~العلم في مواجهة الدين. # 39 # فتمثل الوافد وتنظير الموروث قد يكون نقدا للموروث دفاعا عن ~~الوافد، وقد يكون نقدا للوافد دفاعا عن الموروث. وكما يبدأ الكتاب بالبسملة ينتهي ~~بالحمدلة وطلب العون والتوفيق. وتظهر لغة الطب في الدعاء بجلب المنفعة وتجنب ~~الضرر، وإتقان الله صنع كل شيء. وتتكرر عبارات المشيئة والعلم الإلهي المحيط، ~~والصلاة على خاتم النبيين. # 40 # ومع الدعاء لله يأتي مدح السلطان، فلا فرق في البناء النفسي بين الاثنين. # 41 ~~(ب) وفي كتاب «في المعدة وأعراضها ومداواتها» لابن الجزار أيضا، يبدو أن الطب ~~الجغرافي والاجتماعي لا ينفيان الطب التشريحي؛ فمعروف عن ابن الجزار ربط الطب ~~بالبيئة الجغرافية والاجتماعية، طب الفقراء والمساكين، وطب الصبيان والشيوخ. ولا ~~يغيب أيضا الطب النفسي لعلاج النسيان وتقوية الذاكرة. وتعرض المبادئ العامة للطب ~~التي تجعله أحد فروع الطبيعيات، مثل القوة الجاذبة وهي ms071 حارة يابسة، والقوة الماسكة ~~وهي باردة يابسة، والقوة الدافعة وهي باردة رطبة، والقوة الهاضمة وهي حارة رطبة. ~~ويعتمد أيضا كما هو الحال في الكتاب السابق على المراجعة لأقوال السابقين، وعلى ~~الاختبار والتجربة، وإصلاح تجارب السابقين وأدويتهم المركبة، والقياس تحقيق ~~المنفعة في عبارات كثيرة، مثل: وقد جربناه، وقد اختبرناه، وقد اختبرت ذلك بنفسي، ~~وقد امتحنتها، وهو مجرب، وهو نافع، وهو عظيم المنفعة، سريع النجاح ... إلخ. ويحال ~~إلى أجزاء العمل تذكيرا للاحق بالسابق، وحرصا على وحدة العمل. # 42 # وتمثل الوافد اتساعا وعمقا يتصدر تنظير الموروث؛ # 43 # ففي الوافد يأتي أولا جالينوس، ثم أبقراط، ثم فولس تلميذ أبقراط، ثم ~~أسقليبيادس وديسقوريدس وأفلاطون. # 44 # وتقل أفعال القول في جالينوس، وتزيد أفعال الشرط والزعم؛ مما يدل على ~~مراجعة الوافد. كما ينقد الجزار أصحاب الكناشات المجردة من الاستدلالات على مواضع ~~العلل والإبانة عن أسبابها المولدة بها، والاشتغال بتركيب الأدوية، وكأن الطب علم ~~معملي خاص. ويحال إلى بعض مؤلفات جالينوس مثل العلل والأعراض، الأعضاء الآلمة، ~~مداواة الإشباع، الصنعة الصغيرة، رسالة إلى أغلوقون ... إلخ. وقد خالف جالينوس أكثر ~~من مرة الأطباء المتقدمين؛ مما يدل على أن تاريخ الطب يمثل تقدما بين مراحله من ~~القدماء إلى المحدثين؛ لذلك يذكر اليونانيون على أنهم فترة تاريخية محدودة، ~~وليسوا كل العلم أو العلم ذاته. كما يذكر لأبقراط «الفصول»، ولفولومس «تدبير ~~الأضداد». كما يحال إلى بعض الحكماء وبعض الأطباء والأطباء القدماء. ويأخذ بعض ~~الأعلام ألقابا، مثل الفاضل لأبقراط احتراما للسابقين، وتحولا من الشخص إلى ~~الرمز. وتستعمل بعض الألفاظ اليونانية المعربة، مثل فيوطس. # 45 # ويراجع الجزاز على ما قاله جالينوس فيجده متفقا مع النظر والقياس؛ ~~لذلك يحيل إلى قوله حذاق الأطباء والفلاسفة. # 46 # وفي تنظير الموروث يتصدر يحيى بن ماسويه، ثم محمد بن أحمد عم المؤلف، وإسحاق ~~بن عمران، ثم حنين بن إسحاق، وسابور بن سهل، وابن بطلان، وشمعون الراهب. # 47 # ويثني على حنين بن إسحاق بأنه من الفلاسفة ومن الحذاق في صناعة الطب. # 48 # ويذكر حديث نبوي «المعدة حوض البدن، فإذا صحت المعدة ms072 صدرت العروق ~~بالصحة، وإذا اعتلت صدرت بالعلل.» # 49 # ويبدو فيه ضعف المتن، وليس بقوة «المعدة بيت الداء». ويتفق الحديث مع ~~قول جالينوس؛ فتمثل الوافد وتنظير الموروث ينتهيان إلى نفس الشيء. وكما يبدأ ~~الكتاب بالبسملة ينتهي بالحمدلة، والاستعانة بالله، والتسليم بالمشيئة الإلهية، ~~وبقدرة الله، والدعوة بالتوفيق، والتوكل عليه، ثم يتبادل الله الصفات مع السلطان؛ ~~فلم يؤلف الكتاب للعامة وعوام الناس نظرا لعجزهم عن استيعاب ما فيه من الأدوية ~~والأشربة، إنما ألف للسلطان الواجب الطاعة؛ فطاعة السلطان من طاعة الله. # 50 ~~(3) البلدي (380ه) # لم يكن الطب نظريا خالصا، بل ارتبط بحياة الناس اليومية، مثل «تدبير الحبالى ~~والأطفال والصبيان وحفظ صحتهم ومداواة الأمراض العارضة لهم» للبلدي الخاص بطب ~~الأطفال، ويعتني بوجه خاص بالأم، ويرصد كل الأمراض الجديدة، وأشبه بالطب الحديث. ~~يبدأ بذكر الاختلاف ثم الاتفاق بين الأطباء والمشرحين من أجل التنسيق بين الأقوال، ~~والتحقق من صدقها بأسلوب علمي. معرفة الأدبيات السابقة جزء من تاريخ العلم دون ~~التقيد به، بل للتحقق من صدقه بالتجربة التي تقوم على الحس والقياس والمشاهدة، وعلى ~~التصنيف وتعريف الألفاظ دون إطالة أو تكرار. # 51 # ويتقدم تمثل الوافد عمقا واتساعا على تنظير الموروث. يتصدر أبقراط، ثم جالينوس، ~~ثم فولس، ثم رفوس، ثم أرسطوطاليس، ثم ثاوفرسطس، ثم الإسكندر وأطمورسقس، ثم باليس ~~وديرقيس الحكيم، وديسقوريدس، وهرمس. # 52 # ويحال إلى مؤلفات كل حكيم؛ مما يدل على الاطلاع على المصادر الأصلية. # 53 # ويعتبر الأطباء السريان مرحلة انتقال بين الأطباء اليونان والأطباء العرب ~~المسلمين، وذلك مثل المسيح والباب الأنطاكي، والإحالة إلى كتبهم. # 54 # أما الموروث العربي فيتصدر الطبري (الطبيب)، ثم حنين، ثم سابور ~~وسلمويه واليهودي، والإحالة إلى كتاب سابور الأقرباذين. # 55 # ونظرا لأن الكتاب تجميع غلبت أفعال القول على أفعال الذكر والتلخيص والوصف ~~والتلخيص، مع التمايز بين اليونانية والعربية. وكالعادة يبتدئ الكتاب بالبسملة، ~~وينتهي بالحمدلة، والاعتماد على المشيئة الإلهية، وعلى عونه وتوفيقه، لا فرق بين ~~دعاء الله ومدح السلطان. # 56 ~~(4) أبو الحسن العامري # وتمثل بعض أعمال العامري (381ه) هذا التحول في التأليف من تمثل الوافد ms073 إلى تمثل ~~الوافد قبل تنظير الموروث، وهي الشذرات الباقية منها، مثل: ~~(أ) «شرح كتاب المقولات لأرسطو». وهو أدخل في الشروح منه في التأليف طبقا للشكل الأدبي. # 57 # وهو على نموذج التفسير الكبير عند ابن رشد؛ أي الفصل بين النص المشروح ~~والنص الشارح. وفي كلتا الحالتين، الشرح أو التأليف، يتصدر الوافد الموروث. ويتصدر ~~أرسطو الوافد، ثم الإسكندر، ثم فرفوريوس، ثم قويري وأرمينس، ثم سنبقليوس ويابليخوس، ~~ثم ثامسطيوس وسقراط. ويغيب أفلاطون وأفلوطين؛ ومن ثم يصبح كل ما يقال عن أثر ~~الأفلاطونية المحدثة على الفارابي قولا بلا برهان. # ويتصدر فعل القول تمثل الوافد، وتلك الصياغة النمطية للنقل، ويذكر باقي الشراح ~~لأرسطو باعتبارهم شراحا، وليسوا باعتبارهم حكماء مستقلين عن أرسطو، اتفاقا أو ~~اختلافا معه. وأحيانا يأتي شرح العامري أولا، ثم يتأكد بموافقة قويري أو ~~فرفوريوس له. # 58 # الإسكندر يفسر قول أرسطو، ويوافقه سمبلقيوس ويامبليخوس. # 59 # ويتصدر الموروث الفارابي، ثم أبو بشر متى بن يونس، ثم السجستاني والخازن. # 60 # وواضح من أولوية الفارابي أنه نقطة تحول في التأليف، وأنه هو الموروث ~~الذي استطاع تمثل الوافد؛ فهو جامع الحكمتين، اليونانية والإسلامية. ويذكر الموروث ~~باعتباره شارحا للوافد، ومتمثلا له أسوة بالشراح اليونان، بل وشراحا لهم؛ ~~فالفارابي يشرح الإسكندر شارحا أرسطو، ويضع العامري نفسه بين الشراح؛ مما يؤكد ~~أن الشرح بما يتضمنه من تفسير وتلخيص وجوامع هو أحد أشكال التأليف المبكرة. # ولا يعني الشرح تبعية النص الشارح للنص المشروح بطريقة العبارة الشارحة؛ # 61 # إذ يستدل الفارابي على أرسطو فيما يتعلق بصفة الجوهر أنه يقبل ~~المتضادات التي جعلها أرسطو خاصية الجوهر المطلق، في حين أنها عند الفارابي خاصية ~~الجواهر الأول فقط. كما ينقد الفارابي المفسرين اعتمادا على أرسطو؛ إذ يعتبر ~~الفارابي أن هذا الحد كامل للمتضادين دونما حاجة إلى المفسرين. ويكفي تصريح أرسطو ~~بذلك في تضاد الأمكنة. # 62 # ويبدو الموروث على علم دقيق بالنص الأرسطي من حيث هو نص مدون، ما فيه وما ~~ليس فيه، في النص الأصلي أو في ترجماته السريانية والعربية؛ إذ يبين أبو جعفر ~~الخازن أن ms074 مثال تربيع الدائرة ليس في نص أرسطو، إنما في حاشية الناسخ. كما يلاحظ ~~متى أن الرسم الأول في اليوناني والسرياني، وأن الماهيات تقال لغيرها؛ مما يشكل ~~قول أرسطو. وهو ظاهر الفساد. والموجود في الترجمة العربية لا يخالف قصده؛ فالترجمة ~~العربية أدق من السريانية وأقرب إلى الأصل اليوناني. # 63 ~~(ب) وفي «شذرات في الفلسفة الخلقية» يتصدر الوافد الموروث كذلك، ويتصدر الوافد ~~الحكيم في كتاب «السماء والعالم» في علة الأجناس والأنواع ودوامها، الفلك المستقيم، ~~وعلة كون الأشخاص وحدوثها، الفلك المائل دون ذكر أرسطو الشخص واكتفاء بالرمز أو ~~الصورة، الحكيم. # 64 # ثم يأتي الموروث ممثلا في السائل، أبي الفتح ذي الكفايتين، فالسؤال ~~من الداخل وليس من الخارج، من الموروث وليس من الوافد، كما هو الحال في «أسباب ~~النزول»، والإجابة بآية قرآنية؛ أي بالداخل أيضا. الوافد مجرد تراث الأقدمين، ~~ومعرفته واجبه بالشرع كما هو الحال في قصص الأنبياء، والموروث هو السؤال والجواب ~~طبقا لأحكام السؤال والجواب في علم الأصول. # 65 ~~(5) ابن هندو # وتتأرجح النصوص الطبية بين الطب كعلم عملي، والطب كعلم نظري. ومن نماذج الطب النظري ~~الفلسفي «مفتاح الطب ومنهاج الطلاب» # 66 # لابن هندو (420ه) الذي يبدأ في الفصول التسعة الأولى في فلسفة الطب حتى ~~الفصل العاشر وحده المخصص لصناعة الطب؛ # 67 # لذلك تكثر أسماء الأطباء في البداية وتقل في النهاية؛ فالفلسفة النظرية ~~بها مدارس واتجاهات، وصناعة الطب بها اتفاق بين الأطباء؛ فهو كتاب حول الطب وليس في ~~الطب، كما أنه ينقد الطبيب المزيف في عصره اعتمادا على البحث أو تزوير الصناعات، ~~إثباتا للإطالة أو حسدا للأطباء. # 68 # وينقد الأدعياء في العلوم، والعوام الجهال الذين يبطلون الطب ويزيفونه ~~ويربطونه بالتنجيم والموسيقى، وهو كتاب واضح علمي دقيق، يهتم بالمنهج قدر اهتمامه ~~بالموضوع، ويكشف عن عظمة مدرسة الإسكندرية، وكيف أن الطب العربي الإسلامي جالونسي ~~الاتجاه. وهذا لا يمنع من ضرورة اطلاع الطبيب على الأخلاق وبعض الهندسة والفلك؛ لارتباط ~~هذه العلوم بالطب في تكامل علوم الحكمة. وهو مكتوب لمجموع القراء، للجمهور أو للعوام، ~~وليس للأطباء وحدهم؛ لذلك ms075 كثرت به التشبيهات ، جسم الإنسان بجسم المجتمع، وتصور البخت ~~كامرأة عمياء جالسة على كرة أخذ بيدها سكار سفينة، وعطارد كشاب حسن جالس على ~~قاعدة مربعة؛ فالمرأة تتميز بالخرق وعدم الحكمة، وهو ما يبرر اسم الكتاب ~~الشعبي. # ويفصل ابن هندو فرق الطب طبقا لمناهجها واتجاهاتها، وهي ثلاثة: التجربة، والقياس، ~~والحيلة التي تجمع بين التجربة والقياس. # 69 # وقد احتالوا في اختصار الطب وادعاء القياس والتجربة. وواضح أن ابن هندو ~~فيلسوف أساسا؛ فالطب جزء من الفلسفة الطبيعية. يعرف الوافد الغربي والشرقي في الطب ~~والحكمة، ومؤلفه في الطب جزء من منظومته الكلية في الحكمة. ويشير إلى كتابه «المشوقة ~~في المدخل إلى علم الفلسفة»؛ فهو يكتب مداخل ومقدمات؛ لذلك سمى كتابه «مفتاح الطب»؛ ~~أي المدخل له. تضع الفلسفة الكليات، ويستنبط الطب الجزئيات منها؛ لذلك جاء واضح ~~الأسلوب، دقيق التحليل، مختصرا بلا حشو، مخاطبا القارئ. # 70 # ومن الوافد يأتي جالينوس كالعادة في الصدارة، ثم أبقراط، ثم أرسطو، ثم أفلاطون، ثم ~~حوالي عشرين طبيبا من اليونان والإسكندرية. # 71 # كما يذكر عشرة مؤلفات لجالينوس، وعمل واحد هو الفصول لأبقراط. # 72 # ويكثر ذكر جالينوس راويا عن تاريخ الطب القديم أكثر من ذكره كطبيب؛ لذلك ~~تظهر أفعال القول والذكر والرواية. ويضعه ابن هندو في عصره وزمانه نظرا لأن الطب علم ~~اجتماعي. ويذكر نقده لأطباء عصره؛ فثالسس رئيس الفرقة المحتالة، دخل معه جالينوس في ~~حوار لكشف احتياله، ومثل هؤلاء يستحقون القتل. ونظرا لتعظيم جالينوس الطبيب، ونظرا ~~لجمعه بين الطب والمنطق، جعله فيلسوفا. ويصف ابن هندو أغراض كتب جالينوس كتابا ~~كتابا، واعتمادا على شرح أبي الخير؛ فقد تحول الوافد إلى موروث ولم يعد وافدا؛ مما ~~سهل عملية تمثل الوافد وبداية تنظير الموروث. ويبدو جالينوس شارحا لأبقراط؛ مما يدل ~~على التراكم الفلسفي أيضا عند اليونان. وقد جعل لها الإسكندرانيون جوامع تغني عن أصول ~~جالينوس. وينقد أبو الخير ما فعل الإسكندرانيون بجالينوس؛ فقد نقصهم الأغذية والأدوية ~~والأهوية، وغاب عنهم الترتيب الصحيح الذي يقوم على المنطق والقياس، الترتيب الصناعي ~~الذي يتدرج من الأظهر إلى الأخفى. ms076 وأضاف كتبا أخرى لإكمال جوامع الإسكندرانيين. # 73 # ويستعمل قول مشهور لأبقراط، حكمة عامة لا تتعلق بالطب، مكررة في معظم الكتب مثل ~~حكمة أنوشروان في السياسة. ويتعامل أبقراط مع البدن تعامله مع النفس، وهو من المدرسة ~~الطبيعية في الطب على عكس جالينوس الذي ينتسب إلى المدرسة المنطقية. ويمدح ابن هندو ~~شخصية أبقراط العلمية ويلقبه بالفاضل، ويثني على ارتباطه بوطنه، ورفض عرض ملك الفرس ~~لاستدعائه وعرضه عليه مبلغا كبيرا من المال. # 74 # وقد منع أرسطو مجادلة منكري الطب؛ فالحوار له شروطه، ومع هؤلاء لا تتوافر شروط ~~الحوار. كما عرف أفلاطون الفيلسوف بأنه المتشبه بالباري بقدر الطاقة البشرية. وينقد ~~ابن هندو ابن الخمار اعتمادا على أفلاطون؛ فالطبيب للأبدان، والفيلسوف لحقائق الموجودات. # 75 # ويبدو الطب في الإسكندرية حلقة الاتصال بين الطب اليوناني والطب العربي الإسلامي، كما ~~كان الطب السرياني في الشام؛ فيروي ثاون الإسكندراني عن أبقراط أن المتقدمين كانوا ~~يعالجون الأمراض بالموسيقى؛ لذلك تذكر أسماء الفرق والمجموعات، مثل اليونانيين ~~والإسكندرانيين والسريانيين، بل ويذكر الوافد الشرقي من فارس والهند والروم. # 76 # ويتعادل اليونانيون مع الفرس من حيث حضور الوافد الغربي والشرقي. ويوحي ~~الحديث عن القدماء بتطور الطب من القدماء إلى المحدثين؛ فالعلم ليس كاملا في حضارة ~~واحدة، بل هو تراكم تاريخي في تقدم العلم. وبالرغم من مساهمة الحضارات شرقا وغربا في ~~الطب إلا أن العلم واحد له مصطلحاته وألفاظه، ومع ذلك فالعلم نتاج حضاري، يتكون ~~بتكونها، وقد ينفصل في حضارة عن الدين، وقد يرتبط به في حضارة أخرى؛ ففصل الإسكندر ~~الطب عن الدين قد يصح على الأمد القصير، ولكنه خاطئ على الأمد الطويل، بل يتنوع العلم ~~داخل كل حضارة؛ فالطب قد يرتبط بالمنطق عند جالينوس، وبالطبيعة عند أبقراط، وبعلم ~~التنجيم أو الموسيقى والهندسة عند البابليين والمصريين. والتقابل بين الحضارات إنما ~~يكون على مستوى اللغة، مثل اللغة اليونانية واللغة العربية. # 77 # وتسمي العرب الخمر طلاء. # ومن الموروث يتصدر أستاذ ابن هندو أبو الخير ابن الخمار، ثم برزويه وغيره. # 78 # ويذكر واحد من المتكلمين رفض الطب فمات. ms077 # 79 # فالأدلة عملية على فضيلة الطب. ومن أسماء الكتب يذكر كليلة ودمنة، وكتاب ~~العين للخليل، ولكن يظهر الموروث أكثر ويتحد مع الوافد، ليس في أسماء الأعلام، بل في ~~الصلة بين الله والطبيعة أو الملكة أو البدن؛ أي الصلة بين الدين والعلم. فنظرا لأن ~~أسقليبيادس كان طبيبا إنسانا جعله الله ملكا من الملائكة. اعتقد العوام أن الطب ~~توفيق من الله، وحيا أو إلهاما كما اعتقد الهنود. وفي الموروث لا فرق بين العلم ~~الإلهي والعلم الطبيعي، بين قدرة الله وقوانين الطبيعة. # 80 # فالقدح في الطب ليس فقط قدحا في السياسة الاجتماعية، بل قدح في الشريعة؛ ~~فقد أمسك شيخ حافظ للقرآن متصوف بحية فلدغته فمات وهو يدعي أن القرآن حافظه. وذكر ~~أن نفس المعجزة حدثت مع السلطان، فجربها السلطان فيه فمات نتيجة لتملق السلطان. لا ~~تعارض إذن بين العلة الأولى والعلل الثانية، بين العلة البعيدة والعلل القريبة، ~~ولا يمكن نفي الطباع؛ فالطبيعة قوة إلهية. # 81 # فإذا ارتبط الإلهي بالطبيعي فلا سبيل إلى فهم الطبيعي إلا بالمنطق، فالمنطق ~~هو أساس العلوم، وكما يبدأ الكتاب بالبسملة ينتهي بالحمدلة والدعوة بالتوفيق والارتباط ~~بالمشيئة والعون. # | ثالثا: مسكويه # وإذا كانت الأعمال الطبية في التأليف هي الغالب أولا في تمثل الوافد قبل تنظير ~~الموروث، فإن الأعمال الفلسفية تبدأ بمسكويه، ثم تتراوح بين الفلسفة والرياضيات عند ~~ابن سينا والبيروني، ثم تعود إلى الطب والرياضيات والطبيعيات عند ابن بختيشوع ~~وابن رضوان والخيام والطغرائي، ثم إلى الحكمة من جديد عند ابن باجه، ثم إلى الطب ~~والحكمة عند ابن زهر وابن رشد، ثم تنتهي في التراكم إلى الأدوية عند ابن البيطار، ثم ~~إلى الرياضيات عند الطوسي والفارسي وابن الأكفاني، وتنتهي إلى الطب كما بدأت عند داود ~~الأنطاكي ومقلديه. ~~(أ) و«تهذيب الأخلاق» لمسكويه (421ه) تأليف أخلاقي تتضح فيه أولوية تمثل الوافد ~~على تنظير الموروث كنوع أدبي، وربما هو التأليف الأول الذي يحاول وضع أسس علم الأخلاق ~~باعتباره علما مستقلا داخل النسق بعد الإلهيات، كما حاول ذلك إخوان الصفا في العرض ~~النسقي الشعبي بإضافة العلوم ms078 الإلهية الناموسية والشرعية كقسم رابع من أقسام الحكمة. ~~وعنوانه «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، وعادة ما يذكر النصف الأول دون الثاني ~~اختصارا بالرغم من أهميته، وأنه جزء لا يتجزأ من مضمون الكتاب، نبه مسكويه نفسه على ~~أهميته؛ فإذا دل الشق الأول «تهذيب الأخلاق» على الطابع العملي التأديبي، فإن ~~الشق الثاني «تطهير الأعراق» يبين الجانب الإشراقي، تطهير النفس من شهوات البدن ~~بالرغم؛ مما يدل لفظ عرق في الفكر العربي المعاصر من معنى الجنس بالمعنى العنصري. # 1 # وبالرغم من تشعب تهذيب الأخلاق إلى مقالات سبع إلا أنه يتميز بوحدة الفكر والإحالة ~~المستمرة إلى بعضه البعض، إحالة اللاحق إلى السابق، والسابق إلى اللاحق. كما يحيل ~~مسكويه إلى باقي أعماله؛ مما يدل على وحدة المشروع والرؤية والتكامل بين أجزائه. ويأتي ~~ترتيب السعادات و«منازل العلوم» في المقدمة، وله صيغ مختصرة «ترتيب العادات»، أو ~~«مراتب العادات»، أو «الترتيب» فقط. ويحال إلى «الرسالة المسعدة» و«صناعة العدد». # 2 # ويتكون من سبع مقالات يتداخل فيها الوافد والموروث بنسب متفاوتة؛ ففي المقالة ~~الأولى عن الأخلاق النفسية يغيب الوافد ويحضر الموروث الأصيل؛ مما يدل على أن التأليف ~~غير مرتبط بالضرورة بالوافد كنقطة بداية، بل قد يبدأ من الموروث، بالداخل وليس بالخارج. ~~وفي المقالة الثانية الأولوية للوافد على الموروث. وفي المقالة الثالثة أيضا الأولوية ~~للوافد على الموروث حتى يسهل امتصاصه وتفاعله داخل الموروث. وفي المقالة الرابعة، ~~ومعظمها عن العدالة، يحضر الوافد ويغيب الموروث بعد أن اطمأن الموروث إلى قدرته على ~~الاستيعاب والوقوف أمام الوافد. وفي المقالة الخامسة عن الأخلاق الاجتماعية والسياسية، ~~الأولوية للوافد على الموروث، كما هو الحال في المقالتين الثانية والثالثة بعد ظهور ~~الموروث كمصدر ثان مستمر للفكر. وفي المقالة السادسة تستمر أولوية الوافد على الموروث ~~كآخر محاولة لتمثل الوافد واستيعابه كلية. والمقالة السابعة عن الرذائل تنقلب الأولوية ~~للموروث على الوافد باعتبار أن الموروث علوم الغايات، في حين أن الوافد علوم الوسائل. ~~ففي المقالتين الأولى والسابعة، أي في البداية والنهاية، الأولوية للموروث على الوافد، ~~بينما في المقالات الوسطى من الثانية حتى السادسة ms079 الأولوية للوافد على الموروث، وكأن ~~الوافد موضوع بين دفتي الرحى، بين المطرقة والسندان في البداية والنهاية . # 3 # والعجيب أن عند مسكويه، وهو ممثل الحكمة الفارسية، يتصدر الوافد اليوناني ~~على الوافد الفارسي، بل ويتصدر الموروث نفسه. # ومن الوافد يتصدر أرسطو، ثم أفلاطون وجالينوس، ثم أبقراط وسقراط والإسكندر المقدوني ~~والرواقيون، ثم بروسن وفرفوريوس وفيثاغورس وإيرقليطس. ويشير مسكويه إلى كتاب الأخلاق ~~لأرسطو دون تحديد هل هو الأخلاق الكبير أم الصغير، الأخلاق إلى نيقوماخوس، أو الأخلاق ~~إلى أوديموس. وتدل الإحالات إلى أن مسكويه يحاول تأسيس الأخلاق على المنطق (التأسيس ~~النظري)، وعلى التربية (التأسيس العملي)؛ فمثال التأسيس المنطقي للأخلاق: ~~(1) كل خلق يمكن تغيره. ~~(2) لا شيء مما يمكن تغيره هو بالطبع. ~~∴ # لا خلق واحدا منه بالطبع. # بل يحاول مسكويه إثبات صحة كل مقدمة منطقيا كما سيفعل ابن رشد فيما بعد في إثبات ~~زيف كل استدلال وكل مقدمة من حجج الأشاعرة في علم الكلام؛ لذلك يحيل مسكويه إلى كتاب ~~الأخلاق وكتاب «المقولات» لأرسطو في آن واحد. أما التأسيس العملي على التربية فيرى ~~أرسطو، مثل جالينوس ومسكويه، أن الناس ليسوا أخيارا بالطبع كالرواقيين، ولا أشرارا ~~بالطبع، بل فيهم أولئك وهؤلاء، ويمكن الانتقال من أحدهما إلى الآخر بالتأدب والتعليم ~~عند البعض بسرعة، وعند البعض الآخر ببطء؛ ففي مراتب الناس في التعليم يزيد مسكويه على ~~أرسطو منهج المشاهدة والعيان في تربية الأطفال، وليس مجرد تحليل عقلي للفضائل لوضع ما ~~ينبغي أن يكون؛ نظرا للاتفاق عند مسكويه بين العقل والطبيعة، بين ما ينبغي أن يكون وما ~~هو كائن؛ فإذا كان كتاب «الأخلاق» عند أرسطو لا ينتفع به الأحداث الحسيون كثيرا، بل ~~الحكماء وحدهم، فإن مسكويه يحاول تعميمه، ويجعله مفيدا للاثنين، للأحداث وللحكماء، ~~انتقالا من الخاصة إلى العامة، ومن النخبة إلى الجمهور، ومن التأمل العقلي إلى الكمال ~~الخلقي، وإسماعا للأحداث لصوت الحكمة حتى يتم تشويقهم إليها والصعود إليها على مراتب، ~~وإبرازا للتمايز بين الآخر والأنا؛ «أرسطو يقول أما أنا فأقول»؛ أرسطو الحكيم فقط، ~~ومسكويه المربي والحكيم؛ وأرسطو صاحب النظر فقط، ومسكويه صاحب ms080 النظر والعمل، انتقالا ~~من اليونان إلى المسلمين. # 4 # ويعقد مسكويه خطبه في تناول الخير المطلق والسعادة الإنسانية من أجل ~~معرفة الغاية القصوى التي تطلب بالأفعال الإرادية، ثم يبين اتفاق أرسطو معه فيها؛ ~~فأرسطو هو الشارح، ومسكويه هو المشروح؛ أرسطو هو القارئ، ومسكويه هو المقروء؛ ثم يقوم ~~مسكويه بتجميع كل ما قاله أرسطو في الموضوع وليس اقتفاء أثر كتاب واحد، ثم يسلطه على ~~الموضوع الذي يعرفه مسكويه ليظهر مدى الاتفاق بين الاثنين مع الاستعانة في فهم أرسطو ~~بأقوال المفسرين. وعندما يبدأ مسكويه بذكر الفرق بين الخير والسعادة يذكر ألفاظ أرسطو ~~اقتداء به وتوفية لحقه، الألفاظ وحدها دون المعاني والأشياء طبقا لمنطق التشكل الكاذب. # 5 # ويقسم أرسطو الخيرات إلى أربعة أنواع كما يرويها فرفوريوس؛ الشريفة، والممدوحة، ~~والتي بالقوة، والنافعة؛ كما يفعل الأصولي في تقسيم الأحكام الشرعية الخمسة. ومعيار ~~القسمة لديه الصورة والمادة؛ فالأفعال الشريفة صورة بلا مادة، # 6 # ثم ينقل مسكويه ذلك إلى الحضارة الإسلامية، فيجعل ما سماه أرسطو الصورة ~~عطية من الله وموهبة للناس، وتتحقق السعادة عند أرسطو في الدنيا وكذلك في الإسلام. ~~ويتأكد العقل اليوناني بالبداهة العقلية الإسلامية؛ فالعقل أساس النقل. والاستشهاد ~~بأرسطو لإثبات فكرة واضحة، مثل أن الشيء الفاضل أجل من أن يمدح؛ فالمدح زيف، # قتل الخراصون ~~. ويفعل الناموس نفس الشيء في قوله: إن ~~الدنيا ناموس عادل. والناموس من عند الله كما أنه من عند الحاكم أو من الدنيا، ويظل ~~الناموس الإلهي قدوة لها كلها، وهو تصور إسلامي لسنن الكون وسنة الشريعة. # 7 # ويسهل تعشيق أخلاق أرسطو في الأخلاق الإسلامية؛ نظرا للغاية القصوى التي يترقى ~~إليها الحكيم للوصول إليها بجهده، وهو الله الذي يعين الإنسان ويوفقه. البنية واحدة، ~~والفرق في الألفاظ طبقا لمنطق التشكل الكاذب. بنية العقل عند أرسطو هي نفسها بنية ~~الوحي؛ لذلك يسهل تركيبها في بنية واحدة تكشف عن اتفاق العقل والوحي؛ لذلك نادرا ما ~~يستعمل مسكويه لفظ أرسطو «يقول»، بل يستشهد بنص له لإثبات ما يعرفه مسكويه من قبل. ~~العقل يثبت الوحي ويؤكده؛ فالسعادة عند أرسطو ms081 شريفة، وسيرتها ألذ، ولكنها محتاجة ~~إلى سعادات أخرى خارجة حتى تظهر بها، وإلا ظلت كامنة غير ظاهرة، وكان صاحبها ~~كالنائم لا يظهر فعله. أما السعادة الإلهية فإنها تظهر الكامن؛ فالوحي ازدهار للعقل ~~وإكمال له. وكذلك لا يدل مدى تحمل الإنسان للأشياء التي تعرض للبحث على عظمة النفس. ~~أما من لم يعرف السعادة ووصل إليها، فإن القدرة على التحمل تكون موضع اختبار، إما ~~سعادة وهناء، وإما شقاء وتعاسة. وكذلك يقول أرسطو ببقاء النفس ومعادها، جزاء على ~~الأعمال، ويحل الشكوك التي أوردها على نفسه بأن الإنسان يتأثر وهو حي بسيرة أولاده، ~~فالأولى أن يتأثر بسيرته هو بعد الموت طبقا لأعماله الفاضلة. فهذه قراءة إسلامية لحجج ~~أرسطو ضد الشك في بقاء النفس بعد الموت إكمالا للعقل وبالدين، وللفطرة بالوحي. السعادة ~~شيء ثابت، والإنسان متغير؛ ومن ثم ليست السعادة في الموت، بل في الحياة؛ مما يدل على ~~وجود حياة بعد الموت. # 8 # من السهل إذن تحويل المثالية اليونانية إلى رؤية إسلامية قديما عند حكماء الإسلام. # 9 # وإذا كانت القسمة العقلية عند أرسطو معقولة دونما حاجة إلى إكمال من الوحي، فإن ~~مسكويه يؤكدها دون أن يضيف عليها شيئا، مثل تقسيم الجائر إلى جائر أعظم لا يقبل ~~الشريعة، وجائر لا يقبل قول الحاكم العادل، وجائر لا يكتسب، بل يغتصب الأموال. الجائر ~~الأول مجدف في الدين، والثاني في السياسة، والثالث في الاقتصاد. كما أن العدالة إما ~~من الناس إلى الله، وإما من الناس إلى الناس الأحياء، وإما من الناس إلى الناس الأموات. ~~الأولى في الدين، والثانية في المجتمع، والثالثة في التاريخ. وبعد أن يثبت مسكويه ~~اتفاق قسمة أرسطو مع العقل والطبيعة يعشقها في الوحي ويكملها به؛ فيذكر العبادة ~~الموصلة إلى الله، ويستعمل ألفاظ الخالق والمخلوق ومصطلحات الشرع، والصلاة والصيام، ~~والإقرار بالربوبية، وإعادة كتابة الوافد بلغة الموروث، وقراءة أرسطو باللغة العربية. ~~يعلن مسكويه عن أرسطو في البداية حتى يتمثل الوافد في الموروث، ثم يضعه في قالبه، ثم ~~إكماله بالموروث حتى يصعب بعد ذلك التمييز بين الاثنين؛ فالعبادات عند ms082 أرسطو من أعلى ~~إلى أدنى، تختلف باختلاف الناس طبقات ومراتب، ثم صلوات وصيام وخدمة وهياكل ومصليات ~~وقرابين، ثم الإحسان إلى النفس بتزكيتها، ثم الإلهيات حتى تكمل معرفة الله، وأخيرا ~~الإقرار بالربوبية والاعتراف بالإحسان والتمجيد بحسب الاستطاعة. # 10 # ويتم تعشيق الوافد في الموروث أيضا في موضوع المحبة. البداية من أرسطو كبناء عقلي ~~خالص، والنهاية أيضا أرسطو بعد أن تمت قراءته قراءة إسلامية، تمثلا للوافد داخل ~~الموروث، وإدخالا للعاشق في المعشوق؛ فتتحول المحبة أو الصداقة أو الوله أو العشق ~~عند أرسطو إلى المحبة الإلهية التي ذكرها أرسطو أيضا حكاية عن إيرقليطس أنها تقع ~~عندما تتشابه الأشياء وتتشاكل لا تختلف وتتباين. ويستدل أرسطو على ذلك بأن صانع المعروف ~~يدعو لصانع المعروف بالسلامة والبقاء وسبغ النعمة، وكذلك يتعاهد المقترض مع المقترض ~~على سلامته حتى يعود إليه القرض لا المحبة، وهذا يدل على حاجة الإنسان إلى الصديق في ~~السراء والضراء؛ في السراء يحتاج إلى المؤانسة، وفي الضراء إلى المعونة، ثم ~~تجاوز أرسطو هذه الألفاظ كلها إلى السعادة الخاصة الخالصة لله ثم للملائكة والمتألهين ~~التي يصل إليها الإنسان، والإنسان وحده عن طريق الفضائل، وهي الأمانة التي اختارها ~~الإنسان وأبتها الجبال والسموات والأرض. ويستعمل جدل المطلق والمقيد، وهما من ~~مباحث الألفاظ عند الأصوليين، لتقييد ألفاظ أرسطو حتى تصب في وعاء الموروث، وإطلاق ~~ألفاظ الموروث حتى تتسع للوافد. يتحدث أرسطو عن الملائكة والله سبحانه تعالى، جل وعز، ~~وعن الإبداع والعناية، وعن الصلاة والصيام. # 11 # ويتم التعبير عن الإسلام بلغة المحبة والسعادة والصداقة والعقل والخير. # 12 # وبعد أن يتحول أرسطو من الشخص إلى النموذج، ومن الواقع إلى المثال، يصبح الحكيم ~~الأول، أو الحكيم، أو هذا الرجل، أو الرجل الفاضل. وقد يعني الأول المتقدم في الزمان، ~~مثل الأولية بمعنى المتقدمين في مقابل المتأخرين، وقد يعني الأول في الرتبة والشرف في ~~مقابل الثاني أو الأخير. ويستعمل الحكيم الأول كمثال أو استشهاد أو قول لإثبات شيء ~~يعرفه مسكويه من قبل، مجرد تشبيه أو استعارة أو اقتباس لنقد الفصل بين القول والعمل، ~~بين ms083 الرغبة والجهد، بين النية والفعل؛ فالدعوة إلى محبة الأفعال الجميلة لها ثمنها في ~~مجاهدة الترف والبطالة. كما يشار إلى الحكيم في تقسيم أنواع السعادة إلى خمسة أقسام، ~~من اجتمعت له كان هو السعيد الكامل على مذهب هذا الرجل الفاضل، وهي مرتبة من الأدنى ~~إلى الأعلى؛ الأول: صحة البدن، ولطف الحواس، واعتدال المزاج. والثاني: الثروة والأعوان. ~~والثالث: تحسن أحدوثة الإنسان في الناس، ونشر ذكره بين أهل الفضائل، فيكون محمودا ~~مثنيا عليه. والرابع: التنجيم في الأمور عن روية وعزم. والخامس: جودة الرأي، وصحة ~~الفكر، وسلامة الاعتقاد. وأحيانا يستعمل هذا الرجل كمرحلة تاريخية في الفلسفة ~~اليونانية، ما قبله عند الفلاسفة السابقين عليه مثل فيثاغورس وأبقراط وأفلاطون وغيرهم، ~~وما بعده ابتداء منه؛ فأرسطو هو الذي يقسم الفلسفة اليونانية إلى مرحلتين، التاريخ ~~والبناء، الاجتهادات والحقيقة؛ فقد اختلف الفلاسفة قبله في السعادة. ويجمع مسكويه بين ~~الرأيين، بين التطور والبناء، بين اجتهادات الفلاسفة في الحقيقة وبين انكشافها. كما ~~انتهى تطور الوحي من اليهودية إلى المسيحية واكتمل في الإسلام، يجمع أرسطو بين ~~السعادتين في الدنيا والآخرة، ويعطي كلا من البدن والنفس حقهما كما يفعل الإسلام. ~~يراها الفقير في الثروة واليسار، والمريض في الصحة والسلامة، والذليل في الجاه ~~والسلطان، والخليع في الشهوات، والعاشق في المعشوق، والفاضل في المعروف. والفيلسوف يضع ~~كلا منها في مرتبتها عند الحاجة إليها، وهي كلها عند أرسطو وسائل لسعادة أخرى هي ~~السعادة الحقة. # 13 # ويستعمل مسكويه نفس تشبيه أرسطو كأداة حسية في التعبير؛ فالخطاف الواحد إذا ظهر لا ~~يدل على طبيعة الربيع ولا يوم معتدل واحد يبشر به كذلك. وإذا خص مدير المدينة ~~طائفة بالنظر دون طائفة فإنه لا يستحق اسم الرياسة، وجذب شيء من كل الجهات ينشق ~~وينقطع، وتفسد المحبة المغشوشة كما تفسد الدنيا والدرهم المغشوشان. وقد يستعمل مسكويه ~~حكم أرسطو، وهو المولع بالحكم والأمثال والمواعظ، للاستشهاد بها على ما وصل إليه هو ~~نفسه، مثل: من وجد السعادة الحقيقة فلا ينشغل بالسعادات الظاهرية، فالقديم تأكيد ~~للجديد، والنقل تأييد للإبداع. ولما كان الإسكندر المقدوني تلميذا ms084 لأرسطو فإن مسكويه ~~يستعمل نادرة له في موضوع أسباب الغضب والسيطرة عليه برفض تأديب أحد أصحابه لنقده له ~~وانتقاصه منه وعيبه عليه؛ لأنه أبسط لسانا، وأعذر عند الناس، وعفوه عن بعض أعدائه ~~الخارجين عليه. # 14 # وما زالت بعض الألفاظ اليونانية المعربة، مثل الناموس، # 15 # ويعني في لغة أرسطو التدبير والسياسة، بالرغم من مدحه لنقل أبي عثمان ~~الدمشقي لكتاب فضائل النفس لأرسطو إلى العربية، وينتقل عنه لأنه فصيح في اللغتين ~~اليونانية والعربية، دقيق في المصطلحات، حريص في نقله الألفاظ والمعاني من لغة إلى أخرى. # 16 # وعند النقل من أرسطو يعلن مسكويه عن ذلك نظرا للوعي الشديد بين النقل ~~والإبداع. كما ترك مسكويه المثل اليوناني الذي ذكره أرسطو، وهو نموذج الآلام مثل أيوب، ~~دون أن يستبدل به مثلا عربيا كما فعل ابن رشد في تلخيص الخطابة. # 17 # وجالينوس عند مسكويه هو الأخلاقي، لا الطبيب أو المنطقي. وقد اقتصر التوسط بين ~~المذهبين المتعارضين؛ الإنسان خير بالطبع كما يقول الرواقيون، وشرير بالطبع كما يقول ~~الفلاسفة السابقون؛ وينقدهما، ويتوقف الأمر على طبيعة الأفراد، منهم من هو خير بطبعه، ~~ومنهم من هو شرير بطبعه؛ ومن ثم كان جالينوس أقرب إلى الإسلام. وقد حاجج جالينوس كلا ~~المذهبين ببرهان الخلف، إثبات فساد النقيض حتى يثبت النقيض الثاني؛ فلو كان الناس ~~أخيارا بالطبع لتعلموا الشر، إما من أنفسهم لأن بهم قوة تشتاق إلى الشر أقوى من ~~القوة التي تشتاق إلى الخير، وإما أن بهم قوة تشتاق إلى الشر، أو تعلموه من غيرهم ~~لأنهم أشرار بالطبع. ولو كان الناس أشرارا بالطبع لتعلموا الخير من أنفسهم أو من ~~غيرهم؛ وبالتالي يثبت وجود الخير. وهنا يبدو مسكويه مؤسسا الأخلاق على قواعد المنطق ~~والبرهان. وينتهي إلى نفس الرأي المتوسط عند جالينوس مع مزيد من الترجيح بالبداهة ~~والتجربة بعد المنطق والبرهان. ويمكن تصور الناس على مراتب ثلاث كالهرم؛ في القاعدة، ~~وهم الأكثر، الناس أشرار بالطبع؛ وفي الوسط، وهم من على استعداد للخير والشر؛ وفي ~~القمة، وهم الأقلية، الأخيار بالطبع. وعلى هذا النحو جالينوس هو ms085 الذي يؤيد مسكويه، وليس ~~مسكويه هو الذي يؤيد جالينوس. # 18 # ويجمع جالينوس الأخلاق إلى الطب؛ فالأخلاق تبدأ بالطبيعة بنعمة الوجود ثم تتواتر بعد ~~ذلك، تبدأ بالجسد ثم بعد ذلك بالإجادة؛ لذلك كتب جالينوس كتابي «التشريح» و«منافع ~~الأعضاء»؛ فالطب مقدمة للأخلاق. وفي كتابه «أخلاق النفس» يبين موافقة أهل الشر ~~للأشرار لإيجاد الأعذار لأنفسهم أنهم غير متفردين بهذا الرأي، بل ويشاركهم فيه غيرهم ~~طبقا لقواعد الجدل والإقناع، ثم يزيد مسكويه على جالينوس تعرف المرء على عيوب نفسه ~~بعد أن يعرفها؛ إذ إن عيوب نفس كل إنسان خافية عليه؛ ومن ثم وجب أن يختار صديقا ~~فاضلا ويطلب منه أن يبينها له دون أن يغضب من صراحته، بل يغضب من كتمانه، ويطلب منه ~~المزيد دون أن يتضجر أو يتضرر. ولعل العدو في هذا أنفع من الصديق؛ فعدو عاقل خير من ~~صديق جاهل. # 19 # ويحيل مسكويه إلى أفلاطون وسقراط وفيثاغورس عندما يؤسس الأخلاق على النفس ~~مستعيرا منه تشبيها للنفس الناطقة والنفس البهيمية، مثال الذهب في اللين والانعطاف، ~~والحديد في الصلابة والامتناع. كما استعمل مقالا من بقراطس في موضوع التهور والجبن، ~~مجرد صورة فنية على كبح جماح النفس، مثال السفينة إذا عصفت بها الرياح وتلاطمت عليها ~~الأمواج، يمكن السيطرة عليها عن طريق الملاحين أكثر من السيطرة على القضبان الملتهب. ~~وهؤلاء الثلاثة يمثلون تطور الفلسفة قبل اكتمالها في أرسطو، وقد أجمعوا على أن ~~الفضائل كلها في النفس، وأقسام السعادة، الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، في قوى النفس ~~العاقلة والغضبية والشهوية، وهي فضائل قائمة بذاتها لا تحتاج إلى البدن في شيء. وإذا ~~أشرقت العدالة أشرقت بها كل قوة من قوى النفس لأنها مجموع فضائلها، فتنهض النفس وتؤدي ~~غايتها في قرب الإنسان السعيد من الله تقدس اسمه. والعدالة توسط بين الأطراف؛ لذلك ~~أوصى أفلاطون طالب الحكمة بأن يموت بالإرادة حتى يحيا بالطبيعة في موضوع علاج الخوف من ~~الموت. وعلى الرغم من ارتباط الأخلاق عند أفلاطون بالنفس، وارتباطها عند جالينوس ~~وأبقراط بالبدن، إلا أن مسكويه يجمع بين الاثنين مضافين إلى أرسطو ms086 في نظرية متكاملة ~~للأخلاق، تقوم على قواعد البرهان وطهارة النفس وسلامة البدن. # 20 # ويقتبس مسكويه نصا من سقراطيس في موضوع الصداقة بألفاظها، ويقطع النص إلى فقرات حتى ~~يسهل استيعابها وتمثلها، متعجبا مما يعلم أولاده أخبار الملوك والحروب والضغائن ~~دون أن يعلمهم أمور المودة وأحاديث الألفة، وما يحدث للجميع من خير بالمحبة والأنس؛ ~~إذ لا يستطيع أحد أن يعيش دون مودة، حتى ولو كانت الدنيا كلها ضده، بل تكون حاجته إلى ~~المودة أشد، ولا يعادل المودة شيء في الدنيا حتى لو كانت ذخائر جميع الملوك وكنوز ~~قارون؛ مما يدل على انتحال النص؛ فسقراطيس لم يكن يعلم خزائن قارون، وقد تكون قراءة ~~إسلامية لقول صحيح، وكلاهما إبداع. ولا شيء يعادل لوعة صديق، ولا شيء يقوم مقامه. ~~والسلطان إليها أحوج؛ لأنه بها يباشر أمور الرعية أكثر من الاعتماد على أعوانه. عيون ~~الصديق أفضل من عيون الأمن. والنص له ما يقابله في الموروث، ولكن الغاية منه تمثله ~~وابتلاعه في المحيط الواسع. # 21 # ويعي مسكويه تماما متى يكون ناقلا نصا، ومتى يكون معلقا وقارئا لنص ثان، ومتى ~~يكون مكملا ومبدعا لنص ثالث. ويعلن عن ذلك صراحة في فصل «تأديب الأحداث ~~والصبيان»، يعلن أنه نقل أكثره من كتاب بروسن حتى، ولو كان عنوانا بأكمله دونما شعور ~~بحرج من قال، قلت، ولو كان أكثره نقلا وأقله صفحتين من الكتاب كله، متفقين مع الجو ~~العام في نقطة تطبيقية، جزء في كل، يمكن حذفه دون الإخلال بمنطق الكتاب، مجرد قوسين ~~عارضين يمكن تلخيصها وعرضها أو حذفها. وتصل بداهة هذه النصائح إلى حد البساطة بالرغم من ~~اختلافها من حضارة إلى حضارة، ومن فرد إلى فرد، ومن مذهب إلى مذهب، ومن غاية إلى غاية. ~~والانتقاء أيضا تأليف غير مباشر ما دام متفقا بين المنقول والناقل، الحديث عن النفس ~~بلسان الآخر. وهو موضوع عملي صرف، تأديب الأحداث والصبيان، قد لا يوجد ما يقابله ~~في الموروث، ولكنه متفق في العقل والمصلحة. تبدو الأخلاق عند مسكويه هنا على مستويين؛ ~~الأخلاق الإشراقية والأخلاق العملية، فضائل ms087 النفس والنصائح والمواعظ التربوية. # 22 # ويقتبس مسكويه نصا ثانيا من سقراط في موضوع كيفية اختيار الصديق يتعرف فيه ~~الإنسان قبل الصداقة على الصديق. صحيح أن لأفلاطون محاورة عن الصداقة، لكن النص في ~~أغلبه منتحل، سقراط المثالي المعلم، الشيخ المربي الفاضل يقص عن سقراط. يذكر النص ~~سيرة سقراط مع أصدقائه وإخوته وآبائه، وشكر من يجيب شكره معنويا وليس ماديا، وميله ~~إلى الراحات والتباطؤ في الحركة، ومحبته للذهب والفضة، ومحبته للرياسة، والغناء ~~واللحون، وضروب اللهو واللعب، وسماع المجون والمضاحيك، وهي سلبيات في الصداقة. أما ~~الإيجابيات، فعدم الإكثار من الأصدقاء، والتسليم بعيوبهم؛ إذ لا يخلو صديق من عيب، وهي ~~قيم إسلامية. والضحك الكثير يميت القلب، وأبو بكر صاحب الرسول. سقراط نموذج عملي على ~~الصداقة والصديق. وقد ألف أبو حيان في الموضوع ولم يكتف بالاقتباس. وعندما يحلل ~~مسكويه علاج الحزن فإنه يستشهد بسقراط عندما سئل عن سبب قلة حزنه، فأجاب بأنه لا يقتني ~~ما إذا فقده يحزن عليه، مجرد استشهاد ومثل تاريخي للإيضاح. # 23 # ويحيل مسكويه إلى الرواقيين في معرض التساؤل عن طبيعة الإنسان خيرة أم شريرة؛ إذ ~~يرى الرواقيون أن الإنسان خير بالطبع ثم يصير شريرا بفعل المجتمع ودوره السلبي في ~~تربية الأفراد. # 24 # وقد شاع الرأي المضاد قبلهم، أن الإنسان شرير بالطبع ثم يصير خيرا ~~بالتربية والتعليم، بفعل المجتمع ودوره الإيجابي. ثم يأتي جالينوس ويتوسط بين الرأيين؛ ~~فالناس فيهم الأخيار بالطبع والأشرار بالطبع، بصرف النظر عما إذا كان تطور الجدل بين ~~الشيء ونقيضه والمركب بينهما تاريخيا أم بنيويا. ويحال إلى الرواقيين أيضا مع ~~جماعة من الطبيعيين جعلوا البدن جزءا من الإنسان وليس مجرد آلة؛ لذلك جعلوا السعادة في ~~النفس غير كاملة إذا لم تقترب بها سعادة البدن وما هو خارج البدن؛ أي الأشياء التي تكون ~~بالبحث والجد. السعادة عند أفلاطون وفيثاغورس وأبقراط في النفس فقط، وعند الرواقيين ~~والطبيعيين في البدن والنفس، وعند أرسطو ومسكويه في كليهما؛ فالوسط أقرب إلى أحد الطرفين. # 25 # وبالإضافة إلى أعلام اليونان وفرقهم يذكر مسكويه مجموع الحكماء أو ms088 الحكماء المتقدمين ~~استشهادا بأقوالهم؛ فقد قال الحكماء إن الإنسان مدني بالطبع، وإن إصابة الهدف أعسر من ~~العدول عنه ولزوم الصواب، وإن صحة اللذة تسوق البدن من السقم إلى الصحة، ومن النقص إلى ~~التمام، والنفس من الجهل إلى العلم ، ومن الفضيلة إلى الرذيلة، وحب الشر للأعداء الذي ~~يجعل صاحبه شريرا. وتذكر أقوال الحكماء مسبوقة ب «لذلك» «ولهذا»، «على ما حكت»؛ ~~فالقول يؤكد ما انتهى إليه مسكويه وليس مصدرا له. كما يستعمل أمثالهم كصيغ في التعبير ~~عن المخزون الفلسفي الأدبي وتشبيهاته، مثل: من يهمل سياسة نفسه لسلطان الشهوة كمن يرمي ~~بياقوتة حمراء من الذهب في نار حتى تصبح كاسا لا منفعة فيها. وضرب الأمثال جزء من ~~حكم الشعوب وأقوال الأنبياء. وكذلك: مثل الملك الموكول بالدنيا، والطرق الثلاثة فيها ~~طريق الخير، وطريق الشر، وطريق لا هو خير ولا هو شر، من عرفها نجا، ومن جهلها هلك، ليس ~~بالموت بل بالحياة. ومثل: الإنسان الشرير كالكهف الذي أضرم فيه النار واختنق فيه ~~اللهيب، كلما كانت هناك محاولات للإطفاء زادته اشتعالا وقوة. # 26 # وأحيانا تذكر أقوال الحكماء تعبيرا عن براعة العقل، مثل تحليل الانتقام وأثره على ~~القلب، ومتى يكون محمودا عن شجاعة ومذموما عن جبن، وكذلك تحليل العدالة كفعل اختياري ~~لتحصيل الفضيلة، والجور كفعل اختياري لتحصيل الرذيلة. ومع ذلك يترجم المثل في بعض ~~ألفاظه بألفاظ الموروث، مثل ترجمة الهياكل بالمساجد. كما يركب مسكويه قسمة الحكماء ~~على الموروث، ويجعلها مقامات الله عز وجل؛ الأول للموقنين، وهو رتبة الحكماء والعلماء. ~~والثاني للمحسنين، وهي رتبة التوحيد بين العلم والعمل. والثالث للأبرار، وهي رتبة ~~المعلمين خلفاء الله في الأرض. والرابع للفائزين، وهي رتبة المخلصين في المحبة، ~~ورتبة الاتحاد. لا فرق بين الوافد والموروث إلا في الألفاظ، وهي مقدمات الفلاسفة ~~والفقهاء والمجاهدين والصوفية. # 27 # كما يحيل مسكويه إلى القدماء ورأيهم في الخلق، أو في رأي البعض أنه للنفس غير ~~الناطقة وحدها، بينما رأى البعض الآخر أنه قد يكون للنفس الناطقة بعد قسمة الخلق إلى ~~طبيعي وعادي؛ الأول لا ينتقل من فرد ms089 إلى آخر، والثاني يمكن أن ينتقل بالتأديب والمواعظ ~~سريعا أو بطيئا. والانتقال السريع أفضل اعتمادا على قوة التربية. ويعتمد على تشبيه ~~القدماء لقوى النفس الثلاث بإنسان راكب دابة يقودها كلب أو فهد، إن استطاع الإنسان ~~قيادتها عاش سعيدا. ويعيد توظيف هذا المثل تنبيها للنفوس على ما وهب الله، عز وجل، ~~للإنسان ومكنه منه، تركيبا للعقل على الوحي. كما اختلف القدماء في السعادة العظمى؛ ~~إذ ظن البعض أنها لا تحصل للإنسان إلا بعد مفارقته البدن لأنها في النفس وحدها، وجعلوها ~~جوهر الإنسان دون البدن، وهم أفلاطون وفيثاغورس وأبقراط؛ بينما رأى البعض الآخر أنها قد ~~تحصل في الدنيا، وهو رأي أرسطو ومسكويه. # 28 # ويحيل مسكويه أيضا إلى المتقدمين في مقابل المتأخرين، ويستحسن آراءهم من أن الخير ~~مقصود الكل، والغاية الأخيرة، وقد يسمى النافع كذلك. كما يستعمل لفظ الأوائل الذي لا ~~يشير إلى اليونان بالضرورة، بل قد يشير إلى الفرس أيضا؛ لأنهم لا يسمون الملك إلا ~~من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره، وإلا فهو متغلب؛ فالإحالة إلى الأوائل موجهة ~~بدور الملك في رعاية الدين من تصور الخليفة أو الإمام. وفي أقسام المحبة عند الحكماء ~~يجعلها مسكويه تبدأ بمحبة الوالدين ثم محبة الحكماء؛ فهم بالنسبة لتلامذتهم كالوالدين ~~للنفوس، ثم محبة الله. وفي مرتبة الحكماء يصير العلم صحيحا والعمل صوابا؛ لذلك جعل ~~الحكماء الموت موتين؛ موتا طبيعيا بانتهاء الأجل، وموتا إراديا عن طريق إماتة ~~الشهوات، وكذلك الحياة حياتان؛ حياة طبيعية للبدن، وحياة إرادية بالنفس؛ فيضيف مسكويه ~~البعد الإلهي على بعد الحكماء، ويجعل محبته لله قمة المحبة بعد محبة الحكماء. # 29 # ويستعمل مسكويه بعض نوادر الفلاسفة للتعبير عن آرائهم الفلسفية، مثل ما وقع بين مملوك ~~وبعض الفلاسفة، والذي افتخر عليه بعض رؤساء زمانه بحالهم من الفضائل الخارجية، الفرس ~~والثياب، دون الداخلية الذاتية، ومثل دخول أحد الفلاسفة على بعض أهل اليسار والثروة، ~~وكان يحتشد في الزينة وأبهة البيت، فبصق عليها؛ لأنه لم يجد أحقر منها؛ فالفضائل في ~~النفس وليست خارجها في موضوع العجب والافتخار. ومثل تعمد ms090 أحد المتفلسفين الذين ~~يمارسون الفلسفة على نحو عملي إيجاد نفسه في مواطن الخوف حتى يعود نفسه تحمل ~~المخاطر الخارجية بالتعرض لها، مثل ركوب البحر أثناء هيجانه حتى يعود نفسه على ~~السيطرة عليها حين الغضب. وكلها أمثلة على انقلاب الفيلسوف من الخارج إلى الداخل في ~~تصوره للفضائل في موضوع الجبن والخور. # 30 # ويستعمل مسكويه لفظ الفلاسفة للدلالة على فلاسفة الإسلام، وهو المعنى الخاص الضيق، أو ~~كل الفلاسفة بما في ذلك اليونان وغيرهم، وهو المعنى العام الواسع، وآراؤهم هي ما يسمى ~~فلسفة بإجماع العقلاء؛ فقد أجمعوا على أن للإنسان كمالين؛ الأول نظري للمعارف والعلوم، ~~والثاني عملي لنظام الأمور وترتيبها؛ لأن له قوتين؛ علمية وعملية، ولكل قوة اشتياقها، ~~كما أن المحققين منهم يجمعون على تحقير البخت، ولا يجعلونه ضمن السعادة؛ لأن ~~السعادة أمر ثابت ينال بالإرادة، وليس متغيرا ينال بالمصادفة، والأخس لا ينال ~~الأشرف. أما الحدث منهم، أي المحدثون، فإنهم جعلوا عبادة الله على ثلاثة أنواع ~~متدرجة من أدنى إلى أعلى؛ الأول واجبات البدن، كالصلاة والصيام ومواقف المناجاة لله. ~~والثاني واجبات النفس بالاعتقادات الصحيحة، كالعلم بالتوحيد. والثالث ما يجب حين مشاركة ~~الناس في المدن بالمعاملات والمزارعات والمناكحات وتأدية الأمانات والمعاونات ~~والمناصحات وجهاد الأعداء والذب عن الحريم وحماية الحوزة، وهي أيضا عبادات، طريق إلى ~~الله. الأول طريق العبادات، والثاني الاعتقادات، والثالث المعاملات؛ لذلك يتدرج معنى ~~الفلاسفة من كل الفلاسفة منذ القدم إلى بعض الفلاسفة، وهم المتحققون منهم، إلى بعض ~~البعض، وهم المحدثون منهم. وقد يكون المقصود فلاسفة المشرق، ثم فلاسفة اليونان، ثم ~~فلاسفة الإسلام، وهي معرفة الله. # 31 # ويذكر مسكويه أخلاق الشعوب وعاداتهم، الغرب والهند والعرب، فيشير إلى عادة ملوك ~~الفرس في تربية أولادهم بعيدا عن القصور، وإرسالهم إلى المناطق الخشنة ليتعودوا على ~~أخلاق الرجولة، وهي عادة عربية أيضا نظر لها ابن خلدون فيما بعد في التمييز بين ~~أخلاق الحضر وأخلاق البدو. ويشير إلى حكيم الفرس وملكهم أردشير وقوله الشهير: الدين ~~والملك أخوان توءمان؛ فالدين أساس، والملك حارس، ومن لا أساس له مهدوم، ومن ms091 لا حارس له ~~ضائع. وكأنها نظرية الإمامة أو الخلافة عند المسلمين في التوحيد بين الدين والدولة. كما ~~يشير مسكويه إلى الهند، كتاب «كليلة ودمنة»، والحديث عن الأخلاق بلغة الأمثال ~~والوصايا؛ لما في ذلك من النفع العظيم عند السامعين الفضلاء، ولخوفهم من الضرر الذي قد ~~يقع عليهم إذا ما استهانوا بها. كما يذكر الأحباش والروم والنوبة في موضوع الغدر والضيم ~~عند بعض أجناس العبيد، ويمدح وفاء هذه الشعوب؛ فالشعوبية ليست سلبا، بل هي أيضا ~~إيجاب؛ فلا تذكر الرذائل وحدها، بل أيضا الفضائل. وقد يوجد وفاء عند بعض العبيد أكثر ~~مما يوجد عند الكثير من الأحرار. كما يظهر الأعراب كعادات في الأخلاق؛ فمن ترك الشهوات ~~من المآكل والمشارب وسائر اللذات فإما لأنه ينتظر أكثر مما هو حاضر، وإما لأنه لا ~~يعرفها كما هو الحال عند الأعراب في الجبال والرعاة في البوادي وسفوح الجبال. كما اشتق ~~لفظ إنسان من الأنس، كما يؤيد ذلك النحو، وليس من النسيان كما يقول بعض الشعراء. # 32 # أما الموروث فقد ذكر الكندي أولا، ثم علي بن أبي طالب مما يبين أصوله الشيعية، ثم ~~الحسن البصري وأبا بكر الصديق وعثمان الدمشقي، ثم امرأ القيس والنابغة والنبي أيوب، ~~الأنبياء مع الشعراء. # 33 # يأتي الكندي في المقدمة؛ مما يدل على استمرار التراكم التاريخي ابتداء من ~~الكندي كبديل للوافد، مع أن الكندي لم يركز كثيرا على الأخلاق، واستبعاد الفارابي ~~وابن سينا، وهما اللذان أوغلا في الأخلاق، ربما للحسد المعروف بين مسكويه وابن سينا، ~~وربما لرغبة مسكويه تأسيس الأخلاق على العقل والعلم، كما فعل الكندي في تأسيس الفلسفة ~~بعيدا عن إشراقيات الفارابي وابن سينا. والغريب أيضا عدم الإحالة إلى الرازي الذي ~~حاول تأسيس الفلسفة أيضا مثل الكندي ابتداء من العقل والعلم. وقد تكون الإشارة إلى ~~الكندي، وليس إلى الرازي أو الفارابي السابقين عليه، أو ابن سينا المعاصر له، إما ~~تخفيا وتقية من التشيع، أو اختيارا للكندي الأخلاقي، وليس الرازي الطبيعي، والفارابي ~~المنطقي، وابن سينا الإشراقي. ويستشهد مسكويه بالكندي في موضوعين؛ معرفة المرء عيوب ms092 ~~نفسه، والحيلة لدفع الأحزان، ويذكره بعد جالينوس وكخاتمة له؛ فالوافد بداية الموروث، ~~والموروث نهاية الوافد؛ الوافد وسيلة، والموروث غاية. ويقتبس مسكويه نصا للكندي ~~بألفاظه، وهو ربما الوحيد الذي يقتبس نصا من المخزون الموروث فاصلا بين ما له وما ~~لغيره دون التجميع الذي يخلط كل شيء مع كل شيء. ويذكره باسمه الكامل، أبو يوسف ~~ابن إسحاق الكندي. ويقطع نص الكندي حتى يسهل إعادة توظيفه واستعماله، ويعلن عن النص ~~مرتين في بدايته وفي نهايته. والموضوع كيف تكون الأنا مرآة للآخر، والآخر مرآة للأنا، ~~في التعرف على الفضائل والرذائل؛ حتى لا ترى الأنا عيوب الآخرين دون عيوبها، ولا تدرك ~~فضائلها وإغفال فضائل الآخرين؛ فإذا فعل الآخر سيئة كان تحذيرا للأنا، وإذا فعل حسنة ~~كان تشجيعا للأنا. تراجع الأنا أفعالها كل يوم لتقييمها وتصحيحها. ودون هذه المرآة ~~المزدوجة يصبح الإنسان في مواجهة الكتب والدفاتر فقط، تفيد غيرها وهي عادمة لها. # 34 # وفي موضوع الحزن يقتبس أيضا نصا من الكندي يفيد أن الحزن ليس من ~~الأشياء الطبيعية، وأسبابه ليست ضرورية، بل يجلبه الإنسان ويضعه وضعا، مثل فقد مملوك، ~~الملكية سبب الحزن حرصا عليها وخوفا من فقدها، ومن لا يملكون لا يحزنون، والقضاء على ~~الحزن مرهون بالقضاء على الملكية والعودة إلى الحالة الطبيعية. # 35 # ثم يأتي الموروث الصوفي بعد الموروث الفلسفي، الحسن البصري نموذجا في أقواله ~~المأثورة عن آفة النسيان في موضوع اللذة التي تطيقها الشريعة، قليلة الحروف، كثيرة ~~المعاني، فصيحة البيان، مستوفية شروط البلاغة؛ فالحسن البصري مصدر للأخلاق كما هو الحال ~~في الحكمة الشعبية، لا فرق بين الصوفية والخلفاء. كما يستشهد بأقوال علي بن أبي طالب، ~~كرم الله وجهه، ويصفه بألقاب أمير المؤمنين والإمام، صلوات الله عليه، في حقيقة ~~الشجاعة، وإن ألف ضربة بالسيف على الرأس أهون من ميتة الفراش. كما تؤخذ شخصيته ~~نموذجا في المزاح والدعابة حتى لقد عابه البعض عليه. ويضرب به المثل، علي ونسله، في ~~ضرورة الموت؛ لأن الأرض لا تسع للأحياء كلهم في موضوع علاج الخوف من الموت. وقد يكشف ~~ذلك ms093 مرة أخرى عن تشيع مسكويه وولائه لأهل البيت. ويستعمل أيضا قول أبي بكر الصديق ~~إن الملوك أشد الناس فقرا، بل إنهم أشقى الناس في الدنيا والآخرة؛ فالملك يزهد فيما في ~~يده، ويرغب فيما يد غيره؛ يشطر أجله، ويشقق قلبه، ويحسد على القليل، ويسخط ~~بالكثير، ويسأم الرخاء، ولا يضار إن انقطعت عنه اللذة، ولا يسكن إلى الثقة، جلد ~~الظاهر، حزين الباطن، واقع تحت الحساب مع قلة العفو؛ لذلك كانوا أوجب الناس بالرحمة. ~~ويحال إلى ابن عثمان الدمشقي، مترجم أرسطو، باعتباره عربيا؛ فالمترجمون عرب، حلقة ~~الصلة بين الوافد والموروث. # 36 # ويذكر مسكويه امرأ القيس والنابغة في معرض الحديث عن الشعر وصلته بالأخلاق، وهو ~~الموضوع الشهير في سورة الشعراء عن الصلة بين الشعر من ناحية، والغواية والخيال والفصل ~~بين القول والعمل من ناحية ثانية؛ فرواية الشعر الفاحش وقبول أكاذيبه واستحسان قبائحه ~~ونيل لذاته، كما هو الحال في شعر امرئ القيس والنابغة، ثم إقرار ذلك من الرؤساء، ~~وإجزال العطايا للشعراء وأقران السوء الذين يساعدون في اللذات الجسمانية؛ ومن ثم ~~يحذر مسكويه من معاشرة أهل الشر والمجون، والمجاهرين باللذات وركوب الفواحش، ~~والمفتخرين بها، والمنهمكين فيها، أو الإصغاء إلى أخبارهم ورواية أشعارهم وحضور ~~مجالسهم؛ لإضرار ذلك بالنفس، بحيث لا يكون علاجها بعد ذلك صعبا، ويحتاج إلى زمن أطول. ~~وكانا سببي فساد الفاضل المحنك، وغواية العالم المستبصر، وفتنة للحدث الناشئ الذي ~~يتوق إلى النصح والإرشاد. ويحذر النظر في الأشعار السخيفة التي تذكر العشق وأهله، ~~والذي يوهم بأنه ضرب من الظرف ورقة بالطبع معه مع أنه مفسدة للأحداث، إنما تتطلب ~~الأخلاق سماع محاسن الأخبار والأشعار التي تبعث على الأدب وحفظها. وينقد مسكويه لا ~~أخلاقية الشعر، وارتباطه بالشرب والمجون، والتكسب به عند الأمراء. وفي نفس الوقت يطالب ~~الأطفال بحفظ الشعر الجيد القائم على الأخلاق. # 37 # ويستشهد مسكويه بالشعر المرسل غير المنسوب فيما يعن له من موضوعات ~~أخلاقية، مثل الحديث عن الإنسان وأنه أشرف الموجودات، ونقد المبالغة والتقصير كطرفي ~~نقيض، والحذر من عداوة الصديق، وعدم الخلط بين الحقيقة والزيف، بين ms094 السمنة والورم، وفي ~~نقد المزاح والحذر منه؛ فالشعر نوع من الإحسان العرضي، وليس الباقي الذاتي، ويكون ~~سفها وغضبا ورذيلة إذا ما كان رفضا للطبيعة وهجاء للقمر. أما الأمور الممكنة فإنها ~~مدعاة للخوف، سواء وقعت أو لم تقع. # ويستدعي مسكويه تاريخ الأنبياء، أيوب، وإبراهيم، وقارون؛ فأيوب نموذج للبلايا التي لا ~~تخرج الحكيم عن مرتبة السعادة التي وصل إليها، وأموال وكنوز قارون لا تغني عن قدر ~~المودة، ومن أحب الله وتقرب إليه يصبح مثل إبراهيم خليل الله. # 38 # ويستشهد مسكويه بالموروث الأصلي، القرآن والحديث، # 39 # ويعظم الآيات القرآنية ذات المنحى الإشراقي التي يستشهد بها الصوفية، ~~وتتكرر آية واحدة ثلاث مرات تعد الأخيار بما أعد لها من قرة أعين، أو تصف واقع ~~إيمان أكثر الناس بالله وهم مشركون، أو استعارة بعض أمثال القرآن، مثل رجلين لأحدهما ~~جنتان من أعناب فأصبحت خاوية على عروشها مما أنفق، ومثل الحياة الدنيا كالماء من السماء ~~المختلط بالأرض فيصبح هشيما تذروه الرياح في موضوع العجب والافتخار، إلا أن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في موضوع الحزن. وتبين الأحاديث أن الإنسان أشرف ~~الجواهر، وأنه فرد بين المجموع، كالراحلة بين الإبل، وأن الناس سواسية كأسنان المشط أو ~~الحمار، يتفاضلون بالعقل، ولا خير في صحبة لا يعرف فيها فضل الصاحبين، ورجحان أمة ~~الإسلام على باقي الأمم، وأن النخل من طينة آدم احتراما للزرع، وأن في الجنة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن الناس بأعمالهم لا بأنسابهم، وأن ~~المزاح المعتدل محمود؛ فقد كان الرسول يمزح ولا يقول إلا حقا. وبصرف النظر عن صحة هذه ~~الأحاديث تاريخيا إلا أنها جزء من المخزون النفسي الجماعي. # 40 # وأخيرا تظهر المقدمات والخواتيم التي تعبر عن البيئة الدينية للتأليف، مثل البسملة ~~والحمدلة، وطلب التأييد من الله، فالخير بيده، وهو نعم الوكيل، والبداية بعون الله، ~~فالرسول هو النموذج التطبيقي للتهذيب والتربية الإلهية، وإلى الله يتوجه مسكويه ~~بالدعوات وطلب الرضا واستجداء العون، ويبدأ كل مقالة بمعونة الله. # 41 # وبعد ms095 الدعاء لله يبدأ الدعاء للسلطان وواليه، مع ذكر التاريخ الهجري وحده ~~في طباعته قبل أن يزدوج مع التاريخ الميلادي في وعينا التاريخي الحديث، والمشرف على ~~الطباعة ونسبه ووظيفته. # 42 # وبالإضافة إلى الوافد والموروث يظهر عند مسكويه بدايات التنظير المباشر للواقع، ~~والاعتماد على التجارب الذاتية، وتحليل العقل الخالص، تحولا من النقل إلى الإبداع؛ ~~فقوى النفس الثلاث ليست من الوافد، أفلاطون فحسب، ولا من الموروث، النفس الأمارة ~~بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة فقط، بل هي تجربة شخصية عند مسكويه، ~~وإبداع ذاتي من تحليله الخاص وتنظيره المباشر للواقع. يصف مسكويه تجاربه الخاصة ~~وتجارب الآخرين. يلاحظ ذاته واكتساب العادات وجهادها، ويعبر عن خلاصة ما انتهى إليه ~~للقراء لنصحهم؛ فليست الغاية المعرفة وحدها، بل التوجه العملي أيضا، وإسداء الرأي ~~والنصح للناس في إطار تجربة حضارية مشتركة وهم مشترك وغاية واحدة. يبزغ الإبداع عند ~~مسكويه من تجاربه ومشاهداته، ثم يصدق الوافد أو الموروث على ما عرفه بنفسه معرفة ~~مباشرة خاصة، وأن الموضوعات إنسانية خالصة، مثل الحزن والخوف، وفي ذهنه أحداث العصر. # 43 # ويشرك مسكويه القارئ في التجربة والمشاهدة. لم يعد الأمر بين مسكويه وأرسطو، ولكن ~~مع القارئ أيضا كطرف ثالث في تجربة مشتركة واحدة وموسعة؛ لذلك يتحدث مسكويه بضمير ~~المتكلم المفرد والجمع تعبيرا عن التجربة الشخصية. الخطاب موجه إلى القارئ والمستمع، ~~وليس حديثا مجهولا، معادلات رياضية بلا متكلم ولا مخاطب، فيقول: ذكرنا، وصفنا، وعدنا. ~~الفلسفة مشروع حضاري جماعي يعبر عنه الفيلسوف، خطاب أمة. # 44 # يدل أسلوب مخاطبة القارئ على أن الفكر تجربة مشتركة بين الكاتب والقارئ، ~~وأن القراءة جزء من الكتابة، وأن الكتابة تهدف إلى أن تتحول إلى واقع يتحرك، وتغير ~~فعلي. الكتابة فعل. والانقياد إلى الشريعة شيء بديهي يمكن رؤيته في سلوك الآخرين، ~~وكذلك استعداد الصبيان لقبول الأدب أو نفورهم منه، وما يظهر فيهم من الإباحية ~~والحياء، والقسوة والرحمة، والجود والبخل؛ مما يساعد على معرفة مراتب الإنسان إلى ~~الفضيلة، وأنهم ليسوا على رتبة واحدة؛ ففيهم السهل السلس والصعب الممتنع. يكفي الكاتب ~~الكليات، ويترك الجزئيات للقارئ. ms096 العلم في النفس وليس في الخارج، والتعلم من النفس وليس ~~من المعلم. ويتحقق بالفعل، فيصير الإنسان خليفة الله، الموجود التام والدائم والباقي، ~~يقبل الفيض منه بحيث لم يعد بينه وبينه حجاب. والقارئ على نفس المستوى والأهلية لما ~~يطلبه الكاتب، والذي سرعان ما ينضم إليه ويصبح جزءا من الدعوة، كما هو الحال في التشيع ~~والتبليغ. القارئ على نفس مستوى الكاتب، وقادر على أن يحقق وصاياه، القيم الذاتية، ~~وليست الأشياء الخارجية في موضوع العجب والافتخار. ويعرض المؤلف للقارئ الموقف بحيث لا ~~يكون هناك مجال إلا لاختيار واحد، إن شاء القارئ أن يختار الفضيلة والسعادة، مثل تقسيم ~~النفس إلى بهيمية وسبعية وناطقة، ومطالبة القارئ أيها يختار، وكأن الحلقة أو الطريقة قد ~~تحولت إلى تدوين. لا يعلن المؤلف عن حقيقة، بل يولدها من باطن القارئ. # 45 # أمام الإنسان طريقان؛ طريق البهائم وطريق الملائكة وطريق السباع، فأيها ~~يختار؟ على القارئ أن يقوم بقلب النظرة من الخارج إلى الداخل حتى يصبح الاختيار واضحا، ~~وإذا تأمل القارئ هذا الجوهر الشريف فيه لعرف أنه باق غير فان. وفي النفس الناطقة ~~يتم الاتصال بالله، وتتلقى منه العون، على أن تقوم كل قوة بالسيطرة على القوة التي ~~تحتها؛ فتسيطر السبعية بما فيها من حمية وغضب، على البهيمية بما فيها من لذات ~~وشهوات، ثم تسيطر الناطقة بما فيها من عقل ورجحان على السبعية. # 46 # ويتم التأليف المزدوج من الوافد والموروث وتجاوزهما إلى التجربة الشخصية أو التنظير ~~المباشر للواقع عن طريق آليات التأليف. التأليف المزدوج ليس تجاورا للمصدرين، بل ~~توظيف معنوي عضوي لهما في عمليات الإبداع. ويمكن وصفها عن طريق تحديد المسار الفكري ~~للعمل، بداياته ونهاياته، مقدماته ونتائجه، خطواته واستدلالاته. ويمكن الكشف عنها عن ~~طريق تحليل أفعال الفقرات وأزمنتها وصياغاتها وأسمائها وحروفها؛ فالأفعال المستعملة ~~كلها قبل فعل القول أو معه، أفعال البيان والإيضاح، مثل: بان، وضح، علم، ظهر، حدد، عرض؛ ~~أو أفعال التقديم، مثل: ذكر، قدم، رأى، رتب، سمى، وصف، فحص، وقف. وتدل كلها على أن ~~الفكر موضوع يقدم بوضوح وتفصيل واستقصاء. ms097 كما تدل الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل، ~~على مسار الفكر، ما تم وما يتم وما سيتم في مراحل ثلاث. وأحيانا يتم الجمع بين ~~فعلين، الماضي والمضارع، ما تم وما يتم، ما بان وما يتبين، وأحيانا مع الماضي في ~~المستقبل. والفعل المضارع مواجهة مباشرة مع القارئ، ووضع الاستنتاج أمامه، ومطالبته ~~برؤيتها بعد الاستدلال السابق؛ فهي النتيجة بعد المقدمة. وكثيرا ما يرتبط المضارع ~~بالماضي على التبادل، وهو مسار معياري للفكر يعبر عن نفسه بأفعال يجب وينبغي. ويأتي ~~المستقبل بعد الإعلان عما تم في الماضي وما يتم في الحاضر انتظارا للنتيجة، وغالبا ~~يأتي بمفرده ومرتبطا بالمشيئة الإلهية. الغالب على العبارات إذن أنواع الأزمنة الثلاثة ~~التي تحدد مسار الفكر ومراحله، من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، من المقدمات إلى ~~الاستدلال إلى النتائج. الزمان هنا زمان الاستدلال؛ أي لا زمان. وإذا كان هناك خطأ في ~~المسار يتم تصحيحه عن طريق إعادة ترتيب المقدمات وتحديد الغاية والقصد وتحقيق اتساق الفكر. # 47 # مسار الفكر كله نظرية في الإيضاح. وقد يطول الربط بين الفقرات ويصبح تلخيصا للسابق ~~واستعدادا للقادم، إعلانا لوحدة الفكر وتكامل العلوم، ولحصار الاستطراد بين قوسين، ~~ومع ذلك تأتي أهمية الإيجاز، ويتم التذكير بالعودة على البداية لحصار الاستطراد والخروج ~~على الموضوع؛ مما يدل على وحدة الفكر والقصد والغاية. ومسار الفكر مسار إشكالي، يعرض ~~الإشكال وحله، القضية وعلاجها، المادة وإكمالها؛ مما يتطلب وضوح الغاية والقصد، وتحديد ~~المسار بدقة من المنطلقات الأولى حتى النتائج الأخيرة. # 48 # ونظرا لأن التفكير تجربة مشتركة بين المؤلف والقارئ، فتظهر صيغة الأمر ~~على أساس أنه فعل مشترك، خطوة ضرورية إما في الشخص الثاني المخاطب، مثل «فاعلموا»، أو ~~في الشخص الأول المتكلم، مثل «فلتعلم»، أو الغائب «فليعلم» مفردا أو جمعا. وهي نتيجة ~~أمرية للبرهان، وضع للشعور أمام موضوعه، ودعوة مباشرة إلى الرؤية. # 49 # ونظرا لأن مسار الفكر استدلال واستنتاج تظهر حروف التعليل، لذلك، لهذا. ~~وتذكر ألفاظ التعليل صراحة، مثل الأسباب. فالفكر البرهاني والفكر العلمي كلاهما يقوم ~~على التعليل في المنطق وهو الاستغراق، وفي العلم وهو ms098 العلية، ويجمع القياس الشرعي بين الاثنين. # 50 # كذلك تظهر حروف الشرط والاستنتاج، مثل «ولما»، وأفعال الشرط وجواب الشرط؛ ~~فلا مقدمات بلا نتائج، ولا نتائج بلا مقدمات. # 51 # وأحيانا تبدأ الفقرات بالأسماء تتلوها الأفعال، وليس بالأفعال وحدها ~~تتلوها الأسماء؛ مما يدل على أن المؤلف يتعامل مع موضوعات وليس مع أقوال، مثل الغاية، ~~القصد، الغرض الذي يبين اتجاه مسار الفكر نحو غاية. كما يبين اسم الموضوعات ، مثل: ~~الإنسان، الفضيلة، السعادة، الكمال، قوى النفس، العدالة، الصداقة كمبتدأ في الجملة ~~الاسمية يكون الفعل خبرها. # 52 # بل يشترك الناسخ مع المؤلف في إعادة إخراج النص وتقطيعه إلى فقرات حتى يسهل ~~فهمها والتعرف على استدلالاتها، مقدماتها ونتائجها. ويذكر أمام كل فقرة باسم المؤلف مع ~~طلب الرحمة له. وأسلوب القول هو أسلوب المؤلفين وليس الشراح فقط، يستعمله المؤلف طلبا ~~للتوفيق. وأسلوب التأليف عربي جيد؛ مما يميز التأليف على العرض، ويميز كليهما على ~~الشرح والتلخيص والجوامع، وهو مكتوب للخواص. وهناك إحساس بقصر العمر وطول المشروع؛ ~~فالبيان جهد لا يتوقف. ويقوم العلم على الاتساق. # 53 ~~(ب) «في النفس والعقل»، ويقوم تمثل الوافد على سؤال عن الوافد والإجابة عليه بوصفه في ~~الموروث المباشر أو في التصور العام للموروث، مثال ذلك «في النفس والعقل»؛ فإنها جواب ~~على سؤال وحل شكوك في الجوهر، وهو موضوع مشترك بين الوافد والموروث، قضية الحس والعقل ~~عند الغزالي، وحجج أنصار الحس لإنكار العقل والمعاني الكلية والموضوعات المفارقة، ~~وأنصار المنهج الاستقرائي الذين يريدون الانتقال من الجزء إلى الكل عن طريق الحواس، ~~وليس إدراك المعاني العقلية بالعقل، وضرورة إثبات الوعي الخالص تحت العقل وفوق الحس، ~~والشعور بالله في النفس. وهو نوع أدبي فقهي، أحكام السؤال والجواب، يتجاوز الوافد ~~والموروث إلى بداية الإبداع الخالص بالتوجه نحو الموضوع وسبر غوره والتعبير عنه. # 54 # ومن الوافد يتصدر روفس الطبيب، ثم أرسطو والحكيم، ثم أفلاطون، ثم جالينوس، ثم أبقراط ~~وسقراط، ثم ثامسطيوس والإسكندر. # 55 # وروفس الطبيب نموذج الشاك القديم في المعرفة، بصرف النظر هل هو وضع سؤال ~~الشك في الحس والعقل أم ms099 أن ذلك تأييد سؤال الشك الأعم بواقعة تاريخية خالصة. يعتمد ~~السائل الشاك على قول روفس وحجته في كتاب «الماليخوليا»، الذي يتضمن أساس الشك التام ~~بناء على خطأ الحواس والوهم والتخيل. ولما كان العقل يعتمد على مادة الحس السابقة عن ~~طريق التذكر فإنه يكون أيضا عرضة للخطأ؛ فهناك أوهام لا يمكن مشاهدتها بالحس؛ ~~وبالتالي يمكن الشك في الجواهر الروحانية لأنها جزئيات لا تدرك بالحس. الشك في الحواس ~~إذن مقدمة لإنكار الجواهر الروحانية، أو ما يسمى بالإلحاد حاليا. # 56 # ولا يرفض مسكويه حجج روفس كلها، بل ينقد منها ما يستحق النقد ويقبل ما ~~يستحق القبول، مثل عدم إدراك الكليات لعدم إدراك الجزئيات. ويخطئ عندما يستعمل لفظ ~~«ماليخوليا» عاما، ويطلقه على كل فكر على أنه خاص بمعنى المرض، مع أن الذي يميز ~~الإنسان عن الحيوان هو قوة التمييز. ويستعمل مسكويه حجة جدلية مؤداها أن علم روفس ~~الطبيب ليس ماليخوليا بمعنى المرض، أو الوهم بمعنى الفكر، ثم يعطي حجة إيجابية ضد ~~الشك تقوم على إثبات أن النفس جوهر روحاني لطيف لا كل لها ولا جزء. ويقال نفس الشيء ~~في العقل، استغناء العقل عن المحسوس في البرهان عند العاقل. وينتهي روفس إلى إنكار ~~الوحي والقوى الإلهية والكهانة، ربطا للوحي بالنفس والعقل، أي بطريق المعرفة والسعادة، ~~أكثر من ربطه بالواقع الاجتماعي وحاجة الناس إلى شريعة. # 57 # يبدو مسكويه هنا فيلسوفا خالصا أقرب إلى الإبداع منه إلى النقل، وأقرب ~~إلى الفارابي في اعتماده على العقل الخالص. والعجيب غيرة ابن سينا منه، ونقد أبي حيان ~~له؛ حسده ابن سينا، وشوه التوحيدي صورته. # 58 # وتعتبر هذه المقالة نموذج العمل الفلسفي؛ الدعوة ونقضها. # ويعتمد مسكويه على أرسطو لتنفيذ حجج الشك عند روفس، من الذاكرة إذا ما غلبت الكتب؛ ~~فأرسطو قابع في الوعي الحضاري الجديد. ويحال إلى كتاب النفس في نظرية المعرفة وليس ~~الأخلاق. يبدأ مسكويه بقول أرسطو، قول الآخر على لسان الأنا، ويعبر عن معاني أرسطو ~~بألفاظه، كما يعتمد على شراح أرسطو ومفسري كتبه، أرسطو في الوعي الحضاري القديم، خاصة ms100 ~~ثامسطيوس. العقل والحس لا يتعارضان، ولا ينفي أحدهما الآخر؛ فكلاهما في النفس. ولقد جمع ~~بينهما الإسلام. # 59 # وقد بين ذلك الحكماء، أن فعل العقل الذي به يدرك من الحواس، بل يدرك ~~كلياتها فحسب، وهو علم العلم، علم ذات العقل الذي يدرك إدراكه؛ فالعقل عاقل ومعقول، ~~وعلم من العلوم الأوائل التي لا تحتاج إلى براهين لأنها وضح من البرهان. وإن عدم وضوحه ~~راجع إلى العين التي لا ترى، كالخفاش إذا نظر إلى عين الشمس فإنه يغشى ولا يرى؛ لنقصان ~~في عين المبصر وليس في المبصر. يستعمل مسكويه مثل أرسطو لبيان أن العيب في الذات لا ~~في الموضوع. والانفعال الحسي والانفعال العقلي متمايزان؛ لأن الحس لا يدرك المحسوس ~~الضعيف أو القوي، في حين أن العقل قادر على تصور ما هو دونه. الحس لا يخلو من الجسم، في ~~حين أن العقل لا يفارقه. العقل يدرك ذاته، والحواس تدرك غيرها؛ لذلك كان العقل هو جوهر ~~الإنسان بالحقيقة، وحياته هي الحياة الفاضلة السعيدة. وكان العقل عند الحكيم أبديا ~~مفارقا، لا يفسر بفساد الإنسان، بل جوهر قائم بذاته يستعمل المزاج كآلة له. إن ~~اعتدل حيي الإنسان، وإن انحرف أو بطل مات. والعقل جوهر مفارق، مثل الله والعلة ~~الأولى. ولأول مرة في علوم الحكمة يقتبس مسكويه نصوصا من أرسطو دون خلطها وتعليقه ~~بشرحه، إحساسا بالفرق بين النقل والإبداع، بين الآخر والأنا، كما فعل ابن رشد بعد ذلك ~~في «تفسير بعد الطبيعة»، وكما فعل الفارابي من قبل في «شرح البرهان»، وابن باجه في شروح ~~السماع الطبيعي، احتواء للشرح داخل التأليف. # 60 # كما يذكر أرسطو في معرض الجمع بينه وبين أفلاطون، وكما فعل الفارابي من قبل في الجمع ~~«بين رأيي الحكيمين» ودون الإشارة إليه، ردا على سؤال هل العقل يأخذ على جهة التذكير ~~أم على جهة الانقداح. وقد اختار أفلاطون الرأي الأول في نظريته في أن العلم تذكر ~~والجهل نسيان، واختار أرسطو الرأي الثاني عن طريق المحسوسات. ولا خلاف بين الطريقين؛ ~~تذكر العقل بالمعقولات ونسيانه بالبدن، وهو طريق أفلاطون، ms101 وإدراك العقل من خلال الحس، ~~وهو طريق أرسطو. إنما الخلاف في كيفية النظر إلى المعرفة من أعلى كما يفعل أفلاطون، أم ~~من أسفل كما يفعل أرسطو؛ استنباطا عند أفلاطون، أو استقراء عند أرسطو؛ من الله إلى ~~الإنسان عند أفلاطون، أو من الإنسان إلى الله كما هو الحال عند أرسطو. أرسطو يعلم ~~الحكمة من الترقي من الأشياء الطبيعية، وأفلاطون ينحدر من الأمور الإلهية؛ ومن ثم ~~يجمع مسكويه المنظومتين في منظومة واحدة طبقا لمنهج التوحيد بين الجزئيات. ويشارك ~~سقراط أفلاطون في منظوره الإشراقي، طرح البدن، والانصراف عن الانشغال بالحواس حتى يدرك ~~الأمور الروحانية. ويقتبس مسكويه نصا من سقراط كي يتحدث بلسانه أو يتركه هو يعرض رأيه ~~بألفاظه، ويعتمد سقراط على ذلك لإثبات أن النفس مفارقة للبدن. # 61 # وكما يجمع مسكويه أفلاطون وأرسطو في منظور واحد، كذلك يجمع بين العقل والحس، بين ~~أفلاطون وأبقراط في منظور واحد، بين العقل والمزاج؛ فمن الطبيعي أن يجعل أبقراط الطبيب ~~القوى كلها عن المزاج، أن ينظر إلى المبادئ الطبيعية دون الذهاب إلى ما وراءها. ومن ~~الطبيعي أن يجعل أفلاطون الفيلسوف المزاج مجرد آلة. العقل وحده هو القادر على الذهاب ~~إلى ما وراء الطبيعة للنظر في المبادئ كلها إلى أن ينتهي إلى مبدأ المبادئ، وهذا لا ~~يتأتى إلا بإماتة شهوات البدن للحصول على الحياة الأبدية؛ لذلك قال أفلاطون: «مت ~~بالطبيعة، تحيا بالإرادة.» # 62 # كما يحيل مسكويه إلى جالينوس الذي يرى أن التفكير يفسد، كما فسد تفكير ~~مشاط الصوف ثاوسيس حين ظن أن البساط يتألم، فرمى به من فوق ليؤلمه لما غضب عليه. هناك ~~فكر خاطئ يصححه الفكر الصحيح بعد أن يعرف علة الخطأ. أما الروحانيات فليست فكرا ~~فاسدا مثل مشاط الصوف ما دمنا لا ندركها جزئيا ولا كليا؛ ومن ثم تكون موضع شك ~~كما قال روفس. هنا يعيد مسكويه تفسير جالينوس لحمايته من نظرية روفس المادية. كما يذكر ~~مسكويه الشكوك التي أوردها البعض على الإسكندر احتراما لآراء الآخرين، وإعطاء كل ذي حق ~~حقه بالنسبة إلى العقل المفارق، مع ms102 أنه أيضا رأي مسكويه. ويضرب المثل بالإسكندر ~~الأكبر وزمانه، وهو زمان الآخرين، على زمن حركات الأفلاك ونسبة بعضها لبعض. # 63 # ويحيل مسكويه إلى الحكماء على الإطلاق، لا فرق بين حكماء اليونان وحكماء المسلمين؛ ~~فالحكمة تجمعهم. فمن كلامهم أن للعقل فعلا خاصا به، جهة من النظر ليست مبادئ للحواس. ~~ليس العقل فقط العلم، بل علم العلم، علم العقل بذاته. كما يحيل إلى الطبيعيين وإجماعهم ~~على أن اثنين من العناصر الأربعة فاعلان، هما الحرارة والبرودة، واثنين منفعلان، ~~الرطوبة واليبوسة، وكل واحد من هذه الأربعة أصل في نفسه لا يتولد عن الآخر، وإنما ~~يستحيل بعضها عن بعض. ويحال إلى كتاب النفس وإلى الأخلاق والجوامع. # 64 # وما زالت بعض الألفاظ معربة، مثل ماليخوليا. # 65 # ومن الموروث لا يذكر علم واحد، بل ذكر شيخ الفلاسفة والمتكلمون وبعض الأئمة؛ # 66 # فالمتكلمون هم واضعو لغة ومصطلحات وإن لم يضعوا موضوعات، والموضوع واحد في ~~كل العلوم. الله ليس جسما ولا جزءا من جسم؛ أي ليس بذي عظم، ولا شاغلا لحيز، ولا ~~محمولا في جسم؛ أي عرض بعبارة المتكلمين. وذكر أحد الأئمة لقوله إن الله لا يعرف ~~بشيء، بل ويعرف كل شيء بالله. وذكر أيضا شيخ من الفلاسفة عندما سأل رجلا أكمه عما ~~يتصوره من البياض، فقال «خلو.» وكذلك من فقد قوة العقل في معقولاته فإنه لا يتصور ~~منها أشياء، ولا تنفعه أوهامه التي حصلت فيها من المحسوسات. ويظهر الأسلوب العربي ~~الشائع في التأليف مثل: اللهم، لعمري. كما تحدث مقارنة بين الحكيم والنبي، الأول يعرف ~~بالعقل، والثاني بالإلهام وبعناية إلهية. # 67 # إنما ذكر الموروث الأصلي، القرآن دون الحديث، ثلاث آيات من القرآن الكريم؛ الأولى ~~لتأييد عدم احتياج المعقولات للحسيات للبرهنة عليها عند العاقل، واحتياج الذي لم يرتض ~~لذلك بالرغم من المسافة الشاسعة بين المثل والممثول، مثل: # الله ~~نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح ~~. والثانية أهمية المثل لفهم المعقولات، مثل العقل في النفس ~~كالعين في البدن، أو الربان في السفينة؛ فالمثل ينبه الإنسان، ويوجهه نحو مطلوبه، ~~ويتدرج به ms103 من الحس إلى العقل # ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون ~~. والثالثة إثبات أن أوائل العقول لا ~~تحتاج إلى برهان، وإلا تسلسلت البراهين إلى ما لا نهاية، وكذلك الانتهاء إلى معرفة ~~الله، فإن الناس تظن أنهم عرفوه، ولكن # إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا ~~، # وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون ~~. وكما تبدأ الرسالة بالبسملة والترحم ~~على المؤلف، وطلب التوفيق والاعتماد على المشيئة والعون والقوة وسط الرسالة، تنتهي ~~الرسالة بالحمدلة والصلاة والسلام على النبي وآله. # 68 ~~(ج) آليات الإبداع. وتظهر آليات الإبداع في الأجوبة والأسئلة كنوع أدبي، وهو نوع ~~فقهي معروف في أحكام السؤال والجواب في علم الأصول. هو سؤال من شاك في قدرة العقل على ~~معرفة الكليات، والحس على معرفة الجزئيات، لضرورة وجود كل منهما، الحاس والمحسوس، ~~مرتبطا بالآخر. # 69 # وإذا كان الحس أو العقل مصدرا للعلم، فكيف تكون الثقة بالأمور الخارجية عنهما؟ # 70 # ويعتمد الشاك كلمة حق يراد بها باطل، قول أرسطو «من فقد حسا فقد فقد ~~علما». والأخطر في السؤال هو الانتقال من الشك في المعرفة إلى الشك في الوجود، ومن ~~الشك في أدوات المعرفة، الحس والعقل، إلى الشك في موضوع المعرفة، العالم الخارجي أو ~~الوجود المطلق، وما يترتب على ذلك من إنكار الوحي لمعرفة تفوق الحس والعقل وإنكار وجود ~~الله، الجوهر البسيط القائم بنفسه. # 71 # ويرد مسكويه على اعتراض الشاك بطريقتين؛ الأولى منهجية، والثانية موضوعية؛ ~~فالسائل أخطأ في المنهج؛ فليس كل العقل في الحس. # 72 # هناك أوائل العقول. صحيح أن الكل والجزء إضافيان، ولكن لا يرد الكل إلى ~~الجزء. والأوائل هي التي تحكم على الحس وليس العكس. كما أن عدم تحديد معاني الألفاظ سبب ~~الأخطاء في الفهم طبقا لمنطق الأصوليين؛ ومن ثم أتت أهمية تحديد معاني الألفاظ، ~~المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، كما هو الحال في معنى ماليخوليا. المطلق أي الفكر ~~الصحيح، والمقيد أي المرض والوهم. وتنشأ الفلسفة من التعبير بالألفاظ الشائعة عن ~~المعاني العويصة. كان يمكن للشاك ملاحظة عيوب وضع سؤاله ويرد عليه بنفسه، ولكن مسكويه ms104 ~~يرد عليه بالعقل وبالنقل، بالبداهة وبالنصوص، لإثبات إمكانية المعرفة؛ وبالتالي اليقين ~~الذاتي الموضوعي، المعرفي والوجودي. # 73 # أما الطريقة الموضوعية فإنها تقوم على التمييز بين العقل والحس، وجعل العقل مستقلا ~~عن الحس وليس تابعا له. وبالرغم من ظهور الحس قبل العقل في الزمان إلا أن العقل مقدم ~~على الحس بالذات. # 74 # والفرق بين الحس والعقل أن في الحس الحاس غير المحسوس، في حين أنه في ~~العقل العاقل هو المعقول. العقل وعي بذاته، عقل وعاقل ومعقول. ثم أطلق التشبيه على الله ~~في عملية التشكل الكاذب. والنفس حس وعقل، والشيء هيولاني وروحاني؛ ومن ثم يتطابق الذات ~~مع الموضوع، المعرفة والوجود. تبدأ نظرية المعرفة بتحليل وسائل المعرفة، الحس والعقل، ~~حتى يثبت موضوع المعرفة الصور المفارقة والجواهر الروحانية، وإن إثبات هذا الجوهر ~~الروحاني موجود لدى كل الشعوب وإن اختلفت طريقة التعبير عنه. ويقسم مسكويه السؤال إلى ~~عشرة أقسام، تفكيكا له وتحليلا للموضوع، ابتداء من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، ~~لمعرفة الهدف النهائي للشك، وأنه في الظاهر نظرية في المعرفة، وفي الحقيقة نظرية في ~~الوجود، أطولها القسم العاشر عن الإلهيات، يتلوه القسم الأول عن الحس والعقل، وأصغرها ~~القسم السادس عن الروحانيات الخارجية من الحس، والسابع عن الطبيعيات الدالة على ما بعد ~~الطبيعة، والتاسع من الطبيعيات إلى ما بعد الطبيعة. # والتأليف كله نظرية في البيان والإيضاح وإثبات العلم اليقيني؛ لذلك ظهرت أفعال البيان ~~في معظم الفقرات في الأزمنة الثلاثة، بينا، نبين، سنبين؛ أو أسماء البيان، مثل مبين، ~~تبيين. وكذلك أفعال الشرح، مثل شرح، كشف، وضح، في الأزمنة الثلاثة وفي الأسماء. # 75 # وهو اللفظ الرئيسي في رسالة الشافعي في علم الأصول. وفي نفس الوقت يرتبط ~~المسار الفكري بمنطق البرهان والاستدلال بداية ووسطا ونهاية؛ مما يبين أهمية ~~الفواصل في النسق والخطاب المنطقي بلا فجوات أو قفزات حتى الوصول إلى الغاية القصوى، ~~السؤال العاشر، الحديث عن الله والأفعال قبل الذات. ومنطق البرهان يفرض نفسه، سواء كان ~~دائريا كما هو الحال في البرهان العلمي، أو طوليا مستقيما كما هو الحال في ms105 البرهان ~~الديني والانتهاء إلى علة أولى. ويحافظ مسكويه على المستوى الرفيع للمناقشة احتراما ~~للسائل وافتراضا لمستواه العالي في الذكاء، سواء كان ذلك حقيقة أم تهكما، تريبة له أم ~~استمالة، موضوعيا أم ذاتيا؛ تأدبا من مسكويه. # 76 # ويتضح المسار الفكري في وضوح القصة وتحديد الغاية والهدف، وعدم الخروج على الموضوع، ~~والتنبيه على الاستقراء، والعود إلى الموضوع، وبعد استيفاء مرحلة يعد مسكويه ببيان ~~الجزء الثاني فيما بعد، بعد الفراغ من هذه المرحلة. وبعد استيفاء الموضوع يكتفي بهذا ~~القدر منه. ويحيل إلى السابق تأكيدا على وحدة العرض والموضوع؛ فالفكر له مساره ~~ومراحله ، في الماضي والحاضر والمستقبل، كخطوات في منطق الاستدلال، وانتقالا من العام ~~إلى الخاص. كل ذلك في تجربة مشتركة بين المؤلف والقارئ، وفي عمل مشترك؛ فالعلم قضية، ~~والقضية واحدة. العلم عالم شعوري مملوء بالشجون والهموم التي تعبر عن نفسها في أقواس ~~وافتراضات مطلوب نفيها أم إثباتها. الرسالة وحدة موضوعية واحدة، يحيل المتقدم فيها ~~إلى المتأخر، أهم ما فيها الجزء العاشر من السؤال، نهاية المطاف، وأطول الأقسام. # 77 # وقد تم تقطيع النص من الناسخ عدة مرات، والإعلان عن لقبه واسمه مع الترحم عليه، # 78 # وأكثرها قال أبو علي رضي الله، ولا يذكر قول أحد بإحدى صيغ فعل القول إلا ~~ويرد عليه مسكويه بقول في صيغة المفرد «أقول»، أو الجمع «قلنا». ويقوم مسكويه بتقطيع ~~السؤال حتى يتم تفنيده جزءا جزءا، يشرح القول الداخلي من السائل ثم القول الخارجي من أرسطو. # 79 # ونظرا لصعوبة معرفة الترتيب الزماني لأعمال مسكويه إلا إذا أشار هو إلى ~~ذلك، فإن «في اللذات والآلام» و«في النفس والعقل» يدلان على عمق ونضج؛ مما يدل على ~~بداية التحول من النقل إلى الإبداع، من إخوان الصفا والتقابل بين العالم الكبير والعالم ~~الصغير، حتى ابن رشد والتفرقة بين الأقاويل الجدلية والخطابية. # 80 # | رابعا: ابن سينا، والبيروني، وابن الهيثم # (1) ابن سينا # وتمثل بعض رسائل ابن سينا والبيروني هذا النوع الأدبي، تمثل الوافد قبل تنظير ~~الموروث. ~~(أ) ففي الرسالة «الأضحوية» لابن سينا (428ه)، يذكر أرسطو أولا، ms106 ثم أفلاطون، ثم ~~فيثاغورس، والإسكندر حكيم اليونانيين، # 1 # كما يذكر برزجمهر من الوافد الشرقي، وثابت بن قرة، مبينا الواقع ~~المحلي، واعتمادا على الترجمة وعصرها. # يذكر أرسطو في معرض مناقضته القائلين بالتناسخ من أجل إبطاله، والاستشهاد به في ~~إثبات أن النفس ليست من المفارقات، وإثبات خطأ ذلك في ما بعد الطبيعة. وإذا كانت في ~~حال تفارق المادة فليست من الهيئات المتعلقة بالمزاج البدني؛ وبالتالي ليست ~~حادثة بحدوث البدن. وقد ذكر أرسطو في كتاب «النفس» أنها صورة للبدن وكمال له، وعدم ~~اتفاق الأنواع في الصورة الفضلية بالكمال؛ فمن قال إن النفس تدخل بدنا غير الإنسان ~~فإنه جعل صورة الزمان جائزة أن يدخل فيها آلهة الشجر. يحارب أرسطو هنا معركة ~~ابن سينا لأبطال التناسخ، كما يحارب ابن سينا معركته على لسان أرسطو. يبين ~~ابن سينا جوهرية النفس في شرحه لكتاب أرسطو، والذي يبين فيه أن النفس الإنسانية، ~~وهي النفس الناطقة، ليست منطبعة في مادة، ولا قائمة بالجسم؛ فالشرح لا يعبر فقط ~~عن المشروح بل عن الشارح، واستعمال المشروح، وهو أرسطو، لشرح موقف الشارح، وهو ~~ابن سينا. أرسطو هو الشارح لابن سينا، هو الجهاز العقلي الأمثل لتوضيح رأي ابن سينا. # 2 # الشرح خطوة نحو التأليف وتمهيد له. ذكر ابن سينا أرسطو دفاعا عن شرحه ~~الخاص ضد أخطاء الشراح اليونان مثل الإسكندر؛ فالمسلمون أكثر فهما لأرسطو من ~~الشراح اليونان؛ فقد ظن الإسكندر أن النفوس الناقصة على الإطلاق تفسد بفساد البدن، ~~وهو غير صحيح، ولا هو مذهب أرسطو؛ لأن النفس باقية اضطرارا. وقد اعتمد عليه ~~القائلون بتناسخ النفوس الناقصة بأن السبب فيه طلب الكمال بتوسط الآلات البدنية، ~~كما قال حكيم اليونانيين إن النفس هبطت لترثاش. # 3 # ويئول ابن سينا آراء أفلاطون وفيثاغورس في التناسخ على أنه رمز وتخييل وتصوير، ~~أي أنها أقوال أدبية، دفاعا عن موقف أرسطو. والتأويل منهج إسلامي لرفع التناقض ~~بين النقل والعقل، بين أفلاطون وأرسطو. كما يستعمل ابن سينا دفاعا عن أفلاطون ~~وبرزجمهر التشكك في الروايات المنقولة عنهما المتعلقة بالتناسخ، وهو أيضا منهج ms107 ~~إسلامي في التيقن من صحة الأخبار أولا قبل تفسيرها أو تأويلها. ويختتم ابن سينا ~~بثابت بن قرة بمذهب عجيب، انفصال النفس عن البدن في جسم لطيف. ويعتبر ذلك مجرد ~~رمز أو صورة في حاجة إلى تأويل مثل أفلاطون وفيثاغورس. فالمترجمون فلاسفة أيضا، ~~ويتفقون معهم في إبطال القول بالتناسخ. تلك صورتهم عند الفلاسفة، وليس مجرد نقلة. ~~والأحرى أن تكون هذه أيضا صورة الحكماء عن أنفسهم وليس فقط عن غيرهم. # 4 # ويشير ابن سينا إلى الحكماء دون تحديد لهويتهم أو حضارتهم؛ مما يدل على أن المهم ~~هو الموضوع لا الشخص، الأفكار المنتشرة في البيئة الإسلامية حتى يتم احتواؤها إن ~~كانت مخالفة، أو الاستشهاد بها إن كانت موافقة. وقد لا تكون هناك شخصيات تاريخية ~~بعينها، بل مجرد أفكار شائعة في البيئة الثقافية يذكرها ابن سينا؛ فالفكرة تخلق ~~قائلها بصرف النظر عن هويته كما هو معروف في الانتحال. ويذكر آراءهم في النفس ولا ~~يرفضها ما داموا لا يقولون بالتناسخ، منها التذاذ النفوس الخيرة ببعضها وألم ~~النفوس الشريرة ببعضها؛ فالطيور على أشكالها تقع. العاقل يعقل ذاته، ويعقل مثل ذاته ~~أضعافا، يعقل مبادئ عقلية هي أسبابه. ومنها اتصال بعض النفوس بعضها بالبعض الآخر ~~على سبيل التأثير فيها خيرا أم شرا؛ نظرا لتعلق النفوس والأمزجة بما يشابهها ~~دون تدخل الأبدان. ومنها الاتصال العقلي الروحي الصرف بلا أبدان؛ وذلك أن القوة ~~الوهمية تفارق المادة بتوسط وبسبب القوة النطقية، فتكون مطلعة على المعاني ~~الموجودة في عالم الحس؛ فالطبيعة لهذه المعارف بدن، والمعارف الجزئية لها صلة ~~بالأبدان، وليست المعاني الكلية. ومنها اعتماد البعض على القول بالتناسخ لتبرير ~~وجود الشياطين والجن؛ فالشريرة تقوم بأفعال الشر وعلى اتصال بالأشرار مثل الشياطين، ~~والخيرة منها تقوم بأفعال الخير وعلى اتصال بالأخيار مثل الجن. ويخصص ابن سينا ~~القول الأخير بقول بعض العلماء بين العموم والخصوص، وهو مصاحبة النفس بعد التجرد ~~لبعض الهيئات الطبيعية بسبب حمل القوة المتوهمة؛ فهي عند الموت شاعرة بالموت، وبعد ~~الموت متخيلة نفسها على صورة الإنسان الذي مات، سعيدة أو شقية، ناقلة ms108 ما كان ~~عليه حالها في الدنيا، قياسا للغائب على الشاهد؛ فنشأ عذاب القبر ونعيمه، واعتبرت ~~النشأة الثانية على هيئة النشأة الأولى، وكما هو شائع في تاريخ الأديان منذ قدماء ~~المصريين. فلا عجب أن تتخيل النفس كل ما في كتب الأنبياء من الجنان والحور العين ~~على ما شاهدته في الدنيا، وما أكثر الرموز والألغاز في ذلك. وهنا يتفق الحكماء مع ~~المعتزلة على تأويل الأخرويات على نحو مجازي، قياسا للغائب على الشاهد. # 5 # ويظهر الموروث الأصلي من القرآن والحديث في خمس موضوعات إشراقية خالصة. # 6 # وموضوع النفس موضوع موروث. النفس مذكورة في القرآن وفي الكتب السابقة، ~~وتعرضت لها الأمم السالفة. يتحدث القرآن عن النفس المطمئنة ورجوعها إلى الله ~~راضية مرضية، ولا يتم الرجوع إلا لمن منه الورود. ويرفض ابن سينا تأويل آيات ~~القرآن بحيث تفيد التناسخ؛ فالمعركة مع الموروث أيضا وليست فقط مع الوافد ومع ~~أنصار الوافد في الموروث؛ أي التابعين للغرب اليوناني القديم. كما يستشهد بالقرآن ~~لمعرفة أين الحقيقة والمجاز فيه، وهي نفس الآيات المذكورة عند علماء الكلام في ~~موضوع التنزيه والتشبيه. كما يعطي نماذج من سوء تأويل الفرق الضالة للقرآن، ~~واعتبارها الحيوانات غير الناطقة أمما مثل البشر، وهي كذلك بالقوة وليست بالفعل. ~~المعاد إذن هو المعاد الروحاني، وهو ما أثبتته العقائد. كما يستشهد ابن سينا ~~بالشريعة الإسلامية، وأنها أكمل الشرائع؛ وبالتالي كانت الملة الإسلامية خاتمة ~~الملل بحديث نبوي، أن الرسول إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق. ولا يريد ~~ابن سينا الإطالة في ذلك لأنه خارج موضوع علوم الحكمة طبقا لتصنيف العلوم عند ~~المسلمين. والمعاد للنفس وحدها دون البدن. # 7 # ويلجأ ابن سينا إلى اللغة العربية لتحديد ماهية المعاد استنادا إلى المعنى ~~الاشتقاقي للفظ. الموضوع موروث، والمنهج موروث، واللغة موروثة. والمعاد اشتقاقا ~~يفيد المكان لا الزمان، من العود، أي للشيء وليس الوقت. العود هو المكان أو الحالة ~~التي كان عليها الشيء. أما عند الصوفية فالمعاد من العود إلى الأصل، والحنين إلى ~~عهد الذر الأول قبل الخلق. وفي اللغة حقيقة ومجاز، ويقع الخلط ms109 عندما لا يحدث ~~التمييز بينهما، ويمنع اتفاق فصحاء العرب على المجاز والحقيقة من هذا الخطر. ولم ~~يستعمل الوحي لغة الفلسفة المنزهة المجردة للتعبير عن التوحيد، بل عبر عنه ~~مجازا، ولم يصرح به حقيقة. وإذا اختلف الحكماء في المعاني المجردة، فكيف حال ~~العبرانيين، أهل الوبر من العرب؟ وقد امتنع الوحي من استعمال لغة الفلسفة المنزهة ~~المجردة للتعبير عن التوحيد لعدم استطاعة العرب العاربة أو العبرانيين والأجلاف ~~فهمه، وإلا عاندوا واعتبروا الإيمان عدما. هذا هو سبب التشبيه في الوحي. # 8 # وقد ضم ابن سينا العبرانيين مع العرب على أنهما شعبا الوحي. وقد ~~يكون ذلك نقدا مبطنا لعلم الكلام، أنه صعب على الجمهور، وكما عبر الغزالي في ~~«إلجام العوام عن علم الكلام». # 9 # ولو كلف الله رسولا إلقاء حقائق الأمور للعامة وللجمهور الغليظ الطباع المرتبط ~~بالحس من أجل إدخال الإيمان في قلوبهم ورياضة نفوسهم، لكلفه ما لا يطيقه إلا أن ~~يدركه بخاصة إلهية وإلهام سماوي. حينئذ يكون الرسول في غنى عنه، ويكون تبليغه ~~لا حاجة منه. والقرآن كتاب عربي، به استعارة ومجاز على عادة اللسان العربي، كما أن ~~الكتاب العبراني كله تشبيه صرف، ليس كله محرفا؛ فهو موجود بين أيدي الأمة كلها ~~في أطراف متنامية، وهم أمتان، يهود ونصارى، متعاندتان، وأهواؤهم متباينة. ~~يغلب ابن سينا التأويل للمتن على الشك في صحة الرواية، ورد الشرع إذن لمخاطبة ~~الجمهور بما يفهمونه بالتشبيه والتمثيل. والنتيجة أن ظاهر الشرع ليس حجة، ولا بد من ~~التأويل للتمثيل والتشبيه، وشرح الأمور البرهانية لفهمها وتقريبها إلى العامة؛ فلا ~~يكون شيء حجة على شيء إلا إذا كان من نفس النوع. تؤدي الحرفية في فهم اللغة إلى ~~المادية في تصور الشيء، ويؤدي التأويل في اللغة إلى الروحانية والمعنوية في تصور ~~الأشياء. هناك إذن خطابان؛ خطاب للعامة وخطاب للخاصة. الأول يقوم على التشبيه ~~والتمثيل، والثاني يقوم على التأويل والبرهان، انتقالا من النقل إلى العقل، ومن ~~الكلام إلى الحكمة؛ وبالتالي يفتح الفلاسفة طريقا للتعامل مع الكتب المقدسة عن ~~طريق التأويل على خلاف طريقة الفقهاء، ms110 ابن حزم مثلا لإثبات التحريف. ويتفق طريق ~~الفلاسفة مع طريقة الأصوليين في مقاصد الشارع، وضع الشريعة للأفهام. # 10 ~~(ب) وبالرغم من أن «المبدأ والمعاد» لابن سينا في موضوع موروث، الله والفيض ~~والنفس، تلخيصا من إلهيات «الشفاء»، إلا أن الوافد يتصدر الموروث على غير عادة ~~ابن سينا في الصمت عن مصادره. # 11 # ويتكون من مقالات ثلاث؛ الأولى: «في إثبات المبدأ الأول للكل ~~ووحدانيته وتعديد صفاته التي تليق به»، وتشمل اثنين وخمسين فصلا، وهي أكبر ~~المقالات. والثانية: «في الدلالة على ترتيب فيض الوجود عن وجوده مبتدأ عن أول ~~موجود عنه إلى آخر الموجودات بعده»، ويشمل أحد عشر فصلا. والثالثة: «في الدلالة ~~على بقاء النفس الإنسانية والسعادة الحقيقية الأخروية والتي هي سعادة ما وغير ~~حقيقية، والشقاوة الحقيقية الأخروية والتي هي شقاوة ما غير حقيقية»، وتشمل عشرين ~~فصلا. والغاية التوضيح للغامض، والإعلان للمستور والمكتوم، وجمع المفرق وبسط ~~المجمل، في حدود قصر العمر وهموم الزمان. # 12 # ويراجع ابن سينا أخطاء السابقين، ويكتشف خطأ الأصول التي تقوم عليها، # 13 # ويرصد المغالطات، ويبين الصحيح وأوجه الاستحالة في الأفكار الخاطئة، ~~ويتحقق من صحة المعاني بدقة وتفصيل. # وابن سينا هو الذي يقول دون غيره؛ فالمقال تأليف مباشر؛ لذلك تكثر صيغة «قلنا»، ~~و«نقول»، و«أقول قولا مرسلا». وقد تستهل صيغة المبني للمجهول «يقال» حتى لا ~~يتشخص الفكر. # 14 # كما تظهر أفعال البيان في صيغة «من البين»، # 15 # أو أفعال الإيضاح مثل «يتضح». ويخاطب ابن سينا القارئ في صيغة ~~«واعلم»؛ فالفكر تجربة مشتركة، والحقيقة اشتراك بين طرفين. # 16 # والفكر يبحث عن الأسباب والعلل؛ فهو فكر استنباطي استدلالي يعتمد على ~~اتساق النتائج مع المقدمات، وفكر طبيعي يبحث عن العلل. # 17 # ويتخيل ابن سينا الاعتراض مسبقا في صيغة «فإن قال قائل»، ويأتي جواب ~~الشرط «فإنا نقول». # 18 # والمقال كله قائم على قصد واحد وغرض يتجه نحوه الفكر، والذي يذكر ~~بالاستطراد كلما حاد الفكر عن المطلوب إثباته. # 19 # ويتصدر الوافد على الموروث. يأتي أولا الفيلسوف، أي أرسطو غير مشخص، ثم بطليموس، ~~ثم الإسكندر وثامسطيوس وأفلاطون، ms111 ثم بوليموس شخصية أسطورية. # 20 # ومن الفرق المشاءون المحصلون، علماء المشائين، وهم الذين ورثوا ~~أرسطو، في الطبيعة وما بعد الطبيعة وأثولوجيا؛ أي الربوبية. # 21 # ومن أسماء الكتب: السماع الطبيعي، ما بعد الطبيعة. # 22 # وما زالت تستعمل بعض الألفاظ المعربة، مثل «الأسطقسات». # 23 # ومن الموروث محمد بن إبراهيم الفارسي الذي صنف له ابن سينا الكتاب، ملك من الساميين. # 24 # ومن كتب ابن سينا يحال إلى تلخيص كتاب النفس، وتلخيص كتاب الحس ~~والمحسوس، والكتب المنطقية، والبرهان. # 25 # وتظهر عادة العرب في الإشارة إلى زيد وعمرو. # 26 # وتظهر آية قرآنية واحدة، هي # يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ~~. وتظهر بعض ~~العبارات الإيمانية، مثل «تعالى الله الغني عن كل شيء». # 27 # وبعد البسملة في البداية، والحمدلة في النهاية والصلاة على محمد وآله ~~الطاهرين، يدعو ابن سينا الله تعالى أن يجنبنا الزلل والاستبداد بالرأي الباطل، ~~واعتقاد العجب فيما نرى ونفعل، ونهاية باسم الناسخ وسنة النسخ. # 28 # وبعد البسملة في البداية والحمدلة في النهاية، وتظهر العبارات ~~الإيمانية، مثل: والله المستعان، وبه الحول والقوة. # 29 ~~(ج) وفي «مبحث عن القوى النفسانية» يذكر ابن سينا أفلاطون ثم أرسطو وأسقليبوس ~~والقرآن، في الفصل السادس في تفصيل القول في الحواس الخمس وكيفية إدراكها. # 30 # ذكر أفلاطون وأرسطو في سياق واحد من أجل التوفيق بينهما في موضوع ~~البصر؛ فقد اختلف الفلاسفة في إدراك القوة المبصرة؛ شعاع من العين إلى الشيء عند ~~أفلاطون، أو شعاع من الشيء إلى العين مثل انطباع الصورة في المرايا وهو رأي أرسطو. ~~وهناك رأي ثالث بالتقاء الشعاعين، القوة المتصورة والمحسوسات المرئية. ويؤيد ~~ابن سينا رأي أرسطو، وينقد رأي أفلاطون ببراهين عقلية وتجريبية تتشكك في وجود هذا ~~الشعاع ومكانه، خاصة وأن أفلاطون ينكر وجود الخلاء. في حين أن الفارابي قد أخذ ~~الرأي الثالث، الشعاع المزدوج، ومقابلة العين بالشيء. وقد لا يذكر أرسطو صراحة ~~لأنه هو الحقيقة، ويذكر تعريفه للنفس دون اسمه ثم تكملة تعريفه بعبارة شارحة ~~تخرجه من مصطلحاته وأحكامه العقلية إلى معان طبيعية ms112 حية يعرفها كل الناس، ويحيل ~~الفكر من الخاصة إلى العامة. وبالرغم من وصف كل من أرسطو وأفلاطون بأنهما ~~فيلسوفان، إلا أن ابن سينا ينتسب إلى أرسطو دون أفلاطون، إلى الواقعية والموضوعية ~~والعلم دون المثالية والذاتية والإشراق؛ لذلك يحاجج ابن سينا أفلاطون. فلو كان ~~الشعاع من العين إلى الشيء لما احتاج البصر إلى الضوء الخارجي، ولأدرك في الظلمة، ~~وأنار الهواء. ولو كان هذا الشعاع بالعين لكان خروجه محالا، ولو بجسم غير العين ~~فلا بد له من حامل، وهو وهم. وهذا الجسم إما أن ينبعث من العين وهو الافتراض الأول ~~الواقعي؛ وبالتالي لا يبصر كل ما تحت السماء؛ لأن الجسم لا ينفذ في الجسم إلا إذا ~~نقل الجسم الجسم، ولا يمكن القول بالخلاء لأن أفلاطون ينكره، أو أن يبصر الجسم ~~الجسم المقابل له مثل الماء، أو أن يكون الجسم متوسطا بين الذات والموضوع ليقوم ~~به الضوء. وكلما كان الجسم أقرب إلى العين كان الضوء أقوى؛ فلا حاجة إذن إلى جسم ~~متوسط. ثم ينقد ابن سينا الرأي المتوسط الثاني، القوة المتصورة التي تلاقي بذاتها ~~المحسوسات المبصرة لأنها كانت في الحس؛ فإنها لا تختلف كثيرا عن أفلاطون. وأين يتم ~~هذا التلاقي، في العين أم في الشيء أم بينهما في الخلاء أو الملاء؟ وعيوب هذا الرأي ~~الثاني أنه لا يفرق بين الغائب والحاضر، بالإضافة إلى تعطيل الخلقة والتركيب ~~للعين؛ ومن ثم لم يبق إلا صحة رأي أرسطو طبقا لبرهان الخلف. # 31 # ويتم التزاوج العضوي بين اليونان والقرآن، بين «اعرف نفسك بنفسك» عند سقراط، ~~وتحويلها إلى «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، من البعد الأفقي إلى البعد الرأسي، من ~~الوعي الحال إلى الوعي المفارق، لا فرق بين أقوال الحكماء وأقوال الأنبياء، بين ~~الوافد والموروث؛ مرة إيجابا «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، ومرة سلبا «من عجز عن ~~معرفة نفسه فأخلق به أن يعجز عن معرفة خالقه»؛ مرة بلغة ما هو كائن، ومرة بلغة ~~ما ينبغي أن يكون؛ مرة بتقرير الوجوب، ومرة بطريقة الأولى. إنما الفرق بين ms113 ~~الأوائل والأواخر هو الفرق بين العقل والوحي، بين الحكماء والأولياء. والوحي ليس ~~خاصا بالمسلمين، قد يكون أيضا عند يونان. وليس بمستبعد أن يكون الوحي قد هبط ~~على أسقليبوس؛ فقد كتبت هذه العبارة «اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك» في محراب ~~هيكله، وهو يعتبر عند اليونان من الأنبياء ومشهود له بالمعجزات، قدرته على شفاء ~~المرضى بصحيح الدعاء، وكذلك قدرة من تكهن في هيكله من الرهبان، ومنه أخذت الفلاسفة ~~علم الطب. وهو نفس المعنى في المخزون النفسي عند ابن سينا من الموروث الأصلي # نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~. لا فرق بين ~~المسلم والمسيحي نظرا لقول المسيح «ماذا ستربح لو كسبت العالم وخسرت نفسك؟» إنما ~~الخلاف بين الحكماء والأنبياء في أولوية العلة والمعلول. عند الحكماء، الأولوية ~~للإنسان «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، وعند الأنبياء تتداخل أولوية الله مع أولوية ~~الإنسان # نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~، وهو ~~الفرق بلغة العصر بين العلمانية والدين، بين العقل والإيمان، بين اليونان والقرآن. ~~ويستشهد ابن سينا بالآية تأييدا لنفس المعنى، من نسي ينسى، ومن ذكر يذكر. القرآن ~~والحديث أصل الوافد، رافدان في التأليف معه، خاصة وأن أقوال العلماء والحكماء ~~والأولياء والأوائل في الأنبياء عند الأنا وعند الآخر متشابهة، وتتلاقى على أهمية ~~موضوع النفس كمقدمة لمعرفة الله، إنما الخلاف في العلة والمعلول، عند الحكماء العلة ~~للنفس والله هو المعلول، وفي القرآن العلة لله والنفس هو المعلول، في حين أن الفعل ~~أيضا، فعل النسيان أو التذكر، للإنسان أولا. القرآن والحكمة إذن متفقان، لا فرق ~~بين الوافد والموروث. يؤكد الوافد على الإيجاب، الذكر، في حين يؤكد الموروث على ~~السلب، النسيان. كما تظهر ألفاظ الموروث، مثل الإلهي، الوحي، الأنبياء، المعجزات، ~~أكثر من ألفاظ الوافد. ولا فرق بين الإسلام والمسيحية، بين معجزات الأنبياء ~~والأولياء ومعجزات المسيح والحواريين والرهبان، بين الطب العلمي والطب النبوي. وقد ~~جمع الفلاسفة بين النوعين من الطب. # 32 ~~(د) وكتاب «القانون في الطب» لابن سينا من نوع تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. # 33 # وقد كان الشائع أنه إبداع ذاتي خالص لا ms114 يحيل إلا إلى ذاته، إلا أن ~~تحليل المضمون يكشف أولوية الوافد على تنظير الموروث. والوافد الغالب هو الوافد ~~الشرقي على الوافد الغربي في المجلدات الثلاثة التي تضم الكتب الخمسة، أولوية للهند ~~والصين وفارس على اليونان والرومان، على عكس ما هو شائع من غلبة الوافد اليوناني. # 34 # في المجلد الأول يتصدر الوافد الشرقي على الوافد الغربي؛ الهند ثم ~~الصين ثم العرب ثم الشام ثم فارس ثم أرمينيا ثم النبط ثم مصر ثم الخوزي واليمني ~~والمكي. وتظهر صفة العرب في الصمغ العربي وبلاد العرب وبلاد الشام. # 35 # وفي المجلد الثاني الذي يشتمل على أمراض الأعضاء عضوا عضوا، يتصدر ~~الوافد الغربي على الشرقي، الهند ثم الصين ثم اليمني والعربي والأرمني. وفي المجلد ~~الثالث الذي يشمل الكتابين الرابع عن الأمراض الجزئية التي لا تختص بعضو عضو، ~~والخامس عن الأدوية المركبة ، يتصدر الوافد الشرقي من جديد على الوافد الغربي، الهند ~~ثم الصين ثم فارس والكندي ثم اليهود ثم الكرماني ثم العربي ثم أهل الإسكندرية ~~والسوري وآسيا والأرمن. # 36 # ويظهر التمايز بين الأنا والآخر في استعمال الضمائر، ضمير المتكلم المفرد «أقول»، ~~أو الجمع «نقول»، «قلنا»، «عندنا»، في مقابل «يقال»، «قال قوم»، «قال بعضهم»، ~~«قالوا». ولم يرد لفظ «يقول» على الإطلاق الذي أصبح عنوانا على التبعية والتقليد ~~في الأحكام الشائعة. ويدل استعمال المبني للمجهول على أن المهم هو القول وليس ~~القائل. وقد يظهر هذا التمايز في عبارة واحدة، مثل «فهذا قوله ونقول»، «قال ونحن ~~نقول»، «كلامنا في الأذهان في هذه الجملة على شرطنا». كما يعقد ابن سينا تقابلا ~~آخر بين القدماء والمحدثين دليلا على التواصل والاختلاف الحضاري في الزمان، ~~وعادة ما يكون القدماء أفضل من المحدثين تواضعا من العلماء. # 37 # ومع ذلك فالدافع على تأليف الكتاب محلي صرف بناء على سؤال بعض الإخوان لتأليف ~~كتاب في الطب يشمل قوانينه الكلية والجزئية، بين الشرح والاختصار، وهو كتاب ضروري ~~لكل من يدعي صناعة الطب، ويريد التكسب بها. يضم أقل القليل للطبيب دون زيادة ~~غير مضبوطة. وكان ابن سينا ينوي، ms115 إن أخر الله في الأجل، وساعده القدر، أن يعيد ~~تأليفه؛ لأن الكتاب مجرد صياغة أولى. # 38 # وبالنسبة للوافد اليوناني يتقدم جالينوس ثم ديسقوريدس ثم أبقراط ثم اليونان ثم ~~الروم ثم أرسطو. فلا يأتي أرسطو إلا مؤخرا في المرتبة السادسة. في الكتاب الأول عن ~~الأمور الكلية يتقدم جالينوس، وفي الكتاب الثاني عن الأدوية المفردة يتقدم ~~ديسقوريدس. جالينوس هو الوافد الأول في الطب أي في التشخيص، وديسقوريدس هو الوافد ~~الأول في الأدوية في العلاج والصيدلة. ويقل جالينوس تدريجيا في التحول من النقل ~~إلى الإبداع، ويكثر ديسقوريدس في الأدوية؛ لأن النقل فيه أكثر من الإبداع، بل إن ~~جالينوس يتفاوت أحيانا في تردده بين الكثرة والندرة في أول المجلد وآخره، ثم ~~يتلوها أبقراط وروفس ثم أرسطو. ومن حيث الثقافات يتقدم اليونان على الرومان. # 39 # وفي المجلد الثاني الذي يضم أمراض الأعضاء عضوا عضوا، يتصدر ~~جالينوس على أبقراط، وتقل أسماء الأعلام نظرا لغياب أسماء الأدوية، ثم يذكر ~~أركاغيس وبولس وروفس، ولا يذكر أرسطو وأفلاطون وديسقوريدس إلا مرة واحدة. # 40 # وفي المجلد الثالث يتصدر أيضا جالينوس وأبقراط، ثم صفة اليوناني ~~والرومي، ثم يظهر أرسطو والإسكندر وأرسطوماخوس وبولس، ثم أرسطراطس وفيلاكسانس ~~وقاطاجانس وفيلون الطرطوسي. كان الأطباء كثيرين، ولم يشتهر منهم إلا جالينوس ~~وأبقراط لأنهما يجمعان بين الطب والحكمة، في حين أن الآخرين مجرد أطباء ممارسين. # 41 # ويغلب الوافد اليوناني في أسماء الأدوية؛ وذلك لترجمته مبكرا عن طريق نصارى ~~الشام، ومعرفة مصطلحاته الطبية قبل معرفة الوافد الشرقي الهندي أو الصيني أو ~~الفارسي. كما أن الجوار الجغرافي والثقافي مع الشام كان أكثر قربا من الجوار ~~الجغرافي والثقافي مع الهند والصين وفارس. كانت اللغة العربية لغة نصارى الشام؛ فقد ~~كانوا عربا لغة، ويونان ثقافة، ونصارى دينا، ومسلمين حضارة وموقفا، في مقابل ~~الاختلاف اللغوي والثقافي بين العرب يهودا ونصارى ومسلمين من ناحية، وبين أهل ~~الهند والصين وفارس. كان العرب أهل شعر وفصاحة، بينما كان الهند أهل دين ورياضة، ~~والصين أهل علم وتجارة، والفرس أهل أخلاق وسياسة. # وتدل كثرة الأسماء الطبية على ms116 قدرة فائقة على إيجاد مرادفات عربية للألفاظ ~~اليونانية والفارسية والهندية والصينية، وهو عمل إبداعي لغوي. ليس النقل مجرد ~~العثور على لفظ مقابل لفظ، بل فهم معنى اللفظ المنقول منه، وإيجاد ما يقابلهم في ~~اللغة المنقول إليها؛ فإن صعب النقل أخذ التعريب؛ مما يكشف عن المصادر اليونانية ~~والفارسية لأسماء الأدوية. وقد تشتق الأسماء من أماكنها المحلية، مثل السوسي ~~والطرطوسي والنبطي والصيني والهندي والقرشي والقلزمي واليمني والبحريني والبالي ~~والمكي والعباداني. وقد تؤخذ من المناطق والأقاليم، مثل البحري والبري، أو من ~~الطوائف مثل اليهودي. # 42 # وقد تشتق من الوظائف، مثل المسخن والمبرد والمرطب والميبس. وقد تنسب ~~إلى أسماء الأطباء، مثل كحل أرسطراطس، وحب أفلاطون، ودواء أندروماخوس، ودواء ~~لنياوس، ودواء جالينوس، ودواء ديسقوريدس. # وابن سينا على وعي تام بالفرق بين الأسماء والمسميات، بين الألفاظ والأشياء، ~~بين الاصطلاح والموضوع. وقد تكون الإحالة إلى الوافد من أجل بيان نشأة التسمية، كما ~~بين الفارابي من قبل اشتقاق كلمة الفلسفة. فالأمراض تلحقها التسمية إما من ~~الأعضاء الحاملة لها، مثل ذات الجنب وذات الرئة، أو من أعراضها كالصرع، أو من ~~أسبابها كالسوداوي، أو من التشبيه مثل داء الأسد والفيل، أو إلى طبيب يذكره، مثل ~~قرحة طيلانة نسبة إلى طيلانس، أو منسوبا إلى بلدة بكثرة وقوعها فيه، مثل قروح ~~بلخية نسبة إلى بلخ، أو إلى بلدة مشهورة بالنجاح في معالجتها، مثل قرحة سيروتية، ~~أو من جواهرها وذواتها كالحمى والورم؛ فالأسماء الوافدة لا تدل على تبعية، بل على ~~كيفية اشتقاق الأسماء، كما هو الحال في المعاجم اللغوية للمصطلحات العلمية. ~~وأحيانا تترجم الأسماء حرفيا، مثل «سيقومورون»، ومعناه التين الأحمق. # لذلك يشير لفظ «اليونانية» كصفة إلى الأسماء؛ أي إلى البعد اللغوي الصرف. وقد ~~ذكر فعل «سمي» ومشتقاته قبل معظم الأسماء، وكأننا ما زلنا في عصر الترجمة الأول، ~~مع التفرقة بين الاسم والمسمى، كما هو الحال في مبحث الألفاظ عند الأصوليين. # 43 # قد ينشأ كثير من الخطأ بسبب الخلط في