######OpenITI# #META# URI: 1443MuhammadCinani.KhitabWaTaghayyurIjtimaci.Hindawi82750718 #META# Tags: linguistics #META# ID: 82750718 #META# Title: الخطاب والتغير الاجتماعي #META# AuthorID: 19616207 #META# Author: نورمان فيركلف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 84758179 #META# Translator: محمد عناني #META# Related_books: 1450NormanFairclough.DiscourseSocialChange (TRANSL) #META#Header#End# # الإهداء‏ # تصدير‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - مداخل تحليل الخطاب‏ # 2 - ميشيل فوكوه وتحليل الخطاب‏ # 3 - نظرية اجتماعية للخطاب‏ # 4 - التناص‏ # 5 - تحليل النصوص: بناء العلاقات الاجتماعية و«النفس»‏ # 6 - تحليل النصوص: بناء الواقع الاجتماعي‏ # 7 - الخطاب والتغير الاجتماعي في المجتمع المعاصر‏ # 8 - تحليل الخطاب عمليا‏ # المراجع‏ # الإهداء‏ # تصدير‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - مداخل تحليل الخطاب‏ # 2 - ميشيل فوكوه وتحليل الخطاب‏ # 3 - نظرية اجتماعية للخطاب‏ # 4 - التناص‏ # 5 - تحليل النصوص: بناء العلاقات الاجتماعية و«النفس»‏ # 6 - تحليل النصوص: بناء الواقع الاجتماعي‏ # 7 - الخطاب والتغير الاجتماعي في المجتمع المعاصر‏ # 8 - تحليل الخطاب عمليا‏ # المراجع‏ # | الخطاب والتغير الاجتماعي # | الخطاب والتغير الاجتماعي # تأليف # نورمان فيركلف # ترجمة # محمد عناني # | الإهداء # إلى أمي وذكرى أبي. # | تصدير # نشأت فكرة كتابة هذا الكتاب من مناقشات مع عدد من الزملاء في جامعة ~~لانكاستر حول تحليل الخطاب باعتباره من مناهج البحث الاجتماعي، وخصوصا علماء ~~الاجتماع بول باجولي، وسكوط لاش، وسيليا لوري، وميك ديلون من قسم العلوم ~~السياسية، وسوزان كوندور من قسم علم النفس، كما استفدت من التشجيع والحماس ~~اللذين أبداهما الزملاء والطلاب من دارسي علم اللغة، وخصوصا رومي كلارك، ~~وروز إيفانيتش، وهيلاري جانكس، وستيف سليمبروك، وماري طولبوت، كما قدمت ~~ماري طولبوت أيضا عينة المحادثة القصصية في الفصل الخامس، وأود الإعراب ~~عن امتناني للتعليقات البالغة الفائدة التي أبداها جونتر كريس، وجون طومسون ~~على مسودة أولى من هذا الكتاب، وأخيرا وليس آخرا على الإطلاق فقد تلقيت ~~مؤازرة وتسامحا ذواتي قيمة من المحال تقديرها أثناء عملية الكتابة من ~~فوني، وسايمون، وماثيو. # | شكر وتقدير # المقال الصحفي في [الفصل الرابع: التناص - العينة الأولى: تقرير ~~إخباري] تكرمت صحيفة ذا صن فسمحت بتصويره وإدراجه في الكتاب، وأود ~~التعبير عن امتناني لدار نشر جامعة كمبريدج، وللدكتور س. لفنسون؛ لسماحهما ~~باستخدام الشكل الوارد في [الفصل السابع: الخطاب والتغير الاجتماعي في ~~المجتمع المعاصر - (2) التسليع] ولجامعة لانكاستر؛ لسماحها باستخدام النص ~~الوارد في [الفصل السابع: الخطاب والتغير الاجتماعي في المجتمع المعاصر - (2) ~~التسليع] ولدار نشر # MGN # المحدودة؛ لسماحها ~~بإعادة نشر المقال الوارد في صفحة [الفصل ms001 الرابع: التناص - العينة ~~الأولى: تقرير إخباري]. # | مقدمة # بدأ الباحثون في شتى المجالات العلمية اليوم يدركون طرائق ارتباط جوانب ~~التغير في استعمال اللغة بجوانب تغيير اجتماعية وثقافية أوسع نطاقا، ~~وبدءوا من ثم يقدرون أهمية استخدام التحليل اللغوي باعتباره منهجا ~~لدراسة التغير الاجتماعي، ولكننا نفتقر حتى الآن إلى منهج للتحليل اللغوي ~~يجمع بين الكفاءة النظرية، وإمكان تطبيقه عمليا. وهكذا فإن هدفي الرئيسي في ~~هذا الكتاب أن أبني مدخلا للتحليل اللغوي يمكنه الإسهام في سد هذه الفجوة، ~~أي أن أبني مدخلا ذا فائدة خاصة للبحث في التغير اللغوي، ويمكن استعماله ~~في دراسات التغير الاجتماعي والثقافي. # وإنجاز ذلك يتطلب الجمع بين مناهج التحليل اللغوي التي وضعت في إطار ~~علم اللغة والدراسات اللغوية، وبين الفكر الاجتماعي والسياسي المرتبط ببناء ~~نظرية اجتماعية للغة تتميز بكفاءتها. والمناهج المذكورة أولا تضم في ~~نظري العمل داخل شتى فروع علم اللغة (المفردات، علم الدلالة، النحو) ~~والتداولية، وقبل كل شيء «تحليل الخطاب» الذي وضعه علماء اللغة، خصوصا في ~~الآونة الأخيرة (وسوف أناقش شتى معاني «الخطاب» و«تحليل الخطاب» بعد قليل). ~~وأما الفكر المشار إليه ثانيا، فيضم عندي العمل الذي قام به أنطونيو جرامشي، ~~ولويس ألتوسير، وميشيل فوكوه، ويورجن هابرماس، وأنطوني جيدينز (انظر ~~المراجع)، ومثل هذا «الجمع» كان ينبغي أن يتحقق من زمن طويل، ولكن العديد ~~من العوامل المختلفة حالت دون تحقيقه بصورة مرضية حتى اليوم، وكان من بينها ~~عزل الدراسات اللغوية عن العلوم الاجتماعية الأخرى، وهيمنة النماذج الشكلية ~~والمعرفية على علم اللغة، ومن بينها أيضا نقص الاهتمام باللغة من جانب ~~العلوم الاجتماعية الأخرى، وهو الذي كان ظاهرة تقليدية، إلى جانب الاتجاه ~~إلى اعتبار اللغة كيانا شفافا، فإذا كان من الشائع استخدام بيانات لغوية ~~معينة مثل المقابلات الشخصية، فقد ساد الاتجاه إلى تصور إمكان استخلاص ~~المضمون الاجتماعي من دون الاهتمام باللغة نفسها، ولكن هذه المواقف بدأت ~~تتغير؛ فالحدود القائمة بين العلوم الاجتماعية آخذة في الضعف، ويزداد ~~تنوع النظريات والتطبيقات الناشئة داخل المباحث العلمية، ويصاحب وجوه ~~التغير المذكورة «الاتجاه إلى اللغة» في النظرية الاجتماعية، ms002 وهو ما أدى ~~إلى منح اللغة مكانة رئيسية أكبر داخل الظواهر الاجتماعية. # وهكذا، فإن المحاولات السابقة للجمع بين الدراسات اللغوية والنظرية ~~الاجتماعية لم تحقق إلا نجاحا محدودا، فعلى سبيل المثال، قامت مجموعة من ~~علماء اللغة في بريطانيا في السبعينيات ببناء مبحث يسمى «علم اللغة النقدي» ~~من خلال الجمع بين نظريات ومناهج التحليل النصي الخاص ب «علم اللغة المنهجي» ~~(هاليداي، 1978م) وبين نظريات الأيديولوجيا، وقبل ذلك بقليل كان ميشيل بيشوه ~~وزملاؤه في فرنسا قد بدءوا يضعون مدخلا لتحليل الخطاب يستند خصوصا إلى ~~العمل الذي أنجزه عالم اللغة زيليج هاريس، ونظرية الأيديولوجيا الماركسية في ~~الصورة التي أعاد صوغها بها ألتوسير، ويعيب كلا من هاتين المحاولتين ~~عدم التوازن بين العناصر اللغوية والعناصر الاجتماعية في «التركيب» الذي يجمع ~~بينهما، على الرغم من وجود نقاط قوة ونقاط ضعف متكاملة، ففي الأولى نجد أن ~~التحليل اللغوي والتعامل مع النصوص اللغوية يتميزان بالنضج، ولكنهما يكادان ~~يفتقران إلى نظرية اجتماعية، كما أنهما يستخدمان مفهومي «الأيديولوجيا» ~~و«السلطة» دون ما يلزم من المناقشة أو الشرح؛ وأما في عمل بيشوه فإن ~~النظرية الاجتماعية ناضجة مفصلة، والتحليل اللغوي يقتصر على معالجة دلالية ~~بالغة الضيق. أضف إلى هذا أن المحاولتين تقومان على نظرة استاتيكية (ساكنة، ~~ثابتة) لعلاقات السلطة، تتميز بالتأكيد المبالغ فيه للطريقة التي يسهم بها ~~التشكيل الأيديولوجي للنصوص اللغوية في إعادة إنتاج علاقات السلطة القائمة، ~~ولا يكاد يلتفت إلى الصراع والتحول في علاقات السلطة ودور اللغة في ذلك، ~~ونجد تأكيدا مماثلا لوصف النصوص باعتبارها نواتج مكتملة، من دون التفات ~~يذكر إلى عمليات إنتاج النصوص وتفسيرها، ولا إلى جوانب التوتر التي ~~تميز هذا وذاك، ومن ثم فإن محاولات التركيب المذكورة لا تناسب البحث ~~الدينامي في اللغة أثناء عمليات التحول الاجتماعي والثقافي (ارجع إلى الفصل ~~الأول الذي يناقش هذه المداخل بقدر أكبر من التفصيل، ويشير إلى المحاولات ~~التي بذلت في الآونة الأخيرة؛ لتحسينها وتطويرها). # وأما التركيب الذي سوف أحاوله في هذا الكتاب فسوف يرتكز (مثل تركيب ~~بيشوه) على «تحليل الخطاب» ومفهوم «الخطاب». والخطاب مفهوم ms003 يصعب تحديده، ~~وذلك - إلى حد كبير - بسبب وجود تعريفات كثيرة متضاربة ومتداخلة، وضعت ~~من شتى الزوايا النظرية والمباحث العلمية (انظر فان دييك، 1985م، ~~وماكدونيل، 1986م، اللذين يوردان بعض التعريفات). ويستخدم مصطلح «الخطاب» ~~في علم اللغة أحيانا للإشارة إلى عينات مديدة من الحوار المنطوق، وهو ما ~~يختلف عن «النصوص» المكتوبة، وبهذا المعنى فإن «تحليل النصوص» و«تحليل ~~الخطاب» لا يشتركان في اقتصار التحليل اللغوي التقليدي على الجمل أو الوحدات ~~النحوية الأصغر، ولكنهما يركزان على الخصائص التنظيمية للحوار على مستوى ~~أعلى (مثل تبادل الأدوار، أي التناوب، أو مثل بناء أنواع افتتاح المحادثة ~~واختتامها)، أو على النصوص المكتوبة (مثل بناء خبر منشور في الصحيفة عن إحدى ~~الجرائم)، ولكن الأكثر شيوعا هو استعمال «الخطاب» في علم اللغة، للإشارة إلى ~~عينات من اللغة المنطوقة أو المكتوبة. وبالإضافة إلى الحفاظ على تأكيد ~~المعالم التنظيمية على المستوى الأعلى، يؤكد معنى «الخطاب» المذكور ~~التفاعل بين المتكلم والسامع، أو بين الكاتب والقارئ، ومن ثم عمليات ~~إنتاج وتفسير الكلام والكتابة إلى جانب سياق الحال الخاص باستعمال اللغة، ~~ويعتبر «النص» هنا بعدا واحدا من أبعاد الخطاب، بمعنى أنه «الناتج» ~~المكتوب أو المنطوق لعملية إنتاج النصوص (فيما يتعلق باعتبار الخطاب «النص ~~والتفاعل» معا، انظر ويدوسون، 1979م). ونقول أخيرا: إن «الخطاب» يستخدم ~~للإشارة إلى شتى الأنماط اللغوية المستخدمة في مختلف المواقف الاجتماعية ~~(مثل «الخطاب الصحفي»، و«الخطاب الإعلاني»، و«خطاب قاعة الدرس»، و«خطاب ~~الاستشارات الطبية»). # ومن ناحية أخرى، يستخدم مصطلح «الخطاب» على نطاق واسع في النظرية ~~والتحليل الاجتماعي، كما هو الحال مثلا في عمل ميشيل فوكوه، للإشارة إلى ~~شتى طرائق بناء مجالات المعرفة والممارسة الاجتماعية، وهكذا فإن خطاب «علم ~~الطب» هو الخطاب السائد اليوم في ممارسة الرعاية الصحية، على الرغم من ~~تعارضه مع شتى أنماط الخطاب الكلية «البديلة» (مثل نمط العلاج الكلي ~~والإبر الصينية)، وكذلك ضروب الخطاب «الشعبية» المنتشرة. وتتجلى أنواع ~~الخطاب بهذا المعنى في طرائق معينة لاستخدام اللغة وغيرها من النظم ~~الرمزية، مثل الصور البصرية (انظر طومسون، 1990م). والخطاب لا يقتصر على ~~تصوير أو تمثيل ms004 كيان أو علاقات اجتماعية، بل إنه ينتج أو يشكل هذه ~~الكيانات والعلاقات، وأنواع الخطاب المختلفة تمثل كيانات أساسية (سواء كانت ~~«المرض النفسي» أو «المواطنة» أو «ثقافة القراءة والكتابة») بطرائق مختلفة، ~~وتحدد مواقع الأشخاص بطرائق مختلفة، باعتبارهم ذواتا اجتماعية (كأن يعتبروا ~~أطباء أو مرضى)، وهذه الآثار الاجتماعية للخطاب هي التي تحظى بالتركيز عليها ~~في تحليل الخطاب، كما يحظى بالتركيز عليه أمر مهم آخر، وهو التغير ~~التاريخي: أي كيف تتضافر أنواع مختلفة من الخطاب في ظل ظروف اجتماعية ~~معينة لإنتاج خطاب جديد مركب. ومن الأمثلة المعاصرة مثال البناء ~~الاجتماعي لمرض الإيدز، أي مرض نقص المناعة المكتسب، إذ تجتمع فيه عدة ~~أنواع من الخطاب (مثل ما يتعلق بالأمراض التناسلية، والحديث عن التعرض ل ~~«الغزو» من جانب «الأجانب»، والتلوث)، بحيث تشكل خطابا جديدا خاصا ~~بالإيدز. وسوف يناقش في الفصل الثاني هذا المعنى الاجتماعي النظري ~~للخطاب. # وترتكز محاولتي للجمع بين التحليل اللغوي والنظرية الاجتماعية على الجمع ~~بين هذا المعنى الاجتماعي النظري للخطاب وبين معنى «النص والتفاعل» في تحليل ~~الخطاب ذي التوجه اللغوي، وهذا المفهوم للخطاب وتحليل الخطاب له أبعاد ~~ثلاثة، فأية «حادثة» خطابية (أي حالة من حالات الخطاب) ينظر إليها ~~باعتبارها - في الوقت نفسه - قطعة نصية، وحالة ممارسة خطابية، وحالة ~~ممارسة اجتماعية، فأما البعد النصي فيتبدى في التحليل اللغوي للنص، ~~وأما بعد «الممارسة الخطابية»، مثل «التفاعل» في صورة الخطاب باعتباره ~~نصا وتفاعلا، فيحدد طبيعة عمليتي إنتاج النص وتفسيره، مثل تحديد أنواع ~~الخطاب (بما في ذلك أنواع الخطاب بالمعنى الاجتماعي النظري) التي يستمد ~~منها، وكيف تجتمع معا فيه، وأما بعد «الممارسة الاجتماعية» فيعالج القضايا ~~المهمة في التحليل الاجتماعي مثل الظروف المؤسسية والتنظيمية للحادثة ~~الخطابية، وكيف يشكل ذلك طبيعة الممارسة الخطابية والآثار ~~التشكيلية/البنائية للخطاب المشار إليه عاليه. # وينبغي أن أضيف أن مصطلح «النص» يستخدم في هذا الكتاب بالمعنى المألوف ~~في علم اللغة لا في سواه؛ أي للإشارة إلى منتج مكتوب أو منطوق، بحيث تطلق ~~صفة «النص» على تسجيل مقابلة شخصية أو محادثة، على سبيل المثال. والتأكيد في ms005 ~~هذا الكتاب منصب على اللغة، ومن ثم على النصوص اللغوية، ولكنه من ~~الصحيح توسيع فكرة الخطاب لتشمل الأشكال الرمزية الأخرى، مثل الصور البصرية ~~والنصوص التي تجمع بين الكلمة والصورة، كما هو الحال في الإعلانات (انظر هودج ~~وكريس، 1988م). وسوف أستخدم تعبير «خطاب» من دون أداة تعريف أو تنكير ~~(بالإنجليزية)، في الإشارة إلى اللغة التي ننظر إليها من الزاوية الثلاثية ~~الأبعاد المبينة عاليه (مثل قولي: «تحديد الذوات الاجتماعية يتحقق ~~خطابيا»). وسوف أشير إلى «أنماط الخطاب» التي ينهل منها الناس عندما ~~يمارسون الخطاب بمعنى الأعراف، مثل الأنواع والأساليب. وسوف أبدأ في الفصل ~~الرابع باستخدام مصطلح الخطاب مصحوبا بأداة تعريف أو تنكير (فأقول «خطاب ~~ما»، أو «أنواع الخطاب»، أو «خطاب البيولوجيا») فيما يشبه المعنى الاجتماعي ~~النظري لطبقة معينة من أنماط الخطاب أو أعرافه، وسوف أشير أيضا إلى ~~«ممارسات الخطاب» الخاصة بمؤسسات أو منظمات أو مجتمعات معينة (على ~~العكس من «الممارسة الخطابية» باعتبارها بعدا يقبل التمييز تحليليا من ~~أبعاد الخطاب). # وتتضمن الفصول 1-3 مبررات إقامة المفهوم المتعدد الأبعاد للخطاب، ~~وتحليل الخطاب الذي رسمته أعلاه بالخطوط العريضة. فالفصل الأول يمثل ~~استقصاء لمداخل تحليل الخطاب ذات التوجه اللغوي، أي إنها تركز على ~~النصوص وتحليل النصوص، وسوف أسوق الحجة على أن هذه المداخل لا تهتم ~~الاهتمام الكافي بجوانب الخطاب المهمة اجتماعيا، والتي تتطلب الاستعانة ~~بالنظرية الاجتماعية، ويستعرض الفصل الثاني المنظورات الاجتماعية للخطاب في ~~أعمال ميشيل فوكوه، ذلك المنظر الاجتماعي الذي كان له تأثير رئيسي في ~~تطوير تحليل الخطاب، باعتباره شكلا من أشكال التحليل الاجتماعي، ويقول الفصل ~~بعد ذلك: إن من شأن ازدياد الاهتمام بتحليل النصوص والتحليل اللغوي أن يزيد ~~من قيمة تحليل الخطاب باعتباره من مناهج البحث الاجتماعي. ويقدم الفصل ~~الثالث بعد ذلك مدخلي المتعدد الأبعاد، باعتباره تركيبا يجمع بين رؤى ~~الخطاب ذات التوجه الاجتماعي واللغوي معا، سائرا متجها إلى ما سوف ~~أطلق عليه مصطلح «النظرية الاجتماعية للخطاب». وتتضمن الفصول التالية في ~~الكتاب تفصيلات هذا المدخل وتطبيقاته على شتى أنواع الخطاب. # ذكرت في بداية هذه المقدمة أن ms006 أشكال التغيير في استعمال اللغة تمثل ~~جانبا مهما من أشكال التغير الاجتماعي والثقافي على نطاق أوسع، وهي ~~مقولة يزداد إثبات صدقها كل يوم، لكنها تحتاج إلى المزيد من الشروح ~~والمبررات، فمقولات الأهمية الاجتماعية للغة ليست جديدة؛ إذ إن النظرية ~~الاجتماعية في العقود الأخيرة قد وطدت ما تتمتع به اللغة من مكانة رئيسية ~~في الحياة الاجتماعية (انظر طومسون، 1984م). وأقول أولا: إننا رأينا، في ~~إطار النظرية الماركسية، أن جرامشي (1971م) وألتوسير (1971م) يؤكدان أهمية ~~الأيديولوجيا لإعادة الإنتاج الاجتماعي الحديث، كما أن غيرهما، مثل بيشوه ~~(1982م) يعرف الخطاب بأنه الشكل المادي اللغوي البارز للأيديولوجيا (ومصطلح ~~«إعادة الإنتاج» الذي استعملته، يعني الآليات التي تستعين بها المجتمعات ~~للحفاظ على أبنيتها الاجتماعية وعلاقاتها الاجتماعية على مر الزمن). وأقول ~~ثانيا: إن فوكوه (1979م) قد أكد أهمية التكنولوجيات في الأشكال الحديثة ~~للسلطة، ومن الواضح أن هذه الآليات تعتمد اعتمادا أساسيا على اللغة. وأقول ~~ثالثا: إن هابرماس (1984م) يركز على «استعمار» «عالم الحياة» من جانب ~~«نظم» الاقتصاد والدولة، وهي التي يرى أنها تمثل «إزاحة» للاستعمالات ~~«التواصلية» للغة الموجهة إلى إنتاج الفهم من جانب الاستعمالات ~~«الاستراتيجية»، للغة الموجهة إلى تحقيق النجاح، أي إلى جعل الناس ~~يفعلون أفعالا معينة، ويتجلى الارتقاء بمكانة اللغة والخطاب في المجال ~~الاجتماعي بأشكال شتى، مثل البحث في العلاقة بين الجنسين (سبندر، 1980م)، ~~أو أجهزة الإعلام (فان دييك، 1985م، ب) الذي يركز على اللغة، والبحث في علم ~~الاجتماع الذي يستمد بياناته من المحادثات (أتكنسون وهريتدج، 1984م). # أما الذي يمكننا التساؤل عن صحته فهو: إن كانت مثل هذه النظرية ومثل هذه ~~البحوث تعترف بالأهمية التي دائما ما تمتعت بها اللغة في الحياة ~~الاجتماعية، وإن لم تكن قد حظيت بالتقدير الكافي من قبل، أو إن كان يتجلى ~~فيها فعلا زيادة الأهمية الاجتماعية للغة. وعلى الرغم من احتمال صحة هذا ~~وذاك، فأعتقد أننا شهدنا تحولا كبيرا في العمل الاجتماعي للغة، وهو ~~التحول الذي يتجلى في بروز دور اللغة في جوانب التغير الكبرى التي ~~حدثت على امتداد العقود القليلة الماضية، ms007 ولا يقتصر عدد كبير من هذه ~~التحولات الاجتماعية على استعمال اللغة، بل إن وجوه التغير في الممارسات ~~اللغوية قد ساهمت إلى حد كبير في إحداث هذه التحولات الاجتماعية، وربما ~~وجدنا أحد المؤشرات على الأهمية المتزايدة للغة في التغير الاجتماعي ~~والثقافي في طبيعة المحاولات المبذولة للتحكم في مسار التغيير، إذ أصبحت ~~تضم محاولات متزايدة لتغيير الممارسات اللغوية؛ ولأضرب الآن بعض ~~الأمثلة: # انظر أولا إلى ما شهدته بلدان كثيرة في الآونة الأخيرة من بروز ~~التوسع في فكرة التسويق، بحيث امتد مفهوم السوق ليشمل مجالات جديدة في ~~الحياة الاجتماعية؛ إذ أصبحت بعض القطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية ~~والفنون مطالبة بإعادة هيكلتها، وإعادة تحديد مفاهيمها حتى تتسق أنشطتها ~~مع مبدأ إنتاج السلع وتسويقها بين المستهلكين لها (أوري، 1987م)، وقد كانت ~~لهذه التغييرات آثارها العميقة في أنشطة العاملين في هذه القطاعات، وعلاقاتهم ~~الاجتماعية وهوياتهم الاجتماعية والمهنية. ويضم جانب كبير من تأثيرها ~~جوانب تغيير في الممارسات الخطابية، أي جوانب تغيير في اللغة؛ ففي مجال ~~التعليم، على سبيل المثال، يجد الناس أنهم يتعرضون للضغوط الرامية إلى ~~الانخراط في أنشطة جديدة تحددها الممارسات الخطابية إلى حد كبير (مثل ~~التسويق) وإلى اللجوء إلى ممارسات خطابية جديدة داخل الأنشطة القائمة (مثل ~~التدريس)، ويتضمن هذا «إعادة صياغة» للأنشطة والعلاقات، مثل إعادة تسمية ~~الطلاب بوصفهم بأنهم «مستهلكون» أو «عملاء»، ووصف المناهج العلمية بأنها ~~«بضائع» أو «منتجات»، كما يتضمن إعادة هيكلة خفية للممارسات الخطابية ~~للتعليم - فيما يتعلق بأنماط الخطاب المستخدمة فيها (من حيث الأنواع ~~والأساليب وهلم جرا) - و«استعمار» التعليم من جانب أنماط خطابية من ~~خارجه، بما في ذلك الإعلان، والإدارة، وجلسات إسداء المشورة. # ونقول أيضا إن الصناعة تتجه الآن إلى ما يسمى مرحلة الإنتاج «فيما ~~بعد فورد» (باجولي ولاش، 1988م؛ باجولي، 1990م)، التي تعني أن العمال لم ~~يعودوا يمارسون عملهم بصفتهم أفرادا يؤدون مهام متكررة في إطار عملية ~~إنتاج لا تتغير، بل باعتبارهم أعضاء في فرق تجمع بينهم وتربطهم علاقة تتسم ~~بالمرونة في عملية سريعة التغيير. أضف إلى ذلك أن الإدارة أصبحت تنظر ms008 إلى ~~العلاقات التقليدية بين العامل/الموظف والشركة، باعتبارها فاشلة في هذا ~~السياق، ومن ثم حاولت تغيير ثقافة مكان العمل، وقد يكون ذلك مثلا بإنشاء ~~مؤسسات تضفي المزيد من طابع المشاركة على علاقة العاملين بالإدارة مثل ما ~~يسمى «حلقات الجودة». ووصف هذه التغيرات بأنها ثقافية ليس مجرد ألفاظ تقال؛ ~~إذ إن التغيرات تهدف إلى إرساء قيم ثقافية جديدة، وإذكاء روح الجد عند ~~العمال، بحيث يتمتعون بدوافع ذاتية، وكما يقول روز (في بحث غير منشور) ~~بالقدرة على «الإدارة الذاتية». وتعتبر هذه التغييرات في التنظيم وفي ~~الثقافة، إلى حد كبير، تغييرات في الممارسات الخطابية؛ إذ إن استعمال ~~اللغة يكتسب أهمية أكبر باعتباره من وسائل الإنتاج والرقابة الاجتماعية في ~~مكان العمل، وإذا شئنا المزيد من التحديد قلنا: إن المتوقع اليوم أن يشتبك ~~العمال في تفاعل مباشر فردي وجماعي باعتبارهم متحدثين وسامعين، وتؤكد جميع ~~توصيفات الوظائف المكتبية تقريبا، حتى على أدنى المستويات، مهارات التواصل. ~~ومن نتائج هذا أن الهويات الاجتماعية للعاملين، التي كان ينظر إليها بالصورة ~~التقليدية باعتبارها «وظيفية» وحسب، قد أصبحت تنتمي إلى مجال الحياة الشخصية، ~~ومن المعالم البارزة لهذه التغييرات أنها تتجاوز الحدود القومية، فأساليب ~~الإدارة الجديدة والأشكال الجديدة مثل «حلقات الجودة»، مستوردة من البلدان ~~الناجحة اقتصاديا مثل اليابان، بحيث نجد أن جوانب التغيير في الممارسات ~~الخطابية في مكان العمل قد بدأت تكتسب طابعا دوليا إلى حد ما. والنظام ~~العالمي الجديد للخطاب يتميز إذن بانتشار التوتر ما بين الممارسات المستوردة ~~التي يزداد طابعها الدولي وبين التقاليد المحلية. # وتوجد أمثلة أخرى كثيرة على التغيير، مثل أنواع التغيير في العلاقات بين ~~الأطباء والمرضى، وبين السياسيين والجمهور، وبين الرجال والنساء في أماكن ~~العمل وفي الأسرة، وهي التي تعتمد في بنائها إلى حد ما على الممارسات ~~الخطابية الجديدة. أضف إلى ذلك أن ازدياد ظهور الخطاب في التحولات ~~الاجتماعية يوازيه - كما ذكرت عاليه - اهتمام بالتحكم في الخطاب؛ أي ~~بإحداث تغييرات في الممارسات الخطابية في إطار استحداث التغير الاجتماعي ~~والثقافي. إننا نشهد ما أسميته «إخضاع الخطاب للتكنولوجيا» (فيركلف، 1990م، ~~ب)؛ ms009 إذ نشهد التكنولوجيات الخطابية التي تعتبر نمطا من أنماط «تكنولوجيات ~~الحكومة» (روز وميلر، 1989م) التي يجري تطبيقها الآن بصورة منتظمة في شتى ~~المنظمات، ويتولى ذلك تكنولوجيون محترفون يجرون البحوث في الممارسات ~~الخطابية، ويعيدون تصميمها، ويقومون بالتدريب على استخدامها، وكان من بين ~~الأمثلة المبكرة لهذا التطور نشأة من يوصفون بأنهم متخصصون في علم ~~النفس الاجتماعي ويتولون التدريب على اكتساب مهارات معينة (انظر أرجايل، ~~1978م). وقد بدأ النظر إلى التكنولوجيات الخطابية، مثل إجراء المقابلات ~~الشخصية أو جلسات إسداء المشورة باعتبارها تقنيات لا ترتبط بسياق معين، أو ~~من المهارات التي يمكن تطبيقها في شتى المجالات المختلفة. كما يجري على ~~نطاق واسع إخضاع الممارسات الخطابية المؤسسية للمحاكاة؛ إذ إن الممارسات ~~الخطابية للمحادثات، وهي التي تنتمي بصورة تقليدية إلى مجال الحياة الخاصة، ~~أصبحت تخضع بانتظام للمحاكاة داخل بعض المنظمات (وسوف نعود لمناقشة ~~تكنولوجيات الخطاب في الفصل السابع). # هدفي إذن وضع مدخل لتحليل الخطاب يمكن استخدامه باعتباره منهجا من بين ~~مناهج أخرى للبحث في جوانب التغير الاجتماعي، مثل التي أشرت إليها عاليه. ~~وتتوقف فائدة أي منهج من مناهج تحليل الخطاب في مثل هذه السياقات على ~~تلبيته عددا من الشروط كحد أدنى، وسوف أعلق على أربعة منها، وفي غضون ~~ذلك أورد بعض التفاصيل الخاصة بمدخلي الذي ذكرته آنفا. لا بد أن يكون أولا ~~منهجا صالحا للتحليل المتعدد الأبعاد؛ إذ إن مدخلي الثلاثي الأبعاد يتيح ~~تقييم العلاقات بين التغير الخطابي والتغير الاجتماعي، ويتيح إقامة العلاقة ~~بين الخصائص التفصيلية للنصوص بصورة منتظمة وبين الخصائص الاجتماعية ل ~~«الأحداث الخطابية» باعتبارها من أمثلة الممارسة الاجتماعية. # ولا بد أن يكون ثانيا منهجا صالحا للتحليل المتعدد الوظائف، ~~فالممارسات الخطابية المتغيرة تسهم في التغير في المعرفة، (بما في ذلك ~~المعتقدات والمنطق السليم) والعلاقات الاجتماعية، والهويات الاجتماعية، ~~والمرء يحتاج إلى مفهوم للخطاب ومنهج للتحليل يعمل حسابا للتفاعل بين هذه ~~جميعا. ولدينا نقطة انطلاق صالحة تتمثل في النظرية المنهجية للغة ~~(هاليداي، 1978م) التي ترى أن اللغة متعددة الوظائف، وترى أن النصوص تقوم ~~في آن واحد بتمثيل ms010 الواقع، وتحديد العلاقات الاجتماعية، وإنشاء الهويات. ~~وسوف تزداد فائدة نظرية اللغة المذكورة إذ اقترنت بتأكيد الخصائص الاجتماعية ~~البناءة للخطاب في المداخل الاجتماعية النظرية إلى الخطاب، مثل مداخل ~~فوكوه. # ولا بد أن يكون ثالثا منهجا للتحليل التاريخي، أي إن على تحليل الخطاب ~~أن يركز على عمليات الهيكلة أو عمليات «الإفصاح والربط» في بناء النصوص، ~~وأن يركز في الأجل الطويل على «نظم الخطاب» (أي الصور الكلية للممارسات ~~الخطابية في مؤسسات معينة، أو حتى في مجتمع برمته). وأما على مستوى ~~النصوص، فأنا أنظر إلى هذه العمليات من زاوية «التناص» (انظر الفصل الرابع)، ~~فالنصوص تبنى من خلال نصوص أخرى يجري الإفصاح عنها وترابطها بطرائق ~~معينة، وهي طرائق تعتمد على الظروف الاجتماعية وتتغير بتغيرها. وأما على ~~مستوى نظم الخطاب، فالعلاقات بين الممارسات الخطابية والحدود بينها في مؤسسة ~~ما، أو في المجتمع كله، تتغير بالتدريج بطرائق تتفق مع اتجاهات التغير ~~الاجتماعي. # ولا بد أن يكون رابعا منهجا نقديا؛ إذ إن العلاقات بين التغير ~~الخطابي والاجتماعي والثقافي ليست في العادة شفافة عند الأشخاص الذين ~~يرتبطون بها، وقس على ذلك إخضاع الخطاب للتكنولوجيا، والوصف بأنه «نقدي» ~~يعني ضمنا أنه يبين الروابط والأسباب الخفية، كما يعني التدخل كذلك، ~~بمعنى توفير الموارد للذين يضارون بسبب التغيير. ومن المهم في هذا الصدد أن ~~نتجنب صورة التغيير الخطابي باعتبارها عملية ذات اتجاه واحد يمتد من القمة ~~إلى القاعدة؛ إذ إننا نجد صراعا حول هيكلة النصوص ونظم الخطاب، وقد يقاوم ~~الناس أو يتبنون جوانب التغيير القادمة من المستوى الفوقي، أو يجارونها ~~وحسب. (انظر مناقشة ذلك في الفصل الثالث، والفصل السابع أدناه.) # وختاما لهذه المقدمة أقدم عرضا موجزا مسبقا لدراسة التغير الخطابي ~~في الفصول 3-7. أما الفصل الثالث فيقدم التركيب الذي أنجزته، والذي يجمع ~~بين مفاهيم الخطاب ذات التوجه الاجتماعي والتوجه اللغوي. ويرتكز وصفي ~~للتحليل على مستوى البعد الخاص بالممارسة الخطابية على مفهوم التناص. وأما ~~وصفي للتحليل على مستوى البعد الخاص بالممارسة الاجتماعية فيرتكز على مفهوم ~~الأيديولوجيا، وخصوصا الهيمنة؛ بمعنى أنها أسلوب للسيطرة يقوم ms011 على ~~التحالفات، وضم الجماعات الثانوية، وتوليد الرضا. والواقع أن ضروب الهيمنة ~~داخل منظمات ومؤسسات معينة وعلى المستوى المجتمعي يجري إنتاجها، وإعادة ~~إنتاجها، ومعارضتها وتحويلها داخل الخطاب. أضف إلى ذلك أنه يمكن النظر إلى ~~هيكلة الممارسات الخطابية بطرائق معينة داخل نظم الخطاب بحيث تصبح ~~«مطبعة» وتحظى بالقبول على نطاق واسع، باعتبارها في ذاتها شكلا من أشكال ~~الهيمنة (الثقافية بصفة خاصة). وهكذا فإن الجمع بين مفهومي التناص والهيمنة ~~هو الذي يجعل إطار الفصل الثالث مفيدا للبحث في التغير الخطابي في علاقته ~~بالتغير الاجتماعي والثقافي، وأما تحديد النصوص وأنماط النصوص السابقة التي ~~تعتبر مصدرا ينهل منه (أي «حادثة خطابية» خاصة)، وكيف تفصح عن نفسها، ~~فيعتمد على موقف الحادثة الخطابية إزاء أنواع الهيمنة وضروب الصراع حول ~~الهيمنة، أي إذا ما كانت الحادثة الخطابية تعارض، مثلا، ممارسات وعلاقات ~~الهيمنة القائمة أو تسلم بوجودها وتقبلها كما هي. والمدخل للتغير الخطابي ~~المبين في الفصل الثالث يجمع بين صورة النص والممارسة الخطابية المأخوذة من ~~باختين من طريق مفهوم التناص عند كريستيفا (باختين، 1981م و1986م، وكريستيفا، ~~1986م، أ)، وبين صورة السلطة المأخوذة من نظرية الهيمنة عند جرامشي (جرامشي، ~~1971م؛ بوسي - جلوكمان، 1980م). # وأتناول بالتفصيل الإطار المبين في الفصل الثالث في الفصول التي تليه؛ ~~فالفصل الرابع يتناول مفهوم التناص من حيث التمييز بين التناص «الواضح» (أي ~~الوجود الصريح لنصوص أخرى داخل نص ما) وبين «التفاعل الخطابي» (أي تكوين نص ~~من مجموعة من أنماط النصوص أو الأعراف الخطابية)، وأقدم فيه طريقة للتمييز ~~بين الأنواع المختلفة من أعراف الخطاب، وتحديد العلاقات بينها، مثل ~~«الأنواع»، و«ضروب الخطاب» و«الأساليب»، و«أنماط النشاط». ويناقش الفصل ~~التناص أيضا من زاوية علاقته بالإسهام الاجتماعي للنصوص والتحولات التي ~~تتعرض لها، وعلاقته ببناء الهوية الاجتماعية في الخطاب. وأما في الفصلين ~~الخامس والسادس، فأنا أركز على تحليل النصوص، ويتصدى هذان الفصلان لبعض ~~جوانب النص، مثل المفردات والنحو، والتماسك، وبناء النص، وقوة النص وترابط ~~معناه (وانظر مناقشة هذه المصطلحات في الفصل الثالث). والفصلان يتناولان ~~أيضا فكرة تحليل الخطاب باعتبارها متعددة الوظائف، فالفصل ms012 الخامس يتناول ~~أساسا وظيفة الخطاب في تشكيل الهويات الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية، ~~ويركز الفصل السادس على تشكيل نظم المعرفة والعقيدة في الخطاب وإعادة ~~إنتاجها وتغييرها. وأما الفصل السابع فيركز على بعد معين من أبعاد ~~الخطاب، وهو بعد الممارسة الاجتماعية، ويؤكد خصوصا بعض اتجاهات التغيير ~~العريضة ذات التأثير في نظم الخطاب المعاصرة (مثل إضفاء الديمقراطية أو ~~الطابع السلعي أو التكنولوجي على الخطاب) وعلاقتها بضروب التغير الاجتماعي ~~والثقافي. # وتشمل تحليلات التغيير في الفصول 4-7 شتى المجالات والمؤسسات، إلى جانب ~~عينات تفصيلية من الخطاب. ومن القضايا المثارة في الفصل الرابع قضية ~~الأسلوب الذي تتبعه أجهزة الإعلام في تغيير الحد الفاصل بين المجالين ~~العام والخاص للحياة الاجتماعية، ولا يقتصر ذلك على مادة الخطاب الإعلامي، ~~مثل تناول بعض جوانب الحياة الخاصة باعتبارها أخبارا (جماهيرية)، بل يتجلى ~~أيضا على مستوى التناص من خلال مزج الممارسات الخطابية للمجال الخاص ~~بالممارسات الخطابية في المجال العام، ومن نتائج هذا أن بعض الأجهزة ~~الإعلامية تستخدم صورا نمطية من الكلام الشائع. ومن القضايا الأخرى قضية ~~الضغط الذي تتعرض له المرافق الخدمية حتى تعامل خدماتها باعتبارها سلعا، ~~والمستفيدين بها باعتبارهم مستهلكين، وهو ما يتضح في الممارسات الخطابية ~~الخاصة بتقديم المعلومات والإعلانات. وأنا أناقش في الفصل الخامس بعض صور ~~التغيير في الهويات الاجتماعية للعاملين المهنيين وعملائهم، وفي طبيعة ~~التفاعل بينهم، مركزا على الأطباء والمرضى. وأنا أقول: إن ضروب التغير في ~~الهوية والعلاقة بين الطبيب والمريض تتحقق على مستوى الخطاب في الابتعاد ~~عن المقابلات الطبية الرسمية والاقتراب من جلسات إسداء المشورة القائمة على ~~المحادثة، وهي التي قد تتضمن الممارسات الخطابية لتقديم المشورة وإدراجها ~~في نظم الطب التقليدية. ويتضمن الفصل السادس عينات من كتيبين عن رعاية ~~الحوامل، وهي تمثل صورا متضادة للتعامل مع الحوامل، وأناقش بعد ذلك ~~«هندسة» التغير الدلالي في إطار محاولة إحداث تغير ثقافي، مشيرا بصفة خاصة ~~إلى الخطب التي ألقاها أحد الوزراء في حكومة تاتشر حول التسليع ومزج تقديم ~~المعلومات بالإعلان، وكان يتناول في هذه الحالة قضية التعليم، ضاربا المثل ~~بإحدى اللوائح الجامعية. ms013 # ومن أهداف هذا الكتاب إقناع القراء أن تحليل الخطاب عمل ممتع لمن ~~يقوم به، وتوفير الموارد التي يحتاجونها للقيام به. وهكذا فإن الفصل الأخير ~~في الكتاب، الفصل الثامن، يجمع أطراف المادة التي سبق عرضها في الفصول 3-7 في ~~شكل مجموعة من الخطوط الإرشادية اللازمة للقيام بتحليل الخطاب. وتتناول هذه ~~الإرشادات جمع النصوص وكتابتها وتشفيرها، واستعمال النتائج والتحليل ~~أيضا. # الفصل الأول # | مداخل تحليل الخطاب # هدفي في هذا الفصل أن أصف بإيجاز عددا من المداخل المطبقة في ~~الآونة الأخيرة وحاليا في تحليل الخطاب، باعتبار ذلك سياقا وأساسا لتفصيل ~~القول في مدخلي في الفصول 3-8، لقد أصبح تحليل الخطاب اليوم مجالا دراسيا ~~بالغ التنوع، حيث نجد مداخل منوعة في كل مبحث من عدد من المباحث (وبعض ~~جوانب هذا التنوع مذكورة في فان دييك، 1985م، أ)، وهكذا فإن استقصاء ~~المداخل في هذا الفصل يقوم بالضرورة على الاختيار؛ إذ اخترت عددا من المداخل ~~التي تجمع، إلى حد ما، بين التحليل الدقيق للنصوص اللغوية وبين التوجه ~~الاجتماعي للخطاب، ويتفق هذا مع هدفي في الفصول اللاحقة لتحقيق جمع فعال ~~ويقبل التطبيق بين التحليل النصي وطرائق التحليل الاجتماعي الأخرى، كما ~~أنني تعاملت مع المداخل بصورة انتقائية، مركزا على جوانبها التي تقترب ~~أكثر من غيرها من أولوياتي في هذا الكتاب. # ومن الممكن تقسيم المداخل المستقصاة إلى مجموعتين وفقا لطبيعة توجهها ~~الاجتماعي إلى الخطاب، مميزا بين «المداخل غير النقدية» والمداخل ~~«النقدية»، ولكن مثل هذا التقسيم ليس مطلقا، فالمداخل النقدية تختلف عن ~~المداخل غير النقدية في أنها لا تقتصر على وصف الممارسات الخطابية، بل تبين ~~أيضا كيف يتشكل الخطاب بفعل علاقات السلطة والأيديولوجيات، والآثار ~~البناءة للخطاب في الهويات الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية، ونظم ~~المعرفة والعقيدة، وإن لم يكن أيهما واضحا في العادة للمشاركين في الخطاب. ~~فأما المداخل التي وصفتها بأنها غير نقدية أساسا فتتضمن الإطار اللازم ~~لوصف خطاب قاعة الدرس عند سنكلير وكولتارد (1975م)؛ والعمل «الإثنومنهجي» في ~~مجال «تحليل المحادثة»؛ ونموذج الخطاب العلاجي عند لابوف وفانشيل (1977م)، ~~إلى جانب مدخل حديث لتحليل ms014 الخطاب، وضعه باحثان في علم النفس الاجتماعي هما ~~بوتر ووذريل (1987م)، وأما المداخل النقدية التي أدرجتها فهي: «اللغويات ~~النقدية» عند فاولر وآخرين (1979م) والمدخل الفرنسي لتحليل الخطاب الذي بناه ~~بيشوه على أساس نظرية الأيديولوجيا عند ألتوسير (بيشوه، 1982م). ويختتم ~~الفصل بملخص للقضايا الرئيسية في تحليل الخطاب، وهي المستخلصة من هذا ~~الاستقصاء، والتي سوف تمثل نقطة انطلاق إلى عرض مدخلي الخاص في الفصل ~~الثالث. ~~(1) سينكلير وكولتارد # عمل سنكلير وكولتارد (1975م) وكذلك كولتارد (1977م) على وضع نظام وصفي ~~عام لتحليل الخطاب، ولكنهما قررا التركيز على قاعة الدرس؛ لأنها حالة ~~ثابتة الشكل، ومن المحتمل أن تخضع ممارسة الخطاب فيها لقواعد واضحة، ويقوم ~~نظامهما الوصفي على وحدات يفترض أن ترتبط فيما بينها بالعلاقة نفسها مثل ~~الوحدات في الأشكال المبكرة للنحو المنهجي (هاليداي، 1961م): والوحدات ~~مرتبة بمعيار طبقي، بمعنى أن الوحدات الأعلى طبقة تتكون من الوحدات في ~~الطبقة الأدنى، وهكذا، ففي النحو، تتكون الجملة من عبارات، وهي تتكون من ~~مجموعات، وهلم جرا. وعلى غرار ذلك نجد أن خطاب قاعة الدرس يتكون من ~~خمس وحدات ذات طبقات تنازلية - الدرس، والتعامل، والتبادل، والخطوة، والفعل ~~- بمعنى أن الدرس يتكون من تعاملات، تتكون كل منها من مبادلات، وهلم ~~جرا. # ولا يكاد سنكلير وكولتارد يذكران شيئا عن «الدرس»، ولكنهما يقولان بأن ~~«التعامل» ذو بناء واضح، فالتعاملات تتكون من مبادلات، وهي تفتح وتغلق ~~بما يسميانه «مبادلات الحدود» التي تتكون على الأقل من «خطوات إطارية»، ~~إلى جانب خطوات أخرى أو من دونها، فعلى سبيل المثال يقول المعلم: «والآن، ~~قلت في نفسي فلنعمل اليوم على حل ألغاز ثلاثة»، وهذه الجملة تتضمن ~~خطوة إطارية («والآن») وخطوة «تركيزية» تقول للتلاميذ موضوع التعامل ~~المتوقع. وعادة ما تقع بين مبادلات الحدود سلسلة من المبادلات «الإخبارية» ~~أو «التوجيهية» أو «الرامية إلى تلقي المعلومات»، وفي هذه السلسلة تقع ~~مقولات وطلبات (أو أوامر) على الترتيب، وتطرح الأسئلة، عادة، من جانب ~~المعلم. # فلننظر في بناء نمط من أنماط المبادلة، وهي المبادلة الرامية إلى ~~تلقي المعلومات، وتتكون في العادة من ثلاث خطوات: ms015 «البداية» و«الرد» و«رد ~~الفعل». مثلا: # المعلم ~~: # هل تستطيع أن تقول لي سبب تناولك كل هذا الطعام؟ # التلميذ ~~: # للحفاظ على قوتي. # المعلم ~~: # للحفاظ على قوتك، نعم. للحفاظ على قوتك. # ولماذا تريد الحفاظ على قوتك؟ # أول ما يقوله المعلم هو خطوة البداية، وقول التلميذ رد عليها، وأول سطر ~~من القول الثاني للمعلم رد الفعل، والسطر الثاني خطوة بداية جديدة، لاحظ أن ~~مقولة («منطوقة») واحدة يمكن أن تتكون من أكثر من خطوة واحدة، ووجود رد ~~الفعل بانتظام يفترض سلفا أن المعلمين يتمتعون بسلطة تقييم أقوال تلاميذهم ~~(فمن النادر أن يخاطر أحد بأن يفعل هذا خارج إطار تعليمي) ويبين أن ~~جانبا كبيرا من خطاب قاعة الدرس يدور حول اختبار ما يعرفه التلاميذ، ~~وتدريبهم على أن يقولوا أشياء ذات صلة بالموضوع وفقا للمعايير التي ~~وضعتها المدرسة. # والخطوة الواحدة تتكون من فعل واحد أو أكثر، ويميز سنكلير وكولتارد ~~بين 22 فعلا في خطاب قاعة الدرس، وبعضها خاص بهذا النمط من الخطاب دون ~~غيره، (مثل فعل «الطلب»؛ أي الذي يطلب الطفل فيه الحق في الإجابة، ربما بأن ~~يرفع يده)، وبعضها الآخر أقل اختصاصا بهذا النمط، فخطوة البداية في ~~المبادلة التي ترمي إلى تلقي المعلومات قد تتضمن «الاستخلاص» (أي ~~استخلاص شيء من السامع) على سبيل المثال، وربما يكون ذلك عندما تتضمن ~~خطوة البداية في مبادلة توجيهية ما «توجيها» معينا. # وتعتبر الأفعال فئات وظيفية لا فئات شكلية، ومن القضايا الرئيسية قضية ~~العلاقة بينها وبين الفئات الشكلية للنحو، (وقد حظيت هذه القضية باهتمام ~~كبير في إطار التداولية، انظر ليفنسون، 1983م؛ وليتش وتوماس، 1989م)، ومن ~~المشهور عدم وجود حالات تقابل بسيطة. فعلى سبيل المثال قد تكون الجملة ~~الاستفهامية («السؤال النحوي») توجيها واستخلاصا في الوقت نفسه (مثل: «هل ~~تستطيع إغلاق الستائر؟») والجملة الخبرية («المقولة النحوية») يمكن أن تكون ~~أيا من هذين أو فعلا «إخباريا» (مثل «الستائر ليست مغلقة»، فقد ~~تمثل هذا طلبا للتأكيد، أو طلبا من أحدهم بإغلاقها، أو مجرد تقديم ~~معلومات)، ويشير سنكلير وكولتارد إلى ما يسميانه «الحال» و«التكتيك»؛ للبت ~~في ms016 الوظيفة التي تقوم بها الجملة في قطعة معينة من الخطاب. وذكر الحال ~~يدعو إلى النظر في عوامل حالية ذات علاقة به، فعلى سبيل المثال: إذا كان ~~الأطفال يعرفون أن الكلام في قاعة الدرس ممنوع، فإن الجملة الخبرية التي ~~يقولها المعلم (مثل «أنت تتكلم») ربما فسرها التلميذ بأنها أمر له ~~بالكف عن الكلام، وعلى ما يقوله لابوف وفانشيل (انظر أدناه) يقترح سنكلير ~~وكولتارد قواعد تفسيرية تأخذ في اعتبارها الشكل النحوي للجملة والعوامل ~~الحالية، وأما «التكتيك» فينظر في تأثير موقع الجملة من حيث ارتباطها بما ~~سبق داخل الخطاب في تفسيرها، فعلى سبيل المثال قد ترد جملة خبرية مثل ~~«ربما يختلف الأمر من وجهة نظر المرأة» بعد رد فعل في سلسلة المبادلات ~~المستخلصة، (أي حيث يتوقع المرء خطوة البداية)، ومن المحتمل أن تفسر ~~باعتبارها استخلاصا، على الرغم من أن معظم الجمل الخبرية ليست استخلاصية، ~~وأن معظم الجمل الاستخلاصية جمل استفهامية. # وتكمن قوة الإطار الذي وضعه سنكلير وكولتارد في الطريق الرائد الذي ~~يلفت النظر إلى خصائص التنظيم المنهجي للحوار، ويقدم طرائق وصفها، وأما ~~أوجه قصورها فتتضمن غياب التوجه الاجتماعي الناضج للخطاب، وعدم كفاية ~~الاهتمام بالتفسير، ومن الممكن إرجاع أوجه القصور المذكورة إلى المادة ~~(البيانات) التي اختاراها، فهما يركزان على نموذج مركزية المعلم ~~التقليدية في خطاب قاعة الدرس، ومادتهما لا يتجلى فيها تنوع ممارسات ~~قاعة الدرس الراهنة. وهذا يجعل خطاب قاعة الدرس يبدو أشد تجانسا مما هو ~~عليه في الواقع، ويطبع الممارسات السائدة بجعلها تبدو في صورة الممارسات ~~الوحيدة، فهو يقدمها باعتبارها «موجودة» وحسب، ومتاحة للتوصيف، لا ~~باعتبار أنها أنشئت من خلال التنازع مع ممارسة بديلة، وأنها قد زودت ~~بأيديولوجيات معينة (مثل الآراء في التعليم والمتعلمين)، وأنها تساعد ~~على الحفاظ على علاقات سلطة معينة داخل المجتمع. وبإيجاز، فإن مدخل ~~سنكلير وكولتارد ينقصه التوجه الاجتماعي الناضج، ما دام يتجاهل النظر في ~~طرائق تشكيل علاقات السلطة للممارسات الخطابية، ولا يضع خطاب قاعة الدرس في ~~مكانه التاريخي وسط عمليات الصراع الاجتماعي والتغيير. فالخصيصة المرموقة ~~لخطاب قاعة الدرس المعاصر ms017 تتمثل في تنوعه، والمرء يريد أن يعرف سبب ~~الضغوط التي يتعرض لها خطاب قاعة الدرس التقليدي الذي يصفانه، وطبيعة ~~القضية المطروحة. # وتجانس المادة المشار إليها تصرف النظر أيضا عن ازدواج الدلالة في ~~خطاب قاعة الدرس وتنوع التفسيرات المحتملة. انظر في المثال التالي عند ~~كولتارد (1977م، 108): # المعلم ~~: # ما نوع هذا الشخص في رأيك؟ # هل ترى؟ ما الذي تضحك منه؟ # التلميذ ~~: # لا شيء. # المعلم ~~: # ماذا؟ # التلميذ ~~: # لا شيء. # المعلم ~~: # تضحك من لا شيء؟ لا شيء على الإطلاق؟ # التلميذ ~~: # لا. # الأمر مضحك فعلا؛ لأنهم لا يخطر لهم ذلك كأنما لم يكونوا حاضرين، ~~وربما لم يحبوا ذلك، والكلام يفصح عن موقف متحذلق. # ويرى سنكلير وكولتارد أن هذا يدل على سوء تفسير التلميذ للحال؛ إذ ~~يتصور أن سؤال المعلم عن الضحك يقصد به التأديب لا الحوار، ولكن أمثال هذه ~~النماذج تشير أيضا إلى إمكان تعدد الجوانب في خطاب قاعة الدرس، وإلى ~~تعايش مجموعة من أنماط خطاب قاعة الدرس في المدارس، وهو ما ينبغي لمنتجي ~~النص ومفسريه أن يأخذوه في حسبانهم، ويعني هذا، ضمنا، ضرورة الانتباه ~~إلى العمليات الخطابية، وإلى التفسير والإنتاج، وأما التركيز عند سنكلير ~~وكولتارد فينصب على النصوص باعتبارها من نواتج الخطاب (وإن كانت فئة ~~التكتيك توحي بدرجة من الانتباه إلى التفسير)، ويؤدي هذا أيضا إلى جعل ~~موقفها من التحليل إشكاليا ما دام المحللون يفسرون النصوص ولا ~~يكتفون بوصفها. ولنسأل: أفلا يفسر سنكلير وكولتارد فعلا بياناتهما حتى ~~حين يزعمان أنهما يصفانها فحسب؟ أفلا يفسرانها من وجهة نظر المعلم حين ~~يريان مثلا أن التلميذ يسيء فهم المعلم بدلا من إبدائه عدم الالتزام ~~(أو الحياد) في الرد على سؤال يحتمل إجابتين من المعلم؟ فتعبير «لا شيء» ~~في الواقع يحتمل أكثر من دلالة، ومن الممكن أن يعني «لا أستطيع أن أخبرك ~~بما يجعلني أضحك هنا»، ويثير هذا مشكلة أخرى في هذا الإطار؛ إذ إنه يفرض ~~قرارات معينة بشأن وظائف الأقوال، في حين أن الأقوال في الواقع كثيرا ~~ما تحمل وجهين للمعنى، لا أن تتصف بالغموض وحسب، على ms018 نحو ما تبينه ~~الأبحاث الحديثة في التداولية (انظر لفنسون، 1983م)، أي إن معانيها تستعصي ~~على البت الواضح فيها. ~~(2) تحليل المحادثة # تحليل المحادثة مدخل من مداخل تحليل الخطاب، وضعته مجموعة من علماء ~~الاجتماع الذين يصفون أنفسهم بأنهم «إثنومنهجيين»، ومدخل «الإثنومنهجية» من ~~المداخل التفسيرية في علم الاجتماع، وهو يركز على الحياة اليومية ~~باعتبارها إنجازا قائما على المهارة، وعلى المناهج التي يستخدمها الناس ل ~~«إنتاجها» (جارفينكل، 1967م، وبنسون وهيوز، 1983م). ويميل الإثنومنهجيون ~~إلى تجنب النظرية العامة ومناقشة أو استخدام بعض المفاهيم مثل الطبقية أو ~~السلطة أو الأيديولوجيا وهي التي تمثل أهمية أساسية للتيار الرئيسي ~~لعلم النفس، وبعض الإثنومنهجيين يبدون اهتماما خاصا بالمحادثة ~~وبالمناهج التي يطبقها المتحادثون في إنتاجها وتفسيرها (شنكاين، 1978م؛ ~~أتكنسون وهريتيدج، 1984م)، ويركز محللو المحادثة أساسا على المحادثة ~~غير الرسمية بين الأنداد (مثل المحادثة التليفونية) وإن كانت بعض البحوث ~~الحديثة قد تحولت إلى الأنماط المؤسسية للخطاب، حيث تبدو مظاهر عدم ~~التكافؤ في السلطة بوضوح أكبر (باتون ولي 1987م). ويختلف تحليل المحادثة عن ~~مدخل سنكلير وكولتارد في أنه يبرز العمليات الخطابية، ومن ثم يولي ~~اهتماما أكبر بالتفسير والإنتاج، ولكن مفهوم هذا التحليل للتفسير ~~والعمليات مفهوم ضيق، كما سوف أقيم عليه الحجة أدناه، ويشبه تحليل ~~المحادثات مدخل سنكلير وكولتارد في التوجه نحو اكتشاف الأبنية في ~~النصوص. # وقد وضع محللو المحادثات توصيفات لشتى جوانب المحادثة، مثل فواتح ~~المحادثة وخواتيمها، وكيفية عرض الموضوع، وتطويره وتغييره، وكيف يحكي الناس ~~حكايات في أثناء المحادثات، وكيف ولماذا يعيدون صوغ المحادثة (مثلا ~~بتقديم فحواها أو باقتراح ما توحي به ضمنا). وأما البحوث الخاصة بالتناوب، ~~أي كيف يتناوب المتحادثون أدوار الكلام، فقد كانت باهرة وذات نفوذ كبير، ~~ويقترح ساكس وشيجلوف وجيفرسون (1974م) وجود مجموعة بسيطة من قواعد التناوب ~~التي تمتاز بالصلابة، وتنطبق هذه القواعد عند اكتمال الوحدة المستخدمة في ~~بناء دور المتحدث، إذ يبني المتحدثون أدوارهم بوحدات معينة، كأن ~~تكون الوحدة جملة مركبة، أو جملة بسيطة، أو عبارة، أو حتى كلمة واحدة، ~~ويستطيع المشاركون البت في ماهية هذه الوحدة والتنبؤ ms019 بلحظة اكتمالها ~~بدقة كبيرة، والقواعد منظمة على النحو التالي: (1) للمتحدث الحالي أن ~~يختار المتحدث التالي له؛ (2) وإذا لم يفعل ذلك فقد يختار المتحدث ~~التالي نفسه بالبدء في دوره في الحديث؛ (3) فإن لم يحدث هذا فللمتحدث ~~الحالي أن يواصل حديثه. ويقول ساكس وشيجلوف وجيفرسون: إن هذه القواعد تشرح ~~عددا كبيرا من معالم المحادثات التي رصدت، ويضيفون أن حالات التداخل ~~بين المتحادثين تتسم بالقصر بصفة عامة، وبأن عددا كبيرا من حالات ~~الانتقال من متحدث إلى غيره تقع دون فجوات ودون تداخلات، وهلم ~~جرا. وعلى الرغم من عمومية القواعد فإنها تسمح بالتنوع الكبير في بعض ~~معالم المحادثة، مثل نظام أدوار الكلام وطول كل منه. # ويركز تحليل المحادثة تركيزا شديدا على الدلالات المضمرة للتتابع ~~في المحادثة، أي الزعم بأن كل قول منطوق يفرض قيودا على ما يتبعه، ~~و«الثنائيات المتجاورة» - مثل السؤال والإجابة، أو الشكوى والاعتذار - من ~~الأمثلة ذات الوضوح الناصع على هذا، فالسؤال الذي يطرحه أحد المتحادثين ~~يستتبع بالضرورة إجابة من متحدث آخر. ومن الأدلة على أن قولا من «س» ~~يستتبع إشراك «ص» ما يلي: (1) إن أي شيء يقال بعد قول «س» سوف يعتبر ~~خاصا ب «ص» إن كان ذلك ممكنا (والمثال عليه: «هل هذه زوجتك؟» قد تتبعه ~~إجابة تقول «يعنى! إنها ليست والدتي»، ومن المحتمل أن تعتبر هذه العبارة ~~ردا بالإيجاب على السؤال). (2) إنه إذا لم يصدر قول من «ص»، فإن غياب ~~القول سوف يلاحظ، ومن الشائع أن يعتبر أساسا لمعنى مستنبط (فعلى سبيل ~~المثال إذا امتنع المعلمون عن إبداء ردود أفعالهم على إجابات التلاميذ فقد ~~يعني ذلك ضمنا رفض هذه الإجابات)، ويقول أتكنسون وهريتيدج (1984م، 6) «إن ~~كل قول منطوق يقع في موقع يحدده البناء في الحديث»، ومما يترتب على هذا ~~أن تناوب الأدوار يتجلى فيه تحليل الأدوار السابقة، وهو ما يوفر الأدلة ~~الدائمة في النص على كيفية تفسير الأقوال الملفوظة. # ومما يترتب على هذا أيضا أن موقع القول وحده وسط الأقوال المتتابعة ~~يكفي للبت في معناه، ولكن هذا مشكوك فيه إلى حد ms020 كبير، لسببين: الأول ~~(1) أن تأثير التتابع في المعنى يتغير طبقا لنمط الخطاب، والثاني (2) أن ~~المشاركين في المحادثة قد يرجعون، كما سبق أن ذكرت في مناقشتي لسنكلير ~~وكولتارد، إلى أنماط خطاب منوعة في أثناء «تفاعلهم»، بحيث يضطر ~~المشاركون، باعتبارهم منتجين ومفسرين، إلى تعديل مواقعهم باستمرار إزاء ~~هذه الأنماط. انظر بناء المقتطف التالي من مقابلة شخصية طبية أقدم في ~~الفصل الخامس تحليلا لها: # سوف أقول في تحليلي لهذه الشذرة المقتطعة من مقابلة شخصية: إنها ~~مزيج من المقابلة الطبية وجلسة إسداء المشورة. وفي إطار هذا المزيج ماذا ~~يقول التتابع للمفسر عن سؤال الطبيب في دوره الأول؟ نعرف في المقابلات ~~الطبية التقليدية أن السؤال الذي يسأله الطبيب فور إشارة المريض إلى حالة ~~مرضية قد تكون خطرة (وهي إدمان شرب الخمر هنا)، من الأرجح أن يفسر على أنه ~~استقصاء طبي يتطلب الانتباه الكامل من كلا المشاركين، وأما في جلسة إسداء ~~المشورة، فإن مثل هذا السؤال يمكن تفسيره بروح المحادثة، أي باعتباره ~~سؤالا عارضا يدل على أن المستشار ملم بمشاكل المريض. وفي الشذرة ~~المقتطفة يبدو أن المريضة تعتبره سؤالا عارضا، فهي تجيب إجابات آلية ~~تتكون من كلمات مفردة عن السؤال الرئيسي وإقرار الطبيب للإجابة (وربما ~~محاولة التحقق من صدقها)، ثم تغير القصة مرة أخرى؛ لتحكي بعض الأحداث ~~الأخيرة. واتخاذ مثل هذا القرار التفسيري يقتضي أن تحيط المريضة بمعلومات ~~أكثر عن التتابع، أي إنها تحتاج إلى إصدار حكم على حادث اجتماعي، والعلاقة ~~الاجتماعية بينها وبين الطبيب، ونمط الخطاب أيضا. وهذا يعني أن لدينا صورة ~~لعمليات الخطاب وتفسيره تتسم بتعقيد يزيد على ما هو مفترض عموما في ~~تحليل المحادثات، أي صورة يمكن أن تتسع مثلا لمحاولات منتجي النص ~~ومفسريه شق طريقهم داخل مخزونات أنماط الخطاب. ويوحي هذا المثال أيضا ~~بأن التحليل نفسه عملية تفسير، ومن ثم فهي ممارسة خلافية وإشكالية، ~~ولكننا لا نكاد نجد شيئا من هذا في تحليل المحادثات. ومع ذلك، فإن ~~المحللين يميلون، مثل سنكلير وكولتارد، إلى تفسير البيانات استنادا إلى ~~وجود توجه مشترك بين المتحادثين ms021 نحو نمط خطابي واحد (ولكن انظر جيفرسون ~~ولي، 1981م)، ومن الآثار الناجمة عن ذلك رسم صورة للمحادثة تتميز ~~بالتناغم المبالغ فيه والتعاون الوثيق. # أضف إلى هذا تجاهل السلطة باعتبارها عاملا في المحادثات، ففي عمليات ~~التفاوض التي أشرت إليها يتمتع بعض المشاركين، عادة، بقوة أكبر من ~~غيرهم. وفي الكثير من أنماط الخطاب (مثل خطاب قاعة الدرس) لا نجد قواعد ~~مشتركة لتناوب الكلام، حيث يتمتع المشاركون بالمساواة في الحقوق ~~والالتزامات، بل نجد توزيعا متفاوتا للحقوق (مثل الحق في أن يختار ~~المتحدث نفسه، أو أن يقاطع المتحدث، أو أن يواصل الحديث عبر أدوار ~~عديدة) والالتزامات (مثل القيام بدوره في الحديث إذا رشح لذلك)، وفي ~~أمثال هذه الحالات يتضح لنا أن إنتاج الخطاب جزء من عمليات أوسع نطاقا، أي ~~عمليات إنتاج الحياة الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية، والهويات ~~الاجتماعية، ولكن جانبا كبيرا من تحليل المحادثات الذي يقدم تفسيرات ~~متناغمة للتفاعل بين الأنداد يعطينا الانطباع بأن إنتاج الخطاب غاية في ~~ذاته. # وعلى الرغم من اختلافهما في نقاط الانطلاق البحثية والتوجهات ~~النظرية، فإن مدخل سنكلير وكولتارد يشارك مدخل تحليل المحادثات نقاط القوة ~~وأوجه القصور؛ إذ إن كليهما قد أسهم إسهاما كبيرا في إيجاد تقدير جديد ~~لطبيعة المباني في الحوار، وإن كان كل منهما يتسم بغياب التوجه ~~الاجتماعي الناضج للخطاب (وفي هذا الصدد يعاني تحليل المحادثات من أوجه ~~النقص نفسها عند سنكلير وكولتارد)، ولا يقدم أيهما وصفا مقنعا ~~لعمليات الخطاب والتفسير، وإن كان تحليل المحادثة يقدم نظرات ثاقبة في ~~جوانب معينة من التفسير. ~~(3) لابوف وفانشيل # يعتبر كتاب لابوف وفانشيل (1977م) دراسة اشترك في إعدادها عالم من ~~علماء اللغة وعالم من علماء النفس لخطاب المقابلة الشخصية الخاصة بالعلاج ~~النفسي، وخلافا لموقف سنكلير وكولتارد، وموقف تحليل المحادثات، يفترض ~~لابوف وفانشيل أن الخطاب غير متجانس، وهما يريان ذلك دليلا على «التناقضات ~~والضغوط» (ص35) الناشئة عن ظروف المقابلة الشخصية، وهما يتفقان مع جوفمان ~~(1974م) على أن التنقل بين «الأطر» من المعالم العادية في المحادثة، ~~ويحددان في المادة التي يدرسانها تركيبا من أساليب مختلفة ms022 ترتبط بأطر ~~مختلفة، مثل: «أسلوب المقابلة الشخصية»، و«أسلوب الحياة اليومية»، اللذين ~~يستخدمان في قصص المرضى عما جرى «في الدنيا منذ الزيارة الأخيرة» (والحرف ~~«ق» يرمز في المثال للقصة) وأسلوب الأسرة (التي يرمز له بحرف أ) هو الأسلوب ~~الذي عادة ما يستخدم في الحالات «الأسرية» للتعبير عن المشاعر ~~الجارفة. # وهما يقسمان المقابلات الشخصية إلى «قطاعات» تتفق في مداها تقريبا مع ~~«المبادلات» عند سنكلير وكولتارد، وإن كانت هذه القطاعات يمكن أن تكون ~~أيضا أجزاء من المونولوجات. وتحليل القطاعات يؤكد وجود «تيارات اتصال» ~~لغوية وشبه لغوية، والصفة الأخيرة تشمل بعض ملامح الكلام مثل طبقة الصوت، ~~ودرجة ارتفاعه، وبعض مميزاته مثل «التهدج»، وحمله معاني مضمرة ~~«ينكرها» المتكلم. ومن المتغيرات بين أنماط الخطاب الأهمية النسبية ~~للقناة شبه اللغوية، ففي الخطاب العلاجي يعتبر التناقض بين المعاني الصريحة ~~للقناة اللغوية، والمعاني المضمرة للقناة شبه اللغوية من المعالم ~~الأساسية. # والتحليل يقدم «توسيعا» لكل قطاع، أي إعادة صوغ للنص قادرة على ~~التصريح بما هو مضمر، بالإشارة إلى الأسماء التي تحيلنا إليها الضمائر، ~~والإفصاح عن المعاني المضمرة التي تدلنا عليها المفاتيح شبه اللغوية، ~~وإدراج المادة الحقيقية ذات الصلة بالموضوع من أجزاء أخرى من البيانات، ~~والتصريح ببعض المعرفة التي يشترك فيها المتحدثون. وحالات التوسع ~~المذكورة غير محدودة، ويمكن زيادة تفاصيلها إلى ما لا نهاية. وفيما يلي ~~نموذج نصي، يتضمن التحليل من حيث أساليبه، وصورته الموسعة (ق: قصة، أ: ~~أسرة). ~~< ق وهكذا - عندما اتصلت بها اليوم قلت < أ «والآن، متى ~~تعتزمين أن تأتي إلى البيت؟» > أ > ق. ~~< ق عندما اتصلت بوالدتي اليوم (الخميس) قلت لها في الواقع ~~< أ «والآن، فيما يتعلق بالموضوع الذي يعرف كلانا أنه مهم ومصدر قلق ~~لي، متى تتركين منزل أختي حيث (2) اكتمل الوفاء بالتزاماتك و(4) تعودين إذ إنني ~~أطلب مجيئك إلى بيت، حيث (3) تتعرض التزاماتك الأولية للتجاهل، ما دام ينبغي ~~لك أن تفعلي ذلك باعتبارك (الأم الرئيسة) وترؤسين أسرتنا؟» > أ ~~> ق. # الرموز في الأقواس المجعدة تسبق المقولات التي تقبل كما هي، وبعض هذه ~~خاصة بتفاعل محدد، وبعضها الآخر ms023 مثل «الأم الرئيسة»، أي «الأم هي رأس ~~الأسرة»، تترتب عليها دلالات عامة في الثقافة بالنسبة لالتزامات الدور؛ ~~إلى جانب رموز أخرى تنتمي إلى الافتراضات الدائمة للعلاج (مثل مقولة: ~~«المعالج لا يأمر المريض بما ينبغي أن يفعله») أو للثقافة (مثل: «على المرء ~~أن يعتني بنفسه») ونادرا ما تصاغ المقولات صياغة صريحة، ومع ذلك فإن ~~القضية الرئيسية في أي تفاعل قد تتمثل في البت فيما إذا كان الحادث ~~يمثل إحدى المقولات أو لا يمثلها، أضف إلى ذلك أن المقولات تشكل روابط ~~مضمرة بين أجزاء التفاعل، ولها أهميتها في تحقيق ترابط معناه. # إذن فإن تحليل القطاع يقول إنه تفاعل (ومعناه «الفعل الذي يؤثر في ~~العلاقات بين النفس والآخرين») ومن المفترض أن أي كلام منطوق يؤدي في ~~الوقت نفسه عدة أفعال ذات ترتيب هرمي بحيث تقوم الأفعال في المستويات ~~الدنيا بتنفيذ الأفعال في المستويات العليا (وهذه العلاقة يبينها ~~استخدام تعبير «ومن ثم» في المقتطف الوارد أدناه)، وهكذا يقول المقتطف ~~الوارد أعلاه (وبعد تبسيط ما وضعه لابوف وفانشيل): # تواصل رودا (المريضة) القصة، وتقدم معلومات لدعم زعمها أنها ~~نفذت الاقتراح «ح». وتطلب رودا معلومات بشأن الوقت الذي تعتزم ~~والدتها فيه العودة إلى المنزل، ومن ثم تطلب من والدتها بصورة غير ~~مباشرة أن تعود للبيت، ومن ثم تنفذ الاقتراح «ح»، ومن ثم تتحدى ~~والدتها بصورة غير مباشرة بسبب تقاعسها عن القيام بدورها كما ينبغي ~~باعتبارها رئيسة الأسرة، معترفة في الوقت نفسه بأوجه قصورها، وزاعمة ~~في الوقت نفسه مرة أخرى أنها نفذت الاقتراح. # وأما المقولة «ح» فهي اقتراح (المعالج) بأنه ينبغي لكل فرد أن يعبر ~~عن حاجاته للآخرين، وأمثال هذا التصوير تستند إلى قواعد الخطاب التي ~~اقترحها لابوف وفانشيل لتفسير الأشكال السطحية للأقوال المنطوقة، ~~باعتبارها أنواعا معينة من الأفعال، فهما يتحدثان مثلا عن قاعدة ~~«الطلب غير المباشر»، وهي التي تحدد الشروط التي تجعل الأسئلة («طلب ~~المعلومات») تعتبر طلبات للقيام بفعل معين، ويختتم التحليل ب «قواعد ~~التتابع» اللازمة للربط بين القطاعات. # ويشير لابوف وفانشيل إلى مدخلهما باعتباره تحليلا «شاملا» ms024 للخطاب، ~~ولا شك أن طابعه الشامل باهر، وإن كان أيضا يستغرق وقتا بالغ الطول، ~~على نحو ما يقران به. وهما يحددان في الواقع عددا من المشكلات التي ~~تكتنفه، فالمفاتيح شبه اللغوية عسيرة التفسير، وهو ما ذاع فعلا عنها، ~~والتوسع قد يستمر بلا نهاية، حيث لا توجد نقاط توقف واضحة الدافع، ومن ~~شأن التوسع طمس الاختلافات المهمة بين العناصر المقدمة والمؤخرة في ~~الخطاب، لكنني أريد التركيز في مناقشتي على فكرتين مهمتين في مدخلهما ولا ~~بد من زيادة النظر فيهما. # تقول الأولى إن الخطاب قد يكون متغاير الأساليب؛ أي غير متجانس بسبب ~~التناقضات والضغوط الناشئة في الحالة التي يجري الكلام فيها. ففي حالة ~~الخطاب العلاجي مثلا، يقال إن استخدام أسلوب «الحياة اليومية» و«الحياة ~~العائلية» يمثل جانبا من استراتيجية المريض؛ لجعل بعض أجزاء الكلام ~~محصنة أمام الخبرة النفاذة للمعالج. وسبق لي أن ذكرت أن هذا شبيه ~~بمفهوم جوفمان عن الأطر. ومبدأ عدم تجانس الخطاب عنصر رئيسي في مناقشتي ~~للتناص. وسوف أقتصر هنا على الإشارة إلى اختلافين اثنين وحسب بين موقفي ~~وموقف لابوف وفانشيل. الأول: هو طي أسلوب داخل أسلوب، كما هو الحال في ~~النموذج الوارد أعلاه، وهو شكل واحد وحسب من أشكال عدم التجانس، وكثيرا ما ~~يتخذ أشكالا أكثر تركيبا وتعقيدا، حيث يصعب الفصل بين الأساليب، وأقول ~~ثانيا: إن نظرتهما إلى التغاير أو عدم التجانس تقوم على أكثر مما ينبغي من ~~الثبات، فهما يريان أن الخطاب العلاجي يمثل تركيبا ثابتا من الأساليب، ~~ولكنهما لا يحللان التغاير بأسلوب دينامي باعتباره يمثل تحولات تاريخية ~~في المركبات الأسلوبية. فالواقع أن القيمة الأولى لمبدأ التغاير تكمن، ~~فيما يبدو، في البحث في التغير الخطابي داخل إطار التغير الاجتماعي ~~والثقافي الواسع النطاق (انظر أواخر الفصل الثالث، حيث ترد تفاصيل هذا ~~المنظور). # وأما الفكرة الثانية فتقول: إن الخطاب يبنى على مقولات مضمرة ~~يسلم المشاركون بصحتها دون مناقشة، وتعتبر الأساس اللازم لترابط ~~معناه، وهذا مبدأ مهم آخر لا ينظر لابوف وفانشيل في إمكانياته الكامنة وما ~~يترتب عليه من آثار، وأقول إنهما، ms025 بوجه خاص، لا يلتفتان إلى الطابع ~~الأيديولوجي لبعض هذه المقولات، مثل دور الالتزامات المرتبطة بالأم، أو ~~الأيديولوجيا «الفردية» للذات في مقولة «على المرء أن يعتني بنفسه»، أو إلى ~~الوظيفة الأيديولوجية التي يقوم بها العلاج في إعادة إنتاج هذه المقولات ~~دون طعن فيها، وهو ما يذكرنا بالبحوث النقدية في العلاج باعتباره آلية ~~لإعادة تكييف الأشخاص ؛ للقيام بأدوارهم الاجتماعية التقليدية. وأقول بعبارة ~~أخرى إن لابوف وفانشيل يحجمان عن إجراء تحليل نقدي للخطاب العلاجي، بالرغم ~~من تقديمهما موارد تحليلية قيمة لإجراء مثل هذا التحليل. ~~(4) بوتر ووذريل # والنموذج الأخير للمدخل غير النقدي لتحليل الخطاب الذي أناقشه هنا ~~استخدام بوتر ووذريل (1987م) تحليل الخطاب منهجا في علم النفس الاجتماعي، ~~وهذا مهم في السياق الحالي، أولا: لأنه يبين كيف يمكن استخدام تحليل ~~الخطاب في دراسة قضايا ربطتها التقاليد بمناهج أخرى، وثانيا: لأنه يثير ~~السؤال القائل: هل يرتبط تحليل الخطاب في المقام الأول ب «الشكل» أم ب ~~«المضمون» في الخطاب؟ (انظر نقد طومسون (1984م، 106، 8) لسنكلير وكولتارد ~~لأنهما «شكليان» ويتجاهلان مضمون خطاب قاعة الدرس.) # ويستند دفاع بوتر ووذريل عن تحليل الخطاب باعتباره منهجا لعلماء النفس ~~الاجتماعي إلى حجة واحدة يطبقها المرة تلو المرة على العديد من المجالات ~~الرئيسية للبحث في علم النفس الاجتماعي. وتقول الحجة: إن علم النفس ~~الاجتماعي التقليدي قد أساء تصور خصائص أساسية للمادة اللغوية التي ~~يستخدمها بل و«تكتم عليها»؛ وإن الخطاب بناء ومن ثم فهو يشكل ~~الأشياء والفئات؛ وإن ما يقوله المرء لا يظل متسقا في جميع المناسبات ~~بل يتغير وفقا لوظائف الحديث. وتطبق هذه الحجة أولا على البحث في ~~المواقف، إذ إن البحوث التقليدية كانت تفترض أن لدى الناس مواقف متسقة تجاه ~~الأشياء، مثل «المهاجرين الملونين»، ولكن تحليل الخطاب يبين أن الناس ~~يصدرون تقييمات مختلفة، بل ومتناقضة لشيء ما، وفقا للسياق، ليس هذا وحسب، ~~بل يبين أيضا أن مفهوم الشيء نفسه يتغير وفق تقييمه (ولذلك فإن ~~«المهاجرين الملونين» تركيب يرفضه الكثير من الناس). وتطبق الحجة بعد ~~ذلك على دراسة أساليب استخدام الناس للقواعد، وكيف ms026 يقدم الناس «روايات» ~~توضيحية (ذرائع، مبررات ... إلخ) لسلوكهم وما إلى هذا بسبيل، مؤكدة في كل ~~حالة تفوق تحليل الخطاب على المناهج الأخرى، مثل المناهج ~~التجريبية. # ويبين بوتر ووذريل أن إيلاءهما الأولوية للمضمون في مدخلهما مضاد ~~لإيلاء الأولوية للشكل في «نظرية تطويع الكلام» النفسية الاجتماعية، وهي ~~نظرية تتعلق بطرائق تعديل الأشخاص لكلامهم حتى يلائم من يكلمونهم ، ومن ~~ثم فهي تثبت تغيير الشكل اللغوي وفقا للسياق والوظيفة، وأما في مدخلهما ~~فهما يركزان على تغير المضمون اللغوي. وفي بعض الحالات يقع التركيز على ~~مضمون مقولات الكلام المنطوق - في مجال البحث في المواقف مثل ما يقوله من ~~أجابوا على الأسئلة من أبناء نيوزيلاندا بصدد وجوب إعادة المهاجرين ~~البولينيسيين (أي أبناء جزر المحيط الهادي الشرقية) إلى بلادهم - وعلى ~~أنواع الحجج التي «تعمل» فيها هذه المقولات، وفي حالات أخرى يقع التركيز ~~على المفردات والاستعارة، كأن يتعلق مثلا بموقع الخبر في الجملة (من ~~أفعال وصفات) والاستعارات المقترنة بالمجتمع المحلي فيما نشرته أجهزة ~~الإعلام عن الاضطرابات التي وقعت داخل المدن الكبرى في بريطانيا عام ~~1980م. # والواقع أن التمييز بين الشكل والمضمون ليس واضحا بالصورة التي قد ~~يبدو بها، فللمضمون جوانب تدخل بوضوح في قضايا الشكل، فقد تكون الاستعارة ~~مسألة صهر مجالات معان مختلفة، ولكنها أيضا تتعلق بنوع الألفاظ ~~المستخدمة في النص، وهو جانب من جوانب الشكل الخاص بها، والعكس بالعكس؛ ~~فبعض جوانب الشكل تدخل في قضية المضمون، ومزج الأساليب في الخطاب العلاجي ~~عند لابوف وفانشيل يعتبر - على أحد المستويات - مزجا للأشكال (فهما ~~يشيران مثلا إلى ملامح النبرات التي تميز الأسلوب «العائلي») ولكن له ~~دلالته من حيث المضمون، وليكن مثلا من حيث بناء صورة المريض باعتباره ~~نوعا خاصا من أنواع «النفس» أو الذات. # ويعتبر الإطار التحليلي عند بوتر ووذريل فقيرا إن قورن بالمداخل ~~الأخرى، فالمضمون عندما يقتصر على جوانب محدودة من المعنى «الفكري» أو ~~التصوري للخطاب، وهو ما يتجاهل أبعاد المعنى الأخرى (الخاصة بالعلاقة بين ~~الأشخاص بصفة عامة) وما يرتبط بها من جوانب الشكل (والشرح الوافي للمعنى ~~الفكري والخاص ms027 بالعلاقة بين الأشخاص وارد في بدايات الفصل الثالث). وتبدو ~~أوجه القصور التحليلي في أنصع صورها في معالجة بوتر ووذريل لقضية «النفس»، ~~فعلى عكس المعالجات التقليدية للنفس في علم النفس الاجتماعي، يتبنى هذان ~~موقعا تركيبيا يؤكد التغير في بناء النفس في الخطاب، ومع ذلك فإنهما ~~يعجزان عن تطبيق هذه النظرية في تحليل الخطاب، وذلك (كما أقول في الفصل ~~الخامس) لأننا نرى ملامح نفوس مختلفة موحى بها من خلال الصور المجتمعة ~~لمعالم لغوية (وجسدية) وسلوكية شتى، ونحتاج في وصفها إلى جهاز تحليلي أشد ~~ثراء مما يقدمه إلينا بوتر ووذريل. # ويتسم مدخل بوتر ووذريل، مثل المداخل الأخرى المشار إليها، بأنه غير ~~ناضج بالدرجة الكافية في توجهه الاجتماعي للخطاب، فهما يركزان في ~~تحليلهما للخطاب تركيزا فرديا منحازا على الاستراتيجيات البلاغية ~~للمتكلمين، وتعتبر مناقشتهما للنفس استثناء واضحا من ذلك، لأن النظرية ~~التركيبية للنفس تؤكد الأيديولوجيا والتشكيل الاجتماعي للنفس في الخطاب، ~~ولكن هذه النظرية لا تتفق مع التوجه العام للكتاب، كما أنها غير مطبقة ~~في تحليل الخطاب. كما نجد أخيرا اتجاها نحو وصف النشاط الاستراتيجي أو ~~البلاغي للنفس باستخدام الفئات والقواعد وما إليها بسبيل، باعتبارها بديلا ~~عن إخضاع النفس، لا رؤية هذا وذاك معا في تركيب جدلي (انظر الفصل الثالث ~~حيث يرد هذا الرأي مفصلا). ~~(5) علم اللغة النقدي # علم اللغة النقدي مدخل وضعه فريق من الباحثين في جامعة إيست أنجليا ~~في السبعينيات (فاولر وآخرون، 1979م؛ كريس وهودج، 1979م)، إذ حاولوا الجمع ~~بين منهج للتحليل اللغوي للنص وبين نظرية اجتماعية عن وظيفة اللغة في ~~العمليات السياسية والأيديولوجية، استنادا إلى نظرية اللغة الوظيفية ~~المرتبطة باسم مايكل هاليداي (1978م، 1985م) والمعروفة باسم علم اللغة ~~المنهجي (أو اللغويات المنهجية). # ولم يكن من المستغرب، نظرا للأصول البحثية لعلم اللغة المنهجي، أن ~~يحرص على تمييز نفسه عن التيار الرئيسي لعلم اللغة (وهو الذي كان يخضع ~~لسيطرة نموذج تشومسكي آنذاك أكثر مما يخضع حاليا) وعلم اللغة الاجتماعي ~~(انظر فاولر وآخرون 1979م: 185-95) وهو يرفض «ثنائيتين سائدتين ~~مترابطتين» في النظرية اللغوية: أولهما معاملة النظم ms028 اللغوية باعتبارها ~~مستقلة ومنفصلة عن «استعمال» اللغة، والثانية هي الفصل بين «المعنى» وبين ~~«الأسلوب» أو «التعبير» (أي فصل «المضمون» عن «الشكل»). واللغويات النقدية ~~تنقض الثنائية الأولى بتأكيدها، مع هاليداي، إن «اللغة أصبحت ما هي عليه ~~بسبب وظيفتها في البناء الاجتماعي» (هاليداي، 1973م، 65) والقول بأن اللغة ~~التي يستعملها الناس تتوقف على موقعهم في النظام الاجتماعي، واللغويات ~~النقدية تعارض الثنائية الثانية بمساندة رأي هاليداي في نحو أية لغة، وهو ~~الذي يقول إنه نظم «خيارات» ينتقي المتكلمون منها ما ينتقون طبقا للظروف ~~الاجتماعية، مفترضا أن الخيارات الشكلية ذات معان متضادة، وأن خيارات ~~الأشكال لها دلالاتها في كل حالة، كما ينتقد علم اللغة الاجتماعي لأنه ~~يكتفي بإقامة تعادلات بين اللغة والمجتمع، بدلا من البحث عن علاقات سببية ~~أعمق، بما في ذلك تأثير اللغة في المجتمع: أي «إن اللغة تعمل على تأكيد ~~وتدعيم المنظمات التي تشكلها» (فاولر وآخرون، 1979م، 190). # والعبارة المقتطفة من هاليداي في الفقرة السابقة مجتزأة من جملة كاملة ~~تقول: «أصبحت اللغة على ما هي عليه بسبب وظيفتها في البناء الاجتماعي، ولا ~~بد أن ينجح تنظيم المعاني السلوكية في تبصيرنا إلى حد ما بأسسها ~~الاجتماعية» (هاليداي 1973م، 65). ويقول كريس (1989م، 445): إن اللغويات ~~النقدية طورت المقولة الواردة في النصف الثاني من المقتطف، لا في الجزء ~~الأول منه في الواقع، إذ إنها حاولت «استنباط» أبنية «الأسس الاجتماعية» من ~~«تنظيم المعاني السلوكية» في النصوص، كما إن اللغويات النقدية تتخذ موقفا ~~يتفق مع هاليداي في اعتبارها أن مادة التحليل تتكون من نصوص كاملة ~~(منطوقة أو مكتوبة) على عكس مسلك التيار الرئيسي لعلم اللغة وعلم اللغة ~~الاجتماعي. وما يسمى ب «افتراض سابير-وورف» الذي يقول: إن اللغات تجسد ~~رؤى معينة للعالم يتسع ليشمل التنوع داخل إحدى اللغات، بمعنى أن ~~نصوصا معينة تجسد أيديولوجيات أو نظريات معينة، والهدف هو ~~«التفسير النقدي» للنصوص: أي «استعادة المعاني الاجتماعية التي يعبر ~~عنها الخطاب بتحليل الأبنية اللغوية على ضوء سياقاتها التفاعلية وسياقاتها ~~الاجتماعية الأكبر» (فاولر وآخرون 1979م، 195-6)، والمرمى وضع منهج ~~تحليلي يمكن أن يستخدمه ms029 أشخاص قد يكونون مثلا مؤرخين لا متخصصين في علم ~~اللغة. # ويعتمد علم اللغة النقدي في التحليل النصي اعتمادا كبيرا على عمل ~~هاليداي في مجال «النحو المنهجي» (انظر هاليداي، 1985م) إلى جانب استخدام ~~بعض المفاهيم من نظريات أخرى مثل «أفعال الكلام» و«التحويل». وتختلف ~~اللغويات النقدية عن المداخل الأخرى فيما تبديه من اهتمام بالنحو ~~والمفردات في النصوص، وهي تشير بكثرة إلى «التعدي»، وهو جانب من النحو في ~~عبارة أو جملة يتعلق بمعناها الفكري، أي بالصورة التي تمثل الواقع بها ~~(انظر الفصل السادس حيث المناقشة التفصيلية للتعدي)؛ فالنحو يقدم لنا ~~«أنماط صوغ» مختلفة وما يرتبط بها من «مشاركين» حتى نختار ما نريد منها، ~~وقد يكون الاختيار المنتظم لنمط صيغة معينة ذا دلالة أيديولوجية. فعلى ~~سبيل المثال، نشرت الصحيفة الشيوعية ~~«ذا مورننج ستار» ~~(21 أبريل 1980م) ~~خبرا عن نقابة العاملين بهيئة التأمين الصحي، وكيف نظمت يوما ~~للتظاهر، فصاغت الخبر صياغة توحي بفعل متعد وفاعل هو العمال الذين ~~ينتمون لشمال إنجلترا (وتسميهم الصحيفة «الشماليين») يقول الخبر: «هاجم ~~مئات من الشماليين البرلمان»، وكان من الممكن صياغة هذا الخبر صوغا ~~«علائقيا» لا يبرز فيه قيام العمال بفعل متعد هذا البروز (على سبيل ~~المثال: «اجتمع مئات الشماليين لتقديم مظلمة إلى البرلمان»). # كما يركز المدخل أيضا على أمر متصل بهذا، وهو عمليات «التحويل» ~~النحوية، سواء نظرنا إليها باعتبارها تتفق مع ما يحدث في «الزمن الحقيقي» ~~(مثل التحولات المرتبطة بتطور خبر عن حدث في إحدى الصحف على امتداد أيام ~~متتالية، ومناقشته واردة في ترو 1979م) أو بصورة مجردة، أي إن المعنى ~~الذي كان يمكن التعبير عنه بفعل وفاعل (وجه س انتقادا شديدا إلى ص) ~~تعاد صياغته بأسلوب تحويلي فيما يسمى «الصوغ الاسمي» كقولك: (انتقاد «س» ~~ل «ص» شديد) (أو «كان شديدا»). والصوغ الاسمي يعني تحويل جملة من فعل ~~وفاعل إلى جملة اسمية أو إلى أسماء، والتحويل هنا يستبدل الاسم (انتقاد) ~~بالتركيب الفعلي الأصلي «وجه انتقادا» (أو «انتقد» في الواقع). ومن ~~أشكال التحويل الأخرى البناء للمجهول، أي تحويل المبني للمعلوم إلى ms030 مبني ~~للمجهول حتى ولو ذكرت الفاعل في آخر العبارة (انظر مثلا العنوان التالي ~~«المتظاهرون تطلق عليهم النار (من جانب الشرطة)» بدلا من «الشرطة تطلق ~~النار على المتظاهرين»). وقد ترتبط أمثال هذه التحويلات بمعالم ذات دلالة ~~أيديولوجية في النصوص، مثل التعمية المنتظمة للفاعل، فهذا وذاك يسمحان بحذف ~~فاعل الجملة. # ويركز المدخل كذلك على جوانب معينة من نحو الجملة تتصل بالمعاني ~~الخاصة بالعلاقات ما بين الأشخاص، أي التركيز على طرائق الإشارة إلى ~~العلاقات الاجتماعية والهويات الاجتماعية في الجملة، وهذا يسمى نحو ~~النوعية (الخاص بالأسلوب الإنشائي في اللغة العربية والأفعال «الناقصة») ~~(انظر الفصل الخامس حيث الأمثلة والمناقشة). ويقوم المدخل إلى المفردات على ~~افتراض أن الطرائق المختلفة لاستخدام ألفاظ معينة لمجالات المعنى قد ~~تتضمن نظما للتصنيف، تتسم بالاختلاف الأيديولوجي، ومن ثم مصدر ~~اهتمامنا بالنظر في كيفية إعادة تناول مجالات الخبرة بألفاظ مختلفة تستند ~~إلى مبادئ مختلفة للتصنيف، على نحو ما يحدث مثلا في غمار الكفاح السياسي ~~(انظر الفصل السادس للمزيد من التفاصيل). # وتركز اللغويات النقدية عادة تركيزا أكبر مما ينبغي على النص ~~باعتباره منتجا، وتركيزا أقل مما ينبغي على عمليتي إنتاج النص وتفسيره، ~~فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن هدف اللغويات النقدية يتمثل - فيما ~~يقال - في # التفسير # النقدي للنصوص، فإن هذا المدخل لا يكاد يهتم بعمليات ~~التفسير ومشكلاته، سواء تلك الخاصة بالمحلل/المفسر، أو تلك الخاصة ~~بالمشارك/المفسر، وهكذا نلاحظ في التفسير أن العلاقة بين المعالم النصية ~~والمعاني الاجتماعية عادة ما تصور في صورة العلاقات المباشرة والشفافة، ~~وعلى الرغم من تأكيد «عدم وجود ارتباط يمكن التنبؤ به بين أي شكل لغوي وأي ~~معنى اجتماعي محدد على أساس مقابلات فردية» (فاولر وآخرون 1979م، 198)، ~~فإن القيم تنسب، في الواقع، إلى أبنية معينة (مثل الجمل المبنية ~~للمجهول التي لا فاعل فيها) بطريقة آلية إلى حد ما، ولكن النصوص قد تكون ~~متاحة لتفسيرات مختلفة، استنادا إلى السياق وإلى المفسر، وهو ما يعني أن ~~المعاني الاجتماعية (بما في ذلك الأيديولوجيات) داخل الخطاب من الممكن ~~استنباطها ببساطة من النص من دون ms031 النظر في الأنساق وضروب التنوع في توزيع ~~النص واستهلاكه وتفسيره اجتماعيا. وربما تكون «الأيديولوجيا قائمة في ~~اللغة ومعتادة فيها في عيني القارئ الراضي بها وغير المنتقد لها» (فاولر ~~وآخرون 1979م، 190)، ولكن القراء كثيرا ما يكونون نقادا، وما إن ~~تثبت اللغويات النقدية وجود معان أيديولوجية للنص حتى تميل إلى التسليم ~~بآثارها الأيديولوجية. # ومن أوجه القصور الأخرى في اللغويات النقدية أنها تؤكد من جانب واحد ~~آثار الخطاب في إعادة الإنتاج الاجتماعي للعلاقات والمباني الاجتماعية ~~القائمة، وتتجاهل في مقابل ذلك كون الخطاب ساحة تجري فيها ضروب الصراع ~~الاجتماعي، والتغير في الخطاب باعتباره بعدا من أبعاد التغير الاجتماعي ~~والثقافي الواسع النطاق، وليس هذا منفصلا عن تعليقاتي في الفقرة الأخيرة: ~~أي إن التفسير عملية إيجابية فعالة والمعاني التي تصل إليها تعتمد على ~~الموارد المستخدمة والموقع الاجتماعي للمفسر، ولن يستطيع المرء أن يقول إن ~~النصوص تحدث آثارا أيديولوجية في متلق سلبي إلا إذا تجاهل هذه العملية ~~الدينامية. والقضية بصفة أعم هي النظرة إلى السلطة والأيديولوجيا في ~~اللغويات النقدية باعتبارهما لا يتجهان إلا من القمة إلى القاعدة، وهو ما ~~يتفق مع التأكيد الذي نجده أيضا في المدخل الألتوسيري الذي تتبناه جماعة ~~بيشوه (الذي أناقشه أدناه) بشأن السكون أو الخمود الاجتماعي لا التغير، ~~والمباني الاجتماعية لا الفعل الاجتماعي، وإعادة الإنتاج الاجتماعي لا ~~التحول الاجتماعي، والحاجة قائمة إلى نظرية اجتماعية للخطاب تقوم على ~~إعادة تقييم هذه الثنائيات باعتبارها أقطابا في علاقات توتر، لا أن ~~نختار واحدا من كل ثنائية ونرفض الآخر كأنهما هما متنافيان، أي لا ~~يجتمعان. # وتعليقي الختامي أن اللغويات النقدية تنظر نظرة بالغة الضيق إلى ~~التشابك بين اللغة والأيديولوجيا. ونقول أولا: إن في النصوص جوانب تختلف ~~عن النحو والمفردات وقد تكون لها أهمية أيديولوجية، مثل البناء العام للنص ~~باعتباره حجة أو قصة شاملة. وأقول ثانيا: إن اللغويات النقدية قد عالجت ~~النص الفردي (المونولوج) المكتوب بصفة أساسية، ولم تقل إلا كلمات قليلة ~~نسبيا عن الجوانب المهمة أيديولوجيا والخاصة بتنظيم الحوار المنطوق ~~(مثل التناوب في الحديث) وإن كانت تتضمن ms032 بعض المناقشة للأبعاد التداولية ~~للكلام الملفوظ، مثل معالم التأدب (انظر الفصل الخامس أدناه). وأقول ~~ثالثا: إن الإهمال النسبي لعمليات التفسير أدى إلى التركيز الشديد على ~~تحقيق الأيديولوجيات في النصوص، وأما ما تضعه اللغويات النقدية في الخلفية، ~~فهو أن عمليات التفسير تدفع المفسرين إلى وضع افتراضات ليست في النص، ~~وربما تكون لها طبيعة أيديولوجية (انظر الفصل الثاني حيث أضرب لها مثالا) ~~(فيركلف، 1989م، ب، يتضمن مناقشة أوفى). # وقد دأب بعض ممارسي اللغويات النقدية في الآونة الأخيرة على الإعراب عن ~~انتقادهم للعمل السابق (كريس، 1989م، فاولر، 1988م، أ) بما في ذلك بعض ~~الانتقادات التي ذكرتها آنفا، كما اتجه بعض أعضاء المجموعة