######OpenITI# #META# URI: 1443MuhammadCinani.MamlakatKensuke.Hindawi46315048 #META# Tags: novels #META# ID: 46315048 #META# Title: مملكة كنسوكي #META# AuthorID: 38058074 #META# Author: مايكل موربورجو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 84758179 #META# Translator: محمد عناني #META# Related_books: 1450MichaelMorpurgo.KensukesKingdom (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء‏ # تقديم‏ # 1 - بيجي سو‏ # 2 - الماء، الماء في كل مكان‏ # 3 - سجل السفينة‏ # 4 - قرود وأشباح‏ # 5 - أنا، كنسوكي‏ # 6 - أبوناي!‏ # 7 - كل ما قاله الصمت‏ # 8 - كل من في نجاساكي مات‏ # 9 - ليلة السلاحف البحرية‏ # 10 - وصول القتلة‏ # حاشية الرواية‏ # معجم‏ # إهداء‏ # تقديم‏ # 1 - بيجي سو‏ # 2 - الماء، الماء في كل مكان‏ # 3 - سجل السفينة‏ # 4 - قرود وأشباح‏ # 5 - أنا، كنسوكي‏ # 6 - أبوناي!‏ # 7 - كل ما قاله الصمت‏ # 8 - كل من في نجاساكي مات‏ # 9 - ليلة السلاحف البحرية‏ # 10 - وصول القتلة‏ # حاشية الرواية‏ # معجم‏ # | مملكة كنسوكي # | مملكة كنسوكي # تأليف # مايكل موربورجو # ترجمة # محمد عناني # | إهداء # إلى جراهام وإيزابيلا # مع الشكر لإيزابيلا هتشنز، وتيرنس بكلر، والأستاذ سيجو ~~تونيموتو وأسرته، لما تعطفوا به من عون في إعداد هذا ~~الكتاب. # | تقديم # على نحو ما أذكر في كتابي «فن الترجمة» - وما فتئت أردد ذلك ~~في كتبي التالية عن الترجمة - يعد المترجم مؤلفا من الناحية ~~اللغوية، ومن ثم من الناحية الفكرية؛ فالترجمة في جوهرها إعادة ~~صوغ لفكر مؤلف معين بألفاظ لغة أخرى، وهو ما يعني أن المترجم ~~يستوعب هذا الفكر حتى يصبح جزءا من جهاز تفكيره، وذلك في صور ~~تتفاوت من مترجم إلى آخر، فإذا أعاد صياغة هذا الفكر بلغة أخرى، ~~وجدنا أنه يتوسل بما سميته جهاز تفكيره، فيصبح مرتبطا بهذا ~~الجهاز. وليس الجهاز لغويا فقط، بل هو فكري ولغوي؛ فما اللغة إلا ~~التجسيد للفكر، وهو تجسيد محكوم بمفهوم المترجم للنص المصدر، ومن ~~الطبيعي أن يتفاوت المفهوم وفقا لخبرة المترجم فكريا ولغويا. ~~وهكذا فحين يبدأ المترجم كتابة نصه المترجم، فإنه يصبح ثمرة ~~لما كتبه المؤلف الأصلي إلى جانب مفهوم المترجم الذي يكتسي لغته ~~الخاصة؛ ومن ثم يتلون إلى حد ما بفكره الخاص، بحيث يصبح النص ~~الجديد مزيجا من النص المصدر والكساء الفكري واللغوي للمترجم، ~~بمعنى أن النص المترجم يفصح عن عمل كاتبين؛ الكاتب الأول (أي ~~صاحب النص المصدر)، والكاتب الثاني (أي المترجم). # وإذا كان المترجم يكتسب أبعاد المؤلف بوضوح في ترجمة النصوص ~~الأدبية، ms01 فهو يكتسب بعض تلك الأبعاد حين يترجم النصوص العلمية، ~~مهما اجتهد في ابتعاده عن فكره الخاص ولغته الخاصة. وتتفاوت تلك ~~الأبعاد بتفاوت حظ المترجم من لغة العصر وفكره؛ فلكل عصر لغته ~~الشائعة، ولكل مجال علمي لغته الخاصة؛ ولذلك تتفاوت أيضا أساليب ~~المترجم ما بين عصر وعصر، مثلما تتفاوت بين ترجمة النصوص الأدبية ~~والعلمية. # وليس أدل على ذلك من مقارنة أسلوب الكاتب حين يؤلف نصا ~~أصليا، بأسلوبه حين يترجم نصا لمؤلف أجنبي؛ فالأسلوبان ~~يتلاقيان على الورق مثلما يتلاقيان في الفكر. فلكل مؤلف، سواء ~~كان مترجما أو أديبا، طرائق أسلوبية يعرفها القارئ حدسا، ~~ويعرفها الدارس بالفحص والتمحيص؛ ولذلك تقترن بعض النصوص الأدبية ~~بأسماء مترجميها مثلما تقترن بأسماء الأدباء الذين كتبوها، ولقد ~~توسعت في عرض هذا القول في كتبي عن الترجمة والمقدمات التي ~~كتبتها لترجماتي الأدبية. وهكذا فقد يجد الكاتب أنه يقول قولا ~~مستمدا من ترجمة معينة، وهو يتصور أنه قول أصيل ابتدعه ~~كاتب النص المصدر. فإذا شاع هذا القول في النصوص المكتوبة أصبح ~~ينتمي إلى اللغة الهدف (أي لغة الترجمة) مثلما ينتمي إلى لغة الكاتب ~~التي يبدعها ويراها قائمة في جهاز تفكيره. وكثيرا ما تتسرب بعض ~~هذه الأقوال إلى اللغة الدارجة فتحل محل تعابير فصحى قديمة، مثل ~~تعبير «على جثتي # over my dead body ~~» ~~الذي دخل إلى العامية المصرية، بحيث حل حلولا كاملا محل التعبير ~~الكلاسيكي «الموت دونه» (الوارد في شعر أبي فراس الحمداني)؛ وذلك لأن ~~السامع يجد فيه معنى مختلفا لا ينقله التعبير الكلاسيكي الأصلي، وقد ~~يعدل هذا التعبير بقوله «ولو مت دونه»، لكنه يجد أن العبارة ~~الأجنبية أفصح وأصلح! وقد ينقل المترجم تعبيرا أجنبيا ويشيعه، ~~وبعد زمن يتغير معناه، مثل «لمن تدق ~~الأجراس» # for ~~whom the bell tolls ~~؛ فالأصل معناه أن الهلاك قريب من سامعه ~~(It tolls for thee) ~~، حسبما ورد في ~~شعر الشاعر «جون دن»، ولكننا نجد التعبير الآن في الصحف بمعنى «آن ~~أوان الجد» (المستعار من خطبة الحجاج حين ولي العراق): # آن أوان الجد فاشتدي زيم # قد لفها ms02 الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا ~~بجزار على ظهر وضم # فانظر كيف أدت ترجمة الصورة الشعرية إلى تعبير عربي يختلف معناه، ~~ويحل محل التعبير القديم (زيم اسم الفرس، وحطم أي شديد البأس، ~~ووضم هي «القرمة» الخشبية التي يقطع الجزار عليها اللحم)، ~~وأعتقد أن من يقارن ترجماتي بما كتبته من شعر أو مسرح أو رواية سوف ~~يكتشف أن العلاقة بين الترجمة والتأليف أوضح من أن تحتاج إلى ~~الإسهاب. # محمد عناني # القاهرة، 2021م # الفصل الأول # | بيجي سو # اختفيت في الليلة السابقة لعيد ميلادي الثاني عشر، يوم 28 يوليو ~~1988م. ولم أكن أستطيع قبل الآن أن أروي تلك القصة العجيبة، وها أنا ذا ~~أرويها أخيرا - القصة الحقيقية. كان كنسوكي قد جعلني أعده بألا ~~أقول شيئا، بل لا شيء على الإطلاق، قبل مرور عشر سنوات على الأقل. ~~ويكاد يكون ذلك آخر ما قاله لي، وما دمت وعدته، فقد اضطررت ~~أن أعيش في أكذوبة، وتمكنت من الكتمان والحفاظ على أكذوبتي فترة ما، ~~لكنه قد انقضى ما يزيد الآن على عشر سنوات، انتهيت فيها من الدراسة في ~~المدرسة والجامعة، وتسنى لي الوقت اللازم للتفكير. وهكذا، فمن حق ~~أسرتي وأصدقائي الذين خدعتهم فترة طويلة أن أخبرهم بحقيقة اختفائي ~~الطويل، وكيف عشت حتى أتيح لي أن أعود من دنيا الأموات. # ولكن لدي سببا آخر يدفعني إلى الكلام الآن، وهو سبب أفضل من ذلك ~~كثيرا، إذ إن كنسوكي كان رجلا عظيما، كريم الخلق، وكان صديقا لي، ~~وأريد أن يعرفه العالم مثلما عرفته. # كانت الحياة تسير على منوالها الطبيعي حتى بلغت عامي الحادي عشر ~~تقريبا، وحتى وصلنا الخطاب. كنا أربعة يعيشون في المنزل: والدتي، ~~ووالدي، وأنا، وستلا أرتوا، كلبة الرعي ذات اللونين الأبيض والأسود، ~~وكانت لها أذن تتدلى والأخرى منتصبة، وكانت دائما تعرف، فيما يبدو، ~~ما يوشك أن يحدث قبل حدوثه، ولكن ستلا نفسها لم تكن تستطيع أن ~~تتنبأ بقدرة ذلك الخطاب على تغيير مسار حياتنا إلى الأبد. # وأنا أتذكر الآن أن فترة طفولتي الأولى كانت منتظمة ms03 وتسير على وتيرة ~~واحدة. فأنا أقطع الطريق كل صباح إلى المدرسة، وكان والدي يسميها ~~«مدرسة القرود»؛ لأنه كان يقول إن الأطفال فيها يصيحون ويصرخون ~~ويتعلقون في أوضاع مقلوبة بجهاز التسلق مثل القرود في الفناء. وكان ~~يناديني دائما ب «القرد» عندما يريد السخرية والملاعبة، وكثيرا ما ~~كان كذلك. وأما اسم المدرسة الحقيقي فهو مدرسة سانت جوزيف، وكنت سعيدا ~~فيها، أو في أغلب الأحيان على أية حال. فبعد انتهاء الدراسة كل يوم، ~~ومهما تكن حالة الجو، كنت أنطلق إلى الملعب لألعب كرة القدم مع إدي ~~دودز، أفضل صديق لي في الدنيا، ومع مط وبوبي والآخرين. كانت أرض ~~الملعب يكسوها الطين، فإذا حاولت تمرير الكرة وقفت والتصقت ~~بالوحل. كان لدينا فريقنا، الذي أسميناه «مدلاركس»، ومعناه اللاعبون ~~في الطين، وكنا فريقا قديرا. وكانت الفرق الزائرة تتوقع - لسبب ما - ~~أن ترتد الكرة حين تصطدم بالأرض، وإلى أن تدرك أنها لن ترتد، ~~نكون نحن قد تفوقنا عليهم بهدفين أو ثلاثة أهداف في حالات كثيرة. أما ~~إذا لعبنا مباريات خارج ملعبنا فلم نكن بنفس المهارة. # وفي عطلة نهاية الأسبوع كنت أقوم بتوزيع الصحف على المنازل، لحساب ~~المستر باتل، صاحب الدكان على ناصية شارعنا، وكنت أدخر أجري ~~لشراء دراجة تسلق، أي إنني كنت أريد أن أركب الدراجة في الطرق ~~الصاعدة في المروج من حولنا مع إدي، ولكن المشكلة هي أنني كنت دائما ~~أنفق ما ادخرته، وما زلت كذلك. # أما أيام الأحد، فكانت دائما مناسبات خاصة، حسبما أذكر، إذ كنا ~~نبحر جميعا في زورق شراعي صغير في مياه الخزان، وكانت ستلا أرتوا ~~تنبح نباحا شديدا للزوارق الأخرى كأنما لم يكن من حقها الإبحار ~~أيضا. وكان أبي يحب ذلك، كما يقول؛ لصفاء الجو ونقاء الهواء وخلائه من ~~تراب الطوب، فقد كان يعمل آنذاك في مصنع الطوب القريب. وكان يتمتع ~~بمهارات يدوية عالية ومولعا بالعمل اليدوي، وكان يستطيع إصلاح أي ~~شيء، حتى لو لم يكن بحاجة إلى الإصلاح، وهكذا كان يشعر في الزورق أنه ~~في مكانه الطبيعي. وكانت والدتي تعمل نصف ms04 الوقت في المكتب بمصنع الطوب ~~نفسه، وكانت تستمتع كثيرا برحلة الزورق. وأذكر أنني شاهدتها ذات ~~يوم جالسة عند ذراع الدفة، وقد مدت رأسها إلى الخلف أمام الريح وأخذت ~~نفسا عميقا ثم هتفت «هذا هو الصواب! هذا هو ما ينبغي أن تكون ~~الحياة عليه! رائعة! رائعة فعلا.» كانت دائما ترتدي القبعة الزرقاء. ~~كانت ربان السفينة الذي لا خلاف عليه؛ فإذا كان النسيم يهب من ~~أية جهة، وجدت هذه الجهة وحاولت استغلال النسيم. كانت تتمتع ~~باستعداد فطري لذلك. # كم قضينا من أيام سعيدة على سطح الماء! كنا نخرج والجو عاصف، عندما ~~يحجم الآخرون عن الخروج، وننطلق متواثبين فوق الأمواج، مستمتعين ~~بسرعة الزورق، ولذة الانطلاق الخالصة. وحتى عند سكون الهواء، لم ~~نكن نكترث لذلك. وأحيانا كنا الزورق الوحيد فوق مياه الخزان، وعندها ~~نجلس وحسب ونشرع في صيد الأسماك، وأقول بالمناسبة إنني كنت أبرع من ~~أمي وأبي في الصيد، وكانت ستلا أرتوا تقبع خلفنا في الزورق، وقد بدا ~~عليها الملل من ذلك كله؛ لأنها لا تجد شيئا تنبحه. # ثم وصل الخطاب. التقطته ستلا أرتوا من فتحة الخطابات في الباب ~~وكادت تمزقه، فقد كانت به ثقوب من أنيابها، وكان مبتلا، لكننا ~~استطعنا قراءته. كان الخطاب يقول إن مصنع الطوب سوف يغلق، وإن أبي ~~وأمي فقدا وظيفتيهما. # كان الصمت الرهيب يسود مائدة الإفطار في ذلك الصباح. وبعدها ~~توقفنا تماما عن الإبحار في أيام الأحد. ولم يكن لدي ما يدعوني إلى ~~السؤال عن السبب. وحاول والدي ووالدتي الحصول على وظائف أخرى، لكنه لم ~~تكن هناك أية وظائف خالية. # وساد المنزل إحساس بالكآبة والبؤس. كنت أحيانا أعود إلى المنزل ~~فأجدهما يلتزمان الصمت. كانا يتجادلان كثيرا، وحول أشياء صغيرة تافهة، ~~ولم يكن هذا عهدهما من قبل على الإطلاق. وتوقف والدي عن إصلاح الأشياء ~~في المنزل. بل ونادرا ما كان يمكث في المنزل على أية حال، فإذا لم يكن ~~يبحث عن عمل، فهو في المشرب القريب. وكان عندما يعود إلى المنزل يجلس ~~صامتا وهو يتصفح أعدادا لا تنتهي من مجلات ms05 الإبحار في اليخوت ~~الشراعية. # كنت أحاول قدر طاقتي ألا أمكث في المنزل وأن ألعب كرة القدم، ولكن ~~إدي كان قد انتقل من مسكنه لأن أباه وجد عملا آخر في مكان ما في ~~الجنوب. ولم يكن لكرة القدم مذاقها المميز دون وجوده. وانفرط عقد ~~فريق «مدلاركس» بل انفرط عقد كل شيء من حولنا. # ثم عدت ذات يوم من أيام السبت بعد جولة توزيع الصحف لأجد والدتي ~~جالسة في أسفل السلم وهي تبكي. كانت دائما قوية صلبة، ولم ~~أشاهدها من قبل في هذه الحال قط. # قالت: «مغفل! أبوك مغفل يا مايكل! هل تسمع؟» # وسألتها: «ماذا فعل؟» # وقالت لي: «لقد ذهب!» وتصورت أنها تعني أنه ذهب بلا رجعة، لكنها ~~قالت: «لم يشأ أن يصغى لصوت العقل، لا! بل يقول إنه خطرت له فكرة. لم ~~يخبرني بها، لكنه يقول فقط إنه باع السيارة، وإننا سوف ننتقل إلى ~~الجنوب، وإنه سوف يجد لنا مسكنا.» وتنفست الصعداء، بل شعرت ~~بالسرور في الواقع، فلا بد أن الإقامة في الجنوب ستجعلني أقرب من إدي. ~~وأردفت قائلة: «إذا كان يظن أنني سوف أترك هذا المنزل، فلا بد أن ~~يستعد لمفاجأة! وأؤكد لك!» # وقلت لها: «ولماذا لا نتركه؟ ليس لدينا الكثير هنا.» # فقالت: «بل لدينا! لدينا البيت أولا، ثم جدتك، ثم المدرسة.» # وقلت لها: «توجد مدارس أخرى»، وإذا بها تحتدم غضبا، بل زاد غضبها ~~عما عهدته فيها في أي يوم من الأيام. # وقالت: «تريد أن تعرف القشة التي قصمت ظهر البعير؟ إنها أنت يا ~~مايكل! أعني قيامك بجولة توزيع الصحف هذا الصباح. هل تعرف ما قاله ~~والدك عندها؟ هل تريد أن تعرف؟ سأخبرك! قال لي والدك: «هل تدركين أن ~~هذا هو الأجر الضئيل الوحيد الذي يدخل هذا المنزل، أقصد ما يكسبه مايكل ~~من توزيع الصحف! ماذا تظنين إحساسي إزاء ذلك؟ ابني في الحادية عشرة، ~~وهو يعمل وأنا دون عمل».» # وحاولت تهدئة نفسها برهة قصيرة قبل أن تواصل حديثها، وقد ~~اغرورقت عيناها بالدموع قائلة: «لن أنتقل من هنا يا مايكل. فلقد ms06 ~~ولدت هنا. لن أذهب مهما يقل، لن أترك هذا المكان.» # كنت في المنزل حين جاءت المكالمة التليفونية بعد نحو أسبوع. كنت أعرف ~~أن أبي هو المتحدث. لم تقل أمي إلا أقل القليل، ولذلك لم أستطع فهم ما ~~يجري، وذلك حتى دعتني إلى الجلوس فيما بعد وأخبرتني. # قالت أمي: «يدل صوته على أنه قد تغير يا مايكل. أعني أنه عاد إلى ~~طبيعته، بل إلى طبيعته الأولى في الأيام التي تعرفت إليه فيها أول ~~الأمر. قال إنه وجد لنا مكانا نقيم فيه. وأضاف قائلا: «ما عليكما سوى ~~إعداد حقائبكما والمجيء.» اسم المنطقة فيرهام. وهي قريبة من ميناء ~~ساوثامتون. وقال: «إنها تطل مباشرة على البحر.» لقد أحسست اختلافا ~~كبيرا فيه، وأؤكد لك ذلك.» # والواقع أن والدي بدا رجلا مختلفا. كان ينتظرنا عندما هبطنا من ~~القطار، وعيناه تبرقان من جديد ويجلجل بالضحكات. ساعدنا في حمل ~~الحقائب وقال: «المكان قريب» وهو يعبث بشعر رأسي. وأضاف: «انتظر حتى ~~تراه أيها القرد! لقد رتبت كل شيء، كل شيء! ولن يجدي أن ~~يحاول أحدكما إثنائي عن عزمي. فأنا مصمم عليه.» # وسألته: «مصمم على ماذا؟» # فقال: «سوف ترى.» # وكانت الكلبة ستلا أرتوا تتواثب في الطريق أمامنا، وقد رفعت ذيلها ~~وبدت عليها السعادة. وأعتقد أننا جميعا كنا سعداء. # لكننا في النهاية ركبنا حافلة بسبب ثقل الحقائب الشديد، وعندما ~~غادرنا الحافلة وجدنا أنفسنا على شاطئ البحر مباشرة. ونظرت فلم أجد ~~أي منازل من حولنا، لا شيء سوى مرسى لليخوت والسفن ~~الصغيرة. # وسألته والدتي: «ماذا نفعل هنا؟» # وأجاب قائلا: «يوجد من أريد أن تقابلاه، من أصدقائي المقربين، ~~واسمها بيجي سو، وهي تتطلع إلى لقائكما، وقلت لها كل شيء ~~عنكما.» # ونظرت والدتي إلي مقطبة الجبين في حيرة، لكنني لم أكن أعرف ~~أكثر مما تعرفه. ولم أكن متأكدا إلا من أنه يتعمد الغموض ~~والإلغاز. # وسرنا ونحن ننوء بحمل الحقائب في الطريق، وطيور النورس تصيح ~~فوق رءوسنا، وأشرعة اليخوت الراسية المطوية تصفق حولنا، والكلبة ~~ستلا تثرثر عما يجري، حتى وقفنا أخيرا أمام مطلع خشبي يؤدي ms07 إلى ~~يخت لونه أزرق أدكن براق. ووضع أبي الحقائب على الأرض والتفت إلينا ~~وهو يبتسم ابتسامة عريضة. # وقال: «ها هي ذي! فلنبدأ التعارف. هذه هي بيجي سو، منزلنا الجديد. ما ~~رأيكما؟» # وبدا أن والدتي متماسكة رغم كل شيء، فلم تصرخ في وجهه، بل لزمت ~~الصمت التام، وظلت صامتة طيلة استغراقه في الشرح ونحن نحتسي الشاي في ~~مطبخ السفينة السفلي. قال والدي: «لم تكن هذه فكرة خطرت لي فجأة، ~~بل لقد فكرت في الأمر طويلا، على مدى السنوات التي عملت فيها في ~~المصنع. نعم! ربما كنت أحلم بذلك وحسب في تلك الأيام. والأمر غريب ~~عندما أتأمله، فلولا أنني فقدت وظيفتي ما جرؤت قط على فعل ذلك» وتوقف ~~والدي، إذ أدرك أنه لم يشرح شيئا ثم عاد يقول: «لا بأس، إذن! سأقول ~~لكما ما فكرت فيه. ما أحب عمل إلى قلوبنا؟ الإبحار؟ صحيح؟ وهكذا ~~قلت في نفسي ألن يكون رائعا أن ننطلق وحسب فنبحر حول العالم؟ لقد ~~فعلها غيرنا. ويسمى ذلك الإبحار في المياه الزرقاء. وقرأت عنه ~~في المجلات.» ~~«كانت الفكرة حلما وحسب في البداية، كما ذكرت. ثم أتى فقدان ~~العمل وفقدان الفرصة في الحصول على عمل. ماذا يقول المرء في هذه ~~الحالة؟ اركب الدراجة. إذن لم لا نركب سفينة؟ لقد حصلنا على نقود ~~التعويض عن الفصل من العمل، مهما تكن قليلة. ولدينا بعض المدخرات، ~~وثمن بيع السيارة. ليست ثروة كبيرة ولكنها تكفي. ماذا نفعل بها؟ لي أن ~~أضعها في البنك كلها، مثلما فعل الآخرون. ولكن لماذا؟ حتى أشهدها ~~تتناقص يوما بعد يوم حتى تنفد؟ قلت في نفسي ربما استطعت أن أفعل ~~شيئا جميلا حقا بها، شيئا لا يحدث إلا مرة واحدة في العمر، إذ لنا ~~أن نبحر حول العالم. أفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا والمحيط ~~الهادئ. لنا أن نشاهد أماكن لم نعرفها إلا في الأحلام.» # وجلسنا صامتين من الصدمة، وعاد والدي يقول: «أعرف ما يجول بخاطركما. ~~أنتما تقولان إننا لم نعرف من قبل إلا الإبحار في مياه الخزان، في ~~الزورق الصغير. وتقولان ms08 إنني مجنون، فقدت عقلي، وتقولان إنه أمر ~~خطر، وتقولان إنني سوف أفلس تماما بعدها، ولكنني فكرت ~~ودبرت كل شيء، بل حتى فكرت في أمر جدتك يا مايكل - مثلا. ~~فنحن لن نختفي إلى الأبد. وسوف تكون في انتظارنا عندما نعود. فهي في ~~أتم صحة وعافية.» ~~«ولدينا النقود الكافية. لقد حسبت حساباتي: سوف نقضي ستة أشهر في ~~التدريب، ثم نقطع الرحلة في عام أو في ثمانية عشر شهرا، وفق ما ~~تكفي النقود. وسوف نحرص على السلامة في الرحلة، ونقوم بها على ~~الوجه الصحيح. وسوف تحصلين يا «ماما» على شهادة قيادة اليخت. آه! ألم ~~أذكر لكما ذلك؟ لا لم أذكره من قبل: سوف تكونين ربان السفينة يا ~~«ماما»! وسوف أكون ضابط السفينة الأول والقائم بالأعمال اليدوية. وأنت ~~يا مايكل سوف تكون غلام السفينة. وأما ستلا؛ الواقع أن ستلا يمكن أن ~~تلعب دور «قطة السفينة»!» كان والدي مفعما بالحماس، يلهث من ~~فرط الانفعال. «سوف نتقن التدريب، ونقوم بعدة رحلات عبر القنال ~~الإنجليزي إلى فرنسا، وربما أيضا إلى إيرلندا. وسوف نعرف كل صغيرة ~~وكبيرة عن هذه السفينة كأنها فرد من أفراد الأسرة. طولها أربعة عشر ~~مترا، وأماكن المجاديف محكمة الصنع والتصميم، بل أفضل ما يمكن ~~العثور عليه وأكثرها أمانا. لقد درست الأمر جيدا. ستة أشهر من ~~التدريب ثم نقوم برحلة حول العالم. ستكون مغامرة العمر. فرصتنا ~~الوحيدة. لن تتاح لنا فرصة أخرى. ماذا تقولان إذن؟» # وقلت في حماس: «مم .. تاز»، وكان ذلك حقا رأيي. # وسألته والدتي: «تقول إنني سأصبح قائد السفينة؟» وقال والدي وهو ~~يضحك ويحييها تحية البحارة: «نعم، نعم أيها الربان!» # فعادت تقول: «وماذا نفعل في مدرسة مايكل؟» # وقال والدي: «فكرت في هذا أيضا. سألت في المدرسة المحلية هنا. لقد ~~رتبنا كل شيء. سوف نصحب جميع الكتب التي يحتاجها. وسوف أتولى تعليمه. ~~وكذلك أنت. وسوف يعلم نفسه. ودعيني أؤكد لك بالمناسبة أنه سوف ~~يتعلم في عامين بالبحر أكثر مما يمكنه أن يتعلم على الإطلاق في مدرسة ~~القرود التي يذهب إليها. هذا وعد مني.» # ورشفت ms09 والدتي رشفة من فنجان الشاي وأومأت برأسها ببطء. ثم ~~قالت: «لا بأس.» ولاحظت أنها تبتسم، ثم أضافت: «ولم لا؟ عليك بها ~~إذن. اشترها! اشتر السفينة.» # وقال والدي: «لقد اشتريتها بالفعل.» # لا شك أنه كان جنونا. كانا يعرفان ذلك، بل كنت أعرفه أنا، ولكن ذلك ~~لم يكن مهما. وحين أتذكر ما حدث آنذاك أقول إنه كان، ولا بد، لونا ~~من الإلهام الذي دفعه إليه اليأس. # كان الجميع يحذروننا من ذلك. وجاءت جدتي لزيارتنا وقضت معنا ~~فترة في السفينة. وقالت إن الأمر يدعو للسخرية، ويدل على التهور ~~وانعدام الإحساس بالمسئولية. كانت تتحدث عن البلايا والمحن التي ~~تنتظرنا: جبال الجليد الطافية، والأعاصير، والقراصنة، والحيتان، ~~وناقلات النفط العملاقة، والأمواج العاتية، وتنتقل من أهوال إلى أهوال، ~~حتى تخيفني وبذلك تخيف أمي وأبي حتى يتخليا عن الفكرة. ولا ~~شك أنها نجحت في تخويفي، لكنني لم أظهر خوفي قط. لم تفهم جدتي أننا ~~نحن الثلاثة أصبحنا نرتبط برباط واحد من الجنون. لقد صممنا على الرحيل ~~ولن يفلح شيء أو شخص في إثنائنا عن عزمنا. كنا نفعل ما يفعله الناس في ~~القصص الخيالية: كنا نريد الانطلاق سعيا وراء المغامرة. # سارت الأمور في البداية وفق التخطيط الذي وضعه والدي، فيما عدا أن ~~التدريب استغرق وقتا أطول بكثير، فسرعان ما عرفنا أن الإبحار في ~~سفينة أو يخت طوله أربعة عشر مترا ليس مجرد إبحار في زورق أكبر. كان ~~القائم بتعليمنا بحارا عجوزا ذا شارب كث يعمل في «نادي اليخت»، ~~واسمه بيل باركر (وكنا نسميه بارناكل بيل، من وراء ظهره، وتعني بيل ~~«اللزقة»). وكان قد أبحر مرتين حول كيب هورن، في أقصى جنوب أمريكا ~~الجنوبية، وعبر المحيط الأطلسي مرتين وحده، وعبر القنال الإنجليزي ~~«مرات يزيد عددها على عدد الوجبات الساخنة التي تناولتها في حياتك يا ~~بني.» # والحق، أن أيا منا لم يكن يحبه كثيرا. كان صاحب عمل لا يرحم. ~~وكان يعاملني ويعامل ستلا أرتوا بنفس القدر من الاحتقار، إذ كان يرى أن ~~الأطفال والكلاب مجرد مصدر للمضايقة، وإذا وجد أي منهما ms10 على ظهر ~~سفينة أصبح عبئا على البحارة. ولذلك تحاشيت اللقاء به قدر طاقتي، ~~وكذلك كانت ستلا أرتوا تتحاشاه. # ويقتضي الإنصاف أن أقول إن بارناكل بيل كان يجيد صنعته. وعندما انتهى ~~من تعليمنا، وحصلت والدتي على شهادتها ، شعرنا أننا نستطيع الإبحار ~~في بيجي سو إلى أي مكان في العالم. كان قد غرس فينا احترام البحر ~~وخشيته، وهو شعور صحي، ولكننا كنا نشعر في نفس الوقت بالثقة في قدرتنا ~~على «التعامل» مع أي شيء تقريبا يأتي به البحر. # ومع ذلك، فلقد مررت بلحظات أحسست فيها برعب يجمد الأطراف. ~~وكان والدي يشاطرني الإحساس بالرعب في صمت. وتعلمت أنك لا تستطيع ~~التظاهر بالاطمئنان حين تدهمك موجة خضراء عالية طولها سبعة أمتار، ~~وكنا نهبط في منخفضات مائية بلغ من عمقها أن أحسسنا أنه من المحال ~~الخروج منها. لكننا كنا نخرج منها، وكلما نجحنا في التغلب على خوفنا، ~~وركوب الأمواج العالية، ازدادت ثقتنا بأنفسنا وبالسفينة من ~~حولنا. # وأما والدتي فلم تبد قط أدق ذرة من ذرات الخوف. والفضل يرجع ~~لها وللسفينة بيجي سو معا في تغلبنا على أسوأ ما مر بنا من لحظات. ~~كانت تصاب بدوار البحر من حين لآخر، لكننا لم نصب به قط. وكانت ~~هذه مزية لنا. # كنا نعيش بالقرب من بعضنا البعض، ملتصقين تقريبا، وسرعان ما ~~اكتشفت أن الآباء أكثر من مجرد آباء، إذ أصبح والدي صديقا لي، بل ~~ملاحا زميلا لي، وغدا كلمنا يعتمد على صاحبه. وأما والدتي فالحق - ~~وأنا أعترف به - أنني لم أكن أعرف أنها تتمتع بهذه المقدرة. كنت أعرف ~~دائما أنها شجاعة، وأنها كانت دائما تصر على المحاولة حتى تنجح ~~في فعل ما تريد، ولكنها واصلت الليل بالنهار في دراسة كتبها وخرائطها ~~حتى أتقنت كل شيء، ولم تتوقف لحظة واحدة. صحيح أنها كانت تتسم ببعض ~~الاستبداد إذ ما تهاونا في الحفاظ على السفينة بأكمل صورة ممكنة، ~~ولكنني لم آبه كثيرا لذلك، ولم يأبه والدي هو الآخر، وإن كنا ~~تظاهرنا بعكس ذلك. كانت هي ربان السفينة. وكانت الخطة أن تطوف ms11 ~~بنا حول العالم وتعيدنا. كانت ثقتنا مطلقة فيها، وكنا فخورين بها. ~~كانت باختصار نابغة. ولا بد أن أقول أيضا إن غلام السفينة وضابطها ~~الأول كانا من النوابغ أيضا في تشغيل