الأسماء. وتختلف الأسماء على نفس ~~المسمى؛ إما لاشتراك الاسم، أو لضعف التمييز كما هو ms117 الحال عند قدماء الأطباء. ~~ويستعمل اللفظ بالضرورة في عدد من المؤلفات استعمالات مختلفة، كما يستعمل ~~ابن سينا بعض أشكال الحروف اليونانية لشرح الأمراض ووصف الأجسام، مثل حرف # C ~~، وحرف 8 أو حرف # H ~~، كما هو الحال في استعمال الأشكال الرياضية. # 44 # وتظهر الخصوصية في اللغة في التقابل بين الأسماء الإفرنجية والأسماء ~~العربية، بين الأسماء الوافدة والأسماء التي توجد في البلاد، في بلادنا، من أعشاب ~~نيل مصر أو من بلاد السند. # 45 # وبصرف النظر عن مصادر ابن سينا، مدونة أو شفاهية، إعلانه أو صمته عنها، فإن ~~الإحالة إلى التراث الطبي السابق لا تعني النهل منه أو الاعتماد عليه أو تقليده ~~بقدر ما تعني معرفة الحالة الراهنة لعلم الطب والدراسات السابقة فيه، بصرف النظر عن ~~مصدره، شرقي أو غربي، هذا الطبيب أو ذاك؛ فلا جديد بلا قديم، ولا تجديد بلا تراث، ~~ولا إبداع بلا نقل. وتقدم العلم مرهون بمعرفة آراء السابقين ثم نقدها وتجاوزها، ~~ونقل العلم ذاته من مرحلة أولى إلى مرحلة ثانية. العلم تراث متصل لا انقطاع فيه. # 46 # ولا يوجد تراث طبي عظم تراث السابقين عليه كما فعل التراث الطبي ~~الإسلامي، ويتضح ذلك من الألقاب التي أعطيت لأطباء اليونان؛ جالينوس الفاضل، فاضل ~~الأطباء، الحكيم الفاضل، ديسقوريدس الحكيم، الحكيم الفاضل، روفس الحكيم، أركيغانس ~~الحكيم، أبقراط مقدم الأطباء. ليس لقب الحكيم وقفا على أرسطو. ولقب الفاضل لقب ~~علمي يجمع بين العلم والأخلاق، النظر والصدق، الحكمة والأمانة، مثل الفاضل من ~~المهندسين. وأحيانا يذكر الأطباء بلا ألقاب كأسماء فرضت نفسها على تاريخ العلم ~~دونما حاجة إلى تعظيم وإجلال. # 47 # وبتحليل مضمون الأفعال التي تذكر قبل أطباء الوافد، خاصة جالينوس وأبقراط، ~~يتضح تنوعها بين أفعال الذكر والتسمية والنسبة والحكاية والظن والرأي والشهادة ~~والزعم، وأن أقلها ذكرا هي أفعال القول. يتعامل ابن سينا مع التراث الطبي السابق، ~~ويراجعه، ويتحقق من صدقه، وليس مجرد راو أو ناقل له. تعني البداية بجالينوس ~~البداية بالتراث الطبي الإنساني؛ فهو أول من عرف تشريح أصابع الرجل، وأول من دل على ~~وجود ms118 العناية والحكمة في البدن بالعقل الخالص والتجربة الطبيعية، وإن لم يسندها ~~إلى الوحي الذي لم يبلغه. ويقارن بين رأي جالينوس ورأي الفيلسوف الأول دون الإفاضة ~~فيه؛ فقد اختلف أرسطو وجالينوس في سبب الشيب؛ فهو عند أرسطو الاستحالة إلى لون ~~البلغم، وعند جالينوس النكرج الذي يلزم الغذاء الصائر إلى الشعر. ويقارن جالينوس ~~بديسقوريدس في الأدوية المفردة دون تبعية لأحدهما دون الآخر. كما يتحقق ابن سينا من ~~صدق الرواية التاريخية التي تنسب إلى جالينوس كما هو الحال في علم الحديث؛ فقد ~~يكون الخطأ في السند أو في المتن. ولا يحال إلى أطباء اليونان فقط فيما أوردوه، بل ~~أيضا فيما لم يثبتوه إحساسا بالإضافة إلى ما قاله القدماء والزيادة عليهم بما ~~تركوه. ويميز ابن سينا بين القول الخاص والقول العام؛ فمع أن جالينوس له رأي خاص ~~في حالة خاصة إلا أنه يطلق الحكم، وهو غير سديد. يراجع ابن سينا الأحكام ~~ويقارن بين موضوعاتها حتى يخصص العموم أو يعمم الخصوص، كما هو الحال في علم ~~أصول الفقه. # 48 # ويشير ابن سينا إلى أرسطو وإلى أطباء اليونان لبيان الفرق بين الأسماء ~~والمسميات؛ فربما كان التمايز بين الموروث والوافد في الأسماء لا في المسميات؛ ~~فأرسطو أول من أطلق على الشريان الأكبر اسم أورطى. وقروح العين سبعة أنواع، أربعة ~~منها في سطح القرنية يسميها جالينوس قروحا. كما يسمى الدواء باسم الطبيب، مثل ~~الصابون المنسوب إلى أسقليناوس، والدواء المنسوب إلى قسطيطيبوس، وكان لأبقراط ~~تسمياته الخاصة. ولا يذكر ابن سينا «قال جالينوس»، بل يدخل في أفعال الشعور وأنماط ~~الاعتقاد، مثل الظن والتوهم والرأي والزعم، أو من أجل الحسم واستعمال أفعال الجزم ~~واليقين. يصف ابن سينا ما يسبق وهم جالينوس، وينقد زعمه وزعم ديسقوريدس. ويراجع ~~بنفسه التجارب كي يتحقق من صدق أقوال جالينوس أو أبقراط ومن منافع أدوية ديسقوريدس. ~~ويذكر تجارب السابقين ويراجع على أقوالهم. والقول عبارة لها معنى وتحيل إلى شيء ~~في العالم، وليست مجرد ألفاظ منقولة وفهم يتم نقله من حضارة سابقة إلى حضارة ~~لاحقة لإثبات إبداع السابق ms119 وتبعية اللاحق، كما هو الحال في الاستشراق القديم. كما ~~يصف ابن سينا ما يصفه جالينوس، ويشاهد ما يشاهده حتى يمكن التحقق من صدق القول. ~~ويذكر السابقين ليس تبعية لهم، بل مراجعة لأحكامهم ونقدا لتراثهم وبناء عليه ~~وتطويرا له. «ويبين جالينوس»؛ أي إن عين ابن سينا على الشيء المرئي، ثم ينقلها على ~~العبارة المقروءة، ثم يحكم على قصد جالينوس وهو البيان. «يرى جالينوس» مع ابن سينا ~~تعني أن جالينوس هو الشاهد على رؤية ابن سينا، وليس ابن سينا هو الشاهد على رؤية ~~جالينوس؛ فالإشارة إلى جالينوس لا تعني تبعية ابن سينا له، بل شهادة جالينوس له ~~كحجة من التاريخ، وتواتر مصدق بين العلماء. وتكون الإشارة إلى أفعاله وليس فقط ~~إلى أقواله، كما هو الحال في تقسيم السنة إلى قول وفعل وإقرار، وبناء عليه يرفض ~~جالينوس هذا الشراب أو ذاك. ولا يتردد ابن سينا لحظة في تخطئة جالينوس أو بيان ~~تناقض مذهبه، وقد يكون أعلم بمذهب جالينوس من جالينوس نفسه. # 49 # أما بالنسبة إلى الموروث فلا يذكر ابن سينا التراث الطبي السابق عليه؛ لأنه ~~كعادته في موسوعاته الثلاث صامت على مصادره، محاولا تجاوز التاريخ إلى البنية، ~~والتحول من النقل إلى الإبداع، على عكس الرازي الذي يذكر التراث الطبي النصراني ~~الذي كان حلقة الاتصال بين الطب اليوناني والطب الإسلامي. ويستثني ابن سينا من ذلك ~~الكندي والرازي. يذكر الكندي باعتباره طبيبا، ولكن في أغلب الأحوال باعتباره ~~حكيما طبيعيا مستمدا منه بعض المصطلحات العربية الموروثة للعلل الأربعة، ~~المادية والفاعلية والصورية والتمامية، وهي الغائية كما استقر الأمر عليها فيما ~~بعد. كما يحيل إلى حنين بن إسحاق الطبيب، وليس المترجم، معتمدا عليه في جمع ~~مادته الطبية. ولا يشير إلى علوم إسلامية نقلية أو عقلية نقلية أو عقلية خالصة ~~عند متكلم أو صوفي أو أصولي، بالرغم من تعرضهم أيضا لبعض الجوانب الطبية، مثل ~~حديث المتكلمين عن الجسم، والصوفية عن الحواس، والأصوليين عن المنافع والأضرار ~~البدنية في الطهارة، كما لا يشير إلى محدث أو فقيه أو مفسر يروي مأثورات ms120 الطب النبوي. # 50 # ويقل الموروث شيئا فشيئا بالتحول من التشخيص في الأمور الكلية إلى الأمراض ~~الجزئية للأعضاء أو لغير الأعضاء، ويكاد يختفي في العلاج؛ أي في الطب العملي في ~~الأدوية المفردة والمركبة، فتقل الإحالة إلى العناية الإلهية وتجلي حكمة الله ~~في الكون تعبيرا عن # فتبارك الله أحسن ~~الخالقين ~~، أو # ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا سبحانك ~~. وفي موضوع الراضعة وضرورة خلوها من الانفعالات ~~الرديئة، مثل الغضب والضجر والجبن؛ لأن ذلك يفسد المزاج فيفسد الرضاع، يحيل ~~ابن سينا إلى نهي الرسول عن استظئار المجنونة؛ لأن سوء خلقها قد يؤدي إلى سوء ~~العناية بتعهد الصبي وإخلال مداراته. # 51 # هذا بالإضافة إلى مفاهيم الخلق والعناية والتي تتحول إلى مفاهيم طبية ~~علمية في منافع الأعضاء والأدوية، مع البداية بالبسملة والحمدلة والنهاية بها؛ مما ~~يضفي على الكتاب روح الموروث بعد تمثل الوافد. # وكما أن هناك صلة بين الطب والمنطق في القياس والتجربة هناك صلة أخرى بين الطب ~~والإلهيات بظهور مفاهيم الروح والمحرك الأول والرؤيا الصادقة والخلق والعناية في ~~الاستعمالين العلمي والديني في اشتباه الميتافيزيقا بين العلم والدين، فيستعمل بعض ~~المفاهيم، مثل «الروح» و«النفس»، بالمعنى العلمي أكثر منها بالمعنى الديني، بالمعنى ~~الوظيفي وليس بالمعنى العقائدي. ويعني بالروح أو النفس المعنى الطبيعي، ما يسري في ~~البدن كقوة مادية؛ فالغضب ينشأ من إثارة القوة في الروح. كما يظهر مفهوم «المحرك ~~الأول» عند الحديث عن حركة الأعضاء بعنصر النار، واجتماع الحار واليابس والخفة ~~والثقل؛ فالثقل أعون في كون الأعضاء وسكونها، والخفة أعون في كون الأرواح وتحركها، ~~والمحرك الأول هو المحرك للنفس بإذن باريها. وهنا تبدو الأشعرية الكامنة في نسيج ~~الفلسفة الإشراقية. وبمناسبة ما قاله جالينوس في الرؤيا يضيف ابن سينا أن الرؤيا ~~الصادقة جزء من أجزاء النبوة، مكملا الوافد بالموروث وقارئا له من خلاله. # 52 # والفكرتان الرئيسيتان اللتان تتخللان الكتاب هي الخلق والعناية؛ فالطبيعة ~~مخلوقة، والعناية فيها من صنع الله. الله هو الذي وضع المزاج المعتدل في الإنسان، ~~وهو الذي وضع في كل عضو مزاجه الأصلح لأفعاله وأحواله بحسب إمكانياته، ms121 وذلك من ~~اختصاص الفيلسوف لا الطبيب. وأعطى الإنسان أعدل مزاج في هذا العالم مناسبا ~~لقواه، وتلك حكمة الخلق، وكأن ابن سينا يشرح آية # فتبارك ~~الله أحسن الخالقين # في الطبيعة وفي علم الطب، ويظهر اللفظان، ~~الخلق والعناية، على التبادل؛ الخلق أولا والعناية ثانيا. ويستعمل ابن سينا الآية ~~على نحو حر تعبيرا عن حكمة الخلق، والتي صاح بها كاتب الوحي حتى قبل نزولها ~~إحساسا منه بجمال الخلق وحكمته في تكوين الجنين في رحم الأم. والخلق والخلقة من ~~نفس المصدر؛ الخلق طبيعة، والطبيعة خلق؛ ولا فرق في اللغة بينهما. وبعد أن يصف ~~ابن سينا وظائف الأعضاء وحركة الاخلاط فيها يمدح الخلق. يصف الأعضاء وخلقها والحكمة ~~في أجزائها ووظائفها طبقا للمنافع؛ فالخلق يقوم على زيادة المنفعة والإقلال من ~~الضرر. ويحلل حكمة الخلق في البدن، في العظام والغضاريف والمفاصل وباقي أجزاء ~~الهيكل العظمي لسهولة الحركة، كما يصف الحكمة في خلق الكتفين، تعليق للصدر وحمايته، ~~وخلق الأنفين الدقيقتين، والنخاع والعنق والقصبة الهوائية والرئتين والعينين ~~والأضلاع. ولا فرق في إدراك ذلك بين جالينوس وابن سينا، بين الحكمة اليونانية ~~والعناية الإسلامية، بين العقل اليوناني والوحي الإسلامي، بين تراث الآخر وتراث ~~الأنا، كلاهما يتوجهان نحو طبيعة واحدة. ولا فرق في حكمة الخلق بين خلق الإنسان ~~وخلق الحيوان. يتحدث ابن سينا عن الخلق لا الخالق؛ أي عن الطبيعة وليس تشخيصها في ~~فاعل، إجابة على سؤال «من؟» وهو أقرب إلى العلم منه إلى الدين. كما اقتضت العناية ~~الإقلال من الآلات؛ لأن الإكثار منها ضرر، وخلق الأمعاء الستة آلات لدفع الفضل ~~اليابس، وجعلها كثيرة العدد والتلافيف والاستدارات حتى لا ينفصل الغذاء سريعا، ولا ~~يحتاج الإنسان إلى تناول الغذاء في كل وقت والتبرز الدائم والمشابهة بالبهائم. هناك ~~إذن حكمة في الطبيعة تتجلى في المخلوقات. وتتجلى حكمة الخلق في تشريح المثانة، وهي ~~وعاء يستوعب الماء مدة قبل أن يخرج من الحالبين ومن قضيب يتحكم فيه. وسبب ولادة ~~الجنين احتياجه إلى هواء وغذاء أكثر مما في رحم الأم. # 53 # وقد خلق الله الدواء للمنفعة، كما ms122 خلق العضو للصحة والمرض، وهو دواء ~~إلهي شاف بإذن الله. والأيارج اسم للمسهل، وتفسيره الدواء الإلهي لأنه عمل المسهل ~~أمر إلهي. وهنا تبدو الأشعرية مرة ثانية في ثنايا علم الطب. يأخذ مفهوم العناية ~~الإلهية إذن معنى علميا بمعنى نظام الكون كما هو الحال في البدن الطبيعي؛ ~~فالعناية الإلهية تتجلى في الطبيعة وفي الإنسان، وكأن العناية حالة في الطبيعة، ~~وكأن الطبيعة عاقلة وقاصدة إلى غاية خيرة. ويستعمل ابن سينا لفظ «التسخير»، ~~اللفظ القرآني، لبيان هذه الوحدة بين الخلق والعناية. # 54 # ويعبر عن هذا الجو الديني داخل علم الطب البدايات والنهايات الإيمانية، ~~البسملات والحمدلات في أوائل الكتب أو في آخرها، كما تتكرر لازمة «إن شاء الله ~~تعالى» بعد الإعلان عن النية والقصد. ويظهر لفظ «اللهم» كأسلوب في التعبير. ونفس ~~النهايات الإيمانية لصاحب المطبعة المتوسل إلى الله بالجاه، والطالب العون على أداء ~~واجب الصناعة. وقد أسقطت أمثال هذه العبارات من الترجمات اللاتينية على أنها بنية ~~محلية غير علمية، فتأزم العلم الغربي، ووقع في التجريبية الخالصة بدعوى الفصل بين ~~حكم الواقع وحكم القيمة. # 55 ~~(ه) وتعد «أجوبة الشيخ الرئيس عن مسائل أبي الريحان البيروني» # 56 # من أطول الرسائل، ومن أكثرها اشتغالا باليونان وذكرا لهم، وتدل أيضا ~~على التراكم الداخلي العرضي، الحوار بين المعاصرين في الداخل بالرغم من أولوية تمثل ~~الوافد على تنظير الموروث، وفي صيغة السؤال والجواب كما هو الحال في علم الأصول. ~~الرسالة رد على سؤال البيروني حول بعض موضوعات الوافد. البيروني عالم، والحكمة ~~حاملة العلم. # من الوافد يتصدر أرسطو كاسم علم في الغالب، أو اللقب مثل الفيلسوف وهو الغالب، ~~أو الحكيم صاحب المنطق، ثم أفلاطون، ثم ثامسطيوس وأنكسمندرس، ثم الإسكندر وطاليس ~~وهرقليطس وديوجانس ويحيى النحوي. ولم يذكر من الموروث إلا الرازي والفارابي. # 57 # وقد ذكر أرسطو في مقدمة المسائل مع تحديد اسم كتاب «السماء والعالم» ~~الذي به المشكلة. والسؤال حول السبب الفلسفي، وابن سينا هو الأقدر على الإجابة ~~نظرا لتمثله ثقافة الآخر. لا يكفي علم أبي الريحان وحده دون حكمة أبي علي؛ ms123 ~~فالعلم دون فلسفة لا يبصر ولا يدرك ذاته. العلم دون فلسفة مادة بلا صورة، بدن بلا ~~نفس، والفلسفة دون علم صورة بلا مادة، نفس بلا بدن. ومن الأسئلة الثمانية عشرة ذكر ~~أرسطو في تسع منها؛ أي في نصفها. والمسائل والأجوبة المذكور فيها أرسطو أربعة (أي ~~ثماني مرات)، وفي الأجوبة وحدها أربعة، وفي الأسئلة وحدها مرة واحدة، وكلها موجهة ~~إلى السماء والعالم. # 58 # وذكر من مؤلفات أرسطو «السماء والعالم»، ثم «السماع الطبيعي»، ثم «الكون ~~والفساد»، «سمع الكيان»، «الحس»، ثم «الميتافيزيقا»، و«الآثار العلوية». ومن ~~أفلاطون ذكر «السياسات». # 59 # وأحيانا يذكر الكتاب باسمين؛ «السماء» و«السماء والعالم»؛ أي الأصل ~~اليوناني ثم إضافة الشراح اليونان والمسلمين؛ إذ لا يمكن تصور السماء دون العالم ~~والأرض. ولا يحيل ابن سينا إلى كتاب واحد فقط الذي به موضع السؤال، بل إلى مجموع ~~كتب أرسطو وضعا للجزء في الكل، والموضوع في النسق. ويذكر «السماع الطبيعي»، «سمع ~~الكيان»، الترجمة العربية عن اليونانية وعن السريانية. وفي نفس الوقت ذكر من ~~الموروث «الجمع بين رأيي الحكيمين» للفارابي. والاستشهاد بالكتب تأييد لتحليل ~~ابن سينا ومنع للتطويل؛ أي الاعتماد على السلطة العلمية في ذلك الوقت. ويتم تحديد ~~الكتاب والمقال والموضع. والإحالة إلى مجموع الأعمال تدل على وحدة علوم الحكمة وعلى ~~فكر لا شخصي، أسماء علوم وليس أسماء أعلام. وتهدف الإحالة إلى إزالة اللبس وتحديد ~~المعنى كقصد. # 60 # كما ذكرت الفرق والمجموعات، مثل: المفسرون ثم الفلاسفة ثم المهندسون ~~والسوفسطائية والفضلاء في صناعة الهندسة وأصحاب العلم الرياضي. # 61 # كما يذكر الجناح الشرقي في أجوبة الشيخ الرئيس على مسائل أبي ~~الريحان؛ إذ ترد الهند في السؤال؛ لأن أبا الريحان كان على اطلاع على ثقافاتها ~~ودياناتها. فما هو معلوم عند أهل الكتاب وما يحكى عن الهند، أن الفلك غير ثابت، ~~عكس ما ادعاه أرسطو. ثقافة الشرق وثقافة الوحي متفقتان على حركة الفلك عند أرسطو ~~الذي يقول بثباته. # وتبدأ المسائل بأرسطو باستمرار؛ لأنه يمثل آخر ما وصلت إليه ثقافة العصر. # 62 # وأرسطو في الفلسفة اليونانية يدل أيضا على آخر ms124 ما وصلت إليه الفلسفة ~~اليونانية؛ لذلك بدأ يؤرخ لها. والتاريخ رصد للبداية علامة على الاكتمال وبداية ~~النهاية، كما أن الإسلام آخر مرحلة في النبوة اكتمالا لمراحل الوحي السابقة؛ ~~فأرسطو آخر الحكماء كما أن محمدا آخر الأنبياء؛ لذلك يبدوان متفقين في الرؤية، لا ~~فرق بين حكمة ونبوة. # والمسائل المذكور فيها أرسطو أربعة، الثانية والرابعة والخامسة والسادسة؛ فالسؤال ~~الثاني عن اعتماد أرسطو على أقاويل القرون الماضية والأحقاب السالفة في الفلك، ~~واعتبارها حجة قوية على ثبات الفلك ودوامه. ومن لم يتعصب لأرسطو يعلم أن ذلك غير ~~صحيح، وهو ما يعرفه أهل الكتاب، وما يحكى عن الهند وأمثالهم من الأمم نظرا لتعاقب ~~الحوادث على مكان المعمور من الأرض، إما جملة وإما على التناوب. اعتمدت شهادة ~~القدماء على حال الجبال وشهادة المحدثين على وقوع الأحداث. وهو سؤال الثبات ~~والتغير في العالم. ورد ابن سينا دفاعا عن أرسطو بأنه لم يورد ذلك على سبيل ~~البرهان، بل على سبيل المقارنة بين السماء والأرض، وأن الجبال وإن بدت ثابتة في ~~كلياتها إلا أنها متغيرة في جزئيتها، وهو ما لاحظه أيضا أفلاطون. وقد أثار هذا ~~الاعتراض من قبل يحيى النحوي الذي موه على النصارى وزايد في الدين على حساب العلم ~~والعقل إظهارا لمخالفته لأرسطو. لقد افتعل يحيى النحوي آخر كتاب «الكون والفساد» ~~لأرسطو الخلاف معه في هذه المسألة. كذلك تجاوز الرازي المتكلف الفضولي قدره في ~~شروحه في الإلهيات، وعرضه الخراج، ونظره في الأبوال والبرازات، وكشف عن جهله بنفسه. ~~وواضح من السؤال والجواب نقد البيروني لأرسطو، وأنه لا أحد معصوم من الخطأ. وهو ~~نقد علمي لرأي أرسطو في ثبات الفلك، بل وضد النظرة السكونية للعالم على الإطلاق. # 63 # ويقوم ابن سينا بدور القاضي الحصيف بين البيروني وأرسطو، وكما سيفعل ~~ابن رشد فيما بعد بين الغزالي والفلاسفة، والمعتزلة والأشاعرة، والمذاهب الفقهية، ~~مبينا نوع كلام أرسطو، وأنه ليس برهانيا بل خبري، وتأييد قول أرسطو استشهادا ~~بأفلاطون؛ فلا إعجابا بأرسطو وحده، بل عرضا لتصور حضاري للعالم يشارك فيه ~~اليونان مع الإحالة إلى المصادر، ms125 كتاب «السياسات» لأفلاطون، وأغلب الظن أنها محاورة ~~«الجمهورية». مصدر الاعتراض سوء نية يحيى النحوي المنافق الذي يزايد في الدين، ~~ويتملق النصرانية ضد أرسطو ليظهر التعارض بين الإيمان والكفر، مع أنه وافق أرسطو ~~في تفسير آخر له لكتاب «الكون والفساد». رفض ابن سينا إذن التفسير النصراني لأرسطو ~~باسم الإسلام دفاعا عن الحق وأكثر فهما للدين، وكذلك وافقه الرازي بالرغم من ~~تجاوزه في البرازات، لا فرق بين الداخل والخارج؛ فالكل يصب في مخزون نفسي واحد. ~~المعترض إذن جاهل، ويضمر سوء النية. وينهي ابن سينا جوابه دفاعا عن أرسطو في ~~قوله إن العالم لا بدء له؛ بمعنى لا فاعل له. هناك فرق بين البداية والفعل درءا ~~لتهمة قدم العالم أو التعطيل على ما يقول المتكلمون. لا يجوز إذن الاستخفاف بأرسطو ~~أو ادعاء المدافعين عنه تعصبا والإصرار على الباطل لأنه قبيح. # 64 # والسؤال الرابع لماذا استشنع أرسطو القول بالجزء الذي لا يتجزأ بالرغم من عيوب ~~هذا القول عند المهندسين، وموقف الرافضين له أشنع من موقف القائلين به؟ ويجيب ~~ابن سينا على ذلك بتحديد موضع رفض أرسطو للجزء الذي لا يتجزأ، أو قيام هذا الرفض ~~على براهين منطقية قوية. قد توحي المقالة الخامسة من «السماع الطبيعي» بالإثبات، ~~ولكن المقالة السادسة واضحة في النفي. وقد اعترض أرسطو على نفسه هذا الاعتراض من ~~قبل وأجاب عنه، ولا يعني باعتراضه أنه يقول إن الجسم يتجزأ إلى ما لا نهاية ~~بالفعل، بل يعني أن كل جزء له وسط وطرفان؛ ومن ثم أمكنه التخلص من شناعة القائلين ~~به وشناعة الرافضين له. والخطأ سوء فهم أرسطو من المفسرين والشراح، ووقوعهم في ~~السفسطة والمغالطة. والحقيقة أن المسألة كلامية، ثم تعشيق نقد أرسطو لمذهب أصحاب ~~الذرة عليها؛ فالفلسفة متأخرة في الظهور على الكلام، والكلام سابق عليها. ورفض ~~أرسطو للجزء الذي لا يتجزأ مثل رفض الفلاسفة وبعض المتكلمين له اتفاقا بين ~~الحضارتين، واعتراض أرسطو على نفسه مثل اعتراض الأصوليين على أنفسهم والرد عليه ~~مسبقا. وينتهي ابن سينا بوضع اللوم على الشراح والمفسرين وضرورة العودة ms126 إلى الأصول. # 65 # والسؤال الخامس لما استشنع أرسطو أن يكون هناك عالم آخر خارج هذا العالم على ~~طبيعة أخرى يجمعها برزخ؟ ويرد ابن سينا على ذلك محددا الموضع الذي قال فيه أرسطو ~~ذلك منكرا أن يكون ذلك في «السماء والعالم»، ومحددا سياق قول أرسطو، وهو رده ~~على من قال بوجود عوالم موافقة لهذا العالم بالنوع والطبع، مغايرة له في الشخصية. ~~وقد نقل الفيلسوف حجج هذا القول في كتاب «السماء» مبينا تناقضاته؛ لأن العلل التي ~~يسميها الفلاسفة الطبيعة والعقل والعلة الأولى لا تنقل النظام إلى لا نظام، بل ~~اللانظام إلى النظام، وكما بين أرسطو ذلك «سمع الكيان»، وفي تفسير ابن سينا ~~للمقالة الأولى من كتاب «ما بعد الطبيعة»، وفي المقالة الخامسة من «السماع الطبيعي» ~~وتفاسيره؛ فالحركات الطبيعية متناهية، إما من المركز أو إلى المركز في جميع ~~الأجسام بالدليل العقلي. أما الكيفيات المحسوسة فهي تسع عشرة كما بينها الفيلسوف ~~في المقالة الثالثة من كتاب «النفس» وشروح ثامسطيوس والإسكندر وغيرهما. يبحث ~~ابن سينا هنا عن دوافع أرسطو وليس مجرد تخطئته. والسؤال هو زيادة في الإيضاح لفهم ~~أرسطو وليس نقضا له؛ لذلك اعتمد رد ابن سينا على الوضوح والاتساق العقلي، ودلل ~~على صحة موقف أرسطو، وأنه ليس مجرد دعوى؛ فإن ما لا دليل عليه يجب نفيه في منطق ~~الأصوليين، وبين أن موقف أرسطو أكثر علمية، ومتفق مع شهادة الحس، وأكثر واقعية عن ~~الافتراض النظري الوهمي لوجود عوالم أخرى مفترضة خارج هذا العالم. كما يستوثق من ~~الرواية عنه طبقا لمناهج النقل عند المسلمين. ويستعمل بعض المصطلحات القرآنية مثل ~~برزخ. يربط بين العالم الواقعي والعالم الوهمي بالرغم من ظهور لفظ «أسطقسات» ~~المعرب عدة مرات، وكذلك لفظ «ماطافوسيقا» قبل ما بعد الطبيعة جامعا بين التقريب والنقل. # 66 # ويشرح أرسطو بأرسطو كما يشرح المفسرون الكتاب بالكتاب. # 67 # وفي المسألة السادسة يرد ابن سينا على الاعتراضات على أرسطو مخطئا إياها ~~ومصوبا إياه على طول الخط تعصبا وتحزبا له، بل يعترف أحيانا بتقصير أرسطو، ~~ويتعجب من صاحب المنطق، ويحترم ابن ms127 سينا المعترض ويدعو له بطول العمر دون سبه أو ~~لعنه كما يحدث هذه الأيام. يحدد ابن سينا بدقة مكان الاعتراض، ويبين أنه أيضا ~~قد وجه هذا الاعتراض من قبل إلى أرسطو، كما اعتذر عن ذلك المفسرون. وقال ثامسطيوس ~~بضرورة تأويل قول أرسطو على أحسن وجه. وإن بداهة المعترض ونباهته في الرياضيات ~~والهندسة قادرة على الإجابة على مثل هذه الاعتراضات. # 68 # أما المسائل الأربعة الأخرى، الثالثة والثامنة والتاسعة والعاشرة، فإن أرسطو ~~مذكور فيها في الأجوبة وحدها دون الأسئلة، وكأن السؤال علمي والإجابة أرسطية؛ لأن ~~أرسطو كان هو العلم في عصره. المسألة الثالثة سؤال عن كيفية إدراك البصر دون إدراك ~~ما تحت الماء، وشعاع البصر ينعكس على الأجرام الصقيلة، وسطح الماء صقيل. والجواب عن ~~ذلك أن الإبصار عند أرسطو ليس بخروج شعاع من العين، وكما ظهر ذلك عند المفسرين ~~للمقالة الثانية من كتاب «النفس»، وكتاب «الحس»، وكما هو الحال عند أفلاطون. ~~والحقيقة أنه لا فرق بين الاثنين؛ لأن قول أفلاطون عامي، في حين أن قول أرسطو علمي. ~~وقد بين ذلك الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين». لا يشير السؤال إلى ~~اليونان أو إلى التراكم الفلسفي للموروث، ولكن الجواب يشير إلى الوافد والموروث مع ~~تحديد المواضع. ويكشف ابن سينا في رسائله عن مصادره، في حين أنه يصمت عنها في موسوعاته. # 69 # وفي المسألة الثامنة يستعمل ابن سينا فعل «زعم» لعرض أقوال المعترض عندما ينسب ~~إلى أرسطو ما لم يقله، مثل جعل النار العنصر الذي يتكون منه العالم طبقا للتحقق ~~من صحة الرواية، كما هو الحال في علم الحديث. قد يصدق الاعتراض على فلاسفة آخرين ~~جعلوا الأسطقسات شيئا واحدا من الأربعة أو اثنين أو ثلاثة منها، مثل الماء عند ~~طاليس، والنار عند هرقليطس، والجوهر بين الماء والهواء عند ديوجانس، والهواء عند أنكسمندريس. # 70 # والمسألة التاسعة مجرد استفسار عن تعريف أرسطو للضوء، وهو لون ذاتي للمشف من ~~حيث هو مشف، وكما حده في المقالة الثانية من كتاب «النفس» في المقالة الأولى ~~من كتاب «الحس». # 71 ms128 # والمسألة العاشرة يحيل فيها ابن سينا لمزيد من التفصيل إلى المفسرين في شروحهم ~~على «الكون والفساد» و«الآثار العلوية» و«المقالة الثالثة» من «السماء»، ويعتمد ~~عليهم، ويقتبس من أمثلتهم لتأييد قول أرسطو في الكون والتغير من جزئيات الطبيعة. ~~ليس الشراح على خطأ دائم أو على صواب دائم، بل يخطئون ويصيبون. # 72 # والمسألة الأولى مذكور فيها أرسطو في السؤال دون الجواب؛ مما يوحي بإمكانية ~~الجواب عن أرسطو دون ذكره؛ فالعلم مستقل عن الشخص. وهي السؤال عما أوخذ على أرسطو ~~وعما أشكل على قرائه، هو سؤال نقدي استفهامي. لم أوجب أرسطو للفلك عدم الخفة ~~والثقل؟ والإجابة لعدم وجود حركة من المركز أو إليه، في حين أن الوهم يسوق إلى أنه ~~من أثقل الأجسام. ويظهر من كثير من الأقوال التمويه والسفسطة، ويجر إليه الخلاف في ~~اللفظ بالرغم من الاتفاق في المعنى، حيث تعتبر الحركة إلى المغرب ضد الحركة إلى ~~المشرق؛ فإذا ما تم تجاوز الألفاظ ظهرت المعاني. الحل إذن في جدل اللفظ والمعنى، ~~وفي دور الوهم والسفسطة. حل المسألة إذن في المنهج واللغة أكثر منه في الموضوع ~~والاستدلال. ~~(و) وفي «جواب الشيخ الرئيس على سؤال أبي الحسن أحمد السباعي عن علة قيام الأرض ~~وسط السماء» يبدأ التراكم الفلسفي الداخلي، وتبدأ الأسئلة من الواقع الفلسفي، لا من ~~الوافد ولا من الموروث مباشرة. # 73 # تبدأ الأسئلة من الداخل؛ فقد أصبح الواقع مخصبا والأرض حبلى، وهو ~~سؤال علمي عن العلة؛ فالعلم هو علم بالعلل، وهو لون جديد من ألوان التأليف أشبه ~~بالفتاوى الفقهية وأحكام السؤال والجواب، مثل فتوى «فعل المقال» لابن رشد. ولم يذكر ~~في أرسطو لأنه ليس هما ولا ضرورة ولا مصدرا وحيدا للعلم، بل ذكر فيثاغورس ~~وديمقريطس إفرادا لهما بالتعيين في معرض ذكر آراء القدماء للإجابة على السؤال، وهي ~~إجابات ثمان لعلل محتملة. ويذكر أصحاب فيثاغورس، أي الفيثاغوريون، كفرقة وتيار، ~~وليس كشخص أو فرد، ويذكر كلاهما في سياقهم التاريخي مع أقاويل العلماء القدماء أو ~~العلماء والقدماء، طائفة منهم بقول، والبعض الآخر بقول آخر؛ فهما يدلان على ms129 ~~تقسيمات فئوية لتيارات فكرية وآراء فلسفية. السؤال من الحاضر التراكمي، ~~والإجابات متعددة ومحتملة من الماضي الوافد، ومعظم الآراء الثمانية الواردة أقل ~~علمية من تحليل ابن سينا العلمي. ذكر آراء القدماء من أجل تجاوزها، انتقالا من ~~تاريخ العلم إلى العلم، من التطور إلى البناء، كما هو الحال في تطور الوحي حتى ~~اكتماله في المرحلة الأخيرة. وقد جمع ابن سينا ذلك كله في فصل خاص هو الفصل العاشر ~~لتعديد أقاويل العلماء القدماء، كما فعل أرسطو ذلك من قبل مؤرخا لآراء السابقين ~~ودون تطويل في المناقضة. نقد القدماء وارد وإن لم يكن مستفيضا. يأتي التاريخ بعد ~~اكتمال الموضوع عند الفصل الأول في التاسع، وكأننا أمام قانون الطفو. ظهور الموضوع ~~على السطح بعد تراكمه في التاريخ، اليقين أولا والظن ثانيا، الحقيقة أولا ~~والتاريخ ثانيا، الاكتمال أولا ثم التطور ثانيا. # وتسمى الطوائف على العموم دون تحديد ثقافاتهم، يونان أو مسلمين. المهم الرأي ~~والموقف والاتجاه، وليس أصحابه وممثليه وقائليه. إنما تكون الألفاظ بين العموم ~~والخصوص، القدماء الأعم والعلماء الأخص. للقدماء أقاويل وللعلماء آراء. والأقاويل ~~أقل علمية وبرهانا من الآراء. وهي آراء يستحضرها ابن سينا من الذاكرة، وبها كثير ~~من الإسقاط والصور. فسبب قيام الأرض وسط السماء لأنها متحركة على الاستدارة ~~(فيثاغورس) وهابطة إلى أسفل، أو أنها ساكنة. ثم تنقسم الآراء في علة السكون، قيامها ~~على الهواء وضغطه عليها (ديمقريطس)، قيامها مثل الحبة عليه، طفوها مثل طفو الصفيحة ~~من الرصاص الواسعة، وإلا رسبت إن كانت صغيرة، أو لاستحقاق الجهات بها على التعادل، ~~أو إدارة الفلك وحركته كما يتحرك التراب في قارورة تدور، أو جذب الخلاء، أو تحركها ~~إلى الوسط عشقا لكليتها. # 74 # وتبدو آليات الإبداع في وصف مسار الفكر في الماضي والحاضر والمستقبل، وبيان ~~مراحله وخطوات استدلاله المنطقي. وهذا الربط بأزمنة الفعل تدل على أن ابن سينا ~~يتعامل مع أفكار وليس مع عبارات، وتتم المراجعة واستبعاد التناقض بحثا عن الاتساق، ~~ليس فقط اعتمادا على اتساق المقدمات والنتائج، واعتمادا على البراهين، ولكن أيضا ~~مع المشاهدة والتجربة. والاختصار أفضل ms130 من التطويل بعد بيان القصد، ليس فقط لدوافع ~~العلم والفكر، بل لكثرة المشاغل وقصر العمر، ولوجود التفصيلات في مؤلفات أخرى، ~~ولافتراض ذكاء القارئ وحسن قريحته، وما لديه من علم يغنيه عن التطويل. وتدل ~~الإحالة إلى باقي المؤلفات على وحدة الموضوع واحتواء الفكر له. والتأليف أيضا للسلطان. # 75 ~~(2) البيروني # ويمثل عملان للبيروني (440ه) تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. ~~(أ) الأول في الفلك «كتاب التفهيم لأوائل صناعة التنجيم». ويكون تمثل الوافد في ~~العمق؛ أي أعلام قليلة العدد وكثيرة التردد، مثل بطليموس واليونانيون والروم، ~~بالنسبة للوافد اليوناني، والهند والمجوس بالنسبة للوافد الشرقي، ويعظم الوافد ~~الشرقي على الوافد الغربي، ويدل على ذلك أسماء الشعوب والبقاع. ويكون تنظير الموروث ~~على الاتساع؛ أي كثرة الأسماء وقلة التردد، مثل السريان والنصارى والعرب والصابئة ~~والحرانيون والقبط. # 76 # ويدل النص على ارتباط الفلك بالرياضة، الحساب والهندسة والجغرافيا ~~والتاريخ؛ أي تكامل العلوم الرياضية والطبيعية وتفاعلها على الأرض. وهو في علم ~~التنجيم أكثر في علم الفلك؛ أي العلم الشعبي المأخوذ بالتقليد أكثر منه في العلم ~~الرياضي الطبيعي. كتب بطريقة السؤال والجواب، أسلوب الفقهاء من أجل تعلم ~~المصطلحات ، فالعلم هو المصطلح، وبناء على طلب امرأة. # 77 # ويحيل إلى باقي الكتب؛ مما يدل على وحدة المشروع العلمي، وتكثر فيه ~~الجداول التوضيحية من أجل عدم التشكك في علم التنجيم الذي لا يقوم إلا بعد استيفاء ~~العلوم الرياضية الأخرى. وهو علم العامة، وليس للخاصة التي لها علم الفلك. ويعطي ~~النص صورة لعادات الشعوب وتقاليدها وخرافاتها وأعيادها وعلومها وآلاتها، خاصة ~~الهند التي تعتبر نقطة الإحالة الأولى مع اليونان، الشرق والغرب. # والإيمانيات قليلة للغاية، مثل ظهور الصلاة ومعرفة القبلة ودور الفقه كأحد ~~البواعث على تأسيس علم الفلك، مثل الصوم ومعرفة أوائل الشهور. وتبدو مقارنة الأديان ~~واضحة؛ فالعلم جزء من الدين، وكلاهما تعبيران عن الحضارة. وتظهر العبارات ~~الإيمانية، مثل الدعوة بالتوفيق، والاستعانة بالله، والحمد لواهب الحياة، والصلاة ~~على الرسول وآله. # 78 ~~(ب) والثاني «الآثار الباقية عن القرون الخالية». وهو في علم التاريخ الذي يشمل ~~الجغرافيا والفلك والحساب والتنجيم ms131 ومقارنة الأديان والفلسفة؛ فالتاريخ علم الإنسان ~~على الأرض، هو العلم الشامل للعلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية؛ ومن ثم فهو جزء ~~من علوم الحكمة وإن لم يدخل في قسمتها الثلاثية التقليدية القديمة. # 79 # وهو المعنى الشعبي للتاريخ الذي يجمع كل شيء، ثقافات الشعوب، عاداتها ~~وتقاليدها ودياناتها وأشعارها وأساطيرها وخرافتها، لا فرق بين تاريخ طبيعي وتاريخ ~~إنساني. هو أقرب إلى تاريخ الحضارات المقارنة مع احترام كامل لها جميعا، سواء كانت ~~ثقافات الغالب أم ثقافات المغلوب. # 80 # ولقد كان التاريخ القديم هو تاريخ صراع استعماري بين الفرس والروم، ~~وتحقير كل منهما لثقافة الآخر. ولو كان لفظ التاريخ اشتفافا من لفظ فارسي، إلا ~~أن الحضارة الإسلامية أعطته مضمونا مخالفا، وهو تاريخ الشعوب والحضارات القديمة ~~بمساواة كاملة. # ويتكون من أقوال دون أبواب أو فصول، تتفاوت من حيث الكم، أكبرها السادس؛ # 81 # ربما بسبب وفرة المعلومات أو ندرتها، وربما للأهمية التاريخية، وربما ~~لميول طائفية أو شعوبية؛ إذ يبدو المؤلف شيعي الاتجاه فارسي الأصل، يدعو لأن ~~يحرس الله الجماعة والأئمة. # وترد التواريخ كلها إلى التاريخ الهجري، وضعا لتواريخ الآخر من منظور الأنا، وقد ~~كانت البدايات الأخرى إما خلق العالم ، أو نزول آدم على الأرض، أو تاريخ الإسكندر ~~بعد أن تحول الإسكندر إلى مثال ونبي وإله وأمه قديسة. التاريخ الداخلي مقياس ~~التاريخ الخارجي. # 82 # وقد كان التاريخ الهجري اقتراحا من عمر بن الخطاب. # وسبب التأليف معرفة أخبار الأمم السالفة وأنباء القرون الماضية وذكر بقايا ~~آثارهم، ولا يمكن معرفة ذلك بالقياس على المحسوسات والاستدلال بالمعقولات، بل ~~بالاعتماد على أهل الكتب والملل وأصحاب الآراء والنحل، ثم قياس هذه الآراء بعد ~~تطهير النفس، وتخليصها من الأهواء والتعصب والتظاهر واتباع الهوى والتغالب ~~بالرئاسة، وتنقية الروايات من الأباطيل، كما فعل ابن خلدون فيما بعد، وإبطالها ~~بالحوادث الطبيعية، والابتداء بالأقرب والأشهر من الأمم، ومعرفة أخبارهم من ~~مصادرها. ويبدو البيروني هنا على وعي تام بمنهج كتابة التاريخ. # ثم يتخصص التاريخ من التاريخ العام إلى التاريخ الخاص، من تاريخ الحضارات إلى ~~تاريخ الأديان، كما فعل البيروني من ms132 قبل في «تحقيق ما للهند من مقولة»، ويركز على ~~الديانات الشرقية، اليهودية والنصرانية والإسلام، وديانات فارس، المانوية والمجوسية ~~والزرادشتية، بالإضافة إلى ذكر ديانات الصين ومصر وخوارزم؛ أي أواسط آسيا حيث ~~انتشرت ديانات الهند، الهندوكية والبوذية. وتاريخ الأنبياء جزء من التاريخ المقارن ~~للدين، ويعتمد على الكتب المقدسة؛ أي المصادر الأولى لمعرفة الديانات وترجماتها ~~المختلفة. # ويعتمد على العقائد الإسلامية كمعيار لتاريخ الأديان؛ نظرا لأن القرآن مصدر ~~تاريخي صحيح لم ينله التحريف أو التبديل كما نال باقي الكتب المقدسة؛ فالمسيح رفعه ~~الله إليه، والاختلاف في أنسابه مثل أنساب آلهة اليونان واللاتين. وقد وصل سهم ~~زرادشت إلى مناجاة الله بأمر الله وإرشاده. ويفيض البيروني في ذكر الآريوسية ورأيهم ~~في المسيح القريب من رأي الإسلام والبعيد عما يقوله كافة النصارى، ويقارن بين ~~العقائد النصرانية والكهنوت النصراني، والتشيع، ونشأة عقائد المضطهدين ~~ومؤسساتهم. # ويبدو منهج البيروني في كتابة التاريخ في عدم الاعتماد على الدليل النصي؛ فتحديد ~~وقت الصيام ليس بالنص بل بعلم الفلك، # 83 # وكذلك الحدثان. وبناء على الواقع والعلم يمكن نقد النصوص. كما أن ~~التاريخ ليس مجموعة من الحوادث، بل له قانون ينتظمها؛ لذلك يتحدث البيروني عن ~~ماهية التاريخ وماهية اليوم والشهر؛ أي إنه بحث في ماهيات التاريخ؛ معناه وبنيته ~~وقانونه وغايته. # 84 # وتدخل الأسطورة في التاريخ كفن شعبي، مثل ما نسج حول الأنبياء ~~والأبطال مثل الإسكندر وهرمس، وأولاد آدم ونوح وإبراهيم، والأئمة مثل الحسين. ~~وأحيانا ينقد البيروني الكذب في التاريخ وما يقوم به المنجمون والقصاصون. # 85 # ويحيل البيروني إلى باقي أعماله تعبيرا عن وحدة المشروع، التاريخ والفلك ~~والرياضيات والطب والحكمة والمعادن. كما ينهل من الشعر العربي كمصدر للتاريخ، ~~أوزانه وشطراته. # 86 # وفي نفس الوقت يصف مسار فكره ووحدة عمله، ويذكر بما فات وينبئ بما ~~هو آت. # 87 # ويضيف كثيرا من الجداول والرسومات التوضيحية التفصيلية عن التواريخ ~~والزيجات الفلكية. # 88 # كما يميل إلى عديد من المصادر المكتوبة والنصوص المقدسة. # 89 # ومع ذلك فالكتاب مملوء بالأسماء والحوادث، الملوك والقواد والأنبياء، ~~والأساطير والأماكن والقبائل؛ مما يجعل تحليل المضمون ms133 له شبه مستحيل. يكفي التحليل ~~الكلي للمقاصد والتوجهات العامة. أحيانا ينقض الترابط المنطقي. غلب التاريخ على ~~فلسفة التاريخ، وأصبح أقرب إلى التاريخ منه إلى علوم الحكمة. # ويبدو الوافد قليل التردد في الاتساع، وكثير التردد في العمق، على عكس الموروث ~~الكثير التردد في الاتساع، القليل التردد في العمق؛ فالأسماء العربية تفوق عشرة ~~أضعاف الأسماء اليونانية من حيث العدد. # 90 # ومن الوافد يأتي بطليموس وجالينوس وهرمس في الصدارة، ثم المجسطي ~~والإسكندر، ثم هيبارخوس وهيبوقراط، ثم يأتي أرسطوثيون الإسكندراني في المرتبة الثالثة. # 91 # ويتصدر الوافد الشرقي على الوافد الغربي كالعادة عند البيروني. ويأتي ~~أشكنبار وجهانبار وجم ونبجتنصر في المقدمة، ثم الحرانيون، ثم فريدون والصابئة، ثم ~~الأفستا والهنود. # 92 # ومن الموروث يأتي حمزة بن الحسن الأصفهاني في المقدمة، ثم أبو الفرج ~~الزنجاني، ثم سنان بن ثابت، ثم أبو معشر وعماد الدولة علي ابن البويهي، ثم على ~~بن أبي طالب، ثم الزقاق والكندي والجهيني، وتتوالى الأسماء تباعا بالمئات. # 93 # ويستشهد البيروني بخمس عشرة آية قرآنية خاصة في البداية ليبين تطابق العلم ~~والدين، الطبيعة والقرآن؛ فالكتاب يصدق الطبيعة، والطبيعة تصدق الكتاب. # 94 # العلم وسيلة لفهم الوحي، والوحي طريق إلى تأسيس العلم. ويضرب البيروني ~~المثل بالزمان. وبالرغم من تحريف الكتب المقدسة إلا أن البيروني يستشهد بها، خاصة ~~التوراة بعد تصحيحها بالقرآن كمصدر للأخبار. وإذا كان التاريخ موضوعا للأهواء ~~والمصالح، كما تبدو في الروايات، فإن القرآن رؤية موضوعية للتاريخ، ليس بالضرورة ~~كنص حرفي، بل كتوجه عام، كما يستعمل الحديث أيضا بنفس الطريقة. # 95 # تستعمل ثمانية أحاديث حول الزمان والأمية والصوم والفطرة ويوم الخندق ~~ووراثة اليهودية وأنبياء إسرائيل. # 96 # ويتجلى الموروث الديني في المقدمات والخواتيم الدينية في البسملات والحمدلات، ~~والاعتماد على المشيئة الإلهية، والدعوة بالتوفيق للصواب، والاستعانة بالله وعلم ~~الله المطلق. وتؤدي الدعوة إلى الله إلى الدعوة للسلطان أو الإمام، ووصف الله من ~~السلطان بنفس الصفات والألقاب. # 97 ~~(3) ابن الهيثم # و«عمل المسبع في الدائرة» # 98 # لابن الهيثم (432ه) موضوع هندسي يتحرى به المهندسون، ويفخر به ~~المبرزون، وهو عمل المسبع ms134 المتساوي الأضلاع في الدائرة. ظفر به بعض المتقدمين ~~وبعض المتأخرين، حتى ظفر به بعض الأدعياء الدخل. استعمل فيه ابن الهيثم طريقة ~~التحليل والتركيب. # 99 # ويتضح فيها مسار الفكر والبرهان من المقدمات إلى النتائج. # 100 # ويتقدم الوافد على الموروث على الإطلاق؛ إذ يذكر أرشميدس ثم المتأخرون ~~والمتقدمون ثم المهندسون في فقرة واحدة؛ مما يكشف عن تجميع الوافد وحصاره. ويوضح ~~ابن الهيثم المقدمة التي استعملها أرشميدس ولم يبينها ويوضح برهانها. كما حاول ~~المتأخرون إظهار المسكوت عنه في أقوال المتقدمين. ويحيل إلى عمله الآخر «ضلع ~~المسبع» تأكيدا على وحدة الموضوع. # ثم يظهر الموروث على استحياء بذكر قول أبي سهل الحسين بن رستم الكوهي، واستخراجه ~~ضلع المسبع بخط قسم بثلاثة أقسام على نسبة مخصوصة، وهو الخط الذي تتم به مقدمة ~~أرشميدس. وتظهر الإيمانيات الأخيرة في البسملة والحمدلة والصلاة على أفضل الأنام، ~~مع تاريخ النسخ. # 101 # | خامسا: ابن بختيشوع، وابن رضوان، والخيام # (1) ابن بختيشوع (450ه) # من أسرة طبية مسيحية أسطورية من أصل فارسي، معاصر لابن بطلان وصديق بعد أن ~~انتقلت مدرسة الإسكندرية الطبية إلى أنطاكية، ثم إلى حران في النصف الأول من ~~القرن الثاني، ثم إلى بغداد في النصف الثاني منه. وكان أيضا مؤرخا أثبت أن ~~جالينوس ليس معاصرا للمسيح. كتب «رسالة في الطب والأحداث النفسانية» لإثبات الصلة ~~بين الطب والفلسفة، والصلة بين الطب وعلم النفس كما يوحي العنوان. # 1 # فقد نشأت مشادة كلامية في البصرة حوالي (429ه) حول هل الطب صناعة مستقلة عن ~~الفلسفة؟ وما فضائل الطبيب؟ اعتبر ابن بختيشوع والأطباء أن الطب صناعة مستقلة، ~~وكتب هذه الرسالة ليبين حجج الأطباء ضد الفلاسفة، وأن مكان الطب هو المستشفيات ~~وليس مدارس الحكمة. وتزعم الفريق الآخر ابن بطلان؛ فالطب ليس صناعة مستقلة عن ~~الفلسفة، ولا يطلق لقب الطبيب إلا على من كان فيلسوفا، وإلا كان متطببا؛ أي ~~مشتغلا بصناعة الطب. وتجتمع الفلسفة والطب في لفظ الحكمة، والحكيم هو الفيلسوف ~~والطبيب في آن واحد كما هو المعنى العرفي للفظ حتى الآن؛ لذلك نقد ابن بطلان ~~الدجالين والمشعوذين ms135 الذين يمارسون الطب كصناعة وحرفة دون فهم للأمراض وعللها. ~~الفيلسوف صاحب المنطق يعمل بالطب برؤيته الفلسفية واستدلالاته المنطقية مع الدخول ~~في الطب التجريبي؛ فالاثنان ليسا على التعارض أو التبادل، بل على الجمع، العقل ~~والتجربة، القياس والدربة، وهي سنة الأطباء الحكماء والحكماء الأطباء؛ لذلك فضل ~~المسلمون جالينوس الطبيب المنطقي الفيلسوف، على أبقراط الطبيب التجريبي. # 2 # ليست الفلسفة حجر عثرة في سبيل العلم. وخطأ أرسطو وأفلاطون في الطب ~~يؤدي بالضرورة إلى انفصال الطب عن الفلسفة، بل إلى التحول من الطب التجريبي إلى ~~الطب الفلسفي. وتعارض آراء أفلاطون وأبقراط في الطب، كما لاحظ جالينوس، لا تعني خطأ ~~الطب الفلسفي، بل تعدد الآراء الموجودة حتى الآن في الطب التجريبي. ونقد جالينوس ~~لأفكار أفلاطون الطبية لا تؤدي إلى فصل الفلسفة عن الطب، بل تصحيح آراء الطب ~~الفلسفي بالطب التجريبي. وإن مخاطر الطب التجريبي الذي لا يقوم على تصورات فلسفة، ~~بل على التوحيد بين النفس والبدن، أعظم من مخاطر الطب الفلسفي الذي يقوم على ~~التمايز بينهما. الخلاف إذن فلسفي. خطورة الطب الفلسفي الغائية التطهرية أي ~~المثالية، وخطورة الطب التجريبي الوضعية المادية. # والقضية الثانية هي الصلة بين الطب البدني والطب النفسي، وحق دراسة الأطباء ~~الظواهر النفسية نظرا لارتباط النفس بالبدن، وأثر الظواهر الجسمية في الظواهر ~~النفسية، أو أثر الظواهر النفسية في الظواهر الجسمية. # 3 # وهو موضوع الفصلين الأخيرين من الرسالة، وهي أكبر الفصول، مع أخذ نموذج ~~تطبيقي على العشق كمرض يدرسه الطبيب. # 4 # من الوافد يتصدر جالينوس ثم أفلاطون ثم أبقراط ثم أرسطو ثم أرخيجانس ثم سقراط ~~(بمفرده أو من داخل نص فولس) ثم فيثاغورس وتوقيذيذس وإيرقليس وأرميطوس وأوميروس ~~وقيطاوس وليطو وثامسطيوس، ويظهر تملوقون من داخل نص جالينوس. # 5 # كما يذكر مؤلفات جالينوس وأبقراط وأفلاطون وأرسطو. # 6 # ويوصف جالينوس بلقب الجليل، وهو ممثل الطب الفلسفي، وأن الطبيب الفاضل فيلسوف. ~~صلة الفلسفة بالطب مثل صلة النظر بالعمل، فلا نظر بلا عمل، ولا عمل بلا نظر، بل إن ~~الفلسفة منطق لكل العلوم وليست للطب وحده. الفلسفة هي التي تضع ms136 المصطلحات الطبية ~~ومنطق الاستدلال للطبيب. الطب العلمي يقع في التجربة الساذجة؛ لذلك تحميه الفلسفة ~~من قصر النظر وسطحية النظرة. يحتاج الطبيب إلى القياس والنظر، وهو ما تعطيه له ~~الفلسفة. هناك إمكانية إذن للطب الفلسفي وليس الفلسفة غير الطبية (لأفلاطون)، أو ~~الطب غير الفلسفي (أبقراط). وقد نظر القدماء من الطبيعيين، أي الفلاسفة، ووجدوا ~~أيضا ضرورة نظر الطبيب في الأسباب؛ مما يجعله فيلسوفا. # وفي نفس الوقت ينقد ابن بختيشوع الطب الفلسفي عند أفلاطون اعتمادا على جالينوس، ~~ودفاعا عن أبقراط في نقده له. هناك إذن تطور للعلم من هوميروس إلى أفلاطون إلى ~~أبقراط إلى جالينوس إلى ابن بختيشوع إلى ابن بطلان؛ من الطب الأسطوري عند هوميروس، ~~إلى الطب المثالي عند أفلاطون، إلى الطب العلمي عند أبقراط، إلى الطب الفلسفي عند ~~أرسطو وجالينوس. وتأييد ابن بختيشوع لموقف جالينوس من أفلاطون خطوة لفصل الطب عن ~~الفلسفة. ومقارنته بين أفلاطون وأبقراط من أجل تدعيم أبقراط، وفصل الطب عن الفلسفة. ~~وأفلاطون هو نموذج الفيلسوف الذي يرفض تعلم الطب تجريبيا نظرا لاعتماده على ~~الرياضيات، على نقيض اعتماد أبقراط على التجربة وحدها. والطب الفلسفي بين الاثنين ~~يقوم على القياس والتجربة. ومن السهل نقد ابن بختيشوع لآراء أفلاطون لإثبات آراء ~~أبقراط، والدخول في معارك القدماء، ولكن من الصعب إيجاد الحقيقة بينهما. لقد تحول ~~أفلاطون إلى مذهب مغلق فأضر بالعلم . ونقد جالينوس لأفلاطون لا يجعل أبقراط على ~~حق؛ لأنه نقد أبقراط أيضا. ومن الطبيعي أن يفضل جالينوس طب أبقراط على طب ~~أفلاطون، ولكنه لا يقع في الطب التجريبي الذي يدعو إليه أبقراط، بل يفضل الطب ~~التجريبي على الطب اللاعلمي في حالة الاختيار بين الاثنين، ولكن ابن بختيشوع يضم ~~أبقراط إلى جالينوس في نقد أفلاطون من أجل اختيار أبقراط ودون نقد أبقراط بجالينوس. ~~ويضم ابن بختيشوع أرسطو وأبقراط وجالينوس ضد أفلاطون لإثبات الطب التجريبي. # 7 # ويرجع الخلاف بين المذهبين إلى تصور الصلة بين النفس والبدن. إذا وقع التمايز ~~بينهما نشأ الطب المثالي عند أفلاطون لدراسة النفس، والطب التجريبي عند أبقراط، ~~والذي يدافع ms137 عنه ابن بختيشوع لدراسة البدن. ترتبط الظواهر النفسية بالنفس والظواهر ~~الجسمية بالجسم ولا تدخل بينهما. وإذا وقع الاتحاد بينهما نشأ الطب الفلسفي الذي ~~يدرس أثر النفس في البدن وأثر البدن في النفس عند جالينوس وابن بطلان. هناك نظام ~~طبيعي يحكمه منطق العقل لمعرفة الصحة والمرض؛ فالضرر مثلا إما يكون أوليا وهو ~~المرض، أو بواسطة وهو السبب، أو تابعا وهو العرض. ومع ذلك يتفق جالينوس وأبقراط ~~وأفلاطون على قسمة النفس الثلاثية؛ أي إنه يمكن للفلسفة والعلم الاتفاق على نفس ~~القسمة بشرط أن تكون الفلسفة علمية والعلم فلسفيا. # ونظرا لارتباط النفس بالبدن كان من حق الطب دراسة الظواهر النفسية لدراستها ~~دراسة علمية بعيدا عن الخرافات والأوهام أو الجدل والسفسطة؛ فقد جعل جالينوس من ~~حق الطبيب الفيلسوف النظر في عوارض النفس بعيدا عن صاحب التخاريف والخدع والكتب ~~الإلهية التي تمنع النفاق والمنافقين؛ فالعشق حالة نفسية وليس إلهية، يدرسها ~~الطبيب الفيلسوف كحالة كما يفعل جالينوس؛ فالله تعالى ليس سببا من الأمراض. وتلك ~~أهمية أبقراط في الطب التجريبي كما أقر في كتابه «في تدبير الأمراض الحادة»، وفي ~~كتاب «المرض الإلهي». لقد ساوى جالينوس بين العشق والصرع، وجعله مرضا نفسيا وليس ~~سماويا كما قال أرسطراطس. وقد ربط أفلاطون بين العشق والشهوة في حوار بين سقراط ~~وأغلوقون، وجعله لطلب الولد في «السياسة المدنية»، وجعله يتبع الطمع، والطمع يحرق ~~الدم؛ أي إنه يدخل باب الأخلاط. وعند أرسطو العشق ظاهرة نفسية. ويعتمد ابن بختيشوع ~~على أرسطو الطبيعي المنحول، وهو «كتاب الفراسة»، لإثبات دراسة النفس من خلال البدن. ~~وعند سقراط العشق ظاهرة نفسية يدركها الطبيب، ويمكن مداوته باللحون عنده وعند ~~فيثاغورس وأفلاطون. # 8 # وقد وقعت مناظرة بين إيرقليس وأرميطوس حول ارتباط العشق بالشهوة، كما ~~روى هوميروس حكاية عشق ليطو لطيطاوس، فأكل قلبه من فرط الشهوة، وجعله فولس من أمراض ~~الدماغ. ولا تذكر أسطورة أفلاطون «أندروجين» في المأدبة. # ومن الموروث يذكر الحجاج بن يوسف، ثم ثياذوق، ثم حنين بن إسحاق والرازي ~~والأصفهاني، ثم إسحاق بن حنين، ثم الكندي والطبري والجاحظ. # 9 ms138 # وتذكر مؤلفاتهم. # 10 # ويعتمد ابن بختيشوع على حنين بن إسحاق لإثبات رأيه في الربط بين الظواهر النفسية ~~والظواهر الجسمية، وقد اعتبر ابن مندويه الحب غريزة تجمع بين النفس والبدن. ويعرف ~~العشق بحالة النبض كما حدث للحجاج مع جارية. أما الصوفية فيجعلون العشق محبة ~~متبادلة بين الله والإنسان. # 11 # ويظهر التقابل بين العرب واليونان، بين الأنا والآخر، بين الجاحظ ~~وأفلاطون، بين العشق والحب، بين اللغة العربية واللغة اليونانية. # 12 # ويذكر الصابئة في شمال العراق وكأنهم يونانيون، وهم عرب. يعتقدون أن ~~الناس في ابتداء خلقهم كانوا متصلين في موضع السرر، وأن زاوس أمر بقطعهم لشدتهم ~~وقوتهم. كما يذكر التفسير الخرافي للهند للصرع والماليخوليا والعشق والجنون، بعضها ~~من قبل الأرواح السماوية، وبعضها من قبل الشياطين. # 13 # وتبدأ الرسالة وتنتهي كالعادة بالإيمانيات، وهو الطبيب النصراني؛ ~~بالبسملة والحمدلة والدعوة، بدوام السعادة ودوام التوفيق، وتقديس الله للأرواح، ~~وطلب الرحمة والعون اعتمادا على المشيئة. # 14 ~~(2) علي بن رضوان # وفي «الكتاب النافع في كيفية تعليم صناعة الطب» لعلي بن رضوان (453ه) المصري ~~يتحول الطب من تأسيس للعلم على القياس والتجربة إلى كيفية تعليمه. # 15 # وبالرغم من نقل عمر بن العزيز الطب من الإسكندرية إلى أنطاكية وحران، ~~إلا أن مدرسة الإسكندرية بقيت في المدرسة المصرية عند ابن بطلان وابن رضوان. # كانت جوامع الإسكندرانيين تشمل ستة عشر كتابا لجالينوس وأربعة لأبقراط بطريقة ~~السؤال والجواب من أجل تعليم الطب عن طريق الكتب، واستقصاء تاريخ الطب وتطوره؛ لذلك ~~كتب «الكتاب النافع» وكتبا أخرى، مثل «مقالة في شرف الطب»، و«مقالة في مذهب أبقراط ~~في تعليم الطب». # 16 # كانت طريقة في التعليم قراءة الكتب لإسماع الشيوخ، والاقتصار على الطب ~~وحده دون النحو والعربية والآداب وأحكام النجوم، ونقد الدراسات الثانوية «الكنانيش» ~~والاختصارات من أجل العودة إلى الأصول الأولى عند جالينوس وأبقراط. وقد شرح خمسة ~~عشر عملا لهما، مع أن مدرسة الإسكندرية كانت تقوم بتعليم المنطق والهندسة والحساب ~~والعدد والمساحة والموسيقى والنجوم للتعود على البرهان؛ فالعلوم الرياضية مقدمة ~~للعلوم الطبيعية. # 17 # تاريخ العلم جزء من العلم ms139 بعد مراجعة أو بيان، وعدم الاكتفاء بسماع ~~الرد على الشيخ دون قراءة أو نقد أو تعليق أو مراجعة، بل مجرد حفظ ونقل اللاحقين عن ~~السابقين. والانعكاف على نقل القدماء دون إبداع المحدثين انعزال وانكفاء وانطواء. ~~ثم يأتي دور القياس والتجربة وتصديق الأدبيات والتحقق من صدقها بجهد الطبيب؛ فأنواع ~~العلاج ثلاثة: القياس والتجربة والحيلة. لذلك يربط ابن رضوان بين الطب والصيدلة. ~~لذلك كان الباب الرابع كله في المقالة الأولى في بيان أغراض كتب أبقراط وطرق تعلمه؛ ~~فقد أخفى أبقراط أغراضه؛ لأنه تكلم باللغز حتى لا يعلمه إلا لولده، كما أن الباب ~~الخامس في كيفية تعليم جالينوس. # 18 # وتحقق جالينوس من كتاب ديسقوريدس في الأدوية، وقاسها بالتجربة لمعرفة ~~أغاليطه. ويقتبس ابن رضوان نصوصا من جالينوس لدرجة توحي بانبهاره بالقدماء ونقمته ~~على المحدثين. وأرسطو هو الذي أعطى جالينوس المبادئ العامة للطبيعة. ويقوم ~~ابن رضوان بتحليل الطب على مستوى الشعور لمعرفة غرض كل طبيب؛ فالعلم قصد. ابن رضوان ~~وحده، مغرورا، هو الذي فهم الطب، وصحح أخطاء السابقين. ولم يفهم أحد جالينوس ~~مثله، قارئا الرازي، قارئا جالينوس، قارئا ثاسلس، قارئا أبقراط، مرايا أربعة ~~استطاع ابن رضوان أن ينفذ إليها كلها. # 19 # ولا يتضح في النص فقط أولوية تمثل الوافد على تنظير الموروث، بل الانبهار ~~بالوافد ونقد الموروث. فمن الوافد يتصدر جالينوس، ثم أبقراط، ثم ثاسلس، ثم ~~ديسقوريدس أساسا، ثم أفلاطون وأرسطو، ثم إقليدس وأغلوقون وبطليموس وأورباسيوس، في ~~حين يتصدر الموروث الرازي، ثم حبيش، ثم علي بن عباس المجوسي وعمر بن عبد العزيز ~~والمأمون، ثم أيوب الرهاوي وسرجس الراسي وأبو سعيد بن الكرجي والمصري والبطريق. # 20 # وبقدر ما يوجد المدح للوافد اليوناني، فجالينوس أفضل الأطباء والذي ~~يحذى صنعه، حتى إنه ليستشيره في أحلامه، وأبقراط أول من أحكم مصطلح ومهنة الطب، ~~وديسقوريدس لاعتماده على التجربة، ينقد الرازي في الأخلاط، وأسلوبه خشن في نقد ~~معاصريه وسابقيه، مثل حنين بن إسحاق، كما يتضح ذلك في قسمة كتابيه إلى مقالين بلا ~~عناوين. ومع ذلك فالأول في الانبهار باليونان أبقراط وجالينوس، ms140 بل في عناوين ~~الأبواب، والثاني في بيان الأسباب المغلطة لكتب الطب بعد