إلى العمل ~~الوثيق بوضع مدخل مختلف بعض الشيء (هودج وكريس، 1988م؛ كريس وثريد جولد، ~~1988م) وأطلقوا عليه «السيميوطيقا الاجتماعية». وتختلف هذه عن اللغويات ~~النقدية في أنها تهتم بشتى أنواع النظم السيميوطيقية، ومن بينها اللغة، ~~وكذلك بالتفاعل ما بين اللغة والسيميوطيقا البصرية. وهكذا غدا من شواغلها ~~الرئيسية العمليات الخطابية الخاصة بإنتاج النص وتفسيره، كما اهتمت ~~اهتماما سافرا بوضع نظرية اجتماعية للخطاب، تتسم بالتوجه إلى الكفاح ~~والتغير التاريخي في الخطاب، ويتركز هذا في محاولة لوضع نظرية ~~للنوع. ~~(6) بيشوه # وضع ميشيل بيشوه وزملاؤه (بيشوه وآخرون، 1979م؛ بيشوه، 1982م) مدخلا ~~نقديا لتحليل الخطاب، وهو يشبه اللغويات النقدية في محاولة الجمع بين ~~نظرية اجتماعية للخطاب ومنهج للتحليل النصي، معتمدين أساسا على الخطاب ~~السياسي المكتوب، وكانوا يربطون واعين بين بحوثهم وبين التطورات السياسية ~~في فرنسا، وخصوصا العلاقة بين الحزبين الشيوعي والاشتراكي في السبعينيات ~~والمقارنة بين خطابيهما السياسيين. # وكان المصدر الرئيسي لمدخل بيشوه في النظرة الاجتماعية نظرية ~~الأيديولوجيا الماركسية عند ألتوسير (1971م)، وكان ألتوسير يؤكد ~~الاستقلال النسبي للأيديولوجيا عن القاعدة الاقتصادية، وإسهام الأيديولوجيا ~~الكبير في إعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية أو تغييرها، كما كان يقول: إن ~~الأيديولوجيا أبعد ما تكون عن «الأفكار» المجردة، بل إن لها أشكالا مادية. ~~وإلى جانب هذا فإن الأيديولوجيا تعمل من طريق تشكيل الأشخاص باعتبارهم ~~ذواتا اجتماعية، وتثبيتهم في «مواقع» ذوات معينة، وإيهامهم في الوقت ms033 نفسه ~~بأنهم أحرار، وتقع هذه العمليات داخل شتى المؤسسات والمنظمات، مثل ~~التعليم أو الأسرة أو القانون، وهي في نظر ألتوسير تعمل باعتبارها أبعادا ~~أيديولوجية للدولة، أو ما أطلق عليه «أجهزة الدولة الأيديولوجية». # ويتمثل إسهام بيشوه في هذه النظرية في إرساء فكرة اعتبار اللغة ~~شكلا ماديا بالغ الأهمية من أشكال الأيديولوجيا، وهو يستخدم مصطلح ~~«الخطاب» ليؤكد الطبيعة الأيديولوجية لاستعمال اللغة، قائلا: إن الخطاب ~~«يبين آثار الصراع الأيديولوجي داخل عمل اللغة، وعلى الجانب المقابل وجود ~~الطابع المادي للغة داخل الأيديولوجيا » (بيشوه، مقتطف في كورتين، 1981م)، ~~ويمكن تصور أحد أجهزة الدولة الأيديولوجية باعتباره مركبا من ~~«تشكيلات أيديولوجية» متداخلة العلاقات، وكل منها يتفق عموما مع موقع ~~طبقي داخل هذا الجهاز. ويقول بيشوه: إن كل موقع من هذه المواقع يتضمن ~~«تشكيلا خطابيا»، وهو المصطلح الذي استعاره من فوكوه. والتشكيل الخطابي ~~هو «الذي يستطيع في إطار أي تشكيل أيديولوجي ... أن يحدد ~~«ما يمكن وما ~~ينبغي أن يقال» ~~» (بيشوه 1982م، 111، والتأكيد في الأصل). وفهم هذا الكلام ~~يتعلق بالدلالات المحددة للألفاظ: فالكلمات يتغير معناها وفقا لمواقع ~~الذين «يستخدمونها»، (بيشوه وآخرون 1979، 33) أضف إلى هذا أنه على الرغم ~~من أن تشكيلين خطابيين مختلفين قد يشتركان في كلمات أو تعبيرات ~~معينة فيهما، فإن العلاقات بين هذه وبين الكلمات أو التعبيرات الأخرى ~~سوف تختلف ما بين الحالتين، وينطبق ذلك على معاني هذه الكلمات والتعبيرات ~~المشتركة؛ لأن علاقتها بغيرها هي التي تحدد معناها. فعلى سبيل المثال نجد ~~أن كلمة «مناضل» تعني أشياء متعددة كثيرة في خطاب النقابات (حيث قد تكون ~~مرادفا للناشط، وعكس معنى «الخامل») وفي خطاب اليمين المحافظ (حيث يمكن أن ~~تكون مرادفا ل «المخرب» وعكس معنى «المعتدل»). يضاف إلى هذا أن الذوات ~~الاجتماعية تتشكل في علاقتها بتشكيلات خطابية معينة ومعانيها الخاصة؛ ~~وهذه التشكيلات الخطابية، حسبما يقول بيشوه واجهات لغوية «ل «مجالات فكرية» ~~... تكونت على أسس اجتماعية تاريخية في صورة نقاط تحقيق الاستقرار، إذ ~~تنتج الذات وفي الوقت نفسه # تنتج في صحبته # ما سوف يرى ويفهم ويفعل ويخاف ~~ويتمنى» (بيشوه 1982م، 112-13، ms034 التأكيد في الأصل). # وتقع التشكيلات الخطابية داخل مركبات من عدد من التشكيلات ~~الخطابية المترابطة، تسمى المركب الخطابي، وتتحدد المعاني الخاصة ~~بكل تشكيل خطابي «من الخارج»، أي من خلال علاقته بغيره داخل المركب ~~الخطابي. و«الحالة» الخاصة للمركب الخطابي في أي وقت معين (أي ما ~~التشكيلات الخطابية التي يحتويها وما العلاقات بينهما)، تعتمد على حالة ~~الصراع الأيديولوجي داخل أجهزة الدولة الأيديولوجية، ولكن هذا التحديد ~~الخارجي للتشكيلات الخطابية أمر لا تتمتع الذوات في العادة بالوعي به، ~~فالذوات يميلون إلى أن يتصوروا خطأ أنهم هم أنفسهم مصدر معاني التشكيل ~~الخطابي، وإن كانوا في الحقيقة من نواتجه. ويشير بيشوه إلى عناصر جاهزة ~~سابقة البناء تتردد وتدور بين التشكيلات الخطابية، ويظن الناس أنها ~~تعبر عن «الواقع»، أو عما هو معروف، أو ما سبق أن قاله المشاركون، في ~~حين أن هذه عناصر نشأت في الواقع خارج الذوات، أي داخل المركب ~~الخطابي. ومن الأمثلة تعبيرات مثل «ارتفاع مستويات المعيشة بعد الحرب»، أو ~~«التهديد السوفييتي»، وهي تنتقل من تشكيل خطابي إلى آخر، باعتبارها ~~تعبيرات جاهزة، مع افتراضاتها السابقة (أي إن ارتفاع مستويات المعيشة قد ~~حدث، وأنه يوجد تهديد). # ولكننا نواجه تمييزا مهما يقول: إن الذوات لا يقبلون التشكيل ~~الخطابي قبولا تاما في كل حالة، فقد يقيم بعضهم مسافة تفصله عنهم ~~باستعمال ما يسمى «التمييز الميتاخطابي» (انظر الفصل الرابع) مثل ~~الإشارة إليه مسبوقا بصفة «المزعوم» أو بعبارة «ما يسمى كذا»، أو ~~بتجهيله. وهذا التمييز الذي يحول دون القبول الكامل أي «التماهي»، يطلق ~~عليه بيشوه تعبير «التماهي المضاد»، ويعني به الابتعاد عن الممارسات ~~القائمة من دون إحلال ممارسات جديدة في محلها. وأما إذا حدث هذا الإحلال ~~فسوف ينشأ لدينا ما يسمى «نقض التماهي» وهو موقف اختلاف جذري تجري فيه ~~«الإطاحة بمركب التشكيلات الأيديولوجية وإعادة ترتيبها (مع التشكيلات ~~الخطابية المتداخلة معها)» (بيشوه 1982م، 189)، ولكن بيشوه يرى إمكان ~~الارتباط الخاص بين نقض التماهي وبين النظرية والممارسة الثورية للماركسية ~~اللينينية في الشكل التنظيمي للحزب الشيوعي. # ويسمى منهج التحليل «التحليل التلقائي للخطاب» لأن للإجراءات جانبا ms035 ~~يتولاه الحاسوب لتحديد التشكيلات الخطابية في مجموعة مختزنة من النصوص. ~~ويقول بيشوه وآخرون (1979م، 33): إن تكوين «الكوربوس» (النصوص المختزنة) ~~في ذاته يجسد «الافتراض القائل بوجود تشكيل خطابي واحد أو أكثر» مهيمن ~~على النصوص التي يتكون منها، ويضيف بيشوه وزملاؤه: إن مثل هذا الافتراض ~~ينبغي أن يصدر من المباحث العلمية المتخصصة، مثل التاريخ أو علم ~~الاجتماع، لا من محللي الخطاب أنفسهم، لتجنب الدوران في حلقات، إذ إن ~~تجميع الكوربوس على أساس افتراض ما، يعني فرض التجانس على هذه النصوص، ~~كما يزداد تجانس الكوربوس باستبعاد بعض الأجزاء النصية التي تختلف «ظروف ~~إنتاجها» (وتختلف من ثم التشكيلات الخطابية المهيمنة فيها) عن النصوص ~~الرئيسية. # وأول إجراء من هذه الإجراءات هو التحليل اللغوي للنص بتقسيمه إلى جمل ~~بسيطة، باستخدام الإجراءات «التحويلية» التي وضعها عالم اللغة زليج هاريس ~~(1963م). على سبيل المثال: «إنني آسف لرحيلها» يمكن تحليلها بتقسيمها إلى ~~جملتين بسيطتين هما: «إنني آسف» «(لأنها) رحلت». وبعد ذلك توضع رسوم ~~بيانية تبين أنواع العلاقات بين هذه الجمل البسيطة (التنسيق، التبعية، ~~الاستكمال ... إلخ). ويجري بعد ذلك تطبيق إجراءات حاسوبية أخرى لتحديد ~~الكلمات والعبارات التي ترتبط بعلاقة «استبدالية»، بمعنى أنها يمكن أن تأتي ~~في المواقع نفسها في الجمل البسيطة ذات البناء النحوي المماثل، والتي ~~تتشابه في علاقتها بالجمل البسيطة الأخرى. فعلى سبيل المثال ترتبط الكلمتان ~~«المناضلون» و«المخربون» بعلاقة استبدالية في الجملتين التاليتين: «علينا ~~أن ننتبه للمناضلين الذين يعطلون الصناعة»، و«يجب أن تحذر الأمة من ~~المخربين الذين يقوضون مؤسساتنا». وعندما تنشأ علاقة استبدالية في أحد ~~النصوص بين كلمات أو تعبيرات معينة، تنشأ علاقات دلالية بينها، مثل ~~علاقة الترادف («أ» يفيد «ب»، و«ب» يفيد «أ») أو علاقة الإيحاء المضمر ~~(«أ» توحي ب «ب»)، ولكن «ب» لا توحي ب «أ»، ومن المحتمل أن يكون ذلك سمة ~~مميزة للتشكيل الخطابي الذي يرتبط به النص. وتركز الإجراءات على «كلمات ~~أساسية» معينة، كلمات ذات قيمة اجتماعية استثنائية أو دلالة سياسية (مثل ~~كلمة «الكفاح» في الخطاب السياسي) (ولمن يريد المزيد من الوصف التفصيلي ~~لمنهج التحليل ms036 أن يرجع إلى مينجينو 1976م، وطومسون 1984م، 238-47)، ~~وأخيرا لا بد من تفسير نتائج الإجراءات التحليلية، وإن كانت المشاكل ~~المرتبطة بالتحليل لا تكاد تحظى بأي اهتمام، ويبدو أن المنهج كله مخصص ~~لحالة واحدة. # وترجع قوة مدخل بيشوه، وسبب اعتباره مدخلا نقديا، إلى أنه يقرن ~~نظرية ماركسية للخطاب بالمناهج اللغوية للتحليل النصي. ومع ذلك فإن معالجته ~~للنصوص غير مرضية. فكما ذكرت آنفا، يؤدي بناء الكوربوس إلى فرض التجانس ~~على النصوص قبل تحليلها، (كورتين وماراندين، 1981م، 22-23) وتطبيق ~~الإجراءات التحويلية في تحليل النصوص وتقسيمها إلى جمل بسيطة يؤدي إلى طمس ~~المعالم المميزة للتنظيم النصي. أضف إلى ذلك أن هذه الإجراءات تسمح ~~بالتركيز على أجزاء مختارة من النصوص، وهو ما يعني أن التحليل سوف ينصب ~~على الجمل في الواقع لا على النصوص. كما أن النصوص تعامل معاملة النواتج، ~~على نحو ما يعاملها ممارسو اللغويات النقدية، وأما العمليات الخطابية ~~الخاصة بإنتاج النصوص وتفسيرها فلا تكاد تحظى بأي اهتمام. كما يجري ~~تحليلها من زاوية دلالية ضيقة (وهو الانتقاد الذي وجهته أيضا إلى بوتر ~~ووذريل) مع التركيز المحدد سلفا على «الكلمات الأساسية»، وهذا يعني ~~الاهتمام بالأبعاد الفكرية للمعنى فقط، وإهمال أبعاد العلاقات بين الأشخاص ~~وهي التي تتعلق بالعلاقات الاجتماعية والهويات الاجتماعية، وتجاهل خصائص ~~معنى المقولات المنطوقة في سياقها، في سبيل تحديد المعنى التجريدي ~~للعلاقات. وهكذا فإن هذا المدخل يتجاهل جوانب كثيرة من شكل النصوص وتنظيمها ~~وهي التي تهتم بها المداخل الأخرى، والخلاصة أن المحلل لا يحاول معالجة ~~العناصر المميزة للنص ول «الحادث الخطابي»، بل يتناول النصوص بصفتها أدلة ~~على صحة افتراضات مسبقة عن التشكيلات الخطابية، ونلاحظ وجود اتجاه مماثل في ~~النظرية الألتوسيرية للمبالغة في تأكيد إعادة الإنتاج - بمعنى وصف مواقع ~~الذوات داخل تشكيلات معينة وكيفية ضمان السيطرة الأيديولوجية - على حساب ~~التغيير، أي كيف يمكن للذوات الطعن في السيطرة والتشكيل القائم وإعادة ~~هيكلته تدريجيا من خلال ممارستهم. وسبق لي أن قلت بوجود تأكيد مماثل في ~~اللغويات النقدية، وهكذا فإن مدخل بيشوه يقوم على نظرة من جانب واحد ms037 للذات ~~في موقعها، وباعتبارها ناتجا، وتجاهل قدرة الذوات على العمل باعتبارهم ~~قوى فاعلة. وأما نظرية «نقض التماهي» باعتبارها تمثل التغيير الذي يتولد ~~خارج الذات من خلال ممارسة سياسية معينة، فإنها بديل غير محتمل الوقوع ~~لبناء إمكانية تغيير نظرة المرء إلى الخطاب وإلى الذات. # وأما تحليل الخطاب على أيدي «الجيل الثاني» في إطار تقاليد بيشوه، فقد ~~أدى إلى تغيير المنهج بطرائق جوهرية، وكان ذلك راجعا في جانب منه إلى ~~الانتقادات الموجهة إليه، وراجعا في جانب آخر إلى تأثير التغيرات ~~السياسية في فرنسا (مالديديه، 1984م، 11-14)، وأكدت بعض دراسات الخطاب ~~السياسي (مثل كورتين، 1981م) استراتيجيات التحالف الخطابية، ووجود مجموعات ~~من تشكيلات خطابية مختلفة تؤدي إلى جعل الخطاب حافلا بالعناصر ~~المتباينة وغامضا، ولكن هذه الخصائص يصعب استيعابها في الرؤية السابقة ~~التي تقول بأن التشكيلات الخطابية متجانسة صلبة وترتبط بعلاقات تعارض ثابتة ~~ساكنة. وقد وصف الخطاب بعد ذلك بأنه يتميز في تكوينه بالتباين الداخلي ~~(أوتييه، ريفي 1982م)، وأن من مقوماته عناصر «حوارية» و«تناصية» من نوع ~~ينتمي إلى تقاليد نظرية مختلفة (انظر باختين، 1981م، وكريستيفا، 1986م، أ؛ ~~والفصل الثالث في هذا الكتاب)، كما بدأ النظر إلى البحوث السابقة من ~~الزاوية التي انتقدته منها عاليه، أي باعتباره إجراءات ترمي إلى فرض ~~التجانس، وأصبح ينظر إلى المركب الخطابي باعتباره «عملية إعادة هيكلة ~~مستمرة»، حيث يتسم تحديد أي تشكيل خطابي بأنه «غير ثابت أساسا، فليس ~~بالحدود الدائمة التي تفصل ما بين الداخل والخارج، ولكنه جبهة تتلاقى فيها ~~تشكيلات خطابية مختلفة، وهي جبهة حدودية تتغير وفقا لما يدور حوله ~~الصراع الأيديولوجي» (كورتين، 1981م، 24). ونظرا لتعدد العناصر التي ~~يتكون منها الخطاب، فلا بد أن تظل أقسام معينة من النص تحمل أكثر من ~~وجه للمعنى، وهو ما يواجه المفسر بأسئلة حول التشكيلات الخطابية التي ~~يراها أقرب في نظره إلى تفسيرها، وهكذا، كما قال بيشوه في أحد أبحاثه ~~الأخيرة (1988م)، يكتسب تحليل الخطاب طابع البحث التفسيري لا البحث الوصفي ~~المباشر. ونلاحظ في الوقت نفسه التخلي عن «وهم المؤمن بالنظريات» الذي ~~يقول: إن ms038 التحولات الجذرية للمركب الخطابي «يبررها وجود ~~الماركسية/اللينينية» (بيشوه، 1983م، 32). وإزاء التركيز الجديد على ~~«الحادث» الخطابي المعين، نشأت نظرة جدلية إلى الخطاب، وأصبحت إمكانية ~~التحولات راسخة في طبيعة الخطاب المتباينة المتناقضة، ويقول بيشوه: «إن أي ~~خطاب يمكن أن يعتبر علامة على الحركة داخل الانتماءات الاجتماعية ~~التاريخية التي تستند إلى الهوية، وذلك في حدود اعتبار الخطاب، في الوقت ~~نفسه، من ثمار هذه الانتماءات والعمل ... الخاص بالإزاحة داخل ساحتها» (بيشوه ~~1988م، 648) (والمقصود بالإزاحة أن الخطاب أزاح أحد الانتماءات وحل ~~محلها). # الخاتمة # أود أن أختتم هذا الاستقصاء بالربط بين القضايا الرئيسية التي عرضت ~~لها حتى الآن، في صورة عدد من المقولات التي يمكن اعتبارها «المطلوب» ~~للمدخل النقدي السليم لتحليل الخطاب، وسوف يقدم ذلك صورة أولية للمدخل ~~الذي أشرع في بنائه في الفصل الثالث، ويبين علاقته بما سبقت لي مناقشته، ~~وسوف يساعد في الوقت نفسه على تحديد المجالات التي يظهر فيه ضعف وفجاجة ~~تقاليد تحليل الخطاب ذات التوجه اللغوي التي استعرضتها في هذا الفصل، وهي ~~التي تحتاج إلى التدعيم بالاستفادة من معالجة اللغة والخطاب في النظرية ~~الاجتماعية. ~~(1) # موضوع تحليل النصوص اللغوية، وهي تحلل من زاوية طبيعتها ~~الخاصة (انظر بيشوه). يجب أن تضمن النصوص المختارة لتمثيل مجال ~~معين من مجالات الممارسة تمثيل التنوع في شتى الممارسات (انظر ~~سنكلير وكولتارد) وتجنب فرض التجانس عليها (انظر بيشوه). ~~(2) # بالإضافة إلى كون النصوص «نواتج» لعمليتي إنتاج النصوص ~~وتفسيرها، فإن هذه العمليات نفسها تخضع للتحليل (انظر سنكلير ~~وكولتارد، واللغويات النقدية، وانظر المدخل إلى التحليل النقدي ~~للخطاب في فان دييك (1988م) الذي يبدي اهتماما مفصلا بعمليات ~~الخطاب). ينظر إلى التحليل نفسه باعتباره تفسيرا، ويسعى المحللون ~~إلى إبداء الحساسية لميولهم التفسيرية والأسباب الاجتماعية لها (انظر ~~سنكلير وكولتارد، وتحليل المحادثات، واللغويات النقدية). ~~(3) # قد تتميز النصوص بتعدد عناصرها المتباينة وبالغموض، وقد يتطلب ~~إنتاجها وتفسيرها الاستعانة بمجموعات من أنماط مختلفة من الخطاب ~~(لابوف وفانشيل؛ انظر تحليل المحادثات، ومجموعة بيشوه من «الجيل ~~الأول»). ~~(4) # يدرس الخطاب تاريخيا وديناميا، من حيث تغير المجموعات من ~~أنماط الخطاب في إنتاج الخطاب، ms039 ومن حيث ما يتجلى في هذا التغيير من ~~تمثيل وتشكيل لعمليات تغيير اجتماعي أوسع نطاقا («الجيل الثاني» من ~~مجموعة بيشوه، والسيميوطيقا الاجتماعية؛ وانظر لابوف وفانشيل، ~~و«الجيل الأول» من مجموعة بيشوه، واللغويات النقدية). ~~(5) # الخطاب بناء اجتماعيا (اللغويات النقدية، بيشوه، بوتر ~~ووذريل)، إذ إنه يشكل الذوات الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية، ونظم ~~المعرفة والعقيدة، كما أن دراسة الخطاب تركز على آثاره ~~الأيديولوجية البناءة (بيشوه، اللغويات النقدية، انظر لابوف ~~وفانشيل). ~~(6) # لا يقتصر اهتمام تحليل النصوص على علاقات السلطة في الخطاب (انظر ~~تحليل المحادثة)، بل يبين أيضا كيف تقوم علاقات السلطة والصراع ~~على السلطة بتشكيل الممارسات الخطابية في مجتمع ما أو مؤسسة ما ~~وتغييرها (الجيل الثاني من مجموعة بيشوه؛ انظر المداخل غير النقدية، ~~واللغويات النقدية). ~~(7) # يهتم تحليل الخطاب بعمله في التحويل الإبداعي للأيديولوجيات ~~والممارسات، وكذلك عمله في ضمان إعادة إنتاجها (انظر بيشوه، ~~واللغويات النقدية). ~~(8) # تحلل النصوص من حيث التنوع الشديد في معالمها شكلا ومعنى ~~(مثل خصائص الحوار، وبناء النص والمفردات والنحو أيضا) فيما يتعلق ~~بالوظيفة الفكرية للغة ووظيفتها في العلاقات ما بين الأشخاص (انظر ~~بوتر ووذريل، وبيشوه). # والذي أتصوره أن تحليل الخطاب يركز على التنوع والتغيير والصراع؛ ~~فالتنوع في الممارسات وتنوع العناصر داخلها يعني أنها انعكاس معاصر ~~لعمليات التغير التاريخي التي شكلها الصراع بين القوى الاجتماعية. وعلى ~~الرغم من أن البنود 4 و5 و6 حظيت ببعض الدعم، خصوصا في إطار المداخل ~~النقدية لتحليل الخطاب التي ناقشتها عاليه، فإن علينا أن نستعين بالنظرية ~~الاجتماعية حتى نجد صورها الكاملة الناضجة الصريحة. ويقدم فوكوه نظرات ~~ثاقبة قيمة فيها جميعا، كما سوف أقيم الحجة على ذلك في الفصل الثاني. ~~ومع ذلك، فلا التقاليد النقدية في تحليل الخطاب ذي التوجه اللغوي، ولا ~~فوكوه، يعالج البند السابع معالجة مرضية، ألا وهو الأسلوب الذي يسهم به ~~الخطاب في إعادة إنتاج المجتمعات وفي تغييرها. وثنائية الخطاب المشار إليها ~~تتمتع بأهمية أساسية في الإطار الذي أقدمه في الفصل الثالث، وتجاهلها في ~~كتابات فوكوه ترتبط بضعف نظري ومنهجي كبير في عمله. # الفصل الثاني # | ميشيل فوكوه وتحليل ms040 الخطاب # ألم تنجح ممارسة الخطاب الثوري والخطاب العلمي على امتداد المائتي ~~عام الأخيرة في تحريرك من الفكرة التي تقول إن الألفاظ ريح، همس خارجي، ~~رفرفة أجنحة يصعب على المرء سماعها في قضية التاريخ الخطيرة؟ # ميشيل فوكوه، علم آثار المعرفة # كان لفوكوه تأثير هائل في العلوم الاجتماعية والإنسانيات، ومن الممكن أن ~~يعزى شيوع مفهوم «الخطاب» وتحليل الخطاب باعتباره منهجا، في جانب منه، إلى ~~هذا التأثير، ومن المهم أن نفحص عمله ببعض التفصيل لسببين؛ الأول أن علماء ~~الاجتماع يشيرون على نطاق واسع إلى مدخل فوكوه إلى تحليل الخطاب باعتباره ~~نموذجا، ولما كنت أدعو إلى مدخل مختلف لتحليل الخطاب في دراسات التغير ~~الاجتماعي والثقافي، فلا بد من إيضاح العلاقة بين المدخلين. فالتضاد كبير ~~هنا بين تحليل الخطاب ذي التوجه النصي (ومن ثم التوجه اللغوي) (وقد ~~أشير إليه فيما يلي باسم «التحليل النصي» فقط) وهو مدخلي الخاص، وبين مدخل ~~فوكوه التجريدي. كما إنني أحتاج إلى تقديم الأسباب التي تبرر ضرورة نظر ~~علماء الاجتماع في استخدام «التحليل النصي»، وسوف أسوق الحجة في آخر الفصل ~~على أنه يمكن أن يؤدي إلى تحليلات اجتماعية أفضل. # وأما السبب الثاني لتخصيص فصل عن فوكوه، فقد سبقت لي الإشارة إليه، ألا ~~وهو أن بناء مدخل للتحليل الخطابي، سليم من الناحية النظرية ويمكن تطبيقه ~~عمليا، يتطلب تركيبا يجمع بين تحليل الخطاب ذي التوجه اللغوي وبين ~~النظرات الثاقبة التي أتت بها النظرية الاجتماعية الحديثة في اللغة والخطاب. ~~وعمل فوكوه يسهم إسهاما مهما في بناء نظرية اجتماعية للخطاب في مجالات ~~معينة مثل العلاقة بين الخطاب والسلطة، والبناء الخطابي للذوات الاجتماعية ~~والمعرفة، والعمل الذي يؤديه الخطاب في التغيير الاجتماعي، وعلى نحو ما ~~بينت في آخر الفصل الأول، نرى أن المداخل ذات التوجه اللغوي ضعيفة وغير ~~ناضجة في هذه المجالات. # ومع ذلك، فلما كان مدخل فوكوه إلى الخطاب، والسياق الفكري الذي نشأ ~~وتطور فيه، يختلفان اختلافا شاسعا عما يقابلهما في حالتي، فلا يستطيع ~~المرء أن «يطبق» عمل فوكوه في تحليل الخطاب، فهذا يعنى، كما يقول ms041 كورتين، ~~دعوة «منظور فوكوه إلى العمل» (1981م، 40) في إطار «التحليل النصي» ومحاولة ~~تطبيق نظراته الثاقبة في مناهج التحليل الفعلية. كانت المكانة البارزة التي ~~حظي بها الخطاب في أعمال فوكوه المبكرة نتيجة للمواقع التي اتخذها إزاء ~~إجراء البحوث في العلوم الإنسانية، إذ اختار التركيز على ممارسات خطابية في ~~محاولة لتجاوز الطريقين البديلين الكبيرين للبحث، واللذين كانا متاحين ~~آنذاك للباحثين الاجتماعيين، وهما البنيوية والتفسيرية (الهرمانيوطيقا) ~~(دريفوس ورابينوف 1982م، 13-23). أي إن فوكوه مهتم بالممارسات الخطابية ~~باعتبارها تشكل المعرفة، وبشروط تحويل المعرفة المرتبطة بتشكيل خطابي ~~معين إلى علم. # وهذا السياق الفكري يساعد على إيضاح الفوارق الكبيرة بين تحليل الخطاب ~~عند فوكوه وتحليل الخطاب ذي التوجه النصي. نقول أولا: إن فوكوه كان ~~مهتما في بعض مراحل عمله بنوع بالغ الخصوصية من أنواع الخطاب، أي خطاب ~~العلوم الإنسانية، مثل الطب، والطب النفسي، والاقتصاد والنحو، وأما تحليل ~~الخطاب ذو التوجه النصي فإنه، على خلاف ذلك، يهتم بأي نوع من أنواع الخطاب، ~~كالمحادثة، وخطاب قاعة الدرس، وخطاب أجهزة الإعلام وهلم جرا. وأقول ~~ثانيا، كما سبق لي أن بينت: إن تحليل النصوص اللغوية المنطوقة والمكتوبة ~~جانب أساسي من جوانب تحليل الخطاب ذي التوجه النصي، ولكنه ليس جزءا من ~~تحليل الخطاب عند فوكوه، إذ إنه يركز على ما يسمى «شروط إمكانية» الخطاب ~~(روبين، 1973م، 83) وعلى «قواعد التكوين» التي تحدد ما يمكن أن يكون ~~«موضوعا»، و«النوعيات التعبيرية»، و«الذوات» و«المفاهيم»، و«الاستراتيجيات» ~~الخاصة بنمط معين من أنماط الخطاب (ويرد شرح هذه المصطلحات أدناه). ويركز ~~فوكوه على مجالات المعرفة التي تشكلها هذه القواعد. # اقتطفت آنفا رأي كورتين الذي يقول: إن علينا دعوة «منظور فوكوه إلى ~~العمل» في إطار تحليل الخطاب ذي التوجه النصي، ولكن الإشارة إلى «منظور ~~فوكوه» يمكن أن تكون مضللة، بسبب التحولات في عمل فوكوه من تأكيد شيء ~~إلى تأكيد سواه (وهي موصوفة بوضوح في ديفيدسون، 1986م). ففي عمله المبكر ~~الخاص ب «علم آثار المعرفة» نجده يركز على أنماط الخطاب (التشكيلات ~~الخطابية، انظر أدناه) باعتبارها قواعد لتكوين مجالات المعرفة، وأما في ms042 ~~دراساته الأخيرة عن «الأنساب»، فالتأكيد يتحول إلى العلاقات بين المعرفة ~~والسلطة. وأما في أعمال فوكوه في سنواته الأخيرة، فإن اهتمامه يتحول إلى ~~«الأخلاق» أي «كيف يفترض أن يشكل الفرد نفسه باعتباره ذاتا أخلاقية ~~بأفعاله نفسها» رابينوف، 1984م، 352. وعلى الرغم من أن الخطاب يظل في دائرة ~~اهتمامه دائما، فإن مكانة الخطاب تتغير، ويتغير ما يترتب على ذلك من موقعه ~~بالنسبة للتحليل النصي. # وسوف أقدم في هذا الفصل أولا وصفا وتقييما لمفاهيم الخطاب في دراسات ~~فوكوه «الأثرية» (خصوصا فوكوه، 1972م)، ثم أناقش كيف تغيرت مكانة الخطاب ~~في عمل فوكوه الخاص بالأنساب (مركزا على فوكوه، 1979م، و1981م). والهدف ~~الرئيسي في هذين القسمين تحديد عدد من المنظورات القيمة والنظرات الثاقبة ~~في الخطاب واللغة في عمل فوكوه، وهي التي ينبغي أن تدرج في نظرية تحليل ~~الخطاب ذي التوجه النصي، وأن تطبق في منهجيته حيثما كان ذلك ملائما، ~~ولكنني أختتم كلامي بمناقشة بعض نقاط الضعف في عمل فوكوه، وهي التي تحد من ~~قيمته للتحليل النصي، وكيف يمكن للتحليل النصي أن يدعم التحليل الاجتماعي، ~~بما في ذلك التحليل الاجتماعي في إطار التقاليد الفوكولتية. وإذن، فإن ما ~~أقدمه يعتبر قراءة لفوكوه من وجهة نظر خاصة؛ وأما العروض والبحوث ~~النقدية الأشمل والأكثر اتزانا، فإنها متاحة في كتب أخرى (مثل دريفوس ~~ورابينوف، 1982م؛ وهوي، 1986م؛ وديوز، 1987م؛ وفريزر، 1989م). ~~(1) أعمال فوكوه «الأثرية» # تتضمن الدراسات «الأثرية» المبكرة لفوكوه (وسوف أشير بصفة خاصة إلى ~~فوكوه، 1982م) فكرتين نظريتين رئيسيتين عن الخطاب، وينبغي إدراجهما في ~~تحليل الخطاب ذي التوجه النصي. أما الأولى فهي نظرية بنائية للخطاب، ~~وتعني النظر إلى الخطاب باعتباره مكونا فعالا أو بانيا للمجتمع من ~~شتى الأبعاد؛ فالخطاب يشكل موضوعات المعرفة، والذوات الاجتماعية، وأشكال ~~«النفس»، والعلاقات الاجتماعية، والأطر النظرية. وأما الثانية فهي تأكيد ~~الاعتماد المتبادل فيما بين ممارسات الخطاب لمجتمع من المجتمعات، أو مؤسسة ~~من المؤسسات؛ فالنصوص دائما ما تنهل من غيرها من النصوص المعاصرة ~~والسابقة تاريخيا، وتغيرها (وهي خصيصة يشار إليها بتعبير شائع هو ~~«تناص» النصوص، انظر الفصل الثالث)، كما ms043 أن أي نمط من أنماط الممارسة ~~الخطابية يتولد من امتزاج نصوص أخرى معا، ويعتمد تحديده على علاقته ~~بالنصوص الأخرى (وهو المنظور الذي أدركه بيشوه، وعبر عنه بما نسبه من ~~أولوية ل «التركيب الخطابي» انظر الفصل الأول). وعلى الرغم من أن تركيز ~~فوكوه (1972م) منصب على التشكيلات الخطابية للعلوم الإنسانية، فإن ~~نظراته الثاقبة تنسحب على جميع أنماط الخطاب. # ما الذي يعنيه فوكوه ب «الخطاب» و«تحليل الخطاب» في أعماله «الأثرية»؟ ~~إنه يرى أن تحليل الخطاب مختص بتحليل «الأقوال» (وهذه هي الترجمة ~~المعتادة للكلمة الفرنسية # énoncés ~~؛ وهي ~~ترجمة قد تكون مضللة إلى حد ما؛ إذ توحي بأن المقصود هو العبارات ~~الخبرية، خلافا للأسئلة والأوامر والتهديدات وهلم جرا). وطبقا ~~لإحدى الصياغات (فوكوه ، 1972م، 107-108) فإن تحليل الأقوال يمثل طريقة ~~واحدة من عدد من الطرائق المستخدمة لتحليل «أشكال الأداء اللغوي». وأما ~~الأخريات فهي: «التحليل المنطقي للمقولات، والتحليل النحوي للجمل، والتحليل ~~السياقي أو النفساني للصيغ» والتحليل الخطابي للأقوال ليس بديلا عن ~~هذه الأنماط الأخرى للتحليل، لكنه لا يمكن اختزاله فيها أيضا. ومن ~~النتائج المترتبة على ذلك أن فوكوه يرى أن تحليل الخطاب لا تنبغي معادلته ~~بالتحليل اللغوي، ولا معادلة الخطاب باللغة. فتحليل الخطاب لا يتعلق ~~بتحديد أي الجمل «ممكنة» أو نحوية، بل بتحديد «التشكيلات الخطابية» ~~المتغيرة من الزاوية الاجتماعية التاريخية (ويشار إليها أحيانا بصفة ~~«الخطاب» وحسب)، ونظم القواعد التي تجعل من الممكن تكوين أقوال ~~(عبارات/جمل) معينة دون غيرها في أماكن وأوقات ومواقع مؤسسية معينة. ~~والواقع أن تصور التحليل اللغوي الذي يتوسل به فوكوه مرتبط بلحظة زمنية ~~معينة (فوكوه، 1972م، وكان قد كتب في 1969م) وأنواع القواعد التي يستند ~~إليها تماثل، فيما يبدو، ما كان الباحثون في علم اللغة الاجتماعي في ~~السبعينيات قد انتهوا إلى تسميته «قواعد اللغويات الاجتماعية»، أي القواعد ~~الاجتماعية لاستعمال اللغة. ومع ذلك، فإن منظور فوكوه يختلف اختلافا ~~شاسعا عن أي منظور نجده في علم اللغة الاجتماعي؛ ويرجع جانب من هذا ~~الاختلاف إلى عدم الاهتمام بالنصوص اللغوية المشار إليه آنفا. # ويتكون التشكيل الخطابي من ms044 «قواعد التشكيل» الخاصة بمجموعة الأقوال ~~المعينة التي تنتمي إليه، وبصفة أخص قواعد تشكيل «الموضوعات»، وقواعد ~~تشكيل «النوعيات التعبيرية»، و«مواقع الذات»، والقواعد الخاصة بتشكيل ~~«المفاهيم»، والقواعد الخاصة بتشكيل «الاستراتيجيات» (فوكوه، 1972م، ~~31-39). وقواعد التشكيل المذكورة تكونها مركبات من عناصر سابقة، ~~خطابية وغير خطابية (الأمثلة عليها أدناه) وعملية التعبير عن هذه العناصر ~~وربطها معا تجعل الخطاب ممارسة اجتماعية (وفوكوه نفسه يستخدم تعبير ~~«ممارسة خطابية»). وسوف أناقش كل نمط من أنماط هذه القواعد بالترتيب، ~~مقدما ملخصا لموقف فوكوه، ومشيرا بإيجاز إلى إمكان أهميتها وما ~~يترتب عليها لتحليل الخطاب. ~~(2) تشكيل الموضوعات # تقول النظرة الأساسية فيما يتعلق بتكوين الموضوعات: إن «موضوعات» ~~الخطاب تتكون وتتحول في الخطاب وفقا لقواعد تشكيل خطابي معين، لا أنها ~~توجد بصورة مستقلة، ويشار إليها وحسب، أو يدور الحديث عنها في خطاب معين. ~~وكلمة «موضوعات» يعني بها فوكوه موضوعات المعرفة، أي الكيانات التي تعترف ~~بها مباحث أو علوم معينة داخل مجالات اهتمامها، وتتصدى لها باعتبارها ~~أهدافا للبحوث (ويمكن التوسع في هذا المعنى من معاني الموضوعات، بحيث ~~يتجاوز المباحث أو العلوم المنظمة شكليا ويشمل الكيانات المعترف بها ~~في الحياة العادية). ويضرب فوكوه مثالا لتكوين «الجنون» باعتباره موضوعا ~~من موضوعات خطاب الأمراض النفسية منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن؛ وقد نجد ~~أمثلة أخرى مثل تكوين «الأمة» و«العرق» أو «الحرية» و«الإنجاز» (انظر كيت ~~وأبركرومبي، 1990م) في الخطاب الإعلامي والسياسي المعاصر، أو مثل «معرفة ~~القراءة والكتابة» في الخطاب التعليمي. ويقول فوكوه: «إن المرض النفسي ~~كونه كل ما ذكر في جميع الأقوال التي وضعت له اسما، وقسمته، ~~ووصفته، وشرحته ...» (1972م، 32)، أضف إلى ذلك أن الجنون ليس شيئا ثابتا، ~~بل يخضع لتحولات مستمرة فيما بين التشكيلات الخطابية، وأيضا داخل أي ~~تشكيل خطابي. ومعنى هذا أنه لا بد من تعريف التشكيل الخطابي بحيث يسمح ~~بالتحول في موضوعاته. ويقول فوكوه: إن «وحدة الخطاب لا تستند إلى دوام أحد ~~الموضوعات وتفرده، بل على المساحة التي تنشأ فيها شتى الموضوعات وتتحول ~~باستمرار» (1972م، 32). # وأما ما يتسم بأهمية كبرى هنا بالنسبة لتحليل الخطاب ms045 فهو رؤية الخطاب ~~باعتباره قوة بناءة، إذ يسهم في إنتاج وتحويل وإعادة إنتاج موضوعات ~~الحياة الاجتماعية (والذوات أيضا، كما سوف نرى بعد هنيهة) في الحياة ~~الاجتماعية. ويعني هذا أن الخطاب ذو علاقة فعالة بالواقع، وأن اللغة تدل ~~على الواقع بمعنى أنها تبني المعاني له، وهو ما ينفي القول بأن الخطاب له ~~علاقة سلبية بالواقع، وبأن اللغة تشير وحسب إلى الأشياء التي تعتبر قائمة ~~في الواقع (من قبل الإحالة اللغوية إليها). وأما رؤية العلاقة بين اللغة ~~والواقع باعتبارها إحالية وحسب، فهي الرؤية المفترضة سلفا، بصفة عامة، في ~~علم اللغة وفي المداخل المبنية داخل علم اللغة إلى تحليل الخطاب. # ويعرف فوكوه «المساحة» التي يشير إليها هنا (في آخر الفقرة قبل ~~الأخيرة) فيما يتعلق بأي تشكيل خطابي بأنها # علاقة ~~؛ علاقة بين كيانات ~~محددة من «المؤسسات، والعمليات الاقتصادية والاجتماعية، والأنساق ~~السلوكية، ونظم المعايير، والتقنيات، وأنماط التصنيف، وأنواع التوصيف» ~~(1972م، 45)؛ وهي علاقة تشكل قواعد تكوين الموضوعات. وفي صدد الحديث عن ~~المثال الذي ضربه فوكوه من المرض النفسي، يقول: # إذا كنا قد شهدنا في فترة معينة من تاريخ مجتمعنا معاملة علماء ~~النفس والطب النفسي للمنحرف، وإذا كان السلوك الإجرامي قادرا على ~~إيجاد سلسلة كاملة من موضوعات المعرفة (مثل القتل، والانتحار، والجرائم ~~العاطفية، والجرائم الجنسية، وأشكال معينة من السرقة والتشرد)، ~~فإنما كان ذلك راجعا إلى استعمال مجموعة من العلاقات الخاصة في خطاب ~~الطب النفسي، مثل العلاقة بين مستويات التحديد للفئات العقابية ودرجات ~~تخفيف المسئولية، ومستويات التشخيص السيكولوجي (أنواع الإمكانيات، ~~والاستعداد النفسي، ودرجات التطور أو الانطواء، والطرائق المختلفة ~~للتجاوب مع البيئة، وأنماط الشخصية، مكتسبة كانت أو وراثية)، والعلاقة ~~بين سلطة القرار الطبي وسلطة القرار القضائي، والعلاقة بين «المصفاة» ~~التي يشكلها التحقيق القضائي، والمعلومات الشرطية، والتحريات، والآلة ~~الكاملة للمعلومات القضائية، و«المصفاة» التي يشكلها الاستجواب الطبي، ~~والفحوص الإكلينيكية، والبحث في السوابق، والتوصيف البيولوجي. والعلاقة ~~بين الأسرة والمعايير الجنسية والعقابية لسلوك الأفراد، وجدول الأعراض ~~المرضية، والأمراض التي تدل عليها، والعلاقة بين الاحتجاز العلاجي في ~~المستشفى ... والحبس العقابي في السجن. ~~(1972م، 43-44) ms046 # يقول فوكوه هنا: إن أي تشكيل خطابي يكون موضوعات معينة بطرائق ~~تمثل تقييدا صارما لها، وإن القيود المفروضة على ما يحدث «داخل» ذلك ~~التشكيل الخطابي ناجمة عن العلاقات الخاصة بالمركب الخطابي فيما بين ~~التشكيلات الخطابية، والعلاقات بين الممارسات الخطابية وغير الخطابية التي ~~يتكون منها التشكيل الخطابي. وتأكيد فوكوه للعلاقات الخاصة بالمركب ~~الخطابي تترتب عليه نتائج مهمة لتحليل الخطاب، ما دام يضع في مركز برنامج ~~العمل البحث في بناء التشكيلات الخطابية أو ترابطها من حيث علاقة بعضها ~~بالبعض داخل ما سوف أطلق عليه اسما يمثل مصطلحا عند فوكوه، وهو «نظم ~~الخطاب» المؤسسي والمجتمعي، وأعني به مجموع الممارسات الخطابية داخل مؤسسة ~~أو مجتمع، والعلاقات بينها (انظر فيركلف، 1989م، أ ص29). والرأي القائل بأن ~~ترابط نظم الخطاب عامل حاسم في تكوين أي تشكيل خطابي، وينبغي من ثم أن ~~يكون من نقاط التركيز الرئيسية في تحليل الخطاب رأي يعبر عنه بيشوه ~~بطرائق مختلفة في أعماله (في مفهومه ل «المركب الخطابي»، انظر الفصل الثاني ~~أعلاه) وبرنشتاين (1982م) ولاكلاو وموف (1985م). ~~(3) تكوين نوعيات تعبيرية # تقول القضية الرئيسية التي يطرحها فوكوه فيما يتعلق بتكوين «النوعيات ~~التعبيرية» إن الذات الاجتماعية أو الشخص الذي يقول قولا ليس كيانا له ~~وجود خارج الخطاب وليس مستقلا عنه، باعتباره مصدر ذلك القول (أي ~~مؤلفه)، ولكنه على العكس من ذلك دالة من دوال القول نفسه. ومعنى هذا ~~أن الأقوال تضع الذوات أو الأشخاص - من تصدر منهم ومن توجه إليهم ~~أيضا - في مواقع محددة، حتى «إن وصف القول من حيث إنه قول لا يتمثل في ~~تحليل العلاقة بين المؤلف وبين ما يقوله (أو بين ما كان يريد قوله، أو ما ~~قاله دون أن يريد ذلك)؛ ولكن في تحديد الموقع الذي يمكن، بل لا بد أن يشغله ~~أي فرد إن كان له أن يصبح الذات التي تقول هذا القول» (1972م، ~~95-96). # ويشرح فوكوه هذه النظرة إلى العلاقة بين الذات والقول من خلال تحديد ~~طابع التشكيلات الخطابية قائلا: إنها تتكون من تكوينات معينة من ~~النوعيات التعبيرية. ms047 أما هذه النوعيات التعبيرية فهي أنماط من النشاط ~~الخطابي، مثل الوصف، وتشكيل الفروض، وصياغة اللوائح القانونية، والتعليم ~~وهلم جرا، ويرتبط بكل منها موقع خاص من مواقع الذات. وهكذا، فإن ~~التعليم، على سبيل المثال، باعتباره نشاطا خطابيا، يضع المشاركين فيه في ~~موقعي المعلم والمتعلم. وكما هو الحال بالنسبة ل «الموضوعات» نجد أن ~~قواعد تكوين النوعيات التعبيرية تضعها مجموعة معقدة من العلاقات من أجل ~~تشكيل خطابي محدد، ويلخصها فوكوه بالنسبة للخطاب الإكلينيكي قائلا: # إذا كان الطبيب يقوم في الخطاب الإكلينيكي بعدة أدوار متوالية، ~~كدور السيد الذي يطرح الأسئلة المباشرة، ودور العين الملاحظة، والإصبع ~~الذي يلمس، والجهاز الذي يفسر العلامات، والمركز الذي تندمج فيه ~~الأوصاف التي سبقت صياغتها، والعامل التقني في المختبر، فذلك لأن ~~الحالة تتضمن مجموعة كاملة من العلاقات، بين عدد من العناصر المتميزة، ~~بعضها كان يتعلق بمكانة الأطباء، وبعضها يتعلق بالموقع المؤسسي ~~والتقني، (مستشفى، مختبر، عيادة خاصة ... إلخ) ومنها كانوا يتكلمون، ~~ويشغل آخرون مواقعهم باعتبارهم ذوات تدرك وتلاحظ وتصف وتعلم ... إلخ. ~~(1972م، 53) # ويتميز هذا الإفصاح عن النوعيات التعبيرية بأنه محدد تاريخيا، ~~وخاضع للتغير التاريخي، والانتباه إلى الظروف التاريخية التي تتحول هذه ~~فيها، وإلى الآليات التي تحولها، يمثل جانبا مهما من جوانب البحث في ~~التغير الخطابي في علاقته بالتغير الاجتماعي (انظر الفصل الثالث والفصل ~~السابع أدناه). وفوكوه لا يفترض وجود «ذات طبية» تحقق الترابط بين هذه ~~النوعيات التعبيرية ومواقع الذوات المختلفة، وتعتبر عامل توحيد بينها، ~~ولكنه يقول: إن هذه النوعيات والمواقع المتباينة تمثل بعثرة للذات ~~وتشظيها. أو بعبارة أخرى، يقول: إن الطبيب يتكون من تركيب من النوعيات ~~التعبيرية ومواقع الذوات التي تظل قائمة بفضل القواعد الحالية للخطاب ~~الطبي. ويعتبر عمل فوكوه إسهاما رئيسيا في نقض مركزية الذات الاجتماعية ~~في النظريات الاجتماعية الحديثة (انظر هنريك، وآخرون، 1984م). وفي إثبات ~~الرأي الذي يقول: إن الذات تتكون ويعاد إنتاجها، وتتحول من خلال ~~الممارسة الاجتماعية وفي داخلها. وكذلك الرأي الذي يقول: إن الذات ~~مفتتة. # وأما ما له دلالة خاصة في السياق الحالي فهو أن فوكوه ينسب ms048 دورا ~~رئيسيا إلى الخطاب في تكوين الذات الاجتماعية، ويترتب على هذا أن قضايا ~~الذاتية، والهوية الاجتماعية، ومسألة «النفس» ينبغي أن تشغل موقعا ~~رئيسيا في نظريات الخطاب واللغة، وفي التحليل الخطابي واللغوي، ولكنها في ~~الحقيقة لم تلق إلا اهتماما بالغ الضآلة في التيار الرئيسي لعلم اللغة، ~~أو تحليل الخطاب ذي التوجه اللغوي والنصي، أو علم اللغة الاجتماعي أو ~~التداولية اللغوية. فإن هذه المباحث الأكاديمية قد اعتنقت، على الدوام ~~تقريبا، النظرة إلى الذات الاجتماعية باعتبارها سابقة على المجتمع، وهي ~~النظرة التي رفضت على نطاق واسع في المناظرات الحديثة حول الذاتية. وطبقا ~~لهذه النظرة، يشترك الناس في الممارسة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي ~~بهويات اجتماعية سبق تشكيلها وتؤثر في ممارستهم، ولكنها لا تتأثر بها. ~~وأما من حيث اللغة فالباحثون يسلمون على نطاق واسع في هذه المجالات البحثية ~~بأن الهوية الاجتماعية للشخص تؤثر في طريقة استخدامه للغة، من دون ~~الإشارة تقريبا إلى أن استخدام اللغة - أي الممارسات الخطابية - يؤثر في ~~الهوية الاجتماعية أو يشكلها. وهكذا، فإن الذاتية والهوية الاجتماعية ~~تعتبران قضايا هامشية في الدراسات اللغوية، ولا تتجاوز عموما نظريات ~~«التعبير» و«المعنى المعبر»: أي إن الهوية (الأصل الاجتماعي، كون ~~المتحدث رجلا أو امرأة، والطبقة الاجتماعية، والمواقف الاجتماعية ~~والعقائد وغيرها مما ينتمي إلى المتحدث) تجد «التعبير» عنها في الأشكال ~~اللغوية والمعاني التي يختارها. # وأنا أعارض هذا - في اتخاذي موقف فوكوه - بإحلال مسألة آثار الممارسة ~~الخطابية في الهوية الاجتماعية في صلب تحليل الخطاب ذي التوجه اللغوي ~~نظريا ومنهجيا، وتترتب على هذه النظرة عواقب مهمة للقول بأن تحليل ~~الخطاب منهج رئيسي من مناهج البحث الاجتماعي؛ إذ إن النظرية التعبيرية التي ~~تقول بالذاتية في الخطاب تسمح بالنظر إلى الخطاب بصفته بعدا هامشيا ~~للممارسة الاجتماعية، على عكس النظرية التكوينية (أي القائلة بأن الخطاب ~~يشارك في تكوين الهوية الاجتماعية). ومع ذلك تبرز هنا تحفظات مهمة، فإن ~~إصرار فوكوه على أن الذات نتاج للتشكيلات الخطابية تتسم بنكهة بنيوية ~~قوية تستبعد الدور الاجتماعي الفعال بأي معنى ذي دلالة. وهذا غير مرض ~~للأسباب التي سوف أعرضها ms049 في القسم الأخير، وأما الموقف من الخطاب والذاتية ~~الذي أدعو إليه في الفصل الثالث فهو موقف جدلي، أي إنه يرى أن الذوات ~~الاجتماعية تشكلها الممارسة الخطابية، ولكنها قادرة أيضا على إعادة ~~تشكيل هذه الممارسات وإعادة بنائها. ~~(4) تشكيل المفاهيم # يعني فوكوه بالمفاهيم: مجموعة الفئات والعناصر والأنماط التي يستخدمها ~~مبحث من المباحث العلمية باعتبارها الجهاز الكفيل بالتعامل مع مجال ~~اهتمامه؛ وهو يضرب مثالا من أن المبتدأ أو الفاعل والخبر والاسم والفعل ~~والكلمة يمكن اعتبارها مفاهيم نحوية، ولكن التشكيل الخطابي هنا، شأنه شأن ~~موقفه إزاء الموضوعات والنوعيات التعبيرية، لا يضع تعريفا لمجموعات ~~«توحيدية» من المفاهيم الثابتة التي يرتبط بعضها بالبعض بعلاقات محددة ~~بوضوح. فالصورة صورة تشكيلات متحركة من المفاهيم المتغيرة، ويقترح ~~فوكوه أن يصبح المدخل إلى تشكيل المفاهيم في أحد التشكيلات الخطابية وصفا ~~لكيفية تنظيم «مجال الأقوال» المرتبطة به، والذي «ظهرت» فيه المفاهيم ~~و«شاعت». وتؤدي هذه الاستراتيجية إلى وصف حافل (1972م) لأنواع العلاقات ~~الكثيرة المختلفة التي قد توجد داخل النصوص وفيما بينها. وهذا مفيد في وضع ~~منظورات تقوم على التناص والمركبات الخطابية في تحليل الخطاب ذي التوجه ~~النصي، خصوصا لأن هذه المنظورات لم تلق إلا اهتماما ضئيلا في علم اللغة ~~أو في تحليل الخطاب ذي التوجه اللغوي. # وسوف نجد داخل «مجال الأقوال» الخاص بأي تشكيل خطابي علاقات ذات أبعاد ~~شتى، ومن بينها العلاقة القائمة بين الأقوال الواردة في نص مفرد، مثل ~~علاقات التتابع والتبعية. ويشير فوكوه إلى «شتى النظم البلاغية التي تربط ~~ما بين مجموعات الأقوال (أي كيف ترتبط الأوصاف والاستنتاجات والتعريفات ~~التي يحدد تتابعها بناء نص من النصوص)» بطرائق تعتمد على التشكيل ~~الخطابي (1972م، 57). وقد بحثت أمثال هذه العلاقات الداخلية في النصوص ~~في الآونة الأخيرة في إطار اللغويات النصية. ومن بين العلاقات الأخرى ~~العلاقات ما بين خطاب وخطاب؛ إذ قد تتناول العلاقات القائمة بين التشكيلات ~~الخطابية المختلفة أو بين النصوص المختلفة، ويمكن التمييز بينها استنادا ~~إلى انتمائها، إما إلى «الحضور»، أو «الاقتران» أو «الذاكرة». ويعرف ~~فوكوه مجال الحضور قائلا: إنه «جميع الأقوال ms050 التي صيغت في غير هذا ~~المكان، وأدخلت في الخطاب، واعترف بأنها صادقة، أو تتسم بدقة الوصف، أو ~~الاستدلال العقلاني السليم، أو القيام على الافتراضات السابقة اللازمة»، ~~وكذلك الأقوال «التي انتقدت، أو نوقشت، أو بت في أمرها ... أو رفضت ~~أو استبعدت» (ص57-58). سواء كان ذلك صراحة أو ضمنا. وأما مجال الاقتران ~~فيتكون بصفة خاصة من أقوال من تشكيلات خطابية مختلفة، وترتبط بقضية ~~العلاقات بين التشكيلات الخطابية. وأخيرا يتكون مجال الذاكرة من أقوال «لم ~~تعد مقبولة أو تناقش»، ويمكن أن تقام بينها «علاقات النسب والنشأة، ~~والتحويل، والاستمرار، والانقطاع التاريخي» (ص98-99). ويضيف فوكوه إلى هذه ~~العلاقات ما يسميه «علاقة القول» إلى «كل التشكيلات التي يحدد القول ~~إمكان وجودها في المستقبل»، ويشارك القول مكانتها (كأن تكون أدبا على سبيل ~~المثال). # ويلخص فوكوه هذا المنظور في الزعم القائل بأنه «من المحال أن يوجد ~~قول لا يعيد بصورة ما تمثيل ما جاء في أقوال أخرى» (1972م، 98). ~~ويذكرنا ما يقوله عن العلاقات بين الأقوال بكتابات باختين عن النوع ~~الأدبي والحوارية (1981م، 1986م) وهو ما قدمته كريستيفا إلى الجماهير ~~الغربية بمفهوم التناص (1986م، أ، 37)، وكما ذكرت عاليه، يتخذ بيشوه ~~منظورا مماثلا بأن يمنح الأولوية للمركب الخطابي في نظريته عن الخطاب. ~~وعلى الرغم من أن تمييز فوكوه بين شتى أنماط العلاقة ليس واضحا على ~~الدوام، فإن ما يقدمه هنا أساس للبحث المنتظم في العلاقات داخل النصوص ~~وأنماط الخطاب وفيما بينها. وسوف أميز أنا بين «التناص» الذي يعني ~~العلاقات بين النصوص، وبين «التداخل الخطابي» الذي يعني العلاقات بين ~~التشكيلات الخطابية أو بتعبير أقل دقة بين الأنماط المختلفة للخطاب (انظر ~~الفصل الرابع أدناه). ويتناول التداخل الخطابي للعلاقات فيما بين تشكيلات ~~خطابية أخرى تمثل، طبقا لما يقوله فوكوه، قواعد التشكيل لأي تشكيل ~~خطابي (انظر القسمين عاليه عن تشكيل الموضوعات والنوعيات ~~التعبيرية). # ويقدم فوكوه، في مناقشاته للعلاقات القائمة داخل مجالات الأقوال ~~(1972م، 97-98) بعض التعليقات القيمة عن فكرة «السياق»، وخصوصا كيف أن ~~«سياق الحال» لقول ما (أي الحال الاجتماعي الذي يقع فيها) و«سياقه ms051 اللفظي» ~~(أي موقعه بالنسبة للأقوال الأخرى التي تسبقه وتتلوه) يحدد الشكل الذي ~~يتخذه، والطريقة التي يفسر بها. ومن المبادئ الشائعة في علم اللغة ~~الاجتماعي أن الأقوال (أو «الملفوظات») تخضع لهذا المعيار، ولكن الملاحظة ~~الإضافية المهمة التي يقدمها فوكوه هي أن العلاقة بين قول منطوق وسياقه ~~اللفظي والحالي ليست علاقة شفافة؛ إذ تختلف كيفية تأثير السياق فيما ~~يقال أو ما يكتب، وكيفية تفسير ذلك، من تشكيل خطابي إلى سواه. فعلى سبيل ~~المثال نجد أن بعض جوانب الهوية الاجتماعية للمتحدث ككونه رجلا أو ~~امرأة، وانتمائه العرقي، أو سنه، وهي التي من المحتمل أن تؤثر تأثيرا ~~كبيرا في الأشكال والمعاني أثناء المحادثة، قد لا يكون لها تأثير يذكر في ~~مؤتمر لعلماء البيولوجيا. وكذلك إذا جاء قول لأحد المشاركين مباشرة بعد ~~سؤال طرحه آخر، فإن هذا التعاقب اللصيق قد يمثل دافعا إلى اعتبار هذا ~~القول إجابة على السؤال في أثناء استجواب ما بأكثر مما يعتبر كذلك في ~~محادثة عارضة. وإذن فالمرء لا يستطيع الاعتماد على «السياق» وحسب لشرح ما ~~يقال أو يكتب أو أسلوب تفسيره، على نحو ما يفعله الكثير من اللغويين في ~~علم اللغة الاجتماعي والتداولية، بل يجب على المرء أن يبتعد خطوة واحدة ~~ليصل إلى التشكيل الخطابي، وترابط التشكيلات الخطابية في نظم الخطاب حتى ~~يتمكن من شرح العلاقة بين السياق والنص والمعنى. ~~(5) تشكيل الاستراتيجيات # تمثل قواعد التشكيل التي نوقشت إلى الآن مجال الفرص المتاحة لوضع ~~النظريات والأفكار أو ما يسميه فوكوه «الاستراتيجيات»، وهي التي لا تتحقق ~~كلها. وقواعد تشكيل الاستراتيجيات تحدد الفرص التي تتحقق، وهي تتكون من ~~مزيج من قيود المركبات الخطابية، وغيرها من القيود غير الخطابية المفروضة ~~على الاستراتيجيات الممكنة (1972م، 66-70). ويقول فوكوه مثلا: إن «الخطاب ~~الاقتصادي في الفترة الكلاسيكية كان تعريفه يعتمد على طريقة دائمة معينة ~~لإقامة علائق تربط إمكانات الانتظام داخليا في خطاب ما بغيره من ضروب ~~الخطاب خارجه، وبمجال كامل غير خطابي من الممارسات، وصور الاستيلاء ~~والمصالح والرغبات» (1972م، 69). لاحظ هنا تكرار الإشارة إلى علاقات ~~المركبات الخطابية ms052 باعتبارها قيودا على أحد التشكيلات الخطابية، ويشير ~~فوكوه إلى أن العلاقات التي يمكن أن تقوم بين ضروب الخطاب تتضمن القياس، ~~والمعارضة، والتكامل، و«علاقات التحديد المتبادل» (ص67). # وتعتبر مناقشة القيود غير الخطابية هنا الإشارة التي اقترب فيها ~~فوكوه في أعماله المبكرة أشد الاقتراب من الإقرار بإمكان خضوع الخطاب ~~للتحكم فيه «من الخارج»، والموقف السائد تجاه العلاقة بين الممارسة ~~الخطابية وغير الخطابية يبين في الواقع أن الأولى تتمتع بالتفوق على ~~الأخيرة. ويشير فوكوه أولا إلى وظيفة الخطاب في الممارسات غير الخطابية، ~~مثل «الوظيفة التي يقوم بها الخطاب الاقتصادي في ممارسة الرأسمالية ~~الناشئة» (1972م، 69)، ثم يشير ثانيا إلى «قواعد وعمليات الاستيلاء» على ~~الخطاب، بمعنى أن «الحق في الكلام» و«القدرة على الفهم»، وكذلك الحق في ~~الاستفادة من «مخزون الأقوال التي سبقت صياغتها» أمور لا تتسم بالتوزيع ~~العادل بين الفئات الاجتماعية (ص68)، ويشير ثالثا إلى « # مواقع الرغبة ~~الممكنة فيما يتعلق بالخطاب ~~؛ فقد يكون الخطاب في الحقيقة مكانا للتمثيل ~~الخيالي، وعنصرا للرمز، وشكلا من أشكال المحرمات، وأداة لاستقاء ~~الإشباع» (ص68، التأكيد عند فوكوه). # ويربط فوكوه بين قواعد تشكيل الاستراتيجيات وبين الصبغة «المادية» ~~للأقوال، والقيود غير الخطابية المشار إليها للتو تقيم علاقات بين الأقوال ~~والمؤسسات. وقول فوكوه: إن الأقوال لها صبغة «مادية» لا يعني أنها تتمتع ~~بخصيصة النطق بها في وقت محدد ومكان محدد، ولكنه يعني بها أنها تتمتع ~~بمكانة محددة داخل ممارسات مؤسسية محددة. ~~(6) من علم الآثار إلى الأنساب # سبق أن أشرت إلى تغير نقاط التركيز على امتداد عمل فوكوه، ويشغلني ~~الآن انتقاله من الآثار إلى الأنساب، وما يترتب على ذلك بالنسبة لتصوير ~~الخطاب عند فوكوه. # يقدم فوكوه الشرح المقتضب التالي للعلاقة بين علم الآثار وعلم ~~الأنساب: # يجب أن تفهم «الحقيقة» على أنها نظام من الإجراءات المنظمة لإنتاج ~~الأقوال وتنظيمها وتوزيعها ودورانها وتشغيلها. # ترتبط «الحقيقة» بعلاقة دائرية بنظم السلطة التي تنتجها وتحافظ على ~~بقائها، وبآثار السلطة التي تدفع إلى إنشائها وتوسع نطاقها. إنه «نظام حكم» ~~الحقيقة (رابينوف، 1984م، 74). # أرجو أن يرى القارئ في المقولة الأولى ملخصا ms053 لعلم الآثار الذي رسمت ~~خطوطه العريضة عاليه، وأما المقولة الثانية فتبين بإيجاز تأثير علم ~~الأنساب في علم الآثار، فهي تضيف السلطة، أو إذا استعرنا ألفاظ ديفيدسون ~~قلنا: إن التركيز فيها ينصب على «العلاقات المتبادلة بين نظم الحقيقة ~~وأشكال السلطة» (1986م، 224). والانتقال إلى علم الأنساب يمثل نقضا ~~لمركزية الخطاب. فإذا كنا رأينا في فوكوه أولا (1972م) أنه ينسب إمكان فهم ~~نظم المعرفة والحقيقة إلى قواعد الخطاب التي كان يراها مستقلة - بل إن ~~العلاقة بين الممارسة غير الخطابية والممارسة الخطابية كانت تخضع في ~~تنظيمها عنده، فيما يبدو، لهذه القواعد؛ فإن دراسة فوكوه الكبرى عن علم ~~الأنساب، وعنوانها # التأديب والعقاب ~~(1989م)، تضع الخطاب في موقع ثانوي بعد ~~نظم السلطة. # ولكننا نرى، في الوقت نفسه، أن صورة طبيعة السلطة في المجتمعات الحديثة ~~التي يرسمها فوكوه في دراساته للأنساب (انظر فريزر 1989م) تضع الخطاب ~~واللغة في قلب الممارسات والعمليات الاجتماعية، ويرتبط طابع السلطة في ~~المجتمعات الحديثة بمشاكل إدارة السكان، والسلطة مضمرة في الممارسات ~~الاجتماعية اليومية الموزعة والمتغلغلة على جميع المستويات في جميع مجالات ~~الحياة الاجتماعية، ويشارك فيها الناس باستمرار؛ أضف إلى ذلك أنها «لا ~~تصبح محتملة إلا إذا أخفت جانبا كبيرا منها، ويتناسب نجاحها تناسبا ~~طرديا مع قدرتها على إخفاء آلياتها الخاصة» (1981م، 86) ولا تعمل السلطة ~~بأسلوب سلبي من خلال السيطرة بالقوة على الخاضعين لها، بل إنها تشركهم معها ~~وتعتبر «منتجة»، بمعنى أنها تشكلهم و«تعيد تجهيزهم» حتى يصبحوا صالحين ~~لتلبية حاجاتها. والسلطة الحديثة لم تفرضها من عل قوى جماعية معينة ~~(مثل الطبقات) على مجموعات أو أفراد؛ ولكنها تطورت ونمت «من أسفل»، من ~~خلال تقنيات معينة «متناهية الصغر» (مثل «الاختبارات» بمعناها الطبي ~~والتعليمي، انظر أدناه) وهي التي ظهرت في بعض المؤسسات مثل المستشفيات ~~والسجون والمدارس في بداية الفترة الحديثة. وفي هذه التقنيات نرى علاقة ~~مضمرة بين السلطة والمعرفة في المجتمع الحديث، فمن ناحية تنمو تقنيات ~~السلطة وتتطور استنادا إلى المعرفة التي تولدها، كما هو الحال مثلا في ~~العلوم الاجتماعية، ومن ناحية أخرى تهتم هذه التقنيات اهتماما ms054 بالغا ~~بممارسة السلطة في غمار جمع المعلومات. وقد سك فوكوه مصطلحا هو «السلطة ~~الحيوية» للإشارة إلى هذا الشكل الحديث من أشكال السلطة، وهو الذي بدأ ~~الظهور منذ القرن السابع عشر، قائلا: «إن السلطة الحيوية جاءت بالحياة ~~وآلياتها إلى عالم الحسابات الصريحة، وجعلت المعرفة/السلطة عاملا من عوامل ~~تغيير الحياة البشرية» (1981م، 143). # وهذا التصور للسلطة يوحي بأن الخطاب واللغة ذواتا أهمية أساسية في ~~العمليات الاجتماعية للمجتمع الحديث، فالممارسات والتقنيات التي يركز ~~فوكوه عليها تركيزا شديدا - المقابلة الشخصية، جلسات إسداء المشورة وما ~~إلى ذلك - ممارسات خطابية إلى حد بعيد. وهكذا فإن تحليل المؤسسات ~~والمنظمات من حيث السلطة يقتضي فهم وتحليل ممارساتها الخطابية، ولكن نظرة ~~فوكوه للسلطة لا تعني فحسب زيادة الانتباه إلى الخطاب في التحليل ~~الاجتماعي، بل تعني كذلك زيادة الانتباه للسلطة في تحليل الخطاب، ولكن هذه ~~الأسئلة الخاصة بالخطاب والسلطة لا تظهر في دراسات فوكوه الأثرية، ولا في ~~مداخل تحليل الخطاب ذات التوجه اللغوي. وعلى نحو ما يشير شابيرو، نجد أن ~~فوكوه «يرفع الرابطة بين اللغة والسياسة إلى مستوى رفيع من التجريد، وهو ~~مستوى يسمح لنا بأن نتجاوز مبادلات السلطة المنعكسة في اللغة بين الأشخاص ~~والجماعات حتى نقوم بتحليل المباني التي تكمن فيها» (1981م، 162). # وبعض هذه القضايا يثيرها فوكوه نفسه في دراسة (1984م) تستكشف شتى ~~الإجراءات التي يسيطر بها المجتمع على الممارسات الخطابية ويفرض القيود ~~عليها قائلا: «يخضع إنتاج الخطاب في كل مجتمع للسيطرة والاختيار والتنظيم ~~وإعادة التوزيع في وقت واحد من خلال عدد معين من الإجراءات التي يتمثل ~~دورها في تحاشي سلطاته وأخطاره، والتحكم في أحداثه العارضة، وتجنب طبيعته ~~المادية الثقيلة الجبارة» (ص109). ومن بين «الإجراءات» التي يفحصها فوكوه ~~فرض القيود على ما يمكن أن يقال، وعلى من يقوله، وعلى المناسبات التي يمكن ~~أن يقال فيها. وضروب التعارض بين خطاب العقل وخطاب الجنون، وبين الخطاب ~~الصادق والخطاب الكاذب، وآثار نسبة الكلام إلى مؤلف، والحدود المرسومة فيما ~~بين المباحث العلمية، وإضفاء صفة القداسة على نصوص معينة، والقيود ~~الاجتماعية المفروضة على التمتع بممارسات ms055 خطابية معينة، ويشير فوكوه في ~~هذا الصدد إلى أن «أي نظام تعليمي وسيلة سياسية للحفاظ على - أو تعديل - ~~امتلاك ضروب الخطاب مع ما تحمله من المعارف والسلطات» (ص123). ويوجد تأكيد ~~مهم عند فوكوه (1984م) لصراع السلطة حول البت في الممارسات الخطابية؛ إذ ~~يقول: «لا تنحصر ماهية الخطاب في كونه الوسيلة التي تترجم أنواع الصراع أو ~~نظم الهيمنة، بل إنه الشيء الذي يقوم الصراع من أجله ويتوسل به، فالخطاب هو ~~السلطة التي يظفر بها من يسعى إليها» (ص110). # وهكذا فإن الانتقال من علم الآثار إلى علم الأنساب يتضمن تغييرا ~~للتأكيد الذي يؤدي إلى إبراز أبعاد الخطاب، فإذا كانت التشكيلات الخطابية ~~عند فوكوه (1972م) تتسم بانتمائها إلى مباحث علمية معينة (1972) (مثل ~~خطاب الأمراض النفسية، والاقتصاد السياسي، والتاريخ الطبيعي، على الرغم من ~~مقاومة فوكوه للتوافق البسيط بين ضروب الخطاب وهذه المباحث)، فإن فئات ~~الخطاب البارزة عند فوكوه (1979م، 1981م) تتسم بطابع أقرب إلى «النوعية» ~~(مثل المقابلة الشخصية، وجلسات إسداء المشورة، باعتبارهما من الممارسات ~~الخطابية التي ترتبط على الترتيب بما يسميه فوكوه «الفحص»، و«الاعتراف»؛ ~~انظر أدناه). والمقصود بهذا أنها تشير إلى شتى أشكال التفاعل المبنية ~~بطرائق معينة وتتضمن مجموعات معينة من المشاركين (مثل من يلقي ~~الأسئلة في المقابلة الشخصية ومن يجيب عليها)، بحيث يمكن استخدامها في ~~شتى المباحث العلمية أو المؤسسات، ومن ثم فإنها تتفق مع شتى التشكيلات ~~الخطابية (بحيث يكون لدينا مقابلات شخصية في مجال الطب، وعلم الاجتماع، ~~والحصول على الوظائف، وأجهزة الإعلام). وأما التضاد عند بعض الكتاب فهو ~~بين ضروب الخطاب، و«الأنواع» (انظر كريس، 1988م، والفصل الرابع ~~أدناه). # ويحلل فوكوه تكنولوجيتين رئيسيتين من تكنولوجيات السلطة، وهما ~~«التأديب» (ويتضمن الفحص في تقنيته الجوهرية، فوكوه 1979م) و«الاعتراف» ~~(فوكوه 1981م). ومن القضايا الأولية للتحليل الخاص بالأنساب قضية تدهشنا ~~وهي أسلوب تأثير التقنيات في «الأجسام»، أي كيف تؤثر في الأشكال التفصيلية ~~«المطبعة» للسيطرة على الميول والعادات والحركات الجسدية التي نلاحظها ~~في المجتمعات الحديثة، وهي أوضح ما تكون في التمارين البدنية في التدريب ~~العسكري والعمليات المشابهة لها ms056 في الصناعة والتعليم والطب وما إلى ذلك ~~بسبيل. وتكنولوجيا التأديب الحديثة ترمي إلى إنتاج «أجسام مطيعة» بتعبير ~~فوكوه، وأجسام تكيفت لتلبية مطالب الأشكال الحديثة للإنتاج الاقتصادي. ~~ويتجلى التأديب في أشكال منوعة مثل الأساليب المعمارية للسجون والمدارس ~~والمصانع التي ترمي إلى تخصيص مساحة محددة لكل نزيل (زنزانة، مكتب، مقعد ~~... إلخ) بحيث يمكن إخضاعه للمراقبة الدائمة، ومثل تقسيم اليوم التعليمي أو ~~يوم العمل إلى أجزاء يتميز بعضها عن بعض بحدود صارمة، ومثل تنظيم النشاط ~~الجسدي فيما يتعلق مثلا بتعليم الكتابة بالقلم بالأسلوب التقليدي، وهو ~~ما «يفترض مسبقا القيام برياضة جسدية، بمعنى مجموعة حركات تتبع منهجا ~~يشمل الجسد كله» (1979م، 152)، أو مثل «تطبيع الحكم»، وهو الذي تقيس نظم ~~العقاب فيه الأفراد طبقا لمعايير محددة. وعلى الرغم من أن التأديب ~~تكنولوجيا يختص بالتعامل مع الجماهير، فإنه يفعل ذلك بأسلوب يركز على ~~الفرد تركيزا شديدا، بمعنى أنه يعزل كل فرد ويركز على الأفراد واحدا ~~بعد الآخر، ويخضعهم إلى إجراءات «التطبيع» نفسها. وطبقا لتأكيد فوكوه ~~على إنتاجية السلطة، فإن السلطة التأديبية تنتج الفرد الحديث (1979م، ~~194). # وأما «الفحص»، فأسلوب تحقيق «علاقات السلطة التي تتيح استخلاص المعرفة ~~وتكوينها» (1979م، 185). ويعزل فوكوه ثلاث خصائص مميزة للفحص (1979م، ~~187-192)؛ أولها: إن «الفحص حول اقتصاد الرؤية إلى ممارسة السلطة»، ويعني ~~فوكوه بهذا أن يقيم التضاد بين السلطة الإقطاعية التي كانت تجعل الملك صاحب ~~السلطة بارزا للعيان، والخاضعين للسلطة «مقيمين في الظل»، وبين سلطة ~~التأديب الحديثة التي تجعل السلطة غير مرئية، والخاضعين لها تحت الأضواء. ~~فالرؤية الدائمة تجعل الفرد خاضعا للسلطة من ناحية، وتتيح معاملة الأفراد ~~و«ترتيبهم» كأنهم أشياء من ناحية أخرى. والفحص إذن «هو الإجراء الرسمي ~~لهذا التشيؤ، إن صح هذا التعبير». ونرى ثانيا أن «الفحص يدفع بالفردية ~~إلى مجال التوثيق»، بمعنى أن الفحص يرتبط بإنتاج سجلات عن الأشخاص. ولهذا ~~نتيجتان؛ الأولى: «اعتبار الفرد شيئا يمكن وصفه وتحليله». والثانية: ~~استغلال السجلات للتوصل إلى تعميمات عن السكان، وما يتصفون به في المتوسط، ~~وأعرافهم وما إلى ذلك بسبيل. ويقول فوكوه: إن هذا الجانب ms057 الأخير هو الأصل ~~المتواضع للعلوم الإنسانية. ونرى ثالثا أن «الفحص المحاط بشتى تقنياته ~~التوثيقية يجعل كل فرد «حالة» معينة؛ وهي حالة تشكل في الوقت نفسه ~~موضوعا لفرع من فروع المعرفة، وأداة لفرع من فروع السلطة». ويقيم فوكوه ~~التضاد بين الممارسة التاريخية التقليدية التي تكتب فيها سير العظماء التي ~~تصبح آثارا تاريخية، وبين الكتابة التأديبية/البحثية الحديثة التي تتضمن ~~تاريخ الحالات المفردة لإخضاعها وتشييئها. # وإذا كان الفحص تقنية تشييء الأشخاص، فإن الاعتراف تقنية إخضاعهم. ~~ويقول فوكوه «أصبح الإنسان الغربي حيوانا معترفا» (1981م، 174)، ~~والدافع الذي يجعل المرء يغوص في ذاته ويتحدث عن نفسه، وخصوصا عن حياته ~~الجنسية، في إطار ما، يفتأ يتسع من المواقع الاجتماعية (تتعلق أصلا ~~بالدين، ثم بعلاقات الحب، والعلاقات الأسرية، والطب والتعليم ... إلخ) يبدو ~~في ظاهره في صورة مقاومة تحرره من السلطة الحيوية التي تشيئه، ولكن ~~هذا وهم في رأي فوكوه، إذ يعتقد أن الاعتراف يدفع بالمزيد من جوانب الشخص ~~إلى مجال السلطة. # ويعرف فوكوه الاعتراف بألفاظ تربطه ربطا سافرا بالخطاب، إذ يصفه ~~بأنه من «الطقوس الخطابية»، وهو ما يمكن أن نطلق عليه صفة «النوع» في مجال ~~تحليل الخطاب ذي التوجه النصي. ويعرف فوكوه الاعتراف أولا طبقا ~~للموضوع قائلا: «إن موضوع الكلام هو الذات التي تتكلم»، ثم من زاوية علاقة ~~السلطة بين المشاركين «فالمرء لا يقدم اعترافا إلا في حضور (أو افتراض ~~حضور) شريك، والشريك ليس مجرد شريك في التخاطب، بل السلطة التي تطلب ~~الاعتراف وتأمر به وتقدره، وتتدخل حتى تحكم وتصفح وتعزي وتصالح» (1981م، ~~61). ويتميز الاعتراف بسمة خاصة به وحده، وهي أن الإدلاء بالاعتراف يؤدي ~~إلى تغيير الذي يدلي به، فهو «يبرئه ويغفر له ويطهره، وهو يخلصه من ~~أثقال سيئاته، ويحرره، ويعده بالخلاص» (ص62). أضف إلى ذلك أن قيمة ~~الاعتراف تزداد بسبب العقبات وضروب المقاومة التي لا بد أن يقهرها المرء ~~حتى يدلي باعترافه. # وعلى الرغم من أن حديث فوكوه عن الاعتراف يرتبط بالخطاب أكثر من ارتباط ~~الفحص به (فهو يشير إلى الأول باعتباره «شكلا خطابيا» إلى جانب كونه ms058 ~~«طقسا خطابيا») فإنني أرى أن كلا منهما يرتبط بوضوح بأنواع خطابية ~~معينة. وتتضمن هذه، في حالة الفحص، الفحوص الطبية، والامتحانات ~~التعليمية والكثير من أشكال المقابلات الشخصية. وأما بالنسبة للاعتراف، ~~فإنه لا يقتصر على الاعتراف الديني، بل يشمل أيضا ضروب الخطاب العلاجي ~~وجلسات المشورة من شتى الأنواع. ومن الموضوعات التي يناقشها فوكوه موضوع ~~اكتساب الاعتراف طابعا علميا في القرن التاسع عشر، ويقول في هذا الصدد: ~~إن الفحص والاعتراف قد امتزجا في «التحقيق» (الذي تجريه النيابة مع ~~المتهمين) وفي «الاستجواب الدقيق»، وفي التنويم المغناطيسي. # وتقنيات السلطة التي يلفت فوكوه النظر إليها ترتبط بأنماط الخطاب التي ~~أصبحت بارزة في المجتمع الحديث، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا فيما يبدو ~~بطرائق تنظيمه الاجتماعي وقيمه الثقافية، ويبدو أن هذه الأنواع البارزة ~~ثقافيا، وخصوصا المقابلات الشخصية وجلسات المشورة، وكذلك الأنواع ~~المرتبطة بالإدارة والإعلانات، «تستعمر» نظم الخطاب الخاصة بشتى المؤسسات ~~والمنظمات المعاصرة، وأصبحت تتسم في أثناء ذلك بالتوسع الهائل في وظائفها ~~وهي تنتقل عبر الحدود ما بين المؤسسات، فأدت إلى توليد أنواع فرعية ~~وأشكال أخرى كثيرة (من بينها جلسات تقديم المشورة العلاجية والتعليمية، ~~والتوظيفية، والخاصة بالمستهلكين على سبيل المثال) (معنى جلسة تقديم ~~المشورة مساعدة الفرد الذي يعاني من مشكلة شخصية، ذات آثار نفسية، على ~~التغلب عليها من خلال الحديث الصريح مع اختصاصي اجتماعي نفسي يقدم له ~~المشورة). وتمثل المقابلات الشخصية وجلسات المشورة على الترتيب نوعي ~~خطاب التشييء وخطاب الإخضاع المقابلين لتقنية الفحص القائمة على ~~التشييء، وتقنية الاعتراف القائمة على الإخضاع، وأما الطرائق الخطابية ~~التي «تتعامل» بيروقراطيا مع الأشخاص باعتبارهم أشياء، من ناحية، ~~والطرائق الخطابية التي تستكشف النفس وتتيح لها إسماع صوتها، من ناحية ~~أخرى، فهما فيما يبدو بؤرتا تركيز لنظام الخطاب الحديث. # وفي هذا الصدد يشير منظور فوكوه الخاص بالأنساب إلى اتجاهات للبحث في ~~الخطاب ذوات أهمية لقضايا هذا الكتاب، وهي البحث في أشكال التحول ~~التاريخي للممارسات الخطابية الخاصة بنظم الخطاب، وعلاقتها بعمليات التغير ~~الاجتماعي والثقافي الأوسع نطاقا (انظر الفصلين الثالث والسابع أدناه). ~~وتوجد هنا قضايا علية مهمة، مثل: ms059 إلى أي حد تمثل هذه التغييرات ~~الخطابية تلك التغييرات الاجتماعية والثقافية الأوسع نطاقا، ولا تقتصر على ~~مجرد «إظهارها»؟ وإذن فإلى أي مدى يمكننا البحث في هذه العمليات الواسعة ~~النطاق من خلال تحليل الممارسات الخطابية المتغيرة؟ أضف إلى هذا وجود سؤال ~~عن مدى انتشار ومدى فاعلية الجهود المتعمدة التي يقوم بها رجال المؤسسات ~~لإجراء تغييرات في الممارسات الخطابية للمحادثات غير الرسمية في المجال ~~الخاص عند إجرائها في المجال العام استنادا إلى الحسابات الخاصة بفاعليتها ~~(مثل توفير هدوء الأعصاب للذين تجري معهم المقابلات الشخصية) ويدربون ~~العاملين في المؤسسات على استخدام تقنيات خطابية جديدة. وأنا أشير إلى ~~عملية التدخل المذكورة باسم «استخدام التكنولوجيا في الخطاب»، بمعنى أن ~~الخطاب اليوم أصبح يستخدم تكنولوجيات وتقنيات يصفها فوكوه بأنها تمثل ~~الأساليب الحديثة لعمل السلطة (انظر أيضا الفصل السابع أدناه). ~~(7) فوكوه وتحليل الخطاب ذو التوجه النصي # يمكن تلخيص النظرات الرئيسية في الخطاب التي وجدتها عند فوكوه على ~~النحو التالي: كان عمله المبكر في علم الآثار يتضمن فكرتين ذواتي أهمية ~~خاصة، وهما: ~~(1) # الطبيعة التكوينية للخطاب، أي إن الخطاب يكون الجوانب ~~الاجتماعية، بما في ذلك «الموضوعات» الاجتماعية والذوات ~~الاجتماعية. ~~(2) # أولوية المركبات الخطابية والتناص، بمعنى أن أي تعريف ~~للممارسة الخطابية يعتمد على علاقتها بغيرها، فهي تستفيد من غيرها ~~بطرائق مركبة. # وتظهر ثلاث أفكار مهمة أخرى في عمل فوكوه الخاص بعلم الأنساب، ~~وهي: ~~(3) # الطبيعة الخطابية للسلطة، إذ إن ممارسات وتقنيات «السلطة ~~الحيوية» الحديثة (مثل الفحص والاعتراف) خطابية إلى درجة ~~بعيدة. ~~(4) # الطبيعة السياسية للخطاب، إذ إن الصراع على السلطة يحدث في ~~الخطاب وحوله. ~~(5) # الطبيعة الخطابية للتغير الاجتماعي، فالممارسات الخطابية ~~المتغيرة عنصر مهم من عناصر التغير الاجتماعي. # وتعد هذه مجموعة حافلة من المقولات النظرية والافتراضات عند محاولة ~~إدراجها وتفعيلها في تحليل الخطاب ذي التوجه النصي. # ومع ذلك فإن التحليل المذكور يواجه بعض الصعوبات في عمل فوكوه، من ~~بينها تجاهله للتحليل النصي، ورؤيته للخطاب باعتباره «تكوينيا». والغرض ~~من تقديم هذا القسم الأخير مناقشة هذه الصعوبات، والإشارة إلى الجوانب التي ~~لا ينبغي أن نتبع فوكوه ms060 فيها عند إجراء تحليل الخطاب ذي التوجه ~~النصي. # سبق أن ذكرت أن أحد أوجه الخلاف الرئيسية بين فوكوه وتحليل الخطاب ذي ~~التوجه النصي أن تحليل فوكوه للخطاب لا يتضمن تحليل نصوص حقيقية من ~~الناحيتين الخطابية واللغوية. ومع ذلك، فإن إدراج مثل هذا التحليل قد يكون ~~وسيلة للتغلب على بعض نقاط الضعف التي اكتشفها المعلقون في عمل فوكوه. ~~لست أقترح اختزال تحليل الخطاب في التحليل النصي أو اللغوي، بل أقول: إن ~~القضية تتعلق بضرورة إدراج نماذج فعلية من الخطاب في التحليل. وعندما ~~تدرج، كما هو الحال في تحليل الخطاب ذي التوجه النصي، فيجب ألا تخضع ~~وحسب للأشكال اللغوية للتحليل النصي، بل للتحليل بأبعادها الثلاثة: وهي ~~تحليل النص، وتحليل العمليات الخطابية الخاصة بإنتاج النص وتفسيره (بما في ~~ذلك السؤال عن أنماط الخطاب وأنواعه التي ينهل منها، وأساليب الإفصاح عنها ~~وترابطها) والتحليل الاجتماعي ل «الحادثة» الخطابية من حيث أحوالها ~~الاجتماعية وآثارها، على شتى المستويات (من زاوية الحال، ومن الزاوية ~~المؤسسية والمجتمعية) (انظر الفصل الثالث أدناه). إذن، فإن ما أدعو إليه ~~هو التحليل النصي المقترن بأنماط أخرى من التحليل، والقضية الرئيسية هي إن ~~كان ينبغي تحليل نماذج محددة (ونصوص معينة). # وأما نقاط الضعف التي تهمنا في عمل فوكوه فتتعلق بمفهومي السلطة ~~والمقاومة، ومسألتي الصراع والتغير؛ إذ إن فوكوه متهم بالمغالاة في تصوير ~~مدى تلاعب السلطة بغالبية الناس؛ وهو متهم بأنه لا يولي الوزن الكافي لطعن ~~الناس في الممارسات والصراعات بين القوى الاجتماعية حولها، والإمكانات ~~المتاحة للجماعات المقهورة بمعارضة النظم الخطابية وغير الخطابية المهيمنة، ~~وإمكانات التغيير في علاقات السلطة الذي يأتي به الكفاح، وهلم جرا ~~(لوكور، 1972م؛ ماكدونيل، 1986م). والواقع أن فوكوه لا يتجاهل أمثال هذه ~~المسائل، فهو يبدي اهتمامه بالتغيير، على سبيل المثال ما دام يخصص له ~~فصلا كاملا في كتابه (1972م) بعنوان «التغيير والتحولات»، حيث يؤكد ~~باستمرار أن قواعد تشكيل التشكيلات الخطابية لا تتناول موضوعات ومفاهيم ~~ثابتة، بل مجالات تحولاتها الممكنة. ونجد في هذا الكتاب، مثلما نجد في ~~فوكوه (1982م) مناقشة كاملة لأشكال ms061 الصراع، ولكن الانطباع المهيمن الذي ~~نجده في مجمل أعماله وتحليلاته الرئيسية يصور الناس الخاضعين، بلا حول ولا ~~طول، لنظم سلطة راسخة. ولا شك أن فوكوه يصر على أن السلطة تستتبع ~~المقاومة بالضرورة، ولكنه يقدم انطباعا يقول: إن السلطة تحتوي المقاومة ~~عموما (أي لا تسمح بانتشارها) ولا تجعلها مصدر تهديد. ويبدو أن هذا هو ~~الحال فيما يتعلق بما يسميه فوكوه «الخطاب العكسي» للميول الجنسية المثلية. ~~أي إن الانشغال بهذه الميول في خطابي الطب النفسي وفقه القانون في القرن ~~التاسع عشر أدى إلى أن بدأت هذه الميول «تتكلم باسمها ... وكثيرا ما ~~كانت تستخدم المفردات نفسها، والمعايير نفسها التي أدت إلى نبذها طبيا» ~~(1981م، 101)، ومن ثم فإنه خطاب مقاومة لا يتجاوز حدود تشكيله ~~الخطابي. # ويبدو أن هذه المشاكل ترتبط بغياب مفهوم الممارسة في تحليلات فوكوه، ~~ومن بينها غياب النص والتحليل النصي. وأنا أعني ب «الممارسة» النماذج ~~الحقيقية للناس الذي يفعلون أو يقولون أو يكتبون أي شيء. والواقع أن ~~فوكوه (1972م) يشير فعلا إلى الممارسة في معرض تقديمه لمفهوم «الممارسة ~~الخطابية»، ولكنه يعرفها بأسلوب مشوش ، أي باعتبارها «قواعد» تقوم عليها ~~الممارسة الفعلية، قائلا: إن الممارسة الخطابية «نظام من القواعد ~~التاريخية مجهولة المؤلف» (ص117). وبعبارة أخرى نقول: إنه يختزل الممارسة ~~في عكسها، أي في المباني، مستخدما ذلك المصطلح بالمعنى العام للموارد التي ~~تقوم عليها الممارسة، واللازمة لها (إلى جانب كونها نتاجا لها)، ويبدو أن ~~المباني هي التي يقع عليها التركيز دائما، سواء كانت قواعد التشكيل عند ~~فوكوه (1972م) أو التقنيات، مثل تقنية الفحص عند فوكوه (1979م)، ومع ذلك ~~فإن فوكوه يزعم بطبيعة الحال أنه يتحدث عن الممارسة؛ إذ إن تركيزه على ~~المباني يرمي إلى تفسير ما يمكن أن يحدث وما يحدث فعلا. # والافتراض المشكوك في صحته هو إمكان استنباط حقائق الممارسة من فحص ~~المباني، أي إمكان التوصل إلى نتائج خاصة بالممارسة من دون التحليل المباشر ~~لنماذج حقيقية منها، بما في ذلك النصوص. وقد يوحي ذلك ضمنا، على سبيل ~~المثال، بأن الممارسة تتمتع بقدر من الاتساق ms062 يفوق كثيرا ما نعرفه عنها؛ ~~وأن المباني تتحكم في الممارسة إلى مدى لا يتغير، وبطرائق لا تتغير، وهو ما ~~لا يبدو لنا صحيحا؛ وأن البت في القواعد - أو مجموعات القواعد - التي ~~تستند إليها الممارسة أمر يسير مباشر، وهو ما ينفيه الواقع. ونقول بإيجاز: ~~إن ما نفتقده هو القول بأن الممارسة تتسم بخصائص ذاتية، وإن هذه الخصائص ~~(1) من المحال اختزالها في إعداد المباني، وإن هذه الخصائص تعني (2) ~~استحالة افتراض ظهورها في الممارسة بل لا بد من البت في هذه المسألة، ~~وأنها (3) تساعد آخر الأمر على تشكيل المباني. # ويرتبط بتركيز فوكوه على المباني غياب أمر آخر، ألا وهو غياب آليات ~~التغيير التفصيلية. إذ كيف اتخذت المباني شكلها الحالي؟ كيف تتغير ~~المباني؟ وفي معرض حديث تيلور (1986م، 90) عن فوكوه، يقول ما يلي: «فيما ~~يتعلق بالشرح القائم على التتابع الزمني، لنا أن نتشكك في وجوب الإشارة إلى ~~أولوية اللغة على الفعل؛ فالعلاقة بينهما دائرية، فمباني الفعل أو اللغات ~~لا تستمر قائمة إلا بفضل تجديدها المتواصل في الفعل/الكلام، وإذا عجزت عن ~~أن تظل قائمة فإنما يكون ذلك في الفعل /الكلام، وهكذا تتغير». وبعبارة أخرى ~~يقول: إن المباني يعاد إنتاجها وتتحول أشكالها أيضا في الممارسة. # ولكن إذا كان من الممكن إعادة إنتاج المباني أو تحويلها في الممارسة، ~~فما العامل الذي يحدد النواتج الفعلية في الحالات المختلفة؟ أو بصورة أعم ~~وأشمل: ما العامل الذي يحدد النواتج التراكمية للممارسة في مجالات ~~اجتماعية أو مؤسسات معينة، ويحدد أوجه اختلاف صورتها في اتجاهات إعادة ~~الإنتاج عن صورتها في الاتجاهات التحويلية في الخطاب؟ أريد أن أقول: إن ~~المباني يعاد إنتاجها أو تتحول وفق حالة العلاقات القائمة، أو «ميزان ~~السلطة»، بين القوى المتصارعة في مجال ممارسة معين وثابت، مثل المدرسة أو ~~مكان العمل، أي إن التركيز البالغ الشدة على المباني يعتبر بمثابة ~~اتخاذ منظور من زاوية واحدة تجاه هذه الصراعات، وهو منظور أصحاب السلطة، ~~من تتمثل مشكلتهم في الحفاظ على النظام الاجتماعي والإبقاء على الهيمنة. ~~وتصوير جرامشي للسلطة باعتبارها هيمنة أفضل من ms063 تصوير فوكوه؛ لأن الأول ~~يتجنب أمثال هذه الاختلالات (جرامشي، 1971م؛ هول، 1988م). فصورة الهيمنة ~~في مدخله صورة توازن قلق مبني على التحالفات وعلى توليد الرضى من الطبقات ~~والجماعات الثانوية، وضروب زعزعة موقفها تمثل بؤرة التركيز الدائمة ~~للصراعات (انظر الفصل الثالث حيث المزيد من المناقشة). والواقع أن تجاهل ~~فوكوه للممارسة ولآليات التغيير التفصيلية يصحبه تجاهل للصراع، وطرائق أخرى ~~ل «المقاومة» التي يفترض أنها تفتقر إلى القدرة على تغيير الأبنية تغييرا ~~أساسيا. # وغياب التركيز على الممارسة والصراع يمكن أن يساعد على إيضاح السبب ~~الذي يدفع النقاد إلى اعتبار تحليلات فوكوه «تتسم بانحياز شديد» من زاوية ~~أخرى (تيلور، 1986م، 81)؛ إذ إن فوكوه يفسر تقنيات السلطة التي يناقشها ~~في دراساته للأنساب قائلا: إنها أدوات صريحة للهيمنة والتلاعب، ولكن انظر ~~في تقنية «جلسات المشورة» باعتبارها شكلا من أشكال الاعتراف في المجتمع ~~المعاصر: إن «جلسات المشورة» تستخدم فعلا لإخراج ما يدور في رءوس الأشخاص ~~وإدراجه في مجال السلطة/المعرفة، ولكنها أيضا تقنية لتأكيد قيمة الشخص ~~وطابعه الفردي في مجتمع يزيد من تعامله معهم باعتبارهم أصفارا (كما بين ~~لنا فوكوه). والواقع أن جلسات المشورة تتسم بدلالتين متفاوتتين إلى حد ~~بعيد، والتعقيد الواضح في علاقتها بالسلطة لا بد أن ينفي أي زعم بأن ~~أبعادها التحررية أبعاد وهمية. وإذا أردنا طريقا أكبر فائدة للتقدم في ~~هذا الصدد فعلينا البحث في أسلوب عمل جلسات التشاور باعتبارها من تقنيات ~~الخطاب العملية، بما في ذلك دراسات الصراعات في الخطاب حول توجهاته ~~المتناقضة إلى السيطرة والتحرر (انظر الفصل السابع أدناه). # ومع ذلك فنحن نجد بعض التعليقات في فوكوه على «ظواهر التعددية ~~التكتيكية في الخطاب»، وهي التي تشير إلى هذا الاتجاه نفسه، يقول ~~فوكوه: # لا يوجد، في جانب معين، خطاب سلطة يقابله خطاب آخر مضاد له. فضروب ~~الخطاب عناصر تكتيكية أو كتل تعمل في مجال علاقات القوة؛ فمن الممكن أن ~~توجد ضروب خطاب مختلفة، بل ومتناقضة داخل الاستراتيجية نفسها؛ وعلى العكس ~~من ذلك يمكنها الانتقال من دون تغيير شكلها من استراتيجية إلى استراتيجية ~~أخرى معارضة، ms064 ويجب ألا نتوقع ضروب الخطاب الخاصة بالجنس أن تقول لنا، ~~قبل كل شيء، ما الاستراتيجية التي استمدت منها، أو ما الأقسام ~~الأخلاقية التي تتضمنها، أو ما الأيديولوجية التي تمثلها، سواء كانت ~~مهيمنة أو خاضعة للهيمنة! بل إن علينا أن نفحصها على المستويين ~~المتعلقين بإنتاجيتهما التكتيكية (أي بخصوص الآثار المتبادلة للسلطة ~~والمعرفة التي تكفلها) وتكاملها الاستراتيجي (أي ما الترابط وما علاقة ~~القوة التي تجعل الانتفاع بها ضروريا في أية حالة من حالات شتى المواجهات ~~التي تقع). ~~(1981م، 101-102) # وسوف أناقش مثل هذا المنظور أدناه (في الفصل الثالث) من حيث إمكان ~~«اصطباغ» ضروب الخطاب ونظم الخطاب بصبغة سياسية وأيديولوجية، من غير أن ~~تكون مصطبغة بالضرورة على هذا النحو فعلا، أو تكون مصطبغة في اتجاه ~~معين. # وفكرة تعدد التكافؤ التكتيكي في ضروب الخطاب نظرة ثاقبة قيمة في ~~عمليات الصراع الأيديولوجي في الخطاب على نحو ما يمكن تصوره في نموذج ~~يقوم على الهيمنة، ولكن فوكوه نفسه يقاوم مفهوم الأيديولوجيا، ويقاوم أيضا ~~فكرة التحليل باعتبارها شكلا من أشكال البحث النقدي الأيديولوجي. وينبع ~~هذان الموقفان من إيمان فوكوه بالنسبية؛ فالحقيقة عنده نسبية إزاء تشكيلات ~~خطابية معينة، ونظم معينة للسلطة/المعرفة، ومن ثم فليست تقبل البحث ~~النقدي من مواقع خارجها أو فوقها. ومع ذلك فلقد قيل: إن موقف فوكوه متناقض، ~~ذلك أنه يبدو ملتزما بأشكال معينة من البحث النقدي لا تتفق مع أخذه ~~بالنسبية، وهكذا ينتهي به الأمر إلى اتخاذ موقف غير حاسم إزاء البحث النقدي ~~(ديوز، 1987م؛ فريزر 1989م). وفي وصفي لتحليل الخطاب ذي التوجه النصي في ~~الفصل الثالث أدناه، سوف أختلف عن فوكوه في استعمال مفهوم الأيديولوجيا، ~~وافتراض أن التحليل النصي شكل من أشكال البحث النقدي الأيديولوجي. ومع ذلك، ~~فإن انتقادات فوكوه والآخرين تعني ضرورة الحرص على تجنب بعض التصورات ~~الساذجة للأيديولوجيا (انظر طومسون، 1990م). # وتحفظي الأخير على فوكوه يتعلق بنظراته القيمة في خصائص الخطاب ~~«المكونة» (أي التي تكون أو تشكل أشياء معينة). وإذا كنت أقبل ~~أن «الموضوعات» والذوات الاجتماعية تشكلها الممارسات الخطابية، فإنني ~~أود الإلحاح ms065 على تبيان أن هذه الممارسات تخضع لقيود معينة، وهي أنها ~~تقع حتما في إطار واقع مادي سبق تشكيله، وبه موضوعات وذوات اجتماعية سبق ~~تكوينها، ومن ثم ينبغي النظر إلى عمليات التكوين التي يقوم بها الخطاب ~~من حيث كونها عملية جدلية، يعتمد فيها تأثير الممارسة الخطابية على طريقة ~~تفاعلها مع الواقع الذي سبق تكوينه. وأما فيما يتعلق ب «الموضوعات»، ~~فربما يكون من المفيد أن نستخدم المصطلحين «الإحالة» و«الدلالة»؛ فالخطاب ~~يتضمن الإحالة إلى موضوعات سبق تكوينها، وكذلك الدلالة الإبداعية ~~والتكوينية للموضوعات، وهنا نرى من جديد أن تحليلات الممارسة الواقعية ~~والنص الواقعي تمثل تصحيحا مهما لمبالغات فوكوه في الآثار «التكوينية» ~~للخطاب. ونحن نرى، على سبيل المثال، أن دراسات الخطاب الإعلامي التي ~~انصب تركيزها على كيفية تفسير نصوص معينة وكيفية تنظيمها أيضا قد ~~أخرجت لنا صورة شديدة التركيب، بحيث يمكن تفسير النصوص فيها من شتى الزوايا ~~المتفقة إلى حد ما أو المتعارضة بصورة ما، وهو ما يجعل من قبيل الإشكالية ~~العويصة أية نظرة منهجية لتأثير الخطاب في الذوات الاجتماعية على سبيل ~~المثال. ويدل هذا المثال أيضا على أن عملية تكوين الذوات دائما ما تقع في ~~إطار أشكال معينة من التفاعل بين ذوات سبق تكوينها، حيث تؤثر أشكال ~~التفاعل في عملية «التكوين» (انظر ديوز، 1987م، 198). ويقول المثال أيضا: ~~إن الذوات الاجتماعية التي سبق تكوينها لا تشغل مواقع سلبية وحسب، بل إن ~~لديها القدرة على الفعل، أي أن تصبح «فواعل»، وأن تقوم، من بين ما تقوم به، ~~بتحديد علاقتها بشتى أنماط الخطاب المنوعة التي تنغمس فيها. # وتلخيصا لما سبق أقول: إن تحليل الخطاب ذا التوجه النصي من المحتمل ~~أن يدعم التحليل الاجتماعي أساسا بضمان الاهتمام بالحالات العملية ~~للممارسة والأشكال النصية وعمليات التفسير المرتبطة بها. ومن شأن مثل هذا ~~الاهتمام بتفاصيل حالات معينة أن يساعد المحللين على تجنب المناهج ~~الجاهزة والانحياز الذي يحد من نطاق عمل فوكوه، سواء في علاقة ذلك بآثار ~~السلطة وإمكانات المقاومة، أو «تكوين» الذوات الاجتماعية، أو القيم ~~الاجتماعية والثقافية المرتبطة بأنواع خاصة (من ms066 الخطاب) مثل جلسات ~~المشاورة، ويستطيع أيضا أن يربط ما بين الأقوال العامة عن التغير ~~الاجتماعي والثقافي وبين الآليات والطرائق المحددة لآثار التغيير في ~~الواقع العملي. # الفصل الثالث # | نظرية اجتماعية للخطاب # أقدم في هذا الفصل رأيا في الخطاب، وإطارا لتحليل الخطاب، وهو الإطار ~~الذي سوف أعرضه بالتفصيل وأوضحه بالأمثلة في بقية الكتاب، وقد أملى علي ~~هذا المدخل ما حددته في المقدمة من أهداف، أي أن أجمع بين تحليل الخطاب ذي ~~التوجه اللغوي وبين الفكر الاجتماعي والسياسي المرتبط بالخطاب واللغة، في ~~شكل إطار يصلح للاستخدام في البحث العلمي الاجتماعي، وخصوصا في دراسة التغير ~~الاجتماعي؛ فالفصلان الأولان يحددان عددا من الإنجازات وأوجه القصور في ~~الدراسات السابقة، وأما الفصل الثالث فهو مكتوب على ضوء تلك المناقشة من دون ~~أن يكون مبنيا عليها مباشرة. وسوف أبدأ بمناقشة مصطلح «الخطاب»، ثم أتبعه ~~بتحليل الخطاب في الإطار الثلاثي الأبعاد، أي باعتباره نصا، وممارسة ~~خطابية، وممارسة اجتماعية. وأنا أناقش أبعاد التحليل الثلاثة المذكورة بعدا ~~بعدا، ثم أنتهي بعرض مدخلي الخاص بالبحث في التغير الخطابي في علاقته ~~بالتغيير الاجتماعي والثقافي. ~~(1) الخطاب # ينصب تركيزي على اللغة، ومن ثم فأنا أستخدم «الخطاب» بمعنى ~~أضيق من المعنى الذي يستخدمه فيه علماء الاجتماع عموما؛ بحيث يشير إلى ~~استعمال اللغة المنطوقة أو المكتوبة، أي إنني سوف أستخدم مصطلح «الخطاب» في ~~الإشارة إلى ما درج علماء اللغة على تسميته «استعمال اللغة»، أو «الكلام» ~~أو «الأداء اللفظي». ووفق التقاليد التي بدأها فيرديناند دي سوسير (1959م) ~~لا يعتبر «الكلام» صالحا للدراسة المنهجية لأنه في جوهره نشاط فردي، ~~فالأفراد ينهلون بأساليب يتعذر التنبؤ بها، وفقا لرغباتهم ومقاصدهم، من ~~«اللغة»، واللغة بطبيعتها منهجية واجتماعية. واللغويون العاملون في إطار ~~هذه التقاليد يعرفون الكلام حتى يستبعدوه، إذ يترتب على موقف سوسير أن ~~أية دراسة منهجية للغة يجب أن تكون دراسة للنظام نفسه، أي للغة لا ~~«لاستعمالها». # وقد تعرض موقف سوسير للهجوم المتواصل من جانب الباحثين في علم اللغة ~~الاجتماعي، الذين يقولون: إن استعمال اللغة يتشكل اجتماعيا لا فرديا. ~~ويقولون: إن التفاوت ms067 في استعمال اللغة تفاوت منهجي وصالح للدراسة العلمية، ~~وإن ما يجعله منهجيا هو اتفاقه مع المتغيرات الاجتماعية، بمعنى أن اللغة ~~تتغير وفق طبيعة العلاقة بين المشاركين في التفاعلات، ونمط الحادثة ~~الاجتماعية، والأهداف الاجتماعية التي يرمي إليها الأشخاص في أي تفاعل ~~وهلم جرا (داونز، 1984م). وإذا كان هذا يمثل بوضوح تقدما على ~~التقاليد السوسيرية المهيمنة في التيار الرئيسي لعلم اللغة، فإنه قاصر من ~~جانبين؛ الأول أن التأكيد يغلب عليه اتخاذ زاوية واحدة، ألا وهي النظر في ~~كيفية تغير اللغة طبقا للعوامل الاجتماعية، وهو ما يوحي بأن أنماط الذوات ~~الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية، والمواقف المختلفة ذات وجود مستقل عن ~~استعمال اللغة، كما ينفي إمكان استعمال اللغة فعليا في تكوينها وإعادة ~~إنتاجها وتغييرها. والجانب الثاني للقصور هو أن «المتغيرات الاجتماعية» ~~التي تعتبر معادلة للمتغيرات اللغوية ما هي في الحقيقة إلا معالم سطحية، ~~نسبيا، للمواقف الاجتماعية لاستعمال اللغة، ولا يوحي هذا على الإطلاق بأن ~~خصائص استعمال اللغة ربما كانت تخضع بمعنى أشمل لسيطرة البناء الاجتماعي ~~على مستوى أعمق، مثل العلاقات الاجتماعية بين الطبقات والطوائف الأخرى، ~~ومثل أساليب تجلي المؤسسات الاجتماعية في التشكيلات الاجتماعية، وهلم ~~جرا. وربما كانت تسهم في إعادة إنتاج هذا البناء وتغييره. # وأنا أقترح في استعمالي لمصطلح «الخطاب» اعتبار استخدام اللغة شكلا من ~~أشكال الممارسة الاجتماعية، لا مجرد نشاط فردي محض أو رد فعل للمتغيرات ~~الموقفية. وتترتب على هذا أمور شتى. فهو يوحي أولا بأن الخطاب نوع من ~~الفعل، شكل من أشكال تفاعل الأشخاص مع الدنيا، وخصوصا بعضهم مع بعض، وكذلك ~~يعد الخطاب نوعا من التمثيل. وقد أصبحت هذه النظرة إلى اللغة مألوفة، ~~وإن كانت كثيرا ما تصطبغ بصبغة فردية، بفضل الفلسفة اللغوية والتداولية ~~اللغوية (ليفنسون، 1983م)، وهو يوحي ثانيا بوجود علاقة جدلية بين الخطاب ~~والبناء الاجتماعي، ما دامت مثل هذه العلاقة قائمة بصفة عامة بين الممارسة ~~الاجتماعية والبناء الاجتماعي، فالعلاقة الأخيرة شرط لقيام الأولى ونتيجة ~~من نتائجها، فنحن نرى من ناحية معينة أن الخطاب يشكله ويقيده البناء ~~الاجتماعي بأوسع معانيه، وعلى جميع ms068 المستويات؛ أي من جانب الطبقات ~~والعلاقات الاجتماعية على المستوى المجتمعي، والعلاقات الخاصة بمؤسسات ~~محددة، مثل القضاء والتعليم، ونظم التصنيف، وشتى المعايير والأعراف من ~~ذوات الطبيعة الخطابية وغير الخطابية. وتتفاوت الأحداث الخطابية فيما ~~يحدد بناءها وفقا للمجال الاجتماعي أو الإطار المؤسسي الذي تتولد فيه. ~~ونرى من ناحية أخرى أن الخطاب ذو قدرة على التكوين الاجتماعي، وهذا مفاد ~~مناقشة فوكوه للتشكيل الخطابي للموضوعات وللذوات وللمفاهيم. فالخطاب يسهم ~~في تكوين جميع هذه الأبعاد الخاصة بالبناء الاجتماعي وهي التي تشكله ~~وتقيده بصورة مباشرة وغير مباشرة؛ أي بمعاييره وأعرافه الخاصة، وكذلك ~~العلاقات والهويات والمؤسسات التي تكمن وراءه، فالخطاب ممارسة لا تقتصر ~~على تمثيل العالم بل تتجاوز ذلك إلى الدلالة عليه، أي إنه يكون العالم ~~ويبنيه من زاوية المعنى. # ونستطيع التمييز بين ثلاثة جوانب للآثار البناءة للخطاب، فالخطاب ~~يسهم ~~«أولا» # وقبل كل شيء، في بناء ما أشرنا إليه بعدة صور مثل ~~«الهويات الاجتماعية» و«مواقع الذوات» وهي التي نعني بها «الذوات» ~~الاجتماعية وأنماط «النفس» (انظر هنريك، وآخرين، 1984م؛ وويدون، 1987م). ~~لكننا يجب أن نتذكر مناقشة فوكوه لهذه القضية في الفصل الثاني وملاحظاتي ~~فيه حول المغالاة في تصوير دوره في البناء. والخطاب يساعد ~~«ثانيا» # في بناء ~~علاقات اجتماعية بين الناس. كما يسهم ~~«ثالثا» # في بناء نظم المعرفة ~~والعقيدة. وهذه الآثار الثلاثة تتفق مع وظائف اللغة وأبعاد المعنى الثلاثة ~~على الترتيب، وهي التي تتعايش وتتفاعل في كل خطاب، وهي ما سوف أسميه وظيفة ~~«الهوية»، ووظيفة «العلاقة»، ووظيفة «الفكر»، باعتبارها وظائف اللغة. فأما ~~وظيفة الهوية فتتعلق بالأساليب التي تنشأ بها الهويات الاجتماعية في ~~الخطاب، وأما الوظيفة العلائقية فتختص بأسلوب بناء العلاقات الاجتماعية بين ~~المشاركين في الخطاب، أي بتجسيدها وتنقيحها، وأما الوظيفة الفكرية فتتعلق ~~بالأسلوب الذي تدل النصوص به على العالم وما يجري فيه، وما يشمل من كيانات ~~وعلاقات. ويطلق هاليداي (1978م) صفة الوظيفة الرابطة ما بين الأشخاص على ~~مجموع الوظيفتين الأوليين، أي الخاصتين بالهوية والعلاقات. كما يحدد ~~هاليداي أيضا وظيفة «نصية»، ومن المفيد أن تضاف إلى قائمتي، إذ تتعلق ~~بأسلوب ms069 تصدير أو تأخير أجزاء المعلومات، التصدير يعني جعلها في موقع ~~الصدر أو الصدارة، والتأخير يعني جعلها في المؤخرة أو «العجز» (في ~~البلاغة العربية أو الخلفية)، وهل تقدم هذه المعلومات في صورة «المسلم ~~بها» أم في صورة المعلومات الجديدة، وهل تقدم باعتبارها الموضوع أو الثيمة، ~~وكيف يرتبط أحد أجزاء النص بأجزائه الأخرى السابقة أو اللاحقة، وبالحالة ~~الاجتماعية «خارج» النص. # والممارسة الخطابية ذات قدرة تكوينية بالأساليب التقليدية والخلاقة، ~~فهي تسهم في إعادة إنتاج المجتمع (الهويات الاجتماعية، والعلاقات ~~الاجتماعية، والنظم المعرفية والعقائدية) على نحو ما هو عليه، وهي تسهم ~~أيضا في تغيير المجتمع. فعلى سبيل المثال تعتمد هويات المعلمين والتلاميذ ~~والعلاقات فيما بينهم، وهي التي تعتبر في صلب أي نظام تعليمي، على اتساق ~~أنساق الكلام واستمرارها داخل هذه العلاقات وحولها حتى يعاد إنتاجها، ومع ~~ذلك فمن الممكن أن تتعرض لتحولات قد تنشأ في جانب منها داخل الخطاب، أي في ~~الكلام في قاعة الدرس، وفي الفناء، وفي غرفة الأساتذة، والمناظرات ~~التعليمية وهلم جرا. # ومن المهم أن ننظر نظرة جدلية إلى العلاقة بين الخطاب والبناء ~~الاجتماعي حتى نتجنب مزالق المغالاة في تصور تحكم المجتمع في الخطاب ~~من ناحية، وتصور بناء المجتمع في الخطاب، من ناحية أخرى. فالتصور الأول ~~يجعل الخطاب مجرد انعكاس لحقيقة اجتماعية عميقة، والتصور الأخير يرسم ~~للخطاب صورة مثالية باعتباره مصدرا للمجتمع. وربما يكون التصور الأخير ~~هو المزلق الأخطر بصورة مباشرة، نظرا للتأكيد في المناظرات المعاصرة على ~~الخصائص التكوينية للخطاب. فلننظر في مثال ما لنرى كيف يمكن تجنب هذا ~~المزلق دون مساس بمبدأ الطاقة التكوينية. إن علاقات الآباء بالأطفال في ~~الأسرة، وتحديد المواقع التي تشغلها «الأم» و«الأب» و«الطفل» أمور متاحة ~~اجتماعيا، إلى جانب وضع أفراد حقيقيين في هذه المواقع، وطبيعة الأسرة، ~~والبيت، فهذه جميعا تتكون في جانب منها داخل الخطاب، باعتبارها نتائج ~~تراكمية (ومتناقضة في الواقع) لعمليات الحديث والكتابة المركبة والمنوعة. ~~وقد يؤدي هذا إلى استنتاج مثالي يقول: إن حقائق العالم الاجتماعي، مثل ~~الأسرة، لا تنبع إلا من رءوس الناس، ولكن لدينا شروطا ms070 ثلاثة تساعد ~~مجتمعة على عدم إقرار ذلك. الأول: أن الناس دائما ما تواجه الأسرة ~~باعتبارها مؤسسة حقيقية (ولها عدد محدود من الأشكال المغايرة) ولها ممارسات ~~عملية، وعلاقات وهويات قائمة كانت قد تكونت من قبل في الخطاب ثم تشيأت ~~فتحولت إلى مؤسسات وممارسات. والثاني: أن الآثار «التكوينية» للخطاب تعمل ~~بالتضافر مع قريناتها في الممارسات الأخرى، مثل توزيع المهام المنزلية، ~~والملابس، والجوانب العاطفية للسلوك (مثل: من الذي ينفعل). والثالث: أن ~~العمل التكويني للخطاب يحدث بالضرورة داخل قيود التحديد الجدلي للخطاب وهي ~~التي تفرضها المباني الاجتماعية (وهي تتضمن في هذه الحال حقيقة المباني ~~الأسرية ولكنها تتجاوزها) وكذلك، على نحو ما سوف أقيم عليه الحجة أدناه، ~~داخل إطار معين لعلاقات السلطة وصراعاتها، وهكذا فإن التكوين الخطابي ~~للمجتمع لا ينبثق من النشاط الطليق للأفكار داخل رءوس الناس بل من ممارسة ~~اجتماعية ذات جذور راسخة، وتوجه نحو المباني الاجتماعية المادية ~~الحقيقية. # ويعتبر المنظور الجدلي تصحيحا لازما للمغالاة في تأكيد خضوع الخطاب ~~لسيطرة المباني، سواء كانت مباني خطابية، (شفرات وأعراف ومعايير)، أو ~~مباني غير خطابية. ومن هذه الزاوية نجد أن قدرة مصطلح «الخطاب» على ~~الإشارة إلى أبنية الأعراف التي تستند إليها الأحداث الخطابية الفعلية، ~~وكذلك إلى هذه الأحداث نفسها، تعتبر غموضا موفقا، حتى ولو كان يمكن ~~اعتباره، من زوايا أخرى، سببا في التشويش. فالبنيوية (التي يمثلها مدخل ~~بيشوه الموصوف في الفصل الأول أعلاه مثلا) تتناول الممارسة الخطابية ~~والحادثة الخطابية باعتبارهما مجرد نماذج للمباني الخطابية، وهي التي تصور ~~في صور ثابتة ذات طابع موحد. والبنيوية تنظر إلى الممارسة الخطابية من حيث ~~كونها نموذجا للعلية الآلية (ومن ثم التشاؤمية). وأما المنظور الجدلي ~~فيرى الممارسة والحادثة باعتبارهما متناقضتين ومشتبكتين في صراع، ويرى أن ~~لهما علاقة مركبة متغيرة بالمباني التي لا تكشف في نفسها إلا عن ثبات ~~مؤقت وجزئي ومتناقض. # والممارسة الاجتماعية ذات توجهات شتى - اقتصادية وسياسية وثقافية ~~وأيديولوجية - وقد يشارك الخطاب في هذه جميعا، من دون اختزال أي منها، ~~واعتبارها خطابا وحسب. فعلى سبيل المثال يمكن أن يقال: إن الخطاب ms071 شكل من ~~أشكال الممارسة الاقتصادية بعدد من الطرق؛ إذ يظهر الخطاب بنسب متفاوتة ~~باعتباره من مقومات ممارسة اقتصادية ذات طبيعة غير خطابية أساسا، مثل بناء ~~الجسور أو إنتاج الغسالات؛ كما توجد أشكال من الممارسة الاقتصادية ذات ~~طبيعة خطابية أساسية، مثل سوق الأوراق المالية، أو الصحافة، أو كتابة ~~مسلسلات تليفزيونية، أضف إلى ذلك أن النظام الاجتماعي اللغوي لمجتمع من ~~المجتمعات قد يتخذ بناؤه صورة السوق، جزئيا على الأقل؛ حيث يجري إنتاج ~~النصوص وتوزيعها واستهلاكها مثل السلع (في «صناعات الثقافة»، بورديو، ~~1982م). # ولكن الخطاب باعتباره شكلا من أشكال الممارسة السياسية والأيديولوجية ~~هو الذي يتصل اتصالا وثيقا باهتمامات هذا الكتاب؛ فالخطاب باعتباره ~~ممارسة سياسية ينشئ علاقات السلطة ويحافظ عليها ويغيرها، وكذلك ~~الكيانات الجماعية (الطبقات، التكتلات، المجتمعات المحلية، والمجموعات) ~~التي تنشأ فيما بينها علاقات السلطة. والخطاب باعتباره ممارسة أيديولوجية ~~يكون دلالات العالم، ويطبعها، ويحافظ عليها ويغيرها من مواقع ~~منوعة في علاقات السلطة. وعلى نحو ما توحي به هذه الصياغة، لا تتسم ~~الممارسة السياسية بالاستقلال عن الممارسة الأيديولوجية، فالأيديولوجيا ~~دلالات تتولد داخل علاقات السلطة باعتبارها بعدا من أبعاد ممارسة ~~السلطة والصراع على السلطة. وهكذا فإن الممارسة السياسية تعتبر الفئة ~~الأعلى مكانة. أضف إلى ذلك أن الخطاب باعتباره ممارسة سياسية ليس موقعا ~~للصراع على السلطة وحسب، بل شريك أيضا في ذلك الصراع، بمعنى أن الممارسة ~~الخطابية تنهل من الأعراف التي تطبع علاقات سلطة وأيديولوجيات معينة، ~~كما أن هذه الأعراف نفسها، وطرائق التعبير والإفصاح عنها، تمثل بؤرة ~~تركيز للصراع. وسوف أسوق الحجة أدناه على أن مفهوم جرامشي للهيمنة يقدم ~~لنا إطارا مثمرا لوضع تصور نظري للأبعاد السياسية والأيديولوجية ~~للممارسة الخطابية والبحث فيها. # لن أقول إن أنماطا معينة من الخطاب تتسم بقيم سياسية أو ~~أيديولوجية راسخة، بل أقول: إن مختلف أنماط الخطاب في مجالات اجتماعية ~~مختلفة أو في أطر مؤسسية معينة قد تصبح «مشحونة» سياسيا أو ~~أيديولوجيا (فراو، 1985م) بطرائق محددة. ويعني هذا ضمنا أن أنماط ~~الخطاب قد تصبح أيضا مشحونة بطرائق مختلفة، وقد «يعاد شحنها» في بعض ms072 ~~الحالات (وسوف أضرب مثالا في آخر مناقشة التغير الخطابي أدناه). # ومن الأهمية بمكان قضية تصورنا للأعراف والمعايير الخطابية التي تستند ~~إليها الأحداث الخطابية. ولقد سبق لي أن أشرت إلى الرأي البنيوي الذي يقول ~~بوجود مجموعة كاملة التعريف من الأعراف أو الشفرات التي لا نشهد منها إلا ~~نماذج مفردة في الأحداث الخطابية. وقد اتسع نطاق هذا الرأي فأصبح يقول: إن ~~مجالات علم اللغة الاجتماعي تتكون من مجموعة من أمثال هذه الشفرات ذات ~~التوزيع المتكامل، بمعنى أن كلا منها لديه وظائفه الخاصة وأحواله الخاصة ~~وشروط ملاءمته، وأن هذه تنفصل عن غيرها بحدود حاسمة (وأنا أنتقد الآراء ~~الخاصة بالتفاوت في علم اللغة الاجتماعي والمبنية على مفهوم «المواءمة» في ~~كتابي المقبل، فيركلف، تحت الطبع ب). والمداخل التي تنتمي إلى هذا النوع ~~ترصد تغير النظم داخل الجماعات اللغوية وفقا لمجموعة من المتغيرات ~~الاجتماعية، ومنها الظروف القائمة (مثل قاعة الدرس، وملعب المدرسة، وغرفة ~~الأساتذة، وقاعة الاجتماعات، فهي تمثل أماكن مدرسية مختلفة) وأنماط النشاط ~~والغرض الاجتماعي (مثل التعليم، وإعداد المشروعات أو الاختبارات في قاعة ~~الدرس) والمتكلم (مثل المعلم في مقابل التلميذ). وطبقا لهذا الرأي، تصبح ~~الشفرة ذات أولوية، ومجموعة الشفرات مجرد حاصل جمع أجزائها. # وأما المدخل الذي يحمل المزيد من الثمر للتوجه التاريخي للتغير ~~الخطابي في هذا الكتاب فهو مدخل محللي الخطاب الفرنسيين الذين يقولون إن ~~المركب الخطابي، أي المجموعة المركبة المتكاملة من التشكيلات ~~الخطابية، تتمتع بالأولوية على أجزائها ولها خصائص لا يمكن التنبؤ بها من ~~استقراء أجزائها (انظر مناقشة بيشوه في الفصل الأول عاليه). والمركب ~~الخطابي أيضا هو الكيان البنائي الذي تقوم عليه الأحداث الخطابية، وليس ~~تشكيلا مفردا أو شفرة مفردة: إذ يتجلى في أحداث خطابية بالغة الكثرة ~~التوجه إلى بناء تكوينات من عناصر الشفرة، وإلى رسم حدود للحادثة ~~الخطابية القائمة (وإن كانت حالة خاصة) وبنائها من النموذج المعياري لشفرة ~~مفردة؛ بحيث تعتبر بمثابة القاعدة. ومن الأمثلة على ذلك «الأنواع المختلطة» ~~التي تجمع بين عناصر نوعين أو أكثر، مثل «الدردشة» في برامج الدردشة ~~التليفزيونية، التي تتكون ms073 في جانب منها من المحادثة، وفي جانب آخر من ~~التسلية والأداء التمثيلي (انظر تولسون، 1990م، حيث تحليل الدردشة أو ~~«الشات»)، ولكنني سوف أستخدم مصطلح فوكوه وهو «نظام الخطاب» لا المركب ~~الخطابي، لأنه يدل بوضوح أكبر على أنواع التكوينات المتصورة. # فلتستخدم المصطلح الأقل دقة، وهو «العنصر»، بدلا من الشفرة أو ~~التشكيل، في الإشارة إلى الأجزاء التي يتكون منها نظام من نظم الخطاب (وسوف ~~أعرض لطبيعة هذه العناصر أدناه). فعلى عكس الأوصاف المبنية على نظريات ~~«المواءمة»، حيث يفترض وجود علاقة واحدة ثابتة تكاملية بين الأجزاء، أفترض ~~أنا أن العلاقة يمكن أن تكون أو تصبح متناقضة. وقد تكون الحدود بين العناصر ~~خطوط توتر. انظر مثلا في مواقع الذوات المنوعة الخاصة بفرد واحد أثناء ~~وجوده في أماكن وأنشطة مختلفة داخل إحدى المؤسسات، من زاوية «بعثرة» الذات ~~وانتشارها في تشكيل «النوعيات التعبيرية» بمصطلح فوكوه (انظر هذا المصطلح ~~في الفصل السابق). ومن الممكن أن تصطبغ الحدود الفاصلة بين المواقف ~~والممارسات بالصبغة الطبيعية إلى الحد الذي يجعل مواقع الذوات المذكورة ~~تبدو متكاملة، في حين أنه إذا اختلفت الظروف الاجتماعية، فإن هذه الحدود ~~نفسها قد تصبح مركزا للنزاع والصراع، بحيث تبدو مواقف الذوات والممارسات ~~الخطابية المرتبطة بها متناقضة. فعلى سبيل المثال قد يقبل التلاميذ أن ~~يحكوا قصص ما مروا به من خبرات بلهجاتهم الاجتماعية الخاصة، باعتبار ذلك ~~أمرا لا غبار عليه في الأوقات المخصصة لمناقشته أثناء الدروس، لا في ~~الأوقات المخصصة للدرس أو الكتابة، أو ربما يصبح التناقض بين ما هو مسموح ~~به في مكان معين وغير مسموح به في مكان آخر أساسا للصراع حول تغيير ~~الحدود التي تفصل بين المناقشة والتدريس والكتابة، وربما يكون قبول قصص ~~الخبرات الشخصية، ولو في جزء محدد تحديدا صارما من أجزاء نشاط قاعة ~~الدرس، حلا وسطا من ثمار منازعات سابقة، والكفاح في سبيل قبولها أصلا ~~في قاعة الدرس. # وما يصدق على الحدود بين مواقع الذوات وأعراف الممارسات الخطابية ~~المرتبطة بها يصدق بصفة عامة على عناصر نظم الخطاب، ويصدق كذلك على الحدود ~~بين ms074 نظم الخطاب المتميزة؛ فقد ينظر إلى المدرسة ونظام الخطاب فيها ~~باعتبارها تتمتع بعلاقة تكاملية وغير تداخلية مع المجالات المجاورة لها، ~~مثل البيت أو الحي، ولكن، من ناحية أخرى، قد يصبح ما يظن أنه تناقضات بين ~~هذه المجالات أساسا لصراعات ترمي إلى إعادة رسم الحدود وتحديد العلاقات، ~~كالصراعات الرامية إلى توسيع اختصاصات الوالدين، وعلاقة الطفل وأعرافها ~~الخطابية بالمعلم، والعلاقة فيما بين التلاميذ، أو العكس، على سبيل المثال، ~~أو محاولة التوسع في علاقات الأقران وممارساتهم في الحي والشارع، بحيث تمتد ~~إلى داخل المدرسة. # وتعتبر نواتج أمثال هذه الصراعات صورا لإعادة الربط بين نظم الخطاب، ~~وذلك فيما يتعلق بالعلاقات بين العناصر في نظم الخطاب «المحلية»، مثل ~~نظمها في المدرسة، وكذلك العلاقات بين نظم الخطاب المحلية في نظام الخطاب ~~المجتمعي، ومن ثم فإن الحدود الفاصلة بين العناصر (وكذلك نظم الخطاب ~~المحلية) قد تتفاوت وتتغير ما بين القوة النسبية والضعف النسبي (انظر ~~برنشتاين، 1981م) استنادا إلى درجة ارتباطها الحالي؛ فقد تكون العناصر ~~منفصلة ومحددة بدقة، وقد تكون مشوشة ملتبسة الصورة. # بل ينبغي ألا نفترض أن هذه «العناصر» تتسم بالتجانس الداخلي. فمن ~~عواقب الصراع حول الارتباط الذي أتصوره أن بعض العناصر الجديدة قد تتكون ~~نتيجة إعادة رسم الحدود بين العناصر القديمة. وهكذا فقد يكون أحد العناصر ~~غير متجانس في منشئه، ولكن عدم التجانس التاريخي قد لا يبدو للعيان إذا ~~كانت الأعراف قد اصطبغت بالصبغة الطبيعية الكاملة، وأما إذا اختلفت الظروف ~~فقد يبدو عدم التجانس في صورة تناقض داخل ذلك العنصر. ومن الأمثلة على ذلك ~~أسلوب تعليم مألوف يتكون من ممارسة المعلم لدورة من الأسئلة والأجوبة ~~بنيت لاستخلاص معلومات محددة سلفا من التلاميذ، ولا ينظر إلى هذا ~~الأسلوب بالضرورة باعتباره قائما على التناقض، ما دام المعلم يتظاهر بأنه ~~يسأل التلاميذ وهو في الحقيقة يمدهم بالمعلومات، ولكن هذا الأسلوب يمكن ~~تفسيره على هذا النحو. فإذا طبقنا مفهوم الاصطباغ هنا كان لنا أن نقول: ~~إن العناصر والنظم المحلية للخطاب، والنظم المجتمعية للخطاب، يمكن أن نشعر ~~بأنها ذات بناء متناقض، ms075 ومن ثم فإنها تسمح بأن يصبح إضفاء الصبغتين ~~السياسية والأيديولوجية مركزا للخلاف في إطار الصراعات الدائرة ما بين ~~محاولة إيقاف الاصطباغ وإعادة إضفائه. # وقد تختلف العناصر التي أشرت إليها اختلافا شديدا من حيث «نطاقها»، ~~إذ تبدو في بعض الحالات متفقة مع الفهم التقليدي للشفرة الكاملة أو النطاق ~~الدلالي (هاليداي، 1978م)، أي باعتبارها كتلة من المتغيرات ذات مستويات ~~مختلفة ولها ما يميزها من الأنساق الصوتية، والمفردات، والأنساق النحوية، ~~وقواعد تناوب الحديث وهلم جرا. والأمثلة على هذه الحالات جلسات ~~البينجو (لعبة مراهنات باستخدام ورق اللعب) ومزادات بيع الأبقار، ولكن ~~المتغيرات في حالات أخرى ذات نطاق أضيق، مثل نظم المناوبة في الحديث، ~~والمفردات التي تتضمن نظما خاصة للتصنيف، والسيناريوهات التي توضع ~~لأنواع (كتابية) خاصة مثل تقارير الجرائم أو القصص الشفاهية، أو أعراف ~~التأدب وما إلى ذلك بسبيل. ومن وجوه التضاد بين نظم الخطاب مدى ما تصل ~~إليه هذه العناصر من ثبات يجعلها وحدات دائمة الوجود. وسوف أشير في الفصل ~~التالي إلى عدد صغير من أنماط العناصر المختلفة، مثل الأنواع، والأساليب، ~~والأنماط وضروب الخطاب. # وقد يكون من المفيد هنا أن نتذكر مقتطفا من كلام فوكوه ورد في الفصل ~~السابق يشير فيه إلى قواعد تشكيل الموضوعات في علاج الأمراض النفسية؛ إذ إن ~~«العلاقات» التي يقول فوكوه إنها أصبحت تستخدم في خطاب الطب النفسي للسماح ~~بتشكيل «الموضوعات» التي يشير إليها، يمكن تفسيرها بأنها علاقات بين عناصر ~~خطابية متفاوتة النطاق، مثل «مستويات التخصيص»، و«مستويات التشخيص ~~السيكولوجي»، فهذان المثالان يتكونان في جانب منهما على الأقل من ~~المفردات، وأما «التحقيق القضائي» و«الاستجواب الطبي» فهما عناصر خطابية من ~~نمط نوعي (انظر مناقشة النوع في الفصل التالي). ومع ذلك فنحن نلاحظ أنها ~~ليست عناصر خطابية وحسب، فتحقيقات الشرطة والفحص الإكلينيكي، والحبس ~~العلاجي والعقابي قد تتضمن مكونات خطابية، ولكنها ليست في ذاتها كيانات ~~خطابية. وتؤكد أوصاف فوكوه التداخل المتبادل لما هو خطابي بغير ما هو خطابي ~~في الأبنية الخاصة بالممارسة الاجتماعية. وفي ضوء هذا يمكن النظر إلى نظم ~~الخطاب بأنها الواجهات الخطابية ms076 للنظم الاجتماعية، وهي التي يتسم ترابطها ~~الداخلي، وإعادة ترابطها، بالخصيصة نفسها. # كان التركيز ينصب أساسا، حتى الآن، على ما يجعل الخطاب شبيها ~~بالأشكال الأخرى للممارسة الاجتماعية، وأراني الآن في حاجة إلى إعادة ~~الاتزان إلى القضية بالسؤال عما يجعل الممارسة الخطابية خطابية بصفة ~~خاصة. والواضح أن الإجابة، في جانب منها، هي اللغة؛ إذ إن الممارسة ~~الخطابية تتجلى في شكل لغوي، أي في الشكل الذي أشير إليه بمصطلح «النصوص»، ~~وأنا أستخدم «النص» بالمعنى الواسع عند فوكوه، وهو الذي يضم اللغة المنطوقة ~~والمكتوبة (هاليداي، 1978م)، فإذا كان الحادث الخطابي بعدا واحدا من ~~الممارسة الاجتماعية (السياسة أو الأيديولوجية ... إلخ) فإن كونه نصا يعتبر ~~بعدا آخر. # ولكن هذا لا يكفي؛ فإن البعدين يتوسلان ببعد ثالث يركز على ~~الخطاب باعتباره ممارسة خطابية بصفة خاصة، ولا تعتبر «الممارسة الخطابية» ~~هنا تضادا مع «الممارسة الاجتماعية» فالأولى صورة خاصة من الأخيرة. وقد ~~تتكون الممارسة الاجتماعية في بعض الحالات في مجملها من الممارسة الخطابية، ~~وقد تتضمن في حالات أخرى مزيجا من الممارسة الخطابية وغير الخطابية؛ إذ ~~إن تحليل خطاب معين باعتباره قطعة من الممارسة الخطابية يركز على ~~عمليات إنتاج النص وتوزيعه واستهلاكه، وكلها عمليات اجتماعية تتطلب الإحالة ~~إلى أوضاع اقتصادية وسياسية ومؤسسية معينة، وهي التي يتولد فيها الخطاب. ~~فأما الإنتاج والاستهلاك فإنهما يتميزان من زاوية معينة بطابعهما ~~الاجتماعي المعرفي، وذلك لأنهما يتضمنان عمليات معرفية خاصة بإنتاج النص ~~وتفسيره، وهي التي تقوم على المباني والأعراف الاجتماعية المستوعبة (ومن ~~هنا وصف الطابع بأنه اجتماعي). ويتمثل أحد مشاغلنا عند الحديث عن هذه ~~العمليات الاجتماعية المعرفية بتحديد العناصر القائمة في نظم الخطاب، ~~وكذلك في الموارد الاجتماعية الأخرى التي أسميها «موارد الأعضاء» (أي جماع ~~الخبرات الذاتية) التي استعين بها، وكيف استعين بها في إنتاج المعاني ~~وتفسيرها. وأما المهمة الأولى فهي العثور على الروابط الشارحة بين الطرائق ~~(المعيارية أو التجديدية ... إلخ) التي تبنى بها النصوص وتفسر، وكيف تنتج ~~النصوص وتوزع وتستهلك بمعنى أوسع، وطبيعة الممارسة الاجتماعية من حيث ~~علاقتها بالأبنية والصراعات الاجتماعية. والمرء لا يستطيع أن ms077 يعيد بناء ~~عملية الإنتاج ولا إيضاح أسباب عملية التفسير استنادا إلى النصوص وحدها، ~~فإنما هي، على الترتيب، آثار ومفاتيح لهذه العمليات، ومن المحال إنتاجها أو ~~تفسيرها إلا على ضوء «موارد الأعضاء». ومن طرائق الربط بين هذا التأكيد على ~~الممارسة الخطابية وعمليات إنتاج النص وتوزيعه واستهلاكه وبين النص نفسه، ~~التركيز على طابع التناص للأخير. انظر قسم «الممارسة الخطابية» ~~أدناه. # شكل 3-1: تصور الخطاب الثلاثي الأبعاد. # والتصور ذو الأبعاد الثلاثة للخطاب يمثله الشكل البياني رقم # 3-1 ~~، فهو يحاول الجمع بين ثلاثة من التقاليد التحليلية، ولا ~~غنى عن أي منها في تحليل الخطاب. وهذه هي تقاليد التحليل النصي واللغوي ~~الدقيق داخل علم اللغة، وتقاليد علم الاجتماع الواسع النطاق والخاص بتحليل ~~الممارسة الاجتماعية في علاقتها بالأبنية الاجتماعية، والتقاليد التفسيرية ~~أو الخاصة بعلم الاجتماع الضيق النطاق، بمعنى اعتبار الممارسة الاجتماعية ~~شيئا ينشط الناس في إنتاجه ويفهمونه استنادا إلى عمليات تقوم على المنطق ~~السليم المشترك. وأنا أقبل الزعم التفسيري بأن علينا أن نفهم كيف ينجح ~~أفراد الطوائف الاجتماعية في إنتاج عوالمهم «المنظمة» أو «المنطقية». ~~وأتصور أن تحليل العمليات الاجتماعية المعرفية في إطار الممارسة الخطابية ~~مكرس في أحد جوانبه لتحقيق هذا الهدف (وإن كنت أقول أدناه إن له أبعادا ~~«واسعة النطاق» وأخرى «ضيقة النطاق»)، ولكنني أقول: إن ممارسات الأعضاء في ~~أثناء إنتاج عالمهم تتشكل بطرائق لا يدركونها في العادة، وإن عوامل ~~تشكيلها هي الأبنية الاجتماعية، وعلاقات السلطة، وطبيعة الممارسة ~~الاجتماعية التي يشتركون فيها والتي تتجاوز غاياتها دائما مسألة إنتاج ~~المعاني. وهكذا فقد تصطبغ عملياتهم وممارساتهم بصبغة سياسية وأيديولوجية، ~~ويمكن أن تضعهم في مواقع «الذوات» (و«الأعضاء»). وأقول أيضا: إن ممارسة ~~الأعضاء تأتي بنواتج وآثار في المباني الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية ~~والصراعات الاجتماعية من حولهم، وهي التي لا يدرون بها في العادة، كما سبق ~~أن قلت. وأقول أخيرا: إن الإجراءات التي يستعملها الأعضاء غير متجانسة بل ~~ومتناقضة، وهي مثار الخلاف في صراعات تتسم في جانب منها بطابع خطابي. فأما ~~الجانب الإجرائي الخاص بتحليل النصوص فيمكن أن يسمى «الوصف»، والأجزاء ~~التي ms078 تتناول تحليل ممارسة الخطاب وتحليل الممارسة الاجتماعية التي يعتبر ~~الخطاب جزءا منها يمكن أن تسمى «التفسير» (انظر آخر الفصل السادس؛ حيث ~~يرد هذا التمييز بينهما). ~~(2) الخطاب باعتباره نصا # لا يتكلم المرء حقا عن معالم أحد النصوص من دون إشارة إلى إنتاج النص ~~و/أو تفسيره، وذلك لأسباب أوضحها فيما بعد. وبسبب هذا التداخل، فإن تقسيم ~~موضوعات التحليل ما بين تحليل النص وتحليل الممارسة الخطابية (وهكذا بين ~~الأنشطة التحليلية للوصف والتفسير) ليس تقسيما قاطعا. فحيثما تكن المعالم ~~الشكلية للنص أشد بروزا من غيرها يتضمن التحليل الموضوعات، وحيثما تكن ~~العمليات الإنتاجية والتفسيرية أشد بروزا، تناقش الموضوعات في إطار تحليل ~~الممارسة الخطابية، حتى ولو كانت تتضمن بعض المعالم الشكلية للنصوص. والذي ~~أعرضه تحت هذين العنوانين إطار أو نموذج تحليلي واسع، وسوف يجد القارئ ~~معالجات مختارة أشد تفصيلا للموضوعات التحليلية في الفصلين الرابع ~~والخامس. # من الافتراضات المعقولة التي يمكن تطبيقها افتراض أن أي معلم من ~~معالم النص يمكن أن تكون له دلالة في تحليل الخطاب، ويثير هذا صعوبة كبرى. ~~فتحليل اللغة مجال مركب وذو تقنية خاصة به، وهو يتضمن الكثير من أنماط ~~التحليل وتقنياته، وعلى الرغم من أن التمتع بخلفية في علم اللغة قد يكون، ~~من ناحية المبدأ، شرطا مسبقا لإجراء تحليل الخطاب، فإن تحليل الخطاب نشاط ~~متعدد الجوانب، ولا يمكن للمرء أن يفترض في ممارسة خلفية تفصيلية في علم ~~اللغة أكثر مما تفترض فيه خلفيات تفصيلية في علم الاجتماع أو علم النفس أو ~~السياسة. وفي هذه الظروف فإن ما قررت أن أفعله هو (1) أن أقدم في هذا ~~الفصل إطارا تحليليا بالغ العمومية بغرض تقديم خريطة واسعة النطاق ~~للميدان إلى القراء؛ و(2) أن أحدد مناطق تحليلية مختارة تصلح للمعالجة ~~بمزيد من التفصيل والمزيد من الأمثلة التوضيحية في الفصول 4-6، وهي التي ~~بدت لي شديدة الخصب في تحليل الخطاب، و(3) أن أتجنب قدر الطاقة ~~النبرة المنفرة للطابع التقني والمصطلحات المتخصصة؛ و(4) أن أقدم ~~المراجع اللازمة لمن يرغبون في متابعة مناهج تحليلية بعينها. # وتبدو بعض الفئات الواردة ms079 في إطار التحليل النصي أدناه موجهة إلى ~~الأشكال اللغوية، ويبدو غيرها موجها إلى المعاني، ولكن هذا التمييز ~~مضلل؛ لأن المرء دائما ما يواجه في تحليل النصوص مسائل الشكل ومسائل ~~المعنى في الوقت نفسه. ووفقا لمصطلح جانب كبير من علم اللغة والسيمياء ~~(السيميوطيقا) في القرن العشرين، نجد أن المرء يحلل «علامات»، أي كلمات ~~أو قطاعات أكبر من النص تتكون من معنى مرتبط بشكل من الأشكال، أي ب «مدلول» ~~مرتبط ب «الدال» (انظر دي سوسير، 1959م)، إذ إن سوسير وغيره من أصحاب ~~التقاليد اللغوية يؤكدون الطابع «التوقيفي» (أي «التعسفي» أو الذي لا ~~يعلل) للعلامة، ويؤكدون الرأي القائل بعدم وجود دافع أو أساس عقلاني ~~لربط «دال» معين ب «مدلول» معين. وعلى عكس ذلك، تفترض المداخل النقدية ~~لتحليل الخطاب أن العلامات لها دوافع اجتماعية، أي إنها تقول بوجود أسباب ~~اجتماعية للربط بين دوال معينة بمدلولات معينة (وأنا ممتن للباحث ~~جونتر كريس على مناقشاته لهذه القضية). وقد يتعلق الأمر بالمفردات، بمعنى ~~أن صيغتين مثل «الإرهابيين» و«المكافحين في سبيل الحرية» نموذجان متضادان ~~للربط بين الدال والمدلول، والتضاد بينهما ذو دافع اجتماعي، وقد تكون له ~~علاقة بالنحو (انظر الأمثلة أدناه) أو بأبعاد أخرى للتنظيم اللغوي . # ويتعلق تمييز مهم آخر في إطار المعنى بالفرق بين ما يمكن أن يعنيه ~~النص وبين تفسيره، إذ تتكون النصوص من أشكال أدت الممارسات الخطابية في ~~الماضي - بعد تكثيفها في صورة أعراف - إلى إكسابها معاني ممكنة. ~~والمعاني الممكنة لأي شكل غير متجانسة بصفة عامة، فهي مركبات من معان ~~منوعة متداخلة بل ومتناقضة أحيانا (انظر فيركلف، 1990م، أ) بحيث تزخر ~~النصوص في العادة بمعان بالغة التضاد، وتسمح بتعدد التفسيرات. وعادة ما ~~يلجأ المفسرون إلى تقليل إمكانية التضاد المذكور باختيار معنى محدد أو ~~مجموعة صغيرة من المعاني البديلة، وما دمنا غير غافلين عن اعتماد المعنى ~~المذكور على التفسير، فلنا أن نستعمل مصطلح «المعنى» في الإشارة إلى ~~المعاني الممكنة لكل شكل، وأيضا للمعاني التي يأتي بها التفسير. # ويمكن تنظيم تحليل النص في أربعة أبواب رئيسية، وهي: ms080 «المفردات»، ~~و«النحو»، و«التماسك»، و«بناء النص». ويمكن اعتبار هذه ذوات نطاقات صاعدة، ~~فالمفردات تتناول الألفاظ المفردة أساسا، والنحو يتناول الجمع بين الألفاظ ~~في عبارات وجمل، والتماسك يتناول كيفية الترابط فيما بين العبارات والجمل، ~~وبناء النص يتناول الخصائص التنظيمية الواسعة النطاق للنصوص. وإلى جانب ذلك ~~فأنا أميز بين هذه وبين ثلاثة أبواب رئيسية أخرى سوف تستخدم في تحليل ~~الممارسة الخطابية لا التحليل النصي، وإن كانت تشمل بالقطع بعض المعالم ~~الشكلية للنصوص، ألا وهي «قوة» الكلام المنطوق، أي ما تشكله من أفعال ~~الكلام (الوعود، الطلبات، التهديدات ... إلخ)؛ و«ترابط المعنى» في النص؛ ~~و«التناص» فيما بين النصوص. وهذه الأبواب السبعة مجتمعة تمثل إطارا ~~لتحليل النصوص بحيث يشمل جوانب إنتاج النص وتفسيره، وكذلك الخصائص الشكلية ~~للنص. # الوحدة الأساسية في النحو هي الجملة البسيطة، مثل العنوان الصحفي ~~«جورباتشيف يقلل حجم الجيش الأحمر». والعناصر الرئيسية في الجمل البسيطة ~~عادة ما تسمى «مجموعات» أو «عبارات» مثل «الجيش الأحمر»، و«يقلل حجم». ~~وتترابط الجمل البسيطة لتكوين جمل مركبة. وسوف تقتصر تعليقاتي هنا على ~~جوانب معينة من الجملة البسيطة. # وكل جملة بسيطة لها وظائف متعددة، ومن ثم فكل جملة بسيطة تجمع بين ~~المعاني النصية الفكرية وما بين الأشخاص (أي الخاصة بالهوية والعلاقة) ~~(انظر الفصل الثاني). والأشخاص يمارسون خياراتهم فيما يتعلق بتركيب الجملة ~~البسيطة وبنائها، وهو ما يوازي اختيار سبيل تحديد (وبناء) للهويات ~~الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية، والمعارف والمعتقدات. ولأوضح ذلك ~~بالمثال الخاص بالعنوان الصحفي المذكور أعلاه. فمن ناحية المعنى الفكري ~~تعتبر هذه الجملة «متعدية»؛ فهي تشير إلى عمل يقوم به فرد معين، وهو عمل ~~مادي، يقع على كيان معين. ولنا أن نتخيل هنا صورا فكرية مختلفة عن ~~الطرائق الأخرى للإشارة إلى الحادثة نفسها، كأن يقال «الاتحاد السوفييتي ~~يخفض قواته المسلحة» أو «الجيش السوفييتي يتخلص من خمس فرق». وأما من ~~ناحية الدلالة «ما بين الأشخاص»، فالجملة خبرية (أي ليست استفهاما أو ~~أمرا) وتتضمن فعلا في الزمن المضارع له سلطة قاطعة. والعلاقة بين ~~الكاتب والقارئ هنا علاقة بين شخص يبين واقع حالة معينة بألفاظ لا ms081 خلاف ~~عليها، وبين شخص يتلقى ما يقال، وإذن، فهذان هما موقعا الذات اللذان ~~تحددها الجملة. ونأتي ثالثا إلى الجانب النصي؛ إذ إن جورباتشيف هو ~~«موضوع» أو ثيمة الجملة أو المبتدأ، إذ إن الجزء الأول من كل جملة بسيطة ~~عادة ما يكون كذلك، فالمقال الصحفي يتحدث عنه وعن أفعاله. ومن ناحية أخرى، ~~إذا بنيت الجملة للمجهول، أصبح الجيش الأحمر هو «المبتدأ»، مثلا: ~~«الجيش الأحمر يخفض (من جانب جورباتشيف)» (وهو تركيب غير مقبول ~~بالعربية كما هو واضح ولكنه يمثل محاكاة للبناء الإنجليزي). ومن ~~الإمكانيات الأخرى التي يقدمها البناء للمجهول حذف الفاعل، الوارد بين ~~قوسين، إما لأن الفاعل مجهول، أو معروف سلفا، أو لا أهمية له في نظر ~~الكاتب، أو ربما يكون الدافع الحفاظ على غموض الفاعل والمسئولية عن الفعل ~~تبعا لذلك. ومدخل اللغويات النقدية مفيد بصفة خاصة فيما يتعلق بالنحو ~~(فاولر، وآخرون، 1979م؛ كريس وهودج، 1979م). وكتاب ليتش ودويتشار ~~وهوجينارد (1982م) مقدمة في متناول الأفهام للنحو، وهاليداي (1985م) دراسة ~~أكثر عمقا لشكل من أشكال النحو ذي فائدة كبرى في تحليل الخطاب. # للبحث في المفردات طرائق بالغة الكثرة، والتعليقات هنا وفي الفصل ~~السادس انتقائية إلى حد بعيد، ومن القضايا التي لا بد من إثارتها أن ~~التصور القائل بأن اللغة تتكون من مفردات موثقة في المعجم تصور ~~محدود الفائدة، بسبب وجود عدد كبير من المفردات المتداخلة والمتنافسة وفقا ~~لما تنتمي إليه من مجالات ومؤسسات وممارسات وقيم ومنظورات، ولدينا ~~مصطلحات أخرى مثل «الصياغة»، و«التجسيد اللفظي»، و«تقديم الدلالة» (وانظر ~~هذه المصطلحات والجوانب الأخرى للمفردات عند كريس وهودج، 1979م؛ وعند ماي، ~~1985م)، إذ تستطيع إيضاح المقصود خيرا من «المفردات»؛ لأنها تتضمن ~~عمليات صياغة (وتجسيد لفظي، وتقديم دلالات) للعالم، فهي عمليات تختلف صور ~~حدوثها وأوقاتها وأماكنها، في أعين جماعات مختلفة من الناس. # وللتحليل أن يركز على الصياغات البديلة ودلالاتها السياسية ~~والأيديولوجية، وعلى قضايا معينة، مثل: كيف يمكن إعادة صياغة مجالات ~~خبرة معينة في إطار الصراعات الاجتماعية والسياسية (ومثال إعادة صياغة ~~«الإرهابيين» بحيث يصبح «المقاتلين في سبيل الحرية»، أو ms082 العكس بالعكس مثال ~~مشهور)، أو كيف يمكن أن تزداد كثافة الصياغة الخاصة بمجالات معينة عن ~~غيرها. وللتحليل أن يركز أيضا على معاني الألفاظ، وخصوصا كيف تتنازع ~~معاني الألفاظ في أطر صراعات أوسع نطاقا؛ وسوف أقول: إن أنواعا معينة ~~من إعادة الصياغة للعلاقات بين الألفاظ وبين معاني كلمة من الكلمات تعتبر ~~من أشكال الهيمنة. وللتحليل أن يركز ثالثا على الاستعارة، أي على ~~الدلالة الأيديولوجية والسياسية لاستعارات معينة، وعلى الصراع بين ~~الاستعارات البديلة. # وعندما ينظر المرء في «التماسك» النصي (انظر هاليداي، وحسن، 1976م؛ ~~هاليداي، 1985م)، فإنما ينظر في أسلوب ربط العبارات معا لتكوين جمل، وكيف ~~ترتبط الجمل ببعضها البعض لتكوين وحدات أكبر داخل النصوص. ويتحقق الربط ~~بطرائق منوعة: مثل استخدام مفردات تنتمي لمجال دلالي مشترك، وتكرار بعض ~~الألفاظ، واستخدام أشباه مترادفات، وهلم جرا: كما يتحقق أيضا من ~~خلال طرائق منوعة للإحالة والإبدال (مثل الضمائر، وأداة التعريف، وأسماء ~~الإشارة، وحذف الكلمات المكررة، وما إلى هذا بسبيل)؛ وقد يتحقق ~~باستخدام حروف العطف وأدواته مثل حرف «الواو» (والفاء بالعربية) وحروف مثل ~~«لكن»، و«إذن» و«من ثم». والتركيز على التماسك يؤدي بنا إلى ما يشير ~~إليه فوكوه قائلا: إنه «مجموعة منوعة من النظم البلاغية التي يمكن بها ~~ربط مجموعات من الأقوال معا، أي كيف تترابط الأوصاف والاستنباطات ~~والتعريفات التي يحدد تعاقبها بناء النص» (انظر الفصل السابق). وهذه ~~النظم، وخصوصا بعض جوانبها، مثل بناء النصوص القائم على عرض حجة ~~معينة، تختلف فيما بين أنماط النصوص، ومن الطريف استكشاف هذه الاختلافات؛ ~~للتدليل على الطرائق العقلانية المتفاوتة، وجوانب التغير في الأساليب ~~العقلانية بتغير الممارسات الخطابية. # و«بناء النص» (انظر دي بوجراند ودريسلر، 1981م، وكولتارد، 1977م، ~~وبراون ويول، 1983م، وستابز، 1983م) يتعلق أيضا ب «عمارة» النصوص، ~~وخصوصا معالم التصميم على المستوى الأرفع للأنماط النصية المختلفة: فما ~~العناصر أو «القطع المتصلة» التي يرتبط بعضها بالبعض، وما أساليب ارتباطها ~~ونظامه الداخلي، بحيث تشكل على سبيل المثال خبرا صحفيا عن جريمة، أو ~~مقابلة شخصية للحصول على وظيفة؟ وأمثال هذه الأعراف البنائية يمكنها أن ~~تمنحنا نظرات ms083 ثاقبة كثيرة في نظم المعارف والمعتقدات، والافتراضات الخاصة ~~بالعلاقات الاجتماعية والهويات الاجتماعية المترسبة في أعراف أنماط ~~النصوص. وكما تبين هذه الأمثلة، فإننا مهتمون ببناء المونولوج والحوار. ~~والحوار يتضمن نظم التناوب في الحديث، وأعرافا خاصة بتنظيم تبادل ~~النوبات، إلى جانب افتتاح واختتام المقابلات الشخصية والمحادثات. ~~(3) الممارسة الخطابية # تتضمن الممارسة الخطابية، كما ذكرت آنفا، عمليات إنتاج النص وتوزيعه ~~واستهلاكه، وتختلف طبيعة هذه العمليات بين الأنماط المختلفة للخطاب وفق ~~عوامل اجتماعية معينة، فعلى سبيل المثال، نجد أن النصوص تنتج بطرائق ~~محددة في سياقات اجتماعية محددة، فإنتاج المقال يمر بمراحل مركبة ~~ذات طابع جماعي، ويتولى إنتاجه فريق يشارك أفراده بجهود متفاوتة في شتى ~~مراحل الإنتاج، فالبعض يستقي المادة من تقارير وكالات الأنباء، والبعض يحول ~~هذه المصادر (التي كثيرا ما تكون في ذاتها نصوصا) إلى مسودة تقرير، ~~والبعض يقرر مكان إدراج التقرير في الصحيفة، وبعد ذلك يأتي تحرير التقرير ~~(يوجد وصف تفصيلي، ووصف أعم للعمليات الخطابية في فان دييك 1988م). # وتوجد زوايا أخرى للنظر إلى مفهوم «منتج النص» تجده يبدو أشد تعقيدا ~~مما نفترضه. فمن المفيد تفكيك المنتج بحيث يصبح مجموعة من المواقع، وقد ~~يشغلها الشخص نفسه أو يشغلها أشخاص مختلفون، ويقترح جوفمان (1981م، 144) ~~التمييز بين «المحرك » أي الشخص الذي يصدر أصوات الألفاظ فعلا، أو يخط ~~الخطوط على الورق، وبين «المؤلف» أي الشخص الذي يجمع ما بين الألفاظ ~~ويعتبر مسئولا عن الصياغة، وبين «الرئيس» وهو الشخص الذي تمثل الألفاظ ~~موقعه. وأما في المقالات الصحفية فإن بعض الغموض يخشى العلاقة بين هذه ~~المواقع: «فالرئيس» كثيرا ما يكون «مصدر» (الخبر) خارج الصحيفة، ولكن بعض ~~التقارير لا توضح ذلك، وتوحي إلينا بأن «الرئيس» هو الصحيفة (رئيس التحرير، ~~أو أحد الصحفيين بها)؛ والنصوص التي تكتب بصورة جماعية كثيرا ما تصاغ ~~كأنما كتبها صحفي واحد (وربما لم يكن في أفضل الحالات غير «المحرك») (انظر ~~فيركلف، 1988م، ب، حيث يرد مثال على ذلك). # ويختلف استهلاك النصوص أيضا باختلاف السياقات الاجتماعية، ويرجع هذا ~~في جانب منه إلى نوع الجهد التفسيري المبذول (مثل ms084 الفحص الدقيق للنص، أو ~~عدم التركيز الكامل في القراءة أثناء أداء أعمال أخرى) ويرجع في جانب آخر ~~إلى طرائق التفسير المتاحة، فالوصفات (الخاصة بالعلاج أو بالطهو) على سبيل ~~المثال، لا تقرأ في العادة باعتبارها نصوصا جمالية؛ والأبحاث الأكاديمية ~~لا تقرأ عادة باعتبارها نصوصا بلاغية، وإن كان النوعان من القراءة ~~ممكنين. وقد يكون الاستهلاك، مثل الإنتاج، فرديا أو جماعيا؛ قارن ~~الخطابات الغرامية بالسجلات الإدارية. وبعض النصوص (مثل المقابلات الشخصية ~~الرسمية، والقصائد العصماء) تسجل، وتكتب وتنسخ وتحفظ وتعاد قراءتها؛ ~~وغيرها (مثل الدعاية غير المطلوبة، والمحادثات العارضة) عابرة لا تسجل بل ~~تنبذ وتنسى، وبعض النصوص (مثل الخطب السياسية، والكتب التعليمية) ~~تحول إلى نصوص أخرى، فالمؤسسات لديها نظم ثابتة ل «الاستفادة» من ~~النصوص: فقد تتحول استشارة طبية إلى سجل طبي قد يستخدم في إعداد إحصائية ~~طبية (انظر الفصل الخامس حيث ترد مناقشة أمثال هذه «السلاسل التناصية»). ~~أضف إلى ذلك أن للنصوص نواتج منوعة من اللون غير الخطابي واللون ~~الخطابي أيضا. وبعض النصوص تؤدي إلى الحروب أو إلى تدمير الأسلحة النووية؛ ~~وبعضها يؤدي إلى فقدان البعض وظائفهم أو حصول غيرهم على وظائف؛ وبعضها ~~الآخر يغير من مواقف الناس أو معتقداتهم أو ممارساتهم. # وتتسم بعض النصوص بما يسمى التوزيع البسيط، فالمحادثة العارضة لا ~~تنتمي إلا إلى سياق الحال المباشرة التي تقع فيها، وتتميز نصوص أخرى بتوزيع ~~مركب، فالنصوص التي ينتجها الزعماء السياسيون، أو النصوص المنتجة في إطار ~~التفاوض الدولي حول الأسلحة، يجري توزيعها عبر نطاق واسع من المجالات ~~المؤسسية المختلفة، وكل منها له أنساق الاستهلاك الخاصة به، ونظمه الخاصة ~~لإعادة إنتاج النصوص وتحويل صورتها، إذ يتلقى مشاهدو التليفزيون مثلا صورة ~~محورة لخطاب ألقته السيدة ثاتشر، أو ألقاه جورباتشيف، وهي تستهلك ~~وفقا لعادات ونظم معينة للمشاهدة. والمنتجون في منظمات معقدة مثل ~~الوزارات والمصالح الحكومية ينتجون نصوصا تعمل حسابا لتوزيعها وتغير ~~صورتها واستهلاكها، بحيث تكون جاهزة لأنواع متعددة من الجماهير، وهي ~~تستبق استماع «المخاطبين» لها (أي الذين تخاطبهم مباشرة)، وكذلك «السامعين» ~~(أي غير المخاطبين مباشرة، وإن يكن المفترض ms085 أن يكونوا من الجماهير)، بل ومن ~~«يسترقون السمع» لها (أي الذين لا يشكلون جانبا من الجمهور «الرسمي») ~~وإن يكن من المعروف أنهم مستهلكون فعليون (فالمسئولون السوفييت مثلا ~~يسترقون السمع إلى الاتصالات بين حكومات حلف شمال الأطلسي). وقد يشغل كل ~~موقع من هذه المواقع أعداد متكاثرة. # والواقع أن لدينا، كما ذكرت آنفا، أبعادا معرفية اجتماعية خاصة ~~لإنتاج النصوص وتفسيرها، وهي تركز على التفاعل بين «موارد الأعضاء» (أي ~~جماع الخبرات) التي استوعبها المشاركون في الخطاب ويستعينون بها في تفسير ~~النص، وبين النص نفسه، باعتباره مجموعة من «الآثار» التي خلفتها عملية ~~الإنتاج، أو مجموعة من «المفاتيح» اللازمة لعملية التفسير. وتجري هذه ~~العمليات عموما بأسلوب لا واع وتلقائي، وهو ما يعتبر عاملا مهما من ~~عوامل تحديد فاعليتها الأيديولوجية (انظر ما يلي) على الرغم من أن بعض ~~جوانبها أسهل في الوعي بها من غيرها. # وعمليات الإنتاج والتفسير تخضع لقيدين اجتماعيين؛ القيد الأول: ~~«موارد الأعضاء» وهي ما استوعبه المرء فعليا من أبنية ومعايير وأعراف ~~اجتماعية، ومن بينها نظم الخطاب، وأعراف إنتاج وتوزيع واستهلاك النصوص من ~~النوع الذي أشرت إليه عاليه، وهي التي تكونت من خلال الممارسة ~~الاجتماعية والصراع الاجتماعي في الماضي. والقيد الثاني: الطبيعة الخاصة ~~للممارسة الاجتماعية التي يشكلون جانبا منها، فهي التي تحدد العناصر التي ~~يستندون إليها من موارد الأعضاء لديهم، وكيف يكون هذا الاستناد (أي إذا ما ~~كان معياريا أو خلاقا، أو قابلا أو معارضا لها). ومن المعالم الرئيسية ~~للإطار الثلاثي الأبعاد لتحليل الخطاب أنه يحاول استكشاف أحوال هذين ~~القيدين، وخصوصا ثانيهما، أي أن يقيم الروابط الشارحة بين طبيعة عمليات ~~الخطاب في حالات معينة، وطبيعة الممارسات الاجتماعية التي تشكل إطار ~~هذه العمليات. ولما كان هذا الكتاب يركز على التغيير الخطابي والاجتماعي، ~~فإن هذا الجانب يهمنا أكثر من سواه، ونعني به تحديد الجوانب المستند إليها ~~من «موارد الأعضاء» وأسلوب ذلك الاستناد، وسوف أعود إلى ذلك أدناه عند ~~مناقشة التناص. # لكنني أريد أن أتحدث قليلا بصفة عامة عن الجوانب المعرفية ~~الاجتماعية للإنتاج والتفسير، وأن أقدم بعدين ms086 آخرين من أبعاد التحليل ~~السبعة، وهما «القوة» و«ترابط المعنى». وعادة ما يشار إلى إنتاج النص أو ~~تفسيره (سأقتصر على التفسير في جانب من جوانب المناقشة التالية) باعتباره ~~عملية متعددة المستويات، وعملية تنتقل من القاعدة إلى القمة ومن القمة ~~إلى القاعدة. فأما المستويات السفلى فتختص بتحليل تتابع الأصوات أو تتابع ~~العلامات التي تكون الجمل، وأما المستويات العليا فتختص بالمعنى، ونسبة ~~المعاني إلى الجمل، وبالنصوص الكاملة، وإلى أجزاء أو «قطع متصلة» من ~~النص، وهي التي تتكون من جمل يمكن تفسيرها باعتبارها ذوات معان مترابطة. ~~ومعاني الوحدات «العليا» تبنى في جانب منها على معاني الوحدات «السفلى». ~~وهذا التفسير يسمى من «القاعدة إلى القمة». ومع ذلك فإن التفسير يتميز ~~أيضا بتوقعات حول معاني الوحدات العليا في وقت مبكر في عملية تفسيرها، ~~استنادا إلى دلائل محدودة، وهذه المعاني المتوقعة تشكل أسلوب تفسير وحدات ~~المستوى الأسفل. وهذا يعني الاتجاه من القمة إلى القاعدة. والواقع أن ~~الإنتاج والتفسير يعتمدان على الاتجاه من القمة إلى القاعدة، والاتجاه من ~~القاعدة إلى القمة في الوقت نفسه. أضف إلى هذا أن التفسير يحدث فيما ~~يسمى الزمن الحقيقي، وهو ما يعني أن التفسير الذي يصل إليه المرء للكلمة ~~«س» أو الجملة «س» أو «القطعة المتصلة» «س» سوف يستبعد تفسيرات أخرى ~~معينة كان يمكن قبولها للكلمة س + 1 أو الجملة س + 1، أو «القطعة ~~المتصلة» س + 1 (انظر فيركلف، 1989م، أ). # والجوانب المذكورة من التعامل مع النص تساعد على إيضاح كيفية اختزال ~~المفسرين لما يمكن أن يدل عليه النص من معان متضادة أو ملتبسة وحسب، ~~وتبين جانبا من دور السياق في تقليل هذا الجانب، وذلك بالمعنى الضيق ~~للسياق الذي يحصره فيما يسبق (أو يتبع) جزءا معينا من النص، ومع ذلك ~~«فالسياق» يتضمن أيضا ما يسمى أحيانا سياق الحال، إذ يصل المفسرون إلى ~~تفسيرات للممارسة الاجتماعية كلها التي يشكل الخطاب جانبا منها، وهذه ~~التفسيرات تؤدي إلى تنبؤات حول معاني النصوص، وهي التي تقلل أيضا من ~~إمكان التباس المعنى باستبعاد المعاني التي كان يمكن أن ترى ms087 داخل النص. ~~ويعتبر هذا من زاوية معينة تطويرا لخصائص التفسير من القمة إلى ~~القاعدة. # ومن أوجه القصور الرئيسية في نوع الشرح المعرفي الاجتماعي الذي سقناه ~~آنفا لهذه العمليات أنه يعتبر عاما شاملا، أي إنه يوحي مثلا بأن ~~تأثير السياق في المعنى وتقليل التباسه لا يختلفان أبدا، ولكن هذا غير ~~صحيح، إذ إن أسلوب تأثير السياق في تفسير النص يختلف من نمط خطابي إلى نمط ~~آخر، على نحو ما يبين فوكوه (انظر الفصل السابق). والفوارق بين أنماط ~~الخطاب في هذا الصدد لها أهمية اجتماعية؛ لأنها تشير إلى افتراضات مضمرة ~~وقواعد أساسية كثيرا ما تكون ذات طابع أيديولوجي، وسوف ألقي الضوء على هذه ~~القضايا من خلال مناقشة «القوة» (انظر ليتش، 1983م؛ لفينسون، 1983م؛ ليتش ~~وتوماس، 1989م). # وقوة جزء من أجزاء النص (وكثيرا ما يكون جملة واحدة، وإن لم يكن ذلك ~~في جميع الحالات) هو العنصر الخاص بالفعل فيه، ويمثل جانبا من جوانب ~~معناه «ما بين الأشخاص»، أي ما يستخدم لفعل شيء على المستوى الاجتماعي، أو ~~أية «أفعال كلام» يستخدم ل «أدائها» (مثل إصدار أمر، أو طرح سؤال، أو ~~التهديد، أو الوعد ... إلخ). والقوة هي عكس «الإخبار»: فإن العنصر الإخباري، ~~الذي هو جزء من المعنى الفكري، يمثل العملية أو العلاقة الناتجة عن وجود ~~كيانات معينة. وهكذا ففي حالة جملة تقول «أتعهد أن أدفع لحامله عند الطلب ~~مبلغ خمسة جنيهات» نجد أن القوة قوة وعد، وأما الجملة الإخبارية فيمكن ~~تمثيلها هيكليا بصيغة «س يدفع ص إلى ع». وقد تكون بعض أجزاء الجملة ~~ملتبسة من حيث القوة، وقد تكون لها «إمكانية قوة» مديدة. فمثلا «هل تستطيع ~~حمل الحقيبة؟» قد تكون سؤالا، وقد تكون طلبا أو أمرا، أو اقتراحا، أو ~~شكوى، وهلم جرا. وبعض تحليلات أفعال الكلام تميز بين القوة المباشرة ~~والقوة غير المباشرة، ولنا أن نقول هذا في هذه الحالة، فلدينا صيغة لها ~~القوة المباشرة للسؤال ولكنها قد تتميز بأية قوة من القوى الأخرى التي وردت ~~باعتبارها قوتها غير المباشرة. أضف إلى هذا أنه لا ms088 يندر أن تظل التفسيرات ~~ملتبسة الدلالة، فأحيانا ما لا يتضح إن كان السؤال البسيط سؤالا بسيطا ~~فعلا أم طلبا مستترا (وتتعذر تلبيته إذا طعن السامع فيه). # والسياق بالمعنيين المذكورين أعلاه عامل مهم من عوامل تقليل التباس ~~القوة، والمواقع المتتابعة في أحد النصوص تنبئ عن وجود القوة. ففي ~~الاستجواب نجد أن أي شيء يقوله المحامي للشاهد مباشرة بعد إجابة قدمها ~~الشاهد من المحتمل تفسيره على أنه سؤال (وذلك لا يستبعد تفسيره في الوقت ~~نفسه باعتباره غير ذلك، كأن يكون اتهاما). ويساعد هذا على إيضاح كيف يمكن ~~لأشكال الكلمات أن تتمتع بقوى تبدو بعيدة الاحتمال إن نظر إليها المرء ~~خارج السياق، أضف إلى هذا، طبعا، أن سياق الحال، أي الطبيعة العامة ~~للسياق الاجتماعي، تقلل من الالتباس كذلك. # ومع ذلك فلا بد أن المفسر يتوصل إلى تفسير معين لسياق الحال من قبل ~~أن يرجع إليه، بل وقبل أن يرجع لسياق التتابع النصي ابتغاء تفسير قول ~~منطوق، وهذا مماثل لتفسير النص، إذ إنه يستند إلى التفاعل ما بين المفاتيح ~~النصية و«موارد الأعضاء» (جماع خبرته) وإن تكن «موارد الأعضاء» في هذه ~~الحالة، في الواقع، خريطة ذهنية للنظام الاجتماعي. ومثل هذه الخريطة ~~الذهنية بالضرورة ليست سوى تفسير واحد للحقائق الاجتماعية التي تقبل ~~تفسيرات كثيرة، ذوات أصباغ سياسية وأيديولوجية محددة. وتحديد سياق الحال من ~~خلال هذه الخريطة الذهنية يقدم إلينا مجموعتين من المعلومات المتعلقة ~~بتحديد كيفية تأثير السياق في تفسير النص في أية حالة من الحالات: فهو ~~أولا: يقدم إلينا قراءة للحال تشغل فيها بعض العناصر مكان الصدارة، ~~وتنسحب عناصر أخرى إلى الخلفية، وتقيم علاقات محددة بين العناصر، وهو ~~ثانيا يحدد الأنماط الخطابية التي من المحتمل أن تكون لها صلة ~~بالموضوع. # وهكذا فإن من بين آثار قراءة (سياق) الحال في التفسير منح الصدارة لبعض ~~جوانب الهوية الاجتماعية للمشاركين، وإبقاء بعضها الآخر في الخلفية. ~~وهكذا فإن احتمال تأثير انتماء منتج النص إلى أحد الجنسين، أو تأثير ~~انتمائه العرقي أو عمره، في تفسير النص في كتاب في علم النبات ms089 مثلا أقل من ~~احتمال تأثير أي من هذه العوامل في محادثة عابرة أو في مقابلة شخصية ~~للحصول على وظيفة. وهكذا فإن تأثير سياق الحال في تفسير النص (وإنتاج النص) ~~يعتمد على قراءة الحال، وأما تأثير سياق التتابع النصي فيعتمد على نمط ~~الخطاب، فعلى سبيل المثال لا نستطيع أن نفترض أن أي سؤال سوف يجعل السامع ~~يفسر العبارة التي تتلوه بأنها إجابة عنه بنفس الدرجة في جميع الأحوال، إذ ~~يعتمد ذلك على نمط الخطاب. ففي خطاب قاعة الدرس تنبئ الأسئلة بأن ما ~~يتلوها إجابة عنها، وأما في نطاق الأسرة فإن الأسئلة كثيرا ما تطرح من ~~دون إجابة عنها، ومن دون أن يشعر أحد فعلا بالتعدي عليه أو ضرورة الاعتذار ~~له. وهكذا فإن التركيز الأحادي على سياق التتابع النصي باعتباره العامل ~~المتحكم في التفسير، من دون الإقرار بالمتغيرات المذكورة، يعتبر جانبا ~~معيبا من جوانب تحليل المحادثات، على نحو ما بينت في الفصل الثاني ~~آنفا. أضف إلى ذلك أن الفوارق بين أنماط الخطاب من هذه المرتبة ذات أهمية ~~اجتماعية، وحيثما تتعين إجابة الأسئلة، فمن المحتمل أن تبرز الاختلافات ~~في المكانة بين الأدوار الذاتية التي تفصلها فوارق حاسمة، ومن ثم فإن ~~البحث في المبادئ التفسيرية المستخدمة في تحديد المعنى يتيح لنا أن نكتشف ~~الصبغة السياسية والأيديولوجية لنمط الخطاب. # فلننتقل الآن من القوة إلى «ترابط المعنى» (انظر دي بوجراند ودريسلر، ~~1981م، الفصل الخامس؛ وانظر براون ويول، 1983م، الفصل السابع). وعادة ما ~~يعامل المعنى باعتباره من خصائص النصوص، ولكن من الأفضل أن نعتبره من خصائص ~~التفسيرات. فالنص المترابط المعنى نص ترتبط الأجزاء التي يتكون منها ~~(الجمل، الوحدات) ارتباطا معقولا بحيث يبدو أن النص كله نص «له معنى»، ~~حتى ولو كان يخلو نسبيا من «العلامات» الشكلية التي تشير إلى العلاقات ~~التي يقوم عليها ارتباط المعنى، أي إذا كان خاليا نسبيا من أدوات ~~«التماسك» الصريحة (انظر القسم الأخير)، ولكن المسألة في الواقع أن أي نص ~~لن يكون له معنى إلا عند من يستطيع إدراك معناه، أي من يستطيع ms090 أن يستنبط ~~علاقات المعنى المذكورة في غياب العلامات الصريحة المشار إليها، ولكن ~~الطريقة الخاصة التي تتولد بها قراءة المعنى المترابط في النص تعتمد هنا ~~أيضا على طبيعة المبادئ التفسيرية التي تستند إليها. وترتبط مبادئ التفسير ~~الخاصة ارتباطا مطبعا بأنماط معينة من الخطاب، وهذا الارتباط جدير ~~بالنظر فيه بسبب الضوء الذي يلقيه على الوظائف الأيديولوجية المهمة لترابط ~~المعنى في «مساءلة» الذوات. ومعنى هذا أن النصوص تنشئ مواقع للمفسرين ~~«القادرين» على إدراك معانيها، بحيث يستطيعون إقامة الروابط واستنباط ~~العلاقات، وفقا لمبادئ التفسير الخاصة بالنص، والتي لا بد منها للقراءات ~~القائمة على المعاني المترابطة. وقد تستند هذه الروابط والعلاقات المستنبطة ~~إلى افتراضات من نوع أيديولوجي. فعلى سبيل المثال نرى أن ما ينشئ ترابطا ~~في المعنى بين الجملتين التاليتين: «سوف تستقيل من عملها يوم الأربعاء ~~المقبل. إنها حامل» هو افتراض أن النساء يتوقفن عن العمل عند إنجاب ~~الأطفال. وما دام المفسرون يشغلون هذه المواقع ويقيمون هذه الروابط بصورة ~~آلية، فإنهم يخضعون للنص، أو قل: إن النص يخضعهم له، وهو ما يمثل جانبا ~~مهما من «العمل» الأيديولوجي الذي يقوم به النص والخطاب في «مساءلة» ~~الذوات (انظر القسم التالي)، ولكننا نشهد إمكانية الصراع حول القراءات ~~المختلفة للنص، بل والمقاومة كذلك للمواقع التي تنشئها النصوص. # فلننتقل الآن إلى البعد الأخير من أبعاد التحليل السبعة، وهو البعد ~~الذي يتميز بأكبر قدر من البروز في اهتمامات هذا الكتاب، ألا وهو «التناص» ~~(انظر باختين، 1981م، 1986م؛ وكريستيفا، 1986م، أ)، وسوف أكرس الفصل ~~الرابع كله للتناص، ومن ثم فإن مناقشته هنا سوف تكون بالغة الإيجاز. ~~ويعني التناص أساسا الخصيصة التي يتميز بها أحد النصوص، وهي حفوله بشذرات ~~من نصوص أخرى، وقد تكون ذات حدود صريحة أو مندمجة فيه، وقد يكون النص ~~مستوعبا لها، أو مناقضا لها، أو قد يمثل أصداء ساخرة لها، وهلم ~~جرا. فمن زاوية الإنتاج، نرى أن منظور التناص يؤكد الطابع التاريخي ~~للنصوص، أي كيف أنها دائما ما تمثل إضافات إلى «سلاسل الاتصال الكلامي» ~~القائمة (باختين، 1986م: 94)، إذ تتكون ms091 من نصوص سابقة تتجاوب معها. وأما من ~~زاوية التوزيع، فيساعدنا منظور التناص على استكشاف الشبكات الثابتة ~~نسبيا، والتي تسيرها النصوص، وتخضع لتحولات يسهل التنبؤ بها أثناء ~~تحولها من نمط نصي إلى نمط آخر (فالخطب السياسية، مثلا، كثيرا ما ~~تتحول إلى تقارير إخبارية). وأما من ناحية الاستهلاك، فيساعدنا منظور ~~التناص على التأكد من أن التفسير لا يعتمد في بنائه على «النص» فقط، بل ولا ~~على النصوص التي تشكله من خلال التناص وحسب، بل يعتمد أيضا على نصوص ~~أخرى يشركها المفسرون بطرائق مختلفة في عملية التفسير. # وسوف أميز بين «التناص السافر» حيث لا تخفى الاستعانة بنصوص أخرى ~~داخل النص، وبين «التداخل الخطابي» أو «التناص التكويني»، فالتداخل الخطابي ~~يوسع نطاق التناص في اتجاه مبدأ أولوية نظام الخطاب الذي سبقت لي ~~مناقشته؛ فنجد من ناحية معينة تشكيلا أو تكوينا غير متجانس لنصوص غير ~~متجانسة من نصوص أخرى محددة (التناص السافر)؛ ونجد من ناحية أخرى تكوينا ~~غير متجانس لنصوص من عناصر معينة (أي أنماط الأعراف الخاصة) بنظم الخطاب ~~(أي التداخل الخطابي). # ومفهوم التناص يرى أن النصوص، تاريخيا، تحول الماضي - أي التقاليد ~~القائمة والنصوص السابقة - إلى الحاضر. وقد يحدث هذا بطرائق تقليدية ~~ومعيارية نسبية؛ أي إن أنماط الخطاب تميل إلى تحويل الطرائق الخاصة ~~للانتفاع بالتقاليد والنصوص إلى طرائق معتادة ، وإلى تطبيعها، ولكن هذا قد ~~يحدث بأسلوب خلاق، أي بإنشاء تشكيلات جديدة من نظم الخطاب، وأشكال جديدة ~~من التناص السافر. والصبغة التاريخية الأصيلة في النظرة التناصية إلى ~~النصوص، والصيغة التي تتيح لها أن تقبل بيسر أي ممارسة خلاقة، هما ~~اللتان تجعلانها مناسبة إلى أقصى حد لمشاغلي الراهنة بالتغير الخطابي، ~~وإن كنت سوف أسوق الحجة أدناه إلى ضرورة ربطها بنظرية للتغير الاجتماعي ~~والسياسي من أجل البحث في التغير الخطابي داخل عمليات أوسع نطاقا للتغير ~~الثقافي والاجتماعي. # وأعتقد أن تحليل الممارسة الخطابية ينبغي أن يجمع بين ما يمكن أن نسميه ~~«التحليل الضيق النطاق» (أو «الضيق» وحسب)، وبين ما يمكن أن نسميه «التحليل ~~الواسع النطاق» (أو «الواسع» وحسب). فالأول هو ms092 نوع التحليل الذي يتفوق ~~فيه محللو المحادثة؛ أي أن يشرح المحلل، على وجه الدقة، كيف ينتج ~~المشاركون النصوص ويفسرونها استنادا إلى ما لديهم من «موارد الأعضاء» ~~(جماع الخبرات)، ولكن لا بد من استكمال هذا بالتحليل الواسع من أجل معرفة ~~طبيعة «موارد الأعضاء» (بما في ذلك نظم الخطاب) التي يستندون إليها في ~~إنتاج النصوص وتفسيرها، والبت فيما إذا كانوا يستندون إليها بطرائق معيارية ~~أو خلاقة. والحق أن المرء لا يستطيع أداء التحليل الضيق من دون معرفة ~~ذلك. والتحليل الضيق، بطبيعة الحال، هو الأسلوب الأمثل لإماطة اللثام عن ~~هذه المعلومات، ما دام يقدم الأدلة اللازمة للتحليل الواسع. ومن ثم ~~فإن التحليلين الضيق والواسع لازمان لبعضهما البعض. ووجود هذه العلاقة ~~هو الذي يتيح لبعد الممارسة الخطابية في الإطار ثلاثي الأبعاد الذي وضعته ~~أن يحدد العلاقة بين أبعاد الممارسة الاجتماعية وبين النص، إذ إن طبيعة ~~الممارسة الاجتماعية هي التي تحدد العمليات الواسعة النطاق للممارسة ~~الخطابية، وكذلك العمليات الضيقة النطاق التي تشكل النص. # ومما يترتب على الموقف الذي أتخذه في هذا القسم أن كيفية تفسير الناس ~~للنصوص في شتى الظروف الاجتماعية مسألة تتطلب بحثا منفصلا. وإذا كان ~~الإطار الذي قدمته يشير إلى أهمية النظر في التفسير كموضوع مستقل، فلا ~~بد لي أن أبين أن الدراسات التجريبية مستبعدة من هذا الكتاب (ولمن ~~يريد الاطلاع على البحوث الخاصة بتفسير النصوص الإعلامية أن يرجع إلى ~~مورلي، 1980م، وطومسون، 1990م، الفصل السادس). ~~(4) الخطاب باعتباره ممارسة اجتماعية: الأيديولوجيا والهيمنة # أرمي في هذا القسم إلى أن أحدد بوضوح أكبر بعض جوانب البعد الثالث ~~في إطاري الثلاثي الأبعاد، وهو الخطاب باعتباره ممارسة اجتماعية. وبصفة ~~أخص، سوف أناقش الخطاب في علاقته بالأيديولوجيا والسلطة، والموقع الذي ~~يشغله الخطاب في إطار صورة السلطة باعتبارها هيمنة، وصورة تطور علاقات ~~السلطة باعتبارها صراعا حول الهيمنة. وأنا أعتمد في هذا على الإسهامات ~~الكلاسيكية في ماركسية القرن العشرين، من جانب ألتوسير وجرامشي، إذ إنها ~~(على الرغم من ازدياد النفور المعاصر من الماركسية) تقدم إطارا حافلا ~~للبحث في الخطاب باعتباره ms093 شكلا وممارسة اجتماعية، وإن كان ذلك بتحفظات ~~مهمة، خصوصا في حالة ألتوسير. # الأيديولوجيا # لم تحظ نظرية وضعت للأيديولوجيا بمثل النفوذ الذي حظيت به قطعا ~~نظرية ألتوسير في المناظرة الحديثة العهد حول الخطاب والأيديولوجيا ~~(ألتوسير، 1971م، لاران، 1979م) وكنت قد أشرت إليها إشارة موجزة في أثناء ~~مناقشتي لموقف بيشوه في الفصل الأول. والواقع أننا نستطيع القول بأن ~~ألتوسير قد قدم الأساس النظري للمناظرة المذكورة، وإن كان فولوسينوف ~~(1973م) كان قد قدم مساهمة كبيرة قبله بمدة طويلة. # والأسس النظرية التي أعنيها تتكون من ثلاث مقولات مهمة حول ~~الأيديولوجيا. أما المقولة الأولى فذات وجود مادي في ممارسات المؤسسات، ~~وهو ما يفتح الباب للبحث في الممارسات الخطابية، باعتبارها أشكالا مادية ~~للأيديولوجيا. والمقولة الثانية هي القول بأن الأيديولوجيا «تسائل ~~الذوات» وهو ما يؤدي إلى القول بأن إحدى «النتائج المهمة» لها، وهي التي ~~يتجاهلها علماء اللغة في الخطاب (طبقا لما يقوله ألتوسير، 1971م، 161 ~~هامش 16) تتمثل في تكوين «الذات». والمقولة الثالثة هي القول بأن ~~«أجهزة الدولة الأيديولوجية» (أي مؤسسات مثل التعليم وأجهزة الإعلام) ~~تمثل مواقع للصراع الطبقي وغنائم يحاول المشاركون في الصراع الفوز بها، ~~وهو ما يشير إلى أن الصراع حول الخطاب - وداخل الخطاب - قضية يركز ~~عليها تحليل الخطاب ذو التوجه الأيديولوجي. # وإذا كانت المناظرة حول الأيديولوجيا والخطاب قد تأثرت تأثرا ~~شديدا بهذه المواقف، فإنها قد عانت من أوجه القصور المعترف بها على ~~نطاق واسع في نظرية ألتوسير. ونقول بصفة خاصة: إن عمل ألتوسير يتضمن ~~تناقضا لم يحسم بين رؤية السيطرة باعتبارها فرض أيديولوجية مسيطرة ~~أحادية الجانب وإعادة إنتاجها، وهي التي تبدو الأيديولوجيا في ضوئها ~~بمثابة وسيلة تدعيم اجتماعية عامة، وبين إصراره على أن الأجهزة تعتبر ~~مواقع صراع طبقي دائم وغنائم له، وقوله بأن نتيجة هذا الصراع غير محسومة ~~في جميع الأحوال. والواقع أن النظرة الأولى هي السائدة، وأننا نشهد ~~تهميشا للصراع وللتناقض والتحول. # وسوف أقول أنا بأن الأيديولوجيات تمثل معاني/تفسيرات للواقع ~~(العالم المادي، والعلاقات الاجتماعية، والكيانات الاجتماعية) وأنها بهذا ~~المفهوم راسخة في أبنية شتى الأشكال/المعاني ms094 الخاصة بالممارسات الخطابية، ~~وأنها تسهم في إنتاج علاقات السيطرة أو إعادة إنتاجها أو تحويلها (ويشبه ~~هذا موقف طومسون (1984م، 1990م) القائل بأن بعض استعمالات اللغة وغيرها ~~من «الأشكال الرمزية» ذات طابع أيديولوجي، أي إنها تؤدي، في ظروف ~~معينة، إلى إنشاء علاقات السيطرة أو الحفاظ عليها). وتحقق ~~الأيديولوجيات القائمة داخل الممارسات الخطابية أقصى تأثير لها عندما ~~«تطبع» (أي عندما تبدو طبيعية) وتصطبغ بصبغة «المنطق السليم»؛ ولكننا ~~ينبغي ألا نبالغ في تقدير هذه الخصيصة الثابتة الراسخة للأيديولوجيات؛ ~~لأن إشارتي إلى «التحول» تعني وجود الصراع باعتباره بعدا من أبعاد ~~الممارسة الخطابية؛ فهو صراع يرمي إلى إعادة تشكيل الممارسات الخطابية ~~والأيديولوجيات القائمة في داخلها، في سياق إعادة هيكلة علاقات السيطرة ~~أو تحويلها. فإذا حدث ووجدنا استعمال ممارسات خطابية متضادة في مجال ~~ما أو مؤسسة ما، فإنه من المحتمل أن يكون جانبا من جوانب هذا التضاد ~~أيديولوجيا. # وأنا أقول: إن اللغة تصطبغ بالأيديولوجيا بطرائق منوعة وعلى ~~مستويات متفاوتة، وإننا لسنا مضطرين إلى أن نختار «موقعا» من بين عدة ~~«مواقع» للأيديولوجيا، فلكل موقع ما يبرره جزئيا فيما يبدو، وليس من ~~بينها ما يبدو مرضيا تماما (انظر فيركلف، 1989م، ب، حيث أتحدث بتفصيل ~~أوفى عن الموقف الذي أتخذه هنا). والقضية الرئيسية هي إن كانت ~~الأيديولوجيا من خصائص الأبنية أم من خصائص الأحداث، والإجابة تقول: إنها ~~من خصائص هذه وتلك. والمشكلة الرئيسية، كما سبق أن ذكرت في مناقشتي ~~للخطاب، أن نعثر على شرح مرض لجدلية المباني والأحداث. # وتقول بعض الشروح: إن الأيديولوجيا من خصائص المباني، مبينة أنها ~~تكمن في شكل من أشكال الأعراف التي تقوم عليها اللغة، سواء كان ذلك ~~«شفرة»، أو «بناء»، أو «تشكيلا» معينا. ومن مزايا هذا الشرح إبرازه ~~لقيود الأعراف الاجتماعية المفروضة على الأحداث، ولكن من عيوبه ما سبق ~~لي أن أشرت إليه، أي الميل إلى عدم التركيز على الحادثة استنادا إلى ~~افتراض أن الأحداث مجرد نماذج للمباني، وتحبيذ منظور إعادة إنتاج ~~الأيديولوجيا لا تغييرها، والميل إلى تصوير الأعراف في صورة مبالغ ~~فيها لخضوعها الواضح ms095 للقيود. ويمثل هذا موقف بيشوه في أعماله الأولى. ~~ومن أوجه الضعف الأخرى في «الخيار البنائي» أنه لا يعترف بأولوية نظم ~~الخطاب على أعراف خطابية محددة؛ أي إن علينا أن نعمل حسابا للصبغة ~~الأيديولوجية المضفاة على (أجزاء من) نظم الخطاب، لا مجرد أعراف فردية، ~~وإمكانية وجود صبغات أيديولوجية متنوعة ومتناقضة. ومن البدائل عن خيار ~~البناء تصور وجود الأيديولوجيا في الحادثة الخطابية، وتأكيد ~~الأيديولوجيا باعتبارها عملية، وتحولا ووسيلة، ولكن هذا يمكن أن يؤدي ~~إلى توهم كون الخطاب عمليات تشكيل طليقة، إلا إذا صاحب ذلك تأكيد ~~نظم الخطاب في الوقت نفسه. # ولدينا أيضا النظرة النصية إلى موقع الأيديولوجيا، وهي التي نجدها ~~في علم اللغة النقدي، وتقول: إن الأيديولوجيات توجد في النصوص. وإذا كان ~~صحيحا أن أشكال النصوص ومضمونها تحمل انطباع العمليات والأبنية ~~الأيديولوجية (بمعنى أن النصوص تحمل آثارها)، فليس من الممكن استنباط ~~الأيديولوجيات من النصوص. وذلك، كما سبق أن ذكرت في الفصل الثاني؛ لأن ~~المعاني تستنبط من خلال تفسيرات النصوص، والنصوص تقبل تفسيرات منوعة قد ~~تتفاوت في مفادها الأيديولوجي، ولأن العمليات الأيديولوجية تنتمي لضروب ~~الخطاب باعتبارها أحداثا اجتماعية كاملة - فهي عمليات تدور بين الناس - ~~وليست مجرد نصوص تمثل لحظات داخل هذه العمليات. وأما الزعم بالقدرة ~~على اكتشاف العمليات الأيديولوجية استنادا إلى تحليل النص وحده فإنه ~~يصطدم بالمشكلة التي أصبحت مألوفة الآن في علم الاجتماع الإعلامي، وهي أن ~~«المستهلكين» (من قراء ومشاهدين) يتمتعون، فيما يبدو، بحصانة تامة إزاء ~~آثار الأيديولوجيات التي يفترض وجودها «داخل» النصوص (مورلي، ~~1980م). # وأنا أفضل الرأي القائل بأن الأيديولوجيا قائمة داخل الأبنية (أي ~~نظم الخطاب) التي تكون حصاد أحداث الماضي وظروف الأحداث الجارية، ~~وداخل الأحداث أنفسها أثناء إعادة إنتاجها وتغييرها لصياغتها للأبنية. ~~فهي توجه تراكمي مطبع راسخ في داخل المعايير والأعراف، وكذلك عمل ~~لا يتوقف في تطبيع مثل هذه التوجهات في الأحداث الخطابية ونقض هذا ~~التطبيع. # ومن الأسئلة المهمة الأخرى عن الأيديولوجيا سؤال يقول: ما معالم النص ~~والخطاب أو مستوياتهما التي تصطبغ بصبغة أيديولوجية؟ من المزاعم الشائعة ~~القول بأن «المعاني» ms096 وخصوصا معاني الألفاظ (وهو ما يقال أحيانا إنه ~~«المضمون»؛ تمييزا له عن «الشكل») هي التي تحمل الأيديولوجيا (مثل ~~طومسون، 1984م). ومعاني الألفاظ مهمة، بطبيعة الحال، ولكن الأهمية تنسب ~~أيضا لجوانب أخرى من المعنى، مثل الافتراضات السابقة (انظر الفصل ~~الخامس) والاستعارات (انظر الفصل السادس) ومثل ترابط المعنى. وقد سبق لي ~~أن أشرت في القسم السابق إلى مدى أهمية ترابط المعنى للتكوين ~~الأيديولوجي للذوات. # والواقع أن إقامة تضاد صارم بين «المضمون» أو «المعنى» وبين الشكل، ~~أمر مضلل؛ لأن معاني النصوص ترتبط ارتباطا وثيقا بأشكال النصوص، ~~وبعض المعالم الشكلية للنصوص، على مستويات منوعة، قد تكون ذات صبغة ~~أيديولوجية. فعلى سبيل المثال نجد أن تصوير حالات التدهور الاقتصادي ~~وشيوع البطالة باعتبارها تشبه الكوارث الطبيعية قد يتضمن تفضيلا ~~لأبنية الجمل (ذوات الأفعال) اللازمة على الأبنية (ذوات الأفعال) ~~المتعدية. قارن هذه العبارة «العملة فقدت # 1 # قيمتها والملايين عاطلون» بالعبارة التالية «المستثمرون ~~يشترون الذهب، والشركات فصلت الملايين» (وانظر الفصل السادس؛ حيث أشرح ~~هذين المصطلحين). ونجد على مستوى آخر أن نظام التناوب في الحديث داخل ~~قاعة الدرس أو أعراف التأدب بين السكرتيرة والمدير، تدل على وجود ~~افتراضات أيديولوجية معينة حول الهويات الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية ~~بين المعلمين والتلاميذ، وبين المديرين وأفراد السكرتارية. وسوف أقدم ~~نماذج أخرى ذات تفصيلات أكبر في عينات النصوص الواردة في الفصول 4-6، ~~بل إن بعض جوانب الأسلوب قد تكون ذات صبغة أيديولوجية؛ راجع تحليلي (في ~~الفصل الرابع) حيث أبين كيف أن أسلوب الكتيب الذي نشرته وزارة ~~التجارة والصناعة يسهم في تكوين صورة «الذات المبادرة» (أو ذات «الهمة») ~~باعتبارها نمطا من أنماط الهوية الاجتماعية. # وينبغي ألا نفترض أن الناس على وعي بالأبعاد الأيديولوجية ~~لممارساتهم، فالأيديولوجيات التي تتحول إلى جزء لا يتجزأ من الأعراف قد ~~تصبح إلى حد ما مطبعة وذات صبغة تلقائية، وقد يصعب على الناس أن ~~يدركوا أن ممارساتهم المعتادة قد تتخذ لها صورا أيديولوجية محددة. ~~وحتى حين تقبل ممارسة المرء تفسيرها بأنها تمثل مقاومة وتسهم في ~~التغيير الأيديولوجي، فالمرء لا يعي بالضرورة وبالتفصيل مفادها ms097 ~~الأيديولوجي، ونستطيع أن نقيم الحجة على إمكان الأخذ بأسلوب من أساليب ~~تعليم اللغة يؤكد الوعي النقدي بالعمليات الأيديولوجية في الخطاب، بحيث ~~يزداد وعي الناس بممارستهم، ويزداد انتقادهم لضروب الخطاب المثقلة ~~بالأيديولوجيا التي تفرض عليهم (انظر كلارك، وآخرون، 1988م، وكتاب ~~فيركلف تحت الطبع، أ). # ومن الممكن ربط هذه الملاحظات الخاصة بالوعي بالقضايا المتعلقة ب ~~«مساءلة» الذوات. والحال المثالية فيما يعرضه ألتوسير هي حال الذات التي ~~تكتنف الأيديولوجيا موقعه ولكنها تخفي أفعالها ونتائجها، وتمنح الذات ~~استقلالا موهوما. ويوحي هذا بوجود أعراف خطابية تصطبغ بصبغة طبيعية إلى ~~أقصى حد، ولكن الناس في الواقع يخضعون للأيديولوجيا بطرائق مختلفة ~~ومتناقضة، وهو ما يبدأ في إثارة الشكوك في الحال المثالية. فإذا كان ~~الخضوع متناقضا، بمعنى أن يكون الشخص العامل في إطار مؤسسي واحد ومجموعة ~~واحدة من الممارسات خاضعا ل «المساءلة» من مواقع متنوعة وتتجاذبه قوى ~~في اتجاهات مختلفة - إن صح هذا التعبير - فقد يتعذر الحفاظ على ~~التطبيع. ومن المحتمل أن يتجلى تناقض «المساءلة» على مستوى الخبرة ~~العملية فيما يصيب المرء من تشوش وقلق وما يراه في الأعراف من إشكاليات ~~(انظر «التغير الخطابي» أدناه). وهذه هي الظروف التي من المرجح أن ينشأ ~~فيها الوعي و«الممارسة التحويلية» كذلك. # وهكذا فإن تناول ألتوسير لمسألة الذات يبالغ في تصوير دور ~~الأيديولوجيا في تكوين الذوات وبالتالي يقلل من قدرة الذوات على العمل ~~الفردي والجماعي باعتبارهم قوى إيجابية، بما في ذلك المشاركة في البحوث ~~النقدية للممارسات الأيديولوجية ومعارضتها (ارجع إلى تحفظاتي على فوكوه ~~في هذا الصدد في الفصل السابق). ومن المهم هنا أيضا أن نتخذ الموقف ~~الجدلي الذي سبق أن دعوت إليه، فالذوات في مواقع أيديولوجية، ولكنها ~~أيضا تتمتع بالقدرة على العمل الخلاق لإقامة روابطها الخاصة بين ~~الممارسات والأيديولوجيات المنوعة التي تتعرض لها، وعلى إعادة هيكلة ~~الممارسات والأبنية التي تحدد المواقع. والتوازن بين الذات باعتبارها ~~«ناتجا» أيديولوجيا وبين الذات باعتبارها عاملا فعالا، من ~~المتغيرات التي تعتمد على الأحوال الاجتماعية، مثل الاستقرار النسبي ~~لعلاقات السيطرة. # هل جميع ضروب الخطاب أيديولوجية؟ لقد ذكرت أن ms098 الممارسات الخطابية ~~تكتسب صبغة أيديولوجية في حدود ما تتضمنه من معان تسهم في الحفاظ على ~~علاقات السلطة أو إعادة بنائها. وقد تتأثر علاقات السلطة، من ناحية ~~المبدأ، بالممارسات الخطابية من أي نمط، حتى العلمي والنظري منها. وهذا ~~يمنع التعارض القاطع بين الأيديولوجيا وبين العلم أو النظرية، وهو ما قال ~~به بعض من كتب عن اللغة/الأيديولوجيا (زيما، 1981م؛ بيشوه، 1982م)، ولكن ~~ذلك لا يعني أن جميع ضروب الخطاب أيديولوجية، ولا يمكن تخليصها من ~~الأيديولوجيا. فالأيديولوجيات تنشأ في مجتمعات تتسم بعلاقة الهيمنة ~~استنادا إلى الطبقة، أو التمييز بين الجنسين أو بين الجماعات الثقافية ~~وهلم جرا، وما دام البشر قادرين على تجاوز أمثال هذه المجتمعات، ~~فإنهم قادرون على تجاوز الأيديولوجيا. ومن ثم فأنا لا أقبل رأي ~~ألتوسير (1971م) عن «الأيديولوجيا عموما» باعتبارها الملاط الاجتماعي ~~الذي لا ينفصل عن المجتمع نفسه. أضف إلى ذلك أنه إذا كانت جميع أنماط ~~الخطاب في مجتمعنا، يمكنها أن تصطبغ بصبغة أيديولوجية من ناحية المبدأ، ~~وفي الواقع أيضا إلى حد ما، ودون أي شك، فإن ذلك لا يعني أن جميع ~~أنماط الخطاب ذات صبغة أيديولوجية واحدة، فليس من العسير إثبات أن ~~الإعلانات بصفة عامة ذات صبغة أيديولوجية أكبر من العلوم ~~الطبيعية. # الهيمنة # يمثل مفهوم الهيمنة عماد تحليل جرامشي للرأسمالية الغربية ~~والاستراتيجية الثورية في أوروبا الغربية (جرامشي، 1971م؛ بوسي، جلوكمان، ~~1980م) وهو متناغم مع مفهوم الخطاب الذي أدعو إليه ، ويقدم صورة نظرية ~~للتغيير فيما يتعلق بتطور علاقات السلطة بحيث يسمح بالتركيز بصفة خاصة ~~على التغيير الخطابي، ولكنه يتيح لنا في الوقت نفسه أن نرى كيف يسهم في ~~عمليات التغيير الأوسع نطاقا، وكيف تشكله هذه العمليات في الوقت ~~نفسه. # والهيمنة تعني الزعامة أو القيادة، مثلما تعني السيطرة في جميع ~~المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والأيديولوجية في مجتمع من ~~المجتمعات. والهيمنة خضوع المجتمع كله لسلطة إحدى الطبقات الأساسية وفق ~~التعريف الاقتصادي، بالتحالف مع القوى الاجتماعية الأخرى، غير أنها لا ~~تتحقق أبدا إلا بصورة جزئية ومؤقتة، باعتبارها «توازنا غير مستقر». ~~وقضية الهيمنة قضية بناء ms099 تحالفات، والتكامل مع الطبقات الثانوية لا السيطرة ~~عليها وحسب، إما من خلال تقديم بعض التنازلات لها، وإما بوسائل أيديولوجية، ~~من أجل الحصول على رضاها. والهيمنة بؤرة لصراع دائم حول المسائل المتسمة ~~بأقصى درجة من عدم الاستقرار بين الطبقات والكتل، في سبيل بناء تحالفات ~~وعلاقات سيطرة/تبعية أو الحفاظ عليها أو كسرها، متخذة أشكالا اقتصادية ~~وسياسية وأيديولوجية. والصراع على الهيمنة يقع على جبهة عريضة، تتضمن ~~مؤسسات المجتمع المدني (التعليم والنقابات والأسرة) مع التفاوت المحتمل بين ~~المستويات والمجالات المختلفة. # ومفهوم الأيديولوجيا في هذا الإطار يستبق كل ما أتى به ألتوسير ~~(بوسي، جلوكسمان، 1980م، 66)، إذ إنه يركز، مثلا، على التجسيد المضمر ~~واللاواعي للأيديولوجيات في الممارسات (التي تتضمنها باعتبارها «مبادئ» ~~نظرية مضمرة)، وحيث تعتبر الأيديولوجيا «تصورا للعالم لا يبدو إلا ~~مضمرا في الفن وفي القانون وفي النشاط الاقتصادي وفي تجليات الحياة ~~الفردية والجماعية» (جرامشي، 1971م، 328). وإذا كانت فكرة «مساءلة» الذوات ~~تمثل جانبا من التفاصيل التي أتى بها ألتوسير، فإننا نجد في جرامشي ~~تصورا للذوات باعتبارها أبنية أقامتها أيديولوجيات منوعة مضمرة في ~~الممارسات، وهو ما يمنحها طابعا «تركيبيا غريبا» (1971م، 324)، وكذلك ~~تصور «المنطق السليم» باعتباره مستودعا للنواتج المنوعة للصراعات ~~الأيديولوجية في الماضي، وهدفا دائما لإعادة البناء في الصراعات الراهنة. ~~وفي إطار «المنطق السليم» تكتسب الأيديولوجيات الصفة الطبيعية أو ~~التلقائية. أضف إلى ذلك أن جرامشي كان يرى «مجال الأيديولوجيات في صورة ~~تيارات تشكيلات متضاربة أو متداخلة أو متقاطعة » (هول، 1988م، 55-56) وهو ما ~~كان يشير إليه بتعبير «المركب الأيديولوجي» (جرامشي، 1971م، 195). ويعني ~~هذا أن ينصب التركيز على العمليات التي تبنى بها المركبات ~~الأيديولوجية، ويعاد بناؤها، وتتعرض للربط بينها، وإعادة ربطها (توجد ~~مناقشة مهمة للهيمنة والربط في لاكلاو وموف (1985م) وهي تمثل سابقة ~~لتطبيقي هذه المفاهيم على الخطاب، وإن كانت تخلو من تحليل نصوص فعلية، وهو ~~ما أراه جوهريا لتحليل الخطاب). # ومثل هذا التصور للصراع على الهيمنة القائم على ربط العناصر، والفصل ~~بينها، وإعادة ربطها، يتفق مع ما سبق أن قلته عن الخطاب، مثل النظرة ~~الجدلية للعلاقة بين ms100 الأبنية الخطابية والأحداث؛ ورؤية الأبنية الخطابية ~~باعتبارها نظما للخطاب تتخذ صورة تجمعات للعناصر غير المستقرة إلى حد ~~ما؛ واتخاذ رؤية للنصوص تركز على تناصها وكيف ترتبط بنصوص وأعراف سابقة ~~وتفصح عنها. ويمكن النظر إلى أحد نظم الخطاب باعتباره الواجهة الخطابية ~~للتوازن المتناقض وغير المستقر الذي يشكل الهيمنة، وإلى الربط وإعادة ~~الربط عنها في نظم الخطاب باعتباره إحدى «الغنائم» في الصراع على الهيمنة. ~~أضف إلى ذلك أن الممارسة الخطابية، وإنتاج النصوص وتوزيعها واستهلاكها ~~(بما في ذلك تفسيرها) يعتبر واجهة للصراع على الهيمنة الذي يسهم بدرجات ~~متفاوتة في إعادة إنتاج نظام الخطاب القائم أو تغييره (كأن يكون ذلك مثلا ~~من خلال الربط ما بين النصوص والأعراف السابقة في إنتاج النصوص) وأيضا من ~~خلال العلاقات الاجتماعية وعلاقات السلطة القائمة. # فلنضرب مثالا من الخطاب السياسي للسيدة ثاتشر (رئيسة وزراء بريطانيا ~~السابقة)، نستطيع تفسيره باعتباره إعادة ربط داخل النظام القائم للخطاب ~~السياسي، ما دام يربط أو يجمع بين ضروب الخطاب التقليدية المحافظة، ~~والليبرالية الجديدة، والشعبية، في مزيج جديد، كما كان يشكل خطاب سلطة ~~سياسية لم يسبق له مثيل من جانب امرأة في موقع الزعامة. وإعادة الربط ~~الخطابية تجسد مشروع هيمنة يرمي إلى تكوين قاعدة وبرنامج عمل سياسيين ~~جديدين، ويعتبر في ذاته واجهة للمشروع السياسي الأكبر الرامي إلى إعادة ~~هيمنة الكتلة المرتكزة على البرجوازية في ظروف اقتصادية وسياسية جديدة. ~~ويبين وصف خطاب ثاتشر على هذا النحو من جانب هول (1988م) وفيركلف (1989م، ~~أ ) كيف يمكن إجراء تحليل استنادا إلى مفهوم للخطاب يشبه المفهوم الذي ~~عرضته عاليه، وبمنهج يفسر المعالم الخاصة للغة النصوص السياسية عند ~~ثاتشر (وهو ما لا يفعله هول). وينبغي أن أضيف أن نظام الخطاب الذي يتضمن ~~إعادة الربط المذكور يتسم بالتناقض، إذ تتعايش فيه العناصر السلطوية مع ~~العناصر الديمقراطية وعناصر المساواة (فعلى سبيل المثال نجد أن ضمير الجمع ~~للمتكلم (نحن) الذي يوحي ضمنا بأن المتحدث يتكلم باسم الناس العاديين، ~~يتعايش مع ضمير المخاطب النكرة (أي الذي يعني «المرء») في عبارة مثل «أفلا ~~تشعر بالضيق ms101 من استمرار هطول المطر؟») وأن عناصر الموقف الأبوي تختلط ~~بعناصر الموقف النسوي. أضف إلى ذلك أن إعادة الربط بين نظم الخطاب لا ~~تتحقق في الممارسة الخطابية المنتجة فقط، ولكن أيضا في التفسير؛ إذ إن ~~إدراك معنى نصوص ثاتشر يقتضي وجود مفسرين قادرين على إقامة الصلات ~~الكفيلة بترابط المعنى بين هذه العناصر غير المتجانسة، ويتمثل جانب من ~~جوانب مشروع الهيمنة في تكوين ذوات المفسرين الذين تبدو لهم أمثال هذه ~~الصلات طبيعية وتلقائية. # وعلى أية حال فإن معظم ضروب الخطاب تتعلق بالصراع على الهيمنة في ~~مؤسسات معينة (كالأسرة، والمدارس، والمحاكم ... إلخ) لا على مستوى السياسة ~~القومية؛ فالأبطال (إن صح هذا التعبير) ليسوا طبقات أو قوى سياسية ترتبط ~~بطرائق مباشرة نسبيا بالطبقات والكتل، بل معلمون وتلاميذ، أو رجال ~~الشرطة والجمهور، أو النساء والرجال. والهيمنة تقدم أيضا نموذجا ~~وإطارا في هذه الحالات. أما النموذج، في التعليم مثلا، فيبين كيف تمارس ~~الجماعات المسيطرة فيما يبدو سلطتها من خلال تكوين أحلاف، وتحقيق التكامل ~~مع المجموعات الثانوية، لا السيطرة عليها وحسب، والفوز برضاها، وتحقيق ~~توازن قلق قد تقوضه مجموعات أخرى، وهي تحقق ذلك جزئيا من خلال الخطاب ~~ومن خلال تكوين النظم المحلية للخطاب. وأما عن الإطار، فإن تحقيق الهيمنة ~~على المستوى المجتمعي يتطلب درجة من التكامل بين المؤسسات المحلية شبه ~~المستقلة وبين علاقات السلطة، حتى تتكون الأخيرة جزئيا من علاقات ~~الهيمنة، وعندها يمكن تفسير الصراعات المحلية باعتبارها صراعات على السلطة. ~~ويوجه هذا انتباهنا إلى الصلات فيما بين المؤسسات، وإلى الروابط ~~والحركة بين نظم الخطاب المؤسسية (انظر الفصل السابع أدناه؛ حيث يوجد تحليل ~~لضروب التغير التي تتجاوز نظم الخطاب المحددة). # وعلى الرغم من أن الهيمنة هي الشكل التنظيمي السائد فيما يبدو للسلطة ~~في المجتمع المعاصر، فإنها ليست الشكل الوحيد؛ إذ نرى أيضا بقايا شكل كان ~~أشد بروزا يوما ما، إذ تتحقق الهيمنة فيه بالفرض الصارم للقواعد ~~والمعايير والأعراف. ويبدو أن ذلك يتفق مع النموذج الشفري للخطاب، أي الذي ~~يرى الخطاب باعتباره تحقيقا لشفرات تتميز بأطر قوية وتصنيف محكم ms102 ~~(بيرنشتاين 1981م) وممارسة معيارية صلبة التنظيم. وهذا يمثل عكس ما يمكن أن ~~نسميه نموذج الخطاب «الترابطي» الموصوف آنفا والذي ينتمي إلى شكل تنظيمي ~~للهيمنة. والنماذج الشفرية ذات توجه مؤسسي إلى حد بعيد، على عكس ~~النماذج الترابطية ذات التوجه الأقوى إلى الجمهور أو العملاء، قارن ~~الصورة التقليدية لخطاب قاعة الدرس أو خطاب الطبيب والمريض بالصورة الحديثة ~~لهذا وذاك (وأنا أناقش نماذج محددة من النوع الأخير في الفصل الخامس ~~أدناه). ومن ناحية أخرى نجد أن من يكتبون عن مذهب «ما بعد الحداثة» يشيرون ~~إلى ظهور شكل تنظيمي للسلطة يصعب تحديده بعض الشيء، لكنه يمثل زيادة ~~الابتعاد عن التوجه المؤسسي (المرتبط بافتراض هدم مركزية السلطة)، ويبدو ~~أنه يقترب من نموذج «فسيفسائي» للخطاب يميز الممارسة الخطابية باعتبارها ~~إعادة ترابط دائم لا يكاد يخضع لأية قيود بين العناصر. ويشار إلى ~~الممارسة الخطابية التي تتفق فيما يبدو مع هذا النموذج بأنها «ما بعد ~~حداثية» (جيمسون 1984م) وأوضح أمثلته الإعلانات (انظر فيركلف، 1989م، أ، ~~197-211). وسوف أعود إلى هذه النماذج الخاصة بالخطاب في الفصل السابع ~~أدناه، في غمار مناقشة لاتجاهات عامة معينة تؤثر في نظم الخطاب ~~المعاصرة. # وتلخيصا لما سبق أقول: إنني حددت، في إطار تحليل الخطاب ذي الأبعاد ~~الثلاثة الذي عرضته آنفا، الاهتمام الرئيسي برصد الرابطة الشارحة في ~~أمثلة معينة من الخطاب بين طبيعة الممارسات الاجتماعية التي تعتبر هذه ~~الأمثلة جزءا منها، وبين طبيعة ممارستها الخطابية، بما في ذلك الجوانب ~~المعرفية الاجتماعية لإنتاجها وتفسيرها. ومفهوم الهيمنة يعيننا على فعل ~~هذا؛ إذ إنه يوفر للخطاب إطارا - أي أسلوبا - لتحليل الممارسة ~~الاجتماعية التي ينتمي إليها الخطاب من زاوية علاقات السلطة، أو التساؤل ~~عما إن كانت تعيد إنتاج الهيمنة القائمة أو تعيد بناءها أو تطعن فيها، ~~ونموذجا، أي أسلوبا لتحليل الممارسة الخطابية نفسها باعتبارها شكلا من ~~أشكال الصراع على الهيمنة، وهو الذي قد يعيد إنتاج نظم الخطاب القائمة أو ~~يعيد بناءها أو يطعن فيها. ومن شأن هذا تأكيد صحة الصبغة السياسية ~~للممارسات الخطابية، وما دامت صور الهيمنة تتسم بأبعاد ms103 أيديولوجية، فإن ذلك ~~يفتح الباب أمام تقييم الصبغة الأيديولوجية للممارسات الخطابية. ومن ~~المزايا الكبرى لمناقشة الهيمنة في السياق الحالي أنها تسهل التركيز على ~~التغيير وهو الذي يمثل آخر اهتماماتي في هذا الفصل. ~~(5) التغير الخطابي # يركز هذا الكتاب على التغير الخطابي في علاقته بالتغير الاجتماعي ~~والثقافي؛ والمبرر المنطقي لكتابته مذكور في «المقدمة» ويقول إنه النظر ~~في العمل الذي يؤديه الخطاب في الحياة الاجتماعية المعاصرة. والواقع أن ~~لدينا بؤرتين تتفقان مع الجدلية الدائرة بين نظم الخطاب والممارسة ~~الخطابية أو الحادثة الخطابية. فالمرء يحتاج، من ناحية معينة، إلى أن ~~يفهم عمليات التغيير في الصورة التي تتخذها في الأحداث الخطابية، ويحتاج من ~~ناحية أخرى إلى التوجيه حتى يعرف كيف تؤثر إعادة الترابط في نظم الخطاب. ~~وأناقش الآن هاتين المسألتين بالترتيب. # للتغيير في الحادثة الخطابية أصول ودوافع مباشرة تكمن في الإشكالية ~~التي تنشأ في أعراف منتجي النصوص ومفسريها بأساليب منوعة. فعلى سبيل ~~المثال نرى أن الإشكالية التي نشأت في أعراف التفاعل بين المرأة والرجل قد ~~انتشرت في شتى المؤسسات والمجالات. وأمثال هذه الإشكاليات تقوم على ~~التناقضات، وهي التناقضات في هذه الحالة بين مواقع الذوات التقليدية ~~للجنسين التي درج الكثير منا على اكتسابها في أثناء التكيف الاجتماعي، ~~وبين العلاقات الجديدة بين الجنسين. وعلى مستوى مختلف إلى حد ما، يمكن أن ~~نعتبر أن الخطاب السياسي للسيدة ثاتشر قد نشأ من الإشكالية التي تعرضت ~~لها الممارسات الخطابية اليمينية التقليدية في الظروف التي اتضحت فيها ~~التناقضات بين العلاقات الاجتماعية، ومواقع الذوات، والممارسات السياسية ~~التي نشأت منها، والعالم المتغير. وعندما تنشأ الإشكاليات يواجه الناس ما ~~يسميه بيليج وآخرون (1988م) «معضلات». وكثيرا ما يحاول الناس التغلب على ~~هذه المعضلات بأساليب تجديدية خلاقة، أي بالتكيف مع الأعراف القائمة ~~بطرائق جديدة، وبذلك يسهمون في التغيير الخطابي. ويؤدي التناص الراسخ - ومن ~~ثم الطابع التاريخي لإنتاج النصوص وتفسيرها - إلى إقرار النزعة ~~الخلاقة باعتبارها أحد الخيارات المتاحة. ويضم التغيير أشكالا من ~~التعدي، وتجاوز الحدود، مثل إعداد تشكيلات جديدة من الأعراف القائمة، أو ~~الانتفاع بالأعراف في حالات ms104 تحول عادة دون ذلك. # وأمثال هذه التناقضات والمعضلات والرؤى الذاتية للمشكلات في المواقف ~~العملية تتجسد اجتماعيا في تناقضات بنائية وصراع على المستويين ~~المؤسسي والمجتمعي. فإذا تابعنا المثال الخاص بالعلاقة بين الجنسين رأينا ~~أن مواقع الأفراد المتناقضة في الأحداث الخطابية والمعضلات الناجمة عنها ~~ذات أصول في التناقضات البنائية في علاقات الجنسين داخل المؤسسات والمجتمع ~~كله. وأما العامل الحاسم الذي يحدد تجليات هذه التناقضات في أحداث ~~معينة فهو علاقة هذه الأحداث بالصراعات الدائرة حول تلك التناقضات. ~~واستقطاب إمكانيات أشد تركيبا وتعقيدا يعني أن الحادث الخطابي قد يمثل ~~إما إسهاما في الحفاظ على العلاقات وضروب الهيمنة التقليدية بين الجنسين ~~وإعادة إنتاجها، مستندا بذلك إلى الأعراف الإشكالية، وإما إسهاما في ~~تحويل طابع هذه العلاقات من خلال الصراع على الهيمنة، محاولا بذلك حل ~~المعضلات من خلال التجديد. وللأحداث الخطابية نفسها آثار تراكمية في ~~التناقضات الاجتماعية والصراعات الدائرة حولها. وموجز القول إذن أن ~~العمليات المعرفية الاجتماعية يمكن أن تكون تجديدية فتسهم في التغيير ~~الخطابي، ويمكن ألا تكون كذلك، طبقا لطبيعة الممارسة الاجتماعية. # فلننتقل الآن إلى البعد النصي للخطاب. إن التغيير يخلف آثارا في ~~النصوص تتخذ شكل تواجد عناصر متناقضة أو غير متسقة، كأن تكون ضروبا من ~~المزج بين الأسلوبين الرسمي وغير الرسمي، والمفردات التقنية وغير التقنية، ~~والعلامات الدالة على السلطة أو على الألفة، وأشكال من التراكيب المميزة ~~للكتابة والتراكيب المميزة للغة المنطوقة وهلم جرا. فإذا كتب لاتجاه ~~معين من اتجاهات التغيير أن يشيع ويصبح مقبولا، أي أن يكتسب صلابة ~~العرف الجديد الناشئ، فإن النصوص التي كانت تبدو للمفسرين متناقضة الأسلوب ~~في البداية سوف تفقد ما كانت توحي به من أنها «قص ولصق» وتبدو بلا ثغرات. ~~ومثل هذا التطبيع لا غنى عنه في إنشاء ضروب جديدة من الهيمنة في مجال ~~الخطاب. # ويؤدي بنا هذا إلى المسألة الثانية التي نركز عليها وهي نظم الخطاب. ~~فلما كان منتجو النصوص ومفسروها يجمعون بين أعراف خطابية وشفرات وعناصر ~~بطرائق جديدة في الأحداث الخطابية التجديدية، فإنهم ينتجون بصورة تراكمية ~~تغييرات بنائية في ms105 نظم الخطاب: أي إنهم يفككون نظم خطاب قائمة، ويعيدون ~~هيكلة نظم خطاب جديدة، أي ضروب هيمنة خطابية جديدة. وقد تؤثر أمثال هذه ~~التغييرات البنائية في نظام الخطاب «المحلي» فقط لإحدى المؤسسات، وقد ~~تتجاوز المؤسسات وتؤثر في النظام المجتمعي للخطاب. ومن ثم ينبغي أن ~~يستمر انتقال التركيز، أثناء إجراء البحوث في التغيير الخطابي، بين الحادث ~~الخطابي وأمثال هذه التغييرات البنائية، لأنه من المحال تقدير قيمة الأول ~~وأهميته لعمليات التغير الاجتماعي الأوسع نطاقا، من دون الاهتمام بالأخير، ~~تماما مثلما يستحيل تقدير مدى إسهام الخطاب في التغيير الاجتماعي دون ~~اهتمام بالأول. # فلأضرب أمثلة توضح القضية التي يمكن للمرء أن يبحثها في إطار دراسات ~~التغير في نظم الخطاب، مشيرا إلى نمطين متصلين من أنماط التغيير التي ~~تؤثر حاليا في النظام المجتمعي للخطاب (وسوف أتوسع في مناقشة هذين في ~~الفصل السابع أدناه). الأول إضفاء الديمقراطية ظاهريا على الخطاب ~~بالتقليل من الدلائل السافرة على التفاوت في السلطة بين الأشخاص الذين ~~تتفاوت سلطتهم المؤسسية، أي: مثلا بين المعلمين والتلاميذ، وبين المديرين ~~والعمال، وبين الآباء والأطفال، وبين الأطباء والمرضى، وهو ما يتضح في ~~الكثير من المجالات المؤسسية. والمثال الثاني هو ما سبق لي أن أسميته ب ~~«الطابع الشخصي المصطنع» (فيركلف، 1989م، أ) أي اصطناع نبرة الحديث ~~الشخصي بين اثنين فقط في الخطاب العام الموجه للجماهير (في الصحف ~~والراديو والتليفزيون). ولنا أن نربط هذين الاتجاهين بانتشار خطاب المحادثة ~~وانتقاله من المجال الخاص لعالم الحياة إلى المجالات المؤسسية. وقد رسخت ~~جذور هذين الاتجاهين الاجتماعيين الخطابيين من خلال الكفاح، ولكن رسوخ ~~جذورهما محدود، الأمر الذي ينذر بأن عناصرهما غير المتجانسة سوف يتضح ~~تناقضها الذي يؤدي إلى المزيد من الصراع والتغيير. # ومن جوانب انفتاح نظم الخطاب على الصراع أن عناصر أي نظام من نظم ~~الخطاب لا يتضمن قيما أو أشكالا لصبغة أيديولوجية ثابتة. ولننظر مثلا ~~في جلسات المشورة؛ إنها، فيما يبدو، أسلوب بريء من إصدار التعليمات أو ~~الأحكام، بل نهج للتعاطف مع الناس والتحادث معهم حول أنفسهم ومشاكلهم في ~~جلسات تقتصر على ms106 فردين فقط. ورغم أن جلسات المشورة ذات أصول علاجية، فإنها ~~تشيع الآن باعتبارها تقنية معينة في العديد من المجالات المؤسسية، نتيجة ~~لإعادة بناء نظام الخطاب إعادة لها مغزاها، ولكن هذا التطور أصبح ذا معنى ~~شديد الالتباس من الزاويتين الأيديولوجية والسياسية. فمعظم مقدمي ~~المشورة يرون أنهم يقدمون مساحة فردية للأشخاص في عالم تزداد معاملته لهم ~~بصفتهم أصفارا، وهو ما يجعل جلسات المشورة تبدو ممارسة مضادة للهيمنة، ~~وتجعل استعمارها لمؤسسات جديدة تزداد أعدادها بانتظام يبدو تغييرا ~~تحرريا. ومع ذلك فإن جلسات المشورة تستخدم اليوم بديلا مفضلا عن ~~الإجراءات التأديبية السافرة في مؤسسات منوعة، وهو ما يجعلها تبدو في صورة ~~تقنية من تقنيات الهيمنة ما دامت تدخل بعض جوانب الحياة الشخصية للأفراد، ~~ببراعة خفية، إلى مجال السلطة. ويقع الصراع على الهيمنة، فيما يبدو، من ~~خلال جلسات المشورة وانتشارها في جانب منه، ويقع حولها في جانب آخر منه. ~~ويتفق هذا مع ما يقوله فوكوه: «ضروب الخطاب عناصر تكتيكية أو سدود تعمل في ~~ميدان علاقات القوة؛ ومن الممكن أن توجد ضروب مختلفة بل ومتناقضة من الخطاب ~~داخل الاستراتيجية نفسها؛ وعلى العكس من ذلك تستطيع أن تنتشر من دون تغيير ~~شكلها من استراتيجية معينة إلى استراتيجية أخرى معارضة لها» (1981م، ~~101). # ومن الممكن أن يسهم استكشاف اتجاهات التغيير داخل نظم الخطاب إسهاما ~~كبيرا في المناظرات الجارية حول التغير الاجتماعي. فمن الممكن البحث في ~~إضفاء طابع السوق - أي التوسع في نشر النموذج السوقي في مجالات جديدة - ~~من خلال النظر في الظاهرة الحديثة وهي الاستعمار الواسع النطاق لنظم ~~الإعلانات وغيرها من أنماط الخطاب (انظر فيركلف، 1989م، أ، والفصل السابع ~~أدناه). وإذا كان إضفاء الديمقراطية على الخطاب والطابع الشخصي المصطنع ~~يمكن ربطهما بإضفاء قدر من الديمقراطية الحقة على المجتمع، فمن الممكن ~~أيضا ربطهما بإضفاء طابع السوق عليه، خصوصا إزاء التحول الظاهر في ميزان ~~السلطة من المنتج إلى المستهلك، وهو ما يرتبط بالنزعة الاستهلاكية وأنواع ~~الهيمنة الجديدة المترتبة عليها. وقد يكون من المفيد أيضا وجود بعد خطابي ~~في المناظرات الدائرة حول ms107 الحداثة وما بعد الحداثة. فعلى سبيل المثال: هل ~~يمكننا أن نرى أن إضفاء الديمقراطية والطابع الشخصي المصطنع وانتشار ~~المحادثة ووصولها إلى المجالات المؤسسية يمثل إلغاء الفوارق بين المجالين ~~العام والخاص (جيمسون 1984م) أم تفتيتا للممارسات المهنية التي كانت تتمتع ~~بأبنية متماسكة من قبل؟ (في الفصل السابع مناقشة أوفى.) # الخاتمة # يحاول المدخل الذي عرضته في هذا الفصل للخطاب وتحليل الخطاب إقامة ~~التكامل بين منظورات ومناهج نظرية منوعة بحيث يصبح - وفق ما أرجوه - ~~أسلوبا فعالا لدراسة الأبعاد الخطابية للتغير الاجتماعي والثقافي. ولقد ~~حاولت الجمع بين جوانب معينة من رأي فوكوه في الخطاب وتأكيد باختين ~~للتناص؛ فالأول يتضمن تأكيدا بالغ الأهمية لخصائص الخطاب التي يبنيها ~~المجتمع، والأخير يؤكد «النسيج» النصي (هاليداي وحسن، 1976م) أي تكوين ~~النصوص من خيوط من نصوص أخرى، وكلاهما يشير إلى الطريقة التي تبني بها ~~نظم الخطاب الممارسة الخطابية، وكيف تعيد هذه الممارسة بناء تلك النظم. ~~كما حاولت أن أقيم النظرة الدينامية للممارسة الخطابية وعلاقتها بالممارسة ~~الاجتماعية الناجمة من التلاقي المذكور في إطار الصورة النظرية التي رسمها ~~جرامشي للسلطة والصراع على السلطة من زاوية الهيمنة. واستفدت في الوقت ~~نفسه من بعض التقاليد الأخرى في علم اللغة، وتحليل الخطاب القائم على النص، ~~واستعمال الإثنومنهجية الخاصة بتحليل المحادثة في التحليل النصي. وأعتقد أن ~~الإطار الذي نشأ يسمح للمرء فعلا بالجمع بين العلاقة الاجتماعية والخصوصية ~~النصية في إجراء تحليل الخطاب، والتناول المباشر للتغيير. # الفصل الرابع # | التناص # قدمت مفهوم التناص في الفصل الثالث، مشيرا إلى اتفاقه مع الأولوية ~~التي أوليها للتغير في الخطاب، ولبناء أنظمة الخطاب وإعادة بنائها، وكنت ~~أشرت إلى مفهوم التناص أيضا في الفصل الثاني باعتباره عنصرا مهما في ~~تحليل الخطاب عند فوكوه. ولنتذكر ما يقوله: «من المحال أن توجد عبارة لا ~~تقوم، بصورة ما، بإعادة تمثيل عبارات أخرى» (1972م، 98) والهدف الذي أرمي ~~إليه في هذا الفصل أولا أن أزيد من إيضاح الطابع العملي لمفهوم التناص ~~باستعماله في تحليل النصوص، وثانيا أن أعرض بطريقة منهجية إمكانيات هذا ~~المفهوم فيما يتعلق بتحليل الخطاب، ms108 باعتبار ذلك جزءا من الإطار التحليلي ~~الذي أبنيه. # سكت كريستيفا مصطلح «التناص» في أواخر الستينيات في سياق دراساتها ذات ~~النفوذ الواسع التي قدمت فيها لجماهير القراء في الغرب عمل باختين (انظر ~~كريستيفا، 1986م، أ، المكتوب فعلا في 1966م). وعلى الرغم من أن مصطلح التناص ~~ليس من وضع باختين، فإن وضع مدخل تناصي (أو إذا استعملنا اللفظة التي سكها ~~مدخل «عبر لغوي») لتحليل النصوص كان يمثل محورا رئيسيا لعمله على مدار ~~حياته الأكاديمية، وكان ذا ارتباط وثيق بقضايا مهمة أخرى، من بينها قضية ~~النوع الأدبي (انظر باختين، 1986م، وهي دراسة كتبها في أوائل ~~الخمسينيات). # ويشير باختين إلى التجاهل النسبي للوظائف التوصيلية للغة داخل التيار ~~الرئيسي لعلم اللغة، وخصوصا إلى تجاهل طرائق تشكيل نصوص سابقة للنصوص ~~المكتوبة والمنطوقة التي تمثل «استجابة» لسابقاتها، وكيف تؤثر هذه في ~~نصوص لاحقة «تستبقها»، إذ كان باختين يرى أن جميع النصوص المنطوقة والمكتوبة ~~- من أصغر مشاركة في محادثة إلى الدراسات العلمية أو الروايات - يحددها ~~تغيير المتكلم (أو الكاتب) وتتوجه عكسيا إلى أقوال المتكلمين السابقين ~~(سواء كانت عبارات في حوار أو دراسات علمية أو روايات) وطرديا إلى الأقوال ~~المتوقعة من جانب المتكلمين اللاحقين. وهكذا فإن «كل قول منطوق حلقة في سلسلة ~~الاتصال الكلامي». أي إن جميع الأقوال المنطوقة «تسكنها» بل و«تكونها» ~~شذرات من أقوال الآخرين المنطوقة، وهي شذرات شبه صريحة أو كاملة، إذ يقول: ~~«كلامنا ... زاخر بكلمات الآخرين، ويتسم بدرجات متفاوتة من الانتساب للغير أو ~~الانتماء إلى ذواتنا، ودرجات متفاوتة من الوعي والانفصال. وهذه الكلمات ~~الخاصة بالآخرين تحمل في طياتها تعبيرهم، ونغمة تقييمهم الخاصة، ونحن نستوعب ~~هذا كله، ونعيد صوغه وتأكيده» (باختين، 1986م، 89)؛ أي إن الأقوال المنطوقة ~~- التي أشير إليها بمصطلح «النصوص» - تتميز بطبيعة متناصة، وتتكون من ~~عناصر من نصوص أخرى. وقد زاد فوكوه من تحديد معالم التناص بالتمييز بين ~~«الحضور» و«الاقتران» و«الذاكرة» (انظر قسم «تشكيل المفاهيم» في الفصل الثاني ~~عاليه). # وكنت قد ذكرت في الفصل الثالث أن بروز مفهوم التناص في الإطار الذي ~~أبنيه يتفق مع تركيزي ms109 على الخطاب في التغيير الاجتماعي. وتقول كريستيفا: إن ~~التناص يعني ضمنا «إدراج التاريخ (المجتمع) في النص، وإدراج هذا النص في ~~التاريخ» (1986م، أ، 39). وهي تعني بتعبير «إدراج النص في التاريخ» أن النص ~~يستجيب إلى نصوص سابقة ويعيد تمثيلها وصوغها، ويساعد بذلك على صناعة التاريخ، ~~ويسهم في عمليات التغيير الواسعة النطاق، إلى جانب استباق نصوص لاحقة ومحاولة ~~تشكيلها. وهذا الطابع التاريخي الراسخ في النصوص يمكنها من القيام بالأدوار ~~الكبرى التي تقوم بها في المجتمع المعاصر باعتبارها السلاح الرئيسي في ~~التغيير الاجتماعي والثقافي (انظر المناقشة في الفصلين: 3 و7). والواقع أن ~~سرعة التحول وإعادة البناء للتقاليد النصية ونظم الخطاب ظاهرة معاصرة مرموقة، ~~وهو ما يعني ضرورة التركيز الشديد على التناص في تحليل الخطاب. # والعلاقة بين التناص والهيمنة علاقة مهمة، إذ يشير مفهوم التناص إلى ~~إنتاج النصوص، أي كيف تستطيع النصوص تحوير النصوص السابقة وإعادة بناء ~~الأعراف القائمة (الأنواع، ضروب الخطاب) لتوليد الجديد منها، ولكن القدرة على ~~الإنتاج ليست في الواقع العملي متاحة للناس باعتبارها ساحة لا حدود لها ~~للتجديد النصي والتغيير، بل تحدها حدود المجتمع وقيوده، وتتوقف على علاقات ~~السلطة. ولا تستطيع نظرية التناص في ذاتها تفسير أوجه القصور الاجتماعية ~~المذكورة، ومن ثم فهي تحتاج إلى استكمالها بنظرية عن علاقات السلطة وكيف ~~تشكل المباني والممارسات الاجتماعية (مثلما تتشكل بفعلها). ومن المفيد ~~بصفة خاصة الجمع بين نظرية الهيمنة (الموصوفة في الفصل السابق) والتناص. ~~فلسوف يسمح ذلك بتحديد الإمكانات وأوجه القصور الخاصة بالعمليات التناصية ~~داخل ضروب معينة من الهيمنة وحالات الصراع على الهيمنة، كما يتيح لنا وضع ~~تصور لعمليات التناص وعمليات الطعن في نظم الخطاب وإعادة بنائها باعتبارها ~~عمليات صراع على الهيمنة في مجال الخطاب، وهي التي تؤثر في الصراع على ~~الهيمنة بالمعنى الواسع وتتأثر به. # ويميز باختين بين ما تسميه كريستيفا البعد «الأفقي» والبعد «الرأسي» ~~للتناص أو العلاقات في ساحة «التناص» (انظر كريستيفا، 1986م، أ، 36). ~~فأمامنا، من ناحية علاقات تناصية «أفقية» من النوع «الحواري» (وإن كان ما ~~نراه عادة في صورة مونولوجات يعتبر ms110 حواريا بهذا المعنى) بين النص وبين ~~النصوص السابقة له واللاحقة عليه في سلسلة النصوص. وأوضح حالة لذلك أن ~~الأقوال الواردة في إحدى المحادثات تضم وتتجاوب مع الأقوال السابقة، وتستبق ~~الأقوال اللاحقة؛ ولكن أية رسالة مرسلة ترتبط تناصيا مع الرسائل السابقة ~~لها واللاحقة أثناء تبادل الرسائل؛ ومن ناحية أخرى توجد علاقات تناص «رأسية» ~~بين أحد النصوص والنصوص الأخرى التي تشكل سياقها المباشر أو البعيد إلى حد ~~ما؛ أي مع النصوص التي ترتبط تاريخيا بها في أطر زمنية مختلفة وبمعايير ~~متفاوتة، بما في ذلك النصوص التي تعتبر إلى حد ما معاصرة لها. # وإلى جانب ما يعنيه التناص من ضم النص لنصوص أخرى أو استجابته لها، فلنا ~~أن نرى أنه يضم العلاقات التي يمكن أن تكون «مركبة» بينه وبين الأعراف ~~(الخاصة بالأنواع، وضروب الخطاب، والأساليب، وأنماط النشاط - انظر أدناه) ~~والتي تنتظم معا لتشكيل نظام من نظم الخطاب. وفي معرض مناقشة باختين للنوع ~~(النصي) يقول: إن النصوص قد لا تكتفي بالاستفادة من هذه الأعراف بطريق مباشرة ~~نسبيا، بل إنها «تعيد تفعيلها» وذلك مثلا باستخدامها استخداما ~~تهكميا، أو بالمحاكاة الساخرة لها، أو بتبجيلها، وقد «تخلط» بينها بطرائق ~~شتى (1986م، 79-80). ويرتبط التمييز بين علاقات التناص بين النصوص وغيرها من ~~النصوص المحددة، وبين العلاقات التناصية بين النصوص وبين الأعراف، بتمييز ~~آخر يستخدمه محللو النصوص الفرنسيين، ألا وهو التناص «السافر» والتناص ~~«التكويني» أو «التشكيلي» (أو تييه، ريفي، 1982م؛ مانجانو، 1987م). فأما ~~التناص السافر فيعني الوجود الصريح لنصوص أخرى داخل النص قيد التحليل، وهي ~~سافرة لوجود علامات واضحة تدل عليها على «سطح» النص، مثل علامات التنصيص، ~~ولكن أحد النصوص قد يضم نصا من دون وجود ما يدل عليه صراحة، ومن الممكن ~~للكاتب أن يستجيب إلى نص آخر بالطريقة التي يصوغ بها نصه الخاص، على سبيل ~~المثال. وأما التناص التكويني أو التشكيلي فهو تشكيل الأعراف الخطابية التي ~~تستعمل في إنتاجه. والأولوية التي أوليتها لنظم الخطاب تؤكد التناص التكويني. ~~ولسوف أستخدم تعبير التناص باعتباره مصطلحا عاما يشير إلى التناص السافر ms111 ~~والتكويني عندما لا يكون التمييز بينهما قضيتي، ولكنني إذا أردت التمييز فسوف ~~أستخدم مصطلح التركيب الخطابي بدلا من التناص التكويني، وذلك حتى أؤكد أن ~~تركيزي منصب على أعراف الخطاب لا على النصوص الأخرى التي تكون النص أو ~~تشكله. # ويترتب على التناص تأكيد عدم تجانس النصوص، وتطبيق أسلوب تحليل يؤكد ~~العناصر والخيوط المنوعة التي ينسج منها النص والتي كثيرا ما تكون ~~متناقضة. وإلى جانب ذلك، فالنصوص تتفاوت تفاوتا شديدا في درجة عدم تجانسها، ~~وهو ما يتوقف على كون علاقات التناص فيها بسيطة أو مركبة. وتختلف النصوص ~~أيضا من حيث التكامل بين عناصرها غير المتجانسة، أي في درجة وضوح عدم ~~تجانسها على سطح النص. وعلى سبيل المثال قد يتميز بوضوح نص آخر مدرج في النص ~~الرئيسي بوجود علامات تنصيص وفعل يدل على قائل هذا النص الآخر، ومن المحتمل ~~ألا يتميز بعلامات بل يمتزج بنائيا وأسلوبيا بالنص الرئيسي، وربما يكون ~~ذلك عن طريق إعادة صياغته (انظر مناقشة تمثيل الخطاب أدناه). ويجوز أيضا أن ~~تكون النصوص المقتطفة قد «أعيد تفعيلها» أو لا تكون كذلك، والمقصود بالتفعيل ~~تغيير نغمتها أو نبرتها حتى تتفق مع النغمة أو النبرة السائدة في النص المحيط ~~بها (أي أن تتفق معه أو لا تتفق في النغمة الساخرة أو العاطفية المسرفة)، بل ~~وقد تكون نصوص الآخرين أو لا تكون قد انصهرت في افتراضات مجهولة المؤلف في ~~خلفية النص، ما دامت مفترضة سلفا (انظر مناقشة الافتراض السالف أدناه). ~~وهكذا فقد يكون النص غير المتجانس ذا سطح نصي وعر يتسم ب «المطبات» وقد ~~يكون ذا سطح أملس نسبيا. # ويعتبر التناص مصدرا لجانب كبير من التباس معاني النصوص. فإذا كان سطح ~~النص تتحكم فيه عوامل كثيرة، أي النصوص الأخرى الكثيرة التي تشارك في تكوينه، ~~فإن بعض عناصر هذا السطح قد لا يتضح موقعها في شبكة التناص الخاصة بالنص، وقد ~~يلتبس معناها؛ وقد تتعايش معان كثيرة معا، وقد يكون من المحال تحديد ~~«المعنى» ~~. فقد يمثل النص كلام شخص آخر فيما تسميه التقاليد الرواية غير ~~المباشرة ms112 (مثل «يقول الطلاب كم يحبون المرونة في اختيار المواد الدراسية ومدى ~~هذا الاختيار») وفي هذه الحالة نصادف التباسا دائما في البت فيما إذا كانت ~~الصيغة الواردة هنا تمثل ألفاظ الشخص الذي قالها، أو تمثل كلام مؤلف ~~النص الرئيسي. فهل يزعم هذا المثال أن الطلاب يقولون فعلا «كم نحب المرونة ~~في اختيار المواد الدراسية ومدى هذا الاختيار» أم كلاما هذا معناه؟ «صوت» ~~من هذا؟ صوت الطلاب أم صوت إدارة الجامعة؟ وعلى نحو ما ذكرت آنفا، قد يكون ~~القصد من بعض عناصر النص أن يفسرها مختلف القراء أو الجماهير تفسيرات ~~مختلفة، وهذا يمثل مصدرا للتناص «الاستباقي» الملتبس المعنى. # في الجزء الباقي من هذا الفصل سوف أحلل عينتين نصيتين لإيضاح ~~بعض إمكانيات التحليل وفق مفهوم التناص. واستنادا إلى هذين المثالين، سوف ~~أناقش أبعاد التناص المهمة في بناء إطار لتحليل الخطاب، ألا وهي: التناص ~~السافر، والمركب الخطابي، و«التحولات» النصية، وكيف تشكل النصوص الهويات ~~الاجتماعية. # العينة الأولى: تقرير إخباري # العينة الأولى مقالة ظهرت في صحيفة بريطانية قومية هي ~~«ذا صن» ~~(أي ~~الشمس) في 1985م، (انظر فيركلف 1988م، ب، لتحليل أكثر تفصيلا). وهي خبر ~~عن وثيقة رسمية أصدرتها لجنة من لجان مجلس العموم بعنوان # سوء استخدام ~~العقاقير الخطيرة: الوقاية والمكافحة ~~. # وسوف أركز على «رواية» أو «تمثيل» الكلام في المقالة (انظر الوصف ~~المعياري الجيد له عند ليتش وشورت، 1981م). وسوف أستعمل في الواقع مصطلحا ~~آخر، لأسباب أذكرها فيما بعد، وهو «التمثيل الخطابي». والتمثيل الخطابي ~~شكل من أشكال التناص الذي يتسم بوجود أجزاء من نصوص أخرى داخل النص، وعادة ~~ما ينص على ذلك صراحة إما باستخدام علامات تنصيص وعبارات تشير إلى الراوي ~~(مثل «قالت» أو «زعمت ماري أن ...») والتمثيل الخطابي يشكل بوضوح جانبا ~~رئيسيا من جوانب الأخبار: إذ يعني تمثيل ما هو جدير بأن يكون خبرا من ~~أقوال الناس، ولكن له أهمية بالغة أيضا في أنماط خطابية أخرى، مثل تقديم ~~الأدلة في المحاكم، وفي السياقات السياسية، وفي المحادثات اليومية التي لا ~~يكف الناس فيها عن رواية ما قاله ms113 الآخرون. والواقع أن أهمية التمثيل ~~الخطابي لم تلق عموما حقها من التقدير، سواء باعتبارها عنصرا من عناصر ~~النصوص اللغوية أو باعتبارها بعدا من أبعاد الممارسة الاجتماعية. # وقد اخترت هذه المقالة خصوصا لأن بين أيدينا معلومات غير متاحة في ~~العادة لعامة القراء، ألا وهي الوثيقة التي يدور الحديث عنها في المقالة ~~(دار المطبوعات الحكومية، 1985م) ومن ثم نستطيع أن نقارن بين التقرير ~~الخبري والأصل المطبوع، ونركز حول أسلوب تمثيل الخطاب. # وعادة ما نميز في الأقوال المروية بين ما يسمى التمثيل الخطابي ~~«المباشر» و«غير المباشر». انظر مثلا: حذرت السيدة ثاتشر زملاءها في مجلس ~~الوزراء قائلة «لن أقبل الآن أي انحطاط»، فهذا مثال للخطاب المباشر، ~~وانظر «حذرت السيدة ثاتشر زملاءها في مجلس الوزراء بأنها لن تقبل آنئذ ~~أي انحطاط»، فهذا مثال للخطاب غير المباشر. وكل منها يتضمن عبارة تذكر ~~الراوي («حذرت السيدة ثاتشر زملاءها في مجلس الوزراء») يتلوها تمثيل ~~للخطاب. أما في حالة الخطاب المباشر فإن الكلمات «الممثلة» مكتوبة بين ~~علامات تنصيص وأما الزمن و«العلامات الإشارية»، أي الكلمات التي تتعلق بزمن ~~القول المنطوق ومكانه مثل كلمة «الآن» في هذا المثال، فتنتمي للكلام ~~«الأصلي». ويوجد حد صريح بين «صوت» الشخص المروي عنه وصوت «الراوي»، ~~وكثيرا ما يقال إن الخطاب المباشر يستخدم الألفاظ نفسها التي نطق بها ~~المتكلم. وأما في الخطاب غير المباشر فتختفي علامات التنصيص، ويتخذ التمثيل ~~الخطابي شكل جملة في موقع نحوي ثانوي بالنسبة للجملة الراوية، وهي علاقة ~~يدل عليها الحرف «أن» (أو إن). ويتحول الزمن والعلامات الإشارية من أجل ~~إدراج منظور الراوية، فكلمة «الآن» مثلا تتحول إلى «آنذاك». ويقل وضوح ~~الفصل بين صوتي الراوية والشخص المروي عنه، وقد تكون الكلمات المستخدمة ~~لتمثيل خطاب الأخير كلمات الراوي نفسه لا كلمات المروي عنه. # وأمثال هذه الأوصاف التي نجدها في «كتب النحو» عادة ما تغفل الطابع ~~المركب لما يحدث فعلا في النصوص. فلنركز على العناوين. العنوان الرئيسي ~~يقول («استدعوا القوات في معركة المخدرات!») وليس فيه علامات شكلية للتمثيل ~~الخطابي - لا علامات تنصيص ولا عبارة تنسب ms114 الكلام إلى راوية - ومع ذلك فهي ~~جملة تقوم على فعل أمر، من الزاوية النحوية، وعلامة التعجب تدل على أن ~~لنا أن نفهمها باعتبارها طلبا معينا. لا يوجد هنا أي شيء صوري ينفي أن ~~هذا صوت صحيفة ~~«ذا صن» # نفسها، ولكن التقاليد تقضي بأن مقالات الصحف تنقل ~~مطالب الآخرين، ولا تقدم طلباتها الخاصة (إلا في الافتتاحية) وهو ما ~~يوحي بأن هذا العنوان شكل خاص للتمثيل الخطابي، على الرغم من كل شيء. ومن ~~ناحية أخرى نرى أن التمييز بين «النقل» (أو الإبلاغ أو الإخبار أو الرواية ~~عن مصدر) وبين «الرأي» في الصحافة الشعبية أقل وضوحا مما يبينه هذا ~~العنوان، وهكذا فربما يكون هذا صوت الصحيفة فعلا. ومع ذلك ففي الفقرة ~~الافتتاحية من الخبر ينسب الطلب الوارد في العنوان إلى أعضاء البرلمان. ~~وهكذا نواجه التباسا في الصوت، ما دمنا نجد أن العنوان يتسم بغموض في شكله ~~النحوي مما يجعله ذا «صوت مزدوج» (باختين، 1981م). ويبدو أن الصحيفة هنا ~~تمزج بين صوت الوثيقة الصادرة عن دار المطبوعات الحكومية وبين صوتها الخاص. ~~ويؤيد هذا الاستنتاج العنوان الفرعي السابق الذي يقول («أعضاء البرلمان ~~يحذرون: بريطانيا تواجه حربا لمنع ترويج المخدرات») وفي هذا الحال يصبح ~~لدينا «جملة رواية» أي جملة تنسب القول إلى قائله، ولكنها تقع في الخلفية ~~ما دامت تعقب الجملة المروية، وهذه الأخيرة تفتقر أيضا إلى علامات تنصيص ~~على الرغم من أنها خطاب مباشر. وهذه الخصائص الشكلية تسهم أيضا في التباس ~~الصوت. # ولنقارن بعد ذلك بين هذه العناوين والفقرة الافتتاحية بالأصل الوارد في ~~وثيقة دار المطبوعات الحكومية: # ينبغي أن تنظر الحكومة في استخدام سلاح البحرية وسلاح الطيران في ~~القيام بواجبات الاستطلاع الجوي وبالرادار وفي عرض البحر. ومن ثم فنحن ~~نوصي بتكثيف إنفاذ القوانين ضد تجار المخدرات، من جانب الجمارك والشرطة ~~والأجهزة الأمنية، وربما القوات المسلحة. # وعندما مزجت الصحيفة بين صوت الوثيقة وبين صوتها، قامت بترجمة الصوت ~~الأول إلى ألفاظ الصوت الأخير. وتتعلق المسألة في جانب منها بالمفردات، ~~فالوثيقة لا تستخدم كلمات مثل «استدعوا»، أو «معركة» ms115 أو «قتال» أو «هائل»، ~~أو «غزو»، أو «مهربي المخدرات» أو «مروجيها». والقضية قضية استعارة أيضا؛ ~~إذ تلتقط الصحيفة الاستعارة التي تعتبر التعامل مع تجار المخدرات بمثابة ~~خوض حرب ما - وهي التي تستخدم في الوثيقة مرة واحدة - وتنقل صوت الوثيقة ~~إلى إطارها الخاص. والعنوان يتضمن تطويرا لهذه الاستعارة بصورة لا نجدها ~~إطلاقا في الوثيقة، ألا وهو فكرة التعبئة («استدعوا») للقوات المسلحة، ~~ويصدق الشيء نفسه على اعتبار تهريب المخدرات «غزوا». والمسألة تتعلق ~~أخيرا، أيضا، بترجمة التوصيات الحذرة في التقرير إلى مجموعة ~~«مطالب». # وإذن، فإن ما نجده في التمثيل الخطابي لصحيفة ~~«ذا صن» # هو (1) غموض ~~الشكل اللغوي، وهو ما يعني أننا كثيرا ما لا يتضح لنا إن كان شيء ما ~~يعتبر خطابا تمثيليا أم لا (ومن الأمثلة الأخرى الفقرتان اللتان تسبق ~~إحداهما العنوان الفرعي «أرباح» مباشرة، وتتلوه الأخرى مباشرة أيضا)، و(2) ~~مزج صوت الصحيفة بصوت الوثيقة المشار إليها، وهو ما يعني أن الصحيفة تقدم ~~التوصيات الواردة في الوثيقة كأنما كانت توصيات الصحيفة، ولكنها في الوقت ~~نفسه تترجم الوثيقة إلى لغتها الخاصة. # ولكن هل هذه «لغتها الخاصة» حقا؟ إن عملية الترجمة اقتضت بعض ~~التحولات من المصطلح المشروع للغة المكتوبة في اتجاه مفردات اللغة المنطوقة ~~(«فتجار المخدرات» أصبحوا «مروجين» لها، و«القوات» تستخدم من دون وصفها ~~بالمسلحة) ومن المونولوج الكتابي (الكلام على لسان شخص واحد) إلى حوار ~~المحادثات (فالمطلب الوارد في العنوان يوحي بالحوار ضمنا) واستثمار ~~الاستعارة (التعبئة من أجل الحرب) ذات الأصداء في الخبرة الشعبية ~~والأساطير؛ أي إن التحول، باختصار، تحول من الوثيقة الرسمية إلى الكلام ~~الشائع، أو بالأحرى إلى «تصور الصحيفة الخاص للغة الجمهور الذي تخاطبه ~~أساسا» (هول، وآخرون، 1978م، 61). ويرتبط هذا بميل موردي الأخبار إلى ~~القيام بدور «الوسطاء»، أي الأشخاص الذين «ينمون» خصائص تعتبر مميزة ~~للجمهور «المستهدف»، وعلاقة تضامن مع ذلك الجمهور المفترض، والذين يستطيعون ~~أن ينقلوا أنباء أحداث جديرة بالمعرفة إلى الجمهور ب «المنطق السليم» لذلك ~~الجمهور، أو بصورة نمطية منه (هارتلي، 1982م، 87). # وقد بدأت أجهزة الإعلام بصفة عامة، في الآونة الأخيرة، ms116 التحول إلى هذا ~~الاتجاه، وعلينا أن ننظر في سبب ذلك. فعلى أحد المستويات نجد فيه انعكاسا ~~لما يوصف بأنه بعد مهم من أبعاد النزعة الاستهلاكية، أي انتقال السلطة، أو ~~انتقالها ظاهريا، من المنتج إلى المستهلك. فأجهزة الإعلام تعمل في سوق ~~تنافسية تقتضي اجتذاب القراء والمشاهدين والمستمعين في سياق سوقي تعتبر ~~مبيعاتها أو مراتبها فيها عوامل حاسمة من أجل البقاء. ويمكن تفسير ~~الاتجاهات اللغوية التي أشرت إليها بأنها مظهر تحقيق واحد للاتجاه الأعم ~~والأشمل عند المنتجين لتسويق سلعهم بطرائق تحقق لهم الحد الأقصى من ~~التواؤم مع أساليب حياة المستهلكين وما يطمحون إليه من أساليب الحياة (وإن ~~كنت أود أن أضيف أنهم يعملون على بناء الناس باعتبارهم مستهلكين وأساليب ~~الحياة التي يطمحون إليها). # ومع ذلك فالعملية أشد تعقيدا من ذلك. فالأحداث الجديرة بمكانة الأخبار ~~تنشأ عند مجموعة من الأشخاص المرتبطين بأجهزة الإعلام والمتمتعين بمزية ~~القدرة على الاتصال بها، والذين يعاملهم الصحفيون باعتبارهم مصادر موثوقا ~~بها، والذين يمثل الخطاب الإعلامي أصواتهم على أوسع نطاق ممكن، وهذه ~~الأصوات الخارجية يغلب إيضاحها وتحديدها بصراحة في بعض أجهزة الإعلام، وهي ~~مسألة أعود إليها أدناه، ولكن عندما تترجم أقوالهم إلى صورة الصحيفة للغة ~~الشائعة، كما هو الحال في هذا المثال، فإن التعمية تنشأ حول حقيقة الذين ~~تمثل الصحيفة أصواتهم ومواقعهم. فإذا حدث أن اتخذ تمثيل أصوات أصحاب السلطة ~~من الأفراد والجماعات في السياسة والصناعة ... إلخ، بصورة اللغة اليومية (ولو ~~بلغة محاكاة وغير حقيقية في جانب منها) فسوف تنهار الهويات والعلاقات ~~والمسافات الاجتماعية؛ إذ إن تمثيل كلام أصحاب السلطة بلغة من الممكن أن ~~يستعملها القراء أنفسهم يسهل عليهم قبول معانيهم؛ أي إن لنا أن نعتبر ~~أن أجهزة الإعلام تقوم بعمل أيديولوجي، وهو نقل أصوات السلطة بصورة ~~متنكرة خفية. # وترجمة لغة الوثائق الرسمية المكتوبة إلى صورة من صور الكلام الشائع ~~مثال واحد وحسب للترجمة الأعم الأشمل للغة «الجماهيرية» - مكتوبة أو منطوقة ~~- إلى اللغة «الشخصية»، وهذا تحول لغوي يعتبر في ذاته جزءا من إعادة صوغ ~~العلاقة بين المجال الجماهيري للأحداث ms117 السياسية (والاقتصادية والدينية) ~~والقوى الاجتماعية، وبين المجال الشخصي، مجال عالم الحياة، والخبرة ~~المشتركة. فلقد ظهر الاتجاه أخيرا إلى تحويل الأحداث «الخاصة» والأفراد ~~(مثل حزن الأقارب على فقدان ضحايا حادث ما) إلى مادة جديرة بأن تصبح ~~أخبارا في بعض أجهزة الإعلام على الأقل، وقد بدأ هذا الاتجاه ينتقل من ~~الصحافة الشعبية إلى أخبار التليفزيون على سبيل المثال. وعلى العكس من ذلك ~~نرى أن أجهزة الإعلام بدأت تتناول الحياة الشخصية للأفراد والأحداث في ~~الحياة العامة. وفيما يلي مثال من الصحافة البريطانية (صحيفة # صنداي ميرور # 28 مارس 1980م): # الصورة التقليدية لرئيس الخدم في أحد القصور الملكية تجعله شخصية عامة، ~~وإن تكن هامشية، من حيث دوره ووظيفته، لا باعتباره فردا، ولكن صوت رئيس ~~الخدم في القصر الملكي في هذه الحالة صوت الكلام الشائع، سواء في الخطاب ~~المباشر الذي يمثله في آخر المقالة أو في الإشارة إلى أنه يلبس حذاء ~~رياضيا. وترجمة (هذه الشخصية العامة) إلى المجال الخاص للأفراد العاديين ~~يؤكدها تعبير مثل «يترك عمله» بدلا من «يستقيل من منصبه». ويتضح في ~~الوقت نفسه نقل أفراد الأسرة المالكة أنفسهم إلى المجال الخاص ذو المغزى ~~الأكبر؛ إذ يشار إلى الأميرة ديانا في جميع الصحف الشعبية بالمقطع الأول ~~من اسمها (وهو «داي») وإن كان ذلك لا يستخدم في الحياة اليومية إلا بين ~~أفراد الأسرة والأصدقاء، وهو ما يوحي بأن الأسرة المالكة تشبهنا في استعمال ~~أمثال هذه الأسماء المختصرة، وبأننا (الصحفيين والقراء) نستطيع أن نشير ~~إلى ديانا بالصورة المختصرة، «داي»، كأنما تربطنا بها علاقة ود وثيقة. ~~والمعاني المضمرة في هذا الاستخدام الشائع للاسم المختصر تجد التعبير ~~الصريح عنها في بقية الخبر، في الألفاظ المنسوبة لرئيس الخدم إذ يقول: إنها ~~«لطيفة»، و«عادية»، و«متواضعة» و«طبيعية». # ويشير كريس (1986م) إلى إعادة بناء مماثلة في الصحافة الأسترالية ~~للحدود التي تفصل العام عن الخاص. وهو يبين التضاد بين صورتين من صور ~~التغطية الصحفية للخبر الخاص بإلغاء تسجيل «اتحاد عمال البناء» أي سلبه ~~حصاناته النقابية؛ إذ تعامل إحدى الصحف هذه الحادثة باعتبارها حدثا عاما ms118 ~~(أي جماهيريا) وتعالجها الصحيفة الأخرى باعتبارها حدثا خاصا (أي ~~شخصيا) مركزة على الشخص وعلى شخصية رئيس الاتحاد نورم جالاجر. ويتضح ~~التضاد في الفقرتين الافتتاحيتين للمقالتين. # ونرى هنا، من جديد، أي إعادة رسم الحدود بين العام والخاص تتضمن ~~الأسلوب مثلما تتضمن المادة، مثل استخدام الاسم الأول والزمن المضارع في ~~العنوان، والتعليق الفظ في العبارة المنسوبة إلى جالاجر. # وتلعب أجهزة الإعلام دورا مهما في مجال الهيمنة؛ فهي لا تعيد إنتاج ~~العلاقة بين المجالين العام والخاص فقط، بل تعيد بناءها أيضا، والاتجاه ~~الذي حددته هنا يتضمن تفتيت التمييز بينهما؛ بحيث تختزل الحياة العامة ~~والخاصة في نموذج للفعل الفردي والدافع الفردي، بل وفي نموذج للعلاقات ~~القائمة على ما يفترض أنه الخبرة الشائعة في الحياة الخاصة. وأهم عامل في ~~تحقيق ذلك هو إعادة البناء في داخل نظام الخطاب الخاص بالعلاقات بين ~~«الكلام الشائع» وشتى أنماط الخطاب العام الأخرى. # كنت قد بدأت هذه المناقشة بالتركيز على التمثيل الخطابي باعتباره شكلا ~~من أشكال التناص - أي كيف يتضمن أحد النصوص أجزاء من نصوص أخرى - ولكن ~~المناقشة اتسع نطاقها فامتدت إلى النظر في كيفية تكوين الخطاب الإعلامي ~~في صحيفة مثل # ذا صن ~~، من خلال الربط الخاص بين أنماط الخطاب، والعمليات ~~الخاصة للترجمة فيما بينها، وهو ما يمكننا أن ندعوه «المركب الخطابي» أو ~~«التناص المكون» للخطاب الإعلامي. ففي النص الخاص بسوء استخدام العقاقير ~~نجد أن الترجمات إلى الكلام الشائع تتعايش مع المقتطفات المباشرة من ~~الوثيقة الحكومية، وإن كان الأول قد منح مكان الصدارة في العناوين وفي ~~الفقرة الافتتاحية. وعلى الرغم من التنوع في أجهزة الإعلام واشتمالها على ~~ممارسة منوعة للتمثيل الخطابي وشتى أنساق المركبات الخطابية، فإن ~~الاتجاه السائد هو الجمع بين أنماط الخطاب العامة والخاصة بهذه ~~الطريقة. # العينة الثانية: «دليل حامل البطاقة الائتمانية إلى ~~باركليكارد» # العينة الثانية، المستعارة من فيركلف (1988م، أ) هي المضمون اللغوي لنص ~~بعنوان «دليل حامل البطاقة الائتمانية إلى باركليكارد» (أي بطاقة بنك ~~باركليز). ويشغل النص الثلث الأعلى من صفحتين متقابلتين، وتشغل المساحة ~~الباقية صورة فوتوغرافية لموظفة ms119 استقبال يابانية مبتسمة، وهي تقدم قلما ~~إلى عميل (لا يظهر في الصورة) للتوقيع، فيما تتصور، على مستند القيد المشار ~~إليه في النص (وأرقام الجمل من إضافتي). # استعمالها سهل: لا تحتاج حتى إلى معرفة اللغة # حيثما ترى علامة «فيزا» تستطيع تقديم بطاقة باركليكارد الخاصة بك ~~عندما تريد أن تدفع (1). # وسوف يضع موظف المبيعات بطاقتك ومستند البيع في طابعة لتسجيل ~~اسمك ورقم حسابك (2). # وسوف يستكمل بيانات المستند، وبعد التأكد من صحة التفاصيل ما ~~عليك إلا توقيعه (3). # وسوف تتسلم نسخة من المستند، وينبغي لك الاحتفاظ بها لمقارنتها ~~بحسابك في البنك، وتصبح البضاعة ملكا لك (4). # هذا كل ما في الأمر (5). # ولك أن تستخدم بطاقتك بالكثرة التي تريدها، بشرط ألا تتأخر ~~مدفوعاتك، وألا تتجاوز حد الائتمان المتاح لك (وهذا مطبوع على ~~الحافظة التي تحتوي بطاقتك) (6). # وأحيانا يضطر المحل إلى الاتصال تليفونيا بمقر باركليكارد ~~للحصول على تصريح بالمعاملة المالية (7). # وهذا إجراء روتيني نشترطه، فنحن نتأكد وحسب من أن كل شيء على ما ~~يرام قبل السماح بالبدء في التعامل (8). # وابتغاء التعامل السريع مع هذه المكالمات، تعمل باركليكارد ~~حاليا على إنشاء نظام أوتوماتيكي جديد (9). # وسوف يؤدي هذا إلى توفير وقتك، ولكن أرجوك أن تلاحظ أن أية ~~تعاملات يمكن أن تؤدي إلى تخطي السقف الائتماني لباركليكارد يحتمل ~~أن ترفض فعلا (10). # ومن المهم التأكد من أن سقفك الائتماني كاف لتغطية مشترياتك ~~ومسحوباتك النقدية (11). # وعندما تريد أن تنتفع بعرض بيع شيء والدفع بالبريد فإرسال رقم ~~بطاقتك أسهل كثيرا من إرسال شيكات أو حوالات نقدية (12). # كل ما عليك أن تفعل هو أن تكتب رقم بطاقتك في الخانة المحددة ~~في استمارة الطلب، ووقع باسمك وأرسلها (13). # أو إذا أردت حجز تذاكر للمسرح، فلك أن تحجز مقاعد المواصلات أو ~~حتى تشتري التذاكر تليفونيا، ما عليك إلا أن تذكر رقم بطاقتك، ~~ويمكن خصم التكاليف من حسابك عند باركليكارد (14). # سوف تكتشف أن باركليكارد يمكن أن تجعل الحياة أيسر ~~كثيرا (15). # ينصب تركيزي بالنسبة لهذه العينة على المركب الخطابي (التناص ~~المكون) في إطار صراع على الهيمنة والتغيير، وعلى الأحوال ms120 والآليات ~~الاجتماعية الخاصة بظهور نمط خطابي جديد يتكون من خلال تشكيل مستحدث من ~~الأنماط القائمة، وخصوصا ظهور خطاب هجين يجمع بين المعلومات والدعاية ~~(الإعلام والبيع). والمزيج الخاص في هذه العينة مزيج من النظم المالية ~~والإعلان؛ فالنص يعرض شروط الانتفاع بخدمة بطاقة ائتمان معينة، هي ~~باركليكارد، ويحاول في الوقت نفسه أن «يبيعها». وهكذا فإن منتجي النص ~~يعملون في حالتين ويشغلون موقعين من مواقع الذات في الوقت نفسه، كما ~~يضعون القراء في مواقع متناقضة. والتناقض الرئيسي هو علاقة السلطة بين ~~البنك والجمهور؛ فالبنك من زاوية معينة «صاحب السلطة» الذي يقوم بتوصيل ~~النظم إلى «الخاضع للسلطة»، وهو من زاوية مقابلة منتج «خاضع للسلطة» يحاول ~~بيع شيء إلى المستهلك («صاحب السلطة»). (المقصود أن المنتج يخضع لسلطة ~~المستهلك في القبول أو الرفض) وفي الموقف معان تتعلق بالعلائق بين ~~الأشخاص، بالمعنى الذي نجده عند هاليداي. # ويتجلى في النص نسق التناوب على مستوى الجمل بين نمطي الخطاب الخاص ~~بالنظم المالية وبالإعلان، إلى الحد الذي نرى فيه أن بعض الجمل تنتمي ~~بوضوح معقول إلى هذا النمط أو ذاك. فالعنوان مثلا يشبه الإعلان، والجملة ~~رقم (6) تشبه بندا في اللائحة المالية. وفي النص جمل أخرى، مثل (12) و(14) ~~يتراوح معناها بين هذا وذاك، ولكن بعض الجمل التي تنتمي بصفة عامة إلى أحد ~~النمطين تتضمن بعض آثار النمط الآخر. ففي الجملة رقم (6) مثلا، وفي كل ~~مكان في النص، يخاطب القارئ بضمير المخاطب المفرد. والمخاطبة المباشرة من ~~الأعراف التي تدل على الألفة في فنون الإعلان الحديثة. وفي هذا الدليل صفحة ~~مستقلة عنوانها «شروط الاستعمال»، ومقارنتها بهذا النص مفيدة، إذ ترصد ~~ثلاثة عشر شرطا، ببنط طباعي بالغ الصغر، ولا نجد فيها خلطا بين الأنماط، ~~ولا مخاطبة مباشرة للقارئ. وفيما يلي أحد الشروط الواردة فيها: ~~(2) لا بد من توقيع حامل البطاقة عليها، ولا يجوز استعمالها إلا (1) من ~~جانب حاملها؛ و(2) طبقا لشروط استعمال باركليكارد السارية في وقت ~~استعمالها، و(3) في حدود السقف الائتماني الذي يخطر البنك به حامل البطاقة ~~من حين لآخر؛ و(4) للانتفاع بالتسهيلات ms121 التي يتيحها البنك من وقت لآخر ~~فيما يتعلق بالبطاقة. # وكلمة «وحسب» والتعبير المقابل لها «ما عليك إلا»، المستعملان في النص ~~(في الجمل (3) و(8) و(13) و(14) تنتميان إلى الإعلان. فالصيغة تقلل إلى ~~الحد الأدنى ما يجب على العميل أن يفعله، ومن ثم فهي تخفف من سلطة ~~منتج النص، وتوحي بالتحول في اتجاه سلطة المستهلك. إنها تنقل معنى البساطة ~~ذا المكانة الجوهرية في الإعلان: «إنه أمر سهل». ولدينا حالة مختلفة إلى ~~حد ما تتعلق بتجنب معان من شأنها أن تكون إشكالية في إطار هذا المزج ~~بين الإعلام والبيع. فعلى سبيل المثال، يتوقع المرء أن تفصح اللائحة ~~المالية بصراحة عما هو مطلوب من العميل، كما هو الحال في المقتطف من «شروط ~~الاستعمال» عاليه. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن النص يشير إلى عشرة إجراءات ~~مطلوبة من العميل، فإن التعبير الصريح عن الإلزام لا يرد إلا في حالة واحدة ~~(«وعليك الاحتفاظ به لمقارنته») وحتى في هذه الحالة فإن صيغة الإلزام ضعيفة ~~(«ينبغي لك» لا «يجب عليك»). انظر مناقشة الأفعال «النوعية» أو المساعدة في ~~الفصل التالي). # وأما كلمات النص المطبوعة بالبنط الأسود - الجملتان (10) و(11) - فهي ~~أوضح الأجزاء انتماء للنظم التي تقتضي الالتزام بها، ومع ذلك فإن الصياغة ~~تتضمن قدرا كبيرا من تخفيف هذا الإلزام، فالمعنى الذي تعبر عنه ~~الجملة رقم (10) قد يغضب العميل، ولكن يخففه المعنى «الافتراضي» أي ~~صيغة «يمكن أن» وصيغة «يحتمل أن»، كما إن عبارة «يحتمل أن ترفض» ~~مذيلة بكلمة تستخدم في المراوغة وهي «فعلا» (كأنما يمكن أن يكون ~~احتمال الرفض نظريا أو فعليا). أضف إلى هذا أن المبني للمجهول يعني ~~عدم تحديد فاعل الرفض، وإذا كان من اليسير أن يستنبط من السياق أنه ~~البنك، فإن النص لا يبرز ذلك. وفي الجملة رقم (11) نرى أن التزام حامل ~~البطاقة معبر عنه تعبيرا غير شخصي، (فعبارة «من المهم التأكد» كان ~~يمكن أن تكون «لا بد أن تتأكد») وهي تتحول بغرابة إلى ضرورة السيطرة على ~~سقف الائتمان، وهي التي يسيطر عليها البنك، بدلا من أن توصي ms122 بعدم ~~تجاوزه. # والمزج بين المعلومات الخاصة بالنظم المالية وبين الإعلان يمكن تفسيره ~~باعتباره صورة من صور رد الفعل إزاء معضلة تواجهها بعض المؤسسات، مثل ~~البنوك، في السوق الحديثة، إذ إن القطاعات الاقتصادية خارج الإنتاج ~~السلعي يزداد أخذها بالنموذج السلعي وإطار النزعة الاستهلاكية، وتتعرض ~~لضغوط معينة حتى تقدم أنشطتها «مجمعة» في صورة سلع، وأن «تبيعها» ل ~~«المستهلكين». ويتسبب هذا في صعوبة خاصة للبنوك، فمحاولات أنشطتها التنافس ~~مع السلع الاستهلاكية يقضي بأن تذعن لسلطة المستهلك، وتجعلها جذابة ~~وبسيطة ومتحررة من القيود إلى أقصى حد، ولكن الطبيعة الخاصة ل ~~«البضائع» التي تعرضها تحتم أن يخضع انتفاع المستهلكين بها لقواعد ~~وضمانات. وليست هذه المعضلة مما ينفرد به العمل المصرفي، فهي تنشأ في ~~صورة مختلفة إلى حد ما في التعليم؛ إذ إن الضغط الرامي إلى «بيع المنتج» ~~يواجهه ضغط لحمايته من الآثار المفسدة للسوق. وتتجلى المعضلة في «نموذج» ~~العلاقة التناصية بين المعلومات المالية والعناصر الإعلانية في النص، ~~وبخاصة الحقيقة المذكورة عاليه، وهي أن النص يتراوح بين الجمل التي تنتمي ~~في المقام الأول إلى أحد الطرفين لا للآخر. ومن شأن هذا أن يوحي بأن ~~نمطي الخطاب يحاولان بصعوبة أن يتعايشا في النص، بدلا من أن يتكاملا ~~تكاملا تاما (انظر بداية القسم الثاني حيث الحديث عن علاقات ~~التناص). # والنصوص التي تجمع بين الإعلام والدعاية أو الإخبار والبيع شائعة في ~~مختلف نظم الخطاب المؤسسية في المجتمع المعاصر. وهي تشهد بحركة استعمار ~~إعلانية منطلقة من مجال تسويق السلع بمعناه الضيق إلى شتى المجالات الأخرى. ~~وللمرء أن يرجع ذلك إلى الموجة العالية الراهنة (التي ترتبط في بريطانيا ~~بثقافة «الأعمال الحرة») في عملية التسليع الطويلة الأجل، ودخول مجالات ~~جديدة في السوق، وانتشار النزعة الاستهلاكية. والمعتقد أن النزعة ~~الاستهلاكية تستتبع انتقالا في السلطة النسبية للمنتج والمستهلك في صالح ~~الأخير، وإن يكن من غير المؤكد إن كان هذا الانتقال حقيقيا أم ~~ظاهريا. # ولظاهرة التسليع وانتشار النزعة الاستهلاكية وخصائص السوق آثار واسعة ~~النطاق في نظم الخطاب، وهي تتراوح ما بين تغلغل ظاهرة إعادة بناء ms123 نظم ~~الخطاب المؤسسية تحت تأثير الحركة الاستعمارية لخطاب الإعلان والتسويق ~~والإدارة، وبين «إعادة الوصف» التي نشهدها في كل مكان للجماهير والعملاء ~~وطلاب العلم، وهلم جرا باعتبارهم «مستهلكين» أو «زبائن». وتؤدي هذه ~~الاتجاهات المقاومة إلى الصراع على الهيمنة على بناء نظم الخطاب، وإلى ~~معضلات يواجهها منتجو النصوص ومفسروها الذين يحاولون العثور على طرق ~~للتكيف مع الاستعمار، أو احتوائه، أو القضاء عليه (انظر الفصل السابع ~~أدناه). # التناص السافر # سوف أستعين في عملي في القسم التالي بالتمييز الذي سبق أن أشرت إليه ~~عاليه بين «التناص السافر» و«المركب الخطابي» (التناص المكون). أما ~~التناص السافر فيشير إلى الاستفادة من نصوص أخرى بوضوح وجلاء داخل أحد ~~النصوص، وأما المركب الخطابي فيشير إلى تكوين نمط خطابي من مجموعة عناصر ~~من نظم الخطاب. وكان قد سبق لي أن ناقشت مبدأ التركيب الخطابي فيما ~~يتعلق بنظم الخطاب، وإن لم أناقش المصطلح نفسه، في الفصل الثالث عاليه. ~~ومن المفيد أيضا ألا ننسى التمييز الرمزي بين «طرائق» مختلفة لعلاقات ~~التناص التي ظهرت من قبل في خلال مناقشتي للعينات، فلنا أن نميز بين ~~ما يلي: # التناص التتابعي: # ويعني تتابع ظهور مختلف النصوص أو أنماط الخطاب بالتناوب في أحد ~~النصوص، كما هو الحال في جانب من العينة رقم 2. # التناص المطوي: # ويعني أن أحد النصوص أو الأنماط الخطابية مطوي بوضوح داخل نص أو نمط ~~خطابي آخر. وهذه هي العلاقة بين «الأساليب» التي حددها لابوف وفانشيل ~~في الخطاب العلاجي (انظر المناقشة في الفصل الثاني). # التناص المختلط: # حيث تمتزج النصوص أو أنماط الخطاب امتزاجا أشد تركيبا وبطريقة يصعب ~~معها الفصل بينها. # وسوف أناقش التناص السافر من حيث علاقته بما يلي: التمثيل الخطابي، ~~والافتراض المسبق، والنفي، والميتاخطاب، والسخرية. (وقد وجدت مينجينو، ~~1987م مصدرا بالغ الفائدة في هذه المناقشة.) # التمثيل الخطابي # أستخدم مصطلح «التمثيل الخطابي»، مفضلا إياه هنا على المصطلح ~~التقليدي «رواية الكلام»؛ لأن هذا المصطلح (1) أدق في نقل المعنى المقصود، ~~وهو أن من «يروي» الخطاب يختار منه بالضرورة ما يمثله بطريقة معينة، ~~و(2) لأن التمثيل لا يقتصر ms124 على الكلام، بل يشمل الكتابة، ولا يقتصر على ~~المعالم النحوية، بل يشمل التنظيم الخطابي وجوانب أخرى منوعة للحادث ~~الخطابي، مثل ظروفه، والنغمة التي قيل بها ما قيل ... إلخ (انظر فيركلف، ~~1988م، ب، للمزيد من التفاصيل). # وتختلف الأنماط الخطابية لا في طرائق تمثيلها وحسب للخطاب، بل أيضا في ~~أنماط الخطاب التي تمثلها ووظائف الخطاب في النص الممثل لهذه الأنماط. ~~وهكذا تنشأ اختلافات فيما يقتطف، ومتى وكيف ولماذا اقتطف ما يقتطف ما ~~بين المواعظ والبحوث العلمية والمحادثات. ومن المتغيرات الكبرى في كيفية ~~تمثيل الخطاب قضية البت فيما إذا كان التمثيل يتجاوز المضمون الفكري أو ~~«الرسالة»، ويشمل بعض جوانب الأسلوب الخاص بالألفاظ الممثلة وسياقها. ويقول ~~فولوسينوف (1973م، 119-120): إن بعض الثقافات تزيد عن غيرها في الاتكاء على ~~الرسالة وحدها، وهو ما يصدق على بعض الممارسات الخطابية داخل أية ثقافة من ~~الثقافات وداخل ثقافتنا نفسها. # ويؤكد فولوسينوف (وربما يكون اسما مستعارا لباختين) وجود تفاعل ~~دينامي بين الخطاب الممثل والخطاب الذي يمثله. ولقد أوضحت العينة ~~الأولى مثلا كيف يمكن للأصوات أن تمتزج. ومن جديد نلحظ وجود تغاير كبير ~~بين أنماط الخطاب، وهو ما يمكننا أن نفسره بوجود معيارين متداخلين: (1) ~~ما مدى صراحة ووضوح الحدود الفاصلة بين الخطاب الممثل والخطاب الذي ~~يمثله، و(2) إلى أي مدى يترجم الخطاب الممثل إلى صوت الخطاب الذي ~~يمثله. # وإلى حد ما تعتمد درجة «الحفاظ على الحدود» على الخيار ما بين ~~التمثيل المباشر والتمثيل غير المباشر؛ فالأول يحاول على الأقل أن يعيد ~~إنتاج الكلمات نفسها المستخدمة في الخطاب الممثل، وإن لم يكن ذلك ~~يتحقق في كل حالة، كما بينت العينة رقم 1. وأما الخطاب غير المباشر فإنه، ~~على العكس من ذلك، يتضمن التباسا معينا؛ إذ لا نستطيع القطع فيما إذا ~~كانت الألفاظ الأصلية قد أعيد إنتاجها أم لا. وبعض المعالجات لهذا الموضوع ~~(انظر مثلا ليتش وشورت، 1981م) تشير إلى وجود فئة أخرى هي «الخطاب غير ~~المباشر الحر» حيث لا توجد جملة تحدد الراوي، وحيث يتميز ب «الصوت ~~المزدوج» بمعنى المزج بين الخطاب ms125 الممثل والخطاب الذي يمثله، كما نرى ~~في العنوان الوارد في العينة رقم 1، مثلا، وهو «استدعوا القوات في معركة ~~المخدرات!» # ويقول فولوسينوف أيضا: إنه من المحال البت في معنى الخطاب الممثل ~~من دون الرجوع إلى وظيفته وسياقه في الخطاب الذي يمثله. ومن الأمثلة ~~الجيدة استخدام «علامات التنصيص المفزعة» - أي وضع كلمات مفردة أو تعبيرات ~~قصيرة بين علامات تنصيص - كما نجد في الأمثلة الصحفية التالية «التحقيق في ~~مؤامرة تجسس «بناتية»»، «عرض «نهائي» بتعديل الأجور». والتعابير الموجودة ~~في علامات تنصيص مفزعة تستخدم ويحال إليها في الوقت نفسه، إذ إن العلامات ~~المذكورة تبين أنها تنتمي إلى صوت خارجي. وإلى جانب ذلك فمن الممكن أن ~~تقوم بالمزيد من الوظائف المختلفة المحددة، مثل إقامة مسافة تفصل بين ~~الكاتب وبين الصوت الخارجي، أو استعمال «سلطتها» في دعم موقفه، أو الإشارة ~~إلى أن الاستعمال جديد أو مؤقت، أو تقديم كلمة جديدة. وعلى غرار ذلك ~~للمرء أن يستخدم الخطاب المباشر في بناء الخطاب الممثل أو عرضه. # وأما وضع الخطاب الممثل في سياق معين فيتخذ أشكالا كثيرة، وانظر ~~إلى هذا المثال من العينة رقم 1: «أصدرت لجنة مجلس العموم تقريرا ~~يتضمن هجوما يزيد في شدته عما شهدناه منذ سنوات، ويرأس اللجنة السير ~~إدوارد جاردنر المحامي وعضو البرلمان عن حزب المحافظين، ويحذر التقرير في ~~نبرات توحي بالخطورة قائلا: «إن المجتمع الغربي يواجه ...»» أي إن تحديد ~~سياق الخطاب الممثل، والمكانة الرفيعة لرئيس اللجنة، ونبرات الخطاب ~~«الخطيرة»، كلها عوامل تؤكد ثقل وزنه وأهميته. لاحظ أيضا كلمة «يحذر» ~~(التي اختارها الكاتب، مفضلا إياها على كلمات أخرى مثل «يقول» أو «يبين» ~~أو «يشير إلى»). والواقع أن اختيار فعل التمثيل، أي الذي يمثل «فعل ~~الكلام»، له مغزاه في جميع الحالات. وعلى نحو ما نرى هنا، نجده يمثل القوة ~~الكامنة في ألفاظ الخطاب الممثل (أي طبيعة الفعل الذي يؤديه التلفظ ~~بشكل معين للكلمات) وتلك مسألة تتعلق بفرض تفسير معين على الخطاب ~~الممثل. # الافتراض المسبق # الافتراضات المسبقة مقولات يعتبر منتج النص أنها ذات صحة سبق ~~إقرارها أو «التسليم» بها ms126 (على الرغم من وجود السؤال الخاص بالطرف الذي ~~سوف تسلم له، على نحو ما أقيم عليه الحجة أدناه)، وتوجد شتى المفاتيح ~~الشكلية على سطح تنظيم النص التي تبين ذلك. إذ نرى على سبيل المثال أن ~~المقولة الواردة في جملة يسبقها الحرف «أن» مقولة مفترضة سابقا، وتتلوها ~~أفعال مثل «ينسى» أو «يأسف» أو «يتبين» (مثلا «كنت نسيت أن والدتك قد ~~تزوجت من جديد»)؛ وأدوات التعريف مفاتيح لمقولات ذات معان تدل على ~~«وجودها» (مثلا: «التهديد السوفييتي» تعبير يفترض سلفا وجود تهديد ~~سوفييتي، و«المطر» يعني أن المطر يهطل أو كان يهطل). # 1 # وبعض مناقشات الافتراضات المسبقة (انظر لفنسون، 1983م، الفصل الرابع، ~~حيث يورد عرضا شاملا) تعاملها بصورة غير تناصية، أي باعتبارها مقولات ~~مقدمة إلى منتجي النصوص الذين يسلمون بصحتها، ولكن هذه النظرة تكتنفها ~~مشكلات: إذ إنها تستتبع القول مثلا بأن الجملة التالية «التهديد السوفييتي ~~خرافة» ذات دلالة متناقضة، ما دام منتج النص يسلم (وفق هذه النظرة) بوجود ~~تهديد سوفييتي ويزعم عدم وجود مثل هذا التهديد. أما إذا نظرنا إلى ~~الافتراضات المسبقة نظرة تناصية، وتصورنا أن المقولات المفترضة سلفا ~~تمثل أسلوبا لإدراج نصوص الآخرين في المقولات، فلن يكون لدينا أي ~~تناقض: أي إن تعبير «التهديد السوفييتي» والافتراض المسبق الذي يشير إليه ~~مصدر نص آخر (أو نص «أجنبي» بتعبير باختين) وأن الكاتب يطعن فيه. وعلينا ~~أن نضيف أن ذلك «النص الآخر» ليس - في كثير من حالات الافتراضات المسبقة - ~~نصا آخر مفردا أو يمكن تحديده والتعرف عليه، بل «نص» ضبابي يرادف ~~الرأي الشائع (أي ما يميل الناس إلى قوله، أو الخبرة النصية المتراكمة). ~~وهكذا فإن تعبير «التهديد السوفييتي» في هذه الحالة، على سبيل المثال، ~~تعبير نستطيع جميعا أن نتعرف عليه باعتباره قالبا مستخدما على نطاق ~~واسع، أو بتعبير بيشوه، تعبير «سابق البناء»، يجري تداوله بصورته ~~الجاهزة. # وفي إطار المدخل التناصي للافتراض المسبق، أي حين تشكل المقولة ~~المفترضة سلفا أمرا يسلم به منتج النص سلفا، فإن لنا أن نفسر هذه ~~المقولة من حيث علاقاتها التناصية مع النصوص ms127 السابقة لمنتج النص نفسه، ~~وتوجد حالة خاصة لهذا المدخل ترد فيها المقولة مثبتة في جزء من أجزاء النص، ~~ثم يشار إليها باعتبارها مفترضة سلفا في بقية النص. # وينبغي أن نشير إلى أن الافتراضات المسبقة، سواء كانت قائمة على النصوص ~~السابقة لمنتج النص أو على نصوص الآخرين، قد تتسم بالتلاعب مثلما تتسم ~~بالصدق. أي إن منتج النص قد يقدم مقولة باعتبارها مسلما بها من ~~جانب شخص آخر، أو باعتبارها ثابتة من جانبه، كذبا أو زيفا وبقصد ~~التلاعب. والافتراضات المسبقة أساليب فعالة في التلاعب بالناس، ذلك لأنه ~~يصعب الطعن فيها في حالات كثيرة. فإذا وجدنا مشاركا في مقابلة شخصية ~~إعلامية يطعن في أحد الافتراضات المسبقة الواردة في سؤال موجه إليه، فما ~~أيسر أن يظن الناس أنه يتحاشى مناقشة القضية. والافتراضات المسبقة القائمة ~~على التلاعب تفترض أيضا وجود ذوات مفسرة تتمتع بخبرات وافتراضات نصية ~~معينة سابقة، وبذلك تسهم في التكوين الأيديولوجي للذوات. # النفي # كثيرا ما تستخدم الجمل المنفية لأغراض جدلية. انظر على سبيل المثال ~~إلى العنوان التالي المنشور في صحيفة ذا صن: «لم أقتل المخبر! المتهم الذي ~~يحاكم بتهمة السطو يلجأ إلى الهجوم» الجملة المنفية الأولى تقوم على ~~افتراض مسبق، في نص آخر، يقول إن الشخص المتكلم هنا قتل أحد مخبري ~~الشرطة. وهكذا فإن الجمل المنفية تحمل أنماطا خاصة من الافتراضات المسبقة ~~التي تعمل من خلال التناص؛ إذ تضم نصوصا أخرى لا لسبب إلا للطعن فيها ~~ورفضها (انظر الحديث عن الجمل المنفية في ليتش، 1983م) (لاحظ أن جملة ~~«التهديد السوفييتي خرافة» تعمل بالطريقة نفسها، فعلى الرغم من أن الجملة ~~ليست منفية من زاوية النحو، فإنها منفية من زاوية الدلالة، كما يبين ~~الشرح الذي يقول «التهديد السوفييتي ليس حقيقيا»). # الميتاخطاب # الميتاخطاب شكل خاص من التناص السافر، حيث يميز منتج النص بين ~~مستويات مختلفة في النص الخاص به، ويقيم مسافة بينه وبين مستوى معين من ~~مستويات النص، فيعامل النص الذي أبعده عنه كأنما كان نصا خارجيا آخر ~~(انظر مينجنو، 1987م، 66-69). ويمكن إنجاز ذلك بطرائق ms128 مختلفة، أحدهما ~~استعمال المراوغة (براون ولفنسون، 1978م) باستعمال تعبيرات مثل «نوع من» أو ~~«ما يعتبر»، للإشارة إلى أن بعض التعبيرات يمكن أن تكون قاصرة (مثل «كان في ~~موقفه نوع من الأبوية»). أو قد يشار إلى أن التعبير ينتمي إلى نص آخر أو ~~إلى أعراف مختلفة (مثل قولك: «كما كان يمكن «س» أن يصفه»، «من الزاوية ~~العلمية») أو باعتباره استعاريا («إذا لجأنا إلى التعبير الاستعاري»). ~~ومن الطرائق الأخرى الممكنة أن يشرح الكاتب التعبير أو يعيد صياغته (وسوف ~~أعود لإعادة الصياغة في الفصل الخامس). فقد يلجأ أحد الوزراء إلى شروح ~~لمصطلح أساسي (عسير) مثل «الهمة» في سياق خطاب يلقيه عن «ثقافة الإنجاز ~~الفردي» قائلا «نتميز في مطلع حياتنا بوفرة الهمم، بالمبادرة، بالقدرة على ~~تبين الفرصة السانحة واغتنامها بسرعة». # والميتاخطاب يعني ضمنا أن المتكلم يقف فوق خطابه أو خارجه، وأنه في ~~موقف يتيح له أن يتحكم فيه أو يتلاعب به. وتترتب على هذا دلالات طريفة ~~للعلاقة بين الخطاب وبين الهوية (الذاتية)؛ إذ يبدو أنه يعارض الرأي ~~القائل بأن الهوية الاجتماعية للمرء تعتمد على الموقع الذي يشغله في أنماط ~~خاصة من الخطاب. ولهذه القضية جانبان. فمن ناحية معينة نرى أن المسافة ~~الميتاخطابية التي تفصل بين المرء وبين خطابه الخاص يمكن أن تؤيد الوهم ~~الذي يقول: إن المرء دائما يسيطر سيطرة كاملة عليه، وإن خطاب المرء ثمرة ~~من ثمار ذاتيته لا العكس. ومن الطريف في هذا الصدد أن الميتاخطاب يبدو ~~شائعا في أنماط الخطاب التي يستفيد فيها المرء من إظهار سيطرته على خطابه، ~~كما يحدث في النقد الأدبي أو في الأشكال الأخرى للتحليل الأكاديمي في ~~العلوم الإنسانية. وفي مقابل ذلك أقول: إنني أؤكد النظرة الجدلية إلى ~~العلاقة بين الخطاب والذاتية: فالذوات قائمون إلى حد ما داخل الخطاب ~~ويكونهم الخطاب إلى حد ما أيضا، ولكنهم مع ذلك يشتبكون في ممارسات ~~تطعن في الأبنية الخطابية (نظم الخطاب) التي تقيمهم في هذه المواقع وتعيد ~~هيكلتها. ويتضمن ذلك حالات إعادة الهيكلة القائمة على دوافع من الاعتبارات ~~الجدلية والأهداف التلاعبية؛ ms129 فما الشروح التي قدمها الوزير عاليه إلا ~~«هندسة دلالية» (ليتش، 1981م، 48-52). فالذي قد يبدو باعتباره إيضاحا ~~بريئا لمعنى «الهمة» يمكن تفسيره باعتباره تعريفا ذا دافع سياسي ~~وأيديولوجي (للمزيد من المناقشة ارجع إلى فيركلف، 1990م، أ، والفصل السادس ~~أدناه). # السخرية # تدور الأوصاف التقليدية للسخرية حول «قول شيء ليعني شيئا آخر»، ومثل ~~هذا الشرح محدود النفع؛ لأن ما يفتقده هو الطبيعة التناصية للسخرية؛ أي ~~إن القول الساخر «يرجع صدى» قول شخص آخر (سبيربر وويلسون، 1986م، ~~237-243). فلنفترض على سبيل المثال أنك قلت «الجو اليوم صحو يصلح للنزهة ~~وتناول الطعام في الخلاء»، ومن ثم نخرج للنزهة وتسقط الأمطار فأقول: ~~«الجو صحو يصلح للنزهة». وهنا يصبح قولي ساخرا لأنه يرجع صدى قولك، ~~ولكن التفاوت قائم بين المعنى الذي أعبر عنه، إذا صح هذا التعبير، ~~بترديد قولك، وبين الوظيفة الحقيقية لقولي وهو التعبير عن موقف سلبي من نوع ~~ما إزاء قولك، أو حتى إزاءك أنت، سواء كان الغضب أو التهكم أو ما عداهما. ~~ولنلاحظ أن السخرية تعتمد على قدرة المفسرين على إدراك أن معنى النص الذي ~~يمثل الصدى ليس المعنى الذي قصده منتج النص. وقد يتوقف هذا الإدراك ~~على عوامل مختلفة: مثل التفاوت الصارخ بين المعنى الظاهر وسياق الحال (وهو ~~سقوط المطر في المثال السابق) أو على مفاتيح في نبرات صوت المتحدث أو في ~~النص المكتوب (مثل وضع الألفاظ بين أقواس مربعة) أو على افتراضات المفسرين ~~عن معتقدات أو قيم منتج النص (فعبارة «نحن واعون كل الوعي بالمنجزات ~~الاقتصادية للشيوعية» سوف يدرك بسهولة أنها ساخرة من يقرءون بانتظام ~~صحيفة الديلي تلغراف (اليمينية) في بريطانيا، أو إذا وردت في خطاب يلقيه ~~رئيس الولايات المتحدة الأمريكية). # التداخل الخطابي # سبق لي أن أكدت، بألفاظ مختلفة، في الفصل الثالث، مبدأ التداخل ~~الخطابي (أو التناص التكويني) بأن قلت: إن نظم الخطاب تتمتع بالأولية على ~~الأنماط المعينة للخطاب، وأن الأخيرة تتكون باعتبارها تجميعات لعناصر ~~مختلفة من نظم الخطاب. كما قلت: إن مبدأ التداخل الخطابي يتحقق على ~~مستويات مختلفة، منها: النظام ms130 المجتمعي للخطاب، والنظام المؤسسي للخطاب، ~~ونمط الخطاب، بل وحتى العناصر التي تشكل أنماط الخطاب. كما إن استخدام ~~نموذج الهيمنة يشير في الاتجاه نفسه، وهو ما يؤدي إلى صورة لنظم الخطاب ~~باعتبارها توازنات مزعزعة، إذ تتكون من عناصر غير متجانسة داخليا، أو ~~تناصية في تكوينها، وتتسم بحدود فاصلة يعاد ترسيمها باستمرار في غضون ~~الفصل بين نظم الخطاب وإعادة ربطها في غمار الصراع على الهيمنة. # وأريد أن أتناول في هذا القسم قضية أنواع العناصر التي تجتمع لتكوين ~~أنماط الخطاب. كنت قد أكدت تنوعها في المناقشة السابقة، والطابع ~~المتغير لنطاقها: فهي تتراوح ما بين نظم تناوب الأدوار في الكلام إلى ~~المفردات، والسيناريوهات الخاصة بالأنواع من أنباء الجرائم، ومجموعات أعراف ~~التأدب، وهلم جرا. لكنه من الممكن تصنيف العناصر التي تشكل نظم ~~الخطاب، وهي التي يمكن الربط بينها في أنماط الخطاب، بحيث ينشأ عدد صغير من ~~الأنماط الرئيسية، وتتمثل خصائصها في مفردات خاصة ونظم لتناوب أدوار ~~الكلام، وهلم جرا. المصطلحات المستخدمة على نطاق واسع لهذه الأنماط ما ~~يلي: «النوع»، «الأسلوب»، و«النطاق الدلالي»، و«الخطاب». وهكذا يمكن للمرء ~~أن يتحدث عن «نوع المقابلة الشخصية»، أو «أسلوب المحادثة»، أو «النطاق ~~الدلالي لكتب الطهي» أو «الخطاب الطبي العلمي». # ومن مزايا استخدام أمثال هذه المصطلحات أنها تمكننا من أن نتبين في ~~تحليلاتنا الفوارق الرئيسية في النمط بين عناصر نظم الخطاب التي لولا هذه ~~المصطلحات لغفلنا عنها، وبهذا تتضح لنا الجوانب التي تمثل الأعراف فيها ~~قيودا على الممارسة الخطابية. كما أنه من الأيسر