الروافع، وإدارة الدفة، وكانا ~~ماهرين في إعداد الفاصوليا المعلبة في مطبخ السفينة، وهكذا كنا فريقا ~~متكاملا رائعا. # وفي يوم 10 سبتمبر 1987م - وأنا أعرف التاريخ لأنني أضع سجل ~~السفينة أمامي أثناء الكتابة - وبعد أن حشدنا في كل ركن وزاوية ~~بالسفينة ما نحتاج إليه من مئونة ومن زاد، أصبحنا أخيرا على استعداد ~~للإقلاع حتى نبدأ مغامرتنا الكبرى، ملحمة الأوديسية العظمى لنا. # كانت جدتي حاضرة لوداعنا وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وكانت في ~~النهاية قد وافقت على قيامنا بالرحلة، بل قالت إنها تريد أن تصحبنا ~~لزيارة أستراليا - إذ كانت دائما تتوق إلى مشاهدة دببة الكوالا ~~الصغيرة على الطبيعة. وكان في وداعنا حشد كبير من أصدقائنا أيضا، ومن ~~بينهم بارناكل بيل. وجاء صديقي الصغير إدي دودز مع والده. وألقى إلي ~~بكرة قدم أثناء رفع المرساة. وصاح عاليا «إنها تميمة السعد!» ~~وعندما فحصتها فيما بعد وجدت أنه غمرها بتوقيعاته مثل نجوم كأس ~~العالم لكرة القدم. # وودعتهم الكلبة ستلا أرتوا بنباحها، كما ودعت جميع ~~القوارب الراسية أثناء مرورنا بمضيق سولينت الذي يفصل جزيرة وايت عن ~~أرض إنجلترا، ولكننا أثناء عبورنا تلك الجزيرة سكتت فجأة عن النباح، ~~ربما أدركت، مثلما أدركنا، أنه لا عودة إلى الوراء الآن، لم يكن ذلك ~~حلما، بل لقد بدأنا الإبحار حول العالم. كان ما يحدث حقيقيا، ~~وحقيقيا حقا. # الفصل الثاني # | الماء، الماء في كل مكان # يقولون إن الماء يغطي ثلثي سطح الأرض، والواقع أن الأمر يبدو كذلك ~~عندما تكون في البحر، بل وهو ما تشعر به أيضا. ماء البحر، وماء المطر؛ ~~كله بلل في بلل! كنت معظم الوقت مبتلا بللا كاملا. كنت أرتدي ~~الملابس اللازمة، إذ كان الربان دائما يستوثق من ذلك، ولكن البلل ~~كان يتسرب إلى جسمي بصورة ما. # وفي أسفل السفينة كان كل شيء مبتلا، حتى الأكياس المبطنة ~~المعدة للنوم، ms12 ولم نكن نستطيع تجفيف أي شيء إلا عندما تسطع الشمس ~~ويتوقف صدر البحر عن الصعود والهبوط! وعندها نأتي بكل شيء إلى ظهر ~~السفينة، وإذا بسفينتنا بيجي سو وقد ارتدت الملابس كلها، وامتلأ حبل ~~الغسيل من آخر السفينة إلى مقدمها. وكانت العودة إلى الجفاف بعد البلل ~~متعة حقيقية، لكننا نعرف أنها لن تستمر طويلا. # قد تظن أنه لم يكن لدينا عمل كثير يشغلنا نحن الثلاثة في السفينة، ~~يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع. ولكن ذلك خطأ مؤكد، فلم تكن تمر ~~علينا لحظة هدوء طيلة النهار، وكان لدي دائما ما يشغلني: طي ~~الشراع، وإنزاله بالرافعة، وإرخاء الحبال، وقيامي بنوبتي عند عجلة ~~القيادة، وهو ما كنت مولعا به، أو مساعدة والدي في أعمال الإصلاح ~~والترقيع التي لا تنتهي، فكان كثيرا ما يحتاج إلى مساعد له حتى يقبض ~~على الخشبة مثلا أثناء الحفر أو دق المسامير أو إدخال البراغي أو ~~النشر، وكنت دائما أقوم بالمسح والتنظيف، أو بإعداد الشاي، أو غسيل ~~الأطباق، أو أعمال التجفيف. ولن أكون صادقا إن قلت إنني كنت أحب ذلك ~~كله، ولكن العمل الدائب لم يدع للملل لحظة واحدة! # لم يكن مسموحا بالبطالة إلا لعضو واحد من أعضاء طاقم السفينة - ستلا ~~أرتوا - وكانت دائما دون عمل. ولما لم تكن تجد ما يستحق النباح في ~~صفحة البحر العريض، كانت تقضي الأيام العاصفة متكورة على نفسها في ~~سريري في غرفتي أسفل السفينة. لكنه عندما يصفو الجو وتشرق الشمس كانت ~~عادة ما تقوم بالمراقبة في مقدمة السفينة، منتبهة لأي شيء؛ أي شيء آخر ~~سوى البحر. والمؤكد أنه إذا بدا أي شيء فلا بد لها أن تلمحه بسرعة: ~~مجموعة من خنازير البحر مثلا، تغطس في الأمواج وتخرج منها، أو أسرة من ~~الدلافين التي تسبح بجوار بعضها البعض، وقد اقتربت من السفينة إلى الحد ~~الذي يوحي بأنك تستطيع مد يدك ولمسها! وحيتان، وأسماك القرش، بل ~~والسلاحف البحرية؛ رأيناها جميعا. وكانت والدتي تلتقط صورها بالفيديو ~~والكاميرا العادية، وكنت ووالدتي نتشاجر حتى نستخدم المنظار المقرب. ~~ولكن ستلا ms13 أرتوا كانت في جوها الطبيعي، وعاد لها طبع كلبة الرعي، فأخذت ~~تصدر أوامرها بالنباح على كائنات البحر، حتى تجمعها في قطيع واحد من ~~أعماق البحر. # وعلى الرغم مما كانت تسببه لنا من ضيق - إذ كانت تشيع رائحة بللها ~~في كل مكان - فإننا لم نندم يوما على اصطحابها معنا في هذه الرحلة، ~~فقد كانت مصدر تسرية وسلوى لنا. فعندما كان البحر يضطرب بنا ~~ويخضخضنا، وتشعر والدتي بدوار البحر حتى يكاد يغشى عليها، كانت ~~تهبط إلى أسفل السفينة وتجلس ممتقعة اللون شاحبة، وعلى حجرها ستلا ~~تلاطفها وتتلقى ملاطفتها. وعندما كنت أشعر بالرعب من الأمواج العالية ~~كالجبال وصرخات الريح الداوية، كنت أتكور مع ستلا في مرقدي بالسفينة، ~~وأدفن رأسي في عنقها وأحتضنها بشدة. وفي مثل تلك الأوقات - ولا أظن ~~أنها كانت كثيرة، لكنني أذكرها بدقة شديدة وحسب - كنت دائما أضع كرة ~~إدي بالقرب مني أيضا. # أصبحت كرة القدم بمثابة تعويذة أو تميمة تجلب الحظ، وبدا لي أنها ~~تجلبه فعلا، فالواقع أن كل عاصفة كانت تهدأ في النهاية، وكنا لا نزال ~~بعدها أحياء، سالمين، ونطفو فوق صفحة الماء. # كنت أتمنى أن ينسى والدي ووالدتي مسألة الواجبات الدراسية، وكان يبدو ~~في البداية أنهما نسيا الموضوع كله، لكننا ما إن تغلبنا على عدة ~~عواصف، وما إن استقر بنا الحال وانطلقنا في طريق رحلتنا، حتى أجلساني ~~وأخبراني الخبر المزعج، وهو أنني شئت أم أبيت، لا بد أن أواصل دراستي، ~~ولم تكن والدتي تقبل المناقشة في هذا الأمر. # كنت أدرك أن استنجادي بوالدي لن يأتي بنتيجة. فلم يفعل سوى أن هز ~~كتفيه قائلا: «ماما هي الربان»، وبهذا انتهى الموضوع. عندما كنا في ~~المنزل كانت أمي هي أمي وحسب وكنت أستطيع أن أجادلها، وكان ذلك على ~~الأقل من المزايا التي حرمت منها على ظهر السفينة بيجي سو حيث لا ~~مناقشة ولا جدال. # كانت تلك مؤامرة، إذ اشترك أبي وأمي في وضع برنامج كامل للعمل. كان ~~علي أن أستذكر كتب الرياضيات، وقال أبي إنه سوف يساعدني إذا صادفتني ~~عقبة. وأما ms14 منهج الجغرافيا والتاريخ، فكان يقضي بأن أكتشف وأسجل كل ما ~~يخص كل بلد نزوره أثناء طوافنا بالعالم، وكان منهج دراسات البيئة ومنهج ~~الرسم يفرضان علي أن أسجل وأرسم صورا لجميع الطيور التي نراها، ~~وجميع المخلوقات والنباتات التي نصادفها . # وحرصت والدتي أيضا على تعليمي الملاحة البحرية أيضا، قائلة: ~~«لقد علمني بارناكل بيل، وسوف أتولى تعليمك. أعرف أنها ليست من ~~المقررات الدراسية ولكن لم لا؟ ومن يدري؟ ربما عادت عليك بالفائدة.» ~~وهكذا علمتني كيف أستخدم السدسية، وهي آلة المساحة الملاحية، ~~وكيف أسجل قراءات البوصلة، وأحدد مسار السفينة على الخريطة. وكان من ~~واجبي تسجيل خطوط الطول والعرض في سجل السفينة كل صباح، وكل مساء، ~~وبانتظام دائم. # لا أظن أنني كنت انتبهت حقا لوجود النجوم من قبل. وأما الآن فكنت ~~كلما أتولى نوبة المراقبة في غرفة القيادة ليلا، بعد تشغيل جهاز ~~التوجيه الذاتي للسفينة بيجي سو بدوارة الريح، والآخرون نائمون في أسفل ~~السفينة، لم يكن لي رفيق سوى النجوم. وكنت أثناء تحديقي فيها أشعر ~~أحيانا أننا آخر الأحياء في كوكب الأرض كله، لم يكن هناك سوانا، ~~والبحر المظلم من حولنا وملايين النجوم من فوقنا. # وكانت نوبة المراقبة الليلية هي الوقت الذي كثيرا ما استذكرت فيه ~~دروس اللغة، وكانت تتخذ صورة وضع ملاحظاتي الخاصة في سجل السفينة. ~~لم يكن مفروضا علي أن أعرضها على والدي، لكنهما كانا يشجعانني على ~~الكتابة في السجل مرة كل عدة أسابيع، وقالا إنها سوف تمثل سجلي ~~الخاص والشخصي لرحلتنا. # لم أكن أجيد الكتابة إجادة كبيرة في المدرسة، فلم أكن أستطيع قط أن ~~أجد الأفكار اللازمة للكتابة أو أن أعرف كيف أبدأ، وأما على متن بيجي ~~سو فقد اكتشفت أنني أستطيع أن أفتح السجل وأكتب بيسر، كانت لدي ~~دائما أفكار كثيرة أريد التعبير عنها. وهذا لب الموضوع. إذ اكتشفت ~~أنني لم أكن أكتبها على الإطلاق بل أقولها وحسب. كنت أنطق بها كما ~~تخطر ببالي، وتنطلق في ذراعي حتى تصل إلى أصابعي وقلمي فتتخذ شكلها على ~~الصفحة، وهذه هي الصورة التي تبدو ms15 لي فيها الآن بعد مرور كل هذه ~~السنوات، أي صورة الكلام الذي تفوهت به. # إنني أنظر الآن إلى السجل الخاص بي. لقد تجعدت أوراقه قليلا ~~واصفر لون الصفحات بمضي الزمن، وخطي الرديء شحب لونه قليلا ~~لكنني أستطيع قراءته بسهولة في معظم الأحيان، والملاحظات المسجلة ~~قصيرة، ولكنها تقص القصة كاملة، وفيما يلي أروي كيف سجلت أحداث ~~رحلتنا العظيمة، وكيف بدت لعين غلام في الحادية عشرة، ونحن نركب متن ~~المحيطات الشاسعة في هذا العالم على ظهر السفينة بيجي سو. # الفصل الثالث # | سجل السفينة # 20 سبتمبر # الساعة الآن الخامسة صباحا. وأنا أقوم بنوبة المراقبة في غرفة ~~القيادة، والجميع نائمون. تركنا ساوثامتون منذ عشرة أيام، وكان ~~القنال الإنجليزي مليئا بناقلات النفط. كانت عشرات الناقلات ~~تغدو وتروح. وهكذا كان أبي وأمي يتبادلان المراقبة في الليلتين ~~الأوليين، ولم يسمحا لي بذلك. لا أدري لم لا، لم يكن في الجو ~~أي ضباب، وقدرتي على الرؤية لا تقل عن قدرتهما. # كنا نعتزم أن نقطع مسافة 320 كيلو مترا في اليوم، أي أن نسير ~~بسرعة ثماني عقد، ولكننا لم نستطع تجاوز 80 كيلو مترا يوميا ~~في الأسبوع الأول. # كان بارناكل بيل قد حذرنا من خليج بسكاي، ما بين فرنسا وإسبانيا، ~~وهكذا توقعنا سوء الأحوال الجوية فيه، وصدقت توقعاتنا. كانت ~~قوة الريح فيه تصل إلى 9 وأحيانا إلى 10 عقد، وكانت الريح ~~تتقاذفنا هنا وهناك. وظننت أننا سوف نغرق. بل كنت أعتقد ذلك حقا، ~~وذات يوم عندما حملتنا موجة عالية رأيت مقدم السفينة بيجي سو يشير ~~إلى أعلى، نحو القمر، فكأنما كانت سوف تنطلق إليه، وإذا بنا ننحدر ~~إلى الجانب الآخر بسرعة خارقة حتى تصورت أننا سنغوص إلى القاع. ~~كان الموقف سيئا. أقصد أنه كان رهيبا، رهيبا حقا. ولكن بيجي ~~سو لم تتفتت، ونجحنا في الوصول إلى إسبانيا. # أحيانا يضيق صدر والدتي فتبهرنا عندما نرتكب خطأ ما، ولا يبدو ~~أن والدي كان يغضب من ذلك، أقصد هنا - في البحر - بل يكتفي بأن ~~يغمز لي بعينه فنستمر في العمل. كانا يلعبان ms16 الشطرنج كثيرا ~~عندما يسمح صفاء الجو بذلك. ووالدي متقدم على والدتي بخمسة أشواط ~~مقابل ثلاثة. وتقول والدتي إنها لا تهتم، ولكنها مهتمة، وأستطيع أن ~~أرى الدلائل. # لم نقض في ميناء لاكورونيا، شمالي إسبانيا، سوى يومين. كانت ~~والدتي تنام كثيرا، فهي مرهقة حقا. قام والدي بعمل بعض ~~الإصلاحات في حبل الدفة عندما كنا هناك. ومع ذلك فلا يزال غير راض ~~عنه. وبدأنا الإبحار نحو جزر الأزور منذ يومين. # كان أمس أفضل يوم للإبحار حتى الآن. فالنسائم قوية، والسماء ~~زرقاء، ودفء الشمس الساطعة يكفي لتجفيف الأشياء. كنت علقت الشورت ~~الأزرق الخاص بي على حبل الغسيل لكنه طار ووقع في البحر. غير مهم. ~~لم أكن أحبه كثيرا على أية حال. شاهدنا طيور الأطيش البحرية وهي ~~تغطس في البحر في كل مكان لالتقاط الأسماك عصر هذا اليوم. رائع ~~حقا. وأخذت ستلا أرتوا تنبح بجنون. # مللت أكل الفاصوليا المعلبة، ولا يزال لدينا مخزون كبير أسفل ~~السفينة. # 11 أكتوبر # شاهدت أفريقيا اليوم! كان الساحل بعيدا ولكن والدتي قالت إنها ~~أفريقيا حقا. ونحن نبحر بحذاء الساحل الغربي. وبينت والدتي ~~ذلك على الخريطة. وسوف تدفعنا الريح بجانب الساحل لعدة مئات من ~~الكيلو مترات ثم نعبر المحيط الأطلسي إلى أمريكا الجنوبية. يجب ألا ~~نخرج عن المسار المحدد، وإلا دخلنا نطاق الرهو الاستوائي، وهو ~~نطاق سكون وخمود، لا تهب الريح فيه على الإطلاق، وقد تسكن فيه حركة ~~السفينة أسابيع متوالية، أو حتى إلى الأبد. # هذا أشد الأيام حرارة. واكتسى وجه والدي حمرة قانية، وبدأت بشرته ~~عند أطراف أذنيه تتقشر، أما أنا فقد اكتسيت لونا أسمر كالبندق، ~~مثل والدتي. # شاهدت الأسماك الطيارة هذا الصباح، وكانت ستلا معي، ثم لمحت ~~والدتي سمكة من أسماك القرش بالقرب من مقدم السفينة، وقالت إنها ~~تستمتع بدفء الشمس. وأتيت بالمنظار المقرب، لكنني لم أستطع أن ~~أراها قط. وقالت والدتي إن علي أن أكتب عنها في مذاكرتي ولو لم ~~أكن شاهدتها، ثم أرسم صورتها. وهكذا اضطررت إلى قراءة ما كتب ~~عنها. إنها أسماك بالغة الضخامة، لكنها لا ms17 تأكل البشر، بل تقتصر ~~على الأسماك وكائنات البلانكتون الدقيقة. أحب الرسم، وأفضل صورة ~~رسمتها صورة سمكة طيارة. # أرسلت بطاقة بريدية إلى إدي من جزر الرأس الأخضر. ليته كان معي ~~هنا، إذن لسعدنا وضحكنا معا. # ستلا تحب الجري وراء كرة القدم في الغرفة ثم تثب فوقها. لسوف ~~تخرقها بأنيابها يوما ما. أنا واثق من هذا. # كان والدي متجهما قليلا في الآونة الأخيرة، وذهبت والدتي لترقد ~~وحدها، فلديها صداع. أظن أنهما تشاجرا قليلا. لا أعرف سبب ~~المشاجرة، لكنني أظن أنه الشطرنج. # 16 نوفمبر # غادرنا لتونا ميناء ريسيفي. وهو في البرازيل. مكثنا فيه أربعة ~~أيام. كان علينا القيام بإصلاحات كثيرة في السفينة. كان جهاز توليد ~~الريح يحتاج إلى إصلاح، وحبل الدفة لا يزال يلتصق بالبكرة أثناء ~~الدوران. # لعبت كرة القدم في البرازيل! هل سمعت بذلك يا إدي؟ لعبت كرة ~~القدم في البرازيل وبكرتك ذات السعد! كان والدي يشاركني تقاذف ~~الكرة وحسب على الشاطئ، وفجأة وجدنا عشرة أطفال ينضمون إلينا. ~~ولعبنا مباراة حقيقية قام والدي بتنظيمها، وانقسمنا إلى فريقين، ~~أطلقت على فريقي اسم «مدلاركس» وأطلق والدي على فريقه اسم ~~«البرازيل»، وهكذا كان الجميع يريدون أن يلعبوا في فريقه - بطبيعة ~~الحال! - ولكن والدتي انضمت إلى فريقنا وفزنا! كانت النتيجة ~~«مدلاركس» 5 والبرازيل 3، وبعد ذلك دعت والدتي الأولاد لشرب ~~الكوكاكولا في السفينة. وأخذت ستلا تزمجر في وجوههم وتكشف عن ~~أنيابها، فاضطررنا إلى حبسها في الغرفة. وحاولوا مخاطبتنا ~~بالإنجليزية، غير أنهم لم يكونوا يعرفون سوى كلمتين «جول» ~~و«مانشستر يونايتد». إذن فهذه ثلاث كلمات! # وجاءت والدتي بالصور بعد تحميض الأفلام وطبعها، ومن بينها صورة ~~دلافين تقفز في الهواء، وصورة لي بجوار الرافعة، وأخرى لوالدتي وهي ~~تدير عجلة القيادة، ورابعة لوالدي وهو يقوم بإنزال الشراع الرئيسي ~~بأسلوب بالغ السوء. وكانت من بينها صورة لي وأنا أقذف بقطعة من ~~الصخر في البحر عندما توقفنا في جزر الكناري، وصورة أخرى لوالدي ~~وهو مستغرق في النوم على ظهر السفينة يستمتع بالشمس ووالدتي تقهقه. ~~كانت على وشك أن تضع قطرات الزيت الذي يحمي ms18 من الشمس على بطنه (أنا ~~الذي التقطت هذه الصورة، وهي أفضل صورة صورتها). وكان من بين الصور ~~أيضا صورة لي وأنا أستذكر درس الرياضيات، وقد عبس وجهي وأخرجت ~~لساني. # 25 ديسمبر # يوم عيد الميلاد في البحر. وجد والدي محطة إذاعة تذيع أناشيد عيد ~~الميلاد. وتناولنا البسكويت «المقرمش» لكنه كان قد ابتل قليلا فلم ~~يصبح «مقرمشا»، وتناولنا وجبة حلوى عيد الميلاد التي أعدتها ~~جدتي لنا. وأهديت كلا منهما صورة رسمتها، فأهديت والدي صورة ~~السمكة الطيارة وأهديت والدتي صورة الربان، أي صورتها وهي تدير ~~عجلة القيادة وترتدي قبعتها. وأهداني والدي ووالدتي مدية جميلة ~~حقا اشترياها لي في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل. وهكذا ~~رددت إليهما قطعة نقود. هذا هو المفترض أن تفعله. فهو يجلب ~~الحظ الحسن. # عندما كنا في ريو دي جانيرو قمنا بتنظيف السفينة بيجي سو تنظيفا ~~متقنا. كانت تبدو متسخة قليلا من الداخل ومن الخارج، لكنها لم ~~تعد كذلك. واشترينا مقادير كبيرة من المؤن والماء استعدادا لقطع ~~المسافة الطويلة إلى جنوب أفريقيا. وقالت والدتي إننا نسير سيرا ~~حسنا، ما دمنا نحافظ على اتجاه السير جنوبا، وما دمنا نلتزم ~~بالإبحار في تيار جنوب الأطلسي المتجه من الغرب إلى الشرق. # مررنا جنوب جزيرة تسمى سانت هيلانة منذ عدة أيام. لم نكن نحتاج ~~إلى التوقف، فليس فيها الكثير. كل ما هناك أنها كانت المكان الذي ~~نفي إليه نابليون بونابرت. وقد توفي فيها. من المؤلم أن يموت ~~الإنسان في هذا المكان الموحش. وهكذا كان علي بطبيعة الحال، أن ~~أكتب موضوعا دراسيا عن نابليون في منهج التاريخ. كان علي أن ~~أقرأ ما كتب عنه في دائرة المعارف وأن أكتب عنه. وقد وجدت ~~الموضوع طريفا لكنني لم أقل لهما ذلك. # الكلبة ستلا تقبع متجهمة في سريري. ربما حزنت لأنها لم تتلق ~~هدية عيد الميلاد من أحد. عرضت عليها أن تذوق حلوى عيد الميلاد ~~التي أعدتها جدتي، ولكنها لم تلتفت إليها تقريبا أو تشمها. وأنا ~~لا ألومها على ذلك! # رأيت اليوم شراعا، يختا آخر. وهتفنا: عيد ميلاد ms19 سعيدا ~~ولوحنا بأيدينا، ونبحت ستلا نباحا شديدا، ولكن من فيه لم ~~يردوا بسبب بعدهم الشاسع عنا. وعندما اختفى الشراع بدا البحر فجأة ~~خاويا فارغا. # فازت والدتي في الشطرنج هذا المساء. أصبحت تتقدم على والدي، ~~بواحد وعشرين مقابل عشرين. وقال والدي إنه تركها تفوز بسبب عيد ~~الميلاد . كانا فيما يبدو لا يأخذان الموضوع مأخذ الجد، ولكن ~~كلا منهما يريد أن يفوز. # 1 يناير # أفريقيا من جديد. مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، وجبل تيبل. ~~ولن نمر بها أثناء إبحارنا وحسب هذه المرة بل سوف نرسو بالميناء. ~~هذا ما قالاه لي هذا المساء. لم يكونا يريدان أن يقولا لي ذلك من ~~قبل خشية ألا نقدر على ذلك ماليا، ولكن لدينا ما يكفي. سوف ~~نمكث هنا أسبوعين، وربما فترة أطول. سوف نرى الأفيال والأسود على ~~طبيعتها في البرية، لا أستطيع أن أصدق ذلك. ولا أظن أنهما يستطيعان ~~التصديق أيضا. وعندما أخبراني كانا مثل طفلين، ضاحكين وسعيدين، لم ~~يكن ذلك عهدي بهما في المنزل من قبل قط، إنهما يبتسمان لبعضهما ~~البعض حقا هذه الأيام. # تعاني والدتي من تقلصات في المعدة. ويريد والدي أن يعرضها على ~~طبيب في كيب تاون، لكنها ترفض ذلك. لا بد أن ذلك بسبب الفاصوليا ~~المعلبة. أما الخبر السعيد فهو أن علب الفاصوليا قد نفدت أخيرا. ~~وأما الخبر السيئ فهو أننا تناولنا عشاءنا من السردين المعلب، أعوذ ~~بالله! # 7 فبراير # كنا قطعنا مئات الكيلو مترات في المحيط الهندي، وإذا بهذا يحدث! ~~فالواقع أن ستلا نادرا ما تصعد إلى سطح السفينة إلا إذا كان البحر ~~ساجيا كالحصير. لا أعرف سبب صعودها ولا أعرف لماذا أتت، ربما كنا ~~جميعا مشغولين وحسب. فوالدي كان يعد الشاي في الطابق السفلي، ~~ووالدتي تدير عجلة القيادة، وكنت أنا أمارس تدريبا عمليا في ~~الملاحة بتحديد موقعنا بجهاز السدسية؛ آلة المساحة، وكانت ~~السفينة بيجي سو ترتفع وتنخفض وتتأرجح قليلا، وكان علي أن ~~أثبت في مكاني. ورفعت بصري فشاهدت ستلا واقفة في مقدم السفينة. ~~كانت واقفة وفجأة اختفت. # كنا تدربنا ms20 عشرات المرات على عملية إنقاذ من يسقط في الماء ~~من السفينة، في مضيق سولنت. مع بارناكل بيل. لا بد من الصياح ~~وتحديد مكان السقوط، وتكرار الصياح، وتكرار الإشارة إلى المكان. ثم ~~نلتفت إلى مهب الريح، ونقوم بخفض الأشرعة بسرعة، وندير محرك ~~السفينة. وهكذا، فعندما انتهى والدي من إنزال الشراع الرئيسي ~~والشراع المثلث الصغير في مقدم السفينة، كنا قد بدأنا التحرك إلى ~~الخلف ناحية ستلا. كنت أنا أتولى الإشارة إلى المكان الذي سقطت ~~فيه، والصياح المستمر أيضا. كانت تضرب الماء بقوائمها حتى تنجو من ~~موجة خضراء مقبلة عليها، وكان والدي قد انحنى على جانب السفينة، ~~وأخذ يمد يده حتى يصل إليها، لكنه لم يكن يرتدي سترة الأمان، ~~وكانت والدتي في شبه جنون. كانت تحاول أن تجعل السفينة تقترب إلى ~~أقصى حد ممكن وبأبطأ سرعة من ستلا، ولكن موجة عارمة أبعدتها عنا في ~~آخر لحظة وكان علينا أن نستدير ثم نعود من جديد. وكنت أنا أصيح ~~وأشير بيدي إلى ستلا طول الوقت. # اقتربنا منها ثلاث مرات، ولكننا كنا نتخطاها في كل مرة. ~~أحيانا كنا نسير بسرعة أكبر مما ينبغي وأحيانا لم نكن نقترب منها ~~إلى الحد الكافي. كانت بدأت تفقد قوتها، ولا تكاد تضرب الماء ~~بقوائمها، وبدأت تغوص. كانت أمامنا فرصة أخيرة. اقتربنا منها من ~~جديد، على النحو الصحيح هذه المرة، واقتربنا منها اقترابا يمكن ~~والدي أن يمد يده ويمسك بها. وتعاون ثلاثتنا في إخراج ستلا من ~~الماء، قابضين على طوقها الجلدي حول رقبتها وعلى ذيلها. وقال لي ~~والدي: «أحسنت أيها القرد!» وجعلت والدتي تسخر وتضحك من والدي لعدم ~~ارتدائه سترة الأمان. ولم يفعل والدي سوى أن احتضنها فاندفعت تبكي. ~~ونفضت ستلا عن نفسها ماء البحر ثم هبطت إلى أسفل السفينة كأنما لم ~~يحدث شيء على الإطلاق. # ووضعت والدتي قاعدة صارمة، وهي عدم السماح مطلقا للكلبة ستلا ~~أرتوا بالصعود إلى ظهر السفينة، مهما تكن الأحوال الجوية، دون أن ~~نلبسها سترة الأمان، مثلي ومثل والدي ووالدتي. وبدأ والدي يصنع ~~لها سترة أمان خاصة. ms21 # ما زلت أحلم بالفيلة في جنوب أفريقيا. أحببت مشيها في ~~تمهل وتأمل، وعيونها الدامعة الحكيمة. وما زلت أذكر تلك ~~الزرافات المتعالية التي تطل من عليائها علي، وشبل الأسد الذي ~~يرقد وقد وضع ذيل أمه في فمه. ورسمت صورا كثيرة ولا أزال أنظر ~~إليها حتى تذكرني بما شاهدت. والشمس في أفريقيا كبيرة جدا، ~~حمراء قانية. # أستراليا هي المحطة التالية، بحيواناتها ذات الجراب مثل ~~الكنغر والبوسوم والومبات. وسوف يستقبلنا العم جون في ميناء ~~بيرث. سبق أن شاهدته في الصور لكنني لم أقابله حتى الآن. وقال ~~والدي هذا المساء إننا لا نرتبط إلا بنسب بعيد، وقالت والدتي: «وهو ~~بعيد جدا»، وضحك الاثنان. ولم أدرك الفكاهة المقصودة حتى عدت ~~للتفكير في الأمر عندما حلت نوبة مراقبتي. # تبدو النجوم أشد لمعانا، ونجت ستلا من الغرق. أعتقد أنني أسعد ~~مما كنت عليه في أي يوم من قبل. # 3 إبريل # اقتربنا من بيرث، في أستراليا، لم أكن أرى حتى اليوم إلا ~~المحيط الخالي الخاوي منذ أن غادرنا أفريقيا. يزيد استمتاعي حين ~~تقتصر صحبتنا علينا وعلى السفينة بيجي سو والبحر. وأظن أننا نحس ~~جميعا هذا الإحساس، ومع ذلك فحين نلمح اليابسة دائما ما نحس ~~بالفرحة الغامرة. وعندما لمحنا أستراليا للمرة الأولى تبادلنا ~~الأحضان وجعلنا نتواثب، فكأننا كنا أول ملاحين يكتشفون قارة ~~أستراليا في التاريخ. وأخذت ستلا أرتوا تنبحنا كأنما جن ~~جنوننا! وربما كنا كذلك، لكننا نجحنا! لقد قطعنا مسافة شاسعة من ~~إنجلترا إلى أستراليا بحرا! أي نصف الطريق حول العالم! وفعلنا ذلك ~~وحدنا. # عادت إلى والدتي تقلصات المعدة، سوف تعرض نفسها قطعا على طبيب ~~في أستراليا. وعدتنا بذلك وسوف نجعلها تفي بوعدها. # 28 مايو # نحن في البحر من جديد بعدما يقرب من ستة أسابيع مع العم جون. كنا ~~نظن أننا سوف نمكث في بيرث عدة أيام فقط، ولكنه قال إن علينا أن ~~نشاهد أستراليا كما ينبغي أثناء وجودنا فيها. وهكذا اصطحبنا ~~للإقامة مع أسرته في مزرعة ضخمة. آلاف الأغنام. لديه أعداد كبيرة ~~من الخيول، وهكذا قضيت وقتا طويلا ms22 في ركوب الخيل مع ابنتي عمي ~~الصغيرتين: بيث وليزا، ورغم أنهما لم تتجاوزا السابعة والثامنة، ~~فهما تجيدان ركوب الخيل. كانتا تدعوانني «مايكي»، وعندما حان ~~رحيلنا كانت كلمنهما تريد أن تتزوجني. لكننا سوف نصبح أصدقاء ~~بالمراسلة بدلا من ذلك. # رأيت حية تسمى ذات الرأس النحاسي. وقال العم جون إنني لو ~~وطأتها بقدمي لقتلتني. وقال لي أن آخذ حذري من العناكب ذات الظهر ~~الأحمر في دورة المياه. وبعدها لم أكن أتردد كثيرا على دورة ~~المياه. # كانوا يسموننا أبناء عمومتهم