جالينوس حنين بن إسحاق ~~والرازي، والأولى أكبر والثانية أصغر. # 21 # يقيس حنين بجالينوس، والموروث بالوافد، ويحكم عليه بالجهل، مع أن الخطأ ~~بالطب لا يعني الجهل به. ويتحقق من خطأ الرازي بذكر النصوص المئولة. # 22 # لم يستطع ابن رضوان قبول مناهج التعليم في عصره، ولا السفر إلى بغداد للتعلم، ~~فعكف على شرح الأصول بداية بجالينوس في كتاب «في آراء أبقراط وأفلاطون»، وأعجب ~~بجالينوس؛ لأنه وجد أن صناعة الطب لا تقوى إلا بدراسة الهندسة أو المنطق لمعرفة طرق ~~البرهان، وللمساعدة على معرفة القرانين الكلية في صناعة الطب؛ لذلك كان منطقيا ~~وطبيبا؛ فالطب المنطقي أفضل من غياب المعلم الجيد. وبالرغم من مساهمة المصريين ~~واليهود في الطب إلا أن جالينوس هو صاحب الفضل الأعظم فيه. ولقد عرف ابن رضوان ~~أبقراط وأفلاطون من خلال جالينوس الذي يعني باليونانية الفاضل أو المؤيد، كما يصفه ابن رضوان. # 23 # وتظهر البيئة اليونانية في أسماء الأماكن وتحديد الأقاليم والزمان القديم، في ~~مقابل البيئة العربية الإسلامية التي تضم اليهودية والنصرانية وفلسطين ومصر والفرس ~~والهند. وقد توحي الإحالة إلى مصر إلى وجود مدرسة مصرية في الطب في التصور العام ~~لارتباطه بالبيئة في الطب الجغرافي لحديثه عن وضع مضار الأبدان عن أرض مصر وهواء ~~مصر، وأزمنة الأمراض، والإشارة إلى بدايات الطب عند قدماء المصريين، وتعلم جالينوس ~~في مصر، وكون بعض الأطباء اليهود النصارى من مصر. ولما ظهرت ملة النصارى كف الناس ~~عن الاشتغال بالطب، وضعفت الصناعة، وذهب البعض إلى فارس. فلما جاء الإسلام أحيا عمر ~~بن عبد العزيز الصناعة، ثم ظهر حنين في عصر المأمون، ثم ظهر المترجمون، مثل سرجس ~~الراسي وأبو سعيد ابن الكرجي وأيوب الرهاوي والبطريق، ولا ينسى دول المغرب والعرب ~~والجناح الشرقي كله في فارس والهند. ولا تظهر آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، ~~والعبارات الإيمانية قليلة للغاية لا تتجاوز البسملة والصلاة على محمد وآله ~~والمشيئة الإلهية. # 24 ~~(3) عمر الخيام # ولا يقتصر تمثل الوافد قبل تنظير الموروث على ms141 العلوم الطبيعية وحدها، الطب ~~والكيمياء، بل يشمل أيضا العلوم الرياضية مثل الهندسة، الرياضيات مع المنطق والطب ~~مع الطبيعيات، مثال ذلك «مصادرات إقليدس» لعمر الخيام (515ه)، # 25 # وكلها ضمن علوم الحكمة التي يشتغل بها المشايخ والأئمة؛ فالعلوم ~~الطبيعية والرياضية جزء من علوم الحكمة وفروع عليها. # 26 # والأصل يقيني، وقد تكون الفروع ظنية. الحكمة مضبوطة يمكن معرفتها، ~~وأسبابها متناهية بالعقل. أما الفروع فأسبابها غير متناهية ولا تحيط بها العقول. ~~تقوم الحكمة على العقل، في حين تقوم علومها الفرعية على التخيل والوهم. # 27 # وترتبط الرياضيات بعلوم الحكمة، بالفلسفة والإلهيات، وهي أسهل أجزاء الحكمة ~~إدراكا وتصورا وتصديقا؛ فالحساب ظاهر بديهي، والهندسة لا يخفى منها شيء على ~~سليم الفطرة، ثاقب الرأي، جيد الحدس، منفعتها شحذ الخاطر وتقوية النفس على البرهان، ~~وهي وسيلة ليست غاية. العلوم متدرجة من أسفل إلى أعلى، من الطبيعيات إلى ~~الرياضيات، إلى الحكمة والمنطق، إلى الإلهيات. # ومعلوم من البرهان في المنطق أن كل صناعة برهانية لها موضوع للبحث عن أعراضه ~~الذاتية ومقدمات، إما أولية مثل الكل أعظم من الجزء، أو مبرهن عليها في صناعة ~~أخرى، وإما مصادرات؛ فالبرهان جزء من المنطق الذي هو جزء من الحكمة. # ثم يتم تطبيق ذلك على كتاب «الأصول» لإقليدس، وهو أصل جميع الرياضيات للبرهنة على ~~ما ظنه إقليدس مصادرة؛ فأصول الرياضيات عند إقليدس إما النقطة والخط والزاوية ~~والسطح والدائرة، وإما مقدمات غير أولية، مثل انقسام المقادير إلى ما لا نهاية ~~والخط المستقيم بين نقطتين، وهو ما يحتاج إلى برهان من الحكيم، وإما المصادرات، مثل ~~المثلث والمربع والمخمس. مهمة الخيام البرهنة على ما ظنه إقليدس مصادرة، مثل كل ~~خطين مستقيمين يقطعان خطا مستقيما على نقطتين خارجتين منه في جهة واحدة على أقل ~~من زاويتين قائمتين يلتقيان في نفس الجهة. وقد ترك المتقدمون، مثل إيرن وأرطوقس، ~~هذه المسألة، كما حاول المتأخرون، مثل الخان والشتي والتبريزي، البرهنة عليها؛ ~~فتاريخ العلم متواصل من اليونان إلى المسلمين. أراد الخيام أن يراجع الموروث لولا ~~كثرته، فاتجه إلى الأصول مباشرة. وقد حاول ابن الهيثم ms142 ذلك أيضا في كتابه «حل ~~شكوك الغاية الأولى»، ولكنه تكلف البرهان وخرج على أصول الصناعة. وقد يكون السبب ~~بترا في المخطوط أو خطأ من النساخ. # 28 # ويتصدر الوافد الموروث في العمق لكثرة الإشارة إلى إقليدس وأن تصدر الموروث ~~الوافد في الاتساع لكثرة اسماء اعلام الموروث. # 29 # ويتصدر الوافد الموروث في الإحالة إلى الكتب. # 30 # وبالرغم من مدح أصول إقليدس وذكر نصوصه، إلا أن الخيام يبحث عن الأسباب ~~التي من أجلها جعل إقليدس بعض مصادراته من غير برهان؛ ربما لغلبة الظن على إقليدس؛ ~~وبالتالي فإن مهمة الخيام تحويل الظن إلى يقين. كان هدف إقليدس إرجاع الهندسة إلى ~~الفلسفة، والظن إلى اليقين، والرياضة إلى المنطق، والفرع إلى الأصل، والانتقال من ~~التناسب المشهور لإقليدس إلى التناسب الحقيقي عند الخيام. ونظرا لأهمية اللغة ~~واشتقاق الأسماء يشرح الخيام الألفاظ لتوضيحها ورفع اللبس في معانيها. كما ينقد ~~إطناب إقليدس بلا لزوم. كما خلط إقليدس بين الحساب والهندسة؛ لأنه يود أن يكتب ~~كتابا شاملا في الرياضيات لاحتياجه إلى علم الحساب في المقالة العاشرة. ويقارن ~~الخيام إقليدس مع بطليموس وأبولونيوس وضعا له في تاريخ الرياضيات عند اليونان. ~~وبالرغم من أنه يسميه هذا الرجل في معرض النقد إلا أنه يجد له الأعذار لاعتماده ~~على أرسطو الحكيم. لم يستطع الشراح اليونان حل هذه الشكوك. # 31 # ويصف الخيام مسار فكر إقليدس، مقدماته ونتائجه واستدلالاته، مستعملا ~~أفعال البيان أكثر من أفعال القول. # 32 # ويخرج معاني إقليدس بالقوة، من المنطوق به إلى المسكوت عنه. ويدعو ~~القارئ إلى مشاركته في الفهم. # 33 # وسبب خطأ المسلمين غفلتهم عن مبادئ أرسطو، واعتمادهم على إقليدس وحده، وفصل ~~الهندسة عن الحكمة، وفصلهم بين إقليدس وأرسطو. كان نقد ابن الهيثم له نقدا ضعيفا، ~~وأخطأ في نقده. وقد حاول المتأخرون، مثل الخان والشتي والتبريزي أيضا، دون الوصول ~~إلى برهان نقي. أما ثابت والحجاج فقد قاما بالنقل دون النقد، وإن كان ثابت أفضل ~~مكتفيا بالإصلاح الجزئي. كما غفل المتأخرون عن التمييز بين الموضوع والمحمول، ~~واكتفى التبريزي ببرهان الخلف دون البرهان الصحيح. ms143 # 34 # ويبدأ الكتاب وينتهي كالعادة بالبسملات والحمدلات، وطلب التوفيق ~~والعون، والصلاة على الرسول، واعتبار طلب العلم وسيلة للنجاة ونيل السعادة الأبدية؛ ~~فالعلم هو القوانين العامة والكليات التي يتم بها إلى التوصل لإثبات المعاد وخلود ~~النفس، ومعرفة أوصاف واجب الوجود، وترتيب الخلق، وإثبات النبوة. # | سادسا: الطغرائي، واللوكري، وابن باجه # (1) الطغرائي (515ه) # له «حقائق الاستشهاد»، # 1 # وهي رسالة في الكيمياء للرد على ابن سينا وإنكاره لها. بداية لظهور ~~التراكم الداخلي كدافع على التأليف. ويعني العنوان الاستشهاد على أخطاء ابن سينا ~~اعتمادا على نصوصه، وليس الاستشهاد في الفتوحات. تهدف إلى الرد على أعداء صناعة ~~الكيمياء، وتأييد أنصارها، والتمييز بين الكيمياء العلمية والسيمياء الخرافية التي ~~تهدف إلى تغيير جواهر الأشياء اعتمادا على السحر والإضرار بالناس؛ فهي رسالة ~~سجالية يظهر فيها مسار الفكر واستدلاله، مقدماته ونتائجه. # 2 # يتصدر فيها تمثل الوافد على تنظير الموروث في العمق والاتساع. ومن ~~الوافد يتصدر هرمس، ثم بليناس، ثم أفلاطون وفيثاغورس وديمقريطس، ثم أرسطو وسقراط، ~~أغاديمون، وزوسيموس، وجالينوس، وفرفوريوس، وأسفيدروس، وأرس. ومن الوافد الشرقي جاماسف. # 3 # كل الحكماء، كأفلاطون وأرسطو، مشهود لهم بإتقان العلوم؛ أفلاطون وأرسطو ~~قديما، والفارابي وابن سينا حديثا. وكثير من الكتب المنسوبة إلى أجلة الحكماء غير ~~صحيحة، مشكوك فيها، غير موثوق بها، بعيدة عن كلامهم، مضطربة النظم، وغير دالة على ~~معاني الحل والعقد والمزج والاستحالة، وهي العمليات الكيميائية، وقد قال الحكماء ~~كلهم بالطبائع الأربع. أما في أسماء الكتب المحال إليها فيتصدر الموروث الوافد. ~~وذكر الحكماء مرة واحدة دون تمييز بين وافد وموروث. كما يضم لفظ القدماء الوافد ~~والموروث معا بمعنى القدماء والمحدثين. ويتهم الطغرائي القدماء بالانتحال في ~~النظم وفي المضمون. # وهرمس هو شيخ الحكماء الذي وضع أسس علم الكيمياء وأصل الطبائع الأربعة، والماء ~~فيه سر كبير، ووضع قوانين التعفن، وكذلك عرفها الحكيم أرس، وهو ما عرفه جاماسف ~~أيضا باعتباره الماء أصل الطبائع، وعبر عن ذلك فيثاغورس بطريقة العدد، وديمقريطس ~~بطريقة الجزء الذي لا يتجزأ، وأشار بليناس إلى لون الكواكب والأجساد المنسوبة ~~إليها. ويحال إلى «مصحف الحياة» لأرس، ms144 وإلى كتاب «الرموز» للراهب. # وينقد الطغرائي الموروث الكيميائي بأنه مملوء بالخرافات والمحالات، والدعاوى ~~الباطلة، والخلو من الفائدة، وقلب الجواهر حقيقة وليس صباغة. ويستشهد بأقوال ~~ابن سينا، وهو موضوع النقد، ضد السيمياء، ويسخر منه في كتاب «الشفاء»، ويسميه ~~«صاحبك». وهي كتب خالد بن يزيد وجابر بن حيان وابن وحشية وابن زكريا. ويستعمل ~~ألفاظا فقهية، مثل الحل والعقد، لتعني التحليل والتركيب. # 4 # ويتصدر الموروث ابن سينا، ثم جابر بن حيان وابن وحشية والراهب، ثم الفارابي ~~وخالد بن يزيد وقدامة والرازي وإصطفن؛ فهم مشهود لهم أيضا بالتدبير في إتقان ~~العلوم، مثل الفارابي وابن سينا. وكتب الإسلاميين، مثل خالد بن يزيد وقدامة وجابر ~~بن حيان وابن وحشية وابن زكريا، بها كثير من الخرافات ومحالات يشهد الامتحان ~~ببطلان دعاويها، خالية من الفائدة، موهمة بكتب الحكمة بألفاظها ومقاصدها؛ لذلك ~~نقدهم ابن سينا لأنهم يدعون تحليل الحجارة وتحويلها إلى مياه رائقة. واحتار ~~الناس فيما سموه الحلول والعقود والتراكيب والموازين والتشاميع والتصاعيد ~~والتكليس والأمزجة. وتابع إصطفن وجابر وابن وحشية كلام فيثاغورس في الأعداد، وعرف ~~إصطفن الألوان والأجساد الأربعة إثر هرمس في ذكر ألوان الطبائع. # 5 # ويحال إلى باقي أعمال الطغرائي، مثل «جامع الأسرار» و«مفاتيح الرحمة»، ~~ثم إلى كتاب «الشفاء» لابن سينا للاستشهاد بأقواله وإبطالها، ثم بكتاب «الرحمة» ~~لجابر بن حيان. # 6 # ومن الموروث الأصلي تذكر آيات قرآنية خمس وحديث تفيد الحكمة، وتحذر من خداع ~~النظر، والضلالة في خلق الله، وهدايته لكل شيء، ويحذر من الارتزاق بالعلم لأن ~~الرزق من الله. يثبت القرآن فضل الحكمة التي كانت غاية الحكماء؛ # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا ~~. أما الكتب الإسلامية المموهة فإنها ~~خالية من الحكمة، هي مجرد سراب يحسبه الظمآن ماء، # كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ~~. وتعتمد الحكمة على المبادئ العامة قبل تفصيلاتها، وبدونها ~~تستحيل المعرفة، # ومن كان في هذه أعمى فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~. والطبيعة والصناعة على نسق ~~واحد، # ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت ~~، وإنما ms145 يتفاوت الأثر بالأقل والأكثر والسلامة والدفاق ~~والمقادير، # الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى ~~. وكل شيء في الطبيعة يقوم على الانسجام والتأليف، «إن الأرواح ~~جنود، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». # فالكيمياء علم يقود إلى الإيمان، والحكمة تتوسط بينهما وتوحدهما، ومن اختص ~~بهذا العلم خصه الله بفضل كثير، وما أعده الله لعباده الصالحين. ويثبت هذا ~~الفن أن الله يرى العالم ويعمل لمصلحة البشر، فيطلع العلماء على أسراره. والكتاب ~~مملوء بالإيمانيات من البسملة والصلاة على الرسول وآله وصحبه في البداية، حتى ~~الدعوة بالعون على الفهم والرزق بالاطلاع على حقائق العلم، إنه جواد كريم منان. ~~وخلال الرسالة كلها دعوات إلى القارئ وطاعته لله، وبأن يكون من الفائزين برحمته، ~~الحاصلين على حكمته، والعصمة من الخلل والزلل، والتمسك بالعهود والمواثيق مع الله. # 7 ~~(2) اللوكري # وفي «بيان الحق بضمان الصدق» للوكري (517ه)، يستمر تيار ابن سينا ومدرسته ~~الإشراقية، بل ومنهجه في التأليف، صمتا عن المصادر. ويتكون من قسمين؛ الأول: العلم ~~الكلي. والثاني: الربوبيات، وهو العلم الربوني الذي يشمل المبدأ الأول وسائر ~~المفارقات الروحانية الملكية، وهو جزء من مشروع كلي في العلوم الحكمية. # 8 # وهو مؤلف على سبيل التلخيص والشرح لابن سينا؛ فالشرح والتلخيص ليسا ~~قاصرين على الوافد، بل أيضا للموروث. ويقل فيه ذكر أسماء الأعلام والاكتفاء ~~بالحديث عن «في اقتصاص مذاهب الأقدمين في التعليميات والسبب الداعي إلى ذلك»، ~~ضاما لهم جميعا في وعي تاريخي واحد. # 9 # وله طابع تجريدي نظري عام مثل «الشفاء»؛ مما يجعله يتراوح بين تمثل الوافد ~~والإبداع الخالص، بداية التأليف ونهاية التراكم، وهو أقرب إلى الصمت على مصادره مثل ~~ابن سينا. يتحول من التاريخ إلى الموضوعات المستقلة؛ فقاطيغورياس ليس كتابا من كتب ~~منطق أرسطو، بالرغم من التقريب، ولكنه موضوع المقولات ذاته مستقلا عن مؤلفه، حتى ~~ولو كان أرسطو. # وموضوعه العلم الإلهي، وطريقته على سبيل التلخيص والشرح بشرط عدم الإخلال بشيء من ~~قوانينه، ولا تطويل شيء من فروعه، باستثناء المقالة الثالثة، النفس الإنسانية ~~ومعادها وانقطاعها عن الحالة البدنية، وحالها من العلم ms146 والجهل بالأشياء، على عكس ما ~~جرت به العادة في الكتب المألوفة بين أيدي الناس؛ فالنفس موضوع للإلهيات على عكس ~~أرسطو الذي جعلها موضوعا للبدن، ثم تلحق بها فصول متنوعة من علم الأخلاق في ~~اكتساب فضائل النفس الإنسانية وعقد المدينة الفاضلة. # 10 # لذلك قلت أفعال القول؛ لأنه ليس تعاملا مع أقوال، بل مع الموضوعات ذاتها، ~~ومعظمها في صيغة المتكلم الجمع «نقول» دون تعيين القائل، # 11 # أو في المبني للمجهول «قيل»، كما يظهر مصدر «القول»، ويظهر «قال»، كما ~~تظهر أفعال البيان في الأزمان الثلاثة، فعلا ومصدرا، ومعها أفعال الاستدلال، مثل ~~ظن، سأل، فرض، نظر، سلم، شرح. # 12 # ويظهر أسلوب الاعتراض على النفس من أجل إحكام الاستدلال وبيان اتساق ~~الفكر. وتتم مخاطبة القارئ بصيغة «اعلم»؛ فالفكر تجربة مشتركة. # 13 # وليس الكتاب مجرد تلخيص وشرح لابن سينا، ولكنه أيضا له مواقفه الخاصة ~~واعتراضاته في فصول بأكملها. # 14 # ويتصدر الوافد الموروث، يتصدر المعلم الأول، ثم أفلاطون، ثم بطليموس، ثم سقراط ~~وثامسطيوس، ومن الفرق الفيثاغوريون، ومن الكتب الربوبية «أثولوجيا» والمجسطي. # 15 # وعوضا عن قلة الأسماء يتعرض الكتاب إلى المذاهب، «في مذاهب الناس في ~~وجود الجسم وفي إثبات الهيولى والصورة والإشارة إلى معنى الاتصال والانفصال»، ~~وأيضا «في اقتناص مذاهب الأقدمين في المثل ومبادئ التعليمات والسبب الداعي إلى ذلك». # 16 # ويتم الحديث عن «قوم ظنوا»، «قوم قالوا»، «قال قوم من أهل العلم»، ~~«قال بعض الأوائل»، «قال قوم آخرون»، دون تعيين؛ فالمهم هو الموضوع وليس القائل ~~فردا أو جماعة. والجماعة غير المتعينة تدل على المذهب، والتحول من الشخص إلى ~~التيار أحد مظاهر التحول من النقل إلى الإبداع. # ومن الموروث لا يظهر إلا صاحب كتاب الشفاء، والشفاء، والرئيس أبو علي في الإنصاف، ~~ويدعو له «روح الله رمسه، وقدس نفسه». # 17 # كما يستشهد بآية قرآنية واحدة، # يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ~~، وهي نفس ~~الآية التي يستشهد بها ابن سينا في «المبدأ والمعاد». # 18 # وكما يبدأ المؤلف بالبسملة، والصلاة على محمد وآله، والدعوة بالعون يا لطيف، ~~ينتهي ms147 بالحمدلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، في كل من الجزأين. # 19 # وفي نهاية الفصل تظهر التعبيرات الدينية، مثل «الله أعلم»، «والله أعلم بالصواب». # 20 # وتظهر التعبيرات الدينية التشبيهية، مثل أن السماء حيوان مطيع لله، ~~تعالى، وحده. # 21 ~~(2) ابن باجه ~~(أ) وبالرغم من العنوان الإبداعي «تدبير المتوحد» لابن باجه (533ه)، إلا أنه في ~~الحقيقة أقرب إلى تمثل الوافد قبل تنظير الموروث، # 22 # بل إنه أقرب إلى تمثل الوافد وحده نظرا لحضور أفلاطون ثم أرسطو ثم ~~أبقراط وجالينوس ثم الإسكندر وأغسطس وسقراط وهرمس وهرقليطس، في حين لم يظهر ~~الفارابي إلا مرة واحدة. # 23 # ولا يحال إلا إلى أسماء مجموعات الوافد، مثل «الأولون» و«المتقدمون». # 24 # ولا يحال إلا إلى أسماء كتب الوافد، ومعظمها لأرسطو. # 25 # ومن حيث الألفاظ المعربة لا يظهر إلا لفظ واحد؛ سقومنيا. # يحال إلى أرسطو كسابق على ابن باجه في نشأة اليقين في التصورات والتصديقات، كما ~~عرض أرسطو في الثانية من «الحس والمحسوس» ربطا للجديد بالقديم، وللمحدثين ~~بالقدماء، وللأواخر مع الأوائل، استمرارا للتراث الفلسفي. ويحيل إليه مرة ثانية ~~في نفس الموضوع، وإلى نفس المصدر. ويدرس التذكر والخطابة، وتأثير المتمثلين على ~~الشباب، وانخداعهم بهم، محيلا إلى نفس المعد أيضا. ويذكر كتاب الأخلاق في موضوع ~~الكمال والفضائل الفكرية، وهي العلم والعقل. ويميل إلى أخلاق نيقوماخوس في أن النقص ~~ليس من قبل السن أو العامة أو الخلق، بل الأفعال الإرادية. كما يذكر هرمس كنموذج ~~للحكيم عند أرسطو. ومن خصائص المدينة الفاضلة التعقل. كما يشير ابن باجه إلى مثال ~~أرسطو في الانتحار بعد التيقن من غلبة العدو. وبالرغم مما قد يبدو في ذلك من إفراط ~~إلا أن إتلاف الجسم خير من مذلة الروح. ويحيل إلى كتاب البرهان والمقولات ~~والريطوريقا لتصحيح الفكر، مثل الإحالة إلى القرآن وسائر الكتب المقدسة للاستشهاد ~~بها، وبيان حكم المختلف فيه؛ فالصور البرهانية قد تكون موضوعا للمنطق والبرهان. ~~والكاذب لا يمكن أن يعلم أصلا؛ لأنه ليس له طبيعة محدودة، كما تبين في كتاب ~~البرهان. كما أن نسبة القضايا بعضها ms148 إلى بعض في كتاب المقولات، وانخداع الشباب ~~بالمتحنكين في كتاب الخطابة. وتكثر الإحالة إلى «الحس والمحسوس» في موضوع الصور ~~الروحانية، وكذلك الظن الصادق والتصور والتصديق عند المحدث في الرؤيا الصادقة وفي ~~الكهانات. كما يحال إلى شرح السادسة والسابعة والثامنة من السماع، وإلى كتاب ~~الحيوان وكتاب النفس له تأكيدا على وحدة المشروع الفلسفي. كما يحيل إلى «ما بعد ~~الطبيعة»، وإلى كتاب النفس والحس والمحسوس في العقول البسيطة الجوهرية التي يعقلها ~~الحكيم. ويحيل إلى «نيقوماخيا» دون ذكر اسم أرسطو، انتقالا من المؤلف إلى ~~التأليف، ومن الشخص إلى الموضوع. ويحال إلى مذهب أرسطو كله، لا فرق بين المنطق ~~والطبيعيات والإلهيات، ولا فرق بين الطبيعيات والإنسانيات؛ فالطبيعة إنسانيات ~~خارجية، والإنسانيات طبيعيات داخلية، والحركة في الاختيار وفي الطبيعة. ويزيد ~~ابن باجه على أرسطو، ولا يكرر ما قاله بحيث يبدو أرسطو دائرة منعزلة مع دوائر ~~أفلاطون وجالينوس مركزها ابن باجه. # 26 # ويستشهد ابن باجه بجالينوس في أن صلة الطبيب بعلاج البدن مثل صلة العالم المدني ~~بعلاج المدن. هناك تشابه بين الطب والسياسة. ويحيل إلى كتاب جالينوس في حفظ الصحة ~~أو استرجاعها إذا زالت عن طريق الطب. كما يستشهد به للتمييز بين الكيمياء وصناعة ~~النجوم، بين طب النفوس وطب الأبدان. أما الحكومة فإنها تضع طب المعاشرات. فجالينوس ~~الطبيب يقرأ النفس والمجتمع والسياسة قياسا على الطب، كما هو الحال عند الفارابي. ~~ويضرب ابن باجه المثل بالإسكندر الأكبر وبأبقراط ملكا وطبيبا لحب طول البقاء ~~وزيادة العمر بالطبع، وكلما زاد العمر كان أحب للنفس. ويبين ابن باجه أن أفلاطون ~~قد بين تدبير المدن في السياسة المدنية وبين معنى الصواب فيه، ومن أين يأتيه ~~الخطأ وعلى الآخرين الحكم على ما قاله. كما أنه يكمل أفلاطون في الخامسة من كتاب ~~السياسة في موضوع القرابة؛ فكلها إنسانية، وأكثرها بالوضع والشريعة. ويستشهد بقول ~~أفلاطون إن الطبيعة لا تخطئ فيما تختاره من النفس. ويستشهد بقول أبقراط إن البدن ~~الرديء كلما غذيته ازددته شرا، وبقول سقراط إن الإنسان إذا وصل إلى سن متقدم ~~وكان حكيما أصبح ms149 في جملة السعداء. # 27 # ويستعمل ابن باجه أسماء الفرق، مثل حكماء الطبيعيين على الخصوص، والحكماء على ~~الإطلاق، وهم الذين يعلمون حصول الغاية للفاضل في حين أن أكثر الناس لا يعلمها، كما ~~يذكر الفلاسفة والمتفلسفون دون تحديد انتمائهم للوافد أو الموروث بعد أن أصبح ~~الوافد موروثا، فيما يتعلق بما يسميه الجمهور التشكيك، وما يسميه الفلاسفة ~~اشتراك الاسم، ومثل قلة استعمالهم لفظ روحاني. وما زال ابن باجه يستعمل بعض الألفاظ ~~المعربة، مثل «السقمونيا». # 28 # كما يظهر الوافد الشرقي الفارسي والهندي في مقابل الوافد اليوناني؛ فمن الوافد ~~الفارسي يحيل ابن باجه إلى سيرة الفرس الأولى المركبة من السير الخمس حكاية عن ~~الفارابي؛ فالفرس مصدر للأخبار عن أنواع المدن؛ أي عن الفكر السياسي، ومصدر لعادات ~~البشر، مثل نكاح الأمهات. يتحدث عن فارس وهو في الأندلس؛ مما يدل على الوحدة ~~الجغرافية للعالم الإسلامي. ويظهر الموروث الهندي في كتاب «كليلة ودمنة» الذي أصبح ~~وافدا هنديا، وترجمة فارسية، وموروثا عربيا، وهو جزء من الآداب النفسانية، ~~مع آداب حكماء العرب التي تشتمل على الوصايا والأقاويل المشهورة. كما يؤخذ نموذجا ~~للآداب غير الصادقة الخيالية التي لا تطابق الواقع، على عكس شعر امرئ القيس الذي ~~يتحدث عن وقائع تاريخية. # 29 # ويظهر الموروث في سبع صور: الفلسفة، والتصوف، واللغة العربية، والشعر العربي، ~~والتاريخ، والجغرافيا، وأخيرا القرآن والحديث. # 30 # ويلاحظ أولوية اللغة والشعر على الفلسفة والتصوف. كما يشير التاريخ ~~والجغرافيا، إلى البيئة العربية الإسلامية كمواطن للتأليف. ومن الفلاسفة لا يوجد ~~إلا الفارابي، في حين من الصوفية إبراهيم بن أدهم وأويس القرني وهرم بن سنان. ويظهر ~~أبو نصر الفارابي راويا عن الفرس السير؛ فكان نافذة للعالم الإسلامي على الحضارات ~~الوافدة، الفارسية والتركية واليونانية. كما يشير إلى حيل ابن شاكر في موضوع العمل ~~الخطأ الذي ينال به غرض آخر؛ فكل ما في الحيل أشياء يقصد بها التعجب وليس ~~الكمال الإنساني. الحيل نموذج لتوليد قصد آخر. ويستشهد باعتراف الغزالي بأنه أدرك ~~مدركات روحانية وشاهدها مستشهدا بقول الشاعر: # وكان ما كان مما لست أذكره # فظن خيرا ms150 ولا تسأل عن الخبر # ومع ذلك ينقد ابن باجه الصوفية، وما ظنوه غاية الإنسان، ودعاءهم «جمعك اللهم ~~ويمين الجمع»؛ لأنهم قصروا عن الصور الروحانية المحضة، وأخذوا بأشباهها؛ لذلك قال ~~الصوفية إن السعادة القصوى قد تحصل بلا تعلم، بل بالتفرغ والتذكر الدائم. وهنا تفوق ~~الحكمة التصوف؛ إذ يستحيل الحصول على الصور الروحانية بالرياضة والمجاهدة فحسب دون ~~تعلم ومع غياب العقل والبرهان. التصوف مجرد خيالات وليس عقلا، خال من مقياس للصدق ~~والكذب كما هو الحال في الحكمة المنطقية، وهم لا حقيقة، نزوع وليس عقلا. ويصبح ~~الصوفية حكماء لو توجهوا نحو الروحانية العامة التي هي كمال النفس الناطقة. # 31 # ويظهر اللسان العربي والشعر العربي بعد الفلسفة والتصوف؛ فلفظ التدبير في لسان ~~العرب يقال على معان كثيرة أحصاها أهل لسانهم، وأشهرها ترتيب الأفعال نحو غاية ~~مقصودة. وفي بداية كل باب يبدأ ابن باجه بتحليل لغوي لمعاني الألفاظ، مثل تدبير، ~~روح، روحاني، تتضح فيه ظاهرة التشكل الكاذب، بالتبادل مع ألفاظ للقرآن، مثل روح، ~~نفس، أسماء لا صفات، مثل روحاني، نفساني. # 32 # كما يحاول البحث عن اسم عربي لوصف الحيوان، أو اختيار أقرب للاسم ~~دون اللجوء إلى التعريب؛ فالروح يقال في لسان العرب على ما تقال عليه النفس، وهو ~~عند المتفلسفين لفظ مشترك يراد به الحار العزيزي، آلة النفس. وعند الأطباء ~~الأرواح ثلاث: طبيعي وحساس ومحرك. والروحاني من روح بالمعنى الثاني أي الحساس، أو ~~الثالث بمعنى الجوهر الساكن المحرك لسواه. وهو ليس جسما، بل صورة لجسم؛ لأن كل جسم ~~متحرك. وشكل اللفظ غير عربي، بل دخيل على لسان العرب، وعلى غير قياس النحاة؛ لأن ~~المقيس روحي. ويستعمله المتفلسفون بمعنى الجسماني والنفساني. والهيولاني لفظ دخيل ~~على اللسان. وكلما كان الجوهر أبعد عن الجسمانية كان أخلق به، مثل العقل الفعال ~~والجواهر المحركة للأجسام المستديرة. وأحيانا يوجد معنى، مثل ما يتحرك إلى ما ~~يشتهيه إلى وقت توجد له فيه الروية، ولا يوجد له اسم في لسان العرب، فيأتي بلفظ ~~دخيل. ومع ذلك أقرب الأسماء العربية إليه هو «اليفعة». ويحلل ms151 ابن باجه المصطلح في ~~اللسان العربي لرفع الخطأ؛ فشكل لفظ «مدرك» يدل على المحرك والمنفعل؛ لذلك كانت ~~المحركات أشخاصا وليست كليات. كما يحاول إيجاد ألفاظ عربية للمعاني الفلسفية، مثل ~~تسمية حال النشاط عند العرب نشاطا، وبطء حركة الضعيف كسلا؛ فإن لم يجد لفظا ~~عربيا للمعنى فإنه يحاول إيجاد لفظ، مثل تسمية الحيوان الذي يربي أولاده ~~المحصل الكامل، وتسمية الصور الروحانية التي لا عمل لها بأقرب الأسماء إليها، مثل ~~الوهم والخيال، دون الأسماء المركبة، مثل «ما لا يبالى به». فالمصطلح لفظ أكثر ~~منه عبارة شارحة. الألفاظ العربية موضوع سائد منذ نشأة المصطلح الفلسفي في عصر ~~الترجمة ومراحل النقل حتى إبداع لفظ عربي جديد في مرحلة الإبداع. # 33 # ويلجأ ابن باجه إلى أشعار العرب كدليل على ما يقول، مثل نبوءات زرقاء اليمامة ~~وتأبط شرا؛ فالشعر مصدر للفلسفة مثل التصوف. الشعر برهان الحكمة، والتجربة ~~الشعرية تصديق للتأمل الفلسفي. وابن باجه شاعر، كما أن ابن رشد أديب. كما يستعمل ~~الشعر العربي لإثبات المعنى الحرفي للفظ الذكر عند العرب، وأن الخلود في الذكر ~~وليس في المال، في العمر الثاني وليس في العمر الأول، في البقاء وليس في البلى، وهو ~~ما تدل عليه أيضا السير. وتنال هذه الأفعال بالقوة الخيالية، وليس بالحس المشترك. ~~أما الأفعال الجسمانية فتقود إلى المذمة، ولا تنال بها الأفعال الباقية بذاتها. ~~وبعضها يحفظ في ذاكرة الأمة باقترانها بأشياء أخرى، خاصة إذا كانت سيرة الأمة ~~حفظ الأقاويل الموزونة، فيتداولها الناس والشعراء، كما فعل المحلبي بالأعشى الشاعر. ~~وقد يتداول الناس الأفعال لغربتها والإعجاب بها. ما يهم هو اقتران الفعل ~~بالانفعال حتى يرويه الناس. وفي هذا الصنف تدخل أكثر التواليف والأشعار والخطب. ولا ~~يدخل مقصد الشاعر في العمل الفاضل، بل يدخل فقط الشوق أو الانفعال أو ما شابههما. ~~وقد يذكر الفضلاء الأمور الغريبة والسيرة للإعجاب، لا ليذكروا به، بل من أجل كمال ~~العمل، كما هو الحال عند كبار الأنفس ومدبري المدن. يستعملون الوعيد كما يستعملون ~~النقائض، كالرياء وباقي الأفعال الجسمانية. ويبدو أن هناك توجها قرآنيا ms152 من آية ~~الشعر في سورة الشعراء الشهيرة # والشعراء يتبعهم ~~الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد ~~يهيمون * وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون ~~؛ فالنص النازل يتحول إلى واقع صاعد في الشعور. يستشهد ~~ابن باجه أيضا بالشعر العربي لوصف بكاء الديار، وللحزن على الآثار، وهو أكثر الشعر ~~العربي لكثرة ما شاهده العرب؛ فالشعر مشاهدة، كما أن الحكمة تجربة. كما يستشهد ~~بالشعر العربي لبيان أن الصور الروحانية التي لا يفيدها الحس ولا الطبيعة يفيدها ~~الفكر أو العقل الفاعل قد تكون صادقة أو كاذبة، والكاذبة أكثر في بعض السير، ومنها ~~تدخل الأماني. ويضرب المثل لمن يتلف صورته الجسمانية في طاعة صورته الروحانية في ~~الانتحار بشعر تأبط شرا في أن الموت أفضل من العبودية، وبشعر المرواني وما فعلته ~~الزباء مع عمرو، وملكة مصر مع أغسطس (وهو مثل أرسطو أيضا)، وما فعلته فاطمة أم ~~الربيع وسائر بني زياد عندما لحق بها قيس بن زهير، وكما فعل حاتم الطائي عندما ذبح ~~فرسه ولم يطعم منه وأهله شيئا. # 34 # ويضرب المثل بامرئ القيس على تخيل الأمور البعيدة، كما يضرب نماذج من ~~الخيال الشعري على نسبة الصور للحس. والتصور والتصديق اضطرار وليس اختيارا، وإلا ~~لعرف الإنسان ما يسوءه كما قال المتنبي شعرا، وكما قال أيضا في رثاء أخت سيف ~~الدولة. ويستشهد بشعر زيد بن عدي العبادي في معرفة القرين بالقرين. ويستعمل الأسلوب ~~العربي وضرب المثل بزيد وعمرو. # 35 # ومن التاريخ يضرب ابن باجه المثل على اختلاف الناس في الإدراك، ثم تداركهم الخطأ ~~على تفضيل قوم معاوية على علي في الحزم، ثم تداركهم ذلك عندما ظهر الأمر على خلاف ~~ذلك. كما يضرب المثل بملوك الطوائف على المتجملين الذين يذهبون المال ويتوسلون به ~~في حوائجهم، ويتمدحون ويمدحون به وهو مذمة. وأكثر الناس يهواه في سره ويذم في ~~جهره. ويضرب المثل لعمر بن الخطاب محدثا؛ أي مخاطبة العقل الفعال تحقيقا لظاهرة ~~التشكل الكاذب؛ فقدرة عمر على إدراك الوحي من الواقع تأكيد على وحدة التأويل ~~والتنزيل، العقل والوحي والطبيعة. ويضرب المثل لتصور الأفضل ms153 بالمهدي، وللأوائل بأبي دلامة الشاعر؛ فعند كل واحد صورة روحانية للآخر تحركه؛ فصورة الشاعر تحرك المهدي ~~إلى الراحة والضحك، وصورة المهدي تحرك أيضا دلامة إلى العبس والقوام، وصورة العبس ~~والقوام أفضل من صورة اللهو والضحك؛ فبصورة الأعلى يصير الأدنى أعلى، وبصورة الأدنى ~~يصير الأعلى أدنى. # 36 # ومن الجغرافيا يظهر لفظ العرب كقوم لوصف عاداتهم في وضع البول بجوار الإبل. ~~وأحيانا يظهر التقابل بين العرب والبربر طبقا لعادة سكان المغرب في عادة رعاية ~~الأولاد للمنازل. وتظهر البيئة الجغرافية العربية في الإشارة إلى مصر والنيل ~~والفسطاط كمثال لصورة في الحس المشترك، الصور الروحانية دون مشاهدة في الواقع، ~~وصدقها تطابقها مع الواقع، وإلا كانت كاذبة. أما الصور التي لم تمر بالحس ~~المشترك، مثل يأجوج ومأجوج، فهي محض خيال. # 37 # وتظهر الموضوعات الدينية، لب الحضارة الإسلامية، في التأليف، نصارى ويهود ~~ومسلمين؛ فما كانت العرب تحكيه عن زرقاء اليمامة وتأبط شرا كانت تحكيه عن النصارى ~~عن قوم يبنون الهياكل بأسمائهم، مع أنهم قتلوا ثم أحيوا ثم أحرقوا ثم أحيوا ~~تنفيذا لأمر إلهي، وهي معجزات البعث. ويشير إلى الزبور في قصد السمعة وكأننا مع ~~إخوان الصفا. والحقيقة واحدة، هي الفلسفة الإشراقية. كل شيء في كل شيء، ووحدة ~~الأديان. ويستعمل ابن باجه بعض مفاهيم الشريعة مثل الوضع. ويستشهد بآيتين قرآنيتين ~~لتصور الذين أخلدوا إلى الأرض البعيدين عن الصور الروحانية، مثلهم مثل الكلب الذي ~~يلهث مع صاحبه أو بدونه. ويستشهد بحديثين؛ الأول عن أن الأعمال بالنيات، والثاني عن ~~كمال الخلق دون فخر أو امتنان. # 38 # وإذا كانت رسائل ابن باجه أقرب إلى التأليف، فإن «تدبير المتوحد» أقرب إلى ~~الإبداع؛ فلم يعد فيه فرق بين الوافد والموروث، بل فكر واحد يتجه نحو الواقع من ~~أجل الإبداع والتنظير المباشر له، فتجتمع الروافد الثلاث، الوافد والموروث والواقع، ~~في التأليف الإبداعي؛ فقد كتب «تدبير المتوحد» عن ظروف تاريخية عصيبة. جاء ~~المرابطون لإنقاذ الأندلس، إلا أن السلطة كانت في أيدى الفقهاء والمقلدين، ومن ~~الطبيعي أن تقوى المحافظة والانعكاف على الذات في لحظات الخطر ms154 وفي حالة العجز عن ~~المقاومة، وكان الغزالي ما زال مسيطرا على الحياة الثقافية في المغرب، وابن باجه ~~ما زال شابا؛ ومن ثم استطاع كسر الطوق الذي فرضه فقهاء الأندلس في المغرب وسلطة ~~الغزالي في المشرق. # 39 # والتدبير هو ترتيب أفعال نحو غاية مقصودة، وله معنيان؛ خاص لأفعال البدن، وعام ~~لكل أفعال الإنسان. هو نظام عقلي خاص بالإنسان وحده؛ لأنه هو الذي يختص بالفكر ~~والعقل، يخطئ ويصيب. التدبير عمل عقلي، انتقالا من العدل الإلهي عند المعتزلة ~~إلى العدل السياسي. والعقلانية قدر يحظى البعض به أكثر منها اتجاها إنسانيا، هي ~~أقرب إلى الاستعداد الفطري منها إلى النظام الاجتماعي. أما البيئة والعلم والتاريخ ~~والدين والحضارة، فهي عوامل مساعدة في تكوين العقل؛ لذلك جاءت فلسفته إنسانية ~~عامة مثل الفارابي، وليس تصورية حرفية مهنية. تقوم على وحدة العقل والمحرك الأول ~~والواحد، وهو الله، في شكل هرمي تقليدي. ويخلد العقل بفيض الصور العقلانية عليه؛ ~~فلا يوجد خلود جزئي للأفراد، بل خلود كلي للعقل، مثل ابن رشد فيما بعد. ويتصل ~~الأنبياء بالعقل الفعال بالرغم من أن ابن باجه نادرا ما يشير إليهم، على عكس ~~إخوان الصفا. يكتفي بمجرد إشارات غامضة نظرا لتفوق الفلاسفة على الأنبياء في ~~الاتصال، ولا يتحدث عنهم إلا في صيغة الجمع، ونظرا لتطور النبوة واكتمالها دون أية ~~أفضلية للاحق على السابق أو للمتأخر على المتقدم. ولا توجد ميزة خاصة لخاتم ~~الأنبياء لشخصه، بل لاكتمال النبوة. كل مرحلة قد أدت دورها وتلك خاصيتها. # 40 # ومراحل الارتقاء الثلاث عند ابن باجه مشابهة لمراحل الصعود والارتقاء ~~في التصوف؛ من الطبيعة إلى النفس إلى العقل عند ابن باجه، ومن الأخلاق إلى النفس ~~إلى الفلسفة في التصوف. # ويقترب «تدبير المتوحد» من التوحيد بين الفلسفة والتصوف؛ فالتوحيد تأمل صوفي أو ~~تصوف إسلامي، كرد فعل على الغزالي في «المنقذ من الضلال»، التصوف الخالص الخالي ~~من التفلسف؛ فالمتوحد هو الحكيم، والتدبير هو الطريق، والتوحد هو الله؛ ومن ثم ~~يأتي الإنسان المتوحد شبيها بالله؛ فلا فرق بين الله الأحد والإنسان المتوحد، ~~الواحد والمتوحد، ms155 والأوحد والوحيد. # 41 # وبالرغم من تلقي المتوحد الفيض من العقل الفعال إلا أن ابن باجه ~~ينقد الصوفية؛ لذلك جمع ابن باجه بين عقلانية أرسطو وروحانية أفلاطون، بين موضوعية ~~أرسطو وذاتية أفلاطون، ومع ذلك كان أقرب إلى أفلاطونية أرسطو، في حين كان ابن رشد ~~أقرب إلى أرسطو. # 42 # يظهر اتفاق العقل والوحي عند ابن سينا وابن طفيل، ويظهر اتفاق العقل ~~والوحي والطبيعة عند ابن باجه وابن رشد. # التدبير طريق الصوفية الذي يتبعه الغزالي أيضا، ولكن ابن باجه يعتبر الغزالي من ~~مفكري الدرجة الثانية رغم ادعائه الحصول على الحقيقة والوصول إليها؛ فالهجوم على ~~الغزالي ورد الاعتبار للتصوف التأملي في «تدبير المتوحد» سابق على رد اعتبار ~~ابن رشد للفلسفة في «تهافت التهافت». وإذا كان مشروع ابن باجه هو إحياء التراث ~~الفلسفي في الأندلس خاصة، وفي الحضارة الإسلامية عامة، فإن «تدبير المتوحد» ~~وإشراقياته العقلية خروج عن الموضوع، وتركيز على الصور الروحانية أكثر من التركيز ~~على العلم المدني مثل إخوان الصفا. وهذا هو أحد أسباب عدم نجاح مشروع الإحياء ~~الأندلسي، تصوف ابن باجه. وإذا كان ابن رشد استئنافا لمشروع الإحياء فإنه لم ينقد ~~التصوف، واكتفى بالهجوم على الغزالي أشعريا؛ لأن الأشعرية سند التصوف؛ ربما ~~لصحبته لابن عربي أو لتصوفه الخاص. # كما يبدو من العنوان «تدبير المتوحد» غلبة الجانب الفردي الصوفي على الجانب ~~الاجتماعي السياسي؛ فإذا ما قسم ابن باجه المجتمعات فإن العقل هو مقياس التقسيم، ~~أو الآراء بمعنى الفارابي؛ فالمجتمع الذي يسوده العقل هو المدينة الفاضلة، والنبي ~~خارجها، والفلسفة مصدر السعادة فيها، والفيلسوف، وليس النبي هو المحقق لها، على عكس ~~الفارابي وابن سينا اللذين جعلا النبي الفيلسوف أو الفيلسوف النبي رئيسا للمدينة. ~~ولا يتساءل ابن باجه عن الشريعة أي النظام الاجتماعي، وعن السياسة أي عن السلطة ~~السياسية. والمجتمعات التي لا يسودها العقل مدن بسيطة؛ فالبساطة هنا بمعنى قدحي، ~~وهي أربعة: مجتمع المال الذي ذكره الفارابي وأفلاطون من قبل، ومجتمع الجماعية أي ~~الشيوع والقبلية، ومجتمع التغلب أي التسلط، ومجتمع الإمامية أي محبة التقدم وليس ~~الكهنوتية، مجتمع ms156 رجال الدين. # ومع ذلك يظل السؤال: هل موضوع «تدبير المتوحد» السياسة أم الأخلاق، المجتمع أو ~~الفرد؟ هل استطاع ابن باجه استئناف مشروع الفارابي الاجتماعي في المدينة الفاضلة، ~~أم أنه استأنف مشروعه المعرفي دون الاجتماعي؟ عند الفارابي الإنسان مدني بالطبع، ~~ولكن عند ابن باجه متوحد بالطبع؛ وبهذا المعنى ربما يدل «تدبير المتوحد» على عدم ~~نجاح الفلاسفة في السياسة العملية وبعد نظرتهم عن الواقع. قد يكون تراجعا ~~مأساويا يعبر عن هزيمة التصوف التأملي بعيدا عن الواقع، والبداية بالنفس بدلا ~~من المجتمع، وبالفرد بدلا من الجماعة، عودا من «المدينة الفاضلة» إلى «تدبير ~~المتوحد». ربما أراد ابن باجه القيام بخطوة إلى الوراء من أجل التقدم إلى الأمام، ~~العودة إلى الفرد من أجل التوجه نحو الجماعة، حتى تصبح المدينة الفاضلة ممكنة ~~التحقيق. التدبير خطة العاقل في المجتمع الذي لا يسوده العقل، وهي المجتمعات ~~الأربعة الناقصة، والتي لا يدين المتوحد لأي منها كرد فعل على الفشل السياسي ~~ومحنة الأندلس. المتوحدون مثل النوابت، لا ينسحبون من المعركة، ولكن لا يدخلون ~~إليها قبل الأوان. التوحد إعداد الذات وتربية المواطن قبل تأهيل الجماعة وبناء ~~الوطن. المتوحد هو «العاكف على شأنه، الخبير بأهل زمانه». ومع ذلك يعكس العنوان ~~التوحد ضد التجمع، التوحد أولا والتجمع ثانيا. ويبدو أن قبول الواقع والبداية به ~~جعله ينعكس على ذاته ويرتد إلى نفسه صوفيا إشراقيا كنوع من المقاومة السلبية ~~على المجتمع؛ فالمتوحد يذهب إلى المدنية بعقله، وإلى التصديق بقلبه، لا يهرب بجسده، ~~بل بروحه؛ ومن ثم تتم المصالحة بين العقل والقلب، بين الفلسفة والحياة. # 43 # ومع ذلك يظل «تدبير المتوحد» أقرب إلى الفرد منه إلى الجماعة. الباب الأول في ~~العلم المدني منذ البداية، وفي الباب الثاني تتحول السياسة إلى النفس، ويظل السؤال ~~قائما: ماذا يعني «تدبير المتوحد»؟ هل هو الإنسان الطبيعي الذي أفسده المجتمع ~~فيترك المدن الجاهلة حرصا على نقائه؟ # 44 # وفي هذه الحالة كيف يتم تحقيق المدينة الفاضلة في الواقع؟ ~~(ب) وفي «رسالة الوداع» يتصدر تمثل الوافد على تنظير الموروث، ويتصدر أرسطو ~~الوافد، ثم ms157 أفلاطون وسقراط. ومن أسماء الفرق المفسرون المشاءون. ويحال إلى ~~نيقوماخيا، ثم إلى الأخلاق والحيوان وفادون (أفلاطون)، ثم إلى السماع والسياسة والنفس. # 45 # ويفصل ابن باجه ما تركه أرسطو مهملا في الحادية عشرة من «الأخلاق»؛ لأنه لا ~~يوضح دائما ما يريد إبطاله. وفي نفس الوقت يبين ابن باجه مواطن التطويل ~~والإطناب في أرسطو وأفلاطون؛ فمهمة التأليف إجمال المفصل، وتفصيل المجمل، ومعرفة ~~وجه إبطال أرسطو للشيء. يدرس ابن باجه موضوعا ثم يتحقق من صدق قول أرسطو أو ~~الاستشهاد به، تأكيدا للإجماع الحضاري أو إجماع العقلاء، كما هو الحال في علم ~~الأصول. كما يستشهد بأرسطو في السادسة من نيقوماخيا على أفعال العقل التي توجهها ~~الحكمة، وبهرمس نموذج الفاضل في جميع الفضائل الشكلية. كما يحيل إلى كتاب الحيوان ~~ارتباطا بالتراث السابق، وتفاديا لتكرار القديم، مع استمرار ظهور بعض المصطلحات ~~الأولى منذ عصر الكندي، مثل «القنية». ولا يستأنف ابن باجه تحليله لما فعله أفلاطون ~~في السياسة، وفي محاورة «فادون». ويستشهد بسقراط وسبب قوله بتناسخ الأرواح في ~~المحاورة، ويقرؤها إسلاميا. ويستشهد بنار هرقليطس (أبوقليطس) وضوئها على ذهاب ~~السن وانقضاء العمر، وأن لكل أجل كتابا، فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا ~~يستأخرون. ولا يهم إذا كان أبوقليطس هو هرقليطس؛ فليس المقصود هو التحقق ~~التاريخي، بل المثل كحامل، وليس المهم المثل بل الممثول. # 46 # كما يشير إلى المفسرين دون تحديد الوافد أو الموروث، وهم أهل الاختصاص ~~في علم النفس في موضوع حدوث صورة للنزوع الغريزي في الخيال. # 47 # ومن الموروث يتصدر الفارابي، ثم الغزالي قبل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ~~وصاحب الشريعة، وبعض أسماء الأعلام بين أمير وعالم وشاعر، والأماكن من البيئة ~~المحلية، وأسماء الكتب والفرق. # 48 # ويمثل الفارابي بداية الوعي التاريخي الفلسفي؛ لذلك يرتبط ابن باجه به بالرغم ~~من ندرة كتبه في الأندلس؛ مما يدل على فضل المشرق على المغرب. # 49 # كان ابن باجه حلقة اتصال بين المشرق والمغرب من خلال الفارابي وشروحه، ~~مثل شرح نيقوماخيا، بل إن ابن باجه يقتبس من أبي نصر دعاء للتخفيف من ms158 ألم الشك في ~~المعرفة وطلب اليقين. # 50 # ويأخذ ابن باجه نفس الموقف من الغزالي الذي أخذه في «تدبير المتوحد»، ~~ولكن في سياق آخر؛ فيسميه «الرجل المعروف بأبي حامد الغزالي»، وكتابه الذي سماه ~~«المنقذ من الضلال»، وقال إنه شاهد أمورا إلهية، وهي كلها ظنون ومثالات الحق ~~وخيالاته؛ فهو رجل مغالط يدعي أن عجائب العالم العقلي أفضل من عجائب العالم ~~المدني. ويمكن تصويب رأي الغزالي بما قيل في نيقوماخيا إن الأشرار متى خلوا إلى ~~أنفسهم يتأملون، على عكس الأخيار، وكما هو الحال في المقالة الحادية عشرة. ما يقوله ~~الغزالي في حاجة إلى برهان. كان هدفه التثبت فقط من صحة اعتقاده، وأنها لا عناد ~~فيها. يدافع ابن باجه عن العالم العقلي، أما العالم الروحي عند الغزالي فمجرد ~~خيال. يمكن إذن تصحيح تصوف الغزالي بأخلاق أرسطو. فإذا كان ابن باجه قد نقد الغزالي ~~الصوفي لغياب البرهان، فإن ابن رشد قد نقده كأشعري لسوء البرهان. ومع ذلك ظل ~~الغزالي صامدا على مدى ألف عام. كان ابن باجه يريد الجمع بين مشاهدات الصوفية ~~وبراهين الحكماء، كما يروي عن اللقاء بين ابن عربي وابن رشد واقعا أم خيالا. ~~الأول يشاهد ما يعلم الثاني، والثاني يعلم ما يشاهد الأول. ويضرب ابن باجه المثل ~~بداود من بلاد بريطانيا المتقلب في الأديان، وتشوقه لاجتماعه به في مرسيه على معرفة ~~الحق والالتذاذ بالعلم. # 51 # ويستعمل ابن باجه أسلوب الفقهاء في السؤال والجواب والاعتراض والرد عليه مسبقا. ~~كما يستشهد بالشعر العربي على التشوق الفكري، تشوق الصواب الذي للإنسان خاصة؛ لذلك ~~يقال: نزعتني نفسي، قلت لنفسي في خلاء ألومها، وقول قطري الشاعر. كما أن القوة ~~الفكرية والقوة النزوعية يدل عليهما بالنفس كما قال المعري في شعره. فالتجربة ~~الشعرية مصداق للتجربة الفلسفية. # 52 # كما يستعمل الأسلوب العربي، زيد وعمرو، كفاعل أو مبتدأ؛ مما يدل على ~~التأليف والأسلوب غير المباشر. ويضرب المثل بعنقاء مغرب وعنز أيل على تصورات غير ~~موجودة وغير مطابقة للواقع. # 53 # ويظهر أسلوب الكنى في مخاطبة القارئ، وتظهر الأندلس كبيئة جغرافية ~~محلية، ms159 وليس الوافد؛ فكتب الفارابي كلها لم تصل إلى الأندلس. # 54 # وتظهر بعض الموضوعات الدينية؛ فيضرب ابن باجه أمثلة من علم العقائد على الزمان ~~المتصل، مثل نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، وأن عدم الله كان متصلا قبل خلق الله ~~العالم. ويستشهد بآيتين قرآنيتين؛ الأولى عن الراسخين في العلم لإثبات حض الشريعة ~~على العلم، والثانية عن خشية العلماء من الله؛ لأن من علم الله تقرب إليه. ~~ويستشهد بحديثين نبويين؛ الأول عن أن خير الأمور الوسط، والثاني الحديث القدسي ~~المشهور على أن أول ما خلق الله خلق العقل. ويضرب المثل على إهمال البدن بمحمد ~~بن عبد السلام من بلنسيا، والمستظهر من بني أمية في الأندلس. كما يضرب المثل على ~~الاعتناء بالبدن والخوف عليه بعلي ابن السلمي. # 55 # وتتميز رسالة الوداع بجمال الاسم وشجنه وطابعه العاطفي الذي يعبر عن هموم قصر ~~العمر؛ فالإنسان قادم ومغادر، ويترك رسالة للأصحاب في اليوم الأخير في حياة سقراط ~~الذي يحاور فيه تلاميذه عن خلود النفس، أو الليلة الأخيرة في حياة المسيح الذي ~~يلتقي فيها بحوارييه، ويبلغهم أن نفسه حزينة حتى الموت. موضوعها علم النفس أو ~~اللذة العقلية، أقرب إلى الموضوعات الفردية دون الاجتماعية. وتعتمد على تفضيل ~~الفارابي العامل الجاهل على التارك العالم في «فصول المدني». كان العلم في ذلك ~~الوقت العلم بكتب أرسطو. ويعتز ابن باجه بمعلمه الفارابي وبمكانته في العلم، ~~بالرغم من ندرة كتبه في الأندلس، وإن وجدت فإنها قد يشوبها النقص الذي يكمله ~~ابن باجه؛ فمسار الوعي الفلسفي من نقل الأصل الأرسطي إلى شرح الفارابي تحولا من ~~النقل إلى الإبداع إلى إبداع ابن باجه وإعادة بناء الموضوع كله. ومع ذلك هناك قلق ~~في التأليف؛ مما يدل على أن الإبداع لم يحكم بعد. # 56 ~~(ج) وفي «اتصال العقل بالإنسان» يحال إلى أرسطو، ثم أفلاطون، ثم سقراط وهرمس ~~والإسكندر. ومن مؤلفات أرسطو يحال إلى كتاب «النفس»، ثم إلى «ما بعد الطبيعة»، ثم ~~إلى باري أرمنياس والمقولات والحيوان ومنافع الأعضاء. # 57 # ويرفض ابن باجه نظرية المثل عند أفلاطون، ms160 مثل رفض أرسطو لها، ويبين ~~ما ينتج عنها من محاولات؛ مما يكشف عن نزعة واقعية مشتركة بين الحضارة الإسلامية ~~وأرسطو. ويشير إلى أسطورة الكهف عند أفلاطون، وهي ألغاز مناسبة لأحواله، ووصف ~~السعداء الناظرين إلى الشمس. ويستشهد بقول الإسكندر إن المحرك هو المتحرك بعينه في ~~كتاب الصور الروحانية، وإنه واحد بالعدد تأرجحا بين الفلسفة والتصوف. ويستشهد بقول ~~سقراط في الصورة إنها الخير والجميل وليس المعنى، وهي قراءة أفلاطونية لسقراط؛ ~~فأفلاطون يقول بالصورة في حين أن سقراط يقول بالمعنى. # 58 # ومن الموروث يحال إلى الفارابي وربيعة بن مكرم، ثم جرير وامرئ القيس، لا فرق بين ~~الفلاسفة والشعراء. يحيل ابن باجه إلى معاني الواحد في ما بعد الطبيعة، والتي ~~لخصها الفارابي في كتابه في الوحدة. كما يحيل إليه في القوة الناطقة التي تقال ~~على الصورة الروحانية؛ لأنها تقبل العقل، كما تقال على العقل بالفعل؛ لذلك تشكك ~~الفارابي عما إذا كانت موجودة في الطفل تمنعها الرطوبة أم توجد فيما بعد؛ فابن باجه ~~يتعامل مع الوافد بعد أن أصبح موروثا. ويرفض قول أهل التناسخ في الصور الروحانية ~~الواحدة، ووجود المعقولات في أجسام واحدة، وهو ما رفضه أهل التناسخ أنفسهم. ~~ويستشهد ابن باجه بحذف الرابطة في القضية المحلية، والتي تشير إلى فعل الكينونة، ~~على عكس باقي الألسنة، وهي القضية التي عالجها الفارابي. # 59 # ويضرب المثل بتاريخ الطبري على التأليف الواحد، وربيعة بن مكرم على ~~الواحد بالعدد، مثل السعداء. كما يحيل إلى مؤلفاته هو، مثل كتاب التوحيد ورسالة ~~الوداع والوحدة. # 60 # ويحيل من أسماء الفرق إلى المتصوفين، ثم إلى العرب وأهل التناسخ. # 61 ~~(د) وفي «الوقوف على العقل الفعال» يظهر الوافد عند جالينوس ثم الحكيم. ويحال ~~إلى «حيلة البربر» وإلى «السماع». # 62 # وينقد ابن باجه جالينوس لأنه ظن أن البهائم تدرك الأنواع، وأخطأ في ~~قوله إن الحمار يدرك الطريق الكلي خالطا بين العقل والخيال؛ وذلك بسبب قلة المراس ~~وتعظيم الطب والمنطق في آن واحد. ويحيل إلى الثانية من «السماع» في التمييز بين ~~الجسم الذي لا يتكون ولا ms161 يفسد، والجسم الذي يتكون ويفسد. ويستشهد بقول الحكيم عن ~~العتبي إن آخر الفكرة أول العمل، وآخر العمل أول الفكرة، في موضوع الصلة بين النظر ~~والعمل. وما زال لفظ الأسطقسات مستعملا. ومن الموروث يحال إلى أبي نصر وإلى ~~البرهان في موضوع تحصيل الأصناف الثمانية. # 63 # | سابعا: ابن زهر وابن رشد والعرضي # (1) ابن زهر # ولم ينقطع «تمثل الوافد وتنظير الموروث» على طول التاريخ، بل استمر إلى عصر ~~متأخر بعد القرن الخامس، واستبعاد الغزالي الوافد لصالح الموروث. استمر ذلك عند ~~ابن زهر وابن رشد في القرن السادس، في الطب وفي الحكمة وفي العلم وفي الفلسفة على ~~حد سواء. ويعتبر كتاب «التيسير في المداواة والتدبير» لابن زهر (557ه) نموذجا لذلك. # 1 # وقد اعتبره ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس. ألف الكتاب بناء على ~~طلب عزيز من ابن رشد، وليس من السلطان كما هي العادة. # 2 # وله عدة مؤلفات أخرى يغلب عليها الطابع الإبداعي نظرا لنقده طريقة ~~«الكنانيش» التي يجمع فيها الطبيب آراء السابقين دون أن يكون له رأي خاص أو مساهمة ~~خاصة في تطوير العلم؛ # 3 # لذلك ينقد التقليد والنقل والمذكرات والكتب المقررة، ولا يعتمد على ~~المصادر إلا في الأدوية المركبة التي يذكر ابن زهر أهمها؛ فالعلم في جوهره تقدم ~~من القدماء إلى المحدثين، وتحول من النقل إلى الإبداع، ليس فقط في حياة ~~الحضارة، بل في حياة الفرد. وقد ينقد مؤلفاته السابقة، مثل «كتاب الزينة»، ويقوم ~~بعملية النقد الذاتي على مراحل العمر لرؤية نضجه وتطوره من الشباب إلى الرجولة، ~~وينقد الأصدقاء حتى ابن رشد. # 4 # غلب على الكتاب الطابع العملي العلاجي الدوائي. اكتفى ابن رشد ~~بالكليات، وطلب منه كتابة الجزئيات. اختص ابن رشد بالحكمة، وابن زهر بالصنعة؛ لذلك ~~أتى مختصرا عمليا، واضح الترتيب، دقيق العرض، سهل الأسلوب، تعليمي الإنشاء. وضع ~~فيه من الذكريات والتجارب الشخصية كما يفعل الأطباء الأدباء. كما يعتمد على دراسة ~~الحالة، كما هو الحال في الطب الغربي الحديث، إما حالة مروية من الجد والأب، أو ~~حالة عرفها الحفيد في شبابه. # 5 ms162 # اعتمد منهج القياس والتجربة، العقل والطبيعة؛ لذلك حارب الخرافات والأباطيل، ~~وكافح الدجالين والمنجمين، وحطم التقاليد، مثل ابن رشد في الفلسفة، ~~وابن الهيثم في الرياضيات. وبالرغم من أنه جالينوسي المذهب إلا أن له شخصية ~~مستقلة، وتميز عنه بأساليب التشخيص والمعالجة غير التي وضعها جالينوس. الطب علم ~~نظري وعملي في آن واحد. يرتبط بالحكمة والصيدلة، ويرد العجز إلى الصدر للبحث ~~عن الاتساق. وينبه على الخلط بين مصطلحات الطب ومصطلحات الكلام حتى لا يقع ~~التباس بسبب الأسماء المشتركة. # ويبدو الوافد أكثر حضورا في العمق، وإن كان الموروث أكثر حضورا في الاتساع؛ فقد ~~ذكر أربعة أعلام من اليونان، يتصدرهم جالينوس ثم أبقراط ثم أرسطو ثم بطليموس. ومن ~~أسماء الفرق يذكر «الفيلسوف» و«المشاءون»؛ # 6 # فجالينوس زعيم الأطباء جميعا بما فيهم ابن زهر تعبيرا عن تواضع ~~العلماء، وتعلم المحدثين من القدماء، والتقدم بالشرف قبل أن يكون بالزمان. وهذا ~~لا يمنع من تقدم العلم وإكمال ابن زهر بما تركه جالينوس ناقصا، ومراجعة أقوال ~~جالينوس على العقل والتجربة، فما اتفق معهما كان علما، وما خالفهما كان في حاجة ~~إلى مراجعة وتصحيح؛ فإذا ما تعارض النقل عن القدماء من ناحية مع العقل والتجربة من ~~المحدثين من ناحية أخرى، فالأولوية للمحدثين على القدماء؛ لذلك كان من الضروري ~~معرفة أنواع الأقاويل المنطقية؛ فإن الإقناع والسفسطة والتمثل والجدل لا يغني ذلك ~~كله عن البرهان عنده وعند ابن رشد. ومن الضروري أيضا تحويل الطب النبوي النقلي إلى ~~طب عقلي تجريبي؛ ففي العقل والتجربة يجتمع الوافد والموروث. # 7 # ومع ذلك يدرس ابن زهر، وجالينوس يؤكد النتائج كنوع من تحقيق المناط في ~~فهم أقوال جالينوس، ليس من داخلها عن طريق اللغة، وكما هو الحال في استنباط العلة ~~من الأصل عند الأصوليين، بل من خارجها بالتحقق من وجود العلة في الفرع، نتيجة دراسة الحالة. # 8 # ويقارن بين المذاهب الطبية، خاصة بين أرسطو والمشائين من ناحية ~~وجالينوس من ناحية أخرى، وبين أبقراط وجالينوس، ويجده أقرب إلى أرسطو بناء على ~~بنية المذهب الطبي، واعتمادا على العقل والتجربة. ويلجأ ms163 إلى تجربة العوام؛ أي ~~إلى التجربة البشرية لمعرفة الطبيعة؛ # 9 # فالعوام هنا عامل إيجابي، وليست عاملا سلبيا كما هو الحال في ~~الكلام والفلسفة والتصوف، في إلجام العوام عن علم الكلام، وبعدهم عن التأويل، وعدم ~~التصريح لهم بالحكمة. # 10 # لذلك تكثر تعبيرات «كما قال جالينوس»، «كلام جالينوس»؛ مما يدل مراجعة أقواله ~~على العقل والتجربة. وكثيرا ما ترك جالينوس