######OpenITI# #META# URI: 1443MuhammadCinani.AdabWaHayat.Hindawi63527131 #META# Tags: literature #META# ID: 63527131 #META# Title: الأدب والحياة #META# AuthorID: 84758179 #META# Author: محمد عناني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # تصدير‏ # الأدب العربي بين المحلية والعالمية‏ # عن الأجيال الأدبية‏ # متفرقات‏ # مع لويس عوض‏ # مؤتمر كيمبريدج‏ # مصر في عيون العالم‏ # شوارد‏ # تقديم‏ # تصدير‏ # الأدب العربي بين المحلية والعالمية‏ # عن الأجيال الأدبية‏ # متفرقات‏ # مع لويس عوض‏ # مؤتمر كيمبريدج‏ # مصر في عيون العالم‏ # شوارد‏ # | الأدب والحياة # | الأدب والحياة # تأليف # محمد عناني # | تقديم # على نحو ما أذكر في كتابي «فن ~~الترجمة» - وما فتئت أردد ذلك في كتبي التالية عن الترجمة - ~~يعد المترجم مؤلفا من الناحية اللغوية، ومن ثم من الناحية ~~الفكرية. فالترجمة في جوهرها إعادة صوغ لفكر مؤلف معين ~~بألفاظ لغة أخرى، وهو ما يعني أن المترجم يستوعب هذا الفكر حتى ~~يصبح جزءا من جهاز تفكيره، وذلك في صور تتفاوت من مترجم إلى ~~آخر، فإذا أعاد صياغة هذا الفكر بلغة أخرى، وجدنا أنه يتوسل بما ~~سميته جهاز تفكيره، فيصبح مرتبطا بهذا الجهاز. وليس الجهاز ~~لغويا فقط، بل هو فكري ولغوي، فما اللغة إلا التجسيد للفكر، وهو ~~تجسيد محكوم بمفهوم المترجم للنص المصدر، ومن الطبيعي أن يتفاوت ~~المفهوم وفقا لخبرة المترجم فكريا ولغويا. وهكذا فحين يبدأ ~~المترجم كتابة نصه المترجم، فإنه يصبح ثمرة لما كتبه المؤلف ~~الأصلي إلى جانب مفهوم المترجم الذي يكتسي لغته الخاصة، ومن ثم ~~يتلون إلى حد ما بفكره الخاص، بحيث يصبح النص الجديد مزيجا من ~~النص المصدر والكساء الفكري واللغوي للمترجم، بمعنى أن النص ~~المترجم يفصح عن عمل كاتبين؛ الكاتب الأول (أي صاحب النص ~~المصدر)، والكاتب الثاني (أي المترجم). # وإذا كان المترجم يكتسب أبعاد المؤلف بوضوح في ترجمة النصوص ~~الأدبية، فهو يكتسب بعض تلك الأبعاد حين يترجم النصوص العلمية، ~~مهما اجتهد في ابتعاده عن فكره الخاص ولغته الخاصة. وتتفاوت تلك ~~الأبعاد بتفاوت حظ المترجم من لغة العصر وفكره، فلكل عصر لغته ~~الشائعة، ولكل مجال علمي لغته الخاصة؛ ولذلك تتفاوت أيضا أساليب ~~المترجم ما بين عصر وعصر، مثلما تتفاوت بين ترجمة النصوص الأدبية ~~والعلمية. # وليس أدل على ذلك من مقارنة أسلوب الكاتب حين يؤلف نصا ~~أصليا، بأسلوبه حين يترجم نصا لمؤلف ms001 أجنبي، فالأسلوبان ~~يتلاقيان على الورق مثلما يتلاقيان في الفكر. فلكل مؤلف، سواء كان مترجما أو أديبا، ~~طرائق أسلوبية يعرفها القارئ حدسا، ويعرفها الدارس بالفحص ~~والتمحيص؛ ولذلك تقترن بعض النصوص الأدبية بأسماء مترجميها مثلما ~~تقترن بأسماء الأدباء الذين كتبوها، ولقد توسعت في عرض هذا القول ~~في كتبي عن الترجمة والمقدمات التي كتبتها لترجماتي الأدبية. ~~وهكذا فقد يجد الكاتب أنه يقول قولا مستمدا من ترجمة معينة، ~~وهو يتصور أنه قول أصيل ابتدعه كاتب النص المصدر. فإذا شاع هذا ~~القول في النصوص المكتوبة أصبح ينتمي إلى اللغة الهدف (أي لغة ~~الترجمة) مثلما ينتمي إلى لغة الكاتب التي يبدعها ويراها قائمة في ~~جهاز تفكيره. وكثيرا ما تتسرب بعض هذه الأقوال إلى اللغة الدارجة ~~فتحل محل تعابير فصحى قديمة، مثل تعبير «على جثتي # over my dead body ~~» الذي دخل إلى ~~العامية المصرية، بحيث حل حلولا كاملا محل التعبير الكلاسيكي ~~«الموت دونه» (الوارد في شعر أبي فراس الحمداني)؛ وذلك لأن السامع يجد ~~فيه معنى مختلفا لا ينقله التعبير الكلاسيكي الأصلي، وقد يعدل هذا ~~التعبير بقوله «ولو مت دونه»، لكنه يجد أن العبارة الأجنبية أفصح ~~وأصلح! وقد ينقل المترجم تعبيرا أجنبيا ويشيعه، وبعد زمن يتغير ~~معناه، مثل «لمن تدق ~~الأجراس» # for ~~whom the bell tolls ~~؛ فالأصل معناه أن الهلاك قريب من سامعه ~~(It tolls for thee) ~~، حسبما ورد في ~~شعر الشاعر «جون دن»، ولكننا نجد التعبير الآن في الصحف بمعنى «آن ~~أوان الجد» (المستعار من خطبة الحجاج حين ولي العراق): # آن أوان الجد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # فانظر كيف أدت ترجمة الصورة الشعرية إلى تعبير عربي يختلف معناه، ~~ويحل محل التعبير القديم (زيم اسم الفرس، وحطم أي شديد ~~البأس، ووضم هي «القرمة» الخشبية التي يقطع الجزار عليها ~~اللحم)، وأعتقد أن من يقارن ترجماتي بما كتبته من شعر أو مسرح أو ~~رواية سوف يكتشف أن العلاقة بين الترجمة والتأليف أوضح من أن تحتاج إلى ~~الإسهاب. ms002 # محمد عناني # القاهرة، 2021م # | تصدير # تتناول هذه المقالات المنوعة موضوعات تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، ولكنها لا تخرج ~~في النهاية عن محور واحد هو الأدب باعتباره ظاهرة إنسانية؛ ومن ثم فهي تدور كذلك حول ~~الإنسان الذي يكتب هذا الأدب أو يقرؤه أو يتجسد فيه! # وباستثناء المقالات الست (42-47) التي نشرت في الأهرام المسائي في باب «أحاديث الأحد» ~~نشرت جميع هذه المقالات في صحيفة الأهرام الصباحية يوم الجمعة في عمود «الأسبوعيات» على مدى ~~سنوات طويلة - من آخر 1986م إلى آخر 1992م - مع توقف أثناء حرب الخليج استمر عاما وبعض عام، ~~بسبب الغصة التي ترسبت في حلوق كتاب العربية المؤمنين بها. # وسوف يلاحظ القارئ أن المقالات تتسم بالإيجاز الشديد الذي يفرضه ضيق المساحة في الصحيفة ~~اليومية؛ ولذلك فأنا أعتذر مقدما عن عدم الاسترسال في الموضوعات التي تقتضي الإسهاب. ~~ولتعويض ذلك أدرجت المقالات التي تشترك في طرح فكرة بعينها بترتيب نشرها في الأهرام كي ~~أيسر على القارئ متابعة الفكرة، ولا شك أنه سوف يلحظ هذا الاتصال الداخلي فيما بين ~~المقالات ولن تفوته الإشارات الصريحة إلى مقال سابق أثار بعض الضجيج فاقتضى الإيضاح. كما ~~سيلاحظ القارئ عدم وجود بعض المقالات التي طالعها في «أسبوعيات الجمعة» في هذا الكتاب، ~~وربما ضحك من السبب الذي سأورده له وهو ضياع أصولها من مكتبتي وتقاعسي عن بذل الجهد في ~~البحث عنها في أرشيف الأهرام. # وأهم ما أود أن يذكره القارئ هو أن هذه المقالات، على ما يبدو بها من سمات الصحافة ~~السريعة، ليست خطرات عابرة أو غير محققة، بل هي نتيجة التفكير المتأني والبحث المحقق، وكل ~~ما بها من معلومات صحيح وموثق، من أسماء الكتب والمؤلفين إلى الذكريات المرتبطة بالحوادث ~~والأشخاص، سواء في مصر أم في الخارج. وهذا هو الاتجاه الذي سار فيه عمود «الأسبوعيات» منذ ~~أنشأه محمد زايد ورعاه ونماه الصديق الأديب سامي خشبة. وقد كنت أفضل أن أطلق على الكتاب ~~عنوان «أسبوعيات» بغية إحالة القارئ إلى أصول المقالات، ولكن هذا العنوان ليس من حقي، بل من ms003 ~~حق كل من أسهموا في الكتابة بهذا العمود على مدى السنوات السبع الماضية. # وسوف يلاحظ القارئ أنني أدرجت مقالا بقلم الدكتور لويس عوض عن أحد أعمالي المترجمة، وردي ~~عليه، ثم رثائي له، انطلاقا من روح التلمذة الحقة التي ربطت بيني وبين هذا العملاق الشامخ ~~- رحمه الله رحمة واسعة. وأخيرا فلن يعدم القارئ بعض الهزل في ثنايا الجد، وبعض التفاوت ~~في النبرة # TONE # أو النغمة من مقال إلى مقال. # أرجو أن يقبل ذلك من باب التسلية والتسرية. فكتب المقالات تشبه - في أحسن حالاتها - ~~الحدائق التي تضم الحشائش والأعشاب إلى جانب الزهور والفواكه! فليقطف القارئ ما يجده من زهر ~~وثمر، وليضرب صفحا عما يصادفه من عشب وكلأ! فهذا أقصى ما أتمنى. # محمد عناني # القاهرة، 1992م # | الأدب العربي بين المحلية والعالمية # معنى العالمية # منذ عدة أعوام رأيت إعلانا عن أحد الأفلام المصرية يتضمن الإشارة إلى ممثلة «عالمية» - وراعني ~~أن تشترك إحدى فنانات العالم الكبار في فيلم مصري ينطق اللغة العربية، وأن ~~يوضع اسمها في ذيل قائمة الممثلين مسبوقا بعبارة «بالاشتراك مع النجمة العالمية» - وجعلت ~~أتأمل الاسم أياما (وقد علق بذاكرتي بعد أن رأيته كثيرا) وقررت أن أسأل عنه أحد ~~الأصدقاء الذين تخصصوا في نقد السينما. ولم أجد عنده إجابة لسؤالي فقصدت صديقا آخر ~~أعرف فيه المعرفة الموسوعية فأنكر هو الآخر، وكثرت تساؤلاتي حتى يئست وكدت أنسى الموضوع ~~تماما، ثم جاء يوم قابلت فيه أحد المشتركين في الفيلم وكان يحضر معي عرضا مسرحيا ~~فسألته فقال لي ببساطة ودون اكتراث: نعم، إنها إسبانية، وقد رحلت! فألححت عليه أن يشرح ~~لي الموضوع فلم يزد على أن قال إنها فعلا ممثلة ولكنها من الطبقة الثالثة أو الرابعة، ~~وسوق السينما في إسبانيا «نائم»! # وفتحت هذه العبارة بابا أمامي كنت أغلقته من سنين، وهو معنى «العالمية» الذي اختلط في ~~الأذهان - كما تبين هذه الحادثة - بمعنى كل أجنبي، وخاصة كل ما هو أوروبي أو أمريكي ~~(بالتحديد)؛ فنحن نتردد في أن نطلق على الأسترالي أو النيوزيلاندي - ولا أريد أن أذكر ~~أحدا ms004 من بلدان العالم الثالث (أو البلدان النامية كما يسمونها) - لفظ عالمي؛ إذ تقتصر ~~العالمية في لغتنا ومفهومنا واصطلاحنا على أبناء الدول الكبرى، وخاصة منها الدول ~~الاستعمارية التي حكمت معظم بلدان الأرض في فترة ما من تاريخنا الحديث. أقول بابا كنت ~~أغلقته من سنين لأنني كنت لا أريد أن أصدق ما قاله أستاذنا الدكتور لويس عوض ذات يوم من ~~أن الدول «المسيطرة» تفرض قيمها على غيرها، ومثلما تتفوق عسكريا واقتصاديا تستطيع ~~أن تتفوق - على الأقل من الناحية المادية - في نشر أدبها وفنونها وثقافتها. كنت لا أريد ~~أن أصدق ذلك إما لنزعة براءة لم تفتأ تعاودني وإما لإيمان بقيمة الفن الجميل والأدب ~~الراقي الذي قرأت كثيرا من نماذجه بغير العربية، ولكن الباب انفتح الآن ولم أعد بقادر ~~على إغلاقه؛ فما الذي يجعل الأدب عالميا؟ # التساؤل الأول - لا شك - هو ما معنى العالمية؟ هل معنى أن تكون ثمة رواية عالمية أن ~~العالم يقرؤها؟ أي إنها تتمتع بقدر من الإقبال الشعبي يتخطى حدود الإقليمية واللغة ~~والثقافة وما إليها؛ بحيث يقرؤها الناس في كل مكان وبأي لغة؟ (أيا كانت الأسباب ~~الدافعة على ذلك) أم أن معنى العالمية هو أن ثمة خصائص في العمل الأدبي أو الفني تجعله ~~قادرا على البروز بحيث ينتقل من حدود الاستمتاع المحلي به إلى آفاق العالم الواسع ~~بلغاته وثقافاته المتعددة؟ # التفريق بين المعنيين هام. أما الأول، وهو السائد، فلا يقتضي بالضرورة امتيازا ~~فنيا خاصا للعمل الأدبي، بل ولا يقتضي احتواء العمل الأدبي على مادة إنسانية أصيلة ~~حافلة تتخطى به حدود اللغة التي كتب بها، فإن هناك عوامل شتى تحدد إقبال الجماهير في ~~بلدان العالم المختلفة على عمل دون غيره - منها ارتباطه الوثيق بالثقافة التي نبع منها؛ ~~أي: كونه وثيقة اجتماعية أو ثقافية يحتاج إليها من يريد التعرف على الحياة في بلد ما. ~~وفي هذا الإطار تندرج أعمال أدبية كثيرة كتبت بلغات متعددة، ويقرؤها القارئ لا ~~للاستمتاع الأدبي في المقام الأول، بل للتعرف على الثقافة أو الحضارة التي تمثلها - ~~أيا كان حجم ms005 الدولة أو الأمة في موازين القوة الدولية. ومن هذه العوامل أيضا ارتباط ~~العمل بالجذور المشتركة للثقافة الإنسانية مثل الأساطير والحكايات الخرافية والرموز ~~النفسية المستمدة من الوعي الجمعي (بل واللاشعور الجمعي)، وفي هذا الإطار تندرج ~~الملاحم القديمة، الشعبية منها والأدبية، والمواويل والألغاز والقصص الشعبي وبعض الصور ~~الدرامية الأولى التي مر بها المسرح عبر تاريخه الطويل، ومن هذه العوامل أيضا قدرة ~~العمل على التسلية، وهذه قيمة محدودة؛ فالأعمال الأدبية التي تعتمد على الإثارة أو ~~الإضحاك أو على تصوير مشاهد الرعب، تعتبر أعمالا ترفيهية بالدرجة الأولى، وهي رغم ~~إقبال العالم عليها لا ترقى إلى مستوى الأدب الرفيع. وقد حل محلها في زماننا بعض ~~مسلسلات التليفزيون الأمريكية، وأفلام الهزليات ومسرح الهزل والقصص الرخيص وما إلى ذلك. ~~إن تلك الأعمال تطبع وتكتب ويقرؤها الناس بلغات متعددة، ولكنها لا تتمتع بالاعتراف ~~الأدبي ولا يعيرها النقاد اهتماما كبيرا (مثل الروايات البوليسية مثلا). # المعنى الأول للعالمية إذن لا يفترض معايير أدبية أو فنية ولا مادة إنسانية صادقة ~~ترقى بالعمل الأدبي إلى مصاف الروائع. أما المعنى الثاني فهو الذي يعنينا؛ وهو المعنى ~~الذي يمثل صعوبة لا يمكن التهوين من شأنها. # لقد تحدثت عن المعايير الفنية والمادة الإنسانية. ولقد اقترنا في حديثي اقترانا ~~وثيقا؛ ولكن الواقع أن نسبة وجودهما معا في عمل واحد تتفاوت من عمل إلى عمل، فلربما ~~صادفت عملا أدبيا حافلا بالمادة الإنسانية، نابضا بالحياة البشرية التي يصورها، ~~وهو مع ذلك لا يخضع للمعايير الفنية التي أشرنا إليها؛ فما هي تلك المعايير الفنية ومن ~~الذي وضعها، وكيف تتغير - إذا كانت تتغير - ومن الذي يغيرها؟ # المؤسسة الأدبية العالمية # إذا كنا نقيس الأدب بمقياس ذي شقين؛ أولهما المادة الإنسانية التي تهبه حياته ~~وعمقه، والثاني المعايير الفنية «المتفق عليها»؛ فنحن نواجه في الحياة معيارين لا ~~معيارا واحدا - الأول إنساني والثاني فني - وإذا كان المعيار الإنساني أيسر في التعرف ~~عليه فهو أصعب في الحكم عليه؛ لأنه لا يصل إلينا إلا من خلال الشكل الفني - أي إنه يتحد ~~به ولا يمكن فصله عنه؛ ms006 ولذلك فإذا ركزنا على ما اصطلح على تسميته بالمعيار الفني الذي ~~يحدد الأدب الرفيع استطعنا أن نرى الشكل والمضمون معا. # وأول ما ينبغي أن نثبته هو أن المعايير الفنية نسبية وليست مطلقة؛ أي إن تحديدها ~~يتغير من عصر إلى عصر ومن نوع أدبي إلى نوع آخر، بل ومن لغة إلى لغة. وتحضرني في هذا ~~المقام نظرية «النسبية النقدية» التي نادى بها في الخمسينيات البروفيسور «بوتل» وعرضت ~~لها في كتابي «النقد التحليلي» (1963م) ومفادها أن معيار تحديد الأدب الرفيع يستند إلى ~~ما اتفق عليه النقاد «المحترمون» في أي عصر من العصور وأي مكان وأي لغة، وما وصفوه بأنه ~~جدير بالبقاء. ولكن كيف نحدد أولئك النقاد «المحترمين» هل هم مثلا من كتبوا كتبا ~~ضمنوها اختياراتهم لشعر الأقدمين أو المعاصرين كصاحب ديوان الحماسة أو المفضليات أو ~~يتيمة الدهر أو العقد الفريد أو المستطرف أو حتى لصاحب «الكنز الذهبي» الإنجليزي ~~وغيرهم؟ أم أنهم النقاد الذين قدموا نظريات في اللغة والأدب مستشهدين بشعر السلف أو ~~«محاسن أهل العصر» (الجاحظ وابن الأثير وقدامة وبشر والثعالبي ومن إليهم)؟ أم تراهم ~~نقاد اليوم؛ أي نقاد المتابعة # REVIEWERS # الذين يقدمون ~~الأعمال الأدبية في الصحف والمجلات ويعلقون عليها تعليقات تتضمن أحكاما بالرفض أو ~~القبول، وقد تتضمن بعض التحليل الفني أيضا؟ وأخيرا ألا يمكن اعتبار الفنانين أنفسهم ~~والأدباء بما لهم من نظرات في إنتاج بعضهم البعض نقادا؟ ألا يمكن اعتبار أحكام أبي ~~العلاء على المتنبي (وتعصبه له) أو أحكام تشيخوف على جوجول أو وردزورث على ~~ميلتون وسبنسر؛ آراء نقدية قد تبين لنا بعض الجوانب الفنية في فن هؤلاء، وقد تفيدنا في ~~فهم التيارات الأدبية التي ينتمون إليها جميعا؟ # الحق أن النظرية - على وجاهتها - ليست مطلقة الدقة. فربما اتفق النقاد أيا كان ~~تعريفنا لهم على تمجيد عمل أدبي في زمن ما ومكان ما، ثم طواه النسيان، ولم يعد بقادر ~~على تخطي حدود عصره ومكانه. فالنقد علم لا يتمتع بالاستقلال عن سائر المعارف الإنسانية، ~~ويتغير بتغيرها، ولا أقول إنه «يتقدم» بالضرورة؛ إذ إن ms007 ازدياد القدرة على التحليل الفني ~~مثلا أو على ربط الأدب بسياقه الإنساني أو الاجتماعي لا يعني بالضرورة نضجا في التذوق ~~أو عمقا في الفهم، وربما استطاع ناقد قديم أن يصل إلى نفس النظرة النقدية في عمل ما ~~دون استخدام الوسائل الحديثة، بل ربما استطاع أن يتفوق على بعض المحدثين بإدراكه جوهر ~~العمل اعتمادا على الحس الصائب وحده، دون التحليل المنطقي وما إليه من وسائل النقد ~~الحديث. أضف إلى هذا أن النقاد بشر؛ فهم قد ينخدعون بمظهر ما من مظاهر العمل، وقد ~~تضللهم أشياء أبعد ما تكون عن الاعتبارات التي ألمحنا إليها، فيصدرون أحكاما قد ~~تتناقلها الأجيال من بعدهم على أنها مقدسات. وهل منا من لا يذكر الأقوال التي شاعت في ~~كتب النقد، والتي دهشنا لها في صبانا ثم تقبلناها دون مناقشة؛ مثل «هذا أشعر بيت قالته ~~العرب»، أو «أمدح بيت» وما إلى ذلك؟ وما يقال عن القدماء يصدق على المحدثين. # فإذا التفتنا إلى الجانب الآخر للنسبية النقدية وجدنا عددا من العوامل لا يمكن ~~إغفالها في هذا العصر الذي تتحكم فيه أجهزة الإعلام، وتتحكم في أجهزة الإعلام فيه قوى ~~اقتصادية وسياسية لا سبيل إلى إنكارها. وأجهزة الإعلام في أبسط صورها تتمثل في القدرة ~~على إشاعة أنماط وموضوعات فنية بحيث تصبح معيارية؛ أي إنها تتحول إلى مثل يحاكيها ~~الناشئة وتشكل أذواقهم الفنية، أو تعدلها على الأقل، بحيث تخلق الجو المناسب لترويج أعمال ~~فنية بعينها، حتى إن سوق الأدب قد أصبح - شأنه شأن كل سوق - يخضع للعرض والطلب، وما على ~~الأجهزة الأدبية - كما ذكر «الدوس هكسلي» في مقاله «كتاب وقراء» - إلا أن تعمل ~~على إيجاد الطلب الذي يضمن رواج المعروض! ولا شك أن النقاد على المستوى الإعلامي ~~أحيانا يصبحون - دون أن يدروا - مروجين لبضاعة قد تكون وقد لا تكون أنموذج الأدب ~~الرفيع. فإذا أخذنا في اعتبارنا التوسع الهائل والتشعب والتنوع الذي طرأ على أجهزة ~~الإعلام أدركنا مدى خطورة الدور الذي تلعبه في تحديد المعايير الأدبية. وهذه الأجهزة في ~~مجموعها تشكل ما يسمى بالمؤسسة ms008 الأدبية التي تمتد من الجامعات وما يقوله الأساتذة في ~~قاعة الدرس وفي الكتب، إلى الصحف وما ينشر فيها، وأخيرا إلى الإذاعة ~~والتليفزيون. # وتصب كل العوامل آخر الأمر في صورة المؤسسة الأدبية العالمية؛ أي إن ما ينطبق على بلد ~~بعينه يمكن أن ينطبق على أشكال الأدب وفنونه في العالم الذي يفقد اتساعه كل يوم، ويضيق ~~باطراد، حتى لربما قرأت رواية صدرت في بلد بعيد قبل أن يقرأها أبناء ذلك البلد! ~~والمؤسسة الأدبية العالمية جهاز معقد في تركيبه وأدائه، بسيط في مفهومه وجوهره؛ فهو ~~يعني باختصار أن هناك جهازا غير مرئي يتكون من المعايير التي نحكم بها على الأدب، ~~ويعتمد على الأعمال الأدبية التي ورثها العالم الحديث من أوروبا. وهذا الجهاز لا يتكون ~~من معايير فحسب، بل هو يتضمن قيما معينة ليست في حقيقة لأمر قيما إنسانية خالصة، ~~ولكنها قيم اجتماعية وسياسية واقتصادية. ولذلك فربما فرضت المؤسسة عملا أدبيا أو ~~رفضته بسبب المقاييس الفنية الدقيقة أو المادة الإنسانية التي تحدثت عنها أولا. وربما ~~كان خير مثال على وجود هذه المؤسسة هو لجنة ترشيح المؤلفين لجائزة نوبل. فهو مثل ملموس ~~واضح؛ إذ لا يمكن للجنة أن تختار إلا الأعمال التي تجسد القيم التي فرضها عالم القوة في ~~أوروبا على الدنيا. ولكن الأمثلة الأخرى كثيرة، وهي لا تعنينا بقدر ما يعنينا وجود ~~الجهاز غير المرئي. فكيف يعمل هذا الجهاز وما سبيل الأدب العربي إليه؟ # البطولة والتميز العنصري # عندما كان الشعراء العرب في الماضي يجتمعون لدى الحاكم ليتطارحوا الشعر، كانوا ~~ينصبون أحدهم حكما، وربما كان شاعرا أقل شأنا، بل ربما لم يكن شاعرا ~~بالمعنى المفهوم، بل مجرد عالم باللغة وتاريخ الأدب، ولكن أهم صفة ينبغي أن يتصف بها هو ~~علمه بالمعايير الفنية التي يقاس بها الشعر الصادق ووعيه واستيعابه التام لقيم العرب ~~أو للقيم والمفاهيم التي يحب العرب أن تسود؛ أي إنه كان ممثلا للمؤسسة الأدبية ~~العربية. وعندما تجتمع «لجنة القراءة» - أي اللجنة التي تختص بفحص النصوص الأدبية إما ~~للتمثيل أو للإذاعة أو للنشر - فإنها ms009 تمثل أيضا المؤسسة الأدبية في مكان محدد وزمان ~~محدد، وعندما «يقرر» الأستاذ في الجامعة «تدريس» رواية بعينها للطلبة فإنه أيضا - في ~~غالب الأحيان - يمثل المؤسسة الأدبية التي ينتمي إليها في زمانه، وذكر القارئ في هذا ~~المجال هو المفتاح الوحيد لإدراك مدى سلطة هذه المؤسسة التي نعيش جميعا في ظلها دون ~~وعي كامل. # إن الطفل الذي يفتح عينيه على كتاب من قصص البطولة - سواء كانت هذه القصص خيالية أم ~~واقعية - يتشرب إلى جانب المتعة الفنية قيم البطولة ومفهوم البطولة. وإذا كانت هذه ~~القصص بوجه عام تنزع إلى المبالغة أحيانا في تصوير قدرة الإنسان على تخطي الصعاب، ~~وتحقق في الخيال ما يصبو إليه الإنسان في دنيا الواقع؛ فهي تتفاوت في تصويرها وتحديدها ~~لما يكمن خلف البطولات الفردية أو الجماعية من قيم. فكل شعب له القصص التي تمجد ~~تاريخه، وهذه القصص شائعة على المستوى الشعبي، بل إن بعضها مكتوب شعرا وتحول إلى ملاحم ~~تروى وتتناقلها الأجيال، ولكن المجد باعتباره قيمة مطلقة يرتبط بقيم أخرى من حق ~~أجيالنا الجديد أن تعيد النظر فيها. خذ مثلا قيمة الانتصار على الأعداء باعتباره قيمة ~~في ذاته؛ إنه يرتبط بمفهومنا للأعداء. من هو العدو؟ إن العدو في التاريخ الأدبي ليس ~~دائما الطاغي الباغي أو المعتدي الآثم! إنه أحيانا شعب آمن مسالم يتعرض للغزو والسلب ~~والنهب، وكم من قصص البطولة ما يصور الغزاة الفاتحين أروع تصوير ويسبغ عليهم من هالات ~~المجد ما يعجز اللسان عن وصفه! حقيقة إن الناشئة في بلد ما يحتاجون إلى ما يذكي فيهم ~~حب الوطن والإعجاب والإكبار لأبناء وطنهم من الأسلاف الميامين، ولكنهم في غمرة ذلك ~~الإعجاب وفي انتشائهم بما يدف في جوانح قصص البطولة من مشاعر، يتشربون قيما أخرى مثل ~~الإيمان بتميز الجنس الذي ينتمون إليه على سائر الأجناس، وحقه في السيطرة على سائر أمم ~~الأرض؛ مثلما حدث في تاريخ أوروبا الحديث! وربما لم يكن الامتياز العنصري هو القيمة ~~الصريحة، ولكن امتياز الأمة (الذي يرجع في جذوره إلى امتياز القبيلة أو حتى العشيرة) ~~يوصى ms010 به ويعمل على غرسه. وإذا كان الأدب الأوروبي يحفل بمثل هذا اللون من القصص، الشعري ~~منه والنثري، فالأدب العربي لا يخلو منه، وحسبنا أن ننظر في أيام العرب (في الجاهلية ~~مثلا) حتى نرى نماذج ساطعة منه. قد يقول قائل إن القهر والبطش الذي تصوره هذه القصص ~~التي حفظها لنا تراثنا الشعري كان انتقاما لضيم وقع، أو ثأرا لهزيمة سابقة حلت ~~بالقبيلة، ولكن قيم الثأر والانتقام في ذاتها ليست بالقيم الإنسانية العليا؛ أي إنها لا ~~تبرر المذابح والسلب والنهب والسبي والاستذلال الذي يتلو النصر أيا كانت الذرائع التي ~~يقدمها المدافعون عنها. (انظر قصة الصراع بين قبيلتي طسم وجديس في اليمامة، كتاب أيام ~~العرب في الجاهلية لجاد المولى) بل إن ملحمة الإلياذة نفسها تقوم على قيمة قد يشك ~~الباحث المحدث في صدقها، وهي الثأر من مختطفي امرأة. إن الملحمة تروي لنا حربا ضروسا ~~امتدت عشرة أعوام وقتل فيها الآلاف من أجل استعادة هيلين اليونانية من «باريس» ~~الطروادي الذي اختطفها من بلادها وعاد بها إلى بلاده. والأسطورة التي تساندها أسطورة ~~التحكيم بين جمال الربات الثلاث الذي قبله باريس ورشوتهن له؛ تتضمن قيما لا يسع ~~الباحث الحديث إلا أن يعيد النظر فيها! # والنتيجة المحتومة لنزوع كل شعب وكل لغة إلى تمجيد البطولة في الأسلاف في قصص وشعر ~~ومسرح هي ترسيخ قيم معينة في وجدان كل أمة - مهما صغر شأنها في عالمنا الحديث - مثل ~~تمجيد القوة والغلبة، وهي قوة عسكرية بالدرجة الأولى، سواء كان المحارب يمتشق حسامه ~~وينزل حومة الوغى بنفسه، أم يضغط على زر آلي في جهاز بالغ التعقيد ليطلق صاروخا أو يلقي ~~قنبلة! والأدب الذي ينطوي على مثل هذه القيم قد يتفاوت من شعب إلى شعب في دقة التصوير ~~ورشاقة العبارة وإحكام البناء، وما إلى ذلك من ظواهر الصنعة الفنية، ولكنه في النهاية ~~يتصل بالشعب نفسه؛ بتاريخه وثقافته التي تنتظم عددا من القيم لا يكاد أن يكون عليها ~~خلاف، وفي وسطها عند المركز معنى البطل والبطولة! # إن تفسير الطاقة البطولية مرتبط بتراث الأمة ms011 الإنساني، وهو التراث الذي يستتبع مجموعة ~~من التقاليد والأعراف والقيم تصبح علما على الأمة. فالتقاليد العربية المعروفة مثل ~~المروءة والشجاعة وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف والوفاء بالوعد، كلها ترتبط بصورة الإنسان ~~المثالي - أو البطل - التي خلقها الأدب؛ استلهاما للحياة وإلهاما لها، وتقاليد الغلبة ~~والمخاطرة وارتياد المجهول والاختراع والاستعمار - بالمعنى الحسن والمعنى السيئ جميعا ~~- تمثل جزءا من صورة البطل في الأدب العربي. فالأدب الغربي يحفل بصور الأسفار البحرية ~~واكتشاف الجديد وعمران الأرض وأمانة الكلمة، ويدين ما على نقيض ذلك. # وإذا كانت آداب الأمم تشترك في جوهر واحد؛ هو الاحتفال بالغالب المنتصر، فهي تتفاوت في ~~تفسير سر النصر والغلبة. فبعضها يرجعه إلى عبقرية علمية، والبعض يرده إلى طاقات جسدية ~~ونفسية، والبعض الآخر يعزوه إلى قوى غيبية مثل الآلهة أو الأقدار، والأدب يتفاوت هو ~~الآخر في تصويره لهذه التفسيرات من عصر إلى عصر، وقد استطاعت دول أوروبا الحديثة أن ~~تفرض على العالم تفسيرها الخاص لقوتها وغلبتها، وأن تقنع كثيرا من الشعوب حديثة العهد ~~بالاستقلال والنهضة بوجهة نظرها الخاصة فيما يمثل مقومات الإنسان المثالي عبر العصور. ~~وفي نطاق الدراسة الأدبية استطاع النقاد والمستشرقون أن يختاروا من آداب الأمم الأخرى ~~ما يناقض مفهوماتهم تلك حتى يزداد وضوح الاختلاف بينهم وبين الآخرين، وحتى يؤمن الآخرون ~~أنهم قد تخلفوا عن ركب الحضارة للأسباب التي قررها الغرب ثم رسخها. فماذا فعل العرب ~~إزاء هذا الأدب؟ وماذا فعل المستشرقون بالأدب العربي؟ # القيم وعالم اليوم # إذا كانت صورة البطولة وقيمها وما ارتبط بها من تفسيرات تمثل جانبا مهما من التراث ~~الأدبي الإنساني، فإن ثمة صورا وقيما أخرى لا تقل عنها أهمية، تتضمنها علاقة الرجل ~~بالمرأة وتفصح عنها شبكة العلاقات الاجتماعية المعقدة، وبخاصة ما ينبع فيها من النظام ~~الاقتصادي والأوضاع السياسية ويصب فيها. وفي هذا جميعا ينزع الأدباء الذين يحظون ~~باعتراف المؤسسة الأدبية إلى بلورة قيم ومثل تتصل بمفهومهم للإنسان المثالي سلبا أم ~~إيجابا؛ فإدانة الجريمة موضوع عالمي لا خلاف عليه، ولكن ما يعتبر جريمة في مجتمع قد ~~لا يعتبر جرما في ms012 مجتمع آخر، وما يتفق الجمهور عليه في زمن ما قد ينبذه الجمهور في ~~زمن لاحق. ولهذا وجدنا من الأدباء الكبار من يطويهم النسيان بعد فترة أو من لا يحظون ~~بأي اعتراف بهم في حياتهم على الإطلاق؛ لخلاف في المفاهيم والقيم مع المؤسسة ~~الأدبية. # القضية لا تقتصر إذن على الشكل الفني أو على جوانب الصنعة مهما بلغت أهميتها (والحق ~~أن لها أهمية قصوى)، بل إنها تتعدى ذلك إلى ما يكمن خلفها من أحكام تستند إلى القيم ~~والمفاهيم التي تحتفل بها المؤسسة الأدبية. ومن هنا جاء إصرار المؤسسة الأدبية العالمية ~~على ترشيح أعمال معينة للشهرة والذيوع تمجد قيمها وتحط من قيم الآخرين. وأقرب الأمثلة ~~على ذلك صورة العربي أو المصري في فن الرواية المعاصرة بالإنجليزية؛ تلك اللغة التي ~~كادت أن تصبح عالمية. فشخصية «علي» العربي في رواية «بوابة مندلبوم» للكاتبة الإنجليزية ~~«إريس ميردوخ» تجمع كل الرذائل التي يدينها المجتمع الإنجليزي وعلى رأسها الكذب. والكذب ~~الذي يلجأ إليه هذا الشخص يمكن تفسيره وتحليله بعدة طرق، ولكن الكاتبة توحي من طرف خفي ~~بأسباب معينة ترمي في مجملها إلى إدانة الشخصية العربية وسلبها عنصرا من أهم عناصر ~~مثلنا العليا وهو الوفاء. وأما ما يختارونه للترجمة إلى الإنجليزية من الأدب العربي ~~فهو عادة مختارات قديمة من الأدب الجاهلي يبنون عليها نظريات وتحليلات تجعل من أدبنا ~~مرادفا لآداب الأمم القديمة ذات القيم والمفاهيم التي لم تعد تنتمي لعالم ~~اليوم. # وأمم الأرض «المتقدمة» تحتفل بما أسميته «عالم اليوم» فهو العالم الذي يسبغون عليه كل ~~الفضائل - وأسماها وأرقاها في نظرهم نظرة التشاؤم والسخرية من القيمة السلفية، ورفض ~~الدين، والاحتفال بوحشة الفرد وعزلته في عالم قاس مرير، وما يستتبع ذلك من الإباحة، ~~والتركيز على أن الإنسان كائن ضعيف مغلوب على أمره، وأن حريته موهومة، وأن الكثير مما ~~اعتاد إكسابه المعنى في الحقيقة لا معنى له والفلسفات المختلفة التي نبعت من «عالم ~~اليوم» تعمل على بناء عالم جهم قاتم الألوان، يتوارى فيه الأمل أو ينحسر، وتغرب فيه ~~البسمات أو تفتر. وبعض ms013 كتابهم يدينون هذا العالم - بطبيعة الحال - ولكن الإدانة تحمل ~~في طياتها معنى التقبل؛ لأنها تؤكد ضرورة التعايش معه، وإيجاد بديل أو بدائل لما فقده ~~الإنسان في غمرة صراعه لتحقيق التقدم، والتعايش يحل بالتدريج محل العيش ليمثل أقصى ما ~~يمكن لإنسان اليوم تحقيقه. وأما أولئك الكتاب الذين ما زالوا يسبحون في فلك الفضائل ~~القديمة، عامرة نفوسهم بالأمل، زاخرة قلوبهم بالحب، فهم يوصفون بالرومانسية وتخصص لهم ~~أماكن نائية في الكتب تتحول بالتدريج إلى زوايا نسيان. # وفي إطار هذه الحداثة، أو ما أسميته «المودرنية» في كتاب حديث لي، تبرز عدة تيارات ~~جديدة يعلي أحدها شأن الشكل الفني إلى درجة التقديس، ويلغي ما أطلقت عليه في هذه ~~المقالات اسم المادة الإنسانية. وهذا التيار يضفي على الأنماط الداخلية في العمل الأدبي ~~أهمية غير عادية، بل يقول بقدرة البناء الداخلي على الإيحاء وحده بالأفكار والمشاعر، ~~وبأن الشكل الداخلي لا يحتاج إلى مادة إنسانية صريحة؛ لأنه يمثل ترجمة لهذه المادة؛ أي ~~إن التجربة الإنسانية أو الخبرة التي درجنا على اعتبارها مصدر المادة الإنسانية تتحول ~~إلى شكل، فإذا ما استغرق هذا الشكل القارئ أو المتذوق انتقلت إليه التجربة أو الخبرة في ~~صورة فنية خالصة. ولا شك أن للفنون البصرية والسمعية تأثيرا كبيرا على هذا الاتجاه ~~الذي يبرز بأوضح معالمه في الشعر الحديث، ولا شك أيضا أن لنظريات وحدة الفنون تأثيرا ~~مباشرا على تطور هذا التفكير النقدي، ولكننا رأينا منذ عهد غير بعيد من يضع له فلسفات ~~مستقلة، ومن يقنن له تقنينا نقديا موغلا في الشطط، محاولا وضع أسس هندسية للبناء، ~~مستقيا من دراسات علم الألسنة الحديث (وهو علم ما يزال في مرحلة التطور والتغيير) ~~قوالب جامدة يصب فيها أي عمل بغض النظر عن مادته الإنسانية. # ولكن المودرنية ليست كذلك في حقيقة الأمر؛ إذ ما فتئت تتطور لتسمح بنشوء نظريات جديدة ~~للقيم، وتفسيرات جديدة لسعي الإنسان وموقفه من هذا الكون، وتركز أيما تركيز على شبكة ~~العلائق المتداخلة في نطاق المجتمع والدولة، انطلاقا من نظرة متكاملة دينامية، فأين ~~نحن من ms014 هذا كله؟ وهل استطاع أدبنا الحديث أن يكسر الأنماط السلفية ويخاطب وجدان إنسان ~~عصر العقل والعلم؟ # لقد كنت من المؤمنين دائما - وما أزال - بأن الأدب العربي الحديث قد تخطى مراحل ~~الاستكشاف الأولى، وأنه وجد لنفسه طرقا (لا طريقا واحدا) يمتد من خلالها إلى وجدان ~~العالم الجديد. وإذا كانت الأنماط الشكلية القديمة لم تعد تصلح للوصول إلى قلب الإنسان ~~الحديث وعقله، فإن الأشكال الجديدة لدينا تتفوق على مثيلاتها في غالبية بلدان العالم، ~~وأنا أقول هذا دون مبالغة، بعد أن اطلعت على آداب كثير من الشعوب مترجمة إلى الإنجليزية ~~(قد لا تكون النماذج المترجمة أفضل ما لدى تلك الشعوب ولكنها مؤشر على الاتجاه العام) ~~والأدب العربي الحديث، أيا كان غضبنا منه أو له، منوع حافل، وبه شتى التيارات التي ~~يصفق لها العالم ويهلل، رضيت المؤسسة الأدبية العالمية أم لم ترض. أما جوهر المشكلة في ~~نظري فهو أننا لم نمسك بزمام المبادرة حتى الآن في تقديم هذا الأدب إلى العالم. كيف ~~نمسك بالزمام؟ وكيف وفي أي صورة يمكن لنا أن نقدم هذا الأدب؟ # الأدب وحياة القارئ # إذا كان الفن فنا؛ فلابد أن يتخطى الزمان والمكان؛ فأنماط الفن ومادته عالمية، وهي ~~تنبع من الإنسان وتصب فيه، وقد تتفاوت من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى مجتمع، وقد عكف ~~النقاد على درس هذا التفاوت وتحليله، ولم ينتهوا إلا إلى أن ثمة تيارات أو اتجاهات يمكن ~~رصدها دون معرفة أسبابها الحقيقية، ولو أنهم يتفقون إلى حد كبير على أن هذه التيارات لا ~~يلغي بعضها بعضا، وما قد يتذوقه إنسان اليوم قد يلاقي الفتور بل الرفض والنبذ من إنسان ~~الغد، وما قد يشيح عنه إنسان اليوم قد يسطع كالدر في عصر لاحق. ولهذا كان «هازليت» يقول: ~~إن الفنون لا تتقدم بالمعنى الذي يتقدم به العلم (بمعنى أن الحقائق العلمية الجديدة ~~تطمس ما كان يظن أنه حقيقة بالأمس)؛ لأن العلم بطبيعته يطمس الجهل! وقد طور هذه ~~النظرية ناقد محدث في أوائل القرن هو ت. أ. هيوم فقال بأن ms015 للفن دورات، وأن كل دورة ~~تنتهي عندما تفقد الفنون التي شاعت في عصر ما قدرتها على التأثير، فتدفع إلى الوجود ~~بألوان أخرى من الفنون تختلف عنها اختلافا يصل إلى حد التناقض، ثم ينتهي بها الأمر إلى ~~فقدان القوة هي الأخرى؛ بحيث تعود الألوان الأولى، وهلم جرا. # والأدب كما نعرفه اليوم فن من الفنون يتوسل باللغة، فاللغة في الأدب مثل الألوان ~~والمساحات والخطوط والنسب في الرسم، ومثل الأصوات في الموسيقى، وما إلى ذلك، ولكن الأدب ~~كما سبق أن بينت في مقالاتي السابقة يتضمن أبعادا أخرى قد تفتقر إليها الموسيقى؛ ~~فالتشبيه ليس تاما؛ لأن الأدب يشترك أيضا مع وسائل الإعلام في توصيل «رسالة» بالمعنى ~~العلمي لهذه الكلمة - وهي رسالة تجمع بين العناصر الشعورية والذهنية، وليست أبدا مجردة ~~من المعنى أو خالية من الدلالة. قد يبدو هذا الكلام بديهيا، ولكنه لا بد منه حتى ننظر ~~في وضع الأدب العربي إزاء الآداب الأخرى. # قد تكون «الرسالة» في أبسط صورها إحساسا يتجسد في لقطة أو موقف أو صورة أو حادثة، ~~بل قد تكون مجرد متعة تناغم الصور والألفاظ وجرسها الجميل في القصيدة القصيرة مثلا! ~~وهذا أقدم ألوان «الرسائل» وإن كانت صورتها «البسيطة» خادعة! فالإحساس الذي يبدو بسيطا ~~في حقيقته هو بلورة باطنية، تمزج بين المشاعر والأفكار التي تستمد طاقتها الحيوية من ~~وجود الإنسان في مكان وزمان محددين. حقا قد تكون الفكرة عامة أو مجردة حتى إنها ~~لتتخطى الزمان والمكان، وقد يكون الإحساس كذلك، ولكن الفن الأول - الفن الذي يرى معظم ~~الباحثين أنه نشأ في بيئات بسيطة فاستمد مادته الأولى من علاقة الإنسان بالكون ~~وتفسيراته لقوى هذا الكون الغامضة، أقول: إن هذا الفن الأول لم يلبث أن تعقد وتطور ~~نتيجة لتعقد «الرسالة»؛ أي إن الإنسان لم يعد قادرا في هذا العصر على تبسيط الأشياء ~~والتفكير أو الإحساس بنفس العناصر الخالصة التي كان أجداده يفكرون ويشعرون في أطرها. ~~(ولو أن كاتبا محدثا يقول إن الإنسان الأول كان لديه قدر من التعقيد يستعصي علينا ~~فهمه لبعد الشقة بيننا) ms016 فمثلا نرى أن القصة القصيرة والرواية الطويلة وهما فنان حديثان ~~لا يقفان بطبيعة بنائهما عند «الرسالة»، وفي كل رواية ترى أن القارئ لا يتلقى رسالة ~~واحدة أو حتى عدة رسائل واضحة. قد يخرج لا شك بانطباع واحد، ولكن هذا الانطباع قد ~~يكون مركبا إلى الحد الذي يستعصي معه تحديد عناصره! وإذا كانت القصة القصيرة أبسط من ~~الرواية في تركيبها؛ فإنها في صورها الحديثة قد تصل إلى حد من التعقيد يرتفع بها إلى ~~مصاف الرواية! بل إن نشأة القصة القصيرة نفسها توضح لنا طبيعة هذا الفن. إن الكتاب ~~أحسوا بالحاجة إلى التحليل الدقيق الذي لا تتيحه القصيدة، وكان تطويرهم لصورة القصة ~~القصيرة بطيئا؛ لأنه سار جنبا إلى جنب مع تطور الصحافة، وتطور لغة النثر ~~نفسها. # فإذا نظرنا إلى كل رسالة على حدة، وتأملنا الحاجة التي يحسها الكاتب إلى الكتابة، ~~وجدنا أن لكل رسالة مرسلا ومستقبلا، ولا يمكن أن تكتمل العملية التوصيلية إلا بهما ~~جميعا؛ أي إن حاجة الكاتب إلى الكتابة لا بد أن تتزامن معها حاجة القارئ إلى القراءة، ~~ومن العبث أن نقول إن الكاتب يكتب ليخرج ما في نفسه سواء فهمه الناس أم لم يفهموه؛ ~~لأن هذا معناه إلغاء وظيفة اللغة وطبيعتها الأساسية باعتبارها أداة توصيل. ولكن إقامة ~~العلاقة بين الكاتب والقارئ من خلال العمل الفني؛ لا يلغي استقلال العمل عن أي منهما؛ ~~لأنه بمجرد أن يكتمل يكون قد خلق في داخله عالمه ووضع الأسس التي تتيح للقارئ أن يستقبل ~~الرسالة، أيا كان هذا القارئ. # ولكن هذا كله لا ينفصل عما أسميته بالمادة الإنسانية والأشكال الفنية التي تمليها ~~المؤسسة الأدبية. ولأضرب لذلك مثلا محددا: إنني حين أقرأ قصيدة كتبها شاعر إنجليزي ~~مثلا عن محارب من أبناء بلده إبان حرب من الحروب؛ فالمفروض أنني أتعاطف مع هذا ~~الإنسان الذي حمل وخرج مدافعا عن وطنه - والدفاع عن الوطن قيمة إنسانية وعالمية لا ~~خلاف عليها - ولكنني حين أندمج في القصيدة وأجد أن الشاعر يريد أن يوصل إلى القارئ في ~~ثنايا الرسالة «رسائل فرعية» ms017 أخرى توحي بامتياز عنصري أو قبلي؛ فأنا أتوقف ويشوب تذوقي ~~ما يعكره! لقد كتب «رديارد كبلنج» شاعر الإمبراطورية البريطانية قصائد وروايات كثيرة ~~احتلت أماكنها على أرفف المكتبات سنين طويلة، ولقد تذوقها الإنجليز ودرسوها في ~~مدارسهم، و«قرروها» على الشعوب المغلوبة على أمرها أيام حكم الإمبراطورية، ثم انحسرت ~~الإمبراطورية فانحسر كبلنج! لم يعد يبقى منه غير الشكل الفني، وما أوهاه! إن «كيم» ~~رواية جميلة عن الحياة في الغابات، والأطفال ما يزالون على حبهم لها، وكذلك عدد من رواياته ~~عن غابات الهند، ولكن الرسائل الفرعية التي تقول بامتياز الإنجليز امتيازا عنصريا ~~على غيرهم ما فتئت عقبة في سبيل تذوق كبلنج؛ باعتباره كاتبا إنسانيا! ولقد أخرج له ~~ت. س. إليوت مجموعة من الأشعار التي يسمونها البالادات (والتي تترجم عادة بالمواويل؛ على عدم دقة هذه الترجمة) وقدم للمجموعة بدفاع عن المادة الإنسانية التي يمكن أن تبقى ~~من كبلنج وهي مقدمة جديرة بالدراسة في ذاتها. # في هذا الإطار الكبير تستطيع تصنيف الأدب العربي الذي يمكن أن يرقى إلى مصاف العالمية؛ ~~ليس فقط على الأساس القديم الوحيد، وهو الامتياز الفني - على أهميته القصوى - ولكن أيضا ~~على أساس إثارته اهتمام القارئ؛ لأنه متصل بحياة القارئ ~~( # RELEVANT ~~)، وهو قادر على هذا؛ لأن الرسالة ~~والرسائل الفرعية الباطنة إنسانية، ولأن المادة الإنسانية حافلة، وإذا توافر على ~~ترجمته ترجمة أدبية صادقة من يخلص له وتحلى بالموهبة اللازمة؛ استطاع أن يفرض نفسه على ~~المؤسسة الأدبية العالمية، بل وأن يعدل من مقاييسها، فكيف يكون ذلك؟ # الإنسان الذي تغير # ما يزال الجدل دائرا حول «نوع» الأدب الذي يمكن أن يكسر حدود الإقليمية، إما بنجاحه ~~في تحقيق معايير المؤسسة الأدبية العالمية، أو بتخطي هذه المعايير بحيث تصبح «غير ذات ~~موضوع». فأما تحقيق معايير المؤسسة فهو «صعب»، إن لم يكن متعذرا لسبب بسيط؛ وهو هيمنة ~~القيم التي فرضتها الدول الكبرى على مدى عصور طويلة، وهي قيم إنسانية وفنية معا؛ بحيث ~~أصبح القارئ في كل مكان يتوقع أن يسمع هذا الكلام أو ذاك في هذه الصورة أو تلك، ms018 أيا ~~كان موقف الأديب من القضايا المطروحة التي أصبحت «لا وطنية» (أو مثل بعض الشركات «عبر ~~الوطنية»). وأقول إن تحقيق هذه المعايير صعب لأن اهتماماتنا ومواقفنا الفكرية تختلف عن ~~الاهتمامات والمواقف التي حددت هذه المعايير على مر العصور. وقد ضربت مثلا في أحد ~~مقالاتي بتصوير البطولة وعلاقة الرجل بالمرأة. ومن باب التذكير فحسب أقول: إنه سوف ~~يتعذر على كاتب القصة الحديثة تحقيق أحد معايير المؤسسة الأدبية الغربية في هذه ~~«العلاقة»؛ وذلك بنزع التابو # Tboo # تماما منها، ونزع ~~هالة الاحترام الدفين التي تكلل المرأة في أدبنا، وذلك مهما بالغنا في النسيب والتشبيب! ~~لقد حرم الأدب الحديث المرأة ذلك الوشاح الوضاء الذي ألقاه عليها مفهوم «الحب» الذي ~~استقته أوروبا في القرن السادس عشر أول مرة من الشرق، وكما يقول كاتب حديث «لقد ذهب ضوء ~~القمر الذي كان سبنسر قد أتى به من الأندلس، وحل محله ضوء الشمس»، وهو يعني بضوء ~~الشمس ما كان الرومانسيون يقصدونه بضوء «النهار العادي»؛ أي إن «موسيقى الأفلاك» ~~و«نيران الأفلاك» التي تحدث عنها سبنسر في ملحمته «ملكة الجان» قد انطمست وأصبحت ~~المرأة كائنا ينتمي لعالم «النثر» بعد أن كانت تنتمي لعالم «الشعر»! وفي هذا الإطار ~~أصبح «الحب» القديم قيمة يطمح إليها ولا تتحقق، وأصبح الشك في قيمة «نظام الأسرة» (أو ~~الزواج باعتباره «مؤسسة») من أهم معايير المؤسسة الأدبية، ويكفي للتدليل على ذلك ~~استعراض روايات الكاتبات الإنجليزيات المعاصرات؛ من «ميوريل سبارك» إلى «مرغريت درابل» ~~خاصة في رواية الأخيرة وعنوانها الطاحونة. # وأنا أقول هذا من باب التذكير فحسب؛ فالشواهد كثيرة، ولن أعود إلى موضوع البطولة أو ~~سواه. المهم أن نتبين أن «تخطي» معايير المؤسسة الأدبية العالمية هو في حقيقة الأمر ~~أيسر من تحقيقها، فكيف يكون ذلك؟ أعتقد أن الإجابة واضحة الآن، وهي التركيز على القيم ~~الإنسانية الثابتة التي لا تتغير بتغير المعايير الاجتماعية أو سواها وأدبنا العربي ~~زاخر والحمد لله بهذه القيم. # ولتيسير التناول أقول إننا إذا أردنا من العالم أن يفهمنا ويتذوقنا فلا بد أن ننفذ ~~إليه من باب ms019 فهمه الفهم الصادق. ومعنى فهمه تقديم ما نعرف أنه يستطيع أن يفهمه وما يكون ~~ذا صلة بحياته حتى يتذوقه. حقا قد يستطيع الروائي أن يخلق عالمه الخاص الذي يجر إليه ~~القارئ جرا، وقد يفعل المسرحي ذلك، ولكن الشاعر يستند إلى العالم الكبير المتوارث ~~الذي خلقه الشعراء من قبله وفي عصره. ولذلك فإذا تصدينا للشعر فسوف نجد أن القانون الذي ~~يحكم ترجمة الشعر الأجنبي إلى العربية هو القانون الذي يحكم ترجمة الشعر العربي إلى ~~الإنجليزية مثلا. فالاختيار سيكون محكوما أول الأمر بتحقيق «الصلة # Relevance ~~»، ثم بتحقيق المصطلح الشعري الذي وضعته ~~المؤسسة الأدبية، وبهذا فحسب يمكن تخطي تلك المؤسسة! وأعتقد أن هذه المفارقة تحتاج إلى ~~إيضاح وأمثلة. خذ قصيدة الرثاء. إنها نوع أدبي عالمي، ولكن المبالغة التي نجنح إليها في ~~تراثنا تجعل من المتعذر إيجاد تلك الصلة بسبب الولوع بالمبالغة بل الإغراق والاستغراق ~~فيها محاكاة لعصر أو لشاعر. فالمرثي هو جماع الفضائل بل هو الفضيلة المجسدة، وعندما ~~توفي «توفيت الآمال» وهدت الجبال! وقد غير الرومانسيون الإنجليز مثلا من تقاليد هذا ~~النوع بأن أدخلوا فيه فن التأمل، أي تأمل الحياة البشرية والنظرة الشاملة إليها من عدة ~~زوايا، إلى جانب العنصر الوجداني الذي يجعل الرثاء أقرب إلى القصيدة الوجدانية منه إلى ~~قصيدة المدح. وبهذا تأثر المحدثون فأوجدوا الصلة، واستخدموا المصطلح الشعري الحديث ~~فاقتربوا من العالم. قارن مثلا رثاء «الخنساء» أخاها «صخرا»، أو رثاء «أبي تمام» ~~لمحمد الطوسي بقصائد الرثاء الحديثة التي ترجمتها ووضعتها في كتابي عن الشعر العربي ~~المعاصر، وهي قصائد لصلاح جاهين وفتحي سعيد ووفاء وجدي. إن الفارق هو في حقيقة ~~الأمر فارق بين عالم قديم انقطعت صلتنا به، وعالم حديث نعيش فيه، ولا بد لنا معه من ~~جسور! وأما المصطلح فسأورد نموذجا ساطعا له. إن المازني عندما ترجم بعض القطع من ~~«شكسبير» كان ينشد المصطلح أولا وأخيرا، وهذا ما حدا به إلى التغيير والتعديل ~~والتبديل (وكان يؤثر عنه أنه كان يؤلف حين يترجم، ويترجم حين يؤلف): # أبعدوا عني الشفاه اللواتي # كن يطفئن ms020 من أوار الصادي # وابعدوا عني العيون اللواتي # هن فجر يضل صبح العباد # واستردوا إن استطعتم مردا # قبلاتي من الخدود النوادي # وليس الأصل هكذا، والأقرب إليه أن يكون: # إليكن عني فتلك الشفاه # عذوبتها حنثت باليمين # وتلك العيون # فجر مبين # ضياء يضل مسير الصباح # ولكن أعيدوا إلي القبل # أعيدوا الرواء # طوابع حب طواها الأجل # وضاعت هباء! # فإذا عدنا إلى قصيدة الرثاء استطعنا أن نجد أن تغيير المصطلح على أيدي الرومانسيين ~~قد أتى بحرية في التصور وحرية في «الحركة الشعرية» داخل الصور إلى الحد الذي يتخطى بها ~~الزمان والمكان، ويهبها القدرة على أن تفرض نفسها على المؤسسة الأدبية - خذ مثلا قصيدة ~~«أدونيس» للشاعر الإنجليزي شلي - إنها نموذج صادق للمصطلح الشعري الجديد الذي يجعل ~~التأمل عنصرا أساسيا من عناصر «الحدس الشعري» - وقد ترجمها الدكتور لويس عوض، فأبدع ~~في إخراج هذا المصطلح إلى العربية. ويكفي في هذا المجال تقديم مرثية صغرى من مراثي ~~وردزورث، تبين الجانب الآخر للمصطلح الشعري في الرثاء وهو مزج التأمل بالنزعة ~~الوجدانية: # ختم الناس على روحي وغيبها # ومحا مخاوف البشر # فبدت لعيني فتاة ليس تلمسها # يد السنين والقدر # فالآن قد سكنت والقوة اندثرت # ومضى زمان السمع والبصر # وغدت تدور ببطن الأرض دورتها # كالصخر والأحجار والشجر! # ترى هل نستطيع أن نترجم أدبنا العربي - من هذا اللون - إلى الإنجليزية أو الفرنسية ~~مثلا، فنؤكد انتماءنا لعالم اليوم؟ # الإحالة إلى الماضي # بعد تقديم عدد من قصائد شعرائنا المعاصرين بالإنجليزية في الإذاعة؛ استولت الدهشة ~~علينا لمئات الخطابات التي تلقيناها من أمريكا وكندا وأوروبا تطلب المزيد وتعجب لمستوى ~~«حداثة» الشعر لدينا، فاقترح الشاعر صلاح عبد الصبور، وكان رئيسا لهيئة الكتاب آنذاك، ~~أن أصحب معي في جولتي بالولايات المتحدة (ضمن برنامج مصر اليوم) عددا من القصائد التي ~~تمثل الشعر الحديث في مصر بحيث يطلع الجمهور الأمريكي على الشعر الحي - أي على الشعر ~~المسموع لا المقروء فحسب. وحططنا الرحال أول الأمر في واشنطن، وكان أول لقاء مع الجمهور ~~الأمريكي في مؤسسة «سميثونيان»، والربيع قد بدأ يكسو أشجار الشتاء بأوراق ms021 خضر صغيرة ~~نضرة، وكان الصباح في الحديقة التي تطل عليها نوافذ القاعة بهيجا مشرقا ~~وضاء. # وتولى الدكتور جورج عطية تقديم الضيوف ثم انطلقنا نقرأ الشعر ونتقبل أصداء ~~الاستحسان بدهشة لا تقل عن دهشتنا بتلقي خطابات القراء، ولكن الدهشة الحقيقية كانت ~~عندما حدد لنا موعد آخر مع جمهور آخر في مساء نفس اليوم؛ إذ تردد في الأوساط الأدبية ~~والفنية خبر وصول الوفد، وقرر الدكتور عطية تنظيم لقاء مسائي تسجله الإذاعة (أو ~~الإذاعات؛ فهي كثيرة في أمريكا). وفي ذلك اللقاء لم يقتصر الاستحسان على طلب الاستزادة، ~~بل اتخذ صورة ندوة ناقشنا فيها الجمهور مناقشة مستفيضة، وتولى الرد من الوفد المصري ~~بصفة أساسية الدكتور سمير سرحان والدكتور مرسي سعد الدين. وبعد أن تكررت اللقاءات ~~في عدة مراكز ثقافية في أمريكا من المحيط إلى المحيط كما يقولون، ومن الشمال إلى ~~الجنوب، كان السؤال الذي يلح على أذهاننا جميعا هو: إذا كان لدينا مثل هذا الشعر ~~العظيم فلماذا لا يقرؤه الناس في كل مكان في العالم حتى اليوم؟ # في جامعة بنسلفانيا بمدينة فيلادلفيا كان رد أحد كبار المستشرقين وهو «روجر ألن» ~~أن الشعر العربي لم يترجم الترجمة الصادقة حتى الآن، وفي جامعة تكساس بمدينة أوستن ~~كان رد «جودمان» مدير النشر والشاعر دافيد أن الشعر العربي مليء بالصحراء والجمال، ~~وهو ما لا يفهمه الجمهور الأمريكي، بل إن ذلك الشاعر أعرب بصورة مباشرة عن شكه في أن ~~يكون الشعر الذي سمعه عربي الأصل! وقال في دهشة أمريكية صادقة: «ولكن أين الجمال ~~والخيام؟» # وفي جامعة نيويورك كان الاستقبال حافلا بفضل الإعداد الذي تولته الدكتورة منى ~~نجيب ميخائيل - ولكن السؤال الذي لم يكن منه مهرب هو أيضا لماذا لم تقدم الشعر حتى ~~الآن كما ينبغي - وتكررت القصة في لوس أنجيليس في جامعة كاليفورنيا؛ حيث احتفت بنا ~~الدكتورة عفاف لطفي السيد أيما احتفاء. ولم يفلح التشاؤم الذي كان ملازما للدكتور ~~لويس عوض في الإقلال من بهجة استمتاع الجمهور بالشعر والمناقشات الساخنة التي شاركت ~~فيها الدكتورة سهير القلماوي مشاركة فعالة. # وعند ms022 عودتنا إلى مصر كنا قد عقدنا العزم (سمير سرحان وأنا) على أن نفعل شيئا؛ كنا ~~قد فرغنا لتونا من الاشتراك في عمل ما، وكان ما يزال أمامنا عمل كثير! ونشرت بعض ~~المجلات الأمريكية نماذج من شعرنا، فتحمس الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة لتقديم ~~المجموعة التي تكونت لدي بالإنجليزية لنشرها عن طريق لجنة الشعر بالمجلس الأعلى ~~للثقافة، وكنت آنذاك عضوا بلجنة الترجمة، ولكن المشروع تعثر لأسباب لا مجال للخوض ~~فيها، خاصة أن الكتاب على وشك الصدور من الهيئة العامة للكتاب (وبه خمسون قصيدة ~~لثمانية عشر شاعرا) كان صلاح عبد الصبور قد رحل عن عالمنا، وكان أمامنا أن نختار ~~بأنفسنا الشعر الذي يعيش في وجدان الناس. وعكفت على تأمل التراث القريب للشعر العربي، ~~وقد كنت هضمت الكثير منه في ميعة الصبا، وجعلت أفكر ما عساي أفعل بالتراث الخصب الذي ~~خلفته الحركة الرومانسية التي نطلق عليها حركة الإحياء أو البعث - وعادة ما تعتبرها ~~كلاسيكية؛ لأنها ترتدي ثياب التقليد والتقاليد - وجعلت أبحث جنبات الدواوين عن شيء «ذي ~~صلة» بحياة الناس اليوم، بمشاعرهم وأفكارهم اليوم، فوجدت ما حيرني وأقض مضجعي. # إن شعراء الإحياء (بما أحرزوه من إحياء) كانوا يحيلون القارئ العربي في هذا العصر إلى ~~زمن بعيد؛ زمن يصعب بعثه إلا إذا تغير وجه الحياة برمتها في عالم اليوم، وأنا لا أقصد ~~الجمال والخيام هنا؛ فقد توجد هذه مع إنسان هذا العصر، ولكنني أقصد النضج الذهني ~~والوجداني الذي حققه ابن هذا القرن في وطننا العربي على امتداد ساحته، (مهما قيل عن ~~التفاوت هنا وهناك بين مراحل هذا النضج) ولأضرب مثلا لهذا بقصيدة «الفخر». # كان الفخر في الماضي مرتبطا بتقاليد القبيلة ومجد الأمة وعراقتها وكان ما يفخر به ~~الشاعر هو في الحقيقة جماع القيم والمبادئ التي تستنير بها الإنسانية، ولا تقتصر على ~~القبيلة. ولذلك فنحن حين نقرأ مدائح الماضي أو قصائد الفخر (وهو نوع من مدح الذات) ~~فإننا نواجه عالم الأنثروبولوجيا الثقافية التي شغلت نقاد القرن العشرين، ونحن نفعل ذلك ~~شئنا أم أبينا عندما نقرأ شعر ms023 الماضي أيا كان لون هذا الشعر، ابتداء من شعر مصر ~~القديمة واليونان والرومان فالعرب والشعر الأوروبي حتى شكسبير نفسه! أي إن دراسة الأدب ~~الذي انتهى إلينا وأصبح يشكل التراث الإنساني؛ تتضمن قدرا من جهد «الإحياء»، فنحن ~~نحاول أن نتصور عالم القدماء ونعيشه حتى نتذوق أدبهم؛ ولذلك يظل الماضي ماضيا، ثم يأتي ~~أدب الحاضر ويذهب ليلحق بالماضي هو الآخر! المهم أن يكون الحاضر في أدبنا حاضرا لا ~~ماضيا؛ أي أن تكون الإحالة إلى حاضر نعيشه فكرا وشعورا، لا إلى ماض من الفكر ~~والوجدان جميعا، ولا أدل على ذلك من بائية البارودي الشهيرة التي يدرسها الطلبة في كل ~~مكان، والتي يتفاخر فيها بأنه لا يطرب «بتحنان الأغاريد»، و«لا يملك سمعيه اليراع ~~المثقب» (أي الناي). فالإحالة هنا ليست إلى الموسيقى كما نعرفها، ولا أتصور أن البارودي ~~يفخر بعدم استمتاعه بالموسيقى (مثل جيسيكا ابنة شيلوخ اليهودي في مسرحية تاجر ~~البندقية لشكسبير)، ولكنه يفخر في الحقيقة بأنه لا يستطيب مجالس الأنس والطرب واللهو ~~واللعب؛ أي إن الإحالة هنا هي إلى تلك المجالس التي صورها أبو الفرج الأصفهاني خير ~~تصوير، كذلك سيرى القارئ أنه يقصد بالعلياء ما كان يقصده السلف من المجد الحربي، ولا ~~غرو؛ فحياة البارودي في الواقع تؤكد هذا الفهم. والبيت الذي يقترب كثيرا من فن ~~الإبجرام والذي أراد البارودي للقارئ أن يذكره به هو: # ومن تكن العلياء همة نفسه # فكل الذي يلقاه فيها محبب # فالعلا (أو العلياء) بمثابة قيمة مجردة إطارها المرجعي هو الزمان السحيق، وليس هذا ~~العصر، وقس على هذا ما فعله غيره من شعراء الإحياء، فبراعة استهلال شوقي تحيلنا إلى ~~الماضي حين ينشد الأطلال في افتتاحية قصيدته دمشق: # قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا # مشت على الرسم أحداث وأزمان # وتحيلنا إلى ماضي المصطلح الشعري حين يعمد إلى المبالغة الصارخة في استهلال رثاء ~~مصطفى كامل: # المشرقان عليك ينتحبان # قاصيهما في مأتم والداني # إن قارئ اليوم يعجب لهذا الذي مات فبكاه الشرق والغرب جميعا؛ لأن زمن الإغراق في ~~الكذب قد انقضى، ولم ms024 يعد أعذب الشعر أكذبه، والمحتمل أن شوقي كان يريد أن ينتهي من هذا ~~كله إلى الإبجرام الشهير: # دقات قلب المرء قائلة له # إن الحياة دقائق وثواني # ولا داعي لتكرار ما قاله العقاد عن البارودي وشوقي معا؛ فقد كان العقاد واعيا ~~بالاتجاه الذي سار فيه شعرهم - على غزارته وجماله - ألا وهو الإحالة إلى الماضي. وإذا ~~كان من الصعب على قارئ العربية اليوم أن يعيد الحياة في الماضي، فكيف بالأجنبي الذي يريد ~~أن يتعرف على أدبنا؟ # اللغة المشتركة # يقول الشاعر الإنجليزي وليام وردزورث إن هناك «واحات زمنية» في وجود كل إنسان ~~يرتادها المرة بعد المرة ليروي عطش خياله، ويتبرد من هجير الحياة، وحينما صدمته انتكاسة ~~الثورة الفرنسية كان يختلف إلى تلك الواحات حينا فحينا، وكثيرا ما كان يجد فيها ~~العزاء والسلوى؛ لأنه كان يرى فيها الإنسان في مرحلة البراءة قبل أن تطحنه أضراس ~~التجربة، وكان يعني بالتجربة مثل كل الرومانسيين مواجهة الشر والاعتراف بوجوده، بل ~~والتصالح مع هذا الوجود! # وإذا كان جيلنا يجد نفسه اليوم في حاجة إلى ارتياد هذه الواحات، وربما كان ذلك قبل أن ~~يحين موعد ارتيادها الحقيقي الذي لا يأتي إلا بالتجربة؛ فذلك لأننا عشنا سنوات كانت ~~توازي سنوات الطفولة في صفائها ونقائها، وهي سنوات التفتح على الأدب العالمي وفورة ~~الحماس الذي لم يسبق له مثيل في الستينيات، فكنا نقرأ بنهم في الأدب وكل ما يتصل به من ~~دراسات نظرية وتطبيقية، وكنا نناقش ما شاء الله لنا أن نتناقش فيما قرأنا، وكان لنا ~~أساتذة يمثلون القمم التي نطمح إلى تسنمها، وأنا أقصد بجيلنا بالتحديد جيل من تفتحت ~~مواهبهم في الستينيات، وهم بعد في ربيع العمر أو على مشارفه فكتبوا المسرح والمقالة ~~والكتاب، ونشطوا إبداعا وترجمة وتأليفا، وقد بدا لهم الطريق دون نهاية، أو كما يقول ~~شاعر إنجليزي آخر وهو «ألكسندر بوب»: «كلما تراءت لهم قمة برزت من ورائها قمة!» # كانت الترجمة تشهد ازدهارا نادرا - ولكنه كان طريقا ذا اتجاه واحد؛ لأننا كنا ~~نترجم من الإنجليزية (أو الفرنسية) إلى العربية ms025 فحسب، ولم نكن بعد نطمح بل لم نكن نتصور ~~أن لدينا أدبا قادرا على احتلال مكانه الحق بين آداب العالم لسبب بسيط، وهو انبهارنا ~~الشديد بالأدب العالمي الذي كان يفتح أمامنا آفاقا تختلف اختلافا بينا عن تلك ~~التي عهدناها في أدبنا العربي. كانت المشكلة عندي هي أنني درجت على موازاة الأدب بإحكام ~~الصنعة اللغوية، وكان هذا أمرا طبيعيا في سني بعد أن تركت الكتاب والتحقت ~~بالتعليم العام، فوجدت بين أساتذتي من لا يكترث إلا للبلاغة التقليدية وصناعة الإنشاء، ~~ووجدت في محيط الأسرة من أقاربي من يؤكد لي صحة ذلك - فكتاب الشيخ مصطفى عناني يعاد ~~طبعه المرة بعد المرة «الوسيط في الأدب العربي» وكتب علي الجارم (النحو الواضح وغيره) ~~تملأ المنزل، ووالدي غارق إلى أذنيه في العقد الفريد وفي نفح الطيب! # وكم كانت دهشتي عندما انتقلت إلى القاهرة عام 1954م وكتبت أحد موضوعات الإنشاء التي ~~كنت أجيدها فوجدت أحد زملائي في الفصل وهو الأستاذ أحمد السودة يسخر منه باعتباره ~~إنشاء! كان أستاذنا الدكتور عبد الرءوف مخلوف قد انتهى من رسالة الماجستير آنذاك، ~~وكانت عن كتاب العمدة لابن رشيق، وكان من المعجبين باللغة التي أكتبها - ولم أفهم سر ~~اعتراض صديقي على الإنشاء! أولسنا مطالبين بالإنشاء؟ وهل الأدب سوى إنشاء؟ لم أكن ~~أدري حين ذاك أن طه حسين قد نقض ذلك قبل نيف وثلاثين عاما في مقدمته لكتاب «فجر ~~الإسلام» لأحمد أمين، ولم أكن أدري أن في الدنيا أدبا يستخدم لغة مشتركة تتجاوز ~~البلاغة والفصاحة، وتستخدم مفردات أخرى ومعايير أخرى، ولا تقوم على عبقرية البيان ~~وحدها! # وعندما دار الزمان وتخصصت في الأدب الإنجليزي حدث عكس ما كنت أتوقع؛ إذ وجدتني أعود ~~إلى الأدب العربي فأجد العجب! إن روائع أدبنا العظيم يحجبها عن عيوننا تراث هائل من ~~كتابات عصر الانحطاط وهو عصر طال فأمعن في الطول! أمامي الآن كتاب يتضمن رسائل بديع ~~الزمان الهمذاني يقول في مقدمته الناشر: إنه أعظم ما تفتحت عنه قريحة السلف. وأذكر ~~أنني كنت مطالبا منذ عدة سنوات بإعداد عروض ms026 لبعض كتب التراث التي حددت سلفا لي - ~~وكان من بينها كتاب الأبشيهي، وعنوانه «المستطرف في كل فن مستظرف» - ووجدتني أكتشف كيف ~~سادت فكرة الإنشاء قرونا وقرونا حتى انحصر الأدب في التمارين اللغوية، وحيث ولدت ~~هذه الفكرة معايير خاصة تشكل في مجموعها مؤسسة أدبية لها قوانينها وقواعدها، بحيث حجبت ~~عن عيون دارسي العربية «اللغة الأدبية المشتركة» - لغة الإنسان - التي يتكلمها الناس في ~~كل مكان، بغض النظر عن لغة الألفاظ التي تختلف من بلد إلى بلد! # إن الواحات التي أرتادها اليوم في هجير الحياة هي واحات هذه اللغة المشتركة، تلك التي ~~لم تمنع الأدب الروسي مثلا من أن يصبح أدبا إنسانيا عالميا؛ لأنه يستخدم تلك ~~اللغة رغم أننا نقرؤه بالإنجليزية! وما زلت أذكر اليوم الذي قرأت فيه قصة تشيخوف ~~«العنبر رقم 6» في ترجمتها الإنجليزية لأول مرة ذات يوم من أيام الصيف عام 1963م، ولم ~~أستطع أن أصبر على انفعالي بها فأهرعت إلى منزل صديقي سمير سرحان، ودفعت إليه بالكتاب ~~في ساعة مبكرة من ساعات الصباح وتركته وخرجت، وفي المساء التقينا في مقهى بالجيزة ~~(امتدت إليه يد الهدم الآن) وكان قد أصابه نفس انفعالي فلم نتبادل أي حوار. كان كل ما ~~قاله هو إنه سيحتفظ بالكتاب؛ ليقرأ بقية القصص، غير آبه باعتراضي على ذلك! وسرنا على ~~النيل في صمت ذلك المساء، وقد استغرق كلا منا ذلك الحذق الخارق الذي يتميز به تشيخوف ~~لحالة في تصويره من حالات النفس البشرية وهي تنزلق من عالم الأسوياء إلى عالم المجانين. ~~وأعتقد أن هذه الواحة كانت قد بعثت إلي الحياة عندما رأى صديقي بعد عشرين عاما ~~الإعداد المسرحي الذي قام به سمير العصفوري لهذه القصة، وأخرجها لمسرح الطليعة بعنوان ~~«في زنزانة المجانين». كانت صورة العمل الأدبي قد اختلفت؛ فهي الآن مسرحية وهي باللغة ~~العربية، بل وبلغة المسرح التي لم تكن تستخدم الألفاظ كثيرا، ولكنها كانت عملا ~~أدبيا إنسانيا عاملا يستخدم «اللغة المشتركة»! # إن طريقنا إلى العالمية لا بد أن يتجه إلى اكتشاف هذه اللغة المشتركة في أدبنا ms027 العربي ~~القديم والحديث، بعد أن نتخلص نهائيا من فكرة المساواة بين البلاغة القديمة ~~والأدب! # | عن الأجيال الأدبية # تواصل الأجيال # في فترة لم يبعد العهد بها دار حوار هادئ في الصحف القومية حول ما أطلق عليه البعض ~~صراع الأجيال الأدبية، وأعترف إنني عندما اشتركت في هذا الحوار الذي نادرا ما احتد أو ~~احتدم مع بعض الشوامخ من كتاب العصر وأساتذته، كنت منساقا بحماس شباب يوشك أن يولي، ~~وغير مدرك لخطأ منهجي كنت قد وقعت فيه قبل ربع قرن في سياق دراستي للشاعر الإنجليزي ~~«جون كيتس» وهو ما أسماه أستاذنا الدكتور مصطفى سويف «الخلط بين العمر الزمني والعمر ~~الفني». # عاد إلى ذهني ذلك الخطأ، وعادت المناقشة التي دارت بيننا بتفاصيلها الدقيقة ذات مساء ~~أثناء رحلة إلى أسوان، وكان في المقصورة معنا د. رشاد رشدي ود. لطيفة الزيات ود. ~~فاطمة موسى، وكنا نحن الثلاثة - «سمير سرحان» و«عبد العزيز حمودة» وأنا - ما زلنا ~~معيدين نحضر لدرجة الماجستير حين تطرق الحديث إلى التفتح المبكر لعبقرية الشاعر ~~كيتس الذي كتب أروع قصائده وهو في أوائل العشرينيات (وتوفي في الخامسة والعشرين) ومدى ~~علاقته بمعاصريه من جيل الرومانسيين الأوائل، وأذكر حماسي لفكرة الهوة بين الأجيال ~~متأثرا بما قرأته عن تأثر كيتس بميلتون وشيكسبير، لا بوردزورث وكولر بدج - ~~وكيف نبهني د. سويف إلى ضرورة الفصل بين العمر الزمني الذي يربط بين المعاصرين وبين ~~العمر الفني الذي يمتد عبر الأجيال؛ ليقيم وشائج بين أدباء الماضي والحاضر، وأذكر الآن ~~أن هذه الفكرة قد صاحبتني إلى إنجلترا حين قرأت كتابا من تأليف العالمة النرويجية ~~«ثورا بالسليف» يرصد تأثير وردزورث على كيتس، وكيف أنني انتقدته في ضوء الخطأ الذي ~~كنت قد وقعت فيه قبل عامين! # وربما لم أكن ملوما وحدي على هذا الخطأ الذي عدت إليه في الكهولة؛ إذ استدرجني ~~وزملائي إليه مقال مثير للكاتب الكبير (والمشاغب الأكبر) يوسف إدريس، أشار فيه إلى أنه ~~ينتمي إلى آخر جيل عبقري تخرجه مصر! وشجعني على أخذ كلامه مأخذ الجد ما نشر من أحاديث ~~للمسرحي العظيم ms028 نعمان عاشور وشيخ الفلاسفة زكي نجيب محمود - غير واع بأن الخطأ ~~المنهجي يخفي أيضا تصورا خاطئا لا يصح لي أن أقبله - فالتسمية قد تعني ما يسمى في ~~اللغات الأوروبية بالفجوة بين الأجيال، أي عدم قدرة جيل ما على تفهم جيل لاحق أو ثورة ~~جيل جديد على الأنماط الفكرية للجيل الذي سبقه، ولكن هذا المفهوم الاجتماعي الصرف لا ~~يمكن تطبيقه على الأدب إلا في أضيق الحدود؛ لأن تاريخ الأدب لا تتحدد مراحله أو مدارسه ~~أو حركاته أو اتجاهاته بالتقسيمات الزمنية، وما التواريخ التي نضعها إلا حدودا مصطنعة ~~تعين الدارس على رصد الظواهر وتذكرها، وإذا كانت القرون حدودا زائفة فما بالك ~~بالأجيال؟! ولقد سبق لي أن عرضت في «الأهرام» نظرية «الدورات الأدبية» التي يفضي بعضها ~~إلى بعض ويأخذ بعضها برقاب بعض، ومعنى هذا بطبيعة الحال ضرورة النظر إلى الأدب باعتباره ~~كائنا يتمتع بحياة دائمة متواصلة، وإن اختلفت أشكاله وتعددت صوره، ومعناه أيضا أن ~~حركة ما من الحركات الأدبية لا تنتهي تماما عندما تحل موجة جديدة، حتى وإن بدت مناقضة ~~لها في اتجاهها الفكري أو في أشكالها الفنية، بل إنها حتى حين تناقضها تزيد من الوعي ~~بها حتى تكتمل الدورة ويحين موعد عودة الحركة الأولى، بينما نرى أن ما كان موجة جديدة ~~قد أصبح اتجاها قديما يظل كامنا حتى يحين موعد بعثه. # ومعنى هذا أيضا أن الاتجاه الأدبي - أيا كان لونه - لا يموت أبدا، بل يظل يومض ~~خلال الرماد حتى تعود وقدته الأولى، ولكنه حين يعود يكون قد تلون بما ساد المجتمع من ~~اتجاهات أخرى تؤثر في لون اللهب الجديد وتتحكم في حدة ضرامه. ولنضرب مثلا لهذا بضربين ~~من ضروب الرومانسية؛ الأول عربي عريق، والثاني أوروبي حديث. أما الأول فقد صاحب تاريخ ~~الأدب العربي على امتداده، يلتهب في كل فترة من فترات الفوران الاجتماعي والفكري، ويخبو ~~في كل فترة خمود وثبات وجمود، وهو كلما عاد اختلفت صورته، حتى حين كان يبدو لغير ~~المتمعن أنه «إحياء» أو «بعث» للماضي وحسب. وأما الثاني فقد صاحب ms029 كل نهضة فكرية في ~~أوروبا، وارتبط أحيانا بالثورة والتحرر أو بالمثالية أو الفردية أو بالنزوع إلى ~~الخيال، ولكنه كان دائما يستند إلى ما استند إليه الاتجاه العربي من إيمان بقدرة الذهن ~~على قهر الظواهر وبقدرة القلب على استيعاب الوجود. # ويلتقي الاتجاهان في كل موضع في تاريخ الأدبين على فترات من المحال أن نحددها ~~بالأجيال، بل إنها قد تدوم قرونا وقد تقصر حتى لا تتجاوز السنوات المعدودة؛ فالزمن هنا ~~يخدع الباحثين كثيرا؛ فالثبات الذي يوحي به الشكل التقليدي لشعر «شوقي» يخفي في طياته ~~رومانسية دفاقة لا تكاد تبين؛ لشدة حرص الشاعر على التمسك بالمصطلح القديم ويصدق هذا ~~القول على «البارودي» من قبله؛ فهي رومانسية المثال والقيم المطلقة - وهي ضرب من الضروب ~~التي بينها البروفيسور «لاف جوي» في «التمييز بين الرومانسيات». ولقد ظل هذا الاتجاه ~~خبيئا حتى وجد في مدرسة الديوان من يفصح عنه أيما إفصاح - وإن بدا للقراء في العقود ~~الأولى من هذا القرن أن العقاد لا يكاد يشترك مع شوقي في شيء! # كان العقاد وشوقي يشتركان في العمر الفني وإن اختلفا في العمر الزمني؛ أي إنه دون ~~وجود شوقي لم يكن العقاد ليثور ثورته، ويفصح عن رومانسيته، وكذلك كان علي محمود ~~طه وإبراهيم ناجي يشتركان مع أبناء الجيل السابق في الروح، وإن اختلفت صورة ~~الرومانسية في شعرهم، فاتخذت إطارا جديدا كالصبغة الفردية والجنوح إلى الخيال - وكذلك ~~كان الشعراء المحدثون الذين ارتبطت أسماؤهم بشعر التفعيلة وإن كانت الرومانسية أقرب إلى ~~روح الثورة والتحرر مع ما يكسوها من حزن وألم، فكيف بنا نقسم هذه الاتجاهات تقسيما ~~زمنيا لا فنيا؟ # أجيال الرومانسية # عندما ذكرت في كتابي عن الشعر العربي المعاصر في مصر بالإنجليزية أن أقوى تيار في ~~الجيل الذي تلا صلاح عبد الصبور هو تيار الرومانسية الجديدة، وحددتها قائلا: إنها ~~مزيج من الاتجاه الحديث في العالم والرومانسية الأوروبية؛ لم أكن أتصور أن أغضب أحدا ~~من كبار شعرائنا، ولم أكن أتصور أن أحدا سيسيء فهم هذه الفكرة غير العويصة. ولكن ~~لاقيت نفس المصير الذي ms030 لاقاه أحد شيوخ النقد الإنجليزي «و. ب. كير» حين قال: إن الشاعر ~~الأصيل أو المجدد لا بد أن يبدأ بالرومانسية؛ إذ غضب منه الكلاسيكيون من النقاد ~~المعاصرين، مثل «ف. ل. لوكاس المتوفى عام 1966م» وبعض المحدثين من الشعراء الذين تصوروا ~~أن الحداثة أو المودرنية تعني بالضرورة رفض الرومانسية، وهم لا يقصدون بها في حقيقة ~~الأمر إلا الحركة الأدبية الأوروبية المعروفة. # ومكمن الصعوبة في فهم هذا القول كما بين بعض الشارحين (مثل نورثروب فراي وماير ~~إبرامز) هو اختلاف الزوايا التي ينظر منها إلى الرومانسية؛ فالناقد الكلاسيكي مدفوع ~~بطبيعته ودراسته إلى الحكم على الجوانب الشكلية؛ لأنه (أيضا بسبب تكوينه الفكري) لا ~~يرى في الفن غير الشكل - فعالم الكلاسيكية عالم ثبات وقرار - عالم تحكمه قوانين راسخة ~~مثل القوانين الرياضية وقوانين الصحة والاستواء؛ ولذلك فقلما يناقش نزعة نفسية تخرج عن ~~إطار قوانينه أو خيالا جامحا يركض به في دنيا لا يألفها؛ ومن ثم فهو يؤمن بأن الفن ~~شكل وأن الأفكار (مثل المعاني عند بعض نقاد العرب) يعرفها العربي والعجمي، وأن الفن ما ~~هو إلا براعة البناء وهندسة التركيب وحيل الصنعة. # أما النقد الحديث فيدعو إلى عدم الفصل بين الشكل والموضوع؛ فالعمل الفني كيان حي ~~نابض، يتعرض للتزييف بل للمسخ والتشويه إذا جردت شكله لدراسة بنائه، وهذا من أكبر أخطار ~~المدرسة التي ازدهرت قبل عشرين عاما في فرنسا، ولم تلبث أن اندثرت - ألا وهي ما يصطلح ~~على تسميتها بالبنائية أو البنيوية - أي الاتجاه إلى رؤية نماذج أو أنماط شكلية محددة ~~ومكررة في الأعمال الفنية بغض النظر عن نوع الفكرة أو الإحساس؛ أي إن الناقد البنيوي ~~كان يساوي بين عناصر متباينة بغية تصنيفها في هيكل يرى فيه الدلالة الكبرى، وكان يحاكي ~~ما فعله بعض نقاد الثلاثينيات الذين أرسوا قواعد دراسة كل جانب من جوانب العمل الفني - ~~كالإيقاع في الشعر، أو الصور الفنية، أو الألفاظ بأشكالها المختلفة، أو الشخصيات وما إليها ~~- بطرق الإحصاء والتقسيم والتبويب والتصنيف، وقد لاقت هذه الأنواع من الدراسة هوى في ~~نفوس كثير في ms031 أمريكا؛ إذ إن الأرقام لها سحر خاص وهي توحي بالمنهج العلمي الذي يؤدي إلى ~~اليقين، ثم انهار هذا المنهج أيضا عندما نهض معارضوه في ألمانيا (فولفجانج كليمن) ~~وإنجلترا (راجوف) ليدحضوا ما ظاهره علم وباطنه تزييف؛ لأن حقائق الأدب مثل حقائق الحياة ~~لا بد من معالجتها معالجة شاملة في سياقها الحي، وإلا لم تعد تعني شيئا. # الناقد الحديث ينبغي ألا ينخدع بالأرقام أو الأشكال وألا يتخذها أساسا لإقامة تماثل ~~بين عملين أدبيين يشتركان في الهيكل ويختلفان في المادة، أو فيما هو أخطر من هذا - وأقصد به ~~الاختلاف في «النغمة» أي فيما يسمى أحيانا «النبرة» (ترجمة لكلمة ال # TONE ~~). وقد كانت هذه الصعوبات في الحقيقة السبب في ~~اختلاف الزوايا التي ينظر منها إلى الرومانسية؛ ومن ثم في عدم إدراك ما يقصد إليه «و. ب. ~~كير» من ربط النزعة إلى التجديد بالرومانسية، فالحقيقة التي يريد إبرازها هي أن كل فنان ~~ينشأ في ظل أنماط أدبية يتشربها وتتغلغل في أعماقه وهو صغير، وهو يحاول في بداية حياته ~~استخدامها عندما يصل إلى مرحلة النضج، ولكنه يصطدم بأن الواقع الذي يعيشه والذي ينفعل ~~معه لا يخرج بالصورة التي يريدها من خلال هذه الأنماط، ويجد أن عليه أن يشق لنفسه طريقا ~~جديدا - ومعنى ذلك أنه يرتاد بقاعا غير مألوفة (في الشكل والمضمون جميعا) - وبهذا ~~يجد نفسه يعيش الوحشة التي قال «ماثيو أرنولد» إنها قدر كل عبقري، وذكرها فرانك ~~كيرمود في سياق الحديث عن «وليم بطلر ييتس» الشاعر الأيرلندي الأشهر. أي إن الفنان ~~يضطر مرغما إلى الابتعاد عن التقاليد الأدبية؛ اقترابا من واقع فني - نفسي أو فكري أو ~~إنساني. وهو بهذا يوصف بالشطط أو بالتفرد أو بالمثالية، ومن ثم بالرومانسية. # ومن هنا كان لكل جيل (وقد يطول زمنا حتى يقترب من القرن أو يقصر حتى لا يجاوز العقد ~~الواحد) رومانسيوه - أي شعراؤه الذين يصوغون رؤاهم الأصلية في أشكال أدبية جديدة - ~~ولهذا لم يتردد «كلينث بروكسي» في وصف شعر «ت. س. إليوت» بالرومانسية، ولم يجد من حاول ~~أن يعارض ms032 أي تناقض بين الحداثة (أو المودرنية) وبين الرومانسية بعد أن تحرر مفهومها من ~~الاقتصار على المعنى التاريخي؛ ولذلك أيضا لم أتردد في رصد الاتجاه الرومانسي في شعر ~~صلاح عبد الصبور والجيل الذي تلاه عمرا ويشترك معه فنا وبالتحديد فاروق شوشة ~~ومحمد إبراهيم أبو سنة وفتحي سعيد وفاروق جويدة. # ولكن هل ينطبق هذا القول على الشعر فحسب أم يصدق أيضا على سائر الفنون الأدبية ونشأة ~~الأشكال الجديدة؟ # الأجيال والشكل الأدبي # تدلنا الدراسة الأدبية الحديثة على أن ثمة صلة وثيقة بين نشوء نوع أدبي محدد وبين ~~المناخ الفكري الذي يسود في مرحلة ما من مراحل تطور أمة من الأمم، أو مجتمع من ~~المجتمعات، (وأنا أستخدم لفظ «مرحلة» هنا بدلا من لفظ جيل نشدانا للدقة؛ فهي مساحة ~~يصعب تحديدها وتختلف اختلافا شاسعا من بلد إلى بلد) بحيث تستطيع رصد نشأة النوع ~~وتطوره في إطار فكري محدد دائب التغير والتحول؛ لأنه لا يقتصر على المعتقدات والأفكار ~~السائدة في فترة ما، بل يتخطاها ليشمل الرموز التي تحتل مكانا بارزا في حياة الجماعة ~~البشرية، والحساسية الفنية التي تتميز بها هذه الجماعة في تلك الفترة؛ ومن ثم فهو إطار ~~يرتبط بنظم مادية ومعنوية وقيمية بعضها موروث وبعضها جديد، ولكنها تشترك جميعا في ~~تشكيل ما أسميته بالمناخ أو الجو الفكري العام. # ولذلك فإن الراصد لنشوء فن القصة القصيرة في الغرب مثلا - مثلما فعل الدكتور شكري ~~عياد في محاولته تأصيل هذا الفن الأدبي - لن يجد مناصا من ربطه بالتغيرات الاجتماعية ~~التي استحدثت أطرا فكرية جديدة في حياة الناس في أوروبا وأمريكا، والراصد لنشأة ~~مسرحية الفصل الواحد لن يلبث أن يجد لها جذورا، لا في الفنون الأدبية وحدها (وأهمها فن ~~القصة القصيرة نفسه)، بل وفي اتجاه المجتمعات الحديثة نحو فلسفة «اللحظة الواحدة» - أي ~~فلسفة تأمل الحياة من خلال ما يسمى في لغة السينما ب «اللقطة المركزة» - وقد كانت هذه ~~اللحظات أو اللقطات تتوالى في الرواية أو المسرحية أو الملحمة، وغيرها من الأشكال ~~الأدبية التي عرفها تراث الإنسانية القديم. # وقد بدأ ms033 هذا الاتجاه - لا شك - مع بداية العصر الحديث الذي يميل كثير من الدارسين إلى ~~ربطه بالانقلاب الصناعي في أوروبا وانتشار الصحافة بالمعنى الحديث، وكان من أكبر ~~الداعين له «إدجار ألن بو» الذي كان من أوائل من حاولوا تعريف القصة القصيرة، وكانت ~~نظرته إلى الشعر ذات دلالة كبرى؛ إذ كان يرفض أي قصيدة يزيد طولها على المقطوعة، ويستريب ~~بأي شكل من أشكال الشعر يحاول محاكاة الأشكال الأدبية المطولة؛ فالشعر عنده (مثل ~~اللوحة أو التمثال) فن مكاني لا زمني، أي يعتمد على الحيز والمساحة لا على التعاقب ~~والتوالي. # ولكن هذا الاتجاه أيضا ما لبث أن أحدث رد فعل غير مباشر؛ لأن المناخ الفكري الذي ~~ولده قد تغير في العصر الفكتوري نفسه في إنجلترا وفي عقود التحول الحاسمة، وفي روسيا ~~بحيث عادت للرواية الطويلة مكانتها، واستطاعت الأنواع الأدبية الزمنية «أن تحظى بإقبال ~~الجمهور العريض»، وأصبح من المألوف أن ترى كاتبا روائيا يكتب القصة القصيرة، أو ~~شاعرا من هواة القصائد الطويلة يكتب المقطوعات، بل إن نهاية القرن شهدت تنويعا ~~جديدا في هذا المجال على يد تشيكوف الذي لم يكن يكترث لما ورثه من أشكال، فكتب ~~المسرح الذي يقترب من أنواع الأدب الأخرى، وكتب القصة القصيرة التي طالت بعض الشيء أو ~~الرواية التي قصرت بعض الشيء، فأحيا بذلك تراث القصة القصيرة الطويلة أو «النوفلا # NOVELLA ~~» والتي كانت قد أوت إلى الرقاد طويلا بعد أن ~~قدمها شاعر الألمان الأكبر «جوته». # ونحن عندما استقدمنا كل هذه الأنواع من الأدب العالمي لم نكن نفتقر في الحقيقة إلى ~~القاعدة أو الأرض التي يمكنها أن تستقبل وتحمي نباتات عربية أصلا من كل هذه الفنون ~~اللغوية؛ ولذلك لم تستغرق المحاولات عقودا طويلة (كما بين الدكتور عبد المحسن بدر)، ولم نلبث ~~أن رسخنا فنون الرواية العربية والقصة وما إليها؛ باعتبارها آدابا قومية ~~كثيرا ما تطاول الآداب العالمية فكرا وفنا، ولم يلبث الكتاب الذين خلفوا الرواد ~~أن طوروا شكل «النوفلا» ومزجوا بين المسرح وفنون الرواية (مثل يوسف إدريس وعبد ~~الرحمن فهمي) ومن ابتدعوا ms034 فن «الخاطرة» - وهو صورة مصغرة من المقال الأدبي، يضارع قصيدة ~~النثر، ويختلف اختلافا بينا عن إنشاء المنفلوطي والرافعي، ومن برعوا في كتابة ~~القصة القصيرة جدا - أو الأقصوصة. # ولكن الذي لم ننتبه إليه في خضم هذه الأجيال الشكلية هو التحول الذي طرأ على شكل ~~الرواية نفسها والذي استتبعه تغير المادة التي تتناولها نتيجة لتغير المناخ الذي كتبت ~~فيه؛ فكاتب الرواية اليوم - وأنا أقصد الممتاز والمتميز - لا يحاكي نماذج قريبة بل ~~يحاكي الرواد، حتى ولو كان قد بدأ حياته الأدبية محاكيا، بل هو يستلهم أرض واقعه ونفوس ~~من حوله، وهو كثيرا ما يغوص في تاريخ أمته يستقي منها معاني لحاضره، وكثيرا ما يعتبر ~~اللغة مادة للتجريب لا وسيلة للتوصيل فحسب. ولقد كان من عمق تأثير الجو الفكري والنفسي ~~أن شيخ كتاب الرواية والقصة نجيب محفوظ وجد نفسه يغير من منهجه ومن أطره؛ ليس ~~فقط في البناء والتصوير، بل في اللغة أيضا. إن إنتاج نجيب محفوظ الأخير درس لنا من ~~أستاذ كبير؛ من فنان ذي حساسية لم يطل بها الوقت حتى تغيرت مع تغير العصر؛ فهو يمثل ~~جيلا جديدا في كتاباته الجديدة، وأعماله أجيال، تماما مثل الموسيقار محمد عبد ~~الوهاب - قمة القمم - الذي يمثل تطوره حساسية أجيال كاملة لا جيلا زمنيا ~~واحدا. # | متفرقات # قصة مستوردة # دخل القصاص المبتدئ إلى مبنى الدار الصحفية الشهيرة، وسأل عن مكان إحدى المجلات ~~التي تصدر عنها، ولم تكن إجراءات الأمن آنذاك صعبة أو معقدة، وسرعان ما وجد نفسه في ~~غرفة رئيس التحرير، ولما عرض عليه ما أتى من أجله حوله إلى المحررة المختصة، وهناك ~~حدث ما لم يكن يتوقع. كان القصاص قد تخرج لتوه بالجامعة، ولكنه كان يفضل أن يكتب قصصه ~~الأصيلة المستمدة من تجاربه في القرية التي أتى منها، وأن يحاكي أسلوب الدكتور محمد ~~حسين هيكل بعد أن أذهلته قدرته على البيان، وأسرته بلاغته المطمئنة أو قل خطاه ~~المتئدة؛ فأسلوبه لا يلهث فيتعثر ولا يتمهل فيضل. # وعرض الشاب قصته على المحررة - وكانت أقرب إلى الأقصوصة منها إلى ms035 القصة، فقرأتها على ~~الفور ونظرت إليه وابتسمت، وقالت في ثقة ورقة: «هذا عظيم، ولكن الأسلوب لا يصلح ~~لقرائنا، كما أننا نفضل القصص المترجمة على القصص المحلية؛ لأن الأجانب يجيدون تحليل ~~نفسية المرأة، ومعظم قرائنا كما تعلم من الجنس اللطيف.» ولم يحزن الشاب ولكنه - شأن ~~كل ناشئ - كان قلقا على مصير قصته فعاد يسألها عما يمكنه أن يفعل، وبنفس النبرات ~~الواثقة نصحته المحررة أن يكتب «قصة مترجمة»! وتردد الشاب أول الأمر ثم ابتسم ابتسامة ~~يخفي بها ارتباكه وقال في صوت خفيض: «ولكني لا أستطيع الترجمة؛ لأن معرفتي باللغات ~~الأجنبية محدودة.» وخيل إليه أن نبرات الثقة في حديثها زادت وهي تقول: «ولهذا لم أطلب ~~منك أن تترجم قصة بل أن تكتب قصة مترجمة!» وإزاء هذه الدهشة التي عقدت لسانه استمرت ~~قائلة: «أقصد أن تكتب قصة مثل القصص التي ننشرها في مجلتنا - ويمكن أن تستمد مادتها من ~~أبواب رسائل القراء، وستلاحظ أنها في الغالب من الجنس اللطيف، ولكن المهم أن يكون ~~أسلوبها مترجما، أعني أن يوحي بأن القصة مترجمة؛ مثل أسلوب قصصنا المترجمة، وأن ~~تكون الأسماء التي تختارها للشخصيات أجنبية، وأن يكون مسرح الأحداث في الخارج، ويستحسن ~~أن يكون في إحدى البلاد غير المألوفة للمصريين، وستجد أوصافها في قصصنا المترجمة، ولا ~~داعي طبعا لأن تذكر اسم من تترجم عنه أو اللغة التي تترجم منها؛ فهذا لا داعي له ~~لأننا لن نذكره في المجلة، ولن نذكر اسمك بطبيعة الحال ولكننا سندفع لك أجر مؤلف لا ~~أجر مترجم.» # وبعد محاورة قصيرة غادر الشاب الدار الصحفية، ولم يدخلها إلا بعد أعوام طويلة تقترب ~~(حسبما يقول) من العشرين، ولكنه ورث من ذلك اليوم كراهية لكل ما هو مترجم، ونشأ في قلبه ~~عداء لما أسمته المحررة بحق «أسلوب الترجمة»، واستمر هو في محاكاة أسلوب الدكتور هيكل ~~حتى اكتشف أنه لا يستطيع محاكاة أساليب الكتاب، بل ولا يستطيع أن يتخذ من الكتابة ~~هواية خاصة، فهجرها واقتصر على القراءة، ولم ينس أن يتجنب كل ما كتب عليه «قصة ~~مترجمة». # عادت ms036 إلى ذهني هذه القصة الحقيقية - وليعذرني القارئ إن أنا تعمدت إخفاء الأسماء ~~وحرفت بعض التفاصيل؛ إمعانا في الإخفاء - عندما رأيت بعض «المترجمات» التي تنشرها بعض ~~دور النشر في دولة عربية شقيقة بعضها غفل من اسم المترجم، وبعضها عليه اسم زائف! وراعني ~~إقبال الشباب في مصر على اقتناء هذه وتلك - وبعضها ذو ثمن باهظ - دون اكتراث لاسم ~~المؤلف أو المترجم! وعجبت للسر في هذا الإقبال، بينما تحفل رفوف المكتبة العربية بقصص ~~ومسرحيات لمؤلفين مصريين وغير مصريين وأغلبها بديع رفيع - هل لحقت الأدب لعنة ~~«المستورد» - أي سحر السلعة المستوردة وما توحي به من جودة؟ # ولكن الذي أعاد القصة إلى الحياة حقا هو ما أسمته المحررة «أسلوب الترجمة» أي أسلوب ~~الرطانة الذي كان يحذرنا منه أستاذنا المرحوم الدكتور أمين روفائيل (والذي لا يذكره ~~الدكتور شكري عياد بطبيعة الحال في كتابيه الأخيرين عن الأسلوب). فما هو هذا ~~الأسلوب؟ إنه مستوى لغوي محدود الكلمات والعبارات، غريب الأبنية والهياكل، يوحي بالأصل ~~الأجنبي ولا يرقى إليه، ويزخر بالعبارات التي أسأنا ترجمتها في بداية عهدنا بالترجمة، ~~فأصبحت علما على اللكنة مثل حسن، حسنا، يا للسماء! وما إليها، إلى جانب ما أسميه ~~بالكنكنة - كان يمكن أن يكون كذلك، ولو لم يكن كذلك - والعجيب أن ينزع الكثيرون من ~~الطامحين إلى كتابة القصة القصيرة إلى استخدام هذا الأسلوب؛ ظنا منهم بأنه يوحي ~~بالحداثة أو المودرنية، أو عجزا منهم عن استيعاب الأساليب العربية الأصيلة، والأدهى أن ~~تتسرب سمات هذا الأسلوب العجيب إلى اللغة العربية المستخدمة في شتى المجالات (أي دون ~~اقتصار على لغة الصحافة)، بل وأن تصبح من سمات اللغة المستخدمة في الحديث اليومي دون أن ~~يكون لدى المتحدث علم باللغة الأجنبية التي قيست عليها العبارات والكلمات ~~الدخيلة. # وكثيرا ما أتساءل: هل هذا من تأثير ترجمات الأفلام التي يراها المتفرج اليوم بلا ~~انقطاع على الشاشة الصغيرة؟ (وهي ترجمات لا داعي للتعليق على رداءتها وانحطاط أسلوبها ~~وابتعادها عن الأصل) أم هو من تأثير الترجمات الزائفة التي تلقي بها في أسواقنا دور ~~النشر في ms037 ذلك البلد الشقيق؟ أم هو من تأثير الانغماس في العامية في أجهزة الإعلام ~~المسموعة والمرئية؟ بل قد يكون ذلك نتيجة لاتجاه المبتدئين في صناعة الصحافة إلى ~~الكتابة الإبداعية، دون أن يكون لديهم الاستعداد اللغوي الكافي، ثم انغماسهم فيها مع ما ~~يلقونه من تشجيع في النشر والتنويه بأعمالهم! وربما تكون هذه العوامل مجتمعة من أسباب ~~انتشار أسلوب الترجمة. ولكنني على يقين من أن المستورد في هذه الحالة لا يداني المحلي ~~في أي مظهر من مظاهره. # احتراف الأدب # هل الأدب حرفة؟ أي هل يستطيع إنسان أن يعتمد على الكتابة الإبداعية في كسب عيشه؟ ~~وأقصد بالاعتماد عليها عدم الانخراط في السلك الوظيفي أيا كان نوع الوظيفة - ولو كانت ~~تدريس الأدب نفسه؟ # حاولت الإجابة على السؤال أول الأمر من وجهة نظر تاريخية، فبرزت أهم مشكلة تواجه ~~الكاتب أو المفكر، وهي مشكلة تحديد معنى كسب العيش. ومن قبلها بطبيعة الحال معنى الكتابة ~~الإبداعية - رغم الوضوح الخادع للمصطلح الأخير. فمفهوم الإبداع متغير، وهو لا يقتصر على ~~كتابة الأنواع المختلفة من الأدب الخيالي (القصة القصيرة، الرواية، الشعر، المسرح)، ~~بل يتعداه اليوم إلى النقد - فالنقد يعتبر فرعا أساسيا من فروع الأدب - وهو يقتضي في ~~رأي المحدثين طاقة إبداعية نستدل عليها من التفاعل الوجداني والفكري في آن واحد مع ~~العمل الأدبي الذي يتعرض له الناقد، ومن قدرة الناقد المبدع على الربط بين مظاهر العمل ~~الأدبي المحدد وبين غيره مما يزامنه أو مما سبقه، وكذلك بينه وبين الأطر الفنية ~~والفكرية التي ينبع منها ويصب فيها؛ إما في عصره، أو في الأدب بصفة عامة، باعتباره كيانا ~~مطلقا، كما نستدل عليها من قدرة الناقد على بلورة كل ما يخرج به في هذا الصدد في لغة ~~موجهة إلى جمهور بعينه، وتهدف إلى إحداث تأثير معين، مهما كانت درجة الموضوعية التي ~~يلتزمها. # أما كسب العيش فمفهوم جد عسير؛ فهو يتغير في العصر الواحد، بل وفي البلد الواحد، بل ~~ويكاد يتغير من أديب إلى أديب. أما عبر العصور فهو يتغير تبعا لتغير المعايير ~~الاقتصادية السائدة، ms038 وتبعا لمفهوم الضروريات والكماليات؛ فما كان كماليا بالأمس قد ~~يصبح ضروريا اليوم بسبب إيقاع الحياة اللاهث (كوسائل الانتقال مثلا)، وما لم يكن ~~معروفا بالأمس قد يصبح ضروريا في الغد (مثل وسائل العلاج الحديثة ذات التكاليف ~~الباهظة)، وما لم يكن يتتبع نفقات كبرى بالأمس قد أصبح يبتلي الإنسان بأنواع الهموم ~~(مثل نفقات التعليم والكساء للأسرة). # ولذلك فإن شاعرا كبيرا مثل «وليم وردزورث» استطاع أن يعيش على دخل محدود من استثمار ~~رأسمال قدره تسعمائة جنيه (كان يدر عليه ما يقرب من مائة وثمانية جنيهات في العام في ~~أوائل القرن التاسع عشر)، وكان يعيش هو وأخته أول الأمر في منزل ريفي صغير ذي حديقة لا ~~بأس بها (أسماه # Dove Cottage ~~)، ولم ينتقل منه عندما تزوج ~~وأنجب ولحقت بالأسرة «سارة» أخت زوجته لتعيش معهم. كان طموحه الذي لم يفارقه منذ صباه ~~هو أن يكون شاعرا متفرغا لكتابة الشعر، وألا يلتحق بوظيفة ما طول عمره، فكان يقضي وقته ~~في القراءة (وكان شعراؤه المفضلون هم شيكسبير وسبنسر وميلتون)، وإتقان اللغات ~~الأجنبية والترجمة منها، فترجم هجائيات «جوفينال» عن اللاتينية وغزليات «كاتولوس» أيضا ~~عن اللاتينية ومقطوعات «مايكل أنجلو» عن الإيطالية القديمة وما إلى ذلك، كما كان يكتب ~~حين يأتيه شيطان الشعر، وكان أكثر ما يأتيه وسط الحقول، ولم تكن تزيد متطلبات الأسرة عن ~~الطعام الذي كانت تتولاه أخته «دوروثي» ابتداء من بذر الحب إلى جني ثمار البازلاء ~~والبطاطس في الحديقة، وابتداء من العجن إلى إنضاج الخبز في الفرن المنزلي. # والمطلع على حياة هذا الشاعر يعجب كيف استطاع أن يحد من حاجاته الاقتصادية، فلم يكن ~~يشغل فكره إلا الأحذية الجلدية المتينة التي تعينه على السير مسافات طويلة، وكثيرا ما ~~تلمح في ثنايا رسائله واليوميات التي كتبتها أخته اهتماما بالغا. وقد أجرى أحد ~~الدارسين حسابا استخلص منه أنه عندما بلغ الستين كان قد سار على قدميه مسافة تزيد على ~~180000 ميل! # ولكن هذا الشاعر لم يلبث - بعد أن حقق لنفسه ذيوعا عريضا - أن قبل وظيفة شرفية (أو ~~اسمية) في مصلحة ms039 الضرائب، بل قبل أن يكون شاعر البلاط وهو المنصب الذي كان قد شغله ~~«ألكسندر بوب» شيخ الكلاسيكيين و«روبرت ساوذي» الرومانسي الأشهر من قبل وردزورث! بل ~~إنه قد تحول في شعره من الثورية المتطرفة إلى الرجعية الكاملة، وكتب سلسلة طويلة من ~~السوناتات السقيمة العقيمة عن أحد الأنهار وسلسلة أخرى بعنوان السوناتات الكنسية! ~~وسرعان ما هاجمه شعراء القرن التاسع عشر لهذا التحول وتلك الردة، فكتب «براوننج» قصيدته ~~المشهورة في هجائه بعنوان «القائد المفقود»، وهو يعني في الحقيقة الذي ضل الطريق، مثلما ~~كتب الشاعر العظيم اللورد بايرون هجاءه المعروف لشاعر البلاط الأسبق «روبرت ~~ساوذي»! # ولكن احتراف الأدب وحياة التقشف ظلا مثلا يطمح إليه الأدباء في النصف الثاني من ~~القرن التاسع عشر، وحاوله بعض صغار الفنانين والشعراء لا يذكر منهم اليوم سوى «دانتي ~~غبريال روزني» وجماعته، بينما كان «ماثيو أرنولد» مثلا - شاعر العصر الفيكتوري وناقده ~~العظيم - مفتشا في وزارة التربية والتعليم، وأما في القرن العشرين فقد انهار هذا المثل ~~تماما ولم يعد من الممكن ولا من المستحسن أن يتفرغ أديب للأدب؛ إذ لم يعد مفهوم الأدب ~~مقصورا على إبداع العمل الأدبي، ولم تعد متطلباته مقصورة على إحكام الوسيلة اللغوية، ~~بعد أن تعقدت أنماط الحياة، وأصبح على الأديب أن يشغل نفسه بدراسات وقراءات غير أدبية، ~~بل وباهتمامات فكرية تتخطى حدود العصر، ولم يعد في إمكان الناقد أن يجهل العلوم ~~السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفلسفية والنفسية! ولقد انتفت تماما فكرة الناقد ~~الفني البحت - أي الذي يقتصر على نقد الشكل - إذ لم يعد الشكل منفصلا عن المضمون، وما ~~تشعب الأشكال الفنية وتعقيدها إلا انعكاس لتشعب المضمون وتعقيده! كما لم يعد الأديب ~~قادرا على احتراف الأدب - حتى ولو كان يدر عليه ما يكفي لكسب عيشه ويزيد! # الفنان والتعليم # من المفهومات الخاطئة التي شاعت فأوشكت أن تصبح لشيوعها صحيحة؛ مفهوم المقابلة بين ~~الفن والعلم، أي تصور الكثيرين أن الفنان لا حاجة له بالدراسة؛ باعتبار أن الدراسة ~~عمل العلماء لا الفنانين أو الأدباء. وينطبق هذا بصفة خاصة على التفرقة بين الناقد ms040 ~~والأديب؛ إذ كثيرا ما يقال إن الأول عالم والثاني مبدع؛ ومن ثم فعلى الأول أن يدرس ~~ويعلم، بينما لا يحتاج الثاني إلا إلى التأمل، ثم استنطاق موهبته الإبداعية التي لا ~~تحتاج إلى عون من ثمار قرائح البشر؛ فهي ربانية يولد بها المرء ولا يكتسبها. # ويستند هذا المفهوم إلى خطأين في التفكير؛ أولهما الخطأ في فهم معنى الموهبة وعلاقتها ~~بالإبداع، والثاني هو الخطأ في فهم طبيعة عمل الفنان أو وظيفته. أما الأول فإنه لم يصحح ~~إلا منذ عهد قريب، وقد كان محوطا بالألغاز قرونا وقرونا - وذلك بعد نهضة علم النفس ~~الحديث وتشعبه، بعد أن كان مقصورا في فترة ما على مجالات بعينها (أهمها علم النفس ~~المرضي)، فأصبحنا ندرك المزيد عن دقائق عملية الإبداع وعملية التذوق الفني - ونحن مدينون ~~في هذا الصدد لرائد هذه الأبحاث في العالم العربي أستاذنا الدكتور مصطفى سويف، ~~وأصبحنا نعرف أن المادة التي يشكلها الفنان - أو ما أسميته من قبل بالواقع - لا تقتصر ~~على تجارب الحياة من أحداث وأحاديث وصور ورؤى، بل تتضمن تشربا لروح العصر وهو ما لا ~~يتحقق إلا بالتعليم، أي بالقراءة المتصلة والاستيعاب المتواصل لعلوم العصر. وإذا كنت قد ~~كررت الإشارة إلى العصر هنا فذلك لأن مفهوم العلم أو العلوم يختلف من عصر إلى عصر؛ فقد ~~تسود العلوم الدينية في عصر ما، وقد تسود العلوم الفلسفية أو العلوم الطبيعية، وهلم جرا؛ ~~ولذلك فالفنان أو الأديب ينحدر من تراث أدبي أو فني صرف، ولكنه ينتمي للماضي الأدبي ~~والحاضر الفكري معا. # وتحضرني كلمات ابن رشيق في كتابه «العمدة» عن اتساع نطاق المادة التي يتناولها ~~الشاعر العربي مع اتساع نطاق المعارف العربية نتيجة للفتوحات الإسلامية، فاطلاع العرب ~~على الثقافات الأجنبية واتصالاتهم بالحضارات القديمة وهو يطلق على هذه «المادة» لفظ ~~«المعاني» وهو يعني أحيانا الصور الفنية - كما بينت ذلك في كتابي «النقد التحليلي» ~~(1963م) - ويعني به «الأفكار» التي يتناولها الشاعر أحيانا أخرى. # وهذه المعاني أو الأفكار عادة ما تكون وليدة العصر الذي يعيش فيه الفنان. وسواء ~~قبلنا آراء قطب ms041 الذاتية في هذا الصدد، وهو الشاعر الإنجليزي «وليم وردزورث»، أو قطب ~~الموضوعية ت. س. إليوت؛ فإننا لا بد أن نواجه في كل مرة هذه الحقيقة الساطعة، وهي ~~أن المادة الفنية لا يمكن أن تقتصر على التراث، بل لا بد أن تتضمن علوم العصر. وقد يكون ~~هذا ثمرة لجهد فردي أي لتحصيل فردي من جانب الفنان؛ فالشاعر الرومانسي «شلي» كان يقرأ ~~منذ بزوغ الفجر حتى منتصف الليل باللغات اليونانية واللاتينية والإيطالية والإسبانية ~~والفرنسية، ويذكر من ترجموا له أنه كان يغفو من شدة الإرهاق وحاجته إلى النوم أثناء ~~النهار، وأنه كان دائما يحمل كتابا معه يختلس القراءة فيه حتى ولو كان في حفلة أو ~~مأدبة (وقد لا يعلم الكثيرون أن ت. س. إليوت حاصل على درجة الدكتوراه؛ فهي المعادل ~~الحديث لنوع من التعليم القديم)؛ أقول: قد تكون هذه الإحاطة ثمرة جهد فردي، وقد تكون ~~نتيجة لروح العصر التي تتمثل في الجهد الجماعي للمفكرين (من علماء وأدباء)، وخير من يعبر ~~عنها هو الناقد. # وقد تنبه إلى هذه الحقيقة الناقد الإنجليزي والشاعر «ماثيو أرنولد» حين قارن بين ~~امتياز الشعراء، لا على أساس الشكل وحده، بل على أساس ثراء المادة الفكرية، وقد هداه بحثه ~~إلى أن النقاد هم الذين يوفرون هذه المادة للأديب، فكان يقول: إن على الناقد أن يوجد ~~تيارا من الأفكار الحديثة الصائبة بحيث يجد الفنان نفسه في إطار يضمن لعلمه العمق ~~ويكتب له البقاء، وكان يضرب المثل لهذا الشاعر الألماني العظيم «جوته». وقياسا على هذا ~~نجد أن «روح العصر» (وكان الناقد الإنجليزي وليم هازليت أول من ابتكر هذا التعبير) ~~يمكن أن تفسر لنا طبيعة المادة التي يتناولها الفنان في عمله. # أما الخطأ الثاني فهو يتعلق بطبيعة عمل الفنان - وهذا أيضا لم يصحح إلا منذ عهد قريب ~~- إذ كان يظن أنه مصور وحسب أوانه مجرد مرآة تعكس حياة الناس (في مجتمعه مثلا) أو حياة ~~الطبيعة؛ ومن ثم كان النقاد يركزون في دراستهم على جوانب «المهارة في المحاكاة» ومدى ~~صدق التصوير، وقد كان للشاعر ms042 الإنجليزي «كولريدج» - وهو أبو النقد الحديث - فضل تحرير ~~الأذهان من هذا الخطأ الفادح حين أسهب في «السيرة الأدبية» في الحديث عن الخيال ~~الإبداعي وعمل المخيلة الإبداعية (وأنا أستخدم هنا المصطلح الذي أتى به ابن خلدون قبل ~~كولريدج بما يزيد على أربعة قرون). # وبفضل هذا المفهوم أصبح الجميع يدركون أن عمل الفنان يتمثل في إعادة تشكيل الواقع لا ~~تصويره، وأن جهد التفكيك والتحليل لا ينفصل عن جهد التجميع والتشكيل؛ ولهذا لا بد للذهن ~~من أن يحكم فن التفكير التحليلي الذي لا يأتي إلا بالدراسة واستيعاب المنهج العلمي ~~الحديث. # ولقد قيل قديما إن كل فنان يضمر في داخله ناقدا - يتحكم في اختيار المادة وتحديد ~~الشكل، بل ويصدر أحكام القيمة. ولذلك كان أفضل الفنانين هم أفضل النقاد دائما - وأضيف ~~إن أفضل النقاد مبدعون - فملكة الإبداع تتضمن جهدا مركبا لا غنى عنه للناقد والفنان ~~جميعا، ولا غنى لأيهما عن معارف العصر، وهو ما لا يتأتى بالتعليم والدراسة. # خرافة الكمال # لم يتردد الشاعر المبتدئ في الاعتراض عندما أبدى له أحد زملائه نقدا، وكان اعتراضه ~~عنيفا وحاسما؛ فهو يستند إلى ما شاع في الخمسينيات - نقلا عن مدرسة النقد الحديثة ~~الأوروبية الأمريكية - من أن العمل الفني كائن مستقل له قوانينه الخاصة، وأنه كامل في ~~ذاته، لا يحتمل الزيادة ولا النقصان، ولا يمكن ترجمته، ولا يمكن نقله من صورة إلى صورة، ~~أي من شكل أو وسيط إلى شكل أو وسيط آخر (كالرواية والمسرحية والقصيدة وما إليها)، وإلا ~~مسخ وشوه وخمد، ولم يعد - باختصار - عملا فنيا. # وتعجب زميله الذي يكتب الشعر أيضا من هذا العنف غير المتوقع؛ فقد كان اعتراضه ~~يسيرا، منطقيا إلى أبعد الحدود، بل لا يعدو أن يكون اقتراحا بتقسيم القصيدة إلى ~~قصيدتين؛ لأنها تنقسم - في صورتها الحالية - إلى لحظتين تمثلان رؤيتين لا يجمع بينهما ~~تماثل أو تناقض، ولا يشدهما تقارب أو تقابل، ولا يتصلان بتناظر أو تضاد، ولا يؤدي أحدهما ~~إلى الآخر ولا ينبع منه، ولا يكاد يربط بينهما سوى ما يربط بين القصائد المتفرقة في ms043 ~~ديوان واحد! # وكنت أتابع المناقشة ولكنني لم أتعجب؛ إذ وجدتني في موقف الزميل الناقد رغما عني ذات ~~يوم وعام 1986م يؤذن بالأفول، حين أبديت نفس الملاحظة لقصيدة في ديوان الشاعرة وفاء ~~وجدي، واعترض أحد الزملاء على حق الناقد في التعديل أو اقتراح ما يمكن أن يغير من شكل ~~القصيدة. باعتبار العمل الفني كيانا مطلقا لا يجوز المساس به. وطفقت أتأمل هذا الموقف ~~الناشئ من إساءة فهم المذهب الفني الحديث؛ فلا شك أن النقد الحديث لا يقصد القول بكمال ~~أي عمل فني، ولكن ما هي أسباب سوء الفهم؟ # السبب الأول في رأيي هو معنى اصطلاح «العمل الفني» بداية؛ فنحن نقنع بالشكل الخارجي ~~للعمل في تحديد انتمائه إلى أسرة الفن - فما دام منظوما ومقفى (أيا كان نوع النظم ~~والقافية)، ويقدم رؤية ما؛ فهو قصيدة، وما دام منثورا ويحكي وقائع وبه شخصيات وأحداث؛ فهو ~~قصة ورواية، وما دام مكتوبا بالحوار وبه مواقف وما إلى ذلك؛ فهو مسرحية. ونحن نسرع في ~~الحكم باستقلاله وكماله حين نقرر أنه عمل فني! وما أبعد هذا كله عما يعنيه النقد ~~الحديث! # إن النقد الحديث يقول في الحقيقة إن «العمل الفني» يطمح إلى الكمال؛ أي إنه في صورته ~~المثالية كامل، ولكنه لا يرقى إلى هذه الصورة المثالية أبدا؛ فهو مرتبط بنقصان البشر، ~~وما هو في الحقيقة إلا سجل مجسد لمشاعر وأفكار أبعد ما تكون عن الكمال شكلا ومضمونا، ~~وكلنا يذكر قول العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا ~~قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ~~ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة ~~البشر.» # ويعرف الكثيرون دهشة الشاعر الإنجليزي «جون كيتس» حين اطلع على مسودات «الفردوس ~~المفقود» للشاعر الأعظم «جون ميلتون»، فأصابته صدمة أوقفته عن الكتابة فترة؛ إذ شاهد ~~بعيني رأسه التعديلات التي أملاها ميلتون على بنائه للنص العظيم، وقد كان يتصور أن ~~شعر ميلتون ms044 لجماله وإحكامه كامل يقترب من المثال؛ أي لا يقبل التعديل والتبديل، وأنه ~~من ثم لا بد أن يخرج من فم الشاعر في صورة كاملة! # ومن هذه الزاوية نرى أن كل «عمل فني» هو - إلى حد ما - «مشروع» عمل فني، وأنه لا يتخذ ~~الصورة النهائية - مثل مشروعات القرارات والقوانين - إلا بعد الموافقة عليه، سواء كانت ~~بإجماع القراء والنقاد في زمن ما ومكان ما، أو بغالبية الأصوات، أي باتفاق جمهور القراء ~~ومعظم النقاد، أو بتزكية بعض النقاد المعاصرين له ممن يتمتعون بحساسية مرهفة ربما ~~اختلفت عن حساسية العصر. وحتى عندما يقبل العمل الفني بالصورة التي أسميتها «الصورة ~~النهائية» فإن ذلك لا يكون إيذانا بالكمال أبدا! فالصورة المكتملة ليست كاملة؛ لأنها ~~تستند إلى معايير ما تفتأ تختلف من مكان إلى مكان ومن عصر إلى عصر، ومن جمهور إلى ~~جمهور في نفس الزمان والمكان! # أما السبب الثاني فهو مفهومنا للنقد وعمل الناقد. لقد تجاوزنا مرحلة اعتبار النقد ~~عملا طفيليا يمارسه من لا يستطيع الكتابة الإبداعية أو اعتبار النقد نشاطا ذهنيا ~~«غير فني» يقتصر على تبيان المثالب (وعندما تجاوزنا المرحلة الأخيرة أمعنا في التجاوز ~~حتى أصبح الكتاب، وبخاصة من يبدءون هذا الطريق الشاق، يتوقعون المديح والثناء، ولا ~~يقبلون تبيان العيوب والنقائص). ولكن الأخطر من ذلك هو تصور نقادنا وجود معايير مطلقة ~~للأحكام النقدية - وهذا خطأ يداني تصور وجود معايير مطلقة للأشكال الفنية. وإذا كان ~~صحيحا أن الناقد يهتدي في استنباط الأحكام بالتراث الفني؛ فهو لا يخضع للأشكال السائدة ~~في التراث طول الوقت؛ لأن هذه الأشكال وما يمليها من أفكار ما تفتأ تتغير. والناقد ذو ~~طاقة إبداعية دفينة، تتجلى في إدراك الخط الذي تسير فيه الأشكال والأفكار تحولا ~~وتبدلا. وفي إقامة العلائق الباطنة والظاهرة بين الأعمال الفنية في عصر ما أو عند فنان ~~بعينه، والأهم من هذا كله قدرته على اكتشاف النمط الفني المحدد الذي يختاره الفنان؛ ومن ~~ثم قدرته على اكتشاف أماكن كسر هذا النمط بفضل طاقة الاستشفاف لديه - وهي طاقة تستند ~~إلى موهبة فطرية ms045 صقلتها الدراسة وهذبها طول قراءته للأعمال الأدبية وطول ~~استقرائها. # ولذلك فعندما يتعرض ناقد مرهف لعمل فني ويقترح تعديلا ما، فإنه يفعل ذلك نشدانا ~~للكمال - مصيبا كان أم مخطئا - أي إنه يشارك الفنان موقفه وجهده من زاوية جديدة، وإذا ~~كثر عدد النقاد كثر عدد الزوايا وتعددت الوجهات، واستطاع الفنان أن يرى ما لا يستطيع أن ~~يراه وحده. # عاد إلى الطيور # عندما تهب أولى نسمات الخريف الباردة، تقلع أسراب الطيور الأوروبية من غابات ~~«بوهيميا» وما حولها، مهاجرة إلى دفء أفريقيا، وتتوقف قليلا عند ساحل البحر المتوسط في ~~انتظار البدر، وعندما يكتمل البدر في ليلة من ليالي سبتمبر، تعبر الأسراب البحر لتصل ~~مع الفجر إلى ساحل مصر، وعيونها تبحث عن السواد في الصحراء، أي عن البقاع الخضراء التي ~~تزدان في ذلك الفصل بثمرات ناضجة، تحبها طيور أوروبا وتعشق رحيقها، وما تلبث أن تهبط ~~على كل غصن وفنن، حذرة خائفة في الغربة، وإن أدفأ قلوبها اقتراب موسم التزاوج إذ سترتع ~~في غابات السودان وتنشد أناشيد الزفاف، قبل أن تعود في مايو إلى أوروبا إلى أعشاش جديدة ~~تبنيها إلى جوار أعشاش الآباء. # وقبل شروق الشمس في الأيام الأولى من سبتمبر ينتظر الصيادون السمان بشباكهم على ساحل ~~رشيد، وينتظر البعض الآخر من هواة الصيد هذا الفيض من الطيور، بينما يتجول رجل مع ~~ابنه في غبش الإصباح ومعهما منظار مقرب، يحاولان أن يرصدا هذه الطيور في دكنة السحر، ~~ويشرح الأب لابنه وهما يسيران وسط حقول السمسم والذرة التي تتوسطها أشجار نخيل باسقة ~~تبتعد عن بعضها البعض بما لا يزيد على ثمانية أمتار، يشرح الأب لابنه الذي ما زال بين ~~النوم واليقظة رصد الطيور وتمييز أنواعها من ظلها والضوء من خلفها في السماء؛ أي بطريقة ~~«السلويت» وما تنقضي الساعة حتى يكونا قد رصدا عددا من الطيور وتحدثا عن خصائصها؛ ~~فهذا هو القمري - من فصيلة الحمائم - الحذر الخائف أبدا، يقصد أعلى النخيل ويقبع على ~~السعف وسط الخوص ليضلل الطالب، ولكنه يهب طائرا إن اقترب ظل البشر! وها هو الضوع ms046 ~~واسمه هنا «أبو النوم» لأنه ينام على قاعدة «الجريدة» أي على الكرنوفة (أو القحف) طوال ~~النهار فاتحا فاه لتدخله الحشرات! وقد عرفه الشاعر العربي وعجب له قائلا: # ونام على مهد الكرانيف ضوع # قرير فؤاد ما تخال له هما! # وها هو الصفير، واسمه هنا الشاويش؛ لأنه ذو ريش أصفر فاقع لونه مثل بزة الجاويش ~~الرسمية! وها هو الوقواق، ويسمونه هنا «السقساق» الذي يضع بيضه في عش غيره ولا يحتضن ~~أفراخه أبدا! # ثم تشرق الشمس وتصحو الطيور من وعثاء الرحلة وتبدأ في البحث عن الطعام، فهذا موسم ~~الفواكه أيضا؛ موسم البلح والمانجو والقشطة الخضراء، «وإذن فوجه منظارك المقرب إلى ~~الفاكهة الناضجة تجد تلك الطيور تتناول طعام الإفطار!» # وعندما تسطع الشمس في السماء ويقبل الضحى، تهدأ حركة الطيور إلا من قرناص ينشد ~~جعرانا أو دودة، أو من دقناش يزهو بألوانه، وسائر الطيور الصغرى كالقبرة والوروار ~~والخضيري التي تملأ الجو شقشقة وشدوا متصلا حتى الهاجرة. # وكبر الابن وكبرت معه الأشجار التي كان والده قد غرسها في فدانين اقتطعهما من قلب ~~الصحراء وأحالهما جنة وارفة الظلال حتى تجتذب الطيور الزائرة، واعتاد الصبي منظر الخضرة ~~وسط الرمال، واعتاد انتظار طيور أوروبا (ويسمونها في رشيد «طيور النيل»؛ لأنها تأتي مع ~~فيضان النيل)، وأحب تمييز أصواتها وألوانها، واعتاد رؤية والده عاكفا على كتب ضخمة ~~بالإنجليزية حافلة بصور الطيور الملونة المطبوعة على ورق سميك لامع، ينقل منها ملاحظات، ~~مثلما اعتاد رؤيته منكبا على كتب الأدب العربي القديم ينقل منها مختارات في كراسات ~~كثيرة، يتحف بها أبناءه من وقت لآخر، أو متحدثا عن الطيور التي عرفها العرب، أو منشدا ~~ما قيل فيها من شعر. # ولم يستطع الصبي الذي شب عن الطوق أن يدرك العلاقة بين الأدب العربي والطيور؛ فقد كان ~~ذلك من ألغاز الطفولة التي تقبلها دون تساؤل مثلما تقبل أخبار الحرب العالمية الثانية ~~في الأربعينيات! لكنه عندما تخصص في الأدب هو الآخر، لم يستطع أن يتفادى السؤال، خصوصا ~~بعد أن بهره الشعر الرومانسي الإنجليزي الحافل بالطيور، وقرأ عن نظرية ms047 «النماذج الفطرية» # ARCHETYPES # التي أتى بها العالم النفسي ~~الأشهر «يونج»، ومؤداها أن ثمة صورا ورموزا يرثها الإنسان من ضمير البشرية الواحد؛ ~~فهو يعرفها بالفطرة ويحس معناها دون تلقين، ويستوحي قوتها دون مرشد أو هاد. # لقد ارتبطت الطيور في أعماق البشر بنزعة الحرية والانطلاق؛ نزعة التحرر من الالتصاق ~~بالأرض، فهي سابحة في جو السماء، تبصر البشر من عل وعيونهم تتطلع إليها من الأرض، وهي ~~تنذرهم بالغيوم أو الجو الصحو، وتتهادى أو تهوي، ترفرف أو تدف، تحلق أو تحوم، فيرون ~~فيها رموزا لما يدف بين جوانحهم ولما يحلق في خيالهم! ولكنها قبل هذا وذاك رمز للغز ~~الأكبر؛ لغز الروح. # لقد صور الفراعنة الروح في صورة طائر، واستعار القرآن العظيم صورة الطائر في معنى ~~مشابه # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ~~، واقتبس هذا المعنى الشاعر الرومانسي الكبير ~~«كولريدج» عندما جعل الملاحين يربطون طائر القادوس الذي قتله الملاح الهرم في عنقه ~~(بدلا من قلادة الصليب) إيحاء بتحمله الوزر وحده! ولكن السمة الأساسية التي شدت ~~الشعراء إلى الطيور هي صوتها الذي يأتي من السماء! والشعر الرومانسي يزخر بالطيور التي ~~نسمعها ولا نراها! وهذا هو ما جعل العقاد يرى في الكروان هذا اللغز: # هل يسمعون سوى صدى الكروان # صوتا يرفرف في الهزيع الثاني # إن للطيور سحرا يرتبط بالتجريد؛ أي باستحالتها أصواتا صافية مجردة، وهي أصوات ~~ترتبط بأصوات السماء، مثلما يقول «شلي» عن القبرة، ومثلما يقول «كيتس» عن البلبل، ~~ومثلما يقول «وردزورث» عن الوقواق! والصوت في ضمير البشرية كلام - والكلمة طاقة خلاقة، ~~بل هي طاقة الخلق نفسها. # كان الصبي يعرف أن أباه يحب الطيور لألوانها وجمالها وطباعها وكان دائما ما يتمنى أن ~~يرى كتابه «طيور مصر» مطبوعا في أبهى حلة، حتى يحاكي نظراءه من كتب العالم، ولكنه لم ~~يكن يعرف سر تلك العلاقة اللغزية إلا حين مات والده وعاد به إلى مسقط رأسه رشيد؛ ~~ليعود الجسد إلى الرمال، والكتاب بعد في المطبعة، وتعود الروح إلى الطيور. # عن البراءة والتجربة # منذ مائتي عام كاملة أصدر رسام مغمور يعيش ms048 في أحد أزقة لندن مجموعة من القصائد ~~القصيرة التي تختلف كل الاختلاف عما عهده القرن الثامن عشر من فن الصنعة وحذق البناء، ~~وتستخدم لغة ساذجة مما يدور على ألسنة البسطاء والأطفال، وأطلق على الديوان اسم «أناشيد ~~البراءة»، وربما كان هذا هو ما أوحى للدكتور مصطفى محمود أن يصدر كتابا يحمل نفس ~~العنوان منذ سنوات قليلة. # كان عام 1789م عاما حافلا بالنسبة لذلك الرسام - واسمه «وليام بليك» - كما كان حافلا ~~بالأحداث السياسية في أوروبا؛ إذ شهد اندلاع الثورة الفرنسية، وشهد تباشير الصراع الذي ~~غير وجه الحياة في أوروبا، كان «وليام بليك» آنذاك في الثانية والثلاثين، وكان يعمل مع ~~زوجته في إعداد اللوحات الخاصة بكتب الأدباء بطريقة بدائية؛ إذ كان يرسمها بطريقة الحفر ~~على الخشب، ثم يعد منها لوحات زنكوغرافية يلون كلا منها بنفسه؛ ولذلك فلم يلتفت النقاد ~~إلى ذلك الديوان الأول، وظل «أناشيد البراءة» كتابا مطويا لا يلتفت إليه أحد حتى أصدر ~~«بليك» الديوان المكمل له عام 1794م وأسماه «أناشيد التجربة»، وفيما بين هذا وذاك أصدر ~~ذلك الشاعر الرسام عدة دواوين وعدة كتب؛ أهمها «سفر ثل، 1789م» و«زواج الجنة والجحيم، 1790م» و«أبواب الفردوس، ورؤى بنات ألبيون، 1793م» مما يطلق عليه النقاد كتب ~~النبوءات. # وفي عام 1984م أصدر «لاريسي» أحد كبار نقاد الأدب الإنجليزي كتابا عن «وليام بليك» ~~يدحض كل ما ذهب إليه النقاد في أوروبا وأمريكا منذ الخمسينيات عن هذا الشاعر؛ من أنه ~~صوفي النزعة منفصل عن مجتمعه، لا علاقة له بما يدور في دنيانا، وقد ثبت بصره على ما يدور ~~في عالم الروح أو في العالم الخفي الذي يربط وجودنا على الأرض بوجودنا في عالم الخلود؛ ~~إذ ذهب «لاريسي» إلى أن مفهوم البراءة والتجربة ذو دلالة اجتماعية عميقة، وإلى أن ~~«بليك» كان شاعرا يعيش هذه الحياة بكل أبعادها وأنه كان يعي تماما أوجه الظلم ~~الاجتماعي والقهر الذي كان يسود المجتمع البريطاني في ظل النظام السياسي القائم؛ ومن ~~ثم فهو يخرج تفسيرا جديدا يتفق مع مذهب المشرف على سلسلة الكتب التي ms049 تتضمن هذا ~~الكتاب وهو الناقد النابه «تيري إيجلتون» وفحواه أن الفنان إذا كان صادقا فهو مرتبط ~~بقضايا عصره وهو يسهم في تعميق الوعي بها، حتى لو لم يكن يهدف إلى ذلك وحتى لو لم يعلن ~~صراحة عن مقصده. # أما التفسير الجديد للبراءة ومعنى البراءة بصفة عامة، فهو عدم إدراك وجود الشر أو عدم ~~قبول وجوده، وما الشر في أبسط صوره إلا معاداة الحياة - وألوان هذه المعاداة كثيرة مثل ~~إحداث الضرر والإيذاء والإساءة التي قد تتخذ صورا مادية صريحة؛ كانتهاك قوانين ~~الإنسانية وثوابتها، بالسرقة والقتل والاغتصاب وما إلى ذلك، وقد تتخذ صورا نفسية؛ كالحقد ~~والكراهية والحسد والبغضاء، وقد تكون المعاداة عداء للنماء والازدهار والخير إما بدافع ~~الغيرة والحسد أو بدافع النقمة والتلذذ بالإيذاء (وهو الشر الصافي). # وأما معنى التجربة فهو عكس ذلك، أي إدراك وجود الشر وتقبل وجوده باعتباره عنصرا ~~أساسيا من عناصر تكوين النفس الإنسانية، أي باعتبار دوافعه عناصر غريزية مركبة في ~~الإنسان لا يسلم منها أحد ولا تخلو منها أي نفس بشرية، وفي هذا الإطار يعيد «لاريسي» ~~تعريف موقف «بليك» من شرور عصره، كما يفتح لنا بابا جديدا نفهم منه كيف استطاع الأدب ~~الحديث أن يعيد تشكيل العلاقة بين البراءة والتجربة بحيث لم يعد ثمة من يمكن أن يكون ~~بريئا كامل البراءة أو مجربا كامل التجربة، بل أصبح الأدب يصور الإنسان باعتباره ~~كائنا يتمتع بقدر ما من كل منهما ويتفاوت قسطه من التجربة وفقا لما يصادفه من صور ~~الشر. # وفي هذا الإطار أيضا تبرز لنا معان جديدة لما سبق أن قاله النقاد عن ضرورة الإحساس ~~بالدهشة لدى الشاعر؛ فالشاعر الأصيل في دهشة دائمة؛ لأن لديه براءة دائمة! أي إنه لا ~~يستطيع تقبل وجود الشر، ويدهش دهشة صادقة كلما صادفه أو سمع عنه! وهو أيضا يدهش لسلوك ~~الأوغاد مهما كان علمه بانحطاطهم وخستهم؛ لأن لديه قلبا لا يتغير مهما توالت عليه ~~التجارب، وهو يعجب من حقد الحاقدين، ولا يوطن النفس على قبوله، ويظل دائما أبدا يظن ~~الخير بالناس مهما قيل ms050 له عنهم، ومهما كان اقتناعه المنطقي باختلاط الخير بالشر في كل ~~نفس بشرية! # وكذلك فإن الشاعر الصادق في حيرة دائمة بين ما يعرفه (عن طريق التجربة والعقل) وبين ~~ما يحسه (عن طريق القلب الصافي أبدا)؛ فهو نهب لصراع محموم لا يفتر إلا ليشتد ولا يخمد ~~إلا ليتقد بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن؛ ولذلك قال النقاد قديما إن للشاعر قلب ~~طفل لا تلغيه حكمة الشيوخ، وهو ينظر إلى الدنيا كل يوم كأنما يراها لأول مرة، فلا تستطيع ~~العادة ولا يستطيع التكرار أن يلقي بحجاب الألفة الغليظ على بصره! فهو ينظر إلى السماء ~~كأنما يشاهدها أول مرة وتهتز نفسه لجمال الطبيعة كلما نظر إليها، حتى ولو كان يسكن ~~الريف وحتى لو كانت صور الطبيعة تسكن روحه ومخيلته! ولذلك فهو مدفوع دائما بالرغبة في ~~نقل هذه الانفعالات وهذه الرؤى إلى من حوله، راجيا منهم أن يشاركوه فرحته ودهشته بجمال ~~الكون وجمال الإنسان! # لقد كان هذا دأب الشاعر الإنجليزي «شلي» ولقد قاله صراحة في مقاله الأشهر «دفاع عن ~~الشعر»، كما أنه يفسر إلى حد ما انقطاع الموهبة عن الشاعر الإنجليزي الرومانسي «وردزورث» ~~عندما بلغ مرحلة التجربة ولم يعد يدهش لما يرى! وهو يفسر استمرار كبار الكتاب في ~~الكتابة مدفوعين بدهشة البراءة وعمق الإحساس بوجود الخير، مهما أنكروا ذلك. والدهشة ~~لمرأى الشر لدى البريء تولد إحساسا بالحزن - لا بالغضب الذي يدفع إلى القيام بعمل ما - ~~وهو حزن ما تفتأ دفقات البراءة أن تغسله وتزيله - حتى يراه مرة أخرى - فيخرج بين هذا ~~وذاك عملا إبداعيا عظيما. # عن الكبير والصغير # كنا في ندوة نتحدث عن أدب الأمس واليوم، وكان المذيع الذي يتولى نقل الندوة مهذبا ~~رقيقا، فجعل يقدم كل متحدث للمستمعين متبوعا بلقب «الكبير»؛ فهذا كاتب كبير وذاك ~~ناقد كبير وما إلى ذلك، حين مال علي أستاذنا الدكتور أحمد هيكل وهمس قائلا: «لم ~~يكن يقال الكاتب الكبير إلا للعقاد في أيامنا!» وصمت. ولكنني انثنيت أفكر في هذا الذي ~~قاله: ما معنى «الكبير» وما معنى ms051 انشغالنا بالألقاب والأوصاف التي لا تنتهي ~~أحيانا؟ # وكنت في ذلك الوقت منهمكا في قراءة «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي الأتابكي ~~فتوقفت عند فصل يفصل فيه القول عن ألقاب المماليك. وراعني أنه حين تتضاءل قوة المملوك ~~تكثر ألقابه، وكذلك الحال عندما تضعف مؤسسة ما؛ فالألقاب - والله أعلم - تعوض من تلتصق ~~أسماؤهم بها عن ضعفهم! وعندما قصصت ذلك على صديقي الأستاذ أحمد صليحة، الذي تخصص في ~~تاريخ مصر القديمة، قال لي إنه من الثابت تاريخيا أن الألقاب تكثر وتكبر عندما تضعف ~~هياكل البنيان، فتجد خادم المعبد يشار إليه بألقاب كثيرة لا تتناسب مع مكانته ~~المتواضعة، لا يكاد يطلقها أحد على كبير الكهنة في عصور قوة الدولة! وعدت أتأمل أصناف ~~الألقاب التي أضافها المؤلفون إلى أنفسهم في صدور كتبهم، وعلى بطاقاتهم فوجدت عجبا! ~~وجدت أن أكبر الأساتذة يذكر اسمه مجردا من اللقب الوظيفي لا زهدا فيه وإنما إدراكا ~~منه لانعدام العلاقة بين الوظيفة وبين الكتابة الإبداعية، بينما يعمد المتوسطون (ولا شك ~~أن بين الكبار والصغار درجة وسطا) إلى إدراج بعض الألقاب من باب التعريف، وبعض الصفات ~~أيضا من باب التأكيد، أما الناشئة والصغار فإنهم يصرون على إدراج كل شيء - من الدرجات ~~العلمية والمناصب إلى الجوائز التي حصلوا عليها وما إلى ذلك - حتى لكأنهم يفرضون ~~أسماءهم فرضا على القارئ! # وتأملت الحال في البلاد التي سبقتنا في مضمار التأليف والنشر، فوجدت أنه لا فرق على ~~الإطلاق بين الكبير والصغير من ناحية الألقاب؛ فلا يذكر اسم الكاتب إلا مجردا من كل ~~لقب، وكذلك نفعل بطبيعة الحال عندما نشير إلى أعمالهم في ثنايا أبحاثنا باللغات ~~الأجنبية، بل إن ذكر اللقب العلمي لناقد شهير أو أديب كبير معناه الحط من قدره! وما زلت ~~أذكر أنني وقعت في هذا الخطأ عام 1965م عندما كتبت في إحدى فقرات رسالتي التي تقدمت بها ~~لدرجة الماجستير من جامعة لندن: «إن الدكتور ف. ر. ليفيز يقول كذا ...» فقال لي ~~الأستاذ المشرف مؤنبا: «أعرف أنك لا تحترم آراء ليفيز كثيرا، ولكن لا داعي لهذه ms052 ~~الإهانة!» وتساءلت عما يعنيه بهذا فاتضح أن ليفيز وهو ناقد من أكبر نقاد إنجلترا ~~المحدثين لم يحصل في حياته على درجة الأستاذية مطلقا وإن كان قد تمناها وسعى لها ~~سعيا، بل وتخطاها بكتاباته التي ملأت الدنيا وأثرت في الحركة النقدية الحديثة ... وهكذا ~~فإن في الإشارة إلى درجة الدكتوراه التي يحملها تذكيرا بعدم ظفره بالأستاذية؛ ومن ثم ~~إهانة ضمنية له! وقس على ذلك من يذكر اسم الشاعر والناقد ت. س. إليوت مسبوقا بدرجة ~~الدكتوراه! # ولكن ما هو المقياس الذي نطبقه عند الفصل بين الكبير والصغير؟ # إن أهم معيار في رأيي هو نطاق المادة الإنسانية التي يشكلها الأديب ومدى تأثيرها في ~~الناس وفي الأدباء من معاصريه ومن أبناء الجيل التالي له، وقد قال بمثل هذا أستاذ كبير ~~هو «دافيد ديتشيز» الذي تتلمذت عليه زوجتي نهاد صليحة في أواخر الستينيات؛ إذ كان يفرق ~~بين الكاتب الكبير والكاتب الصغير استنادا إلى مدى اتساع نطاق تجربة الكاتب وتنوعها ~~وشمولها، ولو كانت صنعته الفنية تفتقر إلى الإحكام الذي تتسم به كتابات غيره، فكان يقول ~~إن د. ه. لورانس كاتب كبير # Major # بسبب ثراء تجربته ~~(وينطبق هذا أيضا على ديكنز مثلا)، بينما تعتبر فرجينيا وولف أقل شأنا # Minor # بسبب ضيق تجربتها رغم تفوقها من ناحية فن ~~الصنعة على لورنس. # ولدينا معايير أخرى - بطبيعة الحال - منها مدى أصالة الكاتب وانطلاقه من إسار ~~التقاليد الفنية التي انتهت إليه من أسلافه؛ أي مدى قدرته على أن يشق لنفسه طريقا ~~جديدا قد يتبعه فيه الآخرون محاكين ومقلدين، وقد يضيفون إليه مبدعين خلاقين، ولكنه في ~~كل حال سينسب إليه أولا وأخيرا مهما كثر أتباعه، ومنها مدى اتصال الكاتب بمجتمعه؛ أي ~~مدى انتماء عمله للسياق البشري الذي يعيش فيه # Relevance ~~؛ ~~ومن ثم أهمية هذا العمل للمجتمع الذي ينبثق منه؛ فهو ينبع منه وإن لم يصب فيه وحده! ~~ويمكننا أن نضيف معايير أخرى؛ منها انتماء الكاتب للعصر الذي يعيش فيه وقدرته على تخطي ~~حدود الزمان إلى المستقبل، وما إلى ذلك. # ولكننا في العالم العربي ms053 نقنع بمعيار واحد من هذه المعايير، ونركز عليه أشد التركيز؛ ~~ألا وهو قدرة الكاتب على صناعة اسم له؛ أي على الشهرة التي قد يصل إليها عن طريق ~~المعايير الأساسية أو الثانوية التي أشرت إليها، وقد يصل إليها نتيجة لظروف لم تتوافر ~~لغيره، بل قد يصل إليها نتيجة منصب (يتيح له أن يجعل اسمه يلح على أسماع الناس) أو لقب ~~(يفرض به سلطة أدبية أو علمية) وهو في أي الحالات ليس كبيرا إذا قيس بالمعايير ~~السالفة! # فلنراجع تاريخنا القريب لنرى أن هذه المعايير صادقة، وأن من تسرب إلى طائفة الكبار ~~في زمنه بسبب معايير زائفة قد طواه النسيان أو أصبح هامشا من هوامش التاريخ الأدبي، ~~ولنتردد قليلا قبل أن نطلق على هذا أو ذاك لقب «الكاتب الكبير»! # غدا تبدأ الحياة # للشاعر الإنجليزي إدوارد ينج قصيدة يسخر فيها من التسويف الذي يدفع بعض الناس إلى ~~انتظار الغد باعتبار أن الغد لا بد أن يكون بداية حياة جديدة. الواحد من هؤلاء يقول ~~إنني لن أفعل كذا إلا إذا أعددت له اليوم عدته. فإذا مر اليوم وجاء الغد أصبح الغد هو ~~اليوم. وعاش الإنسان دوما في انتظار غد لا يجيء أبدا. # وقد ألحت هذه القصيدة على ذهني عندما زار مصر مغترب ممن قضوا في أوروبا فترة طويلة، ~~ثم سنحت له فرصة العمل في كندا ليكسب المزيد من المال. فقبلها راضيا شاكرا حظه ~~السعيد. ثم زار مصر ليودع أخاه وأهله في بلدة إقليمية على شاطئ البحر المتوسط قبل ~~الرحيل. والتقيت به في القاهرة ساعة أو بعض ساعة شكا لي فيها ما سوف يواجهه من هموم، ~~فابنته الكبرى في الجامعة وهي لا تعرف من العربية إلا شذرات تعلمتها في المنزل (أو في ~~مدرسة المغتربين). وابناه في المدرسة الإعدادية. وقد بدأ القلق يساوره على مستقبل هؤلاء ~~الأبناء؛ فمن يا ترى سوف يتزوج ابنته إذا طالت غربته فأمعنت في الطول؟ وماذا يا ترى يكون ~~مصير الأبناء؟ # وعندما ذكرت له جادا أن مصر هي بلده، وهي أمه الرءوم. وأشرت ms054 إلى أملاكه التي تدر ~~عليه دخلا كبيرا، وإلى عمله الذي ما زال يحتفظ به في إحدى الوزارات، مؤكدا أن الحياة ~~في مصر يمكن أن تحقق له آماله؛ وجدته يبدأ حسبة غريبة مؤداها أنه وضع ترتيبا معينا ~~لاستثمار مبلغ معين، وبناء عقار معين، وأن عليه أن يكسب مقدارا آخر من المال (محسوبا ~~بآلاف الدولارات طبعا) حتى تستقيم له الأحوال، وينجح الترتيب؛ ولهذا فهو يؤجل الحياة ~~في مصر حتى يستطيع تدبير هذا المبلغ وتكتمل له خطة النجاح. # وسافر صديقي الذي يدق أبواب الكهولة، وإن كانت الحياة الرغدة في أوروبا تخفي حقيقة ~~سنه، والتقيت بعده بالعديد من الأصدقاء الذين عادوا في صيفنا الحالي لقضاء العطلة أو ~~جانب منها في القاهرة، وكل منهم يحمل آمالا بأن يبدأ الحياة غدا عندما تكتمل له ~~مشروعاته المالية، ويصل إلى طمأنينة في الرزق لا تتأتى لأقرانه، بل للسواد الأعظم من ~~المصريين وراعني أن كلا منهم بلا استثناء يؤكد أنه لا بد عائد، وأنه لن يقضي شيخوخته ~~في الغربة. وراعني وأدهشني أن كلا منهم مشغول بموضوع أوحد لا يبارح خياله؛ ألا وهو ~~المال، وطرق استثماره، وأن كلا منهم حتى المثقفين من زملائي الذين جمعتني بهم أيام ~~الدراسة لم يعد يتحدث إلا في العملات الصعبة والعملات السهلة. وفيما يتبدى في مصر من ~~نواحي القصور التي نلمسها جميعا في حياتنا اليومية، وأن انشغالهم بالثقافة انحسر أو ~~تلاشى، وأن فكرة العمل من أجل رسالة أو لبناء الوطن قد أصبحت ضربا من السخرية المؤلمة ~~في أعينهم؛ فالمال هو قانون الحياة الأعظم، وهو القوة والبطش والسلطان في نظرهم، حتى حين ~~ينكرون ذلك. # وذكرت زميلا مصريا قابلته في إدنبره عاصمة اسكتلنده عام 1970م أثناء رحلة إلى ~~تلك الأصقاع الجميلة. وكان قد أتى من مصر ليدرس الطب. ولكنه اكتشف وسيلة لكسب المال ~~شغلته عن دراسة الطب، فكان حاله مثل حال الأزهري الذي ذكره طه حسين في الأيام؛ قضى ~~عشرين عاما لم يظفر بالدرجة ولم يستيئس من الظفر بها. وسمعت من أحد الأصدقاء الذين ~~عادوا في العام ms055 الماضي من ذلك البلد أنه توسع في عمله وأصبح تاجرا للحوم يشار إليه ~~بالبنان، ولا يعرف إلا القليل من أهل البلد علاقته بالطب، ولكنهم يعرفون أنه مصري. وهو ~~يقول لكل من يقابله من المصريين إنه يدرس الآن للدكتوراه (بعد قرابة أربعين سنة)، وإنه ~~لا يقبل أن يعود إلى مصر إلا بعد ظفره بالدرجة. # ونظرت إلى من عادوا مختارين من بلاد الغربة، فوجدت أنهم ينقسمون إلى قسمين بصفة عامة؛ ~~القسم الأول هو الذي قنع بما اقتصد من مال أصلح به حاله فعاد مبكرا ليستقر به المقام ~~في مصر؛ إما في عمله الأصلي (بعد كفاح)، أو في عمل مشابه. سواء تطلب ذلك نظام الوظيفة ~~القديم أو تحرر منها. والقسم الثاني يضم من عاد بسبب طول الغربة التي ملها وملته. ~~وبسبب إحالته إلى المعاش في سن مبكرة أو متأخرة. فجاء كارها للغربة مقبلا على مراتع ~~الصبا يريد أن يعود للحياة من حيث تركها، فلم يجدها إذ كبر الأقران وهدهم الزمن، أو ~~رحلوا عن الدنيا وتركوه قائما؛ فهو دائما أبدا يبحث عن الماضي فلا يجده، وهو يزعم ~~أنه لم يمر زمن ولم تتغير الدنيا، وهو يرنو إلى مصر اليوم محاولا أن يجد فيها مصر ~~الأمس مصرا على ألا يرى الهوة التي تفصل بينه وبين ما كان عليه وما كانت الدنيا ~~عليه. # إن نمط الغربة من أجل المال أصبح مألوفا إلى حد جعلنا نعتبره القاعدة التي لا ~~استثناء لها، وأصبح الجميع يحلمون بأن يبدءوا الحياة غدا عندما يعودون، إذا عادوا! أما ~~من لا يعودون - وليس عددهم بقليل - فهم الواقعيون الذين تصالحوا مع الزمن وكفوا عن ~~خداع النفس، فأصبحوا يرون اليوم حاضرا والغد مستقبلا، فلا بأس إطلاقا في أن يعيش ~~المصري في بلد تصبح له وطنا جديدا؛ فهو هنا يعيش الزمن كما ينبغي وقد نفى فكرة بداية ~~الحياة غدا، وإن كان عليه في هذه الحالة أن يقيم جسورا مع مصر الحاضر بالزيارة ~~والتواصل والتفاعل؛ حتى لا تتراجع صور مصر إلى ماض غابر يخلق منه صورة ضبابية ms056 لمستقبل ~~لا يجيء أبدا. # معنى التراث # كتبت في هذا المكان قبل عدة أسابيع سطورا عن معنى الزمن، فصلت فيها القول عن الزمن ~~الفردي (النفسي) والجماعي (الإنساني) والاجتماعي، وذكرت أن من صور الزمن الاجتماعي أحوال ~~الناس في مجتمع ما كما ينقلها لنا التاريخ، وأن من أسباب الخلط في تفكيرنا هو الإحساس ~~بالزمن الفردي أي بالماضي في صورة الزمن الاجتماعي؛ أي تحويل الحنين إلى الماضي، وهو ~~عاطفة بشرية طبيعية، إلى حنين غامض عام إلى صور من التاريخ، فإذا نحن نضفي عليها صفات ~~ليست فيها، بل هي نسج مشاعرنا وطبيعة شوقنا إلى ما فات، وإذا نحن نتصور بعض العصور ~~المظلمة في صور من البهاء لا يمكن أن يشهد بها التاريخ الصادق. # وربما استعصت هذه الفكرة على قارئ من القراء، فتصور أنني أدين بهذا التاريخ كله، أو ~~أنني أهاجم ما اصطلح على تسميته بالتراث؛ ومن ثم كان لا بد من العودة إلى هذا الموضوع ~~الذي أصبح ساخنا في هذا الصيف الساخن، بل لا بد من تفصيل القول فيما نعنيه بالتراث، ~~وما يمكن أن تعني هذه الكلمة لكل منا في ميدان عمله الخاص. # التراث في اللغة يعني الميراث، أي التركة التي خلفها لنا الأقدمون؛ قال تعالى: # وتأكلون التراث أكلا لما ~~، وكل إنسان له تراثه الفردي وتراثه الجماعي؛ فتراثه ~~الفردي هو ما يتركه أبواه أو أجداده، ولا يقتصر ذلك بالضرورة على التركة المادية بل ~~يتعداها إلى الصفات الموروثة سواء كانت ذهنية أو نفسية، إلى جانب المبادئ الخلقية التي ~~تغرس في سنوات العمر الأولى فلا تنتزعها ولا تهزها أحداث الزمن وما يأتي به الجديدان، ~~وأما التراث الجماعي فهو مجموعة القيم والأعراف التي تسود مجتمعا ما نقلا عن الآباء ~~والأجداد، وقد تستند هذه القيم إلى أدب مكتوب أو أدب شفاهي، أو قد تكون مجسدة في قواعد ~~السلوك ونظم الحياة نفسها، وبهذا المعنى فالتراث الجماعي قريب من الثقافة التي هي في ~~آخر الأمر أسلوب حياة. # وقد كتب علينا نحن العرب أن نحمل في صدورنا وعقولنا أكبر كم من التراث ms057 (أي الموروث)؛ ~~بسبب تاريخ لغتنا الطويل وتعدد الأطر الثقافية التي ازدهرت فيها هذه اللغة؛ ففي لغتنا ~~يكمن تاريخنا الطويل، ولغتنا هي مفتاح إدراك أعماق هذا الزمن المترامي في صحراء ~~الإنسانية (إن صح هذا التعبير، كما كان طه حسين يقول )؛ فلغتنا تتضمن من النظم ~~الثقافية المتباينة ما لا يتوافر في أي حضارة أخرى! وسوف أضرب بعض الأمثلة حتى لا ~~يتصور أحد أنني أبالغ؛ فبعض لغات العالم القديم (الصينية والهندية) ما زالت تحمل جميع ~~سمات ذلك العالم؛ إذ لم تتغير كثيرا على مر الأزمان؛ لأن مجتمعاتها لم تتغير كثيرا هي ~~الأخرى، وما زالت أنماط التفكير والإحساس القديمة حية في تلك اللغات القديمة. والبعض ~~الآخر من لغات ذلك العالم قد اندثر معه (كالمصرية واليونانية القديمة واللاتينية) أو ~~تحول إلى لغات حديثة مع نشوء الدول الحديثة، أما الغالبية العظمى من اللغات الصغرى في ~~العالم القديم فقد تضاءلت وانحسرت؛ إما في مجتمعاتها المحدودة، أو في الكتب التي خلفها ~~أصحابها للدارسين والمؤرخين. # وأما نحن فننفرد بين شعوب الأرض بلغة حية إلى الأبد، وهي لغة لا ترجع بنا تاريخيا ~~إلى عصر واحد أو ثقافة واحدة، ولكنها ترجع بنا كما قلت إلى «أطر ثقافية» متباينة تباين ~~العصور والأمكنة التي ازدهرت فيها؛ ولذلك فالوحدة اللغوية الظاهرية بين شعوب الأمة ~~العربية تخفي تاريخا خاصا لكل منها. # وأنا أستخدم اصطلاح «الوحدة اللغوية الظاهرية» عامدا؛ فما تلك الوحدة إلا ثمرة ~~محاولات حديثة للتقريب بين أنماط الفكر والإحساس؛ ومن ثم بين أنماط الحياة، في عالم ~~عربي يتميز بالتباين كل التباين، وبالاختلاف كل الاختلاف. وما تلك الوحدة إلا محاولة ~~دائبة للتقريب بين عالمنا العربي الذي ورث تاريخا سياسيا واجتماعيا منوعا ~~وطويلا، ولا يستطيع منه فكاكا، وبين العالم الحديث الذي استطاع أن يضع التاريخ في ~~مكانه الصحيح، وأن يقيم حاضره على أسس الواقع القائم لا على أسس الحسرة على ما فات، أو ~~على صورة المجد التليد بعد أن زال الكثير من هذا المجد من أمم عالم الحاضر. # ومشكلة كل عربي إذن تكمن في لغته التي ms058 تحيله دائما أبدا إلى الماضي؛ فإذا كان ~~مثقفا محدثا أي إذا كان يتسلح بالنظرة العلمية الحديثة التي تهديه إلى أن يزن كل شيء ~~بميزان العقل فيلفظ ما هو لا معقول (كما يقول «زكي نجيب محمود»)، ويقبل ما يجده ~~معقولا ؛ استطاع أن يضع الماضي في مكانه الصحيح باعتباره زمنا باد وانقضى، وأن يقطع بأن ~~لنا أن نحكم عليه بما يرضي الله وبما يرضي ضمائرنا، فيأخذ ما هو صالح من قيم، وينأى عما ~~هو فاسد. إن المثقف العربي الحديث قادر على أن يدين ما كان الأقدمون يفعلونه من استعباد ~~الناس، سواء في غزوات الجاهلية أو في غير ذلك من العصور على امتداد زماننا الطويل (في ~~زمن المماليك وزمن العثمانيين مثلا وأزمنة أخرى أتركها لذكاء القارئ)، وهو سيدين ~~الاتجار بالإنسان، واستذلال النساء وقهرهن، واستبداد الحكام وبطشهم، والاعتماد على ~~القوة الغاشمة وحدها وسيلة للملك والتملك، دون رجوع للحق ولا اهتداء بدين الله القويم. ~~وهو سيدين الاقتتال بين طوائف المؤمنين، وغزو أمة مسلمة لأمة مسلمة، وهو الذي يشهد به ~~تاريخ العرب الطويل، ولن يفخر بأي من هذا باعتباره جزءا من تراثنا الذي تحفل به ~~الكتب. # وأخيرا فلا بد من التمييز بين التراث على إطلاقه وبين التراث الأدبي بصفة خاصة، فإذا ~~كان صحيحا أن الأدب ظاهرة ثقافية وأنه يدرس في أطره الثقافية المحدودة أولا، ثم في ~~أطره الإنسانية العامة ثانيا؛ فينبغي أن نعي ذلك ونحن نقرأ شعر الجاهليين والإسلاميين، ~~ويكفي أن أحيل القارئ إلى الطود الشامخ من الدراسات الحديثة في تراثنا الأدبي العربي من ~~طه حسين إلى جابر عصفور. ولا بد في النهاية أيضا من أن أوضح أننا يجب ألا ننظر إلى ~~الإسلام - دين الله الحنيف الخالد - على أنه جزء من التراث، وإلا كنا نضعه في سياق ~~التاريخ؛ أي سياق الماضي، وهو دين فوق التاريخ وفوق الماضي؛ لأنه فوق الزمن، وينبغي أن ~~ننفي عن أذهاننا تماما أن أي قراءة للتراث - سواء كان سياسيا اجتماعيا أو فكريا ~~أو أدبيا - تمس دين الله سبحانه وتعالى؛ فلا يتصور ذلك ms059 إلا من فسد تفكيرهم أو من ~~أرادوا التمسح به ليشتروا به ثمنا قليلا. # لمن يكتب الكاتب؟ # في مسرحية «الخال فانيا» للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، شخصية أستاذ جامعي اسمه ~~سربرياكوف تضطره الظروف إلى قضاء فترة في مزرعة الأسرة (في أواخر القرن التاسع عشر)، ~~فيجد نفسه محاطا بأفراد لا يقرءون ولا يكتبون، فيضيق بالعزلة والابتعاد عن حياة ~~المدينة الحافلة بينما يسخر منه المحيطون به، ويتهمه أحدهم بأنه لا يفهم حرفا واحدا ~~في الأدب، ويظل هو حبيس هواجسه وآلامه الجسدية حتى يحين موعد رحيله، دون أن يحسم الكاتب ~~موقفه الخاص من هذا الأستاذ العجيب. # وعندما اشتركت مع صديقي سمير سرحان في ترجمة هذه المسرحية في أوائل الستينيات ~~لتقديمها إلى المسرح القومي؛ شغلنا بعبارة يقولها هذا الأستاذ، مفادها: إننا نحن ~~الكتاب نتعب أبصارنا وعقولنا في القراءة والكتابة دون أن نجد تجاوبا أو نحدث الأثر ~~المنشود، وعندما عرضت المسرحية بالفعل في عام 1964م من إخراج المخرج الروسي «لزلي ~~بلاتون» بالاشتراك مع المرحوم كمال يس كنا نستمع كل ليلة إلى الفنان الراحل محمد ~~الطوخي وهو يؤدي هذا الدور المرهق ويردد هذه العبارة دون أن ندري أن الزمن سيدور دورته ~~فتكتسب دلالة حيوية أعمق بكثير مما أوحت به آنذاك! # وكلما تأملت الكتابات المنهمرة في الصحف والمجلات العربية هذه الأيام وعلى مدى ~~الثمانينيات برمتها، برزت هذه العبارة وترددت أصداؤها في ذهني وشغلتني أكثر مما شغلتني ~~في الستينيات وجعلتني أتساءل عن جدوى كل هذه الكتابات إذا كانت أطر الحياة المفروضة ~~علينا تمنعنا من الاستجابة الصحيحة لها - أو الاستجابة بأي شكل من الأشكال. # فكم من قارئ يمر مر الكرام على مقالات الصحف السيارة مهما كانت جديتها ومهما ~~بلغ ثراؤها، كم من قارئ يتطلع إلى عناوين الكتب المعروضة على قارعة الطريق، ثم يشتري ~~أخسها وأبخسها! وطفقت أتساءل عن السر وما سيفضي إليه إذا استمر الحال على ما هو ~~عليه! # وكان أول سؤال طرحته هو: هل الخطأ خطأ «أطر الحياة المفروضة علينا» حقا كما ألمحت ~~إلى ذلك، أم خطأ الكاتب في موقفه ms060 أو مادته أو أسلوبه؟ وهل نعفي القارئ تماما من ~~مسئولية الانفضاض إلى اللهو والمال؟ وإذا كانت المسئولية مشتركة فكيف نعدل من أطر ~~الحياة بحيث يعود الكاتب والقارئ إلى سابق عهدهما في سنوات التنوير من هذا القرن ~~نفسه. # ولم أجد إجابات شافية ولكنني ذكرت دراسة قديمة للكاتب الإنجليزي «الدوس هكسلي» ~~عنوانها «كتاب وقراء»، ألقت الضوء على بعض ما اكتنف المسألة من غموض؛ فالعلاقة ~~بين الكاتب والقارئ في نظره تشبه العلاقة في السوق بين البائع والمشتري، ويحكمها في نظره ~~قانون الحاجة وإشباع الحاجة؛ ومن ثم فهو يفسر رواج بعض الكتب بأنها تشبع حاجة لدى ~~القارئ أو تستجيب لمطلب من مطالبه، فإذا كان القارئ في عصر ما ينشد المعرفة، توقعنا ~~رواج الكتب التي تقدم له هذه المعرفة مهما غلا ثمنها، وإذا كان ينشد التسرية والترفيه، ~~توقعنا رواج الكتب التي تقوم بهذه المهمة، وإذا كان قد انشغل بقضايا الفلسفة أو قضايا ~~الدين فلا بد أن تروج الكتب التي تتحدث عن هذه القضايا أو تلك؛ أي إن «الحاجة» تتحكم في ~~الرواج؛ ومن ثم تتحكم في اتجاه الكاتب، ونوع الكتب المطروحة. # وعدت أتساءل ماذا يخلق هذه الحاجة - حتى إذا قبلنا هذا المنطق «الاقتصادي»؟ لا شك أن ~~المجتمع مسئول عنها - والكاتب من أعمدة المجتمع الأساسية في كل زمان ومكان، وإذن فلا ~~نستطيع أن نعفي الكاتب من مسئولية المشاركة في إيجاد الحاجة إلى ما يكتب أو ما يكتب ~~سواه! ونحن نذكر جيدا أن الشاعر والناقد الإنجليزي الأشهر «ص. ت. كولريدج» قد نبه في ~~أوائل القرن الماضي إلى أن الشاعر يشترك في إيجاد الذوق الأدبي اللازم لتقدير أدبه. ~~ولذلك فإذا انصرف القارئ اليوم عن القراءة فربما كان السبب هو أنه لا يستطيع أن يجد ما ~~يحتاجه من مادة. وإذا انصرف إلى قراءة مادة من نوع بعينه مثل مسائل الغيب وعذاب القبر، ~~وتراث عهود الانحطاط فربما كان المجتمع قد ساهم في إيجاد هذه الحاجة عندما أوجد مناخا ~~يسوده الانشغال بأمور الدين وسخر أجهزته الإعلامية لتأكيد هذا المناخ، وإذا كان القارئ ms061 ~~لم يعد يقبل على قراءة المادة العلمية أو الفكرية أو الأدبية فربما كان السبب هو أن ~~مجتمعنا ممثلا في أجهزته الإعلامية والثقافية - الرسمية وغير الرسمية - وأهمها ~~الإذاعة والتليفزيون والمسرح التجاري ونوادي الفيديو؛ قد صرفه عنها بتقديم البديل ~~الهزيل وهو الهزل الممجوج الذي لا يهدف إلا إلى استدرار الضحكات الجوفاء بحجة التسرية ~~والترفيه، أو أفلام العنف والميلودراما «والبورنوغرافيا المقنعة» التي أدت إلى ازدهار ~~نوادي الفيديو بصورة لم يسبق لها مثيل! # وعدت من تساؤلاتي إلى الكاتب ومسئولية الكاتب في مجتمعنا الذي ما زال يقول إنه ينشد ~~المثل العليا للاشتراكية (والدستور ينص على أنه يقوم عليها)، فوجدت أن غالبية الكتاب ~~في الصحف والكتب الكثيرة التي دخلت إلى مجتمعنا من باب حرية النشر أو حرية الفكر ~~يتسابقون لاجتذاب القارئ عن طريق الإثارة فحسب؛ إما بالفنون الأسلوبية المعروفة مثل ~~التشويق والتهويل، والتجسيم والتضخيم، وإما بالكذب الصريح أو غير الصريح. وإما باللف ~~والدوران في حلقة مفرغة من التفاهات المرتبطة بفنون الفرجة والهزل مثل أخبار النجوم ~~وفضائحهم وما إلى ذلك؛ ومن ثم فهم يشاركون في تحمل مسئولية إيجاد الحاجة إلى مثل هذه ~~المادة، ومسئولية انصراف فئة في أقصى اليمين إلى متاهات الميتافيزيقا، وانكباب فئة أخرى ~~تنعم برغد العيش على تفاهات الفرجة، وحيرة فئة ثالثة بين أحلام الأيام الخوالي عندما كان ~~الجو نفسه ينضح بقطر العلم، ويفوح بأريج الثقافة. إننا نتعب أبصارنا وعقولنا كما يقول ~~سربرياكوف؛ أملا في قارئ جاد لم تصبه صور المجتمع التي تصادفنا في الصحف ووسائل ~~الإعلام باليأس، وقارئ آخر ما زال يبحث عن طريق يوصله إلى المستقبل رغم «أطر الحياة ~~المفروضة» والاتجاهات التي أصبح من الصعب فهمها - ولا أقول تحليلها. # معنى الزمن # في أواخر عام 1989م عقدت جامعة القاهرة مؤتمرا عالميا فريدا حول صور مصر في أدب ~~القرن العشرين، واجتمع الأساتذة والأدباء من شتى أقطار الأرض في قسم اللغة الإنجليزية ~~بكلية الآداب يناقشون التغير والاختلاف الذي طرأ على صورة بلادنا في أدب العالم، بينما ~~شغلت أنا ومعي كثيرون بالتغيير الذي طرأ على هذه الصورة ms062 في أدبنا نحن؛ ومن ثم كان ~~البحث الذي ألقيته في المؤتمر يتناول ميلنا بصفة عامة إلى رؤية المستقبل في صور مستقاة ~~من الماضي، وهي صور غير واضحة وغير متسقة وغير متماسكة، ولكنها تحيا وتكتسب معاني جديدة ~~بسبب الحنين الطبيعي إلى كل ما فات ومات، فهذا الحنين الذي يعيد إحياء الزمن مسئول عن ~~كثير من التخبط في تفكيرنا؛ فما معنى الماضي؟ وما معنى الزمن؟ # إن الخطأ الأساسي في نظرنا إلى الزمن يرجع إلى تصورنا أن البقاء # Survival # رهن بالاستمرار؛ ومن ثم يتصور البعض أن ~~تحقيق الذات يتطلب العثور على جذور لها في الماضي، وإحياء هذه الجذور والاحتفاء بها ~~أيا كانت. وهذا تصور معناه القبول بالسكون والخمود # Stasis # ورفض الحركة والتحول، فاللغة تخدعنا بصورها ~~البلاغية وتحول دون إدراكنا. حتى على المستوى الاستعاري، إن الجذور ليست الشجرة، بل إن ~~الإنسان ليس شجرة! # فالإنسان نفس حية اختصها الله بالعقل دون مخلوقاته، وهو يتطور على مر الزمان ويتغير، ~~ومهما كانت درجة ثباته في الأرض؛ فهو يتحرك ويغير من صور حياته، ويتحول فكرا وعلما ~~وعملا، وهو يعيش في مجتمع حي يتسم بالحركة والتحول هو الآخر. ولذلك فإذا تكلمنا عن ~~الإنسان وعن الماضي فينبغي أن ننحي عن عقولنا صورة الشجرة التي ما تفتأ تتكرر في ~~أحاديثنا، وتفسد علينا معنى الزمن وإحساسنا به. # وللزمن عدة أوجه؛ أولها وأعقدها هو الزمن الذاتي؛ أي ذلك الكم الهائل من الصور والأفكار ~~المكتسبة من الخبرات المتراكمة في النفس والتي تتحكم دون وعي منا في مشاعرنا وسلوكنا، ~~وقد يصعب علينا - مثلما قال وردزورث في قصيدته وسيرته الذاتية المقدمة - أن نرصد ~~نشأة كل منها وإن كنا نستطيع أن نرتاد البقاع الزمنية التي شهدت نشأتها، فالبحث في ~~الماضي الفردي علم معقد يختص به النفسانيون، ويفردون له البحوث والدراسات المتعمقة، وإن ~~كان الأدباء يصولون فيه ويجولون دون أمل في استنطاق كنهه وسبر غوره. # والوجه الثاني متصل به وهو الزمن الجمعي؛ أي ذلك الخضم الزاخر من الخبرات البشرية التي ~~تولد مع الإنسان وإن كان بعضها مكتسبا - كما ms063 يذهب إلى ذلك الفيلسوف كارل جوستاف ~~يونج؛ إذ يربط بينهما وبين اللاشعور الجمعي (وأنا أستخدم التعبير الذي كان الدكتور ~~عبد الحميد يونس يفضله)؛ أي تلك المناطق المجهولة لنا من نفوسنا جميعا والتي يشترك ~~فيها أبناء البشرية جمعاء على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم؛ ففيها الصور الأولى ~~لكثير من أنماط مشاعرنا وأفكارنا والنماذج القديمة أو الفطرية لكثير من الرموز التي ~~درجنا عليها وقبلناها دون تحليل. # أما الوجه الثالث فهو زمن الجماعة أو المجتمع، وهو لا يتصل كثيرا بأي من الوجهين ~~السالفين؛ لأنه مادي المظهر، يسهل رصده وتحليله، ويسهل قبوله أو رفضه وإن كان الأدباء ~~يلجئون إليه لتفسير ملامح الزمن الذاتي أو ملامح الزمن الجمعي وتجسيد بعضها في أعمالهم؛ ~~فالشاعر قد يعود بذاكرته إلى أيام صباه فلا يستطيع أن يستخرج منها إلا صورا محسوسة ~~مجسدة، مستقاة مما شاهده وسمعه وخبره في طفولته، وهي صور زال بعضها فأصبح ينتمي إلى ~~الماضي. وما زال بعضها باقيا فهو ينتمي إلى الحاضر؛ ولهذا فقد تتفاوت درجة تجاوب ~~القارئ مع هذه الصور الماضية والحاضرة! # ونحن في الشرق مولعون بصور الماضي؛ ننشدها ونجسدها ونسعى إلى إحيائها سعيا حثيثا؛ ~~فهذه الصور تؤكد لنا امتدادنا في الزمان، وتبعث الطمأنينة في نفوس يتصل تاريخها الطويل ~~اتصالا فريدا لا تكاد تجد له مثيلا بين أمم الأرض، ولكننا - دون أن نعي ذلك - نخلط ~~بين الحنين إلى الماضي الذاتي، وحياة المجتمع في الماضي (أو ما أسميته زمن الجماعة)، ~~فنجد أننا نضفي على هياكل الحياة الاجتماعية القديمة شاعرية دافقة مستقاة من ذواتنا. ~~دون أن يكون لها وجود مادي حقيقي في التاريخ؛ إذ يعود الكثير من أدبائنا إلى عصور ماضية ~~فيسبغون عليها صفات جميلة خلابة هي منها براء، وينشدون في أوضاع قديمة بالية مثلا عليا ~~وقيما لا علاقة لها بها! وهذا الخلط هو سبب انشغالنا بالتراث إلى حد التقديس، وهذا هو ~~الخلط الذي ينبغي أن نحذر منه ونحن نخطو إلى المستقبل، فليست حياة أجدادنا المتمثلة في ~~آدابهم بالحياة هي التي نبكي على فقدانها أو نتحسر على ضياعها! ms064 # لقد انشغلت على مدى عام كامل بتأمل تلك الحياة الماضية، فلم أعثر على ذلك النبع ~~الصافي من الجمال الذي يدفع الكثيرين اليوم إلى التطلع والحنين إليه باعتباره نموذجا ~~لحياة المستقبل، فلم يكن النظام السياسي عادلا منصفا، ولم يكن النظام الاجتماعي ~~جميلا باهرا، ولم تكن الأوضاع الاقتصادية محكمة كاملة، ولا كان الأدب في مصر منذ ~~نهاية العصر العباسي وحتى فجر النهضة الحديثة أدبا عبقريا حتى نطمح إلى عظمته ~~ونحاكيه! # إن حركة الزمن - في تصوري - حركة إلى الأمام لا إلى الخلف؛ ولذلك فأنا أتطلع إلى فكر ~~وأدب ينبعان من زماننا وينظران إلى المستقبل لا إلى الماضي، وأعتقد أن ثمة فروقا جوهرية ~~بينهما. # الثقافة والتنمية # عندما عاد الصديق الشاعر إسماعيل أبو زيد من روما؛ ليقضي عطلة الصيف في القاهرة؛ ~~فهو يعمل رئيسا لتحرير المطبوعات العربية بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة؛ ~~جاءني معه خطاب رقيق من الكاتبة الشهيرة فيكتوريا بوتري التي عملت رئيسة لتحرير مجلة ~~«الفكر والعمل» طوال ربع قرن من الزمان تقول فيه إنها الآن بصدد إصدار مجلة أدبية فصلية ~~جديدة «بالإنجليزية أيضا»، وسلسلة كتيبات تضم منتخبات من الشعر المعاصر، وتطلب مشاركة ~~الشعراء المصريين والعرب في المجلة وسلسلة الكتيبات، بعد أن كونت جماعة أدبية لنشر كل ~~هذا في أرجاء العالم وأسمتها «جماعة مونتيفاركي». # وتأملت ذلك الخطاب المسهب - وما أرفق به من قوائم الأعلام الذين انضموا إلى الجماعة ~~الأدبية - فوجدت أن أطرف ما فيه هو العلاقة التي تقيمها الكاتبة هي وأعضاء الجماعة (28 ~~يمثلون عشرين بلدا) بين الثقافة والتنمية. وهي تقول إنها بعد خمس وعشرين سنة من العمل ~~في منظمة ذات طابع اقتصادي في المقام الأول اكتشفت أن قضية الثقافة لذاتها لا تنفصل عن ~~قضية التنمية بشتى أشكالها؛ الاقتصادية والاجتماعية، بل والسياسية؛ إذ إن الاتجاه ~~السائد في معظم بلدان العالم الثالث هو فصل الثقافة عن الحياة المادية (باعتبار الثقافة ~~بناء فوقيا يمكن تناوله بمعزل عن الأساسيات مثل المأكل والملبس والمسكن والعلاج وما ~~إلى ذلك)، ولأن الفصل بين مظاهر الحياة المادية وعناصر الحياة النفسية (الذهنية ms065 ~~والعاطفية وغيرها) يمثل جورا بالغا على قضية الإنسان نفسه ويضر بقضية التنمية المادية ~~نفسها. # وانثنيت أفكر في مدى انطباق ذلك على مصر أولا - بطبيعة الحال - باعتبارها من البلدان ~~النامية، ثم على الوطن العربي بعد ذلك بصفة عامة. واستغرق التفكير أياما طويلة ~~ومناقشات مستفيضة ومراجعة شاملة لمفهوماتنا عن «الثقافة» من ناحية وعن معنى «التنمية» ~~و«النمو» بمعناها الاقتصادي الضيق من ناحية أخرى؛ فوجدت أننا بلاد تنطبق عليها أكثر من ~~غيرها مقولة الكاتبة بوتري. # فنحن نعاني انفصاما حادا في حياتنا بين مفهومنا للتقدم المادي وبين المفهوم العام ~~للتقدم وهو الذي لا ينفصل فيه التقدم الفكري عن سائر جوانب التقدم البشري. وأول مظاهر ~~هذا الانفصال هو تصور إمكانية تحقيق الازدهار المادي دون تحقيق تقدم ثقافي، وقد بني ~~هذا التصور الخاطئ على نماذج ازدهار بعض بلدان العالم الثالث في السبعينيات؛ نتيجة ~~للطفرة في أسعار البترول التي كانت بمثابة خرق لقوانين الجهد البشري وسخرية من عمل ~~العاملين. # والمظهر الثاني هو التصور الساذج للثقافة باعتبارها مقصورة على المعلومات التي يجنيها ~~الإنسان من قراءاته خارج أسوار المدرسة أو الجامعة، أو باعتبارها مقصورة على الأنشطة ~~الفنية التي تقدم من خلال قنوات الاتصال الجماهيري بغية التسرية والترفيه. # فإذا ذكرنا ذلك وجدنا أن العالم - أي المتخصص في العلوم الطبيعية - الذي يؤمن ~~بالخرافات الموروثة من عهد الجهالة لا ينتمي ثقافيا إلى هذا الزمن، ويعتبر مصابا ~~بتخلف فكري يقعد به عن اللحاق بعصر التنوير مهما بلغ هضمه للمعادلات الكيميائية وأسرار ~~الذرة! وقس على ذلك من يتلقى قسطا وافرا من التعليم فلا ينتفع به إلا في الحصول على ~~منصب رفيع، أو في كسب المال، أو في التفاخر بين الأقران، أو من يحصل على مال وفير ~~فينفقه في مظاهر الرفاهية المادية والانسياق وراء الملذات الحسية المحدودة، والإسراف في ~~الإنجاب. # أظن أن هذه النماذج التي لا يخلو منها مجتمع تصبح شرا مستطيرا وخطرا وبيلا إن هي ~~شاعت في مجتمع ينشد النمو أو يطلق على نفسه «المجتمع النامي»؛ فهذه النماذج تسود معظم ~~مجتمعات العالم الثالث المثقلة بتراث ms066 ثقافي لا تستطيع منه فكاكا؛ فهي حقا تقيم ~~مؤسسات الدولة الحديثة ومظاهر النهضة الحديثة، ولكن ثقافاتها على تعددها تشترك في عدم ~~الإيمان بذهن الإنسان وقيمة العمل والجهد البشري؛ ولذلك علق أحد أبناء تلك الدول في ~~المؤتمر الذي عقدته الجماعة الأدبية الجديدة في إيطاليا من 27-29 مايو 1989م على المشكلة ~~الأولى في بلده قائلا: إن الفرد قد «فقد إحساسه بالهدف»؛ فالمدرس يتصور أنه يقوم ~~بوظيفته من أجل لقمة العيش وحسب، دون اعتبار للرسالة السامية التي ينهض بها، والطبيب إذا ~~اغتنى أصبح عسير المنال. # والواقع أننا لا نختلف في مصر كثيرا عن بلدان العالم الثالث تلك؛ فأنظارنا موجهة صوب ~~أوروبا وأمريكا، ولكن أعماقنا تزخر ببعض عناصر تراث التخلف والخرافة والجهالة، فنتصور أن ~~الثقافة إضافة يمكن الاستغناء عنها في مرحلة التنمية، ونتصور أن الأنشطة الثقافية هي ~~جهد ترفيهي يروح عن العاملين! إننا بحاجة إلى ثقافة التنوير التي ما فتئ الدكتور زكي ~~نجيب محمود يدعو إليها، وإلى ثقافة العمل المتأصلة في نفوس المصريين والتي تتعرض لأخطار ~~جمة هذه الأيام في مواجهة الثقافة السلفية حيث ينال الإنسان ما لم يجهد نفسه في سبيله، ~~فيتلفت حوله حائرا ما يفعل بهذا المال الطائل؟ إن فيكتوريا بوتري وجماعتها الأدبية ~~على حق؛ فالثقافة لا تنفصل عن التنمية. # ملاليم المترجم # منذ ما يقرب من ثلاثين عاما عدت إلى المنزل من دار الإذاعة «حيث كنت أعمل محررا ~~مترجما بقسم الأخبار»، فوجدت رسالة موجزة من صديقي وزميلي السفير أحمد مختار الجمال - ~~وكان آنذاك في بداية عمله بوزارة الخارجية - يقول لي فيها أسرع إلى مصلحة الاستعلامات ~~فلدينا عمل يحتاج إليك! وهرعت من فوري إلى المكان الذي حدده، فوجدت غرفة مكتظة بالزملاء ~~والأصدقاء ممن سبقوني بالتخرج في قسم اللغة الإنجليزية، وكلهم منكب على العمل بحماس وفي ~~صمت؛ الأستاذ محمد عبد الله الشفقي (رحمه الله) والأستاذ عبد الفتاح العدوي (رحمه ~~الله) والأستاذ سيد سليمان (الذي يعمل الآن سفيرا) والأستاذ أنور جلال، وغيرهم. ~~وقبل أن تتاح لي فرصة الحديث معهم أو حتى إلقاء التحية عليهم، وضع ms067 في يدي كتيب وأعطيت ~~قلما وبعض الأوراق وجلست إلى منضدة وانطلقت أترجم ما أمامي. # كان الكتيب يتناول جانبا من جوانب الحياة في الهند، وكذلك كانت جميع الكتيبات التي ~~انكب عليها الزملاء؛ إذ إن الرئيس جمال عبد الناصر (رحمه الله) كان ينتوي زيارة الهند، ~~وكان يريد أن يحيط بكل ما يستطيع أن يحيط به من معلومات عن الهند؛ أي أن يضيف إلى ~~المعلومات السياسية والاقتصادية المتاحة سائر المعلومات التي تهم دارسي جغرافيا البلدان ~~والشعوب. وبعد أن قضينا ساعات طويلة - لم يشعر بها أي منا - في العمل، قال أحدنا (لا ~~أذكر من كان): إننا بحاجة إلى الشاي أو القهوة حتى نستطيع السهر؛ فالليل قد أوغل ولم ~~يتسن لأحد منا أن يغفو في الظهيرة. ورحب الجميع بالفكرة وكانت فرصة للتوقف عن العمل ~~دقائق تساءلت فيها عن الأجر الذي سنتقاضاه. وكم كانت دهشتي وفرحتي حين علمت أن ترجمة ~~الكتيب الواحد قد حدد لها خمسة جنيهات كاملة! # كان الأجر آنذاك قد حدده قرار جمهوري بمليمين للكلمة الواحدة من الإنجليزية إلى ~~العربية وثلاث مليمات من العربية إلى الإنجليزية، ومليم واحد للمراجع في الحالة الأولى ~~ومليمين للمراجع في الحالة الثانية، أما المكافأة الشاملة «الجنيهات الخمسة» فقد كانت ~~تتجاوز ذلك الأجر (بسبب ضيق الوقت والحاجة إلى الترجمات الدقيقة على وجه السرعة)، وكان ~~الأجر المرتفع دافعا قويا ألصقنا جميعا بمقاعدنا أياما متواصلة حتى انتهت المهمة ~~وطبعت الكتيبات وأعتقد أن بعضها ما زال متاحا لمن يريد أن يستزيد من العلم ~~بالهند! # وفي مارس 1961م اشتركت في فريق الترجمة في مؤتمر دولي لأول مرة في حياتي وكان الأجر ~~اليومي للمترجم التحريري خمسة جنيهات (مهما بلغ عدد الصفحات المترجمة أو عدد الساعات)، ~~وسبعة جنيهات للمترجم الفوري، ارتفعت بقرار استثنائي عام 1964م إلى ثمانية للتحريري ~~وعشرة للفوري (في مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية في يوليو 1964م ومؤتمر قمة عدم الانحياز ~~في أكتوبر 1964م)، وكنت قد ترجمت عددا من الكتب آنذاك تقاضيت عن بعضها خمسة وعشرين ~~جنيها، والبعض الآخر ثلاثة وأربعين (فنون الجنس البشري، الرجل ms068 الأبيض في مفترق الطرق، ~~درايدن والشعر المسرحي، حول مائدة المعرفة)، وكان أكبر أجر تقاضيته عن ترجمة شكسبير ~~«حلم ليلة صيف، 1964م؛ وروميو وجوليت، 1965م» وهو خمسون جنيها كاملة! # ودار الزمان وعدت إلى القاهرة بعد عشر سنوات في إنجلترا عملت أثناءها بالترجمة بعض ~~الوقت، وعرفت مدى تقدير الأجانب للمترجم وفئات أجور الترجمة في أوروبا وفي العالم العربي ~~(حتى البلدان الفقيرة منه)، ولكنني وجدت نفس القانون «القرار الجمهوري» مطبقا في مصر! ~~ولم أعجب أول الأمر؛ فقد كانت القوة الشرائية للجنيه لا تزال معقولة ولكن السبعينيات ~~الأخيرة أثبتت ضرورة التغيير، وبالفعل صدر قرار جمهوري جديد عام 1978م يضاعف الأجر ثلاث ~~مرات، فوصل أجر الكلمة إلى ستة مليمات للمترجم وثلاثة مليمات للمراجع. ومضت السنون ~~وارتفع أجر المترجم في المؤتمرات الدولية إلى 25 جنيها في اليوم، ثم إلى خمسين ثم إلى ~~مائة، ولا تزال الأجهزة الحكومية حتى هذه اللحظة تعمل بقرار عام 1978م! # لقد أوصت لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة منذ ما يزيد على ثلاثة أعوام بأن يكون ~~أجر الكلمة ستة قروش، ووافق جميع المسئولين على هذه التوصية التي ظلت تتصاعد حتى وصلت ~~إلى الباب الذي لا يلجه إلا مسئول أكبر! ولعدة أعوام توقفت حركة الترجمة أو كادت - إلا ~~ما يتم بمبادرات فردية أو عن طريق أجهزة غير حكومية - وما زلنا في هيئة الكتاب نكافح ~~كفاح المستميت لإقناع المترجمين الأكفاء بالترجمة وهم عنا عازفون؛ فمن ذا الذي يقبل ~~ملاليم السبعينيات ونحن على مشارف التسعينيات؟ وكيف تقنع مترجما ضليعا أن يقنع ~~بجنيهات معدودة وأمامه أبواب الأمم المتحدة ودور النشر الأجنبية تدفع له الأجر المجزي ~~العادل؟ # وتتمثل خطورة الوضع الحالي في أمرين: أولهما عدم تقدير قيمة الترجمة باعتبارها نشاطا ~~ثقافيا أساسيا وتجاهل دورها في إثراء الفكر العربي، بحيث تخلفنا سنوات بل وعقودا ~~طويلة عن علوم العصر وآدابه وفنونه، ويكفي أن نذكر كلمة التخلف مرة ثانية حتى نتصور ~~فداحة استمرار هذا الحال. أما الثاني فهو أن نعتمد على ما يأتينا من ترجمات منشورة في ~~بلدان أخرى - ترجمات سيئة ms069 تفتقر إلى الدقة، وتتسم بركاكة في الأسلوب وانحطاط في ~~العربية، ولا غرو إذ يقوم بها غير المتخصصين وتنشرها دور لا تبغي إلا الربح ولا تأخذ في ~~اعتبارها إلا متطلبات السوق أولا وأخيرا، فنجد أننا مضطرون إلى شرائها «مفوضين أمرنا ~~لله» رغم ارتفاع أسعارها وعدم تلبيتها لمطالب قرائنا. # إن مشروع الألف كتاب «الثاني» الذي تصدره الهيئة العامة للكتاب يعمل جاهدا على سد ~~الفجوة في الترجمة، ولكن العقبة الأساسية لا تزال الملاليم، و«ملاليم» في اللغة نكرة ~~ممنوعة من الصرف في المصارف والحياة! فمتى تستبدل بها القروش المصروفة؟ # رحلة الذات في الزمن # كنا قد شاهدنا لتونا مسرحية «أيام زمان» للكاتب الإنجليزي «هارولد بنتر» حين قررنا ~~نحن الأربعة - سمير سرحان وزوجته نهاد جاد، وأنا وزوجتي نهاد صليحة - الرحيل في ~~اليوم التالي من لندن إلى مدينة برايتون على ساحل القنال الإنجليزي، وبالفعل تقابلنا ~~في صباح اليوم التالي في محطة القطار، وبعد ساعة أو بعض ساعة كنا على الشاطئ نسير صامتين ~~وقد استغرق كل منا في تأملاته عن المسرحية. كنت قد انتهيت من كتابة ثلاثة فصول من رسالة ~~الدكتوراه (في صيف 1971م)، وكان الفصل الثالث يتناول مسرحية للشاعر الإنجليزي الأشهر ~~«وليم وردزورث» هي «سكان الحدود» التي تأثر فيها بالشاعر الألماني «شيلر»، وكانت نقطة ~~انطلاقي في تحليلها هي تغير صورة الذات في الزمن، وهي الفكرة التي لم يتطرق إليها ~~«شيلر» في مسرحية «اللصوص» وتطرق إليها كولريدج في مسرحية «الندم». # وبعد ساعة من الصمت وتأمل البحر الذي كان ساجيا صامتا؛ قالت نهاد جاد: «ألا يحاول ~~بنتر في مسرحيته أن يفعل مثل شاعرك «وردزورث»؟ إن الصراع في المسرحية يكمن في التناقض ~~بين صور الشخصيات في الحاضر وصورها في الماضي.» وكأنما سطع الضوء فجأة فأنار جوانب ~~المسرحية المحيرة. كنت أتصور أنها مسرحية صراع بين مفهوم الذات لدى الشخصية المحورية، ~~ومفهومها لدى الشخصيات الأخرى بعد مضي فترة يتعرض فيها هذا المفهوم للتغير. ورغم أنني ~~لم أكن قد ابتعدت كثيرا عن تفسير نهاد جاد؛ فإن كلماتها الموجزة حسمت الأمر. # لم تكن نهاد ms070 جاد تزعم أنها ناقدة محترفة، على كثرة ما كتبت من نقد بديع، ولم تكن ~~تدعي لنفسها صفة الكاتب المسرحي المحترف، على عظمة ما كتبت من مسرح، وكانت دائما تقول ~~إنها ممن يكتبون من باب الهواية - من باب عشق الأدب وعشق الفن - دون أن تجعل منه مهنة ~~أو حرفة، ودون أن تستخدم مناهج نقد المحترفين ، أو تسعى لمحاكاة صنعة المحترفين، وإن ~~كنت أعتقد دائما أن الفن الصادق ابن الهواية وأن أصدق الفنانين هم الهواة. # وطلبت من نهاد جاد أن تقول المزيد عن «أيام زمان»، ولكنها لم تضف إلا عبارات محدودة ~~مست جوهر المسرحية ونفذت إلى أعماقها، وإن بدا صوتها ونحن نسير على شاطئ البحر كأنما ~~يأتي من بعيد؛ كانت تتأمل السفن التي تكاد تختفي خلف الأفق، والمد وهو يعلو خلف ~~الصخور، وتعلق بين الحين والحين على حوارنا دون أن تشارك فيه برأي قاطع. # كنت أحس دائما أن كتابات نهاد جاد تنبئ عن صورة ذات تحاول أن تحافظ عليها وأن ~~تحفظها من التغير؛ فهي الطفلة الوحيدة التي نشأت في كنف الكتب، تسبح في عالم أحلامها ~~وخيالاتها، لا تمسك برواية إلا استغرقتها، ولا يقع في يدها كتاب إلا استغرقته، ثم نسيته ~~كأنما لتفسح المكان لكتاب آخر، وكأنما كانت الأفكار تتصارع في باطنها؛ محاولة تغيير ~~صورة الطفلة القارئة الكاتبة، وكأنما كانت تدفعها بعيدا عنها لتزيح عالم التجربة عن ~~عالم البراءة الأولى، وكانت أفضل لحظاتها هي التي تقضيها وحيدة ساهمة شاردة لا يدري ~~أقرب المقربين إليها ما يدور في نفسها. # كنا نقضي الصيف معا في لندن حتى عام 1975م عندما عدت إلى مصر ولكن حياتنا كانت ~~استمرارا لرحلة الغربة؛ إذ كانت قد عادت هي الأخرى من رحلة عمل في جدة أستاذة للدراما ~~والشعر الإنجليزي في جامعة الملك عبد العزيز، مع سمير سرحان ونهاد صليحة التي عادت ~~من إنجلترا لتلحق بهما هناك. # وأذكر أننا عندما التقينا لأول مرة في القاهرة في صيف 1975م، كان معنا الروائي المبدع ~~محمد جلال، وكنا نجلس على شاطئ النيل هذه المرة ms071 وكان موضوع حديثنا هو الزمن أيضا! ~~وفي اليوم التالي زرناها جميعا في غرفة ميلاد طفل جديد هو خالد ابنها، وهناك مكثنا ~~هنيهة نتجاذب أطراف الحديث ونرسم خططا لرحلة جديدة، فلم تكن نهاد جاد ترى الزمن إلا ~~حركة في المكان، وكانت دائما تقول لي إن نشأتها (وبالتحديد تنقلها بين البلاد مع ~~والدها الذي كان لواء في الشرطة ) تفرض عليها ذلك النزوع نحو التنقل. # ولا شك لدي أن الدارس لأدب نهاد جاد سوف يجد هذا النزوع نحو تحديد صورة الذات في ~~الزمن، الصورة التي تتغير بما يشبه الحتم والحسم، وهو نزوع مأسوي رغم قالب الكوميديا ~~الذي كانت تفضله، فبطلاتها يجسدن صورا لهذا النزوع الذي يأخذ شكل الصراع الدرامي؛ ~~عزيزة وفردوس وعديلة، وأخيرا صفية بطلة «ع الرصيف»، التي تصل من رحلتها في الكويت إلى ~~مصر لتتساءل من أنا؟ وماذا حدث لصورة ذاتي أو لذاتي؟ وكانت تحب أن أحدثها أنا عن رشيد ~~- بلدي الأول - وعن والدي، وعن صورنا لذاتنا التي تتغير في رحلة الحياة. # والآن أجدني واقفا على الشاطئ وحيدا أرقب السفينة التي حملت نهاد جاد في رحلة ~~جديدة بعيدة، فلا أستطيع أن أحدد صورتها في الزمن؛ هل هي الطالبة الحالمة التي كانت ~~تكتب الشعر عام 1961م، أم هي الصحفية التي تؤمن بالجيل الجديد وتفتح لهم قلبها وصفحات ~~مجلتها «صباح الخير»، أم الصديقة والأخت العطوف التي كنت أشكو إليها بثي وحزني، أم ~~الناقدة ذات الحساسية الصادقة التي كنت أقرأ لها مسرحياتي وترجماتي، أم هي الكاتبة ~~المسرحية التي أسعدت الآلاف بجرأتها وسخريتها من كل شيء؟ إن صور نهاد جاد التي تشكلت ~~في نفسي كثيرة، ولكنها تجتمع في تلك النظرة الحيرى المطمئنة - في نفس الوقت - في عينيها؛ ~~فقد كانت تعرف معنى رحلة الحياة الوجيزة ومعنى رحلة الأبد المديدة، وكأني بها ~~تناديني من سفينتها، وكأني أسمع رنين كلماتها وهي تعلق تعليقات موجزة على هذا الأمر أو ~~ذاك، كأنما هي مشاهد عابرة تمر بها أثناء الرحلة؛ مشاهد الطريق التي ما تفتأ تتغير. # لقد رحلت نهاد جاد عن هذا ms072 العالم وتركتنا، فمتى تصل سفينة الشمس إلى المرفأ، ومتى ~~يحين رحيلنا حتى نصل إلى ذلك الشط البعيد؟ # معنى عبد الوهاب # عدت من الكتاب ذات يوم في مطلع الأربعينيات لأجد في المنزل جوا من الترقب ~~واللهفة لم أكن أعهده، وعلى صغر سني أدركت أن شيئا ما يوشك أن يحدث - وكان بلا شك ~~شيئا غير عادي في حياة بلدتنا رشيد. كنت قد اعتدت من الكبار حديثهم المعاد عن الحرب ~~وأخبار الحلفاء والمحور، وكان منزلنا قد استضاف عددا من أفراد الأسرة المقيمين في ~~الإسكندرية والقاهرة ممن فزعوا إلى رشيد؛ احتماء من غارات الألمان، وكنت قد اعتدت ~~أحاديثهم أيضا وألفت مناسبات إثارتهم، ولكن جو الترقب الذي ساد المنزل ذلك اليوم كان ~~بالتأكيد غير عادي! # ولم أسترح حتى عرفت أن المغني الذي كان قد «أحيا فرح» عمي سوف يحضر إلى رشيد ضيفا ~~على أحد أبناء البلدة من هواة الطرب، وأنه ربما «أحيا حفلة كبرى، مثل حفلات الشيخ مصطفى ~~إسماعيل التي تسهر معها البلد حتى الساعات الأولى من الصباح». وارتقابا لليوم الموعود ~~كان كل أهل الدار يحاول أن يحدس أي أغنية أو أية أغان سيغنيها عبد الوهاب، وكان ثم ~~إجماع على طلب الأغنية التي غناها في ذلك الفرح وهي «بالليل يا روحي أرتل بالأنين اسمك»، ~~وانتظارا لليوم الموعود أيضا جعل كل من يأنس في نفسه القدرة على محاكاة عبد الوهاب ~~يتغنى بها، هي الأغنية الأخرى (ابنة الثلاثينيات أيضا) «إمتى الزمان يسمح». # والغريب أنني لا أذكر عن الحفلة نفسها شيئا؛ إذ فرض علينا أن نأوي مبكرا إلى ~~الفراش، ولكن سنوات الحرب سادتها ألحان عبد الوهاب، وكان والدي يتغنى بها ليل نهار، كما ~~كنا نقوم برحلات خاصة إلى الإسكندرية لنشاهد أفلام عبد الوهاب ونحفظ أغانيه، وكان يصحح ~~بعضنا للبعض إذ لم نكن نملك إلا جهاز المذياع الوليد، و«جراموفونا» عتيقا تصحبه عدة ~~أسطوانات تنتمي لجدي الحاج أحمد بدر الدين، وهي لمطربي القرن التاسع عشر ومطلع ~~العشرين - أذكر منهم منيرة المهدية وعبد الحي حلمي. # وعندما انتهيت من الكتاب ودخلت المدرسة ms073 الابتدائية كان عبد الوهاب قد أزال ~~الحاجز بين الشعر وشعر العامية؛ إذ وجد جيلنا أن من السهل عليه أن يغني شعر مهيار ~~الديلمي مثلما يغني شعر أحمد شوقي بالعامية، بل كان جيلنا يتغنى بشعر شوقي بالفصحى ~~مثلما يتغنى بأهازيج المونولوجستات التي شاعت بعد الحرب، وانضم إلى شوقي في ألحان ~~عبد الوهاب: علي محمود طه، وعزيز أباظة ، وبشارة الخوري، ومحمود أبو الوفا، ~~وغيرهم ممن سادوا الأربعينيات ضاربين عرض الحائط بالفوارق الزائفة بين الفصحى والعامية، ~~بل إن بشارة الخوري (الأخطل الصغير) كان ممن تعمدوا إهداء عبد الوهاب أغنية يجمع ~~فيها بين العامية والفصحى عمدا؛ فما هي إلا لغة واحدة - واحدة - وهي أغنية «يا ورد ~~مين يشتريك»، فيقول في بيت واحد: # يا ورد ليه الخجل # فيك يحلو الغزل # وكذلك تدفقت ألحان عبد الوهاب أولا لتحيي الموسيقى الشرقية القديمة، فكتب الموسيقى ~~في المقامات العربية الموغلة في شرقيتها مثل الراست والبيات (الذي يقترب من الألحان ~~الشعبية) وفي المقامات الكبيرة «الماجور» التي يعجب الإنسان كيف طوعها لتطرب الأذن ~~الشرقية لها. # لقد تفتحت آذان جيلنا على الوعي الفني الجديد قبل أن تتفتح عيونه، فامتزجت الفصحى ~~بتاريخنا وجذورنا وحضارتنا، وتطور معها عبد الوهاب، حتى إذا كان فجر الثورة غنى لشعراء ~~العصر، وعلى رأسهم محمود حسن إسماعيل الذي انسابت كلماته على شفاه الجماهير كأنما هي ~~من تأليفهم وإن كانت من وحيهم، وغنى للشاعر مأمون الشناوي أحلى كلماته «من قد إيه كنا ~~هنا» ولكامل الشناوي عذب فصحاه في الأغاني الوطنية والعاطفية الدفاقة، ولعبد ~~المنعم السباعي، ودائما - طبعا - لحسين السيد، رفيق رحلة عمره. # وأذكر أنني عندما زرته في منزله بالزمالك لأول مرة، مع مجموعة من عشاق فنه، طلب مني ~~عربونا على صداقتنا أن أعزف لحنا له على عود كان يعلقه على الحائط في غرفة الاستقبال ~~البسيطة، وكنت آنذاك قد قررت هجران الموسيقى والتفرغ للأدب (1958م) فارتبكت واضطرب العود ~~في يدي. فلم يضحك ولم يبتسم خوفا من زيادة إحراجي، ولكنه تبسط في الحديث كأنما يحادث ~~موسيقيا محترفا، فقال بصوته الرخيم «تقدر تصورها ms074 من الدوكاه»، وأذكر أنني انهمكت في ~~العزف بعدها، كأنما كنت أواجه أصعب امتحان في حياتي، وهو يجاملني ويتبسط معي حتى ~~انتهيت. # لقد تعلمت من عبد الوهاب - في ذلك اليوم مثلما تعلمت في الأيام التالية - أن الفنان ~~إنسان بسيط مفتوح القلب والصدر، وهو لا يتكبر مهما كبر، ولا يبتعد مهما فرض عليه موقعه ~~الابتعاد، ولقد ظل إلى آخر أيامه يفكر ويناقش ويعمل، ولم يكن يرفض لقاء أحد حتى من جيل ~~أبنائنا وتلاميذنا، وقد كان له موعد أخلفه رغما عنه يوم الأحد الماضي مع الشاعر الشاب ~~عمر نجم، وكان هذا الشاعر قد طلب الموعد دون أمل كبير في اللقاء! # لقد غير عبد الوهاب تاريخ الموسيقى الحديثة فأحيا وجدد وطور، وبث روحا في فنوننا ~~لا تضارعها إلا روح قادة التنوير من المفكرين والعلماء والأدباء، فتاريخه هو تاريخ ~~القرن العشرين، وسجله سجل أجيال متلاحقة شارك في صنعها اليوم، مثلما سيشارك في صنعها ~~بعد رحيله. # عند بائع الصحف # وقفت عند بائع الصحف أتأمل الكتب التي يقدمها للقراء على قارعة الطريق، وشدني كتاب ~~فتصفحته وأعدتها جميعا وقد تملكني اليأس، هل هذا كل ما يستطيع بائع الصحف أن يقدمه ~~للقراء في مصر؟ # إن هذه الكتب تنقسم بصفة عامة إلى قسمين كبيرين؛ الأول سياسي - ويتضمن المذكرات ~~السياسية وأقاصيص الساسة السابقين وفضائحهم، وكتب المقالات التي تتضمن آراء حزبية محددة ~~وتتطرف للدعوة إلى هذه الآراء، وما يدخل في إطار ذلك من القضايا الاقتصادية ~~والاجتماعية. أما القسم الثاني فهو ديني، ويتضمن قليلا من كتب التراث في الفقه ~~والتفسير، وكثيرا من كتب الآراء التي كتبت في عصور الانحطاط والجهالة، والتي يزعم ~~مؤلفوها أو ناشروها أنها تقدم الاجتهاد، بينما لا تتوافر لأصحابها شروط الاجتهاد ~~المعروفة، وفيها من المبالغات والتهويلات والخرافات ما يتناقض مع ما درجنا عليه جميعا ~~من مبادئ الدين الحنيف. # واشتريت عددا من هذه وتلك، على ارتفاع أسعارها، وعكفت عليها أحاول أن أعرف سر ذيوعها ~~- وهو ما أكده لي البائع - وبعد أيام طويلة وجدتني أنتهي إلى بعض الخصائص التي تشترك ~~فيها على ms075 اختلافها، وبعض ملامح وجبة القراءة التي يقدمها بائع الصحف «العصري» إلى قراء ~~هذا العصر. # وأول هذه الخصائص هي اليقين المطلق الذي ينطلق منه كل مؤلف، والذي يمنحه الثقة ~~الكاملة فيما يكتب؛ فما يقوله هو الحق، وهو يتحمس له ويدافع عنه دفاع الواثق الذي لا ~~يتصور احتمال الخطأ ولو من قبيل السهو أو النسيان. ولا شك أن اليقين هو الهدف الأسمى ~~للجهد العلمي، وهو أيضا صفة المؤمن الحق، ولكن هذه الكتب ليست علمية بأي معنى من ~~المعاني، كما أنها لا تناقش الإيمان؛ فهي تفترض وجوده في القارئ أولا قبل أن تخاطبه. ~~إنها كتب تفترض في القارئ التصديق الكامل بحجة العلم أو الدين حتى تقدم له آراء لا ~~تنتسب في حقيقتها إلى العلم ولا إلى الدين. ومن ثم فإن هدف اليقين هنا هو الاعتماد على ~~الثقة؛ بغية الدعاية لفكرة ما، أيا كان حظها من اليقين. # وثاني هذه الخصائص هو أن اللون الفكري الذي تقدمه لا يعرف درجات اللون الرمادي؛ أي ~~إنه ينحو نحو الأبيض الكامل أو الأسود الكامل مثلما تنحو أفلام رعاة البقر الأمريكية ~~الرخيصة، فتصور الخير خيرا كاملا والشر شرا كاملا، وليس بينهما شيء. أي إن هذه الكتب ~~تشترك مع ألوان الفن الساذج في خصيصة «المطلق الفلسفي» - وهذا ما لا نفترضه أو ما لا ~~ينبغي أن نفترضه في الكتاب! فهذا كتاب يقول إن الريان شيطان مريد، وكتاب آخر يقول إنه ~~عبقري الاقتصاد الذي جادت به السماء على الأرض، وهذا كتاب يقول إن أحد حكامنا السابقين ~~لا يدانيه إبليس في شروره، وكتاب آخر يقول إنه يكاد يكون ملاكا منزلا. وقس على ذلك ~~سائر الأحكام والفتاوى التي نقلها أصحابها عن الكتب الصفراء؛ فمن قرأ تعويذة معينة دخل ~~الجنة وحقق آماله في الأرض، ومن أهمل نافلة من النوافل دخل النار وخاب سعيه في ~~الأرض. # وثالث هذه الخصائص هو أن غالبية هذه الكتب مكتوبة بلغة ساذجة، تعتمد على الانفعال، ~~وتشوبها الركاكة، وتفترض في قرائها الانتماء إلى المذهب التي تدعو إليه، كما تعتمد على ~~أنه ذو ms076 مستوى تعليمي متوسط، وأن كثيرا من الحقائق لن تتوافر له، وأن قدرته على التفكير ~~المنطقي محدودة، وأنه لن يناقش ما تقول بل سينبهر ويصفق له ويهلل. وهي في هذا إذن تقترب ~~كثيرا من الموضوعات الصحفية المثيرة «ولو لم تستند إلى البحث الصحفي والتحري الصادق»، ~~وتبتعد كثيرا عن مفهوم الكتاب العلمي الذي يضعه الإنسان في مكتبته ويعود إليه بين ~~الحين والحين. # وعندما عدت إلى بائع الصحف بعد أسبوعين، لم أقف لأتأمل الكتب الموجودة بل وقفت أتأمل ~~الكتب الناقصة - الكتب التي تطبع وتوزع في مصر، ولكنها لا تصل إلى باعة الصحف. إنها ~~الكتب التي تزخر بها مكتبات الهيئة العامة للكتاب مثلا، وبعض المكتبات الخاصة في وسط ~~البلد، وشتى المكتبات العامة أو التابعة للكليات والمعاهد والجامعات. إنها كتب علمية ~~كتبها أو ترجمها أساتذة الجامعات ممن يقبلون التضحية بالمال في سبيل نشر العلم ~~والثقافة. # ألا يمكن أن يقبل الناس على هذه الكتب يوما ما؟ إن أسعارها رخيصة إذا قورنت بأسعار ~~تلك الكتب، والمادة العلمية فيها غزيرة ومغرية، وهي منوعة تنوعا لا حد له؛ فما الذي ~~يصرف الناس عنها إلى كتب قارعة الطريق؟ هل هو الانصراف العام عن الثقافة الجادة إلى ~~قراءة التسلية؟ لا أعتقد ذلك. فلقد شاهدت في معرض الكتاب الأخير حشودا لا نهاية لها ~~تقبل على القراءة الجادة! هل هو ارتفاع الأسعار؟ لا أعتقد ذلك؛ فأسعار الكتب التي ~~تطبعها هيئة الكتاب على سبيل المثال أقل بكثير من كتب الفضائح السياسية ~~والفتاوى! # هل هو عدم توافر الكتب الجادة على طاولات باعة الصحف؟ لا أدري! فربما يقبل عليها ~~البعض ويدبر عنها الغالبية. # وعدت مرة ثالثة إلى بائع الصحف لأنظر إلى المجلات العربية، وإلى عدم وجود الكتب ~~المترجمة، وأتأمل هذه وتلك ... ولكن لهما حديثا آخر. # الدراما الدينية في التليفزيون # لم أكن أتصور حين دخلت قاعة المحاضرات الفسيحة في مبنى كلية اللغة العربية بجامعة ~~الأزهر أن أجد هذا الحشد الحاشد، أو أن أجدهم من أبناء الريف! كنت أتوقع أن يحضر عدد ~~محدود من أسرة الطالب الذي وقف ms077 ليجتاز امتحان درجة الماجستير (التخصص)، ولكنني لم أتصور ~~أن تخرج بلدة عن بكرة أبيها لتحيته والشد على يده يوم الامتحان! وعلمت فيما بعد أن طالب ~~الدراسات العليا ذاك هو خطيب مسجد البلدة، وأن له صوتا مسموعا بين أفرادها، كما علمت ~~أن رئيس لجنة الامتحان وهو الدكتور محمد الطيب النجار - العالم الفاضل ورئيس جامعة ~~الأزهر السابق - كان قد تدخل ليفض خلافا وقع في البلدة وراح ضحيته كثيرون، وأنهم ~~ممتنون له وجاءوا ليعربوا عن شكرهم وعرفانهم! # كان المشهد حيا وساخنا، وكانت الملامح تنبئ عن متابعة دقيقة للمناقشة، وعن استيعاب ~~كل ما يقوله الممتحنون، رغم أن الموضوع علمي شائك وعسير المأخذ؛ ألا وهو الدراما الدينية ~~في التليفزيون! وكنت أوقن أن البحث الذي اضطلع به مدرس شاب في الأزهر وهو «عبد ربه أحمد ~~الشحوت» سوف تكون له أهميته، وسوف يحتفي به كل مسئول عن الدراما في التليفزيون، وشاركني ~~هذا اليقين الدكتور محيي الدين عبد الحليم الذي اشترك معي في الإشراف على الرسالة؛ إذ ~~إنه بحث ميداني استطلع آراء مئات المشاهدين في الحضر والريف، من المتعلمين وغير ~~المتعلمين، وانتهى إلى أن الدراما الدينية التي يقدمها التليفزيون المصري حاليا تفتقر ~~إلى الكثير، وأنها بحاجة إلى تعديل كبير في المسار. # وأول عقبة تقف في طريق التذوق الواسع النطاق لهذا اللون من الفن الدرامي هي اللغة؛ ~~فاللغة الفصحى المستخدمة تستعصي في كثير من الأحيان على الفهم، وتقف حائلا دون وصول ~~المعاني والمشاعر بيسر إلى جمهور المشاهدين، وأغلبهم كما يقول الباحث من غير المتعلمين ~~ومن الأميين. ولذلك فقد أوصى الباحث بمراعاة المستويات اللغوية المختلفة للمشاهدين عند ~~تقديم هذا اللون من الدراما، ومعنى هذا ببساطة استخدام لغة فصحى هي أقرب ما تكون إلى ~~العامية المصرية حتى لا تنسد قنوات الاتصال، وحتى لا تتعثر «الرسالة الإعلامية» في ~~الطريق. # أما ما لم يقله الباحث - وهو ما نبهت إليه الدكتورة فوزية فهيم أثناء مناقشتها ~~للطالب - فهو اقتصار الدراما الدينية على التاريخ الإسلامي. والإسلام ليس تاريخا فحسب، ~~ولكنه أيضا واقع حي؛ أي إن الاقتصار ms078 في الدراما الدينية على عرض التاريخ يوحي للمشاهد ~~بأننا أمام تاريخ باد وانقضى، لا أمام حاضر زاهر زاخر بكل المعاني والقيم التي أتى بها ~~الدين الحنيف، وإذا كنا بحاجة إلى التذكير بهذه المعاني التي لا تخلو منها فترة من ~~فترات تاريخنا الإسلامي الطويل. فينبغي أن نذكر أيضا أننا لم نتخذه وراءنا ظهريا، ~~ولم نجعله نسيا منسيا، وكان أكبر دليل على هذا - أثناء المناقشة - وجود أهل بلدة ~~الطالب أمامنا بأصالتهم العميقة الجذور، وما تتضمنه هذه الأصالة من معان لم تعبر عنها ~~تمثيلية واحدة من التمثيليات التاريخية التي يقدمها التليفزيون. # ودفعني الموقف إلى تأمل هذا المشهد الحي من حياتنا المعاصرة: لقد نزغ الشيطان بين ~~أهالي البلدة، فأوقع بينهم العداوة والبغضاء. ثم تدخل عالم جليل فأصلح ما بينهم، فإذا ~~هم بنعمة الله إخوان، ولولا فضل الله ما ساد الوئام بينهم؛ ولو أنفق الناس ما في الأرض ~~ما ألفوا بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم! أوليس هذا موضوعا دينيا جديرا بمعالجة ~~درامية شائقة؟ كيف تحولت البغضاء إلى حب؟ وكيف انقلب العداء إلى وفاق وتضامن؟ لقد وقر ~~الإيمان في القلب وصدقه العمل؛ وهذه هي أخلاق الإسلام التي نحتاج إليها اليوم أكثر من ~~أي عصر مضى! # وذكرت كلاما مشابها قاله الممثل العبقري الراحل عبد الوارث عسر، في تعقيبه على ~~تمثيلية إذاعية تناولت مثل هذا الموضوع، وأذيعت في أوائل الخمسينيات، وتركت أثرا لا ~~ينمحي في نفسي؛ إذ قال إن الشيطان يعرف طريقه إلى قلوبنا بأن يغشي عيوننا عن معنى ~~الحياة وامتدادها بعد الموت. فلا نرى بسببه إلا مغانم الدنيا الهزيلة، ولا نحس إلا ~~بمتاعها القليل وعرضها الزائل؛ ومن ثم نتحول إلى وحوش يتربص بعضنا بالبعض، ناسين ذلك ~~الامتداد الروحي العظيم خارج حدود المحسوسات. # لم يكن بين الموجودين في القاعة من أطلق لحيته، أو تزيا بزي يميزه عن سائر أهل ~~الزمان، فالمدرسون الجالسون في الصف الأول يرتدون الحلل العادية، وأهل البلدة يرتدون ~~ملابس أهل الريف. ولكنك كنت تحس أن روح الإسلام تغمر الجميع، وأن القيم والمثل العليا ~~التي ms079 تنشدها في التاريخ ماثلة أمامك في الحاضر الحي النابض! وأحسست بالفوارق التي ~~صنعتها الحضارة وأقامتها بين الريف والحضر تتهاوى. فالكل مؤمن يعرف أن الله لا ينظر إلى ~~صورنا، ولكن إلى ما في قلوبنا. # وامتد بي سيال الفكر إلى موضوعات الدراما الدينية التليفزيونية المتكررة التي تدور ~~حول أصول العقيدة، وتعجبت في نفسي؛ هل ثم من يحتاج في هذا الزمن إلى مناقشة وجود الله ~~سبحانه وتعالى؟ إن الدراما التليفزيونية تخاطب المؤمنين، ولن يشاهدها من يخالجه شك في ~~الدين، ولو شاهدها ما تغير وما اقتنع! لا بد من إعادة النظر إعادة شاملة في هذه ~~الموضوعات أيضا، إلا إذا كنا ننتج هذه المسلسلات ابتغاء للربح من بيعها بالدولار ~~لغيرنا، وهذا سبب واه لا يبرر كل شيء! والموضوع بعد شاسع، وربما عاد إليه الباحث في ~~رسالة الدكتوراه. # عن الاغتراب والعودة # لا نختلف عن سائر بلدان الأرض في أن بيننا من الأدباء من يرحل عن وطنه فترة من الزمن ~~ثم يعود إليه، ومن يرحل فلا يعود إلا لزيارة الأهل حينما يغلبه الحنين، وفي أن أدباءنا ~~يحسبون لنا أو علينا سواء عاشوا بيننا أو بعيدا عنا، وقديما قال مؤرخ أدبي إنجليزي: ~~«سوف تجد أدباء أيرلندة في كل مكان إلا في أيرلندة.» ومنذ شهور حصلت باحثة في جامعة ~~القاهرة على الدكتوراه عن بحث تقدمت به عن الشعراء الإنجليز الذين عاشوا في مصر إبان ~~الحرب العالمية الثانية، ومنهم «لورانس داريل» الشاعر والروائي الإنجليزي صاحب «رباعية ~~الإسكندرية» الذي لا يزال يعيش خارج إنجلترا حتى اليوم، وقد أثبتت الدكتورة «هدى الصدة» ~~في هذه الرسالة أن الغربة أثرت تأثيرا إيجابيا في شعرهم وعقدت مقارنات بين الثقافتين ~~العربية والأوروبية كما تجلت كل واحدة في هذا الشعر. # ونحن نذكر في أمسنا القريب شعراء المهجر الذين صاحبوا حركة الإحياء الثانية - أي ~~الحركة الرومانسية في الشعر العربي التي تلت حركة الإحياء الأولى - وكلنا مدين بالفضل ~~لهذا التفتح الكبير على العالم؛ إذ كان من ثماره بزوغ التيارات الحديثة في الأدب ~~والنقد، ولولاه ما تبلورت في الشعر نظرات ms080 أصحاب مدرسة الديوان (العقاد والمازني وشكري) ~~فالمهاجر الأدبية ليست بدعة، وليس الاغتراب الأدبي مقصورا على شعب دون شعب، ولا على ~~لغة دون لغة. # إن احتكاك الثقافات وتصارعها عامل مهم من عوامل الوعي الذي لا غنى عنه للأديب، وقد ~~فعل الطيب صالح الروائي السوداني المعاصر في «موسم الهجرة إلى الشمال» ما فعله ~~«فورستر» في «رحلة الهند»، وما فعلته الشاعرة «هيلدا دولتيل» في ديوانها الجميل «هيلين ~~في مصر» الذي يروي في قصيدة تلو قصيدة رحلة هيلين إلى مصر وليس إلى «طروادة»؛ استنادا ~~إلى رواية شاعر آخر هو «ستيسيكورس الصقلي» الذي يسلك طريقا آخر غير الذي سلكه ~~«هوميروس» في تفسير الأسطورة اليونانية القديمة. وجوهر الديوان الذي يتخذ صورة الرواية ~~الغنائية # Lyric narrative # هو امتزاج الثقافة ~~اليونانية بالثقافة المصرية والتقاء الأساطير عبر البحر المتوسط في جذور تضرب في أعماق ~~التربة المصرية، مثل تحول «هيلين» إلى صورة «إيزيس» المصرية وتحول «باريس» إلى الصقر ~~«حورس» في ظلام المعبد الكبير على شاطئ النيل في الأقصر - معبد الكرنك - ومن ثم فهي ~~تستلهم من مصر معنى جديدا للأسطورة الأساسية التي تقوم عليها ملحمة «الإلياذة». # وقد جرى العرف على اعتبار القرن التاسع عشر فترة اكتشاف الغرب للشرق، واكتشاف الشرق ~~للغرب، ولكن القرن العشرين قد أذاب هذا التقسيم القديم. # وقد هدتنا أبحاثنا في تراثنا العريق إلى جذور إنسانية وقيم ثابتة جعلت من التقسيم ~~الجغرافي القديم تقسيما غير دقيق؛ فالشاعر الأوروبي الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على ~~الأساطير في تراثه الحاضر، والشاعر العربي الذي يستخدم - واعيا أو غير واع - النماذج ~~الفطرية # archetypes # التي اكتشفها العالم النمسوي ~~«كارل يونج» يقول بصورة ضمنية أيضا إن وحدة المعرفة حقيقة، ووحدة الأدب لا تفرق بين ~~الأمكنة والمياه، والرموز الثقافية في جوهرها واحدة ومتكررة، وهي مبحث مهم من مباحث الأدب ~~المقارن الحديث. # كيف ندهش إذن عندما نشهد هذا الاهتمام الكبير بدراسة الآداب العربية في أوروبا ~~وأمريكا، بل وفي الصين وفي الهند، مثلما ندرس نحن الآداب الأجنبية؟ وكيف ندهش إذن حين ~~يغترب بعض أدبائنا فيعيشون في بلدان لا تتحدث ms081 العربية، ثم يكتبون بالعربية أعمالا ~~أصيلة، ترجمت أم لم تترجم؟ ليس هذا مبعث دهشة، ولكن لدينا ظاهرة ما أحسبها إلا مقصورة ~~علينا، وهي أن البعض ينفصل عن التراث عند الذهاب، أو ينبذه عند الإياب، وربما كان هذا هو ~~مبعث القلق لدى الكثيرين ممن يتابعون أحوال بعض نقادنا وأدبائنا بعد الذهاب وعند ~~الإياب. # أما الانفصال فمعناه لا يقف عند عدم متابعة حركة المجتمع والأدب في مصر (إذ كثيرا ما ~~يتصور من هجر مصر في الستينيات مثلا أن مصر لم تنجب أحدا بعد كتاب تلك السنوات)، ~~ولكنه يتعدى ذلك إلى الخلط بين المعايير الاقتصادية والمعايير الإنسانية في الحكم على ~~أبناء وطنه وآدابهم؛ إذ يرى البعض (في أعماقه) أن الفقر المادي يستتبع بالضرورة فقرا ~~إنسانيا، وأن قوة السلاح تستتبع بالضرورة قوة إنسانية. ومن ثم فهم ينبذون التراث ربما ~~لأنهم لا يعرفونه حق المعرفة (فكم من أستاذ للعربية بجامعات أمريكا وأوروبا لا يعرف ~~من الأدب العربي إلا نجيب محفوظ)، وربما لأنهم يرونه مرتبطا بصورة حضارية زالت، أو ربما ~~اعتقدوا أنها ينبغي أن تزول من الوجود. وأما نبذ التراث عند الإياب فمعناه وقفة تعال ~~غريبة، تهب بعض العائدين نبرة صلف محزنة، مبعثها الأول في نظري شذرات من الكلمات ~~الأعجمية (ربما لا يحسنون نطقها)؛ توحي بالتميز والانتماء إلى حضارة أخرى أو بالعالمية ~~(لأنهم يكتبون بلغة منتشرة على نطاق العالم الكبير)، ولكل من هذين الجانبين - الانفصال ~~والنبذ - حديث مستقل. # معنى الأستاذ والأستاذية # جرى العرف في الحياة الجامعية على المقابلة بين كلمة «أستاذ» المعربة، وكلمة ~~«بروفيسور» التي شاعت في اللغات الأوروبية الحية اليوم؛ لتعني أعلى منصب علمي ~~في الجامعة - أي المنصب الذي يتيح لصاحبه أن يرشد الطامحين من الطلاب إلى سبل البحث العلمي ~~والدراسة المتعمقة؛ أي إن الكلمة قد اكتسبت معنى جديدا يختلف عن معناها القديم الذي ~~ساد حتى القرن الخامس عشر الميلادي والذي ذكره ابن تغري بردي في كتابه «النجوم ~~الزاهرة» قائلا: «الأستاذون هم المعروفون بالخدام والطواشية، وكان لهم في دولتهم ~~المكانة الجليلة، ومنهم من كان من ms082 أرباب الوظائف الخاصة بالخليفة، وأجلهم المحنكون، ~~وهم الذين يدورون عمائمهم على أحناكهم كما تفعل العرب والمغاربة.» بل إن الكلمة قد ~~أصبحت بديلا للكلمات التي ألفناها في كتب التراث العربي مثل: «العالم العلامة والحبر ~~الفهامة»، أو «الفقيه» أو «الشيخ» وكلها ذات أصل ديني تماما مثل كلمة «بروفيسور» ~~الإنجليزية، بل وكلمة «دكتور» بمعنى معلم التي كانت ترتبط بالدين والقانون أول الأمر، ~~ثم تحولت إلى معناها الحالي. # وقد حاكت الجامعة المصرية - منذ نشأتها - نظم الجامعات الأوروبية، فوضعت سلما لوظائف ~~هيئة التدريس، وعلى قمته «أستاذ الكرسي»؛ أي «أستاذ المادة» الذي يرجع إليه علميا ~~وإداريا في كل ما يتصل بها. # ولدينا في جامعة الأزهر النظام القديم؛ أي نظام الشيخ وتلاميذه، الذي يختلف بطبيعة ~~الحال عن النظام الغربي، ولكن النظامين يشتركان في أن الأستاذ عادة ما يكون له أسلوب ~~خاص في البحث، يمكن اعتباره منهجا فكريا متميزا، يقترن باسمه، ويكون علما ~~عليه. # ولما كان تطور العلم يسير في حلقات متشابكة متداخلة يفضي بعضها إلى بعض ويأخذ بعضها ~~برقاب بعض، أصبح عمل كل أستاذ بمنزلة امتداد لعمل من سبقه، حتى وإن اختلف معه بعض الشيء ~~في مذهبه؛ إما بالتعديل الصريح، أو بالتطوير غير المباشر، أو بمجرد التشذيب والتهذيب. بل ~~إن التلميذ قد يأخذ عن أستاذه مذهبه فيستخدمه في الإتيان بالجديد الذي يحسب له لا ~~لأستاذه. # ولكن ما جوهر عمل الأستاذ؟ وما طبيعة علاقته مع طلابه؟ إجابة السؤال الأول يسيرة؛ ~~فجوهر عمله هو البحث العلمي بأشكاله المختلفة، وأهمها القراءة - بطبيعة الحال - بغية ~~متابعة النتائج التي تنتهي إليها بحوث الآخرين والاستفادة منها في بحوثه الخاصة، ويعني ~~هذا أن الجانب الأكبر من وقته ينبغي أن يخصص للدراسة، سواء كان مكانها مكتبه في الجامعة ~~(كما هو الحال في أوروبا) أم كان مقرها منزله؛ لعدم وجود مكان للقراءة في الجامعة، أو ~~لعدم وجود «مكتب» له أصلا في جامعات اكتظت بالطلاب حتى طفحت. وإلى جانب هذا يطلب منه ~~إلقاء عدد محدود من المحاضرات على الطلبة، سواء في مرحلة الليسانس أو البكالوريوس، أو في ms083 ~~مرحلة الدراسات العليا. وعادة ما تكون هذه المحاضرات نابعة من طبيعة البحث الذي يقوم ~~به، وتابعة له ربما أضافت إليه وزادته ثراء؛ نتيجة المناقشة مع الطلاب. # أما علاقته مع الدارسين فهي باختصار علاقة توجيه لا علاقة تلقين؛ أي إن الأستاذ لا ~~يقدم «معلومات» للطالب، بل يوجهه إلى مصادر المعلومات، فإذا أحاط بها الطالب ناقشه ~~الأستاذ فيها على ضوء مذهبه الفكري الخاص. وقد يختلف الطالب مع أستاذه هنا، وقد يظهر من ~~الاستقلال الفكري والأصالة ما يجعله يثور على أفكار أستاذه؛ إما بالرفض أو بالتعديل، وهنا ~~يكون من حق الطالب اختيار أستاذ آخر يقبل مذهبه الفكري الخاص، ما دام علميا موضوعيا ~~يستند إلى ثوابت المنهج العلمي العام الذي لا يختلف من أستاذ إلى أستاذ. وهذا هو مربط ~~الفرس كما يقولون! إذ إن كل هذا الكلام يفترض الجدية من الطالب والأستاذ جميعا، والسعي ~~لتحقيق غاية البحث العلمي، وهي إضافة الجديد إلى عالم المعرفة الإنسانية؛ وهذا هو ما ~~نفتقده في جامعاتنا، باستثناءات تؤكد القاعدة ولا تنفيها. # فلنتجاوز أسباب هذه الظاهرة وهي الأسباب التي لا ينكرها أحد (مثل تحول مفهوم الجامعة ~~تحولا جذريا بسبب الأعداد الهائلة للطلاب، وضيق المكان، وقلة الموارد المالية، وما إلى ~~ذلك)، ولنتأمل النتيجة التي ربما غفل عنها الكثيرون، وهي تدهور وضع الأستاذ في الجامعة ~~بصفة خاصة، ثم تدهور صورته في المجتمع بصفة عامة؛ فهو مضطر إلى بذل جهده الأساسي في ~~التلقين، لا في البحث العلمي، وفي الإشراف على رسائل لا يصل الكثير منها إلى مستوى البحث ~~العلمي الناضج، أو إلى ممارسة أعمال خارج نطاق العمل الأكاديمي المحض؛ إما ابتغاء الرزق ~~أو لأن المجتمع في حاجة ماسة إلى هذه الأعمال. والسبب - في رأيي - في هذا كله هو فقدان ~~الأستاذ نفسه معنى الأستاذية؛ فهو يترقى في السلم الوظيفي إلى درجة أستاذ، دون أن تكون ~~له مقومات الأستاذ التي ذكرتها آنفا؛ مثل المذهب الفكري المحدد الذي يطرحه في كتبه ~~ودراساته ومقالاته، ودون أن يكون قد جعل من حياة الجامعة حياة كاملة تتصل فيها قاعة ms084 ~~الدرس بغرفة المكتب في المنزل؛ بحيث يكون نشاطه هنا وهناك «عملا» متواصلا بالقراءة ~~والبحث والكتابة. # ويكفي أن نسأل هذا السؤال: كم من الأساتذة الذين تحفل بهم جامعاتنا كتب كتابا ~~«جديدا» أو قام ببحث «جديد» بعد حصوله على الأستاذية؟ إن النسبة ضئيلة ومحزنة، بل لقد ~~اعتدنا في مجتمع الجامعة حديث «الإعارة» إلى البلدان العربية الشقيقة؛ حيث يتحدد الهدف ~~في جمع المال ، وقد تطول الإقامة وتمتد، وقد يعود الأستاذ أو لا يعود، وقد يتحول إلى مسافر ~~دائم التنقل والتجوال مدفوعا بضيق ذات اليد أو بالرغبة في بناء رصيد مالي يقيه وأسرته ~~غائلة الزمن. ولست أملك لهذه الحال حلولا، ولا أعرف منها مخرجا، ولكنني أنظر فحسب إلى ~~النماذج المشرقة من جيل الأساتذة الذين سبقونا وأتطلع إلى يوم يعود فيه معنى الأستاذ ~~إلى ما كان عليه في الجيل الماضي، وفي ظني أن هذا ليس محالا ولا متعذرا، بل لن يكون ~~عسيرا إذا ذكر كل أستاذ معنى الأستاذية، وأصر على التمسك بقيمها ومثلها في زمن اشتدت ~~فيه الحاجات إلى القيم والمثل. # النقد الأدبي ... والأوهام! # تتميز مصر عن بلدان العالم بظواهر عجيبة، قد تحسب لها أو عليها، ولكنها دائما فريدة؛ ~~منها مثلا وجود ما يسمى بجهاز الإعلام الفردي أو غير الرسمي؛ أي انتقال الأخبار ~~(الصادقة أو الكاذبة) عن طريق الأحاديث الودية والمناقشات العابرة في المكاتب والمقاهي ~~والمنازل فيما بين الأصدقاء والمعارف والأقارب؛ أي ما يسمى بالإنجليزية # On the grapevine ~~؛ أي على فروع تعريشة العنب، وهو ~~مصطلح اكتسب احترام الدارسين لموضوع الاتصال الجماهيري بعد ما لاحظوه من تفشيه في ~~البلدان النامية التي يترابط فيها البشر ترابطا شديدا ويستمدون من علاقاتهم الحميمة ~~قوة تعينهم على مجالدة شظف العيش، وتعوضهم عما يفتقرون إليه من وسائل الرخاء ~~المادي. # وقد اهتمت الأجهزة الحاكمة في البلدان النامية بهذا الجهاز غير الرسمي اهتماما ~~بالغا وجعلت دراسته جزءا من دراسة الرأي العام، وأفردت لدراسة الشائعة (أي الخبر ~~الكاذب الذي يشيع فيكتسب قوة الخبر الصادق) بابا خاصا، وانتهت إلى استخدام ذلك الجهاز ~~نفسه للترويج للأخبار ms085 التي تريدها وتعتبر أنها مفيدة للشعب. # ولكن هذه الظاهرة التي نشترك فيها مع سوانا ذات مذاق خاص في مصر؛ لأننا شعب يعشق ~~الكلام أكثر من غيره، ويتميز بخصب خياله الذي يولد فكاهات (نكت) لا يشاركنا فيها ~~الكثيرون، فمعظم الأحاديث التي تتميز بالطرافة في المجتمعات الحميمة يستند إلى قدرة ~~المتحدث على إمتاع السامعين بالأخبار الغريبة، وهي أخبار يؤلفها صاحبها تأليفا وقد ~~يصدقها أثناء روايته إياها، وقد يصدقها فيما بعد، ولكنها بعد فترة تكتسب درجة من ~~التصديق لا تتوفر للأخبار الصادقة. # وإذا كنا نشترك مع بلدان العالم كله في هذه الظاهرة أيضا؛ فإننا نتميز عنها بطرافة ~~الشائعة ونوعها الفريد - كما قلت - لأن لنا خيالا خصبا نعيش فيه بقدر ما نعيش في ~~الواقع! وقد حاولت تحليل هذه الظاهرة في المقدمة التي كتبتها للترجمة الإنجليزية لرواية ~~«وقائع حارة الزعفراني» لجمال الغيطاني (التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ~~عام 1986م، وكادت تنفد في أقل من ثلاث سنوات)، كما حاولت رصد جذور تغلغل الوهم في ~~حياتنا. # وأذكر أن أول مرة اصطدمت فيها بهذه الظاهرة كانت في الستينيات عندما اجتمعنا في ~~الإسكندرية مع لفيف من «المثقفين» لمناقشة إحدى روايات إحسان عبد القدوس، فبرز من ~~الحاضرين من أكد لنا أن كل رواياته مترجمة، وأنه يعرف «كيف يكتب هؤلاء الناس»، ودهشت ~~دهشة بالغة وناقشته مناقشة هادئة؛ احتراما لمكانته العلمية (إذ كان يشغل منصبا رفيعا ~~في الجامعة)، فقال أولا إنه يستند إلى الثقات في هذا الموضوع الذين أخبروه بهذا، ولكنه ~~اضطر إلى الاعتراف آخر الأمر أنه «سمع» ذلك من أحد الناس (ورفض بالطبع ذكر اسمه)، وقدم ~~لي نوعا من السيناريو الخيالي عن كبار الكتاب الذين «يسرقون» قصص غيرهم، واليوم تعود ~~الأوهام إلى حقل النقد الأدبي من باب جد خطر؛ ألا وهو التوصيف والتصنيف المذهبي أو ~~العقائدي؛ إذ يطلق المتحدثون لخيالهم العنان فيرسمون صورا غريبة لعلاقات مريبة بين ~~الكتاب وأرباب الاتجاهات السياسية، وعادة ما يبدأ الواحد منهم حديثه بالعبارة الشهيرة ~~التي عانى منها تاريخ العربية طويلا؛ ألا وهي «حدثني محدث ms086 صدق» أو «سمعت من مصدر موثوق ~~به»، ولا ثمة محدث ولا ثمة مصدر سوى خيال المتكلم! # ولذلك وجدتني أواجه موقفا مألوفا أثناء مناقشة في معهد التدريب التليفزيوني مع أحد ~~الدارسين عن نجيب محفوظ، عندما لجأ إلى سيناريو مألوف عن معنى فوزه بجائزة نوبل، ~~واسترسل في هذا السيناريو بصورة كادت تقنع الحاضرين به، فلم أجد أمامي إلا أن أسأله ~~أسئلة محددة عن مصدر معلوماته، فلجأ إلى المحاورة والمداورة، وكنت أعلم أنه سيحاور ~~ويداور، وفي النهاية أقر بأن هذا هو تفسيره الشخصي الذي انتهى إليه من قراءته للموقف، ~~والأرجح عندي أنه أوحي به إليه من بعض الذي يعيشون في الأخيلة والأوهام من باب تزجية ~~الوقت على المقهى أو في جلسات المنزل الطريفة التي تحتاج إلى «محدث» ماهر يلعب دور ~~المؤلف الذي يسلي الحاضرين بحكاياته الغريبة التي يدسها في ثنايا أحاديث صدق حتى تكتسب ~~منها رنة الصدق. # وما قيل عن نجيب محفوظ يقال عن كل من يعمل وينتج في حقل الأدب وفي النقد الأدبي، فما ~~أيسر أن يزعم زاعم علمه بسر حتى تتطلع إليه العيون وتتعلق به العقول، فإذا أفضى بالسر ~~المزعوم ولاقى استحسانا أردفه بسر آخر حتى يفرح السامعون ويطربوا، ولا غرو؛ فلقد أصبحت ~~التمثيليات الخيالية التي يبثها التليفزيون جزءا من حياتنا الواقعية، وتلاشى الحاجز ~~الذي يفصل بين الوهم والحقيقة، وأصبح الناس يستشهدون بما يحدث في المسلسلات والمسرحيات ~~كأنما يستشهدون بالتاريخ الصادق. وقس على ذلك من يقول لي في قاعة الدرس في الجامعة - ~~حيث لا مجال للأوهام - «لقد سمعت كذا وكذا»، وقد يكون قد سمع ذلك في أجهزة الإعلام، أو في ~~الطريق العام! وقد كنت أثور عند سماع هذه العبارة فيما مضى، أما الآن فإنني اعتدتها، ~~وكل ما أتمناه أن يسائل كل «سامع» نفسه عن مدى مصداقية المسموع، وأن يتريث قبل أن ينقل ~~أوهامه إلى واهمين جدد! # لعبة الجامعة # هذه لعبة من نوع خاص؛ تبدأ في مرحلة الدراسة الثانوية بالتسخين عند نهاية تلك المرحلة ~~وإعلان الطوارئ في معظم منازل مصر، وانتشار الذعر ms087 والفزع عند ذكر الامتحان الرهيب - ~~الثانوية العامة - واهتمام أجهزة الإعلام على شتى مستوياتها وبمختلف أنواعها بأخبار ~~الامتحان، فبعضها ينشر أسئلة وبعضها ينشر إجابات وبعضها ينشر تصريحات، وبعضها يذيع ~~الدروس ويتلفز المعلومات! وبعد التسخين يأتي دور مكتب التنسيق وأخبار مراحل القبول وحيل ~~القبول، والباب الخلفي والباب الأمامي، ثم تغلق الأبواب وتبدأ اللعبة في أوائل ~~أكتوبر! # واللعبة ببساطة هي محاولة الحصول على الشهادة الجامعية بأقل قدر من العلم والمعلومات! ~~أي إن الطلبة يتنافسون أيهم يستطيع أن ينجح ويتخرج بأقل جهد، ودون أن تتسرب المعلومات ~~إلى ذهنه خوفا من استقرارها هناك، وخوفا من تأثيرها على تفكيره أو تعكير صفوه، أو ~~تسويد صفحاته البيضاء الناصعة! ولذلك فالطالب يبدأ في اكتساب مهارات اللعبة منذ السنة ~~الأولى؛ إما بدراسة طرق الامتحان استنادا إلى الامتحانات السابقة، وأقوال الخبراء ممن ~~سبقوه إلى الانتصار في هذه اللعبة، وإما بالتحايل الفردي استنادا إلى خبرته ~~الشخصية! # وأهم قواعد هذه اللعبة المحافظة على الشكل الخارجي للملعب؛ مثل ركوب المواصلات أو ~~التاكسي، وحضور المحاضرات، والتردد على المكتبة؛ (للتأكد من وجود الكتب بها) واستنساخ ~~المذكرات، وشراء الكتب، بل والسهر للاستذكار مع الأصدقاء، ومشاهدة البرامج «العلمية» في ~~التليفزيون! وأهم عنصر في هذا كله هو السهر حتى الصباح ليلة الامتحان؛ حتى يتوفر للطالب ~~القدر الكافي من التوتر والارتجاف والارتعاش والرهبة؛ وإلا فما معنى الامتحان إذا لم ~~يكن محنة؟ # والقاعدة الثانية التي لا تقل أهمية عن الشكل الخارجي هي رفض أي معلومات «خارجة عن ~~المقرر»؛ فالطالب يرفض رفضا باتا - فهي مسألة مبدأ - أن يقرأ كتابا أو فصلا في كتاب ~~لا يقرره الأستاذ؛ حتى لا يزيد من أحمال وأعباء عقله! بل هو أحيانا يتفاوض مع الأستاذ ~~تفاوضا جادا في تخفيض عدد الفصول المقررة من الكتاب وإلغاء بعضها؛ فهي مثل ديون ~~العالم الثالث، لا بد من إسقاط بعضها رأفة بحال الطالب! ولذلك فالطالب يحب الأستاذ ~~المتساهل الذي لا يقسو (يا حرام) على أبنائه الطلبة بأن يقرر عليهم كتابا كاملا، ~~ويكره الأستاذ الصعب الذي يطالب الطالب بدراسة الكتاب كله، وأحيانا ms088 بدراسة كتب أخرى إلى ~~جانبه (فهذا ظلم فادح). # والطالب الذي ينتصر في هذه اللعبة هو الذي يستطيع أن يحدس النقاط الهامة في المقرر ~~حتى يستذكرها فحسب، أو أن «يتصرف» في الامتحان حتى يجتازه دون جهد استذكار؛ فالطالب ~~الجديد ليس طالب علم - بل هو طالب شهادة - وهذه هي الفكرة التي تقوم عليها ~~اللعبة! # أما الأساتذة الذين يعتبرون الفريق الآخر الذي يلاعبه الطلبة فبعضهم يلعب اللعبة حسب ~~قواعدها، فيحاور الطلبة حتى يضطرهم إلى القراءة والاستذكار - معلنا انتصاره إذا نجح في ~~إدخال بعض المعلومات «بالعافية» في أذهانهم، وبعضهم لا يعرف قواعد اللعبة جيدا؛ فهو ~~يمارس العملية التعليمية على افتراض أنها عملية جادة لا بد أن تثمر على مر الزمن، ~~كثيرا ما يصيبه الإحباط، بل واليأس أحيانا، وكثيرا ما يترك الجامعة لعمل مثمر يرضيه ~~ويحس فيه بنتيجة جهده وكده! # ومن بين من يجيد أداء اللعبة أساتذة فقدوا الحماس بعد سنوات من المحاولة، وآخرون لم ~~يعودوا يحاولون أصلا، وفريق ثالث لا يعرف موعد انتهاء المباراة فهو مستمر في المحاولة ~~(لعل وعسى)؛ معتمدا على أن في الجيل الجديد قلة جادة لا بد أن تحمل الشعلة من بعده! لقد ~~أدى المناخ الثقافي العام والأوضاع الاجتماعية التي تغيرت بسرعة لم يتوقعها أحد إلى عدم ~~نشدان العلم لذاته، بل إن من بيننا من يصر على ربط التعليم بالعمل؛ بحجة التنمية وخطة ~~التنمية، مما جعل معظم أبناء الجيل الجديد يفقدون قيمة العلم والتعليم، وهي قيمة خالصة؛ ~~فهم يرون من حولهم أن الجاهل قد يفوز في لعبة الحياة، وأن السعادة لا علاقة لها بالعلم، ~~وأن النجاح أصبح لا يرتبط بتنمية الذهن! # رحيل إنسان عظيم # في خريف عام 1957م قيل لنا في قسم اللغة الإنجليزية بآداب القاهرة إن أعضاء هيئة ~~التدريس قد رحلوا إلى إنجلترا! وكان القول غريبا ومبالغا فيه، ولكنه لم يكن يخلو من ~~الصدق؛ إذ إن عودة العلاقات مع بريطانيا عقب رحيل قوات الغزو في ديسمبر 1956م فتحت ~~الطريق أمام استئناف البعثات الدراسية، فاتجه عدد كبير من المدرسين الذين لم ms089 يكونوا ~~حصلوا على الدكتوراه إلى إنجلترا؛ للدراسة والحصول عليها. وكان عدد من بقي قليلا؛ ومن ~~ثم ظللنا نتساءل عمن سيدرس لنا هذه المادة أو تلك من المواد الإنجليزية؛ فالمواد ~~الأخرى ثابتة إذ كان يعلمنا اللاتينية أستاذ أيرلندي (مستر كروفورد) والحضارة أستاذ ~~هولندي (فرهايدن) واللغة الفرنسية أستاذ فرنسي (مسيو باكو) والعربية والترجمة أستاذان ~~كبيران من قسم اللغة العربية؛ هما الدكتور شكري عياد والدكتور عبد العزيز الأهواني. ~~ولم تطل حيرتنا إذ دخل علينا قاعة المحاضرات ذات يوم أستاذ، ما إن بدأ يتكلم حتى أحسسنا ~~بأننا نستمع إلى متحدث من نوع غير مألوف؛ فلغته الإنجليزية سلسة سيالة متدفقة، وهي من ~~نوع السهل الممتنع، فأنت تحس أنك تفهم كل ما يقول دون أمل في مجاراته، وهو ينطقها بلهجة ~~أبناء جامعة أكسفورد العريقة؛ لهجة تجمع بين دقة الصواب وجمال الجرس، تطرب لها الآذان ~~ويهفو إليها القلب. # وتولى الدكتور مجدي وهبة تدريس عدد من المواد الإنجليزية لنا؛ كان أهمها الشعر ~~والنقد، وشعرنا أننا قد انتقلنا معه نقلة مفاجئة من البدايات إلى صلب الأدب الإنجليزي ~~(وكنا بعد في السنة الثالثة)، وأحسسنا بعد قليل بالألفة مع ما يقول، وسرعان ما أصبحت ~~محاضراته ساعة نشتاق إليها ونحرص عليها، ولم تمض شهور حتى حدث ما لم نتوقع؛ إذ انكسر ~~حاجز خوفنا من اللغة الإنجليزية، وشرع بعضنا يسأل أو يجيب بها، وهو يبدي من الصبر ~~والحنان ما لم نشهده من أستاذ سابق (أو أستاذ لاحق)، حتى انتهت امتحانات الفصل الدراسي ~~الأول، وحلت عطلة نصف العام. # كان بعضنا يحلم بأن ينقل بعض تراث الإنجليزية إلى العربية، وكان يترجم بعض القطع ~~شعرا ونثرا إلى العربية، ولا أذكر كيف علم الدكتور مجدي وهبة بهذا، ولكنه عرض علينا ~~في بداية الفصل الدراسي الثاني أن يعقد مسابقات في الترجمة الشعرية إلى العربية - وتحقق ~~المشروع وأصبحت المسابقات أسبوعية، وكانت جوائزها كتبا من مكتبته الخاصة، ثم تنوعت ~~المسابقات لتشمل كتابة القصة القصيرة بالعربية والشعر أيضا، وامتدت واتسع نطاقها ~~لتشترك فيها أقسام الكلية الأخرى وعلى رأسها قسم اللغة العربية. ms090 # واستمر النشاط الدائب في العام التالي، وتخرجنا في قسم اللغة الإنجليزية وتفرقنا، وإن ~~مكث بعضنا للعمل في الجامعة، وكان من حسن حظي أن توثقت علاقتي بالدكتور مجدي على مدى ~~سنوات طويلة، فكان لي خير مرشد ومعين؛ إذ لمست فيه قدرا من الصفاء ودماثة الخلق لا ~~يجدها الإنسان إلا في القصص الخيالية، واقتربت منه أشد اقتراب أثناء عملي معه في إخراج ~~كتاب عن النقد المسرحي الكلاسيكي - هو «درايدن والشعر المسرحي، دار المعرفة، 1963م» - ~~وكان لا يبخل على طالب بوقته ولا يضن عليه بعلمه. وفي تلك السنوات البعيدة لمست أول ~~بذور لاتجاهه المعجمي والمجمعي في اهتمامه البالغ باللغة العربية وحدبه الشديد على ~~إخراج القواميس التي تنقل إلى لغة الضاد شتى معاني اللغات الأوروبية الحديثة. # وبعد سنوات طويلة من البذل والعطاء في قسم اللغة الإنجليزية قرر الدكتور مجدي وهبة ~~أن رسالته ليست التدريس للطلبة، بل إعداد القواميس المترجمة # lexicography ~~؛ ومن ثم ترك التدريس، وإن لم يترك ~~الجامعة ولا طلبة الدراسات العليا، وتفرغ لإخراج معجم بعد معجم، أهلته لعضوية مجمع ~~اللغة العربية بالقاهرة، ووضعته في مصاف الندرة التي تعمل في هذا المجال العسير ~~الشاق. # واليوم رحل عن دنيانا هذا الإنسان العظيم الذي أمضى عمره في خدمة اللغة العربية، وكان ~~يمكنه أن ينتج كتبه بالإنجليزية أو الفرنسية، معلنا لجيلنا مدى انتمائه إلى هذا الوطن، ~~ومدى حبه لهذه اللغة، وقائلا لنا في كل ما أخرج من معاجم متخصصة وغير متخصصة إن دراسة ~~الآداب الأجنبية يجب أن تنصب في نهاية المطاف في الثقافة القومية، وفي خدمة لغة الضاد؛ ~~وهذا هو الدرس الذي تعلمه جيلي من هذا الأستاذ الكبير. # لقد انطفأت جذوة علم من أعلام مصر الحديثة، ولكن بصيص النار ما يزال يتقد فيما ~~خلفه من دروس ومن أشخاص كان يعتز بهم اعتزازهم به، رحمه الله رحمة واسعة. # | مع لويس عوض # «الفردوس المفقود»: درس في الترجمة بقلم: د. لويس عوض # كنا ونحن شباب نأخذ الترجمة مأخذ الجد. فقد كنا ننظر إليها أولا على أنها نوافذ ~~تفتح على الثقافات ms091 والحضارات الأخرى قديمها وحديثها؛ فهي إذن جزء لا يتجزأ من السعي ~~الوطني لبناء عقل الأمة ولترقية مشاعرها وتهذيب ذوقها وتوسيع مداركها ومعارفها، بل ~~ولتصحيح كل هذه الأشياء. وكنا ننظر إليها ثانيا على أنها أداة من أدوات إثراء اللغة ~~العربية ذاتها وتطويرها؛ لتصبح أقدر تعبيرا عن مناخ العصر واحتياجاته في الآداب والفنون ~~والعلوم، وفي شئون الحياة اليومية. # وكان الجاهلون باللغات الأجنبية بيننا لا يقلون امتنانا للمترجمين عن العارفين بهذه ~~اللغات. فلم نكن قد أصبنا بعد بداء الغطرسة القومية التي تجعل بعضنا الآن ينظر إلى كل ~~فكر وارد من الخارج على أنه «غزو ثقافي». حتى ذلك الشاعر الكبير الذي قال عن اللغة ~~العربية: «أنا البحر في أحشائه الدر كامن» لم يجد غضاضة في أن يترجم بعض أجزاء ~~«البؤساء» لفيكتور هوجو، ليس فقط ليثبت أن العربية تصلح وعاء للأدب القصصي العظيم، ~~ولكن ليشرك أبناء أمته في انفعاله بروائع الأدب العالمي. # وكانت هناك مدارس ومدارس في الترجمة. # كانت هناك مدرسة المنفلوطي في الترجمة الأدبية، وهي مدرسة تقوم على الاقتباس. ولا أظن ~~أن مصطفى لطفي المنفلوطي كان يعرف لغات أجنبية. وكنا نقرأ ونسمع أنه كان يختار رواية ~~مترجمة ترجمة عادية ناقصة في البلاغة، فيصبها بتصرف كبير في لغته البليغة التي اشتهر بها ~~في «النظرات» و«العبرات». وهكذا خرجت روائع الأدب الغربية مثل «ماجدولين» و«بول ~~وفرجيني» و«في سبيل التاج». # ثم كانت هناك مدرسة محمد السباعي وعباس حافظ، وهذه اقتربت من الترجمة كما نعرفها، ~~فقد كان هذان الأديبان يتقنان الإنجليزية أو الفرنسية ويترجمان عنهما رأسا، ولكن ببلاغة ~~تكاد تضارع بلاغة المنفلوطي. غير أنهما كانا أسيرين لبعض أساليب البلاغة العربية؛ كالسجع ~~والجناس والطباق وغير ذلك من عناصر البيان والبديع، فكانا يضيفان إلى العبارات معاني ~~ليست فيها، أو يحذفون منها معاني من أجل حسن الجرس والجزالة العربية. وربما أضفنا إلى ~~هذين الأديبين أحمد لطفي جمعة المحامي. وقد كان لهؤلاء الثلاثة فضل تعريفنا في أواخر ~~العشرينيات وأوائل الثلاثينيات بقصص موباسان وتشيكوف وغيرهما. # وهكذا لم تكن الدقة أو ما نسميه «الأمانة» في ms092 النقل هي الاعتبار الأول في الترجمة، بل ~~كانت بلاغة التعبير. فإذا كان النص في القصة يقول باختصار: إن البطل قبل البطلة، كان ~~عباس حافظ يقول: «فطبع قبلة دون حس على فم الكونتيس»! ومنذ أوائل القرن علمنا ~~المترجمون أن نقول إن شعار الثورة الفرنسية كان «الحرية والإخاء والمساواة» بدلا من أن ~~نقول إنه كان: «الحرية والمساواة والإخاء». تقول: وما الفرق؟ وما ضرر هذا التقديم ~~والتأخير؟ أقول إن معناه أن الفرنسيين دعوا إلى تقديس «المساواة» قبل تقديس «الإخاء»، ~~بكل ما يترتب على ذلك من مبادئ المساواة أمام الله وأمام القانون، والمساواة في ~~المواطنة وفي الحقوق والواجبات، والمساواة في حقوق الإنسان. هذه المساواة قدمها ~~الفرنسيون على الإخاء كما قدموا الحرية على المساواة؛ لأنه بالحرية يحصل الناس على ~~المساواة، وبالمساواة يتحقق الإخاء بين البشر. أما في العربية فقد عدل المترجمون هذا ~~الشعار لتستقيم العبارة مع أصول الخطابة؛ حيث الجملة ينبغي أن تنتهي بنهاية ممدودة لا ~~بنهاية مكتومة. وهكذا ضحوا بالمعنى من أجل الفصاحة. # ولعل أرقى ما بلغته هذه المدرسة الأدبية في الترجمة البليغة كانت ترجمات أحمد حسن ~~الزيات لرواية «آلام فيرتر» لجوته، وترجمته ل «رافاييل» و«البحيرة»، و«جرانز نييلا» ~~للامارتين، وهي من روائع الشعر الفرنسي التي لم نكن نكف عن قراءتها في أوائل ~~الثلاثينيات. كان الزيات أرقى أبناء مدرسة الترجمة الأدبية هذه؛ لأنه جمع بين جمال ~~الصياغة دون افتعال، والاقتراب من النص ما أمكن ذلك. أما خليل مطران فكان كثيرا ما ~~يضيف عبارات رنانة لا وجود لها في الأصل؛ لتدوي على المسرح من أفواه الممثلين كما في ~~ترجمته ل «هاملت» شكسبير؛ فإذا كان الأصل يقول: «أقسم» أضاف مطران: «وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم». في سبيل «الإيفيهات» كان كل شيء مباحا، كأنما المترجم يريد أن يشارك ~~المؤلف في الإبداع. # ومع تقدم الثلاثينيات تطورت الترجمة الأدبية تطورا كبيرا بفضل جهود الدكتور محمد ~~عوض محمد مترجم الجزء الأول من «فاوست» لجوته، وبفضل أحمد الصاوي محمد مترجم ~~«تاييس» لألفونس دوديه، و«الزنبقة الحمراء» لأناتول فرانس. وبهما انتهى عهد ~~البلاغيات وحلت ms093 محل البلاغة اللفظية قوة الأسلوب عند محمد عوض محمد، ورشاقة العبارة ~~عند أحمد الصاوي محمد، مع الاهتمام بالأمانة في النقل. # ولم تكن هذه كل مدارس الترجمة التي عرفتها مصر؛ فقد عرفت مصر منذ رفاعة الطهطاوي ~~مدرسة أخرى تميزت بالأمانة والرصانة معا، وهذه هي المدرسة التي ازدهرت بترجمات فتحي ~~زغلول لبعض أعمال ديمولان «سر تقدم الإنجليز السكسون»، وجان جاك روسو «إميل أ ~~والتربية الاستقلالية»، وجوستاف ليبون «روح الحضارات». وهذه المدرسة أثمرت لغة ~~القانون والقضاء والتشريع بوجه عام، ولغة الفكر التاريخي والفلسفي، كما نجده في ترجمة ~~طه حسين لكتاب زينوفون «الدستور الأثيني»، وترجمات لطفي السيد لكتب أرسطو: ~~«السياسة» و«الأخلاق» و«الكون والفساد». كل هذه ترجمات تتسم بالدقة وبالعبارة المحكمة ~~البعيدة عن الزخرف اللفظي الذي كانت تتميز به الترجمات الأدبية. # وأخيرا فقد كانت هناك مدرسة الترجمة الصحفية. وكانت سمتها الأولى السلاسة في التعبير، ~~سواء تقيدت بالدقة أم لم تتقيد بها. ولست أقصد بالترجمة الصحفية ترجمة الأخبار والمواد ~~الصحفية على وجه التخصيص، وإنما أقصد كل ترجمة روعي فيها أن تكون سائغة للجماهير ~~الواسعة التي لا تملك الوقت ولا الاهتمام ولا القدرة على الأناقة اللفظية. وهذه هي ~~المدرسة التي نقلت فيها المئات والمئات من الروايات الشعبية؛ مثل «الفرسان الثلاثة» ~~و«الكونت دي مونت كريستو» و«جزيرة الكنز»، وهي آثار أدبية جماهيرية، أو الروايات ~~البوليسية؛ مثل «شرلوك هولمز» و«اللص الشريف» و«أرسين لوبين» ... إلخ، وقد كانت مدرسة ~~السلاسة في الترجمة والكتابة أوسع المدارس انتشارا وأقواها تأثيرا على مسار اللغة ~~العربية وتطويرها في القرن الأخير، وهي المدرسة التي صاغت لغة الجرائد بما فيها من ~~أخبار وريبورتاجات ومقالات صحفية، وهي أساس اللغة الوسطى التي نستخدمها اليوم، الوسطى ~~بين لغة الكتابة ولغة الكلام: لغة مرنة واضحة، أقدر على التعبير عن الحياة اليومية من ~~اللغة الأدبية، ولكنها أفقر منها في عناصر الفن والشاعرية والجمال. # وقد أدى انتصار لغة الصحافة منذ الحرب العالمية الثانية إلى نتائج هامة في مسار اللغة ~~العربية: أدى أولا إلى اختفاء «المقال» كمظهر من مظاهر النثر الفني؛ المقال كما كان ~~يكتبه ms094 العقاد والمازني وطه حسين، وعامة أصحاب الأساليب في العشرينيات والثلاثينيات، ~~اختفى في زمننا، أو كاد. وبالمثل فقد سادت الرثاثة العامة لغة الترجمة الأدبية منذ الحرب ~~العالمية الثانية حتى ظهرت ترجمة الدكتور حسن عثمان ل «الكوميديا الإلهية» لدانتي في ~~الستينيات، فاعتدل الميزان. # وبعد نحو عشرين سنة من صدور «الكوميديا الإلهية» أصدر الدكتور محمد عناني، أستاذ ~~الأدب الإنجليزي بكلية الآداب، ترجمته للكتب الستة الأولى من ملحمة الفردوس المفقود ~~للشاعر الإنجليزي الكبير جون ميلتون (1608-1674م) في جزأين، فأحيا بذلك تقاليد الترجمة ~~الأدبية التي افتقدناها، منذ ترجمات الزيات وأحمد الصاوي محمد ومحمد عوض محمد ~~وطه حسين وحسين عثمان. وقد جمعت ترجمة محمد عناني بين الأمانة الأكاديمية وجزالة ~~العبارة، فجاء عمله تحفة في الترجمة وفي الأدب جميعا. وهو يستحق منا أصدق التحية؛ لأنه ~~جدد لنا تقاليد الترجمة كفن جميل، وكل ما نرجوه أن تتاح له ترجمة الكتب الستة الثانية ~~الباقية من هذه الملحمة؛ حتى يضع أمام قراء العربية عمل ميلتون كاملا. # وقد قدم محمد عناني لملحمة «الفردوس المفقود» بمقدمة ضافية، تعين القارئ على الإلمام ~~بالخلفية التاريخية التي خرج منها عمل ميلتون العظيم، كما تعينه على فهم المضمون ~~الديني الخاص بالثورة البيوريتانية التي جسدها ميلتون في هذا الأثر الخطير. وقد أظهر ~~محمد عناني في هذه المقدمة فهما نافذا لطبيعة الصراعات الدنية والطبقية التي خضبت ~~وجه إنجلترا بدماء الحرب الأهلية نحو منتصف القرن السابع عشر بين دعاة الملكية المطلقة ~~من أصحاب المذهب الكاثوليكي وما يسمى بالكنيسة الإنجليركانية العليا القائمة على نفوذ ~~الأساقفة وكبار رجال الدين من جهة، وبين دعاة الكنيسة الشعبية المطلقة من ~~البروتستانت، سواء أكانوا من المشيخيين «أتباع كالفن»، المؤمنين بالجبر، أو من ~~البيوريتان أو المتطهرين المؤمنين بالاختيار. # هذه الصراعات بين المذاهب المسيحية التي يدق فهمها على المسيحيين أنفسهم أوضحها محمد ~~عناني في لغة سائغة ناصعة الوضوح بفضل هذه المقدمة التاريخية العقائدية التي قدم بها ~~لترجمته «الفردوس المفقود»، فربط بين العمل الأدبي والخلفية التاريخية التي أنجبته، وربط ~~بين التيارات الفكرية والروحية والطبقات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها. ms095 ولست ~~أقول بهذا إن محمد عناني قد جاء بجديد في هذا المضمار، ولكنه أثبت أنه هضم هضما ~~جيدا أمهات الكتب التي وضعها مؤرخو الفكر الإنجليزي عن ميلتون والقرن السابع عشر، ~~ولا سيما كتب تليارد وبازيل ويللي ودوجلاس بوش. # و«الفردوس المفقود» ملحمة تصور قصة عصيان آدم وحواء، وخروجهما من الجنة، وتصور ثورة ~~إبليس على الله ومعه نفر من الملائكة، وتصور دور إبليس في الإيقاع بآدم وحواء، وتمهد ~~لاسترداد آدم وحواء للجنة الضائعة وفقا للتفسير المسيحي في ملحمة ميلتون الثانية، ~~وهي «الفردوس المسترد» الذي جرى العرف على تسميتها «الفردوس المردود» وهو تعبير ~~خاطئ. # وإن كانت لي ملاحظة على هذه المقدمة فهي أن محمد عناني قد اختار أن يسمي «الشيطان» ~~في ميلتون «إبليس»، والأرجح أن اسم إبليس ليس إلا صيغة عربية من بعلزبون كبير ~~الشياطين في التوراة التي استلهم ميلتون منها سفر التكوين. وعلى كل فإن ميلتون ~~يميز بين الشيطان - الذي يصفه بأنه «كبير الملائكة المحطم» - بسبب ثورته على الله وبين ~~بعلزبون كبير الشياطين. وقد درج محمد عناني على تسمية الشيطان بإبليس في نص ~~الملحمة، وقد كنت أوثر له أن يحتفظ للشيطان باسم الشيطان كما ورد في ميلتون؛ حتى يعفينا ويعفي نفسه عن البحث في هوية الشيطان، وربما كان من واجبي أن أذكر ~~للدكتور محمد عناني أنه تساهل في ترجمة بعض العبارات في «الفردوس المفقود»، فإذا ما ~~نحن نظرنا إلى مطلع الملحمة قرأنا: ~~«عن أول عصيان يقترفه الإنسان، وعن ثمرة تلك الشجرة المحرمة ذات المذاق ~~الفاني الذي أتى بالفناء إلى الدنيا، وجر علينا الأحزان لضياع جنات عدن زمنا، ~~ريثما يعيدنا رجل أعظم ويسترد لنا عرش النعيم. # أنشدي يا ربة الشعر قاطنة السماء، يا من تدنيت إلى الذروة الخبيئة لجبل ~~حوريب أو طور سنين ...» # هنا نجد أن ميلتون لا يحدثنا عن شجرة «ذات مذاق فان»، وإنما يحدثنا عن شجرة ذات # Mortal Taste # أي «مذاقها يجلب الفناء» أو يجلب ~~الموت أو يجلب الهلاك، كما نقول في تعبير # Mortal Wound # إنه «جرح قاتل» بمعنى أنه «يسبب ms096 الموت». ولو أنه التزم بهذه الترجمة لتجنب تكرار كلمة ~~«الفناء» في البيت التالي، واكتفى بقول ميلتون # Brought Death into The ~~World # أي «أتى بالموت إلى الدنيا». ثم إن ميلتون لا يحدثنا عن ~~«جنات عدن»، وإنما يحدثنا عن «جنة عدن» حرفيا، مجرد «عدن»، فالتوراة التي كان ميلتون ~~يستلهمها ليس فيها إلا جنة عدن واحدة. وبالمثل فإني أرى أن قول الدكتور محمد عناني عن ~~ربة الشعر إنها «قاطنة السماء» ربما كان فيه تزيد على قول ميلتون # Heavenly Muse # أي مجرد وصفها ب «السماوية». صحيح أن ~~ربات الفنون التسع كن يقطن في قمة جبل هليكون، ولكن مجرد قولنا «ربة» الشعر كاف لوصف ~~مصدر إلهام الشعراء. ولا أدري من أين أتى محمد عناني بعبارة «يا من تدنيت»؛ فكل ما ~~يقوله ميلتون هو أن ربة الشعر أوحت لموسى على قمة جبل سيناء. كذلك فإن النص يقول ~~إن موسى كان «أول من علم» الشعب المختار، وهذه نجدها في الدكتور محمد عناني: «فعلم ~~الذرية المصطفاة أولا». # والدكتور عناني يحدثنا عن «ذروة صهيون» بدلا من أن يحدثنا عن «جبل صهيون» أو «تل ~~صهيون» كما يسميه ميلتون، والذروة هي القمة وليس الجبل. وله عادة خطرة؛ وهي أنه كلما ~~وجد كلمة # Heaven # في ميلتون ترجمها بكلمة «الجنة»، ~~ونحن نعلم أن هذه الكلمة تعني في الإنجليزية «الجنة» آنا، و«السماء» آنا آخر بحسب ~~السياق. فإذا قلت # Heaven and hell # قصدت «الجنة»، وإذا ~~قلت # Heaven and earth # قصدت «السماء». # وهو يقول عن الحية التي أغوت حواء «أو الثعبان» «الثعبان الدنيء»، بينما الصفة التي ~~يستعملها ميلتون في وصف الثعبان هي # Infernal # بمعنى ~~«جهنمي». ولا أدري لماذا استخدم الدكتور عناني عبارة «مكره الدفين» ترجمة لكلمة # guile # التي يكفي أن تقول فيها «مكره». ولا أدري ~~لماذا يقول إن الثعبان «خادع» أم البشر، بدلا من أن يقول فاعل «خدع» وهي # Deceived # في ميلتون. فصيغة فاعل في العربية قد تكون ~~للتبادل أو للتكثير. ثم إنه يقول إن الشيطان أراد بثورته «أن يضارع منزلة الله»، ونسي ~~أن يقول منزلة ms097 «الله العلي» كما في ميلتون # The Most ~~High ~~. كذلك يستعمل الدكتور عناني كلمة «يصطلي» بمعنى «يصلى»، فقد ~~جرت العادة في العربية على استعمال كلمة «يصطلي» بمعنى «يستدفئ»، وعلى استعمال كلمة ~~«يصلى» بمعنى يتعذب من السعير، وهو المقصود. وهو يقول إن الشيطان بعد سقوطه وجد نفسه ~~«في قبو موحش مخيف»، وفي ميلتون: «فهو سجين في برج موحش مخيف». فكلمة # Dungeon # التي يستعملها ميلتون لا تعني مجرد «قبو»، ~~ولكن تعني البرج الرئيسي في الحصن الذي كان في المبدأ مسكن النبيل وموقع دفاعه الحصين، ~~ثم غدا فيما بعد يستخدم سجنا لأعدائه لا سبيل إلى الإفلات منه. والدكتور عناني ~~يحدثنا عن «الظلمات المبصرة» ترجمة لعبارة # Visible ~~Darkness ~~، أي «مبصرة» بفتح الصاد، وهي صفة منحوتة في خشونة، وكان ~~أولى به أن يقول «بادية أو واضحة للأبصار» فجهنم عند ميلتون: ~~«نار بلا نور، ظلمات بادية للأبصار.» # هذه مجرد ملاحظات عابرة على الصفحتين الأوليين من ترجمة الدكتور محمد عناني للفردوس ~~المفقود. ولا أظنها ملاحظات ذات بال؛ لأنها لا تمس جوهر الترجمة من ناحية، ولأنها لا ~~تطمس روعة هذا الجهد الكبير وبلاغته التي تتفجر من أكثر صفحاته في قوة وبساطة، ودون ~~حذلقة. أصغ مثلا إلى قوله وهو يخاطب الروح القدس: ~~«أنت أيها الروح، يا من تنزل من طهر فؤاده واستقام أمره منزلة تسمو على كل ~~معبد، علمني مما علمت رشدا؛ فلقد كنت قائما منذ بداية الوجود، باسطا ~~جناحيك الجبارين فوق الهوة الشاسعة، ثم رقدت فوقها مثل الحمامة حتى دبت الحياة ~~في أحشائها! # بدد ظلمات نفسي، اشدد أزري، وارفع القواعد من بيتي! # لعلي وقد سموت إلى مقام هذا المقال # أن أبين العناية الإلهية السرمدية أيما بيان # شارحا حكمة ما يفعله الله بالإنسان.» # أو استمع إلى وصفه للسجن الذي غلل فيه الشيطان وفيلقه من الملائكة الثائرين: ~~«... تنور متأجج الأوار، # تصاعد منه النار ويحيط بهم سرادقها، نار بلا نور، # بل ظلمات بادية للأبصار لا تفصح إلا عن مشاهد كرب، # وأصقاع أسى، وظلال وهم، وساحات لا يمكن أن يحل بها السلام والدعة، ms098 بل لقد ~~امتنع فيها الأمل، وهو ما لا يمتنع على أحد! # إنه عذاب دائم يتدفق، وطوفان من اللهب تغذيه منابع كبريت لا تخبو جذوته، ولا ~~ينضب له معين. # هذا هو المكان الذي أعده العدل السرمدي لأولئك العصاة؛ # إذ حكم عليهم بهذا السجن الدامس البهيم، فابتعدوا فيه عن الله وعن نور ~~السماء.» # وأهم ما في ترجمة الدكتور محمد عناني أنه حافظ رغم أمانته ودقته، على روح ميلتون؛ ~~فهو إذن قد نجا من مصير المترجم الذي يستعبده النص فهو في هلعه الدائر من إضافة أنملة ~~أو حذف أنملة أو تغيير أنملة، يقتل الشعراء والروائيين وكتاب المسرح كالدبة التي قتلت ~~صاحبها، وأنه رغم محافظته على ميلتون لم يتوسع في الاجتهاد والتصرف بما يجافي الأمانة ~~الصادقة، بل لم يستبح لنفسه ابتكار الفنان الفاشل الذي يعجز عن الإبداع فيختال ويحتال ~~بإبداع الغير حتى قيل فيه: «أيها المترجم، أيها الكذاب!» # وأهم من هذا وذاك أنه نجا من غواية اللغة العربية التي كان يمكن أن تستدرجه إلى حتفه ~~بفخامتها وطنطنتها. فقد وجد ما يكفيه من الفخامة والطنطنة في لغة ميلتون، الذي كان ~~يكتب الإنجليزية وكأنه يكتب اللاتينية. فله منا صادق التهنئة والشكر على ما قد بذل من ~~جهد كبير. # عن الفردوس المفقود # حين يتحدث الدكتور لويس عوض عن عمل ما فيصفه بأنه تحفة في الترجمة وفي الأدب ~~جميعا، وبأنه يجمع بين الأمانة الأكاديمية وجزالة العبارة ... وأنه يستحق منا أصدق ~~التحية؛ لأنه جدد لنا تقاليد الترجمة كفن جميل - حين يقول كل ذلك ثم يضع صاحب العمل في ~~صحبة طه حسين ومحمد عوض وحسن عثمان، فلا يسع صاحب العمل إلا أن يسعد السعادة ~~كلها، وأن يتقدم بالشكر الجزيل لهذه اللفتة التي تؤكد رأي كبار أساتذة الأدب والترجمة ~~في مصر، ومنهم من راجع النص أولا ثم اختار الكتاب لجائزة الدولة التشجيعية في الترجمة ~~الأدبية لملحمة الفردوس المفقود للشاعر جون ميلتون. # وقد كان يكفي صاحب العمل تقديم هذا الشكر، لولا أن الدكتور لويس عوض رأى أن يبدي ~~ملاحظات على ترجمة بعض ms099 العبارات والألفاظ مما لا يتسع له مجال الصحيفة اليومية، فجعل غير ~~المتخصصين يتصورون أن الترجمة غاصة بالأخطاء، ومع ذلك فلقد رأيت إحقاقا للحق، وحتى لا ~~يسيء البعض إدراك مرمى الدكتور لويس عوض؛ أن أوضح الأسباب التي دفعتني إلى اختيار صيغة ~~دون سواها، أو معنى دون سواه؛ استنادا إلى أمهات الكتب وكبار الأساتذة ~~الإنجليز. # أما أول ملاحظة فتختص بتسمية # Satan # بابليس - والدكتور ~~لويس يفضل الشيطان - وهذه التسمية تستند إلى الكتاب المقدس والقرآن جميعا، والاسم ~~علم على رئيس الملائكة العاصين، أما كلمة الشيطان فقد أوردتها عشرات المرات ترجمة لكلمة # devil # الإنجليزية وكلمة # fiend # وأحيانا يسمي ميلتون ذلك الكائن رئيس ~~الشياطين أو الشيطان الأكبر بإضافة المقطع # arch # في ~~بداية كل من الكلمتين الأخيرتين. والنص يفرق قطعا كما ذكر الدكتور لويس بينه وبين ~~بعلزبول أو بعلزبون، أي بعل الذباب - # beelzebub # أي ~~سيدها - وهو الاسم الذي ترجمه وليام جولدنج، واختاره عنوانا لروايته # lord of the flies ~~؛ إذ إن هذا الأخير يلي إبليس في ~~المنزلة ويليه في جسامة الجرم. ومن ثم وإزاء كثرة الشياطين في الملحمة (وهي من تسع ~~طبقات مثل الملائكة) كان علي أن أخصص له اسما يكون علما عليه. # وأما الملاحظة الثانية الخاصة بترجمة # mortal taste # بالمذاق الفاني فقد شرحت ذلك في الهامش رقم (1) في الصفحة 115 من النص العربي وقلت ~~بالحرف الواحد: المذاق الفاني عبارة تتضمن تورية؛ إذ يريد ميلتون أن يقول إنه أيضا ~~مذاق الفناء، أي المذاق الذي يأتي بالفناء أو الهلاك (تكوين 2 / 17) (ومعنى الإشارة ~~الأخيرة انظر سفر التكوين/الإصحاح الثاني/الآية 17) - وقد اتفق جمهور الشراح على هذا - ~~وكان لا بد من استخدام كلمة الفناء؛ لأن معنى # mortal # الذي يقصده ميلتون في التورية يومئ إلى البشر الفانين وليس «القاتل» فحسب. # وأما الملاحظة الثالثة وهي ترجمة الفردوس بجنات عدن؛ فالهامش رقم (2) يقول (نفس ~~الصفحة): الحقيقة أن جنات عدن لم تضع كلها، وإنما ضاعت الفردوس فحسب، وهي عند ميلتون ~~جزء من عدن - ولكنه يستخدم عدنا هنا للدلالة على الفردوس - وقد اعتمدت في هذا على ~~تفسير ms100 «فاولر» في طبعته المعتمدة للنص المذكور في المقدمة، وعلى جمهور الشراح - والجنة ~~والجنات كلمتان متواترتان في الكتاب المقدس والقرآن. # وأما الملاحظة الرابعة الخاصة بترجمة # heavenly muse # بربة الشعر قاطنة السماء - وما يرتبط بها من نزول أو تدن إلى قمة الجبل - فتشرحها بداية ~~الكتاب السابع (والترجمة العربية لم تر النور بعد) إذ يبدؤه ميلتون قائلا: # descend from heaven Urania # فهذه الربة لا تسكن جبل ~~هليكون مع سائر ربات الفنون، ولكنها تقطن السماء؛ ومن ثم فهي ربة لا تنتمي لعالم ~~الوثنية، ولكنها في رأي ميلتون تسكن السماء، وهي تدنو فتتدلى إلى قمة الجبل لتوحي إلى ~~الشاعر مثلما أوحي الوحي إلى موسى من فوق قمة الجبل. وميلتون يرمي من ذلك إلى القول ~~بأن مصدر إلهامه من السماء وليس الأرض # ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى ~~. # وترتبط بهذه الملاحظة إشارة الدكتور لويس عوض إلى أنني أترجم كلمة # heaven # دائما بالجنة. وهذا - كما يتضح من المثال ~~السابق ومن السطور 9 و14 (حيث المقابلة مع الأرض) - غير صحيح. فأنا أترجمها بالجنة فقط ~~في سياق طرد إبليس منها وإلقائه إلى الجحيم؛ فالمقابلة هنا كما يقول الدكتور لويس ~~عوض بحق هي بين الجنة والجحيم، وليس بين السماء والأرض؛ وذلك لأن الأرض لم تكن قد خلقت ~~بعد حسبما يقول ميلتون، فالمسرح الذي تدور فيه الأحداث - كما أجمع على ذلك الشراح ~~- هو السماء، وإبليس مطرود من الجنة كما توضح ذلك الملحمة بعبارات لا لبس فيها ولا غموض. # وأما ترجمة # guile # بالمكر الدفين فهي صحيحة، فالمكر ~~غالبا ما يكون دفينا، وإذا كان فيها تأكيد هذه الصفة فذلك مستقى من إضمار إبليس ~~للحيلة التي اعتزم أن يغوي بها حواء، وعدم إفصاحه عنها حتى لأقرب المقربين إليه من ~~الشياطين. # وأما استخدام فعل «خادع» بدلا من خدع فهو مقصود وصحيح - والكلمة موجودة في القاموس ~~الوسيط - وفي القرآن: # إن المنافقين يخادعون الله ~~، وهي صيغة تكثير كما يقول الدكتور ~~لويس؛ لأن إبليس حاول أكثر من مرة أن يخدع حواء، وليس ثم منافق أكبر منه! ms101 # وأما استخدام لفظ الجلالة «الله» ترجمة لعبارة # The Most ~~High # فهو مقصود أيضا؛ لأن معنى اللفظ اشتقاقا هو «الأعلى» - ويعرف ~~الدكتور لويس عوض حق المعرفة أن اللفظ بالعبرية وفي اللغات السامية الأخرى يحمل هذا ~~المعنى، ومنه «إيلي» و«إيلوهيم»، وقد كان يمكن أن أترجمها «الرب الأعلى» دون تجن ~~استنادا إلى الآية # سبح اسم ربك الأعلى ~~، ولكنني رأيت الاكتفاء بلفظ الجلالة تأكيدا ~~لمعناه الاشتقاقي. # وأما ترجمة # dungeon # بالقبو فهذا هو ما يعنيه ميلتون ~~لأن القبو هو المكان السفلي الذي هبط إليه إبليس، ولم يكن حسبما تفصح الملحمة في الكتاب ~~الأول في برج على الإطلاق، فالسجن الذي ألقي فيه درك أسفل، وليس سجنا في برج، وهو واسع ~~موحش مخيف كما تشرح الأبيات في الكتاب الأول ... وأخيرا فإن # visible ~~darkness # لا تعني الظلمات التي تبصرها العين، ولكنها تعني الظلمات ~~التي يمكن للعين أن تبصر فيها؛ ومن ثم فهي ظلمات مبصرة بكسر الصاد لا بفتحها؛ قياسا ~~على الآية: # فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~، وسندها في التوراة سفر أيوب، ~~الإصحاح العاشر الآية 21: «وإشراقها كالدجى»، وقد نشأ خلاف كبير بين المفسرين حول ~~التناقض هنا؛ إذ كيف يرى الإنسان في الظلام بعد اعتراض ت. س. إليوت على هذه العبارة ~~في مقاله المشهور عن ميلتون؛ إذ قال إنها «يصعب تصورها» وقد حسم الأمر ما ذهب إليه ~~البروفيسور أو جاردانيلز في بحث نشره في مجلة # Notes & ~~Queries # العدد 204 لعام 1959م؛ إذ أثبت أن الله قد وهب الشياطين قوة ~~خاصة على الرؤية في الظلام، وهذا ما يؤكده البيت التالي الذي يستشهد به البروفيسور ~~آدمز في كتابه عن ميلتون (طبعة نيويورك 1955م): # لا تفصح إلا عن مشاهد كرب وأصقاع وأسى! # فهي ظلمات تستطيع الشياطين فيها أن تعي سوء مآلها وضياع آمالها (كما يؤكد البروفيسور ~~تليارد). # رحيل أستاذ # كان عام 1957م قد بدأ يطوي صفحته حين قال لي الدكتور مجدي وهبة: «خذ هذه القصائد ~~إلى الدكتور لويس عوض؛ فهو أقدر الناس على الحكم على دقة ترجماتك»، واعترتني الرهبة، ~~وبدا علي ms102 التردد، ولكن الدكتور مجدي أكد لي أن الدكتور لويس سوف يرحب بي، وفعلا ~~أدرت قرص التليفون بيد هيابة، وجاءني صوت الدكتور لويس هادئا وهو يحدد لي يوم الأحد ~~التالي، وذهبت إليه أحمل كراستين مكتظتين بقصائد رومانسية مترجمة عن الإنجليزية، وجلست ~~على الفور أقرأ له أحد النصوص وهو يتابعني في صمت، وكان يتوقف أحيانا ليسألني هل هذه ~~الكلمة العربية قديمة أم محدثة؟ هل وافق عليها المجمع؟ ولم ندر بالوقت إلا حين طرق ~~الباب طارق يعلن للدكتور لويس وصول زائر، وتنبهت إلى الساعة فإذا نحن تجاوزنا الحادية ~~عشرة ليلا، وأردت الاستئذان فغضب وقال فلينتظر الزائر حتى ننتهي نحن، وفعلا جلس الزائر ~~يستمع حتى انتهينا وخرجت. # وفي الشهور التالية كنت أقضي لديه عصر يوم الأحد ومساءه نقرأ الشعر الإنجليزي أو ~~نراجع ترجمات الشعر، وهناك قابلت أحمد عبد المعطي حجازي لأول مرة، وسمعت تحليل لويس ~~عوض لإحدى قصائده، وقابلت كثيرين من شباب المثقفين الين كانوا لا يرتوون مهما سمعوا من ~~حديث لويس عوض، وكان رغم هدوء صوته واثق النبرات قاطعا حاسما، يمزج فلسفته السياسية ~~التي لم يتخل عنها طول العمر بمنهجه الأدبي، ويخرجها في قالب إيمان لا يتزعزع بمصريته ~~وحبه لأرض مصر، وكثيرا ما كنت أراه حين أزوره منهمكا في قراءة فصل في كتاب عن مصر ~~القديمة، بالفرنسية أو بالإنجليزية (وكان يجيدهما إجادة مطلقة)، وكان يشجعني على ~~الاستمرار في بلورة نظرة شاملة للأدب، نظرة تضع الأدب في سياقه الإنساني الكبير ولا تقف ~~به عند حدود الطرائق والصور والأساليب الأدبية، ومضت شهور عام 1958م الحافلة وأنا أحس أن ~~نورا جديدا بدأ يضيء جوانب كتب الأدب الإنجليزي الذي أتخصص فيه حتى حل الصيف وعدت إلى ~~بلدتي رشيد. # ودار الزمان وتخرجت في الجامعة في العام التالي، وقبض على الدكتور لويس عوض وأفرج ~~عنه، وانفض سامر منزله، وحلت الستينيات بما غصت به من قضايا ومعارك فكرية، كان أهمها ~~بلا شك معركة جماعة النقاد أو جماعة النقد الحديث، التي كانت تدعو إلى تحرير الأدب من ~~الانشغال بالدعوة السياسية المباشرة، ms103 والنقاد الآخرين، الذين اتهموها بأنها تدعو للفن ~~من أجل الفن، وحاولوا تأكيد البديهيات تحت شعار الفن للحياة. ورفض الدكتور لويس عوض ~~الدخول في هذه المعركة؛ لأنها كما قال لي مرارا وتكرارا «زائفة»، وقد قابلني ذات يوم ~~خارج دار الشعب في شارع القصر العيني حيث كان يقيم، وسار معي حتى ميدان طلعت حرب وهو ~~يفصل لي القول في مغبة تبسيط الأمور بهذه الصورة المخلة ونصحني بالتركيز على دراساتي ~~الجامعية حتى أنتهي من الدكتوراه، فالقضية في نظره ليست قضية أو وظيفة الفن في المجتمع، ~~ولكنها قضية «وجود» الفن في المجتمع. # وحتى رحيلي إلى إنجلترا عام 1965م ظلت علاقتي بالدكتور علاقة قارئ لا يستطيع اتباع خطى ~~أستاذه؛ إذ انشغلت بالكتابة للمسرح وبالنقد المسرحي دون أن تكتمل عدتي الأدبية درسا ~~وتحصيلا . وفي إنجلترا قابلته عدة مرات في الصيف، وكنا نسير أميالا طويلة ونحن نناقش ~~المسائل الأدبية في مصر التي تتغير من يوم إلى يوم، وكنت أزداد كل يوم إيمانا بضرورة ~~المنهج النقدي الذي أرساه لويس عوض في كتبه العديدة، فأنا بطبيعتي موسوعي القراءة، ~~أجور على تخصصي بقراءة كتب في فروع أخرى، وكان لويس عوض يشجعني على هذا، وأذكر أنني ~~ذكرت هذا للدكتور شكري عياد أثناء زيارة له إلى لندن في صيف 1967م فقال لي: لا بأس ~~ولكن انته من كتابة الدكتوراه أولا ثم عد إلى «الصرمحة» بين الكتب! # وعندما عدت إلى مصر عام 1975م كانت التحولات في الحقل الأدبي أعقد من أن أفهمها بعد ~~السنوات العشر في إنجلترا، ولكن لويس عوض كان ثابتا كالطود لا يتغير ولا يتحول؛ فهو ~~يؤمن بقضية الثقافة إيمانا يقترب من حد التقديس، وهو في هذا تلميذ مخلص لأستاذه طه ~~حسين، وللعقاد، ولأبناء ذلك الجيل من الرواد الذين توسلوا بالصحافة لنشر رسالة ~~الثقافة، ومن خلالها مبادئ التحضر والرقي، فكانت عيناه مثبتتين على أوروبا، يأخذ منها ~~المنهج العلمي الصحيح، ويستقي منها قيم الموضوعية والحياد في البحث العلمي، وإن كان لا ~~يثنيه ذلك عما آمن به من حب لمصر يصل إلى حد ms104 التفاني فيها. # وفي عام 1979م صحبته إلى مسرح الطليعة ليرى مسرحية تسجيلية كتبتها أنا وصديقي سمير ~~سرحان عن طه حسين، فانهمك فيما يسمع ويرى وتأثر تأثرا بالغا، وأذكر قوله لي ونحن ~~في طريق العودة: كيف استطعتما أن تكتبا هذا وسط هذا الركام الهائل من الترهات؟ ~~وبعدها سافرنا معا إلى أمريكا مع وفد مهرجان «مصر اليوم»، في صحبة صلاح عبد الصبور، ~~وسهير القلماوي، ومرسي سعد الدين، وسمير سرحان وفرخندة حسن، ومحمد شعلان ~~وغيرهم، فكانت جلساتنا مناقشات دائمة في موضوع لا يتغير وهو التحول الثقافي، أو ~~التحولات الثقافية التي تشهدها مصر. # لقد رحل لويس عوض عن دنيانا وخلف لنا تراثا هائلا من الكتب ما بين مؤلف ومترجم، ~~ولكنه خلف لنا أيضا جيلا من البشر يستطيع أن يحمل الشعلة وينير الطريق من بعده ، وإذا ~~كان يوسف إدريس قد أحيا أبناء هذا الجيل باعتبارهم أحفاد طه حسين، فما أحرانا أن ~~نحيي جيل آبائنا، وأن نلقي الضوء على تراثهم العظيم؛ فنحن وإن اختلفنا عنهم نقدر لهم ~~جهدهم في خدمة الثقافة في بلدنا العظيم. # | مؤتمر كيمبريدج # الأدب العربي في مؤتمر كيمبريدج # كان عنوان مؤتمر الأدب العالمي الذي انعقد هذا العام في جامعة كيمبريدج العريقة ~~ببريطانيا هو «الكاتب المعاصر» - وقد تشرفت بتمثيل مصر فيه لأول مرة - أي إنه حدد ~~موضوعا لا يتصل بمناهج النقد أو الدراسة الأكاديمية بقدر ما يتصل بمشكلات المؤتمر في ~~موضوعين يصبان في الموضوع الرئيسي: أولهما تشابه مشكلات الكاتب المعاصر في كل مكان، ~~وثانيهما هو التطور الهائل الذي شهده الأدب الإنجليزي على أيدي الكتاب المعاصرين في ~~إنجلترا بصفة خاصة، وفي العالم بصفة عامة. أما الموضوع الأول فقد برز من خلال المناقشات ~~التي دارت حول أبحاث المؤتمر، ويمكن أن نحدد ملامحه فيما يلي: # أصبحت وسائل الإعلام التي تهيمن اليوم على قنوات الأدب والفن القديمة ذات تأثير ~~يتفاوت ضررا وضرورة، ولكنه محتوم، ومن هنا تنبع ضرورة علم السيميولوجيا أو ~~السيميوطيقيا السريعة في معظم الأحيان. # امتد الصراع بين الكاتب وعمله - وهو الصراع الذي كان دائما ما يقتصر ms105 على الأنماط ~~الفنية التي ظلت حتى عهد قريب من «اختصاص» النقاد - إلى القارئ، بحيث أصبح القارئ ~~عنصرا فعالا في جدلية الإبداع الفني. ومعنى هذا ببساطة أن الكاتب اليوم لا بد أن يوجه ~~كتابته إلى قارئ معين، وأن يتصور أنه يحادثه حديثا حميما لا حديثا عاما. # زالت الفواصل التي كانت تفرق بين المبدع والناقد؛ ومن ثم أصبحت الكتابة في ذاتها عملا ~~إبداعيا ونقديا معا! وقد نوقشت هذه الفكرة مناقشة مستفيضة من جانب المبدعين الذين ~~يكتبون النقد (وما أكثرهم!) والنقاد الذين يكتبون الأدب الإبداعي، وعلى رأسهم «مالكوم ~~برادبري» و«دافيد لودج». وانتهى المؤتمر إلى رأي شبه إجماعي يقول فيه إنه إذا أمكن ~~التفريق بين العمل الإبداعي والعمل النقدي على أساس العناصر الخيالية والخلاقة في الأول ~~وعناصر التوصيف والتحليل والحكم في الثاني، فلا يمكن التفريق بين كاتب هذا وذاك؛ لأن ~~الكاتب المبدع يمارس العمليات «النقدية» الثلاث أثناء الكتابة، والناقد يشترك مع المبدع ~~في أعمال خياله وملكاته الإبداعية. # وأما التطورات الأخيرة في الأدب الإنجليزي فلم نكن نحن - دارسي الأدب الإنجليزي - نجهلها، ~~ومع ذلك فقد أفدنا من المناقشات التي دارت مع كبار المؤلفين والنقاد، وسوف أقتصر ~~هنا على اتجاهين فقط؛ أما الأول فهو انهيار المدرسة الشكلية في الإبداع والنقد جميعا، ~~وإعلاء شأن التجريب النابع من وعي الكاتب بأنه يكتب. وهكذا خرجت روايات عن الرواية، ~~وكتب الشعر عن الشعر، والمسرح عن المسرح! وكل إنتاج ينتمي إلى هذا اللون يسبقه مقطع - # Meta # فبعض الروايات تنتمي إلى ما يسمى ال # Meta-Fiction # وتنتمي كثير من المسرحيات إلى ال # Meta-Theatre ~~! ورغم أن هذا الاتجاه ليس جديدا إذ ~~وجد في الروايات الأولى وفي مسرح العصر الإليزابيثي، إلا أنه اشتد وتبلور نتيجة الوعي ~~المتزايد لدى الجميع بأن العالم الخيالي الذي يخلقه الكاتب خيالي بالفعل، ولا ينبغي ~~الاندماج فيه بأكثر مما ينبغي. ومعنى هذا أن على القارئ أن يذكر دائما أن الشخوص التي ~~يقرأ عنها والأحداث الجارية أمامه على المسرح أو في الرواية لا وجود لها في الواقع. وقد ~~يتبادر إلى الذهن أن كسر ms106 الإيهام في الأدب الخيالي مرتبط بالمسرح التثقيفي أو الدعائي ~~أو ما أسماه «برتولد بريشت» بالمسرح الملحمي، ولكن هذا غير صحيح؛ فكسر الإيهام يقصد منه ~~أساسا إيجاد صلة مباشرة بين الكاتب والقارئ أو بين المؤلف والمشاهد؛ بحيث توفر درجة ~~أكبر من الإيجابية في التلقي ودرجة أكبر من المشاركة اللازمة في عصر يتميز بالسلبية ~~والجنوح إلى الإذعان لما يقوله الكاتب أو الناقد. # أما الاتجاه الثاني فهو الميل إلى «التوثيق» في كتابة النص، أي إدراج مادة علمية ~~صحيحة في الرواية والمسرح بل والشعر، بحيث تكون قنوات الإحالة بين العالم البديل الذي ~~يخلقه الفن وعالم الواقع المادي الحقيقي قنوات مفتوحة وطبيعية أي غير زائفة. وهذا يعني ~~ألا يقتصر الفن على إبداع عالم خاص قائم بذاته، قد لا يشترك مع العالم الخارجي إلا في ~~الحقائق الأساسية، بل إنه يخلق عالما يسهل على القارئ أو المشاهد أن يتبين فيه تفاصيل ~~عالمه الحقيقي. # وقد يبدو للوهلة الأولى أن الاتجاهين متناقضان، ولكنهما في الحقيقة متكاملان. # وإذا كان هناك تعليق عام على المؤتمر فهو التأكيد على ما كنت أحسه ويحسه كل مشتغل ~~بالأدب والنقد في بلادنا - ألا وهو ضرورة التواصل مع العالم الخارجي واطلاعه على أدبنا ~~- وقد شاركني في هذا الرأي الدكتور عزت خطاب، رئيس قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الملك ~~سعود بالرياض، والذي كان يمثل المملكة العربية السعودية، وقد اشترك مع الدكتور شكري ~~عياد في إعداد مختارات من الشعر العربي في شتى عصوره للترجمة إلى الإنجليزية، وقد صدر ~~هذا الكتاب هذا الشهر عن دار نشر إنجليزية، ضمن مشروع P.R.O.T.A # الذي تشرف عليه الدكتورة سلمى الخضراء ~~في أمريكا، وقد انتهزت الفرصة وقرأت في المؤتمر مختارات من كتابي «الشعر العربي في مصر» ~~بالإنجليزية، وشجعني حسن استقبال ممثلي دول العالم للشعر المصري على المضي في المشروع ~~الذي تتبناه هيئة الكتاب وهو الأدب العربي المعاصر بالإنجليزية. # الرواية في مفترق الطرق # لم يتعرض فن أدبي للجدل والمناقشة في مؤتمر الأدب العالمي الذي انعقد في «كيمبريدج» ~~هذا العام مثل فن الرواية أو القصة الطويلة. وربما ms107 كان ما يصدق على الرواية من آراء ~~عامة يصدق أيضا على سائر ألوان الفنون الأدبية - مثل علاقة المؤلف بالنص المكتوب، ~~وعلاقة التاريخ بالواقع وعلاقة الواقع الخارجي بالواقع الفني وما إلى ذلك - ولكن عدد ~~الكتب الجديدة التي صدرت عن نظريات هذا الفن وفصلت القول فيه يبين أن نظرية الرواية قد ~~وصلت إلى مفترق طرق بعد سنوات التجريب الطويلة التي تلت الحرب العالمية الثانية. فما هي ~~ملامح الطرق التي تقف النظرية في مفترقها؟ # أول طريق هو نظرية النقد الكلاسيكي التي تربط بين المؤلف والنص المكتوب ربطا زمنيا، ~~قائلة بأن المؤلف يسبق النص المكتوب في الزمن مثلما يسبق الأب ابنه. # وتقول النظرية الكلاسيكية أيضا إن الرواية ارتبطت بالواقع ارتباط المرآة بالحياة؛ أي ~~إن الرواية تعكس واقعا محددا حتى ولو ظهرت الصورة معكوسة أو حتى مقلوبة، وإن اللغة ~~هنا ما هي إلا وسيلة من وسائل الربط بين الواقع أو بين التاريخ وبين ذهن المتلقي الذي ~~ينفتح على صورة محددة ثابتة من صور الحياة، فيستوعبها ويحللها، ويقبلها أو يرفضها. # أما الطريق الثاني فهو النظرية الجديدة التي تعتبر أن النص المكتوب لا علاقة له ~~بالمؤلف إلا في حدود الكتابة؛ ولذلك فإن «رولان بارت» لا يستخدم كلمة المؤلف # author # لأنها تعني صاحب العمل، بل يضع في مكانها كلمة ~~كاتب # scriptor # وهي كلمة جديدة لم تعرفها اللغة ~~الإنجليزية قبل ترجمة أعمال «بارت» عن الفرنسية. أي إن المؤلف هنا أو الكاتب ليس صاحب ~~العمل بقدر ما هو كاتبه؛ ولذلك فإن النص كما يقول «ليس سطرا من الكلمات يتضمن معنى ~~واحدا - أي الرسالة التي يريد المؤلف الرب توصيلها - ولكنه مساحة كثيرة الأبعاد، تختلط ~~فيها وتصطرع ضروب منوعة من الكتابة، ليس أيها بأصيل» ومعنى هذا أن علاقة المؤلف بالنص ~~ليست علاقة زمنية؛ مما يترتب عليه ألا تكون العلاقة مع القارئ زمنية بالمعنى ~~القديم. # وأما الطريق الثالث فهو عسير شاق؛ إذ هو يتصل بتحليل عملية التذوق باعتبار أن اللغة ~~وسيلة من الوسائل التي يستخدمها الكاتب، أي إنها ليست الوسيلة الوحيدة؛ إذ تشترك ms108 معها ~~وتشتبك وسائل كثيرة، أهمها على الإطلاق ما أسماه نقاد الستينيات «البنيويون» ونقاد ~~السبعينيات «ما بعد البنيويين» بالنظم أو الأبنية. وهذه النظم أو الأبنية مستمدة من علم ~~اللغة في الأصل، ولكنها أصبحت تطبق في ميادين ثقافية منوعة، وأصبحت من الوسائل التي ~~يستعين بها المفكرون في تحليل العلاقات المتشابكة بين الأدب والحياة. ولنضرب مثلا ~~واحدا لتوضيح ما نعني. # عندما قال الفارسي مخاطبا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حكمت فعدلت فأمنت فنمت» ~~كان في الحقيقة يعكس نظاما أو بناء محكما يقوم على السببية؛ فتوالي حرف الفاء يوحي ~~بذلك كما يدل الفعلان الأخيران، ولكن الفاء الأولى تفيد التوالي فحسب؛ فليس من المحتوم ~~أن يعدل من يحكم، ولكنه من المحتوم أن يأمن العادل فينام؛ أي إن البنية هنا تغير من ~~معنى الفاء وتفرض منطقا معينا لا ينبع من الدلالة الحقيقية للألفاظ! وقس على هذا ~~الأبنية المختلفة التي تزخر بها اللغات الحية، وتوحي بضروب من المنطق لا يمكن استشفافها ~~من المعاني أو الدلالات الظاهرية للألفاظ. # فإذا أضفنا إلى هذا ما جاء به نقاد ما بعد البنيوية من ضرورة إدراج الإيحاء والإيماء ~~وسائر الإشارات والعلامات الاجتماعية في النص المكتوب؛ وجدنا أن لغة الرواية أصبحت أعقد ~~بكثير مما يريد أصحاب المذهب الواقعي القديم إيهامنا به. فالتأكيد هنا على القارئ وعلى ~~السياق الثقافي الذي يقرأ الرواية في ظله - وهذا اتجاه جديد رغم أن «دافيد لودج» يؤكد ~~أنه موجود منذ الستينيات، أي منذ أن طور نقاد ما بعد البنيوية مناهج استخدام النظم في ~~عام السيميوطيقا. وقد تساءل «لودج» وهو ممن كتبوا في البنيوية وثاروا عليها: كيف نستطيع ~~تعديل النظم التي تعمل في ظلها حتى ننصف الكاتب والقارئ جميعا؟ لقد انفصلت لغة النقد ~~عن لغة القارئ، وأصبح النقاد يخاطبون بعضهم بعضا. # وأما الطريق الرابع فهو قديم ويتصل بدور العقائد أو الأفكار في الرواية، ولكنه اكتسب ~~أهمية جديدة نتيجة لجهود «تيري إيجلتون» في نظرية الأدب بصفة عامة، وكتابات «ليونارد ~~دافيز» في الثمانينيات، وأهمها الكتاب الذي صدر هذا العام 1987م بعنوان ms109 «مقاومة الروايات: ~~الأيديولوجيا في الرواية». وبإيجاز يقول «دافيز» في الكتاب الأخير إن روايات التراث غير ~~صالحة؛ لأنها لا تدفع إلى التغيير؛ فهي تنقد الحياة وتحللها، ولكنها تبقي على ~~الأيديولوجية السائدة دون مناقشة. والرد على هذه المقولة يسير؛ إذ ينبغي أن يتساءل المرء ~~عما إذا كان الكاتب يكتب الرواية بهدف التغيير أم لا؟ ونحن لا نستطيع أن نفرض على كل ~~مؤلف أن يكتب ما نريد أو ما يريد الناقد! ويستعين أنصار «دافيز» بنقاد المدرسة ~~التفكيكية التي تفصل بين الرواية والحياة، ويعتمدون في حججهم على آراء «باختين» التي ~~أتى بها من أربعين سنة أو أكثر. # إن نظريات الرواية قد تشعبت فاختلطت وتضاربت، ولكن الروايات المكتوبة حديثا تتطلب ~~إعادة النظر في التراث الروائي العالمي، ونحن ندرك أن الاختلاف وليد الإنتاج الجديد ~~الذي يفرض علينا إعادة النظر والتقييم. # تحرير المرأة .. منهج نقدي # عندما يذكر تحرير المرأة ينصرف الذهن إلى القضايا الاجتماعية المتصلة بعمل المرأة ~~وأوضاعها في العمل والمنزل، ومساواتها بالرجل في شئون الحياة العامة وما إلى هذا ~~السبيل. ولكنني فوجئت في مؤتمر كيمبريدج للأدب العالمي - والذي عقد في يوليو من هذا ~~العام - بأن ثم اتجاها لجعله منهجا في النقد الأدبي! ولم أفهم ولم يفهم غيري من أدباء ~~العالم المجتمعين في قاعة المناظرة كيف يصبح الدفاع عن حقوق المرأة - أيا كانت درجة ~~تعصبنا لهذه الحقوق - منهجا نقديا! وهذه هي القصة باختصار. # السيدة «جاياتري سبيفاك» أستاذة جامعية من الهند، حليقة شعر الرأس لا تضع المساحيق أو ~~الألوان، وصوتها عميق وخشن. وهي تحاضر في موضوع تخصصت فيه هو نصرة المرأة # FEMINISM # في عدة جامعات في أمريكا وأوروبا والهند، ~~وتدعو بإيمان يقترب من الإيمان الديني إلى إلغاء الفوارق تماما بين الرجل ~~والمرأة. # إن «جاياتري سبيفاك» التي ذاع صيتها عندما ترجمت كتابا «لجاك دريدا» عن الفرنسية، ~~تقول إننا ما زلنا أسرى اللغة في معالجتنا للمرأة، فتحرير المرأة قد انتكس بسبب اللغة؛ ~~إذ أطلق الرجال أولا على حركة التحرير # EMANCIPATION # وظلت تلك الحركة منذ أن دعت إليها السيدة «ماري وولستونكرافت» ms110 زوجة «وليام جودوين» ~~المفكر السياسي الشهير في أواخر القرن الثامن عشر أسيرة هذه اللفظة التي توحي بالخروج ~~من السجن حتى أطلقت النساء عليها لفظة # WOMEN’S ~~LIBERATION # في الستينيات من هذا القرن وكانت الزعيمة الأولى لها في ~~إنجلترا «جرمين جربر» ذات رسالة أضرت بالحركة؛ لأنها ركزت فيها على التحرر الجسدي ولم ~~تركز على التحرر النفسي، فظلت المرأة خاضعة نفسيا لكل النظم الاجتماعية والتراث ~~الفكري الذي صنعه الرجل، أما اليوم فإن نصرة المرأة أو الانتصار للمرأة # FEMINISM # مفهوم جديد قائم على محاولة إعادة تقييم هذه النظم ~~وهذا التراث، ويمكن أن تكون نقطة البدء هي اللغة والأدب. # إن اللغة تفرق بداية - كما تقول «سبيفاك» بين ضمير المذكر وضمير المؤنث في ~~الإنجليزية. وتفرق بين الآنسة والسيدة - (في أمريكا لا يستخدمون هذه التفرقة الأخيرة ~~بين مس ومسز، وإنما يستخدمون اختصارا جديدا لكلمة غير موجودة هي مز ، ولا مقابل لها في ~~العربية إذ قد تعني الآنسة أو السيدة). وكذلك يفرق الأدباء بين المرأة والرجل في ~~رواياتهم، بل إن الكاتبات أيضا يفرقن بين الرجل والمرأة، وذلك بالتأكيد على خصائص لكل ~~منهما تجعل الطفل منذ البداية يتأثر بأفكار مسبقة ومنحازة دون أن تدري إلى الرجل. ولذلك ~~فلا بد من المراجعة الشاملة لكل النصوص الأدبية التي هي حصاد تراث اجتماعي بائد. والتي ~~لا تزال تحظى بالمكان الأول في مناهج الدراسة الأدبية، حتى يتبين الطالب فيها فداحة ~~التزييف الذي ارتكبه الكتاب رجالا ونساء عبر العصور - أي تزييف صورة المرأة الحقيقية ~~عن طريق ربطها بالأوضاع الاجتماعية البائدة. # هذه هي خلاصة الحجة (أو القضية أو الرسالة) التي تدعو لها «سبيفاك»، ولا تقل عنها ~~أهمية سائر الحجج التي طرحها أعضاء المؤتمر وشغلت ساعات طويلة من صباح يوم مشرق من أيام ~~شهر يوليو! أما صلب القضية فلم يكن عليه خلاف، وأما تحويل مبدأ نصرة المرأة إلى منهج ~~أدبي فكان عليه خلاف كبير! وأولى نقاط الخلاف محاولة طمس الفروق اللغوية التي تعين ~~القارئ أو المتكلم على إدراك جنس المتحدث. # فنحن لن نستطيع أن نتخلص في ms111 أي لغة من ضمائر التأنيث والتذكير، وقد سئلت كاتبة كبيرة ~~هي P. D. JAMES ~~(تخصصت في الروايات البوليسية وهي أحد ~~فروع رواية الجرائم) لماذا لا تسمي نفسها «فيليس» وهو اسمها الحقيقي؛ حتى يعرف الناس ~~أنها امرأة، بدلا من الرمز لاسمها بالباء (وهو أول حرف في PHYLLIS ~~) فأنكرت على الفور أنها كانت تريد إخفاء ~~أنوثتها وأكدت أنها مصادفة. والنقطة الثانية هي الهجوم الذي شنته «سبيفاك» على شكسبير ~~لإصراره على التفرقة بين المرأة والرجل، ولإعلائه قيمة الحب وتمجيده إياه باعتباره رابطة ~~تشد الزوجين الذكر والأنثى. وقد اختارت أن تضرب المثل بمسرحية «روميو وجوليت» مؤكدة ~~أنها تنتمي إلى تراث باد وانقضى، وأن تقديمها في نفس القالب القديم دون المنهج النقدي ~~الحديث يؤكد الفروق بين الجنسين. # وبعد المناقشات التي اتسمت بدرجة كبيرة من العنف انفض الحشد لتناول القهوة، فإذا ~~بالفسحة تتحول إلى قاعة مناقشات غير رسمية؛ إذ التقت آراء ثلاثة من أساتذة الأدب في ~~فرنسا وإيطاليا واليونان، وهن من السيدات (والأخيرة والدها مصري ولد في ~~الإسكندرية) على وضع منهج نصرة المرأة في مكانه الصحيح؛ بحيث يمكن التمييز بين الصورة ~~التاريخية للمرأة في دراستنا للأدب العالمي والصورة الحالية لها في الأدب المعاصر، ~~وانضمت إليهن كاتبتان من بولندة وألمانيا الشرقية وقلن بصراحة: نعم لنصرة المرأة ~~باعتبارها امرأة، لا باعتبارها رجلا! # وبعد انفضاض النقاش عادت إلى ذهني صورة الروائية المعاصرة «مارجريت درابل» وهي تتحدث ~~عن فنها الروائي وأدبها بصفة عامة، وذكرت أن هذه السيدة قالت كلاما يتفق مع كلام ~~الكاتبة الأيرلندية «إدنا أوبريان» مفاده أن استعار الحرب ضد الرجل يضمر عدم الرضا عن ~~الأنوثة والشوق الدفين عند المحاربات إلى أن يصرن رجالا، وهذا ما لا تتمناه «درابل» ~~ولا ترجوه «أوبريان»! # ولقد قلت في آخر النقاش إنني من بلاد تتمتع فيها المرأة بحرية تحسدها عليها ~~الأوروبيات، ومنذ طفولتي وأنا أشهد المرأة تعمل جنبا إلى جانب مع الرجل في الحقل ~~والمدرسة والمصنع ... ولا شك أنه ما زال أمام المرأة شوط طويل حتى تنفض عنها ما باد من ~~تقاليد القهر، ms112 ولكن هذا لا يأتي بطريقة «سبيفاك»! # الثبات والتغيير في كيمبريدج # تتصدر قاعة الطعام في كلية ترينتي بجامعة كيمبريدج لوحة كبيرة للملك هنري ~~الثامن مؤسس الكلية، وفوقها عبارة لاتينية ضخمة هي # SEMPER ~~EADEM # أي نفس الحال دائما. وفي موعد العشاء (الوجبة الرئيسية في ~~إنجلترا) في السابعة والنصف يضرب أحد العاملين صنجا يؤذن بدخول الأساتذة (ويسمونهم هنا ~~زملاء الكلية) وهم يلبسون عباءاتهم السوداء الفضفاضة. وبعضهم يناهز التسعين ولا يكاد ~~يستطيع السير. ثم يصطفون حول المائدة المخصصة لهم تحت صورة الملك، والأرضية هناك مرتفعة ~~عن سائر الردهة، ثم يقرأ أحدهم عبارات الشكر باللاتينية، بينما يقف جميع الحاضرين من ~~الطلبة والضيوف حتى ينتهي ويجلس، ثم يبدأ تقديم الطعام. # ومثلما يتكرر هذا يوميا على مدار العام، يحافظ الإنجليز على طقوس أخرى في حياتهم ~~ربما كانت أقل غرابة ولكنها أبعد أثرا؛ فقواعد السلوك عند الإنجليز تكاد تكون مقدسة، ~~والعرف هو الذي يحدد ما ينبغي أن يفعله الإنسان أو يقوله؛ ولذلك فكلمة «عيب» المصرية ~~تقابلها في الإنجليزية عبارة # It’s not done # أو عبارة # It’s not said ~~؛ ولذلك فكثيرا ما يدهش المتفرج ~~الأجنبي الذي يشهد إحدى المسرحيات حين يجد الجمهور يضج ضاحكا لعبارة ليس فيها ما يضحك ~~إذا ترجمت ترجمة دقيقة، ومبعث الضحك بطبيعة الحال هو أن العبارة أو الكلمة تتضمن خرقا ~~لقواعد السلوك المرعية بدقة متناهية، ورغم انفتاح بريطانيا على أوروبا ثم على العالم ~~منذ بداية السبعينيات - تطبيقا لسياسة الانفتاح التي دعا إليها رئيس الوزراء الأسبق ~~«إدوارد هيث» وأسماها # Outward-looking policy # بعد أن ~~تأكد الجميع من زوال الإمبراطورية وزوال سياسة التقوقع أو التحمس الأعمى لبريطانيا ~~(الجزيرة) # Insularity ~~؛ فإن بوادر الانفتاح لم تتسلل بعد ~~إلى الجامعتين العريقتين في أكسفورد وكيمبريدج. # وفي أول لقاء لأدباء العالم هذا الصيف في كيمبريدج، كان الإحساس سائدا بأننا نعيش ~~في ظلال الثبات التاريخي الذي حملت لواءه الجامعتان؛ ومن ثم كانت المفاجأة حين وجدنا ~~المشرف على الندوة نفسه، البروفيسور «كريستوفر بيجسبي» يسخر من تقاليد كيمبريدج، ~~ويعزو تخلف الإنجليز اجتماعيا إلى التراث الأكاديمي الذي غرسته ms113 الجامعتان الكبيرتان، ~~وكذلك كان البروفيسور «تيرنس هوكس»، وهو من أعلام علم اللغة والسيميوطيقا، لاذعا في ~~هجومه على التقاليد الجامدة التي لا تكاد تمس، وقد تبعهما في ذلك حشد كبير من كبار ~~الكتاب والنقاد الإنجليز، ولنرصد بإيجاز ملامح التغير والجمود التي رصداها. # يقول «بيجسبي» في تفسيره لتوقف المسرح الإنجليزي عن التطور في الطريق الذي سار فيه ~~المسرح الأمريكي - أي طريق الحركة والأداء والمسرح الشامل، الذي يستعين بالموسيقى والرسم، ~~والتشكيل والرقص - إن كتاب المسرح الإنجليزي المعاصرين تخرجوا في معظمهم من هاتين ~~الجامعتين، كما أن معظم رواد المسرح من الطبقة المثقفة التي تربت في كنف التقاليد ~~البريطانية العريقة، وعددهم لا يتجاوز أربعة ملايين وهو عدد يتفق مع النسبة المشهورة ~~لتوزيع الثروة حاليا في بريطانيا، ويشار إليها بالمعادلة 7 = 84 ومعناها أن سبعة في ~~المائة من السكان يمتلكون أربعة وثمانين في المائة من الثروة القومية. # إن المسرح البريطاني اليوم ينمو باطراد نحو «التمسرح»؛ أي وعي الجانبين - جانب منتجي ~~المسرحية من مؤلف ومخرج وممثل، وجانب المشاهد - بأن المسرحية «لعبة»، وبأنها ينبغي أن ~~تظل في إطار «اللعب»، أي خارج إطار الواقع. والتمسرح هو ال # Meta-theatre # أو الميتا مسرح! وهذا أيضا - في رأي ~~«بيجسبي» - مرتبط بتقاليد الجامعتين العريقتين؛ لأنه يتطلب إيجابية من المبدع والمتلقي ~~ووعيا بتقاليد المسرح الإنجليزي على امتداد القرون. # أما «هوكس» فقد تناول معارضة التغيير من زاوية أخرى، ألا وهي إلحاح المؤسسة الاجتماعية ~~في بريطانيا على تثبيت اللغة الإنجليزية وإعلاء شأنها، باعتبارها القناة الأولى التي ~~تحمل الثقافة العريقة وتنقلها عبر الأجيال، بل وعبر القارات! وقد اتخذ في بحثه منهجا ~~طريفا؛ إذ ضرب المثل بمحاولة استغلال أحد أقطاب الأدب في أوائل الأربعينيات وهو: ت. ~~س. إليوت لضرب التغيير وقمع الاتجاهات الثورية في بريطانيا، بل في ما هو أهم من ذلك ~~وهو جر أمريكا إلى الحرب بعد الهزيمة النكراء التي منيت بها بريطانيا في «دنكرك»، ~~فالتمجيد الذي تلقاه إليوت من ناقد كبير مثل «ف. ر. ليفيز» كان في حقيقته محاولة ~~لإثبات أنه إنجليزي لا أمريكي وأنه كتب ms114 قصيدة «كوكر الشرقية»، وهذا هو اسم قرية ~~إنجليزية أطلقه الشاعر على إحدى القصائد التي أسماها «الرباعيات»؛ لتأكيد هذا الوهم، ~~ولترسيخ فكرة التراث المشترك الذي ينبغي الحفاظ عليه، ولو كان ذلك يجر أمريكا إلى ~~الحرب! # وينطبق هذا أيضا على تدريس اللغة الإنجليزية في الجامعات والمعاهد العليا داخل ~~بريطانيا وخارجها؛ إذ يرى «هوكس» أن اللغة تستخدم وسيلة لمقاومة التغيير لا لنشر ~~الثقافة والعلم! بل إنه يبالغ في تصوير الموقف حين يعتبر أن اللغة نفسها مؤسسة ينبغي ~~التنبه لمخاطر التمسك بها والحفاظ عليها؛ إذ تكمن في أبنية العبارات نفسها مفهومات ثبات ~~ومنطق وتعقل تعكس وجهة نظر القلة أو الصفوة التي بيدها مقاليد الأمور في مجتمع يمر - ~~بالضرورة - بمراحل تحول حاسمة مثل المجتمع البريطاني. # وأخيرا فإن ثورة الأكاديميين والكتاب على تقاليد الجامعتين الكبيرتين كان يمكن أن ~~تكون فارغة لولا المساندة العلمية التي يتلقونها من هذا الحشد الهائل من الدارسين الذين ~~يؤكدون قدرة الشباب على الاستجابة لأفكار الكبار وأبحاثهم، حتى ولو كانت سلبية أو تتضمن ~~قدرا كبيرا من الخلاف والاختلاف والمعارضة. # | مصر في عيون العالم # مصر في مؤتمر القاهرة # العام يطوي صفحته، والأيام تجري لاهثة، والنشاط الدافق في جامعتنا يوحي بإشراق عام ~~جديد أكثر مما يوحي بأفول عام غارب، فما إن انفض مؤتمر طه حسين حتى انعقد مؤتمر ~~الأدب المقارن حول صور مصر في أدب القرن العشرين. فأصبح قسم اللغة الإنجليزية الذي ~~نظم المؤتمر خلية نحل، وازدحمت قاعاته الفسيحة بالدارسين والأدباء من شتى أنحاء ~~العالم، يناقشون مصر، بل لم يكن لهم هم على مدى أيام ثلاثة سوى مصر وصورها. # وفي الفسحة ما بين جلستين، كان كثير من الأساتذة الأجانب ملتفين حول الكتب المصرية ~~التي تقدم الأدب العربي الحديث مترجما إلى الإنجليزية - في المعرض الصغير الذي أقامته ~~هيئة الكتاب - حين لمحت البروفيسور كريستوفر نوريس الأستاذ في جامعة أكسفورد واقفا ~~بقامته القصيرة ولحيته الحمراء يتطلع بعيون شاردة من نافذة غرفة الأساتذة، وقد بدأ ضوء ~~الشمس يتسلل إليها. وعندما اتجهت إليه لمحني فاستدار وقال فجأة: «كان الضباب يكتنف ms115 ~~الأهرام هذا الصباح كأنه غلالة الزمن!» وعجبت ولم أعلق، فعاد يقول: «ترى كيف تحسون ~~بالزمن وأنتم الزمن نفسه؟» # لقد انطوى عام 1989م بعد أن عشناه نحن المشتغلين بدراسة الآداب الأجنبية نبضا دافئا ~~في قلوبنا؛ فأنظار العالم على مصر وآداب مصر وفنون مصر منذ أن فاز نجيب محفوظ بجائزة ~~نوبل، وتزايدت الطلبات على شراء الكتب المصرية التي تقدم الأدب العربي الحديث ~~بالإنجليزية كأنما يريد العالم أن يعيد اكتشاف مصر، ولقد وجدت في رحلاتي هذا العام إلى ~~بلدان شتى في قارات العالم الأربع أن «مصريتي» تسبقني، وأن اسم مصر قد عاد له رنينه ~~المتميز، وكان هذا الإحساس هو دافعنا على تدارس الاختلاف في صورة مصر في أدب القرن ~~العشرين في ذلك المؤتمر غير المسبوق في تاريخ جامعاتنا. # ولم يكن من الغريب أن تدور معظم الأبحاث في المؤتمر حول محور واحد لم تحدده اللجنة ~~التحضيرية (برئاسة الدكتورة هدى جندي رئيسة القسم)، ولكنه برز بصورة طبيعية في مجالات ~~التخصص المختلفة للمشتركين، ألا وهو الزمن ! # فسواء كان البحث يتعلق بصورة مصر في أوائل القرن العشرين (في أدب برنارد شو أو ~~جيمس جويس مثلا) أو في منتصفه (وليم جولدنج أو لورانس داريل أو إ. م. فورستر)؛ ~~فالإطار الذي يضمه هذا إطار الزمن أو مصر باعتبارها صورة استعارية لأبعاد الزمن ~~المتشابكة المحيرة كما ذهبت إلى ذلك د. هدى الصدة في بحثها، فإذا كان الكتاب ~~والشعراء قد أحبوا مصر عندما اكتشفوها، في القرن التاسع عشر باعتبارها «واحة زمنية» ~~يرتادها الإنسان ليروي ظمأه إلى الماضي؛ فهم يحبونها اليوم باعتبارها نموذجا لامتزاج ~~جهد الإنسان بحياة الطبيعة امتزاجا يدفع به إلى الأمام، دون أن يفقده وعيه بامتداده في ~~الزمان والمكان، ويقرب بينه وبين ثوابت الكون ودوائر الحياة، فيلغي الفواصل بين الأيام ~~حتى ليرى في أعمق أعماقه صور حياته الدائمة الدائبة على ضفاف الوادي حافلة ثرية عامرة ~~بالقيم التي غرسها أجدادنا في هذه الأرض، فنمت وازدهرت وأصبحت جزءا لا يتجزأ من وعينا ~~الجمعي، بل من اللاوعي الجمعي لأبناء هذا الوطن جميعا. # فكتاباتهم ms116 نبراس هذا الجيل وهداه؛ قاسم أمين ولطفي السيد وسلامة موسى، ~~والرافعي وطه حسين وهيكل والعقاد والمازني وغيرهم. # وأذكر أنني سئلت أثناء مناقشة دارت أمام الكتب المترجمة المعروضة أثناء المؤتمر عن ~~الجيل السابق لجيلنا، وكان السائل عربيا يريد أن يعرف سر تركيزنا في الترجمة على أدب ~~ما بعد نجيب محفوظ؛ فأجبته الإجابة التي أجابها د. سمير سرحان ذات يوم في إحدى ندوات ~~هيئة الكتاب وهي أنهم موجودون في هذا الجيل - فلولا طه حسين وهيكل ما كان يوسف ~~إدريس، ولولا العقاد والمازني وشكري ما كان عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد ~~الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، ولولا الرافعي ولطفي السيد ما كان أحمد بهجت ~~وعبد الرحمن فهمي، ولولا توفيق الحكيم وأحمد شوقي ما كان سعد الدين وهبة ~~وفاروق جويدة؛ فتاريخنا القريب حلقات متداخلة موصولة، ومصر القرن العشرين شامخة في ~~اتصال فكرها وأدبها مهما شابها من شوائب بين الحين والحين؛ فهي شوائب غريبة عليها ~~ومآلها إلى الزوال؛ إذ إن في هذا البلد حبل اتصال ثقافي متينا يمكنها من تخطي «الشوائب» ~~مثلما أبقى عليها حية نابضة على مر القرون ورغم الخطوب. # وعندما اختتم المؤتمر أعماله بندوة عن الترجمة شارك فيها د. مجدي وهبة ود. أنجيل ~~بطرس سمعان ود. سمير سرحان وكاتب هذه السطور كان الإحساس يسيطر على الحاضرين بأن ~~صورة جديدة لمصر قد تبلورت في هذا العقد، صورة ساهم في رسمها أدباؤنا ومفكرونا على مدى ~~القرن العشرين - وإن كانت لم تخرج إلى العالم إلا في السنوات الخمس الأخيرة بالتحديد؛ ~~فهي الفترة التي ظهرت فيها معظم الروايات العربية المترجمة إلى الإنجليزية كما ذكرت د. ~~أنجيل في حديثها - والتي أسهمت فيها هيئة الكتاب إسهاما كبيرا وكانت كلمة الختام ~~التي ألقتها د. هدى جندي موجزة مؤثرة؛ لأنها مست في أعماقنا ذلك الوتر الحساس الذي ~~كثيرا ما تحجبه عنا مشاغل العيش، وتر انتمائنا إلى هذا البلد القديم الجديد؛ حيث يجتمع ~~الزمن في لحظة خاطفة وتمتد اللحظة فتصبح الأزل والأبد معا ... ونظرت من حولي إلى الجيل ~~الجديد من الأساتذة الذين ms117 كتب عليهم أن يحملوا الشعلة وينيروا الطريق من بعدنا ففاض ~~قلبي بالأمل: إننا نستقبل التسعينيات ببسمة الواثق في هذا الجيل، فهذا الجيل هو مصر ~~التي لم يناقشها أحد في ذلك المؤتمر الفريد. # الوعي المزدوج # في ديسمبر عام 1989م عقد في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة القاهرة مؤتمر ~~علمي عالمي عنوانه «صورة مصر في أدب القرن العشرين» تحدث فيه أساتذة كبار من شتى بلدان ~~العالم المتقدمة إلى جانب الأساتذة المصريين، وتناول كل منهم جانبا من جوانب هذا ~~الموضوع الهام، وكان عدد الحاضرين أكبر من المتوقع، فامتلأت بهم جنبات القاعات، وانتشرت ~~الأحاديث الجانبية هنا وهناك، وأحيانا ما حمي وطيس النقاش فتعالت الأصوات متنافرة ~~ومتناغمة معا، باللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية! وفي هذا الخضم الزاخر تلاشت ~~الفروق الثقافية واللغوية؛ إذ كان كل من المشتركين يحاول أن يفهم ما يعني صاحبه ~~اقترابا من الصورة التي احتلت مكان القلب وإن بدت صورا عديدة لا صورة واحدة .. ~~مصر! # ركز بعض الباحثين على صور مصر الفرعونية في الرواية الأوروبية والأمريكية الحديثة، ~~وتناولوا أساطيرنا بغير قليل من التفصيل؛ إذ تتبعوا تطور معاني بعضها ومدى تأثيرها على ~~التفكير الغربي الذي كان وما زال يتوسل بالأساطير باعتبارها عناصر استعارية أو رمزية ~~تجسد بعض المعاني الجوهرية لحياة الإنسان التي لا يستطيع العقل «البارد» أن يدرك كنهها ~~أو يسبر أغوارها، وتناول باحثون آخرون صور مصر الحديثة - ابنة القرن العشرين - التي ~~صنعها رواد الفكر الحديث الذين حاولوا أن يربطوا مصر بالعالم اليوم، فتعلقت أبصارهم ~~بأوروبا، وحاولوا جاهدين تخطي حواجز الزمن، والانتقال من مصر القرون الوسطى (القروسطية) ~~إلى مصر الحديثة التي تمثلت في حلم الخديوي إسماعيل «قطعة من أوروبا»، وتمثلت في أذهان ~~الرواد بلدا مستقلا يحكمه أبناؤه حكما ديمقراطيا، يسوده العدل والحرية والإخاء ~~والمساواة (قيم الثورة الفرنسية)، وينعم فيه الناس برخاء وازدهار في شتى علوم العصر ~~وإبداعاته الفنية؛ قياسا على إنجازات أوروبا النهضة وأوروبا العصر الحديث ~~أيضا. # وعندما جاء موعد إلقائي البحث القصير الذي ساهمت به في المؤتمر وهو صورة مصر في الأدب ~~العربي، ms118 وجدت أن قول «مالرو» الكاتب الفرنسي الشهير، الذي عمل ذات يوم وزيرا للثقافة، ~~بأن مصر كانت أول بلد في العالم يصل إلى مفهوم الدولة الحديثة يسيطر على تفكيري ويلح ~~على ذهني إلحاحا! لقد درس «مالرو» تاريخ مصر دراسة مستفيضة وانتهى إلى أن هذا الإنجاز ~~المصري هو في حقيقة الأمر فريد متميز، واستند في ذلك إلى قراءاته في تاريخ شتى الدول، ~~وخصوصا دول العالم القديم، فوجد أن لمصر شخصية متميزة فرضت عليها هذا النسق (وهو ما ~~أثبته الدكتور جمال حمدان في كتابه الرائع شخصية مصر) وأن البناء الحضاري الراسخ ~~لهذا البلد اقتضى هذا التميز والتفرد، وأن جميع جهود الغزاة لطمس هذه الشخصية كان لا بد ~~أن تبوء بالفشل؛ لأنها تنبع من عناصر جغرافية وثقافية (بالمعنى العريض لهذا المصطلح) ~~يصعب قهرها. # وعدت إلى البحث القصير الذي سألقيه فوجدته قد أغفل عناصر يمكن تداركها، وعناصر أخرى ~~دفعتني إلى الخوض من جديد في هذا الموضوع من زاوية أخرى، أما عنوان البحث فكان «الماضي ~~باعتباره طريق المستقبل»، وكنت أعرض فيه الاتجاه الحاضر الذي يتهدد شخصية مصر كما ~~نعرفها، وهو العودة إلى ماض مبهم ليس هو بالفرعوني (قطعا) ولا هو بالعربي الخالص - ~~بسبب استحالة التطابق بين حياة البادية وحياة الحضر - ولا هو بالعثماني أو المملوكي! ~~إنه ماض وحسب، وهو يجمع في طياته عناصر من هذه الحقب جميعا، تصب كلها فيما أسميته ~~بالشخصية المصرية التي يطلق عليها يحيى حقي تعبير «الخلاط»، وربما كان يقصد به ~~البوتقة التي تنصهر فيها العناصر، وتتحد اتحادا كيميائيا بحيث لا يمكن فصل أحدها عن ~~الآخر. # وبعد أن ألقيت البحث ودار حوله النقاش وجدت أنني يمكن أن أضع يدي على عنصر بعينه يمكن ~~في إطاره تصحيح مسار الفكرة؛ إنه الوعي المزدوج بالماضي والحاضر الذي أصبح يمثل السمة ~~الأولى لتفكيرنا عن مصر والمصريين هذه الأيام. ولو كان هذا الوعي منتظما - أي لو كان ~~يفصل في ثناياه بين صورة الماضي، أو صوره الكثيرة المتناقضة، وبين صورة الحاضر المستقاة ~~من أوروبا - لهان الأمر! ولكن هذا الوعي ms119 المزدوج هو في الحقيقة مختلط مشوش؛ لأن صور ~~الماضي التي تبرز في وعي المصري الحديث تمتزج امتزاجا متنافرا بصور الحاضر، فتؤدي إلى ~~البلبلة والحيرة أحيانا، وإلى التصلب والعناد والتعصب الأعمى أحيانا أخرى. # فالمصري الحديث، ابن القرن العشرين يقال له إنك عربي لأنك تتكلم العربية، وإن عليك - ~~لهذا السبب - أن تقيم علاقات متينة (تقترب في قوتها من وشائج الانتماء) مع الماضي ~~السحيق في جزيرة العرب وبادية الشام، فتراثك أيها المصري هو تراث أبو دهبل الجمحي، ~~وبيهس الجرمي، وهدبة بن حشرم، وأيمن بن خريم، وشيب بن البرصاء، والعديل بن ~~الفرخ (إذا اقتصرنا على العصر الأموي). ويقال له إن عليك أن تستوعب هذا التراث وأن ~~تهضمه هضما حتى تستوي نفسك العربية ويصح انتماؤك، وفي سبيل ذلك عليك أن تعرف اللغة ~~القديمة وتكابد في ذلك الأمرين، وحبذا لو بدأت من الجاهلية فرضعت لبان آدابها وتشربت ~~طرائق حياتها، وغصت في بحار قيمها وأخلاقها؛ فهي جذور العرب، والأصول التي لا بد من ~~العودة إليها حتى تضع قدميك على الأرض الصلبة حقا. # ويكابد المصري - كما قلت - الأمرين في إقامة تلك العلاقات مع ذلك الماضي السحيق، ~~بينما يقول له كل ما حوله إن العالم قد تغير، بل إن طريق الحاضر الذي يؤدي إلى المستقبل ~~لا مكان فيه لوضاح اليمن ولا للوليد بن يزيد؛ فهو يدرس العلوم الحديثة، وينشأ في ~~جو حضاري أبعد ما يكون عن الفيافي والقفار، فيحس إنه يضم إلى وعيه «العربي» القديم ~~وعيا عربيا من نوع آخر - وأقصد به الوعي بنظام حكم مختلف، ونظام اقتصادي جديد، ~~ووسائل انتقال سريعة، وعلوم تتوسل بأجهزة وآلات تتطلب قدرا كبيرا من التجريد والتركيز ~~الذهني، مثل الرياضيات والفيزياء وشعاب علم الهندسة الحديثة - النظري منها والتطبيقي - ~~مما يستحيل معه تطويع وعيه بالانتماء إلى عالم الماضي السحيق الذي ما زال رغم ذلك يفرض ~~نفسه على وعيه في كل وقت فيصيبه بالتشتت والتمزق. # الوعي المزدوج إذن مرده إلى ازدواج الزمن .. الزمن التراثي الكامن في اللغة القديمة، ~~الزمن المعاصر المتجسد في حياته اليومية. وهو ازدواج ms120 له تبعات كبار؛ لأن ازدواجية ~~اللغة (إذا شئنا مثلا قريب المنال) تعني ازدواجية في التفكير وازدواجية في الشعور ~~بالانتماء، مما يصيب صورة الذات بشرخ أو بصدع قد يصعب رأيه، ومن عواقب هذا الشرخ أو ~~الصدع الانفصال عن الواقع وحدوث تهرؤ نفسي قد يصل إلى حد الشيزوفرينيا - بمفهومها ~~الحديث - وقد بدأنا نشهد مظاهرها حولنا في الانفعالات والتشنجات التي تصدر من حولنا ~~إزاء كل من يمس اللغة العربية أو يقر بالواقع الذي لا يمكن إنكاره، وهي أنها تطورت ~~واختلفت! وهي تصدر في صور محمومة إزاء كل من يدعو إلى اللحاق بركب العصر والتطور ونحن ~~على مشارف القرن الحادي والعشرين، بل ونلمح مظاهرها أيضا في رنة التواكل (باسم الدين، ~~والدين منها براء) في أقوال الشباب، وفي اتجاه الكثيرين إلى محاكاة بعض الشعوب في ~~أزيائها في محاولة للعودة إلى ملابس الصحراء منذ ألف وخمسمائة عام، والملبس بعد من ~~الظواهر الاجتماعية ولا صلة له بالدين في أصوله أو فروعه! # كيف تتصل ازدواجية الوعي بصورة مصر في أدب القرن العشرين؟ وكيف تضيف البعد الناقص ~~إلى البحث الموجز الذي ألقيته في المؤتمر؟ الإجابة على هذا السؤال هي دون مبالغة أننا ~~نحمل في وجداننا وعقولنا صورتين لمصر؛ الأولى هي التي صورها العرب لها في رسائلهم ~~وأشعارهم عن الأرض التي فتحوها، والثانية هي صورة الدولة التي أرسى أجدادنا أركانها ~~وأقاموا بنيانها، والتي تولينا نحن منذ استقلال مصر عن الإمبراطورية العثمانية بعثها ~~وإحياءها، وتناقض الصورتين له حديث آخر. # صورة مصر الأولى # كانت كتابات العرب الأوائل عن مصر لا تنم عن إدراكهم لتاريخ مصر القديم أو عن أدنى ~~وعي بأنها دولة ذات حضارة عريقة؛ فأوصاف القادة العسكريين والسياسيين تتناول خيراتها ~~وخصبها وغناها وشعر شعرائهم يرسم صورة تقترب في جمالها وكمالها من الجنة الموعودة، ~~والشعر الذي كتب في محاسن مصر لا يوحي بأن فيها بشرا أو بأن هؤلاء البشر ينتمون إلى ~~هذه الأرض التي كانت يوما ما تملك كل مقومات الدولة بالمفهوم الحديث. ولا يزيد ما قيل ~~في وصف مصر آنذاك على ms121 أبيات متفرقة لا تصل إلى طول القصيدة، وبعضها مقطوعات بها عيوب ~~عروضية وردت في كتب التاريخ؛ إذ كان من عادة المؤرخين أن يستشهدوا بأبيات متفرقة أو ~~بالمقطوعات وبالقصائد أحيانا من باب الزينة، أو محاكاة لكتب الأدب، أو تحقيقا لمفهوم ~~الكتاب - إذا كان الكتاب جامعا لا يمكن أن يخلو من الشعر - فنحن نقرأ مثل ذلك في خطط ~~المقريزي وفي كتاب النجوم الزاهرة لجمال الدين أبي المحاسن بن تغري بردي، وتاريخ ~~الطبري وتاريخ المسعودي، وغيرها من الكتب التي لا تتناول الأدب كما نعرفه اليوم. # وقد أجهدت نفسي لأعثر على شعر عن مصر يسبق دالية المتنبي المشهورة، فلم أعثر إلا على ~~أبيات منثورة هنا وهناك؛ فالمتنبي الذي ولد وعاش في أوائل القرن الرابع الهجري يعتبر من ~~أوائل من رسموا لمصر صورتها القديمة أي صورتها في أعين العرب في القرون الأولى من ~~الفتح العربي، وهي صورة بستان من الأعناب «فقد بشمن وما تغني العناقيد» أي صورة تتناقض ~~مع طبع البدوي الذي يتفاخر بقدرته على الترحال ، ويعرب عن ضيقه بالاستقرار: # ذراني والفلاة بلا دليل # ووجهي والهجير بلا لثام # فإني أستريح بذي وهذا # وأتعب بالإناخة والمقام # عيون رواحلي إن حرت عيني # وكل بغام رازخة بغامي # وقد أرد المياه بغير هاد # سوى عدي لها برق الغمام # أقمت بأرض مصر فلا ورائي # تخب بي المطي ولا أمامي # يقول لي الطبيب أكلت شيئا # وداؤك في شرابك والطعام # وما في طبه أني جواد # أضر بجسمه طول الجمام # ومن تلا المتنبي من الشعراء واصل وصف مصر باعتبارها الروضة الجميلة أو البستان ~~المزهر، وقد تضمن كتاب حوادث الدهور لأبي المحاسن المذكور (الجزء الأول، دار ~~الكتب، رقم 2397) بعض الأبيات عن النيل ومصر، نقتطف منها ما يؤكد استمرار الصورة الأولى ~~لمصر، والتي تبرز في بعض الكتب مثل فضائل مصر للكندي، أو تلك الرواية الغريبة التي ~~أوردها النويري في نهاية الأرب (ج1، ص347) عن قول منسوب لآدم عليه السلام: # قال عبد الله بن عمرو: لما خلق الله عز وجل آدم، مثل له الدنيا شرقها وغربها، ms122 ~~وسهلها وجبلها، أنهارها وبحارها، وبناءها وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من ~~الملوك، فلما رأى مصر، رآها أرضا سهلة ذات نهر جار، مادته من الجنة، تنحدر فيه البركة، ~~ورأى جبلا من جبالها مكسوا نورا لا يخلو من نظر الرب عز وجل إليه بالرحمة، في سفحه ~~أشجارا مثمرة، فروعها في الجنة تسقى بماء الرحمة، فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في ~~أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات، وقال: «يا أيها الجبل ~~المرحوم، سفحك جنة، وتربتك مسكة تدفن فيها عرائس الجنة. أرض حافظة مطبقة رحيمة. لا خلتك ~~يا مصر بركة، وما زال بك حفظ، وما زال منك ملك وعز، يا أرض مصر فيك الخباء والكنوز، ولك ~~البر والثروة، سال نهرك عسلا ...» # وقد أوردت هذا المقتطف لورود كلمة الجنة فيه أربع مرات، وكذلك كلمة الأرض، والدارس ~~الحديث لن يغيب عن فطنته أن الرواية استعارية إذ أنى لعبد الله بن عمرو بن العاص ~~أن يعرف ما قاله آدم عليه السلام حتى يستشهد بكلماته كما جاءت دون تبديل؟ فهي استعارة ~~يقصد بها أن الإنسان يرى في أرض مصر صورة لجنة الخلد، وهي تمثل ما رآه العرب في تلك ~~القرون الأولى في مصر. وأما الأبيات التي أشرت إليها من كتاب حوادث الدهور؛ فربما كانت ~~قد كتبت في عصر أبي المحاسن، وربما رويت عن شعراء سابقين أو نحلت، وهي على أي حال تصور ~~ما نرمي إليه. يقول صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي: # لم لا أهيم بمصر # وأرتضيها وأعشق # وما ترى العين أحلى # من مائها إن تملق # وقال ابن سلار: # لعمرك ما مصر بمصر وإنما # هي الجنة العليا لمن يتذكر # وأولادها الولدان من نسل آدم # وروضتها الفردوس والنيل كوثر # وللقاضي شهاب الدين أحمد بن فضل العمري أبيات نقتطف منها ما يلي: # لمصر فضل باهر # لعيشها الرغد النضر # في كل سفح يلتقي # ماء الحياة والخضر # فكل من هؤلاء يذكر الماء أو النيل ومثلهم ما أورده نفس الكتاب؛ إذ يورد أبياتا لأبي ~~الحسن ms123 علي بن بهاء الدين الموصلي الحنبلي؛ منها: # بها ما تلذ العين من حسن منظر # وما ترتضيه النفس من شهواتها # وتربتها تبر يلوح وعنبر # يفوح وتلقى بعد بعد حياتها # زمردة خضراء قد زين قرطها # بلؤلؤة بيضاء من زهراتها # ويقول ابن الصائغ الحنفي: # ارض بمصر فتلك أرض # من كل فن بها فنون # ونيلها العذب ذاك بحر # ما نظرت مثله العيون # وأخيرا نورد للشيخ برهان الدين القراطي ما يلي: # حلا نيل مصر وهو شهد ومن يذق # حلاوته يوما من الناس يشهد # أيا بردى بالشام إن ذبت حسرة # وغيظا فلا تهلك أسى وتجلد # والواقع أن هذا ليس بغريب؛ فكما أوضح أحمد أمين في فجر الإسلام، كان العرب يعانون ~~شظف العيش وقسوة حياة البداوة، فلما جاءوا إلى مصر قبل الإسلام ورأوا الخصب والنماء، ~~ارتبطت صورتها في أذهانهم بالنعيم، وكان أسهل عليهم بعد الإسلام أن يروا الجنة الموعودة ~~(وهي غيب) في صورها الاستعارية الواردة في القرآن # مثل ~~الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها ~~الأنهار ~~(الرعد: 35) كأنما تجسدت في مصر، خصوصا بسبب اهتمام أوائل ~~المفسرين بمصر، وأنا لا أشير إلى الكتب التي تتناول فضائل مثل كتاب فضائل مصر لأبي ~~زولاق أو الكتاب الذي يحمل نفس العنوان للكندي، ولكن أقول الأوائل ممن يستشهد ~~بأقوالهم بعد القرآن والحديث، كقول ابن عباس مثلا: «إن مصر سميت بالأرض كلها في عشرة ~~مواضع من القرآن»، أو كقوله في مثال آخر: «دعا نوح عليه السلام لابن ابنه بيصر ابن حام ~~وهو أبو مصر، فقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفي ذريته، وأسكنه الأرض الطيبة ~~المباركة التي هي أم البلاد» (نهاية الأرب، ص346-347)، وقد اتبع المؤلفون هذا المنهج ~~وزادوا فيه منذ القرن الرابع الهجري، وحتى فجر النهضة الحديثة. # وقد شرحت لنا الخلفية التاريخية اللازمة لفهم الإطار الثقافي لهذه الصورة الدكتورة ~~سيدة إسماعيل كاشف، في كتابها الرائع مصر في فجر الإسلام (القاهرة، 1947م)، ثم في ~~كتابها الموجز مصر في عصر الولاة (سلسلة الألف كتاب)، ويتضح منها أن العرب عندما ~~فتحوا مصر لم ms124 يكونوا يدركون أنهم يواجهون ما يسمى الآن بالتحدي الحضاري، أو أن ~~استجابتهم لهذا التحدي قد يتوقف عليها مجرى تاريخهم نفسه. ولا عجب في ذلك؛ فتاريخ مصر ~~كان مجهولا لهم، وكانت الألغاز تحيط بالكتابة المنقوشة على المعابد، بل لقد ذهبوا في ~~تفسيرها كل مذهب، فتصور البعض أنها حروف لغة قديمة بائدة (النجوم الزاهرة)، وكانت ~~رسالتهم المحدودة هي الدعوة إلى دين الله الحنيف فمن استجاب هللوا له وكبروا ومن رفض ~~الإسلام دفع الجزية وانتهى الأمر (تاريخ الطبري، ج4، ص106). # أي إن القرون الأولى من الفتح العربي لم تشهد أي لون من التفاعل بين الفاتحين وأهل ~~البلاد، وأقصد بالتفاعل الاندماج الثقافي أو الحضاري الذي لم يبدأ إلا بعد انتهاء عصر ~~الفتوحات، وبداية عصر التعريب، وهجرة القبائل العربية والتزاوج وبداية عمل بعض العرب ~~بأعمال المصريين بعد أن كانوا يقتصرون على المهن القيادية، سواء في الجيش أو ما نسميه ~~اليوم بالإدارة العليا. # وكان اعتناق المصريين للإسلام وتعلمهم اللغة العربية عاملا حاسما في هذا التفاعل، ~~وكان الاتجاه الغالب هو استيعاب مصر لأهل البداوة ، وتحويلهم إلى نظم الحياة الحضارية في ~~مصر، بحيث يمكن القول بأن حضارة أهل مصر كانت من عوامل التوحيد؛ إذ كانوا يتألفون من ~~شعوب ذات أعراق متفاوتة (انظر تاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم حسن، ج1، 544)، ثم ~~بدءوا في التلاحم وبناء شخصية مصر العربية الجديدة التي سرعان ما تعرضت للعواصف ~~والأنواء في ظل الحكام الأجانب حتى فجر النهضة الحديثة. # ومكمن الخطر في الصورة الأولى لمصر هي أنها لم تختف ولم تتلاش على مر القرون. # الصورة المزدوجة # قلت في حديث الأحد الماضي إننا نحمل في وجداننا وعقولنا صورتين لمصر: الصورة التي ~~صورها العرب لها في رسائلهم وأشعارهم عن الأرض التي فتحوها، وصورة الدولة الحديثة التي ~~وجدنا لها - منذ اكتشاف ماضينا الفرعوني - جذورا في هذه الأرض فتولينا بعثها وإحياءها ~~منذ استقلال مصر عن الدولة العثمانية. # وما زالت الصورتان تتناقضان في كتابات الأدباء المعاصرين شعرا ونثرا، فإذا البعض ~~يركز على صور مصر الفرعونية؛ نشدانا للذات القومية وتأكيدا لها، ms125 بينما يركز البعض ~~الآخر على وشائج الانتماء العربي، وأقوى هذه الوشائج هو اللغة بلا شك؛ فهي التي تملي ~~أنماط التفكير؛ لأن التاريخ المشترك لمصر والعرب يصب فيها ويخضعها لمنطقه. وبين هذا ~~وذاك نجد أن معظم الكتاب يرون في مصر صورة مزدوجة تجمع بين الدولة القديمة أيام ~~المصريين الأوائل والتراث العربي الذي تشربناه صغارا ورعيناه كبارا، فتخرج لمصر ~~صورتان أحيانا ما يصعب التوفيق بينهما. # فعندما بدأ نجيب محفوظ يكتب رواياته العربية، كان اتجاهه الطبيعي إلى تأكيد مصريته ~~في فترة الصحوة القومية والدعوة إلى الاستقلال يدفعه إلى نشدان مصر الفرعونية، ولكن ~~تراثه العربي اللغوي (وهو مرادف للتراث الفكري والحسي) جعله يستخدم لغة فصحى تقترب من ~~لغة الأقدمين، بل إن الصفحة الأولى من رواية رادوبيس حفلت بالعبارات والألفاظ التي ~~تطمح إلى محاكاة اللغة القرآنية؛ فهي المثل الأعلى للبلاغة العربية، وكذلك فعل محمد ~~حسين هيكل حين وقع مقدمة الطبعة الأولى من رواية زينب باسم «مصري فلاح»؛ إذ كان دافعه ~~تأكيد الهوية المصرية الخالصة والشخصية المصرية المتفردة والمتميزة عن الشخصيات العربية ~~الأخرى، وكان العنوان الفرعي للرواية هو «مناظر وأخلاق ريفية»، بل إن دافعه لتأكيد هذه ~~الشخصية المتفردة جعله يستخدم اللغة العامية لأول مرة في الحوار، وهذا حدث فريد لا ينبغي ~~أن نمر به مر الكرام؛ فهذه هي التي يسميها علماء اللغة «العربية المصرية» وهذه هي التي ~~تميز أهل مصر في الريف أولا، وفي الحضر ثانيا عن غيرهم من مواطني البلدان العربية. ومع ~~ذلك فإن لغة زينب فصحى وبليغة وجميلة، وتشهد للكاتب بالانتماء الذي لا يمكن التشكيك ~~فيه لتراثنا الأدبي العربي القديم. # كذلك فعل أحمد شوقي في صدر شبابه، حين كتب وهو ابن الخامسة والعشرين قصيدة «كبار ~~الحوادث في وادي النيل» وألقاها في المؤتمر الشرقي الدولي في جنيف عام 1894م، وكان ~~مندوبا للحكومة المصرية فيه (الشوقيات: القاهرة، 1961م، ص17)؛ ففي هذه القصيدة التي ~~تشهد بالعبقرية المبكرة لشوقي حماس الانتماء لمصر، وهو الذي التقت في عروقه دماء ~~الأكراد والشراكسة واليونان والترك! (مقدمة شوقي للجزء الأول من ديوانه ms126 المطبوع عام ~~1989م) وفيها تأكيد لم يسبق له مثيل على شخصية مصر التي تسري جذورها في عصور الفراعنة ~~وحضارة الفراعنة، وإن كانت تتكلم لغة العرب! والقصيدة أكبر شاهد على مولد الوعي باختلاف ~~مصر عن جيرانها، بل وعن الدولة العثمانية التي كانت تربطها بها روابط قوية، ولكن ذلك ~~كله مسوق بلغة عربية جميلة تحاكي لغة القرآن؛ فهو يخاطب رمسيس قائلا: # ولك المنشآت في كل بحر # ولك البر أرضه والسماء # وهو يقول «حسب الظالمون أن سيسوءوا»، ولا ينسى البكاء على زمان السفر بالإبل، فينعي ~~انقضاء عصر الناقة (الوجناء): # يا زمان البحار لولاك لم تف # جع بنعمى زمانها الوجناء # فقديما عن وخدها ضاق وجه ال # أرض وانقاد بالشراع الماء # والوخد هو السير السريع وسعة الخطوة، وشوقي يحاكي المتنبي في إخراجه الأبيات التي ~~كتبت لتجري مجرى الحكم والأمثال، ويستخدم حيل البلاغة العربية في أزهى عصورها، حتى وهو ~~يتحدث عن رمسيس وسيزوستريس! # رب إن شئت فالفضاء مضيق # وإذا شئت فالمضيق فضاء # فاجعل البحر عصمة وابعث الرح # مة فيها الرياح والأنواء # وأصداء اللغة القرآنية لا تغيب عن القارئ أبدا؛ فهو ينظر إلى وضع الكلمات (في سورة ~~هود) عندما قال ابن نوح لأبيه: # سآوي إلى جبل يعصمني ~~من الماء ~~، ويذكرنا بالآيات المعروفة # يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~(الأعراف: 57؛ والفرقان: 48؛ ~~والنمل: 63)، فالشاعر في هذه القصيدة الفريدة التي تزيد على 260 بيتا من الشعر ~~العمودي (الملتزم بقافية واحدة وبحر واحد) يعلن مولد الازدواجية أو الصورة المزدوجة ~~التي ورثها جيلنا من أجيال رواد الأدب الحديث في القرن العشرين، وكنت أتمنى أن ~~يتناولها الدكتور شوقي ضيف في كتابه الجميل شوقي شاعر العصر الحديث بالمزيد من ~~التفصيل. # ولم يكن توفيق الحكيم أقل وعيا بهذا الازدواج من شعراء الجيل السابق؛ فرواية عودة ~~الروح وحدها أكبر دليل على الوعي العميق بمصرية مصر، وتميز شخصيتها عن شخصية من حولها ~~من البلدان؛ فهو يدخل البيت المصري في روايته، وينزل إلى الشارع كما نقول هذه الأيام، ~~ويرسي أسس التصوير الواقعي للحاضر في ظل أسطورة فرعونية عن ms127 البعث، أو عودة الروح إلى ~~الجسد في العالم الآخر - وهي العقيدة الفرعونية التي عاشت في وجدان الشعب المصري آلاف ~~السنين قبل نزول رسالات السماء وقدوم الأنبياء. # وفي مسرحية إيزيس يؤكد توفيق الحكيم ولعه بهذه الأساطير المصرية القديمة ويتخذ ~~منها صورا «شعرية» يستخدمها في البناء المسرحي نفسه، بل ويفعل ذلك واعيا في معظم ~~كتاباته في مجال القصة أو الرواية أو المسرح. فتوفيق الحكيم مثل هيكل وشوقي عاش ~~في أوروبا، وأحس على البعد في تلك السنوات الأولى من فجر النهضة الحديثة بصورة مصر ~~المستقلة، وإن كان فن المسرح قد فرض عليه فرضا أن يستخدم اللغة المعاصرة أو أن يطوع ~~اللغة العربية لمقتضيات الحديث لاستخدامه في الحوار، محاكيا في ذلك أبنية اللغة ~~العربية المصرية دون اللجوء إلى استخدام اللغة العامية. # وإذا كانت العوامل السياسية قد لعبت دورا كبيرا في بروز صورة مصر القديمة، وأهمها ~~حاجة أهل مصر إلى سند للاستقلال في مواجهة الهيمنة الأجنبية - خصوصا أيام الكفاح من ~~أجل الجلاء - فإن ثمة عوامل أخرى لا يمكن إغفالها في هذا المقام، وأهمها الانفتاح على ~~العالم الحديث في أوروبا بوجه خاص وميلاد العلم الحديث وما تقتضيه مناهجه من التجرد من ~~الهوى في البحث والتقصي. وكان هذا العامل الأخير هو الدافع إلى ما يسمى بحركة التنوير ~~في مصر أولا، وبعد ذلك بعقود كثيرة في غيرها من البلدان العربية. فحركة التنوير كانت ~~تتطلب اتباع المنهج العلمي دون التعصب لرأي أو عقيدة أو جنس، بل إن هذه الحركة هي التي ~~جمعت رواد التنوير في كل مجال - من محمد عبده وعلي عبد الرازق إلى طه حسين ~~والعقاد والمازني والرافعي وهيكل وسلامة موسى، حتى ما بعد منتصف القرن ~~العشرين. # أما مكمن الصراع في الصورة المزدوجة فهو أن صورة مصر التي رسمها العرب في أدبهم كانت ~~تتناقض مع صورة مصر الحديثة التي رغم ارتكازها على عناصر المجد التليد تطمح إلى اللحاق ~~بركب الحضارة الحديثة في أوروبا. ولم يكن من الغريب آنذاك أن يتغاضى رواد التنوير عن ~~الأدب الذي كتب في عصور ms128 الانحطاط، وهي العصور التي شحبت فيها ألوان شخصية مصر إن لم تكن ~~قد نحلت وتلاشت في ظل حكم الأجانب الذين حكموها قرونا متوالية، وتنازعوا أمرهم بينهم ما ~~يصنعون بهذا البلد الخصيب؟! # الصور المتداخلة # ربما أحس بعض القراء في مقالاتي عن ازدواجية الصور أو ازدواجية الوعي والانتماء أن ~~التعبير غير دقيق، وربما كان التعدد لا الازدواج أقرب إلى الصحة في وصف صورة مصر أو ~~صورها؛ وذلك لأن صورة مصر الحديثة - مصر العربية - تجمع عناصر عربية عريقة مكمنها ~~التراث اللغوي والأدبي، وعناصر مصرية أقدم وأعرق نحملها في كياننا عبر القرون منذ أن ~~أرساها أجدادنا الأوائل أصحاب أقدم حضارة على وجه الأرض، وعناصر حديثة تربطنا بعالم ~~اليوم منذ اتصالنا بأوروبا في القرن التاسع عشر وتشربنا لحضارة هذا العصر الذي يتغير من ~~يوم ليوم إن لم يكن من ساعة لساعة. وقد اخترت تعبير العناصر عمدا؛ لأن المصادر الثلاثة ~~التي أشرت إليها ليست متجانسة أو موحدة توحيدا كاملا؛ فلا العناصر العربية موحدة - إذ ~~كانت التقاليد العربية تجمع بين أمشاج مختلطة من التقاليد أو من الثقافة - ولا العناصر ~~المصرية صافية - إذ جمعت بين بعض تقاليد شعوب البحر الأبيض ممن خالط المصريين وامتزج ~~بهم على مدى ألف سنة أو يزيد، منذ بناء الإسكندرية في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى ~~الفتح العربي في القرن السابع للميلاد - ولا العناصر الحديثة موحدة؛ إذ تجمع بين تقاليد ~~أمم متباينة في أوروبا، ثم في أمريكا الشمالية في العقود الأخيرة. # ومع ذلك فالباحث الموضوعي المتجرد يستطيع أن يتخذ موقفا خاليا من العصبية لأي من ~~هذه الصور التي ظلت تتداخل على مر القرون حتى أصبحت تشكل نسيجا متلاحما يصعب إخراج ~~خيوطه إلا بتدميره، فالوليد يرضع لغة العرب، ويتشرب معها جانبا من تراثها، وذلك هو ~~الجانب الذي يكمن - كما قلت - في اللغة وأنماط التفكير التي تفرضها المفهومات الأساسية ~~عن الكون والبشر والمجتمع، وطرائق الاستدلال والاستقراء وما إلى ذلك - وهو ينشأ في ~~مجتمع يتوارث قيم الحضارة القديمة - حضارة الحرث والري وانتظار المحصول والعمل الجاد ~~والتأمل والعلاقات ms129 الاجتماعية التي تفرضها تلك الحياة، فيرث جانبا من تراث الأرض (جمال ~~حمدان، شخصية مصر) وهو يتعلم ويتلقى ضروبا من أنماط التفكير الحديثة وألوان البحث ~~العلمي الحديث، فيتجه بعقله ويديه إلى الآلات؛ يتعامل معها ويستخدمها، ثم يصنعها، ثم يتوسل ~~بها في طرائق معاشه، فيكتسب جانبا من روح العصر، ويمتزج كل هذا في كيانه فتختلط الصور ~~وتتداخل، وتخرج لنا في النهاية إنسانا مصريا يتفرد بوجود هذا الاختلاط الذي يصبح مصدر ~~قوة وضعف في الوقت نفسه، فكيف يكون ذلك؟ # ذكرت في آخر حديثي السابق أن صورة الماضي العربية القادمة من خارج مصر كثيرا ما ~~تلتقي مع صورة مصرية حديثة فيتعذر اللقاء بينهما وتساءلت عن سبب تعذر اللقاء - بمعنى ~~التمازج - الذي أصبح يقض مضاجعنا هذه الأيام. والإجابة يسيرة وهي أننا حين نعود إلى ~~العناصر العربية في الصورة، لا نعود إليها باعتبارها عناصر تاريخية؛ أي عناصر حياة بدوية ~~بدائية عرفتها الجزيرة العربية شمالا وجنوبا في القرون السابقة للإسلام (وإن كانت قد ~~استمرت بعده إلى حد ما)، ولكننا نعود إليها باعتبارها أمثلة عليا للحياة يطمح إليها ~~الإنسان في كل عصر؛ ومن ثم فهي تمثل في نظر الكثيرين المستقبل الذي ترنو إليه الأبصار؛ ~~ومن ثم يتعذر التوفيق بينها وبين صور الحضارة الحديثة التي لم تعد مقصورة على دولة دون ~~أخرى؛ فهي بحق حضارة العصر الذي نعيش فيه ولا مهرب لنا منه، فهو زمننا حقا ~~وصدقا. # ومثلما تعمدت ذكر تعبير العناصر، أتعمد هنا ذكر الماضي والمستقبل، فعناصر صورة ~~الماضي التي أعنيها تضم فيما تضم عناصر عصبية عمياء، وتضم عناصر استبداد واستعباد وقهر، ~~وتضم عناصر جهل يتبدى في ترديد الأقوال وروايتها دون تحقق وتمحيص، وفي الإيمان ~~بالخرافات والأساطير، وهو ما جاء الإسلام ليدحضه ويرسي مكانه قواعد المساواة والتآخي ~~والتسامح والعلم. ولكننا لا نقف لنتساءل عن مدى صلاحية عناصر الماضي التي ذكرتها ~~لحياتنا في الحاضر أو المستقبل، بل ولا نتساءل حتى إذا كانت تتفق وروح الدين ونصوصه أم ~~لا، بل إننا نقبلها كما هي مهما كان فيها من مثالب؛ إذ ms130 نرى فيها جذورنا وننسب إليها فضل ~~ما نحن فيه! # إن للماضي سحرا لا يقاوم؛ فهو تاريخ حافل ممتع، ولكننا ينبغي أن نقرأ هذا التاريخ ~~بحذر، واعين دائما أنه تاريخ وليس حاضرا، وينبغي ثانيا أن نعرف أنه كان يوجد إلى ~~جانب البقع المشرقة الوضيئة في هذا التاريخ بقع مظلمة كالحة مخجلة؛ أي إن علينا - إذا ~~أردنا إدراك معنى هذا التاريخ - أن نرى الصورة كاملة، ونحن لن نراها كاملة إلا إذا ~~رأينا بقع الظلام إلى جانب بقع النور، وسوف نعرف من خلال ذلك الجهد أن أجدادنا كانوا ~~بشرا مثلنا، يصيبون ويخطئون، وأن صورة الماضي كانت غاصة بما يشين ولا يشرف، وإذا ~~نظرنا من وجهة نظر موضوعية بحتة وجدنا أن صورة مصر في الماضي لا يمكن أن تلتقي وتمتزج ~~بصورة الحاضر أو بما نرجوه لها في المستقبل! # إن الذين ينشدون الجذور - وجذورنا ممتدة في أعماق الماضي البعيد - أحيانا ما تختلط ~~عليهم أحكام القيمة، مثلما تختلط عليهم الصورة؛ فبعضهم يخلط بحسن نية بين الإسلام العظيم ~~وتاريخ المسلمين الذي أورثنا أشياء أبعد ما تكون عن الإسلام، وهو يخلط ، وفي هذا الخلط ~~كل الخطر، بين الإسلام كقيم عليا تصلح لكل زمان ومكان؛ لأنها فوق الزمان والمكان، وبين ~~ما كان المسلمون يفعلونه باسم الإسلام. ولذلك فأنا أنبه دائما لضرورة التمييز عند ~~تصدينا للتراث بين التراث الأدبي أو اللغوي - تراث العربية الطويلة الحافل - وبين ما ~~يتضمنه هذا التراث من قيم التاريخ؛ إذ إن هذه القيم كثيرا ما تختلط بمبادئ الماضي ~~فتكتسب قداسة غريبة تكاد تدسها دسا بين قيم الدين ومبادئه! أي إن علينا حين نقرأ أدب ~~الماضي أن نعرف أنه ينتمي إلى الماضي، ولا ينسحب على الحاضر؛ ولذلك فقد نعجب ببراعة ~~المتنبي في مدح كافور الإخشيدي إذ يقول: # ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا # قبل اكتهال أديبا قبل تأديب # مجربا فهما من قبل تجربة # مهذبا كرما من غير تهذيب # حتى أصاب من الدنيا نهايتها # وهمه في ابتداءات وتشبيب # يدبر الملك من مصر إلى عدن # إلى العراق فأرض الروم فالنوب # فالحمد ms131 قبل له والحمد بعد لها # وللقنا ولإدلاجي وتأويبي # وكيف أكفر يا كافور نعمتها # وقد بلغنك بي يا كل مطلوبي # وقد أتيت بالبيتين الأخيرين حتى أري القارئ مدى كذب المتنبي في مدحه كافورا، ~~فالحمد لله أولا وأخيرا، والكفر كلمة مرتبطة بالدين، ولكن حرص المتنبي على إرضاء ~~كافور جعله يبالغ هذه المبالغة الممجوجة. ولقد اقتبست هذه الأبيات من المتنبي بوجه خاص ~~بسبب شهرته ومعرفة القارئ به. أقول: قد نعجب ببراعته في صياغة الشعر في مدح كافور ثم ~~نعجب ببراعته في هجائه إذ يقول: # ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم # إلا وفي يده من نتنها عود # من كل رخو وكاء البطن منفتق # لا في الرجال ولا النسوان معدود # أكلما اغتال عبد السوء سيده # أو خانه فله في مصر تمهيد # صار الخصي إمام الآبقين بها # فالحر مستعبد والعبد معبود # لا تشتر العبد إلا والعصا معه # إن العبيد لأنجاس مناكيد # والقصيدة مشهورة ومعروفة لكل من قرأ التراث العربي؛ ولذلك فهي تدل دلالة أكبر من ~~مئات القصائد وعشرات الأسماء التي يوردها الثعالبي في يتيمة الدهر، على فساد القيم ~~التي نستقيها من التراث الأدبي فندرجها في الحاضر دون وعي بأنها تاريخ باد وانقضى! إن ~~الشعر جميل ولا شك، ولكنه كاذب! وربما كان أعذب الشعر أكذبه، وربما كان أعذب التراث ~~كذلك - ولكن مرامنا الآن مفهوم القوة وصورة المرأة، ولكل منهما حديث مستقل. # مفهوم القوة # إلى عهد قريب كان مفهوم القوة المادية بشريا؛ أي يعتمد على الإنسان نفسه جسما ~~ونفسا، وما زال هذا المفهوم قائما إلى حد ما في ريف مصر حيث يفرح الأب بأبنائه الذكور ~~باعتبارهم مصدر قوة يسمونها في الريف «عزوة»، وما زالت بعض البلدان تفرح بكثرة الرجال ~~باعتبارهم مورد قوة ومصدر منعة، ولكن الحال قد اختلف في بلدان العالم المتقدمة على مدار ~~القرن العشرين الذي يوشك أن يطوي صفحته، فأصبحت القوة لا تقاس بضخامة الجسم ولا ~~بالعضلات المفتولة ولا بالكثرة العددية، بل أصبحت تقاس بمعايير جديدة تستند إلى ما أتت ~~به العلوم الحديثة من فنون القتل ms132 والدمار، وما تعتمد عليه من معلومات يحصل عليها من ~~يريد الغلبة بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة، وأصبح معيار القوة هو إمكان تدمير آلات ~~الحرب الجبارة، أو كشف خطط القتال لإفسادها قبل وقوعها، وإدراك النوايا لإحباطها ومنع ~~تحقيقها، فتلت الحرب الساخنة ألوان من الحرب الباردة، استخدمت فيها فنون التهديد وفنون ~~الإرهاب والتخويف؛ أي فنون الحرب النفسية والضغوط الاقتصادية، وكل هذا بإيجاز في إطار ~~العلوم الطبيعية الحديثة التي لم يكن آباؤنا وأجدادنا يحيطون بشيء منها. # وفي إطار المعاني الجديدة للقوة، اختلف معنى الشجاعة، واختلف معها عدد لا يحصى من القيم ~~التي كان أجدادنا يحرصون عليها؛ مثل الشهامة والمروءة، والنجدة والرحمة، فإذا كان مفهوم ~~القوة تجرد من المنازلة الجسدية المباشرة حيث كان الأبطال يلتقون في حومة الوغى ~~ويلتحمون في القتال المباشر؛ فإن الشجاعة أصبحت قيمة نفسية تتحول إلى تدبير علمي مجرد ~~من هذه القيمة النفسية ذاتها؛ أي إن الذي يضع خطة قذف مكان ما بالقنابل قد يكون خلوا ~~من الشجاعة، بل قد يكون جبانا رعديدا، بل إن واضع خطط الحرب قد يفتقر هو نفسه إلى ~~العنصر البشري بإطلاقه، فقد يكون حاسبا آليا أصم، وقد يتكون من مجموعة من الآلات ~~الحاسبة التي يديرها شيخ هرم خائر القوى، أو امرأة لا شأن لها بالضرب والطعان! القائد ~~السياسي الذي يتخذ قرار الحرب لا يستطيع اليوم أن يتصور وهو في مكتبه محاطا بمستشاريه ~~وأعوانه مدى المعاناة التي يمكن أن يتعرض لها من لا ناقة له ولا جمل في تلك الحرب! ~~فأمامه أرقام وخلفه أرقام، وعن يمينه أوراق وعن شماله أوراق، وينطبق نفس القول على ~~المقاتل الذي يطلق النار على العدو؛ فهو يركز اهتمامه على آلة من حديد ونحاس، والعدو في ~~نظره ليس إنسانا بقدر ما هو هدف محدد أمر بتدميره! وهكذا فإن غياب عنصر التلاحم ~~البشري والاشتباك الجسدي قد حول مفهوم القوة إلى أشكال تجريدية يدركها العقل ويعيها ~~دون أن تصل إلى أعماق النفس فتهزها وتثيرها. # ولذلك فالإنسان العربي الذي نشأ في كنف التراث وتشربه حتى تمكن ms133 منه، لا يستطيع مهما ~~كان الحال أن يرى صورة القوة القديمة حية مجسدة ويظل مفهوم الشجاعة المرتبط بهذه الصورة ~~القديمة حائرا لا يقر به قرار؛ وهو من ثم لا يستطيع أن يفهم ما يرتبط بمفهوم الشجاعة ~~من شهامة تتجلى في لحظة العفو عند المقدرة، أو من مروءة تتجلى في تقديم العون لأسير وقع ~~في الميدان، أو من نجدة تدفعه إلى غوث ملهوف أعلن توبته، وما إلى ذلك؛ فالعربي ابن ~~اليوم في أعماقه عربي من أبناء الأمس، وعندما نشهد سلوكا محيرا لابن اليوم فينبغي أن ~~نغوص إلى الأعماق حتى نسأل الإنسان الكامن في داخله عن سر هذا السلوك! # وأنصع مثل على المواجهة بين الماضي والحاضر نجدها في كتاب الشيخ أحمد الرمال بن ~~زنبل، وعنوانه وقعة الغوري والسلطان سليم وما جرى بينهما، وقد وضعه في القرن السادس ~~عشر الميلادي؛ أي العاشر الهجري، ونشر جزء منه في أوائل القرن العشرين في الأستانة، ثم نشر ~~بأكمله في القاهرة عام 1962م بتحقيق عبد المنعم عامر. ويدور الكتاب برمته عن مفهومين ~~للقوة وما يتصل بها من قيم؛ إذ ينعي المؤلف في ثنايا الكتاب على العثمانيين ضعفهم ~~وجبنهم وخورهم ونقص همتهم، ويعلي من شأن المماليك لتحليهم بصفات الأجداد مما أشرت إليه ~~آنفا، وتتجسد المقابلة بين المذهبين في اللقاء بين كرتباي الوالي وبين السلطان ~~سليم بعد أن قبض عليه وأتي به أسيرا، ويورد لنا الشيخ الرمالي جانبا من الحوار ~~بينهما وما يقوله الأمير كرتباي بالحرف الواحد، وفيما يلي جانب منه: ~~«اسمع كلامي وأصغ إليه حتى تعلم أنت وغيرك أن منا فرسان المنايا والموت الأحمر؛ ~~فأمر عسكرك أن يتركوا ضرب البندق فقط، وها أنت معك مائتا ألف فارس من جميع الأجناس، وقف ~~مكانك وصف عسكرك، ويخرج لك منا ثلاثة أنفار: عبد الله والفارس الكرار السلطان ~~طومان باي والأمير علان. وانظر بعينك كيف يفعل هؤلاء الثلاثة تبقى تعرف روحك إن كنت ~~ملكا أو يصلح لك أن تكون ملكا، فإن الملك لا يصلح إلا لمن يكون من الأبطال المجنورة، ~~كما كان ms134 عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، فانظر في التواريخ» (ص58 من طبعة ~~القاهرة). # ثم يستمر قائلا في سياق مهاجمته: «استخدم البنادق بدلا من السيوف.» ~~«وهذه هي البندق التي لو رمت بها امرأة لمنعت بها كذا وكذا إنسانا، ونحن لو اخترنا ~~الرمي بها ما سبقتنا إليه، ولكن نحن قوم لا نترك سنة نبينا محمد، ويا ويلك كيف ترمي ~~بالنار على من يشهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة؟!» (نفس ~~المرجع.) # وهذه الأفكار الخاصة بفلسفة الحرب والحكم لدى المماليك ليست مجرد أفكار عابرة يمكن ~~تصحيحها وتصويبها حتى تستقيم الحياة، ولكنها ظواهر للعيش في الماضي بعد أن تغير الزمن ~~واخترعت البندقية، وكان لا بد أن تستجيب أذهان المماليك للتغير، ولكن تفكيرهم ظل ~~مقصورا وخصوصا فيما يتصل بمفهوم الحكم؛ فهم يتصورون أنه لا بد أن يقوم على الغلبة؛ أي ~~على القوة الغاشمة كما يشرح ذلك ابن خلدون في المقدمة باعتبار أن الغلبة أول مراحل ~~الملك، ومعنى ذلك باختصار: أن المماليك وقفوا في تفكيرهم عند المرحلة الأولى، ولم ~~يكملوا قراءة ابن خلدون الذي كان قد توفي في مطلع القرن السابق (الخامس عشر)! ومعنى ~~إساءة فهمهم للتراث ترحيبهم بسيادة منطق القوة والاستبداد والقهر مما يتناقض مع الإشارة ~~في نفس الفقرة إلى السلف الصالح وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام! ومعناه إذن فساد ~~التفكير أي فساد المنهج، وفساد المنهج يؤدي إلى الخطأ القاتل الذي يرتكبه المماليك في ~~رفضهم استخدام البنادق، وانظر ما كان من شأن السلطان الغوري الذي يمتدحه الجميع اليوم ~~باسم التراث ويترحمون على أيامه. يقول الشيخ الرمال: ~~«وقد جاء بهذه البندقية رجل مغربي للسلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري، رحمه الله ~~تعالى، وأخبره أن هذه البندقية ظهرت من بلاد البندق، وقد استعملها جميع عساكر الروم ~~والعرب، وهي هذه، فأمره أن يعلمها لبعض مماليكه ففعل، وجيء بهم فرموا بحضرته ~~فساءه ذلك. وقال للمغربي: نحن لا نترك سنة نبينا ونتبع سنة النصارى، وقد قال الله: # فلا غالب لكم ~~. فرجع ذلك المغربي وهو يقول: ~~من عاش ينظر ms135 إلى هذا الملك وهو يؤخذ بهذه البندقية، وقد كان كذلك، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم» (ص58-59). # والغريب أنه حتى بعد ثلاثة قرون من انتصار البندقية والمدفع ظل المماليك على عدائهم ~~للحرب بالنار، وكانت النتيجة مثلما يقول الأستاذ حسن جلال في كتابه حياة نابليون أن ~~مدافع الفرنسيين حصدت المماليك حصدا في موقعة الأهرام رغم استخدامهم الأسلحة النارية. ~~ويفسر ذلك المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي قائلا: إن المماليك لم يكونوا يستخدمون ~~الأسلحة النارية عن اقتناع، بل كانوا يعتمدون على السيف والرماح والنبال، وكان من بينهم ~~من يشيع فيهم الإحساس بالذنب العظيم للرامي بالنار. # ولقد سقت هذا المثل لأدلل على معنى الخلط المنهجي الذي ينبع من اختلاط صور الماضي ~~بالحاضر واختلاط القيم النابعة من التراث دون إدراك للتغيير الذي لا بد أن يحدث؛ فهو ~~محتوم ولا مهرب منه. وإذا كنا قد عدلنا من مفهومنا للقوة فإننا لا نزال ندهش عندما نجد ~~في هذا العالم الواسع أمما تزعم لنفسها التقدم بينما تمارس منطق القوة والبطش، وتمارس ~~التسلط والتحكم والقهر، بينما تقول كلاما لا يشي بهذا، ونحن ندهش لأننا رضعنا في ~~طفولتنا قيما مغايرة من التراث، وفي أعماق كل عربي منهل إيمان بالخير لا ينضب؛ فهو لا ~~يستطيع التوفيق بين ما درج عليه وبين ما يراه حوله، ويبدو أن هذا قدرنا الذي لا فكاك ~~منه! # المرأة في الأدب # ورثنا فيما ورثنا من الأسلاف صورا منوعة للمرأة، تدور جميعا حول جمالها والمعاناة في ~~الوصول إليها، وقد أدى هذا وذاك إلى تقاليد الغزل والنسيب، ودرجنا نجرع الشعر الذي ~~يتغنى بحسن المرأة ويشكو آلام الفراق، بينما اختلف العالم اختلافا نزع «هالة ضوء ~~القمر» - كما يقول أحد نقاد الغرب - من حول المرأة، وأبدلها ضوء النهار العادي، بعد أن ~~خرجت إلى العمل وشاركت الرجل حياته في الحقل والمصنع، والمدرسة والمستشفى! والمرأة التي ~~يقدمها التراث إلينا مخلوق صامت، جمع إلى حسنه سحرا وغموضا وبعدا عن عالم الناس، ~~فأما الصمت فمصدره أمران: أولهما عدم الحاجة إلى الكلام؛ لأن الكلام ms136 جهد لا غناء فيه من ~~جانب كائن لا يتوقع أحد أن يفيض فمه بلآلئ الحكمة، وثانيهما لأن الصمت يساهم في جو ~~الغموض الذي يفترضه المجتمع في المرأة. ولذلك فنحن لا نسمع المرأة في الأدب العربي ~~القديم إلا حين تتقدم في السن ويزول خطر الغموض؛ فأصوات النساء في هذا الأدب خافتة ~~بعيدة واهنة، ولا علاقة لها بأصواتهن التي تملأ علينا حياتنا الواقعية ليلا ~~ونهارا! # وصورة المرأة في الأدب العربي منذ الجاهلية حتى فجر النهضة الحديثة صورة جسدية، لا ~~أجد أقدر على إيصالها من وصف يوم ذي قار الذي ورد في تاريخ الطبري (الجزء الثاني، ~~ص148)، ووردت الأشعار والأخبار المتصلة به في الأغاني للأصفهاني (ج2، ص97) والعقد ~~الفريد لابن عبد ربه (ج3، ص374)، ومعجم البلدان لياقوت (ج3، ص352)؛ ففي مختلف ~~الروايات عن هذا اليوم تبرز قضية وصف المرأة المثالية وهي تبرز في سياق أصل الخلاف بين ~~كسرى أنوشروان ملك الفرس والنعمان بن المنذر ملك الحيرة في الجاهلية، وذلك حين رفض ~~النعمان إهداء جارية إلى كسرى بالأوصاف التالي ذكرها: ~~... جارية معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء قمراء، وطفاء كحلاء، دعجاء حوراء، ~~عيناء، قنواء، شماء برجاء زجاء ، أسيلة الخد، شهية المقبل، جثلة الشعر، عظيمة الهامة، ~~بعيدة مهوى القرط، عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاش المنكب والعضد، حسنة ~~المعصم، لطيف الكف، سبطة البنان، ضامرة البطن، خميصة الخصر، غرنى الوشاح، رداح الأقبال، ~~رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة الماكمتين، مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، ~~لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، بضة المتجرد، سموعا للسيد، ليست بخنساء ~~ولا سفعاء، رقيقة الأنف، عزيزة النفر، لم تقذ في توس، حيية رزينة، حليمة ركينة، كريمة ~~الخال، تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها، وتستغني بفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد ~~أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفين، ~~قطيعة اللسان، رهوة الصوت ساكنته، تزين الولي، وتشين العدو ... # وقد حذفت بعض العبارات التي نعتبرها اليوم خارجة، وفيما عدا ذلك أوردت النص كاملا ~~كي أدلل على ms137 موقفنا التراثي من المرأة؛ فما شأن هذه الجارية (أي الفتاة) التي طلبها ~~كسرى ورفض تقديمها النعمان؟ إنها صورة المرأة المثالية كما ذكرت، ويستطيع القارئ أن ~~يحصي أكثر من أربعين وصفا حسيا جسديا لها، تتلوها بضعة أوصاف لأخلاقها تدور حول ~~الطاعة والخفر والحياء والجنوح إلى الصمت! # وقد اتبع الشعراء هذه الملامح لصورة المرأة في غزلهم ونسيبهم وتشبيبهم بلا استثناء ~~تقريبا، بحيث يستعصي على من يقرأ أدبنا الذي ورثناه أن يرسم صورة صادقة للحياة النفسية ~~للمرأة على مدى تاريخنا الطويل، والأخبار المتناثرة هنا وهناك في كتب التاريخ الأدبي لا ~~تكاد تفصح عن كائن حي متميز، فحياتها الباطنة سر، وهي حتى إذا شاركت الشعراء والأدباء ~~شعرهم وأدبهم حاكتهم وقالت قولهم! فكذلك فعلت الخنساء في رثاء أخيها، وكذلك فعلت عائشة ~~التيمورية حين تصدت للغزل! وليأذن لي القارئ أن أسوق إليه أبياتا من الشعر وأطلب منه ~~أن يحدس قائلها: # أبيت ومؤنسي الخفاش ليلا # وحالي فيه شر الحالتين # فذاك بنور عينيه مهنى # ولي أسف بحجب المقلتين # وأبسط للظلام أكف بثي # وأشقى لوعة بالظلمتين # تراني معرضا عن كل ضوء # فهل خاصمت نور النيرين؟ # ينافرني السنا فأفر منه # كأن الضوء يطلبني بدين! # وأجنح للظلام جنوح صب # دنا لحبيبه بالرقمتين! # هل تصدق أيها القارئ العزيز أن الشاعر هنا هو السيدة عائشة التيمورية؟ إنها تشير ~~إلى نفسها بصفات المذكر؛ فهي معرض عن كل ضوء، وهي تجنح جنوح الصب المستهام، وأهم من ~~ذلك أنها وضعت نفسها في موضع الرجال؛ شعوريا وفكريا ولغويا! ويكفي لإدراك ~~التناقض بين المرأة التي تنشد هذا الشعر والمرأة التي يصورها المنخل اليشكري في ~~رائيته المشهورة: # ولقد دخلت على الفتا # ة الخدر في اليوم المطير # الكاعب الحسناء تر # فل في الدمقس وفي الحرير # فدفعتها فتدافعت # مشي القطاة إلى الغدير # ولثمتها فتنفست # كتنفس الظبي الغرير # ويروى البيت أيضا: ~~(وعطفتها فتعطفت # كتعطف الظبي الغرير) # فدنت وقالت يا منخ # ل ما بجسمك من حرور # ما شف جسمي غير ح # بك فاهدئي عني وسيري # وأحبها وتحبني # ويحب ناقتها بعيري # هل كأن المنخل ms138 اليشكري يحلم؟ أم هذا من خيالات الشعراء المقبولة في الجاهلية وفي كل ~~زمان؟ وهل من خيالاته التي ولدها تولهه بحب هند بنت النعمان بن المنذر بن ماء السماء ~~حاكم الحيرة؟ على أي حال فالتناقض شديد بين المرأة الصامتة التي لا تتحدث إلا لتسأل ~~الشاعر عن حال حبه أو لتعترض عليه (كقول امرئ القيس: # فقالت سباك الله إنك فاضحي # ألست ترى السمار والناس أحوالي؟) # أو لتؤكد هذا الحب (كما تفعل حبيبة يزيد بن معاوية التي ~~تقول: إن الخضاب في يدها من أثر البكاء الذي تحول إلى دم)، وبين الشاعرة التي تحاكي ~~الرجال في شعرهم فلا تبلغ صدقهم ولا تفصح عن شيء حقيقي في صدرها! # والحق إن الحوار المصطنع في تراثنا الشعري لا يكاد يبلغ حد الحوار بمعناه المفهوم ~~ولكنه محاورة من طرف واحد - كما نقول في أيامنا هذه - وانظر إلى أبي فراس الحمداني ~~مثلا: # تسائلني من أنت وهي عليمة # وهل لفتى مثلي على حاله نكر # فقلت لها لو شئت لم تتعنتي # ولم تسألي عني وعندك بي خبر! # فقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا # فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر! # أو انظر إلى قول صفي الدين الحلي: # قالت كحلت الجنون بالوسن # قلت انتظارا لطيفك الحسن! # قالت تخليت بعد فرقتنا # فقلت عن مسكني وعن سكني! # فهذه المحاورات التي شاعت في تراثنا الشعري تمثل وجهة نظر الشاعر نفسه، ولا تمثل ~~صدقا نظرة المرأة؛ ولذلك فإن الشعراء لم يجدوا بأسا في أن يستهلوا قصائدهم بالحوار مع ~~المرأة إلى جانب الغزل أيا كان موضوع القصيدة استنادا إلى أن هذه «حلية» وحسب، وأن ~~القارئ ينبغي أن يعرف أن الفتيات - ذكرت أسماؤهن أم لم تذكر - ينتمين إلى عالم الخيال، ~~وأذكر شاعرا - رحمه الله - كتب قصيدة دفاعا عن دين الله الحنيف فبدأها بهذه ~~الأبيات: # الكون من أنفاسهن تعطرا # والغصن للإعجاب مال تخطرا # يذرفن في ذهب الأصيل ووشيه # دمعا على الخدين لؤلؤه جرى # فسألتهن لم البكاء أجبنني # خوفا على الإسلام أن يتقهقرا # فأجبتهن الله أيد دينه # وأقام للإسلام فيه ms139 غضنفرا # وعندما لمته على هذه البداية المصطنعة قال لي إنها من تقاليدنا ونحن لا نستطيع الفكاك ~~من أسر التقاليد! وعندها ذكرت مئات الأغاني العربية سواء منها المكتوبة بالفصحى أو ~~العامية، والتي ترسم صورا للعلاقة بين الرجل والمرأة تستند إلى ميراث الشعر القائم على ~~«الخيالات»؛ (فأعذب الشعر أكذبه) ولا يمكن أن تتحقق بأي صورة من الصور في عالمنا الحقيقي ~~الملموس ونحن نصر على أن ننقل في شعرنا الفصيح والعامي عن الماضي نقلا مباشرا غير ~~واعين بالتغير الذي فرض نفسه فرضا على حياتنا؛ إذ ما نزال أسرى ازدواجية ~~الزمن! # عام مصر الرائعة # كان الجو يوحي بأوروبا القديمة، وقد اكتست القاعة أزهى حللها، والكل يترقب اللحظة ~~التي تقدم فيها كريمتا نجيب محفوظ لتسلم الجائزة الكبرى، عندما انبعثت أنغام شرقية ~~حانية، يسودها صوت آلة التشيلو وظهر على شاشة التليفزيون الموسيقار المصري ناجي أحمد ~~الحبشي الذي طاف الدنيا بموسيقاه المصرية، وهو يحتضن آلته المفضلة، ورأيت وجهه الذي ~~كسته الغضون وشعره الذي انحسر وما خطه الشيب إلا قليلا. وقرأت على محياه انفعالا لم ~~أعهده فيه - ولم أكن قد رأيته منذ أوائل الستينيات بعد عودته من بعثته في إيطاليا - ~~وأحسست بدفقات قلبه في المقامات المينور (الصغيرة) فكأنما كانت الأنغام هي مصر التي ~~تعيش في وجدانه، وشعرت به يرنو إلينا وهو في تلك الأصقاع الباردة، بينما ترنو إليه ~~أنظار العالم تسمع فيه مصر وتراها، وغلبني التأثر فغلبتني العبرات. # كانت مصر قد تحولت في تلك اللحظة إلى ذهن جبار يرمز له نجيب محفوظ مثلما يرمز له ~~أبناؤه من الكتاب الذين أبدعوا إبداعات رائعة، سواء كانت استمرارا لمذهبه أو خروجا ~~عليه، وأحسست أن وفاء النيل هذا العام كان في معنى من المعاني رمزا لتدفق العطاء في ~~أرض هذا الوادي، وأن فترات الجدب من حين إلى حين ما هي إلا نذر، تذكرنا بأننا لا بد أن ~~نعمل، وبأننا إذا عملنا فحرثنا وبذرنا ورعينا وسهرنا فالحصاد يرعاه رب الكون. # كيف تجتمع في صورة واحدة آلاف الصور؟ وكيف تتكثف لحظات الزمن في لحظة ms140 واحدة؟ لا أزعم ~~أنني أعرف الإجابة، ولكن الزمن - هذا اللغز الأكبر - كان قد توقف ليضم شتى المشاعر التي ~~انضغطت فتبلورت وسطعت كأنها شهاب يذهب بالأبصار سناه. وأطلت من ثنايا النفس صور مصر ~~والمصريين الذين عرفتهم إبان مقامي سنوات عشرا في أوروبا؛ «أذهان العالم» هكذا كانوا ~~يسموننا في إنجلترا، أيا كان ما نفعل وأيا كان التخصص الذي اختاره كل منا. فهذا ~~طبيب شاب يعمل في مستشفى إقليمي عامين اثنين يثبت فيهما براعة مذهلة يعين بعدها مدرسا ~~للجراحة في الجامعة، وذاك مهندس تضيق به سبل العيش في مصر فيعمل في أحد الفنادق عدة ~~أعوام ولا يلبث أن يشتري سلسلة من الفنادق! وبين هذا وذاك عشرات من المصريين الذين ~~عرفتهم لا يرضون بغير القمة ويجبرون أمم الأرض على ألا تخلط بين مصريتهم والجنسيات ~~الأخرى. # وانثالت الصور التي تؤدي إلى سؤال أوحد: هل كان على ناجي الحبشي أن يقيم في السويد ~~حتى نقر له بالامتياز ونعترف له بالتفوق؟ هل كان على موسيقاه أن تأتينا عبر الأثير حتى ~~نقول إنه موسيقار عالمي؟ أعلينا أن ننتظر اعتراف العالم بنا حتى نسترد ثقتنا في أنفسنا؟ ~~لقد كنت من المؤمنين دائما بعبقرية مصر، وحولي في كل مكان دلائل قاطعة على تميز الذهن ~~المصري والموهبة المصرية، ولكننا - بكل أسف - ما زلنا نعيش في أطر العهود الغابرة التي ~~أجبرنا فيها إجبارا على احترام ما هو أجنبي وازدراء ما هو محلي! بل إن بيننا من لا ~~يخامره شك في امتياز أي عمل أدبي ما دام مكتوبا بلغة أوروبية، ومن يقطب جبينه وتعلوه ~~سيماء الترفع حين ينظر إلى ما هو مكتوب بالعربية، بل إننا ندرس في الجامعة بعض صغار ~~الشعراء من الأوروبيين الذين لا يستحقون القراءة أصلا، ونتجاهل فحول الشعراء من ~~المصريين الذين يرقون إلى مصاف العالمية الحقة. # لقد كان عام 1988م عام العبقرية المصرية، عام مصر الرائعة، فأرجو أن نعي الدرس جيدا ~~وأن نحترم مبدعينا ومفكرينا من الرواد والمعاصرين، وألا ننتظر جائزة نوبل أخرى حتى ~~نحترم القمم التي تعيش بين ظهرانينا ms141 ولم تبلغ من العمر أرذله، فربما لا يكتب لهذه القمم ~~أن تبلغ هذه السن. # | شوارد # لدى الباب قطة # لدى باب مسكننا قطة. وهي قطة لم تقرر بعد أن تكون أليفة؛ بحيث تسمح لمن يطعمها أن ~~يمسح ظهرها أو يمس رأسها، ولكنها قررت منذ ما يقرب من عامين أن تقيم في المنزل أمام عدد ~~من الشقق التي تقدم لها الطعام أو الدفء في الشتاء، ومنذ ذلك الحين تحسن صوت موائها ~~فأصبح طبيعيا بعد أن كان حشرجة لا تكاد تبين، وأصبح فراؤها ناعما (فيما يبدو) براقا ~~زاهيا كثيفا، وحملت وأنجبت عدة مرات، وظل أحد أبنائها لصيقا بها حتى بعد أن اكتمل ~~نموه واشتد عوده، وزال عنها الخوف القديم من قطط الشارع الزائرة للمنزل بحثا عن الطعام، ~~أو الذكور المتقدمين طلبا للزواج منها في مواسم معينة، فأصبحت تموء في وجوه هذا وذلك، ~~وتقوس ظهرها غضبا، أو تتمسح بركن من أركان السلم في سعادة ورضا. # ولم أعجب للتحول الذي طرأ عليها في الأيام الأخيرة في عادات طعامها وميلها إلى ~~التدقيق في اختيار ما تقبله منه؛ فالنعمة البادية عليها تفرض عليها ألا تلتهم كل ما ~~يقدم لها؛ إذ زال قلقها على المستقبل، ولم تعد تخشى الغد - فيما يبدو - بل أحيانا ما ~~تظهر اطمئنانا غير معهود في قطط الطريق، فلا تلتفت إلى الطعام المقدم برهة من الوقت، ~~أو تشمه ثم تشيح عنه بوجهها، ربما انتظارا لما هو أشهى منه أو لوجبة خاصة تتوقعها من ~~أحد السكان الكرماء. # وليس من الغريب أن أهتم بهذا التحول الشامل في حياتها؛ فقد شهدت تحولات مماثلة في ~~حياة كثير من البشر من أبناء مصر، ووجدت أنني لست أول كاتب يهتم بالقطط وحياتها؛ إذ ~~يبدو أن هذا الحيوان الأليف الذي صاحب الإنسان آلاف السنين قد شغل كثيرا من الكتاب ~~في شتى أنحاء العالم. وذكرت أنني قرأت أن المصريين القدماء كانوا أول من استأنس القط، ~~وأن أقدم صوره وتماثيله موجودة في معابدهم، وأنهم أسموه «باشت» وأن هذه اللفظة نفسها قد ~~تطورت إلى «باس» ms142 و«بوس» و«بسبس» والكلمة الأجنبية «بوسي». وذكرت أيضا أن القط غير ~~المستأنس كان العرب يسمونه «السنور» ويسمون المستأنس منه «الهرة» وأن اهتمامهم به ~~لم يكن يقل عن اهتمام غيرهم من الشعوب الأولى - فكان رمزا لبعض الخصائص البشرية التي ~~أعلى الإنسان القديم قيمتها - فهو صائد ماهر، وهو ذو عضلات مرنة تمكنه من الوثب مسافات ~~طويلة، وهو يتمتع بعينين تتفتح حدقتاهما في الظلام فتمكنه من الرؤية في الأماكن التي ~~نعتبرها مظلمة، كما أن على عينيه عدسات عاكسة للضوء فكأنهما تشع نورا في الظلمة يخيف ~~الأعداء، وأهم من هذا وذاك جميعا أنه يتمتع بالاستقلال أو ما يشبه الإباء والشمم؛ فهو ~~بريء من خضوع الكلب وخنوعه لا يقبل أن يمتلكه أحد، ولكنه يقيم علاقته على أساس الصداقة ~~و«المصلحة»، وهو إلى هذا كله كسول إذا لم يكن لديه داع للنشاط، ويقول العلماء إنه إذا ~~توافر له ما يغنيه قضى سبعة أثمان عمره نائما أو مستلقيا في استرخاء وحسب! # ولم يهمل الأدباء هذه الخصال في القطة، فكثرت الإشارات إلى حياة القطط في الروايات ~~والأشعار، فلم ينسها أحمد شوقي وكتب ت. س. إليوت ديوانا كاملا عن قططه، وفي مصر ~~كتب محمد عبد العزيز (المخرج المسرحي) رواية عن قطة له، كما يكثر المخرجون ~~السينمائيون من استخدامها رموزا في أفلامهم ولكنني أهتم بقطتنا لدى الباب لسبب آخر لم ~~يخطر ببال أي من هؤلاء ما أسميته بالتحول إلى حياة الترف، وما صاحبه من تعديل علاقاتها ~~بمجتمع البشر والقطط على حد سواء. # أنجبت هذه القطة على مدى عامين ما يربو على عشرين قطا وقطة، وتفرق أولادها في كل ~~مكان يطلبون الرزق، بينما لم تكترث هي إلا لنعيم حياتها وهنائها، واختيار أقوى الأزواج ~~وأعتاهم، وحددت لنفسها ما تريده من الدنيا في هذه الحقبة الجديدة، ألا وهو التمتع بملاذ ~~الحياة الجسدية بعد أن تهيأ لها رغد العيش وغدت تتقلب في أعطاف النعيم غير عابئة بما ~~يدور حولها. # وأصبحت القطة المذكورة نموذجا لما حدث للكثيرين من معارفي الذين ابتسم لهم الحظ؛ إذ ~~انتقلوا إلى اليسر ms143 بعد العسر، وأصبح هم الواحد منهم أن ينعم ببال هنية جاد بها الدهر ~~دون انتظار؛ إذ أمنوا شر الفقر، ولم يعودوا يخشون الجوع في الغد، فاقتنى أحدهم زوجة ~~جديدة (جميلة وصغيرة) سعد بها وأسعدها، وأنجب رهطا جديدا بعد أن كبر أولاده من ~~الأولى. واكتشف أن القراءة هم لا يحمله إلا الإنسان فأقلع عنها واستراح، وأن الوعي بما ~~يدور من حوله مسئولية كبرى تنوء بحملها الجبال، بل أمانة أبت السموات والأرض والجبال ~~أن يحملنها وأشفقن منها، فتخلى عنها راضيا، واقتصر في أفراحه على ما يهيئه المال ~~والبنون - زينة الحياة الدنيا - من متع وملاذ. # ورأيت في القطة صورة إحدى الطالبات السابقات اللائي تلقين العلم على يدي في الجامعة، ~~ثم قيض الله لها زوجا نابها يحكم فنون جمع المال، فانطلقت معه إلى أحد البلدان الشقيقة ~~ليبدآ رحلة النعيم، ولينهلا من متع الحياة الرخية ما شاء الله لهما، وامتد بهما ~~المقام فتراخت في دروسها، ثم أقلعت عن القراءة، وكفت تماما عن الدرس والتحصيل، وخلدت ~~إلى السكون الذهني، وأصبحت أنباؤها لا تأتيني إلا لماما بعد أن تحولت في قضاء عطلات ~~زوجها وأطفالها إلى أوروبا بدلا من مصر. # ولكن التحول الذي أصاب القطة لا يقتصر على من أقلعوا عن القراءة، ولكنه ينسحب على ~~عشرات ممن أعرفهم من بلدي ومن القاهرة أيضا؛ إذ أعرف من بينهم من أنجبت أحد عشر ولدا ~~هاجروا جميعا دون تعليم ودون اكتساب حرفة إلى البلدان الشقيقة، وأعرف واحدا ما انفك ~~يطلب الزوجة بعد الزوجة وينجب الطفل بعد الطفل حتى وافته المنية وهو في ريعان شبابه، ~~بعد أن خلف لأخيه تركة مثقلة بالأعباء والهموم. # إن الراحة والكسل هما هدف يحلم به الإنسان منذ أن طرد من جنة الخلد، وهما كما يقول ~~البروفيسور ميلر في كتاب حديث عن علم النفس غاية كل حي، ولكن الراحة التي تأتي بعد ~~لغب فتصيب عقل الإنسان بما يشبه الشلل، تهبط بمستوى الإنسان إلى درجات الوجود الدنيا، ~~مستوى النبات الذي لا ينتقل من مكانه، بل يأتيه الغذاء والماء والهواء ms144 دون حركة، ومستوى ~~القطة التي يأتيها رزقها رغدا فتأكل وتتزوج، وتنجب وتموت. ونحن لا نريد أن نكون قططا ~~على أبواب أحد. # الفراغ والقضية # جمعني مجلس في بلد من بلدان أوروبا بنفر من المثقفين المغتربين الذين أقاموا سنوات ~~طويلة بتلك الديار، فاستوطنها البعض واكتسب جنسيتها، وحاول ذلك البعض الآخر فلم يفلح، ~~وأكد فريق ثالث أنه لا يمكن أن يغير لون جلده؛ فهو مصري وسيظل مصريا إلى النهاية. ~~وسرعان ما تحول الحديث إلى السياسة، فبدأت أسمع نبرات لم أسمع مثيلا لها منذ الستينيات ~~في أوائل فترة إقامتي في بريطانيا، فأعادت إلى ذاكرتي أيام الأحلام الكبرى، وطفقت أحلل ~~وأصنف ما سمعت أياما متوالية، تبعتها أسابيع من المناقشات مع ممثلي كل تيار من ~~التيارات «النفسية» و«الفكرية» التي شهدتها حتى انتهيت إلى نتائج أعتقد أنها تهم كل ~~مشتغل بالثقافة في بلادنا في هذا الوقت بالذات. وها هي أهمها: # يعتنق معظم المغتربين فكرة، هي أقرب إلى النظرة العامة منها إلى النظرية، مفادها أن ~~بالعالم العربي اليوم فراغا «عقائديا» نشأ عن انحسار الفكر الاشتراكي القديم الذي ~~بني على أساس نزعة التحرر والاستقلال، والذي كان يمكن أن يؤدي إلى نهضة كبرى لولا تدخل ~~أهل «اليمين» الذين سيطروا على مجريات الأمور في هذا الجزء من العالم طوال العقدين ~~الماضيين، والذين تبدو آثار تدخلهم في الحياة العامة أكثر من آثار تدخلهم في شئون ~~الثقافة على المستويين العام والخاص. # ومن زاوية هذا الفراغ «العقائدي» تهاجم نسبة كبيرة من المغتربين (معظمهم من ~~«العقائديين» القدماء) كل ما يدور في مصر والعالم العربي، ويرفع واحد من هؤلاء لواء ~~ثورة شخصية على الجميع شعبا وقادة، وينتقون من صحف المعارضة (ومن الصحف القومية) ~~الأخبار والتعليقات التي تدعم ما يذهبون إليه، ويرددونها فيما بينهم بعد تضخيمها ~~وتفخيمها طبعا، وينتهون من ذلك كله إلى أنه لا حل «لمشاكل» مصر إلا إذا عادوا هم ~~أنفسهم فشغلوا المناصب القيادية في شتى المجالات وأعادوا مصر إلى العهد الذهبي ~~للأيديولوجيا «العقائدية» وما أدت إليه من قوة عسكرية واقتصادية واجتماعية لم تشهد مصر ms145 ~~مثيلا لها في نظرهم منذ أقدم عصورها. # ومن بين المثقفين المغتربين نسبة أقل ترى أن «الحل» يتمثل في إحلال قضية جديدة محل ~~«القضية» القديمة؛ أما «القضية» القديمة فكانت بناء الدولة العصرية القوية «المشروع ~~القومي»، وأما القضية الجديدة فهي بناء الحكومة الإسلامية على أكتاف لابسي الجلابيب ~~البيضاء من ذوي اللحى، فهم وحدهم المسلمون - في نظرهم - وهم وحدهم القادرون على فهم ~~الحكم الإسلامي. أما صورة هذا الحكم فهي غائمة مظلمة في نظر معظمهم؛ إذ ينحصر ما ~~يقولونه دفاعا عنه في انتقاد ما يخالف الإسلام في نظرهم من ممارسات اقتصادية أو ~~اجتماعية وحسب؛ أي إن معظم ما يقولونه في هذا الصدد سلبي، ولا يكاد يصل إلى حد الإيجاب ~~إلا في الندرة النادرة. # وتوجد نسبة أخرى من المثقفين المغتربين الذين يعيشون الحاضر دون بكاء على الماضي، فهم ~~هانئون بما آتاهم الله من فضله، يحمدونه ويشكرونه على نعمائه إذ قيض لهم أعمالا تدر ~~آلاف الدولارات في بلاد متقدمة توفر لهم الرعاية الاجتماعية والصحية وكل ما يطمحون إليه ~~من مسرات الدنيا، في مجالات العلم والثقافة والترفيه، وكل ما تطمح إليه نفس المثقف. ~~وقد رأيت منهم من يمارس الموسيقى والغناء، أو يلعب الشطرنج، أو يقرأ بنهم، أو يكتب حين ~~تتاح له الفرصة، أو يخدم أبناء وطنه بدءا بأسرته وانتهاء بأهل جلدته. ولم تنقطع صلة ~~هؤلاء بالوطن الأم؛ فلكل منهم مكان في مصر يقضي فيه شطرا من العام، وأصدقاء يركن إليهم ~~في الملمات ويتطارح معهم الرأي؛ فهو في وفاق مع نفسه وزمنه، وأنا أذكر الزمن هنا لأنه ~~مفتاح إدراكنا لنظرية الفراغ والقضية. # إن المدخل الذي يجب أن نسلكه إلى «نفسية» الفريقين الأولين هو توقف الزمن لديهم عند ~~اللحظة التي غادروا مصر فيها، وقد غادرها معظمهم في فترة التحولات الكبرى في أوائل أو ~~منتصف السبعينيات وما زالت أذهانهم حافلة بأحداث الستينيات، ولما كان عدد كبير منهم ~~يعمل في المجالات الإعلامية فقد كان لكل منهم صولات وجولات في ساحات «العمل العام»، ~~ولكل منهم «ذكريات» في عدة مواقع من مواقع «العمل ms146 الثقافي» الذي ارتبط آنذاك بما أسميته ~~«العمل العام»، بل إن بعضهم ربط نفسه بقضية من القضايا التي وطن نفسه على اعتناقها ~~مدى الحياة، وعلى اعتبار الإخلاص لها إخلاصا للحياة نفسها. أي إن ارتباطه بقضية ما ~~أصبح مصدرا للمعنى الذي يهب لحياته قيمة؛ ومن ثم أصبح يتمسك بهذه القضية تمسكه ~~بالمعنى غير عابئ بمرور الزمن أو بالتحولات التي شهدها العالم من حوله. # والحق أننا لم نتخلف عن الزمن حتى يمكن القول بوجود فراغ أو بعدم وجود قضية، بل إننا ~~سبقنا الزمن - وليس هذا من قبيل الفخر الأجوف - حين أدركنا أن طريق الستينيات (طريق ~~الحروب الإقليمية الخاسرة، والارتجالات الاجتماعية باسم الاشتراكية، والانغلاق على ~~أنفسنا باسم الاستقلال، وامتهان الإنسانية باسم الشرعية الثورية) طريق لا يؤدي إلى ما ~~كنا ننشده ونتمناه، بل هو طريق مسدود كما يشهد بذلك الآن من كانوا من دعاته؛ ومن ثم ~~طفقنا نراجع أنفسنا ثقافيا (وسياسيا) حتى أصبحت قضايا الماضي غير ذات موضوع، ونشأت ~~قضايا جديدة أهمها في نظري قضية الثقافة نفسها في عالم يتغير بسرعة لاهثة من لحظة إلى ~~لحظة. # ولا أبالغ إذا قلت إن وجود هؤلاء المصريين وأضرابهم في الخارج يمثل في ذاته قضية من ~~القضايا التي لم تكن مثارة في الستينيات؛ فهم امتداد للثقافة العربية (بمعنى أسلوب ~~الحياة، وبمعنى جماع المعارف والآداب الإنسانية التي تبلور هذا الأسلوب)، وهم صور انفتاح ~~مصر على العالم بصورة غير مسبوقة في تاريخنا، وأذكر ما قاله لي الدكتور شبايك في لوس ~~أنجيليس عام 1981م، بعد أن أشار إلى أن عدد المصريين في ولاية كاليفورنيا وحدها قد ~~تجاوز ربع المليون: «إننا ظاهرة ثقافية لا يمكن تجاهلها.» # أما الوجه الآخر لهذه القضية والذي لا يعي الكثيرون بوجوده، فهو اتجاه أنظار المصريين ~~بصورة متزايدة إلى الخارج، وتغير ما يشغل نفوس الشباب وعقولهم عما شغل آباءهم، فلم يعد ~~عالم نجيب محفوظ يمثل لهم إلا الماضي الذي توارى إلى الأبد، ولن تجد بين شباب الجامعة ~~في مصر (ولا أقول في الخارج) من يذكر أو يستطيع أن يتصور ms147 طبيعة هذا الماضي. وأعتقد أن ~~سرعة التحول التي اتسم بها القرن العشرون هي المسئولة عن الاضطراب العظيم والبلبلة التي ~~تكمن وراء تصور وجود فراغ أو إساءة معنى وجود «القضية» أو «القضايا» الثقافية - ولهذا ~~حديث آخر. # مصريون خارج مصر # ذكرت في مقال سابق أن وجود أعداد هائلة من المصريين خارج مصر لم يعد مجرد ظاهرة ~~ثقافية، ولكنه يثير قضية ثقافية تلح على أذهان المشتغلين بالثقافة ووجدانهم. وإذا كان ~~لنا أن نقترب من الظاهرة أولا قبل التصدي للقضية؛ فلا بد من التمييز في البداية بين ~~المصريين المقيمين في البلدان العربية وبين المصريين المقيمين في البلدان الأجنبية؛ ~~فالفريق الأول يثير قضية تختلف عن القضية التي يثيرها الفريق الآخر؛ لأن أفراده عادة ~~ما يعودون إلى الوطن ولو في سن متأخرة، ولأن القيم الثقافية التي يذهبون إليها والتي ~~يعودون بها لا تختلف في النوع عن القيم المصرية، ولكنها تختلف في الدرجة فقط، ومن هنا ~~فإن درجة التحول الثقافي محدودة وإن كانت مهمة وجديرة بالنقاش المتعمق. # أما الذين يقيمون في بلدان أجنبية فمعظمهم مستوطنون لا يعودون إلى مصر إلا للتواصل مع ~~الوطن القديم ولقاء الأحبة والأصدقاء ممن لم تتح لهم فرصة العمل أو الإقامة بالخارج، أو ~~ممن أتيحت لهم الفرصة فلم يغتنموها أو لم يقبلوها، أو من الذين أقاموا فترة محدودة في ~~الخارج للدراسة أو للعمل ثم عادوا. ومعظم المقيمين في البلدان الأجنبية من المصريين ~~يندرجون في فئة المهاجرين أي الذين رحلوا من مصر بقصد الإقامة خارجها إلى الأبد، ~~ومعظمهم أيضا ممن رحلوا في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة؛ أي إنهم من الجيل الأول ~~للمستوطنين ولم يبلغ أبناؤهم بعد مبلغ الرجال (بحيث يصبح الجيل الثاني راسخ الجذور في ~~التربة الجديدة)؛ ولذلك فإن الهوة الثقافية التي تفصلهم عن الوطن الأم لم تتسع بعد ~~بالقدر الذي يجعلهم ينتمون تماما إلى بلدانهم الجديدة. # ومبلغ علمي أنه كانت لدينا في مصر وزارة مكلفة برعاية هؤلاء، وهي لا شك وزارة مهمة، ~~والمهام المنوطة بها كثيرة وحيوية، والجهود التي تبذلها جديرة بالثناء، ولكن ms148 الواقع ~~الذي يعيشه هؤلاء لا تجدي في التصدي له جهود حكومية؛ فهو ثمرة تراكم أحداث كثيرة وظروف ~~تاريخية لا حيلة لأحد في دفعها، وإن كنا نستطيع أن نرسم حدود المشكلة كما تتراءى لنا عن ~~كثب، ولنبدأ بالتسليم بوجودها، فالاعتراف بالمشكلة أول خطوة على طريق التصدي لها (ولا ~~أقول حلها). # وأنت تعرف أن هناك مشكلة ما عندما تواجه حيرة المغترب الذي تبلغ ابنته مبلغ النساء ~~والذي يريد تزويجها من واحد من أبناء جلدته فيستعصي عليه الأمر؛ إذ يتلفت حوله فيجد أن ~~الذكور من أبناء معارفه قد ارتبطوا بأجنبيات، وأن إعادتها إلى مصر بقصد الزواج وحده سخف ~~لا مبرر له؛ فهو يعني قلقلة حياتها العملية أو العلمية أو العائلية، فإذا حدث وكان لها ~~صديق أجنبي يريد الزواج منها زادت حيرة والدها وربما وافق قائلا إن سعادة ابنته فوق كل ~~اعتبار، ومضمرا في نفسه أن هذا معناه قطع كل صلة بالوطن الأصلي. # وأنت تعرف أن هناك مشكلة ما عندما يشكو إليك مغترب أن أولاده لا يعرفون العربية، أو أن ~~أحدهم ينكر عروبته، أو لا يحب أن يشير إليها، خصوصا إذا كانت والدته أجنبية، أو أنه لا ~~يقول عن مصر (التي زارها مرة أو مرتين) إلا كلاما يثير الأسى والشجن؛ فهو إما غاضب أو ~~ساخر، وكل مقارنة يعقدها بين أساليب الحياة هنا وهناك تزيد من أساه وشجنه. # وأنت تعرف أن هناك مشكلة ما تجتمع مع نفر من أبناء المغتربين الذين لا تربطهم بمصر ~~إلا زيارة عابرة أو حادثة صغيرة تمخضت عن تجربة أليمة في التعامل مع الجهاز ~~البيروقراطي، فانحصرت معرفتهم بمصر في هذه التجربة، وجعلوا يتبارون في التندر بما قاله ~~ذلك الموظف أو ذاك، وما فعله «عبد الروتين» بأوراقهم أو إزاء بعض مسائلهم الإدارية، فهم ~~صغار بعد لا تربطهم بالوطن نشأة ولا تلاحم وجداني، وربما وجدت من العسير إيضاح الحقائق ~~التي تفسر (وإن لم تكن تبرر) سلوك هذا أو ذاك، أو تأكيد حقيقة مصر الأم الرءوم، بعيدا ~~عن الوظائف والروتين. # وليست المشكلة مقصورة على ms149 أبناء الجيل الجديد، ولا هي خاصة بفئة من فئات العمر، بل لا ~~أبالغ إذا زعمت أن المشكلة الأولى تكمن في التحول من «المصرية» الكاملة في جيل الآباء ~~إلى «المصرية الاسمية» في جيل الأبناء؛ فالصفات التي ارتبطت بصورة تقليدية بالشخصية ~~المصرية - كالطيبة، (بمعنى العزوف عن الإيذاء، والتسامح)، والكرم (بمعنى عدم تقديس ~~النقود والقيام بواجب الضيافة، بل وإنفاق ما في الجيب حتى يأتي ما في الغيب)، والذكاء ~~(بمعنى الذكاء الفطري وكذلك سعة الحيل والمكر)؛ أقول إن هذه الصفات تصطدم بثقافة أوروبية ~~لا تكترث للقيم التي تكمن وراء هذه الصفات وتؤدي إلى صدام من نوع ما بين ثقافة الآباء ~~وثقافة الأبناء. # وربما كانت بعض الصفات المرتبطة بالمجتمع الأوروبي - مثل احترام الوقت (والمواعيد) ~~والعمل والانضباط وما إلى ذلك - لازمة للجيل الجديد مثلما أفاد منها الجيل الأول، ~~ولكنها تصطدم دون شك بما ترسب في أعماق المصري من قيم هي جماع مشاعر وأنماط وأحاسيس ~~تمثل حصاد ثقافة القرون الغابرة، والصدام يؤدي إلى فجوة هائلة بين أب لاقى الأمرين ~~في سبيل هذه الحياة المستقرة في الخارج، وعانى معاناة هائلة في سبيل تأمين سبل العيش له ~~ولأسرته في أوروبا ، وبين الولد الذي ينشأ فيجد كل شيء ميسرا وأن الحياة أمامه موطأة ~~الأكناف، فلا يكاد يحس بما فعله الوالد حتى يهيئها له. ولقد عرفت نماذج متعددة من هذا ~~التناقض الذي يشهد بعمق المشكلة؛ فجيل الأبناء يميل في حالات كثيرة إلى نشدان المتعة ~~وطلب المسرات وقد اختفت من عيونهم مثل الكفاح والنضال في سبيل العلم وفي سبيل تسنم ذرا ~~التفوق فيه، أو العمل المضني لإثبات الامتياز وتأمين المكانة المرموقة مثلما فعل الجيل ~~الأول، ورأيت الأماكن البارزة التي يشغلها الآباء مهددة بأن تصبح شاغرة إذ لا يستطيع ~~أبناؤهم شغلها، بل ولا يكترثون لضياعها. وهنا لا بد أن أؤكد هذا الاتجاه إلى التفوق ~~والامتياز باعتباره من عناصر الثقافة المصرية القائمة على العلم والعمل عبر ~~القرون. # الظاهرة إذن وما تثيره من قضايا تتطلب إدراكا من جانب الجيل الأول لجميع أبعادها، ~~وجهدا متواصلا من ms150 المقيمين في الوطن الأم لضمان استمرار صورة مصر بلد العلم والعمل - ~~وأم التفوق والامتياز. # الضحك والهزل # يخلط الكثيرون بين الضحك والهزل، وربما كان ذلك الخلط هو سر شيوع المهازل التي تسمى - ~~تجاوزا - بالهزليات المسرحية أي «الفارس # FARCE ~~» وهي ~~أبعد ما تكون في الحقيقة حتى عن هذا اللون المسرحي المعترف به عالميا، والتي أصبحت ~~السمة الغالبة للمسرح المصري المعاصر، بل وسر ذيوع المفهوم الجديد للمسرح والذي ينحصر ~~في أنه مجموعة من الضحكات التي لا معنى لها. وفي هذه العبارة الأخيرة (وفي جملة الصلة ~~بالتحديد) يكمن الفارق بين الضحك والهزل؛ فالضحك نشاط إنساني له معنى، والهزل هو اللهو ~~أو اللعب الذي لا معنى له. # وعندما وصفت الكاتبة الإنجليزية «مسز ويب» الشعب المصري بأنه يحب الضحك؛ كانت في ~~الحقيقة تشير إلى خصيصة لم تجدها في شعوب أخرى، وكانت تحس بأنها من خصائص الإنسان ~~الراقية التي تحسب له لا عليه، بدليل أنها قرنت بينه وبين ما يسمى اصطلاحا بالميل إلى ~~التفكه أو بالقدرة على رؤية الجانب الفكه ~~للأشياء # SENSE OF HUMOUR # والتي كانت تعتبرها من خصائص الشعب البريطاني دون غيره. ومن ~~معاني المصطلح الأخير سعة الصدر (أي القدرة على قبول الرأي المخالف دون غضب، والاحتمال ~~والتسامح)، وهي الترجمة الصحيحة لما جرى العرف على ترجمته بسعة الأفق # BROAD-MINDEDNESS ~~؛ ولذلك فإن صدور هذه الشهادة ~~من كاتبة إنجليزية لم تعش طويلا (1881-1927م) ولم تكتب كثيرا (خمس روايات ومقالات ~~مجموعة) ولم تزر مصر مطلقا فيما أعلم؛ يدعو إلى الدهشة. ولولا صدور كتاب جديد هذا ~~العام يتضمن مقالات جديدة لم تنشر لها وبعض خطاباتها المجهولة؛ ما التفت أحد ~~إليها. # ويبدو أن السيدة «ويب» قد عرفت عددا من المصريين الذين كانوا يترددون في أوائل القرن ~~على إنجلترا طلبا للعلم، وربما كان ذلك في أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة؛ ~~خروجا على قاعدة الدراسة في فرنسا آنذاك، ويبدو أن السلطات البريطانية التي كانت ~~تشرف على «نظارة المعارف» في مصر في تلك الحقبة كانت تريد تشجيع المصريين على التزود ~~بالثقافة الإنجليزية دعما للوجود ms151 البريطاني في مصر، حتى لا ترجح كفة التعليم الفرنسي ~~إلى الأبد في الشرق العربي. # وأيا كان مصدرها، فالشهادة في ذاتها جديرة بالتأمل خصوصا إذا وضعت بجوار شهادات ~~الكثيرين من أبناء بريطانيا الذين عاشوا في مصر أو اختلطوا مباشرة بالمصريين، ونحن ~~نفهم من هذا وذاك أن ما راع الأجانب في الشخصية المصرية هو قدرتها على السخرية من ~~الواقع وتلوينه بألوان متناقضة بحيث يكتسب العديد من الصور، فإذا كان مريرا خفت ~~مرارته، وإذا كان عابسا انفرج عبوسه، وإذا كان حالكا تبددت بعض ظلماته، وذلك عن طريق ~~قوة الخيال التي تعتبر من الملكات الخلاقة في ذهن الإنسان. # والمصري يفعل ذلك من تلقاء نفسه، دون أن يدفعه أحد إليه؛ فهو يضحك من مصائبه، ويسخر ~~من أحواله، وهو على استعداد في جميع الأحوال للضحك لا لأنه هازل؛ بل لأنه جاد، وجده ~~معناه قدرته على تقدير قيم الأشياء ومعرفة ما يمكن التغلب عليه وما لا يمكن قهره، فإذا ~~استحال عليه أن يقهر عدوه ضحك منه، وإن رأى أن سخريته منه ستزيد من وعي من حوله به سخر ~~منه بلا هوادة. # أما المعنى الآخر للميل إلى الفكاهة، وهو سعة الصدر والطاقة على تقبل الاختلاف ، فربما ~~كان مصدره لدى المصريين طول معاشرتهم للأجانب وطبيعة نظرتهم للإنسان أيا كانت صورته، ~~وهي نظرة إبداعية في جوهرها؛ فالمصري عندما يشاهد غريبا أو ما هو غريب عليه، يضعه في ~~إطار مختلف ويقبله داخل هذا الإطار، بل هو يحاول أن يوسع من أبعاد هذا الإطار حتى يجعله ~~مرنا متعدد الألوان، بل وكثيرا ما ينسج حوله أطرا أخرى تضفي على غرابته طرافة تؤكد ~~«المسافة» التي تفصله عنه؛ ومن ثم تيسر له قبوله. # وهذه «المسافة» هي العنصر الفاصل الذي يفرق بين الكوميديا والتراجيديا؛ إذ لا يضحك ~~الإنسان إلا على ما هو غريب أو من هو غريب عنه، و«الضحك» منه في ذاته حكم عليه، وقد ~~يقترب الحكم من الإدانة أو يقتصر على تأكيد الخطأ أو الزلل فحسب؛ ومن ثم كانت ~~الكوميديا سلاحا حادا يستخدمه الإنسان في ms152 محاربة النقائص والعيوب، وهو مذهب جاد من ~~مذاهب المسرح الرفيع بشتى ألوانه التي سبق أن تعرضت لها في كتابي «فن الكوميديا» (1980م) ~~مثل كوميديا الموقف، وكوميديا الشخصية، وكوميديا الكاريكاتير وما إلى ذلك، فالإنسان، كما ~~قيل بحق، يضحك بعقله، ولولا عقل الإنسان ما ضحك؛ لأن ضحكه يقوم على إدراك معين، والكاتب ~~المسرحي يحرص على توفير مقومات هذا الإدراك في صورة فنية متماسكة لها معنى موحد. ومن ثم ~~قد لا يقهقه المتفرج وقد لا يجلجل ضحكه وهو يشاهد إحدى الكوميديات العالمية؛ لأن المعنى ~~يمس عمقا بعيد الغور في نفسه يبقي على الضحك داخليا لا تدل عليه إلا البسمات ~~الخافتة. # ولذلك كان الكتاب الساخرون جادين - من فكري أباظة ومحمد عفيفي إلى محمود ~~السعدني وأحمد رجب وأحمد بهجت - وكذلك رسامو الكاريكاتير وكتاب المسرح، بل ~~والشعراء؛ واستمع إلى حافظ إبراهيم: # قد غدا القوت في يد الناس كاليا # قوت حتى نوى الفقير الصياما # ويخال الرغيف في البعد بدرا # ويظن اللحوم صيدا حراما # إن أصاب الرغيف من بعد كد # صاح من لي بأن أصيب الإداما # بل إن العقاد نفسه (شيخ الجد) لم يخل ديوانه من السخرية! أما الهزل الذي نراه اليوم ~~على مسارحنا فهو لون من ألوان التهرؤ الفني الذي لا أعرف والله كيف أصفه. إنه يثير ~~الضحكات ولا شك، وهو يثيرها بطرق غليظة لا تتطلب الكثير من إعمال العقل، ولكنه يفتقر ~~إلى الرؤى الموحدة التي ترفعه إلى مصاف المسرح الحقيقي، ولا يمكن بدون الرؤية الموحدة ~~أن يكون للعمل معنى فني. # إن صورة المسرح في بلد ما ترتبط بصورة عقل شعبه ووجدانه. فهل أصبحنا شعبا هازلا؛ ~~أي لاهيا عابثا؟ وهل نملك في هذا العصر وهذه الحقبة العصيبة من تاريخ العالم أن نلهو ~~ونعبث - كما يقول صلاح عبد الصبور في «تذييله» لمسرحية «مسافر ليل»؟ لقد أثارت شهادة ~~المسز ويب أشجاني، تلك السيدة التي عاشت تصارع المرض وكانت ذات رؤية مأسوية (مثل ~~توماس هاردي) ولكنها أقرت للمصريين بسعة الصدر وحب الحياة والإشراق. فلنضحك ما شاء الله ~~لنا أن نضحك. ms153 ولكن حاشا لله أن نكون من الهازلين. # ثمن الكتاب # قال صديقي في رنة انزعاج بادية: «أرأيت إلى أسعار الكتب كيف التهبت واشتعلت؟ لقد ~~اشتريت كتاب كذا وكذا بمبلغ كذا وكذا.» وقدمت إليه في البداية الرد الذي اعتدته في هذه ~~الأحوال والذي يفسر غلاء الكتب في إطار غلاء كل شيء؛ لا في مصر وحدها، بل في العالم كله. ~~وانثنيت أحصي الأسباب التي أصبحت أعرفها جيدا والتي تتصل بارتفاع أسعار الورق وأحبار ~~الطباعة، وما إلى ذلك من مستلزمات الإنتاج، والارتفاع الموازي (وإن كان لا يصل إلى نفس ~~الدرجة) في أجور العاملين بالطباعة والنشر، وما يتصل بذلك من تكاليف الإعلان عن الكتاب ~~وتسويقه - ثم توقفت وشرعت أنظر للأمر من زاوية أخرى تماما، وهي زاوية القارئ ~~والمشتري. # من الذي يشتري الكتب؟ نستطيع أن نفترض أن القراء هم الذين يشترون الكتب، وهذا افتراض ~~معقول؛ لأن النسبة الضئيلة من المشترين الذين لا يبتاعون الكتب من أجل قراءتها، بل من أجل ~~جمعها أو التباهي بامتلاكها تعتبر استثناء يمكن إغفاله، فالشخص الذي يدخل مكتبة ما ~~ويخرج نقودا من جيبه لشراء كتاب ما، عادة ما يفعل ذلك بقصد قراءته، سواء قرأه بعد ذلك ~~أم لا. وهذا القارئ الشاري هو محور اهتمامنا اليوم. فعندما بدأت النهضة الحديثة في ~~الطباعة والنشر بعد الحرب العالمية الثانية، كان القارئ من «المتعلمين» أو من «أبناء ~~المدراس» كما كانوا يسمون، وكان يمثل رأس الحربة لجيل جديد من «المثقفين» الذين أشار ~~إليهم ريتشارد كروسمان في كتابه بعثة فلسطين (1946م) باعتبارهم طليعة ثورة وشيكة في ~~مصر؛ إذ كان يرى فيهم قوة ما تفتأ تتزايد، وتنذر بتغير اجتماعي قريب. # كان معظم هؤلاء من أبناء «القادرين»، ولم يكن طه حسين قد أعلن ثورته التعليمية بعد ~~في عام 1950م بقولته الشهيرة إن التعليم كالماء والهواء، وما تلا ذلك من إلغاء ~~المصاريف الدراسية التي حجبت الكثيرين عن التعليم العام، وأهدرت طاقات الكثيرين من ~~أبناء هذا الوطن النجباء. وكان المتعلمون يعملون في الحكومة - في «الدواوين» التي بدأت ~~تتكاثر وتنتشر - ويتقاضون رواتب قاربت ms154 بينهم تدريجيا وبين أبناء الطبقة المتوسطة ~~«البرجوازية» من التجار وأرباب الصناعة بصفة أساسية. ولم تمض أعوام على قيام الثورة حتى ~~أصبح هذا الوضع راسخا؛ إذ أرست الثورة مبدأ المجانية بصورة لا رجعة فيها، وأمنت العمل ~~في «الدواوين» لخريجي الجامعات (التي كثرت) والذين كان عددهم طبقا لإحصاء عام 1961م ~~يزيد على 110000 في شتى التخصصات. # كانت هذه القوة القارئة في الستينيات هي نفسها القوة الشرائية للكتب، ولم يكن من ~~العسير تسويق سلسلة مثل الألف كتاب الأولى، أو روايات الكتاب النابهين آنذاك، وأذكر ~~أننا عندما أخرجنا مجلة المسرح الأولى في مطلح عام 1964م (وكان رئيس التحرير هو الدكتور ~~رشاد رشدي رحمه الله) أخذنا نزيد عدد المطبوع من الأعداد الأولى التي كانت تختفي فور ~~صدورها حتى وصل إلى عشرة آلاف، كما زاد ثمن النسخة بعد ذلك من خمسة قروش إلى عشرة قروش. ~~وقس على ذلك المجلات الأخرى والكتب الأخرى التي لم تكن أسعارها تزيد على قروش معدودة، ~~تمثل نسبة ضئيلة من دخل (المثقف) الموظف، أيا كان تخصصه. # وعندما حدث التحول التاريخي في السبعينيات إلى الاقتصاد الحر أو ما يشبه ذلك من بعيد، ~~وقع خلل في «تركيب» هيكل القراء، إذ انتعشت طبقة برجوازية جديدة تتسم بكل سمات ~~البرجوازية التاريخية، من عزوف عن العلم والثقافة بصفة عامة، ونشدان المتعة وأطايب ~~العيش، وإنفاق المال بسخاء على السلع الاستهلاكية، وساعد على ذلك - دون شك - تدفق ~~الثروات العربية في أيدي العائدين الذين أتوا معهم بطرائق أخرى للعيش غير الثقافة ~~والتعليم، وهذه من سخريات القدر؛ إذ إنهم ما كانوا ليحققوا ما حققوه دون علم ~~وتعليم. # واستمر هذا الاتجاه دون توقف حتى التسعينيات، بل إنه ازداد رسوخا وتمكنا من ~~مجتمعنا؛ إذ إنه لم يقتصر على الظواهر الاقتصادية التي ذكرتها في بداية المقال، ولا هو ~~مقصور على ثبات الدخول الضئيلة للمثقفين الموظفين (مما يعني هبوطها النسبي، أي بالنسبة ~~إلى مستويات دخول الكاسبين الآخرين) بل إنه أحدث أكبر خلل يمكن أن يحدث لثقافة دولة ~~قامت على العلم والتعلم؛ ألا وهو الكفر بقيمة ms155 العلم لذاته، وحلول قيمة أخرى محلها هي ~~قيمة كسب المال - وهذه هي الطعنة الحقيقية التي أصابت عملنا الثقافي في مجال الطبع ~~والنشر. # لم يعد القارئ اليوم، وأنا أقصد القادر على شراء الكتب، يقبل على الكتاب من أجل ما به ~~من «علم»، ولكنه يدرج الكتاب بين طائفة المتع التي يوفرها له المال - فهو ينشد الإثارة ~~فيقبل على كتب المذكرات السياسية وكتب «المؤرخين» الذين يسبون عهدا بعينه أو يكيلون ~~له المدائح، وهو ينشد الاطمئنان واليقين فيقرأ الكتب الدينية، وهو ينشد العجائب ~~والغرائب فيقرأ عن الجن والسحر وعالم الأرواح (الذي هو غيب لا يجوز الخوض فيه)، وهو ينشد ~~التسلية والتسرية فيقرأ القصص الساذجة سواء كانت مؤلفة أو مترجمة. # أما طالب العلم، الذي ينتمي إلى دائرة ضاقت فأمعنت في الضيق؛ فهو يواجه كتبا أجنبية ~~ذات أسعار تمثل التضخم الذي اجتاح البلدان المتقدمة، أو كتبا عربية يمثل سعر الواحد ~~منها عشرة بالمائة من مرتبه بعد أن كان يمثل واحدا بالمائة أو أقل! وأذكر أنني شاهدت ~~في معرض الكتاب منذ عامين كتابا أجنبيا لا يزيد عدد صفحاته على مائة، ويزيد سعره على ~~مائة جنيه، فتصفحته فلم أجد له من القيمة ما يبرر هذا السعر «الإجرامي»، وكدت أن أقرأه ~~كله واقفا لولا خشية الاتهام بالسرقة! والقول بأن تتحمل هيئة الكتاب وحدها عبء توفير ~~الكتب الزهيدة الثمن قول ساذج؛ فالهيئة مؤسسة واحدة من بين شتى المؤسسات العامة والخاصة ~~التي تقوم بطبع ونشر الكتب، وهي تنهض بأعباء لا تستطيعها غيرها، والتكاليف واحدة لدى ~~هذه وتلك، وليست في يدها عصا سحرية تستطيع بها تخفيض أسعار مستلزمات الإنتاج التي ~~ارتفعت أسعارها عالميا (بل هي غير معفاة من الرسوم الجمركية). # إن أزمة ارتفاع أسعار الكتب أزمة تنبع من اختلاف نوعية القراء، وما حدث للقراءة ~~باعتبارها نشاطا معرفيا في بلادنا. وهذا هو مكمن الداء الذي يجب أن نركز جهودنا ~~للقضاء عليه؛ حتى يعود للعلم احترامه والحدب عليه خالصا من الاعتبارات المادية. # نساء ورجال ~~«الحركة النسائية» # FEMINISM # تعبير جديد نسبيا؛ ~~إذ بدأ يدل على ms156 مناصرة مطالب المرأة وحقوقها في عام 1895م، وكان قد دخل اللغة الإنجليزية ~~لأول مرة عام 1850م ليعني خصائص الأنوثة، وشتان بين المفهومين! وقد شاع في العشرين ~~عاما الأخيرة - أو قل بعث من مرقده - ليحل محل التعبير القديم الذي أشاعته رائدات ~~نصرة المرأة الأوليات، مثل ماري وولستونكروفت، زوجة الفيلسوف الإنجليزي وليام ~~جودوين ووالدة ماري شلي (زوجة الشاعر شلي والكاتبة الروائية ومخترعة شخصية ~~فرانكشتاين)، وهو تعبير تحرير ~~المرأة # EMANCIPATION # والذي ظل مقصورا على السياقات السياسية في المقام الأول ~~والاجتماعية في المقام الثاني، حتى حل محله تعبير له نفس المعنى، وإن كانت دلالته موجهة ~~نحو العلاقة بين الرجل والمرأة - والحرية الجنسية بالتحديد - وهو تعبير # WOMEN’S Lib # وبرز للدفاع عنه والقتال في سبيله عدد ~~من شهيرات الكاتبات من بينهن جرمين جرير (التي عادت فتنصلت من أفكارها عام 1984م)، ~~بينما كان دعاة الحركة النسائية الجديدة قد نشطوا - رجالا ونساء - ليعيدوا النظر في ~~وضع المرأة على جميع المستويات؛ أي في جميع السياقات، الشخصية منها والاجتماعية ~~والاقتصادية والسياسية بطبيعة الحال. # وقد اقتضت «إعادة النظر» هذه إعادة نظر في تراث الإنسانية المكتوب، فهو مسجل من وجهة ~~نظر الرجل فقط، وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين؛ الأول هو ما يقوله دعاة الحركة من أن ~~تاريخ البشرية المدون يتضمن قدرا كبيرا من التزييف؛ لأنه يغفل الدور الحقيقي الذي ~~لعبته المرأة في تطور المجتمعات البشرية، والثاني هو الظلم الذي حاق بالمرأة فعلا على ~~مر التاريخ فحرمها من فرصة المساهمة بما تقدر عليه (وهي لا تقل قدرة عن الرجل) في دفع ~~عجلة التقدم الإنساني. # ومع تكاثر الكتب التي تدعو إلى إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر المرأة بحيث تنصفها ~~مثلما أنصف التاريخ الرجل، وبحيث تبين مظاهر الظلم الذي حاق بها في العصور التي سادها ~~الرجال، تكاثرت كتب النقد الأدبي التي تركز على صورة المرأة في التراث الأدبي، وهي صورة ~~زائفة خلقها الرجل وأشاعها وتوارثها كي ترسخ المفاهيم التي تضم قيما مشكوكا في صحتها؛ ~~فالرقة ليست مقصورة على المرأة، بل ولا الرحمة ms157 ولا الحنان ولا العاطفة ولا «العذوبة ~~الزائفة»، وكذلك فليست صفات الغلظة ولا القوة ولا العقلانية مقصورة على الرجل، ولكن ~~الأدباء يتجاهلون الواقع النفسي وحقائق الحياة نفسها ليضفوا على المرأة الخصائص التي ~~ارتبطت بها في أذهانهم ربما عن حسن نية، فيزيفون بذلك صورة الإنسان نفسه. # وقد اتسم عام 1992م بأنه عام «المناظرة الكبرى» في بريطانيا بين دعاة الحركة النسائية ~~الذين أصبحوا ذوي قوة وبأس شديدين، وتكاثرت كتبهم وارتبطت بالمذاهب النقدية الجديدة ~~(على رف المكتبة في منزلنا ما لا يقل عن عشرين كتابا منها، صدرت في السنوات القليلة ~~الماضية) وبين المعارضين المحافظين الذين أساءوا فهم الحركة النسائية برمتها فتصوروا ~~أنها تشكل تهديدا لحقوق الرجل في مملكته أو تتضمن التهديد بتغير صورة المجتمع وصورة ~~الأسرة، ناسين أن هذه الصورة قد تغيرت بالفعل منذ أن حققت المرأة استقلالها الاقتصادي ~~فلم تعد «عالة» على الرجل، ولم يعد عليها أن تتحمل في صمت ما يمليه «رب المنزل» الذي لم ~~يصبح «ربا» إلا بفضل ما ينفقه من مال حرم المرأة أن تكسبه. # وبرز من هؤلاء كاتب اسمه نيل ليندون أصدر في الصيف (1992م) كتابا اسمه «كفانا حربا بين الجنسين» # NO MORE SEX WAR # يحاول فيه رد ~~الظواهر الاجتماعية المقلقة في بريطانيا إلى الحركة النسائية، مثل زيادة معدلات الطلاق، ~~وتشتت الأبناء، وتفتت الأسرات ، وزيادة الأعباء المالية التي تتحملها الدولة لرعاية ~~الأسر المصابة وهلم جرا. ويستخدم ليندون في كتابه ما يسميه بلغة الأرقام والتي يزعم ~~أنها لا تكذب، وأزعم أنا أنها أكذب اللغات! فالرقم في ذاته لا معنى له، وتفسيره قد يكون ~~صادقا وقد يكون كاذبا، وتفسيرات ليندون كاذبة في مجملها؛ فهو يتجاهل أبسط قواعد ~~البحث العلمي التي نعرفها نحن الأكاديميين وهي تعدد العوامل؛ إذ لا يمكن رد ظاهرة مهما ~~كانت سهلة الفهم إلى عامل واحد، وإذا كانت الحركة النسائية من عوامل تشتت الأسرة في ~~بريطانيا؛ فأهم منها عامل الثورة على المجتمع وقيمه (أي على المؤسسة الاجتماعية) التي ~~أعقبت الحرب العالمية، وعامل رفض الدين وقيمه، ولهذا دوافعه الفكرية في ms158 المجتمع الصناعي ~~المادي وعوامل العزلة الفردية وما تلا تفتت الإمبراطورية البريطانية من تهرؤ في صورة ~~الوطن كمؤسسة. # وقد ردت على الكتاب كاتبة لامعة هي إيفون روبرتس، بكتاب صدر في سبتمبر الماضي ~~(1992م) وعنوانه «الولع بالرجال» # MAD ABOUT MAN # تكرر ~~فيه ما سبق أن قيل في كتب الحركة النسائية، ثم تختتم حججها برصد إنجازات الحركة؛ مثل ~~حصول المرأة على أجر مساو لأجر الرجل مقابل نفس العمل، والتمتع بالحق في الملكية ~~الفردية، ومن قبل ذلك حق الانتخاب والمشاركة في الحقوق السياسية وما إلى ذلك. # أما «المناظرة الكبرى» فقد وصلت ذروتها يوم 5 أكتوبر 1992م حين انقسم المدافعون عن ~~الحركة النسائية ومهاجموها (من الجنسين) إلى فريقين يستخدمان شتى الأساليب الانفعالية ~~والمنطقية على حد سواء، يقود الفريق المدافع نايجيلا لوسون، بينما ما يزال ليندون ~~على رأس المهاجمين. والغريب أن تلتقي بعض حجج الفريقين دون أن يدروا (وهي مسجلة في ~~صفحات جريدة التايمز اللندنية) وأهمها وجود «عداء» أو «نفور» بين الجنسين - وقد يصل في ~~بعض الأحيان إلى درجة التعصب الذي لا يصغي صاحبه إلى صوت المنطق. # هل هذا «النفور» أو «العداء» حقيقي؟ هل أدت الحركة النسائية إليه؟ هذا هو موضوع الجدل ~~الدائر حتى الآن والذي لم تفلح الإحصائيات في إيضاح حقيقته. # ترقية أساتذة الجامعة # عندما أقدمت الجامعات على تعديل قانونها القديم الذي كان يقصر الأستاذية في كل تخصص ~~على أستاذ واحد، وفتحت الطريق أمام الجميع للترقي إلى تلك «الوظيفة»، لم تنس أن تضع بعض ~~الضوابط التي تجعل شاغل وظيفة الأستاذية أهلا لها، فوضعت بعض المعايير التي تستند إلى ~~طبيعة تلك الوظيفة نفسها، وأهمها إجراء البحوث العلمية، فالأستاذ الجامعي في المقام ~~الأول باحث، وعمله هو التفكير الدائب، سواء كان ذلك في المعامل والمختبرات أم بين الكتب ~~والأوراق على مكتبه، ولم تنس الجامعة أيضا أن تستعين بمعيار الأقدمية؛ فالأقدمية في ~~مجتمعنا ذات احترام يصل إلى درجة القداسة والمثل يقول «أكبر منك بيوم يعرف عنك ~~بسنة.» # ومن ثم وضعت الجامعة نظاما لاختبار أهلية المتقدم للترقي يتضمن عرض الأبحاث ms159 على لجنة ~~يختار أعضاؤها من الأساتذة البارزين في التخصص العلمي المناسب، وأطلق عليها ~~اللجنة الدائمة # Standing Committee # تمييزا لها عن ~~اللجان المخصصة # AD HOC # أي التي تتشكل لأداء مهمة ~~محددة ثم تنفض، وتتولى هذه اللجنة فحص الإنتاج العلمي المقدم من «طالب» الترقية، سواء ~~كان مدرسا # LECTURER # أم أستاذا مساعدا، ثم تكتب ~~تقريرا ترفعه إلى القسم العلمي الذي ينتمي إليه الطالب، فإذا رأى القسم (الذي يجتمع ~~على مستوى الأساتذة) أن التقرير عادل ومنصف؛ أوصى بقبوله ورفعه إلى مجلس الكلية (الذي ~~يتكون من الأساتذة أيضا)، فإذا وافق عليه رفعه إلى مجلس الجامعة (الذي يتكون من ~~العمداء)، فأصدر المجلس الأخير قرار الترقية. # وعلى مدى الأعوام العشرين الماضية تقريبا حقق هذا النظام نجاحا لا بأس به؛ فهو كأي ~~نظام قضائي يسمح باختلاف وجهات النظر وبالمداولات والتظلم والاستئناف ونقض الأحكام، وقد ~~شهدت أول حالة تظلم فيها المتقدمان للترقي لوظيفتي أستاذ مساعد وأستاذ في أحد أقسام ~~كلية الآداب في أواسط السبعينيات؛ إذ تظلما من قرار اللجنة، فاتخذ مجلس الكلية قرارا ~~بتشكيل لجنة أخرى أنصفتهما، وأخذ العدل مجراه، فالنظام الذي يأخذ في اعتباره أن البشر ~~بشر قد يخطئون مثلما يصيبون لا بد أن ينجح في النهاية مهما كانت العثرات. # ولكن تشكيل اللجان المذكورة على أساس الأقدمية فقط - والأقدمية توحي بالعدل - خلق هوة ~~بين شباب العلماء وبين قدمائهم، فلم يعد التميز أساسا للانضمام إلى اللجنة (على أساس ~~النشاط العلمي للأستاذ منذ حصوله على الأستاذية مثلا)، بل عدد السنوات التي يقضيها على ~~ظهر الأرض، ولو دون اقتراب من العلم. وأخذت الهوة تزداد اتساعا مع نشأة الجامعات ~~الإقليمية حيث تقل الأقدمية المطلوبة للترقي عن الأقدمية المطلوبة للترقي في الجامعات ~~الكبرى، وازدادت حالات التظلم من أحكام اللجان، والاحتكام إلى مجالس الأقسام ومجالس ~~الكليات ومجالس الجامعات. # وقد ساهم في إيجاد هذه الهوة تسمية لجان فحص الإنتاج العلمي باللجان الدائمة؛ إذ تصور ~~البعض أنها مؤسسات ثابتة لا يمكن المساس بها، ولا راد لأحكامها، ولكنها في الحقيقة ~~لجان مثل لجان (مجالس) الأقسام والكليات، وأعضاؤها ms160 قد يكونون أعضاء في المجالس ~~المذكورة، وهم لا يشكلون هيئة منفصلة عن الجامعة أو كيانا مستقلا يمكنه إملاء أي شيء ~~على مجلس الكليات أو مجلس الجامعة. ولذلك نص الشارع على قصر مهمتها على كتابة تقرير عن ~~الأعمال العلمية للمتقدم، ورفعه إلى هيئات إصدار القرار. # وأظننا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في التشكيل الجغرافي أو الإقليمي لبعض هذه ~~اللجان؛ نشدانا للعدل، وإعادة النظر في الأقدمية أيضا باعتبارها الأساس الأوحد الذي ~~يحقق الإنصاف والمساواة. فجامعات العالم المتقدم لا تعتمد على الطاعنين في السن فقط في ~~إدارة شئونها العلمية - فهؤلاء يشكلون مجلس شيوخ ~~الجامعة # THE SENATE # كما هو الحال في جامعة لندن مثلا، أما الأمور الخاصة ~~بالتعيين والترقية فهي في أيدي الأساتذة النابهين، صغارا في السن كانوا أم كبارا. ~~ولقد نجحت الجامعة أيما نجاح عندما جعلت إدارة الأقسام العلمية دورية، أي بالتناوب ~~بين الأساتذة، وجعلت عمادة الكليات بالانتخاب؛ فهي وظيفة إدارية لها ملامح ومقومات ~~سياسية (وإن كانت لا تتصل بالسياسة Politics ~~) وأثبتت ~~كليتنا العتيدة (آداب القاهرة) نجاحا بعد نجاح في تطوير العمل بها عن طريق هذا النظام، ~~ولكننا ننظر إلى بعض لجان الفحص المذكورة وفي حلوقنا غصة؛ فهي «دائمة» كأنما هي قدر لا ~~يغير منها إلا مغير الأحوال سبحانه وتعالى. # فلنعد النظر في معايير الأقدمية؛ فالعلم ليس بالضرورة تراكميا، ولا هو كالخمر يحسن ~~بمرور السنين. ms161