البريطانيين، وكنا نقيم حفلا ~~للشواء في الهواء الطلق كل مساء. وقضينا معهم أوقاتا ممتعة. ~~ولكنني كنت سعيدا بالعودة إلى السفينة بيجي سو. والحق أنني ~~اشتقت إليها أثناء مقامنا في أستراليا، مثلما أشتاق إلى صديقي ~~الصغير إدي. كنت أرسل له بطاقات بريدية، وأحيانا بطاقات ~~عليها صور حيوانات غريبة إذا عثرت عليها. أرسلت إليه صورة دبة ~~الومبات. ولقد رأيت هذه الحيوانات فعلا، ومئات من حيوان ~~البوسوم، والكثير من الكناغر. ولديهم في أستراليا أعداد كبيرة من ~~الببغاوات البيضاء ذوات العرف، بل إنها تعد بالملايين مثل ~~العصافير لدينا في الوطن. # ولكن طيور النورس هنا أيضا. وأينما ذهبنا في هذا العالم وجدنا ~~دائما طيور النورس. والخطة الموضوعة هي أن نرسو في ميناء سيدني ~~على الساحل الشرقي لأستراليا فترة من الوقت، ونستكشف الحاجز ~~المرجاني قليلا، ثم نبحر عبر بحر المرجان وشمالا نحو بابوا غينيا ~~الجديدة. # تحسنت حالة والدتي كثيرا بعد تقلصات المعدة. وقال الطبيب في ~~أستراليا إن السبب يمكن أن يكون طعاما تناولته. وقد شفيت الآن ~~على أية حال. # الجو حار وخانق حقا، لكنه ساكن أيضا، ولا توجد رياح، ولا نكاد ~~نتحرك. لا أستطيع أن أرى أية سحب، لكنني واثق أن عاصفة ما سوف تهب. ~~هذا ما أحسه. # 28 يوليو # أنظر حولي. إنها ليلة حالكة الظلمة. لا قمر ولا نجوم. ولكن ~~السكون قد عاد أخيرا. سوف أتم عامي الثاني عشر غدا، لكنني لا ~~أظن أن أحدا غيري سوف يتذكر ذلك. # مر بنا وقت عصيب، أسوأ مما مر بنا في ms23 خليج بسكاي. فمنذ أن غادرنا ~~سيدني توالت العواصف علينا دون انقطاع، وكانت كلمنها تدفعنا شمالا ~~عبر بحر المرجان. انقطع حبل الدفة. فعل والدي ما يستطيع ولكن ~~الحبل لا يزال يحتاج إلى إصلاح. جهاز القيادة الذاتية لم يعد يعمل، ~~وهكذا لا بد من وجود أحدنا عند عجلة القيادة طول الوقت، وهذا معناه ~~إما والدي وإما أنا؛ لأن والدتي عاودها المرض، تقلصات المعدة من ~~جديد، ولكنها ازدادت الآن سوءا، وهي لا تريد أن تتناول أي طعام، ~~وكل ما تتناوله هو الماء المحلى بالسكر. لم تستطع أن تنظر إلى ~~الخرائط لمدة ثلاثة أيام. يريد والدي أن يرسل إشارة استغاثة ولكن ~~والدتي تمنعه. وتقول إن معنى هذا هو الاستسلام. شاركني أبي في ~~العمليات الملاحية، وبذلنا قصارى جهدنا، ولكنني أعتقد أننا لم ~~نعد نعرف مكاننا. # إنهما الآن نائمان في أسفل السفينة. والدي يعاني من الإرهاق ~~الشديد. وأنا أدير عجلة القيادة في غرفة القائد، ومعي كرة القدم ~~التي أهداني إدي إياها، لقد جلبت لنا الحظ الحسن حتى الآن، وهو أشد ~~ما نحتاج إليه الآن حقا. نحتاج إلى شفاء والدتي، وإلا أصبحنا في ~~مشكلة حقيقية. لا أعرف إن كنا نستطيع احتمال هبوب عاصفة ~~أخرى. # الحمد لله على سكون الجو. سوف يساعد ذلك والدتي على النوم. ~~فالنوم يتعذر حين تتقاذفك الأمواج طول الوقت. # الظلام دامس في البحر وستلا تنبح، وتقف على مقدم السفينة. وهي لا ~~ترتدي سترة الأمان. # كانت هذه آخر كلمات كتبتها في سجل السفينة والصفحات التالية ~~بيضاء. # حاولت أن أنادي ستلا أولا لكنها لم تأت. وهكذا تركت عجلة ~~القيادة تقدمت لإعادة ستلا. وأخذت الكرة معي لإرضائها وإغرائها ~~بالعودة من مقدم السفينة. # وقبعت في مكاني وقلت: «تعالي يا ستلا!» وأنا أنقل الكرة من يد ~~إلى يد، وناديتها «تعالي خذي الكرة.» وأحسست بالسفينة تميل قليلا ~~بسبب الريح، وعرفت حينذاك أنني أخطأت حين تركت عجلة القيادة. ~~وأفلتت الكرة من يدي فجأة وتدحرجت فارتميت خلفها؛ لكنها كانت قد ~~وصلت للجانب الآخر قبل أن أمسكها. كنت مستلقيا على ظهر السفينة ~~أتابع ms24 الكرة بنظراتي وهي تختفي في الظلام. كنت غاضبا أشد الغضب ~~من نفسي بسبب حماقتي الشديدة. # كنت لا أزال ألوم نفسي عندما تصورت أنني أسمع صوت غناء. كان ~~أحدهم يغني في مكان ما وسط الظلام. ناديت ولكنني لم أتلق ردا. ~~إذن، فذلك ما كانت ستلا تنبحه. # بحثت مرة أخرى عن كرتي لكنها كانت قد اختفت. كانت الكرة ثمينة ~~جدا بالنسبة لي، وثمينة لنا جميعا. وأدركت عندها أنني فقدت ~~لتوي ما يزيد كثيرا عن مجرد كرة قدم. # كنت غاضبا من ستلا، إذ كانت السبب في هذا كله. كانت لا تزال ~~تنبح. ولم أعد أستطيع سماع الغناء. ناديتها من جديد، ودعوتها ~~بالصفير للعودة، لكنها لم تأت. نهضت واقفا وتقدمت، ~~وأمسكت بطوقها الجلدي وشددتها ولكنها رفضت أن تتحرك. لم أكن ~~أستطيع أن أجرها للعودة بها هذه المسافة كلها فانحنيت حتى ~~أحملها. كانت لا تزال رافضة. ثم احتضنتها بين ذراعي وهي ~~تجاهد للتحرر من قبضتي. # وسمعت زفيف الريح من فوقي في الأشرعة، وما زلت أذكر أنني قلت في ~~نفسي: هذا حمق! إنك لا ترتدي سترة الأمان ولا سترة النجاة وعليك أن ~~تتوقف عما تفعله. ثم إذا بالسفينة تميل بعنف وتلقي بي جانبا. ~~ولما كنت أقبض بذراعي على ستلا لم أجد الوقت اللازم لأمسك بسور ~~السفينة الحديدي. وقبل أن أستطيع حتى أن أفتح فمي لأصرخ أصبحنا في ~~وسط مياه البحر الباردة. # الفصل الرابع # | قرود وأشباح # تتابعت أهوال الرعب بسرعة. وابتعدت أضواء السفينة بيجي سو ثم ~~اختفت في ظلام الليل، تاركة إياي وحيدا في المحيط، وحيدا مع ثقتي ~~بأن الأضواء قد بعدت بعدا شديدا وأن صرخات استغاثتي من المحال ~~أن يسمعها أحد. وخطر ببالي وجود أسماك القرش السابحة في المياه السوداء ~~من تحتي، تتشمم رائحتي وتتعقبني وتشق طريقها إلي، وعرفت أنه لا ~~أمل. سوف تأكلني حيا. إما ذاك أو أن أغرق ببطء. لا يمكن أن ينقذني ~~الآن شيء. # وضربت الماء بأقدامي فطفوت، وأنا أبحث بجنون في الظلمة الصماء ~~من حولي عن شيء؛ عن أي شيء يمكن أن ms25 أسبح لأصل إليه. لكنه لم يكن هناك ~~شيء. # ثم لمحت فجأة شيئا أبيض في الماء، ربما كان زبد موجة. لكنه لا ~~توجد أمواج، ستلا! لا بد أن تكون ستلا، حمدت الله كثيرا وشعرت براحة ~~عميقة لأنني لم أكن وحدي، وناديتها وسبحت تجاهها، لكنها كانت دائما ~~بعيدة، تختفي وتعود للظهور ثم تختفي من جديد. كانت تبدو قريبة جدا، ~~لكنني اضطررت إلى السباحة بشدة عدة دقائق قبل أن أقترب منها اقترابا ~~يكفي لمد يدي ولمسها. وعند ذلك فقط أدركت خطئي. رأس ستلا يغلب عليه ~~السواد، وأما هذه فبيضاء. كانت كرة القدم. أمسكتها وتعلقت بها ~~وقد أحسست بقدرتها الرائعة وغير المتوقعة على الطفو، وثابرت وأنا ~~أضرب الماء بقدمي وأنادي ستلا، لكنني لم ألق جوابا. ناديت ~~وناديت، لكنني كلما فتحت فمي الآن دخلت فيه مياه البحر. كان علي ~~أن أكف عن النداء، فالواجب أن أنقذ نفسي إذا استطعت. # لم يكن هناك جدوى من إهدار الطاقة بمحاولة السباحة. وعلى أية حال، لم ~~يكن هناك مكان أسبح نحوه. وقررت بدلا من ذلك أن أطفو وحسب. ومن ثم ~~قررت أن أتعلق بكرة القدم، وأن أضرب الماء بقدمي ضربا خفيفا وأن ~~أنتظر عودة السفينة بيجي سو. لا بد أن والدي سوف يكتشفان عاجلا أو ~~آجلا أنني وقعت في البحر، وأن يأتيا للبحث عني عاجلا أو آجلا. يجب ~~ألا أرفس الماء بشدة، بل بما يكفي فقط للطفو، لإبقاء ذقني فوق سطح ~~الماء. فكثرة الحركة سوف تجتذب أسماك القرش، ولا بد أن الصبح قريب، لا ~~بد أن أثابر إذن حتى يطلع الصبح، لا مفر من ذلك. لم تكن برودة المياه ~~قارسة، وكانت معي كرة القدم، والفرصة لا تزال قائمة. # ظللت أقول ذلك لنفسي المرة بعد المرة. ولكن الدنيا ظلت سوداء لا تريد ~~التخفيف من سوادها من حولي، كما بدأت أشعر أن برودة الماء تجمدني ~~حتى الموت. حاولت أن أغني حتى أتوقف عن الارتجاف وحتى أبعد ~~صور أسماك القرش عن بالي، غنيت جميع الأغاني التي أذكرها، لكنني ~~كنت بعد قليل أنسى ms26 كلمات الأغنية، ودائما كنت أعود إلى الأنشودة التي ~~كنت واثقا من إتمامها وهي «عشر زجاجات خضراء». غنيتها بأعلى صوتي ~~مرات كثيرة. كنت أستمد الاطمئنان من رنين صوتي، الأمر الذي جعلني أحس ~~بوحشة أقل في البحر، وكنت دائما أبحث عن لمعة الفجر الخضراء، لكنها ~~تأبى أن تأتي وتأبى أن تأتي. # وسكت آخر الأمر ولم تعد رجلاي تضربان الماء. وتعلقت بكرة ~~القدم، ورأسي ينساق إلى النوم. كنت أعرف أنني يجب ألا أنام، لكنني لم ~~أستطع المقاومة. وكانت يدي كثيرا ما تنزلق من الكرة. كنت أفقد بسرعة ~~آخر ما لدي من قوة، وهكذا كنت سأهبط، وأهبط إلى قاع البحر وأرقد في ~~قبري وسط الطحالب البحرية وعظام الملاحين الغرقى وحطام السفن. # والغريب أنني لم آبه لذلك حقا. لم أكن أكترث، أو لم أعد أكترث. ~~وجعلت أطفو حتى غلبني النعاس، وجاءت الأحلام. ورأيت في حلمي ~~سفينة تتقدم نحوي ساكنة فوق صفحة البحر. إنها بيجي سو! بيجي سو العزيزة ~~الحبيبة! لقد عادا يبحثان عني، كنت أعرف أنهما سيعودان، وأمسكتني ~~أذرع قوية، وحملتني إلى أعلى خارج الماء، ورقدت هناك فوق ظهر ~~السفينة أنشق الهواء بصعوبة مثل سمكة حطت على اليابسة. # كان شخص ما قد انحنى فوقي، وأخذ يهزني ويحادثني. لم أفهم كلمة واحدة ~~مما قاله، لكن ذلك لم يهمني. شعرت بأنفاس ستلا على وجهي، وأحسست ~~بلسانها يلعق أذني. لقد كتبت لها السلامة. وكتبت لي السلامة. ~~كل شيء على ما يرام. # استيقظت على صوت عواء يشبه صوت عصف الريح الشديدة من خلال سواري ~~السفينة. ونظرت حولي فلم أجد سارية واحدة فوقي، ولا شراعا واحدا، ولم ~~أشعر بحركة تحتي أيضا، ولا بأي نسيم يهب، كانت ستلا أرتوا تنبح، ~~ولكنها على مبعدة ما مني، لم أكن فوق ظهر أية سفينة على الإطلاق، بل ~~راقدا ممددا على الرمال، وتحول صوت العواء إلى صياح، بل إلى ~~صراخ حاد متصاعد ومخيف يخبو صوته فيما يحدثه من أصداء. # وجلست. كنت على شاطئ البحر، منطقة رملية بيضاء عريضة، ومن خلفي ~~أشجار كثيفة وكثة حتى الشاطئ. ms27 ثم رأيت ستلا تتواثب في المياه ~~الضحلة. ناديتها فجاءت قفزا من البحر لتحيتي، وذيلها يدور في ~~الهواء بعنف. وبعد أن انتهت من التنطيط ولعقي بلسانها واحتضاني، ~~اجتهدت حتى وقفت على قدمي. # كنت أشعر بضعف في جسمي كله. ونظرت حولي. كان البحر الأزرق الواسع ~~خاويا مثل السماء الصافية الخالية من السحب من فوقي. لم تكن هناك بيجي ~~سو. لم تكن هناك أية سفن. لا شيء. لا أحد. ناديت وناديت مرات على أمي ~~وأبي، وظللت أنادي حتى اغرورقت عيناي بالدموع ولم أعد أستطيع النداء، ~~وحتى أدركت أنه لا فائدة في النداء، ووقفت هنالك بعض الوقت أحاول أن ~~أفهم كيف انتهيت إلى هذا المكان، وكيف تسنى لي أن أنجو، وقد ~~اختلطت الذكريات في رأسي، بعضها يقول إنهما أنقذاني، وبعضها يقول ~~إنني على متن السفينة بيجي سو، لكنني الآن واثق أن هذا محال، لا بد ~~أنني رأيت ذلك في المنام، وحلمت بكل ذلك. لا بد أنني تعلقت بكرة القدم ~~فظللت طافيا حتى ألقتني الأمواج على الشاطئ. وخطرت ببالي كرة القدم ~~عندها، لكنني لم أستطع رؤيتها في أي مكان. # ولم يكن يعني ستلا، بطبيعة الحال، تساؤلي عن الأسباب والعلل، بل ظلت ~~تأتي لي ببعض العصي حتى أقذفها فتجري خلفها ركضا لتحضرها من البحر ~~دون أن يقلقها شيء في الدنيا. # ثم عادت أصوات العواء القادمة من جهة الأشجار، فاستفزت ستلا حتى ~~وقف شعر رقبتها، وانطلقت تجري على الشاطئ وهي تنبح وتنبح ~~حتى تأكدت أنها قد أسكتت آخر الأصداء. ولكن العواء هذه المرة ~~كان موسيقيا يشبه النواح ولا يوحي بأي تهديد على الإطلاق. وقلت في ~~نفسي إنني أعرف مصدر هذه الأصوات. فلقد سمعت أصواتا تشبهها ذات يوم ~~في زيارة إلى حديقة الحيوان في لندن. إنها أصوات قردة «الجيبون»، وكان ~~والدي يسميها «الجيبون الجبانة». ولا أزال أجهل سر هذه التسمية، وإن ~~كان جرس الألفاظ يستهويني. وربما كان ذلك هو السبب الذي جعلني ~~أتذكرها، وقلت لستلا: «ليست سوى قردة الجيبون! الجيبون الجبانة! وهي لن ~~تؤذينا.» ولكنني لم أكن واثقا ms28 أنني كنت على صواب. # وكنت أستطيع من الموقع الذي وقفت فيه أن أرى أن الغابة تخف كثافة ~~أشجارها على جانب تل عظيم يقع على مبعدة من الشاطئ، وخطر لي عندها أنني ~~لو استطعت الوصول إلى الصخور الناتئة الجرداء عند القمة فسوف أتمكن من ~~مد بصري إلى مسافة أبعد في البحر. أو ربما كان هناك منزل أو مزرعة ~~إذا ابتعدنا أكثر عن الشاطئ، وقد يكون هناك طريق من الطرق، وعندها ~~أجد من يمد لي يد المساعدة. لكنني قلت في نفسي: لنفرض أنني ~~غادرت الشاطئ فعادا للبحث عني، فماذا يكون حالي؟ وقررت أن من واجبي أن ~~أغتنم تلك الفرصة. # وانطلقت أجري، وستلا أرتوا في أعقابي، وسرعان ما وجدت نفسي في ظل ~~الغابة الرطيب. واكتشفت مسلكا ضيقا صاعدا في التل، ورأيت أنه يمثل ~~الوجهة الصحيحة. وهكذا سرت فيه جريا ثم أبطأت السرعة عندما أصبح ~~التل شديد الانحدار. كانت الغابة عامرة بالكائنات الحية. كنت أسمع ~~وقوقة الطيور وصرخاتها عند ذوائب الأشجار العالية من فوقي، وأصوات ~~العواء القديم ينقلها الهواء كأنها النواح من خلال الأشجار، وإن بدا ~~أنني ابتعدت عنها الآن. # ولكن مصدر قلقي لم يكن أصوات الغابة، بل العيون! إذ شعرت بأن ألف ~~عين مستطلعة تراقبني. وأظن أن ستلا شعرت بذلك أيضا، إذ إنها التزمت ~~بصمت غريب منذ أن دخلنا الغابة، وكانت دائما ما تتطلع إلي طلبا ~~للاطمئنان والراحة. وبذلت قصارى جهدي في ذلك، ولكنها كانت تشعر ~~أيضا أنني كنت خائفا. # ولكن مسيرتي التي كنت أظنها جولة قصيرة بدت لي الآن رحلة كبيرة في ~~داخل تلك الأرض، فبعد أن خرجنا منهكين من وسط الأشجار، صعدنا ~~بصعوبة وجهد جهيد ركاما صخريا حتى استطعنا أخيرا أن نقف فوق ~~القمة. # كانت الشمس الساطعة شديدة الحرارة. ولم أكن قد أحسست بحرارتها ~~اللافحة حتى تلك اللحظة. وألقيت نظري على الأفق كله. وأمعنت النظر حتى ~~أرى إن كان هناك شراع ما يلوح على البعد، لكنني لم أشاهد شيئا. ثم ~~قلت في نفسي: فلنفرض أنني شاهدت شراعا ما، ماذا يمكنني أن ms29 أفعل؟ لم ~~أكن أستطيع إشعال نار، فليست معي أعواد ثقاب. كنت أعرف أن إنسان الكهوف ~~كان يشعل النار بحك العصي بعضها بالبعض، لكنني لم أجرب ذلك من ~~قبل، ونظرت حولي الآن في كل اتجاه. البحر. البحر. البحر. لا شيء سوى ~~البحر من جميع الاتجاهات. كنت في جزيرة. وأنا وحدي هنا. # لم يكن يبدو أن الجزيرة يزيد طولها على ثلاثة كيلو مترات أو أربعة، ~~لا أكثر. وكان شكلها يشبه قليلا حبة فول سوداني طويلة، وإن كانت ~~أعرض في جانب منها من الجانب الآخر. ورأيت على كل جانب منها شاطئا ~~يمتد كأنه شريط أبيض لامع، وفي آخرها الآخر، وجوانبه أشد انحدارا ~~وتنمو عليها غابات أشد كثافة، لكنه لا يبلغ ارتفاع التل الذي أقف فوقه، ~~وكانت الجزيرة كلها تبدو مغطاة تماما بالغابات باستثناء القمة الجرداء ~~لكل من هذين التلين. وحسبما استطعت أن أرى، لم أجد أي دليل على ~~أية حياة بشرية. وأنا أذكر الآن - حتى أثناء وقوفي هناك في أول صباح ~~أقضية في ذلك المكان، وقد غمرتني المخاوف من عواقب وقفي الرهيب - أنني ~~قلت في نفسي ما أروع تلك الجزيرة؛ فهي كالزمردة الخضراء في إطار أبيض، ~~والبحر يحيط بها من كل مكان، بلون أزرق حريري متلألئ. ومن الغريب أنني ~~لم أشعر إطلاقا بالاكتئاب، وربما كان الجمال الفذ لذلك المكان هو الذي ~~أتاني بالتسرية والراحة. # ومن الغريب أيضا أنني أحسست، على العكس من ذلك، بالزهو! كنت على قيد ~~الحياة! وكذلك كانت ستلا أرتوا! لقد نجونا! # وجلست في ظل صخرة كبيرة، وقامت قردة الجيبون بتشكيل جوقة إنشاد جديدة ~~من العواء والنعيب في الغابة، وجعلت جماعة من الطير ذات أصوات جشاء ~~تردد صياحا كالصليل من خميلة الأشجار تحت موقعنا ثم طارت فعبرت ~~الجزيرة لتحط فوق الأشجار القائمة على جانب التل المقابل. # وقلت لستلا: «سنكون بخير! أمي وأبي سوف يعودان إلينا لا بد أن يعودا، ~~بل من المؤكد أن يعودا، سوف تشفى والدتي ويعودان إلينا، لن تتركنا ~~هنا، سوف تعثر علينا وسوف ترين. ليس علينا إلا أن ms30 نواصل ترقبنا ~~لهما، وأن نظل على قيد الحياة. الماء! سوف نحتاج إلى الماء. ألا تحتاج ~~إليه هذه القردة؟ كل ما علينا هو أن نحاول العثور عليه، لا أكثر. ~~ولا بد أن يكون هنا أغذية أيضا؛ فواكه أو بندق، أو أي شيء. ومهما يكن ~~ما تأكله القردة فسوف نأكله.» # وساعدني التعبير بصوت عال عن أفكاري لستلا، وأعانني على إخماد ~~الذعر الذي كان يدهمني الآن في موجات، وأما أهم ما ساعدني على تحمل ~~تلك الساعات الأولى في الجزيرة، فكان صحبة ستلا لي. # بدا لي من المعقول ألا أغوص في أعماق الغابة فورا بحثا عن الماء، ~~والحق أن خوفي كان يمنعني على أية حال، بل أن أستكشف منطقة الشاطئ ~~أولا، فربما عثرت على جدول أو نهر يصب في البحر، وإذا صادفني بعض الحظ ~~فربما وجدت شيئا أستطيع أن آكله أيضا. # وانطلقت مستبشرا، هابطا الركام الصخري وثبا كأنني من الماعز ~~الجبلي. وقال لي عقلي إننا نستطيع أن نعيش حيث يعيش القرود. وجعلت أقول ~~ذلك لنفسي. وسرعان ما اكتشفت أن الطريق الذي يتوسط الأشجار لم تكن فيه ~~أية نباتات تؤكل. شاهدت فعلا فواكه من نوع ما، أو ما بدا لي أنه ~~فواكه على أية حال. كانت هناك أشجار جوز الهند أيضا، لكنه كان من ~~المستحيل تسلقها. كان طول بعضها يزيد على ثلاثين مترا، والبعض الآخر ~~يزيد على ستين. لم أر في حياتي قط مثل هذه الأشجار العملاقة. # كان الخميلة المتشابكة الأغصان تمثل المأوى المنشود هربا من قيظ ~~النهار، على الأقل، ومع ذلك فقد غدوت أشعر بالعطش الشديد، وكذلك غدت ~~ستلا. كانت تمشي بجواري بخطى خافتة طول الطريق، وقد أخرجت لسانها. ~~كانت ترمقني بنظرات الألم كلما التقت عيوننا، لكنني لم أكن أستطيع ~~التسرية أو التخفيف عنها. # وعدنا إلى شاطئنا من جديد ثم انطلقنا نطوف بالجزيرة، ملتزمين قدر ~~الطاقة بحافة الغابة، حتى نسير في الظل. لكننا أيضا لم نجد أي جداول. ~~ورأيت من جديد فواكه كثيرة، لكنها كانت في أشجار بالغة الارتفاع، كما ~~كانت جذوعها ملساء ناعمة ms31 من المحال تسلقها. وعثرت على كثير من ثمار جوز ~~الهند على الأرض، ولكنها كانت دائما مكسورة ومفتوحة وخاوية. # وعندما وصلنا إلى قرب نهاية الشاطئ اضطررنا إلى أن نضرب في شعاب ~~الغابة نفسها. وهنا وجدت طريقا ضيقا أستطيع السير فيه، وأصبحت ~~الغابة في هذه اللحظة صماء ظلماء تنذر بالأخطار. توقفت أصوات ~~العواء ، وحل محلها شيء أشد إنذارا بالشر؛ أصوات ارتجاف أوراق الأشجار، ~~وقعقعة تكسير الغصون، وخشخشات خفية مفاجئة، وكانت جميعا قريبة مني ~~وتحيط بي في كل مكان. وعرفت، بل أصبحت على ثقة تامة، أن هناك عيونا ~~تراقبنا. كان هناك من يقتفي خطانا. # وأسرعت الخطى وأنا أحاول قدر الطاقة أن أبتلع مخاوفي. وجالت بخاطر ~~صور قردة الجيبون التي رأيتها في حديقة الحيوان، وحاولت أن ~~أقنع نفسي بأنها كانت تبدو بريئة أبعد ما تكون عن إيذاء أحد. وقلت في ~~نفسي: لسوف تتركنا وما نحن فيه ولن تهاجمنا أبدا؛ إنها لا تأكل لحم ~~البشر، ولكنه عندما زاد اقتراب أصوات الخشخشة، وزاد ما يكمن فيها من ~~نذر الخطر، ازدادت صعوبة إقناع نفسي بما أقول، وبدأت أجري، وظللت ~~أجري حتى انتهى الطريق بنا إلى الصخور، إلى ضوء النهار الرحيم الجميل، ~~ورأيت البحر من جديد. # كان هذا الطرف من طرفي الجزيرة يبدو ساحة تناثرت فيها الجلاميد ~~الهائلة القائمة مثل الصخور السامقة التي سقطت على طول البحر. وجعلنا ~~نثب من جلمود إلى جلمود، وقد ركزت بصري بحثا عن قطرات المياه التي ~~يمكن أن تصبح جدولا يجري بين الصخور منحدرا من الغابة العالية، لكنني ~~لم أجد شيئا. # وشعرت آنذاك بالإرهاق الشديد. فجلست لأستريح، وقد جف حلقي ~~وأحسست برأسي ينبض ويخفق، وعذبتني خواطر اليأس فقلت ربما أموت ~~عطشا وربما مزقت القرود جسمي وقطعتني إربا ~~إربا. # وتطلعت عينا ستلا إلى عيني، فقلت لها: «لا بد أن يكون هنا ~~ماء، لا بد.» وقالت عيناها: إذن، ماذا تفعل بجلوسك هنا تتأسى على ~~حالك؟ # أرغمت نفسي على الوقوف وواصلت المسير. كانت مياه البحر في الغدران ~~بين الصخور باردة ومغرية، وذقتها، لكنها كانت ملحة ومرة ms32 غليظة، ~~فلفظتها من فمي فورا. كل من يشربها يصاب بالجنون. كنت متأكدا من ~~ذلك. # كانت الشمس قد هبطت في السماء عندما وصلنا إلى شط البحر على الجانب ~~الآخر من الجزيرة، ووفقا لحساباتي لم نكن قطعنا سوى نصف المسافة حول ~~الجزيرة. كان هذا المكان أكبر كثيرا مما بدا لي من موقعي فوق التل ~~السامق هذا الصباح. وعلى كثرة ما بحثت وفتشت لم أجد أي ماء، ولا ~~طعام. لم أكن أستطيع الاستمرار في السير، ولا ستلا، كانت ترقد متمددة ~~بجواري على الرمال وهي تلهث من فرط الجهد. كان لا بد لنا من قضاء ~~الليل حيث كنا، خطر لي أن أدخل الغابة قليلا حتى أرقد على الأرض ~~تحت الأشجار، وقد أستطيع أن أصنع لنفسي فراشا من الأوراق الجافة ~~اللينة، فأرضية الغابة زاخرة بها، ولكنني لم أجرؤ على المغامرة ~~بالدخول، خصوصا وظلال الليل تهبط بسرعة على الجزيرة. # وكانت أصوات العواء قد بدأت من جديد في أقاصي الغابة، فبدت أنشودة ~~مساء رخيمة أخيرة، واستمر ذلك الغناء دون توقف حتى غشي الظلام الجزيرة ~~كلها. وكانت أصوات أزيز وأنين الحشرات (أو ما افترضت أنها حشرات على ~~أية حال) تصلني من الغابة. وسمعت أصوات نقر أجوف، مثل أصوات طائر ~~نقار الخشب إذا انهمك في نقر جذع شجرة بمنقاره. وسمعت أصوات صرير ~~وخدش ونخر وحز مثل نقيق الضفادع، كانت فرقة الغابة الموسيقية كلها ~~تضبط أوتارها، ولكن مصدر خوفي لم يكن الأصوات، بل العيون الخفية مثل ~~الأشباح، كنت أريد أن أبتعد قدر طاقتي عن تلك العيون، فوجدت كهفا ~~صغيرا في أحد طرفي الشاطئ، أرضيته من الرمل الجاف. # واستلقيت على الأرض وحاولت النوم، ولكن ستلا لم تسمح لي بالنوم، إذ ~~ظلت تئن إلى جواري من ألم الجوع والعطش، فلم أستطع أن أنام إلا نوما ~~متقطعا. # كانت الغابة تطن وتوقوق وتنعق، ولم يتركني البعوض طول ~~الليل كذلك. كان يئز فوق أذني فيصيبني بالجنون، وسددت أذني ~~بيدي حتى لا أسمع أصواته. وتكورت حول ستلا، محاولا أن أنسى أين ~~كنت وأن أغرق نفسي في ms33 أحلامي، وتذكرت عندئذ أن اليوم عيد ميلادي، ~~وذكرت آخر عيد ميلاد لي في الوطن مع إدي ومع مط، وحفل الشواء الذي ~~أقمناه في الحديقة، وطيب رائحة السجق الرائعة. وخلدت إلى النوم ~~أخيرا. # واستيقظت في الصباح وأنا أشعر بالبرد والجوع وأرتجف، وقد ملأت ~~جسمي لدغات البعوض، واستغرقت لحظات في تذكر أين كنت وكل ما ~~حدث لي. وغلبني فجأة إحساسي بأهوال الواقع المرير هولا بعد هول: وحدتي ~~التامة، وانفصالي عن أمي وأبي، والأخطار المحيقة بي. # وبكيت بصوت عال لما أنا فيه من شقاء، حتى أدركت أن ستلا قد ذهبت، ~~فخرجت أجري من الكهف، لكنني لم أجدها في أي مكان. ناديتها، وأصخت ~~السمع، ولكن قرود الجيبون فقط هي التي أجابتني، ثم استدرت فرأيتها. ~~كانت تقف على الصخور العالية المطلة على الكهف، شبه مختفية عن نظري، ~~ومع ذلك فقد استطعت أن أرى أنها قد انحنت برأسها على الأرض. كانت ~~بوضوح تركز اهتمامها على شيء ما، ومن ثم صعدت الصخور لاستجلاء ~~الأمر. # سمعت صوتها وهي تشرب قبل أن أصل، إذ كانت تلعق الماء بانتظام ~~وبصوت عال كشأنها دائما، بل إنها لم ترفع رأسها حين اقتربت منها، ~~وعندها رأيت أنها تشرب من وعاء صغير؛ وعاء من الصفيح القديم، ثم ~~لاحظت وجود شيء غريب على رف مسطح من الصخر فوقها. # وتركت ستلا تهنأ بالارتواء وتسلقت صخورا أخرى لفحص الموضوع. كان ~~على الرف وعاء آخر به ماء، وبجواره بعض خوص النخيل المرصوص على الصخرة ~~وشبه مغطى بوعاء مقلوب من الصفيح. وجلست وشربت الماء فورا دون أن ~~أتوقف لالتقاط أنفاسي. لم أشرب في حياتي ماء أطيب مذاقا من هذا ~~الماء. كنت لا أزال ألهث، لكنني أزحت الغطاء الصفيح. سمك! شرائح رقيقة ~~من السمك الأبيض شبه الشفاف، عشرات منها، مصفوفة بعناية فوق الخوص، ~~وخمس أو ست بل سبع موزات حمراء صغيرة. موز أحمر! # بدأت بأكل السمك، متلذذا بكل شريحة ثمينة على حدة، لكنني كنت، حتى ~~أثناء الأكل، أنظر حولي بحثا عن أي ارتجاف لأوراق الأشجار على حافة ~~الغابة ينبئني بما ms34 وراءه، أو عن آثار أقدام في الرمال. لكنني لم أر ~~شيئا. ولكن لا بد أن شخصا ما قد أحضر هذا كله من أجلي، لا بد أن ~~يكون هناك شخص ما، لا بد أن شخصا ما يراقبني. ولم أكن واثقا إن كان ~~علي أن أخاف من هذا الاكتشاف أو أن أطير فرحا به. # لكن ستلا كانت تقاطع أفكاري. كانت تصدر نشيجا يثير الأسى وهي ~~واقفة تنظر إلي من الصخرة من تحتي، وكنت أعرف أنها لا تطلب الحب أو ~~التسرية. كانت تلتقط كل شريحة سمك ألقيها إليها، وتلتهمها دفعة ~~واحدة وتنتظر شريحة أخرى، وقد مال رأسها إلى جانبها، وانتصبت إحدى ~~أذنيها. وبعد ذلك كنت آكل شريحة وألقى لها بشريحة. لم تكن نظراتها ~~المستعطفة تسمح لي بغير هذا. # لم يكن السمك مطبوخا، لكنني لم آبه. لم يكن جوعي الشديد يسمح لي بأن ~~آبه، وكذاك كانت ستلا. أما الموز الأحمر فقد احتفظت به لنفسي. وأكلت ~~جميع الموزات. لم تكن مثل الموز الذي اعتدناه في الوطن، بل كانت ذات ~~مذاق أحلى بكثير، وأكثر عصارة، وأشهى وألذ كثيرا. كان يمكنني أن آكل ~~عشر موزات أخرى. # وعندما انتهيت من الطعام وقفت وألقيت نظرة فاحصة على الغابة. إن من ~~أسدى إلي هذا المعروف - مهما يكن، ورجلا كان أو امرأة - لا بد أن ~~يكون قريبا مني. كنت واثقا أنه لا يوجد ما يدعوني للخوف. وكان علي ~~أن أتصل به اتصالا ما، فوضعت يدي كالبوق حول فمي وجعلت أهتف مرارا ~~«شكرا لك! شكرا لك! شكرا لك!» وترددت أصداء كلماتي في أرجاء ~~الجزيرة. وفجأة سرت الحياة في الغابة وانطلقت الأصوات: نشاز عظيم من ~~الغناء والنعيب والعواء والنعيق والنقيق. وجعلت ستلا ترد عليها ~~بنباحها الشديد. وأما أنا فأحسست بالفرح، والزهو، والسعادة، والنشوة. ~~وجعلت أتواثب وأنا أضحك وأضحك، حتى تحولت ضحكاتي إلى دموع الفرح. لم ~~أكن وحدي في هذه الجزيرة! ومهما يكن ذلك الشخص فهو يضمر لي الود. ~~وإلا فلماذا أطعمنا؟ ولكن لماذا لا يظهر نفسه؟ # وقلت في نفسي إنه لا بد أن ms35 يعود ليأخذ الأوعية. وقررت أن أترك له ~~رسالة. وجدت حجرا حاد الطرف فانحنيت، ونقشت رسالتي على الصخرة بجوار ~~الأوعية، وهي: «شكرا لك. اسمي مايكل. سقطت من سفينة. من ~~أنت؟» # وقررت بعد ذلك أن أبقى على الشاطئ طول ذلك النهار، قريبا من كهفي ~~والصخرة التي تطل عليه حيث ترك صاحبنا السمك لنا . لا بد ألا تغفل عيني ~~عنها، حتى أستطيع على الأقل أن أشاهد الذي ساعدني. # وانطلقت ستلا تجري أمامي فنزلت البحر، وهي تنبح لي كي ~~تدعوني لمشاركتها. لم أكن بحاجة إلى إقناع. فألقيت بنفسي في الماء وأنا ~~أتواثب وألهو وأهتف وأضربه بيدي ورجلي، وكانت هي أثناء مرحي ~~الطليق تنطلق سابحة لا تلوي على شيء. كانت تبدو عليها سيماء الجد ~~دائما عندما تسبح، رافعة ذقنها، وتضرب الماء بقوائمها في ثقة. # كان البحر ساجيا هادئا ولا تكاد ترى فيه أدنى حركة للموج. لم أجرؤ ~~على السباحة في المنطقة العميقة، فلقد نلت ما يكفيني العمر كله من ~~جراء ذلك! وخرجت من البحر أشعر بالنظافة والانتعاش والحيوية - خرجت ~~شخصا جديدا. كان البحر مصدر شفاء عظيم. كانت آثار لذع البعوض ما زالت ~~موجودة ولكنها لم تعد تؤلمني. # وقررت اكتشاف المزيد من منطقة الشاطئ، وحتى آخره إذا استطعت، بشرط ~~ألا يغيب كهفي عن بصري لحظة واحدة. كانت هنا قواقع بحرية، ملايين ~~القواقع، بعضها ذهبي اللون وبعضها وردي، ملقاة في صفوف طويلة بحذاء ~~الشاطئ، وقبل وقت طويل شاهدت ما بدا لي من مسافة بعيدة نتوءا ~~صخريا مسطحا لا يخرج إلا قليلا عن مستوى الرمال. وكانت ستلا تخمش ~~الأرض بحماس في طرفه، واتضح أنه لم يكن من الصخر على الإطلاق بل كان ~~لوحا معدنيا طويلا علاه الصدأ - والواضح أنه كان كل ما بقي من جانب ~~هيكل سفينة غدا الآن دفينا في أعماق الرمال، وقلت في نفسي ترى ماذا ~~كانت تلك السفينة، وكم مضى من الزمن على تحطمها. ترى هل دفعتها ~~عاصفة رهيبة نحو الجزيرة؟ هل نجا من ركابها أحد؟ أيمكن أن يكون أحدهم ~~مقيما هنا حتى الآن؟ وانحنيت ms36 على الرمل وتحسستها بيدي. وعندها لاحظت ~~وجود قطعة من الزجاج الشفاف فوق الرمل على مسافة قريبة، وربما كانت ما ~~بقي من إحدى الزجاجات. كانت بالغة السخونة فلم أستطع أن ألمسها، ناهيك ~~بأن أمسكها بيدي. # وخطر لي خاطر كالبرق. كان إدي قد علمني الطريقة، وكنا جربناها في ~~فناء المدرسة، مختبئين خلف صناديق القمامة حيث لا يشاهدنا أحد. قطعة من ~~الورق وشظية من الزجاج والشمس، وأشعلنا النار! لم تكن لدي أية أوراق، ~~ولكن أوراق الشجر تصلح. وانطلقت أجري على الشاطئ وجمعت ما استطعت أن ~~أجده من تحت الأشجار؛ قطع من العصى والأغصان وشتى أنواع ورق ~~الشجر - ما رق منها - حتى أصبح مثل ورق الكتابة وجف جفافا تاما. ~~ووضعتها في كومة صغيرة على الرمل وجلست بجوارها. وأمسكت بقطعة ~~الزجاج في يدي بالقرب من ورق الشجر وضبطت الزاوية حتى تجمع ضوء الشمس. ~~كان علي أن أجلس ساكنا، بل ساكنا تماما، وأنتظر أول بشائر ~~الدخان. # وجلست طويلا، وجاءت ستلا فأزعجتني، إذ كانت تريد أن تلعب، فدفعتها ~~بعيدا عني، وذهبت آخر الأمر ممتعضة واجمة، وجعلت تتمدد وهي تتنهد ~~في ظل أشجار النخيل، كانت حرارة الشمس حارقة، ولكن لم يحدث شيء. وبدأت ~~ذراعي تؤلمني، وهكذا أقمت هيكلا من الغصون فوق أوراق الشجر، ووضعت ~~الزجاجة فوقه، وقبعت بجواره وانتظرت. ولكن لم يحدث شيء أيضا. # وفجأة هبت ستلا من رقادها، وفي حلقها صوت زمجرة عميقة. ~~والتفتت وانطلقت تجري نحوي، ثم استدارت كي توجه نباحها الغاضب ~~إلى الغابة، ثم رأيت ما أزعجها. # كان تحت الأشجار ظل يتحرك قادما بخطى متثاقلة نحونا. كان قردا، ~~قردا عملاقا، لم يكن من قرود الجيبون على الإطلاق. كان يمشي ~~الهوينى على أطرافه الأربعة، لونه بني؛ بني ضارب إلى الصفرة. كان ~~سعلاة، أو ما يسمى أيضا إنسان الغابة، وكنت واثقا من ذلك. وقعد ~~ذلك القرد على مبعدة خطوات معدودة مني وأخذ يحدق في، لم أجرؤ على ~~الحركة، ولما شاهد ما يكفيه، حك رقبته دون اهتمام واستدار، ثم عاد ~~يسير على أربع ببطء عائدا إلى الغابة. واستمرت ms37 ستلا في زمجرتها حتى ~~بعد أن مضى بفترة طويلة. # إذن كانت هنا السعالي أيضا إلى جانب قردة الجيبون. بل ربما كانت ~~السعالي هي التي كانت تصدر أصوات العواء لا قرود الجيبون، ربما كنت ~~مخطئا منذ البداية. كنت شاهدت ذات يوم فيلما يلعب فيه كلينت إيستوود ~~دور البطولة ويصور أحد السعالي، كان ذلك القرد في الفيلم ودودا إلى ~~حد كبير. وتمنيت أن يكون هذا مثله. # ثم رأيت الدخان. شممت رائحة الدخان. ظهر بصيص نار وسط كومة ~~الأوراق التي وضعتها، فقبعت على الفور وجعلت أنفخ فيها نفخا لطيفا. ~~وتحول البصيص إلى ألسنة لهب، فأضفت المزيد من ورق الشجر، ثم وضعت ~~غصنا جافا أو غصنين، ثم بعض الأغصان الكبيرة. وأشعلت النار! ~~أشعلت النار! # وانطلقت مسرعا في الغابة فجمعت كل الركام الذي وجدته، كل ~~قشور جوز الهند الجافة، وكل ما وجدته من حطب. وجعلت أتحرك جيئة ~~وذهابا حتى أصبحت النار تتأجج ولها عجيج مسموع كالجحيم! كان الشرر ~~يتطاير عاليا في الهواء، والدخان يرتفع وسط الأشجار من خلفي. وعرفت ~~أنني لا أستطيع أن أستريح الآن، فالنار تحتاج المزيد من الحطب، ~~وقطعا أكبر من الخشب، بل ومن فروع الأشجار، وأن علي أن أذهب ~~لإحضار ذلك حتى أتأكد أنني جمعت ما يلزم لاستمرارها، وجمعت الكفاية من ~~المخزون. # ولاحظت أن ستلا رفضت أن تصحبني إلى الغابة، وبقيت في مكانها ~~تنتظرني بجوار النار. وكنت أعرف السبب خير المعرفة، بل إنني كنت أنا ~~نفسي أحذر عودة السعلاة، لكنني كنت أركز انتباهي كله على النار فلم ~~أكترث كثيرا لذلك القرد. # كانت كومة الحطب التي جمعتها قد أصبحت هائلة، لكنني مع ذلك ~~ذهبت إلى الغابة مرة أخيرة، خشية أن تلتهم النار كل شيء فتنطفئ بأسرع ~~مما توقعت. وكان علي أن أذهب إلى مسافة أبعد في الغابة، وهو ما ~~استغرق وقتا أطول. # كنت خارجا من وسط الأشجار، وقد حملت مقدارا كبيرا من الحطب بين ~~يدي، حين أدركت أن الدخان المتصاعد قد قل، وأن ألسنة اللهب ~~اختفت، وعندها، ومن خلال الدخان، شاهدت القرد، تلك ms38 السعلاة. كان يقبع ~~على الأرض، وقد أخذ يهيل الرمل على النار. ونهض وسار نحوي، ~~فانحسرت عنه سحائب الدخان واتضحت حقيقته. لم يكن سعلاة على ~~الإطلاق: كان رجلا. # الفصل الخامس # | أنا، كنسوكي # كان رجلا ضئيل الجرم، لا يزيد طوله عن طولي، ولم أشهد في حياتي ~~عجوزا أكبر منه سنا. لم يكن يرتدي إلا سروالا باليا ذا حزام في ~~وسطه، وتحت الحزام سكين كبيرة، كان نحيفا أيضا، وفي بعض أجزاء جسمه - ~~تحت إبطيه، وحول رقبته وبطنه - كان جلد بشرته النحاسية مجعدا ~~مطويا كأنما انكمش جسمه وتقلص داخل جلده. وأما الشعرات القليلة في ~~رأسه وذقنه فكانت طويلة ونحيلة وبيضاء. # أدركت على الفور أنه ثائر، فذقنه ترتعش، وعيناه اللتان تدلى ~~جفناهما غاضبتان ترمقانني بنظرات اتهام، وصرخ صرخة حادة في وجهي وهو ~~يقول: «داميدا! داميدا!» كان جسده كله يرتجف من فرط الغضب. وتراجعت وهو ~~يهرول نحوي على الشط، ملوحا بعصاه في انفعال شديد، ويخاطبني ~~بحماس. وعلى الرغم من تقدمه في السن ونحافته الشديدة، كان يتقدم نحوي ~~بسرعة، بل يكاد يجري. وهتف من جديد «داميدا! داميدا!» لم أكن أعرف معنى ~~تلك الكلمة، وربما كانت صينية أو يابانية. # كنت أوشك أن أستدير وأجري عندما رأيت ستلا التي امتنعت بغرابة عن أن ~~تنبحه على الإطلاق، تتركني فجأة وتجري متواثبة نحوه. كان شعر رقبتها ~~منتصبا، لكنها لم تكن تزمجر، ودهشت حين شاهدتها تحييه كأنها تحيي ~~صديقا قديما لم تره من زمن طويل. # وحين وقف لم يكن يبعد عني سوى خطوات معدودة، وقفنا نحدق في ~~بعضنا البعض صامتين لحظات قليلة. كان يتكئ على عصاه، ويحاول التقاط ~~أنفاسه. ثم سألني: «أمريكاجين؟ أمريكاجين؟ أمريكاجين؟ إيكوكويين؟ ~~بريطاني؟» # قلت له: «نعم»، وأحسست بالراحة لأنني فهمت شيئا ما أخيرا. وقلت: ~~«إنجليزي، أنا إنجليزي.» # وبدا أنه يكافح حتى يخرج الكلمات من فمه، وهو يقول: «خطأ. النار ~~خطأ. تفهم؟ لا نار.» وبدا أنه أقل غضبا الآن. ~~«ولكن والدتي، والدي، قد يشاهدان النار، يشاهدان الدخان» كان واضحا ~~أنه لم يفهمني. فأشرت إلى البحر لأشرح له الأمر قائلا: «هناك! ms39 إنهما ~~هناك. سوف يشاهدان النار ويحضران لأخذي.» # وعادت لهجته العدوانية على الفور فصرخ قائلا: «داميدا!» وهو ~~يلوح بعصاه في وجهي. «لا نار!» وظننت لحظة أنه سوف يهاجمني، لكنه ~~لم يفعل، بل بدأ ينبش الرمل بعصاه عند قدمي. كان يرسم خطوط شيء ما، ~~ويتفوه بألفاظ غير مفهومة طيلة الوقت. وبدا ما رسمه في البداية مثل ~~ثمرة فاكهة من نوع ما، ربما مثل لوزة، أو حبة الفول السوداني. وعندها ~~فهمت، كانت خريطة للجزيرة. وعندما انتهى جلس على ركبتيه بجوار الرسم، ~~وأهال كومتين من الرمال، كومة عند كل طرف، كانتا تمثلان التلين. ~~وبعدها رسم، بدقة شديدة، خطا مستقيما يقسم الرسم نصفين ويفصل نصف ~~الجزيرة الأصغر عن نصفها الأكبر. # وقال: «أنت يا غلام، أنت هنا.» وأشار إلى كهفي في أحد طرفي الشاطئ. ~~وأضاف «أنت»، وهو يغرس إصبعه في كومة الرمل التي تمثل التل الذي أقيم ~~عنده، ثم بدأ يكتب شيئا على الخريطة الرملية كلها، لم تكن الحروف ~~حروفا على الإطلاق، بل كانت رموزا - شتى ألوان العلامات والأهرام ~~والصلبان والخطوط الأفقية والمائلة والخربشة - وكتب ذلك كله في الاتجاه ~~العكسي، في أعمدة، من اليمين إلى الشمال. # وجلس على عجزه ودق صدره، قائلا: «كنسوكي. أنا كنسوكي. جزيرتي»، ثم ~~هوى بيده على الرسم بحدة مثل السكين فقسم الجزيرة قسمين، قائلا: «أنا، ~~كنسوكي، هنا. أنت يا غلام هنا.» ولم يكن لدي الآن أدنى شك فيما ~~يعنيه. وفجأة وقف من جديد وأشار لي بعصاه أن أبتعد. ~~«اذهب يا غلام. لا نار. داميدا. لا نار. هل تفهم؟» # لم أناقشه، بل مضيت في سبيلي فورا. وعندما جرؤت بعد فترة أن ~~ألتفت وأنظر، كان لا يزال راكعا بجانب ما بقي من النار، وهو يهيل ~~المزيد من الرمال عليها. # كانت ستلا لا تزال في صحبته. فصفرت أستدعيها. وجاءتني، وإن كان ~~ذلك بعد فترة. كان من الواضح أنها ترفض مفارقته. كان سلوكها بالغ ~~الغرابة، فلم تكن ستلا أرتوا تأنس في يوم من الأيام إلى صحبة الغرباء ~~قط! وأحسست أنها خذلتني، بل وأنها خانتني قليلا. # وعندما ms40 نظرت إلى الوراء في المرة التالية لم تكن النار تصدر أي ~~دخان، فقد انطفأت تماما، واختفى الرجل الهرم من ناظري. # ومكثت بقية ذلك اليوم في كهفي. كنت، لسبب ما، أشعر بالأمان فيه. ~~وربما كنت بدأت أعتبره بيتي. لم يكن لي بيت سواه. وأحسست بما يحس به ~~اليتيم، من تخلى الناس عنه فأصبح وحيدا في الدنيا. كنت أشعر ~~بالخوف، وبالجوع، وبالحيرة الغامرة. # وجلست في الكهف أحاول أن أجمع شتات أفكاري. ففي حدود ما أعرف - وإن ~~لم أكن واثقا من صحة ذلك - لم يكن في هذه الجزيرة سوى اثنين، العجوز ~~وأنا. وفي هذه الحالة، يقول المنطق إنه لا أحد سواه قد ترك لي السمك ~~والموز والماء. ولا بد أن يكون ذلك بادرة عطف، دليلا على الصداقة، أو ~~على الترحيب؟ ومع ذلك، فإن هذا الرجل نفسه قد نفاني الآن إلى طرف من ~~طرفي الجزيرة كأنني مجذوم، وبين لي بوضوح وجلاء أنه لا يرغب في أن ~~نلتقي مرة أخرى. هل ينحصر السبب في أنني استوقدت نارا؟ كل ذلك يجافي ~~المنطق تماما، إلا إذا كان الرجل مخبولا فقد عقله تماما. # وجعلت أتأمل وأتملى موقفي طويلا. لقد ألقت بي السفينة وحدي على ~~جزيرة في مجاهل الدنيا، وربما كان رفيقي فيها مجنونا، إلى جانب حشد من ~~القرود التي تعوي (ومن بينها سعلاة واحدة على الأقل) - والله أعلم بما ~~تخبئه الغابة وتخفيه عني أيضا - وملايين البعوض التي تلتهمني ~~حيا كل ليلة، كنت واثقا من شيء واحد: يجب علي أن أهرب، ولكن ~~كيف؟ كيف يمكنني أن أخرج من هذه الجزيرة إلا إذا استطعت أن أجعل إحدى ~~السفن العابرة تنتبه لوجودي؟ البديل أن أبقى هنا لآخر عمري. وهو ما لا ~~أحتمل التفكير فيه. # وتساءلت في نفسي عن الزمن الذي قضاه ذلك الرجل في الجزيرة، وعما أتى ~~به إليها أول الأمر. ترى من هو؟ وبأية سلطة يمنح نفسه الحق في أن ~~يأمرني وينهاني؟ ولماذا أطفأ النار التي أوقدتها؟ # وتكورت في كهفي، وأغمضت عيني، وتمنيت لو عدت وحسب إلى ~~الوطن، أو إلى ms41 السفينة بيجي سو مع أمي وأبي. وكادت هذه الأحلام الرائعة ~~أن تأتيني بالنوم، ولكن البعوض والعواء الصادر من الغابة سرعان ما ~~عادا بي إلى الوعي، حتى أواجه من جديد كل العواقب الرهيبة لما أنا ~~فيه من محنة مزرية. # وخطر لي فجأة أنني سبق لي أن شاهدت وجه الرجل العجوز في مكان ما. ولم ~~أعرف كيف يكون ذلك، وبينما كنت راقدا أقلب هذا الأمر على وجوهه، ~~أحسست بقطعة الزجاج في جيبي تضغط على فخذي، واستبشرت فجأة. كانت زجاجة ~~إشعال النار لا تزال معي، لسوف أوقد النار من جديد، ولكن هذه المرة في ~~مكان لا يستطيع اكتشافه. لسوف أنتظر مقدم سفينة، ولسوف أنجح في ~~البقاء على قيد الحياة حتى ذلك الحين، لقد نجح العجوز من قبلي في هذا ~~المكان. فإذا كان قد نجح فسوف أنجح، وأستطيع أن أعتمد على نفسي أيضا، ~~ولن أحتاج إليه. # شعرت من جديد بالجوع والعطش. سأذهب غدا إلى الغابة وأحضر الطعام ~~لنفسي. وسوف أجد الماء. وبطريقة ما سوف أصيد السمك. فأنا ماهر في صيد ~~السمك. وما دمت استطعت صيد السمك في مياه الخزان وعلى ظهر السفينة ~~بيجي سو، فسوف أصيده هنا أيضا. # وقضيت تلك الليلة ألعن أسراب الحشرات الطنانة التي تنقض ~~علي، وأصوات الثرثرة في الغابة التي لا تسكت، ولا تريدني أن أسكت. ~~وظللت أتصور مياه الخزان في خيالي، ووالدتي وهي تضحك لابسة قبعة ربان ~~السفينة. وأحسست بالدموع في عيني وحاولت ألا أفكر فيها. وفكرت في ~~الرجل، وكنت لا أزال أحاول أن أتذكر اسمه عندما غلبني النعاس. # واستيقظت وعرفت على الفور أنه جاءنا. كان الأمر يبدو كالحلم. ~~ويبدو أن ستلا رأت في منامها الحلم نفسه، إذ بدأت فورا تتواثب فوق ~~الصخور المطلة على الكهف. ووجدت ما كانت تتوقع بوضوح أن يكون ~~موجودا؛ إناء الماء الخاص بها وقد امتلأ من جديد. وكان هناك أيضا، ~~على الرف الصخري المرتفع وراءها، نفس الصفيحة المقلوبة وبجوارها ~~وعاء الماء الخاص بي، تماما مثلما حدث في صباح اليوم السابق، كنت ~~أعرف أنه سيكون ممتلئا، ms42 وكنت أعرف وأنا أزيح الصفيحة أن الطعام سيكون ~~موجودا. # وجلست فوق الصخرة واضعا ساقا على ساق، أمضغ بنهم شرائح السمك ~~وألقي بقطعة منه إلى ستلا حتى تلتقطها، وعندها أدركت المعنى الذي كان ~~يرمي إليه بذلك تماما. لم نكن أصدقاء، بل ولن نكون أصدقاء. فهو يريدني ~~أن أبقى على قيد الحياة، وكذلك ستلا، بشرط أن أتبع القواعد التي ~~يضعها. فكان علي أن ألتزم بجانبي من الجزيرة، وألا أشعل النار أبدا. ~~كان كل ذلك واضحا تماما. # ومع تضاؤل أي رجاء حقيقي في الإنقاذ العاجل، ازداد تقبلي لحالي ~~يوما بعد يوم. كنت أعرف أنه لا خيار لي سوى أن أقبل شروطه، وأتبع ~~النظام الذي وضعه، مؤقتا. كان قد وضع الآن الحدود الجغرافية، إذ رسم ~~على الرمال خطا يمتد من الغابة إلى البحر على جانبي الجزيرة، وكان ~~كثيرا ما يجدده، كلما احتاج إلى تجديد. كانت ستلا تتجاوزه بطبيعة ~~الحال، فلم أكن أستطيع أن أمنعها، لكنني لم أتجاوزه. لم تكن لذلك ~~قيمة. وعلى الرغم من العداء الذي رأيته في عينيه والسكين الضخمة التي ~~شاهدتها في حزامه، فلم أكن أتصور حقا أنه يمكن أن يؤذيني يوما ما ~~لكنني كنت أخشاه، وبسبب هذه الخشية، ولأنني كنت أعرف أنني سأفقد ~~الكثير، لم أكن أريد أن أواجهه، فهو على أية حال يقدم لنا كل ما ~~نحتاجه من طعام وماء كل يوم. # كنت قد بدأت العثور على بعض الثمار الصالحة للأكل بنفسي، وخصوصا ~~ثمرة ذات قشرة شائكة (اكتشفت فيما بعد أن اسمها «رامبوتان» أي ذات ~~الشعر)، كان طعمها لذيذا لكنني لم أكن أجد ما يكفي منها، كما أن ~~ستلا ترفض أن تأكلها. كنت أحيانا أجد ثمار جوز الهند السليمة، ولكن ~~لبنها ولحمها كثيرا ما كانا فاسدي المذاق. وحاولت مرة أو مرتين أن ~~أتسلق بعض أشجار جوز الهند، لكنها كانت بالغة الارتفاع، وسرعان ما ~~توقفت عن المحاولة. # حاولت صيد السمك في المياه الضحلة، بعد أن أعددت لذلك حربة ~~بدائية، وهي عصا طويلة سننت طرفها بالصخور، ولكن السمك كان يفلت ~~مني لبطء ms43 ضربتي. كانت المياه تزخر بالأسماك في حالات كثيرة، لكنها ~~كانت بالغة الصغر وشديدة السرعة. وهكذا، وسواء شئنا أم أبينا، ~~كنا لا نزال في مسيس الحاجة إلى حصة الطعام اليومية من السمك والفواكه ~~والماء التي كان العجوز يأتي بها إلينا. # وكنت قد بحثت في طرف الجزيرة الذي أقيم فيه عن الماء العذب فلم أجد ~~أيا منه. وكثيرا ما خطر لي أن أتخطى الحدود فأدخل جانب الغابة ~~المخصص للعجوز، لكنني لم أجرؤ على ذلك. كنت في الغالب الأعم ألتزم ~~بعدم الابتعاد عن مسالك الغابة. # لم يكن ما يمنعني من المغامرة بدخول جانب الغابة المخصص للرجل العجوز ~~يقتصر على القوانين التي وضعها، ولا على عواء القردة - وهو ما ~~انتهيت إلى إدراك أنه تحذير أو إنذار - بل كان يضم أيضا خوفي من ~~السعلاة. كان ذلك القرد يبدو هادئا مسالما، ولكنني لم أكن أستطيع ~~التنبؤ بما عساه أن يفعل هو وأصدقاؤه إذا وجدونا في منطقتهم. وكنت ~~أتساءل في نفسي أيضا عما تخفيه الغابة عن عيني من مخلوقات أخرى، تتربص ~~بي أو تكمن لي في الظلمة الرطبة داخل الغابة. فإذا كانت الأصوات ~~الدائمة الصادرة من الغابة تصلح أساسا للحكم عليها، قلت إن ذلك المكان ~~يزخر بشتى الأنواع الزاحفة من المخلوقات الرهيبة. # كان مجرد التفكير في السعلاة وأهوال مجاهل الغابة كافيا لردعي، ~~وكافيا لوأد فضولي وشجاعتي. وهكذا التزمت في أغلب الأوقات ~~بالبقاء على الشاطئ، وفي كهفي، وبطريق الغابة الموصل إلى قمة التل ~~الخاص بي. # ومن موقعي المرتفع على ذلك التل كنت أستطيع أحيانا أن ألمح ~~العجوز. كنت أراه كثيرا في الصباح وهو يصيد السمك برمحه في ~~المياه الضحلة، وكان أحيانا وحده، وإن كان الأعم أن تصحبه مجموعة من ~~السعالي، وكانت هذه القردة تجلس على الشاطئ ترقبه، وكان عددها يبلغ ~~ذات يوم أربعة عشر أو خمسة عشر. وأحيانا كان يحمل أحد صغارها على ~~ظهره، وكان حين يمشي وسطها، يبدو كأنما كان واحدا منها. # وحاولت مرارا أن أظل مستيقظا حتى يأتي العجوز ليلا بالطعام، لكنني ~~لم أفلح قط. لم ms44 أستطع قط أن أسمعه على الإطلاق. ولكنني كنت أجد الماء ~~كل صباح، والسمك (وكثيرا ما كان بطعم السمك المدخن هذه الأيام، ~~وهو ما كنت أفضله). ولكن الفاكهة كانت تختلف من يوم ليوم. وكانت كثيرا ~~ما تفوح برائحة غريبة لا تستهويني إطلاقا. لكنني كنت آكلها. فإلى جانب ~~الموز وجوز الهند والنبق، كان يترك لي أحيانا فواكه تسمى «فاكهة ~~الخبز» و«فاكهة البحارة» (وإن كنت آنذاك لا أدري، بطبيعة الحال، ما ~~يمكن أن تكون). كنت آكل كل شيء، ولكن ليس بنفس النهم القديم، فكنت ~~أحاول ادخار بعض الفواكه للعشاء، لكنني لم أكن قادرا قط على إجبار ~~نفسي على ادخار الموز الأحمر، إذ كان مذاقه الرائع يرغمني على التهامه ~~فورا. # كان كابوسي المتكرر هو البعوض ليلا، فمنذ أن يبدأ الغسق، يشرع في ~~البحث عني، فيئز ويطن حولي، ويأكلني حيا. لم أكن أجد مهربا ~~منه. كانت كل ليلة عذابا طويلا ممدودا، وكنت في الصباح أحك بشرتي ~~ألما حتى أجرحها في عدة أماكن. وقد تورمت بعض اللدغات، وخصوصا في ~~رجلي، فأصبحت دمامل حمراء لها رءوس صفراء، ولم أكن أجد الراحة من ~~الألم إلا بغمر جسدي كثيرا في مياه البحر الباردة. # وحاولت الرقاد في كهف آخر، أعمق وأظلم، ولكن الرائحة كانت بشعة. ~~وما إن اكتشفت أنه يزخر بالخفافيش، حتى تركته على الفور. وأينما ~~رقدت كان البعوض لا يتأخر في اكتشاف مكاني. وساء الحال حتى أصبحت ~~أخشى مقدم الليل كل يوم، وكنت أتوق إلى الصباح، إلى برودة البحر وبرد ~~النسيم على قمة التل الذي يخصني. # وهناك كنت أقضي سحابة يومي، جالسا على القمة نفسها، أتطلع إلى ~~البحر، وأنا أتمنى، وأحيانا أدعو الله أيضا، أن تظهر في الأفق سفينة. ~~كنت أغمض عيني تماما وأدعو الله أطول مدة ممكنة ثم أفتحهما من ~~جديد، وكنت أحس في كل مرة، بل أعتقد حقا، أن الله سوف يستجيب ~~لدعواتي، وأنني حين أفتح عيني هذه المرة سوف أجد بيجي سو وهي تبحر ~~عائدة لإنقاذي، ولكن المحيط الشاسع العظيم كان دائما خاويا، وخط ~~الأفق مستمرا ms45 دون انقطاع. كنت دائما أحس بخيبة الأمل، بطبيعة ~~الحال، وكثيرا ما يصيبني الاكتئاب، لكنني لم أكن أصل إلى الإحباط ~~التام في تلك الأسابيع الأولى. # كنت أواجه مشكلات أخرى أيضا بسبب لفح الشمس الحارق. ولم أتعلم إلا ~~بعد وقت طويل أن أظل مرتديا جميع ملابسي دائما. كنت صنعت لنفسي قبعة ~~لحماية وجهي ورقبتي من الشمس. كانت القبعة عريضة جدا وتشبه القبعات ~~الصينية، صنعتها من خوص النخيل، بعد تضفيره في بعضه البعض، وكنت ~~سعيدا إلى حد كبير بما صنعته يداي. # واكتشفت أن لفح الشمس الحارق من المنغصات التي أستطيع تفاديها، وأن ~~ماء البحر قادر على تلطيف معاناتي. فعند الظهيرة كنت أهبط من التل ~~قاصدا الاحتماء في كهفي من لظى الهجير وقيظ شمس العصر، وبعدها ~~أذهب للسباحة. وكانت هذه هي اللحظة التي تتوق إليها ستلا كل يوم. كنت ~~أقضي ساعات طويلة أقذف لها فيها بالعصي حتى تحضرها. كانت تستمتع ~~بذلك، والحق أنني كنت أيضا أستمتع به. كان ذلك يمثل ذروة نشاط ~~اليوم. لم نكن نتوقف إلا عندما يهبط الظلام - وكان يهبط دائما بسرعة ~~تدهشني - ويضطرنا إلى العودة من جديد إلى معركتي الليلية مع ~~مصاصات الدماء التي تعذبني. # وذات يوم، بعد قضاء صباح عقيم آخر في التطلع إلى البحر من فوق ~~التل، كنت خارجا مع ستلا من الغابة حين لمحت شيئا فوق الرمل ~~قريبا من كهفنا. بدا لي على البعد قطعة من ركام الخشب الطافي. ~~ووصلت ستلا إليه قبلي وجعلت تتشممه في حماس. وعندما اقتربت ~~أدركت أنه ليس خشبا على الإطلاق، بل حصيرة من القش مطوية. ~~ونشرتها فوجدت داخلها ملاءة مطوية بعناية، ملاءة بيضاء. إذن ~~كان يعرف! كان الرجل العجوز يعرف ألوان معاناتي ومنغصاتي، ويدرك كل ما ~~أحتاج إليه. لا بد أنه كان يراقبني طول الوقت، وعن كثب أيضا. لا بد ~~أنه رآني وأنا أحك بشرتي. وشاهد العلامات الحمراء في رجلي وعلى ~~ذراعي، وأبصرني وأنا أجلس في البحر كل صباح لتخفيف آلام اللدغات. ~~أفلا يعني هذا أنه صفح الآن عن إشعالي النار؟ # حملت الحصيرة ms46 إلى داخل الكهف، ونشرتها، ولففت جسمي بالملاءة، ~~وظللت في مكاني لا أفعل سوى أن أقهقه فرحا، كنت أستطيع أن أغطي وجهي ~~بالملاءة أيضا، وإذن فلن تستطيع تلك البعوضات الملعونة أن تجد سبيلا ~~إلى لدغي الليلة. لسوف تبيت جائعة هذه الليلة. # وذهبت جريا على الشاطئ حتى وصلت إلى خط الحدود الذي ~~رسمه فوقفت، وجعلت من يدي بوقا أمام فمي وهتفت: «شكرا لك! ~~شكرا على سريري! شكرا لك! شكرا لك!» لم أكن في الواقع أتوقع ردا، ~~ولم يأتني الرد على أية حال. كنت آمل أن يأتي هو نفسه، لكنه لم يأت. ~~وهكذا كتبت عبارات الشكر في الرمل إلى جانب خط الحدود ووقعته ~~باسمي. لكم كنت أرجو أن أراه من جديد، وأن أتحدث إليه، وأن أسمع ~~صوتا بشريا. كانت ستلا أرتوا أروع رفيق لي، تحسن كتمان السر، ~~ورائعة لتبادل الأحضان، ورائعة في اللعب معي، ولكنني كنت أفتقد بشدة ~~صحبة البشر؛ والدتي، ووالدي، اللذين كانا غائبين عني الآن، وربما إلى ~~الأبد. كنت أتشوق لرؤية الرجل العجوز، وللحديث معه، حتى ولو كان ~~مخبولا بعض الشيء، وحتى مع أنني لم أكن أستطيع أن أفهم الكثير مما ~~يقوله. # كنت قد اعتزمت تلك الليلة أن أظل مستيقظا حتى يأتي، ولكنني كنت ~~أحس بالراحة في فراشي الجديد على الحصيرة، وأستمتع بالالتفاع ~~بالملاءة التي تحميني، فسرعان ما جاءني النوم ولم أصح مرة واحدة طول ~~الليل. # وفي صباح اليوم التالي، بعد إفطاري الذي كان يتكون من السمك وفاكهة ~~البحارة وجوز الهند، قمت أنا وستلا بصعود التل الخاص بي إلى قمته، ~~وقد أصبحت أطلق عليه اسم «تل المراقبة»، وأما التل الآخر فقد ~~أسميته «التل الخاص به» وحسب. كنت أقوم بإصلاح قبعتي الصينية، ~~وتغيير بعض الخوص فيها، إذ لم تكن، فيما يبدو، قادرة على التماسك معا ~~فترة طويلة، ونظرت إلى البحر فإذا بي أرى سفينة في الأفق. لم أكن ~~مخطئا، كان ما أرى هو الصورة الجانبية الطويلة لإحدى الناقلات ~~العملاقة. # الفصل السادس # | أبوناي! # انتصبت واقفا على الفور، وأنا أصيح بأعلى صوت وألوح بيدي ms47 في ~~جنون. وتواثبت في مكاني، وأنا أصرخ مناشدا من فيها أن يتوقفوا، أن ~~يسمعوني، أن يروني. «أنا هنا! هنا! أنا هنا!» ولم أتوقف إلا عندما بدأ ~~حلقي يؤلمني وعجزت عن الصياح. واستمرت الناقلة تسير ببطء وإغراء يغيظ ~~بحذاء الأفق. لم تستدر، وأدركت عندها أنها لن تستدير. كنت أعرف أيضا ~~أنه لن يكون فيها من ينظر تجاهنا، وحتى لو نظر أحدهم فإن هذه الجزيرة ~~كلها لن تبدو أكثر من أكمة بعيدة غائمة على الأفق. كيف يمكنهم إذن ~~أن يروني؟ لم يكن في وسعي سوى أن أستمر في النظر، عاجزا ~~ومذهولا، والناقلة تمضي لا تلوي على شيء في طريقها، ويزداد ابتعادها ~~عني حتى بدأت تختفي فوق الأفق. واستغرق ذلك الصباح كله، فكان صباحا من ~~اللوعة الرهيبة. # وبينما كنت واقفا على قمة تل المراقبة أتطلع إلى البحر، أحسست ~~بأن يأسي قد حل محله غضب ملتهب. لو أنه سمح لي بأن أبقي على ~~النار، لظلت الفرصة قائمة على الأقل في أن يلمحوا الدخان. صحيح ~~أن العجوز قد أحضر لي فراشا من حصير، وملاءة أتغطى بها، وصحيح أنه ~~يرعاني ويبقيني على قيد الحياة، ولكنه أيضا حكم علي ~~بالحبس. # وعندما غاب آخر أثر للناقلة عن بصري، قطعت على نفسي عهدا بألا ~~أدع مثل هذه الفرصة تفلت من يدي مرة أخرى. وتحسست جيبي فوجدت أنني ما ~~زلت أحتفظ بقطعة الزجاج التي أشعل بها النار. وصممت أن أشعل النار، ~~لسوف أستوقد نارا أخرى، ولكن ليس على الشاطئ حيث يستطيع العثور عليها ~~بل هنا فوق تل المراقبة، خلف الصخور، وبعيدا تماما عن عينه، حتى إن ~~كانت لديه نظارات مقربة، وكان علي أن أفترض الآن أن لديه هذه ~~النظارات. لسوف أجمع قدرا من الأخشاب يكفي لإقامة منار عظيم، لكنني لن ~~أوقد فيه النار، بل سأتم تجهيزه وأنتظر اللحظة التي ألمح فيها إحدى ~~السفن. كنت أقول في نفسي ما دامت هذه السفينة قد أتت فسوف تأتي سفينة ~~أخرى، بل لا بد أن تأتي، وعندما تأتي، سأكون مستعدا بزجاجة إشعال ~~النار، وبمخزون ms48 من أوراق الأشجار النحيلة مثل ورق الكتابة، والجافة ~~جفافا مطلقا. ولسوف أشعل نارا عظيمة تتصاعد منها ألسنة لهيب جبارة، ~~وترتفع منها إشارة شاهقة من الدخان، بحيث يتحتم على السفينة التالية ~~التي يتصادف مرورها أن تلاحظها. # وهكذا لم أعد أقضي أيامي جالسا وحسب فوق تل المراقبة أنتظر، بل ~~كنت أقضي كل ساعة هناك في بناء المنار. كنت أجر فروعا ضخمة فوق ~~الركام الصخري من الغابة أسفله وأضعها في كومة عالية، ولكن في جانب ~~التل المواجه للبحر، وهو المكان المثالي الذي يتيح للسفن مشاهدته عند ~~إشعال النار فيه، وفي الوقت نفسه لا يتيح لعين العجوز الفاحصة أن ~~تلمحه، وكنت أعتبره الآن السجان الذي يحبسني. ولا شك أنه سوف ~~يراقبني، وكنت واثقا من ذلك كل الثقة. ولذلك حرصت على ألا ~~يلمحني إطلاقا أثناء قيامي بإحضار الحطب وحمله، كان من المحال على أحد ~~أن يعرف ما أفعل إلا إذا نظر من ناحية البحر، ولم تكن في البحر أية ~~عيون ترقبني. # وقضيت عدة أيام في العمل الشاق ببناء مناري السري. وكنت قد ~~قاربت الانتهاء منه عندما اكتشف أحدهم فعلا ما أنا بصدده، لكنه لم يكن ~~العجوز. # كنت أحمل فرعا هائلا وأضعه فوق الكومة حين أحسست فجأة بظل يغشاني. ~~كانت سعلاة تقف فوق الصخرة العلوية وتنظر إلي من عل، لكنني لم أكن ~~واثقا أنها كانت نفس القرد الذي شاهدته من قبل. كان واقفا على أطرافه ~~الأربعة، وقد تحدبت كتفاه العظيمتان، وخفض رأسه، وجعل ينظر إلي ~~نظرة جانبية. لم أجرؤ على الحركة. كانت مواجهة صامتة، كتلك التي حدثت ~~من قبل على الشاطئ. # واعتدل في جلسته وظل ينظر إلي باهتمام فاتر برهة من الوقت، ثم ~~حول بصره عني، وحك وجهه في غير مبالاة، ثم انحدر هابطا التل، ~~وإن توقف مرة واحدة ليلقي علي نظرة من فوق كتفه قبل أن يواصل ~~سيره في ظل الأشجار ويبتعد، وخطر لي وأنا أرقبه أنه ربما كان ~~مرسلا للتجسس علي، وربما عاد ليخبر الرجل العجوز بما شاهدني ~~أفعله. أعرف أنها كانت فكرة سخيفة ms49 مضحكة، لكنني أذكر أنها خطرت ~~ببالي. # وهبت عاصفة على الجزيرة تلك الليلة، عاصفة رهيبة عاتية، وكان هزيم ~~الرعد الرهيب المصاحب للبرق عاليا، إلى جانب صخب الأمطار وزفيف ~~الرياح، حتى استحال علي تماما أن أنام. كانت الأمواج العالية تهدر ~~في البحر، وتلطم الشاطئ وتهز الأرض من تحتي. وفرشت حصير نومي في ~~آخر مكان بالكهف، وكانت ستلا ترقد بجانبي، بل في أحضاني، وكم أحببت ~~ذلك! # ولم تسكن العاصفة إلا بعد أربعة أيام كاملة، ولكن - حتى في ذروة ~~طغيانها - كنت لا أزال أجد سلة السمك والفواكه في انتظاري كل صباح ~~تحت صفيحتي، وهي التي كان العجوز يحشرها الآن حشرا تحت الرف ~~الصخري. والتزمت أنا وستلا بمأوانا ومخبئنا في الكهف، ولم نكن نرى ~~سوى سياط المطر المنهمر خارجه. وكنت أتطلع في رهبة إلى قوة الأمواج ~~الجبارة المنحدرة من المحيط العريض، فكانت تتكور وتهوي وتتفجر وهي ~~تتكسر على الشاطئ، كأنما كانت تحاول تقطيع الجزيرة بالضرب المتوالي ثم ~~ابتلاعنا جميعا في جوف اليم، وكثيرا ما كنت أفكر في أمي وأبي ~~والسفينة بيجي سو، وأتساءل في نفسي: ترى أين الجميع الآن؟ وكل ما كنت ~~أرجوه هو أن يكونوا قد نجوا من هذا الإعصار المداري الذي ~~شهدته، ويسمى إعصار «التايفون». # ثم حدث ذات صباح أن توقفت العاصفة فجأة مثلما هبت فجأة. وسطعت ~~الشمس في السماء الزرقاء، واستأنفت الغابة سيمفونية أصواتها بعد ~~انقطاعها، فخرجت من الكهف، وانطلقت فتسلقت تل المراقبة فورا؛ ~~لأنظر إن كانت هناك سفينة، ربما تكون قد خرجت عن مسارها، وربما كانت قد ~~أوت إلى الجزيرة كي تحتمي بها من العاصفة. لكنني لم أشاهد شيئا. وخاب ~~أملي، لكنني - على الأقل - رأيت مناري لا يزال منتصبا. كان البلل ~~يغمره بطبيعة الحال، لكنه كان سليما. كان البلل يغشى كل شيء. وكان من ~~المحال إشعال النار الآن، حتى يجف كل شيء. # كان الجو حارا وخانقا طول النهار. ولم يكن من اليسير أن أتحرك على ~~الإطلاق، بل كان التنفس عسيرا. لم يكن في وسع ستلا إلا أن ترقد وتلهث. ~~وكان مكان ms50 الابتراد الوحيد هو البحر، فقضيت معظم ذلك النهار في ~~الاسترخاء في الماء، متكاسلا، وإن كنت أحيانا أرمي بعصي حتى تحضرها ~~ستلا وتشعر بالسعادة. # كنت شبه راقد في الماء، لا أفعل سوى أن أطفو مع أحلام اليقظة، حين ~~سمعت صوت الرجل العجوز. كان يجري على الشاطئ مهرولا نحوي، وهو يصيح ~~بنا ويلوح بعصاه بشدة في الهواء. وقال الرجل: ~~«ياميرو! أبوناي! خطر. تفهم؟ لا سباحة.» لم يكن يبدو أنه غاضب مني، ~~مثلما كان من قبل، وإن بدا من الواضح أن شيئا ما أزعجه. # ونظرت حولي. كان صدر البحر لا يزال يصعد ويهبط، وإن كان ذلك ~~بلطف ورقة، كأنما كان يزفر آخر زفرات العاصفة، وكانت الأمواج ~~تتهادى بفتور وتسكن منهكة على الشاطئ. لم أكن أستطيع أن أرى أي خطر ~~خاص. # وأجبته: «ولم لا؟ ماذا هناك؟» # وكان قد ألقى عصاه على الشاطئ وجعل يخوض في الماء تجاهي من خلال ~~الأمواج. ~~«لا سباحة. داميدا! أبوناي! لا سباحة.» وإذا به يمسكني من ذراعي ~~ويقودني قسرا إلى خارج ماء البحر. كانت قبضته مثل الكماشة. لم تكن ~~هناك فائدة في المقاومة. ولم يطلق سراحي إلا عندما عدنا إلى الشاطئ. ~~ووقف يلهث عدة لحظات. «خطر. بالغ السوء. أبوناي!» وكان يشير إلى البحر ~~وهو يتكلم. «لا سباحة. بالغ السوء. لا سباحة. هل تفهم؟» وكان يحدق في ~~عيني تحديقا صارما، حتى لا يدع لدي شكا في أن ما يقوله ليس ~~مجرد نصيحة بل هو أمر لا بد لي من طاعته. ثم استدار وابتعد داخلا ~~الغابة، بعد أن التقط عصاه مرة ثانية. وجرت ستلا خلفه، لكنني دعوتها ~~للعودة. # وشعرت في تلك اللحظة أنني أريد أن أتحداه وأعصيه صراحة. لسوف ~~أنزل البحر من جديد ولسوف ألهو وألعب بأقصى ما أستطيعه من صخب ~~واستفزاز. لسوف ألقنه درسا. كان بي غضب شديد من هذا الظلم ~~الفادح. فلقد منعني أولا من إشعال النار، ثم نفاني بعدها وحدد إقامتي ~~في أحد طرفي الجزيرة، وهو الآن لا يسمح لي حتى بالسباحة. كنت أريد أن ~~أشتمه بكل الشتائم التي ms51 أعرفها، لكنني لم أفعل. ولم أعد إلى السباحة في ~~البحر أيضا. واستسلمت. سلمت له بما أراد، لأنني مرغم. فأنا في ~~حاجة إلى طعامه وشرابه. وكان علي أن أنفذ ما يقوله حتى يجف ~~تماما مناري الخشبي، وحتى تأتي السفينة التالية. ومع ذلك، فقد صنعت ~~من الرمل تمثالا بالحجم الطبيعي له على الأرض خارج كهفي، وجعلت أتواثب ~~فوقه غضبا وإحباطا، فأحسست ببعض الراحة، وإن لم تكن راحة ~~كبيرة. # وباستثناء ما كان ينتابني عرضا من آلام الحنين للوطن والإحساس ~~بالوحشة، وهي الآلام التي كانت تعصر حشاي عصرا، كنت قد نجحت بصفة ~~عامة في الحفاظ على روحي المعنوية العالية. ولكن صبري نفد. إذ ظل مناري ~~مبتلا لا يريد أن يجف. وكنت كل يوم أصعد تل المراقبة آملا أن ~~ألمح سفينة، والبحر يمتد أمامي كل يوم وفي جميع الاتجاهات خاليا ~~خاويا. وازداد باطراد إحساسي بالعزلة وبالشقاء. وقررت آخر الأمر ألا ~~أصعد تل المراقبة أبدا، فلا غناء في ذلك. وبدلا من ذلك كنت أمكث ~~في كهفي، وأتكور فوق حصير فراشي ساعات طويلة أثناء النهار. كنت أرقد ~~هنا غارقا في أحزاني، وقد سيطر على فكري خاطر أوحد هو اليأس الذي ~~أواجهه، وكيف أنني لن أنجح يوما ما في الخروج من هذه الجزيرة، وأنني ~~سوف أموت هنا، وأن أمي وأبي لن يعرفا أبدا حتى ما حدث لي. لن يعرف ~~أحد ذلك إلا العجوز، المجنون، سجاني الذي يضطهدني. # وظل الجو ثقيل الوطأة مشبعا بالرطوبة. كم كنت أود أن أغطس في ~~المحيط، لكنني لم أجرؤ. فالمؤكد أنه لن يغفل عن مراقبتي. وكل يوم يمر ~~كان يزيد من كراهيتي لذلك الرجل، على الرغم من مواصلته إحضار السمك ~~والفواكه والماء إلي. ربما كنت أحس بالضيق والاكتئاب، لكنني كنت ~~أشعر أيضا بالغضب. وبدأ هذا الغضب تدريجيا يولد في نفسي تصميما ~~جديدا على الهرب، ورفع هذا التصميم روحي المعنوية. فاستأنفت صعود تل ~~المراقبة كل يوم، وبدأت أجمع مخزونا جديدا من أوراق الشجر والأغصان ~~الجافة من حافة الغابة، خبأتها جميعا في شق عميق من شقوق ms52 الصخر ~~حتى أضمن دائما أنها جافة، عندما تحين اللحظة المناسبة. وكان مناري ~~قد جف آخر الأمر، فأضفت إليه الكثير حتى ارتفع وزاد ارتفاعه. ~~وعندما فعلت كل ما في طوقي جلست في انتظار اللحظة المنشودة، وكنت ~~واثقا أنها سوف تأتي، يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، كنت أجلس ~~فوق تل المراقبة وقد وضعت زجاجة إشعال النار، بعد صقلها، في جيبي، ~~ومناري جاهز ينتظر. # وقد تصادف أنه حينما حانت اللحظة المنتظرة لم أكن فوق تل المراقبة! ~~إذ حدث أنني خرجت ذات صباح من كهفي، والنعاس لا يزال برأسي فشاهدتها. ~~سفينة! كانت سفينة ذات أشرعة غريبة لونها بني ضارب إلى الحمرة، وقلت في ~~نفسي إنها سفينة من نوع «الينك» الصيني ذي القاع المسطح، ولم تكن على ~~مسافة بعيدة داخل البحر. وغلبني الانفعال فانطلقت في عجل واضطراب أجري ~~على الشاطئ، صائحا صارخا هاتفا بكل ما أوتيت من قوة. ولكنني أدركت ~~فورا أن الأمر ميئوس منه، فرغم أن السفينة لم تكن بعيدة بعدا ~~كبيرا في البحر، فإنها كانت أبعد من أن يراني من فيها أو يسمعني ~~أحدهم. وحاولت تهدئة نفسي، وحاولت التفكير ... النار! أشعل ~~النار! # وغدوت أجري طول الطريق صاعدا التل دون أن أتوقف مرة واحدة، وستلا ~~في أعقابي كظلي وهي تنبح. وكانت الغابة من حولي تضج بأصوات النقيق ~~والوقوقة والصراخ الحاد احتجاجا على ذلك الإزعاج المفاجئ. وجهزت ~~مخزوني من أوراق الشجر الجافة وأمسكت بزجاجة إشعال النار ثم قبعت بجوار ~~المنار لإشعال ناري. لكنني كنت أرتجف من فرط الانفعال والإرهاق فلم ~~أستطع الحفاظ على ثبات يدي إلى الحد اللازم. وهكذا بنيت هيكلا من ~~الغصون ووضعت الزجاجة فوقه، مثلما سبق لي أن فعلت. وعندها جلست إلى ~~جواره، راجيا أن تضطرم النار في ورق الشجر. # وكلما نظرت إلى البحر وجدت تلك السفينة، أو الينك. كانت تبتعد ~~ببطء عنا، ولكنها كانت لا تزال هناك. # كنت أشعر كأنما مر علي دهر في جلستي قبل أن ألمح خيطا رفيعا من ~~الدخان، وبعد ذلك بقليل وهجا رائعا لألسنة النار الجميلة الرائعة، ms53 ~~وهي تنتشر في طرف ورقة من أوراق الأشجار. وانحنيت فوقها حتى أنفخ فيها ~~كي تضطرم. # وفي تلك اللحظة أبصرت قدميه، فرفعت بصري. كان العجوز واقفا قبالتي، ~~وقد امتلأت عيناه غضبا واستياء. لم يتفوه بحرف واحد، بل انطلق يخمد ~~ناري الوليدة. واختطف من يدي زجاجة إشعال النار ورمى بها بعيدا على ~~الصخرة أسفل التل فتفتتت وتناثرت شظاياها. لم أكن أملك إلا ~~أن أنظر ما يحدث وأبكي، وهو يحطم مناري ويلقي بالغصون والفروع واحدا ~~بعد الآخر إلى أسفل التل. وفي أثناء ذلك تجمع حشد من قرود السعالي ~~لمشاهدة ما يحدث. # وسرعان ما اختفى مناري عن آخره ولم يبق منه شيء. لم يعد حولي فوق ~~الركام الصخري سوى أطلال المنار المتناثرة، وانتظرت منه أن يصرخ في ~~وجهي، لكنه لم يفعل، بل تكلم بهدوء شديد وهو يضغط عامدا على الحروف، ~~قائلا: «داميدا.» # وصحت قائلا: «ولكن لماذا؟ فأنا أريد العودة للوطن. وهناك سفينة في ~~البحر، ألا تستطيع أن تراها؟ كل ما أريده هو العودة إلى الوطن وحسب. ~~لماذا لا تدعني أرجع؟ لماذا؟» ووقف وهو يحدق في. وخيل إلي في ~~لحظة أنني لمحت بريق الفهم في عينيه. وعندها انحنى انحناءة حادة من ~~وسطه، وقال: «جوميناساي. جوميناساي. آسف. آسف جدا.» وبعدها تركني في ~~مكاني وانطلق عائدا إلى الغابة، ومن خلفه السعالي. # وظللت جالسا أرقب سفينة الينك وهي تبتعد حتى لم تعد سوى نقطة على ~~حافة الأفق، بل لم أعد أحتمل النظر إليها. وعندما حانت هذه اللحظة كان ~~رأيي قد استقر على أفضل صورة لعصيانه. كان الغضب قد بلغ مني مبلغا ~~لم أعد معه أكترث بالعواقب. لم أعد آبه. فقمت وستلا بجانبي وانطلقت ~~أمشي على الشاطئ حتى وصلت إلى الحد الفاصل الذي رسمه على الرمل بيننا ~~فوقفت، ثم تجاوزته بصورة عامدة، كما تعمدت وأنا أتجاوزه أن أجعله ~~يعرف تماما ما كنت أفعله. # وهتفت بصوت عال: «هل تراني أيها العجوز؟ انظر! لقد تجاوزت الحدود ~~فدخلت منطقتك. لقد عبرت الحد الفاصل السخيف. والآن سوف أستحم. ~~لا يهمني ما تقول. لا ms54 يهمني أن تمتنع عن إطعامي. هل تسمعني أيها ~~العجوز؟» وعندها استدرت وانطلقت على الشاطئ فنزلت البحر. ~~وجعلت أسبح بقوة ونشاط حتى أصابني الإنهاك الشديد وابتعدت ~~كثيرا عن الشاطئ. وظللت أضرب الماء بأقدامي طافيا وأضرب بيدي ~~سطح الماء في غضبي حتى بدأ يرغي ويزبد من حولي. وصحت أقول: «البحر ~~ينتمي لي مثلما ينتمي لك. وسوف أسبح فيه وقتما أشاء.» # وشاهدته عند ذلك. ظهر فجأة على حافة الغابة. كان يصيح ببعض الألفاظ ~~الموجهة لي، ويلوح بعصاه في الهواء. وكانت هذه هي اللحظة التي ~~أحسست فيها بالألم، كان ألما لاذعا كاويا في قفاي، ثم في ظهري ~~وذراعي أيضا. وشاهدت أحد قناديل البحر يطفو بجواري: كان أبيض ~~شفافا، وله أذرع تتحسسني. حاولت السباحة من جديد لكن قنديل البحر ~~جاء خلفي لاصطيادي. كان الألم مباشرا فوريا مبرحا. وتغلغل ~~الألم في سائر جسمي مثل صدمة كهربائية واحدة متصلة. وأحسست أن عضلاتي ~~قد تصلبت. وجعلت أرفس الماء محاولا العودة إلى الشاطئ لكنني لم أستطع، ~~وأحسست أن رجلي مشلولتان، وذراعي أيضا. كنت أغرق. ولم يكن في طوقي ~~أن أمنع نفسي من الغرق. وشاهدت قنديل البحر يقف مستعدا لتوجيه ضربته ~~القاضية أمامي الآن. وصرخت، فامتلأ فمي بالماء. كنت أختنق. كنت على ~~شفا الموت. كنت على وشك الغرق لكنني لم أكترث. كل ما أردته هو أن ~~يتوقف الألم. وكنت أعرف أن الموت سوف يقضي على الألم. # الفصل السابع # | كل ما قاله الصمت # شممت رائحة الخل، وظننت أنني في منزلي. كان والدي دائما يعود ~~إلينا يوم الجمعة بعشاء من السمك والبطاطس المقلية، وكان يحب أن ~~يصب الخل على نصيبه من ذلك الطعام، حتى إن رائحة الخل كانت تشيع في ~~المنزل طول المساء. وفتحت عيني. كان الظلام يدل على أننا في ~~المساء، لكنني لم أكن في منزلي. كنت في كهف ما، لكنه لم يكن كهفي. ~~واستطعت أن أشم رائحة دخان أيضا. كنت راقدا على فراش من حصير ~~وأتغطى بملاءة تكسوني حتى ذقني. حاولت أن أجلس حتى أتطلع إلى ما ~~حولي لكنني لم ms55 أستطع الحركة. حاولت أن أدير رأسي، ولكن رقبتي كانت ~~متصلبة. لم أكن أستطيع تحريك شيء سوى عيني، لكنني كنت لا أزال قادرا ~~على الإحساس. كانت بشرتي بل كان كل جسمي يرتجف من الألم المبرح، ~~كأنما اكتوى جسدي كله بنار حارقة. حاولت أن أنادي، ولكنني لم أستطع ~~سوى الهمس بصعوبة. وعندها تذكرت قنديل البحر. تذكرت تلك الحادثة ~~كلها. # كان العجوز منحنيا فوقي، ويده تمسح جبيني برفق. وقال: «لقد شفيت ~~الآن. اسمي كنسوكي. لقد شفيت الآن.» وأردت أن أسأل عن ستلا، ~~فأجابتني بنفسها بأن دست أنفها البارد في أذني. # لا أعرف كم يوما قضيت هناك، أنام وأصحو على فترات، ولا أعرف إلا ~~أنني كلما صحوت وجدت كنسوكي يجلس بجانبي دائما. نادرا ما كان ~~يتكلم، ولم أكن أنا أستطيع الكلام، ولكن الصمت بيننا كان يقول أكثر مما ~~تقوله أية كلمات. وهكذا، فإن هذا الرجل الذي كان عدوا لي حتى الآن. ~~هذا الذي كان سجاني، قد أصبح منقذي ومخلصي. كان يرفعني ~~بيديه حتى يصب عصير الفواكه أو الحساء الساخن في حلقي. كان يمسح ~~جسدي بإسفنجة ملئت بالماء البارد، وعندما كنت أصرخ من فرط الألم، ~~كان يحضنني ويغني لي أغاني رقيقة حتى أعود للنوم. كان الأمر ~~غريبا، فعندما كان يغني لي، كان صوته يبدو رجعا لأصداء الماضي؛ ربما ~~كان صوت والدي، لا أدري. وببطء رحل عني الألم. وظل يتولى تمريضي حتى ~~عدت للحياة. وعندما استطعت من جديد تحريك أصابعي رأيته يبتسم لأول ~~مرة. # وعندما استطعت أخيرا أن أدير رأسي، كنت أشاهده وهو يدخل ويخرج، ~~وهو يقوم بالعمل في أرجاء الكهف، وكانت ستلا كثيرا ما تأتي وترقد إلى ~~جواري، وعيناها تتابعان ما يفعله أيضا. # وفي كل يوم كان إدراكي يزداد للمكان الذي أرقد فيه. كان مكانا ~~شاسعا بالمقارنة بكهفي على شاطئ البحر. ولولا سقفه الصخري المرتفع ما ~~أدركت تقريبا أنه كهف. ولم يكن فيه ما يدل إطلاقا على أنه كهف بدائي. ~~كان أشبه بمنزل أزيلت الجدران بين غرفه منه إلى الكهف. فكان به ~~مطبخ، وغرفة جلوس، ms56 وغرفة مكتب، وغرفة نوم، وكأنما جمعت جميعا في ~~مكان واحد. # كان يقوم بطهو الطعام على موقد صغير يتصاعد منه الدخان دائما في ~~آخر الكهف، وكان الدخان يتصاعد ويخرج من فتحة صغيرة في الصخر فوق ~~رءوسنا، وقلت في نفسي إن ذلك قد يكون سبب عدم وجود بعوض يضايقني. وكان ~~يبدو لي دائما وجود شيء معلق في حامل خشبي له ثلاث أرجل فوق ~~الموقد، إما أنه قدر سوده السناج، وإما ما يبدو في شكله ورائحته ~~مثل شرائح طويلة من السمك المدخن. # كنت أستطيع رؤية البريق المعتم لأواني الطهو المعدنية المصفوفة على ~~رف خشبي قريب. وكانت هناك أرفف أخرى اصطفت عليها العلب ~~الصفيح والقدور الفخارية، من عشرات الأشكال والأحجام المختلفة، ~~وتتدلى تحتها حزم لا تحصى من الأعشاب والأزهار المجففة. وكثيرا ~~ما كان يقوم بخلط هذه أو طحنها، لكنني لم أكن واثقا من غرضه. وأحيانا ~~كان يقوم بإحضارها لي حتى أشمها. # لم يكن في بيت الكهف أثاث كثير. كانت في أحد جوانب الكهف منضدة خشبية ~~غير عالية، لا تكاد ترتفع عن الأرض بما يزيد على ثلاثين سنتيمترا أو ~~نحو ذلك. وكان يضع عليها الفرشات التي يستخدمها في الرسم، وكانت ~~دائما مصفوفة بعناية، والمزيد من القدور الفخارية والزجاجات والأطباق ~~الصغيرة. # وكان كنسوكي يقوم بعمله دائما تقريبا بالقرب من مدخل الكهف حيث ضوء ~~النهار. وكان في الليل يبسط الحصير الذي ينام عليه في المكان ~~المواجه لمرقدي في الكهف، في ظل الجدار. وأحيانا ما كنت أصحو في ~~الصباح مبكرا وأظل أرقبه وهو نائم. وكان دائما ما ينام على ظهره، ~~وقد لف ملاءته حول جسمه، دون أن تصدر عنه أية حركة. # وكان من عادة كنسوكي أن يقضي ساعات طويلة كل يوم منحنيا فوق المنضدة ~~مستغرقا في الرسم. كان يرسم ما يرسمه على أصداف بحرية ضخمة، لكنه لم ~~يطلعني يوما ما على ما رسمه، وهو ما كان يصيبني بالإحباط. ~~والواقع أنه نادرا ما كان يبدو راضيا عن عمله، إذ كان عادة عندما ~~ينتهي منه يمسح الرسم ويبدأ العمل من ms57 جديد. # وكان في الجانب الأقصى من باب الكهف نضد طويل مخصص للعمل، وتتدلى ~~عاليا فوقه صفوف منتظمة من الأدوات: مناشير ومطارق وأزاميل، وغيرها. ~~وكانت خلف نضد العمل ثلاثة صناديق خشبية ضخمة، كان كثيرا ما يبحث فيها ~~عن قوقعة أو صدفة - ربما - أو ملاءة نظيفة. كنا نستعمل ملاءات نظيفة ~~كل ليلة . # وكان