أقواله بلا تعليل أو برهان. # 11 # ويفرق ابن زهر بين الاسم والمسمى، وعينه عن المسمى دون الاسم؛ ~~فالاختلاف أحيانا بين الأطباء يرجع إلى الأسماء أكثر مما يرجع إلى المسميات. وقد ~~تختلف الأسماء من حضارة إلى حضارة بالرغم من اتفاق المسميات. كما يرفع ابن زهر ~~التعارض بين أقوال جالينوس، كما هو الحال في علم الأصول في باب التعارض والتراجيح، ~~والإضافة إلى أفعال القول نظير أفعال الاستعمال والعلاج والرؤية والإبداع؛ أي ~~الأعمال الطبية. # 12 # كما يذكر بعض أفعال المعرفة، مثل أجمع وزعم أو كره، بالنسبة للأطباء؛ ~~فلا فرق بين أفعال النظر وأفعال الشعور. # 13 # ويستعمل أسلوب الرد على الاعتراض مسبقا، كما هو الحال في الأسلوب ~~الفلسفي الكلامي والفقهي. وبالرغم من تقطيع الناسخ النص وتقديمه بذكر صاحبه، فإن ~~الأسلوب يذكر بما فات ويعلن عما هو آت؛ تأكيدا على وحدة العمل وضم الأجزاء إلى ~~كل واحد. بالإضافة إلى مخاطبة القارئ؛ فالعمل العلمي مشروع مشترك بين المؤلف ~~والقارئ. وكثيرا ما يتم التذكير بالعودة إلى الموضوع درءا للاستطراد. # 14 # أما الموروث فيأتي الأب في المقدمة، «أبي، رحمه الله»، ثم عبد الملك الجد، ثم ~~أبو المطرف ابن وافد، ثم سفيان طبيب علي بن يوسف، ابن فضيل من الأطباء النائبة ~~المبتدئين. ومن الأسماء يأتي الشقي علي بن يوسف والي قرطبة، ثم ولد الشقي علي، ثم ~~ابن رزين أحد ثوار الأندلس، محمد بن عمر، أبو عبد الله، ثم بواذودين، والثريا ~~الجارية، وقمر المحظية، وابن الزهراء الشقي سنقور علي بن بدوينا، وابن فضيل، ويحيى بن يمور. # 15 # والعجيب عدم ذكر الكندي والرازي وابن سينا والبيروني وابن رشد، ~~والاكتفاء بأبيه وجده عبد الملك؛ فالأب ms164 مصدر معلوماته الطبية، ومصدر إجابته عن ~~تساؤلات نظرا لخبرته الطبية الموروثة. وبالإضافة إلى الموروث الطبي من الأب ~~والجد تأتي تجربته الخاصة. ويظهر الأسلوب القرآني والنبوي المرسل من الذاكرة، مثل ~~«فضلوا وأضلوا»، وسوء العاقبة. كما يظهر الأسلوب العربي في ضرب المثل بزيد أو ~~عمرو. والطب دعوة إلى التقوى، والحفاظ على الصحة، والتنبيه على أخطار الانغماس في ~~الحياة الدنيا، كما يفعل المترفون؛ فالأخلاق شرط الصحة. وتظهر بعض المصطلحات ~~الطبية الأندلسية؛ مما قد يوحي ببعض التجاوز اللغوي نظرا لعدم التعود عليها في ~~باقي الأمصار. # 16 # كما يظهر تاريخ الأندلس ومدنه، مثل إشبيليا، وبرشلونة، وسنتمرية، ~~مراكش. كما يظهر سكان المدن، مثل «الطليطليون». # 17 # ومع العقل والتجربة دعامتي الوافد يضاف الوحي وعامة الموروث؛ نظرا لوحدة الوحي ~~والعقل والطبيعة، فيظهر الله على أنه سبب العلل في الطبيعة؛ فقد أودع الله في ~~الكائن الحي قوى تفعل في الجسم بالرغم من أن الشفاء من الله، وشرب الدواء بعد ~~استخارة الله؛ مما يكشف عن أشعرية حتى النخاع. نجاح الطبيب في الشفاء بتوفيق من ~~الله، وفشله من اجتهاده الخاص؛ فالخير من الله، والشر من النفس، تبرئة للآخر ~~واتهاما للذات. وكل شيء بسابق علم الله وقدره، وعلمه لا تنتهي إليه عقول البشر؛ ~~فالأسباب من البدن، والمسببات من الله، والشفاء بإذن الله. # 18 # وكما يبدأ بالبسملات ينتهي بالحمدلات والصلوات الطيبات على الرسول. ~~وتختلف النهايات الإيمانية من ناسخ إلى آخر طبقا لانفعالاته الخاصة. # 19 ~~(2) ابن رشد # وبالرغم من أن ابن رشد «الشارح الأعظم» صاحب التقارير والتلخيصات والجوامع، إلا ~~أن بعض أعماله تصب في تمثل الوافد تنظير الموروث. ~~(أ) ويعتبر «الكليات» في الطب لابن رشد (595ه) من نفس النوع. # 20 # ومن العنوان يمكن استنباط المضمون؛ فالطب صناعة فاعلة من مبادئ صادقة، ~~عمل يقوم على نظر، مجموعة من القوانين العامة تنتظم جميع الأبدان بلا فروق فردية ~~بينها؛ فالطب علم طبيعي، وهو في نفس الوقت جزء من منظومة علوم الحكمة الثلاثية بعد ~~المنطق وقبل الإلهيات. يقوم على النظر والمنطق، وفي نفس الوقت يستند إلى التجربة ~~والمشاهدة، ms165 النظر في الأسباب والقيام بالمعالجات؛ فهو علم يجمع بين الكليات ~~والجزئيات، بين البسيط والمركب، بين الأعلى والأدنى، وهي نفس الطريقة التي عرض بها ~~بدن الإنسان في ترتيب الفصول من الأعلى إلى الأدنى طبقا لقيمة الموضوعات. يدرس ~~ابن رشد التصورات الفلسفية في الطب، أي الكليات؛ ومن ثم يعتمد الطب على المنطق، ~~والقسمة المنطقية. ويميز بين الأقاويل الجدلية والخطابية في الطب، ويحيلها إلى ~~أقاويل برهانية؛ لذلك يرفض أن تكون أقوال الكنانيش مصدرا للطب، مجرد المنقول دون ~~المعقول، وهي أقوال جزئية دون قوانين كلية. تدرس الأمراض في كلياتها، أي أمراض ~~البدن وليست أمراض عضو عضو، الطب العام قبل التخصصات الجزئية؛ لذلك يكتب ابن رشد ~~على سبيل الإيجاز والاقتصار مع تحقيق غرضه وقصده. # 21 # والقصد مزدوج، معرفة الصناعة، والتحقق من صدقها، ومراجعة أقوال القدماء ~~كاستطراد ضروري يعود بعدها ابن رشد إلى الموضوع؛ لذلك تكثر أفعال البيان والتوضيح. # 22 # ونظرا لوحدة العمل تضم الأجزاء إلى الكل باستمرار بداية بالمنطق والقيمة. # 23 # والأساس الثاني الذي يقوم على الطب هو التجربة والمشاهدة والملاحظة؛ فالعقل ~~والمنطق والقياس والبرهان لأحكام الخطاب الطبي في داخله، ولكن مادته تأتي من ~~الطبيعة والتجربة؛ لذلك كان الطب جزءا من الطبيعيات التي تقوم على العلل والأسباب. ~~والجسم موضوع مشترك بين الاثنين، علم الطبيعة وعلم الطب، وهو الطباع. وعالم ~~الطبيعة هو الذي يعطي البرهان على المبادئ العامة لا الطبيب؛ فالجسم حالة خاصة في ~~الطبيعة. وعن طريق معرفة العلل والأسباب يمكن التنبؤ بحالات المرض على ما هو معروف ~~في تقدمة المعرفة؛ أي العلم المسبق بوقوع الأحداث. وإذا كانت صناعة الأدوية جزءا ~~من علم الطب جمعا بين النظر والعمل، بين التشخيص والعلاج، ظهرت ضرورة التجربة مع ~~القياس، والجزئيات مع الكليات. ولو أن ابن رشد اقتصر على الكليات وترك الجزئيات ~~ليكتب فيها ابن زهر «التيسير» بناء على طلبه. وقد كان ابن رشد يود تأليف كتاب ~~آخر يطبق فيه قوانينه في الكليات ضاما الأجزاء إلى كلياتها إذا ما أنسأ الله في العمر. # 24 # ويتقدم الوافد الموروث. وفي الوافد يتقدم ms166 جالينوس، ثم أبقراط، ثم أرسطو، ثم ~~أركيغانس وأندروماخوس وبولس وأرسطراطيس. ومن أسماء البلاد بلاد اليونانيين وبلاد الروم . # 25 # والإحالة إلى الوافد استطراد خارج الموضوع نظرا لاعتماد الطب كعلم ~~على الإبداع الداخلي دونما حاجة إلى النقل الخارجي، يظهر ويختفي طبقا للمواضع ~~الفلسفية. ويدافع ابن رشد عن جالينوس طول الوقت ليس تقليدا له أو نقلا عنه، بل ~~لأنه يمثل إجماع الأطباء. وفي نفس الوقت ينقد ابن رشد جالينوس في كتاب «المزاج»؛ ~~لأن أقواليه غير برهانية، بعكس كتاب «الأسطقسات». ويدخل في ثنايا أقواله، ويعبر ~~عن المسكوت عنه. ويدرس الواقع الطبي ويراجع عليه الأقوال. # 26 # يورد براهين جالينوس العلمية بلفظ القول وفي حالة الاتفاق معها، ~~وبلفظ الزعم في حالة الاختلاف معها. ويدخل في مساره الفكري ليراجع براهينه. ويرى ~~ابن رشد ما يراه جالينوس، ويصف مسار فكره للتحقق من صحة الاستدلال وصدق الرؤية؛ ~~لذلك كثر استعمال ألفاظ نص، شهد، أدرج، حمد، قصد، وصف، أصبح، حكى، ظن، اعتاص، أنكر، ~~حمد، رأى، صرح، اعترف. # 27 # ويحاول التوفيق بينه وبين أرسطو؛ فأرسطو فيلسوف طبيعي مثل جالينوس، ~~اعتمادا على بعض مؤلفات أرسطو، مثل كتاب النفس، وعلى أرسطو راويا ومؤرخا للفلسفة ~~اليونانية، كما يروي جالينوس أيضا عن الأطباء السابقين. يعتمد على أرسطو لتأكيد ~~الطابع العملي للطب مع تعليل أقواله دون الاكتفاء بنقلها. ولا فرق بين أرسطو ~~وجالينوس وأبقراط كفلاسفة للطبيعة على المبادئ العامة، إنما الخلاف في الأحكام ~~الجزئية وفي أنواع الأقاويل. # 28 # ولا خلاف بين أبقراط وجالينوس إلا في التسمية أحيانا، والمسميات واحدة. # 29 # ومن الموروث يتصدر الرازي، ثم ابن مروان ابن زهر، ثم بنو زهر، ثم الكندي ~~وابن سينا، ثم ابن وافد وأبو نصر. # 30 # ويذكر الرازي راويا وليس طبيبا، مصدرا للأخبار الطبية، وينقد ~~الكندي طبيبا؛ لأنه ربط بين الطب والعدد والموسيقى، في حين يمدح ابن سينا، مع أن ~~طب الكندي يمثل وحدة المعرفة نظرا لارتباط الطب الجسمي والطب النفسي حتى عند ~~ابن رشد، ويمدح أسماء بني زهر. وتظهر موضوعات محلية، مثل اشتراك الاسم واختلاف ~~الأسماء على نفس المسميات. ms167 كما يظهر التمايز بين الوافد والموروث، بين الأنا ~~والآخر، في تعبيرات مثل «بلادنا»، «عندنا». وتظهر البيئة المحلية، مثل الصقلي ~~والعربي والأرميني والصيني والفارسي واليهودي والهندي، في مقابل اليوناني ~~والروماني. ويتحدث عن أمراض العرب والبربر والأكراد فيما يقرب بالجغرافيا الطبية أو ~~الطب الجغرافي. # 31 # كما يتغير الطب من عصر إلى عصر، ومن زمن إلى زمن؛ لذلك تتكرر عبارة ~~«حتى زماننا». هناك تطور للعلم من القدماء إلى المحدثين، ومن جالينوس إلى ابن رشد. # 32 # ويكاد يخلو الكتاب من العبارات الإيمانية العادية باستثناء المقدمة ~~والخاتمة. كما لا تظهر آيات قرآنية وأحاديث نبوية ولا إنشائيات دينية، بل يغلب ~~الأسلوب العلمي الدقيق الذي يقوم على اقتناص العلل والأسباب. # 33 ~~(ب) مقالات في المنطق والعلم الطبيعي. وقد ساهم ابن رشد في مقالاته في تمثل ~~الوافد قبل تنظير الموروث؛ فمن ضمن المسائل المنطقية الخمسة عشرة، اثنا عشر مقالا ~~في تمثل الوافد قبل تنظير الموروث، وثلاث مقالات في تنظير الموروث، ومقالة واحدة ~~إبداع خالص. # ويأتي أرسطو في المقدمة في عدد المقالات المذكور فيها، سواء باسمه أو بلقبه ~~«الحكيم»، ثم الإسكندر وثامسطيوس، ثم ثاوفرسطس، ثم أوديموس، ثم أوميروش. # 34 # ومن الطبيعي أن يأتي أرسطو أولا؛ فهو واضع علم المنطق، ثم شراحه، ثم ~~مادة الأمثلة. فالمنطق هو تحويل المادة الشعبية إلى أشكال صورية. ويأتي أيضا ~~أرسطو في المقدمة من حيث تردد ذكره مع نفس الترتيب، الإسكندر ثم ثامسطيوس ثم ~~ثاوفرسطس ثم أوديموس وأوميروش. # 35 # وأكثر كتب المنطق إحالة إليها القياس ثم البرهان ثم العبارة ثم ~~المقولات؛ مما يبين أهمية القياس على البرهان؛ فالقياس وضع لأشكال الفكر أولا، ~~والبرهان هو أكثرها يقينا. ولا يحال إلى إيساغوجي، وكأن ابن رشد ليس في حاجة إلى ~~مدخل كما احتاج الفارابي من قبل. كما لا يحال إلى منطق الظن كله؛ الجدل والسفسطة، ~~والخطابة والشعر؛ فلليقين الأولوية المطلقة على الظن. # 36 # ومن حيث الكم تتفاوت المقالات المنطقية بين أطولها مثل المقول على ~~الكل، وأصغرها مثل حد الشخص. وواضح أن ما يهم ابن رشد هو المنطق باعتباره ms168 علما ~~شاملا. وفي مبدأ المقول على الكل تأتي كل أشكال القياس وأنواعه ونتائجه ومقدماته ~~وعكسه، والحدود في النهاية. # 37 # ومن أسماء المجموعات يأتي المفسرون أولا، ثم المشاءون، ثم الأطباء، ~~وأخيرا المتكلمون؛ مما يبين أولوية تمثل الوافد على تنظير الموروث. # 38 # ومن الموروث يأتي الفارابي في المقدمة باعتباره المعلم الثاني، والذي هذب ~~المنطق، ثم ابن سينا الذي يعترف بأستاذية الفارابي، ثم ابن باجه وابن وهيب والفراء ~~ومسيلمة ومحمد، فيلسوف ولغوي ومتنب ورسول؛ لارتباط اللغة بالمنطق، والمنطق ~~بالوحي؛ فكلاهما معياريان يضعان قواعد تعصم من الخطأ على مستويين مختلفين؛ النظر والعمل. # 39 # للفارابي الأولوية على ابن سينا ثلاثة أضعاف؛ لأنه شارح أرسطو، ~~وابن سينا منحرف عنه بأفلاطونيته وفلسفته المشرقية. # ولا يذكر ابن طفيل أستاذه ربما لإشراقياته، أو الكندي ربما لعدم وصوله للأندلس، ~~وهو المنطقي الطبيعي مثل ابن رشد. ويحال إلى عدة كتب، مثل «البرهان» و«الموجودات ~~المتغيرة» للفارابي، ثم شرح كتاب «القياس» وتلخيص كتاب «القياس» لابن رشد نفسه، # 40 # ثم «العبارة» و«السفسطة» و«التحليل» للفارابي، و«النجاة» و«الشفاء» ~~لابن سينا، و«المسائل المنطقية» لابن رشد، وكتاب أبي عبد الله ملك بن وهيب وكتاب ~~الفراء. ومن المجموعات يذكر المفسرون، ثم المشاءون، ثم الأطباء، وأخيرا المتكلمون. # 41 # ولا تذكر آية قرآنية واحدة أو حديث نبوي أو إشارة إلى الدين تقلل من طابع ~~المقالات المنطقية التجريدية الصعبة على العامة ولا تحركها، على عكس ثلاثية ~~ابن رشد الفلسفية «الفصل» و«المناهج» و«التهافت». كما لا توجد إحالات إلى العقيدة ~~أو إلى الشريعة. هناك فقط إحالة إلى المتكلمين من أهل زماننا، وهناك أيضا تفسير عن ~~الطبيعة بلغة القيمة، الأشرف والأكرم والأفضل. والقيمة تنظير العقيدة، والأخلاق ~~أساس الدين؛ فالعقل كائن شريف، والطبيعة تتجه نحو الكمال والأشرف، وفي التعالي ~~يتم الاتحاد بين الأخلاق والدين. ومن وجهة نظري العلم الطبيعي هذا خلاط بين ~~العلمين، بين الموضوعية والذاتية، بين الطبيعة والأخلاق، بين الإخبار والإنشاء، بين ~~العلم والدين. والحقيقة أن الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل، والإلهيات طبيعيات ~~مقلوبة إلى أعلى، ويتم التعبير عن كليهما بلغة إنسانية خالصة. # وبالنسبة للمقالات ms169 الطبيعية الثلاث، اثنان منها تمثل للوافد «في المزاج»، «في ~~البذور والزروع»، وواحدة فقط في المقالة السابعة والثامنة من «السماع الطبيعي» ~~لأرسطو في تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. يأتي أرسطو أولا، ثم يحيى النحوي، ثم ~~أفلاطون، ثم أبقراط وجالينوس. # 42 # ومن الموروث لا يظهر إلا الفارابي، ومن كتب أرسطو يحال إلى القياس ثم ~~البرهان ثم الجدل ثم السماع الطبيعي والسماء والعالم، وشرح القياس لثامسطيوس. ~~ويخطئ ابن رشد جالينوس ويصوب أرسطو. ومن الموروث لا يذكر إلا كتاب الموجودات ~~المتغيرة للفارابي. ومن المجموعات يذكر القدماء، ثم الفلاسفة المفسرون، ومعهم ~~المتكلمون «من أهل ملتنا». # وبمقارنة جدل الوافد والموروث في المقالات الثمانية عشرة يأتي الفارابي شارحا ~~أرسطو قبل الإسكندر، ثم يأتي ابن سينا بعد الإسكندر، مع أن الانتقاد الأكثر ~~لابن سينا. ومن حيث الإحالات إلى أسماء الكتب تأتي الإحالات إلى كتب أرسطو قبل ~~الإحالات إلى كتب الفارابي، وكتب الفارابي قبل كتب ابن سينا، وكتب ابن سينا قبل كتب ~~ثامسطيوس وأبى عبد الله ملك بن وهيب والفراء جالينوس. فالإحالات إلى أرسطو أولا، ~~ثم إلى الفارابي ثانيا، ثم إلى ابن رشد ثالثا، ثم إلى ابن سينا رابعا، ثم إلى ~~ثامسطيوس وجالينوس وابن وهيب والفراء خامسا. # 43 # وأهمية تحليل المضمون الكشف عن توجهات النص وكيفية الإشارة إلى أرسطو وبأي أفعال، ~~القول أو البيان، كمؤشرات على مسار الفكر نحو الغاية والقصد. وميزة هذا التحليل ~~الكمي الكيفي لمعرفة كيفية التحول من النقل إلى الإبداع بأسماء الحكماء، وتردد ~~ذكرهم، وأسماء الكتب والمجموعات، وترددها أيضا. وتقع الحيرة في اختلاف المقاييس ~~بين عدد الأسماء وعدد ترددها أيها أكثر دلالة؛ فقد تكون الأسماء أكثر وترددها ضعيف، ~~وقد تكون أقل وتردها أكثر. وفي هذه الحالة يتم الجمع بين عديد من المؤشرات لإصدار ~~الحكم العام حول جدل الوافد والموروث. ولا تدل كثرة ترداد الأسماء على التبعية؛ فقد ~~تعني النقد والهجوم، كما هو الحال في ذكر ابن رشد لابن سينا. كما يدل الانتهاء إلى ~~نفس النتيجة من قراءتين متباعدتين على صدقها. # وتمثل هذه المقالات المنطقية والطبيعية مرحلة ms170 أخرى للتحول من النقل إلى الإبداع، ~~وهي تأليف صغير في موضوعات دقيقة لممارسة عملية تمثل الوافد قبل تنظير ~~الموروث، وإحداث التقارب بين المحوي والحاوي، بين المادة والوعاء. وهو نوع أدبي ~~جديد يشمل الأنواع السابقة؛ الشرح والتلخيص والجوامع والعرض والتأليف والتراكم. فيه ~~«قال أرسطو» اعتمادا على النص، وفيها تجاوز أرسطو. # 44 # واختيار الموضوع له دلالته، المنطق والطبيعة دون الإلهيات، وهي ~~الموضوعات التي يعتريها الشك وسوء التأويل من أجل التصحيح والعودة إلى ~~الأصول. # ولا يمكن فهم هذه المقالات إلا في إطار المشروع الكلي لابن رشد، التفسير والتلخيص ~~والجامع والعرض الجزئي والتأليف والتراكم، والمراحل من تمثل الوافد حتى الإبداع ~~الخالص، وهي أقرب إلى الجوامع منها إلى الشروح التلخيصات. هو تأليف نقدي يتمثل ~~الوافد قبل تنظير الموروث. هي دراسة على دراسة، مع عودة إلى الأصل ومعرفة الحق ~~النقلي والعقلي والطبيعي. هو تأليف على تأليف، خطوة نحو التراكم الفلسفي، تعشيق ~~الوافد في الموروث. لا يوجد «قال أرسطو» بقدر ما يوجد نقد الشراح السابقين. مهمة ~~ابن رشد في كل الحالات تخليص النص مما علق به من شوائب الشراح والمتكلمين، ~~والعودة إلى الأصول الأولى قبل انحرافها، وكما هو الحال في كل معركة إصلاحية تنقذ ~~النص الأول من براثن الشراح. ويعيد المراجعة على مدى فترات حياته، كما راجع بداية ~~المجتهد بعد عشرين عاما، وأضاف إليه كتاب «الحجج» (عام 584ه). كما اقتضى تلخيص ~~القياس المراجعة، وكما تحيل الجوامع إلى التفسير الكبير. # وموضوعات المقالات في المنطق والطبيعيات تبدو علمية صرفة باردة مجردة لا حياة ~~فيها، بالرغم من أنها تجارب حية عند ابن رشد، تعيش في وجدانه، وتظهر وحدة مشروعه، ~~الوافد والموروث والواقع، بالرغم من المقالات الصغيرة المساندة في نقد التراث ~~المنطقي والطبيعي، وتأويلات الشراح القدماء والمحدثين التي شوهت تعاليم أرسطو؛ ~~لأنها لم تدرك مقاصده في تحديد النتائج المتولدة عن المقاييس المركبة من المقدمات ~~الضرورية والمتعلقة والممكنة؛ لعدم فهم معنى المقدمات المطلقة والضرورية، وعدم ~~تنبههم إلى أن الأمر يتعلق بوجود القضايا لا مادتها. # 45 # شروح ابن رشد دفاع عن صلة العقل ms171 بالنقل ضد الحشوية الذين يقولون بالنقل ~~دون العقل، وضد الغزالي الذي ينكر على الحكمة استخدام العقل، وضد الشراح، يونان ~~ومسلمين، الذين يسيئون تأويل أرسطو، وضد الباطنية الذين يقضون على النقل كلية ~~لحساب التأويل الباطني؛ فصلة العقل بالنقل أو الحكمة بالشريعة وضرورة التأويل هو ~~مفتاح ابن رشد. # ويغلب على المقالات المنطقية، وهي أكبرها، منطق البرهان، المقولات، والعبارة ~~والقياس والبرهان، وليس منطق الظن؛ الجدل والسفسطة والخطابة والشعر. بالرغم من أن ~~جمع مقالات المنطق والطبيعة مجرد عرض من صنع الناشر، إلا أن دلالته الفكرية أعمق في ~~الصلة بين العقل والطبيعة، بين الذات والموضوع. وما الإلهيات إلا تطابق العقل ~~والطبيعة حتى تظهر الوحدة بين النص والعقل والطبيعة بعيدا عن تشخيص الوحدة في ~~الإلهيات، والقضاء على العقل باسم الوحي، وتدبير الطبيعة باسم الإرادة ~~الإلهية. # ويغلب على المقالات الطابع النقدي؛ فتمثل الوافد لا يعني مجرد الاستيعاب وحسن ~~الاستقبال، بل التمثل الإيجابي؛ رفض الصحيح ونقد سوء التأويل # 46 # ولا فرق في النقد بين الشراح اليونان والشراح المسلمين. وأغلب النقد ~~موجه لابن سينا، في حين يبدو الفارابي أكثر فهما لأرسطو. يبدو واضحا لأنه هو ~~الوسيلة إلى أرسطو والشارح له، وهو أقرب إلى ابن رشد لاعتماده كليا على العقل ~~الصريح. وتكشف عناوين المقالات المنطقية الخمسة عشرة عن الخلاف بين أرسطو وشراحه، ~~يونان ومسلمين؛ فالشرح تأويل، والتأويل اتصال وانقطاع. ويمكن معرفة ذلك بتحليل ~~عناوين المقالات. # 47 # ونقد الداخل أكثر من الخارج، وإن الهدف من تمثل الوافد هو نقد ~~الموروث. ونقد ابن سينا أكثر من الفارابي؛ إذ يظهر ابن سينا في عناوين ثلاث مقالات، ~~والفارابي في مقالين، والفارابي والإسكندر في مقال، وثامسطيوس في مقال. # 48 # ويمكن إيجاز منهج ابن رشد في تمثل الوافد في عدة عناصر، مثل احترام القدماء، ~~والإحساس بالوعي التاريخي بالانحراف عن المسار الأول وضرورة تصحيحه، وهو موقف ~~تحليلي ظاهر، وكأن كل تفسير ليس قراءة، وكأن هناك المنطق الخام خارج عمليات التأويل ~~والقراءة، وهو بعد الألفاظ، احترام العقل للاعتماد عليه وهو بعد المعاني، والأمر ~~نفسه واللجوء إلى الأشياء ذاتها ms172 وهو بعد الموضوعات، والموازنة بين المتخاصمين، ~~ومقارنة أدلة كل فريق، والتحقق من صدقها، ثم إصدار الحكم المبني على ~~الحيثيات. # ويكشف تاريخ تأليف المقالات على انتشار التأليف على مدى واسع في حياة ابن رشد ضد ~~التقسيم الأولي لحياته إلى ثلاث فترات، كل منها يختص بأحد أنواع الشروح، الأكبر ~~والأوسط والأصغر. ومعرفة التواريخ ليست مقصودة بذاتها، بل للتعرف على مسار فكر ~~الفيلسوف، والتحول من النقل إلى الإبداع في حياته. # 49 # وليس ابن رشد مؤرخا للفلسفة بمعنى الرصد الموضوعي لتاريخ الأفكار، بل ~~هو يعيد قراءته مئولا أرسطو ومحافظا عليه. ولا فرق بين المؤلف والناسخ ~~والقارئ والحامل، الكل ينتسب إلى النص باعتباره عملا حضاريا جماعيا، فيقدم ~~الناسخ العمل ويطلب الرحمة للمؤلف. ولما كان الناسخ يكتب ما يفهم، فقد توجد بعض ~~الأخطاء التاريخية في نسبة النص إلى صاحبه أو إلى موضوعه، وبطبيعة الحال تتفاوت ~~نشرات النصوص بين النشرات غير المحققة في الهند، والنشرات المغالى في تحقيقها في المغرب. # 50 ~~(ج) وتبين كل رسالة على حدة أولوية تمثل الوافد على تنظير الموروث؛ ففي رسالة ~~«في لزوم جهات النتائج من المقدمات» يتصدر الوافد على الموروث. # 51 # يأتي أرسطو أولا، ثم الإسكندر، ثم ثاوفرسطس وثامسطيوس، ثم أودميوس. ~~وأسماء الفرق كلها من الوافد، ثم المفسرون المتأخرون، ثم المتقدمون. كما أن كل ~~الإحالات من الوافد، مثل القياس والبرهان. # 52 # الموضوع هو تبعية النتائج إلى جهات المقدمات في القياس. والمفسرون ~~فريقان؛ المتأخرون: الإسكندر وثامسطيوس وأبو نصر. والمتقدمون: ثاوفرسطس وأوديموس. ~~وقد توهم المتأخرون في تحديد المقدمات الوجودية عند أرسطو في الزمان؛ أي المقدمة ~~الموجودة بالفعل، بينما قال المتقدمون، مثل ثاوفرسطس، بوجود المحمول للموضوع ~~بإطلاق، لا فرق بين الفردي والضروري والممكن. وقد اتفق المفسرون على ذلك، مع أن ~~ظاهر كلام أرسطو يوحي بتحديد زمان للمقدمات لأنها مطلقة. وتطلق المقدمة الوجودية ~~على الضروري والممكن معا، ومع ذلك أخطأ المفسرون، مثل الإسكندر والفارابي، في ~~تحديد زمانها وأنواعها. يرى الإسكندر وتابعه في ذلك أبو نصر أن المقدمات توجد في ~~زمان محدود، وهو غير صحيح؛ فالمطلقة العامة ms173 ليست الوجودية المخصوصة. حجة الإسكندر ~~أن شرط المقول على الكل أن يكون له مادة، وأن تكون بالضرورة أو بالإمكان أو بالفعل، ~~وهو ما أوهم ابن رشد في شبابه، وجعله يعتقد شرط القول على الكل في المقدمة الضروري، ~~أي الكبرى، على مذهب الإسكندر. وكما حل الإسكندر الشكوك على أرسطو بعد خمسة قرون، ~~فقد حل ابن رشد شكوك الإسكندر بعد ألف عام. ويبدو أثر علم الحديث عند الشراح ~~المسلمين في تحديد زمان الرسل وزمان النصوص، وكأن المقدمة المنطقية رواية لها ~~زمانها وأجيالها المتعاقبة، والمطلقة ليست هي الوجودية المخصوصة بوقت. ويعتمد ~~ابن رشد على الشراح المسلمين الفارابي وابن سينا في فهمهم لأرسطو، إن النتيجة تابعة ~~للمقدمة الكبرى، وإن كانت في المختلطة تابعة لأخس المقدمتين، بل احتج ابن سينا ~~لمذهب أرسطو بالمقول على الكل كشرط لإنتاج القياس. وداخل الفارابي شك؛ لأنه أراد ~~أن ينتقل من صورة القياس إلى مادته في الإنتاج، فكيف يشترط أرسطو في إنتاج القياس ~~من قبل صورته ما يوجد في مادته؟ أرسطو الصوري على حق في تبعية النتائج للمقدمات في ~~القياس من حيث صورته. ويحيل ابن رشد إلى كتاب البرهان مفسرا الجزء بالكل، والقضية ~~بالمذهب. ويبدد شكوك الشراح اليونان، مثل الإسكندر، وهو أن شرط المقول على الكل ~~عند أرسطو هو أن تكون «أ» ضرورية، و«ب» ممكنة بالفعل. وقد شك أبو نصر أيضا في أن ~~تكون المقدمة الكبرى ضرورية، والصغرى ممكنة، ولا يكون القياس باطلا؛ فالأولوية عند ~~أرسطو للضروري على الممكن، وللوجودي بالفعل على الوجودي بالقوة، والأهم هو الكبرى ~~لا الصغرى؛ لأن الكبرى هي التي تحدد جهة النتائج. ويبدو ذلك في الشكل الأول، وفي ~~الشكلين الثاني والثالث بعد ردهما إلى الأول، وإعطاء الأولوية للأول على الثاني ~~والثالث؛ لأن الأول أشرف فكر ديني مقنع، وإسقاط للقيمة على أشكال القياس الصورية. ~~وهذا كله يبين لمن ارتاض هذه الصناعة. والحكم بين أرسطو وشراحه في حاجة إلى خبرة ~~طويلة بصناعة المنطق. وقد فهم ابن رشد أرسطو أخيرا، فاكتملت الحكمة النقلية به ~~عندما أوتيت له، كما اكتملت ms174 الحكمة النظرية والعملية بالكندي والفارابي ~~وابن سينا. # ويعتمد ابن رشد في نقده للشراح دفاعا عن أرسطو على أرسطو نفسه بعد أن يكون قد ~~درس الموضوع بنفسه حتى يحكم بين الخصمين، ويرفض اقتراح الشراح بوجود خطأ في النسخ ~~كحل لحيرتهم وشكوكهم ما دام يمكن حل الشك عقلا بالعودة إلى نص أرسطو وحسن فهمه، ~~وافتراض الصحة التاريخية وارد من علم الحديث وعلم أصول الفقه. يعرض حجج أرسطو وحجج ~~الشراح، مسلمين ويونان، ثم يبين مدى اختلاف الشراح واتفاقهم مع مذهب أرسطو، ثم ~~ينقد الشراح لمخالفاتهم للمذهب. ويبين أسباب سوء التأويل والفهم دفاعا عن المذهب ~~بالرغم من اعتذار الكل بنص أرسطو تمحكا به. وينتهي ابن رشد إلى حسن الظن بأرسطو، ~~ونهاية الشكوك والتأويلات الفاسدة من الشراح. وقد أتت هذه الشكوك إلى الشراح من جهة ~~اشتراك الاسم، وهو أمر في غاية الخفاء لخفاء المعنى إذا لم يصرح أرسطو في كتاب ~~«البرهان» بأن جهات النتائج تتبع جهات المقدمات الكبرى في مادتها وجهتها، بل من حيث ~~صورتها فحسب. وقد أطلق أرسطو القول ونبه على ذلك. # 53 # مسار الفكر في التاريخ هو سوء الفهم والانحراف والخروج على الأصل الأول. وكلما ~~توالت الأجيال فإن الجيل اللاحق يقلد الجيل السابق ويقع في أوهامه. هذا هو مصير ~~أرسطو بين الشراح اليونان أولا والمسلمين ثانيا، من المتقدمين مثل ثاوفرسطس ~~وأوديموس، ومن المتأخرين مثل الإسكندر وثامسطيوس وأبى نصر. ويقوم ابن رشد بمهمة ~~تصحيح الانحراف وتصويب الخطأ، والتحول من الظن إلى اليقين، وتلك مهمة الأجيال، وفعل ~~التقدم في التاريخ، من المتقدمين إلى المتأخرين بعد أن أضل المتقدمون المتأخرين. ~~التاريخ قبل ابن رشد انهيار وتقليد، وبعده نهضة وإبداع. لقد أضل متقدمو الشراح، ~~مثل ثاوفرسطس وأوديموس، المتأخرين، مثل ثامسطيوس وأبي نصر، وتابع المتأخرون وهم ~~المتقدمين؛ فالتقليد يؤدي إلى الانهيار. # 54 # ويتجه ابن رشد مباشرة إلى الكشف عن غرض أرسطو وقصده مستعملا أفعال البيان. ~~ويعاني مع أرسطو والشراح وكأنه الغزالي في «المنقذ من الضلال»، يبدأ بالشكوك، ~~ويتحدث في ضمير المتكلم الجمع تعبيرا عن الأنا الحضاري. ويستعمل منهج ms175 التأويل لحل ~~الشك بعد البداية بحسن الظن بأرسطو، وأن نظره أعلى من الكل. وينتهي إلى أن الغلط ~~على الناس من جهة اشتراك الاسم طبقا لمبحث الألفاظ عند الأصوليين. كما يستعمل ~~المنهج الرياضي في المطلوب إثباته؛ فرض المقدمات، ثم الاستدلال ، ثم النتيجة. # 55 # وقد خطأ فريق آخر من الشراح، مثل ثاوفرسطس وأوديموس وكثير من قدماء ~~المشائين، أرسطو في جعله النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى في المقاييس ~~المختلطة من الوجودية والضرورية، وأرادها تابعة لأخس المقدمتين. الخلاف في الرؤية ~~بين أرسطو وشراحه في سلم القيم، القيمة الأعلى عند أرسطو، والأدنى عند الشراح، ~~وكأن المنطق أيضا يخضع للقيمة. # وفي المورث يتقدم الفارابي ثم ابن سينا. # 56 # خالف الفارابي الشراح اليونان في جعل النتيجة تابعة لأخس المقدمتين ~~وجعلها تابعة للأشرف. كما شارك الإسكندر في جعل المطلقة هي الوجودية المخصوصة في ~~الوقت. وسبب خطئه عدم فهم معنى المقول على الكل عند أرسطو، وشكه عليه كيف يشترط ~~أرسطو إنتاج القياس من جهة صورته ما يوجد في مادة دون مادة. ويستعمل ابن رشد برهان ~~الخلف لتفنيد حجة الفارابي؛ فلو كان هذا من شرط المقول على الكل لما نتج القياس من ~~الممكنين. إن شرط المقول على الكل عند أرسطو في الكبرى هو ما يقره الفارابي. خطأ ~~الفارابي ليس في القصد الحضاري الكلي مثل خطأ ابن سينا، ولكن في الجزئيات ~~والاستدلالات. خلاف ابن رشد مع الفارابي خلاف الصديقين، ومع ابن سينا خلاف ~~العدوين. خطأ الفارابي من الداخل، وخطأ ابن سينا من الخارج؛ فقد أخطأ ابن سينا في ~~استعمال حجج أرسطو لمخالفته في تبعية النتيجة لأشرف المقدمتين، وجعلها ابن سينا ~~والشراح تابعة لأخس المقدمتين. وتغيب المقدمات والخواتيم الإيمانية من هذا المقال ~~نظرا لطابعه المنطقي الصرف؛ لذلك يعيب ابن رشد على الشراح النصارى، مثل يحيى ~~بن عدي، خلط أرسطو بالدين. # 57 ~~(د) وفي «المقول على الكل» يتصدر أرسطو، ثم الإسكندر، ثم ثاوفرسطس وثامسطيوس ~~وأوديموس. ومن أسماء الفرق المشاءون والمفسرون، ثم المتفلسفون من النصارى ~~والمفسرون من القدماء. # 58 # يحدد ابن رشد معنى المقول ms176 على الكل عند أرسطو تماما وبدقة، ويثبت ~~خطأ المفسرين في اختلافاتهم عليه. الغرض موضوع أرسطو في إحدى كتبه، وليس أرسطو ~~نفسه، وتحديد الموضوع بدقة متجاوزا الشخص إلى الموضوع وتحليله. يريد ابن رشد ~~تخليص أرسطو من براثن الشراح، ويعيده إلى مساره الصحيح في التاريخ ، ودفع التهم ~~عنه وتبرئته باعتباره قاضيا، لا فرق بين الشراح اليونان، مثل ثاوفرسطس والإسكندر، ~~وبين الشراح المسلمين، الفارابي وابن سينا. لم يفهم المفسرون ما قاله أرسطو؛ لذلك ~~لم يوافقوه في جهات نتائج المقاييس المختلفة. # 59 # لقد أجمع المفسرون على أن مذهب أرسطو هو لزوم جهات النتائج لجهات المقدمات. وخرج ~~البعض منهم على هذا الإجماع اعتمادا على وهم بعض المتأخرين، مثل الإسكندر ~~وثامسطيوس وأبي نصر، لا المتقدمين مثل ثاوفرسطس وأوديموس. ولم يوافق الشراح على ما ~~يقوله أرسطو في جهات نتائج المقاييس المختلطة. ويعرض للشراح المسلمين مثل الفارابي ~~وابن سينا، كما يعرض للشراح اليونان. وقد ظن ابن سينا أنه زاد على أرسطو ضروبا ~~كثيرة من المقاييس. يذكر ابن رشد أرسطو بمناسبة تصحيح فهم ابن سينا له؛ أي بسبب ~~صورة الوافد في الموروث، وليس تعاملا مع الوافد وحده. ويعيد تأويل الشراح، ~~ويرده إلى أصله في أقوال أرسطو، فيضرب عصفورين بحجر واحد. عيب المفسرين إغماض ~~الأمر حتى على فاهم أرسطو، والمعرفة عن طريق الوساطة دون الذهاب إلى أقوال أرسطو ~~نفسه، مع أن دور الشراح هو المساعد على فهم النص الأصلي، ودور الشراح المتقدمين ~~مساعدة الشراح المتأخرين؛ # 60 # لذلك يعتمد ابن رشد في تصحيحه للشراح على أرسطو نفسه وعلى أقواله عودا ~~إلى الأصل، وفي نفس الوقت يعتمد على الأمر نفسه؛ أي على الموضوع ذاته وهو أصل النص؛ ~~فالأصل قول أو شيء، والقول الفصل قول ابن رشد الذي يتحد بالشيء في صيغة «فنحن ~~نقول» تمايزا بين الأنا والآخر. # ويحتج الإسكندر بأن الأمثلة التي يستعملها أرسطو مقدمات طبيعية متوسطة بين ~~الضروري والممكن. ظن الإسكندر أن الوجودية التي عاناها أرسطو في زمان ومكان معينين، ~~وليست الموجودة في كل زمان ومكان؛ لأن الإطلاق عند أرسطو في ms177 المقدمة، متى وجد ~~الموضوع وجد المحمول. وقد ذهب ذلك على سائر المفسرين القدماء، واختلفوا في المقدمة ~~الوجودية. ويرى الشراح، ثاوفرسطس وأوديموس، أن الوجودية عند أرسطو تعم الضروري ~~والممكن والموجود بالفعل، وعند الإسكندر الموجودة بالفعل في زمان معين فقط. وعند ~~أوديموس وثاوفرسطس الوجودية تعم الضروري والممكن والموجود بالفعل، على عكس ~~الإسكندر الذي يعني بالوجودية الموجودة بالفعل. # 61 # ويحيل ابن رشد إلى باقي مؤلفات أرسطو شارحا المنطق بما بعد الطبيعة؛ فالضرورة ~~والإمكان مقولتان في المنطق وموضوعان في ما بعد الطبيعة، وأحيانا يرجع ابن رشد ~~أخطاء الشراح إلى أخطاء مادية في النسخ التي قرأها الشراح أو في الأصل القديم؛ ~~فالمعنى هو الذي يحكم النص، وهو ما وقع لأبي نصر في تأويله على أرسطو أنه متى كانت ~~الكبرى ضرورية بالقوة في الشكلين الثاني والثالث كانت النتيجة ضرورية. وهو قول ~~متناقض. وقد كان ذلك أيضا نفس اعتذار الفارابي لأرسطو. # 62 # ويعبر ابن رشد عن قصد أرسطو بطريقة معيارية، ما ينبغي أن يكون عليه المعنى؛ ~~لأنه يعرف الموضوع بتحليله الخاص؛ ومن ثم يضبط معاني أقوال أرسطو من أعلى ومسبقا. ~~لا تفهم أقوال أرسطو من الألفاظ إلى المعاني، بل من المعاني إلى الألفاظ. وما ~~ينبغي أن يكون عليه المعنى ينبع أيضا من طبيعة العقل. ولما كان العقل هو الذي يجمع ~~بين أرسطو وابن رشد سهل فهم المعنى واتفاق العقلاء عليه؛ فالمقدمة الكبرى هي التي ~~تحدد الجهة في النتيجة، والمعنى المعياري هو الذي يمنع الشكوك ويقضي على سوء ~~تأويل الشراح، وهو الحق في نفسه، الشيء في ذاته، ويتفق مع اللفظ. يختلف مع الشراح؛ ~~ومن ثم يعارضون اللفظ والشيء في ذاته؛ لذلك لم يفهموا الأنواع الوجودية ~~والمطلقة والضرورية. وعندما يجد الشارح نفسه مختلفا مع أرسطو فإنه يعتذر عنه ~~ويئوله حتى يتفق مع قوله، وكأن ابن رشد هنا يقرأ الشرح بطريقة المتكلمين الذين ~~يئولون النقل طبقا للعقل. وهذا ما فعله ثامسطيوس وأبو نصر. # 63 # يتحدث ابن رشد عن هذا الرجل ويقصد أرسطو دون تبجيل أو تعظيم بلقب الحكيم أو ~~المعلم ms178 الأول، رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق دون تأليه أو تعظيم أو إعجاب. ~~ويشعر ابن رشد بمسئولية جيله وزمانه في تبديد الشكوك. وضعف نظر الناس وقلة حكمتهم ~~سبب التشكك عليه، ورد قوله بما يظهر لهم. ويزداد الضعف إذا لم يظهر للمتقدمين؛ ~~وبالتالي يكون التاريخ جهلا مركبا، جيلا وراء جيل. وأسوأ شيء للمتأخر الاضطراب ~~عن تعليم أرسطو وسلوك طريقة أخرى، وكأن ابن رشد يدافع عن نمطية الفكر في التاريخ ~~دون بدائل. لقد انحرف الفارابي عن مسار أرسطو في المنطق كما انحرف عنه ابن سينا في ~~الطبيعيات والإلهيات. # ويتبع ابن رشد مسار فكر أرسطو من البداية إلى النهاية مستدلا معه وبمنطقه لبيان ~~اتساق الحجج وسلامة المنطق، وأن قول أرسطو واضح بذاته؛ فلم يرد أرسطو أن يكون ~~القياس منتجا من سالبتين لا بالقوة ولا بالفعل. يبحث ابن رشد عن الوضوح وما هو ~~بين بنفسه؛ فإن كان غامضا أظهره، يبين الاستدلال، ويضع المقدمات، ويستنبط ~~النتائج. ومسار التاريخ من أرسطو إلى المشائين مسار من الوضوح إلى الغموض، ومن ~~متقدمي المشائين إلى متأخريهم مسار من الغموض إلى الأكثر غموضا، مع أن المتقدم ~~معين للمتأخر وليس سببا في حيرته، وعامل مساعد له لاستخراج الحق؛ فتاريخ الحقيقة ~~سقوط وانهيار من الحق إلى الظن، ومن الصواب إلى الخطأ، ومن الحقيقة إلى الوهم. ~~وتكون مهمة ابن رشد التاريخية هو العود من الغموض إلى الوضوح، ومن الظن إلى الحق، ~~ومن الخطأ إلى الصواب، من الوهم إلى الحقيقة. ونادرا ما يخطئ ابن رشد أرسطو ~~ويصوب الشراح. ويبين ابن رشد غرض أرسطو وقصده؛ أي اتجاه أقواله؛ فالقول ليس فقط ~~لفظا أو معنى، بل هو اتجاه وقصد يجمع بين اللفظ والمعنى والشيء. ويصح قول ~~ابن رشد إذا ما اتفق مع قصد أرسطو، ويصح قول أرسطو إذا ما اتفق مع قول ابن رشد. ~~وتخطئ أقوال المفسرين إذا ما حادت عن قول أرسطو، ولكن لا يخطئ قول أرسطو إذا ما ~~حاد عن قصد المفسرين؛ فالقول ليس خاصا فقط بأرسطو، بل إن ابن رشد أيضا يقول كما ms179 ~~يقول السائل افتراضا. وبيان القصد بطبيعته يكون موجزا؛ لأنه يتجه إلى الكلي ~~وليس إلى الأجزاء. # 64 # وربما كان ابن رشد قاسيا على الشراح ظانا أن الشرح هو المطابقة وليس ~~القراءة، في حين أن الشرح هو قراءة للآخر من منظور الأنا، وإعادة كتابة للنص في ~~بيئة ثقافية مخالفة ولأهداف مغايرة ؛ فلا يوجد فهم صحيح أو خاطئ، ولكن هناك ~~تأويل في ظروف مغايرة، وهو بداية الإبداع؛ فما يسميه ابن رشد سوء تأويل ابن سينا ~~أو غيره قد يكون قراءة له أو ابداعا منه. # 65 # وفي الموروث يتصدر الفارابي ثم ابن سينا. ويحال إلى كتاب القياس للفارابي. # 66 # يبدو الفارابي شارحا أرسطو؛ لأنه يأتي بعده مباشرة وقبل الإسكندر ~~وابن سينا. والإحالة إلى قياس الفارابي تعادل الإحالة إلى قياس أرسطو. ويروي ~~الفارابي عن الإسكندر سوء تأويل موقف أرسطو في المقول على الكل؛ فمعرفة ابن رشد ~~بالإسكندر عن طريق رواية الفارابي، المعلم الثاني. والحقيقة أن كليهما، أبا نصر ~~والإسكندر، يسيء تأويل أرسطو بطريقتين مختلفتين؛ فعند أرسطو يكون المحمول موجبا ~~أو مسلوبا من كل ما هو جزء للموضوع أو يتصف بالموضوع، عند الإسكندر بالفعل، وعند ~~الفارابي بالقوة وبالفعل. وقد ظن الإسكندر أن أرسطو أراد بالمطلقة الوجودية فقط، ~~وأنها مطلقة من اللفظ لا من الضمير؛ ويعني بذلك المقدمات الكلية المخصوصة بالوجود ~~في الزمان. وهذا كله سوء تأويل لأرسطو؛ فأرسطو يتحدث عن الأخلاق دون تحديد بزمان، ~~ولكن طبيعة الذهن البشري ومسار التاريخ يؤديان إلى الانتقال من الصوري إلى المادي، ~~ومن المطلق إلى المعين. لقد توهم الفارابي أن المقول على الكل ما وصف بالموضوع، ~~وأنه معنى زائد على مفهوم المقدمة الكلية، بين الدلالة الأولى والدلالة الثانية، ~~وهو في ذلك تابع لثاوفرسطس وأوديموس من القدماء، والإسكندر من المحدثين، مؤرخا ~~لهم وراويا عنهم، وشارحا قول الإسكندر إن حذف الجهة دليل عليها. وهذا سائغ في ~~اليونانية وليس في العربية دون إشارة صريحة إلى التمايز بين اللغتين. يعيد ابن رشد ~~الوافد إلى الموروث، ويتمسك بظاهر اللفظ وبمنطق اللغة. وقد عني أرسطو بتقسيم ~~المقدمات ms180 إلى ثلاثة أقسام بحسب انقسام طبيعة الموجودات، وليس فقط حسب طبيعة ~~الاعتقاد؛ أي ما يوجد في النفس، توحيدا من أرسطو بين المنطق والوجود، وكأن ابن رشد ~~يقرأ أرسطو قراءة هيجلية. وقد خالف الفارابي أرسطو. ويعتذر ابن رشد عن ذلك بسوء ~~التأويل، وهو منهج إسلامي خالص في اتفاق النقل الصحيح مع العقل الصريح دونما حاجة ~~إلى تأويل النقل حتى يتفق مع العقل. تأويل الفارابي تقول عليه، وخروج على ظاهر ~~اللفظ وعلى الأمر نفسه. وقد توهم الفارابي أن الخطأ في القسمة حتى يشرع في ~~التأويل. هنا يبدو ابن رشد ظاهريا. # 67 # لقد شرح الفارابي أرسطو ولخصه ابن رشد، وكان خطؤه أنه تصور أن ~~الوجودية مخصوصة بزمان معين. أراد الفارابي تحويل المنطق الصوري إلى منطق مادي، ~~وإدخال الوجود والموضوع والزمان في مادة القضايا، وذلك ليس خروجا على أرسطو، بل ~~تطوير له وإبداع فيه. وتلك علاقة الخلف بالسلف، إبداعا لا تقليدا، وتطويرا لا ~~تبعية، مثل علاقة المسيحية باليهودية، وعلاقة الإسلام بالمسيحية. ويبدو المنهج ~~الإسلامي واضحا في المقالات؛ العودة إلى النص الأول لأرسطو تطهيرا له من سوء ~~تأويل الشراح، مثل العودة إلى النص القرآني الأول تخليصا له من براثن المفسرين. ~~كما أن منهج الحكم بين المتخاصمين، أرسطو وشراحه، ومقارنة أدلة كل فريق بأدلة ~~الفريق الآخر، والتحقق من صحتها ثم إصدار حكم بالبراءة لأرسطو وإدانة الشراح، هو ~~منهج أبي الوليد قاضي قضاة قرطبة. كما أن اللجوء إلى ظاهر قول أرسطو هو منهج القاضي ~~الظاهري. وتبدو الأمثلة الفقهية مضحكة أحيانا كما هو الحال في الفقه الافتراضي، ~~مثل «ولا مفكر واحد غراب» سالبة ضرورية لا وجودية. وربما تشير الوجودية إلى الإحساس ~~بضرورة الواقعية في المنطق، وأهمية المواد مع الإشكال. # 68 # وقد أخطأ ابن سينا في معنى المقول على الكل، يشير إليه في بداية المقال وفي ~~نهايته، وظن أن هناك مقاييس اقترانية غير الحملية والشرطية، وجعل عددها كالحملية أو ~~قريبا منها، وإخراج الحملية مثل الشرطية، وألف منها أقاويل ثم خلط الحمليات بها، ~~وظن أنه بذلك قد زاد على أرسطو، ms181 وقد اقتبسها من المتفلسفين من النصارى وليس من ~~المشائين. ابن سينا سارق وليس مبدعا، سارق من النصارى المتفلسفين وليس من ~~المشائين، وإن كان له إبداع فهو منحرف تابع للفروع وليس للأصول. وظل تشكيك ~~ابن سينا وانحرافه حتى زمان ابن رشد. والزمان كفيل بحل الشكوك حتى من أضعف الناس ~~حكمة وأقلهم نظرا. التاريخ هنا عنصر إيجابي لكشف الحقائق، انتقالا من الزيف إلى ~~الصدق، ومن الخطأ إلى الصواب. كتب ابن سينا مملوءة بالتشكيك على أرسطو خاصة في ~~المسائل الكبار، ومن أراد التعلم فعليه تجاوز كتب الفارابي المنطقية وكتب ابن سينا ~~الطبيعية والإلهية. # 69 # ويضع ابن رشد تقابلا بين لسانهم ولساننا، بين اليونانية والعربية، إحساسا ~~بالتباين اللغوي، فما يسوغ في لسان اليونان قد لا يسوغ في اللسان العربي، بل يكون ~~مستكرها؛ فاللسان العربي هو أساس الذوق اللغوي، استحسانا أو استكراها. ويبدأ ~~المقال بالبسملة والصلاة والسلام على محمد وآله، والدعوة بالتيسير والرحمة، مع ~~تحديد وقت الفراغ من التأليف، أربعة أعوام قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى؛ مما يدل ~~على أن التأليف كان على فترات متباعدة وغير مرتبط بفترة معينة من حياته. # 70 # والسؤال الآن: ما دلالة هذه القضية؛ معنى المقول على الكل، اتفاق جهات ~~النتائج مع جهات المقدمات؟ وما أهميتها؟ هل العلم للعلم؛ لذلك فضل الفقهاء ~~الانتقال إلى العلم النافع بالرغم من محاولات نقل المنطق من المستوى الصوري إلى ~~المستوى المادي بالأمثلة الفقهية والقياس الشرعي؟ ~~(ه) و«في المقاييس المختلطة» يتقدم أرسطو، ثم الإسكندر، ثم ثاوفرسطس. ويحال إلى ~~كتاب القياس لأرسطو. والفرق كلها يونانية، مثل المفسرين وقدماء المشائين والمتأخرين. # 71 # يبدأ ابن رشد بفحص غرض أرسطو في المقال بداية بالموضوع، ثم يبين ~~مخالفة المشائين المتقدمين له، ومخالفة المشائين المتأخرين لأرسطو وللمتقدمين، ~~ويرجع إلى الأصل مبينا تطابق أرسطو مع الخلف، ومخالفة المتقدمين له أقل من مخالفة ~~المتأخرين. يحلل ابن رشد الموضوع وأرسطو يتفق معه وليس العكس. ابن رشد هو ~~المشروح، وأرسطو هو الشارح. ابن رشد هو الذي يقول وليس أرسطو، ثم يعلن اتفاق الأمر ~~في نفسه، ms182 أي الموضوع، كما حلله مع أقوال أرسطو، ومخالفة أقوال الشراح له وللموضوع ~~على السواء، وهو أن المقاييس المختلطة من الوجودية والضرورية غير تامة، وأن جهات ~~النتائج فيها تابعة لجهات المقدمات. ولا يكتفي ابن رشد بإعلان الحكم النهائي مثل ~~القاضي، بل يعطي الحيثيات؛ أي تعليل الحكم، وكل حكم يقوم على علة كما هو الحال في ~~منطق الأصول، وبناء على مقياسين، أقوال أرسطو والأمر نفسه؛ أي الأصل والفرع. مهمة ~~ابن رشد إيجاد العلة وتعدية الحكم. ويستعمل أحيانا في منطق الحكم برهان الخلف؛ أي ~~افتراض صحة موقف الشارح، ثم بيان مناقضة أرسطو له كنوع من الجدل في افتراض صحة ~~أقوال الخصوم. ويتحدث في ضمير المتكلم المفرد «أما أنا فلست أدري»؛ مما يدل على أن ~~الموضوع معاش في وعيه وليس مجردا، حتى ولو كان موضوعا منطقيا. وأحيانا يأخذ ~~تأويل أرسطو الخاطئ، ويستخرج نتيجتين مستحيلتين منه من موقف الشراح، يونان ومسلمين؛ ~~مما يدل على معرفة ابن رشد ببناء المذهب دون أن يكون الشراح طول الوقت على خطأ، ~~وأرسطو طول الوقت على صواب، مرة لهم ومرة عليهم؛ فالغاية الوصول إلى الحق الذي ~~يراه ابن رشد. # 72 # ويهدف ابن رشد إلى التوضيح؛ يضع مقدمات الاستدلال وينتهي إلى نتائجه، ~~ولا داعي للتكرار. ومقياس معرفة أرسطو هو ظاهر قوله، والأمر في نفسه اللفظ والشيء. ~~يقوم ابن رشد بتوضيح المعنى، وهو الرابطة بينهما؛ فمستويات التحقق ثلاثة: اللفظ ~~والمعنى والشيء. اللفظ أي النقل، والمعنى أي العقل، والشيء أي الطبيعة؛ نظرا ~~لاتحاد الوحي والعقل والطبيعة. والقول ليس مقصورا على أرسطو، بل ممتد أيضا إلى ابن رشد. # 73 # واشترط الإسكندر في المقول على الكل شرط الفعل كي يكون موجبا. وقد يكون في ذلك ~~معذورا؛ لأن أرسطو أتى برسمه في أول كتاب القياس. ويبدد ابن رشد هذا الشك ويجد ~~للإسكندر مخرجا؛ فهو القاضي والحكم. ولم يتعد ثاوفرسطس الظن في حين وصل ابن رشد ~~إلى اليقين، نفس يقين أرسطو في تطابق جهات النتائج مع جهات المقدمات. ونظرا لاتساق ~~مذهب أرسطو وإحالة الأجزاء إلى الكل، فإن ms183 موضوع جهات النتائج في المقاييس المختلطة ~~يحيل إلى موضوع المقول على الكل. # 74 # وفي الموروث يتصدر الفارابي، ويحال إلى كتاب القياس له أيضا دون الاكتفاء بمجرد ~~السماع أو الشهرة؛ # 75 # فإذا تعادلت الإحالات إلى المصادر بين أرسطو والفارابي فإن الفارابي ~~يتصدر الإسكندر. وقد اعترض الفارابي على معنى المقول على الكل عند أرسطو بأن القياس ~~المركب من مقدمتين ممكنتين غير بين الإنتاج، ويحاجج ابن رشد الفارابي على مستوى ~~ظاهر قول أرسطو، وعلى مستوى الموضوع نفسه، بأن شرط الإنتاج غير شرط النتيجة. ~~ويستعمل ابن رشد لفظ «اللهم» كتعبير أدبي. ويبدأ المقال بالبسملة وطلب العون من ~~الله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وينتهي بطلب التوفيق للصواب برحمة الله. # 76 ~~(و) و«في المقدمة الوجودية أو المطلقة» يتصدر أرسطو، ثم الإسكندر، ثم ثاوفرسطس، ~~ثم ثامسطيوس، ثم أوديموس. ويحال إلى كتابي «البرهان» و«القياس» لأرسطو. والفرق ~~كلها يونانية، المفسرون، ثم متأخرو المفسرين وقدماء المشائين. # 77 # مرة يبدأ ابن رشد بالخلاف مع الشارح الذي أساء تأويل أرسطو، ومرة ~~يبين موقف أرسطو ثم الخلاف مع الشارح، مرة من الخصم ومرة من النفس، ومرة من ~~الآخر ومرة من الأنا، مرة من المتهم ومرة من المتهم. يزعم كل مفسر أن مذهبه ~~مذهب أرسطو، فوقع الخلط بين الفرع والأصل، بل تم استبدال الفرع بالأصل؛ ومن ثم ~~يكون مقال ابن رشد عودا إلى الأصول، وهو الأصولي الفقيه. ويحتج كل مفسر على ~~أرسطو إما من جهة الأمر نفسه أي الموضوع، أو من كلام أرسطو. ويعيد ابن رشد دراسة ~~الموضوع وينتهي إلى نتيجة مخالفة للمفسر، ويعيد تفسير كلام أرسطو، ويثبت سوء ~~تأويل المفسر له. مرة يتجه ابن رشد إلى الشيء ومرة إلى القول، مرة يصحح الرؤية ~~ومرة يصحح الشرح مستشهدا بنص أرسطو الأصلي. يعرض حجج الشراح وينتقدها حجة حتى ~~تظهر صحة قول أرسطو المتفق مع صحة الرؤية المباشرة للموضوع، وهو منهج علمي يقوم ~~على التحقق من صحة الفروض، وهي في هذه الحالة أقوال الشراح ومطابقتها مرة على ~~الأصل، وهو نص أرسطو، ومرة على الفرع ms184 وهو الأمر نفسه، مرة في القول ومرة في ~~الشيء نفسه. ويبين ابن رشد أسباب خطأ الشراح، إما سوء فهم ألفاظ أرسطو؛ لذلك ~~يورد ابن رشد نص أرسطو بألفاظه، أو عادة أرسطو في الاستعمال والاستبدال والنقل ~~بين أشكال القضايا، أو تبعية الشراح بعضهم لبعض، والنقل عن بعضهم البعض، كما نقلوا ~~عن الإسكندر. وينتهي ابن رشد إلى كشف الحقيقة، حقيقة الموضوع كما رآه أرسطو، وحقيقة ~~قوله المطابق لرؤيته، وخطأ تأويل الشراح لقوله؛ لأنهم لم يروا الموضوع، واعتمدوا ~~على شرح القول دون رؤية الشيء على الحجج النقلية دون العقلية، والنقل دون العقل ظن؛ ~~لأنه يعتمد على اللغة ومنطقها، في حين أن البرهان نظر في الأشياء. ويحيل ابن رشد ~~الجزء إلى الكل، والقياس إلى البرهان؛ فلا يفهم الجزء إلا في إطار الكل كما هو ~~الحال في النص والسياق. # 78 # ومع ذلك لا يبرئ ابن رشد أرسطو على طول الخط؛ إذ يكون أحيانا هو المسئول عما ~~وقع فيه الشراح من خلط وسوء تأويل؛ فقد كان عليه أن يبين جهة من جهات الوجود، ~~يذكر أحكامها في الإنتاج، وهي الوجودية خارج النفس، بل إن أرسطو يخلط أحيانا ف ~~رؤيته للموضوع بين أنواع المطلقة كما خلط بين أنواع الممكنة. ومنهج ابن رشد في رفع ~~الخلط وسوء التأويل من الشراح منهج معياري يقوم على معرفة الأمر في نفسه، أي رؤية ~~الشيء، ثم مطابقة قول أرسطو به ومخالفة أقوال الشراح له؛ لذلك كان مذهب أرسطو ~~باستمرار معروفا بنفسه؛ أي بديهيا مطابقا للعقل عاريا من الشكوك التي تلزم ~~الشراح وحدهم. عرفه أوائل الشراح أكثر مما عرفه أواخرهم؛ فالسلف خير من الخلف، ~~ومطابق للواقع؛ أي التجربة والمشاهدة، جمعا بين العقل والطبيعة. وهذه حكمة أتاها ~~الله له؛ فالوحي والعقل والطبيعة نظام واحد. # 79 # معركة ابن رشد مع أرسطو، مشائين ومسلمين، مع الموروث الوافد والوافد ~~الموروث، فلا فرق بينهما في الشرح ووضعه في سياقه التاريخي. ويتبع منهج القاضي بين ~~المتخاصمين؛ يقارن بين أدلة كل من الطرفين ويتحقق منها، ثم يصدر الحكم القائم ~~على الحيثيات؛ ms185 فهو ليس فقط قاضيا، قاضي قضاة قرطبة، ولكنه قاض بين متخاصمين ~~فكريين في الفلسفة؛ بين الشراح من ناحية، وبين الشراح وأرسطو من ناحية أخرى، لا ~~ينحاز إلى فريق أو يميل لفريق آخر. ويتحقق من الأدلة على مستويات ثلاثة؛ الأول: ~~تحديد معاني الألفاظ. والثاني: دقة المعاني. والثالث: الأمر نفسه. ويضع احتمال خطأ ~~الشراح حتى يصح أرسطو في النهاية. # ويبين ابن رشد الغرض من المقال، وهو الفحص عن المقدمة الوجودية والمطلقة في حد ~~ذاتها أولا، ثم معرفة أرسطو ثانيا، ثم اختلاف المفسرين ثالثا؛ فابن رشد هو ~~المؤلف الأول، وأرسطو هو المؤلف الثاني الذي تطابق نتائجه نتائج المؤلف الأول، ثم ~~الشراح الذين أساءوا تأويل المؤلف الثاني؛ لأنهم بدءوا من القول وليس من الشيء؛ ومن ~~ثم يراجع ابن رشد تأويلاتهم على الأمر نفسه أولا، وعلى أقوال أرسطو ثانيا. ~~والتفسير بالغرض جزء من المشروح كله عند ابن رشد، تحويل أرسطو إلى أغراض ومقاصد. ~~كما يبحث ابن رشد عن الواضح بنفسه، ويستدل من المقدمات على النتائج، ويراجع ويتحقق ~~على مستويات التحقق الثلاث، اللفظ والمعنى والشيء، وابن رشد هو الذي يقول مع أرسطو، ~~وليس أرسطو. # ومن الموروث يتصدر الفارابي ثم ابن سينا، مع الإحالة إلى كتابين لابن سينا ~~«الشفاء» و«النجاة»، وكتاب واحد للفارابي هو البرهان. # 80 # وهنا يصعب التفرقة بين الموروث والوافد؛ نظرا لأن الموروث خاصة ~~الفارابي راو عن الوافد ومصنف لمذاهب الشراح اليونان؛ إذ يحكي أبو نصر أن مذاهب ~~الشراح في المقدمة الوجودية متعددة متضاربة، مذهب أوديموس وثامسطيوس في مقابل ~~مذهب الإسكندر. الأول المقدمة المطلقة والوجودية هي التي حذف منها جهة الإمكان ~~وجهة الاضطرار. والمطلقة عند ثاوفرسطس ليس لها إلا وجود في الذهن، فتكون قوتها في ~~ذوات الجهات إذا نسبت إليها قوة المهملة في ذوات الأسوار أو نسبت إليها. عند ~~ثاوفرسطس وأوديموس الوجودية عند أرسطو تعم الضروري والممكن والموجود بالفعل، وعند ~~الإسكندر الموجودة بالفعل في زمان معين فقط نظرا للتمييز بين عالم الأذهان وعالم ~~الأعيان. وكالعادة يعرض ابن رشد حجج الشراح وموقف أرسطو على مستوى القول، ms186 ثم يعرض ~~الأمر كما هو في نفسه، الأشياء ذاتها. وثامسطيوس راو في كتابه عن المفسرين شارحين ~~أرسطو، وله رأي مخالف لرأي الإسكندر. مذهب الإسكندر أن المقدمة الوجودية هي ~~المقدمة الممكنة إذا وجدت بالفعل في الزمان الحاضر. يعسر وجودها كلية، بل توجد ~~بالاتفاق في الزمان. وهو المذهب الذي مال الفارابي إليه. ليست الوجودية هي الأقلية ~~كما فهم الناس عن الإسكندر، بل ربما الأكثرية أو كلاهما معا. ويرجع الخطأ إلى ~~احتمالين؛ الأول: أن الإسكندر لم يفهم معنى قول أرسطو، والذي يدركه ابن رشد جيدا. ~~والثاني: أن الإسكندرانيين لم يفهموا ما فهم الإسكندر على وجه الصحة. ويرجح ~~ابن رشد الاحتمال الثاني. يبدو الفارابي هنا راويا ومؤرخا للفلسفة بعد الكندي؛ ~~مما يدل على ظهور الوعي التاريخي الفلسفي مبكرا. ويميل الفارابي إلى مذهب الإسكندر ~~في المقدمة الوجودية بالفعل، أما المقدمة الممكنة في أقل الزمان والوجودية في أكثر ~~الزمان؛ أي يوجد محمولا لكل موضوعها في أكثر الزمان، فإنها تستعمل في العلوم. ~~ومنها المقدمات الضرورية وغير الضرورية. # 81 # وابن سينا له مذهب مستقل في الموضوع يقوم على الخلط ابتداء من تقسيمه الحمل ~~الضروري على أنحاء خمسة طبقا للمقدمات. خطؤه في متابعة الإسكندر دون الرجوع إلى ~~الأصل، وهو أرسطو، وهو منهج إسلامي يلجأ إلى الأصل دون الفرع، كما هو الحال في ~~التفسير، وفي الأدلة الشرعية الأربعة. فخطأ المسلمين مزدوج بسبب فهم أرسطو من خلال ~~شراحه. وقد ناقض ابن سينا نفسه