استخدام إطار تحليلي ~~يتضمن عددا صغيرا من الفئات المحددة وذات الفوارق الواضحة، كما إن ~~بعض المصطلحات يستخدمها علماء الاجتماع على نطاق واسع في تحليل الثقافة ~~الشعبية على سبيل المثال (بينيت، ووولاكوت ، 1987م)؛ وهكذا فإن استخدامها في ~~تحليل الخطاب يساعد في إيضاح قيمتها المنهجية لعلماء الاجتماع. ويصدق هذا ~~على مصطلح «النوع» و«الخطاب» المستعملين في الإشارة إلى نمط معين من ~~أنماط الأعراف (أي الإشارة إلى «خطاب» و«ضروب الخطاب») بدلا من الإشارة ~~بصفة عامة إلى استعمال اللغة باعتباره شكلا من أشكال ms131 الممارسة الاجتماعية ~~(وهو المعنى الذي استعملت المصطلح أساسا فيه حتى الآن، ولنذكر مناقشة ~~مصطلح «الخطاب» في المقدمة)، ولكن لذلك بعض المثالب؛ إذ إن عناصر نظم ~~الخطاب بالغة التنوع، وليس من اليسير دائما البت في أن ما يتعامل ~~المرء معه نوع أم أسلوب أم خطاب أم شيء آخر. أي إن وضع إطار تحليلي ~~يتسم بالجمود الشديد قد يؤدي إلى عدم رؤية تعقيدات الخطاب. وهكذا فإن علينا ~~أن نلتزم بالحذر في استخدام هذه المصطلحات، مدركين أن كلا منها يشير ~~بالضرورة إلى مجال متنوع وغير متجانس، وأنه سيصعب علينا في بعض الأحيان ~~استخدامها بدوافع صحيحة، وربما اضطررنا إلى اللجوء إلى استعمال مصطلحات ~~أشد غموضا مثل «نمط الخطاب» (وهو الذي كنت أستخدمه حتى الآن في الإشارة ~~إلى أي نمط من أنماط الأعراف). وعلينا أن ندرك أيضا استحالة وجود قائمة ~~محددة من الأنواع أو الأساليب أو ضروب الخطاب، وأننا نواجه دائما ما ~~يبدو لنا قرارات تعسفية إلى حد ما (وفق نقطة انطلاقنا في التحليل) حول ~~كون النص مثالا منفصلا لأحد هذه الأنماط أم لا. # فلننتقل الآن إلى مناقشة الأنماط، واضعين هذه الشروط نصب أعيننا. فأما ~~المصطلحات التي سوف أستخدمها فهي «النوع»، و«نمط النشاط»، و«الأسلوب»، ~~و«الخطاب»، وعلى الرغم من أن أنماط هذه العناصر تتمتع باستقلال معين عن ~~بعضها البعض، فإنها ليست متكافئة على وجه الدقة. «فالنوع»، خصوصا، يشمل ~~الأنماط الأخرى، بمعنى أن الأنواع تتفق اتفاقا وثيقا مع أنماط الممارسة ~~الاجتماعية الأخرى (انظر أدناه) ونظام الأنواع الذي ينشأ في مجتمع معين ~~وفي وقت معين يحدد التكوينات والتشكيلات من الأنماط الأخرى التي تقع ~~فيه. أضف إلى ذلك أن الأنماط الأخرى تختلف في درجة استقلالها إزاء النوع، ~~أي في مدى قابليتها للاشتباك الحر مع مختلف الأنواع ومع أنماط العناصر ~~الأخرى. وترتيبها من حيث الأقل استقلالا إلى الأكثر استقلالا هو: نمط ~~النشاط، فالأسلوب فالخطاب. ويهمنا بصفة خاصة، من منظور هذا الكتاب، التغير ~~في نظام الأنواع وتأثيره في تشكيلات العناصر الأخرى. ومع ذلك، فإن أحد نقاط ~~مفهوم النوع الذي أتبناه هنا ms132 (وهو باختيني في جوهره) أنه يسمح لنا أن ~~نحدد الأوزان الصحيحة للقيود التي تفرضها الأعراف على الممارسة ~~الاجتماعية، وإمكانية التغيير والطاقة الخلاقة. # وسوف أستعمل مصطلح «النوع» في الإشارة إلى مجموعة أعراف تتمتع ~~نسبيا بالاستقرار وترتبط بنمط من أنماط النشاط المعترف به اجتماعيا، ~~وتجسده إلى حد ما، مثل «الدردشة» غير الرسمية، أو شراء بضائع من دكان ما، ~~أو مقابلة شخصية للحصول على وظيفة، أو فيلم تليفزيوني وثائقي، أو قصيدة، أو ~~مقال علمي. و«النوع» لا يشير ضمنا إلى نمط نصي معين وحسب، ولكنه يشير ~~أيضا إلى عمليات معينة لإنتاج النصوص وتوزيعها واستهلاكها. فعلى سبيل ~~المثال، لا يعتبر المقال الصحفي والقصيدة في العادة نصين يختلفان ~~اختلافا شاسعا وحسب، بل إنهما يختلفان اختلافا بينا في طرائق ~~إنتاجهما (فالأول مثلا منتج جماعي، والثاني منتج فردي) ويختلفان تماما في ~~طرائق توزيعهما، وفي استهلاكهما؛ إذ يتضمن الأخير نظما مختلفة للقراءة ~~والتفسير. وهكذا فإن النوع يتجاوز التمييز بين «الوصف» و«التفسير» الذي ~~قدمته في الفصل الثالث. # وتعتبر الأنواع، طبقا لباختين (1986م، 65) «أدوات الانتقال من تاريخ ~~المجتمع إلى تاريخ اللغة»؛ أي إن التغييرات في الممارسة الاجتماعية ~~تتجلى على مستوى اللغة في جوانب التغيير في نظام الأنواع، وهي إلى حد ~~ما من نتائجها. وأنا أطبق هنا، في إشارتي إلى نظام الأنواع، مبدأ أولوية ~~نظم الخطاب الذي قدمته في الفصل الثالث؛ أي إن أي مجتمع، أو مؤسسة ~~معينة أو مجال معين في هذا المجتمع، لديه تشكيل خاص للأنواع، وهو ~~التشكيل الذي يظهر في العلاقات الخاصة بينها، ويشكل بذلك نظاما ~~معينا. ويقبل التغيير، بطبيعة الحال، كل من النظام والتشكيل ~~المذكورين. # فإذا ركزنا على النوع باعتباره نمطا نصيا، وجدنا أن كل نوع ~~محدد يرتبط ب «بناء تكويني» محدد، حسبما يدعوه باختين (1986م، 60) أو - ~~بالمصطلح الذي سوف أستخدمه - ب «نمط نشاط معين» (وهي فئة أستعيرها من ~~لفنسون 1979م). ويمكن تعريف نمط النشاط من حيث التتابع البنائي للأفعال ~~التي يتكون منها، ومن حيث المشاركون في هذا النشاط، أي في مجموعة مواقع ~~الذات التي يشكلها المجتمع ويعترف ms133 بها فيما يتعلق بهذا النمط من ~~النشاط. فعلى سبيل المثال، نرى أن النشاط الخاص بشراء سلع من دكان ~~الخضراواتي يشارك فيه «الزبون» و«عامل المبيعات» باعتبارهما من أنماط ~~الذوات، وسلسلة من الأفعال، بعضها اختياري أو متكرر على النحو التالي: ~~الزبون يدخل المحل وينتظر دوره، العامل يحيي الزبون (فيرد الزبون التحية ~~ويتبادلان كلمات ودودة) ثم يسأل الزبون عما يريد؛ يحدد الزبون ما يريد ~~شراءه (وربما يسبق هذا حديث عابر مثل «ما أحوال التفاح هذا الأسبوع؟» ويجيء ~~الرد «النوع الأخضر ممتاز»)؛ يأتي العامل بالمطلوب (يزن التفاح ويضعه في ~~الكيس ... إلخ) ويعطيه للزبون (وربما يتناقش الزبون مع العامل حول جودة ~~التفاح أو حول زيادة وزن الكمية ... إلخ)؛ الزبون يشكر العامل، العامل يذكر ~~السعر، الزبون يدفع، العامل يعطي الباقي للزبون ويشكره، الزبون يشكر العامل ~~ويحييه مودعا؛ العامل يرد التحية. وكما يبين هذا المثال، نجد أن نمط ~~النشاط كثيرا ما يضع حدودا لنطاق الخيارات الممكنة ولا يحدد نسقا ~~معينا. انظر ما تقوله رقية حسن في هاليداي وحسن (1985م) حيث تقدم ~~رأيا في النوع يؤكد البناء التكويني. # ويرتبط النوع عادة بأسلوب معين، وإن كان من الممكن في حالات كثيرة ~~أن تتخذ أساليب بديلة، فمن الجائز أن تكون المقابلة الشخصية «رسمية» أو ~~«غير رسمية». ومصطلح الأسلوب، مثل سائر المصطلحات التي أستخدمها، يصعب ~~تحديده بدقة، كما إنه يستخدم بطرائق متفاوتة. ولنا أن نعتبر أن الأسلوب ~~يتغير من زاوية معايير ثلاثة: أولها «المدلول»، والثاني «الصورة»، ~~والثالث الشكل البلاغي للنص، إذا استخدمنا مصطلحات علم اللغة المنهجي ~~(هاليداي، 1978م). فالأساليب تختلف، أولا، من حيث «المدلول» (أو الفحوى) ~~والمقصود به نوع العلاقة القائمة بين المشاركين في أي تفاعل. ووفقا لذلك ~~نستطيع تصنيف الأساليب من حيث كونها «رسمية» أو «غير رسمية» أو «حكومية» أو ~~«حميمة» أو «عارضة» وهلم جرا. ونستطيع تصنيفها، ثانيا، من حيث ~~«الصورة» أي إن كانت مكتوبة أو منطوقة أو تجمع بين هذا وذاك (كأن تكون ~~مكتوبة بغرض الإلقاء، أو مكتوبة كأنما هي منطوقة، أو منطوقة كأنما هي ~~مكتوبة). وهكذا نستطيع تصنيف ms134 الأساليب باعتبارها منطوقة أو مكتوبة أو ~~منطوقة كأنما هي مكتوبة وهلم جرا. ولنا أن نستخدم أيضا مصطلحات ~~تعبر من جانب معين عن «الصورة»، وأيضا عن المدلول أو النوع أو الخطاب، ~~مثل «أسلوب المحادثة»، و«الأسلوب الرسمي المكتوب»، و«الأسلوب غير الرسمي ~~المكتوب»، و«الأسلوب الأكاديمي»، أو «الأسلوب الصحفي» وهلم جرا. ~~وتختلف الأساليب، ثالثا، من حيث الشكل البلاغي، ويمكن تصنيفها وفق مقصدها ~~من «إقامة الحجة» (أسلوب التحاج) أو «الوصف» أو «العرض ~~الشارح». # وأما أكثر أنماط العناصر استقلالا (بخلاف النوع) فهو «الخطاب» (انظر ~~كريس، 1988م؛ وكريس وثريدجولد، 1988م، حيث تناقش العلاقة بين «النوع» ~~و«الخطاب»)، وتتفق ضروب الخطاب بصفة عامة مع أبعاد النصوص التي تناقش ~~تقليديا من حيث «المضمون»، و«المعاني الفكرية»، و«الموضوع»، و«المادة» ~~وهلم جرا. ولدي سبب وجيه يبرر استخدامي «الخطاب» بدلا من هذه ~~المصطلحات التقليدية؛ إذ إن الخطاب طريقة معينة من طرائق بناء المادة، ~~ويختلف مفهومه عن مفاهيم المصطلحات السابقة في أنه يؤكد أن خيوط المضمون أو ~~موضوع المادة - وهي مجالات معرفية - لا تدخل النصوص إلا في شكل وسيط ~~يتجسد في أبنيتها الخاصة. ومن المفيد في هذا الصدد اختيار مصطلحات لضروب ~~الخطاب المحددة بحيث تشير إلى المجال المعرفي الخاص بالخطاب، وأيضا إلى ~~الطريقة الخاصة التي يبنى بها، كأن نقول مثلا «الخطاب الطبي العلمي - ~~التقني» (أي الطب باعتباره مجالا معرفيا مبنيا من منظور علمي ~~تكنولوجي، على عكس ضروب الخطاب المرتبطة بشتى ألوان الطب «البديلة»)، أو أن ~~نقول «ضروب الخطاب النسوي الخاص بالحياة الجنسية» (أي الحياة الجنسية ~~باعتبارها مجالا معرفيا مبنيا من وجهات النظر النسوية). وضروب الخطاب ~~بهذا المعنى قضية رئيسية عند فوكوه (انظر الفصل الثاني عاليه). وكما ذكرت ~~آنفا، تتمتع ضروب الخطاب باستقلال أكبر من أنماط العناصر الأخرى؛ أي إنه ~~على الرغم من وجود قيود مهمة وقواعد توافق بين «أنواع» معينة وضروب خطاب ~~محددة، فإن الخطاب - مثل الخطاب الطبي العلمي التقني - يرتبط معياريا ~~ب «أنواع» مختلفة (المقالات العلمية، المحاضرات، الاستشارات وهلم جرا) ~~ويمكن أن يظهر في شتى «الأنواع» الأخرى (المحادثات، وبرامج النقاش ~~التليفزيونية، بل وفي الشعر ms135 أيضا). # وترتبط «أنواع» معينة بطرائق خاصة للتناص (السافر)؛ إذ تختلف ~~اختلافا تاما، على سبيل المثال، طرائق التمثيل الخطابي ووظائفه ومرات ~~وروده في التقرير الإخباري عنها في الحديث الودي أو في المقال العلمي. ~~وهكذا تنشأ طرائق متضادة وممارسات مختلفة للتمثيل الخطابي في الأنواع ~~المختلفة من الأنشطة الاجتماعية وفقا لما يكتسبه خطاب الآخرين من دلالات ~~وقيم متفاوتة. فعلى سبيل المثال لا يتوقع أحد أن يكون المحضر الحرفي ~~للأقوال في محادثة ما، أو حتى في قاعة محكمة، ملتزما بالألفاظ التزاما ~~تاما، على عكس ما نراه عندما يرد مقتطف من بحث علمي في سياق بحث آخر. ~~أضف إلى هذا أن بعض صور تمثيل كلام الآخرين في محادثة ما كثيرا ما ~~تحاول تقديم بعض جوانب الأسلوب الذي قيل به ذلك الكلام، وإن كان ذلك ~~نادرا في التقارير الإخبارية. ونقول بصفة أعم: إن درجة ظهور نصوص أخرى في ~~نص ما تعتمد على النوع، مثلما تعتمد عليه أشكال التناص السافر المستعملة ~~وأساليب عمل النصوص الأخرى داخل أحد النصوص. # فلأحاول الآن إيضاح مجموعة أنماط العناصر المذكورة فيما يتعلق ~~بالعينة الأولى الواردة أعلاه. النوع تقرير إخباري، وربما يتضمن أيضا ~~نوعا فرعيا هو التقرير الإخباري في الصحف الشعبية، وهو يتضمن تشكيلا ~~من أساليب مختلفة تنتمي لأنواع فرعية أخرى (انظر أدناه). ونمط النشاط ~~ينشئ موقعين من مواقع الذات: موقع مقدم الخبر (وهو المؤلف المفرد ~~الخيالي للتقرير، ما دامت هذه التقارير تنتج إنتاجا جماعيا) وموقع ~~متلقي الخبر (أي القارئ). وهو يتضمن البناء التتابعي التالي: العناوين ~~(عنوانان في هذه الحالة) حيث فحوى الموضوع؛ والملخص (فقرتان استهلاليتان) ~~تتضمنان صورة أكبر قليلا لفحوى الموضوع، التفاصيل (فقرتان أخريان)، ~~التطوير (سائر الخبر باستثناء الفقرة الأخيرة ذات العنوان الفرعي ~~«الأرباح») وهو ما يشير إلى الإجراءات التي ينبغي اتخاذها (للاطلاع على ~~بناء المواد الخبرية انظر فان دييك، 1988م). ومن الجدير بالذكر أيضا أن ~~بناء الموضوع يقوم على تقديم حل للأزمة؛ فالعنوان وجانب كبير من التقرير ~~يعرضان الأزمة، والفقرة الختامية القصيرة تقدم الحل. # ويتسم التقرير بالتركيب فيما يتعلق بالأسلوب، فلنبدأ ms136 بالطريقة ~~البلاغية، وهي تقديم المعلومات. ولنقل بمزيد من الدقة: إن النص يبني ~~صورة مقدم الخبر باعتباره مصدرا للمعرفة والمعلومات، وصورة القارئ ~~باعتباره المتلقي السلبي لها، ويتكون التقرير من مقولات قطعية مطلقة ~~من النوع الذي عادة ما تنشره الصحف عن الأحداث، على الرغم من أن تلك ~~الأحداث عادة ما تكون غير مؤكدة وتقبل شتى التفسيرات. ومن المهم في ~~هذه الحالة أن ننظر كيف ترتبط الطريقة البلاغية بأبعاد الأسلوب المبنية على ~~المدلول وعلى الشكل. فالأسلوب «عامي» من حيث المدلول، فالكتاب يحاكون ~~كلام العامة، كما سبق أن ذكرت، كأنما كانت العلاقة بين مقدمي الأخبار ~~ومتلقيها علاقة تناظر وعلاقة «عالم الحياة» (بالمعنى لدى هابرماس، ~~1984م). والأسلوب من النوع «المنطوق» ويشبه أسلوب المحادثة. وهذا التشكيل ~~الأسلوبي يبدو متناقضا؛ لأن الطريقة البلاغية تنشئ مواقع غير متناظرة ~~للذات، وتوحي بالملامح «الرسمية» للكتابة في المؤسسات العامة، وهي التي ~~تتناقض مع العناصر غير الرسمية لأسلوب المحادثة في عالم الحياة. # وفي التقرير خطاب معين يلفت الأنظار إليه بصورة خاصة، وهو ما يمكن أن ~~نصفه بأنه خطاب تجريم يكتسي طابعا عسكريا، وهو مبني على الاستعارة ~~التي تقول: إن المجرمين «يحاربون» المجتمع، وعلى المجتمع «تعبئة قواته» ~~لصدهم وقهرهم، ولكن هذا الخطاب والاستعارة يرتبطان في هذا التقرير بمطلب ~~التعبئة العامة بالمعنى الحرفي، أي دعوة القوات المسلحة إلى القضاء على ~~تجار المخدرات، وهو ما يؤدي إلى التباس المعنى في الجملة الافتتاحية: فهل ~~تتوقع صحيفة # ذا صن # نشوب معركة حقيقية هنا؟ # التناص والتحولات # ترتبط ببعض الممارسات المعينة داخل المؤسسات وفيما بينها «سلاسل ~~تناصية» معينة، وهي سلاسل من أنماط نصوص يرتبط بعضها بالبعض من خلال ~~تحولات معينة، بمعنى أن كل حلقة في السلسلة تتحول إلى حلقة أخرى أو ~~إلى أكثر من حلقة واحدة بطرائق منتظمة يمكن التنبؤ بها (فيما يتعلق ~~بالتحول، انظر كريستيفا، 1986م، أ؛ هودج وكريس، 1988؛ وانظر مناقشة علم ~~اللغة النقدي في الفصل الأول عاليه). وهذه السلاسل تتابعية أو أفقية، على ~~عكس علاقات التناص الرأسية التي نوقشت في القسم السابق تحت عنوان التداخل ~~الخطابي. وتحديد ms137 السلاسل التناصية التي يدخلها نمط معين من أنماط الخطاب ~~مفيد في تحديد «توزيعه»، ولك أن ترجع إلى المناقشة السابقة لإنتاج النصوص ~~وتوزيعها واستهلاكها. ومن الأمثلة البسيطة السلسلة التي تربط ما بين ~~الاستشارات الطبية وبين السجلات الطبية؛ إذ من المعتاد أن يحول الأطباء ~~النوع الأول إلى النوع الثاني. ولما كانت توجد أعداد منوعة هائلة من ~~الأنماط المختلفة للنصوص، فمن المحتمل، من ناحية المبدأ، أن توجد أعداد ~~هائلة بل يصعب تحديدها من السلاسل التناصية فيما بينها. ومع ذلك فمن ~~المحتمل أن العدد الفعلي لهذه السلاسل محدود، فالمؤسسات والممارسات ~~الاجتماعية ترتبط بطرائق محددة، وهو جانب من جوانب البناء الاجتماعي الذي ~~يمثل قيدا على السلاسل التناصية. (بل إن دراسة السلاسل التناصية الفعلية ~~أسلوب من أساليب الفهم العميق لهذا البعد من أبعاد البناء ~~الاجتماعي.) # وقد تتسم السلاسل التناصية بالتركيب الشديد، مثل ما يتعلق منها بنصوص ~~الدبلوماسية الدولية والمفاوضات الخاصة بالأسلحة. فإذا ألقى الرئيس ~~جورباتشيف خطابا رئيسيا، فسوف يتحول إلى نصوص من أنماط منوعة في ~~أجهزة الإعلام في كل بلد من بلدان العالم، إذ يتحول إلى أنباء وتحليلات ~~وتعليقات من جانب الدبلوماسيين، وإلى كتب ومقالات أكاديمية، وإلى خطب أخرى ~~تشرحه، أو تقدم تفصيلات له، أو ترد عليه، وما إلى هذا بسبيل. ومن ناحية ~~أخرى، فمن المحتمل أن يقتصر تحول مقولة قيلت أثناء محادثة عارضة إلى ~~صيغ أعاد المشاركون في المحادثة صوغهم لها، وربما إلى أنباء يحملها ~~الآخرون عنها. وهكذا فإن أنماط النصوص المختلفة تتفاوت جذريا فيما تدخله ~~من شبكات التوزيع وسلاسل التناص، ومن ثم فيما تتعرض له من أنواع ~~التحولات. وعلى الرغم من أن واضعي خطاب جورباتشيف لا يستطيعون التنبؤ ~~بالتفصيل بالحلقات الكثيرة لإنتاج النصوص واستهلاكها، فمن المحتمل أن ~~يبنوه بأسلوب مناسب لردود الأفعال المتوقعة من الأنماط الرئيسية للجمهور. ~~وتعتبر أمثال هذه التوقعات المركبة، كما سبق أن ذكرت، مصدرا للالتباس ~~وعدم التجانس، ومن الأرجح أن تكون النصوص ذات سلاسل التناص المركبة أقرب ~~إلى الاتصاف بهذه الخصائص من غيرها. # وقد تكون التحولات بين أنماط النصوص في سلسلة ms138 تناصية ذات ضروب منوعة، ~~فقد تتضمن أشكالا من التناص السافر، مثل التمثيل الخطابي، وقد تكون على ~~العكس من ذلك غير مركزة؛ إذ إن ما يمكن تفسيره بأنه عناصر مشتركة بين أنماط ~~نصية مختلفة قد يتجلى على مستويات مختلفة وبطرائق تتفاوت تفاوتا ~~جذريا، فقد يتبدى في المفردات طورا، أو في السرد والاستعارات طورا ~~آخر، أو في الاختيارات من الأشكال النحوية المتاحة، أو في طريقة تنظيم ~~الحوار. فعلى سبيل المثال، قد نجد في كتاب عن النظرية التربوية وصفا ~~نظريا لتمرين تعاوني يشترك الجميع فيه على قدم المساواة في قاعة الدرس، ~~ونلاحظ أن الكتاب يركز على تشكيل مفردات موضوعه أساسا، في حين أن ~~التمرين المذكور قد يعبر عن النظرية نفسها من خلال تنظيم الحوار بين ~~المعلم والتلاميذ، وقد تظهر النظرية في حديث في غرفة الأساتذة (أو في ~~مقابلات شخصية بحثية) في صورة الاستعارات التي يستخدمها المعلم في الحديث ~~عن تلاميذه وعلاقته بهم (كأن تثار قضية عمل التلاميذ في «مجموعات» أو ~~«فرق» أو حتى على شكل «فصائل أداء المهمات»). # فلننظر في مثال واقعي مقتطف من كتاب فيركلف (1990م، أ). كانت الخطب ~~التي ألقاها اللورد ينج عندما كان وزيرا للتجارة والصناعة في الفترة من ~~1985م إلى 1988م عنصرا رئيسيا من عناصر بلورة مفهوم «ثقافة المبادرة ~~الفردية» وممارساتها وسياساتها. وكان اللورد ينج هو الذي غير اسم ~~وزارته إلى «وزارة المبادرة الفردية». وقد أخضع في خطبه تعبير «المبادرة ~~الفردية» إلى عملية هندسة دلالية (وهي تناقش بمزيد من التفصيل أدناه، في ~~الفصل السادس) بحيث غدت الكلمة تجمع عددا من الصفات المرتبطة بتنظيم العمل ~~وإدارته، وفق مفهوم دعاة ثقافة المبادرة، بما في ذلك الاعتماد على النفس ~~والإنجاز الفردي. وتوجد فيما يظهر علاقة في هذه الخطب بين البناء النظري ~~للذوات القادرة على المبادرة، أي «النفس ذات الهمة»، وبين الدعاية التي ~~قامت بها وزارة التجارة والصناعة لصالح «مبادرة الإنجاز الفردي» التي أتى ~~بها ينج؛ إذ يتحول مضمون مفردات الخطب هنا إلى أسلوب توصيلي ~~معين. # وقد أصدرت وزارة التجارة والصناعة كتيبا يتضمن ms139 مقالا يعالج ~~«مبادرة التسويق» بصفة خاصة، وتلخصه على النحو التالي: «جوهر التسويق الجيد ~~تلبية حاجات عملائك، لا إنفاق الوقت والمال في إقناعهم بالحصول على ما ~~لديك. وهكذا فمن المهم، سواء كنت تبيع ما لديك داخل البلد أو خارجها، أن ~~تفهم السوق وتفهم منافسيك.» ويأتي هذا الملخص في قسم التوجه الافتتاحي ~~للمقال، وهو يشبه باقي أقسام التوجه في المقال، في أنه يتكون من مقولات ~~مباشرة قاطعة عن الممارسة التجارية، وهي مقولات لا بد أن تبدو بديهيات ~~لجمهور التجار الذي يخاطبه الكتيب، أو تتضمن تهديدا، مثل التهديد ~~الوارد في الجملة الثانية، لبعض الأعمال التجارية. والملاحظ أنها جملة ~~منفية بمعنى أنها تفترض سلفا أن بعض هذه المنشآت التجارية تبذل الوقت ~~والمال في محاولة إقناع الناس بشراء ما لديها. ومن ثم فللمرء أن يتوقع ~~أن يجد القراء من رجال الأعمال في أمثال هذه التوجهات مصدر ضيق و/أو ~~إساءة لهم. لكنني أتصور أنهم سوف يفسرونها تفسيرا مختلفا تماما. فذو ~~«الهمة» - بالمعنى الذي يقصده ينج - شخص يستطيع أن يتكلم وأن يصغي ~~لغيره دون لف ولا دوران، وربما يكون الهدف الذي تحاول هذه التوجهات ~~تحقيقه يجمع بين إضفاء هوية المبادرة على الوزارة المذكورة، وتقديم نموذج ~~للشخص الذي يتمتع بالهمة وسلوك المبادرة إلى التجار. أي إن طبيعة «النفس ~~ذات الهمة» تظهر، لا في مفردات الخطب وحسب، بل أيضا في أسلوب الكتابة ~~(الذي يوحي بأسلوب الكلام) في الكتيب. # ومن المحتمل أن تشكل السلاسل التناصية علاقات تحويل مستقرة نسبيا بين ~~أنماط النصوص (مثل العلاقات بين الاستشارات الطبية والسجلات الطبية أو ~~النظم المعتادة لتحويل التقارير إلى مقالات صحفية)، ولكن هذه سرعان ما تصبح ~~خطوط توتر وتغيير، وقنوات استعمار واستثمار لأنماط النصوص، ومسارات للطعن ~~في العلاقات ما بين أنماط النصوص. وهذا هو نهج تفسير السلاسل التناصية ~~المرتبطة بثقافة المبادرة؛ إذ تتعرض النصوص في مجالات الرعاية الصحية ~~والتعليم والخدمات الاجتماعية وأجهزة الإعلام، بل والدعاية الرسمية، مثل ما ~~نشهده في كتيب وزارة التجارة والصناعة، للاستعمار من جانب معان مرتبطة ~~بثقافة المبادرة النابعة من بعض ms140 المصادر، مثل خطب ينج، لإكسابها ~~أيديولوجيات المبادرة والاستراتيجيات السياسية لليمين الجديد، أي إن الخطوط ~~والقنوات القائمة داخل السلاسل التناصية تستغل لتحقيق أغراض ~~استراتيجية. # التناص وترابط المعنى والذوات # تترتب على ظاهرة التناص آثار مهمة لقضية من القضايا الرئيسية في هذا ~~الكتاب، ألا وهي تشكيل الذوات من خلال النصوص وإسهام الممارسات الخطابية ~~المتغيرة في إحداث تغييرات في الهوية الاجتماعية (انظر كريستيفا، 1986م، ~~ب؛ وثريد جولد 1988م، وطولبوت - تحت الطبع). فإن تناص النصوص يؤدي إلى ~~تعقيد عمليات تفسير النصوص التي نوقشت عاليه، إذ يضطر المفسرون، في سبيل ~~تحديد معاني النصوص، إلى إيجاد طرق للجمع بين العناصر المنوعة للنصوص؛ بحيث ~~تشكل معنى كليا مترابطا، وإن لم يكن بالضرورة موحدا أو قاطعا ~~أو بريئا من الالتباس. ومن اليسير أن نعتبر ذلك إنجازا حققه ~~المفسرون وحسب، وهو ما يعني ضمنا وضع المفسرين باعتبارهم ذواتا خطابية ~~فوق التناص وخارجه، أي بصفتهم قادرين على التحكم في عمليات خطابية منفصلة ~~عنهم. ومثل هذه النظرة يفترض الوجود السابق لذوات اجتماعية خطابية - بصورة ~~غير مفهومة - من قبل وقوع الممارسات الاجتماعية والخطابية، ويغفل إسهام ~~هذه الممارسات في تكوين الذوات وفي تغييرها على مر الزمن. والموقف الذي ~~سوف أتخذه هنا يقول: إن التناص، وعلاقات التناص التي تتغير باستمرار في ~~الخطاب، لا مندوحة عنها في تفهم عمليات تكوين الذوات. وينطبق هذا على ~~المقياس الزمني البيوغرافي، أي أثناء حياة الفرد، مثلما ينطبق على تكوين ~~الفئات الاجتماعية والمجتمعات المحلية وإعادة تكوينها. # ويقدم كريس (1987م) مثالا يؤكد الأهمية الاجتماعية لمثل هذه ~~العمليات الخطابية؛ إذ يحلل عينات من نصوص تعليمية ذات أنماط منوعة، ~~ويقول: إن طبيعة تناصها تتضمن عناصر مشتركة مع الخطاب الإعلاني. إذ نجد، ~~على سبيل المثال، أن الإعلانات عن مواد التنظيف المنزلية تشترك مع الكتب ~~المدرسية المخصصة لدروس الإدارة المنزلية في خصيصة توزيع أو تقسيم ~~خصيصة التنظيف ما بين فاعلين، الأول هو الإنسان - أي قارئ الإعلان أو ~~الكتاب المدرسي - والثاني هو السلعة (مثل: «مسحوق صابون إيجاكس ينظف دون ~~الشطف بالماء»، ومثل «المساحيق الدقيقة تستطيع امتصاص السوائل») ms141 وهو ما ~~يوحي في الحالتين أن الشخص الذي يقوم بالتنظيف «يحتاج» إلى السلعة. وهكذا ~~فإن الكتب المدرسية وغيرها من أشكال الخطاب التعليمي، تسهم في تكوين الذوات ~~باعتبارهم مستهلكين، كما أن العملية التعليمية تؤدي، من بين ما تؤدي ~~إليه، إلى تعليم القراء قراءة الإعلانات. وكما سبق أن ذكرنا أعلاه، نرى ~~كيف تدل هذه الأمثلة على تكوين الفئات الاجتماعية والمجتمعات المحلية، وعلى ~~اندماج الأفراد في مجتمعاتهم؛ ومن شأن أمثال هذه الممارسات الخطابية أن ~~تولد في وقت واحد رؤية (استهلاكية) للعالم ومجتمع (من المستهلكين) يرتبط ~~بهذه الرؤية. ويتفق هذا مع الرأي الذي يقول إن العمل الأيديولوجي للخطاب ~~يولد في الوقت نفسه صورا تمثيلية للناس في مجتمعاتهم ونظما تحكم هذه ~~المجتمعات (انظر ديبراي، 1981م؛ ومينجينو، 1987م، 42). # ويقع مفهوم ترابط المعنى في قلب معظم تعريفات التفسير. فليس ترابط ~~المعنى من خصائص النصوص، كما سبق لي أن أوضحت، بل من الخصائص التي يفرضها ~~المفسرون على النصوص، إذ إن اختلاف المفسرين (بمن فيهم منتج النص) قد ~~يؤدي إلى توليد معان مترابطة مختلفة للنص نفسه، بل وينبغي ألا نفهم أن ~~المعنى المترابط معنى منطقي مطلق، فنحن نرى أن النص ذا المعنى المترابط ~~هو النص الذي يقدم معنى متسقا إلى حد معقول في نظر المفسر، وهو ما ~~لا ينفي وجود حالات قلق والتباس في المعنى. # كنت قد استخدمت في الفصل الثالث مثالا لإيضاح استناد ترابط المعنى ~~إلى الافتراضات التي يستعين بها المفسرون في عملية التفسير، ومن بينها ~~افتراضات ذات طبيعة أيديولوجية. إذ نجد مثلا أن النص الذي يقول «سوف تترك ~~عملها يوم الأربعاء القادم. إنها حامل» نص يقوم معناه على افتراض أن النساء ~~يتوقفن عن العمل عند إنجاب الأطفال (وعند الحمل). وكنت قد ذكرت أن ~~منتجي النصوص يتوجهون إلى الذوات المفسرة «القادرة» على الاهتداء إلى ~~الافتراضات المناسبة وإقامة الروابط التي تكفل «قراءات» مترابطة المعنى. ~~ومن الممكن توسيع نطاق هذه النظرة إلى ترابط المعنى ودوره في التوجه ~~الأيديولوجي بحيث تتضمن التناص، بمعنى أن النصوص تفترض وجود ذوات ~~مفسرة، وتهيئ لها ms142 مواقع تفسيرية مضمرة، باعتبار أنها «قادرة» على ~~استخدام افتراضات مستمدة من خبراتها السابقة، لمساعدتها في إقامة الروابط ~~بين العناصر التناصية المختلفة في نص من النصوص، وبذلك تنجح في توليد ~~تفسيرات مترابطة المعنى. وينبغي ألا يعني ذلك ضمنا أن المفسرين ينجحون ~~دائما في التوفيق الكامل بين المتناقضات في النصوص؛ بل إن المفسرين قد ~~يأتون بتفسيرات تقاوم ما في النص (انظر أدناه). ويجوز أن يصل المفسرون ~~إلى توفيق جزئي أو توفيق مصطنع يكفي لتلبية أغراضهم المباشرة، ولكن إذا ~~نجح المفسرون في التوفيق بين المتناقضات في تفسيراتهم فإنهم يكونون بذلك قد ~~شغلوا مواقع الذوات المركبة التي أنشأتها النصوص (أو اكتسبوا الدعم من ~~النصوص لمواقعهم القائمة). # وتتولد التفسيرات القائمة على ترابط المعنى ما بين العناصر التناصية ~~المنوعة في نص من النصوص لشتى أبعاد معناها في وقت واحد، أي البعد الفكري، ~~وبعد العلاقة ما بين الأشخاص (وينقسم الأخير إلى معان فكرية ومعان خاصة ~~بالهوية). فنجد على سبيل المثال أن العينتين الأولى والثانية أعلاه ~~تتضمنان معاني علائقية مركبة ترتبط بالطرائق التي تمزج بها بين الأساليب ~~والأنواع غير المتجانسة. والمفسرون هم الذين يجدون طرائق مقبولة للجمع ~~بين هذه المعاني العلائقية المنوعة. ففي حالة العينة الأولى نجد أن ~~الجمع بين المعاني العلائقية يتوسل بالتوفيق بين العلاقة القائمة بين مصدر ~~المعلومات ومقدمها، وبين المتلقي السلبي للمعلومات، من جانب، ونجد من جانب ~~آخر العلاقة بين المشاركين في الانتماء إلى عالم الحياة. وأما في العينة ~~الثانية فإن ما يحتاج إلى الجمع هو العلاقة بين المعلن والمستهلك، ~~والعلاقة بين المؤسسة بصفتها مصدر سن القوانين وبين أحد أفراد الجمهور ~~باعتباره الذات (كالعلاقة بين البنك والعميل). ومن الأمثلة على النصوص التي ~~تتضمن معاني مركبة متماثلة نص المقابلة الإذاعية مع السيدة مارجريت ثاتشر ~~الذي سبق لي تحليله في فيركلف (1989م، أ). ويتكون موقع الذات المركب ~~الذي يشغله القارئ من نطاق متنوع من العناصر (من بينها البريطاني الوطني، ~~وربة المنزل الحريصة، والوالدان القلقان، والمقاول) ونقول مرة أخرى: إن ~~على المفسر أن يجمع بين هذه الهويات المتناقضة ms143 في كيان مترابط المعنى. ~~ويعلق هول (1988م) تعليقا مماثلا على خطاب ثاتشر، ومفهوم «التكثيف» عند ~~لاكلاو (1977م)، يتناول عملية الجمع تفسيريا بين العناصر من حيث آثاره ~~الأيديولوجية، وكل منهما يضع هذه القضايا داخل إطار نظرية للهيمنة. وأما ~~ما يفتقر إليه تناولهما فهو وجود نصوص فعلية خاصة. # والمعنى المضمر فيما قلته إلى الآن يقول بوجود مفسرين طيعين، ~~بمعنى أنهم يقبلون المواقع التي أعدت لهم في النصوص، ولكن المفسرين ~~ليسوا جميعا طيعين. فبعضهم يتسم - إلى حد ما، وبصراحة متفاوتة المقدار ~~- بالمقاومة. ولا يقتصر تعريف المفسرين، بطبيعة الحال، على كونهم «ذوات ~~خطابية» في «عمليات خطابية معينة»، بل إنهم ذوات اجتماعية ولديهم خبرات ~~اجتماعية متراكمة، ويتمتعون بموارد ذات توجهات منوعة إلى الأبعاد ~~المتعددة للحياة الاجتماعية، وهذه المتغيرات تؤثر في طرائق تفسيرهم لنصوص ~~معينة. ومن المتغيرات الأخرى إجراءات التفسير الخاصة المتاحة لهم، والتي ~~يستفيدون بها، في ذلك المجال الخاص من مجالات الممارسة الخطابية؛ فالقدرة ~~على القراءة النقدية، على سبيل المثال، ليست موزعة بالتساوي بين جميع ~~المفسرين في جميع الظروف التفسيرية. # وقد تجنح القراءات «المقاومة»، إلى حد ما، إلى الفصل بين عناصر ~~التناص المترابطة في نص من النصوص، فقد يبدي المفسر، على سبيل المثال، ~~اعتراضا على العناصر الإعلانية في العينة الثانية، فيقرؤها قائلا: إن ~~بطاقة «باركليكارد» «تحاول أن تبيع لي شيئا». وفي غمار هذه العملية يضيف ~~المفسر بعدا آخر للتناص إلى النص باستحضار نصوص أخرى للتأثير في ~~تفسيره، وقد تنتمي في هذه الحالة إلى تحليلات علم الاجتماع أو البحوث ~~السياسية النقدية للنزعة الاستهلاكية. وتمثل «القراءات المقاومة» إحدى ~~طرائق الصراع على الهيمنة فيما يتعلق بالترابط بين العناصر التناصية. ~~وإذا كانت تؤدي في العادة إلى عمليات إنتاج نصوص تصور الصراع على الهيمنة ~~بأشكال أشد صراحة، فإن ذلك ليس بالضرورة هو الحال دائما، ومن المهم أن ~~ننظر في طرائق تفسير المفسرين للنصوص حتى نستطيع التوصل إلى التقييم ~~السليم لفاعليتها السياسية والأيديولوجية. (ولك أن ترجع إلى انتقادي ~~للغويات النقدية الذي يتبع نهجا مماثلا في الفصل الأول عاليه، وانظر ~~استعمال مفهوم ms144 «القراء المقاومين/القراءات المقاومة» في كريس ~~(1988م).) # الفصل الخامس # | تحليل النصوص: بناء العلاقات الاجتماعية و«النفس» # يركز الفصلان الخامس والسادس على تحليل النصوص وما يرتبط به من الجوانب ~~«الصغرى» للممارسة الخطابية، بحيث يطوران - على أسس انتقائية محضة - معالجة ~~الفئات التحليلية التي سبق تقديمها في الفصل الثالث (باستثناء التناص الذي ~~عولج في الفصل الرابع)، وهي المفردات، والنحو، والتماسك، والبناء النصي، ~~والقوة، وترابط المعنى. والاختلاف بين الفصلين الخامس والسادس اختلاف في ~~التأكيد؛ إذ يركز الفصل الخامس أساسا على الخصائص التحليلية للنصوص، وهي ~~التي ترتبط خصوصا بوظيفة العلاقة ما بين الأشخاص من زاوية اللغة والمعاني، ~~ويتناول الفصل السادس بصفة رئيسية جوانب تحليل النصوص، وهي الجوانب التي ~~ترتبط خصوصا بالوظيفة الفكرية والمعاني الفكرية. # قلت في الفصل الثالث: إن الوظيفة الخاصة بالعلاقة ما بين الأشخاص يمكن ~~تقسيمها إلى وظيفتين مكونتين لها أسميتهما الوظيفة «العلائقية» والوظيفة ~~الخاصة ب «الهوية». وتتعلق هاتان بالطرائق التي تمارس بها العلاقات ~~الاجتماعية، وتتجلى بها الهويات الاجتماعية في الخطاب، ولكنهما تتعلقان ~~أيضا بكيفية بناء العلاقات الاجتماعية والهويات في الخطاب (وإعادة إنتاجها، ~~والطعن فيها، وإعادة هيكلتها). وأريد أن أركز في هذا الفصل على بناء ~~الهويات الاجتماعية، أو على بناء «الذات» في الخطاب، وبصفة أخص على الطرائق ~~التي يسهم بها الخطاب في عمليات التغيير الثقافي، وهي التي تتعرض فيها ~~الهويات الاجتماعية أو «الذوات» المرتبطة بمجالات ومؤسسات معينة لإعادة ~~التحديد وإعادة التكوين. وأريد تأكيد هذا هنا؛ لأنه جانب خطابي بالغ الأهمية ~~من جوانب التغيير الثقافي والاجتماعي، ولكن هذا الجانب لم يلق حتى عهد قريب ~~الاهتمام الجدير به في تحليل الخطاب. # وسوف ينصب تركيزي على الخصائص التحليلية التالية للنصوص: التحكم في ~~التفاعل (بما في ذلك تناوب أدوار الكلام، وبناء التبادل، والتحكم في الموضوع، ~~والتحكم في البنود ، والصياغة) والنوعية، والتأدب، والجو الخلقي. وفي إطار ~~الفئات التحليلية الواردة في الفصل الثالث عاليه، يعتبر التحكم في التفاعل ~~بعدا من أبعاد بناء النص، وتعتبر النوعية بعدا من أبعاد النحو (وإن يكن ~~مفهوم النحو هنا موجها بشدة نحو المعنى، مثل مفهوم هاليداي، 1985م) ms145 ويعتبر ~~التأدب جانبا مما أسميته «القوة». وأما الجو الخلقي فيتجاوز هذه الفئات، ~~كما سوف أشرح أدناه، ودافعه التركيز على الذات. وليس اختيار هذه الموضوعات ~~المحددة للفحص اختيارا تعسفيا، إذ يمثل كل منها أساسا حافلا للنظر ~~في جوانب التغيير ذات الدلالة الاجتماعية والثقافية في وظائف الخطاب ~~العلائقية والخاصة بالهوية. # وكما فعلت في الفصل الرابع أبدأ بمناقشة عينات خاصة من الخطاب، وقد ~~أخذت عينتين من نمط خطاب واحد، وهو نمط المقابلات الشخصية الطبية، لأنهما ~~يظهران أسلوبين متضادين لبناء العلاقات بين الطبيب والمريض وبناء الهوية ~~الاجتماعية للطبيب، «الذات الطبية» في المجتمع المعاصر. وأما العينة ~~الثالثة فمن محادثة غير رسمية، وقد أدرجتها لأؤكد تضادا آخر بين ~~العينتين الأوليين يرجع بنا إلى الفصل الأخير، أي الفوارق بين طرائق ~~التناص. # العينة الأولى: مقابلة شخصية طبية «معيارية» # العينة الأولى مقتطفة من مقابلة شخصية بين طبيب ومريضة، وأستعيرها من ~~دراسة للمقابلات الشخصية الطبية التي سجلها ميشلار (1984م) في الولايات ~~المتحدة. فترات الصمت ترمز لها النقط. وكل نقطة تمثل عشر ثانية، والنقطتان ~~الرأسيتان (:) تدلان على مط المقطع المنطوق، وضروب المقاطعة والتداخل تدل ~~عليها الأقواس المربعة، وأما الأقواس المستديرة فتدل على كلام غير واضح. ~~والأرقام الرومانية تقسم المقتطف إلى «دورات»، تتفق عموما مع «المبادلات» ~~في النظام الذي وضعه سنكلير وكولتارد (ط: طبيب، م: مريضة). # سوف أبدأ بالتركيز على مجموعة منوعة سوف أطلق عليها «معالم التحكم في ~~التفاعل»، وهي تتعلق عموما بضمان سلاسة التفاعل على مستوى التنظيم، بمعنى ~~سلاسة تناوب أدوار الحديث، واختيار الموضوعات وتغييرها، وإجابة الأسئلة، ~~وهلم جرا. # وأمامنا نقطة انطلاق واضحة، ألا وهي أن تنظيم التفاعل يستند إلى ~~الأسئلة التي يوجهها الطبيب وتجيب عليها المريضة. وتسجيل المحادثة ~~يتضمن التحليل الذي قام به ميشلار بتقسيم البيانات إلى تسع حلقات، تبدأ ~~كل منها بسؤال من الطبيب. وتقسيم الحلقات # V ~~، ~~و # VII ~~، ~~و # IX ~~(وقد اختصرت هذه الأخيرة) إلى حلقات فرعية يبين أنها ~~تتضمن أيضا أسئلة «متابعة» من الطبيب تتطلب تفاصيل معينة في إجابات ~~المريضة. وفي بعض الحالات (في السطور 10، و13، و27) ms146 يسبق سؤال الطبيب ~~عنصر يتضمن إقرارا سافرا أو قبولا لإجابة المريضة السابقة. وسوف أسمي ~~هذا «قبولا». وحتى حين يغيب ذلك فإن قيام الطبيب بطرح سؤال آخر، بدلا من ~~سؤال متابعة، يمكن تفسيره باعتباره قبولا ضمنيا لإجابة المريضة السابقة. ~~وهذا سبب اعتبار أسئلة الطبيب واقعة بين حلقات، إذ إنها تختتم إحدى الحلقات ~~بالقبول الضمني لإجابة المريضة، وبالبدء في الحلقة التالية. ولنا أن نقول ~~إذن، وفق تحليل ميشلار: إن هذه الحلقات تتسم ببناء أساسي ثلاثي يتكون من ~~سؤال من الطبيب، ورد من المريضة، وقبول مضمر أو سافر للرد من ~~الطبيب. # وإذن، فإن الطبيب يتحكم تحكما صارما في التنظيم الأساسي للتفاعل ~~من خلال ابتداء كل حلقة واختتامها بقبول ردود المريضة أو إقرارها. ومن ~~النتائج المترتبة على هذا أن الطبيب يتحكم في نظام تناوب الأدوار، أي توزيع ~~أدوار الحديث بين المشاركين في التفاعل (فيما يتعلق بالتناوب انظر كتاب ~~ساكس وشيجلوف وجيفرسون، 1973م، وشينكاين، 1978م). والمريضة لا تشارك في ~~أدوار الحديث إلا عندما يقدمها الطبيب لها، أي عندما يوجه سؤالا ~~إليها، ولكن الطبيب لا ينتظر تقديم أدوار إليه بل يأخذها عندما تنتهي ~~المريضة من ردها عليه، أو عندما يقرر أن المريضة أجابت الإجابة الكافية ~~في نظره (انظر أدناه). # وتترتب نتيجة أخرى على هذا التنظيم الأساسي، وهي تتعلق ب «التحكم في ~~الموضوع». إذ إن الطبيب هو الذي يقدم، أساسا، موضوعات جديدة من خلال ~~أسئلته، مثلما يفعل عندما يتحول في السطور 1-13 من معنى «حموضة المعدة» إلى ~~موضع «الحرقان» ثم إلى السؤال عما إذا كان الألم يتحول إلى الظهر، وعن ~~موعد الإحساس بالألم. ومع ذلك فالملاحظ أن المريضة تقدم موضوعا جديدا ~~في السطرين 21-22، وهو شرب الكحول، وهو ما يتناوله الطبيب في السطر 24، ~~وسوف أعود إلى هذا الاستثناء أدناه. # ومن الجوانب الأخرى للتحكم في الموضوعات ممارسة الطبيب لخياراته الخاصة ~~في الاستجابة لردود المريضة من الأسئلة السابقة، ففي السطور 21-24 التي ~~أشرت إليها لتوي، على سبيل المثال، تقر المريضة بأنها أخطأت باعتيادها شرب ~~الخمر، ولكن الطبيب لا يتابع ms147 هذا الإقرار، إذ يبدو أنه غير مهتم إلا بتأثير ~~الكحول في صحة المريضة. وعلى غرار ذلك نجد أن ردود المريضة في السطور 29-30 ~~و42 تشير إلى بعض المشكلات لدى المريضة التي يتجاهلها الطبيب مفضلا ~~النظر في التفاصيل الطبية الدقيقة. ويخالج المرء الإحساس بأن الطبيب يغير ~~الموضوع ويحصره وفقا لنهج موضوع سلفا، وبأنه لا يسمح للمريضة ~~بتغييره. # وتمثل طبيعة الأسئلة التي يطرحها الطبيب جانبا آخر من جوانب تحكمه ~~في الموضوع، إذ إنها ليست أسئلة مفتوحة تتيح للمريضة حرية الكلام (كأن يقول ~~مثلا «حدثيني عن حالك في الآونة الأخيرة») ولكنها أسئلة «مغلقة» إلى ~~حد ما، بمعنى أنها تفرض حدودا صارمة نسبيا على إجابات المريضة. وبعض ~~هذه الأسئلة ينتمي إلى ما يرد عليه بالإيجاب أو بالنفي، بمعنى تأكيد مقولة ~~معينة أو إنكارها (مثل «هل تشعرين بالحرقان هنا؟») وبعضها الآخر تبدأ ~~بحروف معينة مثل «ماذا»، و«متى»، و«كيف»، وهي الأسئلة التي تطلب تفاصيل ~~محددة عن وقت شرب الكحول وكميته ونوعه. # ومن المفيد أيضا أن ننظر إلى العلاقة بين أسئلة الطبيب وإجابات ~~المريضة. ففي السطر الرابع يبدأ الطبيب سؤاله قبل أن تنتهي المريضة من ~~الكلام، فيقع التداخل. ويحدث ذلك أيضا في السطرين 20 و24، وإن كانت إجابة ~~المريضة في هاتين الحالتين تتضمن وقفة ربما ظنها الطبيب دليلا على ~~انتهاء الإجابة. وفي حالات أخرى يتبع دور الطبيب مباشرة كلام المريضة دون ~~توقف، إما بإبداء تقدير للحالة متبوع بسؤال (السطران 10 و13) أو بسؤال فقط ~~(السطر 16). ويختلف النسق في السطر 23 للأسباب التي أوردها أدناه. وهذا ~~يؤكد أن الطبيب يعمل وفقا لنهج موضوع سلفا، أو أنه ينتقل من مرحلة إلى ~~مرحلة أخرى حالما يرى أنه حصل على معلومات يعتبرها كافية، حتى ولو أدى ~~ذلك إلى مقاطعة كلام المريضة. وإذا نظرنا إلى هذا النهج بعيني المريضة ~~فربما وجدنا أنه يتكون من سلسلة من الأسئلة غير المتصلة التي يتعذر ~~توقعها، وربما يكون هو السبب في أن إجابات المريضة عنها تسبقها لحظات ~~تردد (السطور 15، 18، 29، 42)، على العكس من إجاباتها عن أسئلة الطبيب ms148 في ~~القسم الأول من المقتطف. # والصورة الشاملة إذن، فيما يتعلق بمعالم التحكم في التفاعل، تدل ~~على أننا نشهد حلقات تتكون كل حلقة منها من سؤال وإجابة وتقييم، وأن ~~الطبيب يطبق من خلالها نهجا موضوعا سلفا، وأنه يستطيع بفضله أن يتحكم في ~~أدوار كلام المريضة ومضمون كل دور وطوله، إلى جانب تقديم الموضوعات ~~وتغييرها. ولأقدم الآن بعض التعليقات الموجزة على ثلاثة جوانب أخرى لهذه ~~العينة، قبل معالجتها معالجة وافية في أواخر هذا الفصل، وهذه هي النوعية، ~~والتأدب، والجو الخلقي. # والمقصود بالنوعية مدى التزام منتج النص بمقولاته، أو إقامته - على ~~العكس من ذلك - مسافة تفصل بينه وبينها، أي تحديد درجة «ارتباطه» بالمقولة، ~~وفق المصطلح الذي وضعه هودج وكريس (1988م)، ولكن الارتباط الذي يبديه منتج ~~النص كما يبين هودج وكريس، بإحدى الصور التي تمثل العالم لا تنفصل عن ~~العلاقة (و«الارتباط») بين منتج النص وغيره من المشاركين في الخطاب. ففي ~~السطرين 2-3 مثلا تعرف المريضة «حموضة المعدة» بأنها «حرقان شيء مثل ~~الحرقان يعني أو ما عداه» أي: إن المريضة تشرح ما بها أولا بتعبير طبي ~~شعبي، ثم تقيم مسافة بينها وبين الشرح باختزاله في تشبيه («مثل الحرقان») ~~ثم تزيد من المسافة التي تفصلها عنه ب «المراوغة» (براون ولفنسون، 1978م) ~~بتعبير «أو ما عداه». والنوعية هنا تفيد ضعف الارتباط، ولكن التمييز عسير ~~في هذه الحالة بين صدق المقولة وبين العلاقات الاجتماعية الكامنة في دوافع ~~المريضة لقول ما تقوله: تراها تختار ضعف «النوعية» لأنها غير واثقة من دقة ~~شرحها، أم لأنها عازفة عن قول شيء يشبه المعرفة الطبية في تفاعل مع خبير ~~طبي معترف به؟ أي إن صدق المقولات والعلاقات الاجتماعية، بمعنى المعرفة ~~والسلطة، ترتبط بروابط معقدة ويتعذر فصلها في مثل هذه الحالات. # فلأتحول الآن إلى التأدب: إن المريضة تقدم في السطرين 21-22 قضية ~~شربها الخمر، وهي قضية يصعب الخوض فيها على ما يبدو ويمكن أن توقعها في ~~حرج، باعتبارها إضافة ذيلت بها إجابتها عن سؤال من أسئلة الطبيب. ويقول ~~ميشلار (1984م، 86) إنها تتكلم في هذه ms149 اللحظة بأسلوب فيه «ميوعة» أو «دلال» ~~أو «لمسة طفولية» وهو ما يمكن تفسيره بأنه محاولة للتخفيف من التهديد ~~لاحترامها لذاتها وللحفاظ على «ماء وجهها» بعد اعترافها بمعاقرة الشراب ~~(انظر براون ولفنسون، 1978م، والقسم الخاص بالتأدب في مكان لاحق بهذا ~~الفصل) وعلى العكس من ذلك، لا تتضمن أسئلة الطبيب عن شربها الخمر أي تخفيف، ~~فهي أسئلة صريحة بل وحتى قاسية (السطر 41)، فهو يصف حالة المريضة بأنها ~~حالة «إسراف في الشراب» في صياغة تفتقر إلى الدبلوماسية أو التخفيف (أعود ~~لقضية الصياغة فيما بعد). أي إن أسئلة الطبيب تتسم بمستوى تأدب منخفض، وأنا ~~أستخدم المصطلح بمعناه الواسع المستخدم في دراسات التداولية (انظر مثلا ~~ليتش، 1983م؛ براون ولفنسون، 1978م) بحيث يعني التوجه والحساسية ل ~~«الحياء» عند المشاركين واحترامهم لذواتهم، وخصوصيتهم واستقلالهم. # ولنا أن نربط بين التأدب وبين مفهوم الجو الخلقي الأعم والأشمل، وهو ~~الذي يعني كيف يمكن للسلوك الكلي للمشارك - وهو الذي يعتبر كلامه (المنطوق ~~أو المكتوب) وأسلوبه ونغمته جزءا منه - أن يعبر عن شخصيته ويشير إلى ~~هويته الاجتماعية وذاتيته (مينجينو، 1987م، 31-35). والأطباء يظهرون في ~~الممارسة الطبية المعيارية ما يمكننا أن نسميه الجو الخلقي العلمي (إذ يعتز ~~الطب الحديث بأنه «العلم الطبي») وهو الذي يتحقق بأشكال مختلفة في الطرائق ~~التي يلمسون بها المرضى وينظرون إليهم أثناء فحصهم، وفي الطرائق التي ~~يستنبطون بها الموضوعات من أقوال المرضى، وغياب دقائق التلطف الخاصة بمعاني ~~العلاقة بين الأشخاص مثل التأدب، وهي التي من شأنها الإيحاء بالتوجه ~~إلى المريض باعتباره شخصا، لا التوجه العلمي إلى المريض باعتباره «حالة» ~~(انظر إيميرسون، 1970م، حيث ترد فحوص أمراض النساء وفق التوجهات المذكورة ~~وفيركلف 1989م، أ، 59-62 حيث ترد مناقشة لها). # كان تحليل العينة الأولى حتى الآن منحازا لجانب واحد في تركيزه على ~~تحكم الطبيب في التفاعل. ويشير ميشلار إلى وجود طرائق لتحليل المقابلة ~~الشخصية أكثر توجها إلى منظور المريض. والواقع أن هذه الطرائق أهم من ~~زاوية التناص. سبق لي أن أشرت إلى أدلة التناقض بين المنظور الطبي ومنظور ~~الخبرة العادية، والتي ms150 نجدها في الأسلوب الذي يستبعد به الطبيب أجزاء ~~معينة من أقوال المريض، إذا بدت له خارج الموضوع. فإذا كان كلام الطبيب ~~يظهر فيه باتساق «صوت» الطب، فإن أقوال المريض تمزج صوت الطب بصوت «عالم ~~الحياة»، أو الخبرة العادية (وهذان المصطلحان من عند ميشلار الذي يقتبسهما ~~من هابرماس). وأما التحليل البديل الذي يقترحه ميشلار فيركز على الجدلية، ~~والتضارب والصراع داخل التفاعل بين هذين الصوتين. ويوحي هذا بالتوسع ~~فيما قلته إلى الآن عن التناص؛ بحيث يسمح بإقامة علاقة تناص مجسدة في ~~حوار صريح بين مختلف الأصوات التي يأتي بها مختلف المشاركين إلى حلبة هذا ~~التفاعل. # فإذا نظرنا إلى التفاعل من هذه الزاوية بدا لنا أكثر تشتتا وأقل ~~انتظاما من اعتباره تجليا لسيطرة الطبيب، إذ تتكرر مقاطعة الصوتين، ~~صوت الطب (ط) وصوت عالم الحياة (ع) مرارا: أي إن «ع» يقاطع «ط» في السطر ~~21 (من «لم أقل الحقيقة») و«ط» يقاطع «ع» في السطر 24 («هل يزيد الشراب من ~~سوء الحالة؟») و«ع» يقاطع «ط» في السطر 29 («ما يكفي حتى أنام») والعكس ~~بالعكس في السطر 31 («كأس أو كأسان في اليوم؟») فإن «ع» يقاطع «ط» في السطر ~~42 («منذ أن تزوجت») والعكس بالعكس في 44 («ومنذ متى كان هذا؟») وتواصل ~~المريضة نوبة حديثها التي بدأتها في السطر 45 بتفسير مطول عن سبب حاجتها ~~إلى الكحول، ولماذا تلجأ إلى الكحول بدلا من الأقراص وحسب، ويتبع ذلك من ~~جديد سؤال من «ط» (وهل تتناولينها (أي الأقراص) بكثرة؟) وفي هذا الجزء من ~~المقابلة الشخصية يصبح «ط» و«ع» متنازعين، ويستخدم الطبيب تحكمه في ~~الأسئلة لإعادة تأكيد صوت الطب. ومع ذلك فإن التدخلات المتكررة من جانب ~~«ع» تقلق فيما يبدو نهج العمل الذي وضعه الطبيب، وانظر دلائل التردد التي ~~بدأت تظهر قبل طرح أسئلة الطبيب (السطور 23-24، 27، 37، 41، 44). وإذا كان ~~الطبيب نادرا ما يرجع إلى عالم الحياة، فإن المريضة تستخدم صوت الطب ~~باستفاضة، وهي تبدي سعة صدر للطبيب بهذا المعنى أكبر مما يبديه هو لصوت ~~عالم الحياة. والواضح أن الصوتين ms151 متضادان في المضمون؛ فصوت الطب يجسد ~~العقلانية التكنولوجية التي تتعامل مع المرض من حيث كونه مجموعات لا سياق ~~لها من الأعراض الجسدية، ولكن صوت عالم الحياة يجسد عقلانية «منطق ~~الدنيا» التي تضع المرض في سياق جوانب أخرى لحياة المريضة. ويشير ميشلار ~~(1984م، 122) إلى أن التضاد يتفق، فيما يبدو، مع التمييز الذي يقيمه شوتز ~~(1962م) بين «الموقف العلمي» و«الموقف الطبيعي». # والتحليل من حيث تحكم الطبيب في التفاعل، والتحليل من حيث وجود جدلية ~~بين صوتين، يعتبران معا من أساليب التعمق في النظر في الممارسة الطبية ~~المعيارية على مستوى تحليلي متناهي الصغر، وفي الطب باعتباره صورة للممارسة ~~المهنية. غير أن مهنة الطب، مثل غيرها من المهن تشهد تحولات كبيرة في ~~المجتمع المعاصر. وربما يكون أهم ما يمكن لتحليل الخطاب أن يسهم به في هذا ~~الصدد هو أن يكون وسيلة لبحث ما تمثله هذه التحولات «على الأرض»، بالنظر في ~~أساليب التفاعل الحقيقية بين الأطباء والمرضى. # العينة الثانية: مقابلة شخصية في إطار الطب البديل # ترمي العينة الثانية التي أقدمها إلى تناول بعض قضايا التحول في ~~الممارسة الطبية. وهي أيضا مقابلة شخصية طبية، وإن كانت من نوع يختلف ~~اختلافا جذريا. والنص يستخدم النقطة (أي الوقفة الكاملة) للدلالة على ~~التوقف برهة قصيرة، ويستخدم الشرطة للإشارة إلى الوقفة الطويلة، والأقواس ~~المربعة لتداخل الأقوال، والأقوال الدائرية للكلام غير الواضح. # وها هي ذي: و«م» ترمز للمريضة و«ط» للطبيب. # وينتمي الطبيب في هذه الحالة إلى مجموعة تمثل أقلية داخل مرفق الصحة ~~القومي البريطاني، وهي مجموعة تقبل الطب البديل (مثل الطب الكلي) الذي يعني ~~علاج «الشخص كله»، وهو ما يتفق مع استخدام تقنيات تقديم المشورة. والعينة ~~الحالية تفتقر إلى الأبنية السافرة لتحكم الطبيب وسيطرته، على نحو ما شهدنا ~~في العينة الأولى، كما تفتقر إلى التفاوت الواضح بين الأصوات المختلفة ~~وتضاربها. # وأبرز اختلاف بين العينتين، من حيث معالم التحكم في التفاعل، ~~غياب حلقة السؤال والجواب والتقييم من العينة الثانية، إذ إنها مبنية حول ~~الوصف المطول على لسان المريضة، واقتصار دور الطبيب على ردود ms152 أفعال كثيرة ~~تتخذ شكل الحد الأدنى من رموز الاستجابة («همم»، «لا»، «نعم»، «صحيح») وطرح ~~سؤال يرتبط موضوعه بأقوال المريضة (السطران 6-7) وتقديم تقييم معين، لا ~~لإجابات المريضة على الأسئلة، كما هو الحال في العينة الأولى، بل لبعض ~~الإجراءات التي يقترحها طرف ثالث (السطر 29) واقتراح مقابلة شخصية أخرى ~~معه. # وتناوب الأدوار في الحديث يقوم على التعاون، بدلا من أن يتحكم فيه ~~الطبيب وحده. وفي النص ما يدل على الطبيعة التفاوضية لتوزيع الأدوار، مثل ~~سؤال الطبيب (السطران 6-7) وهو يطرحه بسرعة وهدوء كأنه حديث جانبي، مما يدل ~~على حساسية الطبيب ل «إقحام» نفسه أثناء «كلام» المريضة، وهي تعامله كما لو ~~كان كذلك فتجيب إجابة موجزة عنه، ثم تستأنف روايتها. وفي النص دليل آخر ~~على ذلك، وهو الوقفة الطويلة من جانب الطبيب في السطر 30 بعد أن قدم ~~تقييمه، ويبدو أنها بمثابة إتاحة فرصة الكلام مرة أخرى للمريضة، حتى تواصل ~~روايتها إذا شاءت، قبل أن ينتقل الطبيب إلى إنهاء المقابلة. # أما التحكم في تقديم الموضوعات وتغييرها، وهو الذي كان أساسا في ~~أيدي الطبيب في العينة الأولى، فإنه انتقل هنا إلى المريضة. وطريقة تطوير ~~الموضوعات تنتمي إلى طرائق المحادثة وعالم الحياة، فالمريضة تتحدث في عدة ~~موضوعات من دون التزام بموضوع واحد، بل تتنقل ما بين عدد من الموضوعات ~~التي لا يرتبط بعضها بالبعض، مثل ظلم والدتها، ومعاقرتها الخمر، والبدائل ~~الممكنة عن الإقامة مع والدتها، وهلم جرا. وبذلك فهي تقدم تفاصيل ~~تربطها علاقات معينة بالمعايير الخاصة بالمحادثة، ولكنها على الأرجح غير ~~مترابطة طبيا، أي من منظور الطب التقليدي. ومن البداية للنهاية يبدي ~~الطبيب ردود أفعال تدل على تركيزه وانتباهه وتوحي ضمنا بقبوله لهذا ~~الأسلوب الخاص بالمحادثة في تطوير الموضوع. # ومع ذلك فلا يمكننا أن نستنتج ببساطة أن الطبيب قد تنازل للمريضة عن ~~التحكم في التفاعل. فعلينا أن نلاحظ أولا أن الطبيب هو الذي يبادر ~~دائما بتسليم قدر من التحكم إلى المريض في المقابلات الشخصية الطبية ~~المنتمية إلى هذا النوع ، وهو ما يعني أن الأطباء لا ms153 يزالون يمارسون التحكم ~~على مستوى معين، حتى بالشكل الذي يمثل مفارقة وهو التنازل عن التحكم، ~~ولكن الواقع يقول: إن لدينا حتى في هذه الحال معالم تحكم سافرة؛ إذ إن ~~طرح الطبيب السؤال المهم طبيا عن مواصلة المريضة شرب الخمر يتضمن ~~تقييما، ويتحكم فعلا في استهلال المقابلة وإنهائها (وإن لم يتضح ذلك من ~~هذه العينة) ويتحكم فيما ينبغي اتخاذه من إجراءات في المستقبل. # ولكنه يفعل ذلك بتحفظ واقتضاب على عكس ما تتميز به الممارسة الطبية ~~التقليدية والعلاقات التقليدية بين الطبيب والمريض، وهو ما يأتي بنا إلى ~~«النوعية» و«التأدب» و«الجو الخلقي». فالتقييم الوارد في السطر 29 يتضمن ~~عبارة تميز النوعية «الذاتية» تمييزا صريحا («أظن ذلك») وهي توضح أن ~~التقييم خاص برأي الطبيب فقط، وتخفف من درجة «سلطويتها» (انظر القسم الخاص ~~بالنوعية أدناه): أي إن عبارة «ذلك من الحكمة» وحدها توحي باطلاع الطبيب ~~على مصادر مضمرة وغامضة للأحكام المهنية. والسؤال الوحيد الذي يطرحه يتخذ ~~شكل العبارة التي تقال عرضا كأنما يقولها الطبيب لنفسه، كما سبق أن ذكرت، ~~وهو يتكون من صياغة مبدئية غامضة وغير مباشرة («هل رجعت الآن إلى ذلك، هل ~~عدت إليه؟») وتتبعها صياغة صريحة («هل بدأت تشربين من جديد؟») ومعالم ~~السؤال المذكورة تقلل من إمكان خدشه للحياء، وبهذا المعنى تزيد من تأدبه. ~~واقتراح الطبيب بإجراء مقابلات شخصية أخرى يتسم بالتأدب أيضا بهذا المعنى. ~~فالاقتراح غير مباشر إلى حد بعيد، فالواضح أن الطبيب يطلب من المريضة تحديد ~~مواعيد مقابلات أخرى، لكنه يستخدم في الواقع تعابير غير قاطعة («أود أن ... ~~إن كان ذلك ممكنا»)، أي إنه يريد أن يراها مرة أخرى. كما أنه يصوغ الغرض ~~من المقابلات الشخصية التالية صياغة توحي بأنها زيارات اجتماعية («أن أرى ~~كيف تسير الأمور») كما يستخدم المراوغة في اقتراحه باستخدام «كما تعرفين» ~~مرتين، وإبداء التردد «أظن. كما تعرفين. أسمع» وهكذا يوحي بالتعثر في ~~التعبير. # ولنا أن نربط بين هذه التعليقات وبين فكرة الجو الخلقي. فإذا كان أسلوب ~~الطبيب في الكلام في العينة الأولى يتفق مع الخلق العلمي، فإن ms154 ما يبديه ~~الطبيب في هذه العينة من تحفظ وتردد وتعثر ظاهري في التعبير يتفق مع ~~الجو الخلقي لعالم الحياة؛ أي إن الأطباء يبدون في هذا اللون من المقابلات ~~الطبية في صورة الرافضين لمذهب النخبة، والجو الرسمي وابتعاد شخصية العالم ~~بالطب (عن الناس)، والذين يؤثرون صورة الشخص «العادي» «اللطيف» الذي «يجيد ~~الإصغاء» (وهي الصورة التي كثيرا ما تكون مصطنعة). ويتفق هذا مع التحولات ~~العامة في القيم الثقافية السائدة في مجتمعنا وهي التي تخفض من قيمة مذهب ~~النخبة المهنية، وتعلي من قيمة طرح الرسميات والتصنع، واكتساب المسلك ~~الطبيعي. # وتختلف العينة الثانية عن الأولى أيضا من حيث ما بها من تناص، إذ ~~إنها تخلو من كل ما يشبه الجدلية بين صوت الطب وصوت عالم الحياة الذي ~~لاحظته في العينة الأولى، بل إن الطبيب نفسه يبدو في صورة من يستعين بصوت ~~عالم الحياة، وذلك مثلا عندما يشير إلى المقابلات المقترحة في المستقبل ~~بقوله إنه يريد «أن يرى كيف تسير الأمور»، ويؤازر لجوء المريضة إلى هذا ~~الصوت بإتاحة الفرصة لها حتى تقول ما تريد بأسلوبها الخاص، مشجعا إياها ~~بردود أفعال ضافية. # ومع ذلك فإن الطبيب يمارس التحكم ولو بأسلوب لا يتميز به في الواقع، ~~وهي حقيقة نستطيع أن نتبينها في التداخل الخطابي (أي التناص المكون) ~~إذا افترضنا وجود التلاقي بين نوع المقابلة الطبية المعيارية وبين أنواع ~~أخرى، وهو الذي يؤدي إلى الحفاظ على بعض معالم التحكم في التفاعل الخاصة ~~بالنوع الأول، وإن كانت تتحقق بشكل مخفف وغير مباشر نتيجة تأثير الأنواع ~~الأخرى، أي إن الأفعال نفسها تنبع من نوع معين وتنتمي صور تحقيقها ~~عمليا إلى أنواع أخرى. ما هذه الأنواع الأخرى؟ أشرت من قبل إلى نوع ~~المحادثة، ولكن المحادثة موجودة هنا باعتبارها من العناصر المكونة لنوع ~~آخر، وهو جلسات المشورة. وهكذا فإن علاقة التداخل الخطابي الأولية في هذا ~~النوع من المقابلة الشخصية الطبية تبدو علاقة تقع ما بين نوع المقابلة ~~الطبية المعيارية وجلسات المشورة، أو ما يسميه تن هاف (1989م، وانظر ~~أيضا جيفرسون ولي، 1981م) ms155 «الحديث العلاجي» في تحليل له بأسلوبي نفسه، إذ ~~إن جلسات إسداء المشورة تؤكد إتاحة فرصة الكلام للمرضى (أو العملاء) ~~والتعاطف العميق مع أقوالهم (وهي التي كثيرا ما يرجع المستشار صداها أو ~~يعيد صوغها بصوت المريض) وعدم إصدار توجيهات لهم. وليس من قبيل المفاجأة أن ~~يعجز البحث عن نماذج لجلسات المشورة عن الخروج من دائرة الخطاب المؤسسي إلى ~~دائرة خطاب المحادثة حيث تتحقق هذه القيم على نطاق واسع (وهي البارزة هنا ~~في تحفظ الطبيب وتخفيف اللهجة) ويكون ذلك على سبيل المثال في صورة الشخص ~~الذي «يجيد الإصغاء» في عالم الحياة. # ولكن الأنواع المتباينة من المقابلات الطبية لا تتعايش وحسب، بل إنها ~~تشتبك في علاقات تنازع وصراع، باعتبارها جانبا من الصراع الأعم الأشمل حول ~~الممارسة الطبية، أي إن المقابلات الطبية من نوع العينة الثانية ترتبط ~~بشفافية بقيم معينة، مثل معاملة المريض باعتباره شخصا لا مجرد حالة، ~~وتشجيع المريض على أن يتحمل قدرا من المسئولية عن العلاج، وهلم ~~جرا. والواقع أن القضية الحقيقية في الصراعات بين أنواع المقابلات الطبية ~~قضية الحدود بين نظم الخطاب، مثل الحد الفاصل بين جلسة المشورة والمقابلة ~~الطبية، وتبيان التداخل الخطابي بين بعض العناصر داخل نظم الخطاب. # ويبدو أن الاتجاه الأولي للتغيير داخل الطب المعاصر اتجاه نحو مقابلات ~~قريبة الشبه بالعينة الثانية، ويتجلى في هذا بصفة خاصة ملامح التغيير في ~~القيم الثقافية والعلاقات الاجتماعية التي أشرت إليها آنفا، وهي تغييرات ~~في بناء «الذات الطبية» بناء يبتعد بها عن السلطة والخبرة السافرتين، ~~وتغييرات تبتعد بالسلطة عن منتجي البضائع والخدمات وتقترب بها من ~~المستهلكين أو العملاء، وتغييرات تفيد الابتعاد عن الطابع الرسمي والاقتراب ~~من الطابع غير الرسمي وهلم جرا، ولكن التغيير لا يجري في سلاسة، ~~ويتمثل أحد الأسباب في وجود اتجاهات فعالة متنافرة ومتناقضة، ونجد ثانيا ~~أن بعض اتجاهات التغير الثقافي تستطيع التناغم مع بعض الاتجاهات على ~~مستويات أخرى، أو تتنازع معها. فنجد على سبيل المثال أن تحويل الممارسة ~~الطبية إلى ممارسة من النوع الموجود في العينة الثانية ذو تكلفة اقتصادية ms156 ~~باهظة. فالطبيب يستطيع الانتهاء من «فحص» المرضى ب «كفاءة» وسرعة أكبر من ~~خلال نهج محدد سلفا مثل الذي نجده في العينة الأولى، بدلا من تقنية ~~إتاحة الوقت للمرضى ما داموا يشعرون بأنهم يحتاجون إليه في الحديث. ويتعرض ~~الأطباء اليوم في بريطانيا وغيرها لضغوط هائلة لزيادة «كفاءتهم»، وتتضارب ~~هذه الضغوط مع الاتجاهات السائدة على المستوى الثقافي (ارجع إلى الفصل ~~السابع أدناه حيث المزيد من مناقشة الاتجاهات المعاصرة في التغير ~~الخطابي). # العينة الثالثة: السرد في المحادثة # توضح العينة الثالثة بعدا آخر من أبعاد التناص، إنها مقتطف من ~~محادثة يروي فيها زوجان إلى زوجين آخرين قصة ما حدث لهما مع مفتشي ~~الجمارك عند عودتهما من عطلة في الخارج. ونسخ المحادثة منظم بحيث يقع على ~~أربعة أسطر، إذ يختص كل مشارك بسطر واحد. وبعد السطور الأربعة الأولى، لن ~~تضم السطور إلا كلام من يتحدث من هؤلاء. والكلام المتداخل يظهر في سطرين ~~متتاليين أو أكثر، وفترات الصمت يرمز لها بنقطة (تفيد التوقف الكامل). ~~وعلامة يساوي (=) تعني أن الكلام التالي يتبع الكلام الأول مباشرة. والبنط ~~الأسود يفيد ارتفاع الصوت. وحرف الزاي «ز» يرمز للزوج، وحرف «ق» يرمز ~~لقرينته. لاحظ أن بعض السطور في الجزء الأول لا كلام أمامها، والرمز «ز1» ~~يعني الزوج الأول، و«ز2» الزوج الثاني، و«ق1» القرينة الأولى، و«ق2» ~~القرينة الثانية. # في الفقرة قبل الأخيرة يطلب الزوج الأول من قرينته ألا تقاطعه، ~~ويتوقف اعتبارنا أن ما تفعله القرينة الأولى أثناء السرد بمثابة مقاطعة على ~~تصوراتنا للطبيعة الدقيقة للنشاط هنا. وتوجد عدة أنواع فرعية للسرد أو قص ~~القصص، ومن الجوانب المهمة التي تتفاوت فيها ما إذا كان الراوي فردا ~~واحدا أم عدة رواة. والقصص التي يقصها شخصان أو أكثر باعتبار أنها قصصهما ~~أو قصصهم مألوفة في رواية القصص أثناء المحادثة. وربما يكون الزوج الأول في ~~هذه الحالة قد افترض أنه يقدم قصة من جانب راوية واحد، في حين أن قرينته ~~تفترض (مع الزوج الثاني) أنهما يقدمان القصة معا، وإن كان لنا أن نرى أن ~~دورها دور ms157 «مساعد» فقط. ويبدو أن القرينة1 والزوج2 يتصوران أنهما يعملان في ~~إطار نموذج لقصة «تفاعلية»، بمعنى المصطلح الإضافي للقصة التي تروى من ~~خلال الحوار بين الرواة والجمهور. ويمكن اعتبار هذه الحالة حيث يعمل ~~المشاركون المختلفون في إطار نماذج نوعية مختلفة أسلوبا آخر من أساليب ~~التناص، إذ يشبه إلى حد ما الحالة في العينة الأولى، حيث يتوجه ~~المشاركون المختلفون إلى أصوات مختلفة (ولك أن ترجع إلى التمييز بين طرائق ~~التناص في بداية الفصل الرابع أعلاه). # ويختلف النوعان الفرعيان للسرد اللذان أقول بوجودهما، بطبيعة الحال، في ~~نظم تناوب الحديث والتحكم في الموضوعات. فالسرد من جانب راوية واحد ينسب ~~حقوق الحديث أثناء قص القصة إلى الراوية الأوحد، وهو ما يعني ضمنا أن ~~المشاركين الآخرين لا حق لهم في أدوار حديث كاملة، وإن كان يتوقع منهم أن ~~يستجيبوا بالحد الأدنى من ردود الأفعال، ومن ثم فليس لهم الحق في التحكم ~~في الموضوعات. وأما القصة التي يشترك فيها أكثر من راوية فتقتضي اشتراك ~~أكثر من متحدث، والمشاركة في حقوق تناوب الحديث وتقديم الموضوعات وتغييرها. ~~ومحاولة الزوج الأول أن «يحمي» حقه في الكلام تبدو لنا ذات فظاظة بسبب عدم ~~حساسيته لكون قرينته والزوج الثاني يعتبران أن القصة تروى بالمشاركة بين ~~الزوجين. # إلى أي مدى يمكننا اعتبار مسألة الانتماء إلى أحد الجنسين ذات صلة ~~بهذه الحالة؟ إن الزوج الثاني يشترك مع القرينة 1 في تصور أن السرد ~~مشترك، وهذا في ذاته دليل ينفي اقتصار الرواة على الرجال دون النساء، حتى ~~ولو كان ذلك صحيحا لأسباب أخرى. ومع ذلك فإن هذه العينة تقترب من تمثيل ما ~~تدلني عليه خبرتي الخاصة من انتشار نسق معين لرواية القصص من جانب ~~الزوجين، إذ يحكي الزوج القصة (ويسرق الأضواء) في حين تلعب الزوجة دورا ~~ثانويا، بتقديم تعليقات تؤيد رواية الزوج وتضيف إليها تفاصيل محدودة، من ~~دون أن تحاول المشاركة في التحكم في الموضوعات، وفي إطار هذا النسق نرى أن ~~القرينة1 قد تخطت الحدود بتقديم موضوعات وبالحوار مع الزوج الثاني. لاحظ ~~تشابه هذا التحليل ms158 الثاني ذي التوجه إلى الزوج مع تحليل العينة الأولى من ~~حيث سيطرة الطبيب. # أنتقل الآن من نماذج الخطاب إلى مناقشة منهجية لأنماط التحليل الناجمة ~~عنها. ~~(1) معالم التحكم التفاعلي # تكفل معالم التحكم التفاعلي سلاسة تنظيم التفاعل، أي توزيع أدوار ~~الحديث، واختيار الموضوعات وتغييرها، وابتداء التفاعل وإنهائه وهلم ~~جرا. ودائما ما يتعاون المشاركون في ممارسة التحكم في التفاعل إلى حد ~~ما، وإن كانوا يختلفون في درجة التحكم الذي يمارسونه. وتعتبر أعراف التحكم ~~في التفاعل الخاصة بنوع معين تجسيدا لمقولات محددة عن العلاقات ~~الاجتماعية وعلاقات السلطة بين المشاركين. ومن ثم فإن البحث في التحكم ~~في التفاعل وسيلة لإيضاح التمثيل العملي للعلاقات الاجتماعية ومعالجتها في ~~الممارسة الاجتماعية. ~~(2) تناوب أدوار الحديث # تختلف أنواع النصوص في نظم تناوب أدوار الحديث الخاصة بها. وقد أدى ~~تحليل المحادثة بأسلوب التحليل «الإثنومنهجي» (انظر ساكس، شيجلوف وجيفرسون، ~~1974م، وشنكاين، 1978م؛ ومناقشتي لتحليل المحادثة في الفصل الأول عاليه) ~~إلى وضع شروح بالغة النفوذ لتناوب أدوار الحديث في المحادثة باعتباره ~~إنجازا تعاونيا تنظيميا من جانب المشاركين، بناء على مجموعة بسيطة من ~~القواعد المرتبة: (1) المتحدث الحالي قد يختار المتحدث التالي، إما ~~بمخاطبته أو بتسميته ... إلخ؛ (2) إذا لم يحدث هذا فقد يختار أي مشارك نفسه ~~باعتباره المتحدث التالي؛ (3) إذا لم يحدث هذا فللمتحدث الحالي أن يواصل ~~حديثه. وهذه الخيارات المرتبة متاحة لجميع المشاركين على قدم المساواة. وهي ~~تنطبق في اللحظات التي يمكن اعتبار المتحدث الحالي قد انتهى فيها من دوره، ~~كأن يصل، على سبيل المثال، إلى نهاية وحدة نحوية (جملة، عبارة، أو حتى ~~كلمة) بتنغيم في الصوت يدل على الاختتام. # ولكن نظم التناوب، كما بينت العينة الأولى، ليست مبنية في جميع الحالات ~~على المساواة في الحقوق والالتزامات بين جميع المشاركين، فنظام تناوب أدوار ~~الحديث في العينة الأولى تتميز به النظم التي يجدها المرء في ضروب منوعة ~~من المؤسسات التي يتفاعل فيها المهنيون أو «العاملون داخلها» أو «حراسها» ~~مع «الجمهور» أو «العملاء» أو «العاملين خارجها» أو طلاب العلم. وفي هذه ~~الحالات يشيع بين المشاركين توزيع ms159 الحقوق والواجبات بين ذوي السلطة وبين ~~غير ذوي السلطة: (1) قد يختار ذوو السلطة بعض غير ذوي السلطة، لا العكس؛ ~~(2) قد يختار ذوو السلطة أنفسهم، ولكن غير ذوي السلطة لا يملكون ذلك، أو ~~(3) قد تمتد نوبة حديث ذوي السلطة فتشمل أي عدد من المسائل التي يمكن ~~استكمالها. # وقد انبرى تحليل المحادثة لشرح السيولة المرموقة في المحادثة العادية، ~~حيث يستطيع الناس عموما أن يتحدثوا من دون تداخل كبير بين أحاديثهم ومن ~~دون ترك ثغرات كبرى في تدفق الكلام. ومن المعالم الأخرى لعدم التناظر في ~~نظم تناوب الحديث أن حالات التداخل ونشوء الثغرات قد تتوافر باعتبارها من ~~الأدوات المتاحة لذوي السلطة، فمن حق هؤلاء أن يقاطعوا غير ذوي السلطة ~~عندما «يخرج» هؤلاء عن الموضوع، وفقا لمعايير الصلة بين ما يقال وبين ~~الموضوع، وهي المعايير التي يتحكم فيها ذوو السلطة، كما أن من حق هؤلاء ~~أن يقاطعوا غير ذوي السلطة عندما «يخرج» هؤلاء عن الموضوع، وفقا لمعايير ~~الصلة بين ما يقال وبين الموضوع، وهي المعايير التي يتحكم فيها ذوو السلطة، ~~كما أن من حق هؤلاء لا من حق غير ذوي السلطة أن يحتفظوا بحق الكلام دون أن ~~يتكلموا، وذلك، على سبيل المثال، أن يلتزموا الصمت باعتباره وسيلة لتأكيد ~~تحكمهم أو أسلوبا لانتقاد الآخرين ضمنا. ~~(3) بناء التبادل # يتجلى في كل حلقة تتضمن السؤال والرد والتقييم، وهي الحلقات التي ~~حددناها في العينة الأولى نمط معين من أنماط التبادل، بمعنى وجود نسق ~~متكرر لأدوار حديث المشاركين. وكنت قد أشرت في الفصل الأول عاليه إلى ~~العمل الرائد الذي قام به سنكلير وكولتارد (1975م) في المبادلات في خطاب ~~قاعة الدرس، إذ حددا بناء يقوم على «الابتداء والاستجابة ورد الفعل»، ~~وهو شبيه ببناء التبادل في العينة الأولى. ولنا أن ندرج هنا أيضا بناء ~~أقل تعقيدا وتحديدا يطلق عليه محللو المحادثة «ثنائية الجوار» ~~(شيجلوف وساكس 1973م). وتعتبر ثنائية الجوار نمطا بنائيا عاما، لا ~~ضربا خاصا من ضروب التبادل، إذ تعني وجود فئتين مرتبتين من فئات أفعال ~~الكلام، بحيث يؤدي وجود الأولى ms160 إلى التنبؤ بوجود الثانية ، وإن كان الجمع ~~بين الاثنتين يقوم على المغايرة، مثل السؤال والجواب، والتحية ورد التحية، ~~والشكوى والاعتذار، والدعوة والقبول، والدعوة والرفض وهلم جرا. ولا ~~تقوم الثنائية، كما أوضح المثالان الأخيران، على علاقة تبادل فردية في كل ~~حالة؛ أي بين الطرفين الأول والثاني في كل «ثنائية جوار»، فالدعوة قد ~~يعقبها قبول أو رفض، وإن كانت تنشأ حالات يكون فيها الرفض خيارا «غير ~~مرغوب فيه» (شيجلوف، جيفرسون وساكس، 1977م، بوميرانتز، 1978م، ليفنسون، ~~1983م، 332-345). وتوجد ثنائية الجوار بصفة أساسية في الكثير من أنماط ~~التبادل، ويجد المرء في بعض أنواع النصوص حالات تتابع من الأسئلة والأجوبة ~~تكون أبنية رفيعة المستوى، ولنا أن نطلق عليها اسم «التعاملات» أو ~~«الأحداث» (وفقا للمصطلح الذي وضعه سنكلير وكولتارد، 1975م). وهذا هو ما ~~يحدث في قاعة الدرس؛ حيث تتكون أجزاء من الدرس من حالات تتابع للأسئلة ~~والأجوبة حول موضوعات معينة، وعادة ما يتولى المعلم فيها فتح «المعاملة» ~~وإقفالها؛ كما ينطبق ذلك أيضا، ولو بأسلوب مختلف على الاستجواب القانوني، ~~حيث يستعين المحامي أو وكيل النيابة بأمثال هذه التتابعات في نقض شهادة أحد ~~الشهود (أتكنسون ودرو 1979م). # وترتبط طبيعة نظام التبادل لا بتبادل الأدوار في الحديث فقط، بل أيضا ~~بأنواع الأقوال التي يقولها الناس. فعلى سبيل المثال نجد أن المعلم عندما ~~يبدأ التبادل قد يقدم معلومات إلى الطلاب أو يطرح عليهم أسئلة أو يحدد ~~نهجا محددا للدرس، أو يتحكم في سلوك الطلاب. وأما الطلاب فيخضعون لقيود ~~أكبر فيما يستطيعون أن يقولوه أو يفعلوه، فهم يقومون أساسا بإجابة ~~الأسئلة، وأداء مهام معينة تطلب منهم، شريطة أن يلتزموا في هذا بحدود ما ~~يدخل في الموضوع، ويعتبر عدد كبير من الأسئلة التي تطرح في قاعة الدرس ~~أسئلة «مقفلة»، بمعنى أنها تتطلب الإجابة بنعم أو بلا، أو بأقل قدر من ~~التفصيل. ~~(4) التحكم في الموضوعات # يشير هارفي ساكس (1968م) إلى أن الحديث عن موضوع ما لا يعني وجود أبنية ~~من الحديث حول «موضوع» معين. وعندما يقدم المرء موضوعا، فله أن يثق في ms161 ~~أن الآخرين - إلا في ظل ظروف خاصة إلى حد ما - سوف يحاولون أن يتحدثوا ~~في الموضوع الذي تحدث عنه، ولكنك لا تستطيع الثقة في أن الموضوع الذي قصدت ~~إليه هو الموضوع الذي سوف يتحدثون عنه؛ إذ توجد دائما ضروب كثيرة منوعة من ~~الموضوعات التي يمكن تفسيرها بأنها ذات صلة بأي موضوع يقدمه المرء وتعتبر ~~تطويرا له. ويشير ساكس إلى أن المرء لا يستطيع التنبؤ أثناء المحادثة ~~بالموضوع الذي سوف يختاره من يحادثه. والواقع أن موضوعات المحادثة، ~~والطرائق التي يتبعها الناس في الربط بين الموضوعات عند الحديث عن قضية ما، ~~يمكن أن تبصرنا بمشاغل الحياة العادية والمنطق السليم الذي يبنى عليه ~~عالم الحياة. ومن المهم أيضا تأمل الآليات المستعملة في بناء موضوعات ~~المحادثة (باتون وكيسي 1984م)، أي إن أحد المشاركين عادة ما يقدم ~~موضوعا ما، فيقبله (أو يرفضه) مشارك آخر، ثم يطوره المشارك الأول، ~~وهاكم هذا المثال (باتون وكيسي، 1984م، 167): # أ ~~: # هل علمت؟ # ب ~~: # لم يصل إلا ليلة أمس. # أ ~~: # آ... كنت تعلم. # أي إن (ب) يقدم الموضوع، و(أ) يقبله، ثم يواصل (ب) تطويره (فيما ~~بعد). وقد بينت البحوث في التفاعل المنزلي بين الشركاء الذكور والإناث، ~~على سبيل المثال، عدم التناظر في تناول المواضيع، فالمرأة تقدم موضوعات ~~أكثر من الرجل، ولكن موضوعات الرجل أكثر قبولا عند المرأة من العكس ~~(فيشمان، 1983م). # ولكن البحث الإثنومنهجي في الموضوعات يستند إلى المحادثة، وإلى افتراض ~~المساواة في الحقوق والواجبات بين المشاركين. ووصف ساكس للحديث في موضوعات ~~معينة، واستحالة التنبؤ بكيفية تطوير المشاركين الآخرين للموضوع الذي ~~طرحه المرء، لا صلة له بحديث المرضي في مقابلة شخصية طبية عادية، أو حديث ~~التلاميذ في قاعة الدرس. ففي أمثال هذه التفاعلات، كما سبق لي أن قلت في ~~تحليلي للعينة الأولى، يتولى المشارك المهيمن وحده تقديم الموضوعات ~~وتغييرها، وكثيرا ما يكون ذلك وفقا لنهج أو برنامج محدد سلفا، وهو ما ~~قد ينص عليه نصا سافرا في الخطاب أو لا ينص عليه. ~~(5) تحديد النهج ومراقبته # يعتبر تحديد النهج ومراقبته عنصرا مهما ms162 من عناصر التحكم في ~~التفاعل، وعادة ما يحدد ذو السلطة النهج صراحة في بداية التفاعل. ~~والمعلمون يفعلون هذا في بداية كل درس، أو في بداية التفاعلات داخل ~~الدروس، وكثيرا ما تبدأ المقابلة الشخصية التأديبية بأن يشرح القائم عليها ~~سبب عقد هذه المقابلة للشخص الذي سوف يتعرض ل «التأديب» (انظر توماس ~~1988م، حيث يوجد مثال على ذلك). وتحديد النهج يمثل جانبا من جوانب تحكم ~~صاحب السلطة عموما في ابتداء التفاعل وإنهائه، وفي بنائه في صورة تعاملات ~~أو أحداث. # ويخضع النهج الصريح والنهج المضمر أيضا للرقابة، بمعنى أن ذا السلطة ~~يعمل على التزام المشاركين الآخرين بالنهج المخصص لكل منهم، بوسائل ~~منوعة في خلال التفاعل. وسوف تجد في العينة الأولى صورة واحدة من صور ~~الرقابة؛ فالطبيب يقاطع المريض أثناء حديثه عندما يتضح للطبيب، فيما يظهر، ~~أن المريض قد قدم المعلومات اللازمة في تلك المرحلة من مراحل النهج ~~المحدد، ونجد صورة أخرى في المقتطف التالي من أحد الدروس في قاعة الدرس ~~(منقول من بارنز، 1976م)، حيث تحث المعلمة تلاميذها على الحديث عن ~~مشكلات الزحام الشديد في المدن: # التلميذ ~~: # دخان عوادم السيارات تؤدي إلى التلوث. # المعلمة ~~: # التلوث. كلمة جيدة. قل يا موريس شيئا آخر عن المواصلات. # التلميذ ~~: # الأرصفة تصبح (كلام غير واضح). # المعلمة ~~: # لا، كنت أقصد الحديث عن شكل آخر من أشكال المواصلات. هل يمكن ~~لأحدكم؟ فيليب. # التلميذ ~~: # امم (كلام غير واضح). # المعلمة ~~: # أتكلم عن المواصلات. أتكلم عن المواصلات. ديفيد. # التلميذ ~~: # القطارات (كلام غير واضح). # المعلمة ~~: # القطارات نعم. # ترفض المعلمة كلام التلميذ الثاني على الرغم من صلته الواضحة بالموضوع ~~العام، وذلك استنادا فيما يظهر إلى أنه لا يتفق مع نظام تطوير الموضوع ~~المحدد في النهج الذي تشير عليه المعلمة دون إفصاح، أي إنها تطلب اسم شكل ~~آخر من أشكال المواصلات. ويتحقق الرفض بأن تحدد المعلمة «موقعها» داخل ~~النهج، ولكن لاحظ أنها تقاطع التلميذ، فيما يظهر، قبل أن ينتهي من كلامه. ~~وهكذا فإن النهج، كما يتضح من نوبتي الحديث الأوليين، لا يقصد إلى تلقي ~~معلومات محددة ms163 من التلاميذ وحسب، بل تلقي كلمات أساسية أيضا مثل ~~«التلوث». # ومن الجوانب البارزة في التفاعل بين المعلمين والتلاميذ أن المعلمين ~~يقومون في العادة بتقييم أقوال التلاميذ. فالمعلمة، في هذه الحالة، على ~~سبيل المثال، تقيم استخدام موريس كلمة «تلوث» في أول نوبة حديث لها ~~تقييما إيجابيا. ويتضمن بناء التبادل الثلاثي، أي الذي يتكون من ~~«الابتداء والاستجابة ورد الفعل»، الذي يصف به سنكلير وكولتارد (1975م) ~~خطاب قاعة الدرس، عنصر التقييم المذكور باعتباره جزءا من رد الفعل. ~~ويعتبر مثل هذا التقييم المنهجي لأقوال الآخرين أسلوبا فعالا للرقابة ~~على النهج الموضوع، كما إن استخدامه في قاعة الدرس لا يؤكد سلطة المعلم ~~على التلاميذ وحسب، بل يبين أيضا مدى ما يذهب إليه نهج الممارسة المعتاد ~~في قاعة الدرس من وضع التلاميذ في حالة اختبار أو امتحان، وفي هذا الشكل من ~~أشكال خطاب قاعة الدرس يتعرض كل شيء يقولونه تقريبا للحصول على «درجة» ~~شفوية. # وتوجد طرائق منوعة أخرى لقيام أحد المشاركين في تفاعل ما بفرض الرقابة ~~على أقوال الآخرين، ومن بينها ما يصفه توماس (1988م) بأنه إرغام المتحدث ~~على التعبير الصريح. ومن لا يتمتع بالسلطة قد يلجأ إلى قول ما يحتمل أكثر ~~من وجه من وجوه المعنى، أو إلى الصمت، باعتبار ذلك من آليات الدفاع ~~الكلاسيكية في اللقاءات غير المتكافئة، ويمكن الرد عليه بأن يقدم صاحب ~~السلطة صياغات ترمي إلى إجبار من لا يتمتع بالسلطة على التصريح بالمعنى ~~المقصود، أو إصرار ذي السلطة على أن يعترف من لا يملك السلطة بأنه فهم ما ~~قيل (كأن يقول له: «ألا تفهم هذا؟») ~~(6) الصياغة # تعتبر الصياغة جانبا من جوانب التحكم في التفاعل، وهو الجانب الذي ~~اهتم به محللو المحادثة أكبر اهتمام (انظر هريتدج وواطسون 1979م). ويصف ~~ساكس الصياغة على النحو التالي: «قد ينظر أحد المشاركين إلى بعض أجزاء ~~المحادثة باعتبارها فرصة لوصف تلك المناقشة، أو شرحها، أو تحديد طبيعتها، ~~أو تفسيرها أو ترجمتها أو تلخيصها، أو تقديم فحواها، أو للإشارة إلى ~~مراعاتها للقواعد أو القول بكسرها للقواعد» (1972م، 338). وباستثناء ms164 ~~العبارتين الأخيرتين المرتبطتين بصياغة آليات رقابة مثل تلك التي وصفت ~~في القسم السابق، تشبه الصياغة وفقا لما يقوله ساكس ، شكلا خاصا من ~~أشكال تمثيل الخطاب، حيث يعتبر الخطاب جزءا من التفاعل الجاري لا سابقا ~~عليه. وعلى أية حال فليست الحدود بين التفاعلات الجارية والتفاعلات السابقة ~~واضحة بالصورة التي نتخيلها، فهل تعتبر أن المحادثة التي كنا نشترك فيها ~~قبل مقاطعة مكالمة تليفونية عارضة، أو قبل تناول الغداء، أو في الأسبوع ~~الماضي، تمثل جزءا من مناقشتنا الجارية الآن أم مناقشة مختلفة؟ لا توجد ~~إجابة بسيطة على هذا السؤال. # وكثيرا ما تكون الصياغة شكلا من أشكال الرقابة، على نحو ما توحي به ~~عبارتا ساكس الأخيرتان. فمن الطرائق الفعالة لإرغام من يشاركك الحوار ~~على التخلي عن مراوغته لك أن تقدم إليه صياغتك لما قاله. وفيما يلي مثال ~~مقتطف من مقابلة شخصية تأديبية بين شرطي وأحد كبار ضباط الشرطة (توماس، ~~1988م): # الضابط ~~: # تقول إنك تحقق في عملك الم... المعايير السليمة. صحيح؟ # الشرطي ~~: # الواقع أني لم أتلق تعليقات غير ذلك. # الضابط ~~: # هل تقول إن أحدا لم ينبهك من قبل إلى وجوه تقصيرك؟ # إن الضابط يقدم في النوبتين صياغة لأقوال الشرطي، والنوبتان ~~تعتبران (كما يتضح في الحالة الثانية من المقتطف عاليه) إعادة صياغة ~~جوهرية لما قاله الشرطي في الواقع، وتهدفان بوضوح إلى جعل الشرطي يزيد من ~~صراحة ما «يقوله». # وحتى حين تكون الصياغة غير متعلقة بالرقابة بصفة خاصة، فإنها تقوم في ~~حالات كثيرة بوظيفة تحكم كبرى في التفاعل، ويتبدى ذلك في محاولات بعض ~~المشاركين قبول غيرهم لمفهومهم عما قيل، أو لما حدث أثناء التفاعل، وهو ما ~~من شأنه تقييد خيارات الآخرين لصالح من يقدمون تلك الصياغات، ولا يقتصر ~~قيام الصياغة بهذه الوظيفة على المقابلات الشخصية الخاصة وجلسات الاستجواب، ~~بل يشمل المقابلات الإذاعية أيضا. ~~(7) الأبنية النوعية # إن صادفنا مقولة معينة عن العالم مثل مقولة «الأرض مسطحة»، فلنا إما ~~أن نقبلها بعبارة قاطعة («إن الأرض مسطحة») أو ننفيها («ليست الأرض مسطحة») ~~ولكن لدينا طرائق أقل دلالة على القطع في ms165 الأمر، وأقل حسما بدرجات متفاوتة ~~للتعبير عن الالتزام بصدق هذه المقولة أو كذبها، كأن تقول «ربما تكون الأرض ~~مسطحة»، أو «من المحتمل» أو «من الممكن» أو «من الجائز» على سبيل المثال. ~~هذا هو مجال «النوعية»، وهو البعد النحوي للعبارة الذي يقابل وظيفة الصلة ~~«ما بين الأشخاص» التي تقوم بها اللغة، أي إن على منتج النص أن يحدد عند ~~نطقه بأية مقولة درجة «ارتباطه» بالمقولة، والارتباط هو المصطلح الذي وضعه ~~هودج وكريس (1988م، 123)، وهكذا فإن لكل مقولة منطوقة خصيصة «نوعية» أو ~~قل: إن قائلها يمنحها «نوعية» محددة. # وتقول تقاليدنا: إن النوعية في النحو ترتبط باستعمال «الأفعال النوعية ~~المساعدة» (في اللغة الإنجليزية وأقرب ما يقابلها بالعربية هو الفعل ~~«الناقص» يكون) («يجب»، «يجوز»، «يستطيع»، «ينبغي» وهلم جرا)، وهي ~~وسائل مهمة لتحقيق النوعية، ولكن المدخل المنهجي للنحو الذي يستند إليه ~~هودج وكريس (1988م) يؤكد أن استخدام الأفعال النوعية المساعدة يمثل ~~معلما واحدا وحسب من المعالم الكثيرة للنوعية (انظر هاليداي، 1985م، ~~85-89). فالزمن معلم آخر، فالمثال الوارد في الفقرة الأخيرة يوضح ~~دلالة الزمن الحاضر «البسيط» (الذي يعبر عنه بالإنجليزية الفعل «يكون» الذي ~~لا يظهر في البناء العربي من المبتدأ والخبر)، إذ يدل على النوعية القاطعة ~~ولدينا أيضا مجموعة من الأبنية النوعية التي يعبر عنها الحال (في ~~الإنجليزية وأشباه الجمل بالعربية مثل «من المحتمل» و«من الممكن» و«من ~~الواضح» و«من المقطوع به») أو الصفة المعادلة لها (بالإنجليزية وقد تقابلها ~~أفعال مضارعة بالعربية مثل «يحتمل» و«يرجح» و«يمكن» «أن تكون الأرض مسطحة») ~~وإلى جانب هذه البدائل، توجد طرائق منوعة لا تتميز بالتركيز للتعبير عن ~~درجات ارتباط متفاوتة مثل أساليب المراوغة بعبارات مثل «نوع من»، و«إلى ~~حد ما»، و«أو شيء من هذا القبيل»، ومثل أنساق التنغيم في النطق، ونبرات ~~التردد، وهلم جرا. وقد مر بنا نموذج للمراوغة في العينة الأولى ~~عندما شرحت المريضة «حموضة المعدة» بأنها «حرقان شيء مثل الحرقان أو شيء من ~~هذا القبيل». # وقد تكون الصيغة النوعية «ذاتية»، بمعنى التصريح بالطابع الذاتي لدرجة ~~الارتباط المختارة مع إحدى المقولات: ms166 «أظن/أتصور/أشك أن الأرض مسطحة» (ونحن ~~نتذكر أيضا قول الطبيب «أظن أنه من الحكمة» في العينة الثانية). وقد ~~تكون الصيغة النوعية «موضوعية»، بمعنى أن يكون هذا الطابع الذاتي مضمرا ~~وحسب، «قد تكون الأرض/من المحتمل أن تكون مسطحة». ومن الواضح في حالة ~~النوعية الذاتية أن الصيغة تعبر عن درجة ارتباط المتكلم بالمقولة، وأما ~~في حالة النوعية الموضوعية فربما لا يتضح صاحب المنظور الذي تعبر عنه هذه ~~الصيغة، أي إذا كان المتكلم يعبر عن منظوره باعتباره المنظور العام، أو ~~إن كان ينقل منظور فرد آخر أو مجموعة أخرى، واستخدام صيغة النوعية ~~الموضوعية كثيرا ما يوحي بشكل من أشكال السلطة. # من الشائع تحقيق الصيغة النوعية بعدد من المعالم في عبارة منطوقة أو ~~جملة واحدة. انظر مثلا إلى القول التالي: «أظن أنها كانت مخمورة بعض ~~الشيء، ألم تكن كذلك؟» تجد أن مستوى الارتباط المنخفض يتمثل في معلم ~~النوعية الذاتية («أظن») وفي المراوغة («بعض الشيء») وبإضافة السؤال ~~الختامي إلى القول «ألم تكن كذلك؟» # ولكن قضية النوعية لا تقتصر على التزام المتكلم أو الكاتب بالمقولات، ~~إذ إن منتجي النص يفصحون عن التزامهم بالمقولات في أثناء تفاعلهم مع غيرهم، ~~وكثيرا ما يصعب الفصل بين ما يعبرون عنه من ارتباط بالمقولات وبين ~~إحساسهم بالارتباط بمن يتفاعلون معهم أو التضامن معهم، فإن العبارتين ~~«أليست جميلة؟!» أو «إنها جميلة، أليست كذلك؟!» أسلوبان للتعبير عن مستوى ~~الارتباط المرتفع بمقولة «إنها جميلة»، ولكنهما تعبران أيضا عن التضامن ~~مع من يتكلم المرء معه. والأسئلة المنتمية إلى هذا النوع (السؤال المنفي، ~~والمقولة المثبتة المذيلة بسؤال منفي، وكل منهما يتوقع إجابة مثبتة) ~~تفترض سلفا أن المتكلم ومن يحادثه يشتركان في الارتباط الشديد بالمقولة ~~(وإذا افترضنا أن إجابات الأخير معروفة مقدما) فإن أمثال هذه الأسئلة ~~تطرح لتبيان هذا الارتباط والتضامن لا من أجل الحصول على معلومات. وهكذا ~~فإن التعبير عن مستوى الارتباط العالي قد لا تكون له علاقة بالتزام المرء ~~بإحدى المقولات، بل قد يقصد به التعبير عن التضامن (هودج وكريس، 1988م، ~~123). وعلى العكس من ذلك، نرى ms167 أن المثال المقتطف من العينة الأولى الذي ~~أشرت إليه لتوي («حرقان شيء مثل الحرقان أو شيء من هذا القبيل») يبين أن ~~انخفاض مستوى الارتباط بالمقولة قد يعبر عن نقص السلطة، لا عن نقص ~~الاقتناع أو المعرفة، وأن ما يزعم بأنه معرفة (ومن ثم أنه تعبير عن ~~ارتفاع مستوى الارتباط بالمقولة) يعتمد على علاقات السلطة. والنوعية تمثل ~~إذن نقطة الالتقاء في الخطاب بين الدلالة على الواقع وبين التطبيق ~~للعلاقات الاجتماعية، أو إذا عبرنا عن ذلك بمصطلحات علم اللغة المنهجي ~~قلنا: إنها نقطة التقاء بين الوظائف الفكرية للغة ووظائف اللغة فيما بين ~~الأشخاص. # وتعتبر النوعية من الأبعاد الرئيسية للخطاب، وهي تتمتع بموقع مركزي ~~وانتشار كبير فيه بصورة تفوق ما تنسبه التقاليد لها. ومما يدل على أهميتها ~~الاجتماعية مدى ما تتعرض له النوعية في المقولات من منازعات ومدى ما تتيحه ~~من صراعات وتحولات. فالتحولات في النوعية، على سبيل المثال، واسعة الانتشار ~~في أنباء أجهزة الإعلام. ويقدم هودج وكريس (1988م، 148-149) مثالا من ~~تصريح أدلى به مايكل فوت عندما كان رئيسا لحزب العمال البريطاني، وهو ~~تصريح يتميز بصيغة نوعية بارزة تفيد انخفاض مستوى الارتباط (إذ يقول ~~«أظن، بصفة عامة، أن أحد العوامل التي أثرت في الانتخابات كان يتعلق ~~ببعض المسائل التي حدثت في المجلس المحلي لمدينة لندن الكبرى») وقد تحول ~~هذا التصريح إلى عنوان صحفي يتسم بالحسم والقطع وهو «فوت يهاجم «كين» ~~الأحمر لدوره في الهزيمة الساحقة في الانتخابات» (وأما «كين الأحمر» ~~فالمقصود به كين ليفنجستون، رئيس إدارة حزب العمال في المجلس المحلي لمدينة ~~لندن في أوائل الثمانينيات، وكان شخصية خلافية) (والأحمر تعني ~~الشيوعي). # وإذا تجاوزنا الأمثلة المعينة، وجدنا خصائص عامة ترتبط بالنوعية في ~~ممارسات أجهزة الإعلام، إذ تزعم هذه الأجهزة عموما أنها تتعامل مع الوقائع ~~والحقائق وكل ما يتصل بالمعرفة، وهي تحول بانتظام أمورا لا تزيد عن كونها، ~~في حالات كثيرة، مجرد تفسيرات لأحداث معقدة تثير البلبلة، إلى «وقائع» أو ~~«حقائق». ويعني هذا، من زاوية الصيغ النوعية، إيثار الصيغ القاطعة، ~~والمقولات المثبتة والمنفية، ms168 على نحو ما يوضحه المثال الأخير، ومن ثم ~~فهي لا تتضمن إلا القليل نسبيا من عناصر الصيغ النوعية المألوفة (مثل ~~الأفعال المساعدة النوعية، والأحوال والصفات وأدوات المراوغة وهلم ~~جرا). ويعتبر هذا أيضا إيثارا للصيغ النوعية الموضوعية، وهي التي تسمح ~~بتعميم المنظورات الجزئية. # فلنعرض لمثال محدد. كان مؤتمر القمة الذي عقده حلف شمال الأطلسي ~~(الناتو) يوم 30 مايو 1989م قد ناقش قضية خلافية، وهي الموقف التي ينبغي ~~للحلف أن يتخذه إزاء مفاوضات تقليل عدد مواقع الصواريخ النووية قصيرة المدى ~~في أوروبا. وقد قيل: إن المؤتمر نجح في حل الخلافات مثلما قيل إنه أخفاها، ~~كما فسره البعض بأنه كان يمثل انتصارا لبريطانيا أي للموقف المتشدد ~~الذي اتخذته حكومة السيدة ثاتشر. وفيما يلي بعض العناوين الصحفية: اختتام ~~مؤتمر قمة الناتو بحل وسط عسير (صحيفة # الجارديان ~~)؛ الانتصار النووي لثاتشر ~~في معركة بروكسيل (صحيفة # الديلي ميل ~~)؛ بوش يرحب بوحدة حلف الناتو بعد ~~تسوية الخلاف على الصواريخ (صحيفة # الديلي تليجراف ~~). إن كل عنوان يقدم ~~«قراءة» مختلفة لمؤتمر القمة، ولكن كلا منها يستعمل صيغة نوعية قاطعة. ~~لاحظ أن صحيفة # الديلي ميل ~~«تفترض مسبقا» في الواقع أن ثاتشر قد حققت ~~انتصارا نوويا في معركة بروكسيل، بدلا من القول بهذا، ولنا أن نعتبر أن ~~الافتراض المسبق يتقدم بالنوعية القاطعة خطوة ما دام يسلم بأن الأقوال ~~حقائق واقعة. وقد يعترض معترض على هذه الأمثلة قائلا: إن النوعية القاطعة ~~قد اقتضتها طبيعة الاختصار والتلخيص في العناوين، وليست من نتائج خطاب ~~أجهزة الإعلام في ذاته، ولكن أليست العناوين مجرد جانب أو مثال شديد ~~الوضوح للاتجاه العام للخطاب الإعلامي؟ فالصحف أحيانا ما تقدم صورا ~~متضاربة للحقيقة (وإن كانت كثيرا ما توفق بينها) وتقوم كل صورة من هذه ~~الصور على الزعم المضمر الفاسد الذي يقول إنه يمكن تمثيل الأحداث بشفافية ~~وأسلوب قطعي، وإن المنظور يمكن تعميمه. هذه هي الخرافة التي يقوم عليها عمل ~~أجهزة الإعلام: أي تقديم صور وفئات للواقع، وتحديد مواقع الذات الاجتماعية ~~وتشكيلها، والإسهام في الغالب الأعم في السيطرة الاجتماعية وإعادة الإنتاج ms169 ~~الاجتماعي. # وإن دل مثال الخطاب الإعلامي المذكور على شيء فإنما يدل على أن ~~النوعية ليست مجرد مجموعة من الخيارات المتاحة للمتكلم أو للكاتب بهدف ~~تسجيل درجات الارتباط، إذ إن هذا الاقتصار على هذا المنظور القائم على ~~الاختيار وحده يعني تجاهل المغايرة بين ممارسات الصيغ النوعية التي نجدها ~~بين أنماط الخطاب المختلفة، وتجاهل مدى ما يتعرض له من يستخدمون أنماطا ~~خطابية معينة من فرض ممارسات صيغ نوعية محددة عليهم. والكتابة ~~الأكاديمية مثال آخر: إذ إننا نجد في الكتابة الأكاديمية تقليدا مألوفا ~~ولا يزال ذا نفوذ كبير (على الرغم من انتقاده على نطاق واسع) يقضي بتجنب ~~الصيغ النوعية القاطعة، باعتبار ذلك من المبادئ الأساسية. وقد يقال: إن ~~ذلك له أسباب بلاغية، إذ إن من ورائه دافعا يتمثل في رغبة الباحث في ~~توخي الحذر، وهو صفة حميدة، واجتناب الذاتية، وتأكيد الجو المرتبط بالبحث ~~الأكاديمي، لا الرغبة في التعبير عن انخفاض مستوى ارتباطه بمقولاته. ~~(للاطلاع على بلاغة الكتابة الأكاديمية، والكتابة العلمية خصوصا انظر كتاب # الاقتصاد والمجتمع # 1989م.) ~~(8) التأدب # كان التأدب في اللغة من المشاغل الرئيسية لمبحث التداولية الأنجلو ~~أمريكية في السبعينيات والثمانينيات (براون ولفنسون، 1978م؛ ليتش، 1983م، ~~ليتش وتوماس، 1989م). وأكثر الدراسات نفوذا دراسة براون ولفنسون، فهما ~~يفترضان وجود مجموعة عالمية لما يحتاجه الإنسان من (عوامل تشكيل) «ماء ~~الوجه»، فالناس تريد «ماء الوجه الإيجابي» بمعنى أنهم يريدون أن يحبهم ~~الآخرون ويفهموهم، ويعجبوا بهم ... إلخ، في مقابل «ماء الوجه السلبي»، أي ~~إنهم لا يريدون أن يعتدي الآخرون عليهم أو أن يعيقوهم. وفي صالح الجميع، ~~بصفة عامة، أن يتوافر الحفاظ على ماء الوجه. والباحثان ينظران إلى التأدب ~~من حيث كونه مجموعات من الاستراتيجيات التي يتوسل بها المشاركون في ~~الخطاب ابتغاء تخفيف أفعال الكلام التي يمكن أن تشكل تهديدا لماء وجههم ~~أو لماء وجه من يحادثونهم، وهذا التحليل يمثل سمة أساسية من سمات ~~التداولية التي ترى أن اللغة تشكلها مقاصد الأفراد ونواياهم. # ولكن هذا التحليل يفتقر إلى إدراك المغايرة في ممارسات التأدب ما بين ~~الأنماط المختلفة للخطاب ms170 داخل ثقافة من الثقافات، وإدراك الروابط بين ~~ممارسات التأدب المتغيرة، والعلاقات الاجتماعية المتغيرة، أو إدراك ما ~~يتعرض إليه منتجو النصوص من قيود ممارسات التأدب. ويقدم بورديو (1977م، ~~95، 218) نظرة إلى التأدب تختلف كثيرا عن نظرة براون ولفنسون، إذ يقول: ~~«إن تنازلات التأدب تنازلات سياسية في جميع الأحوال»، ويشرح ذلك قائلا: ~~«إن امتلاك ناصية ما يسمى بقواعد التأدب عمليا، وخصوصا فن تطويع كل ~~صيغة من الصياغات المتاحة ... حتى تتفق مع الفئات المختلفة لمن يمكن للمرء ~~أن يخاطبهم، تفترض سلفا امتلاك ناصية شيء آخر امتلاكا مضمرا، ومن ~~ثم الإقرار بوجوده، ونعني به مجموعة من «المعارضات» التي تشكل ~~البديهيات المضمرة في نظام سياسي محدد بصورة قاطعة». ويعني هذا، بتعبير ~~آخر، أن الأعراف المحددة تجسد علاقات اجتماعية وعلاقات سلطة محددة، ~~وأن استخدام هذه الأعراف يعترف بها بصورة مضمرة (انظر كريس وهودج، 1979م) ~~ولا بد أن تسهم، بقدر الاعتماد عليها، في إعادة إنتاج هذه العلاقات. ومما ~~يترتب على هذا أن البحث في أعراف التأدب في نوع ما من أنواع النصوص أو نمط ~~من أنماط الخطاب يعتبر من وسائل تفهم العلاقات الاجتماعية القائمة داخل ~~الممارسات والمجالات المؤسسية المرتبطة بها. وليس معنى هذا أنني أستعيض عن ~~تحليل براون ولفنسون القائم على الطوعية (1978م) لاستراتيجيات التأدب ~~بتحليل بنيوي لأعراف التأدب، إذ إن مدخلي مدخل جدلي، يعترف بالقيود التي ~~تفرضها الأعراف، ولكنه يعترف أيضا بإمكان إعادة صوغها إبداعيا في ظروف ~~معينة ومن ثم تحويلها. # وعلى أية حال فإن عمل براون ولفنسون يتضمن وصفا ممتازا لمظاهر التأدب ~~التي يمكن إدراجها في إطار نظري مختلف. والشكل # 5-1 # يلخص الملامح الأساسية للإطار الذي وضعناه، وهو الذي يميزان فيه بين خمس ~~استراتيجيات عامة للقيام ب «أفعال تهدد ماء الوجه» (براون ولفنسون، ~~1987م، 60، الأفعال التي تهدد ماء الوجه): # شكل 5-1: استراتيجيات اتخاذ أفعال تهدد ماء الوجه. # فلنضرب مثلا من طلب المساعدة في تغيير إطار عجلة سيارة مثقوب، إذ يمكن ~~أن يمثل الطلب إساءة إلى ماء وجه المخاطب، سلبيا، بمعنى أنه يمثل ~~ضغطا عليه للتصرف بطريقة ms171 معينة، وإساءة لماء وجه المتكلم أيضا. وقد ~~يكون الطلب «مجردا» (الاستراتيجية 1) أي من دون محاولة «التخفيف» من ~~وقعه أي من دون اتخاذ «إجراءات تصحيحية» («ساعدني في تركيب هذا الإطار ») ~~وقد يصاغ الطلب ب «تأدب إيجابي» (الاستراتيجية 2)، وهو في هذه الحالة ~~«مخفف» أو «مصحح»، وقد يكون ذلك بإبداء الود أو التعاطف أو التضامن مع ~~المخاطب («هلا تساعدني في تركيب هذا الإطار يا صاحبي؟») وقد يصاغ ذلك ب ~~«التأدب السلبي» (الاستراتيجية 3) وهو في هذه الحالة مخفف من خلال إبداء ~~الاحترام لخصوصية المخاطب، أو رغبته في عدم إزعاجه أو تكليفه بشيء ... إلخ ~~(«آسف لإزعاجك ولكن ترى تستطيع مساعدتي في تركيب هذا الإطار؟») وقد يكون ~~الطلب «غير مسجل» (الاستراتيجية 4) ومعنى هذا أن يكون مضمرا ويقتضي ~~استنباطه، بحيث يقبل القول تفسيرات بديلة «ترى كيف أستطيع الآن تركيب هذا ~~الإطار؟» أو أن يتضمن تلميحا «هل لاحظت أن إحدى عجلات سيارتي مثقوبة؟» ~~لاحظ أن مثال التأدب السلبي يستخدم صيغة فعلية مركبة («هل تستطيع ~~مساعدتي؟») بدلا من فعل الأمر «ساعدني.» وهذه طريقة غير مباشرة لطلب ~~شيء، فالسؤال في ظاهره يتعلق بقدرة المخاطب الافتراضية على المساعدة، ~~وكما تشترك هذه الطريقة في خصيصة الصوغ غير المباشر مع استراتيجية الطلب ~~«غير المسجل». ويعتبر قول الأشياء بطريقة غير مباشرة - استعمال أفعال ~~الكلام غير المباشرة - جزءا مهما من سمة التأدب، ولكن إذا كانت الطبيعة ~~غير المباشرة للأمثلة «غير المسجلة» قد تتطلب في الظاهر جهدا من المخاطب ~~في تفسير المعنى، فإن صيغة «هل تستطيع المساعدة؟» - وهي صيغة غير مباشرة - ~~قد أصبحت تقليدية ولا تمثل مشكلة في التفسير. # ومن أبعاد التغيير الذي ذكرت آنفا أنه بدأ يظهر في طبيعة المقابلات ~~الشخصية الطبية، بعد يتعلق فيما يبدو بالتغير في أعراف التأدب، وقد ~~رأينا بعض ما يشير إليه في العينتين الأولى والثانية. فالصيغة النوعية ~~الدالة على انخفاض مستوى الارتباط والتي تتوسل بالمراوغة، في شرح المريضة ~~لعبارة «حموضة المعدة» بأنها (حرقان شيء يشبه الحرقان أو شيء من هذا ~~القبيل) يمكن تفسيره، كما قلت من قبل، بأنه عدم رغبة ms172 المريضة في أن تبدو ~~واثقة كل الثقة، في وجه سلطة الطبيب وخبرته. وهذه الصيغة النوعية تعتبر ~~أيضا من قبيل التأدب السلبي، ما دامت تتجنب التعدي على مجال سلطة ~~الطبيب . ولنا أن ننظر إلى انتقال المريضة عدة مرات إلى صوت عالم الحياة في ~~السطور 21-22 و29-30 و42 باعتبارها من ضروب التأدب. ويمكن اعتبارها تلميحات ~~غير مسجلة للطبيب بشأن مجموعة من المشاكل الإضافية التي تكمن خلف المشكلة ~~التي يركز عليها. ولما كانت غير مسجلة فإنها تحفظ ماء الوجه الإيجابي ~~للمريضة، التي تبدو لنا عزوفا عن الحديث عن مشكلات كثيرا ما لا نأبه بها ~~باعتبارها مشكلات «شخصية». وربما تعتبر أيضا موجهة إلى ماء الوجه السلبي ~~للطبيب، ففي المقابلات الطبية التقليدية كثيرا ما ينظر إلى المشكلات ~~«غير الطبية» باعتبارها مسائل خارجة عن نطاق عمل الطبيب، ومن ثم فإن ~~الخوض فيها قد يفسر بأنه تكليف الطبيب بما يتجاوز واجباته ~~المعتادة. # والطبيب في العينة الأولى لا يلتزم بالتأدب سلبيا أو إيجابيا. ومن ~~الممكن أن يكون طرح الأسئلة عملا يهدد ماء وجه المخاطب، وبعض أسئلة ~~الطبيب يمكن أن تهدد ماء الوجه الإيجابي للمريضة، فربما كانت تسبب في ~~الحرج أو تتضمن إهانة من نوع ما (وأوضحها سؤاله: «كم مضى عليك وأنت تسرفين ~~في الشراب هكذا؟») ولكن الطبيب لا يخفف من حدة هذه الأسئلة، وأسئلته ~~مجردة بانتظام ومسجلة. # وأما في العينة الثانية فنحن نجد عكس أعراف التأدب المذكورة؛ إذ إن ~~الطبيب هو الذي يبدي تأدبا إيجابيا وسلبيا للمريض، فهو يبدي ~~التأدب الإيجابي في نفسه بأن يدخل في صوت عالم الحياة من زاوية الإنتاج ~~(اقتراح إجراء مشاورات في المستقبل من أجل معرفة «كيف تسير الأمور») ومن ~~زاوية التلقي (في رد فعله على كلام المريضة القائم على عالم الحياة). وهو ~~يبدي التأدب السلبي في أشكال أسئلته المقتضبة والمخففة، وفي تقييمه ~~للحالة واقتراح زيارات أخرى. والمريضة لا تبدي تأدبا سلبيا، بل إنها ~~تقاطع - بصورة مباشرة - اتجاه الطبيب إلى اختتام الزيارة باستئناف روايتها ~~(والعينة لا تتضمن هذه المقاطعة). ومع ذلك فهي تبدي تأدبا ms173 إيجابيا ~~بالحديث إلى الطبيب بصوت عالم الحياة، وهو ما يوحي ضمنا بوجود أرضية ~~مشتركة بينها وبين الطبيب. # والملخص إذن أن العينة الأولى تبدي تأدبا سلبيا للمريضة، ولا ~~تبدي تأدبا سلبيا أو إيجابيا للطبيب، ولكن العينة الثانية تبدي ~~التأدب الإيجابي والسلبي للطبيب، والتأدب الإيجابي للمريضة. وتتفق هذه ~~الفوارق مع العلاقات الاجتماعية المتضادة للممارسة الطبية المعتمدة ~~والممارسة الطبية «البديلة». ففي الممارسة الطبية المعتمدة نجد مغايرة ~~واضحة في المعرفة والسلطة بين الطبيب والمريضة، وهو ما يوحي باحترام ~~المريضة للطبيب وتأدبها السلبي. كما أن المريضة لا تعامل باعتبارها شخصا ~~بل باعتبارها صاحبة مشكلة؛ وهو ما يبرر غياب التأدب السلبي من جانب ~~الطبيب، وهو الذي كثيرا ما يتعرض للانتقاد على وجه الدقة باعتباره دليلا ~~على عدم حساسية الطبيب للمريضة باعتبارها شخصا. وأما في الممارسة الطبية ~~البديلة، فإن الطبيب يتظاهر بالتناظر، وغياب الطابع الرسمي، والتقارب ~~الاجتماعي، وهو ما يحول دون إظهار التأدب السلبي من جانب المريضة، ويشجع ~~التأدب الإيجابي المتبادل. ومعنى معاملة المريضة باعتبارها شخصا أن التأدب ~~السلبي سوف يخفف من وقع الأفعال التي قد تشكل تهديدا لماء الوجه، وهي ~~التي لا تنفصل عن معاملة الطبيب لأي مريض. ~~(9) الجو الخلقي # أشرت أثناء مناقشتي للعينتين الطبيتين إلى الفوارق في الجو ~~الخلقي، أي في أنواع الهوية الاجتماعية التي تبدو ضمنا عند الأطباء من ~~خلال سلوكهم اللغوي وغير اللغوي. ومسألة الجو الخلقي مسألة تناصية، بمعنى ~~أننا نحاول تحديد النماذج المستقاة من الأنواع النصية الأخرى وأنماط الخطاب ~~الأخرى، والتي يستعان بها في تشكيل الذاتية (الهوية الاجتماعية، أو ~~«النفس») للذين يشاركون في التفاعلات. فأما في حالة العينة الأولى فقد ~~كانت النماذج مستقاة من الخطاب العلمي، وأما في حالة العينة الثانية فهي ~~مستقاة من ضروب الخطاب في عالم الحياة. # ومع ذلك فمن الممكن أن ننظر إلى الجو الخلقي باعتباره يمثل جانبا من ~~عملية «نمذجة» واسعة، حيث يتشكل مكان التفاعل وزمانه، وتتشكل مجموعة ~~المشاركين فيه أيضا والجو الخلقي المشارك فيها، من خلال إسقاط بعض الروابط ~~في اتجاهات تناصية معينة دون غيرها. ويضرب منجينو ms174 (1987م، 31-35) مثالا ~~من خطاب الثورة الفرنسية (الخطب السياسية على سبيل المثال)؛ إذ كان ذلك ~~الخطاب يقوم على نموذج الخطاب الجمهوري في روما القديمة، من حيث المكان ~~والوقت و«المشهد» (بمعنى الظروف الشاملة للخطاب ) إلى جانب المشاركين والجو ~~الخلقي للمشاركين. # وتعتبر العينة الثانية حالة تمثل درجة أقل من الامتداد التاريخي. ~~فالطب «البديل» من هذا النوع يشكل خطاب الممارسة الطبية القائمة على ~~نموذج من عالم الحياة وهو «الحديث عن المتاعب» (جيفرسون و«لي»، 1981م؛ تن ~~هاف، 1989م) بين شخص لديه مشكلة ومستمع متعاطف. ومن المنطقي أن نفترض أن ~~هذا النموذج قد وجد طريقه إلى الخطاب الطبي من خلال خطاب جلسات المشورة. ~~وهو الذي يقوم على هذا النموذج. ويرتبط المشاركون بعلاقة تضامن وخبرة ~~مشتركة، إن لم تكن صداقة، ويوحي بناء المشهد بأنه يقوم على أساس تخليص ~~المرء من متاعبه. وإذا كان المكان طبيا بوضوح، ما دام غرفة الكشف في ~~عيادة الطبيب، فإنه من الشائع للأطباء من ممارسي الطب البديل (وكذلك ~~للمعلمين والمهنيين الآخرين الذين يتخذون مواقع مماثلة) أن يولوا اهتماما ~~خاصا بمسائل أثاث الغرفة أو ديكورها، في محاولة لتغيير الطابع المؤسسي ~~لها وجعل زوارهم يشعرون بالراحة أو ب «الألفة». والجو الخلقي الذي يوحي ~~به حديث الطبيب، أو بأسلوب سلوك الطبيب في أمثال هذه المقابلات الشخصية ~~بصفة أعم، جو الصديق المتعاطف الحريص على مصلحة الزائر، ما دام «يجيد ~~الإصغاء» إليه. # ويتجلى الجو الخلقي إذن من خلال التعبير بالجسد كله لا بالصوت وحسب، ~~ويقول بورديو (1984م، الفصل الثالث): إن لنا أن ننظر إلى اللغة باعتبارها ~~«بعدا من الأبعاد الجسدية التي تعبر عن العلاقة الكاملة للمرء بالعالم ~~الاجتماعي». فنجد على سبيل المثال أن «أسلوب التعبير لدى الطبقات الشعبية» ~~لا ينفصل «عن العلاقة الكلية بجسد المرء، وهي التي يسيطر عليها رفضه لمظاهر ~~التصنع والتأنق الشديد، وإعلاؤه للذكورة والفحولة». ومعنى هذا أن الجو ~~الخلقي لا يتجلى فقط في الطريقة التي يتكلم بها الأطباء، بل في الآثار ~~المتراكمة لأوضاعهم الجسدية كلها، أي كيف يجلسون، وتعبيرات وجوههم، ~~وحركاتهم، وطرائق رد الفعل ms175 الجسدي لما يقال، وما يسمى سلوك الاقتراب (أي ~~إن كانوا يقتربون من مرضاهم أو حتى يلمسونهم، أو يحافظون على الابتعاد ~~عنهم). # الخاتمة # يمثل مفهوم الجو الخلقي المرحلة التي نستطيع فيها تجميع المعالم ~~المختلفة، لا للخطاب وحده بل للسلوك بصفة أعم، وهي التي تسهم في بناء صورة ~~معينة للنفس. وداخل هذا الإطار الشامل ينهض كل جانب من جوانب تحليل ~~النص التي ركزت عليها في هذا الفصل بدور معين، والجوانب المقصودة هي ~~التحكم في التفاعل، والصيغة النوعية، والتأدب. والواقع أن معظم - إن لم ~~نقل جميع - أبعاد الخطاب والنص التي تقبل الفصل بينها عند التحليل تسهم ~~إسهاما معينا، مباشرا أو غير مباشر، في بناء النفس. # ومع ذلك فإن هذه القضية تلقى التجاهل، كما ذكرت في بداية هذا الفصل، ~~في دراسات اللغة وتحليل الخطاب، إذ إن معظم الاهتمام بالنفس عادة في الخطاب ~~يتركز حول مفهوم «التعبير»، فمن الشائع تمييز الوظيفة «التعبيرية» أو ~~«العاطفية» للغة، وهي التي تتعلق بطرائق الصياغة التي تبين مشاعر الناس ~~إزاء أشياء معينة، أو مواقفهم تجاهها، ويوجد مفهوم واسع الانتشار عما ~~يسمى «المعنى العاطفي»، وهو الذي يطلق على الجوانب «التعبيرية» لمعنى ~~الألفاظ. وعلى سبيل المثال نجد أن وصف ياكوبسون لوظائف اللغة يميز وظيفة ~~«عاطفية» أو «تعبيرية» قائلا: إنها «ترمي إلى التعبير المباشر عن موقف ~~المتحدث تجاه ما يتحدث عنه» (1961م، 354). وأما ما يتجاهله هذا فهو ~~المنظور النقدي البالغ الأهمية للبناء، أي دور الخطاب في تكوين النفوس أو ~~بنائها. وعندما يؤكد المرء البناء تبدأ وظيفة اللغة في بناء الهوية تكتسب ~~أهمية عظمى، لأن طرائق المجتمعات في تصنيف الهويات وبنائها لأفرادها ~~تمثل جانبا أساسيا من جوانب عملها، وكيف تفرض علاقات السلطة وتمارس، ~~وكيف يعاد إنتاج المجتمعات وكيف تتغير. وأما التركيز على التعبير فقد أدى ~~إلى التهميش الكامل لوظيفة بناء الهوية فجعلها جانبا ثانويا من جوانب ~~وظيفة الصلة «بين الأشخاص». ولهذا قمت بتمييز وظيفة الهوية في التعديل ~~الذي أدخلته على شرح هاليداي (1978م) لوظائف اللغة، ومع ذلك فلا بد من ~~الدفاع دفاعا تقنيا مفصلا ms176 عن ضرورة القول بوجود وظيفة مستقلة خاصة ~~بالهوية، وأما في نظر هاليداي، فإن تحديد وظيفة مستقلة يقتضي أن يثبت ~~المرء وجود مجال يتمتع باستقلال نسبي للتنظيم النحوي يتفق مع هذه ~~الوظيفة. # الفصل السادس # | تحليل النصوص: بناء الواقع الاجتماعي # يركز هذا الفصل أساسا على جوانب التحليل النصي المتصلة بالوظيفة ~~الفكرية للغة وللمعاني الفكرية، أي ب «بناء الواقع الاجتماعي» على نحو ما ~~ذكرته في العنوان. وإذن فإن مدار التأكيد هنا هو دور الخطاب في الدلالة ~~والإحالة (ارجع إلى التمييز بينهما في أواخر الفصل الثاني) حيث تتضمن ~~الدلالة دور الخطاب في تكوين نظم للمعرفة والعقيدة، وإعادة إنتاجها، والطعن ~~فيها، وإعادة بنائها، ولكن المسألة لا تزيد على كونها مسألة تأكيد، فمن ~~المحتوم أن تتداخل هذه مع الوظيفة العلائقية ووظيفة بناء الهوية، وهما ~~اللتان ناقشتهما في الفصل الخامس. # وأنا أناقش هنا عينتين رئيسيتين للخطاب، الأولى مقتطفة من كتيب ~~خاص بالرعاية السابقة للوضع، موجه إلى الأمهات الحوامل وأزواجهن، والثانية ~~مجموعة الخطب التي أشرت إليها من قبل، وهي التي ألقاها وزير في الحكومة ~~البريطانية، هو اللورد ينج، حول ثقافة «المبادرة الفردية». وأما الموضوعات ~~التحليلية المحددة التي أعرض لها فهي: الروابط والتحاج، والتعدي ~~والثيمة، ومعنى الكلمات، والصياغة، والاستعارة. فإذا نظرنا إليها من حيث ~~انتماؤها إلى الفئات التحليلية الواردة في الفصل الثالث وجدنا أن الموضوعات ~~الثلاثة الأخيرة يشملها عنوان عام هو المفردات، وأن الموضوع الأول ينتمي إلى ~~التماسك، والثاني إلى النحو. ~~(1) الروابط والتحاج # العينة التالية جزء من قسم حول الرعاية السابقة للولادة، من # كتاب ~~الطفل ~~(موريس، 1986م) وهو كتيب تصدره المستشفيات للحوامل وأزواجهن، وسوف ~~أقدم أيضا أثناء التحليل مقتطفات من # كتاب الحمل ~~، (مجلس التعليم الصحي ~~1984م) وهو مطبوع مماثل أصدره مجلس التعليم الصحي. (وقد حذفت قسما فرعيا ~~حول «طول مدة الحمل»، وهو الذي يوجد في الأصل قبل قسم فرعي عنوانه ~~«الفحص».) ~~(2) الرعاية السابقة للوضع # الهدف الأساسي للرعاية السابقة للوضع أن تكفل لك اجتياز فترة الحمل ~~والوضع وأنت في تمام الصحة. ومن المحتوم إذن أن تتطلب سلسلة من الفحوص ~~والاختبارات ms177 على امتداد فترة حملك. وكما ذكر عاليه، سوف تتلقين هذه ~~الرعاية إما من المستشفى المحلي الذي تتبعينه، وإما من الممارس الطبي العام ~~الذي تعتادينه، وهو الذي يعمل في حالات كثيرة بالتعاون مع المستشفى. # ومن المهم الحضور لإجراء أول فحوصك والتبكير بهذا قدر الطاقة؛ فقد ~~يكون لديك بعض المتاعب الطفيفة التي يستطيع الطبيب تداركها فتعود بالفائدة ~~على بقية فترة حملك. والأهم بصفة خاصة أنك بعد زيارتك لطبيبك وحجز مكان ~~لك في مستشفى محلي سوف تتلقين في العادة تأكيدا بأن كل شيء يسير سيرا ~~طبيعيا. ~~(3) الزيارة الأولى # تتضمن زيارتك الأولى استعراضا شاملا لصحتك في الطفولة، وأيضا حتى ~~اللحظة التي أصبحت فيها حاملا. وفي بعض الأحيان قد تعاني المرأة من متاعب ~~طبية معينة لا تدري بها، مثل ضغط الدم المرتفع، ومرض السكري، وأمراض ~~الكليتين - ومن المهم التعرف على هذه المشكلات في مرحلة مبكرة، إذ إنها ~~قد تكون لها آثار خطيرة في مسار الحمل. # وسوف يحتاج الطبيب والداية إلى الإحاطة الكاملة بجميع مشكلاتك الصحية ~~السابقة، وإلى مناقشة ظروفك الاجتماعية أيضا، ونحن نعلم علم اليقين أن ~~الظروف الاجتماعية يمكنها أن تؤثر في نتيجة الحمل. ولهذا السبب سوف ~~يطلبان منك التفاصيل الخاصة بمسكنك وبعملك الحالي. وسوف يحتاجان إلى أن ~~يعرفا أيضا إن كنت تدخنين أو تشربين الكحول، أو إن كنت تتناولين أية ~~عقاقير وصفها لك طبيب أو أصحاب الصيدليات، إذ إن جميع هذه المواد يمكن ~~أحيانا أن تضر بتطور الجنين ونموه. ~~(4) الفحص # سوف توزنين حتى يمكن تقدير الزيادة اللاحقة في وزنك، وسوف يقاس طول ~~قامتك لأن القصيرات بصفة عامة لديهن أحواض أصغر قليلا من ذوات الطول ~~الفارع، وهو أمر لا يدعو إلى الدهشة. وسوف تخضعين بعد ذلك لفحص جسدي كامل، ~~يتضمن فحص ثدييك وقلبك ورئتيك وضغط دمك، وبطنك وحوضك. # والغرض من هذا تحديد أية ظواهر شاذة قد تكون موجودة، وإن لم تكن قد ~~سببت لك أية مشكلات حتى الآن، ومن شأن فحص المهبل تيسير تقييم الحوض ابتغاء ~~فحص حالة الرحم وعنق الرحم والمهبل. وكثيرا ما تؤخذ ms178 لطاخة مهبلية أيضا ~~في هذا الوقت لفحصها واستبعاد وجود أي تغيير مبكر يؤدي إلى الإصابة ~~بالسرطان مما قد يوجد في حالات نادرة. # وسوف نبدأ بتحليل بعض جوانب تماسك النص وبناء الجمل في هذه العينة؛ ~~وذلك تمهيدا للنظر في الأسلوب المستخدم لإقامة الحجة، وأنواع معايير ~~العقلانية التي تفترضها سلفا، وسوف يتيح لنا هذا النظر في أنواع الهوية ~~الاجتماعية التي تبنى في النص، وخصوصا الصوت الطبي العلمي والجو الخلقي ~~فيه. # ولنبدأ بطريقة بناء الجمل في القسم الأخير وعنوانه الفحص، وهو الذي ~~يتكون من فقرتين، تتكون كل منهما من ثلاث جمل. فإذا استثنينا الجملة ~~الأخيرة في الفقرة الأولى والجملة الأولى من الفقرة الثانية وجدنا أن كل ~~جملة تتكون من عبارتين (أي إنهما جمل بسيطة) يربطهما حرف أو أداة تدل ~~على الغرض أو السبب، والنظام المجرد هو: # العبارة الأولى ¬ حتى/لأن/ل (من أجل) العبارة الثانية. # بل إن الجملتين اللتين استثنيتهما ذواتا نسق يتفق جزئيا مع هذا ~~النسق، لأن الرابط في كل منهما رابط يتعلق بالغرض، فالجملة الأولى في ~~الفقرة الثانية تبدأ بعبارة «والغرض من هذا»، واسم الإشارة «هذا» يحيلنا ~~إلى الجملة الأخيرة في الفقرة الأولى. والواقع أن نسق الجمل التي ترتبط ~~برباط الغرض أو السبب، وكذلك العبارات داخل الجمل، نسق يتكرر على امتداد ~~العينة كلها. والرسالة التي يرسلها هذا النسق رسالة بث الاطمئنان؛ أي إن ~~كل شيء يحدث في إطار الرعاية السابقة للوضع له سبب قوي. وإذا كان من يراد ~~اطمئنانه واضحا، فإن من يقوم ببث الاطمئنان، على وجه الدقة، أقل ~~وضوحا. # فلنحاول تبيان ذلك بالنظر إلى المشاركين، أي من يشاركون في هذا النص ~~باعتباره جزءا من الممارسة الخطابية، ومن يشاركون في عمليات الرعاية ~~السابقة للوضع التي يصورها النص، وأما المشاركون في النص فهم (1) قراء ~~النص الذين تعنيهم الرعاية المذكورة مباشرة في معظم الأحوال (باعتبار أنهم ~~من النساء الحوامل) أو ممن يشاركون في هذه الرعاية (باعتبارهم أزواجهن) ~~و(2) منتجو النص، واسم المؤلف غير مذكور، ولكن اسم المحرر (وهو أستاذ ~~متخصص في أمراض النساء والولادة) وأسماء ms179 فريق التحرير مذكورة. وأما ~~المشاركون في الرعاية السابقة للوضع فهم (1) الحوامل و(2) العاملون بالمهن ~~الطبية. والعلاقة بين القراء باعتبارهم مشاركين، وبين النساء باعتبارهن ~~مشاركات في الرعاية المذكورة واضحة، فمعظم القراء يوشكون أن يصبحوا مشاركين ~~في هذه الرعاية ، ومعظم هؤلاء يوشكون أن يصبحوا من الطائفة الأولى، ولكن ~~العلاقة بين منتجي النص والمشاركين في الرعاية المذكورة أقل وضوحا إلى ~~حد ما، فمن ناحية المبدأ قد يتبنى منتجو النص منظور الحوامل، أو ~~المشتغلين بالمهن الطبية، أو لا يتبنون هذا المنظور أو ذاك. # ومن الواضح في هذه الحالة أن منتجي النص ينتمون إلى المهن الطبية، ~~وأكثر الأدلة تصريحا بهذا ما نقرؤه في الفقرة الثانية من القسم الذي يحمل ~~عنوان «الزيارة الأولى»، فالجملتان الأولى والثالثة من هذه الفقرة تتنبئان ~~بما سوف يحتاج أفراد المهن الطبية إلى معرفته والسؤال عنه. والجملة الثانية ~~تشرح سبب السؤال، ولكن المعرفة الطبية التي يقيم هؤلاء ممارساتهم عليها ~~تتخذ صيغة واضحة المغزى وهي «ونحن نعلم»؛ فإن كلمة «نحن» تمثل حلقة ~~الانتقال الدقيق من الإشارة إلى منتجي النص باعتبارهم مشاركين في عملية ~~الخطاب إلى الإشارة إلى أن أفراد المهن الطبية مشاركون في عملية الرعاية ~~السابقة للوضع. # ومع ذلك فلدينا حالة واحدة تمثل الفصل بين هاتين الصفتين، وهي الجملة ~~الثانية في الفقرة الأولى من القسم الذي يحمل عنوان «الفحص»، ونقصد بها ~~التعليق المضاف في آخر الجملة، وهو «وهو أمر لا يدعو إلى الدهشة»، فهو ~~تعليق يوحي لنا بأنه صوت عالم الحياة الذي ينطق به لسان «المريضة» ~~المتوقعة، أو حتى لسان أفراد المهن الطبية إذا تنحوا عن صفتهم المهنية ~~(ارجع إلى مناقشة ميشلار لأصوات عالم الحياة في تحليله لعينة الخطاب ~~الطبي التي نوقشت أعلاه)، ولكن لاحظ التضاد بين الصوتين، الصوت الذي نسمعه ~~هنا والصوت الذي نسمعه في الجزء الثاني من الجملة الأولى الذي يقول: ل «أن ~~القصيرات بصفة عامة لديهن أحواض أصغر قليلا من ذوات الطول الفارع»، وهي ~~العبارة التي تقدم السبب. فالصوت هنا صوت طبي؛ لأن كلمة «حوض» مصطلح طبي، ~~والعبارة تتكون من ms180 مقولة قاطعة النبرة، نقول إنها تقوم على أدلة طبية. وهي ~~تمثل المقتطف كله تمثيلا أصدق، إذ إن معظم الجمل السببية ينطقها الصوت ~~الطبي. وأما الاحتراز في هذه المقولة («بصفة عامة») فترجع أهميته إلى أن به ~~غموضا يوحي بالانتقال إلى صوت عالم الحياة، من ناحية، كما يوحي من ناحية ~~أخرى بالحذر والتدقيق اللذين يتميز بهما الجو الخلقي الذي نربط بينه وبين ~~الطب العلمي. # ومن الواضح أن الذين يبثون الاطمئنان هم أفراد المهن الطبية. فالجمل ~~التي تقدم الأسباب أو تعبر عن الغرض، والتي ينطق الصوت الطبي بها ~~بانتظام، تقدم لنا في الحقيقة الأفكار العقلانية والحجج المنطقية التي ~~نتوقعها من أفراد المهن الطبية، وهو ما يسهم في بناء الجو الخلقي لعلم الطب ~~في هذا المقتطف، ولنقارن بذلك المقتطف التالي من # كتاب الحمل ~~: «سوف تجرى لك ~~فحوصات منتظمة طيلة فترة حملك ... والغرض منها # التأكد من أنك وطفلك في صحة ~~جيدة، والتأكد من أن الجنين ينمو نموا سليما، والحيلولة دون التعرض لأي ~~سوء ... ~~» (التأكيد من عندي). فالكلمات المطبوعة ببنط ثقيل أقرب، بوضوح وجلاء، ~~إلى صوت عالم الحياة من انتماء التعابير المناظرة لها في # كتاب الطفل # إليه، ~~لكنني أشعر، مع ذلك، بوجود التباس في الصوت الذي نسمعه في # كتاب الحمل ~~، ~~والسبب في ذلك أن العاملين بالمهن الطبية كثيرا ما يتحولون تحولا ~~جزئيا إلى الحديث بصوت عالم الحياة عندما يحادثون المرضى (ارجع إلى ~~العينة الثانية أعلاه)، ولذلك فمن # الجائز # أن يستخدم أفراد المهن الطبية ~~الكلمات المطبوعة باللون الأسود، ومن ثم فلا يتضح لنا إن كان كاتب # كتاب ~~الحمل # يكتبه من منظور المريض أو من منظور (لموقع «مستحدث» بين) أفراد المهن ~~الطبية. # ومن الأدلة الأخرى على امتزاج منتجي النص بأفراد المهن الطبية في # كتاب ~~الطفل # الأبنية النوعية في النص، ففي الفقرة الأولى من القسم الذي يحمل ~~عنوان «الفحص»، نجد أن الجمل الثلاث الأولى تبدأ بالحرف «سوف»، وهو الذي ~~يعني التنبؤ القاطع - «هذا ما سوف يحدث» - ويوحي بأن منتج النص يكتب من ~~موقع العارف ببواطن الأمور. وينطبق على استعمال ms181 «يمكن» (مثل «هذه المواد ~~يمكن أحيانا أن ...») وكلمة «قد» («أي تغيير مبكر يؤدي إلى الإصابة ~~بالسرطان، مما قد يوجد في حالات نادرة») إذ يقدم منتج النص هنا مقولات ~~قائمة على الخبرة بشأن الاحتمالات الطبية. لاحظ أن تواتر استخدام صيغة ~~الحال (بالإنجليزية) (مثل «أحيانا» و«نادرا») يزيد، على عكس ما يبدو، من ~~سلطة هذه المقولات. ولاحظ أيضا عبارة «من المهم أن» (في الجملة الافتتاحية ~~بالفقرة الثانية) وعبارة «من المحتوم أن» (الجملة الثانية بالفقرة الأولى) ~~واستعمال تعبير «يؤدي إلى السرطان» وغيره من المصطلحات التقنية التي تدعم ~~الإحساس بخبرة الكاتب. # وإذا شئنا التلخيص قلنا: إن تحليل التماسك النصي في هذه العينة ~~يطلعنا على نوعية من التحاج (أي بناء الحجة) ونوعية من العقلانية، ومن ~~ثم يسمعنا الصوت الطبي العلمي والجو الخلقي فيها. فإذا استندنا إلى هذا ~~المثال في إصدار حكم عام قلنا: إن أنماط النصوص تتفاوت في أنواع ~~العلاقات التي تنشئها بين عباراتها، وأنواع التماسك النصي التي تفضلها، ~~وإن أمثال هذا التفاوت قد تكون لها دلالة ثقافية أو أيديولوجية. وتجتمع هذه ~~الاختلافات في التماسك النصي مع غيرها، فتؤدي إلى اختلافات شاملة في ~~«النسيج» (هاليداي، 1985م، 313-318) الخاص بأنماط النصوص، أي بالنوعية ~~الشاملة لبناء العبارات لتكوين نص من النصوص. ومن الأبعاد الأخرى للتفاوت ~~بعد «الثيمة»، التي تناقش في القسم التالي، والطرائق التي تتميز بها ~~«المعلومات المفترضة» (أي التي يقدمها منتج النص باعتبارها معروفة أو ~~ثابتة سلفا) عن «المعلومات الجديدة» (هاليداي، 1985م، 271-286؛ كويرك ~~وآخرون 1972م، 237-243)، والطرائق التي تكتسب بها الصدارة بعض أجزاء النص، ~~وتبقى أجزاء أخرى منه في خلفيته (هووي، 1983م). ومن جوانب التغير الخطابي ~~التي ربما كانت أقل وضوحا من سواها ولكنها قد تكون جديرة بالبحث فيها، ~~جانب التغييرات في النسيج والتماسك النصي، فهل من الصحيح، على سبيل المثال، ~~أن بعض أنماط الإعلام الجماهيري التي استعمرتها أساليب الإعلان (مثل ~~الدعاية الحكومية حول بعض القضايا مثل مرض الإيدز) تتجلى فيها تغييرات في ~~هذه الجوانب، وإن صح هذا فكيف ترتبط أمثال هذه التغييرات بضروب التغيير في ms182 ~~نوعيات العقلانية والجو الخلقي؟ # ويشير فوكوه في فقرة سبق اقتطافها إلى وجود «نظم بلاغية منوعة للجمع ~~بين مجموعات من الأقوال (أي كيفية الترابط بين الأوصاف، وضروب النتائج ~~المستنبطة، والتعريفات التي يميز تتابعها البناء المعماري لنص من النصوص)» ~~(1972م، 57)، أي إن تحليل التماسك النصي على مستوى معين يركز على ~~العلاقات الوظيفية بين العبارات، ويمكن استخدامه في البحث في أمثال تلك ~~«النظم البلاغية» في شتى أنماط النصوص، إذ نجد على سبيل المثال أن أحد ~~الأنساق المهيمنة في المقتطف من # كتاب الطفل # نسق الوصف (لما سوف يحدث للمرأة ~~الحامل) متبوعا بنسق الشرح (للأسباب الطبية لذلك). وأما البناء في المقتطف ~~التالي، وهو افتتاحية إعلان نشر في إحدى المجلات، فيختلف اختلافا كاملا: # انظر لحظة واحدة في السبب الذي يدعو الدبلوماسيين ومديري الشركات ~~في شتى أرجاء العالم إلى اختيار الانتقال بسيارات مرسيدس من طراز # S ~~، ربما يكون السبب أن هذا الطراز ~~القيادي من سيارات مرسيدس-بنز يوحي بعلو المكانة من دون المظهرية ~~الجوفاء، فإن تصميمها يستكمل سلوك الذين اغتنوا بوجودهم عن إثبات سمو ~~منزلتهم. ~~(مجلة # صنداي تايمز ~~، 21 يناير 1990م) # إن الإعلان يبدأ بسؤال، تتلوه إجابات متتابعة، أو بتعبير أدق، بسؤال ~~غير مباشر للقارئ (أي طلب موجه إلى القارئ للنظر في سؤال ما) يعقبه إجابة ~~مقترحة ممكنة (تتكون من جملتين)، وهذا نظام بلاغي يستخدم على نطاق واسع في ~~الإعلانات. ومن المحتمل أن تتميز به النوعيات البلاغية المختلفة، مثل أنماط ~~السرد، في النظم التي تستعملها. # ويقدم هاليداي (1985م، 202-227) إطارا تفصيليا لتحليل بعض الأنماط ~~الرئيسية للعلاقة الوظيفية بين العبارات (انظر أيضا هوي، 1983)، ولكن ~~إطاره لا يتضمن علاقة السؤال والجواب القائمة في المقتطف الأخير. ويمكن ~~استعمال صورة أخرى من الإطار نفسه في تحليل العلاقات الوظيفية بين جمل ~~كاملة (ص303-309). والخطوط العامة العريضة التي يضعها هاليداي للتمييز بين ~~الأنماط الرئيسية الثلاثة للعلاقات بين العبارات تفيد التمييز بين ~~«التفصيل»، وبين «التوسع»، وبين «التدعيم». أما التفصيل فيعني أن إحدى ~~العبارات (أو الجمل) «تمثل تفصيلا لمعنى عبارة أخرى بزيادة تحديدها أو ~~وصفها» إما ms183 بإعادة صوغها، أو تقديم أمثلة لها، أو إيضاحها وحسب. ومن ~~الأمثلة على الوظيفة الأخيرة آخر جملة في الفقرة الثانية من نص الرعاية ~~السابقة للوضع التي تبدأ بعبارة «ومن الأهم بصفة خاصة». وأما التوسع ~~فيعني أن إحدى العبارات (أي الجمل) «تتوسع في معنى عبارة أخرى بإضافة شيء ~~جديد إليها». وقد يكون هذا في صورة الإضافة المباشرة (التي يدل عليها حرف ~~العطف، الواو، أو كلمات مثل «أضف إلى ذلك» ... إلخ)، وأما التدعيم فيعني أن ~~إحدى العبارات (أو الجمل) «تدعم معنى غيرها بتخصيص دلالتها بعدد من الطرائق ~~الممكنة، إما بالإحالة إلى الوقت أو المكان أو الطريقة أو السبب أو الشرط»، ~~أي إن العلاقات الرئيسية هنا بين العبارات والجمل علاقات زمنية (أ ثم ب، أ ~~بعد ب، أ عندما توجد ب، أ أثناء حدوث ب ... إلخ، على افتراض أن «أ» و«ب» ~~عبارات أو جمل)؛ وأما العلاقات العلية (السببية) فنماذجها علاقات السبب ~~والغرض (التي مرت بنا في تحليل # كتاب الطفل ~~)؛ ومعنى العلاقات الشرطية هو ~~(وجود فعل الشرط وجوب الشرط)؛ (إذا كان أ كان ب)؛ والعلاقات المكانية تعني ~~(أ توجد حيث ب) والمقارنات (أ مثل ب، أ تشبه ب). # ومن المتغيرات المهمة بين أنماط النصوص درجة التمييز الصريح للعلاقات ~~بين العبارات وبين الجمل، ويتمثل أحد الاختلافات بين # كتاب الطفل # وبين # كتاب ~~الحمل # في أن العلاقات السببية (الأسباب والأغراض) متميزة بصراحة أكبر في ~~الأول بصفة عامة، إذ توجد على سبيل المثال أدوات ربط أكثر فيه مثل «حتى» ~~و«لما كان»، ويبدو أن هذه الصراحة تسهم في الهيمنة الواضحة في النص الأول ~~للصوت العلمي الطبي والجو الخلقي العلمي الطبي أيضا. # وتدل المغايرة في التصريح أيضا على ضرورة التمييز بين مستويين في ~~تحليل التماسك النصي: الأول تحليل علاقات التماسك الوظيفية، مثل التي ~~وصفناها عاليه، والثاني تحليل علامات التماسك الصريحة الموجودة على سطح ~~النص، مثل أدوات الربط المشار إليها. والأخيرة جديرة بالاهتمام أيضا لا ~~لتحديد مدى صراحة تمييز العلاقات الوظيفية فقط، بل أيضا بسبب وجود ~~اختلافات مهمة بين أنماط النصوص، وهي ms184 التي تظهر في أنماط علامات التمييز ~~التي تشيع فيها. ويميز هاليداي (1985م، 288-289) بين أربعة أنماط رئيسية ~~للعلامات المستخدمة في التماسك النصي السطحي وهي «الإحالة» و«الحذف» ~~و«الربط» و«التماسك اللفظي». وهنا أيضا لا أستطيع أن أقدم إلا الخطوط ~~العريضة لهذه الأنماط. أما الإحالة فتعني إحالة القارئ إلى جزء سابق من ~~النص، أو إحالته إلى جزء مقبل من النص، أو إحالته إلى شيء خارج النص كسياق ~~النص أو السياق الثقافي الأوسع نطاقا له، باستخدام وسائل معينة مثل ~~الضمائر الشخصية، وأسماء الإشارة، وأداة التعريف. وأما الحذف فيعني استبعاد ~~«مادة» يمكن الحصول عليها من جزء آخر من النص، أو الاستعاضة عنها بكلمة ~~بديلة، بحيث تنشئ رابطة تحقق التماسك بين جزئي النص (انظر على سبيل ~~المثال حذف «ورقة من نوع البستوني» (في لعبة من ألعاب الورق، أي الكوتشينة، ~~تسمى البريدج) في الجزء الثاني من الحوار التالي: «لماذا لم تقدم ورقة ~~من أوراق البستوني؟» - «لم يكن في يدي أي منها»). وأما الربط فقد أشرنا ~~إليه من قبل إشارات كثيرة، فهو تحقيق التماسك باستخدام كلمات الربط ~~وتعبيراته، وهي التي نطلق عليها وفق التقاليد أسماء حروف العطف وأدواته ~~(مثل الواو والفاء، و«إذ إن» و«لما كان» ... إلخ) إلى جانب ما نطلق عليه - ~~اصطلاحا - تعبير «التوابع الرابطة» (هاليداي، 1985م، 303) أو «الوصلات» ~~(كويرك وآخرون، 1972م، 520-532) مثل «ومن ثم»، «وبالإضافة إلى هذا»، ~~«أو بعبارة أخرى». وأما التماسك اللفظي فيعني تحقيق التماسك من خلال تكرار ~~الألفاظ، أو الربط بين الكلمات والتعابير بعلاقات المعنى (انظر ليتش، ~~1981م) مثل الترادف (حمل المعنى نفسه) أو «الإدراج الدلالي» (ومعناه إدراج ~~دلالة لفظ في دلالة لفظ آخر، كما هو الحال بين الأسماء العامة والخاصة) أو ~~ربط الكلمات والتعبيرات التي «تتصاحب» أو يقترن بعضها بالبعض (هاليداي، ~~1966م)، أي تنتمي إلى المجال الدلالي نفسه، وعادة ما توجد معا (مثل ~~«الغليون»، و«الدخان»، و«التبغ»). # ومن الخطأ أن نتصور أن أنماط علامات التماسك السطحي المذكورة مجرد ~~خصائص موضوعية للنصوص. إذ لا بد أن يتولى مفسرو النصوص تفسير علامات ~~التماسك في إطار بنائهم ms185 لقراءات مترابطة المعنى لكل نص من النصوص؛ فما ~~التماسك النصي إلا عامل واحد من عوامل ترابط المعنى، فعلى سبيل المثال، لا ~~يستطيع المرء أن يحدد الألفاظ المتصاحبة في نص من النصوص إلا إذا نظر في ~~تفسير مفسري النصوص في هذا الصدد، أي تحديد العناصر التي يرى المفسرون ~~وجود علاقات فعلية بينها، ولكن علينا أن ننظر نظرة دينامية أيضا إلى ~~علامات التماسك، من منظور منتج النص، إذ إن منتجي النصوص يقيمون علاقات ~~تماسك من أنواع محددة في غضون جعل المفسر يشغل موقع الذات. ومن ثم ~~فإننا إذا نظرنا إلى التماسك النصي هذه النظرة الدينامية فربما اكتشفنا أنه ~~من الطرائق المهمة ل «العمل» الأيديولوجي الجاري داخل النص. # ويعتبر الإعلان المنشور في المجلة، الذي أوردناه قبل صفحتين، مثالا ~~يوضح هذه المسائل، إذ إن أي تفسير مترابط المعنى لتلك الفقرة يعتمد على ~~جهد كبير في الاستنباط، الذي يرتكز على إعادة بناء روابط التماسك القائمة ~~على الكلمات المتصاحبة، وهي التي ينشئها منتج النص، أي الربط بين ~~«الدبلوماسيين ومديري الشركات»، وبين «يوحي بعلو المكانة من دون المظهرية ~~الجوفاء»، وبين «سلوك الذين اغتنوا بوجودهم عن إثبات سمو منزلتهم»، أي إننا ~~نستطيع أن ندرك معنى النص إذا افترضنا أن الإيحاء بعلو المنزلة من دون ~~المظهرية الجوفاء سمة تميز الدبلوماسيين ومديري الشركات (بعد نقلها هنا ~~إلى السيارة)، وأن الدبلوماسيين ومديري الشركات يسلكون سلوك من اغتنى ~~بوجوده عن إثبات سمو منزلته. ولاحظ أن هذه العلاقات الخاصة بالتصاحب اللفظي ~~ليست من النوع الذي يمكن أن تجده في أحد المعاجم (على عكس العلاقة مثلا ~~بين «الكلب» و«ينبح»)؛ بل إن منتج النص هو الذي أنشأها في هذا النص. وعندما ~~أنشأها المنتج فإنه كان يفترض في الوقت نفسه وجود مفسر «قادر» على إدراك ~~علاقات التصاحب المذكورة؛ وفي حدود نجاح المفسرين في تلبية متطلبات الموقع ~~الذي يشغلونه، ينجح النص في أداء العمل الأيديولوجي الخاص ببناء ذوات ترى ~~أن هذه العلاقات تتفق مع المنطق السليم (انظر مناقشة الإخضاع في أواخر ~~الفصلين الثالث والرابع). ~~(5) التعدي والثيمة (المبتدأ) ms186 # عادة ما يشار إلى البعد الفكري للبناء النحوي للعبارة، في علم اللغة ~~المنهجي، بمصطلح «التعدي» (هاليداي، 1985م، الفصل الخامس)، وهو يتناول ~~أنماط النشاط المشفر في العبارات، وأنماط المشاركين فيها (وكلمة ~~«المشارك» هنا تشير إلى عناصر العبارات). وقد لقي هذا الجانب، كما قلت في ~~الفصل الأول عاليه، اهتماما بالغا في التحليلات التي أجريت في مبحث ~~اللغويات النقدية (انظر فاولو وآخرين، 1979م؛ كريس وهودج، 1979م؛ كريس، ~~1988م؛ هودج وكريس، 1988م). ويوجد نمطان رئيسيان من هذا النشاط: أنشطة أو ~~عمليات «علائقية»، إذ يحدد الفعل علاقة معينة بين العناصر (يكون، يصبح، ~~ينتمي ... إلخ)؛ وأنشطة أو عمليات «فعلية»؛ حيث نجد فاعلا ومفعولا به يقع ~~عليه فعل الفاعل، وسوف أقول في هذا القسم كلمة أو كلمتين عن «الثيمة»، وهو ~~مصطلح يعني هنا بعدا من الأبعاد النصية لنحو العبارة، ويتعلق بالمواقع ~~التي تشغلها عناصر العبارة وفقا لمدى صدارة أو بروز المعلومات التي يمثلها ~~كل عنصر (أي إذا كان في موقع المبتدأ ذي الصدارة أم لا). # ومن الملامح الواضحة الخاصة بالعمليات القائمة على الفعل في المقتطف ~~الذي أوردناه من كتيب الرعاية السابقة للوضع، أن النص نادرا ما يشير ~~إلى الحوامل باعتبارهن «فواعل» في البناء النحوي. فأما الفواعل في العمليات ~~القائمة على الفعل فهم أفراد المهن الطبية في حالات كثيرة (وبصورة مضمرة ~~أيضا لأن العبارة مبنية للمجهول والفاعل «محذوف»، مثل «سوف توزنين») أو ~~كيانات غير بشرية (مثل «الأحوال الاجتماعية» و«المواد» في الفقرة الثانية ~~بالقسم الذي يحمل عنوان «زيارتك الأولى») وعلى العكس من ذلك نجد أن الحوامل ~~أو سماتهن البدنية كثيرا ما يشار إليهن («أنت»، «طوق قامتك») في حالة ~~المفعول به في العبارات «الفعلية»، ومن الصحيح أيضا أن الضمير «أنتن» ~~(الذي يشير إلى الحوامل) نادرا ما يكون في موقع البداية ذات الأهمية ~~الإعلامية في العبارة، أي في موقع الثيمة (أي المبتدأ) (وانظر ما يلي ذلك ~~أدناه). # و # كتاب الحمل # مختلف في هذه الجوانب، فهو يتضمن عددا كبيرا من ~~العمليات «الفعلية» التي يشغل فيها الضمير «أنت» موقع الفاعل، ويتضمن ~~عدد كبير ms187 من عباراته هذا الضمير في موقع «الثيمة»، أي المبتدأ. وهاك ~~مقتطفا منه: # سوف تريدين على الأرجح أن تطرحي أسئلة كثيرة أنت نفسك، عن الرعاية ~~السابقة للوضع، وعن المستشفى، وعن حالة الحمل لديك. وربما أردت أيضا أن ~~تقولي شيئا ما عما تتمنينه في الحمل وعند الوضع. أخبري القابلة (الداية) ~~أي شيء ترين # أنت # أهميته. اكتبي مقدما ما تريدين أن تسألي عنه أو أن ~~تقوليه. # تبدأ الجملة (الإنجليزية) بالضمير «أنت» التي تعتبر الفاعل للأفعال ~~التالية: «يريد»، «يطرح أسئلة»، «يقول»، وضمنا للأفعال التالية «أخبري» ~~و«اكتبي». وهذا الضمير المنفصل في النص الإنجليزي «أنت» يعتبر أيضا ~~الثيمة (المبتدأ/الفاعل) في خمس عبارات (بما فيها العبارات الثانوية مثل ~~«ما تتمنينه في الحمل عند الوضع»). ولنا أن نقول أيضا إنه الثيمة ~~المضمرة في صيغة أفعال الأمر «أخبري» و«اكتبي». ووجود الضمير «أنت» ~~المطبوع بالبنط الثقيل يؤكد تركيز نص # كتاب الحمل # على ضمير المخاطب، على ~~عكس عدم التركيز على المرأة في # كتاب الطفل ~~. ففي هذا الأخير، نجد عددا ~~كبيرا نسبيا من الجمل المبنية للمجهول، حيث لا يذكر الفاعل صراحة، وأما # الفاعل # المضمر فهو من أفراد المهن الطبية، ونجد إلى جانب ذلك بعض الصيغ ~~النوعية التي تتضمن تنبؤات قاطعة مثل التي أشرت إليها في القسم الأخير ~~(وعبارة «سوف توزنين» تجمع بين هذين المعلمين، أي البناء للمجهول ~~والصيغة النوعية القاطعة)، وهو ما يعني أن الحوامل يخضعن لإجراءات لا تتغير ~~من جانب فواعل مجهولة. وجعل الضمير «أنت» ثيمة (مبتدأ/فاعلا) في # كتاب ~~الحمل ~~، يبين من جديد أن الكتاب يتبنى (ولو كان في هذا بعض اللبس كما ~~قلت في القسم الأخير) منظور النساء الحوامل، في حين أن منظور # كتاب الطفل # منظور العاملين بالمهن الطبية بلا مراء. # ومعلم التعدي الأخير هو درجة التعبير الاسمي، أي بالأسماء أو ~~التراكيب الاسمية، في العينة. ومعنى التعبير الاسمي هو تحويل العمليات ~~(أي الأحداث أو الأفعال) إلى أسماء، وهو ما يؤدي إلى الإحساس بوقوع ~~«العملية» في الخلفية، وعدم الإشارة إلى زمنها أو صيغتها النوعية، وعدم ~~تحديد المشاركين فيها عادة، بحيث يصبح ms188 الفاعل مضمرا مثل ما يفعله ومن ~~يقع عليه فعل الفاعل. واللغة الطبية، وغيرها من الاستعمالات العلمية ~~والتقنية للغة، تفضل التعبير الاسمي، ولكنها قد تكون تجريدية، أو تتضمن ~~التهديد أو التعمية لغير المتخصصين، مثل قراء هذه العينة. و # كتاب ~~الطفل # يزخر بالتعابير الاسمية، ومن الأمثلة في القسم الذي يحمل عنوان ~~«الزيارة الأولى» ما يلي: «استعراض شامل لصحتك»، «متاعب صحية»، «أمراض ~~الكليتين»، «مشكلاتك الصحية السابقة»، «نتيجة الحمل»، «تطور الجنين ~~ونموه». والنسبة العالية للتعابير الاسمية مؤشر آخر على توجه هذا النص ~~إلى الصوت الطبي. # وأناقش الآن القضايا التي أثارها هذا المثال بقدر أكبر من التعميم، ~~فأبدأ بالتعدي، ثم أنتقل إلى البناء للمعلوم والمجهول، والتعبير الاسمي، ~~والثيمة (المبتدأ/الفاعل). # توجد في # الواقع # عمليات ومشاركون فيها - من الأحياء والجماد - وتوجد في # اللغة # عمليات ومشاركون فيها، ولكننا لا نستطيع أن نستنبط من طبيعة إحدى ~~العمليات في الواقع أسلوب الدلالة اللغوية عليها. وعلى العكس من ذلك، من ~~الممكن الدلالة اللغوية على عملية واقعية بطرائق منوعة، وفق المنظور الذي ~~تفسر به، إذ إن اللغة تميز بين عدد ضئيل من أنماط العمليات وما يرتبط بها ~~من أنماط المشاركين فيها، وتتوقف دلالة عملية واقعية على استيعابها في نمط ~~من هذه الأنماط اللغوية. ومن الدوافع الاجتماعية إلى تحليل التعدي هو أن ~~يحاول المرء أن يحدد العوامل الاجتماعية أو الثقافية أو الأيديولوجية أو ~~السياسية أو النظرية التي تتحكم في أسلوب الدلالة على عملية معينة في ~~نمط معين من أنماط الخطاب (وفي أنواع مختلفة من الخطاب) أو في نص ~~بعينه. # والأنماط الرئيسية للعمليات في اللغة الإنجليزية هي عملية «الفعل»، ~~وعملية «الحدث»، والعملية «العلائقية»، والعملية «العقلية»، وقد سبق لي أن ~~أشرت إلى عملية «الفعل» والعملية «العلائقية» عاليه. ونستطيع التمييز بين ~~نمطين من عملية الفعل؛ الأول نمط الفعل «الموجه»، والثاني نمط الفعل ~~«غير الموجه»، أما الأول فهو النمط الذي حددته في # كتاب الطفل ~~، حيث نجد ~~فاعلا يقع فعله على هدف. وهو يتحقق بصورة عامة - ويتضح على سطح النص - ~~في جملة متعدية (فاعل - فعل - مفعول به) مثل ms189 عبارة «أطلقت الشرطة النار على ~~100 متظاهر». وأما الفعل غير الموجه فيتضمن فاعلا وفعلا من دون مفعول ~~به/هدف (مصرح به)، وعادة ما يتحقق في صورة جملة لازمة (غير متعدية) ~~مثل عبارة «كانت الشرطة تطلق النار»، وأما عمليات الحدث فتتضمن حدثا ~~وهدفا، وتتحقق عموما أيضا في صورة عبارات لازمة (غير متعدية)، مثل ~~عبارة «مات 100 متظاهر» ولا تتميز عبارات الفعل عن عبارات الحدث تمييزا ~~حاسما، ولكنها تختلف من حيث الأسئلة التي توجه بصورة طبيعية إليها؛ ~~فالفعل غير الموجه يرتبط ارتباطا طبيعيا بسؤال يتخذ الشكل التالي: «ما ~~الذي فعله «س» (= الفاعل)؟» وترتبط الأحداث بالسؤال التالي «ماذا حدث ل «س» ~~(= الهدف/المفعول به)؟» وأما العمليات العلائقية فتتضمن علاقات الوجود، ~~أو الصيرورة، أو الامتلاك بين الكيانات، مثل عبارة «موت 100 متظاهر». ونرى ~~أخيرا أن العمليات العقلية تتضمن المعرفة (بأفعال مثل «يعرف» و«يعتقد») ~~والإدراك الحسي («يسمع»، «يلاحظ») والعاطفة («يحب»، «يخاف»). وتتحقق ~~عموما باعتبارها عبارات متعدية (مثل «خشي المتظاهرون الشرطة») وتتضمن ما ~~يسميه هاليداي «المستشعر» (أي «المتظاهرون» في هذه الحالة، باعتبارهم ~~الكيان الذي استشعر «الخوف» وهو العملية العقلية/النفسية) وإحدى «الظواهر» ~~(وهي الشرطة في هذه الحال، باعتبارها مصدر ذلك الإحساس بالخوف والمفعول به ~~أو الهدف في العبارة). # وقد يكون لاختيار نمط من أنماط هذه العمليات للدلالة على عملية حقيقية ~~مغزى ثقافي أو سياسي أو أيديولوجي، على نحو ما ذكرت عاليه. ويقدم هاليداي ~~مثالا أدبيا على المغزى الثقافي في دراسة لرواية # الوارثين # لوليم جولدنج ~~(هاليداي، 1971م)، فهو يبين كيف يتوسل المؤلف بعمليات «أحداث» للدلالة ~~على منظور «لوك» (الرجل النياندارتالي) (أي المنتمي إلى العصر الحجري ~~الأول) ومن نتائج ذلك استحالة تمثيل «الفعل الموجه» وعلاقات الفاعل ~~والعلية المرتبطة به، ومن شأن هذا إظهار البدائية الثقافية لشخصية ~~«لوك»، وعجزه عن إدراك معنى الأفعال التي يقوم بها الناس (الإنسان ~~العاقل). # وبعض الأمثلة التوضيحية التي استخدمتها عاليه «أطلقت الشرطة النار على ~~100 متظاهر» و«مات 100 متظاهر» و«موت 100 متظاهر» تدل على إمكان وجود مغزى ~~سياسي وأيديولوجي لاختيار نمط العملية. فنجد على سبيل المثال أن ms190 إحدى ~~القضايا ذات الأهمية الدائمة تتمثل فيما إذا كانت تقارير أجهزة الإعلام ~~عن الأحداث المهمة تصرح بالفاعل، وبالعلية وبالمسئولية أم تتركها ~~غامضة. وتصور الأمثلة الواردة أعلاه فئة معينة من الأحداث التي تبرز فيها ~~هذه القضية باستمرار، وهي قضية العنف والعنف المؤدي إلى الموت. وهكذا ~~يبين «ترو » (1979م) أن التوجه السياسي لإحدى الصحف يحدد اختيار أنماط ~~العمليات الخاصة بالدلالة على حالات الموت أثناء المظاهرات السياسية في ~~جنوب أفريقيا، ومن ثم يحدد إذا ما كانت المسئولية عن هذه الحالات ~~منسوبة إلى فاعل صريح وهوية هذا الفاعل. وعلى غرار ذلك أن الحروب والبطالة ~~والتدهور الصناعي والحوادث الصناعية يشار إليها أحيانا باعتبارها مجرد ~~أحداث تقع وحسب، ويشار إليها في أحيان أخرى باعتبارها أفعالا لها فواعل، ~~وقد تكون هذه البدائل مجالا للصراع السياسي والأيديولوجي. ويصدق هذا نفسه ~~على دلالة العمليات الخاصة بالرعاية السابقة للوضع في المثال السابق، وقضية ~~اعتبار الحوامل فواعل لأفعال معينة أم مجرد أهداف للأفعال. # وليس الشكل النحوي للعبارة دليلا مباشرا على نمط العملية فيها، إذ ~~توجد، على سبيل المثال، حالات يصفها هاليداي ب «الاستعارة النحوية» (1985م، ~~الفصل العاشر)، حيث يتخذ نمط عملية معينة صورة التحقيق النحوي الذي ~~يميز غيرها. وفيما يلي مقتطفات من تقرير نشرته صحيفة ~~«ذا مورننج ستار» ~~(أي نجم الصباح) وهي صحيفة شيوعية بريطانية: «مظاهرات كبيرة تدعم الكفاح في ~~سبيل مرفق الصحة» (عنوان)؛ «تظاهر عمال مرفق الصحة وعقدوا اجتماعات، وقاموا ~~بمسيرات وإضرابات، ووزعوا المنشورات وقدموا التماسات»؛ «هوجم البرلمان ~~بالمئات من أبناء الشمال». هذه فيما يبدو جمل «فعلية» توحي إيحاء قويا ~~بالنشاط الهادف، فالأولى والثالثة جمل «متعدية» (فاعل - فعل - مفعول به)، ~~وهي الصورة المعتادة لتحقيق الفعل الموجه، ولكننا قد نرى أنهما من ~~البدائل الاستعارية لما يلي، مثلا «قامت أعداد كبيرة من الأشخاص بمظاهرات، ~~الأمر الذي ساعد المكافحين في سبيل تقديم الخدمات الصحية»، و«قام المئات من ~~أبناء الشمال بمخاطبة أعضاء البرلمان لاكتساب تأييدهم». وأما الجملة ~~الثانية فتتكون فيما يبدو من عبارات «فعلية» غير موجهة، ولكنها يمكن أن ~~تعتبر استعارية (أي بدائل لعبارة ms191 «شاركوا في مظاهرات»، و«عقدوا اجتماعات» ~~... إلخ) وفي هذه الحالة نجد دافعا واضحا للاستعارة النحوية في الموقف ~~السياسي للصحيفة. # ومن المتغيرات الإضافية في عبارات الفعل الموجه قضية البناء للمعلوم ~~أو للمجهول (كويرك وآخرون، 1972م، 801-811؛ هاليداي، 1985م، الفصل ~~الخامس)، ففي الجملة المبنية للمجهول يصبح المفعول به نائب فاعل، وأما ~~الفاعل فإما يتأخر بحيث يعتبر «فاعلا سلبيا» (في عبارة مثل «من جانب») ~~أو يحذف تماما (وفيما يلي أمثلة للمبني للمجهول من # كتاب الطفل ~~، يذكر فيها ~~الفاعل أو لا يذكر: «والرعاية السابقة للوضع سوف تقدم إما من جانب ~~المستشفى المحلي أو من جانب الطبيب الممارس العام»، وعبارة «سوف يقاس ~~طولك»). والمبني للمعلوم يمثل الخيار «غير المميز»، أي الشكل الذي يقع عليه ~~الاختيار عندما لا تتوافر أسباب محددة لاختيار المبني للمجهول. ولاختيار ~~المبني للمجهول دوافع منوعة، من بينها أن هذه الصيغة تسمح بحذف الفاعل، وإن ~~كان لهذا الحذف نفسه أكثر من دافع، فقد يكون أوضح من أن يذكر، وقد لا تكون ~~له أهمية، وقد يكون مجهولا. وقد يوجد سبب سياسي أو أيديولوجي لاستخدام ~~المبني للمجهول مع حذف الفاعل، وهو تعمية الفاعل ومن ثم تعمية العلية ~~والمسئولية، قارن عبارة «أطلقت الشرطة النار على 100 متظاهر فقتلتهم» ~~بعبارة «قتل 100 متظاهر». وصيغت المبني للمجهول (باللغة الإنجليزية) ~~تحول الهدف/المفعول به إلى ثيمة/مبتدأ في مستهل العبارة، وهو ما يعني ~~عادة تقديمه باعتباره «معروفا» أي شيئا مسلما بوجوده؛ والصيغة ~~(الإنجليزية) نفسها تحول الفاعل، إذ لم يحذف، إلى الموقع البارز في ~~آخر الجملة؛ حيث عادة ما نصادف معلومات جديدة، فعلى سبيل المثال، نجد في ~~عبارة «إن الرعاية السابقة للوضع سوف تقدم من جانب المستشفى المحلي أو من ~~جانب الطبيب الممارس العام» أن «الرعاية السابقة للوضع» شيء مسلم بوجوده ~~- فالمقتطف كله يدور حوله - وأن المعلومات الجديدة تتعلق بمن سوف يقدم ~~هذا الشيء، والفاعل هنا (وهما بديلان في الواقع) يشغل موقع المعلومات ~~الجديدة. ولمعرفة المزيد عن الثيمة/المبتدأ انظر أدناه. # ويشترك التعبير الاسمي مع المبني للمجهول في إمكان حذف الفاعل، وفي ~~ضروب الدوافع ms192 المنوعة من وراء ذلك، وتعمل الصيغتان في الاتجاه نفسه في ~~عبارة «الفحص الطبي الشامل سوف يجري بعدها»؛ وكما ذكرت من قبل نجد أن الجمع ~~بين المبني للمجهول دون ذكر الفاعل مع صيغة النوعية ذات التنبؤ القاطع يدعم ~~صوت الطب العلمي في الكتيب من خلال الإيحاء بأن المرأة تخضع لإجراءات ~~مجهولة الفاعل ولا تتغير قط؛ والعبارة الاسمية («الفحص الطبي الشامل») هنا ~~- من دون تحديد الفاعل - تدعم ذلك الإيحاء، وقد يتضمن التعبير الاسمي ~~أيضا حذف مشاركين آخرين إلى جانب الفواعل؛ فعلى سبيل المثال نجد أن ~~الفاعل والهدف/المفعول به محذوفان من العبارة التالية، «إذ إنها تتطلب ~~سلسلة من الفحوص والاختبارات على امتداد فترة حملك». # فالتعبير الاسمي يحول العمليات والأنشطة إلى حالات وأشياء، ويحول ~~المجسدات إلى مجردات، فعلى سبيل المثال، تختلف الإشارة إلى عمليات ~~مجسدة في الحمل الذي قد لا يتطور تطورا طبيعيا عن الإشارة إلى ~~تحديد «أية ظواهر شاذة قد تكون موجودة»، فهذه تنشئ فئة جديدة من الكيانات ~~المجردة. ويعتبر إنشاء الكيانات الجديدة معلما من معالم التعبير ~~الاسمي الذي يتسم بأهمية ثقافية وأيديولوجية كبرى، خذ مثلا إعلانا عن ~~جراحة التجميل يقول في عنوانه الرئيسي: «جمال المظهر يمكن أن يستمر طول ~~عمرك!» إذ إن عبارة «جمال المظهر» تعبير (مؤول من عمليات علائقية ~~مجسدة مثل «إن مظهرك جميل!») أي إنه يحول صفة موضعية مؤقتة إلى حالة ~~أو خصيصة راسخة، فيصبح لها كيان خاص يمكن الالتفات إليه والتلاعب به ~~ثقافيا بعد ذلك (إذ يمكن مثلا غرسها وتنميتها ورعايتها؛ ويمكن أن يقال ~~إن حسن المظهر يأتي للناس بالحظ الحسن، أو بالسعادة أو بالمتاعب)، ومن ~~ثم يجد المرء أن التعابير الاسمية نفسها تقوم بدور الأهداف بل والفواعل ~~في العمليات. (للمزيد من مناقشة خصائص التعبير الاسمي ارجع إلى كريس وهودج، ~~1979م، الفصل الثاني.) # سبق لي أن أشرت إلى الثيمة عند مناقشة دوافع اختيار العبارات المبنية ~~للمجهول، والمعروف أن الثيمة تعني الجزء الأول من العبارة (المبتدأ أو ما ~~يوازيه) وأن باقي العبارة يشار إليه أحيانا باسم «الريمة» (تعريبا ~~للكلمة الأجنبية، ms193 التي تعني الخبر أو ما يوازيه) (كويرك وآخرون، 1972م، ~~945-955؛ هاليداي، 1985م، الفصل الثالث)، وتحليل العبارات بهذه الطريقة ~~يعني النظر إلى وظائفها وكيف تبنى «المعلومات» بمفهومها العام، فالثيمة ~~تمثل نقطة انطلاق منتج النص في عبارة من العبارات، وعادة ما تتفق مع ما ~~يعتبر معلومات «مسلم بها» (وهو ما لا يعني أنها كذلك فعلا)، أي إنها ~~معلومات معروفة سلفا أو ثابتة من وجهة نظر منتجي النص ومفسريه. # ويمكن للنظر فيما يختار عادة ليكون ثيمة في أنماط مختلفة من النصوص ~~أن يساعدنا على إدراك الافتراضات القائمة على المنطق السليم بشأن النظام ~~الاجتماعي والاستراتيجيات البلاغية، فلننظر أولا في الافتراضات القائمة ~~على المنطق السليم؛ إن الاختيار «غير المميز» لثيمة معينة في عبارة خبرية ~~(مقولة) يمثل مبتدأ/فاعل العبارة؛ وهذا هو الاختيار الذي يراه الكاتب ما ~~لم يكن لديه سبب خاص لاختيار سواه. فلدينا في القسم الفرعي الذي يحمل عنوان ~~«الفحص» مثلا في المقتطف الذي أوردناه من # كتاب الطفل # عدة ثيمات متتابعة ~~(أي «بناء ثيمي») في العبارات الرئيسية في الجمل المذكورة، وهو الذي يكشف ~~عن النهج الذي يعمل عليه أفراد المهن الطبية («طولك»، «فحص جسدي كامل»، ~~«فحص المهبل»، «لطخة مهبلية») ويشير إلى الافتراضات القائمة على المنطق ~~السليم الخاصة بخطوات الفحص. والعبارة الأولى في الفقرة الثانية، وثيمتها ~~«الغرض من هذا»، تختلف بعض الشيء وتبين جانبا آخر من جوانب ثيمة محتملة؛ ~~أي وجود أبنية نحوية تسمح بوضع عناصر محددة في موقع الثيمة، والشرح نفسه ~~هو الذي يصبح الثيمة في هذا الحالة. # وكثيرا ما تكون الاختيارات المميزة للثيمة طريفة فيما تكشف عنه، لا ~~بشأن الافتراضات القائمة على المنطق السليم فقط ولكن أيضا بشأن ~~الاستراتيجيات البلاغية. فالجملة الثانية من المقتطف السابق من كتاب الطفل ~~تبدأ بعبارة تقول «ومن المحتوم، إذن، أن تتطلب ...» تعتبر مثالا على هذا، ~~فكلمتا «المحتوم» و«إذن» من الكلمات الرابطة (كويرك وآخرون 1972م، ~~420-506)، وتؤدي وظيفتها باعتبارها ثيمات مميزة. وتحويل بعض العناصر إلى ~~ثيمات مميزة من أساليب تصديرها أي وضعها في موقع الصدارة، وهو هنا عقلانية ~~الرعاية السابقة ms194 للوضع؛ وهذا، كما بينت في القسم الأخير، من شواغل منتجي ~~النص، وهو يضفي المعنى على التماسك في المقتطف. ولدينا حالة تختلف اختلافا ~~طفيفا، وهي الجملة الثانية من القسم الفرعي الذي يحمل عنوان «الزيارة ~~الأولى»، فالثيمة هنا «في بعض الأحيان»، وتصديرها يوضح الانشغال الرئيسي ~~في الرعاية السابقة للوضع باستباق المخاوف وتبديدها، وكثيرا ما يوحي ذلك ~~بنبرة تعال معينة. # وتلخيصا لما سبق أقول: إنه من المفيد دائما الاهتمام بما يبدأ الكاتب ~~به عباراته وجمله، لأن من شأن ذلك أن يبصرنا بالافتراضات والاستراتيجيات ~~التي يصعب التصريح بها في أي موقع. # وأختتم هذا القسم بتحليل لعينة قصيرة تبين كيف يتفاعل اختيار أنماط ~~العمليات، والتعبير الاسمي، والثيمات في النصوص. والمثال التالي مقتطف من ~~إعلان عن ندوة حول الطاقة النووية في بريطانيا: ~~(6) هل نستطيع فعلا تلبية احتياجاتنا من الطاقة دون اللجوء إلى الطاقة ~~النووية؟ # تضاعف استهلاك الطاقة على مستوى العالم كله نحو عشرين ضعفا منذ ~~عام 1850م. وأمامنا رأي يقول إن الطلب على الطاقة في البلدان ~~الصناعية قد يتضاعف ثلاثة أضعاف في الأعوام الثلاثين المقبلة. ~~(صحيفة # الجارديان ~~، 14 أغسطس 1990م) # من الممكن اعتبار الجملة الأولى (العنوان) استعارة نحوية؛ فهي متعدية، ~~وتبدو في صورة عبارة فعل موجه (فالضمير المستتر «نحن» هو الفاعل، ~~و«احتياجاتنا من الطاقة» هدف)، ولكنها يمكن أن تعتبر إعادة صياغة استعارية ~~لجملة مثل «هل نستطيع فعلا إنتاج المقدار الذي نريد استخدامه من الطاقة من ~~دون اللجوء إلى الطاقة النووية؟» أي إن الصيغة الاستعارية تتضمن تعبيرا ~~اسميا («احتياجاتنا من الطاقة») بصفته هدفا، وهو يعامل باعتباره مقولة ~~يمكننا صوغها صياغة مختلفة (كالقول «بأننا سوف نواصل طلب المزيد من ~~الطاقة») أي باعتبارها كيانا سبق افتراضه. وإذا كانت هذه المقولة تقبل ~~المناقشة، فالافتراض المسبق لا يقبل ذلك. وفي الجملتين التاليتين أمور ~~مماثلة، غير أن الكيانين المفترضين سلفا هنا في موقع الثيمة أيضا ~~(«استهلاك الطاقة على مستوى العالم كله»، و«الطلب على الطاقة في البلدان ~~الصناعية»، والجملة الاسمية الأخيرة هي ثيمة العبارة الثانوية التي يسبقها ~~الحرف «إن») وهو ما يدعم موقعهما ms195 باعتبارهما «معلومات مسلما بها»، أو ~~معلومات يمكن اعتبارها كذلك. وهكذا فإن الاستعارة النحوية القائمة في ~~التعبير الاسمي تتآمر مع الثيمة، إن صح هذا التعبير، على الزج بقضية ~~معينة في الخلفية، وهي إن كنا في الواقع نحتاج إلى هذا الكم الكبير من ~~الطاقة. ~~(7) معاني الألفاظ # يواجه المرء، سواء كان منتجا أو مفسرا للنصوص اللغوية، وفي ~~جميع الحالات، ما يسميه ريموند ويليامز «عناقيد» ألفاظ ومعان (ويليامز، ~~1976م، 19) لا ألفاظا أو معاني مفردة، وإن كان من المفيد أحيانا أن ~~يركز المرء على كلمة مفردة لأغراض التحليل، على نحو ما أفعل أدناه. ~~وتتميز العلاقة بين الألفاظ والمعاني بأنها ليست علاقة المفرد بالمفرد بل ~~علاقة المفرد بالجمع والجمع بالمفرد، فاللفظ المفرد له في العادة معان ~~متعددة، وكل معنى يصاغ عادة صياغات متنوعة (وإن يكن القول بهذا ~~مضلل إلى حد ما؛ لأن اختلاف الصياغة يؤدي إلى اختلاف المعنى: وانظر ~~القسم التالي)، ويعني هذا أننا حين ننتج نصا ما نواجه دائما مشكلة ~~خيارات تتعلق بكيفية استخدام لفظ ما وكيفية صوغ أحد المعاني، وحين ~~نفسر نصا ما نواجه دائما قرارات تتعلق بكيفية تفسير الخيارات التي ~~انتهى إليها منتجو النص (أي البت في القيم التي نمنحها لها). وليست هذه ~~الخيارات والقرارات ذات طبيعة فردية محضة: إذ إن معاني الألفاظ وصياغة ~~المعاني من المسائل الخاضعة للتغير الاجتماعي والمنازعات الاجتماعية، وهي ~~ظواهر لعمليات اجتماعية وثقافية أوسع نطاقا. # سوف أبدأ بالتركيز هنا على معاني الألفاظ لا على صياغة المعاني، ثم ~~تنعكس الآية في القسمين التاليين، فلقد سبق أن أشار ويليامز إلى وجود ~~«كلمات أساسية» معينة، تتميز ببروزها ثقافيا وتستحق التركيز عليها في ~~البحث الاجتماعي، وسوف أناقش مثالا شائعا هو كلمة «المبادرة الفردية»، ~~وسوف أستخدم «المعنى الكامن» في المصطلح للدلالة على نطاق المعاني المرتبطة ~~تقليديا بالكلمة، وهي التي يحاول المعجم تمثيلها. فالمعاجم تنظم مداخل ~~الكلمات بطرائق تدل ضمنا على النظرة التالية للمعنى الكامن: (1) إن ~~المعنى الكامن ثابت؛ و(2) إن المعنى الكامن عام شائع، بمعنى أنه مشترك بين ~~جميع أفراد جماعة لغوية معينة؛ و(3) ms196 إن المعاني القائمة في داخل المعنى ~~الكامن لأحد الألفاظ معان منفصلة، بمعنى أنها يمكن تمييزها بوضوح عن ~~بعضها البعض، و(4) إن المعاني القائمة داخل المعنى الكامن لكلمة معينة ~~تتصف بعلاقة تكاملية تقول: «إما هذا المعنى أو ذاك»، أي إنها معان لا ~~تجتمع معا. # وإذا كانت الخصائص الأربع المذكورة تحقق نجاحا لا بأس به في بعض ~~الحالات، فإنها يمكن أن تكون مضللة إلى حد بعيد في حالات أخرى، خصوصا ~~عند اشتباك الألفاظ والمعاني في عمليات تنازع وتغيير اجتماعي أو ثقافي، ففي ~~أمثال هذه الحالات قد تتغير العلاقة بين اللفظ والمعنى بسرعة، إلى الحد ~~الذي يؤدي إلى زعزعة ثبات المعاني الكامنة، وقد يؤدي هذا إلى الصراع بين ~~المعاني والمعاني الكامنة التي تتضارب نسبتها إلى ألفاظ معينة (ويقول ~~بيشوه، فيما اقتطفناه من كلامه عاليه: إن الاختلاف الدلالي مظهر من مظاهر ~~الصراع الأيديولوجي وعامل من عوامله). أضف إلى هذا أن تغير المعنى ~~والتنازع حوله يؤديان إلى بعض التغييرات في قوة الحدود القائمة بين المعاني ~~الموجودة داخل المعنى الكامن لكلمة ما ووضوحها، بل إن التنازع قد يدور حول ~~أمثال هذه الحدود. وقد يدور أيضا حول طبيعة العلاقة بين المعاني الموجودة ~~داخل المعنى الكامن لأحد الألفاظ، أي حول ما إذا كانت العلاقة تكاملية في ~~الواقع أو مراتبية، فإن كانت مراتبية فإنها تدور حول علاقات محددة بين ~~المعاني تدل على هيمنة البعض، وعلى أن البعض الآخر يشغل مكانة ثانوية، ~~ولسوف أضرب أمثلة توضح بعض هذه الإمكانيات فيما يلي. # أما الأدلة على هذه النماذج البديلة للمعنى الكامن فمصدرها النصوص، ~~والنموذج المعجمي يتفق مع النصوص التي تنتج وتفسر من خلال التوجه ~~المعياري إلى المعنى الكامن، إذ يعامله هذا التوجه بصفته شفرة يتبعها أو ~~يختار ما يختاره من داخلها. وقد نجد أمثلة صالحة في البحوث أو المقالات ~~التي يكتبها التلاميذ أو الطلاب في العلوم الطبيعية. وأما النموذج الذي ~~أطرحه فيجد المساندة في النصوص ذوات التوجه الإبداعي للمعنى الكامن، إذ ~~تعامله باعتباره موردا متغيرا ويمكن استغلاله كالمثال الذي أسوقه ~~أدناه، فالنصوص ms197 الإبداعية تتميز بحالات غموض والتباس في المعنى، وبالتلاعب ~~البلاغي بإمكانيات المعنى الكامنة للألفاظ. والنصوص الإبداعية تستخدم ~~بالضرورة إمكانات المعنى الكامنة موردا لها، ولكنها تسهم في تفكيكها ~~وإعادة هيكلتها، بما في ذلك إعادة ترسيم الحدود والعلاقات ما بين ~~المعاني. # أبدأ الآن فحص كيفية استعمال كلمة «المبادرة» (الفردية) في خطب اللورد ~~ينج، وزير التجارة والصناعة في حكومة السيدة ثاتشر (1985م-1988م)، وأحد ~~الشخصيات البارزة في تصوير تلك الحكومة ل «ثقافة المبادرة» (الفردية) (انظر ~~فيركلف، 1990م، أ، حيث تفاصيل الخطب والمزيد من التحليل). ولقد سبق لي من ~~قبل أن أشرت إلى هذا المثال في الفصل الرابع إيضاحا للتحولات التناصية؛ ~~ولكنني أفحصه هنا خصوصا باعتباره مثالا لمعالم معنى الألفاظ، وهو مثال ~~يوضح كيف يمكن استثمار معنى كامن أيديولوجيا وسياسيا في غضون التكوين ~~الخطابي لمفهوم ثقافي أساسي. # وتتعلق الملاحظات التالية بلفظ «المبادرة» (الفردية) باعتباره «اسم ~~جنس»، أو اسما لا جمع له من لفظه (ك «الإنسان» بالعربية) أي باعتباره ~~نوعا من الأسماء التي لا توجد إلا بصيغة المفرد، ولا تسبقها بالإنجليزية ~~أداة تنكير (كويرك وآخرون، 1972م، 130)، ولكن «المبادرة» (الفردية) يمكن أن ~~تستخدم اسما مفردا وله جمع («مبادرة» (فردية) و«مبادرات» (فردية) مثلا). ~~ووفقا لمعجم أوكسفورد الكبير للغة الإنجليزية، نجد أن هذا اللفظ باعتباره ~~اسم جنس له ثلاثة معان أصفها بأنها تختص به من زاوية «النشاط»، و«النوع»، ~~و«التجارة»، وهي: ~~(1) # النشاط: ~~«الإقدام على أعمال جسورة أو شاقة أو هائلة.» ~~(2) # النوع: ~~«الميل أو الاستعداد إلى الاشتغال بأعمال تتميز بالصعوبة أو ~~المخاطرة أو الخطر؛ جرأة الروح أو الهمة العالية.» ~~(3) # التجارة: # هذا هو المعنى الذي تكتسبه «المبادرة» عندما توصف بأنها خاصة ~~أو حرة، أي باعتبارها مشروعا تجاريا خاصا. # وأنا أشير إلى هذه المعاني الثلاثة مجتمعة باعتبارها معنى «المبادرة» ~~(الفردية)، ولكن المعنى الخاص بالنوع يتضمن تضادا بين الصفات ~~المتعلقة بالنشاط التجاري تحديدا (مثل القدرة على استغلال فرصة سانحة في ~~السوق)، وبين الصفات الشخصية الأعم (مثل الاستعداد لخوض المخاطر). # وتستخدم كلمة «المبادرة» (الفردية) في خطب الوزير ينج بمعناها التجاري، ~~ولكن من دون أن توصف بأنها ms198 «خاصة» أو «حرة»، وهو ما يزيد من الالتباس في ~~معنى الكلمة؛ فمن ناحية المبدأ نجد أن أي استعمال للكلمة يسمح بتفسيرها بأي ~~معنى من هذه المعاني الثلاثة أو بمعنى يجمع بين أكثر من معنى منها. ومع ~~ذلك، وعلى الرغم من أن معظم استعمالات «المبادرة» (الفردية) ذوات معان ~~ملتبسة وتفيد الجمع بين المعاني الثلاثة ، فإن السياق يقلل من إمكان هذا ~~الالتباس، بما في ذلك السياق اللغوي المباشر الذي تقع فيه الكلمة إلى حد ~~ما. وللسياق اللغوي نوعان من التأثير؛ النوع الأول استبعاد معنى واحد أو ~~أكثر، والنوع الثاني الإبراز النسبي لأحد المعاني من دون استبعاد المعنيين ~~الآخرين، وسوف ترد الأمثلة على ذلك أدناه. # ويشكل المعنى الكامن للفظ «المبادرة» (الفردية) وإمكان التباس معناه ~~«موردا» يستغله الوزير ينج في خطبه استغلالا استراتيجيا. فاختلاف الخطب ~~يؤكد المعاني المختلفة لا بتشجيع معنى دون سواه، بل بتشكيل تجمعات ~~معينة من المعاني، ومراتب معينة للعلاقات البارزة من بين معاني ~~«المبادرة» (الفردية)، وهي التي يمكن أن تعتبر مناسبة لأهداف استراتيجية ~~أوسع نطاقا، وخصوصا الإسهام في إعادة تقدير قطاع الأعمال الخاص الذي فقد ~~بعض الثقة فيه بإقامة رابطة بين المشروعات التجارية الخاصة وبين الصفات ~~التي تتمتع بقيمة ثقافية عالية لعلو الهمة، ويعتبر هذا مثالا للتداخل ~~الخطابي الاستراتيجي، بسبب تأكيد عناصر مختلفة من المعنى الكامن للكلمة في ~~الأنماط المختلفة للخطاب. # وفيما يلي مثال من خطاب ألقاه الوزير ينج في مارس 1985م، إذ قال: «مهمة ~~الحكومة إيجاد الجو الذي يمكن للمبادرة (الفردية) تحقيق الرخاء فيه»، وتقع ~~هذه الجملة مباشرة بعد فقرة تشير إلى المشروعات التجارية الخاصة، ومن ثم ~~فهي تبرز المعنى التجاري من دون إقصاء المعاني الأخرى، أي إن المرء يمكن أن ~~يستعيض عن لفظ «المبادرة» (الفردية) بأحد التعبيرات الثلاثة (المشتركة في ~~معنى اللفظ) وهي «المشروعات التجارية الخاصة»، و«أنشطة المبادرات» ~~و«الأفراد ذوو الهمم العالية»، من دون إحداث تناقض دلالي في السياق اللغوي ~~للجملة. وفي حالات أخرى في الخطاب نفسه تنشأ علاقات الإبراز من خلال جوانب ~~أخرى للسياق اللغوي، كأن يكون ذلك ms199 مثلا من خلال الربط بين «المبادرة» ~~(الفردية)، وبين تعبيرات أخرى مثل «المشروعات التجارية الخاصة ومهمة خلق ~~الثروة»، فهذه عبارة تؤكد المعنى التجاري، وأما عبارة «المبادرة الفردية ~~والهمة العالية» فهي تؤكد المعنى الخاص بالنوع، وإن كان السياق اللغوي ~~السابق يضعها في طرف السلم الخاص ب «الصفات التجارية». # ويركز خطاب ثان ألقي في يوليو 1985م على منشئي الأعمال التجارية ~~(والمقاولات) وهو التركيز الذي يتجلى في أسلوب إقامة مراتب هرمية للفظة ~~المبادرة (الفردية)، يزداد فيه إبراز المعنى الخاص بالنوع. ويتميز هذا ~~الإبراز النسبي بنائيا في بعض الحالات من خلال الربط بين «المبادرة» ~~(الفردية) وبعض التعبيرات التي تعزل المعنى الخاص بالنوع عن سواه، مثل ما ~~يلي «فيه إضرار بالمبادرة (الفردية)، والهمم الغريزية العالية للأفراد»، ~~و«تشجيع المبادرة (الفردية) وتشجيع الأفراد من ذوي الهمة العالية». ولكن ~~أشد الجوانب بروزا هو الطرف الخاص بالصفات التجارية في سلم هذه ~~المراتب، وهكذا نجد أن بناء معاني المبادرة (الفردية) يهيمن عليه المعنى ~~التجاري، مثلما يحدث في الخطاب الأول. # وألقي خطاب ثالث في نوفمبر 1987م، ويشد الانتباه هنا عدد الحالات التي ~~يقلل فيها السياق اللغوي من التباس المعنى، ويفرض المعنى الخاص بالنوع، ~~كما نرى فيما يلي: «أدى إلى رفع مهارات الأفراد وشحذ هممهم»، «أن نعترف ~~بالطابع المهني والهمة العالية للمديرين»، «أن نستفيد من مواهب الأفراد ~~وهممهم». ففي كل حالة يفرض الوزير المعنى الخاص بالنوع من خلال التنسيق ~~بين المبادرة (الفردية) وأحد الأسماء التي تدل على الصفات الشخصية، ~~واستخدام أشباه جمل (بالإنجليزية) (مثل ل «الأفراد» (والمضاف إليه بالعربية ~~لا يحتاج إلى حرف جر) وغيرها) وهي التي تنسب «المبادرة» (الفردية) ~~باعتبارها صفة، بطبيعة الحال، إلى (فئات معينة من) الأشخاص. أضف إلى ذلك ~~أن الصفات المشار إليها أقرب إلى الطرف الشخصي على سلم المراتب مما نجده ~~في الخطابين السابقين. ومع ذلك فإن هذا مجرد اختلاف في الإبراز، إذ تظل ~~نسبة كبيرة من الحالات متسمة بالالتباس والتردد بين المعاني الثلاثة، ~~بل إن السياق اللغوي في بعض الحالات لا يزال يؤكد المعنى التجاري (مثل: ~~«لقد تغير ms200 المناخ كله فيما يتعلق بخلق الثروة والمشروعات التجارية ~~الفردية»). # ونستطيع أن نرصد في الخطب حركة داخلية في اتجاه إعادة هيكلة المعنى ~~الكامن ل «المبادرة» (الفردية) نحو رفع مكانة المعنى الخاص بالنوع وبالصفات ~~الشخصية العامة في طرف سلم المراتب الخاصة بالنوع. وهذه الحركة تمثل ~~في ذاتها جانبا من جوانب تطور استراتيجية «المبادرة» (الفردية) لحكومة ~~المحافظين على امتداد السنوات العشر الأولى من حكومة السيدة ثاتشر. ففي ~~الجزء الأول من هذه الفترة، كان الافتراض القائم يقول بإمكان خلق ثقافة ~~«المبادرة» (الفردية) من خلال الإجراءات الاقتصادية إلى حد كبير (مثل ~~تخفيض مكانة السلطات المحلية في مجال الإسكان والتعليم العالي)، ولكن ~~الوزراء بدءوا في نحو منتصف الثمانينيات يقولون: إن المطلوب مجموعة من ~~التغييرات في «الثقافة وعلم النفس» (وهي عبارة نايجيل لوصون)، ومن ثم ~~فقد بدءوا يضعون - من خلال مبادرات وزارة التجارة والصناعة، على سبيل ~~المثال، ومن خلال عناصر «المبادرات» (الفردية) في التعليم والتدريب - نماذج ~~لنشاط المبادرة (الفردية) والهمم العالية في النفوس، بحيث ترتبط ارتباطا ~~جوهريا بالتجارة ولكنها تؤكد مجموعات من صفات المبادرات (الفردية) ~~والهمم العالية (انظر موريس، 1990م، حيث يورد تحليلات تفصيلية لهذه ~~التغيرات). ويتجلى استمرار تغيير التأكيد المذكور داخل التوجه التجاري ~~أيضا في الخلط غير المتجانس بين معاني المبادرة (الفردية) الذي أشرت إليه ~~في الخطاب الثالث عاليه. # ويوجد تماثل بين قيام الوزير ينج بإعادة الهيكلة الاستراتيجية للمعنى ~~الكامن «للمبادرة» (الفردية) وإعادة هيكلة نظم الخطاب التي ناقشتها في ~~الفصل الثالث عاليه من حيث نموذج الهيمنة. فالواقع أننا نستطيع فعلا تفسير ~~النجاح في الظفر بقبول معان محددة للألفاظ، ولهيكلة معينة لمعناها ~~الكامن، باعتباره نجاحا في تحقيق الهيمنة. ومن ثم فلنا أن نطلق على ~~النموذج الذي وصفته في بداية هذا القسم «نموذج هيمنة» على معاني الألفاظ، ~~وهو نموذج صالح للتطبيق لا على الخطب السياسية فقط، بل أيضا في البحث في ~~معاني الألفاظ في التعليم والإعلان، وهلم جرا. ~~(8) الصياغة # أنتقل في هذا القسم إلى الجانب الثاني من طبيعة العلاقة بين اللفظ ~~والمعنى القائمة على المقابلة بين الجمع والمفرد؛ ms201 أي تعدد أساليب صوغ ~~المعنى في ألفاظ (بالنسبة للصياغة انظر ماي، 1985م، 166-168، وعن وضع ~~المعنى في ألفاظ انظر هاليداي، 1978م، 164-182). وقد سبق لي أن ذكرت أن ~~منظور المفردات الذي يركز على الصياغة يتناقض مع النظرة القائمة على ~~المعاجم إلى المفردات. فالمعاجم تمثل جزءا من جهاز توحيد وتقنين اللغات ~~(ليث، 1983م) وهي ملتزمة دائما، إلى حد ما، بنظرية توحيدية للغة مجتمع ~~من المجتمعات، ومفردات المعاجم مفردات معيارية بصورة مضمرة، إن لم تكن ~~أيضا صريحة، ما دامت تعمد إلى تقديم الصياغات ومعاني الألفاظ السائدة ~~باعتبارها الصياغات والمعاني الوحيدة. # ولكن القول ب «تعدد أساليب صوغ المعنى في ألفاظ» مضلل، إذ يوحي ~~بوجود المعاني سلفا قبل صوغها في ألفاظ بطرائق منوعة وبأن المعاني ثابتة ~~مهما تنوعت الصياغة. وهكذا فمن الأفضل أن نقول بوجود طرائق بديلة في جميع ~~الأحوال ل «الدلالة» (كريستيفا، 1986م، ب) - أي لإضفاء المعنى - على مجالات ~~معينة من الخبرة (البشرية) وهو ما يسمح ب «التفسير» بأسلوب معين، ومن ~~منظور محدد، نظريا كان أو ثقافيا أو أيديولوجيا. فالمنظورات ~~المختلفة لمجالات الخبرة تستتبع طرائق مختلفة لصوغها في ألفاظ؛ وهذه هي ~~الزاوية التي ينبغي لنا أن ننظر منها إلى الصياغات البديلة، مثل التعبير عن ~~قدوم المهاجرين (إلى بريطانيا) بلفظ مثل «التدفق» أو «الفيضان» لا ~~باعتباره «نشدانا» لحياة جديدة، وإذن فإن المرء حين يغير الصياغة ~~يغير المعنى في الحقيقة (ولكن أرجو ألا ينسى القارئ تحفظاتي السابقة ~~على المبالغة في التعبير عن العملية الإيجابية للدلالة على الواقع أو تكوين ~~هذا الواقع بطريقة تتجاهل وجود هذا الواقع سلفا وقدرته على المقاومة، ~~باعتباره مجالا سبق تكوينه من «الأشياء» المشار إليها في الخطاب). # والصياغات الجديدة تولد «أبنية لفظية» جديدة (هاليداي، 1966م) وهذا ~~مصطلح تقني يفضل البعض استخدامه أحيانا على استخدام «الألفاظ»؛ لأن ~~الألفاظ تستخدم في أغراض كثيرة مختلفة في حين أن «الأبنية اللفظية» تشير ~~بوضوح قاطع إلى التعبيرات التي اكتسبت درجة من درجات الثبات والاستقرار. ~~ومن أنماط الصياغة التي تكشف عن هذه العملية بوضوح وجلاء نمط الصياغة الذي ms202 ~~يتضمن التعابير الاسمية. فعلى سبيل المثال نجد أن صياغة الجملة الأولى ~~أدناه تكتسب صلابة وثباتا من خلال البناء اللفظي الجديد وهو «رفع مستوى ~~الوعي» في الجملة الثانية: ~~(1) # عقدوا اجتماعات لتشجيع الناس على أن يزدادوا وعيا ~~بحياتهم. ~~(2) # عقدوا جلسات لرفع مستوى الوعي. # ويؤدي خلق الأبنية اللفظية إلى نقل بعض المنظورات الخاصة بمجالات ~~معينة للخبرة إلى نطاقات معرفية أوسع، قد تكون نظرية أو علمية أو ثقافية ~~أو أيديولوجية، وهي تولد في حالات مثل هذه الحالة فئات ثقافية جديدة ~~مهمة، وربما كانت آثارها ضيقة النطاق، إذ يتضمن إعلان عن إحدى عيادات ~~جراحات التجميل عددا من الأبنية اللفظية (مثل «إزالة جيوب العيون»، ~~و«تهذيب الأنف»، و«بسط الغضون»، و«تصحيح الآذان الخفاشية») وهي أبنية ذوات ~~دلالة أيديولوجية، بمعنى أنها تمنح جراحات التجميل مفردات «علمية»، والظهور ~~على الأقل بمظهر العمل في مجال معقد؛ ومن ثم فإنها تزعم ضمنا أنها ~~تتمتع بالمكانة الرفيعة للعلاج القائم على العلم. # ويمكننا الإفادة من النظر إلى تعدد الصياغات المتاحة باعتباره جانبا ~~من جوانب التناص. إذ إن صياغة مجال من مجالات الخبرة توازي، على مستوى ~~المفردات، تكوين تشكيل معين من العناصر التناصية في إنتاج نص من النصوص. ~~والاختلافات في المفردات بين # كتاب الطفل # وبين # كتاب الحمل # أمثلة توضح معنى ~~هذا، مثل إشارة كل منهما للغرض من أخذ «اللطخ المهبلية»، فالأول يقول إن ~~الغرض «استبعاد وجود أي تغيير سابق على السرطان» ~~(كتاب الطفل) ~~، والثاني ~~يقول إن الغرض «اكتشاف التغييرات المبكرة في عنق الرحم، مما يمكن أن ~~يؤدي في وقت لاحق إلى الإصابة بالسرطان» ~~(كتاب الحمل) ~~. فتعبيرا «استبعاد» ~~و«سابق على السرطان»، بالطريقة التي يستعملان بها هنا، ينتميان إلى الخطاب ~~الطبي، في حين أن «التغييرات ... «التي» يمكن أن تؤدي في وقت لاحق إلى ~~الإصابة بالسرطان» تنتمي إلى خطاب عالم الحياة (أي خطاب المحادثة) (وتعبير ~~«السابق على السرطان» ترجمة «حرة» للبناء اللفظي الإنجليزي «قبل سرطاني»). ~~وتعتبر هذه الاختلافات في المفردات جانبا من جوانب الاختلاف في التناص في ~~الكتيبين، ولنا أن نطبق تعليقات مماثلة على التقارير الإخبارية. ونحن ~~نجد ms203 مثالا لذلك في العينة الأولى الواردة في الفصل الرابع أدناه حيث ~~تستخدم صحيفة ~~«ذا صن» # كلمات دارجة على الألسن في الإشارة إلى تجار ~~المخدرات، كأنما تترجم المصطلح الفصيح إلى لغة العامة، ولنا أن نعتبر ذلك ~~بعدا من أبعاد التشكيل التناصي الذي يرتكز على محاكاة الصحيفة ل «لغة ~~الحياة العادية». # ولننظر في مثال آخر مقتطف من مقال عنوانه «التوتر ورجل الأعمال: ~~سيطر على التوتر من أجل صحتك» (لوكر وجريجسون، 1989م)، وهو مقال يرجع ~~أصداء مذهب الإدارة الجديد الذي يقول: إن مفتاح النجاح في الأعمال التجارية ~~المعاصرة يكمن في جودة القوى العاملة والتزامها (أي الأشخاص باعتبارهم ~~«موارد بشرية» إذا استعرنا ألفاظ المقال نفسها). ~~(9) الاستثمار في إدارة التوتر # إدارة التوتر (أي السيطرة عليه) تيسر استخدام المهارات الشخصية ~~الذي يؤدي بدوره إلى تحسين الأداء والتشغيل الفعال والإدارة الناجحة لأية ~~منظمة، واستثمار مبلغ صغير في إعداد دورات وبرامج لإدارة التوتر كفيل بأن ~~يؤثر تأثيرا كبيرا في مستوى أرباح المنظمة. لا شك في أن أعظم أرصدة ~~المنظمة يتمثل في موظفيها، وصحتهم وأداؤهم هو ما نراه في كشوف الحساب في ~~آخر المطاف. من يتحكم في التوتر، بالصحة والنجاح يظفر. # من الجوانب البارزة للتشكيل التناصي هنا مزج نوعين (من أنواع ~~الكتابة): نوع المقال العلمي ونوع الإعلان (ويمثل الأخير السجع في ~~«الشعار» الختامي)، ولكن قضيتي الرئيسية هي التشكيلة من أنماط الخطاب في ~~النص. فلدينا أولا خطاب المحاسبة، وهو الذي يستمد النص منه الإشارة إلى ~~الموظفين باعتبارهم «أرصدة» و«موارد». ولدينا ثانيا التوسع في خطاب ~~إدارة المنظمات؛ بحيث يشمل مجال «النفس» الذي يتجلى في تعبير «إدارة ~~التوتر». ولدينا ثالثا خطاب إدارة الأفراد، الذي يضم هو أيضا تطبيقا ~~لخطاب تكنولوجيا الآلات على الأشخاص (إذ يحدد قيم الأفراد من حيث ~~أداؤهم)، ويتوسع في مفهوم المهارات، إذ يجعله يتجاوز استعمالها التقليدي ~~في الإشارة إلى قدرات العمل اليدوي حتى يشمل القدرات غير اليدوية، وإن كانت ~~قدرات خاصة بصورة تقليدية («مهارات شخصية»). # ويمثل هذا المقتطف تحولا مهما يجري الآن في أماكن العمل، وهو ~~تحول يرتبط بالتغير ms204 التكنولوجي وأساليب الإدارة الجديدة، إذ إن الخصائص ~~«الشخصية» للموظفين، التي كانت تعتبر فيما مضى أمورا خاصة تقع خارج ~~النطاق المشروع لتدخل أصحاب العمل، يعاد تعريفها اليوم باعتبارها مما يقع ~~داخل نطاق التدخل المذكور. وهكذا أصبحت مشكلات توتر العاملين من ~~القضايا التي يهتم بالنظر فيها - بصورة مشروعة - المسئولون عن شئون ~~الأفراد. وتدل المقتطفات من هذا النوع على المحاولات التي تبذل لتوليد خطاب ~~جديد خاص بمكان العمل وتتجلى فيه القضايا المذكورة، بحيث يستفيد من شتى ~~أنماط الخطاب التي تنتمي تقليديا إلى مكان العمل (مثل المحاسبة، وإدارة ~~المنظمات، وتكنولوجيا الآلات، وإدارة الأفراد). ويتجلى تشكيل أنماط ~~الخطاب المذكورة في مفردات الحديث عن الموظفين وقدراتهم ومشكلاتهم ~~(الصحية). # ومن المفيد مقارنة صياغة مجالات معينة من منظورات خاصة من حيث ~~الكثافة النسبية، أي من حيث عدد الصياغات المختلفة (بما في ذلك الأبنية ~~اللفظية) التي ولدتها هذه المجالات، والتي يعتبر عدد كبير منها أشباه ~~مترادفات، وقد نشر هاليداي بحثا مهما (عام 1978م) يستخدم فيه مصطلح ~~«التكدس اللفظي» في الإشارة إلى كثافة الصياغة في مجال من المجالات، وسوف ~~أستخدم أنا مصطلح «التكدس الصياغي»، ويعتبر التكدس الصياغي مؤشرا ~~على «الانشغال الشديد»، كما يدل على وجود «خصائص أيديولوجية» معينة في ~~المجموعة المسئولة عنها (فاولر وآخرون، 1979م، 210)، ومن الأمثلة عليه ~~صياغة القدرات اللغوية في تقرير كنجمان عام 1988م عن تعليم اللغة ~~الإنجليزية في المدارس البريطانية (وزارة التعليم والعلوم 1988م). فمن بين ~~الصياغات نجد «المقدرة»، و«الفعالية»، و«الإجادة»، و«السهولة»، و«الخبرة»، ~~و«المهارة»، ويبدو أن هذا التكدس الصياغي يرتبط بانشغال التقرير برسم صوة ~~أيديولوجية للغة باعتبارها مجموعة من المهارات التقنية المحددة التي يمكن ~~تعليمها، ويمكن اكتساب المعرفة بها بأسلوب النماذج، وهذه نظرة إلى اللغة ~~تؤكد الإنتاج التقليدي المناسب، وتفسير الجوانب الفكرية للمعنى (انظر ~~فيركلف وإيفانيتش، 1989م). # وبالإضافة إلى التكدس الصياغي، يضع هاليداي (1978م) يده على ظاهرة ~~أخرى يسميها إعادة الصياغة، بمعنى توليد صياغات جديدة وإنشائها باعتبارها ~~بدائل عن الصيغ القائمة ومعارضة لها، ومصطلح إعادة الصياغة عنوان مفيد يمكن ~~وضعه لوصف الطابع التناصي والحواري للصياغة. ويؤكد إديلمان ms205 (1974م) ~~المنظور الذي تستند إليه الصياغات التقليدية لعلاج المرضى النفسيين بإعادة ~~التعبير عن هذه الممارسات بصياغة جديدة تركز على معارضتها ومعاداتها، وقد ~~رأينا في المقتطف الخاص بإدارة التوتر عاليه إعادة صياغة لقدرات الموظفين ~~ومشكلاتهم بهدف إدراجها في إطار إدارة الأفراد، وأما في المقتطف التالي ~~فلنا أن نرى أن إعادة الصياغة تعتبر جانبا من جوانب تسويق التعليم: # منتج الإعداد المهني عادة ما يكون برنامجا، ومن ثم فإن تصميمه ~~وتنفيذه من العناصر الرئيسية لعملية التسويق، وينبغي أن يبدأ انطلاقه ~~من حاجات من يمكن أن يصبحوا زبائن وعملاء ومن الفوائد التي ~~ينشدونها. ~~(وحدة التعليم المستمر، 1987م، 51) # تسير إعادة الصياغة هنا جنبا إلى جنب مع إعادة الهيكلة الدلالية التي ~~ناقشتها في القسم السابق، وانظر كيف يحل «التصميم» بصراحة في مرتبة ثانوية ~~بعد «التسويق» في الجملة الثانية، الذي يعتبر جانبا من عملية تتضمن ~~مفهوم «تصميم برنامج التدريب» وتدرجه في معنى أعم ويرتكز إلى قاعدة ~~تجارية للتصميم. ~~(10) الاستعارة # النظرة التقليدية إلى الاستعارة تعتبرها معلما من معالم اللغة ~~الأدبية، ولغة الشعر بصفة خاصة، ولا تراها مناسبة لأنواع اللغة الأخرى، ~~ولكن الدراسات الحديثة للاستعارة (بمعنى لغة المجاز عموما) تقيم حججا ~~قوية على خطأ هذا التصور (ليكوف وجونسون 1980م)، فلغة المجاز متغلغلة ~~في جميع أنواع اللغة، وجميع أنواع الخطاب، حتى في الحالات التي لا تبشر ~~إطلاقا بذلك، مثل ضروب الخطاب العلمي والتقني، أضف إلى ذلك أن العبارات ~~المجازية ليست مجرد زخرفات أسلوبية سطحية للخطاب، إذ إننا حين نختار ~~الدلالة على أمور معينة بتعبير مجازي معين دون غيره، فإننا نبني واقعنا ~~بطريقة معينة دون سواها، وهكذا فإن لغة المجاز تبني الطريقة التي نفكر ~~بها والطريقة التي نتصرف بها، ونظم معارفنا ومعتقداتنا، وذلك بأشكال ~~عميقة وأساسية. # وتعتبر طريقة التعبير المجازي عن مجال معين من مجالات الخبرة قضية ~~من القضايا المتنازع عليها داخل الممارسات الخطابية وحولها، إذ نجد على ~~سبيل المثال أن بعض العاملين في مجال التعليم العالي يعارضون معارضة شديدة ~~التعابير الاستعارية المستمدة من السلع والاستهلاك (كالقول بأن «المواد ~~الدراسية لا ms206 بد من إعدادها في صورة حزم متكاملة؛ بحيث تصبح وحدات يريد ~~المستهلكون شراءها») وكان من بين جوانب التغير الخطابي جانب ترتبت ~~عليه نتائج ثقافية واجتماعية مهمة، وهو التغير في التصوير المجازي للواقع، ~~فإذا أردنا متابعة هذا المثال قلنا: إن التشكيل المجازي للتعليم وغيره من ~~الخدمات في صورة الأسواق يعتبر عنصرا قويا من عناصر التحول لا في ~~الخطاب وحسب، بل أيضا في التفكير وفي الممارسة في هذه المجالات (انظر ما ~~يلي). # وقد تكتسب بعض الاستعارات صورة طبيعية بالغة العمق في ثقافة من ~~الثقافات حتى لا يدرك الناس أنها استعارات في معظم الأحوال، بل وقد يجدون ~~صعوبة شديدة، حتى حين ينتبهون إلى وجودها، في الإفلات من قبضتها في كلامهم ~~أو تفكيرهم أو أفعالهم، ويناقش ليكوف وجونسون البناء المجازي لأية حجة ~~باعتبارها حربا (وهي التي تتجلى، على سبيل المثال، في عبارة مثل «مزاعم ~~يتعذر الدفاع عنها (أي واهية)» «هاجم كل نقطة ضعف في حجتي»، «انتقاداته ~~أصابت الهدف إصابة مباشرة»، «دمرت حجته») ويقولون إن هذا لا يقتصر على كونه ~~مسألة سطحية تتعلق بالصياغة، إذ إن «عددا كبيرا من الأشياء التي # نفعلها # أثناء التحاج مبنية إلى حد ما على مفهوم الحرب» (1980م، 4)، وهكذا فإن ~~إضفاء الطابع الحربي على الخطاب يعني إضفاءه أيضا على الفكر والممارسة ~~الاجتماعية (شيلتون، 1988م) تماما مثل إضفاء صورة السوق على الخطاب في ~~التعليم المشار إليه آنفا باعتباره إضفاء لصورة السوق على الفكر ~~والعمل. # والمثال التالي لإضفاء الطابع الحربي على الخطاب يوضح إلى حد كبير ~~فعالية الاستعارات في بناء الواقع بأسلوب معين، وهو مقتطف من دراسة ~~للانتخابات العامة البريطانية عام 1987م، وبصفة أخص للطريقة التي عالجت بها ~~وسائل الإعلام قضية الدفاع (جارتون ومونتجومري وتولسون، 1988م؛ مونتجومري، ~~1990م)، ويشير المؤلفون إلى وجود «تلاق» بين قضية الدفاع ذاتها وأسلوب ~~تمثيل أجهزة الإعلام لها أثناء الحملة الانتخابية: فالصورة المجازية ~~المهيمنة للحملة نفسها صورة الحرب، والأمثلة التالية المقتطفة من التغطية ~~التليفزيونية والصحفية توضح المقصود (التأكيد من عندي): ~~(1) # كانت قضية الدفاع # المحور الرئيسي لهجومها # على حزب العمال ms207 وزعيمه ~~نيل كينوك (هيئة الإذاعة البريطانية، القناة الأولى، 26 ~~مايو). ~~(2) # بدأ الليلة في جنوب ويلز # الهجوم المضاد # الذي شنته السيدة ثاتشر ~~(هيئة الإذاعة البريطانية، القناة الأولى، 26 مايو). ~~(3) # كان هجوم السيدة ثاتشر جزءا من جهد حزب المحافظين # على جبهتين # لإيقاف تقدم حزب العمال (هيئة الإذاعة البريطانية، القناة الثانية، ~~26 مايو). ~~(4) # قام حزب العمال # بالدفاع دفاعا مستميتا عن موقفه رغم انهزامه # يوم أمس (صحيفة فاينانشال تايمز، 27 مايو). ~~(5) # كانت # حركة الكماشة # التي قام بها حزب المحافظين وحلفاؤه ضد حزب ~~العمال تتضمن # هجمة # شرسة من جانب ديفيد أوين (صحيفة # ذا إندبندنت ~~، 26 ~~مايو). # والقضية تقدم بطبيعة الحال استعارة حربية جاهزة إلى أجهزة الإعلام، ~~ومن الآثار العملية لها، كما يبين المؤلفون، أن أصبح من بالغ ~~الصعوبة على حزب العمال أو أي حزب آخر أن يدعو في أجهزة الإعلام إلى سياسة ~~دفاعية مبنية على غير تلك النظرة التصادمية الفظة للعلاقات الدولية ~~(المصوغة في صورة «التصدي للبلطجية»، والردع، وما إلى ذلك بسبيل؛ انظر ~~أدناه). # أضف إلى ذلك أن الحملات الانتخابية لا تجري في الواقع على شكل مواجهات ~~مباشرة أو تبادل الحجج بين الخصمين وجها لوجه، فما تلك إلا الصورة التي ~~تبنيها أجهزة الإعلام، إذ تقوم هذه الأجهزة باختيار المادة وتنظيمها ~~وتمثيلها، بحيث تختزل التعقيد والتشويش في الحملة وتنسقها في حجة جاهزة أو ~~منازلة منتظمة تتتابع فيها الضربات والضربات المضادة. ومن ثم تبرز صورة ~~هذا التراشق باعتباره واقعا يقتصر دور أجهزة الإعلام على نقله، بحيث تخفي ~~آثار الجهود التي بذلتها أجهزة الإعلام نفسها في بناء ذلك الواقع. ومن ~~الآثار العملية الأخرى أن التغطية الإعلامية نفسها تشكلها الاستعارة ~~المذكورة، إذ نجد على سبيل المثال نسقا للتناوب في كل يوم بين «الهجمات» ~~التي يشنها أحد الأحزاب و«الهجمات المضادة» التي يشنها حزب آخر، بل إن ~~الأحزاب السياسية تكيف حملاتها حتى تتفق مع «الواقع» التي تبرزه صورتها في ~~أجهزة الإعلام. فإذا صورت هذه الأجهزة أحد الأحزاب في صورة من سدد ~~«ضربة» قوية يوما ما، شعر الحزب الآخر بضرورة إعداد مادة ms208 لتقديمها في ~~مؤتمرات صحفية أو خطب معينة، إذا كان المستشارون الإعلاميون يرون أن هذه ~~المادة يسهل تصويرها في صورة «ضربة مضادة». وهكذا، وباختصار، نجد أن ~~للاستعارة آثارا في تغطية الحملة، وفي الحملة نفسها. # ويشير جارتون ومونتجومري وتولسون (1988م) أيضا إلى القوة الأيديولوجية ~~ل «السيناريو» في تغطية قضية الدفاع في انتخابات عام 1987م، وهم يستخدمون ~~مصطلح «نص التمثيل» الموازي عند غيرهم لمصطلح «القصة»، في الدلالة على ~~السيناريوهات النمطية وسلاسل الأحداث المرتبطة بها، وهي التي تمثل جانبا ~~من «المنطق السليم» ذي الجذور العميقة في ثقافة من الثقافات، والكثير من ~~السيناريوهات تستند إلى قاعدة استعارية، إذ يناقش شيلتون (1988م، 64) على ~~سبيل المثال كتيبا أصدرته وزارة الدفاع البريطانية لإقناع الناس بضرورة ~~زيادة الأسلحة النووية البريطانية: ~~(11) كيف تتعامل مع بلطجي # السلام من خلال الردع: الإجابة الوحيدة على تهديد ~~البلطجي # اضطر العديد منا للتصدي إلى أحد البلطجية في مرحلة ما من مراحل ~~حياتنا، والإجابة الوحيدة أن تقول له «ابتعد عني وإلا سوف تأسف»، وأن تملك ~~القوة القادرة على إثبات صحة كلامك. # وهنا نجد أن ما يسميه شيلتون سيناريو البلطجة (بمعنى أن «البلطجي ~~دائما ما يهاجم من هم أضعف منه، ولذلك فالطريقة الوحيدة لتجنب مهاجمتك ~~هي أن تبدو قويا») يستخدم للتعبير الاستعاري عن العلاقات الدولية في صورة ~~علاقات بين الأفراد، والنمط الأولى للبلطجة بالمعنى المقصود هو ما يسود بين ~~تلاميذ المدارس (حيث يفرض الأضخم حجما سيطرته على من هم أضعف منه). ~~ويبين جارتون ومونتجومري وتولسون (1988م) أن هذا السيناريو وغيره يمثل ~~الطرائق التي استخدمتها أجهزة الإعلام في تحويل أحد التصريحات الرئيسية ~~التي أدلى بها نيل كينوك، زعيم حزب العمال، إلى (استعارة حربية) وبناء هذه ~~الاستعارة إعلاميا. # وطرائق التصوير المجازي للأحداث التي تخل بالتوازن الاجتماعي النسبي ~~(مثل الحروب والأوبئة والكوارث البيئية غيرها) في أجهزة الإعلام وفي غيرها ~~تعيننا على أن ننظر نظرة ثاقبة في قيم إحدى الثقافات ومشاغلها، فعلى سبيل ~~المثال بحثت سونتاج (1988م) الصور المجازية لمرض الإيدز (نقص المناعة ~~المكتسب). وهي تقول: إن الصورة المجازية الرئيسية للمرض ms209 هي صورة «الطاعون»، ~~فالإيدز مثل الطاعون مصدره أجنبي، ويرتبط في أصوله بالأجانب، إذ يعتبر أنه ~~نبع في أفريقيا، وتحيطه هالة عنصرية الروابط النمطية بين السود وبين ~~«الطابع الحيواني والانحلال الجنسي». وترتبط استعارة الطاعون أيضا ~~باستعارة حربية: فمرض الإيدز يمثل غزوا وهو غزو، بمزيد من التحديد، قام ~~به العالم الثالث لأوروبا وأمريكا، وتفسير الإيدز يشبه تفسير الطاعون في ~~كونه يمثل «حكما على أحد المجتمعات» بسبب التسيب الأخلاقي، وتضيف ~~قائلة: إن البعض يستخدم مرض الإيدز بصورة سياسية ، وأسلوب ينم عن كراهية ~~الميول الجنسية المثلية، بقصد قهر «مجتمع الإباحة»، ولكن هذه الاستعارة ~~تتسم بجوانب متناقضة وإشكالية، إذ لا يتمتع أحد بالحصانة من الطاعون أو ~~الإيدز، ومع ذلك فإن هذا التعميم يعرض للخطر البناء الأيديولوجي المهم ~~للإيدز باعتباره مرض «الآخر»، بمعنى أن مرضهم يشكل تهديدا لنا ~~«نحن». # الخاتمة # بهذا أختتم مناقشة الخصائص التحليلية للنصوص التي شغلت الفصلين الخامس ~~والسادس. وسوف أضم الموضوعات التي ناقشتها بعضها إلى بعض في الفصل الثامن ~~بصورة مختصرة باعتبارها جزءا من الخطوط الإرشادية اللازمة لتحليل الخطاب، ~~ومن المناسب أن أذكر القراء هنا بالإطار الثلاثي الأبعاد لتحليل الخطاب ~~الذي قدمته في الفصل الثالث، والأبعاد هي: تحليل الخطاب باعتباره نصا، ~~وباعتباره ممارسة خطابية، وباعتباره ممارسة اجتماعية، حتى أؤكد أن تحليل ~~النص ليس مما ينبغي عزله عن سواه. فمن اليسير أن ينغمس المرء انغماسا ~~شديدا في تعقيدات النصوص إلى الحد الذي يجعله يرى أن تحليل النص غاية ~~حميدة في ذاتها. ولا شك في وجود بعض أشكال تحليل الخطاب التي تنحو هذا ~~المنحى، مثل الأشكال التي كان يعنيها بورديو عندما وصف تحليل الخطاب بأنه ~~«انتكس فاتخذ أشكالا للتحليل الداخلي التي يتعذر الدفاع عنها» (1988م، ~~17)، فعلى العكس من ذلك أريد أن أؤكد أن التحليل لا يمكن أن يتكون فحسب ~~من وصف النصوص بمعزل عن تفسيرها (وقد سبق لي أن ميزت بين هذه المصطلحات ~~عاليه)، وهكذا فإنني دأبت على تفسير النصوص الموصوفة في هذا الفصل والفصل ~~السابق. وللتفسير ضرورة على مستويين: أحدهما محاولة تفهم معالم أحد ms210 ~~النصوص باعتبارها عناصر في ممارسة خطابية، وخصوصا باعتبارها «آثارا» ~~لعمليات إنتاج النصوص (بما في ذلك الجمع بين العناصر والأعراف غير ~~المتجانسة الخاصة بالتناص والتداخل الخطابي) وباعتبارها أيضا «مفاتيح» في ~~عمليات تفسير النصوص. ويتشابه هنا وصفي لما يفعله المحلل، ووصفي في الفصل ~~الثالث لما يفعله مفسرو النصوص، إذ إن المحللين يحتاجون أيضا إلى ~~الموارد التي يتمتعون بها باعتبارهم أفرادا ذوي كفاءة في مجتمعاتهم، حتى ~~ولو استخدموا هذه الموارد بانتظام أكبر، وأما المستوى الآخر للتفسير فهو ~~محاولة فهم معالم أحد النصوص وتفسير المرء لكيفية إنتاجها وتفسيرها، من ~~خلال اعتبارها جوانب دفينة في ممارسة اجتماعية أوسع نطاقا. وكنت في عمل ~~سابق لي قد ميزت بين هذين المستويين للتفسير بالإشارة إلى الأول بمصطلح ~~«التفسير» فقط، وإلى المستوى الثاني بمصطلح «الشرح» (فيركلف، 1989م، أ، ~~140-141). # ليس الوصف منفصلا عن التفسير على نحو ما يفترض في حالات كثيرة، ~~فالمرء باعتباره محللا (وباعتباره مفسرا عاديا للنصوص) يقوم ~~بالتفسير حتما طول الوقت، ولا توجد مرحلة من مراحل التحليل تعتبر وصفا ~~محضا. ومن ثم فإن تحليل المرء لنص من النصوص يتشكل ويتلون بتفسيره ~~لعلاقته بالعمليات الخطابية والعمليات الاجتماعية الأوسع نطاقا، بل إن نسخ ~~نص منطوق يتضمن حتما التركيز على تفسير له (انظر الحديث عن النسخ في ~~الفصل الأخير) واختيار المرء ما يصفه يعتمد على ما انتهى إليه من قبل من ~~تفسير، وبالإضافة إلى ذلك فإن ما أسميه المعالم التحليلية للنص تتسم في ~~حالات كثيرة بامتزاج شديد بينها وبين التفسير، فعلى سبيل المثال سوف تجد أن ~~أنساق التلازم اللفظي في النصوص التي حللتها في إطار تحليل التماسك النصي ~~ليست أنساقا موجودة وجودا موضوعيا في النص، بل هي، إن صح هذا التعبير، ~~أنساق «وضعت» في النص نتيجة تفسير المرء له. وهكذا فإن الأمر لا يقتصر على ~~أن الوصف والتفسير يلزم كل منهما للآخر، بل إنهما أيضا يمتزجان ويختلط ~~أحدهما بالآخر. # ويتشابه المحلل والمشارك في جوانب أخرى، فالتحليل يؤدي إلى إنتاج ~~نصوص يجرى توزيعها واستهلاكها اجتماعيا مثل غيرها من النصوص، وخطاب ~~التحليل ms211 - مثل أي خطاب آخر - يمثل شكلا من أشكال الممارسة الاجتماعية: ~~فله علاقة جدلية بالأبنية الاجتماعية، وله موقعه الذي تحدده علاقته ~~بالصراع الاجتماعي، وهو يقبل الاصطباغ بصبغة أيديولوجية وسياسية، ~~فالمحللون ليسوا فوق الممارسة الاجتماعية التي يحللونها بل إنهم في ~~داخلها. ومن ثم فللمرء أن يتوقع أن يتسموا بأقصى قدر ممكن من الوعي ~~الذاتي إزاء الموارد التي ينهلون منها في تفسير الخطاب، وإزاء طبيعة ~~الممارسة الاجتماعية للتحليل نفسه، أي بالأبنية التي تتحكم فيها، وتوجهها ~~إلى مواقع الصراع، ونتائج هذا التوجه وآثاره في ضروب الصراع ~~والأبنية. # الفصل السابع # | الخطاب والتغير الاجتماعي في المجتمع المعاصر # في إطار التوجه المزدوج للتغير الخطابي الذي ناقشته من قبل (في أواخر ~~الفصل الثاني في قسم منفصل) ينصب تركيزي في هذا الفصل على التغير المستمر ~~في نظم الخطاب لا في الأحداث الخطابية، وسوف أحدد اتجاهات عامة معينة في ~~التغير الخطابي ذوات تأثير في النظام المجتمعي للخطاب، وأرجع هذه الاتجاهات ~~إلى الدروب الأعم التي يسير فيها التغير الاجتماعي والثقافي، ونوع التغير ~~الذي سوف أشير إليه يتسم في جانب منه بطابع دولي أو على الأقل عبر وطني، على ~~نحو ما أشرت إليه في المقدمة. وأنا أعجب لضآلة الاهتمام بأمثال هذه الاتجاهات ~~إلى التغيير في نظم الخطاب؛ ومن ثم فينبغي النظر إلى هذا الفصل باعتباره ~~مدخلا استكشافيا إلى مجال بحث واسع يعاني من التجاهل إلى حد كبير، وسوف ~~أناقش ثلاثة اتجاهات رئيسية: الأول إضفاء الديمقراطية على الخطاب، والثاني ~~«تسليع» الخطاب، والثالث اكتسابه الطابع التكنولوجي. فأما الاتجاهان ~~الأولان فيتعلقان بتغييرات موضوعية في الممارسات الخطابية، وأما الثالث ~~فيقول إن التدخل المتعمد في الممارسات الخطابية من العوامل التي تزداد ~~أهميتها في إحداث التغيير. ولهذه الاتجاهات تأثير شامل متغلغل في نظم الخطاب ~~المعاصر، وإن كان تأثيرها يتسم بالتفاوت، وتوجد مظاهر تضاد شديد فيما بين نظم ~~الخطاب المحلية المرتبطة بمؤسسات أو مجالات معينة. # ومن شأن التركيز على اتجاهات معينة أن يمهد لنا الطريق إلى تحديد أنساق ~~محددة داخل العمليات المركبة والمتناقضة للتغير الخطابي الجاري، ولكن هذا ~~طريق ms212 بالغ التجريد في النظر إلى التغيير، ويحاول القسم الأخير من هذا الفصل ~~تصحيح ذلك إلى حد ما، وذلك بأن ننظر كيف تتفاعل الاتجاهات مع بعضها البعض، ~~وكيف يمكن أن تظهر هذه الاتجاهات في عمليات الصراع على الهيمنة على هيكلة نظم ~~الخطاب. وأنا أقدم تفسيرات مختلفة لهذه الاتجاهات من حيث اختلاف نماذج ~~الممارسة الخطابية، وأسوق الحجة على أن نموذج الهيمنة الذي أدعو إليه قادر ~~على تقديم تفسير أكثر إقناعا من نموذج «الشفرة» أو نموذج «الفسيفساء» (أي ~~النموذج «التفاوضي»). ~~(1) إضفاء الديمقراطية # أعني بإضفاء الديمقراطية على الخطاب إزالة مظاهر عدم المساواة وعدم ~~التناظر في الحقوق الخطابية واللغوية، وفي التزامات المجموعات البشرية ~~وصيتها، ولقد كان إضفاء الديمقراطية على الخطاب، مثل الأخذ بأسباب ~~الديمقراطية بصفة عامة، من المعايير الأساسية للتغيير في العقود الأخيرة، ~~ولكن العملية في الحالتين كانت تتسم بالتفاوت الشديد (ففي بريطانيا على ~~سبيل المثال، اكتسب الناطقون باللغة الويلزية حقوقا أكبر من الناطقين ~~باللغة الجوجوراتيه (لهجة هندية رئيسية))، وفي كلتا الحالتين ترددت تساؤلات ~~عن مدى صدق التغيير ومدى كونه ضربا من التجميل الظاهري. وسوف أستعرض خمسة ~~مجالات شهدت إضفاء الديمقراطية على الخطاب؛ الأولى هي العلاقة بين اللغات ~~واللهجات المحلية، والثانية إمكان المشاركة في أنماط الخطاب ذوات المكانة ~~الرفيعة، والثالثة التخلص من علامات السلطة السافرة في أنماط الخطاب ~~المؤسسي المتسمة بتفاوت علاقات السلطة فيها، والرابعة الاتجاه نحو اللغة ~~غير الرسمية، والتغييرات في الممارسات الخاصة بالجنسين في اللغة. # فمن الصحيح بصفة عامة أن بعض اللغات المختلفة عن اللغة الإنجليزية، ~~وبعض اللهجات الاجتماعية المختلفة عن الإنجليزية المعيارية، إلى جانب طرائق ~~نطق منوعة للإنجليزية، أصبحت تتمتع بالقبول أو بعدم الاعتراض عليها في شتى ~~المناسبات العامة على نطاق واسع، بل إن هذا الاتجاه ازداد اتساعا منذ ~~الحرب العالمية الثانية عما كان عليه قبلها، ولكن هذا لا يعني الزعم بأن ~~عهد اليوتوبيا اللغوية قد أشرق، فلقد كانت هذه من منجزات الكفاح الاجتماعي، ~~كما أنها واجهت بعض المقاومة ولا تزال تتعرض للمقاومة. أضف إلى ذلك أنها ~~متفاوتة المستوى، إذ تعاني أشد ms213 الأقليات حرمانا، مثل شتى الجاليات ~~الآسيوية في بريطانيا، من وجوه ظلم عنصرية في هذا المجال وفي غيره. ومع ذلك ~~فقد كانت الديمقراطية ولا تزال تمثل قوة حقيقية في هذا الصدد، وعلى الرغم ~~من أن جانبا كبيرا من الجدل لا يزال يدور حول الحالات التي لا يزال ~~التعصب وعدم المساواة يتخذان فيها صورة صارخة، فإن مستوى الجدل وبروزه ~~يشيران إلى أن أمثال هذه القضايا تشغل الأذهان فعلا. ومن الأمثلة التي ~~يكثر إيرادها مثال الإذاعة، حيث أصبح بعض الأشخاص من ذوي اللهجات غير ~~المعتمدة وطرائق النطق الإقليمية يشاركون فيها بصورة غير مسبوقة، وإن كان ~~ذلك لايزال في حدود ضيقة إلى حد ما. فعلى سبيل المثال لا تزال إجادة ~~الإنجليزية المعتمدة وطرائق ما يسمى ب «النطق المقبول» شرطا تقتضيه ~~التقاليد لمذيعي نشرات الأخبار القومية، وعلى الرغم من أن المرء قد يصادف ~~مذيعين من ذوي طرائق النطق (الإقليمية) الذين يقرءون، مثلا، الأخبار ~~الإقليمية على الشبكات القومية للتليفزيون والإذاعة، فلن يصادف المرء ~~أشخاصا ذوي طرائق نطق عمالية. وطرائق نطق الطبقة العاملة لا توجد إلا في ~~برامج المسابقات وفي المسلسلات الدرامية. وعلى غرار ذلك نجد أنه إذا كانت ~~الإذاعة تقدم برامج كثيرة باللغة الويلزية، فإن اللغات الآسيوية وغيرها ~~من لغات الأقليات لا تحظى إلا باهتمام هامشي. فالواقع أن الإذاعة تبدي ~~قدرا من الاحترام للمستويات غير المعتمدة من اللغة الإنجليزية ولغات ~~الأقليات في مجال الحياة العامة، وإن يكن ذلك في القطاعات ذوات المكانة ~~المتواضعة في ذلك المجال. # وتثير هذه الاتجاهات التساؤل عما إذا كانت هيمنة اللغة الإنجليزية ~~المعتمدة التي تميزت بها الفترة الحديثة (ليث، 1983م) توشك الآن على ~~الانتهاء، ترى هل نحيا اليوم في عصر ما بعد اللغة المعتمدة؟ (انظر جيمسون، ~~1984م.) ويوجد كذلك البعد الدولي لهذا السؤال، فإذا كان موقع اللغة ~~الإنجليزية باعتبارها لغة عالمية غير رسمية يزداد قوة، فإن أنواعا مختلفة ~~من اللغة الإنجليزية، مثل الإنجليزية الهندية والإنجليزية الأفريقية، التي ~~لم تحظ إلى الآن بالقدر اللازم من الاعتراف بها، قد بدأت تظهر بقدر أكبر ~~من ms214 المساواة مع الإنجليزية البريطانية والإنجليزية الأمريكية (وإن كان ~~علينا ألا نبالغ في هذا الصدد، فما زالت الإنجليزية البريطانية ~~والإنجليزية الأمريكية هما اللتين يتعلمهما الملايين في مدارس اللغات في ~~شتى أرجاء العالم). وإذا صح وجود ابتعاد حقيقي عن المعايير الموحدة على ~~المستويين القومي والدولي، فهل يمثل ذلك شرخا حقيقيا في الهيمنة داخل ~~المجال اللغوي، أم إن الهيمنة تتخذ أشكالا جديدة وحسب؟ سوف نعود إلى أمثال ~~هذه القضايا في المناقشة التالية للتغير الخطابي في سياق المناظرة بين ~~الحداثية وما بعد الحداثة. # ويرتبط بهذه الصورة الأولى للديمقراطية نوع معين من ديمقراطية ~~المشاركة في أنماط الخطاب ذات المكانة الرفيعة، ومواقع الذوات المتسمة ~~بالرفعة والسلطة في داخلها، للمتحدثين بأنواع غير معتمدة من اللغة ~~الإنجليزية، وللمرأة، وللسود وللآسيويين. ومن الأمثلة ازدياد عدد النساء ~~اللاتي استطعن الحصول على مهن في سلك القضاء (وإن كانت مناصبهن تقتصر على ~~قضاة الصلح والمحامين الذين يعدون المذكرات ولا يترافعون في المحاكم، ولا ~~تشمل وظائف كبار المحامين أو قضاة المحاكم العليا) أو في سلك التعليم، أو ~~في أجهزة الإعلام. والقضية الأساسية هنا، بطبيعة الحال، قضية الالتحاق ~~بمؤسسات معينة والحصول على مواقع داخلها، وما المشاركة في الخطاب إلا جانب ~~من جوانب هذه القضية. وكان من نتائج ذلك أن أصبحت اللهجات غير المعتمدة ~~وطرائق النطق الإقليمية مقبولة، إلى حد ما، بما يتفق مع الممارسات ~~الخطابية التي كانت تعتبر من قبل غير متسقة مع المناصب المذكورة، إذ أصبح ~~من الممكن في هذه الأيام إلقاء محاضرة جامعية بلهجة سكان مدينة ليفربول ~~(وإن لم تزل الإشكالية المرتبطة بذلك قائمة). # ومن ظواهر التغيير الملاحظ بصفة عامة ظاهرة ترتبط ارتباطا جوهريا ~~بموضوع هذا الكتاب ألا وهي التخلص من العلامات السافرة على المراتب ~~والتباين في السلطة في أنماط الخطاب المؤسسي الذي تتفاوت فيه علاقات ~~السلطة. والتضاد بين المقابلة الشخصية القائمة على الطب المعتمد والمقابلة ~~الشخصية القائمة على الطب البديل في العينتين السالف إيرادهما أعلاه يمثل ~~ذلك؛ ففي الأولى كان الطبيب هو الذي يتحكم في تناوب أدوار الكلام ~~وموضوعاتها من خلال ms215 سيطرته على دورات السؤال والجواب والتقييم، وأما في ~~الأخيرة فقد غابت مظاهر هذا التفاوت. ويمكن العثور على حالات تضاد مماثلة ~~بين الممارسات التقليدية والممارسات «الحديثة» في التفاعلات ما بين المحاضر ~~والطالب، وما بين المعلم والتلميذ، وما بين المدير والعامل، وما بين أحد ~~الوالدين وطفله. ومن بين أنماط العلامات الكثيرة التي يشيع التخلص منها: ~~ألقاب المخاطبة غير المتناظرة؛ والتوجيهات المباشرة (بأفعال الأمر مثلا)، ~~والاستعاضة عنها بأشكال غير مباشرة تحفظ للسامع ماء وجهه (براون ولفنسون، ~~1978م)؛ وكذلك عدم التناظر في الحق في المشاركة بطرائق معينة مثل تقديم ~~موضوعات جديدة، وطرح الأسئلة؛ واستخدام ذوي السلطة من المشاركين مفردات لا ~~يعرفها الآخرون، ومع ذلك فقد يستطيع المرء، بطبيعة الحال، أن يجد هذه ~~المعالم جميعا إلى الآن في أنماط تفاعل معينة. # وقد يكون لنا أن نقول أيضا إنه في الوقت الذي أصبحت العلامات السافرة ~~أقل ظهورا فيه، فإن قوة العلامات الخفية الدالة على عدم التناظر في السلطة ~~تشتد، وهو ما يؤدي إلى ازدياد صعوبة إدراك عدم التناظر في السلطة بدلا من ~~اختفائه. فإذا كنت، على سبيل المثال، الشخص المكلف بصوغ مفاد ما ~~قلناه في مناقشة ما أو بتلخيصه (ومن ثم أقدم باستمرار مفهومي لما ~~حدث) فإن هذا نهج يمثل عدم التناظر في السلطة، وصعوبة إدراك ذلك أكبر من ~~تمتعي وحدي بالحق في الكلام دون أن يدعوني أحد. ومع ذلك فإن عدم التناظر ~~هنا قوي إلى حد ما، ويستطيع المرء أن يستغله في التحكم في مجرى ~~التفاعل. ويقول هريتدج (1985م) على سبيل المثال: إن من يجرون المقابلات ~~الإذاعية يستخدمون حقوقهم في الصياغة باعتبارها أسلوبا لممارسة السيطرة، ~~وتقييم ما قاله ضيوف المقابلة، من دون انتهاك التزامهم بعدم التعبير عن ~~أحكامهم على ما قيل. # ويتمثل أحد طرائق تفسير أمثال هذه الحالات في القول بأن التخلص ~~الظاهر من العلامات السافرة على وجود السلطة وعدم التناظر في التمتع بها، ~~من باب التجميل في الحقيقة وحسب، وأن أصحاب السلطة و«حرس المداخل» بشتى ~~أنواعهم يقتصر عملهم على استبدال آليات سيطرة خفية بالآليات ms216 السافرة، وفي ~~هذا الرأي بعض الصدق، ولكنه يقدم نصف الحقيقة فقط. فأسلوب إضفاء ~~الديمقراطية المذكور قد يكون من باب التجميل وحسب، ولكنه يمكن أن يكون ~~حقيقيا، وأن يكون معناه مثار صراع، كما أقول أدناه. # ويرتبط الاتجاه نحو التخلص من العلامات السافرة للسلطة ارتباطا ~~وثيقا بالاتجاه نحو التخلص من الطابع الرسمي، إذ إن عدم التناظر في ~~السلطة والمكانة يزداد حدة وشدة بازدياد الطابع الرسمي للموقف. ومن ~~الظواهر الرئيسية لازدياد التخلص من الطابع الرسمي أسلوب انتقال خطاب ~~المحادثة، بالأمس واليوم، من مجاله الأولي وهو التفاعلات الشخصية في المجال ~~الخاص، إلى المجال العام، إذ إن المحادثة تستعمر أجهزة الإعلام (كريس، ~~1986م؛ فاولر، 1988م، ب) وأنماطا مختلفة من الخطاب المهني/العام، والتعليم ~~وهلم جرا، وأنا أعني بذلك أن الخطاب فيها يكتسب طابع المحادثة بصورة ~~متزايدة، ويعتبر هذا جانبا من إعادة ترسيم كبرى للحدود بين المجالين ~~العام والخاص. # ومن أبعاد ظاهرة التخلص من الطابع الرسمي المذكورة تحول معين في ~~العلاقة بين الخطاب المنطوق والخطاب المكتوب، وقد رأينا أمثلة على ذلك من ~~الصحف في الفصل الرابع عاليه؛ فالعينة الأولى تحاكي خطاب المحادثة في ~~تقريب أفعال أصحاب السلطة وأقوالهم إلى قراء الصحيفة، والعنوان الذي يقول ~~إن «قهرمان (رئيس الخدم في منزل) ديانا يستقيل ... لابسا حذاءه الرياضي» لا ~~يستخدم فقط مفردات المحادثة ولكنه يستعين أيضا بحيلة شكلية وهي وضع ثلاث ~~نقاط وسط الجملة لمحاكاة التوقف «الدرامي» (أي المسرحي) وسط الكلام. ولم ~~يعد الفصل بين الكلام المنطوق والكلام المكتوب الفصل الذي يقتضيه المنطق ~~السليم، كما يبدو، وعند التحول من أحدهما إلى الآخر. والتعبير الشائع الذي ~~يصف حديث فرد ما بأنه «يتكلم مثل كتاب» يبين رؤية الناس لمدى تأثير اللغة ~~المكتوبة في الكلام الرسمي، ونحن نجد التحول إلى لغة المحادثة لا في أجهزة ~~الإعلام المطبوعة والإعلانات وحسب، بل أيضا في الأشكال الجديدة للاستمارات ~~الرسمية، مثل استمارات طلب مدفوعات الرعاية الاجتماعية (فيركلف، 1989م، أ، ~~218-222). ربما يكون زمن تأثر المتحدثين بلغة الكتابة قد ولى، فأما ~~القيم الثقافية المعاصرة فتعلي كثيرا من قيمة ms217 التخلص من الطابع الرسمي، ~~والنهج المهيمن للتحول هو الاتجاه إلى أشكال تشبه الكلام المنطوق. # ولكن المحادثة تعتبر نموذجا قوي التأثير في الأنماط الأخرى من ~~الخطاب المنطوق. وهذا يعني أن زيادة طابع المحادثة لا يقتصر على أجهزة ~~الإعلام المطبوعة، بل يمتد إلى الأجهزة المذاعة، مثل الراديو والتليفزيون. ~~وقد رصد تولسون (1990م) عملية اكتساب طابع المحادثة في المقابلات الشخصية ~~الإعلامية. فلقد ازداد كثيرا مقدار المحادثات التي نستمع إليها ونشاهدها ~~في أجهزة الإعلام (مثل برامج «الدردشة» (الشات) وغيرها) وهي كثرة تبين ~~مدى ما تحظى به من تقدير، ولكن المذيعين «يتحادثون» أيضا بكثرة مع جماهير ~~المستمعين والمشاهدين، كأنما يتحادثون مع أفراد في هذه الجماهير، كما أن ~~أنماطا منوعة من المقابلات الشخصية، والمقابلات الأخرى، بين المهنيين ~~و«جماهيرهم» تكتسب المزيد من سمات المحادثة، على نحو ما ذكرت عاليه، وكما ~~هو الحال بالنسبة للتخلص من علامات عدم التناظر في السلطة، ينشأ التساؤل ~~هنا عن مدى صدق الطابع غير الرسمي، أي مدى اتخاذه لأسباب استراتيجية؛ وسوف ~~أعود إلى هذا التساؤل أدناه. # والمجال الأخير لإضفاء الديمقراطية الذي أريد الإشارة إليه هو العلاقات ~~بين الجنسين في اللغة، وهو الذي ظل يمثل أبرز حالة من حالات الصراع ~~المعلن حول الممارسات الخطابية في السنوات الأخيرة. فالدراسات الكثيرة ~~التي تعالج «اللغة بين الجنسين» تتضمن ما يشير إلى عدم التناظر بين المرأة ~~والرجل (وترجيح كفة الرجل) فيما يتصل بمقدار الكلام، ومناقشة الموضوعات، ~~واحتمالات المقاطعة أثناء الكلام، وهلم جرا (كاميرون، 1985م؛ كوتس، ~~1986م؛ جرادول وسوان، 1989م)، وعلى سبيل المثال، تبين دراسة لمحادثة بين ~~أزواج أمريكيين من ذوي البشرة البيضاء وجميعهم من المهنيين (فيشمان، 1983م) ~~أن النساء أثرن موضوعات أكثر مما أثاره الرجال (47 و29 على الترتيب)، ~~ولكن الموضوعات التي أثارها الرجال أصبحت كلها تقريبا (28) من مجالات ~~المحادثة، في حين أن المحادثة لم تتناول أكثر من ثلث الموضوعات التي ~~أثارتها النساء (17) إلا بقليل. وكان الرجال عندما يقدمون الموضوعات ~~يجدون أن النساء يشرن إلى انتباههن (بردود موجزة مثل «نعم» والغمغمة) ~~ويبدين قبولهن للموضوعات وردودهن عليها. وعلى العكس ms218 من ذلك وجدت الدراسة أن ~~الرجال لا يبدون انتباههم عموما أثناء عرض النساء للموضوعات، أي أثناء ~~كلامهن، وأنهم يبدون استجابة محدودة للموضوعات المقترحة (الأمر الذي لا ~~يشجع المتحدثين على مواصلة النظر في الموضوع) عندما تنتهي النساء من ~~الكلام. # وقد سجل الدارسون حالات كثيرة للتحيز للرجل في اللغة وفي استعمال ~~اللغة (والتحيز مناف للديمقراطية) على نطاق واسع، مثل استعمال ضمير ~~المذكر الغائب (متصلا أو منفصلا) كأنما هو ضمير يشير إلى الإنسان، ومن ~~ثم استخدامه في الإشارة إلى المرأة والرجل جميعا، إلى جانب استخدامه في ~~الصيغ المشهورة مثل «الرئيس» (جرادول وسوان، 1989م، 99-110). ولو كان ~~الضمير المذكور «اسم جنس» حقا، لوجدناه مستعملا في الإشارة إلى مجموعات ~~الأشخاص الذين يضمون الرجال والنساء معا، ومع ذلك فما أقل الحالات التي ~~يستخدم فيها ضمير المؤنث الغائب على نطاق واسع بهذه الطريقة، كالمثال ~~التالي: «إذا بدأت سكرتيرة تشكو من نوبات صداع، فالأرجح أن معدات المكتب ~~التي تستخدمها معيبة.» إن ضمير المؤنث الغائب يستخدم بهذه الطريقة لأن ~~«العضو النمطي» لمجموعة الأفراد التي ينتمي إليها امرأة، أي إن المعتاد أن ~~يقوم بأعمال السكرتارية أو التمريض امرأة، ولكن إذا كان ضمير الغائب المؤنث ~~المستخدم هنا للإشارة غير المخصصة يقوم على مثل هذا النمط المعتاد، أفلا ~~يصدق هذا أيضا على ضمير الغائب المذكر؟ وإذا كانت اللوائح الجامعية تتضمن ~~نصا كالتالي «إذا أراد الطالب قطع دراسته لأسباب شخصية أو صحية، فعليه ~~مناقشة الأمر أولا مع المشرف عليه»، أفلا يكون النمط المفترض للطالب هنا ~~ذكرا؟ لمن يريد أن يرجع إلى حجة تقول بها أن ينظر مارتينا ~~(1978م). # وعلى الرغم من أن معظم النقاش قد ارتكز من جديد على استمرار الممارسات ~~غير الديمقراطية والمنحازة للرجل، فإن سياق النقاش يمثل انفتاحا ~~للعلاقات بين الجنسين وإضفاء الديمقراطية عليها، وهو سياق له جوانبه ~~الخطابية، ونشهد هذه الأيام تدخل الكثيرين - لا من دعاة نصرة المرأة اللاتي ~~يفعلن هذا عن وعي، بل من نساء أخرى كثيرات ورجال كثيرين - تدخلا ~~فعالا للتقليل من ظاهرة الانحياز للرجل في استعمال اللغة، ms219 بحظوظ متفاوتة ~~من النجاح. وقد يتخذ التدخل صورا متنوعة؛ منها إصدار خطوط إرشادية لتجنب ~~الانحياز للرجل في المؤسسات؛ ومنها الكتابة والرسم في لافتات إعلانية أو ~~على الجدران لإظهار الخطاب المنحاز للرجل والطعن فيه؛ ومنها الكفاح لتمكين ~~المرأة من الظفر بمواقع وأدوار وممارسات ذات مكانة عالية، ومن الأشكال ~~المهمة للتدخل الانخراط في ضروب كفاح ذوات هيمنة أكبر، ابتغاء تصحيح ~~الممارسات في مؤسسات معينة مثل الاجتماعات النقابية أو مجالس الأقسام ~~العلمية في الجامعات حتى يتيسر للمرأة المشاركة، أو اعتماد طرائق تفاعل ~~تعاونية لا تنافسية وهي التي كثيرا ما تحظى بتقدير من المرأة يفوق تقدير ~~الرجل لها، بل ولا ينبغي أن نغفل «لغة الصمت» باعتبارها من طرائق التدخل، ~~فقد يفسر الناس ويظهرون ردود أفعالهم للخطاب بطرائق تعارضه حتى ولو ~~عبروا تعبيرا صريحا عن معارضتهم. وقد يوجه الرجال تدخلهم أحيانا ضد ~~أبعاد خطابية لمظاهر الذكورة، مثل افتراض أن «كون الرجل رجلا» يمنحه الحق ~~في ممارسات خطابية عدوانية وبذيئة. وأمثال هذه الممارسات «التدخلية» أقرب ~~إلى عادات شرائح معينة من الطبقة المتوسطة وأشد تأثيرا فيها عن ~~غيرها. # ومسائل التدخل تذكرنا في الوقت المناسب بأن الاتجاهات التجريدية، ~~مثل إضفاء الديمقراطية، تمثل جماع الصراعات المتناقضة التي قد تواجه فيها ~~التدخلات لإعادة هيكلة نظم الخطاب مقاومة منوعة الأشكال، وقد تتعرض ~~لاستراتيجيات احتواء مختلفة، بغرض الحفاظ على صور الهيمنة في مجال الخطاب، ~~ومن أمثال هذه الاستراتيجيات استراتيجية التهميش، ومن الأمثلة التي ذاع ~~صيتها قضية اقتران اسم المرأة بالمختصر # Ms ~~(ينطق مز) وكان الهدف من ابتكار هذا اللقب أصلا فرض التناظر بين الجنسين ~~على الألقاب، أي إنه يشترك مع # Mr ~~(مستر) في ~~عدم الإشارة إلى «الحالة الاجتماعية» (وهو التعبير الذي نطلقه على التمييز ~~بين المتزوج والعزب)، ولكننا نرى أن الاستمارات الرسمية تطبع المختصر # Ms # جنبا إلى جنب مع المختصرين القديمين # Mrs ~~(مسز أي السيدة)، ~~و # Miss ~~(مس أي الآنسة)، باعتبارها بدائل ~~يمكن الاختيار من بينها. وهكذا يصبح اختيار «مز» «فعلا سياسيا» بمعنى ~~أنه قد يؤدي في معظم المجالات إلى تهميش صاحبته. ms220 والصراع حول هذه الأشكال ~~مستمر، وعلى الرغم من أن إضفاء الديمقراطية على الممارسات الخطابية ~~المتعلقة بالجنسين عملية أبعد ما تكون عن السلاسة والتعميم، فإن عدم ~~التناظر بين الجنسين في الخطاب قد سلب وضعه الطبيعي وأصبح إشكالية ذات ~~نطاق لا يستهان به. ~~(2) التسليع # التسليع يعني أن بعض المجالات والمؤسسات الاجتماعية التي لا تعمل ~~بإنتاج سلع بالمعنى الاقتصادي الضيق للبضائع المعدة للبيع، تخضع رغم ~~ذلك لتنظيمها وتصويرها في إطار إنتاج السلع وتوزيعها واستهلاكها. ولم يعد ~~من المستغرب، على سبيل المثال، أن نسمع أن بعض القطاعات الفنية ~~والتعليمية، مثل المسرح وتعليم اللغة الإنجليزية يشار إليها باسم ~~«الصناعات» التي تعمل بإنتاج وتسويق وبيع سلع ثقافية أو تعليمية إلى ~~«عملائها» أو «مستهلكيها»، وليس التسليع عملية جديدة بالمعنى المفهوم، ~~ولكنها اكتسبت أخيرا قوة وكثافة جديدتين باعتبارها جانبا من جوانب ~~«ثقافة المبادرة (والهمة التجارية)» (كيت وأبركرومبي، 1990م)، وقد أشار ~~ماركس نفسه إلى تأثير التسليع في اللغة، فالإشارة إلى الأشخاص باعتبارهم ~~«الأيدي العاملة» في السياقات الصناعية، على سبيل المثال، جزء من النظر ~~إليهم بصفتهم سلعا مفيدة في إنتاج سلع أخرى، أي باعتبارهم قوة عمل ~~مجسدة. أما من حيث نظم الخطاب فلنا أن نتصور أن التسليع استعمار لنظم ~~الخطاب المؤسسية، وللنظام المجتمعي للخطاب بصفة أعم، من جانب أنماط خطابية ~~مرتبطة بإنتاج السلع، وسوف أشير إلى نماذج من التعليم والخطاب ~~التعليمي. # ومن معالم الخطاب التعليمي المعاصر المنتشرة على نطاق واسع معاملة ~~المناهج أو البرامج الدراسية باعتبارها سلعا أو منتجات يجري تسويقها على ~~الزبائن، والمقتطف الذي استعملته في الفصل السادس مثال لهذا النمط: # عادة ما يكون منتج الإعداد المهني برنامجا، ومن ثم فإن تصميمه ~~وتنفيذه عناصر رئيسية في عملية التسويق، ويجب أن تتمثل نقطة انطلاقه في ~~احتياجات الذين يمكن أن يصبحوا زبائن وعملاء له والفوائد التي ينشدونها ~~(وحدة التعليم المستمر، 1987م، 51). # والرسالة الموجهة إلى مصممي البرامج والمعلمين صورة تطبيقية مفصلة ~~للقاعدة التسويقية التي تقول: «قدم إلى الزبائن ما يريدون»، وأمثال هذه ~~الصياغات تتسبب في النقل المجازي لمفردات السلع والأسواق إلى نظام ms221 الخطاب ~~التعليمي، ولكن الاستعارة في بريطانيا المعاصرة ليست مجرد زخرفة بلاغية، ~~بل إنها البعد الخطابي لمحاولة إعادة هيكلة الممارسات التعليمية استنادا ~~إلى النموذج السوقي، وقد تكون لها (كما يتضح من هذا المقتطف) آثار ملموسة ~~في تصميم المناهج وتدريسها، وفي الجهد والأموال المبذولة في التسويق، ~~وهلم جرا. # ولكن الخطاب التعليمي «المسلع» عادة ما يتضمن من التناقض الذاتي ~~قدرا أكبر مما يوحي به هذا الكلام. ونحن نجد لمحة من هذا التناقض في ~~الجمع بين «الزبائن» و«العملاء» في المقتطف الوارد أعلاه، وهو ما يشي بغموض ~~واسع الانتشار حول من سوف تباع لهم السلع التعليمية أو «الحزم» ~~المغلفة المشار إليها. تراها سوف تباع إلى طالب العلم أم إلى الشركات ~~التي يعمل فيها طلاب العلم حاليا؟ أو ربما التحقوا بالعمل بها في ~~المستقبل؟ هذه الشركات يمكن اعتبارها فعلا «عملاء» بالمعنى المباشر الذي ~~يفيد تحمل نفقات الدورة التدريبية للمتعلم، ومن ثم فإن الصورة ~~المبنية لطلاب العلم صورة متناقضة، إذ يرسم لهم من ناحية دور إيجابي، أي ~~دور الزبون الفطن، أو الزبون الذي يدرك ما «يحتاج» إليه ويتمتع ~~بالقدرة على اختيار المناهج التي تفي باحتياجاته، ويرسم لهم من ناحية ~~أخرى دور سلبي، وهو كون أمثالهم عناصر أو أدوات في عمليات الإنتاج (وهو ما ~~يشبه تعبير «الأيدي العاملة» في مثال ماركس) إذ يستهدفون للتدريب على ~~اكتساب «مهارات» أو «قدرات» معينة، من خلال مناهج ترمي إلى تحقيق «أهداف ~~تحصيل» محددة، تصل إلى ذروتها برسم صور للدارسين، وجميعها يتخذ صورة ~~مهارات مخصصة ومحددة بدقة. لقد انتشر اليوم هذا الإطار وانتشرت هذه ~~المصطلحات على نطاق واسع، خصوصا في التعليم السابق للتدريب المهني، ولكن ~~هذه تستخدم أيضا، على سبيل المثال، في «تقرير كوكس» عن تعليم الإنجليزية ~~في المدارس (وزارة التعليم والعلوم 1989م). والوجود المتزامن للصورتين ~~السلبية والإيجابية للدارس تسهل التلاعب بالأشخاص من خلال التعليم، وذلك ~~بأن تكتسي مظهرا يمكن وصفه بأنه نبرات الحديث الفردية ~~والاستهلاكية. # والخطاب التعليمي المسلع تسوده المفردات الخاصة بالمهارات، وهي لا ~~تقتصر على كلمة «المهارة» وحسب، والكلمات المتصلة بها ms222 مثل «المقدرة» ~~و«الكفاءة»، بل صياغة كاملة لعمليات التعلم والتعليم القائمة على مفاهيم ~~المهارة، والتدريب على اكتساب المهارات، واستخدام المهارات، ونقل المهارات ~~وهلم جرا (انظر كتاب فيركلف «تحت الطبع»، ب). ويعتبر مفهوم المهارة ~~عاملا مهما في تمكين الصورتين المتناقضتين للمتعلم من التعايش دون عدم ~~اتساق ظاهر؛ لأن المفهوم يتفق فيما يبدو مع النظرة الفردية والذاتية ~~للتعلم، وفي الوقت نفسه مع النظرة الموضوعية للتدريب. ويتجلى هذا ~~الازدواج الدلالي في تاريخ المفهوم داخل الخطاب التعليمي المحافظ المنتمي ~~إلى المذهب الإنساني الليبرالي، وفي التاريخ الدلالي لكلمة «المهارة» ~~نفسها. فمفهوم المهارة تترتب عليه من ناحية معينة معان فردية إيجابية؛ ~~فالمهارات صفات عالية القيمة في الأفراد، ويختلف الأفراد في أنماط مهاراتهم ~~ودرجاتها، ويتمتع كل فرد بحرية تشذيب مهاراته أو إضافة مهارات جديدة إلى ما ~~لديه (وأقول بالمناسبة: إن هذا المفهوم ديمقراطي أيضا، مما يعني أن كل ~~فرد لديه طاقة على التعلم والتطور بشرط واحد، وهو حصوله على التدريب)، ~~ويترتب على مفهوم المهارة من ناحية أخرى دلالات معيارية سلبية موضوعية؛ ~~فجميع الأفراد يكتسبون بعض العناصر من مخزون اجتماعي مشترك من المهارات، من ~~خلال إجراءات تدريب معيارية، كما إنه من المفترض إمكان نقل المهارات عبر ~~مختلف السياقات والمناسبات والمستخدمين لها بأسلوب لا يكاد يتيح للطابع ~~الفردي مساحة تذكر. # والمفردات الخاصة بالمهارة ذات أصول عريقة مبجلة في علم اللغة ~~واللغويات التطبيقية، حيث تشيع الفكرة التي تقول إن استعمال اللغة يقوم على ~~أسس مجموعات من «المهارات اللغوية» (مهارات الكتابة والقراءة والكلام ~~والاستماع)، وتساعد هذه الصيغة على تسليع مضمون تعليم اللغات، بمعنى أنها ~~تيسر تقسيمها إلى وحدات منفصلة، بحيث يمكن تدريس كل منها على انفراد ~~وتقييم نتائجه، كما يمكن أن تباع وتشترى باعتبارها بضائع متميزة داخل ~~الإطار المتنوع للسلع المتاحة في سوق التعليم. ولا تقتصر هذه الوحدات على ~~كونها فئات المهارات الرئيسية الخاصة بالكتابة والقراءة والكلام والاستماع، ~~بل إنها تمثل أيضا أجزاء مخصصة من كل مهارة. فمهارات الكلام يمكن ~~تقسيمها إلى تقديم المعلومات، والتعبير عن الرأي، والمشاركة في مناقشة ~~جماعية، ومن ms223 الممكن تقسيم كل جزء من هذه الأجزاء إلى أقسام فرعية، وهلم ~~جرا (انظر مثلا قائمة مهارات الاتصال الخاصة بمشروع تدريب الشباب في ~~وحدة التعليم المستمر، 1987م، 38). ومن شأن هذا، وفقا للجانب الذي يجري ~~تأكيده من بين الجوانب المتناقضة للدارس، تسهيل أحد أمرين؛ إما التحديد ~~الدقيق لجوانب النقص وتصحيحها، وإما تقديم ما يلزم لتلبية احتياجات ~~المستهلك بأكبر قدر ممكن من التخصيص. وصياغة تعليم اللغة بمفردات المهارات ~~تعني أيضا استنادها إلى نظرة معيارية (إلى حد كبير) إلى اللغة باعتبارها ~~مجموعة من الممارسات المحددة (على نحو ما أقيم عليه الحجة في كتابي ~~المقبل «ب»). # ولكن تسليع الخطاب التعليمي ليس مسألة مفردات وحسب، بل يتعلق أيضا ~~بالنوع، فالتعليم مجال من بين عدة مجالات يستعمر «نوع الإعلان» نظم الخطاب ~~فيها (فيركلف، 1989م، أ، 208-211)، ونتيجة لذلك تكاثرت أنماط النصوص التي ~~تجمع بين معالم الإعلان ومعالم أنواع أخرى. وقد سبق لنا الاطلاع على مثال ~~لهذا في النص الخاص ببطاقة باركليكارد عاليه، حيث يمتزج الإعلان بالنظم ~~المالية. وبعد صفحة أو صفحتين نجد مثالا مختلفا إلى حد ما من مجال ~~التعليم، وهو مقتطف من اللائحة الداخلية لمرحلة الليسانس بجامعة لانكاستر ~~عام 1990م. وينبغي ألا نولي أهمية خاصة لاختيار الجامعة أو المنهج ~~الدراسي، إذ توجد اتجاهات مماثلة، بوضوح وجلاء، في غير هذه المناهج ~~واللوائح. # ومن المعالم المشتركة للمناهج في هذه اللائحة وضع صورة فوتوغرافية ~~بالقرب من بداية المدخل، وعبارة «سوف تحتاج إلى» وبعض الرسوم البيانية في ~~آخره. والإدراج المنتظم للصور الفوتوغرافية في اللوائح الداخلية من ~~التطورات الحديثة نسبيا، ويتجلى فيه تأثير الإعلان. فالإعلان المعاصر عن ~~السلع عادة ما يتكون من مزيج من اللغة والصور «البصرية»، والاتجاه ~~الحالي زيادة إبراز الصور. وهذا يتفق إلى حد ما مع التطورات التكنولوجية ~~في التليفزيون وفي الطباعة، ولكن احتمال استغلال التكنولوجيات استغلالا ~~كاملا يتوقف على اتفاقها، كما سبق لي أن ذكرت، مع مسار التغيير ~~الاجتماعي والثقافي. وإذن فما الذي يكسبه الإعلان من الصور «البصرية»؟ ~~علينا إذا أردنا إجابة هذا السؤال أن ننظر نظرة شاملة ms224 إلى الخصائص العامة ~~للإعلان باعتباره نوعا مستقلا. # يعتبر الإعلان الخطاب «الاستراتيجي» الأول بلا مراء، وفقا للتمييز ~~الذي وضعه هابرماس بين اللغة «الاستراتيجية» ولغة «الاتصال» (1984م). فمهمة ~~الإعلان بناء «الصور» بمعناها الآخر، أي طرائق تقديم الأشخاص إلى الجمهور، ~~أو تقديم المنظمات والسلع إليه، وبناء هويات معينة، أو «شخصيات» لأي ~~منها. وتقضي ظروف السوق المعاصرة بأن تقوم أعداد من الشركات بتسويق منتجات ~~متشابهة إلى حد كبير، فإذا أرادت إحداها إثبات اختلاف ما تنتجه كان ~~عليها أن تبني له هوية خاصة، ونرى في الوقت نفسه أن فئات الأشخاص الذين ~~يحتمل شراؤهم لهذه المنتجات كثيرا ما يتعذر تحديد انتمائها إلى أنماط ~~اجتماعية قائمة ومستقلة (كالطبقات، والجماعات الإقليمية والعرقية ، ~~والانتماء إلى أحد الجنسين ... إلخ)، وإذن، فلا بد من بناء هذه الأنماط في ~~الخطاب أيضا، بل ولا بد من بناء صورة منتجي السلع وبائعيها، بحيث تتفق مع ~~صور المنتجات وصور من يمكن أن يستهلكوها. وهكذا نرى الجمع بين المنتج وما ~~ينتجه والمستهلك له باعتبارهم مشاركين في أسلوب حياة معين، أي في جماعة ~~استهلاكية (لايس، وكلاين وجهالي، 1986م) وهي الجماعة التي يبنيها الإعلان ~~ويحاكيها. # وأما ما يكسبه المعلنون من الصور البصرية فهو طاقتها الإيحائية على ~~محاكاة أسلوب حياة معين، وهي تتفوق على اللغة بصفة عامة في قوتها ~~وتأثيرها المباشر، إذ تستطيع الصورة البصرية الناجحة أن تخلق فورا عالما ~~يمكن أن يشترك المستهلك المحتمل مع المنتج وما ينتجه في الحلول داخله من ~~قبل أن يقرأ القارئ (أو يسمع المشاهد) لغة الإعلان، وهكذا فإن معظم الصور ~~الفوتوغرافية المطبوعة في الكتيب الذي يتضمن اللائحة المشار إليها، ~~تصور طلاب الجامعة أثناء عملهم (في قاعات الدرس، أو أثناء استعمال المعدات ~~العلمية، أو الدردشة، وهلم جرا) بحيث تقدم لمن يمكن أن يلتحق ~~بالجامعة من الطلاب الجو المادي والاجتماعي الذي يستطيعون أن يتخيلوا أنهم ~~قد دخلوه. والصورة التي طبعت في أعلى المثال المرفق لا تمثل نشاطا ~~طلابيا، ولكنها تقدم منظرا يمثل بيئة طبيعية ذات جمال أخاذ يتيح ~~للطالب أن يتصور أنه قد دخله (إذا ms225 قضى عاما في جامعة أمريكية في إطار ~~دراسته للحصول على الدرجة)، أي إن الصورة البصرية تقدم صورة مغرية للمنتج ~~(أي السلعة) والمقصود هو برنامج الحصول على الدرجة الجامعية، بحيث يتخيل ~~الطالب المحتمل أنه ينتمي إلى هذه الصورة. # وأما الأشكال المرسومة تحت عنوان «ما سوف تحتاج إليه» في آخر الموضوع ~~فلا تتمتع بالخصائص الإيحائية للصورة الفوتوغرافية، ولكنها تسهم من جانبها ~~في البناء المشترك للطالب المحتمل، وللجامعة، وللمنهج الدراسي. والأشكال ~~البيانية من هذا النوع أسلوب فعال لتقديم المعلومات في لمحة سريعة. ~~واستعمال الأشكال البيانية يدل ضمنا على أن المؤسسة تأخذ بالأساليب ~~الحديثة، وبأنها حساسة لما يحتاجه الطلاب، خصوصا بسبب ما تتسم به ~~الكتيبات التي تقدم التخصصات الجامعية واللائحة الداخلية من تعقيد ~~لا يساعد القارئ على هضم المعلومات، كما أن هذه الأشكال ترسم صورة للطالب ~~باعتباره ذا حاجات وقيم معينة، مثل حاجته إلى المعلومات العملية في شكل ~~ييسر هضمها، ومثل تقديره للوضوح والكفاءة في تقديمها إليه. # واستخدام الأشكال البيانية يساعد أيضا على التغلب على التناقض الذي ~~ينجم عن استعمار الإعلان لمثل هذه الكتيبات، فقد تريد الجامعات أن «تبيع» ~~أنفسها للطلاب، ولكنها أيضا تفرض قواعد وشروطا صارمة على الالتحاق بها. ~~وهكذا فإن الطلاب يشغلون من ناحية موقع سلطة معينة باعتبارهم مستهلكين ~~يتمتعون بحق الاختيار، ويشغلون من ناحية أخرى موقع طالبي الالتحاق الذين لا ~~حول لهم ولا طول، ويؤدي تهميش شروط الالتحاق وتقديمها من خلال الشكل ~~البياني، إلى أن يفسر القارئ «المتطلبات» التي تفرضها الجامعة (أي الشروط ~~التي تطلب توافرها فيمن يحق له الالتحاق بها) باعتبارها حقائق لا يوجد ~~فيما يبدو مسئول عنها. ولاحظ كيف يظهر ذلك أيضا في تفاصيل الصياغة، مثل ~~استخدام عبارة «سوف تحتاج إلى» بدلا من «نحن نشترط» أو «نحن نطلب». # ولننتقل الآن إلى النص الرئيسي: إن ما يلفت النظر فيه هو مزج المعلومات ~~بمحاولة الإقناع، أي إطلاع من يمكن التحاقهم من الطلاب على البرنامج ~~الدراسي و«بيعه» لهم. ويتضح هذا من ترتيب الجمل في الفقرة الأولى، فالجملة ~~الثالثة تصف تشكيل البرنامج ولكنها ms226 مسبوقة بجملتين تشكلان إطارا لها في ~~سياق قصصي عن برنامج الدراسات الأمريكية في جامعة لانكاستر، هل هذا إعلان ~~أو محاولة إقناع؟ # من الممكن بطبيعة الحال، تفسير ذلك على أنه إعلام أو محاولة إقناع، ~~فالمعلومات الخاصة بسجل الجامعة السابق في مجال الدراسات الأمريكية مهمة ~~للمتقدمين، دون شك، ولكن التجديد يزداد جاذبية لو أنه أقيم على أسس ~~المنجزات السابقة. والكتيبات الجامعية الصادرة في الثمانينيات أكثر ~~حدبا من تلك الصادرة في السبعينيات أو ما قبلها على اختيار وتنظيم ~~معلوماتها استنادا إلى الحسابات الاستراتيجية الخاصة بقدرتها على الإقناع. ~~ولنا أن نقول دون شطط إن الحساب الاستراتيجي للمعلومات ليس فيه جديد، وأما ~~الجديد حقا فإمكان جعل المعلومات استراتيجية ومقنعة بوضوح وجلاء، دون أن ~~يعتبر ذلك قضية (أي من دون لفت الأنظار إلى ذلك)، فلقد أدى تأثير الإعلان ~~باعتباره نموذجا ذا مكانة رفيعة إلى أن أصبح مزج المعلومات بأفانين ~~الإقناع أسلوبا طبيعيا، وظهرت شروخ في الفواصل التي كانت تفصل بينهما في ~~نظم الخطاب، ومن عواقب ذلك التغيير الجذري الذي نشهده في طبيعة «الإعلام» ~~والمعلومات. # ويتضح مزج المعلومات بأساليب الإقناع أيضا في الفقرات الأخرى من ~~النص المقتطف، وسوف أركز على الفقرة الثانية. أما الجملة الأولى فتبدو ~~«إعلامية» بصورة مباشرة، حتى نصادف كلمة «المختارة» (التي توصف بها الجامعة ~~الأمريكية)، إذ إنها تبين مدى حرص جامعة لانكاستر على مصلحة طلابها. وكلمة ~~«الخاصة» في الجملة الثالثة تقوم بمهمة مماثلة إلى حد كبير. وفي الجملة ~~الثانية يتضح التنظيم والتأطير، فالمعلومات الخاصة بطول المنهج الدراسي ~~يسبقها ويؤطرها بل ويربطها رابط سببي بعبارة «العلاقات الأمريكية الوثيقة» ~~مع جامعة لانكاستر، ونقول بالمناسبة: إن هذه العلاقات مفترضة سلفا، كأنما ~~ينبغي أن يكون الطلاب ملمين بها. وكلمة «وثيقة» تلمح إلماحا خفيا إلى ~~تفوق جامعة لانكاستر، وهو ما يعتبر جانبا من جوانب المقارنة المضمرة بين ~~جامعة لانكاستر والجامعات الأخرى. وطباعة كلمة ثلاثة بحروف مائلة، ~~والمقارنة السافرة بين جامعة لانكاستر والجامعات الأخرى، توحي بأن قصر ~~المنهج الدراسي يقصد به أن يكون عاملا مساعدا على «التسويق». ~~(3) إضفاء التكنولوجيا # تتسم ms227 المجتمعات الحديثة بالاتجاه إلى زيادة التحكم في المزيد من ~~جوانب حياة الناس، وقد وصف هابرماس هذه الظاهرة بأنها استعمار ل «عالم ~~الحياة» من جانب «نظم» الدولة والاقتصاد (1984م، 40) وما قلته عاليه عن ~~التسليع يشير إلى جانب خطابي من جوانب الاستعمار الاقتصادي. كما تعرض ~~فوكوه أيضا لهذا الاتجاه العام، إذ أعد قائمة ب «التكنولوجيات» ~~و«التقنيات» التي تخدم «السلطة الحيوية» الحديثة (انظر الفصل الثاني ~~أعلاه). # ومن الممكن التوسع في تحليل فوكوه لتكنولوجيات السلطة بحيث تتضمن ~~الخطاب، ومن المفيد أن نعتبر أن «تكنولوجيات الخطاب» (فيركلف، 1989م، أ، ~~211-223)، و«إضفاء التكنولوجيا على الخطاب» (فيركلف، 1990م، ب) يمثلان ~~خصائص نظم الخطاب الحديثة. وتتضمن أمثلة تكنولوجيات الخطاب المقابلات ~~الشخصية، والتعليم، وجلسات المشورة ، والإعلان. وأما سبب إطلاقي هذه التسمية ~~عليها فرغبتي في أن أبين أنها قد اتخذت، وتواصل في المجتمع الحديث اتخاذ ~~طابع التقنيات «عبر السياقية» (أي التي تتجاوز سياقا بعينه)، وتعتبر من ~~ثم موارد أو أدوات يمكن استخدامها لتطبيق استراتيجيات بالغة التنوع ~~في سياقات كثيرة مختلفة، ويزداد باطراد استخدام تكنولوجيات الخطاب في مواقع ~~مؤسسية محددة من جانب ممثلين لقوى اجتماعية معينة. كما بدأت تكتسب ~~التكنولوجيين المتخصصين العاملين في مجالها وحده، مثل الباحثين في مدى ~~كفاءتها، وواضعي التصميمات الجديدة، التي تمثل التحسينات التي تقتضيها ~~نتائج البحوث العلمية وتغير متطلبات المؤسسات، إلى جانب المدربين الذين ~~ينقلون هذه التقنيات إلى المتدربين. ومن بين هؤلاء التكنولوجيين أعضاء ~~أقسام العلوم الاجتماعية في الجامعات، ومن الأمثلة الراسخة مشروع البحوث ~~والتدريب في مجال «المهارات الاجتماعية» الذي يقوم بتنفيذه علماء النفس ~~الاجتماعي (أرجايل، 1978م). وأما الذين يستهدفون للتدريب في تكنولوجيات ~~الخطاب فهم في العادة معلمون، وبعض من يجرون المقابلات الشخصية، ~~والمعلنون، وغيرهم من «حراس المداخل» وأصحاب السلطة، وأما تكنولوجيات ~~الخطاب فالمقصود بها أن تحدث آثارا محددة في الجمهور (العملاء والزبائن ~~والمستهلكون) الذين لم يتلقوا التدريب عليها. # وتقيم تكنولوجيات الخطاب علاقة وثيقة بين المعرفة باللغة والخطاب ~~والسلطة، إذ يجري تصميمها وتشذيبها استنادا إلى الآثار المتوقعة لأدق ~~تفاصيل الاختيارات اللغوية في المفردات، والنحو، ونبرة الإلقاء، وتنظيم ms228 ~~الحوار وهلم جرا، إلى جانب تعبير الوجه، والإيماء، والوضعية الجسدية ~~والحركات، وهي تأتي بالتغيير الخطابي عمدا وعن وعي كامل، وهو ما يعني أن ~~التكنولوجيين يحيطون بالمعارف الخاصة باللغة والخطاب والسيمياء ~~(السيميوطيقا) إلى جانب معارف علم النفس وعلم الاجتماع. ومن المتوقع أن ~~يزيد محللو الخطاب وعلماء اللغة من ممارسة تكنولوجيات الخطاب أو أن ~~يتيحوا لتكنولوجيي الخطاب الاستفادة من نتائج بحوثهم. # وتتضمن تكنولوجيات الخطاب فنون المحاكاة، وخصوصا محاكاة معاني ~~العلاقات بين الأشخاص والممارسات الخطابية لتحقيق أغراض استراتيجية وعملية. ~~ويرتبط هذا بتعليقاتي السابقة على إضفاء الديمقراطية على الخطاب، إذ إن ~~أصحاب السلطة المؤسسية يستخدمون على نطاق واسع تقنيات محاكاة تناظر السلطة ~~ونبذ الطابع الرسمي. ومن الأمثلة على ذلك نوع المقابلات الشخصية التي تجري ~~مع المتقدمين لشغل الوظائف في المرافق العامة مثل المستشفيات وأجهزة الحكم ~~المحلي والجامعات. وقد استخدمت في كتاب آخر لي مصطلح «الطابع الشخصي ~~المصطنع» (فيركلف، 1989م، أ، 62) في الإشارة إلى محاكاة جوانب معينة من ~~معنى العلاقات بين الأشخاص استنادا إلى الحساب الاستراتيجي للآثار ~~المترتبة على ذلك. أي إن محاكاة العلاقات بين الأشخاص ناجمة عن إخضاع ~~جميع الجوانب الأخرى للممارسة الخطابية ومعناها لتحقيق أهداف استراتيجية ~~وعملية، وهذا هو نمط التفاعل الذي يصفه هابرماس بأنه «استراتيجي» تمييزا ~~له عن التفاعل «التواصلي» (انظر أعلاه). ويرتبط إضفاء التكنولوجيا على ~~الخطاب بتوسيع نطاق الخطاب الاستراتيجي حتى يشمل مجالات جديدة. # ويبدو أن إضفاء التكنولوجيا على الخطاب قد امتد واتسع، إذ انتقل من بعض ~~الأنواع مثل المقابلة الشخصية، والمقابلات الشخصية تعتبر جماهيرية ما دامت ~~ترتبط بشتى ضروب الوظائف المؤسسية الجماهيرية، إلى النوع الأساسي في المجال ~~الشخصي، وهو المحادثة. ويتجلى في هذا استيلاء المؤسسات على المحادثة، ~~وشحنها بمضمون سياسي وأيديولوجي محدد. والمقابلة الشخصية القائمة على ~~الطب البديل مثال لذلك. ويتجلى فيها أيضا أسلوب انتقال المجالات الخاصة ~~إلى المجال العام، حيث تستعمر «النظم» مجالات «عالم الحياة»، إذا استعرنا ~~تعبير هابرماس. وهكذا نرى تحويل الترتيبات المنزلية والعلاقات الأسرية إلى ~~المجال العام، ولو إلى حد محدود، وكثيرا ما يشار إليها باعتبارها ~~مجالا ms229 خاصا من مجالات السياسة. # فلنزد هذه المسائل إيضاحا بالإشارة إلى كتاب يصف الأسلوب الذي يتيح ~~للمديرين في مواقع العمل تحسين مهاراتهم في المحادثة (مارجريسون، 1987م). ~~وموضوع الكتاب هو «مهارات التحكم في المحادثة»، وإن كانت «المحادثة» هنا ~~تتضمن الاجتماعات والمقابلات الشخصية الخاصة بالعمل، إلى جانب المحادثة ~~غير الرسمية بالمعنى الضيق، وترتبط بعض المهارات التي يناقشها الكتاب، مثل ~~مهارة «التلخيص» (المرادفة تقريبا ل «الصياغة» التي سبق ذكرها) ارتباطا ~~أساسيا بأنماط الخطاب المؤسسية الرسمية، ولكن بعضها الآخر ينتمي إلى ~~المحادثة غير الرسمية، والحق أن «مهارات التحكم في المحادثة» لا تقتصر، ~~فيما يقال، على أهميتها للعمل، بل تتعدى ذلك إلى إدارة العلاقات داخل ~~الأسرة وفيما بين الأصدقاء. # ويولي الكتاب اهتماما بضروب منوعة من المهارات، إذ يتناول أحد فصوله ~~مهارات الاستنباط التي تعني أن يدرك السامع وأن يستجيب ل «المفاتيح» ~~اللفظية و«الإشارات» غير اللفظية التي تومئ إلى معان عبر عنها المتحدث ~~تعبيرا غير مباشر أو ألمح إليها وحسب. وأمثال هذه الإشارات تقتصر على ~~المشكلات المهمة، وذلك عندما يشعر الناس أنهم لا يستطيعون الحديث بصراحة ~~عنها، كما أن عجز السامع عن التقاط هذه المفاتيح والإشارات قد تكون له ~~عواقب وخيمة. ومن القضايا المرتبطة بذلك مهارات الاستئذان لدخول «أرض ~~المحادثة» - أي المشاعر والحالات النفسية والأفكار الخاصة والدوافع الشخصية ~~للآخرين - وهي التي قد تكون «محرمة على الغير»، ويركز فصل آخر من فصول ~~الكتاب المذكور على تقنيات تحويل محادثة قائمة على المواجهة إلى محادثة ~~تعاونية، بما في ذلك مهارات إدارة الاختلاف والرفض. وتتضمن عدة فصول بعض ~~المهارات الخاصة بما يعرف بمصطلحي «التأدب الإيجابي» و«التأدب السلبي» في ~~الدراسات المنشورة عن التداولية. وتتضمن هذه طرائق إظهار تقدير المرء ~~لسامعيه وتفهمهم في المحادثة (وربما يكون ذلك أثناء محاولة المرء الحصول ~~على موافقتهم على موقفه المعارض لموقفهم) وطرائق تخفيف الانتقادات الموجهة ~~للآخرين. وفي الكتاب فصل يناقش كيف يمكن للمرء الطعن في افتراضات مسلم ~~بها في المحادثات، وكيف يمكنه تأكيد موقفه من دون نبرات عدوانية. ويناقش ~~فصل آخر طرائق التحكم في الموضوعات وتغييرها، خصوصا ms230 التحول من تحليل ~~حالات الفشل السابقة إلى وضع خطط للمستقبل. # ويقول الكتاب إن مهارات التحكم في المناقشة يمكنها أن تسهم في النجاح ~~التجاري وزيادة الأرباح، وزيادة السلامة في مكان العمل، والدوافع الحافزة ~~للعاملين، وتحاشي المنازعات بين الإدارة والعمال، قائلا: «ومن ثم فإن ~~التحكم في المحادثة ينهض بدور أساسي في إيجاد الظروف التي تمكن الناس من ~~العمل الفعال معا»، وأما في إطار الأسرة والعلاقات الاجتماعية الأخرى ~~فإن «الاختلافات في الرأي يمكن أن تؤدي إلى نشوء مجادلات ومنازعات جارحة أو ~~أن تؤدي الإدارة الماهرة للمحادثات إلى تصفيتها»، ولكن هذه الإشارة الواضحة ~~إلى إمكانات التحكم في المحادثة باعتبارها «تكنولوجية» معينة، تقترن في ~~الكتاب بمزاعم غير مقنعة تقول إن الأمر «لا يتعلق بالتحكم في الآخرين بل ~~بالتحكم في محادثتنا وسلوكنا نفسه»، وإن المسألة في الحقيقة مسألة ~~«التأثير» في الناس من دون «التلاعب» بهم (ص193-194). # وتوجد علاقة وثيقة بين إضفاء التكنولوجيا على الخطاب وبين المهارات ~~المذكورة، وكذلك النظرة القائمة على الكفاءة فيما يتعلق بتعليم اللغات ~~والتدريب اللغوي الذي ناقشته عاليه باعتباره «تسليعا»، أي إن انتشار ذلك ~~وتغلغله في المجالات الخاصة ومجالات عالم الحياة بل وفي مجال المحادثة ~~يتفق، فيما يبدو، مع موجة التعميم الحالية للتدريب على اكتساب المهارات ~~اللغوية، إذ كان التدريب على مهارات الاتصال مقصورا حتى عهد قريب على ~~«حراس المداخل» وأصحاب السلطة في المؤسسات، إلى جانب الأشخاص الذين كانوا ~~يعانون من عجز ما، بدنيا أو نفسيا، ولكن مهارات الاتصال اللغوي أصبحت ~~تدرس الآن للجميع في بريطانيا المعاصرة، بسبب السياسات الجديدة الخاصة ~~بالثانوية العامة، والمقررات الدراسية القومية في المدارس، وفي التعليم ~~السابق للتدريب المهني (مبادرة التعليم التقني والحرفي، ومشروع تدريب ~~الشباب ... إلخ) (انظر وحدة التعليم المستمر، 1987م؛ وزارة التعليم والعلوم، ~~1989م.) ~~(4) كيف تفهم هذه الاتجاهات # يعتبر تجريد هذه الاتجاهات وعزلها على نحو ما فعلته عاليه، من أساليب ~~إبرازها، ولكنني كنت ولا أزال أركز في هذا الكتاب على نظم الخطاب ~~باعتبارها مركبة وغير متجانسة بل ومتناقضة، وإذن فعلينا أن نحاول أن ~~نفهم هذه الاتجاهات في ms231 تفاعلها وتقاطعها، وعلينا في غضون هذا أن نسمح ~~بالاختلافات الممكنة في آثار هذه الاتجاهات في شتى نظم الخطاب المحلية، ~~وفي درجة قبولها أو رفضها، وهلم جرا، وعلينا أيضا أن نتيح مكانا ~~لبعض الظواهر مثل «إضفاء الطابع الشخصي المصطنع» المشار إليه في القسم ~~الأخير، والقضية العامة هي أن الاتجاهات قد تكون لها قيم متضادة وبالغة ~~الاختلاف، استنادا إلى ما قد ترتبط به، إلى جانب كونها متاحة للاصطباغ ~~بشتى الألوان السياسية والأيديولوجية. # وقد يبدو أن إضفاء الديمقراطية يتضاد تضادا بسيطا مع التسليع، ما ~~دام الأول يعني ضعف السيطرة والأخير يعني تدعيمها، ولكن بعض الظواهر مثل ~~إضفاء الطابع الشخصي المصطنع تبين أن العلاقة بينهما أشد تعقيدا مما ~~يبدو. ومن الأسباب الأخرى التي تمنع اعتبارهما من الأضداد البسيطة أن ~~التسليع في الواقع يعني إضفاء الديمقراطية ضمنا. ولنسترجع ما قلته عن ~~النص الخاص ببطاقة الائتمان «باركليكارد» في الفصل الرابع والنص الخاص ~~باللائحة الجامعية، وكيف أنهما يتضمنان تحولا جزئيا أو ابتعادا إلى ~~حد ما عن العلاقات التقليدية بين صاحب السلطة والخاضع لها في إدارة ~~المصارف والتعليم على الترتيب، واقترابا من «المستهلك» (الزبون والطالب ~~المتوقع)، ويتجلى هذا التحول في الخطاب الديمقراطي؛ بمعنى أن البنك ~~والجامعة لا يعبران تعبيرا سافرا عن سلطتهما، وأن ذلك يؤدي إلى وجود ~~توترات في النصين سبقت لي الإشارة إليهما. والنصوص المسلعة المبنية على ~~النماذج الإعلانية تتجلى فيها أيضا معالم أخرى للديمقراطية، من بينها ~~التخلي عن الصبغة الرسمية والاقتراب من خطاب المحادثة. # وهذا التلاقي بين التسليع وإضفاء الديمقراطية غير كامل ويسير في اتجاه ~~واحد، إذ أحيانا ما نجد الديمقراطية وحدها من دون التسليع، كما نرى في ~~المقابلة الشخصية الخاصة بالطب «البديل» في العينة المقتطفة في الفصل ~~الخامس. ومع ذلك فإن التلاقي يؤدي فعلا، فيما يظهر، إلى الكشف عن خصائص ~~مشتركة على مستوى أعمق، وخصوصا تأثير هذه الاتجاهات في بناء الخطاب ~~للذاتية أو للكيان النفسي، في سياق التحولات التي وثقها الباحثون (بحث ~~ن. روز على سبيل المثال) في التكوين الاجتماعي للنفس في المجتمع المعاصر. ~~وتسير ms232 هذه التحولات في اتجاه زيادة استقلال النفس وازدياد دوافعها الذاتية ~~(أي نحو النفس التي تتمتع ب «التسيير الذاتي» على نحو تعريف «روز» لها). ~~والواضح أن الاتجاهين يشتركان في التوجه نحو النفس التي تتميز ب ~~«التسيير الذاتي»، فالطبيب في العينة المقتطفة من المقابلة الشخصية ~~الخاصة بالطب «البديل»، ومؤلف الكتيب الذي يقدم اللائحة الجامعية، ~~يخاطبون (ومن ثم يفترضون سلفا) صورا مضمرة من النفس المتميزة ~~بالتسيير الذاتي. وهكذا فإن «المستهلك»، أي «المخاطب» القائم في حالات ~~الإعلان وتوسعاته الاستعمارية في التعليم والمجالات الأخرى، صورة من صور ~~النفس التي تتمتع بالتسيير الذاتي، وبالقدرة على «الاختيار» وإرادة ~~«الاختيار». وذلك أيضا شأن «العميل - المريض» في المقابلة الخاصة بالطب ~~البديل، إذ ينسب إليه كذلك الاستقلال والاختيار. فإذا كان التسليع وعمليات ~~إضفاء الديمقراطية الأوسع نطاقا تتجه معا إلى بناء النوع عينه من هذه ~~«النفس» فلن ندهش لتداخلهما في بعض المجالات مثل التعليم. وهكذا فإن طالب ~~المستقبل الذي تبنى صورته باعتباره مستهلكا قد يجد أنه قد أصبح عند ~~دخوله الجامعة «طالب علم يتمتع بالاستقلال». # وأنا أصف الاتجاه إلى إضفاء الديمقراطية والتسليع وصفا عاما ~~باعتبارهما من خصائص النظام المجتمعي المعاصر للخطاب، وتأثيرهما - وفق ما ~~ذكرت عاليه، في مختلف نظم الخطاب المحلية والمؤسسية - تأثير متفاوت؛ فبعض ~~نظم الخطاب تكتسب قدرا كبيرا من الديمقراطية والتسليع أو من أحد هذين ~~الاتجاهين، والبعض الآخر لا يكتسب القدر نفسه منهما أو من أحدهما. ومع ~~ذلك فإن ما يبهرنا هو تغلغل هذين الاتجاهين في شتى المجالات، إذ ~~يستطيعان عبور الحدود التي تفصل ما بين المؤسسات والمجالات. ويبدو أن ~~البروز الحالي لهما يتفق لا مع نماذج الكيان النفسي التي يوحيان بها وحسب، ~~ولكن أيضا مع حال خاصة من أحوال النظام المجتمعي للخطاب في المجتمع ~~المعاصر، الأمر الذي يتيح طرح نماذج جديدة منها. # والحال المذكورة حال «تفتيت» نسبي للمعايير والأعراف الخطابية، وهي ~~تؤثر في ضروب شتى من المؤسسات والمجالات. وأما ما أعنيه بالتفتيت فهو ~~انهيار من نوع ما، أو فقدان الفاعلية، في بعض نظم الخطاب المحلية، الأمر ~~الذي يتيح ms233 للاتجاهات العامة التغلغل فيها. ولأعبر عن هذا بمزيد من ~~التفصيل، فأقول: إن التفتيت يتضمن (1) زيادة المغايرة في الممارسة ~~الخطابية (فالمقابلات الشخصية الطبية تجري بطرائق أشد تغييرا)، و(2) ~~انخفاض القدرة على التنبؤ بما سوف يلقاه المشاركون في أي حدث خطابي، ومن ~~ثم ضرورة بذل الجهد لمعرفة المسار المحتمل لمقابلة من المقابلات على ~~سبيل المثال، و(3) زيادة إمكان تغلغل أنماط الخطاب القادمة من خارج المجال ~~المعني (مثل زيادة انفتاحه على خطاب المحادثة) والاتجاهات العامة. وتشير ~~الدلائل على زيادة تفتت الخطاب التعليمي والطبي وخطاب موقع العمل، بهذا ~~المعنى. # ومن المفارقات أن تفتت نظم الخطاب المحلية أصبح، فيما يبدو، من ~~شروط زيادة إضفاء التكنولوجيا على الخطاب، بمعنى أن زيادة انفتاح النظم ~~المحلية للخطاب تتضمن زيادة انفتاحها على العمليات التكنولوجية القادمة ~~من خارجها. وأما المفارقة فهي أن التفتيت أصبح يعني، على ما يظهر، تخفيفا ~~من النظم التي تحكم الممارسة الخطابية، في حين أن إضفاء التكنولوجيا ~~يمثل، على ما يظهر، تعميقا لهذه النظم. ومن أساليب تفسير هذه العملية ~~إدراك التحول في طبيعة النظم وموقعها. فحينما تكون نظم الخطاب ثابتة ~~ومستقلة نسبيا، فإن تنظيمها يجري محليا وداخليا من خلال آليات سافرة ~~للتنظيم أو من خلال ضغوط خفية، وهو الأكثر شيوعا، ولكن الاتجاه الآن هو أن ~~يقوم خبراء البحوث والتدريب بتنظيم الممارسة في مختلف المؤسسات والمجالات. ~~وإذن فهل يتسبب رجال تكنولوجيا الخطاب في احتلال اتجاهات التسليع وإضفاء ~~الديمقراطية لنظم الخطاب المحلية؟ لا شك أن تأثير هذه الاتجاهات كثيرا ما ~~ينتج عن احتلال تكنولوجيات الخطاب الرئيسية - وهي الإعلان، والمقابلات ~~الشخصية وجلسات المشورة - ومن خلال التدريب على هذه التكنولوجيات باعتبارها ~~مهارات منتزعة من سياقها. # ولكن هذا التفسير قاطع ومنحاز بأكثر مما ينبغي، إذ يعيبه العيب الذي ~~انتقده تيلور (1986م، 81) في دراسات الأنساب عند فوكوه، ألا وهو اعتباره أن ~~التغيير يقتصر على تقنيات السلطة التي يفسرها دون لبس أو غموض باعتبارها ~~من أدوات السيطرة وحسب، أي إنه ينقصه ما يشير إليه فوكوه نفسه بعبارة ~~«تعدد التكافؤ التكتيكي لضروب الخطاب» بمعنى أنها ms234 يمكن أن تكون لها قيم ~~مختلفة في مختلف «الاستراتيجيات» (انظر الفصل الثالث أعلاه). ومن الحالات ~~التي ينطبق هذا عليها حالة إعادة إضفاء الديمقراطية التي يمثلها اصطناع ~~الصبغة الشخصية (في الحديث). ولأزد هذا المثال إيضاحا وتفصيلا. # تقول الحجة التي أسوقها إن إضفاء الديمقراطية يمكن أن يكون له أكثر من ~~معنى، إما في إطار تخفيف القيود أو بسبب استعماله استراتيجيا باعتباره ~~إحدى التقنيات، ولكن إضفاء التكنولوجيا، حتى في الحالة الأخيرة، قد لا يكون ~~قاطعا؛ فقد يستولي أصحاب السلطة على إضفاء الديمقراطية، وإن كانت عملية ~~الاستيلاء نفسها قد تؤدي إلى فتح ساحة جديدة من ساحات الصراع التي يمكن أن ~~يتلقى فيها أصحاب السلطة بعض الهزائم. ومن زاوية معينة يمكن اعتبار ~~تصنع الديمقراطية أو محاكاتها لأغراض استراتيجية استراتيجية ذات ~~أخطار شديدة، كما أنها تمثل في ذاتها بعض التخلي لصالح سلطة قوى إضفاء ~~الديمقراطية وكذلك، وفي الوقت نفسه، خطوة مناهضة لها. والواقع أن استعمال ~~أشكال الخطاب الذي أضفيت عليه الديمقراطية - مثل استبعاد الدلائل السافرة ~~على عدم التناظر من الخطاب، واستبعاد الطابع الرسمي، والاقتراب من الأرض ~~المشتركة للمحادثة - يدل دلالات مضمرة على طبيعة العلاقات الاجتماعية ~~القائمة عمليا، وهي دلالات من المحال الإبقاء عليها إن كان إضفاء ~~الديمقراطية مصطنعا، وقد تكون النتيجة تناقضا في الممارسة الخطابية بين ~~أشكال الخطاب الديمقراطي ومضمونه، وهكذا فقد يغدو هذا ساحة للصراع. # وهكذا فقد تشتبك هذه الاتجاهات مع عمليات الصراع داخل الممارسات ~~الخطابية وحول هذه الممارسات التي يمكن اصطباغها بألوان مختلفة. فإلى جانب ~~الإمكانية التي أشرت إليها في الفقرة الأخيرة، أي إمكانية الاستيلاء عليها ~~وقلبها رأسا على عقب، توجد فرصة مقاومتها ورفضها، أو قبولها وتهميشها. ~~وإذا نظرنا إلى هذه التقنيات في إطار عمليات إضفاء التكنولوجيا على الخطاب، ~~وجدنا أن هذه الاتجاهات تؤدي إلى ضروب بالغة التنوع من أشكال الخطاب ~~المختلطة أو المهجنة، حيث تنشأ «حلول وسط» توفق بينها وبين الممارسات ~~الخطابية التقليدية غير المسلعة وغير الديمقراطية. وقد سبق لي تحليل نص ~~بطاقة الائتمان «باركليكارد» من هذه الزاوية. ومن مبررات اتخاذ مدخل إلى ms235 ~~تحليل الخطاب يركز على التناص وعلى التداخل الخطابي، ويرتبط بأفكار ~~معينة مثل عدم تجانس الخطاب والتباس معناه، أن نظم الخطاب المعاصرة حافلة ~~بأمثال هذه النصوص المهجنة. # ومع ذلك فإن التركيز هنا لا يزال منصبا إلى حد كبير على إضفاء ~~التكنولوجيا، حتى ولو تأكدت مقاومتها، إذ لا يزال الافتراض السائد يقول ~~بوجود عمليات اجتماعية وخطابية مركزة نسبيا. ونجد في مقابل هذا تأكيدا ~~في الدراسات المنشورة عن مذهب ما بعد الحداثة للقول بانهيار الهيكل ~~الاجتماعي، الأمر الذي يوحي بتفسير مختلف بعض الشيء لعمليات التغيير ~~الخطابي الجارية الآن. ومن شأن هذا التفسير أن يؤكد تفتيت النظم المحلية ~~للخطاب التي أشرت إليها عاليه، باعتبار ذلك بعدا خطابيا لضرب من ضروب ~~تفتيت النظام الاجتماعي. ومن شأنه أيضا أن يوحي بالنظر إلى العمليات التي ~~أشرت إليها عاليه (قائلا إنها من قبيل إضفاء الديمقراطية) باعتبارها ~~«تفتيتا»، أي بوصفها سلسلة مما يسميه جيمسون (1984م) «حالات طمس ~~الاختلاف»، ويعني بهذا التعبير انهيار فواصل التمييز وحواجزه، من دون ~~الإيحاء بأن حالات الانهيار المذكورة مجرد نواتج لاتجاهات التوحيد على ~~مستويات أخرى، سواء كانت نحو إضفاء الديمقراطية أو التكنولوجيا. وقد ~~تتضمن حالات طمس الاختلاف المشار إليها إزالة الحواجز بين المستويات ~~المعتمدة وغير المعتمدة للغة، وقد توحي بعكس عمليات التوحيد التي كانت ولا ~~تزال تمثل معلما رئيسيا من معالم المجتمع الحديث. ومن هذا المنظور ~~تبدو التحليلات التي أوردتها حتى الآن حالات مبالغة في تفسير التغيير، ما ~~دامت تقوم على افتراضات خاصة بعقلانية العمليات الاجتماعية وطابعها ~~المركزي، وهو ما لم يعد يتحقق في المجتمعات المعاصرة. # الخاتمة # قدمت في الواقع ثلاثة تفسيرات مختلفة للاتجاهات التي حددتها، وهي ~~تفسيرات تقول بوجود استعمار ذي خط واحد، وصراع على الهيمنة، والتفتيت، وكل ~~تفسير يوحي ضمنا بنموذج خاص من نماذج الممارسة الخطابية، والقول بوجود ~~استعمار وحيد الاتجاه يعني ضمنا وجود نموذج «شفري» للممارسة الخطابية. ~~والصورة الكلاسيكية للنموذج الشفري يفترض وجود نظام محلي مستقر للخطاب، ~~ووجود أعراف «مطبعة» تتحقق أمثلتها المعيارية في الممارسة، أي إن ~~الممارسة تتبع المعايير وحسب، ولكن ms236 الاستعمار ذا الخط الواحد يعني ضمنا ~~كذلك وجود نموذج شفري، وإن كانت الشفرات في هذه الحالة التي تتبع فيها ~~معياريا تتعرض من جانب معين إلى التشكيل من الخارج من خلال استعمار ~~تكنولوجيات الخطاب لها. # وأما التفسير الثاني، أي من خلال الصراع على الهيمنة، فيوحي ضمنا ~~بوجود نموذج للممارسة الخطابية يقوم على الهيمنة، أي وجود نظرة للممارسة ~~الخطابية باعتبارها قوة رابطة؛ إذ نشهد تمزيق التشكيلات القائمة لأنماط ~~الخطاب وعناصرها، وإعادة الترابط الذي يكون تشكيلات جديدة تبرز التداخل ~~الخطابي والتناص. # وأما التفسير الثالث، من حيث التفتيت، فيتفق مع ما يمكن أن يطلق عليه ~~اسم «الفسيفساء» أو ربما أطلقنا عليه اسم النموذج «التفاوضي». وكل من ~~هاتين الصورتين (المجازيتين) تحملان معنى مضمرا وهو تفتيت الأعراف، ~~ولكن صورة «الفسيفساء» تؤكد وجود مساحة ناجمة تسمح بالنشاط الخلاق، ~~وبالجمع بين عناصر الخطاب بطرائق تتجدد باستمرار لتحقيق نتائج مؤقتة، ~~وكذلك بالمحاكاة، في حين أن صورة «النموذج التفاوضي» تؤكد أنه حيثما يصبح ~~من المحال قبول الأعراف على النحو الذي تقدم به، تنشأ الحاجة إلى تفاوض ~~المشاركين في التفاعل (بصورة مضمرة في جميع الأحوال تقريبا) حول عناصر ~~الخطاب التي ينبغي الانتفاع بها. وصورة التفاوض المذكورة هي القابلة ~~للتطبيق على نطاق واسع، إذ إن الممارسات الخطابية التي تقبل التفاوض بهذا ~~المعنى، لا تتمتع جميعها بالخصائص التي توحي بها صورة «الفسيفساء»، ولكن ~~الممارسة الخطابية التي تتمتع بهذه الخصائص (ومن المحتمل أن أوضح أن ~~الأمثلة توجد في الإعلان) لا بد أن تقبل التفاوض، إذ لا بد من تحقيق اتفاق ~~مضمر حول عناصر الخطاب القابلة للترابط بين منتجي النصوص ومفسريها حتى ~~ينجح تأثير الفسيفساء. # كان ولا يزال وضع نموذج ممارسة خطابية يقوم على الهيمنة، خصوصا في ~~مقابل النموذج الشفري السائد، من أهداف هذا الكتاب الرئيسية، إذ يبدو أن ~~نموذج الهيمنة أقرب النماذج منطقيا إلى نظام الخطاب المجتمعي المعاصر ~~بصورة شاملة، ولكنه ليس مجرد بديل مفضل على النموذجين الآخرين. ~~فالواقع أن كل نموذج يبين جانبا مهما من جوانب نظام الخطاب المعاصر، ~~وكل نموذج قادر، فيما ms237 يبدو، على النجاح النسبي في بعض مجالات الممارسة ~~الخطابية، وأقل قدرة على النجاح في غيرها. ومن ثم ينبغي للبحوث في ~~المستقبل ألا تختار نموذجا وترفض غيره، بل أن تركز جهودها على هذه ~~المسألة المفيدة وهي تحديد النماذج القادرة على إيضاح بعض المجالات وتحديد ~~المجالات المعنية، إلى جانب التركيز على ضروب التوتر بين النماذج، من دون ~~استبعاد أي من اتجاهات التفسير الثلاثة المذكورة للتغير الخطابي ~~الراهن. # الفصل الثامن # | تحليل الخطاب عمليا # سوف يناقش هذا الفصل الجوانب العملية لتحليل الخطاب، وينبغي ألا ينظر ~~إلى ما أقوله هنا باعتباره برنامجا جاهزا للتطبيق؛ إذ لا توجد إجراءات ~~ثابتة للقيام بتحليل الخطاب، فمداخل الناس إليه تختلف باختلاف الطبيعة الخاصة ~~لكل مشروع، وكذلك طبقا لنظرتهم الخاصة إلى الخطاب . ومن ثم فينبغي اعتبار ~~الملاحظات التالية خطوطا توجيهية عامة، تحدد العناصر والاعتبارات الرئيسية ~~التي تنطبق على تحليلات الخطاب استنادا إلى الموقف النظري الذي عرضته عاليه. ~~وكنت أحيانا ما أكتب مفترضا أن القارئ يوشك أن ينهض بمشروع بحثي كبير ~~للتحقق من ظواهر التغير الاجتماعي والخطابي، ولكنه ما دام من المحتمل أن ~~يستخدم عدد كبير من القراء تحليل الخطاب في أغراض أكثر تواضعا، فأرجو ~~ألا تثبط همتهم هذه الافتراضات «الهائلة»! وقد وضعت لنفسي ثلاثة عناوين ~~رئيسية: البيانات، والتحليل، والنتائج. وتركيز هذا الكتاب بطبيعة الحال ~~ينصب على التحليل، ولكن هذا الفصل سوف يتيح الفرصة للنظر في جوانب مهمة ~~أخرى من تحليل الخطاب عمليا، وقد يود القراء أن يقارنوا هذه الخطوط ~~التوجيهية بمثيلاتها في كتاب بوتر ووذريل (1987م) أو (فيما يتعلق بالتحليل ~~فقط) في كتاب فاولر وآخرين (1979م). ~~(1) البيانات: تحديد المشروع # ينبغي أن يكون تحليل الخطاب بصورته المثالية عملا بينيا، أي ~~مشتركا بين عدة تخصصات علمية، بناء على مفهوم الخطاب الذي أدعو إليه، ~~وهو الذي يبدي اهتماما بخصائص النصوص، وإنتاج النصوص وتوزيعها واستهلاكها، ~~وبالعمليات الاجتماعية المعرفية لإنتاج النصوص وتفسيرها، والممارسة ~~الاجتماعية في مختلف المؤسسات، والعلاقة بين الممارسة الاجتماعية وعلاقات ~~السلطة، ومشروعات الهيمنة على المستوى المجتمعي. وتتداخل جوانب الخطاب ~~المذكورة مع مشاغل علوم ms238 اجتماعية وإنسانية متنوعة، من بينها علم اللغة، ~~وعلم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع، والتاريخ والعلوم ~~السياسية. # وما تختص به ممارسة خطابية معينة يعتمد على الممارسة الاجتماعية التي ~~تمثل الممارسة الخطابية وجها من وجوهها، ومن ثم فإذا أردنا وضع تعريف ~~للمشروعات البحثية يمثل أقرب ما يقضي به المنطق قلنا إنه يتعلق أولا ~~بالأسئلة الخاصة بأشكال معينة للممارسة الاجتماعية، وعلاقاتها بالبناء ~~الاجتماعي، نظرا لما أبديته من تركيز على جوانب محددة من التغير ~~الاجتماعي أو الثقافي. ويعني هذا أن التخصصات التي تعالج هذه المسائل - علم ~~الاجتماع والعلوم السياسية والتاريخ - هي التي ينبغي أن نقصدها في المقام ~~الأول عند تعريف المشروعات البحثية. وأفضل نظرة إلى تحليل الخطاب ينبغي أن ~~تقوم على اعتباره منهجا لإجراء البحوث في مسائل وضع تعريفها خارجه، وسوف ~~أضرب مثالا على ذلك بعد برهة، ولكن هذه طريقة تعتمد اعتمادا بالغا على ~~النظر من «القمة إلى القاعدة» إليه، ففي حالات كثيرة قد تستطيع فرق من ~~الباحثين في تخصصات مشتركة أن تعمل مثلا مع العاملين في مجال التعليم أو ~~الصحة، في البحوث في القضايا والمشكلات التي يواجهونها أثناء التغيير. ~~والحق أنه من الممكن الاشتغال بإجراء «بحوث مشتركة»، بحيث يشترك الأفراد أو ~~الجماعات الخاضعة للبحث في تصميم خطط البحث وتنفيذها وكتابة نتائجها ~~واستعمالها (انظر إيفانيتش وسيمسون، تحت الطبع). ~~(2) «الكوربوس» (مجموعة النصوص) # ويعتبر منظور المباحث المتخصصة، ومنظور من تجري عليهم للبحوث، ~~منظورا مهما أيضا في اختيار البيانات، وبناء «كوربوس» من عينات ~~الخطاب، وفي تحديد أي بيانات تكميلية ينبغي جمعها واستعمالها. وتتفاوت ~~طبيعة البيانات المطلوبة وفقا لأسئلة المشروع وأسئلة البحث، ولكن علينا أن ~~نضع نصب أعيننا بعض المبادئ العامة. للمرء أن يصدر قرارا معقولا بشأن ~~مضمون الكوربوس وبنائه على ضوء المعلومات الكافية عن «الأرشيف» (ويستخدم ~~هذا المصطلح بطريقة توسع من معناه بحيث يتجاوز الدلالة التاريخية، أي ~~بحيث يشير إلى مجموع الممارسة الخطابية، سواء ما سبق تسجيله في الماضي أو ~~ما هو جار في الوقت الراهن، ما دام يدخل في إطار المشروع البحثي). وهذه ~~مسألة عملية ms239 إلى حد ما، إذ تختص بمعرفة ما هو متاح، وطريق الوصول إليه، ~~ولكنه يعتبر من زاوية أخرى مسألة تكوين صورة ذهنية لنظام الخطاب في المؤسسة ~~أو المجال الذي يبحثه المرء، وكذلك عمليات التغيير التي يمر بها، باعتبار ~~ذلك تمهيدا لاتخاذ قرار بشأن المكان الذي ينبغي أن تجمع فيه العينات ~~التي تشكل الكوربوس. وقد يؤدي العمل في تشكيل الكوربوس، بطبيعة الحال، إلى ~~تعديل الخريطة الذهنية المبدئية. وينبغي لمحلل الخطاب أن يعتمد على ~~العاملين في التخصصات المرتبطة بعمله، والعاملين داخل موقع البحوث، ~~لمساعدته في اتخاذ القرارات بشأن العينات التي تمثل ممارسة معينة خير ~~تمثيل، والبت فيما إذا كان الكوربوس يتجلى فيه بالدرجة الكافية تنوع ~~الممارسات والتغير فيها في الحالات المختلفة، وكذلك الممارسة المعيارية ~~والتجديدية؛ وإذا ما كان الكوربوس يتضمن حالات محورية ولحظات أزمة (وهاتان ~~الفكرتان مشروحتان أدناه). وتنشأ مشكلات خاصة في إعداد الكوربوس من مادة ~~تبين عمليات التغيير، لأن المرء يحتاج في هذه الحالة - بوضوح - إلى إدراج ~~مساحات زمنية معقولة في البيانات. ~~(3) استكمال الكوربوس # توجد طرائق مختلفة لاستكمال الكوربوس ببيانات إضافية، إذ يمكن للمرء ~~على سبيل المثال أن يحصل على أحكام بشأن بعض جوانب العينات في الكوربوس من ~~«لجان» تتكون من أشخاص يرتبطون بروابط مهمة من نوع ما بالممارسة الاجتماعية ~~قيد الفحص، فإذا كانت الدراسة تتعلق بممارسات قاعة الدرس وخطاب قاعة ~~الدرس، فيمكن أن تتكون اللجان من معلمين وتلاميذ وآباء وأفراد جماعات ~~الأكثرية والأقليات المختلفة، ورجال الإدارة التعليمية (ولمعرفة المزيد عن ~~هذه اللجان انظر جومبيرز، 1982م). ومن الطرائق المستعملة على نطاق واسع ~~لاستكمال الكوربوس اللجوء إلى المقابلات الشخصية، إذ يمكن للمرء أن يجري ~~مقابلات مع المشاركين في عينات الكوربوس، لا من أجل الحصول على تفسيراتهم ~~لهذه العينات، بل أيضا باعتبار ذلك فرصة تتاح للباحث حتى ينظر في بعض ~~القضايا التي تتجاوز حدود العينات ذاتها، كأن يحاول مثلا أن يكتشف إن ~~كان وعي أحد الأشخاص بالصبغة الأيديولوجية لأحد الأعراف الخطابية يزيد في ~~بعض المواقف عن مستواه في مواقف أخرى. أو يمكن للمرء في ms240 البحوث المشتركة أن ~~يطلع اطلاعا أوثق، وأكثر تحررا من الطابع الرسمي، على منظور ~~الخاضعين للبحث. والذي علينا أن نؤكده أن المقابلات الشخصية واللجان وما ~~إليها بسبيل تمثل عينات أخرى من الخطاب، وأنها تستكمل الكوربوس - من ~~زاوية معينة - بأن تضاف إليه وحسب. وينبغي ألا ننظر إلى الكوربوس ~~باعتباره قد اتخذ شكله المستقر والنهائي قبل بداية التحليل، بل يجب أن ~~نعتبر أنه يقبل الزيادة والاستكمال المستمر استجابة للأسئلة التي تنشأ ~~أثناء التحليل. # مثال # سوف أقدم هنا مثالا لمشروع بحثي يمكن تنفيذه حتى يرى القارئ صورا ~~عملية لهذه القضايا؛ ولذا سوف أستخدم المثال الذي أشرت إليه في المقدمة ~~عما شهدته الممارسة الخطابية من تغييرات مرتبطة بالتحول من نظام الإنتاج ~~الفوردي (أي وفقا لما يسمى خط الإنتاج الذي يجعل العامل مجرد ترس في ~~آلة) إلى الإنتاج بمنهج «ما بعد فورد» (الذي يسمح للعمال بالمشاركة في ~~الإدارة والتخطيط). وسوف ينصب تركيزي على دراسة مقترحة لما يسمى ~~«حلقات الجودة» (ويستند هذا المثال إلى التخطيط لإجراء مشروع مشترك يجمع ~~بين علم الاجتماع وعلم اللغة في جامعة لانكاستر). ومن الخصائص المميزة ~~لمنهج ما بعد فورد ازدياد الاهتمام بالتواصل فيما بين العمال، إذ بدأت تظهر ~~أشكال جديدة للتفاعل بين العمال، والمشرفين على العمل والمديرين، مثل تشكيل ~~«حلقات الجودة»، وهي فرق تتكون من عدد يتراوح بين خمسة وعشرة موظفين ~~يعملون عادة معا ويعقدون لقاءات منتظمة لمناقشة طرائق رفع مستويات ~~الجودة والإنتاج وقضايا العمل الأخرى. ومن الأسئلة التي لم تجد إلى الآن ~~إجابة عنها بصدد حلقات الجودة سؤال يتصل بشكوك النقابات في جدواها وارتفاع ~~معدلات فشلها، ويقول السؤال: هل تنجح حقا حلقات الجودة في إزالة الحواجز ~~القديمة بين الموظفين ومنح العاملين المزيد من السلطة، أم إنها أداة ~~تستخدمها الإدارة للانتفاع بالخبرة القيمة للعمال وإدماجهم في أولويات ~~الإدارة. وما زلنا في حاجة إلى إجراء بحوث تبين لنا كيفية عمل حلقات ~~الجودة في الواقع، أي كيف تختار المواضيع وكيف تناقش القضايا، وكيف تولد ~~المقترحات وتقدمها إلى الإدارة، وإذا ما كان التحكم في هذه ms241 الأنشطة يقوم ~~على المشاركة والتفاوض، أم إن الإدارة تمارسه ممارسة سافرة. ويمكن بحث هذه ~~المسائل باستخدام منهج تحليل الخطاب. وقد يتكون الكوربوس اللازم لهذه ~~الدراسة من تسجيلات بالفيديو لحلقات الجودة لمدة سنة تحسب من لحظة تشكيلها. ~~وقد يركز البحث على أسلوب الدعوة إلى عقد الاجتماعات على امتداد العام، ~~باعتباره جانبا من جوانب أوسع نطاقا لعلاقات السلطة في حلقات الجودة. ~~ويمكن استكمال هذا الكوربوس بتسجيلات لتدريب المديرين على رئاسة حلقات ~~الجودة أو إدارة جلساتها، وبتقديم مقترحات هذه الحلقات إلى لجان الإدارة، ~~وبالحوار ما بين هذه الحلقات وأفراد قوة العمل من غير أعضائها. كما يمكن ~~استكمالها أيضا من خلال المقابلات الشخصية حول حلقات الجودة مع أفراد هذه ~~الحلقات، وكبار المديرين، وممثلي النقابات، وغيرهم من العمال. وللمحلل أن ~~يشرك بعض أعضاء حلقات الجودة في وضع أسئلة البحث المحددة ومجال تركيزه. ~~وسوف أضيف بعض التفاصيل الخاصة بهذا المثال عند مناقشة «النتائج». ~~(4) النسخ # لا بد من نسخ الخطاب المنطوق، مثل الحوار، أثناء اجتماعات حلقات ~~الجودة، بمعنى وضعه في صورة مكتوبة. والنسخ عملية صعبة وتستغرق وقتا ~~طويلا، ووفقا لنظام النسخ المستخدم، فإن ساعة واحدة من الكلام المسجل قد ~~يستغرق نسخها ما بين ست ساعات وعشرين ساعة أو أكثر. وتوجد نظم مختلفة ~~للنسخ، وهي تمثل مختلف معالم الكلام، بدرجات متفاوتة من التفصيل، مثل ~~النغمة، والنبر، والوقفات، وتغير ارتفاع الصوت وسرعة الإلقاء، وهلم ~~جرا (أتكنسون وهريتيدج، 1984م، 9-16؛ تانين، 1989م، 202-204). ومن ~~المحال أن يوجد نظام يبين كل شيء، والمسألة دائما تتوقف على الحكم، على ~~ضوء طبيعة المشروع وأسئلة البحث، ومعالم الكلام التي ينبغي إثباتها، ومدى ~~التفصيل المطلوب. والحد الأدنى من دقة النسخ يتضمن تداخل الحديث بين ~~المتحدثين، والوقفات، ولحظات الصمت الكامل، وهو يصلح للكثير من الأغراض ~~(وتوجد أمثلة في هذا الكتاب لنسخ مقابلات شخصية). # وربما لا نتبين بالوضوح نفسه أن النسخ يفرض بالضرورة تفسيرا ~~معينا للكلام، ويقول أحد الأبحاث الخاصة بهذه القضية إن النسخ يعتبر ~~«نظرية» (أوكس، 1979م). ولنتصور موقفا يتكلم فيه ثلاثة أشخاص، ويستأثر ~~أحدهم بنسبة ms242 80 في المائة من الكلام. وأمامنا أسلوبان لوضع هذا الكلام على ~~الورق: الأول اعتباره «محادثة» يتحدث فيها الثلاثة بالتناوب، وإن كان أحدهم ~~يحظى بنوبات أكثر وبوقت أطول في كل نوبة. والثاني اعتباره مونولوجا أي ~~حديثا منفردا يقاطعه فيها المتكلمان الآخران أو يقدمان تعليقات ~~مساندة لما يقول، وقد يتخذ نسخ ذلك صورة وضع كلام الثرثار في عمود في منتصف ~~الصفحة، ووضع كلام الاثنين الآخرين في الهامش (انظر إديلسكي، 1981م، حيث ~~الأمثلة من هذا النوع). وعلى غرار ذلك، إذا وجد الناس لحظات صمت في شريط ~~التسجيل، فعليه أن يقرر أن يختار من ينسبه إليه من المتحدثين، وإذا ~~تداخلت أقوال المشاركين، فإن عليه البت فيمن يقاطع منهما صاحبه. ~~(5) تشفير العينات واختيارها داخل الكوربوس # من الباحثين من يفضل وضع شفرات معينة للكوربوس أو لأجزاء كبيرة ~~منه ، لإيضاح دلالة عامة، أو ربما فضلوا تلخيص الخطاب، أو تشفيره من حيث ~~الموضوعات الواردة فيه. وقد يلجئون إلى فحص الكوربوس كله طلبا لمعلم من ~~نوع معين، مثل أنماط معينة من الأسئلة، أو من الصياغة، ولكن مفهوم ~~الخطاب الذي قدمته، وصورة التحليل الذي سوف ألخصه أدناه، يتصلان اتصالا ~~خاصا بالتحليل التفصيلي لعدد ضئيل من عينات الخطاب. ويثير هذا مشكلة ~~اختيار العينات اللازمة للتحليل التفصيلي. والإجابة العامة تقول إنه لا بد ~~من الدقة في اختيار العينات استنادا إلى المسح التمهيدي للكوربوس، ~~واسترشاد الباحث بمشورة الذين يشملهم البحث إن أمكنه الحصول عليها، أو من ~~الزملاء العاملين في مجالات العلوم الإنسانية المتصلة بمجال بحثه، حتى ~~يتسنى له الاستفادة من نظراتهم الثاقبة في مدى إسهام الخطاب في الممارسة ~~الاجتماعية قيد الفحص. ومن استراتيجيات الاختيار التي تتمتع بمزايا كثيرة ~~استراتيجية التركيز على ما أسميته «المحاور» و«لحظات الأزمة» من قبل. ~~وهذه لحظات معينة في الخطاب، يتوافر فيها ما يدل على أن الأمور لا تسير ~~على ما يرام، إذ قد ينشأ سوء تفاهم يقتضي من المشاركين حل مشكلة من مشكلات ~~التواصل، وقد يكون ذلك مثلا من خلال طلب تكرار ما قيل أو القيام بتكراره ~~فعلا، أو ms243 من خلال قيام أحد المشاركين بتصحيح ما قاله مشارك آخر؛ وقد ~~تنشأ حالة استثنائية من تعثر السيولة في إنتاج النص (مثل حالات التردد ~~والتكرار وما إلى ذلك بسبيل) أو حالات الصمت؛ أو تغييرات مفاجئة في ~~الأسلوب. وللمرء أن يستعين - إلى جانب الأدلة القائمة في النص وسلوك ~~المشاركين في التفاعل - بأحكام اللجان أو أحكام المشاركين الاسترجاعية حول ~~نقاط الصعوبة. ومن شأن لحظات التأزم المشار إليها أن تظهر بعض جوانب ~~الممارسات التي قد تكتسب في العادة صبغة طبيعية، ومن ثم فقد يتعذر ~~إدراكها؛ ولكنها تظهر أيضا وقوع التغيير في المسار، وتبين الطرائق الفعلية ~~التي يتعامل بها الناس مع إشكاليات الممارسات. ~~(6) التحليل # يتكون هذا القسم من ملخص لأنواع التحليل التي قدمتها وأوضحتها ~~بالأمثلة في الفصول 3-7، ولكني لم ألتزم التزاما دقيقا بالنظام الذي ~~نوقشت فيه الموضوعات في تلك الفصول، وإن كنت أتبع الانتقال العام نفسه من ~~(1) تحليل الممارسات الخطابية (على المستوى «الكبير») بالتركيز على التناص ~~والتداخل الخطابي بين عينات الخطاب؛ إلى (2) تحليل النصوص (إلى جانب ~~الملامح «الدقيقة» للممارسة الخطابية)؛ إلى (3) تحليل الممارسة الاجتماعية ~~التي يمثل الخطاب جزءا منها. ومن المحتوم أن تتداخل عمليا هذه الأبعاد ~~الثلاثة للتحليل، فالمحللون يبدءون دائما، على سبيل المثال، بإدراك إطار ~~عام للممارسة الاجتماعية التي تنطوي على الخطاب في باطنها، ولكن هذا المسار ~~مفيد في تنظيم نتائج اشتباك المرء مع عينة معينة من الخطاب قبل تقديم ~~نتائج هذا الاشتباك في شكل مكتوب أو منطوق. ولاحظ أنه يتضمن الانتقال من ~~التفسير إلى الوصف ثم العودة إلى التفسير: من تفسير الممارسة الخطابية (أي ~~من عمليتي إنتاج النص واستهلاكه)، إلى وصف النص، ثم إلى تفسير الممارسة ~~والنص معا على ضوء الممارسة الاجتماعية التي تنطوي على الخطاب في باطنها. ~~وليس من الضروري أن يتخذ المسار هذا الترتيب، إذ يستطيع المحللون أن ~~يبدءوا بتحليل النص، أو حتى بتحليل الممارسة الاجتماعية. ويعتمد الاختيار ~~على أغراض المحلل ونقاط تأكيده، ويبدو أن البدء بتحليل العمليات الخطابية ~~مناسب بصفة خاصة، نظرا لاهتمامي الرئيسي هنا بالحركة والتغيير. # وكل عنوان ms244 رئيسي من عناوين الملخص الذي أورده أدناه يتلوه وصف موجز ~~لنوع التحليل الذي يتضمنه، وبعده في معظم الحالات مجموعة من الأسئلة التي ~~تقوم بوظيفة المؤشرات في أثناء تحليل عينات معينة من الخطاب. ولا تنس أن ~~مسار التحليل يتضمن تناوبا مستمرا بين التركيز على خصوصية العينة ~~الخطابية والتركيز على النمط النصي أو الأنماط النصية التي تنهل منها، ~~وكذلك التركيز على تشكيلات أنماط النصوص التي تمثل توجها إليها. وينبغي ~~توجيه التحليل إلى هذا وذاك معا؛ أي إن عليه أن يبين المعالم والأنساق ~~والأبنية التي تمثل بدقة أنماطا معينة من الخطاب، واتجاهات إعادة ~~البناء في نظم الخطاب، وطرائق استعمال هذه الموارد التقليدية التي تختص بها ~~هذه العينة. ولاحظ، عند إجراء أي تحليل، أن بعض الفئات قد تكون ذات صلة ~~أوثق، وفائدة أكبر من غيرها، ومن المحتمل أن يريد المحللون التركيز على ~~عدد ضئيل منها. ~~(7) الممارسة الخطابية # كل بعد من الأبعاد الثلاثة للممارسة الخطابية ممثل أدناه. ف ~~«التداخل الخطابي» و«التناص السافر» يركزان على إنتاج النص، وتركز «سلاسل ~~التناص» على توزيع النصوص، ويركز «ترابط المعنى» على استهلاك النصوص ~~(انظر الفصل الرابع حيث المناقشة التفصيلية). وقد أضفت «أحوال الممارسة ~~الخطابية» حتى أدرج الجوانب الاجتماعية والمؤسسية التي أشرت إليها إشارة ~~مختصرة في الفصل الثالث. # التداخل الخطابي ~~(انظر الفصل الخامس عاليه): الهدف تحديد أنماط الخطاب ~~المستفاد منها في عينة الخطاب قيد التحليل وكيفية هذه الاستفادة. لا ~~تتردد في استخدام المصطلح العام، أي «نمط الخطاب» إذا لم يتضح لك أن ما ~~تحلله نوع أو نمط نشاط أو أسلوب أو خطاب. والطريق الوحيد لتبرير تفسير ~~من التفسيرات هو تحليل النص وإثبات أن تفسيرك يتفق مع معالم النص وأكثر ~~اتفاقا معه من تفسيرات أخرى، وقد سبقت الإشارة إلى أنواع أخرى من الأدلة ~~تحت عنوان «استكمال الكوربوس». # هل توجد طريقة واضحة لوصف الخصيصة الشاملة للعينة (من حيث النوع)؟ ~~(إذا كانت موجودة فماذا تدل عليه من حيث كيفية إنتاج العينة وتوزيعها ~~واستهلاكها؟) # هل تستفيد العينة من أكثر من نوع واحد؟ # ما نمط النشاط ms245 أو أنماطه، وما الأسلوب أو الأساليب، وما الخطاب أو ~~ضروبه التي تستفيد العينة منها؟ (هل تستطيع تحديد الأساليب والتمييز بينها ~~من حيث الموضوع، والشكل والنوعية البلاغية؟) # هل عينة الخطاب تقليدية بصورة نسبية من حيث خصائص التداخل الخطابي فيها ~~أم هي تجديدية نسبيا؟ # سلاسل التناص ~~: الهدف هنا تحديد توزيع (نمط من) عينة الخطاب من خلال وصف ~~سلاسل التناص التي تشترك فيها أي سلسلة أنماط النصوص التي قد تتحول إليها ~~أو تنشأ منها. # ما أنواع التحويلات التي تحدث لهذا (النمط من) العينة الخطابية؟ # هل السلاسل التناصية والتحولات ثابتة نسبيا أم متغيرة أم مثار ~~تنازع؟ # هل توجد أدلة على أن منتج النص يتوقع أكثر من نوع واحد من ~~الجمهور؟ # ترابط المعنى ~~: الهدف هنا هو النظر في التفسيرات المترتبة على خصائص ~~التناص والتداخل الخطابي في العينة الخطابية. وقد يؤدي هذا إلى قيام ~~المحلل بإجراء ما يسمى ب «بحوث القراء» وهي البحوث التي تنظر في ~~تفسير القراء فعلا للنصوص. # ما مدى عدم تجانس النص ومدى التباس معناه في عيون مفسرين معينين، ~~ومن ثم مقدار الاستنباط المطلوب؟ (ويؤدي هذا مباشرة إلى الأبعاد التناصية ~~الخاصة ببناء الذوات في الخطاب: انظر «الممارسة الاجتماعية» أدناه.) # هل تقبل هذه العينة قراءات مقاومة؟ وما نوع القراء في هذه ~~الحالة؟ # أحوال الممارسة الخطابية ~~: الهدف هنا تحديد الممارسات الاجتماعية الخاصة ~~بإنتاج النصوص واستهلاكها، والمرتبطة بالنمط الخطابي الذي تمثله العينة ~~(والذي قد يكون ذا صلة ب «النوع» الذي تنتمي إليه: انظر السؤال تحت عنوان ~~التداخل الخطابي أعلاه). # هل يتسم النص بإنتاجه (واستهلاكه) فرديا أم جماعيا؟ (هل توجد مراحل ~~يمكن تمييزها لإنتاجه؟ هل المحرك والمؤلف والمصدر شخص واحد أم أشخاص ~~مختلفة؟) # ما أنواع الآثار غير الخطابية التي في هذه العينة؟ # التناص السافر ~~: يعتبر التناص السافر منطقة «رمادية» بين الممارسة ~~الخطابية والنص، فهو يطرح أسئلة بشأن ما يحدث عند إنتاج نص من النصوص، ~~ولكنه يتعلق أيضا بالملامح «السافرة» على سطح النص. والهدف تحديد النصوص ~~الأخرى المستفاد منها في تكوين النص قيد التحليل، وكيفية هذه الاستفادة. ~~«فالأنواع» ms246 تختلف في أشكال التناص السافر المرتبطة بها، ومن الأهداف ~~استكشاف أمثال هذه الاختلافات. # تمثيل الخطاب ~~: # هل هو مباشر أم غير مباشر؟ # ما الذي يمثل: جوانب من السياق والأسلوب أم مجرد المعنى الخاص بالجانب الفكري؟ # هل الخطاب الممثل يتضمن حدودا واضحة؟ هل هو مترجم إلى صوت الخطاب الذي يمثله؟ # كيف بني سياقه في الخطاب الذي يمثله؟ # الافتراض المسبق ~~: # ما المفاتيح التي تشير إلى الافتراضات المسبقة في النص؟ # هل تمثل روابط بالنصوص السابقة للآخرين، أو بالنصوص السابقة لمنتج النص نفسه؟ # هل تقوم على الصدق أم على التلاعب؟ # هل هي جدلية (مثل الجمل المنفية)؟ # وسؤال واحد آخر: # هل توجد نماذج للميتاخطاب أو السخرية؟ ~~(8) النص # التحكم في التفاعل ~~(انظر الفصل الخامس أعلاه): الهدف هنا وصف الخصائص ~~التنظيمية الواسعة النطاق للتفاعلات، وهي التي يعتمد عليها انتظام عمل ~~التفاعلات والتحكم السليم فيها. ومن القضايا المهمة تحديد من يتحكم في ~~التفاعلات على هذا المستوى: وإلى أي مدى يعتبر التفاوض حول التحكم إنجازا ~~مشتركا من جانب المشاركين فيه، وما مدى عدم التناظر الذي يمارسه مشارك ~~واحد؟ # ما القواعد المطبقة بخصوص تناوب أدوار الحديث؟ هل تتسم حقوق ~~المشاركين والتزاماتهم (فيما يتعلق بتداخل الكلام أو بالصمت مثلا) ~~بالتناظر أم بعدم التناظر؟ # ما هيكل التبادل المعمول به؟ # كيف تقدم الموضوعات وتطور وترسخ؟ وهل يتسم التحكم في الموضوعات ~~بالتناظر أم بعدم التناظر؟ # كيف يحدد نهج العمل؟ ومن الذي يحدده؟ وكيف تجري مراقبته؟ ومن الذي ~~يراقبه؟ هل يقوم أحد المشاركين بتقييم أقوال الآخرين؟ # إلى أي مدى يقوم المشاركون بصوغ مقولات التفاعل؟ وما الدور المنوط ~~بهذا الصوغ؟ ومن من المشاركين يتولى الصوغ؟ # ترابط المعنى ~~(انظر الفصل السادس): الهدف تبيان كيفية الترابط بين ~~الجمل والعبارات في النص. وهذه المعلومات مهمة لوصف «النوعية البلاغية» ~~للنص (انظر الفصل الرابع) وتمييزها من حيث البناء أي تحديد كونها قائمة على ~~عرض حجة ما، أو سرد قصة ... إلخ. # ما العلاقات الوظيفية بين العبارات والجمل في النص؟ # هل توجد في النص علامات تماسك صريحة على السطح بحيث تحدد العلاقات ~~الوظيفية؟ وما ms247 أكثر أنماط العلاقات المستخدمة شيوعا؟ (هل هي إحالية، أم ~~قائمة على # الحذف ~~، أم على الربط بحروف العطف أم لفظية؟) # التأدب ~~(انظر الفصل الخامس): الهدف تحديد أكثر استراتيجيات التأدب ~~المستعملة في العينة، والتثبت من وجود اختلافات بين المشاركين في هذا ~~الصدد، وما تعنيه هذه المعالم فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية بين ~~المشاركين. # ما استراتيجيات التأدب المستعملة (تأدب سلبي، تأدب إيجابي، ~~إشارات هامشية) ومن الذي يستعملها ولأية أغراض؟ # الجو الخلقي ~~(انظر الفصل الخامس): الهدف هو تجميع المعالم المنوعة التي ~~تسهم في بناء «الذوات» (أو النفوس) أو الهويات الاجتماعية، في العينة. ~~فالجو الخلقي لا يقتصر على الخطاب بل يشمل التعبير بالجسد كله. وأي فئة من ~~الفئات التحليلية المذكورة هنا يمكن أن تكون لها علاقة بالجو ~~الخلقي. # النحو ~~: ينبغي التمييز هنا بين ثلاثة أبعاد من «نحو » العبارة وهي ~~«التعدي»، و«الثيمة»، و«النوعية»، وتتفق هذه الأبعاد، على الترتيب، مع ~~وظائف اللغة الثلاث: الوظيفة «الفكرية»، والوظيفة «النصية»، ووظيفة العلاقة ~~«بين الأشخاص». # التعدي ~~(انظر الفصل السادس): الهدف هو الكشف عن إمكان التفضيل في النص ~~لأية أنماط محددة للفعل والمشاركين فيه، وتحديد اختيارات البناء للمعلوم ~~أو للمجهول، ومدى دلالة المعاملة الاسمية للأفعال. ومن القضايا الرئيسية ~~قضية «الفاعل»، والتعبير عن العلية، ونسبة المسئولية. # ما أكثر أنماط الفعل استعمالا (العمل، الحدث، النمط العلائقي، النمط ~~الذهني) وما العوامل التي يمكن أن تفسر ذلك؟ # هل الاستعارة النحوية معلم ذو دلالة كبرى؟ # هل تكثر في النص العبارات المبنية للمجهول، أو الاسمية؟ وإذا كان هذا ~~صحيحا فما وظائفها؟ # الثيمة ~~(انظر الفصل السادس): الهدف أن نرى إن كان البناء «الثيمي» للنص ~~يدل على وجود نسق واضح فيما يتعلق باختيار ثيمات العبارات. # ما البناء الثيمي للنص، وما الافتراضات التي يقوم عليها (بشأن بناء ~~المعرفة أو الممارسة مثلا)؟ # هل يكثر في النص وجود الثيمات المبينة بعلامات معينة؟ وإن صح هذا فما ~~الدوافع من ورائها؟ # النوعية ~~(انظر الفصل الخامس): الهدف تحديد أنساق معينة في النص وفقا ~~لدرجة الارتباط التي تعبر عنها المقولات من خلال النوعية (أي استعمال ~~الأفعال المساعدة النوعية ms248 وما يجري مجراها). ومن القضايا الرئيسية تحديد ~~المضمون النسبي لمعالم النوعية ودلالته لأمرين أولهما (أ) العلاقات ~~الاجتماعية في الخطاب، وثانيهما (ب) التحكم في الصور التي تمثل ~~الواقع. # ما أكثر الصيغ النوعية استعمالا؟ # هل يغلب على الأساليب النوعية الطابع الذاتي أو الموضوعي؟ # ما المعالم النوعية الأكثر استعمالا في النص (الأفعال المساعدة ~~النوعية، صيغة الحال النوعية ... إلخ)؟ # معنى الألفاظ ~~(انظر الفصل السادس): التركيز هنا يقع على الكلمات ~~الأساسية ذات الدلالة الثقافية العامة أو الدلالة الثقافية المحلية؛ وعلى ~~الألفاظ التي تتغير معانيها وتتحول؛ وعلى المعنى الذي يمكن للكلمة أن ~~تعبر عنه - وهو بناء خاص من أبنية معانيها - باعتباره طرائق الهيمنة ~~وموقعا من مواقع الصراع. # الصياغة ~~(انظر الفصل السادس): الهدف أن نقارن صياغة المعاني في النص ~~بطرائق صياغتها في نص آخر (أو أنماط أخرى) من النصوص. # هل يتضمن النص ألفاظا (أو تراكيب لفظية) جديدة؟ وإذا صح هذا، فما ~~الدلالة النظرية أو الثقافية أو الأيديولوجية التي تحملها؟ # ما علاقات التناص المستفاد بها في صياغة النص؟ # هل يتضمن النص أدلة على الإسهاب أو إعادة الصياغة (وهذه تختلف عن مجرد ~~كونها صياغة أخرى) لمجالات معينة من مجالات المعنى؟ # الاستعارة ~~: الهدف تحديد طبيعة لغة المجاز المستعملة في عينة الخطاب، ~~في مقابل لغة المجاز المستعملة للتعبير عن معان مماثلة في نصوص أخرى، ~~وتحديد العوامل (الثقافية والأيديولوجية ... إلخ) التي تحدد سبب اختيار هذه ~~المجازات، وينبغي النظر أيضا في تأثير الاستعارات في التفكير وفي ~~الممارسة. ~~(9) الممارسة الاجتماعية (انظر الفصلين 3 و7) # يواجه المرء صعوبة أكبر في حصر تحليل الممارسة الاجتماعية في قائمة ~~مرجعية، وهكذا فينبغي اعتبار العناوين التالية مجرد خطوط إرشادية عامة إلى ~~حد كبير. والهدف العام هنا تحديد طبيعة الممارسة الاجتماعية التي تشكل ~~الممارسة الخطابية جزءا منها، وهذا هو الأساس اللازم لإيضاح سبب اتخاذ ~~الممارسة الخطابية طابعها الحالي، وآثار الممارسة الخطابية في الممارسة ~~الاجتماعية. # الإطار الاجتماعي للخطاب ~~: الهدف تحديد العلاقات والأبنية الاجتماعية ~~القائمة على الهيمنة، والتي تشكل الإطار لهذا النموذج المحدد من الممارسة ~~الاجتماعية والخطابية؛ وتحديد علاقة هذا النموذج بهذه ms249 الأبنية والعلاقات ~~(هل هي تقليدية ومعيارية، أم إبداعية وتجديدية، أم موجهة إلى إعادة ~~هيكلتها، أم معارضة ... إلخ؟) وما الآثار التي تسهم فيها، من حيث إعادة ~~إنتاجها أو تحويلها. # نظم الخطاب ~~: الهدف هنا تحديد العلاقة بين النموذج الحالي للممارسة ~~الاجتماعية والخطابية وبين نظم الخطاب التي تستفيد منها، وآثار إعادة إنتاج ~~نظم الخطاب التي تسهم فيها أو تحويلها، وينبغي الانتباه إلى الاتجاهات ~~الواسعة النطاق التي تؤثر في نظم الخطاب التي سبقت مناقشتها في الفصل ~~السابع عاليه. # الآثار الأيديولوجية والسياسية للخطاب ~~: من المفيد التركيز على الآثار ~~المحددة التالية، وهي الخاصة بالأيديولوجيا والهيمنة (انظر الفصل الثالث ~~عاليه): # نظم المعارف والمعتقدات. # العلاقات الاجتماعية. # الهويات الاجتماعية («النفوس»). # دائما ما توجد بدائل للتحليلات الممكنة لعينات الخطاب، وينشأ ~~السؤال هنا عن كيفية تبرير المحللين للتحليلات التي يقترحونها (أي كيف ~~يثبتون «صحتها»). ولا توجد للسؤال إجابة بسيطة، وكل ما يستطيعه المرء هو أن ~~يقرر اختيار التحليل الذي يراه أصلح البدائل المتاحة استنادا إلى الأدلة ~~المتوافرة. وتوجد عوامل متنوعة ينبغي أخذها في الاعتبار، ومن بينها مدى ~~تفسير التحليل المقترح لطابع العينة الخطابية: هل يشرح معالمها جميعا، ~~حتى المعالم التفصيلية منها، أم يتجاهل شرح بعض المعالم، أم يبدو مناقضا ~~لها؟ ويتمثل عامل آخر فيما يلي: هل يستند التحليل المقترح إلى ما يفعله ~~المشاركون في التفاعل؟ فإذا زعم المرء مثلا أن أحد النصوص يتسم ببناء ~~متناقض، أي إنه يستفيد من أنواع غير متسقة، فهل يقدم المشاركون بالفعل ~~أدلة على أنهم يجدون فيه إشكالية معينة؟ ويمكن للمرء أيضا أن يحسب حساب ~~ردود أفعال المشاركين إزاء التحليل، فإن كانوا يجدونه معقولا، ويجدون أنه ~~يساعدهم على شرح جوانب أخرى من نمط الخطاب قيد التركيز، كان ذلك في صالح ~~التحليل. ومن الاعتبارات ذات الصلة بذلك مدى ما يلقيه التحليل من ضوء على ~~بيانات أخرى للمحلل، وإذا ما كان يمثل أساسا (أو حتى نموذجا) في ~~أعين المحللين الآخرين (انظر بوتر وويذريل، 1987م، 169-172 حيث ترد ~~مناقشة تتسم بالمزيد من التفصيل للقضايا المتصلة بإثبات صحة ~~التحليل). ~~(10) النتائج # أول ms250 ملاحظة أبديها هنا هي أنه إذا كان المحللون يتمتعون بقدر من ~~التحكم في كيفية استعمال النتائج، فإنهم من المحال أن يتمتعوا بالتحكم ~~الكامل فيها بمجرد إعلان نتائجهم على الناس، ويمثل هذا معضلة أدركها ~~إدراكا عميقا، وإن لم أستطع أن أجد لها حلا كاملا إلى الآن. سبق لي ~~أن تحدثت في الفصل السابع عن إضفاء التكنولوجيا على الخطاب باعتباره ~~ظاهرة واسعة الانتشار، وهو ما يعني استخدام البحوث الخاصة بالخطاب في إعادة ~~تصميم أشكال الممارسات الخطابية وتدريب الناس على استخدام ممارسات خطابية ~~جديدة. وتكنولوجيات الخطاب مورد للهندسة الثقافية والاجتماعية، وسوف يعترض ~~الكثير من محللي الخطاب على استعمالها، ودون شك على الطرائق التي تستعمل ~~بها، ولكن كيف أضمن، أو يضمن غيري من المحللين، عدم استخدام البحث الذي ~~أجريه في هذه السياقات؟ الإجابة الصادقة، على ما بها من ألم، أنني لا ~~أستطيع ضمان ذلك؛ إذ إن محللي الخطاب يشتركون مع الأكاديميين في مجالات ~~أخرى كثيرة في التعرض بصورة متزايدة إلى خطر إدماجهم في أعمال بيروقراطية ~~أو إدارية. وكما أشرت أثناء مناقشتي لإضفاء التكنولوجيا على الخطاب أقول: ~~إن هذا الاتجاه لا يتجلى إلا بصورة متقطعة في مختلف المؤسسات والمجالات، ~~لكنني أشعر أنه سوف يكتسب قوة دفع، وربما اكتسبها بسرعة، الأمر الذي من ~~شأنه مواجهة المحللين بمعضلات أشد إلحاحا في المستقبل غير ~~البعيد. # وللمرء، بطبيعة الحال، أن يتوقف عن إجراء البحوث، أو يجري البحوث في ~~مجال مختلف، لكنه من الصعب أن نجد مجالات بحثية نضمن عدم إساءة استعمال ~~(نتائجها). كما توجد حلول يتعذر على معظمنا اللجوء إليها، وربما ينبغي لي ~~أن أخفف من نبرة هذا التشاؤم؛ إذ إن تكنولوجيات الخطاب، مثل غيرها من ~~صنوف التكنولوجيا، تتيح إمكانيات في اتجاهات متنوعة، وتزيد فائدة بعضها ~~لغالبية الناس عن البعض الآخر. ولقد وصفت إضفاء التكنولوجيا على الخطاب ~~باعتبارها الاستخدام البيروقراطي أو الإداري للمعرفة عن الخطاب في فرض ~~التغيير، ولكن هذه المعرفة يمكن استخدامها لإحداث التغيير من المستوى ~~الأسفل. وفي هذا الصدد أقمت الحجة مع عدد من زملائي في غير ms251 هذا المكان ~~(كلارك وآخرون، 1988م؛ فيركلف وإيفانيتش، 1989م؛ فيركلف، تحت الطبع، أ) ~~على إدراج عنصر خاص ب «الوعي النقدي باللغة» في تعليم اللغات لجميع ~~التلاميذ، فمن شأن هذا أن يمنحهم المعرفة اللازمة لإحداث التغيير، بداية، ~~في ممارساتهم الخطابية والممارسات الخطابية في مجتمعهم المحلي. # ويهدف «الوعي النقدي باللغة» إلى أن يستند إلى خبرات التلاميذ باللغة ~~والخطاب ابتغاء مساعدتهم على أن يزدادوا وعيا بالممارسة التي يشاركون فيها ~~باعتبارهم منتجين للنصوص ومستهلكين لها؛ أي الوعي بالقوى والمصالح ~~الاجتماعية التي تشكل هذه النصوص؛ وبعلاقات السلطة والأيديولوجيات التي ~~تصطبغ بها؛ وبآثارها في الهويات الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية، ~~والمعارف والمعتقدات؛ وبالدور الذي ينهض به الخطاب في عمليات التغير ~~الثقافي والاجتماعي (بما في ذلك إضفاء التكنولوجيا على الخطاب). ومن خلال ~~الوعي يمكن أن يزداد إدراك التلاميذ للقيود المفروضة على ممارستهم، ~~وإمكانيات التحدي الفردي والجماعي لهذه القيود ومخاطر ذلك وتكاليفه، ابتغاء ~~الاشتباك في ممارسة لغوية «تحررية». ويتضح من هذا الوصف الموجز كيف يمكن ~~للوعي النقدي باللغة أن يستفيد من تحليل الخطاب الذي أدعو إليه في هذا ~~الكتاب، ولكن الوعي يتضمن أيضا الوعي بالتنوع اللغوي؛ أي بالوعي ~~التاريخي بعمليات الهيمنة الخاصة بتوحيد مستويات اللغة، والمصالح الكامنة ~~وراء هذا التوحيد؛ والوعي بفرض الصورة المعتمدة للغة (مثل اللغة الإنجليزية ~~المعتمدة) في سياقات رفيعة المنزلة؛ والوعي بأن أمثال تلك القيود تحرم من ~~المزايا من يستخدمون الأنواع (المستويات) الأخرى للغة؛ والوعي بالإمكانيات ~~والمخاطر الكامنة في الاستهانة بها، والطعن في هيمنة المستوى المعتمد. وكما ~~يوحي به ذلك كله، نجد أن الوعي النقدي باللغة يرى أن تنمية الوعي باللغة ~~يدعم الممارسة اللغوية مثلما تدعمه هذه الممارسة. # وقد يود المحللون أن يواصلوا علاقتهم بالأشخاص الذين خضعوا للبحوث ~~بعد انتهاء هذه البحوث بالمعنى المفهوم، وقد يتضمن ذلك على الأقل صوغ ~~النتائج صياغة يمكن أن يفهمها هؤلاء الأشخاص ويستخدموها، وربما استطاع ~~المحللون أن يبدءوا حوارا معهم بشأن النتائج المذكورة وما يترتب ~~عليها. بل قد يقتضي الأمر اشتباكا في عمل طويل الأجل يقرره هؤلاء ~~الأشخاص بناء على هذه النتائج. فإذا ms252 كان المشروع، على سبيل المثال، ~~مختصا بدوائر الجودة في الصناعة، وهو الذي أشرت إليه آنفا، وكان يهدف ~~إلى تبيان أن المديرين يتحكمون إلى حد كبير في اجتماعات حلقات الجودة ~~المذكورة (ربما من خلال أنماط السيطرة على التفاعل المذكورة عاليه) فربما ~~يقرر العمال (أو المديرون أو الطرفان معا) أن يحاولوا وضع أساليب ~~للتفاعل تسمح بزيادة المشاركة في التحكم وزيادة نسبة التفاوض بين الجانبين. ~~وقد ينجح محللو الخطاب في تحويل قدراتهم التحليلية إلى المساعدة في تصميم ~~أشكال التفاعل. # وهكذا فإن الإمكانيات متاحة للمحللين حتى يتحكموا إلى حد ما في ~~استعمال النتائج التي توصلوا إليها، ولكنني أعتقد أن اختتام كتابي بهذه ~~النغمة المتفائلة أمر مضلل، فإذا اشتد ساعد إضفاء التكنولوجيا على ~~الخطاب وفق نبوءتي، فسوف يشق على محللي الخطاب أن يحولوا دون الاستيلاء ~~على مداخلاتهم القائمة على النوايا الحسنة، من جانب من بأيديهم زمام ~~السلطة ويملكون الموارد والمال. # | المراجع # Althusser, L. 1971: Ideology and ideological state ~~apparatuses. In L. Althusser (ed.), # Lenin ~~and Philosophy and Other Essays ~~, London: New Left ~~Books. # Antakki, C. 1988: # Analyzing ~~Everyday Explanation: a casebook of methods. # London: ~~Sage Publications. # Argyle, M. 1978: # The Psychology of Interpersonal Behaviour, # 3 # rd # edn. Harmondsworth: Penguin ~~Books. # Atkinson, J. M. and Drew, P. 1979: # Order in Court: the organization of verbal ~~interaction in judicial settings. # London: ~~Macmillan. # Atkinson, J. M. and Heritage, J. 1984: # Structures of Social Action. # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Authier-Révuz, J. 1982: Hétérogenéité montrée et ~~hétérogenéité constitutive: éléments pour une approache de l’autre ~~dans le discourse. # DRLAV ~~, ~~32. # Bagguley, P. 1990: Post-Fordism and enterprise ~~culture: flexibility, autonomy and changes in economic organization. ~~In Keat and Abercrombie 1990. # Bagguley, P. and Lash, S. 1988: Labour relations in ~~disorganized capitalism: a five-nation comparison. # Environment and Planning D: Society and ~~Space ~~, 6, 321-38. # Bakhtin, M.: # 1981: # The ~~Dialogical Imagination, # ed. M. Holquist, trans. C. ~~Emerson and M. Holquist. Austin: University of Texas Press. # 1986: # Speech Genres and ~~Other Late Essays, # ed. C. Emerson and M. ms253 Holquist, ~~trans. V. W. McGee. Austin: University of Texas Press. # Barnes, D. 1976: # Teachers ~~and Pupil Talking. # Videocasette. Milton Keynes: Open ~~University. # Bennett, T. and Woollacott, J. 1987: # Bond and Beyond: the political career of a popular ~~hero. # London: Macmillan. # Benson, D. and Hughes, J. 1983: # The Perspective of Ethnomethodology ~~. ~~London: Longman. # Bernstein, B. 1981: Codes, modalities and the ~~process of cultural reproduction: a model. # Language in Society, # 10, ~~327-67. # Billig, M., Condor, S., Edwards, D., Gane, M., ~~Middleton, D. and Ridley, A. 1988: # Ideological Dilemmas: a social psychology of everyday ~~thinking. # London: Sage Publications. # Bourdieu, P.: # 1977: # Outline ~~of a Theory of Practice, # trans. R. Nice. Cambridge: ~~Cambridge University Press. # 1982: # Ce que Parler ~~Veut Dire. Paris: Fayard. # 1984: # Distinction: a ~~social critique of the judgement of taste ~~, trans. ~~ R. Nice. London: Routledge. # 1988: # Homo ~~Academicus, # trans. Peter Collier. Cambridge: Polity Press. # Brown, G. and Yule, G. 1983: # Discourse Analysis. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Brown, P. and Fraser, C. 1979: Speech as a marker ~~of situation. In K. Scherer and H. Giles (eds), # Social Markers in Speech ~~, Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Brown, P. and Levinson, S. 1987: Politeness: some universals in Language ~~usage. # Cambridge: Cambridge University Press. # Buci-Glucksmann, C. 1980: # Gramsci and the State ~~, trans. D. Fernbach. London: ~~Lawrence and Wishart. # Button, G. and Casey, N. 1984: Generating topics: ~~the use of topics initial elicitors. In Atkinson and Heritage ~~1984. # Button, G. and Lee, J. R. E. 1987: # Talk and Social Organization. # Clevedon: ~~Multilingual Matters. # Cameron, D. 1985: # Feminism ~~and Linguistic Theory ~~. London: ~~Macmillan. # Chilton, P. (ed.), 1985: # Language and the Nuclear Arms Debate ~~. London: Pinter Publications. # Chilton, P. 1988: # Orwellian ~~Language and the Media. # London: Pluto Press. # Clark, R., Fairclough, N., Ivanic, R. and ~~Martin-Jones, M. 1988: Critical language awareness. # Centre for Language in Social Life Research Papers ~~, 1. University of ~~Lancaster. # Coates, J. 1986: # Women, Men ~~and Language ~~. London: Longman. # Coulthard, M. 1977: # An ~~Introduction to Discourse Analysis ~~. London: ~~Longman. # Courtine, ms254 J-J. 1981: Analyse du discours politique ~~(le discourse communiste adressé aux chrétiens). # Languages ~~, 62 (whole ~~vol.). # Courtine, J-J. and Marandin, J-M. 1981: Quel objet ~~pour l’analyse du discourse? In # Materialités ~~Discursives ~~, Lille: Presses Universitaires de ~~Lille. # Davidson, A. I. 1986: Archaeology, genealogy, ~~ethics. In D. C. Hoy (ed.), # Foucaults: a ~~critical reader ~~, Oxford: Basil ~~Blackwell. # de Beaugrande, R. and Dressler, W. 1981: # Introduction to Text Linguistics ~~. London: ~~Longman. # Debray, R. 1981: # Critique ~~de la Raison Politique ~~. Paris: ~~Gallimard. # Department of Education and Science: # 1988: # Report of the Committee of Inquiry into the Teaching ~~of English Language (Kingman Report) ~~. London: ~~HMSO. # 1989: # English from Ages ~~5 to 16 (The Cox Report). # London: ~~HMSO. # de Saussure, F. 1959: # Course in General Linguistics, # trans. Wade Baskin. New ~~York: McGraw Hill. # Dews, P. 1987: # Logics of ~~Disintegration. # London: Verso. # Downes, W. 1984: # Language ~~and Society ~~. London: Fontana. # Dreyfus, H. and Rabinow, P. 1982: # Michel Foucault: beyond structuralism and ~~hermeneutics ~~. Brighton: Harvester Press. # Economy and ~~Society ~~, 18 February 1989. Special number of ~~rhetoric. # Edelman, M. 1974: The political language of the ~~helping professions. Politics and ~~Society ~~, 4, 295-310. # Edelsky, C. 1981: Who’s got the floor? # Language in Society ~~, 10, ~~383-421. # Emerson, J. 1970: Behaviour in private places: ~~sustaining definitions of reality in gynaecological examinations. In ~~H. P. Dreizel (ed.), # Recent Sociology No. ~~2, # New York: Collier-Macmillan. # Fairclough, N.: # 1988a: Register, power and sociosemantic change. In D. Birch and M. O’Toole (eds), # Functions of Style ~~, London: Pinter Publications. # 1988b: Discourse representation in media ~~discourse. # Sociolinguistics ~~, ~~17, 125-39. # 1988c: Linguistic and social change, and ~~consequences for language education. # Centre for Language in Social Life Research Papers ~~, 2. University of ~~Lancaster. # 1989a: # Language and Power ~~. London: Longman. # 1989b: Language and ideology. # English Language Research Journal ~~, 3, ~~9-27. # 1989c: Discourse in social change: a ~~conflictual view. Working paper, Department of Linguistics, ~~University of Lancaster. # 1990a: What might we mean by “enterprise ~~discourse”? In R. Keat and N. Abercrombie ~~1990. # 1990b: Technologization ms255 of discourse. # Centre for Language in Social Life Research Papers ~~, 17. University of ~~Lancaster. ~~(ed.), forthcoming a: # Critical Language Awareness. # London: ~~Longman. # forthcoming b: The appropriacy of ~~“appropriateness”> In N. Fairclough (ed.) forthcoming ~~a. # Fairclough, N. and Ivanic, R. 1989. Language ~~education or language training? A critique of the Kingman model of ~~the English language. In J. Bourne and T. Bloor (eds), # The Kingman Report, # London: Committee for ~~Linguistics in Education. # Fishman, P. M. 1983: Interaction: the work women do. ~~In B. Thorne, C. Kramarae and N. Thorne (eds), # Language, Gender and Society, # Rowley ~~Mass: Newbury House. # Foucault, M.: # 1971: # L’ordre ~~du Discours. Paris: Gallimard. # 1972: # The Archaeology ~~of Knowledge. # London: Tavistock Publications. # 1979: # Discipline and Punish: the birth of the prison. # Harmondsworth: Penguin Books. # 1981: # History of ~~Sexuality, # vol. 1. Harmondsworth: Penguin ~~Books. # 1982: The subject and power. Afterword to ~~Dreyfus and Rabinow. # 1982, 1984: The order of discourse. In M. ~~Shapiro (ed.), # Langage and Politics, # Oxford: Basil ~~Blackwell. # Fowler, R.: # 1988a: Notes on critical linguistics. In ~~R. Steele and T. Threadgold (eds), # Language ~~Topics ~~, vol. 2 Amsterdam: ~~Benjamins. # 1988b: Oral models in the press. In M. MacLure ~~et al. (eds), # Oracy Matters ~~, ~~Milton Keynes: The Open University press. # Fowler, R. Hodge, B., Kress, G. and Trew, T. 1979: # Language and Control ~~. ~~Routledge: London. # Fraser, N. 1989: # Unruly Practices; power, discourse and gender in contemporary social ~~theory. # Cambridge: Polity Press. # Frow, J. 1985: Discourse and power. # Economy and Society ~~, ~~14. # Further Education Unit 1987: # Relevance, Flexibility and Competence ~~. ~~London: Further Education Unit. # Garfinkel, H. 1967: # Studies ~~in Ethnomethodology. # Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice Hall. # Garton, G., Montgomery, M. and Tolson A. 1988: ~~Media discrouse in the 1987 General Election: ideology, scripts and ~~metaphors. Working paper. Programme in Literary Linguistics, ~~Strathclyde University. # Giddens, A. 1984. # The ~~Constitution of Society ~~. Cambridge: Polity Press. # Goffman, E. 1974: # Frame ~~Analysis ~~. New York: Harper Colophon ~~Books. # Graddoll, D. and Swann, J. 1989: # Gender Voices. # Oxford: ms256 Basil ~~Blackwell. # Gramsci, A. 1971: # Selections from the prison notebooks, # ed. and trans. ~~Q. Hoare and G. Nowell Smith. London: Lawrence and ~~Wishart. # Gumperz, J. 1982: # Discourse ~~Strategies. # Cambridge: Cambridge University Press. # Habermas, J. 1984: # Theory ~~of Communicative Actions ~~, vol. 1, trans. T. McCarthy. ~~London: Heinemann. # Hall, S. 1988: The toad in the garden: Thatcherism ~~among the theorists. In Nelson and Grossberg ~~1988. # Hall, S., Critcher, C., Jefferson, T., Clarke, J. ~~and Roberts, B. 1978: Policing the ~~Crisis ~~. London: Macmillan. # Halliday, M. A. K.: # 1961: Categories of the theory of ~~grammar. # Word, # 17, ~~241-92. # 1966: Lexis as a linguistic level. In C. ~~Bazell, J. C. Catford, M. A. K. Halliday and R. H. Robins (eds), # In Memory of J. R. Firth, # London: Longman. # 1971: Linguistic function and literary style: ~~an enquiry into the language of William Golding’s # The Inheritors. # In M. A. K. Halliday ~~1973. # 1973: # Explorations in ~~the Functions of Language ~~. London: Edward ~~Arnold. # 1978: # Language as ~~Social Semiotic ~~. London: Edward ~~Arnold. # 1985: # Introduction to ~~Functional Grammar ~~. London: Edward ~~Arnold. # Halliday, M. A. K. and Hasan, R.: # 1976: # Cobhesion in English. # London: ~~Longman. # 1985: # Languag, Context ~~and Text: Aspects of Language in a Social-Semiotic Perspective ~~. Geelong, Victoria: Deakin University Press. # Harris, Z. 1963: # Discourse ~~Analysis. # La Haye: Mouton and ~~Company. # Hartley, J. 1982: # Understanding News ~~. London: ~~Methuen. # Hasan, R. 1988: # Linguistics, Language and Verbal Art. # Oxford: Oxford ~~University Press. # Health Education Council 1984: Pregnancy Book ~~. London: Health Education ~~Council. # Henriques, J., Hollway, W., Urwin, C., Venn, C. and ~~Walkerdine, V. 1984: # Changing the ~~Subject ~~. London: Methuen. # Heritage, J. 1985: Analyzing news interviews: ~~aspects of the production of talk for overhearing audiences. In van ~~Dijk 1985a, vol. 3. # Heritage, J. C. and Watson, D. R. 1979: Formulations ~~as conversational objects. In G. Psathas (ed.), # Everyday Language: Studies in ~~ethnomethodology, # New York: ~~Irvington. # HMSO 1985: # Fifth Report ~~from the Home Affairs Committee ~~. London: ~~HMSO. # Hodge, R. and Kress, G. 1988: # Social Semiotics. # Cambridge: Polity Press; and Ithaca: Cornell ms257 University Press. # Hoey, M. 1983: # On the ~~Surface of Discourse. # London: George, Allen and ~~Unwin. # Hoy, D. C. (ed.), 1986: # Foucault: a critical reader ~~. Oxford: Basil ~~Blackwell. # Ivanic, R. and Simpson, J. forthcoming: Who’s who ~~in academic writing? In N. Fairclough (ed.), forthcoming ~~a. # Jakobson, R. 1961: Concluding statement: ~~linguistics and poetics. In T. Sebeok (ed.), # Style in Language, # Cambridge, Mass: The MIT Press. # Jameson, F. 1984: Postmodernism, or the cultural ~~logic of late capitalism. # New Left ~~Review ~~, 146, 53-92. # Jefferson, G. and Lee, J. R. 1981: The rejection of ~~advice: managing the problematic convergence of “troubles-telling” ~~and a “service encounter”. # Journal of Pragmatics ~~, 5, 339-422. # Keat, R. and Abercrombie, N. (eds) 1990: # Enterprise Culture ~~. London: ~~Routledge. # Kress, G. 1986: Language in the media: the ~~construction of the domains of public and private. # Media, Culture and Society ~~, 8, ~~395-419. # Kress, G. 1987: Educating readers: language in ~~advertising. In J. Hawthorn (ed.), Propaganda, Persuasion and Polemic, # London: Edward ~~Arnold. # Kress, G. 1988: # Linguistic Processes in Sociocultural Practice ~~. Oxford: Oxford ~~University Press. # Kress, G. 1989: History and language: towards a ~~social account of language change. # Journal ~~of Pragmatics ~~, 13, 445-66. # Kress, G. and Hodge, R. 1989: # Language as Ideology ~~. London: ~~Routledge. # Kress, G. and Threadgold, T. 1988: Towards a social ~~theory of genre. # Southern Review ~~, ~~21, 215-43. # Kristeva, J.: # 1986a: Word, dialogue and novel. In T. ~~Moi (ed.), # The Kristeva Reader ~~, ~~Oxford: Basil Blackwell, 34-61. # 1986b: The system and the speaking subject. In ~~T. Moi (ed.), # The Kristeva ~~Reader, # Oxford: Basil Blackwell, ~~24-33. # Labov, W. and Fanshel, D. 1977: # Therapeutic Discourse: psychotherapy as ~~conversation ~~. New York: Academic Press. # Laclau, E. 1977: Politics ~~and Ideology in Marxist theory ~~. London: New Left ~~Books. # Laclau, E. and Mouffe, C. 1985: # Hegemony and Socialist Strategy ~~. London: ~~Verso. # Lakoff, G. and Johnson, M. 1980: # Metaphors We Live By ~~. Chicago: University ~~of Chicago Press. # Larrain, J. 1979: # The ~~Concept of Ideology ~~. London: ~~Hutchinson. # Lecourt, D. 1972: Pour une ~~Critique de l’Epistemologie ms258 ~~. Paris: François ~~Maspero. # Leech, G. N.: # 1981: # Semantics ~~, 2 # nd # edn. ~~Harmondsworth: Penguin Books. # 1983: Principles of Pragmatics ~~. London: Longman. # Leech, G. N., Deuchar, M. and Hoogenraad, R. 1982: # English Grammar for Today ~~. ~~London: Macmillan. # Leech, G. N. and Short, M. 1981: # Style in Fiction ~~. London: ~~Longman. # Leech, G. N. and Thomas, J. 1989: Language, meaning ~~and context: pragmatics. In N. E. Collinge (ed.), # An Encyclopaedia of Language ~~, London: ~~Routledge. # Leiss, W., Kline, S. and Jhally, S. 1986: # Social Communication in Advertising. # London: Methuen. # Leith, D. 983: # A Social ~~History of English ~~. London: ~~Routledge. # Levinson, S.: # 1979: Activity types and language. # Linguistics ~~, 17, ~~365-99. # 1983: Pragmatics. # Cambridge: Cambridge University Press. # Looker, T. and Gregson, O. 1989: Stress and the ~~businessman: stresswise for health success. # Business Enterprise News ~~, 7. # Macdonell, D. 1986: # Theories of Discourse: an introduction. # Oxford: Basil ~~Blackwell. # Maingueneau, D.: # 1976: # Initiation aux Méthodes d’Analyse du Discours. Paris: ~~Hachette. # 1987: # Nowvelles ~~Tendances en Analyse du Discours ~~. Paris: ~~Hachette. # Maldidier, D. 1984: Hommage: Michel Pecheux: une ~~tension passionnee entre la langue et l’histoire. In Histoire et ~~Linguistique. Paris: Editions de la Maison des Sciences de ~~l’Homme. # Margerison, C. 1987: # Conversation Control Skills for Managers ~~. London: ~~Mercury Books. # Martyna, W. 1978: What does # he # mean: use of the generic masculine. # Journal of Communication ~~, 28, ~~131-8. # Mey, J. 1985: # Whose ~~Language? A study in linguistic pragmatics ~~. Amsterdam: ~~John Benjamins. # Mishler, E. 1984: # The ~~Discourse of Medicine: dialectics of medical ~~interviews ~~. Norwood, New Jersey: Ablex Publishing ~~Company. # Montgomery, M. 1990: # Meanings and the Media ~~. Ph.D. thesis, University of ~~Strathclyde. # Morley, D. 1980: Texts, readers, subjects. In S. ~~Hall, D. Hobson, A. Lowe and P. Willis (eds), # Culture, Media, Language, # London: ~~Hutchinson. # Morris, N. (ed.), 1986: # The ~~Baby Book. # London: Newbourne Publications ~~Ltd. # Morris, P. 1990: Freeing the spirit of enterprise: ~~The genesis and development of the concept of enterprise culture. In ~~Keat and Abercrombie 1990. # Nelson, C. and Grossberg, L. (eds) 1988: # Marxism and the Interpretation of ~~Culture ~~. London: Macmillan.Ochs, ms259 E. 1979: Transciption as ~~theory. In E. Ochs and B. Schieffelin, # Developmental Pragmatics ~~, New York: Academic Press. Pêcheux, M.: # 1982: # Languages, Semantics and Ideology ~~. London: ~~Macmillan. # 1983: Sur les contexts epistemologiques de ~~l’analyse de discourse. # Mots ~~, # 9, ~~7-17. # 1988: Discourse: structure or event? In Nelson ~~and Grossberg 1988. Pêcheux, M., Henry, P., Poitou, J.-P. and Haroche, ~~C. 1979: Un exemple d’ambiguité ideologique: le rapport Mansholt. # Téchnologies, Idéologies, et Pratiques ~~, 1.2, 1-83. Pomerantz, A. 1978: Compliment responses. In ~~Schenkein 1978. Potter, J. and Wetherell, M. 1987: # Discourse and Social Psychology: beyond attitudes ~~and behaviour. # London: Sage Publications. # Quirk, R., Greenbaum, S., Leech, G. and Svartvik, ~~J. 1972: # A Grammar of Contemporary ~~English ~~. London: Longman. # Rabinow, P. (ed.), 1984: # the Foucault Reader ~~. Harmondsworth: Penguin ~~Books. # Robin, R. 1973: # Histoire et ~~Linguistique. Paris: Armand ~~Colin. # Rose, N. MS: Governing the enterprising self. Paper ~~given at conference, Values of the Enterprise Culture, University of ~~Lancaster, September 1989. # Rose, N. and Millar, R. MS: Rethinking the state: ~~governing economic, social and personal life. ~~1989. # Sacks, H.: # 1967-71: # Mimeo ~~Lecture Notes ~~. # 1972: On the analyzability of stories by ~~children. In J. Gumperz and D. Hymes (eds), # Directions in Sociolinguistics, # New ~~York: Holt, Rinehart and Winston, 325-45. # Sacks, H., Schegloff, E. and Jefferson, G. 1974: A ~~simplest systematics for the organization of turn-taking in ~~conversation. # Language, # 50, ~~695-735. # Schegloff, E. and Sacks, H. 1973: Opening up ~~closings. # Semiotica ~~, 8, ~~289-327. # Schegloff, E., Jefferson, G. and Sacks, H. 1977: ~~The preference for self-correction of repairs in conversation. # Language, # 53, ~~361-82. # Schenkein, J. (ed.), 1978: # Studies in the Organization of Conversational ~~Interaction ~~. New York: Academic Press. # Schutz, A. 1962: # Collected Papers, Vol. 1. The Problem of Social Reality. # The ~~Hague: Martinus Nijhoff. # Shapiro, M. 1981: # Language ~~and Political Understanding. # Yale: Yale University Press. # Sinclair, J. and Coulthard, M. 1975: # Towards an Analysis of Discourse: the English used ~~by teachers and pupils ~~. Oxford: Oxford University Press. # Sontag, S. 1988: # Aids and ~~its Metaphors. # Harmondsworth: Penguin ~~Books. # Spender, D. ms260 1980: # Man Made ~~Language ~~. London: Routledge. # Spender, D. and Wilson, D. 1986: # Relevance. # Oxford: Basil ~~Blackwell. # Stubbs, M. 1983: # Discourse ~~Analysis ~~. Oxford: Basil ~~Blackwell. # Talbot, M. forthcoming: The construction of gender ~~in a teenage magazine. In Fairclough forthcoming ~~a. # Tannen, D. 1989: # Talking ~~Voices: repetition, dialogue and imagery in conversational ~~discourse. # Cambridge: Cambridge University Press. # Taylor, C. 1986: Foucault on freedom and truth. In ~~D. C. Hoy (ed.), # Foucault: a critical ~~reader ~~, Oxford: Basil Blackwell. # ten Have, P. 1989: The consultation as a genre. In ~~B. Torode (ed.), # Text and Talk as Social Practice ~~, Dordrecht-Holland: Foris Publications, ~~115-35. # Thomas, J. 1988: Discourse control in ~~confrontational interaction. # Lancaster Papers in Linguistics, # 50. University of ~~Lancaster. # Thompson, J. B.: # 1984: # Studies in the Theory of Ideology ~~. Cambridge: Polity Press. # 1990: # Ideology and ~~Modern Culture ~~. Cambridge: Polity Press. # Threadgold, T. 1988a: Changing the subject. In R. ~~Steele and T. Threadgold (eds), # Language ~~Topics, # Vol. 2, Amsterdam: ~~Benjamins. # Threadgold, T. 1988b: Stories of race and gender: ~~an unbounded discourse. In D. Birch and M. O’Toole, # Functions of Style, # London: Pinter Publishers. # Tolson, A. 1990: # Speaking ~~from Experience: interview discourse and forms of ~~subjectivity. Ph.D. thesis, University of ~~Birmingham. # Trew, T. 1979: Theory and ideology at work. In ~~Fowler et al. 1979. # Urry, J. 1987: Some social and spatial aspects of ~~services. # Society and Space ~~, 5, ~~5-26. # van Dijk, T. (ed.): # 1985a: # Handbook of Discourse Analysis ~~, 4 vols. London: ~~Academic Press. # 1985b: # Discourse and ~~Communication: new approaches to the analysis of mass media ~~discourses and communication. # Berlin: Walter de ~~Gruyter and Co. # van Dijk, T. 1988: # News as ~~Discourse. # Hillsdale, New Jersey: ~~Erlbaum. # Volosinov, V.I. 1973: # Marxism and the Philosophy of Language ~~. New York: ~~Seminar Press. # Weedon, C. 1987: # Feminist Practice and Poststructuralist Theory. # Oxford: Basil ~~Blackwell. # Widdowson, H. 1979: # Explorations in Applied Linguistics ~~. Oxford: Oxford ~~University Press. # Williams, R. 1976: # Keywords: a vocabulary of culture and society ~~. London: ~~Fontana/Croom Helm. # Zima, P. 1981: Les méchanisms discursifs ms261 de ~~l’idéologie. # Revue de L’Institut de ~~Sociologie (Solvay), 4 ~~. ms262