يرتدي داخل الكهف رداء طويلا يلف به جسده (عرفت فيما بعد ~~أنه يسمى «كيمونو»). وكان يحافظ على النظافة المطلقة لبيت الكهف، ~~فيقوم بكنسه مرة كل يوم على الأقل. وكان يضع إناء كبيرا مليئا ~~بالماء في داخل باب الكهف، وكان كلما عاد يغسل قدميه ويجففهما قبل ~~الولوج إلى داخل الكهف. # وكانت أرضية الكهف مغطاة تماما بحصر منسوجة من الأسل ~~المضفر، مثل الحصر التي ننام عليها. وكانت جدران الكهف كلها ~~مبطنة بالخيزران، من الأرض وحتى مسافة تعادل أو تزيد على طول ~~القامة. كان المنزل بسيطا، لكنه كان منزلا. كان لكل شيء مكانه وغرض ~~يؤديه. # وعندما تحسنت صحتي، كان كنسوكي يخرج ويتركني وحدي، والحمد لله أن ذلك ~~لم يكن لفترات طويلة. وكان عندما يعود، وهو يغني في أحيان كثيرة، كان ~~يحمل السمك، وقد يحمل الفواكه أيضا أو جوز الهند أو الأعشاب، وكان ~~يعرضها علي مزهوا. وكانت قردة السعالي تعود أحيانا معه، لكنها ~~كانت تتوقف عند مدخل الكهف. وكانت تحدق في وجهي، وفي ستلا التي كانت ~~دائما ما تحافظ على ابتعادها عنها. ولم يكن يحاول الدخول إلا الصغار، ~~ولم يكن على كنسوكي إلا أن يصفق في وجهها وسرعان ما تبتعد ~~مهرولة. # كم كنت أتمنى في تلك الأيام الأولى في الكهف لو استطعنا التحادث: كان ~~هناك ألف لغز ولغز، وألف شيء وشيء أريد أن أعرفه. ولكن الكلام كان لا ~~يزال يؤلمني، كما أنني كنت سعيدا تماما بالصمت الذي يسود بيننا، ~~وأحسست أنه يفضله كذلك بصورة ما. كان يبدو أنه شخص شديد التكتم، وأنه ~~راض بأن يظل كذلك. # وذات يوم، بعد أن قضى كنسوكي عدة ساعات منحنيا يرسم إحدى لوحاته، ~~جاءني وأراني إياها. كانت صورة ms58 شجرة، شجرة مزهرة. وقالت بسمته كل شيء. ~~ثم قال: «لك! شجرة يابانية. أنا من اليابان.» وبعد ذلك أراني كنسوكي ~~جميع اللوحات التي رسمها، حتى تلك التي مسحها فيما بعد. كانت جميعا ~~باللونين الأبيض والأسود، لقرود السعالي والجيبون، والفراشات، ~~والدلافين، والطيور، والفواكه. لم يكن يحتفظ بإحداها إلا فيما ندر، ~~فيقوم بتخزينها بعناية في أحد الصناديق. ولاحظت أنه يحتفظ بعدة لوحات ~~للأشجار، وكانت دائما أشجارا مزهرة، أو «شجرة يابانية»، كما كان ~~يسميها، وكنت أدرك أنه يجد متعة خاصة في عرضها علي. كان من الواضح ~~أنه يريدني أن أشاركه شيئا عزيزا جدا على قلبه. وأحسست أن في ذلك ~~تكريما لي. # وكان يجلس بجواري يرقبني عندما يخبو ضوء النهار كل يوم، وقد سقطت آخر ~~أشعة شمس الغروب على وجهه. كنت أحس أن نظرات عينيه تجلب لي الشفاء. ~~وكنت في الليل كثيرا ما أفكر في أبي وأمي. لكم تمنيت أن أراهما من ~~جديد، وأن أخبرهما أنني ما زلت حيا، ولكن الغريب أنني لم أعد ~~أفتقدهما. # وبمرور الوقت عادت قدرتي على الكلام، إذ فقد الشلل سيطرته علي ~~وعادت لي قوتي، فأصبحت أستطيع الخروج مع كنسوكي، كلما دعاني إلى ذلك، ~~وكثيرا ما كان يدعوني. كنت في البداية أجلس القرفصاء على الشاطئ مع ~~ستلا وأشاهده وهو يصيد السمك في المياه الضحلة. كان يقف ثابتا ساكنا ~~ثم يضرب السمكة بسرعة البرق. ثم قام ذات يوم بصنع رمح لي، إذ أصبح ~~علي أن أشاركه صيد السمك. أرشدني إلى مكان الأسماك الكبيرة. وأراني ~~أماكن اختفاء الأخطبوط تحت الصخور، وعلمني كيف أقف ساكنا مثل طائر ~~مالك الحزين وأنتظر، وقد جهزت رمحي وصوبته فوق الماء، وظلي يمتد خلفي ~~حتى لا تخاف الأسماك فتهرب. والحق أن صيد سمكة بالرمح لأول مرة كان ~~يشبه إحراز هدف لفريق «مدلاركس» لكرة القدم في الوطن؛ سأفضل إحساس ~~تقريبا يمكن أن يحسه الإنسان. # كان كنسوكي، فيما يبدو، يعرف كل شجرة في الغابة، ويعرف مكان كل شجرة ~~من أشجار الفاكهة، ما كان ناضجا من الثمار وما كان فجا، وما كان ms59 ~~جديرا بتسلق الشجرة من أجله. كان يستطيع أن يتسلق الأشجار التي قد ~~يستحيل تسلقها بخفة وثبات قدم ودون خوف. لم يكن يزعجه شيء في الغابة، ~~لا قرود الجيبون التي تعوي وتتأرجح فوق رأسه لتصرفه عن ثمارها، ~~ولا النحل الذي يحتشد حوله حين يعود هابطا بقرص الشهد من فجوة في ~~شجرة عالية (كان يستخدم عسل النحل في تسكير الفواكه وحفظها في زجاجات). ~~وكانت أسرته من السعالي تصحبنا دائما، فتتبعنا كظلنا في الغابة، وقد ~~تستطلع المسارب التي سنسير فيها أو تهرول خلفنا في الطريق. لم يكن على ~~كنسوكي إلا أن يغني فتأتي، وكانت تبدو جميعا مسحورة برنين صوته. كانت ~~تشعر بالحيرة إزائي وإزاء ستلا، ولكنها كانت تقلق منا ونقلق منها، ~~وهكذا حافظنا مؤقتا على ابتعادنا عن بعضنا البعض. # وذات مساء، بينما كنت أرقب كنسوكي وهو يصيد السمك، فوجئت بأحد قرود ~~السعالي الصغيرة يصعد ركبتي ويقبع في حجري ويبدأ في فحص أنفي بإصبعه، ~~ثم انتقل إلى فحص أذني. وشدها بقوة لم أسترح لها؛ لكنني لم أصرخ. ~~وبعد ذلك حذت الأخرى حذوه، كأنما كنت جهاز تسلق تلعب فوقه. بل إن ~~الكبار أنفسها، الأضخم جسما كانت تمد أيديها وتلمسني من وقت لآخر، ~~لكنها والحمد لله كانت دائما متحفظة، أشد حذرا من الصغار. وأما ~~ستلا فكانت لا تزال تراعي المسافة التي تفصلها عن القرود، وتفصل القرود ~~عنها. # وعلى مدى هذه الفترة الزمنية كلها - ولا بد أنني كنت قضيت عدة شهور، ~~على ما أظن، في الجزيرة - لم يكن كنسوكي قد قال إلا أقل القليل. كان ~~يصعب عليه بوضوح أن ينطق بالألفاظ الإنجليزية القليلة التي يعرفها. ~~وعندما كانت أية ألفاظ تستخدم في الحديث بيننا لم تكن تساعد كثيرا في ~~التفاهم. وهكذا لجأنا في معظم الأحيان إلى البسمات والإيماءات، وإلى ~~التلويحات والإشارات، بل إننا كنا أحيانا نرسم صورا في الرمل لشرح ~~مقاصدنا. كان ذلك يكفي وحسب لاستمرار التواصل، ولكنني أتحرق شوقا إلى ~~معرفة الكثير. ما السبب الذي جعله يعيش هنا وحده في هذه الجزيرة؟ وكم ~~مضى عليه هنا؟ وكيف ms60 تأتى له الحصول على كل هذه القدور والأواني ~~والأدوات، وعلى السكين التي يحملها دائما في حزامه؟ كيف أصبح أحد ~~صناديقه الخشبية مكدسا بالملاءات؟ من أين أتت؟ ما موطنه؟ ولماذا ~~يبدي كل هذا العطف تجاهي الآن، ويحافظ على مشاعري بهذه الصورة، بعد ~~أن كان يظهر استياءه الشديد مني بوضوح أول الأمر ؟ # لكنني كنت إذا طرحت عليه أيا من هذه الأسئلة هز رأسه وحسب وأشاح ~~عني كأنه رجل أصم يشعر بالعار من صممه. ولم أكن واثقا في يوم من ~~الأيام إن كان لا يفهمني حقا أو لا يريد وحسب أن يفهم. ومهما يكن ~~الأمر كنت أرى أنه يقلقه فأقلعت عن طرح المزيد من الأسئلة. كانت ~~الأسئلة فيما يبدو تدخلا في حياته الخاصة، فوطنت نفسي على ~~الانتظار. # كانت حياتنا معا عامرة بالنشاط دائما، ومنتظمة مثل عقارب الساعة. ~~كنا نستيقظ في الفجر وننطلق في أحد المسارب فنسير قليلا للاستحمام في ~~الجدول حيث ينحدر بمياهه الباردة العذبة من جانب التل فيصل إلى ~~مرجل عظيم من الصخور الملساء. وكنا نغسل ملاءاتنا وملابسنا فيه هنا ~~أيضا (وكان قد صنع لي الثوب الفضفاض، أي الكيمونو، الخاص بي من قبل)، ~~فكنا نضرب الصخور بالملابس ونقرعها فيها قبل أن ننشرها لتجف على أحد ~~فروع الأشجار القريبة. كان الإفطار يتكون من عصير الفواكه الغليظ ~~السميك، وكانت الفاكهة تختلف من يوم ليوم، فيما يبدو، إلى جانب الموز ~~أو جوز الهند. لم أشعر بالملل من الموز يوما ما، لكنني سرعان ما سئمت ~~جوز الهند. وكنا نقضي الصباح إما في صيد السمك في المياه الضحلة أو في ~~جمع الفواكه من الغابة. وكنا أحيانا نقوم بعد هبوب إحدى العواصف، ~~بتمشيط الشاطئ بحثا عن الأصداف التي كان يرسم عليها - ولم تكن تصلح ~~إلا أكبر الأصداف وأشدها تسطيحا - أو بحثا عن الركام الطافي الذي ~~يلقيه البحر حتى نضيفه إلى مخزون الخشب في آخر الكهف. كان من ~~الواضح أن المخزون ينقسم إلى قسمين، الأول يستخدم بوضوح حطبا، وأما ~~الثاني فأظن أنه كان مخصصا لأشغاله اليدوية، وكنا بعد ذلك ms61 نعود ~~إلى البيت - في الكهف - لتناول الغداء الذي كان يتكون من السمك ~~النيئ (وهو دائما لذيذ) وفاكهة الخبز عادة (وكانت دائما لطيفة ~~الطعم يصعب بلعها)، وبعد أن ينام كلانا فترة قصيرة بعد الغداء، يشرع هو ~~في الرسم على منضدته، وأنهمك أنا في مشاهدته ومتابعة عمله حتى يستغرقني ~~تماما فأتمنى ألا تغرب شمس النهار. وقد نطبخ حساء السمك فوق الموقد، ~~دون أن نستبعد أي جزء من أجزاء السمكة، لا رأسها ولا ذيلها، ونضيف عشرة ~~أعشاب مختلفة، فلم يكن كنسوكي يفرط في شيء على الإطلاق، وبعد ذلك ~~يأتي الموز الأحمر، وكان لي أن آكل منه كل ما أريد. لم أكن أحس ~~مطلقا بالجوع. وعندما ينتهي العشاء كنا نجلس عند باب الكهف ونشهد غروب ~~الشمس في البحر، وبعد ذلك، ودون أن يتفوه بكلمة واحدة، ينهض. ومن ~~ثم ينحني كل منا لصاحبه، فينشر هو حصير فراشه ويتركني أنشر ~~حصيري. # كانت مشاهدة كنسوكي وهو يعمل مصدر عجب دائم لي، فلقد كان يتمتع ~~بالقدرة على التمعن والتركيز الشديد في كل شيء يفعله. ولكن مشاهدته ~~وهو يرسم تأتي في المرتبة الأولى. كان أولا لا يسمح لي إلا بأن أنحني ~~بجواره لأراقبه. وكنت أشعر أنه حتى في ذلك أيضا كان يحب التكتم ~~و«الخصوصية» بحيث لا يزعجه أحد. كان يضع على المنضدة أمامه ثلاثة أطباق ~~صغيرة: أحدها لحبر الأخطبوط (فلم يكن كنسوكي يعتبر الأخطبوط طعاما ~~فقط) والثاني فيه ماء، والثالث لخلط الحبر بالماء. وكان دائما يمسك ~~بريشته منتصبة بزاوية قائمة وهي دائما ثابتة في يده، وأصابعه تقبض ~~عليها من جانب وإبهامه عليها من الجانب الآخر. وهو ينحني منكبا على ~~عمله، حتى تكاد شعرات لحيته تلمس الصدفة التي يرسم عليها، وأظن ~~أنه ربما كان يعاني قليلا من قصر النظر، وكنت أقضي ساعات طويلة في ~~مشاهدته، دهشا من دقة عمله ورهافته، ومن الثقة البادية في ~~إتقانه. # وذات يوم أثناء هطول المطر عصرا - وكان المطر عندما ينهمر، ينهمر ~~مدرارا - وجدت أنه قد جهز لي صدفة، وثلاثة أطباق وفرشاة رسم. كان ~~يستمتع كثيرا ms62 بتعليمي، وبكل محاولة عرجاء أقوم بها. وأذكر أنني في أول ~~عهدي بالرسم حاولت أن أرسم قنديل البحر الذي هاجمني، فإذا به يضحك ملء ~~شدقيه، لا سخرية مني بل اعترافا وتذكرا بما جمع بين قلبينا. كنت ~~دائما أحب الرسم، لكنني تعلمت من كنسوكي أن أعشقه، وتعلمت منه أن ~~الرسم أو التلوين يحتاج مني أولا إلى دقة الملاحظة، ثم تكوين شكل ~~الصورة في ذهني قبل أن أرسل بها عبر ذراعي إلى طرف الفرشاة، ومنها إلى ~~الصدفة. وقد علمني ذلك كله دون كلام، كان يبين لي ذلك وحسب. # كانت الأدلة على أنه فنان بارع عظيم بادية حولي في كل مكان، فلا بد ~~أنه هو الذي قام بتأثيث بيته في هذا الكهف كله، ومعظمه من الركام ~~الطافي: الصناديق، ونضد العمل نفسه، والرفوف، والمنضدة. ولا بد أنه ~~هو الذي نسج الحصير من الأسل، وما يغطي الجدران من الخيزران، وكل ~~شيء. وعندما فحصته بدقة وجدت أنه يتميز بكمال التشطيب وجماله، فلا ~~مسامير، ولا براغي، بل تضفير وتشبيك دقيق محكم. كان يستخدم بعض أشكال ~~الصمغ إذا اقتضى الأمر، وكذلك الدوبار أو خيوط القنب. وكانت الحبال ~~اللازمة للتسلق والرماح المستخدمة في صيد الأسماك، وشباك الصيد، وقصب ~~صيد الأسماك كلها موضوعة في أحد أركان الكهف (ولو أنني لم أشاهده ~~يستخدم قصبة صيد السمك مرة واحدة). كان لا بد أنه هو الذي صنعها ~~كلها. # وكان قد صنع فرشات الرسم أيضا، وسرعان ما عرفت طريقة صنعها. ~~كانت لكنسوكي سعلاة يحبها، أنثى ضخمة كان يسميها «توموداكي»، وكانت ~~كثيرا ما تأتي وتجلس إلى جواره كي يمشط شعرها وينظفه. وكان ~~منهمكا في ذلك ذات يوم خارج باب الكهف، وعلى مقربة منه، والسعالي ~~الأخرى تشهد ما يفعل، حين رأيته يعمد إلى نزع أطول الشعرات وأشدها ~~سوادا من ظهرها. وأمسك الشعرات بيده فأراني إياها، وهو يبتسم ابتسامة ~~عريضة تعبيرا عن نية مبيتة. لم أفهم حقا حينذاك ما كان يعتزمه، ~~ثم رأيته فيما بعد عند نضد العمل يشذب الشعرات بسكينة، ثم ~~يغمسها في سائل كنت شاهدته يستخرجه ms63 من إحدى الشجرات في ذلك الصباح ~~نفسه، ثم يقطع قطعة صغيرة مجوفة من الخيزران ويملؤها بشعر ~~«توموداكي». وبعد مرور يوم واحد كان الصمغ قد جف وأصبحت لديه فرشاة ~~رسم، ويبدو أن كنسوكي قد وجد السبل الكفيلة بتلبية جميع ~~احتياجاته. # كنا صامتين مستغرقين في الرسم ذات يوم، والمطر يهطل بغزارة وصخب ~~على الغابة، عندما توقف، ووضع فرشاة الرسم، وقال ببطء شديد وبأسلوب ~~محسوب بدقة، كأنما كان يفكر في صياغته منذ وقت طويل: «أعلمك الرسم يا ~~ميكا» (وكانت هذه أول مرة يناديني فيها باسمي) «وتعلمني أن أتكلم ~~الإنجليزية. أريد أن أتحدث الإنجليزية. علمني أنت.» # كانت تلك بداية درس في اللغة الإنجليزية قدر له أن يستمر شهورا. ~~كنت في كل يوم، من الفجر إلى الغسق، «أترجم» له الدنيا من حوله إلى ~~اللغة الإنجليزية. كنا ما زلنا نفعل ما كنا نفعله دائما؛ ولكنني كنت ~~الآن أتكلم طول الوقت وهو يردد كل كلمة أقولها، وكل عبارة يريدها. ~~وكانت الغضون تبدو على جبينه من فرط الجهد المبذول. # كان كأنما يكفيه ترديد الكلمة لابتلاعها في ذهنه. وما إن ينطقها ~~ويستعملها حتى تثبت في عقله فلا ينساها أبدا، وإذا تصادف أن نسى كلمة ~~ما، كان دائما يبدي غضبه الشديد من نفسه. وكنت أحيانا ألاحظه وأنا ~~أتلفظ بكلمة جديدة فأجد عينيه تبرقان. كان يومئ ويبتسم كأنما تعرف ~~على الكلمة، أو كأنما يحيي صديقا قديما. كان يكررها مرات ومرات، ~~كأنما يتلذذ بمذاق رنينها قبل أن يحفظها في ذاكرته إلى الأبد. وكان ~~كلما ازدادت معرفته بكلمات جديدة، ازدادت محاولته - بطبيعة الحال - ~~لتجربتها. وسرعان ما نمت الكلمات المفردة فأصبحت عبارات مبتورة ثم غدت ~~جملا كاملة. ومع ذلك، فإن أسلوب نطقه لم يتحسن قط، مهما يحاول ~~تحسينه. مايكل كان دائما ميكا، وأحيانا ميكاسان، وغدونا الآن نستطيع ~~على الأقل أن نتحادث معا بسهولة أكبر، وانتهى عهد الصمت الطويل الذي ~~تشكلت فيه صداقتنا. لم يكن الصمت في يوم ما حاجزا يفصل بيننا، لكنه ~~كان يفرض علينا حدودا. # كنا نجلس بجوار باب الكهف عند غروب الشمس ms64 عندما قال: «انظر الآن إذا ~~كنت أستطيع الفهم يا ميكاسان. قص علي قصتك. أين تعيش. لماذا أتيت ~~إلى جزيرتي هنا. منذ أن كنت طفلا حتى الآن. وسوف أستمع.» # وقصصت عليه قصتي. حكيت له عن أمي وأبي، وعن إغلاق مصنع الطوب. عن ~~كرة القدم مع إدي وفريق «مدلاركس» وعن السفينة بيجي سو ورحلتنا حول ~~العالم، وعن كرة القدم في البرازيل، والأسود في أفريقيا والعناكب في ~~أستراليا، وعن مرض والدتي، وعن الليلة التي سقطت فيها من ~~السفينة. # وقال عندما انتهيت: «ممتاز. أفهم. ممتاز. إذن تحب كرة القدم. عندما ~~كنت صغيرا كنت ألعب كرة القدم أيضا. وقت سعيد جدا، من زمن طويل، ~~في اليابان، في وطني.» وجلس صامتا برهة، ثم عاد يقول: «أنت بعيد جدا ~~عن وطنك يا ميكاسان. تبدو حزينا جدا أحيانا. أفهم. وإذن، أجعلك ~~سعيدا. نذهب غدا لصيد السمك وربما أحكي لك قصتي أنا أيضا. قصتي ~~وقصتك. ربما تكون نفس القصة الآن.» كانت الشمس قد غربت، فوقفنا ~~وانحنينا نحيي بعضنا البعض. وقال: «أوياسومي ماساي.» # وقلت له: «تصبح على خير.» لم يكن تكلم باليابانية طول النهار إلا في ~~تلك اللحظة، ولكنه كان يغني باليابانية غالبا، كنت علمته أغنية «عشر ~~زجاجات خضراء»، وكانت تجعله يضحك كلما غناها. وكنت أحب ضحكته. لم تكن ~~قهقهة مجلجلة قط، بل أقرب إلى الضحكة الخافتة المديدة. لكنها كانت ~~دائما تثلج صدري. # وفي صباح اليوم التالي حمل قصبتين من قصبات صيد السمك، وشبكة، وسار ~~أمامي إلى داخل الغابة، ثم قال لي: «نصيد اليوم سمكا كبيرا يا ~~ميكا، لا سمكا صغيرا.» كان يسير بي إلى ذلك الجانب الذي قذفتني ~~الأمواج عليه منذ شهور طويلة، وإن لم أكن أجد ما يدعوني إلى زيارته من ~~جديد، بسبب ندرة الفواكه فيه أو انعدامها. وكان علينا أن نسلك دربا ~~شاقا خلال الغابة قبل أن نمضي في طريق صخري يتلوى منحدرا إلى خليج ~~رملي خفي. وما إن خرجنا من الغابة إلى الشاطئ، حتى انطلقت ستلا تعدو ~~وتتواثب فورا في المياه الضحلة، وهي تنبح داعية إياي ms65 إلى اللعب ~~معها. # وفجأة قبض كنسوكي على ذراعي قائلا: «انظر يا ميكاسان. ماذا ترى؟» ~~كانت عيناه تنمان عن الإثارة والاستفزاز. ولم أعرف ما المفترض أن ~~أنشده. فقال: «لا شيء هنا؟ صحيح؟ أنا رجل ماهر جدا. انظر وسوف ~~أريك.» واتجه إلى آخر الشاطئ، وسرت خلفه. وعندما وصل بدأ يشد ~~ويسحب طبقة النباتات الصغيرة النامية بين الأشجار، ودهشت حين رأيته ~~ينتزعها بسهولة. وشاهدت أولا ما بدا كأنه كتلة خشبية في وسط الرمل، ~~لكنه عندما أزال المزيد من الفروع أدركت أنه جانب من قارب، زورق ~~بمسندين خشبيين، بل كان قاربا مصنوعا من جذع شجرة مقور، وله هيكل ~~من المساند الخشبية على الجانبين. وكان مغطى بالخيش، ومن ثم ~~بدأ يطوي الغطاء ببطء شديد ليكشف عن القارب وهو يضحك ضحكته ~~الخافتة. # وكانت في قاع القارب، بجوار مجداف طويل، كرة القدم المهداة لي، ~~ومد يده فالتقطها وألقاها إلي. كانت قد فقدت شدة انتفاخها، كما ~~كان جانب كبير من الجلد الأبيض مشققا حائل اللون، لكنني كنت ~~أستطيع أن أرى بصعوبة اسم إدي. # الفصل الثامن # | كل من في نجاساكي مات # طرت فرحا. لقد وجدت جزءا مني كنت ظننت أنني فقدته إلى الأبد. ~~وقال كنسوكي ناظرا إلي بوجه مشرق بالبسمات: «أنت الآن سعيد يا ~~ميكاسان. وأنا أيضا سعيد. نذهب لصيد السمك. أقول لك بعد قليل أين ~~وجدت هذه الكرة. سرعان ما أحكي لك كل شيء. لم تعد الأسماك الصغيرة ~~طيبة المذاق الآن. وليست كثيرة أيضا. نحتاج إلى أسماك كبيرة أحيانا ~~من البحر العميق. ندخن السمك، وعندها يصبح عندنا دائما سمك كثير ~~جاهز للأكل، تفهم؟» # كان الزورق ذو المسندين أثقل كثيرا مما بدا لي. وساعدت كنسوكي في ~~جره على الشاطئ وإنزاله إلى الماء. وقال ونحن نحمل ستلا إلى داخل ~~القارب: «هذا قارب ممتاز. هذا القارب لا يغرق أبدا. صنعته بنفسي. ~~قارب مأمون تماما.» ودفع القارب في الماء وركبنا. لن أتوقف يوما ~~عن الدهشة من قوته الفذة ورشاقة حركته الفائقة. كان يجدف بمجداف ~~واحد. واقفا في مؤخرة القارب كأنه يقود قاربا ms66 مسطحا بمجداف واحد. ~~وسرعان ما تجاوزنا الخليج الآمن وانطلقنا نركب أمواج البحر ~~الشاسع. # كنت أجلس محتضنا كرتي، وستلا عند قدمي، أتطلع إليه وأنتظر أن ~~يبدأ قصته. كانت الحكمة تقضي بألا أضايقه بإلحاحي الآن، كما كنت أعرف. ~~فصيد السمك له أولوية. وهكذا وضع كل منا الطعم في الشص، وجلسنا في ~~صمت نصيد، كل واحد في جانب من جانبي القارب. كانت بي رغبة شديدة في ~~سؤاله عن كرة القدم، وكيف عثر عليها، لكنني لم أجرؤ، خوفا من أن ~~يتقوقع على نفسه فلا يقول شيئا. وبعد وقت طويل بدأ يتكلم، ولكن ما ~~قاله كان جديرا بانتظاري. # قال: «سأحكي لك الآن كل شيء يا ميكاسان، حسبما وعدتك. أنا عجوز، ~~لكنها ليست قصة طويلة. ولدت في اليابان. في نجاساكي. مدينة ضخمة ~~جدا، على البحر، ونشأت في تلك المدينة، وعندما كبرت درست الطب في ~~طوكيو. وسرعان ما أصبحت طبيبا. الدكتور كنسوكي أوجاوا. وكنت فخورا ~~جدا. فأنا أرعى أمهات كثيرات، وكثيرا من الأطفال أيضا. كنت أول شخص ~~يراه أطفال كثيرون في هذه الدنيا. ثم ذهبت إلى لندن. وقمت بالدراسة في ~~لندن، في مستشفى «جاي». هل تعرف ذلك المكان؟» وهززت رأسي. «وبطبيعة ~~الحال تعلمت قليلا من الإنجليزية هناك. وبعدها عدت إلى نجاساكي. ~~اقترنت بزوجة جميلة اسمها كيمي. ثم جاءني ابن صغير أيضا، ميشيا. كنت ~~بالغ السعادة في تلك الأيام. ولكن الحرب سرعان ما أتت. أصبح جميع ~~الذكور اليابانيين جنودا، وربما بحارة. ودخلت البحرية. أصبحت ~~طبيبا في سفينة حربية كبيرة.» # وجاءت سمكة فشدت خيط سنارته، لكنها أكلت الطعم وتفادت ~~الشص. واستأنف حديثه وهو يضع طعما جديدا في الشص، قائلا: ~~«مضى على هذه الحرب زمن طويل.» كنت أعرف بعض المعلومات عن نشوب حرب مع ~~اليابان - وكنت شاهدتها في الأفلام - لكنني لم أكن أحيط إلا بأقل ~~القليل عن الحرب. وهز رأسه، قائلا: «مات الكثيرون في تلك الحرب. ~~كانت تلك الحرب زمنا عصيبا جدا. غرقت سفن كثيرة. وانتصر الجيش ~~الياباني في معارك كثيرة. وكان الشعب الياباني بالغ السعادة، مثل كرة ~~القدم، عندما ms67 تفوز تشعر بالسعادة. وعندما تخسر تحزن. كنت أعود كثيرا ~~إلى البيت، فأرى زوجتي كيمي وابني الصغير ميشيا في نجاساكي، كبر بسرعة، ~~أصبح غلاما، وكنا أسرة سعيدة جدا.» ~~«ولكن الحرب استمرت زمنا طويلا. جاء الكثير من الأمريكيين. سفن ~~كثيرة، طائرات كثيرة، قنابل كثيرة. لم تعد الحرب الآن في صالح اليابان . ~~وقت بالغ السوء. دخلنا معارك بحرية كثيرة، وجاءت الطائرات الأمريكية. ~~وسقطت القنابل على سفينتي. اشتعلت النار وصعد الدخان. دخان أسود. ~~واحترق رجال كثيرون. ومات رجال كثيرون. وقفز رجال كثيرون من السفينة في ~~البحر. لكنني بقيت. فأنا طبيب. مكثت مع مرضاي. وجاءت الطائرات من ~~جديد. وألقت المزيد من القنابل الكثيرة. كنت متأكدا أنني لا شك سوف ~~أموت. لكنني لم أمت. نظرت حولي في السفينة. كل المرضى ماتوا. كل ~~البحارة ماتوا. كنت الحي الوحيد على ظهر السفينة، ولكن المحرك لا ~~يزال يعمل. والسفينة تسير وحدها. كانت تسير الآن إلى أي مكان تريده. لا ~~أستطيع أن أدير عجلة القيادة. لا أستطيع أن أفعل شيئا. ولكنني أستمع ~~إلى الراديو. يقول الأمريكيون في الراديو، إن قنبلة كبيرة ألقيت على ~~نجاساكي، قنبلة ذرية. مات الكثيرون، حزنت حزنا شديدا. أعتقد أن كيمي ~~ماتت، وميشيا مات. وأمي تعيش هناك أيضا، وكل أسرتي. أعتقد أنهم جميعا ~~ماتوا. # وسرعان ما قال الراديو إن اليابان استسلمت. واستبد بي الحزن حتى ~~أردت أن أموت.» وظل يركز على صيد السمك برهة ثم استأنف قصته، قائلا: ~~«وسرعان ما توقف محرك السفينة. ولكن السفينة لم تغرق. وهبت ريح شديدة، ~~عاصفة شديدة. وقلت في نفسي إنني ميت الآن ولا شك. ولكن البحر حمل ~~السفينة وأتى بي إلى هنا، إلى هذه الجزيرة. رست السفينة على ~~الشاطئ، لكنني لم أكن قد مت. # وسرعان ما وجدت الطعام. ووجدت الماء أيضا. وعشت مثل الشحاذين فترة ~~طويلة. كنت أشعر في أعماقي أني شخص سيئ، وأقول في نفسي: لقد مات كل ~~أصدقائي، ومات أفراد أسرتي جميعا، وأنا حي لم أكن أريد أن أعيش. ولكن ~~سرعان ما قابلت السعالي، كانت تلك القردة تشفق علي. ms68 هذا مكان ~~جميل جدا، مكان يسوده السلام. لا حرب هنا، لا أشرار. قلت لنفسي، يا ~~كنسوكي أنت رجل محظوظ جدا لأنك حي ربما تستطيع البقاء هنا.» ~~«أخذت أشياء كثيرة من السفينة. أخذت الأغذية، وأخذت الملابس ~~والملاءات. أخذت الأواني وأخذت الزجاجات. وأخذت السكين. وأخذت الأدوية. ~~وجدت أشياء كثيرة، وأدوات كثيرة أيضا. أخذت كل شيء وجدته. وعندما ~~انتهى كنسوكي، لم يكن قد بقي في السفينة شيء يذكر، وأؤكد لك، ووجدت ~~الكهف. وخبأت كل شيء في الكهف. وسرعان ما هبت عاصفة رهيبة، ~~وتحطمت السفينة على الصخور، وسرعان ما غاصت في البحر.» ~~«وجاء الجنود الأمريكيون ذات يوم. فاختبأت. لم أكن أريد أن أستسلم، ~~فهو ليس شيئا مشرفا. كنت خائفا جدا أيضا. واختبأت في الغابة ~~مع السعالي. وأشعل الأمريكيون النار على الشاطئ. وكانوا يضحكون بالليل. ~~كنت أسمعهم. كانوا يقولون إن كل من في نجاساكي ماتوا. وكانوا سعداء ~~جدا بذلك. ويضحكون. وعندها تأكدت أنني سوف أبقى في هذه الجزيرة. ~~لماذا أعود إلى الوطن؟ وسرعان ما رحل الأمريكيون. كانت سفينتي قد غرقت ~~من قبل. فلم يستطيعوا العثور عليها. وسفينتي لا تزال هنا، تحت الرمال ~~الآن، أصبحت الآن جزءا من الجزيرة.» # وتذكرت هيكل السفينة الذي علاه الصدأ وشاهدته في أول يوم لي في ~~الجزيرة! لقد بدأت أمور كثيرة تتضح لي الآن. وفجأة ابتلعت سمكة ~~الطعم من سنارتي، فكادت تنتزع القصبة كلها من يدي. وانحنى ~~كنسوكي ليساعدني. وقضينا عدة دقائق ونحن نرفع السمكة من الماء إلى ~~السطح، ولكننا نجحنا معا في حملها إلى القارب. وجلسنا ونحن نشعر ~~بالإرهاق بعدها، والسمكة تتلوى متواثبة في قاع القارب، عند أقدامنا. ~~كانت هائلة الحجم، أكبر حتى من أكبر سمكة رأيتها في حياتي، وهي سمكة ~~الكراكي التي صادها أبي في مياه الخزان، في الوطن. وأخمد كنسوكي حركتها ~~بسرعة، بضربة حادة خلف عنقها بمقبض سكينه، قائلا: «سمكة جيدة، بل ~~سمكة ممتازة، أنت صياد سمك ماهر يا ميكا. نعمل جيدا معا، ربما ~~استطعنا صيد المزيد الآن.» # ولكن ساعات طويلة مضت قبل أن نصيد سمكة أخرى، وإن ms69 لم تكن تشبه ~~هذه. وحكى لي كنسوكي عن حياته وحيدا على الجزيرة، كيف تعلم أساليب ~~البقاء، وكيف يعيش من خير الأرض. وقال إنه تعلم معظم ما تعلمه من ~~مراقبة السعالي وما تأكله، وما لا تأكله. وتعلم تسلق الأشجار ~~مثلها، وتعلم أن يفهم لغتها، وأن يراعي إشارات تحذيرها، مثل البريق ~~في العينين وحك الجسم بقلق شديد. واستطاع ببطء أن ينشئ رابطة ثقة ~~معها، وأن يصبح واحدا منها. # وبحلول موعد عودتنا إلى البيت في ذلك المساء، ونحن نحمل ثلاث سمكات ~~كبيرة في قاع القارب - وأظن أنها كانت من سمك التونة - كان قد انتهى من ~~قصته. كان يتحدث وهو يضرب المجداف في الماء. «بعد الأمريكيين، لم يأت ~~رجال آخرون إلى جزيرتي. عشت وحدي سنوات كثيرة. أنا لم أنس كيمي، لم ~~أنس ميشيا، ولكنني أحيا، وبعد ذلك ربما بسنوات أتى الرجال. رجال ~~بالغو السوء، رجال قتلة، معهم بنادق. وهم يصيدون الحيوان. ويطلقون ~~الرصاص، كنت أغني للسعالي صديقتي، فكانت تأتي إلي حين أغني، وهي ~~خائفة جدا. كانت تأتي وتختبئ جميعا في كهفي. ونختبئ معا فلا يستطيع ~~القتلة أن يعثروا علينا. ولكنهم يطلقون النار في الغابة على قرود ~~الجيبون، وهو الاسم الذي قلته لي. كانوا يطلقون النار على ~~الأمهات، ويأخذون الأطفال. ما الذي يدعوهم إلى ذلك؟ وكنت غاضبا ~~جدا. كنت أعتقد أن كل الناس قتلة. كنت أكره جميع الناس، فيما أظن. لم ~~أكن أريد أن أرى الناس مرة أخرى. # وحدث ذات يوم أن أردت صيد سمكة كبيرة لتدخينها، فذهبت للصيد في ~~هذا القارب. وهبت الريح في الاتجاه المعاكس فابتعدت عن الشط. كان ~~البحر يجذبني بقوة شديدة. حاولت العودة إلى جزيرتي لكنني لم أستطع. ~~فأنا عجوز، وذراعاي ليستا قويتين، وعندما أتى الليل كنت لا أزال ~~بعيدا. وشعرت بخوف شديد، فجعلت أغني؛ فالغناء يمنحني الشجاعة، وسمعت ~~صرخة، وأبصرت ضوءا، وظننت أنني أحلم، ثم سمعت أغنية أخرى في البحر، في ~~الظلام، وأتيت مسرعا قدر طاقتي، فوجدتك ووجدت ستلا والكرة. كنت ~~شبه ميت يا ميكاسان، وكانت ستلا كلبة شبه ميتة.» ms70 إذن كان كنسوكي هو ~~الذي انتشلني من البحر، كنسوكي هو الذي أنقذني. لم يجل ذلك بخاطري ~~قط. # وعاد يقول: «وفي الصباح أعادنا البحر إلى جزيرتي. كنت سعيدا جدا ~~لأنك لم تمت، لكنني كنت غاضبا جدا أيضا. فأنا أردت أن أكون ~~وحدي. لم أكن أريد أن أرى الناس. إذ كان جميع الناس في نظري قتلة. ~~لم أكن أريدك في جزيرتي. حملتك. تركتك على الشاطئ. كنت أترك ~~لك ماء حتى لا تموت. لكنك أشعلت النار. وأنا لا أريد أن يأتي ~~الناس. لا أريد الناس أن يأتوا فيجدوني هنا على جزيرتي، وربما يأتون، ~~وربما يطلقون النار فيقتلون السعالي، ويقتلون قرود الجيبون. وربما ~~يجدونني، ويأخذونني معهم أيضا. كنت غاضبا جدا، فأطفأت النار، ولم ~~أكن أريد أن أتكلم معك، ولم أكن أريد أن أراك، فرسمت خط الحدود ~~الفاصل في الرمل. # وهبت عاصفة كبيرة، أكبر عاصفة رأيتها في حياتي، وامتلأ البحر بعد ~~العاصفة بقناديل البحر البيضاء، وأنا أعرف قناديل البحر هذه، بالغة ~~السوء، إذا لمستك تموت في الحال. أعرف ذلك. أقول لك لا تسبح، فهو خطر ~~جدا. وسرعان ما أرى أنك أشعلت نارا كبيرة على قمة التل، واعتقدت ~~أنك شخص شرير جدا. كنت غاضبا جدا هذه المرة، وكنت أنت غاضبا ~~جدا أيضا. فسبحت في البحر. ولدغتك قناديل البحر. وقلت من المؤكد ~~أنك مت. ولكنك قوي جدا، فعشت. أتيت بك إلى الكهف. عندي خل أصنعه ~~من النبق، والخل يقتل السم. أنت حي يا ميكا، لكنك كنت مريضا ~~جدا زمنا طويلا. أصبحت الآن قويا، وأصبحنا الآن أصدقاء. بيننا ~~صداقة متينة.» # هذا إذن ما حدث؛ القصة كلها، وتوقف عن التجديف برهة وتبسم لي من ~~جديد، قائلا: «أنت مثل ابني الآن، ونحن سعداء؛ فنحن نرسم، ونصيد ~~السمك، ونحن سعيدان، نمكث معا. لقد أصبحت الآن أسرتي، يا ~~ميكاسان. صحيح؟» # وقلت له: «نعم! صحيح!» وكنت أعني ما أقول وأشعر به. # وتركني أقوم بالتجديف، وبين لي كيف أجدف بأسلوبه، وأنا واقف ~~وقدماي منفرجتان ثابتتان. لم يكن الأمر بالسهولة التي صورها لي. ~~كان من ms71 الواضح أنه يثق في قدرتي على التجديف حتى يعود بنا القارب إلى ~~الشاطئ، إذ اضطجع في جلسته في مقدم الزورق ذي المسندين، حتى يستريح ~~واستغرق في النوم حالما جلس تقريبا، فاتحا فاه، وخداه غائران. كان ~~دائما يبدو في سباته أكثر هرما مما هو عليه. وأثناء تطلعي إليه ~~حاولت أن أرسم في خيالي صورة لوجهه في الماضي، ما لا بد أنه كان عليه ~~حين قدم أول مرة إلى هذه الجزيرة، منذ هذه السنين الكثيرة البعيدة، منذ ~~أربعين عاما. كنت مدينا له بدين كبير، كبير جدا، فقد أنقذ ~~حياتي مرتين وأطعمني وصادقني. كان على صواب. كنا سعيدين، وكنت أنا ~~«أسرته». # لكنه كانت لي أسرة أخرى. وتذكرت آخر مرة ركبت فيها سفينة، وفكرت في ~~أمي وأبي، وكيف أنهما لا شك يحزنان لفقدي كل يوم وكل ليلة، وبعد هذا ~~الوقت الطويل لا بد أنهما يعتقدان أنني غرقت، قطعا، وأن احتمال وجودي ~~على قيد الحياة معدوم، لكنني لم أغرق، بل أنا حي لا بد أن أجعلهما ~~يعرفان ذلك بوسيلة ما، وبينما كنت أكافح عصر ذلك اليوم للعودة بالزورق ~~ذي المساند إلى الجزيرة غمرني إحساس مفاجئ قوي بالشوق إلى رؤيتهما من ~~جديد، إلى صحبتهما، وخطر لي أن أسرق القارب. من الممكن أن أجدف به ~~حتى أبتعد، ومن الممكن أن أشعل النار مرة أخرى، لكنني كنت أعرف حتى ~~أثناء هذه الخواطر أنني لن أستطيع تنفيذها. كيف يمكنني الآن أن أتخلى ~~عن كنسوكي بعد كل ما فعله من أجلي؟ كيف أخون ثقته؟ وحاولت إبعاد الفكرة ~~برمتها عن ذهني، وكنت أعتقد حقا أنني نجحت في استبعادها، لولا ~~أنني - في الصباح التالي مباشرة - رأيت زجاجة الكوكاكولا البلاستيك ~~على الشاطئ بعد أن جرفتها الأمواج، فعادت فكرة الهروب من جديد، ~~وتملكتني من جديد ليلا ونهارا، ولم تكن تتركني إطلاقا. # وقمت بدفن زجاجة الكوكاكولا في الرمل عدة أيام كنت أثناءها أصارع ~~ضميري، أو بالأحرى أبرر لنفسي ما أريد أن أفعله، وقلت لنفسي إنها لن ~~تكون خيانة حقيقية، أعني ليست خيانة بالمعنى المفهوم، وحتى ms72 لو وجد ~~أحدهم الزجاجة فلن يعرف أحد المكان الذي يأتي إليه، ولن يعرف إلا أنني ~~على قيد الحياة، وعقدت العزم على تنفيذ خطتي، وأن يكون ذلك في أقرب ~~الآجال. # كان كنسوكي قد ذهب إلى البحر لصيد الأخطبوط، وكنت قد لزمت الكهف ~~لأنتهي من الرسم على صدفة، أو ذلك ما قلت له. وجدت ملاءة قديمة في ~~قاع صندوق من صناديقه، فقطعت ركنا صغيرا من أركانها، ثم انحنيت على ~~المنضدة، وبسطتها أمامي وكتبت رسالتي عليها بحبر الأخطبوط، وهي: # إلى السفينة بيجي سو، فيرهام، إنجلترا # عزيزي أمي وأبي، # أنا حي في صحة جيدة. وأعيش في جزيرة لا أعرف مكانها. تعاليا ~~وخذاني. # مع حبي # مايكل # وانتظرت حتى تجف تماما، ثم طويتها، وأخرجت زجاجة الكوكاكولا من ~~الرمل، وأدخلت رسالتي فيها ثم أغلقت فوهة الزجاجة إغلاقا محكما. ~~تأكدت تماما أن كنسوكي كان لا يزال منهمكا في الصيد، ثم انطلقت. ~~وأخذت أجري من أول الجزيرة إلى آخرها ملتزما دائما بالغابة، حتى لا ~~تتاح لكنسوكي فرصة رؤية المكان الذي أقصده أو ما عقدت العزم عليه، ~~وكانت قرود الجيبون تعوي باتهاماتها لي طول الطريق، والغابة توقوق ~~وتصرخ بإدانتي. كل ما كنت أرجوه ألا ترد ستلا على ذلك بنباحها ~~فتكشف مكاني، لكنها لحسن الحظ لم تنبح. # ووصلت أخيرا إلى الصخور أسفل تل المراقبة. وجعلت أقفز من صخرة لصخرة ~~حتى أصبحت أقف في أقصى أطراف الجزيرة، والأمواج تتكسر عند أقدامي. ~~ونظرت حولي، فلم أجد شاهدا علي سوى ستلا، وقذفت بالزجاجة إلى أبعد ~~مدى استطعته في البحر، ثم وقفت أنظرها وهي تتواثب بعيدا فوق صفحة ماء ~~البحر وقلت في نفسي لقد بدأت الرحلة. # لم أستطع أن أذوق حساء السمك الذي قدمه لي كنسوكي ذلك المساء، فظن ~~أنني مريض. لم أكن قادرا تقريبا أن أتحدث إليه، ولم أستطع أن أجعل ~~عيني تواجه عينيه. وظللت راقدا طول الليل في عذاب ممض يؤرقني ~~الإحساس بالذنب، ومع ذلك - وفي نفس الوقت - آملا، على استحالة الأمل، ~~أن يلتقط أحدهم زجاجتي. # كنت مع كنسوكي نقوم بالرسم في عصر ms73 اليوم حين دخلت ستلا الكهف بخطى ~~خافتة. وكانت زجاجة الكوكاكولا في فمها، وألقت بها أمامي وتطلعت ~~إلي، وهي تلهث وتشعر بالسعادة والزهو بما فعلت. # وضحك كنسوكي وانحنى ومد يده فالتقط الزجاجة، وأعتقد أنه يوشك ~~أن يعطيها لي عندما لاحظ وجود شيء فيها. وأدركت من الطريقة التي ~~حدجني بها بنظره ، بل تأكدت أنه عرف على الفور ما كانت ~~تحتويه. # الفصل التاسع # | ليلة السلاحف البحرية # هبط بيننا صمت طويل أليم. لم يؤنبني كنسوكي قط على ما فعلت. لم ~~يكن غاضبا مني أو متجهم الوجه معي. ولكنني كنت أعرف أنني جرحت ~~مشاعره جرحا عميقا. لم نمتنع عن التحادث معا - بل كنا نتحادث - ~~ولكننا لم نعد نتحادث بالروح التي كنا نتحادث بها من قبل. كان كل منا ~~يعيش في شرنقته الخاصة، ملتزمين بالسلوك المهذب، والتأدب دائما، ~~لكننا لم نعد «معا» كما كنا من قبل. كان قد انغلق على نفسه، وحبس نفسه ~~في أفكاره الخاصة. ذهب الدفء من عينيه، وحل الصمت محل الضحك في ~~الكهف. لم يصرح بذلك قط، فلم يكن بحاجة إلى التصريح، لكنني عرفت أنه ~~يفضل الآن أن يرسم وحده، وأن يصيد السمك وحده، وأن يكون وحيدا. # وهكذا كنت أقوم كل يوم بالتجول في الجزيرة مع ستلا، وأنا أرجو أن ~~أجده عندما أعود وقد صفح عني، وأن نعود أصدقاء مثلما كنا. ولكنه كان ~~دائما يحافظ على المسافة التي تفصل بيننا. وحزنت حزنا عميقا على ~~صداقتي الضائعة. وأذكر أنني كنت كثيرا ما أذهب في تلك الفترة إلى طرف ~~الجزيرة الآخر، إلى تل المراقبة، وهناك أجلس زمنا طويلا، ولم أعد ~~أرقب مرور السفن بالجزيرة، بل كنت أجرب بصوت عال ما أقدمه له من تفسير ~~أو إيضاح لما فعلت، ولكنني مهما حاولت وجربت، لم أكن أستطيع أن أقنع ~~حتى نفسي أن ما فعلته كان يمثل شيئا آخر سوى الخيانة. والذي حدث آخر ~~الأمر، على أية حال، هو أن كنسوكي نفسه هو الذي شرح الأمر لي. # كنا قد أوينا إلى الفراش لتونا ذات ليلة عندما جاءت السعلاة ms74 ~~توموداكي إلى باب الكهف وجلست القرفصاء عنده. كانت قد فعلت ذلك مرة أو ~~مرتين قبل ذلك في الآونة الأخيرة، وكانت تجلس دقائق معدودة وحسب، ~~وتتطلع إلينا ثم تمضي إلى حال سبيلها. وسمعت صوت كنسوكي في الظلام ~~يقول: «إنها تفتقد كيكانبو من جديد» ثم أضاف: «إنها دائما ما تفتقد ~~صغيرها . كيكانبو طفل شرير جدا. كثيرا ما يهرب، ويجعل توموداكي أما ~~حزينة جدا.» وصفق بيديه ليصرفها صائحا، ثم هتف: «كيكانبو ليس هنا ~~يا توموداكي. ليس هنا أقول.» ولكن توموداكي ظلت في مكانها. وأظن أنها ~~كانت تريد التسرية عن نفسها أكثر من أي شيء آخر، وكنت قد لاحظت من قبل ~~أن السعالي كانت كثيرا ما تأتي إلى كنسوكي عندما تكون قلقة أو خائفة، ~~لا لشيء إلا للشعور بالاطمئنان إلى جواره. وبعد فترة انسلت ~~توموداكي خفية في جنح الليل وتركتنا وحدنا من جديد، يفصلنا صخب ~~الغابة والصمت. # وفجأة خرق صوت كنسوكي الصمت، قائلا: «عندي أفكار كثيرة، هل نمت ~~يا ميكاسان؟» لم يكن قد ناداني باسمي أسابيع متوالية، منذ حادثة زجاجة ~~الكوكاكولا. # قلت له: «لا.» # فقال: «رائع، أريد أن أقول كلاما كثيرا. فاستمع، وسوف أتكلم. ~~لدي أفكار كثيرة. عندما أفكر في توموداكي أفكر أيضا في والدتك. أمك ~~أيضا تفتقد طفلها. تفتقدك أنت. وهذا أمر محزن جدا لها. ربما تأتي ~~لتبحث عنك فلا تجدك. ربما لا تكون أنت هنا عندما تأتي هي. لسوف تظن أنك ~~مت ولن تعود أبدا، ولكنها تراك في خاطرها، بل الآن وأنا أتكلم ~~ربما كانت تراك في ذهنها. أنت دائما هناك. أعرف ذلك. فلدي ابن أنا ~~أيضا. لدي ميشيا. وهو دائما في رأسي. مثل كيمي. لا شك أنهما ~~ماتا، ولكنهما في رأسي. إنهما في رأسي إلى الأبد.» # وساد الصمت بيننا فترة طويلة لم ينطق فيها بحرف واحد. كنت أظن أنه ~~نام، لكنه عاد للحديث مرة أخرى فقال: «سأقول لك كل ما أفكر فيه يا ~~ميكاسان. هذه أفضل طريقة. إنني أظل في هذه الجزيرة لأنني أريد أن أمكث ~~في هذه الجزيرة، لا أريد ms75 أن أعود إلى الوطن في اليابان، لكن الأمر ~~مختلف في حالتك؛ فأنت تريد العودة إلى الوطن عبر البحار، وهذا هو ~~الصواب، هذا هو ما يصلح لك، لكنه لا يصلح لي؛ إنه في حالتي أمر محزن ~~جدا. لقد عشت سنوات طويلة هنا وحدي، وأنا سعيد هنا، ثم أتيت أنت. ~~كنت أكرهك عندما أتيت أول الأمر، ولكن بعد فترة أصبحت مثل ابني، ~~وأظن أنني قد أكون مثل والدك، وأنك مثل ابني. وسأحزن كثيرا عندما ~~ترحل؛ فقد أحببت الحديث معك، وأحببت الاستماع إليك، وأحببت رنين ~~صوتك عندما تتكلم. وكنت أريدك أن تبقى هنا في هذه الجزيرة، هل ~~تفهم؟» # وقلت له: «أظن ذلك.» # فعاد يقول: «ولكنك فعلت شيئا غاية في السوء؛ نحن أصدقاء، ولكنك لا ~~تخبرني بما تشعر به. لا تقول لي ما تفعله، وليس هذا أمرا مشرفا. ~~وعندما وجدت الزجاجة وقرأت الكلمات أحسست بالحزن الغامر الشديد، ~~لكنني بعد فترة قصيرة فهمت. أعتقد أنك تريد أن تمكث معي هنا وأن تعود ~~أيضا إلى الوطن. وهكذا عندما وجدت الزجاجة كتبت الرسالة. ولم ~~تخبرني بما تفعل لأنك تعرف أنه يجعلني حزينا. هل هذا صحيح؟» # وقلت له: «نعم.» # فقال: «أنت صغير جدا يا ميكاسان، وأنت ترسم صورا جيدة، صورا ~~ممتازة؛ مثل هوكوساي، وتنتظرك حياة طويلة حافلة. لا تستطيع أن تعيش ~~حياتك كلها في هذه الجزيرة مع رجل عجوز قد يأتيه الموت في أية لحظة. ~~وهكذا، جعلتني هذه الأفكار أغير رأيي. هل تعرف ما سنفعله ~~غدا؟» ولم ينتظر إجابتي، بل استمر قائلا: «سنشرع في بناء ~~مستوقد لنار جديدة، نار عظيمة، حتى نكون مستعدين عندما نلمح ~~سفينة، وعندها تعود إلى وطنك، كما أننا سنفعل شيئا آخر. سنلعب كرة ~~القدم؛ أنت وأنا. ما رأيك في هذا؟» # وقلت: «لا بأس.» لم أكن أستطيع أن أقول أكثر من ذلك. لقد تمكن في ~~تلك اللحظات القليلة أن يزيح عبء إحساسي بالذنب كله من على كاهلي وأن ~~يمنحني سعادة غامرة، بل أملا جديدا مشرقا براقا. ~~«لا بأس لا بأس. فلتنم الآن. لدينا عمل كثير ms76 غدا. وأيضا كثير ~~من كرة القدم.» # وفي صباح اليوم التالي بدأنا نقيم منارا على قمة التل فوق منزلنا ~~بالكهف. واستخدمنا معظم كومة الحطب التي كنا جمعناها لموقد الطهو، ~~وقمنا بتخزين الخشب الجاف في آخر الكهف، بل إنه ضحى ببعض أفضل قطع ~~الخشب التي كانت من الركام الطافي، ولم يكن الأمر يقتضي نقلها لمسافة ~~بعيدة، وهكذا لم يمر وقت طويل حتى كنا قد جمعنا ما يكفي لإشعال نار ~~ضخمة، وقال كنسوكي إن ذلك يكفي مؤقتا، وإننا نستطيع أن نجلب المزيد من ~~الغابة، وأن نزيد المقدار يوميا بالكمية التي نريدها. وقال: «سرعان ~~ما نشعل نارا هائلة يستطيعون رؤيتها في أي مكان حتى في اليابان»، ~~وضحك، ثم أضاف: «نتناول الغداء الآن، وبعدها ننام قليلا، وبعدها كرة ~~القدم. موافق؟» # وفي عصر ذلك اليوم نفسه استعضنا عن قوائم المرمى بالعصي التي ~~غرسناها في الرمل وجعلنا نتناوب دور حارس المرمى واللاعب الذي يصوب ~~الكرة إلى المرمى؛ كانت الكرة قد فقدت الكثير من الهواء الذي نفخت به، ~~فلم تكن ترتد حين تضرب الرمل بها خيرا من ارتدادها من الطين الذي كان ~~يكسو الملعب الذي كنا نلعب فيه في الوطن، لكن ذلك لم يكن مهما. قد ~~يكون كنسوكي شيخا يتوكأ على عصا، وقد يكون قد بلغ أرذل العمر، لكنه ~~كان يجيد تصويب الكرة إلى المرمى وإحراز أهداف لم أستطع صدها، ~~المرة بعد المرة. # ما أروع الوقت الذي قضيناه في اللعب لم يكن أينا يريد له أن ~~ينتهي. كان حشد من قرود السعالي يشاهدنا في حيرة، وكانت ستلا تتدخل ~~وتجري وراء الكرة كلما أحرز أحدنا هدفا، حتى هبط الظلام فأرغمنا على ~~العودة آخر الأمر، صاعدين التل، وكان الإرهاق قد بلغ منا حدا لم ~~يتح لنا سوى أن نجرع قدرا كبيرا من الماء، ونأكل موزة أو موزتين، ~~قبل أن نأوي إلى حصير النوم. # ولم يتأت لي سوى بعد المصالحة أن أعرف كنسوكي خيرا مما كنت ~~أعرفه في يوم من الأيام. حديثه بالإنجليزية كان يزداد طلاقة باطراد، ~~وكان من الواضح أنه ms77 أصبح يحب التحدث بالإنجليزية. ولسبب لا أعرفه كان ~~أشد سعادة بالحديث معي دائما ونحن نصيد السمك في زورقه ذي المساند. ~~لم نكن نقوم بهذه الرحلات للصيد كثيرا، ولم نكن نقوم بها إلا حين تقل ~~الأسماك في المياه الضحلة فنضطر إلى صيد السمك الكبير لتدخينه ~~وحفظه. # كانت القصص تتدفق من فمه ونحن في البحر. فتحدث كثيرا عن طفولته في ~~اليابان، وعن أخته التوأم، وكيف كان يندم على دفعها من فوق شجرة ~~الكرز في حديقة منزلهما، وكيف كسرت ذراعها، وكيف تذكره شجرة ~~الكرز التي يرسمها بأخته دائما، ولكنها كانت هي الأخرى في نجاساكي ~~عندما ألقيت القنبلة، وأذكر أنه ذكر لي أيضا عنوان المنزل الذي ~~كان يقيم فيه أثناء دراسته في لندن، رقم 22 شارع كلانريكارد جاردنز، ~~ولم أنس ذلك العنوان قط. وقال إنه ذهب إلى ملعب كرة القدم ليشاهد ~~فريق تشيلسي، وبعدها جلس بجانب تمثال أسد في ميدان ترافالجار (الطرف ~~الأغر) فأمره شرطي بالرحيل. # ولكن أكثر من كان يتحدث عنه كانت زوجته كيمي وابنه ميشيا، وكان يقول ~~كم كان يود أن يرى ميشيا وقد أصبح رجلا، وقال إنه لولا القنبلة التي ~~ألقيت على نجاساكي لأصبح ميشيا في الخمسين من عمره، ولكانت كيمي في ~~مثل سنه الآن أي في الخامسة والسبعين. وكنت نادرا ما أقاطعه عندما ~~يكون على هذه الحال. حاولت التسرية عنه مرة فقلت: «القنابل لا تقتل ~~الجميع. وربما كانا الآن على قيد الحياة. من يدري! تستطيع أن تعرف. ~~يمكنك أن تعود.» ونظر إلي نظرة غريبة كأنما لم يكن قد خطر له ذلك ~~الاحتمال من قبل قط، وفي هذه السنين كلها. واستأنفت حديثي قائلا: ~~«ولم لا؟ عندما نرى سفينة ونشعل النار ويأتي من في السفينة لاصطحابي ~~تستطيع أن تأتي معنا. يمكنك أن تعود إلى اليابان. لست مرغما على ~~البقاء هنا.» # وفكر في الأمر برهة، ثم هز رأسه قائلا: «لا! لقد ماتا. كانت تلك ~~قنبلة هائلة، قنبلة رهيبة فظيعة. وقال الأمريكيون إن نجاساكي دمرت، ~~كل منزل هدم. سمعتهم، أفراد أسرتي ماتوا قطعا. سأبقى ms78 هنا. أنا هنا ~~آمن. سأظل في جزيرتي.» # وكنا في كل يوم نزيد من الأخشاب التي بنينا المنار منها، فغدا ~~الآن هائلا، بل أضخم من المنار الذي كنت أقمته على تل المراقبة، وأصبح ~~من عادة كنسوكي في كل صباح، وقبل الذهاب إلى البركة للاستحمام، أن ~~يرسلني إلى قمة التل حاملا منظاره المقرب. وكنت دائما أفحص الأفق ~~بمزيج من الرجاء والخوف. كنت قطعا أتوق إلى رؤية سفينة، لا شك في هذا، ~~كنت أتوق إلى العودة إلى الوطن، ولكنني كنت أخشى في الوقت نفسه ما ~~يعنيه ذلك. كنت أحس بالاطمئنان والراحة كثيرا مع كنسوكي. وكانت فكرة ~~الفراق تملؤني بحزن رهيب، وعقدت العزم على بذل قصارى جهدي ~~لإقناعه باصطحابي، إذا مرت بنا سفينة أو عندما تأتي سفينة. # كنت أنتهز كل فرصة الآن لأحدثه عن العالم خارج هذه الجزيرة، وكلما ~~تحدثت ازداد اهتمامه، فيما يبدو، بما أقول، ولم أكن أشير، بطبيعة ~~الحال، إلى الحروب والمجاعات والكوارث. بل كنت أرسم أفضل صورة استطعت ~~أن أرسمها لذلك العالم. كان يجهل الكثير الكثير. وكان يبدي دهشته من ~~كل ما أحكيه، من فرن «الميكروويف» في مطبخنا، والكمبيوتر وما يستطيع ~~أن يؤديه، وطائرة الكونكورد التي تطير بسرعة تزيد على سرعة الصوت، ~~والذين ذهبوا للقمر، والأقمار الصناعية. وكان الحديث عن تلك الأشياء ~~يتطلب الشرح المفصل قطعا. بل إنه لم يكن يصدق بعضها، في أول الأمر ~~على الأقل. # وأتى دوره في طرح الأسئلة علي، وكان يسألني بصفة خاصة عن اليابان، ~~لكنني لم أكن أعرف الكثير عن اليابان، إلا أنني كنت أرى في وطني ~~إنجلترا عبارة «صنع في اليابان» على أشياء كثيرة، من بينها فرن ~~«الميكروويف»، وكذلك السيارات، والآلات الحاسبة، ومسجل الصوت الاستريو ~~الخاص بوالدي، وجهاز تجفيف الشعر عند والدتي. # وضحك قائلا: «أنا شخص «صنع في اليابان»! آلة قديمة جدا، لكنها لا ~~تزال صالحة، لا تزال بالغة القوة.» # ورغم محاولاتي الدائبة للنبش في ذاكرتي، لم أجد بعد فترة ما أقوله له ~~عن اليابان، لكنه كان ما يفتأ يسأل: «أنت واثق أنه لا توجد ms79 حرب في ~~اليابان هذه الأيام؟» كنت واثقا، إلى حد كبير، أنه لا توجد حرب فيها ~~وقلت له ذلك. وعاد يسأل: «وهل عمروا نجاساكي بعد القنبلة؟» وقلت له ~~إن هذا صحيح، راجيا أن أكون على صواب. لم يكن في طوقي سوى بث ~~الاطمئنان في قلبه قدر ما استطعت، إلى جانب سرد القليل الذي أعرفه ~~وتكراره المرة بعد المرة. وكان فيما يبدو يتلذذ بسماع ذلك، مثل طفل ~~يستمتع بقصة خيالية مفضلة. # وذات يوم بعد أن أفضت في الحديث من جديد عن نوعية الصوت المدهشة ~~لجهاز التسجيل «الاستريو» الذي يملكه والدي، وهو من ماركة «سوني»، ~~والذي يجعل المنزل كله يرتج بذبذبات الصوت، قال بصوت خافت هادئ: ~~«ربما أعود يوما ما قبل أن أموت إلى وطني. ربما أعود يوما ما إلى ~~اليابان. ربما.» لم أكن واثقا أنه كان يعني ما يقول، ولكن قوله كان ~~يعني أنه ينظر في الأمر على الأقل، وهو ما جعلني أتفاءل. لكنني لم أصدق ~~أن كنسوكي كان جادا حقا إلا في ليلة السلاحف البحرية. # كنت غارقا في النوم عندما أيقظني، قائلا: «تعال يا ميكاسان، تعال ~~بسرعة. هيا! تعال معي!» # وسألته: «لماذا؟» لكنه كان قد انطلق. وعدوت خلفه في ضوء القمر ~~فأدركته في منتصف الطريق المؤدي إلى البحر. وسألته مرة أخرى: «ماذا ~~نفعل؟ وأين نذهب؟ هل جاءت سفينة؟» # وقال: «سترى فورا. سترى في الحال.» كانت ستلا تجري في أعقابي حتى ~~وصلنا إلى الشاطئ. لم تكن مغرمة بالخروج في الظلام، ونظرت حولي ~~فلم أجد شيئا. كان الشاطئ فيما يبدو مهجورا خاويا. وكانت الأمواج ~~تصطدم بقلق. والقمر يركب متن السحب، وبدا العالم من حولي كأنما يمسك ~~أنفاسه. لم أبصر ما يحدث حتى ركع كنسوكي على ركبتيه فجأة في الرمال. ~~قائلا: «إنها صغيرة جدا، وليست قوية جدا في بعض الأحيان. وأحيانا ~~تأتي الطيور في الصباح وتأكلها.» وهنا شاهدتها. # كنت أظن أولا أنها سرطانات بحرية أي كابوريا، ولكنني كنت ~~مخطئا، كانت سلاحف بحرية دقيقة الحجم، أصغر من الحمسة أي سلحفاة ~~الماء العذب، وكانت تتسلق بعناء ms80 جحورا في الرمل ثم تسرع الخطى ~~عدوا على الشاطئ نحو البحر. شاهدت أولا واحدة، ومن بعدها أخرى ~~فثالثة، ثم نظرت إلى الشاطئ فوجدت عشرات منها، بل مئات، وربما آلاف، ~~وهي تهرع جميعا على الرمال التي يسطع عليها ضوء القمر وتنزل البحر. ~~كان كل مكان في الشاطئ ينبض بحركتها. واقتربت ستلا من إحداها ~~تتشممها فنهرتها، فتثاءبت ونظرت ببراءة إلى السماء تتطلع إلى ~~القمر. # ورأيت أن إحداها قد انقلبت على ظهرها في قاع أحد الجحور، وأرجلها ~~تركل الهواء في هياج. ومد كنسوكي يده فالتقطها برفق ووضعها على أقدامها ~~من جديد فوق الرمل، قائلا: «اذهبي إلى البحر أيتها السلحفاة الصغيرة، ~~ولتعيشي فيه الآن، وسرعان ما تكبرين وتصبحين سلحفاة بحرية جميلة. وربما ~~تعودين يوما ما وتقابلينني.» وجلس على عجزه وهو يرقبها تجري، ~~والتفت إلي قائلا: «هل تعرف ماذا تفعل هذه يا ميكا؟ إن السلاحف ~~الأمهات تضع بيضها في هذا المكان. وفي ليلة معينة من كل عام، ~~ودائما عندما يسطع نور البدر، تولد السلاحف الصغيرة. والطريق إلى ~~البحر طويل. ويموت كثير منها. ولهذا أسهر عليها دائما. أساعدها. ~~وأطارد الطيور حتى لا تأكل السلاحف الصغيرة. وبعد أعوام كثيرة، عندما ~~تكبر السلاحف، تعود إلى هنا لتضع البيض من جديد. قصة حقيقية يا ~~ميكاسان.» # وسهرنا طول الليل نرعى المواليد الكثيرة، ونرقب صغار السلاحف وهي ~~تجري في البحر حتى تنجو. وقمنا معا بالمرور على الشاطئ، وكنا نمد ~~أيدينا في كل جحر نجده لنرى إن كان فيه سلاحف أخرى لا تستطيع ~~الخروج أو جنحت فتعثرت. ووجدنا عددا منها لا تقوى على ~~المسير وإتمام الرحلة، فحملناها إلى البحر بأنفسنا، وبدا أن البحر ~~يبعث فيها الحياة، إذ كانت تنطلق سابحة دون حاجة إلى درس في السباحة. ~~وساعدنا عشرات منها كانت مقلوبة على الوقوف على أقدامها، ورافقناها ~~حتى وصلت إلى البحر سالمة. # وعندما بزغ الفجر وانقضت الطيور تريد أن تلتهمها، كنا جاهزين ~~لطردها وإبعادها. كما شاركت ستلا في الطراد نابحة إياها، وكنا نجري ~~نحوها صارخين ملوحين بأيدينا أو كنا نقذفها بالحصى. لم يكن ms81 نجاحنا ~~كاملا؛ ولكن معظم السلاحف نجحت في الوصول إلى البحر، ولكنها لم تكن ~~آمنة تماما في الماء، فعلى الرغم من جهودنا المستميتة، تمكنت الطيور ~~من التقاط عدد كبير منها بمناقيرها وطارت بها. # وما إن انتصف النهار حتى انتهى كل شيء. كان كنسوكي يقف على الشط ~~وقد غمر الماء عقبيه، وهو يرقب آخر السلاحف وهي تسبح بعيدا عنا. وضع ~~يده على كتفي قائلا: «إنها بالغة الضآلة يا ميكاسان، ولكنها شجاعة ~~جدا. إنها أشجع مني. إنها لا تعرف ما سوف تجده في البحر، ولا ما سوف ~~يحدث لها، ولكنها تخوضه مهما يكن الأمر. شجاعة بالغة. ربما تعلمت ~~منها درسا نافعا. لقد استقر رأيي الآن؛ عندما تأتي سفينة يوما ما، ~~ونشعل النار، ويعثرون علينا، فسوف أرحل. سأرحل مثل السلاحف البحرية. ~~سأذهب معك. سأعود إلى وطني في اليابان. ربما وجدت كيمي، وربما وجدت ~~ميشيا. سوف أعرف الحقيقة. سأذهب معك يا ميكاسان.» # الفصل العاشر # | وصول القتلة # بعد ذلك بوقت قصير هطلت الأمطار وأرغمتنا أن نحتمي أياما متوالية في ~~منزلنا بالكهف. وتحولت مسارب الغابة إلى سيول، وأصبحت الغابة مستنقعا. ~~كنت أتوق إلى عواء قرود الجيبون، بدلا من هدير المطر المنهمر على ~~الأشجار خارج الكهف. لم يكن المطر يهطل في نوبات متقطعة كما كان عليه ~~الحال في الوطن، بل باستمرار ودون توقف. وانتابني القلق على المنار ~~الذي غدا مشبعا بالماء ويزداد بلله مع كل يوم يمر. كيف يتسنى له ~~أن يجف في يوم من الأيام؟ ولكن كنسوكي كان يبدي الصبر والجلد إزاء ~~ذلك كله. كان يقول لي: «سوف ينقطع المطر حين ينقطع. لا تستطيع أن توقف ~~هطوله بأن تريد له ذلك. أضف إلى ذلك أن المطر مفيد نافع. فهو يساعد ~~الثمار على النمو، ويحافظ على تدفق الجدول، وعلى حياة القرود، وحياتك ~~أيضا وحياتي أنا.» # كنت أندفع بأقصى سرعة كل صباح إلى قمة التل ومعي المنظار المقرب، ~~وإن كنت لا أدري سببا لذلك ولا أرى له جدوى، فأحيانا كان المطر ينهمر ~~بغزارة إلى الحد الذي لم أكن أستطيع ms82 معه أن أرى البحر على ~~الإطلاق. # كنا أحيانا ننطلق مسرعين إلى الغابة لنجمع كمية من الفاكهة ~~اللازمة لطعامنا. كانت الغابة تزخر بأنواع النبق، وكان كنسوكي يصر ~~على قطفها، فلم يكن يكترث بالبلل الشديد مثلما كنت أكترث. كنا نأكل ~~بعضها، ولكن كنسوكي كان يستخدم معظمها في إعداد الخل، ويحفظ الباقي في ~~زجاجات خاصة مع عسل النحل والماء. وكان يقول، إنها محفوظة «لوقت الحاجة ~~الماسة، صحيح؟» ويضحك (كان يحب «تجربة» التعابير الجديدة التي ~~تعلمها). كنا نأكل الكثير من السمك المدخن، وكان فيما يبدو لديه ~~مخزون كاف دائما بصفة احتياطية. كان يجعلني أشعر بالعطش الشديد، ~~لكنني لم أكن أضيق به قط. # وأنا أتذكر الموسم المطير بسبب انكبابنا على الرسم فيه أكثر من أي ~~سبب آخر. كنا نقوم بالرسم معا ساعات متوالية، حتى ينفد حبر ~~الأخطبوط. وكان كنسوكي يميل هذه الأيام إلى الرسم من الذاكرة أكثر من ~~الرسم من الطبيعة، فكان يرسم منزله في نجاساكي، وعدة لوحات لزوجته كيمي ~~وابنه ميشيا واقفين معا، دائما تحت شجرة الكرز. ولاحظت أنه يترك ~~الوجه دائما دون تحديد أي ملامح. وقد شرح لي ذلك ذات يوم (وكانت ~~طلاقة حديثه بالإنجليزية تزيد باطراد). # قال لي: «أنا أتذكر من هما، وأذكر أين هما. وأستطيع أن أسمعهما في ~~رأسي، لكنني لا أستطيع أن أراهما.» # وقضيت أياما متوالية في إحكام محاولتي رسم صورة سعلاة. كانت ~~توموداكي. كانت كثيرا ما تقبع عند باب الكهف ووجهها يفيض بالحب وجسمها ~~يتساقط منه ماء المطر، كأنما كانت تدعوني لرسمها. وهكذا اغتنمت الفرصة ~~كاملة. # كان كنسوكي سعيدا باللوحة التي رسمتها إلى حد النشوة، وأغدق ~~علي عبارات الإطراء. وقال: «يوما ما يا ميكاسان سوف تصبح فنانا ~~عظيما، مثل هوكوساي، ربما.» وكانت تلك أول لوحة على صدفة أرسمها ~~فيحتفظ بها كنسوكي في صندوقه. وأحسست بالزهو الشديد. وبعد ذلك كان ~~يصر على الاحتفاظ بالكثير من أصدافي المرسومة، وكثيرا ما كان ~~يخرجها من الصندوق ويدرسها بعناية، مبينا لي أوجه النقص، ولكن دائما ~~بسماحة. وفي ظل رعايته، وبوحي تشجيعه، كانت كل صورة ms83 أرسمها تبدو أكثر ~~إحكاما، وأقرب إلى ما كنت أريد لها أن تكون. # وذات صباح عادت قردة الجيبون تعوي، وتوقف المطر، وخرجنا لصيد ~~السمك في المياه الضحلة، ثم خرجنا إلى البحر العميق أيضا، وسرعان ما ~~أعدنا ملء مخزوناتنا من السمك المدخن وحبر الأخطبوط، وعدنا إلى لعب ~~كرة القدم من جديد، وكان المنار فوق قمة التل يجف ماؤه يوما بعد ~~يوم. # وكنا أينما ذهبنا الآن نأخذ معنا المنظار المقرب، من باب الاحتياط، ~~وكاد ذلك المنظار يضيع منا ذات يوم عندما سرقه كيكانبو، ولد توموداكي ~~«الشقي»، وانطلق يجري به في الغابة. كان أشد صغار السعالي صفاقة ~~وأكثرها ميلا إلى اللهو واللعب، وعندما أدركناه لم يكن يريد إعادة ~~المنظار. واضطر كنسوكي آخر الأمر إلى رشوته: موزة حمراء في مقابل ~~منظار مقرب. # لكنه مع مرور الوقت كنا بدأنا نعيش كأنما اعتزمنا البقاء في الجزيرة ~~إلى الأبد، وهو ما بدأ يقلقني قلقا عميقا، كان كنسوكي يقوم بإصلاح ~~زورقه ذي المساند، وإعداد المزيد من الخل، وكان يجمع الأعشاب ويجففها ~~في الشمس. وكان يبدو أن اهتمامه بترقب وصول أية سفينة يقل باطراد، ~~بل كان يبدو أنه نسى الموضوع برمته. # وشعر كنسوكي بقلقي واضطرابي. كان منهمكا في إصلاحات زورقه ذات يوم ~~وأنا أستكشف الأفق من خلال المنظار المقرب، إذ لم يبارحني الأمل قط، ~~حين قال: «تزداد سهولة الأمر عندما تكون عجوزا مثلي يا ~~ميكاسان.» # وسألته: «سهولة ماذا؟» # فقال: «سهولة الانتظار. سوف تأتي سفينة يوما ما يا ميكاسان. ربما ~~يكون ذلك في القريب العاجل، وربما لا يكون في القريب العاجل. لكن ~~السفينة سوف تأتي. يجب ألا نقضي الحياة في الرجاء دائما والانتظار ~~دائما. فغاية الحياة أن نحياها.» كنت أعرف أنه على صواب، بطبيعة ~~الحال، لكنني لم أكن أستطيع - إلا حينما أستغرق في الرسم - أن أطمس ~~حقا كل تفكير في الإنقاذ، وكل تفكير في أمي وأبي. # وصحوت ذات صباح وستلا تنبح خارج منزل الكهف. نهضت وخرجت للبحث ~~عنها. لم أستطع في البداية أن أراها في أي مكان. وحين وجدتها كانت تقف ms84 ~~عاليا فوق التل، وكانت تصدر أصواتا تتراوح بين الزمجرة والنباح، وقد ~~انتصب شعر رقبتها. وسرعان ما أدركت السبب. كانت سفينة من نوع ~~الينك! سفينة صغيرة في البحر. وهرعت نازلا التل فقابلني كنسوكي ~~خارجا من منزل الكهف، وكان يربط حزام سرواله. وهتفت به: «جاءت سفينة! ~~النار! فلنشعل النار!» # وقال كنسوكي: «دعني أنظر أولا.» ورغم كل احتجاجاتي عاد إلى منزل ~~الكهف لإحضار المنظار المقرب. وانطلقت أجري إلى قمة التل من جديد. ~~كانت السفينة قريبة جدا من الشاطئ. ولا بد أن يرى من فيها ~~الدخان. كنت واثقا من ذلك. وكان كنسوكي يصعد التل لمقابلتي ببطء ~~يغيظ. لم يكن يبدو أنه في عجلة على الإطلاق. وأخذ يحدق في السفينة من ~~خلال المنظار ويدرسها بعناية، فاستغرق في ذلك وقتا طويلا. # وقلت له: «لا بد أن نشعل النار، لا بد لا بد.» # وقبض كنسوكي فجأة على ذراعي، وقال: «إنها نفس السفينة يا ميكاسان. ~~لقد أتى الرجال القتلة. إنهم يقتلون قرود الجيبون ويسرقون أطفالها. لقد ~~عادوا، أنا واثق تماما؛ فأنا لم أنس السفينة. أنا لا أنسى أبدا. إنهم ~~أناس أشرار جدا، لا بد أن نذهب بسرعة. لا بد أن نجد جميع السعالي. لا بد ~~أن نأتي بها جميعا إلى الكهف. ستكون آمنة فيه.» # لم يستغرق وقتا طويلا في استدعائها. لم يفعل كنسوكي سوى أنه بدأ ~~يغني ونحن نسير في الغابة. # وإذا بها تظهر من حيث لا ندري، كل اثنتين معا، وكل ثلاث، حتى اجتمع ~~خمس عشرة، لم تحضر أربع منها، فتوغلنا إلى مسافات أبعد في الغابة ~~للعثور عليها، وكنسوكي يغني طول الوقت. وفجأة أتت ثلاث وهي تصطدم في ~~سيرها بالأشجار، وكانت من بينها توموداكي. لم يكن غائبا سوى الصغير ~~كيكانبو. # ووقف كنسوكي في باحة مكشوفة في الغابة، تحيط به السعالي، وشرع يغني ~~لكيكانبو المرة بعد المرة، ولكن الصغير لم يأت. ثم سمعنا صوت ~~تشغيل محرك، في مكان ما بالبحر، محرك مثبت خارج السفينة. وعاد كنسوكي ~~للغناء بصوت أعلى، وبنبرات أشد إلحاحا. وأصخنا السمع عسى أن يصدر ~~كيكانبو ms85 صوتا، وبحثنا عنه وناديناه. # وقال كنسوكي أخيرا: «لا نستطيع الانتظار أكثر من ذلك، سأسير في ~~الأمام وتسير يا ميكاسان في الخلف. أحضر السعالي الأخيرة معك، هيا، ~~بسرعة.» وانطلق عند ذلك، سالكا المسرب وسط الغابة، وهو يقود أحد ~~السعالي بيده، ولا يزال يغني. وأذكر أنني خطرت لي، ونحن نسير خلفه، ~~صورة عازف المزمار الأسطوري الذي سحر الأطفال بموسيقاه فاتبعوه حتى ~~اختفوا في كهف في جانب الجبل. # أما أنا فكانت مهمتي محددة في آخر الحشد، كانت بعض الصغار تحب أن ~~تلعب لعبة «الاستغماية» أكثر من اهتمامها بالسير وراء الكبار. واضطررت ~~في النهاية إلى أن التقط اثنتين منها وأحملهما، كل واحدة في ذراع. كان ~~وزنها أكبر كثيرا مما يدل عليه منظرها، وظللت ألقى النظرات خلفي، من ~~فوق كتفي، عسى أن أرى كيكانبو، وأناديه ولكنه لم يحضر رغم كل ~~ذلك. # وتوقف صوت محرك السفينة، وسمعت بعض الأصوات. كانت عالية، أصوات رجال، ~~وضحكات. كنت الآن أجري، والصغيرتان متعلقتان برقبتي، وكانت الغابة ~~ترتج بأصوات النعيب والعواء في انزعاج في كل مكان حولي. # وعندما وصلت إلى الكهف سمعت صوت أولى الطلقات التي تردد صداها في ~~الفضاء. وهب كل طائر وكل خفاش في الغابة طائرا، حتى اسود ~~لون السماء التي امتلأت بصرخاتها الحادة. وحشدنا السعالي معا في آخر ~~الكهف، وانكمشنا في الظلام معها، وأصوات طلقات الرصاص لا تنقطع. # كانت توموداكي أشد السعالي قلقا واضطرابا، لكنها جميعا في حاجة ~~إلى التسرية وبث الاطمئنان في قلوبها دائما، وهو ما كان كنسوكي ~~يقوم به، إذ لم يتوقف عن الغناء لها طيلة هذا الكابوس ~~الرهيب. # كان الصيادون قد اقتربوا، بل اقتربوا اقترابا شديدا، وهم يطلقون ~~النار ويصيحون. وأغلقت عيني ودعوت الله. وكانت السعالي تئن بصوت ~~مرتفع كأنما تغني مع كنسوكي، وكانت ستلا طول الوقت ترقد عند قدمي، ~~وفي حلقها زمجرة مستمرة. وكنت أقبض على غضون عنقها طول الوقت، تحسبا ~~للمفاجآت. وكانت صغار السعالي تدفن رءوسها في جسمي حيثما استطاعت، تحت ~~ذراعي، وتحت ركبتي، وتتشبث بي. # كانت الطلقات تدوي الآن على مقربة شديدة ms86 منا، تشق الهواء ~~ويرجع الكهف أصداءها. وسمعت صيحات انتصارات بعيدة، وكنت أعرف خير ~~معرفة ما لا بد أن يعنيه ذلك. # وابتعد موقع الصيد بعد ذلك. لم نعد نسمع أية أصوات، باستثناء الطلقة ~~العارضة، ثم ساد الصمت. سكتت الغابة كلها. ومكثنا حيث كنا ساعات طويلة. ~~كنت أريد أن أغامر بالخروج لأرى إن كانوا قد رحلوا، ولكن كنسوكي رفض. ~~كان يغني طول الوقت، وظلت السعالي رابضة معا حولنا، حتى سمعنا صوت ~~تشغيل محرك القارب. ومع ذلك، فقد جعلني كنسوكي أنتظر فترة أخرى. وعندما ~~خرجنا أخيرا كانت السفينة قد أبحرت وابتعدت كثيرا عن الشاطئ. # وبحثنا في الجزيرة عن كيكانبو، وغنينا له، وناديناه، لكننا لم نلمح ~~له أثرا، واستولى على كنسوكي يأس عميق. لم يكن يعزيه شيء. فانطلق ~~وحده فتركته يذهب. وبعد قليل مررت به وقد انحنى على جثتين من ~~جثث قرود الجيبون، وكانتا من الأمهات. لم يكن يبكي آنذاك، لكنه ~~كان قد بكى قبل أن أصل. كانت عيناه يغمرهما الإحساس بالأذى والحيرة. ~~وحفرنا حفرة في الأرض الرخوة على حافة الغابة ودفناهما. لم تبق ~~لدي كلمات أقولها، ولم تبق لدى كنسوكي أغان يغنيها. # كنا نسير في طريق العودة الحزين على الشاطئ حين فوجئنا بالصغير ~~كيكانبو خارجا من مكمنه: أقبل في شبه هجوم علينا، وهو ينثر الرمل ~~علينا ثم قفز فوق ركبة كنسوكي والتف برقبته. كانت لحظة سعيدة، لحظة ~~رائعة. # وفي تلك الليلة غنى كنسوكي معي أغنية «عشر زجاجات خضراء» المرة تلو ~~المرة، بصوت بالغ الارتفاع، ونحن نتناول حساء السمك. ولا بد أن ذلك ~~كان يمثل رثاء من نوع ما لقردتي الجيبون القتيلتين، وأنشودة فرح في ~~نفس الوقت بالعثور على كيكانبو. وبدا أن الغابة خارج الكهف ترجع ~~أصداء غنائنا. # لكنه اتضح لي في الأسابيع التالية أن كنسوكي كان مستغرقا في تأمل ~~الأحداث الرهيبة التي وقعت في ذلك اليوم. وانطلق يصنع قفصا من ~~الخيزران المتين في آخر الكهف كيما يدخل فيه السعالي فتكون ~~أكثر أمنا إذا حدث وعاد القتلة يوما ما. وظل يتحدث في الموضوع ~~مرارا ms87 وتكرارا، فكان يقول إنه كان ينبغي أن يصنع القفص من قبل، ويقول ~~إنه لم يكن ليصفح عن نفسه لو كان الرجال قد أسروا كيكانبو، وكم يتمنى ~~لو كانت قرود الجيبون تستجيب لغنائه وتأتي حتى يستطيع إنقاذها كذلك. ~~وقطعنا بعض فروع الأشجار وبعض النباتات من الغابة ووضعناها خارج مدخل ~~الكهف، حتى نستطيع إقامتها ستارا يخفيه عن العيون. # وأصبح بالغ القلق، بالغ الاضطراب، وكان كثيرا ما يرسلني إلى قمة ~~التل ومعي المنظار المقرب حتى أرى إن كانت السفينة الينك قد عادت. ~~لكنه مع مرور الوقت، ومع انحسار التهديد بخطر وشيك، عاد له طبعه الأول. ~~ومع ذلك، كنت أحس أنه دائما على حذر، دائما متوتر قليلا. # ولما كان يحتفظ الآن بعدد كبير من لوحاتي، فقد اكتشفنا أن ما لدينا ~~من صدفات تصلح للرسم عليها يوشك أن ينفد. وهكذا انطلقنا مبكرا ذات ~~صباح في رحلة للبحث عن المزيد منها. وفحصنا الشاطئ كله بدقة، وقد انحنى ~~رأسانا، ونحن نسير بجوار بعضنا البعض، لا تفصلنا إلا مسافة قصيرة. وكان ~~العمل بجمع الصدفات دائما ما يتضمن عنصر المنافسة: من أول من يعثر ~~على صدفة صالحة، ومن يعثر على أكبر صدفة، وأكثر الصدفات كمالا. لم نكن ~~قد قضينا وقتا طويلا في البحث، ولم يكن أي منا قد عثر على صدفة ~~واحدة، عندما أدركت فجأة أنه توقف عن المسير. # وهمس قائلا: «ميكاسان»؛ مشيرا إلى البحر بعصاه. كان في البحر شيء ~~ما، شيء أبيض، لكنه كان محدد الملامح، محدد الشكل إلى الدرجة التي ~~يستحيل معها أن يكون سحابة. # كنت قد تركت المنظار المقرب في الكهف. فانطلقت أعدو، وستلا تنبحني ~~طول الطريق، عائدا إلى منزل الكهف، فالتقطت المنظار المقرب واندفعت ~~حتى وصلت إلى قمة التل. شراع! بل شراعان! شراعان أبيضان. ونزلت التل ~~قفزا، فدخلت الكهف والتقطت عصا مشتعلة من النار، وعندما وصلت إلى ~~قمة التل كان كنسوكي قد سبقني إليه. وأخذ المنظار المقرب من يدي ونظر ~~بنفسه. # وسألته: «هل أشعل النار؟ هل أشعلها؟» # وقال: «لا بأس يا ميكاسان. وهو كذلك.» # ودسست ms88 العصا المشتعلة في أعماق المنار، بين أوراق الشجر والأغصان ~~الجافة في قلب المنار، واشتعلت فيه النار على الفور تقريبا، وسرعان ما ~~سمعت أزيز ألسنة اللهب وهي تضطرم في الخشب، بل وتكاد ~~تلمسنا أطرافها حيثما وجهتها الرياح. وتراجعنا من شدة ~~اللظى والحرارة المفاجئة. وأحسست بخيبة الأمل لكثرة ألسنة اللهب، إذ ~~كنت أنشد الدخان، لا النار. كنت أريد سحابات دخان تصعد في ~~الجو. # وقال كنسوكي: «لا تقلق يا ميكاسان. سوف يشاهدون هذا قطعا. ~~سترى.» # وتناوبنا استعمال المنظار المقرب. ولكن اليخت لم يستدر. لم يشاهدوا ~~النار. وكان الدخان قد بدأ يمور صاعدا في السماء. وباستماتة ألقيت ~~المزيد والمزيد من الخشب في النار، حتى أصبحت جحيما هادرا من ألسنة ~~اللهب والدخان الكثيف. # وكنت قد ألقيت آخر الخشب الذي لدينا تقريبا في النار حين قال كنسوكي ~~فجأة: «ميكاسان! إنها قادمة. أظن أن السفينة قادمة.» # وأعطاني المنظار المقرب. كان اليخت يستدير. كان يستدير قطعا، وإن ~~كنت لم أستطع أن أتبين إن كان يستدير باتجاهنا أو بعيدا عنا. وقلت ~~له: «لا أدري. لست واثقا.» # وأخذ مني المنظار المقرب وقال: «أؤكد لك يا ميكاسان أن السفينة قادمة ~~نحونا، لقد رأونا. واثق كل الثقة. إنها قادمة إلى هذه الجزيرة.» # وبعد لحظات عندما ملأت الريح الشراعين، تأكدت أنه على حق وتبادلنا ~~الأحضان على قمة التل بجانب المنار المتقد. وبدأت أتواثب في مكاني ~~كالمجنون، وغضبت ستلا مني. وكنت كلما نظرت في المنظار المقرب الآن ~~أرى اليخت يزداد اقترابا. # وقلت: «إنه يخت كبير، لا أستطيع أن أرى رايته. لكن جسم السفينة أزرق ~~أدكن، مثل بيجي سو»، وفي تلك اللحظة فقط، لحظة النطق باسم السفينة ~~عاليا، بدأت آمل أن تكون هي، وتدريجيا تحول الأمل إلى اعتقاد، ~~وتحول الاعتقاد إلى يقين. ورأيت قبعة زرقاء، قبعة والدتي الزرقاء. ~~إنهما هما! إنهما هما! وهتفت وأنا ما زلت أنظر من خلال المنظار المقرب: ~~«كنسوكي! كنسوكي! إنها السفينة بيجي سو. إنها هي. لقد عادا من أجلي، ~~لقد عادا.» ولكن كنسوكي لم يرد. وعندما نظرت حولي اكتشفت أنه غير ms89 ~~موجود. # وجدته جالسا في مدخل منزل الكهف، وكرة القدم في حجره. ورفع بصره ~~إلي، وكنت أعرف من نظرات عينيه ما كان يوشك أن يقوله لي. # وقف ووضع يديه على كتفي، وصوب إلى عيني نظرة عميقة، وقال: «أصغ ~~إلي الآن جيدا يا ميكاسان. إنني عجوز جدا لا أستطيع التوافق مع ~~ذلك العالم الجديد الذي تحكي عنه. إنه عالم مثير جدا، لكنه ليس ~~عالمي، عالمي كان اليابان، من زمن بعيد جدا. والآن أصبح عالمي هنا. ~~لقد فكرت في الأمر طويلا. إذا كانت كيمي على قيد الحياة، وكذلك ~~ميشيا، فسوف يظنان أنني مت منذ زمن بعيد. سأصبح مثل شبح يعود إلى ~~المنزل. لم أعد نفس الشخص، ولم يعودا ما كانا عليه. أضف إلى ذلك أن ~~لي أسرة هنا. أسرة السعالي. لربما عاد القتلة من جديد. من الذي يرعاها ~~إذن؟ لا! سوف أبقى في جزيرتي. هذا مكاني. هذه مملكة كنسوكي. لا بد أن ~~يبقى الإمبراطور في مملكته، ويرعى شعبه. الإمبراطور لا يهرب. ليس أمرا ~~مشرفا.» # كنت أدرك أنه لا جدوى من التوسل أو المناقشة أو الاحتجاج، ووضع ~~جبهته فوق جبهتي وتركني أبكي. واستمر قائلا: «اذهب أنت الآن، ولكن ~~قبل أن تذهب، لا بد أن تعدني بثلاثة أشياء. أولا: ألا تهجر ~~الرسم في أي يوم من أيام حياتك، حتى تصبح فنانا عظيما مثل هو ~~كوساي، وثانيا: أن تفكر في أحيانا، بل أحيانا كثيرة، بعد أن ~~تعود إلى وطنك في إنجلترا. إذا رأيت البدر المنير في السماء ~~فتذكرني، وسوف أفعل مثل هذا هنا. وهكذا لن ينسى أحدنا الآخر ~~أبدا. والوعد الأخير بالغ الأهمية لي. من بالغ الأهمية ألا تقول ~~شيئا عن هذا، ولا عني. لقد جئت إلى هنا وحدك. ومكثت وحدك ~~في هذا المكان. مفهوم؟ لست موجودا هنا. أما بعد عشر سنوات فلك أن ~~تقول ما تشاء. فلن يبقى عندئذ مني سوى العظام. ولن يهم ما يكون ~~عندها. لا أريد لأحد أن يأتي للبحث عني. فأنا أقيم هنا وأعيش حياة ~~السلم. لا أريد بشرا؛ فالبشر عندما ms90 يأتون ينتهي السلم. مفهوم؟ هل ~~ستكتم سري يا ميكا؟ هل تعدني بذلك؟» # وقلت له: «أعدك.» # وابتسم وأعطاني كرة القدم، قائلا: «خذ كرة القدم. أنت ماهر في لعب ~~الكرة، ولكنك أمهر كثيرا في الرسم. اذهب أنت الآن.» ثم وضع ذراعه على ~~كتفي واصطحبني خارج الكهف، وقال: «اذهب.» ومشيت خطوات معدودة ثم ~~التفت إليه. كان لا يزال واقفا في مدخل الكهف فقال: «اذهب الآن من ~~فضلك» ثم انحنى لي. وانحنيت له وقال: «سايونارا يا ميكاسان! لقد تشرفت ~~بمعرفتك، أكبر شرف في حياتي.» ولم أجد عندي الصوت الذي أجيبه ~~به. # كانت الدموع تغشي بصري وأنا أجري في المسرب. ولم تأت ستلا على ~~الفور، لكنها أدركتني عندما وصلت إلى حافة الغابة. وانطلقت تعدو ~~مسرعة على الشاطئ وهي تنبح السفينة بيجي سو، لكنني ظللت مختبئا في ظل ~~الأشجار أبكي حتى نفدت دموعي. وتابعت بعيني بيجي سو وهي تدخل مياه ~~شط الجزيرة، وكان فوقها حقا والدتي ووالدي. وكانا قد شاهدا الآن ~~ستلا وجعلا يناديانها، وكانت تنبح نباحا شديدا أطار عقلها. وشاهدت ~~مرساة السفينة وهي تهبط. # وهمست «وداعا يا كنسوكي» وأخذت نفسا عميقا وانطلقت أجرى على ~~الرمل وأنا ألوح بيدي وأصيح. # ونزلت أجري في المياه الضحلة لملاقاتهما. وجعلت أمي تحتضنني وهي ~~تبكي حتى ظننت أن عظامي سوف تتكسر. وظلت تقول وتكرر: «ألم أقل لك إننا ~~سنجده؟ ألم أقل لك؟» # وكانت أولى كلمات والدي لي حين رآني: «مرحبا أيها القرد.» # ظلت والدتي ووالدي يبحثان عني ما يقرب من عام كامل. ولم يكن أحد على ~~استعداد لمساعدتهما، لأن أحدا لم يكن ليصدق أنني ما زلت على قيد ~~الحياة، وكان الناس يقولون لهما إن احتمال حياته لا يصل حتى إلى واحد ~~في المليون. وقد اعترف والدي فيما بعد بأنه كان يتصور أنني مت ولكن ~~والدتي لم تفقد الأمل قط. كنت بالنسبة لها دائما على قيد الحياة، ~~وكانت تقول إنني لا بد أن أكون حيا، وكانت واثقة من ذلك بقلبها وحسب. ~~وهكذا ظلا يبحران من جزيرة لجزيرة، ويواصلان البحث حتى عثرا ms91 ~~علي. لم يكن ذلك بفعل معجزة، بل بفعل الإيمان. # | حاشية الرواية # بعد أربع سنوات من نشر هذا الكتاب تلقيت الرسالة التالية: # عزيزي مايكل # أكتب هذه الرسالة لأقول لك، بلغتي الإنجليزية الركيكة، إن اسمي ~~ميشيا أوجاوا. وأنا ابن الدكتور كنسوكي أوجاوا. كنت أتصور حتى قرأت ~~كتابك أن والدي مات في الحرب . وقد توفيت والدتي منذ ثلاث سنوات ~~فقط وكانت لا تزال تعتقد ذلك. وكما تقول في كتابك، كنا نعيش في ~~نجاساكي، ولكن حالفنا حسن الحظ كثيرا، إذ كنا ذهبنا إلى ~~الريف لزيارة جدتي والمكوث عندها عدة أيام قبل سقوط القنبلة، ~~وهكذا كتبت لنا النجاة. # ليست لدي ذكريات عن والدي، بل بعض الصور الفوتوغرافية فقط، إلى ~~جانب كتابك. وسوف يسرني أن أحادث أي شخص عرف والدي مثلك. وليتنا ~~نتقابل يوما ما. أرجو ذلك. # مع أطيب أمنياتي، # ميشيا ~~أوجاوا. # وبعد شهر من تسلم هذه الرسالة ذهبت إلى اليابان، وقابلت ميشيا. ~~إنه يضحك تماما مثلما كان والده يضحك. # ジ·エンド # | معجم # あぶない # أبوناي # خطر! # アメリカ人 # أمريكاجين # شخص أمريكي # だめだ # داميدا # ممنوع # 英国人 # إيكوكويين # شخص إنجليزي # ごめんなさい # جوميناساي # آسف # ジャパン ~~... # اليابان # きかんぼう # كيكانبو # きみ # كيمي # 道哉 ~~(みちや) # ميشيا # 長崎 ~~... # نجاساكي # おやすみなさい # أوياسومي ماساي # تصبح على خير # さよなら # سايونارا # إلى اللقاء # ともだち # توموداكي # ジ·エンド ~~... # النهاية # やめろ # ياميرو # قف! ms92