بين «الشفاء» و«النجاة». اعتبر في «الشفاء» أن ~~المطلقة هي التي محمولها موجود للموضوع ما دام المحمول موجودا رأي سخيف، ثم عاد ~~في «النجاة» وجعل المطلقة تقال على الأربعة وعلى الثلاثة، وعلى هذا المعنى الذي ~~سخفه من قبل ونسبه إلى الإسكندر. ويدل ذلك على وعي تاريخي عند ابن رشد، وفي نفس ~~الوقت على ضرورة اتساق الحكيم. وقد يكون التناقض ظاهريا نظرا لتغيير السياق؛ فكل ~~تحليل ابن وقته متسق مع نفسه، وليس مع تحليل في موقف سابق. هذا هو الخلاف بين ~~موقف «الشفاء» وموقف «النجاة» دون افتراض تغيير الرأي وتطوره ms187 بالضرورة. ليس ~~ابن سينا مؤرخا، وإنما هو الذي بنى الحكمة وقسمها في ثلاث؛ لذلك كان صامتا عن ~~مصادره. المهم البنية لا التاريخ. # 82 # ويظهر الله كموضوع في قضية حملية يكون المحمول فيها وجود الموضوع دائما ~~وضروريا وبإطلاق، مثل: الله حق، والفلك متحرك أو أزلي. فالله موضوع منطقي، كما ~~أن صفاته تعزى إلى الطبيعة مثل الفلك أزلي. القضية الأولى طبيعيات مقلوبة إلى ~~أعلى ، والثانية إلهيات مقلوبة إلى أسفل. ويبدأ المقال بالبسملة وطلب العون بلطف ~~الله، والصلاة والسلام على محمد وآله، وينتهي بالحمد لله رب العالمين، والصلاة على ~~محمد الكريم. # 83 ~~(ز) و«في جهات النتائج» في المقاييس المركبة يتصدر أرسطو والحكيم، ثم الإسكندر، ~~ثم ثامسطيوس وثاوفرسطس، ثم أوديموس. ومن الفرق يتصدر القدماء، ثم قدماء المشائين، ~~ثم المشاءون والمتأخرون. # 84 # يعرض ابن رشد القضية ثم يحاول التعرف على بنية المذاهب فيها. والقضية ~~هي مذهب أرسطو في جهات النتائج الحادثة عن المقاييس المركبة من مقدمتين مختلطتين ~~ذوات الجهات الثلاث، وهو المذهب الحق بالرغم من إمكانية نقده وتصحيح بعض دعاويه ~~واستدلالاته. يحب ابن رشد أرسطو، ولكن حبه للحق أعظم، وهو مذهب يجعل نتائج ~~المقاييس المركبة في الشكل الأول من الضرورية والوجودية تابعة في الجهة لجهة ~~المقدمة الكبرى؛ فالإنتاج بحسب أشرف الجهتين. وخطأ الشراح أنهم جعلوه من جهة أحسن ~~الجهتين، وكأن المنطق يخضع للقيمة، وأن أشكال القياس خاضع لسلم القيم. ويستقي ~~ابن رشد مذهب أرسطو من مصادره الأولى، وليس من أقوال الشراح رجوعا إلى الأصل. يرفض ~~تأويل الشراح ويعود إلى أصول أرسطو بلا تأويل. وهو موقف ظاهري يرفض التأويل، مع أن ~~كل قراءة تأويل، سواء من الشراح لأرسطو أو من ابن رشد للشراح لأرسطو، في حين أن ~~ابن رشد المتكلم الفيلسوف يقوم بالتأويل حتى تتفق النصوص مع اجتهادات الفلاسفة في ~~قدم العالم وخلود النفس الكلية. # 85 # ويحدد ابن رشد قصد أرسطو عن طريق تعميم الخصوص وتخصيص العموم كما يفعل الأصولي، ~~وهو صحة الإنتاج الذي يوجد فيه شرط المقول على الكل. ويحيل إلى مقاله الآخر في ~~الموضوع. ms188 وقد صرح أرسطو نفسه بهذا القصد وهذا الشرط. غرض ابن رشد بيان أن مذهب ~~أرسطو هو الحق، وهو مذهبه في جهات النتائج الحادثة عن المقاييس المركبة من حقيقتين ~~مختلطتين من المقدمات ذوات الجهات الثلاث، لا ما توهم ثاوفرسطس وثامسطيوس وكثير ~~من قدماء المشائين طبقا لظاهر قول أرسطو، لا على ما أوله الإسكندر أو ~~أبو النصر تابعا له. يحدد ابن رشد الغرض من المقال، وهو إنقاذ مذهب أرسطو من سوء ~~التأويل عائدا إلى قول أرسطو نفسه طبقا لظاهر قوله. ويبدو ظاهري النزعة ضد ~~التأويل إن كان إخراجا للقول عن معناه الصحيح؛ وبالتالي فإن صحة مذهب ابن رشد ليست ~~قطعية مبدئية، بل تعتمد على فهم ظاهر المقول وبناء على الأمر نفسه؛ أي تجريبيا. ~~ويبحث عن الموضوع، ويستدل من المقدمات على النتائج، ويصف مسار فكر أرسطو موازيا ~~لمسار فكره. يقيم السابقين ويصحح تأويلاتهم، ويبحث عن الصواب والخطأ، ويحكم بعد ~~المداولة، مثل التحقق من الخصومة بين الفريقين. وابن رشد هو الذي يقول وليس أرسطو. ~~يشرح نص الشراح شارحين نص أرسطو على مستوى القول، وفي نفس الوقت يرى الموضوع نفسه ~~ويراجع عليه القولين السابقين على النحو الآتي: # والحكيم والحقيقة شيء واحد، أقواله حقيقة ونموذج ومعيار يقاس عليه أقوال ~~الشراح؛ فالحكيم هو الحكم إذا اختلف الشراح فيما بينهم؛ ففي المقاييس المختلطة من ~~الوجودي والضروري تتبع النتيجة المقدمة الكبرى؛ لأنها المقول على الكل. وإذا كانت ~~المقدمات غير تامة فالنتائج كذلك. قد يتفق أقوال الشراح مع ظاهر كلام الحكيم أو ~~تخرج عليه بدافع تأويل بعيد. والتأويل منهج موروث لدراسة علاقة أرسطو بالشراح، ~~الأصل بالفرع، النص بالشرح. يعود ابن رشد إلى الأصل وإلى النص للحكيم على الفرع ~~وعلى الشرح. كلام الحكيم هو الظاهر، وأقوال الشراح هو المئول، وكلاهما مقولتان ~~أصوليتان. وأحيانا يئول ابن رشد كلام الحكيم حتى يتفق مع شرحه الصحيح. ويتصور ~~ابن رشد اعتراض الخصم من أجل معرفة سبب الشبهة والدفاع عن فهم أرسطو الصحيح. يدخل ~~في مسار فكر أرسطو ليتبع منطق استدلالاته؛ ومن ثم يكون ابن رشد ms189 هو الحكم بين ~~المتخاصمين في أرسطو. ينقد الفارابي لسوء فهم أرسطو، وينقد أرسطو لسوء فهمه ~~للحقيقة والواقع؛ أي الأمر في نفسه. ابن رشد هو المراجع والمحقق والدارس والعالم. # 86 # ويذكر ابن رشد ثامسطيوس وثاوفرسطس معا؛ الأول من متقدمي المشائين، والآخر من ~~متأخريهم. ويقرن ثاوفرسطس بأوديموس أيضا من قدماء المشائين، والغرض الدفاع عن ~~مذهب أرسطو في جهات النتائج ضد توهم ثامسطيوس وثاوفرسطس؛ فلثامسطيوس توهمات ~~بالنسبة لموضوع جهات النتائج عند أرسطو. وخطأ أرسطو جعل النتائج تابعة للمقدمات في ~~المقاييس المختلطة من الوجودية والضرورية، فظن الشراح في مقابل يقين أرسطو ~~وابن رشد. ويصح فهم أرسطو إذا ما أخذ على ظاهره دون تأويل كما يفعل ~~ابن رشد. # وكما أخطأ الإسكندر في التأويل وتبعه الفارابي في نفس الخطأ، يؤيد ابن رشد ~~الإسكندر إذا فهم أرسطو على ظاهره؛ لأن كلام أرسطو لا يحتاج إلى تأويل، وينقده إذا ~~ما أول أرسطو؛ لذلك أخطأ الإسكندر عندما فهم الوجودية عند أرسطو أنها الموجودة ~~بالفعل. وقد أدرك الفارابي أن تأويل الإسكندر غير صحيح؛ فالشارح الإسلامي مرة يتبع ~~الشارح اليوناني ومرة يستقل عنه طبقا لنص أرسطو أو طبقا للأمر نفسه. الشرط عند ~~الإسكندر مادي، لا فرق بين وجودية وضرورية. شرط القول على الكل أن يكون الحد الأوسط ~~موجودا بالفعل في المادة الوجودية والضرورية، لا في جميع المواد؛ وبالتالي يتبدد ~~شك الفارابي عليه. # ولا يخطئ ابن رشد إلا الشراح المتقدمين على الإسكندر، ولا يصدر حكما واحدا ~~على الشارح في كل الحالات، بل طبقا لكل حالة؛ فالشارح مرة يحسن الفهم ومرة ~~يسيئوه، مرة يأخذ الكلام على ظاهره ومرة يئوله. مسار الشرح إذن من سيئ إلى أسوأ، ~~من تأويل قريب من النص إلى تأويل بعيد عنه، من الأشرف إلى الأخس، توحيدا بين ~~المنطق والقيمة. ويحاول ابن رشد العودة إلى الأصل في مسار معاكس من التاريخ إلى ~~النص، ومن الشرح إلى الأصل، وكأنه أصولي بمعنيين، العودة إلى الأصول أي النص، وكما ~~هو الحال في التيار الأصولي، والعودة إلى الأصول أي الأول في الزمان، كما هو ms190 الحال ~~في التيار السلفي. والقدماء لفظ عام يوحي بالبعد التاريخي للفكر؛ فقد توهم ~~القدماء وشكوا في كيفية جعل أرسطو النتيجة تابعة لجهة إحدى المقدمتين، وعدم ~~التفرقة بين المقدمة الكلية والمقول على الكل، وكأن ابن رشد يفصل بين مرحلتين ~~تاريخيتين؛ ما قبل القدماء وما بعد المحدثين. # 87 # ومن الموروث يتصدر الفارابي الشارح الأول لأرسطو قبل الإسكندر. # 88 # ولا توجد إحالة إلى مصادر إلا إلى شرح القياس. وقد تأول الفارابي ~~أرسطو أيضا كما أوله ثاوفرسطس من قدماء المشائين، والإسكندر وثامسطيوس من ~~محدثيهم، خروجا على مذهب أرسطو. لقد تابع الفارابي الإسكندر في تأويله لأرسطو في ~~معنى الوجودية وجعله الموجودة بالفعل. والفارابي راو ومؤرخ للشراح خاصة الإسكندر. ~~ومع ذلك خالفه في تأويل معنى المقول على الكل عند أرسطو، كما أنه حاد عن صحة بعض ~~تأويلاته. شرط الفارابي في جميع المواد إنما يصدق في مادة واحدة هي الضرورية ~~والوجودية، وهو ما قصده الإسكندر بوجود الحد الأوسط بين الكبرى والصغرى؛ ومن ثم لا ~~يصح شك الفارابي على الإسكندر. يقوم ابن رشد هنا بدور القاضي الذي يحكم أحيانا ~~لصالح الفارابي ضد الإسكندر، وأحيانا أخرى لصالح الإسكندر ضد الفارابي. ويبين ~~ابن رشد شرط المقول على الكل الذي اختلف فيه المفسرون مراجعا التاريخ وعائدا به ~~إلى أصوله الأولى عند أرسطو. وبالرغم من رفض الفارابي مذهب الإسكندر في المقول على ~~الكل إلا أن ابن رشد يرفض رفض الفارابي استئنافا لعملية التطهير لنص أرسطو؛ إذ ~~يسيء الفارابي أيضا تأويل أرسطو، وعذره رغبته تصحيح أرسطو بعد أن تحقق أن أمر ~~المقول على الكل غير صحيح؛ لأنه كان سبب استبعاد بعض المقاييس غير التامة. ويستأنف ~~ابن رشد تبرير الفارابي لأرسطو مصححا فهمه بأن المقول على الكل عنده بالمعنى العام. # 89 # ويبدو موقف أرسطو متفقا مع الفطرة الإسلامية؛ أي الفكر الطبيعي الذي يجعل ~~الطبيعة قيمة. ويبدأ بالبسملة والصلاة على محمد وآله وصحبه، وينتهي بالدعوة إلى ~~الله بالتوفيق للصواب سبحانه لا إله إلا هو وحده. وتختلف الدعوات والابتهالات ~~والمقدمات الإيمانية بحسب الأمزجة والعادات. ويتم تحديد ms191 مكان النسخ وزمانه، إشبيليا ~~والدعوة لها بأن يجيرها الله؛ مما يثير الأشجان والأوجاع ثمانية وعشرين عاما قبل ~~رحيل ابن رشد؛ مما يدل على امتداد فترة التأليف على فترات حياته كلها. ~~(ح) وفي «القياس الحملي والشرطي، ونقد القياس الاقتراني عند ابن سينا»، يتصدر ~~أرسطو والحكيم، ثم ثامسطيوس. ويحال إلى القياس وأنالوطيقا الأول، ثم إلى الجدل. ~~ومن الفرق يحال إلى المفسرين وحدهم. # 90 # ويؤلف ابن رشد في موضوعات أرسطو، حتى ولو لم يختلف عليها الشراح، من ~~أجل تدعيمها وعرضها وفهمها وتنظيرها وبيان معقوليتها، مثل استحالة طلب مجهول أول ~~بقياس شرطي منفصل أو متصل؛ ولهذا لم يثبته أرسطو في كتاب القياس محيلا الجزء إلى ~~الكل. يبدأ ابن رشد بالفاعل «أرسطو» ثم بالفعل «يرى»، بالمؤلف الأول، أرسطو، وليس ~~بالمؤلف الثاني، ابن رشد نفسه. عيبها أنها لا تتكون من ثلاثة حدود؛ لأنها ليست ~~مقاييس حملية؛ لذلك لا تدخل تحت حد القياس المطلق، بل في كتاب الجدل. لا تسمى ~~قياسا إلا باشتراك الاسم، ولا يطلب منها مجهول بالرغم من استعمال أرسطو في كتبه ~~مقدمات جدلية بصيغ شرطية؛ فكل قياس إما حملي وإما شرطي وإما مركب منهما، وهو قياس ~~الخلف. والصيغ الحملية هي الصيغ التقريرية الوصفية، في حين أن الصيغ الشرطية هي ~~الصيغ الاحتمالية. وقد قدم أرسطو ذلك بناء على تحليله الأمر نفسه، أي الأشياء ~~ذاتها، وليس بناء على رأي خاص أو وجهة نظر شخصية. # 91 # ويبحث ابن رشد عن الوضوح، ويستدل من المقدمات على النتائج، ويرفض ~~الهذيان. وابن رشد يقول، وليس أرسطو وحده. # 92 # ويستغرب من تبعية الشراح للحكيم أحيانا دون التشكيك عليه حتى يثير ~~الفكر، ويبرز الخلاف، ويحكم بين المتخاصمين؛ فإذا أجمع المفسرون على شيء واضطربوا ~~في شيء آخر، فالإجماع حجة ودليل شرعي. # ومن الموروث يتصدى الفارابي ثم ابن سينا. ويحال إلى التحليل والبرهان للفارابي، ~~وإلى المقدمات لابن سينا. ومن الأسماء يتصدر النبي ومحمد، ثم مسيلمة. ومن التعبيرات ~~الدينية «يوحى إليه»؛ مما يدل على أن الموروث ليس الفلسفي وحده، بل أيضا الديني العام. # 93 # وقد ms192 شك الفارابي على أرسطو في القياس المطلق شاملا الحملي والشرطي ~~معا، وشاركه ابن سينا في هذا الشك؛ إذ إن ابن سينا يخالفه أحيانا ويتفق معه ~~أحيانا أخرى. وإذا كانت نسب أجزاء البراهين الشرطية مثل نسب ما ألف في الحملية ~~إلا أن صيغة الشرطي تقتضي بذاتها الشك في المستثنى؛ مما يتطلب ألا يكون قياس شرطي ~~ما كان المستثنى فيه بينا بنفسه. وبالرغم من موافقة ابن سينا على ذلك إلا أنه لا ~~يرضى ببرهانه وتشكك فيه. ويحكم ابن رشد بينهما، ويرجح كفة الفارابي، ويعطي ~~حيثيات الحكم. ويستشهد ابن رشد بنصوص أبي نصر وليس بنصوص أرسطو إلا من أجل التوفيق، ~~ويؤيد الفارابي ويهاجم ابن سينا كرجل وشخصية، وليس فقط كأفكار. # 94 # ويتفق ابن سينا مع الفارابي في حد القياس المطلق الذي يشمل القياسين، ويتمايز ~~ابن رشد عنهما بالرغم من أنه أقرب إلى موافقة الفارابي أولا ثم مخالفته ثانيا، في ~~مقابل هذيان ابن سينا في «الشفاء». ويرفض ابن رشد اقتراح ابن سينا بوجود قياس ~~اقتراني بالإضافة إلى الحملي والشرطي، وهو مأخوذ من النصارى المتفلسفين وليس ~~إبداعا، خاصة وأن ابن سينا صامت عن مصادره؛ فنظرا لرغبة ابن سينا في التجميع ضم ~~المتفلسفين النصارى ظانا أنه رد على أرسطو القياس الاقتراني، كما يعترف ابن سينا ~~نفسه في «الشفاء»، وهو تناقص؛ لأنه يرى أن كل قياس حملي يمكن أن يتحول إلى قياس ~~شرطي، وأن كل قياس شرطي يمكن أن يتحول إلى قياس حملي، ومع ذلك هما قياسان مختلفان. ~~وأقيسة ابن سينا خارجة عن الطبع لا يمكن للعقل استعمالها، ولا تعبر عن الفكر ~~الإنساني بالطبع كاستعمال الحملية؛ فكل أنواع الشرطيات المتصلة تعتمد على مقدمات ~~خارج الطبع؛ لذلك يكثر منها ويملأ الشفاء بها، ويعترف أن صدقها بالاتفاق مع أن ما ~~بالاتفاق غير متناه لا تنظر فيه أية صناعة؛ لأن مقدماته متعاندة. وصحيح يثير ~~قياس الشفاء الدهشة من هذه الأشكال المتبعة، مصادرها وطرق إبداعها وأوجه استعمالها. ~~ويحيل ابن رشد إلى كتاب ابن سينا «المقدمات»، ويعني به بارمنياس. ويستعمل بعض ~~الأمثلة ms193 المحلية من الموروث قبل فعل «يوحى إليه»، وأسماء النبي محمد، ومسيلمة، في ~~أشكال القضايا الحملية تقريبا للأفهام، بدلا من هوميروس والأمثال اليونانية. ~~ويبدأ بالبسملة، ويطلب العون من الرب، والصلاة على محمد وآله، والحمد لله رب ~~العالمين. ~~(ط) وفي «كتاب الحد» يتصدر الإسكندر ثم أرسطو؛ أي الشارح على المشروح؛ مما يدل ~~على أهمية تخليص أرسطو من براثن الشراح، ثم الإسكندرانيون ومتأخرو الإسكندرانيين ~~إحساسا بالتاريخ، وأن السلف خير من الخلف، والأوائل أفضل من الأواخر، حيث أرسطو ما ~~زال حيا في القلوب مثل النبوة قبل أن يصيبها التحريف والتغيير في الزمان، وقبل ~~أن تتحول الخلافة إلى ملك عضود. # 95 # يبدأ أرسطو بالموضوع الأرسطي، تعريف الحد، ثم يبين تشويه الشراح ~~اليونان والمسلمين له. وبعد المقارنة بين أقوال أرسطو وأقوال الشراح يبرئ أرسطو ~~ويتهم الشراح. والصلة بين النص والشرح هي الصلة بين الأصل والفرع، بين الاستقامة ~~والانحراف. ويستمر الانحراف كلما تقدم الزمان؛ فمتقدمو الشراح أفضل من متأخريهم ~~نظرا لقربهم من النص، ومتأخرو الشراح أسوأ من متقدميهم نظرا لبعدهم عن النص. مسار ~~التاريخ إذن من الكمال إلى النقص، ومن اليقين إلى الظن، ومن الوحدة إلى التعدد. ~~يقوم ابن رشد بتصحيح المسار والعودة إلى الأصل والاستقامة واليقين والوحدة الأولى ~~في النص الأرسطي. # يرجع ابن رشد التاريخ من المتأخر إلى المتقدم عودا إلى الأصول. يعيد متأخري ~~الإسكندرانيين إلى متقدميهم، ومتقدمي الإسكندرانيين إلى الإسكندر، والإسكندر إلى ~~أرسطو. ويظهر البريء أمام المتهمين الشراح على اختلاف أجيالهم. يظهر الإسكندرانيون ~~أتباع الإسكندر، منهم المتقدمون والمتأخرون، إحساسا من ابن رشد بالزمان عكسيا؛ ~~فالمتقدم خير من المتأخر، والسلف خير من الخلف. وبالرغم من اتهام الفارابي ~~الإسكندرانيين بتحريف كلام الإسكندر إلا أنه يشارك في نفس التصور، أن الخلف انحراف ~~عن السلف. لا خلاف في ذلك بين الشراح المسلمين والشراح اليونان. ولو أن الشراح ~~المسلمين اتبعوا المتقدمين مثل الإسكندر أكثر من اتباعهم المتأخرين، فالسلف خير من ~~الخلف، والأوائل أفضل من الأواخر. يدافع أبو نصر عن الإسكندر ضد الإسكندرانيين، ~~وجعل ما طلبه الإسكندر شرطا يذهب أي شك ms194 في المقدمة. ويرفض ابن رشد زيادة الإسكندر ~~العرضة للنقد؛ لأن رسم أرسطوطاليس ليس ناقصا كما رآه الإسكندر، بل كامل لا يحتاج ~~إلى تمثيل؛ ومن ثم يكون حد أرسطو للحد حدا تاما لا ينقصه تمثيل كما توهم ~~الإسكندر وأبو نصر، في حين أن زيادة الإسكندر فيها زيادة ونقص. يدافع ابن رشد عن ~~الرسم التام عند أرسطو، وأنه ليس في حاجة إلى تمثيل كما يقول الشراح؛ فالمقدمة، وهو ~~الحد، تنحل بالذات إلى الموضوع ومحمول دون حاجة إلى تمثيل. الموضوع هو أن اقتران ~~الموضوع بالمحمول، وهو شرط المقدمة، ليس حدا عند الإسكندر. # ويتصدر الفارابي بمفرده. كما يظهر كلام العرب لإبراز الموروث اللغوي. يوافق ~~الفارابي الإسكندر في سوء فهمه لأرسطو، ويتابع تحريف الإسكندرانيين، وكلاهما ~~متوهمان. أما ابن رشد فإنه يعود إلى الأصل؛ فالأصل أصدق من الفرع، وهو مقياس ~~أصولي لحل مشكلة التعارض والتراجيح؛ فحد أرسطو هو الحد التام لا ينقصه شيء، لا ~~زيادة ولا تمثيل، كما توهم الإسكندر وأبو نصر. # 96 # ونص أرسطو قصير، وهو جوهر المسألة. يقوم ابن رشد بنقد الوافد والموروث عند الشراح ~~المسلمين والموروث الوافد عند النصارى، ويحاول فض النزاع بين المتخاصمين كقاض ~~عالم. لم يخطئ أرسطو الا نادرا، ويعود خطؤه إلى الشراح. وبالرغم من أنه يقول ~~أحيانا «زعم» أرسطو، فإنه لا يعني تخطئته، بل تطهيره من سوء التأويل في الحضارتين ~~اليونانية والإسلامية، كما طهر الإسلام العقائد المسيحية من الخلافات العقائدية، ~~والعودة إلى الأصول الأولى، والوضوح العقلي، والأمر نفسه، إعادة دراسة الشراح نوع ~~من عذر أرسطو، وإكمال الناقص أو الجمع بينه وبين أفلاطون كما فعل الفارابي، أو عذره ~~بسبب اللغة اليونانية ونقلها إلى اللغة العربية. # ويحيل ابن رشد إلى كلام العرب حتى في مقالات المنطق، ولو بدرجة أقل من شروحه ~~وتلخيصاته وجوامعه؛ لأنها أقرب إلى منطق العرب منها إلى منطق اليونان. مثال ذلك ~~غياب الرابطة في القضية الحملية إلا الضمير، وهو الميدان الذي تألق فيه الفارابي. # 97 # وينتهي المقال بالدعوة إلى الله بالتوفيق للصواب، والصلاة والسلام على ~~محمد وآله وصحبه. ~~(ي) ms195 وفي «كليات الجواهر وكليات الأعراض» يتصدر أرسطو وحده، ولا يظهر فعل القول ~~إلا مرة واحدة في زمن المضارع تعبيرا عن حقيقة، وليس رواية لتاريخ قبل أن يرصد ~~ابن رشد تأويلات الآخرين له، إبرازا للموضوع، جسم الجريمة قبل اتهام المئولين ~~والدفاع عن أرسطو. # 98 # وكلام أرسطو أوضح وأبسط وأسهل من شروح مئوليه. يستعمل ابن رشد برهان ~~الخلف في تفنيد التأويلات الخاطئة لأرسطو من أصل إثبات المحال الذي ينتج عنها، ~~وينتهي إلى بعد غور أرسطو وفطرته الفائقة وقدرته على الوصول إلى الحق. والعمق ~~والفطرة مقياسان إسلاميان، العمق والوضوح، الباطن والظاهر. يهدف ابن رشد إلى معرفة ~~الشيء وتأويلاته القديمة عند اليونان والجديدة عند المسلمين، فيقوم بتصحيحها ~~والعودة إلى أصل أرسطو. # والحقيقة أن الفارابي وابن سينا كانا يقومان بعمليات حضارية، النقل والاستيعاب، ~~وابن رشد الفقيه يريد العودة إلى النص الأصلي في الفلسفة، مثل ابن حزم وابن تيمية ~~في الكلام. وهذا انتصار لأرسطو لاتفاق قوله مع قول ابن رشد مع الأمر نفسه الذي تم ~~اكتشافه في حضارتين مختلفتين وعبر عنه فيلسوفان. # ومن الموروث يتصدر الفارابي ثم ابن سينا؛ فالشارح أكبر من المشروح؛ ومن ثم يكون ~~هذا المقال أقرب إلى تنظير الموروث قبل تمثل الوافد بفارق ضئيل. يئول الفارابي ~~الكليات ويجعلها ضربين كمذهب ثان في مقابل المذهب الأول، والمذهب الثالث هو تأويل ~~ابن سينا. ويجمع ابن رشد بين التأويلات الثلاثة، القديم والفارابي وابن سينا، ليفصل ~~بينهما كما يفعل القاضي بين المتخاصمين، حتى لو اضطره ذلك إلى الدفاع عن ابن سينا ~~بعد اكتشافه خلل الفارابي. وتأويل ابن سينا هو اعتبار المقول على الكل محمولا لا ~~على كثيرين؛ وبالتالي يكون مفهوم القول على ضربين، الأول يشير إلى الموضوعات ذاتها، ~~والثاني ليس في موضوع. كما يئول ابن رشد أرسطو عن طريق الخلف. لو أراد الشراح ما ~~قاله أرسطو لذهب مذهب أبي نصر مفسرا الأصل باستحالة الفرع. ومناهج هذه القراءات ~~المتداخلة والمتراكمة أهم من موضوعاتها؛ فالأزمة والحل في المنهج أكثر منها في ~~الموضوع. وكما يبدأ المقال بالبسملة، وطلب العون من ms196 الله، والصلاة والسلام على محمد ~~وآله، ينتهي بالدعوة إلى الله بالتوفيق. ~~(ك) وفي «المقاييس الممكنة» يذكر الحكيم وأرسطو ثم ثامسطيوس. فالرمز له الأولوية ~~على الشخص، والشارح يعادل المشروح. ويحال إلى كتاب السفسطة لأرسطو. # 99 # وابن رشد كالعادة ضد ثامسطيوس ومع أرسطو؛ فلما احتج ثامسطيوس على ~~أرسطو مسيئا تأويله وعدم فهم موضعه، أظهر ابن رشد حجج أرسطو ضد شراحه اليونان ~~والمسلمين؛ فبيان أرسطو كلي توهمه ثامسطيوس جزئيا، وكذلك شك الفارابي، ودون ~~أن يحل شكه في قول أرسطو بأنه لا يكون قياس من ممكنتين في الشكل الثاني. ويتم ~~الانتقال من الشخص إلى اللقب، ومن أرسطو إلى الحكيم. يخالف ثامسطيوس الحكيم في ~~المقاييس الممكنة الصرفة في موضعين؛ الأول أن القياس الذي يتكون من مقدمتين سالبة ~~وموجبة لا ينتج ممكنة سالبة ولا موجبة في رأي الحكيم، وللحكيم حجة في الإنتاج أو ~~عدمه لهذا الشكل أو ذلك في هذه المادة أو تلك، مرة سالبة ضرورية، ومرة موجبة ~~ضرورية. الحكيم هنا رمز للحقيقة، للأشياء ذاتها، والبرهان العقل. والحكيم يقظ ~~ومنتبه وذكي، لا يرد عليه إلا من كان في منزلته من اليقظة والانتباه والذكاء، وكل ~~رد عليه ممن هو أقل منه يكشف صحة أقوال الحكيم وخطأ أقوال نقاده؛ لأن أقوال الحكيم ~~تتفق مع مجرى الطبع والعادة، بالإضافة إلى ما تقتضيه طبيعة البرهان. يعرض ابن رشد ~~الموضوع الخلافي، ويتحقق من صدق الخصمين، ثم الانتصار لأرسطو دون الشراح، للأصل دون ~~الفرع، حتى ولو كانت موضوعات الخصومة نظرية وليست عملية كما هو الحال في الفقه. ~~وكثيرا ما تنتهي دراسة ابن رشد لننفس الموضوع الخلافي إلى نفس النتائج التي توصل ~~إليها الحكيم نظرا لاتفاق الوحي والعقل والطبيعة. وقد خالف ثامسطيوس الحكيم في ~~توهمه أن البيان الذي استعمله أرسطو جزئيا وليس كليا، وأرسطو بريء من هذا ~~الاتهام. وثامسطيوس يعانده باحتجاجات لا تقنع. كان لدى القدماء صناعات غير ~~برهانية مثل صناعة النحر والذبائح. يمثل القدماء مرحلة التفكير غير البرهاني، ولا ~~فرق بين قدماء المشائين ومتأخريهم. ويحيل ابن رشد إلى السفسطة والخطابة دون تحديد ms197 ~~هل يشيران إلى الكتاب أم إلى العلمين. # وفي الموروث يتصدر أبو النصر؛ فهو وحده الشارح وليس ابن سينا، ويحال إلى شرح ~~القياس له أيضا، ويعادل الشارح الإسلامي أبو النصر الشارح اليوناني، بل والمشروح نفسه. # 100 # وقد أجاب أبو نصر على شك ثامسطيوس في المقاييس الممكنة في الشكلين ~~الأول والثاني، ولكنه لم يجب على شك آخر أجاب عنه ابن رشد الذي يستمر في عملية ~~التطهير التي بدأها الفارابي. وقد أجاب الفارابي بأن المقدمات الممكنة على التساوي ~~يمكن استعمالها في الخطابة ، في حين أنه في الجدل قد يسأل سائل عن مقدمات سالبة ~~أقلية، فإن سلم بها الخصم تتغلب عليه إذا ما تحولت إلى الأكثرية، وهي شبيهة ~~بقياس الأولى عند الأصوليين. كما يبحث ابن رشد عن السبب كأصولي يبحث عن العلل، ويعد ~~حجج العناد، ويبين أخطاء هذا الرجل وذاك، يونانيا مثل ثامسطيوس، أو إسلاميا ~~مثل ابن سينا، وما وقعا فيه من تخليط وتشويش. وابن رشد هو الذي يقول، وليس أرسطو ~~وحده. ويظهر العلم الإلهي كعامل محدد وللعلم الطبيعي، فإذا كان الممكن الأكثري ~~معلوما بنفسه بفعل الأكثرية في مقدماته، فإن الممكن الأقلي يمكن أيضا أن يكون ~~معلوما بنفسه اعتمادا على مقدمات أقلية، أو استنادا إلى معلوم بنفسه مثل العلم ~~الإلهي الذي يعتمد على الأقل من الآيات الطبيعية لإتيان الأكثر وهو الله؛ فالممكن ~~الأقلي يؤدي إلى الضروري الأكثري. وهنا يبدو أيضا أن المنطق إلهيات، منطق عقلي في ~~الخارج، كما أن الإلهيات منطق عقلي في الداخل، كما أن الطبيعيات إلهيات مقلوبة ~~إلى أعلى، والإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أسفل. هناك علم واحد، نسق واحد يظهر في ~~الوحي والعقل والطبيعة، في المنطق والطبيعيات والإلهيات. ~~(ل) وفي «القول محمولات البراهين» يتصدر أرسطو والحكيم تحولا من الشخص إلى ~~الرمز، ويغيب الشراح اليونان الثلاث. ويحال إلى البرهان لأرسطو. # 101 # يعيد ابن رشد عرض منطق أرسطو بمصطلحات الأصول؛ فقد أعطى أرسطو في أول ~~كتاب البرهان السبارات التي تسير بها المحمولات، والسبر مصطلح أصولي؛ أي التعرف ~~على مواطن التعليل في منهج السبر والتقسيم. ms198 ويشرح ابن رشد أقوال الحكيم للشراح ~~بتحليل الأمر في نفسه ورؤية الأشياء ذاتها إذا ما سأله أحد على طريقة أحكام السؤال ~~والجواب، والمفتي والمستفتي في علم الأصول مثل السؤال حول اشتراط الحكيم في ~~البراهين أن تكون محمولاتها أولية، أو قوله إن المحمولات في أكثر الأمر أعم من ~~الموضوعات. ويستدل ابن رشد من المقدمات على النتائج، ويبحث عن العلل والأسباب ~~كأصولي يبحث عن العلل، وهو ما يربط النتائج بالمقدمات كالحدود الوسطى في الأقيسة. ~~وابن رشد هو الذي يقول أيضا، وليس أرسطو وحده. كما يحيل إلى كتبه، مثل البرهان ~~والمسائل المنطقية؛ مما يدل على وحدة الرؤية ودخول الأجزاء في كل واحد. # ومن الموروث يتصدر أبو النصر وحده معادلا لأرسطو. # 102 # ظن أبو نصر أن الجوهر يتبرهن لأن الأجناس تتبرهن بالفصول مع أن ~~الجوهر لا يتبرهن، ويظن أنه يكفي في البراهين أن يكون الحد الأوسط سبب الطرفين أو ~~لأحدهما، وهو غير صحيح؛ لأن السبب يقتضي وجود الشيء. يبدو الفارابي منطقيا يريد ~~البرهنة على كل شيء، وابن رشد عالما طبيعيا يبحث عن علل الأشياء. ويبدأ الكتاب ~~كالعادة بالبسملة، وطلب العون من الرب، والصلاة والسلام على محمد وآله، وينتهي ~~بالحمدلة والصلاة على محمد. ~~(م) وفي «من كتاب العبارة» يتصدر الحكيم النموذج لا الشخص، ثم أوميروش، ويغيب ~~الشراح اليونان. ومن الفرق يأتي المفسرون ثم المشاءون. ومن الكتب يحال إلى ~~سوفسطيقي والسفسطة لأرسطو. # 103 # والحكيم والحقيقة شيء واحد. إذا اجتمعت المحمولات المفردة أو تفرقت ~~فإنها تصدق مجموعة أو مفردة، والمحمولات المجموعة مركبة، وهي صنفان؛ المحمول ~~بالعرض والمحمول بالذات؛ فالحقيقة مستقلة عن أرسطو. الحقيقة هي الحكمة بعد أن يتحول ~~الشخص إلى الرمز، وأرسطو إلى الحكيم، والرمز إلى الحقيقة، والحكيم إلى الحكمة. وفي ~~كل الحالات ابن رشد هو الذي يدرس ويستشهد بقول الحكيم. وأحيانا يتفق الشراح فيما ~~بينهم على قول الحكيم، بينما يتأول البعض مثل ابن سينا على معنى آخر. وابن رشد ~~يعرض قصد الحكيم لإثبات انحراف الشراح عنه. وقد يكون إثبات كذب مفهوم من جهة ~~الاستعمال أو العادة، ms199 وليس من جهة الأمر في نفسه. وذلك لا يمنع من توجيه بعض الشكوك ~~إلى الحكيم وإلى الشراح من بعده، بشرط أن تفهم أقواله فهما صحيحا دون تأويلها. ~~ويبحث ابن رشد عن الوضوح، ويستدل من المقدمات على النتائج، ويبدد الشكوك، ويكشف ~~الكذب والوهم والغلط. وابن رشد يقول أيضا، وليس أرسطو وحده. # ومن الموروث يتصدر ابن سينا ثم أبو نصر. ويحال إلى كتاب السفسطة للفارابي. # 104 # وابن سينا أكثر حضورا من الفارابي؛ لأنه موضوع النقد. والمقال كله نقد ~~لابن سينا بالرغم من غموض العنوان؛ هل هو كتاب العبارة لأرسطو أم للفارابي أم ~~لابن سينا؟ والأرجح أنه لأرسطو؛ فالمقالات كلها في تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. ~~وقد شك ابن سينا على أرسطو وعلى جميع الشراح ووبخهم، واعتقد أنه إذا كان المفهوم ~~من اللفظ في الإفراد، وهو المفهوم بعينه في التركيب، كان المفهوم من الإفراد صادقا ~~حقا، وذهب عليه أنه ليس بإفراد، بل هو تركيب بالقوة؛ لذلك تكذب بعض المقدمات ~~بالضرورة إذا أطلقت بطبيعة الإطلاق، لا من قبل الوهم والعادة كما ظن ابن سينا. ~~يقتضي الحل والتركيب بذاته نقلة الفهم من الإطلاق إلى التقييد، ومن التقييد إلى ~~الإطلاق، ومن الوحدة إلى الكثرة، ومن الكثرة إلى الوحدة، وليس لأن المفهوم واحد أو ~~مغاير كما اعتقد ابن سينا نقلة بالعرض. عيب ابن سينا هو حسن ظنه بنفسه، والثقة ~~الزائدة بها دون شك أو ارتياب؛ وبالتالي يستعمل تحليل الشخصية في النقد. والعيب كله ~~من المفسرين لأرسطو مثل ابن سينا نقلا عن الفارابي من كتاب السفسطة. والحقيقة أن ~~الفارابي وابن سينا كانا يقومان بعمليات التمثل لدرء أخطاء الوافد، وابن رشد يقوم ~~بعملية أخرى بعد التمثل، وهي النقد التاريخي دفاعا عن أرسطو ضد الشراح المسلمين. ~~ويقوم بدور القاضي بين المتخاصمين على تركة أرسطو. كان الشراح اليونان يمثلون ~~الموروث الوافد، بينما كان الشراح المسلمون يمثلون الوافد الموروث. ويشك ~~ابن سينا شكا على المشائين يتوجه إلى أرسطو نفسه، وإلى من أتى بعده من المفسرين. ~~لم يكن ابن سينا مشائيا تابعا، بل ms200 هو مشائي مبدع. ويدرك ابن رشد مدى اتصاله ~~وانفصاله عن المشائين. وقد أجمع المفسرون على مذهب الحكيم رواية عن ابن سينا وشرحا ~~من الفارابي. ويستعمل ابن رشد بعض الأمثلة العربية للتوضيح، مثل: «زيد طبيب». ويبدأ ~~المقال بالبسملة، وطلب العون من الله، والصلاة والسلام على محمد وآله. ~~(ن) وفي «السابعة والثامنة من السماع الطبيعي» يتصدر أرسطو، ثم يحيى النحوي، ثم ~~أفلاطون، ثم أبقراط. فشارح أرسطو هو يحيى النحوي، وليس الإسكندر أو ثامسطيوس. وظهر ~~أفلاطون حتى تكتمل الصورة الأفلاطونية؛ فالشراح أحد أسباب الانحراف عن أرسطو ، ~~وأيضا علماء اليونان مثل أبقراط. ويحال إلى السماء والعالم لأرسطو «مرة واحدة»، ~~كما يحيل ابن رشد إلى باقي أجزاء الكتاب إلى المقالتين الثانية والثالثة تفسيرا ~~للجزء بالكل نظرا لوحدة الموضوع ووحدة العمل. # 105 # ومن الموروث يحال إلى الفارابي، ثم إلى كتابه «الموجودات المتغيرة»، ~~ثم إلى المتكلمين من أهل ملتنا، مع ذكر إشبيليا مكان التأليف. # 106 # والسؤال هو: لماذا كتب ابن رشد فقط مقالا في السابعة والثامنة من السماع ~~الطبيعي؟ وما سبب الاختيار، الموضوع الدقيق أم الإشكال الخاص، كل متحرك له محرك، ~~وهو أساس البرهان على وجود الله في الفكر الديني ولتصحيح فهمه حتى يقوم الفكر ~~الديني الكلامي أو الفلسفي على أساس عقلي متين؟ يثبت ابن رشد التمايز بين ~~المطلوبين في السابعة والثامنة دون تحديد المطلوب. والغرض من التمييز رفع الخلط، ~~وإحكام الاشتباه، وبيان المجمل، كما هو معروف في منطق الأصول. # يعرض ابن رشد مقدمات أرسطو، ويستنبط معه نتائجه، ويصف مقاصده، ويستأنف استدلالاته ~~لبيان صحة قول أرسطو، واتساق مقدماته مع نتائجه. كل شيء له محرك، والمحرك الأول لا ~~يتحرك. ولا يوجد «قال أرسطو»؛ لأن التأليف معالجة للموضوع نفسه وإعادة دراسته، سواء ~~اتفق أو اختلف مع أرسطو بعد أن أصبح غامضا بفعل الشراح المسلمين، مثل أبي نصر، ~~والنصارى مثل يحيى النحوي، الذين أسرعوا بالتشبث بالموضوع من أجل الإسراع في تبرير ~~الخلق وتمرير وجود الله؛ فالمهم ليس أرسطو بل الدين، ليس الوسيلة بل الغاية، ~~والغاية تبرر الوسيلة. وتظهر أيضا أفعال ms201 الشعور، مثل الفهم والبيان والفحص، ~~ومسار الفكر البداية والنهاية، ووضع المقدمات واستنباط النتائج، ومراجعة فهم ~~المفسرين ومقتضيات المنطق المعياري. ويكشف ابن رشد نقد البداية عن الغرض من قول ~~أرسطو إن كل متحرك له محرك في السابعة والثامنة ومقارنة القولين؛ فبالرغم من ~~التمايز بينهما إلا أنهما يشتركان في نفس الموضوع، فلا زيادة عند أرسطو ولا تكرار، ~~لا ترويد ولا تحصيل حاصل. كما يبحث ابن رشد عن الوضوح. وهو الذي يقول، وليس أرسطو ~~وحده. وينقد ابن رشد الشراح بأرسطو دفاعا عن أرسطو، وشارحا أرسطو بأرسطو مثل شرح ~~القرآن بالقرآن. ولا يشير ابن رشد إلا إلى المفسرين مرة واحدة لبيان عدم فهمهم ~~أمر الثقيل والخفيف وحركتهما من غيرهما. # وطريقة ابن رشد هو نفس طريقة أرسطو في فهم الحركة، لا طريقة الفارابي أو يحيى ~~النحوي؛ فقد فهم أبو النصر أن القوة على الحركة تنقصها بالزمان، ولا تتسلسل ~~المحركات بعضها عن بعض إلى ما لا نهاية، في حين أن ابن رشد يثبت أزلية الحركة كما ~~هو الحال عند أرسطو. وخطأ الفارابي أنه ظن أن أرسطو يحدد الحركة بالزمان. وكذلك ~~عارض يحيى النحوي أرسطو بحركة الأسطقسات من ذاتها في مقابل قول أرسطو بأزلية ~~الحركة؛ فالقوة التي تتقدم الحركة توجد في الجسم وليس خارجة عنه. وقد فهم يحيى ~~النحوي بطريقة مخالفة لفهم ابن رشد لأرسطو، وتابعه أبو نصر، وهي أن القوة على ~~الحركة تتقدم الحركة بالزمان، وعارض أزلية الحركة عند أرسطو. وقد تعرض ابن رشد ~~ليحيى النحوي في الطبيعيات وليس في المنطقيات. يؤيد الفارابي أزلية الحركة، ولكنه ~~يسيء تأويل أرسطو، ويعارضها يحيى النحوي؛ فالشارح الإسلامي أكثر التزاما بأرسطو ~~من الشارح النصراني، وأكثر قدرة على التمييز بين العقل والنقل، بين الوسيلة والغاية ~~باسم الوحي، في حين أن يحيى النحوي ضحى بالعقل في سبيل الإيمان، وبالوسيلة من أجل ~~الغاية. ويقوم ابن رشد بدور القاضي بين الاثنين، الفارابي الذي يسيء تأويل أرسطو ~~لإثباته أزلية الحركة بارتباطها بالزمان، ويحيى النحوي الذي يثبت نهايتها، ويعود ~~إلى أرسطو؛ أي إلى الموضوع ذاته. وأقوى ms202 شك ليحيى النحوي على أرسطو صاغه في قياس من ~~ثلاث مقدمات ونهايته على النحو الآتي: # كل جسم متناه، # والسماء جسم، # وكيف يقبل السماء قوة غير متناهية؟ ~~∴ # إما أن السماء أزلي، وإما أن القوة متناهية. # وفي القياس التقليدي من قياسين على النحو الآتي: # كل جسم متناه، السماء متناه، # السماء جسم، والمتناهي لا يقبل قوة غيرمتناهية، ~~∴ # السماء متناه. ~~∴ # السماء لا يقبل قوة غير متناهية وإلا كان أزليا. # ولم يصرح أرسطو بهذا الظهور، ولكن الشراح هم الذين جعلوا الواضح غامضا. أرسطو ~~إذن بين يدي الشراح اثنان: أرسطو الإشراقي الأفلاطوني الذي روج له يحيى النحوي ~~وأبو نصر والمتكلمون من أهل ملتنا، وأرسطو الطبيعي كما هو عليه وكما فهمه ابن رشد. ~~لذلك يميز ابن رشد بين تيارين في فهم أرسطو؛ الأول: التيار الإشراقي ~~الأفلاطوني، وهو تيار يحيى النحوي والفارابي. والثاني: التيار الطبيعي، وهو تيار ~~ابن رشد. ويفصل ابن رشد صراع الفارابي ضد يحيى النحوي، الأزلية ضد الحدوث، كأن ~~الفارابي المسلم أقرب إلى أرسطو الذي يقول بقدم العالم من يحيى النحوي النصراني ~~الذي يقول بالحدوث إثباتا للخلق. الفارابي أكثر التزاما بالفلسفة منه بالدين ~~الشعبي، في حين أن يحيى النحوي أكثر دفاعا عن الدين ضد الفلسفة. وكتاب «الموجودات ~~المتغيرة» للفارابي الذي يحيل إليه ابن رشد مفقود. # ولا يحيل ابن رشد إلى أصل الموروث في الكتاب والسنة أو إلى العقائد الكلامية إلا ~~أن القيمة تعقيل للعقيدة؛ إذ تدل ألفاظ الشرف في مقابل الخسة والكرم في مقابل ~~الوضاعة، كما تدل أفعال التفضيل، مثل «أكرم» و«أفضل» و«أشرف»، على هذا التعالي في ~~الشعور. القيمة تعقيل للعقيدة، والأخلاق أساس الدين. للقيمة وجود في الطبيعة، ~~والطبيعة قيمة تتجه نحو الأشرف. # وقد ظن أفلاطون أنه لا يمكن أن تكون حركة قبلها حركة لإثبات المحرك الأول، وهو ~~قول صحيح إن وضع بالذات، وكاذب إن وضع بالعرض. والخطأ أخذ ما بالعرض على أنه ~~بالذات؛ لأن الحركة الأزلية لا أول لها بالذات، وتعرض الشكوك إذا أخذ بالعرض؛ لذلك ~~اتجه شراح أرسطو اتجاهين؛ الأول: التفسير الإشراقي عند أفلاطون ms203 ويحيى النحوي ~~والفارابي والمتكلمين من أهل ملتنا. والثاني: التفسير العقلي الطبيعي عند ابن رشد ~~وأرسطو على حقيقته. وبالرغم من أن موضوع الحركة موضوع طبيعي إلا أن دلالته إلهية؛ ~~مما يدل على أن العلمين الطبيعي والإلهي علم واحد، مرة إلى أسفل ومرة إلى أعلى. ~~ويثبت ابن رشد ضرورة أن يكون المحرك الأول بسيطا؛ لأن المركب يقبل التغير، ~~والإنسان يألم لأنه مركب، ولو كان بسيطا لما تألم؛ ومن ثم تثبت بساطة الله ~~بإثبات تركيب الإنسان؛ مما يدل على أن الإلهيات إنسانيات مسقطة إلى أعلى، وأن ~~الإنسانيات إلهيات مسقطة إلى أسفل. ويكشف تعبير «المتكلمون من أهل ملتنا» تبعيتهم ~~إلى أفلاطون في تصورهم للحركة، مثل يوحنا النحوي كتيار مضاد للتيار الأرسطي ~~الطبيعي. المتكلمون في مقابل الحكماء، واللاهوتيون في مقابل الطبائعيين، والدين في ~~مقابل العلم. يثبت المتكلمون الحركة بإرادة، والمحرك بإرادة، حركة أولى ليس قبلها ~~حركة، لا في ذاته ولا في المتحرك، وهو أمر مستحيل عند ابن رشد الذي يدافع عن ~~أزلية الحركة؛ فالمتحرك من ذاته لا يتحرك إلا وتتقدمه حركة أخرى، إما في جسمه وإما ~~في نفسه. وهذا هو الصراع بين نمطين من التفكير، الديني الكلامي الطولي الذي في حاجة ~~إلى محرك أول بذاته، والعلمي الدائري الذي يقول بقدم الحركة. وما زال لفظ ~~«الأسطقسات» معربا. ويختلف تعريب يحيى النحوي، مرة يحيى ومرة يوحنا. ويذكر ~~الناسخ مكان النسخ إشبيليا؛ مما يثير أشجان النفس، يا زمان الوصل بالأندلس، ثلاث ~~سنوات قبل رحيل ابن رشد. ويبدأ المقال بالبسملة، وطلب العون من الله الرب، والصلاة ~~والسلام على محمد وآله. ~~(3) العرضي # وفي كتاب «الهيئة» لمؤيد الدين العرضي (664ه)، استمر هذا النوع الأدبي، تمثل ~~الوافد حتى تنظير الموروث إلى فترة متأخرة، القرن السابع. وله ألقاب كثيرة؛ مما ~~يدل على عظمة المؤلف وقدرته وقدره وصورته في تاريخ العلم. وبالإضافة إلى لقب الشيخ ~~يضاف «قدس الله روحه». # 107 # وتطول أسماء الفصول ودون ترقيم. وللعرضي مذهب خاص يراجع على أساسه ~~الوافد والموروث، وكان لديه إحساس بالإبداع والابتكار، ويطالب الآخرين بالمراجعة ~~والتحقق من صدق ms204 تحليلاته. ويبدو ارتباط الفلك بالجغرافيا كارتباط السماء بالأرض. # 108 # وتسبق أفعال البيان أفعال القول لأن الهيئة موضوع للتوضيح والشرح والبيان، وليس ~~نقلا لأقوال السابقين، تتلوها أفعال الاستدلال مع باقي أفعال الشعور المعرفي. ~~ويتصدر أفعال القول صيغة «نقول» المتكلم المفرد؛ مما يدل على أن المؤلف هو الذي ~~يتكلم ولا ينقل أقوال غيره. # 109 # ويتصدر الوافد الموروث. من الوافد يظهر بطليموس، ثم كتاباه «المجسطي» ~~و«الاقتصاص»، ثم أبرخس، ثم أرشميدس، وأوميروس، وكتاب الأصول لإقليدس، ثم أوطولوقوس، ~~وأرسطوطاليس، وأبلينوس، وثاون، وماطن، وأنطليمن، وأراطس الحكيم، وثاودسيوس صاحب ~~الأكر. ويحال إلى الكل باعتباره جزءا من التراث العلمي. ويأخذ أبرخس وبطليموس لقب الفاضل. # 110 # وهذا لا يمنع من نقد بطليموس أحيانا بالقول الخطابي، ومراجعة أعماله، ~~والتحقق من صدق نظرياته. ومن أسماء الفرق والمجموعات المتأخرون ثم القدماء. # 111 # وهناك إحساس بتطور العلم ومساهمة العصر «في زماننا»، # 112 # وهناك حرص على الإيجاز دون التطويل، وإحالة السابق إلى اللاحق، واللاحق ~~إلى السابق. وتظهر ألفاظ الاستدلال، ومقياس الاتساق ورفض التناقض، «وهذا خلف». # 113 # ومن الموروث يذكر الحرفي صاحب التبصرة، ثم كوشيار، الزرقالة المغربي، ثم ابن الهيثم، # 114 # في معرض النقد؛ فقد غلطه في حد وسط الشمس وتعديلها جماعة ممن يظن ~~بهم الفضل من المتأخرين، وعابوا على بطليموس حده. # 115 # ومن الأقوام والأماكن والخلفاء العرب، ثم المغرب، ثم الإسكندرية والشرقيون ~~والمأمون ومكة، شرفها الله. ويظهر الأسلوب العربي الإنشائي أحيانا، مثل: «ولعمري». # 116 # وهناك إحساس باختلاف المصطلحات باختلاف اللغات، مثل البيابانية ~~والفارسية واشتقاق اسم الفلاة. # 117 # وبالرغم من غياب القرآن والحديث إلا أن التوجه القرآني حاضر؛ فالمصنوع دلالة على ~~الصانع # فتبارك الله أحسن الخالقين ~~، وكل ~~شيء في العالم أراده الله لحكمة. وتظهر بعض العبارات الإيمانية، مثل: «إن شاء ~~الله». ويبدأ الكتاب بالبسملة، رب تمم بالخير، والحمدلة والشكر لله لكمال صفاته ~~التي تدل عليها جميع مصنوعاته، والصلاة على أنبيائه وصفوته وخلقه والصالحين من ~~عباده، وعلى نبيه محمد، والمنتمين الطاهرين. وهي صياغة تدل على تشيع المؤلف. ~~وينتهي الكتاب بدعوات الناسخ أن يغفر الله ذنوبه، وتاريخ ms205 النسخ 671ه. # 118 # | الفصل الثالث: تمثل الوافد مع تنظير الموروث # | أولا: يحيى بن عدي، والعامري، ومسكويه، وابن سينا # «تمثل الوافد مع تنظير الموروث» نوع أدبي ثالث، حالة افتراضية خالصة لا وجود لها ~~إحصائيا من حيث التعادل الكمي بين نتائج تحليل المضمون للوافد وتحليل المضمون ~~للموروث. هذا التعادل الإحصائي الكمي الدقيق لا وجود له تجريبيا، هذا النوع مجرد ~~معبر بين نوعين أدبيين متقابلين، تمثل الوافد قبل تنظير الموروث (الفصل الثاني)، ~~وتنظير الموروث قبل تمثل الوافد، وهو الفصل الأول من بداية التراكم الفلسفي (الباب ~~الثالث). ولا يعني التعادل التساوي الكمي المطلق، بل هو في الغالب أولوية تمثل الوافد ~~من حيث العمق؛ أي من حيث تردد بعض الأسماء، مثل ديسقوريدس أو جالينوس، وأولوية تنظير ~~الموروث من حيث الاتساع؛ أي عدد الأعلام المذكورة. تمثل الوافد عن طريق أسماء وأعلام ~~قليلة، وترداد الأول منها كثير، وتنظير الموروث عن طريق عدد أسماء أعلام كثيرة، وترداد ~~الأول منها قليل. وكان من الأفضل وضع حرف العطف «مع» أفضل من «و» بالرغم من إفادة كل ~~من الحرفين معنى التعادل دون أولوية أحدهما على الآخر. وقد يكون «مع» أكثر دلالة من «و» ~~حتى يتفق مع استعمالات حروف العطف الأخرى مثل «قبل» في «تمثيل الوافد قبل تنظير ~~الموروث» (الفصل الثاني)، أو تنظير المورث قبل تمثل الوافد (الفصل الأول من الباب ~~الثالث). ولم يستعمل حرف «بعد»؛ لأن الأولوية باستمرار للقبل على البعد في النوع ~~الرابع تنظير الموروث قبل تمثل الوافد (الفصل الأول من الباب الثالث). وليس تمثل الوافد ~~بعد تنظير الموروث حتى لا يكون المعيار باستمرار هو الوافد، سواء كان قبلا أو ~~بعدا. # وقد يدل عدم التناسب الكمي بين الأنواع الأدبية الست على مراحل التحول من النقل إلى ~~الإبداع؛ فبينما يبدو «تمثل الوافد» (الفصل الأول) صغيرا نسبيا، فإن «تمثل الوافد ~~قبل تنظير الموروث» (الفصل الثاني) يبدو ضعفه؛ نظرا لأنه يتعامل مع مصدري الفكر، ~~الوافد والموروث، وليس مع مصدر واحد. ويعود «تمثل الوافد مع تنظير الموروث» إلى الصغر ~~النسبي؛ لأنه مجرد حالة افتراضية ms206 لا وجود لها إحصائيا، مجرد ممر أو انتقال من «تمثل ~~الوافد قبل تنظير الموروث» (الفصل الثاني في التأليف) إلى تنظير الموروث قبل تمثل ~~الوافد (الفصل الأول في التراكم). # وبطبيعة الحال ألا يظهر هذا التعادل بين تمثل الوافد وتنظير الموروث قبل القرن الرابع ~~الهجري؛ نظرا لانشغال المترجمين والفلاسفة الأوائل إما بتمثل الوافد (الفصل الأول) أو ~~بتمثل الوافد قبل تنظير الموروث (الفصل الثاني)؛ فالتعادل بين المصدرين يحتاج إلى ~~معرفة متساوية للاثنين، وهو ما تم عند العامري ومسكويه وابن سينا في القرن الرابع ~~الهجري. ~~(1) يحيى بن عدي # ويبدو «تمثل الوافد مع تنظير الموروث» أيضا عند المترجمين؛ مما يدل على أن ~~الترجمة ليست فقط تمثلا للوافد قبل تنظير الموروث، بل إن تمثلها للوافد يعادل ~~تنظيرها للموروث؛ لأنها تعمل بين ثقافتين، تنقل النص من ثقافة الوافد إلى ثقافة ~~الموروث. # فمن رسائل يحيى بن عدي (364ه) «جواب عن كتاب أبي الجيش النحوي فيما ظنه أن ~~العدد غير متناه»، يظهر تعادل الوافد، فيثاغورس، مع الموروث، أبو الجيش النحوي. # 1 # يعتمد يحيى بن عدي على برهان فيثاغورس لإثبات أن العدد متناه، سواء ~~كان عن طريق الاتصال أو الانفصال، ثم يضيف دليلا جديدا يقوم على إثبات تناهي ~~الكمية. والعدد كمي؛ فهو إذن منتاه. ويضيف دليلا ثانيا يقوم على قسمة العدد ~~إلى زوج وفرد، وكلاهما نوع متناه. فالموروث يسأل والوافد يجيب. الواقع يثير ~~الشكوك، والوافد يعطي اليقين دون الاكتفاء بالنقل، بل بزيادة براهين العقل؛ فالعقل ~~هو الجامع بين الوافد والموروث. ~~(2) العامري # في «الأمد على الأبد» للعامري (381ه) يتصدر الوافد على الموروث في العمق، بينما ~~يتصدر الموروث على الوافد في الاتساع؛ فمن الوافد يتصدر ذو القرنين أو الإسكندر، ثم ~~فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو، ثم سقراط، ثم أرشميدس وديوجانس الكلبي وديمقراطيس ~~الطبيعي وأوميروس وجالينوس وإقليدس وسقراط الطيب وبرقلس الدهري ويحيى النحوي، حوالي ~~خمسة عشر علما. ومن الكتب يذكر فادن وطيماوس، ومن أسماء الشعوب يذكر اليونان ~~ثم رومي. # 2 # فالرسالة بهذا المعنى جمع بين أفلاطون وأرسطو ربما لصالح أفلاطون نظرا ~~لذكر محاورتين له، وفيثاغورث ms207 مؤسس المدرسة الأفلاطونية. ويتضح من العنوان أيضا نفس ~~الشيء الرغبة في الجمع بين الأمد والأبد؛ أي بين أرسطو الذي يمثل الزمان وأفلاطون ~~الذي يمثل الأبدية أو الخلود. وهي أيضا رسالة في فلسفة التاريخ التي تبزغ من تمثل ~~الوافد مع تنظير الموروث جمعا بين الفلسفة والكلام، تحاول الجمع بين التاريخ ~~والبنية، فالتاريخ هو الأمد، والبنية هي الأبد، بل إنها أقرب إلى البنية منها إلى ~~التاريخ؛ إذ لا يتجاوز التاريخ ثلاثة فصول من عشرين فصلا. كما يبدأ التنظير ~~المباشر للواقع في الظهور، ويتضخم على حساب الإقلال من الوافد في الاتساع ومن ~~الموروث في العمق. وتقسم عناوين العامري بهذا الإيقاع الثنائي الذي يدل على بداية ~~الإبداع وأولويته على العرض والتأليف، # 3 # مثل: الآبار والأشجار، الإفصاح والإيضاح، العناية والدراسة. ويحيل ~~العامري إلى باقي أعماله تأكيدا على وحدة المذهب، الإبصار والمبصر. # 4 # وأحيانا يكون حرف العطف «و» حرف جر «عن»، مثل الأبحاث عن الأحداث. ~~وأحيانا يتكون الجزء الثاني من إيقاعين جزئيين، مثل: الإبانة عن علل الديانة، ~~«الإعلام بمناقب الإسلام»، الإرشاد لتصحيح الاعتقاد، الإتمام لفضائل الأنام، ~~التقدير لأرجح التقدير، التبصير لأوجه التعبير. وأحيانا يتكون الجزء الأول والثاني ~~من إيقاعين، مثل: النسك العقلي والتصوف الملي، إنقاذ البشر من الجبر والقدر، ~~الفصول البرهانية للمباحث النفسانية، فصول التأدب وفضول التحبب، تحصيل السلامة من ~~الحصر والأسر. وتتميز عناوين برجسون أيضا بهذا الإيقاع الثنائي، مثل: المادة ~~والذاكرة، الفكر والمحرك، الطاقة الروحية، منبعا الأخلاق والدين، المعطيات البديهية ~~للوجدان، الديمومة والمعية. # وحكماء اليونان خمسة؛ أبنادفليس تلميذ لقمان، ولكنه لم يأخذ المعاد، قال بالمحبة ~~والغلبة، وله مذهب في صفات الباري، وكأنه متكلم أو فيلسوف، واختلط عليه أمر المعاد. ~~وفيثاغورس حكيم أخذ من لقمان، وأتى إلى مصر فأخذ الحكمة من أصحاب سليمان، وتعلم ~~الهندسة ونقلها مخلوطة بالطبائع والدين إلى اليونان، وادعى أنه استفادها من ~~النبوة. ويتفق العامري مع فيثاغورس باستثناء أن الحكمة قبل الحق، كما خالفه في شأن ~~المعاد. وأضاف العالم أربعة عشر قسما، أربعة أرضية (العناصر) وثمانية علوية. وأخذ ~~سقراط الحكمة من فيثاغورس، وهو ms208 زاهد خالف اليونان وحاججهم وقتل. وزاد على ~~فيثاغورس أن كل إنسان شريف بالحكمة. كما يتفق العامري مع سقراط إلا في موضوعين، أن ~~الله حكيم؛ أي إن الله حق، وأن السماء تصير بالكواكب في النشأة الثانية. وأخذ ~~أفلاطون الحكمة من فيثاغورس. جمع بين الإلهيات والطبيعيات والرياضيات. العالم أبدي، ~~مثل برقلس الدهري الذي ألف في أزلية العالم، ونقضه يحيى النحوي. وسبب اشتغاله ~~بالهندسة ظهور وباء على الأرض، فتضرع الناس إلى الله، وسألوا أحد أنبياء بني ~~إسرائيل، فأوحى له الله بناء مذبح على شكل مكعب فزاد الوباء لأنهم لم يضعفوه، ~~فقرر أفلاطون دراسة الهندسة. والمشهور عنه أن معرفة الشيء مشروطة بمعرفة الله. ~~وأرسطو معلم الإسكندر الذي حارب الشرك دفاعا عن التوحيد، وهو تلميذ أفلاطون، فحسن ~~قوله ورفع التناقضات فيها؛ فقد قال أفلاطون في «النواميس» إن للعالم مدبرا. وقال ~~في «قيدون» إن النفس لا تموت، وفي «طيماوس» إنها تموت. أوضح حقيقة الصواب في الصلة ~~بين الحكمة والحق، بين فيثاغورس وسقراط، أيهما أصل وأيهما فرع؟ له منطق وطبيعيات ~~وإلهيات، ولكن كتبهم محشورة بالرموز والألغاز حماية للناس منها، وإبعاد الكسالى ~~عنها، وتشحيذا للطبع. والمشهور عن أرسطو أنه قال إنه كان قبل اليوم يشرب ويظمأ، ~~فلما عرف الله، عز وجل، روي بلا شرب. هؤلاء الخمسة لا يحترمون من لا يقر ~~بالصانع، ولا يوقن بالثواب، ويعتبرونه ملحدا. عيبهم خلافهم مع الملة الإسلامية، ~~ولا يعترفون بالبعث والنشور، ولا يؤمنون إلا بخلود الأرواح؛ لذلك حكم الإسلام عليهم ~~بالبغي والضلال، ولكنهم آمنوا وبرهنوا على إثبات الصانع ووحدانيته، ونفي الند والضد ~~عنه. والطب والهندسة والتنجيم والموسيقى لعمارة البلاد، ترجمتها الألسنة. والبعض ~~أصحاب صنعة وليسوا حكماء، مثل: أبقراط الطبيب، هوميروس الشاعر، أرشميدس المهندس، ~~ديوجانس الكلبي، ديمقريطس الطبيعي. وليس كل من قرأ إقليدس يصبح حكيما. أما جالينوس ~~فطبيب وحكيم، ولكنه يشك في حدوث العالم والمعاد وخلود النفس. أما أوساخ الزنادقة ~~فيصطادون ضعاف العقول، ويوهمونهم بأنه لو كان الله موجودا لعرفتهم هذه العقول. ~~ويتهم الجدليون بالتعطيل والإلحاد. النية صادقة، ولكن اتهامهم بالتعطيل قد يؤدي إلى ms209 ~~تزيين الإلحاد وتفخيم الزندقة؛ مما يقوي حيل البرية على الضعاف من البرية. # 5 # وهذا كله «أسلمة» لليونان، ورؤية الآخر من منظور الأنا، وحكماء اليونان ~~ما هم إلا تلاميذ أنبياء بني إسرائيل؛ مما يجعل العامري تقليدي الاتجاه؛ فالعقيدة ~~أساس الحكمة. # ومن الموروث تتصدر آيات القرآن والأحاديث، ثم الأنبياء، آدم ثم موسى ثم سليمان ثم ~~المسيح ولقمان ثم الرسول وعيسى وإدريس (هرمس) ونوح وداود، والعذراء البتول وإبراهيم ~~وهود وأخنوخ. ومن تاريخ الأنبياء عاد وآدم وثمود. # 6 # فآدم يأتي أولا، وهو الأصل الذي اجتمعت فيه البشرية والنبوية؛ فلا ~~بشرية دون نبوة، ولا نبوة دون بشرية. وموسى هو النبي والقائد. وسليمان هو الحكيم. ~~ولقمان أول الحكماء، أخذ من الباطنية. ويؤسس العامري فلسفة للتاريخ ابتداء من ~~قصص الأنبياء، وهم في الغالب أنبياء بني إسرائيل. ولا يذكر من الحكماء إلا الكندي ~~والرازي الطبيب والبلخي وأبا معشر المنجم. # 7 # وينقد وصف الرازي بأنه حكيم مع أنه صاحب صنعة الطب. يقول بالقدماء ~~الخمسة. وكان أحمد بن سهل البلخي يرفض تسمية حكيم من يخرج على العقائد، وهو الموقف ~~السلفي الذي يتعاطف معه العامري. ولا يذكر الفارابي وهو الإشراقي. ومن الفرق يذكر ~~المعتزلة، وأصحاب الرأي، وأصحاب الحديث، والشيعة، والخوارج. # 8 # ويقول أهل الإسلام بالبعث والنشور والجنة، إلا المعتزلة التي ترى أن ~~النفوس الناطقة لا وجود لها بالحقيقة، والفلاسفة يهولون بها على العامة، وأنه ليس ~~للإنسان إلا ما يشاهده، وأن الحياة عرض، والموت ضدها، وأن البدن بعد انحلاله لا ~~حياة فيه ولا موت. والله يجمع البدن في النشأة الأخرى، ويخلق فيه الحياة، جنة أو ~~نارا. وهو رأي جمهور الإسلام أصحاب الرأي والحديث، والشيعة والخوارج. الأرواح ~~البشرية يتوفاها ملك الموت، تفارق الجسد، وتحاسب ثوابا أو عقابا. # ويظهر تاريخ الأمم السابقة، اليهود والنصارى، # 9 # أنبياء التوراة وشخصياتها، وغزو نبختنصر البابلي. # 10 # كما تذكر أسماء البقاع المحلية، مثل الشام ومصر، ثم بيت المقدس، ثم ~~القلزم وفلسطين. # 11 # وتظهر الثقافة الفارسية الشرقية أيضا، مثل فارس، ثم يزدجر بن شهريار، ~~ثم دارا وكيومرت وهرمزروز ومزوردين وزرادشت ms210 والمجوس، # 12 # بل تذكر الهند؛ فالغالب على الدهماء فيها أن الأجساد متى حرقت ~~بالنيران تخلصت الأرواح من المذلة والهواية. وتبدأ الرسالة كما تنتهي بالحمدلات والبسملات. # 13 ~~(3) مسكويه # وفي «اللذات والآلام» لمسكويه (421ه) يتساوى تقريبا الوافد والموروث. من الوافد ~~يذكر الحكماء والطبيعيون دون تحديد لاسم بعينه؛ فالتأليف يمكن دون أرسطو. ومن ~~الموروث فليسوف الإسلام علي بن أبي طالب؛ مما يدل على تشيع مسكويه، وآية قرآنية ~~واحدة، وعمار بن ياسر يخاطب عليا. # 14 # وهو موضوع أخلاقي مثل موضوعات الرازي دون إحالة إلى الفارابي، وهو ~~فيلسوف الإنسان. وليس سؤالا فقهيا كما هو الحال في «النفس والعقل»، بل تأليف ~~مباشر. عند الحكماء الطبيعة عالم الآلام؛ لأنه عالم الحركة، في حين أن عالم العقل ~~هو عالم اللذات؛ لأنه عالم السكون؛ فالحركات آلام، والسكنات لذات. كما قالت الحكماء ~~إن لذة الخالق بذاته وفرحه وسروره بها لا تقارنها لذة أخرى أو فرح آخر، ولذة ~~الفضلاء هي الثواب الموعود، والمقام المحمود في دار الخلود التي دعا إليها الأنبياء ~~وأثبتها الحكماء. وعند الطبيعيين اللذة رجوع إلى الحالة الطبيعية، ولا تصح في ~~الأمور النفسية أو الإلهية. # 15 # ومن الموروث يستشهد مسكويه بقولين لفيلسوف الإسلام علي بن أبي طالب؛ الأول: أن ~~اللذات خادعة؛ لأنها ليست طريقا إلى الله، وفي الأمور الطبيعية خدعة للحيوان، مثل ~~السفسطة والدواء المر المحلي للصبيان؛ فتزين المرأة أحسن شيء فيها وهو وجهها، ~~وتريد أقبح شيء فيها وهو فرجها. والثاني: أن لذات الدنيا خمس؛ مأكول، وأفضله ~~العسل، وهو في ذبابة. ومشروب، وأفضله الماء، وهو أهون موجود. وملبوس، وأفضله ~~الديباج، وهو لعاب دود. ومشموم، وأفضله المسك، وهو دم فارة. ومنكوح، وأفضله مبال ~~في مبال. أما المبصرات والمسموعات فهي من ملذات الآخرة، تعرف في الدنيا تشوقا ~~لها في الآخرة. ولكن ألم تصور الجنة أيضا على أنها لذات حسية من المأكول ~~والمشروب والملبوس والمنكوح والمشموم؟ أليس المسموع والمرئي من محرمات الدنيا ~~والموسيقى والرقص؟ وماذا عمن لا يذوق العسل ولا يحبه؟ ولماذا الماء أهون موجود وهو ~~ينحت الجبال ويولد الطاقة؟ ولماذا احتقار ms211 الدنيا إلى هذا الحد؟ وهل يمكن أن يقال ~~ذلك للفقراء؟ ومن الموروث تذكر آية قرآنية واحدة عن لذة المعرفة الإلهية # في مقعد صدق عند مليك مقتدر ~~، بالذوق ~~المباشر، بالتخلي عن العلائق، والانقطاع عن الدنيا، والتوجه نحو الكمال والغاية. ~~وتبدأ الرسالة بالبسملة، وتنتهي بالحمدلة والصلاة والسلام على محمد النبي ~~وآله. # وآليات الإبداع في «اللذات والآلام» بسيطة، # 16 # تقوم على القدرة على رؤية الأمور بعين الوحدة، والذهاب إلى ما وراء ~~الألفاظ بعد عرض الآراء المختلفة كما فعل الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين»، ~~وفي نفس الوقت القدرة على تصور الحياة، ارتقاء، ونشأة، وتطورا، واكتمالا، بداية ~~بعالم الكون والفساد والحركة، وتوسطا بعالم الشهوة والنزاع والمحبة والعشق، ~~ووصولا إلى عالم اللذة والكمال، اثنان فأربعة فاثنان. عالم الطبيعة هو عالم كمال ~~الآلام، وعالم العقل هو عالم اللذات. والموجود بالنسبة للمعشوق ثلاث مراتب: ما لا ~~يعطى، وهو الجماد والنبات والحيوان. وما يعطى بالقوة، وهو الإنسان. وما يعطى ~~بالفعل، وهو الملاك. والرسالة كلها خطاب في البيان. # 17 ~~(4) ابن سينا ~~(أ) وفي رسالة «إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم» لابن سينا (428ه)، يذكر ~~أرسطو، ثم أفلاطون، ثم فيثاغورس وسقراط والإسكندر. فقد عذل أفلاطون أرسطو لإذاعته ~~الحكمة وإظهاره العلم، حتى قال: اعترف أرسطو أنه بالرغم من أعماله العديدة إلا أنه ~~ترك فيها مهاوي كثيرة لا يقف عليها إلا الخاصة من العلماء والعقلاء. وهو ما قاله ~~الفارابي من قبل في الجمع بين رأيي الحكيمين. ولا تهم الحقيقة التاريخية؛ ~~فأفلاطون سابق على أرسطو؛ وبالتالي يستحيل تعذيله وتوبيخه لإذاعته الحكمة، بل تهم ~~الدلالة، وهي أن الحكمة لا يقدر عليها إلا الخاصة دون العامة، كما صرح الغزالي من ~~قبل في «المضنون به على غير أهله»، و«إلجام العوام عن علم الكلام»، بل هو إجماع ~~العلوم الإسلامية كلها، الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، هي علوم للخاصة وليست ~~للعامة، علوم التنزيه في الكلام، والتأويل في الفلسفة، والذوق في التصوف، ~~والاستدلال في الأصول. ويذكر أفلاطون وفيثاغورس وسقراط وفلاسفة يونان في هذا ~~السياق؛ فقد قال أفلاطون في كتاب «النواميس» بضرورة ms212 تأويل رموز الرسل حتي ينال ~~الملكوت الإلهي. وقد استعمل فلاسفة يونان وأنبياؤهم المراميز والإشارات. وهنا ~~يوسع ابن سينا مفهوم الفلسفة ليشمل النبوة، ويضم الأنبياء إلى فلاسفة يونان، ~~قراءة للنفس في الآخر، وإكمالا للآخر بالنفس. ويميز ابن سينا بين كتاب ~~«النواميس» الرمزي الإشاري الصوفي النبوي، وكتاب «السياسة»؛ أي «الجمهورية» لأفلاطون. # 18 # الأول للخاصة والثاني للعامة. الأول أقرب إلى الموروث، فيتم تعشيق ~~الاثنين فيه، والثاني أقرب إلى الوافد. ويظهر المصطلح الفلسفي الجديد مثل المراميز ~~جمعا لرمز. واعتبر فلاسفة اليونان وحكماؤهم، مثل فيثاغورث وسقراط وأفلاطون، أقرب ~~إلى الأنبياء والرسل لما في أقاويلهم من رموز وإشارات. كما يستشهد بأرسطو لشرح اسم ~~النور الذاتي وليس المستعار؛ أي أرسطو العالم الطبيعي، والمستعار من اللغة العربية. ~~ويدافع عن أرسطو ضد سوء تأويل الإسكندر الأفروديسي بجعل العقل الكلي الإله الحق ~~الأول. كما يستشهد بأرسطو في آخر كتاب «سمع الكيان»، أن نهاية الموجودات الجسمانية ~~الفلك التاسع، فلك الأفلاك، وأن الله هناك وعليه لا على حلول. ففي موضوع موروث مثل ~~الألوهية والنبوة يظهر اليونان؛ إذ إنهم يمثلون ثقافة العصر واستعمالها من أجل ~~موضوع موروث، كما تستعمل الآن ثقافة العصر في العلوم السياسية من أجل علم الكلام ~~السياسي والشريعة والقانون والاجتماع والعلوم الإنسانية بوجه عام. # 19 # ومن الموروث يتصدر القرآن والحديث القدسي، ثم اسم محمد والنبي. # 20 # ولا يظهر متكلم أو فيلسوف أو صوفي أو أصولي أو فقيه أو مفسر أو ~~محدث. يتعامل ابن سينا مع الأصول الأولى وحدها لتنظيرها وكأنها موضوعات، وكأن ~~علوم الحكمة أصبحت بديلا عن علوم التفسير. الآية الأولى هي آية المشكاة # الله نور السموات والأرض ~~، يستعملها الصوفية، ~~ويفسرها الغزالي، ويمكن من خلالها عرض نظرية المعرفة الإشراقية، شرح كلمة كلمة ~~وعبارة عبارة. # 21 # والآية الثانية # ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية ~~. وتتضمن صورا فنية لموضوع غيبي قريب الشبه ~~بموضوع الاستواء في علم الكلام؛ فالعرش نهاية الموجودات المبدعة الجسمانية، وليس ~~كما يقول أنصار التشبيه من المتشرعين، أي الفقهاء، من حلول الله فيه وجلوسه عليه. ~~نهاية الموجودات الجسمانية الفلك التاسع، ms213 فلك الأفلاك؛ ومن ثم فلا حلول كما بين ~~أرسطو. وهنا يستعمل أرسطو دفاعا عن التنزيه. أما الحكماء الفقهاء فقد أجمعوا على ~~أن العرش هو هذا الجرم، وأن الفلك يتحرك بالنفس حركة شوقية؛ لأن الحركات إما ~~ذاتية وإما غير ذاتية، والذاتية إما طبيعية وإما نفسية؛ فنفسه ناطق كامل فعال، ~~والأفلاك لا تفنى ولا تتغير، كما ذاع في الشرع أن الملائكة أحياء، فهي مثل الأفلاك؛ ~~ومن ثم صح أن العرش محمول على الأفلاك الثمانية. والحمل نوعان؛ بشري من حامل ~~ومحمول، وطبيعي كحمل الماء على الأرض والنار على الهواء، وهو المقصود بحمل العرش ~~دون التماس. وتحديد الحمل بالساعة والقيامة لأن من مات قامت قيامته. ولما كانت ~~النفس الإنسانية مفارقة ارتبطت بوقت المفارقة، الوعد والوعيد. يحول ابن سينا ~~الكلام إلى الفلسفة، والشرعيات إلى كونيات ، ويفسر الاستواء على العرش بالأفلاك، ~~ويعتمد على النقل والعقل مفسرا الشرع بالشرع، والنص بالنص، والكتاب بالسنة. وفي ~~نفس الوقت يثبت المعاد، الوعد والوعيد والثواب والعقاب. يؤكد على الزمان في ~~«يومئذ»، ويهرب من المكان في «فوقهم». لم يتخل ابن سينا عن التصور المكاني ~~كلية؛ فالعرض نهاية الموجودات المبدعة الجسمانية، فهل هو أول الخلق أم آخره؟ ~~مخلوق أم غير مخلوق؟ وأين كان الله يستوي قبل الخلق؟ وإذا كان العرش قديما فهل ~~يوجد قديمان؟ وهي مسائل نظرية لا حل لها إلا في التأويل المجازي كما قال المعتزلة، ~~أو في الصورة الفنية والتخييل كما قال الحكماء دون الوقوع في تأسيس علم كلام فلسفي ~~جديد، بالرغم من السخرية من علم الكلام القديم عند المتشبهة والمتشرعة. # 22 # ويفسر ابن سينا الآية الثالثة # عليها تسعة ~~عشر # بأن الجحيم هي النفس الحيوانية، باقية دائمة في جهنم، وهي ~~قسمان: إدراكية وعملية. والعملية قسمان: شوقية وغضبية. وهي تصورات الخيال، ~~المحسوسات بالحواس الظاهرة الستة عشرة، والقوة الوهمية حاكمة على تلك الصور حكما ~~غير واجب، واحدة ذاتيا فيكون المجموع تسعة عشر. يحاول ابن سينا إيجاد التجارب ~~الإنسانية المقابلة للأعداد، سواء الثمانية السابقة أو التسعة عشرة الحالية. تصف ~~الآية واقعا إنسانيا كما هو ms214 الحال في تحقيق المناط عند الأصوليين. يلجأ ابن سينا ~~إلى هذه الموضوعات الغيبية التي تسمح بالتأويل الفلسفي كما تفعل الصوفية. الجحيم هو ~~الجهل، والنعيم هو العلم. وهو تأويل يفيد مجتمعات الجهل التي تريد أن تتحول إلى ~~مجتمعات العلم. أما الملائكة، فهي القوة اللطيفة غير المحسوسة، صورة فنية للتعبير ~~والتأثير. ويبدأ ابن سينا الآية بأنها ما بلغ النبي محمدا عن ربه، ثم يئولها ~~تأويلا إنسانيا؛ فالإلهي إنساني على مستوى التبليغ والفهم كما يقول المعاصرون؛ ~~لذلك يذكر اسم النبي محمد، ويصلي ويسلم عليه في التبليغ، وصحة دعوته للعاقل، وفي ~~إيصال رسالته إلى العرب الأجلاف. # 23 # والحديث القدسي الأول «إن للنار سبعة أبواب وللجنة ثمانية أبواب» تبليغ من الله ~~إلى النبي؛ فالأشياء المدركة إما مدركة للجزئيات، الحواس الخمس الظاهرة، ثم إدراك ~~الصور مع المواد أو بدون المواد في خزانة الحواس، وهو الخيال، وقوة حاكمة عليها ~~حكما غير واجب وهو الوهم، وقوة حاكمة عليها حكما واجبا هو العقل؛ فهذه ثمانية ~~إذا اجتمعت أدت إلى السعادة السرمدية والدخول في الجنة، وإن نقصت إحداها أدت ~~إلى الشقاوة السرمدية والدخول في النار. وفي اللغة المؤدي إلى الشيء يسمى بابا؛ ~~لذلك سميت أبوابا، السبعة المؤدية إلى النار والثامنة المؤدية إلى الجنة. وإذا ~~كان العدد الرمزي سبعة، فلماذا زيد واحد في الجنة؟ ولماذا أخذ ابن سينا ثلاث حواس ~~باطنية فقط ولم يأخذ الخمسة كلها مثل التذكر والحس المشترك؟ وهو أيضا موضوع غيبي ~~يمارس فيه ابن سينا منهجه في التأويل بتحويله إلى دلالات إنسانية قياسا للغائب ~~على الشاهد. لقد استطاع ابن سينا تحويل النصوص إلى تجارب إنسانية ومعاني عقلية على ~~أوسع نطاق من العمومية والشمول، ولكن ظل التأويل مرتبطا بثقافة العصر، علم الفلك ~~القديم، وعلم النفس، وطرق المعرفة القديمة. فإذا ما تغيرت ثقافة العصر تغير ~~التأويل. وهل يمكن تجاوز تشخيص الطبيعة إلى الإنسانيات مباشرة وإعطاء تأويل إنساني ~~عام لكل العصور، أم أن التأويل بطبيعته فهم للنصوص في ثقافة كل عصر؟ # ويئول ابن سينا الحديث القدسي الثاني «إن على النار صراطا ms215 صفته أنه أحد من ~~السيف وأدق من الشعر، ولن يدخل أحد الجنة حتى يجوز عليه؛ فمن جاز عليه نجا، ومن ~~سقط عنه خسر» كمناسبة لتحويل الغيبيات إلى مشاهدات، والوحي إلى تجارب إنسانية. # 24 # وهي صورة فنية للعقاب ودون فهم العقاب أولا. وبدون التجربة الإنسانية ~~لا يمكن فهم الصورة الفنية المتضمنة في النص. الصورة الفنية وسيط بين الوعي ~~والنص، بها من الوعي الشعور أو الخيال، وبها من النص الحروف والكلمات. الثواب هو ~~البقاء في العناية الإلهية الأولى، ولا يحصل إلا بعد الكمال العلمي والعملي، وذلك ~~عن طريق مجاهدة النفس الحيوانية في أفعالها العملية وإدراكاتها العلمية. ويكون ~~الهلاك بمطابقة الوهم للقوى الحيوانية في غيبة الحواس، وتكون النجاة بمطابقة العقل ~~للصور العقلية الشريفة. ويمكن على هذا الأساس فهم الجنة والنار؛ فالعوالم ثلاث: ~~عالم حسي، وعالم خيالي ووهمي، وعالم عقلي. العالم العقلي هو المقام في الجنة، ~~والعالم الخيالي الوهمي هو الحطب، والعالم الحسي هو القبور. ولما كان العقل في حاجة ~~إلى استقراء الكليات من الجزئيات، فإنه يحتاج إلى الحس الظاهر الذي يقدم المحسوسات ~~إلى الخيال والوهم. وهذا هو طريق جهنم، الصراط الدقيق. فإذا توقف الإنسان ولم ~~يتجاوز الوهم والخيال إلى العقل وقف على الجحيم وسكن في جهنم. يحول ابن سينا ~~الأخرويات من مستوى الكونيات إلى مستوى المعرفة؛ فالصراط ليس شعرة حسية، بل طريق ~~للمعرفة يؤدي إلى الوهم أي إلى النار، أو إلى العقل أي إلى الجنة. التأويل إذن هو ~~إرجاع الخارج إلى الداخل، والموضوع إلى التراث، والشيء إلى المعنى، والواقع إلى الفكر. # 25 # لقد توجهت علوم الحكمة إلى السمعيات كي تحيلها إلى عقليات متجاوزة ~~علم الكلام، محولة الصور الفنية إلى علوم نظرية وسلوك عملي، ومتجاوزة المصادفة ~~والسير على الصراط عندما تتكافأ الأدلة، وكأن المؤمن بهلوان تساعده الملائكة كي ~~يقع في الجنة أو تدفعه الشياطين كي يقع في النار. وقد اختار ابن سينا الآيات ~~القرآنية والأحاديث القدسية من نفس النوع الغيبي الأخروي الذي يسمح له بالتأويل ~~الإشراقي، وليس الآيات والأحاديث العملية التي تنفع الناس في ms216 الدنيا، وكما نحتاج ~~هذه الأيام في مجتمعات الضلال والتخلف. حول ابن سينا الأخرويات إلى إنسانيات، ~~الثواب والعقاب، السعادة والشقاء. ~~(ب) وفي «سر القدر» ذكر الحكيم تحولا من الشخص إلى الرمز، وأفلاطون في المقدمة ~~الثالثة، إثبات المعاد للنفوس وليس في المقدمتين الأوليين، نظام العالم وحديث ~~الثواب والعقاب. ينكر الحكيم وجود الشر القصدي في العالم على عكس الخير؛ فالشر ~~إعدام وليس وجودا. وهي نظرة متفائلة تشبه نظرة الإسلام، على عكس أفلاطون الذي ~~يرى أن الشر والخير مقصودان استشهادا بالآية القرآنية # يا ~~أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ~~ربك راضية مرضية # كمقدمة نقلية؛ فالموروث وعاء للوافد، ~~والوافد مادة للموروث ومضمون لها. ولا يستشهد بالقرآن إلا في المقدمة الثالثة بعد ~~الأولى في نظام العالم، والثانية حديث الثواب والعقاب، إثبات المعاد للنفوس؛ ~~فالمعاد دعوة للنفس المطمئنة. ويعود ابن سينا إلى المسألة الصوفية التي سئل عنها ~~«من عرف سر القدر فقد ألحد» إلى الأصل في الحديث «القدر سر الله، ولا تظهروا سر ~~الله»، بصرف النظر عن صحة السند أو المتن، مع أن صيغة «ما روي»، وليس حديث الرسول ~~أو قال الرسول، تشكك فيه. والأقوال الثلاثة المنسوبة إلى علي تحتمل الشك أيضا؛ ~~إذ إنها تدور حول نفس المعنى بصياغات أدبية متعددة مما قد يكشف عن الإبداع الذاتي، ~~الفكرة التي تخلق صورها. وقد يدل استشهاده بعلي ثلاث مرات على تشيعه. كما يستشهد ~~بحديث أو قول مأثور «اعملوا فكل ميسر لما خلق الله». وتظهر بعض التعبيرات ~~القرآنية تعبر عن المخزون الأدبي لابن سينا، كما تظهر العبارات القرآنية وأساليبه ~~في الخطاب مثل الشراب الطهور، وضرب الأمثال، ولا يسأل عما يفعل، وكل شيء هالك إلا وجهه. # 26 # | ثانيا: ابن باجه # (1) الرسائل # ويقع كثير من رسائل ابن باجه في هذا النوع، التعادل بين تمثل الوافد وتنظير ~~الموروث، مثل: ~~(أ) «ومن كلامه ما بعث به لأبي جعفر بن يوسف بن حسداي»؛ # 1 # فقد ذكر من الوافد بطليموس، ثم أرسطو والإسكندر، ثم ثامسطيوس. ومن ~~الكتب يحال إلى السماع الطبيعي والكون والفساد. ومن أسماء الفرق يذكر ms217 المفسرين. # 2 # ويرد ابن باجه على من زعم أن ما أتى به أرسطو في الحركة والمحرك ليس ~~برهانا، كما يضع ابن باجه نسقا لأرسطو كله في موضوع واحد غير مؤلفات أرسطو، كما ~~فعل في حد الأضداد الفاعلة والمنفعلة. وتبدو أهمية السابعة والثامنة في السماع أن ~~بها نظرية الحركة والمحرك، خاصة المحرك الأول الذي لم يرد أرسطو بيانه بإطلاق ~~كما توهم المفسرون، بل المحرك الأول بالإضافة إلى حركة مفروضة. يستشهد ابن باجه ~~بأرسطو بعد الدراسة وليس قبلها؛ تدعيما لموقفه وليس نقلا عنه. لم يكن غرض أرسطو ~~ذكر المحرك بإطلاق؛ أي إن غرضه لم يكن الإلهيات، بل الطبيعيات. وأكمله المسلمون ~~كعلم مستقل لدرجة اعتبرها المفسرون خارج العلم، وهو ما صرح به ابن باجه في ~~المقالتين السابعة والثامنة ونقد ثامسطيوس وجالينوس في خلطهما معنى المحرك عند ~~أرسطو. وهو نفس موقف ابن رشد فيما بعد مع اختلاف التفاصيل. # 3 # وقد دافع الإسكندر عن أرسطو، وزعم الناس أنه في الحركة والمحرك لم يأت ~~ببرهان؛ لأن البرهان منطقي؛ أي أن تكون أجزاء القياس، أي الحدود الوسطى، بالعرض. ~~وينقد ابن باجه الإسكندر، ويجعل الحد الأوسط ذاتيا. ويحيل إلى «السماع الطبيعي» ~~بعد أن تحول الكتاب إلى موضوع مستقل عن صاحبه، وبعد أن تحول إلى علم دون كتاب، ~~والعلم مشاع بين الجميع. ويحيل إليه مسألتين رئيسيتين تؤخذ منهما المسائل الأخرى، ~~حد الأضداد الفاعلة والمنفعلة، وحد أرسطو لها حدودا متأخرة في الكون والفساد، كما ~~يحلل ابن رشد الموضوعات بالإحالة إلى كل طبيعيات أرسطو. ويشير ابن باجه إلى ~~الموروث الناقد للوافد، مثل الشكوك على بطليموس لابن الهيثم، استئنافا للتراكم ~~الفلسفي. # ويظهر الموروث في اسم الرسالة، حسداي؛ فاليهود جزء من الأمة. # 4 # وتدل المراسلة مع ابن حسداي على التعايش السلمي بين المسلمين واليهود ~~في الأندلس، والصداقة بين الفيلسوفين في مجتمع ديني يقوم على الوحي بلا تمييز بين ~~مراحله، بل ويقدر تراث المجتمع الوثني الديني السابق، وهو في حد ذاته موقف إبداعي. ~~ويتصدر الزرقالة، ثم ابن حسداي وابن الهيثم وأبو نصر. ويحال إلى ms218 كتاب الشكوك على ~~بطليموس لابن الهيثم، وإلى مكان تأليف الرسالة، إشبيليا. # 5 # والزرقالة بطليطلة معروف بولد الزرقيان أو ولد الزرقيال في الأرصاد ~~والكواكب والأفلاك والآلات النجومية. وله صحيفة الزرقيال التي لم يفهمها المشرق. ~~وينقد ابن باجه نقد الزرقالي وابن الهيثم لبطليموس. والموضوع علمي يضع فيه ابن باجه ~~تجاربه الشخصية، وهو على وعي بمنظوره، وينقسم إلى موضوعات متقطعة انعكست على طريقة ~~التأليف في فقرات متقطعة. # 6 # ويصرح ابن باجه بأنه تعلم عن الفارابي المنطقي ضروب البرهان. وقد ~~تعلم منه ذلك متأخرا بعد الرياضيات والفلك والموسيقى. وينقد ابن باجه الزرقالة ~~إبراهيم بن يحيى الأندلسي بأنه لم يكن من أهل صناعة الهيئة، بل كان يقول فيها بحسب ~~سوانحه ولوائحه؛ فتضطرب أقواله، ويكثر الكلام فيما لا معنى له؛ لذلك ناقض ~~بطليموس. فالزرقالة نموذج البعيد عن الصناعة بالرغم من كتابته مقالا يبطل فيها ~~طريق بطليموس في استخراج البعد الأبعد لعطارد. فهو نموذج الهاوي في العلم لا ~~المتخصص. ينقد ابن باجه الموروث قدر تعامله مع الوافد. الزرقالة غير عميق في الفلك، ~~ذاتي غير موضوعي، ذو كلام مضطرب، كثير الكلام بلا دلالة، يذهب عليه بعض معاني ~~العلم، ويناقض بطليموس. ويدافع ابن باجه عن بطليموس في حين أن ابن رشد ينتصر ~~لأرسطو وينتقد بطليموس في مقالة اللام. يطهر ابن رشد الأصل الوافد، ويطهر ~~ابن باجه العلم الوافد؛ فالعلم ليس الإشراق، ومع ذلك يوضح الإشراق العلم. العلم ~~من الذات لا من الموضوع، من الداخل لا من الخارج. العلم تصوف العلم. يعيد ابن باجه ~~تأويل العلم الطبيعي في الأندلس تأويلا صوفيا، فكيف يقال إن مشروع الغرب ~~الإسلامي كان عقلانيا وفيه ابن باجه وابن عربي ومدرسة ابن مسرة و«زهر» في التصوف ~~اليهودي؟ وخطأ الزرقالة هو خطأ ابن الهيثم، بل إن ابن الهيثم أسوأ من الزرقالة ~~وأبعد عن صناعة الفلك. ينقد ابن باجه موقف ابن الهيثم من بطليموس. ابن الهيثم مثل ~~الزرقالي في نقده لبطليموس، مع أن الهيثم أوضح والزرقالي مشوش. لم يقرأ ~~ابن الهيثم الصناعة إلا من أسهل الطرق، بل إنه ms219 أبعد منها عن الزرقالة؛ ربما لأنه ~~بصري وليس فلكيا. ربما لم يكن لديه وقت أو نقله عن غيره، وكأن ابن باجه يجد له ~~الأعذار. المهم هو تحليل التراكم التاريخي الفلسفي والعلمي، ووضع الوافد والموروث ~~في وعي تاريخي واحد، ولا يوجد هجوم مماثل على الداخل على الأشعرية والكلام ~~والإشراق عند ابن سينا. وتظهر البيئة الجغرافية المحلية، مثل إشبيليا مدينة تعلم ~~صناعة الموسيقى. ~~(ب) وفي «من كلامه على إبانة فضل عبد الرحمن بن سيد المهندس» يظهر من الوافد ~~أبولونيوس مع كتابه في المخروطات، وإقليدس وليس أرسطو. # 7 # ويقارن ابن باجه بين توليد القطوع عن ابن سيد والمخروط عند إقليدس في ~~آخر المقالة العاشرة من كتابه، بين الموروث العلمي والوافد العلمي. كما ينقد ~~أبولونيوس؛ لأن البرهان بين أن التماس لا يكون بإحدى الجهتين اللتين ذكرهما ~~أبولونيوس. ويذكر ابن باجه محيلا إلى المقالة الأولى من «المخروطات» دون ذكر اسم ~~مؤلفه أن كل سطح يلقى بسيط مخروط ولا يمر برأسه يقطعه، وغير ذلك من المسائل ~~الرياضية. # ومن الموروث يذكر ابن سيد، ثم ابن الإمام وابن الصائغ وابن النضر، مع ذكر مكان ~~إشبيليا. ويحكم ابن باجه على الداخل مع احترام كامل للآخرين دون إزاحتهم كما يفعل ~~المغاربة المعاصرون. وهو موضوع رياضي ينتمي إلى المرحلة الأولى، ويتضح ذلك من ~~المرسل إليه، وهو من أهل بلنسيا، عالم بالحساب والعدد والهندسة. ويستأنف ابن باجه ~~ما قام به ابن سيد المهندس من قبل بعد أن استأنف ابن سيد نفسه تراث المهندسين ~~قبله، ولكنه كان أقرب إلى الاتصال معهم دون أن يطور الموضوع وينقله نوعيا ربما ~~لعوائق عصره، أو لعمله بمفرده مما يحتاج إلى تطوير وإكمال. ومع ذلك استطاع ابن سيد ~~أن يختص بشيء جديد بالإضافة إلى تراث القدماء، وهنا يدخل ابن باجه لاستئناف ~~الجديد، فالتراكم التاريخي شرط الإبداع. ~~(ج) وفيما «كتب - رضي الله عنه - إلى الوزير أبي الحسن ابن الإمام» يبدو الوافد ~~أولا في إقليدس، ثم ثامسطيوس وأرسطو والإسكندر وأبولونيوس وشاعر اليونان. ومن ~~الكتب يحال إلى نيقوماخيا والبرهان وبارمنياس. # 8 ms220 # والموضوع بين الرياضيات والمنطق. وذكر ابن باجه السياق التاريخي له؛ ~~مما يدل على أنه يدرس موضوعا ولا يشرح قولا. وتبدو أهمية العلة الغائية، كما تظهر ~~القيمة في المنطق. ويبين ابن باجه كيف لخص أرسطو موضوع الروية والاستعداد، ~~نشأتها وكمالها في السادسة من نيقوماخيا بالرغم من صعوبة وجود صناعة محدودة ~~للارتياض، أو إيجاد أسماء للأفعال الرياضية والتجريب من أصنافها. ويرى ابن باجه أن ~~وجود الفكرة البرهانية والروية في كل إنسان لم تلحقه آفته وله قوة على قبولها، وهي ~~بالاكتساب. ويستشهد بثامسطيوس أنها قد توجد لبعض الناس بالطبع في القياس في ذوي ~~الفطر الفائقة. ويستشهد بتسمية الإسكندر القياس الصادق البرهان المنطقي، وهو الذي ~~يستلزم الحد الأوسط، ويكون ما به قوامه، وإلا كان القياس مجرد دليل ليس ما به ~~قوامه. ويضرب المثل من إقليدس على أن الأقاويل الهندسية أمور بالعرض سهوا وتسامحا ~~من المهندس، مثل أن ضلع المسدس إذا اتصل بضلع المعشر انقسم الخط على نسبة ذات ونسبة ~~طرفين. وهو قلما يوجد في كتب المهندس، إنما تسامح إقليدس في ذلك أو فات عليه لتلازم ~~وجود ضلع المسدس ونصف القطر بالتكافؤ لزوم الموجود؛ فإقليدس موضع نقد، قد يخطئ عن ~~قصد أو عن غير قصد. ويبين ابن باجه حد الخطوط الصم، وهو الموضوع الذي يتعرض له ~~إقليدس في المقالة العاشرة من كتابه. كما يبين القطاع الثلاثة كما فعل أبولونيوس ~~في أول كتابه عن المخروطات لأن الحدين لم يكونا واضحين. مهمة ابن باجه إذن توضيح ~~الوافد العلمي؛ فهو الدارس، والوافد المدروس. وهو على علم بمطالب الموروث وبمكانه ~~في الوافد على وجه الدقة، وليس فقط بالإحالة إلى مقالات الكتاب. # ويبرز ابن باجه الطابع المحلي اليوناني للوافد في ضرب الأمثلة على أن المهندس ~~الذي ليست له القوة على صنعة براهينها، واقتصر على حفظها، يصبح مثل الكتاب المبسوط ~~كما قال شاعر اليونان على طريق التشبيه. ويحيل الموضوع إلى كتاب البرهان وإلى كتاب ~~بارمنياس، وكأنهما مرجعان سابقان وتراث سابق يحال إليه دون تكراره. # ويظهر الموروث في العنوان بالإضافة إلى ابن ms221 سيد وأبي نصر وامرئ القيس، والإحالة ~~إلى أشعار العرب ونحويي العرب وشرح الخطابة من الوافد الموروث عند الفارابي. # 9 # يكشف ابن باجه حقيقة الظنون التي قيلت عن الفارابي، مثل أن الأقاويل ~~الرياضية بلاغية، ويكشف عن سوء تأويل شرح الفارابي كما يفعل ابن رشد مع شراح أرسطو. ~~وكان ابن سيد قد استخرج بعض البراهين من نوع هندسي لم يشعر بها أحد من قبله دون أن ~~يدونها، بل لقنها شفاها لاثنين؛ الأول استشهد في الجهاد، والثاني ابن باجه ~~الذي استخرجها وزاد عليها، وأضاف إليها مسائل برهن عليها وهو في السجن للمرة ~~الثانية. وكتب عنها إلى الوزير دون تفصيل إتماما لابن سيد واعترافا بفضله؛ ~~فالمحرك الأول له الفضل على المحرك الثاني. ويكشف السياق عن اشتراك العلماء في ~~الجهاد ضد الأعداء في الخارج حتى الاستشهاد، وضد الأمراء في الداخل حتى السجن ~~والاعتقال، وعن الأمانة العلمية لابن باجه في الاعتراف بفضل القدماء ونسبة الحق ~~إليهم دون نسبته إلى نفسه، واستعمال مصطلح المحرك الأول، وهو تصور ديني، كتشبيهات ~~في تحليل الحركة في الطبيعيات. ويظهر الشعر العربي كمادة محلية موروثة؛ فنسبة ~~المنطق إلى الرياضة كنسبة النحو إلى الشعر والخطابة. المنطق نحو الفكر، والنحو منطق ~~اللغة؛ لذلك يروض النحاة المتعلمين بإعراب أشعار العرب، كشعر امرئ القيس ~~وغيره. ~~(د) وفي «النفس النزوعية» من الوافد يذكر أرسطو، ويحال إلى الثامنة من السماع ~~الطبيعي، ثم إلى السماء والعالم والحيوان. # 10 # والموضوع رياضي طبيعي استبعادا للإلهيات وكأنها انحراف عن المنطق ~~والطبيعة. ويعود ابن باجه إلى الكندي متجاوزا إشراقيات الفارابي وابن سينا؛ مما ~~ساعد مهمة ابن رشد في العودة إلى العقل والطبيعة أساسا للوحي. المشروع الفلسفي في ~~المشرق العربي عند الكندي هو نفسه المشروع الفلسفي في المغرب العربي عند ابن باجه ~~وابن رشد، حصارا لإشراقيات الفارابي وابن سينا في الشرق، وابن طفيل في ~~الغرب. # وابن باجه هو الدارس للشيء والرائي له، والاستشهاد بأرسطو هو إرجاع قوله إلى ~~الشيء المرئي عند ابن باجه. الموروث يوضح الوافد ويؤكده. ويحيل إلى الثامنة، ~~ويفهم أنها من السماع ms222 الطبيعي؛ فقد أصبح كل مقال موضوعا توخيا للدقة وتمييزا ~~للموضوعات عن الكتب. لكل متحرك محرك، ومحركه غيره؛ ومن ثم تتوالى أجناس المحرك. ~~ويحيل إلى السادسة في أن الحركة لا أجزاء لها. كما يحيل إلى الثامنة في أن ~~الجمادات ليست تفعل بل تنفعل. ويحيل إلى الخامسة وإلى الأولى من السماء والعالم ~~وإلى الحيوان. ابن باجه هو الدارس، ثم يتبين قول أرسطو بإظهار ابن باجه الشيء ~~المدروس. # ومن الموروث يحال إلى أبي نصر وكتاب الموجودات المتغيرة، كيف يصير ما بالقوة ~~الطبيعية أسفلا أسفلا بالفعل، وكيف يتحرك بحركة محركة؟ فالحكمة مشروع متكامل بين ~~المشرق والمغرب، بين الفارابي وابن باجه. كما يحال إلى لغة العرب لبيان خصوصية ~~اللغة. ويحاول إيجاد أسماء عربية للمعاني الفلسفية، مثل النقلة للحركة في المكان. ~~وإذا قيلت على باقي أصنافه تسمى الانتقال. ويستعمل الأسلوب العربي في زيد وعمرو ~~للإشارة إلى الفاعل أو المبتدأ في النحو، أو الموضوع والمحمول في المنطق. # 11 ~~(ه) وفي «النزوعية» يظهر من الوافد أرسطو. ويحال إلى «السماء»، ثم إلى «الكون ~~والفساد»، ثم إلى «الآثار العلوية» و«قاطيغورياس». ومن الفرق يحال إلى المفسرين. ~~ومن الموروث يذكر أبو نصر والمنصور، ثم عبد الله بن علي. كما تذكر العربية ~~والعرب والشرع والسنن؛ مما يدل على أولوية الفارابي وظهور بعض المصطلحات الموروثة. # 12 # ومن مؤلفات ابن باجه يحال إلى رسالة «الوداع» تأكيدا على وحدة ~~المذهب. ويضرب ابن باجه المثل بقتل المنصور عبد الله بن علي، وإن لم يفعل ذلك بيده، ~~على أن الآلة قد تكون متصلة بالفاعل وقد تكون منفصلة. ~~(و) وفي «المتحرك» من الوافد يذكر سقراط أولا، ثم أفلاطون. ويحال إلى السماع الطبيعي. # 13 # وسقراط هو نموذج الشهيد في الوعي الإسلامي، خلود الروح وفناء البدن. ~~ويضرب ابن باجه المثل بأفلاطون في الحركة والمتحرك في ذم المحرك القريب أو مدحه ~~بدلا من زيد وعمرو. والمتقدمون عند ابن باجه أفضل من المتأخرين طبقا لتصور أهل ~~السلف. ويحال إلى «السماع الطبيعي» في أن الحركة تكون أكثر من محرك واحد، وإلى ~~الثامنة في أن ms223 المحرك الأول الحقيقي هو محرك الحركة السرمدية من خلال حركات ~~الكائنات الفاسدة بالعرض لا بالذات، وإلى كتاب «الحيوان» وكتاب «النفس» في أن ~~المحرك الأول في الحيوان هو النفس. وواضح كثرة الإحالة إلى الطبيعيات، والإحالة ~~إلى الوافد ضمن نظرية عامة في الإيضاح والإثبات عن طريق اللجوء إلى الأدبيات ~~السابقة تأكيدا للقول بإرجاعه إلى الشيء، وإثباتا للشيء بإبداع السابقين. # ومن الموروث يحال إلى أبي مسلم والمنصور، ثم إلى جعفر والرشيد. ومن الألفاظ ~~الموروثة تظهر الشريعة. # 14 # ويحال إلى أعمال ابن باجه تأكيدا على وحدة المشروع الفكري، إما إلى ~~الشرح مثل الحيوان والنفس، أو إلى التأليف مثل رسالة «الوداع» و«سيرة المتوحد». ~~والموضوع هو الله المحرك الأول تعشيقا للوافد في الموروث طبقا لظاهر التشكل ~~الكاذب. ويظهر الأسلوب العربي الديني في لفظ «اللهم»، كما تظهر بعض الموضوعات ~~الدينية. وينقل ابن باجه مستوى التحليل الطبيعي للحركة إلى المستوى الإنساني ~~الشرعي؛ ومن ثم تصبح الأفعال خاضعة للوم والحمد على ما حرك بالعرض. وفرق في ~~العقاب بين القتل الخطأ والقتل العمد. ويضرب ابن باجه المثل بقتل الرشيد جعفرا، أو ~~قتل المنصور أبا مسلم، على اتصال الحركة وانفصالها وعلاقة اليد بالآلة. ~~(ز) وفي «الوحدة والواحد» من الوافد يذكر أرسطو أولا، ثم أفلاطون، ثم ~~الإسكندر. ومن المؤلفات يحال إلى ما بعد الطبيعة أو الحروف أو الفلسفة الأولى، ~~وكلها أسماء لكتاب واحد، مرة مترجما، ومرة معربا، ومرة معبرا عن مضمونه ~~«الفلسفة الأولى»، وإلى كتاب الحروف للإسكندر. والموضوع أفلوطيني في الظاهر، إسلامي ~~في الباطن، التوحيد. ولا توجد فلسفة إلا وتتناول الواحد والوحدانية تنظيرا ~~للتوحيد. ويضرب ابن باجه المثل بأرسطو والفارابي على الوحدة والواحد؛ مما يكشف عن ~~حضور شعوري للوافد والموروث على حد سواء كتجارب حية في الوعي الفلسفي التاريخي. ~~كما يستحسن تشبيه أفلاطون وأرسطو، وليس أرسطو وحده. كما ذكر أرسطو الكامل مجملا في ~~ما بعد الطبيعة، مرسلا دون تفصيل في المقالة الأولى من «الفلسفة الأولى». ويظهر ~~مصطلح المرسل من علم الحديث. ويفصل ابن باجه الموضوع الذي شبهه أفلاطون ~~بالدوائر اللولبية، وأرسطو بانحناء ms224 الخط المستقيم. ويضرب المثل بالإسكندر على الصور ~~الروحانية مثل زيد وعمرو، وبقوم تبع المذكورين في القرآن. # ومن الموروث يحال إلى الفارابي، ويذكر قوم تبع ولسان العرب. والدلالة على ~~المعقولات غير معروفة في لسان العرب، وربما في باقي الألسنة، وهو المعنى الكلي الذي ~~يقال على كثيرين؛ فالمنطق مرتبط باللغة، واللغة العربية إطار مرجعي ومقياس للفكر. ~~هناك خصائص للمنطق العربي نظرا لارتباطه باللسان العربي في مقابل المنطق اليوناني ~~وارتباطه باللسان اليوناني. ويستعمل ابن باجه الأسلوب العربي، مثل زيد وعمرو، ~~للدلالة على الفاعل والمبتدأ والخبر في النحو، أو المحمول والموضوع في المنطق. # 15 ~~(ح) وفي «المعرفة النظرية والكمال الإنساني أو في الاتصال بالعقل الفعال» ~~يذكر من الوافد أرسطو والإسكندر. # 16 # وأرسطو هو نموذج العقل الكامل مثل الأولياء، نموذج الإشراقي الكامل، ~~وليس المنطقي الطبيعي، قراءة للوافد بألفاظ الموروث. ويستعير ابن باجه لوصف حالة ~~كون الفعل في ذاته وبذاته تشبيه الإسكندر للكامل ورجوع ذاته بذاته، الراجع ~~والمرجوع، الذات والموضوع؛ فيكون روحانيا لا جسمانيا، ولا يحتاج في وجوده إلى ~~جسم ولا قوة جسمانية. # ومن الموروث يحال إلى أبي نصر والغزالي، ومن المؤلفات إلى كتاب الملة، ومن ~~الفرق إلى الصوفية. # 17 # وصورة الفارابي عند ابن باجه أنه شيخ يدعو إلى تصفية النفس بذكر الله ~~وتعظيمه في كتاب «الملة». ويؤيد ابن باجه الغزالي بالرغم من نقده له في «تدبير ~~المتوحد» وفي «رسالة الوداع»؛ فطريق الصوفية، طريق الغزالي، موصل إلى المعرفة ~~والسعادة ومأخوذ من النبي. ولا يوجد نقد لهم مع أن ابن باجه نقدهم من قبل مع ~~الغزالي؛ فهو طريق قاصر على بلوغ الصور الروحانية. ويستشهد بقول بعض رؤساء ~~المتصوفين: «ولو وصلوا ما رجعوا.» ومن ثم يغيب البرهان وإيصال الحقائق للناس. وقد ~~أفرط الصوفية في وصف هذه الحالة، الخيالات التي توجد في نفوسهم حسب الظن دون التيقن ~~من صدقها أو كذبها، مجرد نفس نزوعية لا تتصل إلا بالنفس الوهمية، ولا يتحقق من ~~الصدق والكذب بالنزوعي المنطقي الذي يصيب النفس بحالة الفرح. أما النزوعية فهي ~~أقرب إلى البهيمية. # وتظهر بعض ms225 الموضوعات الدينية، مثل الوحي والكهانة والرؤيا والفيض والملائكة ~~والرسل والكتب، وهي موضوعات موروثة خالصة. قد تكون الرؤيا الصادقة بالوحي أو ~~بالكهانة، ولا حرج من الاعتراف بأشكال النبوءات الأخرى. كما يتم العلم بالفيض على ~~الملائكة، ومن الملائكة على عقول الإنسان طبقا لاستعداده، كما هو الحال عند ~~الصالحين المخلصين المؤمنين بملائكته وكتبه ورسله، وعملوا بما يرضيه، فيفيض الله ~~عليهم بواسطة ملائكته في الرؤيا وحوادث العالم العجيبة. كل ذلك في موضوع النبوة ~~وتركيب نظرية الاتصال عليها، والخيال في موضوع «بين العقل والقوة المتخيلة واتصال ~~العقل الإنساني بالأول» على النحو التالي: # هناك إذن علاقة متبادلة بين العقل والخيال، كل منهما مصدر للآخر. وهو خليط ~~إشراقي من الصوفية والغزالي وأبي نصر مع الاتصال مع الوحي. ~~(ط) وفي «الفطر الفائقة والتراتب المعرفي» يظهر من الوافد أرسطو وحده، نموذجا ~~للمتدين الكامل الإشراقي، وتوارى أرسطو المنطقي الطبيعي. # 18 # ولا يظهر من الموروث إلا آية قرآنية واحدة. والفطر الفائقة المعدة ~~لقبول الكمال الإنساني معدة لقبول العقل الإنساني؛ فالكمال هو العقل، قبول العقل ~~الإلهي المستفاد من الله، وهي الفطر التي تعلم الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر والسعادة والبقاء والسرور. والعلم رؤية ببصيرة النفس، موهبة من الله. ويؤدي ~~بلوغ الكمال الإنساني إلى العلم الإلهي والكمال العقلي، وهما أيضا بصيرة للأشياء؛ ~~فلا فرق بين العلم النازل والعلم الصاعد، بين التنزيل والتأويل. ويتفاضل الناس في ~~هذه الموهبة التي هي بصائر القلوب، وأعظمها بصائر الأنبياء، يعلمون بها الله ~~ومخلوقاته دون تعلم أو اكتساب، علما كليا بالله وملائكته، ثم يأتي الأولياء بعد ~~الأنبياء. يأخذ أصحاب الفطر الفائقة علمهم من الأشياء، ما يوصلهم إلى العلم بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والسعادة القصوى. ويظلون كذلك حتى يروا العلم ~~بأنفسهم، ويرونه ببصائرهم حسب درجات الموهبة من الله؛ فيأنسون بالعلم، ويلتذون ~~بالفكر، وينعمون بذكر الله، سواء نطقت بذلك ألسنتهم أم لم تنطق. يفيض الله عليهم ~~بحسب الرؤيا جزءا يسيرا مما وهبه الله للأشياء من الاطلاع على المعنيات. ومن ~~الأولياء صحابة النبي، وكل من أخلص وصدق. وبعد الأولياء ms226 طائفة وهبهم الله بصائر ~~يتحققون بها تدريجيا حتى يصلوا إلى اليقين بالمخلوقات والعلم بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله والدار الآخرة. تبرءوا من البدن، وحصل لهم الكمال، وهي السعادة ~~القصوى، بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل. يدرك الإنسان أجل مطلوباته، وهو العلم بالله ~~والالتذاذ به، يرضى به ولا يحاكيه. وبفطرته وبصيرته يهتدي إلى علم الأنبياء، فيصل ~~إلى العلم الواحد من طريقين. ويفسر سورة الفاتحة، فيجعل المنعمين عليهم الذين ~~وهبهم الله المعرفة، والمغضوب عليهم الذين وهبهم الله الموهبة ولكن يتبعون هواهم، ~~والضالين الذين عدموا الموهبة. # والرسالة كلها خطاب ديني مطعم بآية قرآنية، سورة الفاتحة، بالإضافة إلى آيات ~~مرسلة حتى أصبح موضوع الرسالة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، مضمونها ~~الفقهي. تتأرجح بين الفطرة والاكتساب كما هو الحال في الأشعرية؛ لذلك كان الصوفية ~~أدق عندما جعلوا الأحوال مواهب والمقامات مكاسب. كما تتأرجح بين المعرفة والوجود، ~~بين العلم بالغيب والعلم بالواقع والمشاهد، بين الإيمان التعليمي والاستدلال الفعلي ~~كما هو الحال في حكمة الإشراق. تجعل قدرات الأنبياء نظرية أكثر منها عملية، فهل ~~الأمر لذة المعرفة أم شقاء الجهاد؟ ويتصور ابن باجه مدينة إلهية قمتها الأنبياء ~~ثم الأولياء ثم فلاسفة الإشراق والصحابة والأولياء، ويستعمل مصطلحات الصوفية مثل ~~الفناء والبقاء، ولغة اللذة والعشق، حرمانا من الدنيا وإشباعا في الآخرة، تطهر ~~وثنائية مانوية وكأننا في «رسالة الطير» لابن سينا، أو رسائل إخوان الصفا. يفسر ~~الفاتحة تفسيرا صوفيا صرفا، والوحي على نحو إشراقي، والسؤال: كيف يكون هذا ~~الظن والفلسفة يقينا وبرهانا؟ وتبدأ الرسالة بالفطرة الفائقة المعدة لقبول الكمال ~~الإنساني المعدة لقبول العقل الإنساني، ثم العقل الإلهي، وهو عقل مستفاد من الله. ~~وتنتهي بالمعقولات الأولى التي يعملها الله للإنسان المعد لأن يعلم بها بالموهبة ~~من الله. وهو دور منطقي، لا يعلم الإنسان الله إلا بالموهبة التي يعطيها الله له، ~~وكأن الله هو المهيئ للمعرفة وموضوع المعرفة، وأن الإنسان ليس له دور إلا السير ~~في الطريق المرسوم له. ~~(ي) وفي «الفيض والعقل الإنساني والعلم الإلهي»، من الوافد لا يحال إلا إلى اسم ms227 ~~كتاب «إيضاح الخير» دون مؤلفه، وهو منحول على أفلوطين أو برقلس؛ فالمهم الموضوع لا ~~الشخص، حتى ولو لم يتم التعرف عليه تاريخيا ونسبته إلى صاحبه. ومن الموروث لا ~~يحال إلا إلى عيون المسائل للفارابي دون ذكر اسمه، مقارنا بالغزالي في تأويل ~~الكتاب واتفاقهما في الفيض من العلم الإلهي إلى العقل الإنساني، وهو موضوع أقرب ~~إلى روح أفلوطين الإشراقي منه إلى روح أرسطو المنطقي الطبيعي. الرسالة كلها وثنية ~~الطابع. إذ يفيض الله من علمه على موجوداته ومخلوقاته العلم والعمل، فيتقبل كل ~~موجود حسب مرتبته من كمال الوجود. والعقول تقبل من العلم حسب مراتبها، وكذلك ~~الأجرام تقبل الأشكال والصور النفسانية حسب مراتبها، ومراتبها حسب أمكنتها. ولكل ~~جرم سماوي خاضع للكون والفساد عقل ونفس. بالنفس يفعل الأفعال الجزئية المحسوسة على ~~جهة التخيل، وبالعقل يعلم الإنسان العلوم المنزلة عليه من الله ما يتعلق بالماضي ~~وبالمستقبل وما لم يشاهده بالعيان، غيب لا يطلع عليه إلا من يشاء من عباده بواسطة ~~الملائكة. ويحدث العمل عنه في الأجرام بواسطتها؛ لأن أعماله بذاته عن علمه أو ~~بتوسط عقلي أعلى من الإنسان؛ فالعمل فيض من الله مثل العلم، وفيض على العقول ~~والأجرام، وليس على الإنسان جهد أو إبداع؛ ونتيجة لذلك سينشأ الإيمان بالقضاء ~~والقدر. الرسالة كلها تصرف ودعاء ودعوات. تحولت من المنطق الطبيعي إلى الفلسفة ~~الإشراقية والمواعظ الأخلاقية. لا فرق بين برقلس والغزالي والفارابي وابن باجه. وفي ~~البداية يحيل ابن باجه إلى القضاء والقدر لتقدير الفيض والعلم، وفي النهاية ~~يتحسر على الضلال، ويأسف للشغل بالأحوال والأهل، ويدعو القارئ إلى اغتنام التفرغ ~~حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. # 19 ~~(2) آليات الإبداع # ويمكن جمع آليات الإبداع في رسائل ابن باجه كلها في منطق واحد. يظهر فعل القول ~~كعادة متبعة في أسلوب التأليف، الأقل منها لأرسطو، والأكثر للمؤلف أو للرد على ~~الاعتراض مسبقا «فإن قيل ... قلنا». المؤلف هو الذي يقول أساسا بضمير المفرد أو ~~الجمع، وليس فقط الآخر الفعلي أو الآخر المتوهم في الاعتراض المسبق. وهو ms228 قول موجز، ~~وليس شرحا أو إسهابا. الإسهاب نقل، والإيجاز إبداع. وكثيرا ما يذكر القول ~~بمفرده دون نسبته إلى أحد، الأنا أو الآخر. وقد يفهم أنه قول الأنا وليس قول ~~الآخر من السياق وإضافة ضمير المتكلم المفرد أو الجمع لاسم فعل آخر. وقد يستعمل ~~فعل القول كمبني للمجهول؛ فالمهم ما يقال وليس من قال. وقد يخلو مقال بأكمله من ~~فعل القول ومشتقاته، مثل «تدبير المتوحد»؛ لأنه لا يوجد فيه حوار بين الأنا والآخر، ~~بل تعامل مع الواقع المباشر. # 20 # وقد يقصد المؤلف القول، ويكون للعبارة قوة «أقول» مع فعل آخر، مثل: قصد، فرغ، ~~وقف. ويظهر القصد والغرض باعتباره موضوع الفكر. لا يتعامل الفيلسوف مع القول، بل مع ~~القصد، والغرض من القول؛ لذلك يظهر فعل «قصد» واسم «غرض» كثيرا. وقد يضاف إلى ~~القصد ضمير المتكلم المفرد أو الجمع. وقد يعبر عن القصد أو الغرض سلبا بأنه ليس ~~كذا. ويتضح بالتأمل حتى تظهر المعاني القصدية . # 21 # وتستعمل أفعال البيان في الأزمنة الثلاثة لإظهار القصد، وكذلك تستعمل ~~أفعال الظهور والكشف؛ فغاية البيان الظهور. # ويبدو المسار الفكري وكأنه نظرية في الإيضاح في مشتقات لفظ البيان اسما أو ~~فعلا، في الأزمنة الثلاثة تأكيدا على تواصل المسار الفكري. وقد يكتفي بالجمع بين ~~زمانين الماضي والمستقبل لما كان الحاضر مجرد ممر من الأول إلى الثاني. تكشف كثير ~~من التعبيرات عن المسار الفكري لابن باجه، وعن وحدة مشروعه الفكري. يحيل الموضوع ~~إلى موضوع آخر لمزيد من الإيضاح والتفصيل، يحيل إلى موضوع سابق أو لاحق. ويمكن ~~تصنيف هذه التعبيرات طبقا للزمان أو الموضوع أو العموم والخصوص. وأغلب الإحالات ~~إلى الكتب المعينة في الماضي. ويدل المستقبل على تأجيل تفصيل الموضوع إلى وقت ~~لاحق. ويبدو من المسار الفكري استنباط النتائج من المقدمات في استدلال منطقي. ~~ونظرا لطول العبارة استبدل بها المهندسون العلامات. وتظهر أنماط الاعتقاد من شك ~~وظن ويقين. # 22 # وتتم الإحالة في الماضي إما إلى مواضيع عامة سابقة، أو إلى كتاب من الكتب المؤلفة ~~سابقا، أو إلى علم من العلوم التي ms229 تم التأليف فيها سابقا، أو إلى الموضوع إجمالا ~~أو تفصيلا. وقد تكون الإحالة إلى الماضي في صيغة المبني للمعلوم لأحد مشتقات فعل ~~القول أو بصيغة المبني للمجهول. وأحيانا يظهر أحد مشتقات فعل البديان، وهنا ترتبط ~~الإحالة بنظرية الإيضاح. وتكشف الإحالات إلى أعمال أخرى عن وحدة العمل كله، أو ~~وحدة المذهب الذي يميل إليه ابن باجه في باقي أعماله لمزيد من البيان والإيضاح؛ مما ~~يدل على وجود مشروع فكري عام متكامل لابن باجه. وأكثر ما يحال إليه تدبير ~~المتوحد، ثم رسالة الوداع، ثم كتاب النفس، ثم المقولات والحيوان والنبات. وقد يشير ~~إلى العلم مثل العلم المدني. # 23 # والإحالة إلى كتاب النفس تأليفا وليس شرحا لأرسطو، فتحول الكتاب من ~~أرسطو إلى الشراح إلى الموضوع أو العلم هو تحول من النقل إلى الإبداع. تكون ~~الإحالة من كتاب النفس إلى النفس انتقالا من الكتاب إلى الموضوع، خطوة في التحول ~~من النقل إلى الإبداع. ويتم نفس التحول عند ابن باجه انتقالا من «كتاب التوحد» ~~إلى «تدبير المتوحد». ويمكن عن طريق الإحالة إلى المؤلفات معرفة ترتيبها الزماني. ~~وواضح أن الإحالات إلى المتأخرة كثيرة ومعتدة. وتدبير المتوحد من أواخر الكتب. # 24 # ومؤلفات ابن باجه لا تنفصل عن حياته؛ فكره قدره، وعلمه تجاربه، ولا يقتصر ذلك ~~عليه وحده، بل هي سمة عامة عند الحكماء منذ الكندي حتى ابن رشد. الحديث عن النفس، ~~والعلم تجربة. التعاليم الشفاهية بجوار المصادر المدونة، ليس استعراضا ذاتيا ~~أو خروجا عن الموضوعية، بل بيان لنشأة العلم وتكوينه في الشعور. ويكشف التطور ~~الفكري لابن باجه عن اشتغاله أولا بالموسيقى ثم بالفلك. والموسيقى علم رياضي، ~~وكذلك الفلك والهندسة. ويذكر إشبيليا مدينة الموسيقى والغناء؛ مما يدل على الطابع ~~الموروث المحلي للعلم والثقافة والفن، ثم اشتغل بالعلم الطبيعي قدر اشتغاله بالمنطق ~~اعتمادا على الفارابي. وتشمل التجارب الأسفار والأماكن والزيارات؛ فقد كانت ~~المعرفة تأتي من الواقع المباشر في مرحلة التأليف كما أتت من النص في مرحلة النقل، ~~وأتت من العقل الخالص في مرحلة الإبداع. كما ينقد ابن باجه سابقيه ms230 ومعاصريه؛ فهو ~~مرحلة من وعي تاريخي، وليس فقط من وعي اجتماعي. يحاور الماضي كما يحاور الحاضر، ~~ويتجاوز الأمر مجرد الطابع الشخصي في التأليف، رسالة إلى صديق أو إلى فيلسوف، ~~الكندي والمعتصم، ابن رشد والأمير، ابن باجه والوزير، ابن سينا والبلخي. يتحد ~~الموضوع بالذات، والذات بالموضوع، والعلم بالتجربة، والتجربة بالعلم. ولا يعيب ذلك ~~البداية الموضوعية بالعلم؛ فالعلم تجربة وحياة، هم بين قصر العمر وطوله. وأهم شيء ~~في السلوك البشري هو الغاية. وهي التي وضعها الحكماء السابقون وأكد عليها ~~أبو نصر. ومع ذلك منعت ندرة كتبه في الأندلس من الاطلاع عليها؛ لذلك يستأنف ~~ابن باجه التأليف، إبداعا لا نقلا، وذاتيا لا موضوعيا. وإن ما تركه أرسطو في ~~الحادية عشرة من الأخلاق مجمل جدا لا يكفي، وهذا هو دافع التأليف، استكمال ما ~~بدأه القدماء، الوافد أو الموروث، ويشتد هذا الشجن، اللقاء والوداع، في رسالة ~~الوداع. ولا ينفي ابن باجه تعلمه على أيدي المشارقة بالرغم من بعد المشرق؛ فالعلم ~~يتجاوز المناطق والجهات، وإن لم يصبح المشرق رمزا كما هو الحال عند ابن سينا في ~~«منطق المشرقيين»، وابن طفيل في «أسرار الحكمة المشرقية»، أو ابن عربي في «عنقاء ~~مغرب». والفيلسوف موقف معرض للمخاطر. البدن رقيق، والإنسان وصحبه يستطيع به ~~الأسفار والتحرك واللقاء. ومع ذلك، الأخطار محدقة، أخطار سياسية واجتماعية، ~~وإغراءات دنيوية. # ولأن العلم تجربة حية يخاطب المؤلف القارئ؛ فالتأليف عمل مشترك، رسالة متبادلة ~~بين المعطي والمستقبل. وفي مخاطبة القارئ يظهر قول المؤلف كما تظهر غايته وقصده ~~حتى البيان والإيضاح، وهو القارئ العادي، دعوة له للمشاركة في نفس التجارب والتأمل ~~في النفس للانتهاء إلى نفس النتائج مع غاية الأدب والاحترام له، وكأن ابن باجه ~~يعبر عقليا عن آية # وفي الأرض آيات للموقنين ~~* وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~. # 25 # ويقوم الفن الشعبي أيضا على تجربة مشتركة بين الفنان والمشاهد، مثل ~~قراءة القرآن، كتجربة جمالية مشتركة بين المقرئ والمستمع. ويترك للقارئ الاختيار ~~بين طريقين؛ طريق الكمال المادي بالآلات واليسار، وهو كمال العبيد حتى ولو كان ~~الإنسان حرا، وهو كمال ms231 وهمي وإن بدا في الظاهر كمال الصحة، هو كمال الفضائل ~~الشكلية التي يخضع فيها الإنسان لمدبر آخر سواه، فيخرج عن مرتبة الإنسانية إلى ~~مرتبة أشرف الحيوان غير الناطق، كالأسد في الجرأة. وقد يحدث الكمال بالصناعات ~~العملية لخدمة إنسان آخر بتوسط مثل الأعداد للخيل، أو دون توسط كالكلب. والأفضل ~~الكمال النفسي وبالذات، وهو أشرف مراتب الكمال، عندما تستمد الذات وجودها من ذاتها. ~~وهذا هو طريق الحكماء السابقين واللاحقين في وعي تاريخي متصل، من الأنبياء إلى ~~الحكماء، دون تجريح للقدماء أو غلق باب الاجتهاد على القادمين. هو خطاب لمن هو أهل ~~له، اعتراف من حكيم إلى حكيم، وتوجيه من شيخ إلى مريد. وينتهي الخطاب بآية قرآنية ~~مرسلة عن هذا الوعي التاريخي من السلف إلى الخلف، من رضي الله عنهم ورضوا عنه، ~~وفازوا بالفوز العظيم، طريق التأمل متصل قبل ابن باجه ومعه وبعده. يشير ابن باجه ~~إلى معاصريه ولمن لديهم الفطرة على السير فيه. قد يكون القارئ متميزا، وزيرا ~~مثلا ، ومريدا طالب الحكمة مع الدعاء له بطول العمر والبقاء والعزة والعافية. ~~يخاطب المؤلف القارئ، ويجعله طرفا في عملية الفكر في تجربة حضارية مشتركة، ~~ومشاركة المؤلف القارئ ودعوته له تجعل القارئ يكتشف الحقيقة بنفسه استجابة لدعوة ~~المحبة والود والدعوة لطلب الكمال واقتناء الفضائل. وأفضل علم ما تم نقله شفاهيا ~~من الشيخ إلى المريد؛ فإن تعذر لقاء الأبدان يكون لقاء الأرواح عن طريق التدوين. ~~إذا عزت الأذن حضرت العين. وأحيانا يكون العلم استيضاح المدون، سواء من المؤلف ~~أو القارئ؛ مما يتطلب تغيير ترتيب العبارة والأسلوب على نحو أفصح؛ لذلك يشرح ~~المؤلف لمزيد من الإفهام، ويرسل إلى القارئ المدون نفسه؛ فالعلم تبادل، بل إن ~~المؤلف يسمح للقارئ بأن يحسن العبارة ويجعلها أكثر فصاحة وأنصع أسلوبا؛ فالقضية ~~واحدة، والهدف مشترك. العلم إذن على ضربين؛ صناعي وطبيعي. الصناعي ما يتعلمه ~~المتعلم من الآخرين، والطبيعي ما يكتشفه المعلم بنفسه. الأول داخل للنقل، والثاني ~~خارج للإبداع. والعلم مشقة ومعاناة، ممكن بالرغم من زحمة الحياة وضيق الوقت وقصر ~~العمر. العلم هداية ms232 من الله وتوفيق منه. فالمتعلم ليس فقط في حاجة إلى الصدق الإلهي ~~لأن العلم كله من الله، وهو أسلوب التأليف منذ الكندي بالرغم مما في الأسلوبين من ~~عجمة لغوية وألفاظ عربية قديمة لم تستمر؛ ربما لأنه أول فيلسوف بالمغرب، مثل ~~الكندي أول فيلسوف في المشرق. # ولا يقل دور الناسخ عن دور القارئ في صياغة النص؛ فالناسخ هو الذي يقدم النص، ~~ويقطعه إلى فقرات، كل منها مسبوق بقال فلان بكنيته أو بلقبه. # 26 ~~«قال» «يقول» عادة من الناسخ؛ لأنه جزء من الحضارة، وينتمي إلى النص، ~~ويعتبر نفسه مسئولا عنه مسئولية المؤلف. يتم ذلك مع الموروث والوافد. تعبير «قال ~~أرسطو» لا يدل على تبعية لأرسطو أو تقليد لأقواله، بل هي عادة تقطيع النص إلى ~~وحدات صغرى طبقا للموضوعات. هو عمل إبداعي يدل على فهم تفصيلات الموضوع بتعبير ~~المغاربة المحدثين. وقد يقوم الناسخ بإضافة مقدمة أو خاتمة قبل فعل القول. ويشعر ~~الناسخ بأن ابن باجه مفكر مسلم ينتمي إلى الحضارة الإسلامية ، فيطلب رضا الله عنه. ~~وهو يقطع كلامه في بداية المقال وفي نهايته مع البداية بالبسملة، والدعوة بالتوفيق ~~من الله، والنهاية بالحمدلة والترحم عليه. # | ثالثا: المجوسي، وابن البيطار، والطوسي، والفارسي، وابن الألعاني # (1) المجوسي # كامل الصناعة الطبية، ويسمى أيضا «الملكي»؛ لأنه مهدي لعضد الدولة كما هي ~~العادة في أمهات التآليف. # 1 # وللمؤلف عدة ألقاب، ومع ذلك فهو المتطبب؛ أي الذي يمارس الطب دون أن ~~يكون بالضرورة حكيما؛ فالطب فرع من الطبيعيات من علوم الحكمة. # 2 # ويتكون من جزأين؛ الأول في الطب النظري، والثاني في الطب العملي. الأول ~~في فلسفة الطب باعتباره من الطبيعيات؛ لذلك تتضمن مقالاته العشر المفاهيم الطبية ~~الرئيسية، مثل القوى والأفعال والأرواح والعلل والعلاقات والتمييز بين ما هو طبيعي ~~وما هو خارج عن الطبيعي، وطرق الاستدلال. # 3 # والثاني في الطب العملي؛ أي في العلاج والأدوية. وهنا تتغلب الأدوية ~~المحلية العراقية والفارسية والهندية والبابلية، كما تقل الإحالة إلى أسماء الأعلام ~~من الموروث أو الوافد، وهو أكبر من الأول من حيث الكم؛ لأنه تجميع ms233 أكثر منه تنظيرا. # 4 # وبالرغم من الطابع الشمولي للكتاب وتفصيلاته الشديدة إلا أنه يحيل إلى ~~السابق ويذكر به، ويعد باللاحق ويوعد به. # 5 # ويغلب زمن الماضي على الحاضر والمستقبل. وأيضا يبين الفكر نفسه ~~بغية الوضوح؛ لذلك تكثر أمثال عبارة «وقد بينا» و«قد شرحنا». # 6 # كما تستعمل أفعال القول في ضمير المتكلم «فنقول»، «فأقول»، «قلنا»، في ~~أقل القليل. ومعظم الفقرات تبدأ بالأشياء، العلل والأسباب. # 7 # ويعتمد الملكي على بعض الاقتباسات تنتهي بعبارة «انتهى» التي تعادل ~~قفل القوسين عند المحدثين. # 8 # ويخاطب القارئ من المتخصصين في صيغة «اعلم ذلك»، وتكثر في الطب النظري ~~عن الطب العملي، أو في صيغة «افهم». # 9 # وفي التصدير يصف المجوسي الحالة الراهنة للطب في عصره؛ فأبقراط إمام الصناعة، حوى ~~كل شيء في كتاب «الفصول» إلا أنه سلك طريق الإيجاز حتى غمض كثير من معاني كلامه مما ~~يحتاج إلى تفسير. وجالينوس مقدم فاضل وضع كتبا كثير، ولكنه طول وكرر وجادل ~~وعارض؛ مما يحتاج إلى اختصار وتركيز في كتاب واحد يوفي بغرض الصناعة. ولا يوجد ~~كتاب وسط بين التفريط والإفراط إلا «الملكي». وأوريناسيوس قصر في كتابيه لابنيه ~~ولعوام الناس؛ فلم يذكر شيئا من الأمور الطبيعية والأسباب، وكذلك لم يذكر قوليوس ~~في كتابه من الأمور الطبيعية إلا اليسير، وبالغ في بيان الأسباب والعلامات وأنواع ~~المداواة والعلاج باليد، دون أن يتبع طريق التعليم. هذا في الوافد. # وأما المحدثون، أي في الموروث، فلا يوجد إلا كتاب هارون الذي وضع فيه كل شيء، ~~ولكن على طريق الإيجاز من غير شرح واضح. وترجمته سيئة تعمي على القارئ كثيرا من ~~المعاني، خاصة من لم ينظر في ترجمة حنين؛ فكتاب هارون وافد أصبح موروثا. ولم يذكر ~~سرابيون في كتابه إلا المداواة والتدبير، وأسقط العلاج باليد، وترك كثيرا من ~~العلل، ووضع مسيح كتابا مثل هارون، ونحا نحوه في قلة شرح الأمور الطبيعية وغير ~~الطبيعية، مع سوء وقلة معرفته بالكتب السابقة. وهذه مرحلة متوسطة بين النقل ~~والإبداع، مرحلة تأليف الأطباء السريان باليونانية أو السريانية. # ثم بدأت مرحلة التأليف ms234 عند الرازي في كتابة «المنصوري» حاويا كل شيء، إلا أنه لم ~~يستقص شرح ما ذكره، واستعمل طريقة الإيجاز والاختصار، ووضع في «الحاوي» كل شيء إلا ~~أنه لم يذكر شيئا من الأمور الطبيعية ولا وجوه التعاليم. وتعني الأمور الطبيعية ~~المسائل النظرية كالأمزجة والأخلاط والأسطقسات، ونقصه الترتيب إلى جمل وأبواب ~~وفصول، ولا أورد ما يوجبه القياس. وجاء عائق الموت قبل إتمامه، مع أنه طول فيه ~~بغير حاجة، جمع فيه ما قاله الأطباء، قدماء ومحدثين. # 10 # وكرد فعل على هذه الحالة الراهنة للتأليف الطبي في عصره بين الإطناب والإيجاز، ~~وبين النظرية والممارسة، وبين الوضوح والغموض، أتى «الملكي» جمعا بين الطرفين، ~~بالإضافة إلى الاعتماد على الطب المحلي في العراق وفارس، وليس فقط على طب اليونان. # 11 # ويحدد «الملكي» مناهج البحث الطبي، أي النحو التعليمي، عن طريق القسمة؛ لأن ~~أنحاء التعليم خمسة: التحليل بالعكس، التركيب، الحد، الرسم، ثم القسمة. فالتحليل ~~بالعكس يقوم على وصف الشيء في الوهم من أوله إلى آخره، وهو التحليل، ثم من آخره إلى ~~أوله، وهو العكس. والتركيب هو إعادة جمع الأشياء التي تم تحليلها في الطريق الأول. ~~والحد هو تصور الشيء ووضعه في أجناسه وأنواعه وفصوله. والرسم هو وصف الشيء من ~~أعراضه دون جوهره؛ أي من كيفياته دون ذاته. أما طريق القسمة فهو قسمة الشيء إلى سبع ~~جهات، قسمة الجنس إلى أنواع، وقسمة النوع إلى أشخاص، وقسمة الكل إلى الأجزاء، وقسمة ~~الاسم المشترك إلى معان مختلفة، وقسمة الجواهر إلى أعراض، وقسمة الأعراض إلى ~~جواهر، وقسمة الأعراض إلى أعراض. # 12 # وتتم مخاطبة القارئ بصيغة «اعلم» لمشاركته في العلم؛ فهو يكتب للمتخصصين. وتتخلل ~~الكتاب بعض الرسوم التوضيحية للآلات الطبية، مزيدا في الإيضاح. # 13 # ويتعادل فيه تمثل الوافد مع تنظير الموروث؛ ففي الوافد يتصدر أبقراط، ثم جالينوس، ~~ثم أوريناسيوس، ثم فولس وأنطات وقولبيوس وأرسطو. ومن الشرق أنوشروان. # 14 # وغالبا ما ترد أسماء الوافد في التسميات والمصطلحات، وكأن المجوسي ~~يعرف المسميات ويريد فقط إطلاق الأسماء عليها. ولما كانت الأسماء والمصطلحات في ~~الغالب يونانية عند أطباء ms235 اليونان تمت الإحالة إليهم؛ فالكتاب تأليف في الموضوع ~~أي الطب، وليس شرحا أو تلخيصا أو جوامع لطب اليونان. ومع ذلك تظل الأسماء قليلة ~~بالنسبة لحجم الكتاب، وكأنه أقرب إلى الإبداع منه إلى التأليف. # ومن المؤلفات يذكر كتاب «الفصول» و«حفظ الصحة»، ولأبقراط كتاب «تقدمة المعرفة». ~~ويحال إلى «القدماء من الأطباء» إحساسا بتطور علم الطب من القدماء إلى ~~المحدثين. ولا يذكر ديسقوريدس لأنه لم يكن قد تمت ترجمته بعد. ويستشهد بكسرى ~~أنوشروان على أهمية العلم. فإذا كان النقل من الغرب اليوناني، فالوجدان في الشرق الفارسي. # 15 # ومن الموروث يتصدر بطبيعة الحال اسم المؤلف على ابن العباسي المجوسي، ثم أستاذه ~~أبو ماهر موسى المجوسي، ثم عضد الدولة الذي كتب له المجوسي كتابه «الملكي»، والكندي ~~وهارون، ثم حنين بن إسحاق، وإسحاق بن حنين، ويوحنا بن سرابيون، ومسيح، والرازي، ~~ويحيى النحوي، ومحمد، عليه السلام. # 16 # وواضح أن الأطباء السريان كانوا مرحلة متوسطة بين النقل والإبداع ~~بالتأليف في المنقول باليونانية أو السريانية أو العربية. ولا يذكر الكندي إلا في ~~العلاج، وكأنه ليست له نظريات في الطب. # 17 # ويظهر الموروث أكثر في تصور العالم أكثر من أسماء الأعلام؛ فالطبيعة من خلق الله، ~~وعلم الطب هو الكاشف عن الخلق، كما أن علم الطبيعة في الكلام هو الكاشف عن حدوث ~~العالم. ويبدو الخلق في التصور الوظيفي للأعضاء؛ فكل شيء في البدن من أجل وظيفة، ~~والوظيفة هي الغاية، وهو ما يسميه علم الكلام العناية؛ # 18 # لذلك كان الطب أكرم صناعة كرم الله بها - عز وجل - خلقه؛ فقد خلق ما ~~خلق من أجل الإنسان؛ لذلك تكثر تعبيرات «الله أعلم»، «الله تعالى أعلم»، خاصة في ~~الطب النظري، وتعبيرات «بإذن الله تعالى» في الطب العملي. # 19 # ويبدأ الكتاب بحمد الله والثناء عليه والشكر له، خالق الخلق بقدرته، ~~وباسط الرزق بحكمته، والمنان على عباده بفضله، والمعطي لهم ما يقدرون به على ~~إصلاح معايشهم في الدنيا والفوز في الآخرة. هو العقل سبب كل خير، ومفتاح كل نفع، ~~والسبيل إلى النجاة، وفضله على سائر ما خلق ms236 من نبات وحيوان. # 20 # وتنتهي كل مقالة ب «حمد الله وعونه»، و«الله الموفق للصواب»، وغيرها من ~~العبارات الإيمانية التي قد تطول وتقصر. وتغلب الإيمانيات أيضا على المصحح، وذكر ~~التاريخ الهجري. وتظهر البسملة وسط الكتاب في بداية بعض المقالات. # 21 # وهو أيضا مهدى إلى السلطان لدرجة تسمية الكتاب الملكي. # 22 # والسلطان والعالم قديما الذي يشجع العلم والعلماء زينة البلاط خير ~~من السلطان الجاهل حديثا الذي يزين مجلسه بضباط الجيش والشرطة. ~~(2) ابن البيطار # واستمر تمثل الوافد مع تنظير الموروث في القرون المتأخرة، السابع والثامن، في ~~الطب والرياضيات. مثال ذلك «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» لابن البيطار (646ه). # 23 # وغرض الكتاب استيعاب القول في الأدوية المفردة والأغذية المستعجلة في ~~الاحتياج، وإسناد الأقوال لأصحابها، وإثبات صحة النقل فيما ذكره الأقدمون ~~والمتأخرون، وتصحيح ذلك بالمشاهدة، كما سيكرر ذلك ابن خلدون في التحقق من روايات ~~السابقين في أول «المقدمة»، واستبعاد التكرار إلا عند ضرورة البيان، والترتيب ~~الأبجدي لسهولة المعرفة، والتنبيه على الأغلاط في الدواء والمراجعة والتصحيح، وذكر ~~أسماء الأدوية بسائر اللغات وأماكنها، بالبربرية واللاتينية، وهي أعجمية الأندلس ~~المشهورة عند العرب، وموجودة في الكتب، وتشكيل الأسماء منعا للخطأ؛ # 24 # لذلك سمي «الجامع» بين الدواء والغذاء. جمع فأوعى، واختصر فاستقصى. ~~وهو مجرد قاموس طبقا للحروف الأبجدية، مثل تفسيره للأدوية المفردة لجالينوس. وقد ~~تختلط أسماء الأدوية وأسماء الأعلام نظرا لأن كثيرا من أسماء الأدوية منسوبة إلى ~~أصحابها. واسم المؤلف نفسه مشتق من اسم المهنة، البيطار من البيطرة. ونظرا لكثرة ~~التعريب يصعب التمييز بين اسم الدواء واسم الطبيب؛ فكلاهما يوناني. ويستمر الكتاب ~~على وتيرة واحدة كالقاموس لا يقرأ كليا، بل يستفاد منه جزئيا وحين ~~الحاجة. # ويحيل ابن البيطار إلى مؤلفه الآخر؛ مما يوحي بوحدة عمله. # 25 # ولا تظهر في الكتاب أفعال القول كثيرا؛ لأن المادة العلمية، خاصة ~~أسماء الأدوية، لا يقولها أحد. ويذكر الموروث راويا للوافد في رواية مزدوجة كما ~~هو الحال في التناص في الأدب، مثل «قال الرازي قال جالينوس». # 26 # وقد بدأت في القرن السابع حركة تأليف الموسوعات وتجميع ms237 المعلومات؛ ~~فالذاكرة تنشط عندما يهن العقل؛ لذلك غلب على الكتاب التجميع في عصر المدونات ~~والموسوعات في الأندلس وقت الضياع، كما حدث في المشرق إبان الحكم ~~العثماني. # وللتجميع مصادر متعددة مدونة وشفاهية مع بعض الاقتباسات لتعريف أسماء الأدوية دون تحليل. # 27 # وأحيانا لا يذكر المصدر ويكتفي بفعل القول في المبني للمجهول «قيل». ~~وتذكر بعض كتب الرحلات العلمية، مثل «الرحلة المشرقية». # 28 # وأحيانا يذكر الكتاب، وأحيانا الكتاب وصاحبه، وأحيانا المؤلف فقط؛ ~~ما يدل على التأرجح بين العمل وصاحبه. # لذلك غابت الدلالة وقل الفكر؛ نظرا لأن التيارات الفكرية كحركة في التاريخ قد ~~ضعفت أو توقفت. العلم هو تجميع المعلومات، وفي الطب بوجه عام، مع بعض التصحيحات ~~والزيادات بناء على التجربة والقياس. ومن كثرة التجميع لا يكاد يظهر تعليق على ~~منقول. و«كتاب التجربتين» مشهور في عصره. # والوافد في العمق، والموروث في الاتساع؛ فمن الوافد يتصدر ديسقوريدس، ثم جالينوس، ~~ثم أرسطو، ثم بديقورس، ثم أبقراط، ثم بولس، ثم روفس، ثم هرمس، من مجموع ثمانية ~~وعشرين علما يونانيا. # 29 # ومن أسماء الكتب يحال إلى عشرات. # 30 # ويذكر اليونانيون واليونان واللغة اليونانية، ثم اللاتينية والرومية، ~~ثم أنطاليا، ثم لينوس، وعشرات من البلدان من البيئة اليونانية. # 31 # أما الموروث، فيتصدر الرازي مع بعض كتبه، مثل «الحاوي» و«المنصوري» و«دفع مضار ~~الأغذية»، ثم الغافقي، ثم ابن سينا، ثم الشريف الإدريسي، ثم إسحاق بن عمران، ثم ~~أبو حنيفة الدينوري، ثم ابن ماسويه، ثم عيسى بن ماسة، ثم التميمي، ثم علي بن ربن ~~الطبري، ثم حبيش، من حوالي سبعين اسما. # 32 # ومن أسماء الكتب العشرات. # 33 # وفي البيئة الجغرافية تأتي الأندلس، ثم الهند، ثم مصر وفارس، ثم المغرب ~~وأفريقيا، ثم الصين، ثم البربر وفلسطين والترك، ثم قبرص وعشرات من الأماكن الصغرى. # 34 # ولا يوجد إحساس قوي بالتمايز بين الوافد والموروث بعد أن أصبح الوافد موروثا، ~~كلاهما علم يتم تجميعه بصرف النظر عن مصدره ونشأته. وأحيانا تظهر بعض الأسماء ~~التي كانت معروفة في عصرها ولكن شهرتها لم تستمر مثل باقي الأطباء الكبار، وأحيانا ms238 ~~يذكر اللقب دون الاسم تحولا من العالم إلى العلم. # من الوافد يمدح حنين بن إسحاق لأنه كان مدققا في علمه بلغة اليونانيين، وهو من ~~أفضل النقلة فيها، إلا أنه لم يثبت في هذا الموضع، فزل بذلك جميع من أتى بعده من ~~علماء عصره. وتكثر أعلام الوافد والموروث لدرجة أنه تقل عدد الصفحات الخالية منها. ~~وأحيانا يذكر اسم العلم واحدا مثل مسيح، وأحيانا كاملا مثل مسيح بن الحكم. ~~وقد ذكر أرسطو راويا عن آخرين. # 35 # ويظهر هرمس في الطب وليس فقط في الحكمة، وكأنه شخص حقيقي؛ مما يدل على ~~التحول من الأسطورة إلى الشخص، ومن الشخص إلى الأسطورة. # 36 # ويكثر حضور مصر والمشرق في المغرب على عكس المغاربة المحدثين أنصار ~~القطيعة المعرفية، ومصر هي حلقة الاتصال بين المشرق والمغرب. كما يكثر حضور آسيا ~~بالرغم من بعدها. ويعظم حضور الهند وفارس الجناح الشرقي للحضارة الإسلامية. # كما يحضر الجنوب، أفريقيا، ويكثر الحديث عن البربر، كما هو الحال عند ابن زهر ~~وابن خلدون دون أدنى حرج كما هو الحال في هذه الأيام. كل ذلك يؤكد وحدة العالم ~~الإسلامي كحضارة، وفي نفس الوقت ظهور الخصوصيات الإقليمية في الطب الجغرافي أو ~~الجغرافيا الطبية. علم مرتبط بالواقع البيئي المحلي، سواء في الوافد أو في ~~الموروث. وقد يظهر ذلك سلبا، مثل غياب الدواء في منطقة جغرافية بعينها مثل المغرب ~~أو الأندلس، ويتم الحديث عن الفلاحة الفارسية، وهو غير الفلاحة النبطية. # 37 # ولا يظهر ابن رشد كثيرا إما لنكبته وضياع كتبه ولأنه لم يعش في التراث التالي ~~له، وإما لأن هذا هو أثره الفعلي في التاريخ، وإن تضخيم دور ابن رشد إنما كان من ~~أثر الرشدية اللاتينية والفكر العربي المعاصر تبعية للاستشراق وهجوما على الجماعات ~~الإسلامية المعاصرة باسم التنوير. # 38 # والعجيب أن ابن زهر أكثر ذكرا منه، وهو الذي قدمه ابن رشد وطلب منه ~~تأليف كتابه «التيسير». # وأحيانا يقع التقابل بين الأنا والآخر، بين نحن وهم، # 39 # هو يقول وأنا أقول. وهناك إحساس بتطور العلم وتغير الزمان من الطب ms239 ~~القديم إلى الطب الحديث، # 40 # بل يتطور المؤلف نفسه من مرحلة الشباب إلى مرحلة الكهولة، ويذكر الكندي ~~الذي يكاد يتوارى في التراكم الفلسفي. # 41 # وقد تغير الوافد القديم من اليونان إلى الوافد الحديث من الغرب؛ أي ~~الإفرنج إيطاليا وفرنسا شمال العالم الإسلامي. فيتحدث ابن البيطار عن بلاد الإفرنج ~~كما سيتحدث ابن خلدون فيما بعد؛ فقد بدأت الحروب الصليبية، وعرف السلمون حضارة الشمال. # 42 # ويذكر ابن البيطار أسماء المدارس الطبية المختلفة، مثل أصحاب القياس وأصحاب ~~التجربة، وعلى أساسها يقوم تصحيح الأقوال التي تبدأ بلفظ «زعم»؛ لذلك يقول بعد وصف ~~الدواء: «وهو مجرب.» وربما ترجع أخطاء الأقوال عن المفسرين والشراح اللغويين غير الأطباء. # 43 # بالإضافة إلى ذلك هناك أيضا دراسة الحالة التي تقوم على مشاهدة؛ لذلك ~~يقول: «ورأيته بحد البصر.» # ومن ثم يقوم ابن البيطار بتحليل الموضوع، وهو الأدوية، على مستويات ستة: ~~الدواء، واسمه معرب أو منقول، ولغته يونانية أو لاتينية، وآثاره، أي علاجه، وطرق ~~معرفته التجربة أم النقل، وأماكن وجوده في الشرق أو المغرب أو في بلاد ~~الإفرنج. # وبطبيعة الحال تبدو بعض العبارات الإيمانية من خلال الكتاب بالرغم من قلتها ~~بالنسبة لهذا العصر المتأخر الذي تزداد فيه نظرا لتغلغل الأشعرية والتصوف في ~~الثقافة الشعبية، وربما لأنه مجرد قاموس. تبدأ الأجزاء بالبسملات وتنتهي بالحمدلات. ~~ويستعمل أسلوب القرآن الحر، مثل: لقد جئت شيئا فريا. ويتدخل الله كعلة فاعلة ~~للأمراض والعلاج والشفاء؛ فهو الذي خلق بنية الإنسان، وسخر له ما في الأرض من ~~جماد وحيوان ونبات، وجعلها أسبابا لحفظ الصحة وشقاء الدار. وبعض الأدوية تم ~~الإرشاد إليها في المنام. وكل شيء بمشيئته وإذنه. وقد ذكر الله البقل في القرآن، ~~وأشاد به الشعراء. وتعرف الخليل بن أحمد على الموز في القرآن. وتتم دعوة الله أن ~~يحفظ البلاد، # 44 # الأندلس، ويعيدها إلى الإسلام بكرمه، # 45 # إما الجزيرة كلها أو ما ضاع منها في الشرق؛ فالكتاب يحمل «هموم الفكر ~~والوطن». ويخاطب القارئ؛ فالعلم تجربة مشتركة بين المؤلف والقارئ. ولا يمنع ذلك ~~من طلب التأليف بأمر من السلطان. ms240 # 46 ~~(3) الطوسي # وفي القرن السابع الذي حمل لواءه الفكر الشيعي في العلوم الطبيعية والرياضية ~~والأخلاقية، يمثل «التذكرة في علم الهيئة» لنصير الدين طوسي (672ه) نموذج التعادل ~~بين الوافد في العمق والموروث في الاتساع؛ # 47 # فمن الوافد يتصدر بطليموس، ثم أرشميدس وإقليدس فحسب. ومن الكتب يتصدر ~~المجسطي، ثم السماء والعالم. # 48 # ويبدو ارتباط الطوسي ببطليموس شارحا مسار فكره، يدخل فيه ويعلل اختياره أحد ~~الاحتمالين، ثم يتجاوزه إلى ابن الهيثم المتمم له. والحقيقة أن بطليموس هو شارح ~~السيوطي، وارتباط السيوطي به مجرد ارتباط الجديد بالقديم، مثل ارتباط الإسلام ~~بالمراحل السابقة للوحي، المسيحية واليهودية، تطويرا وإتماما لها. # 49 # ولما ارتبط الفلك بالهندسة تم الاعتماد على أرشميدس ومصادراته لبيان ~~مساحة الدوائر بالتقريب وعلى إقليدس لبيان نسبة الكر إلى الكره، هدفه تنقيح بطليموس ~~من سوء الترجمة والشروح، و«المجسطي» نفسه مجرد رواية عن الفلك القديم في حاجة إلى برهان. # 50 # لم يتوقف شرح الوافد والتأليف فيه في هذا العصر المتأخر، بل ظهر في نوع أدبي ~~جديد هو التحرير؛ أي إعادة الكتابة والعرض. # 51 # ومن الموروث يتصدر ابن سينا وابن الهيثم، ثم البيروني والرازي الطبيب والمأمون. ~~ومن البلدان جزائر الخالدات، ثم الحبشة والمغرب ومكة، ثم الأندلس وبرية سنجار ~~والشام ومصر. ومن البحار والخلجان البحر الغربي، ثم البحر النوبي وبحر خوارزم وبحر ~~طبرستان وبحر درنك والخليج الأخضر والخليج الأحمر والخليج البربري وخليج فارس. ~~ويبين الخلاف بين ابن سينا والرازي تطويرا للتراث الفلكي الموروث، ويستأنف ~~أحكامهم مثل حكم ابن سينا على بقعة بأنها من عزل البقاع، وتفسير الرازي ذلك بأنه ~~تشابه الأحوال لأنها في خط الاستواء. كما يعتمد على ابن الهيثم ومؤلفاته، وعلى ~~البيروني وطرقه في معرفة مساحة الأرض. ويذكر طائفة من الحكماء في عهد المأمون. # 52 # وفي نفس الوقت ينقد علم التنجيم وخرافات المنجمين وأهل الطلسمات ~~ومزاعمهم وإسقاطاتهم البشرية على الأفلاك: الدب والتنين والهواء والدجاجة والعقاب ~~والأرنب والكلب والغراب والسبع والحية والفرس. # 53 # وقد يكون الدافع على تأسيس علم الهيئة هو التوجه القرآني نحو الطبيعة # تبارك الذي جعل ms241 في السماء بروجا ~~، ~~والتأمل في السماء والأرض؛ فعلم الهيئة مرقاة منصوبة إلى السماء العليا. كما يرتبط ~~في تطوره بالفقه ومعرفة مواقيت الصلاة والصيام والحج. وقد يكون الدافع على الإبداع ~~فيه الرغبة في التنبؤ بحوادث المستقبل، وتحويل التنجيم إلى فلسفة في التاريخ من أجل ~~التنبؤ بقيام الدول وسقوطها. كما تظهر صفات الله مستمدة من علم الهيئة، مثل فاطر ~~السماوات والأرض فوق الأرضين. ويبدأ النص بالبسملة وينتهي بالحمدلة لله مفيض الخير ~~وملهم الصواب، والصلوات على محمد المبعوث بفصل الخطاب، وعلى آله خير آل، وأصحابه ~~خير أصحاب. ويذكر علم الهيئة لبعض الأحباب، ويدعو لهم بتمام التوفيق وحسن ~~المآب. # وقد ارتبط الطوسي بهولاكو، وانقسم إلى حاشيته، كما ارتبط ابن خلدون بتيمورلنك. ~~وأسس له هولاكو مرصد مراغة، ولم يكتف بمجرد الدعوة لله والسلطان. ~~(4) الفارسي # ومع الطب ازدهر الحساب في إيران عند الشيعة في القرون المتأخرة التي ظن أهل السنة ~~أن الفلسفة قد انتهت عند ابن رشد في الأندلس. مثال ذلك «أساس القواعد في ~~أصول الفوائد» لكمال الدين الفارسي (718ه)، مع شرح ابن الخوام البغدادي من نفس القرن، # 54 # وهي موسوعة رياضية مثل طابع الموسوعات في هذا العصر حفاظا على التراث ~~وتدوينه من الذاكرة. تتضمن علم الحساب في العاملات وقوانين البيوعات، وفي أنواع ~~المساحات للسطوح والمجسمات وعلم الجبر والمقابلة وكيفية استخراج المسائل به. من شرح ~~الوافد يتصدر إقليدس، ثم أرشميدس المجسطي، وتاوذوسيوس، وفيثاغورس. # 55 # ففي كتاب إقليدس عن الأصول ومبادئ براهينها حوالي مائتي شكل ورسوم ~~توضيحية، جعل مبدأ العدد الوافد. بين وسمى ووضح ما يعرف الطوسي. ويذكر اسم ~~قشا، وهو مهندس أراد معرفة مساحة أحد الأشكال. وقال بالكسور. وتستعمل أفعال البيان ~~مع أرشميدس. وتذكر أكر تاوذوسيوس. وقد وصل العرض إلى درجة عالية من التجريد ~~والتجميع تكشف عن فقد الدافع الحيوي في الإبداع بالرغم من وضوح مسار الفكر، ومخاطبة ~~القارئ، وشرح الغامض، وإضافة كثير من الجداول التوضيحية، واستعمال أفعال البيان في ~~الأزمنة الثلاثة. # 56 # ويتم استعمال القياس؛ أي النظر والاستدلال، ولا يأتي الاستقراء إلا ~~استثناء من القاعدة. ms242 # ومن الموروث تذكر الآيات، ثم بنو موسى، ثم الرسول، ثم الكرجي، ثم علمان، ~~أبو طالب، وعشرات آخرون. # 57 # وتدل الآيات على الحساب الدقيق من الله وتأسيس علم الحساب بتوجه قرآني. # 58 # وكلها في سياق واحد، الحساب الدقيق فعل إلهي. وعرضه علي بن أبي طالب ~~بداهة. ويستعمل الموروث مثل أبي موسى في كتاب «معرفة الأشكال البسيطة والكرية» لشرح ~~الوافد، ومعه الكرخي في كتابه «الكافي في مساحة ذوي الأضلاع الكثيرة»، وأبو يونس ~~الموصلي والمسعودي، وهناك أيضا نقد متبادل في الموروث، مثل نقد الموصلي الكرخي ~~بأنه أخذ أمرا جزئيا واستعمله مكان أمر كلي، واستعمل الشعر كوسيلة للتعبير عن ~~الحساب عودا إلى المخزون العربي القديم. # 59 # ويستلهم السري الرفاء والسموءل وعروة بن الورد والمتنبي وآخرين. ويتصف ~~الله بصفات حسابية؛ فهو الذي لا يعده عد أو الطبيعة، وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده، وتظهر الصور القرآنية في الأسلوب، مثل # آنست ~~نارا ~~. وبالرغم من الطابع التجريدي للنص إلا أنه يكشف عن حياة المؤلف ~~ومراحل عمره؛ فالعلم في القلب والروح. وكما بدأ النص بالبسملة فإنه ينتهي بالحمدلة ~~والصلوات على الرسول. # 60 ~~(5) ابن الألعاني # وفي القرن الثامن يمثل «غنية اللبيب عند غيبة الطبيب» للألعاني (749ه) عودا ~~إلى الطب. # 61 # من الوافد يتصدر أبقراط كبير الأطباء، ثم جالينوس فاضل الأطباء، ولا ~~يوجد موروث إلا التصور الديني للخلق؛ فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وخلق بدن ~~الإنسان من أعضاء متوازنة وأمشاج متعادلة وقوى ظاهرة وباطنة، وخص كل واحد بما ~~لم يخص الآخر بناء على مبدأ التفرد الشخصي. والعلاج قوة أودعها الله البدن في ~~حال صحته، كافية شافية في دفع المرض؛ لأن الأدوية لا تعالج الأمراض، بل تساعد ~~الطبيعة. وإذا ظهرت للطبيعة حركة إلى جهة قصد نحوها كما هو معروف في العلاج ~~الطبيعي. ويبدأ النص بالبسملة وينتهي بالحمدلة، وكل شيء بهدى الله وتوفيقه، والصلاة ~~والسلام على من بشر به المسيح بعد الكليم. # 62 # | رابعا: داود الأنطاكي، والقليوبي، والمنذري # (1) داود الأنطاكي # وقد استمر هذا النوع الأدبي حتى القرن العاشر في: ~~(أ) ms243 «تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب» لداود الأنطاكي (1008ه)، ~~والمشهور باسم «تذكرة داود»، والذي أصبح في الثقافة الشعبية دليلا على الشفاء، وفي ~~الثقافة العالمة مؤشرا على الجهل والخرافات والطب غير العلمي والوصفات الشعبية، مع ~~أنه صورته في التاريخ هو الحكيم الفيلسوف الماهر الفريد، الطبيب الحاذق الوحيد ~~جالينوس، أو أنه وأبقراط زمانه، العالم الكامل، الهمام الفاضل الشيخ داود الضرير ~~الأنطاكي، «نفعنا الله بمؤلفاته، آمين». # 1 # فهو الجامع بين الموروث والوافد، وهو طبيب ضرير. الجزء الثالث من عمل ~~تلاميذه كتعليق، وهو المملوء بالطب النبوي والطلاسم، والذي طغى على جزئي الأستاذ ~~لما فيه من إغراء شعبي وإغواء للناس. # 2 # والدافع على التأليف الجمع والإحصاء والحفظ والتدوين في عصر الموسوعات في القرون ~~المتأخرة، وفي نفس الوقت إعطاء مختصر وليس مطولا طبقا لهموم قصر العمر. # 3 # وقد يكون الدافع هو الوطن، ووضع الطب بين أيدي المسلمين بعد أن كان ~~بأيدي اليهود، وهو أشبه بالقاموس مثل «القانون في الطب» لابن سينا، «في الأدوية ~~المفردة والحشائش» لديسقوريدس، و«جامع مفردات الأدوية» «لابن البيطار». وتذكر ~~أحيانا المصادر التي يتم منها التجميع، مثل الفلاحة النبطية، وإرشاد اللبيب، ~~جمعا بين رجوع الشيخ إلى صباه، شرح الأسباب، شرح القانون، ويضم أربعة أبواب ~~معظمها يبحث في الكليات والقوانين، القانون لابن سينا، والكليات لابن رشد. الأول ~~كليات العلم، والمدخل إليه لتصنيف العلوم، والثاني قوانين الإفراد والتركيب، ~~والثالث المفردات والمركبات، والرابع الأمراض وعلاجها، وهو أكبر الأبواب، والخاتمة ~~نكت وغرائب ولطائف وعجائب للتشويق، والتي طورها التلاميذ. وهو أفضل النصوص ~~المتأخرة في علم المتقدمين. ومن هنا أتت شهرته عند العلماء، وكل مسألة عملية لها ~~مقدمة نظرية. هناك البنية قبل الأبجدية. # 4 # وتنقسم العلوم طبقا لمناهجها إلى قسمين؛ الأول بالفيض والإلهام، والثاني ~~بالتجربة والقياس. والطب من النوع الثاني. كما تتقسم من حيث تعلمها إلى ضرورية ~~ومكتسبة، والطب من النوع الثاني. فالطب جزء من نسق عام للعلم، مرتبط بعلم النجوم ~~والجغرافيا والأخلاق، يقوم على مقدمات نظرية فلسفية كلامية أولى قبل أن يكون علما ~~عمليا للممارسة والعلاج؛ لذلك ارتبط الطب ms244 بالفلسفة الأولى. # وهو ينقد أطباء العصر وينعتهم بالجهل، ويقيم الطب على التجربة والقياس؛ لذلك ~~يكثر تعبير «ومن المجربات». ويقيم طب السابقين مثل الرازي، يقبل ما هو أصح عنده ~~ويرفض استدلالات إذا كانت صورة القياس باطلة. ومع ذلك سادته بعض الخرافات للربط بين ~~الطب والفلك في صورة التنجيم، خاصة لو كانت البداية بنظرية الفيض. والاعتماد على ~~الأفلاك للشفاء عجز عن فهم الأمراض وعللها وأدويتها، بالرغم من أن الربط بين الطب ~~والجغرافيا في الطب الجغرافي أو الجغرافيا الطبية تيار علمي. وفي العصور المتأخرة ~~عندما توقف الإبداع وتم اكتشاف الأصول الأولى، النبوة وما قبلها في الشعر، ظهر ~~الطب النبوي إما بمفرده أو بالتوفيق بينه وبين الطب العلمي، بل إن أرشميدس هو أول ~~من أسس علم الطلسمات ربطا للحاضر بالماضي، وللموروث بالوافد، مع كثير من الرسوم ~~التوضيحية. # ويظهر الوافد في العمق والموروث على الاتساع؛ # 5 # فمن الوافد يتصدر جالينوس، ثم أبقراط مع الأستاذ، ثم المعلم الأول ~~والمعلم والحكيم، ثم أفلاطون، ثم هرمس وديسقوريدس اليوناني وأندروماخوس، ثم إقليدس، ~~ثم ديمقريطس وآل إسقلبيوس والإسكندر وفيثاغورس وحوالي عشرين آخرين. # 6 # ومن الصفات يتصدر اليوناني مذكرا ومؤنثا، ثم الروم، ثم السريان خاصة ~~باللسان أو القوم. ومن الفرق الحكماء، ثم الصقالبة، ثم القدماء والأطباء والفلاسفة ~~وحكماء النصارى وبعض الأطباء وحكماء مصر والأقباط. ومن الأسماء المعربة ~~الأرتماطيقي، جوماطريا، قاطيغورياس. ويدل تحليل الألقاب، مثل الفاضل لأبقراط ~~وجالينوس، على مدى تعظيم القدماء. والبعض منهم أشبه بالرسل، عليهم السلام، مثل آل ~~إسقليبوس وهرمس عليهما السلام. ويذكر الوافد البابلي، حكيم من بابل يسمى دويدرس ~~البابلي. ويبدو أن آدم تراث قومي عند الكلدانيين، وكما ظهر عند البيروني. # ويظهر الوافد في أسماء الدواء من الشمال والجنوب والشرق والغرب على النحو ~~الآتي: # ومن الموروث يتصدر ابن سينا والشيخ، ثم بختيشوع، ثم الرازي وأبو الفرج، ثم ~~النفيس، ثم ابن التلميذ، ثم ابن رشد والكندي، وابن ماسون (ابن النفيس) وابن البيطار ~~وأبو البركات الطبيب والشريف والترمذي وابن عباس والحاكم وإدريس في المرتبة ~~السادسة، ثم عشرات الأطباء الآخرين والصحابة والفقهاء ms245 والمؤرخين والحكماء والخلفاء ~~وزوجات الرسول والأنبياء الأقل تكرارا. # 7 # ومن أسماء الأماكن يتصدر الهندي، ثم الفارسي، ثم العربية، ثم الشام، ثم ~~العراق، ثم المغرب، ثم البربري، ثم أرمينيا والعبرية، ثم الزنجي والحجاز والأندلس ~~وسرنديب، ثم بغداد والقدس، ثم أفريقيا وعشرات آخرون من الأماكن الأقل تكرارا. # 8 # ويتصدر الحديث القرآن، وكلها في الطب النبوي، تتعلق بالخلق والحكمة ~~والحمى والمرض والعدوى ووسائل العلاج والاتكال على الله، # 9 # ومنها حديث بالفارسية «اشلم درد»، ومعناه وجع البطن. # 10 # ويبدو مسار الفكر حتى في التجميع، الإحالة إلى السابق. وكما يبدأ الكتاب بالبسملة ~~ينتهي بالحمدلة، ويعطي صفات للذات تتعلق بالطب، مثل مبدع مواد الكائنات بلا مثال ~~سبق، ومخترع صور الموجودات في أكمل نظام ونسق، ومنوع أجناس المزاج الثاني نتائج ~~الأوائل، ومقسم فصوله المميزة على حساب الفواعل والقوابل، والمجرب المعيشي. وكل شيء ~~بحمد الله وتوفيقه وبمشيئته، له الحكم في كل شيء، وهو الشاهد، لا ضرر ولا نفع إلا ~~بقضائه، وهو أعلم من العلماء. # 11 # ويمتلئ التذييل لبعض التلاميذ كنموذج للعمل الجماعي الذي يكشف عن الوعي الجمعي ~~بالثقافة بالرسوم التوضيحية والمعادلات والصور للملائكة، والجداول الإحصائية وحساب ~~القوى الطبيعية وجداول طبائع الحروف وتراكيبها وجداول الأفلاك وجداول الكلمات ~~وأشكال الأحجية ورسوم هندسية وصور حيوانات. ويضيف الرقي والطلسمات والفلقطاريات ~~والموسيقى والسيمياء كأجزاء من الطب مع بيان الدلالة السحرية لأعضاء الجسم، ~~اعتمادا على علم النفس الإيهامي والصوفية ومشايخ الطرق وعلم الأسرار والحروف ~~ونماذج من الدعوات والأحجبة والصلوات للشفاء مع إضافة القرآن. كل شيء له حجاب، مثل ~~كل شيخ وله طريقة؛ مما يكشف عن صراع مكتوم بين الخرافة والعلم. # 12 # ومن الوافد يتقدم جالينوس، ثم أبقراط، ثم فرفوريوس وأفلاطون، ثم فيثاغورث ~~وأركيغانس وسكافيلوس. ومن أسماء الفرق يأتي الحكماء، ثم الفلاسفة، ثم حكماء ~~اليونان. ويذكر الفرنجة إحساسا بالشمال الناهض وباليونانية. ومن الكتب يذكر ~~السماع والطبيعيات. # 13 # ومن الموروث يتقدم الشيخ (ابن سينا)، ثم الإمام الشافعي، ثم الرازي والمعلم ~~الثاني (الفارابي)، ثم الشيخ محمد زيتون، ثم السهروردي والشيخ الفاضل أبو الفرج ~~المالطي، ثم الغزالي وذو ms246 النون المصري والبهلول وعبد الله بن هلال والحكيم أبو بكر ~~والحلاج والطرطوسي والشيخ علي المقدسي وسليمان ونوح. # 14 # وواضح سيادة الصوفية على الحكماء. # 15 # كما تكثر الأسماء الخرافية السحرية، مثل شمهورش في الثقافة الشعبية. ~~ويتم الشفاء بآيات القرآن والأحاديث المكررة، وكما تطور الطب النبوي إلى الطب ~~العلمي بفضل الوافد يتحول الآن الطب العلمي إلى الطب النبوي «مؤسلما» الوافد. تكثر ~~آيات القرآن في الأحجية. # 16 # ومن الأماكن تذكر الهند وحكماء الهند ومصر والعرب، ثم الحجاز والصين. # 17 # ويحال إلى بعض المصادر الموروثة. # 18 # وتزداد العبارات الإيمانية في البداية والنهاية وألقاب التشايخ والتنبيه على أن ~~المنفعة والضرر من الله، وأن الأدوية ليس في قوتها ما ينفع ولا يضر، إنما هي عادة. ~~ويقتصر ذلك على المسلمين وحدهم، وكأن الجسم يتحدد طبقا للملة. وكل شيء بقدرة الله ~~ومشيئته وإذنه، وكله من عجائب الحكمة الإلهية. والشفاء لا يتم إلا بالقرآن كتابة ~~وقراءة. ~~(ب) ولداود الأنطاكي أيضا «النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة» على ~~هامش «التذكرة»، # 19 # وهو آخر ما ألف؛ مما يكشف عن نضجه العقلي ورؤيته الفلسفية، وعن تجاوز ~~التجميع من الكتب السابقة إلى التفكير وضم المعقول إلى المنقول. مصادر التأليف ~~عقلية أكثر منها نقلية، مثل الحكميات والفلسفة، وإرجاع المركب إلى البسيط، ووضع ~~الجواهر في الألفاظ؛ مما يدل على غلبة التفكير على التدوين، والداخل على الخارج. ~~ويقوم ذلك كله على مسلمة تطابق العقل والوجود، الذات والموضوع؛ ومن ثم يعود الطب ~~إلى أصله في واجب الوجود. ليس الغرض تكرار المادة الطبية ، بل تأسيسها على نحو ~~عقلي، وهو على هذا النحو أقرب إلى الإبداع الخالص بالرغم من ظهور الوافد والموروث؛ ~~فالكتاب في فلسفة الطب أكثر منه في الطب؛ # 20 # لذلك تقل الرسوم التوضيحية، ويختفي الترتيب الأبجدي نظرا للاعتماد ~~على العقل الخالص. تظهر روح إخوان الصفا من جديد، الكل في الكل. ويكثر تقييم التراث ~~الطبي السابق، والحكم بالصحة والبطلان والصواب والخطأ. ويظهر التمايز بين الأنا ~~والآخر في أفعال القول، «أنا أقول». # 21 # وكما بدأ الفارابي بإحصاء العلوم ms247 ينهي داود أيضا بتصنيف العلوم ووضع الطب فيه؛ ~~فالطب جزء من العلوم الطبيعية كالصيدلة والكيمياء والنبات والحيوان والطبيعة، وعلى ~~صلة بالعلوم الرياضية كالحساب والفلك والهندسة والموسيقى، وكلاهما على صلة بالعلوم ~~الإنسانية كالجغرافيا والتاريخ، بل وبالعلوم الشرعية، مثل علوم الحكمة الإلهية ~~الكلامية والفقهية، العقيدة والشريعة، النظر والعمل، على النحو الآتي: # ويتضح من ذلك أهمية الفلك وأثره على العلوم الطبيعية كالطب والصيدلة والطبيعة ~~والكيمياء، بل وعلى الموسيقى، وأهمية الحساب للجغرافيا والتاريخ. والأعلى هو الذي ~~يؤثر في الأدنى؛ مما يعطي الأولوية للعلوم الرياضية على الطبيعية والإنسانية. كما ~~ترتبط العلوم الرياضية بعضها بالبعض مثل الفلك والموسيقى؛ فالكون نغم، والنغم روح. ~~الطبيعة والروح لغة واحدة. شرف العلم طبقا لمرتبته؛ أي لشرف الموضوع، وهو الأعلى ~~الذي يجمع بين المراتب الثلاث، أو لجمعه بين مرتبتين، أو لمدى الحاجة إليه في ~~مرتبة واحدة، وهو المستوى الإنساني. # 22 # ويحتاج الطبيب إلى كل هذه العلوم؛ فهو من علوم الحكمة، البداية من ~~أعلى، كل علم يؤدي إلى الآخر في نسق استنباطي واحد. الشريعة قاموس إلهي، وجزء من ~~نسق العلم؛ فالشريعة سياسة الأرواح، كما أن الطب سياسة الأبدان. ولا فرق بين العلوم ~~العقلية الرياضية والطبيعية والإنسانية والعلوم النقلية. والنبوة جزء من منظومة ~~العلوم. # ويتضح ذلك النسق في مقدمة الكتاب وتبويبه؛ إذ تشمل على استنباط الطب من الحكمة، ~~ثم تعالج الأبواب الثمانية الكليات، والأسباب، والأحوال والعلامات، والقوانين ~~والوصايا، وهي كلها أمور حكمية. وأخيرا يظهر علم الطب الخاص في الأمراض الباطنة ~~عضوا عضوا، من الرأس إلى القدم، من أعلى إلى أدنى، وفي الأمراض الظاهرة. # 23 # وداود مثل ابن سينا الرئاسة في القلب، على عكس أبقراط وجالينوس حيث ~~الرئاسة الدماغ؛ مما يعبر عن جوهر حضارتين، القلب والعقل. ويرتبط علم النفس بعلم ~~الطب لوضع علم الطب النفسي أو علم النفس الطبي، أو علم نفس الحواس. # 24 # وهنا يدخل السحر لأنه من أثر العالم العلوي على العالم السفلي، ~~والفراسة جزء من الطب، معرفة الأمراض عن طريق قوانينها الحسية، معرفة الداخل عن ~~طريق الخارج. # ويعتمد على القياس والتجربة ms248 لبيان وحدة الوحي والعقل والطبيعة. ولا ريب من القياس ~~والتجربة على الحيوانات من أجل معرفة شخصية الإنسان؛ لذلك تكثر عبارات «وهذا من ~~مجرباتنا»، «ومن المجرب فيها» ... إلخ. وتظهر العبارات الدالة على مسار الفكر في ~~هذه المرحلة المتأخرة؛ مما يدل على أن الفكر لم يتوقف حتى في عصر الشروح والملخصات، ~~وهي العبارات الدالة على ما يتم وما سيتم. # 25 # والعمل وحدة واحدة بالرغم من قلة الإحالات إلى مصادر أخرى، مثل «كتاب ~~البلدان». ويظهر أسلوب الاعتراض والرد عليه مسبقا أسوة بالعلوم العقلية، وفي نفس ~~الوقت يخاطب القارئ لمشاركته في الفكر والاستدلال. # 26 # ومن الوافد يتصدر جالينوس، ثم أبقراط، ثم المعلم والحكيم باللقب وليس بالاسم، ثم ~~فيثاغورس وفوفوريوس، ثم بطليموس وأفلاطون وديمقريطس وديسقوريدس وأندروماخوس ورودس ~~وأنبادقليس وسقراط وخطافورس. # 27 # كما تظهر صفة يونانية كثيرا؛ مما يدل على التمايز بين الوافد ~~والموروث. ويشار إلى بعض الكتب مثل أسطرنوميا، وأرثماطيقي، وكتب السماع. ومن أسماء ~~الفرق يظهر الحكماء على الإطلاق دون تحديد وافد أو موروث، ثم الفلاسفة. كما تظهر ~~أسماء أماكن مثل رومية والإفرنج. وما زالت بعض الألفاظ اليونانية المعربة حتى هذا ~~العصر المتأخر، مثل أسطغورياس؛ أي المنزل ولوازمه. ولم يعد لفظة الحكمة يشير إلى ~~الوافد، بل الحكمة ذاتها دون تمايز بين الوافد والموروث. ونظرا للبعد عن الوافد ~~يتم التعريف بالبعض؛ فإن أندروماخوس من المشائين، وفوطاغورس يعني صاحب المرتبة أتى ~~بعد أرسطو، وتنقل بعض النصوص المترجمة، بل قد يختفي اللفظ الوافد ولا يبقى إلا ~~الموروث قبل السياسة الملكية والسلطانية. وعندما يشار إلى جالينوس فليس المقصود ~~بداية الوافد عند اليونان، بل استمرار تراثه عند المتأخرين، من حضارة إلى حضارة. # 28 # ومن الموروث يتصدر الشيخ، ثم أبو الفرج المالطي، ثم المسيحي، ثم الرازي وصاحب ~~الحاوي والكامل، ثم الصابي، ثم المعلم الثاني. # 29 # والشيخ ابن سينا من أتباع المعلم الأول، وهو معلم الطب، وتذكر أقواله ~~في الشفاء. والرازي والمعلم الثاني أهم من ابن رشد. وتذكر الألقاب قبل الأسماء في ~~الموروث أيضا مثل الصابي، المالطي، وليس في الوافد فقط. ولا ms249 تظهر أعلام أخرى مثل ~~ابن النفيس. ويوصف الرازي بأنه من الإسلاميين إحساسا بالتمايز بين الموروث ~~والوافد، كما أن جالينوس من اليونانيين. ومن أسماء البلدان يظهر العود الهندي، ثم ~~الدار صيني، ثم الفارسي، ثم الرومي، ثم مصر والأرمني، ثم الحبشة والعرب والحجاز ~~والشام وصفا للأدوية ومصادرها. ومن الفرق يذكر حكماء الهند وحكماء النصارى وأهل ~~الشرع والمتأخرون وأهل الطبيعة ومحققو الفلاسفة. وتظهر بعض الموضوعات الكلامية، مثل ~~الآجال والأرزاق. وتستعمل بعض المفاهيم الأصولية مثل عموم البلوى. # ويظهر اتفاق العلم والدين، القرآن والطب، الحديث والعلاج، في هذه النصوص ~~المتأخرة. الله حكيم وضع الحكمة في الطبيعة، وهي أصول الطب؛ فكل ما يحدث في ~~الطبيعة من تغير يفتقر إلى الإيجاد الإلهي، وفي ظواهرها عجائب الحكمة الإلهية، ~~وحوادثها من مقتضيات عناية الحكيم. # 30 # يساعد الطب على الإيمان كما يساعد الإيمان على الطب. التوفيق بين الدين والعلم ~~ممكن، والخلاف بينهما في الإيجاب؛ أي في الضرورة. في العلم موجباته الأسباب، وفي ~~الإيمان موجباته الحكمة الإلهية؛ فإذا قال أهل الشرع إن ما يحدث في الطبيعة بقدرة ~~الله وألطافه وصناعته فذلك لا يناقض العلم، وإنما الخلاف في الإيجاب. فإذا رأى ~~الرسول الغيب فإن ذلك يعتبر نقدا للحسيين الذين يقصرون المعارف على الحس. وكان ~~أول ما يعتبر به الحكماء التشريح؛ لأنه يزيد الإيمان بالصانع الحكيم، ويرشد إلى ~~مواقع الحكمة كما لاحظ ابن سينا. # وتظهر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتفسير الطب أو ليفسرها الطب، وذلك ~~مثل آية التطور # ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين ~~، وهو ما عادل التفسير العلمي للقرآن الآن. ومثل آية # فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر ~~، فلا خلاف بين التطور والشرع. وإذا نهى الشرع عن البحث في الروح # قل الروح من أمر ربي ~~؛ فإن الغاية من ~~هذا الزجر حب الاستطلاع؛ وبالتالي الحث على العلم، والنفس مولعة بالبحث عما نهيت ~~عنه. وقد يكون الهدف هو البحث في البدن؛ فالطب هو علم الأبدان، كما أن الدين هو علم ~~الأرواح. وقد أشار القرآن إلى علم ms250 الفراسة في آية # إن في ~~ذلك لآيات للمتوسمين ~~، وفي الحديث: «إن خلق أحدكم ~~ليجمع في بطن أمه أربعين يوما.» مما يدل على التطور في الزمان قبل الولادة ~~وبعدها. الطب مصداق للحديث. # 31 # وفي الحديث: «تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء»، «الدواء من ~~الداء». فالله هو سبب المرض والعلاج. # 32 # وفي البسملات والحمدلات تظهر وحدة الحكمة الإلهية مع الحكمة الطبيعية؛ فالأجرام ~~تسجد لله صاغرة، والأخلاط تمتزج بحكمته خادمة له متصاغرة، وأنعم الله على ~~الأعضاء ببعث الأرواح، وجعل الأفعال غايات القوى، واستمداد العصمة والتوفيق من واهب ~~العقل. والله أعلم بحقائق الأمور، وكل شيء يتم بمشيئته وبإذنه، والله الموفق ~~للصواب، وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو نعم ~~الوكيل، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه. ويتوارى مدح السلطان إلى مدح الشيخ، ~~سلطان العلم، بشعر ركيك لمدح مذموم. # 33 ~~(2) القليوبي # وتجمع «تذكرة القليوبي في الطب والحكمة» للعالم العلامة والبحر الفهامة الشيخ ~~أحمد القليوبي من علماء القرن الحادي عشر، بين الطب والحكمة؛ لبيان أن الطب جزء من ~~الحكمة الطبيعية بصرف النظر عن ألقاب التعظيم والتبجيل التي تغلب على طريقة العصر. # 34 # وهو أقرب إلى الإبداع الخالص في هذا العصر المتأخر؛ إذ لا تتجاوز ~~الإحالات إلى الوافد جالينوس، ولا يتعدى الموروث حكاية ظرفية عن ضعف بصر أحد ~~الأولياء، فرأى النبي وشكا له، فأمره بالاكتحال بحروق قشر اللوز الحلو. كما يذكر ~~العود الهندي والهندبا وطاعون مصر والشب اليماني وغيره. # 35 # يعتمد النص على الأقل الخالص، وفي نفس الوقت يجمع ما تفرق من تصانيف ~~ويغني عنها كالسهل الممتنع. ويصنف الأمراض من أعلى إلى أدنى في البدن. وفي ~~البسملة والحمدلة تظهر العبارات الدينية الطبية، مثل الحمد لله الذي جعل نوع ~~الإنسان أكمل الأنواع، وميزه بالنطق والإدراك والاختراع، وجعل صحة بدنه وعقله سبب ~~وجوده، والصلاة على محمد الذي اعتدل في الجسم والأخلاق والطباع، وعلى آله وصحبه ~~الأتباع. لا دواء ولا داء إلا بمشيئة الحكيم الأقدس، وهو الأعلم والملهم للصواب. ~~وتتدخل الخرافات برسم ما ينفع ms251 الطاعون من الطلاسم تكتب فيها البسملة وآية # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها ~~، أو # ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل ~~لله الأمر جميعا ~~، وعدد آخر من الآيات، مع بعض الأسماء الحسنى، ~~مثل: فرد، حي، قيوم، حكم، عدل، قدوس، في شكل رباعي، إلى آخر ما هو معروف من الطب ~~السحري الخرافي. ويخاطب القارئ؛ فالقارئ جزء من الخطاب حتى هذا العصر ~~المتأخر. # رقيب # مقتدر # خلاق # عليم ~~(3) المنذري # وكعادة كل الأشكال الأدبية في صلة الوافد بالموروث، تنتهي كلها في القرون ~~المتأخرة بسيادة الموروث الخرافي الشعبي، سواء في الطب أو في الفلك، في بدن الإنسان ~~أو في بدن الكون، في العالم الأصغر أو في العالم الأكبر؛ فإذا كانت «تذكرة داود» أو ~~القليوبي هو النموذج للطب الشعبي، فإن «كشف الأسرار الخفية في علم الأجرام السماوية ~~والرقوم الحرفية» للعلامة عمر بن مسعود بن ساعد المنذري (1160ه) يعتبر نموذج الفلك ~~الشعبي، والتحول من علم الهيئة أو علم النجوم إلى علم التنجيم. # 36 # وفي هذه الحالة تقل دلالة الموروث والوافد، العنصرين المكونين للإبداع الفلسفي ~~لصالح الواقع النفسي والاجتماعي للعلوم الإسلامية التقليدية. ويتضخم هذا المكون ~~الثالث لدرجة احتوائه للمكونين الأولين؛ فالموروث هو الموروث الخرافي الأسطوري ~~الموضوع، والوافد هو الوافد الخرافي الشعبي المنحول. يصبح الإبداع غير مشروط ~~بمكوناته الأولى وتعبيرا عن الخيال الحر، فيتحول العلم إلى خرافة، والواقع إلى ~~أسطورة، والعقل إلى خيال. # تظهر أسماء الأعلام في الجزء الأول، وتقل تباعا حتى تختفي كلية الجزء السادس. ~~البداية بالتاريخ، والنهاية خارج التاريخ. كما يقل عالم الحروف الرقمية في الجزء ~~الأول، ويكثر تباعا حتى يسود كلية الجزء السادس. البداية بعالم الأشياء، والنهاية ~~بعالم الرموز. # يتضمن الجزء الأول «في تقرير أصول علم النجوم والاضطرار إليه، وفيما يخص كل برج ~~وينسب إليه» واحدا وأربعين بابا تبين فضل علم الحكمة والنجوم والبحث عن الأسرار ~~وأثر عالم النجوم والسحر المبني على تصفية النفس، وكلها بإذن ms252 الله. # 37 # وكلها إسقاطات من النفس على الطبيعة، والإنشاء على الخبر. # والجزء الثاني «في أحوال الكواكب السبعة السيارة، ومعرفة طبائعها وما يعرض لها ~~من السعادة والنحوسة، وفيما يضاف لها وينسب إليها، وفي قوتها وضعفها ودلالتها» ~~يتضمن ثمانين بابا تختلط فيها الطبيعة بالإنسان، ويتداخل فيها الموضوع بالذات، ~~ويظهر فيها أثر الكواكب في مصائر البشر سعادة وشقاء، وإسقاط العالم الإنساني على ~~العالم الطبيعي في قسمة الكواكب إلى مذكر ومؤنث، وتفاوتها في مراتب الشرف، والصداقة ~~والعداوة، وشقائها وتعسها، ويقينها وحيرتها، وربط الكواكب وحركاتها على أفعال ~~البشر؛ مما يسلب حرية الإنسان وقدراته الطبيعية، وقضاء حوائجه أو وقفها؛ فهي عالم ~~إنساني من الاستعلاء والقوة والفاعلية والكمال. # 38 # والجزء الثالث «في تسخير الكواكب، وفيما ينسب إلى كل كوكب مكنها من الأعمال ~~والمطالب في ساعاتها»، ويضم ثمانية وعشرين بابا، تدور معظمها حول مفهوم التسخير، ~~تسخير الكواكب في حياة الإنسان عن طريق السحر، كوكبا كوكبا، القمر وعطارد والزهرة ~~والشمس والمريخ والمشتري وزحل، ودفع مضارها وكيفية الاستعانة بها وحمدها، وأثرها في ~~زرع المحبة والكراهية في نفوس البشر، وطرق عمل الطلسمات في مختلف ساعات النهار. # 39 # والجزء الرابع «في علم الحروف المرقومة وما يخصها من الأسرار المكتوبة» يعرض سر ~~حرف حرف من الحروف الأبجدية بلا فصول أو أبواب مثل باقي الأجزاء، ضاربا المثل ~~بمعنى البسملة كما هو الحال عند ابن عربي، وتقابلها مع تاريخ النبوة؛ فلكل نبي حرف ~~ورقم وما يقابله من الطبائع. ويبدو أن تتبع الحروف الثمانية والعشرين ابتداء من ~~الألف حتى الياء أغنى عن تقسيم هذا الجزء الرابع إلى أبواب وفصول. وحروف أوائل ~~السور جزء من النظرية العامة في الحروف الرقمية. وكل حرف له شكل ومضمون يميلان إلى ~~درجة المعرفة ومرتبة الوجود. والحروف ليست مرتبة أبجديا، بل يتغير ترتيبها وفقا ~~لنسق خاص. # والجزء الخامس «في علم التكسير وحزب الأوفاق واستخراج الأسماء والأقسام وإظهار ~~الأرواح النورانية»، ويضم ثلاثين فصلا حول أثر أفعال الأفلاك في العالم الإنساني، ~~ويغلب عليها موضوع الحروف، طبائعها ومراتبها، وتصرفها، وأنواعها، وأسرارها، ~~ومعانيها، واستخراج الحقائق منها، ms253 والأصول اللازمة لها، وطرق تكسيرها، ووجودها في ~~أم الكتاب، وطبائعها، سعدها ونحسها، منافعها ومضارها، وما ينسب إلى الأيام السبعة ~~من الكواكب والآيات والملائكة العلوية والسفلية والعرشية، وكيفية العمل في كل يوم، ~~وتسبيح الملائكة، وتجريد النفس، وشرح تركيب الغزالي وفق زحل، وصفة الأقلام، وآداب ~~الدعاء وأوقاته وفضله وشروطه وآدابه. # 40 # والجزء السادس «إغاثة اللهفان في علم تسخير الروحانية والجان» أشبه بكتاب مستقل ~~خاتمة للكتاب نفسه. ولا ينقسم أيضا إلى أبواب أو فصول؛ فالتصوف يرى العالم بعين ~~الوحدة المطلقة. وتنكشف الأسرار المخفية في الأحجية والطلسمات. # ولما كان «تمثل الوافد مع تنظير الموروث» حالة افتراضية صرفة، فالتعادل ليس ~~وسطا حسابيا، بل هو تعادل نسبي. قد يزيد الوافد على الموروث، وهو الاحتمال ~~الأقل. وقد يتضخم الموروث على حساب الوافد، وهو الأغلب. ويقل الوافد والموروث ~~تباعا، يظهران في المجلد الأول، ويقلان في المجلد الثاني، ويكاد يختفيان في ~~المجلد الثالث. ما زالا يمثلان نقطة بداية في التاريخ، تاريخ الآخر اليوناني ~~وتاريخ الأنا العربي الإسلامي، ثم يتحول النقل التاريخي إلى إبداع خارج ~~التاريخ. # ويتداخل الوافد الشرقي مع الوافد الغربي؛ فالشرق موطن السحر، والغرب السحري أثر ~~من آثار الشرق. ويتصدر الوافد البابلي مثل تنكوشا المذكور عند ابن وحشية في ~~«الفلاحة النبطية». # 41 # ويذكر أيضا أبوراطيس البابلي وأسماء أخرى شبه هندية يونانية، مثل ~~بهرماطوس، سمهياطس. ويذكر الكلدانيون باعتبارهم رواد علم الفلك الأوائل ~~والعالمين بأسرار النجوم. وهم في نفس المنطقة الجغرافية التي نشأت فيها الصابئة ~~عبدة الكواكب، دين قوم إبراهيم. ويذكر كسرى من الموروث الفارسي. # ومن الوافد اليوناني يذكر أرسطاليس وهرمس، ثم بنداغوس والإسكندر وبطليموس ~~وأسطالينوس، ثم سقراط وأبقراط. وأرسطو هو المنحول الإشراقي الصوفي، وكذلك كل فلاسفة ~~اليونان. أما هرمس فهو زعيم السحرة، وهو إدريس النبي. # 42 # وبالرغم من ظهور أسماء بعض الفرق مثل الحكماء والفلاسفة والقدماء والمشايخ ~~القدماء والحكماء الفلسفيين، وهو ما يشير عادة إلى حكماء اليونان، إلا أنه يشار ~~إلى فرق شرقية أخرى، ليس فقط المعروفة منها مثل الكسدانيين وهم الكلدانيون، بل ~~أيضا غير المعروفة، مثل الأنوسيين والزماطرة. ms254 # والموروث الغالب هو القرآن والحديث. والغالب على الآيات، آيات المعجزات والسحر ~~وغرائب الطبيعة وعجائب الكون، أو آيات النور والإشراق والإيمان، أو آيات الكون، ~~الخلق والبعث، أو آيات المعاد؛ فلا فرق في الكون بين الدنيا والآخرة. ويتحول القرآن ~~إلى آيات سحر ومعجزات لشفاء الأمراض بكتابتها في الأحجية والطلسمات. ويتحول التنجيم ~~إلى الطب. ومعظم الأحاديث موضوعية عن الحروف والأرقام والكتب المنزلة. وتدخل ~~الإسرائيليات، ليس فقط أنبياء بني إسرائيل، آصف بن برخيا، وسليمان وموسى، بل كل ~~الأنبياء الذين كانت لهم علاقة بالخوارق والمعجزات؛ فالدين واحد. # ومن الموروث يذكر أبو معشر البلخي، ثم أبو العباس البوني وقسطا بن لوقا وعلي ~~بن أبي طالب، ثم ابن سينا والخازن والأصفهاني وابن سبار والجمعيني والقمي والخياط ~~والغزالي وجابر بن حيان الصوفي والكوفي والحامدي وأبو سعيدي. وواضح تداخل الفلاسفة ~~مع الصوفية والعلماء والصحابة في رؤية واحدة، العلمية الصوفية. # 43 # وأسماء البقاع كلها عربية لا يونانية. وتكثر البسملات والحمدلات، وكأن ~~الإيمان الديني قادر على فك أسرار الطبيعة. كما تتردد عبارة «الله أعلم» مما يوحي ~~بالأسرار، وباتساع محيط العلم. # وهو كتاب تجميعي شامل، يبدأ بالفلك وينتهي بالطب والكيمياء. يعتمد على نصوص ~~سابقة يعاد توظيفها واستخدامها في الهدف الجديد الذي يعبر عنه العنوان، كشف ~~الأسرار الخفية في علم الأجرام السماوية. وقد يساهم الناسخ في التجميع؛ فالهدف هو ~~ملء القالب وليس المادة. ويبدو ذلك في الجزء الرابع عن الحروف الرقمية المقتبس من ~~كتب أخرى لنفس المؤلف، مثل كتاب الاقتباس. # تغيب عنه البنية، ويخلو من الأبواب والفصول، بل يخلو من ترقيم الصفحات، مكتوب بخط ~~اليد، بالأسود والأحمر، وعلى ورق مطرز محشي بالزخارف، مملوء بالرسوم التوضيحية ~~والجداول بالحروف والأرقام. وتتخلله عبارات غامضة مثل عبارات «شمهورش » في الثقافة ~~الشعبية لتوحي بعالم الأسرار وحديث الجن. ويعتمد على أسرار الحروف. وهو ما يوحي ~~به الجزء الأخير من العنوان «والرقوم الحرفية»، والتقابل بين أسرار الحروف وأسرار ~~الأرقام. # ولا يخلو الكتاب من سجال ضد علم النجوم كعلم طبيعي ينكر أن تكون الأفلاك ~~كائنات حية ناطقة. لم يستمر من الفلسفة ms255 القديمة المنطق، بل من أضعف أجزاء ~~الطبيعيات، وهو علم التنجيم، بالرغم من تفرقة الفارابي في البداية بين العلمين، ~~ونقد علم التنجيم في «ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم». ولا يظهر من موضوعات ~~الفلسفة القديمة إلا فيما ندر، ودون أساس علمي أو فلسفي، مثل علم الله ~~بالجزئيات. # ويخاطب المؤلف القارئ على عادة المؤلفين المسلمين، خاصة إخوان الصفا، من أجل ~~تجنيده للدعوة؛ فليس الهدف هو المعرفة النظرية، بل الإرشاد العلمي. # ويحال إلى أعمال أخرى مشابهة؛ مما يدل على أن «كشف الأسرار المخفية» ليس حالة ~~فريدة أو مؤلفا واحدا، بل يدل على تيار عام في القرون المتأخرة، في الفترة ~~الثانية من تطور الحضارة الإسلامية ما بعد ابن خلدون التي حلت فيها الذاكرة محل ~~العقل، والشرح محل المتن، والخيال بدل الواقع، والخرافة بدل العلم. # 44 # وكما بدأ العرب شعراء، ثم أصبحوا مفكرين وعلماء، انتهوا إلى شعراء؛ فغلب الشعر ~~على العلم، ووجد العرب في ثقافتهم الأولى هويتهم الأخيرة، وكأن العلوم القديمة التي ~~نشأت في الفترة الأولى للحضارة الإسلامية كانت مجرد قوسين كبيرين. # الهدف منه السيطرة على عالم الأفلاك والكواكب من أجل إعادة السيطرة على العالم عن ~~طريق أثر الأعلى في الأدنى، وعالم السماء في عالم الأرض، والروح في البدن؛ فالعجز ~~عن تأسيس العلم الطبيعي والسيطرة على العالم يتحول إلى التأثير فيه عن طريق السحر ~~من خلال الكواكب والأفلاك، والملائكة والأرواح، والجن والشياطين، كما هو الحال في ~~قراءة الطالع، والسعود والنحوس، طبقا للأبراج في الثقافة الشعبية؛ لذلك تظهر لغة ~~الملوك والسلاطين والرؤساء كما هو الحال عند الصوفية وألقاب الأقطاب والأبدال؛ ~~فمنهم تنشأ السلطة وتصدر الأوامر، وما على الناس إلا السمع والطاعة. ويكثر استعمال ~~لفظ «التسخير»، وهو مفهوم قرآني، تسخير الله الطبيعة لصالح البشر عن طريق العلم ~~بقوانين الطبيعة، وهنا عن طريق السحر وتأثير القوى الروحانية في مسار الطبيعة ~~وأحداث الواقع والتاريخ. # كلها إسقاطات إنسانية. غياب الواقع وحضور الوهم. لا فرق بين الدنيا والآخرة، بين ~~الخلق والبعث، بين المادة والروح، بين التنزيل والتأويل، بين الذهاب ms256 والإياب في ~~إطار حركة كونية روحية للخلاص؛ مما يأذن بنهاية الفترة الثانية في تطور الحضارة ~~الإسلامية وبداية فترة ثالثة في أعقاب التحرر من الاستعمار الحديث والصلة بالوافد ~~الغربي الجديد. ms257