######OpenITI# #META# URI: 1443MuhammadCinani.WahatCumr1.Hindawi74059040 #META# Tags: biographies #META# ID: 74059040 #META# Title: واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول #META# AuthorID: 84758179 #META# Author: محمد عناني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # تصدير‏ # إهداء‏ # تصدير‏ # المنبع عند المصب‏ # في المدينة‏ # المسرح الحي‏ # تقديم‏ # تصدير‏ # إهداء‏ # تصدير‏ # المنبع عند المصب‏ # في المدينة‏ # المسرح الحي‏ # | واحات العمر # | واحات العمر # | سيرة ذاتية: الجزء الأول # تأليف # محمد عناني # | تقديم # على نحو ما أذكر في كتابي «فن الترجمة» - وما فتئت ~~أردد ذلك في كتبي التالية عن الترجمة - يعد المترجم مؤلفا من الناحية اللغوية، ومن ~~ثم من الناحية الفكرية. فالترجمة في جوهرها إعادة صوغ لفكر مؤلف معين بألفاظ لغة ~~أخرى، وهو ما يعني أن المترجم يستوعب هذا الفكر حتى يصبح جزءا من جهاز تفكيره، وذلك في صور ~~تتفاوت من مترجم إلى آخر، فإذا أعاد صياغة هذا الفكر بلغة أخرى، وجدنا أنه يتوسل بما ~~سميته جهاز تفكيره، فيصبح مرتبطا بهذا الجهاز. وليس الجهاز لغويا فقط، بل هو فكري ~~ولغوي، فما اللغة إلا التجسيد للفكر، وهو تجسيد محكوم بمفهوم المترجم للنص المصدر، ومن ~~الطبيعي أن يتفاوت المفهوم وفقا لخبرة المترجم فكريا ولغويا. وهكذا فحين يبدأ المترجم ~~كتابة نصه المترجم، فإنه يصبح ثمرة لما كتبه المؤلف الأصلي إلى جانب مفهوم المترجم ~~الذي يكتسي لغته الخاصة، ومن ثم يتلون إلى حد ما بفكره الخاص، بحيث يصبح النص الجديد ~~مزيجا من النص المصدر والكساء الفكري واللغوي للمترجم، بمعنى أن النص المترجم يفصح عن ~~عمل كاتبين؛ الكاتب الأول (أي صاحب النص المصدر)، والكاتب الثاني (أي المترجم). # وإذا كان المترجم يكتسب أبعاد المؤلف بوضوح في ترجمة النصوص الأدبية، فهو يكتسب بعض ~~تلك الأبعاد حين يترجم النصوص العلمية، مهما اجتهد في ابتعاده عن فكره الخاص ولغته الخاصة. ~~وتتفاوت تلك الأبعاد بتفاوت حظ المترجم من لغة العصر وفكره، فلكل عصر لغته الشائعة، ولكل ~~مجال علمي لغته الخاصة؛ ولذلك تتفاوت أيضا أساليب المترجم ما بين عصر وعصر، مثلما ~~تتفاوت بين ترجمة النصوص الأدبية والعلمية. # وليس أدل على ذلك من مقارنة أسلوب الكاتب حين يؤلف نصا أصليا، بأسلوبه حين يترجم ~~نصا لمؤلف أجنبي، فالأسلوبان يتلاقيان على الورق مثلما يتلاقيان في الفكر. فلكل ~~مؤلف، سواء كان مترجما أو أديبا ms001 ، طرائق أسلوبية يعرفها القارئ حدسا، ويعرفها الدارس ~~بالفحص والتمحيص؛ ولذلك تقترن بعض النصوص الأدبية بأسماء مترجميها مثلما تقترن بأسماء الأدباء ~~الذين كتبوها، ولقد توسعت في عرض هذا القول في كتبي عن الترجمة والمقدمات التي كتبتها ~~لترجماتي الأدبية. وهكذا فقد يجد الكاتب أنه يقول قولا مستمدا من ترجمة معينة، وهو ~~يتصور أنه قول أصيل ابتدعه كاتب النص المصدر. فإذا شاع هذا القول في النصوص المكتوبة أصبح ~~ينتمي إلى اللغة الهدف (أي لغة الترجمة) مثلما ينتمي إلى لغة الكاتب التي يبدعها ويراها ~~قائمة في جهاز تفكيره. وكثيرا ما تتسرب بعض هذه الأقوال إلى اللغة الدارجة فتحل محل ~~تعابير فصحى قديمة، مثل تعبير «على جثتي # over my dead body ~~» ~~الذي دخل إلى العامية المصرية، بحيث حل حلولا كاملا محل التعبير الكلاسيكي «الموت دونه» ~~(الوارد في شعر أبي فراس الحمداني)؛ وذلك لأن السامع يجد فيه معنى مختلفا لا ينقله التعبير ~~الكلاسيكي الأصلي، وقد يعدل هذا التعبير بقوله «ولو مت دونه»، لكنه يجد أن العبارة الأجنبية ~~أفصح وأصلح! وقد ينقل المترجم تعبيرا أجنبيا ويشيعه، وبعد زمن يتغير معناه، مثل ~~«لمن تدق الأجراس» # for ~~whom the bell tolls ~~؛ ~~فالأصل معناه أن الهلاك قريب من سامعه ~~(It tolls for thee) ~~، ~~حسبما ورد في شعر الشاعر «جون دن»، ولكننا نجد التعبير الآن في الصحف بمعنى «آن أوان الجد» ~~(المستعار من خطبة الحجاج حين ولي العراق): # آن أوان الجد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # فانظر كيف أدت ترجمة الصورة الشعرية إلى تعبير عربي يختلف معناه، ويحل محل التعبير ~~القديم (زيم اسم الفرس، وحطم أي شديد البأس، ووضم هي «القرمة» الخشبية التي يقطع ~~الجزار عليها اللحم)، وأعتقد أن من يقارن ترجماتي بما كتبته من شعر أو مسرح أو رواية سوف ~~يكتشف أن العلاقة بين الترجمة والتأليف أوضح من أن تحتاج إلى الإسهاب. # محمد عناني # القاهرة، 2021م # | تصدير # هذه هي واحات العمر - السيرة الذاتية الأدبية - التي كانت قد صدرت ms002 في ثلاثة أجزاء على مدى ~~خمس سنوات (1998-2002م)، وكان الجزء الأول يحمل عنوان واحات العمر (1998م) والثاني واحات الغربة ~~(2000م) والثالث واحات مصرية (2002م)، وهي تمثل خيطا متصلا من الأحداث الأدبية في فترات ثلاث؛ ~~فالجزء الأول يختص بالجذور والنشأة والتكوين (1945-1965م)، والثاني يتناول فترة التخصص العلمي ~~في الخارج والاصطدام بثقافة أجنبية (1965-1975م)، والثالث يتناول العودة إلى مصر والعمل بالكتابة ~~المسرحية والنقد والترجمة حتى نهاية العمر الوظيفي الرسمي (1975-2000م). # وقد رأى صديقي الأديب والناقد والمترجم سمير سرحان أن يجمع بين الأجزاء الثلاثة بين دفتي ~~مجلد واحد، ما دام الخيط الزمني ممتدا ولم ينقطع؛ حتى ييسر على القارئ العربي متابعة ~~الأحداث الأدبية التي أرويها، فهي أحداث متصلة يفضي بعضها إلى بعض، ويصب بعضها في البعض، ~~وهي ذاتية لأنني أرويها من وجهة نظري الخاصة، ولكنها موضوعية أيضا لأنها تتناول الأحداث ~~الأدبية العامة في مصر في النصف الأخير من القرن العشرين، وتعتبر من ثم شهادة على عصر ~~التحولات الكبرى في المجالات الأدبية المذكورة؛ في المسرح، وهو الفن الأدبي الذي أكتبه، وفي ~~النقد، وهو الفرع الأدبي الذي أمارسه بحكم التخصص العلمي، والترجمة وهي النشاط الذي توفرت ~~عليه احترافا وهواية، بل وحبا جارفا كاد أن يجور على حبي للمجالين الأولين، وأقصد ~~بالتحول بزوغ مفاهيم جديدة في كل مجال ورسوخ أقدامها، وهو ما يهم المتخصص وغير المتخصص على حد ~~سواء. # ولقد عدت إلى زيارة هذه الواحات هذا العام (2002م)، فوجدت حكايات كنت أهملتها في غضون ~~حرصي على التسلسل الزمني الصارم لواحات العمر، وألح علي بعض الأصدقاء ممن أكن لهم ~~الاحترام والتقدير والحب أن أفرد لها كتابا يكون ذيلا أو ذيولا للواحات، ففعلت ذلك، وسوف ~~تصدر حكايات الواحات باعتبارها من حواشي واحات العمر في وقت قريب، بإذن الله، في مجلد صغير ~~منفصل. # وبعد، فلقد احتفظت في هذه السيرة الأدبية الكاملة بكل ما تميزت به الأجزاء المستقلة، ~~ولم أشأ تغيير شيء، بما في ذلك التصديرات والمقدمات، عسى أن يجد فيها القارئ صورة لعصر كامل ~~من التحولات، بألوانها المختلفة وكل ms003 ما تحفل به من تضارب أو اتساق؛ فالسيرة الذاتية الأدبية ~~تجمع بين خصائص الأدب وخصائص التاريخ، وفيهما ما فيهما من فن وتسرية ، والله من وراء ~~القصد. # محمد عناني، 2002م # | إهداء # إلى رفيقة الحياة، # بكل ورودها وأشواكها، # نهاد صليحة، # حبيبة وزوجة وصاحبة. # | تصدير # هذه فصول من ترجمة ذاتية حاولت التزام الصدق فيها إلى أبعد مدى ممكن، ولكن الصدق لا ~~يأتي دائما بالحقيقة، فالحقيقة «فرض» يضعه الكاتب لما يظن أنه رآه أو سمعه، وقد يصدق الظن أو ~~يكذب، ولكن المشاهد والمسامع تظل حية في ذهنه، وقد تتلون بتلون الدنيا من حوله، أو ~~بتلونه هو مع الدنيا، وقد آثرت عندما قررت زيارة واحات العمر أن أتجرد مما أصبحت عليه اليوم، ~~وأن أعيش فيها من جديد بالقلب القديم والعقل القديم معا، ولكن هيهات! فقد تصدق الذاكرة ~~ويخون الإحساس! وقد يخرج المشهد صادقا (وفقا للمذكرات التي كنت أسجل فيها ما يحدث ~~بانتظام، وللخطابات التي تشهد على ما وقع)، ولكن الإحساس المصاحب له قد يختلف فيغير من ~~معناه. # ولذلك فإذا رأى بعض من عاش في هذه الواحات معي في تلك السنوات الحافلة أنني أغفلت ما لا ~~ينبغي أن أغفل، أو دسست من مشاعري الحالية ما لا ينبغي أن أدسه، فعذري أنني تغيرت، وما ~~فتئت أتغير، وقد أعود لما أغفلت في الجزء المقبل من الترجمة. # محمد عناني # القاهرة 1997م # | المنبع عند المصب # 1 # كانت الساعة تقترب من السادسة صباحا عندما دق جرس الباب، واتجه والدي إليه ليرى من ~~الطارق فوجد «أم سميح» باكية، وكنت أقف خلفه في دهشة أتطلع إلى الوجه الباكي من فرجة بين ~~ثوبه الأبيض وبين الباب، ولم أفهم كل ما قيل، ولكنني تابعت الحوار حتى انتهى وانصرفت ~~المرأة، وأغلق والدي الباب عائدا إلى والدتي وهو يقول: «أم سميح تقول إن الذئب أكل ~~البطيخ». لا أدري كم كان عمري إذ ذاك، ولكننا كنا قد تخطينا سنوات الحرب العالمية ~~الثانية؛ ولذلك فلا بد أنني كنت قد تجاوزت السادسة. وارتدى والدي جلباب الخروج الذي يضرب ~~لونه إلى ms004 الصفرة، وخرج في عجلة إلى الحقل، أو ما كان يسميه «الأرض». # ولم يكن بوسعي أن أذهب معه لأستجلي الأمر؛ فقد كان علي أن أذهب إلى المدرسة، وأرتدي ~~زي المدرسة وهو «حلة» ذات سروال قصير، والطربوش، دون أن أحمل كتبا؛ لأن المدرسة كان بها ~~«درج» يغلق بقفل، توجد فيه جميع الكتب والكراريس. وشغلت طول اليوم الدراسي بموضوع الذئب. ~~لم أكن قد رأيت ذئبا في حياتي، وإن كانت صورته في ذهني أقرب إلى الوحش الأسطوري، وكان وجوده ~~في ذهني مرتبطا بسورة يوسف، وكنت قد حفظتها في الكتاب، وترددت في سمعي آيتان # وأخاف أن يأكله الذئب ~~، # قالوا يا ~~أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله ~~الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ~~. الذئب إذن وحش ~~كاسر قادر على التهام غلام، وليس من المستبعد أن يلتهم ثمار البطيخ، وعندما عدت من المدرسة ~~سألت عمي عبد المحسن الذي كان يسكن في الشقة المقابلة أن يحدثني عن الذئب، فقص علي بعض ~~القصص، ومن بينها «ذات الرداء الأحمر»، وقصة الرجل الذي ~~أراد أن يداعب أبناء القرية فصاح مستغيثا «الذئب الذئب!» فلما اكتشف الناس أنه يهزل لم ~~يعودوا يصدقونه؛ ولذلك تركوه لمصيره عندما أتاه الذئب حقيقة وصاح مستنجدا في هلع حقيقي دون ~~أن يكترث له أحد! # وعندما انصرف عمي قصت علي والدتي قصة «الذئب والحمل»، وهي من «خرافات» لافونتين، ~~ولكنها قصتها بعربية ما زلت أذكر منها «يا هذا عكرت علي الماء!»، ولا بد أنها كانت ~~في قصص المدرسة لديها. وحاولت في ذهني أن أتصور كيف يأكل الذئب البطيخ دون أن يقطعه، ~~وظل اللغز قائما يمثل «بقعة زمنية» أعود إليها لأتصور الحوض الذي زرع فيه البطيخ، وكيف ~~كنت أراه في أرض والدي صغيرا مصفرا ثم أخضر، وكيف يمكن أن يكون الداخل أبيض ثم يتحول إلى ~~الأحمر، وعندما علمت من والدي أن اليوم الذي أكل الذئب البطيخ فيه كان اليوم المحدد للجني ~~وحمله إلى السوق أو إلى منازل الأقارب، تصورت أن الذئب اهتاج للون الأحمر فظنه دما ms005 أراد ~~أن يلعقه، أو نسيجا حيا يريد أن ينهشه. # كان المنزل يسمى «بيت عناني» وهو منزل حديث الطراز، يقع في شارع النيل؛ أي إنه كان ~~يقع في الشارع الموازي للنيل، وإن كان يفصله عن المنزل منزل أو منزلان متجاوران؛ هما منزل ~~الكسار (وأسرة الكسار من تجار الخشب)، ومنزل محارم (وهي أسرة أخرى يعمل رجالها بالتجارة)، ~~وبين المنزلين فضاء يرى منه الرائي النيل، وهو فضاء يشغله بعض الصيادين الذين كانوا ~~يرسون قواربهم لدى الشط، ويعملون فيه بإصلاح شباكهم ونشرها في الشمس. وكانت البلدة - وهي ~~رشيد - تشغل مساحة كبيرة ممتدة على شاطئ النيل، ويبدو أنها كانت تزداد توسعا في كل يوم في ~~اتجاه الشمال الذي نسميه «بحري» (أي ناحية البحر المتوسط - حيث مصب النيل)، وتزداد هجرا ~~للمناطق الجنوبية التي كنا نسميها «قبلي» (أي في اتجاه القبلة)، وكان الحي البحري خصبا ~~وافر النماء، تلتف فيه أشجار الموالح والنخيل، ويستمر ما بعد محطة القطار بكيلومترات ~~عديدة. وأذكر فيه منزلا يسمونه فيلا بدر الدين، كان يملكه الأستاذ عبد القادر بدر الدين ~~أحد نظار المدرسة سابقا، الذي كان يرتبط بصلة قرابة إلى أسرة والدتي. وكان ذلك المنزل ~~يلوح على البعد بلونه الضارب إلى الحمرة، وتحيطه الأشجار، وربما كانت حديقة غناء، ولكن ~~أحدا منا لم يكن يجرؤ على الاقتراب منه. فالناظر هو الناظر، وكان له من الهيبة ما يلقي الرعب ~~في القلوب. وكانت تقع بالقرب منه بعض مضارب الأرز التي كانت تسمى «دوائر»، منها «دايرة» ~~عناني؛ أي مضرب الأرز الذي كان يملكه جدي ثم ورثه الأبناء، ومضرب «عرفة»، وغيرهما. وأمامهما ~~على امتداد النيل فضاء بالغ الاتساع يسمى «المنشر» أي المكان الذي ينشر فيه الصيادون ~~شباكهم لتجف، وإن كنا نستخدمه ملعبا لكرة القدم. # ولا أذكر الكثير عن «بيت عناني»، وإن كنت أذكر أنه يتكون من ثلاثة طوابق، وكان له سطح فيه ~~قبة مكشوفة، وأظنه لا يزال قائما حتى اليوم. وكانت الشقة التي نسكنها تتكون من غرف كثيرة، ~~أهمها غرفة المكتبة، وكثيرا ما كنت أتطلع من وراء زجاج الدواليب ms006 (خزانات الكتب) إلى عناوين ~~المجلدات التي تصطف في شكل هندسي بديع - «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» و«العقد ~~الفريد» و«نهاية الأرب» و«وفيات الأعيان» و«الأغاني» وهكذا - وأعجب مما عساها تقوله. وأذكر ~~مرة كان والدي يحكي لي قصة يقرؤها في المكتبة عن قراد بن أجدع الذي عرض نفسه رهنا لسداد ~~دين الأعرابي، وفحواها أن الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة أيام الجاهلية خرج في رهط له ~~يصطاد، فضل عن الركب، ثم انتهى به الأمر إلى خباء أعرابي استضافه ثلاثة أيام حتى ~~أدركه صحبه، فعرض عليه الملك أن يزوره في قصره ليجزيه أجر ما صنعه، وعندما وصل كان ذلك ~~يوم نحس الملك. إذ إن الملك كان قد حدد يومين من أيام العام؛ يوم سعد، ويوم نحس، كل من ~~يدخل عليه في يوم السعد يجازى خير جزاء، وكل من دخل عليه في يوم النحس يقتل. وعندما رآه ~~الملك صاح: لو دخل علي ابني قابوس في هذا اليوم لقتلته! وإذ ذاك استسلم الأعرابي لأمر ~~الملك ولكنه طلب منه أن يمهله عاما يصلح فيه من أحوال أهله، ويستعد للموت، ورفض الملك ~~إلا أن يضمنه أحد الناس، فضمنه قراد بن أجدع. وكان الملك يأمل أن يذهب الأعرابي وينجو ~~بحياته وأن يقتل قراد بدلا منه، وفي اليوم الأخير من العام قال قراد الشعر الذي كان والدي ~~يحفظه، وهو مقطوعة تبدأ بالشطرة: # أيا عين لا تبكي قراد بن أجدعا! # واستعد الملك لقتل قراد، وأحضر السيف والنطع، ولكن قرادا أصر على الانتظار قائلا ~~البيت الذي جرى مجرى الأمثال: # فإن يك صدر هذا اليوم ولى # فإن غدا لناظره قريب # وقبل أن تغرب شمس اليوم الأخير، والجلاد يوشك أن يهوي بالسيف، لاحت في الأفق سحابة ~~يثيرها فرس الأعرابي، فانتظر الجميع وصوله، ولامه الملك على عودته ~~سائلا إياه: «ما دفعك على أن تعود وقد نجوت؟» فأجاب ~~الأعرابي: «ديني!» فسأله الملك: «وما دينك» قال: «النصرانية!» ومن ثم سأله الملك عما ~~يفرضه الدين من الوفاء، فاعتنق الدين على الفور، واعتنقته معه المملكة، ومن ثم ألغي ms007 ~~يوم السعد ويوم النحس جميعا. # كنت قد تركت الكتاب، وهو مدرسة تحفيظ القرآن آنذاك، وكانت تسمى «مدرسة الحكيمة»؛ ~~لأن المنزل كانت تملكه حكيمة أي طبيبة، ما تزال قصتها مثار خلاف ومجالا للظن والتخمين. ~~وكنت أتردد عليها منذ الثالثة، وفيها عرفت بعض الصغار الذين كانوا قد اقتربوا من «الختمة» ~~(أي حفظ القرآن كاملا)، وكانوا يكبرونني بعدة أعوام، وكنت أتسلى في الفسحة (أي في ساعة ~~الراحة) بالاستماع إلى بعضهم وهو «يسمع» أي يقرأ غيبا ما حفظه من الدروس، وكان «التوكيد» من ~~الدروس التي «سمعها» أحدهم وما يزال مطلعه عالقا في ذاكرتي «التوكيد: التوكيد نوعان لفظي ~~ومعنوي»! كان ذلك لغزا رفض الجميع إيضاحه لي حتى تولى ذلك الشيخ عبد الحليم الدسوقي عندما ~~وصلت إلى السنة الثالثة الابتدائية. # كانت «مدرسة الحكيمة» تقع في حي «الإدفيني» (وهي نسبة إلى بلدة إدفينا) بالقرب من مسجد ~~يحمل نفس الاسم، وكانت تحيط بها أشجار كثيرة ونخيل ملتف، وأمامها فضاء يعقد فيه سوق ~~الثلاثاء، حيث يأتي الفلاحون والفلاحات بالمحاصيل الزراعية والطيور والحيوانات الداجنة، ولكن ~~السوق كان فارغا طوال أيام الأسبوع، وكنت أتطلع إليه من شباك المدرسة فأرى في غير أيام السوق ~~أشباحا غريبة، رجالا يأتون ويذهبون، ويتهامسون ويتسارون، ثم يختفون في الطرقات فجأة مثلما ~~ظهروا، وظل هذا المشهد يشغل أحلامي أعواما طويلة، دونما سبب ظاهر، حتى عهد قريب. # وانتقلنا للسكنى في «بيت بدر الدين» وهو بيت جدي لوالدتي. ولا أدري متى انتقلنا إذ ~~كنا ننتقل كثيرا بين المنزلين، ولكنني أذكر أنني كنت فرحا به لرحابته، فهو قديم بالغ ~~القدم، ويتكون من عدة طوابق متداخلة (ثلاثة بالحساب الحديث) يستخدم الطابق الأرضي مخزنا، ~~وبه «منضرة» (أي منظرة أو مكان انتظار الرجال)، وباب يؤدي إلى مكان مهجور يسمى «القاعة» ~~وكانت هذه تنتمي إلى الجزء القديم جدا من البيت الذي تعرض للحريق في العصور الغابرة، وكان ~~دخولها شبه محرم على الصغار؛ إذ قيل لنا إن بها عفاريت مقيمة، بعضها مؤمن وبعضها كافر، ~~وكانت تظهر أحيانا في صورة كائنات حية كالثعابين والأرانب والقطط السوداء. ms008 وكنا نخاف أشد ما ~~نخاف هذه الحيوانات خصوصا بالليل، لاحتمال أن تكون من العفاريت المتجسدة. # وكان باب البيت الأمامي مملوكيا ضخما ، لا مفتاح له، بل يغلق بالمزلاج من الداخل فقط، ~~وفي ردهة البيت عند الباب زير من الفخار، لا أدري إن كان فارغا أو مليئا، وكان الطريق من ~~الردهة يؤدي إلى مدخل «الصهريج» - وهو البئر الموجود تحت البيت، وهو بئر ممتد بطول البيت ~~وعرضه، مثل السراديب القديمة، وهو مقام على ما يشبه القباب والأعمدة وكان يملأ أيام ~~الفيضان، أي أيام فيضان النيل، ويشار إلى الفيضان في «رشيد» فقط باسم النيل، فيقال «في النيل» ~~أي في وقت فيضانه، فيأتي السقاءون أولا لتنظيف الصهريج من الطمي الراسب، وتجفيفه، ثم ~~تطهيره، وبعد ذلك يصب فيه الماء المنقول في براميل على عربات تجرها الحمير، حتى يقارب ~~الامتلاء ثم يحكم إغلاقه. ولكن له فتحة علوية يخرج منها عمود ضيق يشبه المدخنة، ويمر ~~بالطوابق الثلاثة، وبكل طابق فتحة يدلى منها دلو بحبل فيمتلئ بالماء الذي يكون قد صفا ~~وأصبح زلالا، وما كان أبرده وأشهاه في الصيف! # أما الزير القائم في الردهة فقد شغلني، وكم تمنيت أن أملأه من بغلة العرش! وقصة ~~«بغلة العرش» قصة رمزية لم نكن نشك في صدقها صغارا. وموجزها هو أنه في ليلة العاشر من ~~المحرم، تمر بغلة تحمل قربتين مملوءتين بالماء على البيوت، ثم تقف البغلة أمام بيت من ~~البيوت، عندما يميل القمر إلى المغيب، وتسود الحلكة التي تسبق السحر، وتهز البغلة رأسها ~~فيعلو رنين الأجراس المعلقة في رقبتها، فإذا سمعها سامع وكان الحظ حليفه استيقظ وفتح الباب. ~~والبغلة تحمل على ظهرها رأسا مقطوعا، فما على المسعود إلا أن يرفع الرأس ويقبله ويضعه ~~جانبا، ثم يفرغ الماء في الزير الفارغ بجوار الباب. ثم يعيد الرأس مكانه، ويعود للرقاد. ~~فإذا أصبح وجد الماء في الزير وقد تحول إلى ذهب وجواهر نفيسة. الواضح أن اسم بغلة العرش ~~تحريف لبغلة العشر، أي يوم عاشوراء، والرأس ترمز لرأس الحسين عليه السلام الذي قتل في ~~كربلاء، يوم ms009 الكرب والبلاء، وأن الماء يرمز إلى عطشه إذ مات فيما يرويه الرواة دون أن يشرب، ~~ومن ثم تكون القصة ذات جذور فاطمية، وربما تسربت إلى التراث الشعبي أيام حكم الفاطميين، ~~وتناقلتها الأجيال وأضافت إليها مخيلات أبناء الشعب تفاصيل كثيرة. # والغريب أنني كنت وأترابي حتى بعد أن تخطينا تلك السن المبكرة لا نكتفي بتصديق تلك ~~القصة، بل كنا نناقش تفاصيلها في الليلة السابقة لعاشوراء، بعد الإفطار (إذ كنا نصوم التاسع ~~والعاشر من المحرم)، وما بين صلاة المغرب والعشاء، ونعد العدة لها، وكثيرا ما كان أحدنا ~~يستيقظ في هدأة الليل، ويظل ساهدا في فرق ووجل؛ آملا أن يسمع الأجراس، ثم يغلبه النعاس ~~فيرى فيما يرى النائم أن البغلة مرت ومضت، فيهب مفزوعا ويستغفر الله ويدعوه أن يوفقه ~~في العام التالي. بل إن بعضنا كان يجازف بالخروج من المنزل ويطوف بالطرقات طلبا للبغلة، ثم ~~يعود حزينا مهموما. وأخشى ما كنا نخشاه هو نداء «المزيرة». والمزيرة تحريف لكلمة المتزيرة ~~أي التي ترتدي «التزييرة» أو ملابس الزيارة، أي الملابس الجميلة التي ترتديها المرأة للخروج من ~~المنزل أو لاستقبال الزوار. كانت «المزيرة» تقيم في المنازل الأثرية، التي ترجع إلى عصور ~~المماليك، والتي كنا نسميها «الأثرات» بالعامية. وأمرها غريب. # عندما يتأخر الرجل في العودة إلى منزله، خصوصا حين تشتد حلكة الليل، ويمر ببيت من هذه ~~البيوت، فربما سمع غناء شجيا، وأصواتا ساحرة تدعوه، فإذا واتته الجرأة وتطلع إلى مصدر ~~الصوت، وجد امرأة فاتنة الجمال في الدور العلوي، يضيء وجهها في الظلام ويسطع، فإذا لم يستعذ ~~بالله ويعد إلى أهله، أي إذا استسلم للغواية وهاجت كوامنه فرام الاقتراب، وتحديدا إذا ~~توقف في سيره وتمنى الصعود إليها في قلبه، شدته إليها بسحر ساحر فارتفع إليها ودخل ~~غرفتها، وهناك تسقيه خمر الألحان وخمر الجمال وخمر العنب، فإذا أذعن واحتضنته، وخزته إحدى ~~شوكتيها في رقبته، فعلى كل جانب من جانبي رقبة هذه «المزيرة» شوكة ماضية، فيها الهلاك على ~~الفور. وعندها لا تبزغ شمس النهار إلا وقد سلبته حياته، وعندها يرى الناس ms010 آثار الشوكة ~~ويعرفون أنه راح ضحية لغواية «المزيرة». # ولذلك كنا صغارا نخاف نداء المزيرة، ولا نجرؤ على التطلع للوجوه الجميلة خلف المشربيات ~~في البيوت العتيقة، بل لم نكن نعرف من يسكنها، أو حتى إذا كان ساكنوها من الإنس أو الجن. وكان ~~الحاج محمود الترامسي، رحمه الله، من أصدقاء والدي الذين يفخرون بقدرتهم على التمييز بين الجن ~~والإنس فيما يرى من كائنات، لم يكن أحد يؤمن بأشباح الموتى، ولكن الجميع كانوا يشعرون بوجود ~~الجن بين ظهرانيهم ومشاركتهم حياتهم. وكان الترامسي دائما ما يقص علينا نوادره مع «فرخ ~~جن» (أي جني صغير) يسكن في أرض فضاء مجاورة لمنزله، وكان والدي رحمه الله يكذبه دائما وهو ~~يقول له إن هذه «تهيؤات»، ولكن نبرات الصدق في حديث الترامسي كانت تشدني إلى ما يقول دائما، ~~خصوصا لأنه كان في غير ذلك من أمور الحياة واقعيا منطقي التفكير، وكان يمتاز برجاحة عقل ~~نادرة. ولذلك أصغيت مبهورا عندما قص علينا ذات يوم خبر اعتزامه الزواج من فتاة تصغره بأعوام ~~كثيرة تقترب من الثلاثين، حتى يمنع «فرخ الجن» المذكور من الاقتران بها! وانهمك يحكي تفاصيل ~~مناقشاته معه ووسائل إحباط مسعى «فرخ الجن» بقراءة القرآن، وما إن حل رمضان، الشهر الذي لا ~~يسمح فيه للجن بالخروج من محابسها، حتى تزوج الترامسي من تلك الفتاة وفرض عليها أن تمكث في ~~المنزل دائما بعد الغروب، وألا تنقطع عن قراءة السورة التي أحفظها إياها من القرآن (إذ كانت ~~لا تعرف القراءة). ثم أصبح الترامسي يغيب كثيرا عن دروس العصر في الجامع، وبدأت ألاحظ في ~~عينيه شرودا وفي كلامه بعض التردد، ولكنني لم أجرؤ على السؤال عما حدث لفرخ الجن بعد زواجه، ~~ولم يكتب لي أبدا أن أعرف نتيجة الصراع بينهما حتى بلغني نبأ وفاته فجأة. # لم أكن أخاف الجن في تلك الأيام، وكان والدي يسمح لي بصلاة الفجر في المسجد وأنا بعد ~~صغير، وكان يتحدى من يقولون إنهم شاهدوا العفاريت قائلا: «أروني إياها!» وشاع في البلد ~~أننا أسرة لا تستطيع رؤية العفاريت ms011 لأن دمها «زفر»، ولم أفهم أبدا معنى «زفارة» الدم وكيف ~~يمكن أن تحول دون رؤية الجان. ولكنني كنت أخاف من الجمل ، ومن منظر النعش. وأذكر أنني ذات يوم ~~كنت في السوق «البحري» وتطلعت فوقي فجأة فشاهدت بطن جمل، وربما كان ذلك سبب خوفي بسبب ما ~~سمعته من أنه يبرك أو ينوخ على عدوه فيقتله، أما النعش فكنت أخافه بسبب الضجيج الذي كان ~~يصاحبه، ولأن العادة كانت تقضي بوضع جثمان المتوفى في صندوق ينتهي بقامة عليها طربوش إذا كان ~~ذكرا، وأن يحمله الناس ويسيروا خلفه في شارع السوق من المسجد الكبير - جامع المحلي، وهو شيخ ~~اسمه «علي المحلي» (نسبة إلى المحلة الكبرى) - حتى المقابر في جنوب البلد، وكانت تسمى ~~«الجبابين» لا الجبانات، ويتقدم الموكب شيوخ ينشدون كلاما دينيا له رنة غريبة، كنت ~~أتبين نغمتها والألفاظ البارزة فيها، وهي «مولاي صل وسلم دائما أبدا» وبينهم شيخ أعرفه ~~جيدا؛ لأنه يقفز أو يتواثب على عكازين بسبب ضمور ساقيه وهو الشيخ «حلمي الحداد» رحمه الله. ~~وكانت الجنازة أحيانا تسمى «المشهد»، وقد لازمني الخوف من النعش حتى دخلت المدرسة ~~الابتدائية. # 2 # كان والدي واحدا من تسعة إخوة وأخوات أنجبهم جدي الحاج محمد عناني الكبير، وكان لم ~~ينجب من زوجته الأولى، وبعد أن توفيت تزوج أختها «رشيدة» فأنجب إبراهيم، ومحمد (والدي) ~~وعبد المحسن، ومن الإناث زينب وفاطمة وسعاد، وعندما توفيت تزوج أختها الصغرى «فاطمة» وأنجب ~~منها جميعة وصلوحة وأحمد. ثم توفي هو. وكان عصاميا وأميا، واشتغل بالتجارة أولا ثم ~~عمل على إنشاء مصنع لضرب الأرز؛ أي لفصل القشر عن الحب، وبالأسلوب القديم الآلي، وكانوا ~~يسمونه أسلوب «اللاط» أي الضرب بمطرقة خشبية تصعد وتهبط بمحرك يدار بالبخار. وكان أي ~~محرك يعمل بالبخار يسمى «الوابور» ثم حرفت إلى «بابور»، وكان البخار الصاعد يستغل في ~~إصدار صوت صفير كصفير القاطرة البخارية أو الباخرة (وابور البحر)، وذلك في مناسبات معينة، ~~أهمها تحديد ساعة الإفطار، ولما كان البلد حافلا بمضارب الأرز، كنت تسمع عندما تغرب شمس ~~نهار رمضان صفيرا عاليا يسمعه ms012 القاصي والداني؛ ولذلك كانت الإشارة إلى موعد الإفطار لا يشار ~~إليها بالمدفع بل بالصفارة أو الزمارة (من المزمار). وكان ضرب الأرز حرفة أو صناعة ~~متشعبة؛ فبعد الضرب تفصل الحبوب المكسورة بالغربلة وتسمى «الدشيش»، وتباع لخلطها بدقيق ~~القمح للانتفاع بها في خبز «العيش البيتي» بنسبة كيلة دشيش إلى كيلتين من القمح المطحون، ~~أما القشر الخارج من الضرب فكان يسمى «السرس» وكان يستعمل وقودا في الأفران البلدية، ~~وكانت الصناعة تستلزم صناعات فرعية مساندة مثل صناعة الأجولة (جمع جوال من جوالق، والتي ~~تحولت فيها الجيم المعطشة إلى شين). وصناعة الحبال، وعربات الجر، وكذلك تجارة الملح الذي ~~يستخرج من ملاحات إدكو، وهي بلدة قريبة من رشيد، تجفف مساحات من بحيرتها ويصدر ~~منها الملح الذي يستخدم في تجفيف الأرز قبل التعبئة بمقادير طفيفة. # ولذلك لم تكن «الدايرة» مضربا وحسب بل منطقة صناعية تجارية، لكنني لا أذكر أني شاهدت ~~مديرا (ناهيك بمجلس إدارة) أو محاسبين أو مراجعين؛ إذ كان النظام ريفيا في جوهره يعتمد على ~~«كلمة» البائع و«كلمة» المشتري، وكانت مناطق زراعة الأرز في شمال الدلتا قريبة من رشيد؛ مما ~~كان ييسر نقل المحصول وتخزينه وضربه وتسويقه؛ إما بقطار البضائع (في السكك الحديدية) أو ~~بالشاحنات الكبيرة إلى شتى البلدان المجاورة، وإلى الإسكندرية والقاهرة بطبيعة الحال. ونادرا ~~ما كان النقل النهري من الوسائل الرئيسية؛ إما لصعوبة الإبحار ضد التيار، رغم توافر الرياح ~~الشمالية المواتية، وإما بسبب وجود «سد إدفينا»، وهو سد ترابي كان يقام كل عام عند بلدة ~~إدفينا القريبة لمنع مياه البحر المالحة من الدخول جنوبا في مجرى النيل؛ ولذلك كنت أسمع وأنا ~~صغير إشارات إلى أسماك قبلي السد وبحري السد، أي النيلية والبحرية. وقد أقيمت في عام ~~1950م تقريبا قناطر إدفينا مكان هذا السد، وربما كان ذلك في عهد وزارة الوفد، لأنني أذكر أن ~~مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء هو الذي افتتحها، ويقابلها على الفرع الآخر من النيل (فرع ~~دمياط) سد فارسكور ثم قناطر فارسكور. # وكان والدي يصحبني أحيانا إلى «الدايرة» لمتابعة العمل، ولكن الواضح ms013 أنه لم يكن يشغل ~~باله بشئون التجارة، بل كان يقضي الوقت في القراءة، وفي تأمل الطيور الزائرة لمصر، وفي ~~إعداد «الأرض» التي اشتراها واستصلحها لتكون حديقة غناء تأتي إليها طيور أوروبا. وكانت ~~«الأرض» فدانين لا أكثر من الرمال في المدخل الجنوبي للمدينة، تولى تمهيدها وتزويدها بالمياه ~~العذبة، وزراعة النخيل (البلح الزغلول أساسا) وأشجار المانجو (الأنبج) والقشدة الخضراء، وشجرة ~~برقوق واحدة، وشجرتين للتفاح. وبنى في وسطها منزلا صغيرا سرعان ما أزال سقفه وأحاله مشتلا، ~~وأحاط الحديقة بأشجار الكازورينا سريعة النمو، حتى بدأت الحديقة تزهر وتثمر، وأذكر أنها ~~كانت تشبه جنة خضراء وارفة الظلال، في وسطها حوض البطيخ الذي أكله الذئب! # كان والدي قد ورث مالا كثيرا عن أبيه، إلى جانب الشقة التي يسكنها ونصيبه في مضرب الأرز، ~~ولكنه كان ينفق بلا حساب على الأرض وعلى الكتب، ولا يكاد يلقي بالا إلى شئون «الدائرة». وقد ~~علمت فيما بعد أنه كان قد التحق بكلية الآداب، جامعة القاهرة، بعد حصوله على البكالوريا من ~~الفريدية الثانوية (حيث كان يجلس إلى جوار المرحوم الدكتور عبد العزيز كامل، وزير الأوقاف ~~الأسبق) ثم أقنعه أخوه الأكبر بترك الجامعة والتفرغ للتجارة والعودة إلى رشيد، وكان ذلك بعد ~~مولدي بفترة قصيرة. لا أعرف تماما ظروف هجر الدراسة المنتظمة، ولكن الثلاثينيات لم تكن ~~بالفترة التي يأمل الصغار فيها تأمين مستقبلهم عن طريق الوظائف، ولا شك أن والدي كان لكثرة ~~ما قرأ من كتب العرب يرى أنه يعيش في عصر سابق لهذا العصر؛ فهو لم يسمع أن أحدا ممن قرأ لهم ~~في تلك العصور الخوالي كان موظفا في «الحكومة» أو يتقيد بساعات وظيفية محددة، وكان يحب ~~الحرية التي أتاحها له المال، وربما كان ذلك دافعا على العودة إلى رشيد. # اعتدت أن أراه منذ نعومة أظفاري يقظا في الصباح الباكر؛ إما في الفجر أو قبل أن تشرق ~~الشمس، وكان يصلي ويخرج للعمل في «الأرض» حتى يبدأ حر النهار فيعود إلى «البلد» ويشتري لوازم ~~البيت ويرسلها إلى المنزل، ثم يصلي الظهر في مسجد المحلي ms014 ويعود لتناول الغداء ثم ينام ساعة ~~أو بعض ساعة، وينهض ليتوضأ ويصلي العصر، ويبدأ القراءة والكتابة. فإذا اقترب موعد الغروب خرج ~~ثانية إلى المسجد وأحيانا كان يلتف حوله بعض أهل البلدة ليطرحوا أسئلة دينية كان يجيب ~~عليها، وكثيرا ما كنت أصحبه أثناء العطلات في جولاته اليومية؛ إذ كنت أستمتع بالقصص التي ~~يقصها عن العرب القدماء، ويروي ما فيها من شعر صحيحا معربا، فأكاد أتصور نفسي وقد عدت ~~القهقرى في الزمن إلى عصر هؤلاء الأجداد، وكان يساعدني على تصور الحياة البدوية ما يحيط ~~برشيد من رمال شاسعة، بحار لا نهاية لها من الرمال تنمو فيها آلاف النخيل، بل آلاف الآلاف ~~لأنك حين تركب القطار المتجه من رشيد إلى الإسكندرية ترى النخيل ممتدة حتى الأفق على ~~الجانبين لعشرات الكيلومترات، وكانت الترعة التي تخرج من النيل «قبلي السد» تمتد وسطها، ~~وعلى الجانبين توجد حقول واسعة يمتلكها بعض أبناء البلد، ويسمى كل منها «غيط فلان»، وكانت ~~هذه الغيطان «مسقاوية» أي تعتمد على الري وتزرع فيها المحاصيل، في حين كانت النخيل، بطبيعة ~~الحال، «بعلية» أي تروى بماء المطر. # كنت أحب قصص القدماء، وأحب اللغة التي تدر علي دخلا لا بأس به، قرشا أو قرشين ~~لاستكمال «مصروفي» وشراء ما يلذ لي من اللب (بذور البطيخ) والفول السوداني والحمص من ~~مقلى شهير في شارع السوق اسمه مقلى إمام، وكان الشائع نطقها بإضافة هاء؛ أي «مقلاة»، وذلك ~~قبل أن تتحول الكلمة في القاهرة إلى كائن غريب اسمه «المقلة» بفتح الميم لا بضمها. وكنت ~~أغافل والدي أحيانا فلا أنبهه إلى أنه سبق أن سألني نفس السؤال؛ إذ كان كثيرا ما ينسى، ~~فأفوز بالقرش دون وجه حق! واكتشفت ذات يوم وسيلة «للتنبؤ» بما سوف يطرحه علي من الأسئلة، إذ ~~كان يترك كتبه مفتوحة عند الصفحات التي يريد نقل اقتباسات منها في مجلد ضخم يسجل فيها ما ~~يعجبه من الشعر والنثر، وكان يسميه «الموسوعة الأدبية أو بيت الحكمة». ولن أنسى المأزق الذي ~~وقعت فيه حين قرأت ذات يوم بيتا من الشعر ms015 لم أفهمه، ولم أكن أعرف كيف أفهمه، ولا كنت قادرا ~~على فتح دولاب الكتب (فهو يغلقه بالمفتاح) الذي يوجد فيه القاموس المحيط للفيروزابادي. وكنت ~~أخشى أن يسألني عن معناه في وقت قريب، وكان لي بعض الأصدقاء الذين يدرسون في المعهد الأزهري ~~في الإسكندرية من زملائي السابقين في الكتاب، فسألت أحدهم في عصر ذلك اليوم ونحن نسير على ~~شاطئ النيل عن معناه وهو: # لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # فأجابني بأنه لا يعرف وأنه «غير مقرر»، ولم أفهم معنى المقرر آنذاك؛ فقد كان الأمر ~~يتعلق بقرش يأتي بقراطيس اللب والفول السوداني والحمص، وربما بعض الجلاطة (الجيلاتي) ~~أيضا، ولم أستطع أن أعثر على أحد يدلني على المعنى، وكان أن ضاع القرش! أما المعنى فلم ~~أعرفه إلا عند ضياع القرش؛ ولذلك ظل محفورا بألفاظه في ذاكرتي لا أنساه أبدا «شرقت ~~بالماء، ولو غصصت بغيره لشربت الماء لإزالة الغصة؛ أي للاعتصار!» أي ما يقابله بلغة ~~الصحافة اليوم دوائي هو الداء فأين الدواء؟ # كنت أحب والدي لما يرويه من قصص، ولما يتغنى به من أغاني عبد الوهاب. كان صوته رخيما ~~وكان مشهورا في رشيد بإجادة قراءته للقرآن، وإنشاده التسابيح، التي كانوا يسمونها «تواشيح»، ~~قبل أذان الفجر في رمضان، فكان يصعد إلى المئذنة في جامع المحلي، دون مكبر صوت طبعا، ~~وينشد تلك التسابيح التي كان يسهر لها أهل البلد. وكان يحب الشيخ مصطفى إسماعيل (رحمه الله) ~~حبا جما، وكان الشيخ مصطفى صديقا لأحد الأثرياء في رشيد واسمه إبراهيم حجاج، فكان ~~يستضيفه لقراءة القرآن في مناسبات لا أذكرها، وكانت الخيمة، أو السرادق الذي يقام خصيصا ~~له يزدحم بالرجال بعد صلاة العشاء للاستماع إليه حتى ساعة متأخرة من الليل. وكان والدي يحفظ ~~أسلوب الشيخ مصطفى في الأداء وينفي عنه أنه يلحن القرآن، على عكس ما كان يرميه منافسوه به، ~~وكان يقول لي إن التلحين هو فرض قالب موسيقي خارجي على الكلمات قد يقتضي الخروج عن أصول ~~القراءة، إما بإضافة حركات في غير موضعها أو بحذف ms016 المد من مواضعه وهكذا، مثلما يقول عبد ~~الوهاب في الخطايا: # حسبنا ما كان فاهدأ ها هنا # في ضلوعي واحتبس خلف الحنايا # فإنه يغنيها بإضافة ألف مد بعد الحاء في الحنايا هكذا «خلفا لحانايا» ولكن الشيخ مصطفى ~~لا يفعل ذلك أبدا. والعامية المصرية «تخطف» الحركات؛ أي تلغي المد وتسكن أواخر ~~الكلمات وتغير تشكيلها (أي حركاتها الداخلية)، وهي لهذا - يقول والدي - لغة ملحونة! # ومثلما أحببت الشيخ مصطفى إسماعيل أحببت عبد الوهاب، وكنت أسمع كلا منهما بصوت والدي، ~~وقد أتانا جهاز الراديو لأول مرة في بيت بدر الدين في تلك الأيام، وربما كان موجودا منذ قيام ~~محطة الإذاعة اللاسلكية في منتصف الثلاثينيات، ولكنني أصبحت مدركا لوجوده وأهميته في أوائل ~~الأربعينيات وأواسطها، وكان الشيخ محمد رفعت يرتل سورة الكهف كل يوم جمعة في الشتاء، وربما ~~كان ذلك عام 1944م، فحفظت أسلوبه في قراءتها، وحذقت طريقته في «التقفيل» (أي العودة إلى ~~الطبقة الصوتية التي بدأ منها) و«التصدير» أي الخروج عن «سلم الأداء» ثم العودة إليه، وما ~~زلت أذكر تسجيلاته التي ضاعت، أو قراءته التي لم تسجل، ولكن والدي كان متعصبا للشيخ مصطفى ~~إسماعيل ويقول دائما «أبو درش ما فيش منه» وأبو درش، أي أبو درويش، هي كنية كل من يسمى ~~مصطفى، وأبو، حسبما شرح لي والدي، قد تعني «الابن» بالعربية، فهي تفيد النسبة وحسب، كأن ~~تقول حسن أبو علي لتعني حسن بن علي، وربما كان السبب في هذا هو ميل الأب إلى تسمية ابنه باسم ~~الجد، فتجد في بعض الأسرات سلاسل من مصطفى درويش وحسن علي وعلي حسن وغير ذلك. # وكانت الإذاعة اللاسلكية تذيع برنامجا في الثانية عصرا اسمه «أسطوانات»، تقدم فيه أغاني ~~أم كلثوم وبعض مطربي ومطربات العصر الغابر، وكنت أستمع أنا ووالدتي إلى هذه الأسطوانات، فلم ~~يكن مسموحا لي أن أستمع إلى الراديو وحدي؛ حتى لا أستهلك البطارية السائلة، وكان يأتي بها رجل ~~اسمه أحمد القناديلي يعمل في الدائرة كل يومين، ويأخذ الفارغة إلى «كهربائي» لشحنها، وهي ~~تشبه بطاريات السيارات تماما. وكانت جدتي ms017 تستمع كل صباح في السابعة والنصف إلى القرآن حتى ~~الثامنة، وكان يعقب التلاوة حديث للشيخ محمود شلتوت، ومن الراديو تعلمت أشياء كثيرة ، وبعد ~~أن تعددت البطاريات سمح للأطفال (أنا وأخي حسن الذي يصغرني بعامين) بالاستماع إلى الراديو ~~الذي كان يبدأ إرساله في الخامسة بعد الظهر، وكنا نحرص على برنامج «بابا شارو» - أي برنامج ~~الأطفال - ونتابع البرامج الغنائية مثل «علي بابا» و«عوف الأصيل» و«آذار» و«قسم» و«خوفو»، ~~وكنت أحفظها حوارا وأنغاما عن ظهر قلب. # وذات يوم في عام 1948م مرض جدي الحاج أحمد بدر الدين مرضا شديدا، وكنت أدرك من القلق ~~البادي على الوجوه، وحضور أخوالي من القاهرة والإسكندرية إلى رشيد، أن الأمر خطير. ولم يلبث أن ~~توفي، ومن ثم استقر بنا الحال بصفة نهائية في «بيت بدر الدين» لا يسكنه غيرنا، مع جدتي، ~~إذ كان أخوالي الدكتور محمد علي، وعبد الحليم، ومصطفى كمال يعيشون خارج رشيد، وخالتي سكينة في ~~القاهرة، وكانت قد تزوجت من الأستاذ حسن الخطيب الذي كان مراقبا عاما بوزارة المعارف ثم ~~أصبح أستاذا في كلية الشريعة، وخالتي الحاجة لطيفة تقيم مع زوجها الأستاذ أحمد عجمية في منزل ~~مستقل (فيلا بلغة العصر الحديث) على الطريق الزراعي. وفي تلك الأيام كنا نسمع عن الحرب بين ~~العرب وإسرائيل، وسمعنا عن اغتيال الكونت برنادوت مندوب الأمم المتحدة في فلسطين، وكان ذلك على ~~ما أذكر في رمضان، في شهر يوليو، وكنا ننام بعد الإفطار ثم نقوم في الثانية صباحا لتناول ~~السحور، وفي اليوم التالي جاءنا خبر الحريق الذي شب في مضرب الأرز الذي تملكه أسرة عجمية ~~ويديره زوج خالتي. # كان هذا الحريق رمزا للتحول الكامل في صناعة ضرب الأرز. فالواقع أن بعض المصانع الحديثة ~~كانت قد أنشئت في الإسكندرية وبدأت «تسرق» السوق من رشيد. فهي لا تعتمد كثيرا على اليد ~~العاملة (ما يسمى بكثافة العمالة بلغة الاقتصاد)، بل تستخدم الآلات في معظم المراحل، وهي تعتمد ~~أيضا على ما يسميه المتخصصون باقتصاد الحجم الكبير، أي توسيع نطاق الإنتاج تخفيفا للتكاليف، ~~ومن ثم كانت منافستها ms018 لا تحتمل، وكان على مضارب الأرز في رشيد إما أن تتحول إلى النظم الحديثة ~~أو تفلس. وهكذا وجدها آل عجمية فرصة لتحديث المضرب، وكلفهم ذلك خمسة عشر ألف جنيه، وكانت ~~ثروة هائلة بأسعار تلك الفترة، وأصبح مصنعا حديثا قادرا على البقاء وسط عمالقة مدينة ~~الإسكندرية. ولكن ذلك «الرمز» لم يصل معناه إلى كثير من المضارب الأخرى التي تقاعست عن ~~التجديد أو لم تجد التمويل اللازم آنذاك، وكان أن انطوت صفحتها وكاد أن يقضى على صناعة ~~ضرب الأرز في رشيد. # كنا في رمضان، كما قلت، وكان أولاد خالتي (أبناء الأستاذ حسن الخطيب) يأتون في الصيف لقضاء ~~العطلة في بيت الأسرة الكبيرة. وكان صلاح أقربهم مني سنا وميولا، فكنا نخرج معا لأداء ~~صلاة العشاء و«التراويح» (صلاة القيام) في مساجد مختلفة، وتعلمت من والدي بعض التسابيح التي ~~كنت أرددها بصوت عال بعد كل ركعتين؛ فالتراويح عشرون ركعة، وما زلت أذكر إحداها وهي «يا ~~علام الغيوب، أطفئ ظمأ القلوب، وتب على من يتوب، واغفر لنا يا كريم». وكان في الشهادة ~~الابتدائية أي في الرابعة، وأنا في الثالثة، وكانت تلك شهادة عامة (أي تعقد على مستوى ~~المنطقة كلها)؛ ولذلك فرح بنجاحه فرحا شديدا، وكانت تتلوها المرحلة الثانوية من خمسة أعوام ~~وتنقسم إلى قسمين: الشهادة العامة وهي الثقافة (بعد أربع سنوات) ثم الشهادة الخاصة وهي ~~التوجيهية لعام واحد. وكنا نلتقي أحيانا مع والدي لنتحادث في اللغة والدين، ولكن ابن خالتي لم ~~يكن يحب ما يسميه بالأسئلة، وما أعتبره أنا مصدرا لزيادة الدخل! # وفي العيد زارنا خالي عبد الحليم بدر الدين، وكان قد استقر في تجارة الأجهزة العلمية ~~وأدوات المعامل في القاهرة، وانفرد بإدارة الشركة وملكيتها بعد عودة «هيلشر» شريكه الألماني ~~إلى برلين الغربية. وكان خالي قد تخرج في مدرسة المعلمين العليا (التي توازي كليات التربية ~~حاليا) وعمل بالتدريس فترة في الثلاثينيات قبل أن يشارك هيلشر التاجر الألماني الذي كان ~~قد أوكل إليه إدارة فرع الشركة في القاهرة، ثم افتتحا فرعا في الإسكندرية وآخر في الخرطوم، ~~وكلها ms019 تتبع الفرع الرئيسي في برلين. فلما نشبت الحرب جاء إلى القاهرة وتولى إدارة فرع القاهرة ~~بنفسه، وحالت الحرب دون عودته، فلما انتهت الحرب أعاد خالي إلى إدارة الفروع المحلية، ثم نقل ~~إليه ملكية الشركة وعاد هو لبنائها من جديد في ألمانيا. وكانت أحوال التجارة قد تدهورت أثناء ~~الحرب، ولكن لم تمض ثلاثة أعوام حتى عادت للانتعاش، وأذكر مناقشة مستفيضة لتلك الأحوال ذات ~~مساء على ضوء الكلوب (الجلوب)، وأذكر أن خالي عرض على والدي المشاركة في رأس مال الشركة بألف ~~جنيه، سرعان ما بارك الله فيها، وكانت آخر ما بقي له من التركة التي كان ينفق منها بسخاء ~~على الكتب وعلى «الأرض». # وكان ثمة عامل مشترك يجمع بين والدي وخالي؛ وهو حبهما للصيد. ففي الشتاء كانا يذهبان لصيد ~~البط البري المهاجر من أوروبا في بحيرة إدكو، وكانا مع رفقائهما من أعضاء «نادي الصيد الملكي» ~~يقضيان جزءا من الليل في استراحة يملكها السيوفي بك، الأمين الثاني للملك فاروق في مكان ~~يسمى «المعدية» وهو مكان التقاء البحيرة بالبحر المتوسط، ثم ينهضان في الفجر للصيد في ~~براميل خاصة وضعت وسط أعشاب البحيرة الطويلة، بينما يحضر الصبيان لهما ولزملائهما ~~الطيور التي صيدت وسقطت في ماء البحيرة، بقوارب مسطحة صغيرة. أما في سبتمبر، فكان موسم ~~صيد الطيور المهاجرة من أوروبا لقضاء فصل الشتاء في السودان. وكان والدي يهتم بجمال الطيور ~~وألوانها أكثر من اهتمامه بأكل لحومها، وكثيرا ما كنت أشاهده في أثناء قيامه بتحنيط بعض تلك ~~الطيور أو رسم صورها بألوانه الخاصة. # وحل في العام التالي (1949م) حدث كبير؛ هو المعرض الصناعي الزراعي في مدينة القاهرة، ~~فاصطحبني والدي لزيارته، ونزلت أنا ضيفا عند خالي، بينما أقام والدي عند أحد أقاربه. وكان ~~يأتي كل يوم لاصطحابي إلى المعرض، وكانت تلك أول مرة أشاهد فيها تلك المدينة الشاسعة، وكان ~~والدي من عشاق الخديوي إسماعيل، فكان يتعمد بعد كل زيارة لمتحف أو لنصب أو لمكتبة أن ~~يعدد لي مناقبه، وما زلت أذكر أول مرة أشاهد فيها دار الأوبرا القديمة، ms020 وميدان الإسماعيلية ~~(التحرير حاليا)، وأرى ثكنات الجيش البريطاني قائمة بلون برتقالي فاتح ظننته أحمر، في مكان ~~مبنى جامعة الدول العربية وفندق هيلتون النيل. كانت المشاهد مثل الأحلام لطفل في العاشرة، ~~وأذكر أننا عبرنا كوبري قصر النيل سيرا على الأقدام، ودخلنا المعرض بينما كان والدي منهمكا في ~~رواية التاريخ القريب لي، وكفاح المصريين من أجل الاستقلال. # وتركني والدي في المعرض ذات يوم خارج مكان لبيع الأسطوانات، وغاب طويلا لكنني لم أقلق؛ فقد ~~كانت الرؤى مثل عالم جديد جميل، وكان الرائحون والغادون يرتدون الحلل الزاهية، والنساء ~~والفتيات يرتدين الملابس الأوروبية، حاسرات ضاحكات عابثات، وكانت فنون العرض باهرة، وبائعو ~~المشروبات يبالغون في أسعارها، ولا يمكن شراء شيء بمليمين أو ثلاثة مثل رشيد، ثم عاد ~~والدي ومعه أسطوانة مسجلة بصوته. كان صاحب الشركة قد أعجب بصوته وطلب منه تسجيل بعض ~~أسطوانات القرآن، وأعطاه هدية هي تسجيل صوته هو وهو يقرأ سورة طه. وكان يحاكي فيها أسلوب ~~الشيخ السعدني في القراءة وهو الذي كنا نسمعه في محطة الشرق الأدنى. وما زلت أحفظ هذا الأسلوب، ~~وكان الوجه الأول ينتهي بالآية # الرحمن على العرش ~~استوى ~~. وعندما عدنا إلى رشيد كان والدي قد أعد لي مفاجأة إذ أتى لي ببعض ~~أسطوانات أم كلثوم كنت أديرها على الحاكي (الجراموفون) ذي البوق الضخم، الذي يملأ باليد ~~(زنبرك) وكانت لدينا أسطوانات قديمة لمنيرة المهدية وعبد الحي حلمي ومحمد عثمان وصالح عبد ~~الحي. # ويبدو أن خالي قد اتفق مع والدي على أن يتولى هو إدارة مكتب الإسكندرية مقابل مرتب ~~شهري، على أن تنتقل الأسرة إلى الإقامة في الإسكندرية؛ حتى لا يضطر إلى السفر كل يوم ~~(المسافة ستون كيلومترا). وفعلا انتقل الجميع في سبتمبر 1949م؛ أنا وأخواي حسن ومصطفى ~~ووالدتي للإقامة في شارع جرين في حي محرم بك. والتحقت أنا بمدرسة العباسية الثانوية الواقعة ~~في الشارع نفسه، والتحق أخواي بمدرستين قريبتين. كانت الإسكندرية صورة من القاهرة، ولكن أهم ~~ما يميزها هو وجود أعمامي وعماتي فيها، ووجود أقرب الناس إلى قلبي؛ خالي الدكتور مصطفى ms021 كمال بدر ~~الدين، الذي كان قد حصل لتوه على الدكتوراه في طب الأطفال، وعين مدرسا في كلية الطب ~~بجامعة فاروق الأول (الإسكندرية). # 3 # كانت العباسية الثانوية بالنسبة لي مدينة غريبة. كان أول إحساس لي هو أنني غريب. لم يكن ~~أحد يعرفني، بينما كان الجميع في رشيد يعرفونني نسبا ونشأة. لم أكن بلغت الحادية عشرة ~~بعد، ولكنني كنت أشعر دائما أنني أكبر ممن حولي. كان يشاركني في المقعد تلميذ يسمى محمد ~~البحر، وهو من أحفاد سيد درويش، وكان في آخر الفصل تلميذ يسمى خميس عبيد جاد، اشتهر بإجادته ~~الخطوط العربية، وبأنه «حلنجي» أي بارع في التحايل والمراوغة. وكنت أجلس إلى جوار ~~النافذة، مما جعلني أسرح الطرف فيما حولي، أسمع نداءات البائعين من نغم البيات، وأرقب ~~السيارات (لم يكن في رشيد سيارات)، وأصغي إلى الدروس في الوقت نفسه. كنت تائها معظم الوقت، ~~حتى جاء أستاذ اللغة العربية «عباس القاضي» وطلب منا كتابة موضوع إنشاء في المنزل. وعندما ~~أعاد لنا الكراسات لم يعطني درجة بل كتب «إن كان هذا كلامك فهو حسن.» ولم يرق لي ~~الشك في أمانتي فاعترضت، فقال لي «أعرب لفظة كلامك، فإن أصبت قبلت الموضوع»، فقلت له ~~إنها خبر كان مضاف، ولا بد أن تفتح! فطرح السؤال على باقي الطلبة فاختلفوا ثم قرروا ~~التضامن ضد الرشيدي الغريب فقالوا إنني أخطأت، ولا بد أن ترفع، ويبدو أن المدرس كان يخشى ~~بأس التلاميذ فقال إنها مسألة خلافية يجوز فيها الرفع والنصب، ولكنني اعترضت وقلت إن ~~التقدير هنا لا لزوم له، فكيف نتصور أنه اسم كان مؤخر مع أنك إذا قلبت الجملة وأخرت اسم ~~الإشارة؛ أصبح نوعا من التوكيد وضاع منا الخبر! وكأنما صدمته الإجابة فقال لي أفصح! فقلت ~~نصب الكلمة لا يقتضي تقديرا؛ فاسم الإشارة مبتدأ لا يحتاج إلى بدل لوجود الكلام نفسه أما في ~~حالة التقدير فسوف تكون الجملة معقدة: إن كان كلامك هذا [هو كلامك] - بل إن المعنى سوف ~~يتغير! وتفكر لحظة وقال: عندك حق! وعندها هاج الطلبة وماجوا، وكنت ms022 سعيدا بانتصاري، ولكن ~~الأستاذ عاد فقال: «لا لا! الكلام مستواه أعلى من سنة أولى! عموما ننتظر ونرى!» وفرح الطلبة ~~وسكتوا. # في ذلك اليوم خرجت مهموما. وظللت أقلب الجملة في رأسي. ربما كنت مخطئا. هل يصح ~~الرفع؟ ولم أبح بالسر لأحد. ولم أعد إلى المنزل في ساعة الغداء، بل اشتريت «شقة فول» بنصف ~~قرش، واكتشفت أن البائع باعني ثلث رغيف فقط ليزيد من مكسبه، ولكنه كان لذيذا على أية ~~حال، وانتهيت منه بسرعة وذهبت إلى ملعب الجمباز، فرأيت طالبين (محسن والمصري) يتدربان على ~~جهاز «المتوازي» وجهاز «العقلة» وذهلت! وألهاني الاستمتاع بفنونهما عن الخبر المنصوب، وبعد ~~الفسحة لم يكن في ذهني سوى الرياضة! كانا «يتشقلبان» في الهواء مثل البهلوانات، وكان المنافسون ~~لهما يقعون ولا يفلحون! وقررت أن أحاول الالتحاق برياضة ما في المدرسة، فقالوا لي عليك ~~بالملاكمة لأنها تحتاج إلى «النفس الطويل»، ومن ثم أقلعت عن عادة العودة إلى المنزل في ~~الفسحة وصرت أقضي الوقت في التدريب، ومن بعده الحمام البارد، دون أن أخبر أحدا. # ويبدو أنني كنت أتقدم في التدريب، إذ جاءني الأستاذ «فضالي» ذات يوم، مدرس الألعاب، وقال ~~لي إنك مطلوب للبقاء في المدرسة ثلاثة أيام في الأسبوع للاستعداد للبطولة. ولم أعلق. ولكنني ~~عندما أخبرت والدي رفض رفضا حاسما، وقال إن الرياضة يجب ألا تطغى على الدراسة، وإن علي ~~أن أهتم بدروسي أولا. وأيدته والدتي. وانتهى حلم الملاكمة. # وفي يوم جمعة لا أنساه، عندما عدت من الصلاة في المسجد القريب، وجدت خالي في المنزل. ~~وانتهزت الفرصة لأسأله عن كيفية نظم الشعر. كنا في يناير 1950، وكان الجو صحوا، وهو في ~~حالة نفسية رائعة، بعد أن شاهد فتاة أحبها وقرر الزواج منها. ولم يسألني خالي (الطبيب) كيف ~~عرفت أنه يكتب الشعر أو يعرف أسرار النظم، (وكنت قد عثرت على مجموعة شعرية قديمة كتبها في ~~صباه بين الكتب في منزل بدر الدين)، ولكنه جاء بالورق والقلم وشرح لي بأسلوب المدرس المحترف ~~كيفية تقطيع البيت التالي: # إذا كشف الزمان لك القناعا # وهب إليك صرف ms023 الدهر باعا # وتركني وذهب إلى والدتي ليصل ما انقطع من حديثه. وسرعان ما كتبت كلاما على الوزن نفسه، ~~هو: # وكم من أحجيات قد رأينا # يحار لحلها العقل اللبيب # ولكنني لاحظت أنني، على نجاحي في محاكاة الشطر الثاني تماما، سكنت خامس التفعيلة ~~في الشطر الأول مرتين. وحاولت مرارا إصلاح ذلك دون جدوى، فسألت خالي فقال دون اهتمام ودون ~~تقطيع: «صح. يجوز»، وعاد للحديث مع والدتي. وقضيت اليوم كله أحاول أن أكتب كلاما له معنى ~~في هذا البحر، وكلما عرضته على خالي ضحك وقال: لا .. لا معنى له! وعندما دافعت قائلا إنه له ~~معنى ما بالتأكيد، رد قائلا: المفروض أن يكون له معنى له قيمة، معنى يعتد به! وعندما ~~كبرت ودرست قول القائل إن الشعر كلام موزون مقفى له معنى، عادت إلى ذهني هذه العبارة ~~التي قالها طبيب لم يدرس النقد الأدبي ولم يتخصص فيه. # وعثرت ذات يوم على صفحة في الكتاب الذي كان يسجل ~~فيه والدي ما يعجبه من أقوال (الموسوعة الأدبية) تتضمن بحور الشعر الستة عشرة، وأمام كل ~~بحر شطر يذكر الإنسان بالوزن؛ فالرجز أمامه «في أبحر الأرجاز بحر يسهل»، والهزج ~~أمامه «على الأهزاج تسهيل»، والطويل «طويل له دون البحور فضائل» وهكذا، وقد علمت فيما ~~بعد أن واضعها هو صفي الدين الحلي. وتعلمت أن أنظم الكلام في معظم البحور، وإن كان ~~بعضها يمثل عقبة كأداء مثل المديد والمقتضب والمنسرح والمضارع، ولكن السريع كان دائما ~~يتحول إلى رجز! ولم تمض شهور حتى أصبحت أجيد تقطيع ما أسمعه من نظم. وكان خالي قد خطب ~~الفتاة واسمها اعتدال (واسم الدلال عدولة)، ونظم أبياتا أعطاها لوالدي ليلحنها له. ولم ~~أكن سمعت بذلك إلا في اجتماع عائلي، وكان خالي معجبا بصوت والدي أيما إعجاب، ويقول إنه لو ~~احترف الغناء لأصبح مثل عبد الوهاب! كانت كلمات المطلع تقول: # اعتدالي وأنت صفو الغواني، # اعتدالي يا خلودا في الزمان! # وشعرت على الفور أن هناك خللا ما، فأحضرت الورق والقلم، وتأكد لي أن ~~كلا من الشطرين ينتمي لبحر مختلف؛ ms024 الأول للخفيف والثاني للرمل! وكنت سأبدي هذه الملاحظة ~~لولا أن والدي استمر في الغناء - وكان الشطر الثالث «أين روحي والورد في وجنتيك» وهو ~~خفيف صريح، ولكن الذي راعني هو أن اللحن مسروق من عبد الوهاب: (والفراشات ملت الزهر ~~لما .. حدثتها الأنسام عن شفتيك) - عندها تكلمت، فقال لي خالي: إن عبد الوهاب ~~نفسه يسرق الألحان الغربية والشرقية! ولكن والدي قال إنه مقتبس، مع التعديل، فعدت أقول: ~~ولكن المزج هنا واضح بين الرمل والخفيف! فضحك الجميع؛ فالمناسبة لم تكن تحتمل المناقشات ~~العروضية. # بعد أيام صحوت مبكرا، وكنا في فبراير؛ لأرى الثلج يتساقط لأول مرة في حياتي، لم يكن ~~البرد، بل كان الثلج الذي عرفته فيما بعد في أوروبا، وإن كان من حادثتهم فيه أسموه ~~صقيعا. وكانت الجدران حافلة باللافتات الخاصة بالدعاية الانتخابية، وكان مرشح حزب الوفد ~~(1950م) اسمه الحلواني، وكان شارع محرم بك يمتلئ أحيانا بأنصار ذلك المرشح، وهم يحملون ~~على الأكتاف شخصا يصيح «حلاوته حلوة» فيردون عليه: «حلواني» [حالواني]، ثم يصيح «كبش ~~وعطاني» فيردون: حالواني، وهكذا. # وسرعان ما ظهرت جريدة الأهرام وعنوان الصفحة الرئيسية يقول [خطأ]: الوفد يشكل وزارته ~~السابعة، ثم صححها في اليوم التالي إلى «السادسة»! ولكن المدرسة كانت فيما يبدو غير مستريحة ~~للنتائج؛ إذ كثرت المظاهرات، وكان الطلبة يترقبون في لهفة وصول أصوات الهتاف الصادرة عن ~~مظاهرة كلية الهندسة، قائدة جميع المظاهرات، فيهب منهم من يهتف «يسقط الاستعمار!» أو «الجلاء ~~التام أو الموت الزؤام!» ويردد الباقون خلفه ما يقول، وينسحب المدرس في هدوء إلى خارج ~~الفصل، ثم يجري إلى غرفة الناظر للاحتماء، ومعنى هذا أن الإضراب عن الدراسة قد بدأ، وكنت ~~حينذاك ألتحق بالجموع الخارجة، حتى نغادر باب المدرسة، ومن ثم أعود إلى المنزل. # وكان لدينا مدرس للتاريخ والجغرافيا اسمه «يوسف خليل» يتميز بجرأة غير معهودة في ذلك ~~الوقت؛ إذ كان يتحدث بإسهاب عن «سوء توزيع الثروة»، وهذه هي ألفاظه نفسها، وعن استغلال ~~الفلاحين، وكان كل درس سواء في التاريخ أو في الجغرافيا يؤدي إلى مناقشة مستفيضة حول ~~ما ms025 كان يسميه ب «أحوال البلد»، وكيف أن العلاج لن يأتي برحيل الإنجليز، فالقاعدة البريطانية ~~في قناة السويس مآلها التصفية خصوصا بعد اتجاه إنجلترا إلى تصفية قواعدها «شرقي السويس»؛ لأن ~~خروجها من الهند أدى إلى تغيير كامل في شكل الإمبراطورية القديمة، أما العلاج الحقيقي في ~~رأيه فكان يتمثل في استثمار طاقات أهل البلد بنشر التعليم والتصنيع وتطوير الأساليب الزراعية ~~العتيقة لتنويع المحاصيل. كان كلام يوسف خليل ثوريا، ولكنه كان يقوله بثقة العالم لا بحماس ~~الثائر، وكان يدعم كل ما يقوله بالأرقام والإحصاءات، وكان قصير الجسم نحيلا، صوته خفيض، ~~ونبراته مطمئنة لا تنم عن الفوران الداخلي الذي كانت تتسم به خطابات السياسيين. # كنت أستمع إلى ما يقوله صامتا، خصوصا إلى التعبيرات الجديدة التي كنت أنقلها إلى المنزل ~~فلا تلقى صدى عند أحد. كنت غريبا في المدرسة وبدأت أحس بالغربة في المنزل، ووجدتني لأول ~~مرة أهتم بقراءة الصحف، فسمعت عن كلمنت أتلي، رئيس حزب العمال البريطاني الذي أتى إلى ~~الحكم، وسمعت قول ونستون تشيرشيل زعيم حزب المحافظين إن بريطانيا ستجلو عن قاعدة قناة السويس؛ ~~اكتفاء بقاعدة قبرص، وبدأت أسمع عن مشكلة السودان، وأقرأ عن وحدة وادي النيل، واستمعت يوما ~~في الراديو إلى أغنية أم كلثوم التي كان أحمد شوقي قد كتبها تحية لخروج عدد من الشبان ~~المصريين من السجن، والتي تبدأ بالغزل قبل أن تنتهي إلى الموضوع الرئيسي للقصيدة، أي تبدأ ~~هكذا: # بأبي وروحي الناعمات الغيدا # الباسمات عن اليتيم نضيدا # ثم ينتهي إلى القول: # طلبوا الجلاء على الجهاد مثوبة # لم يطلبوا ثمن الجهاد زهيدا # والله ما دون الجلاء ويومه # يوم تسميه الكنانة عيدا # وتوقفت عند بيت آخر هو: # يرفلن في ذهب الأصيل ووشيه # ملء الغلائل لؤلؤا وفريدا # لأنه ذكرني بقصيدة كتبها والدي وأدرجها في كتابه المخطوط ولم ينشرها، والواقع أنه لم ~~ينشر أيا من شعره أبدا: # الكون من أنفاسهن تعطرا # والغصن للإعجاب مال تخطرا # يذرفن في ذهب الأصيل ووشيه # دمعا على الخدين لؤلؤه جرى # وبدت لي السرقة واضحة فسألت والدي فقال لي إنه ms026 يسمى تضمينا؛ فإن البحر الذي اختاره ~~يماثل بحر شوقي (الكامل)، وهو الذي أتى إليه بالتعبير نفسه، وهذا من المسموح به في الشعر ! ~~والواقع أن القصيدة كان الوالد قد كتبها في «مدح» الإمام حسن البنا قبل اغتياله؛ لأنه يخرج ~~من الغزل إلى القول: # فسألتهن لم البكاء أجبنني # خوفا على الإسلام أن يتقهقرا # فأجبتهن الله أيد دينه # وأقام للإسلام فيه غضنفرا # هو ذلك البنا أساس جهادنا # منه الإله النفس والمال اشترى! # وكانت تلك آنذاك إشارة إلى شرعية جمعية الإخوان، ~~ولكنني لا أذكر قط أن والدي كان يذهب إلى الشعبة (أي المقر المحلي للجمعية)، أو أنه كان ~~يصادق أحدا من رجالها. ولم أفهم إلا بعد وقت طويل سبب عزوف والدي عن المشاركة في أي عمل ~~يقتضي الإلزام والالتزام؛ إذ كان يرى ذلك ماسا بحريته، والحرية لديه هي الحياة نفسها. ~~وكان يرفض الحديث في الموضوع، لكنني ألححت في السؤال، فقال لي إن حسن البنا «رجل طيب» ولم ~~يزد. # وخرجت ذات يوم لصلاة الجمعة، وبعد الصلاة لم أشأ أن أعود إلى المنزل، بل سرت في شارع ~~محرم بك حتى آخره، ودخلت في شارع الرصافة، الذي كان هادئا تظلله الأشجار، ثم عرجت على ~~كوبري محرم بك، ومنه إلى حدائق الشلالات، وساعة الزهور، وعندها سمعت لأول مرة ما يسمى بالصوت ~~الداخلي، أي صوت الأفكار، وهو يتحدث بالعربية الفصحى. كان الحديث أمشاجا مختلطة مما قرأته ~~وسمعته، وقلت في نفسي إن هذا الصوت إذا كتب أصبح تأليفا، ولكنه نثر، أما لو كان نظما ~~فربما أصبح شعرا، وعدت أدراجي مسرعا إذ كان الجو ينذر بالمطر وقد عقدت العزم على كتابة ~~شيء ما، تمنيت أن يكون شعرا، دون جدوى. كان الصوت يتكلم بنبرة خطابية تبدو مضحكة على ~~الورق، وكانت الأفكار هزيلة، فأيقنت أن الفصحى وحدها لا تصنع كاتبا. # لم أكن أدري أن ما انتابني هو صوت المراهق الذي دخل عامه الثاني عشر وأصبح يشعر بذاته لا ~~أكثر، كنت أحس يوما بعد يوم بأنني فريد يختلف عن الآخرين، مثلما يحس كل مراهق، ms027 وأنه يريد ~~أن يثبت ذلك بطريقة ما، ولم يكن أمامي إلا الشعر! ولكن الشعر لا يأتي بسهولة، وإن أمكن ~~النظم فهل تأتي القوافي؟ كان الذي يشغلني أولا هو النظم، وكنت أقرأ أبياتا أظنها مكسورة ~~وهي موزونة لأنني كنت لا أعرف شيئا عن الزحافات والعلل، ولم أقرأ ما يكفي من الشعر العربي ~~حتى أعتمد على أذني وحدها، وكنت قد انتهيت لتوي من قراءة كتابين عن حياة نابليون؛ الأول من ~~تأليف ستيفان زفايج، والثاني من تأليف حسن جلال، وهو مستشار في القضاء، يكتب كثيرا في المجلات ~~السيارة. ولذلك فعندما قرأت قصيدة شوقي ومطلعها: # أعلى الممالك ما كرسيه الماء # وما دعامته بالحق شماء # وأتيت إلى البيت الذي يقول فيه: # ما أنجبت مثل شكسبير حاضرة # ولا نمت عن كريم الطير غناء # تصورت أن به كسرا، وقلت لخالي إن الوزن يستقيم لو وضعنا نابليون مكان شكسبير! فضحك ~~الجميع وقال خالي لي: إنه موزون، ولكن بالتفعيلة خبنا (أي حذف الثاني الساكن)، ~~واعترضت لأن هذه تفعيلة الرجز وهذا بحر البسيط، فازدادت الضحكات، وقال لي والدي: «لا ~~تشغل بالك بالأوزان واقرأ الشعر نفسه.» وعندما انقضى العام الدراسي وتقرر أن نعود إلى ~~رشيد، لا أدري لماذا، كنت قد قررت أن أقرأ كل ما تقع عليه عيني من شعر، دون أن أحاول ~~حفظه، وإن كنت أحفظه رغما عني، في العطلة الصيفية. # 4 # كانت العودة إلى رشيد عودة إلى الطبيعة، فعدت إلى ارتداء الجلباب، وتحررت من الملابس ~~المدرسية، وعدت إلى أقراني أحدثهم عن الإسكندرية وهم يدهشون لما أحكيه، وكان لدينا زميل ~~جديد يشاركنا اللعب بالكرة، ولكنه من القاهرة، وفد إلى رشيد بسبب انتقال والده إلى وظيفة ~~حكومية في البلد. كان كلما ذكرت شيئا عن الإسكندرية يعلق قائلا: هذا لا شيء إذا قورن ~~بالقاهرة! وكان يشتط في قصصه أحيانا فيحكي عن ملاعب لكرة القدم فوق أسطح المباني، فإذا ~~صادف آذانا مصدقة زاد في القصة أن اللاعب قد «يشوط» الكرة من ملعب فوق سطح مبنى ~~لتستقر في الهدف على سطح مبنى مجاور! وكان ms028 من أفراد الشلة من يكذبه، خصوصا زبقة ~~(وتنطق زبأه - بفتح الزاي والباء وتشديد الهمزة) وسمونة، بتشديد الميم. كانا قد انقطعا عن ~~الدراسة وعمل الأول في ورشة خراطة والثاني في صناعة الأقفاص من سعف النخيل (من الجريد)، ~~لكنهما كانا لا يزالان في فريق الكرة، وكان «عجيب» - وهذا هو اسم القاهري - يحتقرهما ويقول ~~لهما إن «الكرة الشراب» (أي المصنوعة من الجوارب القديمة) قطعا لا تستطيع الانتقال من سطح ~~إلى سطح، بخلاف الكرة «الكفر» أي ذات الغطاء الجلدي الذي يحمي الأنبوب المطاطي الذي ~~ينفخ بالداخل؛ فهي ذات مرونة كبيرة، وقد يضربها اللاعب فتحلق في الهواء مسافات بعيدة، بل ~~قد يبلغ من قوة اندفاعها أن تقتل شخصا! ما الذي يحكيه «عجيب»؟ وانتحى بي زميل آخر كان قد ~~انقطع عن الدراسة هو الآخر، واسمه سالمة (اسمه بالكامل محمود علي سالمة)، وقال لي: هل تصدق ما ~~يقوله عجيب؟ إنه «نتاش» - أي فشار (أي نفاج بالفصحى)، ولم نكن قد سمعنا تعبير «يسرح ب» ~~بعد، بمعنى يكذب علي - وهي كناية مهذبة. ولكننا كنا نعرف كلمات مثل «ينتش» بكسر التاء، ~~ويمعر بضم العين. وكلها تصف النفج. # وعندما بدأ العام الدراسي، وكنا في السنة الثانية من الدراسة الثانوية (تقابل الشهادة ~~الإعدادية حاليا)؛ كان في فصلي القديم تغيير لا شك فيه. كان يجلس إلى جواري غلام ضئيل ~~الحجم، أسمر البشرة إلى حد بعيد، اسمه أحمد قادوم، وكان ذلك مصدر سخرية للطلبة، وكان بعضهم ~~يدعوه «بالشاكوش»، وكنت أتصور أن اسمه تحريف للصفة قدوم بمعنى سريع القدوم أو مقدام، ~~على غرار صيغة عطوف وخئون، وكان أبوه يعمل معاونا بأحد المساجد ويرتدي العمة والجبة ~~والقفطان، ومن تحته الكاكولا، وكان لديه ستة إخوة وأخوات، وكان مجدا في دروسه ويؤمن ~~بنظام دقيق في استثمار وقته في حفظ الدروس؛ فهو لا يؤمن مثلما كنت أومن بضرورة قراءة الصحف ~~والكتب غير المدرسية؛ لأنها كانت في نظره مضيعة صريحة للوقت، وكان لدينا في الفصل نفسه تلميذ ~~يكبرنا بعدة سنوات؛ لأنه لم يلتحق بالمدرسة إلا بعد الانتهاء من حفظ القرآن، ms029 فكنا نسميه الشيخ ~~نجيب عبد الحليم، وكان سعيدا بالتسمية، وكان يجلس في الصفوف الأخيرة مع اثنين من الكبار ~~(وكانا في نحو الخامسة عشرة )، هما إبراهيم شحتوت، وإبراهيم عثمان. وكان كلاهما من لاعبي كرة ~~القدم المهرة، وإذا كان نجيب خفيض الصوت رزينا، فإن كلا منهما كان عالي الصوت جهيرا، ~~وكانا يشتركان أيضا في طول شعر الرأس وتصفيفه. ومن الأسماء التي راعتني شخص من إدكو اسمه ~~«قاقا» (تنطق ءاءا)، يجلس بجوار تلميذ من أهل البلد اسمه «مطش» (وهو اسم العائلة التي ~~تعمل بصناعة الأخشاب). كما كان من نوابغ الفصل شاب يميل إلى الطول اسمه خميس سعد خضر (الذي ~~أصبح فيما بعد أستاذا في حقوق القاهرة)، وكنت أسمع عن وجود نابغة في سنة تانية «ب» اسمه ~~مصطفى الجمال، من «البر التاني» أي من محافظة الغربية قبل أن ينقسم الجزء الشمالي ويصبح ~~محافظة كفر الشيخ، وكان يعبر النيل في قارب كل يوم قادما إلى المدرسة وعائدا منها (وقد ~~أصبح فيما بعد أستاذا في حقوق الإسكندرية مع ابن عمه عبد الحميد الذي أصبح عميدا للكلية ~~نفسها). # أما التغيير الذي أحسسته فهو وجود موضوعات «سرية» يختص بها الكبار، ولا يسمح ~~للصغار الجالسين في الصفوف الأولى بالاستماع إليها، ناهيك بالمشاركة فيها. وبدأ عدد من الصغار ~~في محاولة استكشاف هذه الموضوعات، ويبدو أن بعض الأساتذة كانوا على علم بها، ويشيرون إليها ~~باسم «الشقاوة» ويحذرون الفصل عموما منها، لكنني لم أشهد لا في المدرسة ولا خارجها ما يدل ~~على «شقاوة» هؤلاء الكبار، بل إن الشيخ نجيب نفسه كان يشارك في الحديث مع الكبار في حلقات، ~~وكانوا يطربون لسماع فتاواه! وتصورت أن وسيلتي لقهر الكبار هي الجد والعمل، ولاحت لي ~~فرصة لإثبات ذلك حين عقد مدرس اللغة العربية الأستاذ عبد الفتاح خطاب مسابقة لنا في كتابة ~~الإنشاء، وكان الموضوع هو مظاهر الجمال في البر والبحر بالليل والنهار! وكنت شبه واثق من ~~فوزي بالمركز الأول، ولكن الذي فاز هو الشيخ نجيب، وقال المدرس وهو يعلن النتيجة في اليوم ~~التالي: «لقد تساوت ms030 الكفتان، ولكن الآيات القرآنية رجحت كفة الشيخ عبد الحليم»، وهي ~~الهزيمة التي علمتني ما يريده أساتذة العربية. # وذات يوم تأخرت في العودة إلى المنزل؛ لأنني كنت مشاركا في جمعية الرسم، وكنا نقضي ~~الوقت في غرفة فسيحة تحولت إلى مرسم في الدور العلوي، وكانت الغرفة تدخلها الشمس بعد ~~الظهر، وبها مرآة ضخمة، ولا أدري ما الذي جعلني أقترب من المرآة، وأتأمل وجهي فإذا بسواد ~~ينتشر تحت أنفي ظننته أول الأمر من ألوان الرسم، وكدت أحاول أن أزيله، لولا أنني عندما ~~دققت النظر شاهدت زغبا كثيفا يكاد أن يكون شعرا! وأحسست بالخوف والفرحة معا، فأنا ~~تجاوزت الثانية عشرة وربما بلغت مبلغ الرجال دون أن أدري! ودخل الغرفة فجأة إبراهيم عثمان، ~~وكان فنانا موهوبا، وكان مدرس الرسم مفيد تاوضروس (الذي حذرنا من هجاء اسمه تادرس) يقول ~~إن إبراهيم لديه من الصبر ما يجعله فنانا، ونظر إبراهيم إلي وقال بطريقة عابرة: «أنت طلع ~~لك شنب! احلقه!» وأحسست كأن الرعدة تسري في أوصالي، ولم أعقب، بل عدت إلى اللوحة التي ~~كنت أرسمها ونسيت الوقت حتى دخل الأستاذ مفيد وصاح بي: «اللوحة خلصت! لازم تبوظها؟» وقال ~~إن عيبي أنني لا أعرف متى أتوقف! وأبديت الأسف وعدت إلى المنزل. # وفي اليوم التالي أحسست أن في الفصل همسات تتعلق بي، وضحكات مكتومة، وفجأة قبل أن ~~يدخل المدرس بلحظات وجه إبراهيم شحتوت الخطاب إلي قائلا: «أنت جالك زردق؟» وارتفعت ~~في مؤخرة الفصل ضحكات عالية، ولم يتح لي أن أسأل من هو زردق، وإن كان اسما معروفا ~~لأسرة تعمل بنشر الأخشاب وإعدادها للنجارة في حي «قبلي». وشغلت بموضوع زردق طيلة ~~النهار، حتى إنني كنت لا أستطيع التركيز في الدرس. وعندما انتهى اليوم الدراسي عدت في طريق ~~المنزل شاردا، أفكر في حل ذلك اللغز، وكنت مارا في طريق السوق على مقهى صاخب يصدح فيه عبد ~~الوهاب بأغنية الجندول، وتسمرت في مكاني! كانت الألحان قاهرة، والكلمات باهرة، واللحظة ~~نفسها ساحرة! وناداني عامل المقهى ودعاني إلى الجلوس، ولكنني شكرته وانصرفت. وعندما وصلت إلى ms031 ~~المنزل أحسست بعزوف عن الجميع، فأبدلت ملابسي وارتديت الجلباب وخرجت. كان في نفسي حزن ~~غريب، حزن له جمال ورقة، دفعني إلى شاطئ النيل ، بدلا من «السكة الزراعية» وهي الطريق الذي ~~يمر بين الحقول ثم يفضي إلى الصحراء، وظللت أسير وأبيات من الشعر تتزاحم في ذهني، كان ~~أولها من أبي العلاء: # عللاني فإن بيض الأماني # فنيت والظلام ليس بفاني # وسمعت الصوت الداخلي ينشد أبياتا أخرى وأخرى، حتى انتهيت إلى: # يا شاطئ النيل هل أشجتك أنغامي # وهل سمعت صدى شدوي وآلامي # وهل سمعت ترانيما معذبة # تفيض من خاطر يحيا بأوهام # واستقرت في داخلي إيقاعات عزيز أباظة وأحسست براحة عميقة لا علاقة لها بمعاني الكلمات، ~~وعندما آذنت الشمس بالمغيب قفلت عائدا وأنا أستمع إلى الصوت الداخلي ينشد: # يا شاطئ النيل هل أشجتك أنغامي # وهل سمعت صدى شدوي وآلامي # وهل سمعت ترانيما معذبة # تفيض من خاطر يحيا بأوهام # وحاولت أن أزيد فلم أفلح، ولم تكن علي واجبات مدرسية، فقضيت بقية المساء أقرأ الشعر ~~حتى غلبني النوم. # وقد اكتشفت في الأيام التالية معنى «زردق»، لكنني لم أشف غليل السائلين أو أفصح لهم ~~عما حدث لي أو يحدث لي؛ فقد كنت مشغولا أيضا بما يحدث في مصر منذ أن بدأت أقرأ الصحف، ~~وأستمع إلى نشرات الأخبار، وأتردد على شعبة الإخوان المسلمين. # كانت الصحف غاصة بأخبار قضية «الأسلحة الفاسدة»، وهي القضية التي أثارها إحسان عبد ~~القدوس في مجلة «روز اليوسف»، وكثيرا ما كانت المجلة تصل إلينا في رشيد قبل أن تصادر ~~أعدادها في القاهرة، فكنا نقرأ ما لا يقرؤه القاهريون، وكانت أحيانا تصل وقد شطب الرقيب ~~فقرات أو مقالات كاملة، وكان الهجوم شديدا على الفساد في الحكومة، وعندما وقعت مذبحة الشرطة ~~في قناة السويس (على أيدي الإنجليز) كان الهجوم لا يتوقف على فؤاد سراج الدين باشا وزير ~~الداخلية، الذي أمر الشرطة بالمقاومة وهم لا قبل لهم بها، وكان الهجوم يصيب أيضا السيدة ~~زينب الوكيل حرم النحاس باشا، وأحمد عبود باشا، صاحب شركات السكر والبواخر، وفرغلي باشا ~~تاجر ms032 القطن، وباختصار كبار الرأسماليين وأصحاب الأراضي الشاسعة مثل البدراوي عاشور وغيره. ~~وكان الأستاذ أنيس مدرس الجغرافيا قد قدم لنا تصوره عن الفرق بين الرأسمالية والشيوعية، ~~فقال إن الأولى تتميز بملكية الأفراد لوسائل الإنتاج، والثانية بملكية الدولة لها، أما ~~الاشتراكية فهي تملك العمال أنفسهم مصانعهم أو مزارعهم؛ ولذلك فهي تجعل العامل هو نفسه ~~صاحب العمل؛ مما يجعله حريصا على نجاحه وصيانته وتطويره. وقال لنا إن العدل الحقيقي هو أن ~~يكون الأجر جزءا من المكسب، وأن يشرف العمال على رعاية أنفسهم صحيا واجتماعيا، وأن ~~تتحدد الأجور تبعا للعمل كما وكيفا، لا على أساس الامتلاك الذي يولد الاستغلال. وكان ~~عبد المنعم درويش (واسمه الأصلي «الصباغ») رحمه الله مدرس التاريخ يقارن نفسه بمصطفى ~~النحاس الذي ضحكت له الدنيا؛ لأنه دخل كلية الحقوق فأصبح قاضيا وسياسيا مرموقا، يرتدي ~~رباط عنق بثلاثة جنيهات، بينما دخل هو كلية الآداب فأصبح مدرسا يرتدي رباط عنق «بعشرة صاغ ~~من على الرصيف!» # ولما كان عطشي للقراءة لا يكاد يرتوي، لجأت إلى حيلة فريدة، فكنت أذهب إلى عطار في ~~السوق الرئيسية اسمه أمين البحة (بتشديد الحاء)، وأقترض منه حزمة من المجلات القديمة التي ~~تباع بالوزن لاستخدامها في بيع العطارة، وكنت أقرؤها ثم أعيدها مقابل نصف قرش فقط، فكنت آتي ~~«بالمصور» و«الاثنين» و«آخر ساعة»، ومجلة الراديو القديمة وبعض الصحف أيضا، وكنت أبدأ بقراءة ~~القصص والشعر، ثم آتي على التحقيقات الصحفية والتعليقات والأخبار التي تكون قد فقدت قيمتها. ~~ولكن الاكتشاف الذي كانت له أكبر قيمة هو مخزن «المقتطف» و«الهلال» و«الكاتب المصري» ~~و«الكتاب» (التي كان يحررها عادل الغضبان) في الطابق العلوي. كانت تنتمي لا شك لأخوالي ~~باستثناء «الكتاب» التي كان والدي يشتريها بانتظام، وفيها وجدت مادة خصبة لخيالي، وقصصا ~~بأقلام مشاهير المستقبل، وأشعارا لناجي والمازني ومحمود عماد؛ ممن كنا نجهل شعرهم في ~~المدرسة. وأذكر من أسماء دار الهلال التي كانت تصادفني كثيرا بنت الشاطئ وأمير بقطر وطاهر ~~الطناحي وعباس علام ووليم باسيلي وصوفي عبد الله وأبو بثينة (الزجال). # كان صيف 1951 ممتعا، لم يعكره ms033 لغز زردق (وقد اكتشفت أنه لم يكن زارني كما توهم ~~«الكبار»)، بل كان الصيف رحلة دائبة لا تنقطع على صفحات الكتب والمجلات، وفي العصر كنا نخرج ~~أنا والزملاء للنزهة على الطريق الزراعي الذي تحيطه الكثبان الرملية على الجانبين، ثم نعود ~~فنتوقف قليلا عند «سينما رشيد»، وهو مبنى قديم كان يستخدم جراجا لشاحنات الجيش البريطاني، ~~ثم اشتراه أحد التجار وحوله إلى دار للسينما، ولكن التذاكر كانت غالية، فكرسي البلكون ~~رسميا بتسعة قروش ووديا بستة ونصف، ومنتصف الصالة رسميا بستة ونصف ووديا بقرشين ونصف، ~~أما مقدمة الصالة فهي دكك خشبية خشنة، رسميا بقرشين ونصف، ووديا بقرش صاغ واحد. وكان ~~الفيلم الذي استمر عرضه طويلا وكنا نقف خارج السينما للاستماع إلى أغانيه هو «غزل البنات» ~~دون أن ندفع شيئا، وكان «الكبار» من زملائي يقفون وهم يذرفون الدموع مع أغنية عبد الوهاب ~~الأخيرة «عاشق الروح»، لكنني لم أكن أشاركهم التأثر. # كان والدي في هذه الأثناء يذهب إلى فرع الشركة بالإسكندرية (وكان يسمى المكتب) وكان يعمل ~~معه أيضا عمي عبد المحسن وعمي أحمد، اللذان شاركا خالي بمقدار معين من المال، وكان والدي ~~يصطحبني أحيانا لقضاء أيام معه في الإسكندرية، وكنت أحب هذه الأيام، خصوصا ميل والدي إلى ~~الأكل في المطاعم، وفي وقت مبكر، فما إن تحل ساعة الغداء في الثانية عشرة حتى يقول لي ~~هيا! وكثيرا ما كنا نذهب إلى مطعم مصطفى درويش بائع الكباب، وكانت أشهى الوجبات لا يزيد ~~سعرها عن قروش معدودة. وكان والدي قد تحول اهتمامه أو تحول جانب من اهتمامه إلى الطيور ~~فصار يحدثني عن أنواعها وفصائلها، وخصائصها وألوانها وعاداتها، وكان يتحدث دائما بلهجة من ~~يشاركها حريتها وانطلاقها، وكثيرا ما كان يقضي الوقت في قراءة كتب الطيور الأجنبية في ساعات ~~العمل بالمكتب، أو في رسم صورها الملونة، وجمع المادة الخاصة بالطيور التي تزور مصر، وقد ~~نمت تلك النزعة لديه حتى أصبح يمتلك مكتبة خاصة بالطيور يزيد عدد الكتب فيها عن ألف كتاب ~~بالإنجليزية، ثم وضع المادة في صورة كتاب قام بتلوين ms034 لوحاته بنفسه، واستغرق منه عشرين ~~سنة. # 5 # عندما عدت إلى المدرسة (الثالثة الثانوية) كانت قراءاتي قد تشعبت واتضح تأثير لغة ~~الصحافة في معظم ما أكتب، فقلت الزركشة اللفظية بعض الشيء، وقل الاستشهاد بالشعر، وكان ~~ذلك يجري دون وعي كامل مني، ولكنني اكتشفته فيما بعد عندما قرأت الخطابات التي كنت أرسلها ~~إلى صلاح الخطيب ابن خالتي، في الجيزة. وكان أهم كنزين في حوزتي هما ديوان «الهوى والشباب» ~~للأخطل الصغير، وديوان «شرق وغرب» لعلي محمود طه، وكان يجلس إلى جواري في الفصل تلميذ نابه ~~اسمه طلعت لبيب عزيز، وكان هو مندوب مجلة «سندباد» في رشيد، وكانت صورته تظهر كثيرا في تلك ~~المجلة، والغريب أنني لم أكن أغار منه مطلقا؛ ربما لأنني أتصور أن تلك المجلة هي حقا «مجلة ~~الأولاد في جميع البلاد» كما كان سعيد العريان يكتب على غلافها، وربما لأنني لم أكن أولي ~~النثر احتراما شديدا، ومع بداية العام حدث تطور لم أكن مستعدا له. # كنت واقفا في الفصل أهزل مع بعض الطلبة حين اقترب مني «طلعت الكسار» رحمه الله، وكان ~~يجلس في الصف الأول وقال لي بلهجة جادة تكاد تكون مخيفة: «إياك والضحك؛ فإنه يميت القلب»، ~~فسألته عما يعني، فقال إنك الآن تنتمي لجماعة جادة ولا بد أن تتسم بالرزانة والرصانة في ~~كل سلوكك. فأنت مراقب. وسكت. وفي ساعة الغداء سألته عما يعني، فقال إن الزملاء في جماعة ~~الإخوان لاحظوا أنني أحب الضحك والتلاعب بالألفاظ، وهذا لا يليق بعضو الجمعية. وأضاف ~~قائلا احضر اليوم إلى الشعبة بعد صلاة العصر لتعرف ما أعني. # وذهبت إلى الشعبة فوجدت لفيفا من تلاميذ المدرسة، ~~لا تزيد أعمارهم عن الخامسة عشرة، ولم أكن أنا قد بلغت الثالثة عشرة، جالسين في حلقة كأنما ~~ليتدارسوا أمرا ما، وكان بينهم أحمد مطش، وطلعت الكسار، وعدد آخر من الصغار؛ بعضهم من الفصل ~~نفسه، والبعض الآخر توقف عن الدراسة، وإن استمرت معهم الصداقة، وشخص آخر يدعى عزت شحاتة، ~~وكانوا ينادونه باسم الشيخ شحاتة؛ لأن والده كان أزهريا، وقد ورث اللقب ms035 عن والده. وبعد أن ~~حدثنا طلعت عن تعليمات الإمام الشهيد بالتزام الجد والوقار، وأن ذلك أساس قهر أعداء ~~البلد، وضرورة استكمال التدريب العسكري للذهاب إلى القناة، وكنا قد بدأنا نتدرب فعلا على ~~مبادئ استعمال الأسلحة، ونحلم بالشهادة، قال إن الكتائب هي عصب الإخوان، والقتال لا يكون أبدا ~~مع الهزل والسخرية، وخصوصا من الإخوان، وأشار إلي وقال: «مثلما يفعل الأخ عناني». وحاولت ~~الرد ولكن الشيخ عزت أسكتني وقال لي لا تقاطع ولا تعترض. واستمر طلعت يقول إن محمد الفرس ~~(الذي أصبح فيما بعد أستاذا في كلية العلوم، جامعة الإسكندرية) أخطأ في اللغة، فإذا بعناني ~~بدلا من أن يؤيده، يقول «إن الفرس كسر العربية»، مما أدى إلى سخرية الفصل منه، واهتزاز ~~صورة الجماعة بين الناس. # ودخل في هذه اللحظة قطبان من أقطاب الجماعة؛ هما عبد المنعم شتا الذي كان يدرس بالمعهد ~~الأزهري في الإسكندرية، وأخوه عبد السلام الذي كان يشاركنا الفصل نفسه. وسلما وجلسا، ولا ~~شك أنهما كانا يعلمان بما دار، فقال الأكبر: «هل وصلتم إلى قرار؟» وقال الشيخ عزت: «لقد وعد ~~عناني بعدم العودة للهزل مطلقا، وعدم قزقزة اللب والأكل في الشارع، وهو يعرف جيدا أن ~~تكرار ذلك سيؤدي إلى فصله.» وسرت همهمة بين الجميع تبينت فيها حروف «لا لا .. لا قدر ~~الله!» ووجدتني أتصبب عرقا من فرط الحرج والدهشة. كنت كلما هممت أن أتحدث أسكتني ~~عزت، وغمز لي من تحت منظاره السميك غمزة معناها «اصبر .. أنا معك!» وبدا كأن عبد المنعم شتا ~~يتنفس الصعداء حين قال: «الحمد الله! هذا ما قاله لي حرفوش (الذي كان يدرس الطب في ~~الإسكندرية)، وأحمد قنديل (الذي دخل الطب بعده بسنة) فهما يثنيان على ما يحفظه عناني من ~~القرآن وعلى تفوقه». وفجأة نهض الجميع. كنت ذاهلا غير مصدق! إدانة بغير دفاع؛ والأدهى ~~من ذلك أنهم كانوا يتحدثون في الموضوع دون علمي ويتخذون القرارات الملزمة لي خلف ظهري. لا ~~أضحك؟ ولا أقزقز اللب؟ وذهبت من فوري إلى السيد بلال (واسمه الحقيقي عبد الفتاح يوسف بلال) وهو ms036 ~~زميل في نفس السنة، ولكن في فصل آخر حيث كان يجلس في وكالة الفاكهة بشارع السوق، وكنت ~~مهموما وأريد الحديث ، وقصصت عليه ما جرى. # استقبلني السيد بلال بترحاب شديد وفرح لنجاتي من براثن هؤلاء، وقال دون مبالاة: «هل ~~يظنون أنهم قادرون على التحكم في عباد الله؟ لا تأبه لهم!» وعندما رآنا عبد الفتاح أمان ~~(بتفخيم الألفين مثل الكلمة التركية) جاء يستطلع الخبر، وكان يجلس في دكان أخيه سعيد الكاتب ~~العمومي، وكان تعليقه «ولا يهمك!» وأضاف: «ما الذي يجعلك تذهب إلى الشعبة؟ للعب البنج بونج؟ ~~العب في المدرسة يا أخي! أم من أجل النزهة في القارب والسباحة في البحر؟ دعهم يتمتعون ~~بعبوسهم! لم لا تعود إلى كرة القدم؟» وكأنما أتى الفرج بعدة الشدة، فقررت ألا أفصح عما ~~دار في تلك الجلسة، ولا أعتقد أن أحدا أفصح عنها قبل اليوم، وأن أتظاهر بأنها لم تحدث، مع ~~الامتناع عن زيارة الشعبة والعودة إلى فريق كرة القدم الخاص بنا في «المنشر»! # كان لبلدية رشيد فريق رسمي أذكر من أعضائه حارس ~~المرمى واسمه عبد المنعم (وكنيته «الناعم» وهو ميكانيكي) وعلي عرفة وسعد عرفة (توءمان) وعبد ~~المنعم السنوسي، وإبراهيم عثمان وأخاه الأصغر علي عثمان، وكان يشترك معهم بصفة غير منتظمة بعض ~~طلبة المدرسة النابهين مثل صلاح جلال (الأستاذ حاليا في زراعة القاهرة) وعبد الحميد الجندي، ~~وغيرهم. ولكننا كنا متواضعين في طموحاتنا فلم نهزم أبدا مدرسة دمنهور الثانوية، وعندما جاءنا ~~مدرس لغة فرنسية اسمه حسان المغربي الذي كان يلعب لفريق الأوليمبي السكندري، قررنا ضمه ~~للفريق رغم فارق السن؛ إذ كان قد تجاوز العشرين وكلنا دونها كثيرا. # وفي 26 يناير 1952م، وكنا في عطلة نصف العام، وقع ~~حريق القاهرة، وكثرت الهمهمات في رشيد عن أسباب الحريق ومن وراءه، وتضاربت الروايات، ثم ~~تعطلت الدراسة من جديد، وعندما عدنا للدراسة كان عزمي قد استقر على ممارسة الكتابة. وسمعت ~~إعلانا في الإذاعة عن مسابقة لكتابة قصة بين الشباب «تعالج مشكلة الطلاق» وتصورت أن ~~«معالجة» تعني إيجاد علاج، فجعلت أفكر في حل ms037 لمشكلة لا أعرفها؛ فكل ما عرفته عن ~~الطلاق مستقى من روايات عصمت بدر الدين، التي تربطنا بها صلة قرابة بعيدة، وكانت تأتي ~~لزيارتنا وتقص على والدتي قصصا ممتعة عن علاقاتها المتعددة مع أزواجها. كانت تروي ما يحدث ~~بينها وبين كل زوج بأسلوب يمزج بين الحوار والسرد، وخصوصا ما نسميه البلاغة بالالتفات أي ~~تغيير ضمير المتحدث من متكلم إلى غائب وهكذا. وما زلت أذكر استعمالها لصيغة الأمر في رواية ~~خناقة زوجية: «حست زينب إن جوزها مزمزأ. بس! قومي يا زينب حطي حلة الملوخية في الحوض، ~~وادلقيها وفوقها الدمعة، وقولي لي مطرح ما تحط راسك حط رجليك، وخدي هدومك وعلى ماما. ~~وعنها لحد الوقت غضبانة.» # وكتبت إحدى روايات عصمت، ولكنها كانت تصف وتسرد دون أن تشفي الغليل، فلجأت لخالتي ~~الحاجة لطيفة التي لم تكن تكبرني كثيرا وكانت قارئة ممتازة، وسرعان ما عثرت على نقاط الضعف ~~في القصة، وجاءتني في اليوم التالي بقصة بارعة مثل قصص المحترفين جعلتني أمزق قصتي وأنسى ~~موضوع المسابقة. كانت تصف وتسرد أيضا، دون حل للمشكلة بمفهومي الساذج، ولكنها كانت تنبض ~~بالحياة، وتخلو تماما من الزركشة اللفظية التي لم أكن قد برئت منها، وتصور قداسة العلاقة ~~الزوجية بسخونة لم أعثر على مثيل لها إلا في كتابات «هنري جيمس» بعد ذلك بسنوات طويلة. # النثر إذن صعب. كنت في الشعر أجد شكلا ثابتا على الأقل. فوجود قافية ووجود وزن يهبان ~~الكتابة شكلا مميزا، أما كتابة النثر فلم أكن أدري لها شكلا. وذات يوم عثرت على كتاب ~~مبسط بالإنجليزية يحكي قصص ألف ليلة وليلة، ومكتوب عليه ترجمة «ريتشارد بيرتون» واختصار ~~وتبسيط «مايكل وست». كان ينتمي لأحد أخوالي ولا شك. وعندما شرعت في قراءته لم تستوقفني كلمات ~~جديدة (مما نسميه الكلمات الصعبة) فإذا بي أسير فيه حثيثا إلى آخره. وتساءلت إذا كان الملخص ~~المبسط بهذا الجمال فما بالك بالأصل! وأين عساه يكون الأصل؟ كانت الحكايات شائقة وممتعة. ~~وتذكرت الحكايات التي كانت تحكيها لي أم سعد وأم إبراهيم، اللتان كانتا تقومان بخبز «العيش ~~البيتي» ms038 لنا مرة كل ثلاثة أسابيع في فرن المنزل القديم، والقصص التي حكتها لي والدتي ~~وجدتي، وحاولت أن أكتب إحداها، وكانت تتعلق «بأمنا الغولة» ومحاولتها التهام الأطفال، وخرجت ~~المحاولة مضحكة، وحاولت كتابة قصة أخرى اسمها «القصر المنشي في الهوا يمشي» تتضمن أكل ~~لحوم الأطفال، ووضع أرواح الأحياء في زجاجات وتعليقها على الشجر في الحديقة، ولم تكن ~~النتيجة أفضل. وحاولت مرة أخرى؛ قصة «ماء الحياة» عن أميرة تحبس خطابها وتذيقهم مر ~~الهوان، وأخرى عن «الطائر الذهبي» (الطيرة الدهب) وأبناء السلطان وسياحتهم في الأرض وما ~~شاهدوه من ألوان السحر، وأخرى بعنوان «مطاوع أمه» الذي تزوجت أخواته من أسد وضبع وثعبان، ~~وجاءت جيوش النمل لمساعدته، والكلاب وسحلية بارعة في صناعة الملابس، وكنت كلما أحاول الكتابة ~~أصدم بالعقبة الكبرى وهي تحويل العامية إلى فصحى. لم تكن العقبة تتمثل في إيجاد المقابل، ~~فالمقابل يسير - مثلا «مزمزأ» في عبارة عصمت في الفقرة الأخيرة قد تساوي كلمة متبرم أو ~~ضجر، أو يوشك أن يبدأ شجارا، ولكن أيا من هذه المقابلات لن تكون في قوة «الزمزأة»، ~~و«يدلق» تساوي يسكب، ولكن شتان، أما المثل الشعبي «مطرح ما تحط راسك حط رجليك» فلن ~~يساوي أبدا مقابله بالفصحى «حتى لو انقلبت رأسا على عقب!» لا. ليست المشكلة في موازاة ~~المعنى، بل في شيء آخر فشلت في تحديد كنهه، ولم أكن أجرؤ على تفادي المشكلة برمتها بأن ~~أكتب الحكاية العامية! كانت العامية آنذاك أبعد ما تكون عن منزلة الأدب! # وقد شغلني موضوع العامية شهورا؛ لأنني كنت أستمع بشغف إلى حكايات الناس في المسجد، ~~وأتمنى أن أكتبها؛ فمعظمها يصلح قصصا خيالية مثل ألف ليلة وليلة، خصوصا حكايات «جنايني» ~~(بستاني) اسمه ظفر (ولم أعرف له اسما آخر) إذ كانت جعبته حافلة دائما، وكان يروي ~~مغامراته أثناء قضائه فترة التجنيد الإجباري في فرقة ضربت خيامها في منطقة قناة السويس، ~~وكان يقص علينا كيف كان هو وزملاؤه يسرقون المؤن والذخائر من الإنجليز، وكيف يحفرون ~~السراديب والخنادق ويضعون اللون الأسود على وجوههم حتى لا يراهم الأعداء، وكيف سرقوا ms039 ذات يوم ~~دبابة كاملة! (وكم كانت دهشتي حين كبرت وقرأت الطبري - تاريخ الرسل والملوك - فوجدت الكلمة ~~نفسها بمعنى آلة الحرب التي تدق الحصون ويختبئ فيها الرجال في الجزء الرابع!) كانت أقاصيصه ~~تصلح مادة للتاريخ والأدب جميعا، وقد خرج علينا محمد حسنين هيكل في «ملفات السويس» بتفسير ~~لها يقول إن الإنجليز كانوا على علم بالسرقات وكانوا يسهلونها للمصريين بغية الضغط على ~~حكومتهم للجلاء عن القاعدة. على أي حال، كانت القصص بالعامية وتحويلها للفصحى يفقدها شيئا ~~كنت أجهله، وأعرف الآن أنه، بلغة النقد الحديث، البعد الثقافي، فالثقافة ذات ارتباط وثيق ~~بالزمان والمكان، والإحالة إلى الفصحى تحيل القارئ إلى مكان آخر وزمان بعيد! ولذلك فأنا ~~أقول هذه الأيام إن الترجمة إلى العامية من لغة أجنبية أقرب إلى التمصير والتحديث منها إلى ~~الترجمة. # وعندما اكتشف تلاميذ الفصل ثالثة «ب» أنني ذو ولع بالكتابة واللغة العربية، قالوا لي ~~إن إمام الفصحى في المدرسة طالب اسمه فوزي أبو العلا، فهو خطيب مفلق، ومتحدث ذو بيان ~~ساحر، وإن علي إن شئت الاستزادة أن أصادقه. ولكن فوزي كان يصادق تلاميذ من الكبار، ~~ويستنكف مصادقة الأوائل العاكفين على الدروس، فكنت أقترب منه حذرا فأسمعه يغني لأم كلثوم، ~~أو ينشد شعر شوقي الذي تغنيه، أو يكتب على السبورة في مدخل المدرسة أبياتا لشوقي يغنيها ~~عبد الوهاب، وأذكر منها قصيدة دمشق. وحاولت الاقتراب ولاقيت الصدود، ونصحني سمير نور، ابن ~~أحد حلاقي الصحة الرئيسيين (الآخر هو مصطفى عابدين)، أن أطلعه على شيء من شعري، ~~وأومأت برأسي موافقا ولكن لم يكن لدي سوى البيتين القديمين، فأضفت إليهما بيتا هو: # هل كنت تسمع والأنسام تلعب بي # والليل يحضنني والبدر يرعاني # ودفعت بالأبيات الثلاثة إليه فأشرق وجهه، وقال لي: اليوم هو الخميس الأول من الشهر، ~~وأم كلثوم ستغني في الإذاعة ثلاث وصلات، أراهنك على أن الأغنية الأولى هي: ياللي كان ~~يشجيك أنيني (رامي والسنباطي)، والثانية هي النيل (شوقي والسنباطي)، فسألته: والثالثة؟ فضحك ~~وقال: نكون نمنا! وقلت له إنني لا أستطيع السهر لسماع أم كلثوم فتعجب ms040 وقال: تعال معنا إلى ~~كازينو أبو علفة! وكان ذلك مقهى ريفيا متواضعا أشد التواضع، يضع الكراسي على شاطئ ~~النيل، ويقدم الشيشة (النارجيلة) للزبائن والشاي المغلي (بنصف قرش) أو الشاي الكشري؛ أي ~~غير المغلي (بقرش كامل)، والقهوة للأغنياء (بقرش ونصف). # وذهبت للسهر مع الشلة، وكان ذلك بمثابة تخرجي من مرحلة الطفولة ومن الإخوان ومن حياة ~~العزلة، ولكن البعوض كان جائعا جوعا غير مسبوق، فجعل يمتص دمي وأنا صابر حتى إذا ~~بدأت قصيدة النيل عدت أدراجي، والمثل السائر يتردد في ذهني «ولا بد دون الشهد من إبر ~~النحل!» لم ينقطع صوت أم كلثوم المنبعث من المقاهي حتى وصلت المنزل ونمت هربا من آلام ~~البعوض، ولكن فرحتي بالتخرج أنستني كل شيء. وتمنيت لو من الله علي ببيت آخر أو ~~بيتين يؤكدان «أوراق الاعتماد»، ولكن القريحة كانت قد نضبت. # كان يوم الجمعة يوم راحة للجميع. وكانت والدتي لا تطبخ في هذا اليوم بل تعطيني عشرة ~~قروش أشتري بثمانية أو تسعة أقة سمك (1,248 كيلوجرام)، وآخذه إلى الفرن حيث يشوى بنصف ~~قرش، وأشتري بما يتبقى خضروات السلطة (طماطم وخيار وليمون وجرجير). كنت نسيت أحداث الليلة ~~البارحة، وإن كانت أنغام «ياللي كان يشجيك أنيني» ما تزال تصعد بي إلى السماء، واتجهت قبل ~~الصلاة إلى السوق لأشتري السمك، فإذا بفوزي أبو العلا مع الشلة يتسامرون، فخجلت أن أشتري ~~السمك أمامهم، وترددت كثيرا، ثم ذكرت أن ثمة سوقا أخرى للسمك في «قبلي» فذهبت إليها، ~~وصليت في مسجد آخر، وصنعت مثلما أصنع كل جمعة. ولكنني أحسست أن التخرج له ثمن أكبر من ~~طاقتي، خصوصا عندما طلب مني إبراهيم شحتوت، وهو من دعائم الشلة، أن أتخلى عن الجلباب وأرتدي ~~الحلة مثل بقية المحترمين! # فعلت مثلما فعلت مع الإخوان؛ إذ أظهرت الموافقة، وأضمرت الخلاف، وقررت أن أعود للحرية. ~~وانتهزت فرصة انتهاء العام الدراسي وعدم الحاجة إلى ارتداء البدلة صباحا، وأصبح الجلباب ~~هو زيي ليلا ونهارا. ولاحظت أن جدران البلدة ألصقت عليها صور شخص اسمه عبد الحليم حافظ، ~~فسألت سمير نور فقال ms041 إنه مطرب جديد، وذات يوم وكنا في يوليو 1952م رأيت في الصحيفة إشارة في ~~برنامج الإذاعة إلى أغنية اسمها «على قد الشوق»، فاتجهت إلى سمير نور، وكنا في مسجد المحلي ~~نصلي العصر، ها هو المطرب سوف يغني اليوم، فقال بثقة لا لا .. هذا خطأ .. الأغنية اسمها «على ~~مدد الشوف». وطبقا للقواعد الريفية أمن الباقون على كلامه، فلزمت الصمت، ثم انتظرت موعد ~~الأغنية وكانت كما جاء في الصحيفة. من هذا المطرب؟ # ولم تمض أيام حتى قامت الثورة، وبدأ الناس يتساءلون عما حدث، وقالت جدتي ماذا حدث للملك؟ ~~«حسرة على شبابه .. ملك ويعملوا فيه كده؟» وكنت أنا نفسي لا أدري ماذا حدث؛ فالصحف تصف ~~التأييد الشعبي الساحق، واللواء محمد نجيب يبتسم ابتسامته الساحرة، وعلي ماهر باشا مكلف ~~بتشكيل الوزارة الجديدة، ولا أحد يعرف ما يكون. وناداني أحد معارف والدي وكان يجلس إلى منضدة ~~صغيرة في مقهى كبير بشارع السوق وقال لي: «محمد أفندي! قل لي! الثورة دي حتعمل إيه؟ حتفتح ~~مطاعم مثلا؟» ولم أعرف ماذا أقول. قلت له إنها ستزيل الفساد وتصلح الأحوال. فرد في يأس ~~«يعني مش حتفتح مطاعم؟!» # 6 # كانت الثورة بمثابة الحدث العام الذي يرمز إلى الحدث الخاص؛ على عكس ما تعلمته فيما بعد ~~في النقد الأدبي! فطالما كنا في رشيد نحس كأننا بمعزل عن أحداث مصر، وكنا بالتأكيد بمنجى ~~من الكوارث التي تصيب العاصمة، مثل وباء الكوليرا الذي لم يقرب من البلد (لبعد الشقة!) أو ~~الحركات السياسية، ومصادمات جيش الاحتلال! كان «الكامبو» وهو معسكر الجيش الإنجليزي القديم ~~يواجه حديقة والدي «الأرض» أيام الحرب، ولكن كل من كانوا فيه، حسبما سمعت، قد تأقلموا على ~~الحياة الريفية التي هي أقرب إلى الحياة الصحراوية، رغم أنها «تعريفا» غير بدوية! كان الذي ~~يشرف على «الأرض» شخصا يدعى الحاج غضبان شعير (وغضبان اسم الشهرة، فاسمه الحقيقي محمد)، ~~وكانت كنيته «أبو سميح»، ومن هنا كانت زوجته تسمى «أم سميح» التي أبلغت والدي بنبأ أكل ~~الذئب للبطيخ. وأذكر من أولاده «سميح» (طبعا) الذي كان فارع ms042 الطول (194سم؛ وفقا لشهادة ~~التجنيد) وإسماعيل الذي كان يشرب اللبن من ضرع الجاموسة مباشرة، وسلومة التي كانت تكبرني ~~بعام، وفريحة (الكبرى) ثم «روضة» التي كانت تصغرني بعدة أعوام، ثم حسن، «هرطل»، وهو تحريف ~~«هتلر» الاسم الذي أطلقه عليه جنود «الكامبو» الإنجليز. وكان الجميع يعيشون في «الأرض» ~~ويتقاضون أجرا مقابل الحراسة والعمل الزراعي، إلى جانب مصاريف «الأرض» التي لم تكن حساباتها ~~تتميز دائما بالدقة والأمانة. وبمرور الأيام تزوج الكبار وتركوا الأرض، وأصبحت أم سميح ~~تستغل المساحات فيما بين الأشجار لزراعة الخضر، وتربية الدواجن، ولم يكن والدي راضيا عن ذلك، ~~بل كان من الأسباب التي دفعته إلى بيع «الأرض» في نهاية الأمر. # كان الهدوء الذي يخيم على رشيد ليلا ونهارا، ~~والجو الصافي، بسبب عدم وجود مصانع حديثة أو سيارات تخرج نفايات تلوث الجو، وسقوط ~~الأمطار في الشتاء، وقربها من البحر (بل إن مياه البحر كانت تدخل إلى النيل بعد انحسار الفيضان) ~~كان كل هذا مجتمعا، يساهم في خلق روح سلام واطمئنان يندر أن يعكره شيء. كما أن معرفة ~~الناس بعضهم بعضا كانت بمثابة الآصرة القوية التي يصعب فصمها، فلا مهرب لمذنب، ولا مكان ~~لمن يريد الاختباء! ولم تشهد البلد أي لون من «الصراع الطبقي» الذي امتلأت به أجهزة ~~الإعلام في عهد الثورة؛ فأكبر ملكية للأرض كانت سبعين فدانا، وهي أرض العمدة (غيط العمدة)، ~~وأكبر مصانع هي مصانع الطوب الأحمر (الآجر أو القرميد) على شاطئ النيل في أقصى الشمال التي ~~تملكها أسرة يونس وأسرة منسي. وهي حتى بمقاييس ذلك الوقت متواضعة القيمة. وكانت الحيازة ~~صغيرة قد لا تتجاوز قراريط وقد تصل إلى 15 فدانا، وكان يوجد على بعد عشرة كيلومترات تقريبا ~~غرب رشيد، على طريق الإسكندرية، مكان مخصص للمشاتل واستنبات البذور وإعداد التقاوي، وكان ~~يسمى «البصيلي»، وأعتقد أن الكلمة مشتقة من بصيلة وهي التي تستخدم في إنبات الزهور. ~~ويمتد الطريق بعدها فيما بين بحيرة إدكو والبحر المتوسط حتى المعمورة، مارا بطريق فرعي ~~يوصل إلى «أبو قير»، وعندما تبدأ الحدائق والمزارع الكبيرة في الظهور ms043 حتى نصل إلى المنتزه حيث ~~يوجد القصر الملكي. # ولذلك لم يكن أهل رشيد يحسون أن قانون الإصلاح الزراعي الأول الذي صدر بعد أسابيع من ~~قيام الثورة سوف يمسهم من قريب أو بعيد، وكان مشروع تجفيف بحيرة إدكو واستصلاحها الذي ~~بدأته حكومة الوفد يجري تنفيذه، وكان الأهالي يشترون قطعا صغيرة من الأراضي المستصلحة، مما ~~أدى إلى نشوء قرى ودساكر على طول طريق الإسكندرية، أصبحت محطات يقف عندها أوتوبيس رشيد، ~~فبعد كوبري الجدية، يمر «بالبصيلي» ثم «الطرح» ثم «الطلمبات» ثم «إدكو» ثم «المعدية» ثم ~~«المعمورة» «فالمنتزه» - والإسكندرية! وكما توحي أسماء هذه الأماكن، كان معظمها متصلا ~~بعمليات الاستصلاح، والاستزراع، وعند البصيلي يتفرع طريق يؤدي إلى قرية «الحماد» التي دارت ~~عندها موقعة رشيد الشهيرة عام 1807م - التي سنعود إليها. # كانت الثورة إذن مسألة بعيدة عن الحياة اليومية لأهل رشيد. كنا نسمع في الراديو: «ما خلاص ~~اتعدلت، والحالة اتبدلت، ولا حدش عاد، يشكي استبداد، من يوم ما اتعدلت والحالة ~~اتبدلت»، أو «ع الدوار ... بالأخبار قلبك يتهنى، كنا في نار وبقينا في جنة»، ولكنك لا تلمح ~~أثرا لإحساس بالتغيير أو إدراك لمعناه، كأنما كان الأمر يعني بلدا آخر وزمانا آخر! إلا، ~~وهذا هو المهم، في صفوف المدرسة الوحيدة التي أصبحت ثانوية قبل فترة قليلة؛ إذ كان بها من ~~يقرءون ويكتبون، وكان يأتيها المدرسون كل يوم من الإسكندرية في قطار الصباح ثم يعودون آخر ~~اليوم المدرسي. # في أول يوم من أيام الدراسة وقف الناظر للترحيب بالطلبة، وكان ضخما طويلا اسمه أحمد ~~السعيد جاد، وقال لنا إن الألقاب قد ألغيت، وعلينا ألا نقول للمدرس يا بيه، ولكن يا أستاذي أو ~~يا حضرة الأستاذ! وكان يلقي الأمر بأسلوب بث الخوف في النفوس، فكتمنا أنفاسنا ريثما ~~صعدنا إلى غرف الدراسة، وبدأت الهمهمة. كنا الآن في الرابعة، أي في سنة شهادة عامة هي شهادة ~~الثقافة، وامتحاناتها تعقد في الإسكندرية، على عكس امتحانات النقل التي تعقد داخل المدرسة. ~~ولكنها كانت سنة اختبار من نوع آخر؛ إذ كان «زردق» قد زار جميع الطلبة، ms044 ولم يعفني أنا ~~أيضا، فاستغل ذلك بعض الطلبة في طرح أسئلة على مدرس اللغة ظاهرها محاولة الاستفادة ~~(شروط الغسل وإزالة الحدث الأكبر)، وباطنها السخرية منه، كما كان لدينا طالب من إدكو اسمه ~~عبد الستار عبد الغفار شرف، يزعم الإحاطة التامة بالأمور التي كانت تهم الجميع في هذه ~~السن، ويتجمع حوله الطلبة بين الدروس وهو يصدر فتاواه وأحكامه. # ثم بدأنا دروس اللغة الإنجليزية، وكان المدرس جمال السنهوري قد تخرج لتوه في كلية ~~الآداب، شابا وسيما زاخرا بالحيوية والنشاط، وبعد أن أخضع الجميع له بنكاته «وقفشاته»، ~~بدأ يحدثنا عما يهمنا جميعا خارج موضوع «زردق» وإن كان يتصل به من قريب، ألا وهو الحب، ~~أو العلاقة بين الرجل والمرأة. كان الغريب أنه يتحدث الإنجليزية المبسطة التي كان معظمنا ~~يفهمها، وهو ما لم نشهده من قبل، بل إنه منع الحديث بالعربية أثناء الحصة تماما، مما كان له ~~تأثير الصدمة على البعض، فإن انتهك أحد تلك القاعدة أحاله إلى الناظر، وما أدراك ما الإحالة ~~إلى الناظر! كانت تعني - دون تحقيق في الأمر أو دفاع - بأن «يعبط» المذنب، أي أن «يعبطه» ~~(بمعنى يحتضنه) أحد الفراشين، ثم يضربه الناظر بالخرزانة على «ذنبه» (أي على مؤخرته)! أما ~~الفارق الوحيد بين العقوبة المغلظة والعقوبة المخففة فلم يكن عدد الضربات، بل مكان توقيع ~~العقوبة، فالمغلظة تجري علنا أمام الطلبة، وفي ذلك ما فيه من إهانة. والغريب أيضا ألا ~~ينتهك أحد ذلك القانون الذي وضعه السنهوري، فكان من لا يستطيع أو قل من لا تواتيه الجرأة ~~على النطق بالإنجليزية يخلد إلى الصمت. # وحدثنا السنهوري عن عقدة أوديب، وعن فرويد، وعن ~~داروين، وأسهب وأفاض فيما لم يخطر لنا على بال. ولم تمض شهور حتى أصبحنا نتحدث عن تحرير ~~المرأة؛ أولا بتمكينها من التعليم، ومن العمل جنبا إلى جنب مع الرجل، وأذكر أنه عندما ذكر ~~ذلك التعبير بالإنجليزية قلت له أسأله: تعني أن تعمل المرأة قريبا من الرجل؟ فقال # not too close ~~، وضحك، ولم نفهم النكتة، ولكنني ضحكت مجاراة ~~له فظنني الطلبة قد ms045 فهمت وأقبلوا علي يسألونني بعد الدرس. وتمنعت عن الإجابة، فالصمت ~~منجاة في حالة الجهل. # وقرر جمال السنهوري إنشاء جمعية للتمثيل بالعربية وبالإنجليزية! كان هو رمز الثورة التي ~~اجتاحت المدرسة، وعلى الفور بدأنا العمل، وبرز في التدريبات المسرحية مهرج بالفطرة اسمه ~~فؤاد خضر، كان أبوه شيخا للبلد، وكان «مرحا» بالمعنى الحديث، وشخص آخر يسمى «بشخر» ~~(واسمه الأصلي محمد جلال)، وسرعان ما قدمنا حفلا متواضعا في نصف العام يتضمن مسرحية ~~أعدها بنفسه عن قصة قرأها في إحدى الصحف، بالتعاون مع مدرس لغة إنجليزية آخر هو عصمت والي ~~(الدكتور حاليا)، وتولى إخراجها بنفسه. ومن الطبيعي أن تلاقي «إسلام عمر» (وهذا هو اسم ~~المسرحية) ترحيبا شديدا من الجميع، خصوصا من أهالي البلد الذين كانوا يشاهدون المسرح لأول ~~مرة في حياتهم، وكنت أقوم فيها بدور «أبي جهل»، ولم يكن مسموحا بتمثيل الخلفاء على المسرح، ~~فكان السنهوري نفسه يقوم بدور الراوي الذي يملأ الفراغات (بمعنى الثغرات) في الأحداث، ويروي ~~كلام عمر بن الخطاب بلهجة إذاعية جذابة. # وفي بداية الفصل الدراسي الثاني سمعنا أن رجال الثورة مهتمون بموقعة رشيد، التي انتصر ~~فيها أهل البلد على حملة فريزر، وأنهم قرروا زيارة رشيد لحضور الاحتفال الذي يقام يوم 31 مارس 1953م بهذه المناسبة. ومن ~~ثم جمعنا الأستاذ عبد المقصود الطيباني مدرس التاريخ، وهو من أبناء رشيد، من أسرة تعمل ~~بتجارة الحبوب؛ ليقص علينا قصة هذا الانتصار كما وردت في الجبرتي وعبد الرحمن الرافعي ~~(باختصار) وليلهب مشاعرنا التي كانت قد بدأت تستجيب للروح الوطنية التي كانت تسود ~~الجميع. # وموجز القصة هو أن الحملة الفرنسية فتحت عيون ~~الغرب على الشرق، وبدأ الاهتمام غير المسبوق بمنطقة الشرق الأوسط التي كانت تسمى الشرق ~~الأدنى، خصوصا بولايات الدولة العثمانية (رجل أوروبا المريض) التي كانت الدول البحرية ~~تتنازع على امتلاكها أو وراثتها، وعلى رأسها إنجلترا وفرنسا. فما إن رحل نابليون، ورحلت ~~الحملة الفرنسية عام 1801م بعد صلح أميان، حتى قررت إنجلترا غزو مصر. وعلى عكس الفرنسيين ~~الذين أرسلوا حملة كاملة تضم العلماء والكتاب والرسامين، أرسل ms046 الإنجليز حملة عسكرية ~~فقط، والمأثورة عن الإنجليز هو التفكير الاقتصادي الذي يرجع إلى ممارسة التجارة، وما يسمى ~~هذه الأيام بفاعلية التكاليف؛ أي أقل التكاليف الممكنة للحصول على أكبر مكسب ممكن، ومن ثم ~~درسوا «الجدوى الاقتصادية» للحملة بناء على المعلومات المستقاة من حملة نابليون، وأرسلوا ~~سفنهم التي رست في الإسكندرية وهناك وضعت خطة للاستيلاء على رشيد، وهزيمة قوات محمد علي ~~باشا، الذي كان قد أصبح حاكم «ولاية» مصر، ثم الإبحار في النيل حتى القاهرة لهزيمة من بقي من ~~المماليك، بدلا من الطريق البري الذي سلكه نابليون. ولكن محمد علي كان في الصعيد يحارب ~~المماليك الذين هربوا، وكانت شوكتهم كبيرة وماضية؛ فالمملوك محارب محترف، وقوات محمد علي من ~~المصريين وأخلاط منوعة من الأرناءود (الألبان) والانكشارية وغيرهم. وربما كان فريزر على ~~علم بذلك، وأكد ما علمه أنه لم يلق كيدا حين وصل إلى الإسكندرية، فقرر إرسال فرقته ~~الرئيسية إلى رشيد لتسير بحذاء البحر، في الطريق الذي كان آنذاك صحراويا لا ماء فيه، على أن ~~تخرج الفرقة في الصباح الباكر؛ إذ كانت الخطة أن يفاجئ رشيد ويستولي عليها، ثم تلحق به باقي ~~فرق الحملة، التي كانت لا تزيد عن كتائب بالمفهوم المعاصر. # وجاءت الأخبار إلى قائد حامية (وكانت تسمى مسلحة) رشيد، واسمه علي بك السلانكلي، بوصول ~~الحملة وباعتزامها الهجوم على رشيد. وكان الشيخ البواب، وهو من أعيان رشيد (وصهر الجنرال ~~مينو خليفة كليبر ونابليون) قد ابتدع طريقة لا بد أنه قرأ عنها في تاريخ فتح بلاد فارس، بعد ~~معركة القادسية، وهي عدم الاعتماد على البريد، بل ما يمكن تسميته بسلسلة الأخبار، ومعناها أن ~~يقسم الطريق إلى الإسكندرية إلى مراحل، وأن يجعل في كل مرحلة رقيبا (ناضورجي = صاحب ~~النظر) بيده راية يرفعها وقت الخطر لينذر من يليه، وهكذا يمكن أن يعلم من في رشيد بما ~~يدور في الإسكندرية فور وقوعه، ويختلف لون الراية بطبيعة الحال وفقا لنوع الخطر (أو عدم ~~وجود الخطر). وعمل السلانكلي بنصيحة الشيخ البواب، وأقام المراقبين على طول الطريق، وعندما ~~تحركت الحملة ms047 في الفجر، جاء النذير إلى أهل البلد، فنهض الجميع واستعدوا وكانوا قدروا ~~أن تصل في الظهيرة؛ ومن ثم كانت الخطة أن يسدوا جميع منافذ البلد الغربية سوى منفذ ~~واحد، هو المنفذ الرئيسي، الذي يؤدي إلى سفح تل صغير لدى مسجد العرابي، وأن يجعلوا الطريق ~~أمامه مفتوحا إلى السوق القبلية، وتتفرع منه شوارع ضيقة متشابكة، وعلى جانبيه بيوت ~~مملوكية عالية، تتقارب أسطحها. # أما الخطة نفسها فهي أن يهجر الجميع الشوارع، ~~ويتحصنوا في البيوت حتى إذا دخلت الحملة، انهال عليها الرصاص من كل جانب، وأعد الرجال ~~كل ما يستطيعون من أسلحة، وأعدت النساء الزيت المغلي، وأعد الصبيان الأحجار ~~والمقاليع، وأكياس الرمل الصغيرة، وأصدر رئيس الكنيسة القبطية (القبلية) أمرا بأن يتحصن ~~الأقباط في الكنيسة، ورئيس كنيسة الروم (البحرية) بأن يتحصن الأروام فيها، كما طاف بالبلد ~~المنادي بعدم إقامة الصلاة في المسجد وإقامتها في البيوت حتى تنجلي الغمة. أما قوات ~~الحامية نفسها فقد استعدت في منطقة البياصة في آخر شارع العرابي عند النيل؛ استعدادا ~~لملاقاة رجال الحملة. وكان أخشى ما يخشاه السلانكلي بك أن يقوم الإنجليز بنصب مدافعهم على ~~تلال «أبو مندور» (وهو اسم الشهرة لأحد الصالحين، واسمه الحقيقي أبو النظر ومن ثم تحولت ~~إلى أبو منظور، أو أبو منضور، ومنها الاسم الشائع، وقد بنى له الخديوي عباس حلمي الثاني مسجدا ~~مجاورا للتل الرئيسي)، ومن ثم بعث من يرسل إليه الإشارة اللازمة إذا حدث ذلك، على أن ~~يتجنب الجميع الاشتباك قبل أن يصدر الأمر بذلك، وكانت الإشارة هي رفع الرايات الحمراء ~~فوق مآذن المساجد. كما لم يفت السلانكلي أن يأمر بإخفاء جميع مصادر الماء من أزيار وسبل ~~(السبيل هو ماء الشرب الذي يقدم في السبيل؛ أي في الطريق عند نواص محددة، وقد تحول إلى ~~صنابير المياه الجارية حاليا) بحيث ينهك العطش الغزاة. # وكان اليوم حارا بصورة غير عادية، واستغرقت ~~المسافة مدة أطول مما توقعه لها المهاجمون، فوصلوا بعد الظهر، وقد بلغ الحر أشده، ~~وبلغ بهم الإجهاد كل مبلغ، وكانت العيون قد سبقتهم تستطلع المكان ms048 فعادت بالأمان، وظن ~~الجميع أن رشيد قد سقطت، فدخلوا ينشدون الأناشيد واستلقوا على طول الطريق يشربون ما لذ ~~لهم من شراب معهم، وأراحوا الخيل وقدموا لها ما كان لديهم من علف وماء، وما هي إلا لحظات ~~حتى كان النعاس قد غلب الكثيرين، بينما انبثت العيون داخل البلد تستطلع المكان فلم تجد ~~أحدا، فزاد اطمئنانهم، وربما كان السلانكلي لا ينتوي إطلاق إشارة الهجوم قبل ساعة أو بعض ~~ساعة، لولا أن رأى بعضهم يتجه إلى بعض الكثبان لنصب المدافع فأمر برفع الرايات ~~الحمر. # وفي لحظات كان الرصاص ينهمر من كل جانب، كان الرجال يصوبون والنساء يعدن شحن ~~البنادق، ويلقين بالزيت المغلي، والصبيان يتبارون في إصابة الأعداء بالحجارة، فساد الذعر ~~وصحا من نام، وأفاق من غفل، وتفرقوا في الحواري فكان الواحد إذا مر أمام باب فتح ~~وجذبته الأيدي إلى الداخل وقيدته، وكانت ساعة أذان العصر قد حانت، فعصى المؤذن أمر القائد ~~وأذن فوق مئذنة مسجد زغلول، فتبعه المؤذنون في كل المساجد الذين كانوا يرفعون الرايات، ~~وما هي إلا ساعة حتى كان مصير الحملة القتل والأسر، إلا من فر هاربا في الصحراء لا يلوي ~~على شيء. # وعادت الحياة إلى رشيد واستولت الحامية على الأسلحة والذخائر، وقضى الجميع الساعات ~~الباقية في إطعام الأسرى ومداواة الجرحى، ولم يفت السلانكلي بك أن يطير الخبر عن طريق ~~سلسلة الرايات إلى الإسكندرية، فوصلت الأخبار صباح اليوم التالي إلى القاهرة بالنصر على ~~فريزر، وأسر المئات من أفراد حملته. وقام بعض رجال الحملة بنقل الأسرى إلى القاهرة حتى يرى ~~الباشا فيهم أمره، وكانت قد بلغته أنباء النصر فعاد في مساء اليوم التالي إلى القاهرة، وقد ~~اطمأن قلبه، وقدر أن الإنجليز لا بد منتقمون، ومن ثم كان لا بد من السعي إليهم في ~~الإسكندرية. # وأقام السلانكلي بعض مدافعه الضخمة على تلال أبو مندور، وزود أبناء البلد ممن قاتلوا ~~وأظهروا البسالة بالأسلحة الإنجليزية، وأراح الخيل يومين وقدم لها العلف والماء، حتى جاءته ~~الإشارة من الإسكندرية أن الحملة قد اتجهت صوب رشيد من طريق ms049 آخر، وكان يعرف المنطقة خير ~~المعرفة، فقدر أنهم لا بد أن يسلكوا طريق «الحماد»، وهي قرية في سفح تل مرتفع، ورجح ~~أن يحتموا بالتل قبل الهجوم، أي أن يقرروا هم مكان المعركة، بل وتوقيتها إذا نصبوا ~~المدافع على التل. ومن ثم أرسل مدافعهم نفسها فأقامها فوق التل، وكان صعود المدافع المحمولة ~~على عربات تجرها الخيل من المهام الشاقة؛ إذ استغرقت يوما أو بعض يوم، كما لجأ أهل ~~«الحماد» إلى حيلة مبتكرة تتمثل في تمهيد الطريق إلى سفح التل؛ حتى لا يتعثر السائرون ~~فيه، بل يسرعون إلى الموقع الذي قدر السلانكلي أن المعركة ستدور فيه. وكان لا يزال ينتظر ~~المدد من محمد علي باشا، الذي بادر بإرساله فغاب في الطريق وأطال الغياب. # ووصل الإنجليز إلى المكان الذي كان السلانكلي يتوقعه، ولم يتعرض لهم أحد حتى استقروا ~~ونصبوا مدافعهم على السهل، واتخذوا مواقعهم حول التل، وكان السلانكلي ينتظر وصول الإمدادات ~~حين فوجئ بالإنجليز يتسلقون التل، ومن ثم أصدر الأمر بإطلاق النار، وعلى الفور انهالت ~~القذائف على الأعداء من المدافع، وطلقات الرصاص من كل جانب، فوجد الإنجليز أنفسهم ~~محاصرين، في أرض لا يعرفونها، وبين ناس لا يعرفون لغتهم، وما انتصف النهار حتى اكتشف فريزر ~~أنه لو استمر فسوف يهلك هو ومن معه؛ لأنه لا يستطيع الحصول على إمدادات من البحر أو البر، ~~ولأن مئونته ستنفد، ومن ثم أعلن أنه يطلب التسليم برفع الرايات البيضاء، ولكن السلانكلي ~~لم ينخدع حتى رأى فلولهم تجري مهرولة من حيث جاءت، فأمر بالتوقف عن إطلاق النار، وجمع ~~الغنائم. # وهزم الغازون وانسحبوا إلى الإسكندرية (من بقي منهم)، وعاد السلانكلي إلى رشيد ليجد ~~أن القوات التي أرسلها محمد علي قد وصلت، فسلمهم الأسرى وبعض الغنائم، وبات أهل البلد ~~يتحدثون عما حدث، وكل يروي قصصه للأبناء، وأصبح النصر حديث الجميع، وسرعان ما نسجت ~~حوله الروايات الفردية والقصص والأشعار، وكان من المصادر التي ألهمت أبناء الشعب ما ~~يتناقلونه من أخبار، بل احتفظت بعض الأسرات بتذكارات من الحملة، تتوارثها أبا عن جد، ~~ولا ms050 شك أن لها قيمة تاريخية. # وانهمك أعضاء جماعة الرسم في المدرسة، وكنت منهم، في إعداد اللوحات الزيتية الكبيرة التي ~~تصور مشاركة الرجال والنساء في المعركة، وهي لوحات حائطية ضخمة، كما استدعى جمال السنهوري ~~شاعرا من أهل البلد اسمه حسن شهاب، وكان يتقاسم إمارة شعر الفصحى مع إبراهيم الكتبي ~~(بتسكين التاء) والزجل مع فتحي الجارم، الذي يلقي أزجاله في نادي الموظفين على شاطئ النيل. ~~وكتب شهاب نشيدا قصيرا، قام السنهوري بتلحينه؛ يقول مطلعه: # نحن في فرح وعيد # فاسعدي اليوم رشيد # واذكري اليوم المجيد # باعتزاز وافتخار # انتصرت في القتال # وهزمت الإحتلال # فتوارى في الرمال # تحت ذل وانكسار # وكان اللحن يشبه إلى حد ما لحن «بلادي بلادي» للشيخ ~~سيد درويش، ولكن المشكلة كانت عدم وجود فرقة موسيقية للآلات الوترية في رشيد، فاستدعى السنهوري ~~فرقة «الطبالين» وهي فرقة شعبية تستعمل آلات النفخ النحاسية، وتعمل أساسا في الأفراح، ~~وعلمهم النشيد، وحفظه طلبة المدرسة، واستعد الجميع لزيارة رجال الثورة. # واستعد مدرس التاريخ بخطبة عن «انتصار رشيد»، وأقيم سرادق ضخم على شاطئ النيل، وجاءت ~~الإذاعة المصرية لنقل الحفل على الهواء مباشرة، ورأيت لأول مرة حسني الحديدي المذيع المرموق ~~وهو يمسك بالميكروفون و«يتكلم في الراديو» ثم وصل رجال الثورة، وبدلا من أن يصل اللواء محمد ~~نجيب، وصل ضابط برتبة بمباشي (وهي لفظة تركية، معناها رئيس ألف جندي) (بكباشي) اسمه جمال ~~عبد الناصر، ومعه مجموعة أذكر منها صلاح سالم وجمال سالم، وحسن إبراهيم، وعبد اللطيف البغدادي، ~~ووجيه أباظة، وكمال الدين حسين. # وبدأ الاحتفال بقراءة القرآن، ثم ألقى مدرس التاريخ خطبته، ثم توالى الخطباء، وبعدها ~~قام جمال عبد الناصر فتحدث حديثا وطنيا حماسيا، ألهب المشاعر، لكنه، رحمه الله، كان ~~يخطئ في اللغة العربية، مما أغضب منه أساتذة العربية وكثيرا من المستمعين، وكانت إجادة ~~اللغة العربية لا تزال المثل الأعلى للخطيب، وانفض الاحتفال بعد أن بدا أن رشيد قد دبت ~~الحياة في أوصالها، وكأنما عشنا من جديد انتصارنا على الإنجليز. ولكن حادثة صغيرة أثناء ~~الحفل دفعت أفكاري في طريق آخر؛ إذ ms051 بينما كنا نتزاحم لرؤية الزعماء الجدد، وكنت واقفا على ~~كرسي بجوار صبي في المدرسة غريب عن البلدة، يعمل والده مفتشا للري في البصيلي (اسمه ~~«ميدو») أحسست بيد تخمشني في مكان أوثر ألا أفصح عنه، وابتعدت مرة أو مرتين، ثم ~~استسلمت للإلحاح، فوجدت للخمش لذة تشبه لذة «زردق»، فعجبت أن يحدث ذلك بالنهار وقد اعتدت ~~زيارته ليلا، ونزلت على الفور من الكرسي، وخرجت من السرادق. # 7 # وقصصت ما حدث لزميلي في القمطر طلعت لبيب عزيز، فقال دون اكتراث: «ألا تعرف ميدو؟ إن ~~لديه دودة!» وتظاهرت بالفهم، وما هي إلا أيام حتى كان الجميع قد عرف بأمر محاولة «ميدو»، ~~وجاءني عبد الستار عبد الغفار (الحجة والمرجع) فحذرني من «ميدو»، وقال لي ببساطة: إنت ~~بتكردش؟ (كردش كلمة عامية ربما كانت تحريفا لكردس) وأجبت على الفور: لا! أبدا! دون أن ~~أعرف ما يعني؛ إذ خشيت أن يكون فعلا قبيحا، ولكنه أردف قائلا وبسرعة: «ولم لا؟ هذا أفضل ~~من اللجوء إلى ميدو وأمثاله!» واضطررت لموافقته، وانصرف. # كان زردق كثير الزيارة في تلك الأيام، وكنت أضطر إلى تسخين ماء بالوابور الجاز ~~(بريموس) في صفيحة كاملة للاستحمام كل يوم تقريبا، ولاحظت جدتي ذلك فنادتني وقالت: «إنت ~~كبرت يا محمد؟» ونظرت في حيرة لا أدري ماذا أقول. ربما كانت تقصد زيارة زردق؟ ولكنني آخر ~~من زاره في الفصل! ولم يكن يبدو أن ذلك شيء مهم. وصممت أن أسأل بعض العالمين ببواطن ~~الأمور في المسألة فقالوا لي إن عبد القادر البنا هو الحجة، فذهبت إليه، وكانت لديه وسيلة ~~خاصة في الإقناع، وهي أسلوب «قدر» - ومعناها «فلنفترض» - وشرحها هو أنه يطرح سؤالا ردا ~~على سؤال السائل يبدأ ب «قدر»، فيضع افتراضا بعد افتراض حتى يصل إلى النتيجة المرجوة، ~~وهو عادة يفترض أسوأ الفروض ثم ينتهي منها إلى حال يطمئن معها بال السائل. وهكذا مضى يلعب ~~هذه اللعبة معي حتى طابت نفسي واقتنعت بأنني لا أعصي الله، وأن «الكردشة» مستحبة لتجنب ~~زيارة زردق ليلا، والاضطرار إلى الاستحمام في الصباح أمام الجميع، ms052 مما يمنع الحرج ويجنب ~~الإنسان المعاصي. # وكنت أقابل زملائي الذين أحسوا بأنني هجرت «الإخوان» ولم أعد أزور الشعبة إطلاقا، ~~فانتهزوا فرصة صلاة العصر ذات يوم في جامع المحلي، ودعوني إلى التمشية معهم على شاطئ ~~النيل، وناقشنا موضوع الساعة، ألا وهو خروج الملك وإعلان الجمهورية، والتغيرات المرتقبة في ~~الحكومة، وامتد بنا الحديث، ثم تشعب إلى دور الإخوان في الحكم، وعندها قال عبد المنعم ~~شتا: «الوزارة في جيبي!» ولم أفهم. فأوضح قائلا إنه يعني أسماء الوزراء في الوزارة الجديدة؛ ~~فكلهم من الإخوان، وإن القوة الحقيقية في يدي كمال الدين حسين، وإنه لن يلبث حتى يتولى الحكم ~~ويعزل محمد نجيب، وازداد حماس الشلة لخطط الثورة، مؤكدين أن الحكم سيئول لهم، وأنهم سوف ~~يعودون بالبلد إلى أحضان الاستقامة والصلاح، بعد سنوات الفساد والانحلال. ولم ينس المتحدثون أن ~~يوجهوا تهديدات مستترة إلى كل من عارضهم، خصوصا إلى الذين نكصوا على أعقابهم، «ومن ~~ينكص على عقبيه فلن يضر الله شيئا». # كثيرا ما كنت أحلم أنني استشهدت في قتال الإنجليز ودخلت الجنة، وكنت كثيرا ما أرى ~~نفسي في حالة من السعادة النورانية لا مثيل لها، فأستيقظ هانئا لأبدأ يومي سعيدا، ولكن ~~حلمي الآن لم يعد كذلك؛ فكنت أخاف «الجماعة» وأقول في نفسي هل أعود إلى الشعبة من باب ~~«التقية»، ثم أتردد وأقلع عما اعتزمته، وأعود للقراءة والكتابة. # وفي آخر العام، شهدت رشيد حفلا لم يسبق له مثيل؛ إذ استأجرت المدرسة مبنى السينما ~~لتقديم حفل يتضمن مسرحيات وأغاني واسكتشات، وقد كان نجاح الحفل ساحقا؛ إذ قدمت فيه ~~مسرحية بالإنجليزية اسمها # Dears and Devils ~~(أعزاء وشياطين) ~~من تأليف عصمت والي، مدرس الإنجليزية، وتصور حال مدرس خصوصي مع ثلاثة أولاد أثناء وجودهم في ~~منزلهم، وشاركت في التمثيل فيها أنا وأخي الأصغر، وكانت من إخراج جمال السنهوري أيضا، وقدم ~~الطلبة عروضا بالغة الطرافة؛ مما دفع الناظر إلى السماح بتقديم الحفل مرة ثانية .. وثالثة! ~~وقرر السنهوري استنادا إلى هذا النجاح إنشاء ناد للطلبة، وكان الاشتراك فيه خمسة قروش في ~~الشهر، واشتركنا جميعا، ms053 ثم انصرفت شخصيا عنه عندما اقتربت الامتحانات وسافرنا إلى ~~الإسكندرية لأدائها. # كنا في رمضان، وكنت أسافر إلى الإسكندرية هذه المرة وحدي (أي دون والدي) وإن كنت مع ~~الشلة، وأعطتني والدتي جنيهين للإنفاق أسبوعا على كل شيء . وركبنا التاكسي إلى الإسكندرية، ~~ووصلنا إلى «محطة مصر» وهي محطة السكك الحديدية الموصلة إلى «مصر» أي القاهرة، وكان معنا الشيخ ~~أحمد البحة، رحمه الله، وكان يدرس في المعهد الديني (التابع للأزهر) في رأس التين، ~~وتجولنا بين الفنادق فوجدنا أن أحدها واسمه «لوكاندة النيل» يطالب بعشرة قروش في الليلة ~~الواحدة، وضربنا كفا بكف عجبا ودهشة من الجشع، فقلنا نبحث في فنادق أطراف المدينة؛ ~~لعلها أقل تكلفة، ولكن أحمد البحة عرض علينا قضاء الفترة كلها في المعهد؛ فالطلبة ~~المقيمون سافروا لقضاء رمضان مع أهلهم في الريف، وعنابر الإقامة خالية. ووافقنا. وعند ~~الإفطار خرجنا لتناول الإفطار في مطعم قريب (فول وفلافل) ودفع كل منا قرشا ونصفا، وطلبنا ~~الشاي (قرش صاغ)، ثم عدنا إلى المعهد ساخطين على هذا الترتيب، واقترح الشيخ عزت شحاتة أن نعتمد ~~على أنفسنا ونشتري طعامنا، وقال سوف أنفق وأحاسبكم، وفعلا، أيقظنا لتناول السحور، وكان ~~سحورا فاخرا لم يكلف كل واحد سوى قرش واحد. # وانتهينا من الامتحان، فجمع عزت قرشا من كل واحد واختفى ساعة ثم عاد يحمل سردينا مشويا ~~وكوما من الأرغفة الساخنة، ولوازم السلطة وكيسا من الشاي وقمعا من السكر، وقال لنا إنه ~~اشترى أقة سردين وشواها في الفرن، وإنه اكتشف مخبزا يبيع كل ثلاثة أرغفة بقرش، وهكذا ~~قضينا الأيام الباقية، وعندما عدنا إلى رشيد، كنت قد أنفقت ستة وأربعين قرشا، وقدمت ~~باقي المبلغ إلى والدتي وذكرتها بوعدها بأن تهبني ما تبقى، وقالت إنها ستمنحني أربعة ~~قروش فورا، وتدخر الباقي «للزمن». # كان معظم الطلبة قد هجروا المعهد باستثناء الشيخ أحمد البحة طبعا، وشخص آخر اسمه نجاح ~~كان مصدر تسلية دائمة، ومعينا لا ينضب من القصص والحكايات. كان يقف في الشباك ليغازل ~~الفتيات، وكنت أرقبه دون أن تراني الفتاة، وكان يتكلم وهي تسمع دون ms054 استجابة، ولكن دون أن ~~تغلق النافذة، وكان ذا أسلوب ساحر في الحديث، وكثيرا ما كان يقنع الفتاة بأن تغير ملبسها ~~أو أسلوب تصفيف شعرها بينما تتظاهر هي بعدم الاكتراث، سمعته مرة يقول «الورد عايز يتسقي ~~وإلا دبل! وإن كان يصوم يبقى ينظر للقلل! النظرة تكسي الوردة حمرة من خجل! واللي حب الورد ~~ما يعوز العسل!» ولاحظت أن كلامه منظوم مقفى، فقلت له إن هذا الغزل سيفسد صيامه، فقال لي ~~بثقة «قول دا رب الكون بيجزي ع العمل!» وكان الزملاء يضحكون منه ولا يعترضون، وقد اشتهر ~~بإفلاسه الدائم، حتى إن لصا اقتحم عليه مسكنه ذات يوم، فأمسك به نجاح وأصر على عدم إخلاء ~~سبيله حتى أخذ منه عشرة قروش كانت نصف ما يملك! # الغزل لا يفسد الصيام؟ إنه على الأقل ليس حراما! وحادثت الشيخ أحمد البحة في الموضوع، ~~فقال لي: «سيبك منه! أصله ولد ضايع!» ولكن منظر الفتيات وهن يستمعن إلى الغزل دون أن تبدو ~~على وجوههن آثار الغضب، ظل يتملكني بعد أن عدت إلى رشيد، وظللت أعجب لماذا لم يتلق ~~نجاح الشتم أو التوبيخ، وذهبت للسيد بلال فقال لي ألا تعرف أن البنت تحب أن تسمع الغزل؟ ~~وحدثني عن مغامراته في حي رأس التين بالإسكندرية، إذ كان للأسرة مسكن هناك، مؤكدا أن بنات ~~بحري كلهن يحببن الغزل واللهو، وقص علي قصة أو قصتين ألهبتا خيالي، فعدت إلى ~~الشعراء أقرأ، وجعلت أسأل نفسي عن شعر الغزل الذي يبدأ به الشعراء قصائدهم: هل هو صادق؟ وما ~~أثر الصدق في الشعر؟ فأنا أعرف أن أعذب الشعر أكذبه! # ومع بداية العام الدراسي حدث ما لم يكن في الحسبان. كان المنزل الذي يقابل منزلنا ~~تقريبا (واسمه منزل الصفواني) قد تحول إلى مدرسة ابتدائية (6-10 سنوات) وجاءت بعض ~~المدرسات للعمل في المدرسة. لم يكن المنزل يقابل منزلنا تماما. فأمام منزلنا أرض فضاء كنا ~~نسميها الخرابة، وإلى يمينها منزل «السحت»، وإلى يسارها هذه المدرسة. وكانت المدرسات ~~يقمن في المدرسة، في الدور الرابع، المقابل للدور الأخير في منزلنا ms055 العتيق الذي كنت قد ~~جعلته مرسما ومكتبة وصومعة شعر. أنا أعرف الآن أن كل ما كنت أكتبه لا يمثل قيمة ~~أدبية (وقطعا لا يصلح للنشر)، ولكنه كان يستغرق مني وقتا طويلا في كتابته وتنسيقه! كانت ~~المشكلة، كما أعرفها الآن، هي افتقاري إلى الأفكار! وكنت أعجب من أين يأتي الشعراء بأفكارهم ~~وصورهم! بل إن الأوزان كانت كثيرا ما تختلط علي، فأبدأ القصيدة من بحر أخرج منه إلى ~~بحر آخر، فألوم نفسي وأتهم أذني وأفقد الأمل، وأحسست أنني يجب أن أقلع عن هذه العادة وأن ~~أجعل همي في الدراسة، مع أن كتب المدرسة لا تستهويني لأنني قد التحقت بشعبة العلوم؛ إذ لم ~~يكن بالمدرسة غيرها، وبدأ الإحساس بالضياع. # كان وجود «المدرسات» وهن فتيات في مقتبل العمر يضنيني كأنما هو حمل ثقيل لا أقوى ~~على حمله، وكنت أتمثل قول بشارة الخوري: # أيها الخافق المعذب يا قل # ب نزحت الدموع من مقلتيا # أفحتم علي إرسال دمعي # كلما لاح بارق في محيا؟ # كان العذاب شديدا، ولم أكن أدري له سببا، وكان أحيانا ما يشتد ولا أجد مخرجا ولا ~~تعزية لا في الرسم ولا في الشعر، فأسير وحدي ساعات طويلة ثم أعود كئيبا لا أقبل حديثا ولا ~~قراءة. وأخيرا اهتديت إلى النقود التي ادخرتها لي والدتي فسحبت منها مبلغا شاركت به بعض ~~الأصدقاء في شراء كرة قدم كبيرة (كفر) وصرت أقضي ساعات العصر كلها في اللعب فأعود ~~منهكا وأنام. # لم أكن أعرف أن والدتي تدرك تماما ما أمر به، وأن رسوبي محتوم، بل إن المدرسين أنفسهم ~~لم يعودوا يهتمون بي كسابق عهدهم، وكان صديقي أحمد قادوم يأتي أحيانا للاستذكار معي فيعجب ~~من إهمالي، وأنا الذي أتمتع بسمعة لا مثيل لها في الجد والاجتهاد. وكانت والدتي تدبر ~~سرا للانتقال إلى القاهرة لإلحاقي بالشعبة الأدبية، على أن يلتحق والدي بالعمل مع خالي في ~~مكتب القاهرة للشركة، ويلتحق أخواي بنفس المدرسة، واختارت الأورمان النموذجية، وطلبت من خالي ~~الدكتور محمد علي بدر الدين الذي كان قد عمل مديرا للقصر العيني ms056 بعد أن أصبح وكيلا لوزارة ~~الصحة ونال رتبة البكوية، أن يتوسط لنا في هذا ففعل، بينما تمر أيام عام 1954م الأولى ~~وأنا شارد اللب حزين لا أعرف لحزني سببا. وعندما دار الزمان وقرأت نقد كولريدج ~~لمسرحية شكسبير «روميو وجوليت» فهمت تماما ما يعنيه كولريدج من أن حزن روميو هو حزن ~~المحب الذي لا يعشق شخصا بعينه، بل يعشق الحب، وفي هذا ما فيه من حب النفس (حسبما يقول ~~كولريدج)؛ مما يعمي البصر ويشل الفكر. # مضت الأيام لا يخفف من شدتها غير انقضاض جمال عبد الناصر، الذي أصبح رئيسا للجمهورية، ~~على جمعية الإخوان المسلمين، والوجوم الذي كنت أراه على وجوه أفراد الشلة، واقترابي الشديد من ~~جمال السنهوري الذي كان قد نجح في امتحان المذيعين بالقاهرة، وكان ينتظر خطاب التعيين. كان ~~جمال يعرف ما بي، ويحدثني في ألفة ومودة عن المستقبل، ويقول لي لا تنس قول شوقي: # شباب قنع لا خير فيهم # وبورك في الشباب الطامحينا! # وأحيانا كان يترنم بأغاني فريد الأطرش فحببه إلي (رحمه الله) ولن أنسى ترنمه ~~بأغنية «حبيب العمر». # وسرت ذات يوم وحدي إلى حيث تصورت مصب النيل، بينما هو بعيد كل البعد، ووقفت أتطلع ~~إلى صفحة النيل المنبسطة، وأتخيل معنى المنبع ومعنى المصب، وقصيدة شوقي ترن في أذني، ~~وموسيقى السنباطي تختلط بموسيقى عبد الوهاب. لم أكن أعرف أننا سوف ننتقل إلى القاهرة، ولكنني ~~كنت أعرف أن شيئا ما لا بد أن يحدث. لم يكن هناك مبرر قوي لهذه المشاعر الجارفة، ورأيتها في ~~النفس مثل المياه في النيل، وكأنما هي تتدفق في ذاتي منذ الأزل، وهو ما أتصوره معنى ~~شوقي: # من أي عهد في القرى تتدفق # وبأي كف في المدائن تغدق؟ # وعدت أدراجي لأكتب وأقرأ، وأرسم، وكانت لوحاتي تملأ المدرسة دون أن أحفل بما يدور حولي، ~~ودون أن يعرف الناس ما بي! وكنت أحس في أعماقي بأنني معزول، وأحمد الله أن والدي كانا ~~يدركان ذلك كله، فتركاني دون تعنيف، وعندما لم أوفق في الامتحان لم يقولا شيئا. ولكننا ~~انتقلنا ms057 بعد ذلك بشهور إلى القاهرة. # | في المدينة # 1 # كانت القاهرة حلما كبيرا يصعب تصديقه، وعندما استقر بنا المقام في حي العجوزة، بدت ~~لي المنطقة مزيجا من رشيد والإسكندرية؛ فهي تطل على النيل، وقرية العجوزة لا تزال على حالها ~~ريفية مغرقة في طابعها الريفي، فوراء مدرسة الأورمان تقع الحقول الشاسعة، فإذا تجاوزت ~~المتحف الزراعي رأيت القصب، وكان منظره مميزا لاختلافه الشديد عن محاصيل رشيد (السمسم والذرة) ~~وشاهدت الهضبة الغربية في الأفق، وأهرام الجيزة. أما إذا عبرت النيل عند كوبري بديعة (كوبري ~~الجلاء الآن) فستجد نفسك وسط حدائق لا نهاية لها؛ إلى اليمين حدائق مترامية، وإلى اليسار أرض ~~المتاحف بالجزيرة، وعندما تعبر الجزيرة تصل إلى كوبري قصر النيل حيث تمثالا الأسدين ~~الرابضين، فإذا عبرت الكوبري وصلت إلى ميدان التحرير، ومنه تتفرع أهم شوارع القاهرة ~~القديمة، قاهرة المعز لدين الله الفاطمي في شرق النيل، حيث تلال المقطم ومسجد محمد علي، أما ~~وسط البلد فهو أوروبي في كل شيء؛ شوارع فسيحة مرصوفة نظيفة، وعمارات ذات معمار إيطالي، ~~بشرفات مزينة بتماثيل، ونحت بارز، ودكاكين فاخرة، ودور للسينما، وسيارات حديثة الطراز، ~~لا تصدر ضجيجا أو دخانا، وترام يعبر شارع فؤاد (26 يوليو) ويدور حول حديقة الأزبكية (ثم ~~تحول إلى اختراقها)؛ ليصل إلى ميدان العتبة الخضراء، التي تعتبر قلب المدينة. فيها مبان ~~مقامة على أقواس (بواكي) ومسرح الأزبكية، وشارع الملك عبد العزيز آل سعود، ثم شارع محمد علي ~~الذي يؤدي إلى باب الخلق حيث دار الكتب، ثم إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي. # ما هذا الاتساع! حتى المدرسة كانت شاسعة، فيها ملاعب نظيفة وساحات، وفناء ضخم، أحيانا ~~توضع فيه شبكة للعب الكرة الطائرة، ومكان مغلق للجمباز وألعاب القوى، وكانت الفصول تطل ~~على الفناء، وبعضها يطل على شارع مرقص حنا، والبعض الآخر ومنها سنة خامسة أدبي حيث كان ~~مكاني، يطل على الحقول وعلى بعض المساكن البعيدة. وكان «المستوى الاجتماعي» كما يقولون ~~يتناقض تناقضا شديدا مع مستوى رشيد الثانوية؛ فكان لأحد الطلبة (ناجي عبد السلام) سيارة ~~«ستروين» تقف خارج المدرسة، ms058 وكان آخر (محسن مرسي) ابنا لمدير جامعة القاهرة، وثالث من أسرة ~~عريضة الثراء، وسرعان ما أدركت أنني أواجه لونا جديدا من التحدي، ولكن الابتعاد عن رشيد كان ~~موجعا للقلب، ولم ألبث أن وجدت ما أكتب عنه، فوجدت بيتا يرن في أذني؛ أولا في صورة شطر ~~وحيد هو «تركت رشيد الحب والصفو والصبا» ثم اكتمل في آخر اليوم الدراسي «وكيف يعيش ~~المرء إن فاته الحب»، ومكثت في غرفتي ذلك اليوم أعالج القصيدة وأنابذها. # وقررت أن تكون مقطوعة كاملة، تبدأ بقافية موحدة، وحبذا لو توافرت براعة الاستهلال ~~أيضا، فكتبت: # تضيق بي الخضراء إن شرد اللب # وتنبذني البيداء إن وجب القلب # تركت رشيد الصفو والحب والصبا # وكيف يعيش المرء إن فاته الحب # هناء رفيق يغمر النفس باسما # شعاع بعين الكون باركه الرب # يدف دفيفا خافتا في خواطري # كنور ذرير لا يغيب ولا يخبو # هي الري دفاق هي العود مزهر # هي الخصب دوما لا تقولن ما الخصب # هي المجد والتاريخ والعز زاهيا # يقرب من بعد فيبتعد القرب # وفوق ضفاف النيل نخل وسندس # وأوراق زهر في تمايله عجب # وفي الجنبات الخضر طير فرادس # تحلق سربا يستجيب له سرب # وحين تغنى الشعر فوق ربوعها # روى الشرق عن تلك المناقب والغرب # فلله در الجارم الفحل شاعرا # ولله شعر في غرامك ينصب # كنت واثقا أن هذه أبيات صادقة، وأنني حافظت فيها على الوزن والقافية، وجئت بمعنى لا ~~شك أنه «يعتد به»، حسبما قال خالي، ولكن شيئا ما في أعماقي كان يقول لي إن بها زيفا ~~ما، وعدت إلى براعة الاستهلال، ترى لو أبدلت «وجب» ب «وجف» أو «أرجف» أكون أصدق؟ ونظرت إلى ~~«الخضراء» وقلت في نفسي إنه صدى لقول الشاعر: # وضاقت بنا الأرض الفضاء كأننا # سقينا بكأس لا يفيق لها شرب # واتضح لي ما فعلت على الفور! لقد استعرت المعنى مع الوزن والقافية من ذلك الشاعر، بل ~~إن الكلمة نفسها تنتهي بألف التأنيث الممدودة في البيت الذي نسجت على منواله، أما نبذ ~~البيداء فهو قطعا من باب الزينة ms059 فحسب، فأنا لا أسكن البيداء ولا أهيم على وجهي فيها! ~~وقررت ألا أطلع أحدا على القصيدة، وكنت أعرف أنها مقطوعة على أي حال؛ لأنها لا تزيد ~~على عشرة أبيات، ولم يكن لدي الجلد على كتابة بيتين آخرين. # وكرت الأيام سريعة ، كل يوم يحمل جديدا، وكان أول ما أتت به درس اللغة الإنجليزية، ~~وكان المدرس هو جرجس الرشيدي (الدكتور فيما بعد)، المدرس الأول، وتوثقت الصداقة معه على ~~الفور، ثم أتى درس العربية، وكان موضوع الإنشاء هو شوقي الشاعر! وكتبت موضوع إنشاء أكثرت ~~فيه من المحسنات البديعية والزخرفة اللفظية والسجع، والاستشهاد بالشعر طبعا، وكان أن راق ~~لمدرس اللغة العربية عبد الرءوف مخلوف (الدكتور فيما بعد)، وطلب مني إلقاءه في الفصل، ففعلت، ~~وأبدى الطلبة إعجابهم باستثناء طالب قدر لي وله أن نصبح أصدقاء مدى الحياة، وهو أحمد ~~السودة (المستشار ونائب رئيس هيئة النيابة الإدارية حاليا). وكان مصدر اعتراضه أنني أهتم ~~بالألفاظ والزركشة البيانية أكثر من اهتمامي بالموضوع؛ أي بالأفكار، وقال محقا إن ~~الموضوع لا يتضمن أي معلومات عن شوقي يمكن أن تفيد القارئ، ولكنه لا يعدو أن يكون صياغة ~~منمقة لأفكار يعرفها الجميع! ورد عليه الأستاذ قائلا إن هذا هو المحك؛ أي وضوح التعبير ~~وجماله، وأورد قول أحد القدماء إن الشأن ليس في إيراد المعاني؛ فالمعاني يعرفها العربي ~~والعجمي، والبدوي والحضري، وإنما هو في اختيار اللفظ الشريف ... إلخ، وأردف قائلا إنه ~~يعد رسالة الماجستير عن كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، وفيه تجد هذه النظرات ~~«الكلاسيكية» في النقد الأدبي العربي. # وبعد الدرس تعارفنا أنا وأحمد السودة، وبدأت رحلة حب اللغة والفكر التي استمرت طول ~~العمر معنا، وقد بدا الاختلاف بين مذهبينا عندما طلب منا المدرس كتابة موضوع بعنوان «أزمة ~~نفسية مررت بها ثم تغلبت عليها»، فكتبت أنا عن تجربة الرسوب في السنة المنصرمة، وكتب ~~هو عن فيلم «الطاحونة الحمراء» الذي شاهده وكيف ألقى الضوء على «أزمة» معينة وساعده في ~~التغلب عليها. كان أسلوبه سلسا خاليا من المحسنات، وكان أسلوبي مثقلا بالصور البلاغية ~~والشعر، ومع ms060 ذلك كنت أجد في كتابته سحرا لا أقدر على محاكاته. وكان (وما يزال) من عشاق ~~عباس محمود العقاد، فطفق يحدثني عن مذهب العقاد في الكتابة، وعن مغبة الميل إلى ~~«الإنشاء» إذ يكتنف المعنى ضباب من الألفاظ التي تفتقر إلى الدقة والوضوح وتشتت ذهن ~~القارئ. وقال إن سلامة موسى يدعو إلى الأسلوب «التلغرافي»؛ أي الذي يوصل المعنى بأقل الكلمات! ~~وسألته ما بال المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي؟ فقال «أناشين» - أي من أرباب الإنشاء! وذكرت ~~كتب الرافعي لدى والدي - «وحي القلم» و«السحاب الأحمر» و«رسائل الأحزان» وعجبت كيف لا يرضى ~~العقاد بهذا الإبداع؟ # وفاتحت أستاذ اللغة الإنجليزية في الموضوع فقال لي إن الأمر يتوقف على من تخاطب، وماذا ~~تكتب، ولماذا تكتب! المسألة إذن معقدة وليست بالبساطة التي كنت أتصورها! وشارك بعض الحاضرين ~~في غرفة الأساتذة في الحديث، فقال أحدهم واسمه جلال جابر (الدكتور فيما بعد)، وكان أصغرهم ~~سنا، إنك إن كنت تخاطب العامة فيجب أن تستعمل لغتهم؛ فلكل مقام مقال! فأضاف (الدكتور) ~~جرجس: ولكن المسألة تتوقف على الهدف من الكتابة ونوعها؛ فالكتابة الناجحة هي التي تحقق الهدف ~~منها، سواء كان توصيل المعاني؛ أي الأفكار، أو التعبير عن المشاعر. وسألتهما فلماذا تخلو ~~الإنجليزية من البلاغة؟ وضحكا، وقال آخر واسمه «سامي» (لا أذكر اسمه الآخر): بل إن اللغة ~~الإنجليزية حافلة بالبلاغة، وسوف تعرف ذلك حين تدرس الشعر الإنجليزي. # وعندما خرجت من غرفة الأساتذة، وعقلي يموج بهذه الأفكار، استوقفتني أنغام صادرة من ~~غرفة مجاورة، اتضح أنها غرفة الموسيقى، فدخلتها مستفسرا فلم يعبأ بي أحد، وتأملت ~~الطلبة والآلات في أيديهم، والمدرس وهو يجلس إلى البيانو، ثم خرجت وظللت واقفا أنصت. كان ~~رنين الأوتار ذا قوة قاهرة ساحرة. # ونظرت إلى عود مهجور؛ إذ كان الجميع يعزفون آلات غربية، مثل الأكورديون (نصحي بقطر، ~~والحاجري وخاطر)، والماندولين (عبد المتعال)، والبيانو طبعا (طلعت بقطر) - ولكن العود مهجور! ~~واقتربت من الأستاذ علي حنفي مدرس الموسيقى وسألته عن العود فقال ببساطة: «خذ .. اتمرن ~~عليه!» ولكن كيف؟ قال لي «أهم حاجة ضبط الريشة!» وبين لي ms061 مواضع السلم على الأوتار وأماكن ~~«العفق» أي وضع الأصابع (أصابع اليد اليسرى طبعا) وقال لي: تفضل! وفي شبه ذهول جعلت ~~أضرب على العود سلالم صاعدة هابطة حتى مللت، فعدت إليه فقال: «لن أعلمك شيئا حتى تحكم ~~ضبط الريشة !» وكانت «الريشة» قطعة رقيقة من البلاستيك (الباغة)، وبعد أن «شبعت» من السلالم، ~~وأضجرتني صعودا ونزولا قررت مفاتحة الأستاذ في الموضوع، فأعطاني نوتة مبسطة وتركني. ~~وعكفت عليها حتى أتقنتها وقلت له أريد المزيد! فاعترض وقال إن علي أن أقنع بتدريب واحد ~~مرة كل يوم فقط، وألا أتخطاه إلى غيره إلا بعد أن أكون قد أحكمته إحكاما! # وعندما اصطحبت العود الساذج إلى المنزل ذات يوم لأستكمل المران هاج والدي وماج، ~~واتهمني «بالمجون» وهي صفة أبعد ما تكون عني، ثم إنه هو الذي أورثني حب الموسيقى! ولم ~~أجرؤ أن آتي بالعود ثانيا إلى المنزل، ومعنى ذلك أنه كان علي قضاء وقت أطول في المدرسة ~~للتمرين، وكنت مقبلا على العود إقبال من يرى فيه روحا جديدة، ولكنني لم أكن أتحدث في ~~موضوع الموسيقى كثيرا بسبب الضغوط التي كنت أحسها من جميع من حولي. وكم حز في نفسي ألا ~~أستطيع شراء عود خاص بي؛ فالعود الفاخر يتكلف خمسة جنيهات، ولا يوجد عود يقل ثمنه عن ~~جنيهين، وكان ذلك قطعا فوق طاقتي. # وكان يجلس إلى جواري في الفصل طالب من إيران اسمه مهيار صادق نشأت، وكان حاد الذكاء، وقد ~~انتقل إلى جواري ليحل محل يحيى يوسف، بعد أن لاحظ أنني يمكن أن أرشده إلى بعض دقائق ~~الفصحى التي كانت تدق عليه، واغتنمت الفرصة لأعرف شيئا عن اللغة الفارسية، ولم يكن ضنينا ~~بعلمه، والحق إنه كان يجيد العربية إجادة تامة ويتحدث العامية القاهرية كأحد أبنائها، ~~وتوثقت صداقتنا فكان يصطحبني إلى دار الإذاعة حيث يقدم نشرة الأخبار الموجهة إلى إيران، ~~وبرنامجا آخر، ثم ساعد أخاه شهيار في وقت لاحق في الحصول على عمل بالإذاعة أيضا. واستمرت ~~معرفتي به حتى تخرج في كلية الحقوق ثم التحق بعمل في الأمم المتحدة في ms062 جنيف. # وكان من أعلام «خامسة أدبي» آنذاك محمود دويدار (رحمه الله) الذي كان يعتز بأصوله ~~التركية، ويؤكد أن اسمه تركي، وهو في الحقيقة (كما علمت أخيرا) مركب من كلمة عربية هي ~~الدواة وكلمة فارسية هي دار، أي دوادار بمعنى صاحب الدواة، أو الكاتب (بمعنى الوزير الحالي). ~~وكانت له أختان هما زينب (واسم التدليل «زته»)، وأحلام التي سمعت أنها توفيت منذ أعوام ~~(ومصدر معلوماتي هو شوكت دويدار الذي كان معنا في المدرسة، وهو ابن عم محمود، وكان زميلا لأخي ~~الصغير). وكانت الأسرة تقيم في فيلا من بقايا عصر العز القديم في شارع عبد الرحيم صبري في ~~العجوزة، وهي المكان الذي احتفلنا فيه في العام التالي بحفل رأس السنة. وكان يجلس إلى جانب ~~دويدار طالب مهذب اسمه كمال عبد الرحمن، كان يقيم في شارع ظليل متفرع من شارع الدكتور ~~شاهين، وكنت كثيرا ما أذهب إليه للاستذكار؛ فقد كان على مبعدة خطوات من شارعنا، وفي منزله ~~سمعت أغنية عبد الوهاب «أنا والعذاب وهواك» لأول مرة، وعندما حاولت عزفها على البيانو لديه ~~فوجئت بأن اللحن بالغ السهولة وبأنه لا يتضمن أية أرباع أنغام (أو ثلاثة أرباع على نحو ما ~~يؤكد الدكتور زين نصار) مما يميز الموسيقى الشرقية، ويحفل به العود، فدهشت دهشة ~~بالغة. # كانت دروس القسم الأدبي ممتعة إلى أقصى حد، وكان أهم شيء في المدرسة هو «النشاط المدرسي» ~~فكان لدينا أستاذ للتمثيل، هو الفنان عبد المنعم مدبولي، وكان هو الذي نصحني بعد أن قرأ ~~المسرحيتين اللتين كتبتهما بألا أحترف التمثيل، وقال لي إن موهبتك موهبة مؤلف لا ممثل، وإن ~~علي أن ألتحق بقسم اللغة الإنجليزية فأقرأ «شكسبير والكلام ده» ثم اكتب بعد التخرج. ~~وسرعان ما لاحت فرصة لإثبات قدرتي على الكتابة على مستوى المدرسة؛ إذ قرر السيد العجان، مدرس ~~أول اللغة العربية، بالاتفاق مع الناظر خليل أبو طور، عقد مسابقة عامة في الشعر والقصة ~~والخطابة. وقررت الدخول في المسابقة بفروعها الثلاثة، ولكنني اكتشفت أن بعض مجالات المنافسة ~~لها المبرزون فيها في المدرسة من ms063 قبل، ومنها الخطابة (إذ كان طالب يدعى بازرعة مشهودا له ~~بالامتياز) ومن ثم اقتصرت على الشعر والقصة، وكان المشرفون قد حددوا موضوعات معينة لكل ~~فرع، وكان موضوع الشعر هو السيل الذي اجتاح قنا في صعيد مصر، وكان موضوع القصة هو «من ~~التاريخ». وقررت أن أكتب قصيدة تصور مأساة أم تحمل أطفالها بعد أن شردها السيل، وكان ~~مطلع القصيدة: # ترسل دمع من المقلتين # وسار حثيثا على الوجنتين # وسارت تبعثر خطواتها # ألا كيف تمضي الحيارى وأين # يقول الصبي لها باكيا # من الجوع كدت أموت ارحمين # تركنا بيوتا لنا قد خلت # من السيل طلا عفته السنون # وأطلعت أحد أساتذة العربية عليها، واسمه عبد العظيم الدسوقي، فما أن قرأ البيت الثاني ~~حتى صاح: هنا كسر! واعترضت قائلا: أين؟ قال خطواتها! فقلت سكن الطاء، مثل خطوة، فصاح: ~~لا يصح ولا يجوز! ثم همس قائلا: هل تقدمت بهذه القصيدة إلى المسابقة؟ فأومأت بالإيجاب فلم ~~يعقب. والواقع أنه لو شاء أن يجد عيوبا أخرى لفعل (مثل الإقواء في البيت الرابع)، ولكنه آثر ~~الصمت. أما الذي فاز بالجائزة الأولى فهو شاعر موهوب لو قدر له أن يستمر لأصبح له شأن وهو ~~إبراهيم عارف كيرة؛ إذ كتب قصيدة مطلعها: # جرف السيل قرانا وهمى # فحسبناه من الهول دما # يا لها من نبأة قد قالها # عالم والكون منها استشأما! # وكان يقصد الإشارة إلى ما تنبأ به أحد الفلكيين من أن نهاية العالم ستقع بعد أيام، ~~ولكن القصة التي كتبتها فازت بالمركز الأول، وكانت تحكي كيف وعدت قريش سراقة بن مالك ~~بمائة من الإبل إن هو استطاع إدراك المهاجرين - الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر الصديق - وكانت ~~فرسه كلما اقتربت منهما تسوخ حوافرها في الرمال، ولم أعبأ هنا بآراء العقاد في الأسلوب ~~ولا بنصائح أحمد السودة، فوضعت في القصة جرعة كبيرة من المحسنات، فكان من الطبيعي أن تلقى ~~القبول. # كان إبراهيم كيرة غلاما لطيفا، وكان أسبقنا إلى الحديث عن آلام الحب، وسهر الليالي، ~~وكان يتحدث بإسهاب عن فتاة تعمل في مكتبة، ms064 وعندما رآها «وقع» في الحب من أول نظرة، ثم حدث أن ~~زرناه أنا وأحمد السودة ذات يوم في منزله القديم في الدقي (إذ انتقل بعد ذلك إلى حدائق القبة) ~~فقالت لنا والدته إنه نائم، وكانت الساعة قد قاربت على السابعة مساء، فقال لي أحمد السودة ~~الآن أدركنا سر السهر! إنه ينام بعد الظهر طويلا، ولو لم ينم لما كان سهر الحب! وذات يوم ~~أطلعني على قصيدة دخل بها مسابقة عنوانها «الربيع» أذكر منها المطالع والخاتمة: # يا ربيع الحب والحب حياة الكائنات، # يا ربيع العطر والنور وشدو الصائحات، # إيه غرد وابعث الفرحة فينا والحنين، # إيه غرد واطرح الظلمة عنا والأنين! # قد شهدناك على الدنيا قرونا وقرون، # أنت فجر أشرق اليوم مع الفجر المبين! # أما الختام فهو: # سرت الرعشة في غصن الحياة الذابلة، # ثم هبت من ربا الموت حياة حافلة، # ثم سارت عبر واحات القرون القافلة! # كنت عندما أقرأ مثل هذا الشعر يتنازعني الإعجاب والحسد، وكثيرا ما كنت أتساءل في نفسي ~~كيف تتفاوت الموهبة من شخص لآخر؟ وكيف تستمر الموهبة وكيف تنمو؟ وظلت تلك جميعا أسئلة ~~بلا إجابة، وإن كنت قد قرأت فيما بعد ما خفف من ظلمات جهلي بها. # 2 # والحق أن قضية «الإنشاء»، أو قضية اللفظ والمعنى، ظلت قائمة دون حل بحيث بدت كأنما ~~تستعصي على الحل. وذات يوم كنا في الفناء في فترة الراحة الأولى (الفسحة الصغيرة) حين استمعت ~~بالمصادفة إلى الأستاذ حسيب أستاذ اللغة العربية وهو يتكلم في هذا الموضوع الشائك، وكان ينصح ~~أحدهم أن يفكر أولا ثم يكتب، أي أن يحدد ما يريد أن يقوله ثم يقوله، وتدخلت قائلا: ولكن ~~التفكير يجري باللغة، ولا بد من اللغة لصياغة الأفكار، ومعنى صياغة الأفكار هو التفكير! فقال ~~لي إن هذا منطق مغلوط، فالفكر سابق على اللغة، وهو الذي سيأتي بالألفاظ، فكر جيدا تكتب ~~جيدا! وعدت أقول ولكنك لن تستطيع التفكير جيدا إلا إذا توافرت لك أدوات التفكير الجيد ... ~~فقاطعني قائلا: كلنا لديه ألفاظ! ولكن المهم أن ندرب أنفسنا على ms065 أن تكون للألفاظ ~~دلالات محددة واضحة، وعندها سنعرف كيف نفكر ونعرف كيف نكتب! # وكانت هذه نظرة جديدة لم آلفها بل لم أسمع بها من قبل! وعلى الفور بدأت أنشد أمثلة ~~تؤكد أو تنفي ما قاله الأستاذ حسيب، ووجدتني أثناء حصة التاريخ أشرد في مسألة الفكر واللغة، ~~ولا أكاد أتصور فكرا دون لغة إلا أن يكون صورا متتابعة في الذهن أو مشاعر مبهمة لا يمكن ~~تحديدها إلا إذا وضعت في قالب لغوي. كيف يستطيع الفكر أن يسبق اللغة إذن؟ إننا حتى إذا ~~افترضنا أن هذه الصور أو المشاعر التي لا تكتسي ثوبا لفظيا هي المادة الخام للفكر، فكيف ~~يمكن للذهن أن يجعل منها أفكارا بغير اللغة؟ وفي المساء كنا نتنزه أنا وأحمد السودة فذكرت ~~له ما قاله الأستاذ حسيب فأيده بشدة وقال إن الأفكار، بغض النظر عن صورتها اللفظية هي ~~المهمة، وهذا الذي يجعلنا نقرأ العقاد وسلامة موسى ولا نجد شيئا نخرج به من كلام المنفلوطي ~~والرافعي! وانتهى بنا الأمر في شارع عبد الرحيم صبري إلى منزل نبيل رضا أبو العلا وأخيه محمد، ~~اللذين كانا معنا في الفصل. وعندما عرضنا المسألة على نبيل قال لي: «لغة إيه؟ بابا لا يفكر ~~إلا باللون والشكل!» وكان والده رساما عظيما، وانضم إليه محمد قائلا: وكذلك نحن! كل شخص ~~في حدود لغة الحرفة! # كان جوهر الخلاف غير قابل للحل على ضوء التجارب الشخصية، ولم نكن قد أوتينا من العلم ~~والخبرة ما يمكننا من القطع برأي مقبول فيه، ومن ثم عدنا إلى الفكرة الأساسية التي كنا ~~تجاهلناها في حوارنا وهي الوضوح وتحديد معاني الألفاظ. إذ كنت في تلك السن المبكرة مولعا ~~بما يمكن أن يوحي به اللفظ من معان قد يصعب تحديدها، وكان جرس اللفظ نفسه ذا جمال وقدرة على ~~الإيحاء، وكنت لا أتصور أن يختصر الكاتب كلامه ويحدد معانيه ويوضحها؛ لأن ذلك قد يفقدها ~~«سحرها» وحلاوتها! لم نكن نعرف أننا نتكلم عن لونين مختلفين من الكتابة، بل عن تطور بالغ ~~الأهمية في أسلوب الكتابة الأدبية ms066 نفسها، سواء كان ذلك بالعربية أو بلغة أخرى. ولكن هذه ~~المناقشات ظلت حية وماثلة في ذهني حتى ذهبت إلى البعثة الدراسية إلى إنجلترا وبدأت أقرأ ~~الفلاسفة المحدثين، وأحاول فهم ما يقولون. # كان عام 1954م يطوي صفحته، حين قرر نبيل رضا أن يحتفل بليلة رأس السنة في منزل محمود ~~دويدار، فاجتمع الأصدقاء، وقرروا المساهمة بقرشين ونصف قرش لكل منهم، وتبرع محمود بالطعام ~~والموسيقى، وكان الجميع يضمرون أملا في رؤية أختيه الجميلتين، وكان من أفراد الشلة عادل مجدي ~~الذي كان يتمتع بموهبة كبيرة في فن التمثيل، وأخوه التوءم نبيل الذي كان قد التحق بكلية ~~التجارة، وكانا يسكنان في شارع سليمان جوهر بالدقي، ورأت أخو نبيل رضا الأصغر الذي كان في مدرسة ~~إيطالية، وغيرهم. واشترى نبيل (باعتباره الخبير) زجاجة أو زجاجتين من البيرة المصرية، وكان ~~سعر الزجاجة أحد عشر قرشا، وتناولنا الطعام، وأقنعني نبيل بتذوق البيرة فوجدتها مرة فقال ~~«حاول تاني .. إنها طعم الزيتون المخلل!» الغريب أن هذه المقادير الضئيلة من البيرة أوجدت أو ~~أوحت بحالة من السعادة الغامرة، وعندما حل منتصف الليل، ووصل عام 1955م، أطفأ محمود الأنوار ~~ثم أضاءها، ثم انصرفنا، وقد نسينا الأمل في رؤية الفتاتين الشقراوين البيضاوين ذواتي الشعر ~~المنسدل الأصفر! # وسمعت الصوت الداخلي يهمس في ذهني وأنا عائد بأبيات من الشعر لم أنم حتى كتبتها، وما ~~زلت أذكر مطلعها: # هل مر عام؟ قيل ذاك ومثله كرت سنون! # أو مر حول من ربيع العمر أم هذي ظنون؟ # دعني إذن أقضي الليالي في انتشاء وقصوف # فإذا أنا في حفلة فيها من المتع القطوف # فيها نديمي الراح والأقداح والحب العطوف # وإذا المزاهر دندنت وأنا وأصحابي نطوف! # كانت قصيدة طويلة، وكنت قد تجرأت على البحور فقمت بتغيير البحر فيما بين الفقرات، ~~وغيرت القافية أيضا، وأحسست أنني كنت ثائرا لا يعرف بعد أن قام بالثورة أين الطريق! وكنت ~~أفرج همي في تعلم العود، وعثرت على نوتة موسيقية لمقطوعة «حبي» لعبد الوهاب مكتوبة من ~~سلم «دو ماجير»، وفيها نغمة «فا دييز»، ولكن النوتة تنبه ms067 إلى تحويلها إلى «ناتوريل» (أي ~~عادية) في كل مرة! وذهبت إلى كمال عبد الرحمن وعزفتها على البيانو، فكانت رائعة، ولكنني عندما ~~حاولتها على العود لم أفلح، ولم أعرف إلا بعد سنوات طويلة أن المقام ليس كما كتب في ~~النوتة، وأن نغمة «مي» هي في الواقع نصف بيمول (أي تتضمن ربع النغمة أو ثلاثة أرباع النغمة) ~~مما يجعله مقاما شرقيا! # وفي عطلة نصف العام ذهبت مع المدرسة في الرحلة السنوية التي كانت تنظمها الوزارة إلى ~~الأقصر وأسوان، وكانت حلما آخر من أحلام تلك الأيام؛ إذ ركبنا القطار من «باب الحديد» في ~~الساعة السابعة والنصف مساء، وتحرك في الثامنة، ووصلنا إلى الأقصر في الخامسة من صباح اليوم ~~التالي بعد أن قضينا ليلة من التهريج والغناء والرقص لم أشهد لها مثيلا ولم أكن أتصور ~~أنها يمكن أن تحدث، فأخرج الطلبة ما في جعبتهم من البذاءات، وتباروا في إلقاء النكات ~~الفاحشة، وكان يغلبني النعاس أحيانا فأجد من يوقظني بعنف لكي أشترك في مسابقة أو مباراة ~~لفظية. وعندما وصلنا قال لنا المدرس إن برنامج الصباح غير محدد، فانطلقت وحدي بعد أن وضعت ~~الحقيبة في مبنى المخيم، وذهبت إلى أحد المقاهي لأتناول طعام الإفطار، فجاءني بائع تحف ~~وتماثيل، وباعني تمثالا زعم أنه فرعوني بقرش ونصف، فاشتريته، وبعد الطعام اكتشفت ~~سرقته! # وعندما عدت إلى المخيم، وهو مبنى ضخم، وجدت نصحي بقطر يعزف موسيقى «موكب النور» لعبد ~~الوهاب على الأكورديون! كان عزفه رائعا والموسيقى شجية، وحديقة المخيم بديعة، وسرعان ما عاد ~~الأولاد الذين لا يتعبون أبدا إلى تقديم الاسكتشات الضاحكة بقيادة عادل مجدي، ثم لعب الكرة حتى ~~الظهيرة، وبعد الغداء بدأ برنامج الرحلة. # ما كان أبعدنا عن رشيد! وما كان أكثر اختلاف ما كنا فيه عن أقاصيص سالمة وزبقة ~~وسمونة! ولكنني كنت أتطلع إلى النيل وأسأل متى تصل مياهه إلى المصب؟ هذه هي جنادل أسوان التي ~~يسمونها الشلالات، وهذه هي صفحة النيل المنبسطة، وها هو الماء الذي يأتي على موعد، وعادت إلى ~~وجداني أنغام السنباطي وقصيدة شوقي: # متقيد ms068 بعهوده ووعوده # يجري على سنن الوفاء ويصدق # والآن وأنا أذكر اللحن بعد هذه الرحلة الطويلة مع الأغنية والقصيدة، أرى كيف لحن ~~السنباطي البيت بحيث يبرز عبقرية «التموج» في شعر شوقي؛ فكل تفعيلة (من بحر الكامل) ~~تتماوج وحدها في الشطر الأول حتى تأتي إلى الكلمة الأساسية وهي «يجري» فتطول نغمة «على» ثم ~~تهبط ثم تعلو في «الوفاء» وتعود إلى النغمة الأولى! هل كان شوقي واعيا بتقسيم التفعيلات ~~الداخلية هنا؟ هل كان واعيا بحركة «الواوين» في الشطر الأول في نصف التفعيلة اللتين تحولتا ~~إلى «ألف» ممدودة في آخر التفعيلتين الرابعة والخامسة؟ لم أكن في ذلك الوقت قد درست الشعر ولا ~~الموسيقى بالقدر الذي يتيح لي أن أعرف أو أن أحدس، لكنني كنت أستغرق وحسب فيما حولي، ~~فيتمثلني المنظر مثلما أتمثله! ولم أدرك ما كان يحدث حقا حتى قرأت شعر وردزورث في ~~إنجلترا، وسمعته يقول كيف كان يطيل النظر أحيانا في صفحة البحيرة والسحب الساكنة في السماء ~~من فوقها، فلا يدري إن كان المشهد خارج كيانه أم داخليا في نفسه! كانت تلك تماما مشاعري ~~وأنا أرقب صفحة النيل التي تشبه البحر الساكن؛ هل هذه هي «الأفكار» التي تسبق اللغة؟ # وعندما عدنا إلى القاهرة ظلت صور أسوان ماثلة في مكان ما في نفسي، وكرت أيام الدراسة ~~سريعا وأنا «ألهو» بالعود أو أكتب القصص وأتحدث في إذاعة طابور الصباح في المدرسة بالفصحى، ~~وكتبت مرة قصة قرأتها على الطلبة في الصباح اسمها «القلة» (لم أكن أعرف أنها فصحى حتى قرأت ~~صحيح البخاري)، ولم يكن بها إلا عنصر التشويق؛ إذ بدأتها هكذا «رأيتها في غرفة الأساتذة، تقف ~~عند الشباك، ولم يكن يتطلع إليها أحد، وخالستها النظر دون أن يرقبني أحد، وكان بي شوق ~~جارف إلى أن أروي عطشي منها ...» وتعمدت ألا أفصح عما يعود إليه الضمير «هي» إلا في نهاية ~~القصة! وضحك الأساتذة، وكان الأستاذ صبري مدرس الرسم سعيدا بطاقتي اللغوية، وكان رضاه عنها ~~يفوق رضاه عن طاقتي في الرسم، وقد كرر على مسامعي ما سبق أن ms069 قاله مفيد تاوضروس في رشيد من ~~أنني لا أعرف كيف أتوقف - أي لا أعرف أن اللوحة انتهت ولم تعد تقبل المزيد! # وذات يوم سألني (الدكتور) جرجس الرشيدي عما أنتوي دراسته بعد التخرج فقلت له: الأدب ~~العربي، وقال بأسلوبه الهادئ الواثق: ليه ؟ ولم أستطع أن أجيبه. واستمر قائلا: «هل تريد أن تصبح ~~كاتبا؟ الواضح مما قرأت لك أن لديك موهبة (وكان قد قرأ مسرحيتين كتبتهما بالإنجليزية وقصة ~~أيضا بالإنجليزية) ولكنك لن تستطيع أن تجيد أيا من الألوان الأدبية الحديثة إلا إذا قرأت ~~الآداب العالمية، وخير وسيلة لك هي إجادة اللغة الإنجليزية. وعليك إذن أن تلتحق بقسم اللغة ~~الإنجليزية!» وعندما ذكرت له ما كنت أسمعه عن وجود أجانب أو أنصاف أجانب أو خريجي مدارس ~~أجنبية في القسم لا بد أن يحتلوا المراكز الأولى قال بالثقة نفسها: «في الأول بس!» وعلى أي ~~حال سوف تتميز عنهم باللغة العربية! وذكرت أن الإذاعة حلم من أحلامي، فقال لي إن حسني ~~الحديدي خريج من قسم الإنجليزي، ومن قبله علي الراعي ومحمد فتحي! وصادف ذلك في نفسي هوى ~~(خصوصا أن جمال السنهوري كان قد التحق آنذاك بالإذاعة)، فناقشت الأمر مع آخرين فتضاربت ~~الآراء، وإن كنت في أعماقي أتمنى دخول معهد الموسيقى أو كلية الفنون الجميلة، وكثيرا ما كنت ~~أسير في تلك الأيام في شارع محمد علي، وأتطلع إلى الآلات الموسيقية المعروضة، وتحديدا في ~~محل جميل جورجي، وكان الرجل طاعنا في السن طيب القلب، فكان يسمح لي بالجلوس والعبث ~~بالأوتار، مدركا رحمه الله أنني لن أشتري شيئا، ومقدرا مدى شغفي بالموسيقى. # وكان من سمات «الكبار» في المدرسة «التزويغ»، وهذا لا يعني عدم الحضور ولكنه يعني الحضور ~~ثم الفرار، إما بالقفز من السور، وإما بالتحايل على الفراش الموكول بالباب (البواب) لقاء ~~مبلغ زهيد، وأحسست أنني لا بد لي أن «أزوغ» ولو مرة واحدة تدعيما لمكانتي بينهم، ولم يكن ~~«التزويغ» مقبولا في النصف الأول من العام، ولكن الأساتذة كانوا يتغاضون عنه في النصف الثاني، ~~وكانت الخطة هي أن يحضر الطالب ms070 الحصتين الأوليين، فيثبت أنه حضر في كشوف الغياب ثم يتسلل ~~أثناء الفسحة الصغيرة مع من يريد من السور الخلفي (أو الباب الأمامي باتفاق سابق مع الفراش)؛ ~~ومن ثم قررنا أنا وزميل اسمه محمود القللي أن «نزوغ» ونذهب إلى السينما، ثم نعود إلى ~~المنزل في موعد الخروج من المدرسة. وقال لي إنه سيتكفل بالحديث مع الفراش، وما علي إلا أن ~~أكون موجودا بالقرب من الباب في أول الفسحة، حيث يكون جميع المدرسين قد عادوا إلى غرف ~~الأساتذة، وسأجد الباب مواربا والفراش متظاهرا بتناول طعام الإفطار فأنسل خارجا، ~~وأختفي في أحد الشوارع الجانبية بانتظاره. ونفذنا الخطة بدقة عسكرية ووجدنا أنفسنا في ~~طرق خالية، فعبرنا شارع نوال، ومنه إلى كوبري الجلاء وأرض المعارض ثم شارع سليمان باشا (طلعت ~~حرب حاليا)، ثم شاهدنا فيلما ما (لا أذكر عنه أي شيء) وقفلنا في طريق العودة عن طريق ~~العتبة، إذ كان أمامنا ساعتان. ووجدت سور حديقة الأزبكية غاصا ببائعي الصحف والكتب القديمة ~~والمجلات المصورة بكل اللغات، فوقفت أتأملها، بينما كان هو يلح علي أن نستأنف ~~السير. وأخيرا يئس مني فتركني ومضى، واستغرقتني الكتب، وكانت أثمانها تتراوح بين قرش ~~وخمسة قروش، فقضيت وقتا لا أدريه، حتى وجدت يدا تربت كتفي في رفق، فتلفت فإذا هو ~~الأستاذ محمد الشيخ، صديق الأسرة، الذي تعرفت عليه والدتي أثناء الحج عام 1950م. # ولم يقل شيئا ومضى ببسمته الهادئة، ولكنني أدركت أنه لا بد مخبر الأسرة بما يفعله ~~التلميذ «المجتهد»، وقررت أن ألتزم الصمت، وألا أخوض في الموضوع أو أتعرض له، لا صدقا ولا ~~كذبا، وعندما رن التليفون ذلك المساء، وسرت في المنزل الهمهمة المتوقعة تربصت أنظر ما ~~أفعل، ولكن العاصفة مرت بسلام، وكان الصمت الذي عوملت به أبلغ من كل صراخ أو غضب. # وعندما عقدت وزارة التعليم، التي كان على رأسها كمال الدين حسين، مسابقة بين تلاميذ ~~المدراس على مستوى الجمهورية في كتاب «فلسفة الثورة» من تأليف جمال عبد الناصر، كان النظام هو ~~أن يعقد امتحان على مستوى المدرسة لاختيار الثلاثة ms071 الأوائل لدخول مسابقة المنطقة، ثم التصفية ~~النهائية. وكان ترتيبي الأول في المدرسة، ولكن امتحان المنطقة كان مخيبا للآمال؛ إذ كان ~~المصححون من خارج الوزارة، وكان «مجلس قيادة الثورة» هو الذي أعد نماذج الإجابات، وقد ~~أخطأت دون أن أدري خطأ فاحشا حين ذكرت أفضال محمد علي باشا على مصر الحديثة، وكان ذلك ~~كفيلا باستبعاد ورقتي من الامتحان؛ إذ كان الممتحنون يعتبرونه خطأ قاتلا. ولكن أحد أبناء ~~المدرسة فاز بمركز متقدم وهو أحمد علي حسن، وفاز بالمركز الرابع على مستوى الجمهورية، ففاز ~~بمبلغ خمسة عشر جنيها ونزهة نيلية للأوائل مع الوزير نفسه. # انتهى العام الدراسي، وتقدمنا إلى مكتب التنسيق الذي كان قد أنشئ في العام السابق، رغم ~~إصرار والدي أن أدخل كلية الشرطة، وبرغم «الواسطة» العليا التي استعنا بها، لم أقبل بعد ~~أن اجتزت جميع الاختبارات، فيما كان يسمى بكشف «الهيئة». وما زلت أذكر رئيس اللجنة وهو يقول ~~لي: إن درجاتك في العربية والإنجليزية أعلى من المعتاد .. هل أنت واثق أنك تريد أن تصبح ضابط ~~شرطة؟ وأجبت بالإيجاب، فأردف قائلا: ولكنني سمعت أن والدك يريد إجبارك على ذلك؟ ويبدو أنني ~~تلعثمت فقال لي: «شكرا .. اتفضل.» ولم أخبر والدي أبدا بما حدث؛ إذ يبدو أن «الواسطة» قد ~~«ذكرت» الحقيقة لرئيس اللجنة، فكان ما كان! # في أعماقي كنت سعيدا، بل كنت بالغ السعادة. وكان أحد مصادر السحر يكمن في الزي ~~الرسمي للشرطة، وكان سحر زي طلبة «كلية البوليس» كما كانت تسمى، يتمثل في إقبال الفتيات ~~على لابسيه، مما أحزنني بعض الشيء، ولكنني عندما التحقت بكلية الآداب، وشاهدت الجميلات ~~وحادثتهن، نسيت كل سحر للزي الرسمي، وبدأت مرحلة جديدة حافلة عاصفة في حياتي ~~الأدبية. # 3 # كانت أول ريح هبت لتثير الموج في أعماقي هي قصائد «شلي»! كان الكتاب «المقرر» هو ~~«الكنز الذهبي» الذي جمع فيه بولجريف قصائد تمثل أذواق العصر الفكتوري، وهي قصائد في ~~جوهرها رومانسية، ونصيب الكلاسيكيين فيه محدود. وكان لدينا أستاذ اسمه الدكتور شوقي السكري، ~~كان قد عاد لتوه من بريطانيا حيث حصل على ms072 الدكتوراه في شعر وليم موريس، الشاعر الفكتوري، الذي ~~اشتهر بأفكاره الاجتماعية أكثر من براعته الفنية. وكان د. شوقي لا يقول كلاما كثيرا عن الشعر ~~نفسه، بل كان يلقيه إلقاء جميلا فيسحرنا به، وجعل يلقي القصيدة من بعد القصيدة ونحن لا ~~نفهم إلا قليلا . ومن ثم عكفت على قراءة القصائد بنفسي، وكنت أستيقظ في الفجر كما كنا ~~نفعل في رشيد، لكنني لم يكن علي أن أذهب كل يوم في نفس الموعد إلى الجامعة؛ ولذلك اعتدت ~~(ولازمتني هذه العادة حتى اليوم) أن أقرأ ما أريد تفهمه بعد صلاة الفجر، ويوما بعد يوم ~~وجدتني أرى في «شلي» الشاعر المثالي، بل وجدتني أقول ذات يوم لأحد الأصدقاء: «هذا هو ~~الشعر!» # وسرعان ما أفسد علينا المدرس متعة القراءة والتذوق بأن «قرر» علينا كتابا يصدر في ~~ملازم عن الشعر الإنجليزي، يتضمن البحور، والأشكال البلاغية، وتاريخا موجزا للشعر ~~الإنجليزي، ثم فقرات محددة من كتاب «موجز تاريخ الأدب الإنجليزي» من تأليف أيفور-إيفانز (وهو ~~من ويلز). وكان عدد أشكال المجاز ستا وثلاثين، مع شروح لها وأمثلة عليها، حفظتها كلها، ~~ثم نسيتها، وعدت إلى الشعر! مفتاح الشعر هو الإنسان والطبيعة إذن! وفي نوفمبر كتبت أبياتا ~~أحاكي فيها فن شلي: # أواه يا ورق الخريف! # يا مهبط الوحي الرهيف! # أي النسائم أنطقت فيك الحفيف؟ # أي الغصون رمتك يا ورقي الأليف؟ # هل أنت مثلي أعجف البنيان مقرور الكيان؟ # هل أنت مثلي عاجز الألحان معقود اللسان؟ # ونظرت إلى الأبيات في دهشة، وربما لم أدرك كل الإدراك أنني أخرج بهذا ~~اللون من التأليف، غير المنتظم في عدد التفعيلات، عن عمود الشعر العربي، ولكنها كانت أبياتا ~~ذات وقع يرضي أذني، ثم نظرت فيها ثانيا فلم أجد الصدق الذي أوصاني أستاذ اللغة العربية ~~به، ولم أجد نظاما محكما للقافية، فتوقفت. وعندما عرضت الأبيات على صديقي أحمد السودة ~~لقيت منه كثيرا من التشجيع. كان قد التحق بكلية الحقوق ولكننا ازددنا قربا، وتوثقت ~~علاقتنا، وكنا (وما زلنا) نتزاور ونتبادل الكتب، وإذ ذاك ألمح لي أنني أفعل في شعري ما ms073 ~~افتقده العقاد في شعر شوقي - وكان يعني الصدق طبعا! هل أنا صادق إذن؟ # كان الدكتور عبد العزيز الأهواني (رحمه الله) هو الذي يدرس لنا مادة اللغة العربية، وكان ~~الموضوع هو «الشعر المعاصر»، وقد بهرتني قدرته على الحديث في موضوعه مباشرة ودون «إنشاء » ~~ساعة متواصلة، هي طول المحاضرة، بالفصحى التامة السليمة، وبهرني وضوحه ودقة تعبيره. لم ~~يكن يحمل كتبا، بل كان يضع يديه أمامه على منضدة الأستاذ ويتكلم! وتمنيت في أعماقي أن ~~أستطيع ذلك يوما ما، وقد حققت مأربي إلى حد ما عندما عدت من البعثة عام 1975م وبدأت ~~أدرس مادة الشعر الإنجليزي، فلم أكن أحمل كتبا، وعندما طلبت مني الدكتورة فاطمة موسى، ~~رئيس القسم آنذاك، أن ألقي محاضرة عن قصيدة المقدمة للشاعر وردزورث، وأعتقد أن ذلك كان عام ~~1977م، جلست نفس جلسته، وتحدثت بالإنجليزية حديثا متواصلا مستفيضا ساعة كاملة، فأوفيت ~~الموضوع حقه بوضوح ودقة ما زال البعض يذكرونني بها، دون أن أدري أنني كنت أحاكي الدكتور ~~الأهواني! # وذكر لنا الدكتور الأهواني كتابا للعقاد عنوانه «شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي» ~~باعتباره من المراجع المهمة، وسرعان ما اشتريته وقرأته، ولكنني أحسست أن العقاد يتجنى ~~على شوقي. كيف يقطع الإنسان بأن شاعرا ما كاذب أو صادق في شعره؟ هل فنون الصنعة تنفي الصدق؟ ~~وهل كان المتنبي أكبر الكذابين؟ ما المعيار؟ # ودرسنا الرواية الطويلة المكتوبة نثرا، ودرسنا مسرحيتين لشكسبير، وكثيرا ما كنت ~~أتألم من صعوبة اللغة القديمة، فكانت عملية القراءة ذاتها مرهقة مضنية، وسمعت أن جامعة ~~عين شمس (الجديدة) تتبع منهجا مختلفا؛ إذ يدرس الطلبة اللغة المعاصرة أولا فإذا أحكموا ~~معرفتها تحولوا إلى اللغة القديمة، وأحسست بحسد دفين، لكن ما السبيل إلى الاعتراض؟ وكان ~~امتحان الفصل الدراسي الأول في مواد التخصص الرئيسية وهي الرواية والدراما والشعر، واللغة ~~العربية. وعندما جاء موعد الفصل الدراسي الثاني كنت أحس أنني لا أريد الاستمرار! ولكن الدكتور ~~رشاد رشدي كان قد عاد من أمريكا بعد منحة دراسية لمدة عام؛ للاطلاع على مذاهب النقد الحديث، ~~وبدأ يعلمنا هذه المذاهب ms074 بأسلوب مبسط ساحر، فأنساني هموم الفصل الأول، وهموم اللغة ~~القديمة، ومع أنه لم يكن وسيما بالمعنى المفهوم فقد كانت لديه قوة اجتذاب الجنس الآخر، ربما ~~بسبب سلاسة منطقه وطاقته على الإقناع، وكان صبورا هادئ الأعصاب وذا حنكة في التعامل مع الناس ~~لا يجاريه فيها أحد! # وكان ذلك دافعا لي على الاستمرار، خصوصا أننا أصبحنا شبه متفرغين لمادة النقد الأدبي، ~~فالمواد الأخرى جميعا يسيرة (اللغة الفرنسية، واللغة اللاتينية، والمقال والنحو، وأعمال ~~السنة). وكان في السنة الرابعة آنذاك تلميذ نابه هو أحمد مختار الجمال (دمياطي)، وقرر أن ~~يصدر مجلة حائط لقسم اللغة الإنجليزية أسماها «أضواء» (وكنت أعاونه في كتابتها ونشر كاريكاتير ~~من رسمي أنا في كل عدد)، بإشراف الدكتور شوقي السكري وكانت الرحلات شبه أسبوعية؛ إما إلى ~~الأهرام أو القناطر الخيرية أو إلى الإسماعيلية - بقيادة شوقي السكري أيضا، وكان نادي ~~الخريجين المصري (الذي أنشأه خريجو قسم اللغة الإنجليزية الأوائل) يمارس أنشطة علمية ~~وثقافية - برئاسة شوقي السكري كذلك، واتضح لي فيما بعد أن شوقي السكري كان قد عاد من ~~البعثة في الوقت الذي سافر فيه رشاد رشدي إلى أمريكا الذي كان رئيسا للقسم (أو قائما بأعمال ~~رئيس القسم؛ لأنه كان أستاذا مساعدا)، فانتهز شوقي الفرصة، وعمل على اجتذاب أكبر عدد من ~~الطلبة إليه، والقيام بأكبر قدر من «النشاط» تمهيدا لمنافسة رشاد رشدي وربما - إذا ترقى هو ~~الآخر - لرئاسة القسم بدلا منه! # وكنا نسمع عن ذلك ولا نراه، ثم أعلن فريق التمثيل بالكلية عن اختيار بعض العناصر القادرة ~~للعمل في حفل مسرحي كبير، وعقد أقطاب الفريق القديم امتحانا للجدد، وكان الأقطاب هم أحمد زكي ~~(المخرج) الذي كان في السنة الرابعة بقسم الاجتماع، ومصطفى أبو حطب (رحمه الله)، وكان في ~~الرابعة بالقسم الإنجليزي، وكلاهما على وشك التخرج من معهد الفنون المسرحية، ونبيلة سيد أحمد (3 ~~إنجليزي) ونبيلة أندراوس (2 إنجليزي) ونوال راتب (2 إنجليزي). وتقدم للامتحان كثيرون رسبوا ~~جميعا ومن بينهم حسين الشربيني (اجتماع) والضيف أحمد الضيف (رحمه الله) (تاريخ) وأنا! وكان ~~المرحوم المأمون أبو ms075 شوشة طالبا منتسبا في قسم الإنجليزي، وكان يشاع أنه لا يزال طالبا في ~~كلية العلوم، وأنه يرفض التخرج؛ خشية توقف دخل كان يأتيه طالما كان طالبا فإذا تخرج ~~انقطع. وفي أول اجتماع للفريق، كان يجلس إلى جانبي شاب نحيل عرفني بنفسه وحذرني من ~~الاقتراب منه كي لا تصيبني «العدوى»، وسألته عن مرضه فقال إنه مرض القراءة! وكان اسمه يحيى عبد ~~الله - رئيس قسم الدراسات اليونانية واللاتينية حاليا. وارتفعت صيحات الاحتجاج من الراسبين ~~في امتحان التمثيل، فوعدنا أحمد زكي بأن «يشوف لنا أدوار»، ثم دخل رشاد رشدي وتحدث عن خطة ~~الفرقة فقال إنه ترجم مسرحية «الزواج» من تأليف جوجول، وأعدها للتمثيل بالعامية المصرية، ~~كما ترجم مسرحية «هرناني» لفيكتور هوجو، و«المفتش العام» لجوجول أيضا، وقال: اختاروا ما ~~تريدون، وخرج. # واستقر الرأي على المسرحيتين الأولى والثانية، وبدأنا التدريبات، كانت الأولى بالعامية، ~~والثانية بالفصحى، وكان المخرج هو كامل يوسف، من خريجي قسمنا، ويعمل مخرجا بالإذاعة. وكان ~~يعاونه مخرج مساعد شاب اسمه يوسف مرزوق. وكان الموعد هو الثانية ظهرا كل يوم، للقراءة، ثم ~~بعد أسبوعين تبدأ «الحركة»، ثم ننتقل إلى المسرح! وقضينا ثلاثة أسابيع في القراءة دون الاتفاق ~~على منهج محدد في الأداء، فكان كامل يوسف يقول شيئا، فإذا غاب قال مساعده شيئا مختلفا، ~~فإذا كنا دون مخرج قال أحمد زكي شيئا آخر تماما! وقال لنا أبو شوشة إن هذا أكثر مما يحتمل، ~~والأفضل أن نتظاهر بالطاعة، ثم نفعل ما نريد على خشبة المسرح، ومن ثم دعا الفريق إلى ~~السينما في صباح اليوم التالي، وكان الفيلم هو «ذهب مع الريح»، وكان طويلا، فلما عدنا كان ~~كامل يوسف يرغي ويزبد، وهدد بالتوقف عن العمل! ووجه إليه أبو شوشة تهديدا مستترا ~~ردا على ذلك، قائلا: قطعا لا تريدني أن أحل محلك الآن! وفهم كامل يوسف مرماه وعدنا ~~للتجارب المسرحية. # وكانت تجربة وقوفي على المسرح (بعد تحذير عبد المنعم مدبولي) مخاطرة كبيرة. كما أنني لم ~~أكن واثقا من منهج الأداء، وقبل الدخول إلى المسرح بحت لأبو شوشة بما ms076 كان يقلقني، وكان ~~يلعب هو دور البطولة، فقال لي لا تقلق! جرب حركة جديدة وانتظر رد فعل الصالة، فإذا نجحت ~~وسمعت الضحك أو التصفيق، (وكان الأول يسمى إفيه بتشديد الفاء والألف الممالة، والثاني ~~يسمى سوكسيه) فالتزم بها طول العرض! # ولأول مرة في حياتي كنت أمارس الخروج على النص! لم أقل كلاما من عندي، ولكنني فعلت ~~شيئا من عندي - شممت وردة وضعها أحد الخطاب في عروة السترة في مشهد يضم جميع ~~الخطاب في منزل العروس! لم أكن أتصور أن هذا مضحك إلى هذا الحد، ولكني كنت أقاطع أحاديث ~~الجميع وحركتهم بشم الوردة، وكانت النتيجة هي أنني كنت بمجرد دخولي إلى المسرح يصمت الجميع ~~ترقبا لما سأفعل، وكنت في كل مرة أفعل شيئا مختلفا فتتصاعد ضحكاتهم ثم يصفقون! وعندما ~~انتهى العرض ودخلت إلى المسرح لتحية الجمهور تأكد لي أن الجمهور كان سعيدا! # وفي نهاية الحفلة عدنا إلى غرفة الملابس، فاكتشفت «سرقة» ورقة مالية بعشرة قروش من جيبي، ~~وأحسست بحزن شديد، لا لأنني لن أستطيع العودة في الأتوبيس إذ كان عندي اشتراك شهري، بل لأنني ~~كنت وعدت أحد الأصدقاء بأن أدعوه إلى «تحية ما» بعد العرض! وذكرت ذلك لأبو شوشة فأعطاني ~~ورقة مالية بخمسة قروش وفت بالغرض وانتهت الليلة. لم أنس شهامته أبدا، ولا أنسى رفضه ~~أداء الدين، وقد زاد اقترابنا من بعضنا البعض، وكثرت لقاءاتنا حتى بعد أن عمل في الإذاعة في ~~تقديم برنامج اسمه «صواريخ» حتى توفاه الله. # 4 # عندما كنا في الأورمان في العام السابق، كانت تقع أمام الفناء الخلفي للمدرسة عمارة من ~~أربعة طوابق، وكان في الطابق الرابع فتاة من المحال رؤية ملامحها بوضوح؛ لبعد المسافة، ~~وكانت تقف كثيرا في الشرفة أو النافذة وعيون الجميع معلقة بها، وكلهم يتصور أنها تعرفه ~~وتعنيه بحركاتها، واقفة أو جالسة، فإذا لوحت بيدها، فكل منهم عاشق ولهان تلقى إشارة ~~القبول. وقد نسج الطلبة حولها الأساطير، وعندما فاتحت نبيل رضا في الموضوع قال لي إنه هو ~~المقصود بالإشارة، وأمن على كلامه ابن خالته علاء ms077 (الذي هاجر إلى ألمانيا)، ولكن أخاه ~~الأكبر محمد اعترض، ومن ثم تركنا الموضوع دون حسم. وذات يوم كنت أزور يحيى يوسف ~~(المستشار بمجلس الدولة حاليا) وانتهى موعد الزيارة لوصول أستاذ اللغة الفرنسية «يوحنا ويصا ~~فلسطين» الذي كان مدرسا أول بالمدرسة، فخرجت بعد الغروب بقليل، وبدلا من أن أعود إلى المنزل ~~سلكت شارع المدرسة، فلاحظت أن بعض راكبي الدراجات يحومون حول ذلك المنزل، وتصورت أنهم ~~يتسابقون، ولكنني تعرفت على أحدهم، وهو زميل لنا اسمه وجيه صلاح الدين (أصبح لواء في الشرطة ~~فيما بعد). ورغم عجبي ودهشتي تركت المكان لأتمتع برؤية الغروب في الحقول. # كان الموقف يذكرني بالمعلمات في مدرسة رشيد المقابلة لمنزلنا. ولكن عام خامسة أدبي لم ~~يدع لي مجالا للتفكير في أي منهن، وكأنما غربت صورهن مع صور التلال والنخيل، وعندما ~~التحقت بكلية الآداب ووجدت الزميلات يحادثنني دون خشية أو تردد، زالت مخاوفي من هذا الشيء ~~الغامض، هذا الذي يتحدث عنه الشعراء وأحاكيهم فيه، وذلك السر الغريب الذي يقض مضجع ~~إبراهيم كيرة! كنت دائما أرى نفسي مختلفا، ولم أشأ أن أكون مثل الجميع في هذا فأفكر في ~~عيني فلانة وكلام علانة! ولكنني ذات صباح من أيام نوفمبر 1955م، أثناء درس من دروس ~~الرواية، أحسست أن عينا ما تراقبني، فتلفت فإذا وجه صبوح، وإذا ببسمة صافية تنير ~~الصباح! وابتسمت ردا على البسمة، كأنما أقر بأنني مثل الآخرين، وبأنني «يا هند من لحم ~~ودم»! # لم يحدث شيء يدعو للابتسام. لم يكن في الدرس قطعا ما يدعو للفرح؛ فالدكتورة أنجيل بطرس ~~سمعان تعدد أنواع الروايات وتحدد خصائص كل نوع، والدقة لازمة في رصد هذه الخصائص! فما ~~الذي دعا الفتاة للابتسام؟ وما اسمها؟ وما هذا الزلزال الذي يهز كياني هزا فيمنعني من ~~التفكير ومن الكتابة ومن الحركة! تجمدت دون أن أجرؤ على النظر ثانيا خشية أن أراها ~~مقطبة. وقلت في نفسي لعلها أخطأت وكانت تبتسم لغيري، أو لعل بسمتها حركة لا إرادية لا ~~معنى لها، أو لعلها لم تبتسم أصلا وكان ما رأيت وهما! ms078 وتظاهرت بالكتابة، واستغثت بالشعر ~~فأبى واستعصم، وشعرت كأن سحابة هبطت على الكون من مكان لا أعرفه فاكتنفتني، ووددت لو أن ~~لي أصدقاء أشكو إليهم حالي، وظللت في مكاني حتى انتهى الدرس وانصرف الجميع وأنا جامد ~~ساكن. # وأهرعت إلى زميلي جلال نصيف الذي كان يعمل ليلا في شركة مقار ، ويأتي في الصباح إلى ~~الجامعة، وكان وسيما وله شارب ويهوى الموسيقى مثلي، فقال لي «قاعد والا ماشي؟» وفي شبه ~~ذهول قلت له أفكر في عبد الوهاب - وقال «بالمناسبة جبت لك نوتة «المماليك» - سيكا تركز على ~~سي بيمول ...» ثم أخرج من حقيبته ورقة تتضمن نوتة موسيقية وأعطاها لي، وعرض علي الذهاب إلى ~~البوفيه، ووجدتني أسير ذاهلا، وعندما جلسنا قلت له إنني أفكر في أغنية «مقادير»، فنظر إلي ~~غير فاهم فقلت له المطلع: # مقادير من جفنيك حولن حاليا # فذقت الهوى من بعد ما كنت خاليا # نفذن علي اللب بالسهم مرسلا # وبالسحر مقضيا وباللحظ قاضيا # فضحك وقال: وهل هذه صعبة؟ وخفت حدة ذهولي وبعد قليل شكرته وانصرفت. # لم أكن في ذلك اليوم قادرا على الحديث مع أحد، كنت أسيرا لتلك البسمة، أحيانا أحس ~~بتحليق لم أعهده في أجواء غريبة، وأحيانا تغمرني الفرحة، ثم أعود أناقش الموضوع، وذكرت ما ~~قاله الأستاذ كمال نايل مدرس الفلسفة في المدرسة عن عذاب المحب الذي لا يستطيع أن يتذكر وجه ~~المحبوب، وكان قد أعد رسالته للماجستير في علم النفس (بإشراف الدكتور يوسف مراد) بعنوان ~~«الغرضية في السلوك الإنساني»، ولكنني كنت قادرا على استدعاء بسمتها في كل لحظة، بل كانت ~~البسمة ثابتة لا تبارح خيالي. وتنبهت إلى أنني أناقش الأمر باعتباره لونا من الحب الذي ~~يتحدث عنه الشعراء، وأن البيت الذي أتى بقصيدة شوقي هو «وما هو إلا العين بالعين تلتقي!» - ~~وانثالت أبيات شوقي في ذهني: # ومن تضحك الدنيا إليه فيغترر # يمت كقتيل الغيد بالبسمات # وعدت إلى الشوقيات أرى فيها ما قاله العبقري الذي لم يعجب العقاد، دون أن يفتح علي ~~الله ببيت واحد يناسب المقام! # أما ما حدث بعد ذلك ms079 فمألوف في هذه الحالات؛ إذ شاعت البسمات في قسمنا، وشاع تبادل ~~الحديث، وبعد أن تعرفنا وتوثقت علاقات الزمالة زال السحر الذي أتى بمشاعر، أو أحيا ~~مشاعر، لم تكن في الحسبان! كان الحال يختلف عن رشيد، فنحن نتحادث كل يوم، ونجلس في البوفيه ~~لتناول الشاي والتعليق على الدروس، وإن كانت لحظة البسمة قد رسخت في نفسي إلى الأبد (على حد ~~تعبير جيمس جويس). # وعندما عدنا إلى رشيد في الصيف، أحسست بأنني كبرت عشرين عاما! لم أكن قد تجاوزت ~~السادسة عشرة إلا بشهور، ولكنني كنت أشعر أنني قد تجاوزت سن الرشد، وبلغت مبلغ الرجال ~~وتجاوزته! وكان الزملاء يسألونني عن القاهرة فلا أقول الكثير، بل كنت أفضل الاستماع. وذات ~~يوم قص علي أحد «الإخوان» السابقين قصة إدراكه معنى الحب، فقال إنه كان يسكن في الطابق ~~الأرضي بإحدى العمارات بالإسكندرية، وكان يتبادل النظرات مع فتاة في الطابق الأعلى (الأخير) ~~وكانا كثيرا ما يتبادلان التحية دون أمل في اللقاء، أو أمل في علاقة؛ فهو تلميذ ريفي فقير في ~~كلية الزراعة، ومصيره إلى الحقل مع والده وإخوته، وهي ابنة صاحب العمارة، حديثة الملبس والكلام ~~(ألافرانكه)، وذات يوم دعته إلى الصعود إليها في المساء، فقلت له مداعبا: «سعيت إليها ~~بعدما نام أهلها» ولم يفطن إلى مصدر بيت الشعر فرد بحماس: «لأ .. كانوا صاحيين!» - «أكمل»! ~~فقال إنه عندما وصل إلى الطابق السادس شعر بخفقان شديد في قلبه، وبحرارة ورجفة، فقال: «هذا ~~هو الحب!» وكان من العبث إقناعه بأن هذه المظاهر لها أسباب أخرى غير الحب، ولكنه أكد لي ~~أنه الحب، وأنه استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ونزل مسرعا خوفا من الحب! # كان معظم زملائي في المدرسة الرشيدية قد سبقوني بعام إلى الجامعة، وكانوا جميعا في ~~الإسكندرية، فجعل كل منهم يحكي عن أحوال الدراسة والحياة بعيدا عن رشيد، وكان معظمهم من ~~الأوائل، خصوصا أحمد قادوم الذي كان يحصل على تقدير ممتاز في جميع المواد في زراعة الإسكندرية، ~~وكنا نضحك من عدم اهتمامه بالمعلومات العامة، وكان يسر إلي أنه ما ms080 زال على عهده لا يقرأ ~~الصحف ولا يستمع إلى الراديو ولا يخرج، وأن هؤلاء ضالون إذ يضيعون أوقاتهم فيما لا يسمن ~~ولا يغني من جوع. وسألت عن بعض الزملاء الذين لم يوفقوا في دراستهم فعلمت أنهم تركوا رشيد ~~إلى العمل في الإسكندرية، وعلم معظمهم في شركة مياه الإسكندرية ؛ لأن رئيس مجلس الإدارة كان من ~~أسرة مرزوق في رشيد، وكان يعطف على أبناء البلد. # وفي الصيف شهدت أول حادثة قتل في حياتي. كان أحد القفاصين واسمه «ريشة» موتورا من ~~بائع كتاكيت (فراريج) اسمه «الزربون»، وكان «الزربون» يطوف راكبا حماره، وعلى الجنبين ~~قفصان فيهما الكتاكيت، وينادي «الملاح ياللي تربي الملاح!» في طول رشيد وعرضها، ويبدو ~~أن خلافا ما وقع بين بائع أقفاص (هو أبو ريشة) وبين الزربون فقرر ابنه «ريشة» الانتقام. ~~وذات يوم أثناء دخول سينما رشيد في الدرجة الثالثة، وأثناء الزحام قام ريشة بطعن الزربون ~~بمدية أو بسكين، وكنا أنا والأصدقاء نرقب المشهد، وعلى الفور أسرع الجميع بالمصاب إلى ~~المستشفى، وبالمعتدي إلى سجن المركز. كانت الطعنة نافذة، وكان الصراخ شديدا، وجاء الفلاحون من ~~وراء الكثبان الرملية ليشهدوا ما حدث، ولإبلاغ الأسرتين. # وفي الصباح ذهبنا إلى المركز فسمعنا عجبا! لقد جاء والد المعتدي بعيد القبض عليه ومعه ~~«عزوة» (أبناء وعدد من القفاصين) ودخلوا ساحة المركز، وأتى والد بابنه ولامه لوما شديدا على ~~رعونته، وعلى ما أبداه من طيش، وصرخ في الشاويش النبطشي (النوبتجي) قائلا: «ده ابني! وأنا ~~اللي أربيه! إذا كان غلط يبقى أنا اللي أعلمه الأدب! يالله ع الدار يا ولد! وقعتك سودة!» ~~وجر ابنه بين ذهول الحاضرين (كان الضابط غائبا ليلة الخميس) وانطلق الجميع بالولد خارج ~~السجن! # ولكن أين ريشة؟ وجاءت الإجابة: أبوه يرفض تسليمه، وقال أحد الموجودين «أصل الزربون فيه ~~نفس، وعملوا له عملية، والشاويش خايف يروح للبيه الضابط البيت يصحيه!» وانصرفنا بين مصدق ~~ومكذب، وعلمنا بعد الظهر أنه كان في الإسكندرية كعادته في «الويك إند» (!) إذ نادرا ما يحدث ~~ما يستدعي بقاءه في رشيد، وعندما جاء يوم السبت ms081 ألقى الضابط بنفسه القبض على ريشة (وكان ~~الزربون قد توفي) وقام بترحيله بنفسه إلى الإسكندرية! # كان صيف 1956م ساخنا، بعد تأميم شركة قناة السويس، ولكن الناس في رشيد وكنا في سبتمبر، ~~كانوا ما يزالون يعيشون في حياتهم بعيدا عن الأحداث العامة. وأذكر أننا كنا وزملائي نتنزه في ~~الطريق الزراعي بين كثبان الرمال فشهدت كوكب المريخ بلونه الأحمر القاني يميل للغروب، وكنت ~~أحب الفلك حبا جما، فقلت لهم إن هناك أسطورة تقول إنه كلما اقترب كوكب المريخ في ~~فلكه البيضاوي من الأرض تقوم الحروب؛ ولذلك أسماه اليونان مارس إله الحرب! وأن ذلك يحدث كل 11 ~~سنة، وأنه الآن في أقرب نقطة إلى الأرض، ووقفنا نتأمل الكوكب الأحمر، فالجو الصافي في رشيد ~~يساعد على رؤية الكواكب والنجوم بوضوح، وضحك أحدنا قائلا: معنى هذا أن تحدث حرب عام 1956م .. ~~وعام 1967؟ ولم أقل شيئا، وانصرفنا، ثم عدت إلى القاهرة. # 5 # تخرج أحمد مختار الجمال، وعمل بالخارجية، وأورثني مجلة الحائط «أضواء». كانت تتكون من ~~ثلاث صفحات فولسكاب متوازية، وينشر فيها كل ما يهم طلبة القسم ولكن باللغة العربية، وكانت ~~تصدر أي تعلق صباح الإثنين، وكانت تنشر أيضا بعض الإنتاج الأدبي من شعر وقصص، إلى جانب ~~الكاريكاتير الذي كنت أحتكر رسمه. ومن خلالها عرفت طلبة القسم في السنوات السابقة واللاحقة، ~~وكنت أنشر صورهم وأخبارهم (من سافر ومن تزوجت!) ثم كون زميل عزيز لي اسمه ناجي رياض ~~أول أسرة من نوعها، وأسماها «سراباند»، وكان رائدها هو الدكتور سعد جمال الدين، وكانت الأسرة ~~تقوم برحلات وتقيم حفلات، كانوا يسمونها حفلات السمر آنذاك، ولكننا لم نكد نبدأ حتى وقع ~~العدوان الثلاثي على مصر. والغريب أن الدراسة لم تتعطل إلا فترة محدودة، بينما اندفع كثير منا ~~إلى التطوع، وكان مركز التجنيد في المدينة الجامعية، وكان التصنيف يستند إلى المعرفة السابقة ~~بحمل السلاح، ولما كنت ممن سبق لهم التدريب في رشيد وفي الأورمان، فقد أتممت الإجراءات ~~بسرعة، وتلقيت بندقية «لي أنفيلد» عتيقة الطراز، وبعد يومين فهمت أن الهدف هو الدفاع المدني ms082 ~~لا الحرب، وفي اليوم الثالث، سرحوا الجميع! # وانطلقت أهيم على وجهي كل يوم في شوارع القاهرة، ملتهب الحماس متقد المشاعر، ولكن ~~الناس كانت هادئة تعيش حياتها اليومية، دون تغيير يذكر باستثناء صوت جلال معوض وهو يذيع ~~البيانات العسكرية، وأم كلثوم وهي تقول «والله زمان يا سلاحي» ونشيد «الله أكبر»! وكان من أبناء ~~خئولة نبيل رضا شاب رقيق اسمه عز الدين فهمي عبد الخالق، وكثيرا ما كنت أزوره في المنزل أو ~~أتجه معه إلى معهد الموسيقى العربية، وقلت له إنني أريد أن أشتري عودا، فقد برح بي الشوق ~~إلى الموسيقى. فقال إنه يعرف صديقا اسمه مدحت الرشيدي، وإن أباه يملك دكانا لبيع الآلات ~~الموسيقية، ولعله يساعدنا. لم يكن معي سوى جنيه ونصف جنيه اقتصدتها من مصروفي. فذهبنا إلى ~~شارع محمد علي حيث الدكان، ولكن مدحت قال إن أرخص عود بثلاثة جنيهات، وكذلك قال جميل جورجي، ~~ومن ثم اتجهنا إلى محل لا نعرف له وصفا بسبب ما ترك الدهر عليه من آثار البلى ولم ~~نكن على ثقة إن كان مفتوحا أم مغلقا. وطرقنا الباب، وانتظرنا، وطرقنا ثانيا، وأخيرا ~~فتحه رجل هرم، لا شك أنه كان مريضا، فرحب بنا، وذكرنا له حاجتنا فرحب وقال اختاروا ما ~~شئتم. وتناولت عودا عاطلا من الزخرفة والزينة فضبطت الأوتار وهو يرمقني، ثم بدأت أعزف ~~التقاسيم التي أستعين بها في ضبط الأوتار، وهي مقدمة فريد الأطرش (القديمة) لأغنية «أول همسة»، ~~وكانت ويا للعجب من مقام الكرد مع أن الأغنية نهاوند! وسألنا محمود علي (وكان هذا هو الاسم ~~الموجود على لافتة المحل) عن ثمنه فقال ثلاثة جنيهات. واحتج عز بأن العود عاطل فقير، فقال: ~~لن تجدا ما هو أرخص من ذلك. وغلبني الحزن ولكنني مضيت في العزف، فغيرت المقام إلى الحجاز ~~فاحتج قائلا «خليك في الكرد!» وعدت إلى الكرد وظللت أعزف وعز يسمع ويرقب وجه الرجل الذي ~~كان خاليا من أي تعبير، ثم نهض عز، وأومأ إلي أن هيا بنا، وعندها قال الرجل: عشان خاطركم ~~باتنين جنيه. وقلت له ms083 يا عم محمود! أنا قبلت، ولكن كل ما في جيبي هو جنيه ونصف، وأعدك أن آتيك ~~بالنصف الباقي حالما يتيسر لي! وغمغم الرجل، لكنه لم يتكلم، ومد يده فوضعت فيها النقود، ~~وخرجنا ونحن نعجب منه. وعندما دارت الأيام وذهبت أسدد الباقي كان المحل مغلقا فسألت أهل ~~الحي فقالوا لي «تعيش انت!» فقصصت عليهم القصة، فقالوا أعط النقود لأرملة المرحوم «حسن أتله» ~~الممثل البدين، وهي تتولى توصيل المبلغ إلى مستحقيه، وفعلت ذلك. # وكان «حضور» العود إلى المنزل حدثا ذا مذاق فريد؛ فقد أحيا في نفسي احتضان عبد الوهاب ~~للعود في فيلم «يوم سعيد»، وبكاءه عليه في «يحيا الحب»، وكان ما ارتبط بالعود في خيالي من ~~ألحان الشعراء وعالمها السحري، فكان ملاذي وجنتي، وبدأت أتردد على عز في منزله القريب من ~~منزلي ليساعدني في فك طلاسم الموسيقى الشرقية، وكان يدرس آلة الكمان، فكنا أحيانا نعزف ~~معا أو نناقش إمكانية «تصوير» بعض الألحان؛ أي عزفها من مكان آخر لتناسب صوت المغني، ~~والصعوبات الناشئة عن التصوير، خصوصا مقام «البيات»، أما عندما كنت أذهب إلى المعهد، فكنت ~~مثل الذي دخل بنفسه إلى عالم خيالي لا يدري إن كان يستطيع تصديقه أم تكذيبه. # رأيت «أنور منسي» عازف الكمان الأشهر، الذي يعزف مقدمة أغنية «الفن» والذي ظهر في فيلم ~~«غزل البنات» وهو يعزف «الصولو» في أغنية «ماليش أمل». وذات يوم ونحن جالسان في «البوفيه» دخلت ~~أم كلثوم! كنت كمن شاهد آية من عند الله سبحانه وتعالى! تلفتت ثم حادثت أحدهم وخرجت، ~~وتهامس الموجودون: البروفة! وجمدت في مكاني حتى أومأ إلي عز أن «قم!» فنهضنا واسترقنا ~~السمع إلى بروفة الأغنية الجديدة، وكان في الفرقة سبعة عشر عازفا للكمان، وصوت أم كلثوم ~~يطغى عليهم جميعا! # كان الليل لا يكفي للشعر والموسيقى، والنهار يضيق بدروس اللغة الإنجليزية! كان للمجلس ~~البريطاني مقر في شارع عدلي، وكنت أتردد على المكتبة فأنقل آراء النقاد الإنجليز في ~~الروايات التي أدرسها في كشاكيل ضخمة. وأظل في المكتبة حتى موعد الإغلاق ثم أذهب إلى المعهد، ~~ثم ms084 أعود في ساعة متأخرة فأصحو في الفجر! وبدأت اللغة الإنجليزية تكشف أسرارها لي، فلم أعد ~~أعاني من الصعوبة القديمة في الكتابة، ثم دخل إلينا الفصل ذات يوم أستاذ عاد لتوه من إنجلترا ~~هو المرحوم الدكتور محمود ماهر الذي انتهى نهاية فاجعة لا بد لي من روايتها! # كان الدكتور ماهر يدرس لنا مادة الدراما، وكنت مبهورا بهذه المادة؛ إذ كنا تخطينا ~~«المقدمات» وبدأنا الغوص في دراما القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكان يقدس «ألاردايس ~~نيكول» الباحث البريطاني في الدراما، ويبدو في سلوكه وكلامه غائبا عن العالم المعاصر، مستغرقا ~~فيما يقرأ وفي أفكاره، وكانت له أحيانا ملاحظات تفيض بالمرارة ويصعب تفسيرها. سأله أحدنا ~~ذات يوم عن «هامليت» وكيف يمكن أن يكون والد «هامليت» عالما بخيانة زوجته له مع «كلوديوس» ~~(عم هامليت)، وكيف يقول إنها ضالعة مع عشيقها في قتل زوجها؟ وأردف السائل: الأرجح أنه كان يجهل ~~ذلك، إذا كان حدث، وإلا لكان قد وضع حدا لتلك العلاقة الآثمة! وضحك الدكتور ماهر ضحكة فيها ~~ألم، وقال بإنجليزية رفيعة: «وكم من زوج يعرف ويسكت! ماذا عساه فاعل؟ خصوصا إذا كان يحب ~~زوجته ويكره فراقها!» وعندما حاول السائل الاعتراض هب فيه الأستاذ صائحا: وماذا تعرف ~~أنت عن ذلك؟ انتظر حتى تتزوج امرأة جميلة تحبها، وسوف تصبر في ألم! # وعلمنا بعد ذلك أن الأستاذ يسكن في فيلا خاصة في مصر الجديدة، مع زوجة إنجليزية شغفته ~~حبا، وأنه يغار عليها ويحمل مسدسا يهدد به من يقترب من الفيلا. وتحققنا من موضوع ~~المسدس حين اقتحم الأستاذ غرفة الدكتور محمد يس العيوطي رحمه الله، وكان أستاذا مساعدا ~~آنذاك، وقال له: أنا متخصص في دراما القرنين السادس عشر والسابع عشر، وإن لم تترك أنت تلك ~~المادة حتى أدرس أنا ما تخصصت فيه، فسوف أعرف كيف أنتقم منك! وحينما أجابه الدكتور العيوطي ~~بأنه (أي ماهر) ما زال مدرسا وتكفيه مناهج السنة الأولى والثانية، أخرج د. ماهر المسدس وقال ~~له: «إذن نتخلص منك!» وذهل العيوطي وانعقد لسانه خوفا ودهشة، وقال له: «درس ms085 ما ~~شئت!» # وعندما علم العميد الدكتور عز الدين فريد بالقصة استدعى الدكتور رشاد رشدي رئيس القسم، ~~وتباحثا فيما يمكن اتخاذه من إجراءات لتفادي أخطار المسدس، ولكن الأيام التالية أتت بأخبار ~~جديدة، أرويها طبقا لما نشر في صحيفة الأهرام على لسان العميد. يبدو أن بستانيا - يعمل في ~~حديقة الدكتور ماهر - كان من عادته إطالة الوقوف عند حوض زهور معين بالقرب من شباك الزوجة ~~الإنجليزية، وسواء كانت إطالة المكث بسبب الطبيعة الخاصة للزهور أم لأسباب أخرى، فقد أثار ذلك ~~غضب د. ماهر ودفعه إلى تقريع البستاني. وكان للبستاني أخ يصغره بعدة أعوام يساعده في ~~المهام الصغيرة، فعندما سمع الصغير الإهانات الموجهة إلى أخيه أهرع قادما ليسأل ففاجأه ~~د. ماهر بسباب أهدر كرامته، وهو قبطي من صعيد مصر يأبى الضيم، فهجم عليه فأخرج ماهر ~~المسدس وأطلقه عليه فأرداه قتيلا! وعندها فر الأخ الأكبر وماهر خلفه يطلق الرصاص حتى ~~نفد رصاص المسدس، فتحول من المطاردة إلى الفرار، ولكن البستاني أدركه وثأر لمقتل أخيه ~~فورا. رحم الله د. ماهر. # ومع بداية الفصل الدراسي الثاني، وكانت القوات المعتدية قد رحلت، وانجلت الغمة، تبارى ~~الشعراء في وصف الانتصار الذي أحرزه الشعب المصري بقيادة الجيش المصري الذي انسحب انسحابا ~~تكتيكيا من سيناء، وغنت أم كلثوم «صوت السلام»، وبرزت لأول مرة روح القومية العربية التي ~~ألهبها الزعيم الخالد، وتضامن سوريا مع مصر الذي تمثل في قيام عبد الحميد السراج بتفجير ~~محطة تصدير البترول إلى الغرب، وتردد الحديث عن تحول بريطانيا وفرنسا إلى دول من الدرجة ~~الثانية، وسطوع نجم الاتحاد السوفيتي وأمريكا، ودورهما الحاسم في وقف العدوان الثلاثي، وغضب ~~أيزنهاور الرئيس الأمريكي، وإنذار بولجانين الرئيس السوفيتي بضرب بريطانيا وفرنسا بالصواريخ. ~~كان العالم - أو صورة العالم بعد الحرب العالمية الثانية - في تغير مستمر، وكان تركيز ~~الأنظار على مصر يزيد من تعميق الوعي بالانتماء الوطني والقومي، واشترك الفنانون في عدة ~~أغان لحنها عبد الوهاب وشارك في الغناء فيها، وبدا أن عصرا جديدا قد بدأ يغرب، وأن ~~أضواء عصر جديد تلوح في الأفق. ms086 # وسرعان ما استؤنفت العلاقات مع بريطانيا، ورحل عدد من الأساتذة إلى إنجلترا؛ للحصول على ~~الدكتوراه، فاضطر رئيس القسم إلى انتداب عدد كبير من خارج الكلية للتدريس فيها، ولم يكن قد ~~بقي من الأجانب في القسم إلا مستر كروفورد الأيرلندي أستاذ اللغة اللاتينية، ومستر فيرهايدن ~~الهولندي أستاذ مادة الحضارة، وكان الباقون إما من الكبار (رشاد رشدي، ومحمد يس العيوطي، ~~وأمين روفائيل، وشوقي السكري) أو من مدرسي اللغة الإنجليزية الذين كانوا ينتدبون من ~~المدارس الثانوية للمشاركة في التدريس. ولكن الكلية كانت قد قررت إقامة حفل ضخم في ختام ~~العام الدراسي تقدم فيه مسرحية من تأليف ستانلي هوتون وعنوانها «الراحل العزيز»، وعهد جمال ~~حمدي - الطالب بقسم الصحافة - إلى قسم اللغة الإنجليزية بإعدادها، وكان من نصيبي أن أتولى ~~الترجمة والإعداد، وبدلا من أن أترجمها إلى الفصحى ترجمتها إلى العامية مباشرة حتى يسهل ~~إعدادها، ولكنني ما إن عرضت الترجمة على المخرج «عثمان بدران» حتى اعتبرها إعدادا؛ ومن ثم ~~بدأت التدريبات المسرحية! # وعهدت إلي الكلية بتولي أمر الفرقة الموسيقية، فأهرعت إلى عز، فصاح دون تردد: «رفعت!» ثم ~~أوضح لي أن عددا من طلبة المعهد قد كونوا فرقة فيها مجموعة لا بأس بها؛ مثل هيكل عازف ~~الكمان الموهوب (عميد المعهد بأكاديمية الفنون حاليا)، وبسيوني عازف القانون، واثنان من عازفي ~~العود هما ممدوح الذي يشبه فريد الأطرش (في صوته وعزفه وشكله، بل وفي قصره)، وحلمي بكر ~~المطرب الذي يماثل عبد الحليم حافظ (الذي أصبح ملحنا شهيرا)، وكمال عازف العود الماهر، وعدد ~~كبير من عازفي الكمان؛ على رأسهم «رفعت» نفسه وعز الدين فهمي! وفرحت بهذا الترتيب، وقلت له إن ~~الكلية قد رصدت مبلغ خمسة عشر جنيها أجرا للفرقة، فانهمك في توزيع الأجور بين الطبال ~~والزمار والمغني، ثم تواعدنا على اللقاء في المعهد. # وفي المعهد دار النقاش حول موضوع الهواية والاحتراف؛ لأن بزوغ نجم عبد الحليم حافظ وكثرة ~~عدد من يقلدونه، أو من يقلدون معاصريه من الناشئين مثل عبد اللطيف التلباني ومحرم فؤاد ~~وماهر العطار، على تميز كل منهم وتفرده، ms087 جعل الساحة تموج بل تغص بالمحترفين؛ فبعد أن ~~كان محمد الموجي وكمال الطويل يحتكران التلحين لعبد الحليم، ظهر لهما منافس قوي هو بليغ حمدي ~~الذي بدأ بمحاكاة عبد الوهاب خصوصا في استخدام الألحان المبسطة، ثم استقل عنه، وبدأ يهجر ~~الغناء ويركز في التلحين، مما دفع إلى الظل بعباقرة الموسيقى الشرقية القدماء محمد القصبجي ~~وزكريا أحمد وتلاميذهما النجباء مثل محمود الشريف وأحمد صدقي، وامتد النقاش، وتردد اسم ~~فايزة أحمد، المطربة السورية التي لمعت فور اشتغالها بالغناء، ووردة الجزائرية التي تنبأ لها ~~البعض بمنافسة أم كلثوم، وباختصار كان الموقف، على حد تعبير رفعت «يتطلب الاحتراف»! وكانت ~~النتيجة رفض التعامل مع الكلية إلا إذا رفعت الأجر إلى مستوى الاحتراف، وهو أربعون جنيها ~~بالتمام والكمال! # وأبلغت العميد الدكتور عز الدين فريد فوافق! وعقدت الحفلة في مسرح كلية التجارة، وكان من ~~المشاركين مطرب ناشئ اسمه أحمد سامي (لم يكتب له أن يحقق الشهرة) وآخر اسمه محمد عليش، لم ~~يكن حظه أفضل، ولكن الحفل كان فرصة للتعرف على «شباب» الوسط الموسيقي، واكتساب معرفة أوسع ~~نطاقا بالأصوات المتاحة، وكانت لدينا في أحد أقسام الكلية طالبة ذات عيون خضراء وصوت رخيم ~~اسمها «فتحية» تفكر في ممارسة الغناء، وكان وجهها صبوحا وأداؤها عميقا مؤثرا، ولكنها رأت ~~إصرار الجميع على أن السبيل الأوحد هو الاحتراف، فترددت ثم سألتني، فكان لا بد أن أعلن ~~تأييدي لرأي الأغلبية، وكان مما قالته إنهم يريدون أن يغيروا اسمها! وهذا أمر لا يمكن أن ~~يقبله أهلها المتحفظون أو المحافظون، وكان ذلك هو ما حسم الأمر وأقنعها بالعدول عن احتراف ~~الغناء. # وكانت نتائج هذا العام الدراسي أفضل كثيرا من نتائج العام السابق، فاطمأنت الأسرة، ~~وتركتني وذهبت إلى رشيد، ومكثت مع والدي وحدنا في القاهرة، وكنت أقضي وقتا طويلا مع أحمد ~~السودة الذي كان دائما ما يدعوني إلى مشاهدة الأفلام التاريخية والأدبية ودور السينما الصيفية، ~~ويتولى هو دائما دفع كل شيء؛ من ثمن التذاكر إلى الساندوتشات والكوكاكولا، كما كان يفعل في ~~المدرسة، معي ومع غيري من الطلبة، ms088 فقد كان (وما يزال) يتميز بالسخاء الفياض، وكانت تلك خصيصة ~~أثرت في أكبر تأثير؛ إذ أدركت أن كرم النفس وراء كرم اليد، وأصبحت أقيس كرم النفس بمدى ~~الاستعداد للعطاء واحتقار حطام الدنيا، ولم يكن أحمد السودة أغنى طالب في الفصل؛ فقد كان هناك ~~قطعا من هم من أسرات مماثلة في الغنى والعراقة ، ولكنه كان يتميز بما يسميه الإنجليز بالروح ~~العالية، وهو شيء أنظر حولي هذه الأيام فلا أجده عند الكثيرين، ولا أنسى موقفه ذات يوم عندما ~~اشتريت حلوى من بائع في شارع سليمان بوسط البلد، وظننت أن البائع أخطأ في الحساب فأعطاني نصف ~~قرش فوق الحساب فصاح أحمد: «ده راجل غلبان .. رجعه له.» وفعلت، مما ذكرني بمواقف والدتي في ~~طفولتي. # 6 # ومع بداية العام الدراسي 1957-1958م اختلفت صورة الكلية؛ إذ عاد اثنان من الأساتذة ~~بالدكتوراه من إنجلترا؛ هما مجدي وهبة وفاطمة موسى. وكان مجدي وهبة يدرس لنا عدة مواد ~~منها الشعر، ولكنه كان ذا رؤية ثقافية جديدة تدفعه إلى إقامة الجسور مع الأدب العربي واللغة ~~القومية، فكان يحترم الترجمة ويؤمن بأنها من الجسور التي لا بد من إقامتها بين الأدبين العربي ~~والإنجليزي، وكان يتحدث بلغة إنجليزية رفيعة وبلهجة راقية يسمونها لهجة جامعة أكسفورد، ~~ومع ذلك فقد كان لا يجد عيبا في كتابة كلمة بالعربية على السبورة إذا لزم الأمر، أو النطق ~~بعبارة بالعربية في الفصل، وكان ذلك من المحرمات في العامين السابقين. وسرعان ما أعلن عن ~~مسابقة بين طلبة السنة الثالثة لترجمة مقطوعة من قصيدة طويلة للشاعر الإنجليزي الكلاسيكي ~~«ألكسندر بوب». # وتبارى هواة الترجمة في الصياغة العربية، وكان مطلع المقطوعة هو: # A little learning is a dangerous thing; # Drink deep or taste not the Pierian spring; # There shallow draughts intoxicate the brain, # Drinking largely sobers us again; # وقلت في ترجمتي: «لا تقنع من العلم بنزر يسير؛ فهذا جد خطير، فإما أن تجرع كئوسه ~~المترعة أو لا تقرب النبع المقدس. فقطراته اليسيرة تذهب بصوابنا، وجرعاته الحافلة تعيد لنا ~~رشدنا!» وذهبت إليه ms089 فأبدى إعجابه وقال: ربما فزت بالمركز الأول! وفي الأسبوع التالي أعلن ~~النتيجة وكان الفائز هو شوقي جمعة (المخرج في التليفزيون حاليا)، الذي أصاب قدرا أكبر من ~~التوفيق في ترجمة مطلع البيت الثاني فأخرجه على هذا النحو: «عب منه عبا!» وكان يساعد ~~الدكتور مجدي في الحكم أستاذ في كلية دار العلوم اسمه كامل المهندس، ويبدو أنه هو الذي رجح ~~كفة ترجمة شوقي جمعة. وفي المسابقات التالية تعلمت ألا أغفل عن أدق إيحاءات الكلمات، ~~فكنت أفوز بالمركز الأول دون منازع، وكانت الهدايا مغرية؛ إذ كانت كتبا مهمة في الأدب ~~الإنجليزي، ما زلت أحتفظ ببعضها، وذات مرة شاركتني سعاد عبد الرسول في المركز الأول فلم أحزن ~~ولم أغضب؛ فمتعة الترجمة أتاحت لي أن أجمع ترجمات عديدة لقصائد من الشعر الرومانسي، كنت ~~أعرضها على أستاذ فيبدي لي ما يعن له من الملاحظات، حتى اكتملت عندي كراستان ~~حافلتان. # وذات يوم دعاني الدكتور مجدي وقال لي إنه ينصحني أن أنشر هذه المجموعة (24 قصيدة) ~~بالاشتراك مع شاب من جامعة الإسكندرية. وكان الدكتور محمد مصطفى بدوي، نظيره في جامعة ~~الإسكندرية، قد ذكر له أن نابها اسمه عبد الوهاب المسيري (الدكتور الآن) قد ترجم عددا من ~~القصائد يمكن ضمه إلى المجموعة. ورفضت قائلا إن الترجمة مثل التأليف لا تحتمل المشاركة، ~~فقال لي بل أنت تريد الاستئثار بالمجد! وكانت كلمة «المجد» جديدة على مسمعي وذات وقع غريب، ~~فأنكرت وقلت مخلصا: إنني أريد وحسب أن يعرف صاحب الأسلوب من ترجمته. فنصحني قائلا إن ~~كنت أود ذلك حقا فعلي أن أتصل بالدكتور لويس عوض الذي كان يعمل بالصحافة، ويعتبر أقدر ~~من ترجم الشعر الرومانسي. واتصلت بالدكتور لويس فضرب لي موعدا في مساء الأحد التالي، وعندما ~~زرته أحسست بأن مسار حياتي الأدبية قد تحول إلى الأبد! # كانت غرفة مكتبه، في شقته بشارع القصر العيني، تمتلئ بالكتب إلى السقف، وكان يجلس إلى ~~مكتب في ركن الغرفة وبجواره شباكان يطل كل منهما على حديقة مشمسة، وبعد أن فتح الباب ~~لي سمعت صوتا نسائيا يسأله ms090 بالفرنسية: «من القادم؟» فأجاب بالفرنسية: «إنه رجل». وعلى ~~الفور بدأنا نقرأ ترجمة «الملاح الهرم»، وكان يمسك بالنص الإنجليزي وأنا أقرأ النص ~~العربي، وكان أحيانا يستوقفني ليسألني إذا ما كانت إحدى الكلمات التي استخدمتها عربية ~~حقا، مثل كلمة السارية أو الصاري، فأؤكد له أنها فصحى، وفي ذهني يتردد صدى معركة ذات ~~السواري أو الصواري، وهكذا حتى ننتهي. وأحيانا ما كان يزوره بعض الضيوف أثناء هذه الجلسات ~~فيطلب منهم أن يلزموا أماكنهم ريثما نصل إلى نقطة نستطيع التوقف عندها. # وفي منزل الدكتور لويس تعرفت على بعض الشخصيات الأدبية وشهدت حواره معها، وبعض الشخصيات ~~السياسية أيضا، وكان صريحا حادا في تعليقاته وملاحظاته وفي نقده الأدبي. فكان يقول إنه لا ~~يؤمن بالقومية العربية؛ لأن تاريخ مصر يعزلها عزلا حضاريا عن سائر الشعوب العربية باستثناء ~~الشام، ويقصد به بلدان «بر الشام» كلها إلا سوريا فقط؛ فالاتصال الحضاري بينهما قائم على ~~مر التاريخ القديم والقريب، أما ثقافة الصحراء فهي غريبة على مصر، ولا تكفي اللغة الواحدة ~~لتكوين الأمة. وعندما قرأ له أحمد عبد المعطي حجازي قصيدة يقول مطلعها: # إني هنا فوق الطريق يا حبيبي أنتظر، # الناس مروا من هنا، # مروا ذراعا في ذراع، # مروا كلاما هامسا وبسمة بلا انقطاع. # قال لويس: «أيوه كويس .. بس عاملة زي: كل الأحبة اتنين اتنين، وانت يا قلبي ~~حبيبك فين!» فضحك الموجودون وأذكر منهم «هدى» حبيشة (الدكتورة)، ومديحة كمال (زوجة علي حمدي ~~الجمال)، وديزي روفائيل (زوجة أحمد بهاء الدين) وحلمي شعراوي (الذي تخصص في إفريقيا فيما ~~بعد). وفي تلك الجلسة نوقش الشعر العامي، ونوقش صلاح جاهين، وكان لويس مغرما مثل الناقد ~~الإنجليزي ف. ر. ليفيز بالأحكام، وتحديد «طبقات الشعراء» ومراكزهم، فلم يوافق الدكتور لويس على ~~ما ذكرته هدى حبيشة من أن جاهين «أعظم» شعراء العامية، وإن كان «أفضل الموجودين». كانت رنة ~~الثقة في حديث لويس توحي بالثقة والاطمئنان، وإن كنت أستمتع بقراءاته للشعر الإنجليزي أكثر ~~من استمتاعي بهذه المناقشات. # واستمر بنا المجلس ذات مساء حتى الحادية عشرة ونحن نقرأ شلي، حين ms091 جاء زائل لم أره من قبل، ~~وهو نظمي خليل الذي كان يعمل مفتشا للغة الإنجليزية آنذاك في وزارة التربية، وعندما تحول ~~النقاش إلى فلسفة الثورة وأزمة الديمقراطية وضرورة الاشتراكية، استأذنت وغادرت المجلس. وسرت ~~وحدي ذلك المساء وقد بدأت في ذهني مساجلات بين الدعاوي السياسية التي لا شأن لي بها، ~~والطموحات الأدبية التي تتملكني. كانت أحلام الأدب أكبر من خيالي المحدود؛ إذ كان الفن ~~الأدبي الشائع في تلك الأثناء هو فن القصة القصيرة وكان «الكتاب الذهبي» الذي تصدره دار ~~روز اليوسف قد بدأ يقدم عددا من الكتاب الذين سرعان ما احتلوا مراكز مرموقة في الحياة ~~الأدبية؛ مثل يوسف إدريس، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي، وأمين يوسف غراب، وإحسان ~~عبد القدوس، وعبد الحميد جودة السحار، وغيرهم ممن خرج من «معطف» محمود تيمور. ولم يكن من ~~السهل علي أن أحاكي أيا منهم، وكانت مكتبة الأنجلو المصرية تصدر سلاسل أدبية إنجليزية ~~ندرسها في الجامعة، بعد أن توقف استيراد الكتب في أعقاب العدوان الثلاثي من إنجلترا، وكان ~~الذي يتولى اختيار القصص والمسرحيات د. رشاد رشدي ود. لويس مرقص، الذي أصبح رئيسا للقسم ~~الإنجليزي في كلية الآداب الجديدة بجامعة عين شمس التي أنشأها المرحوم د. مهدي علام (وكانت ~~كلية تربية حتى عام 1953م). وكنت أقرأ هذه القصص وتلك المسرحيات فيزداد يأسي من القدرة على ~~محاكاتها. # وفي الفصل الدراسي الثاني بدأت ملامح أحلامي تتضح. كان الذي يعلمنا مادة الترجمة ~~شابا من قسم اللغة العربية اسمه الدكتور شكري عياد، وكان يكتب قصصا ينشرها في مجلة «صباح ~~الخير» ويسمح لنفسه باستخدام بعض الألفاظ العامية فيها، وكان في أوائل الثلاثينيات من عمره أو ~~في منتصفها، وكان، على تخصصه في اللغة العربية وحبه الشديد لها، يكره ميلي إلى التأنق في ~~الأسلوب، ودائما ما ينبهني إلى أن الغاية هي الوضوح وقوة التعبير و«صلابته» على حد قوله، ~~وكان يعني بذلك دقة الألفاظ وإفصاحها عن المعنى مباشرة. ولذلك فإن دروس الترجمة معه كانت في ~~الواقع دروسا في علم دلالة الألفاظ، وعلى يديه ms092 أحببت الغوص في المعاجم بحثا عن الدقة، وهربا ~~من الغموض والالتواء. # وفي ربيع عام 1958م، وكنا في رمضان، أحسست بما للجوع من أثر على صفاء الذهن ورقة ~~المشاعر! أو هذا هو ما قلته بعد أعوام معدودة للدكتور شفيق مجلي عندما عاد بالدكتوراه من ~~إنجلترا وبدأ يدعو للإقلال من الطعام! كان إقبالي على الطعام يشبه إقبالي على اللغة وعلى ~~الأدب، ولكن دروس الترجمة التي كانت دائما بعد الظهر أو العصر كانت تنسيني حاجتي إلى الطعام، ~~وكنا نجد في تفتح الزهور ولون الخضرة الذي عاد يكسو الأشجار مصدر بهجة غامرة، سرعان ما ~~تحولت إلى مشاعر حب دفاقة بين الصغار (كنا جميعا دون العشرين)، فتصور كل منا أنه ~~عاشق واله، وكانت النظرات مثقلة بمشاعر لا يدري أحد كنهها، وقد علمت فيما بعد أن هذه ~~المشاعر التي يمكن إرجاعها إلى أسباب مادية، في طبيعة البشر وطبيعة الكون، تميز الإنسان عن ~~الحيوان؛ لأنها وليدة عقل الإنسان، ووثيقة الصلة بذهنه، وباللغة التي تميزه عن الكائنات ~~الأخرى! # وكان شكري عياد صبورا. يقرأ شعري وينقده دون برم. ويناقشني في شعر «شلي» مناقشات تشبه ~~مناقشات لويس عوض، وكنا نخرج معا من الجامعة فنسير الهوينى حتى محطة الأتوبيس، فنستقله ~~حتى المنزل، وكان يقيم في العجوزة (في «المحطة» التالية) وأحيانا كنت أغادر المركبة معه ثم ~~أقفل عائدا، وأحيانا كان يغادرها معي ثم نسير «المحطة» الباقية إلى منزله. وأذكر مرة طال ~~بنا النقاش فظللنا نتردد بين المحطتين حتى حان موعد الإفطار فافترقنا. # وفي ذلك العام الدراسي كان رشاد رشدي قد انقض على شوقي السكري فأغلق مجلة الحائط، ~~وبدأ يناوئه في ألوان النشاط الأخرى فبدأ رشدي نشاطا مقابلا يتمثل في ندوات أسبوعية للقصة ~~القصيرة والشعر بين الطلبة، كما كثف من خروجه إلى الحياة العامة بعد نجاح مجموعة قصصية كتبها ~~قبل ثلاثة أعوام عنوانها «عربة الحريم»، فكتب مسرحية اسمها «الفراشة» قدمتها له فرقة المسرح ~~الحر، وكان يعد العدة لتقديم مسرحية أخرى هي «لعبة الحب»، كما بدأ يلقي الأحاديث في ~~الإذاعة عن النقد الحديث ويهاجم ms093 دعاة تسخير الأدب والفن لأغراض الدعاية السياسية باسم ~~الأيديولوجيا، وكان تحليل أحد النقاد للمناخ الأدبي حينذاك هو أن دفاع الاتحاد السوفيتي عن ~~مصر ووقوفه بجانبها منذ صفقة الأسلحة «التشيكية» قبل ثلاثة أعوام، يعتبر بداية لصداقة مع ~~الدول العظمى تمتاز بعدم الانحياز إلى أي من الجانبين، كما أعلن ذلك أقطاب الحركة التي ~~اجتمع قادتها في باندونج بإندونيسيا، وعلى رأسهم جواهر لال نهرو الرئيس الهندي وجوزيف بروز تيتو ~~الرئيس اليوغوسلافي، وسوكارنو الرئيس الإندونيسي وجمال عبد الناصر الزعيم العربي، باعتباره ~~رئيس الجمهورية العربية المتحدة التي تضم سوريا ومصر. ومن ثم فلم يعد من المقبول أن ~~يظل الشرق الأوسط كما كان منطقة نفوذ للغرب، بل كان لا بد أن ينحسر هذا النفوذ، بل وأن ~~يتلاشى، وأن يسود مبدأ الاستقلال الفكري في الكتابة والأدب؛ تبعا لسيادته في السياسة ~~والاقتصاد. # ولكن مبدأ الاستقلال كان يعني وضع موازنات دقيقة بين الكتلتين، وإذا كان ذلك ممكنا في ~~السياسة، فهو عسير في الأدب، فكانت القيادة السياسية تشجع فريق مناصرة الشرق (الشيوعي)، وفريق ~~مناصرة الغرب (الرأسمالي) في الوقت نفسه، وتفرض عليهم القيود في الوقت نفسه، وتضرب بعضهم ~~بالبعض في الوقت نفسه! ومن ثم نشأ حال من الاستقطاب الزائف؛ إذ إن الدولة ذات رقابة ~~صارمة، لا تسمح بالشيوعية (طبعا) ولا تسمح بالرأسمالية؛ لارتباطها بما ثارت عليه حركة ~~الضباط الأحرار في مصر الملكية، ولا تسمح بالحركات الدينية طبعا بعد أن اتضح أن الإخوان ~~كانوا يعدون العدة للاستيلاء على السلطة! وكانت «معسكرات» الكتاب تعكس، أي تجسد، ~~هذا الاستقطاب الزائف، وهو زائف (والتعبير هو تعبير لويس عوض) لأن دعاة كل مذهب كانوا في ~~الواقع يؤمنون بما يؤمن به الفريق الآخر في أعماقهم، ولكنهم يتحزبون ويتخذون اتجاهاتهم ~~«المتغيرة» من باب رد الفعل الوقتي، باستثناء عدد من الشيوخ الذين لم يناقشوا هذه المذاهب ~~أصلا، بل وجدوا أنفسهم في خضمها يصارعون الموج، وعدد من الشبان الذين آمنوا بها ~~(ومعظمهم من اليسار) وأخلصوا لها حتى بلغت مبلغ العقيدة! # وكان لويس عوض من أوائل ضحايا هذا الموج العاتي؛ إذ ms094 بلغني أنه اعتقل، وكانت زوجته هي ~~التي أجابتني تليفونيا حين سألت عنه، ولم تزد في ردها باللغة الفرنسية عن إبلاغ هذا الخبر ~~الصاعق! وكان معنى ذلك أيضا غروب شمس حلمي الأول، وهو نشر ترجماتي الشعرية، باختفاء كراساتي ~~مع لويس عوض! وبينما أنا حزين لا أدري ما أصنع إذ قابلت وحيد النقاش وكان من زملاء فريق ~~التمثيل، طالبا مجدا في قسم اللغة الفرنسية، ضئيل الجسم جميل الوجه ذا عينين خضراوين ~~وبشرة سمراء ونظرات حالمة وصوت خفيض، وكان يحب الجلوس في بوفيه كلية الآداب تحيط به الحسان، ~~فدعاني لمشاركته المجلس، وقدم لي صديقا له في السنة الأولى بقسم اللغة الإنجليزية اسمه سمير ~~سرحان! وطالت الجلسة، وتناقشنا في كل شيء، فعرفت منهما أسماء رواد قهوة عبد الله في الجيزة، ~~وسمعت عن أنور المعداوي وعبد القادر القط وسعد الدين وهبة وغيرهم. وانتهى عام 1957-1958م ~~بندوة أقامها رشاد رشدي للقصة القصيرة، ألقيت فيها أو قرأت قصة عنوانها «زوجات الآخرين»، ~~وكان التصفيق شديدا والإعجاب مبالغا فيه، حين انبرى رشدي وبين أن القصة ذات بناء «آلي»، ~~ولا تتميز بالبناء «العضوي»، وفوجئت بأن المأمون أبو شوشة قد تحمس للقصة وقام يدافع عنها ~~للأسباب التي دعت رشدي إلى الهجوم! وقد أعدت قراءة هذه القصة بعد تلك السنوات الطويلة ~~فوجدت أن منهج كل منهما فيه نظر، كما يقولون؛ ولذلك سوف ألخص «الموقف» الأساسي للقصة، ~~وأترك الحكم على موقف الاثنين للقارئ. # القصة مكتوبة من وجهة نظر المتكلم، وهو رجل «مريض» بحب الامتلاك، وكان بسبب نشأته يذود ~~عن حمى كل «حريم» ويتصور أنه لا بد أن يستحوذ على نساء الأرض كلهن! فإذا رأى فتاة «لا رجل ~~لها» جهد جهده حتى يبعد عنها الرجال، فإذا كانت متزوجة «تصور» أن رجلا آخر قد اعتدى على ~~حرمه، وتدريجيا بدأ يشغل باله إلى حد الوله الأخرق بزوجات الآخرين، وكان أن جعل حياة ~~زوجته جحيما، وأحال حياته الخاصة إلى حلبة لخيالات وأوهام، وكان ينشد السلوى في حديث ~~صديق له يتردد عليه وجعله موضع ثقته، لكنه لم يكن ms095 في أعماقه يطمئن إلى أحد كائنا من ~~كان، حتى كان اليوم الذي وجد زوجته في أحضان هذا الصديق! # وكان رأي رشدي أن النهاية لا تنبع من الموقف، فالمؤلف لم يقدم العوامل التي أدت إلى ~~الخيانة، و«حدث» الخيانة لا يمكن أن يعتبر نتيجة لحالة البطل، فنحن لم نعرف الصديق ولا ~~الزوجة، وهكذا فإن النهاية تشبه العقاب الذي ينزله القدر بالبطل، مثل النهاية المفتعلة في ~~نهاية المسرحية الكلاسيكية اليونانية حين يهبط «إله من آلة» [ديوس إكس ماكينا] ليحل عقدة ~~الحدث! وكان رأي أبو شوشة هو أن هذه النهاية «خبطة» فنية تعيد للبطل صوابه وتعتبر درسا لمن ~~يشغل نفسه بزوجات الآخرين! أما ما أظنه الآن فهو أن النهاية، بغض النظر عن «آليتها» أي ~~طابعها الآلي، ليست العنصر الرئيسي في القصة، بل هي إضافة ربما كان من المستحسن أن ~~تحذف! أما جوهر القصة فيكمن في تصوير حالة البطل، أي في بناء الشخصية الرئيسية التي تقوم ~~بالحدث! فمنهج رشدي مستمد من قواعد النقد الأرسطي الذي يلزم كل قاص أن يبني القصة ~~وفقا لقواعد المسرح القديم أو القائم على «التمثيل» أو المحاكاة، ولكن القصة القصيرة الحديثة ~~قد تعددت أشكالها وصورها وفنونها، وأصبح بعض أنواعها يقترب من الشعر، و«زوجات الآخرين» ~~تشبه «المونولوج الدرامي» الذي أشاعه الشاعر الفكتوري روبرت براوننج، بل إن كثيرا من ~~القصاصين المحدثين منذ القرن التاسع عشر قد تخلوا عن ضرورة الارتباط «العضوي»، الذي ~~يعتبر في نظر الكلاسيكيين من النقاد أساس «الحتمية الفنية»، وكنت مدينا بهذا التعبير ~~للدكتور فخري قسطندي الأستاذ بالقسم، وأعني به الارتباط بين البداية والوسط والنهاية، ولكن ~~النقد الكلاسيكي للقصة القصيرة الذي وصل إلى ذروته في كتاب ه. أ. بيتس عن القصة القصيرة كان ~~مسيطرا آنذاك على تفكير رشاد رشدي. # وليس معنى هذا أنني أعتبر قصة «زوجات الآخرين» عملا فنيا كاملا، ولا أقول عظيما، ولكن ~~معنى ما أقول هو أن التطرف في تطبيق النظريات «العضوية» قد يصل بالناقد إلى درجة «الآلية» في ~~النقد؛ ولهذا أحسست آنذاك بخيبة أمل أحبطت محاولاتي التالية لكتابة ms096 القصة القصيرة. ولكن ~~التجربة كانت مفيدة، وأبرز فوائدها مناقشة فن القصة القصيرة باللغة العربية في قسم اللغة ~~الإنجليزية! كانت الندوات فرصة سانحة لمن يريد التجربة واكتساب الخبرة، والاحتكاك بالنظريات ~~الأدبية الجديدة ودراسة مدى جدواها عند تطبيقها عمليا. # وبعد الندوة - التي كان رشدي قد انتصر فيها بوضوح على كل من خالفه وخرج سعيدا ضاحكا - ~~ذهبت إليه أحاول «تبرير» ما فعلته في القصة، فنحى كلامي جانبا وقال لي مباشرة: «أنت بتجيب ~~تقدير إيه؟» قلت له: «جيد جدا» .. فقال لي: «حافظ على التقدير في سنة رابعة وانا آخدك.» ~~وخرجت من غرفته مسرعا حتى لا نخوض في التفاصيل، وحتى أحتفظ بالوعد صافيا دون شروط، وغدوت ~~من فوري إلى المنزل فقابلت «علي أبو العيد» عند المدخل، وهو زميل في كلية الزراعة يقيم في ~~المنزل نفسه بالطابق الأرضي، فوجدني مهتاجا فدعاني للدخول، وبمجرد أن أغلق الباب أفضيت ~~إليه بالسر! أحسست أنني أكاد أرقص طربا وقد تراءت لي صور المستقبل؛ إذ ربما سافرت في بعثة ~~إلى الخارج للتخصص في اللغة الإنجليزية، وربما كتب لي أن أكتب عما كتب عنه توفيق الحكيم ~~وهيكل وطه حسين ثم لويس عوض! ولم يناقشني «علي» في التفاصيل، ولكننا استمعنا إلى أسطوانة جديدة ~~تمكن من الحصول عليها، وكانت لأغنية قديمة لعبد الوهاب هي «كلنا نحب القمر!» # وعندما عدت إلى رشيد في صيف ذلك العام كان كل شيء يبدو مختلفا. # 7 # كانت الهوة بيني وبين أيام الطفولة تبدو شاسعة؛ فالمنزل القديم امتدت إليه يد الهدم، ~~ولم أجد لدي الجرأة لزيارته، ولا للمرور في الشارع الذي يقع فيه، وكنا استأجرنا شقة في منزل ~~حديث ضخم يملكه الحاج خميس يونس بالقرب من مدرستي القديمة في «بحري»، وكنت أحيانا أجد من ~~زملاء الطفولة من أتنزه معه، وأحيانا (وهو الغالب) ما كنت أسير في الحقول وحدي أو على شاطئ ~~النيل حتى آخر «العمار» - أي حتى يبدأ الطريق المقفر المؤدي إلى «البوغاز»؛ أي إلى الفنار ~~القديم حيث مصب النيل. وأذكر أنني كنت ذات يوم وسط الحقول قبيل الغروب، أسير ms097 فوق «الراتب»، ~~وهو قناة ضيقة لا يزيد عرضها عن نصف متر، مبنية من الطوب، وكل جانب مرتفع نحو ثلاثين ~~سنتيمترا، ومكسوة بطبقة من الأسمنت تمنع تسرب الماء، وتحمل المياه من «الساقية» (الناعورة) ~~إلى شتى حقول الذرة والسمسم، وهي أهم المحاصيل التي يجنيها الفلاحون في أوائل الخريف، كنت ~~أسير وحدي أفكر فيما عساي أن أفعل في العام الدراسي المقبل، حين ترددت في خاطري أبيات من ~~قصيدة «المقدمة» للشاعر وردزورث، التي يقص فيها قصة حياته منذ الطفولة، وكانت الأبيات تذكر ~~كيف قرر أن يصبح شاعرا، عندما شهد مطلع الشمس وهو بعد طالب في جامعة كيمبريدج - وتوقفت ~~عند الأبيات التالية: # أفضيت للحقول في الخلاء بالنبوءة، # فجاءت القوافي طائعات دون دعوة، # وخلت أن روحي ترتدي مسوح راهب، # قد اختلى حتى يصلي في خشوع! # وعجبت كيف رفع هذا الشاعر منزلة الشعر إلى منزلة القداسة، فكان يشير إلى ~~ذلك بتعبير «حياة القداسة في الموسيقى والشعر»، وكيف وجد في الطبيعة آيات الخلق وروح الكون ~~الحي، واكتفى بذلك كله عن الغزل والتشبيب وسائر أغراض الشعر، فمطلع «المقدمة» يحدد «المقام ~~الموسيقي» لها؛ إذ يقول في الديباجة: # مبارك يا أيها النسيم يا رقيق الحاشية، # يا أيها المسافر الذي يصافح وجنتي، # في شبه إدراك لما يأتي به، # من الهناء من حقولنا الخضراء، # ومن سمائنا الزرقاء! # ذلك هو الهناء الذي كنت أحسه، وما النبوءة التي يحكي الشاعر عنها في ~~الديباجة إلا «النذر»، وكان يعني به أنه «نذر» نفسه لحياة الشعر، وكأنما كان يقطع على نفسه ~~عهدا بأن يهب حياته كلها لذلك الفن الرفيع، ومن ثم قررت الاستزادة من قراءة شعر ~~ذلك الشاعر، وألا أتوقف عند القصائد التي ترجمتها له، وأهمها قصيدة «خاطرات الخلود من ~~ذكريات الطفولة الأولى» وكان مطلعها: # مر من عمري زمان كان فيه الجدول الرقراق يبدو، # والمراعي والخميل وكل مألوف المناظر، # قد كساها الله ثوبا من سناء، # فتراءت في بهاء مثل حلم ساحر عذب الرواء! # كان ذلك هو الحلم إذن! وألح على خاطري بيت آخر من «المقدمة» «كانوا ~~الحلم وكنت ms098 الحالم!» وعندما تذكرت تلك اللحظات وأنا أقرأ شعر الشاعر كله فيما بعد، ~~أدركت مدى صدق نظرته ومدى قدرته على التعبير عما يدف بين جوانح كل طامح في حياة الشعر ~~والشعراء! # وعندما عدنا إلى القاهرة برزت هوة جديدة بيني وبين أقراني؛ إذ كنت لا أنظر باحترام ~~كبير للعاطلين من الموهبة الذين يدرسون الأدب، وكنت أو بدأت أتصور أن تقتصر دراسة الأدب ~~على أصحاب المواهب اللغوية أو الفنية مهما يكن حظهم ضئيلا من الموهبة، ولم أكن أدرك ذلك ~~إدراكا كاملا حتى نبهني إليه صديقي رضا فرحات (السفير حاليا) حين أشرت إلى أحد الزملاء ~~قائلا إنه «غلبان»، وكان ذلك الزميل قد أخطأ في حقنا وتقول علينا بغير الصدق، ومع ذلك ~~وجدت نفسي أغفر له صادقا، وإن كان «رضا» يريد المواجهة والشجار والانتقام! ولما سمع مني ~~كلمة «غلبان» قال لي ماذا تقصد؟ إنه شرير سيئ القصد فاسد الطوية، ولكن هيهات! لم يكن ما فعل ~~أو ما يمكن أن يفعله جديرا بالتصدي له؛ لأنه كان بلا مواهب، ولم يكن في نظري بالجدير ~~بالمواجهة! وقال «رضا»: «أنت عايز كل الناس يبقوا شعراء؟» وضحكت وأنكرت وأنهيت الموضوع وأنا ~~أذكر قول شوقي: # نازعتني ثوبي العصي وقالت # أنتم الناس أيها الشعراء! # وفي أول درس من دروس الترجمة، وجدت اسم المدرس الدكتور «يوسف خليف»، وعلى الفور قررت أن ~~أقدم له تحية قبل دخوله القاعة فكتبت على السبورة: # في الضفاف التي يهيم بها السحر وينهل في حماها الضياء، # وتضوع الأزهار في جوها الرحب وحيث الحياء والأحياء، # خطر النيل في مواكبه الخضر عليه من الجلال رداء. # وهي من مطلع القصيدة التي كتبها يوسف خليف قبل سنوات عديدة، وفازت بالمركز ~~الأول في المسابقة التي نظمها صاحب مجلة «الكتاب» (عادل الغضبان) وكان من بين المحكمين ~~عباس محمود العقاد! وسر يوسف خليف لوجود من يحفظ شعره العربي في قسم اللغة الإنجليزية، ~~ولكنه صحح البيت الأول فقال «إنني لم أقل «يهيم» بل قلت «يموج»!» ولما أبديت إصرارا على ~~الخطأ قال لي رحمه الله والبسمة لا تفارق ms099 شفتيه: وهذا أكبر دليل على خيانة الذاكرة! بل وأكبر ~~دليل على ضرورة توخي الحذر في نقل روايات الرواة! فالشعر العربي في القرنين الأول والثاني ~~للهجرة كان يعتمد على الرواة (موضوع رسالته للدكتوراه) والشعراء الصعاليك، الذين تخصص في ~~شعرهم، لم يكونوا يكتبون ما يؤلفون، وكان العبء كبيرا على كاهل الرواة! وبدأ العام الدراسي ~~بداية ساخنة! # وعندما بدأت دروس اللغة العربية، رأيت الدكتور عبد الحميد يونس لأول مرة، وكان كفيفا يسير ~~مع سكرتيره، وبدأ بذكر الروايات المقررة لهيكل وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم - ثم ~~أردف قائلا: ومن شئتم أن تقرءوا لهم! وكان ذلك بمثابة كسر للنمط الذي اعتاده الطلبة، فسأله ~~أحدهم: «من خارج المقرر؟» فقال بثقة: «لا يوجد ما هو داخل المقرر وخارجه؛ الرواية الحديثة هي ~~موضوع الدرس.» ومن ثم بدأ يتكلم عن السيرة الذاتية، وما زلت أذكر أولى عباراته: «شغل ~~الإنسان بامتداده في الزمان والمكان ...» وكأنما كان يتكلم عن وردزورث لا عن طه حسين، ثم انطلق ~~يتحدث عن الإحساس بالعالم لدى المكفوف، وعن استحالة الصمت المطلق، فجيشان الدم له صوت يأنسه ~~الصامت في صمت الدنيا، مثلما يرى في مخيلته ما لا يتصوره المبصر! وسألته عن «الصوت الداخلي» ~~فأجاب إن كنت تقصد صوتك الذي يحادثك فلا استغراب ولا دهشة، أما إذا كنت تقصد صوتا آخر ~~يحادثك ولا تعرفه فذلك صوت المراهقة الذي يعلن الوجود والتفرد ويؤكده، وهو صوت يزول ~~عندما يتكيف الإنسان آخر الأمر مع المجتمع ويقبل حياته المكبلة بالقيود، ويطوع نفسه ~~(وكان رحمه الله مغرما بكلمة «تطويع») أي يغير من أفكاره وسلوكه ومشاعره حتى يتوافق مع ~~من حوله! وسألته: «وعندها يتوقف الصوت؟» وضحك وأطرق ثم قال: «وهل أنت واثق أنه الصوت ~~الآخر؟» # كان أسلوب تفكيره جديدا ينبئ عن حدة ذهن ثاقبة، ولن أنسى تحليله لرواية زينب ~~لهيكل؛ إذ إنه لم يركز (مثلما فعل الآخرون) على السمات الفنية للقصة ومدى حفولها بمشاهد ~~الوصف للريف والطبيعة، ولم ينتقد حبكتها من حيث إنها «رواية» بالمعنى الغربي الحديث، بل بدأ ~~من حيث أراد هيكل ms100 للقارئ أن يبدأ - من تعريف الكاتب بأنه «مصري فلاح» (لا فلاح مصري) - وبأن ~~الرواية هي «أخلاق ومناظر ريفية»! من الخطأ إذن، ولا أقول من الظلم، أن تعامل الرواية ~~باعتبارها قصة طويلة تتوافر فيها أركان القصة التي وضعها الغرب، أو أن تقاس بمقاييس ~~الكتاب الغربيين! وقال دون اكتراث: «أليس هذا ما يقوله ت. س. إليوت؟ وأعني به محاسبة الفنان ~~على ما يقصد إليه لا على ما نتوقعه منه؟» ودهش الطلبة ودهشت لمدى إحاطته بالمذاهب ~~النقدية المعاصرة، وعلمت فيما بعد أنه كتب كتابا بعنوان «الأسس الفنية للنقد الأدبي»، نال عنه ~~فيما بعد جائزة الدولة التشجيعية (في عام 1961م) وكنت أتمنى أن يطبق بعض المذاهب الأدبية ~~الحديثة في دراساته للسير الشعبية (التي تخصص فيها)، ولكن تلاميذه فعلوا ذلك وأبدعوا؛ ~~ابتداء من الدكتور أحمد مرسي، وانتهاء بالدكتور خطري. # وكان منهج الشعر الإنجليزي ينقسم إلى قسمين؛ قسم يدرسه رشاد رشدي (المتخصص في الرواية أو ~~في أدب الرحلات) وكان ينحصر في شعر ت. س. إليوت، والقسم الآخر يدرسه مرسي سعد الدين، وكان ~~ينحصر أو يكاد في شعر وليم بطلر ييتس! أما رشدي فقد أحالنا إلى المراجع ننهل منها كيف شئنا، ~~ولم يزد في محاضراته عما ذكرته «إليزابيث درو» في كتابها عن إليوت، واقتصر في محاضراته على ~~قراءة قصيدة الأرض الخراب والتعليق عليها، مركزا على فنون الصنعة فيها من حيث بناؤها ~~السيمفوني وتعدد أصواتها، وكان يقول دائما: مهمتي ليست تقديم المعلومات التي تستطيعون ~~الحصول عليها في المكتبة، بل قراءة النص معكم وتدريبكم على القراءة! وأشهد أن إلقاءه الشعر ~~كان جميلا، وكانت إيقاعاته ونبراته البريطانية ذات أصالة وعراقة، وكثيرا ما كنت أنسى ~~المعنى في ثنايا الإيقاع وتضاعيف النظم! وفي اليوم التالي ذهبت إلى المكتبة واستعرت كتابا ~~عن إليوت أظنه من تأليف «ماكسويل» يحلل فيه القصائد كلا على حدة، فبهرت بعبقرية قراءة ~~النص التي ذكرتني بعبد القاهر الجرجاني، وبعد أن انتهيت منه في جلسة واحدة، طفقت أنسخ في ~~كشكول خاص أهم ما جاء به من فقرات، ثم أعدته إلى ms101 المكتبة، واستعرت كتابا آخر، وعدت إلى ~~المنزل لكنني لم أفتحه، بل ظللت أقرأ الشعر المرة بعد المرة، وكان المطلع يذكرني بآية ~~كريمة: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ~~! ما معنى الخشوع؟ أليس ذلك أبلغ ~~من وصف الأرض بالموت؟ وذكرت الآية الأخرى: # وترى الأرض هامدة ~~فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت # هامدة؟ واستبد بي ذلك ~~الخاطر: ألا يحتمل أن تكون الأرض الخراب هي أرض الموات؟ وذكرت الآية الأخرى # له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت ~~الثرى ~~! وهل الثرى هو التراب؟ إذا كان كذلك [ # ويقول ~~الكافر يا ليتني كنت ترابا ~~، # أئذا متنا ~~وكنا ترابا ... ~~] وهل الثرى حقا هو التراب الرطب؟ إذا صح المعنى الأخير ~~فلا بد أن يكون ما تحت الثرى هو الجذور والدرنات والديدان التي يتحدث عنها إليوت! لا يدور ~~الحديث عن «موت» بالمعنى المفهوم بل عن حالة حياة كامنة فيما يبدو ميتا! وذلك هو معنى إليوت ~~البعيد، الذي يشير به إلى خلود الروح، وهو يقدم في القصيدة صورا للموات النفسي في مظاهر ~~الحياة العصرية حتى يؤكد التناقض بين الحياة في الموت، وهو المعنى الديني العميق، وبين ~~الموت في الحياة عند من لا يعرفون حياة الروح! # وحاولت أن أترجم المطلع نظما كعادتي في ترجمة الشعر، فكتبت: # أبريل ذا أقسى شهور العام! # إذ ينبت الأزهار من أرض الموات [الهامدة]؛ # كي يخلط الذكرى بأشواق الحياة [الحافلة]، # فإذا بأمطار الربيع [الهاطلة]، # تحيي جذورا عاطلة، # بل تطعم الديدان من درنات نبت ذابلة! # ولكن من الذي يتحدث؟ هل هو الشاعر أم إحدى «الشخصيات»؟ اختلف المفسرون؛ فقال ~~ماتيسون في كتابه «ما أنجزه ت. س. إليوت» إن «ماري» تبدأ حديثها في السطر الثامن، وقالت «هيلين ~~جاردنر» في كتابها «فن ت. س. إليوت» إن ماري هي المتحدثة منذ البداية، فإذا صح قول الأول ~~فإن الترجمة يتفق أسلوبها أو مستواها اللغوي مع لغة الشاعر، وإذا كانت ماري هي المتحدثة، ~~كان لا بد من حذف الكلمات التي وضعتها بين أقواس مربعة، ms102 فحذفها لن يؤثر في الوزن، وهي «عضادات» ~~للقافية فحسب! أما الأولى فقد أوحت بها الآية الكريمة، وأما الثانية فلا بد أنها وردت إلى ~~ذهني من تذكر بيت إبراهيم كيرة «ثم هبت من ربا الموت حياة حافلة» وأما الثالثة فقد أوحى ~~بها بيت تشوسر في مستهل «حكايات كنتربري»: # إن جاء أبريل بأمطار الربيع الهاطلة! # وهكذا وجدت أن المشاكل تحيط بالمطلع فأقلعت عن الترجمة، وعدت إلى القصيدة ~~حتى خلت أنني هضمتها هضما! ومن ثم فرغت لكتابة شعري الخاص، وبدأت أواجه مشكلات لم أكن ~~عملت لها حسابا! كنت أحب بحر الرجز (فهو حمار الشعر) ويسهل ركوبه، ولكنني كنت ما أزال ~~أحن شوقا إلى بحور العربية المركبة، والحق أنها أيسر في ضبطها من الرجز الذي يفضي ~~إلى الكامل ويختلط به، كما حدث لي في ترجمة الأبيات الأولى من إليوت، فإذا دخل الكامل استعصى ~~علي استغلال زحافات الرجز وعلله الكثيرة! كما أنه أحيانا يفضي إلى «السريع»، وأحيانا ~~أثناء الترجمة يسمح بتفعيلات من الهزج، وفي هذا ما فيه من عنت! وكان أقرب مثال على ذلك ما ~~حدث عندما ترجمت «الملاح الهرم» (وقد ترجمها بعضهم باسم الملاح القديم)؛ إذ جاء فيها ~~بيت يقول حرفيا إن أفضل المصلين هم أفضل المحبين؛ أي إن أصدق صور الصلاة هي الحب ~~الصادق، وترجمتها هكذا «ومن يحب مخلصا فإنه يصلي مخلصا.» وأحسست بتفعيلة الهزج في ~~الجزء الأخير من البيت، فاضطررت إلى تعديله إلى «فمن يصلي مخلصا فقد أحب مخلصا» مما ~~غير المعنى الذي قصد إليه كولريدج! وعندها غيرت بحر القصيدة كلها إلى المتدارك (أو ~~المحدث) قبل أن يشيع اسم الخبب! فخرجت لي مشكلة جديدة وهي ورود تفعيلة هذا البحر على ~~صورة «فاعل» إلى جانب الصورتين المزاحفتين المعهودتين، إذا افترضنا أن أصل البحر هو فاعلن ~~أربع مرات: # ذا # ك ه # و الملاح الهرم [ملاح هو هرم] # يو # قف ر # جلا من بين ثلاثة. ~~«أقسمت بلحيتك البيضاء # وعين لك تبرق # لألاء، # لم # أوقفت # خطاي الآن؟» # والتفعيلات الخارجة هي ما جاء تحتها خط هنا. لم ms103 أكن أدري أن ذلك مباح أو ~~ممكن (أو أنه من التجديدات التي شاعت)، ولكنني كنت كتبت قصيدة طويلة اسمها «عروس النيل» ~~زاخرة بألوان هذا الخروج، حتى في المطلع: # طفقت أمواج الشطآن # ترقص من سحر الألحان # فالماء على الرمل استلقى # وانحسر طروب الأشجان # وكانت «فاعل» هي أول ألوان الخروج، ثم تلاها ما هو أدهى وأمر: # قالوا توحيدة قد خطبت، # وعريسك يا # توحة # أسمر! # يخطر # في ثوب فضفاض، # كابن السلطان ويتبختر! # في يده # اليمنى مسبحة، # من حب الياقوت الأحمر، # وبيسراه # الدبلة # صبت، # من حب من ذهب أصفر! # فإلى جانب «فاعل» توجد «فعلك» في السطر الرابع [كابن السلطان ويتبختر] ~~وهذا ما جعلني أضيق ذرعا بهذا البحر الذي يخون راكبه ويضني طالبه! ومن ثم كتبت ~~قصيدة فكاهية في «هجاء» هذا البحر تبدأ هكذا: # هذا بحر عذب اللحن، # تغلب موسيقاي عليه، # فيغني جذلانا مرحا، # فتكاد تصفق بيديه، # وتكاد تغني من فمه، # وتكاد ترى الشعر الراقص، # لا يحكي إلا أفراحا، # لا أحزانا لا أتراحا، # أنغام من كلم تسري، # وحروف راقصة تجري، # وتفاعيل متراقصة، # متأودة متكسرة، # فعلن فعلك فاعل فاعل! # وعندما قرأها الدكتور يوسف خليف، وكنت أطلعه قبل الجميع على ما أكتب ~~ضحك، وقال «موش عارف ليه بتطلع معاي فاعل ساعات!» وكان يجلس قريبا أحد الخريجين، وكان اسمه ~~النعمان القاضي (الدكتور) فيما بعد - رحمه الله - وكان يدرس لدرجة الماجستير في اللغة العربية، ~~فلم يلبث أن قال «بس ده غلط! قطع البيت!» وقال له يوسف خليف «لكن الودن قابلاها!» وقلت ~~في نفسي «الحمد لله أن القضية خلافية!» وعندما عدت إلى كتابة قصيدة من البحر نفسه تركت أذني ~~تفعل ما تشاء، فكتبت: # أف نفثت نفسي هما، # فارتعش وميض السيجارة! # وتساقط ذر ورماد، # والتمع الوهج مع النسمة! # وكانت القصيدة طويلة بل أطول من «عروس النيل»، وأسميتها «عروس الليل» ~~وفيها أصور حال شاب محبط في حياته العاطفية، يخرج إلى طريق الجامعة ليلا، فيرى ظلا ~~يحيله في خياله إلى عروس يحلم معها بالصعود إلى شط الجنة: # وطريق الجامعة الخاوي، # يمتد إلى الأفق ms104 المسحور بلؤلؤه وبأنواره، # وعريبة قصب وحمار منهك، # والسيارات لها نغم خافت، # والبرد النفاذ اللاذع، # يهمس لعظامي «يا نخرة!» # فإذا بالجسد المتهالك يتهاوى ... # وتأتي اللحظة الحاسمة حين يرى الظل: # وتبدى في الأفق المطموس خيال أشتاق إليه، # من نسج ظلال الشجرات وما أضفى النور عليه، # تتهادى كالأمل النشوان خيالا من حور الجنة! # ومن ثم تبدأ الأحلام: # لم لا نصاعد مثل فراشات النور إلى شط الجنة؟ # لم لا نقطف زهرات الحسن ونشهد إشراق الفتنة. # وتصل القصيدة إلى ذروتها حين يتلاشى الحلم، ويفيق الحالم إلى واقع حياته ، ~~ويعود وحيدا مهموما، فكأنما كان يشبه «عريبة القصب» وهو ينشد: # سيجارتي قيثارتي! من مزق الأوتار يا صغيرتي؟ # من بدد السلوان يا أنيستي؟ # برد الشتا أم ظلمة الأيام أم ليلي البهيم؟ # وعندما قرأ الدكتور شكري عياد هذه الأبيات ركز على التجديد في تغيير ~~القافية والبحر، ولامني على ما شعر بأنه الميل إلى التعبير المباشر أحيانا، ولكنه شجعني ~~وقال أنا أحيي جرأتك! ومن ثم اطمأن قلبي إلى أن التحويرات في بحر المتدارك لم تكن ~~موقع تقريعه، وقمت بإلقاء القصيدة في إحدى ندوات الشعر، فحظيت بترحيب «الجمهور»، ولكن رشاد ~~رشدي كان مقطب الوجه، فسألته ما الخبر؟ فقال: لا .. «الأولانية أحسن ..» فسألت في ~~ذعر: «ودي؟» فقال: «دي غراميات رخيصة!» فأصبت بخيبة أمل كبيرة وحفظتها مع أخواتها في درج ~~المكتب! # وفي اليوم التالي جاءني وحيد النقاش (رحمه الله) وقال لي أن أصحبه إلى البوفيه حيث يجلس مع ~~أصدقائه، ولبيت على الفور إذ ذكرت عددا من زهور الكلية اللائي كن يجتمعن في ذلك المجلس، ~~وعندما ذهبنا وجدنا سمير سرحان منهمكا في قراءة شيء ما، ومعه فتاة تلبس نظارة طبية، سمراء ~~وجعداء الشعر، وأخرى ذات عينين خضراوين، وثالثة بيضاء فارعة ذات شعر ذهبي، وقدمني «وحيد»، ~~وسرعان ما انهمكنا في أحاديث الأدب و«الجو الأدبي»، وذهلت لمدى إحاطة سمير سرحان بما يدور ~~في هذا «الجو» الذي كانت العواصف تهب عليه من الشرق والغرب، كان يعرف كل ما يجري وكل ما ~~يكتب وكل ما كتب، وإن كان ms105 ما يزال في السنة الثانية! وكانت الفتاة السمراء تنظر إليه بلون من ~~التأليه والتقديس، فحسدته في أعماقي، لا لأنه يحظى بإعجابها بل لأنه يستطيع أن يجمع هذه ~~الزهور حوله، على تنوعها وتفاوتها، وفي آخر الجلسة قال لي وحيد: لا بد أن نجتمع الليلة ~~عندي لمناقشة القصيدة، وضرب الموعد وعندما ذهبنا إلى منزل آل النقاش كان في الغرفة أخوه ~~الأكبر رجاء، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي. فانضم ثلاثتنا إليهم. فقرأت القصيدة، فأثارت ~~الخلاف وإن كان المعترض، وهو الشاعر حجازي، لم يذكر أي عيوب عروضية؛ إما بسبب إلقائي الذي ~~أخفى العيوب، أو لأنه حقا لم يجد فيها عيوبا عروضية! # وعندما امتد بنا الليل قرأت على الحاضرين أبياتا أخرى من شعري، ثم بعض ترجمات لوليم ~~بليك ووردزورث، فأحسست بأن ثمة إجماعا على أن موهبتي ما زالت في حاجة إلى صقل وتنمية، ~~وهذا ما كنت أحسه أنا أيضا، وإن كان وحيد النقاش لا يتحفظ في إعجابه، ويساندني ~~دائما. # كان منزل آل النقاش يقع في وسط الحقول، وراء «نادي الصيد المصري» (الذي كان اسمه نادي الصيد ~~الملكي قبل ذلك)، وقد مررنا عندما خرجنا بمزارع شاسعة تمتد حتى الهضبة الغربية، وسار ~~سمير سرحان معي حتى أول «العمران» فودعني وعاد إلى الجيزة، وعدت أنا إلى المنزل وأنا ~~أقلب الأمر على وجوهه، حائرا هل أركز على الدراسة وأهجر الشعر، أم أوازن بينهما حتى يقضي ~~الله أمرا كان مفعولا؟ # 8 # قصصت ما حدث لعمرو برادة، صديقي الذي كان يشاركني «المذاكرة»، وكان والده الدكتور حسن ~~برادة يعمل مديرا لمستشفى العجوزة (مستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية بالعجوزة)، وكنا قد ~~قسمنا مواد السنة الرابعة بيننا، فاختص هو بالدراما والرواية، وكان الشعر والنقد من ~~نصيبي. وبعد مناقشة لموضوع الأدب وكتابتي الشعر، قررنا التفرغ للسنة الرابعة؛ فعليها ~~يتوقف مستقبلنا. وعندما توفي والده، انتقلت الأسرة إلى شقة كبيرة فاخرة في الزمالك في شارع ~~شجرة الدر، تواجه «برج الزمالك»، وهو عمارة شاهقة تطل على شارع 26 يوليو (شارع فؤاد ~~سابقا). وكنت أعرف إخوته وأخواته، وأستمع لما يكتبه ms106 أخوه إسماعيل، الذي كان يدرس الطب، ~~من شعر ونثر بالإنجليزية، وأشارك حسين أخاه الأكبر في نظام غذائي لتخفيض الوزن؛ فقد كان رحمه ~~الله مفرط السمنة، وكنت أحيانا أقضي اليوم بطوله أستمع إلى شرحه للمادتين، أو أشرح له ~~المادتين اللتين تكفلت بهما. # وذات يوم سمعت بمشكلة حازم بركات. كان حازم من أسرة بالغة الثراء، وكان يتيما تولت ~~والدته تربيته، وكان لا يكاد يعرف العربية، وعندما كان يزورنا أثناء «المذاكرة» كان يبدو ~~مشتت الذهن زائغ العينين، ثم لا يلبث أن يمضي مسرعا كأن لديه مهمة عاجلة يريد قضاءها. ~~وقال لي عمرو إن حازما كانت لديه مشكلة فريدة، وهي حب والدته إلى درجة التقديس، مما جعله ~~يفشل في إقامة أي علاقة عادية مع أي فتاة صغيرة، وكان قد عرض على عمرو فكرة التآخي في الدم؛ ~~أي أن يقطع شريانا في ساعده وشريانا في ساعد عمرو، ثم يمزج دماهما حتى يرتبطا إلى الأبد، ~~ولكن عمرو كان يرفض. أما مشكلته فهي ميوله الانتحارية؛ إذ حاول الانتحار عدة مرات، وكان عمرو ~~يخشى أن يوفق في إحدى هذه المحاولات آخر الأمر. وبعد سنوات قليلة نجح فعلا، رحم الله ~~حازما. # لا أدري إلى أي حد كان عمرو مصيبا في تشخيص مشكلة حازم، والأرجح أنه كان متأثرا ~~برواية «أبناء وعشاق» للكاتب الإنجليزي د. ه. لورانس، وكنا نقضي ساعات طويلة في تحليل بعض ~~فقراتها، بينما فعلنا ما لم يفعله غيرنا من الطلبة آنذاك وهو أن قرأنا رواية «صورة الفنان ~~شابا» للكاتب جيمس جويس بصوت عال! كان عمرو يقرأ فصلا وأنا أتابع، ثم أقرأ أنا فصلا آخر ~~وهو يتابع، ونعلق أثناء القراءة على النص، ولكن كلا منا قرأ رواية «لورد جيم» وحده، ~~وانتهزت أنا فرصة مرض الإنفلونزا الذي ألزمني المنزل ثلاثة أيام للانتهاء من رواية «السفراء» ~~للكاتب الأمريكي «هنري جيمس». وكنا نتواعد تليفونيا على اللقاء كلما قطعنا شوطا في ~~الاستذكار. # وكان مذهبنا في دراسة شيكسبير يعتمد على قراءة النص بصوت عال وبلهجة تمثيلية، وكنا نحفظ ~~منه فقرات مطولة هي «المونولوجات» التي ms107 يلقيها أحد الشخصيات كالملك لير مثلا، ولن أنسى ~~ذلك اليوم الذي «سمعنا» فيه أهم المونولوجات ونحن جالسان في أتوبيس رقم 6 الذي يمر ~~بالجامعة، وبالعجوزة وبالزمالك، ثم ينتهي إلى العتبة، في ميدان الخازندار. # وقد ترك لي عمرو مهمة إعداد مذكرات كاملة له في اللغة العربية يحفظها عن ظهر قلب، ففعلت ~~ذلك، وكانت نتيجة امتحان الفصل الدراسي الأول أجمل مما أتوقع؛ إذ كنت أعلى الطلبة درجات في ~~كل شيء، والأول بلا منازع. ولم يكن ذلك يعني إلا أن جهودنا آتت أكلها، وأن علينا مواصلة ~~الجهد حتى نقهر الآخرين في الصراع على القمة. وعندما زرت أخي حسن في الإسكندرية، حيث كنت ~~استدعيت للتجنيد، أخبرته بالنتيجة، وكان يقيم بالمدينة الجامعية في سموحة، ويدرس في كلية ~~العلوم، وجعلنا نقارن بين ما أدرسه أنا وما يدرسه هو، وكنت مغرما بالعلوم، فتحدث وأفاض، ~~وتعرفت عن طريقه على عدد من زملائه النوابغ الذين يتمتعون بجذور ريفية، ولم يستطيعوا ~~التخلص من عاداتهم القروية في المدينة، فكان أحدهم يقضي حاجته في الخلاء (في الغائط)؛ لأنه ~~لم يستطع التكيف مع النظم الأوروبية، وكان كثيرا ما يصطدم مع سلطات المدينة الجامعية لهذا ~~السبب، ولكنه كان، فيما يبدو، لا يملك تغيير العادة التي اكتسبها طفلا ودرج عليها، وعندما ~~قابلته في لندن بعد سنوات، وكان يدرس للدكتوراه في ليفربول، ذكرته بأحوال الإسكندرية فضحك ~~وقال إنه يخادع الإنجليز ويفعل ما يحلو له بطريقة مبتكرة! # في بداية الفصل الدراسي الثاني، أي في أوائل عام 1959م، دعانا الدكتور رشاد رشدي لمشاهدة ~~مسرحيته الثانية «لعبة الحب» في دار الأوبرا القديمة، التي احترقت بعد ذلك بعشر سنوات، وكان ~~الحشد كبيرا والعرض شائقا، فالتقينا في الاستراحة (سمير سرحان ووحيد النقاش وأنا)، وتناقشنا ~~في إبداع عبد الحفيظ التطاوي وزيزي مصطفى وليلى نصر (التي كانت تقوم بدور خادمة بلهاء) وميمي ~~جمال وغيرهم، ولكنني أحسست أن عاصفة ما توشك أن تهب، فمع أن المسرحية كانت في صلبها ~~«أخلاقية» تدعو إلى الإخلاص في العلاقات الزوجية، و«التفرد» في الحب، فقد كان تصوير العلاقات ~~الجنسية ms108 على المسرح، وهو الذي عمد إليه الكاتب حتى يدينه، جذابا بطبيعته مثيرا للتفكير، مما ~~كان ينذر بإساءة فهمه وتفسيره. وكانت فرقة «المسرح الحر» التي قدمت الرواية تريد ولا شك ~~اجتذاب الجمهور، وكان المخرج «كمال يس» يقسم اهتمامه بالتساوي بين الإخلاص للنص والإخلاص ~~للجمهور! # وهبت العاصفة المتوقعة، وكان رشدي غاضبا من إساءة فهم رمز «الذرة»؛ إذ كان يصور ~~الفتاة في صورة دجاجة حبيسة في قفص، يحاول الرجل إغراءها بالخروج منه عن طريق التلويح بحبات ~~الذرة، وكان النص يصف حبات الذرة بأنها طرية ولذيذة، ولكن المخرج وضع في يد الممثل «كوز ~~ذرة» مما جعل الرمز يقبل تفسيرا مختلفا! وتوالت المقالات التي تسب المسرحية، مما زاد من ~~إقبال الجمهور، ولاحت الفرصة لأصحاب الاستقطاب والتصنيف لأن يضعوا رشاد رشدي في «خانة» اليمين ~~الذي يكتب الفن من أجل الفن، وتوجيه التهمة الصريحة إليه بأنه يعزل نفسه عن قضايا المجتمع، ~~وخرجت إحدى المقالات تقول: لقد تجاهل أزمة المواصلات ومشاكل الكادحين، وجعل يتحدث بدلا من ذلك ~~عن ضرورة الإخلاص والوفاء! وليته (يقول المقال) عالج الإخلاص للوطن، ولكنه عالج الإخلاص ~~للمرأة! وهل المرأة (يقول المقال) من القضايا الملحة للمجتمع؟ # وبانتهاء العام الدراسي، والاطمئنان إلى حد ما إلى ما ستكون النتيجة عليه، عدت إلى ~~مكتبي. كان والدي قد أعطاني مكتبه الضخم الذي نقله من «رشيد»، وكانت أمتع أوقاتي هي التي ~~أقضيها جالسا أقرأ في الكرسي الضخم، أو أكتب أو أترجم. كنت قد اكتشفت موردا لا ينضب ~~للمال عن طريق الترجمة لدار الشعب؛ إذ كنت بدأت في الصيف ترجمة كتاب «فنون الجنس البشري» من ~~تأليف هندريك ويليم فان لون (وهو هولندي)، وكنت كلما سلمت فصلا مترجما إلى الأستاذ ~~إسماعيل شوقي، رئيس تحرير المطبوعات، نفحني خمسة جنيهات، فكان ذلك دخلا هائلا يتيح لي أن ~~أذهب إلى السينما وأن أتناول الطعام في المطاعم الفاخرة، وعدم اللجوء إلى خالي عبد الحليم كلما ~~احتجت إلى المال. ولكن الكتاب طويل، وكنت أعاني في ترجمته معاناة شديدة. # وذات يوم، وكانت الساعة قد قاربت العاشرة في صبيحة ms109 أحد أيام يونيو عام 1959م، وصل عمرو ~~برادة يقود سيارة الأسرة (فورد 56)، وطلب مني الخروج معه على عجل. وارتبت في الأمر ولكنني ~~خرجت معه حتى انتهت بنا السيارة إلى شارع الشريفين حيث مقر الإذاعة، وقال لي هذا هو مقر ~~الامتحان .. ادخل! واتضح أن الإذاعة كانت أعلنت عن مسابقة في الترجمة والتحرير للمذيعين ~~الجدد، ولم يكن أحد قد اهتم بها (بل لم نسمع عنها)؛ لأن الحصول على مؤهل جامعي شرط من شروط ~~التقدم للامتحان. وعندما لمح عمرو ترددي قال لي بثقة إنه اتفق مع رمسيس عبد الباري (رحمه ~~الله) أن يسمح لي بالدخول. وفعلا أديت الامتحان، مع أنني وصلت متأخرا، وعندما سلمت ~~الورقة وهممت بالرحيل استوقفني رمسيس وقال: «عناني! استنى!» وخفت أن تكون الحيلة قد ~~انكشفت فترددت، ولكن صوته كان حاسما، فعدت إليه فاصطحبني إلى الدور الثاني حيث مكتب ~~الأخبار، وتهامس مع إسحق حنا رئيس المكتب، ثم أومأ إلي أن تعال. وتركني مع إسحاق وخرج. ~~وقال لي إسحاق بلهجة ضاحكة: سوف نستعيرك من قسم الأخبار الأجنبية مؤقتا بسبب حاجتنا الشديدة ~~إلى من يعرف العربية! اتفضل! وجلست إلى مكتب في زاوية القاعة، ووضع إسحاق أمامي بعض ~~البرقيات التي حملتها وكالات الأنباء العالمية، فانتهيت من ترجمتها على الفور وأعدتها له، ~~فقرأ الخبر الأول وألقاه جانبا بعد أن شطب عليه بخط مائل، ثم قرأ الثاني وصاح غاضبا ~~«تقارير إيه؟ الأنباء يا أستاذ! والا حتعمل زي ميلاد؟» وأدركت أنه يصحح خطأ كاد أن يشيع في ~~ترجمة ( # reports ~~) بتقارير بدلا من أنباء، وكان محقا، فالفعل ~~معناه «يبلغ» أو «يخبر»؛ ومن ثم فالاسم لا بد أن يكون «الأخبار» أو «الأنباء»، ولكن ~~الإشارة إلى ميلاد حيرتني! # وسرعان ما تعرفت بالقدماء في غرفة الأخبار العربية، مثل سعيد عثمان الذي انتقل إلى صحيفة ~~المساء فيما بعد، وميلاد بسادة، وسنية ماهر، وحسين الحوت، وحنا إلياس. أما «ميلاد» فكان ~~أصلا من قسم الأخبار الأجنبية ولكن نقص الموظفين استدعى استعارته، وكانت له بعض «اللوازم» ~~التي أصبحت علما عليه. وكان يقدم في البرنامج الأوروبي ms110 برنامجا من الأغاني الأجنبية اسمه ~~«جامبوري» ويشكو لي أنه على شهرته لا يحس بآثار هذه الشهرة، فلا يعرف أحد شكله ولا يحظى ~~بإعجاب الفتيات كما ينبغي! وقد هاجر من مصر فيما بعد وأصبح مخرجا سينمائيا عالميا. أما ~~حسين الحوت فكان الكهل المخضرم، وكان مسئولا عن مراجعة جميع الترجمات، وكان سعيد عثمان يتمتع ~~بثقة كبيرة في نفسه، لطيف المعشر، وهمس لي أحدهم أنه زوج آمال مكاوي أخت سعد لبيب - وهو من ~~هو! أما حنا إلياس فكان دائم التفاخر بأنه يترجم كتاب «المأساة الشيكسبيرية» من تأليف أ. س. ~~برادلي ، وأن الذي يتولى المراجعة أعظم أستاذ متخصص - الدكتورة سهير القلماوي! ولم تكن سنية ~~ماهر تتكلم كثيرا ولكنها كانت دائما تشير إلى الرقابة على المصنفات الفنية، وهمس لي الهامس ~~بأنها زوجة مصطفى درويش رجل الرقابة المرموق، وإن كانت اعتدال ممتاز هي الرقيبة التي يظهر ~~اسمها في السينما؛ لأنها - همس الهامس - زوجة «أحمد» رشدي صالح! # وفي الأيام التالية أعلنت نتيجة المسابقة، وكان من بين الناجحين سمير صبري، خريج ~~الإسكندرية، وعبد الفتاح العدوي، خريج القاهرة، الذي كان يقيم في شارعنا ويتفاخر محقا ~~بتمكنه من اللغة العربية. ولكن رئيس قسم الأخبار الأجنبية محمد إسماعيل محمد، المتخصص في ~~اللغة الإيطالية والذي كان يعاني من حدب في ظهره أصر على استدعائي من القسم العربي، إلى ~~جانب سمير صبري؛ فالقسم في حاجة ماسة «إليهما»! وانتقلت في أوائل يوليو إلى القسم الأجنبي، ~~فتعرفت على أليك (أي إسكندر) مجلي صاحب برنامج ما يطلبه المستمعون من الأغاني الغربية، ~~وسليم رزق الله، المترجم الخاص لرئاسة الجمهورية، وقريصاتي، المترجم إلى اللغة الفرنسية، وزميله ~~ماريو الذي تخصص في النشرات الإيطالية، وأميمة عبد الفتاح (الفرنسية). وتوثقت صداقتي مع شخص ~~يدعى نابليون طنوس جاء باختراع عجيب إلى دار الإذاعة، وهو راديو «محمول» يسمى ترانزستور! ~~وكان نابليون يترجم العمود اليومي من الأهرام (وكان اسمه رأي للأهرام، ثم أصبح رأي الأهرام)؛ ~~مما كان يقتضي منه أن يحضر في الفجر كي ينسخه على الآلة الكاتبة ويوزعه على أقسام اللغات ~~الأجنبية الأخرى، ms111 وكان يتقاضى عن كل «عمود» جنيهين اثنين، لكنه كان قد مل العمل المبكر، ~~وأصبح يعمل في وكالات الأنباء الأجنبية بأجر أكبر (أضعاف أضعاف هذا المبلغ)؛ ومن ثم ~~دربني على ترجمة «العمود»، وزكاني لدى محمد إسماعيل محمد، فإذا به ينفجر قائلا: «انتو ~~بتشتغلوا من ورايا؟ اسمع يا عناني! أنا موش ملتزم بأي شيء لك! وأنت كنت عايز تعمل العمود حتاخد ~~تلت الأجر؛ لأنك موظف هنا! عايز تاخد الفية كلها استقيل!» # ويبدو أنه أدرك، رحمه الله، أنه أخطأ في حقي، أو ربما أراد التحقق وحسب من موقفي ~~القانوني، فأرسل إلى قسم العقود بالشئون القانونية يستفتيهم، فإذا بهم يقولون إنهم لا يعرفون ~~شيئا عني! ولذلك وجدته في اليوم التالي يسألني إن كنت قد استكملت مسوغات التعيين! فلما ~~أنكرت صاح قائلا: «أمال بتشتغل بصفة إيه؟ روح كمل مسوغاتك وتعال!» لم تكن نتيجة الليسانس ~~قد أعلنت، فعدت حزينا كاسف البال إلى الجامعة وأنا أعجب كيف ضاعت هذه الفرصة الثمينة، ~~وطفقت أسأل عن موعد النتيجة، فأخبروني أنها على وشك الظهور، فذهبت إلى مبنى الكلية الرئيسي ~~أتشمم الأخبار، فقابلت الدكتور شكري عياد على السلم، ودعاني إلى غرفة أساتذة قسم اللغة ~~العربية وقال لي دون مقدمات: اتصل بالدكتور عبد الحميد يونس لأنه يريد من يساعده في ترجمة شيء ~~ما، واتصل بسامي داود في صحيفة الجمهورية. فلك لديه عمل. ولاح الأمل من جديد! # اتصلت بالدكتور يونس فقال لي إنه مكلف من قبل جامعة الدول العربية، بترجمة مسرحية ~~«طرويلوس وكريسيدا» لشيكسبير بعد أن رفضت لجنة المراجعة ترجمة أخرى كان طه حسين قد كلف ~~بها عراقيا لا يلم الإلمام الكافي باللغة الإنجليزية. وقال إنه لن يعطيني راتبا بل 10 في ~~المائة من «الأرباح»، ولما كانت «الأرباح» (أي أجر الترجمة) في حدود مائتي جنيه، رأيت أن ~~النسبة معقولة، وبدأنا العمل. وعندما ذهبت إلى سامي داود سألني عن تخصصي فقلت له الأدب، ~~فأحالني إلى رشدي صالح الذي كان يحرر بابا أسبوعيا عن أخبار الأدب. وكلفني رشدي صالح ~~بجمع «الأخبار» الأدبية، ولكنني عندما جمعت ms112 الأخبار وجدت صحفية أخرى اسمها زينب حسين، ذات ~~ملامح آسيوية، تسيطر تماما على ذلك الباب، وتأتي بكل ما يثير شهية القارئ؛ إذ أجرت ~~تحقيقا صحفيا مع الشاعر السوري عمر أبو ريشة، هاجم فيه المدرسة الجديدة هجوما شديدا، وكان ~~أحق بالنشر من أي أخبار! # لم أذهب إلى الإذاعة يومين متتاليين، لا لأنني كنت غاضبا بل لأنني كنت حزينا، وفي مساء ~~اليوم الثاني من انقطاعي وجدت رسالة تليفونية من نابليون طنوس يستنجد فيها بي، وترك رقم ~~تليفونه فاتصلت به وقال لي إن إسحاق حنا ينتظرك غدا في العاشرة صباحا؛ لأن جمال عبد الناصر ~~في سوريا وهو لا يتوقف عن إلقاء الخطب بمناسبة عيد ثورة يوليو، ولا يوجد العدد الكافي من ~~المترجمين «إلى الإنجليزية» لديه. وذهبت إلى إسحاق في اليوم الثالث، ولاقاني بنكاته وقفشاته، ~~بالإنجليزية والعربية مثل «يومين في السكة؟ انت جاي من «رشيد» مشي؟» دون أن يفتح موضوع «الزعل»! ~~وكان معه زميله في رئاسة التحرير إبراهيم وهبى، فتولى الأخير مفاتحتي في أن أعمل معهم في ~~القسم العربي حتى يتم التعيين، وقال إنه سوف يكون بتاريخ سابق، يحفظ لي أقدميتي. ولم ~~أعقب. وقد لاحظت ذلك دائما في سلوكي عند الأزمات. إذ إن الصمت أبلغ من الحديث. وبدأت ~~العمل فورا، وانتهيت في نحو الثالثة بعد الظهر من الخطاب الذي كان عبد الناصر قد ألقاه في ~~الصباح، وكان ميلاد بسادة يراجع النص الإنجليزي صفحة صفحة، ويعطيه لعم محمد «الساعي»، الذي ~~يحمل الصفحات ويختفي. # لم يقل أحد شيئا. وكنت أعمل «وردية» المساء في اليوم التالي، وكان البرنامج اليومي ~~لعملي مع الدكتور يونس هو أن أقوم في الصباح «بتحضير» النص الذي سيترجمه هو بعد الظهر (معاني ~~الكلمات «الصعبة» وشرح العبارات الشيكسبيرية الغامضة ومقارنة الطبعات المختلفة؛ لعقد المقارنات ~~بين آراء النقاد وتفسيراتهم) ثم أذهب في الثالثة إلى فيلا يونس حيث نعمل حتى السادسة أو ~~السابعة، ومنه إلى الإذاعة. وعندما وصلت إلى الإذاعة في مساء ذلك اليوم وجدت في انتظاري يحيى ~~أبو بكر. كان يعمل مديرا لمكتب القائمقام عبد ms113 القادر حاتم الذي ترقى من مدير مصلحة ~~الاستعلامات إلى مدير مكتب قائد الجناح علي صبري وزير شئون رئاسة الجمهورية. وقال لي يحيى أبو ~~بكر إنه سمع كلاما طيبا عني، ويريدني أن أقرر إذا ما كنت سوف أستمر في الإذاعة أم أفكر ~~في تغيير «المستقبل العملي» - أي الوظيفة! ودهشت. وتساءلت هل ساءه ما قرأ من ترجماتي فقال ~~فورا: «بالعكس! لكنني أريدك معي!» ورد إسحاق حنا على الفور ضاحكا: «فوق!» وقال يحيى أبو بكر: ~~«يعني في الدور الخامس!» وقلت له: إنني أريد العمل معيدا في قسم اللغة الإنجليزية إذا سنحت ~~الفرصة، وإن كنت لن أتوقف عن الترجمة والكتابة؛ فأنا أحب الأدب حبا جما! وقال لي دون ~~انفعال: «فكر وقل لإسحاق!» # وذات يوم وكنا في أوائل أغسطس قال لي إسحاق حنا إن الامتحان الشفوي للمذيعين (الناجحين في ~~الامتحان التحريري) سوف يعقد يوم السبت، وهو من الشكليات التي لا بد منها، وأن الذي سيمتحن ~~للمتقدمين لصوت العرب شخص اسمه أحمد طاهر، على ما أذكر، ولم يكتب لي أن أراه. وأما لجنة ~~البرنامج العام ففيها وجوه مألوفة، ولم يفصح. وعقد الامتحان وكان على رأس المنضدة الدكتور ~~مهدي علام، عميد آداب عين شمس، ومعه محمد محمد عبد القادر، رئيس الأخبار، وعبد الحميد ~~الحديدي، نائب مدير الإذاعة، وإسحاق حنا وإبراهيم وهبى! وبمجرد جلوسي أعطيت نصا أقرؤه ~~فقرأته دون تلعثم، محاكيا كبار المذيعين آنذاك (جلال معوض وصلاح زكي وفاروق خورشيد وأحمد ~~فراج) فاستوقفني مهدي علام ليسألني عن معاني بعض الكلمات وتصريفها بالعربية، وعن بعض ~~معاني الكلمات الإنجليزية، وكان طلق اللسان بالإنجليزية! فأجبته محاكيا نبرات الدكتور ~~مجدي وهبة، ثم تلاه عبد القادر فسألني عن حائط برلين، فقلت له إن المشكلة هي أن برلين الغربية ~~تقع داخل ألمانيا الشرقية، فأوقفني مكتفيا بنصف الإجابة، بينما كان إسحاق حنا - حتى في هذا ~~الموقف الجاد - يميل إلى الضحك، فسألني كيف تترجم # reports ~~؟ ~~وشككت في مدى جدية السؤال، فقلت له: في لغة الإعلام لها معنى وخارجها لها معنى آخر، فقال ~~لي إبراهيم وهبى: خلاص! ms114 ونظرت إلى عبد الحميد الحديدي منتظرا سؤاله فلم يسأل، وانصرفت ~~خارجا. # وعندما عدت إلى المنزل كلمني عمرو برادة في التليفون، وحكى لي أنه قابل رشاد رشدي في «وسط ~~البلد» وتناول معه الشاي، ووعده بأنه يعينه في القسم، دون أن يذكر أحدا من الآخرين الحاصلين ~~على جيد جدا، وكنا سبعة: سلمى محمد غانم (التي هاجرت إلى كندا)، وعفاف مصطفى المنوفي ~~(الأستاذة حاليا في القسم)، وأحمد الطيب كردفاني (سوداني) (السفير حاليا بالخارجية ~~السودانية)، وعبد المجيد بيومي حسن (رئيس قسم الترجمة بالأمم المتحدة)، وعمرو برادة (الذي هاجر ~~إلى الولايات المتحدة)، وعايدة فراج طايع (التي هاجرت إلى الخارج)، وأنا. لم أكن الأخير ~~طبعا، ولكن احتمالات التعيين كانت تضعني قطعا في آخر القائمة! وقال لي عمرو إنه ذكرني ~~بالخير لرشاد رشدي، وأن الأستاذ لم يرد عليه ردا شافيا. # ولا أذكر ظروف امتحان مدرسي اللغة الإنجليزية بوزارة التربية، وكيف وجدت نفسي أمام ~~اللجنة، وكيف أنني تلقيت خطابا بالتعيين في مدرسة الظاهر التجارية الثانوية للبنين، وكيف ~~تلقى زميلي رضا فرحات خطابا بالتعيين في مدرسة ثانوية بالإسكندرية، في محرم بك بالقرب من ~~مسكننا القديم، ولكنني أذكر تماما أنني ذهبت معه للتنازل عن مكاني في القاهرة؛ إذ كنت ~~الوحيد الذي جاءه التعيين فيها، وفي أوائل سبتمبر كنت داخلا دار الإذاعة حين قابلتني ~~«دورا حليم» المترجمة الفذة (رحمها الله)، زوجة الدكتور ناصح أمين، وصاحت في وجهي «مبروك! ~~المدير مضى ورقك!» # وذهبت من فوري إلى إسحاق حنا لأستوثق فقال لي: مبروك عليك «سمعة» (يقصد محمد إسماعيل ~~محمد) فدهشت! ما علاقة التعيين بقسم الأخبار الأجنبية؟ وقال إسحاق موضحا: ممكن تشتغل بروحين! ~~(وضحك ضحكة مجلجلة) وعلمت فيما بعد أنه هو الذي أخذ «أوراقي» إلى محمد أمين حماد، رئيس ~~الإذاعة، وحصل على توقيعه بنفسه. وأحسست بالامتنان لهذا الرجل الذي لم يتوقف يوما عن العمل ~~الجاد، وكان المشهور عنه أنه يكتب أفضل التعليقات، وأن إذاعة إسرائيل ترد عليها دون سواها. ~~وما إن دخلت رسميا غرفة الأخبار الأجنبية حتى وجدت اختلاف «الروح» واضحا! كان الجميع ~~يرحبون ms115 بي، وعلى رأسهم «سمعة»! ومع نهاية أكتوبر بدأت أحس بأن عملي في الإذاعة لن يستمر، ~~صحيح أنني استلمت شيكا بستة وتسعين جنيها (مائة بعد خصم الضرائب) نظير العمل خمسة شهور، ~~حسب ما وعدني إسحاق حنا، وكنت أسعد خلق الله طرا، إلا أنني شعرت بأن الجامعة تناديني، ~~خصوصا بعد أن انتهيت من العمل في المهمة الأولى مع الدكتور يونس، وحصلت على مقدم الأتعاب ~~(عشرة جنيهات) وبعد أن تركت صحيفة الجمهورية! # وكان يقيم في حي العجوزة معنا بعض طلبة قسم اللغة الإنجليزية، وكان من الطبيعي أن ~~نتحادث ونتشاور، وكان من أقربهم إلى قلبي شاب خجول اسمه ماهر حسن البطوطي، لم يكن يتحدث ~~كثيرا، وكان أخوه الأكبر عصام قد تخرج في كلية البوليس وحصل على أعلى التقديرات في ليسانس ~~الحقوق الذي يدرسه الطلبة في نفس الوقت، وكان المأمول أن يحصل ماهر أيضا على جيد جدا في ~~السنة الرابعة (التالية)، وكنت أتردد عليه، وذات يوم شاهدت عبد اللطيف الجمال، الذي كان ~~معيدا في القسم، في المنزل المقابل! وخرجت لمقابلته، وكنت أتردد عليه أيام مقامه في ~~المدينة الجامعية، وكان قد انتهى تقريبا من رسالته للماجستير في النقد الأدبي بإشراف رشاد ~~رشدي، وسألني عن الأخبار، فقلت له إن الأمر ميئوس منه؛ لأن رشدي قد انتدب عمرو برادة وسلمى ~~غانم وعفاف المنوفي فقط للعمل، وإنني قد استقر بي الأمر في الإذاعة، وتحادثنا حول ~~الاحتمالات، فقال لي: «اقطع الشك باليقين .. قابل رشدي واسأله!» مع أن الدراسة قد بدأت ~~بالفعل! ثم أردف قائلا: «كلمه بالتليفون وخذ منه موعدا.» وأخذت منه الرقم، وحادثته ~~بالتليفون فدعاني إلى الحضور إلى منزله في صباح اليوم التالي. # وعندما ذهبت إليه تحادثنا في كل شيء إلا في التعيين، وحاولت أن أذكره بوعده ولكن ~~الفرصة لم تسنح، وسألني عن رأيي في أساتذة القسم، فقلت له «لست في موقع يسمح لي بالحكم .. ~~ولكنني أحببت مرسي سعد الدين وأحبه الطلبة.» وكان مرسي منتدبا من الخارج للتدريس لدينا، ~~ولم أكن أدري أن تلك الملاحظة كانت وراء إلغاء انتدابه، فكانت ms116 تلك السنة آخر سنة يقوم ~~بالتدريس فيها لدينا! ثم قال كأنما لينهي المقابلة، وقال بنبرات عارضة وهو يسير معي إلى ~~الباب: «تعال غدا إلى القسم حتى نرى ما يمكنك أن تدرسه.» وخرجت. ولم أنتظر المصعد. كنت ~~أقفز درجات السلم قفزا، وذهبت إلى عبد اللطيف الجمال فأيقظته من النوم وصنعت له الشاي، ~~فأخبرته فقال بنبرات حزينة: مستقبل مدلهم! # 9 # وقبل أن تبدأ الدروس، دخلت مدرج 13، وهو أكبر مدرج في مبنى القسم، وكان خاليا ونظيفا، ~~ووقفت وحدي أتأمل المستقبل؛ فلربما كتب لي أن أقف فيه موقف الأستاذ بعد أن جلست فيه ~~تلميذا ، ولكن كلمة المستقبل «المدلهم» التي نطقها عبد اللطيف الجمال كانت تسيطر على ~~خيالي؛ فكم قضى من ليال يقرأ وينقل مذكرات عن آراء إليوت النقدية، وآراء أرنولد، ويربط أرنولد ~~بحركة رومانسية غاربة، على ما في نقده من بذور الحداثة؛ ابتغاء إقامة تضاد بين المدرسة ~~الفكتورية ومدرسة النقد الحديث! وكم من ليال أصابه اليأس فيها! وكم عانى من الوحشة وهو يرصد ~~فكرة جديدة تزيل الحاجز الموهوم بين وظيفة اللغة التوصيلية؛ أي باعتبارها وسيلة لنقل ~~المعاني، وبين الوظيفة الإبداعية؛ أي باعتبارها كيانا مستقلا (خصوصا في الشعر) له قوانينه ~~وعالمه الخاص به! وتذكرت أنه كان يتقاضى خمسة عشر جنيها لا تكاد تكفي نفقات الحياة ~~المفردة، فما بالك بالزواج! وتصورت أن الأمل الذي لاح خادع، فجعلت أذرع الغرفة من أقصاها ~~إلى أقصاها وأنا أعجب لمشاعر الحزن التي لا مبرر لها، وذكرت قول وردزورث «قد تحمل الأفراح ~~للشعراء أتراحا مقيمة!» وفي الوقت نفسه ذكرت عكس ذلك المعنى في قول حفني ناصف يمتدح ~~حرارة الجو في «قنا» عندما نقل إليها: # سر الحياة حرارة # لولاه ما طير تغنى # كلا ولا زهر تب # سم لا ولا غصن تثنى! # ووجدت نفسي حائرا، لا أستطيع سوى ركوب البحر نفسه، فبدأت أنشد ما بدا لي وحي تلك ~~اللحظة: # هيهات لا يسخو الزما # ن فكيف هذا اليوم جاد # هيهات أن يبدي الثنا # يا غير فتاك وعاد # لا تنخدع يا صاح بال # بسمات في ms117 وجه القتاد # لا تنخدع بالصحو إ # ن ذكاء تأوي للرقاد # فالزهر يخفي شوكه # والعطر قد يخفي الفساد # والأرقم الفتان يك # من في التلال وفي الوهاد # والضب ينذر بالردى # ويبثه في كل واد # والنار قد تشتد وق # دتها لتنذر بالرماد! # ولم أكتب من هذه الأبيات شيئا حتى عدت إلى المنزل فسجلتها، وحاولت الزيادة فلم أستطع؛ ~~فكأنما مرت اللحظة بكل ما فيها، ولم أتنبه إلى أنني لم أضع قافية للشطر الأول إلا عندما ~~قابلت صديقي صلاح عيد (الدكتور الآن) الذي كان في قسم اللغة العربية، فأشار إلى ضرورة إبدال ~~الزهر بالورد، وحذف البيت الذي يتضمن خطر «الضب»، أو تغيير الضب إلى «الناب» (أي ناب ~~الثعبان) وقال إن اللام الملحقة بآخر فعل في القصيدة لا معنى لها (لتنذر)، وربما كانت ~~الفاء أقوى تعبيرا! ولكنني كنت قد قررت أن ألقي بالأبيات في غياهب النسيان؛ إذ كنت كلما ~~نظرت فيها وجدت تناقضات في الصور تمنع من إبراز صورة موحدة؛ فالبيت الأول يوحي بالغيث، ولا ~~شك أن صورة «جادك الغيث إذا الغيث همى» تكمن وراءه، وبعد ذلك تصبح صورة الزمان صورة وحش ~~كاسر، ومن خلفها ما أبدعه المتنبي: «إذا رأيت نيوب الليل بارزة»، وإن كانت «الثنايا» ~~مستوحاة من أحمد شوقي: «واستخبروا الراح هل مست ثناياها»، ثم يتحول الجو إلى صحو! ~~والصور التالية تزيد الطين بلة! ومن ثم قررت أن تكون تلك الأبيات هي آخر عهدي ~~بالشعر العمودي! باستثناء «الإخوانيات»، وما جرى مجراها من هذا النظم، ودفعني الغرور أو رفض ~~التسليم بالعجز إلى تصور أن الشكل نفسه هو سبب التمزق، لا أي ضعف في إحكام الصنعة، ~~وقرأت مقدمة ديوان «نداء القمم» للدكتور يوسف خليف فعرفت أن بيني وبين إحكام الصنعة المنشود ~~أميالا طويلة، وسألت الدكتور حسين نصار عن مشكلة القافية الموحدة، فقال لي إنني لا يجب أن ~~أقلق لأن هذه مشكلة يواجهها الجميع، والشاعر المتميز هو من تزيد ذخيرته اللفظية عن حاجات ~~القافية، فيستطيع «الاختيار» دون أن تفرض القافية الواحدة عليه كلمات بعينها، وذلك ما لم أكن ms118 ~~أستطيع أن أزعمه لنفسي أبدا! # وعندما قرأت كتاب «لانجبوم» واسمه «شعر التجربة»، بعد ذلك بعدة سنوات في إنجلترا، أدركت ~~حقيقة عدم رضائي عن الأبيات! إنها جميعا مستقاة من مصادر أدبية قديمة، ومن لغة القدماء، ~~وصورها لا علاقة لها بالتجربة الخاصة التي كنت أواجهها، على عكس «عروس الليل» أو المقطوعات ~~القصيرة التي كنت أكتبها من حين لآخر، ولا يجمع بينها مشهد تجربة واحد، فوحدة المشهد ~~تملي وحدة الصور، وليس معنى الوحدة هو أن تكون الصور متماثلة، بل أن تكون متسقة ومتجانسة! ~~وناقشت موضوع التجانس مع هدى حبيشة (الدكتورة فيما بعد)، فدلتني على كتاب عن الأنماط ~~الفطرية، (أو النماذج القديمة، النماذج العليا) في الشعر، من تأليف أستاذة اسمها «مود بودكين»، ~~فقرأته (بعد ذلك بنحو عام أثناء دراستي للماجستير)، واكتشفت أن نظرية عالم النفس الأشهر ~~«كارل جوستاف يونج» من وراء هذا الكتاب، وموجزها أن الإنسان يولد بوعي إنساني مشترك بأشياء ~~معينة وبمعاني تلك الأشياء، ومنها النار والماء والهواء والدم وصور الثعبان والصحراء والبحر ~~والدائرة والمثلث وما إلى ذلك؛ فهي فطرية، وهي قديمة، وهي نماذج أو صور أو رموز، يتفق عليها ~~البشر مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم. وقد طبقت الدراسة هذه النظرية على الشعر؛ تأكيدا ~~لما زعمه يونج من وجود «وعي جماعي» بشري، ومستوى باطني لا يعيه الإنسان كل الوعي، يتضمن ~~هذه النماذج الفطرية، يمكن وصفه «باللاوعي الجماعي»، وتخرج الباحثة من تطبيقاتها على الشعر ~~بأن الشاعر الناجح هو الذي يستطيع إجراء المقابلات الناجحة بين هذه النماذج الفطرية وبين ~~أحداث حياة الإنسان بدلالاتها «العارضة» المتغيرة غير ذات المعاني الفطرية! # ولذلك فما إن عدت إلى القصيدة حتى أدركت سببا آخر لفشلها! إن بها الكثير من هذه ~~النماذج الفطرية، ولكنها لا تقابل أبدا أي عناصر واقعية ملموسة من عالم الخبرة أو التجربة ~~«العارضة»؛ ولذلك فهي تنتمي إلى المستوى الجمعي فقط، ولا تتوافر لها العناصر الفردية التي ~~تبلور خصوصية التجربة ودلالاتها الخاصة! ونظرت إلى الصور المقابلة في شعر الفحول، فتأكد ~~لي ضعف آلتي! هذا المتنبي يتحدث عن الزمان فيطور ms119 الفكرة من الداخل في أبياته المشهورة ~~«صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»، فعينه دائما على الفكرة الأساسية التي تتحول لديه إلى ~~إحساس؛ ومن ثم تتفق صورة الزمان باعتباره رحلة (نموذج فطري)، وصورة مرارة العيش التي ~~يحسها هو (الصور العارضة) والمقابلة بين صور الرحلة باعتبارها القوة المحركة تتضمن صورة ~~الراحل باعتبارها مشاركا في صنع هذه القوة، ولا عجب في أن تنتهي القصيدة ببيت يقابل بين ~~لحظتين في الزمان؛ «ما لم يكن» و«إذا هو كان». # كل ما لم يكن من الصعب في الأن # فس سهل فيها إذا هو كانا # فاللحظة الأولى هي لحظة الترقب (الصعب) واللحظة الثانية هي لحظة التحقق (السهل)! ولا ~~يتحول الصعب إلى سهل إلا عندما تتحول الرحلة (القوة المحركة) إلى نموذج فطري للحركة، ~~يبتلع «عوارض» الزمن - والزمان! # كنت وما زلت أحفظ تلك «القطعة» (عشرة أبيات) من بحر الخفيف، وأتأملها في دراستي لشعر ~~الأجانب، فيتأكد لي ضعف حيلتي وقصور موهبتي، ويتأكد لي أيضا ما في تراثنا ولغتنا من در ~~وجوهر! إن «وحدة البيت» لم تمنع المتنبي من إخراج وحدة تامة للقطعة، وما قاله مدرس اللغة ~~العربية (محمود الميقاتي رحمه الله) من أن معنى البيت الأخير مأخوذ (أي مسروق) من قول ~~البحتري: # لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه # وأبرح مما حل ما يتوقع # لا يصمد للتحليل وفق المناهج الحديثة؛ فالمتنبي ينتهي إلى الخاتمة في إطار صورة الزمان ~~نفسها بعد أن يقابل بين النموذج الفطري والصور العارضة، وهذا ما لم يفعله البحتري الذي ~~يقدم المعنى في عبارتين تقريريتين مترادفتين؛ كالحكم العامة غير المطورة من ~~الداخل! # ولم يكن هجري للشعر العمودي قرارا سهلا، أو حتى قرارا إراديا؛ فما كنت قادرا على ~~محاكاة الفحول، وما كنت قادرا على التجديد، ومن ثم قررت التفرغ للتخصص ودراسة ~~الماجستير في الأدب الإنجليزي. # وكانت السنة التمهيدية للماجستير، السابقة للتسجيل للدرجة، تقتضي دراسة ثلاث مواد؛ هي: ~~الشعر، والنقد، ومناهج البحث، وكان يدرسها أمين روفائيل، ورشاد رشدي، ومجدي وهبة على ~~الترتيب. فأما الشعر فكان «الشعر الرومانسي» وكان علينا أن نجيب أولا على ms120 السؤال التالي: ~~لماذا كتب وردزورث وكولريدج ديوان «المواويل الغنائية» أو «البالادات» الغنائية، و«البالاد» هو ~~الموال الغربي - وقد فصلت القول فيه في كتاب أصدرته بعد ربع قرن؛ أي عام 1984م بعنوان ~~«الأدب وفنونه» (الثقافة الجماهيرية، مكتبة الشاب)، ولماذا هي «بالادات»؟ ولماذا هي غنائية؟ ~~ولما كانت الطبعة الأولى من هذا الديوان (1789م) غير متوافرة، فقد اعتمدت على الطبعتين الثانية ~~(1800م) والثالثة (1802م) وما بهما من زيادات ومقدمات، وأعددت دراسة رضي عنها الدكتور ~~روفائيل ثم كلفني ببحث رئيسي في وردزورث. وقد قدر لي أن أنشر هذه الطبعة النادرة (1789م) ~~في القاهرة عام 1986م مع مقدمة ضافية بالإنجليزية . # وأما النقد فكان علينا أن ندرس «النقد الجديد» والنقاد «الجدد» في أمريكا وبريطانيا، ~~ثم نكتب بحثا مطولا عن منهج أحدهم. ولما كنت بطبعي لا أحب التعميم والتجريد، فقد اخترت ~~ناقدا يطبق هذه النظريات «الجديدة» (وما هي بجديدة في الواقع) على الشعر والدراما والرواية، ~~وهو «كلينث بروكس»، في خمسة كتب، هي: «الإناء المحكم الصنع» و«الشعر الحديث والتقاليد»، ~~و«تفهم الشعر» (الطبعة الثالثة)، و«تفهم الدراما»، و«تفهم الرواية». وكان أهم ما أتى به ~~«بروكس» مما يمكن أن يعتبر جديدا هو أن لغة الشعر تعتمد على «المفارقة»، وتتوسل «بالتورية ~~الساخرة» (وهي ما ترجمها بعضهم بالسخرية)، وأن ذلك عام وشائع في شتى المذاهب الأدبية، وإن ~~كانت صورته في الشعر الرومانسي تختلف عن صوره في الشعر الكلاسيكي؛ لأن الإحساس ب «الدهشة» ~~الشعرية هو أساس مفارقات الشعور في الأول، والإحساس ب «المفارقة الذهنية» هو أساس توريات ~~السخرية في الثاني. وكان «بروكس» يعمد في تطبيقاته النقدية إلى إعلاء قيمة ظلال المعاني في ~~إيجاد أو توليد هذه المفارقات، مستندا إلى ما ذكره «وليم إمبسون» عن «الغموض» الذي يعتبر ~~سمة مميزة للغة الشعر عن لغة النثر، وإلى ممارسات الفرنسيين في إطار منهج «شرح ~~النصوص». # وعندما طلبت أحد كتب «بروكس» من المكتبة، قيل لي إن معيدة اسمها «نلي عزيز» قد ~~استعارته، فذهبت إليها فوعدتني خيرا وعرضت علي أن أقرأ البحث الذي كتبته هي في ~~الموضوع نفسه. كانت نلي ms121 فتاة رائعة الجمال، فارعة الطول، يتدلى شعرها الأصفر حتى وسطها ~~تقريبا، خضراء العينين، وذات أنف روماني رأيت فيه مخايل السلطة القاهرة! وكانت خفيضة ~~الصوت، مهذبة القول، فقرأت البحث على عجل واختلقت بعض نقاط الخلاف حتى أسألها فيها، ~~وأطيل المكوث معها، أنظرها وأستمع إليها (كم جئت ليلى بأسباب ملفقة). وكانت أختها ~~«فيوليت» تعمل أمينة للمكتبة الخاصة بقسم اللغة الإنجليزية، وكان الدكتور مجدي وهبة هو الذي ~~أنشأ تلك المكتبة على حسابه الخاص، وكان هو الذي يدفع مرتب أمينة المكتبة. وقد وقعت مأساة ~~أتصور أن أقصها هنا بإيجاز، استباقا لموقعها الزمني؛ إذ حدث في عام 1961م أن أعلنت نتيجة ~~البعثات الدراسية، وكان من نصيب نلي بعثة منها، ويبدو أن الخلاف قد دب بينها وبين ضابط ~~يدعى «عادل» كان متيما بحبها ويريد الاقتران بها قبل رحيلها فرفضت، وعندما احتد ~~الخلاف في منزلها، استل مسدسه «الميري» مهددا إياها به، ولكنها سخرت منه فاشتدت ~~ثورته، وازدادت سخريتها، ففقد التحكم في أعصابه وأعد السلاح للإطلاق فذعرت فيوليت ~~وتدخلت بينهما فأصابتها رصاصة أودت بحياتها، ثم أطلق عادل طلقة أخرى أصابت نلي فوقعت، ~~ورأى عادل المشهد فأطلق الرصاص على نفسه فمات في الحال. ومن ثم نقلت نلي إلى المستشفى حيث ~~عولجت وبرئت من إصابتها، وسافرت إلى إنجلترا لاستكمال دراستها، حيث كانت تنتابها ~~نوبات اكتئاب دفعتها إلى محاولة الانتحار عدة مرات، كان آخرها عام 1975م حيث ألقت بنفسها من ~~سلم المستشفى، فقضت نحبها، رحم الله نلي. # وكان الدكتور مجدي يركز في دروس مناهج البحث على أصول البحث وطرق العثور على المراجع، وكان ~~يساعدنا بكل ما أوتي من صبر وحكمة، لا يضيق صدره بسؤال، ويبدو دائما على استعداد للتعلم، ~~وهو أعلم العالمين، فكان الجميع يحبه ويقدره ويسعى للاستماع إليه، وأذكر أنني عرضت عليه ~~الصورة الأولى من بحث الشعر فقضى من وقته الثمين شطرا في التوجيه والإرشاد، حتى أصبحت لا ~~أتصور حياة الجامعة دون وجود أستاذ من هذا اللون، وكنت في أعماقي أجعله مثلا أعلى يحتذى في ~~كل شيء، وما زال (رحمه ms122 الله) حيا في قلبي وعقلي، أتوجه بالخطاب إليه، وأسعى للظفر ~~برضائه. # كانت الإذاعة لا تشغل أي جانب من تفكيري، فكنت أترجم ما يطلب مني بصورة آلية، وأقضي ~~باقي «الوردية» في القراءة حين أنتهي من الترجمة، حتى رأيت إعلانا عن تعيين مدرسي لغة ~~إنجليزية بالقسم، في صحف يوم 31 ديسمبر 1959م فقدمت استقالتي إلى مدير الإذاعة رغم احتجاجات ~~إسحاق حنا، وغضب إبراهيم وهبى، وذكرت للأستاذ شفيق رئيس التحرير العربي في قسم الأخبار ~~الأجنبية أنني سوف أرسل له بديلا أفضل مني؛ هو الأستاذ عبد الفتاح العدوي، فاطمأن ~~قلبه. # وعندما تم توقيع الاستقالة أصبحت غير موظف، ولم أقلق على التعيين في الجامعة؛ إذ كنت قد ~~بدأت احتراف الترجمة، ومزاولة عمل آخر أحببته حبا جما وهو كتابة التمثيليات الإذاعية. ~~كنت أسير ساعات طويلة أفكر في «الموقف» ثم أعود إلى المنزل لأكتب النص في ليلة، وأذهب ~~للتسجيل وأتقاضى ثمانية جنيهات كاملة. # 10 # في بداية عام 1960م كلفني الدكتور عبد الحميد يونس بترجمة فصول من كتاب «رحلة في عالم ~~النور»، وكان قد ترجم الفصول الأولى مترجم اسمه «أحمد خيري» لم يكتب له أن يعيش حتى يستكمل ~~الترجمة، وكنت قد اكتسبت خبرة لا بأس بها من العمل في كتاب «فنون الجنس البشري»؛ فأصبحت ~~قادرا على الترجمة دون أن أكتب؛ أي على «إملاء» النص المترجم على كاتب يكتبه (أي # at sight translation ~~) فأعارني الدكتور يونس سكرتيره الخاص ~~(أحمد) الذي كان يعمل سائقا أيضا لديه، يقود سيارته «التاونوس»، وكثر ترددي على فيلا الدكتور ~~يونس، فتعرفت على ابنته هالة وابنه أحمد (الدكتور الآن)، وذات يوم لا أستطيع تحديد زمنه، وإن ~~كنت أستطيع استدعاء صورة المشهد كاملة، زاره شخص مكفوف البصر، وشكا إليه عجزه عن اقتناء آلة ~~تسجيل للصوت، وعدم قدرته على استخدام لغة أو نظام كتابة «برايل»، وحيرته في العثور على أسلوب ~~للقراءة والاطلاع، على طموحه وعلو همته، وكنت أجلس في ركن قصي بالغرفة ريثما ينصرف ~~الزائر، وبعد ثوان مرت كأنها دهر طويل قال الدكتور يونس للشاب: انتفع بعيني إنسان ms123 لا ~~يعرف كيف ينتفع بهما. # قال ذلك بالحرف الواحد، وشعرت بأن تلك الكلمات قد انطبعت في ذهني إلى الأبد! وعندما ~~أصابني الله بالمرض اللعين عام 1992م وأجريت لي عملية، بل سلسلة من العمليات الجراحية، ~~حرمت فيها الكلام شهرا كاملا، وكنت أتفاهم مع من حولي في المستشفى كتابة (بالفرنسية) ~~ثم عدت إلى الكلام غير الواضح تدريجيا، كنت دائما أردد قول الله تعالى: { # ألم نجعل له عينين * ولسانا ~~وشفتين ~~}، وأقول في نفسي: حقا لقد جعل الله لي عينين! وإن يكن لساني قد ~~أصابه ما أصابه، وفي هذا بلاء أي بلاء! فما زالت لدي العينان، وما زلت أعرف كيف أنتفع ~~بهما! # وبعد «رحلة في عالم النور» كلفني الدكتور يونس بمساعدته في ترجمة «الأفكار الحية لتوماس ~~جيفرسون» من تحرير الفيلسوف الشهير جون ديوي، وكان هذا العمل بمثابة الدرس الذي أفادني في فنون ~~الترجمة؛ فترجمة النص الكامل، والاستماع إلى تصويبات الأستاذ، والاستفادة من خبرته ~~المتخصصة في اللغة العربية، كانت جميعا مما لا يتاح للكثيرين من المحترفين، ولم أكن أتردد ~~في السؤال، وكنت من الوجوه المألوفة في قسم اللغة العربية، حتى سمعت أحدهم يصفني ضاحكا ~~ذات يوم بأنني من «المؤلفة قلوبهم»! وذات يوم خطر لي أن ألتحق بقسم اللغة العربية ولكن ~~لوائح الجامعة لم تسمح؛ إذ لا يجوز التحاق طالب بقسم على مستوى «الليسانس» (الدرجة الجامعية ~~الأولى) وبقسم آخر على مستوى الماجستير (الدراسات العليا)؛ ولذلك عملت بنصيحة الدكتور شوقي ~~ضيف، وسجلت للماجستير (في مارس 1961م)، في موضوع «تطور الصور الفنية عند وردزورث»، بإشراف ~~الدكتور رشاد رشدي. وأذكر أنني عندما بدأت العمل، أخذت أجمع كل ما أستطيع العثور عليه من لغة ~~المجاز؛ أي من تشبيهات واستعارات وكنايات وإشارات رمزية وأسطورية؛ استنادا إلى تعريف «الصورة ~~الشعرية» لدى سيسيل داي لويس (في الكتاب الذي يحمل ذلك العنوان)، وتعريف باحث آخر اسمه ريتشارد ~~هارتل فوجل في كتاب عنوانه «الصور الشعرية عند كيتس وشلي: دراسة مقارنة». وملأت نحو ~~تسعمائة بطاقة بالصور وتواريخ كتابتها ومصادرها، ولكن الديوان كان كبيرا (ثلاثة مجلدات) ~~والطريق ms124 شاقا. # كانت أحلى ساعات العمل هي التي أقضيها في المكتبة أثناء النهار؛ أرصد فيها الصور في ~~الديوان وأنقلها على البطاقات. ونشأت أزمة تمثلت في قرب نفاد البطاقات، وكنت قد دبرت ~~الحصول عليها «عمولة»؛ بحيث أعددت ثلاثة آلاف بطاقة بعشرة جنيهات. ولم أجد لدي عشرة ~~جنيهات أخرى لإعداد العدد اللازم، فذهبت إلى شارع الفجالة أحاول البحث عن مخرج، فقابلت ~~محمود جعفر، وهو زميل في الإذاعة لم يكن قد علم باستقالتي، فوقف يحادثني عن مشاكله مع ~~«شفيق»، وأهمها أنه منعه من النوم في غرفة الأخبار! كان جعفر يقيم في بنها التي تبعد نحو 40 ~~كيلومترا عن القاهرة، وكان مكلفا بوردية الصباح التي يسمونها وردية الفجر؛ إذ تبدأ في ~~الرابعة صباحا وتنتهي في العاشرة، وإن كان المعمول به أن ينصرف بمجرد إعداده نشرات الصباح ~~العربية للإذاعات الموجهة، حتى لو كان ذلك في السابعة مثلا، مما كان يتيح له أن يعود إلى بنها ~~للعمل في المدرسة؛ إذ كان معلما للغة العربية. وكان جعفر مشغولا بوضع شرح مبسط للنحو ~~العربي عنوانه «ألفية ابن مالك تحت المجهر، شرح وتحقيق محمود جعفر»، فكان يأتي في المساء ~~ويعمل في الكتاب حتى يخلو المكان، فيطفئ الأنوار وينام حتى الرابعة ثم يتولى إعداد ~~النشرات ويرحل. # ولا أدري كيف «ضبطه» شفيق متلبسا بالنوم، ولكنه استصدر أمرا من محمد إسماعيل محمد بمنعه ~~من النوم في المكتب، وكان معنى ذلك أن يقضي الليل في أحد الفنادق، ولا يوجد فندق محترم بأقل ~~من خمسين قرشا، وهو بالتأكيد لا يحب (هكذا قال) أن يذهب إلى شارع كلوت بك، حيث الفنادق ~~الرخيصة (من عشرة قروش إلى 25 قرشا) حتى لا يتعرض للغواية؛ فنساء المنطقة «لا يتركن أحدا في ~~حاله!» وعندما سألته عن «الحل» قال إنه يرشو الفراش الساهر حتى يوقظه إذا شعر باقتراب ~~«جواسيس» شفيق. وعندما اقترحت عليه أن ينام في المنزل أجابني أغرب إجابة سمعتها وهي «لا يوجد ~~نوم أحلى من نوم المكتب!» وعندما ضحكت ضحكة مكتومة قال لي: «وأحد مزاياها أنك تحتفظ بوضوء ~~العشاء ms125 لصلاة الصبح .. وتصليه حاضرا أيضا!» وعندما علم بمشكلتي اصطحبني إلى مكتبة يملكها ~~أحد معارفه، وتستطيع توفير البطاقات الألف بجنيه واحد! ثم همس لي: «لماذا لا تحفظ الشعر عن ~~ظهر قلب فتوفر الورق؟» وعندما ذكرت له ضرورة البطاقات للمساعدة في التصنيف والتبويب، قال لي: ~~«وفر نقودك واحفظ المادة في رأسك وصنفها في رأسك.» ووعدته بأن أحاول وافترقنا. ولم أره ~~أو أسمع عنه شيئا بعد ذلك. # ولنعد إلى عام 1960م؛ ففي يناير 1960م عقدت الكلية الامتحان المعلن عنه لمدرسي ~~اللغة الإنجليزية، وهي درجة تماثل درجة معيد وإن كانت لا تقتضي الحصول على درجات علمية؛ ~~لأن المعينين عليها يعتبرون من خارج هيئة التدريس. وكان الامتحان يتكون من جزأين ؛ قطعة ~~للترجمة إلى الإنجليزية، وموضوع إنشاء. وسرعان ما استدعي الناجحون لأداء الامتحان الشفوي. ~~وكان الممتحنون هم د. رشاد رشدي ود. مجدي وهبة ود. محمد يس العيوطي. وكان الطالب يقرأ قطعة من ~~نص كتبه الدكتور صمويل جونسون، وكانت الفقرة التي قرأتها عن حياة جوناثان سويف، الشاعر ~~ومؤلف رحلات جاليفر، وكان ذلك الكتاب من بين الكتب التي فزت بها في مسابقة الترجمة قبل عامين، ~~وقرأته؛ ولذلك مر الشفوي بسلام! وصدر القرار بتعيين اثنين فقط؛ هما: عمرو برادة وأنا، رغم ~~أن المطلوب هو سبعة! وأعيد نشر الإعلان، وكان عدد مدرسي اللغة يزداد؛ فقد عين من الدفعة ~~السابقة لي كرم محسن وفريد صالح، ومن الدفعة السابقة عليهما ليلى مرسي، ابنة مدير جامعة القاهرة ~~- عالم الرياضيات محمد مرسي أحمد. # وظهرت مشكلة لم أكن عملت حسابها في التعيين؛ فأوراقي في الإذاعة كانت تتضمن ورقة من ~~منطقة تجنيد الإسكندرية تقول إنني لم أبلغ بعد سن التجنيد، ويمكنني أن أستعملها في التعيين ~~في الحكومة. أما الآن فقد بلغت الحادية والعشرين، ولا بد من التجنيد. وذهبت إلى الإسكندرية، ~~وقضيت أول ليلة في المعسكر؛ معسكر مصطفى باشا المواجه لمحطة سيدي جابر على البحر، لن أنساها ~~مدى العمر. كان معي من رشيد أحد مواليد نفس العام، وهو منير أبو الفضل (الدكتور الآن - أعتقد ~~أنه أستاذ للتاريخ ms126 في جامعة طنطا)، وقد نصحني قبل الذهاب إلى الكشف الطبي بشراء نظارة ~~بقرشين، توحي بأنها نظارة طبية وإن كانت غير ذلك، فرفضت. وقلت له إن الأطباء يفحصون قاع ~~العين. وكان دخولنا يوم الخميس. ووقفنا صفا واحدا، فخرج علينا طبيب وقال: كل من يلبس ~~نظارة يأتي إلى المكتب كي أعطيه شهادة عدم اللياقة الطبية! وكان عدد هؤلاء أربعة، حصلوا على ~~الشهادة وخرجوا، بينما أمرنا بقضاء الليلتين التاليتين في المعسكر حتى يعقد الكشف الطبي ~~يوم السبت. # كنا في رمضان، والجميع صائمون، فأمر الضابط بأن يتقاضى كل منا مبلغ سبعة قروش للإفطار ~~والسحور من مقصف المعسكر. وذهبنا بعد الإفطار إلى القشلاق للمبيت، فوزعوا علينا ~~بطانيات، وبينما أنا أستعد للنوم أحسست كأن لوحا من الخشب قد صكني في ظهري، فصرخت ألما ~~وانتبهت، فإذا بغلام من بلدنا قد ضربني بيده على ظهري ترحيبا! موش فاكرني يا ابن عناني؟ أنا ~~ألبير بتاع الفسيخ! ولم أضحك ولم أرحب؛ فقد كان ألم الضرب مبرحا، ثم عدت للنوم حتى ~~استيقظنا في السحور، وقضيت يوم الجمعة وحدي وأنا أفكر فيما عساي أن أفعل، وبعد ساعات شغلتني ~~الحديقة ونسائم البحر الدافئة في ذلك الربيع الصافي، وجلست وحدي على شاطئ البحر حيث أتى ~~الشعر دون دعوة! كنت أعتمد على ذاكرتي وحدها؛ فلم تكن هناك أقلام أو كراسات، وفي صبيحة ~~السبت، وبعد الكشف الطبي، حصل كل منا على شهادة تأجيل حتى أكتوبر، ومن ثم عدت إلى ~~القاهرة - بقصيدتين! # ولم يشعر أهل القاهرة بغيابي، وكانت لدينا في السنة الثانية فتاة ضئيلة الحجم، ذات ألوان ~~متعددة في عينيها وشعرها، وكانت تسير كأنها تطير، وكنت أرقبها، كما كان يرقبها غيري، ~~ولكنني كنت وحدي الآن بعد أن تخرج الأصدقاء وانطلقوا، ولم يكن لدي من الأصدقاء غير ماهر ~~البطوطي من أبناء القسم، وأحمد السودة من خارج القسم! فكتبت القصيدة الأولى وعرضتها عليهما، ~~فكان رد فعل الأول هو «هل عرضتها عليها؟ وماذا سيكون رد فعلها؟» أما الثاني فكان يرى أنها ~~شعر فحسب، فلم يعلق! # وهذه هي القصيدة: # طائر أنت ms127 يا منى، # لونت ريشه السماء، # كيف يمشي على الثرى، # من له خفة الهواء؟! ~~••• # كيف ينساب في الطريق، # ناعم الخطو كالنسيم، # نافثا عطره الرقيق، # باعثا نوره الرحيم؟! ~~••• # كيف في الأرض يا منى، # بعد أن صاغك الأثير! # هل نجوم السماء أغفت، # حين أودعتها العبير! # فتسللت عند فجر، # نائم حالم أسير، # وتهاديت حول قلبي؛ # ذلك العاشق الصغير، # فتأسى ولم يغالب # حبه الصامت الكسير! # ارحمي الأرض يا منى، # من لظى رقة الأثير! # وكنت كتبت القصيدة في القطار وأنا عائد إلى القاهرة، هي والقصيدة الأخرى ~~المصاحبة لها، التي تعتبر أقرب إلى روح الفكاهة من روح الشعر الجاد، وهي التي لم أخجل من إطلاع ~~الآخرين عليها، وكان من عواقبها اتهامي بأنني بارد المشاعر؛ لأنني أحس بعقلي لا بقلبي، وهو ~~اتهام كنت أضحك منه، وربما كان وراء ذلك ضيقي بالخروج مع الفتيات؛ إذ كان حديثي في اللغة ~~والأدب لا يروق لهن، ولم يكن لدي من الأحاديث ما يكفي لقطع الساعات الطويلة تحت ظلال ~~الأشجار أو على شط النيل، وقد أكدت ذلك حادثة فريدة؛ إذ لاحظت إحدى زميلاتي في فريق ~~التمثيل واسمها فاطمة عمارة أنني لا صاحبة لي، على عكس جميع من يشاركونني جلسات بوفيه كلية ~~الآداب (سمير سرحان + نبيلة عقل، ووحيد النقاش + ليليان حنا ... إلخ)، فطلبت مني الخروج مع فتاة ~~من كلية التجارة رأت أنها تحقق مطالبي في «الفتاة المثالية» من طول وشقرة وخضرة عيون! وبعد ~~أن تعارفنا وخرجنا معا مرة أو مرتين، بدأت الجميلة تتحدث عن المستقبل! أما أنا فكنت ~~مشغولا بكتاب أتولى ترجمته بنفسي هو «الرجل الأبيض في مفترق الطرق»، وأريد من أملي عليه ~~الترجمة، وعرضت الجميلة أن أملي عليها ما أريد، ففعلت وفرحت، وفي آخر أول جلسة قالت: ~~«تستطيع أن تعتمد علي في عملك.» وانطلقت ترسم صورة وردية للعش الذي سوف تساعدني فيه! وكان ~~ذكر «العش» كفيلا بوضع حد للعلاقة، وعدت للكتابة بنفسي، وأمري إلى الله. # أما الأبيات الأخرى فهي: # عيناك يا أختي منى، # أسطورة أزلية! # لم يبتكرها هومر، # أو تحكها جنية! # عيناك ليل ms128 لا يخاف الفجر فهو يعيش فيه، # ويذوب فيه، # ويكاد ينسى أنه يفنيه حين يذوب فيه! # ولا أدري من الذي أشاع هذه الأبيات بين الأصدقاء، ثم بين الطلبة، فإذا ~~بالآنسة الصغيرة تأتي إلي ذات يوم لتسأل عن القصيدة وما وراءها، واعتذرت لها عن استخدام ~~الاسم مؤكدا لها أن الاسم يمكن أن يكون اسما لأي أحد، وكان صوتها فيه بحة معينة، وهو ~~قطعا من طبقة موسيقية منخفضة، ولا شك أنه كان ممتعا لمن ينشد الاختلاف، لكنني قلت لها ~~محقا إن القصيدة لا تعني أكثر من كونها كلاما؛ فالقول هو القول، وينبغي ألا يقرأ فيه أحد ~~معاني غير مقصودة، لكنها لم تقتنع وضحكت ومضت. # وذهبت أستفتي الدكتور رشاد رشدي، فضحك ضحكا شديدا وقال: هذا هو ما أعنيه بأن الفنان ~~يتمتع بحرية القول غير الملزم بالعمل! وطفق يحدثني عن النساء اللائي عرفهن، وعن رمز ~~المرأة التي صورها في مسرحية الفراشة والتي يمكن أن تطفئ وقدة الفن لدى الفنان ~~باهتماماتها العملية والاقتصادية، وأثناء الحديث دخل الدكتور شفيق مجلي الذي كان قد عاد ~~لتوه من إنجلترا بعد حصوله على الدكتوراه، فانضم إلينا وأضاف باقتضاب: «لا تذكر اسم أحد ~~.. فليس وراءهن سوى المشاكل!» وتكاثر الناس في الغرفة، فخرجت وقررت أن أعي الدرس جيدا، ~~وعقدت العزم على ذلك، وفي المساء خرجت وحدي، وكان المساء رائعا، فانطلقت أسير بحذاء النيل ~~حتى وصلت إلى كوبري الجامعة الجديد، وقد انتظمت في رأسي قصيدة أخرى: # قلبي يفيض على الوجود كأنما الكون أنا، # وكأن إحساس الحياة الدافئ الدفاق ينبع من هنا - # من جنح نفسي - ثم يسري في الدنا، # ويطوف بالآفاق يلهب كل روح، # أو يبث الحب أو يشدو ويأتي باللحون إليك، # يا أختي منى! # ماذا صنعت وكيف للدنيا هبطت؟ ~~••• # أنا من مزيج الطين والنيران قبل الكون كنت! # وشربت من نهر الخلود وفي لهيب النار عشت! # وسقيت مثل الجان جرعات الحياة فطرت في حلمي ودرت! # لا زلت أذكر صاحب الجنات يودع في فن الخلق، # يشرح لي وحينئذ فهمت! # لكنني يوما هبطت فكيف للدنيا هبطت؟ ms129 ~~••• # هل ذقت تفاح الخطيئة مثل حواء وحين هفت هممت؟ # أم هل سمعت نداءك الأرضي يدعوني فلم أحفل وجئت؟ # أم أن طيني أبصر الدنيا فتاق إلى التراب، # ولم يطق سكنى السحاب! # لا تسأليني إنني حقا هبطت فلا عتاب! ~~••• # وأنا أطوف الأرض أحيا في صدور الناس أسترق المشاعر، # وأحادث الأشجار والأزهار يعرفني هنالك كل طائر، # وأعب من دنيا الكفاح كئوس إجهاد تغص بها المصانع والمتاجر، # وأعيش في أنغام أصحاب المزامر والمزاهر! # فإذا رجعت إليك مهموما سمعت صدى غريبا غير جاهر، # لا لا تقولي صوت شاعر! # لكنه دعواك لي أقبل هنا، # فهبطت يا أختي منى! ~~••• # فنان يا أختي منى، # هذا أنا! # أحيا بأوهام الخلود وبعض أحلام تطوف، # وأخاف من برد الفناء ووقع أقدام الحتوف، # لما هبطت مع الألوف، # وبدت لعيني الطيوف! # لكنني حتما سأرجع، # إن كان فنان إلى الجنات في يوم سيرجع! # ولم أكن أعرف كيف أضع لها عنوانا. هل أسميها «عبثا تسائلني منى ماذا ~~أنا؟» ولكنني أدركت أن ذكر الاسم سوف يتسبب في المزيد من المشاكل فكتبتها في دفتر خاص، ~~وألقيت بها في الدرج، وقررت ألا أطلع عليها إلا أقرب الأصدقاء، وكان أخشى ما أخشاه أن ~~يصدق ما حذرني منه الدكتور شكري عياد وهو الصراع بين النقد وبين الإبداع، وكان دائما ~~يقول لي: «انظر كيف يضيع يوسف الشاروني موهبته في كتابة النقد! حذار من التردد بين هذا ~~وذاك! انته أولا من الدراسة ثم اكتب الشعر!» ولكنني كنت أدرس الشعر! وكلما تعمقت في ~~التحليل النصي ازداد إيماني بضرورة الاستزادة من القراءة؛ تحقيقا للهدف الأسمى، وهو الإبداع! ~~وكنت أذكر حوارا دار بيني وبين الدكتور عبد الرءوف مخلوف قبل عدة أعوام عندما قلت له: لماذا ~~يضيع الأستاذ جرجس الرشيدي وقته في دراسة برنارد شو للدكتوراه؟ لماذا لا يصبح هو برنارد ~~شو؟ وكان رده هو: هذا طريق وذاك طريق آخر! وإن كانا يسيران متوازيين، وربما جنح السائر في ~~أحدهما إلى أن يسلك الآخر - فاسلك ما شئت وانظر أنى يمضي بك! # كنا نقف ذلك اليوم في شارع ms130 نوال، الذي جرت العادة على نطقه دون شدة على الواو، وكان ~~ذلك الحديث قد مضى عليه ما يزيد على خمسة أعوام، ولكنه كان لا ينسى! وتطورت المذاهب ~~النقدية في السبعينيات في أوروبا وأمريكا، وكان من أهم ما انتهت إليه إزالة الحاجز بين ~~النقد والإبداع، فالإبداع جهد نفسي وذهني معا، بغض النظر عن مجاله؛ أي إنه ليس مقصورا على ~~اللغة والأدب، فالمخترع مبدع، والمفكر مبدع، وقد تجد مبدعين في كل لون من ألوان النشاط ~~الإنساني؛ ولذلك فالناقد العظيم مبدع ولا شك، وإن كان لا يكتب أي صورة من صور «الأدب ~~الخيالي» (أي أي نوع أدبي مثل الشعر أو القصة أو المسرح)، ويتجلى إبداعه في التجاوب ~~الصادق مع النص، وفهمه الخاص له وتفسيره وتحليله إياه، ويكفي أن تقرأ شرح ديوان المتنبي لأبي ~~العلاء المعري؛ لتعرف كيف يكون الناقد مبدعا، أو أي كتاب «تحليلي» كتبه دافيد ديتشيز ~~للرواية الإنجليزية حتى تقنع بصدق هذه المقولة! وإذا كنا نميل، ابتغاء التبسيط، إلى وصف ~~«الإبداع» بالابتكار التشكيلي والتركيبي، ووصف «النقد» بالابتكار التحليلي، فما ذلك إلا تيسيرا ~~على الطالب ومعاونة له في فهم الفرق بين هذين اللونين من ألوان النشاط الإنساني، ولكن ~~كلا منهما إبداع لا شك فيه! # لم أكن حينذاك أعرف تلك الخبايا، بل ولم تتضح صورتها إلا بعد أكثر من ربع قرن عندما ~~شاركت في مؤتمر كيمبريدج للأدب الحديث، وطرحت القضية وأثارت من الأفكار ما أثارت (عام ~~1987م)، أما في عام 1960م فكان كل همي هو أن أفر من الشعر فرارا؛ إبقاء على جهدي في ~~الدرس والاطلاع. وذات يوم ذكرت المشكلة للدكتور مجدي وهبة فضحك وقال: «لا تقاوم الشعر حين ~~يأتي! ومن يدري فربما استطعت الجمع بين الشعر والنقد، فأفضل الشعراء هم أفضل النقاد!» ~~وعندما أبديت دهشتي قال لي: «بالمناسبة .. لدي مشروع لترجمة أهم نصوص النقد الإنجليزي .. ~~هل تود المشاركة فيه؟» ورحبت طبعا بالفرصة السانحة وقلت له: أي نص تريد أن نبدأ به؟ ~~فقال: «درايدن!» (مقال في الشعر المسرحي!) ثم أردف على الفور قائلا: «وسوف ms131 أدفع لك السعر ~~الرسمي للترجمة .. احسب الأجر وقل لي!» وأحصيت الكلمات بالتقريب، وحسبت التكلفة على أساس ~~مليمين للكلمة (السعر في الدولة حاليا ستة مليمات بناء على القرار الجمهوري عام 1978م، ~~وستة قروش في المجلس الأعلى للثقافة، و38 قرشا بالأمم المتحدة!) وكان الأجر الكلي 42 جنيها، ~~دفع لي الدكتور مجدي عشرة جنيها منها بصفة مقدم، على أن أبدأ الترجمة على الفور. # 11 # كان ربيع عام 1960م ربيعا فذا؛ فلأول مرة كنت ممتحنا وممتحنا معا، وكانت أبحاثي ~~قد اكتملت وسمعت ما اطمأن قلبي له من الدكتور روفائيل والدكتور رشدي - ومجدي، بطبيعة الحال. ~~وقررت البقاء في القاهرة ذلك الصيف وعدم الذهاب إلى رشيد؛ فلدي ما أفعله، فعكفت على ~~الانتهاء من ترجمة «الرجل الأبيض»، وذهبت إلى المراجع الأستاذ عثمان نوية (وتنطق بتشديد ~~الياء - تصغير نواة) في مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، وسلمته المخطوط، وخرجت سعيدا على ~~وعد بلقاء آخر، وفي يونيو - أثناء امتحانات الفصل الدراسي الثاني - اكتشفت مقهى جميلا على ~~شاطئ النيل اسمه كازينور (أي كازينو نور، زال من الوجود الآن) بجوار كازينو الحمام، ولم يكن ~~يغالي في الأسعار؛ فالشاي بقرش صاغ واحد، والقهوة بقرش ونصف، ولا يطالب الرواد بأكثر من ~~طلب واحد! كان يطل على النيل مباشرة، وعندما يأتي موسم الفيضان تأتي المياه الحمراء وتعلو ~~حتى تصل إلى مسافة قريبة من الجالسين، ويبدو النيل منبسطا شاسعا، وعلى الضفة الأخرى مباني ~~وأشجار حي الروضة، وعلى صفحة الماء تنساب السفن المتجهة شمالا لتمر تحت كوبري عباس، ~~بينما تحلق الطيور التي تنقض كالسهم المارق لتلتقط الأسماك، فكان المشهد يذكرني برشيد ~~وموسم صيد السردين في سبتمبر وأكتوبر من كل عام. # كانت العادة أيام الخريف في رشيد أن تخرج سفن الصيد مبحرة مع التيار إلى مصب النيل ~~حيث تتجمع ملايين أسماك السردين بنوعيها - المفطرة والمبرومة - أما الأولى فهي في الحقيقة ~~صغار سمك الماكريل والبيلشارد، وأما الثانية فهي السردين الحقيقي الذي وصل إلى النضج، وأصبح ~~لحمه سمينا بل وتمتلئ بطنه بالدهن الذي عرفت فيما بعد أنه مضاد للكولسترول. وكانت ms132 ~~السفن (التي تسمى بلنصات - جمع بالانص) تعود في المساء إلى شاطئ رشيد لتفرغ حمولتها في ~~بتيات (جمع بتية - وهي كلمة فصحى، صحتها بتية بفتح الباء وكسر التاء وتشديد الياء، ~~وتعني البرميل الضخم من الخشب، ويقول السيد آدي شير في «الألفاظ الفارسية المعربة» إنها ~~تعريب كلمة «بتو» الفارسية بمعنى القربة والقمع)؛ ومن ثم يوضع بعضه في ثلاجات ويرسل إلى ~~الإسكندرية والقاهرة فورا، والبعض الآخر يوضع عليه الملح ويحفظ للأكل فيما بعد. ولكن ~~مقدارا كبيرا من المصيد كان يستهلك محليا، فيشوى ويأكله الناس مع الأرز أو مع الخبز، ~~وكان سعر الطورة (أي الأربعة، وهي وحدة القياس التجاري) يتراوح بين قرش صاغ وقرشين؛ تبعا ~~للنوع. # أما سر صيده في ذلك الموسم بالذات فهو أن مياه الفيضان تأتي معها بملايين الكائنات ~~الحية الدقيقة (البلانكتونات) التي يتغذى عليها السردين، فيتجمع من أنحاء البحر المتوسط ~~للتغذي عليها، فيفيض النيل العظيم ويفيض البحر بالخير على أهل البلد. وكان من الطبيعي أن ~~تزدهر صناعة بناء السفن بأنواعها على طول شاطئ رشيد، وما تتطلبه من حرف مساعدة مثل ~~صناعة الحبال، والشباك، والنسيج (للقلوع) والبكرات الخشبية، والبراميل، والثلج، والملح، وما ~~يتطلبه ذلك كله من آلات حديدية وخشبية، فكان يوجد في حي «قبلي» سوق النجارين وسوق ~~الحدادين وسوق النحاسين والألفطية (الألفاط أو القلفاط هو الذي يسد الشقوق الخشبية في ~~السفن بالليف المستخرج من النخيل) وحرف الدهانين والنقاشين وما إلى ذلك. وكان يمتد على ~~الشاطئ نفسه صف طويل من محلات الوزانين والكيالين، وكان الوزان يسمى القباني لأنه ~~يستخدم الميزان الذي يحمل ذلك الاسم، والكيال يسمى الكيلاني، وكان من مهامهم وزن ما تأتي ~~به الفلاحات عبر النيل من السمن واللبن والجبن بأنواعها؛ بغية تحديد أسعاره. وكانت القوارب ~~تنقلهن من «البر الثاني» وهو الجزيرة الخضراء، أو من الشط البعيد الذي كان يتبع محافظة ~~الغربية (كفر الشيخ الآن). وكان أهل الجزيرة الخضراء يعرفون بأنهم ينطقون القاف قافا لا ~~همزة، ومن ثم يسخر منهم أهل رشيد بتكوين جمل تتضمن قافات متعددة (عبد القوي وقع في القنا ms133 ~~قام قرموط قلع عينه!) وكانت الفلاحات يتحدثن لغة جميلة تذكرك بلغة «العرب»، والمقصود بهم ~~بعض القبائل البدوية التي تسكن الصحراء جنوب رشيد، وتعيش حياة بدوية خالصة، تعتمد على الرعي ~~ومنتجات النخيل، وكانوا أحيانا يسمون «الغجر»، وإن كان المشهور عنهم هو الترحال ~~والتنقل وعدم الثبات في مخيم واحد. # كان منظر النيل في الفيضان أو بعده ساحرا، وكان هو الرابطة التي تشدني دائما إلى بلدي، ~~وإذا كان الناس قد اختلفوا واختلفت أنماط الحياة في القاهرة عنها في رشيد، فالماء ما يزال ~~يتدفق، وكنت أراه منطلقا نحو البحر فأعجب له وأكاد أسأله كيف يحملني معه! وسرعان ما أصبح ~~كازينور مكاني الذي أعمل فيه قارئا ومترجما، ومن ثم أصبحت حقيبتي الجلدية الصغيرة لا ~~تفارقني في حلي وترحالي، واكتشف بعض الأصدقاء ذلك المكان فغدوا يزورونني فيه دون أن ~~يقاطعوني في القراءة أو الترجمة، وأذكر ليلة من ليالي الصيف، كنت عرضت فيها بعض أشعاري ~~على ماهر البطوطي، وجلسنا نناقشها حين دخل علينا سمير سرحان ووحيد النقاش! واستمع الجميع إلى ~~الشعر، ثم ذكر وحيد شاعرين جديدين يفعلان ما أفعل؛ هما صلاح عبد الصبور وحجازي! وقلت له إنني ~~أعرف الأخير، فأضاف إن الأول أعظم وأعمق، وأسمعنا بعضا من شعره فقلت في نفسي: هذا والله هو ~~الشعر، وذلك هو الذي يبرر الخروج عن الشعر العمودي! كان شعر صلاح يقول لي: ما أصغر حظك من ~~الموهبة! أنت صغير وأنا كبير! وقلت لسمير سرحان إنني أحس أنني صغير! فقال وحيد: وهما كانا ~~صغارا! فقلت: لا .. الشاعر يولد كبيرا! وقررت أن أبقى على ما أكتبه، فلا أمزقه، ولا ~~أنشره، ولا أعلنه! # وفي طريق العودة، قال لي سمير سرحان: اسمع! أنا عايز أجيب جيد جدا .. إيه رأيك؟ ورحبت ~~طبعا بهذه الروح وكنت أظنه غير آبه بالحياة الجامعية بسبب انشغاله بالنشاط الأدبي؛ إذ كان ~~قد أصدر كتابا مترجما، وبدأ يمارس الكتابة الصحفية وكتابة المسرح، من خلال الإذاعة. ~~وتناقشنا في وسائل تحقيق هذا الحلم، خصوصا إزاء ضرورة التسلح بالمادة العلمية المستقاة ~~من المراجع، وظللنا نتهادى ms134 في سيرنا حتى وصلنا إلى كوبري الجلاء، فافترقنا؛ أنا وماهر إلى ~~العجوزة، ووحيد إلى الدقي، وسمير إلى الجيزة. # وتركت ماهر أمام منزله وواصلت المسير في شارع المراغي، ثم في شارع نوال حتى شارع النيل، ~~ثم سرت في الضوء الخافت تحت أشجار الكافور الباسقة على شاطئ النيل حتى وصلت إلى كوبري ~~الزمالك الصغير، فتجاوزته، وواصلت المسير شمالا إلى إمبابة، ولا بد أن الساعة كانت تقترب من ~~الثالثة صباحا؛ فالبدر قد مال إلى الغروب على يساري فوق حدائق ما كان يسمى بأرض الترسانة ~~المقابلة لنادي الزمالك، ونسائم السحر الباردة تهب على وجهي من الأمام، وأنا أسير بنشاط لا ~~أدري له دافعا، وأحسست أنني أنهب الأرض نهبا، غير عابئ بالسيارات التي كانت تبطئ من ~~سرعتها عندما تصل إلى حيث أسير؛ كأنما ليتحقق راكبوها من شخصية السائر، وتخطيت منطقة ~~«الكيت كات» وتوغلت في إمبابة، وكانت آنذاك حدائق على النيل وعوامات راسية فيه (تسمى ~~ذهبيات)، وتقيم فيها بعض الأسرات، وكلها ساكنة ساكتة، حتى وصلت إلى كوبري إمبابة ثم ~~استدرت راجعا بنفس النشاط وعند كوبري الزمالك سمعت أول أغنية لطيور الصباح، وكان صوت ~~الكروان الذي أعرفه جيدا في رشيد، فأدركت أن الفجر وشيك، وسرعان ما ترددت شقشقة العصافير، ~~ونداءات أبو قردان، وصوت غريب عرفت فيما بعد أنه صوت مالك الحزين، وكان قد بنى عشا ~~على شجرة ضخمة من الصفصاف تتدلى غصونها في النيل، فوقفت أستمع إليه، فصمت فعاودت ~~المسير، وأمام مستشفى العجوزة لمحت تباشير الصباح في الأفق الشرقي - فوق الزمالك. # وتذكرت أنشودة كنت كتبتها في العام السابق صبيحة العيد الصغير، عيد الفطر، حين ~~انتهيت من الصلاة وسرت في حي الحسين أرقب يقظة القاهرة، وكان مطلعها يقول: # يا خد الشمس يقبله الفجر المقرور، # ونسيم الصبح يعانقه الطير المبهور، # وسحابة نور تحتضن الأفق المسحور، # وجفوني بسمت للنور تحس الدفء المخمور! # فإذا بي أعيد صياغتها لتصبح: # يا خد الشمس تقبله خيبة آمال، # ونسيم الصبح يعانقه يأس قتال، # وسحابة نور تحتضن من المرض عضال، # وجفوني أزعجها الصبح وخالطها .. أوهام محال! ms135 # ما لي؟ بائع أوهام؟ دنياي ظلام وظلال! # كانت الأبيات تتدافع إلى ذهني في عجلة، ولم أتريث كي أضبط نسجها، ~~ولكنني ألقيت بها كأنما ألقي بنفثات غاضبة بلا سبب أو معنى، وتساءلت في نفسي إن كان يأسي من ~~الشعر هو السبب، أو يقيني أن أحلام الشعر مقضي عليها بالانقشاع والزوال، ألم يكن وردزورث ~~يدري أن هناك من هم «أشعر» منه حين قرر أن يكون شاعرا؟ ألم يفت ذلك في عضده؟ وعندما ~~وصلت إلى المنزل كانت أضواء الصبح تغمر الطريق، فتسللت إلى غرفتي ونمت. # كانت الأسرة قد رحلت إلى رشيد، وكنت أستطيع أن أقضي ما أريد من وقت في عزف العود دون ~~اعتراض، وفي عصر اليوم التالي حدث شيء ساعدني على نسيان اهتمامي بالشعر ؛ إذ زارتنا إحدى ~~نساء رشيد ممن نطلق عليهم «ألاضيش» الأسرة (والألدوش تعريب التركية يولداش، أي الرفيق في ~~الطريق؛ ومن ثم فهي تعني الزميل والصاحب)، ولما كنت وحدي فقد قصت علي قصة عودتها إلى ~~زوجها بعد «غضبها» منه ولجوئها إلينا في رشيد بعض الوقت، وكانت القصة الرسمية «المعلنة» في ~~الأسرة هي خلافهما حول كعك العيد. أما القصة الحقيقية فهي أن زوجها كان يكبرها بأعوام كثيرة، ~~وكان قد تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى وبعد أن كبر أولاده منها، ويبدو أنه قد اكتسب في تلك ~~السن المتقدمة لونا من الشذوذ يدفع به دفعا إلى الصغار، وإن لم يكونوا صغارا بالمعنى ~~المفهوم، فبعضهم قد بلغ الحلم وبعضهم قد تخطى سن الرشد، وقد اختلفت معه عدة مرات بسبب ~~هذا الشذوذ، ولكنه كان يعد ويتعهد، ثم ينكث، وكثيرا ما بكى بين أيديها تائبا، وكثيرا ما ~~كان يقول لها إن الله يقبل التوبة من عباده، ويقول لها إن الله يقول في شأن أمثاله: # فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا ~~رحيما ~~. ثم انتهت إلى أن قالت إنها ترجوني أن أحادثه وأنذره بأنه لو عاد هذه ~~المرة فلن تعود هي إليه! # كان الموقف مألوفا. وكنت أسمع عن أمثال هؤلاء، وأراهم، وكان صديقي أحمد قادوم ms136 يقص علي ~~طرفا من قصصهم، ولكنني كنت دائما بمنأى عنهم، أي إنني كنت أحس أنهم ينتمون إلى عالم آخر ~~لن يكتب لي أن أشهده عن كثب ولكن السيدة كانت تطلب مني التدخل هذه المرة! وبعد لحظات من ~~التردد اتفقنا على انتظار عودته؛ إذ كان قد أتى معها وخرج في بعض شأنه، ومفاتحته في ~~الموضوع. وفعلا، عاد ورأى في وجهي بعض التغير والتجهم، فأدرك أنها اشتكته، وانخرط في ~~بكاء مرير! # وبعد العتاب والتصافي دعاني إلى أن «أراقب» بنفسي توبته، وألا أبخل عليهم بالزيارة؛ فهم ~~يسكنون في حي «بين السرايات» المتاخم للجامعة، وأضاف في رقة: «أنا عجوز .. ولا أفعل ذلك ~~عامدا .. والله سبحانه يقول: # إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله ~~عليهم وكان الله عليما حكيما ~~.. صدق الله العظيم». وكانت كلماته ~~تنضح بروح الصدق، وتنم عن ندم عميق، ودفعني حب الاستطلاع إلى معرفة المزيد فزرت ~~الأسرة، وتكررت زياراتي حتى اطمأن قلبي. ولكن شهر أكتوبر أتى بما لم أكن أتوقع. # كان موعد دخولي الجيش قد حان، فذهبت إلى منطقة تجنيد الإسكندرية، واصطف مواليد عام 1939م ~~صفا، وخرج علينا ضابط يقول: «كل من لا يحمل مؤهلا غير مطلوب للتجنيد، أما حملة المؤهلات ~~(التوجيهية على الأقل) فسوف يحصلون على تأجيل آخر». واندفع الجميع إلى غرفة الحصول على ~~الإعفاء، أما أنا فكنت رابع أربعة من حملة المؤهلات، لم يعرفوا كيف يحصلون على شهادة ~~التأجيل. وظللنا في موقفنا إلى أن جاء قائد المنطقة الشمالية، البمباشي أو البكباشي (المقدم) ~~محمد علي رشيد، وصاح بلهجة عسكرية: من أنتم؟ وذكر كل واحد منا اسمه. وعندما سمع اسمي ~~أمرني بالتوجه إلى المكتب، فتوجهت مذعورا مع أحد الجنود، حيث انتظرت واقفا إلى أن عاد، ~~ثم أمرني بالدخول إلى غرفته وسألني: هل أنت قريب لمحمد إبراهيم عناني؟ فقلت له: إنه ابن عمي! ~~وعلى الفور، انفرجت أساريره وقال: «إذن نحن أقرباء!» كان اسمه الأصلي محمد علي تيرانا، وكان ~~من أسرة ذات أصول ألبانية (كما هو واضح ms137 من اسمه)، وكانت للأسرة فيلا تجاور فيلا عجمية (زوج ~~خالتي) على الطريق الزراعي، ولكنه مثل كثيرين من أبناء رشيد الذين تركوا البلد، قد غير ~~اسمه إلى رشيد، وبعضهم غير اسمه إلى الرشيدي - مثل أفراد أسرة «الخياط» و«الفساسي» وهم من ~~كبار التجار. ولكننا لم نكن أقرباء، بل كانت زوجته من أسرة «عجوة» ذات الثراء العريض، أختا ~~لزوجة ابن عمي الذي كان قد عين بعد تخرجه من كلية العلوم في شركة الحرير الصناعي بكفر ~~الدوار. # أدى هذا الاكتشاف، على أي حال، إلى سرعة حصولي على شهادة التأجيل، وكان تأجيلا مفتوحا، ~~وينص على أنني أستطيع استخدامه في التوظف؛ مما يسر لي استخدامه في التعيين بالجامعة، ~~ولكنني لم أذهب إلى القاهرة مباشرة بل عرجت على رشيد ، وكان القصد أن أتزود بالفاكهة التي ~~تتميز بها رشيد في ذلك الوقت من العام، وكان أخي الأصغر في الإسكندرية، وأصغر أخوتي مصطفى مع ~~الأسرة في القاهرة، ومن ثم رأيتها فرصة سانحة لتأمل المستقبل. وفي اليوم التالي لوصولي ~~بدأ توافد الزوار، ومنهم علمت أن السيدة صاحبة المشكلة المذكورة قد «غضبت» من زوجها مرة ~~أخرى بسبب «كعك العيد»! وقررت أن أسافر في اليوم التالي هربا من مشكلة لم يعد لها في نظري ~~حل! ولكن السيدة كانت أول الطارقين في صباح اليوم التالي، وكان «كعك العيد» هذه المرة هو أن ~~زوجها يأتي بضيوف من رؤسائه في العمل، ويتركهم في المنزل مع زوجته التي لم تعتد ذلك (وتخاف ~~على نفسها)، بل إنه ذات يوم ترك «ناظر المحطة» السويسي (وكان هو يعمل في وظيفة عطشجي ~~بالقطارات)؛ ليبيت الليلة في المنزل، بحجة عدم وجود فنادق رخيصة! وبعد المناقشات المطولة ~~التي أدركت منها أن ذلك الرجل ميئوس منه، وعدتها أن أذهب إليه وأحذره للمرة الأخيرة! ~~ولكنني علمت بعد يومين من وصولي أنه توفي فجأة، وكان قد تجاوز الحادية والسبعين، ومن ثم ~~كان لزاما علي حضور العزاء. # كان المتحدث الرئيسي في العزاء هو «أحمد» زوج ابنته، الذي قص على الحاضرين قصة تبين أن ~~الآجال بيد الله، ms138 وأن أحدا لا يستطيع أبدا معرفة سبب الموت، وكان ما يزال ملازما أول، ~~على سنه الكبيرة؛ إذ كان ترقى في الجيش «من تحت السلاح» أي دون تخرج في الكلية الحربية، ومن ~~ثم قال بصوت رزين ونبرات هادئة إنه سوف يحكي لنا ما حدث لرئيسه في الوحدة. قال إن رئيسه ~~أصيب بورم خبيث في مخه، وبعد الفحوصات المضنية في المستشفى، قرر الأطباء أن حالته ~~ميئوس منها، وأن عليه ألا يغادر سريره حتى يأتي أمر الله. وقال «أحمد»: «أمرني أن أحضر ~~مسدسه الميري فرفضت، ولكنه قال إن ذلك أمر ولا بد لي أن أطيعه، ومن ثم أعطيته المسدس ~~باكيا، وقبلته قبلة الوداع وخرجت. ولكنني لم أنم تلك الليلة حزنا على فراق رئيسي، وفي ~~الصباح اتصلت بأفراد الأسرة أطلب منهم التواجد في المستشفى لأمر هام. وعندما فتحت عليه الباب ~~في الساعة الثامنة، وجدته جالسا في السرير يتناول طعام الإفطار - من الفول والبيض! وقد ربطت ~~ضمادات كثيرة حول رأسه حتى أخفت نصفها! وقلنا في صوت واحد: الله أكبر! وشعرت بنا الممرضة ~~فنادت الطبيب الذي شرح لنا أن الضابط قد تهور، وكان معه مسدسه الميري، في مخالفة صريحة ~~للتعليمات، فأطلق رصاصة على رأسه بقصد الانتحار!» وتوقف أحمد ثم قال في نبرات لا أستطيع أن ~~أقصيها عن ذاكرتي: «يشاء السميع العليم أن تأخذ الرصاصة الورم وتخرج به من الناحية ~~الأخرى!» ثم أردف قائلا: «وعندما دخل به الأطباء غرفة العمليات وجدوا أن الدماغ سليمة ~~فخيطوا الجرح وكتبت له الحياة!» # وبذلت جهدا مضنيا لأكتم ضحكي، والجميع من حولي يهللون ويكبرون! كان الموقف يتطلب ~~ضبط النفس، وأسرعت بعدها بالخروج من المأتم، وقد رأيت أن الحياة قد أبعدتني عن الشعر ~~لتدنيني من الدراما! هذا هو المسرح الحي حقا، وهذا هو ما سوف أتجه إليه! # | المسرح الحي # 1 # لم أكن كتبت المسرح بالمعنى المفهوم حتى تلك اللحظة. كانت محاولات المدرسة الثانوية لا ~~تزيد عن كونها «محاولات» مبتدئ، ولم تكن، على ترحيب الجميع، ذات قيمة تذكر؛ فالمسرحية ~~التي نشرتها في مجلة المدرسة ms139 بالإنجليزية تندرج تحت باب «الاسكتش» أو الصورة الفكهة، وكانت ~~مسرحية «الشبح» التي أخرجها عبد المنعم مدبولي في المدرسة «تدريبا» في فن كتابة الحوار ~~بالفصحى، وأما تمثيليات الإذاعة التي كنت أكتبها بعد التخرج فكانت «حكايات» محكمة الصنع، ~~مادتها مستقاة من تمثيليات الإذاعة التي كنا نسمعها ونتابعها في شغف صغارا، ولا تتضمن أي ~~«تجربة» فنية أو موضوعية بالمعنى المفهوم. وكانت صلتي بالفنانين مقصورة على أعضاء المسرح ~~الحر التي كانت قد قدمت مسرحيات نعمان عاشور ورشاد رشدي، ومسرحية زقاق المدق التي أعدتها ~~أمينة الصاوي عن رواية نجيب محفوظ، وكان أهم هؤلاء الفنانين: مدبولي وفؤاد المهندس الذي كان ~~يشرف على فريق الجامعة من خلال فريق كلية التجارة، وكان يحبه زملاء المدرسة الذين التحقوا ~~بكلية التجارة وعلى رأسهم نبيل مجدي. وكنت مقتنعا كل الاقتناع بنصيحة مدبولي لي ألا ~~أعتلي خشبة ممثلا، بل أن أركز على الكتابة. فأقرأ «شيكسبير والكلام ده» ثم أكتب بعد ~~التخرج. # كان اللون الوحيد من العروض المسرحية التي شاهدتها في طفولتي يندرج في باب «التسالي» أو ما ~~يسمى بالمنوعات حاليا، وكان الأقدمون يسمونها فنون «الفرجة» بمعنى التفريج عن النفس، ثم ~~أصبحت الكلمة تصف كل عرض مسرحي أو غنائي أو راقص، بل أصبح الفعل «يتفرج» بالعامية يعني ~~«يشاهد»! كانت إحدى فرق الغوازي تأتي من رشيد في المواسم والأعياد لتقديم العروض التي يطلق ~~عليها «التمثيل» فقط. وكنت وإخوتي نحب «الفرجة» عليها، وكانت أسعار التذاكر زهيدة، وكان ~~إقبال الريفيين كبيرا، وقد قصصت ما حدث ذات يوم في مقدمتي للترجمة الإنجليزية لمسرحيات ~~«السجين والسجان»، و«البحيرة»، و«الصديقان»، وهما ثلاث مسرحيات في مجلد واحد - صدر ~~بالعربية مع مسرحية رابعة هي «الصديقتان» عام 1980م وبالإنجليزية دونها عام 1987م - ولذلك سوف ~~أتغاضى عن التفاصيل هنا، وأركز على بائع «شربة الحاج محمود» الذي يقف في السوق المركزية برشيد ~~بعد صلاة الجمعة، ويتجمع حوله العشرات بل والمئات؛ فمنهم من يشتري، ومنهم من ~~«يتفرج». # كان هذا البائع يقدم عرضا مسرحيا كاملا؛ مما يمكن أن نطلق عليه حاليا المونودراما، ~~فإذا أخذنا في اعتبارنا مشاركة ms140 الحاضرين في الحوار والأداء، كان «العرض» يندرج في باب المسرح ~~المرتجل، وهو من الصورة الأصلية لبعض البدع الحديثة في أوروبا وأمريكا مثل «مسرح الحدث ~~المرتجل» ( # The happening-The event ~~) أو حتى الصورة المتطورة له، ~~وهي صورة المسرح الحي ( # The Living Theatre ~~) وإن كانت للحاج محمود نصوص أساسية لا يكاد يخرج عنها، وكان يغير «النص» ~~في كل مرة، وأنا أذكر له ثلاثة نصوص على الأقل يدخل فيها من التعديلات والتبديلات ما يقتضيه ~~الموقف؛ فأولها قصته مع «أم أحمد» (أي زوجته) وكيف انقلبت عليه عندما خط الشيب رأسه، ~~وتهدل الشعر الأبيض على جانبي رأسه، بعد أن كان كثيفا صلبا، وكنت أرقب الرجال وهم ~~يضحكون ضحكات خافتة، كلما وصف «الشيب»، ولم أدرك إلا بعد أن تركت رشيد ما يعنيه ~~«الشيب»، وعلى أي حال ، كان البائع ينشئ حوارا ساخنا بينه وبين «أم أحمد» ينتهي ب «لحظة ~~تنوير» عند اكتشاف الخلطة السرية. وعندما تتهلل أسارير الرجال يقول في أسف، ولكنها غالية ~~الثمن، وصانعها طاعن في السن لا يدفعه إلى صناعتها إلا ابتغاء مرضاة الله، «صلوا ع النبي» ~~(فيغمغم الحاضرون بالصلاة على النبي) ولا يدفعه على بيعها إلا رغبته في أن يتمتع كل رجل ب ~~«الستر» مع أهله، وبين الضحكات والهمهمات يخرج زجاجة صغيرة ويقول: معي أربع عينات فقط، وأنا ~~لا أتقاضى عنها ثمنا، بل أهبها مجانا وفقا لوصية الشيخ الصالح، لكل من يشتري هذا ~~الدواء الذي يشفي جميع الأمراض! # كانت أجمل لحظات المونودراما هي فترات الحوار مع المصلين، فكان يعرف الكثيرين منهم، ~~ويخاطبهم بأسمائهم وبطرق بالغة الذكاء: «لا يا إبراهيم! لن أعطيك شيئا! لا تضع يدك في ~~جيبك! أين أنت من الشيب الذي نعاني منه؟!» أو يصرخ فجأة قائلا: «زجاجة واحدة فقط! والباقي ~~على الله! قولوا لا إله إلا الله!» فيغمغم الواقفون مهللين، ولا يلبث حتى يبيع ما لديه ~~وينصرف! # ويبدأ ثاني هذه النصوص بإنكار أي قوة سحرية فيما يبيع من أدوية، مؤكدا أن الشافي هو ~~الله، وينطلق بعد ذلك في رواية قصة حدثت له أو ms141 لأحد أصدقائه مع أطباء المستشفى، مؤكدا أن ~~الطبيب لا يمكنه معرفة «ما يجري» داخل البطن، وأن «السماعة» أكذوبة، «قولوا لي بالله عليكم .. ~~ماذا يسمع؟ إنه يتظاهر بسماع ما لا نسمعه! وما عساه يكون؟ إنه يرجم بالغيب! ورسولنا يقول ~~كذب المنجمون ولو صدقوا! لكنه يتقاضى منك خمسين قرشا! وماذا يصف لك بعد ذلك؟ إنه لا يزيد ~~عن الحمية - فالمعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء! ولكنني أعطيك هنا القوة التي ~~تتغلب بها على المرض! وهي رخيصة لأنه لا يوجد وراءها تاجر جملة ولا تاجر قطاعي .. فهي من ~~الحكيم إلى ابن الحلال!» وهكذا يوزع الزجاجات الصغيرة بعد أن ينصح شاريها بأن يأخذ منها ~~قطرة واحدة في كوب من الماء بعد الحمام، وأن يستريح بعدها ولا يأكل ولا يتكلم حتى يشفيه ~~الله! # والغريب أن معظم من جربوا أدوية هذا الممثل (المؤلف) يشهدون لها بالامتياز وبالقدرة على ~~صنع المعجزات، وكان أغلى سعر يتقاضاه هو عشرة قروش، وبعد أن ينفد ما لديه يخرج «الروائح» ~~(التي كان يسميها الأسانس، وكنت أتصور أنها تعني الجوهر، ولكن اتضح أنها تعني الزيت؛ من ~~الفرنسية)، وكان سعر الزجاجة الصغيرة يتراوح بين قرش ونصف قرش. # أما «السيناريو» الثالث فكان أمتع هذه السيناريوهات؛ لأنه كان يتضمن حكاية شعبية، تختلف في ~~كل مرة، ولكنها كانت تبدأ دائما بمرض بنت السلطان وحيرة الأطباء في شفائها، وكيف استطاع ~~الشاطر حسن أو «مطاوع أمه» أو غيره من الأبطال الشعبيين أن يجد الدواء الذي يشفيها الله ~~به؛ فالله هو الشافي، وأذكر جيدا قصة الدأراوي (الدقراوي؟) البطل الرشيدي الذي كان طوله لا ~~يزيد على متر ونصف متر، ولكنه كان «كله عصب»؛ لأن الله كان يلهمه أسرار الدواء الصحيح! ~~وقصته مع بطل الصعيد لا يزال يذكرها المعمرون من أبناء رشيد؛ إذ كان اللقاء بين عملاق ~~الصعيد الأسمر وبين الدأراوي على التلال المواجهة لغيط «البيه» (أي علي بك بدر الدين) وكان ~~حكام مباراة المصارعة قد حذروا بطل الصعيد من ارتكاب خطأ معين أثناء المباراة يمكن أن ~~يؤدي إلى ما لا تحمد ms142 عقباه، وهو رفع الدأراوي عن الأرض! وكان الدأراوي قد تناول شراب ~~القوة الجبارة، وكاد يهزم بطل الصعيد، مما اضطر الأخير إلى رفعه في الهواء، وهنا فعل ~~الشراب فعله، فهاج الدأراوي «ونفر عرق الغضب في قفاه»، وأمسك بساق بطل الصعيد فكسرها بين ~~يديه، مثلما يكسر الصبي عصا صغيرة! وانتهت المباراة طبعا بإعلان تفوق الوجه البحري على ~~الصعيد! ويختتم البائع كلامه قائلا: «ولكن ليس معي اليوم من هذا الشراب إلا زجاجة واحدة .. ~~من المسعود؟» # كانت هذه المونودرامات عروضا مجانية، وكنت أواظب على مشاهدتها، وإذا شككت فيما يقول ~~البائع قيل لي: اذهب إلى قهوة بلبع عند مسجد سيدي العرابي، فسوف تجد منضدة لها سطح رخامي ~~فيه آثار أصابع الدأراوي! إذ كان من عادته أن يضرب أصابعه في الرخام صائحا «قهوة يا بلبع » .. ~~أو «شاي يا بلبع»، فينغرس إصبعه في الرخام. وكثيرا ما قص علي القصاص مغامرات الدأراوي ~~مع الخديوي عباس حلمي الثاني (أفندينا) وكيف رآه الخديوي وهو يرفع أعمدة المسجد بيد واحدة، ~~وعرض عليه العمل معه في القاهرة فرفض الدأراوي. كانت هذه القصص تحدد زمانا معينا لحياة ~~الدأراوي، وكنت أطمع في التحقق من شخصيته رغم الصعوبات؛ فالواقع أن تاريخ المسجد الذي قيل ~~إنه شارك في بنائه معروف؛ لأنه مسجل في بيت من النظم التأريخي (أي الذي تخرج منه بالعام ~~الهجري إذا جمعت الحروف): # شاد الخديوي مسجدا لأبي النظر # يا بخت من بمقامه لاذا # سعدوا بمقدمه فقلت مؤرخا ~~«عباس شيد مسجدي هذا» # وهذا ما يسمى بحساب الجمل، فإذا أضفت القيم الرقمية لحروف الشطر الأخير بعضها ~~إلى بعض خرجت بالتاريخ 1269 هجرية! أي إن بناءه كان منذ 149 سنة هجرية، أو نحو 145 سنة ~~ميلادية؛ أي بعد وفاة محمد علي وإبراهيم باشا بقليل .. مما يوحي بأن «عباس» الذي شيد المسجد ~~كان عباس الأول لا عباس حلمي الثاني! ولكن عباس باشا الأول لم يكن قد حصل على لقب الخديوي، ~~وأول من حصل عليه هو الخديوي إسماعيل! # كانت الأساطير الرشيدية كثيرة، وكان معظمها يتخذ صورة الحوار، وبناء ms143 المشهد، تماما ~~مثلما يحدث في روايات السلف بالفصحى (أو بالعامية) وقد أدى بعدي المكاني والزماني عن رشيد ~~إلى استرجاع بعض هذه الأساطير وإعادة بنائها في خيالي؛ مثل أسطورة الحرب بين قبلي وبحري؛ أي ~~الصراع على زعامة البلد بين رجال «الحي الجنوبي» ورجال «الحي الشمالي»، ولا شك عندي في أن هذه ~~الحرب لم تقع، وأن ما حدث فعلا لم يتجاوز الصراعات المعتادة بين أهل الصناعة في الجنوب ~~وأهل الزراعة في الشمال، وكان يرمز لتصالحهم بموكب «الأشاير» الذي يطوف البلد في يوم رؤية هلال ~~رمضان؛ إذ يخرج من حي قبلي موكب يضم رموزا للحرف والصناعات، إما على عربات مخصوصة أو ~~على ظهور الإبل والبغال والخيل، ثم ينضم إليهم في شارع السوق رجال يمثلون الزراعة ~~والمنتجات الزراعية، ثم يقفون عند مبنى المحكمة حيث ينزل شخص يمثل «الخليفة» يتقدمه ~~المنشدون، وكان الخليفة دائما ملثما، مما كان يخيفني طفلا، ووراءه بعض المحنكين (أي ~~الذين يخفون أفواههم بمناديل كبيرة)، ثم عدد من المرابطين، وقد فسرت ذلك كله فيما بعد ~~بأنه من تراث الفاطميين في مصر، فتلك عادات من شمال أفريقيا في الغرب، وكان الكثيرون من أهل ~~رشيد يحملون لقب المغربي (إلى جانب الشامي والحجازي والعكاوي والتونسي ... إلخ) إلى جانب لقب ~~مهم؛ هو لقب القاضي الذي قيل لي إنه يرجع إلى كل أسرة تولى ربها مهمة القضاء. # وسواء كانت «الأشاير» تعني الإشارة إلى بدء شهر الصوم، أو كانت تحريفا لكلمة «البشاير» ~~(البشائر)، أو كانت كلمة دخيلة؛ فإن الموكب كان ينتهي في الشمال (في حي بحري) عند مسجد «سيدي ~~النور» حيث يعقد مشهد تمثيلي يسأل فيه الخليفة القاضي هل رأيت الهلال؟ فيجيب بالإيجاب، ~~وهل يسود السلام والوئام؟ وهل يؤذن منذ هذه اللحظة بحبس الشياطين؟ ومن ثم توقد المشاعل، ~~ويصلي الناس المغرب، و«يسهرون» في انتظار صلاة العشاء، ثم ينامون ليستيقظوا في السحر ~~لتناول السحور وانتظار الفجر! ألم يكن ذلك كله يتضمن عناصر مسرحية من لون ما؟ # ومن السمات التي اختفت من رشيد الآن، بسبب التوسع العمراني، واختلاف نمط أو ms144 أنماط ~~الحياة القديمة، الإحساس بكل غريب عن البلد. فكل قادم من خارج رشيد ينظر إليه كأنما هو ~~«أجنبي» ولكن دون ريبة أو حذر. وكان من طقوس تدشين «الأجانب» زيارتهم لنادي الموظفين على ~~شاطئ النيل، ثم جلوسهم على المقاهي مع أهل البلد، ولا تكتمل «مراسيم» التدشين إلا بارتداء ~~الجلباب الرسمي «الجلابية المصرية» والصلاة في جامع المحلي (إذا كان «الأجنبي» مسلما طبعا) مع ~~سائر أبناء البلد! وكنت في تلك الأيام أسترجع صورا لبعض «الأجانب» الذين استوطنوا البلد ~~ورفضوا الرحيل، على عكس ما كان الجميع من الناشئة يفعلون أو يتمنون لو فعلوا. # وكنت في عام 1960م كثير التردد على عبد اللطيف الجمال الذي كان قد انتهى تقريبا من ~~رسالة الماجستير، وبدأ ينشد الرزق في الترجمة، فصحبني ذات يوم إلى مبنى قيادة الثورة، حيث ~~كان الدكتور رشاد رشدي يعمل رئيسا لتحرير مجلة عربية اسمها بناء الوطن، ومجلة إنجليزية اسمها ~~«ذا أراب ريفيو»، وكنا آنذاك لا نتحدث إلا عن القومية العربية وعن أمجاد الوحدة، ولا نكاد ~~نعرف ما يدور في سوريا، بل كنا نلتقي مع أبناء الشام في كل مكان، وكنا نعشق اللهجة السورية (وما ~~نزال)، وأذكر يوما كنت في زيارة الجمال وكان ريفيا من إحدى قرى المنوفية، بينما كانت ~~سمية أحمد مختار الجمال من دمياط، فقابلت تاجرا سوريا يقيم في الشقة المجاورة، وكان يبحث ~~عن طبيب لوالدته المريضة، فاصطحبته إلى أحد الأطباء، وأنا أشعر كأن أقاصيص كتاب «الأغاني» قد ~~بعثت من جديد! # كانت غربته في القاهرة مثل غربة أي قاهري أو سكندري في رشيد، وسرعان ما توطدت ~~بيننا الصداقة فكان يأتي إلى زيارة عبد اللطيف الجمال، وكان يحكي لنا عن الحياة في دير الزور ~~(حيث تقيم أسرته الكبيرة) فأحس بالتناقض الشديد بين الحياة الريفية البدوية فيها وحياة ~~العاصمة، وسرعان ما اكتسب بيننا لقب الديري (لا الشامي)، وكانت قصصه ممتعة، وإن كانت تتميز ~~بخشونة الطبع والجد الشديد، وربما كان ذلك سبب إعجابه بميلي أنا والجمال إلى الضحك ~~وإطلاق النكات، ووجدت نفسي ذات يوم أكتب تمثيلية ms145 للإذاعة عن «الزيارة» (هكذا كان ~~عنوانها)، وفرح بها مصطفى أبو حطب (الذي كان تخرج في قسم اللغة الإنجليزية وحصل أيضا على ~~دبلوم معهد التمثيل)، وكانت المشكلة عند إخراج المسرحية هي محاكاة لهجته «الديرية»، فصحبته ~~إلى دار الإذاعة، حيث تحدث طويلا مع المخرج، وانصرفنا بعد أمسية ممتعة! # وبدأت أترجم إلى الإنجليزية في مجلد رشاد رشدي، وكان سخيا، يدفع عشرين جنيها في القصة ~~المترجمة، أو في الموضوع المترجم، ووجدت أن العمل بالترجمة أجدى علي من قرض الشعر، ~~فذهبت إلى الدكتور شكري عياد في منزله القديم في العجوزة، وأعطيته مجموعة كبيرة من شعري، ~~ووعدني بقراءتها وحدد لي موعدا بعد أيام. وعندما زرته في الموعد المحدد كان يرتدي جلباب ~~المنزل ويقرأ قصصا رومانية مترجمة إلى الفرنسية، فوضعها جانبا وقال لي: «أنا لا أنصحك بترك ~~الشعر، ولماذا تخاف من صلاح عبد الصبور أو من حجازي؟ لكل شاعر مذهبه وقراؤه! وأنا لم أتوقف ~~عن كتابة القصة القصيرة، دون اعتبار للمكسب المادي، وبالأمس أرسل لي رشاد رشدي شيكا بعشرة ~~جنيهات؛ ثمنا لقصة ترجمت إلى الإنجليزية ونشرت لديه في المجلة!» وتذكرت أسئلة عبد ~~اللطيف الجمال لي في بعض الكلمات العربية في قصة شكري عياد وعنوانها «الكوالنجي» - أذكر منها ~~«ملامح حادة» إذ كان يريد ترجمتها بعبارة # angular # وكنت ~~أفضل # sharp ~~(صفة ل # features ~~) وما زلت حائرا أيهما أدق وأيهما أقرب إلى ~~مقصد الكاتب، وكان شكري عياد قد وضع علامة «ع» أمام كل خروج عن البحر؛ إذ كان لا يرضى لي أن ~~أمزج البحور في تلك المرحلة المبكرة من كتابة الشعر، ونبهني إلى ضرورة الوعي بالقارئ؛ ~~فمعظم قرائي ممن يعرفون أصول النظم، ولا داعي لاستعدائهم بأي خروج عن الأصول في هذه ~~القصائد الأولى. # كان نجاحي في الكتابة الإذاعية، وإحساسي «بالمواقف»؛ أي بحالات التشابك فيما بين الناس من ~~حولي يدفعني دفعا إلى المسرح؛ فهو الفن المركب الذي يتيح تعدد الأصوات حقا، وكنت ~~أزداد وعيا يوما بعد يوم بأن الأحداث التي تحدث من حولي مشاهد ذات قدرة جبارة على ~~التعبير الفني، وهي ms146 أقدر من الشعر الغنائي قطعا على تحقيق غاياتي الفنية! وذات يوم كنت مع ~~عز الدين فهمي في معهد الموسيقى حين دخل رجل يبدو عليه الثراء، وبصحبته بسيوني عازف القانون ~~في فرقتنا القديمة، فطلبنا له الشاي في البوفيه، وحكى لنا عن ليال موسيقية في المنصورة قرر ~~إحياءها بفرقة من القاهرة، وأن المبلغ الذي رصده كبير وكفيل بإغراء الكبار، ولكنه يريد ~~تشجيع الصغار، فقرر الاستعانة بالفرقة على أن يتقاضى كل منا خمسين قرشا في الليلة ~~الواحدة إلى جانب تذاكر السفر والمبيت والطعام! وكان بسيوني سعيدا بذلك، وقال إن الليالي قد ~~تمتد أسبوعا على الأقل، وقد تمتد في حالة النجاح الجماهيري أسابيع متوالية! # لا أدري لماذا قبلت أن أتولى عزف العود في تلك الفرقة، خلفا لكمال العواد العبقري (لا ~~أعرف أين هو الآن) ولكننا أمضينا الاتفاق، وفهمت من الحوار أن لدى «المتعهد» مطربات ~~وراقصات من المنصورة نفسها، وأن كل ما يحتاج إليه هو «الآلاتية». ورحلنا مساء الخميس التالي ~~في القطار، كل منا يحمل آلته، وكان منظرنا غريبا؛ إذ كان المسافرون يتطلعون إلينا في ~~دهشة، ولما كنت آنذاك «خالي شغل» رسميا، لم أكترث لنظراتهم، وشغلت نفسي بالتطلع من ~~نافذة القطار حتى وصلنا. # كان المساء قد حل، ووجدنا «المتعهد» في استقبالنا، ثم اصطحبنا جميعا سيرا على ~~الأقدام في شوارع البلد، وكان بسيوني يتقدمنا حاملا «القانون» ومن ورائه الطبال (حمدي) ~~باعتباره رئيس الفرقة وروحها النابضة، ثم باقي الأعضاء. وانحرفنا فجأة في شارع يطل على ~~النيل العظيم، فإذا بنزل فخم تغمره الأضواء الباهرة، وقال لنا في ثقة اتفضلوا يا أساتذة! ~~وسمعت بعض الأطفال يصيحون: «العوالم! العوالم وصلوا!» وسألت عز الدين في خوف عما يعني ~~الأطفال فقال في أسى: «خازوق!» ودون أن ندري، كأنما كنا مخدرين، وجدنا أنفسنا نجلس في ~~بهو رحيب، حيث «المعازيم» وأهل الفرح! كان الواضح أن «المتعهد» قد أتى بفرقة موسيقية للعزف في ~~حفل زفاف؛ إذ أتى بعد ذلك والد العروس فرحب بنا، ووعدنا بأفخر الأطعمة هامسا: «فيه صواني ~~بطاطس باللحم!» ولم يكن أمامنا مجال ms147 للتراجع، خصوصا بعد أن دخلت أولى الراقصات ومعها ~~طبال خاص بها، فاعترض حمدي وبدأ جدال حسمه بسيوني بأن قال إنه سوف يقود الفرقة ويمنع ~~الدخيل من إفساد الإيقاع! ثم دخل أحد الدخلاء يحمل أكورديون، فهاج بسيوني وماج وقال: كيف ~~نضمه إلينا دون بروفات؟ ولكن جو الفرح كان غامرا، ووجدتني أتأمل الحاضرات من الجميلات، ~~كانت العيون زرقاوات والجباه بيضاء والشعر سيالا كموج البحر! كان الجو كله يوحي ~~بالحلم الغريب! وقالت الراقصة في ثقة: عزيزة! (تقصد قطعة موسيقية لعبد الوهاب) ودون انتظار حتى ~~لضبط الأوتار بدأت تتمايل على إيقاع الطبال! وسألت عز الدين هامسا: من «ري» برضه؟ فقال ~~طبعا! وأعطى بسيوني الإشارة فإذا بالنشاز لا حد له! واتضح أن الأكورديون يعزف القطعة من ~~«مي» لا من «ري»! وعندما توقفت محرجا أشار علينا بسيوني بأن نعزفها من «مي » وأمرنا إلى ~~الله! # كانت الراقصة سمينة وقبيحة، وحمدنا الله على أن الرقصة انتهت، ولكنها أشارت إلى الطبال ~~قائلة: «ما قال لي وقلت له!» وهنا هاج بسيوني وقام يساعده حمدي باصطحاب عازف الأكورديون إلى ~~الخارج، وأثناء ذلك كانت الراقصة قد بدأت الغناء! ولكنها كانت غير متمكنة من اللحن، وكانت ~~تضيف جملا موسيقية من باب التنويع تحير العازفين، والأدهى من ذلك أنها تغير من طبقات ~~صوتها أثناء الأغنية نفسها! وعندما خرجت تنفسنا الصعداء، ودخلت مغنية أخرى في مقتبل ~~العمر، ويبدو أنها كانت تطمح في احتراف الغناء فكانت تطيع ما يقوله لها بسيوني، وبدأت تحاكي ~~أم كلثوم، فانقضى الوقت سريعا، وبدأت الفرقة تحس بالإجهاد، وتتساءل عن الطعام، خصوصا بعد ~~أن وصلت إلى الخياشيم روائح المطبخ! # ولم يأت الطعام مطلقا، فأشار علينا بسيوني بالنهوض، ويبدو أنه كان يتفاوض مع «المتعهد» ~~على الأجر؛ إذ كان يكثر الخروج والدخول، ثم انطلقنا إلى محطة القطار، وركبناه في الواحدة، ~~وفي طنطا نزلنا وانتظرنا القطار القادم من الإسكندرية، ونحن في حال من الإعياء يصعب وصفه، ~~بينما كانت أم كلثوم الحقيقية تصدح في راديو المحطة! وبعد ساعتين، وكان معظمنا قد أغفى ~~وانتبه عدة مرات، وصل ms148 القطار، وعدنا إلى محطة مصر (باب الحديد) مع أذان الفجر! وعندما عدت ~~إلى المنزل لم أشعر أحدا بعودتي، وقررت أنا وعز ألا نخبر أحدا بتفاصيل تلك الخدعة، ~~ولكن الزملاء ملأوا الدنيا صخبا وضجيجا، وكان من المعتاد آنذاك أن يعاتب بعضنا بعضا ~~بالإشارة إلى تلك الرحلة، وما يزال بعض أصدقائي يقول لي عندما يراني بعد غيبة: إنت رجعت من ~~المنصورة إمتى؟ # 2 # وقطعت على نفسي عهدا بألا أظهر بالعود في أي مكان عام بعد ذلك، وأن أقصي تلك ~~«المغامرة» إلى عالم المسرح الذي يلتحم الخيال فيه بالواقع، وإن كانت أحداث السنوات التالية ~~قد تضمنت عناصر مسرحية «طبيعية»؛ أي من الحياة نفسها، فكانت صورة عجيبة للمسرح ~~الحي! # وتفرغت عام 1960-1961م للدراسة والترجمة، وكان من مصادر الرزق المجلس الأعلى للشئون ~~الإسلامية، الذي تولاه ضابط من السنبلاوين (التابعة للمنصورة) اسمه محمد توفيق عويضة، وكان ~~كريما هو الآخر في دفع أجور المترجمين. وكان يعمل لديه زميل لي في الدفعة نفسها اسمه جلال ~~الفار، فكنا نترجم مقالات مجلة منبر الإسلام - المقابل بعشرين جنيها. وحدث في شتاء ذلك ~~العام قبيل رمضان أن اجتمع أصدقاء شارع الدري (الفردوس الآن)؛ وهم علي أبو العيد (الذي كان ~~يقيم في أول شقة في العمارة) وعلي سليم (الذي كان يقيم في الشقة المجاورة) وفتحي رضوان (أخو ~~عباس رضوان الذي أصبح وزيرا وكان من شلة عبد الحكيم عامر) وعبد الحميد (لا أذكر اسمه الآخر، ~~ولكنه كان ابن خالة طالب في كلية الفنون التطبيقية اسمه فيصل، وكنا نتعاون في الرسم معا). ~~اجتمعت الشلة مع طالب يصغرنا بعامين، ويمت بصلة قرابة حميمية لأحد الوزراء، وقرر ~~الجميع استئجار عوامة في النيل (منزل نهري # houseboat ~~) ~~بثمانية جنيهات في الشهر، يدفع كل منا جانبا من إيجارها، وقال فتحي: يستطيع عناني أن يترجم ~~فيها على شاطئ النيل! ولم أفهم النكتة إلا بعد فترة؛ إذ كان الهدف منها هو اللهو، وكنت أنا ~~أعتبر نغما ناشزا عن ذلك اللهو! # وكانت العوامة صغيرة، ولكن شرفتها العلوية كانت رحيبة، وأذكر أنني قضيت أول ms149 ليلة أترجم ~~حتى الصباح، وعندما أشرقت الشمس كتبت أبياتا رغم أنفي وهي: # غادة من الذهب # تستحم في اللهب # أشرقت بين الغصون # يستخفها الطرب # حولها على الضفاف # مهرجان من صخب # من طيور سابحات # شاكرات من وهب # ويبدو أنني تركت الأبيات سهوا على المنضدة التي كنت أعمل عندها؛ لأنني عندما قابلت ~~الشلة في اليوم التالي، قال لي فتحي: غادة من الذهب؟ لأ .. إحنا عايزين غادة بحق وحقيق! وعلق ~~أبو العيد قائلا: عبد الحميد مش عايز! عنده خالته! وكان عبد الحميد يتظاهر بالنوم في سرير ~~خالته فتشفق عليه ولا توقظه، وتنام إلى جواره، مما دفع الشلة إلى قول ذلك، وكان هو لا يخجل ~~من رواية ما يحدث، وكانت لديهم خادمة جميلة، يزورونه من أجلها، أما فيصل فكان دائم البكاء ~~على زوجته اليوغوسلافية التي تركها في ألمانيا؛ إذ كان قد عمل بعض الوقت أثناء العطلة الصيفية ~~في مصنع للخزف في إحدى المدن الألمانية، وتعرف على تلك الفاتنة (كان يحمل صورتها دائما) ~~وتزوجها، وكانت تريد الذهاب إلى مصر، ولكنه رفض خوفا عليها، وكنا نلح عليه في ~~إحضارها ونعطيه الأمان فيرفض قائلا: أنتم لا أمان لكم! وأما علي سليم فلم يكن متفوقا في ~~الدراسة، وكان أخوه «عنتر» في «جروبي»، ويأتي إلينا أحيانا بالمارون جلاسيه (أي بالقسطل ~~المكسو بالسكر)، وكان علي أبو العيد طيب القلب، يحسد أخاه الكبير محمد الذي كان يعمل مفتشا ~~للضرائب في الملاهي، ويحسد أخاه الدكتور عبدالفتاح الأستاذ في كلية الهندسة صاحب السيارة ~~الأوبل، ويتمنى أن يدخل كلية الطب (وكان في كلية الزراعة)، وقد لاحت له الفرصة، إذ أعلن عن ~~إمكانية التحويل بشرط إعادة الثانوية العامة (التي حلت محل التوجيهية) والحصول على المجموع ~~المؤهل للطب، وقد فعل ذلك والتحق بالسنة الإعدادية، ولكن أخاه الأكبر اشترط عليه النجاح ~~في السنة الإعدادية وإلا أعاده إلى الزراعة، ولكنه لم ينجح، وعاد إلى الزراعة. وكان أخوه الثالث ~~هو أحمد أبو العيد عازف الفيولنسيل (الشلو) والمستشار الموسيقي بالإذاعة. وكان علي طيب القلب ~~رقيق الحاشية، ذكيا مجتهدا، ولكن الله ابتلاه ms150 أولا بنزيف في المعدة شفي منه بجراحة في ~~آخر لحظة، ثم بالتهاب العصب السابع في الوجه الذي يجمد حركة النصف الأيسر، ثم شفي منه ~~وعاد له. ولكنه كان آنذاك ما يزال يكافح في دروس الزراعة. # وذات يوم ذهبت إلى العوامة فوجدت جوا من الغموض، نصحني فتحي على أثره بالعودة إلى ~~المنزل، وتصورت أنهم يريدون التدخين «الممنوع» ولا يريدون إطلاعي عليه، وتكرر المشهد في ~~اليوم التالي، واشتكيت لعلي أبو العيد من منعي من استخدام مكاني في العوامة بعد أن شاركت ~~بنصيبي في الإيجار، بل دفعت أكثر من الآخرين! وقال لي «علي»: انتظر! يبدو أن معهم «واحدة»! ~~وذهبت في الليلة التالية فوجدت عجبا: رجل ريفي يتكلم بلهجة أهل الصعيد، ومعه امرأة ~~حدست أنها زوجته تتكلم باللهجة نفسها، ومعها علي سليم وفتحي رضوان وقريب الوزير المشهور! ~~وعندما ألقيت تحية المساء، قال لي فتحي: لأ .. روح انت يا عناني .. دي مشكلة بسيطة! وشاهدت ~~في الركن فتاة صغيرة تجلس دون حراك، ولم أتبين ملامحها جيدا. # واتضح في اليوم التالي أن قريب الوزير كان قد عثر على تلك الفتاة في شارع كلوت بك، وهو ~~الشارع الذي كانت له شهرته أيام البغاء الرسمي، وبعد إلغاء البغاء اختفت الصورة طبعا، وإن ~~كانت الفنادق الرخيصة ما تزال قائمة، وكان بعض الذين كانوا يعملون في ذلك المجال البغيض، من ~~رجال ونساء، ما يزالون في قيد الحياة، ولم يكن الإلغاء قد مر عليه أكثر من 12 سنة، ومن ~~المحال في تلك السنوات أن يتغير وجه الحياة تغيرا جذريا. وهكذا صاحبها الفتى، أو ~~اصطحبها، بعد أن أخبرته أنها هاربة من أهلها في الصعيد، وتبحث عن مأوى في القاهرة، وجاء ~~بها إلى العوامة حيث أعلن للجميع أنه يحبها ولن يسمح لأحد بالاقتراب منها، ويبدو أنها ~~كانت كاذبة لأنها خرجت واتصلت تليفونيا بأهلها (إما في القاهرة أو في الصعيد)، وعندما ~~حضر الوالدان قالت لهما إن علي سليم هو الذي «تزوجها» وهو حبيبها، ولم أعرف لماذا اختارته ~~دون سواه، ومن ثم كان النقاش الذي شهدته ms151 ذلك المساء يدور حول اختيار أحد الحلين ~~المتاحين: إما القتل (بسكين حامية أحضرها الوالد خصيصا)، وإما الزواج رسميا. وكان ~~الاختيار الثاني أهون الشرين، وهو حل على مرارته لعلي سليم أقل إيلاما من حد ~~السكين. ومن ثم تمت مراسم الزواج، في الليلة نفسها، وبات علي معرسا بعروسه الصغيرة. ~~وكنا على أبواب رمضان، وعندما دخل شهر الصوم، التزم الجميع بالصمت، وكان من المشاهد ~~المألوفة رؤية العريس يحمل طبقا من الفول وبعض حزم الجرجير والطورشي (كلمة فارسية محضة) ~~عائدا في ساعة الإفطار إلى العوامة. # ولم أتابع أخبار الزواج بعد ذلك، وتوقفت عن دفع اشتراكي في إيجار العوامة، وانهمكت في ~~الانتهاء من ترجماتي بعد أن قنعت بالعودة إلى كازينور على شاطئ النيل في الجيزة، بل كنت ~~أتحاشى المرور أمام العوامة؛ خوفا وخجلا، ولم يلبث علي سليم أن اختفى وانقطعت ~~أخباره. # ولكن الدافع على الاستقلال بمكان أعمل فيه وحيدا كان ما يزال ملحا، فكنت أتطلع ~~إلى الشقق الخالية وبي حسرة؛ فأقل إيجار ستة جنيهات، وتجهيز الشقة يتكلف الكثير، ومع ~~انقضاء الشتاء وحلول الربيع، برزت بوادر تغيير كتب لها أن تظل معي إلى الأبد. # ظهر في أبريل 1961م كتاب «الرجل الأبيض في مفترق الطرق» وهو أول كتاب يحمل اسمي باعتباري ~~المترجم وإلى جانبه اسم عثمان نوية (رحمه الله) باعتباره المراجع، وكان يعمل في مكتب ~~أمين شاكر، وهو ضابط قيل إنه مدير مكتب جمال عبد الناصر، أو أحد مديري مكاتبه، وكان يشرف ~~على إصدار المجلات التي يحررها رشاد رشدي، وكان قد كون جمعية وهمية اسمها جمعية الوعي ~~القومي لا تضم أحدا من أعضائها، ولكنها تحصل على مخصصات سخية لنشر الكتب (من رئاسة ~~الجمهورية طبعا). أما عثمان نوية فكان مترجما فحلا، جزل العبارة ناصع البيان، وكان ~~مكتبه ملتقى لكثير من أساتذة العربية الذين ارتادوا دراسة علم اللغة الحديث، مثل الدكتور ~~تمام حسان، وكثير من المترجمين المبتدئين الذين قضوا فترة التجنيد في ذلك المكتب، واستطاع ~~أحدهم وهو من خريجي قسم اللغة الإنجليزية (واسمه عبد العزيز عليوة) أن يلتحق فيما ms152 بعد ~~بالسلك الدبلوماسي. # وغداة ظهور الكتاب ذهبت إلى مكتب عثمان نوية لأحصل على بعض النسخ وعلى الأجر أيضا، ~~وقابلني بالبشر والترحاب وقال لي لقد أعددت الاستمارة الخاصة بالدفع، وسوف تحصل على النقود ~~من الخزينة في الطابق الأرضي. ودخل بالاستمارة التي كانت تقدر الأجر بأربعين جنيها (160 ~~صفحة) وهو تقدير مجحف، فإذا كانت الكلمة بمليمين، كان ينبغي أن أتقاضى 66 قرشا لا 25 ~~قرشا، وعندما هممت بالاعتراض همس قائلا: «احمد ربنا!» ولكنه عندما عاد بالاستمارة بعد ~~توقيعها وجدت أن أمين شاكر قد خفض المبلغ الكلي إلى 25 جنيها! ومعنى هذا أن الكلمة قد ~~حسبت بنصف مليم تقريبا، ولم أعترض هذه المرة وهبطت إلى الطابق الأرضي وحصلت على المال ~~وانصرفت. # وفي غمار فرحتي بالنقود نسيت الظلم، وانطلقت في طول القاهرة وعرضها أنفق ذات اليمين ~~وذات الشمال، وانتهى اليوم والأيام التالية وأنا أحلم بتكوين ثروة، وساعدني على ذلك إعجاب ~~الأساتذة ممن قرءوا الكتاب بأسلوبه السلس، وسرعان ما جاءتني العروض بترجمة المزيد من ~~الكتب، فعرض علي الدكتور عز الدين فريد، وكان مستشارا ثقافيا لمؤسسة فرانكلين ودار ~~الجمهورية للطبع والنشر، ترجمة رواية «حد الموسى» لسومرست موم، وقرأتها فوجدتها بالغة الطول ~~حافلة بالمغامرات الجنسية؛ مما يجعل ترجمتها عسيرة بل وشبه مستحيلة، ورأيت أن الجهد ~~المبذول في تلافي العبارات الصريحة لا يقابله أجر مادي واضح، ثم عرض علي رياض أباظة ~~مسئول الترجمة في مؤسسة فرانكلين، بناء على توصية من عثمان نوية، ترجمة أشياء أخرى، ~~وكنت ما أزال أعمل في ترجمة «درايدن» التي كلفني بها مجدي وهبة، فكان عملي بالترجمة لا ~~يكاد يتوقف. # وكان من بين من تخرجوا آنذاك عبد العزيز حمودة في عام 1960م (الدكتور) وعايدة الشعراوي ~~1961م (الدكتورة) اللذان عملا مدرسين للغة الإنجليزية بالقسم، مع الذين سبق ذكرهم من ~~خريجي عامي 1957م و1958م. وكان عبد العزيز مجدا ومجتهدا، وكان أمين الشريف الأستاذ الذي ~~انتدب لتدريس الترجمة في العام التالي لتخريجي معجبا به وبغيره من النبهاء مثل أحمد عبد ~~الوهاب الغمراوي (الدكتور) رحمه الله، وجانيت وهبة سوريال ms153 عطية (الدكتورة) التي أصبحت من خيرة ~~المترجمين إلى الإنجليزية هذه الأيام، وهي تعمل أستاذا في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة عين ~~شمس. كما تخرج شاب نابه عام 1960م اسمه أحمد كمال الدين عبد الحميد، عمل في الإذاعة هو ~~الآخر ثم عين مدرسا للغة الإنجليزية بالقسم. وباختصار كان عام 1961م يشهد تغيرا ~~هائلا في عدة مجالات؛ فعلى مستوى العمل الأكاديمي كان القسم يزخر بالشباب، وعلى مستوى الدولة ~~كانت بعض الصعاب قد بدأت تلوح في الأفق؛ إذ برزت خلافات بين القيادة المصرية للجمهورية ~~الموحدة التي تضم مصر وسوريا، وكان اسمها الجمهورية العربية المتحدة، وبين القيادات ~~المحلية السورية، وبدأت بعض الأحلام في اكتساب ثوب واقعي، مثل بناء الجيش القوي وبناء ~~القاعدة الصناعية، وبدا أن اهتمامات الناس بدأت تختلف؛ فكان نبض «الشارع المصري»، كما ~~يقولون، ساخنا دفاقا ووضعت القيادة السياسية كتابا اسمه ميثاق العمل الوطني، ودعت إلى ~~تشكيل مؤتمر شعبي يكون بديلا في دولة «الكفاية والعدل» عن أشكال التمثيل البرلماني الغربية؛ ~~أي صورة الديمقراطية الغربية، وكانت الفكرة أن يكون مبنيا على أساس تمثيل «القاعدة الشعبية» ~~أي مشاركة الجميع في الحزب الوحيد آنذاك، وهو الاتحاد الاشتراكي لقوى الشعب العاملة، كما ~~كان يسمى، وقال جمال عبد الناصر في إحدى خطبه في صيف 1961م «دقت ساعة العمل الثوري»، ~~فتحولت إلى نشيد جميل ينشده عبد الوهاب، وأصبحت الإذاعة منبرا لأعذب الأحاديث عن الكفاية ~~والعدل والتصور الجديد للمجتمع، وهو تصور بديع مثالي، لخصته أغاني العبقري الراحل صلاح ~~جاهين، مثل «صورة» و«بالأحضان»، وأغاني أم كلثوم مثل «ثوار»، وغير ذلك من إبداعات كبار ~~الموسيقيين، وعلى رأسهم عبد الوهاب والسنباطي. # لم يكن من الممكن الانعزال عن الإحساس بأن مصر تشهد تحولا تاريخيا، وإن كنا نسمع في ~~الدهاليز شائعات كثيرة، كان الشعب يتناقلها دون أن تصل إلى أجهزة الإعلام أبدا، وبحلول ~~يوليو 1961م وقع حدث بالغ الأهمية، وهو صدور قوانين يوليو الاشتراكية، التي حددت مسار ~~العمل الوطني في طريق جديد يعطي للدولة حق امتلاك «أدوات الإنتاج» مما استدعى الاستيلاء ~~على مصانع ومتاجر الرأسماليين جميعا، ms154 ووضع أموال جميع من يملكون أسهما أو سندات أو نقودا ~~سائلة في البنوك «تحت الحراسة»؛ أي إيكال إدارتها للدولة ومنح أصحابها مرتبات تكفي ~~لبقائهم في قيد الحياة، ونشرت صحيفة الأهرام صفحات كاملة بأسماء من يملكون مثل هذه ~~«الأصول الاقتصادية»، وكان رد الفعل بين الفقراء مضمونا، وهو الحسد والغيظ و«الحقد»، بينما ~~كان رد الفعل بين الآخرين غير معروف، خصوصا أساتذة الاقتصاد ورجال الفكر السياسي، فكان ~~الشك ينتاب هؤلاء إزاء سلامة استيلاء «الحكومة» على أموال الشعب بحجة إعادتها للشعب. # ولما كنت أنتمي إلى أسرة من التجار والصناع، فقد أضير بعض أفراد أسرتي ممن ~~«سلبت» أصولهم الاقتصادية مثل مضارب الأرز والمطاحن والمخابز (مطحن زوج عمتي، ومضرب زوج ~~خالتي)، أو مثل المتجر الذي كان يملكه خالي عبد الحليم بدر الدين، وفي الجامعة كانت الصدمة ~~الحقيقية هي تلك التي تلقاها الدكتور مجدي وهبة؛ إذ أصبح لا يملك التصرف في أمواله، وبطبيعة ~~الحال لم أعد آمل أن أحصل على باقي أتعابي من ترجمة درايدن، ولكنني واصلت العمل في الترجمة ~~حتى اكتملت، وتخرج في ذلك الصيف سمير سرحان (الدكتور)، وفاز بالمركز الأول على دفعته، وسرعان ~~ما قبل العمل مدرسا في مدرسة زراعية في بنها، كانت تقتضي منه أن يستيقظ في السادسة صباحا ~~لإدراك القطار، ثم العودة في الظهيرة إلينا - أي إلى الشلة القديمة - لكي نخطط آمالنا ~~وأحلامنا. # كان سمير سرحان «دينامو» بمعنى الكلمة، طاقة جبارة مبدعة، يلتقط الأفكار بسرعة ويحيلها ~~إلى مشروعات بسرعة أكبر، وكان إلى جانب موهبته الفنية شعلة من الذكاء، ولكنه لم يكن يتردد ~~في مخاطبة من هم أكبر منه سنا بأسمائهم المجردة، ومخاطبة (الدكتور) دون ذكر اللقب، مما ~~كنت أدهش له ولا أقدر عليه! وتحولت لقاءاتنا بسرعة إلى خطط عملية للكتابة في الإذاعة، ~~وكان خريف 1961م هو خريف ازدهار إبداعنا الإذاعي - الذي كان يضم التمثيليات والأحاديث ~~وملخصات الكتب - وكان يطمح في بداية ذلك الخريف في التعيين في القسم، ولا غرو؛ فهو أول ~~الدفعة، ولكن ذلك كان يقتضي إقناع رشاد رشدي، فذهبت إلى رشاد رشدي ms155 ذات مساء وطرحت عليه ~~القضية العامة، فأدرك مرماي وقال لي «من تعني؟» فذكرت له سمير، فقال: أخشى أن يكون ~~شيوعيا، فأكدت له أنه ترجم كتاب «سبعة أفواه» (وهو مجموعة قصص لمكسيم جوركي وآخرين) من ~~باب كسب الرزق فحسب، دون إيمان بذلك المذهب السياسي، فبدأ سمير العمل معنا في قسم اللغة ~~الإنجليزية، وتوثقت صداقتنا فكنا لا نفترق، إلا في الصباح أثناء وجوده في بنها؛ إذ لم تكن ~~إجراءات تعيينه قد تمت بعد. أما في المساء فقد كانت لنا جلساتنا العلمية والأدبية، فكان يدرس ~~السنة التمهيدية للماجستير، وكنت أنا أقرأ شعر وردزورث بنهم، وبعد الانتهاء ربما خرجنا ~~للسير مسافات طويلة نناقش فيها المستقبل. # وفي أواخر سبتمبر 1961م كنت على موعد مع الروائي العظيم بهاء طاهر في الإذاعة، إذ كان يعمل ~~في البرنامج الثاني (البرنامج الثقافي حاليا) وكان الموعد في الثامنة والنصف صباحا لتسجيل ~~حديث لي عن مذهب تحليل النصوص الذي أشاعه النقد الجديد في أمريكا، وكنا نقف في الشارع ~~الموصل بين شارع الشريفين حيث مقر عملي القديم في الأخبار وشارع علوي حيث استوديو التسجيل، ~~أمام المبنى الذي يضم مكاتب البرنامج الثاني، وكان يتصفح الحديث الذي كتبته حين شاهدنا ~~سيارة كاديلاك سوداء تقف فجأة وأمامها سيارة أخرى، أمام المبنى الرئيسي، وعجبنا من الزائر ~~المهم، وقال بهاء طاهر: لن يكون جمال عبد الناصر! وضحك. ولكن السيارة فتح بابها، وخرج منها ~~جمال عبد الناصر! # ووسط ذهول الواقفين دخل الزعيم بقامته الفارعة ووجهه الأسمر إلى المبنى ومعه رجل أو ~~رجلان، وحدسنا أن في الأمر شيئا، وسرعان ما سمعنا في التاسعة كلمته التي لا أنسى بدايتها ~~أبدا: «أيها المواطنون. في الفجر، قامت قوات من معسكر قطنة بالقرب من دمشق، بمحاصرة مقر ~~القيادة واحتجاز المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة ...» ~~وكان ذلك هو البيان الذي أعلن فيه للشعب نبأ انفصال سوريا عن مصر. # وفي مساء أحد الأيام التالية وقفنا أنا وسمير في ميدان الجيزة، نرقب في جهاز للتليفزيون ~~بأحد المقاهي، الرئيس عبد الناصر ms156 وهو يتحدث عن الانفصال، ثم عن ضرورة التكاتف لمواجهة ~~الأزمة، والاهتمام بأحوال البلد الداخلية. كان المقهى يقع أسفل عمارة سكنية تضم بعض ~~المكاتب، ويقيم فيها صديق سوري لنا اسمه نعيم اليافي، يقوم بالتحضير لدرجة الدكتوراه في قسم ~~اللغة العربية، كان الانفصال ذا وقع أليم على الجميع، ولكنه كان شرارة انطلقت فألهبت ~~إبداعا من نوع جديد، فالجميع يفكر ويتساءل، والجميع يتكلم ويناقش، ولم يلبث التليفزيون ~~الوليد، الذي لم يكن عمره قد تجاوز عاما وبعض عام، أن أصبح الجهاز الإعلامي الذي يعمل ~~له ألف حساب، ورأى عبد القادر حاتم الذي أصبح وزيرا للثقافة والإعلام إعداد المادة الدرامية ~~اللازمة للشاشة الصغيرة، فأمر بتشكيل لجنة عليا من أساتذة الدراما وكبار الفنانين، برئاسة ~~السيد بدير، وعضوية رشاد رشدي والمرحوم الدكتور محمد صفر خفاجة (باعتباره متخصصا في المسرح ~~اليوناني) الذي كان قد أصبح عميدا لكلية الآداب، وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد ~~الله (من القصاصين) وغيرهم؛ لإنشاء مسرح خاص للتليفزيون، تقدم فيه المسرحيات أسبوعا أو ~~أسبوعين، ثم تصور وتذاع في سهرات تليفزيونية. # وكنت آنذاك معروفا، أنا وسمير سرحان، بالكتابة الإذاعية، ومعناها على الأقل الإلمام ~~بصنعة البناء الدرامي ووضع الحوار، كما كنت معروفا بمهارتي في الترجمة، فاقترح رشاد رشدي في ~~إحدى جلسات اللجنة إعداد ترجمات عن المسرحيات العالمية، وتحويل بعض الروايات إلى مسرحيات، مما ~~لاقى قبولا من أعضاء اللجنة، واقترح أن أشارك أنا وسمير في هذا العمل. وأبلغني سعد أردش ~~(المخرج العظيم) الذي كان قد عاد لتوه من بعثته الدراسية في إيطاليا بأن رشاد رشدي يرشحني ~~لترجمة مسرحية «الخال فانيا» لتشيكوف؛ حتى يقدمها مسرح الجيب الذي كان قد أنشئ حديثا واتخذ ~~مقرا له في نادي السيارات بشارع قصر النيل، وفرحت وذهبت أسأل رشدي إن كان ذلك صحيحا فقال لي ~~«استنى شوية!» وبعد أيام استدعانا أنا وسمير وكلفنا بترجمتها معا، كما كلفنا بإعداد مسرحية ~~عن رواية لمحمد عبد الحليم عبد الله عنوانها «من أجل ولدي». ولم تكن فرحتي أقل بهذه ~~الأنباء؛ فأنا أحب العمل مع سمير وأعمل ms157 معه في الواقع، ودون تكليف من أحد، ولكنني عجبت من ~~أمر الترجمة! وأوضح رشاد رشدي الأمر قائلا: إنني أخشى لغتك العربية الجزلة؛ فالمسرح لا يحتمل ~~الفصحى المتقعرة! ولم أرد على هذه الملاحظة. # وبدأنا نعمل أنا وسمير في كازينور - المقهى المطل على النيل - وكنا نلتقي في الظهيرة، بعد ~~أن أنتهي أنا من التدريس (وكنت قد عينت أخيرا مدرسا للغة الإنجليزية في كلية الآداب) ~~وبعد أن ينتهي هو من أشغاله الأخرى، ونستمر في العمل حتى المساء أو عندما تخفت أضواء المقهى ~~فلا تسمح بمواصلة العمل، ثم نخرج معا لمواصلة حوارنا حول ما نكتب وما نعد. وسرعان ما ~~انتهينا من الترجمة ثم من الإعداد، وسلمنا النص للمؤلف فرحب به ترحيبا شديدا، وتولى ~~المرحوم نور الدمرداش إخراج المسرحية وأسند بطولتها إلى حسين الشربيني زميلي القديم في فرقة ~~التمثيل، وعلوية جميل، وممثلة ناشئة هي مديحة حمدي، وعبد المحسن سليم وعدد من أعضاء الفرقة ~~التي عينها السيد بدير . # وكانت هذه هي ثاني مسرحية يقدمها مسرح التليفزيون، وكانت الفرقة التي قدمتها تسمى ~~فرقة المسرح الحديث، وكانت ليلة الافتتاح مشهودة. كنا أنا وسمير قد ضغطنا زمن الرواية الذي ~~يمتد من طفولة البطل حتى أواخير شبابه، إلى نحو أسبوع أو أقل؛ عملا بمبدأ «وحدة الزمن» التي ~~نص عليها أرسطو، وكنا قد ضغطنا أماكن الحدث كذلك، والحدث نفسه! أي إننا كنا نقدم مسرحية ~~كلاسيكية يرضى عنها النقاد، وكان معهد التمثيل ما يزال خاضعا للفكر الكلاسيكي قبل أن ~~يتطور ويصبح معهد الفنون المسرحية الحالي؛ ولذلك فقد كان كل شيء محسوبا في النص، وكان ~~الحوار «مقطرا»؛ أي لا يتضمن أية شوائب أو أي شيء ينم على وجودي أو وجود سمير؛ فكله ~~من روح المؤلف وفكره، وأكاد أقول - لغته! وحضر الجميع الافتتاح، ولقينا التشجيع من الجميع، ~~فكنت ما أزال في الثالثة والعشرين بينما لم يكن سمير قد تخطى العشرين إلا بشهور قلائل! ~~وقالت لنا الدكتورة لطيفة الزيات وهي تلمح آثار القلق على وجهينا: «حملتوا الهم بدري يا ~~ولاد!» ولم أنس عبارتها أبدا. # أما ms158 ترجمة «الخال فانيا» فقد راجعها سعد أردش على النص الإيطالي، وأبدى بعض الملاحظات هنا ~~وهناك، وكانت تلعب دور البطولة فنانة موهوبة لم تستمر في المهنة هي نهاد سالم، وكل ما أذكره ~~أنها كانت تؤدي الدور بأسلوب غربي منضبط؛ فقد سبقت لها مشاهدة المسرحية بالفرنسية التي ~~تجيدها، وبالإنجليزية التي تتقنها وتترجم إليها شعرا! ولكن سعد أردش كان يصر على أن ~~تؤدي الحوار بأسلوبه هو، فكان يستعيدها مرات ومرات، ويطالبها بأسلوب في الأداء يصعب ~~فهمه؛ كأن يقول: «أنا عايز الجملة تخبط في الحيطة وترد!» وتوقفت التجارب المسرحية، ووضع ~~النص على الرف، وتوجه مسرح الجيب إلى تقديم الأعمال التجريبية، وكان ذلك هو الهدف الحقيقي ~~من إنشائه. # في ربيع 1962م، وأذكر اليوم جيدا لأنه كان جوا خماسينيا حارا، قال لي الدكتور مجدي ~~وهبة إن «دار المعرفة» - وهي دار نشر كان يشترك في ملكيتها محمود عبد المنعم مراد والدكتور عبد ~~الحميد يونس - على استعداد لطبع ترجمتي لدرايدن، وأنني يمكن أن أتقاضى بقية أجري من الأستاذ ~~مراد «من حصيلة بيع الكتاب». وتواعدنا على اللقاء (مجدي وأنا) في مقهى ريش بشارع سليمان باشا ~~حيث قرأت عليه الأجزاء الأخيرة من الترجمة ووافق عليها، ثم التقيت معه ثانيا في اليوم ~~التالي في مقر دار المعرفة بشارع صبري أبو علم، وسلمت النص للأستاذ مراد، ثم سمعت ~~حوارا لم أشارك فيه عن انتواء الدار نشر مجموعة أشعار صلاح جاهين بعنوان «عن القمر والطين»، ~~ولا أذكر إن كان الذي سيكتب المقدمة هو رجاء النقاش أم بدر الديب (زوج الدكتورة صفية ربيع ~~المدرس لدينا في القسم)، ولكنني أذكر اعتراض الموجودين على عبارة وردت في آخر القصيدة ~~الأولى في الديوان وهي «شوفي قد إيه» - إذ يختمها صلاح جاهين هكذا: # دخل النبي بردان خديجة غطته، # حطت عليه غطيان لحد ما دفته، # دخل النبي بردان وقال هاتوا الغطا، # شفتها غطت شفته. # وكان سبب الاعتراض هو أنه لا يليق ذكر العلاقة الزوجية للرسول في قصيدة ~~حديثة، وبالعامية المصرية، وفي سياق الوحي الشعري الذي يجعل صلاح جاهين يضع ms159 نفسه في موقف ~~رمزي «يوحي» بوحي النبوءة! ولم أجد شخصيا ما يمنع من ذلك آنذاك، ولا أعتقد أن «الرقيب» ~~الرسمي كان يمكن أن يعترض، ولكن الإحساس بالخوف دفع الجميع إلى طلب السلامة؛ ومن ثم ~~تغير البيت الأخير إلى «البسمة غطت شفته.» # وفي الصباح عندما دخلت حجرة الأساتذة في القسم وجدت الدكتور محمد أنيس أستاذ التاريخ ~~الحديث يجلس إلى المكتب الذي اعتدت الجلوس إليه، وفرحت فرحا شديدا وأهرعت إليه أرحب ~~به، وأشكو إليه نظام البطاقات الذي أعمل به في الماجستير؛ فقد زاد عددها على الآلاف ولم أعد ~~أرى الطريق واضحا في تلك الغابة المدلهمة، وسألني عن موضوع البحث فذكرت له أنني أبحث في ~~تطور الصورة الشعرية عند وردزورث، وأنني حائر في تقسيم الصورة وفقا للشكل أو للمضمون، وقال ~~على الفور: إنك لن تستطيع تقسيم أي شيء إلى شكل ومضمون، ولكنك تستطيع متابعة خيط فكرة ~~معينة أثناء تلونه بلون الشكل الفني، واستزدته فأفاض، ولأول مرة أحسست أنني بدأت أرى ~~الطريق واضحا؛ فخيط الذكرى مثلا يتلون من صورة الاستدعاء المباشر للمشاهد والمسامع التي ~~تقيم في وجدان الشاعر إلى صور معقدة تصبح فيها هذه الرؤى والأصوات رموزا للزمن، ومعنى ~~ذلك أن تطور الإحساس قد أتى معه بتطور في الشكل الفني، أو أن الشكل الفني قد نبع من ~~تطور خيط الفكرة! وفجأة قال الدكتور أنيس: هل قرأت قصة نجيب محفوظ بعنوان «الخوف»؟ وأجبت ~~بالنفي، فشرع يلخصها، على نحو ما نشرت في «الأهرام»، بينما تجمع حول المكتب عبد المحسن ~~طه بدر (الذي كان على وشك الانتهاء من رسالة الدكتوراه في قسم اللغة العربية عن تطور الرواية ~~الحديثة) وسيد حنفي الذي كان يعد الدكتوراه في ديوان حسان بن ثابت، وغيرهم. # القصة بإيجاز هي أن أحد ضباط الشرطة الصغار عين في قسم بأحد الأحياء الشعبية في ~~القاهرة، حيث يسيطر الفتوات فيه على أحوال الأسواق بل وعلى مصائر الجميع. ولم يجد الضابط ~~وسيلة لإعادة النظام واستتباب الأمن سوى اللجوء إلى القوة العسكرية. فكان يأمر بإلقاء القبض ~~على كل من ms160 يخالف القوانين ويرميه في الحبس. وذات يوم جاءه أحد الفتوات وقال له إنك تحكمنا ~~بقوة «خارجية» غريبة عنا، ولن تستطيع أبدا بسط نفوذ القانون إلا إذا استخدمت سلاحنا ~~نفسه؛ فهو السلاح الوحيد الذي نفهمه، أي سلاح الفتونة (أي قوة الفتوة). واستجاب الضابط ~~على الفور، فخلع زيه الرسمي وارتدى زي أولاد البلد، وصارع الفتوات الواحد بعد الآخر حتى ~~هزمهم جميعا، وأذلهم في الحي. وسرعان ما دان له الجميع بالطاعة، فأقلع الجميع عن خرق ~~القانون، وتوقفت الجرائم أو كادت، وشغل الناس بأمور دنياهم، ولم يعد ضباط القسم يجدون ما ~~يفعلونه سوى رصد المخالفات الصغيرة، أما الضابط فقد وجد أن زي ابن البلد يلائمه، فلم يعد ~~إلى ارتداء الزي الرسمي، وصار يقضي صباح أيام الشتاء جالسا في الشمس على باب أو على سلم ~~القسم. لقد عاد النظام واستتب الأمن، ولكن إحساسا جديدا ساد الحي - وهو الإحساس ~~بالخوف. # وقال الدكتور أنيس: هذا رمز واضح للثورة المصرية التي خلعت الزي العسكري، وهزمت ~~الأحزاب السياسية (الفتوات) وأعادت الانضباط بثمن واضح هو الخوف! وقال له عبد المحسن بدر إن ~~القصة رمز للتحول بصفة عامة، ولا تعني بالضرورة جمال عبد الناصر أو سواه، وذكرت أنا في هذا ~~الصدد «قصة المسخ» (أو مسخ الكائنات) لفرانز كافكا، وكنت قرأتها بالإنجليزية، والتي تحكي عن ~~تحول جريجور إلى حشرة، ومعناها في كافكا استعاري محض؛ فحياة البطل كانت في الواقع أقرب ~~إلى حياة الحشرة، وكان الكاتب يرمز بالتحول إلى تجسيد الواقع النفسي في صورة مادية، كما ~~ذكرت مسرحية «الخرتيت» ليوجين يونسكو؛ حيث يتحول الناس إلى خراتيت «استجابة لنداء الطبيعة» ~~فيما عدا البطل «بيرانجيه» الذي يتمسك بآدميته حتى النهاية، ولم أجد في هذا ولا في ذاك دعما ~~لتفسير قصة نجيب محفوظ، حسبما رواها محمد أنيس، ولكنني وجدت في الرقابة على شعر صلاح جاهين ~~دليلا على الخوف! # الغريب أننا لم نكن نحس الخوف أبدا، بل على العكس، كنا نشعر بالقوة المتمثلة في روح ~~التحدي التي يبثها الزعيم فينا، وكنا نرى في جمال عبد الناصر رمزا ms161 لعودة الروح التي تحدث ~~عنها توفيق الحكيم. ولم تكن الأحداث السياسية توحي بوجود الخوف مطلقا؛ فأجهزة الإعلام تركز ~~على امتلاك الشعب ناصية أمره، وأحيانا كانت الدبابات والمدافع تمر من ميدان الجيزة قاصدة ~~أحد معسكرات منطقة الهرم، أو قادمة منها، فتشعرنا بالقوة؛ فهي أسلحة مصرية، وكانت كتب التاريخ ~~تؤكد لنا عظمة الجندي المصري وقوته، وكان الدكتور لويس عوض الذي كان قد خرج من المعتقل يؤكد ~~لنا على عبقرية إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا الكبير، باعتباره عقلا عسكريا نادرا، وكان ~~يظهر حماسا للثورة لا يبدو منه أي غضب أو حزن بسبب اعتقاله تلك المدة. كان كل ما يعترض ~~عليه هو «فرض» الاشتراكية باعتبارها بديلا للدين؛ إذ كان يفضل أن تنمو الأفكار الاشتراكية ~~على أيدي المثقفين في إطار الديمقراطية، لا أن تفرض باعتبارها أمرا عسكريا. وكان كثيرا ما ~~يقول إنه يختلف مع الدكتور محمد مندور بسبب تفضيل الأخير للديمقراطية على الاشتراكية، أو كما ~~كان لويس عوض يقول: إن مندور ديمقراطي اشتراكي، أما أنا فاشتراكي ديمقراطي! # قلت إننا لم نحس الخوف أبدا، وكنت أنا بصفة خاصة أشعر بالبعد عن هذه الأفكار ~~المجردة؛ فتطبيق الإصلاح الزراعي في بلدنا (رشيد) كان يجري في إطار مجتمع لم تتغير فيه ~~الأنماط التي كانت سائدة قبل الثورة، مثل احترام المكانة التي تتمتع بها الأسر الكبيرة، ~~وتقديم الرشوة علنا لمندوب الحكومة، وممارسة الخداع والكذب إزاء السلطة باعتبارها العدو ~~التقليدي للشعب، وكانت أراضي الإصلاح الزراعي الجديدة، وهي الأراضي التي قام مصطفى النحاس باشا ~~بتجفيفها من بحيرة إدكو أثناء حكومة الوفد قبل الأخيرة، أكبر دليل على سيادة هذه الأنماط. وكان ~~مقر الإصلاح الزراعي في بلدة أو قرية «البصيلي» شاهدا يوميا على ذلك؛ فعندما يصل «المندوب» ~~من الإسكندرية (أو من القاهرة) وهو مندوب هيئة الإصلاح الزراعي الذي يتولى التفتيش على سير ~~العمل بأراضي الإصلاح تكون أقفاص الدواجن في انتظاره (الهدايا الريفية التقليدية)، إلى جانب ما ~~تسمح به الأحوال من «شقاقي» (أي صفائح) السمن والزبد، وباقي الخيرات المعتادة، وبعد أن يتناول ~~غداءه الذي ms162 كان لا بد أن يتضمن الحمام المحشي، يرحل بهداياه سالما غانما، وبعد توقيع ~~الكشوف التي أعدها المديرون المحليون. وكان صديقي وزميلي السيد بلال (الذي تخرج الآن من ~~كلية الزراعة وبدأ عمله في رشيد) يقص علي القصص بانتظام عما يحدث هنا وهناك - وكان ~~الجميع يعرف ذلك، ولا يزيد عن الابتسام له. # 3 # وفي ربيع 1962م أيضا التقيت مصادفة بالأستاذ أمين الشريف الذي كان ما يزال يدرس ~~الترجمة لدينا، منتدبا من وزارة الثقافة، وأريته أول كتاب ترجمته وهو «الرجل الأبيض في مفترق ~~الطرق» فدهش وقال إنه لم يكن يعلم أن لدينا في جامعة القاهرة مترجمين محترفين، وعلى الفور ~~طلب مني أن أحضر إلى مقر وزارة الثقافة (أحد مقارها في وسط البلد)؛ للعمل معه في ترجمة ~~دائرة المعارف البريطانية! فقلت له إن لي صديقا ممتازا في الترجمة اسمه سمير سرحان، فقال لي: ~~أحضره معك. وفعلا ذهبنا إلى المكان فوجدنا له رئيسا اسمه أبو الحجاج، ومعه مترجم ~~سوداني لا يتحدث إلا الإنجليزية، وشخص آخر اسمه سليمان، وفهمنا المطلوب وكان كالتالي: كان ~~علينا تفريغ أسماء جميع البابوات (بابوات روما) على بطاقات، وكانت قيمة المكافأة على كل ~~بطاقة ثلاثة قروش! # والذي حدث هو أن الدكتور ثروت عكاشة، عندما كان وزيرا للثقافة، كان قد رصد مبلغ مليون ~~جنيه مصري لترجمة دائرة المعارف المذكورة، ووضعها بالكامل تحت تصرف الدكتور لويس عوض الذي ~~عين آنذاك وكيلا للوزارة، وكان له وحده الحق في الإنفاق منها، وكان منهج لويس يتلخص في ~~تمشيط الموسوعة ورصد الأسماء أولا، وتحديد ما يحتاج منها إلى الترجمة؛ أي إلى إفراد أبواب له، ~~ثم تحديد الموضوعات إلى علمية وتاريخية وأدبية وما إلى ذلك، وكانت للبداية بالأسماء أهميتها؛ ~~فربما احتاج صاحب الموسوعة إلى إضافة أسماء أخرى، أو الاستغناء عن البعض، وهكذا كان العمل ~~يجري على قدم وساق في عامي 1960 و1961م في رصد الأسماء، وكان جميع من في المكتب الذي زرناه ~~يكسبون أموالا لا بأس بها من هذا العمل، ولم نكن نعرف منهم غير عبد العزيز حمودة وعايدة ms163 ~~شعراوي، وكان يسمح للبعض أن يصطحب أحد مجلدات الموسوعة إلى المنزل لرصد الأسماء منها، وكان ~~سليمان (لا أذكر اسمه الآخر) يفتخر بأنه يوظف الأسرة كلها في هذا العمل، زوجته وأبناءه ~~جميعا؛ فهو مورد رزق للجميع، ورغم تعيين عبد القادر حاتم وزيرا للثقافة مكان ثروت عكاشة فقد ~~كان المشروع لا يزال قائما! # وسعدنا أنا وسمير سرحان بهذا العمل الذي سرعان ما انطوت صفحته، وإن كنا قد كسبنا منه بعض ~~النقود، ومررنا فيه بتجربة لا بد من ذكرها؛ لأنها أصبحت فكاهة نتندر بها أنا وسمير حتى ~~الآن! كان يعمل في مكتب الموظف السوداني الذي يدخن الغليون فتاتان تكتبان الآلة الإنجليزية، ~~الأولى اسمها محاسن وهي سوداء من السنغال، والثانية اسمها سميراميس، وهي سمراء من الحبشة. ولم ~~نضع الوقت أنا وسمير، فخرجنا معهما إلى السينما، وكانت تلك أول وآخر مرة أصادق حبشية، ~~وكانت ميزتها الوحيدة هي الحديث بالإنجليزية، وقد ظللنا على صداقتنا حتى وضع الدكتور حاتم ~~حدا للمشروع، وانطوى حلم الموسوعة ، وتوقف مورد الدخل المنتظم! # وعندما حلت بشائر الصيف رأيت إعدادا لمسرحية اسمها «استشارة محام» قام بها أنور عبد ~~الله عن ترجمة لمسرحية إنجليزية بنفس العنوان وهو # Counsel’s ~~Opinion ~~، وكانت المترجمة ما تزال طالبة لدينا في القسم، واسمها ساني عبد ~~الحميد، وشاءت الظروف أن تتحول فيما بعد إلى «أنا وهو وهي» على يدي سمير خفاجى الذي أضاف ~~إليها «البهارات المصرية» اللاذعة، وقدمها إلى عبد المنعم مدبولي الذي أخرجها للمسرح الكوميدي ~~بعد مسرحيتي «السكرتير الفني» المقتبسة عن فيلم «توباز» الذي قام ببطولته بيتر سيلرز ومسرحية ~~«جلفدان هانم» من تأليف علي أحمد باكثير. كنت قد شغفت بأداء فؤاد المهندس ومديحة حمدي ومدبولي ~~في «السكرتير الفني» وكتبت مسرحية على غرار هذه وتلك، اسمها «الدرجة السادسة»، وهي لم تنشر ~~حتى الآن ولا أجرؤ على نشرها بسبب طولها الشديد وعيوبها الفنية الواضحة - وأهم تلك العيوب ~~«تصوري» فؤاد المهندس نفسه في دول البطل، وشويكار التي لمعت في «أنا وهو وهي» في دور البطلة، ~~بحيث أصبح أداؤها بالصورة المطلوبة رهنا بوجود ms164 أمثال هذين العبقريين! # ولكنني كنت اكتسبت جرأة من تقديم «من أجل ولدي» وأصبحت معروفا في «الوسط الفني» ~~فاتجهت إلى أستاذي القديم مدبولي في صيف 1962م في المسرح العائم حيث كان يعمل، وأعطيته نسخة ~~من المسرحية ووعدني بقراءتها والرد علي في اليوم التالي. وفي اليوم التالي ذهبت في الموعد ~~فقابلني بمفاجأة! إذ إنه انقض علي معانقا مقبلا وقال لي: «مبروك .. بقيت مؤلف يا ~~عناني!» وذهلت من إعجابه بهذه المسرحية وسألته عن «الخطوات» الرسمية الواجب اتباعها في هذه ~~الحالة فقال لي أن أذهب إلى سمير خفاجى حيث يقيم في عمارة التأمين بميدان رمسيس (باب الحديد) ~~وهو الذي سيتولى كل شيء. # وذهبت في مساء اليوم التالي إلى سمير خفاجى فوجدته مشغولا بترجمة مسرحية عن الفرنسية هو ~~وأحد الضيوف، فطلب مني النظر فيها معهما، وسرعان ما بدأت أنا الترجمة وانشغل الاثنان بكتابة ~~ترجمتي وإضافة «البهارات» حتى حل منتصف الليل، فقال لي: «إنت اتأخرت .. نكمل بكره!» ~~وانتهينا من النص بعد أيام، ثم سألته عن «الدرجة السادسة» فقال: «طويلة جدا .. عايزة ~~قصقصة.» ولم أفهم وخرجت كسيفا حزينا مهموما. وأهرعت إلى سمير سرحان أقص عليه ما حدث. ~~فقال لي: ولا يهمك .. خلينا احنا في عندما نحب! # كانت «عندما نحب» قصة قصيرة كتبها محمد التابعي، الصحفي المشهور، وعندما ذهبنا إليه في ~~منزله بالزمالك اندهشنا للجو الأسطوري الذي يعيش فيه، ولقدرته الخارقة على تبسيط الأمور! ~~وكان قد قرأ «الإعداد» (أي النص المسرحي الذي كتبناه)، واعترض على كلمة «ألعب» لأن البطل ~~عداء، وينبغي أن تكون الكلمة «أجري»! وتحدث طويلا عن فن كتابة القصة وقال إنه يكتب القصة ~~مثلما «يلعب عشرة طاولة»؛ أي إنه يكتبها حيثما اتفق وحيثما يقول له النرد! ونصحنا بمقابلة ~~صلاح منصور المخرج؛ للاتفاق على بعض التعديلات. ولكننا عندما قابلتنا صلاح منصور في «جروبي» ~~(فرع شارع سليمان باشا من ذلك المقهى) وجدناه يتكلم لغة غير متوقعة؛ فهو يؤكد ضرورة إحساس ~~المتفرج بالكيان المادي للبطل؛ أي بجسمه، وضرورة إلغاء النبرة «القدرية» التي أضفيناها على ~~النص استحياء للمسرح اليوناني الذي ms165 كان هو «الموضة» تلك الأيام، وقال لنا: «عندما أخرجت ~~«بين القصرين» .. خليت البطل يدخل المسرح بملابسه الداخلية وقد ظهرت (...) حتى يشعر المتفرج ~~بحقيقة عالم سي السيد!» ولم نعرف المطلوب تماما، فافترقنا على خلاف. # وبعد أسبوعين عرضت المسرحية المقتبسة عن الفرنسية ( # le Roi ~~23 ~~) في المسرح العائم، وكانت تحمل اسم المؤلف هكذا: تأليف سمير خفاجى وعبد ~~المنعم مدبولي! ولم أعلق على ذلك رغم دهشتي. وبعد العرض قابلت سمير خفاجى فقال لي: «اسمع! انت ~~أجرك في التليفزيون 200 جنيه .. صح؟ (وأومأت بالموافقة) وأجري أنا 400، فإذا كتبنا تأليف سمير ~~خفاجى ومحمد عناني تقاضينا الأجر الأعلى، وهكذا تحصل أنت على ال 200 وأحصل أنا على ~~200.» # ولم أنطق. لم أعرف ماذا أقول. هذه مسرحية من تأليفي. تحتاج إلى تعديل. هل يعتبر التعديل ~~مشاركة في التأليف؟ كان نظامي في الكتابة مع سمير سرحان هو وضع التخطيط المشترك ثم كتابة ~~المشاهد، كل مشهد على حدة، حسب الاتفاق، ثم مراجعة ما كتبناه بعد ذلك .. وربما كان ذلك أيضا ~~من قبيل المراجعة؟ وانصرفت مشتت الخاطر .. ولم أخبر أحدا بما دار بيننا من حوار. # وفي أغسطس ذهبت الأسرة إلى رشيد، وقررت الذهاب في ذلك العام، وكنا قد تركنا منزلنا ~~القديم الذي امتدت إليه يد الهدم، واستأجرنا شقة (حسبما سبق لي أن ذكرت) وانهمكت في تلك ~~الأيام في تأمل المستقبل الأدبي، خصوصا بعد أن لاحت فرصة الكتابة للسينما، وكان أجر ~~السيناريو الواحد 500 جنيه! وسرعان ما أعددت قصة تصلح للسيناريو اسمها «جوازة صيف»، وما زلت ~~أحتفظ بها وأعتز بالجو الذي أصوره فيها، وذات يوم قرأت في «الأهرام» خبرا يقول: رفع درجة ~~3 كتاب «إذاعيين» إلى كتاب من الدرجة الثانية وهم سمير سرحان ومحمد عناني وعبد الجواد ~~الضاني! وكان معنى ذلك رفع أجر التمثيلية التي طولها نصف ساعة من 8 إلى 10 جنيهات، والمسرحية ~~من 200 إلى 300! ومع بدايات سبتمبر وانتهاء فصل الصيف عدنا إلى القاهرة وبدأ فصل جديد في ~~الدراسة والكتابة! # كانت مجلة «المجلة» التي يرأس تحريرها يحيى حقي قد خصصت ms166 بابين في آخرها لعرض الكتب ~~المحلية والأجنبية، وكانت الدكتورة فاطمة موسى، الأستاذة في القسم لدينا، تشرف على باب الكتب ~~الأجنبية؛ ومن ثم طلبت من جميع الأساتذة والمعيدين المساهمة في هذا الباب، وكان أجر «عرض ~~الكتاب» الواحد ثلاثة جنيهات فانقضضنا جميعا على المكتبة نقرأ ونلخص، كل في تخصصه، وقد ~~شاء القدر أن أجمع هذه العروض فيما بعد في كتاب أصدرته عام 1995م هو «من قضايا الأدب ~~الحديث»! وكان رشاد رشدي قد بدأ هو الآخر «حملة» لإشاعة الأفكار النقدية الجديدة من خلال ~~سلسلة من الكتب يصدرها أعضاء القسم عن «أعلام النقاد الغربيين»، فأعددت في الخريف كتابا ~~صغيرا اسمه «النقد التحليلي» قدر له أن يطبع عدة طبعات كان آخرها في التسعينيات! ~~وفي غضون كتابة هذا الكتاب توثقت علاقتي بزملائي في قسم اللغة العربية وعلى رأسهم عزت عبد ~~الموجود (الدكتور) الذي كان يعد رسالة ماجستير عن «الظواهر اللغوية في شعر المتنبي» وكانت ~~مناقشاتنا لا تنتهي؛ إذ جمعنا حب العربية وحب الشعر بصفة خاصة، كما كان نعيم اليافي ~~(الدكتور) الذي يعد رسالة عن القصة القصيرة في قسم اللغة العربية من أصدقائنا الثابتين؛ أولا ~~بسبب الموقع الاستراتيجي للشقة التي كان يقيم بها وحده في ميدان الجيزة؛ فهي مكان مغلق ~~يختلف عن المقاهي على شاطئ النيل أو على غير شاطئ النيل (مثل صان صوصي)، وثانيا بسبب اهتمامه ~~بحكم التخصص باللغة العربية! # وبلغني في ديسمبر، أثناء انشغالي بتصحيح تجارب كتابي «النقد التحليلي»، أن بروفات ~~المسرحية قد بدأت! إذن سوف تجد «الدرجة السادسة» طريقها إلى المسرح! وعندما استفسرت عن «الوضع ~~المالي» لم أجد إجابة شافية. وعندها كان لا بد من الإفصاح لسمير سرحان عن موقف سمير خفاجى. ~~وكان رده قاطعا: لا! ودهشت أول الأمر وأبديت له تشككي وترددي ولكنه كان حاسما ~~وقادرا على الإقناع؛ إذ كانت حجته تقول ببساطة ما يلي: «إذا بدأت حياتك المسرحية بالارتباط ~~«كمؤلف» بسمير خفاجى فسوف ينتهي بك الأمر إلى أن تصبح تابعا له!» وذهبنا ذات مساء إلى المقهى ~~الملحق بفندق سميراميس القديم، وكان يفتح ms167 أبوابه للجمهور 24 ساعة (ولذلك كان اسمه «نايت آند ~~داي» أي الليل والنهار) واستمرت المناقشة حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، وبعد ~~ساعات نوم قلقة ذهبت إلى المسرح لأحضر البروفات التي كانت تبدأ في الحادية عشرة صباحا. ~~وانتظرت عبد المنعم مدبولي كي أبلغه بقرار رفضي وضع اسم سمير خفاجى مع اسمي، ولكنه لم ~~يحضر. # وحضرت «البروفة» دون تركيز - كان حسن يوسف، وكان إذ ذاك ممثلا ناشئا، هو الذي يلعب دور ~~البطولة، وأمامه مديحة حمدي، وميمي جمال، والسيد راضي، ومنى سراج، وعدد آخر من فرقة المسرح ~~الكوميدي. وبعد انتهاء البروفة ذهبت إلى الجامعة حيث كانت في انتظاري مفاجأة. كانت لدينا ~~طالبة اسمها آمال عبد الحكيم عامر، وكانت لها بعض الصديقات المعجبات بسمير سرحان، ولم أكن قد ~~علمت أن سمير قد أبلغ آمال أو صديقاتها بموضوع مسرحيتي، وعلى أي حال، فإن مواعيد الامتحان كانت ~~قد اقتربت وكان همنا الأول الانتهاء من ذلك الفصل الدراسي «على خير»! ولكن المفاجأة كانت ~~كما يلي: جاءتني آمال وقالت لي: «أنا قلت لبابا على موضوع المسرحية وطلب مني قال لي أسألك إن ~~كنت تحب يعمل تحقيق، والا تخاف على علاقتك بالوسط الفني؟» ~~«بابا؟» كان بابا هو المشير عبد الحكيم عامر النائب الأول لرئيس الجمهورية والقائد العام ~~للقوات المسلحة! وبعد ثوان من الذهول قلت لها: «مافيش داعي! ربنا يسهل وتتحل المشكلة ~~لوحدها!» وقالت في مرح «بابا تصور كده برضه .. لكن تحت أمرك!» وانصرفت هي وصاحباتها ضاحكات! ~~وظلت كلمة «تحت أمرك» ترن في أذني! هل يمكنه حقا أن يساعدني في موضوع كهذا؟ وماذا يقول ~~عني الزملاء والفنانون والكتاب؟ لا .. فلنترك المسرحية حتى ترى النور ثم نبحث موضوع ~~التعاقد واسم المؤلف في مرحلة لاحقة؛ فنحن على مشارف عام 1963م؛ أي إن الزمن يجري بسرعة دون ~~أن أنتهي من الماجستير، ودون أن أفوز بإحدى البعثات، ودون حدوث شيء ينبئ بالتقدم في ~~الجامعة! كان الذين فازوا بالبعثات الدراسية قد سافروا فعلا إلى إنجلترا وأمريكا، وكان أولهم ~~عمرو برادة الذي تمكن من ms168 الحصول على منحة دراسية شخصية، وسافر فعلا، ثم تلاه عبد اللطيف ~~الجمال (بعد حصوله على الماجستير)، وعفاف المنوفي، وسلمى غانم (وكلاهما من زملاء دفعتي)، وهدى ~~حبيشة (التي تخرجت قبلي بأربع سنوات)، وأمين العيوطي (بعد حصوله على الماجستير). # كان الشيء الوحيد الذي يحدث هو تصحيح بروفات كتاب «النقد التحليلي» (مكتبة الأنجلو)، ~~وبروفات «درايدن والشعر المسرحي» (دار المعرفة)، وكتابة عروض الكتب في مجلة المجلة، وهي التي ~~وثقت الصلة بين ثلاثتنا - سمير سرحان وعبد العزيز حمودة وأنا - من ناحية وبين أسرة ~~الدكتورة فاطمة موسى - وزوجها الدكتور مصطفى سويف وأبنائها أهداف (الدكتورة حاليا) والتي ~~أصبحت روائية تنشر إبداعاتها من القصة القصيرة والطويلة بالإنجليزية في بريطانيا، وليلى ~~(الدكتورة) وعلاء (المهندس) من ناحية أخرى. كنا نتردد بانتظام على منزل الدكتورة فاطمة، وكان ~~يحضر جلساتنا عبد المحسن طه بدر (الذي كان لا يتحدث إلا عن رسالة الدكتوراه التي كان منهمكا ~~في كتابتها) والدكتور أبو شادي الروبي (أستاذ الطب الباطني) والدكتورة ليلى موسى (أخت الدكتورة ~~فاطمة) المتخصصة في علاج الأورام بالأشعة (النظائر المشعة). وكانت اللقاءات أدبية في المقام ~~الأول، فكنت أحيانا أقرأ بعضا من شعري (الذي كنت أكتبه لنفسي ولا أنشره أبدا) وكنا كثيرا ~~ما نستمع إلى أحاديث الدكتور سويف التي كانت تشبه المحاضرات العلمية في دقتها وعمقها، وكانت ~~الدكتورة فاطمة كريمة غاية الكرم، فكانت لا تبخل علينا بشيء أبدا، لا بالنصح والإرشاد، ولا ~~بالطعام أو الشراب. # وعندما جاءت عطلة نصف العام (في مطلع 1963م) نظمت الكلية رحلة إلى الأقصر وأسوان، ~~برئاسة الدكتور عبد المنعم أبو بكر، أستاذ الآثار المصرية وعميد الكلية، وبمشاركتنا جميعا، إلى ~~جانب بعض أساتذة الكلية الأخرين. كان معنا رشاد رشدي وزوجته لطيفة الزيات، والدكتور أنور عمر ~~(أستاذ علم المكتبات) وجيهان رشتى (الدكتورة) من قسم الصحافة، وغيرهم. وكانت الرحلة بالقطار، ~~ولن أنسى لحظة وصولنا إلى الأقصر، إذ التفت إلي رشاد رشدي وقال: «قل لنا بم تشعر يا ~~عناني.» وانبرى بسرعة أحد أفراد الشلة للإجابة، ولكن رشدي تجاهله وأصر على سماع رأيي، فقلت ~~له: «أحس أنني ms169 رحلت رحلة إلى الماضي كأن رحلة القطار في المكان كانت رحلة في الزمان!» وقال ~~إن هذه هي الإجابة التي كان يريد أن يسمعها. كانت الأقصر بلدا فرعونيا حقا. وربما كان ~~الأرق الذي لازمني طول الليل سببا في ذلك الإحساس الغريب بالانفصال عن الواقع من حولي، ~~فتركت الجميع بعد أن وضعنا الأمتعة في الفندق، وظللت أضرب على غير هدى في شوارع الأقصر، ~~ولم تكن الشمس قد علت في السماء، وكان جو الشتاء يشجع على المسير، وكنت - في ذلك الصباح ~~المشرق - لا أتوقف أبدا ولا أنظر حولي بل أسير وحسب. # كانت الرؤى تنثال فياضة في ذهني، وربما اختلط ما كنت أراه بما قرأته عن وردزورث، ~~فكان الوجود نفسه يبدو قلقا؛ أي إن كيانه المادي لم يكن ثابتا في عيني، ولم أكن على ~~استعداد للتيقن من وجوده الثابت؛ فقد غمرني الإحساس «بالوهم» أي بزوال الحاجز بين ما يوجد ~~في الذهن وما يوجد خارجه، لم أكن أفكر في الكتب التي في المطبعة ولا في المسرحية وتجاربها، ~~ولا فيما عدا ذلك من شئون الحياة، بل كان ذهني مرآة تنعكس فيها رؤى مخلخلة، يصفها الناس ~~بحالة «انعدام الوزن»، أما أصدق وصف يمكن إطلاقه عليها فهو التأرجح بين الحقيقة المادية ~~والحقيقة الروحية. وعندما عدت إلى الفندق كان الجميع قد خلدوا للراحة أو للنوم، فجلست وحدي ~~في قاعة الاستقبال وأغفيت ساعة أو بعض ساعة، ثم أفقت على أصوات القادمين وطلبات ~~القهوة. # عندما أفقت عادت الحياة إلى طبيعتها في نظري، ولكن البهو كان يبدو مثل الديكور المسرحي ~~أو ديكور الأفلام السينمائية. وذكرت مناقشة كنت قرأتها بين الدكتور صمويل جونسون، الناقد ~~الإنجليزي الأشهر في القرن الثامن عشر، وبين أحد دعاة الفلسفة «المثالية»؛ أي الفلسفة التي ~~تثير الشكوك في الحقيقة المادية للواقع المرئي والمحسوس؛ ومن ثم في طبيعة الوجود، إذ ~~توجه إليه هذا الداعية بسؤال ظنه سوف يحسم القضية إذ قال له: كيف تثبت أنك موجود أو ~~أن هناك وجودا؟ فما كان من جونسون إلا أن نهض فجأة وضرب حجرا بقدمه ms170 ضربة أحدثت دويا ~~هائلا وهو يقول: «أثبته هكذا!» عقلانية القرن الثامن عشر أنقذت الموقف! ولكن كيف أثبت أن ~~الرؤى التي حفل بها ذهني ذلك الصباح غير حقيقية؟ وكيف أثبت أنها أقل «وجودا» من الوجود ~~المادي؟ لقد درسنا آراء الفلاسفة الإنجليز الذين ناقشوا عمل الحواس ومدى خداع ذهن ~~الإنسان في إدراك الواقع، وكنت شخصيا مولعا بهم بسبب ميولهم التجريبية والمنطقية (أو ~~الإمبيريقية أي التي تستند إلى تجارب الحواس)، ولكن منظر البهو في الفندق لم يكن يؤكد أبدا ~~أن ما أراه «حقيقي»، وانتابني نازع يشبه نازع جونسون ولكنني أحجمت، فنهضت وعدت إلى الغرفة ~~واغتسلت وعندما هبطت من جديد كان الجميع قد استيقظوا. # كانت زياراتنا لمواقع الآثار المصرية القديمة في الأقصر زيارات علمية حيث تولى الدكتور ~~عبد المنعم أبو بكر شرح كل شيء بلغة عربية فصحى ناصعة، ولكنها كانت في باطنها جهدا ~~متواصلا، وعلى أساس نفسي وطيد، للبحث عن الجذور، وللتساؤل الدائب عن أصول الأفكار التي تعيش ~~في وجداننا منذ الطفولة ونسلم بصحتها دون مناقشة، وكانت كل زيارة تتحول في ذهني إلى ~~«مغامرة شعورية» في تلك البقعة غير الثابتة بين الواقع والحلم، أو بين العالم المادي ~~والوهم. هؤلاء أجدادي - بشر مثلي سبقونا جميعا إلى التفكير في الوجود وفي معنى الحياة وفي ~~حقيقة الروح والخلود، وعز على بعضهم التسليم بفكرة الفناء المادي؛ لأن «وجودا داخليا» من ~~لون ما يؤكد لهم أن الجسم عرض لا جوهر! وما هذه الرموز من حولنا إلا الدلائل القاطعة ~~على صدق رؤاهم! لقد نجح الفن المصري القديم في «إمساك» هذه الرؤى غير المادية وتثبيتها ~~وتجسيدها بنقشها على الحجر، ونحتها في الصخر، بحيث تحولت الأفكار المجردة والمشاعر التي ~~من المحال تحديد شكل لها إلى رموز مرئية ومحسوسة، وبحيث اتخذت أشكالا محددة ذات قوة على ~~الإحالة إلى العالم غير المرئي! لقد أصبحت دنيا «الشهادة»؛ أي دنيا المشهود والحاضر مدخلا ~~إلى دنيا «الغيب» عن طريق الفن! لقد نجح الحجر في ذلك؛ فهل تنجح اللغة؟ # وعندما عبرنا نهر النيل إلى البر الغربي لزيارة وادي ms171 الملوك ووادي الملكات التفت إلي ~~الدكتور أبو بكر وقال فجأة: «إنت سارح في إيه يا عناني؟ بتفكر في مسرحية جديدة؟» ولم يعلق ~~أحد، ولم تكن لدي إجابة على السؤال. كنت أسير مع الجميع شارد اللب، ولم أكن أتوقف أبدا ~~حتى حين يقف الركب، بل كنت أدور في حلقات حتى أعود إليهم، وطيلة زيارة البر الغربي ~~كان الإحساس يغمرني بموضوع الرحلة وموضوع العبور، فالمراكبي (الفلايكي أو قائد القارب) رجل ~~طاعن في السن، ملامحه تشبه إخناتون، تماما مثل طالب لدينا اسمه عزت عدلي دميان، (الذي حصل ~~فيما بعد على الدكتوراه) ولا يبدو أن السنين التي عاشها تنتمي إلى سنواتنا الأرضية. إنه يشبه ~~«النوتي» (المراكبي في بلدي رشيد) الذي لا ينفصل عن المركب الشراعي الذي يسيره، ويبدو في ~~صمته وشروده جزءا من عالم نهر النيل، أو قل جزءا من الزمن نفسه. # وكانت أفكار الوهم والواقع، وفكرة العبور والزمن، والشروق والغروب الذي يؤكد «لا زمنية» ~~الزمن، هي التي سيطرت على فكري دون مقابلات لغوية محددة، ولا شك أنها كانت الدافع غير ~~المباشر إلى كتابة مسرحية «البر الغربي» عندما عدنا إلى القاهرة. والذي حدث هو أنني قرأت ذات ~~يوم بعض الأنباء الخاصة بالمسرح في صحيفة الجمهورية، ونقدا كتبه الدكتور محمد مندور لمسرحية ~~«السبنسة» التي كان المسرح القومي يعرضها آنذاك، من تأليف سعد الدين وهبة، فأصابني القلق، ترى ~~ماذا يحدث في مسرح القاهرة؟ هل يريد أحدهم سوءا بمسرحيتي الأولى؟ وقررت العودة خوفا على ~~مصير الدرجة السادسة. وكان الدكتور سويف قلقا كذلك على بعض أعماله في القاهرة، فقرر العودة ~~أيضا، وهكذا انفصلنا عن الركب وعدنا إلى القاهرة دون الذهاب إلى أسوان. # وعندما حادثت مدبولي في التليفون قال لي إن بروفات المسرحية قد توقفت؛ لأن الفرقة تقدم ~~عملا آخر هو «أنا وهو وهي»، ولكنه كان مهذبا فلم يتعرض لما قلته عن اسم المؤلف أو وضع ~~اسم سمير خفاجى مع اسمي. وبعد أسبوع عاد الزملاء من أسوان، فاصطحبني سمير سرحان إلى المسرح ~~حيث تأكدنا من خبر توقف البروفات، ومن ms172 ثم اتجهنا - وكانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة ~~ظهرا - إلى منزل الدكتور رشاد حيث وجدناه في انتظارنا، وعندما قصصنا عليه القصة قال لي في ~~حزم: «انس الدرجة السادسة! اكتب مسرحية جديدة!» وأطلعنا أثناء الحديث على أن الوزير قد وافق ~~على إنشاء فرقة مسرحية باسم فرقة توفيق الحكيم، يكون مقرها مسرح محمد فريد، وتحويل اسم ذلك ~~المسرح إلى مسرح الحكيم ونشر مجلة شهرية ابتداء من العام التالي (1964م) اسمها مجلة المسرح، ~~وأنه أي الوزير (عبد القادر حاتم) قد أوكل إليه الإشراف على هذا المشروع! # 4 # في فبراير 1963م ظهر أول كتاب من تأليفي (لا من ترجمتي) وهو «النقد التحليلي»، وكنت به ~~سعيدا، على صغره وتواضعه، بل على مبالغته وشطحاته ونبرته العالية؛ فقد كنت آنذاك مؤمنا ~~بالفن إيمانا يصل إلى حد التقديس، وكنت أرى أن مهمة الناقد الأولى، ودون جدال، هي «نقد» ~~فن الفنان؛ بمعنى تحليل عناصره ودراسة مبناه والغوص في دلالاته، لا استنباط «هدف» ~~أخلاقي أو اجتماعي أو سياسي منه، وربما كان حبي للموسيقى والرسم وممارستهما من وراء ذلك، ولم ~~أكن على استعداد مطلقا أن أقبل «مسخ» عمل فني، مهما تكن «رسالته» الظاهرة أو الباطنة بأن ~~أساويه في الكم أو في الكيف مع هذه الرسالة! وكنت أصغي لما يقوله زملائي من النقاد الذين ~~استجابوا لموضة «الاشتراكية» التي أصبحت السياسة الرسمية للدولة، وطفقوا يصنفون الكتاب طبقا ~~لدلالات كتاباتهم على الميل إلى الرأسمالية (إذا عالجوا مشكلات الإنسان الفرد)، أو إلى ~~الاشتراكية إذا عالجوا المشكلات «الجماعية» (مثل مشكلة الموصلات)، وكنت أقرأ ما يكتبون في ~~دهشة، خصوصا عندما ابتدعوا مقابلة مضحكة بين ما أسموه «الفن للفن» و«الفن للمجتمع». وكان ~~موقفي الذي أساء البعض فهمه في هذا الكتاب هو أن حرف اللام هو سر المشكلة. فما معنى «الفن ~~للفن»؟ بل وما معنى الترجمة الأخرى للعبارة الأجنبية الأصلية وهي باللاتينية # ars ~~gratia artis # وبالإنجليزية # art for art’s ~~sake ~~؟ أي إنك إذا استبدلت «من أجل» باللام لم يزد المعنى وضوحا. فما هو ~~المعنى؟ الواضح أن المقصود هو استبعاد ms173 الأغراض غير الفنية عند النظر إلى الفن. ولكن ما هي هذه ~~الأغراض؟ تهذيب الأخلاق مثلا؟ الدعوة إلى فكر سياسي ناضج مثلا؟ وكيف يكون ذلك؟ هل يكون من ~~قبل الفنان أم من قبل الناقد؟ هل يبدأ الفنان - المؤلف الموسيقي مثلا - بفكرة أو برسالة ~~ثم «يحولها» إلى موسيقى؟ أم هل يكون على الناقد أن يستنبط هذه الفكرة أو الرسالة من ~~الموسيقى؟ # هذه الحجة تقوم على «فرض خادع» هو سبب الخلط في المقابلة، وهو مفهوم الفن؛ أي ما يعتبر ~~فنا. فالموسيقيون فنانون؛ لأن الوسيط الذي يستخدمونه وهو تناغم الأصوات والألحان ~~والإيقاعات «متفق عليه» منذ قديم الأزل، وكلمة الموسيقى نفسها نسبة إلى ربة الفن ~~( # muse ~~) وكذلك الرسامون المبدعون. فالوسيط الذي يستخدمونه ~~متفق على أنه فن، ولو تفاوتت مكانة ودرجة إبداع كل منهم. ولكن الخداع يبدأ عندما يتحول ~~الأمر إلى الأدب؛ فاعتبار الأدب فنا يقتضي توافر عناصر فنية معينة غير متفق عليها حتى ~~الآن، وربما لا يتفق عليها النقاد أبدا! فتعريفات الشعر كانت تتراوح بين مقارنته طورا ~~بالموسيقى، وطورا بالرسم، وعناصره الفنية ستظل مثار خلاف إلى يوم يبعثون! فكيف نطبق عليه ~~إذن مقولة الفن للفن؟ هل نفهم من هذه العبارة أن «الخصائص الفنية» التي تجعل الكلام فنا (أي ~~تجعله أدبا) مقصودة لذاتها لا لتحقيق غاية أخرى؟ وكيف نتصور أن الشاعر حين ينظم كلامه ~~يهدف من «النظم»؛ أي من إيقاع الألفاظ (بدلا من النثر غير المنظوم) إلى تحقيق غاية سياسية أو ~~أخلاقية؟ أو كيف نتصور أنه حين يبدع التصوير (بدلا من التقرير) يرمي إلى تحقيق مثل هذه ~~الغايات؟ # الواضح أن كلمة «الفن» عند تطبيقها في هذا السياق كانت تعني الكتابة الفنية أو الأدب، ~~وكانت المقولة عند أصحابها تعني ألا تكون الكتابة بلا هدف جليل، أو بلا هدف له دلالته ~~الإنسانية «التي يعتد بها» (وهي العبارة التي قالها لي خالي وأنا طفل)، والمنطقي إذن هو أن ~~الكتابة حين تتوافر لها العناصر الفنية والدلالة الإنسانية معا تصبح أدبا، وهي إذا أصبحت ~~أدبا وغدت بهذا المعنى فنا حقيقيا لم ms174 يكن هناك مجال للتساؤل عن الغاية منها. إلا في ~~حدود التساؤل عن الغاية من الموسيقى والرسم والرقص والتمثيل وما إلى ذلك! فالأدب الذي يصور ~~الفرد تصويرا فنيا لا يقل في «قيمته» عن الأدب الذي يصور المجتمع تصويرا فنيا! وأنا ~~أضع خطا تحت كملة «قيمة» لأن ذلك هو مربط الفرس كما يقولون! فالغاية القصوى مما كان محمد ~~مندور يعنيه «بالنقد الأيديولوجي» هو تحديد «قيمة» العمل الفني في ضوء الأيديولوجيا التي يوحي ~~بها؛ أي في ضوء «الاتجاه الفكري» الذي قد يبدو أنه يدعو إليه. وهذا هو ما كنت أرفضه في ذلك ~~الكتاب. # هذا هو ما كان النقاد يدعون إليه، وهذا هو ما كنت لا أستطيع قبوله لأن معناه أن يكون ~~الناقد سلطة سياسية أو فكرية أو خلقية تتولى تحديد «قيمة» ما يكتب ثم تفرض على الآخرين، ~~الطامحين في تحقيق قيمة ما، محاكاة ذاك الذي كتب أو النسج على منواله! وسبب رفضي هو أن القيم ~~السياسية تتغير من عصر إلى عصر، وما قد تكون له قيمة سياسية في عصر ما قد يفقدها في عصر ~~لاحق دون أن ينتقص ذلك من قيمته الفنية، بل إن القيم الفنية نفسها قد تتغير من عصر إلى ~~عصر، والمعايير التي تستند إلى «القيم» إذن لا بد أن تكون معايير نسبية لا مطلقة، وهذا هو ما ~~خصصت له بابا مستقلا في أوائل الكتاب بعنوان «النقد والتاريخ والنسبية النقدية». # كان لويس عوض يقول لي إن هذه «الخناقة» بين مندور ورشدي «خناقة» لا أساس لها، والمصطلحات ~~المستخدمة فيها لا يفهمها أصحابها، وكان يقول لي إن علي أن أتابع دراستي في إنجلترا، ~~متجاهلا هذه «الفقاقيع» النقدية التي لن تصمد للتحليل العلمي، وأهداني (في مارس 1963م) نسخة ~~من كتاب «بروميثيوس طليقا» وهو ترجمة لمسرحية شلي التي تحمل ذلك الاسم مع مقدمة ضافية عن ~~مفهوم الرومانسية الإنجليزية في مطلع القرن التاسع عشر، وتحليل اجتماعي وسياسي لدلالاتها ~~لإنجلترا في ذلك الوقت. وأذكر أنني قابلته مصادفة في ميدان سليمان باشا (طلعت حرب حاليا) ~~بعد ذلك بأسبوع، ms175 فاصطحبني إلى مقهى جروبي لمناقشة هذا الموضوع، ولا أعرف كيف تطرق الحديث ~~إلى مناقشة كتاب «اللغة الشاعرة» لعباس العقاد، وكنت أعترض على الكثير مما جاء فيه، فإذا ~~بلويس عوض ينبري للدفاع عنه بشدة، ويبدو أنه نسي الموعد الذي كان مرتبطا به، فلم نغادر ~~جروبي إلا حين أغلق المقهى أبوابه! # كان تأييد لويس عوض لما جاء في كتابي باعثا على الاطمئنان؛ فقد أدرك ما أرمي إليه من ~~الكتاب، ولكنه كان يكره رشاد رشدي لأسباب شخصية منها، حسبما فهمت، أنه دس له لدى السلطات؛ ~~أي «كتب تقريرا» يتهمه فيه بالشيوعية مما أدى إلى فصله من الجامعة. ولم أعرف مطلقا مدى ~~صحة ذلك، بل ولا أعتقد أن الزمن سوف يكشف لنا عن حقيقة مثل هذه الاتهامات؛ إذ كنا وما نزال ~~نؤمن بالشائعات، ونحب القيل والقال، والخيال المصري خصب، وقد حاولت تجسيد «ولادة» ~~الشائعة في مشهد مسرحي ولكنني لم أفلح، وتوليد الشائعات وانتشارها مبحث لا مجال هنا ~~لمناقشته. # ما أبعد ما كان النقاد آنذاك يرمون إليه من تحديد «القيمة الأيديولوجية» للعمل الفني عن ~~مقولتي «الفن للفن» و«الفن للمجتمع»! كانت الصورة تزداد وضوحا كل يوم؛ فالنقاد ~~الأيديولوجيون يريدون إلغاء الأدب الذي يركز على الفرد، وإحلال أدب يناقش القضايا ~~الاجتماعية بحيث يعلي من شأن المجموع! ولم أكن أتصور وأنا في تلك السن المبكرة كيف أبيح ~~لنفسي أن أكون قاضيا أحكم بفساد عمل فني لأنه فردي، أو كيف أبتدع منهجا نقديا يعلي من ~~قيمته الاجتماعية (إذ أعجبني) حتى أفسح له مكانا بين الأعمال الفنية العالمية. كان نجيب ~~محفوظ يتمتع بسمعة طيبة لدى هؤلاء وهؤلاء، أي لدى اليمين واليسار؛ لأنه يتولى المعالجة ~~الفنية للفرد في إطار المجتمع، وكذلك بعض من يكتبون القصص القصيرة أو المسرحيات، أما الشعراء ~~فكانوا في حال لا يحسدون عليها! وقد اتضح لي ذلك يوما ما حين قابلت أنور المعداوي، ~~الناقد الاجتماعي ذا الصوت الجهير، الذي كان يناصب جبهتنا العداء، وكان يناصب لويس عوض ~~عداء أشد باعتباره «ناقدا اشتراكيا يخون القضية من باب الولاء لأبناء ms176 المهنة»؛ أي ~~الولاء لأساتذة الآداب الأجنبية! ولذلك قصة. # كنت في مطعم كبابجي الدقي أنتظر الانتهاء من الشواء، حين دخل أنور المعداوي وجلس إلى ~~المائدة نفسها. وكان رحمه الله ضخما، ذا شهية هائلة للطعام، وكان من بلدة صغيرة بجوار ~~رشيد فكان يتكلم بلهجة أبناء بلدنا، وكان - حتى صدور كتابي النقد التحليلي - يحب ما أكتب إذ ~~كان من محرري مجلة «المجلة»، وكان من الأصدقاء القدامى للدكتور لويس عوض، ولمعظم ~~الاشتراكيين في تلك الآونة، وكان قد طلب طبقا سريع التحضير وهو «أرز بالموزة» (والموزة هي ~~قطعة من اللحم الملاصق للعظم وهي رأس العضلة؛ ولذلك تشبه الموز)، وسرعان ما انتهى من غدائه ~~وطلب «الحلو» وأنا أناقشه في موضوع الكتاب وإذا به يزيح الأطباق من أمامه ويقول لي بلهجة ~~أبناء البحيرة الجميلة: «انتو عمالين تقولوا الفن الفن .. طب وبعدين؟ انتم في ضلال! والأخطر ~~أن يمتد الضلال إلى الجيل الجديد! طيب لويس عوض يعرف ما يقول .. وهو قادر على تبرير كل شيء ~~بخبرته الواسعة .. لكن أنا قلبي على الصغار!» # وعندما أوضحت له أن مسألة الصغار والكبار مسألة نسبية، وأن الصغير الذي يقرأ سوف يكبر ~~يوما ما، وأنني أدرس الفن الأدبي لا المجتمع، وجدته - على غير عادته - يتكلم بتؤدة ~~واطمئنان كأنما هو الوالد ينصح ابنه: «شوف يا عناني .. الأدب ده باعترافكم ابن للمجتمع .. ~~يبقى ازاي تناقشوه بمعزل عن المجتمع؟ انتم كده بتقطعوا الجذور الطبيعية للأدب .. بتلغوا مصادر ~~إلهام الفنان .. شوف «فاروق منيب» أهو ده قصاص بارع، وسر براعته هو التصاقه بالمجتمع .. شوف ~~«أبو النجا» .. شوف أي قصاص ناجح ...» وهنا أتى الطعام فانتهزت الفرصة وقلت: اسمع حضرتك ~~شوقي: # يا نائح الطلح أشباه عوادينا # نأسى لواديك أم نشجى لوادينا # ماذا تقص علينا غير أن يدا # قصت جناحك جالت في حواشينا # فضحك وقال: «أنت تستشهد بالأدلة التي تؤكد صحة قضيتي! هذا شاعر الفردية، شاعر الملوك الذي ~~ضلل جيلا كاملا أيام الكفاح من أجل الاستقلال! إنه «نصاب» فلقد كان يستمتع بكل لحظة ~~يقضيها في إسبانيا، والناس يظنون أنه يعاني في المنفى ms177 .. إنه رمز للشعر الذي ينبغي أن ~~نحاربه!» # ووجدت أن الأمر يقتضي التروي، فقلت له: وكذلك المتنبي وأبو العلاء المعري؟ فقال في ~~ألم: خلاص .. لم يعد هناك أمل فيك! هذا كلام طه حسين ولويس عوض! ثم نهض. وقمت لأحييه قبل ~~الرحيل، فهمس لي: «لقد بدأ لويس عوض بداية طيبة في إنجلترا، وديوانه «بلوتولاند» يشهد على ذلك، ~~ولكن طه حسين ما يزال في أعماقه .. طه حسين الفرنسي لا طه حسين العربي.» وقلت له: «للحديث ~~بقية»، فقال: «لا! بل ليست له بقية. لقد دافع لويس عوض عن «يا طالع الشجرة» .. دافع عن العبث .. ~~وكان الواجب أن يهاجم توفيق الحكيم عندما انحرف .. ولكنها الجامعة التي ستظل تشد لويس عوض ~~إليها رغم كل شيء! هل تعرف لماذا يحجم لويس عوض عن مهاجمة رشاد رشدي رغم كل ما فعله به؟ ~~إنه الانتماء إلى أدب الفرد .. الإيمان بأدب شلي وغيره من شعراء الإنجليز .. ولا تنس أن ~~لوكاتش - الناقد المجري العظيم - قد أثبت أن ذلك كله من تراث العصور المظلمة.» وانصرف أنور ~~المعداوي. ولم أره بعدها حتى توفي، رحمه الله. # كان كتاب النقد التحليلي بمثابة إعلان للحرب على أصحاب النقد الأيديولوجي، ومن ثم وجدت ~~نفسي بين عشية وضحاها «مصنفا» بين دعاة «الفن للفن»! ومن يومها وأنا أحس قوة الشعارات! ~~العبارات التي توجه للجماهير فترددها دون أن تفهم معناها، وانصرف ذهني إلى الناس وما ~~عساهم يقولون، هل يمكن أن يجد الفنان في الناس - الأشخاص العاديين - سندا له ضد هجوم ~~النقاد؟ لقد أيد جمهور القراء وردزورث وكان نجاحه الجماهيري سنده في مواجهة «جيفورد» ~~و«جيفري» وهما الناقدان اللذان هاجماه بكل ضراوة في بداية حياته الفنية وبعد نضجه، ولكن ~~من ذا الذي يمكن أن يناقش قضية شائكة مثل الفن للفن والفن للمجتمع في إطارها الصحيح؟ لقد ~~أصبحت الكلمات ذات رنين سحري، ومن العبث التصدي لما تعجب به العامة، بل من العبث إيضاح ~~أي شيء للعامة. إن الشعب الذي يعاني من الأمية لم يتحول في يوم وليلة بعد قيام الثورة إلى ~~شعب متعلم. ms178 ويكفي أن يقول له أحد الساسة كلاما، خصوصا لو كان في شكل شعار جذاب، حتى ~~ينخدع ويصدق. بل إن الشعب نفسه يريد أن يؤمن بشيء ما، بقضية ما، تهب حياته معنى .. ~~خصوصا في تلك الأيام التي أصبح دعاة الدين فيها من دعاة «أفيون الشعوب» (حسبما تقول ~~الشيوعية) وأصبح الإيمان بالغيب سبة ودليلا على الغباء والتخلف. وقلت في نفسي: إن ذلك ~~مما لا يمكن المهادنة فيه .. ولن أنبذ حبي للمتنبي باعتباره من أدب «العصور المظلمة» ~~(وفقا لما يقول جورج لوكاتش) ولن أنبذ الملاحم والسير الشعبية لهذا السبب أو لغيره، ولن ~~يتأثر إيماني بالدين بما يقوله دعاة «التنوير» (وهي الكلمة التي أصبحت موضة هذه الأيام) ~~ودعاة القضايا الاجتماعية! وربما كان من المناسب أن أشير إلى القصيدة الوحيدة التي نشرت لي في ~~مجلة الأدب، وهي التي كان يحررها الشيخ أمين الخولي، والذي حدث أن طالبا نابها في قسم اللغة ~~الإنجليزية آنذاك هو ماهر شفيق فريد (الدكتور) أعجبته القصيدة وعنوانها «الصمت». [وقد ~~نشرتها في ديوان «أصداء الصمت» (1997م)] فنشرها في المجلة رغم أنفي! كان ماهر ذات عبقرية ~~مبكرة، وكان يعمل في المجلة محررا بعد أن اقتنع أمين الخولي (وهو من هو) بمقدرته وموهبته. ~~وكنت ما أزال أحبه حبا جما، وأطلقت عليه ذات يوم صفة «راهب الفكر الصموت» في مقال ~~بالأهرام. وسرعان ما أغفلت القصيدة وإن لم تبرح ذاكرتي، وكان أن أعدت نشرها. # وكان سمير سرحان يشاركني آرائي، وكان هدفنا الآن بعد أن كتب هو كتابه «النقد الموضوعي» في ~~السلسلة نفسها، أن نكتب مسرحا قادرا على الصمود في وجه التيارات المتلاطمة من الآراء النقدية ~~التي تهب مثل رياح الشتاء عاصفة مزمجرة، فبدأت كتابة «البر الغربي» وبدأ هو كتابة ~~«الكدب». # 5 # كانت جلساتنا أنا وسمير سرحان على شاطئ النيل في كازينور جلسات عمل شاق. كنا نناقش في ~~نزهاتنا على الأقدام جميع التفاصيل الخاصة بالمسرحية، ثم نجلس للتخطيط والكتابة، وكان منهجنا ~~واحدا؛ وهو وضع الخطوط العريضة للمسرحية ككل ثم تقسيمها إلى مشاهد، ثم كتابة الحوار، ولكن ~~الواقع ms179 هو أن النتيجة النهائية كانت كثيرا ما تختلف عما خططنا له في البداية! وقد تعلم ~~كلانا من التجربة أن الشخصيات عندما تكتسب حياتها الخاصة، وتصبح كائنات مستقلة، وتكاد ~~تصبح من لحم ودم، تملي أقوالها وأفعالها وأحيانا لا يستطيع المؤلف التحكم فيها! ولم يكن ~~منهجي يختلف عن منهج سمير سرحان إلا في خلفيتي الريفية، فذهني عامر بالشخصيات الريفية التي ~~تعيش في وجداني بأقوالها وأفعالها وملامحها، وكنت دائما أستعين بما أذكره عن رشيد في تصوير ~~الشخصيات، فأجد أن بعض الأشخاص يبرزون بكل ما تتسم به معالمهم البشرية من ضعف وقوة، بينما ~~كان سمير يحب التحديد والإيضاح الحاسم، فهو كما علمنا رشاد رشدي لازم للمتفرج في المسرح، ~~فنحن لا نقدم الحياة كما هي، أو كما نتصورها، بل نقدم منها ما نريد للجمهور أن يتصوره ~~ويحسه! # وكثيرا ما كان أصدقاؤنا يدهشون من حواراتنا وأسئلتنا. وأذكر مرة أننا كنا منهمكين في ~~التخطيط والتشكيل حين هبط علينا نفر من أصدقائنا، من بينهم عبد المنعم حجاب وفاروق فريد وسيد ~~الناصري ونعيم اليافي وماهر البطوطي! وجلس الجميع يتأملون صفحة النهر ويناقشون إمكانيات ~~العمل في الجامعة وخارجها، حين سألني سمير فجأة: «لكن ما الذي يدفع كمال إلى مصارحة نجية؟» ~~وقلت له بثقة: «مرت به لحظة يأس! لم يعد يرى أملا سوى في اليأس!» وقال ماهر البطوطي: ~~قصدك على كمال زغلول (وهو أحد أصدقائنا من خريجي قسم اللغة الإنجليزية ويقيم الآن في ~~اليابان)؟ وضحك الجميع. ثم قال عبد المنعم حجاب: نجية دي اللي بيرمز لها نعيم بحرف نون؟ وعادوا ~~للضحك! وقام سمير وناداني للانفراد به في مكان آخر وقال لي: إحنا لازم ننتهي من مشكلة مصارحة ~~كمال النهارده؛ قل لي إزاي يفاتحها وإيه رد فعلها؟ ويبدو أنني أجبت بصوت مرتفع اجتذب بعض ~~أفراد الشلة فتعالت ضحكاتهم من جديد، ولم نقل لهم آنذاك إن هذه كانت شخصيات في مسرحية ~~«الكدب» التي يكتبها سمير، وكان يعتبرني مسئولا عن أي خلل قد يراه النقاد، مثلما كنت ~~أعتبره مسئولا عن أي خلل في مسرحية ms180 «البر الغربي»! وانصرف الأصدقاء بعد فترة، ثم عدنا أنا ~~وسمير للكتابة. # كان عبد المنعم حجاب وفاروق فريد وسيد الناصري من خريجي قسم الدراسات اليونانية ~~واللاتينية، وكانوا جميعا منتدبين للتدريس في الكلية، وقد وعدهم الدكتور خفاجة بالتعيين ~~فيها، حينما تتاح وظائف مدرسي اللغة، وكان قد مضت عدة سنوات دون توافر هذه الوظائف، ~~فأصبحنا نطلق على أقدم المنتدبين وهو عبد المنعم حجاب لقب «رئيس قسم الانتداب»، وكان فاروق ~~فريد قد مل الانتظار، فحصل على وظيفة بالمكتبة المركزية لجامعة القاهرة، أما سيد الناصري ~~فكان حديث التخرج وكان مرشحا لبعثة دراسية في إنجلترا. # كان حجاب وفريد يقيمان في شقة بالعجوزة قريبة من منزلنا، وقد اشتهر عن الأول إحساسه ~~بالعظمة في ملبسه وسلوكه، وطيبة قلبه ولين معشره، ومعاناته الدائمة من ضيق ذات اليد. وعلى ~~كثرة ما يكسبه من نقود من الدروس الخصوصية، كان دائما بحاجة إلى المال، وكان يقترض من ~~الجميع، وكنا لا نبخل عليه بأي شيء، ولكنه كان متلافا يؤمن بمبدأ «اصرف ما في الجيب»، وقد ~~انتهى به الأمر إلى أن حصل على إجازة دراسية، وفي الطائرة، حسبما تقول الشائعات، تعرف على ~~سيدة أمريكية أقرضته عشرة دولارات، ثم صادقها أو تزوجها، ولكن أخباره انقطعت عنا ردحا ~~طويلا حتى علمنا بعد سنوات طويلة أنه اعتنق الكاثوليكية ودخل ديرا في حلب ليصبح من الآباء ~~الكاثوليكيين في سوريا. وأما فاروق فريد فقد حصل على بعثة دراسية وحصل على الدكتوراه لكنه - رحمه الله - لم ~~يكتب له أن يعيش حتى يعود إلى عمله بالكلية، وقد فوجئت هذا العام (1996م) ~~بأن له ابنة تعمل معيدة لدينا في قسم اللغة الإنجليزية. # وأنا أذكر هؤلاء الزملاء ذكرا عابرا بسبب الارتباط الشديد الذي كنا نحس به وما نزال في ~~قسم اللغة الإنجليزية مع قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، فكنت أهوى الترجمة عن اللاتينية ~~وأخطئ، فيتولى هؤلاء تصحيح أخطائي، وكنت أحب كتابة عبارات قصيرة بتلك اللغة، أو تبادل ~~عبارات حوارية مع أصدقائي منهم بها، وكانت إحدى هذه العبارات قد التصقت بعبد المنعم حجاب ~~وهي ( Pecuniam ms181 habes? ~~) أي هل معك نقود؟ وسمعنا الدكتور محمد ~~صقر خفاجة ذات يوم نتحدث اللاتينية فقال معلقا: «دا لاتيني جيزاوي!» وكنت أحب أن أفيض في ذكر ~~الخناقات حول اللغة اللاتينية معهم، والواقع أنها استمرت فترة حتى عثرت على زميل جديد في ~~قسم اليوناني واللاتيني، يتسم بالتمكن التام من مادته ويعشق متابعة أصول الكلمات ~~وتطورها مثلي، واسمه حمدي إبراهيم (الدكتور)، فكان هو ملاذي عند الخلاف، وقد دارت الأيام ~~فالتقينا من جديد ونحن أساتذة، وهو حاليا عميد كلية الآداب بجامعتنا العريقة. # كان هؤلاء الأصدقاء جزءا لا يتجزأ من طليعة متعطشة للعلم، في مجتمع يمر بتحولات ~~كبيرة، وكان يمكن أن أسترسل في قص ما سمعه عما صار إليه عبد المنعم حجاب مثلا وما فعله في ~~أمريكا ثم في أوروبا، ولكن اختفاءه من الساحة حتى الآن يفرض علي الصمت - مثلما فعلت مع ~~فريد صالح الذي اختفى من قسم الإنجليزي إلى الأبد. وقال قائل إنه عاد إلى اسكتلندا، ليقيم مع ~~أسرة والدته، وإنه عمل محصل تذاكر في الأتوبيس الاسكتلندي، ثم ذهب إلى السعودية لتعليم الطلبة ~~باعتباره من أبناء اللغة، دون نجاح، وقد رأيته ذات يوم في أواخر السبعينيات (أو خلت أنني ~~رأيته) يسير بنشاط في دهاليز قسمنا. أين فريد صالح؟ # وأما سيد الناصري فقد تخصص في التاريخ في جامعة لندن، وتقلد شتى المناصب الجامعية حتى ~~أصبح رئيسا لقسم التاريخ بكلية الآداب لدينا، وكذلك أصبح نعيم اليافي رئيسا لقسم اللغة ~~العربية بجامعة دمشق، وكان وما يزال يحمل أصدق الحب لمصر وللقاهرة، وقد قابله سمير سرحان أثناء ~~مؤتمر في تونس، إبان أحلك أزمة سياسية بين القاهرة ودمشق (بسبب معاهدة الصلح مع إسرائيل)، ~~وسمعه وهو يعارض من يشتم مصر، ويهب مدافعا عن القاهرة، وكان في ذلك ما فيه من مخاطر ومن ~~مساءلات. وأما ماهر البطوطي فبعد أن عمل فترة ما في وزارة التعليم العالي، توفر على تعلم ~~اللغة الإسبانية، فأصبح يجيدها إجادته للإنجليزية والفرنسية، ومن ثم عمل في المكتب ~~التعليمي بمدريد فترة ما، ثم عاد إلى القاهرة، ثم اجتاز ms182 امتحان الترجمة بالأمم المتحدة، وبدأ ~~العمل في نيويورك عام 1978م، وشغل عدة مناصب حتى أصبح رئيسا لتحرير المطبوعات العربية ~~كلها في تلك المنظمة الدولية، وعكف في السنوات الأخيرة على الترجمة والتأليف فكتب كتبا عن ~~لوركا ونيرودا وسيرة ذاتية مختصرة هي «عزلة النسر». # وربما كان من المناسب هنا أن أروي قصة زميل لنا سأشير إليه بحروف اسمه الأولى وهي «معم» ~~فقط، زميل ماهر البطوطي وسمير سرحان في القسم، كان «معم» طموحا، وكان يشاركنا جلساتنا في «صان ~~صوصي» بميدان الجيزة، وعندما تخرج حصل على عمل بالكويت، وعاد في صيف العام التالي «مدججا ~~بالأموال» (وهو التعبير الذي أضحك أفراد الشلة جميعا). كان ذلك في صيف عام 1962م. والذي حدث ~~أننا كنا نتراسل، وكان يحتفظ بخطاباتنا لما فيها من تعزية عن عزلته، وقرأ ذات يوم بعض قصائد ~~في صحيفة من صحف الكويت، فقرر كتابة نقد عنها، وبعد أيام من نشر النقد، زار المدرسة التي ~~يعمل بها وكيل وزارة المعارف (التربية) وسأل عن كاتب المقالات، وشحب لون «معم» وأحس بأن ~~مصيره في الميزان، ولكنه عندما قابل وكيل الوزارة وجد منه عكس ما يخشى؛ إذ اتضح أنه هو صاحب ~~تلك القصائد، وأن النقد الذي كتبه لاقى في نفسه هوى، ومن ثم كلفه الوكيل بالإشراف على ~~النشاط الأدبي في المدرسة مقابل مبلغ نقدي كبير. أما الطريف في القصة فهو أن ذلك النقد كان لا ~~يزيد عن مقتطفات من الرسائل التي كان يتلقاها منا! أما العبقرية التي أدهشتني فكانت ~~تتجلى في تحويل فقرات كاملة من رسائلنا إلى نقد أدبي يمكن للجميع أن يقبلوه! # وعندما وصل «معم» بالمال، صارحني بأنه يخشى عليه ممن يعيش معهم؛ لأن أهله يريدون ~~الاستيلاء على المال لتزويجه من عانس تكبره بأعوام كثيرة، ولا تتمتع بأي قسط من التعليم، ~~وإن كانت «غضة بضة»، أو على حد تعبيره «أنثى فائرة»، ويبدو أنهم كانوا يدبرون زواجه ~~منها بطريقة فيلم «الماضي المجهول»، حيث يدخل أخوها عليهما فيجدهما في خلوة فيصيح والسكين في ~~يده «لا يسلم الشرف الرفيع من ms183 الأذى»، وبحيث يكون المخرج الأوحد هو عقد القران فورا، ~~والاستيلاء على النقود. وهكذا جاء إلي بالمال ووضعه بنفسه في الدرج (درج مكتبي الكبير) ~~واطمأن إليه ومضى. وكان يأتي كل يوم إلى المنزل (لا للاطمئنان إلى المال طبعا) فنجتمع أنا ~~وهو وماهر البطوطي لتدبير «رسائل» نقدية أخرى، أي رسائل في نقد الشاعر وكيل الوزارة للحصول على ~~المزيد من المال! # وذات يوم قال لي «معم» إن من حقنا الاحتفال بهذا النجاح بأن نذهب إلى كباريه مثل الذي ~~نراه في السينما؛ لأنه لا يصح لشباب تخرجوا في الجامعة وتحقق لهم الثراء أن يحرموا متعة ~~النساء! وبالفعل قررنا الذهاب إلى الكباريه (ملهى فتحية أحمد بشارع الألفي) وكان التمويل كما ~~يلي: خمسة جنيهات من ماهر، وعشرة جنيهات مني ومثلها من «معم»، وهنا قال «معم» إنه ما يزال ~~مدينا لي بنحو ذلك المبلغ، وكنت أقرضته بعض المال أثناء استعداده للسفر، وكان قد اشترى لي ~~قلما ذهبيا هو باركر 61 (ما يزال لدي حتى الآن) وتصورت أن في ذلك سدادا للدين، ~~ولكنه أصر على أن يتولى هو الإنفاق على ليلة الكباريه ففتحت الدرج وسحبت منه عشرين جنيها ~~ووضعتها في جيبي، وانطلقنا في المساء. # كان العرض رائعا، إذ بدأ في العاشرة ببعض الرقصات والأغاني، ثم جاء نجم السهرة وهو محمد ~~عبد المطلب، فغنى بعض أغانيه التي أشاعت البهجة في القلوب، ثم عادت الرقصات، ثم جاءت فتحية ~~أحمد نفسها (أو امرأة تشبهها) ولم أكن أعرفها إلا من الصور التي تنشرها الصحف أو من اللوحات ~~المعلقة على جدران الملهى. كانت ضخمة سميكة، وكانت تلبس ملابس فاضحة، ووقفت فغنت أغنية ~~كنت سمعتها في طفولتي للمطربة ملك، ولا أذكر منها غير الكوبليه الذي تقول فيه: # سلمت له قلبي # ونزلت في بحوره # لما الغرام قال لي # اكتب وانا أملي # قلت الهوان مكتوب! # ولا أذكر إن كان اللحن من مقام «العجم» (لأنني أعزفه من سلم دو الكبير) أم أن به «مي» ~~نصف بيمول، وربما يكون من مقام البيات، وكانت المطربة الكبيرة تتمايل وتتشخلع وهي ms184 تؤدي ~~الأغنية، وكان أداؤها يبعث على الضحك، وكنت آنذاك أذكر قول جدتي «الشايب لما يدلع، زي الباب ~~لما يتخلع!» ولجدتي أقوال أخرى في هذا الباب فكانت تقول عن أم كلثوم وغيرها من المطربات: ~~«أخذت الصحيح وأعطتهم الريح» أي إنها نالت النقود ولم تعط السامعين شيئا! وعلى أي حال فقد ~~استمتعت بفكرة الكباريه نفسها، خصوصا جو الأضواء الخافتة في الصالة، ومنظر البلطجية الواقفين ~~على الأبواب! وبعد انتهاء العرض، أنزلت الستار، ورحل البعض، بينما اقترح «معم» أن نشرب ~~«شمبانيا»، وإلا فما معنى الكباريه. وأين النساء؟ # وذهب ثلاثتنا إلى «لوج» جانبي، وهو ركن من أركان كثيرة على جوانب الصالة، ولمحت بطرف ~~عيني وأنا أدلف إليه ضابط شرطة كبيرا أعرفه خير المعرفة، وكان يجلس بجثته الضخمة وكرشه ~~الهائل في مقعد وثير ذي مساند، وحوله ثلاث فتيات. كان متزوجا من خالة أحد أصدقائي، وكان له ~~سبعة أبناء، أحدهم طبيب حديث التخرج كنت لا أتردد في استشارته عندما أصاب بالتهاب في الحلق ~~أو في القولون! وعلى الفور جاءت ثلاث فتيات فجلسن معنا، وتبينت من ملامح إحداهن أنها ~~كانت الراقصة التي صاحبت المطربة المشهورة، وبمجرد جلوسهن جاء النادل فقالت الراقصة هات لنا ~~شمبانيا! وسمعت الصوت الداخلي يصيح في أعماقي: هذا هو الكباريه إذن! وهذه هي الشمبانيا! نحن في ~~مشهد سينمائي ولكن أين فريد شوقي؟ وسألتها في حذر (فأنا أمين الصندوق) كم سعر الكأس؟ وأجابت: ~~خمسين قرش! ولم أعلق. وعندما جاءت المشروبات وذقتها كنت متأكدا أنها مشروبات غازية عادية، ~~ولكنني دفعت ثلاثة جنيهات للنادل، أخذها وانصرف. # وسرعان ما أدركت إحداهن أن «رئيس» الشلة هو «معم»، فهو الذي يأمر بالإنفاق، فجلست إلى ~~جواره على الأريكة، وأتاحت له أن يرى بعض ما كان يرجوه، بل وأن يلمس بعض ما كان ينشده، وعلى ~~الفور أمرني بطلب المزيد من «الشمبانيا»، وتنبه ماهر إلى «اللعبة» فحذره وحذرني، ولكن ~~«معم» كان قاطعا حاسما، بل ومنفعلا، فطلبنا المزيد والمزيد، وبدأت أحس بالخداع، ولم يعد ~~يروقني ما يحدث فبدأت الحوار مع الفتاة التي كانت تجالسني فصارحتني ms185 بأن شكوكي صحيحة، وأن ~~أثمان التذاكر لا تكفي لتغطية نفقات المحل، ولا بد من حيلة «الشمبانيا» لكسب المال. وسألتها ~~عن الضابط الكبير فضحكت وقالت إنه شخص مهم ومفيد، دون أن تقول لي أي شيء عنه، ولم أشأ أن أفشي ~~أنا السر، وأدركت منها أنه يسهر هنا مجانا؛ لأنه ينفع العاملين في الملهى في الحالات الحرجة، ~~وأخيرا طلبت منها أن تحدثني بصراحة عما يشاع عن حياة اللهو والعربدة وصورة الكباريه في ~~السينما، فقالت لي باقتضاب: إنها أم لثلاثة أطفال وإنها ترجو أن «أقرضها» خمسين قرشا من ~~ميزانية السهرة وألا أفصح عنها لزميلتيها؛ فإن أصحاب الملهى لا يدفعون لها ما يكفي من المال، ~~وأنها تخفي عن أطفالها حقيقة عملها الذي يجلب لها العار، وأنها تزعم في الحي الذي تقيم فيه ~~أنها ممرضة، وأن لها اسما آخر يختلف تماما عن اسم الشهرة التي تظهر به في الملهى، ~~وباختصار أظهرت نفسها في صورة الضحية البريئة للمجتمع القاسي، ولم أعرف هل أصدق ما أسمع أم ~~أكذبه، ولكنني دفعت لها ما طلبته سرا، فأخفت الورقة في طيات ملابسها، وحينما رأيت أن ~~«معم» قد اندمج مع زميلته إلى حد لا تسمح به الميزانية طلبت من ماهر أن يحمله على الانصراف. ~~ونهض ثلاثتنا وانصرفنا. # وبعد يومين زارني «معم» وأخذ نقوده وانصرف، ولم أسمع عنه بعد ذلك؛ أي بعد رحيله إلى الكويت، ~~وعندما عدت من إنجلترا عام 1975م كنت أسير في شارع جانبي متفرع من أحد الشوارع المطلة ~~على ميدان الجيزة، فلمحته يسير وحده وناديته لكنه لم يسمع ندائي، وعندما انعطفت في حارة ~~تابعته لكنه اختفى ولا أعرف أين ذهب حتى الآن. # ولم يكن «معم» إلا واحدا من زملاء الكلية الذين اختفوا من حياة القاهرة، وقدر لي أن ~~أرى بعضهم في مناسبات غريبة، مثل شخص يدعى «الزغبي» (ولا أذكر اسمه الأول) قابلته بعد عودتي ~~من إنجلترا وعاملته بحرارة، مستجيبا للحرارة التي استقبلني بها في أحد المؤتمرات الاقتصادية ~~التي عملت فيها بالترجمة، وفوجئت بعد قليل بأنه يعامل باعتباره رجلا من ms186 كبار رجال الأعمال ~~الأمريكيين، وسألته ضاحكا: إنت بقيت مليونير؟ فرد ضاحكا: أنا بدأت مليونير! دلوقتي عندي ~~بيزنيس بمئات الملايين، وإن شاء الله نستثمر في مصر! ولم أره بعد ذلك. # أما المليونير الآخر الذي ما فتئ يظهر ويختفي فهو منسي يوسف. وقصة منسي قصة لا تنسى. ففي ~~يوم من أيام أكتوبر 1963م جاءنا فراش القسم بالكلية (عم علي رحمه الله) ليقول إن الدكتور ~~منسي في انتظار طلبة الدراسات العليا. ولم أعرف أن أحدا في الكلية اسمه الدكتور منسي، ~~فدفعني حب الاستطلاع إلى النهوض وذهبت إلى المكتبة فرأيت رجلا ربعة أسمر، يميل إلى ~~الصلع، ويشبه رشاد رشدي إلى حد بعيد، وكان يجلس صامتا وألقيت عليه التحية فرد ~~بالإنجليزية «هالو». وكان أول انطباع لي أنه أمريكي زنجي، مثل الأستاذ «بوس» ~~(Boas) # الذي كان يدرس الأدب الأمريكي مع «بوب هاتش» ~~(Bob Hatch) # للسنة الرابعة، ولكنني عرفت فيما بعد أنه ~~مصري. # كان اسمه بالكامل ميخائيل منسي يوسف بسطاوروس، وكان صعيديا قحا، وقصته باختصار هي أنه ~~جاء إلى رشاد رشدي وقال له إنه حصل على الدكتوراه في الدراما من جامعة لندن، وإنه يريد ترجمة ~~مسرحياته إلى الإنجليزية ونشرها في لندن، وأضاف أنه يقوم بتدريس الدراما حاليا في الجامعة ~~الأمريكية، ويود أن يدرس للطلبة هذه المسرحيات، ولكنها - وللأسف - بالعربية! وبانتهاء ~~الجلسة كان الدكتور منسي يوسف يتولى تدريس الدراما لطلبة الدراسات العليا، وحصل على خطاب من ~~القسم، مختوم من الكلية، بأنه أستاذ الدراما. # وبعد أسابيع فوجئ الجميع بمقال نقدي في الدراما منشور في صحيفة الأخبار باسم الدكتور ~~منسي يوسف، واتضح أنه ذهب إلى مكتب وزير الإعلام وقدم نفسه على أنه المتخصص الأوحد في ~~الدراما ومستنكرا استبعاده من الصحافة، وعلى الفور اتصل الدكتور عبد القادر حاتم برئيس تحرير ~~الأخبار واتفق معه على تعيينه كاتب عمود في الصحيفة! # وبدأ نجم منسي يوسف في الصعود حين أفصح القدر عن مفاجأة لم تكن متوقعة؛ إذ رآه ~~الدكتور شفيق مجلي الذي كان قد حصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من كلية بدفورد بجامعة ms187 ~~لندن، كما رآه الدكتور عبد المحسن طه بدر الذي عاد من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة ~~لندن بعد أن قضى فترة دراسية طويلة، وأنكر كل منهما معرفته بمنسي (وكان منسي يصر على أنه ~~حصل على الدكتوراه من الكلية الأولى، فلما حوصر أنكر وعاد يقول إنه حصل عليها من الثانية). ~~وتردد في الوسط الفني أنه غير حاصل على الدكتوراه، فطالبته جامعة القاهرة بتقديم ما يثبت ~~حصوله على تلك الشهادة، فتلكأ واعترض وماطل، ثم أقلع عن المجيء إلى الجامعة، ثم طالبته ~~الجامعة الأمريكية كذلك بأوراق رسمية، وكانت النتيجة مماثلة، ثم طالبته الصحف بشهادة أو ما ~~يوازيها من أوراق، ولم يكن حظه أفضل، وذات يوم وصل أحد أصدقائنا من خريجي جامعة ~~الإسكندرية، وضربت له موعدا في فندق سميراميس، وكان يعمل في الإذاعة البريطانية في قسم ~~الاستماع خارج لندن، وكان معنا في الجلسة (التي ضمتني أنا وسمير ورشاد رشدي ونعمان عاشور) ~~منسي يوسف. وبمجرد أن وصل ممدوح عياد (صديقي الإسكندراني) حتى أخذ منسي بالأحضان، وهو يصيح: ~~مايكل! مايكل! يخرب بيتك! بتعمل إيه هنا؟ # وقص علينا ممدوح قصة مايكل (ميخائيل) الذي كان يعمل في الإذاعة البريطانية مترجما، ~~ويقوم في نفس الوقت بالتمثيل في البرامج الهندية، مما كان يعتبر مخالفا للوائح، وبعد ~~تحذيره عدة مرات، فصلته الإذاعة فجاء إلى مصر بقصة الدكتوراه! وكان اسمه أثناء وجوده في لندن ~~مايكل بسطاوروس، واسمه في مصر منسي يوسف، وكان يزعم للهنود أنه هندي، وللإنجليزي أنه من أصل ~~أفريقي متخصص في لهجات أفريقيا السوداء، ولغيرهم أنه مصري (وهذا هو الصحيح)، وأخيرا سافر ~~منسي فجأة ليعود بزوجته الإنجليزية وأولاده الأربعة - ولكنه لم يعد يظهر في الوسط المسرحي. ~~وعندما ذهبت إلى إنجلترا عام 1965م كنت أجلس في مطعم كلية بدفورد بجامعة لندن حين وجدته ~~مقبلا علي مع فتاة مصرية ذات وجه مصري مليح، قدمها لي على أنها إحدى قريباته، وقال ~~لي: لقد نجحت في إخراجها من مصر بأن أتيت بواسطة ضابط كبير في قسم تأشيرات الخروج. وعندما ~~سألته عن الضابط قال لي: ms188 أنا! اكتشفت أن ارتداء الزي العسكري دون أوراق رسمية لا يعتبر ~~تزويرا، فدخلت المجمع (مجمع التحرير) وأنهيت أوراقها ثم تخلصت من البدلة الرسمية! ~~ولم أكن أريد أن أصدقه، ولكن الذي حدث بعد ذلك جعلني أميل إلى تصديقه! # أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية عن رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1966م بسعر ~~مخفض هو 65 جنيها (ذهابا وإيابا) للعاملين بها، واستطاع هو بطريقة ما الحصول على تذكرة ~~وسافر ولم يعد، وفي منتصف السبعينيات كان سعد الدين وهبة، الكاتب المشهور، في زيارة ~~لأمريكا حين التقى بصاحبنا الذي عرض عليه شراء إحدى محطات الإذاعة الأهلية التي يملكها، ولما ~~سألني سعد وهبة قصصت عليه قصته، ولم أسمع عنه شيئا على مدى السنوات العشرين الماضية! # وكان نمط القدوم والرحيل - وهو ما أحسسناه في مسرح تشيخوف - قد وجد طريقه إلى قسم اللغة ~~الإنجليزية أيضا! وكان من آفات هذا القسم وجود عدد من «غير المنتمين»؛ أي الذين لا يرون ~~أنهم من المصريين حقا وصدقا، وقد يكون أحدهم «نصف مصري»؛ أي أن تكون له أم أجنبية، ~~يتعلم منها اللغة الإنجليزية فيتفوق في الدراسة في القسم ثم ما يلبث أن يهجر مصر إلى ~~الأبد، وقد يكون مصريا خالصا لكنه يشعر بأن جذوره مبتوتة بالمجتمع المصري بسبب ضعفه في ~~اللغة العربية، وكان من بين زملائي - من النوع الأول - سلمى غانم التي عادت آنذاك بالدكتوراه؛ ~~إذ حصلت عليها في زمن قياسي، وكان أبوها هو محمد محمد غانم مفتش أول اللغة الإنجليزية وأمها ~~اسكتلندية، ولم تلبث سلمى، كما ذكرت، أن هاجرت إلى كندا، واصطحبت معها زوجها الطبيب، ثم ~~انقطعت أخبارها عنا إلى الأبد! وكان من زملائي - من النوع الثاني - عايدة فراج طايع وعمرو حسن ~~برادة اللذان هاجرا إلى كندا والولايات المتحدة، على الترتيب، واختفت الأولى، ولم نعد ~~نسمع عنها، بينما ظل عمرو وفيا لأسرته في مصر، يزورهم من حين لآخر، وعندما رأيته آخر مرة، ~~كانت معه امرأة أمريكية في منتصف العمر - وكان ذلك في أوائل التسعينيات - قدمني إليها ثم ~~قدمه إلي قائلا: «جلوريا ms189 .. خطيبتي!» ووقفنا نتحدث عدة دقائق، وأنا أحاول إحياء بعض ~~بذور الصداقة القديمة التي ذبلت، فوقفت أحادثه وأستطلع أخباره، فأخبرني أنه اتجه إلى ~~دراسة علم النفس، وأنه تخصص في تعليم اللغة الإنجليزية للأجانب من ضعاف العقول أو من ~~المعوقين (ونحن في مصر نسميه «المتخلفين عقليا»)، خصوصا من أبناء البلدان العربية الغنية ~~جدا، وقال لي إن معظم هؤلاء يدرسون في أمريكا فيما يسمى بالتعليم العلاجي، وأعدادهم كبيرة ~~جدا، وأموالهم طائلة. وقال لي إنه، باعتباره عربيا، يستعين في تعليمهم الإنجليزية بشذرات ~~اللغة العربية التي يعرفها، وإن دراسة علم النفس أتاحت له عملا مربحا. # وكانت هجرة «أنصاف المصريين» الذين يفوزون بالبعثات الدراسية ويتعلمون في الخارج على ~~حساب الشعب تؤلمني كثيرا؛ فما أزال أرى أن مهمة دارس اللغات الأجنبية هي أن يكون وسيطا ~~بين علوم الغرب وفكره وبين التراث العربي الحي، لا أن يختفي من حياتنا بعد أن علمناه ~~وأنفقنا عليه الآلاف (بل عشرات الآلاف) وأعطيناه مزايا كان غيره أولى وأحق بها. ولذلك ~~كنت وما أزال أهتم بالأدب العربي وباللغة العربية اهتماما يوازي، إن لم يكن يفوق اهتمامي ~~باللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي. # 6 # كانت سلسلة النقد الأدبي - وهي الكتيبات التي شاركت فيها بالنقد التحليلي، وشارك فيها ~~سمير سرحان ب «النقد الموضوعي»، والدكتور فايز إسكندر ب «النقد النفسي»، وعبد العزيز حمودة ب ~~«علم الجمال» - بمثابة الثمرة الثانية لحركة النقد الأدبي العربي المعاصر، فقبل ذلك كانت كتب ~~النقد ذات طابع عام أو خلافي، فكتاب الدكتور محمد مندور «النقد المنهجي عند العرب» (وهو ~~فيما علمت رسالته التي تقدم بها للدكتوراه) يرصد النقد العربي بصفة عامة مركزا على ~~المنهج الشكلي أو اللغوي في التراث، وكتابه العظيم الآخر «في الميزان الجديد» يقدم كما سبق ~~لي أن ذكرت منهج شرح النصوص وهو المنهج الفرنسي الذي أدى في النهاية إلى مولد المدارس ~~الفرنسية الحديثة التي يطلق عليها اسم المدارس النظرية أو «النظرية» فحسب، وكانت المحاولات ~~الأخرى من جانب كبار الأساتذة مثل ترجمة الدكتور محمد مصطفى بدوي لجورج سانتيانا، وكتاب الغنيمي ~~هلال عن ms190 الرومانسية، تمثل جهودا تستلهم المبدأ الذي وضعه طه حسين منذ مطلع العشرينيات وهو ~~اعتبار الأدب فنا لغويا في المقام الأول، أو كما كان يقول دائما «باعتباره فنا جميلا ~~يتوسل باللغة». وكنت قرأت مقدمته (التي نشرها على صورة تذييل أو ذيل) لكتاب «فجر الإسلام» ~~لأحمد أمين عام 1923م، فشهدت له بالريادة، ورأيت أن تلاميذه الكبار (من أمثال لويس عوض وسهير ~~القلماوي) كانوا يمهدون الطريق لحركة نقدية بناءة، وكانت السلسلة التي يشرف عليها رشاد ~~رشدي ونشارك فيها بمثابة الثمرة «الثانية» كما قلت، بمعنى أنها تؤكد وجود الشجرة، وتعد ~~بالمزيد من الثمار! # ولكنها كانت كتبا محدودة النطاق إلى درجة كبيرة؛ فكل منها يقدم ناقدا أجنبيا ~~بعينه؛ إذ قدمت أنا «كلينت بروكس»، وقدم سمير سرحان «ماثيو أرنولد»، وقدم فايز إسكندر ~~«أ. أ. ريتشاردز»، وقدم حمودة «كروتشي». وكانت إلى ذلك تركز على فنية الفن أو أدبية ~~الأدب، مما أوحى للبعض بأن حركة النقد الجديد التي كنا نرصدها في أمريكا وأوروبا حركة تنكر ~~صلة العمل الأدبي بالمجتمع أو بالحياة المادية الواقعية خارج نفس الفنان أو خارج العمل ~~الأدبي، وكان ذلك بعيدا كل البعد عن الواقع. فالهدف الأساسي من السلسلة كان إلقاء الضوء ~~على جانب من جوانب الأدب لم يترسخ بعد الرسوخ اللازم، ولم يكن معنى التركيز على جانب ~~تجاهل الجوانب الأخرى، ولكن أنصار «النقد الأيديولوجي» - على اختلافهم - رأوا فيها فرصة ~~سانحة للهجوم على رشاد رشدي الذي كان نجمه قد سطع، وكان يتمتع بالقدرة على مجالدة الخصوم ~~مهما كثروا والانتصار عليهم! # وكانت جماعة «النقد الجديد» التي كونها رشاد رشدي في العام السابق تضم نقادا ~~وكتابا لا يمكن أن ينتموا جميعا إلى النقد الجديد، وأذكر أننا اجتمعنا ذات مرة حول منضدة ~~كبيرة في المسرح القومي، وكان من بين الجالسين سعد الدين وهبة، ونعمان عاشور وعبد المنعم سليم، ~~وأننا اجتمعنا مرة أخرى في مجلة «بناء الوطن» في مجلس قيادة الثورة القديم بالجزيرة، وكان من ~~بين الحضور الدكتور محمد صقر خفاجة والدكتورة سهير القلماوي! وأننا عقدنا ندوة لمناقشة ~~التطور الموسيقي ms191 لمحمد عبد الوهاب، حضرها الموسيقار الكبير بصحبة صديقه الدكتور مصطفى محمود، ~~وكان المحاضر هو سليمان جميل، والمعلق هو سعيد عزت! ومع ذلك، ورغم اختلاف النزعات والاتجاهات، ~~أحس كبار نقاد العربية، خصوصا من أبناء دار العلوم، بخطورة «الحركة»، وسرعان ما كونوا ~~جماعة «النقد القديم» وكانت تضم الدكتور الغنيمي هلال، ومحمد مندور، وعبد القادر القط ... ~~وآخرين! وكتب الدكتور هلال «مانيفستو الجماعة» الذي ركز فيه على الرسالة القومية للأدب، ~~وكان في ذلك يناشد السلطة أن تناصر الجماعة «المحافظة» وأن تحمي المجتمع من دعاة «الفن للفن»، ~~ولا شك أن رشدي كان يتوجه من طرف خفي أيضا إلى السلطة؛ طلبا للحماية من «التيارات ~~الشيوعية»! # كان اللون السياسي مقحما على المعركة، مما جعل الكثيرين يحسون بأنها لم تكن معركة ~~أدبية «خالصة»، ولكن النتيجة كانت لونا من الاستقطاب؛ فالاشتراكية التي تدعو إليها الدولة ~~رسميا تتضمن جوهرا من المبادئ السامية التي لا يمكن لعاقل أن ينكرها، وكان بعض أفراد ~~«جماعتنا» من أعضاء اليسار المشهود لهم بالامتياز؛ مثل لطفي الخولي ولطيفة الزيات! ولذلك كان من ~~التبسيط المخل تقسيم التيارات الأدبية حينذاك إلى يمين ويسار، أو إلى مناصري الفن ومناصري ~~الأيديولوجيا؛ فكل من الجانبين يسلم بأن الآخر على حق في بعض المبادئ الأساسية، بل وفي ~~المبدأ الجوهري الأول وهو أن يكون الفن فنا، وإن كان فريق النقد الجديد يفضل إقصاء ~~الاعتبارات غير الفنية عند «الحكم على قيمة» العمل الأدبي، بينما يصر فريق النقد القديم على ~~أن تكون لهذه الاعتبارات أهمية أولى، إلى جانب تفضيل فريق النقد الجديد إرجاء الحكم على ~~القيمة إلى ما بعد التحليل الفني، وتفضيل فريق النقد الجديد إلى أن يكون الحكم هو الأساس، وأن ~~يكون المعيار هو الفكر أو الأيديولوجيا جنبا إلى جنب مع الفن! # ولم أكن آنذاك مولعا بالنظريات، بل كان همي هو الكتابة الإبداعية، ونجحت خلال عام ~~1963م في حجز مكان لدراسة الأنثروبولوجيا بجامعة أكسفورد، كما استطعت حجز مكان لدراسة علم ~~اللغة الحديث بمعهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن. ولكن عام 1963م شهد بزوغ نجم علي ms192 صبري، ~~ووصوله إلى رئاسة الوزارة، وكنت أعرف من صديقي فتحي رضوان أخبار الصراع في دوائر السلطة ~~العليا بين فريق عبد الحكيم عامر وفريق عبد الناصر؛ فالصداقة بين الرجلين لم تمنع أن يكون لكل ~~منهما رجاله، فكان الأول عدوا لعبد القادر حاتم، فيما علمت، وكان ذلك وراء عرضه بالتحقيق في ~~موضوع مسرحيتي؛ لأنه كان يترصد الأخطاء له في مسرح التلفزيون، وكنت أتابع ما يدور من بعيد ~~فأنا لا أحب السلطة بطبيعتي وأنفر منها. ولكن قرار علي صبري آنذاك بمنع المواطنين من السفر ~~إلا بموافقة شخصية منه جعلنا جميعا نحس بالسلطة ونعمل لها ألف حساب. # صدر في صيف 1963م كتاب «درايدن والشعر المسرحي» (دار المعرفة)، وبعده بقليل صدرت ترجمتي ~~لكتاب «حول مائدة المعرفة» (دار فرانكلين) وكان على غلاف الأول اسمي واسم مجدي وهبة، وعلى غلاف ~~الثاني اسمي واسم المراجع عثمان نوية، واسم كاتب المقدمات - عباس محمود العقاد! ولكن ~~انشغالي الأول في الصيف كان بمسرحية البر الغربي! كانت المسرحية تصور كيف تصنع قرية على ~~شاطئ النيل الشرقي صورة البطل الذي يتخذ صورة الخط أو السفاح أو المجرم العاتي، فهو ~~ما يسمى في النقد بالبطل الضد، ولكن القرية تحس بأنها في حاجة إليه باعتباره الخطر القائم ~~في الشاطئ الغربي، والذي تفصلها عنه مياه النيل! إنه «قوة» غامضة، وقد يكون شخصا لا وجود له، ~~ولكنه يعتبر «الخطر» الذي يوحد جهود أبناء القرية، ويجعل لها «قضية»، وإذا كان صحيحا أن ~~القرية قد تعايشت مع هذا الخطر باعتباره قدرا لا فكاك منه، فإنها لا تنفك تحلم بزواله، ~~وتبدأ الأحداث الحقيقية في المسرحية حين «يشاع» أن ذلك المجرم قد قتل، ويتهم بقتله مدرس ~~بسيط، وهو بطبيعة الحال بريء، وعندما يطلق سراحه ويعود إلى القرية، يجد من جانب الجميع ~~تمجيدا وإكبارا وإجلالا «يوهمه» أنه حقا بطل! وسرعان ما يتحول البطل المنقذ إلى خطر ~~داهم، وهو خطر يعيش بين ظهرانيهم هذه المرة، ولا تفصلهم عنه مياه النيل! ويتمثل جوهر ~~المسرحية في التحول الذي ينتاب «البطل» المزعوم؛ إذ يتحول إلى «بطل ms193 ضد»، ويصبح خطره ~~محسوسا؛ فهو يفرض الإتاوات ويتحكم في الحياة الاقتصادية بل وفي الحياة اليومية للقرية، حتى ~~نصل إلى ذروة تحس فيها القرية بحاجة ملحة إلى التخلص منه! وعندما يقتل «البطل الجديد» ~~تنسب القرية شرف الخلاص إلى شخص أبعد ما يكون عن البطولة، وهو عبيط القرية! ومثلما حدث ~~للمدرس البسيط، يطلق سراح العبيط ويعود إلى القرية لتكلل هامته بأكاليل الغار، ومن ~~ثم يصبح «البطل الضد» الجديد! # وهكذا تنتهي المسرحية. والبطولة فيها ولا شك ليست للأفراد بل للمجموع، وهو مجموع يعيش في ~~ظل تراث رهيب من الظلم والقهر، جعله يعتمد على وجود «خطر ما»، سواء كان هذا الخطر ~~حقيقيا أو متوهما، وأما الخطر كل الخطر فهو أن يتحول «الخطر البعيد» إلى «خطر قريب» يعيش ~~بين ظهراني أهالي القرية، والشخصيات التي تصورها المسرحية ليست فقط شخصيات «واقعية»، بل ~~أكاد أقولها إنها حقيقية بمعنى أنني لم أكن «أختلقها» بل أكاد أنقلها من الواقع نقلا! كانت ~~فكرة استبدال خطر داخلي بخطر خارجي مستوحاة، بطبيعة الحال، من الواقع السياسي، وربما كانت ~~قصة «الخوف» التي كتبها نجيب محفوظ ورواها الدكتور محمد أنيس تكمن في مكان ما من ذهني، ~~ولكنني كنت أحس بوجود مغزى معين على المستوى النفسي، أي على المستوى الفردي، لأحداث ~~المسرحية، فالوهم عامل نفسي فردي، وقد يسيطر على الجماعة، ولكنه يظل فرديا في ~~النهاية! # وبعد كتابة المسرحية قرأتها، بحضور سمير سرحان، على الدكتور رشاد رشدي فاقترح بعض ~~التعديلات التي أجريتها فورا؛ إذ كانت طفيفة، واقترح حذف المشهد الثاني من الفصل الثاني لأنه ~~ممل ويوقف سير الحدث! وأظهرت أو تظاهرت بالموافقة ولكنني أبقيت عليه. وبدأنا بعد ذلك ~~إجراءات التقدم بها رسميا إلى مسرح الحكيم الذي كان المخرج العظيم جلال الشرقاوي قد تولى ~~إدارته، وعملية إسنادها إلى أحد المخرجين. واقترح جلال الشرقاوي مخرجا عاد لتوه من البعثة ~~الدراسية إلى المجر اسمه كمال عيد (الدكتور). وبعد أن قرأها كمال قال لي إن بها شبها من ~~مسرحية أيرلندية هي # The Playboy of the Western World # للمؤلف ~~سينج! (فتى ms194 الغرب المدلل) ولم أكن قد قرأت تلك المسرحية ولكنني لم أعترض. واصطحبني كمال ~~إلى منزله بحدائق القبة، وعرفني بأسرته، وكان قد تزوج من فتاة مجرية رائعة الجمال، وعندما ~~أبديت إعجابي بهذا الإنجاز قال لي بفخر: «أبوها جنرال شيوعي كبير!» وكان الواضح أن انبهاري ~~بجمالها قد زاد عن الحد فهمس لي: «عارف أنا ازاي نجحت؟ رحت لهم البيت على طول!» وبعد دراسة ~~للنص استمرت حتى الهزيع الثاني من الليل، اقترح أن أبيت معهم، وفعلت، وفي الصباح اتجهنا ~~إلى المسرح حيث قدم كمال قائمة بالممثلين الذي يريدهم إلى جلال الشرقاوي. وكان جلال حاسما ~~في رفضه للقائمة إذ أصر على أن يقوم بجميع الأدوار أبطال «فرقة مسرح الحكيم» مع الاقتصار على ~~نجم أو نجمين فقط من خارج الفرقة. ورفض كمال، وانسحب، ووضعت المسرحية في الدرج. # كان المقرر أن تعرض فرقة الحكيم مسرحية واحدة في الشهر، يتم تصويرها تلفزيونيا ثم ~~يعرض غيرها، وكانت مسرحية الافتتاح هي «بيجماليون» من تأليف توفيق الحكيم طبعا، وكان المخرج ~~هو نبيل الألفي. وكان المقرر أن يعرض المسرح بعدها مسرحية «الأرانب» من تأليف لطفي الخولي ~~وإخراج جلال الشرقاوي، وبعدها البر الغربي. وكانت بروفات مسرحية «بيجماليون» تسير على قدم ~~وساق، حين اقترح أحدهم إسناد «البر الغربي» إلى محمود مرسي، وكان يشاع أنه قد عاد من ~~أمريكا وأنه قادر على صنع المعجزات . وبعد أن قرأ محمود النص، اتصل بي تليفونيا وضرب لي ~~موعدا في سميراميس (في مقهى الفندق الذي أصبح مكان اللقاء المعتاد). وعندما قابلته في المساء ~~قال لي: «إنت ناوي تسافر بعثة وتشتغل في الحكومة؟ يعني خايف على مستقبلك الأكاديمي والعملي؟» ~~ولما أبديت دهشتي لهذه الأسئلة قال لي: «أنصحك تنسى «البر الغربي»!» وبدأ في تحليل النص ~~تحليلا غريبا وغير متوقع، انتهى منه إلى أن المسرحية «ضد النظام» وأنها تسخر في الواقع من ~~الحكام، وعلى رأسهم طبعا .. جمال عبد الناصر! وذهبت اعتراضاتي أدراج الرياح؛ إذ انتهى ~~بالاعتذار عن إخراجها لأنه يخشى على مستقبله، قائلا بضحكة مكتومة: «العمر موش ~~بعزقة!» # في عام 1962م ms195 كان من بين الخريجين عدد كبير من الموهوبين في الترجمة، وكنت أعلمهم ~~الترجمة بعد تخرجي، أهمهم شاب نابه قدر له أن ينضم إلى الشلة هو فاروق عبد الوهاب، ~~وكان من بين أفراد تلك المجموعة عدد قدر له أن يشغل مناصب كبيرة في الهيئات الدولية مثل ~~شوقي مدبولي مصطفى الذي أصبح الآن رئيسا للقسم العربي بهيئة الطيران المدني الدولية في ~~مونتريال بكندا، وعبد العليم الأبيض الذي يعمل مستشارا إعلاميا لمصر في الولايات المتحدة، ~~وأيمن الأمير الذي يعمل رئيسا لدائرة الإعلام بالأمم المتحدة في نيويورك، ومحمد العليمي الذي ~~عمل مترجما ومراجعا بالأمم المتحدة فترة طويلة. وقد استفاد الجميع فائدة كبيرة من إعادة ~~إنشاء وكالة أنباء الشرق الأوسط، خصوصا القسم الإنجليزي الذي كان يشرف عليه زين العابدين ~~نجاتي (أخو الدكتور عثمان نجاتي أستاذ علم النفس بالكلية)، إذ تعلموا في الوكالة فنون ~~الترجمة الإنجليزية والفنون الصحفية الأخرى، وكانوا جميعا من أصدقائي المقربين، بينما كنت ~~أنا ما زلت في بحث دائب عن مكان مستقل أبتعد فيه عن الناس وأخلو لنفسي وعملي الذي لا ~~ينقطع. # كان صديقي الحميم أحمد السودة قد عين وكيلا للنيابة الإدارية، وهي الهيئة التي كانت قد ~~أنشئت من فترة قصيرة، ولكنه كان يتردد - ريثما يتم تعيينه - على مكتب أحد المحامين الأذكياء ~~واسمه محمد عبد المطلب، وكان مكتبه يقع في عمارة أنور وجدي بباب اللوق، وكنت أتردد مع صديقي على ~~هذا المحامي، وهناك تعرفت على بعض المحامين كان أهمهم كمال خالد الذي قدر له أن يشتهر فيما ~~بعد بالدفاع عن القضايا السياسية. وفي عام 1962م ترك محمد عبد المطلب المكتب، وترك لي مفتاحه ~~حتى أستخدمه في الكتابة حينما أريد، ومن ثم نقلت إليه بعض الأدوات المكتبية والأشياء ~~التي تلزمني ومن بينها العود القديم الذي كنت اشتريته من محمود علي. # وفي الوقت نفسه شاركت أحد الأصدقاء في استئجار شقة في شارع الإخشيد بالروضة، وكنت أختبئ ~~فيها عن الدنيا والناس حين أريد التركيز في عمل أدبي أو في ترجمة شيء ما، وكان إيجار الشقة ~~ثمانية ms196 جنيهات في الشهر، أدفع منها أربعة، وأتولى الإنفاق على كل مستلزماتها أثناء سفره؛ إذ كان ~~يعمل في الخارج ولا يعود إلا في الصيف. وفي خريف عام 1963م كان شغلي الشاغل هو أن ترى «البر ~~الغربي» النور، فكنت أقضي ساعات طويلة في تنقيحها أو في ترجمة مسرحية شكسبير «حلم ليلة صيف» ~~دون أن أحلم بنشرها، فمن أكون إلى جانب أساطين الترجمة الأدبية في بلادنا؟ ولكنني كنت أكتب ~~الشعر الذي أحتفظ به لنفسي بعد أن قررت هجرة هذا الفن «على المستوى العام»! # كانت مزية شقة الروضة هي أنها تطل عبر النيل على كازينور! فكنت أعبر كوبري عباس ~~للانتقال من المقهى إلى الشقة أو العكس، وقد أبقيت هذه الشقة سرا كاملا حتى لا يعرفها ~~الأصدقاء فتراودهم نفوسهم باستغلالها لأغراض لا أرضاها، وكثيرا ما كنت أقضي الليل كله ~~جالسا إلى المنضدة التي اتخذتها مكتبا حتى يبزغ الفجر، ثم أسير مع النسمات الأولى للصباح ~~حتى ميدان الجيزة ثم أستقل الأتوبيس إلى منزلنا فأنام حتى الظهيرة! # وفي خريف عام 1963م بدا لنا جميعا أن أحلام السفر قد تحطمت على صخرة علي صبري، وأن ~~المستقبل الأكاديمي كئيب مظلم، وكان أصدقاؤنا يشفقون علينا من المأزق الذي نعيش فيه، فلا ~~نحن انتهينا من رسائل الماجستير، ولا نحن سافرنا، ولا نحن حققنا أمجادا أدبية مما كنا نطمح ~~فيه. وناقشت الأمر ذات يوم مع الدكتور مجدي وهبة فقال لي: عليك بالصبر؛ فأنت ما زلت صغيرا، ~~والحياة الجامعية «حبالها طويلة»، ودعاني إلى فنجان قهوة في المساء في «لاباس» (بشارع قصر ~~النيل) مع بعض الأصدقاء، ودهشت عندما ذهبت؛ لأن هؤلاء الأصدقاء كانوا يعرفونني جيدا، وبعد ~~محاورات قال أحدهم: لقد كلمت لطفي الخولي في الموضوع، وهو على استعداد لمساعدتك في موضوع ~~السفر وموضوع المسرحية! وفعلا عندما قابلت لطفي الخولي قال لي: «المسرحية حلوة وجريئة وضد ~~الدكتاتورية .. وإحنا بلد ضد الدكتاتورية .. ولازم ألاقي لك مخرج تقدمي يعملها!» أما البعثة ~~فقال إنه يعرف وزيرا مفوضا اسمه سميح أنور يستطيع مخاطبة علي صبري في الموضوع. # وكان المخرج ms197 التقدمي هو عبد القادر التلمساني الذي قرأ النص في ديسمبر، ولم يتمسك بأي ~~ممثلين من النجوم، ولكنه اقترح بعض التعديلات؛ من بينها حذف مشهد الأراجوز الأخير، وهو فعلا ~~أسوأ مشهد في المسرحية. الغريب أن كل مخرج كان يقول لي ما قاله رشاد رشدي من ضرورة حذف المشهد ~~الثاني من الفصل الثاني! وقد حذفه المخرج هذه المرة دون استشارتي! # وفي ديسمبر كان هناك حدثان مهمان يلوحان في الأفق؛ أولهما اقتراب موعد غناء أم كلثوم من ~~تلحين عبد الوهاب، والثاني صدور مجلة المسرح التي يرأسها رشاد رشدي ويعمل في سكرتارية تحريرها ~~سمير سرحان وأنا. وفي مستهل عام 1964م افتتح مسرح الحكيم بمسرحية «بيجماليون» - وكان البطل هو ~~حسين الشربيني، والبطلة بثينة حسن (التي كانت آنذاك زوجة للممثل حسن مصطفى). وكان العرض ~~محزنا كئيبا؛ فالأبطال يتكلمون العربية الفصحى، ويحاولون إقناعنا أنهم يعيشون في بلاد ~~اليونان القديمة، وراقصات الباليه يفتقرن إلى الحد الأدنى من اللياقة البدنية، ويتحركن بصعوبة ~~شديدة على المسرح، وكانت الأضواء خافتة على المسرح توحي بالانقباض والهم المقيم، وكان من ~~الطبيعي أن تفشل المسرحية جماهيريا فكان الإيراد اليومي يتراوح بين جنيه واحد ~~وجنيهين. # ورغم التهليل الإعلامي لتوفيق الحكيم، أغلق العرض المسرحي بسرعة، وأثناء العرض الكئيب ~~كنا نعمل بجد ونشاط في إخراج مجلة المسرح، فكلفني رشاد رشدي بكتابة مقال عن مسرحية ~~آرثر ميلر وعنوانها «مشهد من الجسر» التي كانت تعرض في القومي، وجمعت المقالات وتمت في ~~وقت قياسي طباعة ألفي نسخة، ثمن النسخة خمسة قروش، وكان تاريخ الصدور العاشر من كل شهر، ~~وكان تاريخ صدور العدد الأول هو 10 فبراير 1964م (وكان يوم جمعة). وقابلت ماهر البطوطي في صباح ~~ذلك اليوم وذهبنا إلى ميدان الجيزة لشراء عدة نسخ من المجلة، فلم نجد سوى نسخة واحدة، كانت ~~الأخيرة؛ إذ نفدت الأعداد عن آخرها! # كان الناس يتحدثون أيضا عن «إنت عمري» أغنية أم كلثوم التي لحنها عبد الوهاب، وكان الجو ~~قد سرت فيه الحياة والحيوية فجأة رغم برد الشتاء! واجتمعنا في إدارة المجلة في اليوم التالي، ms198 ~~حيث اقترحت على رشاد رشدي ضم فاروق عبد الوهاب إلى سكرتارية التحرير فوافق، واقترح أحد ~~الحاضرين مضاعفة عدد النسخ المطبوعة، فقال رشاد رشدي: في الشهر القادم نطبع ستة آلاف! والواقع ~~أن الستة آلاف بيعت في نفس اليوم، وزاد العدد في الشهر التالي إلى ثمانية فنفدت النسخ، ~~ولكن عندما طبعنا عشرة آلاف، كان هناك «مرتجع» فعلمنا أن حجم السوق لا يزيد عن عشرة آلاف! ~~وفي فبراير أيضا سافر عبد العزيز حمودة إلى أمريكا، ويبدو أنه كان قد حصل على منحة ساعدته في ~~التغلب على قيود علي صبري، ولكننا لم نحزن لعدم السفر، فكان في المجلة ما يشغلنا أنا ~~وسمير! # 7 # في مارس 1964م عكفت على الانتهاء من ترجمة «حلم ليلة صيف»، تحفة شيكسبير الشعرية، دون أن ~~أستطيع مجاراته نظما! ولكنني عندما وصلت إلى المشهد الأخير تمكنت من إخراج بعض ما فيه ~~نظما، وكانت فرحتي به تعادل فرحة من كتب شعرا أصيلا غير مترجم! وكان مقر المجلة في ~~الطابق الأول بمسرح محمد فريد خلية نشاط، يلتقي به جميع المهتمين بالمسرح من كتاب ونقاد ~~وفنانين في شتى التخصصات، وكان رشاد رشدي أستاذا في فن العلاقات العامة، مثلما كان أستاذا ~~في الأدب الإنجليزي وفي الكتابة المسرحية. فكان قادرا على «تطويع» أي موقف واستغلاله لصالحه، ~~خصوصا من خلال ما كان سمير سرحان يسميه «الاستثمار البشري» أي اعتبار المعارف والأصدقاء رأس ~~مال لا بد من استثماره بالصورة الصحيحة، وكان قد تمكن من عقد صداقة مع الوزير عبد القادر ~~حاتم، فكان يخرج علينا بين الفينة والفينة بقرار وزاري جديد يدعم النشاط الثقافي ويشيع ~~الأمل في أوساط الشباب؛ إذ تلا إصدار مجلة المسرح إصدار عدد من المجلات الثقافية، مثل مجلة ~~«القصة» التي كان محمود تيمور يرأس تحريرها، ومجلة «الفكر المعاصر» التي تولاها زكي نجيب ~~محمود، ومجلة «الشعر» التي كان يرأس تحريرها د. عبد القادر القط، ومع أن هذه المجلات لم تكن ~~تتمتع بشعبية «المسرح» فقد التف حولها الكثيرون، ولكن وجود المسرح جعل الكثيرين يتجهون ~~للكتابة إليه، حتى من ms199 بين من لم يحاولوا ذلك من قبل، مثل أنيس منصور (الذي كتب مسرحية فكاهية ~~اسمها «حلمك يا شيخ علام» وترجم بعض المسرحيات العالمية) ويوسف إدريس، الذي كان معروفا ~~بانحيازه للقصة القصيرة، وكان مسرح التلفزيون (أي فرق المسرح الخمسة التي تقدم المسرحيات ~~بغرض تصويرها تلفزيونيا) نشاطا دائبا لا يتوقف، وازدهر معهد التمثيل لأن الخريجين أصبحوا ~~يعملون بسهولة، بل ويستطيعون أن يحلموا بالمجد والثراء من المسرح الجاد. كانت الفرق هي: مسرح ~~الحكيم، والمسرح الحديث، والمسرح العالمي، والمسرح الكوميدي - ومسرح الطليعة الذي كان ما يزال ~~يسمى مسرح الجيب. أما المسرح القومي فكان المسرح العتيد الذي يضم أعظم الفنانين وأرسخهم ~~قدما، وكان رشاد رشدي قد قدم إليه مسرحية «رحلة خارج السور» ليعرضها في إبريل من إخراج سعد ~~أردش. # كانت الغيرة من رشاد رشدي وتلاميذه قد بلغت أوجها في تلك الأيام، وكانت لجنة القراءة ~~بالمسرح القومي قد حاولت إعاقة رشدي عن تقديم المسرحية في أكتوبر 1963م بأن قررت رفضها، ~~فلما اعترض رشدي قائلا إن اللجنة لم تقرأها - وكان هذا هو الواقع - أصدر الدكتور علي الراعي ~~قرارا بإحضار المؤلف لقراءتها على اللجنة. وكان علي الراعي قد فرض اسمه على الساحة الأدبية ~~عن طريق نشر ملخصات للمسرحيات العالمية في المجلات - مثل مجلة الإذاعة - مثلما فعل لويس عوض ~~من قبله في صحيفة «الشعب» التي توقفت، وكانت اللجنة تضم بعض الفنانين إلى جانب محمد مندور ~~ومحمد القصاص، وقد عقدت أولى جلسات القراءة في أول نوفمبر، وكان أحمد حمروش (مدير المسرح) ~~يبتدع حيلا لتشتيت انتباه اللجنة أثناء القراءة؛ إذ كان الكاتب يعتبر ممثلا لليمين وجميع ~~من عداه ممثلا لليسار، وكان بعض الأعضاء ينهضون للخروج ثم يعودون أثناء القراءة، مما أدى إلى ~~فشل الجلسة واعتراض رشاد رشدي وانسحابه. # ولم يكن أمام رشاد رشدي سوى التظلم إلى الوزير الذي شكل لجنة أخرى تضم ممثلين لتيارات ~~أخرى من بينها اليسار «المتعاطف» مع رشدي، فأجازت اللجنة النص، وكلف المسرح سعد أردش ~~بإخراجها. ولا أدري مدى تواطؤ إدارة المسرح مع القيادة اليسارية لإفشال العرض، ولكن ms200 البروفات ~~كانت كثيرا ما تتوقف، أو كان الممثلون ينسحبون دون إنذار، ولكن البروفات اكتملت على أي حال ~~وعرضت المسرحية في إبريل 1964م، في الوقت الذي عرضت فيه «البر الغربي» في مسرح الحكيم. وكانت ~~التعليمات لدى كتاب صحيفة «الجمهورية» - وهي صحيفة الثورة الرسمية - تقضي بمهاجمة رشاد رشدي، ~~وفعلا بدأت المقالات تنشر لمهاجمة العرض، رغم روحه «التقدمية» المتفائلة، بسبب التقعر في ~~فن الكتابة المسرحية، ولكن الهجوم الأكبر كان على مسرحية «البر الغربي» التي شاع في الوسط الفني ~~أنها ضد الحكومة، بل ضد رأس النظام؛ فهي متشائمة، وهي تصور الناس تصويرا أبعد ما يكون عن ~~الواقع لأن الشعب في عرف الاشتراكية لا بد أن يكون عبقريا متفتح الذهن؛ ومن ثم فإن ~~الزعيم الذي يختاره الشعب لا بد أن يكون كذلك! وتزعم حملة الهجوم على محمد عناني (وقيل لي ~~إن الهجوم كان موجها في الواقع ضد رشاد رشدي) كاتب صغير اسمه جلال السيد (رحمه الله) ورهط ~~من زملائه، وكان أهم ما يقال هو كيف نصور الشعب الذي يضحي بأرواحه في حرب اليمن في هذه ~~الصورة المؤسفة؛ صورة الغارق في الأوهام والخرافات، صورة من يخلق البطل الضد حتى يجني على ~~نفسه؟ # وكتب محمود أمين العالم مقالا طويلا استغرق صفحة كاملة في الجمهورية يقارن بين المسرحية ~~ذات الرؤية المشرقة والبناء المتقعر «رحلة خارج السور» والمسرحية ذات الرؤية القاتمة والبناء ~~المحكم «البر الغربي». ولكن ذلك كله لم يمنع الجمهور من التدفق لمشاهدة العرضين، وكان ~~المعجبون بالبر الغربي ينتحون بي جانبا ليهمسوا لي: كيف نفذت من الرقابة! وهمس لي جلال ~~العشري (رحمه الله): لقد دخلت التاريخ من باب المسرح! وقابلني جلال كشك عند سلم دار روز اليوسف ~~وقال لي: لقد أحسنت اختيار الأسمار المستعارة، فجمعة هو جمال عبد الناصر، وقورة هو عبد ~~الحكيم عامر، وعبيط القرية هو من سيخلف عبد الناصر في رئاسة الجمهورية! وأصابني الرعب والهلع، ~~خصوصا عندما كتب يوسف الحطاب، المخرج الإذاعي تقريرا (أو بلاغا) إلى مدير الإذاعة، وبلاغا ~~إلى رئاسة الجمهورية، يتهم المؤلف فيه بمعارضة ms201 النظام. ولم يكن عقاب معارضة النظام إلا العزل ~~السياسي والاضطهاد؛ أي «خراب البيت»، وكان لي فيما حدث للويس عوض، وللدكتور عبد العزيز كامل ~~(الذي كان وزيرا للأوقاف ذات يوم - رحمه الله) وللطفي الخولي؛ خير درس وعبرة! كان جهاز ~~المخابرات - كلما حدث شيء في البلد - يستدعي عبد العزيز كامل (اليمين) ولطفي الخولي (اليسار) ~~ويودعان في الحجز التحفظي فترة حتى تهدأ الأمور! كانت هناك قوائم بمن يعارضون النظام ولو ~~في تفاصيل صغيرة، وكانت القوائم جاهزة، وويل لمن يوضع اسمه في القائمة! ولا أتحدث فقط عن منع ~~المعارضين من السفر، أو عن منعهم من شغل مناصب في الدولة، وبدأ جو «الخوف» الذي صوره ~~نجيب محفوظ يسيطر على الجميع. # وأمر مدير الإذاعة بتشكيل لجنة من الرقيب الأعلى مصطفى درويش ومن زوجته سنية ماهر وبعض ~~أعوانهما لمشاهدة المسرحية، كما طلب النص ليقرأه بنفسه، وسهرنا ذات ليلة في منزل رشاد رشدي ~~- سمير سرحان وأنا فقط - نبحث أسلوب الرد على تهمة المعارضة، ومن ثم كتبت مقالا طويلا ~~ذهبت به إلى «الجمهورية» حيث وجدت رجاء النقاش (صديقي القديم) في انتظاري، فاصطحبني إلى مكتب ~~سعد الدين وهبة، حيث جلست فقال لي سعد مباشرة: «إيه يا عناني؟ انت موش حاسس بالجو؟ المسرحية ~~«ممتازة جدا» (وهذا ما قاله بالحرف الواحد - لأنني عجبت كيف يترجم التعبير إلى الإنجليزية) ~~لكن ماحدش يعمل كده في الجو ده!» وقرأ رجاء النقاش الرد، ودفع به إلى المطبعة ، وفي المساء علمنا ~~أن أمين حماد مدير الإذاعة «أفرج» عن النص، ولكن لجنة الرقابة كانت في انتظاري عند بداية ~~العرض. # كانت سنية ماهر هي صديقتي القديمة في قسم الأخبار بالإذاعة، ومن ثم رحبت بها ~~باعتبارها «معرفة» قديمة، وطلبت المرطبات، وكانت هي وزوجها مشغولين بمناقشة المستقبل الفني ~~لأحد الطلبة (ابنها أو ابن أختها) فتعمدت إثارة موضوع «المستقبل الفني» أثناء العرض بحيث كان ~~انتباه الرقابة غير مركز، أو بحيث يتشتت كلما تركز، وكان الرقباء الصغار يسجلون أي ~~كلمة تقول «البلد الزفت دي» أو توحي بالغضب من أحوال «البلد»! وفي النهاية قالت ms202 سنية: هذه ~~مسرحية عن الخط! وقال مصطفى درويش، تأييدا لها: إنها تدعو لمحاربة الجريمة في الريف! وقال ~~الرقيب الصغير: إنها مليئة بكلمات لا بد من شطبها! فقلت للجميع: لقد وافق مدير الإذاعة على ~~النص، بشرط شطب هذه الكلمات. وكانت النتيجة هي البراءة! وودعت اللجنة وداعا حارا، وقالت ~~لي سنية: لا بد أن يصورها التلفزيون ويذيعها حتى يشجع أهل الريف على محاربة البلطجية! # ورأى رشاد رشدي أن الندوات التي كانت تعقد في مسرح الحكيم لمناقشة المسرحيات، وكانت ~~المجلة (المسرح) تنشر ملخصات لها، لا بد أن تناقش هذه المسرحية تأكيدا لحكم البراءة، ~~وفعلا، أتى النقاد وناقشوها، فسمعت عجبا! لقد فسر البعض كلمة البر الغربي بأنه «الغرب» ~~الرأسمالي؛ لأنني أقول على لسان أحد الشخصيات «البر الغربي فيه متعلمين»! ومن ثم انقض ~~على المسرحية بسبب هجومها المزعوم على البر الشرقي باعتباره دولة الكتلة الشرقية! وسجلنا ما ~~دار في الندوة ونشرناه حتى لا تتبقى في أذهان أحد أي شكوك، ولكن محمود جمعة، المدير ~~الإداري للمسرح، ذكر لي بعد يومين، أنه استقبل زائرا من رئاسة الجمهورية يسأل عن مسرحية «البر ~~الغربي» التي قيل إنها تعارض النظام! وقال لي جمعة إنه أنكر أي معارضة وشرح للزائر أنها ~~تدور في الريف عن جرائم الخط، بل وأطلع الزائر على النص، فاقتنع وطلب نسخة، وانصرف، وأغلق ~~ملف القضية. # كانت الندوات التي تعقد في المسرح تجري بانتظام في إطار نشاط ناد جديد أنشأه رشاد رشدي، ~~وأسماه نادي المسرح، وكلف الدكتور لويس مرقص، رئيس قسم اللغة الإنجليزية بآداب عين شمس، ~~بالإشراف عليه. وقرر الدكتور مرقص إعداد حفل مسرحي كبير يتضمن فقرات من مسرحيات شيكسبير ~~بالإنجليزية، وفقرات منها بالعربية؛ ليعرض يوم 23 أبريل يوم ميلاد شيكسبير، بمناسبة مرور 400 ~~سنة على مولده. وشارك في العرض طلبة قسم اللغة الإنجليزية في آداب القاهرة بصفة خاصة، وأصبحوا ~~يترددون على المسرح بانتظام، وكانوا جميعا بطبيعة الحال، من الهواة، وإن كان بعضهم قد احترف ~~التمثيل فيما بعد مثل نادية النقراشي وتهاني راشد. وتولى إعداد الحفل فنيا فنان ms203 تشكيلي ~~موهوب هو الدكتور رمزي مصطفى، كان يقول إنه يدين لمسرحية «الفراشة» (رشاد رشدي) بإنقاذه من ~~زيجة مدمرة؛ أي من قوة جمال المرأة التي تطفئ شعلة الفن في الفنان. وقد عرفت القصة ~~الحقيقية فيما بعد، ولا شك أن رشاد رشدي كان يعرفها؛ لأنه سجلها في قصة قصيرة بعنوان «عذاب ~~الجسم وعذاب الروح» (في مجموعة «عربة الحريم»). ولكنني لا أرى ما يدعو إلى سردها هنا. # أما المخرج الذي تولى إعداد المشاهد الشيكسبيرية التي قدمت بالإنجليزية فكان فنانا ~~مسرحيا من طراز خاص هو الدكتور عزيز سليمان! كان رجلا فذا بمعنى الكلمة؛ فهو مؤمن بالمسرح ~~إيمانا لا يتأتى إلا للذين ولدوا وترعرعوا في بلاد المسرح، في حين أن مصر لم تكن قد ~~تنبهت إلى فن المسرح إلا بعد وقت طويل! وكان في الخمسينيات يقوم بتدريس اللغة الإنجليزية ~~لطلبة كلية التجارة، فإذا به يلهب خيالهم بفن المسرح، ويشكل من بينهم فريقا للتمثيل «حصد» ~~به جميع جوائز المسابقات المسرحية الجامعية، وأصبح رمزا للفن الخلاق الذي ارتبط وما يزال ~~بقسم اللغة الإنجليزية. وكان أحد زملائي من مدرسة الأورمان، وهو نبيل مجدي الذي التحق بكلية ~~التجارة وصار يقوم بأهم الأدوار في مسرحيات عزيز سليمان، يصفه بأنه عبقري مجنون! ومصدر ~~التسمية هو شطحات الخيال التي لم يكن الطلبة اعتادوها في المسرحيات المدرسية المقررة (مثل ~~مسرحية «كفاح الشعب» من تأليف أنور فتح الله)، وأي خروج عن المألوف في بلادنا جنون! # وقام الدكتور عزيز سليمان باختيار مشاهد عسيرة الأداء، وتولى إعدادها وإخراجها بنفسه، ~~معتمدا على طلبة القسم، بينما استعان رمزي مصطفى ببعض طلبة وخريجي معهد الفنون المسرحية، ~~ومن أهمهم هناء عبد الفتاح (الدكتور) وماجدة علي وسعيد طرابيك، وهكذا عمل الجميع في تناسق ما ~~يزال قائما بين قسم اللغة الإنجليزية وأكاديمية الفنون حتى الآن. # استعان رمزي مصطفى في تقديم مقتطفاته بالعربية من «حلم ليلة صيف» بالترجمة التي نشرتها ~~مجلة المسرح، وهي باكورة ترجماتي الشيكسبيرية وإزاء إعجاب الجميع بسلاسة الترجمة وسيولة النص، ~~اقتنع رشاد رشدي بأن جزالة أسلوبي بالعربية لا تمثل عائقا، ms204 فسمح لي بترجمة «روميو وجوليت» ~~حتى تنشر في العام التالي. كما شارك في التمثيل بعض الطلبة الذين أصبح لهم شأن مرموق في ~~الحياة العامة فيما بعد؛ مثل محمد سلماوي في دور عطيل، ونهاد صليحة التي مثلت بالإنجليزية ~~دور ديزديمونا في مسرحية «عطيل» وبالعربية دور هيرميا في مسرحية «حلم ليلة صيف». # وذات يوم وأنا أستعد لحضور عرض المسرحية وجدت سيارة الإذاعة تقف أمام المسرح ويخرج منها ~~جمال السنهوري، ومعه بعض الأشخاص، وكان يتحدث في ميكروفون يمسكه في يده موصل بسلك طويل إلى ~~السيارة، ثم توقف وأغلق الميكروفون، وحياني وقال لي: «عناني! مبروك! حنذيع البر الغربي في صوت ~~العرب!» ولم أصدق. لقد نجت المسرحية بصعوبة من مقص الرقيب، فكيف يسمح أمين حماد ~~بإذاعتها؟ وفهمت فيما بعد أنه كان يحمي نفسه في الواقع، فها هو يبلغ المسئولين ما تقوله ~~المسرحية علنا، ولا يمكن لمن يسمع فصلا واحدا (وهو الذي يذيعه في برنامج تاكسي السهرة في ~~صوت العرب) أن يتبين أي اتهام مما وجه إليها! وجلس جمال السنهوري إلى جواري في أحد ~~الألواج الأمامية، وبدأ يذيع الوصف التفصيلي لما يحدث على المسرح حتى بدأ الحوار، ومن ثم ~~ترك لي الميكروفون واختفى! # وبدأت أنا أذيع ما يحدث، منتقيا ألفاظي بعناية، حريصا على تأكيد ما انتهت إليه الرقابة، ~~وبانتهاء الفصل الأول عاد جمال السنهوري وأخذ الميكروفون وخرج! وخرجت من العرض في شبه ذهول! ~~كان يجب أن أسجل هذا الحديث حتى أضمن أنه يخلو من أي شيء يتضمن «المعارضة»، ولكنني لم أكن ~~أذكر كلمة واحدة! وصعدت إلى الطابق الأول لمقابلة رشاد رشدي فقابلني ببشاشة وقال لي: «برافو!» ~~وأفهمني أنهم سمعوا ما قلته في الراديو وأن المسرحية بهذا قد أجيزت بصفة نهائية، ومن ثم ~~جاءت سيارة التلفزيون وصورتها في اليوم التالي. # وقابلني مجدي وهبة في الكلية وهنأني على نجاح «البر الغربي»، وعندما ذكرت له ما حدث من ~~الرقابة ضحك وقال «قدر ولطف!» وفهمت ما يعنيه، وامتد بنا الحوار إلى الماجستير واحتمالات ~~السفر، ولكنه كان متشائما وقال لي: «الواحد ms205 موش عارف هم عايزين إيه؟» كان مايو 1964م شهر ~~المسرح، ولم يكن شهر التفكير في الرسالة ولا في السفر، فكنت أستغرق تماما في قراءة النصوص ~~المسرحية، وأختلي بنفسي ليلا في شقة الروضة لترجمة «روميو وجوليت»، وكانت لدي ست طبعات ~~تتضمن شروحا وتعليقات مختلفة، أضعها متجاورة على المنضدة، وكنت أحيانا أقضي الليل كله ~~في قراءة شروح صفحة واحدة وترجمتها، وكعادتي أعود إلى المنزل في الفجر لأنام حتى الحادية عشرة ~~مثلا، ثم أستأنف عملي في الجامعة والمجلة طول النهار. وذات يوم تلقينا أنا وسمير موافقة ~~الجامعات الأجنبية على تسجيل رسائلنا، وموافقة جامعة القاهرة على سفرنا في إجازة دراسية. لم يكن ~~أمامنا سوى موافقة رئيس الوزراء، وكان دون ذلك خرط القتاد؛ لأن الخروج من مصر مطلب عسير، ~~وقال لي سمير سرحان ذات يوم، وكنا قد انتهينا تقريبا من امتحانات يونيو، إنه مصر على ~~السفر والعودة وتحقيق أحلامه، وإنه لا يوافقني أبدا على فكرة الركون إلى الدعة والحصول على ~~الشهادة من مصر والكتابة المسرحية! وفهمت ما يرمي إليه إذ كنت قد هيأت لنفسي نمط حياة ~~شبه مستقر، وعملا بمبدأ الدكتور سويف وهو «تغيير الخطة» حين تتغير الظروف، غيرت خطتي ~~فقررت احتراف الكتابة والاستقرار! وكان سمير مقنعا: لا بد لمن يريد التبحر في الأدب ~~الإنجليزي واللغة الإنجليزية من الحياة مع الإنجليز ومعايشتهم وعدم الاكتفاء بقراءة ما ~~يكتبون، وإذا كنا نريد أن نكون حقا أساتذة فلا مناص من السفر! # وأثناء عملنا في كونترول الامتحانات قال لي الدكتور صفي الدين أبو العز، الأستاذ في قسم ~~الجغرافيا: إنه معجب بطموحي أنا وسمير، وهو يرجو لنا أن نشق طريقنا خارج الجامعة في الحياة ~~العامة، وأنه من غير المعقول أن يحبس الإنسان نفسه طول العمر بين الكتاب والطالب إذا كان ~~لديه القدرة، ولاحت له الفرصة، لكسر ذلك الحاجز والانطلاق! ولم أكن أعرف تماما ما يعنيه ~~بالانطلاق، إذ كنا قد بدأنا الانطلاق إلى حد ما، ولكن الدكتور صفي الدين كان أبعد نظرا من ~~ذلك - إذ همس لي، ونحن نعود من شرفة ms206 غرفة العميد إلى منضدة الرصد «إحنا قادة الفكر .. ولازم ~~نكون قادة المجتمع.» ولم أنس ما قاله أبدا. # 8 # كان العمل في الحياة العامة هو السبيل الأوحد لتحقيق الهدف الذي ألمح إليه الدكتور صفي ~~الدين أبو العز، وكان اتجاه رجال الثورة بصفة عامة، مهما قيل عن «اغتراب المثقفين» وعزلتهم ~~أو عزلهم، هو التوسع في التعليم والاستعانة بالمتعلمين في إدارة الحكومة، وكانت الاتجاهات ~~الاشتراكية التي لم تتبلور بعد تماما تتطلب الاستعانة بالفنيين، ربما إلى درجة الاعتماد ~~عليهم في الإدارة، مع أن الإدارة منهج علمي لا علاقة له بالتخصصات الدقيقة في الجامعة، ~~فالباحث في الكيمياء قد لا يكون مديرا ناجحا، وكانت الثورة تستعين ببعض المتقاعدين من ~~الضباط في إدارة شركات «القطاع العام» وهي الأصول الاقتصادية التي أصبحت الدولة تمتلكها، ~~وكان مبدأ التأميم قد اتخذ صورة جديدة هي تحويل ملكية المنشآت الخاصة إلى الدولة، وتعيين ~~ضابط عظيم (أي من الرتب القيادية ابتداء من عميد) على رأسها. وكان أخي الصغير حسن قد تخرج ~~في كلية العلوم وحصل على وظيفة كيميائي في مصنع أسمنت بورتلاند في حلوان، وبدأ يعرف دقائق ~~العمل في الشركة، مثلما فعل محمد (ابن عمي) في شركة الحرير الصناعي بكفر الدوار. وكانت شركة ~~الأجهزة العلمية وأدوات المعامل التي كان يملكها خالي عبد الحليم قد آلت ملكيتها إلى الدولة، ~~وعين على رأسها ضابط عظيم، وعينت الحكومة فيها عددا من خريجي الجامعة ممن لا علاقة لهم ~~بالعمل في هذا التخصص ، وتحول المكتب إلى ما يشبه المصلحة الحكومية بكل أنظمتها ~~البيروقراطية، في حين أصبح خالي يتقاضى مرتبا شهريا باعتباره خبيرا. وتكرر نفس الشيء في ~~مطحن الحبوب في رشيد الذي كان يملكه زوج عمتي، ومضرب الأرز الذي كان يملكه زوج خالتي الذي ~~عينته الحكومة موظفا؛ باعتباره مستشارا أو «خبيرا» في شركة مضارب الزقازيق. # وكان ابنا خالتي (محمد الخطيب وصلاح الخطيب) يعملان مهندسين في الجيش، وكنت أناقش معهما ~~الحكمة في تعيين الضباط على رأس الشركات الإنتاجية، دون أن تكون لهم خبرة بشئون الصناعة أو ~~التجارة أو بفنون الإدارة ms207 (إدارة الأعمال). وكان الرد هو أن الضابط قائد والموهبة القيادية هي ~~التي تساعد على إنجاز العمل، والحسم والحزم مطلوب في أمثال المرحلة الثورية التي تمر بها ~~مصر. # وكان التزام الثورة بالتعليم وتعميم التعليم مجانا من الحسنات الكبرى التي تحمد ~~للحكومة، ولكن ذلك ارتبط، للأسف، بالتزام آخر؛ هو تعيين جميع خريجي الجامعة في الحكومة، ~~فالحكومة كانت بالتدريج قد أصبحت موازية للدولة وللقطاع العام (صاحب العمل الأول). ولا شك أن ~~ذلك خلق روح اطمئنان كبير للمستقبل؛ فكل دارس أصبح «يضمن» وظيفة تدر عليه دخلا ~~ثابتا، وتضمن له أن يتزوج دون مشقة وأن يجد مكان السكنى الملائم. وهكذا بدأ نمو جيش ~~الموظفين الذين قد يعينون في أماكن تخصصهم أو في غيرها، إذ عين صلاح المعداوي (ابن خالة ~~سمير سرحان) بعد تخرجه من قسم الصحافة في كلية الآداب مفتشا للتموين في قنا، وعين السيد ~~بلال خريج الزراعة مدرسا للغة الإنجليزية (التي لا يعرفها تقريبا؛ لأنه درس مواده كلها ~~بالعربية)، وعين علي أبو العيد (خريج الزراعة، قسم المحاصيل) مشرفا على مطعم المدينة ~~الجامعية ... وهلم جرا. # كانت مكاسب التعليم هائلة، وروح إنصاف الفقراء والمعدمين تشيع في النفس الرضا والسعادة، ~~ولكن عظمة الإنجازات كانت تخفي عيوبا لم يتح لها أن تظهر في الأجل القصير؛ فثروة ~~البلاد قادرة على استيعاب الخريجين وترسيخ الإحساس بالاطمئنان، ولكن بوادر اهتزاز هذه ~~الصورة بدأت تظهر بسبب حرب اليمن. # كان قد مضى على حرب اليمن عام ونصف فقط (إذ اندلعت في أواخر سبتمبر 1962م)، ولكن عملية ~~تحويل اليمن من بلد يعيش في القرون الوسطى إلى بلد ينتمي حقا إلى القرن العشرين كانت شاقة، ~~وكان أهم مجال تجلى فيه ذلك هو إصلاح الطرق! كان الجيش المصري يحتاج إلى طرق ممهدة في ~~بلد تتميز أرضه بالتلال والهضاب والجبال، وكان لا بد من إرسال «وابورات الزلط» لإعداد ~~الطرق هناك، وكانت تشحن بانتظام من مصر، وكان الضباط والجنود يتلقون مرتبات ومكافآت ~~كبيرة، والحرب بعد هي الحرب، ولم تكن ميزانية البلد الذي يبني نفسه ويكافح لبناء السد ~~العالي ms208 تسمح بالدخول في حرب لا عهد للجيش المصري بها على بعد مئات الأميال في الجزيرة ~~العربية، وفقا لاعتراف الخبراء آنذاك وفيما بعد، وإن كنا جميعا نؤيد الدوافع النبيلة التي ~~أدت إلى دخولها، كما أن أهل اليمن (والحق يقال) يقدرون لنا تضحياتنا كل التقدير حتى ~~اليوم. # كانت المشكلة على المستوى الشخصي المحض تتمثل في الخروج من مصر، فلم يكن مسموحا لأحد ~~كما ذكرت (باستثناء الضباط) بالسفر إلى الخارج، وكان استخراج جواز سفر حلما بعيد المنال، ~~وأذكر أنني كنت عائدا ذات مرة من الإسكندرية بعد تجديد تأجيل التجنيد وظفري بشهادة التأجيل، ~~حين التقيت بشاب عراقي كان قد تخرج في جامعة القاهرة وسافر وتنقل بعد ذلك في ربوع ~~الدنيا، فجعل يحدثني عما رأى وسمع، وعندما علم بأن الخروج من مصر يتطلب موافقة شخصية من ~~رئيس الوزراء قال لي إن ذلك لو حدث في العراق لأحدث ثورة، ولكنني تذرعت بالجبن (سيد ~~الأخلاق في تلك الأيام) وقلت له إن الظروف التي نمر بها عسيرة، وتقتضي الحذر! # كان لي عدد من الأصدقاء في الجامعة الذين حصلوا على إجازة دراسية أو بعثات رسمية، وكانوا ~~يحاولون محاولات مستميتة الحصول على توقيع علي صبري. وكانت الوساطات تتراوح بين «المعارف» ~~وبين أصحاب النفوذ في الجيش، وذكر لنا أحدهم أن أنور السادات رئيس مجلس الأمة تربطه صلة صداقة ~~عميقة بالأستاذ محمد عبد السلام الزيات، وهو الأخ الأكبر للدكتورة لطيفة الزيات زوجة الدكتور ~~رشاد رشدي، وإذن فلا بأس من الوصول إليه عن هذا الطريق وإقناعه بمخاطبة علي صبري. وقرر سمير ~~سرحان ألا يترك الفرصة السانحة، فذهبنا بخطاب توصية من الزيات إلى مجلس الأمة، حيث قابلني ~~أحد خريجي قسم اللغة الإنجليزية وهو الأستاذ الشوربجي الذي كان يعمل سكرتيرا لأنور السادات، ~~وفوجئنا بالترحيب الذي لقيناه! وبعد تبادل الأحاديث الطريفة عن دمياط (بلد الزيات) وعن رشيد ~~(بلدي) وعن كفر كلا الباب (بلد سمير سرحان، بالقرب من طنطا)، سألنا أنور السادات عن غايتنا، ~~فأوضحنا له أن وزير التعليم قد وافق على سفرنا إلى الخارج، وأننا في ms209 انتظار تأشيرة الخروج، ~~وسأل باقتضاب: «ورقكم عند مين؟» ومرت ثوان شابها التوتر ثم قال سمير ببسمة رقيقة: «في ~~مكتب رئيس الوزراء.» وفجأة اربد وجه السادات وقال أو أصدر صوتا غامضا هو: «آه». ومرت ~~ثوان أخرى لم نتبادل فيها الحديث، ثم ابتسم السادات ثانيا وقال: «إن شاء الله خير .. يفعل ~~الله ما يشاء .. مع السلامة.» ونهضنا. # وقال لي سمير ونحن ننحرف في شارع القصر العيني «الواسطة # failure ~~!» وضحكت ضحكة مكتومة. لم أعرف تفسيرا للتغير الذي أصاب ملامح أنور ~~السادات عندما سمع ذكر علي صبري. ولكنني سمعت فيما بعد أنهما لم يكونا على وفاق. وكان ~~الحديث - مجرد الحديث - في هذه الأمور يعرض الإنسان للخطر، فكنا نتجنبه قدر الطاقة، ~~وعلى أي حال، كانت هناك «واسطة» أخرى عن طريق لطفي الخولي هي كمال الدين رفعت، وكان يشاع عنه ~~أنه «منظر» الثورة؛ أي صاحب «النظرية الاشتراكية المفقودة» والتي كان الوسط الأدبي يقول إن ~~محمد عودة ما يزال يبحث عنها! وقررنا الذهاب إليه في مقر عمله بالوزارة المركزية، في ~~مصر الجديدة بالقرب من جروبي روكسي. وفعلا حصلنا على موعد وذهبنا، وكان ذلك في مايو 1964م، ~~ولم يكن الجو حارا لأنني ما زلت أذكر النسائم الباردة التي استمتعنا بها فيما بعد ونحن ~~نحتسي الشاي في جروبي. # لم يتوقف كمال الدين رفعت عن الحديث ساعة أو بعض ساعة، وكان الواضح أنه يستعرض معلوماته ~~أمامنا إما لإبهارنا، باعتبارنا في الجامعة، أو لتأكيد الصورة التي شاعت عنه وهو أنه قارئ ~~ممتاز. والحق أنني شخصيا بهرت بسعة اطلاعه، وإحاطته بشتى نظريات الفكر السياسي المعاصر، ~~أما سمير فكان يحاول أن يقرأ ما بين السطور، وكان من آن لآخر يبدي تعليقا مقتضبا يتضمن ~~الرضا عما يقوله المتحدث، ثم ما لبث أن حول دفة الحوار بسلاسة إلى أهمية العلم، وقال ~~كأنما يبدي ملاحظة عابرة - أو كأنما لم يكن يعرض صلب القضية التي جئنا من أجلها: «احنا عندنا ~~بعثة ومنتظرين السفر للدكتوراه» وهلل كمال رفعت قائلا: «برافو! حتسافروا إمتى؟» وقال سمير: ~~«لما الورق يتمضي» فقال ms210 كمال: «مضاه الوزير؟» وأومأنا. فعاد الصمت. ثم قال سمير في صوت حذر: ~~«ناقص رئيس الوزراء». وتظاهر كمال رفعت بالبحث عن التليفون، وترتيب بعض الأوراق، ثم قال: «آه .. ~~يعني على الإمضا؟ لا .. بسيطة .. بكرة يتمضي!» ثم نهض فنهضنا. وانتهت المقابلة. # وعندما دخلنا جروبي لم نتبادل أي حديث. جلسنا نشرب الشاي في صمت. وكان الجو جميلا ~~والزهور رائعة الألوان، وشغلني منظر الطريق الذي تظلله الأشجار، وعربات المترو التي تقف ~~أمام المقهى ثم تستأنف المسير، وجمال الفتيات اللائي يدخلن ويخرجن من جروبي محملات بالحلوى ~~والفطائر، وعندما دفعنا الحساب (عشرة قروش) وخرجنا كانت الساعة قد قاربت الواحدة ظهرا. وقال ~~لي سمير إنه لا بد أن يسجل حديثا في الإذاعة في ذلك اليوم عند عبد المنعم الحفني (في برنامج ~~ركن السودان - ولم أكن قد سمعته في حياتي)، واقترح علي أن نذهب معا؛ فربما كان هناك مجال ~~لتسجيل حديث لي أنا أيضا. # كان أسلوب سمير سرحان في التصدي للمشاكل يبهرني ويحيرني. كيف استطاع أن ينسى كل ما قاله ~~كمال رفعت هكذا، وأن يلقي بالمشكلة خلف ظهره، وأن يفكر في الإذاعة وعبد المنعم الحفني؟ وكنت ~~أجد في ذلك راحة كبرى، وأحاول أن أوطن النفس على تقبله؛ ولذلك ذهبت معه إلى عبد ~~المنعم، وعرض عليه سمير فكرة تقديمي لحديث في نفس البرنامج، فوافق على الفور، ودخلنا ~~الاستوديو، وقرأ سمير الحديث، ثم دخلت بعده وسجلت الحديث دون نص مكتوب، وهمس لي عبد ~~المنعم أنني لا بد أن أقدم نصا في المرة القادمة؛ حتى لا يتعرض هو للمساءلة، واصطحبنا ~~إلى الدور الأرضي حيث وقعنا العقود ومضينا إلى الخزينة وتقاضى كل منا خمسة جنيهات ونصفا، ~~وخرجنا لنبحث عن أفخر مطاعم العاصمة لتناول الغداء! # وعندما التقينا ثانيا في المساء سألنا رشاد رشدي عن نتيجة مقابلة كمال الدين رفعت، وقال ~~له سمير إنه وعدنا خيرا، فلم يعقب؛ فقد كان ما يزال مهموما بموضوع مسرحيته والهجوم عليها، ~~ولكن فاروق عبد الوهاب قال له ملاحظة أبهجته، وهي أن مشهد «مجلس المهندسين» يمكن أن يتحول ~~إلى ms211 مسرحية قصيرة من نوع مسرح العبث. وهنا قص علينا قصة هذا المشهد، وكيف أنه استقاه من ~~جلسة حقيقية لمجلس كلية الآداب. ولذلك قصة. # كنت في عطلة الصيف عام 1958م أقرأ باستفاضة عن وليم بليك؛ لأن أحمد مختار الجمال كان ~~مكلفا بكتابة برنامج إذاعي للبرنامج الثاني عن ذلك الشاعر، فأتى إلي ببعض المراجع وقال لي: ~~«أنت طالب مجتهد ومترجم الشعر! حضر المادة العلمية وسوف أحولها أنا إلى برنامج إذاعي ~~جذاب.» وعكفت على أهم مرجع في رأيي وهو كتاب جاكوب برونوفسكي عن بليك، فانتهيت منه ~~وترجمت بعض قصائده نظما (ونشرت بعضها فيما بعد في كتاب فن الترجمة 1992م) ثم قرأت ما ~~يقوله ف. ل. لوكاس عن «سقوط وانهيار المثل الأعلى الرومانسي»، وأعددت المادة اللازمة، ثم وجدت ~~وسط «المراجع» كتيبا بالإنجليزية من تأليف الدكتور شوقي السكري بعنوان «وليم بليك»، فقلت ~~فلأر ما يقوله مصري معاصر، من باب الفائدة. # وعندما فتحت الكتيب وجدت الفقرة الأولى منقولة بالكامل من الفصل الخامس من كتاب ~~برونوفسكي، فاغتظت. وكلما مضيت في القراءة وجدت المزيد من الفقرات المنقولة، ولكنني قلت إنه ~~كتيب لمساعدة الطلبة وليس بحثا علميا، ولكنني عندما قرأت الأبيات التي يستشهد بها ~~وجدتها من تأليف وردزورث، وكنت أحفظها عن ظهر قلب، وسبق لي أن ترجمتها! وأصبت بخيبة أمل ~~في هذا الأستاذ الذي كان ما فتئ يتفاخر بعلمه ويشكو من ظلمه في القسم! # وعندما ترجمت «حلم ليلة صيف» بعد التخرج، استعنت ببعض المراجع عن التقاليد الشعبية ~~الخاصة بالجن والعفاريت في إنجلترا أيام شيكسبير، وكان من ضمنها كتيب كتبه شوقي السكري ~~بالإنجليزية عن هذا الموضوع، أو هكذا كان يقول العنوان، ولكنه كان منقولا بالحرف من كتاب يوجد ~~في مكتبتنا هو «شيكسبير والتقاليد الشعبية» من تأليف أستاذ اسمه بيثيل، وكان حافلا بالأمثلة ~~والحكايات، وكان حقا ممتعا. وكان منهج شوقي في النقل هو أن يبدأ بفقرة من فصل متأخر، ثم ~~يردفها بفقرات من فصول أخرى سابقة، وينهي الكتاب بخلاصة الموضوع التي عادة ما يضعها ~~المؤلف في المقدمة، مما يجعل من الصعب ms212 على القارئ متابعة الأفكار. وكان الكتيبان من مطبوعات ~~مكتبة الأنجلو المصرية (عند عم صبحي جريس متعه الله بالصحة ومد في عمره). # وكنت قد ذكرت ذلك عرضا لسمير سرحان، فذكره عرضا لرشاد رشدي، وعندما حان موعد ترقية ~~شوقي السكري إلى أستاذ مساعد، طلبني رشدي (عام 1962م) وطلب مني نسخا من هذا الكتيب، فقلت له ~~إنها موجودة في المكتبة وعند صبحي جريس، فطلبها، ومن ثم كتب تقريرا يقول فيه إن «الباحث» ~~لا يستحق الترقية بسبب عدم الأمانة (وأنا أعرف أن الكلمة الإنجليزية التي أوحت له بهذا ~~التعبير وهي # dishonesty # تعني السرقة في الواقع). وأرفق بتقريره ~~صورا من «أبحاث» شوقي والأصول المستمدة منها. وكان رشاد رشدي بطبيعة الحال لا يحب شوقي ~~السكري، وقد استغل شوقي هذا «النفور» في تأليب أعضاء مجلس الكلية عليه، بحيث أظهر القضية في ~~صورة المسألة الشخصية. ولذلك كان أعضاء المجلس منحازين إلى شوقي، ولا يبدون أي تعاطف مع ~~ما ورد في التقرير، وكان أعضاء اللجنة العلمية وعلى رأسهم لويس مرقص، ومهدي علام، وهما من كبار ~~أساتذة عين شمس، يريدون ألا يقتصر الأمر على عدم الترقية، بل أن يصدر مجلس الكلية قرارا ~~بمعاقبة الأستاذ «غير الأمين» حتى يرتدع من تسول له نفسه سرقة كتب الغير، ولكن رشاد رشدي ~~أقنع أعضاء اللجنة بأن يقتصر التقرير على «الحقائق»، وأن يترك للمجلس اتخاذ ما يراه من ~~إجراءات. # كان أعضاء اللجنة الموقعون على التقرير من كبار أساتذة الإنجليزية في مصر، بل كتب ~~لبعضهم فيما بعد أن يحتل مناصب مرموقة خارج مصر، مثل محمود المنزلاوي ومحمد مصطفى بدوي (من ~~جامعة الإسكندرية)، ولكن مجلس الكلية لم ينظر في التقرير إلا لكي يتساءل عن سر الخصومة بين ~~رشدي وشوقي! وكانت الجلسة مؤلمة لرشدي ومضحكة إلى حد العبث أو اللامعقول - إذ تساءل أحد ~~أعضاء المجلس: ألست ترى أن الدكتور شوقي قد بذل مجهودا؟ وتساءل آخر: لماذا لا تفتح الباب ~~أمامه بدلا من إغلاق الدنيا في وجهه؟ وهكذا. وكان القرار هو ترقية شوقي السكري إلى درجة أستاذ ~~مساعد رغم ms213 أنف الجميع. وكان أن كتب رشدي مشهد مجلس المهندسين ليحاكي ما حدث في مجلس الكلية، ~~وكان بكل المقاييس مشهدا رائعا - حتى حين قدم على المسرح دون تدخل كبير من سعد ~~أردش! # وكان رد الفعل لدى شوقي السكري هو إثبات نشاطه الأدبي عن طريق الندوات العامة، فابتدع ~~«ندوة ناجي» التي برزت فكرتها باعتبارها احتفالا بمكانة الشاعر إبراهيم ناجي، ثم أصبحت ~~ندوة أسبوعية ناجحة، ولا شك أن الجو الأدبي حينذاك كان يقبل بل يطلب مثل هذه الندوات، وكنت ~~أواظب على حضورها، وفيها ومنها تعلمت الكثير، بل شاركت في بعضها، وكان سمير سرحان دائما معي، ~~وكان العمل والتفكير والإنتاج يلهينا عن خيبة الأمل في السفر! # وذات يوم في يونيو جاءتني طالبة تنجح بتفوق (جيد جدا) في القسم، وانتهت من السنة ~~الثانية، وشاركت في مهرجان شيكسبير الذي قدمه نادي المسرح، وسألتني عن بعض معاني آية أو ~~آيتين في القرآن. كان اسمها نهاد صليحة، وكانت من طالباتي المجتهدات، لماحة، ذات اهتمامات ~~متعددة، خضراء العينين، فجلست أشرح لها في غرفة معاون الكلية حتى تأخر الوقت، فوعدتها ~~باستكمال الشرح في اليوم التالي. وفي اليوم التالي طال بنا الحديث فخرجنا إلى كوبري الجامعة ثم ~~أوصلتها إلى ميدان التحرير حيث عادت إلى منزلها، وبعد ذلك قابلتها في المسرح وقد اشترت تذكرة ~~من مصروفها ودخلت تشاهد العرض، فقلت لها إن هذا مسرحنا، ولدينا دعوات لأبناء قسم اللغة ~~الإنجليزية والموهوبين من عشاق المسرح، ولكنها قالت إنها تفضل دفع الثمن مقدما حتى لا ~~تؤثر الدعوة في انطباعها عن المسرحية! # وطلبت منها الحضور إلى المجلة فجاءت، وأصبحت آنس إليها وأسعد بها، ووجدتني أطلبها ~~وأبحث عنها، وصرت أعرض عليها كل ما أكتب، ومن ثم اقترحت عليها أن تنضم إلى الشلة؛ ~~لأنني بصراحة لا أستطيع الاستغناء عن سمير سرحان، حتى ولو استطعت الاستغناء عن فاروق عبد ~~الوهاب! ولم تمانع؛ فهم جميعا مدرسون في القسم، ورئيس المجلة هو رئيس القسم، والمسرح هو عشقها ~~الجديد! وكنا نلتقي بعد الظهر في مقهى لاباس، فهو مكيف الهواء، وكثيرا ما ms214 نذهب إلى السينما ~~هربا من الحر، وأطلعتني ذات يوم على قصة قصيرة كتبتها فأعجبني تمكنها من الأسلوب ~~العربي الذي كان كثيرا ما يعصيني، وكان الصيف ذلك العام أرق نسيما وأجمل شذى بفضل هذه ~~الفتاة الرائعة (زوجتي الحالية). # كانت مشكلة الأسلوب السردي مشكلة حقيقية. الشعر تحكمه أصول النظم وتحده القافية ~~فتيسر على الكاتب بعض الصعاب. أما النثر فهو منطلق دون ضابط ولا رابط. وذات يوم كنت مع صلاح ~~عبد الصبور في مقهى سميراميس، حيث سألني عن رأيي في قصيدة «الخروج»، وكان آنذاك في الثالثة ~~والثلاثين ولكنه كان يتمتع بقلب طفل كبير، ومشاعر فياضة لم أشهد مثلها في حياتي عند ~~أحد، وعندما قمت بتحليل قصيدة «الخروج»، ملقيا الضوء على براعة استخدام الأسطورة الدينية، ~~و«المفاتيح» التي وضعها للربط بين الرحلة في المكان والرحلة في الزمان، وإذابة قصة الخروج من ~~مصر في قصة الهجرة من مكة إلى المدينة، وجدت الدموع تترقرق في عينيه، وأحسست بكيانه ~~يهتز، وقال لي بصوت متهدج: «هذا هو نجاحي الحقيقي في الشعر!» وأحسست ساعتها أنني نجحت ~~أنا أيضا في النقد والشعر جميعا! # وسرعان ما توثقت صداقتي مع صلاح فقص علي في المساء التالي قصة أبو التسهيل الدلبشاني ~~التي حاولت كتابتها ففشلت مرة بعد مرة، مما أكد لي أن موهبتي لا علاقة لها بالقصة القصيرة! ~~كان أبو التسهيل يعمل مدرسا للغة العربية في المدرسة التي عمل بها صلاح فور تخرجه. وكان في ~~التاسعة والخمسين أو على مشارفها حين جاء إلى المدرسة من أبلغها بأن كبير مفتشي اللغة ~~العربية سوف يصل في غضون أيام، وكان رجلا ذاع عنه حب العدل والإنصاف، والالتزام التام ~~بالموضوعية؛ فهو لا يجامل أحدا ولا يحابي أحدا، كان يقال إن هذه الصفات هي التي أوصلته إلى ~~هذا المنصب وقربته إلى قلوب كبار رجال الوزارة. وقال لي صلاح إنه لم يكن يرى أنه سيقضي حياته ~~كلها مدرسا وكان قد بدأ ينشر الشعر والمقالات، آملا أن يحصل على عمل في الصحافة؛ ولذلك فقد ~~كان ينظر إلى الزيارة نظرة متفرج إلى ms215 مسرحية من مسرحيات الحياة، مثلما كنت أنظر أنا وسمير إلى ~~بعض الأحداث من حولنا. # وأثناء مناقشة الزيارة في غرفة الأساتذة اتضح أن المفتش كان يوما ما زميلا لأبو التسهيل ~~في مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية، وأن الأمل معقود عليه هذه المرة في أن يمنح أبو ~~التسهيل تقدير أداء جيدا حتى يمكن ترشيحه لوظيفة مدرس أول للغة العربية، وهو على مشارف ~~«التقاعد»، مما ييسر له أن يكتب على شقته «مدرس أول اللغة العربية سابقا»، وعندما دخل أبو ~~التسهيل غرفة الأساتذة بشره الزملاء، وبثوا الطمأنينة في قلبه، ولكنه كان ساهما واجما، ~~فسألوه عن السبب فقال: «كان قاعد جنبي في الفصل .. كنا بنقسم السندويتش ونقسم البرتقالة .. وكنا ~~بنمشي للبيت كل يوم.» وهلل الحاضرون قائلين: «يبقى فرجت يا عم! لازم بقى يعرف قدرتك في ~~النحو!» ورد أبو التسهيل: «كنا بنقرا ابن عقيل (شرح ألفية مالك في النحو) مرة كل سنة في ~~الصيف، وكانت مشكلته الشواهد!» وقال الأساتذة «إنت ملك الشواهد!»: «دانت لو استعصى الشاهد تؤلف ~~شاهد!» وكان يرمي من ذلك إلى أن أبو التسهيل كان شاعرا، وكان يمكنه تأليف بيت أو بيتين من ~~الشعر ارتجالا ونسبتهما إلى أحد القدماء تأكيدا لوجهة نظره في أي مسألة من مسائل النحو، ~~خصوصا أنه كان يحب الفراء والكسائي والمدرسة الكوفية التي تجيز ما لا يجيزه ~~البصريون بصفة عامة! # وقال صلاح إن أبو التسهيل كان «راجل بتاع ربنا»، فكان يحب الناس ويقبل عليهم، وكان ~~يولم لهم الولائم في منزله بالمعادي، وكانت تنتابه نوبات استغراق في «الملكوت» فيغيب عن ~~الدنيا؛ شأن المتصوفة القدامى، وقد تكون النوبة نوبة «إشراق» روحاني ~~( # epiphany ~~) يخرج منها مرهقا يتصبب جبينه عرقا، وقد تكون ~~لحظة شفافية يبدو فيها كأنما يرى كائنات علوية تملؤه بالسعادة والهناء! ولما كان يعتبر بحق ~~مرجع الأساتذة في النحو اقترح بعضهم عليه أن يجعل درس «التفتيش» في النحو لا في النصوص أو في أي ~~موضوع آخر قد لا يكون متمكنا منه. وقبل الانصراف ذلك اليوم همس أبو التسهيل لصلاح عبد الصبور ~~«مراتي بتسألني ms216 اشمعنى إنت اللي اتأخرت عن زملائك؟ وموش عارف أقول لها إيه» وأكد له صلاح أن ~~النتيجة سوف تكون إيجابية هذه المرة. # وحالما وصل المفتش، اجتمع به الناظر (الذي كان يتعاطف مع أبو التسهيل) ثم اجتمع به كبار ~~الأساتذة، فوعدهم خيرا، واتجه إلى قاعة الدرس حيث كان أبو التسهيل قد اختار موضوعا خلافيا ~~هو الاستثناء، والمستثنى قد يكون بحرف «إلا» أو بعدا أو خلا أو حاشا، وبعضها، وفقا لابن ~~عقيل، من حروف الجر، ولكنه كان واثقا من علمه وإحكامه للمادة. وابتدأ الدرس بداية طيبة، ~~وبدا أن الطلبة متجاوبون، ثم سأله أحد الخبثاء: ماذا تقول في أغنية نجاة الصغيرة «إلا إنت»؟ ~~ولم يكن أبو التسهيل قد سمعها، ولو كان سمعها لاستطاع «التقدير»، وعندما ضحك الطلبة، رد أحدهم: ~~بس ده بالعامي! ثم ساد الصمت، إذ اعترت أبو التسهيل نوبة إشراق، وبدأ العرق يتصبب من ~~جبينه، وسرح بصره من النافذة في السحب التي كانت تتجمع في السماء، وانقضت فترة لا يعرف أحد ~~كم طالت، وعندما أفاق سمع جرس الحصة، ولم يجد المفتش. # وعندما هبط إلى غرفة الأساتذة كان الصمت سائدا، وأقبل عليه الجميع يطلبون له الشاي ~~والليمون، واصطحبه صلاح إلى مقعد بجوار النافذة، وطفق يحادثه في كل شيء وهو شبه غائب عن ~~الوعي، ولا شك أنه شعر بما حدث لأنه - على الأقل - لم يسمع كلمة «مبروك» - وعندما جاء الشاي ~~ولحظ بداية انصراف الأساتذة إلى «حصصهم» نظر في عيني صلاح ثم انخرط في بكاء صامت. # هذه هي القصة التي وقعت أحداثها فعلا كما رواها لي صلاح. لم يكن المفتش قادرا على ~~المجاملة، ولم يستطع أن يخالف ضميره فيقول إن المدرس جدير بتقدير جيد، وخرج أبو التسهيل إلى ~~التقاعد مدرسا عاديا، وكان عليه أن يواجه تساؤلات زوجته، وأن يلغي فكرة كتابة اللافتة ~~التي كان يحلم بها، وقد رأيت في مأساته مادة لقصة قصيرة وفقا لمعايير القصة الأوروبية ~~والعربية الحديثة، ولكنني وقفت حائرا عند ما نسميه اليوم «بالنغمة». هل يكون موقفي هو ~~التعاطف مع أبو التسهيل وإدانة ms217 المفتش الذي رفض الاستجابة للحالة الإنسانية، بحجة الموضوعية، ~~أم تأييد المفتش ومن ثم السخرية من أبو التسهيل؟ كنت أحس أنني باعتباري مصريا وعربيا أضع ~~الاعتبارات الإنسانية قبل الاعتبارات الموضوعية، أتعاطف مع المدرس الذي وصل إلى خط النهاية ~~دون أن يفوز في أي سباق، وأن القراء سوف يشاركونني هذا التعاطف. فإذا كان هذا هو الحال، ~~فلا بد أن أكتب القصة من وجهة نظر أبو التسهيل، وإن لم أستعمل ضمير المتكلم، ويجب أن أتصور ~~كل شيء من وجهة نظره؛ وفقا للقواعد الفنية الحديثة، ولكنني لم أعرف آنذاك كيف أصور كبير ~~المفتشين، وكيف أرسم صورته للقراء. # وحاولت الدخول من هذا المدخل فاستعصى علي؛ فقد وجدت أن الواجب أن أرسم مكان الحدث ~~وزمانه بلغة فصحى راقية، تنم على جو اللغة العربية الذي يسود القصة، وكان أسلوبي يرتفع ~~وينخفض ثم يسقط! وحاولت أن أقصها على الأصدقاء بالعامية المصرية، ونجحت إذ استجابوا لأبو ~~التسهيل ولاموا المفتش على تزمته. لم يكن حديث يتضمن وصفا ولا تحليلا، بل لم يكن يتضمن من ~~الحوار إلا ما اعتدناه في كتب التراث من «أقوال مباشرة»، وتأملت «المطلوب»: هل من اللازم ~~وصف أبو التسهيل حتى يتصوره القارئ؟ الواقع أن صلاح لم يصفه لي، وما دمت لن أمنحه اسمه ~~الحقيقي في القصة فربما يكون من المستحسن أن أصفه وصفا يلائم «المستثنى»، كأن أجعله ~~نحيفا هزيلا غائر العينين، لا شارب له ولا لحية، وربما يكون من المستحسن أن يكون قصيرا، ~~يرتدي حللا واسعة، قد تكون قديمة أو ذات «موضة» عفا عليها الزمن، أما إذا جعلته يضع في ~~صديريته ساعة جيب بسلسلة (كاتينة) أو يمسك منشة، فقد يكون ذلك مدعاة للسخرية. # ووجدت أن الصعاب تتزايد حين شرعت في وصف المدرس ووصف المدرسين ووصف المفتش. وهمس لي ~~الصوت الداخلي: ألا تنبع هذه الصعاب من استمساكك بالقصة الحقيقية التي رواها لك صلاح عبد ~~الصبور؟ لماذا لا تتحرر منها وتكتب ما تشاء! أنت كاتب خيالي ولك مطلق الحرية في أن تسمي ~~البطل أي اسم تراه ثم تصفه أي ms218 وصف تراه! ولكنني كنت مأخوذا بالقصة الحقيقية لا أستطيع ~~منها فكاكا، تماما مثلما حدث لي قبل عامين وأنا أنتظر سميراميس (الحبشية) عند أول كوبري أبو ~~العلا من ناحية الزمالك. # كان موعدي في الثالثة ظهرا، وكان المفروض أن أقابلها هناك عند انتهائها من العمل، ثم ~~أصطحبها إلى مقهى حتى يحين موعد العمل في وزارة الثقافة في الرابعة، وكنت قد سهرت الليلة ~~السابقة حتى الصباح أقرأ كتاب محمد مندور «النقد المنهجي عند العرب»، وأستقي منه المعلومات ~~اللازمة لاقتباس ما يلزمني من كتب التراث، وكان أمامي كتابان هما المختار من «الصناعتين» لأبي ~~هلال العسكري، و«العمدة» لابن رشيق (الذي حببه إلي عبد الرءوف مخلوف)، ونمت من الفجر حتى ~~الظهيرة ثم ذهبت إلى الجامعة، ومنها إلى موعد اللقاء. وكنت تعلمت من التجربة أنني إذا وصلت ~~فلم أجد الفتاة في انتظاري فالأرجح ألا تأتي مطلقا، والأفضل أن أنصرف. ولذلك عندما وصلت ~~ولم أجدها، تجولت في المكان نحو دقيقتين، وكنت على وشك عبور الطريق لركوب الأتوبيس العائد ~~إلى العجوزة، ولكن بصري وقع على رجل هرم لا بد أنه تخطى السبعين، ومعه طفل لم يتجاوز ~~عامين أو ثلاثة على الأكثر، يحاول ركوب أتوبيس رقم 13 التابع لشركة مقار. كنت أعرف مسارات ~~معظم خطوط النقل، وكنت أعرف أن هذا الخط ينتهي في روض الفرج، في منتصف شبرا. وكان الأتوبيس ~~مزدحما فركب الرجل ولكنه فشل في حمل «حفيده؟» معه فنزل، وسرعان ما أتى أتوبيس آخر، وكان ~~الرجل هذه المرة يحمل الصغير في يديه فأعطاه لأحد الركاب وقبل أن يتمكن من الركوب تحرك ~~الأتوبيس فجرى خلفه حتى استعاد الطفل، وشغلت بموضوع الرجل والطفل بعض الوقت وهو يحاول الركوب ~~عبثا، ثم قررت مساعدته فحملت له الطفل، وصرخت في الركاب، ولكن المحاولات لم تنجح، فوضعت ~~الطفل على الأرض، وإذ بيد تمسني برفق ووجه سميراميس يطالعني ضاحكا فدهشت إذ كنت نسيت ~~الموعد تقريبا! واصطحبتها ومضينا سيرا على الأقدام، وبدلا من التوجه إلى وسط البلد سرنا ~~على الكورنيش في اتجاه روض الفرج، ورغم جمال جو ms219 الشتاء، ودفء الشمس، قررنا شراء بعض المرطبات ~~بعد إلغاء فكرة المقهى، ووقفنا عند بائع المياه الغازية، وإذا بي ألمح العجوز وهو قادم نحونا ~~يسير الهوينى على الكورنيش مع الصغير. # كان فشل العجوز في ركوب الأتوبيس أمرا عاديا في الواقع، ولكنني حملته بمعان رمزية ~~ربما لم يكن يتضمنها، وكان التناقض بين حالي الذي كنت أعتبره حال خالي الذهن اللاهي، وحال ~~ذلك الرجل الغامض الذي قرر المسير بعد أن أعيته محاولات الركوب، باعثا على تأملات ربما ~~لا تكون لها علاقة مباشرة بالحدث نفسه، وقررت تصوير الموقف في قصة قصيرة من لون ما، ~~ولكنني فشلت وكانت جميع الدلائل تشير إلى استحالة كتابة القصة. # وتذكرت تلك الحادثة بعد عامين وأنا أحاول تسجيل قصة أبو التسهيل، وعزوت الفشل في الحالين ~~إلى تصوري الخاطئ أن الفنان يستمد مادته من الحياة، أي إنه يستلهم الحياة بصورة مباشرة، ~~وعندما درست المدارس النقدية الحديثة وتعمقت فيها إلى حد معقول، علمت أن الكاتب يكتب في ~~إطار التقاليد الأدبية التي قد تقوم بدور أكبر من دور «المادة الخام» في تشكيل العمل الفني، ~~وأن الخطأ الأساسي الذي وقعت فيه كان سماحي للصور البصرية أن تسيطر على ذهني بحيث تعرقل ~~حريتي في الكتابة «في إطار تقاليد القصة القصيرة»! ولكنني كنت وما أزال أعزو عجزي إلى عدم ~~طواعية الأسلوب النثري، وهو الذي لم يسلس قياده لي بالعربية حتى احترفت الترجمة، فالدرس ~~الذي خرجت به من هذه الحرفة هو أن المترجم كاتب يرغم إرغاما على صياغة قول قاله غيره ~~(وبلغة غير لغته) صياغة ناصعة واضحة! إنه مرغم على قول ما قد لا يقوله إلا مضطرا، وسوف ~~أضرب مثلا لهذا الدرس الذي تعلمته وشقيت في تعلمه شقاء كبيرا! # كنا نجلس - سمير سرحان وأنا - ذات يوم في مقهى «صان صوصي» بالجيزة، وكان قد انتهى من ~~المخطوط الأول للمسرحية الأولى التي يؤلفها منفردا، وكان يقرأ لي بعض التعديلات التي ~~أدخلها بناء على اقتراحات رشاد رشدي، حين دخل فجأة شاب سوداني كان يدرس لدينا في قسم اللغة ~~الإنجليزية، واسمه ms220 سيد أحمد الحردلو، وهو سمي شاعر سوداني شعبي كبير، وكان كغيره يعرف ~~أننا كنا نختفي عن الأنظار في هذا المكان، فجلس وطلب الطعام ريثما ننتهي من القراءة، وبعد ذلك ~~أتاني ليعاتبني، إذ كان قد بلغه أن هدى حبيشة (الدكتورة) كانت وصفت ديوانه الأول بأنه «لا ~~يساوي تلاتة تعريفة»، وكان يتوقع من أعضاء القسم بعض التشجيع، وتولى سمير سرحان «تطييب» ~~خاطره؛ فهو يتمتع بعبقرية خاصة في هذا الصدد، وقال له إنها كانت تقصد الطباعة ونوع ~~التجليد، ولكن سيد أحمد كان مستاء فقال له سمير مداعبا: «إذا كنت شاعرا حقا فاكتب لنا ~~قصيدة في مدح سجاير البلمونت التي أدخنها أنا وأنت، ولا تنس أن تهجو ما يدخنه محمد ~~عناني.» وكنت أدخن نوعا اختفى الآن اسمه «معدن ممتاز» كانت تنتجه شركة كوتاريللي! # وفي لمح البرق بدأ سيد أحمد الحردلو يقول: # أحلى السجائر قاطبة # لما تجيء مرطبة # سيجارة البلمونت يا # ذات العطور الصاخبة # إن هاجت الأفكار في # رأسي وماجت غاضبة # فصاح سمير قائلا: «أو إن سمعت الرعد في ودانك!» وضحك سيد أحمد لأنه لم يكن يعرف دلالة ~~المصطلح المصري، ولكنه أدرك أن سمير معترض على ما يقول، فسأله ما الخبر؟ وقال سمير: «إيه هو ~~اللي لما تجيء مرطبة؟» فقال الشاعر: «يعني الدخان طري!» فقلت له إنها الضرورة الشعرية! فقال ~~سمير: «ضرورة إيه؟ ده كلام عامي خالص!» ثم تحول إلي وقال لي: اكتب أنت! وعلى الفور ~~كتبت: # همست فتاتي لي ولم تعبأ بشيء: ~~«إني أريد سجارة!» # وأجبت ها هي في فمي، # ظمأى وتجرع من دمي، # هيا اقطفيها إنها حمراء يانعة السعير، # ودخانها المحموم يرقص حول رأسي كالسكير، # لا تحسبينها «بلمنا» ذاك الحقير! # لا يا فتاتي! «معدني الممتاز» أنساني حياتي! # وصاح الحردلو: «وهذا يثبت الضرورة الشعرية فكلمة بلمن هي بلمونت! ثم ~~إن عناني عنده سبب زيادة في البيت الأخير!» وقلت له: أمال لو شفت العك اللي أنا عاملهولك ~~في قصيدة ثانية وفتحت الحقيبة وأخرجت له قصيدة طويلة فقدت أصلها وأذكر منها المطلع وبعض ~~الأبيات واسمها بنات ms221 القاهرة! وأذكر أن المطلع كان يمزج الرجز بالكامل مما كان يمثل قلقا ~~دائما لي: # إذا أتيت يا صديقي واحتضنت القاهرة، # وتهت في شعابها تحدوك رؤيا عابرة، # ووقفت عند النيل ترنو للمياه الساحرة، # يحنو عليك الشط ترعاك النخيل الآسرة، # فامرح بأحياء السكارى والخبايا الكاسرة، # واجرع رحيق الفن في زق الرحيق الطاهرة! # عش يومها هونا وصاحب ليلها هونا ولكن، # يا صديقي إن حنا برد المساء احذر بنات القاهرة! # وضحكنا! كانت النغمة هازلة، ولكن التجربة التي أود تسجيلها هي أن المؤلف ~~له أن يقول ما يشاء؛ إذ سرعان ما قال الحردلو: «أنا أستطيع تغيير الكثير في هذا الشعر حتى ~~أرتفع بمستواه وأكسبه نغمة جادة!» وبدأ يعترض على كلمة «الكاسرة» وقال إنها أليق بزق ~~الرحيق، وعلى كلمة «الساحرة» لأنها «كليشيه» مؤكدا أن هذا هو ما علمته له أنا في دروس النقد ~~التطبيقي، وعلى كلمة «الآسرة» ... فقلت له: «أنت تعترض على كلمات القافية كلها؟» فقال «وعلى ~~البيتين الأخيرين اللذين لا أول لهما ولا آخر!» وضحك سمير سرحان جدا وقال: «مش كفاية على ~~عناني مراجعة الترجمة؟ ناقص له كمان مراجع شعر؟» وفجأة أحسست بجدية الموضوع! إننا نكتب ما ~~نريد ونغير ما نريد، ثم يأتي مترجم كتبت له الأقدار أن يترجم هذا إلى لغة أخرى فيتفانى ~~في البحث عن المقابل الدقيق وإن لم يجده فالويل والثبور، وعظائم الأمور! وبدأت أتأمل معنى ~~ما كتبت: ما معنى «يحنو» و«حنا»؟ وما معنى «هونا»؟ وسمعت الحردلو يقول (ويبدو أنه كان يتكلم ~~دون أن أعي تماما ما يقول): إيه دي أحياء السكارى؟ فضحكت وقلت: أحياء الحيارى؟ فقال لا: أنت ~~تقصد أهل الفن! فقال سمير: يقصد «أوكار السكارى!» وضحكنا! كان كل شيء قابلا للتغيير، والنص حتى ~~لو نشر سيظل «مشروع نص» ولن يصبح مقدسا إلا عندما يكلف مترجم بترجمته! # وقال الحردلو: ولماذا أحذر بنات القاهرة؟ فقلت له: هذا ما يأتي في فقرات تالية؛ إذ ~~أقول: # فالبنت في بولاق عند السوق عود من قصب، # سمراء فارعة تظللها نواص من ذهب، # تتناثر الألفاظ من فمها ms222 بأنغام عجب! # حينا تسب البائعين وتشتم الأتراب رائعة الصخب! # وضحكنا، وعاد الحردلو للنقد، ثم قال لي: أكمل، فقلت: # والبنت في حي الزمالك نزوة من الترف، # في كل ما تحيا به أصداء لمسة السرف، # فكأن فرعونا أصيلا بثها روح الصلف! ~~... # والبنت في حي الحسين زهرة ما أينعت، # هيفاء تحسدها الطبيعة أنكرت ما أبدعت، # ملفوفة الأعضاء ناعمة تكاد لو انثنت! # وعاد الحردلو يسأل: ولماذا الحذر؟ فقلت: # فبنات قاهرة المعز من الشمال إلى الجنوب إماء خصب وقرار، # الحب ليس له سوى عقد الزواج يصونه في عقر دار، # والقبلة البيضاء تنجب عقد أطفال صغار. # وأذكر أننا في هذا اليوم تواعدنا على اللقاء، وعندما طرأ طارئ أخل ~~بموعدي وجدت أن الحردلو أرسل لي قصيدة هجاء مطلعها: # أتوعدني وتخلف يا عناني # وقبلك قط ما كانت غواني # وكان هذا البيت مصدر فرح وسرور لسمير؛ إذ لم يلتفت للخطأ في الكلمة الأولى (المفروض أنه ~~يقصد «أتعدني»)، ولكنه عجب أن يكون عناني هو أول غانية في التاريخ! # وعلى الفور رددت عليه بقصيدة مطلعها: # تهجو الضياء وأنت للشعراء ظل! # وتسبني في موعد أخلفت يا حردلو؟! # ودارت الأيام، والتقيت عام 1969م بالشارع في لندن بعد أن أصبح دبلوماسيا ~~يشار إليه بالبنان، فإذا به قد نسي الشعر وأيام القريض، وانطوت صفحة لم أكن أود أن تطوى؛ ~~إذ كنت إذ ذاك طالبا أدرس للدكتوراه، وكان قد تخطى ذكرياتنا، ونسي أيامنا. # وكان سمير سرحان يجد في هذا الشعر الذي يطلق عليه البعض صفة «الحلمنتيشي»، ويضعه ~~البعض الآخر في باب «الإخوانيات»، متعة كبيرة، وكان يضحك كثيرا من النظم التعليمي الذي كان ~~والدي يساعدنا به في «الدراسة»، وقد أورثه ذلك - دون أن يدري - موقفا خاصا من الشعر ~~التقليدي. # والواقع أن بعد الشقة بيننا وبين الشعر الكلاسيكي، وعدم اتساق لغته مع لغة الحياة ~~المعاصرة، من العوامل التي جعلت جيلنا يفضل الشعر الجديد. وكان والدي قد كتب قصيدة طويلة ~~أسماها «القصيدة الدرية» (نسبة إلى شارع الدري، وإلى الدر في الوقت نفسه طبعا) وضع ~~فيها «خلاصة» تجاربه في الحياة، ms223 ويستهلها استهلالا تقليديا: # إلى الله أشكو ما ألم بساحتي # وخيبة آمال تقود لمحنتي # إلى الله أشكو وهو بالسر عالم # فليست إلى زيد وعمرو شكايتي! # ثم يتطرق فيها إلى خطأ «تجربة» الزواج، موجها إلى الشباب في آخر ذلك الجزء نصيحة ~~غريبة: # فلا تقرب الدهر النساء فقد جنت # على آدم حواء من بدء خلقة # وينتقد الحياة في المدن، وينصح بسكنى الريف صراحة: # عليك بسكنى الريف إن كنت راغبا # صيانة مال بين كوخ ودوحة # ملمحا بذلك إلى أنه فقد ميراثه بسبب العيش في المدينة، وهو خطأ صريح، ولكن سمير كان ~~يحب الشعر الفكاهي الذي كان ينظمه والدي عن ألوان الطعام أو الفيتامينات ويتندر بأبيات ~~مثل: # ألف الفتامين الملوخ وزبدة # بقدونس لفت صفار سبانخ # فالمقصود بالصفار هنا هو صفار البيض، ولكن إضافة الكلمة إلى السبانخ تخرج تأثيرا ~~فكاهيا، وكذلك الملوخ (أي الملوخية) أو البيت التالي: # ولا تنس الأرانب إن فيها # بروتينا به أسس النماء # وكان سمير يدعوني إلى كتابة مثل هذه الفكاهات، فكتبت مرة قصيدة ضاعت وإن كنت أذكر ~~مطلعها موجهة إلى فاروق عبد الوهاب، الذي كان يتميز بالقلم السيال، بالعربية ~~وبالإنجليزية، وكنت أعجب بقدرته على كتابة المقالات في جميع المجلات الثقافية التي تصدرها ~~وزارة الثقافة: # فاروق يا رب الكتابة في مجلات الوزارة # رب السلاسة والمهارة والرصانة والشطارة! # ولما كان سمير مولعا بإملاء ما يكتب على الآلة الكاتبة، ويقتصر على المسرح فقد تطلب ~~قصيدة مختلفة تذكر ما يمليه وتؤكد تمكنه من «الدرامة». # سرحان يا رب الدرامة والمقالات العجيبة # في كل ما تمليه من أشياء أفكار مريبة # وكان فاروق عبد الوهاب - الذي أصبح بعد رحيلنا - سكرتير مجلة المسرح الأوحد لسنوات طويلة، ~~ما يزال يذكر قصيدتي الفكاهية، حتى بعد أن استقر به المقام في شيكاغو وأصبح أستاذ للغة ~~العربية وآدابها هناك. # وكان أخي الأصغر مصطفى آنذاك ما يزال طالبا في كلية التجارة، ولكنه كان دائما أقرب الناس ~~إلى قلبي؛ فهو يشاركني حب الأدب والاستمتاع باللغة، وكان كثيرا أثناء أيام دراستي في الجامعة ~~يصاحبني في نزهاتي في ms224 القاهرة، وكنت - رغم فارق السن الصغير - أمتاز عنه بالضخامة، فكان ~~يستمتع بما أشتريه من مأكولات تدخل في عداد «الرمرمة»؛ مثل الفول السوداني واللب (بذر ~~البطيخ) والحمص والجيلاتي - بل والكشري! وكنت أقرأ عليه هذا الشعر الفكاهي فيضحك منه ~~ويجده مسليا، وكنت ما أزال أثق فيه ثقة مطلقة، فكنت أبوح له بأسراري كلها، وكان يحفظها ~~ويدهش منها، وقد اتجه في يوم من الأيام بعد تخرجه عام 1965م وعمله في هيئة السد العالي إلى ~~كتابة القصة القصيرة، ونشر بعض قصصه في مجلة «صباح الخير»، وكانت قصصه تتميز بعمق النظرة ~~الإنسانية والتحليل الدقيق للمشاعر، ولكنه كان يشاركني أنا وسمير «الحس الفكاهي» فكان يعمد - ~~مثل نعمان عاشور في بداية حياته الأدبية - إلى السخرية، وكان يلتقط بسهولة ويسر «اللقطات» ~~المضحكة في حياتنا، وكنت في أعماقي أحسده على سلاسة أسلوبه، وأحاول محاكاته فلا أوفق، ~~ربما بسبب الوعي الذي كان يتزايد لدي بنماذج النثر الغربي الذي كنت من مدمني قراءته بعد ~~التخرج. # كنت أكتشف يوما بعد يوم مدى الصعوبة التي تواجه كاتب النثر، ومدى المعاناة التي لا بد ~~أن يكابدها من يصر على إيضاح أفكاره، ولم يكن الشعر موطأ الأكناف، فكتابة النظم ~~يسيرة، أما كتابة شعر مثل ما يكتبه صلاح عبد الصبور أو أحمد عبد المعطي حجازي فكانت مستحيلة، ~~ولم يكن أمامي إذن سوى المسرح! # ومع اشتداد حر صيف 1964م أصبحت جلسات لاباس - المقهى المكيف الهواء - أفضل مكان لقضاء ~~فترة الظهيرة والعصر، وكانت نهاد صليحة قد عرفت المكان وأصبحت ترتاده معنا، وكان المفهوم ~~أنني أحاول أن أخطب ودها بأسلوب جديد، فهي على أبواب السنة الثالثة، وهي موهوبة وطموحة، ~~ونظريتي في الحب التي كنت أدعو إليها هي ما كنت أسميه «الحب المركب» أي الحب الذي يتحول ~~إلى أسلوب حياة مشتركة، أي لا يقتصر على لواعج الغرام التقليدية القائمة على تجاذب الجنسين ~~بعضهما إلى البعض، وقد قبلت نهاد ذلك ورحبت به، وكانت أحيانا تقضي المساء معنا أنا وسمير ~~سرحان ثم نوصلها بالتاكسي، أو أحيانا سيرا على الأقدام، إلى منزلها. # كانت ms225 صعوبة الخروج من مصر تمثل لكل منا عائقا مخيفا، ومن ثم وطنت النفس، رغم ~~تفاؤل سمير، على البقاء واستكمال دراستي في القاهرة، وبدلا من الانكباب على ترجمة «روميو ~~وجوليت»، تحولت إلى الرسالة فبدأت أضع الخطوط الأولى للحجة التي أعتبرها جوهر الرسالة، وهي ~~أن الشاعر عندما تحول عن الاتجاه الثوري في الفن والسياسة والدين، انعكس ذلك كله في ~~صياغته للصور الشعرية شكلا ومضمونا، ولكنني كنت كلما بدأت الكتابة، وجدت أبيات الشعر ~~العربية تزاحم الإنجليزية، وكلما استغرقت في كتاب بالإنجليزية وجدت بعض الواجبات «النقدية» ~~في مجلة المسرح تطلب مني بذل الجهد، وفي سبتمبر 1964م كنا نحضر إحدى مناقشات الماجستير حين ~~التفت إلى نهاد وقلت لها بأسلوب تمنيت أن يكون غير تقليدي «إحنا طبعا حنتجوز!» ~~وتلعثمت، ولا أدري ما قالته فقد كان غمغمة فهمت منها أنها موافقة. # وعندما أخبرت سمير قال: «يا سلام! حتتجوز لوحدك؟» ولم أفهم ما يعني ساعتها، ولكنني فهمت ~~بعدها بأيام عندما جاءني متهللا وقال: «أنا خطبت أمينة صبري!» وكانت طالبة لدينا في السنة ~~الثالثة، وهي الآن كبيرة مذيعات صوت العرب، وعلم من أعلام الفن الإذاعي في مصر، وكدت أن ~~أقول له ولكن أمينة لا تستطيع الخروج معنا، ولكنني أحجمت! ورحب فاروق عبد الوهاب بهذه ~~الأخبار، ولكنه قال إنه ما يزال يبحث عن الفتاة الضخمة، وكان يسميها «ذات العود السرح» أي ~~الطويلة أساسا! وكان ما فتئ يقلب بصره فيمن حوله فلا يجد الطول المناسب، وإن كان قد وجده ~~بعد ذلك بعدة سنوات. # وفي أكتوبر بدأ العام الدراسي وشاعت أنباء ارتباطنا أنا وسمير، وكان الأهم هو أن المسرح ~~القومي سوف يقدم «الخال فانيا» من ترجمتي أنا وسمير، وكان المخرج رجلا روسيا يدعى لزلي ~~بلاتون، واسمه الأول إنجليزي واسمه الثاني فرنسي (يعني أفلاطون) بمساعدة المخرج المصري كمال ~~يس رحمه الله. # 9 # كان المشهد داخل قسم اللغة الإنجليزية يتغير بسرعة؛ إذ أصيب الدكتور محمد يس العيوطي ~~الذي كان يدرس لنا الرواية والدراما بشلل نصفي، وكان الدكتور أمين روفائيل قد شارف على ~~الستين (سن ms226 التقاعد) دون أن يحصل على درجة الأستاذية؛ إذ لم يكن قد انضم رسميا إلى أعضاء ~~هيئة التدريس؛ ولذلك لم يكن من الجائز قانونا أن تنطبق عليه شروط الترقي، فكان يشغل وظيفة ~~محاضر أول، وكان قد مضى على حصوله على الدكتوراه عشر سنوات، وكان الدكتور أمين رحمه الله ~~فريدا في كل شيء؛ فهو لم يتزوج أبدا، وكان على إيمانه بالعلم وتفانيه فيه يسخر منه، وكان ~~كثيرا ما يصطحبني بعد الدروس إلى مقهاه المفضل في شارع عماد الدين حيث نناقش الشعر ~~الرومانسي، وكان يحاول قبل التأميم إقناعي بالعمل بالتجارة مع خالي (إذ كان صديقا حميما له) ~~ثم أصبح يقول لي: «كنت أنصحك بما ثبت فشله، وأصدك عما تأكدت من عدم جدواه، فالآن لا ~~أدري ماذا أقول لك!» وكان المقهى يقع على ناصية مقابلة لمكتب خالين في مواجهة سينما «كوزمو» ~~القديمة، وعلى مبعدة خطوات من مسرح محمد فريد، وكثيرا ما كنت أراجع معه تجارب كتبه الرائعة ~~في الشعر الإنجليزي، وهي المختارات التي انتقاها بصبر وعناية من تراث الشعر الإنجليزي الحافل، ~~أو أراجع معه ترجماته لقصص جيمس جويس، ولا أعرف هل نشرت فيما بعد أم لا، وقد احترمت منتخباته ~~من الشعر الإنجليزي - التي كانت تدر عليه دخلا متواضعا - حتى توفي، ولم أقدم على إعداد ~~المختارات الجديدة أنا والدكتور ماهر شفيق فريد إلا بعد أن أذن لنا صاحب مكتبة الأنجلو، بعد أن ~~تأكد له أنه لم يعد للدكتور أمين ورثة يمكنهم الإفادة من الدخل. # وكان لدينا بالقسم أستاذة صامتة ذات أسرار لا تكتنه؛ هي الدكتورة صفية ربيع، وكل ما ~~كنت أعرفه عنها كان مستقى من خارج الجامعة، فكنت أعلم أنها زوجة الكاتب والناقد بدر الديب، ~~وأنها ترجمت مسرحية لثورنتون وايلدر، وأخرى لشيكسبير في سلسلة ترجمات جامعة الدول العربية، ~~وحينما عدت عام 1975م بلغني أنها استقالت. # وكان من المدرسين لدينا بالقسم (مدرسي اللغة) عدد كبير ممن انتدبهم رشاد رشدي من ~~المدارس الثانوية، وكان بعضهم معينا والبعض الآخر منتدبا من الخارج، وكان أنجحهم أثناء ~~فترة دراستي الأولى ms227 في الخمسينيات شاب رقيق مهذب هو محمود شكري مصطفى، الذي اشتهر فيما بعد ~~باسم الدكتور شكري. وكان له أخ يعمل طبيبا في سلاح الطيران اسمه الدكتور رمزي، وفي عام 1963م ~~عاد الدكتور شكري من أيرلندا بعد أن أتم كتابة الدكتوراه لكنه لم يحصل على الدرجة لسبب غريب ~~ونادر؛ وهو أنه رسب في الامتحان الشفوي؛ وذلك أن امتنع تماما على الحديث مع أعضاء اللجنة، فلم ~~يجب على أي سؤال ولم يقل أي شيء، وكان يجلس في القسم بعد عودته صامتا، وقيل لي إن لديه ~~اكتئابا نتيجة تفانيه في الدراسة؛ إذ حبس نفسه أربع سنوات كاملة في غرفة في دبلن، يدخن ~~ويقرأ ويشرب القهوة ويكتب، حتى أصابه ذلك المرض النفسي اللعين. # وسرعان ما اكتشف الدكتور سعد جمال الدين سر اكتئابه؛ فالدكتور سعد - إلى جانب ما ذاع عنه ~~من إتقان لا يجارى ولا يبارى في اللغة الإنجليزية - «ابن بلد» من الطراز الأول، وهو ما ~~يسميه العرب «ألمعي» (بالعامية المصرية «يفهمها وهي طايرة») ولوذعي نحرير! أما السبب فهو ~~أن الدكتور شكري «يريد أن يتزوج»! وطلب مني الدكتور سعد أن أبحث الموضوع، فوعدته خيرا، ~~واتضح أن سعد قد تولى فحص الحالة جيدا؛ ومن ثم وجدت الدكتور شكري يطرق بابي ذات يوم ~~(في شارع الدري بالعجوزة) ليسأل عن زميلة لي ورحبت به وحادثته طويلا في غرفة الصالون ~~المتواضعة، وأفهمته أن الفتاة التي يسأل عنها قد تزوجت منذ سنوات، وأن لديها غلاما يدعى ~~طارق! فقال في حسرة: «آه! أم طارق طارت!» وضحكت مؤكدا له أن هناك كثيرات غيرها يمكنه ~~الاقتران بهن، فذكر عدة أسماء - من بينهن أسماء زغلول التي توفيت في حادثة طائرة، ولم يكن ~~بطبيعة الحال يعرف ذلك، وأخريات من الأفضل عدم ذكر أسمائهن. # ومع بداية عام 1964م وصلت أخبار مفرحة تفيد أن مجلس جامعة دبلن قد وافق على منح الدكتور ~~شكري الدرجة العلمية دون امتحان. وكان ذلك من العوامل التي ساعدت على تخفيف مظاهر اكتئابه، ~~ويبدو أنه قرر عدم الاعتماد على أحد في البحث عن ms228 عروس، حين شاهد فتاة ذات شعر بلاتيني، ~~بيضاء هيفاء، كثيرا ما تجلس على كرسي في الممر أمام غرفة عم علي (رحمه الله) بحجة شرب ~~الشاي. ومن ثم فاتحها في موضوع زيارتها في المنزل لاتخاذ الإجراءات اللازمة فرحبت، وكنت ~~أدهش من تجاهله لفارق السن، ولكن الشعر البلاتيني كان عاملا حاسما، رغم ما همست لي به إحدى ~~زميلاتي من أنه «غير طبيعي» أي مصبوغ! # ووفقا للموعد المضروب زارها الدكتور شكري في المنزل فلم يجد أباها، ولكن والدتها رحبت ~~به كل الترحيب، وكانت منهمكة في إعداد «مربى البلح»، فدعته إلى مشاركتها في تنظيف البلح ~~«السماني» المستخدم في المربى بإخراج النوى منه، ففعل راضيا وانقضت السهرة دون أن يعود ~~الأب، ودون مفاتحة الأسرة في الموضوع. وعندما قص علينا ما حدث قال له سمير سرحان أن ينسى ~~الفتاة، وذكره بأن لها أنفا ضخما، وبأنها غير مجتهدة، ودعاه إلى الخروج معنا لمشاهدة فيلم ~~«الحذاء الأحمر» وتناول الطعام عند «أرتين» وهو مطعم طاه أرمني عبقري، اكتشفه الدكتور شفيق ~~مجلي، فخرجنا جميعا وأمضينا وقتا ممتعا، وأوصلناه بالتاكسي إلى المنزل، وعند وداعه قال له ~~سمير: «خلاص بقى؟ ننسى الموضوع؟» فضحك رحمه الله وقال بعد ثوان بدت طويلة ممتدة: «بس شعرها ~~بلاتيني!» وعندما حاولت الكلام نغزني سمير فسكت، وضحكنا ولم نعقب. # ولا بأس من استكمال قصته هنا، استباقا للأحداث؛ فعندما عدت من البعثة عام 1975م كان ~~الدكتور شكري ما يزال يبحث عن عروس، وكان قد عين أستاذا في جامعة الأزهر دون المرور ~~بالترقيات المعهودة، وذلك أن هناك قانونا من قوانين الجامعة يعمل به أحيانا ويعطل ~~أحيانا أخرى، وهو يقول إنه يجوز تعيين أستاذ مساعد من خارج الجامعة إذا كان قد مضى على ~~تخرجه عشر سنوات، ومضى عام على الأقل على حصوله على الدكتوراه، ويجوز تعيين أستاذ من خارج ~~الجامعة إذا كان قد مضى على تخرجه ثمانية عشر عاما وعامان على الأقل على حصوله على ~~الدكتوراه، وفي عام 1975م سمح بإعمال القانون لتعيين أحد أقرباء كبار المسئولين في الحكومة، ~~فتقدم شكري ms229 وحصل على الوظيفة، فأدرك الفرصة قبل إعادة تعطيل القانون بأيام معدودة. ولا أدري ~~الآن هل القانون معطل أم ساري المفعول. # ولم تمض سنوات حتى حصل شكري على وظيفة للعمل بجامعة الإمارات العربية المتحدة في مدينة ~~العين، ولم يكن بحثه عن العروس قد توقف، وقد سمعت شائعة مفادها أنه كان يحب فتاة في ~~صباه، وهي أستاذة (لا أستطيع ذكر اسمها) في إحدى الجامعات، فلما رفضته سببت له هذا ~~التأخير. على أي حال وجد ضالته ذات يوم في فتاة فلسطينية تعمل مذيعة في التلفزيون ~~الإماراتي، وتزوجها، وكنا نتابع أخباره في سعادة، ولكن الزواج كانت له ذيول غير متوقعة؛ إذ ~~كانت الزوجة تمارس نشاطا تجاريا يتطلب ضمانا من البنك قدره مائة ألف دولار، وكان من ~~الطبيعي أن تطلب منه ضمانها، فوافق، ولم تمض فترة طويلة حتى أعلنت إفلاسها وكان عليه أن ~~يدفع المبلغ، فدفع معظمه مما ادخر من راتبه، واضطر إلى بيع أملاكه في مصر لسداد الباقي، ~~ومن ثم تركها وانتابه الاكتئاب وأهرع إليه أخوه الطبيب فعاد به إلى القاهرة، وما لبث ~~أن أصيب بصدمة عصبية أودت بحياته وتوفي في غضون أيام معدودة - رحمه الله. # وكان الدكتور شفيق مجلي من أبناء الإسكندرية، ولم يكن متزوجا هو الآخر، ولكنه كان على ~~علاقة وثيقة بفتاة بلجيكية تعرف عليها في لندن، واستمرت مراسلاتهما حتى حانت له الفرصة ~~للحصول على إعارة للتدريس في جامعة فاس بالمغرب، ومن ثم تزوجها واستقر به المقام أعواما، ~~ثم رحل معها إلى أوربا حيث انقطعت أخباره، وإن كنت أحاول متابعة أخباره من أخويه ، أستاذ ~~الآثار النابه منير (الدكتور) وعالم اللغة الشهير فؤاد (الدكتور) الذي شارك في إعداد قاموس ~~أكسفورد (إنجليزي عربي) وقال عنه «دونياخ» مؤلف القاموس إنه كان ذراعه اليمنى ويده اليمنى ~~معا! وقد زرته في أكسفورد أثناء مقامي في إنجلترا، وأسعدني أن أسمع أن كنيته كانت «المصري ~~النابه». # أما الدكتور شوقي السكري فقد استطاع الحصول على وظيفة للتدريس في أمريكا، في جامعة ~~«سكرامنتو» في كاليفورنيا، وكان يختفي ويظهر تسبقه خطابات وشهادات ms230 تتغنى ببراعته ونشاطه ~~العلمي، وكان رشاد رشدي يعجب مما أعجب الأمريكان فيه، ولكنني كنت أعرف مدى حب الأمريكان ~~للفهلوة المصرية، واللهجة البريطانية التي تنم على ثقافة عالية، ولا شك أن الأمريكان كانوا ~~يدهشون لبراعة ذلك المصري صاحب الذلاقة والبراعة، وكان الطلبة يتعلقون به لقدرته على ~~استمالة المستمع بمنطقه الخاص، وهو الذي يوحي فيه بالتبحر والتعمق، ولم يكن الأمر يتعلق، ~~في النهاية، بتوظيف باحث (فلديهم كثيرون) ولكن بتوظيف معلم قادر على اجتذاب الطلبة؛ ~~فالطلبة يدفعون مصاريف الدراسة، ولا حياة للجامعات الأمريكية دون مصاريف! # وانتهى الأمر بالدكتور شوقي السكري إلى الزواج من مصرية اسمها سهيرندا، كانت زميلة لزوجتي ~~نهاد، وفي نفس العمر تقريبا، واصطحبها معه إلى أمريكا (كانت الزوجة الرابعة أو الخامسة) وبعد ~~أن أنجبا طفلين، انفصلت عنه وتأمركت وتزوجت من أمريكي. # كان ذلك كله ما يزال في طي الغيب عام 1964م، ولكن بوادر التشتت كانت تلوح في ~~الأفق، وكنت أنا نفسي أتصور الاستقرار خارج مصر وأحيانا كنت أعجب لمن تتاح لهم فرصة ~~«الخروج» ثم يرجعون، وكنت مشدودا بقوة جبارة إلى قصيدة صلاح عبد الصبور «أغنية للقاهرة» التي ~~يقول فيها: # وعندما رأيت من خلال ظلمة المطار، # نورك يا مدينتي، # عرفت أنني غللت للشوارع المسفلتة، # إلى الميادين التي تموت في وقدتها خضرة أيامي! # كانت وقدة حر القاهرة وحدها كفيلة بإضفاء جو سحري على «بلاد برة»، ~~ولكن اللغة العربية التي عادت بي من إنجلترا هي الحبل الذي كنت أستمسك به، وكنت لا أتصور لي ~~وجودا حقيقيا خارج مصر؛ ولذلك فقد كان موضوع الرحيل والعودة من الموضوعات التي تشغل بالي ~~بصورة مختلفة، وكان سمير سرحان يشاركني هذا الاختلاف، فلم يكن يتصور أبدا أن يحط الرحال ~~خارج مصر إلى الأبد، وكنا أحيانا ما نناقش موضوع المستقبل من حيث العودة لا من حيث الرحيل، ~~هذا إذا قدر الله لنا أن نرحل من مصر على الإطلاق! # وذات يوم عثرت على مجموعة قصصية للكاتب الروسي العظيم تشيخوف مترجمة إلى الإنجليزية، ~~وكانت تتضمن قصة العنبر رقم 6، وبدأت قراءتها، على طولها، ms231 ربما بسبب جاذبية الفقرة ~~الافتتاحية، ولم أستطع أن ألقي بالكتاب حتى انتهيت منها. كانت تصور حال طبيب تتدهور حالته ~~النفسية حتى يصل إلى مرحلة الجنون، وينتهي به الأمر إلى دخول عنبر المرضى بدلا من الإقامة مع ~~الأطباء، رغم تميزه وتفوقه، وكان سحر القصة يرجع إلى أنها تروى بضمير المتكلم، بحيث لا يملك ~~القارئ إلا أن يتعاطف مع الطبيب، وأن يوحد في خياله بين حاله وحال الطبيب، وفي النهاية يبدأ ~~القارئ في الشك في معنى العقل ومعنى الجنون! كانت الساعة قد قاربت الرابعة صباحا فنمت ~~نوما قلقا ساعة أو بعض ساعة، ثم أفقت مذعورا وحاولت النوم ثانيا فلم أستطع، ومن ثم ~~اغتسلت وتهيأت للخروج واتجهت إلى سمير سرحان فأيقظته من النوم، وكان قد انتقل من منزله ~~بشارع الأباصيري بالجيزة إلى منزل آخر بشارع محمد زاهر بالجيزة أيضا، ولم أفعل سوى أن ~~أعطيته الكتاب وخرجت. # وقابلني في المساء مهموما وكأن لسان حاله يقول: «لم فعلت ذلك بي؟» كانت القصة قد هزته ~~هزة عنيفة، وكانت بعض عباراتها قد التصقت بذهنه، مثل العبارة التي تنتهي بها الفقرة ~~الافتتاحية، وهي «وكان نيكيتا مطمئنا يجلس خارج المستشفى على كوم من القاذورات.» ونيكيتا هذا ~~هو الحارس «العاقل» الذي يشهد تدهور حالة الطبيب، إلى جانب عبارات أخرى تصور نظرات الطبيب ~~في وحدته من الشباك إلى العالم الخارجي. ولم نناقش القصة، ولم نتحدث في الفن والأدب، فمن يقرأ ~~تشيخوف، ولو بلغة غير لغته، يصاب بالإحباط واليأس؛ إذ كيف يمكن لأي منا أن يصل إلى ذلك ~~المستوى العبقري؟ # وكانت صورة نيكيتا المستقر فوق كوم الزبالة صورة كثيرين من العقلاء في الحياة من حولنا، ~~بينما يتدهور حال الطبيب يوما بعد يوم، مثل كثير من أصحاب الفكر ومن تشغلهم هموم الدنيا، ~~وعندما رأى رشاد رشدي ملامح القلق على وجهينا وأفصحنا له عما «حدث» ضحك ضحكا شديدا وقال: ~~«هذا هو سبب حبي لتشيخوف! إنه يدفعني إلى القلق!» واستمر بنا الحديث عن فن القصة القصيرة ~~حتى دخل الفنان حسين جمعة يحمل لوحات تتضمن تصميمات ms232 ديكورات ظننتها غربية. وعلى الفور بدأ ~~يقص على رشاد رشدي تصوراته عن إخراج مسرحية ما، واتضح أنهما كانا قد اتفقا على تقديم ~~مسرحية «الخرتيت» من تأليف يوجين يونسكو في مسرح الحكيم بالعامية، ويبدو أنهما كانا قد اتفقا ~~على أن يتولى رشدي ترجمتها، بل يبدو أن رشدي قد «أقنع» جمعة بأن الترجمة موجودة بالفعل! وكان ~~جمعة متخصصا في الديكور المسرحي، ولكنه خريج معهد فنون المسرح على أي حال، والسنوات التي ~~قضاها في إيطاليا يعمل مع كبار المخرجين (الذين كان دائم الإشارة إليهم) أكسبته خبرة لا بأس ~~بها، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يبلغ كل الذين درسوا في إيطاليا مثل كرم مطاوع الذي قدم ~~«الفرافير» ليوسف إدريس فأحدث ضجة كبيرة، وسعد أردش الذي قدم قبلها «رحلة خارج السور» لرشاد ~~رشدي، أما جلال الشرقاوي فكان قد درس في فرنسا وكان دائما من أصحاب مذهب «الانتقاء» الفني، ~~الذي يضع الجمهور في موقع الصدارة من اهتمامه، فأخرج «الزلزال» لمصطفى محمود فهزت الدنيا، ~~وسرعان ما توالت إبداعاته الجميلة. # وفي آخر المساء، ونحن في التاكسي في طريق العودة، قال رشدي لي ولسمير إنه يريدنا أن نترجم ~~الخرتيت بسرعة إلى اللغة العامية، وألا نقول لأحد إننا المترجمان حتى تنتهي الترجمة! وفعلا، ~~حافظنا على السر حتى انتهينا من الترجمة، وعندها عرف الجميع أننا - لا رشاد رشدي - ترجمنا ~~يونسكو! وسرعان ما بدأت التجارب المسرحية، وكانت الترجمة إلى اللغة العامية تجربة بالغة ~~الطرافة، لا بد لي أن أتوقف عندها قليلا. # لقد علمتني تلك التجربة أن الفارق بين الفصحى والعامية لا يقتصر على الأصوات والألفاظ ~~والتراكيب (النحو)، بل هو من الناحية الفنية فارق بين ثقافة زمنية، وثقافة معاصرة، أي إن قارئ ~~الحوار بالفصحى يضع المتحدث في زمن معين، يحدده المستوى اللغوي الذي يختاره المترجم، وحتى ~~لو كان الموضوع معاصرا فإن مستوى الفصحى المستخدمة يفرض زمنا ما على الأحداث والشخصيات، أو ~~قل إنه على الأقل يفصل بينها وبين الشخصيات الحية حولنا، فمن يترجم عبارة بتعبير «ما ~~الخطب؟» وهو الذي نقرؤه على شاشة ms233 التليفزيون في الأفلام المترجمة، يعرف أن ذلك التعبير «غير ~~حقيقي»، ومن يقرؤه على الشاشة لا ينزعج منه، فالممثلون الأجانب لا يتكلمون لغتنا، والتعبير ~~تفسير وحسب لما يقولونه، أما إذا كتبه كاتب في مسرحية، فسوف يوحي بأن شخصياته تنتمي إلى زمن ~~سحيق، و«ما خطبك» تحيل القارئ إلى الآية # قال ما خطبكما قالتا ~~لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير # أما الكاتب الذي ~~يفضل «ماذا بك؟» أو «ما الذي حدث؟» أو «ما الحكاية؟» فهو يوحي، خصوصا في التعبير الأخير، ~~بأن هؤلاء يتحدثون العامية، وبأنه (أي الكاتب) يترجم تعبير «إيه الحكاية؟» أو «فيه إيه؟» أو ~~«حصل إيه؟» أو حتى «إيش بك؟» إلى الفصحى المعاصرة، وأقول بالمناسبة إن «إيش» التي زعم البعض ~~أنها تركية، هي في الحقيقة عربية، وموجودة في كتب التراث وفي بعض الأمثال السابقة على تأثير ~~اللغة التركية على العربية المعاصرة، وربما كانت صورة مختزلة ل «أي شيء». # أما الذي يكتب الحوار العامي فهو يلغي عامل الزمن تماما؛ لأنه يحيل الشخصيات القديمة ~~التي كانت تتحدث لغة غريبة عنا إلى شخصيات معاصرة، وسوف يكون مقياس الترجمة هو مدى ~~«التحويل الذي يقوم به المترجم للشخصيات الأجنبية إلى شخصيات محلية معاصرة». # وهكذا استطعت آنذاك تقسيم الكتاب الذي يكتبون الحوار في روايتهم العربية إلى عدة ~~أقسام؛ استنادا إلى مستوى الفصحى الذي يختارونه، وإلى مستوى العامية إذا استخدموا العامية. ~~فتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ كانا يعتمدان على قدرة القارئ على إحالة الحوار الفصيح لديهما إلى ~~العامية المصرية؛ ولذلك حار المترجمون الأجانب في فهم ما يكتبون؛ لعجزهم عن إدراك الدلالات ~~الثقافية المعاصرة لذلك الحوار، وكان غيرهم مثل عبد الرحمن الشرقاوي وشكري عياد يعمد إلى ~~استخدام كلمات عامية بعينها، مهما تكن أصولها الفصيحة؛ للدلالة على ما يتعذر على الفصحى ~~«المقابلة» أن تنقله من معان ودلالات، وهكذا يفعل اليوم جمال الغيطاني وغيره من المؤمنين ~~بالإبقاء على الفصحى، أو الذين يعادون العامية من حيث المبدأ، إلى جانب من يدرج التعابير ~~العامية والحوار العامي في تضاعيف الفصحى في السرد مثل يوسف القعيد، ms234 أما من يستخدمون العامية ~~في الحوار فيمكن تقسيمهم أيضا إلى من يحاولون الارتفاع بالعامية إلى مستوى الفصحى، ~~فيستخدمون ما يسميه الدكتور السعيد بدوي «عامية المثقفين»، وهي ما كان الدكتور محمد مندور ~~يسميه آنذاك ب «العامية الجزلة» (ويسميها غيره «العامية الراقية») مثل صلاح جاهين، وكانت ~~أشعاره في تلك الأيام هي المثل الأعلى لهذا الاتجاه: # أنا اللي بالأمر المحال اغتوى، # شفت القمر نطيت لفوق في الهوا، # طلته ماطلتوش إيه أنا يهمني؟ # وليه مدام بالنشوة قلبي ارتوى؟ # عجبي! # وكان أحمد شوقي هو المثل الأعلى في الجيل السابق: # اللي يحب الجمال # يسمح بروحه وماله # قلبه إلى الحسن مال # ما للعوازل وما له # وفي مقابل هؤلاء كان هناك من يكتبون الحوار العامي بمستويات متفاوتة، أو يستخدمون ~~التعبيرات التي تفصح عن «المواقع الاجتماعية» للشخصيات، بحيث يوحون بأكثر من المعاني ~~الظاهرة للألفاظ عن طريق استخداماتهم المنوعة للعامية، وإلى هذا الفريق ينتمي معظم كتاب ~~المسرح المعاصر بالعامية. وكان نعمان عاشور، رحمه الله، دائم الإشارة إلى هذه الطاقة الخبيئة ~~للعامية، ولكن هذه المستويات القائمة في المسرح لم تدرس حتى الآن الدراسة التي تستحقها، ~~بسبب الإهمال الذي تعاني منه العامية، بسبب ما يتصوره الكثيرون من أنها صورة «شائهة» ~~للفصحى! # وقد استفدنا أنا وسمير سرحان من هذه التجربة، التي أثبتت لنا أن الأسلوب المميز لكتاب ~~«مسرح العبث» (أو اللامعقول) يتسم بالتجريد أساسا؛ ولذلك تسهل ترجمته إلى الفصحى، وتصعب ~~ترجمته إلى العامية! هل معنى ذلك أن الفصحى أقدر على نقل المجردات من العامية؟ لا أملك من ~~الأدلة العلمية الثابتة ما يؤكد صدق دعواي ، ولكن ذلك ثمرة خبرتي العملية. فقد اغتنت ~~الفصحى على مدار القرنين العشرين من الترجمات التي قدمها جيل الآباء عن اللغات الأوربية التي ~~اكتسبت ثروة كبرى من العلوم الطبيعية وأصبحت تزخر بالمجردات، كما أحيا المترجمون مصطلحات ~~علماء المسلمين الأوائل وفلاسفتهم، فأحيوا بذلك تراثا هائلا من المجردات، ظل مقتصرا على ~~الفصحى دون أن يتسرب إلى العامية التي تكاد أن تقتصر على لغة الحياة اليومية، وحاجات الناس ~~المباشرة، وعندما يريد المتحدث بالعامية ms235 التعبير عن فكرة مجردة فسرعان ما يجد أنه قد لجأ إلى ~~الفصحى في ثنايا العامية! والتداخل بين هذه المستويات جميعا أمر واقع، وهذا هو ما فعلناه أنا ~~وسمير آنذاك، وما تكررت تجربته عند تقديم شيكسبير بالعامية بعد ذلك بعشرين عاما! # ولا بد لي أن أشير فيما يشبه الحاشية إلى «الموضة» التي انتشرت آنذاك من باب مسايرة ~~الدعوة إلى الاشتراكية، وهي كتابة الأغاني بعامية «محضة»؛ أي بعامية من المستوى الأدنى الذي ~~حدده الدكتور السعيد بدوي، مثل الأغنية التالية: # بتسأل ليه عليه # وتقول وحشاك عنيه # من إمتى إنت حبيبي # وداري باللي بيه # ياللي بتسأل عليه # مالكش دعوة بيه # وقد اشتهرت الأغنية باسم «مالكش دعوه بي» وكنت أجدها مضحكة، وأجد أن التجربة في ذاتها ~~فاشلة؛ إذ أثبتت أنه لا توجد «عامية محضة»، ولا أدل على ذلك من المقطع التالي في الأغنية ~~نفسها: # سيبني لليالي # أسهرها لوحدي # سيبني لذكرياتي! # وابعد عن خيالي # يا أغلى ما عندي # وابعد عن حياتي! # فهل هذه عامية «محضة»؟ على أي حال، كانت تجربة هذه الترجمة ناجحة إلى حد بعيد، وكنت ~~أجد في مناقشة هذه المسائل مع سمير سرحان وفاروق عبد الوهاب متعة كبيرة، خصوصا ونحن نقرأ في ~~دراساتنا لغة أجنبية تصطدم في كل حين باللغة التي يتكلمها الناس من حولنا ونتكلمها نحن ~~ونفكر بها. وانشغلنا بعد ذلك بخطوبة سمير؛ إذ أصر على إقامة حفل دعا إليه ثلاثي أضواء ~~المسرح جورج سيدهم والضيف أحمد وسمير غانم، وكان سمير سرحان، ولا يزال، يؤمن بالطقوس والشعائر ~~إيمانه بالمسرح! وكان حفلا مسرحيا رائعا، وكان العروسان بهجة للعين والقلب، وكم ضحكنا ~~وفرحنا بهما! أما أنا فقد أصرت والدتي على شراء شبكة ودفع مهر، وكان المبلغ المعتمد للطبقة ~~الوسطى آنذاك يتراوح بين 150 و300 جنيه، وكذلك الشبكة وغيرها مما لم أشغل نفسي به، وقد تم ذلك ~~جميعا دون ضجة، ويوم 24 يناير 1965م لبسنا الدبلتين أنا ونهاد، وما تزالان في ~~أصابعنا. # 10 # ولكن عام 1964م لم يطو صفحته دون المعركة المتوقعة بين أنصار «النقد الجديد» ms236 وأنصار ~~«النقد القديم»، فكانت المقالات في الصحف تتوالى تأييدا لهذا المذهب أو ذاك، وأطلق على ~~المعركة آنذاك معركة رشاد رشدي ومحمد مندور أو «الفن للفن» (الشعار الذي فرض علينا فرضا ولم ~~نقل به مطلقا) و«الفن للمجتمع»! ففي نوفمبر 1964م نشرت إحدى المجلات قصة سوفيتية نقلا عن ~~إحدى مطبوعات «دار الشرق» بعنوان «ليلة الميلاد»، وهلل لها النقاد الذين كانوا يزعمون أنهم ~~يمثلون اليسار باعتبارها المثل الأعلى للأدب الهادف، وكان يمكن أن تفوتني فرصة قراءتها لولا ~~أن مترجمها كان زميلي القديم أحمد مختار الجمال الذي التحق بالخارجية وعمل دبلوماسيا، ~~واتصل بي تليفونيا لينبهني إلى ما أبدعت يداه. وتقول القصة بإيجاز إن إيغور بافلوفيتش كان ~~ينتظر مولد أول أطفاله بلهفة، وكانت زوجته تنتظر لحظة الميلاد بصبر نافد، وكان الشتاء ذلك ~~العام قارس البرد مريرا، وكان يدعو الله، لأنه كان مؤمنا، أن تأتيها آلام الوضع نهارا ~~حتى يقبل الأطباء زيارتها ومساعدتها، كما ادخر مبلغا من المال لدفعه للطبيب؛ فأطباء تلك ~~الناحية يصرون على تناول أجورهم فورا ودون إبطاء. وعندما انقضى يوم السبت قرر إيغور أن ~~يذهب في الصباح إلى الكنيسة ليصلي للرب حتى يؤخر مجيء الطفل إلى يوم الإثنين. وتطلع ~~ليلة السبت من نافذة مسكنه إلى المكان الوحيد المضاء في تلك الليلة، وهو مبنى الوحدة ~~الاجتماعية للحي، وهي التي أنشأها المجلس المحلي الذي لا يؤمن به، ويعتقد أنه يأخذ من الناس ~~الضرائب دون تقديم الخدمات؛ إذ كان إيغور يعارض دفع الضرائب ويدفعها مرغما، وكان لا يحس ~~بأي فائدة لذلك المبنى ورجاله. ولكن قبل أن ينقضي الليل، وكان إيغور يغالب النوم على الكرسي ~~في غرفة مكتبه الصغيرة، حيث فرغ من تصميم رسم هندسي جديد، سمع صوت زوجته فجأة، فانتفض ~~مذعورا وأهرع إليها وتأكد بنفسه من أن اللحظة قد حانت. وأسقط في يده! البرد شديد ~~والظلام حالك، ولكنه لا بد أن يستدعي أحد الأطباء، وأدار قرص التليفون يطلب من يعرفهم ويثق ~~فيهم من الأطباء «المؤمنين» مثله، ولكن الردود جاءت جميعها بالنفي والاعتذار، وحاول إيغور ~~مساعدة زوجته ms237 بكل الطرق الممكنة دون جدوى، وكلم أحد أقاربه ممن لهم دراية محدودة بالطب، ~~فجاءه الرد حاسما قاطعا؛ من ذا الذي يمكنه أن يخرج في هذه الساعة؟ وتوسل إليه إيغور ~~بحق الرب، ولكن قريبه قال له إن مشيئة الرب نافذة، وما عليه إلا أن يتقبلها! # وازدادت آلام الزوجة وعلا صراخها على فترات، وضاقت الدنيا بالرجل ولم يدر ما يفعل، فأطل ~~من جديد من نافذته فرأى النور ما يزال مضاء في الوحدة وقال في نفسه لن أخسر شيئا إذا ~~طلبتهم بالتليفون، وكان الرد مفاجئا له إذ قالوا سوف نرسل سيارة إسعاف فورا، ولم يكد يضع ~~السماعة حتى سمع صوت «السرينة» يشق سكون الليل، وسرعان ما طرق الباب رجلان وامرأة، نقلوا ~~الزوجة إلى الوحدة في دقائق، واتضح أن حالتها كانت خطرة، وتطلبت عملية قيصرية لأن وضع ~~الغلام كان معكوسا، وعندما أشرقت الشمس كان قد رزق بغلام جميل. # ولم ينس إيغور أن يذهب إلى الكنيسة حسبما اعتزم الليلة السابقة، حتى يشكر الرب على ~~إنقاذ حياة زوجته، وعلى إعطائه غلاما صحيح البدن، ولكن ذهنه شرد وهو في القاعة الفسيحة التي ~~كانت شبه خاوية بسبب البرد، وتذكر أحداث الليلة الماضية، وكيف تخلى عنه الأطباء والأقرباء، ~~ولأول مرة أحس بالندم لأنه ظلم الوحدة الاجتماعية، بل وشعر بالامتنان لأن الطابع الإنساني ~~للنظام أنقذ حياة إنسانية جديدة. # والغريب أن القصة، على سذاجتها، وجدت من يدافع عن جمالها الفني استنادا إلى الأسس ~~التي وصفها رشاد رشدي نفسه! فبها جميع الخصائص الفنية «المقررة» للقصة القصيرة؛ شخصية رئيسية ~~واحدة، التركيز على التحول داخلها، وهو ما يمثل «التطور» الطبيعي غير المفروض من الخارج، ~~وتوافر عناصر البداية والوسط والنهاية! ولكن الأهم من ذلك كله كان الهدف النبيل الذي تسعى ~~القصة إلى إبرازه؛ فهي تؤكد عكس ما يزعمه أعداء الشيوعية من أنها «ضد الدين» فها هو النظام ~~يسمح للبطل - رغم عدائه للنظام - أن يعيش حياته الشخصية كاملة، وأن يمارس حرية العقيدة ~~والعبادة وحرية الاختلاف! والقصة تبرز بوضوح وجلاء الطابع الإنساني للنظام، وأنه يقوم على ~~التكافل ms238 الاجتماعي؛ إذ تبين أن النوازع الفردية لأطباء الأمس قد قهرها التعاضد الإنساني ~~والتلاحم البشري، مما يجعل المجتمع هو البطل الحقيقي للقصة! # وقارن أحد النقاد هذه «القصة الاشتراكية» بقصة كتبها محمود تيمور بعنوان «العوامة» ~~يصور فيها حال موظف كان دائما يتطلع إلى السباحة في البحر، ويدخر المال في سبيل نزهة صيف ~~على الشاطئ، وكيف استطاع آخر الأمر تحقيق حلمه واشترى عوامة تساعده على الطفو، وكيف هرب ~~الهواء من العوامة المنتفخة في الماء فغرق الرجل دون ذنب جناه! «هذا هو نموذج الأدب ~~التشاؤمي الذي لا هدف له» - على حد تعبير أحدهم - أو كما قال آخر «هذا هو الأدب الذي يهدم ~~ولا يبني.» وذات يوم كنا في مبنى الإذاعة القديم، نجلس في الكافتريا على السطح في نحو التاسعة ~~مساء حين دخل محمود كامل (واسمه الحقيقي محمود قاسم، وهو من بلدنا رشيد) وجاءنا ليهمس همسا ~~حذرا: «لقد صدر لي التكليف بمراقبة جميع التمثيليات الإذاعية غير الاشتراكية والإبلاغ عنها.» ~~وتلفت سمير سرحان إليه في دهشة وقال: «إنت؟» وكان معنى السؤال هو كيف يكلف ممثل من ~~الطبقة الثالثة بمراقبة كتابة الكتاب؟ ولكن محمود أوضح لنا أن أكل العيش مر، وأن شخصا ~~معينا بالطابق الثالث قد كلفه علي صبري بهذا العمل، دون إخطار أمين حماد رئيس الإذاعة، حتى ~~يتم إقصاء جميع أعداء الاشتراكية واستئصال شأفتهم! ولما كنت قد عرفت محمود صبيا وصاحبته ~~شابا في رشيد والقاهرة، وكان يعرف أسرتي خير المعرفة، فقد سألته في حذر: «فيها حاجة لك؟» ~~فهمس والبشر يكسو ملامحه: «سوف يرقيني مدير العقود محمود مصطفى إلى الدرجة الثانية، وسوف ~~أشترك في معظم التمثيليات!» ثم رجانا بنفس الهمس الحذر عدم إبلاغ أحد بذلك، وأن نكون على ~~اتصال به حتى يكتب تقارير ممتازة عن تمثيلياتنا! # ولم تكد تمر أيام حتى شكا إلينا ميخائيل رومان أن المخرج أضاف دور «بواب» إلى تمثيلية ~~إذاعية كتبها وسجلها في اليوم السابق، بل وطلب إليه أن يضع له عددا من السطور اللائقة حتى لا ~~تقتصر التمثيلية على الحوار بين الطبيب والممرضة، ms239 وأضاف قائلا: «وبلغ من صفاقة المخرج أن ~~أعطى الدور لممثل من الدرجة الثالثة!» وهممت أن أسأله هل هو محمود كامل، ولكن سمير سرحان ~~نغزني؛ أي اسكت، فسكت! كنا نجلس في مطعم «الأونيون» بشارع 26 يوليو (الذي اختفى الآن) وكان ~~معنا الدكتور فخري قسطندي الذي كان قد عاد من البعثة بعد ست سنوات في دراسة الدراما، وكان ~~كعادته يتحدث في موضوع خارج حديث الجماعة، فكان يؤكد أن فريق الخنافس ليسوا خنافس، وأن كلمة ~~بيتلز تكتب بحرف ال # e # وال # a # مما ~~يتضمن تورية على كلمة إيقاع؛ ولذلك فهي تختلف عن كلمة بيتلز بمعنى الخنافس، وكان محقا - ~~بطبيعة الحال - ولكن الذي كان يشغل ميخائيل رومان كان شيئا آخر تماما! # لم نكن نجد صعوبة في تسجيل تمثيلياتنا الإذاعية، خصوصا بعد أن ترقينا أنا وسمير سرحان ~~إلى كتاب من الدرجة الأولى (لأننا كتاب مسرح)، ولكن الدرجة الأولى في الحقيقة كان فوقها ~~درجات أعلى بكثير، فكان فوقها كتاب الدرجة الممتازة (سعد الدين وهبة ويوسف إدريس ونعمان ~~عاشور ورشاد رشدي وميخائيل رومان) وفوقها النجوم من كتاب الرواية الذي تتحول أعمالهم إلى ~~مسرحيات، ومن فوقهم الأعلام وتضم فردا واحدا هو توفيق الحكيم. وكانت علاقتنا بتوفيق الحكيم ~~قد توثقت من خلال مجلة المسرح؛ إذ كنت أذهب إليه أنا وسمير بانتظام للحصول على مقابلات ~~صحفية، وكان أحيانا ما ينطلق في الكلام على سجيته، فيصول ويجول في أروقة الفكر العالمي، ثم ~~ينتبه فجأة إلى أننا لسنا ضيوفا وربما نكون «من الصحافة» فيسكت، ولكن مكتبه في الأهرام كان ~~بقعة مضيئة في جو تلبد بالغيوم واكفهر. # وعندما عقدت الانتخابات العامة، والاستفتاء على رئاسة الجمهورية، شعرت في منطقة ~~العجوزة بتحركات غير معتادة. وكنت بطبعي حساسا للتغيير، أرقب ما يحدث بدقة وقد لا أعلق ~~عليه إلا بعد سنوات، أو أختزنه في الذاكرة إلى الأبد، وكنت ما أزال أنفر من الشتائم والهجوم، ~~ولا أحب أن أرى شخصا يتعرض «للبهدلة»؛ ولذلك كنت أتعاطف تلقائيا مع كل من ينهال عليه ~~الصحفيون بالسباب؛ لأنه «غير اشتراكي» أو «يميني ms240 متفسخ»، وكان ذلك يسبب لي ضيقا شديدا، ~~ولكنها كانت الموضة، وكان فتحي رضوان يخبرني، استنادا إلى معلوماته الخاصة، بأسماء «المخبرين» ~~أو «المبلغين» الذين ينقلون إلى السلطات أنباء مشاعر الناس وكلامهم، وكانوا مكلفين في ~~منطقتنا بمراقبة المسجد الصغير الذي نصلي فيه الجمعة، ومراقبة الزوار من أصحاب السيارات ~~الفارهة، وكذلك مراقبة أحاديث الجماعات، سواء كانت جماعة من الطلبة، أو جماعات من المهنيين ~~الذين يقضون وقت الفراغ على المقهى. # وكانت شلة الطلبة في شارع الدري تتكون مني وعلي أبو العيد، ومحمد فريد، وأخيه عادل فريد، ~~ومحمد الشنواني، ووجيه صلاح الدين وأخيه، وجميل مكاوي (مفتش الضرائب) وأخيه نبيل مكاوي (ضابط ~~الشرطة فيما بعد). وكان يقيم في إحدى الفيلات توءمان يصعب التفريق بينهما، ولكنهما لم يكملا ~~تعليمهما، وكان أحدهما يعمل بعض الوقت لدى من سوف نسميه يونس اللبان، والآخر يعمل في ~~وظيفة ثابتة في مجمع التحرير مشرفا على أرشيف البريد. وعندما بلغنا أن أحدهما قد بدأ عمله ~~«مخبرا» (إلى جانب المكوجي والحلاق) قررنا أن نسايرهما، فلم نكن نستطيع التفريق حقا ~~بينهما، بألا ننبذهما من الشلة بل بأن نوثق انضمامهما وندس إليهما من الأنباء ما ~~يحيرهما! كان معظمنا قد تخرج والتحق بالوظائف، ولكننا كنا كثيرا ما نتجمع مصادفة في ساحة ~~في منتصف الشارع لنتجاذب أطراف الحديث ومعرفة أخبار بعضنا البعض. واقترح وجيه صلاح الدين، وكان ~~«ملك المقالب» أن يتحول إلى الحديث بالإنجليزية عندما يكون معنا أحدهما، ثم يسأله أحدنا أسئلة ~~مثيرة بالعربية فيجيب عليها بالإنجليزية أيضا، فنحن واثقون أن أيا منهما لا يعرف تلك ~~اللغة! # وتحقق ما كنا نرجوه إذ أتى أحدهما ذات يوم، واقترب ببسمة واضحة الاصطناع، وكانت تلك هي ~~الفرصة التي ينتظرها وجيه، فبدأ حديث بالعربية قائلا: «انقلاب خطير!» وكان محمد الشنواني ~~يراقب وجه صاحبنا، فاطمأن إلى أنه قد بدا عليه الاهتمام، ومن ثم تحول وجيه إلى ~~الإنجليزية، وكانت لهجته تدفعني إلى الضحك، ولكنني كنت أقاوم الضحك وأتصنع الجد، وكان ~~مجمل حديثه هو وصف مباراة لكرة القدم حفظه عن مذيع إنجليزي، ووسط حماسه سأله ms241 عادل فريد ~~بالعربية: «ونجحت العملية؟» وأجاب بالإنجليزية: «نو!» واستمر يتحدث عن مهارة الدفاع في صد ~~الهجوم، ويبدو أن صاحبنا قد ضاق صدره فهمس في أذني «هو بيحكي عن محاولة انقلاب؟» وهمست بلهجة ~~حاولت أن تكون جادة إلى أبعد حد «اسكت واسمع». واستمر وجيه يتحدث وإذا بمحمد فريد يصبح ~~قائلا: «يعني بعد كل ده مارضيتش؟» وذهل صاحبنا. وقال عادل: «وهو .. كان قالع؟» وأجابه وجيه ~~بالإنجليزية. ثم قال الشنواني «على رأيك .. أخطر انقلاب في حياته .. قلب حياته رأسا على ~~عقب!» # وفوجئ الجميع بصاحبنا ينفجر قائلا: «انتو بتضحكوا علي؟ أنا عارف انتو بتحكو على إيه!» ~~وقال له عادل: «إنت عارفها؟» وقال محمد: «أنا شفته مع أخوها» وقلت أنا في تؤدة: «الراجل ما ~~يهموش الفضايح الجنسية بتاعتكم ..» ووضعت يدي على كتفه وقلت: «ده راجل فاضل .. وغلطان اللي ~~بيسمع لكم!» وبدت الحيرة على وجهه. وتلعثم ثم انصرف في اضطراب واضح. # وعندما سألني الأسطى فوزي الحلاق أثناء قص شعري عن رأيي في عبد الناصر، هكذا وبصورة مباشرة، ~~قلت له: «رأيي هو رأيك .. إنت رأيك إيه؟» وقال بسرعة «لا .. إنت راجل متعلم .. يعني عاجبك اللي ~~بيقوله على الملك حسين والملك فيصل؟» وبنفس سرعته قلت له: «وإنت شايف إيه؟» وعاد يقول: «أنا ~~عايز أستفيد منك!» وقلت له إنني مواطن مخلص ولا علاقة لي بالسياسة، ولكن لي أصدقاء في جهات ~~عليا سوف أبلغهم بمدى اهتمامك بالحديث عن عبد الناصر! وتوقف الحلاق برهة وفي يده المقص، وبدا ~~أن عبارتي قد أصابت هدفها تماما، فجعل يحدق في المرآة ناظرا إلى صورة وجهي وأنا أتطلع إليه، ~~وقال في صوت خفيض: «أنا ما أقصدش حاجة ..» وبسرعة قلت له «إنت بتتكلم على جمال عبد الناصر بقى ~~لك ساعة!» وضحك ضحكة بدا فيها الحرج وقال: «أهو كلام يا أستاذ محمد .. بناخد وندي في ~~الكلام!» ومنذ تلك اللحظة صار يتحاشى نظراتي إليه في الشارع، ويبدو كالمهموم الذي يحمل أثقالا ~~لا يقوى على حملها. # أما التوءم الذي يعمل عند يونس اللبان فقد حدث له ما صرفه عن ms242 مهنة استراق السمع فترة ~~ما؛ إذ كان والد اللبان قد اقتنى زوجة صغيرة جميلة، نقل إليها ملكية العمارة، فأصبحت الآمرة ~~الناهية في محل الألبان باسم زوجها، وكان التوءم لا يطيق أوامر السيدات، فكان يشكو ليونس، ~~ويونس يشكو لي؛ إذ كان طالبا منتسبا في قسم التاريخ، وكان يلجأ إلي لأشرح له ما استعصى عليه ~~في دروس اللغة الإنجليزية، ولم يكن يكترث لوجود التوءم؛ فهو «كاتب حسابات» وحسب، ولكنه كان قد ~~ضاق ذرعا بنمط الحياة في ظل الزوجة الجديدة. وسرعان ما بدا شعاع من الضوء في حياته، ولم يكن ~~الشعاع باهرا ولا جميلا، ولكنه كان يمثل حلا للمشكلة؛ إذ كانت للزوجة ابنة من زيجة ~~سابقة، وكانت تزعم أنها أنجبتها وهي ابنة اثنتي عشرة سنة، وأنها الآن قد بلغت السادسة عشرة ~~(بالحساب الهجري) ومن ثم عرضت عليه أن يتزوج الفتاة ويقيم مع الأسرة، في شقة من شقق ~~العمارة الضخمة، وبذلك يصبح شريكا في كل شيء! # واستشارني يونس فسألته سؤالا كان الحري بي ألا أسأله؛ إذ سألته إذا كان يحبها، وأدركت ~~عندما أجابني مدى خطأ السؤال، إذ تحدث عن موقفه وهو يعمل منذ طفولته في الدكان، ويتفانى في ~~خدمة والده ظانا أنه سيكون وريثه، وكان منطلقا في روايته عندما تداركت الخطأ وقلت له ~~«يبقى على بركة الله .. المهم أنها بتحبك ..» وتزوجا، وبدا كل شيء على ما يرام عدة شهور، ثم ~~بلغنا من التوءم أن الوالد توفي فجأة، ولم يكن يشكو أي مرض، وكان التوءم يهمس بشكوكه في ~~النساء، ولكننا استبعدنا ذلك الاحتمال. # وجاءني التوءم ذات يوم في نحو السادسة صباحا وهو في حالة اضطراب يطلب مني الخروج معه، ~~وارتديت ملابسي وخرجت بسرعة، وذهب بي إلى دكان اللبان حيث وجدنا يونس في حالة يرثى لها، ~~كانت عيناه حمراوين، وكان يتكلم في شبه ذهول، قائلا إنه عندما عاد إلى شقته في مساء اليوم ~~السابق، في نحو الواحدة صباحا، لم يستطع فتح الباب بالمفتاح لأن الزوجة كان قد غيرت الكالون، ~~فطرق، ففتحت حماته (وأرملة أبيه) الشراعة وقالت ms243 له: «موش عايزين النهارده .. مع ~~السلامة!» وضحك متصورا أنها كانت فكاهة، ورجاها أن تفتح الباب لأنه في حاجة شديدة إلى ~~النوم، ولكنها أصرت على موقفها، وكانت تستخدم باستمرار عبارات مثل: «عايز إيه؟» «إنت مين؟» ~~«امشي أحسن أنده لك العسكري!» ومن ثم اضطر إلى قضاء الليلة في الدكان جالسا على الكرسي، ~~والحمد لله أن الليل كان قصيرا، والجو لا بأس به، ولم يجد من يستشيره سوى صديقه العاقل (يقصد ~~شخصي الضعيف). # ولما وجدت نفسي في موقف يفرض علي التصرف العاقل، قررت أن أقوم بدور الوساطة، فوعدته ~~أن أعود إليه بعد أن أغتسل وأرتدي ثيابا لائقة، وفعلا عدت بعد نحو ساعة، فطلبت منه ~~الانتظار حتى أكلم السيدة، وصعدت مع التوءم إلى الشقة، وعندما طرقنا الباب فتحت لنا السيدة ~~«الكبيرة» الشراعة، وكان الواضح أنها قد استيقظت من مدة طويلة، وسألتنا عن الغرض من الزيارة ~~فقلت لها: «هل هذه شقة يونس اللبان؟» فقالت بسرعة ورنة انزعاج: «أيوه يا خويا .. هو فين؟ ~~جرى له حاجة؟ أصله ما جاش ليلة امبارح!» ولم أعرف ماذا أقول. وبعد ثوان أحسست أنها كانت دهرا ~~قلت لها: «لأ .. هو بخير .. بس كنا عايزينه في حاجة!» وردت بنفس اللهفة: «حاجة إيه كفى الله ~~الشر؟ عمل حاجة؟ إنتوا بوليس؟» وحاولت بكل طاقتي أن أعيد الاطمئنان إليها، ولم أشأ أن أقص ~~عليها ما رواه لي يونس؛ عسى أن يكون في الأمر سوء تفاهم، وقلت لها إن الأمر يتعلق بدراسته في ~~الكلية، وإنني أعمل مدرسا في الجامعة وأطلعتها على الكارنيه، فاطمأنت، وانصرفنا. # وعندما هبطنا إلى يونس وجدناه قد أعد مجموعة من السكاكين والهراوات، وقال لنا إنه سوف ~~يرتكب جريمة قتل، وكان في حالة هياج لم نفلح في إخراجه منها إلا بإغلاق الدكان والخروج معه ~~إلى الطريق العام، وسرنا في اتجاه شارع النيل، وكان هدفي الأول هو أن أتبين حقيقة ما حدث، ~~فجلس ثلاثتنا على مقهى صغير في حارة متصلة بشارع «محمد عوف» (وما يزال المقهى قائما حتى ~~الآن) وطلبنا منه إعادة رواية ما حدث، ms244 فأعاد القصة بحذافيرها، وقلت له، «ألا يحتمل أن يكون ~~أخطأ في الشقة؟» وسأله التوءم: «ألا يمكن أن تكون قد فقدت المفتاح؟» ونظر إلينا مثل الغائب عن ~~الوعي وقال: «إنتوا صدقتوها؟» وترقرقت في عينيه دموع آلمتني ألما شديدا، فنهضت واصطحبته ~~إلى خارج الدكان، فسار معي مطيعا حتى شارع نوال، وظللنا نسير حتى ميدان الدقي، ولم نكن ~~نتبادل الحديث بل كنا نسير في صمت، وكان الصباح جميلا والنسائم منعشة، وعندما وصلنا إلى ~~الجامعة حرصت على أن أشغله بأشياء كثيرة حتى الظهيرة ثم اصطحبته في طريق العودة ~~بالأتوبيس. # وعندما دخلنا المحل قال لنا التوءم إن السيدة سألت على يونس، ولم أعرف من أصدق ومن أكذب، ~~فطلبت منه أن يعود إلى شقته فقال: تعال معي! ولم أجد في ذلك غضاضة فصحبته حيث أدار المفتاح ~~في قفل الباب وفتحه ودخل (ترى هل قامت السيدة بتغيير الكالون فوضعت القديم مكان ~~الجديد؟). # ولم تمض أيام حتى تكررت الحادثة، وقمت بالوساطة من جديد، وكنا قد بدأنا نقترب من موعد ~~الامتحانات فلم أكن أشاهد يونس اللبان كثيرا، ويبدو أن الحادثة تكررت عدة مرات وكان ~~الصفاء يعود في كل مرة، حتى جاءني يونس ذات يوم وقال لي إن زوجة أبيه عرضت عليه أن يطلق ~~ابنتها في مقابل التنازل عن كل حقوقها، و«تأجير» الدكان له. ولم أفهم. # وسألته إن كان والده قد أعطاه ملكية الدكان، فأجاب بالنفي، فسألته عن الشقة فقال إن كل ~~شيء مكتوب باسم زوجة أبيه، وأنه لم يرث إلا بعض المال السائل، وهو يستطيع أن يبدأ به عملا في ~~مكان ما. وعندما قررت أن أذهب إلى المرأة وأتبين حقيقة الأمر، وما إن شاهدتني حتى صاحت ~~«أهو الدكتور شاهد!» ولم أفهم ماذا تعني إلا عندما أجلت بصري في الشقة فوجدت أشخاصا لا ~~أعرفهم، ويبدو أنهم من أهلها، وأنها كانت تقص عليهم قصة ما، ولم تتوقف المرأة عن قصتها: ~~«الولد ده مجنون! وإن ما كانش حيطلق بنتي بالسياسة حطلقها بالمحكمة! وأنا عملت له محضر ~~تعدي في القسم! وعنده سكاكين وبلط ms245 عايز يقتلنا بيها .. إحنا الولايا اللي مالناش حد!» ثم ~~انفجرت باكية وأمها تهدئ من روعها، وكانت أمها سيدة طاعنة في السن وما تزال بها مسحة من ~~جمال الصبا، وتضع كثيرا من المساحيق والأصباغ! وقال أحد الموجودين: «قول له يا دكتور محمد ~~يطلق وما يضيعش مستقبل البنت .. وهي حتبريه وتأجر له الدكان!» [تبريه: تبرئه من حقوق ~~الزوجة المالية]. # وجلست أستمع إلى قصص متناقضة؛ بعضها ينسب الوحشية ليونس الوديع، وبعضها ينسب الجنون ~~لوالده المتوفى، وقدمت لنا إحدى الموجودات عصير ليمون، وأنا أخالس يونس النظر فأراه ~~شاردا لا يقوى على النطق، وفجأة انشقت الأرض عن مأذون مثل الذي نراهم في السينما، ويبدو ~~أنه كان قد انتهى من جميع الإجراءات ولم يبق إلا توقيع يونس على عقد الطلاق البائن، وعلى عقد ~~إيجار المحل، كما قدم له المأذون ورقة تبرئة من الالتزامات، وبمجرد الانتهاء من ذلك، والذي ~~لم يستغرق دقائق، انطلقت الزغاريد من غرفة مجاورة وانصرفنا. # واستأجر يونس شقة في شارع محمد شكري (الذي كان ماهر البطوطي يقيم فيه) فكنت أزوره ~~أحيانا، فأرى السكاكين والهراوات معلقة على الحائط انتظارا ليوم الانتقام، ثم ما لبث جسده ~~أن نحل وذوى، وغارت عيناه، ولكن الحظ ابتسم له فتخرج في قسم التاريخ، وعين في نفس ~~العام (نوفمبر 1964م) مدرسا للغة الإنجليزية بإحدى قرى محافظة الجيزة، بالقرب من الصف، ~~وكنت أراه لماما في الشهور الستة التالية قبل رحيلي إلى إنجلترا، والواقع أن وظيفة مدرس ~~اللغة الإنجليزية، على معرفته الهزيلة بتلك اللغة، أكسبته رونقا وطلاوة، فكان حين يزور ~~الحي (بعد أن تخلى عن دكان الألبان) يحادثني تليفونيا بالإنجليزية المصرية، وعندما ~~أقابله لا يقول لي # glad to see you # أو حتى # How ~~are your ~~؟ ولكن يقول لي # happy occasion ~~(أي ~~مناسبة سعيدة) وهذا تعبير لا يستعمل في اللغة الإنجليزية أبدا. وعندما عدت من إنجلترا عام ~~1975م كان الدكان قد اختفى، ولم أسمع عنه ولا عن أصحاب العمارة أي أخبار، على إلحاحي في ~~السؤال والتقصي. # 11 # كانت الحياة من حولنا آنذاك مسرحا كبيرا، ms246 وكانت عيني تلتقط المشاهد وأذني تلتقط ~~الأصوات، وكانت تعليقات سمير سرحان نفاذة لاذعة؛ إذ كان يتمتع بحس السخرية وروح الفكاهة ~~الكفيلة بتحويل أي مشهد وأي مسمع إلى قطعة فنية. وكثيرا ما كان يستطيع بإضافة عبارة واحدة ~~أن يحيل الحادثة الحقيقية إلى حادثة فنية! وذات يوم كنا عائدين من المسرح في وقت متأخر، وكنت ~~أنتوي قضاء الليل في شقة الروضة للعمل في ترجمة «روميو وجوليت»، فقررنا استيقاف تاكسي ~~لتوصيله أولا إلى الجيزة ثم الذهاب بعدها إلى الروضة. وعندما وقف التاكسي وهممنا بالركوب ~~أضاء السائق نور السيارة الداخلي وتطلع في وجهينا مليا مما أثار دهشتنا، ولكنه أطفأ ~~النور وقال: «لا مؤاخذة يا أفندية .. أصل امبارح ركب معاي جدعين وقالوا لي أوصلهم لمدينة ~~المهندسين .. حتة مقطوعة بعيد عنكم ورا نادي الصيد! وأول ما وقفت مسكوني وسكعوني علقة وخدوا ~~الفلوس كلها - فوق سبعة جنيه ونص!» وسألناه عن أوصافهما فانطلق يتحدث عن حياته وأحواله حتى ~~وصلنا إلى الجيزة، وهناك قررت مغادرة التاكسي مع سمير وعبور كوبري عباس سيرا على الأقدام، ~~فطلبنا منه الوقوف في آخر شارع الجامعة، وكان مهجورا تماما في تلك الساعة، ودفعنا له الأجرة ~~(نحو 17 قرشا مع قرش للبقشيش) ثم انصرف. وهنا قال لي سمير، في نبرة ساخرة كأنما يضع اللمسة ~~الأخيرة للقصة، «وهنا أعلن الراكبان عن اعتزامهما سلب نقود السائق، فصاح قائلا اتفضلوا ~~اتفضلوا .. بس بلاش ضرب، وانطلق لائذا بالفرار!» # كانت فكرة تكرار السرقة، رغم احتياط السائق بإضاءة النور والتطلع إلى وجوه الركاب، قادرة ~~على أن تحيل الحادثة «الإجرامية» إلى حادثة إنسانية؛ إذ يتحول عندها سائق التاكسي إلى «بطل» ~~للقصة؛ فهو إنسان يجد ويجتهد في جمع النقود، وحياته لوحة كاملة الأبعاد لا تحتاج إلى ~~المزيد من الرتوش، وبعد تكرار الحادثة تتحول حياته إلى «احتمالات» لا تتوقف؛ إذ يتحول هو ~~أولا إلى إنسان يستريب بكل راكب، وتتحول رحلة التاكسي كل يوم إلى رحلة في عالم الخطر، ~~وتصبح روايته لقصة الضرب وسلب النقود مونولوجا دراميا ينتهي نهاية مفجعة. # ولكن الكلمة التي غرست القصة ms247 في ذهني، وصورة السائق النحيل ذي الشارب الخفيف والحلة ~~البالية، هي كلمة «سكعوني»! هي قطعا تحوير لكلمة «صك» ولكن العامية مولعة بحرف العين؛ ~~فهو أصيل في العربية واللغات السامية، ومن العبث البحث في العربية إذا تجاهلنا حروفها ~~الأصلية، مثلما فعل لويس عوض بعد ذلك بعشرة أعوام في كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»؛ فنحن ~~في مصر نضيف العين بعد الكاف أو قبلها لتوليد كلمات جديدة، فنقول: يكعمش (يكمش)، ويكعبش ~~(يكبش)، ويتكعور (يتكور)، ويتكعبل (يتكبل)، ويكعكع (يتكأكئ)، ويتلكع (يتلكأ) ... وهلم جرا، ~~فالعربية تستبدل العين بالهمزة في التمويع (بدلا من التمويئ؛ أي إضافة الماء)، بل ولم يجد بعض ~~العرب المحدثين غرابة في إضافة العين إلى المكرونة فأصبحت معكرونة! # وكان من أسباب جمال عبارة «سكعوني علقة» هي أنها تدل على ظلم فادح؛ فالمضروب بريء، وهو ~~عامل يكد ويجتهد ليلا ونهارا لكسب الرزق، ولو كان ما حدث له مقصورا على السرقة لهان الأمر، ~~ولكنه عوقب على ذلك عقابا مريرا بأن «سكعوه» العلقة! فالمفارقة القدرية قائمة منذ ~~البداية، وهي مفارقة مضحكة مبكية، أما تكرارها - كما اقترح سمير سرحان - فيحيلها إلى حدث ~~رمزي بلغة النقد الحديث، بمعنى أنه يضفي عليها دلالات أعمق وأبعد من المأساة الفردية؛ إذ ~~يجعلها تتخطى ذلك إلى دلالات جهد الناس في عالم لا يأبه، بل ويتربص بهم الدوائر، أو ما شئت من ~~دلالات أخرى تتجاوز الحادثة العارضة لأنها تقيم نمطا أو بناء داخليا .. أو قل - بلغة ~~النقد الحديث أيضا - شكلا باطنا، والشكل له معنى قد يتخطى أحيانا معنى المادة ~~المشكلة! # وكانت الأحداث التي تقع حولنا في تلك الأيام لا تختلف عن الأحداث التي تقع في كل مكان ~~وزمان، ولكننا كنا صغارا نسبيا، فلم يكن أي من أفراد الشلة قد تخطى السادسة والعشرين، ~~ولكننا كنا نتمثل كل ما نقرأ وكل ما يحدث في وجداننا دون قلق على مرور الزمن، فالنهار طويل ~~والليل أطول، ورؤية الحياة بوجدان الطفل تلغي الإحساس بأن ثمة نهاية، ومن ثم بالفناء، وربما ~~كان هذا هو ما يعنيه وردزورث حين ms248 خاطب الطفل قائلا إن الخلود ينشر جناحيه عليه مثل ساعات ~~النهار! وأنا أحاول الآن، في غضون استرجاع الأحداث التي حفل بها عام 1964م، وإحساسانا بهذه ~~الأحداث، أن أذكر ما كنا نشعر به فلا أستطيع! وأعود إلى ما قاله الشاعر الإنجليزي نفسه حين قال ~~في قصيدة أخرى إن النفس تذكر كيف أحست، لكنها لا تذكر ما أحست به! وهو يعلق على ذلك قائلا ~~إن في محاولة استرجاع الزمن والعجز عنه دليلا على أن الزمن مطلق! أين ذهبت أحداث الأمس ~~ومشاعره؟ وهل ما بقي منها في النفس هو ما خامر النفس آنذاك؟ وما مدى تحولها وتبدلها على ~~مر الأيام وكر السنين؟ إن فشل الإنسان في إدراك ذلك هو سبيله إلى التسليم بوجود الزمن، ~~والزمن بعد هو الفيض الدفاق أبدا، ولا يستطيع إدراك حقيقة الخلود من يغفل عن هذه ~~الحقيقة. # كنا جميعا نعيش في سياقين زمنيين متلازمين، وأكاد أقول متطابقين؛ الأول هو سياق ~~الحاضر - الذي يجرفنا بأحداثه فلا نحس به، والثاني هو المستقبل الذي نحس به كأنه نور ~~دفاق يملأ الأفق ويمتد بلا نهاية، وهذا هو الذي قال عنه وردزورث إنه إشعاع ضوء الأبدية ~~الذي ولدنا به، وكان يعني به يقين الروح من الانتماء إلى عالم غير أرضي! ولما كان وردزورث ~~يؤمن بأن ضوء الأبدية فطري، أي بأنه يولد مع الإنسان، فقد كان يفسر أي إحساس بهذا الضوء ~~بأنه «ذكرى» لعالم الغيب الذي أتى منه، وهذه رؤية شاعر على أي حال، أما أنا فكنت أرى أن هذا ~~النور الدفاق أبدا هو الحقيقة الوجودية التي اختص الله الإنسان بإدراكها؛ سواء وضعها في ~~رموز مستقاة من حياته (مثلما يفعل زعبلاوي بطل قصة نجيب محفوظ الشهيرة)، أو تركها مطلقة ~~تشرق وقتما تريد، وتهب المعنى لوعيه بذاته في لحظات نادرة الحدوث. # وعندما كنا نعمل بجد في تلك الأيام، كان بعضنا يطل على المستقبل من خلال رموزه، فكان ~~بعضنا يرى نفسه في صورة كاتب مسرحي، وقد يكون هذا الكاتب علما يشار إليه بالبنان، أو في ~~صورة أستاذ مرموق، ms249 أو في صورة أستاذ وكاتب معا، لكن الصورة كانت تتداخل، وكنت أكثر من ~~يعانون من هذا التداخل، فعندما يكتب الإنسان كلاما ثم يسمعه منطوقا على المسرح بنبرات ~~وأنغام قد تتفاوت وقد تغير معناه، تختلط المعاني ويبدأ في التساؤل عن الوعي الذي تدل عليه، ~~وعندما كنت أترجم «روميو وجولييت» كنت أتساءل عن المتكلم - شيكسبير أم الشخصية أم أنا أم ~~الممثل؟ وكثيرا ما كنت أسمع الصوت الداخلي وقد تهدج وبدت عليه دلائل الإرهاق! # 12 # وفي الشهور الأولى من عام 1965م كنت أعمل بجد في الرسالة التي تأخرت، وفي ترجمة ~~شيكسبير، وكتابة مقالات مجلة المسرح، وكنت أحس بأنني أصبحت حبيس زمن لا يريد أن يتحرك! ~~ولذلك كثيرا ما كنت أخلو بنفسي في شقة الروضة، التي ظلت سرا لا أطلع عليه أحدا (حتى لا ~~يرتادوها فيفسدوا خلوتي، وقد يفعلون ما لا أحب)، وكانت خطيبتي نهاد تشكو من أنها أحيانا ما ~~تفشل في العثور علي في أي مكان في القاهرة! ولكنني كنت أشعر يوما بعد يوم بأن القراءة ~~تتطلب الخلوة، وكانت الكتب التي لا بد من قراءتها تفرض علي العزلة، ومن ثم تمكنت من ~~الانتهاء من ترجمة روميو وجوليت، ودفعت بها إلى المطبعة في مارس، وظهرت في عدد إبريل، ومع ~~ظهورها جاءتنا مكالمة تليفونية غير متوقعة! كانت المتحدثة هي الدكتورة لطيفة الزيات، ~~وأبلغتني باقتضاب أن علي صبري قد وقع قائمة تضم عشرة أشخاص سمح لهم بالخروج من مصر، وأن ~~اسمي واسم سمير سرحان في القائمة، بعد أن اكتشف الموظف المسئول أن ميزانيتنا سبقت الموافقة ~~عليها عام 1963م. # وأهرعت إلى سمير أبلغه الخبر السعيد، وسرعان ما استخرجنا جوازات السفر، وكانت مشكلة ~~جواز السفر هي أنه لا يسمح باستخراج الجواز إلا مع النص على اسم الدولة التي سيسافر إليها ~~المسافر، ولم تكن أوراق إدارة البعثات تسمح بالنص على إنجلترا (بالنسبة لي)، وأمريكا ~~(بالنسبة إلى سمير) فخرج كل جواز وبه دولة واحدة يسمح لها بالسفر؛ هي ليبيا! وعملنا ~~أسبوعين عملا شاقا لإضافة الاسمين، وما يزال جواز السفر القديم ms250 معي يحمل تأشيرة تقول ~~«ليبيا - أضيفت إنجلترا بمعرفة المصلحة». وسرعان ما اشتريت تذكرة السفر، ذهاب فقط، بنحو 93 ~~جنيها، وبدأنا الاستعداد، في سباق مع الزمن؛ للرحيل قبل أن يغير أحد المسئولين ~~رأيه. # وحددت أنا تاريخ السفر في أقرب فرصة، وهو يوم 12 مايو 1965م، بينما حدد سمير الموعد ~~بعده بأسبوعين، وصرنا نتردد على مجمع التحرير يوميا للانتهاء من الإجراءات، وتغيرت ~~صورة مصر في نظري على الأقل؛ إذ كانت السنوات الست التي قضيتها بعد التخرج حافلة بالعمل، ~~وبما هو أهم من العمل؛ ألا وهو الانتماء لمجتمع أدبي وفني مزدهر، بما في ذلك من علاقات ~~بشرية عميقة ومتعددة، ولكن الذي لم أكن أعمل له حسابا هو البعد عن اللغة العربية؛ فلقد ~~اكتسبت في تلك السنوات قدرة على الإحساس بها والتعبير بها، جعلها جزءا لا يتجزأ من كياني؛ ~~وكذلك الابتعاد عن العود! وكنت قد اشتريت جهاز تسجيل ضئيل الحجم من أحمد أبو شادي (زميل ~~فاروق عبد الوهاب) سجلت عليه بعض الألحان التي صنعتها لقصائد صلاح جاهين وما زلت أحفظ ~~بعضها! لم أكن أعرف أن غيبتي ستطول عشر سنوات! وفي ليلة السفر دعانا رشاد رشدي مع نهاد وفاروق ~~وسمير إلى السهرة في عوامة (مركب راسية) في النيل وجعلنا نتحدث حتى الساعات الأولى من الصباح، ~~ثم حملت حقيبتي واتجهت إلى المطار، ولما كنت أكره لحظات الوداع والانفعالات المعتادة، ~~بادلت المودعين التحية باقتضاب، في مطار خال من المسافرين، وفي الثامنة تماما أقلعت ~~الطائرة ثم هبطت في مطار روما، حيث توقفنا ساعة، انتهزت الفرصة فيها لإرسال بطاقة إلى مصر، ~~بعد أن غيرت النقود الإنجليزية بإيطالية، وكان لا يسمح للمسافر بأكثر من خمسة جنيهات ~~إسترلينية. # وفي مساء ذلك اليوم هبطت الطائرة في لندن، وبدأت رحلة جديدة في واحات الحياة، وانطوت ~~معها رحلة الزمن في الواحات التي كتب لها أن تختفي من حياتي إلى الأبد. # تقديم‏ # تصدير‏ # 1 - لندن‏ # 2 - الشتاء الأول‏ # 3 - الخريف الجميل‏ # 4 - النكسة‏ # 5 - النهر والروافد‏ # 6 - سارة‏ # 7 - تحولات‏ # 8 - العودة‏ # ملحق صور‏ # تقديم‏ ms251 # تصدير‏ # 1 - لندن‏ # 2 - الشتاء الأول‏ # 3 - الخريف الجميل‏ # 4 - النكسة‏ # 5 - النهر والروافد‏ # 6 - سارة‏ # 7 - تحولات‏ # 8 - العودة‏ # ملحق صور‏ # | واحات الغربة # | واحات الغربة # | سيرة ذاتية: الجزء الثاني # تأليف # محمد عناني # | تقديم # على نحو ما أذكر في كتابي «فن الترجمة» - وما ~~فتئت أردد ذلك في كتبي التالية عن الترجمة - يعد المترجم مؤلفا من الناحية ~~اللغوية، ومن ثم من الناحية الفكرية. فالترجمة في جوهرها إعادة صوغ لفكر مؤلف معين ~~بألفاظ لغة أخرى، وهو ما يعني أن المترجم يستوعب هذا الفكر حتى يصبح جزءا من جهاز ~~تفكيره، وذلك في صور تتفاوت من مترجم إلى آخر، فإذا أعاد صياغة هذا الفكر بلغة أخرى، ~~وجدنا أنه يتوسل بما سميته جهاز تفكيره، فيصبح مرتبطا بهذا الجهاز. وليس الجهاز ~~لغويا فقط، بل هو فكري ولغوي، فما اللغة إلا التجسيد للفكر، وهو تجسيد محكوم بمفهوم ~~المترجم للنص المصدر، ومن الطبيعي أن يتفاوت المفهوم وفقا لخبرة المترجم فكريا ~~ولغويا. وهكذا فحين يبدأ المترجم كتابة نصه المترجم، فإنه يصبح ثمرة لما كتبه ~~المؤلف الأصلي إلى جانب مفهوم المترجم الذي يكتسي لغته الخاصة، ومن ثم يتلون إلى ~~حد ما بفكره الخاص، بحيث يصبح النص الجديد مزيجا من النص المصدر والكساء الفكري ~~واللغوي للمترجم، بمعنى أن النص المترجم يفصح عن عمل كاتبين؛ الكاتب الأول (أي صاحب ~~النص المصدر)، والكاتب الثاني (أي المترجم). # وإذا كان المترجم يكتسب أبعاد المؤلف بوضوح في ترجمة النصوص الأدبية، فهو يكتسب ~~بعض تلك الأبعاد حين يترجم النصوص العلمية، مهما اجتهد في ابتعاده عن فكره الخاص ولغته ~~الخاصة. وتتفاوت تلك الأبعاد بتفاوت حظ المترجم من لغة العصر وفكره، فلكل عصر لغته ~~الشائعة، ولكل مجال علمي لغته الخاصة؛ ولذلك تتفاوت أيضا أساليب المترجم ما بين عصر ~~وعصر، مثلما تتفاوت بين ترجمة النصوص الأدبية والعلمية. # وليس أدل على ذلك من مقارنة أسلوب الكاتب حين ~~يؤلف نصا أصليا، بأسلوبه حين يترجم نصا لمؤلف أجنبي، فالأسلوبان يتلاقيان على ~~الورق مثلما يتلاقيان في الفكر. فلكل مؤلف، سواء كان مترجما أو أديبا، ms252 طرائق ~~أسلوبية يعرفها القارئ حدسا، ويعرفها الدارس بالفحص والتمحيص؛ ولذلك تقترن بعض النصوص ~~الأدبية بأسماء مترجميها مثلما تقترن بأسماء الأدباء الذين كتبوها، ولقد توسعت في عرض ~~هذا القول في كتبي عن الترجمة والمقدمات التي كتبتها لترجماتي الأدبية. وهكذا فقد يجد ~~الكاتب أنه يقول قولا مستمدا من ترجمة معينة، وهو يتصور أنه قول أصيل ابتدعه ~~كاتب النص المصدر. فإذا شاع هذا القول في النصوص المكتوبة أصبح ينتمي إلى اللغة الهدف ~~(أي لغة الترجمة) مثلما ينتمي إلى لغة الكاتب التي يبدعها ويراها قائمة في جهاز تفكيره. ~~وكثيرا ما تتسرب بعض هذه الأقوال إلى اللغة الدارجة فتحل محل تعابير فصحى قديمة، ~~مثل تعبير «على جثتي» ( # over my dead body ~~) الذي دخل إلى ~~العامية المصرية، بحيث حل حلولا كاملا محل التعبير الكلاسيكي «الموت دونه» (الوارد في ~~شعر أبي فراس الحمداني)؛ وذلك لأن السامع يجد فيه معنى مختلفا لا ينقله التعبير ~~الكلاسيكي الأصلي، وقد يعدل هذا التعبير بقوله «ولو مت دونه»، لكنه يجد أن العبارة ~~الأجنبية أفصح وأصلح! وقد ينقل المترجم تعبيرا أجنبيا ويشيعه، وبعد زمن يتغير ~~معناه، مثل «لمن تدق الأجراس» # for whom the bell tolls ~~؛ ~~فالأصل معناه أن الهلاك قريب من سامعه ( # It tolls for ~~thee ~~)، حسبما ورد في شعر الشاعر «جون دن»، ولكننا نجد التعبير الآن في ~~الصحف بمعنى «آن أوان الجد» (المستعار من خطبة الحجاج حين ولي العراق): # آن أوان الجد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # فانظر كيف أدت ترجمة الصورة الشعرية إلى تعبير عربي يختلف معناه، ويحل محل ~~التعبير القديم (زيم اسم الفرس، وحطم أي شديد البأس، ووضم هي «القرمة» الخشبية التي ~~يقطع الجزار عليها اللحم)، وأعتقد أن من يقارن ترجماتي بما كتبته من شعر أو مسرح ~~أو رواية سوف يكتشف أن العلاقة بين الترجمة والتأليف أوضح من أن تحتاج إلى الإسهاب. # محمد عناني # القاهرة، ~~2021م # | تصدير # هذا هو الجزء الثاني من سيرتي الذاتية «واحات العمر»، وعنوانه «واحات ms253 الغربة» يعفيني من ~~الحديث عنه؛ فهو يتناول أحداث السنوات العشر التي قضيتها مغتربا أطلب العلم في إنجلترا، ~~1965م إلى 1975م، والواحات التي أعنيها هنا هي لحظات الوعي التي ما تزال حية نابضة في ~~النفس، وهي اللحظات التي تؤكد لنا حياة الروح، كياننا الذي يكتنفه الغموض أبدا، منابعه ~~مجهولة، ومساراته متعددة ملتوية متشابكة، ومصبه بحر شاسع بلا شطآن، لكنه كالزمن ~~إحساس بالوجود وإطلال على ما وراء الزمن - على الخلود. # ولقد شاركني الكثيرون حياة الغربة في تلك الواحات فنفوا عنها الغربة؛ منهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر، ومنهم من شاركني مشاعري الدقيقة وكابدها لحظة بلحظة، ومنهم من لا يزال ~~يذكر تفاصيلها - بل من يذكرها خيرا مني - وأنا أذكر أسماءهم الحقيقية، وأرجو أن يغفروا ~~لي إغفالي بعض التفاصيل التي أفلتت رغم أنفي من الذاكرة، أو التي تنكرها الذاكرة - على ~~حد تعبير وردزورث ( # disowned by memory ~~) - فذاكرتي تستعين ~~بالأوراق التي سجلت فيها تلك الأحداث، وهي أوراق واهية قد تسجل الواقعة ولا تسجل ~~الدلالة، ونحن نغوص في أعماقنا استرجاعا لها وهي عصية متأبية، وقد يرى بعضهم أنني ~~أغفلت ما هو مهم وسجلت ما هو غير جدير بالتسجيل، ولكن الغوص في أعماق النفس لا يأتي ~~دائما باللآلئ، بل قد يكون الغوص هو الغاية، لا ما يعود به الغواص. # إلى هؤلاء جميعا أهدي هذه الصفحات، وإذا كنت أهديت الجزء الأول من واحات العمر إلى ~~زوجتي نهاد صليحة، التي صاحبتني وتحملتني في معظم أشواط الرحلة، فأنا أهدي هذه ~~الصفحات أيضا إليها وإلى ابنتي سارة التي رأت النور أول ما رأته في الغربة، وإلى أبناء ~~جيلها الذين لا يعرفون ما كابده الآباء في تلك الرحلة الشاقة. ولقد حاولت أن أتحرى الدقة ~~قدر طاقتي في رصد التواريخ والأحداث، ولكن الكمال لله وحده، ونحن بشر نصيب ونخطئ. ولا شك ~~أنني سوف أرحب بأي تصويب قد يلفت الأصدقاء نظري إليه، مثلما رحبت بتصويب بعض ~~الأخطاء التي وقعت سهوا في الجزء الأول من واحات العمر. # وأرجو من القارئ أن يغفر لي إدراج ms254 بعض الألفاظ الأجنبية في الكتاب؛ إذ إن جل ~~مذكراتي مكتوبة بتلك اللغة، وكنت أخشى أن أغير كثيرا من مذاق ما سمعته وسجلته ~~إن أنا ترجمت كل شيء إلى لغتنا الجميلة. لقد تحريت الدقة كما قلت وكانت الدقة تقتضي ~~إدراج بعض العبارات بحروفها، راجيا من القارئ أن يقبل عذري واعتذاري. # ولا بد لي أخيرا أن أشكر الأصدقاء الذين شجعوني على هذا الغوص المضني في أعماق ~~النفس، وقرءوا النص بعناية، وأبدوا ملاحظاتهم القيمة؛ فهو سجل لأيام أرجو ألا تسقط ~~من ذاكرتهم، وأن ينتفع به من لم يشهدها ولم يكن يدري بها. # والله من وراء القصد. # محمد عناني # القاهرة 1999م # الفصل الأول # | لندن # 1 # عندما حلقت بي الطائرة المصرية أول مرة فوق مدينة لندن، أفقت من الغفوة التي ~~غلبتني بعد سهر الليلة السابقة، وفتحت عيني لأرى من النافذة الضيقة سحابات ~~قليلة، خفيفة وشفافة ومتباعدة، يسطع عليها ضوء الشمس، ويلوح فيما بينها على الأرض ~~ما يشبه البستان الكثيف، تقوم في أرجائه بيوت منخفضة متناثرة ضئيلة الجرم، يضرب ~~لونها إلى الحمرة، فتصورت أننا ما زلنا في الريف بعيدا عن قلب المدينة؛ إذ كنت ~~أتوقع ناطحات سحاب أو قل بعض المباني السامقة التي أصبحت علما على الحواضر ~~الغربية، ولكن الطائرة حومت مرتين في دائرتين متسعتين، وكانت تزداد اقترابا ~~كل مرة من الأرض، دون أن تظهر المباني السامقة، ثم اخترقت السحاب وبدأت الهبوط، ~~فازدادت ملامح البستان وضوحا، فأيقنت أننا سنهبط في الريف المحيط بلندن. # كانت الساعة تقترب من الواحدة ظهرا، وكان اليوم يوم الأربعاء 12 مايو 1965م والمطار ~~حافل بالناس، وعلى الجدران لافتات تحمل سهاما توجه القادمين إلى الأماكن الخاصة ~~بكل فئة، ووجدت السهام التي أتبعها تحدد الفئة التي أنتمي إليها (مع بعض ركاب ~~الطائرة) وهي فئة الأجانب ( # ALIENS ~~) تمييزا لهم عن ~~أبناء البلد، وانتهى مساري إلى شباك فحص جوازات السفر، فدفعت إلى الموظف الجالس ~~فيه بجواز سفري ووقفت أنتظر. # كان الجواز يقول إن من حقي السفر إلى ليبيا فقط، وكنت أخشى أن يسألني الموظف عن ~~دلالة ms255 ذلك، وخفت أن أتلعثم في قص القصة؛ إذ كان من حق طالب البعثة استخراج جواز سفر، ~~وكانت لوائح مصلحة الجوازات والجنسية آنذاك تقضي بعدم استخراج جواز سفر إلا إذا نص ~~فيه على البلد المسموح بالسفر إليها، ولم تكن الموافقة على سفري إلى لندن قد صدرت ~~من مكتب الأمن، فوضع المسئولون ليبيا باعتبارها الدولة المأمونة الوحيدة آنذاك، ~~وعندما أنهيت إجراءات الأمن الخاصة بالسفر إلى بريطانيا كتب الموظف في الجواز الذي ~~ما زلت أحتفظ به «أضيفت إنجلترا بمعرفة المصلحة». # كيف أشرح للموظف ذلك كله بالإنجليزية؟ وهل تراه يدرك أن مسألة الأمن لا تعني ~~أنني قد أكون خطرا على الأمن؟ وهل تراه يفهم العبارة الخاصة «بإضافة» إنجلترا مع أنها ~~البلد الذي تقدمت بطلب السفر إليه دون غيره؟ ولكن خوفي لم يطل؛ إذ كان الموظف ~~شابا باسم المحيا، انتهى من تسجيل بيانات الجواز بقلم في يده، قبل شيوع استخدام ~~آلات التصوير وبعدها الكمبيوتر، ثم سألني عن مقصدي فقلت له «الدراسة»، ولم تبد الدهشة ~~على وجهه بل بدا مطمئنا واثقا من صدق ما أقول، وعندما طرح المزيد من الأسئلة عن ~~الشاعر الإنجليزي الذي تخصصت فيه (وهو وليم ~~وردزورث) # William Wordsworth # أجبته إجابات يبدو أنها أسعدته؛ إذ قال إنه درس بعض ~~أشعاره في المدرسة، وعندما بدأ يلقي بعض أبيات من قصيدة له، أكملتها له فضحك، ~~وتمنى لي حظا سعيدا وسلمني الجواز، وطلب مني أن أتجه بعد أن يستقر بي المقام ~~إلى أقرب مخفر شرطة لتسجيل نفسي (اسمي وعنواني) واستخراج بطاقة إقامة، ~~وانصرفت. # وعندما وصلت إلى منطقة الحقائب وجدت حقيبتي المنتفخة، فحملتها حملا فلم تكن لها ~~عجلات، ولم يكن بالمطار حمالون أو عربات لنقل الحقائب، وعندما وصلت إلى موظف ~~الجمارك طلب مني أن أفتحها ففتحتها، ثم قال كلاما لم أفهم منه إلا أنه يطلب مني ~~إغلاقها، وبعد أن أغلقتها أشار لي إلى باب الخروج، فسرت مثقلا بطيء الخطو حتى كدت ~~أن أتعثر فتوقفت. وقبل أن أخرج، ناداني أحدهم فالتفت إليه، فطلب مني الاقتراب ~~تاركا حقيبتي في مكانها ms256 بجوار الباب. # واصطحبني هذا الموظف إلى رجل الجمارك الأول، وكان يواجه فيما يبدو مشكلة من نوع ما، ~~ولم يستطع أن يشرح لي المشكلة. ولمحت إلى جواره راكبا مصريا يتحدث بلهجة أهل ~~الصعيد، وقد بدا الارتباك على وجهه، ولاحت حبات العرق على جبينه، وانعقد لسانه بعد ~~فترة فلم يعد يتكلم لا بالإنجليزية ولا بالعربية! وسألت المصري سؤالنا التقليدي ~~«خير؟» فأشار إلى الحقيبة التي أتى بها، ونطق بعبارات مقتضبة لم تفصح عن الكثير، ~~فسألت موظف الجمرك إن كانت المشكلة خاصة بما يحمله، ففتح الحقيبة وإذا بغطائها قد ~~انتظمت فيه خيوط مثبتة في الجانبين، وبها أعداد كبيرة من حبات البامية الناشفة ~~(المجففة) فبدت كأنها خيوط مسبحة أو عدة مسابح طويلة، وحدست أن والدته أو ~~زوجته هي التي أعدتها له طعاما في الغربة، وكانت الصفوف المنتظمة المعلقة في غطاء ~~الحقيبة الداخلي تشبه الرصاصات الصغيرة التي يضعها الجنود حول أسلحتهم أو على صدورهم ~~فيما مضى من الزمان. كان المصري حائرا لا يدري كيف يقنع الموظف أن هذه «الطلقات» هي ~~طعام مصري محبب، والموظف يلح في سؤالي عن سبب إحضار هذه الأشياء إلى لندن، ~~خصوصا؛ لأن الزائر ليس طالبا، بل كان في الواقع من أقرباء ضابط في الجيش يعالج من ~~إصابة أصيب بها في حرب اليمن، وكان قد أتى له بهذا الطعام المصري لكي يطبخه له في ~~المستشفى، ونصحت الزائر ألا يذكر قريبه الضابط، وأن يتخلى عن البامية إذا أصر ~~موظف الجمرك على ذلك، ولم يطل انتظارنا إذ حضر اثنان من زملاء الموظف، وقالا إن ~~رئيسهما يصر على عرض الأشياء الغريبة على الخبراء، ويصر على رفض السماح للمصري ~~بالدخول إلى بريطانيا، ولما تحمست في تبيان «مناقب» البامية، قال أحدهما لي: وما ~~يدرينا أنها ليست مخدرات؟ واستبعدت ذلك القول بحزم وقوة، وإزاء نبراتي الواثقة، قال ~~أحدهما: سنسمح له بالدخول بضمانك أنت، ووافقت، ووقعت في ورقة صغيرة، ثم طلب ~~الموظف من المصري أن يفك خيوط البامية، ففعل ذلك والحزن يعتصره، وقدم له أحد ~~الموظفين كيسا شفافا (نايلون) وضع ms257 البامية فيه، و«حرزها»، وألصق عليها بطاقة ~~تحمل اسم المسافر ورقم جواز سفره، وسمح له بالذهاب. # وعندما خرجت من المطار كان علي أن أجد مكانا أقضي فيه الليل قبل أن أذهب إلى ~~الجامعة في الصباح، وأن أذهب أيضا إلى مكتب البعثات، وكنت أحفظ عنوانه وأكرره ~~حتى لا أنساه. وكان علي أن أذهب إلى المدينة أولا وأن أسأل مثل بطل قصيدة حجازي ~~«يا عم من أين الطريق؟» ولم تطل حيرتي إذ تقدمت مني فتاة هندية وقالت بلهجة ~~إنجليزية كتب علي أن أعيش معها سنوات طويلة فيما بعد: هل تريد الذهاب إلى ~~لندن؟ فأومأت بالإيجاب فقالت إذن هيا - سوف نشترك في سيارة أجرة خاصة - وفي لمح ~~البرق كان السائق قد وضع حقيبتي في السيارة، وأجلسني إلى جواره، والهندية وأصحابها في ~~المقعد الخلفي، وانطلقنا نحو لندن، وفي الطريق سألني السائق بلهجة أولاد البلد في ~~لندن ( # Cockney ~~) عن المبلغ الذي سأدفعه له وأدركت ~~مرماه على الرغم من أنني لم أفهم كل كلمة قالها، فقلت له بلهجة عرفت فيما بعد أنها ~~لهجة المثقفين والأجانب «خمسة شلنات» فقال # fair ~~enough # وأردفها بكلام كثير لم أفهم معظمه، ولكنني تساءلت في ~~نفسي عن معنى العبارة، وعما إذا كانت تنم عن الرضا حقا، وظللت طول الرحلة أتأمل ~~الطريق الذي تقوم الأشجار على جانبيه، والسيارات وهي مارقة بسرعة فائقة، وشمس مايو ~~الجميلة وهي تسطع على الخضرة من حولي. # ووصلنا إلى محطة فكتوريا، ودفعت إلى الرجل ما طلبه، ثم اتجهت إلى سيارة أجرة ~~رسمية، من التي ما تزال تعمل في لندن، وطلبت من السائق أن يتجه بي إلى أحد بيوت ~~الشباب، وكان معي عنوانه، وانطلقنا على الفور، وعندما وصلت رأيت أن العداد يقول ~~أربعة شلنات، ففعلت ما أوصاني به الأصدقاء بأن أضفت إليها بقشيشا قدره نصف شلن ~~(ستة بنسات)، وتناول الرجل النقود دون تعليق سوى كلمة مقتضبة هي ~~“Ta, guv” # اكتشفت فيما بعد أنها تعني «شكرا ~~يا أستاذ» وأنها تتكون من كلمتين لا كلمة واحدة هما العامية الدارجة لتعبير ~~“Thanks, Governor!” ~~، وفي ms258 بيت الشباب اكتشفت أن ~~أجر المبيت (مع الإفطار) هو 15 شلنا، وكان معنى هذا أنني إذا لم أسرع إلى مكتب ~~البعثات للحصول على المال فسوف أفلس بعد قليل؛ إذ كان كل ما سمح لي بحمله من ~~النقود عندما خرجت من مصر هو خمسة جنيهات استرلينية أنفقت منها أكثر من جنيه في يوم ~~واحد. وبعد أن وضعت حقيبتي في الغرفة خرجت للسير في الطريق الواسع الممتد، والربيع ~~يكسو المنطقة بالزهور والخضرة الزاهية والدفء الجميل. # محمد عناني وعيسى موسى (من ليبيا) والدكتور/نعيم إليافي (من سوريا) ~~يمسك المظلة. # كانت تجربة إفطار الصباح فريدة لم أعهد لها مثيلا في حياتي. كان بيت الشباب يعج ~~بالأجانب، معظمهم أوروبيون، وكان الإفطار يتكون أساسا من السمك، سمك الرنجة غير ~~المدخنة، وهناك البيض لمن يريد، واللبن، و«كورن فيلكس» الذي أصبح معروفا في مصر، ~~والشاي! وكان الجميع يلتهمون الطعام بشهية كبيرة، ولاحظت عدم وجود مكان لغسل الأيادي ~~والفم، فعدت إلى الغرفة لأداء ما اعتدت عليه، ثم انطلقت إلى مكتب البعثات. وهناك ~~قابلت مستر فيولنج # Fuling ~~، وهو فيما يقال أجنبي (أي ~~غير بريطاني) يحب المصريين وقضى معظم سني حياته عاملا بالمكتب، فاستقبلني ~~بالترحاب، وانتهينا من بعض الأوراق الرسمية، ثم أخذني إلى مدير المكتب؛ حيث تناولت ~~شيكا بعشرة جنيهات، باعتباره جزءا من مرتبي الذي يبلغ 45 جنيها في الشهر، إلى ~~جانب ثلاثة جنيهات «علاوة لندن». وبعد أن وضعت النقود في جيبي (إذ كان فرع البنك ~~مجاورا للمكتب) اتجهت إلى كلية ~~بدفورد # Bedford College # التابعة لجامعة لندن؛ حيث قابلت رئيسة القسم الأستاذة ~~تيلتسون # Tillotson ~~، وسألتني عن سبب تأخري في ~~المجيء، وقابلت بعض الأساتذة الآخرين، ومنهم مستر كيرجنفن # Curgenven ~~، الذي حدده القسم للإشراف على دراستي. وقال لي المشرف ~~ضاحكا: «لقد أتيت بالجو الصحو من مصر!» ثم ضرب لي موعدا في يوم الإثنين التالي. ~~وانصرفت. # البط فوق سطح البحيرة المتجمدة في حديقة ريجنت. # خرجت من باب الكلية التي تقع في وسط حديقة ~~ريجنت # Regent’s Park # لأجد ما لا يمكن أن أصفه إلا بالجنة! كانت ms259 الحديقة منبسطة لا ~~تبدو لها نهاية. وفي وسطها تجري قنوات المياه العذبة التي تسبح فيها الطيور - البط ~~بأنواعه التي كنت أعرفها جيدا، والإوز العراقي (التم) الذي يشيرون إليه خطأ باسم ~~البجع - وحولها على الأشجار طيور أوروبية لا تأتي إلى مصر إلا في الخريف عندما تعبر ~~المتوسط لقضاء الشتاء في السودان، وبدأت أتعرف على بعضها من صوتها، ودهشت لأنها ~~كانت لا تفزع حين أقترب منها، بل تنظر إلي في حيرة أو تساؤل! وظللت أسير بين ~~الأشجار حتى وجدت مكانا خصص للجلوس، وانتثرت فيه المقاعد الخشبية وبعض المناضد ~~ومن حولها الكراسي، وكان على البعد أطفال يلعبون الكرة ويتواثبون فرحين صائحين في ~~مكان خصص لهم، وكانت نسائم العصر منعشة تحمل أريج بعض الزهور التي انتظمت في ~~أحواض خاصة، ورأيت رأي العين زهور النرجس ~~الأصفر # Daffodils # التي كتب عنها وردزورث قصيدته المشهورة، فبهرت وتسمرت ~~في مكاني أنظرها كأنما غبت عن الوعي! # وأفقت من دهشتي عندما سقطت بجواري كرة ألقى بها بعض الصبية، فالتقطتها ونظرت ~~حولي باحثا عن صاحبها وإذا بفتاة كأنها من حور الجنة تقبل نحوي في سعادة باسمة ~~ضاحكة، فألقيت إليها بالكرة، فضحكت وهي تلتقطها ثم مضت. وتذكرت وصف جيمس جويس # James Joyce # للفتاة التي رآها على شاطئ البحر في ~~رواية «صورة الفنان ~~شابا» # A Portrait of The Artist as a Young Man # وعجبت كيف استطاع ذلك العبقري أن يبدع تلك الصورة في ~~كلمات قليلة، ولو حاولت أنا أن أصور هذه الفتاة ما استطعت ولو سودت صفحات ~~وصفحات! وذكرت قصيدة «تيرنر» # Turner # بعنوان «ترنيمة ~~إلى مجهولة» # Hymn to her unknown # التي كان رشاد رشدي قد ~~نشرها في أحد كتبه، وبدأت أحس بصدق ما قاله وردزورث في قصيدة المقدمة # The Prelude ~~(التي كنت أدرسها حين ذاك في مصر) عن ~~الخيال، وبصدق ما قاله عن عجز اللغة البشرية عن التعبير عما يجيش في النفس حقا، وهو ~~عجز يثير الأسى والحزن: # Sad incompetence of human speech # كان الخيال قد رسم لذلك الشاعر صورة مهيبة لقمم جبال ms260 الألب، ولما عبر الجبال لم ~~يواجه المهابة بل واجه الخيال، وها أنا ذا أواجه واقعا يتضاءل معه كل خيال لي، ~~وتعجز إزاءه كل قوة من قوى التصور والوهم! وظللت في مكاني ثابتا ألتهم ~~بعيني صور الأشجار والأزهار والطيور والأطفال، وفي المشهد كله تموج روح البسمة ~~الرائعة في وجه تلك الفتاة - كانت كأنما تقول إنني الحياة نفسها، وإنني روح الوجود بل ~~وإنني الخلود! # لا أدري كم مر علي من الوقت وأنا أشهد تلك اللوحة، وكنت أعرف تماما أنني ~~أشعر بما شعر به جويس عندما قال إن صورة الفتاة سكنت روحه إلى الأبد. # Her image passed into his soul for ~~ever # فلكم تعددت الأماكن التي زرتها، ولكم كثر انتقالي وترحالي، ولكم شاهدت أزهارا ~~ورياحين! ولكن تلك اللوحة الحية ظلت تتملكني وتشرق في أعماق نفسي كلما ضاقت بي ~~الدنيا، وما فتئت أعود إليها أتملى ألوان طيورها وحركة أزهارها على شط الماء، ~~ونسمات الربيع المنعشة فيها، وبسمة الصبية المجهولة التي ستظل صبية إلى الأبد في ~~نفسي. # 2 # في اليوم التالي ذهبت إلى المقر الرئيسي لجامعة لندن بجوار «رسل سكوير» # Russell Square # أو ميدان رسل، المسمى باسم ~~عائلة الفيلسوف الشهير برتراند رسل، وكان هدفي هو البحث عن سكن دائم عن طريق مكتب ~~خدمات الطلبة، قابلت الموظفة فأعطتني بعض العناوين وبعض النصائح، ثم خرجت إلى نادي ~~الجامعة الذي يسمونه اختصارا «يولو»؛ أي اتحاد «طلبة» جامعة لندن، فقابلت بعض ~~المصريين، وبعضهم يشغل الآن مناصب مرموقة في الحياة الأكاديمية والعامة، ثم أطلعتهم ~~على أحوالي، فاقترح بعضهم على سامي أبو طالب (الدكتور الآن) أن يستضيفني مؤقتا، ~~قائلين إن لديه الآن غرفة خالية، بعد عودة زوجته وابنه إلى مصر، وأن بإمكانه أن ~~يؤجر لي الغرفة. ووافق سامي على الفور، وكان أجر الغرفة جنيهين وربع جنيه في ~~الأسبوع، وهو مبلغ معقول؛ لأن أجر الشقة الكاملة ستة جنيهات. وفي غضون ساعات كنت قد ~~انتقلت من بيت الشباب إلى الشقة، وكانت تقع في شمال لندن في منطقة تسمى «فنزبري بارك» # Finsbury Park ~~، وكان ms261 اسم الشارع هو «ولبرفورس رود» # Wilberforce Road ~~، وقد أطلق عليه اسم هذا ~~المصلح الاجتماعي، ابن القرن التاسع عشر؛ لأنه كان فيما يقال أول من بنى به مسكنا ~~سمح للزنوج بالإقامة فيه، والمعروف أن ولبرفورس هو صاحب الجهود التي أدت إلى تحرير ~~العبيد. وبعد أن وضعت حقيبتي في الغرفة الصغيرة، ~~ذهبت أنا وسامي لمقابلة صاحب المنزل وهو تركي من قبرص له شارب طويل مبروم، وعينان ~~براقتان، فاستقبلنا بالترحاب، وقد وضع على الجدار صورة السلطان عبد الحميد، وقال لنا ~~إنه لا يؤجر المسكن أو أي بيت من البيوت التي يملكها إلا للمسلمين، وكان ذلك ~~البيت مقاما على مساحة صغيرة من الأرض ويتكون من ثلاثة طوابق، وباعتباره مسكنا ~~لأسرة واحدة (في الأصل) مثل سائر البيوت التقليدية في إنجلترا، كان الطابق الأعلى يتكون ~~من غرفتين فقط، وبعد درج صغير يوجد مطبخ صغير، وبجواره مرحاض، ثم بعد درج آخر ~~يوجد الطابق الثاني حيث غرفتان ومطبخ، أما الطابق الأرضي فبه غرفتان ومطبخ وحمام ~~ويطل على حديقة المنزل الخلفية. وكان صاحب المنزل يقيم بالطابق الأرضي مع أسرته، ~~ويؤجر الطابق الأوسط لأسرة باكستانية، وعلى نحو ما هو متبع في البيوت الإنجليزية ~~يوجد مفتاح واحد لباب البيت الخارجي، أما الغرف فلا مفاتيح لها، ولا يغلقها أحد ~~بالمفتاح، ولو كان مستأجرا. وكان الإحساس بالأمان هو القاعدة التي لا استثناء لها (في ~~تلك الأيام) وكان الإنجليز يتفاخرون بأن أي إنسان إذا أراد أن يدخل أي بيت يستطيع ~~ذلك دون إثارة الشك، ولقد تعلمت فيما تعلمت آنذاك المثل الذي يعتبر البيت المثل ~~الأعلى في الأمان وهو ~~“as safe as houses” ~~. # كما تعلمت في تلك الأيام الأولى من إقامتي في إنجلترا مدى تقدير الإنجليزي للصدق ~~والأمانة. وكان بعض الكتاب يعزون ذلك إلى تقاليد الحركة الدينية البيوريتانية (التي ~~ترجمها بعضهم بتعبير «التطهيرية» وإن كانت أقرب في معناها إلى التزمت أو إلى ~~الأصولية) ولكن خبرتي بالحياة البريطانية نقضت هذا ~~التفسير فيما بعد؛ إذ إنني أميل إلى اعتبار نزعة الصدق واحترام الصادق وأداء الأمانة ~~من سمات ms262 المجتمع التجاري الذي يعتمد على الثقة؛ فالثقة لازمة لإبرام الصفقات بسرعة ~~وتسيير حركة الأعمال التجارية. وأذكر أنني كنت أدهش في تلك الأيام الأولى؛ لأن ~~أحدا لم يكن يطالبني قط بإبراز ما يثبت شخصيتي (كبطاقة الهوية أو جواز السفر) عند ~~صرف شيك أو الدفع بشيك، بل إن الكلية لم تطالبني بأية أوراق رسمية عند التسجيل للبحث ~~العلمي! ويؤكد ذلك إطلاق الإنجليز - دون شعوب الأرض - على المحتال (النصاب) لفظ ~~«خائن الثقة» ~~“con” man ~~- وهي اختصار # confidence trickster ~~- كما أذكر أنني عندما ~~انتقلت من مسكني إلى مسكن آخر، ذهبت إلى بائع الصحف الذي كان يرسل لي الصحيفة ~~اليومية في الصباح لتسوية الحساب قبل الرحيل، وعندما شرحت له الموضوع قال: «لا بأس! ~~اعتبر صحف الأيام السابقة هدية! تكفيك متاعب الانتقال!» فكأنما كان يكافئني على ~~الأمانة، مدركا أنني كنت أستطيع الرحيل دون سداد الدين. # الدكتورة هدى حبيشة ومحمد السوري أمام حجر رشيد بالمتحف البريطاني ~~عام 1966م. # وفي تلك الأيام الأولى شهدت حادثة ما تزال محفورة بتفاصيلها الدقيقة في ذاكرتي، ~~وكنا ما نزال في شهر مايو؛ إذ خرجت مع سامي أبو طالب للتريض في المنطقة في المساء، ~~وكان الطريق شبه خال من السابلة، وفي الهواء لذعة برد خفيفة، وما كدنا نغادر الشارع ~~الذي نقيم فيه إلى الطريق الرئيسي الواسع حتى شد انتباهنا صراخ قادم من الجانب الآخر ~~للطريق، وكان مصدره حانة إنجليزية يسمونها # pub # وهي ~~اختصار لتعبير ( # public house ~~)؛ حيث يحتسي الرواد ~~الجعة الإنجليزية بصفة أساسية، ويتناولون بعض الوجبات الخفيفة، وجميع تلك الحانات ~~تغلق أبوابها عادة في الحادية عشرة مساء. وقفنا نرقب مصدر الصراخ فإذا بامرأة ~~إنجليزية تخرج من الباب وهي تصيح بلهجة أبناء لندن «إنه زوجي، إنه زوجي!» لم تكن ~~ملامحها واضحة ولكنها كانت في منتصف العمر تقريبا، تميل إلى السمنة، ولم يلبث «الزوج» ~~أن خرج، فإذا هو هندي قصير ربعة القوام داكن اللون وخط الشيب شعره، ومن خلفه ~~شابان إنجليزيان يبادلانه السباب، وفجأة ازدحم الرصيف المتسع بالشبان الإنجليز الذين ~~خرجوا من الحانة ثم علا ms263 صياحهم في وجه الهندي، وانقضوا عليه، فأخرج مدية من ملابسه ~~وجعل يلوح بها في وجوههم، وصراخ المرأة يعلو ويشتد، وأحاط الرجال بالهندي وهو ~~يحاورهم حتى نجح أحدهم في إسقاطه من الخلف على الأرض، وإذا بالجميع ينهالون عليه ~~ضربا وركلا حتى خلنا أنه قد قتل، ثم انفض الجميع فجأة وانطلقوا يجرون هاربين ~~حين نبههم أحدهم إلى قدوم الشرطة. جلست المرأة على الرصيف تلطم خديها وتبكي، ~~وحين وصلت الشرطة لم يجدوا سواها وزوجها فنقلوهما في السيارة وانطلقوا مسرعين. # وقلت لسامي هامسا في فرق: هذا تأثير الخمر! فقال: بل كراهية الأجانب. وقص علي ~~طرفا مما شهده على مدى السنوات الثلاث الماضية من أحداث تؤكد تلك النزعة ~~العدوانية التي تتحول إلى العنف الدامي في لمح البرق، وإن كنت ما أزال أعتقد أن ~~الخمر هي التي أطلقت تلك النزعة الجائحة الجامحة. وشرح لي سامي خوف الناس من الشرطة؛ ~~لأن رجال الشرطة لا يرحمون، وعقوبة العنف رادعة، ولو لم يفر المعتدون لتعرضوا ~~لأقصى العقوبات؛ فالقانون الإنجليزي ينص على أقصى عقوبة للإخلال بالأمن (أو حرفيا ~~«تعكير صفو السلم» # Disturbing the peace ~~). # د. محمد مصطفى رضوان ود. سعد حجازي أثناء رحلة لبيت الطلاب ~~العرب. # عندما قابلت الأستاذ المشرف في الموعد المحدد (في الساعة الثانية يوم الإثنين ~~17 مايو)، ناقشني في تفاصيل الرسالة، وكنت قد قطعت فيها شوطا كبيرا في مصر، فأشار ~~إلي بأن أقتصر في الدراسة على الكتب الثلاثة الأولى من قصيدة المقدمة، ولكنني كنت ~~طموحا فأردت توسيع نطاق البحث ليشمل الكتب الثلاثة عشر كلها في النسخة التي كتبها ~~عام 1805م، ثم أصبحت أربعة عشر كتابا في النسخة المنشورة في عام وفاته، عام 1850م، ~~ووعدني بتوسيع نطاق البحث في مرحلة لاحقة، ولكنه طلب مني أولا أن أطلعه على نموذج ~~من كتابتي، واقترح أن أقرأ كتابا وأعد له عرضا في ثلاثة آلاف كلمة، وآتي به في ~~الأسبوع التالي. واستعرت الكتاب من المكتبة، وعدت به فرحا إلى المنزل إذ كان من ~~الكتب النادرة التي طالما سمعت عنها وقرأت مقتطفات منها ms264 في غضون كتب أخرى دون أن ~~أطلع عليها. وما إن دخلت غرفتي حتى انكببت عليه ألتهمه التهاما مستعينا بالمعجم ~~الذي اشتريته بعشرة شلنات، حتى غلبني النعاس، واستأنفت القراءة في اليوم التالي ~~فلم أذهب إلى الكلية، ولم أتوقف عن القراءة إلا لأداء الواجبات، ولكنني لم أنته من ~~قراءته حتى اليوم الثالث - يوم الأربعاء - وعندها بدأت الكتابة. # كنت أعرف أن ذلك المقال - كما يسمونه ( # essay ~~) - ~~بمثابة اختبار لقدرتي على التعبير، فتعمدت التنميق والزركشة، محاكيا كتاب ~~الملحق الأدبي لصحيفة التايمز ( # TLS ~~) أو ما يسميه ~~شكري عياد «التأنق في الأسلوب»، وكتبت عشر صفحات قدرت أنها تضم ثلاثة آلاف ~~كلمة، وراجعتها بدقة، ثم أسرعت إلى الكلية، وكان ذلك يوم الخميس 20 مايو، فوضعت ~~المقال في درج البريد الخاص بالأستاذ وخرجت. # كان الجو الصحو يغري بالسير في الحديقة، فسرت الهوينى أرقب الطيور والزهور ~~وأتأمل أنواع الأشجار الأوروبية التي لا نألفها في مصر، وأنظر إلى صفحة الماء ~~الساكنة، وأتطلع إلى السحابات التي لا تكاد تتحرك عند الأفق حتى بدأت تصطبغ ~~بألوان الأصيل، فأيقنت أن اليوم يطوي صفحته، وأن علي أن أهرع عائدا لشراء بعض ~~اللوازم المنزلية قبل أن تغلق المحلات أبوابها. # وعندما عدت إلى المنزل حدثني سامي عن رسالته، وكانت عن أثر الثقافة في تعليم ~~اللغة الإنجليزية في مصر، وتحادثنا طويلا في الصعوبات التي تكتنف مناهج التعليم بسبب ~~اختلاف المفاهيم، وعرض علي بعضا من النتائج التي توصل إليها، وما يتصوره من ~~أساليب للتغلب على الصعوبات الثقافية، ووجدت الموضوع شائقا لكنني لم أفهم ما يعنيه ~~بالنحو التحويلي # transformational grammar ~~، ولم ~~أكن سمعت بعد عن تشومسكي وأوستن ~~وسيرل ~~(Chomsky, Austin, Searle) ~~؛ إذ لم تكن علوم اللغة الحديثة قد «وصلت» إلى مصر في تلك ~~الأيام، فبدأت أسأل وهو يجيب حتى حان موعد النوم. # وفي اليوم التالي - يوم الجمعة - اقترح سامي علي أن أصحبه إلى مسجد لندن لأداء ~~فريضة الجمعة، فتوضأنا وذهبنا فرأيت عجبا، كان معظم المصلين ممن لا يعرفون العربية؛ ~~فهم مسلمون من بلدان أفريقية وآسيوية، وبعضهم من أوروبا، وكان ms265 عدد المصريين لا يتجاوز ~~أصابع اليد الواحدة، وكلهم يستمع إلى خطبة باللغة العربية ويؤدي الصلاة طبعا باللغة ~~العربية، كان من بينهم جارنا في المنزل (باقر) الباكستاني، وبعد الصلاة تحادثنا ~~فعرفت أنه من طائفة الإسماعيلية، ولم أكن أعرف عنها شيئا حينذاك، فكنت أستمع في صمت ~~لما يقال ونحن نسير خارجين عبر الحديقة المجاورة للمسجد، حتى تفرق الحشد الحاشد ~~وذاب في زحام الطريق. # كنت مشغولا أثناء العودة بالتفكير في خطبة الجمعة، كانت ولا شك من الخطب المحفوظة، ~~وذكرتني بالخطبة التي كان يلقيها الشيخ «حمدتو» في مسجد الشيخ قنديل في رشيد؛ فهي ~~تبدأ بالصلاة والسلام على النبي، وتلاوة آية، ثم تأتي العبارات المعهودة: «أما بعد ~~فأوصيكم عباد الله بتقوى الله، وطاعة أوامره واجتناب نواهيه ...» وقلت في نفسي: هل يفهم ~~المصلون هذا الكلام؟ إنهم ولا شك يفهمون الآيات وقصار السور التي يقرءونها في ~~الصلاة، ولكن تراهم يفهمون معنى «تقوى الله»؟ وهل من الجائز إلقاء خطبة الجمعة ~~بالإنجليزية؟ وهل هي خطبة حقا ( # homily ~~) أم موعظة ~~( # sermon ~~)؟ وما الغرض منها في لندن؟ ولم تتوقف ~~تساؤلاتي بعد كل جمعة أصليها في ذلك المسجد. # وذهبت يوم السبت إلى «اليولو» حيث قابلت بعض المصريين، فعلمت منهم أن كلية المسرح ~~في لندن (رادا وهي اختصار # Royal Academy of Dramatic ~~Arts ~~) ستقدم حفلا في نفس اليوم مرتين؛ الأول ماتينيه (نهاري ~~وإن كان يبدأ مثل جميع المسارح في الثانية والنصف ظهرا)، والثاني مسائي، وأن المسرحية ~~هي «عطيل» لشيكسبير # Othello ~~، وأن البطل الذي يقوم بدور ~~عطيل هو المصري أحمد عبد الحليم، ولم أتردد. ذهبت وشاهدت العرض، وبهرني ذلك ~~العملاق المصري وهو يؤدي دور القائد المغربي الذي نهشته أنياب الغيرة فقتل زوجته ~~ظلما، وكنت أتابع حركاته وسكناته بمزيج من الإعجاب والاعتزاز بموهبته الفذة، ~~وسعيت إليه بعد انتهاء العرض وقلت له إنني سأكتب عن العرض في مجلة المسرح ~~القاهرية، وطلبت صورا تنشر للعرض، فوعد أن يأتي بها بعد أيام، وعندما صدرت جريدة ~~المسرح الإنجليزية # The Stage # كان فيها مقال يمتدح ~~أداءه، كما ذكرت صحيفة التايمز ms266 # The Times # اليومية ~~نبأ حصوله على ميدالية الشرف. وكتبت المقال وأرسلته إلى مصر؛ فرئيس التحرير هو رشاد ~~رشدي، وسكرتير التحرير هو فاروق عبد الوهاب (الدكتور، الذي يعمل أستاذا بجامعة شيكاغو ~~حاليا) ولم يلبث المقال أن نشر في العدد التالي من المجلة بعنوان «عطيل جديد من ~~القاهرة». # 3 # عندما قابلت المشرف يوم الإثنين التالي كان منفرج الأسارير، بشوشا كعادته، ولكن ~~تعليقه على مقالي لم يكن يبعث على الاطمئنان؛ إذ بدأ - بعد تعبير عام عن الرضا - ~~بتعداد عيوبي الأسلوبية، وأهمها ما كنت أظنه مزية كبرى وهو التأنق في العبارة! ~~وجعل يردد أن الكاتب عليه أن «يختفي» وراء كتابته لا أن يبرز ذاته، وأن يعمد إلى ~~البساطة في التعبير حتى يفهمه القارئ دون عناء، وأن بناء الجمل الطويلة المعقدة ~~يرهق القارئ، وأشار بالقلم إلى بعض عباراتي التي قال إنها عسيرة الفهم، وإن علي أن ~~أضع الوضوح نصب عيني لا الصياغة البديعة! وأردف قائلا إنه سيمنحني فرصة أخرى، ~~لكتابة عرض لكتاب آخر، وموعدنا الأسبوع التالي. كان معنى ذلك أنه لم يرض عن المقال، ~~وعبرت عن احتجاجي قائلا إن كاتبة الكتاب تستخدم الأسلوب نفسه، ولكنه رد في هدوء ~~قائلا: إذن عليك أن تتولى تبسيط الأفكار بلغتك وبسطها بسطا مستفيضا # expatiation # فذلك من حق القارئ عليك. وانتهت ~~المقابلة وخرجت أحمل المقال الذي خيب الظن، وعدت إلى المكتبة فاستعرت كتابا آخر ~~وذهبت إلى المنزل لا ألوي على شيء. # كنت أشعر أنني طعنت في أعز ما أملك وهو قدرتي على الكتابة، أو على التعبير ~~الواضح الجلي، وأن علي أن أجتهد حتى أبرر حسن ظني بنفسي، فعكفت على الكتاب ~~الثاني أقرؤه على مهل، وأتوقف عند النقاط المهمة، فأنقل منه فقرة أو بعض فقرة، في ~~أوراق صغيرة مقواة (مثل البطاقات) حتى انتهيت من الفصل الأول. وجعلت أسأل نفسي ~~ماذا تقول الكاتبة (واسمها # Enid # Welsford # واسم الكتاب # Salisbury Plain ~~) ثم كتبت ما تصورت أنها تقوله في صفحة واحدة، وانتقلت ~~إلى الفصل الثاني. وهكذا قضيت ثلاثة أيام لا هم لي إلا إيضاح ms267 الأفكار التي لم تكن ~~في الواقع عميقة ولا جديدة عن الشاعر وردزورث، على عكس الكتاب الأول الذي كان يناقش ~~العلاقة بين الرمز والصورة في شعر الشاعر نفسه (لمؤلفة أمريكية تدعى # Florence Marsh ~~) وانتهيت يوم الخميس من الكتاب، ~~ولكنني لم أكن قد انتهيت من المقال، فتفرغت له صباح الجمعة ونقحت المسودة، ~~ودعمته بمقتطفات من كلام ولسفورد نفسها، حتى طال فأمعن في الطول. ولكنني كنت راضيا ~~عنه فلم أحذف أي شيء، وأسرعت إلى الكلية فوضعته في درج بريد الأستاذ وخرجت. # لم أكد أعود إلى المنزل حتى وصل خطاب في بريد العصر من سمير سرحان، يقول لي فيه: إنه ~~سوف يسافر يوم السبت (اليوم التالي) من مصر إلى أمريكا، وإنه سوف يتوقف يوما وليلة ~~في لندن ليراني. وطرت فرحا وأخبرت سامي أبو طالب فقال لي إنه يستطيع قضاء الليلة هنا ~~معنا، وفي صباح اليوم التالي اتجهت إلى المطار في إحدى الحافلات المخصصة لهذا الغرض ~~وأجر الرحلة ثلاثة شلنات ونصف، وانتظرت وصول الطائرة المصرية، وخرجنا معا إلى لندن. ~~وحكى لي في الطريق أن الدكتور محمد مندور توفي وأن الدكتور لويس عوض مال على الدكتور ~~رشاد رشدي أثناء العزاء وقال له «الدور علينا بقى» فغضب رشدي غضبا شديدا لأنه لا ~~يحب ذكر الموت، ولولا شعوره بالواجب الاجتماعي ما حضر العزاء أصلا. وظللنا ~~نتجاذب أطراف الحديث حتى وصلنا إلى المنزل، ثم انطلقنا إلى وسط المدينة لأول ~~مرة. # محمد السوري، محمد عناني، أمام حجر رشيد في المتحف البريطاني عام ~~1966م. # كانت تلك ليلة السبت (أي عشية الأحد 30 مايو 1965م) وهي تقابل ليلة الخميس لدينا (أي ~~عشية الجمعة) وكان ميدان بيكاديلي Piccadilly Circus # غاصا برواد المسارح والسينما، فتجولنا ما شاء الله لنا أن نتجول، من ~~ليستر سكوير # Liecester Square # إلى شارع ~~ستراند # The Strand # حتى وصلنا إلى مسرح أولدويتش # Aldwych ~~- مقر فرقة شيكسبير الملكية، وعرجنا على ~~مسرح كفنت (كوفنت) جاردن # Covent Garden # حيث تعرض ~~مسرحية موسيقية، وأخيرا عدنا إلى المنزل وقد أنهكنا طول التجوال، فوجدنا سامي ~~أبو ms268 طالب في انتظارنا وقد أعد لنا عشاء خاصا، وبعد الطعام أكملنا السمر في غرفة ~~سامي حتى حان موعد النوم، وفي الصباح اصطحبته للمطار وفي حلقي غصة؛ فقد بدأت أيام ~~الغربة حقا، وعلي أن أنتظر عاما على الأقل حتى تنتهي نهاد خطيبتي من دراستها ~~وتلحق بي في لندن. # أصبح قطار المترو ~~(The Underground) # عادة يومية، ~~أستقله في الصباح في الثامنة حتى أصل إلى الحديقة فأسير حتى الكلية، ثم أنتظر افتتاح ~~المكتبة في التاسعة فأكون أول الداخلين، وأقرأ حتى الحادية عشرة - موعد القهوة - ~~فأخرج لتناول القهوة بأربعة بنسات، ثم أعود للقراءة حتى الثانية عشرة والنصف، فأخرج ~~لتناول الغداء، حتى الثانية - وكان ذلك موعد الأستاذ يوم الإثنين - أما في الأيام ~~العادية فأعود إلى المكتبة حتى الرابعة - موعد الشاي - ثم أستأنف القراءة حتى السابعة - ~~موعد العشاء! # وعندما قابلت المشرف في ذلك اليوم (31 / 5) لم ألق بالا إلى هشاشته فهي لا تعني ~~شيئا، بل ركزت اهتمامي في الألفاظ التي سينطقها كأنما كان مستقبلي متعلقا بها، ~~وعندما بدأ الحديث كان ما يزال يحدق في الأوراق التي كتبت فيها المقال، ثم استدار ~~فجأة ليقول «أرى أنك تعلمت الدرس» فأردف ذلك ببسمة صافية، ثم قال كأنما يكلم ~~نفسه «لم تكن هذه الفتاة تلميذة مجتهدة في يوم من الأيام .. ما رأيك في هذا الكتاب؟» ~~وتملكني الصمت والذهول. لم أكن أدري أنه يعرف المؤلفة معرفة وثيقة، ولم أكن أعرف ~~رأيه الشخصي فيها ولا في الكتاب، فتلعثمت وهو ينقل بصره بيني وبين الأوراق، فأجبت ~~على سؤاله بسؤال من عندي، وهي حيلة أوصاني بها الدكتور مجدي وهبة (رحمه الله) للخروج ~~من المأزق، فقلت: «ما رأيك في المقال؟» ويبدو أن الأستاذ فطن للحيلة فقال ضاحكا: ~~«يبدو أنك راض عن الكتاب!» وهنا أدركت أنه كان يريدني أن أهاجم المؤلفة، فقلت ~~بنبرات واثقة وضعت فيها كل ما أملك من التواضع: «لقد حاولت عرض ما تقول بأمانة، ~~وموضوعية.» ونجحت الحيلة؛ إذ قال بسرعة «وأتيت في مقالك بالأفكار التي سرقتها من ~~أستاذنا السير موريس رحمه الله! هذه ms269 من لصوص الأفكار يا مستر عناني! هل تعرف أنها سرقت ~~مني أنا عبارة وضعتها في بحث التخرج عندما كنا في أوكسفورد # Oxford ~~؟ وهل تتصور أنها كوفئت على تلك العبارة بتقدير ممتاز في ~~البحث؟» وصمت ليرقب تأثير ذلك الخبر علي فسألته: «عبارة واحدة؟» فأسرع يقول «كانت ~~العبارة الأساسية ( # Key ~~) التي أوضحت للممتحن إلمامها ~~بالموضوع!» وقلت في دهشة صادقة هذه المرة: «وماذا فعلت أنت؟» فضحك وقال: «كان ذلك من ~~زمن بعيد، وقد أغلقنا الملف وانتهينا!» ولم أجد ما أقوله فساد الصمت، وقام ليفرغ ~~لنفسه شرابا من الجلوكوز يستمد منه القوة؛ فقد كان شيخا واهنا، ثم قال: «أعتقد أنك ~~قادر على الكتابة، ويجب أن تبدأ بصياغة عنوان دقيق للرسالة حتى يتسنى التسجيل قبل ~~انتهاء الفصل الدراسي.» وسألته إن كان العنوان وحده كافيا للتسجيل فأجاب بالإيجاب، ~~وقال إن ما كتبته في خطاباتي لرئيسة القسم مقنع وسيرضى عنه مجلس الجامعة ~~( # The Senate ~~) وسألته عن الإجراءات والأوراق ~~المطلوبة، فقال: «اذهب إلى سكرتير الكلية، وعد إلي غدا أو بعد غد بعنوان دقيق، فإن ~~لم تجدني فاتركه في درج الخطابات.» وانصرفت. # كان العنوان هو الذي سبق الاتفاق عليه، ولكن التحديد مشكلة، وآثرت عدم الإصرار على ~~تناول جميع الصور الشعرية في قصيدة المقدمة برمتها، والاكتفاء بالصور الأساسية في ~~الكتب الستة الأولى، وكتبت العنوان وجئت في اليوم التالي فوضعته حيث طلب، وعدت إلى ~~المكتبة، وبدأت منذ ذلك اليوم، وكنا في أوائل يونيو، رصد كل ما كتب في الموضوع، ~~وتلخيص كل مقال أو كتاب في بطاقة صغيرة (كارت) وإعداد هذه البطاقات للرجوع إليها عند ~~الحاجة للاستزادة من كتاب من الكتب، وقدرت أن هذا العمل سيستغرق شهرا أو شهرين، ~~ولكنني آليت على نفسي أن أنتهي منه قبل تحليل الشعر نفسه. وكانت المكتبة زاخرة ~~بالكتب التي تتناول شعر الشاعر، وبالدوريات العلمية الحافلة بما كتب عنه، فكانت ساعات ~~اليوم تفر سراعا وأنا منهمك في ذلك العمل المضني حتى انقضى الفصل الدراسي، واطمأن ~~قلبي إلى أنني سوف أعرف كل ما كتب عن الشاعر حتى عام ms270 1965م. # 4 # ولكن شهور الصيف سرعان ما انقضت دون أن أنتهي من ذلك العمل، وكنت أدرك كل يوم ~~مدى التحول في كل شيء حولي؛ فلم يكد شهر سبتمبر يأتي بأجواء الخريف حتى اختلف وجه ~~الطبيعة، وتغيرت ألوان أوراق الشجر، وبدأت الرياح تعصف أحيانا بلا مطر، وإن ~~كانت الأمطار تسقط بلا نمط ولا نظام من أي نوع، وكنت أحس في كل يوم بذلك ~~التغيير، وأفهم منه مدى انشغال الإنجليز بالطبيعة، بل وبدأت أفهم الشعر الذي أقرؤه ~~فهما جديدا؛ فالإنجليزي يحب الطبيعة حبا مشبوبا، وهو دائم التفكير في حديقة منزله ~~وزهور شجيراته، والمجلات التي تعالج موضوعات «البستنة» # horticulture ~~(أي غرس أشجار البساتين المثمرة والمزهرة ورعايتها) ~~كثيرة لا حصر لها، وأحاديث طلاب الدراسات العليا وأعضاء هيئة التدريس في غرفتنا ~~( # The Common Room ~~) كثيرا ما تدور حول أنواع ~~الأزهار والثمار التي يزرعونها في حدائق بيوتهم، وبدأت أفهم أيضا سر ميل الشعراء إلى ~~تحديد أنواع الأزهار في أشعارهم؛ فالأزهار جزء من الثقافة الإنجليزية، ورعايتها جزء ~~لا يتجزأ من تفكير الإنجليز بل ومن اللغة الإنجليزية نفسها، ووجدتني رغم أنفي أتعلم ~~التمييز بين الزنبقة # Tulip # والأقحوانة # Daisy ~~، وبين القرنفلة # carnation # والبنفسجة # Violet ~~، ~~وبين أنواع الورود، ثم أقف حائرا عند عشرات أسماء الأزهار التي لم أكن أعرف لها ~~مقابلا بالعربية، واجتهدت حتى أصبحت أعرف ال # blue ~~bells # وال # foxgloves # وال # orchids # وغيرها، وفرحت لأنني استطعت إدراك ~~المعنى الصحيح لبيت ورد في قصيدة المقدمة، وكنت أسأت فهمه في مصر وجاء فيه: Planting my snowdrops among winter ~~snows # إذ كنت لا أعرف أن # snowdrop # اسم زهرة، وتصورت ~~أنها تعني قطعة صغيرة من الثلج! # كان جمال الخريف أخاذا، وكنت أرقب الحديقة من مجلسي في المكتبة، وكثيرا ما كنت ~~أترك القراءة وأتطلع فترات طويلة إلى الأشجار وهي تنفض أوراقها وتتعرى غصونها مع ~~هبات الريح، وفي ذاكرتي أبيات الشاعر شلي # Shelley ~~، ~~وكان الجو أحيانا يكفهر وتغيب الشمس خلف السحاب، وأنا أقلب بصري بين ما أقرأ وما ~~أشاهد، حتى انقضى سبتمبر، وفاجأني سامي أبو ms271 طالب ذات يوم بأنه سوف يترك الشقة؛ لأن ~~إدارة البعثات أخبرته أن كلية التربية قررت إيقاف مرتبه لأنه لم يحصل بعد على ~~أي درجة علمية تبرر بقاءه في البعثة، وقال إنه سوف يضطر إلى الالتحاق بعمل «بعض ~~الوقت» في بيت الطلاب بجامعة لندن بالقرب من ميدان رسل، مقابل الإقامة والطعام وبعض ~~قروش زهيدة، حتى يستطيع الانتهاء من الرسالة! # وقع الخبر علي وقع الصاعقة، ولم أكن حزينا فحسب لأنه سوف ينتقل إلى مسكن آخر، ~~بل أيضا لأنه كتب عليه أن يعمل عملا يدويا حتى يستطيع الاستمرار، وكان الأمل في ~~أن تغير الكلية رأيها أو أن تتراجع عن قرارها شبه معدوم، وكان سامي طالبا مجدا ~~قطع شوطا كبيرا في اكتساب المعرفة بعلوم اللغة الحديثة وهي بعد في مهدها، وكان ~~يتابع الجديد ولا يترك شيئا دون تمحيص، فأحسست أنه مظلوم، وقلت في نفسي إن ما حدث ~~له يمكن أن يحدث لأي إنسان، خصوصا بعد أن زارني كرم محسن ذات مساء عاصف في أواخر ~~سبتمبر! وأذكر أنه كان يوم الجمعة (24 / 9) إذ جاء في الصحف نبأ يفيد اتفاق مصر ~~والمملكة العربية السعودية على وقف إطلاق النار تمهيدا لإنهاء حرب اليمن. وكان كرم ~~محسن زميلا يسبقني بعام في الدراسة، وتخرج بتقدير جيد جدا وعين مدرسا للغة ~~الإنجليزية بالقسم، ثم حصل على بعثة إلى اسكتلندا وسافر قبلي بعامين، وكنت أتصور ~~أنه قد بهر الجميع في جامعة إدنبره # Edinburgh # بجده ~~واجتهاده؛ ولذلك فوجئت عندما طرق بابي في لندن ذات يوم وهو مهموم كاسف البال، وجلس ~~يغالب الدموع ليقص علي رسوبه في الامتحان التأهيلي # Qualifying # Diploma # الذي تعقده تلك الجامعة لجميع المتقدمين ~~للدراسات العليا قبل التسجيل للدرجة (أولا لدرجة # M. A. # أي الماجستير التي قد تتحول إما إلى # M. phil. # التي هي ~~وسط بين الماجستير والدكتوراه أو إلى Ph. D. # أي ~~الدكتوراه) وذلك بعد دراسة قد تستمر عاما واحدا يعقبه ذلك الامتحان، أو لمدة عامين ~~إذا لم يوفق الطالب في الامتحان الأول، ويمنح الطالب الناجح ما يسمى ~~بدبلوم ms272 الدراسات العليا # postgraduate diploma # وهو ~~ليس درجة علمية بل خطوة تأهيل للبحث العلمي. # وجعلت أناقش كرم محسن في التفاصيل، فقص علي أنهم طالبوه بقراءة عدة نصوص ~~لشيكسبير في مادة الدراما وكتابة أبحاث عن النقد الحديث الذي كان ملما به، وتوسع ~~وأفاض في ميل بعض الأساتذة إلى اضطهاد الأجانب، وقال إنه يظن أنهم يهود (وقد اعتدت ~~سماع ذلك فيما بعد من الذين لم يوفقوا) وأضاف إنه سيتحول إلى جامعة أخرى قد تكون ~~أرحم وأشفق، وذكر لي بعض الجامعات الإنجليزية التي قبلته ثم مضى (وعلمت فيما بعد ~~أنه صادف صعوبات كثيرة عاد بعدها إلى مصر دون الحصول على الدرجة). # كان الموقف كئيبا، وبدأت أتردد على بيت الطلاب العرب الذي يسمونه نادي الطلاب ~~العرب ومقره هو مكتب البعثات؛ أي مكتب المستشار التعليمي والثقافي المصري، وتعرفت ~~فيه على معظم المصريين وبعض الطلاب العرب من خارج مصر، وكان من بينهم من همس الهامس ~~بأنهم «مخابرات» أي عيون ترقب سلوك الطلاب وترصد أقوالهم، فكنت أتعمد تحاشي ~~المشاركة في المناقشات السياسية، وأحول دفة أي مناقشة إلى اللغة الإنجليزية ~~وصعوباتها، وهم في حيرة من أمري! كان بيت الطلاب صورة مصغرة من الجو السائد في مصر ~~والبلدان العربية «التقدمية» وكان الخوف هو الشعور السائد بين الجميع! من يدري قد ~~يكون من تحادثه من «العيون» وقد يكون حديثه فخا منصوبا للإيقاع بك! ورأيت ~~السلامة في تحاشي هذا وذاك، وإن كانت ثقتي لم تتزعزع ببعض زملاء الكلية الذين كانوا ~~يدرسون تخصصات مختلفة. # كان ضيق ذات اليد من أهم ما يشغلني آنذاك، فاقترح علي أحدهم أن أتجه إلى القسم ~~العربي بهيئة الإذاعة البريطانية علني أستطيع أن أكتب شيئا يأتي بعائد مادي ~~معقول. كان رئيس قسم الدراما هو الكاتب السوداني الطيب صالح، وكان رئيس قسم المنوعات ~~اسمه عبد الرحيم الرفاعي، ويرأس القسم الأول إنجليزي اسمه دكورث # Duckworth # ويرأس الثاني سيدة اسمها مسز شرينغهام # Mrs. Sheringham # وكان صالح والرفاعي قد اطلعا ~~على ترجماتي لشيكسبير التي نشرت في مجلة المسرح القاهرية، فاقترحا أن أكتب بعض ms273 ~~الأحاديث الإذاعية، فكتبت حديثا عن رديارد كبلنج # Kipling # قصاص الإمبراطورية البريطانية وشاعرها، وسلمته إلى سعيد ~~العيسى وهو فلسطيني يعمل رئيسا لقسم الأحاديث، فأبدى رضاه عنه، خصوصا ما ترجمته من ~~قصائد عثرت عليها في المجموعة التي نشرها ت. س. إليوت وكتب لها المقدمة، ولكنه لم ~~يجد قصيدته المفضلة والشهيرة التي يشار إليها عموما باسم قصيدة ~~“If” # والتي يقول مطلعها: # If you can keep your head when all ~~about # You are losing theirs and blaming it on you ~~... # ومعناها: ~~«إذا استطعت أن تظل ثابت الجنان، # وطاش عقل كل من يحيط بك، # وقال إنك السبب ...» # فتساءل كيف أغفل قصيدة شهيرة مثل تلك القصيدة، ولم يقتنع بما ~~ذكرته عن عدم إدراج إليوت لها في المختارات، وأكد لي أن الحديث الإذاعي لن يكتمل إلا ~~بها؛ ومن ثم اتجهنا إلى المكتبة وأتينا بديوان الشاعر، وفي دقائق كنت أعددت ترجمة ~~منظومة للأبيات الأولى منها، مما أدهشه دهشة واضحة، فقال فلنضف الأبيات إلى ~~الحديث ففعلنا، وانتهينا من التسجيل في أقل من نصف ساعة، وانصرفت على أن يرسل لي ~~العقد الخاص بكتابة الحديث بالبريد، يتلوه الشيك. وكان العنوان الذي أعطيته إياه هو ~~عنوان المنزل الجديد الذي انتقلت إليه في أكتوبر، وهو منزل قديم بني قبل الحرب ~~العالمية الأولى، فبدت عليه دلائل الهرم، ولذلك قصة موجزة. # بعد أن انتقل سامي أبو طالب إلى بيت الطلاب، كان علي أن أبحث عن مسكن آخر بسرعة، ~~وفي المنطقة نفسها، لأنني أصبحت أعرفها، وحيث يقيم عدد من إخواني المصريين، وحيث ~~ألتقي بهم في نهاية الأسبوع أحيانا؛ مثل فؤاد أبو حطب، وحامد زهران، وحسنين ربيع ~~وغيرهم، وقد تعرفت في منزل حامد زهران الذي كان تخرج في قسم الجغرافيا ولكنه كان ~~يدرس التربية وعلم النفس، على سمير رضوان الذي كان يدرس الاقتصاد، وكان يتحدث عن ~~الاشتراكية بحماس وإيمان منقطع النظير، ثم دار الزمان وسمعت صوته أثناء مقامي شهرا في ~~جنيف للعمل بالترجمة في الأمم المتحدة عام 1992م، سمعت صوته في التليفون يسأل عن محمد ~~العليمي، أحد ms274 خريجي القسم والعاملين بالأمم المتحدة، ولما سألت إن كان المتحدث هو ~~الشخص نفسه الذي تفوق في جامعة كيمبريدج وكان من أبرز الدارسين ودعاة الاشتراكية، ~~جاءني الرد بالإيجاب مع تذييل قصير مفاده أنه أصبح من كبار الدعاة الإسلاميين، شأنه ~~في ذلك شأن محمد العليمي نفسه. ولم أشأ أن أطرح المزيد من الأسئلة؛ فالقصة متكررة ~~ومألوفة، وأعود إلى قصة الانتقال إلى المنزل «الجديد». # كان من عادة أصحاب المنازل الذين يريدون عرض غرفة أو شقة للإيجار أن يعلنوا عن ذلك في ~~بطاقات صغيرة توضع في لوحة خاصة خارج المحلات التجارية مقابل قروش زهيدة، وكنت قد ~~اعتدت قراءة هذه البطاقات وفك رموزها التي تحدد «نوع» الساكن المطلوب، وكان معظم ~~المعلنين من العجائز أو الأرامل اللائي أصبحن يعشن في وحدة بعد وفاة الزوج ورحيل ~~الأبناء، أو بعد فقدان الأهل، وما كان أكثرهن في تلك الأيام؛ فلم يكن مضى على الحرب ~~العالمية الثانية سوى عشرين سنة، وكانت تلك السيدات اللائي فقدن رجال الأسرة ما زلن ~~قادرات على العمل (على تقدمهن في السن) وكان وجود السكان الأفراد في الغرف المفروشة ~~يمثل مصدرا للدخل، ويوفر لصاحبة ~~المنزل # The landlady # عملا يشغلها وينسيها آلام الوحدة. وكان الشائع في تلك ~~الأيام أيضا وجود عبارة في ذيل البطاقة تقول «لا نقبل الملونين» مثلا ~~( # no coloured ~~) أو لا نقبل أبناء أيرلندا، أو لا ~~نقبل الأطفال أو الكلاب إلى آخر ذلك. # وانتقيت بطاقة لا يضع صاحبها شروطا من أي نوع، ويقول إن الغرفة إيجارها ثلاثة ~~جنيهات إلا ربعا في الأسبوع، فأسرعت بالاتصال برقم التليفون فوجدت ترحابا، وطلب ~~المتحدث مني أن أتجه إلى المنزل وأن أخبر من يفتح الباب أنني قد استأجرت الغرفة وأن ~~لي أن أنتقل دون إبطاء، على أن يحسب الإيجار اعتبارا من اليوم التالي. كنا يوم ~~الخميس (30 / 9)، فتوجهت من فوري إلى المنزل في شارع أيزلدون (13, # Isledon Road ~~) ~~(وكنت أظن أن حرف ال # S # صامت ولكنني اكتشفت أنه ينطق ~~زايا!) الذي لا يبعد إلا مائتي متر تقريبا عن منزلنا القديم، وعندما ms275 قرعت الباب ~~فتحت لي امرأة سوداء هائلة الجرم، ضاحكة السن، شعرها أبيض كالقطن، وبدت خفيفة ~~الحركة على ضخامتها، ترتدي ملابس زرقاء داكنة، وقالت كلاما لم أفهم معظمه، ثم ~~اصطحبتني إلى الطابق الثالث (يوازي الثاني عندنا) وفتحت لي الغرفة وقالت لي تفضل! ~~كان بالغرفة شباك كبير يطل على فناء تابع لمحطة قطارات الضواحي، وقد تناثرت فيه ~~قطع الحديد والأخشاب، ثم ارتج البيت رجة عظيمة حتى خلت أنه كاد أن يسقط، وبدت ~~أمارات الهلع على وجهي وأمسكت بإحدى قوائم السرير، والتفت إلى السوداء الضخمة في ~~تساؤل وذعر وكانت الأواني الموضوعة على المنضدة تصطك وتحدث جلبة مفزعة، فأجابتني ~~بضحكة مجلجلة قائلة: «إنه القطار! سوف تعتاد عليه!» وبعد أن هدأ روعي خرجت لا أدري ~~هل أمضي في مشروع الانتقال أم أبحث عن مسكن آخر، وعندما وصلت إلى باب المنزل قالت لي ~~السوداء: «سأعطيك مفتاح البيت عندما تأتي .. وإذا شئت أتيتك بمفتاح للغرفة .. أنا ~~في انتظارك على العموم!» وخرجت إلى الطريق العام دهشا من كلامها. وبعد أن قلبت ~~الأمر على وجوهه قررت الانتقال في نفس اليوم، فأعددت حقيبتي وحملتها على كتفي ~~وسرت حتى أفرغت ما بها في الغرفة الجديدة، ثم عدت إلى المنزل القديم وملأتها من ~~جديد ثم عدت فأفرغتها وتركتها، ورجعت إلى التركي لكي أودعه وأعطيه مفتاح ~~المنزل، وعندما استقر بي المقام في الغرفة الجديدة، حاولت أن أروض نفسي على تقبل ~~الأمر الواقع؛ فالغرفة لا تدفئة بها، ولدي مدفأة تعمل بالجاز (الكيروسين) أوقدها ~~ليلا، وليس بالغرفة مكتب، بل منضدة صغيرة لا تكفي كتبي وكراساتي. والمشهد من ~~الشباك قبيح قبيح، وضجيج القطار يتكرر ليلا ونهارا، وعندما جاء صاحب المنزل يوم ~~السبت (2 / 10) لتحصيل الإيجار وجدته عملاقا أسود، اسمه آشيل # Achilles ~~(مثل البطل الإغريقي أخيلاس) وكان يتحدث كأنما لا يشاركه ~~الحوار أحد، وأكاد أذكر كل كلمة قالها ذلك الصباح: ~~- صباح الخير يا مستر عناني .. أنت من مصر .. هذا حسن! أنا من أفريقيا! نحن جميعا من ~~أفريقيا. هل أعجبتك الغرفة؟ هذا حسن! روزانا تقول إنك دمث الأخلاق. ms276 هذا حسن. هل ~~تحتاج لشيء؟ هذا حسن! إذا احتجت لشيء فاطلبه من روزانا! سآتي صباح السبت ~~التالي! # لم تستغرق المقابلة سوى دقائق معدودة، اختفى بعدها آشيل ولم أعد أسمع له صوتا، بعد ~~أن كانت جملة ~~“That’s good” # ترن في الفضاء مثل الرعد! ~~وفي الهدوء العميق الذي ساد المكان بعد رحيله، وجدتني أجلس على الكرسي الوحيد المواجه ~~للنافذة، وأتأمل قضبان السكك الحديدية الصدئة، وأكواخ المهمات المهملة، وأكوام ~~الأخشاب والصخور المستخدمة في بناء الوصلات، وأحد العمال يصيح في زميل له بلهجة من ~~المحال تحديد كنهها، أنا لا شك أفريقي، ولكنني لست من هذه الفئة، وذكرت ما قاله ~~سامي أبو طالب عن العنصرية والتعصب فقررت ألا أشغل بالي بالتصنيفات العرقية، وأن ~~أتفرغ للدرس حتى أعود إلى مصر العربية، وإلى من لا يعتبرني «غريب الوجه واليد ~~واللسان»! # وقضيت عطلة نهاية الأسبوع ما بين القراءة وبين التريض في الحديقة العامة التي ~~أطلق اسمها على الحي، وعدت ابتداء من يوم الإثنين إلى النظام اليومي في الكلية ~~أحاول أن أنتهي من تصنيف كل ما كتب عن الشاعر ووضعه في البطاقات، حتى خلت أن المهمة ~~اكتملت، فأفضيت بالخبر السعيد إلى المصري الوحيد الذي كان يدرس معي في كلية بدفورد ~~وهو عادل مشرفة، وفي تضاعيف الحديث ذكرت له تلك الغرفة الكئيبة، وكان قد عرفني ~~بطالبة تخرجت في قسم اللغة الفرنسية، وهي إنجليزية تدعى هيلاري وايز ~~(Wise) # وتدرس اللغة العربية في غضون بحثها عن النحو ~~التحويلي الذي ما لبث أن «تحول» إلى موضة في الستينيات وما بعدها. وما إن سمعت ~~هيلاري قصة آشيل حتى انطلقت تحدثني عن مغبة الحياة مع الزنوج، وكانت كأنما تذكرني ~~بأحاديث جدتي - رحمها الله - إذ روت لي (أي جدتي) أن جدتها كانت لديها جارية سوداء، ~~واكتشفت الأسرة ذات يوم أن لها ذيلا قصيرا، فتأكد لهم أنها «غولة» وسرحوها ~~خوفا على أطفالهم منها. لم تزعم شيئا مثل ذلك ولكنها ذكرت بعض «الوقائع» ثم اقترحت ~~علي أن أتقدم بطلب إلى بيت طلاب جامعي اسمه # Lillian Penson ~~Hall # ومعنى ms277 # Hall # هو مقر إقامة، ~~فهو اختصار تعبير # Hall of Residence # الذي ما يزال ~~مستعملا في بريطانيا، وأما الاسم فهو اسم الأستاذة الجامعية التي تبرعت بالمال ~~اللازم لتحويل فندق ضخم اسمه # Stephen Court Hotel # إلى ~~بيت طلاب. وأرسلت الطلب بالبريد في اليوم التالي إلى عنوانه في تولبوت سكوير # Talbot Square # واستأنفت حياتي المعتادة. # كارول أثناء العمل بالترجمة في كوينز هاوس. # وانقضى أكتوبر وأنا أتحمل رائحة القرنبيط والكرنب المسلوق، وهم لا يضيفون إليه ~~الكمون الذي يذهب بالرائحة، ولا يطبخونه بطريقتنا بل يسلقونه سلقا، وكانت الرائحة ~~تملأ البيت في المساء، وما كان أبغضها وأقبحها! وفي يوم من أيام نوفمبر عدت إلى ~~الغرفة مرهقا من طول القراءة في المكتبة، فأويت إلى الفراش بعد أن أوقدت ~~المدفأة ولكن قبل أن يشيع الدفء في الغرفة، وإذا بي أرتعد وأرتعد ساعة أو ساعتين ~~حتى خلت أنني سأهلك. وفي الصباح ذهبت إلى الطبيب، وكانت امرأة شرقية الملامح ~~اسمها هانا بيرمان # Hanna Beerman ~~، شرحت لها ما أصابني ~~فكتبت لي علاجا ونصحتني بالدفء. # اشتريت الدواء وبعض الطعام الذي أوصت به وعدت إلى الغرفة، وكان ذلك يوم السبت ~~فوجدت جارتي السوداء (ولم أكن رأيتها من قبل) قد استضافت روزانا الضخمة، وباب ~~غرفتها مفتوح، فدعتني للدخول فدخلت وسلمت، فقالت الجارة إنها سمعت رعدتي في ~~الليلة السابقة؛ فقد كان السرير يهتز، ويبدو أنني كنت أتألم بصوت مسموع دون أن أدري، ~~وقالت إن ذلك كثيرا ما يحدث لمن يسكن تلك الغرفة. وحينما لاحظت دهشتي قالت: ~~«إن الروح الباردة ~~تسكنها ~~(haunted by a cold spirit) ~~، ولا يجدي فيها أي قدر من التدفئة!» وضحكت روزانا وقالت: ~~«إنه يريد تدفئة خاصة تذهب تلك الروح!» وضحكت الأخرى. وأحسست بالرعدة من جديد! ~~وقدمت لي جارتي قطعة من الكعك وفنجان شاي، وقالت إن البريد أتاني بخطاب قدمته ~~لي فأخذته وانصرفت. # وعندما فتحت الخطاب وجدته من بيت الطلاب المذكور، وهو يتضمن الموافقة على ~~الانتقال إليه، على أن أشارك أحد الطلاب غرفته بإيجار شهري قدره 14 جنيها أما ~~الغرفة المستقلة فإيجارها ضعف ms278 ذلك! ولم أضع الوقت فانطلقت إلى الطابق السفلي حيث ~~التليفون المشترك (لسكان المنزل جميعا) ووضعت أربعة بنسات وطلبت بيت الطلاب وقلت ~~لهم إنني قادم! وعندما جاء السيد آشيل بعد نحو ساعة أبلغته الخبر فهاج وماج، وقال ~~لا بد أن تخطرني قبل الرحيل بأسبوع، وأصررت على موقفي، فتصايحنا فجاءت جارتي، ثم ~~جاءت روزانا، واقترحت المرأتان أن أدفع نصف قيمة إيجار أسبوع بدلا من الإخطار، ~~ووافق آشيل وأخذ المال وانصرف. # وأبدت المرأتان حزنهما لرحيلي، ولكنهما أظهرتا قدرا لا بأس به من التعاطف، ~~وساعدتني روزانا في حزم حقائبي (وكنت اشتريت حقيبة أخرى بجنيهين ونصف) بل حملت ~~الحقيبة الثقيلة بنفسها، وطلبت لي سيارة أجرة بالتليفون! وفي أقل من ساعة كنت في ~~مقري الجديد على مشارف وسط لندن! # الفصل الثاني # | الشتاء الأول # 1 # كان بيت الطلاب الجديد ما يزال في مرحلة الإعداد، وكانت جميع ملامح الفندق القديم ~~ظاهرة فيه، ولم يكن قد تغير فيه سوى تحويل قاعة الضيوف أو قاعة الاستقبال بالدور ~~الأرضي إلى مكان يشبه المكتبة العامة، به مناضد مصفوفة وكراسي خشبية غير وثيرة، ~~وإلى جواره غرفة خاصة للتليفزيون يجتمع فيها الطلاب في المساء لسماع نشرة الأخبار أو ~~مشاهدة حلقة بوليسية، وكان به مطعم في الدور تحت الأرضي يقدم وجبات زهيدة السعر ~~لتكون في متناول أيدي الدارسين، وكان هؤلاء خليطا عجيبا من الأجناس المتنافرة إلى ~~جانب الإنجليز المغتربين عن أهلهم للدراسة في لندن، فكان فيه العرب وأبناء ~~أفريقيا وآسيا وأمريكا، بل وأستراليا ونيوزيلاندا! وما إن حططت الرحال حتى تعرفت ~~على زميلي الذي يشاركني الغرفة، وهو هندي تقدم به العمر، وكان يحاول جاهدا أن يحصل ~~على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولن أنسى صباح أول ليلة أقضيها في ذلك المكان؛ إذ ~~عندما فتحت عيني وجدته في وضع مقلوب، قدماه في الهواء ورأسه على الأرض، وفي الغرفة ~~رائحة بخور خفيفة، عبيرها غير نفاذ، وضوء الصباح يتسلل برفق من خلف الستائر التي ~~تحجب شباكا كبيرا واجهته شرقية. # كان الصمت يلف المكان، فمكثت في الفراش أرقب القدمين المعلقتين في ms279 الهواء ~~عدة لحظات وأنا حائر في تفسير ما يفعل «فيكرام» # Vikram ~~، حتى انتهى من تلك الرياضة الصباحية، وقد اكتشفت فيما بعد ~~أنها نوع من اليوجا، ثم جلس أمام صورة للزعيم الروحي بوذا في استغراق شديد، ورائحة ~~البخور تزداد قوة، ولا أدري كم مر من الوقت عليه وهو في تلك الحال، وأنا أخشى أن ~~أنهض حتى لا أتسبب في تعكير صفو تأملاته، وبعد برهة قام فأزال الصورة وأطفأ ~~البخور وفتح الشباك وقال لي: صباح الخير! # كانت اللهجة الهندية التي يتحدث بها اللغة الإنجليزية طريفة، ولم نلبث أن تناوبنا ~~استخدام الحمام، ثم انطلق كل منا إلى كليته. وعرفت من مناقشاتي فيما بعد معه أنه ~~يؤمن بتناسخ الأرواح أو # transmigration of souls # أي ~~بأن لكل مولود روحا تأتي من أحد الراحلين، وأذكر أنني عندما سألته كيف يفسر ~~الزيادة في عدد الأرواح بزيادة عدد سكان الأرض أجاب بأن الأرواح تأتي ممن تركوا الأرض ~~على مر الأزمان، وعندما اعترضت قائلا إن ذلك لا يعدو أن يكون من باب الظن، قال: «بل ~~هو اليقين.» وانطلق يعرض النظرية التي درج على الإيمان بها دون مناقشة، ثم سألني ~~فجأة: «ألا تشعر أحيانا أن بداخلك إنسانا لا تعرفه؟» ولم ينتظر مني الإجابة، بل ~~أردف يقول واثقا: ~~«لقد قرأت شعر الشاعر وردزورث، ولعلك تذكر ما يقوله في قصيدة «مشاعر ~~الخلود المستوحاة من ذكريات الطفولة الأولى» - ولعلك قبلت ما فيها على أنه ~~رؤية شاعر لرحلة الروح من عالم سابق على الوجود المادي إلى عالم لاحق على ~~هذا الوجود! والشاعر كما تعرف ينكر تأثره بأفلاطون مؤكدا أن ذلك الإحساس ~~داهمه حتى قبل أن يقرأ ذلك الفيلسوف اليوناني، وأنه كان يشعر بغربة روحة عن ~~عالم الأرض، وضيقها بسجن الجسد، ونزوعها للتحرر منه آخر الأمر! إنه يؤكد أن ~~الروح التي تولد معنا مثل الشمس التي تشرق في عالم جديد في اللحظة التي ~~تغرب فيها عن عالم آخر - وهذا هو معنى التناسخ!» # وسجلت ملاحظاته في كراسة لدي ما زلت أحتفظ بها، وعدت إلى قراءة تلك ms280 القصيدة ~~التي كنت ترجمتها ذات يوم في مصر، ولاقت إعجابا من أستاذي مجدي وهبة، رحمه الله، ~~وشغلت يوما أو يومين بهذه الرؤية الشرقية المحضة لحياة الروح الإنسانية، وانتهيت ~~إلى أنها لا تعدو أن تكون رؤية شاعر، وأنها لا تصل أبدا إلى يقين العلم؛ فالروح من ~~أمر ربي، وما أوتي البشر من العلم إلا قليلا، ولكن أحببت أن أستزيد من العلم بهذه ~~الفلسفة الشرقية التي كتب لها أن تظل ضربا خاصا من الاستبطان ~~(introspection) # وألا ترقى أبدا إلى مرتبة الفكر ~~الحقيقي. وعندما صارحته بذلك دار بيننا حوار أرجو أن أنجح في تلخيصه هنا استنادا ~~إلى مذكراتي؛ إذ التفت إلي ببسمة الواثق قائلا: ~~- لقد تدربت على التفكير الذي ينسب كل ما لا تعرفه إلى السماء؛ أي إلى مصدر خارج ~~النفس، ولديكم في الإسلام والمسيحية رموز تتوسلون بها حتى تتجنبوا حياة الروح ~~الحقيقية، ولكن أستاذنا بوذا يعلمنا كيف نغتني بالمواجهة الصادقة مع النفس عن رموز ~~الجنة والنار، وعن تصور الملائكة والشياطين، ومفهومنا للخير نسبي، وكذلك مفهومنا ~~للشر؛ فكل ما يؤدي إلى التوافق والتناغم والسلام خير، وكل ما يفسد ذلك شر، وأفكارنا ~~الدينية أقرب إلى البراجماتية والعيش في هذا الكون من أفكاركم التي ترجئ كل شيء ليوم ~~الحساب! # د. حسين ربيع أمام ميدان رسل في لندن عام 1966م. ~~- ولكنك تستعين بالرموز في صلاتك، وتستخدم طقوس البخور والصور! ~~- هذه ليست رموزا، بل هي من العوامل التي أستعين بها في التركيز! ~~- ورياضة اليوجا؟ ~~- هذه ليست رياضة بالمعنى المفهوم، بل هي تدريب للروح على تقبل الجسم الذي ~~قدر لها أن تعيش فيه، وتدريب الجسم على تقبل الروح التي تسكنه! ~~- أنت إذن تفصل بين مفهوم الروح ومفهوم الجسد، وهي الفلسفة الثنائية التي ينكرها ~~علم النفس الحديث وتنكرها الفلسفة اللغوية المعاصرة! ~~- الفصل قائم يا صديقي، مهما برع العلماء المزعومون في تبيان الصلات وإقامة ~~العلائق! قل لي: ألا تشعر أحيانا بأن في ذاتك نوازع غريبة عنك؟ ألا تشعر أحيانا ~~بأنك لا تعرف تلك النفس التي يقطع العلماء بوجودها؟ بل لعلك ms281 أحسست يوما ما بأن في ~~داخلك ما تسميه الأديان بالملائكة والشياطين! إنها نوازع الروح التي تخاطبك بما ~~لا تعرف! ~~- وهل يعني ذلك أن الروح جاءت من كائن حي آخر؟ ~~- قل لي وكن صريحا معي .. ألم تشعر يوما أن مشهدا ما قد سبقت لك رؤيته؟ ألم ~~يداهمك الإحساس بأن نغما ما يثير نفسك فجأة دون سبب؟ ألم تنظر يوما إلى السماء ~~فتدرك أن ما تراه ليس غريبا عليك؟ ~~- ربما سبق لي أن شاهدته في الطفولة! ~~- وعندما كنت طفلا .. ألم تكن تشعر أحيانا بأن منظرا ما مألوف لديك؟ ~~- لقد انتهى علماء النفس من تحليل ذلك! ~~- لم ينته أحد من شيء! كلنا يحاول ترويض روحه حتى تقبل الجسم وتقبل العالم ~~.. وقد ننجح أو نفشل .. لكننا في الحالين لا نستطيع تغيير طبيعة الروح الخالدة .. قد ~~تكون ذات خير فتدفع الجسم إلى الخير، وقد تكون ذات شر فتدفع الجسم إلى الشر، ~~ونحن في صراع دائم مع الخير والشر معا! ~~- وذلك ما تقول به الأديان السماوية .. كل ما هناك هو أننا ننسب الخير إلى دوافع ~~عليا يرسمها العقل، وننسب الشر إلى دوافع سفلى يرسمها الشيطان! ونحن نهتدي بما ~~أوحي إلى الأنبياء من آيات وأنزل عليهم من هدى! # ولكن فيكرام لم يكن - رغم عدم تصديقه للأديان السماوية - ممن يسخرون منها أو يهزءون ~~بما أنزل على غيرهم من الأمم، بل كانت البسمة لا تفارق شفتيه، وكان هادئ الطبع، ~~«طويل البال»، وكان أحيانا يطلب مني مغادرة الغرفة؛ لأنه يريد «التأمل» وحده، ولم ~~أكن أعارضه، بل كنت أحمل كتبي وأهبط إلى قاعة الدرس، فأقضي الوقت الذي حدده ~~وحدي، ثم أصعد لأنام. # ثم جاء يوم من أيام ديسمبر عدت فيه من الكلية مرهقا، فوجدته يطلب مني «إخلاء» ~~الغرفة ساعتين، وكان لدي عمل كثير؛ إذ كنت قد بدأت تصنيف الصور الشعرية التي كنت ~~كتبتها في بطاقات كثيرة في مصر، وكانت نهاد خطيبتي قد أرسلتها في طرد كبير، وكنت ~~أعيد قراءة هذه الصور على ضوء ما قرأته عن الشاعر في مراجع لم تكن ms282 متوافرة في مصر، ~~فأخذت أوراقي وهبطت إلى قاعة الدرس، وجعلت أعمل بجد حتى انقضى الوقت، وكنت قد ~~تناولت العشاء في الكلية على مائدة طلاب الدراسات العليا والأساتذة، فشعرت بأنني ~~لا بد أن آوي للفراش. # وعندما طرقت باب غرفتنا، فتح لي فيكرام، وكان يرتدي ملابس الخروج مع أن الساعة قد ~~تجاوزت العاشرة، ودخلت فإذا بحسناء إنجليزية الملامح واللهجة تجلس على سريري وفي ~~يدها قدح حدست أن فيه خمرا، فقدمني إليها وعرفني بها، ثم قال إننا نرجوك ~~الانتظار نصف ساعة أخرى فنحن على وشك الانتهاء من الحديث الشائق ذي الشجون! وانعقد ~~لساني من المفاجأة، ولم أشأ أن أعترض، فوضعت الكتب على المكتب، وخرجت. # محمد عناني يكتب على الآلة الكاتبة في حجرته عام 1966م. # وفي قاعة الاستقبال التي كانت ما تزال تحمل ملامح الفندق القديم، جلست شارد النظرات ~~لا أدري ما أصنع، هل كان ذلك دأبه في كل مرة طلب مني مغادرة الغرفة؟ وقررت الانتقال ~~إلى غرفة مستقلة # single room # مهما كلفني ذلك من ~~مال؛ فنحن نطلق في مصر لفظا غير كريم وغير مشرف على من يحتمل ما احتملت، ولم ~~أقل شيئا لأصدقائي العرب الذين أدهشهم وجودي في ذلك الوقت المتأخر في قاعة الاستقبال، ~~وشغلت بالحديث مع بعض الزملاء السودانيين ممن يدرسون تخصصات مختلفة في جامعة ~~لندن، وكان عدد آخر من دارسي الأرصاد الجوية يجلسون قريبا؛ ثلاثة منهم من ~~سوريا والرابع ليبي، وسرعان ما اشتعل النقاش وحمي وطيس الجدل، فنسيت ما أنا فيه، ~~ولم أفق إلا حين رأيت الحسناء تغادر البيت. # وذهبت في الصباح إلى الإدارة، وطلبت الانتقال إلى غرفة مستقلة، فنظرت لي ~~السكرتيرة وقالت لي ما يلي بالحرف الواحد: ~~- It didn’t work out? No, I didn’t think it ~~would! # أي «لم تنجح إقامتكما معا؟ لا، لم أكن أظن أنها ستنجح!». # وعجبت من ردها! إذا كانت لا تتوقع لها النجاح فلماذا حاولت إنجاحها؟ يبدو أنها ~~كانت تأمل (على استحالة الأمل؛ أي # Hoping against ~~Hope ~~) أن نتفق بسبب دراستنا المشتركة للأدب الإنجليزي، ثم أردفت ms283 ~~قائلة إن الغرف المستقلة مشغولة، وبقاء غرفة مشتركة دون «شريك» من قبيل «وجع ~~الدماغ» ( # is a headache ~~) ولكنني ألححت، فوعدت ~~خيرا، وفي اليوم التالي اقترحت علي الانتقال للسكنى مع أنور عبد العظيم (الأستاذ ~~حاليا في كلية العلوم بجامعة القاهرة) حتى يتسنى لها تدبير غرفة مستقلة ~~لي. # وسرعان ما أصبحت غرفة أنور عبد العظيم ملتقى للمصريين وللعرب أحيانا، وأصبح من ~~روادها صديقي محمد مصطفى رضوان، طالب الهندسة المتخصص في التصوير الجوي، وكان يقضي ~~النهار كله في المختبر الهندسي بجامعة لندن، وكان بارعا في الرياضيات وكان أستاذه ~~معجبا به، وكان يقيم في غرفة مشتركة مع دارس آخر للرياضيات اسمه ريتشارد لندن، وكان ~~هذا الأخير مصداق قول ألبرت أينشتاين إن بعض الناس يفكرون «بالأرقام»؛ أي لا ~~يستخدمون الصور ولا الألفاظ، وكنت قد قرأت كتابا عنوانه «العملية الإبداعية» # The Creative Process # وردت فيه أقوال ~~الكثيرين في هذا الموضوع، ومنها أقوال عالم الرياضيات الشهير مع تحليل علمي لها، ولذلك ~~لم أدهش للصمت الدائم الذي كان يعيش ريتشارد لندن فيه! ولا أذكر أنني سمعته يوما ~~يقول عبارة يزيد طولها عن ثلاث كلمات. # وعندما انتصف شهر ديسمبر (1965م) حل شهر رمضان المبارك، وبدأنا الصيام، وما كان ~~أيسره في لندن! فنحن نتناول السحور في الخامسة صباحا (الفجر يؤذن له في السادسة) ~~ثم نصلي الفجر ونتجه إلى كلياتنا في السابعة، ونعود في الثالثة، حيث نقوم بإعداد طعام ~~الإفطار معا، ونفطر في الرابعة تقريبا! كان قصر النهار فريدا، وبرودة الجو تمنع ~~العطش (أو الإحساس به) وكانت الصحبة رائعة، خصوصا ونحن نفطر جميعا معا، وكانت ~~تتناول الطعام معنا طالبة مسيحية اسمها نادية (لحق بها زوجها جورج بعد فترة) وكانت ~~صائمة؛ ولذلك كنا نصنع نوعين من الطعمية (الفلافل)؛ نوعا يضاف إليه البيض، ونوعا ~~لا يتضمن البيض وهو مخصص للصائمين المسيحيين، وقد أطلق عليه فيما بعد اسم «طعمية ~~نادية»! وسمعت أحد الأمريكيين يتساءل عن ذلك اللون الفريد من الطعام بعد أن ذاقه ~~فراق له وتساءل دهشا ~~“Is it meat?” ~~(أي هل هذا لحم؟) ms284 ~~وغمزت لأصدقائي حتى لا يفصحوا عن سر الوجبة الشهية، وشرحت له أنها تأتي على صورة ~~مسحوق من مصنع سان جورج بالإسكندرية، ثم نضيف إليها الماء ونعيدها سيرتها الأولى، ~~وسرعان ما انتشر الخبر في بيت الطلاب، وقالت لي السكرتيرة: ~~- Must you have a party everyday? # وشرحت لها أن تلك «حفلات» إفطار رمضانية، تنتهي بحلول العيد، وكان من العسير عليها ~~أن تدرك معنى «الصحبة»، وهو المعنى الأصلي لكلمة ~~“party” # وإن كانت قد اقترنت في الأذهان بالرقص ~~والموسيقى والشراب! وعندما حل عيد الفطر شهد بيت الطلاب ما يشبه العرس، فاجتمع جميع ~~العرب، ورقص السوريون «الدبكة» وغنى السودانيون أغاني ذات سلم موسيقي خماسي، ~~واجتمع الطلاب من شتى الجنسيات لتأمل هؤلاء العرب الذين اختلفت ألوانهم وجمعهم ~~تراث واحد، ولغة واحدة، بل إن نادية أعدت الفتة الشهيرة ليلة السادس من يناير ~~(ليلة إفطارها) وحملت طبقا منها إلى السكرتيرة، مزانة بقطع اللحم (الهبر) ~~فهالها حجم الطبق، وأصرت على أن تحمله إلى المنزل حتى يفرح به زوجها ~~وأطفالها! # وقبل أن يحل العيد، جاءني صوت مألوف عبر ~~التليفون، يطلب مني الحضور. كان ذلك صوت فادية سراج الدين، الطالبة في قسم اللغة ~~الإنجليزية، وابنة المرحوم أنيس سراج الدين الذي كان رئيسا لبنك القاهرة، وكانت ~~تعالج في أحد مستشفيات لندن من شلل الأطفال، فخرجت من الكلية وزرتها ثم انصرفت ~~مسرعا لكي أدرك الإفطار مع الأصدقاء، وبعد ذلك اتصل بي والدها وطلب مني أن أعينها ~~على متابعة الدروس حتى لا يضيع عليها العام الدراسي، فزرتها وكانت قد انتقلت إلى ~~فندق فاخر قريب من بيت الطلاب، وترددت عليها حتى اطمأن قلبي إلى أنها قرأت ما ~~هو مطلوب، فودعتها، وعادت إلى مصر وانقطعت عني أخبارها عشرين عاما، حتى رأيت ~~النسخة المكتوبة بخط يدها من كتاب يطبع في الهيئة المصرية العامة للكتاب في أواخر ~~الثمانينيات وعليها توقيع من سمير سرحان يقول فيه: «حافظوا على هذه النسخة فهي الوحيدة ~~بخط المؤلفة رحمها الله.» # 2 # كنت أعيش في عالمين مختلفين؛ فأنا بالنهار في المكتبة، أقرأ الإنجليزية من ms285 الصباح ~~إلى المساء، وأحادث الإنجليزي بالإنجليزية طبعا، وأتناول العشاء مع الأساتذة على ~~مائدة خاصة، نتحادث فيها أكثر مما نأكل، وقد بدأت ألتقط التعبيرات الجديدة على ~~مسمعي وأكررها، وأحاكي لهجة الأساتذة، فإذا كتبت تعثرت؛ لأنني لم أكن أعرف كيف ~~أفرق بين العبارات العامية والعبارات الفصحى، وأحيانا ما كنت أمزج هذه بتلك ~~فيدلني الأستاذ المشرف على الصواب، وكنت باختصار أعيش عالما غريبا بكل معنى ~~الكلمة. # أما العالم الذي كنت أعود إليه في المساء فقد جعلته الغربة وطنا؛ فالطلاب في ~~البيت الذي أقيم فيه أغراب، لكن رباط الغربة يشد بعضهم إلى بعض، وكنت أحيانا أخرج ~~مع أحدهم، خصوصا جلال الإدلبي (السوري) فنذهب إلى السينما أو نتنزه في شوارع منطقة ~~بادنجتون Paddington # التي تتميز بأحيائها ~~الفقيرة، وكان بعضها قد دمرته الحرب ولم تمتد إليه يد التعمير بعد، أو في منطقة ~~«لانكاستر جيت» # Lancaster Gate # المجاورة لنا ذات ~~المنازل التقليدية التي صورها جورج أورويل في رواياته، والتي بدأت بعض المنازل ~~الجديدة تظهر فيها، وبعض ملامح العمارة الحديثة فيما بعد. # وبدأت أشعر بالصراع بين العربية الكامنة في أعماقي والتي كتب عليها أن تظل حبيسة ~~الزمان، وبين الإنجليزية التي أنهل منها فلا أشبع! لم يكن همي الانتهاء بسرعة من ~~الرسالة، بل كنت أعيش في العالمين معا، خصوصا بعد أن عرفت طريق الإذاعة، وكتبت ~~سلسلة مقالات عن «المغنيات العربيات»، جئت بالمعلومات عنهن من كتاب الأغاني ~~للأصفهاني الموجود في كلية الدراسات الشرقية بلندن، وخصوصا بعد أن التقيت ببعض ~~الزملاء من المصريين الذين رحبوا بوجودي بينهم، ويسروا لي سبل الكتابة والترجمة. ~~وكان أهمهم المرحوم إدجار فرج الذي كان شريكا للمترجم دنيس جونسون دافيز في مكتب ~~للترجمة، يتردد عليه المصريون جميعا؛ فهو قريب من المكتب الثقافي، وكانت لهما قصة ~~ستأتي في حينها. # د. مسعد حجازي في بيت الطلاب 1966م. # كان إدجار صعيديا قحا، يتحلى بالشهامة والمروءة، وكان يعرف من يعاني من ضائقة ~~مالية فيرسل إليه نصوصا يترجمها ولا يبخل عليه بالمال، بل كان يعطيه أجرا أكبر من ~~القدر المرصود للترجمة، متظاهرا ms286 بأنه يحاسبه ب «المليم» حتى لا يشعر المصري بأنه ~~يتلقى مساعدة من أي نوع. وكان من أهم المتعاملين مع المكتب عبد اللطيف الجمال، ~~الذي كان قد حصل على درجة الماجستير من جامعة القاهرة، وانتهى من دبلوم الدراسات ~~العليا بجامعة ليدز # Leeds # وسجل موضوع الدكتوراه عن ~~النظرية النقدية عند أ. أ. ريتشاردز # I. A. Richards # وكان قارئا نهما، ولم يتخلص من عاداته الريفية (فهو من إحدى قرى المنوفية) فهو ~~يميل إلى الصراحة والصدق، وهما من الفضائل التي يحتفل بها الإنجليز كما سبق أن قلت، ~~ولم يكن في تلك الأيام يفكر إلا في تعلم الألمانية، وبعد أن قضينا يوما من أيام ~~السبت مع عبد الرشيد الصادق المحمودي الذي كان يدرس الفلسفة، عرفني بإدجار فرج، ثم ~~لم يلبث الجمال أن رحل إلى ألمانيا. # كان شتاء ذلك العام غير قارس البرد، وكنا نقضي معظم أوقاتنا في المكتبة التي تتميز ~~بدفئها المعقول، وكانت حياتي في الكلية منتظمة إلى حد لا يمكن تكراره في أي مكان ~~آخر، وكانت حاجاتي محدودة فكل ما أريده من كتب موجود، وكنت قد أقلعت عن التدخين ~~واشتريت لنفسي غليونا ألهو به في أوقات الفراغ في المنزل، ولكن الحاجة إلى المال ~~كانت ما فتئت تعاودني، وكانت عيناني تتطلعان إلى الكتب الجديدة فلا أستطيع ~~شراءها، وإلى الملابس الفاخرة دون أن أشعر بالحاجة إليها، ولكنني كنت قد بدأت عادة ~~لم أتخل عنها طول عمري وهي الذهاب إلى المسرح، ولما كانت تذاكر المسرح غالية ~~نسبيا فإنني كنت ألجأ إلى الحجز مقدما لشهور طويلة، وقد ساعدني المخرج أحمد زكي ~~الذي كان يدرس الإخراج المسرحي في لندن في الالتحاق بجمعية المسرح الإنجليزي مقابل ~~اشتراك سنوي زهيد، مما أتاح لي حضور بروفات (تجارب) المسرحيات الجديدة في مسرح ~~رويال كورت # Royal Court ~~، وفي منطقة تشلسي # Chelsea # الفاخرة، ومشاهدة العروض أيضا مجانا، كما ~~أرشدتني هدى حبيشة، أستاذتي القديمة في جامعة القاهرة، والتي كانت تعد الدكتوراه في ~~الشعر الميتافيزيقي الإنجليزي، إلى طريقة أستطيع بها أن أحجز تذاكر لموسم مسرحي ~~كامل في ms287 مسرح أولديتش # Aldwych # حيث تقدم فرقة شيكسبير ~~الملكية عروضها؛ إذ كنت أذهب في الصباح الباكر غداة الإعلان عن فتح باب الحجز فأشتري ~~تذاكر للحفلات النهارية (من 2:30 ظهرا إلى الخامسة يومي الأربعاء والسبت) لجميع ~~المسرحيات التي سوف تقدمها الفرقة على مدى الموسم كله (ثلاثة أشهر) في أماكن جانبية ~~في المسرح حيث أستطيع أن أسمع الحوار بوضوح وإن كانت زاوية الرؤية مرهقة، كما كنت ~~أشتري تذاكر لمشاهدة عروض المسرح القومي واقفا (بأربعة شلنات ودون حجز) فكنت أذهب قبل ~~العرض بساعة أو بعض ساعة فأقف في الطابور وأشتري التذكرة وأشاهد العرض واقفا ثم أجلس ~~في الاستراحة، مما أتاح لي مشاهدة لورانس أوليفييه العظيم في مسرحية عطيل لشيكسبير ~~وغيرها، وكان من نتيجة هذا التدبير والميل إلى التقشف أن أصبحت شديد الوعي بقيمة ~~النقود والتمييز بين الضروريات والكماليات، وتعلمت من الطلاب حيلة قراءة الصحف ~~والمجلات دون أن أشتريها؛ إما في غرفة الأساتذة بالكلية أو في أماكن بيع الصحف ~~بالمكتبات، فكان كينيث جوردون، صديقي الإنجليزي، يشير علي بالمكتبات التي لا يكترث ~~أصحابها بمن يغافلهم ويقرأ الصحف، كما أرشدني إلى الأماكن التي يترك الإنجليز ~~الصحف اليومية فيها بعد قراءتها، وكان كثيرا ما يتجول وحده ليكتشف المطاعم الرخيصة ~~والمكتبات التي تبيع الكتب القديمة، فكان خير عون للفقراء، وسرعان ما قال المصريون ~~إن كن ( # Ken # وهو اسمه المختصر) «واد جن»! (أو «كن ~~مصور»!). # كان دخلي من الإذاعة محدودا، وكتابة الأحاديث مرهقة، وعملي في الرسالة يستغرق معظم ~~وقتي ولا يترك لي الوقت الكافي لزيادة الدخل، وكانت معظم مسراتي في الحقيقة ذات ~~تكاليف محدودة؛ فالسير في الطريق الذي يتوسط متنزه هايد بارك لا يكلف شيئا، وكانت ~~الحديقة قريبة من منزل الطلاب، ومشاهدة الطيور في البحيرة الساكنة ومحاولة معرفة ~~أنواعها، ومشاهدة الأزهار الغريبة أو الاستماع إلى المذياع؛ كل هذا من المتع التي ~~اكتسبتها، وكان على رأسها جميعا فن المحادثة! # وقد اكتشفت جمال هذا الفن على مائدة الغداء في الكلية بعد أن عرفني عادل مشرفة ~~بزملائه الذين أصبحوا زملاء لي، ومن بينهم ms288 أمريكية كانت تدرس علم الاجتماع اسمها ~~سوزان، وتشكو دائما من عدم توافر الأفكار اللازمة للرسالة، وشاب يوناني اسمه ~~بابادوبولوس، وكان يدرس الرياضيات، وأخرى تدرس الفيزياء واسمها كريستين، وكانت ~~إنجليزية محضة، وكان يرتاد المائدة غيرهم من طلاب الدراسات العليا، فإذا دار الحديث ~~الذي عادة ما يبدؤه الإنجليز بذكر أحوال الطقس، برزت اتجاهات تعلمت رصدها في ~~تفكير كل منهم، وكنت أذكر في هذا الصدد قول الطيب صالح إن الذكاء يختلف عن ~~سرعة التفكير ~~(mental agility) # أو ما يوحي بسرعة ~~التفكير واللماحية (أو الألمعية) في تراثنا الشرقي ~~( # wit ~~)؛ فالشرقي يرحب بسرعة التفكير والردود ~~الحاضرة وإن اقتصرت على ردود الأفعال الساذجة، أما الغربي فلا يكترث لها، بل يهمه ~~أن يكون المتحدث على صواب بغض النظر عن إطالة التفكير أو الإبطاء في الرد؛ ولذلك ~~فلدى الإنجليز ما يسمى بالحديث العابر أو الاجتماعي ( # small ~~talk ~~) الذي يدرجه الدكتور بيرن # Berne # في باب «الطقوس ~~الاجتماعية» ~~(rituals) # مثل الحديث عن الجو أو عن الصحة والمواصلات وكل ما لا ~~يتوقع معه المتحدث ردا حقيقيا من صاحبه، وقد يدرج فيه ما يسميه بيرن بحديث ~~تزجية الوقت ~~(pastime) # أو حتى الأحاديث ذات الطابع ~~الآلي التي لا تنم عن تفكير من أي نوع ( # mechanical ~~) ~~وهم يفرقون بين ذلك كله وبين المناقشة الحقيقية، وهي عادة ما تتسم بالحذر والتردد ~~بسبب ضرورة تقليب الأمر على وجوهه، وكان بعض علماء اللغة آنذاك قد أصدروا كتبا ~~يحللون فيها مسالك الحديث ومساربه، لا من منطلق علم النفس كما فعل بيرن في كتابه ~~«الألعاب التي يلعبها الناس» # Games People Play # الذي قرأته آنذاك (نوفمبر 1965م) بل من منطلق بناء اللغة في كل موقف، مما أدى إلى ~~استحداث مفاهيم جديدة تتعلق بما يسمى بفعل ~~الكلام # Speech acts # وما تلا ذلك من توسع في علم الدلالة؛ فدلالة الألفاظ لا ~~تكمن فيها وحدها، كما هو معروف، بل تكمن في دلالتها في العبارة والموقف؛ أي في دلالة ~~تداولها، مما أدى آخر الأمر إلى نشوء فرع من علوم اللغة يبحث التداول في المواقف ms289 ~~المختلفة، واصطلح على تسميته «التداولية» # pragmatics ~~. ~~وبدا لي الأمر شائقا عندما بدأت تحليل مناقشاتنا حول مائدة الغداء، ثم حول مائدة ~~العشاء. # اكتشفت أن نمط المتحدث الإنجليزي ~~التقليدي # the typical English speaker # يميل دائما إلى الحذر حين ينتقل من الحديث العابر إلى ~~موضوع جاد، وقد يعود ذلك إلى أسلوب التنشئة أو التربية في المنزل والمدرسة؛ فالأهل ~~والمدرسون يشجعون التلميذ على التفكير أولا قبل الإجابة على أي سؤال، وهم لا ~~يتوقعون من الطفل أن يكون حاضر البديهة، بل ولا يعتبرون ذلك من سمات الذكاء، ووراء ~~ذلك كله قرون طويلة من عصر العلم، وتقاليد الإصرار على أن يكون للطالب وجهة نظر ~~مستقلة، وأن يمارس حرية التفكير ثم يحاسب على هذه الحرية وما فعل بها؛ ولذلك فما ~~أسرع ما يعترف المخطئ بخطئه ويعرب عن أسفه! وهذا مما يعتبره المربون مزية كبرى، ~~والأهل والمعلمون لا يحاسبون المخطئ على الخطأ بل على مكابرته إذا كابر؛ فالجهل ليس ~~عيبا، بل العيب كل العيب أن يدعي الدارس أنه يعرف ما لا يعرف؛ أي أن «يتعالم». ~~ويتجلى ذلك كله في استعمال اللغة الإنجليزية في الحديث والكتابة، وعندما أدركت هذه ~~الحقائق فهمت غضب الأستاذ المشرف علي حين وجدني أستخدم ألفاظا قاطعة، وأطلعني ~~على عرض كان يكتبه لكتاب قرأه، وكيف كان يتحاشى فيه القطع بأي شيء؛ فالعلوم ~~الإنسانية، كما يقول، تتناول تفسير الحقائق أكثر مما تتناول الحقائق باعتبارها حقائق؛ ~~ومن ثم شرعت في محاكاة هذا الأسلوب، فلم تلبث اللغة التي أتكلمها وأكتبها أن ~~اكتسبت طابعا أقرب إلى طابع أهلها؛ أي أهل الإنجليزية! # د. عادل مشرفة ود. نعيم اليافي في كلية بدفورد عام 1966م. # كان الفن الحديث يرتبط بدراستي، والحيل اللغوية تتردد في حوار الناس والممثلين ~~على المسرح، فإذا أراد شخص أن يعرب عن اعتراضه لم يقل «إني أعترض» بل قال ~~“I don’t know ...” # بداية، ومعناها «لست واثقا من ~~صحة ما تقول»، ثم يردفها برأيه الذي قد يمثل نقيض ما قيل، وإذا أراد التعبير حتى ~~عما نعتبره من الأحكام غير الخلافية، أدرج ms290 في العبارة ألفاظا تسمح بقدر ما من ~~الاختلاف، وذلك كما أقول حتى لو كان الأمر لا خلاف عليه! وانظر الحوار التالي الذي ~~يعتبر غريبا عن العربية: ~~- It feels warm enough here! ~~- The central heating must be working ~~well! ~~- It’s the new librarian, you know! She says she’s a ~~greenhouse plant and seems to relish the sweltering heat! ~~- Would those foreigners, coming from the ~~tropics? # وانظر إلى ترجمته الحرفية: ~~- أشعر بأن الدفء هنا يكفي! ~~- لا بد أن جهاز التدفئة المركزية يعمل بكفاءة! ~~- والسبب هو أمينة المكتبة! فهي تقول إنها مثل النباتات التي تنمو في الصوبة ~~الزراعية، ويبدو أنها تستمتع بهذه الحرارة البالغة! ~~- وهل يستمتع بها هؤلاء الأجانب القادمون من المناطق الحارة؟ # الحديث - كما ترى - من نوع «تزجية الوقت» في الظاهر، ولكنه يتضمن الاعتراض على زيادة ~~التدفئة إلى حد أكبر مما ينبغي، ولكن الصياغة تحيل الأفكار إلى ملاحظات تقبل النقض، ~~خصوصا العبارات التي تتضمن المقارنة أو ما يسمى بالتعبير النسبي، ~~( # Comparative ~~)، مثل كلمة # enough ~~؛ فماذا تعني الكناية هنا؟ يكفي ماذا أو ~~لماذا؟ إنها تعبير تنفرد به اللغة الإنجليزية ويبدو في الترجمة غريبا، وانظر إلى ~~تعبير # must be ~~(لا بد أنه) الذي لا يفيد اليقين، وكذلك # seems ~~(يبدو) والسؤال الختامي! بل إن العبارة التي ~~تنسب لأمينة المكتبة «التسبب» في رفع درجة الحرارة غير واضحة! فما معنى السطر الثالث ~~حقا؟ هل يعني ما جاء في الترجمة من أن أمينة المكتبة هي السبب؟ لا شك أن ذلك هو ~~المعنى الموحى به، ولكن التعبير نفسه لا يقطع بذلك؛ فقد يكون المعنى أنها توافق على ~~رفع درجة الحرارة، أو لا تعمل على خفضها، أو أنها ذات صلة ما بالحرارة الشديدة وحسب! ~~وانظر إلى الحذر في الإشارة إلى ما تبديه أمينة المكتبة من استمتاع بالحرارة؛ إذ ~~يبدأ التعبير بعبارة «إنها تقول ...» أي «والعهدة على الراوي!» مما يبرئ المتحدث من ~~تهمة التجني عليها! ترى لو قدر لاثنين من العرب أن يعبرا عن الأفكار نفسها - أي ~~عن الحقائق # facts # الواردة ms291 هنا - فهل يقولان ذلك؟ أفلا ~~يقولان «ما أشد الحرارة هنا! إلخ»؟ # كنت أتعلم الإنجليزية لا باعتبارها ألفاظا بل باعتبارها أنماط تفكير، وسرعان ما ~~وجدت أن عالم الجامعة والكتب ومناقشات ~~المائدة # table talk # أصبحت تتناقض مع عالم العربية التي أتحدثها أحيانا في ~~المساء مع الأصدقاء، وكانت الهوة تزداد حتى أصبحت أشعر أنني غير قادر على كتابة ~~الأحاديث الإذاعية، وبازدياد ابتعادي عن الإذاعة ازداد ناب الفقر حدة، وغدوت أستعيض ~~عن متعة الإنفاق بمتعة الحديث، خصوصا حول مائدة العشاء مع الأساتذة الإنجليز، وقل ~~معدل الخطابات التي أرسلها بالعربية إلى مصر وإلى سمير سرحان في أمريكا! وبدأت ~~أكتب رسائلي بالإنجليزية إلى نهاد خطيبتي وحدها! # 3 # وكان من المتع الأخرى متعة الاستماع إلى مغامرات المصريين مع الإنجليزيات واصطدام ~~ميل المصري إلى الكذب مع ميل الإنجليزية إلى الصراحة، وكنت أحاول في متابعة أخبار ~~الأصدقاء، وبعضهم ممن تربطني به علاقة مستمرة، أن أعرف دوافعهم الحقيقية للكذب، ~~واكتشفت على مر السنين أن الدافع الرئيسي هو «الافتقار إلى الأمان»، وهي ترجمة ~~شائعة ورديئة لكلمة # insecurity # التي تعني في الواقع ما ~~نعنيه في حياتنا المعاصرة بالقلق وعدم الاطمئنان، وتتضمن بعض عناصر الخوف وعدم الثقة ~~بالنفس. كان بعض أصدقائي قد ارتبطوا بفتيات إنجليزيات أو أمريكيات، واتفقوا إما على ~~البقاء في إنجلترا أو على الهجرة إلى أمريكا أو كندا، ولم يكن هؤلاء بحاجة إلى الكذب، ~~بل كانوا يختفون فلا يظهرون في دوائر الطلاب العرب، وتقتصر صلتهم بالمكتب الثقافي على ~~الخطابات الرسمية المتبادلة، ولكن البعض الآخر لم يكن واثقا مما سيفعله في المستقبل، ~~وكان لذلك «يحمي» نفسه بستار كثيف من الأكاذيب، وكان بعضهم قد اعتاد الكذب على الفتيات ~~في مصر، وتمكنت منه العادة التي كان يراها لازمة، ثم لم يستطع أن يقلع عنها حتى ~~بعد زوال ذلك اللزوم، وكانت فئة ثالثة تكذب لا لسبب؛ فهو كذب يكاد يكون مفروضا على ~~الفرد من باطنه، وهو ما يطلق على صاحبه تعبير # compulsive ~~liar ~~، وأخيرا كانت هناك فئة تجد في الكذب متعة إبداعية؛ فألوان ~~الكذب هنا ms292 منوعة تتفاوت بتفاوت المواقف، ويعمل الكاذب فيها خياله فيبحر في ~~المحيطات ويجوب الفيافي، ويؤلف القصص وينسج الحكايات، وإن كانت الحادثة التالية تقبل ~~التصنيف في جميع الفئات المذكورة! # قال لي صديقي، وسوف أخفي اسمه الحقيقي وأسميه «عبده» إنه تعرف بإحدى زميلاته في ~~الكلية، وكان يعمل معها كل يوم في المختبر؛ إذ كانا متخصصين في الكيمياء العضوية # organic chemistry # وبعد عام تقريبا من ~~الزمالة قال لها أثناء ساعة الغداء إنه يحبها! وفوجئ بأنها تنكر هذا القول وتقول له ~~ببسمة صافية: «لا أعتقد ذلك! لقد اعتدت مصاحبتي في العمل فقط!» ولم يجد ما يرد به ~~عليها فلغته الإنجليزية محدودة، وهو لا يملك إلا بعض العبارات التي يحفظها منذ الصبا، ~~أو مما سمعه يتردد حوله في محيط الجامعة؛ ولذلك لم يجد بدا من تكرار ما قاله، ~~مؤكدا أنه يحبها من زمن بعيد! وهاله أن تنصرف الفتاة في عجلة دون تعقيب، بل وأن ~~تغيب عن الكلية عدة أيام، مما جعله يلجأ إلي طالبا النصح! # ولم تكن لدي نصائح حاضرة؛ فأنا لا أعرف الفتاة، بل ولا أعرف شيئا عن الفتيات، أو ~~الإنجليزيات بصفة خاصة، ولم أكن أمضيت في إنجلترا إلا شهورا معدودة، ولكنني حاولت ~~أن أعرف منه بعض التفاصيل، فهونت عليه الأمر وطلبت منه أن يتصل بها تليفونيا ~~ليرى إن كانت غابت بسبب المرض. وعندما قابلني بعد نحو أسبوع سمعت منه ما كان يمكن أن ~~أتوقعه لو أنني أوليت الأمر عنايتي الصادقة ولو أنني أحطت بالمعلومات الكافية؛ إذ ~~جاءت الفتاة إليه بعد المحادثة التليفونية، وقد ارتدت أجمل أثوابها، وبدت مشرقة ~~وضاءة، ووجهها - كما يقول - ينطق بالسعادة الغامرة، واستأنفت العمل في المختبر ~~دون أن تشير إلى ما قاله أو ما قالته، وعندما حان موعد فسحة القهوة عرض عليها الذهاب ~~إلى الكافيتريا (ويسمونها في جامعة لندن # buttery ~~) ~~لكنها رفضت وقالت إنها ستستمر في العمل، ولم يجد بدا من الاستمرار هو الآخر، حتى ~~حان موعد الغداء فبادأته هي بالدعوة، وعندما جلسا لتناول الطعام قال لها: «كنت قلقا ~~عليك.» وكان ms293 ردها مقتضبا (شكرا)؛ ومن ثم انطلق يبثها لواعج غرامه مؤكدا ~~أن حبه قديم. وهنا قالت له عبارة لم يفهمها وإن حفظها وهي: ~~“But you didn’t do much about it, did ~~you?” # أي ولكنك لم تفصح عنه طيلة هذه المدة، واعتذر بأنه كان يخاف رفضها، فقالت: «هل ~~تظنون أن الإنجليز يتسمون بالبرود؟» وفوجئ وانعقد لسانه، بينما انطلقت هي ~~تتحدث، فأخبرته أنه ظل يشغل فكرها شهورا، وكانت تحلم باللحظة التي يميل فيها ~~قلبه إليها! وكاد يطير من الفرح فعرض عليها الخروج فورا، ولكنها قالت إن العمل في ~~المختبر متأخر، وإن صدمة اعترافه بحبها قد أربكتها عدة أيام، وهي تحاول الانتهاء من ~~العمل في موعده رغم التأخر، ولكنها ضربت له موعدا في عطلة نهاية الأسبوع. # كان «عبده» منفعلا وهو يحكي لي ما حدث، وكان ينظر إلى الورقة التي دون فيها ~~كلامها خشية أن ينسى شيئا منه، وقلت له إن ذلك أمر طبيعي وهي قصة حب عادية بل ~~عادية جدا، وقد تنجح وتكلل بالزواج. وبدا الهم على وجهه. الزواج؟ «نحن لم نذكر ~~شيئا عن الزواج!» وضحكت وقلت له: إذن تراجع وأنت على البر! فرد قائلا: «ولكنني ~~أحبها!» وشرحت له أن ذلك هو ما كانت تعنيه عندما أنكرت أول الأمر حبه لها، ~~فالحب # Love # عند الإنجليز يعني الزواج، ولم يكن ~~هناك ما يدعو إلى استخدام تلك الكلمة ما دام لا يريد الزواج، ودهش «عبده» من كلامي ~~وقال لي إنني ملم بأحواله، وإنه لن يتسنى له الزواج قبل الانتهاء من الدكتوراه، ~~وربما يكون أهله قد رتبوا له زواجا في مصر عند العودة، وزواجه من هذه الفتاة معناه ~~اصطحابها إلى مصر «حيث عليها أن تجد عملا، أو أن تقنع بمرتب الجامعة الذي سأتقاضاه ~~(نحو أربعين جنيها في الشهر)، أو أن أعيش أنا هنا إلى الأبد بعيدا عن أهلي!» # لم يكن «عبده» سعيدا سعادة صافية بالحب الوليد، بل كان يرى فيه مصدر هم أو ~~عبئا لم يعتد حمله ولا يعرف كيف يحمله، وتخفيفا عنه حاولت الدخول من باب ms294 آخر، ~~فقلت له «ربما لم تكن تحبها حقا.» أو «ربما تكون قد تسرعت أنت فأسأت فهم ~~عاطفتك.» وألا يمكن أن تكون هي أيضا قد تسرعت بإعلان «استجابتها» لك؟ فبدت عليه ~~الحيرة، وانصرف على أن نلتقي بعد مقابلته لها في عطلة نهاية الأسبوع. # لم تشغلني كثيرا قصة «عبده» أثناء الأسبوع التالي؛ إذ أعاد المشرف لي الفصل الذي ~~كنت كتبته من الرسالة، وذيله بعدة ملاحظات كان أهمها رضاه عن المنهج، ولكنه أبدى ~~بعض التحفظات على بعض الألفاظ التي وصفها بأنها أمريكية واقترح إبدالها، فعكفت على ~~ذلك، وأعدت طباعة الفصل على الآلة الكاتبة التي اشتريتها (مستعملة) ثم شرعت في كتابة ~~الفصل التالي، وكان الشتاء ما يزال يقبض على الطبيعة بيد من حديد، فإذا ظهرت الشمس ~~أسرعت إلى الحديقة أتأمل الطيور وهي تسير على ماء البحيرة المتجمد، وبعض الأشجار ~~التي لم تنفض أوراقها وقد كسا الثلج أطرافها، وكنت سعيدا؛ لأن مرض الحساسية الذي كان ~~يصيبني بالتهاب في الجيوب الأنفية قد رحل، وأصبحت قادرا على التنفس من ~~جديد! # وفوجئت يوم الاثنين بشيك يصلني من الإذاعة، مكافأة إضافية عن بيع سلسلة أحاديث ~~المغنيات العربيات إلى محطة عربية في الخليج، وكان المبلغ كبيرا (45 جنيها) ~~فوضعته في البنك، وقررت تحقيق حلمي القديم بشراء جهاز تسجيل حتى أسمع ما أريد ~~من الموسيقى، وكان من بين نزلاء بيت الطلاب طالب سوري لا أذكر إلا أن اسمه كان محمدا، ~~قرر الهجرة إلى أقاربه في البرازيل، وعندما حصل على تأشيرة الزيارة عرض ما لديه من ~~«كراكيب» (ويسميها الأغراض) للبيع، وكان من بينها جهاز تسجيل متوسط الحجم، باعه ~~لي بخمسة وثلاثين جنيها (بدلا من 45 جنيها) ففرحت به وشغلت بالاستماع إلى ~~الموسيقى الكلاسيكية، ثم أخبرني صديقي محمد مصطفى رضوان أن طالبا سعوديا لديه ~~أسطوانات عبد الوهاب القديمة، ولا يملك جراموفونا، وأن علي النشار (طالب الهندسة ~~الذي هاجر إلى أمريكا ونجح نجاحا باهرا؛ إذ اكتشف طريقة تحلية المياه بأسلوب الضغط ~~الأسموزي) لديه مثل هذا الجهاز لكنه لا يكن له (أي للجهاز) احتراما كبيرا، ms295 ~~فقررنا عقد أمسية عربية في غرفتي، نسمع فيها عبد الوهاب ونسجل أغانيه على ~~شريط! # ولم نكد نبدأ الأمسية، ونبدأ في تحضير الأطعمة الشرقية، حتى وصل «عبده» وطلب الانفراد ~~بي على الفور. وطلبت الإذن بالخروج تاركا الغرفة للأنغام ورائحة الفلافل، وخرجت مع ~~عبده إلى قاعة الاستقبال، وانتحينا ركنا قصيا حتى لا يسمعنا أحد، وبدأ حديثه بعبارة ~~لن أنساها أبدا: «شورتك مهببة يا عناني!» وعجبت من ذلك؛ فأنا لم أشر عليه بشيء، ~~وإن كنت اقترحت التراجع، فهدأت روعه وطلبت منه أن يحكي لي ما حدث. # قال عبده: «ذهبنا مساء السبت إلى السينما، وشاهدنا فيلم # My Fair ~~Lady # وكانت تستمتع هي به بينما أحاول أنا متابعة الحوار دون ~~ترجمة على الفيلم، وبعد السينما خرجنا في البرد، فاقترحت أن نذهب إلى غرفتي (وكانت ~~بجوار الجامعة) لكنها قالت إنها تفضل قضاء الليلة في فندق، تخيل! وقلت لها إن أهلها ~~سوف يقلقون عليها ولكنها أصرت، وكلما أبديت اعتراضا قالت لي بلهجة قاطعة: «ألست ~~تحبني؟» وأنت تعرف أن لغتي الإنجليزية ليست ممتازة، ولا أستطيع أن أتحدث بطلاقتك، ~~وحاولت أن أثنيها بذكر الإيجار المرتفع للفنادق، ولكنها قالت إننا سنتقاسم جميع ~~التكاليف، ودون أن أدري، كأنما كنت مخدرا وجدتني أوقع في كشف نزلاء أحد ~~الفنادق، ودفعت جنيهين كاملين، وصعدنا إلى غرفة بالطابق الثالث، وقضينا الليلة ~~فيها، وكان ما كان، ولم أنم إلا من فرط الإرهاق، وفي السابعة هبطنا إلى مطعم ~~الفندق حيث تناولنا الإفطار، وانصرفنا.» # وبدأت في التساؤل عن الأشياء المعتادة في هذه الظروف، وفهمت من إجاباته أنها قالت ~~إنه ليس أول رجل «تحبه» فقد سبق لها «معرفة» شاب نيجيري، وكانا على وشك الزواج ~~لولا أن والدها رفض؛ لأن الحبيب كان كاثوليكيا، ووالدها متزمت في مسألة الدين، وهو ~~لا يقبل إلا البروتستانت، ويفضل أتباع كنيسة إنجلترا (الإنجليكانية) وقالت له إن ~~والدها أعد لها منزلا خاصا لأنه ثري، وهو صاحب مصنع كبير في جنوب إنجلترا، وإنها ~~سوف تعمل فيه حالما تحصل على الدكتوراه؛ لأنه ينتج الأدوية وبه قسم للبحوث، ~~وبإمكانها ms296 أن تسعى حتى يحصل «عبده» على عمل فيه معها، وإنها لم تكن تريد أن تخبره ~~بذلك كله حتى تتأكد من مدى اتفاقهما ~~الزوجي # conjugal compatibility # ولذلك أصرت على مسألة البيات في لندن بعيدا عن أهلها (الذين ~~يقيمون في الضواحي) ولم تفصح لهم بعد عن السبب وإن كانت سوف تفعل عندما «يوافق» عبده ~~على ذلك! # وسألته عما فعل بعد ذلك، وقد انقضى أكثر من أسبوع، فقال إنه وجد أن السبيل الوحيد ~~للخروج من هذا المأزق هو أن يلتزم الصمت؛ فقد كانت الليلة رغم كل شيء «ليلة سعيدة» وقد ~~وجد في جيب الجاكتة مبلغ جنيهين مساهمة منها في التكاليف، ثم تسرع في لحظة طيش ~~وهما في غرفته (إذ أصبحت تتردد عليه أثناء النهار) وأخبرها أنه مسلم! وكان في ~~الحقيقة قبطيا (أرثوذوكسي) والواضح أنه أدى بذلك إلى غيابها يومين، وجاء الآن ~~يسألني ما العمل؟ وقلت له كان ينبغي أن تكون صريحا معها منذ البداية، وإن الأخطاء لا ~~تصحح بارتكاب مزيد من الأخطاء، وآن الأوان أن تعاود الصراحة وتثوب إلى رشدك ~~وتتوب؛ فباب المغفرة مفتوح، واحزم أمرك، وفكر في مستقبلك في مصر وفي أهلك. وبدا ~~عليه التردد، ولكنه وعد بأن يحاول جاهدا وضع حد لتلك العلاقة، وانصرف، وعدت ~~إلى حفل عبد الوهاب وهو يوشك على الانتهاء. # 4 # فاجأنا الربيع مثلما فاجأنا الشتاء، كما يقول الشاعر، وتحقق وعد السكرتيرة، ~~فانتقلت إلى غرفة مستقلة، وأصبحت قادرا على أن أخلو بنفسي ساعات طويلة في ~~المساء، أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي أصبحت هواية مفضلة، وأقرأ حتى الواحدة، ~~وأنهض مع شروق الشمس فأذهب إلى الكلية وأسير في الحديقة فرحا بالزهور والبراعم التي ~~تتفتح كل يوم، أو أتمتع فحسب بهواء الصباح المنعش الذي يذكرنا بالنيل عند ~~رشيد، حتى تفتح المكتبة أبوابها، فأقرأ أو أكتب حتى ينتهي اليوم، ولم أعد ألتقي ~~بأصدقائي العرب إلا فيما ندر؛ إما عند العشاء في الفندق، أو في قاعة الاستقبال حين ~~ألقاهم مصادفة، وكان شهر مارس برمته شهر التجوال وتأمل الطبيعة، وكان يصحبني ~~أحيانا بعض الأصدقاء ms297 ذاهبين إلى كلياتهم سيرا على الأقدام، وكان الحديث يتطرق ~~أحيانا إلى أحلام المستقبل، فكان بعضهم يحلم بفيلا وسيارة، والبعض الآخر يحلم ~~بالهجرة، وفئة ثالثة لا تعرف الأحلام، وكنت بالنسبة للجميع المرجع الذي يسألونه في ~~اللغة الإنجليزية، ورغم تقاربنا في العمر كانوا يعتبرونني أخا أكبر، وكانوا لسبب ما ~~يستودعونني أسرارهم، ويرون في قراءتي للأدب وهوايتي للفلسفة وعلم النفس مصدر ~~حكمة يمكن أن تعين من يطلب العون، وهكذا وجدت أنني قد كتب علي وأنا بعد في ~~السابعة والعشرين أن «ألعب دور» الشيخ الحكيم أو الأخ الكبير العاقل! # وأفضى إلي بعضهم بمغامراته مع بعض العاملات في الفندق (اللائي احتفظن بوظائفهن بعد ~~تحوله إلى بيت طلاب) وكان معنا طالب نابه من جنوب السودان، لا يعتبره الشماليون ~~عربيا مع أنه يتحدث العربية، ولكن ملامحه كانت زنجية خالصة، ولونه فاحم لامع، ~~وكان طويلا فارعا لطيف المعشر، عقد صداقة مع فتاة برتغالية تعمل في الفندق، ~~وكان كل منهما يقص علي أخباره مع صاحبه، وكانت هي أيضا فارعة الطول نحيلة، ~~ملامحها شرقية، وغير جذابة، ولكنها كانت عاملة مجتهدة، تحاول أن تجد لنفسها ركنا ~~تعيش فيه في أي مكان في العالم ( # niche ~~)، بعد أن ضاقت ~~بها سبل العيش في بلدها، وكانت تتصور أن السوداني سوف يعود بها إلى جنوب السودان. ~~أما هو فكان واضحا في موقفه وصريحا إلى أقصى درجة؛ فلا مكان للبرتغاليات في جنوب ~~السودان - هذا إذا عاد هو إلى الجنوب - وعليها أن تظل في بريطانيا. # وعلى كثرة الجنسيات في ذلك الفندق القديم، وكثرة جنسيات من التحق بالعمل به بعد ~~تحوله إلى بيت للطلاب، لم تكن بين الخادمات أو العاملات زنجية واحدة! كان الجميع ~~تقريبا من أوروبا، ومعظمهن إما من أيرلندا أو إسبانيا ودول أوروبا الشرقية، وكان أصحاب ~~الوظائف الإدارية من الإنجليزيات، ترأسهن مس ~~ساتون # Miss Sutton # ذات الصوت المجلجل، والتي يرهبها الجميع فهي المديرة ~~التنفيذية للبيت، وهي مسئولة عن كل صغيرة وكبيرة فيه، وأما السكرتيرة الهادئة ~~مسز تريسي # Mrs. Tracy # فهي العقل المدبر والمدير ~~المالي معا، تعرف ms298 جميع النزلاء وتحادثهم تليفونيا في غرفهم، ولها في غرفتها ~~بالطابق الأرضي نافذة تطل منها على مدخل الفندق القديم فتعرف القادمين والخارجين وتكاد ~~تتابع أخبارهم، ويبدو أنها أدركت من علاقتي بالعرب أنني أقوم بدور المترجم لمن لا ~~تسعفه اللغة الإنجليزية؛ إذ كان بعضهم يأتي من بلدان عربية لا تشترط إجادة اللغة ~~الإنجليزية قبل الشروع في الدراسة، فكانت تسألني في رفق أن أبلغهم الرسائل التي ~~تريدها ، وتتصل بي تليفونيا لمعرفة الجواب. # وذات يوم عدت إلى غرفتي بعيد مغرب الشمس، ولم أكد أتخفف من ملابسي حتى جاءني ~~صوت في التليفون يطلب الغوث! كان صوت إنجليزية صميمة، أبلغتني الرسالة بسرعة ~~ووضعت السماعة فأسرعت إلى تريسي لأبلغها بنفسي حتى تطلب الطبيب؛ فتليفونها مشغول ~~دائما. كان أحد نزلاء بيت الطلاب مصريا يدرس بعض الوقت في كلية الفنون التطبيقية ~~(البوليتكنيك) ويعمل طول الوقت في مطعم في وسط لندن؛ فهو طباخ محترف، وكان يعاني ~~من مرض غريب في أذنه، وسمعت أنه قريب لأحد الوزراء في مصر، وأنه حصل على البعثة ~~بالواسطة (الوساطة!) للعلاج أساسا، وإن كان السبب المعلن هو الدراسة، ولولا الوزير ما ~~غادر مصر أصلا. وكان يقيم وحده في غرفة مستقلة وتتردد عليه إحدى موظفات بيت ~~الطلاب، وهي ربعة القوام غليظة مربعة، كنت أراها تحادث الدكتور سمير المنقبادي، ~~وهو مصري يعد دراسات «ما بعد الدكتوراه» في القانون، ويقيم في النرويج ويدرس ~~القانون في جامعة أوسلو بعد أن تزوج ابنة عميد كلية الحقوق هناك. كنت أراها تحادثه ~~محادثة من يعرفه حق المعرفة، وقد تحقق ظني فيما بعد، وكانت هي التي حادثتني ~~ذات المساء؛ لأنها كانت تزور صاحبنا ذا الأذن المعطوبة فأصيب بما يشبه الإغماء أو ~~النوبة القلبية مما جعلها تستغيث بي. أبقيت الأمر سرا، بطبيعة الحال، ودفعني حب ~~الاستطلاع إلى معرفة القصة الكاملة وهي مما لا يروى في مثل هذا السياق. # د. حنين ربيع مع المؤلف في ميدان رسل لندن عام 1966م. # وعندما جاءت أمطار أبريل، تبدلت عاداتنا بعض الشيء، لكن روتين الكلية والمكتبة ~~(أو المختبر عند الآخرين) ms299 لم يتغير، وعندما دفعت إيجار الغرفة المستقلة أحسست ~~أنني لا بد أن أحصل على مورد رزق آخر وإلا لم يعد لدي ما أنفقه على ما أعتبره ~~من ضرورات حياتي (كالمسرح). وسعيت يوما إلى نادي هيئة الإذاعة البريطانية حيث يجتمع ~~العاملون في القسم العربي، وقضيت بعض الوقت أحادث الذين كانوا هناك للراحة والسمر، ~~فعلمت أن عبد الرحيم الرفاعي انتقل إلى الإذاعة السويسرية، وتابعت أخبار بعض ~~المسيطرين على الأقسام من العراقيين (ممدوح زكي ونعيم البصري وزوجته وأولغا جويدة ... ~~إلخ) أو من الفلسطينيين أو المصريين على قلتهم، وتبين لي أن مجال العمل قد ضاق ~~فأمعن في الضيق. كان صلاح عز الدين مخرجا في قسم الدراما لكنه كان يتكلم بطريقة لم ~~أفهمها، وكان قسم الدراما يسيطر عليه بعض الأصدقاء والأحباء الذين لم يسمحوا لأحد ~~أن يدخل بينهم، وانصرفت مهموما؛ فالحياة في غرفة مستقلة ترف لا يمكن الاستمرار فيه ~~دون مورد آخر. # وذات ليلة من ليالي مايو، وبينما أنا مهموم بأفكاري - أتأمل العام الطويل الذي ~~انقضى في غرفة غريبة، وضيق ذات اليد الذي أصبح لا علاج له، ومهارتي في الترجمة التي ~~لا أستطيع الانتفاع بها - إذ بالتليفون يرن، وإذا بصوت الصديق العزيز عبد المنعم سليم، ~~الكاتب المشهور، يقول لي: هل تقبل أن تترجم خطابات من العربية إلى الإنجليزية يوما ~~أو يومين في الأسبوع؟ أقبل؟ كدت أطير فرحا .. وقال اذهب غدا إلى منير عبد النور في ~~مبنى اسمه # Queen’s House # أمام مبنى كوداك بالقرب من # Bush House # حيث الإذاعة؛ فهو في حاجة إلى مترجم ~~في قسم بحوث المستمعين لمدة أربعة أو ستة أسابيع؛ لأن الوظيفة الخالية لم يعلن عنها ~~بعد، وهم يستخدمون الأشخاص بعض الوقت للعمل بالساعة. وذهبت في اليوم التالي فقابلت ~~منير عبد النور - المصري - الذي طلب مني أن أذهب إلى الإدارة حيث أقابل ماري بيرتون ~~(Mary Burton) # رئيسة المستخدمين، وفعلت ذلك ~~فقالت لي: لك أن تعمل إما يوما كاملا أو نصف يوم، يومين أو ثلاثة في الأسبوع، تبعا ~~لحاجة العمل، واليوم الكامل بخمسة جنيهات، ms300 ونصف اليوم بثلاثة جنيهات ونصف! وكان معنى ~~هذا أنني أستطيع لو أردت أن أكسب نحو عشرة جنيهات في الأسبوع تكفي لدفع الإيجار بل ~~تزيد! ووقعت العقد المؤقت وطرت إلى منير عبد النور حيث عرفني بمصري آخر اسمه ~~ريمون مكلف ~~(Mecallef) ~~، وهو اسم شائع في مالطة، ~~وبالسكرتيرات (سالي وماريون ~~وكارول # Sally, Marion and Carol ~~) وقال إن لدينا أستاذا مصريا في الجغرافيا اسمه عزت ~~أبو هندية يعمل بكلية هولبورن # Holborn # للغات ~~والاقتصاد، وهو يعمل بعض الوقت أيضا، وسيدة مصرية اسمها إفادات كيبرون ~~(Capron) # متزوجة من رجل إنجليزي، وهي مؤقتة أيضا، ~~وسيدة مصرية من أصل لبناني اسمها ماري روك (متزوجة من إنجليزي # Rook ~~) تتولى النسخ على الآلة الكاتبة. أما العمل ~~فهو ترجمة خطابات المستمعين التي ترد إلى القسم العربي بالإذاعة وتتضمن تعليقات ~~على البرامج الإذاعية، وتصنيفها؛ فبعض المستمعين يطلبون الاشتراك في مجلة هنا لندن ~~العربية، وبعضهم يرسل مساهمات في برنامج ندوة للمستمعين، وهذه خطابات لا تترجم بل ~~تحول إلى الأقسام المختصة، ولكن بعض الخطابات تتضمن نقدا (مدحا أو قدحا) وهذه ~~هي التي يهتم المسئولون بترجمتها لمعرفة ما يدور في القسم العربي وإصدار التعليمات ~~اللازمة بشأنها! # وبدأت العمل فورا، وكنت أجهز الخطابات التي تفتحها السكرتيرات، ثم أمر ~~عليها بعيني سريعا لأرى نوع الخطاب وأصنفه ثم ألخص محتواه بالإنجليزية. واستغرقت ~~في اليوم الأول فترة طويلة في ذلك العمل إذ كنت أكتب النص المترجم بخط يدي، وأضع ~~رموزا على الخطابات الواردة إلى الأقسام المختلفة، ثم أبعث بالنصوص المترجمة إلى ~~غرفة السكرتارية، ثم شاهدت الدكتور عزت وهو يعمل، كان يملي على السكرتيرة مضمون ~~الخطاب بالإنجليزية وهي تكتبه بالاختزال # short-hand # ثم ~~تأخذ دفترها وتنسخ ما فيه على الآلة الكاتبة. وكانت إفادات تكتب بخط يدها، وهي دائمة ~~السؤال، مترددة، تخشى أن تخطئ فتفقد عملها، وكان البحث قد بدأ عن موظف دائم ~~يغني الإذاعة عن المؤقتين. # ولم يمض الأسبوع الأول إلا وقد أحكمت الصنعة، فأصبحت أملي السكرتيرة مضمون ~~الخطابات بلغة تعمدت أن تكون عامية أو أقرب إلى العامية حتى أتدرب ms301 على ~~استخدام ذلك المستوى من اللغة الذي حرمت منه في الجامعة، واخترت الحضور ثلاث مرات ~~أسبوعيا (نصف يوم) فكنت آتي في التاسعة والنصف وأمكث إلى الثانية عشرة موعد الغداء؛ ~~حيث ينطلق الجميع إلى مطعم الإذاعة في مبنى # Bush House ~~، ~~أما أنا فأنطلق إلى الكلية لأستمتع بالطبيعة ثم أعكف على الدراسة في المكتبة حتى ~~السابعة. # وكانت الإذاعة ترسل لي النقود في ظرف مختوم على عنوان مسكني، وكانت نقدا # cash ~~، فكانت تسرني خيرا من الشيكات، ولم يكن يخصم ~~منها بنس واحد، بخلاف النظام المصري المعروف ، وكنت أسارع بوضعها في البنك، مع حشد ~~التجار الذين كانوا يأتون بحصيلة الأسبوع إلى البنك يوم الجمعة. وكنت أحتفل بقدوم المال ~~كل أسبوع فأشتري ما لذ وطاب من الأطعمة، وأحيانا ما كنت أذهب إلى المطبخ المشترك ~~في بيت الطلاب فأقوم بالطهي أو إعداد الطعام بنفسي. وكان متوسط ما يصلني أسبوعيا ~~يتراوح بين عشرة جنيهات ونصف وبين اثني عشر جنيها إذا اقتضى العمل قضاء يوم كامل، ~~وكنت في ذلك اليوم أتناول الغداء في مطعم الإذاعة وأحادث الإخوان العرب، وكثيرا ما ~~كنا نجتمع حول موائد يشارك فيها الإنجليز، فتعرفت على زاهر بشاي المصري الذي كان ~~يعد رسالة للدكتوراه، طال عمله فيها فأمعن في الطول (ولم يحصل عليها إلا حين ~~أبلغته الإذاعة بإلغاء عقده، فحصل عليها لكنه لم يفصل!)، والدكتور محمود حسين الذي ~~كان متزوجا من أجنبية، أظن أنها كانت سويدية وله منها ثلاثة أولاد، وكان ضخم الجثة ~~رقيق الصوت، عرف عنه انشغاله بالنساء ومطاردته لهن، وتعرفت على أكرم صالح - ~~الفلسطيني المتخصص في البرامج الرياضية - وكان إذا حاول مصادقة فتاة فصدته وصفها ~~بأنها صهيونية، وكنت أرى الكثيرين من الطلاب الذين يترددون على المطعم لتناول الغداء ~~والصحبة فحسب. # كان مجتمعا غريبا؛ فكل منهم له قصة، وكل منهم يعيش حياة تختلط فيها صور الماضي ~~بالحاضر دون أن يرى له مستقبلا، كان العرب يندفعون مع الإنجليز كل صباح إلى العمل، ثم ~~يطلون في أحاديثهم على الذكريات التي يبتعد بها قطار الزمن فتختلف ألوانها ms302 وتشحب، ~~وتتداخل خطوطها وتشتبك، وكان معظم المصريين هناك ممن جاءوا إلى بريطانيا أصلا للدراسة، ~~ثم انقطعت رواتبهم فالتحقوا بالعمل وهم يرون شمعة الدراسة تذوي ويخفت ضوءها، وتزوج ~~بعضهم من إنجليزيات واشترى له بيتا ذا حديقة، وأنجب أطفالا يحملون الجنسية الإنجليزية ~~ولا يتكلمون العربية، وظلت صورة الوطن كما هي - أي كما تركوه - وكانوا يتأثرون ~~قطعا بما يسمعونه في أجهزة الإعلام، وكان بعضهم يحاول أن يبرر حكمة خروجه من مصر ~~وعدم العودة إليها، وبعضهم يبدي الندم في لحظات نادرة عابرة، وكان من بين هؤلاء عزت ~~أبو هندية (رحمه الله) الذي ينتمي إلى دمياط، وقد اشتهر عنه إمساك اليد، ولو أن هذا ~~يرجع إلى فقر أيام الدراسة، وهو يقول إنه على استعداد للعودة إذا وافقت إدارة ~~البعثات على دفع تكاليف تعليمه طيلة فترة عمله وإنفاقه على نفسه. وكان يعيش خارج لندن ~~في منزل اشتراه، وكان لا يريد الزواج حتى لا تستولي زوجته على أمواله، وكان يحاكي ~~الإنجليز في «تعقلهم» في الإنفاق والحرص على المال، وكذلك رغم تقدمه في السن (إذ ~~كان قد جاوز الخمسين) ورغم مرض القلب الذي يعاني منه في مصادقة الفتيات. حتى وقعت ~~الحادثة التالية: # اقترحت إفادات كيبرون أن تعرفه بفتاة ثرية اسمها شيلا جرين تعمل في العلاقات ~~العامة، وأفهمت كلا منهما أن صاحبه ممتاز (وكانت شيلا ولا شك ممتازة) وعملت إفادات ~~على «توفيق رأسين في الحلال» حتى يجد الدكتور عزت من يرعاه إذا مرض، ومن يعتني به في ~~حياته اليومية حتى يظهر بالمظهر اللائق بجميع المصريين. وكنت حاضرا أثناء المقابلة، ~~ومال كل منهما - كما يبدو - إلى صاحبه، وأصبحنا نتوقع إعلان الزفاف بين لحظة وأخرى، ~~ولكن عزت تراجع في آخر لحظة، ويبدو أنه سمع منها ما يفيد أنها تعرف أنه مريض بالقلب، ~~فتخيل أنها تريد أن ترث ماله حين يوافيه الأجل، ولم يمض أسبوعان حتى نعى الناعي ~~شيلا جرين، وقال قائل إنها توفيت دون أن تعاني من أي مرض، ولكن الأجل المحتوم لا ~~يحتاج إلى مرض، كما تحدث المتحدثون عما خلفته ms303 من ثروة طائلة، آلت إلى الحكومة؛ ~~لأنها لم يكن لها وريث، وأصبحنا نرى الدكتور عزت وهو شارد اللب، يفيض صوته بالحزن، ~~ثم فوجئنا به في المكتب ذات يوم يقول «أنا أعرف حظي .. لو تزوجتها لعاشت مائة ~~عام!» # أما ريمون مكلف فكان إسكندرانيا ظريفا (ابن بلد وابن نكته) يحمل جواز سفر ~~بريطانيا لأن أصله من مالطة وأبوه مالطي يحمل الجنسية البريطانية، واستقر أخيرا في ~~الإسكندرية. وحين طرد الإنجليز (ومن يحملون جوازات سفر إنجليزية) من مصر إبان ~~العدوان الثلاثي عام 1956م، كان ريمون قد ارتبط بغرام مشبوب بفتاة من حي بحري ~~بالإسكندرية (وتقيم في شارع رأس التين) اسمها جانيت، وكانت ما تزال تلميذة في المدرسة ~~الثانوية، وكان يتمنى أن يخطبها فور حصولها على التوجيهية (الثانوية العامة) ثم فوجئ ~~بقرار الطرد، فجاء إلى لندن حيث عمل في بحوث المستمعين، لكن خطاباته لم تنقطع إلى ~~جانيت، وما إن تحسنت الأحوال السياسية حتى هبط مصر بالطائرة وتزوجها في اليوم ~~التالي، وبعد يومين كانا في لندن، فاشترى بيتا في جنوب لندن، في منطقة # Streatham ~~، وأنجب منها ثلاثة ذكور، أحدهم مريض ~~بالهيموفيليا (مرض سيولة الدم) وعندما زرته صباح يوم من أيام السبت شممت رائحة ~~مصرية محببة كنت افتقدتها من زمن، وعندما سألته قال «أصل جانيت لازم تدمس الفول ~~بنفسها!» ولا شك أنها كانت مدبرة منزل رائعة، ولا أظن أنني أكلت فولا أشهى مذاقا ~~من فول جانيت. # 5 # كان من نتائج عملي الجديد، الذي تطلب إذنا خاصا من وزارة الداخلية (بالعمل خلال ~~الصيف للطلاب) أن اختلف نظام حياتي فتعلمت السهر، خصوصا بعد أن طال النهار ~~واعتدل الجو، واشتريت جهازا للراديو ماركة بوش # Bush ~~(ما يزال يعمل حتى الآن) أغناني عن الراديو المشترك للفندق القديم، واشتريت قلنسوة من ~~الفراء، كندية الصنع، بخمسة جنيهات، ما زلت أرتديها حتى اليوم في شتاء أوروبا، وبدأت ~~أتردد على بعض المطاعم الهندية التي تقدم وجبات كثيرة التوابل، ومتنوعة الطعوم ~~يطلق عليها الأجانب مجتمعة لفظ كري بتفخيم الكاف # curry ~~(وتنطق في مصر كاري بترقيقها ومد ms304 الفتحة) كما ~~اكتشفت كشكا يبيع الكتب القديمة بنصف الثمن، وأحيانا ما كانت كتبا جديدة أصابها ~~تلف طفيف، فبدأت أقرأ بنهم في شتى الموضوعات، خصوصا في الفلسفة وعلم النفس؛ إذ كان ~~الأستاذ هاردنج # Harding ~~، أستاذ علم النفس بكلية بدفورد ~~مولعا بالشاعر الذي أدرسه، وكان يوجهني إلى قراءة كتب معينة في علم النفس يرى ~~أنها لازمة لدراسة هذا الشاعر، كما بدأ في ذلك الوقت غرامي الشديد بالفيلسوف الألماني ~~كانط # Kant ~~، بعد أن قرأت مدى تأثر كولريدج # Coleridge ~~(صديق وردزورث) به، وكنت أقرأ عنه قبل أن ~~أقرأ الترجمات الإنجليزية المشروحة لكتاباته، وبدأت مكتبتي الخاصة تزدهر؛ فكل كتاب ~~أقرؤه أحتفظ به وأعود إليه، وكان ذلك كله سببا في تعطيل الكتابة (في الرسالة) ولكن ~~المشرف لم يعترض. # أحمد عثمان المؤلف المسرحي والمؤرخ ونجلاء عاصم زوجته وهي ابنة ~~مدحت عاصم عام 1966م. # وذات مساء دافئ من أمسيات مايو الجميلة، كنت أتريض في الحديقة حين رأيت على ~~البعد شخصا يشبه «عبده» المصري. وتوقفت من المفاجأة. ما الذي أتى به إلى ~~الحديقة؟! وسرعان ما جاءني وفي يده حزمة أوراق، وقال لي: ذهبت إليك في الفندق، فقالت ~~السكرتيرة إنك ذهبت إلى الحديقة! (قلت في نفسي هذه سكرتيرة «مخابرات»!) وقال إن لديه ~~خطابات من صديقته كاثلين ريلتون # Kathleen Railton # دأبت على إرسالها إليه بعد ما انقطع عنها في الأسابيع الثلاثة الماضية، وألقيت على ~~الخطابات نظرة سريعة فإذا هي أقرب إلى الفن الجميل أو الأدب الرفيع منها إلى الخطابات ~~العادية، فقررت قراءتها فيما بعد على مهل، وكانت تواريخها المتقاربة وكثرتها تدل ~~على أن صاحبتها لم تتوقف عن التفكير في «الموضوع» بل كان يشغلها تماما، وطلبت منه ~~أولا أن يقص علي التطورات، فقال إنه كان مطمئنا بعد أن قال لها إنه مسلم، فلا ~~يوجد في ظنه دين يمكن أن يعترض عليه والدها مثل الإسلام، وعندما غابت عن الكلية عدة ~~أيام استبشر خيرا، ولكنه فوجئ بها تفعل ما فعلته في المرة السابقة؛ إذ عادت هاشة ~~باشة، وقالت له إنها لن تخبر والدها بخبر ms305 دينه، وإنها على استعداد لاعتناق الإسلام ~~وقد سألت بعض أصدقائها من «الراسخين في العلم» فقالوا لها إن الإسلام لا يمنع زواج ~~المسلم من المسيحية، ومع ذلك فهي لا تريد لأطفالهما أن يعانوا، وتعتزم أن تعتنق الإسلام ~~فتصبح مثل «ممتاز» الفتاة الباكستانية المسلمة في قسم الفيزياء، بل إنها سألتها عن ~~الخطوات الواجب اتباعها حتى تصبح مسلمة. # قال عبده: وعندها قررت أن أصارحها بالحقيقة، ولكنها رفضت الاستماع إلي مثلما ~~يحدث في الأفلام، وقالت لي إنني لن أفهم تفكيرها إلا إذا خرجت معها إلى الغابة يوم ~~الإثنين 2 مايو؛ فهو يوم عطلة ( # Bank Holiday ~~)، ولم أعرف ~~ما تعني بالغابة ونحن في إنجلترا فاتضح أنها تعني حديقة وندسور الكبرى # Great Windsor park # التي يطلقون عليها ~~اسم غابة وندسور # Windsor Forest ~~(والاسم ينطق ونزر ~~لا كما نكتبه بالعربية) وفعلا قضينا اليوم هناك، وسوف تجد وصفا لتلك الرحلة في ~~خطاب لها، وقالت كلاما كثيرا لم أفهم معظمه، ويدور حول الحرية والانطلاق والتحرر ~~من قيود التقاليد وما إلى ذلك، وتحدثت فأسهبت عن عدم حاجتها إلى والدها أو إلى ~~أمواله، قائلة إنها على استعداد لأن تتبعني إلى أقصى أقاصي الأرض، حتى الصعيد ~~الجواني، تحقيقا لحبها العظيم. وعندها أحسست بالخطر خصوصا عندما وصلتني خطابات ~~من أهلي تفيد أنهم «شموا» الخبر، وأنهم لن يقبلوا زواجي من إنجليزية، وعلى الفور ~~انتقلت إلى مسكن آخر لا يعرف أحد عنوانه، وكلفت أحد أصدقائي بترك الخطابات التي ~~تصلني إلى الكلية لدى إبراهيم الدويني، وكنت أمر عليه ليلا لكي آخذها ثم أنصرف ~~سرا. واليوم ذهبت إلى المكتب الثقافي لأطلب تحويل تسجيلي إلى جامعة خارج لندن فوجدت ~~مستر فيولنج يعاتبني على عدم إخطاره بتغيير العنوان، وأردف ذلك قائلا: «لقد سألت ~~عنك خطيبتك ولم أجد لدي العنوان الجديد!» # كانت التطورات جادة وتتطلب تفكيرا عميقا، فجلسنا على أحد المقاعد الخشبية في ~~الحديقة للنظر في جميع الاحتمالات، وكانت اقتراحاتي كلها مرفوضة، لا لأن عبده يرفض ~~الارتباط بكاثلين ولكن لأنه يريدها ولا يريدها في الوقت نفسه، وهو لا يريد أن ms306 يقول ~~الحقيقة حتى ولو كانت فيها نجاته، وعندما غربت الشمس بدأنا نحس نسمات البرد ~~الخفيفة، فاقترحت عليه أن يأتي معي إلى غرفتي، ولكنه كان يخاف أن تكون في انتظاره؛ ومن ~~ثم أعطاني عنوانه السري الجديد ورقم تليفونه ورحل. # وعندما عدت إلى الغرفة نحيت أوراق الرسالة والكتب جانبا، وجلست إلى المكتب ~~أقرأ رسائلها إليه، بعد أن وضعتها في تسلسلها الزمني الصحيح، وفقا لتواريخ إرسالها، ~~وبدأت بالرسالة التي تحكي فيها قصة غابة وندسور، ولاحظت أن فيها فقرات تكاد تكون ~~منقولة بالحرف من رواية عشيق الليدي تشاترلي للكاتب د. ه. لورانس # D. H. Lawrence’s Lady Chatterly’s Lover ~~، التي أخرج لها الدكتور ~~أمين العيوطي ترجمة عربية ممتازة في الثمانينيات، كما كانت بها فقرات تقطع بأن ~~كاتبتها موهوبة، وأنها تمثل نمطا فريدا من التفكير الرومانسي كان الدكتور شفيق ~~مجلي قد حدثني عنه في مصر في الستينيات، فلم أكد أصدقه. وسوف أقتطف من هذه ~~الرسالة التي ما زلت أحتفظ بها فقرة قصيرة: ~~«إنك تخاف يا حبيبي من القيود والمحاذير التي وضعها الناس لأنفسهم، وهي ~~قيود ينسبونها إلى الدين أو إلى الأديان، ولكنك إذا رجعت إلى اليهودية أقدم ~~الأديان لوجدت أصل هذا الخلط؛ الإنسان لا يستطيع التفكير المجرد، ولا يستطيع ~~الاتصال بروح الكون، وهو لا يستطيع إدراك المعنى إلا إذا رآه مجسدا في رمز، ~~ونحن لا نعرف معنى الروح البيولوجية إلا عند تأمل الخلية الحية. تعرف هذا ~~مثلما أعرفه؛ ولذلك كان اليهود يرون أن الله لا يعبد إلا في معبد، فألبسوا ~~المعبد ثوب القداسة وجعلوه مكانا إلهيا، مثلما فعلنا نحن بالكنيسة ومثلما ~~فعلتم أنتم بالمسجد (حسبما تقول ممتاز) ولذلك أيضا صب كل رجال الدين همهم ~~على الجسد؛ لأنهم رأوا فيه رمزا للروح؛ أي إنهم تصوروا أن الروح تسكن فيه ~~فحرموا هذا وحللوا ذاك، ولكن الجسد والروح شيء واحد، والخلية إذا لم تكن ~~حية لم تعد خلية؛ أي إن الحياة صفتها الأساسية، ونحن لا نتعامل مع مادة مضافا ~~إليها ( # plus ~~) روح، بل مع حياة إذا قتلتها لم ~~تعد ms307 موجودة، وهذا هو ما قلته لك حين غبنا عن الوعي تحت الشجرة أول مرة، لقد ~~امتزجنا فأصبحنا حياة واحدة، ولاحظ أنني لا أقول جسدا واحدا، وكانت تلك ~~الحياة الواحدة هي التي تكررت بعد ذلك ثلاث مرات، ولا أستطيع أن أتصور بعد ~~ذلك كيف تتكلم عن الإسلام أو المسيحية!» # وقلت في نفسي «ما أشد جرأتك يا عبده أفندي!» وظللت أقرأ خطابات تتكرر فيها ~~هذه المعاني حتى وصلت إلى الخطاب الأخير، وكان الخط رديئا فالواضح أنه كتب على ~~عجلة، ولكنني ثابرت حتى قرأت العبارة المذهلة التالية: ~~«أخبرت والدي بأنك مسلم، فلم يعترض، وتساءلت والدتي: هل هذا معناه أنه ليس ~~كاثوليكيا؟ فرد عليها قائلا: «طبعا يا جاهلة .. المسلمون مهذبون.» ~~( # decent ~~) وقالت أمي: لا بأس، ما دمت متأكدا أنه ~~ليس كاثوليكيا! أبشر يا حبيبي، لسوف نحقق أحلامنا. وأرجوك أن ترد على ~~خطاباتي.» # وأسرعت إلى التليفون، لكنه لم يكن قد وصل بعد، ثم فكرت في الذهاب إليه بنفسي، ~~لكني تساءلت ماذا عساي أن أفعل لو كنت مكانه؟ ولما لم أجد إجابة شافية، ضممت ~~الخطابات بعضها إلى بعض، باستثناء خطاب الغابة، ووضعتها في الدرج، وقررت الانتظار ~~إلى الصباح. # الفصل الثالث # | الخريف الجميل # 1 # كانت الخطابات المتبادلة بيني وبين نهاد خطيبتي شريان حياة، وحبلا يصلني بالواقع ~~الذي كنت أعرف أنني سأعود إليه، ورباطا متينا يشدني إلى مصر، حبي الأول والأخير، ~~ولم تكن نهاد تبخل علي بالأخبار، وإن كانت في تلك الأيام تعمل بجد للانتهاء من ~~دراستها الجامعية والمحافظة على الامتياز والتفوق ودرجة الشرف، ولم يكن لدي من ~~الأنباء ما أنقله إليها؛ فحياتي على طرافتها رتيبة، وما إن انتهت الامتحانات حتى ~~اتفقنا على عقد القران بالتوكيل، فأرسلت توكيلا إلى أخي مصطفى (موثقا من القنصلية ~~المصرية) حتى يوقع العقد نيابة عني (وتم ذلك فعلا يوم 17 يوليو 1966م) وبدأت نهاد ~~في القيام بإجراءات السفر، وكانت شاقة مضنية، وأعلمت الجميع بالخبر، وطلبت من مديرة ~~بيت الطلاب غرفة كبيرة استعدادا لقدوم نهاد، وكانت اللوائح هنا لا تسمح بمكوث الضيف ~~(الطالب) أكثر ms308 من عامين، فعلمت أننا لا بد أن ننتقل إلى شقة خاصة بنا مهما بلغ ~~إيجارها. # كنت كثيرا ما أتأمل ترددي بين العالمين اللذين أعيش فيهما، وأعجب للمفارقات ~~التي كتب علي أن أحيا فيها ليل نهار؛ فعملي في مكتب بحوث المستمعين يتيح لي ~~معرفة ثمينة بأفكار مرسلي الخطابات، ومعظمهم من شمال أفريقيا، وهي أفكار أمة عربية ~~ما تزال تتلمس طريق النهضة الذي أتلمسه، وتتأرجح مثلما أتأرجح بين الماضي العربي ~~السحيق الذي يعيش في الوجدان حاضرا ومستقبلا، وبين الحاضر الغربي الذي نحاول ~~التكيف معه دون مساس بذلك الماضي، وكانت تلك الخطابات من النوافذ النادرة على ذلك ~~الفكر، وكنت أقرأ هذه الخطابات وأختزن في ذاكرتي ما أراه ذا دلالة خاصة، أو أنقل في ~~كراسة لدي بعض ما يرد فيها من طرائف، حتى ولو لم تكن من الخطابات التي تترجم ~~أو تلخص. # واستطعت أن أصنع خطوطا عامة للفوارق التي بدأت تتضح بين الدارسين العرب في لندن، ~~وبين البيئة الإنجليزية التي تعتبر غريبة عن تقاليدهم إلى حد التناقض الصارخ، وقد ~~اصطدمت بهذه التقاليد مرتين في الشهور الأولى من عملي في الكلية؛ إذ كان من بين الذين ~~يتناولون طعام العشاء كل يوم دارس اسمه بيتر، له لحية منمقة، وأسلوب خاص في تناول ~~الطعام، وكثيرا ما كنا نتجاذب أطراف الحديث أثناء العشاء، على مدى أربعة أشهر كاملة، ~~حتى أصبحت أتصور أننا غدونا أصدقاء أو معارف على الأقل، وذات يوم شاهدته في فناء ~~الكلية مقبلا نحوي فابتسمت له وحييته ولكنه لم يرد الابتسام ولم يرد التحية ~~ومضى في طريقه كأنني غير موجود، وفي المرة الثانية قابلت مسز تيلوتسون رئيسة القسم ~~فابتسمت لها وحييتها وكان رد الفعل مثل رد فعل بيتر! ترى ما عسى أن يقول ~~العربي إذا فعل ذلك عربي مثله؟ إننا لا نقول إن لهم أعذارهم فهم مشغولون، ولا نقول إن ~~لكل شيء وقتا مخصصا لا يتعداه، فالعمل لدينا يسير أو يتوقف دون أن نحاول وضع ~~نظم زمنية تحكمه، وزملائي قد يطرقون بابي في أي لحظة بل ms309 ويدخلون (فالباب مفتوح ~~دائما) سواء كنت مشغولا أو غير مشغول! وقد تعلمت من الإنجليز في تلك الأيام أن ~~أحتفظ بمذكرة (مفكرة يومية # Diary ~~) أدون فيها ~~المواعيد مثل أوقات الذهاب للمسرح ومقابلة المشرف ومواعيد العمل في ترجمة الخطابات، ~~وأسجل فيها بعض ملاحظاتي، فكانت خير عون لي على التكيف مع حياة العمل الدائب في ~~لندن. # حديقة هايد بارك في الشتاء وقد كساها الثلج شتاء 1966م. # وكان من بين رواد غرفة الأساتذة في الكلية شاب يبدو في أواخر الثلاثينيات اسمه ~~كونراد رسل، كان من أسرة رسل الأرستقراطية، وكان من حولي يقولون إنه ابن برتراند ~~رسل، ولكنني لم أكن ألتفت إلى حسبه ونسبه، بل شدني إليه أسلوبه في الحديث ~~وطريقته المنطقية في صوغ الحجج وبسطها، وكان يتكلم بلهجة المثقفين الخاصة، ولا ~~غرو فقد كان يعمل أستاذا للتاريخ الحديث، وكانت له زوجة شابة تأتي مع طفلها الصغير ~~(الذي لم يتجاوز عامه الثاني) لتناول الغداء معه في الكلية، وقد وجدت نفسي ذات يوم ~~طرفا في مناقشة سياسية لم أكن أتوقعها ولم أكن أريدها، وذلك عندما دخلت إلى ~~غرفتنا بعد الغداء فوجدت كونراد يحادث طالبا هنديا من طائفة السيخ اسمه سوخديف ~~(أو سوخديب) حول مشكلات عهد الاستقلال في الدول التي تنتمي إلى ما أطلق عليه ديجول ~~تعبير العالم الثالث، وكان ديجول قد فاز برئاسة الجمهورية الفرنسية من جديد في ديسمبر ~~1965م، وفاجأنا بعبارة # le monde tertieme # التي لم تكن ~~ذات معنى محدد آنذاك؛ فنحن في مصر نتحدث عن دول عدم الانحياز، باعتبارها تمثل ~~كتلة لا تنتمي للشرق ولا للغرب، ولكننا لا نعرف ما يقصده ديجول بالعالم الثالث، ~~وعندما دخلت الغرفة كان النقاش قد تركز في مشكلة كشمير، وهي الإقليم المتنازع عليه ~~بين الهند وباكستان خصوصا بعد الحرب التي اندلعت بينهما في سبتمبر 1965م، وكانت الصين ~~تؤيد باكستان، وأمريكا تؤيدها أيضا! وكان سوخديف مهموما بعد زيارة هيوبرت همفري ~~نائب الرئيس الأمريكي في فبراير 1966م إلى باكستان لإعلان استئناف مساعدتها، والآن ~~أصبحت إنديرا غاندي رئيسة للوزراء في الهند ولم ms310 تعد تتحدث في رأي سوخديف إلا عن ~~السلام! # ولا أدري السبب الذي جعل سوخديف يتصور أنني سوف أؤيد موقف الهند من قضية كشمير، ~~والأرجح أنه كان مؤمنا بعبد الناصر وكان يرى في حركة عدم الانحياز الوليدة حلفا ~~شرقيا بين الهند ومصر وإندونيسيا وبعض الدول الأفريقية، ولم يكن هذا الموضوع يشغلني ~~البتة؛ فالمعاني المطلقة التي كنا نؤمن بها في شبابنا سرعان ما تصبح نسبية، ومعنى ~~«الوحدة» مثلا باعتبارها مثلا أعلى قد يتغير بتغير الظروف، وكنت أسمع عن سقوط ~~زعماء وصعود زعماء (سقوط بن بيلا في الجزائر ونكروما في غانا وصعود كازافوبو في الكونغو ~~... إلخ) فأمر على هذه الأنباء مر الكرام؛ لأن انشغالي بالأدب واللغة أدى إلى انشغالي ~~بالناس - بالبشر الذين يعملون ويتعلمون هنا ثم يفصلون تماما بين حياتهم وحياة ~~الآخرين، وكان كونراد رسل أصدق نموذج لهؤلاء. # وعندما دعاني سوخديف للمشاركة في النقاش اعتذرت بأنني لا أعرف شيئا عن المشكلة، وأن ~~لنا في الشرق الأوسط (أو في الوطن العربي) هموما من لون آخر، وهنا قال كونراد بلهجة ~~الواثق مما يقول: «ولكن إسرائيل مشكلة مماثلة، وهي مشكلة لا تزول بتجاهلها.» ~~وأكدت له أنني لا أتجاهلها، ولكنني أومن بأن العرب يسعون لاحتوائها (أي لمنعها من ~~التوسع) وأن النهضة العربية كفيلة بأن تذيب الكيان العنصري حتى تصبح فلسطين مكانا ~~يجمع بين العرب واليهود، مع غلبة الثقافة العربية آخر الأمر؛ فبذا يقضي مسار التاريخ، ~~وقلت إنني أتصور عودة الشعب الفلسطيني إلى دياره حين يختفي التعصب العرقي ~~اليهودي، ويتحول المثل الأعلى من الغلبة العسكرية إلى الارتقاء بمستوى معيشة الناس ~~الذين ما يزالون يعانون من الفقر والجهل والمرض. # وقال كونراد: «أنت شاعر! فهذه أحلام الشعراء، والواقع يقول إن القوى المادية هي التي ~~تسير التاريخ لا الآمال والأحلام.» وانطلق يضرب الأمثلة لا من الشرق أو العالم ~~العربي بل مما يسمى بالديمقراطية الغربية، وأسهب في تبيان سيطرة بعض الطبقات ~~(وصحتها «الفئات») على مسار السياسة البريطانية عبر القرون، وكيف أن «العقد ~~الاجتماعي» الجديد وكان هارولد ويلسون يسميه # social ~~compact ~~(لا # contract ms311 ~~) يعني ~~الاحتفاظ لأصحاب الامتيازات بامتيازاتهم بشرط السماح للآخرين إذا استطاعوا أن يلحقوا ~~بهم، وقال لي في هدوء شديد: «هل تعتبر أن حزب العمال يمثل العمال حقا؟ وهل تعتبر ~~أن تأميم صناعة الصلب خطوة في صالح الطبقة العاملة؟» وأجاب على التساؤلين قائلا: ~~«انظر إلى عدد النواب اليهود في مجلس العموم، 72 نائبا يمثلون من؟ إنهم قطعا لا ~~يمثلون نصف مليون يهودي، وهم أقل الأقليات العرقية عددا في بريطانيا، بل هم ~~يمثلون مصالح كبار التجار اليهود، أرباب تجارة الخرق مثلا ( # The rag ~~trade # ومعناها تجارة البلو جينز # blue ~~jeans # وأمثال تلك الأقمشة مما أصبح الشباب يرتديه باعتباره الموضة ~~الجديدة) ومن وراء هذه التجارة ثقافة كاملة تغتنم غضب الشباب على ويلات الحرب والدمار ~~الذي خلفته في الدعوة إلى التمرد الذي لا هدف له، وهي ثقافة يغذيها كبار ~~الكتاب من يهود أمريكا وإنجلترا (أرولد ويسكر، وبيتر شافر، وهارولد بنتر لدينا ~~وعشرات لديهم برئاسة آرثر ميلر، ونورمان ميلار، وهنري ميلر، وصول بيلو، ~~وجورج سيجال وغيرهم) وعندما أقول «لا هدف له» أقصد أن الشباب لا يعرف له هدفا؛ ~~فالتمرد من سمات الشباب في كل عصر، وقد يكون التمرد هو في ذاته الهدف! أما الغاية ~~فهي خدمة مصالح كبار الرأسماليين الجدد!» # ولم أفهم غضب كونراد على الرأسماليين؛ فهو أرستقراطي ومن الطبيعي ألا يؤيد حزب ~~العمال، ولكن هجومه على الرأسماليين بدا محيرا، فعدت أسأل عن صناعة الصلب وكيف لا ~~يرضى عن تأميمها بعد أن دافع هارولد ويلسون دفاعا مجيدا عن ذلك أقنع الجميع؟ وهنا قال ~~كونراد وقد بدأ ينظر في ساعته؛ إذ كانت تقترب من الثانية: «إن لعبة الانتخابات التي أتت ~~بهارولد ويلسون إلى الحكم تتضمن مكافأة من أنفقوا عليها! لقد تعثرت صناعة الصلب؛ ~~لأن الآلات التي كنا نستخدمها بالية، أو قل إنها لم تعد قادرة على المنافسة مع غيرنا ~~من المنتجين وتحديث هذه الصناعة يتطلب استخدام آلات جديدة لا قبل لأرباب أو ~~أباطرة صناعة الصلب ~~(the steel tycoons) # بتكاليفها؛ ولذلك رحبوا بتدخل الدولة لإقالتهم من عثرتهم بأموال ms312 دافعي الضرائب.» ~~وقلت بصوت حاولت أن يجاري صوت كونراد في انخفاضه وبعده عن الحماس: «ولكن تحديث ~~الصناعة سيعود بالخير على العمال وعلى الدولة.» فأومأ موافقا وأضاف: «ويتضمن نجاح ~~مرشحي حزب العمال في منطقة سالفورد # Salford ~~، ولو في ~~المستقبل القريب.» ونهض من مجلسه وهو يقول: «ولكن هارولد ويلسون لن ينجح في أي ~~انتخابات قادمة، بل ستأتي حركة ~~البندول ~~(the swing of the pendulum) # بحزب المحافظين الذي سيعيد الصناعة إلى أصحابها بعد أن ~~تصبح عملا مربحا ( # a going concern ~~) فتذكر ما ~~أقول عندما يحدث ذلك!» وخرج باسما. # وكانت تلك المناقشة بداية وعي جديد بالحياة العامة، خصوصا بعد أن تحققت نبوءة ~~كونراد رسل فيما بعد وأتى حزب المحافظين إلى الحكم عام 1971م، وبدأ عهد التوسع ~~الاقتصادي # expansion # وتخفيض سعر الفائدة على القروض من ~~البنوك فيما يسمى بعهد الأموال ~~الرخيصة ~~(cheap money) # وكان هدفه المعلن هو إتاحة النقود لمن يطلبها في عهد أطلق ~~عليه عهد تحريك النقود والأسعار ( # reflation ~~) وإن كان قد ~~أتى بالتضخم ( # inflation ~~) الذي كان حزب العمال ~~يحاربه، والغريب أن تكون من أسباب نكسة حزب العمال ما أقدم عليه وزير المالية العمالي ~~جيمس كالاهان # James Callaghan # عام 1969م من تخفيض ~~لسعر صرف الجنيه الإسترليني مقابل العملات الأوروبية، مما دفعه إلى الاستقالة من منصبه، ~~وذلك بعد ضغط الرأي العام؛ إذ قال بعض الصحفيين إنه نكث بعهده، وأقول إن ذلك غريب؛ لأن ~~انخفاض سعر الصرف استمر سنوات وسنوات في عهد المحافظين. # 2 # كان من أهم ما خرجت به من المناقشات الجامعية على مدى عام كامل هو الوعي بأن ~~الأستاذ يتمتع بحرية تكاد تكون مطلقة في تفكيره وبحوثه، وإذا كان ذلك مما لا يدعو ~~للدهشة في العلوم الطبيعية كالكيمياء والفيزياء، فهو يدعو للدهشة حقا في العلوم ~~الإنسانية، وكان مما يسر لي الوصول إلى هذه النتيجة اختلاطي بنماذج متعددة من ~~أفراد الطبقات الأخرى في المجتمع الإنجليزي، فكانت «كارول» السكرتيرة ذات الملامح ~~الشرقية تحدثني عن صديقها وكيف حاولت معه التشبه بالطبقات العليا فذهبت للرقص في ~~فندق هيلتون ms313 وكيف مثلت دور إلايزا ~~دوليتل # Eliza Doolittle # في فيلم سيدتي الجميلة عندما حاولت التحدث بلهجة أبناء ~~الذوات، وكيف انكشف أمرهما حين لعبت الخمر بالرءوس فانطلقا يتحدثان بلهجة أولاد ~~البلد في لندن، وعلمت من «سالي» أن صديقها ديفيد يريد أن يذهب معها إلى إيطاليا في ~~أغسطس، وكانت مترددة بسبب تحذير ريمون مكلف لها؛ إذ قال لها إن عليها أن تشترط ~~عليه الزواج أولا، وهي لا تدري ما تفعل، فهي تخاف أن يتهمها بعدم الثقة فيه، وتخاف ~~أن يهجرها، ولم تكن أسرتها تعترض، لكن خوفها من ريمون كان سبب ترددها. # كارول زميلتنا في العمل في كوينز هاوس. # وجاء ديفيد ذات يوم إلى المكتب فوجدته شابا نحيلا قصيرا، غير وسيم، لا تبدو له ~~ملامح محددة ( # nondescript ~~) وكانت «سالي» في رشاقة ~~نجوم السينما، مرحة ضحوكا، وعندما وجداني أجلس وحدي في ساعة الغداء، عازفا عن الخروج، ~~أسجل بعض الملاحظات في مفكرتي التي تضخمت، طرقا الباب ودخلا، فعرفتني سالي ~~به، وعرفته بي قائلة إنه مستر عناني الذي أطبع له الرسالة (وكانت تتولى نسخ الفصول ~~بعد تعديلها على آلة كاتبة كهربائية لديها في المنزل). وقال ديفيد ضاحكا ~~“The one who’s swallowed the dictionary?” ~~(أي أهو ~~الذي ابتلع القاموس؟) وأنكرت أنني ابتعلت شيئا، فأردف قائلا إنه لم يفهم حرفا ~~واحدا مما كتبت، وضحكنا ثم سألني: «هل ستذهب مع نهاد إلى إيطاليا؟» وعجبت من سؤاله ~~ورددت عليه بسؤال: «ألا بد من ذلك؟» فرد قائلا «كنت أتصور أن الناس يتزوجون ~~في إيطاليا!» وسألته بسرعة «وهل ستتزوج سالي في ~~إيطاليا؟» فقال: «ولم لا؟ ربما فعلت» ( # why not? I might, you ~~know ~~) وتطرق الحديث إلى شراء المنزل، فالقاعدة أن يشترك العروسان ~~في شراء منزل الزوجية أولا، فهما يدفعان مقدارا من المال أولا (ألف جنيه على الأقل) ~~ويدفعان الباقي على أقساط شهرية للبنك، فالبنك هو الذي يقدم القرض لهما (الثمن ~~الكامل الذي تتقاضاه الشركة العقارية) وكان في هذه الحالة 3500 جنيه، ويعتبر المنزل ~~مرهونا للبنك حتى إتمام سداد القرض؛ ولذلك تعتبر الدفعات الشهرية ms314 (الأقساط) قيمة فك ~~الرهن، ويشار إليها عادة باسم الرهن فقط، فيقال ( # to pay the mortgage ~~rate ~~) ويشار إلى الفائدة المفروضة على القرض باسم سعر فائدة الرهن ~~(mortgage rate) # واتضح من الحوار أن ديفيد لا ~~يملك إلا ثلاثمائة جنيه، فقالت سالي: «أستطيع أن أدبر المبلغ الباقي ~~( # I can manage the rest ~~)» واعترض ديفيد أولا، ثم ~~قال: «سأرد لك المائتين عندما أفتح محل البقالة الخاص بي!» وغني عن البيان أن سالي ~~كانت تشعر بسعادة غامرة، وعندما نهضا التفت إلي ديفيد وقال: هل الأستاذ المشرف هو ~~الذي سيمتحنك في الرسالة؟ فأجبت بالإيجاب، فقال ألا يعتبر هذا من قبيل الغش ~~(cheating) ~~؟ وعندما رأى الدهشة على وجهي قال: «أعني أنه ~~هو الذي تولى تصحيح الرسالة .. فما الذي سيمتحنك فيه؟» وضحكت ولم أعلق فغادرا ~~المكتب. # سالي زميلتنا في العمل في كوينز هاوس. # كانت أحلام سالي وديفيد أحلام الطبقة الفقيرة، ولم تكن أفكارهما تتجاوز شراء المنزل ~~وتدبير نفقات المعيشة، وكانت قد مضت على صداقتهما سنوات طويلة، يخرجان للنزهة أو ~~يذهبان إلى السينما، على مرأى ومسمع من الجميع، ولم يكن ديفيد قد حصل على أي شهادة، ~~فهو # school leaver # وحسب؛ أي إنه قضى فترة التعليم ~~الإلزامي في المدرسة حتى سن الخامسة عشرة (رفعها حزب العمال إلى 16 بحجة رفع المستوى ~~التعليمي وقال حزب المحافظين إن الهدف من ذلك تخفيض عدد تاركي المدرسة المسجلين في ~~قوائم العاطلين) ثم عمل صبيا في محل بقالة، وكان دخله قليلا وطموحاته أقل، أما سالي ~~فكانت ماهرة في أعمال السكرتارية مثل الاختزال والآلة الكاتبة والأرشفة وما إلى ذلك، ~~وتطمح في أن تصبح سكرتيرة خاصة لمدير إحدى الشركات، وهذه فئة يطلق عليها ~~«مساعدة شخصية» ~~(P. A. Personal Assistant) # وتوازي ~~منصب «مدير المكتب» لدينا. وقد كتب لي أن أزورها في المنزل وأرى والديها، وكانا مثل ~~ديفيد يفتقران إلى الطموح، وقال والدها لي: # I don’t encourage ~~moonlighting # أي لا أحبذ القيام بعمل جانبي إلى جانب العمل ~~الأصلي؛ فالإنسان في رأيه لا بد أن يعيش ويتمتع بحياته، لا ms315 أن يكافح في طلب المال، ~~وأكد لي أن «سالي» لم تكتب لي الرسالة إلا بسبب دماثة خلقي، وأنها لا تسعى إلى أي ~~لون من الكسب المادي. # 3 # كان الإحساس الذي بدأ يتملكني هو أن الأوروبيين يؤمنون بالنظم التي تعفي الفرد ~~من مكابدة ما يكابده الفرد في بلادنا؛ فنحن لم نرث نظما ثابتة بل نحاول وضع نظم ~~جديدة لا نعرف إلى أي حد يمكن أن تنجح، أما الإنجليز وهم من غلاة المؤمنين بالنظم، ~~ولا يكاد يتفوق عليهم إلا السويسريون فيما أعلم؛ فهم منذ البداية يقبلون ما تسير الدولة ~~عليه، والثورة لديهم ضرب من الجنون بالمعنى العلمي (أي الذي يقتضي علاجا في مصحة)؛ ~~ولذلك فإن أي تغيير في المجتمع يستغرق دهورا، وقد سبق ابن خلدون علماء الاجتماع ~~المحدثين في تبيان أحد أسباب ذلك وهو طبيعة الجو؛ فالإنسان الذي ينشأ في بيئة أو في ~~مناخ يصعب التنبؤ به يميل إلى الاحتماء من تقلباته، ويسعى في سبيل ذلك إلى وضع ~~نظم يدخل عليها تحسينات قليلة أو كثيرة عاما بعد عام، حتى تصبح مأمونة، وحتى يجد ~~ما يركن إليه ويثق به. وقد يدهش من يعلم أن أرقام خطوط الأوتوبيس في لندن لم تتغير ~~على مدى الخمسين عاما الماضية، وعندما أشاهد بعض الأفلام القديمة ألاحظ تعليقات ~~الإنجليز عليها كأنما لم يمض علينا زمن! ومثلما يؤمن الإنجليزي بالثبات، يعرف أن ~~التغيير محتوم وهو يقبله على مضض، وكثيرا ما يتحسر على الأيام الخوالي، ويكاد ~~يتمنى لو وقف الزمن وظلت حديقته غناء إلى الأبد! وكان صدق هذا الحدس يتأكد لي ~~كلما التقيت بالطاعنين في السن، وأذكر أنني دخلت صيدلية وكانوا يسمونها على ~~أيامنا ( # Chemist’s ~~) أي دكان كيميائي (ثم تغيرت ~~بعد الوحدة الأوروبية إلى Pharmacy ~~)، وطلبت قطعة من ~~الشبة لأضعها على جروح ما بعد الحلاقة وكنت أعرف أن اسمها # alum # وأن الاسم العلمي لها هو # styptic # فطلبتها بالاسم العلمي، فنظر إلي ~~الصيدلي الشاب دهشا، فقلت له ألا نكتبها بحرف الواي ~~( # Y ~~) وننطقها كالكسرة؟ فسمعت من أقصى الصيدلية ~~شيخا يصيح: «هل ms316 تغير هجاء هذه الكلمة أيضا؟ ما الذي يحدث للعالم؟» ~~(Have they changed that too? What’s the world coming ~~to?) # وطمأنت العجوز قائلا إن الهجاء لم يتغير ولكنني أجنبي غير واثق من الهجاء ~~الصحيح، فنهض وجاء إلي متكئا على عصا غليظة ووقف يقص علي أحزان المهنة، وما ~~صنعته الكيماويات بصحة الشعب الإنجليزي، واسترسل في الحديث (وأنا به سعيد) عن مغبة ~~الانسياق وراء المواد الصخرية التي تدخل في صناعة الأدوية، ثم همس لي قائلا: سوف ~~أتلقى خطابا من الملكة بعد اثني عشر عاما؛ أي عندما أبلغ المائة! وضحكت وقلت له: ~~ربما لن أكون هنا لأرى الخطاب! وانصرفت. ويجمل بي أن أضيف أنني كنت أمر على ~~الصيدلية كلما زرت لندن (وكنت أقيم خارجها منذ 1969م) حتى عام 1973م حين لم أجد لها ~~أثرا، وسألت صاحب الدكان المجاور فقال إن صاحبها توفي وإن الورثة ~~باعوها. # راعني ذلك التمسك بالقديم والاستمساك بالتقاليد وأصبحت أرى فيه تفسيرا للكثير ~~مما ينسبه البعض إلى التعصب أو ضيق ~~الأفق # narrow-mindedness ~~(والمعنى واحد في التعبير الإنجليزي؛ أي إن # narrow-mindedness # توازي تماما # intolerance # وما يجري مجراها مثل # bigotry ~~... إلخ)؛ فالإنجليز لا يكرهون الأجانب ~~بالمعنى المفهوم للكراهية بل هم يستريبون بهم، ويخشون أن يأتوهم بما يدخل ولو تعديلا ~~طفيفا على أسلوب حياتهم (أي على ثقافتهم) والتعديل قد يعني التغيير، مصدر الخوف من ~~المجهول! وعندما انسحب الإنجليز من مستعمراتهم القديمة، كانوا مضطرين لأسباب ~~اقتصادية محضة إلى الإبقاء على الوشائج التي كانت تربطهم بأهلها، وهكذا أنشئوا ~~الكومنولث # commonwealth # وهي كلمة أخرى للفظة # republic # أي الجمهورية (فلفظة # res # اللاتينية تقابل # wealth # وكلمة # publica # توازي # common ~~)؛ ومن ثم فالمصطلح يعني أن دول الكومنولث ~~تشكل فيما بينها اتحادا جمهوريا! فهكذا أطلق أوليفر كرومويل تلك الصفة على حكومته ~~في القرن السابع عشر، عندما تحولت إنجلترا إلى جمهورية للمرة الأولى والأخيرة! ولكن ~~الواقع ينفي ذلك؛ إذ كان الإنجليز في أعماقهم يخشون هذا الامتزاج بأقوام قد تؤدي ~~معاشرتهم إلى التغيير! إن تقلب الجو، وتقلب البحر الذي لا بد لسكان الجزيرة ms317 أن ~~يركبوه، والخوف من التقلب بصفة عامة، من العوامل التي أورثت الإنجليزي ولعا ~~بالثبات يصل إلى حد الوله! # وقد وجدت نفسي في تلك الأيام أعيش في مجتمع يتغير بسرعة لم يشهدها عبر تاريخه ~~الطويل، ويحاول التوافق مع حقائق الدنيا الجديدة؛ فلقد أدرك ذلك المجتمع أنه ينبغي ~~ألا يصدق دعوى التفوق العنصري، ويجب أن يقتنع بأن الإمبراطورية القديمة قد زالت ~~وانقضت، فكان التمزق بين الوجدان العميق وبين حقائق الدنيا التي يقول بها العقل، ~~والإنجليزي يفخر بأنه «متعقل» وكلمة # reason # ومشتقاتها ~~تشغل مكانا لا تشغله كلمة أخرى في اللغة الإنجليزية، وما تزال الصفة # reasonable # تمثل لي مشكلة في الترجمة القانونية، ~~وأعترف أنني لا أعرف تحديدا ما يعني تعبير «معقول» في عبارة «قدر معقول من ...» فأنت ~~تقرأ مثل هذا التعبير في حكم المحكمة # beyond a reasonable ~~doubt ~~«دون قدر معقول من الشك» وفي الحديث العابر ~~“do be reasonable” ~~«أرجوك تعقل!» وشتان بين هذه ~~الصفة وبين العقلانية # rationality ~~! أقول إنني كنت ~~أشهد التغيير، وما زلت أحتفظ بصحيفة اشتريتها أيام إقامتي في بيت الزنوج (أو بقصاصة ~~منها) تحكي عن اعتزام إيان سميث ~~(Ian Smith) # إعلان ~~استقلال روديسيا (الجنوبية) من جانب واحد، فيما كان يسمى ( # Unilateral ~~Declaration of Independence) UDI ~~. لقد كان عصيان إيان سميث لحكومة ~~الملكة بمثابة تغيير لا يمكن قبوله؛ فبريطانيا «تمنح» الاستقلال، سواء أكان ذلك ~~لأقلية بيضاء أم لأغلبية سوداء، أما أن تعلن دولة استقلالها من طرف واحد عن ~~بريطانيا، ولو كانت الحكومة تتكون من الإنجليز البيض، فهذا ما لا يمكن قبوله! ويكفي ~~أن أذكر في آخر هذا القسم التعبير الذي دخل مصطلح الإنجليزية من أوسع أبوابها وهو ~~«رياح التغيير» ~~(winds of change) # الذي ورد في ~~خطبة هارولد ماكميلان في جنوب أفريقيا! # كان المجتمع الإنجليزي يتغير في المدينة، وكنت أعيش في المدينة، وكنت أذكر قول ~~أستاذ مجدي وهبة: إذا أردت أن تعرف إنجلترا فاذهب إلى الريف! ولكنني كنت مرتبطا ~~بالمسرح وبالحياة الحافلة في المدينة، وأما الريف فكان يكفيني أن أراه في حديقة الكلية ms318 ~~والحديقة المجاورة لبيت الطلاب. # 4 # كانت أقوال أساتذتي مجدي وهبة ورشاد رشدي ولويس عوض تشغل مكانا ثابتا في ذهني عن ~~إنجلترا في فترات مختلفة وأماكن مختلفة؛ فمجدي وهبة خريج جامعة أوكسفورد، ورشدي من ~~جامعة ليدز، ولويس عوض من كيمبريدج، أما أنا فكنت أنتمي إلى الكلية التي تخرج فيها ~~محمد مصطفى بدوي وشفيق مجلي، وكانت رئيسة القسم تقول لي إنهم كانوا أفضل سفراء لمصر في ~~إنجلترا، وكنت أعيش في لندن، المدينة التي كان الدكتور صمويل جونسون يعتز بالحياة ~~فيها، وما يزال المنزل الذي كان يقيم فيه قائما في عطفة من شارع ستراند (وهم ~~يسمونه # The Strand # فقط) وعليه لافتة تحمل اسم ~~الناقد الكبير ومؤلف أول معجم إنجليزي نسجت حوله الأقاصيص في القرن الثامن عشر، ~~وكان مجدي وهبة قد ملأ نفسي بحب هذا العملاق، ولم يكن من الممكن أن أنساه وأنا أقرأ ~~أسلوبه البديع ولغته الإنجليزية الصافية، مما أكسبني دون قصد نزعة كلاسيكية ~~ما لبثت أن رسخت وتعمقت، وفي جوهرها يكمن ما ذكرته عن العقل والتعقل وهو ما يجب ~~علي أن أوضحه بعض الشيء. # كانت روح القرن الثامن عشر التي نصفها بالكلاسيكية الجديدة ترتكز على الإيمان بأن ~~الإنسان كائن لا يختلف تكوينا ونفسا من مكان إلى مكان، ولا من زمان إلى زمان؛ ~~فنوازعه معروفة ومرصودة، وقد أقام أصحاب الفلسفة الإنجليزية الواقعية؛ أي التي تستند ~~إلى معطيات الواقع أسسا لدراسة الإنسان انطلاقا من الحقائق المادية، واستخدموا ~~المنهج التجريبي الذي نشأ في القرن السابع عشر أساسا لإرساء قواعد العلم الطبيعي، ~~فأقاموا بنيانا من الأفكار المنطقية المستندة إلى الوقائع والتجارب، فيما أصبح يسمى ~~بالبراجماتية وقد استلزمت هذه المدرسة الفلسفة مبدأ «الوسطية» في كل شيء؛ أي الابتعاد ~~عن الشطط واتباع الهوى الذي قد يضر بالآخرين، وبرزت في اللغة الإنجليزية صفات ~~أصبحت تعتبر محمودة مثل البديهة السليمة # commonsense # و # level-headedness # وعلى رأسها جميعا كلمة الإنصاف # fairness # أو # even-handedness # وكلها تحمد العدل والاعتدال # moderation # باعتبارهما من سمات «التعقل». وكان ~~الأجنبي الذي يستطيع استيعاب تلك الروح التقليدية يكتسب رضاء ms319 المجتمع الإنجليزي، ويفتح ~~الإنجليزي له الأبواب مثلما يفعل الفرنسيون الذين يقبلون من يجيد لغتهم بل يعتبرونه ~~واحدا منهم ( # citoyen passé ~~). ويكفي أن أختم هذه ~~الفقرة بالإشارة إلى إطلاق لفظ «الطبيعة» على من يتجنس بالجنسية الإنجليزية؛ إذ ~~يسمونه # naturalized ~~! # وقد ذكرت في الفصل الأول أن الصفات الخلقية التي ينسبها بعض النقاد إلى تراث ~~النزعة البيوريتانية تعزى في الحقيقة إلى الممارسات التجارية التي لا تنجح إلا بالصدق ~~والأمانة، وقد أضيف هنا أن صفات الوسطية والاعتدال والاتزان ~~(balance) # والإنصاف ربما ترجع أيضا إلى الخبرات التجارية التي ~~اكتسبها الإنجليز على مر القرون؛ فهذه جميعا من صفات التاجر الإنجليزي الناجح، ~~وقل أن تجد بين الإنجليز من يكتب له النجاح إذا لم يتصف (أو لم يحاول الالتزام) ~~بهذه الصفات. أما الاستثناءات فهي نوع من الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ~~ينفيها. # وقد اضطررت إلى هذا الاستطراد القصير لأنني أجد فيه تفسيرا لاتجاه العقل الإنجليزي ~~إلى الوضوح في التفكير والتعبير، وتفسيرا لميل الإنجليز إلى الإقلال من الكلمات، ~~واعتبار الاقتصاد في التعبير أسمى الفضائل وأعلى قمم البلاغة؛ فما نظنه من قبيل ~~«البرود» الإنجليزي هو في الحقيقة ضبط للنفس وضبط للسان خشية أن ينحرف أو يشتط، ~~وأحيانا مخافة أن يقول ما يجب كتمانه، أو ما لا يجوز البوح به، فإذا تكلم آخر ~~الأمر وجدت أنه واضح الفكرة والعبارة، لا يخرج عن «المسموح به» اجتماعيا أو يجنح ~~إلى «ما لا يقال» (أي العيب)! # وأنا أذكر ذلك كله أيضا لأنه أوضح لي في سنوات التكوين البعيدة مدى تأثير التراث ~~الإنجليزي في جيل كامل من أساتذتنا، وأنا أعتز بأنني تتلمذت على أيديهم، وإن كانت ~~مبادئ هذا المنهج العلمي الصادق تضرب بجذورها - كما تعلمت في الكبر - في تراثنا ~~العربي، ولكننا ننساها أو نتناساها في هذه الأيام، ونطلق ألفاظا عامة ظالمة على ~~تراثنا كله، بل لا نفرق (أو لا نكاد نفرق) بين عصور ازدهار العلم العربي وعصور ~~التخلف التي اتسمت بالنقل والمحاكاة دون تمحيص. ولكم كانت فرحتي حين اكتشفت أن ~~الشاعر الذي أدرسه (وليم وردزورث) ms320 إنجليزي الطابع بالمعنى الذي ذكرته، وإن كنت هنا ~~أستبق الأحداث؛ لأن ذلك لم يحدث إلا في مرحلة الدكتوراه في مطلع السبعينيات، فلأعد ~~الآن إلى ما دعاني لهذه التأملات العابرة - ألا وهو عودة «عبده» من العطلة ومعه ~~كاثلين! # كانت المفاجأة مذهلة؛ كنا في شهر أغسطس 1966م، وكان صيفا حارا بالمقاييس ~~الإنجليزية، وكان سمير سرحان قد زارني مرتين في صيف ذلك العام، مرة وهو في طريقه إلى ~~مصر لحضور مؤتمر المبعوثين الذي تحدث فيه جمال عبد الناصر شخصيا إلى ممثلي ~~الطلبة، وكان من أبرز أحداث ذلك الصيف، ومرة أخرى وهو عائد إلى أمريكا، ومكث معي في ~~الغرفة وتحادثنا عن أحوالنا باستفاضة، وتنزهنا وقص علي ما يفعل ولكنه اعترض على ~~التحاقي بالعمل المؤقت وطالبني بالانتهاء من الرسالة بأسرع ما يمكن حتى نعود لتحقيق ~~أحلامنا في مصر، وبعد رحيله كنت أشعر بحزن دفين لم يخفف منه سوى توقع فرحتي بوصول ~~زوجتي، وكنت كل يوم أفعل شيئا جديدا استعدادا لهذه الفرحة، بل كان لا يكاد يشغلني ~~بعد رحيل سمير سرحان سوى إرسال الخطابات والبرقيات تلهفا على وصول نهاد. # وذات صباح دافئ، لا سحاب ولا مطر فيه، خرجت قاصدا النزهة، ولكنني لم أكد أخرج من ~~باب المصعد حتى وجدت «عبده» أمامي ومعه فتاة إنجليزية سمينة، ناصعة البياض، قصيرة ~~الشعر، عيناها زرقاوان، باسمة الوجه، فوقفت جامدا لا أستطيع الكلام. وإذا بها تقول ~~ضاحكة: «لا بد أنك محمد!» وقلت نعم. تفضلا. وقالت بسرعة: «كنا ... أقصد ...» وأكملت لها ~~العبارة التي يستخدمها الإنجليز فكهين في مثل هذه الظروف: «كنتما في المنطقة فقلتما ~~...» ~~“you were in the neighborhood and thought ...” ~~. ~~فضحكت وقالت إنها «فكرة عبده!» وقلت لها: «لا بأس .. فلنخرج معا إلى الحديقة (هايد ~~بارك) فالجو رائع!» وخرجنا. # كان عبده قد انقطع عن الاتصال بي فترة طويلة، ولم أكن أتابع أخباره بعد أن ترجمت ~~له ما جاء في خطاب كاثلين الأخير، وكانت حياتي حافلة بمشاغل الدراسة والعمل، فلم أشغل ~~نفسي كثيرا بهذه المسألة؛ ولذلك فضلت الصمت. وبعد أن توغلنا في الحديقة ms321 ونحن ~~نعلق تعليقات مقتضبة أو مسهبة على الزهور، جلسنا جميعا على مقعد خشبي، وبدأت ~~كاثلين حديثا طويلا سجلت أهم نقاطه فيما بعد في مفكرتي، وسوف أوجزه هنا، قالت ~~كاثلين: ~~«صارحني عبده بأنه كانت له خطيبة في مصر وأنها سوف تحضر هنا بعد أن ~~تزوجها بالتوكيل، وشرح لي موقف أهله من الموضوع، وتفهمت الموقف تماما، ~~وقررت أن الإنصاف يقتضي أن أتركه، وإن كان ذلك يحز في نفسي، وقطعت على ~~نفسي عهدا بألا أراه بعد اليوم، وبأن نزورك معا قبل الافتراق؛ فهو يعتبرك ~~أخلص أصدقائه، وسوف أرحل إلى الجنوب حيث أعمل مع والدي، ولكنني لن أعطيكما ~~العنوان أو التليفون، حتى نغلق الكتاب تماما.» # وأدركت أن هناك أشياء لا أعرفها، وكان حدسي يقول لي إن عبده قد كذب من جديد حين ~~زعم أن له خطيبة وأنه تزوجها بالتوكيل، ولكنني قلت في نفسي: «لعل أهله قد زوجوه ~~في غيبته فعلا.» ولذلك لم أعلق، وسألتها إن كانت حصلت على الدكتوراه أم لا، فقالت ~~في غير اكتراث «الدكتوراه ليست عاجلة وأستطيع إكمالها فيما بعد.» واعترضت على ذلك ~~فقالت بلهجة جادة «ربما لم أخلق للبحث العلمي. والأفضل لي أن أعمل!» وذكرت المشهد ~~الأخير من مسرحية الخال فانيا لتشيخوف، حيث يعزي فانيا نفسه بالعمل، وتحلم ~~سونيا بالسعادة في العالم الآخر، وتألمت. وكان أشد ما آلمني هو نبرة الهدوء والثقة ~~التي كانت تتحدث بها كاثلين عما تنتوي فعله، ولم أكد أصدق أن هذه هي الفتاة التي ~~كتبت تلك الخطابات الملتهبة. ترى هل نقلت بعض الفقرات من روايات أخرى لم أقرأها؟ ~~وكنت أسترق النظر إلى وجه عبده أثناء حواري مع الفتاة فأجده جامدا لا يفصح عن أي ~~انفعال، ولم أشأ أن أحادثه خشية أن يقول ما لا يريد، وبعد نحو ساعتين نهضنا وعدنا ~~أدراجنا فاقترحت عليهما أن يتناولا الغداء معي ولكن كاثلين قالت إنها لا بد أن تدرك ~~القطار (وإنها تركت حقيبتها في المخزن الخاص بالمحطة) مما زادني دهشة، فعرضت الذهاب ~~معهما، ولكنها قالت إنها تفضل أن تذهب وحدها، تاركة ms322 «عبده» في صحبتي! ودون دموع أو ~~انفعال صافحتنا ودارت ومضت. وتسمرت في مكاني ذاهلا كأنني أشهد مشهدا في ~~رواية خيالية! # 5 # رحلت كاثلين، وسرنا بخطوات ثقيلة نحو المطعم، وبعد أن طلبنا الطعام وجدت أن ~~تطلعي إلى معرفة ما حدث يكاد يذهب بشهيتي، فقلت له بطريقتنا المصرية المباشرة: «ماذا ~~حدث؟» وأجاب وهو يتطلع إلى النادلة وهي تحضر الأطباق: «سأحكي لك كل شيء فيما بعد!» ~~ولكنني ألححت، وتصورت أن مشاعره الجياشة سوف تغلبه فيبكي أو أن اللحظة غير مناسبة؛ ~~فهو يصر على الصمت وقد خلا وجهه من أي تعبير. كان وجهه مصريا أسمر، به قدر لا بأس ~~به من الوسامة، وقد زاده النحول جاذبية، وكان بيده منديل ما يفتأ يمسح به عينيه قبل ~~إحكام وضع النظارة الطبية. ورسم لي خيالي أنه يمسح الدموع لا حبات العرق، فقررت ~~إرجاء الحديث إلى وقت لاحق. # وعندما صعدنا إلى الغرفة قمت بإعداد الشاي، وفضلت أن أتيح له مزية المبادأة، ~~لكن صمته طال فلجأت إلى الحيلة وقلت له: «لماذا لا تستأجر غرفة كبيرة هنا تقيم فيها ~~مع العروس؟» وضحك فتفاءلت؛ ومن ثم بدأ يحكي في إسهاب تفاصيل محاولة هروبه منها (أي ~~كاثلين) وكيف عثرت على مسكنه الجديد بعد يوم أو يومين، وكيف قبلت في الظاهر جميع ~~الذرائع الواهية التي قدمها تبريرا لمسلكه، ثم أصبحت تقضي سحابة نهارها معه حتى ~~أنسته العمل ولم يعد يذهب إلى الكلية، وكانت - كما يقول - «لا تشبع من حبه» وترسل ~~إليه خطابات تقول له إنه «شمس الفراعنة وسر الحياة»، بل أتته من القسم المصري ~~بالمتحف البريطاني بمطبوعات عن اللغة المصرية القديمة وفك رموزها، وبصورة كبيرة ~~لحجر رشيد، ثم قالت له إنها تريد أن تتعلم العربية حتى تستطيع التفاهم مع أهله، وبعد ~~نحو ثلاثة أسابيع قالت له إننا علماء وعشاق، وإذا كان العلم لا وطن له، فالعشق لا ~~وطن له أيضا، وفي تلك الليلة «المنشودة» قالت له: «أعرف أن لديك سرا يمنعك من ~~مبادلتي عاطفتي القوية.» وأكدت له أنه مهما يكن من أمر هذا ms323 السر فهي على استعداد ~~لمواجهته «حتى لو كنت متزوجا!». وقال عبده: ~~«داهمني الخوف منها، مثلما داهمني الخوف على مستقبلي، ولمحت طوق النجاة، وكنت ~~كالغريق الذي يتعلق بقشة، فكررت ما قالته «حتى لو كنت متزوجا؟» وقالت: «أنت ~~متزوج ولا شك.» ثم عانقتني وقبلتني والدموع في عينيها قائلة: «هذا هو العذر الوحيد ~~الذي يمنعك من الانطلاق، ولطالما أحسست به في نظراتك الزائغة وترددك، فلا تخش ~~شيئا وصارحني».» وقدمت لعبده كوبا آخر من الشاي فرشفه على مهل، وبدا عليه ~~الانفعال لأول مرة، ثم أردف يقول إنها أخبرته أنها كانت دائما تحس أنه لم يكن ~~«خالصا» لها، وأنها كانت تغافل نفسها وتخدع عقلها أملا في الاستيلاء عليه، وكانت ~~تتصور أن الأيام التي قضتها معه أخيرا سوف تحقق غايتها، ولكن ذلك كان وهما؛ ومن ~~ثم رحلت واتفقت معه على اللقاء بعد أسبوع. # وعاد «عبده» بعد ذلك إلى الكلية، وقابل الأستاذ المشرف، واتفق معه على بعض الخطوات ~~الخاصة بالبحث، وقال إن المشرف أحس باضطرابه فطلب منه أن يمنح نفسه عطلة رسمية؛ ~~فالفصل الدراسي كان قد انتهى يوم الجمعة 22 يوليو، ومن حق كل طالب أن «يعيش»، وسأله ~~«عبده» ماذا عساه يفعل فقال له: «اذهب إلى حي البحيرات في الشمال، وتعلم الاستمتاع ~~بالطبيعة.» وطمأنه على الدكتوراه قائلا إنه سوف يسمح له بكتابة الرسالة في أكتوبر؛ ~~فالنتائج التي حققها في المختبر تكفي، وضحك قائلا: «نحن لا نتوقع منك بحثا يأتي ~~بجائزة نوبل!» # وقال عبده إن كاثلين لم تبتعد عنه أسبوعا كما قالت، بل زارته في اليوم التالي وقالت ~~له إنها عرفت أن المسلم من حقه الزواج بأكثر من زوجة، وأنه ربما كان يفكر في اتخاذها ~~زوجة ثانية، ولكنها لن تقبل ذلك، ولن تقبل أن تكون في المرتبة الثانية (وقد كتب عبده ~~التعبير الذي استعملته حتى يريني إياه وهو # second ~~fiddle # قائلا إنه يظن أنها استخدمت فعل # to ~~play # أيضا)؛ ومن ثم فقد قررت أن تتركه لزوجته، وطلبت منه ~~تفاصيل الزواج، فقال لها إنه تزوجها بالتوكيل وإنها سوف تحضر ms324 إليه يوم السبت ~~27 أغسطس، وقال إنه لا يدري ما الذي جعله يحدد هذا الموعد؛ إذ كان حائرا مضطربا؛ ~~لأنه يخشى أن تكتشف الحقيقة ولذلك فكر في أن يسافر إلى مصر وأن يتزوج فعلا ولكن ~~الأحداث لم تمهله؛ إذ قالت له برنة صدق لم يعهدها في فتاة من قبل: «فلنسافر معا ~~إلى حي البحيرة أسبوعا أو أسبوعين، ثم أتركك قبل موعد وصول زوجتك بفترة «معقولة»، ~~على الأقل حتى تعتاد أن تنسى اسمي ولا تخاطبها بما كنت تناديني به (وهو كاثي)» ووافق ~~عبده؛ لأنه كان كما يقول يشعر بأنه قد وقع في فخ لا فكاك منه، وكان الحل الذي ~~اقترحته «معقولا» وفعلا سافرا أسبوعا وقضيا ساعات جميلة كانت فيها مثال العاشقة ~~المخلصة، تسهر على راحته وتفعل كل ما يتمناه حتى دون أن يطلبه، حتى تساءل ذات يوم بينه ~~وبين نفسه لماذا لا يتزوجها؟ وكان يعجب منها حين تصحو مبكرا وتكتب ما يشبه الخطابات ~~الموجهة إليه، وكثيرا ما يلمح الدموع في عينيها خلسة، وإذا سألها قالت له: «لا ~~.. لا شيء.» # ماريون زميلتنا في العمل في كوينز هاوس. # وما إن عادا من الرحلة، وكان ذلك يوم الجمعة 12 ~~أغسطس حتى اتفقا على زيارتي في اليوم التالي، وكانت قد سمعت كثيرا عن محمد الذي ~~يعتبره «عبده» أخا أكبر يشتهر «بتعقله واتزانه»، واتخذت جميع إجراءات رحيلها إلى ~~منزل والدها، وجاءا إلي وكان ما قصصته عند مقابلتهما. وقلت لعبده إنها كانت تبذل ~~محاولة أخيرة لإقناعه، ولكنه قال إنها ذات إرادة حديدية «وكان يمكن أن أتزوجها لولا ~~شخصيتها المسيطرة» وانطلق يرسم في خياله ما كان يمكن أن يحدث له لو تزوجها وعاد ~~بها إلى القاهرة، وقلت برنة الملاحظة العابرة إنها كانت ستكتشف كذبه عليها، فقال ~~دون مبالاة: «لقد حدثتني كاثلين عن رواية قرأتها للكاتبة ميوريل سبارك # Muriel Spark # اسمها بوابة مندلبوم تصور فيها ~~اليهود والعرب في القدس، وتصور فيها إحدى الشخصيات (واسمه علي) على أنه كذاب ~~بالطبع والسجية، وقالت لي أكثر من مرة إنها تعرف أن العرب ms325 كذابون!» # وفجعني ما أسمع! «هل وطنت نفسها إذن على أنك كذاب بطبعك وسجيتك لأنك عربي؟ ~~ولماذا لم تناقشها في ذلك؟» وهز كتفيه غير مكترث بحماسي ثم غمغم: «كثيرا ما ~~كنت أكذب عليها في أشياء صغيرة فتضحك، وكانت دائما تقول: «لا يهمني ما تكذب علي ~~فيه ما دام حبك صادقا، ودلائل صدقه واضحة ساطعة!» إنها فتاة عجيبة يا عم عناني! ولو ~~كان الإنجليز جميعا مثلها لخرب العالم!» ونظر في الساعة ثم نهض، فنهضت وأنا أدرك أنه ~~يريد الخروج ل «شم الهواء»، وخرجنا وقال لي ونحن في الطريق إلى محطة القطار: «مرت بي ~~لحظات قلق حين كنا نزور الكنائس فأصلي بالعربية؛ فأنا أصلي كثيرا، وكنت أخشى أن ~~تسألني إذا كان يجوز للمسلم أن يصلي في الكنيسة، ولكنها لم تسأل هذا السؤال ~~أبدا!» # وعندما وصلنا إلى المحطة قلت له: «هل ستحاول ~~الاتصال بها من جديد؟» فرد ضاحكا «وأخون زوجتي معها؟!» فقلت بنفس النبرة الضاحكة: ~~«لا بد أن أراها حين تصل يوم 27 منه!» فقال «ضروري .. أمال!» وهمست وأنا أصافحه حين ~~وصل القطار: «ولا تنس أن تختار لها اسما طريفا!» ويبدو أن ضجيج القطار طمس صوتي، ~~فقال وهو يجري للحاق به «ماذا؟» فصحت «ولا يهمك .. مع السلامة!» ومضى القطار بعبده، ~~وعدت إلى الغرفة، وكانت الساعة قد جاوزت الخامسة، فوجدت أنه قد ترك خطابات كاثلين ~~وبعض أوراقها، ولا أدري إن كانت قد تركتها هي معه عامدة أم سهوا، فوضعتها على رف ~~عال بجوار الكتب، وهبطت إلى غرفة التليفزيون لأتابع أنباء الثورة الثقافية في ~~الصين. # 6 # يوم الخميس 8 سبتمبر 1966م «موعد وصول حبيبتي» كان ذلك ما كتبته في المفكرة، وذهبت ~~مبكرا إلى المطار، كان الجو صحوا، وكان في السماء سحابات لا تقوى على حجب ضوء الشمس ~~وذهبت إلى مكان انتظار القادمين، وظللت واقفا لا أجرؤ على تحويل عيني عن الباب ~~الذي يخرجون منه، وفي نحو الواحدة ظهرا رأيت نهاد تهبط السلم وهي ترتدي نظارة شمس ~~وتحمل العود في يدها، وكنت قد أوصيتها بإحضاره، وكان حمله ms326 مربكا ولم تكن قد ~~اعتادته، فتعثرت وكسر كعب الحذاء، وقلت للحارس: «هذه زوجتي!» فابتسم وقال: «تفضل.» ~~فهرعت إليها لحمل العود، ولم نلبث أن أخذنا الحقيبة وخرجنا إلى الأتوبيس. # وبعد الدردشة العابرة قالت لي: «أين العمل؟ ألم تعدني بأنني سأعمل؟» وضحكت وقلت ~~لها: «ضروري إن شاء الله.» وكان حوارنا يتحول إلى الإنجليزية بسهولة ويسر، وما لبثنا أن ~~وصلنا إلى الغرفة التي كنت قد اهتممت اهتماما بالغا بتنميقها، وكانت نهاد رغم سهر ~~الليلة السابقة متعطشة لرؤية المنطقة والحديقة وكل ما سمعت عنه في خطاباتي، فخرجنا ~~للغداء ثم للنزهة، وصحبتها إلى مكان سوق السبت الذي يبيع المزارعون فيه منتجاتهم ~~بأسعار زهيدة، (قفص الطماطم بخمسة شلنات وكيلو الموز بشلن ... إلخ) ثم سرنا في شارع # Bayswater # المجاور للهايد بارك، ومررنا بدار ~~سينما # ABC ~~(وهي شركة لدور العرض السينمائية) فعرضت ~~عليها مشاهدة فيلم فكاهي رأيته من قبل وضحكت فيه «حتى قضقضت ضلوع صدري» كما يقول ~~صلاح عبد الصبور، فوافقت وقطعنا التذاكر ودخلنا، وكانت الساعة قد قاربت السابعة، ولم ~~يكد الفيلم يبدأ والظلام يسود، حتى خلدت نهاد إلى النوم العميق! وبعد انتهاء الفيلم ~~عدنا لتستأنف النوم الذي لم تكن ذاقته في الليلة السابقة! # وخرجنا في الصباح إلى وسط لندن، وقضينا اليوم كله ننهل من مباهج الطبيعة في الحديقة ~~المجاورة، ثم سألتني جادة: «أين الأحياء ~~الفقيرة ~~(slums) # التي حدثتني عنها في خطاباتك؟» فذهبت بها إلى منطقة ~~المساكن القديمة في حي بادنجتون، وهي المساكن التي تجاور محطة القطار ومخازن السكة ~~الحديدية، وتصل في نهايتها إلى طريق ~~إدجوير # Edgware Road ~~، ويطلقون عليها اسم المنطقة ~~الغاربة # twilight area ~~(حرفيا المنطقة الغسقية) ولكنها لم تجد فيها «الفقر» كما ~~نعرفه في مصر، وقالت لي إنها مساكن لا بأس بها، وقرأنا إعلانا معلقا على أحدها ~~يعرض المنزل للبيع ويصف فيه صاحب المنزل منزله بأنه قد تم تحديثه؛ أي أصبح # modernized # ولم أكن أعرف حينذاك أن التحديث يعني ~~إلحاق المرحاض بالمبنى نفسه؛ فالمنازل القديمة لا مرحاض بها، بل يوجد المرحاض خارج ~~المنزل في الحديقة الخلفية، ms327 ومررنا على بائع السمك المقلي والبطاطس المقلية وهي ~~الوجبة الشعبية التي تقابل الفول والطعمية عندنا، وقررنا محاكاة الإنجليز في تناول ~~هذه الوجبة، فطلبنا طبقين صغيرين # two small portions # سعر الواحد شلنان، فلفهما البائع في أوراق خاصة مثل ورق الصحف (لكن دون حبر ~~الطباعة) وعدنا لتناول الغداء في الغرفة. # وذهبنا يوم السبت إلى السوق الشعبية فاشترينا الفاكهة والخضر وحملناها إلى الغرفة، ~~وعشنا أياما طويلة جميلة على ثمار الصيف الإنجليزي، ورحبت نهاد بمسرات المشي ~~مسافات طويلة في الحديقة المجاورة (الهايد بارك) أو في الشوارع الفسيحة، ونحن نتبادل ~~الأخبار ونخطط للمستقبل، وكنت أحس صادقا أن غربتي قد انتهت، وأن الله قد من ~~علي بحبيبة ورفيقة رائعة هي نهاد، وكان سيرنا معا مضرب الأمثال في بيت الطلاب، ~~وعندما حل الخريف قررنا أن نفكر جديا في مسألة التحاقها بدراسة الماجستير، وكانت ~~المصاريف الدراسية خمسين جنيها في العام، ولكن موعد التقديم كان قد فات، فقررت نهاد ~~أن تلتحق بمعهد لدراسة الآداب واسمه # London Literary ~~Institute # مصاريفه ثلاثة جنيهات في الفصل الدراسي، وأنشأه مجلس ~~حي هولبورن في شارع جانبي هو ( # Stukely Street ~~) بالقرب ~~من مسرح كفنت جاردن، وقريبا من مكان عملي، وهو معهد أهلي لا يمنح شهادات رسمية، ~~ولكنه يمنح الثقافة لمن يطلبها ويتولى التدريس فيه أساتذة جامعيون، ولا يضع أي ~~قيود من أي نوع على التسجيل للدراسة، وعندما ينتهي الطالب (مهما يكن عمره) من دراسة ~~المادة التي يدرسها يمنح شهادة بأنه انتهى من دراستها وتفاصيل تلك الدراسة إذا كان ~~يريد ذلك. # وأنا أذكر الآن تلك الأيام بشوق وحنين، ولربما أضفى خيالي عليها جمالا زاد من ~~جمالها الفعلي؛ فقد كان كل شيء جديدا، وأصبحت رحلة المسرح رحلة ذات مذاق فريد؛ ~~فكثيرا ما كنا نقرأ المسرحية قبل مشاهدتها ثم نناقشها بعد المشاهدة، واكتسبنا في ~~رحلات المسرح عادة الدقة المتناهية في احترام المواعيد، فمن يتأخر عن موعد رفع الستار ~~مهما كانت منزلته، ولو كان ذلك دقائق معدودة، لا يسمح له بالدخول، وما تزال نهاد ~~تستمسك بهذه العادة في مصر ms328 رغم ما تعرفه عن عدم احترام المواعيد لدينا، وقاعة المسرح ~~مثل قاعة المعبد مقدسة، لا يأكل فيها أحد ولا يدخن (طبعا) ولا يتكلم، ولا ~~يوجد ما يسمى بالمقاعد الخالية؛ فالمسرح «كامل العدد» دائما، وعند الدخول نشتري ~~البرنامج المطبوع بشلنين، ونرجع إليه في صمت إن توافر الضوء الكافي، وفي الاستراحة ~~يخرج من يريد إما إلى الكافتيريا لشرب المرطبات (الشاي أساسا) أو للتدخين، أو للحديث ~~في صالة الاستقبال الرحيبة. # وازداد الخريف جمالا عندما بدأت الرياح تعصف بالأوراق الذابلة، وكنا قد اعتدنا أن ~~نلتقي أنا ونهاد في فترة الغداء إما لديها في كافتيريا المعهد أو في مطعم من سلسلة ~~مطاعم الليونز # Lyon’s Tea Shops ~~(وأعتقد أنها اختفت ~~الآن) وكان يقدم السلاطة بأربعة شلنات ونصف، وللطاعم أن يختار بنفسه ما يريد من ~~الأطباق، فكان أول «بوفيه مفتوح» أراه في حياتي! لكن ألذ مذاق سأظل أذكره ما عشت هو ~~مذاق ساندويتش الجبن الأبيض بالطماطم الذي أتت لي به نهاد ظهر ذات يوم من أكتوبر، وكان ~~صحوا مشرقا، وكان من نوع الخبز الفينو الطويل، الذي يصفونه في إنجلترا بأنه «خبز ~~فرنسي»؛ إذ أضافت إليه نهاد قطعا من الزيتون الأسود، فكنت أقضمه قضما بشهية لم ~~أعهدها من قبل، ولا أظن أنني سأعرفها ما حييت. # إلى اليمين الأصلع ريمون مكلف ود. سامي أبو طالب أصدقاء العمل في ~~كوينز هاوس. # وسرعان ما تعرفت نهاد على الطلاب العرب من نزلاء بيت الطلاب المذكور، وصرنا ~~نتسامر معهم ومعهن أحيانا في المساء، وفي نوفمبر حلت طالبة سودانية ظريفة اسمها ~~فهيمة، فكانت تحدثنا عن السودان حديثا يختلف عما كنت أسمعه من أصدقائي السودانيين ~~الآخرين؛ مثل بشير إبراهيم بشير (أستاذ التاريخ الآن) وفاروق اليماني (المتخصص في ~~المكتبات) والدكتور حسن شريف (الطبيب النابه) وكنا نستمع إليها في شغف، وذات يوم انضم ~~إلى الحلقة ثلاثة من أبناء المغرب، هم فتحية وابنة أختها غيتة، وكان لغيتة أخ يدعى ~~محمد، وسرعان ما تحولت دفة الحديث إلى الأطعمة الشرقية فذكرت للمغاربة البامية ~~المصرية ( # okra/lady’s fingers ~~) فأنكروا معرفتهم بها، ~~وشرحت ms329 لهم فهيمة أسلوب «عمل الويكة»، والملوخية البراني، فقالوا إنهم يعرفون ~~الملوخية لكنهم لا يعرفون البامية. وهنا تطوعت نهاد بأن تعد لهم وجبة بامية مصرية ~~(مع الليمون طبعا والفلفل الأخضر) واتفقنا على ذلك في عطلة نهاية الأسبوع. وما إن ~~فتحت نهاد غطاء حلة البامية المطبوخة باللحم الضاني حتى صاح الجميع «الله! ملوخية!» ~~واتضح أن ذلك هو اسمها في المغرب. ولن أنسى الحرج الذي أصاب فهيمة حين سألتها فتحية ~~المغربية: «لماذا لا تغيرين اللباس السوداني؟» وكان المقصود هو «التوب» ولكن الكلمة ~~العربية الصحيحة أصبحت تعني للمصريين والسودانيين شيئا آخر. # وقررت إدارة البعثات زيادة مرتبي سبعة جنيهات (علاوة زواج) ولكن ذلك لم يكن ~~كافيا، فكان علي أن أقضي المزيد من الوقت في العمل، حتى كاد العمل في الرسالة أن ~~يتوقف، ولكنني كنت أواصل قراءاتي المتنوعة مع نهاد، وكان لديها من الجلد ~~والصبر ما أعجب له، وذكرت ذلك ذات يوم للمشرف فقال لي: «لا تقلق .. النساء بطبيعتهن ~~صبورات! ألا ترى الدجاجة وهي ترقد على البيض؟» وكنا نتبادل الكتب فتنتهي هي من الكتاب ~~في يوم أو يومين، ثم لا أنتهي أنا منه في أسبوع كامل! وبدأنا رصد التعبيرات ~~الاصطلاحية التي نسمعها في حياتنا اليومية أو في الراديو أو نقرؤها في الصحف، وخصصنا ~~لذلك كشكولا ضخما امتلأ حتى ضاق بما فيه، ولم يكن برد الخريف الخفيف يمنعنا من ~~التريض، وكانت اهتماماتنا المشتركة تزداد عمقا واتساعا كل يوم، وأعتقد أن العالم ~~الجديد الذي كنا نعيش فيه بعيدا عن الأهل والأصدقاء القدامى ساعد على هذا التعميق، ~~وتدريجيا بدأت نهاد تتعرف على زملائي في العمل، وكنا نتغلب على أي خلافات بالتفاهم ~~الباسم؛ إذ حاولت أنا أن أحاكي الإنجليز في نبذ الانفعال، كما كانت تلجأ هي إلى ~~استخدام اللغة الإنجليزية في أي خلاف مما كان يكسر من حدة الانفعال لديها، ويضفي ~~منطقا هادئا على كل شيء. # وما إن علم الإخوان العرب في الإذاعة بأن لدي آلة العود الشرقية، حتى قرروا قضاء ~~سهرة موسيقية في منزل أحدهم، فزارني أكرم صالح الفلسطيني ms330 واصطحبني بسيارته إلى ذلك ~~المنزل، وبمجرد أن بدأت العزف، وكان اللحن الذي طلبوه هو «ودع هواك وانساه ~~وانساني/ عمر اللي فات ما حيرجع تاني» لمحمد عبد المطلب (تلحين محمود الشريف) حتى وجدت ~~الدموع تسيل من عيونهم، فكان معظمهم يغالب النهنهات، خصوصا «زغلول» وهو مصري فرضت ~~عليه حياة الغربة فرضا، فكان مقام الراست الشرقي يهز أعماقه، والإحساس باستحالة ~~«عودة الزمن» يثير مكامنه، وكان الموجودون خليطا من جميع البلدان العربية، وكلهم يبكي ~~جرحه حتى حل الهزيع الثاني فانفض السامر، وأدركت أن العربي يحمل الوطن في قلبه إلى ~~الأبد، وعندما عدت إلى الغرفة كانت نهاد قد أوت إلى الرقاد، فجلست وحدي أفكر في ~~شتات اللغة العربية التي كانت تتناثر حولي، وكل كلمة ذات جذور تضرب في أعماق الوجدان ~~وأعماق التاريخ. # 7 # وفي ديسمبر فوجئت بصوت لا أعرفه يحادثني في التليفون. قال إنه مصري انتهى من ~~دراسة الطب وكان يقضي سنة الامتياز، لكنه كان طموحا ويريد أن يصبح جراحا شهيرا؛ ~~ومن ثم استخرج لنفسه «جواز سفر طالب»؛ لأنه إذا أكمل عام الامتياز وتخرج فلا بد أن ~~يعين في الأقاليم (أو في القرى والدساكر كما يسميها) واشترى لنفسه تذكرة طائرة، ~~وأتى بتأشيرة خروج سياحية، ذاق الأمرين في استخراجها، إلى لندن. وأشار عليه أحد ~~معارفه القدامى ممن سبقوه إلى لندن بأن يتصل ب «عم عناني» حتى يترجم له ما يريد. ~~وعندما قابلته وجدت شابا أسمر لوحته الشمس، يتميز بخفة الظل والألمعية، ولا ~~يتحدث إلا في الطب وأطلعني على أوراقه الرسمية، وقال لي إنه يريد أن يتقدم للعمل ~~في مستشفى مارلبون # St. Mary Marylebone # القريبة من منزل ~~الطلاب، لكنه لا يريد أن يبدأ من الصفر؛ فمن كان طموحا مثله لا بد أن يبدأ من القمة، ~~وأفهمته أن ذلك لا يصلح مع الإنجليز، أو مع الأوروبيين، وقصصت عليه قصة ناجي الحبشي ~~عازف الفيولنسلو (الشيلو) المشهور، فعندما حصل على بعثة وذهب إلى إيطاليا للدراسة ~~مع أشهر عازف كونشرتو ~~(concertist) # في أواخر ~~الخمسينيات قدم نفسه على أنه عازف كونشرتو مصري ms331 ، وكان رد الأستاذ الإيطالي هو أنه ~~ما دام كذلك فعليه أن يعود إلى مصر، وقال له: «العازفون يأتون إلي حتى يصبحوا عازفي ~~كونشرتو! وما دمت قد أصبحت كذلك فعليك أن تعود إلى بلادك.» وبعد تدخل رجال البعثات ~~في روما قبله الأستاذ ولكنه لقنه درسا في التواضع؛ إذ فرض عليه ألا يعزف شيئا ~~سوى السلالم الموسيقية وتمارين المبتدئين ثمانية أشهر كاملة! ولكن سمير سيدهم (وكان ~~ذلك اسم الشاب المصري) كان مصرا على المحاولة، فاقترحت حلا وسطا يتمثل في أن ~~يقدم «مشروع بحث» في عملية الغضروف التي يحتاجها الرياضيون في مصر على وجه الخصوص دون ~~أن يلجأ إلى الكذب في شيء، فإذا وافق مجلس أمناء ~~المستشفى # Board of Governors # على المشروع عينوه باحثا، فإذا نجح استطاع دخول عالم ~~الجراحة من الباب الصحيح. ووافق سمير وكتبنا المشروع وقدمه واختفى أسبوعين أو ثلاثة، ~~ثم جاءني صوته على التليفون مبتهجا جذلا؛ إذ وافق مجلس الأمناء، وعين له اثنين من ~~الأطباء الإنجليز ( # physicians ~~) يعملان تحت توجيهاته، ~~بحيث يبدأ الفريق عمله على الفور اعتبارا من أول يناير 1967! # كرستين في معمل الرياضة والفيزياء. # ولن يدهش القارئ الذي يؤمن بذكاء المصريين إذا علم أنه لم ينقض عامان حتى نجح البحث ~~الذي قام به فريق المستر سيدهم (وكانوا ينطقون اسمه سيدم) وتم تعيينه أستاذا مساعدا ~~بالمستشفى # Senior Registrar # وفتحت أمامه أبواب الترقي ~~إلى درجة الاستشاري # consultant # ومن بعدها الأستاذ # professor ~~! وظللت أتابع أخبار المستر سيدم ~~شخصيا وفي الصحف طوال إقامتي في إنجلترا، والجراح في إنجلترا لا يقولون له دكتور بل ~~مستر، وكان يستشيرني في عروض الوظائف التي تنهال عليه، وفهمت منه أن الجراحة فن ~~وموهبة، وهي لا تحتاج إلى العلم الكثير بل إلى مهارة الأصابع والبديهة الحاضرة، وأن ~~الجراح لا بد أن يستعين بطبيب يساعده في التشخيص ولا يضن عليه بالمشورة. وقصة نجاح ~~سمير سيدهم مثل قصة نجاح رماح البرعي وهو من أهم الجراحين في مستشفى وست ميدلسيكس ~~(West Middlesex) # ولكن القصة ستأتي في ~~مكانها. # كاد الخريف ينتهي وحلت بوادر ms332 الشتاء، وفي يوم 14 يناير 1967م وصل خالي الدكتور ~~مصطفى كمال بدر الدين مع زوجته اعتدال، وبلغتنا أنباء رفع المصاريف الدراسية في ~~الجامعات الإنجليزية من 50 إلى 250 جنيها في العام! # الفصل الرابع # | النكسة # 1 # كانت أغاني أم كلثوم الجديدة بمثابة دقات الساعة التي نحصي عليها السنوات، وفي ~~يناير 1967، ونحن ما نزال نرشف من جمال ألحان عبد الوهاب في أغنيته الأخيرة لأم كلثوم ~~(«أمل حياتي») طلع علينا بليغ حمدي بتحفة لا مثيل لها وهي «فات الميعاد». وشغلنا ~~في الغربة بالطرب الحزين، وبدأ العرب من حولي يرددون: «ياما كنت أتمنى أقابلك ~~بابتسامة» و«عايزنا نرجع زي زمان/قل للزمان ارجع يا زمان!» وذات صباح بارد كنت في ~~طريقي إلى العمل حين لمحت حشدا من العرب أمام مبنى الإذاعة القريب، فدفعني الفضول ~~إلى التساؤل عما حدث، فلم أجد من الواقفين إلا إجابات مقتضبة مفادها أن أحد الزملاء ~~واسمه «قيس» قد توفي، وأنهم سيتجهون للمشاركة في جنازته؛ فليس له أهل ولا أصحاب ~~سواهم. ومن كان قيس؟ # كان قيس الفلسطيني مذيعا نابها «وقع» في حب فتاة إنجليزية وتزوجها، وبدا للجميع ~~أنه يعيش في سعادة غامرة، ولكن الفتاة لم تلبث أن قلبت له ظهر المجن، ويبدو أنها ~~كانت على علاقة مع شخص آخر فطلبت منه الطلاق فرفض، ولم يكن القانون الإنجليزي يسمح ~~بالطلاق آنذاك إلا في حالة من ثلاث حالات هي ثبوت الخيانة الزوجية ~~(adultery) # أو الهجر ~~(desertion) ~~(لمدة عامين) أو القسوة ~~النفسية ~~(mental cruelty) # وكانت أيسر هذه الحالات عمليا هي الحالة الأولى إذ يذهب ~~أحد الزوجين إلى فندق مع شخص آخر ( # co-respondent ~~) ~~ويسجلان اسميهما في دفتر النزلاء، مما يعتبر دليلا على وقوع الخيانة، وجريمة ~~الزنا في ذاتها لا عقاب عليها، ولكن توابعها ~~المالية باهظة، فالطلاق معناه اقتسام كل أملاك الزوج من عقارات ومنقولات وأموال سائلة ~~بين المطلقين، إلى جانب تحمل مصاريف التقاضي وهي تبلغ آلافا مؤلفة. وقد تغير ~~ذلك القانون عام 1969م فأصبح يسمح بالطلاق أو قانونا بإلغاء الزواج ~~( # decree nisi ~~) في حالة انهياره دون أمل ms333 في الإصلاح ~~( # irreparable breakdown of marriage ~~) ولكن القانون ~~القديم كان ما يزال ساريا آنذاك، وامرأة قيس تريد التحرر، وهو يعارض، وذات صباح ~~دهمته بسيارتها فأردته قتيلا. # وقع الحادث أمام منزلهما، تحت سمع الجيران وبصرهم، ولم يكن هناك أدنى شك في أن ~~القتل متعمد، وكانت جلسة التحقيق الأولى ( # the coroner’s ~~inquest ~~) قد سجلت ذلك، وأصبحت الزوجة «مشتبها فيها» وإن لم ~~توجه إليها التهمة فأفرجت الشرطة عنها بكفالة ~~(on bail) ~~. ولم تمض أيام حتى سمعنا من يقول إنها أتت بشهود يقطعون بأن ~~فرامل السيارة كانت قد تعطلت عن العمل، وأن توصيف الجريمة تحول من القتل العمد ~~(murder) # إلى القتل الخطأ ~~(manslaughter) # ورغم توجيه التهمة رسميا إلى الزوجة، فإن بعض الجيران ~~قد عدلوا عن أقوالهم، وتناقضت الأدلة، ولم تلبث أن ضاعت التفاصيل في أروقة المحاكم، ~~ولم يكن لقيس من يرثه أو يطالب بحقوقه، ولم يكن له من يستطيع توكيل محام للمطالبة ~~بحقوقه أو إثبات الوقائع التي حدثت، فأصدرت المحكمة بعد فترة حكما مع وقف التنفيذ، ~~وعادت الزوجة إلى الحياة حرة طليقة! # كان الوجوم الذي علا الوجوه في ذلك الصباح ذا جذور عميقة، وكان العرب في لندن يشعرون ~~بأنهم لا حول لهم ولا طول، وأن دم قيس المهدر رمز لما أهدروه حين اختاروا الحياة ~~في الغربة، وكانت المناقشات تميل أحيانا إلى العنف، وذات يوم كنت في مكتب ترجمة ~~الخطابات، وكنت أقنعت سامي أبو طالب بأن يتقدم للوظيفة الشاغرة فتقدم وحصل عليها ~~وكان يجلس مكان إفادات كيبرون، فسألته عن رأيه في مقتل قيس فقال بهدوء هزني هزا: ~~«على من يقبل الحضارة المادية أن يتحمل النتائج!» فسكت وعدت إلى العمل، وعندما ~~جاء عزت أبو هندية (وكان من عادته التأخر) وسأل عن سبب وجومنا وقلت له السبب قال ~~بلهجته الدمياطية: «الإنجليزيات يدفعن إلى الجنون! وهذا سبب إحجامي عن الزواج!» ثم ~~التفت إلي وقال لي: «لقد أحسنت بالزواج من مصرية، فسوف تعود معها إلى مصر .. إنها ~~صمام الأمان.» ولم أفهم جميع دلالات قول سامي وقول عزت إلا بعد ms334 سنوات طويلة في ~~الغربة. # 2 # كان خالي الدكتور كمال (وهذا اسم شهرته) يزورنا كثيرا في منزل الطلاب مع زوجته وكنا ~~نتردد عليه كثيرا؛ إذ كان يقيم قريبا منا، وكان يتابع أخبارنا ويخرج معنا في رحلات ~~نادي الطلاب العرب، فزرنا بعض المدن الساحلية والشمالية، وقمنا بنزهات كثيرة، ولكن رفع ~~المصاريف الدراسية في الجامعات جعل نهاد تصمم على الحصول على عمل؛ فدون الدخل ~~الإضافي لن تتمكن من الالتحاق بالجامعة للدراسة (الماجستير مثلا أو الدكتوراه) وذات ~~يوم قادتني خطاي عبر الحديقة إلى الجانب الآخر منها، حيث رأيت سفارة السودان، وكنت ~~أعلم أنهم يحتاجون إلى موظف في قسم العلاقات الثقافية الذي كان يرأسه حسن عباس (وقد ~~علمت أخيرا أنه توفي) فدخلت وسلمت وطرقت باب قسم العلاقات الثقافية فوجدت ~~اثنتين إحداهما في مقتبل العمر وسمراء، والأخرى في منتصف العمر وبيضاء تسمى مسز ~~مويلان (وهي أيرلندية) وحادثت الكبيرة عن الوظيفة، وقلت لها إن زوجتي تريد أن تتقدم ~~لها وإنها مصرية. فسألتني سؤالا واحدا: هل تعرف الإنجليزية؟ وقلت لها بل تعرفها ~~خيرا مني. فقالت لي أرسلها لي غدا صباحا. وفي الصباح ذهبت مع نهاد، وبعد دقائق ~~معدودة قضتها في مناقشة سريعة خرجت نهاد لتقول لي: اذهب أنت .. سأبدأ العمل ~~اليوم! # د. مصطفى كمال بدر الدين وزوجته اعتدال، ود. نهاد صليحة. # كان الشتاء قد بدأ يطوي صفحته ولاحت بشائر الربيع، وكنا نخرج كل صباح فتتجه نهاد إلى ~~الحديقة لتذهب إلى العمل سيرا على الأقدام، وأركب أنا المترو إلى العمل، ومنه إلى ~~الكلية، وكنت قد وضعت الجدول الزمني للانتهاء من الرسالة في مايو، حتى أستطيع أن ~~أنتهي من إجراءات المناقشة قبل نهاية العام الدراسي، ولكن مايو أتى بما لم يكن في ~~الحسبان؛ إذ وردت الأنباء بأن العلاقات قد توترت بين إسرائيل وسوريا، وأن إسرائيل ~~تحشد قواتها على حدود سوريا تمهيدا لغزوها، أو على الأقل لاحتلال هضبة الجولان التي ~~كان الفلسطينيون يستخدمونها في قصف المستوطنات الإسرائيلية. كنا حتى ذلك الحين نتابع ~~أنباء الوطن دون حماس كبير؛ فلكل منا مهمة عليه ms335 الانتهاء منها، ولا يستطيع طالب ~~البعثة أن يشغل نفسه بالسياسة كثيرا، ولكننا لم نستطع أن نتجاهل أنباء التهديد ~~بالغزو أو الحرب، وكانت الإذاعة والصحف المحلية مشغولة بنقل أنباء حرب فيتنام، وتورط ~~أمريكا في تلك الحرب يزداد، والفظائع تهز ضمائر الكتاب والمعلقين السياسيين، ~~خصوصا استخدام النابالم ~~(napalm) # وقتل المدنيين ~~العزل، وأحاديث الرئيس الأمريكي لندون جونسون مفزعة، والأهوال مخيفة مرعبة، ~~والإنجليز ما يزالون يذكرون أهوال الحرب العالمية الثانية ويعارضون في أعماقهم ذلك ~~التورط الأمريكي الذي أصبح يتخذ صورة البطش السافر. # ولذلك فعندما تجمعت سحب التوتر والحرب في سماء الشرق الأوسط وجد فيها الصحفيون ~~فرصة لتحويل الأنظار عن فيتنام، ووجد فيها رجال الإعلام اليهود بصفة خاصة فرصة لشغل ~~الرأي العام بقضية أخرى أقرب إلى اهتمامات الإنجليز المباشرة، خصوصا لأن الكثيرين من ~~كبار السن في بريطانيا كانوا قد شاركوا في الحروب الاستعمارية القديمة، أو هم يذكرونها ~~بوضوح، وكانت منطقة الشرق الأوسط تمثل للكثيرين «مسارح شباب»؛ فالبعض حارب في الحرب ~~العالمية الأولى، والبعض في الثانية، وكانت العراق وبيداء الشام وفلسطين والصحراء ~~الغربية المصرية مناطق ذات ذكريات حية في نفوسهم، وكنت ما أزال أذكر المستر بيفن ~~وهو شيخ في أرذل العمر، يعيش في منزل ضخم ذي حديقة فسيحة، وكان سامي أبو طالب قد ~~أخذني لزيارته ذات يوم؛ لأنه كان يقيم في المنزل قبل الانتقال إلى فنزبري بارك، وكان ~~أطرف ما حدثني به سامي عنه هو أنه كان يعتمد تماما على عجوز ترافقه ليل نهار حتى ~~تصور سامي أنها زوجته، وعندما ذكر سامي ذلك له هال المستر بيفن ما يسمع، وقال له ما ~~معناه «حاشا لله أن تكون زوجتي. إنها ترعاني فحسب!» وكنت حين زرته مع سامي قد أيقظت ~~حواسي كلها لالتهام ألفاظ ذلك الهرم، وكان يتحدث مثل الشخصيات المسرحية التي ~~يصورها الكتاب (وكان قد ذكرني بشخصية سبونر في مسرحية «العزلة» لهارولد بنز) فهو ~~يتكلم في عبارات متوالية مثل طلقات المدفع ثم يردفها بسؤال إلى سامعه، دون أن يتوقع في ~~الواقع إجابة أو تجاوبا، وانطلق في ذلك ms336 اليوم يتحدث عن ذكرياته في العراق إبان ~~الحرب العالمية الأولى، فأسهب وأطال، وعندما أتت المرأة بالشاي ونحن نستمتع بدفء ذلك ~~النهار، لاحظت أن بيفن قد شردت به الذكريات فقالت له مؤنبة: «يكفي ذلك يا كريس! ~~تعلم أن ذلك مضر لك.» ولم أفهم ما تعني إلا بعد أن شرحت لنا العجوز أنه كان ينسى ~~نفسه حين يسترسل في ذكرياته ويتوقف عند حادثة أسره في شمال العراق، ثم يعاني من ~~الكوابيس التي تأتيه ليلا فيصدر أصواتا مزعجة ويوقظها بصراخه وعويله! # تذكرت تلك الحادثة بوضوح، ثم ذكرت أن مشرف النظافة في بيت الطلاب نفسه كان ~~دائما يقول لي إنه حارب في مصر، وكان يستوقفني بعد عودتي أو إذا صادفني واقفا في ~~الردهة ليحدثني عن قناة السويس، وكذلك كان أحد البوابين - وكان فارعا ذهب شعر ~~رأسه ويلبس نظارة طبية سميكة - وكان منظره يوحي بالأستاذية والاحترام، وكان كثيرا ~~ما يسر إلي بأخبار الطلاب، ويهوى الغمز واللمز، ولم أكن في البداية أفهم كلامه، ~~ثم علمت منه فيما بعد أنه كان يعمل في سلاح التموين بالجيش البريطاني في فلسطين، وكان ~~يمارس هواية تقديم الخدمات الغرامية للضباط (ويبدو أنه احترفها فيما بعد) إذ كان يتحدث ~~بخبرة العارف المحيط ببواطن الأمور عن «الفتيات اليهوديات» ومزاياهن. ويبدو أنه كان ~~حزينا عندما اضطر إلى الرحيل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ونشوب الحرب بين ~~العرب وإسرائيل في عام 1948م، وكنت أشعر من حديثه أنه يندم على تحويل الفندق إلى بيت ~~للطلاب؛ إذ كان يستطيع في الأيام الخوالي أن يواصل هوايته الخبيثة، وكان أسلوبه في ~~الحديث يؤكد إتقانه لهذه الهواية (أو الحرفة) فقد كان يحب الهمس والحديث الملتوي، ~~ولكن دون حركات الأيدي، وكان ذلك هو أهم ما يفرق بينه وبين الطائفة التي ينتمي إليها ~~أمثاله في مصر. # هؤلاء الإنجليز الذين يقرءون الصحف يريدون أخبارا عما يعرفونه، وهذا هو ما انتبه ~~إليه رجال الإعلام فحولوا دفة التركيز من فيتنام إلى الشرق الأوسط، خصوصا وأنهم لم ~~ينسوا هزيمة «إيدن» في عام 1956م، والانتصار المعنوي الكبير ms337 الذي حققه العرب على ~~أطراف العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل)، كما استغل الإعلام عداء الحكومة ~~البريطانية لجمال عبد الناصر باعتباره الزعيم الذي ساهم في تقويض الإمبراطورية ~~البريطانية، وكان ما يزال يعمل على مناهضة النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، بل ويحارب ~~ذلك النفوذ عمليا في الجزيرة العربية، فكان اسمه رمزا لما يحب الإنجليز أن يحاربوه، ~~وكان اسمه هو الراية التي يجتمع العرب في ظلها في كل مكان؛ فلقد كان «المعنى» الجديد ~~والهوية الجديدة للكيان العربي، وكنا نرفع الرأس في كل مكان فنحن من بلد ناصر، وكان ~~الكثيرون يحادثوننا بتعاطف المؤمن بالوجود العربي، وبالتاريخ العربي، وكانت أنباء ~~التوتر في الشرق العربي باختصار موضوعا حيا، يضمن لقراء الصحف مادة ~~ساخنة. # وعندما تعالت أصوات بعض العرب تتهم عبد الناصر بأنه سمح لقوات الأمم المتحدة ~~بالمرابطة في خليج العقبة على أرض مصرية، طلب عبد الناصر من أو ثانت ( # U ~~Thant ~~) و # U ~~(أو) تعني السيد فحسب، ~~الأمين العام للأمم المتحدة سحب تلك القوات في 17 مايو، وانصاع «أو ثانت» للطلب، ~~وخرجت الصحف البريطانية يوم 18 مايو 1967م، تحمل أنباء انسحاب القوات الدولية، ونشرت ~~صحيفة الجارديان الصورة صباح ذلك اليوم (وكان يوم خميس) صورة جمال عبد الناصر بطول ~~الصفحة الأولى، ومعها عنوان مثير هو «عبد الناصر بطل العرب دون منازع». وعلى امتداد ~~أسبوعين كاملين سادت أنباء «أزمة الشرق الأوسط» أجهزة الإعلام، وأصبحت الحديث اليومي ~~للعرب في كل مكان، وعندما قابلني «سوخديف» الهندي في الكلية وفتح معي الموضوع قلت له: ~~«لقد حان وقت محاسبة اليهود على ما فعلوه بأبناء فلسطين.» ولم يكن أحد يدري بما يدور ~~في كواليس السياسة الدولية، ولا داعي للإفاضة فيما أفاض فيه المؤرخون، وما كشف عنه محمد ~~حسنين هيكل النقاب؛ فأنا أروي فقط ما حدث لي في الغربة، وكيف عشنا تلك الأيام. # وتحول كل اهتمامي باللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي إلى تساؤلات عن مدى الكذب ~~الذي يعمد إليه أصحاب الصحف. إنه كذب من نوع غريب؛ فهو لا يقدم ما هو «غير حقيقي» ~~بل يعمد ms338 إلى اختيار عناصر بعينها من الصورة فيلقي الضوء عليها، ويغفل عامدا غيرها ~~من العناصر، وبعض الكتاب قد يكون لهم العذر بسبب الجهل مثلا، وإن كان الجهل عذرا ~~قبيحا، ولكن الغالبية لا يعانون من الجهل بل يعملون لما أصبح يسمى «مصلحة البلد» ~~وهو تعبير خبيث لا يقصد به في الحقيقة إلا المصالح المادية البحتة لفئة من ~~المنتفعين بالنظام؛ فقد تكون تلك المصالح مصالح حزبية محضة ومن ثم فهي مصالح الفئة ~~الحاكمة، وقد تكون مصالح اقتصادية أساسا، ولكنها في النهاية تنسب في لغة السياسة ~~إلى «البلد». لم أكن مهموما بسبب ما تقوله الصحف؛ فأنا واثق من عدالة قضيتنا ومما أعرف ~~أنه يتفق مع المثل العليا للأخلاق حتى في بريطانيا (بل وفي كل مكان)، سواء أكان ~~مردها إلى البيوريتانية أم إلى النزعة التجارية. كنت ما أزال أثق في الإنصاف وفي ~~الحق، وأثق قبل ذلك كله في نقاء نية زعيمنا، والجميع يشاركني في ذلك، ولا أستطيع أن ~~أكتب عما لم أكن أعرفه من ملابسات وأسرار، فأنا في الغربة أسمع ما يقال وأقرأ ما ~~يكتب فحسب، وسموم الدعاية الإنجليزية لا تقلق بالي، بل تدفعني إلى التفكير ~~فحسب. # وعندما تصاعدت الأزمة لجأت إلى أحد زملائنا وهو الدكتور مسعد حجازي الذي عمل بعض ~~الوقت ضابطا وشارك في حرب اليمن، فبث في نفسي قدرا كبيرا من الاطمئنان، ولكنني ~~كنت في حاجة إلى أن أستمع إلى إذاعة القاهرة، فأتى محمد مصطفى رضوان بجهاز الراديو ~~الضخم الذي يملكه إلى غرفتنا وكان قادرا على التقاط بث إذاعة مصر، واستمعنا في يوم ~~الأحد 4 يونيو إلى المؤتمر الصحفي الذي تحدث فيه عبد الناصر، وكان شامخا مهيبا، ~~وجاءت أنباء الصلح مع الملك حسين، واستعداد الدول العربية الأخرى للوقوف إلى جانب مصر ~~إذا نشبت الحرب، فازداد اطمئنان الجميع، وأوينا إلى مخادعنا هانئين. # وفي صباح الإثنين 5 يونيو كنت قد قررت عدم الذهاب إلى الجامعة؛ لأن الملكة الأم ~~كانت ستفتح جناحا جديدا بالكلية، والأفضل في هذه الحالة هو العمل في قاعة الدرس ببيت ~~الطلاب، وبعد ms339 فترة لا أدري كم طالت، وكانت عقارب ساعتي تشير إلى التاسعة، جاءني محمد ~~مصطفى رضوان مهتاجا؛ ليقول لي: «هل سمعت الإذاعة؟ لقد بدأت الحرب!» وحملت كتبي في ~~عجلة وأعدتها إلى الرفوف، وجلست في غرفتي معه (وكانت نهاد قد خرجت إلى العمل) أستمع ~~إلى صوت جلال معوض وهو يهدر، ويعلن إسقاط الطائرات الأجنبية، ثم وهو يعلن أن الأردن ~~دخلت الحرب وتقدمت «واحتلت جبل المكبر في القدس.» وقلنا جميعا الله أكبر! ~~وتوافد العرب علينا حتى امتلأت الغرفة، ثم جاءنا من يقول: إن الإذاعة البريطانية تزعم ~~أن الطائرات الإسرائيلية قد دمرت الطائرات المصرية وهي في مرابضها على الأرض! كذب ~~فاضح! وصحنا جميعا هذا ما لا يكون أبدا؛ فلقد فعلها الإنجليز والفرنسيون من قبل، ~~ولكن إسرائيل لا تستطيع أن تفعلها أبدا! وخرجت إلى الطريق فاشتريت صحيفة المساء # The Evening Star # التي تصدر أولى طبعاتها في ~~العاشرة صباحا، فوجدت التفاصيل المفزعة عن ضرب الطيران المصري، وعن القتال الدائر ~~في سيناء وفي هضبة الجولان وفي الضفة الغربية! محال محال محال! وعندما عادت نهاد ~~في الخامسة من العمل، لم يكن لنا هم إلا متابعة الأنباء، فاجتمعنا في القاعة ~~المخصصة للتليفزيون؛ حيث أذاعت الإذاعة جانبا من الحديث الذي أدلى به عبد الناصر، ~~ثم تحقيقا مصورا عن ضرب الطائرات المصرية، وقال المعلق العسكري في النهاية: «لقد ~~انتهت الحرب فعليا على الجبهة المصرية في الساعات الأولى من هذا الصباح، فلن يستطيع ~~الجيش المصري أن يصمد للقتال في سيناء دون غطاء جوي.» # د. محمد نوح، د. محمد مصطفى رضوان عام 1967م. # ويعلم الله كيف قضينا تلك الليلة، وفي الصباح الباكر خرجت الصحف جميعا وعلى صدر ~~صفحاتها خرائط وصور فوتوغرافية، وتصريحات لا نهاية لها، وتعليقات، وكنت أترجم ما ~~أقرأ والعرب حولي يستمعون حتى حل المساء فانصرفوا، وفي صبيحة اليوم الثالث (الأربعاء) ~~سمعت جلال معوض يقول إن تحولا قد وقع في سير المعارك؛ إذ تدخلت طائرات أجنبية ~~فتأكدنا أنه يعني الطائرات البريطانية والفرنسية؛ ومن ثم أرسلت استقالتي إلى ماري ~~بيرتون فمن المحال أن ms340 أعمل في جهة معادية، ولو كانت رسميا مستقلة عن الحكومة، ~~وانتابني مرض غريب لا أعرف وصفا له حتى الآن؛ إذ كنت في شبه غيبوبة، فاستدعت نهاد ~~الطبيب، وعندما فحصني بدت عليه علامات الحيرة، وقال إنها إنفلونزا مصحوبة بارتفاع ~~مفاجئ في الضغط، ووصف عدة أدوية خرجت نهاد فأحضرتها، ومكثت في قبضة ذلك المرض أكثر من ~~أربع وعشرين ساعة، ونهاد يعتصرها القلق ولا تفارقني، حتى تماثلت للشفاء ~~واطمأنت، وأعلن الراديو قبول قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، وقال إن ~~عبد الناصر سوف يوجه حديثا إلى الأمة في المساء. # د. محمد نوح 1967م. # واجتمع العرب في نحو الخامسة مساء في غرفة سيدة أردنية كانت حاملا ولديها مذياع ~~ممتاز يمكن الاستماع فيه إلى معظم المحطات العربية، وفي نحو الخامسة والنصف بدأ ~~عبد الناصر حديثه فروى الخدعة التي تعرض لها، ويبدو أنني لم أكن منتبها لدلالة ما ~~يرمي إليه، ولم أنتبه إلا إلى السيدة وهي تصرخ وتلطم وتقول: «لا لا يا عبد الناصر! ~~لا تتركنا!» وكان لم يعلن بعد عن القرار الذي قرر أن يتخذه ولكنها أحست بفطرتها ~~بما يرمي إليه، فبدأ بكاء وعويل غريب؛ ومن ثم اصطحبت نهاد وخرجنا من المبنى وطفقنا ~~نسير ونسير كأنما لنستوعب ما حدث، هل نصدق ما تقوله الصحف البريطانية؟ هل وصل اليهود ~~فعلا إلى قناة السويس؟ وفي ثلاثة أيام؟ ألم نحارب حقا؟ هل دمر سلاح الطيران ~~المصري؟ وأهم من ذلك كله، هل فقدنا عبد الناصر؟ # ولم نعد إلا في ساعة متأخرة، ولم نستغرق في النوم إلا هما وكمدا، وفي التاسعة ~~صباحا طرق أحدهم على الباب فقلت له تفضل فإذا به محمد مصطفى رضوان يقول لي إن ~~الجماهير في القاهرة قد خرجت في مظاهرات تطالب عبد الناصر بالعدول عن قرار التنحي. ~~ولم تغرب شمس يوم الجمعة حتى قبل عبد الناصر أن يعود وإن استمرت الجماهير في ~~الإعراب عن حبها وتأييدها له في اليوم التالي، وتنفسنا الصعداء، وإن كنا ما نزال ~~نتابع أخبار الحرب على الجبهة السورية، وكانت أنباء ضياع القدس ms341 قاتلة، وضياع الضفة ~~الغربية، وما إن حل الأسبوع الجديد حتى توقف إطلاق النار على جميع الجبهات، ستة أيام ~~عصفت بنا قبل أن تعصف بالجميع؛ فنحن نعيش وسط الأعداء، وكان موقف العرب الذين يعملون ~~في الإذاعة لا يحسدون عليه، وكان الهنود يسألونني لماذا لم تطلقوا الصواريخ؟ وكان ~~معظم الإنجليز لا يدرون حقيقة ما جرى رغم كم الألفاظ الهائل المنهال عليهم ليلا ~~ونهارا، وكان خالي الدكتور كمال يعتصره القلق على أسرته في الإسكندرية، فقرر ~~الرحيل مع زوجته وقطع فترة عمله في لندن، وظل يتردد على شركات الطيران حتى وجد ~~مكانين على إحدى الطائرات بصعوبة بالغة، وبتنا وحدنا نواجه صيف النكسة. # 3 # وحاولت استعادة توازني فذهبت إلى الكلية لمقابلة المشرف، فحدد لي موعدا في يوم ~~الإثنين التالي، وعندما قابلني بدا عليه التعاطف وقال لي «ماذا كنت تفعل؟ الأنباء من ~~مصر لا تساعد على التركيز!» وعجبت لتلك «المخافضة» ~~(understatement) # في التعبير، وناقشته في مستقبل العمل، واتفقنا على أن ~~نحاول وضع الرسالة في صورتها النهائية في سبتمبر، وأن أتقدم للامتحان في أكتوبر. ~~وعدت للعمل الدراسي بانتظام، ولكنني لم أكن أستطيع التركيز فيما أقرأ، وكانت ليالي ~~صيف يوليو مشحونة بالكوابيس، وكنت أحلم وأنا بعد يقظ أحاول الاستغراق في النوم، ~~كنت أحلم حلما لا يتغير ولا يتبدل، وهو أننا أعددنا الصواريخ سرا، وفاجأنا العدو ~~فدمرناه تدميرا، وكنت أسرح في تفاصيل الأسلحة التي سنستعملها، ثم أرسم لنفسي صور ~~الأنباء التي ستنقلها أجهزة الإعلام، وما إن يشرق الصباح حتى نعود إلى النقاش فيما ~~حدث، وكيف حدث - ولماذا حدث؟ # ووصل إلى لندن بعض الضباط الذين أصيبوا في الحرب للعلاج، وكان من بينهم رائد يدعى ~~حسيب أصيب بقنبلة نابالم في سيناء، وهذا النوع من القنابل المحرمة دوليا يشعل ~~النار التي لا يطفئها شيء، ولحسن حظه كان يرتدي بلوفر ذا أكمام طويلة وكان يرسل ~~لحيته فخلع البلوفر المشتعل وأكلت النار لحيته، وكنا قد خرجنا في رحلة من رحلات ~~نادي الطلاب العرب، فانطلق يقص علي ما فعله الإسرائيليون، وكيف حاربوا، وقال لي ~~تفصيلا ms342 كيف كانوا يحاصرون إحدى الكتائب بست وعشرين بطارية مدفعية ولا يتوقفون ~~إلا بعد تدمير الكتيبة، ثم ينتقلون إلى غيرها، ولا منجاة لكتيبة في الصحراء لا تملك ~~من سلاح الجو ما يعوضها عن العراء المفزع. وتوالت لقاءاتنا مع القادمين من مصر، ~~وتوالت متابعتنا للصحف المصرية، حتى جاءت سميرة قنديل التي كانت تعد رسالة ~~للدكتوراه في الزراعة بعد أن جمعت المادة العلمية من مصر وقالت لنا في أسى إن أهلها ~~لم يعلموا أن اليهود قد وصلوا إلى القناة إلا في سبتمبر! وفي سبتمبر بدا أن الجميع قد ~~استعادوا توازنهم، وكثرت اللقاءات التي كنا نعقدها في نادي الطلاب العرب، ووصلني ~~خطاب من إدارة البيت يقول إن علي أن أرحل بعد أن انتهى العامان الدراسيان المسموح ~~بهما، وكنت شاهدت العمل وهو يجري على قدم وساق في بيت قديم قريب من بيت الطلاب في ~~شارع ساسكس جاردينز # Sussex Gardens # وقد علقت عليه ~~لافتة تقول إنه سوف يصبح بيتا جديدا للطلبة اسمه النادي الدولي للطلاب # International Students Club # فقدمت ~~طلبا وتحدد أكتوبر موعدا للانتقال. # في سبتمبر رن جرس التليفون، وسمعت صوتا يتحدث بلهجة إسكندرانية بها مسحة لا ~~تكاد تبين من اللهجة غير المصرية، وقال إنه يحمل رسالة لي من خالي الدكتور كمال، ~~فهبطت إليه وقدمته إلى المديرة فحجزت له غرفة مستقلة، وكان اسمه الدكتور محمد ~~صديق نوح، وكان طبيبا يدرس للحصول على الزمالة، وهو مولود في الإسكندرية من أم ~~سكندرية، وزوجته «فتان» سكندرية، ولكن أباه سعودي؛ ولذلك كان يحمل الجنسية السعودية. ~~وسرعان ما توثقت عرى الصداقة بينه وبيني وبين نهاد، وعندما علم أننا نعتزم الانتقال ~~إلى بيت طلاب جديد، قرر الانتقال معنا، وانتقل محمد مصطفى رضوان إلى غرفة في منزل ~~قريب من المنزل القديم، وكان الأصدقاء السوريون قد رحلوا بعد أن حصلوا على الدبلوم، ~~وكذلك رحل الليبي عيسى موسى، بعد أن أنجب طفلا لم يسمه محمدا، وتفرق الشمل، ~~وكشر عام النكسة عن أنيابه، ولم تنقطع صلتنا بالدكتور نوح حتى هذه اللحظة (1999م)؛ ~~فهو حتى بعد أن ms343 استقر في الرياض يتابع أخبارنا تليفونيا ونتابع أخباره ونحضر أفراح ~~أنجاله. أما محمد مصطفى رضوان فما يزال يتصل بنا تليفونيا من هولندا؛ حيث هاجر ~~واستقر، وأصبح من كبار أساتذة الهندسة الجوية (المساحة الجوية) في العالم، وبعد أن ~~تزوج وأنجب ثم انفصل وتزوج، لكنه ما إن يشاهد أحدنا (أنا أو نهاد) في التليفزيون ~~مثلا حتى يتصل تليفونيا، وقد قال لي في العام الماضي على التليفون إنه عندما يسترجع ~~الماضي يجد لحظات نور لا تنطفئ أبدا عرفها معي ومع نهاد. # كان الانتقال إلى المسكن الجديد يسيرا؛ إذ استعرنا عربة يد ~~(wheel-barrow) # من بيت الطلاب القديم، ونقلنا متاعنا ~~وكتبنا في رحلات متوالية لا أذكر عددها، ثم استقر بنا المقام في غرفة فسيحة ذات ~~مدفأة كهربائية تعمل بالعملات، ولها عداد، وكان للمنزل سلم حلزوني طريف، ~~وكنا نتلقى الخطابات من مصر ونرسل خطابات كثيرة، ولكن صدمة النكسة كانت تطاردني - في ~~يقظتي ومنامي - ففي الغربة يصبح المصري مصر كلها، وعرفنا أصدقاء جددا حول منضدة تنس ~~الطاولة، وكان من بينهم شابان سعوديان مصابان بالصمم ويتعلمان النطق في مدرسة ~~خاصة، وكانا يحادثاننا بالعربية، وما زلنا نذكر أنا ونهاد عبارتهما المشهورة «مخ ~~مفيش» عندما يشيران إلى غباء الإنجليز! وكان صاحب المنزل هو القس لانكاستر الذي قضى ~~شطرا من حياته في مصر مع زوجته وكان يحدثنا بشوق عن أيامه فيها، ويتحدث عنها ~~حديث المحب الوامق. # وفي سبتمبر 1967م، هبت نسمة منعشة من نسمات مصر فأتت إلي في لندن بأستاذ شكري ~~عياد، ولم أكن أتوقع مثل هذه المفاجأة الرائعة فاندفعت في شوق للقائه، وانطلقنا ~~نسير في شوارع لندن، ونستأنف حديثنا في الأدب الذي لم ينقطع من عشر سنوات مضت! كان يسأل ~~وأجيب، وأسأل ويجيب، وعلى كثرة ما سألنا وأجبنا لم نتطرق مطلقا للسياسة، مما أعاد ~~إلي بعض الثقة التي كانت قد اهتزت، كانت ثقة في النفس وفي مصر، وتنوعت نزهاتنا ~~الثقافية فذهبنا إلى المسرح عدة مرات، وإلى السينما حيث شاهدنا فيلم «رجل لكل العصور» ~~المأخوذ عن مسرحية روبرت بولت، وفيلم «ترويض ms344 السليطة» المبني على مسرحية شيكسبير، ~~وشاهدنا مسرحيات لتشيخوف وبرنارد شو وأوسكار وايلد، وكان دائما يتحمل تكاليف ~~التذاكر، ويبدأ حديثه التليفوني بعد السلام بقولة شهيرة هي: «أنا أدعوك.» فإذا عارضت ~~قال لي «إنها دراهم معدودة!» وعندما حان موعد رحيله سألني عن موعد انتهائي من ~~الدكتوراه فقلت له إنني ما زلت أعمل في الماجستير، فقال لي إنه يبدو من مناقشاتنا أنني ~~أسرف في قراءة كتب خارج الرسالة، وقال لي بلهجة الجد «كفاية صرمحة بين الكتب ~~وخلص رسالتك!» وحاولت أن أعمل بنصيحته بعد رحيله لكنني لم أستطع! كانت زيارته ~~كالحلم، وأفقت في أكتوبر على واقع يصعب الفرار منه، والكتب المنوعة المتاحة ~~بقروش زهيدة لا يمكن مقاومة إغرائها. # كان أهم تأثير تركه شكري عياد في نفسي هو السؤال المحير «وبعدين؟» أي وماذا بعد أن ~~ندرس الأدب واللغة؟ وماذا بعد أن نقرأ إبداعات الخيال وتصاوير الواقع؟ كان شكري عياد ~~يطرح الأسئلة التي أثيرت بعد ذلك بعشرين عاما في مؤتمر كيمبريدج عام 1987م، حين ~~انهمك فريق الأساتذة الإنجليز في تحليل معنى «الأدب الإنجليزي» أو ما يمكن تسميته ~~ب «فكرة الأدب الإنجليزي»؛ إذ اكتشفت آنذاك صدق ما دعا إليه شكري عياد من إعادة ~~النظر فيما يسمى ب «أدبية الأدب» وهي التي كان أصحاب البنيوية يدعون إليها بل ~~ويكادون يفرضونها فرضا في فرنسا، وكنت مؤمنا بها بحكم دراستي للنقد الجديد، وهو ما ~~أتت به المدرسة الأنجلوأمريكية، وكان الإنجليز يبدون تحفظاتهم على كل جديد، ويستريبون ~~بكل ما من شأنه التشكيك فيما درجوا على اعتباره «صلب» المنهج الأدبي، ولم أكتشف إلا ~~بعد عشرين عاما ما وراء ذلك كله، ولكنني لن أستبق الأحداث فأعود إلى أكتوبر ~~1967م. # كنت ولا شك أعيش في دوامة يومية؛ فأنا في الكلية أقرأ كتبا في غير الأدب، وفي ~~المنزل أحاول الكتابة فلا أستطيع، وكنت في كل يوم أتخذ قرارا بالتركيز على ~~الرسالة، ثم أعجز عن تنفيذه، وبدأت أتساءل ولو تساؤلات عابرة عن دلالة ما يقال وما ~~يكتب، ثم بدأت أستمع إلى القس لانكاستر وهو يتحدث إلينا ms345 في نبرات واثقة حديث رجل ~~الدين الذي يدعو للسلم بالمعنى النفسي والاجتماعي معا، وتفتق ذهن إحدى الراهبات ~~السابقات (بعد أن تحولت إلى موظفة مدنية في المنزل) عن عقد ندوات يناقش الطلاب ~~فيها أمور الحياة، وكان الموعد في عطلة نهاية الأسبوع - يوم الأحد 22 أكتوبر - وعندما ~~اجتمعنا كنت أشعر بفرح لم أعرفه من شهور؛ إذ قام رجال البحرية المصرية في اليوم ~~السابق بإغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات»، وكان الجميع يقرءون صحف الأحد بحماس شديد، ~~وعندما بدأ النقاش وكان حول الحرب التي تدور في نيجيريا منذ فترة لإنهاء انفصال بيافرا ~~(الإقليم الجنوبي المتمرد) قام أحد أبناء نيجيريا وهو مسلم من الشمال فتحدث بطلاقة ~~لسان وفصاحة يحسده عليها أبناء اللغة، وأسهب في الحديث عن دور الغرب المشبوه في ~~الدول الحديثة الاستقلال، وتحدث عن فظائع زعيم الانفصال، وفوجئت بأن الراهبة السابقة ~~تكاد تعلم كل شيء عن ذلك، وتتحدث حديث الخبير عن الثروة النفطية في الجنوب، وعن دور ~~الشركات الأجنبية في الإيعاز للعقيد أوجوكو بمحاولة الاستقلال بها، وأن المطامع المادية ~~هي التي كانت وراء محاولة الانفصال، وكنت أسمع لأول مرة تعبير «الشركات المتعددة ~~الجنسية»؛ أي # transnational corporations # إذ قالت إن ~~شركة «شل» مثلا هولندية وبريطانية معا، وإن مبيعاتها السنوية تزيد على عشرة آلاف ~~مليون جنيه استرليني، وهالني الرقم وكتبته في مذكرتي، وعندما انتهت سألتها إن كان ~~الرقم صحيحا فأشارت إلى صحيفة في يدها تضع هذه الشركة بين أغنى عشر شركات في العالم، ~~وجاء دوري للحديث عن الشرق الأوسط. # كنت أشعر أن السياسة قد فرضت علي فرضا، وأن اهتماماتي اللغوية والأدبية لن ~~تنفصل بعد اليوم عما يجري في العالم، وأن قدري في الغربة أن أعيش - كما يقول التعبير ~~الإنجليزي - «فوق قمة الأحداث» لا داخلها؛ فالذي يعيش في بلده يعرف أنه واحد من ملايين، ~~وأنه لا طاقة له على تغيير مسارها، أما في الغربة فالمرء يتصور أنه يعرف أكثر من أهل ~~البلد، ويتحدث في الشئون العامة حديث من يعتد برأيه حتى ولو لم يملك القدرة على ~~تغييرها، وكنت ms346 قد استمعت إلى خطاب ألقاه عبد الناصر قبل عشرة أيام تقريبا يوجه فيه ~~أصابع الاتهام إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويؤكد دورها في الحرب، ولا شك ~~أن أحاديث الرئيس الأمريكي جونسون آنذاك كانت تشي بمعرفة ما لا يعرفه إلا أهل ~~الاستخبارات، وكانت الصحف الإنجليزية تنقل عن الصحف الأمريكية بعض المعلومات التي ~~تعد في مصر من الأسرار العسكرية، فعرضت على المجتمعين وجهة نظري وهي أن الهجوم ~~الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن يمثل محاولة من الغرب لإيقاف مسيرة النهضة، وأن ~~له أبعاده الثقافية التي لا تنفصل عن الأبعاد الاقتصادية والسياسية، ودفعني الحماس ~~إلى أن أقول إن أمام العرب حرب بقاء، وإن بذل الروح في سبيلها يهون، ويبدو أنني ~~انفعلت وتهدج صوتي فأشرت إلى أحد الأنباء الصحفية التي تقول إن رونالد ريجان حاكم ~~كاليفورنيا آنذاك نصح جونسون بالتلويح باستخدام القنبلة الذرية في فيتنام، وقلت ~~للحاضرين كيف تقبلون الحديث عما تسمونه «محرقة» اليهود في ألمانيا النازية وتنسون ~~محرقة الفيتناميين؟ # ولم ينقض يومان حتى هاجم الإسرائيليون مصنع تكرير البترول بالسويس، وبدءوا حملة ~~لمهاجمة مدن القناة، وبقية الأحداث معروفة، ولكن كل نبأ يأتي من الوطن كان يعتصر النفس ~~اعتصارا، وكنت أتطلع في بطاقات «الصور الشعرية» التي أعكف على تحليلها في الرسالة ~~فلا أجد فيها إلا الخواء! ولم أعد أطيق المناقشات، وكنت أسير في الشارع فأجد ~~الفتيات يعلقن صورة موشى ديان ذي العصابة حول إحدى العينين، بل وجدت بعض ~~الإنجليزيات ممن كنت أعرف إخلاصهن المسيحي قد اشترين نجمة داود وصرن يتباهين بها! ~~ودخلت مكتبة ذات يوم بالقرب من المبنى الرئيسي للجامعة، وجعلت أتصفح الكتب، ثم ~~لمحتني إحدى البائعات فجاءت تسألني إن كنت من مصر، ولم أكد أومئ حتى قالت: «كيف ~~تسمحون لليهود بذلك؟ إنهم كلاب الأرض!» ولم أجد ما أرد به عليها، وسرعان ما جاءت ~~فتاة أخرى وجعلت تحكي كيف يتآمر اليهود لإغلاق محل # C ~~&A # الهولندي الأصل متهمين أصحابه بأنهم يعادون اليهود ~~(معاداة السامية)، بل وأسهبت في عتابي كأنما كنت المسئول عن الهزيمة! ولم أشتر ~~كتبا ms347 بل خرجت مهموما، وعلمت عند عودتي أنني أستطيع الابتعاد عن ذلك كله إذا ~~انتقلت إلى شقة مستقلة، وخصوصا بعد أن قدمت نهاد طبا لدراسة «الماجستير» في ~~جامعة # Sussex # في جامعة جنوب إنجلترا، ولم يعد عليها أن ~~تعمل، وخصوصا بعد أن تعثر عملي في الرسالة شهورا طويلة. وكانت الشقة في منزل مجاور ~~لمنزل أسقف سابق هو # Bishop Creighton # ولذلك أسموه منزل ~~الأسقف كرايتون تيمنا به، وكان إيجار الشقة المستقلة ثمانية وعشرين جنيها، فقدمت ~~طلبا، وفي نوفمبر جاءني الرد، وكان بالقبول. # وفي أكتوبر أيضا تلقى الدكتور نوح برقية تقول: «وصلت اليوم. توقيع خالد.» ~~وحملتها إليه فطار فرحا، كان خالد هو ابنه الجديد، وقد رزق به بعد رانده ورحاب، ~~فأرسل يستدعي أسرته إلى لندن، ولم تمض شهور حتى حضرت الأسرة، وأقامت في شقة في وسط ~~لندن في شارع اسمه إيفلين جاردنز، وصرنا نتزاور وتوثقت العلاقة الأسرية، كما ~~انتقل محمد مصطفى رضوان إلى غرفة مستقلة مع زوجته هدى نصر، ورزقا في العام التالي ~~بفتاة أسمياها داليا، وما إن حل عام 1968م حتى كانت كل أسرة قد استقلت واستقرت، ~~وانتقلنا نحن إلى شقة في المنزل الذي كان يشار إليه أيضا باسم # The ~~Garden House # في شارع بوثويل # Bothweel ~~، في حي فولام # Fulham ~~. # 4 # كان المشرف دائم السؤال عن الرسالة، ولم يستطع أن يدرك أبدا أن النكسة السياسية قد ~~تسببت في نكسة عامة أصابت المصريين جميعا، وكنا نتابع أخبار الوطن على البعد، ~~ونحاول أن نعزل أنفسنا فلا نستطيع، لكننا بذلنا جهدا كبيرا في سبيل ذلك؛ إذ تركت ~~نهاد العمل، وعدت للرسالة أحاول تعويض ما فات، لكن التغير في موقفي من الحياة ~~الإنجليزية - خصوصا على المستوى العام - كان قد بدأ يتضح في سلوكي وفي قراءاتي، ~~فأصبحت لا أصدق كل ما أقرأ، وتحديدا في أجهزة الإعلام، وأصبحت أومن بضرورة إعادة ~~النظر في كل ما كنت قد بهرت به في عامي الأول، وكانت تلك عملية مراجعة مستمرة لم ~~تتوقف حتى الآن، وقد مر بي حادث ترك أثره العميق في ms348 نفسي، وأكد على ضرورة التريث ~~والتمهل قبل تصديق أي شيء، ولو كان ذلك يتخذ صورة «نتائج علمية» وبخاصة في العلوم ~~الإنسانية. # بدأ الحادث باعتراف أحد أساتذة علم النفس الاجتماعي بأنه زور المادة الإحصائية التي ~~استند إليها في إصدار أحكامه على المستويات الذهنية والنفسية لفئات مختلفة من سكان ~~بريطانيا (وقد روى الحادثة الدكتور زكي نجيب محمود تفصيلا فيما بعد في مقال نشره ~~بالأهرام)؛ ومن ثم اشتعل الجدل حول مصداقية منهج الإحصاء، وامتد إلى صحة وموثوقية ~~(validity and reliability) # الاختبارات النفسية ~~واختبارات معدلات الذكاء ~~(Intelligence Quotient) # وأسهبت الصحف، وبخاصة صحف الأحد، في تحليل دلالة ذلك التزوير ومدى تدخل التحيزات ~~السياسية والدينية والعرقية في الأحكام التي يصدرها «العلماء» على الزنوج مثلا أو ~~على الأيرلنديين. # وتوالت الأصداء حتى اكتسبت أبعاد الأزمة حين طالب بعض الصحفيين بعزل ذلك الأستاذ ~~وإدانته علنا، وإذا بمجلس أمناء الجامعة يصدر حكما بتبرئته من كل شيء، وقال في ~~حكمه: «إنه إذا كانت بعض الأرقام التي وضعها الأستاذ غير مستقاة من الواقع، فهي لا ~~تتنافى مع الواقع، وهي منطقية وتتفق في مجملها مع ما توصل إليه غيره من الباحثين وما ~~توصل هو إليه نفسه من استقراء الوقائع الثابتة.» ومن ثم قرر مجلس الجامعة تثبيته في ~~منصبه، واعتبار اعترافه بمثابة أداة غفران، وصك اعتذار عن ذلك البحث، مما يؤكد أن ~~سائر بحوثه صادقة وهي تؤهله لشغل منصب الأستاذية. # أي إن منطق المجلس كان يقول إن ضمير الأستاذ الذي استيقظ قد نجاه، وإن له ضميرا ~~قادرا على الاستيقاظ دائما، ولكن المعترضين شككوا في الفرضية، وكان من أشد ~~المعترضين الأستاذ المشهور «هانز أيزينك» وهو يهودي من أصل ألماني، كان ينادي مثل ~~الأستاذ المتهم (والمعترف) بالتزوير، بتفوق الجنس الأبيض، بل إن التشكيك في بحث ذلك ~~الأستاذ جعله يعمل على امتداد أربعة أعوام في تأليف كتاب أسماه تفاوت البشر # The Inequality of Man # نشره فيما بعد، بعد أن ~~وضع فيه أدلة إحصائية لا يتصور أن أحدا يستطيع أن يدحضها، وقد يبدو أن تلك مفارقة، ~~وقدم لها ms349 الكتاب تفسيرين، كان الأول كما يلي: # يسود الاعتقاد في الأوساط العلمية الأوروبية أن التعميم خطأ، وأن القاعدة ذات الصحة ~~المطلقة لا تصدق إلا على الجوامد، أما في العلوم الإنسانية فلكل قاعدة شواذ، وعلى كل ~~مؤسسة (مجموعة من العلماء) أن تقدم من حين إلى آخر كبش فداء ~~(a scapegoat) # يعتبر الحالة الشاذة التي تؤكد صحة مناهج سائر ~~العاملين في كل مجال على حدة، وهكذا أراد أيزينك أن يكون ذلك «العالم» هو كبش ~~الفداء، وأن يلفظ من مجتمع العلماء حتى تتوافر للآخرين المصداقية والموثوقية. وأما ~~التفسير الثاني فكان كما يلي: # كان أيزينك قلقا؛ لأن العالم المتهم قد أدرج معايير «تاريخية» و«دينية» تتضمن ~~إدانة للجنس اليهودي؛ ولذلك فإن استبعاده بسب «تزوير الإحصاءات» سوف يضمن عدم المساس ~~باليهود وإنكار القول بأنهم طائفة تتسم بصفات نفسية معينة مما قد يلقي بالشك على ~~أبحاث أيزينك نفسه! ونادى أصحاب هذا التفسير بنشر بحث الأستاذ المتهم (ولم يكن قد ~~نشره إلا في مجلة متخصصة لم تطبع منها سوى مائة نسخة) وتوزيعه على نطاق واسع حتى ~~يستطيع العلماء أن يستبعدوا الإحصاءات المزورة ويدرسوا المنهج «التاريخي» و«الديني» ~~الذي اتبعه في التحليل. # وفي خضم المناقشات نشرت الصحف حادثة الدكتور أشرفي، وهو رجل من أفغانستان، وصفوه ~~بأنه شعلة من ذكاء، جاء قبل عشر سنوات بشهادة مزورة من جامعة كابول تقول بأنه حصل ~~على البكالوريوس في الطب النفسي، وسمحت له السلطات الطبية بممارسة المهنة، فبزغ نجمه ~~فيها وذاع صيته، واغتنى وفتح لنفسه عيادة كبيرة يعمل فيها كثير من الأطباء ~~الإنجليز، وتزخر بالممرضات والأثاث الفاخر والأدوية والكتب، ولم يعد أحد يتساءل عن ~~تخصصه، لا سيما بعد أن أصبحت عيادته كعبة يحج إليها أبناء الطبقة الراقية، بل ~~وأصبح الأجانب يؤمونه، وخصوصا ذوات الثراء الفاحش من الأمريكيات اللائي عجزن عن ~~شفاء أنفسهن في أمريكا! # كان المجلس الطبي البريطاني في حيرة من أمره؛ فقد حكم بشطب اسمه من سجل الأطباء ~~بسبب عدم حصوله على درجة علمية تؤهله للعمل، وطالب بترحيله إلى بلاده، ولكن وزارة ~~الداخلية ترفض ذلك ms350 لأنه تزوج من إنجليزية، وتجنس بالجنسية الإنجليزية، ولم يعد ~~لها سلطان عليه! ومما زاد الطين بلة أن الأطباء الذين يعملون معه شهدوا له ~~بمهارة لا تتوفر في كبار الأساتذة، وكتبوا عريضة ضموها إلى طلب استئناف الحكم ~~الذي أصدره المجلس، وانقسم الصحفيون ما بين مؤيد ومعارض للترحيل، وظهر أيزينك في ~~التليفزيون البريطاني ليعلن إدانته الشديدة لذلك المزور، وليشرح أسباب اعتقاده ~~باستحالة نبوغ رجل من أفغانستان، حتى من باب الاستثناء، مما أثار كثيرا من ~~المشاهدين. # وفي غضون ذلك توفي الأستاذ الذي كان قد اعترف بالتزوير، وفجأة توقفت أنباء ~~المنافسات العلمية، وحل في الصحف محلها نبأ هجوم رأس السنة الذي شنته قوات الفيت ~~كونج على الأمريكيين، وإصدار الرئيس جونسون أمرا بتكليف قرابة خمسة عشر ألفا بالذهاب ~~إلى فيتنام، ولم نعد نعرف ماذا حدث للدكتور أشرفي، ولا ما انتهت إليه قضية ترحيله، ~~وكأنما الأرض ابتلعته! # وفي غمار ذلك كله، وكنا في يناير 1968م، قمت مع الدكتور نوح بزيارة رماح البرعي! ~~كان رماح - وهو سكندري سمين ضحوك - طالبا مجدا في كلية الطب، ثم اكتشف بعد ~~تخرجه أن فرصة عمله بالجراحة محدودة، وهي عشقه الأول والأخير، وكان قد خطب فتاة ~~صغيرة (بطريقة الخاطبة) لكنه شعر بأنه لن يستطيع تحقيق حلمه إلا إذا سافر، فقبل وظيفة ~~جراح مبتدئ بإحدى مستشفيات الكويت، ودأب على الدراسة استعدادا لدخول امتحان ~~الزمالة، ونجح في الجزء الأول، لكنه ظل يرسل المال إلى أهله والهدايا إلى خطيبته في ~~مصر، وتصادف أن مرض أحد أمراء البحرين فجاء إلى العلاج في الكويت، وأجرى له رماح عملية ~~ناجحة، فما كان من الأمير إلا أن بنى له مستشفى خاصا، وفتح له أبواب الممارسة ~~الجراحية على مصراعيها، وتمكن في أثناء ذلك من اجتياز الجزء الثاني من امتحان ~~الزمالة في إنجلترا، فعرضت المستشفى عليه وظيفة استشاري! وكان على رماح أن يقرر ما ~~يفعل؛ إذ ارتبط قلبه في الغربة بحب فتاة كويتية، وخطيبته في مصر قد بلغت الخامسة ~~والعشرين وما تزال تنتظره، ولم يتردد رماح طويلا بل ذهب إلى الإسكندرية، ms351 وزار أهل ~~خطيبته وصارحهم بالموقف، وعرض عليهم أي تعويض مالي يطلبونه، وطلبوا ثلاثين ألف جنيه ~~فلم يعترض، وأودع لهم المال في البنك، وعندما أحس بالرضا عاد إلى الكويت. وهنا عرض ~~على حبيبته الزواج بشرط الإقامة الدائمة معه في لندن، فوافقت وسافر العروسان! # وعندما زرناه حانت فسحة القهوة، فإذا به يخرج من درج مكتبه رغيفا ضخما (فينو) ~~وشرع يأكل بعد أن دعانا إلى مشاركته، وكلانا مثله نحب الطعام، ولكننا اعتذرنا، فقال ~~شارحا: «أصل مراتي ما تحبنيش أجوع.» وأظن ظنا أن الساندويتش كان يتضمن لحما وبعض ~~شرائح الطماطم والخيار، وكان رماح قد انتهى لتوه من عدة عمليات جراحية ناجحة، وانطلق ~~يحدث الدكتور نوح عنها، وكنت أتابع مناقشتهما بدهشة وإعجاب! # 5 # كان اللقاء مع رماح البرعي، على طرافته، بالغ الأثر في نفسي، فإذا كان قد أعاد لي ~~بعض الطمأنينة بتأكيد ذكاء العربي ومهارته، فلقد أكد لي أيضا أهمية ما قاله شكري ~~عياد عن «الدلالة»؛ فالمادة الإنسانية التي يشكلها الأديب لا تقل دلالتها عن الصور ~~والأبنية الجمالية التي ينشئها أو يحاكيها أو يقتبسها ويعد لها. وسواء قصصت ~~قصة رماح ببراعة القاص المحترف أم رويتها عارية عن الأشكال الأدبية التقليدية أو ~~المبتكرة، فسوف تظل المادة الإنسانية زاخرة بالدلالات، وسوف يكون تجاوب القارئ ~~العربي معها بمثابة الإجابة على سؤال شكري عياد «وبعدين؟» نعم نحن نحتاج إلى الأدب ~~لأننا نحتاج إلى أن نعرف رماحا، ونحتاج إلى أن نزيد وعينا بالحياة! وعندما ركبنا ~~الأتوبيس الذي سوف ينقلنا إلى أقرب محطة للمترو، لاحظ الدكتور نوح أنني كنت شارد ~~اللب، فسألني عن سبب شرودي فقلت له: «أبدا .. بس مستغرب شوية.» فأدرك أنني أفكر ~~في قصة رماح، فقال بلهجة ابن البلد الصادقة: «أمال لو شفت الأجهزة اللي عندهم!» ~~ولكنني لم أكن مبهورا بنظافة المستشفى ونظامها، بل كان ما يشغلني هو ذلك الهم الذي ~~كتب علي أن أحمله مدى الحياة - ألا وهو التساؤل مع شكري عياد عن الدلالة! # وعدت إلى الرسالة أتأمل ما قطعت فيها من أشواط، وما بقي من جهد لا ms352 أقوى على بذله، ~~وتساءلت من جديد: ترى أستطيع أن أقلع عن «الصرمحة» بين الكتب، وأنتهي من الرسالة ~~عملا بنصيحة شكري عياد؟! وقررت أن أحاول من جديد، وإن كانت الضائقة المالية ~~تتطلب البحث عن عمل، وكنت أرجو أن يكون هذا العمل ذا طابع منتظم حتى لا أكابد ~~هذا العناء، ولجأت من جديد إلى أصدقائي في الإذاعة، فوجدت أن الجميع يؤكدون أن ~~بريطانيا لم تشارك إسرائيل في العدوان على مصر، وقال بعضهم إنني أخطأت حين استقلت، ~~وإنهم سوف يرحبون بعودتي، ولكنني لم أتحمس لموضوع الخطابات! # وجاء نهاد خطاب من جامعة ساسيكس # Sussex # يقول لها إن ~~الجامعة قد وافقت على تسجيلها اعتبارا من خريف 68 بشرط اجتياز المقابلة الشخصية، ~~وكانت عندما تقدمت بطلبها أول الأمر طلبوا منها إرسال نموذج من كتاباتها، فكتبت ~~بحثا عن الروائي جوزيف كونراد عنوانه «ازدواج الوعي عند كونراد» ولاقى القبول، وتحدد ~~لها موعد للمقابلة، وذهبنا بالقطار إلى مدينة برايتون # Brighton # الساحلية، واتجهنا إلى الجامعة، وبعد المقابلة (وكانت مع ~~الأستاذ ليرنر مؤلف كتاب كوميديات شيكسبير) قيل لها إنها يجب أن تقيم في مكان لا ~~يبعد أكثر من 11 ميلا عن الحرم الجامعي، ولما كان ذلك عسيرا، فقد قدمنا طلبا ~~لالتحاقها بالمدينة الجامعية، وعدنا إلى لندن. # وعندما عدت من الكلية في اليوم التالي وجدت خطابا من منير عبد النور رئيس وحدة ~~بحوث المستمعين يخبرني فيه أن قسم الاستماع بالإذاعة قد أعلن عن مسابقة للتعيين في ~~وظيفة مترجم للمواد الإذاعية التي تبثها المحطات العربية، خصوصا نشرات الأخبار ~~والتعليقات السياسية، وأنني يجب أن أقدم طلبا على وجه السرعة إن كنت أحب هذا ~~اللون من الترجمة! واتصلت تليفونيا بمنير عبد النور أسأله عن التفاصيل فقال لي ~~إنني أستطيع أن أعمل في عطلة نهاية الأسبوع وأتفرغ باقي الأيام للدراسة، وفرحت بذلك ~~وقدمت الطلب، وتحدد يوم الامتحان، وذهبت إلى مبنى الإذاعة الرئيسي في لندن وكان ~~الامتحان يستغرق ثلاثة أيام؛ الأول للترجمة التحريرية من العربية إلى الإنجليزية، ~~والثاني للاستماع؛ نشرات عربية يستمع المتقدم إليها ويترجمها كتابة فور ms353 سماعها، ~~والثالث للمعلومات العامة بالإنجليزية. وكان عدد المتقدمين نحو عشرين من مختلف الأعمار ~~والجنسيات، وكنت واثقا من نجاحي. # وبعد نحو أسبوعين جاءني خطاب يحدد لي موعدا للمقابلة الشخصية، فأدركت أن ~~إجاباتي لاقت القبول، وكان مكان المقابلة خارج لندن، في مكان يدعى كافرشام # Caversham # وهي قرية على مشارف بلدة ريدنج # Reading ~~(تنطق ردنج # reding ~~) التي تبعد عن لندن نحو 35 ميلا يقطعها القطار في نحو نصف ~~ساعة، وهي في منتصف المسافة بين لندن وأوكسفورد. وعندما ذهبت للمقابلة وجدت لجنة من ~~خمسة أشخاص، وتلفت حولي أنظر باقي المتقدمين فلم أجد أحدا، فتفاءلت. ورأيت ~~بين أعضاء اللجنة رجلا قصيرا أصلع الرأس، أسمر الوجه وعيناه خضراوان، كان يتكلم ~~الإنجليزية بلكنة أجنبية، وعرفت فيما بعد أنه مصري، واسمه حمدي الجمل، وكان رئيسا ~~لقسم الترجمة العربية. وكان من أعضاء اللجنة رجل أحمر الوجه شعره أبيض ويتكلم ~~الإنجليزية بلهجة تشبه لهجة أبناء وسط أوروبا، عرفت فيما بعد أنه ألماني الأصل ~~يدعى بريم # Brehm # ويعمل مراقبا للإنتاج، أما رئيس ~~اللجنة فكان مستر شرينجهام، الذي كان يعرف العربية وكانت زوجته مصرية! واقتصرت في ~~حديثي على الإجابة على الأسئلة، وكنت صريحا في كل ما قلته حتى لو أدى ذلك إلى ضياع ~~الوظيفة، فقلت لهم إنني طالب، وإنني لا أنتوي العمل بالترجمة مدى الحياة، وإن هدفي ~~الأوحد هو كسب المال، وإن زوجتي مصرية تعيش معي في لندن، وإنني لا أعتزم ترك الشقة، ~~فقال أحدهم: ولكنك ستضطر أحيانا إلى العمل مساء وقضاء الليل هنا. فأسرع شخص آخر ~~وقال: يمكننا أن نهيئ لك سكنا مؤقتا ليلة أو ليلتين في الأسبوع. ثم ~~انصرفت. # وبعد نحو أسبوعين وصلني خطاب يقول كلاما غريبا: «إننا مهتمون بالطلب الذي ~~تقدمت به، وسوف نعلمك بالنتيجة قريبا، ونرجو أن تخطرنا إذا التحقت بعمل آخر ~~في هذه الأثناء.» كنا في مارس وكنت قد بدأت العمل من جديد في الرسالة، ووصل نهاد ~~خطاب القبول النهائي من جامعة ساسكس، وكان ما لدينا من المال لا يكفي للمصاريف ~~الدراسية، ناهيك بمصاريف المواصلات وإيجار الشقة! ms354 ولم ينقض أسبوع آخر حتى جاء خطاب ~~القبول من الإذاعة، ويتضمن سؤالا عن الموعد الذي أحب أن أبدأ العمل فيه. وذهبت ~~إلى المشرف أسأله ما أفعل، فقال إن كنت ستنتهي من الرسالة في مايو فابدأ العمل في ~~يونيو. واتفقت مع نهاد على أن تكون لندن هي قاعدتنا التي ننطلق منها إلى برايتون ~~وردنج، ومن ثم كتبت الرد المطلوب. # وكان «بيت الحديقة» يتكون من أربع شقق، نسكن في إحداها وتتكون من صالة كبيرة ~~وغرفة نوم وحمام ومطبخ، ولكنها كانت تتسم بالرطوبة مما كان يصيبني بالكحة كثيرا ~~دون أن أدرك السبب، وإلى جوارها على الطابق الأرضي أيضا شقة مماثلة يقيم فيها سوداني ~~يدعى عبد الحليم عباس وزوجته نجاة نجار، وفي الطابق العلوي (الأول عندنا في مصر) شقتان ~~يقيم في إحداهما سوداني آخر هو الطبيب الجزولي دفع الله العاقب وأسرته، وفي الأخرى ~~نيجيري عملاق وزوجته الأجنبية (الألمانية) ويصل بين الطابقين درج تتوسطه بسطة ~~فيها تليفون مشترك لجميع السكان. ورغم الشهور القليلة التي قضيناها في ذلك المنزل فقد ~~كنا نشعر أنه بيت الأسرة حقا، وسرعان ما توطدت العلاقة بيننا وبين جيران الطابق ~~الأرضي، فكنا نتزاور، خصوصا لأن عبد الحليم كان شقيق حسن عباس (المستشار الثقافي ~~بالسفارة السودانية) وكانت زوجته تعمل فيها، ولم يكن عبد الحليم قد انتقل إلى المنزل ~~عندما انتقلنا إليه، بل كان يقيم في الشقة دارس للعلوم يسمى محمد علي، وسرعان ما رحل ~~مع زوجته والرضيع الذي ولد في لندن. # وكان أمام البيت حديقة فسيحة، وطريق تقوم الأشجار على جانبيه يؤدي إلى كوبري بتني Putny Bridge ~~، وكثيرا ما كنا نسير في الحديقة أنا ~~ونهاد ونعبر الكوبري، وكانت مناقشاتنا في الأدب والحياة لا تنتهي، وكانت «صداقتنا» قد ~~بدأت تتخذ طابعا عميقا جعل الجميع يعجبون ولا يصدقون أنه لم يمض على زواجنا ~~عامان كاملان، وكانت تحب القراءة مثلي وتحب المسرح أكثر مني، فكانت تحفزني إلى حجز ~~التذاكر بانتظام، ثم استأجرنا جهاز تليفزيون (إذ لم نستطع شراء جهاز لضيق ذات اليد) ~~فكنا نشاهد البرامج الثقافية ms355 والدرامية، والأفلام أحيانا، وأتقنت نهاد فن الطبخ، ~~ولم تكن تهتم به إلا قليلا من قبل، وكانت لدينا في الشقة مدفأة عجيبة تتكون من ~~أحجار بالغة الثقل؛ فهي قطع مكعبة من الصخور الطبيعية ولها خاصية الاحتفاظ بالحرارة ~~ساعات طويلة وحولها ملف كهربائي يعمل ليلا حين يكون التيار الكهربائي رخيصا ثم ~~تحتفظ بالدفء طول اليوم، ثم تعلمت نهاد بنفسها الكتابة على الآلة الكاتبة، وعلى مدى ~~شهور شغل كل منا بالاستعداد لمرحلة جديدة في حياته - الدراسة لها والعمل لي والسفر ~~لكلينا! # نجاة النجار من السودان وجريس الهندية 1968م. # وفي يوم 29 مايو 1968م (يوم الأربعاء) وصلتني برقية من كافرشام تقول إنني يجب أن ~~أذهب في الغد لتوقيع العقد والشروع في العمل، ورافقتني نهاد في تلك الرحلة، فسعدت ~~أيما سعادة بجو الريف، ودخلت معي مبنى العمل، ولم يستغرق توقيع العقد دقائق، ثم ~~تجولنا في الريف المحيط بالمبنى، وعدنا أدراجنا إلى المنزل في لندن، وقد توارت ~~أحزان الصيف الأليم في العام السابق تماما، وبدأنا نحس أننا على أعتاب حياة جديدة. ~~كنا قد اتفقنا على أن أعود للدراسة (الدكتوراه) بعد أن تنتهي هي من الماجستير، ومن ~~يدري؟ لعلنا ندرس معا للدكتوراه! كان الأمل الذي يحمله العمل هو وجود المال، وكان ~~الافتقار إليه هو مصدر المتاعب الأول في حياتنا. # وبدأت العمل يوم الجمعة وكانت النوبة مسائية فقضيت الليل لأول مرة خارج المنزل في ~~بيت ضيافة ملحق بالعمل يسمونه # Sanatorium # أي ~~المصحة؛ لأنه كان يستخدم مصحة يوما ما، وفيه تعرفت على بعض الضيوف الأجانب وقابلت ~~- بعد أكثر من عامين - عبد اللطيف الجمال! كان قد قضى العامين في ألمانيا، ولا هم ~~له إلا تعلم الألمانية، حتى حدثت النكسة فعاد إلى لندن، وقد أفلس إفلاسا تاما، ~~حتى لم يكن في جيبه ثمن تذكرة المترو، وكان المتقدمون لامتحان الترجمة في ذلك العام ~~قد رسبوا جميعا فتقدم هو ونجح، وبدأ العمل في يناير 1968م، واستقر به المقام في بيت ~~الضيافة ولم يكن يريد أن يغادره أبدا! وعملت السبت والأحد وعدت إلى لندن ms356 يوم ~~الإثنين، ولولا صحبة الجيران الجميلة لما تمكنت نهاد من تحمل الوحدة ~~والوحشة! # كان عملي في أول أسبوعين هو التدريب فقط، فكنت أترك وحدي في غرفة صغيرة ~~يسمونها # cubicle ~~(أي المكعب) وأترجم ما أسمع ~~بالعربية إلى الإنجليزية على الآلة الكاتبة، وكان من شروط التعيين القدرة على استعمالها ~~بسرعة «معقولة» هي 35 كلمة في الدقيقة، وكانت سرعتي 40، وإن كنت أذكر أن زملائي في ~~الإذاعة المصرية كانت تصل سرعتهم إلى 65 كلمة (مثل قريصاتي ونابليون طانوس) ولكن ~~الترجمة عمل لا يأتي بالملال أبدا؛ فالأساليب متفاوتة، والموضوعات منوعة، والصياغة ~~تتطلب جهدا خلاقا، وعندما اطمأن قلبي إلى سير التدريب، عدت إلى الرسالة، ~~وذهبت إلى الكلية في يوم الثلاثاء لمقابلة المشرف . # وعلمت منه أن موعد التقدم لامتحان هذا الفصل الدراسي قد فات، وأنه من الأفضل أن ~~أنتظر إلى سبتمبر، خصوصا حتى أستعد للامتحان التحريري! ودهشت. أي امتحان؟! لم أكن ~~أعلم أن هناك امتحانا تحريريا في خلفية البحث (أي في القرن التاسع عشر كله) وأنني ~~يجب أن أستعد له فلا يدري أحد من سيكون المصحح! وسألته عن الكتب التي يوصيني ~~بقراءتها فوعدني بإعداد قائمة، وفعلا أرسل لي القائمة بالبريد، وكانت تزيد على ثلاثين ~~كتابا! # وخرجت أنا ونهاد فاشترينا بعض الكتب، وكنا نقرؤها معا وتمتحنني فيها، فكانت أياما ~~حافلة بالعمل الممتع، وأذكر أنني جعلت أقرأ لها أشعار (بايرون # Byron ~~) وهي نصف مهتمة، ثم دارت الأيام وتخصصت هي (في الدكتوراه) ~~في مسرح بايرون! وفي أوائل يوليو وصلني خطاب غريب من سمير سرحان يقول فيه إنه يكتب لي ~~من نيويورك بعد زيارة واشنطن للاستعداد للسفر (بالحرف الواحد «للسفر! أي والله للسفر! ~~فلقد حصلت على الحبيبة وسوف نسافر أنا ونهاد في منتصف الشهر القادم») ويقصد بالحبيبة ~~الدكتوراه، أما نهاد الأخرى فهي نهاد جاد زوجته (رحمها الله). # وفرحت فرحا شديدا إذ قال إنه سوف يتوقف في لندن ليراني وحتى نصل ما انقطع ولكنني ~~أستبق الأحداث هنا؛ فلم يكن صيف 1968م بأهدأ من صيف 1967م، وإن كان في جبهات مختلفة، ~~فلأعد إلى ms357 أوائل يونيو وما كنا بصدده في ذلك الشهر، بعد أن سمعنا عن احتكاك الاتحاد ~~السوفيتي بالنظام في تشيكوسلوفاكيا بعد تولي دوبتشيك الذي كان يدعو للإصلاح السياسي ~~مقاليد الحكم في ذلك البلد، وبعد أن سمعنا إدوارد هيث، زعيم حزب المحافظين الذي كان ~~يمهد لتولي السلطة في المستقبل بعد حزب العمال، وهو يتفاخر بأن القوات الأمريكية ~~قتلت عشرة آلاف فيتنامي في حملة واحدة! كان العالم يتغير بسرعة أكبر مما ~~توقعت! # الفصل الخامس # | النهر والروافد # 1 # إذا كانت الكتب التي عكفنا عليها أنا ونهاد في ذلك الصيف هي التيار الرئيسي لما ~~نكتسبه من معرفة، فلقد كانت لمجرى النهر روافده وهي دفقات الوعي التي تصب فيه ~~وتختلط به، فتكسب المياه ألوانها الخاصة ومذاقها المتميز ، وأعني بدفقات الوعي إدراك ~~كل منا لما يجري من حوله في العالم، وقد تلتقي هذه الروافد وقد تتعارض ولكنها تمتزج ~~في التيار الرئيسي آخر الأمر، وكانت الصحف اليومية وصحف نهاية الأسبوع هي المصدر ~~الرئيسي لوعي كل منا، وكلما أضيف رافد جديد إلى تيار الماء تغير لونه واتسع مجرى ~~النهر، وكان من هذه الروافد في صيف 1968م أنباء ثورة الطلاب في فرنسا، وكان يقال إنهم ~~يثورون على البنيوية باعتبارها مذهبا فلسفيا ونقديا لغويا، وراعتنا ردود الفعل ~~الإنجليزية إزاءها؛ فرئيس الجمهورية شارل ديجول رجل شامخ وشخصية ساحرة ولكن الإنجليز ~~يقولون إنه يفكر بعقلية القائد العسكري الذي يعتبر الثورة تمردا والتمرد خيانة، ~~وزعيم الحزب الاشتراكي فرانسوا ميتران، الذي كان في الثانية والخمسين تقريبا، يتحدث ~~بتؤدة وبمنطق الخبير، فيكتسب الأنصار من الشباب، ويتوسل في ذلك برأس حربة (على حد ~~تعبير الصحف الإنجليزية آنذاك) تتمثل في كوهين بنديت، الذي كان يطلق عليه زعيم ~~اليسار الجديد، وكان عالي النبرة حاد التعبير، فاتبعه ملايين الطلاب، وأغلقت ~~جامعة السوربون أبوابها للمرة الأولى منذ إنشائها قبل 700 سنة، وامتد الإضراب ليشمل ~~العمال والموظفين وكادت فرنسا أن تواجه الشلل الكامل في الحياة العامة، ولم تكن الصحف ~~البريطانية تبدي التعاطف مع أي من الطرفين؛ فبريطانيا تنفر من «شخصية» ديجول لأنه ~~يمثل ms358 الوطنية المتطرفة، ولأنه كان يذكي في النفوس الكبار نار المنافسة القديمة بين ~~إنجلترا وفرنسا على سيادة «ما وراء البحار» إبان عصر الاستعمار القديم، ~~وبريطانيا تخاف اليسار الجديد؛ لأنه يذكرها بالثورة الفرنسية ويهدد بنشر أفكار ~~التغيير في بلد أشد ما يقض مضجعه هو التغيير الثوري؛ ولذلك لم نجد في الصحف التي ~~نقرؤها تحليلا لجذور الإضراب والاضطراب بل أنباء «الفوضى وغياب النظام الذي ينذر ~~بالخراب». # ولما كنت قد أصبحت شكاكا أومن بالتريث وبعدم التسليم بصحة أي شيء قبل التحقق ~~منه، فقد لجأت إلى المستر ويلكينز ~~(Wilkins) # أستاذ ~~اللغويات (علم اللغة) الذي كان متخصصا في اللغة الفرنسية، والذي كان كثيرا ما ~~يحدثنا عن المناهج النقدية واللغوية الجديدة، ومنها البنيوية، وكانت له زوجة ~~فرنسية، وكانت تربطه علاقة حميمة بكلية بدفورد وكان يزورها بانتظام قبل الانتقال (وهذه ~~من المصادفات العجيبة) إلى جامعة ردنج التي انتقلت إليها فيما بعد. وكان ويلكينز دائم ~~التردد على غرفة الأساتذة (استراحة الأساتذة والدراسات العليا) وكنا يوم الثلاثاء 4 ~~يونيو 1968م حين قصدت إلى الاستراحة المذكورة فلم يخب ظني؛ إذ كان واقفا وحده بجانب ~~الباب الزجاجي المفضي إلى الحديقة ( # French window ~~)، ~~وعندما شاهدني حياني وقال لي: «الكلية مهجورة هذا الصباح.» وفهمت أنه يستفسر عن سبب ~~غياب الأساتذة دون مبرر ظاهر، رغم أن يوم الثلاثاء يوم عمل مهم، فذكرت له أن ~~الجميع يتناولون مأدبة غداء رسمية أقامتها الكلية للمديرة ~~( Principal ~~) التي تقاعدت (وهذه هي الوظيفة ~~الإدارية التي تتضمن مهام العميد لدينا ولكنها ليست وظيفة أكاديمية). # وبعد الكلمات التقليدية عن جو يونيو، وهم يسمونه يونيو الملتهب ~~(flaming June) ~~(وتستخدم هذه الصفة على مستوى ~~اللغة الدارجة باعتبارها من ألفاظ السباب، ربما بسبب إشارتها إلى الجحيم) سألت ~~الأستاذ عن سر استمرار هياج الطلبة بعد أن وافقت الحكومة الفرنسية على رفع المرتبات ~~بنسبة «غير معقولة» هي 35٪، فكنت كمن ألقى بحجر في الماء، فانداحت الدوائر التي تتسع ~~باطراد؛ إذ شرح بإيجاز أن نظام التعليم الفرنسي يقوم على التلقين ~~(instruction) # لا على التربية ~~(education) # وأسهب في تبيان الفرق، ms359 وهو ما كنت أعرفه خير المعرفة، ثم ~~قال ما لم أكن أعرفه وهو أن اعتراض الطلاب على ما تسميه الصحافة البريطانية ~~بالمناهج أو بالمقررات المعتمدة قديم، وثورتهم عليها «موثقة» (أي مسجلة) في العديد ~~من مطبوعاتهم ونشراتهم التي ازداد عددها زيادة مذهلة في الخمسينيات، وكان من دوافعها ~~الباطنة تيار التمرد الذي اجتاح العالم الغربي كله بعد الحرب العالمية الثانية، فالكل ~~يثور على تراث الحرب؛ لأن الحرب كانت تمثل لهم قمة العبث ~~(the absurd) # أو البلاهة (العبط!) لأنها دمرت وأهلكت دون معنى ودون ~~دلالة. # وفي نبرة حماس نادرة قال ويلكينز: «ولكن المرجل الذي يغلي سنوات طويلة لا بد أن ~~ينفجر يوما، وهو يثور على رموز القديم، رموز الحرب، والألفاظ الطنانة المرتبطة بذلك ~~كله، والتي تتدفق من رمز الحرب الأول ديجول!» فقلت له وما شأن البنيوية باعتبارها ~~مذهبا في اللغة وفي التحليل النقدي بديجول؟ فابتسم وقال: «هذه هي القضية! ينبغي ألا ~~يكون لها شأن! ولكن القنبلة كان لا بد لها من فتيل يفجرها، وكانت الثورة على ~~البنيوية هي هذا الفتيل!» وابتسمت وقلت له مداعبا: كان أولا مرجلا # caulderon # ثم أصبح قنبلة؟ فضحك وقال أنت لا تقبل ~~خلط الاستعارات مثل البنيويين! وأحسست أن الجو قد هدأ فاستزدته فقال: «يتفاخر ~~الفرنسيون بأنهم ملوك تحليل النصوص، وهم يعتزون كل الاعتزاز بطاقة «العقل الفرنسي» ~~الإبداعية على الغوص وراء العلاقات المتداخلة بين المعاني والأبنية، ويرون أن آفاق ~~التحليل «لا محدودة» بل و«لا نهائية» فإذا ببعض الأساتذة يدعون إلى اتباع أساليب ~~شكلية محضة، بل ويقطعون بأنها صادقة دائما؛ لأنها مثل نظم الأبنية النحوية في ~~اللغة، ذات جذور عميقة في نفس الإنسان بل وفي حياته البيولوجية، وإذا بهم يحاولون ~~تلقينها للطلاب!» وقلت له إن لهذه الأبنية جاذبيتها ودلالتها، والدراسة الأدبية تؤكد ~~فائدتها في التحليل، وقبل أن أسترسل قاطعني قائلا: «أنا لا أنكر ذلك، ولكن الطلاب ~~كانوا يريدون أن يثوروا، وبدءوا بالثورة على من يفرض عليهم منهجا، خصوصا إذا كان ~~المنهج «مستوردا» من الشرق ومن الغرب!» وفهمت أنه يشير إلى ياكوبسون ms360 (جاكوبسون) ~~الروسي وتشومسكي الأمريكي، فقلت له إن المعرفة عالمية، وإن الأدب هو الأدب، فأومأ ~~وعلت وجهه سحابة تأمل عميق، ثم قال: «للأسف! لم ينظر أحد إلى البنيوية باعتبارها ~~منهجا قابلا للنقض، بل اتخذها الطلاب ذريعة لتفريغ شحنة غضبهم من نظام التعليم ~~الفرنسي، ومن ورائه نظام الحياة برمته وقالوا إنه كان يجب بعد الحرب أن يتغير فإذا به ~~يتحجر! إن ديجول ما يزال يعلن عظمة فرنسا، وبالأمس زار مقاطعة كيبيك في كندا وقال ~~إنها فرنسية، ورغم استقلال الجزائر فما يزال يشير إليها باعتبارها أرضا ~~فرنسية!» # ونهض ويلكينز ثم نظر في ساعته فعلمت أن الموضوع أكبر من أن يحسم في ساعة الغداء، ~~فنهضت أنا أيضا وسرت معه ونحن نستكمل الحوار في الطريق إلى سيارته، وعندما فتح باب ~~السيارة قال لي: هل قرأت دريدا ~~(Derrida) # فأجبت ~~بالنفي، فقال سوف تسمع عنه كثيرا وتقرأ له، وسوف يهلل الفرنسيون له ويكبرون لأنه ~~فرنسي وإن كان جزائري المولد! وهو لا يبني بل يهدم! إنه روح هؤلاء الشباب! وانطلق ~~بسيارته باسما. # وعدت إلى المكتبة حيث كان علي أن أفرغ من تنظيم قائمة المراجع التي ستوضع في ذيل ~~الرسالة، وكانت المكتبة شبه خالية؛ فالشمس ساطعة والحديقة تغري الجميع بالتنزه، ~~ولكنني كنت راضيا بالنظر من الشباك الكبير بين الفينة والفينة إلى النباتات ~~اليانعة بلونها الأخضر الزاهي، وأحواض الزهور المتناثرة هنا وهناك، ثم العودة إلى ~~أوراقي. وفي الخامسة مساء خرجت أسير وحدي وأنا أفكر فيما قاله أستاذ علم اللغة، ~~وعندما وصلت إلى المنزل وجدت نهاد تتحدث بحماس عن ثورة الطلاب في فرنسا، وشاهدنا ~~أخبار الساعة السادسة في التليفزيون، وكان أهم ما فيها قرار العمال الفرنسيين بالإضراب ~~يومي 11 و15 يونيو، وبعدها تناولنا العشاء وعدنا للقراءة. # في الحديقة عام 1971م. # وذهبت إلى كافرشام يوم الخميس مساء وقضيت الليلة في بيت الضيافة وفي الصباح زرت ~~عبد اللطيف الجمال في غرفته فوجدته يقرأ رواية بالألمانية لتوماس مان، وجعل يحدثني ~~عن ذلك الكاتب حديثا مسهبا، واقترح ألا أعود إلى لندن وأن أقضي اليوم معه، ms361 فأخبرت ~~نهاد تليفونيا، ثم خرجت معه إلى وسط البلد (ردنج) سيرا على الأقدام وهو يحدثني عن ~~توقف عمله في الرسالة، واهتمامه برصد تأثير نيتشه على أ. أ. ريتشاردز، وكان يقرأ ~~نيتشه بالألمانية، وقلت له إن شكري عياد نصحني بأن أنتهي من الرسالة وأعود، فقال ~~عبد اللطيف دون اكتراث: تعود؟ وماذا في مصر يمكن أن تعود إليه؟ وأجبته إجابة كنت ~~أظنها مقنعة، ولكنه قال إن مصر تمر بمرحلة انكسار، والأفضل لمن جعل القراءة عمل ~~حياته أن يعيش خارجها، وكان ردي على ذلك «معقولا» أيضا، ولكنه كان يبدي من ~~اللامبالاة ما أقنعني بعدم الرد، وذهبت إلى العمل في المساء، وفي الصباح سمعنا نبأ ~~اغتيال بوبي (روبرت) كينيدي، شقيق جون كينيدي الذي كان قد اغتيل أيضا قبل خمس سنوات! ~~وقلقت؛ لأن القاتل كان اسمه سرحان بشارة سرحان! فماذا سيكون تأثير ذلك في موقف ~~أمريكا من العرب؟ ولم يكن قد مضى على اغتيال مارتن لوثر كنج إلا نحو شهرين، وكنا ~~ما نزال نتابع مسيرات الزنوج والفقراء في أمريكا، وعدت إلى لندن وقد بدأت هموم ~~الأنباء تثقل فكري، وقضيت مع نهاد الأربعة الأيام التالية ونحن نتابع تلك الأحداث، ~~وإذا بأحد الأصدقاء يحادثني تليفونيا ويقول لي إن الطلاب في مصر قاموا بمظاهرات ~~صاخبة وإن جمال عبد الناصر ألقى فيهم خطابا مهما، وأبديت الرغبة في أن أستمع إليه ~~فأتى لي الصديق بالشريط (وما زلت أحتفظ به) وسمعناه مرات عديدة، حتى فيما بين فترات ~~القراءة والاستذكار! # 2 # لم يحدث في يوليو (شهر الثورات) شيء مثير أو ثوري، سوى وصول خطاب سمير سرحان، ~~وتوقع وصوله في أغسطس، وكان قد أرسل شريطا صوتيا به معظم الأغاني الجديدة، وكانت ~~الشرائط آنذاك بكرات مستديرة تتراوح مدتها الزمنية بين ساعة وأربع ساعات، وفقا لطول ~~الشريط وإمكانيات الجهاز وسرعة التسجيل، فإذا استخدمت التراكات # tracks ~~(أي المجاري الممغنطة) الأربعة والسرعات البطيئة فقد يستغرق ~~الشريط 16 ساعة! وكانت رسائلنا سجلا حافلا لكل ما يدور في حياتنا الخاصة والعامة، ~~وما أزال أعود إليها كلما ضاقت بي الدنيا ms362 لأستروح نسمات الماضي. وفي يوم 20 أغسطس وصل ~~سمير سرحان مع نهاد جاد (زوجته) إلى محطة فكتوريا بالقطار من ساوثهامتون # Southampton ~~؛ حيث رست السفينة التي ركباها في ~~نيويورك، وقابلتهما في المحطة وعدنا إلى المنزل، وسهرنا نحن الأربعة، ولم ننم إلا ~~بسبب الإرهاق، وفي الصباح، وكان يوم الأربعاء 21 أغسطس، فتحت الراديو لأسمع أنباء ~~الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا (الذي شاركت فيه قوات حلف وارسو)، وتركت الجميع ~~نائمين وخرجت لشراء الإفطار والبحث عن صحف المساء (وأولاها كان يصدر في العاشرة)؛ إذ ~~لم تكن أنباء الغزو قد نشرت في صحف الصباح؛ لأن القوات تحركت ليلا ودخلت براغ في ~~الرابعة صباحا، فوعدني بائع الصحف بإرسال النسخ إلى المنزل حالما تظهر. وما إن ~~استيقظ الجميع حتى كانت الصحف بين أيديهم. # وقرأ سمير الصحف باهتمام، فهو قارئ نهم، وقال بسرعة حين لاحظ انزعاجي «يعني كنت ~~عايزهم يسيبوا ألكسندر أفندي يفركش العملية ؟!» وضحكت من أعماقي، وكانت ضحكة صادقة لم ~~أضحك مثلها منذ يونيو 1967م؛ فهو يتمتع بقدر كبير من اللماحية الفكهة، ورغم ما ~~شاع عن ميله لكتابة التراجيديا وميلي لكتابة الكوميديا، فنحن نشترك في الإيمان ~~بضرورة رؤية كل شيء من مختلف زواياه، وتعدد الزوايا يكفل اكتمال الرؤية، كما أنه ~~يتيح النظر من زاوية الفكاهة، وهي الزاوية التي ينظر منها الكاتب الساخر، والتي لا ~~غنى عنها لأي كاتب. وبعد المناقشات المحتومة انطلقنا إلى محطة فكتوريا أولا للسؤال عن ~~معطف كان سمير سرحان قد نسيه في القطار، وما إن سألنا عنه حتى أتى به الموظف ~~فحمله سمير على ذراعه وخرجنا لقضاء اليوم في ربوع لندن. # كانت كل زيارة يقوم بها سمير سرحان إلي في لندن تملؤني بالثقة في المستقبل، وتؤكد ~~لي أن مشاغل الحياة العامة التي بدأت أهتم بها يجب أن تحتل المرتبة الثانية أو الثالثة ~~بعد الدراسة والحصول على الشهادة، وروى لي تفصيلا كيف فرض على نفسه العمل يوميا في ~~الرسالة، وكان يكتب «صفحة واحدة على الأقل» كل يوم حتى يضمن انشغاله بالموضوع وعدم ~~انصراف ذهنه إلى أي شيء ms363 آخر، وتمنيت في أعماقي أن أستطيع ذلك، ولكن ولعي المشبوب ~~بالقراءة «خارج الرسالة» وبالناس ولغتهم ولهجاتهم كان كثيرا ما يشغلني عن التخصص، ~~وكان عملي الجديد بالترجمة، على ما فيه من جاذبية وسحر، مرهقا، فإذا قام المراجع ~~الإنجليزي بتعديل عبارة كتبتها أو تصحيح خطأ وقعت فيه، جعلت همي أن أدرس ~~السبب، خصوصا بعد أن قرأت كتابا عن الأساليب، وأصبحت مشغوفا بفنون صنعة الكتابة، ~~وقد انتهى بي ذلك الشغف إلى أن سجلت موضوع الدكتوراه فيما بعد في «الأساليب ~~الشعرية» وكيف تطورت من الكلاسيكية الجديدة إلى الرومانسية. # ورحل سمير ونهاد جاد بعد يومين، وبدأت زهور الصيف تذوي، وعندما حل الخريف اصطحبت ~~نهاد إلى المدينة الجامعية في جامعة ساسكس، وقضيت ليلتين وحدي، وفي السادسة صباحا في ~~اليوم الثالث أيقظني رنين التليفون من تلك الجامعة، وكانت المتحدثة هي المشرفة على بيت ~~الطلاب، وأمرتني بالحضور فورا. وعندما ذهبت بعد نحو ساعتين قالت لي المشرفة إن ~~نهاد لا تستطيع تحمل الحياة وحدها هناك، وإنها (أي المشرفة) قد استصدرت لها ~~استثناء بأن تقيم في لندن، وتأتي مرة في الأسبوع لمقابلة الأستاذ، وكان الأستاذ هو ~~العلامة الأسكتلندي ديفيد ديتشيز # Daiches ~~. # وبدأت نهاد دراستها الجادة للماجستير، وكان النظام أمريكيا مستحدثا يتطلب ~~الجهد المستمر طيلة العام الدراسي ثم كتابة بحثين في تخصصين متكاملين، واختارت ~~نهاد تخصص الرواية وتخصص الدراما، وكانت تسافر وحدها مرة في الأسبوع، وكنت أسافر ~~أنا إلى كافرشام فأقضي ليلة أو ليلتين خارج لندن، وبدأت اهتماماتي بالترجمة واللغة ~~تستغرق كثيرا من الوقت الذي كنت خصصته للرسالة، حتى كدت أيأس، ولكنني عقدت ~~العزم على الانتهاء منها في نوفمبر، واجتزت الامتحان التحريري بنجاح، وإن لم أجرؤ على ~~تقديم الرسالة، فقال لي المشرف إنه يفضل نقل الإشراف إلى أستاذة أخرى تحتمل تلكؤي ~~وتباطؤي، فقابلت رئيسة القسم وهمست لي إن المشرف مريض والأفضل أن أعمل مع الأستاذة ~~أجنيس ليثام # Agnes Latham # فقابلتها وطلبت مني أن ~~تقرأ ما كتبت حتى الآن، ولم يمض أسبوع حتى استدعتني وقالت لي: «كيف تبذل كل هذا ~~الجهد وتقيم ms364 كل هذا الصرح من الدراسة لدرجة # M. A # فحسب؟ ~~لسوف أطلب من الجامعة تحويلها إلى # M. Phil ~~- إلا إذا ~~كنت تريد تحويلها إلى دكتوراه.» وفزعت لما تقول وأكدت لها أنني أريد أن أبدأ ~~بداية جديدة وأن أغير الموضوع في الدكتوراه، فقالت لا بأس، ثم اقترحت بعض التعديلات ~~في الفصول وطلبت مني الاستعداد للامتحان المقبل؛ أي في فصل الربيع، حتى تكون موافقة ~~الجامعة على التحويل قد وردت. # واطمأن قلبي لما قالته المشرفة، وراجعت نفسي فوجدت أن كلامها صحيح، وأن الخطة ~~كانت تتميز بالطموح بأكثر مما ينبغي على نحو ما حذرني منه المشرف، وقد علمت أنه ~~كان يعاني من مرض عضال لم يمهله؛ إذ توفي مع البروفسور جيفري تيلوتسون زوج رئيسة ~~القسم في مطلع عام 1969م، وكان علي أن أعيد تقسيم الفصول، فعملت جادا في إصلاح ما ~~يحتاج إلى إصلاح، وقد اكتشفت أن عيوب الصورة الأولى للرسالة (والتي ما زلت أحتفظ بها) ~~كانت تتلخص في عدد من الملامح التي ترجع إلى طريقتي الخاصة في التفكير ومن ثم في ~~الكتابة، ألا وهي الاستطراد # digression ~~- العدو الأول ~~للبحث العلمي وللكتابة العلمية. وكان أهم شاهد على ذلك وجود حواش مطولة في الكثير ~~من صفحات الرسالة؛ إذ كان يعن لي خاطر أثناء متابعة الحجة التي أقيمها في متن ~~الرسالة فأدرجه في الهامش، وربما تفرع الخاطر فولد فكرة أراها مهمة فأتوسع ~~فيها مما يحول الإشارة الهامشية إلى حاشية، وقالت لي المشرفة إن كثيرا من هذه ~~الأفكار يجدر إدراجه في المتن، أو إرجاؤه إلى حواش منفصلة في ذيل الرسالة، وقد فعلت ~~ذلك في الصورة المعدلة، وأجد من الطريف أن الكثير من الكتاب الأمريكيين يفعلون ذلك ~~الآن في كتبهم - والمثال الحاضر على الاستطراد في ثنايا المتن نفسه هو ستانلي ~~فيش # Fish ~~(خصوصا في كتاب أصدره عام 1989م ~~بعنوان «التصرف الطبيعي» # Doing What Comes Naturally # وجون إليس الذي يؤجل الحواشي في كتابه (اللغة والمنطق والفكر) # Language, Logic and Thought ~~(1993م) ~~إلى مكانها في آخر الكتاب مثلما فعل في كتابه (مناهضة ms365 التفكيكية) # Against Deconstruction ~~(1989م)، ولقد ~~تطور نظام وضع الهوامش # marginalia # والحواشي # endnotes # فلم تعد الهوامش (الإشارات إلى الكتب ~~والمؤلفين) توضع في الهامش بل في غضون المتن نفسه، وأصبحت الحواشي تلحق بالكتاب ~~أي توضع في ذيله، أما الاستطراد في تضاعيف الحديث نفسه فقد أصبح السمة الغالبة على ~~كتابة الكثيرين من كتاب الثمانينيات والتسعينيات، وأقول بالمناسبة إن ذلك مما يرهق ~~المتخصص الذي قد يبدأ قراءة كتاب عنوانه «النقد التفكيكي» مثل كتاب فنسنت ليتش بهذا ~~العنوان المنشور عام 1883 # Vincent Leich # فيتوقع أن ~~يقدم له المؤلف فصولا في النقد التفكيكي ولكنه يجد شطحات والتواءات يتوه فيها بين ~~الفكرة ونقيضها، فيضل ولا يهتدي، فإذا كان ذلك حال المتخصص فما بالك بغير ~~المتخصص؟ وذلك هو، بالمناسبة، السر في عدم نجاح ترجمة الكثير من أمثال هذه الكتب إلى ~~العربية، ولكن الدفاع التقليدي عن مثل هذا المنهج هو أنه كتاب لا رسالة جامعية؛ أي ~~إنه مجموعة من الأفكار وثمار القراءات المنوعة في موضوع واحد يجمع بينها، ولكن ~~الرسالة هي تسجيل لنتائج بحث علمي، وينبغي فيه التركيز والضغط حتى لا يتشتت ~~القارئ. # ولقد توقفت بعض الشيء عند «عيب» الاستطراد؛ لأنني تعلمت من ممارسة الكتابة ~~النقدية (بل والإبداعية) على مدى الأعوام الثلاثين الماضية أن القارئ بصفة عامة، ومهما ~~بلغ من تفصيل القول في «أنواعه» (على نحو ما يفعل إيزر # Iser ~~) يبحث عن فكرة واحدة أو فكرة رئيسية، ويتوقع من الكاتب ~~الإيضاح والشرح والتبسيط، وكم من كتاب قرأته في غمار جمعي للمادة فعانيت في فهمه ~~الأمرين! وجهدت حتى أصل إلى مقصد صاحبه، فإذا بالنتيجة لا تساوي ما بذل في سبيلها ~~من عناء!! ولكنني لم أكن تعلمت الدرس بعد، وكانت معاناة كتابة الرسالة أو إعادة ~~تنظيم مادتها هي أول خطوة في هذا السبيل. # لقد أكسبني هذا الجهد خبرة لا تقدر بمال، وتعلمت في خضم «التعامل» مع الكلمات ~~ومع أبنية العبارات كيف أهيئ القارئ لتلقي النتيجة التي أريد أن أصل إليها، بالتلميح ~~إلى آراء الثقات أحيانا، وبضرب الأمثلة أحيانا أخرى، ثم أتدرج ms366 في بناء الحجة حتى ~~إذا وصلت إلى المرحلة التي يطمئن قلبي فيها إلى أن طرح مقولتي أصبح يستند إلى دعائم ~~صلبة ومقنعة، صغتها في ألفاظ واضحة وموجزة. وآتت جهودي أكلها، فما إن قرأت ~~المشرفة الفصل الأول حتى أرسلت لي بطاقة بريدية (ما زلت أحتفظ بها) تقول فيها حرفيا ~~“Congratulations! What depth, what lucidity!” ~~؛ أي ~~إنني أهنئك على العمق والوضوح، ولقد فرحت بما قالته، ووجدت فيه عزاء عن التأخير؛ ~~إذ انقضت السنة الثالثة وأنا ما زلت أصوغ وأتأمل، وقد يكون من المناسبة أن أذكر أن ~~تخفيف النبرة كان من عوامل إحكام حرفة الكتابة، إلى جانب تخفيف النبرة بإدراج عبارات ~~الاحتراز، واللجوء في ذلك إلى تغيير أنماط أبنية العبارات، وأذكر أنني عدلت عبارة ~~في الصورة الأولى للرسالة كنت أقول فيها إن الشاعر رغم إنكاره للإيمان بتناسخ الأرواح ~~أو بنظرية أفلاطون عن عالم المثل ( # ideas # لا # ideals ~~) فإنه يوحي بذلك إيحاء صريحا، وهذه عبارة ~~قد يقبلها القارئ من شاعر كبير مثل سيسيل داي ~~لويس # Cecil Day-Lewis # أو أستاذ ضليع مثل إرنست دي سلينكورت ~~(Ernest de Selincourt) # أو حتى هيلين ~~داربيشر # Helen Darbishire ~~(تلميذة الأخير) ولكنه لن يقبلها من دارس مبتدئ، وقد ~~عدلتها إلى «إن المقولات ~~(statements) # الواردة في ~~قصيدة «مشاعر الخلود» والتي قد تفهم حرفيا على أنها تعبير عن إيمان بفكرة فلسفية ~~أو دينية، قد تكون أسلوبا جديدا في بناء الصورة الشعرية دون استعمال المجال اللغوي ~~المباشر، على نحو ما بينته فلورنس مارش في كتابها الذي سبقت الإشارة إليه، وإذا كان ~~الشاعر قد أنكر في شيخوخته (عام 1847م) في الحواشي التي أملاها على الآنسة إيزابيلا ~~فنيك # Fenwick # أنه كان يؤمن بتناسخ الأرواح أو ~~بأفلاطون، فربما كان ذلك لأنه تحول إلى العقيدة المسيحية التقليدية، وإن كان ذلك لا ~~ينفي أن القارئ الذي اطلع على هذه القصيدة عندما نشرت أول مرة عام 1807م، قد رأى ~~فيها ما يوحي بالإيمان بتناسخ الأرواح أو بالفكر الأفلاطوني.» # الفارق بين التعبيرين شاسع؛ فالعبارة الثانية تنتفع بالمقالات والتبريرات المستندة ~~إلى ms367 آراء الثقات، وهي وإن كانت تخلص إلى النتيجة نفسها، فإنها تنسب تلك النتيجة إلى ~~«قارئ» القصيدة في زمن محدد، وهو تحرز شائع في ~~الأسلوب الإنجليزي، لكنه لا يمنع من التعميم؛ فليس معنى إحساس القارئ بذلك الإيحاء عام ~~1807م هو أن القارئ لن يشعر به في عام 1968م، وإن كان التعبير يوحي بالتحرز، وغني عن ~~البيان أن جميع العبارات التي سبقت هذه النتيجة تتضمن أساليب الاحتمال والشك مثل «قد ~~تفهم حرفيا» و«قد تكون أسلوبا جديدا» و«إذا كان .. فربما كان ذلك لأنه» وهو مما ~~يوحي بأن الكاتب يتوخى الحذر، ولا يريد إطلاق الأحكام، وإن كان في النهاية يقول ما ~~يريد أن يقوله! # وإلى جانب ذلك كان أسلوب التعديل ينتفع كما قلت بتعديل الأبنية واستخدام تفاوت ~~النبرة عن طريق بناء العبارات التي توحي بأنها ذات أهمية ثانوية ~~(subordination) # وهو ما لا يظهر في الترجمة العربية ~~لعدم ولوعنا بهذا اللون من الأبنية، وقد ناقشت ذلك فيما بعد في كتبي عن الترجمة، ولا ~~أظن أن المجال يتسع هنا للإفاضة في هذه الأساليب الإنجليزية المتخصصة. # استغرق العمل في رسالة الماجستير فترة أطول مما قدرت لها، وفرحت أنها تحولت ~~من # M. A. # إلى # M. Phil. # فالدرجة الأخيرة «درجة بحثية» # research degree # ولكنها ~~ما تزال تسمى الماجستير بالعربية، ولا تعترف الجامعات العربية بالفرق بين الأولى ~~التي يمكن الحصول عليها بكورسات وامتحان وبين الأخيرة، فكان لا بد من التسجيل ~~للدكتوراه. وكنت في مطلع عام 1969م قد أحكمت صنعة الترجمة إحكاما، ولم يعد العمل في ~~كافرشام يستغرق إلا وقتا محدودا، وكنت أقضي عطلة نهاية الأسبوع فيها خارج لندن، ~~ونهاد تجهد نفسها كل الإجهاد لإعداد الأبحاث المطلوبة منها، وكان أساتذتها سعداء ~~بها كل السعادة. # وكنت عندما أعود إلى المنزل يوم الإثنين، أحاول تعويض غيابي بالخروج مع نهاد، ~~وكثيرا ما كانت مناقشاتنا تدور حول بحوثها، وقراءاتها، وأحيانا كنت أصحبها في القطار ~~إلى الجامعة، ونخرج بعد مقابلة الأستاذ للنزهة قبل العودة إلى لندن، ولكن يوم الأربعاء ~~كان يوم المسرح، وكنا نخرج في الواحدة ms368 ظهرا فنركب المترو حتى محطة هولبورن ثم نسير حتى ~~مسرح أولدويتش مثلا، أو إلى محطة واترلو ~~(Waterloo) # ثم نسير إلى المسرح القومي (في الأولد فيك) ~~(Old Vic) ~~، ~~ولن أنسى يوم أن تأخرنا أو تأخر بنا القطار دقائق معدودة فأخذنا نجري جريا حتى ~~وصلنا في الموعد (الثانية والنصف ظهرا) ونحن نلهث ولم نكد نجلس حتى بدأ ~~العرض! # 3 # وفي يوم السبت 19 يوليو عام 1969م جاء الدكتور رشاد رشدي لزيارة لندن، وكان قد حصل ~~على منحة من المجلس البريطاني لزيارة بعض المعالم الثقافية في إنجلترا، فقابلناه أنا ~~ونهاد وفرحنا به، كما قابله عبد اللطيف الجمال، واستأجر غرفة في منطقة جلوستر رود # Gloucester Road # في وسط البلد، ثم لحق به ~~عبد المنعم سليم الكاتب المشهور، وكنا نتجول أنا ورشدي في أرجاء لندن وهو يقص علينا ~~طرفا من ذكرياته، وكان يدهش من اختفائي في عطلة نهاية الأسبوع في كافرشام، وعندما علم ~~أنني سوف أسجل للدكتوراه في مطلع العام الجديد عرض علي العودة إلى مصر، ووعد بأن ~~يساعدني في الحصول عليها بسرعة، ولكنني رفضت؛ فالحياة في إنجلترا لم تكن مجرد ~~تمهيد لشغل منصب ما في مصر (علمي أو ثقافي)، بل وسيلة للنهل من معين لغوي وثقافي لا ~~ينضب. # وذات يوم صحبته لشراء زوج من الأحذية، فقابلنا فتاة من كليتنا تدعى جون مالوي # Joan Malloy ~~، وكان اسمها الأصلي كورديليا مثل اسم ~~ابنة الملك لير في مسرحية شيكسبير الشهيرة، وعرفته بها وعرفتها به، ولم أكن ~~قابلتها منذ سنوات طويلة، وتحديدا منذ يوليو 1966م؛ إذ كان من عادتنا أن نتناقش في ~~الفكر الاجتماعي ربما لأنها تدرس علم النفس وتجري تجارب بحثها على الكهنة، وكانت ~~تتردد بانتظام على الكنائس لإجراء المقابلات معهم، وتمكنت من تسجيل شرائط صوتية ~~طويلة لأحاديثهم، وكانت تستعين بالكمبيوتر - الذي كان في مهده - في تحليل نتائجها، ~~وكانت تحدثني كثيرا عن شاب يدعى ألكسندر يدين بالكاثوليكية؛ ومن ثم فقد أقسم ~~قسم الامتناع عن الزواج طيلة حياته، وبألا يقرب المرأة، ولكنه كان يبدو لها «مادة» ~~صالحة للتجارب، ms369 فهو قوي البنية فارع الطول، وشعره أحمر وعيناه سوداوان ثاقبتان، مما ~~جعلها تحدس أنه من أصل أيرلندي، وكانت كثيرا ما تتحدث عن قوة نفاذ عينيه، وتسرد ~~التفاصيل الدقيقة عن صوته الدافئ، وكان يبدو أنها كانت مولعة به، وهي بيضاء عيونها ~~سوداء، وذات طول غير عادي، وكانت تقول إن شكلها يختلف عن الشكل الإنجليزي التقليدي ~~الذي يوصف بأنه مثل ثمرة الكمثرى؛ فهي ضخمة الصدر نحيلة العجز، وكان الزملاء ~~يضحكون منها، وكانت سوزان الأمريكية تقول لها إن هذا هراء؛ فالإنجليز في رأيها شعب ~~هجين # hybrid ~~(ولو أنها استعملت كلمة يقتصر ~~الإنجليز على استعمالها في وصف الكلاب # mongrel # مما أغضب ~~جون). # وخرجنا أنا ورشاد رشدي وجون إلى الطريق دون أن يشتري أحد شيئا، وفجأة قال رشدي ~~بلهجة إنجليزية تحاكي لهجة أبناء الذوات: «دعيني أدعوك إلى العشاء.» ورحبت جون ~~فورا، ولم أدهش لذلك؛ فالإنجليز يرحبون بكل ما من شأنه توفير النقود، وقد يكون ~~التعبير: «دعني أشتر لك عشاء.» ولو قالها رشدي للاقت القبول، وشعرت أن وجودي قد ~~يفسد خطط «أبو الرشد»، فتذرعت بحجة واهية ولكنه أصر على أن أصحبهما، وما إن ~~جلسنا في المطعم الإيطالي الذي اختارته حتى تفرع الحديث وتشعب، ولم أشأ أن أترك ~~رشدي يحكي عن أمجاده في مصر؛ فهذا مما لا يقال على مائدة العشاء، فسألتها عن أخبار ~~ألكسندر، فانطلقت تحكي أخبار السنوات الماضية . # قالت جون: «كانت علاقتي به محكوما عليها بالفشل منذ البداية ~~( # doomed ~~) ويبدو أنني أسرفت في لقاءاتي معه، وفي ~~طرح أسئلتي والاستماع إلى إجاباته، ويبدو أنني كنت مدفوعة بدافع لم أستطع حتى الآن ~~تحديد كنهه، فأبحت له أن يعرف عني ما يزيد على ما يطلبه كاهن الاعتراف، وربما تماديت ~~في ذلك جسديا (ماديا؟ # physically ~~) فأفصح لي عن ~~حقائق لم تكن تخطر ببالي، وبدأ يتصرف بتصرفات غريبة، أو قل إنني وجدتها غريبة من ~~كاهن نذر على نفسه البعد عن المرأة، فسألته سؤالا مباشرا عن علاقته بالشماس ~~(deacon) # الذي كنت كثيرا أراه يحوم حولنا أثناء ~~حديثنا في الخلوة، فقال لي ms370 إنك فتاة بارعة الذكاء .. كيف عرفت وجود علاقة؟ ونحيت ~~المسألة بلا اكتراث حتى لا أقطع سيل حديثه فجعل يقسم أغلظ الأيمان أنه وإن كان ~~يعينه في قضاء وطره إلا أنه لم يعشق سواي، وأنه منذ أن عرفني قد نبذ صغار الشمامسة ~~( # sextons and sacristans ~~) من ذوي الجمال الأخاذ، ~~وسألته صادقة: هل لي أن أسجل ذلك في المذكرات الخاصة ببحثي؟ فتلعثم وقال إنه ~~حائر لا يدري ما يصنع، وقررت آنذاك أن أمتنع عن زيارته خوفا عليه.» # وتمهلت جون وهي ترشف قدح النبيذ الإيطالي الأحمر، ونظرت إلى الشجرة التي ~~تتدلى أغصانها فوق الشرفة التي نجلس فيها كأنما تبحث عن الكلمات الصحيحة، ثم قالت ~~في تؤدة: «أظنها قصة معروفة لكم أيها الأدباء، ولكنها كانت جديدة علي كل ~~الجدة؛ إذ أخذ ألكسندر يتردد علي بانتظام، وأستطيع الآن بما تتيحه القدرة على ~~التذكر من إصدار الأحكام الصائبة ( # with the benefit of ~~hindsight ~~) أن أقول إنني كنت أحبه ولم أكن أريد له ذلك المصير ~~المؤلم.» وصمتت فقلت لها أستحثها: «هل ترك الكنيسة؟» فقالت «بل أصيب بصدمة عصبية ~~أدت إلى انهياره النفسي، ونقلوه بعد شهور معدودة إلى مستشفى الأمراض النفسية؛ حيث كان ~~يصاب أحيانا بوجوم واكتئاب يمنعه من الكلام أياما، وأحيانا بهياج يستلزم استخدام ~~القوة للسيطرة عليه.» # وكان رشدي صامتا طوال الوقت، ثم نطق أخيرا فسألها: «أما يزال هناك؟» فردت على ~~الفور: «لا، بل انتحر المسكين! وكان من الحالات التي سجلتها في الرسالة، فكانت من ~~دراسات الحالة ~~(case studies) # التي أعجبت ~~المشرف، بل إنه طلب إدراج صورة ألكسندر في الرسالة، ووافقت، وسوف تطبع الرسالة ~~قريبا.» # ونظرت في ساعتي حتى أنبه الحضور إلى أن الوقت قد تأخر، وأن علي أن أعود إلى ~~نهاد، فسمحا لي بالانصراف، وعندما قابلت رشدي بعد ذلك كان يتحاشى ذكر جون مالوي ~~تحاشيا مطلقا، ولم أشأ أن أسأله عما حدث بعد رحيلي، احتراما لصمته. # ولم يكن لي أن أقابل جون مالوي بعد ذلك مطلقا، ~~خصوصا بعد انتقالنا إلى ردنج، ولكن قصتها ظلت مخطوطة في ms371 المفكرة، وكنت كلما ~~قرأتها أتساءل عما تراه قد حدث لها مع آخرين، وكنت كثيرا ما أتطلع إلى الكتب ~~الجديدة لعلي أرى رسالتها المطبوعة، ولكنني لم أوفق في ذلك أيضا، وعندما قصصت ~~القصة على نهاد قالت لي: «إنها عقدة نفسية متحركة!» وعندما عدت إلى مصر بعد سنوات ~~وتعمدت ذكر اسمها في سياق حديث عابر لرشاد رشدي لم يعلق، وحول وجهه عني ~~(عامدا؟) كأنما ليتحاشى الإشارة إليها. # وكانت نهاد مشغولة آنذاك بكتابة بحث عن كوميديا المسرح الإنجليزي، بعد نجاحها في ~~كتابة بحث مطول عن جوزيف كونراد، وكانت تتردد أثناء الصيف على رودني هيلمان، الذي ~~كان يتولى الإشراف على هذا البحث، وكانت تقص علي أنباء زميلاتها مثل «نولا» ~~الكندية، وبداية انشغالها بالبحث في المسرح، وأعتقد أن تلك هي بداية غرامها بالمسرح ~~الذي يزداد اشتعالا على مر الأيام. # وفي أكتوبر حصلت نهاد على الدرجة، وإن كان موعد حفل تسليم الشهادة هو ديسمبر 1969م، ~~وكنت أنا قد اتفقت مع كريستوفر سالفسن # Salvessen # وهو ~~مدرس (محاضر) في جامعة ردنج ومؤلف كتاب شهير عن وردزورث هو # The ~~Landscape of Memory # على تسجيل الدكتوراه اعتبارا من يناير 1970م؛ ~~أي بعد انتهاء نهاد من الماجستير، وحتى أكون قريبا من محل العمل، واتفقت أنا ونهاد ~~على الانتقال إلى ردنج؛ فلقد أحبت الريف وأصبحت تكره الزحام في المدينة، كما كانت ~~تتطلع إلى العودة إلى العمل بعد الانتهاء من الدراسة. وكان سالفسن اسكتلنديا لطيف ~~المعشر، وافق على الموضوع والعنوان، ووافق رئيس القسم جوردون المتخصص في ييتس ~~( # W. B. Yeats # الشاعر الأيرلندي المشهور) ولم يعد ~~أمامنا في أكتوبر سوى البحث عن مكان للإقامة في أحضان الطبيعة خارج لندن. # 4 # ووجدنا شقة خالية وغير مؤثثة للإيجار في مجموعة من المساكن الجديدة التي أقامتها ~~إحدى الشركات العقارية في شارع داربي # Darby Road # الذي ~~لا يبعد عن محل العمل إلا ميلا واحدا، ولا عن وسط قرية كافرشام إلا بضع مئات من ~~الأمتار، ولكن المساكن كلها مقامة وسط الطبيعة الخلابة، وتحيط بها مساحات خضراء شاسعة، ~~ويصطف الدوح ms372 على جنباتها، وكانت الطرق إما مرصوفة أو معبدة بالزلط، وعلى ~~الجوانب مجار لمياه الأمطار تؤدي إلى خزانات أرضية حتى لا تتجمع في برك أو تنصرف ~~إلى مجرى نهر التيمز # Thames # القريب من القرية، وكان ~~هناك كل ما نحتاجه من الأثاث؛ منضدة تصلح مكتبا، وسرير، وبعض الكراسي، إلى جانب ~~أدوات المطبخ (التي نقلناها معنا من لندن) واشترينا ثلاجة جديدة بنحو خمسين جنيها ~~ما تزال تعمل عند أحد معارفنا (منذ نوفمبر عام 1969م) وكانت إيطالية الصنع ماركة ~~إنديسيت ~~(Indesit) ~~، كما ذهبت إلى أحد المزادات ~~فاشتريت جهاز طهو (موقد وفرن) يعمل بالغاز الطبيعي بجنيهين وكان في حالة ممتازة، ~~وقد أعطيته عند رحيلي لصديق فلسطيني يدعى دهام العطاونة، وما يزال يعمل، كما ~~اشتريت من المزاد خزانة ذات أدراج بجنيهين، ومرآة كبيرة بجنيهين (تركناهما) ~~ومرآة مستطيلة لا تزال لدينا بخمسة جنيهات، وباعني زميل عراقي درسوار # Sideboard (Dressoir) # ومنضدة وكرسيين وسجادة ~~(كلها بأربعة عشر جنيها) وما يزال الدرسوار لدينا، وكانت الشقة لا تحتاج إلى تدفئة ~~خاصة؛ فبالمنزل تدفئة مركزية، وكان الإيجار الشهري 26 جنيها. # واستقر بنا المقام في جو هادئ بل وشاعري، ~~وسجلنا اسمينا عند أقرب طبيبة تابعة لهيئة الصحة الوطنية # National Health Service ~~(مثل التأمين الصحي لدينا) واسمها مونيكا لاتو # Monica Latto # وكانت من اسكتلندا هي وزوجها، (وفي ~~أوائل السبعينيات أهداها زوجها سيارة حمراء بمناسبة العيد الخمسيني لزواجهما، وفي عام ~~1997م قامت نهاد وابنتي سارة بزيارتها وكانت ما تزال في قيد الحياة) وكان خريف عام ~~1969م ذا جمال مذهل، وكانت نزهاتنا أنا ونهاد بمثابة نزهات في الحدائق؛ فحيثما ~~يممت أشجار وبساتين، ولكل منزل حديقة أمامية وأخرى خلفية ، وكانت زيارتنا للندن ~~تقتصر على الذهاب إلى المسرح، ولم تلبث مكتبتنا الخاصة أن امتلأت بالكتب، واشتريت ~~جهاز تسجيل ضخما بالتقسيط، وجهاز تليفزيون أبيض وأسود؛ فالألوان لم تأت إلى ~~التليفزيون إلا عام 1970م، وقنعنا به، وكنا نسعد بالبرامج الوثائقية في القناة ~~الثانية لل # B B C # وبالأفلام التي تعلمنا منها الكثير، ~~ولم يعد كشكول مصطلحات اللغة الإنجليزية يكفي التعبيرات ms373 الجديدة، فاشترينا كشكولا ~~جديدا، وأهم شيء هو أننا لم يكن لدينا تليفون! # وبدأت أتردد على الكلية لمقابلة المشرف على ~~الدكتوراه، وكان على النقيض من المشرف القديم تماما، كان شابا وكان الأول هرما، ~~وكان بشوشا متواضعا وكان الأول يتصنع الابتسام فحسب، ولم أكن أتصور أن الطابع ~~الاسكتلندي يختلف عن الطابع الإنجليزي إلى هذا الحد، وكان وجودي في بلدة الجامعة يتيح ~~لي أن أمكث طول اليوم في المكتبة حتى يحين موعد العمل في المساء فأذهب وأترجم ما ~~قدر لي أن أترجم ثم أعود، وقد أقص على نهاد طرفا مما ترجمته أو أناقشها في ~~دلالة بعض الأحداث، وأذكر أننا كنا، ذات يوم من أيام رمضان، قد اتفقنا على إعداد ~~طعام إفطار خاص، وبينما أنا أستعد للذهاب إلى المنزل، إذ جاء المشرف ليخبرني أن ~~الرئيس بومدين قد ألقى خطابا ويريدني أن أترجمه، فقلت له إنني على موعد للإفطار ~~مع زوجتي، فقال لي: «تفضل .. مع السلامة!» همس: «هل تحب أن تسهر سهرة رمضانية في ~~ترجمة الخطاب؟» وضحكت وانصرفت. كان اسمه محمود سامي، وكان تركيا من قبرص يحسده ~~الإنجليزي على نقاء لغته وجمال نطقه، وهو يكتب اسمه «ميموت» لا «محمود»، ولكن سامي لا ~~خلاف عليها! # كان العمل بالترجمة - كما سبق أن قلت - بالغ ~~التنوع؛ فقد يطلب من المترجم ترجمة نصية كاملة لخطاب سياسي؛ فالإنجليز لا ~~يقتنعون بالترجمات المحلية التي تنقلها وكالات أنباء الشرق الأوسط مثلا، أو إعداد ~~مقتطفات من حديث مطول، أو تلخيص تعليق أذاعته إحدى الإذاعات العربية، وكانت معظم ~~المحطات العربية تسمع بوضوح في إنجلترا، كما كان الإنجليز يهتمون بما تذيعه إذاعة ~~موسكو العربية، ويدخل ذلك في باب دراسة الرأي العام وتأثير الإذاعة فيه، وهو لا شك ~~نشاط إعلامي وكل نشاط إعلامي له جانبه السياسي، ولكن جانب السرية منفي تماما عنه؛ ~~فما تذيعه إذاعة ما، هو ما تريد له أن يعلن لا أن يخفى، وهي تريد للأخبار التي ~~تذيعها أن تعرف وتعلن لا أن تكتم وتخفى؛ ومن ثم لم أكن أرى في عملي إلا مساهمة ms374 في ~~ترجمة المادة المذاعة بالصورة التي أحب أن تصل بها إلى الأجانب، وكان البرنامج العام ~~من إذاعة القاهرة لا يصل بوضوح إلى لندن، بخلاف صوت العرب، وكانت الأخبار متشابهة، بل ~~إن صوت العرب سبق البرنامج العام يوم 7 أكتوبر 1973م في إذاعة البلاغ العسكري الذي ~~يلخص نتائج العبور العظيم في اليوم السابق في الخامسة والنصف صباحا بتوقيت لندن، ~~وحين ترجمته وأذاعته ال # B B C # نقلا عن راديو القاهرة ~~- وقالت ذلك - كان سبقا إذاعيا؛ أي إن للمسألة جانبا إخباريا محضا كان يقنعني ~~بسلامة الغرض من هذه الترجمة. # ولكن - إلى جانب الفائدة اللغوية - كان هناك ~~جانب مهم هو الوعي بما يدور في العالم العربي، خصوصا في الجناح الغربي من الوطن ~~العربي، وهي المحطات التي لا نكاد نتابعها في مصر، فازداد وعيي بقضايا دول المغرب ~~العربي، وأذكر أننا يوم أول سبتمبر عام 1969م، وكان يوم الإثنين، ويوم عطلة تسمى ~~عطلة البنوك # Bank Holiday # كنا في رحلة تابعة ~~لنادي الطلاب العرب خارج لندن، فوجدنا صحف المساء تقول إن انقلابا حدث في ليبيا، ~~وعندما عدنا إلى لندن سمعنا أنباء الثورة وسمعنا عن قائدها الأول سعد الدين أبو شويرب، ~~قبل أن نسمع عن معمر القذافي، وفي آخر الأسبوع عندما ذهبت للعمل وجدت أوراقا ملفوفة، ~~قيل لي إنها وكالة الأنباء الليبية باللغة العربية، وانهمكت في ترجمة ما بها فأحطت ~~بمعلومات تزيد ألف مرة عما نقلته الصحف الإنجليزية. وتغير اسم الوكالة فيما بعد ~~إلى وكالة أنباء الثورة العربية وتغير اختصار اسمها بالإنجليزية من # LNA # إلى # ARNA # وكان ~~أهم «زبون» لما أترجمه هو مكتب الأخبار # News Bureau # الذي كان يرسل ما أترجمه بالتلكس إلى غرفة الأخبار الرئيسية في لندن لإذاعته مع ذكر ~~مصدره. # إحدى رحلات نادي الطلبة العربي إلى الريف، ويبدو في الصورة إبراهيم ~~فوزي ومحمد مصطفى رضوان وصلاح الغباشي وشاهيناز ونهاد ونجاة وسامي ~~أبو طالب ومحمد نوح. # كما كنت أستفيد من الاطلاع على أخبار العالم؛ إذ كان يطلب من العاملين بالترجمة ~~وبالتحرير أن يقرءوا أنباء اليوم والأمس ms375 حتى يعرفوا ما هو جديد، وحتى لا يترجموا ~~«أخبارا» قديمة ظانين أنها جديدة؛ فالصحف لا تنشر كل شيء، وقد مكنني ذلك من متابعة ~~وجهة النظر العربية والمصرية خصوصا عندما بدأت حرب الاستنزاف في صيف 1969م وبدأ ~~المصريون يثبتون صلابتهم في التصدي للغطرسة الإسرائيلية، وكان الارتباط بإذاعة الوطن ~~بمثابة الإبقاء على الحبل السري الذي انقطع لدى الكثيرين؛ فمعظم المصريين والعرب في ~~الغربة لا يقرءون ولا يسمعون إلا ما تنقله وسائل الإعلام الغربية، وفي يونيو 1969م كنت ~~قد أتممت عام التدريب وأصبحت ترجماتي موثوقا بها، ومنحوني ما يسمى «التثبيت» في ~~الوظيفة # establishment # فانتقلت إلى مكتب الأخبار، ~~وصرت المرجع في الأخبار المصرية، وكثيرا ما كنت أرفض الأنباء التي قد تسيء إلينا، ~~مهما يكن من صحتها الظاهرية، محتجا بعدم دقتها، وأصبح رئيس قسم الأخبار الإنجليزي يثق ~~بي، ورغم وجود مصري آخر معي هو عبد اللطيف الجمال في قسم الترجمة فعندما كان يقول ~~«المصري» كان الجميع يعرفون أنه يعنيني. وكان في القسم بعض العرب من الأقطار الأخرى، ~~وكثيرا ما كان النقاش الذي يصل إلى درجة الخلاف يدب بيننا باعتباري ممثلا للموقف ~~المصري والمؤمن بمشروعية كفاحنا، وكان الإنجليز يحترمون ذلك، ولا يتعدون حدود العمل ~~المهني والرسمي في معاملاتهم معي؛ فالآخرون متزوجون من أجنبيات وتحولوا على مر ~~الأيام إلى صور باهتة (شاحبة؟)؛ لا هي عربية ولا إنجليزية، وكان شرينجهام - رئيس قسم ~~الإنتاج - ذو الزوجة المصرية يعرف ذلك، وكان يعرفه رئيس الأخبار كلها! # وما إن حل عام 1970م حتى كانت نهاد قد نجحت في اختبار أمناء المكتبة - وهي مكتبة ~~الأخبار بنفس المبنى - وبدأت العمل معي، غير أنها كانت تعمل في المواعيد العادية، وأنا ~~أعمل وفقا لمتطلبات الأخبار في ورديات بعضها مسائي وبعضها صباحي، فكنا نذهب أحيانا ~~إلى العمل معا ونعود معا، وأحيانا لم نكن نلتقي إلا في فترات الغداء في المبنى نفسه، ~~وأحيانا كنت أصادفها عائدة إلى المنزل وأنا على وشك بداية الوردية. # 5 # وكان عام 1970م عام الصداقة الجديدة التي نشأت بيني وبين توم هيتون، وهو إنجليزي ms376 نشأ ~~وترعرع في اليمن أثناء وجود والده مع القوات البريطانية في عدن، وكان يعرف اللغة ~~العربية ويفهمها قراءة وكتابة، ولكنه لا يتحدث بها بطلاقة، وعندما تخرج في كلية ~~المعلمين انتدب مفتشا (موجها) للغة الإنجليزية في اليمن أيضا، وكان ما يزال في ~~مقتبل العمر، فنشأت بينه وبين رجال التعليم فيما كان يسمى باليمن الجنوبي أو ~~جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية صداقة عميقة، رغم أنه كان يحمل جنسية رجال الاحتلال ~~ويمثل الاستعمار ويرمز له في أعينهم، وكان نموذجا للتناقض بين مثل الإمبراطورية ~~القديمة ونظرة «بريطانيا الجزيرة» (الدولة الأوروبية ذات السلطة المحدودة) منذ عام ~~1956م، وكان من الطبيعي أن نختلف حول كل شيء، سياسيا لما ذكرته من أسباب، ~~واجتماعيا لأنه طلق زوجته الإيرانية وأرسل ابنه منها معها للتعلم في أمريكا، ~~وأصبح يعيش مع امرأة تدعى جاكلين (وندعوها نحن جاكي) دون زواج، كان يتخبط في حياته ~~بين الغرب والشرق، فهو لا يؤمن بالزواج؛ لأنه يرى فيه «مؤسسة اجتماعية» فاشلة، تتطلب من ~~المشاركين فيها تنازلات متوالية دون أن تقدم لهم أية مزايا في مقابلها، وكان يردد ~~دائما ما يعتبره مثله الأعلى وهو أن يعيش الإنسان لذاته لا لشخص آخر، فإذا لجأت ~~أنا إلى طرح الحجج المعارضة قال لي ~~“appease appease and you’re ~~crushed!” # أي الإنسان يسعد غيره حتى يتحطم، ويبدو - والله أعلم - ~~أن زوجته الإيرانية كانت ذات شخصية قوية فكان يضطر إلى إرضائها على حساب رغباته حتى ~~انفصلا وأخذت الغلام وسافرت إلى أمريكا. أما علاقته بجاكي فتسمى # cohabitation # أي الحياة معا دون زواج، وكان يفضل ~~ذلك النظام على الزواج؛ لأن الزوج أو الزوجة فيه لا يتعرضان لضغط «المؤسسة» وتبعاتها ~~المالية، ويتوهمان (في رأيي) أنهما أحرار. ولا داعي للإفاضة في رأيي هنا، فقد قلته ~~ذات مرة لعلي النشار، المهندس العبقري الذي تزوج إنجليزية وهاجر معها إلى أمريكا؛ إذ ~~قلت له: «إنني أدعو لكل من أحبه أن يرزقه الله زوجة مثل نهاد.» وكان رده أن ~~الاستثناءات لا يقاس عليها! # عندما التحق توم هيتون بقسم الترجمة كان يواجه صعابا ms377 كثيرة في فهم اللغة العربية، ~~وكان يلجأ إلي حتى أشرح له، كما كان يكتب إنجليزية غير نقية، وغير سلسلة، وكان ~~مرد ذلك في رأيي إلى طول عمله بالتعليم؛ فتعليم اللغة الإنجليزية يورث المرء قدرا ~~كبيرا من التزمت فيما يتصور أنه صحيح أو خطأ، بل ويحد من النماذج اللغوية التي ~~يتصور فيها الصحة، مما يقطع الأسباب بينه وبين اللغة الحية على ألسنة الناس وفي ~~الصحف، وكان يدهش للسلاسة التي أكتب بها تلك اللغة، خصوصا حين اطلع على الفصل ~~الأول من رسالة الدكتوراه وحديثي عن تنوع الأساليب الشعرية بتنوع الأنواع الشعرية ~~في أواخر القرن الثامن عشر. وكانت هيلاري وايز المتخصصة في علم اللغة ومؤلفة كتاب ~~«النحو التحويلي للعربية المصرية» ما تزال تجمع المادة عن العامية، وتتصل بي أنا ونهاد ~~حتى نزودها بالمعلومات التي تريدها عن تلك «اللغة» (أو عن ذلك المستوى اللغوي) وأذكر ~~أنها زارتنا ذات يوم في المنزل، فاطلعت على تحليلي للأساليب المذكورة وعجبت كيف ~~يتسنى لي أن أقيم تلك الفروق بين أسلوب السرد مثلا وأسلوب الوصف وأسلوب التأمل، ~~واقترحت علي أن أستعين بالكمبيوتر في الإحصاءات فقلت لها إنني أتصدى للنصوص ~~الحية، لا لعدد من الكلمات التي تحصى وتعد، فقالت ولكنك تحصي الصفات وتصنفها ~~وتحصي الأفعال والتراكيب وتصنفها، فجعلت أشرح لها كيف أفعل ذلك من داخل النص لا من ~~خارجه، ولكنها أصرت على أهمية الكمبيوتر في ذلك الجهد، وهو ما لا أسيغه حتى ~~الآن. # وفي يونيو كنت قد كتبت الفصل الثاني في صورته الأولى، وكنت كشأني دائما طموحا لا ~~أغفل أدق التفاصيل (وكان أستاذي السابق رحمه الله يقول لي إنك تبغي الكمال فيما لا ~~كمال فيه) وما إن حل أول يوليو حتى وصلنا خطاب من الدكتور نوح الذي كان قد انتقل ~~إلى إدنبره مع أسرته يدعونا إلى زيارته، وكانت فرصة ذهبية لقضاء أيام عطلة في شمال ~~إنجلترا وفي اسكتلندا، فأخذنا الأتوبيس السياحي أنا ونهاد الذي يغادر محطة فكتوريا في ~~الثامنة مساء ويصل إلى إدنبره في الفجر، وغلب النعاس نهاد في أول ms378 الطريق، ثم ~~استيقظت في نحو الثالثة وهي تقول لي (وقد غفوت من اهتزاز الأتوبيس): انظر الجبال ~~وألوان الشفق في حي البحيرات! كان مشهدا يخلب اللب، وأفاق معظم الركاب وأخذوا ~~يشهقون للجمال المذهل، وبعد ساعة تقريبا وصلنا إلى إدنبره، وضوء الصباح يتسلل من ~~وراء الجبال، ولم تلبث الشمس أن طلعت، فذهبنا إلى منزل الدكتور نوح، وكان قد استأجر ~~منزلا كاملا، فأيقظنا أهل الدار، وأوصلتنا «فتان» زوجته إلى غرفتنا (إذ أصروا ~~على استضافتنا لديهم) فنمنا ساعة أو ساعتين، ثم صحونا في نحو التاسعة لنبدأ اليوم ~~الجديد! # في رحلة إلى الجنوب عام 1973م. # وسمعنا ونحن نشرب الشاي الدكتور نوح يقول لزوجته هل أتى الدكتور حامد باللحم؟ وردت ~~عليه ردا لم أسمعه، ثم جاءت الفتاتان راندا ورحاب مع خالد الصغير ليسلموا علينا، ~~وطبعا سألته عن موضوع حامد! كان حامد يدرس الطب في إدنبره، وينطبق عليه تماما قول ~~طه حسين في الأيام: «قضى عشرين سنة لم يظفر بالدرجة ولم يستيئس من الظفر بها.» وكان قد ~~اكتشف أن العرب والمصريين يحبون الكوارع و«لحمة الرأس» والسقط، فصار يعمد في الصباح ~~الباكر إلى السلخانة؛ حيث يقابل صديقا باكستانيا يذبح الحيوانات بالطريقة ~~الإسلامية، فيزوده بهذه الأشياء مقابل قروش زهيدة، ثم يمر بها على بيوت العرب ~~والمصريين لتوزيعها عليهم، بأسعار «معقولة»، وتدريجيا أصبح يأتيهم باللحم كذلك ~~مقطعا بالطريقة الشرقية، فراجت تجارته، واشترى منزلا، لكنه لم ينس أبدا دراسة ~~الطب، فإذا قال له أحدهم: «عد إلى مصر.» غضب غضبا شديدا وقال: كيف أعود دون ~~الدكتوراه؟ # وبعد نزهة في ربوع إدنبره عدنا إلى المنزل لنستمع إلى أخبار حرب الاستنزاف، وكانت ~~تلك أيام إسقاط الطائرات الفانتوم الإسرائيلية، وكان الدكتور نوح لديه راديو رائع نسمع ~~فيه مصر بوضوح، وكانت أجهزة الإعلام البريطانية تشير إلى إسقاط هذه الطائرات بنسبة ~~الفضل لا إلى مهارة المصريين بل إلى عظمة الأسلحة السوفيتية، وكنا نغتاظ مما يقوله ~~المذيع مثلا من أن «الصواريخ السوفيتية أسقطت الطائرات الإسرائيلية» وهو لا يقول ~~«السوفيتية الصنع» ولا «الطائرات الأمريكية» كأنما كان الاتحاد السوفيتي هو ms379 الذي يتصدى ~~لإسرائيل! ومع ذلك فقد كان العرب جميعا جذلين مستبشرين، وبعد السياحة في اسكتلندا ~~بدأنا جولة في حي البحيرات، وزرنا كوكرماوث # Cockermouth # مسقط رأس وردزورث، وكنت أنطق اسم البلدة النطق الشائع في ~~جنوب إنجلترا؛ أي بإدغام الميم والثاء، ولكن أهل البلدة كانوا ينطقون الاسم «ماوث» ~~(بمعنى مصب، وهي اللاحقة التي تدخل على أسماء الأنهار) فعجبت لذلك، ثم ذهبنا إلى ~~كيزيك # Keswick # وسرنا على الأقدام (مثل الشاعر) ~~حول بحيرة صغيرة محيطها 11 ميلا قطعناها في ثلاث ساعات، ثم زرنا بحيرة وندرمير # Windermere ~~، ووقفنا تحت جبل سكيدو # Skiddow # الذي يذكره الشاعر كثيرا، وأخيرا ركبنا ~~الحافلة وعدنا إلى لندن، متوقفين بكبرى المدن الإنجليزية في طريقنا. # وفي أواخر يوليو توقفت حرب الاستنزاف، بعد أن أعلن عبد الناصر في خطاب عيد الثورة ~~قبول مصر لمبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي، الذي كان يتوسط لعقد اتفاق سلام بين ~~العرب وإسرائيل؛ بحيث يسري وقف إطلاق النار اعتبارا من 7 أغسطس، وكان السد العالي قد ~~اكتمل قبل عيد الثورة بيومين، فتفاءلنا بهذه الأنباء الطيبة، ولكن الصراع بين ~~الفلسطينيين وحكومة الأردن تصاعد بعد ذلك، بعد أن رفض المجلس الوطني الفلسطيني مبادرة ~~السلام، يوم 28 أغسطس، وبدأ القتال بين الفلسطينيين والأردنيين يوم 7 سبتمبر (أيلول ~~الأسود) وقام الفلسطينيون باختطاف طائرتين؛ إحداهما بريطانية وكانت متجهة إلى نيويورك، ~~وأطلقوا سراح الرهائن ثم فجروا الطائرة، مما جعل أجهزة الإعلام البريطانية لا تتحدث ~~إلا عن «الإرهاب» بتحيز واضح ومزعج، ولما اشتدت حدة القتال أمر الملك حسين ~~الدبابات بالنزول إلى شوارع عمان، فانسحب رجال منظمة التحرير الفلسطينية وبسطوا ~~سيطرتهم على المدن الواقعة في شمال الأردن، وكانت الأنباء تقض مضاجع العرب في كل ~~مكان، فتدخل عبد الناصر في أواخر سبتمبر، ودعا إلى عقد مؤتمر قمة عربية في القاهرة، ~~وتوجت جهوده بإحلال السلم بين الجانبين يوم 26 سبتمبر، وبدأ رحيل الزعماء العرب، ~~وبعد توديع أمير الكويت يوم 28، أصيب بنوبة قلبية لم تمهله. # كان ذلك يوم الإثنين، وكنت أغفو دقائق قبل استئناف القراءة، وكانت نهاد تسمع أخبار ~~التليفزيون ms380 حين صاحت صيحة ارتجت لها أرجاء المنزل، فهببت من غفوتي أسألها ما ~~الخبر، وعندما علمت لم يكن في أيدينا سوى البكاء. وقالت نهاد: «لا بد أن أعود إلى مصر، ~~ما الذي سيحدث الآن؟» وقامت فارتدت ملابس الخروج وارتديت ملابسي وخرجنا نسير في ~~الطرقات، كمن يهيم على وجهه حائرا لا يدري أين تقوده قدماه، لم نكن نتوقف ولا ننظر ~~إلى ما حولنا، ولم نكن نتبادل أي كلمات مهما تكن؛ فالحزن العظيم لا يعبر عنه سوى ~~الصمت، وكان الليل قد حط وأظلمت الحوانيت وأغلقت الأبواب، ومررنا بحانة كان ~~عهدي بها صاخبة متلألئة فخيل إلي أن الحزن يرين بأثقاله عليها، وعبرنا النهر ~~ووصلنا إلى محطة القطار، وكانت الساعة قد جاوزت العاشرة مساء، وعندما سمعنا هدير ~~القطار وقفت نهاد وقالت: «لو كان يستطيع أن يحملني الآن إلى مصر!» ثم قفلنا راجعين فلم ~~ندخل إلى المنزل إلا بعد منتصف الليل وقد بلغ بنا الإرهاق مبلغه. # كان موعدي يوم الثلاثاء 29 / 9 مع المشرف لأسمع رأيه في الفصل الثاني، فذهبت ~~متثاقلا لا أكاد أحس بالرغبة في لقائه، وعندما دخلت غرفته في الثانية تماما رحب ~~بي وكان قد فتح الفصل أمامه، ثم قال: «أراك اشتققت لنفسك منهجا خاصا في تناول ~~الأسلوب.» وكان مثل هذا التعليق يوحي بالاعتراض ولكنني قبل أن أفتح فمي قال: «ولكنك ~~أحسنت استخدامه.» ثم تصفح الفصل وتوقف عند كلمة مركبة كتبتها وهي # highly-rated # وقال: «هل تعرف أن هذا التعبير ~~أمريكي؟» وكانت لهجته حادة، فأنكرت أنني كنت أعلم ذلك، فأشار إلى معجم ضخم مفتوح ~~أمامه وقال لي: «تفضل! اقرأ هذا الباب!» وقلت له إن تغييرها ممكن فقال ببسمة صافية: ~~حذار من هذه «المطبات»! ولم يلبث أن قال: ولماذا تستخدم تعبيرا مثل # severe objurgations # والبدائل السهلة متوافرة؟ ~~فاعتذرت من جديد، وفجأة قال لي: يبدو أن العرب قد صدموا لوفاة عبد الناصر! وشرحت له ~~الموقف فأبدى تفهمه، وسلمني الفصل وقال لي: هل ستسافر إذن إلى مصر؟ فقلت له لا ~~ولكن زوجتي ستسافر، وانصرفت. # 6 # وفي يوم الخميس ms381 الأول من أكتوبر سافرت نهاد إلى لندن لحضور الجنازة الرمزية التي ~~صاحبت جنازة عبد الناصر في القاهرة، وكانت ترتدي ثياب الحداد وتلبس نظارة سوداء حتى ~~لا يرى أحد آثار البكاء، وقصت علي قصص الأحزان الرهيبة التي أعرب عنها العرب ~~وغير العرب من المتعاطفين معنا وكان من بينهم فتاة إنجليزية متزوجة من عراقي، وكانت ~~تبكي عبد الناصر بكاء الحبيبة لحبيبها، وكان طابور الناعين غير مسبوق، فكأنما كانت ~~مظاهرة إيمان بما كان الراحل يرمز له، لا مجرد تعبير عن الحب والصدمة. وبدأت نهاد ~~في اتخاذ إجراءات العودة إلى مصر لرؤية ما جرى لها بعد رحيل القائد والأب الروحي، ~~فذهبنا إلى المكتب الثقافي يوم الجمعة للحصول على خطاب إلى شركة مصر للطيران حتى ~~يمنحنا تخفيضا، ولكن الزحام على الشركة كان غريبا، ولم تكن هناك أي أماكن خالية قبل ~~ديسمبر، فقنعنا بذلك، وحجزنا التذكرة وعدنا. # وعندما عدت وجدت خطابا من خالي عبد الحليم (التاجر) يقول لي فيه إنه في لندن وإن ~~معه ضيفا هو رئيس مجلس إدارة الشركة التي أصبح خالي مستشارا فنيا فيها بعد «تأميم» ~~تجارته، وإنه يتوقع أن يراني، فذهبت إليه صباح السبت، وبادرني قائلا: من ترى ~~سيخلف عبد الناصر؟ وقلت إن نائب رئيس الجمهورية هو أنور السادات، فقال: «لا لا .. ~~السادات ما ينفعش.» ولم أشأ أن أناقشه في السياسة؛ فالواضح أنه كان يريدني في ~~«مأمورية» خاصة، واتضح أنها كانت تتعلق بالترجمة بين رئيس الشركة وبين بعض الشركات ~~الإنجليزية التي كان يريد شراء بعض المستلزمات منها (الكيمياويات وأدوات المعامل)، ~~وأكد لي خالي رحمه الله ألا أفصح عن تفاصيل المفاوضات، وأن أكتم الأمر؛ فذلك ~~الشخص مهم وعلى علاقة خاصة بالكثيرين من «الكبار»، وفعلا لم أفتح فمي بكلمة عما دار ~~حتى هذه اللحظة، وسوف أبقي اسمه سرا حتى بعد ثلاثين عاما، وبعد أن توفي، رحمه ~~الله. # عندما اصطحبت الزائر الكبير يوم الثلاثاء التالي (6 / 10) إلى أول شركة قال لي ~~بلهجة من اعتاد الأمر والنهي: «سوف أكافئك ماليا على عملك، ولكن لا تقل ~~لخالك.» ولم ms382 أعقب. وفي مكتب رئيس الشركة الإنجليزي دارت أولى المفاوضات التي لم ~~تستغرق إلا ساعة أو بعض ساعة، وكانت تتلخص في أن تقوم الشركة الإنجليزية بتوريد ~~كميات كبيرة من مادة كيميائية معينة إلى الشركة المصرية بسعر سبق الاتفاق عليه، ~~وأن تحول الشركة المصرية الثمن إلى البنك الذي حددته الشركة الأجنبية حالما يتأكد ~~الخبراء من مطابقة الشحنة للمواصفات المطلوبة، على أن تحول الشركة الإنجليزية ~~العمولة الخاصة برئيس مجلس الإدارة إلى بنك حدده الزائر الكبير في ألمانيا. لم تكن ~~هناك أي صعوبة في الترجمة، وكان الحوار سهلا وميسرا، وعجبت من ضرورة الزيارة إذا ~~كان الاتفاق قد تم سلفا عن طريق الخطابات، وكنت أترجم ما يسمى بالترجمة ~~التتبعية # consecutive # أي إنني كنت أدون ما يقال ~~باختصار، ثم أترجمه ترجمة دقيقة، وسرعان ما اتضح لي السبب الحقيقي للزيارة؛ إذ إن ~~الزائر الكبير كان يريد أن يرفع نسبة العمولة من 5٪ إلى 10٪، وعندما ترجمت هذا الجزء ~~من الحوار اعترض التاجر البريطاني وقال: ولكننا اعتدنا دفع 5٪ فقط إلى جميع زملائك، ~~فرد الزائر الكبير قائلا: وهل كانوا يمنحونك التسهيلات التي سوف أمنحها لك؟ وتساءل ~~التاجر الإنجليزي عن نوع هذه التسهيلات، فأخرج الزائر الكبير ورقة من جيبه وقال لي: ~~ترجم! وكانت الورقة تقول (وهي مكتوبة بخط اليد): إن الشركة المصرية تقبل أن يكون ~~تركيز المحلول الكيماوي أقل من التركيز المعتاد، وهو مما لا يدرج في قائمة المواصفات، ~~مما يوفر للشركة نسبة كبيرة من التكاليف، كما أن ذلك سوف يسمح بتعبئة المحاليل في ~~زجاجات بلاستيك وهي أرخص كثيرا من العبوات الزجاجية المعهودة. وبدت الدهشة على وجه ~~التاجر وبدا عليه التردد، وراجعني فيما قلت علني أكون قد أخطأت، ولكنني ~~أكدت له ما ورد في الورقة، فقال لي: آسف! لا بد أن أتكلم في التليفون. ~~واختفى. # ومكثنا صامتين ننتظر والزائر الكبير يؤكد ضرورة عدم الإفصاح لخالي عما دار في هذه ~~الجلسة، وقد أجبته إلى ما طلب، وعندما عاد التاجر الإنجليزي قال : لا بأس! ولكن أرجو ~~المرور غدا لتوقيع عقد جديد بحضور المحامي، فابتسم ms383 الزائر الكبير وقال فليكن. ونهضنا ~~فقال الآن نذهب إلى شركة أخرى. # وتكرر ما حدث مع التاجر الإنجليزي الأول غير أن الزائر الكبير طلب رفع النسبة إلى ~~7٪ فقط، وعجبت في نفسي، واتضح من الحوار أنه قد دبر ما يلي: الصفقة كانت توريد ~~ميكروسكوبات، وهذه تصنع وفقا للطلب # by order # وقد ~~يستغرق تصنيعها شهورا أو عاما كاملا، وقد اتفق رئيس مجلس الإدارة (الزائر الكبير) مع ~~أعضاء المجلس على صرف الثمن كله ~~(full disbursement) # حالما تصل أول دفعة من الصفقة، مما يتيح للمال أن يوضع في البنك ويدر أرباحا ~~قدرها نسبة 6٪، تذهب نسبة 3٪ منها إلى التاجر، مطروحا منها 1٪ لقاء الدفعة الأولى، ~~و2٪ تضاف إلى عمولة رئيس مجلس الإدارة، ومثلما فعل الأول قام التاجر بإجراء اتصال ~~تليفوني (لعله بالمحامي) ثم عاد ليعلن موافقته. وخرجنا على أن نمر في اليوم التالي ~~لتوقيع عقد جديد. # وسألته ونحن في الطريق إن كان تخفيض نسبة التركيز في المحلول سوف يؤثر على فاعليته ~~فضحك وقال: «إطلاقا! لا تكن ساذجا مثل خالك! هذه المحاليل لا تستخدم في الصناعة، ~~ولكنها تستخدم في المختبرات المدرسية، ونحن نوردها للمدارس والجامعات فقط! فهل ~~تتصور أن المدرسة سوف تعرف قوة تركيز المحلول؟ ولو عرفت فهل يؤثر ذلك في شيء؟ لسوف ~~يذيب الحامض ما يوضع فيه مهما كان تركيزه! لا تكن حنبليا!» وضحكت حتى أخفف من ~~توتر الموقف، ثم عدت أقول ضاحكا حتى لا أغضبه: «كان عندنا مدرس اسمه شكري ديمتري ~~يستطيع معرفة قوة تركيز المحلول!» وأطلق ضحكة مجلجلة ونحن في قطار المترو، ثم قال: ~~«وفيه كام شكري ديمتري في مصر؟» ثم همس لي: «وحتى لو عرف المدرس ذلك، فسوف نناقشه ~~ونشكك في نتائجه، فإذا أصر أرسلنا له زجاجة أخرى من زجاجات ~~ألمانيا الشرقية!» # وعندما قابلت خالي سألني عن المفاوضات وهل كللت بالنجاح فأكدت له أن الزائر ~~الكبير قد أبرم اتفاقياته بنجاح وربما لن يحتاج إلي في اليوم التالي، ولكنه اتصل به ~~تليفونيا فقال له إنه يريدني لمهمة أخرى ، فذهبت إليه يوم الأربعاء، فقدم لي ورقة ms384 ~~مالية بخمسة جنيهات، فقلت له إنني لا أتقاضى أجرا على ذلك، وإن شئت فإن أجري اليومي ~~في الترجمة 18 جنيها! فضحك وقال: «أنت لا تعرف مدى نفوذي وسلطتي في مصر.» فأسرعت ~~أقول: فاعتبر خدماتي هدية مني إليك! وقال في اللحظة نفسها: «هدية مقبولة!» ثم تواعدنا ~~على اللقاء في اليوم التالي، وقابلني هاشا باشا وقال: «أنتم ناس طيبون، وأنا أساعد ~~خالك؛ لأنه ب «يعرف ربنا» رغم ما أعلمه عنه من علاقة مع التجار الألمان، ولكنني ~~ساندته وحميته من بطش عامر.» وانطلقنا فوقعنا العقدين، ثم رحل الزائر الكبير مع ~~خالي إلى ألمانيا أولا ثم إلى مصر، وعندما عدت إلى نهاد لم أشأ أن أعكر صفو ~~أحزانها على وفاة عبد الناصر، ولم أشأ أن أقول لها ما يحدث في القطاع العام، وإن كان ~~في أعماقي صوت داخلي يهتف: أين أنت يا عبد الناصر حتى أقص عليك ما رأيته وما ~~سمعته؟! رحم الله عبد الناصر. # وشغلت نهاد في الخريف بالاستعداد للسفر، وكان يبدو لي أنها كانت تريد أن تطمئن إلى ~~أن مصر ما تزال حية ترزق بعد وفاة عائلها، أما أنا فشغلت بترجمة خطابات السادات في ~~عطلة نهاية الأسبوع، وبدراسة مسرح القرن الثامن عشر في إنجلترا ساعات طويلة كل يوم ~~في مكتبة الكلية، تمهيدا لكتابة الفصل الثالث عن مسرحية «سكان الحدود» # The Borderers # التي كنت أراها شيكسبيرية ~~المذاق، ولا تكاد تنتمي إلى القرن الثامن عشر إطلاقا! # وسافرت نهاد، وعندما عادت كانت قد شفيت تماما من الحزن، بعد أن ذاقت الأمرين في ~~محاولة استخراج تأشيرة الخروج من المجمع، وكانت تتردد عليه يوميا حتى يسمحوا لها ~~بالسفر، ولولا جهود الأستاذ صليحة والدها رحمه الله ما خرجت ثانية من مصر. لكن ~~تلميحاتها هذه المرة كانت واضحة؛ فالكل في مصر يتساءل عن عدم إنجابنا للأطفال، وكان ~~لسان حالها يقول «أريد طفلا!» وكذلك كان لسان حالي أيضا! # 7 # لا شك أن السنوات الأربع التي عشناها معا دون أطفال قد قربت بيننا كثيرا فكانت ~~نهاد لي نعم الصديق، وكانت قراءة ms385 الكتب معا والذهاب إلى المسرح معا من الظواهر ~~الفريدة بين الدارسين المتزوجين هنا، ولأختم هذا الفصل بحادثة ما تزال تختزنها ذاكرة ~~نهاد «الانتقائية» ( # eclectic ~~) وإن كنت غير واثق من ~~أسس اختياراتها. # حدث في صباح يوم أحد، وكنا نقرأ معا صحف نهاية الأسبوع أن دق أحدهم الباب فقمت ~~إليه فإذا برجل وامرأة طاعنين في السن يلقيان علي تحية الصباح، ثم سألاني: أنتم ~~مؤمنون بالله؟ فخفت أن يكونا من «شهود يهوه» وهي طائفة يرميها الناس بالخبل، فأسرعت ~~أقول نحن مسلمون! فابتسم الرجل وقال: إذن تؤمنون بالله. وتقدم للدخول مع المرأة! لم ~~أستطع منعهما ونهضت نهاد فرحبت بهما وصنعت لهما الشاي، وما إن جلسا حتى انطلق ~~كل منهما يتحدث بإسهاب عن الفرق الدينة التي بلغ عددها - فيما قالا - 250 فرقة ~~وطائفة، وحدست ما يرميان إليه؛ فمن المؤكد أنهم سيقولان إنها جميعا ضالة، وإنهما ~~ينتميان إلى الفرقة الناجية، بل وسوف يدعواننا إليها. وصح ما توقعته وإن كانا قد ~~استغرقا وقتا طويلا في التمهيد للدعوة. أما ما يعتبرانه الفرقة الناجية فهي ~~المورمونية، أو طائفة الملاك مورمون، وسوف ألخص فيما يلي ما قالاه؛ إذ أفادني فيما ~~بعد، دون أن أدري، في فهم أحد التيارات الرئيسية في الفكر الغربي وهو التيار ~~الديني. # بدأ العجوزان الحديث بانتقاد أخلاق أهل العصر، والقطع بأن مرد ذلك كله إلى نضوب ~~معين الحياة الروحية لدى الجميع؛ لأن الدين تحول إلى مؤسسات بشرية، تخضع لأهواء ~~المفسرين، وقد تنحرف هذه المؤسسات حتى لو صدق القائمون عليها؛ لأنهم بشر وشيمة ~~البشر الخطأ، والدين في رأيهما نبع متجدد ولا يجب أبدا أن يقول أحد بانقطاع الوحي؛ ~~فالله الذي خلق العالم لم يتركه في أيدي الكهنة بل يوحي دائما إلى كل روح بالرؤى ~~التي تساعدها على إدراك جلالته وعظمته، والإسلام في رأيهما شاهد على ذلك؛ فالمسلم ~~يتوجه إلى ربه بالصلاة وحده، ويتحمل وحده أوزاره، ويثاب على فعاله أو يعاقب، ~~مهتديا بضميره وبالروح التي هي قبس من روح الله. # وبدأ الضيفان في دعوتنا إلى تأمل المورمونية التي تقول ms386 إن الروح إذا نمت وترعرعت ~~أصبحت إلها؛ ولذلك فإنهما يؤمنان بأن في أعماقنا آلهة كثيرة هي الأرواح التي تدفعنا ~~إلى فعل الخير وتصرفنا عن ارتكاب الشرور، ودعيانا إلى تأمل تعاليم الملاك ~~مورمون وهي التي يضمها سفر مورمون الذي ترجمه (القديس) جوزيف سميث في أمريكا في ~~النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتعاليمه لا تتناقض في رأيهما مع الإسلام؛ فهي تدعو ~~إلى تعدد الزوجات، وتعدد وجهات النظر، وقالا إن الخلاف والاختلاف من سمات البشر؛ ~~ولذلك فالدين الحقيقي لا بد أن يسمح بذلك وهذا هو ما تدعو إليه المورمونية، ونظرت في ~~ساعتي ثم نهضت إيذانا بانتهاء الزيارة فنهضا وانصرفا! # وكان لدينا في العمل شاب أمريكي يدعى «ألان» (ولا أعرف له اسما آخر) أشيع عنه ~~أنه مورموني، فسألته عما سمعته من العجوزين فقص علي القصة بالتفصيل، قبل أن ~~أقرأ عنها بعد عشر سنوات في قصص شرلوك هومز (هولمز) التي كتبها السير آرثر كونان ~~دويل # Doyle # البريطاني، وموجزها أن في الولايات ~~المتحدة مؤسسة كنسية تسمى كنيسة ~~القديسين المتأخرين # Church of Latter-Day Saints # تؤمن بأن هناك سفرا يسمى سفر مورمون # Book of Mormon # تعتبره تلك الكنيسة من أسفار الكتاب ~~المقدس وإن كان لم «ينزل» إلا في القرن التاسع عشر على رجل يدعى جوزيف سميث ~~فترجمه في عام 1930م، ونشره في بالميرا Palmyra ~~(تقابل تدمر العربية) بولاية نيويورك في العام نفسه، وقيل إن الكتاب المذكور مترجم ~~عن اليونانية القديمة، وقيل عن العبرية، وقيل عن غيرها، ولكن إثبات ذلك محال؛ لأن تلك ~~النصوص المزعومة قد فقدت، والكتاب يقص قصة هجرة مجموعة من اليهود (العبرانيين) إلى ~~أمريكا، من القدس، في عام 600 قبل الميلاد، بقيادة نبي يدعى «ليحي» # Lehi ~~، ثم انقسم المهاجرون إلى طائفتين؛ الأولى هي اللامنيون # Lamanites # الذين نسوا عقائدهم وأصبحوا من الهمج ~~والبرابرة، ومن نسلهم انحدر الهنود الحمر الذين وجدهم كريستوفر كولومبس في أمريكا، ~~والثانية هي النفيتيون # Nephites # الذين أخذوا بأسباب ~~الحضارة وبنوا المدن العظيمة، وأصبحت لهم ثقافتهم الخاصة، وتركوا آثارا رائعة، ولكن ~~اللامانيين كانوا لهم ms387 بالمرصاد فلم يكفوا عن محاربتهم حتى قضوا عليهم في عام 400 ~~الميلادي تقريبا، ولكن الكتاب المذكور يقول إنهم قد استقوا تعاليم المسيحية الحقة ~~عن يسوع بعد رفعه إلى السماء، وكتبها نبيهم مورمون على ألواح من الذهب الخالص، إلى ~~جانب تاريخ الطائفة بطبيعة الحال، وتركها مورمون لابنه موروني الذي أضاف كتابات أخرى ~~إليها ودفنها في الأرض حيث مكثت 1400 سنة، حتى كتب لها أن ترى النور من جديد على ~~يدي موروني نفسه الذي بعث من مرقده وكان يتخذ صورة ملاك حينا وصورة نبي حينا آخر، ~~فأسلمها إلى جوزيف سميث الذي سارع بترجمتها قبل أن تختفي إلى الأبد. # وسألت روجر كولمان (الكاثوليكي) عن رأيه في هذا الكلام فضحك وقال إن كل ما يعرفه هو ~~أن المورمونيين لا يشربون الخمر ولا يأكلون لحم الخنزير! وسألت آخرين من البروتستانت ~~فقالوا لي إنهم يعتبرون المورمونيين كفارا، وكنت في المكتبة أنظر أصل القصة حين خطر ~~لي أن أسأل أحد الأمريكيين؛ ففي أمريكا ما لا يقل عن خمسة ملايين من أتباع هذه ~~الطائفة، وسألت عن زميلة لنا من أمريكا تدعى إليزابيث فقالت لي السكرتيرة: «آه! ~~المورمونية؟» فقلت في نفسي: «يا محاسن الصدف!» وسعيت إليها حتى قابلتها، وكأنما ~~كانت تتوقع مني الهجوم على العقيدة؛ إذ بادرتني قائلة: «ليس صحيحا أن العقيدة ~~مستوحاة من رواية القس سولومون سبولدينج، وليس صحيحا أنها من ابتكار جوزيف سميث، فهذه ~~من تخرصات أعدائنا الذين وطنوا النفس على الكفر والإلحاد!». # وأكدت لها أنني لم أقرأ تلك الرواية، وأن كل همي هو أن أعرف المزيد عن العقيدة ~~لا أن أطعن فيها أو أدرس تاريخها، وعندما شعرت أنني صادق صحبتني إلى ~~الكافيتريا حيث اشترى كل منا فنجان شاي وشرعت تقول: ~~«مذهبنا الراهن مذهب روحي، وهو يفرض على الفرد مسئولية روحية يتخطى بها ~~تكاليف (بمعنى طقوس) الكنيسة، وأكبر دليل على ذلك تجاوزنا للنظم الكنسية التي ~~تقوم على اعتبار الجسد دنسا، وما دامت الروح طاهرة فلا بد أن يكون مسكنها ~~طاهرا، والطهارة في مفهومنا تعتمد على الماء؛ فالتعميد ms388 يجري بغمر الجسد في ~~الماء، والاستحمام من وسائل التطهير المؤكدة، ونحن نفضل المأكولات الطاهرة ~~مثل الفواكه والخضر، ومعظمنا نباتيون، ولا نشرب الخمر؛ لأنه يغير من الفطرة ~~وكل ما يلوث الفطرة أو يدنسها فهو نجس، ونحن نؤمن بالخير الذي يتجلى في ~~الحرية والإنجاب والتواصل؛ ولذلك نؤمن بتعدد «رفقاء المضجع» استجابة للفطرة ~~ونبذا للحرمان وتحقيقا للإشباع الروحي.» # وأسهبت إليزابيث وأطالت، فأدركت أن شيوع المذهب دليل على جاذبية خاصة فشكرتها، ~~ولكنني عندما أردت الانصراف قالت لي: «إذا أردت أن تعرف المزيد فارجع إلى الأستاذ ~~ماثيوز الذي يعتبر حجة في تاريخنا.» وقد فعلت ذلك في نفس اليوم، فقال لي دهشا: ~~«ومتى كان المسلم مهتما بالمورمون؟ لا بد أنه التعطش للمعرفة!» ولكن ما قاله كان ~~مذهلا! قال ماثيوز إن المورمونيين يشككون في صحة ترجمة الكتاب المقدس، وإن سفر ~~مورمون الذي يزعم جوزيف سميث أنه ترجمه عن أصل مفقود لا يمكن أن يكون كتابا ~~مقدسا؛ فهو «محاكاة شعرية» لأسفار العهد القديم ويقوم على فكرة «الدائرة»؛ أي إن ~~التاريخ يسير في دوائر، فالناس تنزع إلى الخير في أول الزمان ومن ثم تحيا في رغد من ~~العيش، ثم تنزع إلى الشر فيصيبها البؤس والهلاك، ثم تتوب فيعود العيش الرغد وهكذا، ~~وأما الكتابان اللذان يزعم جوزيف سميث أنه اكتشفهما وهما كتاب إبراهيم وكتاب موسى ~~وأدرجهما في كتاب له لم يستكمل تأليفه، (واسمه لؤلؤة غالية الثمن) ~~(Pear of Great Price) ~~؛ فقد اكتشف العلماء منذ أعوام قليلة ~~أنهما منقولان عن كتاب الموتى الذي وضعه قدماء المصريين، وكانت بعض أجزائه المترجمة ~~بعد اكتشافه وحل رموز اللغة المصرية القديمة قد نشرت في أوروبا في أواخر عهد سميث، ~~ولا أدل على ذلك من البردية التي صورها سميث (أو من خلفه) ووضعها في صدر كتابه ~~إذ أكد الخبراء أنها تزوير في تزوير، وأن ما بها لا يعدو أن يكون ترجمة حرفية عن ~~الترجمة الفرنسية للشعائر الجنائزية المصرية، وقد أعيد اكتشاف البردية المصرية التي ~~تتضمنها في متحف متروبوليتان للفن بنيويورك عام 1966م، وقام الخبراء بمضاهاة ما ms389 ~~جاء فيها بالبردية التي يزعم سميث أنها البردية الأصلية. # أما أخطر ما نبهني إليه ماثيوز في هذا كله فهو ما لم يفصح عنه الزائران المسنان، ~~ولا ألان، ولا إليزابيث، ألا وهو أن «الطهارة» التي كانت تتحدث عنها تنطبق أيضا على ~~لون الجلد، فلم يذكر لي ألان، ولا وجدت في المراجع التي أوصاني بقراءتها، ما يدل على ~~أن اللامانيين كانوا من ذوي الجلد الداكن؛ ولذلك فقد دفعهم «الخبث» بمعنى الحطة ~~المتأصلة في فطرتهم إلى التمرد والهمجية، في حين اتجه النفيتيون ل «كرم» متأصل في ~~لونهم الأبيض إلى بناء الحضارة والتمدن، وإذا كانت الدورة (الدائرة) الأولى قد كتبت ~~الغلبة للشر فانتصر الهنود الحمر على ذوي البشرة البيضاء (الطاهرة) فلقد أتت الدورة ~~الثانية بالنصر لأصحابه، وأصبح الخير ظافرا في ولاية «أوتاه» ~~(Utah) # الأمريكية، ثم ساد القارة كلها، حتى «تلوث» أخيرا بسبب ~~الهجرة من أفريقيا! # وعندما فرغت من تأمل هذه الحقائق اتجهت إلى كتاب في التاريخ يؤكد نظرة الأستاذ ~~المتخصص والموضوعي، وعندما قرأت بعد عودتي إلى مصر بعدة سنوات أن السلطات الكنسية ~~العليا سمحت للملونين (بمعنى غير ذوي البشرة البيضاء) بأن يشغلوا بعض المناصب ~~الكهنوتية فيما أصبح يسمى بحركة إعادة تنظيم الكنيسة عام 1978م، ذكرت ما نبهني ~~إليه ماثيوز وتأكدت لي صحته من كتب التاريخ (لا أسفار المورمون). وفهمت أيضا سر ~~إلغاء تعدد الزوجات (والأزواج) عندما تذكرت ما قالته إليزابيث عرضا من أن ~~والدتها يهودية، وكان المفروض من ثم أن تكون يهودية، ولكنها فضلت حرية الروح، ~~واعتنقت المورمونية، فأنجبت من زوجها المورموني أطفالا تحرروا من لون أمها الداكن، ~~فتخلصوا من الرابطة «الشرقية». # وعندما قصصت ذلك كله على نهاد بعد عودتها أبدت دهشتها، ثم قالت مقولة ما تزال ~~ترددها عندما أقص عليها قصصي: «إنت بتهتم بحاجات غريبة!» # الفصل السادس # | سارة # 1 # قضيت شهرا أو شهرين أتنقل بين نصوص دراما القرن الثامن عشر، حتى تمكنت من ~~تحديد النوع الأدبي الذي تنتمي إليه مسرحية «سكان الحدود» مع مقارنتها بمسرحيات روبرت ~~سذي وكولريدج مثل الندم وسقوط روبيسبير ومسرحية ms390 اللصوص للكاتب الألماني شيلر التي ~~أثرت في الشعراء الإنجليز، وانتهزت فرصة انشغال الإنجليز باحتفالات عيد الميلاد ~~ورأس السنة فانغمست في الكتابة، ثم وصلني خطاب من نهاد تحدد لي فيه موعد عودتها ~~فاستقبلتها في المطار ولم تكن تتحدث في طريق العودة إلى لندن هذه المرة إلا عن ~~الموظفين في مصر وتعذر مغادرة البلد، رغم أن عبد الناصر رحمه الله كان قد بدأ يسمح ~~بالهجرة لمن يريد، وجاءت معها بصحيفة الأهرام وفيها قرأت أن عدد الذين هاجروا من مصر ~~عام 1968م بلغ 33 ألفا، وارتفع الرقم إلى 90 ألفا عام 1969م، ولم يكن أحد يدري عدد ~~من سافروا أو هاجروا عام 1970م (ربما لأن الإحصاءات لم تكن قد اكتملت) ومعنى ذلك على ~~أي حال هو أنه أصبح من الممكن مغادرة مصر. # وناقشتني نهاد مناقشة صريحة في موضوع الإنجاب؛ فهي على مشارف الخامسة والعشرين ~~والأطباء ينصحون بعدم التأخر عن هذا السن، وكان أهل مصر قد تساءلوا ولا شك عن سر ~~المنع؛ ومن ثم اتفقنا في يناير 1971م على ألا نتعمد المنع؛ فنحن نسكن شقة تسمح ~~بوجود الأطفال، ولن يعترض أحد على وجودهم، بعد التشتت والتنقل في لندن، وقصت ~~علي نهاد تفاصيل الأحوال في مصر، خصوصا على المستوى الشخصي، فعلمت أن فاروق ~~عبد الوهاب سافر أخيرا إلى أمريكا بعد حصوله على الماجستير من مصر، وأن سمير سرحان ~~وعبد العزيز حمودة أصبحا مدرسين في القسم، وأن سمير يكتب النقد المسرحي في «صباح ~~الخير»، وحكت لي أخبار زواج (أو إعلان زواج) رشاد رشدي، وكان يخفي زواجه من السيدة ~~ثريا أثناء وجودنا في مصر، وعندما تم الطلاق بينه وبين الدكتورة لطيفة الزيات وصلني ~~منه خطاب قصير يقول إنه طلقها بناء على رغبتها. كما علمت كيف توالى على رئاسة ~~تحرير مجلة المسرح صلاح عبد الصبور وعبد القادر القط قبل أن يتوقف صدورها؛ فالبلد ~~رسميا في حالة حرب، والشعار الرسمي الآن هو الكفاح من أجل «إزالة آثار ~~العدوان». # وحكت لي نهاد عن ولادة حاتم أكبر أبناء سمير ~~سرحان يوم ms391 5 يناير 1971م، وكيف زارت سميتها نهاد جاد في المستشفى، وحملت الطفل ~~الجميل وقبلته، وقلت لها إننا نتمنى طفلة، وقالت ليتنا نرزق حقا بطفلة، وفي مارس ~~أكد لها الطبيب أنها حامل ، وحدد لها أواسط ديسمبر موعدا للولادة، ولا أذكر من كان ~~أول من اقترح تسمية الطفلة (إن كان المولود أنثى) بسارة، ولكننا لم نكن نختلف حول ~~ذلك الاسم الجميل، وفي أبريل زارني أخي مصطفى (الدكتور مصطفى الآن) الذي كان في طريق ~~عودته من موسكو إلى القاهرة، وأذكر حادثة طريفة تؤكد ما ذهبت إليه من اختلاف بين ~~الثقافتين العربية والأوروبية. # كنا في القطار عائدين من لندن إلى ردنج حين ~~وجدنا في المقصورة قبالتنا فتاتين إنجليزيتين تتحدثان بلهجة سكان الريف في مقاطعة ~~باركشير # Berkshire ~~(وتنطق في الجنوب إما بارك ~~شر أو بارك شير واختصارها باركس) وهمس لي أخي ولم يكن قد بلغ الثامنة والعشرين ~~بعد، إن أهم ما يميز الإنجليزيات عن الروسيات هو الرشاقة، بل كان إذا رأى امرأة ~~ضخمة مربعة في لندن قال إنها روسية! وفهمت أنه بهر برشاقة الفتاتين، في حين أنني ~~كنت معتادا على هذا الشكل، فلم أجد فيه ما يستلفت النظر، وأحسست أنه يريد تزجية ~~الوقت بالحديث معهما، فقلت لهما باللهجة الجنوبية «المثقفة» إن أخي وصل لتوه من ~~موسكو وهو يدهش لرشاقة الإنجليزيات! فضحكت إحداهما وقالت: «ولكن وزني زاد رطلين منذ ~~أن بدأت العمل في هنتلي أند ~~بلمرز ~~(Huntley and Palmers) ~~(وهو مصنع للبسكوت يطالع القادم من لندن إلى ردنج بمبانيه ~~الضخمة).» ومن ثم بدأنا الحوار عن البسكوت؛ إذ أكدت الثانية أنها لم «تسمن» إلا ~~بعد أن تزوجت، وقالت ضاحكة: «ولكن جودي # Judy ~~(أي ~~صاحبتها) لديها استعداد وراثي للسمنة.» وقالت لمصطفى: «لو رأيت والدتها لظننت أنها ~~روسية!» وضحكنا، ثم قلت لهما إن المصريين يفضلون الجسم الممتلئ واللون الأسمر ~~(كذبا) فأسرعت تقول: «جودي ليست شقراء فهي تصبغ شعرها.» فردت جودي: «بل هو لونه ~~الطبيعي.» واستمر الحوار الضاحك حتى وصلنا إلى مشارف ردنج، ولاحت مباني مصنع البسكوت، ~~فأشرت إليه وقلت ms392 للأولى: «العودة إلى العمل؟» فقالت: «لا لا! إنه يوم عطلة لي.» ~~وأومأت إلى صاحبتها فقالت جودي: «لا! لم تعد تعمل بعد أن تزوجت!» وعندما غادرنا ~~القطار تبادلنا الوداع وانصرفنا. # ودهش مصطفى لأننا تحادثنا ببساطة وانصرفنا ببساطة ؛ أي دون معرفة سابقة ودون وعد ~~بمعرفة لاحقة! وهذه من الفروق الأساسية بين الثقافتين، وللقارئ أن يدرك مدى دهشتي ~~أنا عندما عدت إلى مصر بعد عشر سنوات فوجدت اختلاف «العلامات» واضحا جليا؛ ~~فالإنجليزية حين تبتسم فإنها لا تعبر ببسمتها عن الدعوة للحديث أو التواصل، وهي ~~تبتسم بطريقة تلقائية لا تعبر عن رضى أو سعادة، وما أكثر المصريين الذين فسروا ~~البسمات تفسيرا مصريا! وأذكر أن أحدهم استجاب للبسمة استجابة مصرية فقالت له ~~الفتاة: «هل من خدمة أؤديها لك؟» وتملكه الحرج ولم يعرف ماذا يقول ف «اخترع» قصة ~~لكي يبرر سوء فهمه للبسمة. وللقارئ أن يدرك دهشتي أيضا حين وجدت أن التجهم في ~~مصر هو القاعدة، وكان علي أن أعيد تفسير «العلامات» - والبسمة إحداها، وغيرها ~~كثير. # واكتمل الفصل الثالث من الرسالة في أول يوليو فقدمته للمشرف، ولم يعترض هذه ~~المرة على شيء بل اقترح أن أعمد بعد انتهائي من الدكتوراه إلى نشر النص الأول ~~للمسرحية في مقابل النص المعدل (إذ قام الشاعر بتعديله وتغيير أسماء الأبطال) ولكن ~~الحياة في مصر ابتلعتني وإن كنت نشرت مخطوطا آخر للشاعر، ولكنني أستبق الأحداث ~~هنا؛ فالمهم أنني قد استعدت توازني وأصبحت أعتاد الجمع بين الدراسة في المكتبة في ~~أيام الأسبوع وبين العمل بالترجمة في نهاية الأسبوع! # وفي يوم السبت 10 يوليو خرجنا أنا ونهاد لنرى إحدى المسرحيات في لندن، وقابلنا في ~~قطار العودة زميلة لها في العمل تدعى جون ~~بولارد # Joan Pollard # كانت تمتاز عن الجميع بذاكرتها القوية وذكائها الحاد، وتفوق ~~كل العاملين في المكتبة في معرفتها باللغات الأوروبية، ولم تكن متزوجة بل كان لها ~~صديق بولندي تحادثه باللغة البولندية، وعندما وصلنا كان والدها في انتظارها بسيارته ~~لتوصيلها إلى المنزل، وعرضت علينا توصيلنا؛ إذ كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ms393 ~~والنصف مساء، وكانت جون غير جميلة وممتلئة الجسم، والسيجارة لا تفارق فمها، وكانت ~~مشهورة بأنها ذات رائحة غير زكية؛ فحاسة الشم ضعيفة لديها وهي مثل الكثيرين من ~~الإنجليز غير مولعة بالاستحمام، وفي السيارة سألت والدها، وكان المسئول عن الاستقبال ~~اللاسلكي لوكالات الأنباء الأجنبية بكل اللغات، سألته عن الأخبار فقال دون أي اهتمام: ~~«طلبوا منا تلقي وكالة الأنباء المغربية «ماب» # Maroc Arab Presse # بسبب الانقلاب الذي وقع في المغرب!» انقلاب في المغرب؟ ~~واستزدته فلم يزد، وما إن وصلت إلى المنزل حتى أدرت مؤشر الراديو الرائع الذي ~~كنت اشتريته وهو من ماركة «هاكر» (وما يزال لدي) على صوت العرب، وسمعت أخبار ~~القاهرة (موجز الثانية بعد منتصف الليل، الثانية عشرة في إنجلترا) فقال المذيع: «هناك ~~أنباء متضاربة عن وقوع انقلاب في المغرب، وتقول وكالات الأنباء ...» فعلمت أن الانقلاب ~~قد فشل. # وفي السابعة صباحا كنت أول من يدخل المبنى، فقالت المشرفة وكان اسمها مسز هوايت: ~~«كنت أعلم أنك سمعت النبأ!» وعلى الفور بدأنا الاستماع إلى إذاعة الرباط، فإذا ~~بالموسيقى العسكرية، والمذيع يقول: «سوف يتحدث الملك الحسن الثاني إلى الشعب بعد قليل.» ~~وقلت في نفسي: «هذه أخبار غير متوقعة يوم الأحد، وسوف يكون سبقا صحفيا.» وأحضرت ~~الآلة الكاتبة، وما إن بدأ الملك الحسن حديثه (رحمه الله) حتى انطلقت في الترجمة، ~~فأرسلت الأخبار الموجزة أولا لإذاعتها في نشرات الصباح نقلا عن مصدرها الأصلي # from the horse’s mouth # ثم ترجمت ~~الخطاب كله. وتابعنا بعد ذلك تفاصيل المحاولة الفاشلة، وإعدام المشاركين فيها يوم 13 ~~يوليو، ولم أكن أعمل في ذلك يوم (الثلاثاء) ولكن الله قدر لي أن أعمل في الأسبوع ~~التالي؛ إذ كنت في لندن طول اليوم، وعندما عدت وجدت رسالة تقول: وقع انقلاب في ~~السودان ونريدك للترجمة! واتصلت تليفونيا بالعمل فقيل لي إن علي أن أقضي نوبة ~~ليلية؛ أي من الثانية عشرة حتى الصباح، وعندما وصلت قال لي المشرف: # you’re in clover # يعني «يا بختك يا عم!» فسألته أن ~~يشرح ما يعني فقال إن إذاعة أم درمان ms394 انقطعت عن الإرسال ولا توجد مادة للترجمة. وما ~~العمل؟ فقال لي هامسا: «هذا كلام غير رسمي. # off the ~~record # اذهب فنم في غرفة التليفزيون حتى تعود الإذاعة إلى الإرسال، ~~وسوف يوقظك المهندس!» وعملت بنصيحته. وفي الرابعة صباحا كانت المفاجأة! # لقد اعترض القذافي الطائرة التي كانت تقل زعماء الانقلاب الشيوعي (هاشم العطا ~~وعبد الخالق محجوب وغيرهم) وأرغمها على الهبوط في ليبيا، فكان أن تمكنت القوات ~~الموالية لجعفر النميري الرئيس السوداني آنذاك من إحباط الانقلاب، وسرعان ما عاد إلى ~~السلطة، وأعلنت إذاعة أم درمان أنه سيوجه خطابا إلى الأمة (مزيد من الترجمة)، وفي ~~يوليو 23 يوليو أعدم أربعة من زعماء الانقلاب! عيد ثورتنا! وخطاب آخر للسادات .. مزيد ~~من الترجمة! # خطاب آخر؟ أين الخطاب الأول؟ كان ذلك يوم الجمعة 14 مايو فيما يسمى بثورة ~~التصحيح. وكانت ترجمته عسيرة؛ فهو يستخدم تعبيرات عامية، ويتحدث لغة لم نعتدها في ~~الترجمة السياسية: «عايزين يهبشوا رئيس الجمهورية» ( # to get at ~~... ~~) «اتنين لواءات بوليس قلت أحطهم في السجن.» وكانت الأزمة قد ~~بدأت يوم الثلاثاء حين استقال شعراوي جمعة وزير الداخلية، وتصاعدت حتى تغير شكل ~~الحكومة تماما، لكنني كنت في المكتبة ولم أطلع على التفاصيل إلا من الصحيفة في ~~صبيحة يوم الأربعاء، وقرأت المزيد يوم الخميس ثم بدأت الترجمة يوم 14 واستمرت ليوم ~~15 مايو 1971م! # أما خطاب يوليو فكان تقليديا، ولم تكن فيه صعوبات، وعندما عدت إلى المنزل وجدت ~~خطابا من سمير سرحان يقول إنه قادم مع زوجته نهاد جاد إلى لندن في الشهر القادم! ~~وحجزت لهما غرفة كبيرة في بيت الطلاب القديم (جنيه واحد في الليلة) فالطلاب يتركون ~~البيت في الصيف والإنجليز يؤجرون الغرف الخالية لمعارف الطلاب أو الطلاب السابقين ~~بأسعار زهيدة، وجاء سمير ونهاد إلى لندن وقضينا معهما أياما سعيدة، فذهبنا إلى المسرح ~~وشاهدنا مسرحية أيام زمان # Old Times # لهارولد بنتر، ~~وغيرها، وذهبنا إلى برايتون، المدينة الساحلية الجميلة، وكانت نهاد زوجتي قد بدا عليها ~~الحمل، ولكنها كانت تتنقل معنا أينما ذهبنا، وعندما رحلا أحسسنا أن الصيف ms395 قد ~~انقضى. # وفي سبتمبر كانت عزة صليحة أخت نهاد قد أتت إلى لندن وفقا لنظام العمل لتعلم ~~الإنجليزية، وكانت تقيم مع أسرة في لندن، لكنها لم تكن مستريحة، وبعد شهر تقريبا ~~جاءت للإقامة معنا فكانت نسمة بليلة من مصر، خصوصا ونهاد توشك أن تضع المولود، ~~وتوثقت علاقتنا وأحسسنا بأن آلام الغربة قد زالت أو كادت. وكانت عزة قد تخرجت في ~~قسم اللغة الإنجليزية بجامعة عين شمس، وأعتقد أننا قمنا آنذاك بأول محاولة لتصنيف ~~الكتب لدينا وإن لم تكتمل. وكانت نهاد تتردد بانتظام على عيادة الحوامل # prenatal clinic # وأخبرها الأطباء أن وليدها ~~معكوس الوضع؛ أي إن رأسه ليست «تحت» حتى تخرج أولا، وقالوا إنهم لا بد أن ينتظروا حتى ~~الشهر الثامن (نوفمبر) فربما يعتدل الوليد من تلقاء ذاته، وإلا اضطروا إلى إجراء ~~عملية، فهذا الوضع ( # breech presentation ~~) يتسبب في ~~عسر الولادة وله أخطاره. وفي أوائل الشهر التاسع قرر الأطباء إجراء عملية قيصرية، ~~فدخلت نهاد مستشفى باركشير الملكي، وبعد محاولات عديدة لتوليدها دون عملية، قرر ~~الأطباء إجراء العملية يوم 9 ديسمبر 1971م، وبلغني وأنا في المستشفى نبأ ولادة الطفلة، ~~فذهبت لأطمئن على نهاد، فوجدتها تفيق من المخدر ثم تعود للنوم، فقلت لها لقد ~~رزقنا ببنت - هل نسميها «أمل»؟ ورفضت، فعدت إلى المنزل وأبلغت عزة بالنبأ ~~السعيد. وكانت عزة هي التي حسمت موضوع تسمية المولود، فأصبحت تدعوها سارة، غير عابئة ~~بأية اقتراحات قد نقدمها. # ومكثت نهاد أسبوعا في المستشفى - وهي من أحسن مستشفيات إنجلترا - وتتمتع بالرعاية ~~الصحية الكاملة، وتعلمت إرضاع الطفلة، ودربتها الممرضات على كل شيء، وطبعا دون ~~أن نتكلف بنسا واحدا، وكانت غرفة نهاد في المستشفى تشبه غرف الفنادق الفاخرة، ولن ~~أغفر لنفسي أنني كنت أفرض عليها قراءة الروايات التي أحبها، وكنت أيامها مولعا ~~بجورج أورويل فقرأت جميع أعماله، وما زالت نهاد تعاتبني على إصراري أن تقرأ ما قرأت ~~آنذاك. # وعدنا إلى المنزل في منتصف ديسمبر تقريبا، وكانت عزة بمثابة أم ثانية لسارة، وكان ~~لاحتفالات عيد الميلاد ورأس السنة مذاق فريد في ms396 ذلك العام. لقد أصبحت لي أسرة، وكلمة # family # قد تعني الأولاد فحسب بالإنجليزية. # ووصلني خطاب من هيئة الشئون الاجتماعية ~~التابعة للمجلس المحلي بالمدينة، وأنا لا أحب التعامل مع الحكومة أبدا في أي مكان، ~~وقد تكون التعقيدات البيروقراطية التي ورثناها من الإنجليز (أو ما يسمى بالروتين # red tape ~~) قد أورثتني نفورا من أي تعامل مع ~~الموظفين، وكنت حين يصلني خطاب دون طابع بريد أستريب به وأخشى أن أفضه، وأنا لا ~~أرحب حتى الآن بمثل هذه الخطابات المرسلة في مظاريف مصنوعة من ورق غليظ ذي لون ~~بني، حتى لو كان يحمل لي نبأ سارا؛ ولذلك أسرعت لمقابلة الموظفة في الموعد ~~المحدد، وبدأت تسألني أسئلة غريبة عن ظروف زواجي، وفي أي «مسجد» عقد القران، ~~وبعد أن أبديت من الصبر ما استطعت أن أبديه سألت إحداهما (وكانتا فتاتين في مقتبل ~~العمر، الأولى هي التي تسأل والثانية تسجل ما يقال) عن السبب في ذلك كله، فقالت ~~إننا نخشى أن تكون تزوجتها رغم أنفها؛ فكثير من الأغراب (المسلمين) يفعلون ذلك، ~~وخصوصا من باكستان. وأكدت لها أن زوجتي تزوجتني طائعة مختارة، وأن مصر تختلف عن ~~باكستان في ذلك، وبدا عليهما الاقتناع، فقالت «الرئيسة»: إذن نكتب لك الشيك! شيك؟ نعم. ~~هدية من البلدية للطفلة وقيمتها 25 جنيها! وعدت إلى نهاد أزف إليها النبأ السعيد، ~~وفي أعماقنا تتردد المقولات المصرية التقليدية من أن الطفلة رزقها واسع. # 2 # أصبحت سارة محور حياتنا، وكانت نهاد تتبع إرشادات الدكتور سبوك في كتابه المشهور ~~«رعاية الطفل والرضيع»، ولم نلبث أن شعرنا بأن الشقة لم تعد كافية، فقدمنا طلبا ~~لاستئجار منزل مستقل في نفس الموقع، وفعلا انتقلنا إلى المنزل رقم 21، وكانت تستأجره ~~زميلة لنا وتقيم فيه مع زوجها كبير المهندسين في العمل، وكان كلاهما قد تقدمت به ~~السن، ولكنها كانت تحافظ على رشاقتها أو قل إنها كانت محتفظة بقوامها # well-preserved ~~، وكانت تقيم علاقة حميمة مع ~~شخص من أوروبا الشرقية، وزوجها يعاني من التجاهل ويشكو للأصدقاء، ثم أشفقت على ~~حاله امرأة من زميلات زوجته اسمها ms397 بتي # Betty ~~، وكانت ~~تتميز بالمرح والبسمة الدائمة، مما كان يخفي عيوب الهرم، فالعطار لا يصلح ما ~~أفسده الدهر، ولكن المرح يخفيه، وكثيرا ما كنت أعجب للغضون التي تكسو ملامحها ثم لا ~~تكسبها مظهر المسنين! ووجد الزوج المهجور أنيسا شفيقا في تلك المرأة، فكانا يختفيان ~~في فسحة الظهيرة، ثم يظهران وقد توردت الخدود وانبسطت الأسارير، وسرعان ما استقال ~~كل منهما من العمل واختفيا إلى الأبد. # وأذكر أنني كنت أشاهد المنزل مع مستأجرته السابقة قبل الموافقة على الانتقال ~~إليه، وبعد الاتفاق عرضت توصيلي إلى العمل بسيارتها فوافقت وقالت لي ونحن في بعض ~~الطريق: هل تعلم أن «بتي» قد استقالت فقلت لها: «خسارة!» ~~( Pity! ~~) فقالت ~~“Is ~~it?” # فتساءلت عما تعني فأوضحت # Is it a Pity? # فقلت لها إن بتي سيدة ظريفة ( ~~“such a nice ~~girl” ~~) فقالت لي كأنما لتفضي إلي بسر لا يعرفه أحد: ~~“It is my belief that it was her who took away my ~~husband.” # أي إنها تعتقد أنها هي التي «اختطفت» زوجها، ولم أشأ أن أشير إلى ذلك الشخص (وكان ~~من تشيكوسلوفاكيا) الذي كانت تصاحبه علنا، فغمغمت وتظاهرت بالدهشة، فعادت تقول: ~~«الرجال يصابون بالجنون بعد الخمسين، ويتوقعون من الزوجة أن تظل أما لهم حتى في ~~شيخوختهم.» # وعندما وصلنا وتم الاتفاق أبلغت نهاد، ثم اتصلت بالمشرف على المساكن # caretaker # وهو السيد بنديلو # Bendelow # كي نبدأ الانتقال، وبعد يوم واحد حضر سائق يعمل في محل عملنا ~~واسمه ديريك وإن كنا نناديه بلقب جنجر # Ginger ~~؛ لأنه ~~أحمر الشعر، والاسم يعني (الزنجبيل) (الجنزبيل بالعامية) وبدأنا تحميل السيارة بالكتب ~~مثلما حملناها عند الرحيل من لندن، ثم بقطع الأثاث مفردة، وتم الانتقال في يوم ~~واحد، وكانت عزة نعم المعين في هذا الجهد، وما لبث التليفون أن رن، وكان المتحدث ~~فتاة من شركة التليفونات تسألني إذا كنت أريد إدراج اسمي في دليل التليفونات المحلي ~~فلم أعترض، واشترينا غسالة ملابس أوتوماتيكية ماركة إنديسيت الإيطالية، توفيرا لجهد ~~غسيل اللفف، وما تزال الغسالة موجودة لدى بعض أفراد الأسرة حتى اليوم! ms398 # كان للمنزل حديقة خلفية بها شجيرات ورود، وحديقة أمامية تقتصر على مساحة مزروعة ~~بالكلأ، وكان الحفاظ على هندام الحديقة يقتضي شراء آلة لقطع الحشيش، فاشتريتها بثلاثة ~~جنيهات، وكانت يدوية؛ أي يدفعها الإنسان دفعا لتقص ما طال من الحشائش، وقد حلت الآن ~~محلها آلات ذوات محركات كهربائية. وكانت الحدائق الخلفية للمنازل متجاورة لا يفصل ~~بينها سوى سور من النباتات المنخفضة (نحو متر واحد) فكان الجيران يتبادلون التحية ~~عبر السور، ولما انقضت إجازة الوضع عادت نهاد إلى العمل، ولكنها لم تستطع الجمع بين ~~العمل ورعاية سارة، فاستقالت، وأصبحت أنفق وقتي بين الدراسة والعمل - ورعاية ~~الطفلة! # كانت أهم الأحداث السياسية التي فوجئ بها العالم ما يسمى بالانفراج الدولي # detente ~~؛ إذ دخلت الصين الأمم المتحدة، ~~والتقى زعماء أمريكا والاتحاد السوفييتي، وبدا أن التوازن الذي كان قائما في الحرب ~~الباردة بين المعسكرين (الشرقي والغربي) قد يختل، فإذا اتفقت الدولتان العظميان ~~على شيء أصبح من المتعذر على الدول الأخرى أن تعارضه، مما كان ينذر بعواقب ~~«مجهولة» في أفضل الحالات، و«وخيمة» في أسوئها، وكانت سياسة مصر تتجه إلى اكتساب ~~التأييد الأوروبي، خصوصا دول غرب أوروبا ذات النفوذ والثراء، وكانت أنباء زيارة ~~نيكسون، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، للصين في فبراير ثم اجتماعه مع بريجينيف، الرئيس ~~السوفييتي في مايو 1972م من الأنباء التي هزت العالم، وإن كان الهدف الواضح هو محاولة ~~إنهاء حرب فيتنام بأي طريقة، بعد أن اتضح أن التورط الأمريكي قد تجاوز الحدود «المسموح ~~بها» وأن الخسائر في الأرواح أصبحت تقض مضاجع المواطنين العاديين. # وفي غمرة انشغالنا بترجمة ردود الفعل العربية وقع في آخر مايو حادث كانت له عواقب ~~«إعلامية» كبيرة؛ إذ قام ثلاثة من اليابانيين المسلحين بإطلاق النار في مطار اللد ~~الدولي في تل أبيب على المسافرين والمستقبلين في المطار فقتلوا 25 شخصا وجرحوا 72 ~~آخرين، وذلك بمجرد هبوط المسلحين من طائرة تابعة لشركة إير فرانس، وقتل أحد ~~المسلحين، وانتحر الثاني، وقبض على الثالث وكان اسمه «كوزو أوكا موتو» وقال إنه ~~ينتمي لجيش النجم الأحمر، وهي ms399 منظمة يسارية يابانية تناصر الفدائيين العرب. أما ~~ردود الفعل فكانت متناقضة؛ إذ قالت منظمة التحرير الفلسطينية إنها مسئولة عن الحادثة، ~~وقال الياباني في محاكمته التي استمرت حتى 17 يوليو (وحكم عليه بالسجن عشر سنوات) إنه ~~يمثل ضمير العالم الذي أقلقه الوفاق الدولي، وشغلت الصحف بالحديث عن الإرهاب العربي، ~~وجعل حزب المحافظين الذي كان قد تولى السلطة قبل ذلك بعام يتحدث عن مغبة تأييد من ~~«يلوثون أيديهم بدماء الأبرياء» كأنما كان اليابانيون عربا! # 3 # كان من الواضح أن حياتي لم تكن تسير في الطريق الذي رسم لها؛ إذ أصبح لي مجتمع ~~كامل من الأصدقاء والمعارف، في الجامعة والعمل، وبدأت أتذوق لطائف اللغة الإنجليزية ~~التي ألتقطها بشغف من أفواه هؤلاء وهؤلاء، كما اكتسبت عادة ما زلت أمارسها وهي ~~إرهاف السمع لما يدور حولي من أحاديث، حتى ولو كانت عابرة - في الأتوبيس أو في الدكاكين ~~أو في الطريق العام - استكناها لدلالة هذا التعبير أو ذاك، وأصبح من مصادر متعتي أن ~~أسير ساعة أو بعض ساعة بعد الخروج من الكلية أو من العمل، فأتأمل الطبيعة من حولي، ~~وأرقب الناس والأشياء، وقد أتجول في الأسواق، ثم أقفل راجعا راكبا. # كانت الحاسة الأولى هي حاسة السمع؛ إذ اكتسبت من الحياة الإنجليزية تحاشي «البحلقة» ~~(الحملقة؟ # staring ~~) التي تعتبر عيبا اجتماعيا ~~شائنا، فكانت عيني تلمح الأشخاص أو الشخص بسرعة وتستوعب التفاصيل، ثم تتابع أذني ~~الحوار أو الحديث المتقطع، وكان أقرب منهل لهذه الأحاديث الدكاكين الصغيرة؛ حيث تأتي ~~العجائز اللائي يعانين من الوحدة للحديث بعضهن مع بعض، أو لمخاطبة البائع والحديث معه ~~في شتى شئون الحياة، وكنت أتظاهر بالانشغال بانتقاء حبات الطماطم مثلا وأذني تتابع ~~ما يدور؛ فالريف في إنجلترا ذو إيقاع هادئ، ويسمح بالوقوف والتأمل والاستماع. # وكثيرا ما كنت أستغرق أثناء تلك الجولات في تأمل ما قرأت واسترجاع ما فهمته؛ إذ ~~كنت أحيانا أعاني مما كان عبد اللطيف الجمال يعاني منه، ألا وهو تشتت الأفكار ~~بسبب تنوع مصادرها وعدم تناغمها؛ فالذي يقرأ في موضوع واحد يستطيع التركيز وتنسيق ms400 ~~الأفكار، أما الذي لا يقف عند حدود البحث الذي كلف نفسه به، فهو يحتاج إلى فترات ~~يلم فيها شعث أفكاره، بل ويلم شتات نفسه أيضا. # كنت أتصور أنني أستطيع أن أنتهي من الرسالة في الصيف، ولكن الفصل الرابع يدور حول ~~أساليب المواويل الغربية (البالادات) وكان يقتضي البحث ساعات طويلة في المكتبة، خصوصا ~~في غرفة الكتب المخزونة ( # stack room ~~)؛ حيث توجد بعض ~~النصوص الأصلية، وبعض الطبعات القديمة التي أصبحت ذات قيمة تاريخية لندرتها ولم يكن ~~يسمح لأحد بالاطلاع عليها إلا بعد إذن خاص، ولا يسمح بتصوير أي صفحات منها إلا ~~بترخيص، وعلى ألا تتجاوز الصفحات فصلا واحدا، وكانت آلة التصوير (زيروكس) اختراعا ~~جديدا وتكاليفه باهظة. # وفي أوائل يونيو 1972م وصلني خطاب من إدارة البعثات يقول إن مصر قد أوقفت صرف ~~مرتبي؛ لأنني استوفيت الحد الأقصى للبعثة وهو سبع سنوات، وكان معنى ذلك هو الارتباك ~~الشديد في أحوالي المالية؛ فأنا لا أقتصد في الإنفاق ولا أدخر شيئا من دخلي (وهذا ~~معيب في إنجلترا) بل أنفق كل ما يأتيني سواء أكان ذلك في شراء الكتب أو شرائط ~~الموسيقى أو في الذهاب إلى المسرح، وقررت أن أذهب إلى لندن لمخاطبة رئيس المكتب في ~~الموضوع، فذهبت في الصباح الباكر، وما إن دخلت المكتب حتى سمعت صوتا مألوفا ~~يناديني، والتفت فوجدت وجها مصريا يطالعني ببسمة، وخيل إلي أنه أحد ~~أقاربي، لولا أنه ناداني بعناني! وعندما اقتربت تسمرت في مكاني: كان «عبده»! وبعد ~~الترحيب وبعد التغلب على الدهشة الصاعقة، صحبته إلى الطابق الأول حيث قابلت رئيس ~~المكتب، وتأكد لي استحالة مد البعثة؛ ومن ثم هبطنا وخرجنا معا حتى دون أن أسأله إن ~~كان قد انتهى مما جاء من أجله، وعند ناصية كيرزون ~~(Curzon) # ستريت وجدنا مقهى دخلناه دون كلام وجئنا بالقهوة، وانخرطنا ~~في الحديث حتى نسينا الزمن! # كانت قصتي قصيرة وكان يعرفها، ولكن قصته ~~كانت طويلة، وكنت أتلهف على سماعها! وعندما بدأ الحديث كان يفترض أنني أعرف الخطوط ~~الرئيسية على الأقل، فكان يشير إلى بعض الأسماء والأماكن ms401 متوقعا مني الاستجابة، ولكنني ~~قد ابتعدت تماما عن عالمه، فألححت عليه أن يبدأ من حيث توقفنا؛ أي منذ ما يقرب من ~~ست سنوات! فقال «عبده»: ~~«رحلت كاثلين في أغسطس (1966م)، وقضيت شهر سبتمبر كله وحيدا أحاول أن أعتاد الوحدة ~~والوحشة، وآمل في كل يوم أن أراها عائدة إلى الكلية؛ فكانت ما تزال مسجلة ~~للدكتوراه، ولكن الشهور مضت دون أن ألمح لها أثرا، ولم أتقدم تقدما يذكر في ~~دراستي؛ إذ وجدت أنني قد تغيرت في أعماقي وأصبحت أريد كاثلين بأي طريقة! وصادقت ~~بعض الفتيات في تلك الآونة، ولكن صورة حبيبتي كانت ماثلة دائما أمام عيني، وعندما ~~سألت عنك وعرفت أنك تزوجت من مصرية قررت ألا أرهقك بمتاعبي، وأدرك المشرف ~~أنني أمر بمحنة؛ فقد انتهى زملائي من الدكتوراه وتركوا الكلية، لكنني لم أكن قد ~~انتهيت حتى من الجانب العملي الذي قد يأتي لي بالنتائج اللازمة للرسالة! وقال لي ذات ~~يوم إنه يريد أن يراني، فذهبت إليه وسمعت منه بلهجة الإنجليز العملية ما يشبه الحكم ~~بالإعدام! إذ نظر إلي طويلا وقال: «أنا ~~قلق عليك.» ~~(I’m worried about you) # وكدت أنهار لكنني تماسكت وقلت له إن لدي هموما ~~مؤقتة، وهي عابرة ولا شك، إلى آخر ذلك الكلام، دون أن يبدو عليه أدنى اقتناع، وبعد ~~مناقشة تفصيلية للعمل الذي كنت أقوم به قال لي: «إنك تحتاج إلى راحة. هل استشرت ~~طبيبا نفسيا؟» تخيل! لقد ظن أنني مختل ولا أقول مجنونا! ربما بدا له أنني أعاني ~~من اكتئاب أو من انهيار نفسي ولكن كيف يسألني هذا السؤال؟! على أي حال لم يلبث أن ~~ابتسم وقال: «اذهب إلى مصر لزيارة الأسرة حتى يهدأ بالك! لا تتردد في الذهاب، وهذا ~~خطاب كتبته إلى مدير مكتب البعثات، سلمه له وسوف يسمح لك بالإجازة!» وتناولت ~~الخطاب ووضعته في جيبي وخرجت. # كنا في أواخر مايو 1967م، وأنت تذكر ما حدث بعدها للمصريين جميعا، أما ما حدث لي ~~أنا فأغرب من الخيال! لم أذهب طبعا إلى مكتب البعثات، وظللت أحتفظ بالخطاب في ms402 جيبي ~~أسبوعا، ثم سألت عنك فقيل لي إنك مريض، فسألت كل يوم حتى تأكد لي أنك شفيت، ~~فقررت أن أزورك يوم 10 يونيو، للحديث في السياسة وغيرها، وكنت أريدك أن تقول لي ما ~~أفعل بالخطاب؛ لأنني كنت ما أزال أفكر في الذهاب إلى مصر، ولو لزيارة عابرة، بعد أن ~~تلبد ذهني تماما، وفي الصباح مر علي سامي الكاشف ليطمئن علي فقلت له ما ~~أفكر فيه، وأريته الخطاب، فإذا به يفضه، ويقدم إلي ورقة - إلى جانب الخطاب ~~الرسمي - بل قل مجرد قصاصة عليها عنوان كاثلين وأرقام تليفوناتها! كنت أعرف أن سامي ~~الكاشف يعرف القصة تماما هو وإبراهيم الدويني كما قلت لك، فلم أعر لذلك أهمية ~~لكنني كنت أرتعد أمام الاحتمالات الكثيرة؛ ترى هل أعطتها عمدا للمشرف أم نسيها ~~المشرف في ثنايا الرسالة؟ وهل يعرف المشرف القصة؟ وقلت في نفسي: «يا داهية ~~دقي!» # لن أطيل عليك فقد اتضح أن المشرف بريء، وأن القصاصة لم تكن في المظروف، بل أتى بها ~~سامي من إبراهيم الذي قال إنه عرف من زميلة لها عنوانها وأرقام تليفوناتها، ولكنني ~~كنت أجهل ذلك، وكنت أصدق كل ما يقوله سامي، فأحسست بغمامة أمام عيني، وأن الأرض ~~تميد بي، فاقترح سامي أن نتصل بكاثي ونسألها، وكنت رغم الفرحة الغامرة أرتعد في ~~أعماقي مما أسمعه عن مصير من يخدع فتاة أو من يعدها بالزواج ثم يخلف وعده؛ ~~فعقوبة إخلاف ~~الوعد # breach of ~~promise # رهيبة، وربما لن تقف في حالة الأجانب عند مجرد «الترحيل» من ~~إنجلترا، بل ربما صدر حكم يتضمن الغرامة والحبس أو إحدى هاتين العقوبتين كما يقولون! ~~وسألت سامي ضارعا: ماذا علي أن أفعل مع المشرف؟ فضحك ضحكا شديدا وصارحني ~~بالحقيقة، ثم تركني وخرج! # وعلمت فيما بعد أنه أتى خصوصا لإعطائي تلك المعلومات، وكانت لعبة دس الورقة مع ~~الخطاب دعابة من دعاباته، ولكنني كنت ما أزال منهارا؛ فالوطن في محنة وأنا في محنة، ~~لكنني تغلبت على مخاوفي واتصلت بالرقم الذي وجدته مطبوعا على الورقة، فردت ~~علي فتاة رقيقة الصوت تسألني ms403 عما أريد، فقلت لها هل كاثلين موجودة؟ فقالت لي انتظر ~~لحظة، وبعد ثوان سمعت صوت كاثي! ولم أعرف ماذا أقول، ولكن ربنا يلهمنا في هذه ~~الحالات، فقلت لها اسمي، وعجبت من ردها العملي المفزع «أي خدمة؟ أنا الآن مشغولة، ~~كلمني فيما بعد .. باي باي.» معقول؟ وبعد ساعة كنت في القطار المتجه إلى سري # Surrey # ولم تمض ساعة حتى كنت أطرق باب المصنع! # لن أزعجك بالتفاصيل ولكننا تزوجنا بعد أسبوع، وقررت أن يكون زواجا مدنيا؛ ~~فهي تتصور أنني مسلم، وجواز السفر لا ينص على دين حامله، وهي لا تستبعد أن يكون اسمي ~~القبطي من أسماء المسلمين، أو هكذا كنت أظن! إذ لم تكن تنقضي مراسم الزواج حتى قالت: ~~«نريد أن نحتفل بزواجنا في كنيسة البلدة!» ووجمت فضحكت، وقالت: «لقد كنت أتابع ~~أخبارك منذ رحيلي يوما بيوم، وعندما عرفت الحقيقة بدأت العمل!» وقضينا ليلة الزفاف ~~في المنزل الذي اشتراه والدها لنا، وكنت أحس أنني قد انتقلت إلى عالم آخر؛ فالبلدة ~~ريفية جميلة، ولا تستغرق المسافة أكثر من نصف ساعة بالقطار (لوسط لندن) ومصنع والدها ~~ضخم وشاسع، وبه سيارات وشاحنات ومركبات منوعة، وعمال وعاملات وموظفون وموظفات - ~~شيء رائع! # ولكن أروع ما في ذلك كله كانت كاثلين نفسها، لم أكن أتصور أن في الدنيا نساء بهذا ~~الوصف، كانت تعاملني وما تزال كأنني محور الوجود، كأنني مركز الكون بل وسر الحياة. ~~أرجوك لا تضحك يا عناني فأنا جاد، وقد تعلمت في هذه السنوات القليلة معنى الزواج ~~الحقيقي، معنى الصفاء والتفاهم في كل شيء، ولأضرب لك مثلا واحدا على ذلك. # كانت كاثلين منذ أن تزوجنا تعاملني معاملة من يخشى أن يضيع صاحبه من يده، فأحسست ~~كأنني جوهرة ثمينة، وكانت تقول لي دائما إنني حر في أن أتركها في أي وقت إذا ~~أردت، وكانت تقول لي حذار أن تتجاهل عملك في الدكتوراه، وإذا كنت تريد العودة إلى ~~لندن فسأعود معك، وإذا قررت أن ترجع إلى مصر فسوف أرجع معك، وأعيش بالمستوى الذي ~~تريده. ألا تظن أنني أستطيع ms404 أن أحصل على عمل مثل بقية النساء العاملات في مصر؟ وكانت ~~كاثلين جادة في كل شيء، فلم يحدث أن كذبت علي أو تظاهرت بغير الواقع. أما المثل ~~الذي أريد أن أضربه لك فهو علاقتها مع أحد أصدقاء الصبا، وكنت قد اكتشفت هذه العلاقة ~~بعد نحو عام من زواجنا ووجدت الدم الصعيدي يغلي في عروقي، وعندما خلدت إلى الصمت ~~أولا حزنا وكمدا عند اكتشافي الأمر وجدتها تهرع إلي وتسرد القصة من البداية إلى ~~النهاية، بكل التفاصيل التي لا أجرؤ حتى على البوح بها إليك، وبما لا تستطيع الأفلام ~~السينمائية تصويره! # كانت مثل الذي يعترف للكاهن بالخطية، رغم أنها لم تخطئ، ولكن منبع إحساسها بالذنب ~~هو أنها لم تفصح عن تلك القصة، وأغفلتها تماما، وعندما قلت لها ذلك قالت إنها لم ~~تتعمد إخفاءها لكن ذلك «الولد » كان قد خرج من حياتها إلى الأبد، ولم يعد له من الوجود ~~ما يقتضي ذكره، على عكس علاقتها مع النيجيري، فقد قصتها علي منذ البداية؛ لأنه كان ~~أول من يدخل جنتها. # ولم يتغير سلوك كاثلين مطلقا - لا قبل ذلك ولا بعده - وما تزال تحافظ على أسلوبها ~~الرائع في تصحيح أخطائي اللغوية، فهي تتعمد تكرار ما قلته بعد تصويبه حتى تفتح عيني ~~على الخطأ، مهما يكن الخطأ تافها - سواء في النطق أو النحو أو اختيار الألفاظ. وإذا ~~كنت أرسم لك صورة زوجة مثالية، مدفوعا بحبي لها، فالحقيقة أن الطابع المثالي كان ~~طابع الزواج لا المرأة؛ فالمثالية هنا هي التوافق بل والتقارب إلى حد التطابق في ~~النظر والإحساس والفكر، وكنت أشعر أنها تبذل في ذلك جهدا كبيرا، وكثيرا ما كانت ~~تعبر عن مشاعري الدفينة بلغتها حين نرى فتاة جميلة أو شابا وسيما، وكثيرا ما ~~كنا نتبادل الأسرار همسا فيما يخصنا وحدنا، وأهم من ذلك كله أنني كنت لا أشعر ~~لوالديها بوجود في حياتنا، وكانت كثيرا ما تقول لي: لماذا لا تدعو أفراد أسرتك ~~لزيارتنا؟ أو تلح علي أن أكتب إليهم خطابات أطمئنهم فيها على أحوالي، وكنت ~~أكذب عليها ms405 وأزعم أنني فعلت ذلك وأفعله، وهي لا تكذبني أبدا مهما قلت. تصور ~~ماذا يقول هؤلاء الصعايدة لو شاهدوا حماتي وهي تضع المساحيق والأصباغ أو ترتدي الشورت ~~والميني جيب!» # وكنت على اهتمامي بما أسمع، أشتاق إلى معرفة موقفه الدراسي، وموقف أهله في مصر؛ ~~فالموجز الذي رويته في صفحات استغرق منه ساعات، ونهضنا نسير في الهايد بارك وهو ~~يكثر من استخدام اللغة الإنجليزية، ويتحدث بطلاقة حين يروي حادثا وقع بين ~~الإنجليز، مما أدهشني حقا، ولكنني كنت أعرف أن المصري حين يضطر إلى اكتساب اللغة ~~لن يتفوق عليه أحد! وأما الذي هزني هزا في ذلك الحديث فهو اللمسة الشاعرية التي ~~كان يضفيها على الأشياء، فكان أحيانا يقول: شوف يا عناني أنت في ردنج وأنا في ~~جيلفورد ~~(Guildford) ~~.. وبيننا طريق من الأشجار ~~لكننا لا نسير فيه ولا نلتقي! وعندما وصلنا إلى «ماربل آرتش» ~~(Marble Arch) # وهو أول شارع أوكسفورد أوقفته وطرحت عليه السؤال ~~المباشر فأجاب: ~~«الدكتوراه الدكتوراه! هذا هو جنون المصريين! الجميع يريد شهادة، لكنني أنجز في ~~بحوثي ما يفوق ألف دكتوراه! إننا نعمل في مشروعات رائعة تتصل مباشرة بالسوق وبما ~~يحتاج إليه الناس، ونشعر بالفائدة مباشرة، فلا يوجد ما هو أمتع من الإنتاج!» # وقلت مستدركا: «والمكسب المادي؟» فقال: ~~«طبعا!» وأشار بيده إلى إحدى الصيدليات من سلسلة # Bootes # وقال: «ما أجمل أن تعرف أن إنتاجك يباع ~~هنا!» ثم دخلنا مطعم «فورتي» ~~(Forte) # الذي كان قد فتح ~~أبوابه لتوه، وجلسنا لتناول السلاطة، وأحس بما أريد أن أسأله فقال (دون سؤال): «لم ~~يحصل أينا على الدكتوراه! لم نشعر بأننا في حاجة إليها، وكتابة الرسالة لعبة ~~سخيفة؛ فالنتائج يمكن إجمالها في صفحتين، والباقي تفاصيل يعرفها كل إنسان، ووصف ~~للتجارب أو للتجربة دون داع؛ أي «حشو ورق وخلاص»!» # سارة تطعم البط في البحيرة في ردنج. # كان الحديث ممتعا فأنساني ما جئت من أجله، بل أنساني أن أسأله ما كان يفعل في مكتب ~~البعثات، وعندما سألته قال دون اكتراث: كنت أسدد القسط! وفهمت منه أنهم طالبوه ~~عندما أعلن عن ms406 رغبته في عدم العودة بأن يدفع تكاليف البعثة، فاتصل بأحد المحامين الذي ~~رفع دعوى على وزارة التعليم العالي، وكانت القضية ما تزال معلقة (أي لم يصدر فيها ~~حكم نهائي) لكن تجديد جواز السفر كان يشترط الموافقة على دفع النفقات فاتفق مع الوزارة، ~~من باب إظهار حسن النوايا، على تقسيط المبلغ، وبدأ في سداده. (وقد علمت فيما بعد أنه ~~كسب القضية وإن لم يسترد الأقساط - بعد). # وبعد الغداء سرنا حتى لانكاستر جيت ~~(Lancaster Gate) # في شارع بيزووتر ~~(Bayswater) # المحاذي للهايد بارك ~~(Hyde Park) ~~، وكان قد «تسلطن» فأخذ يقص علي ~~مزايا الريف الإنجليزي، وجمال الإنجليزيات، وخلوهن من العقد (وكان يعني بها قواعد ~~السلوك الشرقية للفتيات - خصوصا لديهم في الصعيد). وأسرف في الحديث عن محاسن بنات ~~الريف حتى بدأ الشك يخامرني فسألته على حذر: «لكن أنت طبعا لا ...» وقال ببساطة: «أنا ~~«لا» إيه؟ أنا - رغم زواجي الناجح - لا أدعي القداسة! نحن بشر يا عم عناني! وكاثي ~~تحبني مهما يكن من أمر!» وتحدثنا عن أطفالهما فقال إنهما أنجبا غلاما وفتاة وهما في ~~المدرسة الآن (أو روضة الأطفال - لا أذكر). وعندما تشعب الحديث سألته عن موقف أسرته ~~فقال لي دون اكتراث: لقد أدرت ظهري للشرق! ولن تصدق ما أعيش فيه من سعادة حتى ~~تزورني! # وأخذت القطار عائدا إلى ردنج، بعد أن تبادلنا ~~العناوين وأرقام التليفونات، وكان اليوم يوم عمل لي فذهبت إلى المنزل للاطمئنان على ~~سارة ونهاد، وخرجت على الفور، وأجلت حكاية «الحدوتة» لنهاد لليوم التالي. كانت قصة ~~«عبده» قصة الكثيرين الذين أداروا ظهورهم للشرق، وعلمت فيما بعد أن أسرته حاولت ~~الاتصال به مرات عديدة فلم توفق، فكأنما تعمد أن يقطع كل ما كان يربطه بالماضي، ~~وقد زرته عام 1981م، وعام 1987م، وكنت كل مرة أعجب ببراعة طفليه وقدرتهما على فهم ~~اللغة العربية؛ إذ إن «عبده»، رغم استغراقه في الحياة الإنجليزية، «لا يشعر بكيانه» كما ~~يقول إلا عندما يتحدث العربية، وهو يصحب ابنه في حله وترحاله، وكان ابنه في عام ~~1987م يدرس الطب وأمامه كما ms407 يقول سنوات طويلة، ويتحدث العربية بلكنة إنجليزية بعض ~~الشيء، لكنها صحيحة كل الصحة، وقد حدثته آنذاك عن فرص العمل الذي قد يقتضي استخدام ~~العربية. # 4 # كانت قصة عبده لا تختلف عن قصص الآخرين إلا في أنني عاصرتها وكنت شاهدا على ~~أحداثها؛ ولذلك فعندما أتأمل العلاقة بينه وبين زوجته، وهذه المسافة الشاسعة التي ~~تفصلني عنه زمنا ومكانا، أتخيل أنه «أحمد قادوم» آخر، زميلي الرشيدي الذي ذهب إلى ~~نبراسكا ليدرس المبيدات الحشرية فتزوج أمريكية واستقر به المقام وانقطعت أخباره ~~تماما عن أسرته، أو «وديع» آخر، أو «أحمد حسن» آخر، وغيرهم عشرات ممن أعرفهم، وقد ~~يكون هناك المئات الذين لا أعرفهم؛ إذ جاء في تقرير إدارة البعثات الذي نشر في أوائل ~~السبعينيات أن 40٪ فقط من المبعوثين للدراسة في الخارج يعودون إلى الوطن، والقضايا التي ~~ترفعها الإدارة نادرا ما تحسم، بل إن التهديد بسحب الجنسية لم يعد من الأسلحة ~~الماضية بعد أن صدر قانون يعتبر ذلك «غير دستوري» فيما سمعت، وعندما كنا في لوس ~~أنجيليس عام 1981م، قال لي الدكتور شبايك (أمين عام اتحاد الجالية المصرية هناك) إن ~~ولاية كاليفورنيا وحدها يقيم فيها ربع مليون مصري، وعندما أبديت تشككي في الرقم أخرج ~~لي كتابا ضخما يضم الأسماء والعناوين، وأنا أعرف منهم واحدا على الأقل هو إبراهيم ~~كيرة - الشاعر وزميل الصبا في مدرسة الأورمان - الذي يقيم في سان فرانسيسكو بصفة ~~دائمة. # إذا أطلقنا على حياة المصري خارج مصر صفة الحياة في الغربة فلن نكون على صواب؛ ~~فالمصري يحمل مصر في قلبه ووجدانه مهما ابتعد عنها، ولا أعتبر أن الدكتور شندي الذي ~~زرناه في منزله على ساحل المحيط الهادي (أنا وسمير سرحان ولويس عوض وصلاح عبد الصبور) ~~عام 1981م يعيش في غربة؛ فمنزله قطعة من مصر، وأحاديثنا كانت تدور عن مصر، وأنا أضرب ~~المثال بأمريكا بسبب بعدها، أما من يعيشون في إنجلترا فهم يحسون بأنهم أقرب إلى ~~مصر بأكثر مما نتصور، وقد شغلني مفهوم الغربة في تلك الأيام؛ لأننا - أنا ونهاد - لم ~~نشك يوما ما في ms408 أننا سنعود إلى مصر، ولم يكن التوقف عن الإنتاج الأدبي يقلقني، ~~بل لم يكن يقلقني التأخر في كتابة الرسالة، أو حتى انقطاع مرتب البعثة؛ لأنني ~~كنت أستمتع بما أقرأ، وبما أرى، وبمن أقابل وأحادث، وكان العمل يقتضي مني إهمال ~~الدراسة أياما متوالية، فأنغمس في متابعة أحداث العالم، وأصبحت أجد متعة فيما ~~تتمتع به صياغتي للترجمة من تقدير، لكنني كنت في أعماقي أتأمل فكرة الغربة - ماذا ~~لو اشترينا منزلا؟ لا .. لم تكن نهاد تقبل ذلك أبدا؛ فشراء المنزل معناه ترسيخ جذورنا ~~- ماديا على الأقل - في تربة أجنبية، وهو ما لم تكن ترضاه مطلقا. لقد كانت نهاد بحق ~~- كما قال عزت أبو هندية - صمام الأمان. # وتوالت أحداث صيف 1972م مسرعة لاهثة؛ إذ أمر السادات بطرد الخبراء السوفييت من مصر ~~في 18 يوليو، وظهر كبير المعلقين العسكريين للإذاعة البريطانية على شاشة التليفزيون ~~ليتحدث بثقة عن انهيار «مصداقية» الجيش المصري، وكان اسم المعلق جم بيدالف # Jim Biddulf # وكرهته من أعماقي؛ إذ كان يمثل ~~العنجهية البريطانية وروح الاستعمار القديم، وتوالت ردود الأفعال، فأجرى التليفزيون ~~في الشبكة التجارية تحقيقا مع موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي قال إن إسرائيل ~~تستطيع احتلال العالم العربي كله في ساعات، وسأله المذيع: «والمغرب؟» فضحك ديان وقال: ~~المغرب بعيدة! فعاد المذيع يسأله: «والسودان؟» فقال ديان: «وماذا نفعل ~~بالسودان؟» # كانت التعليقات مفزعة، وجاءت في الوقت الذي كنا نتسلى فيه ببطولة العالم للشطرنج ~~بين روبرت (بوبي) فيشر الأمريكي وبوريس سباسكي (الروسي)، وكان سباسكي قد فاز في أول ~~دور، وانسحب فيشر في الدور الثاني، ثم توالت انتصارات فيشر وجعل المعلقون يتحدثون عن ~~براعة أبطال العالم في لعبة الشطرنج - من اليهود! ولم يكن ذلك الجانب قد خطر لي من ~~قبل؛ فالواقع أن نسبة كبيرة منهم من اليهود، ولكن ذلك لا يمكن الاستناد إليه في ~~التدليل على عبقرية خاصة. وكان من الواضح أن ذلك الصيف ما يزال يحمل في أطوائه الكثير، ~~ومن الغريب أن تلتصق في ذاكرتي كلمة وردت في خطاب السادات، وحمدت الله على أنني ms409 لم ~~يكن علي أن أتولى ترجمتها؛ إذ ألقاه يوم الثلاثاء وهو يوم دراسة لي في المكتبة، ~~وهي كلمة «وقفة مع الصديق»! الصحف البريطانية ترجمتها (نقلا عن زملائي بالتأكيد) على ~~أنها # pause # أي «لحظة توقف»، وما تزال جميع الترجمات ~~الرسمية وغير الرسمية للخطاب تتضمن هذه اللفظة، ولكنني كنت أراها غير دقيقة ثم لا ~~أرى عنها بديلا مقنعا! فماذا كان يعني بالوقفة؟ هل كلمة # stand # بمعناها المجازي تفي بالغرض؟ إنها ملائمة ~~وحدها، ولكنها لن تناسب السياق لأنك لا تستطيع أن تقول # to make a ~~stand # وتتبعها بتعبير # with a ~~friend # وإلا كان المعنى هو العكس تماما! فإذا أبدلت # with # بحرف يفيد الضدية كان المعنى أقوى من المطلوب ~~( # against # مثلا)؛ ولذلك تراني ما أفتأ أذكرها، ~~وأستعرض البدائل مثل # stand up to # التي تعني يتصدى ~~لشيء ما، وأضيق ذرعا بالصعوبة فأحاول النسيان! # سارة تطعم البط في بحيرة في ردنج. # وفي أغسطس وقعت محاولة انقلاب أخرى في المغرب؛ إذ هاجمت قوة من سلاح الطيران من ~~قاعدة القنيطرة طائرة الملك الحسن الثاني لكنها لم تصبه بسوء، وتمكنت القوات ~~الموالية للملك من قمع التمرد الذي كان يقوده الرائد قويرة قائد القاعدة الجوية، ~~وتحدث الجميع آنذاك عن استحالة المساس بالملك (أي إنه محجب بالعامية المصرية). ~~ولما كانت الحادثة قد وقعت في عطلة نهاية الأسبوع فقد انشغلت بترجمة أخبارها، ولم نكد ~~نفيق من الصدمة حتى جاءتنا أنباء قتل 11 من الرياضيين الإسرائيليين في ميونيخ ~~بألمانيا، أثناء الألعاب الأولمبية، وسرعان ما انقضت أجهزة الإعلام العالمية على ~~العرب، ووصمتهم بالإرهاب، وأصبحت الصحف تتصيد الأنباء التي تسيء إلى سمعة العرب ~~بصفة خاصة، وبلغ من تحملها أن أبرزت حوادث السرقات في المحلات التجارية # shop-lifting # والتي كانت الإيرانيات يرتكبنها على ~~أنها أحداث عربية! كانت الصحافة تدين الشرق كله، بينما كان السادات يقول في خطاباته ~~إن عام 1972م سيكون «عام الحسم» وهي كلمة عسيرة الترجمة، ترجمت على أنها # year of decision ~~) والصحافة تتندر بما يقول، ~~والموقف مدلهم. # وفجأة تلقت عزة أخت نهاد خطابا من والدها ms410 يقول لها فيه إن خطاب التعيين في الحكومة ~~قد جاءها وإنها لا بد أن تحضر لاستلام العمل، فسافرت وتركتنا وحدنا، وكان على نهاد ~~أن تتحمل كل شيء لرعاية سارة وشئون المنزل، ويبدو أنني بدأت أشعر بالضيق من الحال التي ~~لا تبدو لها نهاية - سواء على المستوى العام أم المستوى الخاص - ولاحظت نهاد ما أنا ~~فيه من توتر، وتحملته وعانت منه، حتى وصلني ذات يوم خطاب من إدارة الجامعة ونحن ~~على أبواب العام الدراسي تعرض علي فيه المشاركة في التدريس بقسم اللغة الإنجليزية ~~بالقطعة (الساعة بأجر قدره 2,8 جنيه) ففرحنا؛ لأن ذلك سوف يساهم في تفريج الأزمة ~~المالية، وبدأت العمل فورا، وكنت أعلم أن المشرف هو الذي رشحني لهذه ~~المهمة. # كان عدد طلاب الفصل (أو # tutorial ~~) سبعة، وكانت مهمتي ~~هي أن أشرف على تعليمهم مناهج النقد الرومانسي الذي كنت درسته في الماجستير، وكان ~~المتبع هو أن أبدأ بمقدمة عامة عن الناقد الذي سندرسه (تشارلز لام مثلا أو وليم ~~هازلت) ثم أكلف كلا منهم بقراءة أحد النصوص وكتابة تلخيص وعرض له، وكانت هذه ~~«المقالات» ~~(essays) # تترك لي في خانة الخطابات ~~الخاصة بي في الكلية، فأجمعها وأصححها، وأرصد درجاتها في دفتر خاص معي، ثم آتي بها ~~في المرة التالية، بعد أسبوع أو أسبوعين، فأناقشها معهم، وأنبه كلا منهم إلى ~~أخطائه. وكان من متعي التي لم أفصح عنها حتى اليوم أن أصحح الأخطاء اللغوية، كأنما ~~لأنتقم لنفسي من تصحيح المحررين لأخطائي في بداية عملي بالترجمة، أو لأثبت أنني ~~أعرف الإنجليزية خيرا منهم. وأنا أثبت ذلك الآن مدركا أنه خطأ (ولا أقول نقيصة) ~~فالطلاب طلاب، وهم يخطئون ويتعلمون، وكان الأجدر بي وقد تخطيت الثالثة ~~والثلاثين أن أتخلى عن تلك المتع الصبيانية، أو دلائل الإحساس بالنقص، ولكنني أحيانا ~~ما ألتمس العذر لنفسي؛ فأنا غريب أتعلم لغة غريبة، وما أطول ما عانيت من معاملة ~~الإنجليز لي باعتباري غريبا! # وفي أكتوبر 1972 (لا أذكر اليوم) أعلنت إذاعة الكويت نبأ رفع سعر برميل البترول ~~سبعين سنتا أي من 1,55 ms411 دولار إلى 2,25 دولار، وترجمت الخبر وأرسلته إلى مكتب الأخبار ~~لإذاعته، وما إن أذيع حتى هاجت الدنيا وماجت؛ إذ اتهمني المشرف بأنني أخطأت سماع ~~النبأ، فلا يعقل أن يرتفع السعر بما يقارب النصف! وأكدت له أن ذلك هو ما قاله ~~المذيع، فقال أريد أن أسمع، وكان يزعم المعرفة بالعربية، فسمع الخبر وصاح «ألم أقل لك؟ ~~إنه يقول سبعة عشر!» وسمعته من جديد «سبعين» - وقلت له ماذا سمعت؟ قال بالعربية ~~«سبعين» - وأنت لم تسمع النون الأخيرة يا مستر عناني، وهناك فرق بين # Seventy # و # Seventeen # وضحكت فغضب، فقلت له هذا هو القاموس، ففتحه وتأكد له خطؤه ومضى. # كان العمل بالتدريس عبئا جديدا، فتوقف عملي في الرسالة تماما، وبدأت في شتاء ~~ذلك العام أشعر بالحيرة التامة؛ إذ كنت كمن يسير بقوة القصور الذاتي، وفي يناير ~~1973م قالت نهاد إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. ولا بد لنا من وقفة! # 5 # كانت الشهور الأولى من عام 1973م شهور توتر مستمر، لم تقتصر آثاره على العلاقة ~~بيني وبين نهاد، بل امتدت لتؤثر في علاقة كل منا بالعالم الخارجي. كانت نهاد ~~تبذل نفسها في رعاية سارة، وكان إخلاصها نادرا وفريدا، وكنت أعجز عن إدراك معنى ~~الأمومة في الغربة وبسبب الانقطاع عن حياة الأسرة المصرية، ولكنني أقول الآن إنني مهما ~~عرفت عن الأمومة، ومهما تواصلت بحياة الأسرة المصرية، فلن أجد مثالا لإخلاص نهاد ~~المطلق، وقرأت آنذاك دراسة عن الفرق بين الرجل والمرأة، تقول إن المرأة كائن أسمى ~~من الرجل؛ لأنها تستطيع أن تعطي من ذاتها لغيرها، فهي تعطي للجنين دمها وغذاءها، ~~وتعطي الوليد حبها الخالص الذي لا «غرض» فيه، ولا يمكن أن يكون له «غرض»؛ فهي تكسر ~~الأنانية المركبة في نفس الرجل والتي تدفعه إلى المنافسة والغلبة والنصر (أو إلى ~~طلب النصر فحسب) أي إنها بالفطرة «تخرج» من ذاتها إلى «الآخر»، وذلك ما لا يستطيعه ~~الرجل في الأحوال العادية. # لم أكن أستطيع أن أدرك ذلك؛ لأنني كنت مشغولا بالعمل في عدة أماكن فأنا سعيد ~~بالتدريس ms412 في الجامعة، وبالترجمة، وبكتابة الرسالة، وإن لم أكن أكتب شيئا الآن. وكانت ~~الشهور الأولى من عام 1973م شهور توتر مستمر كما قلت، وكانت تصلنا أنباء مصر ~~فتزيدنا غما وهما، فقالت نهاد إنها يجب أن ترحل إلى مصر حتى تهيئ لي الجو ~~اللازم للكتابة؛ فلقد طال بعدنا عن مصر فأمعن في الطول. كنت أحس أن العام المنصرم ~~عام ضائع، وأن العمل الإضافي، على أهميته، قد سلبني الوقت الذي كان ينبغي أن أقضيه ~~في الدرس؛ ومن ثم لم أعترض، وتصورت أن أنتهي من الرسالة في أواخر العام. # وسافرت نهاد وسارة إلى القاهرة في 15 أغسطس ~~1973م، فأحسست بالوحشة القاتلة، ولكنني كنت قد استقلت من العمل بالترجمة والعمل ~~بالتدريس جميعا، وقررت التفرغ للكتابة حتى أنتهي من ذلك الكابوس. وكنت قد بدأت ~~أعاني من طنين في الأذنين فذهبت إلى المستشفى وأجريت لي الفحوصات اللازمة، وقال ~~لي الدكتور إن جيوبي الأنفية ملتهبة ويجب أن تعالج بالكي، وقال لي سوف نرسل لك ~~إخطارا بالموعد. وكان يوم الكشف على جيوبي الأنفية غريبا؛ فبعد أن وضع الطبيب ~~المخدر في أنفي (قطعة من القطن في كل فتحة) جلست في الصالة، ولكنني ما إن جلست حتى ~~غبت عن الوعي ووقعت مغشيا علي، وأفقت على يد قوية سمراء تحملني؛ إذ كانت ~~الممرضة زنجية ضخمة كأنها عملاقة، ووجدتني أمام الطبيب وإلى جواره شاب قصير، أسمر ~~الوجه وعيناه خضراوان، حادثني بالعربية وقال إن اسمه زكي (لا أذكر الاسم الآخر) وقال ~~إنه من مصر، ثم فهمت من الطبيب الكندي أنني أصبت بالإغماء؛ لأن لدي حساسية ضد ~~الكوكايين، ولا يعاني من هذه الحساسية إلا واحد في المليون؛ ومن ثم أتوا لي بفنجان من ~~القهوة القوية، وجلست نحو نصف ساعة حتى استطعت أن أقف على قدمي وخرجت. ولدى الباب ~~قابلت ويني دارتر # Winny Darter # زميلة نهاد في ~~المكتبة، فأقبلت علي دهشة متسائلة، فأخبرتها الخبر، فقالت دعني ألعب دور ~~الممرضة! وصاحبتني حتى باب المستشفى وافترقنا. # وقررت عدم إجراء العملية، وإن كنت أعجب ممن يتعاطون الكوكايين بأنواعه - ماذا ms413 ~~لو كانوا يعانون من الحساسية؟! وبدأت الالتزام بالجدول الزمني الذي وضعته لنفسي، فلم ~~ينقض أغسطس حتى اكتمل الفصل الرابع، وأرسلته إلى المشرف الذي كان قد سافر إلى أمريكا ~~للتدريس فصلا دراسيا كاملا في جامعة بنسيلفانيا Pennsylvania ~~، وعكفت على الفصل الخامس طوال سبتمبر، وكنت قد كلفت ~~نهاد باستئجار شقة والبحث عن عمل لها حتى أنتهي من الدكتوراه وأعود، وكنت قد أعطيتها ~~600 جنيه للنفقات العامة، وكان المتفق عليه أن نقضي الصيف (ما بقي منه) مع والدي ~~ووالدتي؛ لأن حسن أخي كان قد سافر بعد تعيينه ملحقا دبلوماسيا، والشقة واسعة، ولكن ~~نهاد لم تمكث معهما إلا أسبوعين وانتقلت في سبتمبر إلى منزل أسرتها في شبرا، وكنا ~~نتراسل بانتظام، وفي يوم السبت 6 أكتوبر 1973م وصلتني برقية تقول: «أحتاج للمال بصورة ~~عاجلة، المبلغ كله أنفق في الشقة.» ~~(Need money urgently stop all money spent on flat) # وعجبت من هذا الإسراف. كيف ~~تنفق 600 جنيه في شقة؟ وذهبت إلى السوق لإصلاح المكنسة الكهربائية، وعدت فاتصلت ~~تليفونيا بالدكتور نوح؛ لأنه كان سيسافر إلى مصر بعد أيام، وقلت له إنني أريد توصيل ~~بعض المال إلى نهاد فرحب، وكان يقيم في شمال إنجلترا، وبعد المحادثة عدت إلى العمل، ~~وكانت الساعة قد قاربت الواحدة (بتوقيت لندن). # ولم أكد أبدأ الكتابة حتى رن جرس التليفون، وكان المتحدث هو المشرف في قسم الأخبار ~~يوم السبت، وكان من تشيكوسلوفاكيا ويدعى سبوليار # Spoliar # وسألته ما الخبر؟ فقال بلهجة مطمئنة: ~~“There may be nothing in it, but an Arial battle has ~~taken place over the Gulf of Suez. Two Israeli planes have been shot ~~down.” # أي «ربما لا يكون الأمر مهما، ولكن معركة جوية وقعت فوق خليج السويس وأسقطت ~~طائرتان إسرائيليتان.» # وسألته ثانيا ماذا يريد، فقال «لا شيء .. أردتك أن تعلم وحسب.» فأفهمته أننا في ~~رمضان، والناس صائمون ولا داعي لتصورات من التي يحبها مكتب الأخبار! وضحك ووضع ~~السماعة. # ولم تمض دقائق حتى رن التليفون من جديد. وكان المتحدث هو نفسه. ولكنه كان ms414 واثق ~~النبرة هذه المرة؛ فبعد أن لخص لي الأنباء قال بثقة: «إننا ننتظر البلاغ العسكري ~~الثالث.» البلاغ العسكري؟ وقلت له دون تردد: «أرسل السيارة من فضلك - سوف آتي ~~حالا.» وضحك قائلا: كنت أعرف. لقد أرسلتها منذ دقائق! # ووضعت السماعة وجريت إلى الباب، وعندما فتحته ~~كان ديريك (جنجر) السائق في سيارته الفوكسهول يدخن! وفي لمح البرق كنت في مكتب ~~الأخبار، ولم أجد من العرب سوى عراقي يدعى ربيع الطائي يضع السماعات على أذنه ~~ويحاول الاستماع إلى إذاعة القاهرة؛ ومن ثم جلست إلى المنضدة الممدودة، وأحضرت ~~السماعات، وجلسنا في انتظار الأخبار. # الفصل السابع # | تحولات # 1 # عندما توالت البلاغات العسكرية، وكنت أترجم ~~كلا منها فور مجيئه، أيقنت أن المسألة ليست مسألة اشتباك فوق خليج السويس (عند ~~الزعفرانة والعين السخنة) بل هي الحرب، وإن كان ذهني لا يستطيع تقبل النغمة الهادئة ~~لمذيعي صوت العرب، ولم نكن نستطيع سماعولم يتغير سلوك كاثلين مطلقا سواها من الإذاعات، ~~وكان اليهود الذين يعملون معنا في عطلة؛ فهو «يوم كيبور» أو عيد الغفران لديهم، وعندما ~~حل موعد الإفطار خرجت إلى الحديقة أتأمل غروب الشمس، وقد اعتدت منذ الطفولة أن أقرأ ~~بصوت مسموع آيات القرآن: # قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز ~~من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل ~~شيء قدير * تولج الليل في النهار وتولج ~~النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ~~(26، 27) صدق الله العظيم. # وسمعني أحدهم وأنا أتمتم بهذه الآيات فاقترب مني وسألني: هل تصلي؟ وشرحت له ~~معنى الآيات فقال لي: «ما أعمق إيمانكم أيها المصريون! أراهن أن اليهود يصلون ~~الآن أيضا.» وابتسم ومضى. وعدت إلى الراديو لأستمع إلى القرآن، ثم حل الليل، ~~وجئنا بالشاي من البوفيه وجلسنا نرشفه صامتين وإذا بأحد المحررين، وكان اسمه ~~كارل ليمان ~~(Karl Lehman) ~~، يدخل المكتب ممتقع ~~الوجه، ويبدو أنه كان يتحين الفرصة للحديث معي في «الموضوع»، فبادأته أنا بالحديث ~~مرحبا، فتقدم بخطى متثاقلة وقال: ms415 «هذه الدبابات الأربعمائة .. كيف تعبر قناة ~~السويس؟» وقلت له: «ربما على كوبري ~~عائم # pontoon bridge ~~.» لكنه قال: «محال! لا يمكن للكوبري العائم أن يتحمل ثقل ~~الدبابة!» ولم أعلق. فعاد يقول: «هذه دعاية ولا شك! ولكنها ستكون وبالا عليكم! إذا ~~حدث ونقلتم الدبابات فسوف تخسرونها!» وابتسمت بسمة مصطنعة وأنا ألتزم الصمت؛ إذ ~~تأكد لي ما شاع عن وجود ثلاثة من اليهود في مكتب الأخبار، ومدى نفوذهم على ضآلة ~~عددهم، وخشيت أن يتدخل في العمل فلم أجادله، وتظاهرت بالانشغال بما أسمعه في ~~راديو القاهرة، وحولت وجهي عنه فانصرف. # وفي نحو الحادية عشرة وصل روجر كولمان # Roger Coleman # وهو مشرف النوبة الليلية، وكان من أقرب العاملين إلى قلبي؛ فهو ضحوك ولا يسمح لأي شيء ~~بأن ينزع البسمة عن شفتيه، وكان قصيرا أصلع يلبس نظارة طبية سميكة، وكانت زوجته ~~كاثوليكية لا تؤمن بتنظيم الأسرة، فأنجبا ثمانية أطفال، واضطر روجر إلى شراء سيارة ~~ضخمة من نوع لاندروفر حتى يستطيع نقل الأسرة كلها فيها إذا اقتضى الأمر، ولم يكن ~~يشكو من تكاليف الحياة وأعباء الأسرة، فالدولة تتكفل بالعلاج والتعليم مجانا، وكان ~~يقول لي إنه استحدث مذهب «الملبس ~~التعاوني» ~~(cooperative clothing) # ومعناه أن يلبس الأطفال بعضهم ملابس بعض، بحيث لا تثبت ~~الملكية المطلقة لأي قطعة من الملابس لطفل دون سواه! والواقع أنه كان يعطي الصغير ~~ملابس الكبير، ويحرص على توحيد الزي حتى لا يغار أحد من صاحبه، وكثيرا ما كنت أراه ~~يسير وقد أمسك بأيدي ثلاثة أو أربعة من الصغار على الأقل! # وعندما انتهى روجر من قراءة أنباء اليوم جاءني ضاحكا وقال: «أراهن أن ساليفان وهايمان ~~(Sullivan & Hayman) # سوف يحضران ~~الليلة أيضا.» وكان قد لمح ليمان خارجا، وأضاف في نبرات شبه جادة أنه يظن أن ~~«القلق يعتصرهم على أبناء دينهم في سيناء!» ورسمت نفس البسمة المصطنعة على شفتي ~~ولم أعقب. كان قلبي يموج بمشاعر يصعب وصفها؛ إذ أصبحت وحدي ممثلا لانفجار غضب ~~العرب بعد أن صبروا ست سنوات، وكنت أعلم أن غضب «الأعداء» سوف ينصب على رأسي، ms416 لكن ~~فرحتي بعبور القناة كان غامرا؛ ومن ثم تطوعت للبقاء طول الليل أتتبع الأخبار، ~~وفرح روجر، وقال: «اعتبر نفسك في مصر، وأنك تسهر مع الأسرة في رمضان!» # واستمعت إلى سهرة الراديو الرمضانية ثم إلى قرآن الفجر وأذان الفجر وصلاة الفجر ~~وتصورت أن الجميع سوف يعودون الآن إلى المنزل في مصر، ولكنني لم أرفع السماعة عن ~~أذني، وفي الخامسة والنصف (السابعة والنصف بتوقيت القاهرة) صدر البلاغ العسكري الذي ~~يلخص أحداث اليوم السابق، وحالما سمعت التنويه عنه في موجز الأنباء أحضرت الآلة ~~الكاتبة، وبدأت العمل، وربما كان ذلك أسرع نص ترجمته في حياتي! وأعددت الخبر ~~وأرسلته إلى المذيع في الاستوديو في لندن مباشرة (في مبنى الإذاعة الرئيسي - # Broadcasting house ~~) وطلبت من المهندس أن يدير ~~مؤشر جهازه للاستماع إلى الإذاعة العالمية لهيئة الإذاعة البريطانية ~~(BBC World Service) # فلا شك أنها ستكون أول من يذيع النبأ، ~~وفعلا أذيع النبأ كاملا كما كتبته بالحرف في نشرة السادسة صباحا، وإن كان المذيع ~~قد تلعثم في العبارة الأولى، فالخبر يقول: «يقول راديو القاهرة ...» والإنجليزية تقبل ~~الإضافة بعكس موقع الكلمتين أو باستخدام حرف الإضافة # of ~~، وهو الذي يفضله الكلاسيكيون المتحذلقون ~~والمتشبهون بهم، وكان النص الذي كتبته يقول: ~~“According to Cairo ~~Radio ...” # ولم يعجب المذيع ذلك فأراد أن يقول: # the radio of Cairo # فقال # the Cairo ~~of radio # مما جر عليه اللوم، ولم يجد ما يعتذر به سوى أنه كان لم ~~يفق تماما من نومه! # وعندما طلع النهار أتى الجميع، وعدت إلى المنزل لأنال قسطا من الراحة، لكنني كنت ~~أشعر أن راديو القاهرة (صوت العرب) قد أصبح أمانة في عنقي، فنمت ساعاتي الأربع، ثم ~~انطلقت وحدي إلى مكتب الأخبار، ووضعت السماعة على رأسي، والتصقت براديو القاهرة، ~~وأمامي الآلة الكاتبة جاهزة، وتوالت البلاغات العسكرية ثم التعليقات والمقابلات ~~الصحفية، وأنا ثابت في مكاني أسمع وأترجم، والعالم يسمع ويدهش، حتى كان اليوم ~~الرابع للحرب - يوم النصر الحاسم في سيناء وأسر القائد الإسرائيلي «عساف ~~ياجوري». # وتحول العالم كله! كانت الصحف تلتزم الحذر في ms417 نشر تفاصيل الحرب حتى تلك اللحظة، ~~وكان المعلقون السياسيون يقولون صراحة إنهم لا يصدقون ما يحدث، ولكن تدمير اللواء ~~المدرع الإسرائيلي في سيناء محا شكوك المتشككين، وظهر أحد المحللين العسكريين ~~في نشرة السادسة مساء في التليفزيون ليتحدث عن الجسر الجوي الذي أقامته أمريكا ~~اعتبارا من مساء يوم 6 أكتوبر، وقال إن شحنة من الدبابات الأمريكية نزلت عند العريش ~~وقال أحد شهود العيان إنها «صف رائع من الدروع» - حرفيا. # An impressive array of armour. # ثم عرض فيلم تليفزيوني عن الحرب من داخل سيناء، صوره المصور من وراء الخطوط ~~الإسرائيلية، ولن أنسى ما حييت صورة الطائرتين المصريتين اللتين كانتا تطيران على الارتفاع الصفري # flying at zero altitude # وهو أدنى ~~ارتفاع يمكن أن تطير عليه الطائرة دون أن تصطدم بالأرض، وقال المعلن إن سيناء مفتوحة ~~أمام الطيران المصري، وإن المصريين فدائيون يجازفون بأرواحهم حين يطيرون على هذا ~~الارتفاع؛ فأقل خطأ يجعل الطائرة ترتطم بالأرض، ولكن ذلك الارتفاع يجعلهم بمأمن من ~~الإصابة بأي أسلحة أرضية. ودارت الطائرتان أمام عيوننا - رغم عدم وضوح الصورة - ثم ~~ارتفعتا فجأة في الهواء كأنما بفعل السحر واختفيتا ثم لمحنا عند الأفق آثار الانفجار ~~الذي أحدثته القنابل التي ألقيتاها. # وصدرت صحف الحادي عشر من أكتوبر وهي تتحدث عن الحق العربي، وعن القضية ~~الفلسطينية، وعن تحرير الأراضي العربية في سيناء ومرتفعات الجولان والضفة الغربية، بل ~~والأغرب من ذلك كله أن يتحدث بعض المحللين السياسيين عن ضرورة التدخل لإنقاذ ~~إسرائيل من الدمار؛ فلن يتوقف العرب في رأيه عند استعادة حقوقهم، وعلى إسرائيل أن ~~تعقد فورا معاهدة سلام تضمن لها بقاءها! كنت أقرأ هذا الكلام غير مصدق! كان ~~التحول في ذاته دليلا على ما كنت أعرفه خير المعرفة من أن العالم لا يعرف إلا لغة ~~القوة، ولكن مظاهر التحول كانت غير متوقعة؛ فالذين كانوا يؤيدون إسرائيل لم ~~يعدلوا عن تأييدها لكنهم أصبحوا يقولون إن القوة لم تعد الوسيلة المؤكدة لتأمين ~~وجودها، وباتوا يدعون إلى التعقل والسلم، والذين كانوا يناصرون الحق العربي لم ~~يتحولوا ms418 عن مناصرته لكنهم أصبحوا يقولون إن القوة هي الوسيلة الوحيدة لاستعادته، ~~وباتوا يؤازرون الحرب! أما الذين كانوا يزعمون الحياد والموضوعية فقد أفردوا الصفحات ~~للحديث عن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وكانوا ينتهون في كل مقال تقريبا إلى ~~ضرورة نهوض الغرب بدور فعال في حل المشكلة التي تسبب فيها أصلا بإنشاء دولة ~~إسرائيل! # وحتى يوم الثلاثاء 16 أكتوبر لم أكن أغادر مكتب الأخبار إلا للنوم ساعات معدودة، ~~وفي صباح ذلك اليوم ألقى السادات خطابه المشهور الذي وردت فيه عبارته الذائعة «عشرة ~~أيام مجيدة»، وقد ترجمت الخطاب مباشرة على الآلة الكاتبة، وأذكر أنني أخطأت عندما ~~كتبت كلمة # sign # وأنا أعني # signal ~~(عندما أعطى «الإشارة») فجاءني أحد الزملاء ~~ليستوضح فنهرته كأنما أخطأ حين لم يحدس الصواب بنفسه، ولكنني كنت مرهقا من طول ~~السهر، وكان الإنجليز من حولي سعداء بي، وعندما انتهيت وذهبت إلى المنزل، سمعت في ~~الراديو ملخصا لخطاب جولدا مائير الذي أعلنت فيه عبور بعض القوات الإسرائيلية إلى ~~الضفة الغربية للقناة من ثغرة في الجبهة المصرية، وفزعت طبعا، ولكن القضية كانت قد ~~تحركت بما يكفي ل «عودة الروح» إلى مصر، وعودة الثقة إلى نفوس التائهين والحائرين - ~~والكثير من اليائسين! # وبعد وقف إطلاق النار ذهبت إلى لندن لتجديد جواز السفر، وقابلت الأستاذ فوزي ~~عبد الظاهر المستشار الثقافي، وسألني عن موعد انتهائي المرتقب من الدكتوراه، فقلت له ~~إنني أوشكت على الانتهاء وإنني أنتظر عودة الأستاذ المشرف من أمريكا. وتجولت ~~يومها في لندن كأنما لأستعيد ذكريات الصبا؛ إذ أحسست بعد الحرب أنني كبرت في السن، ~~وكأن الساعات التي قضيتها في الترجمة على مدى الأسبوعين المنصرمين جعلتني شخصا ~~آخر. وبدأت أدرك التحولات التي تصيب المصري حين يصبح قلب مصر نفسها، وعندما ~~يتوحد الفكر والإحساس فيه، وكان أول خاطر لي أن أدعو نهاد وسارة إلى ~~العودة! # 2 # زارني الدكتور نوح يوم 22 أكتوبر فسلمته النقود ليحملها إلى نهاد في مصر، ومعها ~~خطاب ألح فيه عليهما أن يعودا، وقضيت الأسبوع الأخير من أكتوبر في إعادة ترتيب ~~بطاقات الفصل الأخير ms419 من الرسالة، وأنا أتابع عن كثب أخبار مصر، وكل ما يجري حولنا، ~~كأنما أصبح الاهتمام بأحداث العالم «أسلوب حياة». # وتلقيت دعوة ذات يوم إلى حفل في الجامعة، باعتباري من الأساتذة المنتدبين من ~~الخارج، بمناسبة تدشين جناح جديد في المكتبة، وكان ضيف الشرف هو رايموند وليامز الذي ~~أهدى الجناح مجموعة من كتبه الخاصة، فذهبت أولا للحديث مع ذلك الأستاذ وثانيا ~~باعتباري المصري (بل العربي) الوحيد في الجامعة - وكان علي أن أضع قناعا هو قناع ~~الرزانة والتعقل، وأن أنفض عن نفسي آثار الاهتمام بالحياة العامة والاشتغال بالترجمة ~~والكتابة، وإن كان الإنجليز لا يهتمون بذلك القناع - وعندما زال التوتر وهدأت ~~الأعصاب، انطلق المدعوون في الأحاديث الجانبية التي تسبق الحفلة الرسمية أو تمهد ~~لها وكانت تنذر بتحول آخر في حياتي. # تعرفت أولا بأستاذ أستاذي وهو البروفسور باراز # Burroughs # من جامعة أوكسفورد، وبزوجته ديانا إلوين جونز # Diana Ellwyn-Jones # كاتبة قصص الأطفال ~~المشهورة، وتطرق الحديث بيننا إلى احتراف الكتابة وضياع حقوق الكتاب، وحدثتهم ~~عن كتاباتي للمسرح بالعربية، وكيف توقفت عن الكتابة ثماني سنوات بسبب الدكتوراه ~~اللعينة، وبأنني أعد الأيام حتى أعود إلى القاهرة لأمارس نشاطي الأدبي، وقالت ديانا ~~بلهجة جادة: ولماذا لا تكتب بالإنجليزية؟ وضحكت وأنكرت قدرتي على ذلك، ولكن باراز ~~أردف قائلا: «إن كريس (يعني الأستاذ المشرف على رسالتي) يمتدح أسلوبك ويفيض في ذكر ~~موهبتك.» وكدت أطير فرحا - بطبيعة الحال - ولكنني وضعت قناع التواضع الإنجليزي ~~وقلت في نبرات خفيضة: «هذا كرم منه لا أستحقه.» فأسرعت ديانا تقول: «فلنحكم نحن ~~على ذلك .. أرنا بعض كتاباتك.» ولم تتح لي فرصة الإجابة؛ لأن رايموند ويليامز دخل ~~القاعة فالتفت الجميع وساد الصمت. وبدأت مراسم الاحتفال. # وبعد ثلاثة أيام وجدت في درج البريد الخاص بي مخطوطا لرواية من تأليف ديانا إلوين ~~جونز (وجميع المخطوطات مكتوبة على الآلة الكاتبة بطبيعة الحال) فحملته إلى المنزل، ~~كان مرسلا من أوكسفورد وتاريخ الإرسال صباح اليوم نفسه! وعندما فضضت المظروف وجدت ~~في داخله رسالة تقول فيها إنها تريد أن تعرف رأيي في النص، وكان عنوان ms420 الرواية # Craven Images # أي صور بشعة، وعكفت عليها حتى ~~انتهيت من قراءتها في نحو الثالثة صباحا؛ فقد كانت غير عادية في كل شيء. وعلى الفور ~~كتبت تحليلا لها في نحو ثلاث صفحات وأرسلته في ظهيرة اليوم التالي (لم أنهض إلا ~~في الضحى) إلى الكاتبة. # كان ذلك يوم الثلاثاء، وكان علي أن أعمل في الفصل الأخير من الرسالة بحيث أنتهي من ~~تحديد تعريف «الأسلوب الرفيع الجديد» قبل عطلة نهاية الأسبوع، وقد يعجب القارئ من هذه ~~التسمية، ولكنني سوف أوجز ما أعني فيما يلي: كنت قد اهتديت في بحثي في تطور ~~أساليب الشعر في القرن التاسع عشر إلى أن الرومانسية أتت معها بأسلوب جديد يطمح في ~~محاكاة الأساليب الكلاسيكية عن طريق الإسراف في استعمال المجردات - سواء كانت من ~~المعاني المجردة (الأسماء) أو غيرها. وكان المثل الأعلى القديم للأسلوب الرفيع هو ~~أسلوب ملتون في القرن السابع عشر، والذي كان يعتمد على بعض العناصر المعروفة مثل ~~«جلال» الموضوع؛ أي أهميته التي ترجع إلى طابعه العام؛ أي العالمي واللازمني، ومثل ~~«شرف» الألفاظ المنتقاة (كما يقول النقاد العرب القدامى) وتحاشي الخصوصية ودقائق ~~التجربة الشعرية، وتجنب التفاصيل الواقعية أو المعتادة وما إلى ذلك. ولكن الرومانسيين ~~كانوا بصفة عامة يجعلون من الفرد ومشاعره محورا للتأملات الشعرية مما يتعذر معه ~~«الجلال» في الموضوع، وكان وردزورث ينكر شرف ألفاظ بعينها ويدعو إلى استخدام الألفاظ ~~العادية في الشعر، كما كان كل منهم يؤكد خصوصية تجربته الشعرية، ويتكئ على ~~التفاصيل، وكان بعضها مغرقا في الواقعية. وقد اهتديت، كما قلت، إلى أن وردزورث ~~عندما تخطى المرحلة الثورية الأولى بدأ يطمح في محاكاة الكلاسيكيين على الرغم من جميع ~~تلك السمات الرومانسية، وذلك عن طريق زيادة استخدام المجردات؛ ولذلك فقد أطلقت على ~~ذلك الأسلوب اسم «الأسلوب الرفيع التجريدي» ~~(The ~~Grand Abstract) # وحتى يدرك القارئ مرماي سأسوق له مثالا ~~عربيا من البارودي؛ إذ قال في إحدى قصائده المبكرة التي كان «يروض فيها الشعر» (على ~~حد تعبير علي الجارم): # ومن تكن العلياء همة نفسه # فكل الذي يلقاه ms421 فيها محبب # فالعلياء صفة مجردة، أو اسم لشيء غير محدد، فما هو تعريف «العلا» أو العلاء أو ~~العلياء؟ هل هو المنصب الرفيع أو الشهرة أو المال أو المجد أو كلها معا؟ وكذلك الهمة. ~~ما هي الهمة؟ هل هي الطموح؟ هل هي الدافع الباطن على «العلياء»؟ وقس على ذلك «كل الذي ~~يلقاه» - الصعاب والعراقيل والمعاناة (الفقر/المرض/الاضطهاد/السجن؟). المعاني كما ترى ~~مجردة ويمكن إيراد أمثلة بالغة التنوع لكل منها، وهذا هو المثل الأعلى ~~الكلاسيكي الذي يكفل للبيت أن يجري مجرى الأمثال والحكم. # أما الرومانسيون فقد بدءوا يميلون إلى محاكاة هذا الأسلوب بعد استقرار الاتجاه ~~الجديد، فاتجه وردزورث في مراجعته لقصيدة المقدمة، وهي قصيدة تتميز بخصوصية التجربة - ~~تعريفا - لأنها سيرة ذاتية، إلى الإسراف في المجردات بحيث اختلفت الطبعة المعدلة ~~التي نشرت عام 1850م (بعد وفاة الشاعر) عن النص الأصلي الذي كتبه قبل خمس وأربعين ~~سنة. وكانت مقارنة النص الأول بالنص المعدل من حيث الصور الشعرية هي موضوع دراستي ~~للماجستير، أما الآن فأنا أبحث الأسلوب وأستخدم الاختلافات الأسلوبية قرائن لإثبات ~~تطور الأساليب الشعرية من القرن الثامن عشر إلى بداية التاسع عشر ثم في غضون القرن ~~التاسع عشر نفسه - من مرحلة الثورة الرومانسية إلى مرحلة الطموحات الكلاسيكية. # كان علي أن أنتهي من هذا التعريف، كما قلت، قبل عطلة نهاية الأسبوع، لكنني وضعت ~~البطاقات أمامي وجعلت أتطلع إليها وقد استولى على تفكيري خاطر أوحد: لماذا لا أكتب ~~بالإنجليزية - كتابة إبداعية؟ أنا قطعا لن أستطيع أن أجاري سلاسة أسلوب ديانا، ~~خصوصا إسهابها في الوصف ودقة التفاصيل، فهي تصف أشياء تعرفها خيرا مني، ولكنني قد ~~أستطيع أن أتحدث عما أعرفه وربما نجحت. وبدلا من كتابة الفصل الأخير من الرسالة ~~(«عشان نخلص») بدأت أكتب قصة قصيرة كانت حلقاتها قد اكتملت في ذهني منذ فترة، ~~وكانت - مثل كل ما كتبته - مستمدة من الواقع الحي من حولي، وكانت طويلة بعض الشيء، ~~ولم أنته منها إلا يوم الجمعة، فقررت أن أعرضها على ديانا وأسمع رأيها، فأعددت صورة ~~زيروكس وأرسلتها بالبريد، وجاءني الرد في ms422 يوم الإثنين. # كان الرد موجزا وقد أرفقت ديانا به قائمة بأسماء وعناوين «وكلاء» # agents # وطلبت مني إرسال نسخة إلى أحدهم، وقالت إنها ~~تفضل أن أتعامل مع وكيلها الذي تتعامل معه منذ سنوات فهو أكثرهم خبرة! وتساءلت ما ~~الوكيل وما التعامل مع الوكلاء؟ كان الرد يقول لي باختصار إن موهبتي ناضجة، ولا بد من ~~الاستمرار على أساس الاحتراف، ويحذرني من أن أرسل قصتي إلى أي مجلة، بل أن أتعامل فقط ~~مع الوكيل! وكان لا بد أن أسأل وأتقصى فعلمت أن الوكيل هو رجل أعمال يتمتع بموهبة ~~كبيرة في الإدارة، ويعمل في مكتبه محامون ونقاد ومحررون ومراجعون ... إلخ، والمكتب ~~يتولى الحكم على «العمل» (القصة أو المسرحية أو القصيدة أو ديوان الشعر ... إلخ)، فإذا ~~رأى أنه صالح تولى إبرام عقد مع الكاتب وعقد آخر مع جهة النشر، (أو مع عدة جهات ~~نشر إذا كان الكاتب لامعا وفي هذه الحالة يسمى الكاتب # syndicated ~~) بحيث يقتصر تعامل الكاتب مع الوكيل، ~~ويقتصر تعامل الناشر معه أيضا، وهناك حالات لم يقابل فيها الكاتب الجهة التي تنشر ~~أعماله مطلقا، أو لم يقابل مندوب تلك الجهة إلا في مناسبات خاصة! وقلت في نفسي: ~~ولم لا؟ وفعلت ما نصحت ديانا به وبدأت الانتظار الذي لم يطل إذ جاءني برجوع ~~البريد رد يقول: «إننا تسلمنا القصة وهي حاليا قيد الفحص، وسوف تجدون طيه بعض ~~المعلومات عن شركتنا.» # كان المكتب أي مقر «الشركة» في أوكسفورد وقرأت التفاصيل بتمعن فوجدت ما يسر ~~القلب حقا، وحملت الخطاب إلى الكلية وطلبت مساعدة سكرتيرة رئيس القسم في فهم ~~الموضوع فأوضحت أن الوكيل هو الوكيل القانوني الذي يتولى الحكم أولا على العمل، ثم ~~يعهد إلى أحد المحررين ب «إعداده» للنشر (نعود للحديث عن ذلك فيما بعد)، ثم يتصل ~~بالمجلات التي تنشر ذلك اللون من الأعمال لنشره، ونادرا ما ترفض المجلة عملا أوصى ~~به الوكيل، بل العجيب حقا هو أن قرار النشر أصلا في يد الوكيل لا في يد رئيس ~~التحرير، وكان هذا جديدا علي ومثيرا إلى حد ms423 بعيد، لكنني علمت فيما بعد أن ما ~~أسميته بالوكيل هو مؤسسة كاملة، وأن النقاد الذي يحددون صلاحية العمل يتمتعون ~~بمؤهلات فنية وعلمية عالية المستوى، وتقاريرهم لا تقبل النقض؛ فهم لا يمثلون القيم ~~الأكاديمية التي ندرسها وندرسها في الجامعة فقط بل يضمون إليها ما يريده ~~القراء، وما يمكن أن ينجح لو تغير الجو أو الذوق الأدبي، كما أن بعضهم يتميز بنظرة ~~مستقبلية قادرة على استشفاف ذلك التغير ومن ثم على الدفع بالإنتاج الجديد إلى ~~السوق! والأعجب مما ذكرت أن الكاتب لا يملك اختيار الجهة التي ستنشر عمله، وإن كان ~~له حق الاعتراض، وقد يتمتع الكاتب بعد رسوخ قدميه بحق الاختيار ولكن ذلك لا بد أن ~~يكون أيضا عن طريق الوكيل! # وبعد دراسة مستفيضة اتضح لي أن أساس ذلك هو التجارة؛ فقد آمن الإنجليز قبل غيرهم أن ~~كل ما يعمله الإنسان لا بد أن يعود عليه بفائدة ما، وأقرب صور الفائدة إلى الذهن ~~الإنجليزي العملي هو الربح المادي، بل إن الفكر التجاري يعتبر أن الشهرة أو ذيوع الصيت ~~عامل من عوامل تحديد قيمة الإنتاج المادية؛ ولذلك فما نعتبره اليوم جديدا مثل حقوق ~~الملكية الفكرية أو تجارة الخدمات وما إليها له جذوره في الفكر التجاري الإنجليزي. لا ~~عمل دون أجر! هذه هي القاعدة الذهبية عندهم! هل يمكن أن أقول أيضا: لا عمل دون ربح؟ ~~لقد شاعت هذه الأيام تعبيرات جديدة مثل «المؤسسات التي لا ترمي إلى الربح» ~~(non-profit organizations) # وأصبحنا نصدق أن هناك بين ~~الإنجليز من لا يرمي إلى الربح، ولكن الربح المقصود هنا هو الربح المادي في صورته ~~المعتادة وهي النقود! أما الربح الحقيقي الذي تجنيه هذه المؤسسات فهو يأتي من طريق ~~بالغ الالتواء، فإذا كانت المؤسسة خيرية ~~(charity) # أي ~~تدعو إلى الإحسان وإغاثة الملهوف (مثل منظمة أوكسفام # Oxfam ~~) فإنها تساهم عن طريق جمع تبرعات المحسنين وإنفاقها في ~~وجوه الخير، في رسم صورة المجتمع الراعي الطيب، والدولة المؤمنة بالتكافل، مما يضفي ~~الطابع الإنساني السامي على وجه إنجلترا، ويهيئ لها المزيد من المكاسب ms424 المادية في ~~صورتها المعتادة وهي النقود! # ولا ينفي ذلك بطبيعة الحال أن «أهل الخير» يدفعون التبرعات عن «إيمان» ويقين، وأن ~~نسبة كبيرة من «المؤمنين» يبتغون وجه الله فيما ينفقون، ولكن الطابع التجاري المتأصل ~~في الحياة الإنجليزية يجعل الإنجليزي العادي «يحترم» المال منذ نعومة أظفاره؛ لأنه لا ~~يرى أن النقود وسيط للمبادلة أو صكوك لحق الامتلاك بل يرى فيها رأسماله، وهي فكرة ~~قد تحتاج إلى إيضاح. # من المبادئ الأساسية التي يلقنها الأهل للطفل مبدأ القسمة الثلاثية، (أو # The three part division ~~) ومعناها تقسيم الدخل إلى ~~ثلاثة أجزاء؛ جزء ينفق على المسكن، وجزء ينفق على المعيشة (المأكل والملبس ~~والمواصلات ... إلخ)، وجزء يدخر! ومنذ السنوات الأولى في حياة الطفل يعلمه الأهل أن ~~يدخر قسما من مصروفه في «الحصالة»، ثم أن يتخذ لنفسه دفتر توفير في مكتب البريد ~~أولا، ثم في البنك بعد ذلك (أو في جمعيات ~~الإسكان # building societies ~~)، وهكذا يميل الطفل إلى الحرص على ماله، خصوصا وأن أهله ~~يعدونه من البداية للاستقلال؛ فحالما يبلغ السادسة عشرة يصبح عليه أن يعتمد على ~~نفسه؛ إما بالعمل، أو المساهمة في نفقات المنزل، أو الاستقلال والحياة بعيدا عن ~~الأسرة. أما إذا كان مجتهدا واجتاز امتحان دخول الجامعة ( # Sixth ~~form ~~) فهو يحصل على منحة دراسية تتضمن مصاريف التعليم ~~(tuition fees) # وتكاليف السكنى والإقامة في أحد ~~بيوت الطلاب ~~(residence halls) # إلى جانب ~~راتب شخصي # stipend ~~(أو مصروف # pocket money ~~) مما يؤهل الطلاب للحياة المستقلة بعيدا ~~عن منزل الأسرة، تمهيدا للاستقلال نهائيا بعد التخرج والعمل والزواج. # ومعنى هذه التنشئة أن الصغير يرى في المال سبيله إلى الاستقلال والحرية، وإذا كان ~~طموحا فهو يحلم بأن يعمل بالاستثمار والتجارة مما يجعل للمال قيمة لا يراها من لا ~~يسير في هذا الطريق (كأصحاب المهن من أطباء ومهندسين ... إلخ)، وسواء تحقق حلمه أم لا ~~فهو ينشأ على «احترام» الادخار، مما يغرس في نفسه الحرص، وقد فسر ذلك أحدهم بأن الجو ~~مسئول عن ذلك! ولطرافة هذه النظرة أوردها باختصار: أحرص الناس في الجزر البريطانية ms425 ~~هم من يعيشون في أبرد الأجواء أي - اسكتلندا! فالبرد يجعل المرء منغلقا على نفسه ~~(inward-looking) # ينشد الدفء ولا شيء يجلب ~~الدفء مثل النقود! ولكن النظرة - كما ترى - فاسدة؛ ففي أبرد أماكن الدنيا عشت مع أكرم ~~البشر في شمال أمريكا الشمالية! # أما الدولة فهي تشجع المحسنين على الإحسان بخصم تبرعاتهم من وعاء الضريبة، فما ~~أيسر أن أتبرع للخير إذا كانت النقود سوف تضيع من يدي على أي حال! بل إن أحد الخبثاء ~~نشر في مجلة Punch # الأسبوعية مقالا يقول فيه إن ~~التبرعات المخصومة من الوعاء الضريبي تساعد رجال الضرائب على اكتشاف الحجم الحقيقي ~~لمكاسب المتبرع! وضرب الكاتب مثالا على ذلك بتبرع اللورد سيف صاحب سلسلة محلات ~~ماركس آند سبنسر ~~(Marks & Spencer) # بمبلغ ~~24 مليون جنيه ل «الفقراء» في إسرائيل، وهو الحد الأقصى المسموح بتحويله من إنجلترا إلى ~~خارجها، فقال إن أرباحه المعلنة كانت 219 مليونا، وكان صافي ربحه بعد خصم الضرائب 19 ~~مليونا؛ أي إن ما تبرع به قد خصم من مقدار الضريبة، وكان المفروض أن تكون 200 ~~مليون فنقصت بذلك المقدار، فكأن الحكومة هي التي تبرعت لفقراء إسرائيل! وانتهى ~~الكاتب إلى ما يلي: ~~«ولما كان الحد الأقصى المسموح بالتبرع به من الأرباح هو 10٪ وكان مقدار ~~التبرع هو 24 مليونا، فإن معنى ذلك أن الأرباح المعلنة (219) تقل بمقدار خمسة ~~ملايين عن الأرباح الحقيقية. فأين ذهبت هذه الملايين؟!» # ولم يعقب أحد على ذلك المقال أو يعترض عليه، ولكننا قرأناه في الكلية، وناقشناه ~~واستخلصنا منه ما استخلصنا! # وليس معنى ذلك، كما سبق أن ذكرت، غياب القيم الإنسانية (ومنها الثقافية والفنية) أو ~~تضاؤلها، فهي ثابتة وعريقة، ولكنها دائما ما توضع في أطر تجارية؛ ولذلك فإن أي ~~إعلان أو دعوة لا بد أن تتضمن التكاليف وتحددها بصورة دقيقة، وأنت عندما تدخل ~~المقهى تدفع أولا ثمن الشاي مثلا قبل أن تشربه، فأنت تشتري طعامك قبل أن تجلس ~~لتناوله، وعندما يدعو الإنجليزي صديقه لتناول مشروب فإنه يفعل ذلك متوقعا رد الدعوة، ~~والشائع أن يشتري كل فرد ما ms426 سيشربه ثم يجالس صديقه مع ما اشتراه من مشروب. # كان نظام الوكلاء وما يزال أساس تعامل الكتاب والفنانين مع أجهزة النشر والأجهزة ~~الفنية، وقد فكرت طويلا قبل أن أندفع في ذلك الطريق، خصوصا بعد أن وصلني في منتصف ~~نوفمبر رد إيجابي من الوكيل، وكان يتضمن عرضا بتوقيع عقد لمدة ثلاث سنوات! وقرأت ~~في ذيل الخطاب أن القصة، وكان عنوانها «الكمال» ~~(Perfection) ~~«قيد التحرير حاليا» فسألت توم هيتون الذي سبق أن خاض ~~تجربة نشر كتاب له فقال إن التحرير معناه إعداد النص للنشر ولو اقتضى ذلك بعض ~~التعديلات، وهي تعديلات قد لا تقتصر على اللغة، وهي مما يقبل به الجميع، حتى مشاهير ~~الكتاب وأعلامهم! # 3 # كان التحول الثالث هو ارتفاع سعر البترول حتى وصل إلى خمسة دولارات للبرميل في ~~نوفمبر بسبب إعلان الدول العربية استخدام سلاح البترول للضغط على إسرائيل بصورة غير ~~مباشرة؛ فالضغط على الغرب يؤدي إلى الضغط على إسرائيل، فكان قرار تخفيض إنتاج البترول ~~العربي بنسبة 10٪ كل شهر حتى تستجيب إسرائيل! وسرعان ما تكهرب الجو! فبعد ارتفاع سعر ~~البترول عاد الحديث عن الفحم مصدرا بديلا للطاقة، وقام عمال مناجم الفحم بقيادة ~~هيو سكارجيل # Hugh Scargill # بمطالبة الحكومة برفع ~~أجورهم، وهدد العمال بالإضراب، وظهر إدوارد (تيد) هيث # Heath # رئيس الوزراء على التليفزيون وهو يهدد ويتوعد، وقال إن حكومة ~~المحافظين لن تسمح أبدا للعمال بالضغط على الحكومة، وكانت ألفاظه الغاضبة وصوته ~~الغليظ من العوامل التي أثارت الرأي العام ضده، وكان ذلك درسا طريفا؛ فالإنجليز ~~يحبون الالتفاف والتفاوض والتلاعب ويكرهون المواجهة والتصادم! وهذا أيضا من صفات ~~المجتمع التجاري! وعلى أي حال، ما إن حل ديسمبر حتى كان سعر البترول قد تضاعف من ~~جديد، وبدأ العالم يحسد العرب على الثروة التي هبطت عليهم من السماء! # ولا أذكر المناسبة التي دعتني إلى هبوط لندن، وكان ذلك في أوائل ديسمبر، ولكنني ~~أذكر أن البرد كان شديدا والشمس ساطعة حين انتهى بي المسير إلى مطعم الإذاعة (في # Bush House ~~) وعندما دخلت وجدت ما يشبه الاجتماع ~~حول ms427 مائدة، وفيها وجوه أعرفها خير المعرفة، واطمأن قلبي حين رأيت عبد اللطيف الجمال ~~- مصادفة غريبة! - ف «اشتريت» الغداء وذهبت إلى «الشلة». # في المنزل رقم 21 شارع داربي إلى جانب المصنوعات الخشبية (الهواية ~~الجديدة). # ومن الحوار المتناثر فهمت القصة، قبل أن يرويها عبد اللطيف لي بالتفصيل، ماذا حدث؟ ~~بدأت القصة منذ سنوات عديدة عندما شارك المصري - صديقنا إدجار فرج (الصعيدي الشهم) - ~~إنجليزيا يدعى (يدعى ما يدعى، ماذا يعني الاسم - على حد قول صلاح عبد الصبور)، ~~في إنشاء مكتب للخدمات الإعلامية (الصحفية) والترجمة. لم يكن مسموحا لإدجار فرج آنذاك ~~(لأنه أجنبي) بممارسة الأعمال الحرة، أما ابن البلد فمن حقه بالطبع أن يمارس أي عمل ~~يريد، وهكذا أنشئ المكتب الذي سبق لي أن أشرت إليه، وسبق للكثيرين من الدارسين أن ~~عملوا فيه بالترجمة (بالقطعة) وكان كالواحة في قلب الصحراء حين تخلو الأيدي من النقود، ~~وكان جميع الجالسين حول تلك المائدة ممن رووا عطشهم بنقود إدجار فرج. # كان المكتب مسجلا باسم الإنجليزي فقط (طبعا) ولكن العمل كله كان في يدي إدجار، ~~وقد اشتهر بكفاءته وإخلاصه النادر، وكان ما يهمنا نحن هو كرمه وطيبة قلبه، فكان أخا ~~كبيرا لجميع الدارسين المملقين، وأذكر أنني دخلت المكتب أول مرة مع عبد اللطيف ~~الجمال، وكان المطلوب ترجمة نشرة خاصة بتشغيل سيارة جديدة من الإنجليزية إلى ~~العربية، وتناولها عبد اللطيف ونظر فيها ثم قال: إيه القرف ده؟ يعني إيه # road-fouling ~~؟ فضحك إدجار وقال له: بلاش! خد انت دي ~~(وكانت مقالا قصيرا عن الشعر الإنجليزي الحديث) فقبل وخرجنا، وعندما عدت إليه في ~~اليوم التالي بالترجمة وضعها على المكتب وظل يتأملها حتى جاءت السكرتيرة ومعها ~~الشيك! كان قد أمر بإصدار الشيك حتى قبل أن يقرأ ترجمتي بل قبل أن يتسلمها. # وكنا نلتقي أحيانا في نادي الإذاعة أيام عملي في كوينز هاوس ونناقش السياسة أو ~~الشئون العامة، وكان كثيرا ما يسترسل في قصصه عن طفولته وقد طال به البعد عن مصر، ~~فكانت تمثل لي واحة أخرى في تلك الصحراء، وربما كنت أحبه ms428 بصفة خاصة؛ لأنه كان ~~يذكرني بأحد أقاربي وهو الرشيدي الذي كانت هوايته صيد الأفاعي! # أما شريكه في المكتب فكل معلوماتي عنه مستقاة ~~من المرحوم الدكتور مجدي وهبة الذي ذكر لي أنه كان يعمل في المخابرات البريطانية في ~~مصر أثناء الحرب العالمية الثانية، وأنه تمكن أثناء فترة إقامته من تعلم اللغة ~~المصرية الدارجة، وأصبح يجيدها مثل أهلها، فهذا ما أكده لي عبد المنعم سليم، الكاتب ~~المشهور، في لندن، ولم يقدر لي أن ألتقي به حتى الآن، وقد حدثني عنه الدكتور عز ~~الدين إسماعيل، وقالت لي الدكتورة لبنى عبد التواب يوسف إنه كان في ضيافة والدها ذات ~~يوم وأسهب في انتقاد اللغة الإنجليزية التي يتكلمها المصريون ويكتبونها، واختص ~~بحديثه مجدي وهبة ولويس عوض. وقالت لبنى إنها انزعجت وقالت له لا بد أن يكون هناك ~~لبس ما، ولكنه أعاد الكرة مما أغضب الحاضرين. # وعندما ذهب إدجار فرج في يوم الإثنين السابق إلى المكتب وجد سكرتيرة جديدة، فألقى ~~عليها التحية واتجه إلى غرفته كالمعتاد فسألته عما يريد، فضحك وقال لها إنه ذاهب إلى ~~مكتبه، فقالت له: أي مكتب يا سيدي؟ أنا لا أعرفك! وضحك إدجار وقال لها: أنا الذي لا ~~أعرفك؛ فأنت جديدة وهذا مكتبي من عشرين سنة! فنهضت الفتاة واستدعت الحارس الذي ~~تولى إخراج إدجار فرج (بالذوق) بدلا من أن يستدعي «الشرطة»! # ووقف إدجار على الباب حائرا ينظر إلى المكتب. لم يتغير شيء. اللافتة ما تزال ~~موجودة، رقم المنزل 14 شارع شيرينجهام، والبناء المقابل لم يتغير! وفكر إدجار ~~قليلا وانتهى إلى أنه كابوس، فقرص نفسه ليتأكد أنه يقظ، ثم حاول من جديد دخول ~~المكتب لكن الحارس تصدى له هذه المرة من الخارج وأسمعه ما لا يحب أحد سماعه، ~~فانصرف. # وحاول إدجار أن يعثر على شريكه طول النهار عبثا، واتصل بكل معارفهما فلم يجده في أي ~~مكان، وقال ربما ترك لي رسالة في مكان ما، فطاف بجميع الأماكن التي تصور وجود ~~الرسالة فيها ولكن سعيه خاب فعاد إلى المنزل وهو يحاول جاهدا تصديق ما ms429 حدث، وبعد ~~جهد استطاع النوم، وفي الصباح اتصل تليفونيا بالمكتب (فهذا أصون للكرامة من الطرد ~~إذا ذهب بنفسه) فردت عليه السكرتيرة، وطلب منها الحديث مع رئيس المكتب فقالت إنه لم ~~يصل بعد، وعاود الاتصال حتى جاءه صوت غريب، وبعد مناقشة هادئة فهم إدجار فرج أن من ~~يحادثه قد اشترى المكتب من صاحبه الإنجليزي منذ مدة، وأن الاتفاق كان أن يتسلمه ~~بالأمس (يوم الإثنين) غداة سفر المالك الأصلي إلى الخليج؛ حيث يبدأ العمل هناك في مكان ~~ما. وشرح إدجار فرج كل شيء للرجل على التليفون، ولكن الأخير اعتذر وقال له إنه يستطيع ~~أن يقاضيه إذا شاء، ولكن كل أوراقه صحيحة، وموقفه القانوني لا غبار عليه. # وأصبح إدجار فرج معلقا في الهواء! كان المكتب كل حياته. والغريب أن شريكه لم ~~يؤجر المكان بل باع الشركة ~~(the firm) # أي المؤسسة ~~التجارية كلها إلى ذلك الغريب! لم يكن أمام إدجار إلا أن يلجأ إلى القضاء؛ فالحق في ~~جانبه، وسوف ينصفه القضاء، ولكن تكاليف القضية باهظة وقد تستغرق سنوات وسنوات، ~~وفكر في أن يلجأ إلى أصدقائه المصريين يطلب المشورة (على الأقل) ولكن كرامته الصعيدية ~~أبت عليه أن يضع نفسه في هذا الموقف، فاعتكف في منزله، ولم يطل اعتكافه إذ «طب»، ~~عليه محمود حسين دون موعد، كعادته، وسمع القصة ولم يلبث أن استنفر الناس لذلك ~~الاجتماع! # وقلت في نفسي: ما أسعدني إذ جئت أيضا على ~~غير موعد لأمد يدي إلى جابر عثرات الكرام! واتفق الجميع على تقديم سلفة مبدئية ~~لإدجار حتى تقيله من عثرته، وضربنا موعدا في اليوم التالي، وأتينا بالنقود ولكن ~~أهم ما اتفقنا عليه كان فكرة عبقرية تفتق عنها الذهن الذي دبر عبور قناة السويس ~~بالدبابات! جئت متأخرا إلى الموعد فوجدت أن القاعة الصغيرة في نادي الإذاعة أصبحت ~~قاعة مصرية، وأن الفكرة التي طرحت تتلخص فيما يلي: ما دامت الشركات التي تتعامل مع ~~المكتب لم تتعامل إلا مع إدجار وتعرفه جيدا، فهو يستطيع إذا أنشأ شركة جديدة باسمه، ~~وقد غدا ذلك ممكنا قانونا بعد ms430 حصوله على الإقامة الدائمة، أن يعود للتعامل معها، ~~ولا شك أن الثراء الذي هبط على العرب سوف يزيد من حجم التعامل معنا. واتفقنا أن علينا، ~~ريثما يتحقق ذلك، أن نمتنع عن التعامل مع الشركة الجديدة (القديمة) وأن يتبرع كل ~~منا بجهد ترجمة شيء ما للإذاعة العربية تقدم باسم إدجار فرج، وفوجئنا عند هذا ~~الاقتراح بأصوات عربية أخرى غير مصرية تقول ونحن معكم! كان إخواننا العرب من غير ~~المصريين قد سمعوا الخبر فجاءوا ليساندونا، وبلغ بي التأثر مبلغه فطفرت من عيني ~~دموع، وعندما مسحتها سمعت من يهمس لي بلهجة غير مصرية: «إيش كنت بتفكر؟ إدجار ~~ابن غربة مثلنا!» # وسرعان ما اندمل الجرح وعاد إدجار فرج للعمل، وظلت الحادثة بملابساتها حاجزا ~~نفسيا يمنعني من معرفة «صاحبه» الإنجليزي، ودليلا على أننا مهما اغتربنا فسوف نظل ~~نحمل الوطن في أعماقنا. # 4 # لا أذكر متى كتبت قصتي الثانية وعنوانها ( # Baby ~~) وفيه ~~تورية؛ فهو يعني «رضيع» أو «حبيب»، وكانت على عكس القصة الأولى تتضمن سخرية أليمة ~~من ولع الإنجليز بالكلاب، والواضح أنني كنت أحاول أن أثبت لنفسي فيها إحاطتي ~~التامة بالثقافة الغربية، وربما كتبتها من وجهة نظر غربية أيضا، ولكن الذي أذكره ~~جيدا أنني كتبتها في جلسة واحدة، وبمتعة غريبة، كأنما كان شخص آخر هو الذي يكتب! ~~كنت أعرف أن القصة ليست مجالي، ولكن «المادة القصصية» الحية كانت أحيانا تفرض نفسها ~~علي، وعندما وصلني خطاب الوكيل وبه العقد كنت، على فرحي، أشعر بالضيق لأنه ~~يلزمني بإنتاج لا أضمن أن أنتجه! وأبقيت الأمر سرا، ولم أوقع العقد، ولم ~~أطلع عليه أحدا سوى سمير سرحان عندما زارني في يوليو 1975م! # وقررت أن أجمع العالمين اللذين أعيش فيهما معا، فدعوت زملاء الجامعة وزملاء ~~مكتب الأخبار إلى عشاء في منزلنا، تكون الأطباق فيه شرقية محضة، وعلى رأسها الكباب، ~~وكنت قد تلقيت خطابا من نهاد تقول لي فيه إنها ستعود مع سارة «على رأس السنة» أو ~~حرفيا ( # by the New Year ~~)، فحددت يوم 19 يناير ~~1974م وكان يوم سبت للمأدبة، بحيث ms431 تكون احتفالا بعودة الأسرة، وعودة الأستاذ ~~المشرف، ووداع العالمين جميعا؛ إذ كنت قدرت أن تكون مناقشة الرسالة في أوائل ~~الفصل الدراسي الثاني، وأن نرجع جميعا إلى مصر إما في الربيع أو في أول الصيف. ~~وأعلمت الأصدقاء بذلك وكتبت بالموعد إلى نهاد فجاءني الرد في نحو منتصف يناير بأنها ~~لم تحصل بعد على عمل، وأنها تفضل أن تنتظر حتى تحصل على عمل، وأنها عندما قابلت ~~الدكتورة فاطمة موسى رئيسة القسم عرضت عليها التدريس في معهد التمريض، وكتبت إليها ~~أطلب أن تتجاهل موضوع العمل وأن تعود هي وسارة في أقرب فرصة. # واتصلت بتوم هيتون أقول له إن نهاد سوف تتأخر - وما العمل؟ فقال لي سوف أرسل إليك ~~جاكي (وكان قد تزوجها في ديسمبر حتى يتمتع بالإعفاء الضريبي العائلي حسبما قال لي) ~~للمساعدة في ترتيبات المأدبة. لم يكن هناك مجال للتراجع؛ فعدد المدعوين كبير، ~~وبعضهم من معارف نهاد بل وأخص أصدقائها مثل وندي # Wendy # الأمريكية التي كانت زوجة لأحد زملائنا واسمه جون إليوت # Elliott # وصديقة لزميل آخر يدعى # Eliot # أيضا، وكنا أنا ونهاد نتندر بذلك! ومثل ~~مارجوري التي كانت تقيم مع شاب يدعى بول، ويتنافسان على لقب «أبخل» أهل إنجلترا، ~~ومثل جواد مطر العراقي زوج باميلا الإنجليزية، وكان يسمي نفسه جو # Joe ~~، وكان المعروف أنه خدع الحكومة البريطانية فزعم أنه ~~أصغر من سنه الحقيقي بعدة سنوات حتى يظل في العمل بعد سن التقاعد، وكانت زوجته ~~محررة في القسم الإنجليزي، وكان هو صديقا لفتاة إنجليزية التحقت مؤخرا بمكتب ~~الأخبار (لا أذكر اسمها) وكانت تتميز بالطيبة التي نعتبرها من قبيل البلاهة في ~~بلادنا، إلى جانب أستاذي وزوجته شارلوت، وأستاذه باراز وزوجته ديانا إلوين جونز، ~~والدكتور فلتشر وصديقته التي كان يسميها بوبي # Booby ~~(أي ذات الصدر الضخم) ولذلك كنت أتمنى أن تكون نهاد معنا. # وفي يوم الجمعة ذهبت إلى السوق وطلبت من الجزار مقدارا ضخما من اللحم ~~العجالي وشرحت له أنني بصدد إعداد حفل شواء في الحديقة، فانهمك في تقطيع اللحم، ~~وإذا بسيدة تقف إلى جواري ms432 تقول لي: هل قلت حفل شواء في الحديقة؟ فأومأت فقالت: «في ~~يناير؟ سيموت الضيوف من البرد!» ولكنني شرحت لها أن الموقد ضخم والنار ستكون بمثابة ~~مدفأة ، فاندفعت تقدم لي النصائح التي لم أطلبها، ولسان حالها يقول: هذا أجنبي ~~ساذج يثق في الطقس الإنجليزي! ثم اشتريت اللوازم الخاصة بتتبيل اللحم وإعداد أنواع ~~السلاطة الشرقية، والأرز والمكسرات التي ستخلط به بعد تحميره، إلى آخر ذلك من التوابع، ~~وعدت محملا بهذه الأشياء فوجدت جاكي في المنزل؛ إذ كانت تعرف أين أضع مفتاح ~~المنزل عند الخروج (لأنني كنت أتركه للخادمة «سو» التي تتولى تنظيف المنزل) ووجدت ~~معها فتاتين من تلميذاتي السابقات هما كولينيت وماري! وقالت كولينيت، وكانت قصيرة ~~نحيلة، إنها سمعت أنني أحتاج لمساعدة فأتت بصديقتها ماري - وهما «تحت أمر» جاكي! ~~ولم أحاول أن أعرف مصدر تلك «المعلومات» فالثرثرة وتناقل الأخبار من فم لفم ~~( # on the grapevine ~~) هي القاعدة في الريف، ولكنني ~~حددت ما ينبغي فعله فيما يتعلق بإعداد الأثاث لاستقبال الضيوف، ثم إعداد ~~المأكولات (إعداد الموقد ووضعه في مكان مناسب بالحديقة، وتنظيف الخضر والفاكهة ~~وإعدادها ... إلخ). وعندما انتهى الجميع انصرفن وهن يتوقعن أن أدعوهن للمأدبة في اليوم ~~التالي، ولكنني لم أفعل، وانتهى اليوم «على خير». # مارجوري صديقة د. نهاد صليحة. # كان الموعد في السابعة، وكانت جاكي مع توم زوجها أول من حضر، فتركنا النار تدب ~~في الفحم، وكانت السماء ملبدة بالغيوم والمساء عاصفا، ولكن درجة الحرارة كانت فوق ~~الصفر ولم يتساقط الثلج أو المطر، فتفاءلت، وتناوبنا التهوية على الفحم وإن لم يكن ~~بحاجة إلى ذلك، وبدأ الضيوف يتوافدون، وبدأت رائحة الشواء الشرقي تتصاعد، وكان نظام ~~المأدبة حرا؛ أي كان على كل ضيف أن يتقدم بنفسه لأخذ ما يريد من الطعام، وجاكي ~~ترشدهم، وكان باب المنزل نصف مفتوح إذ كان بعض الضيوف لديهم عمل ذلك المساء (نشرة ~~أخبار مثلا) فكانوا يذهبون بسياراتهم لقضاء العمل والعودة. وفي نحو التاسعة التأم ~~الشمل ولكن اختلاف «العالمين» جعل الأحاديث تميل إلى أن تكون «ثنائية»؛ فالأستاذ ~~الجامعي يسأل المذيع ms433 أو المحرر عن الأخبار التي لا يعرفها، والصحفي يسأل الأستاذ عن ~~سياسة حزب المحافظين المعادية للجامعات وهكذا، وفجأة وجدت ديانا تناديني لتعرفني ~~بشخص لم أره داخلا - إذ قالت بنغمة ذات دلالة: «هذا هو ريتشارد دارنيل «الوكيل!»» ~~- وصافحته مرحبا والمصافحة عادة منقرضة عند الإنجليز، ويشار إليها بتعبير ~~( # the rare British handshake ~~) وما زلت أكرهها ~~وأحاول تجنبها (عبثا) حتى اليوم. وسمعت صوتا نسائيا لا أعرفه يقول من وراء ~~ريتشارد: «لسنا وحوشا لهذه الدرجة يا محمد!» ونظرت فإذا بامرأة تقدم بها العمر، ~~وتكاد لكثرة المساحيق على وجهها أن تلبس قناعا، وحدست من تعلقها بذراع ريتشارد ~~أنها زوجته، ولكنني لم أفهم ما قالته، فسألتها في دهشة عما تعني فقالت إنها قرأت ~~القصص التي أرسلتها إلى المكتب؛ فهي محررة أولى (كبيرة محررين؟ # senior editor ~~) وأنها تعترض على تصويري للإنجليز في صورة «بعابع» ~~(جمع بعبع # ogre ~~) أو وحوش ~~شائهة # monsters ~~، وبدأنا الحوار غير المتوقع والذي استمر ساعات ~~طويلة. # يبدو أن ديانا أدركت أنني أتردد في التعاقد مع الوكيل خوفا من المحررين الذين ~~«يغيرون» كلمات الكاتب، بل ويتدخلون أحيانا في صلب القصة أو الرواية، فدعت ميلاني ~~كبيرة المحررين حتى تزيل مخاوفي بنفسها، مع الوكيل (صاحب المكتب) الذي كان طاعنا في ~~السن، ولم يكونا - على عكس ما حدست - زوجين. ودار الحديث عن مدى الحرية التي يتمتع ~~بها المحرر في تغيير النص الأدبي وسمعت منها ما أكد مخاوفي بدلا من أن يزيلها. ~~قالت ميلاني: ~~«أنا أعرف تماما ما يخشاه محمد! إنه يخاف على أسلوبه مثلما فضل جوزيف كونراد أن ~~«يستغني» عن «خدمات» المراجعين والمحررين ويخرج إلى العالم بأسلوبه الخاص الذي أصبح ~~علما عليه! ولكن زمن كونراد قد انقضى! نحن الآن في عصر انفجار المطبوعات ~~(publication explosion) # وتكاثر المواد ~~المقروءة (أو مواد القراءة) إلى درجة المرض ( # a plethora of reading ~~matter ~~) ودور النشر مؤسسات تجارية لا بد أن تحافظ على ~~نجاحها المالي ( # viability ~~) وإلا أغلقت أبوابها وسادت ~~البطالة حتى بين الكتاب؛ ولذلك فعيوننا دائما على السوق؛ الكتاب الرائج ~~(best seller) ms434 # هو المثل الأعلى، وقد ترى من ~~موقعك في الجامعة أن هارولد روبنسون ليس كاتبا نابها بل وربما لم يدرج في قوائم ~~الأدب المعتمد ( # the canon ~~) أبدا، وربما ظل مصيره ~~مصير سومرست موم، ولكنه مصدر رزق دار النشر التي قد تجازف بنشر أعمال لكتاب ~~جدد يعتزون بأساليبهم، وقد تخسر بعض هذه الكتب (وكانت كلمة كتاب في سياق حديثها ~~تعني رواية) والناشر يغطي الخسارة بالربح من الكتاب الرائج؛ فهي كما ترى عملية ~~موازنة تجارية في المقام الأول.» # وكنت أصغي باهتمام وأذني تسجل كل كلمة حتى أستطيع الرد؛ فأنا لا أومن بأن الثقافة ~~تجارة بل رسالة، وربما كان لخلفيتي المصرية دور في هذا الموقف، ولكنني حاولت ~~دحض حجتها من واقع منطقها نفسه، فقلت لها إذن لن يكتب لأديب ذي أسلوب ~~متفرد أن يظهر من خلال دور النشر الحالية! وكأنما كانت تتوقع السؤال جاء ردها ~~سريعا: ~~«بل لا بد أن يظهر أمثال هؤلاء، ولكنهم لا بد أن يحققوا مبيعات كافية تكفل لهم ~~البقاء بين كتابنا (تقصد المتعاقدين مع الوكيل)، أما إذا لم يحققوا هذه المبيعات ~~فسوف يكون ذلك نذيرا بعدم تجديد العقد!» # وسألت: «وعليهم أن يكفوا عن الكتابة .. وعن النشر؟» فقالت: «نحن لا ننصح أحدا ~~بالكف عن شيء، ولكن نقادنا يتيحون الفرصة للموهوبين فقط، وأما الأعداد الهائلة من ~~المخطوطات التي ترد إلينا ولا تنم عن موهبة صادقة فنحن غير مسئولين عنها، ونحن لا ~~نتدخل بالنصح والإرشاد إلا لمن نشتم لديهم قدرا معقولا من الموهبة، وهؤلاء هم ~~الذين نتيح لهم الفرصة مرة أو مرتين، فإذا لم ينجحوا نفضنا أيدينا من ~~المسئولية!» # وقلت بصوت خفيض: «مع أنهم موهوبون؟» فقالت: «مع أنهم موهوبون! الموهبة يا محمد ليست ~~موهبة أسلوبية أو أدبية كما علمنا أساتذتنا في المدرسة (وكانت تقصد بالمدرسة مراحل ~~التعليم كلها)، بل هي - من وجهة نظرنا - القدرة على الوصول إلى الناس! فإذا سألتني «من ~~الناس؟» قلت لك لا أعرف! ولكن الناس هم القراء، هم أنت وأنا والبواب والسكرتيرة ~~والطاهية وعامل المصعد! ستقول لي إنهم لن يتذوقوا ms435 الشعر، ولن يشتروا الدواوين، وسأقول ~~لك إننا لهذا السبب لا ننشر الشعر!» وسألت بنفس اللهجة: «والمسرح؟» وردت: «ولا ~~ننشر المسرح قطعا! المسرحيات تكتب للتقديم على خشبة المسرح، وهناك وكلاء متخصصون ~~في نشر المسرحيات، وغالبا بعد تقديمها على المسرح!» # وتدخل ريتشارد ضاحكا في الحوار فقال: «لا تصدق يا محمد! فلقد نشرنا ديوانا ضم ~~شعر المحدثين في بريطانيا!» فأسرعت ميلاني تقول: «لم أكن أنا الذي أوصيت به، وانظر ~~ما جر علينا من متاعب مع دار النشر!» وعاد ريتشارد يقول: «إنهم يهولون المسائل؛ ~~فلم يطبعوا إلا عشرة آلاف نسخة، ولم تكن صفقة الشعر تمثل واحدا في المائة من مجموع ~~الأعمال ( # turnover ~~) ولم تكن الخسائر تذكر!» وقالت ~~ميلاني، كأنما لاستكمال العبارة: «رغم بيع النسخ كلها!» # وعدت أسأل بعد أن نهضت لإحضار فناجين القهوة التركي ووضعها على المنضدة ~~الصغيرة، وبعد أن انضم إلينا المشرف سالفسن وزوجته: «وهل تتدخلون ل «تحرير» الشعر ~~أيضا - أقصد إذا نشرتموه أصلا؟» ويبدو أن السؤال قد أثار أحزان أستاذي فضحك ضحكة ~~عصبية وقال: «لا تستبعد ذلك يا محمد! إنهم يحررون كل شيء!» وقالت زوجته شارلوت: «إن ~~كريس يحاول نشر ديوان صغير منذ عامين، ودور النشر تقول إنه أصغر مما ينبغي! ~~(too little) ~~» وقال ريتشارد: «لم لا تطبع ~~منه طبعة تجريبية ~~(pilot edition) ~~؟» وسألت: «تقصد ~~طبعة محدودة؟» وقال أستاذي «قد أفعل ذلك إذا سدت جميع الأبواب في وجهي!» وقلت من ~~باب تخفيف الجو الذي أصبح يكتسي طابع الجد: «بشرط أن تكون طبعة غير محررة! ~~(unedited edition) ~~» وضحكنا. # وعندما حان موعد انصراف الضيوف همست لي ديانا: «لا تصدق ميلاني! إنها لم تغير ~~حرفا واحدا في قصتك، لكنها سترسل لك خطابا تقترح فيه تغيير العنوان!» وأثارني هذا ~~الاقتراح - وقلت لها إن العنوان جزء لا يتجزأ من القصة، بل هو عنصر من عناصر الدلالة ~~- فضحكت، ولوحت بيدها مودعة وخرجت هي وزوجها مع ريتشارد وميلاني قبل الجميع؛ ~~لأنهم كانوا سيرجعون إلى أوكسفورد بالسيارة، وهي رحلة «باردة» في يناير! # ولم ينفض السامر قبل الحادية عشرة، وقد كتب ms436 لجميع الذين استمروا معي أن ~~يعودوا إلى المنزل، بل وأن يعتادوا زيارتنا بعد رجوع نهاد، وأن يسمروا معها، مع إضافة ~~صديقة أو صديقتين (برئاسة إدا توماس!). # وفي هدأة صباح الأحد سمعت رنين جرس الباب، وتصورت أن الغلام الذي يحضر الصحف ~~يريدني لأمر خاص، فهبطت الدرج مسرعا، وعندما فتحته بحذر (فالبرد قارس) وجدت ~~هاري فيلدز ~~(Harry Fields) # أحد زملائنا المترجمين ~~واقفا، فأسرعت بإدخاله، وأغلقت الباب. وهرعت إلى المطبخ لإعداد القهوة، وبينما أنا ~~منهمك في إعدادها تناهت إلى سمعي صرخات من منزل هاري؛ إذ كان يقيم إلى جوارنا، وتركت ~~المطبخ وخرجت (دون أن أكون قد أفقت تماما) لأستفسر من هاري عن سبب الصراخ، فأشار ~~بيديه إشارات فهمت منها أنه يائس ومنهار، فتركته وذهبت إلى الحمام ووضعت رأسي ~~تحت الدش الساخن، وارتديت ملابس الشتاء الثقيلة، ونزلت فقدمت القهوة لهاري، ونظرت ~~بسرعة في صحف الصباح (فصحف الأحد صفحاتها كثيرة وتتطلب ساعات طويلة من القراءة ولو دون ~~تركيز!) ثم أحضرت قهوتي وجلست ولسان حالي يقول: «اصطبحنا!» # 5 # ولد هاري فيلدز في مصر إبان الحرب العالمية الثانية لأب إنجليزي وأم إيطالية، ~~ودخل مدرسة فرنسية (في منطقة قناة السويس - لا أدري أين)، فنشأ يعرف عدة لغات ~~ويتكلمها جميعا بلهجة إيطالية! وكان يذكرني بالخواجات الذين كنت أشاهدهم في ~~الإسكندرية والقاهرة في أوائل الخمسينيات، باستثناء هام وهو أنه كان أسمر الوجه، يميل ~~إلى السمنة، ويستخدم يديه كثيرا أثناء الحديث، وكان طيب القلب ويحب العمل ولا يتذمر ~~أبدا منه (وهي الصفة التي نطلق على صاحبها في مصر - بكل أسف تعبير «حمار شغل»)، وكان ~~له طفل جميل يدعى مايكل أصيب بمرض خبيث في المخ وأجريت له عملية وشفي وإن كان ~~مظهره قد تغير، أما زوجته فكانت مصدر الصراخ في ذلك الصباح - وقصتها مؤلمة. # كانت روزانا إيطالية قحة، لا تعرف الهمس، ولا تعرف ضبط النفس، وكانت تحب التعبير ~~عن آرائها بصراحة يجدها الإنجليز مبعثا للحرج الشديد، وكانت لغتها الإنجليزية محدودة ~~ومع ذلك فهي تعتبرها ( # perfect ~~) على حد تعبيرها، وكانت ~~تعطيني دروسا خاصة ms437 في اللغة الإيطالية (الساعة بجنيه واحد) ولكنها كانت تعاني من ~~مرض لا أعرفه، وكانت قد ذكرت عرضا ذات يوم أنها أصيبت بمرض التهاب الغشاء السحائي ~~(meningitis) # وشفيت منه في الماضي، ~~وكان هاري يعتبرني صديق العائلة، ويفضي إلي بأسراره، كما كانت زوجته لا تثق في ~~سواي، وكنا نناديها باسم مختصر هو روزا، والذي حدث ذلك الصباح وتسبب في الصراخ ~~حادث يتكرر من حين لآخر؛ ولذلك لم يكن هاري بحاجة إلى الإفاضة فيه، وكانت إشارات يده ~~كافية للدلالة عليه. # كان أول حادث من هذا النوع قد وقع وأنا بعد في لندن؛ إذ قطعت روزا درس الإيطالية ~~وفاجأتني بإنجليزية مزعجة قائلة: «هل تعرف كلبة من كلاب مكتب الأخبار ترضي غرائز ~~الكلب الذي يعيش معي؟» وأصابني الوجوم التام. لم أفهم ما تعني، أو فهمت ولم أصدق ما ~~فهمته، فلزمت الصمت. وعادت تقول: «أرجوك اشرح له بالعربي الفصيح أنني مريضة ولم أعد ~~أصلح.» فغمغمت غمغمة لا معنى لها سوى تغطية حرج موقفي؛ ومن ثم اندفعت تقول: «إن ~~هاري حيوان! أنا لا أصدق أنه مصري! هل تصدق أنه يشتهيني؟ هل تصدق أنه يحاول أن ~~(..) ...» وكان علي في ذلك اليوم أن أنصرف معتذرا بأنني لدي موعد مهم. أما ذلك ~~الصباح، فيبدو أن هاري أعاد الكرة. # وبعد أن شربنا القهوة أشرت إلى بعض أنباء الصحف، وأهمها إضراب عمال الفحم (أو ~~تهديدهم بالإضراب) واشتداد الأزمة بين رئيس الوزراء ورئيس نقابة العمال، ولكنه كان على ~~غير استعداد للنقاش، وفضلت أن أقرأ الصحف في صمت، وأن أعرض عليه الصحيفة التي ~~قرأتها حتى يلقي عليها نظرة أو يقرأ شيئا يصرف ذهنه عن صراخ الصباح، وكنا في ~~الضحى في الحقيقة، وكان علي أن أحاول ترتيب المنزل قبل أن تأتي «سو» للتنظيف في ~~الصباح؛ ومن ثم تركته وقمت للعمل، وانتهيت من ذلك وقلت له إنني لا بد أن أكتب ~~أشياء معينة، فإذا شاء بقي وإن شاء رحل. وكان يريد البقاء. # وكان يمكن أن يمر يوم الأحد في هدوء، لولا أن بدأ المطر ينهمر، وكان ms438 من نوع أمطار ~~الشتاء الخفيفة المتواصلة، وكان ذلك معناه أن أرفع بقايا الموقد من الحديقة وأن أضع ~~كل شيء في الكوخ الخشبي الصغير المقام في آخرها والذي يستخدم لتخزين أدوات ~~«البستنة»، فأسرعت إلى الحديقة أعمل وحدي وهو جالس لا يتحرك، ينظر في الصحف بعين ~~زائغة وقد أخذ منه الهم مأخذه، وكانت السماء ملبدة بالغيوم وتنذر بأمطار ~~متواصلة طوال اليوم، فقلت في نفسي هذا هو ما يصوره الروائيون للإيحاء بتجاوب الطبيعة ~~مع مصائب البشر! # وبعد حوالي ساعة جاء مايكل (ابن هاري) ليقول لأبيه إن والدته سقطت مغشيا عليها ~~وإنه قد استدعى سيارة الإسعاف، ولم يكد ينتهي من كلامه حتى وصلت السيارة، فأسرع هاري ~~خارجا، واضطررت إلى الخروج معه في المطر، وكان رجال الإسعاف قد دخلوا المنزل ~~وفحص أحدهم «روزا»، وعندما وصلنا كان يتكلم في التليفون (ربما مع المستشفى) وسرعان ما ~~حملها اثنان منهم، وكانت قد أفاقت من الإغماء، وذهب الجميع. # فلم أستطع التركيز بعد رحيل السيارة، وفي نشرة الواحدة ظهرا سمعت أنباء الاتجاه إلى ~~لوم الرئيس الأمريكي نيكسون # impeachment # مما يعني ~~عزله من منصبه بتهمة التواطؤ في التجسس على مقر الحزب المنافس أثناء الحملة ~~الانتخابية، وأنباء إضراب العمال (عمال المناجم) واتجاه رئيس الوزراء البريطاني إلى ~~«مواجهة» العمال بقصر ساعات العمل في الأسبوع على 21 ساعة (ثلاثة أيام بدلا من خمسة)، ~~وتوفير الطاقة الكهربائية بإطفاء أنوار الشوارع، وإغلاق البث التليفزيوني في العاشرة ~~والنصف، وكان ذلك كله نذيرا بما أسماه المعلقون «الأيام المظلمة» القادمة، والتي ~~كانوا يتهمون العرب بالتسبب فيها (بسبب رفع أسعار البترول). # وفي المساء اتصلت تليفونيا بهاري لأطمئن على زوجته، فقال باقتضاب إنها بخير، ورغم ~~أن المرض (أي مرض) لا يحتمل الهزل، فقد ضحكت حين قال بالعربية المصرية: «الكلبة تمام ~~التمام.» فقلت له بالعربية «سلامتها» فغمغم ووضع السماعة. ولم أكد أضعها وكنت ~~واقفا أنظر من شباك المطبخ (الدور الأرضي) إلى الساحة التي تفصل بين المنازل في ~~المنطقة السكنية، حتى رن التليفون، وعندما رفعت السماعة، كان المتحدث رجلا ~~إنجليزيا أجش الصوت، قال ms439 إنه شاويش في البوليس، ويريدني أن أحضر لترجمة شيء ما. ~~قلت له إذن أرسلوا سيارة، فسألني عن العنوان فأعطيته له وارتديت ملابس ~~الخروج. # عندما دخلت مخفر الشرطة لأول مرة في حياتي وجدت مكتبا لا يختلف عن أي مكتب حكومي ~~- موظفون، سكرتيرات، آلات كاتبة، تليفونات - ولا علاقة له بما نراه في السينما. ~~وقفت حائرا نحو خمس ثوان، وقبل أن أتجه إلى الاستعلامات، لمحتني شرطية سوداء ~~فجاءت باسمة وقالت أنت مستر عناني؟ فأومأت وسرت معها حتى دخلنا مكتب الشاويش، وهو ~~الرئيس المناوب (النبطشي = النوبتجي) للمكتب يوم الأحد. وسألته: ما الخبر؟ فقال لي: ~~عربي متهم بالاغتصاب! وقلت في نفسي «هذه هي الكارثة!» وتلفت حولي باحثا عن شكل ~~عربي فلم أجد أحدا، واستمر الشاويش في الحديث قائلا: إننا بالطبع لم نوجه إليه ~~التهمة بعد؛ لأننا لا نعرف ماذا يقول - وقيل لنا إنك تستطيع ترجمة ما يقول. ورحبت ~~فأشار إلى كرسي فجلست. وأتت لي السوداء بكوب الشاي (فنجان من الشاي الساخن باللبن دون ~~سكر). # وعندما انتهيت منه عادت فقالت لي تفضل معنا، فدخلت غرفة فيها موظف تقدمت به ~~السن، وعندما قالت له السوداء إنني مصري تهللت أساريره وقال: «لقد خدمت في مصر في ~~الحرب - أجمل بلد في الدنيا! تفضل!» وجلست فشرح لي الموضوع، وهو أن أحد الدارسين ~~العرب، ويبدو أنه بدوي يغادر الصحراء لأول مرة في بعثة لدراسة الزراعة في ردنج، ~~«احتك» بامرأة في الطريق العام، أو كما يقول طه حسين «مسها مسا غير كريم» حين ~~دعته إلى الاحتماء من المطر تحت المظلة. وقال العجوز إنه يظن أن الشاب يعرف ~~الإنجليزية ولكنه مصاب بنوع من الذهول ولا يستطيع الكلام، وربما إن حادثته بالعربية ~~نطق! وشرح لي بإيجاز حرج الموقف؛ فهم في الشرطة لا يريدون إحراج الدولة التي ينتمي ~~إليها - خصوصا في هذه الأيام - ولا يريدون التسرع بتوجيه التهمة إليه قبل الاستماع ~~إلى أقواله كاملة عن طريق مترجم رسمي، وهمس لي وهو يميل برأسه نحوي: «والسيدة التي ~~اتهمته قد تتنازل عن الشكوى إذا اقتنعت بوجود لبس ms440 ما.» وسألته إن كنت سأقوم ~~بدور المترجم الفوري هنا أم في المحكمة؟ فقال بدهشة: محكمة؟ لا لا لا! سنحاول ~~الانتهاء من المسألة الآن، ولا أعتقد أننا سنحتاج إلى المحكمة! # وضغط جرسا على المكتب فعادت السمراء إلى الظهور، فأشار إليها بيده إشارة معينة ~~فخرجت لحظة وعادت مع شاب أشقر وسيم، منكس الرأس، نحيل وقصير، وعلى وجهه أمارات ~~الحزن (والندم؟) فجلس قبالتي، وبدأ الموظف بسؤاله عما حدث، فكان يتكلم وأنا ~~أترجم وهو يكتب، والسوداء واقفة لدى الباب تسمع ما يقال. لن أفصح عن اسمه الحقيقي - ~~بطبيعة الحال - ولنطلق عليه اسم «طالب» وحسب. قال طالب: ~~«بدأ المطر يتساقط فجأة وأنا ذاهب إلى محطة الأتوبيس، ولم يكن هناك مكان ~~أختبئ فيه، ولم تكن معي مظلة، وبينما أنا أعبر الجسر ~~(flyover) # وجدت امرأة تناديني للاحتماء تحت ~~مظلتها، فترددت ثم جريت إليها، وبمجرد أن وضعت رأسي تحت المظلة حتى ~~صاحت وصرخت وأمسكت بي، فاجتمع الناس وجاءت سيارة الشرطة في لمح البرق. أنا ~~بريء. هي التي دعتني وكانت تبتسم، لكنني لم أفعل شيئا.» # وبعد أن اكتملت الترجمة التي أوجزتها هنا إيجازا شديدا، قال الموظف (ولم أكن أعرف ~~حتى تلك اللحظة أنه قاضي صلح # Justice of the Peace ~~) ~~هذا معقول، وأقواله لا تتناقض مع أقوال الشاكية، ثم أشار إلى السوداء فجاءت واصطحبت ~~«طالب» إلى الخارج، وعاد القاضي للهمس فانحنى إلى الأمام حتى مست ذقنه دفتر المحضر، ~~وقال لي: هل تعتقد في أعماقك وضميرك ( # in your heart of ~~hearts ~~) أنه يقول الحقيقة؟ وقلت له: لقد ترجمت لك كل كلمة بصدق ~~وأمانة! ورد بسرعة: «طبعا طبعا، لا شك في هذا! كنت فقط أريد دعما لحدسي.» ~~والتزمت الصمت. وبعد ثوان معدودة أحسست أنها امتدت دهرا، قال: أعتقد أننا لا يجب أن ~~نضيع من وقتك أكثر مما ضيعنا، وسوف نتصل بك إن جد جديد. وخرجت. # كان المطر ما زال ينهمر، وإن كان من نوع الثلج الذي يذوب عندما يصل إلى الأرض، وهم ~~يسمونه # sleet ~~، وكان خفيفا لدرجة أحببت معها أن ~~أسير فيه ms441 وأحس بنقراته الخفيفة المنعشة على وجهي، وأن أعود إلى المنزل بالأتوبيس ~~بدلا من سيارة الشرطة، وإن كانت لا تحمل علامات تدل على ذلك، وسرت أفكر في قضية ~~اختلاط الدلالات الثقافية من جديد، أفلا يمكن أن يكون طالب قد تصور أن المرأة تدعوه ~~إلى شيء آخر، فمد يده إلى ما لا ينبغي أن يمد يده إليه؟! أفلا يجوز أن يكون قد ~~شاهد الإنجليز يفعلون مثل هذه الأشياء علنا في الشارع فتصور أنها مباحة؟! أفلا يجوز ~~أن تكون السيدة قد بدرت منها بادرة «فسرها» على أنها تشجيع على المساس ~~بخصوصيتها؟! وكيف يستطيع ذلك البدوي تفسير العلامات الثقافية التي تختلف كل الاختلاف عن ~~علامات مجتمعه؟ وسمعت هاجسا آخر يهمس في أعماقي: أفلا يمكن أن يكون بريئا حقا ~~وصدقا؟ ولم أدر بمرور الوقت إذ وجدتني قد وصلت إلى المنزل. # بدأت اعتبارا من يوم الاثنين الالتزام بجدول الكتابة؛ فمن غير المعقول أن أصل إلى ~~هذا الحد في الرسالة ثم لا أنتهي منها، وقضيت اليوم كله في المكتبة، وكنت أعود إلى ~~المنزل مبكرا (في نحو الخامسة) فأجلس إلى الآلة الكاتبة وأواصل العمل حتى العاشرة أو ~~الحادية عشرة، ولم يكن أحد يتصل بي؛ فالجميع يعرفون أن أسرتي في مصر، وأنني منقطع عن ~~العالم للانتهاء من الرسالة، ولكن إغراء الكتابة كان يطل برأسه كالشيطان من حين ~~لآخر، وكنت أقاومه ما استطعت المقاومة، حتى انتهى الأسبوع ووجدتني قد قاربت تحديد ~~شكل الفصل الأخير، فوضعت ورقة بيضاء في الآلة الكاتبة - وجعلت أتطلع إلى المساحة ~~البيضاء وفكرة التمثيلية التليفزيونية تتشكل في الفراغ! # وفي يوم السبت 26 يناير أشرقت الشمس فخرجت إلى «الطبيعة» العارية من الأوراق، ~~أتأمل الأغصان التي تبرق بكساء الصقيع الباكر، والسحابات البعيدة التي تغزو السماء ~~ذات الزرقة العميقة، أو أتأمل أوراق الشجر الذابلة التي اختلطت بالتربة، وهبطت عليها ~~قطرات الندى التي تجمدت، ولن تنصهر إلا في العصر، ولربما تظل مجمدة طول اليوم، ~~وكان موضوع التمثيلية قد قاربت التشكل، وكان يقوم على قصة جمال الدين كرجي باهي - ~~وهو أفريقي مسلم ms442 من طائفة الإسماعيلية - أتى به توم هيتون من شرق أفريقيا، فأسكنه معه ~~في المنزل الذي اشتراه، ورتب له عملا في قسم التليكس بمكتب الأخبار، وسرعان ما أتى ~~جمال الدين بأهله وطفله الصغير، وبدأ نزوح الأقارب حتى ضاق المنزل بهم، وكان النموذج ~~الفني في ذهني هو قصة «القناع» لوالبول، ولكنني لم أكن أدرك أنني أنسج على منوال غيري، ~~بل كنت أفكر فحسب في موقف الفرد الذي يجد نفسه محاطا بأناس ما فتئوا يتكاثرون حتى ~~يغلبوه على أمره، وهو يزداد حبا لهم وإيمانا بهم وفقدانا لذاته وتفرده! الفكرة ~~نفسها هي التي عالجها هارولد بنتر في فيلم «الخادم»، ولكنني كنت أعالج هنا نماذج حية ~~موجودة حولي! # وفي المساء اتصل بي عبد اللطيف الجمال وقال لي إنه حصل على شهادة مرضية تعفيه ~~من العمل ثلاثة أشهر! ولم أكد أصدق - كيف؟ أقصد كيف يحصل على مثل هذه الشهادة وهو ~~بصحة جيدة؟ سألته: هل الطبيب مصري؟ فقال بل إنجليزي ابن إنجليزي! واتضح أنه ذهب إلى ~~رئيس وحدة الأخبار وقال إنه يعاني من انهيار نفسي ويطلب الإحالة إلى الطبيب، فحددت ~~له الإدارة طبيبا في لندن ذهب إليه وتظاهر بأنه مريض نفسي. وقال عبد اللطيف: ~~«والدكتور اقتنع وأعطاني الشهادة، وقال إنه سوف يرسل التقرير إلى رئيس الوحدة! معنى ~~ذلك أنني أستطيع الانتهاء من الدكتوراه هذا العام! سأذهب غدا إلى لندن وأقيم هناك ~~حتى أنتهي من الرسالة، وسوف أتصل بك من هناك.» والذي لا يعلمه عبد اللطيف - حتى اليوم - ~~أن الطبيب كتب في تقريره إن عبد اللطيف كان يتظاهر بأعراض مرض معين ولكن الفحص ~~أثبت أنه يعاني من مرض أخطر كثيرا وقد يتطلب دخوله المستشفى للعلاج، إلى جانب ~~التفاصيل الطبية التي لا يعرفها إلا المتخصصون. وذكرت ما نشرته إحدى الصحف من أن ~~46٪ من أسرة المستشفيات في بريطانيا (في إنجلترا وويلز فقط في الواقع) يشغلها ~~المرضى النفسانيون، وقد قطعت تلك القصاصة ووضعتها (ألصقتها) بالكتاب الذي كنت ~~قرأته (وما يزال لدي) عام 1968م، وعنوانه «الطب النفسي اليوم» لمؤلفه ~~ستافورد-كلارك. لقد نجحت ms443 الكذبة المصرية هذه المرة، وإن كان ذلك بطريقة غير ~~مباشرة! # وفي يوم الخميس 31 يناير كان يبدو أن الربيع قد أتى؛ فالجو صحو ودرجة الحرارة لا بأس ~~بها؛ إذ وصلت إلى 12° ظهرا، فخرجت إلى السوق سيرا على قدمي وحينما رجعت وجدت في ~~انتظاري مفاجأة: تكليف من الشرطة (والشرطة تابعة للمجلس المحلي) بالحضور للترجمة ~~الفورية بعد أسبوع في محكمة الجنح، وهي نوع من المحاكم لا يوجد عندنا، وهو يحاول ~~إنهاء القضايا السهلة أو التي لا خلاف على الأدلة فيها؛ إما بإحالتها إلى محكمة الدرجة ~~الأولى، أو بإصدار حكم، أو بحفظ القضية. وتسمى هذه المحاكم # magistrate’s court # وهي تابعة أيضا للمجلس المحلي ~~للمدينة، وتختلف عن محكمة الصلح التي ذكرتها من قبل في أن القاضي يحمل مؤهلا ~~قانونيا، على خلاف قاضي الصلح الذي يعينه المجلس المحلي على أساس النزاهة والخبرة ~~والسمعة الطيبة. # جاكي زوجة توم هيثون مع اثنين من قبيلة كينية عند زيارتهما إلى ~~لندن عام 1972م. # وذكرت تجربة «طالب» ودعوت الله ألا تكون قضية مماثلة، وللقارئ أن يتصور مدى دهشتي ~~عندما ذهبت في الموعد المحدد لأرى «طالب» نفسه في قفص الاتهام، وهو ليس قفصا كالذي ~~نراه في السينما بل مجرد حاجز عادي في غرفة عادية. دخلت فحلفت على المصحف أن ~~أراعي الله والضمير في ترجمتي، وكانت النيابة قد وجهت إليه التهمة رسميا هذه المرة، ~~وكانت الظروف مختلفة عن المرة السابقة؛ فلم تكن الدنيا تمطر، بل كان الجو صحوا حين ~~اقترب صاحبنا من الشاكية وحاول، فيما قيل، تقبيلها. وكانت الفتاة حاضرة. وقمت ~~بالترجمة لمدة ساعة كاملة، عرفت فيها تفاصيل الاتهام؛ إذ يبدو أن «طالب» المذكور ~~اقتفى أثر الفتاة ثم هجم عليها دون مقدمات مما سبب لها صدمة عصبية # trauma # فصرخت وتكرر ما حدث في المرة الأولى، ولم تستدعني ~~الشرطة في المراحل التمهيدية للقضية؛ لأن قاضي الصلح أحال الشكوى إلى النيابة التي ~~أمرت باحتجاز المتهم (الذي لم يكن متهما بعد) 24 ساعة، ثم وجهت إليه التهمة ~~رسميا، ثم حبسته على ذمة القضية ( # remanded in ms444 custody in connection ~~with ... ~~) ولم يستغرق القاضي وقتا طويلا في نظر القضية فأصدر ~~الحكم بترحيله من إنجلترا، وقال في «تلخيصه» # summing up # للقضية إنه أخذ في اعتباره صغر سن المعتدي، وانتماءه إلى ~~ثقافة مختلفة، واحتمال اختلاله نفسيا، كما حكم بأن للمدعية الحق في التعويض المادي ~~عما أصابها من صدمة، وقال إنه سيحيل القضية إلى سفارة البلد المعني حتى يتم دفع ~~التعويض الذي تحكم به محكمة أخرى مدنية، وسيكون على طالب أن يأتي إلى الشرطة «كل يوم» ~~لتسجيل اسمه حتى يتم الفصل في القضية المدنية! # كانت التجربة رهيبة! لقد وقع «طالب» في المحظور! وخرجت مهموما أريد أن أحكي ما حدث ~~لأي صديق، وكنت أريد أن أعرف مصير طالب بعد ذلك، ولم أكد أخطو خطوة واحدة خارج ~~قاعة المحكمة حتى قابلت رجلا أسمر يبدو أنه عربي، فنظرت إليه فابتسم وجاءني قائلا: ~~«أنا من السفارة، وقد اتفقنا بالفعل على دفع التعويض الذي طلبته الشاكية، ولن تحال ~~القضية إلى محكمة أخرى، بل ستجري التسوية خارج المحكمة؛ أي ~~( # settlement out of court ~~) حتى يستطيع «طالب» ~~العودة إلى أهله.» وسألته أسئلة كثيرة أجاب عليها بما بث الاطمئنان في قلبي، ولم يعد ~~لدي شك في أن «طالب» سيعود إلى وطنه بسرعة. # وقد يكون من المناسب أن أختم هذا الفصل بذكر الشيكين اللذين تلقيتهما من المجلس ~~المحلي بعد ذلك، لقاء جهودي في الترجمة، وكانت نقودا تمنيت ألا أكسبها؛ فلكم شاهدت ~~الإنجليز يمارسون «ألعاب الحب» ~~(love play) # في الطريق ~~العام، ولكم شاهدت الفسوق الصريح، دون أن يلتفت أحد إليه أو يشكو منه! # الفصل الثامن # | العودة # 1 # في نحو منتصف فبراير 1974م، وصلني خطاب من البنك يقول لي إنني مدين لهم بثلاثين ~~جنيها، و«يستحسن» أن «ألتفت» إلى هذا الأمر وأوليه «عنايتي» في أقرب فرصة! كانت ~~صيغة مطبوعة ترسل لكل عميل «يسحب على المكشوف» ولكنها كانت إنذارا لي بأن الإفلاس ~~عواقبه وخيمة؛ ولذلك عدت إلى صورة العقد التي أرسلها الوكيل، ولاحظت أنه يقول في أحد ~~بنوده إن الوكيل سوف يدفع لي ms445 عند التوقيع مبلغا معينا للإنفاق على العمل (لتغطية ~~تكاليف التأليف) وفجأة اختفت مخاوف تغيير الأسلوب أو تعديل الصياغة الأدبية، ولاحت ~~صورة النقود الزاهية أمام عيني، فعقدت العزم على أن أنتهي من التمثيلية التليفزيونية ~~بأسرع وقت. وأعددت الملخص اللازم وأرسلته إلى الوكيل، فجاء الرد بالموافقة، ~~فأتيت بالآلة الكاتبة وبدأت العمل. # وقضيت أسبوعين كاملين لا هم لي إلا الانتهاء من النص، وكان الحوار الحي مستقى ~~من اللغة الدارجة، وأحسست بنشوة بالغة وأنا أحاكي كتاب التليفزيون، وأتعمد ~~إثراء حواري بالتوريات اللفظية، وعندما انتهيت منها عرضتها على توم هيتون وزوجته ~~جاكي، فأبديا إعجابا لا يشوبه أي تحفظ؛ ومن ثم أعددت صورا بالزيروكس وأرسلت ~~الأصل إلى الوكيل، وجاءني الرد برجوع البريد، وكان يقول إنهم استلموا الأصل وسوف ~~يرسلون إلي رأيهم حالما يقرؤها الناقد. وعندها أتيت ببطاقات الرسالة وعدت إلى ~~العمل الذي لا يقل إبداعا عن التأليف، وإن كان يقتضي تجنب اللغة الدارجة ~~تماما. # وفي يوم السبت 30 مارس اتصل بي توم هيتون وقال إنه سوف يسافر إلى بلانتاير # Blantyre # في ملاوي، وقد دعا صديقا له عاد من إيران ~~لتوه، وكان يمر بأزمة نفسية، إلى العشاء، كما أن ابنه كان في زيارة لإنجلترا، وهو ~~يدعوني إلى العشاء مع الجميع. ورحبت بالدعوة فالوحدة كانت قاتلة، ولا أعرف متى تعود ~~نهاد وسارة. وعندما وصلت إلى منزل توم كان الجميع قد بدءوا الحديث الصاخب، فقدمني ~~توم إلى صديقه جون فورسايت ~~(Forsythe) ~~، وطلب منه أن ~~يشرح لي ما حدث له، لكنه كان حزينا فقال «فيما بعد»، وبعد أن شرب ما شاء الله له أن ~~يشرب بدأ يقص قصته: # كان فورسايت يعمل بالنجارة ( # cabinet maker # أي نجار ~~موبيليا) ويسمي نفسه (أستاذ ~~صنعة) ~~(master craftsman) # وعندما ارتفعت أسعار البترول بعد حرب أكتوبر قرأ إعلانا عن ~~وظيفة مناسبة في طهران تدر دخلا لم يكن يحلم به، فقدم طلبا لاقى القبول وسافر ~~في نوفمبر، وجعل يرسل إلى زوجته وطفليه ألف جنيه في الشهر، وطلب منها إنفاق مائتين ~~وادخار الباقي حتى يعود، فسوف يساعده ذلك ms446 في عمله ولا شك. وكان فورسايت نموذجا للطبقة ~~العاملة التقليدية في بريطانيا، وكان المفروض أن يستمر في عمله حتى الصيف، لكنه لم ~~يحتمل الانتظار؛ إذ كان يشتاق إلى رؤية طفليه، وكانت حياة الوحشة والوحدة في إيران ~~لا تحتمل، فقرر فجأة أن يعود إلى إنجلترا، وحصل بسهولة على إجازة لمدة أسبوعين. ~~وكان قد وضع خطة لتحديث عمله في النجارة بشراء آلة جديدة باهظة الثمن، واتفق مع شركة ~~من الشركات على شرائها عند عودته ودفع العربون من مدخراته التي كان يقدر أنها ~~بلغت ثلاثة آلاف جنيه على الأقل. واتجه من المطار رأسا إلى منزله فوجد زوجته أمام ~~المرآة تضع مساحيق الزينة وتضبط هندامها، وكانت الساعة قد جاوزت الثامنة مساء فألقى ~~عليها تحية المساء، فردت ببرود قائلة ما معناه: «ما الذي أتى بك مبكرا؟!» # وقال فورسايت: «كان استقبالها الجاف لي صدمة كبيرة؛ فأنا أحبها. إنها امرأة ~~رائعة. (وأخرج من جيبه صورة عرضها علي) وسألتها: أين الطفلان؟ فقالت: عند ~~جدتهما! فقلت: والمدرسة؟ فقالت: «هي تصحبهما إلى المدرسة.» فسألتها: هل ستخرجين ~~الآن؟ فقالت بلهجة ساخرة: وهل تظنني أتزين حتى أتطلع إلى نفسي في المرآة؟ ثم ~~خرجت. وقضيت الليلة وحدي مهموما؛ فالدنيا ظلام والبارات تغلق أبوابها في العاشرة، ~~ولم يعد هناك ما أستطيع أن أسلي نفسي به سوى الشراب. وشربت ونمت، وعندما صحوت لم ~~أجد زوجتي (ولا الأطفال طبعا) فاتصلت بالمعارف والأصدقاء فلم أجد إجابة شافية، ~~فخرجت إلى الورشة، فرحب بي الزملاء، وبعد تبادل الأخبار عن سوق العمل وأحوال ~~التجارة وطرائف إيران سألتهم إن كانوا شاهدوا زوجتي مؤخرا هي والطفلين ففاجأني ~~الوجوم التام. وعندما ألححت في السؤال وجدتهم يتبادلون نظرات سريعة ذات دلالة ~~ويشيحون عني بوجوههم فحدست أن في الأمر شيئا وخفت أن يكون قد حدث لهما مكروه، فقال ~~أحدهم: ألا يذهبان إلى المدرسة؟ فأومأت، فقال: لا بأس إذن. وبلغ بي القلق مبلغه، ~~فاتجهت إلى المدرسة، وطلبت رؤية الطفلين، فأحضروهما، فقبلتهما وقلت لهما إنني ~~سوف أعود في الرابعة لأصطحبهما إلى المنزل، فقال الكبير: ألا ننتظر «ديك» ms447 ~~(Dick) # إذن؟ ولمحت الصغيرة، ولم تكن تجاوزت الثامنة ~~تشد يد الصبي كأنما لتحذره، وأدركت بسرعة أن في الأمر سرا، فلم أزد بل قلت ~~بثقة: لقد عاد والدك، وسوف يأتي لإحضاركما في الرابعة! وانصرفت. # وسرت إلى المنزل وأنا أقلب الأمر على وجوهه؛ إذ قد تكون زوجتي التحقت بعمل ~~يشغلها أثناء غيابي، مما يفسر عدم وجود السيارة في الصباح، وقد يكون «ديك» زميلا في ~~العمل تكلفه زوجتي بإحضار الأطفال، ولكن متى عادت زوجتي بالأمس ومتى خرجت فلم أشعر ~~بها؟ لا بد أنني أسرفت في الشراب فنمت نوما يشبه الإغماء، والأرجح أن أرى «ديك» بعد ~~قليل عندما أذهب لإحضار الطفلين، وربما أوضح لي كل شيء. وعرجت على أول بار ~~أقابله فتناولت قدحين من البيرة الإنجليزية التي طالما اشتقت إليها في إيران، وفي ~~الرابعة ذهبت إلى المدرسة فوجدت الجميع قد انصرفوا! # ولجأت إلى توم هيتون وجاكي - هنا - فهما أصدقائي منذ الصغر، وجاكي وأنا نشأنا في ~~حواري نوتينج هيل جيت # Notting Hill Gate # وعرفنا شظف ~~العيش قبل أن أثبت موهبتي في حرفة النجارة وبراعتي في تصميم الأثاث - اسألهما عني ~~يا أستاذ! وهما اللذان نصحاني بشراء هذا المنزل المجاور لمنزلهما، والحق أنهما أزالا ~~مخاوفي، وتطوع توم بأن يذهب بنفسه معي ليعرف ما حدث، وأين ذهبت زوجتي. ولكنني لم أكن ~~أقوى على البحث فطلبت منه أن يتولى البحث بنفسه. وعندما عاد كنت قد نمت فلم أشاهده ~~إلا في الصباح. وكان ما توقعت وما كنت لا أريد تصديقه؛ إذ اتخذت زوجتي لها عشيقا ~~في غيابي، وذلك تحت سمع وبصر الجيران، ونبهت الطفلين ألا ينبسا ببنت شفة، وكان ~~«العم» ديك هو الذي يأتي بسيارتي عصرا لإحضارهما، ويبدو أن زوجتي أشاعت أنني لن أعود ~~أو أننا سوف ننفصل فتقبل الناس صداقتها ل «العم» ديك! # ومن ثم ذهبت إلى منزل أسرتها وقابلت والديها وقصصت عليهما ما سمعت، فقالت أمها ~~(حماتي) ببساطة: «تقول جيرتا (الاسم المختصر لزوجته جيرترود) إنكما اتفقتما على الطلاق ~~وعهدت إلي برعاية الأطفال، و«ديك» هو الذي يحضرهما من المدرسة ms448 كل يوم. وأنا أرى أن ~~التقاضي باهظ التكاليف، والاتفاق على الطلاق سوف يوفر النقود!» لم أصدق ما أسمع ~~فأنكرت كل ذلك، وقلت لها إن ابنتها خاطئة، وإن «ديك» عشيقها، فأشار والدها لي بيده ~~قائلا: «حذار من رمي الاتهامات بغير دليل! هل تعلمت الهمجية في إيران؟» وفقدت ~~أعصابي وقلت إنها جعلتني أضحوكة بين الجيران، وحتى لو اتفقنا على الطلاق فأنا أريد ~~النقود التي أرسلتها إليها من إيران! وخرجت. # وفي اليوم التالي صحوت متأخرا وخرجت أسير على قدمي رغم المطر المنهمر وقد ~~اعتزمت العثور على جيرتا بأي طريقة، ولم أكد أصل إلى ناصية الشارع حتى رأيت سيارتي ~~واقفة، ودبت الحياة في عروقي فأسرعت إليها وإذا بزوجتي فيها مع شخص حدست أنه ~~«ديك»، وإن لم أتبين ملامحه بسبب البعد والمطر، فبدأت أعدو نحوها، وإذا بزوجتي تدير ~~المحرك وتندفع إلى الأمام، فعدوت حتى كدت أدركها لكنني لم أستطع، فالتقطت حجرا ~~وضربت الزجاج به فكسرته! وكانت القضية التي قرأت عنها في الصحف وسببت لي هذه ~~المتاعب.» # ونظرت إلى توم أستوضحه؛ فأنا لم أقرأ عن أي قضايا تخص فورسايت، فأسرع توم يقول ~~«إنها في صحف اليوم. تفضل». كان الخبر يقول: «القاضي يحكم على الزوج الهمجي بالحبس ~~ستة أشهر مع وقف التنفيذ.» ويتضمن الخبر التفاصيل كلها، تماما كما رواها الزوج، ~~ويقول إن القاضي استنكر السلوك الهمجي من الزوج الغيور العائد من إيران، وقد أصدر هذا ~~الحكم عليه حتى يجعل منه عبرة لمن يعتبر. # وقالت جاكي: «شيطانة محظوظة! وجدت في يدها أموالا لا تعرف ماذا تفعل بها فقررت ~~أن تلهو وتلعب!» وقال ابن توم (وكان اسمه «كامل» وكان يكتبه - ويا للعجب - بالإنجليزية ~~هكذا # Camel ~~!): «لو كنت مكانها لفعلت نفس الشيء!» وكان ~~وجه فورسايت يزداد امتقاعا، وأحسست أنه على وشك البكاء، فقلت له: «تستطيع أن تتزوج ~~خيرا منها، ولا أظن أن «ديك» سوف يتزوجها، فإذا كنت ما تزال تحبها فلا تقل إن ~~الوقت قد فات!» ونظر إلي في دهشة وقال: «أنا لست حزينا على فراق اللعينة بل على فراق ms449 ~~الأطفال، وفراق النقود طبعا.» وكان الوقت قد تأخر فانفض الحفل وعدت إلى المنزل ~~بمادة «قصصية» جديدة! # لم يقل لي «توم» إنه أقنع فورسايت بأن يلحق به في بلانتاير؛ فهناك ألف فرصة للعمل، ~~وكان توم قد اكتسب من نشأته في اليمن الميل إلى بذل المساعدة لمن يحتاجها ومد يد ~~العون دون توقع للجزاء أو للثواب، وكان دائما ما يقول إن في أعماقه دما عربيا ~~يدفعه إلى الترحال، وقد تابعت أنباءه بعد عودتي من مصر فكان المثال الفريد للتطبع ~~الذي يغلب الطبع، هذا إذا اعتبرنا صفات العزلة والحرص من الطباع «الغريزية» لدى ~~الإنجليز. ولم يتردد فورسايت في الموافقة، ولم يكتب لي أن أرى أيا منهما إلا بعد ~~عام كامل ! # 2 # كانت كتابة التمثيلية التليفزيونية أيسر كثيرا من كتابة القصة؛ فأنت تضع تخطيطا ~~مبدئيا يشبه السيناريو، وتتصور ما يمكن أن يدور من أحداث بعين خيالك، وبعد أن ترسم ~~المشهد بخطوط عريضة ~~(outline) # تكتب الحوار فقط، وهو ~~محدود إذا قيس بالحوار المسرحي أو الإذاعي، وأذكر أنني كنت أملأ 18 صفحة فولسكاب ~~بالحوار للتمثيلية الإذاعية التي لا تزيد عن نصف ساعة، والآن لم أكتب سوى 25 صفحة لهذه ~~التمثيلية التليفزيونية ومدتها ساعة كاملة. كان الفرق هو أنني في الإذاعة أخاطب ~~الأذن أساسا ولا بد أن يكون الصوت البشري متصلا في الأسماع فهو الأساس، وما ~~المؤثرات السمعية الأخرى من موسيقى وغير ذلك إلا عوامل مساعدة وثانوية، لا يكاد ~~يحسب لها حساب، أما في التليفزيون فنحن نخاطب العين، وقد يكون دور المخرج في تحريك ~~الأشخاص وتكوين المشاهد وتكوينها أهم من دور كاتب الألفاظ، والزمن المتوقع للمشاهدة، ~~حتى دون حوار، قد يطول فيمعن في الطول، والمسرح وسط بين الإذاعة والتليفزيون؛ ~~فالمسرحية التي تستغرق من ساعتين إلى ثلاث ساعات في التقديم على المسرح تتطلب صفحات ~~تتراوح بين 60 و90 صفحة، بما في ذلك الإرشادات المسرحية. # وكان يوم وصول الموافقة من الوكيل يوم عيد لي، وسرعان ما وصل العقد فوقعته ~~وأعدته بالبريد، وكان علي أن أسجل نفسي في نقابة المؤلفين ms450 ~~(Writers’ Union) ~~؛ لأن اشتراكي في نقابة الصحفيين ~~( # NUJ ~~) لم يكن يؤهلني للكتابة في التليفزيون، ~~ولم يكن معي من النقود ما يكفي فطلبت التأجيل وجاءت الموافقة؛ ومن ثم بدأت أفكر في ~~موضوع جديد لتمثيلية جديدة، واشتط بي الخيال - ترى هل أستطيع يوما ما أن أكتب ~~للمسرح الإنجليزي؟ لن أكون أول أجنبي يدخل الساحة، ولن أكون الأخير، وأفقت من أحلامي ~~ذات يوم على خطاب من إدارة الجامعة تسألني فيه متى أنتهي من الدكتوراه؛ لأن الحد ~~الأقصى للتسجيل هو خمس سنوات، وسوف يكون علي إذا أردت زيادة المدة أن أدفع المصاريف ~~الدراسية بنفسي. # أفقت - كما قلت -؛ لأن الكتابة في الغربة معناها الحياة في الغربة، وأنا رجل جذوره ~~في مصر، وثقافة اللغة العربية تجري في جسده مجرى الدم، ونهاد وأنا لا نتصور لنا حياة ~~خارج مصر، وعندما وصلني في أبريل خطاب نهاد الذي تقول فيه إنها ستصل هي وسارة في ~~أوائل مايو (يوم 4 تحديدا) تأكد لي أن تلك الأحلام لا بد أن تنقشع، وربما احتجت إلى ~~العودة إلى العمل، وهو ما فعلته اعتبارا من أول مايو، حتى لا نعيش في ظل ~~الإفلاس. # وقضيت شهر أبريل ممزق النفس بين الكتابة الإبداعية ومحاولة «تشطيب» الرسالة، وعدت ~~إلى العمل في مايو، وعندما وصلت نهاد وسارة، ورأيت ابنتي بعد فراق دام ثمانية أشهر، ~~وكانت نهاد تحملها، تهلل قلبي وعاد الدفء إلى نفسي، وفي المطار دهشت سارة لبرودة ~~الجو والنسيم الذي كان يهب عليلا حينا وعاتيا حينا آخر، وقالت بالعربية «الهوا»! ~~وقلت لنهاد إنها تتكلم العربية! وأكدت لي أنها تعرف أكثر من هذه الكلمة! # وكانت جلسة التصافي بيننا طويلة؛ فلقد مرت نهاد بأوقات عصيبة وهي ترعى ابنتنا ~~وحدها، وكانت رحلتها ولا شك تضحية من جانبها في سبيلي أو في سبيل الأسرة، أقصد ~~أسرتنا الصغيرة، وكنت أعرف أنني أخطأت حينما وافقت على رحيلهما، ولكنني كنت ألتمس ~~الأعذار لنفسي - وهي أعذار تتعلق بتكويني نفسه لا بأفعال محددة؛ فأنا لا أستطيع أن ~~أكتم كل طاقاتي الفنية وأسخر كل جهودي للانتهاء من ms451 الرسالة مثلما يفعل طالب البعثة ~~الملتزم، ولا أستطيع أن أمتنع عن المسرح، أو عن قراءة الصحف ومشاهدة التليفزيون ~~والاستماع إلى الراديو، وإلى الموسيقى، أو عن الاختلاط بالناس والإحساس بحياتهم ونبضها، ~~وبلغة الناس إلى جانب لغة الكتب، ولا أستطيع أن أمتنع عن العمل طويلا فالتدريس ~~والترجمة يمثلان روافد لحياتي، وكل هذا ينطبق تماما على نهاد، وقد عشنا أياما صعبة، ~~وآن لنا أن نودعها وأن نتطلع إلى المستقبل في مصر. وتمنيت من أعماقي أن تغفر لي ~~نهاد تلك «الموافقة» على الرحيل! # 3 # اتفقنا أنا ونهاد على أن نجعل الشهور الباقية من عام 1974م - ريثما يتم بناء العمارة ~~التي استأجرت لنا فيها شقة جميلة، بفضل والدها رحمه الله، وكان معهما أخي مصطفى، في ~~مدينة المهندسين بجوار نادي الصيد المصري - شهور استعداد للعودة ، فاشترينا كل ما ~~تصورنا أننا سنحتاج إليه، في حدود طاقتنا المالية، وكنا نتنزه حين يصفو الجو في ~~الحديقة الرئيسية المجاورة لنهر التيمز (على مسافة بعيدة بعض الشيء من منزلنا) وكانت ~~سارة وهي تخطو في عامها الثالث تتحدث الإنجليزية لغة أولى، والكلمات العربية المفردة ~~متناثرة في تضاعيفها. وكنت قد اكتسبت هواية جديدة في ذلك الصيف هي صناعة الأشياء ~~الخشبية، فلم أتردد في العمل نجارا في الحديقة بعض الوقت، وعندما علمت صديقات نهاد ~~بنبأ عودتها أصبحن يزرنها، وكثيرا ما كنت أعود من العمل مساء لأجد مجلس السمر ~~منعقدا، وأعتقد أن اختلافنا عنهن كان يجذبهن إلينا، ولا أقول الكرم الذي هو سمة كل ~~العرب وكل المصريين. # وقصت الصديقات على نهاد ما دار في «الحياة» أثناء سفرها، وما إن انقضى الصيف حتى ~~عادت نهاد إلى العمل في المكتبة معهن، وأصبحت تأخذ سارة إلى روضة الأطفال في الصباح، ~~ثم أحضرها أنا إلى المنزل عصرا، وقد أتولى إطعامها ورعايتها حتى تعود نهاد، وأعتقد ~~أن سارة استفادت فائدة جلى من تلك الروضة، وفي الأيام التي كنا نعمل فيها معا (أي ~~في أيام ورديتي النهارية) كنا نخرج معا ونعود معا. # وكانت خطاباتنا المتبادلة مع أفراد الأسرة في مصر - مع ms452 ما عادت به نهاد من أخبار ~~مفصلة - تبعث على الاطمئنان، ولكنني كنت ما أزال أحمل سري الخاص، وهو العقد الذي ~~وقعته مع الوكيل، ونص تمثيليتي ( # Invasion # أي ~~الغزو) وذلك الحلم الجامح الذي يغريني بمواصلة الكتابة الإبداعية بالإنجليزية، وعندما ~~عرف بذلك السر سمير سرحان (الذي كان قد رحل مع أسرته في إعارة إلى المملكة العربية ~~السعودية) كتب لي خطابا مطولا يقول لي فيه: «هل تريد أن تترجم أعمالك فيما ~~بعد إلى العربية أو أن تصبح كاتبا مستوردا؟» وفهمت من خطابه أنه يريدني أن أعود ~~بأسرع ما أستطيع، وقص علي قصة إعارته، وكيف أصيب رشاد رشدي بصدمة آنذاك (أي قبل ~~ثلاث سنوات) حين لم يقبل طلبه؛ لأنه كان قد عقد الأمل على الرحيل بعد أن بلغ سن ~~التقاعد (وكانت ألفاظ سمير سرحان هي # he was banking on ~~it ~~) ثم تغيرت الأحوال وأصبح رشاد رشدي أستاذا متفرغا، ثم ~~عميدا لمعهد الفنون المسرحية، ثم رئيسا لأكاديمية الفنون، وكانت أنباء ذلك كله تعني ~~الكثير لي، كما كان رشاد رشدي رئيسا لتحرير مجلة جديدة هي «الجديد»، وكنت من أوائل من ~~كتبوا فيها عام 1972م، والآن تفرق الأصحاب في ثلاث قارات، ولا بد أن رشاد رشدي كان ~~يشعر بالوحشة لذلك، خصوصا وأن «ابنه» الرابع فاروق عبد الوهاب رحل إلى أمريكا قبل عدة ~~أعوام. # واكتملت الرسالة، وأصبحت أشعر أن الأيام المقبلة ستكون عصيبة؛ فربما أقرر ~~البقاء - رغم كل شيء - والالتزام بالعقد الذي وقعته ومدة سريانه ثلاث سنوات، ~~وربما أقرر الالتحاق بعمل آخر - وكثيرا ما كنت أقرأ الإعلانات عن الوظائف الخالية ~~لأساتذة العربية (اللغة والأدب والثقافة) في الجامعات البريطانية. وقد حصل عبد اللطيف ~~الجمال على إحدى هذه الوظائف فيما بعد، وإن كان الراتب أقل كثيرا من الدخل الذي ~~تدره الترجمة؛ فالتدريس مهنة منكوبة في بريطانيا، ولا يقدم عليها إلا المثاليون، ~~ممن يؤمنون حقا برسالة العلم والتعليم. # وعندما عادت نهاد وسارة عادت لنا الحياة الاجتماعية، فبدأنا نتبادل الزيارات مع ~~الأستاذ المشرف وزوجته شارلوت، ثم أصبح منزلنا بسبب موقعه المتوسط بين ms453 العمل ~~والمدينة ملتقى للمعارف والأصدقاء، وكان معظمهم يسخرون منا حين نقول إننا سوف نرجع إلى ~~مصر؛ فهم يعتبروننا من المقيمين الذي أصبحت لهم جذورهم في هذه التربة الجديدة، وإن ~~كانت قضية الجذور تشغلني أكثر من غيرها. # نظرت فيما كتبت، فوجدت أنني أعالج موضوعات تتعلق بحياة إنجلترا، وأنني مهما ~~يكن موقفي أخاطب القارئ (أو السامع أو المشاهد) الأجنبي. كان قلبي مطمئنا إلى الملامح ~~الفنية لكتاباتي، ولكن «الموضوعات» كانت تشغلني! ما دلالة ما أكتب - أو بعبارة شكري ~~عياد «وبعدين؟» لم أكن أشعر بالوحدة بعد عودة نهاد وسارة، ولكنني كنت أشعر أنني مقبل ~~على «وحدة» من نوع آخر حين أعود إلى مصر، ولا شك أن أول عناصرها هو اللغة! سمير ~~سرحان يقول لي في خطاباته إن المجال مفتوح للكتابة بالعربية «وإن كان عندك أفكار ~~اكتبها بالعربي!» وكنت أسمع الهاجس في ذهني بالإنجليزية # easier said ~~that done ~~- أي ما أصعب تحقيق ذلك! # وكان الهاجس له ما يبرره؛ إذ كنت ذات يوم في المطار أستقبل أو أودع أحدا (لا ~~أذكر) حين شاهدت الدكتور شوقي ضيف يودع ابنه الطبيب المقيم في لندن، وعندما بدأنا ~~الحديث وجدت أنني أترجم عن الإنجليزية؛ فالخواطر ترد إلى ذهني بالإنجليزية وأكاد أنخرط ~~في حديث يشبه الترجمة الفورية، بل كنت أتعثر بحثا عن كلمة أو تعبير، وتصبب العرق ~~من جبيني، وعندما تركت أسرة الدكتور شوقي ونزلت الدرج حياني شخص تعرف علي، ~~وكانت التحية العربية جديدة ولم أعرف معناها؛ إذ كان ذلك الشخص من المشرفين على فريق ~~رياضي مصري عائد بعد الانتهاء من بعض المباريات، وكانت التحايا القديمة هي «أهلا ~~يا كابتن» أو «يا باشمهندس»، ولكن التحية الجديدة كانت يا باشا - وهي الكلمة التي كان ~~الظرفاء يستخدمونها في «معاكسة» الحسناوات! وقلت بسرعة «أهلا وسهلا»، لكنه عندما ~~انخرط في الحديث معي كان الواضح أنني أتلعثم وأتردد! # إذا كنت سأكتب عن حياة الإنجليز وأوجه حديثي إلى الإنجليز، فسوف أكون قد أهدرت ~~العمر حقا! هل اختفت العربية التي تعلمتها في مدرسة المحافظة على القرآن الكريم ~~(مدرسة ms454 الحكيمة في رشيد) والتي كتبت بها النقد والمسرح وترجمت إليها مسرحيات شيكسبير ~~وتشيخوف ويونسكو؟ كنت واثقا أنها كامنة بصورة ما في أعماق النفس أو في طوايا العقل، ~~وإن يكن استدعاؤها عسيرا بالغ العسر؛ لأن ردود الأفعال اليومية التي غالبا ما تتخذ ~~صورا لفظية - شأنها في ذلك شأن المشاعر والأحاسيس والأفكار - تتشكل بلغة الحديث ~~والفكر والعمل في الحياة اليومية، وهي الإنجليزية! كانت معظم الأفكار التي أتتني من ~~الكتب أو من أفواه الناس تتخذ صورة اللغة الإنجليزية، وكنت أحمد الله آنذاك على أنني ~~غير مضطر لترجمتها إلى العربية، ولكن ذلك محتوم حين أعود إلى مصر، فكيف تتحول ~~آلة التفكير كلها من لغة إلى لغة، وشغلني الموضوع إلى الحد الذي دفعني إلى مناقشته ~~مع مستر ويلكينز أستاذ علم اللغة، الذي أجرى بحوثه كلها أو معظمها في ثنائية اللغة، أو ~~في التحول من لغة إلى لغة في سياق التفكير والحديث ( # bilingualism ~~& code switching ~~) وكانت بعض مادته مستقاة من طفليه ~~اللذين يتحدثان الإنجليزية والفرنسية بطلاقة؛ لأن أمهما فرنسية. قال ويلكينز: ~~«نحن نفرق في علم اللغة بين فئة المفردات الأساسية التي يكتسبها الطفل من والدته أو ~~من يحل محلها ( # surrogate mother ~~) وبين فئة المفردات ~~الثانوية التي يكتسبها من التعليم سواء كان ذلك هو التعليم الرسمي أم غيره؛ فالمفردات ~~الأساسية هي التي نعتبرها اللغة الأم وهي تشكل المادة الخام لاستجابة الطفل وتفاعله ~~مع العالم الخارجي، وتتحكم في أساليب انفعاله؛ أي إنها جزء لا يتجزأ من عملية نموه ~~النفسي، وعلماء النفس يعلقون عليها أهمية كبرى. فإذا نازعتها لغة أخرى في تلك ~~السن المبكرة - وهذا هو ما حدث في حالة طفلي الصغيرين - تأخر النضج اللغوي ~~للطفل، مثلما يتأخر النطق عند الأطفال الذين يعانون من تنازع نصفي المخ على السيادة، ~~ولكن النضج يأتي ولا شك ويكون في هذه الحالة ثنائي اللغة - بمعنى أن الطفل يكون قادرا ~~على التحول من إحدى اللغتين إلى الأخرى بسرعة وبتلقائية - أي دون تفكير ودون تردد، ~~وإن كان العامل الذي يحدد اللغة المستخدمة لا يتوقف على ms455 السياق وحده، بل تشترك معه ~~عوامل أخرى كثيرة بدأ اللغويون في دراستها مستعينين بعلم الاجتماع وعلم النفس. # أما الفئة الثانية فهي فئة مفردات الخبرات اللاحقة على المفردات الأساسية، وهي كما ~~قلت مفردات التعليم؛ فهي أكثر دقة وتفصيلا، وأكثر رهافة ولطافة، وعادة ما تتغلب ~~فيها إحدى اللغتين على الأخرى، حتى لو كان الذهن يستخدم اللغتين معا في التفكير! ~~فابنتي الكبرى لا تكتب إلا الإنجليزية رغم إلمامها الكامل بالفرنسية قراءة وكتابة ~~وحديثا، وحين تضطر إلى كتابة الفرنسية فإنها كثيرا ما تترجم عن الإنجليزية ~~وتزعج والدتها بأسئلتها الكثيرة. وهي ذات موهبة لغوية لا شك فيها، وأعتقد أنها لو ~~تعمقت في دراسة الفرنسية فسوف تستطيع أن تكتب كتابة إبداعية يوما ما بلغة والدتها ~~.. إنها فتاة رائعة ...» # وتركت ويلكينز يتحدث بإعجاب وحب عن ابنته، ثم قاطعته لأشرح له حالتي فقال: «أنت ~~خير من يحكم على نفاذ الإنجليزية إلى مفرداتك الأساسية ، وقد تستعين في ذلك بابنتك؛ فهي ~~لا شك تعرف العربية أو ستعرفها عما قريب، وربما أصبحت العربية مزاحمة لمفرداتها ~~الأساسية بالإنجليزية، ولكنك لن تتعرض أبدا لمثل هذا التنازع؛ لأنك لم تتعلم ~~الإنجليزية إلا بعد أن تشربت العربية - وكان ذلك كما تقول في الثامنة ...» # ولكن ويلكينز لم يكن درس التنازع على مستوى اللغة الناضجة، فهو مرتبط بطفليه، ~~والموضوع في حالتي يتخطى مرحلة الطفولة، فإذا كانت اللغة الإنجليزية هي السائدة ~~اليوم، فلا بد أن تسود العربية غدا، ووجدتني دون أن أدري أتأمل عملي بالترجمة ~~وتأثيره في تكوين إحساسي باللغة الإنجليزية، والفارق بين ما كتبته في الرسالة وما ~~أكتبه الآن في القصص والتمثيليات، وطابع الحوار بيني وبين الإنجليز من جهة، وبيني ~~وبين نهاد من جهة أخرى، وانتهيت إلى أننا - أنا ونهاد - قد أخذنا كفايتنا من ~~الإنجليزية، وأن الوقت قد حان للعودة النهائية! # كانت سارة قد بلغت الثالثة، وكان الإنجليز يعتبرونها «عجبة» ~~(oddity) # فهي تلتقط من حواري أنا ونهاد كلمات المثقفين ~~وتستخدمها في غضون لغة الأطفال في الحضانة، وكانت زميلات نهاد في العمل يعجبن لها ~~ويدهشن منها، وكانت إحداهن ms456 تقيم بجوارنا واسمها صوفي دينر - وكانت نمسوية ~~وتتكلم الألمانية - شقراء وسمينة، ولم تكن تكف عن التعليق على لغة سارة العجيبة! ~~وأذكر أن محادثات فض الاشتباك بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية كانت قد ~~بدأت آنذاك، وكان كيسنجر يواصل رحلاته المكوكية بين الطرفين ملوحا بأمل ~~السلام النهائي، وما لبثت القوات الإسرائيلية أن انسحبت من المنطقة التي كانت ~~تحتلها غربي القناة، وبدأ الحديث الجاد عن السلام، وأعلن السادات أن الانسحاب سوف ~~يعيد حقول البترول لمصر، ويسمح بإعادة فتح قناة السويس. # 4 # كان عبد اللطيف الجمال قد قرر حين حصل على الإجازة المرضية أن ينتهي من كتابة ~~الدكتوراه في غضون الشهور الثلاثة، لكنه كان مثال «الصرمحة» بين الكتب، وهو ما كان شكري ~~عياد يحذرني أنا منه، فانقضى صيف 1974م دون أن يكتب سوى فصل واحد، وكان يتعمد ~~التعمق في الفكر الفلسفي الألماني بحجة الغوص في تأثير الألمان في كولريدج وكيف ~~صور ريتشاردز ذلك في كتابه عنه، وكان المشرف على رسالته هو الأستاذ نورمان جيفارز # Norman Jeffares # المتخصص في ييتس، وكان على ~~إعجابه بعمق أفكار عبد اللطيف يريد له أن ينتهي حتى يكتب شيئا عن ييتس، ولكن ~~عبد اللطيف كان قد استنفد ما يزيد كثيرا عن الحد الزمني المسموح به للتسجيل ~~للدكتوراه، فألغت الجامعة تسجيله، وأرسلت له تقول إنه إذا أراد إعادة التسجيل فسوف ~~تنظر الجامعة بعين العطف في الطلب الذي عليه أن يتقدم به، مما جعل عبد اللطيف يزهد ~~في العمل وفي الدراسة جميعا، وعندما أعلنت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة ~~ومقرها باريس عن مسابقة امتحان للتعيين في وظيفة مترجمين تقدم وحصل على الدرجات ~~النهائية في ورقتي اللغة الإنجليزية، لكنه تجاهل ورقة اللغة الفرنسية فلم يوفق، ~~ونجح عبد الرشيد الصادق المحمودي وترك لندن إلى باريس. # ولم أكن أزور لندن إلا لمتابعة أخبار الأصدقاء؛ إذ كنت حريصا على معرفة من غادرها ~~إلى مصر ومن بقي فيها، وازداد اهتمامي في شتاء 74 / 75 بأنباء مصر؛ إذ كان أخي حسن قد ~~التحق بعمله في وزارة الخارجية، وكان ms457 آنذاك سكرتيرا ثالثا في مونروفيا (عاصمة ~~ليبيريا) وهو الآن سفير مصر في أذربيجان، وكان أخي مصطفى قد انتقل من الهيئة العامة ~~للسد العالي (بعد انتهاء السد وتوزيع العاملين فيها على المصالح الأخرى) إلى الهيئة ~~العامة للتأمينات الاجتماعية، لكن طموحه جعله يلتحق بالجامعة الأمريكية للحصول على ~~الماجستير في إدارة الأعمال، وحصل فيما بعد على الدكتوراه، وهو الآن أستاذ في إحدى ~~الجامعات الخاصة، ولم يكن قد تزوج بعد، بخلاف حسن الذي تزوج وأنجب أميرة وعزة - ~~وهما من التوائم غير المتطابقة! وكان والدي قد شفي من الأزمة القلبية التي كانت ~~أصابته بالفالج، وهو بعد في أواخر الخمسينيات من عمره، وكان ماهر البطوطي قد عاد ~~إلى مصر من إسبانيا، ومر علي في إنجلترا وقضينا معا وقتا جميلا، وزارنا في ~~منزلنا في ردنج. # لا أذكر الكثير - وهذا من العجب العجاب - عن مطلع عام 1975م؛ فالمفكرة تقول في كل ~~صفحة «عام العودة إن شاء الله» وتحكي عن المستقبل لا عن الحاضر أو الماضي، وكانت نهاد ~~كشأنها حاسمة في موضوع العودة، لا تطيق التردد فيه، وكان اهتمامنا منصبا آنذاك ~~على الضائقة المالية التي نعاني منها؛ فلدينا طفلة، والأجر الذي سأتقاضاه إن شاء الله ~~في الجامعة محدود؛ إذ كان راتب المدرس الشهري ما يزال أربعين جنيها، زيد فيما بعد ~~إلى ستين، وأذكر أنني عندما قدمت استقالتي سألني رئيس مكتب الأخبار عن الراتب الذي ~~سوف أحصل عليه في مصر، فقلت: ستون جنيها. ولم يدعني أكمل العبارة فقال: وهل تكفي ~~ستون جنيها في الأسبوع؟ وتظاهرت بالانشغال بأشياء أخرى حتى لا أصحح له ~~العبارة! # كان حفل التخرج يعقد أربع مرات في العام، وكان المشرف يرى أن أقدم الرسالة في ~~الشتاء حتى أحضر الحفل الخاص بفصل الربيع؛ فسنوات التسجيل الخمس قد انقضت، والرسالة ~~اكتملت، ولم يكن يرى مبررا للتباطؤ والتلكؤ، وكان يلمح لي من وقت لآخر بأن وظائف ~~التدريس متاحة في قسم اللغة الإنجليزية، وأشار ذات يوم إلى إعجاب مستر ويلكينز بدراستي ~~الأسلوبية وإلى أننا تربطنا صداقة متينة، فإذا ازدهرت الدراسات اللغوية ms458 والأسلوبية ~~فلماذا لا أكون في طليعة أنصارها؟ وكنت أستمع إلى هذه التلميحات فلا أرد الرد ~~الشافي، لا بسبب ترددي، بل لأنني لا أريد إغلاق «أبواب المستقبل» إغلاقا تاما، ~~فالمستقبل مجهول (تعريفا) ولا يدري أحد ما تأتي به الأيام. # توفيت أم كلثوم في مطلع فبراير (وأذكر أن الصحف المصرية تسرعت بإعلان الوفاة ~~قبل حدوثها يوم 2 فبراير) وقرأت نعيها في صحيفة التايمز يوم الثلاثاء 4 فبراير وأنا ~~في لندن - لا أدري ماذا كنت أفعل - لكنني أذكر أنني كنت في محطة القطار حين قرأت ~~الخبر المفصل، فكأنما كان إيذانا بانتهاء عصر كامل، ولم تنقض أيام حتى فوجئ ~~الجميع بانتخاب السيدة مارجريت تاتشر رئيسة لحزب المحافظين، وكانت أول رئيسة للحزب ~~منذ إنشائه، والغريب أنها عصامية؛ إذ كانت تنحدر من أسرة فقيرة (أبوها كان بقالا) ~~وسلكت طريق الدراسة الجامعية حتى أصبحت مدرسة للكيمياء، ثم دفعها طموحها إلى ~~الحصول على ليسانس الحقوق، والاشتغال بالسياسة، فتولت منصب وزيرة التعليم في وزارة ~~المحافظين الأخيرة التي خسرت الانتخابات نتيجة الصدام مع إضراب عمال الفحم في مارس ~~1974م، وعودة حزب العمال بقيادة هارولد ويلسون من جديد إلى الحكم رسميا يوم 11 ~~أكتوبر في العام نفسه. # وشغل الناس بهذه السيدة فزعامتها لحزب المحافظين تعني احتمال توليها رئاسة الوزارة ~~إذا نجح الحزب في الانتخابات في جولة مقبلة، وهذا هو ما لم يكن «المحافظون» الحقيقيون ~~من الإنجليز يسيغونه، فبدأنا نسمع لأول مرة عن الحركة النسوية الجديدة، وهي التي كانت ~~مقصورة حتى ذلك العهد على الأدب، وبدأ الحديث الذي ملأ الدنيا هذه الأيام عن «طبيعة» ~~الرجل والمرأة، وطلب مني مكتب الأخبار الحضور للاطلاع على بعض الصحف العربية لمعرفة ~~ردود الفعل العربية ولكنني قضيت اليوم كله فاحصا دون أن أجد تعليقا مهما في أي ~~منها. # وفي يوم الثلاثاء 25 مارس كنت في المنزل، وكنت قد انتهيت لتوي من محادثة ~~تليفونية مع أحد الأصدقاء العرب الذي كان يهنئني بعيد المولد النبوي (12 ربيع ~~الأول)، وأثناء صعودي إلى غرفة المكتب رن التليفون من جديد، وإذا بمكتب ms459 الأخبار يقول ~~إنهم أرسلوا السيارة؛ لأن وكالة أنباء الشرق الأوسط «أخلت كل خطوطها» استعدادا ~~لنبأ مهم، ولا يريدون أن يسبقهم أحد إليه، فارتديت معطف المطر والقبعة الكندية ~~وخرجت لأجد السيارة، وفي لحظات كنت أستمع إلى إذاعة الرياض؛ إذ قيل إن الملك فيصل قد ~~قتل. وسرعان ما جاءت الأنباء المؤكدة من المصدر الأصلي عن اغتياله برصاص أحد أفراد ~~الأسرة أثناء الاحتفال بالمولد النبوي. وبعد قليل قال الراديو إن الأمراء «اتجهوا إلى ~~منزل الأمير خالد وبايعوه ملكا» وسرعان ما طيرت الخبر في عبارة واحدة حتى لا ~~تسبقنا وكالات الأنباء الأخرى، وكان يقول # Khalid is new Saudi ~~King # ثم جلست أترجم النبأ لأتعثر في كلمة «بايعوه»! # ووقفت في ضيق واضح لأنظر في المعاجم، فأسرع إلي المشرف وكان رجلا مهذبا من ~~ليسوتو اسمه هاتون # Hutton # ليسأل عن المشكلة، فقلت له ~~«كلمة»! فقرأ الخبر الناقص في الورقة التي كانت ما تزال في الآلة الكاتبة وسألني كأنما ~~ليكمل العبارة لي # they proclaimed him king? # وقلت له ~~نعم! وسرعان ما اختطف الورقة وأرسلها إلى عاملة التليكس كي تطير النبأ، ~~لكنني عدت إلى الكلمة لأتساءل عن معنى البيعة. وفي ~~لحظة خلتها دهرا تزاحمت في ذهني معاني البيعة والمبايعة في تاريخنا العربي، فذكرت ~~«بيعة العقبة»، وغيرها من الأحداث التي تجعل الكلمة زاخرة بمعان لا تخرج في كلمة ~~واحدة؛ فهي تتضمن الانتخاب وإعلان الولاء معا، إلى جانب ما يوحي ذلك كله به من ~~وفاء وإخلاص وثقة، وأين ذلك من الكلمة المفردة التي تناقلتها وكالات الأنباء نقلا عني ~~في ظهيرة ذلك اليوم من أيام الربيع؟ واضطررت إلى إصدار نشرة أخرى أضفت فيها تلك ~~المعاني، ثم ذهبت إلى الكافتيريا لإحضار كوب من الشاي بعد أن أوصيت والد جون بولارد ~~أن يأتيني بالترجمات الإنجليزية التي تبثها وكالات الأنباء العربية (أي العاملة في ~~البلدان العربية) حتى أقارن وأوازن وأحكم، ولكن الجميع كان يردد الكلمة ~~«المؤقتة» التي اقترحها هاتون دون الاطلاع على الكلمة العربية! # وانثنيت أفكر في مدى الاختلافات في التفكير (النابعة من اختلاف الثقافة) ms460 التي ~~تتحكم في اختلاف صورتنا في العالم الخارجي، واختلاف صورة العالم الخارجي لدينا، ~~وذكرت عبارة أخرى كانت قد وردت في تعليق إذاعة صوت العرب عقب اجتماع نيكسون مع ~~بريجينيف قبل ثلاثة أعوام، وكان الذي كتبه عبد الفتاح العدوي، صديقي القديم (رحمه ~~الله) وهي: إن الانفراج الدولي «يأخذ بخناقنا»! كنت ترجمتها آنذاك بتعبير # is at our throat # ولكن أحد زملائي المحررين ~~اقترح أن يجعل لها رنينا جذابا وهو # throttle # وهو ~~فعل يعني الخنق، ولا يوحي بالتنازع الذي يمسك فيه الرجل ب «خناق» غريمه، ومنها ~~«الخناقة» بالعامية والفعل «يتخانق» المصري! وعندما اعترضت قال لي: هذه مسئوليتي. ~~ولحسن الحظ أن الخبر لم يكتب له أن ينشر، وإن كان مكتب الأخبار كله يعتقد أن ~~المعنى هو أن الانفراج الدولي في رأي كاتب التعليق «خانق» ~~(suffocating) ~~! # وقلت في نفسي إن هي إلا أيام وأعود إلى مصر، ترى هل تصبح دقة الترجمة عاملا ~~يساهم في تصحيح صورتنا؟ إن لغة الأخبار يسيرة موطأة الأكناف؛ فقوالبها ثابتة ~~محفوظة، أما لغة الأدب فما أشقها وأعسرها! وما بالك بلغة الثقافة العربية ذات ~~الجذور العميقة في التاريخ والمعتقدات! لا شك أن تلك رسالة لا تقل قيمتها عن الكتابة ~~والنقد، والصحوة العربية تقتضي صحوة لغوية لا تقتصر على أجهزة الإعلام، بل تشمل كل ما ~~نترجمه من آدابهم وما يترجمونه من آدابنا - بل وما ينبغي أن نترجمه نحن من ~~آدابنا! # لا، لم يعد الهدف من العودة تدريس الأدب الإنجليزي للصغار، بل القيام بما هو أهم ~~وأفعل وأجدى وأقيم! # 5 # قدمت الرسالة في أبريل، بعد انتهاء موعد فصل الربيع، وحددت الجامعة لجنة ~~الممتحنين، وكانت تضم البروفسور روجر شاروك والبروفسور ماثيوز (صديقي المتخصص في ~~شلي) ولم يعد أمامي سوى انتظار تحديد موعد المناقشة، وسمعت في أواخر مارس أن السادات ~~سوف يعيد فتح قناة السويس يوم 5 يونيو، وأن مكتب الأخبار يتوقع أن يلقي خطابا في ~~هذه المناسبة، وأرسل يسألني هل ستكون معنا هنا؟ ولم أتردد. نعم؛ فلا بد من دخل ~~إضافي يساعدني على تحمل نفقات ms461 السفر وشحن الأثاث والكتب وما إلى ذلك. # كنت أعمل جاهدا على استكمال مكتبتي حين ساقتني خطاي إلى مكتبة كبرى في لندن، ~~وجعلت أتطلع إلى دواوين الشعراء، وإذا ببعض الكتب المعروضة تباع بتخفيضات تصل إلى ~~50٪، فتأملت بعضها فإذا بها - كما يقول الغلاف - ترجمات عن العبرية الحديثة؛ أي ~~عن اللغة المستخدمة في إسرائيل، وإذا بكتابها مجهولون تدور أعمالهم عن «مثالية» ~~الحياة في إسرائيل، و«الدرس» الذي يتعلمه الإنسان، أو ينبغي على كل إنسان أن ~~يتعلمه من الحياة «محاصرا» بالأعداء، وكان وصف العرب بأنهم الأعداء مألوفا، لكن ~~وصف إسرائيل بأنها «جزيرة السلم والأمان» في بحر هائج متلاطم الموج يهدد باكتساح ~~أهلها كان سخيفا وغير شاعري بالمرة! وتساءلت في نفسي: هل يريد اليهود للعالم أن ~~يصدق أن العرب وحوش يريدون ابتلاعهم؟ وكان السؤال الأهم: هل رد العرب على ذلك شعرا ~~أو نثرا؟ وإذا كانت تلك الدواوين مترجمة حقا عن العبرية - وهو ما كنت أشك فيه بل ~~وأستبعده - فهل ترجمنا نحن أدبنا حتى يرى العالم صورتنا الصادقة؟ وزاد ذلك من إيماني ~~بأهمية الرسالة التي أصبحت أومن بضرورة النهوض بها عند عودتي إلى مصر. # وعندما خرجت من المكتبة وجدت في الشارع نفسه # Shaftsbury ~~Avenue # المسرح الذي يحمل اسم الشارع ويعرض آخر ما كتبه آرثر ~~ميلر، وهي مسرحية «حادثة في فيشي» وهي تحكي بصراحة قصة اضطهاد اليهود إبان الحرب ~~العالمية الثانية، وتثير الشفقة عليهم، وتستعطف العالم وترجوه أن يمد يد المساعدة ~~إليهم! هل هذا هو الأدب الهادف؟ هل كتب علينا إذن أن نقتصر في تناولنا للأدب على مواطن ~~الجمال وبراعة الفن المسرحي (أو الشعري في الدواوين التي ذكرتها) بغض النظر عن ~~الدلالة؟ هل كتب علينا أن نتجاهل تساؤل شكري عياد «وبعدين؟». # وعندما عدت إلى ردنج طالعتني أنباء الصراع في لبنان بين الفلسطينيين والميليشيات ~~المسيحية (اليمينية) ولم أكن أعرف حقيقة ما يجري، ولم أتمكن من معرفته حتى الآن، ~~وكنت أحيانا أعجب لما يجري وأشفق على المؤرخين الذين يقولون إنهم موضوعيون لا ~~يبتغون إلا الحقيقة وحدها! فهل الحقيقة تقتصر على ms462 أن قتالا ما يدور في بيروت، أم ~~تتعدى ذلك إلى الذين يتقاتلون وما هي دوافعهم والقوى التي تساندهم؟ وفي بدايات ~~مايو كنت أدرك أن سنوات عشرا حافلة قد انقضت، وأن الطالب المصري الذي كان يتعمد ~~عزل نفسه عن السياسة قد أصبح رغم أنفه مشغولا بها، وأن انشغاله باللغة والأدب قد دفعه ~~دفعا إلى الانشغال بالحياة العامة، ولم أعد أقاوم رغبتي في متابعة أنباء سقوط سايجون ~~في أيدي الشيوعيين وهزيمة الأمريكيين في حرب كلفتهم 125 ألف قتيل، ومئات الآلاف من ~~الجرحى، وآلاف الملايين من الدولارات (30 أبريل) بعد سقوط كمبوديا (17 أبريل) وذكرت ~~عندها تلك الأمريكية الحسناء التي قابلتها في بوفيه محطة القطار وكانت كأنما تريد من ~~يسمع قصتها، وكيف فقدت زوجها وأخاها في فيتنام فضاقت الدنيا في عينيها، ورحلت إلى ~~أوروبا كأنما لتبدأ حياتها من جديد، ولكن أشباح من فقدوا كانت تطاردها، وانتهى بها ~~الأمر إلى العمل في البوفيه. وقد تخلفت عامدا يومها عن اللحاق بالقطار حتى أسمع ~~قصتها، وأتأمل فلسفة «الرحيل» التي كانت عزاءها الأوحد؛ فهي ترى الناس دائما وهم ~~يرحلون، وتنظر في وجه كل منهم وهي تتساءل في أعماقها : هل يعود يوما ما؟ وقلت في ~~نفسي إنها تصلح شخصية في قصة أو مسرحية. # ولم أكن نسيت حبي للكتابة المسرحية ولكنني كنت أتساءل الآن عن قضايا تتخطى فنون ~~الكتابة وتتعلق بالدلالة؛ فالأمريكيون الذين سيقوا دون إرادة إلى الحرب في فيتنام ~~كانوا يتصورون أنهم يدافعون عن الحرية، فما الحرية؟ هل من الحرية إرغام أو محاولة ~~إرغام شعب ما على تغيير نظامه الاجتماعي؟ وقرأت مقالا في صحيفة الجارديان يقول فيه ~~كاتبه إن قول الأمريكيين بأن قوات الفيتكونج اليسارية التي تقاتلهم لا تزيد نسبتها عن ~~10٪ من تعداد السكان يغفل أن القوات الأمريكية لا تمثل إلا نسبة لا تكاد تذكر من ~~الشعب الأمريكي، وأن العشرة في المائة لم تكن لتستطيع النجاح لولا مساندة 40 أو 50 في ~~المائة من السكان، مما يعني أن الغالبية هي التي تحارب، لا العشرة في المائة فقط، ~~بخلاف ms463 الحال في أمريكا حيث لا يساند المقاتلين إلا أقل القليل، وكلهم من أصحاب ~~المصالح الحاكمة! # وفي مايو أعلن الرئيس الأمريكي جيرالد فورد انتهاء حرب فيتنام رسميا، ولم يهتم ~~الكثيرون بذلك الإعلان إذ كانت الصحف البريطانية مهمومة بالتضخم الذي وصل إلى ذروته ~~في أواخر الشهر، وكانت النسبة مذهلة وهي 25٪، وكان ذلك بطبيعة الحال نتيجة استجابة ~~الحكومة العمالية لمطالب نقابات العمال برفع الأجور، بغض النظر عن زيادة الإنتاجية، ~~مما أدى إلى «طبع» المزيد من النقود، فانخفض سعر صرف الجنيه الاسترليني من جديد، ~~وارتفعت الأسعار في الأسواق، وبدأت الحملة التي أعادت - فيما بعد - حزب المحافظين ~~إلى الحكم. # وفي يوم 5 يونيو ذهبت في الصباح الباكر إلى العمل - وكان يوم خميس - حيث ترجمت خطاب ~~السادات في إعادة فتح القناة أمام الملاحة العالمية، ومكثت في مكتب الأخبار حتى انتهت ~~وقائع الاحتفال، وأرسلت الأنباء المفصلة إلى الصحف والإذاعات، وعدت إلى المنزل ~~لأجد خطابا يحدد لي موعد مناقشة الدكتوراه في 8 يوليو (يوم ثلاثاء) فأخبرت نهاد ~~فقالت آن الأوان للرحيل، وذهبنا في اليوم التالي إلى لندن مع سارة حيث حجزنا تذكرتين ~~لهما يوم 19 يوليو (يوم السبت)، وأرسلنا الخطابات إلى مصر بموعد عودتهما . وقضينا بقية ~~اليوم في لندن حتى المساء، وكان الجو صحوا وفضلنا تناول الغداء في إحدى ~~الحدائق. # وانهمكت في العمل على امتداد الشهر الباقي على مناقشة الدكتوراه، حتى يتوافر لي ~~أكبر قدر ممكن من النقود، وتخلصت نهاد من بعض الأشياء التي لم تكن تريدها؛ إما ~~بإهدائها إلى الأصدقاء، أو بتركها في المخزن الخاص بالمنزل، وسرعان ما انقضت الأيام، ~~وناقشت الرسالة، وبدأنا في تدبير ما سنفعله. # كانت سارة في تلك الأيام سعيدة بالحضانة، وكانت تحب المشرفة مرجريت ~~(nurse Margaret) # حبا شديدا وتصدق كل ما ~~تقوله، وذكرت مرجريت لنهاد ذات يوم أنها طلبت من الأطفال أن يلعبوا في كثيب رملي ~~صغير، وأخذت مرجريت تحفر فسألتها سارة عما تبحث عنه فقالت لها مرجريت أبحث عن ~~الذهب! فإذا بسارة تتحمس وتشمر عن ساعد الجد بحثا عن الذهب! وكانت مرجريت ms464 تحكي ~~لنا عن ميل سارة إلى النظام والتنظيم وعلاقتها مع الأطفال الآخرين، والصداقات التي ~~عقدتها مع بعضهم (واستمرت حتى بعد عودتها إلى مصر) وطبعا عن لغتها ~~«المثقفة»! # وفي نحو منتصف يوليو كنت أقف في المطبخ وأحاول إعداد طعام للغداء حين وجدت شخصا ~~يدخل من الباب المفتوح - كان للمطبخ باب يؤدي إلى الشارع أو إلى الممرات الداخلية في ~~المنطقة السكنية - ويلقي علي السلام بالعربية. كان سمير سرحان، وكان قد وصل من مصر ~~لتوه، ولم يكد يحط الرحال في فندق كوبيرج بشارع بيز ووتر حتى استقل القطار وجاء إلى ~~المكان الذي سبقت له زيارته! وقال بلهجة يتنازع فيها الجد والهزل: لقد جئت حتى ~~أعود بك إلى مصر! وعندما عادت نهاد بدأت مناقشاتنا ومسامراتنا التي لم تتوقف حتى ~~ذهبت لتوديع نهاد وسارة في المطار! # وشغلت بوجود سمير سرحان في لندن فكنت أذهب إليه ونقضي اليوم معا وأحيانا كنا ~~نعود معا إلى ردنج للمبيت، وفي الصباح نذهب إلى أوكسفورد، وكان يلح علي في كل ~~يوم أن أتصل بشركات الشحن حتى تتولى إرسال الأثاث إلى مصر، ففعلت ذلك، ودفعت ~~للشركة خمسمائة جنيه مقابل الإعداد والشحن وما إلى ذلك، وتحدد موعد الشحن في أواخر ~~أغسطس، ثم رحل سمير في أوائل أغسطس، ولم يقل لي إلا وأنا أودعه في المطار إن نهاد ~~جاد - زوجته - حامل وإن موعد الولادة في سبتمبر! # وذهبت إلى لندن لحجز مكان لي في إحدى رحلات مصر للطيران فوجدتها كاملة العدد حتى ~~منتصف سبتمبر! وكنت قلقا؛ لأن الشركة لم ترسل بعد من يأخذ أثاث الشقة، فقلت أنتظر ~~حتى يأتوا، وما إن وصلت السيارة الضخمة في الموعد المحدد وحمل الرجال كل شيء ~~(باستثناء أقل القليل) واطمأن قلبي، حتى ذهبت فأكدت الحجز للسفر يوم الأربعاء 17 ~~سبتمبر - وكان ذلك في رمضان! وقال لي المشرف على المساكن إنني أستطيع إخلاء البيت في ~~أي وقت أريد اعتبارا من أول سبتمبر دون أن يطالبني بدفع الإيجار؛ لأنه سوف يكلف ~~أحد المقاولين بإعداده للمستأجر الجديد في أول أكتوبر، وعرض علي ms465 دهام العطاونة ~~زميلي الفلسطيني أن أقيم عنده ابتداء من يوم 8 أو 9 سبتمبر فقبلت، وكان اشترى ~~منزلا في قرية كافرشام، وسيارة «ميني» (أوستن)، فأعددت ثلاث حقائب وذهبت بها إلى ~~المطار في صحبة توم هيتون الذي كان قد عاد من بلانتاير، وشحنتها جوا إلى مصر، ثم ~~أخذت ما بقي من حقائب وأشياء إلى منزل دهام يوم 8 سبتمبر، وقضيت في صحبته أياما ~~جميلة حتى حان موعد السفر. # كانت تلك الأيام وما تزال تبدو لي غائمة كأنما تطفو بها سحابة على وجه السماء؛ إذ ~~أحيانا ما كنت أسير ساعة أو ساعتين في الحقول وفي المروج، أنهل من الخضرة وصفاء ~~الجو ما لا تشبع عيناي منه أبدا، ولا يشغل فكري شيء؛ فلقد انقضت السنوات العشر وكانت ~~حافلة بما لم أحسب له حسابا يوما ما، وكنت قد تجاهلت مفكرتي ولم أعد أسجل ~~فيها شيئا، بل وتجاهلت الكتابة للأصدقاء والاختلاط بالناس؛ فأنا عائد إلى مصر وإلى ~~اللغة العربية، وإلى مراتع الطفولة واليفوعة والسماء الزرقاء، وكان ذهني غير قادر على ~~استيعاب معنى الرحيل؛ فهو معنى عسير لا يقل عسرا عن معنى الزمن، بل كان يبدو في ~~طابعه القاطع محالا بعد أن اعتدت تحول الفصول ومعنى العودة ودورة الأيام. وأعتقد ~~أن غرامي بتعبير دورة الزمن يرجع إلى ذلك الوعي العميق الذي اكتسبته من الحياة في ~~الطبيعة ومعها. # قد يتوقف القارئ عند تعبير «طابعه القاطع» - وقد يكون محقا في توقفه؛ لأن ~~الرحيل يعني الغياب، والغياب يعني الفراق الذي هو صنو الفناء، بل إن بعضنا يستخدم ~~التعبير كناية عن الموت، ولكن الرحيل الذي كنت بصدده كان لا يزيد في معناه عن ~~الانتقال من مكان إلى مكان مع عدم نفي إمكان العودة، بل كان الانتقال نفسه يعني ~~العودة إلى مكان قديم وزمان قديم، ولما كانت العودة إلى الزمن القديم محالة، فقد ~~خيل لي أننا نلقي بمعنى الزمن القديم على المستقبل حتى نكسبه معنى، أو نزيل ~~بعض ما يكتنفه من ظلال العماء، بحيث نشعر بدورة الزمن؛ فدورة الحياة من حولي ms466 تؤكد ~~ذلك في الطبيعة التي يتجسد فيها إبداع الخالق المتجدد أبدا، والذي ما انفك ~~يتجلى في دورات متعاقبة يأخذ بعضها برقاب بعض، ودورة الروح في أعماقي ما فتئت ~~تدفع بالصور في دوائر، وما برحت تؤكد التقاء المنبع والمصب؛ فمن حيث جئنا لا بد أن ~~نعود، وما الرحيل إلا خطوة واحدة من خطوات رحلتنا إلى الوجود المادي، ومن الوجود ~~المادي إلى غيره من صور الوجود! # لم أكن أتصور أبدا أنني لن أرجع إلى ذلك المكان مطلقا بعد ذلك، وما أكثر ما ~~رأيتني في الأحلام أزوره وأتحدث مع من فيه! فلقد تحول المكان في نفسي إلى واحة ~~دائمة الخضرة، أعتادها في خيالي لأبترد من هجير حياتنا اللاهثة اللافحة، وتحولت ~~بقعة المكان إلى بقعة زمنية - كما يقول الشاعر - وتحول كل ما فيها إلى إحساس صاف ~~قد يخلو من الخطوط ومن الألوان، وقد يرق فيصبح لطيفا كالنسيم، لا يحمل أريجا ولا ~~يرن بأي لحن، بل يصعد مثل الطاقة المجردة التي نعرف منها معنى الروح. # كنت في كل عام أسمع في شهر أبريل موسيقى باخ - وقطعته الشهيرة عذابات السيد المسيح ~~كما رواها القديس متى، التي أخذ منها عبد الوهاب موسيقى «إليها» - وكنت في كل عام ~~أهتز لسماعها وأعد نفسي بأن أحصل على الأسطوانة، وها أنا ذا أرحل دون ما أردت، ~~وكم كنت أنتظر سماع ألحان باخ الشجية، وخاصة أنغام الأرغن التي تشبه ألحان الطبيعة ~~التي تسبح للخالق جل وعلا، وكم دارت الأعوام وأنا أرسم لنفسي حياة مع الموسيقى ~~والشعر! وها أنا ذا أرحل دون شيء، في جيبي جنيهات معدودة، ونهاد تقول لي إنها سافرت ~~في سبتمبر إلى السعودية للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، فأنا أعود إلى مصر ~~وحدي، وبلا شيء سوى الأحلام، وما أظن أنني قد تعلمته، وأظن أنه يكفي لبداية ~~جديدة! # وفي يوم 17 سبتمبر صحبني توم هيتون إلى المطار حيث وزنت الحقيبة فأصر موظف شركة ~~مصر للطيران على أن أضع حقيبة يدي أيضا، وكان فيها عدد من كتبي المفضلة، فاتضح ms467 أن ~~الوزن أكثر من المسموح به، فقال لي لا بد أن تدفع ثمانين جنيها استرلينيا، وفي ~~استسلام تام أخرجت النقود، وأنا أقول «فليكن»، ودفعت في صمت، ويبدو أنه دهش فلم ~~يتكلم ووضع النقود في الدرج وأعطاني بطاقة الصعود إلى الطائرة. # جلست في الطائرة إلى جوار إبراهيم الشربيني - أمين عام مجلس الشعب - وزوجته، وعندما ~~قلت لهما إنني دفعت ثمانين جنيها انزعجا وسألاني عدة أسئلة، وقطعنا الوقت في الحديث، ~~وعندما وصلت الطائرة في نحو منتصف الليل، أمر المضيف ركاب الدرجة السياحية أن ~~يلزموا أماكنهم ريثما يهبط كبار المسافرين، ولمحت بينهم الدكتور عبد القادر حاتم، وصاح ~~البعض: «كوسة! كوسة!» ولم أفهم، فسألت الأستاذ إبراهيم فقال لي إنها تعني «المحاباة»! ~~ولم أعلق. لقد تغيرت اللغة، ولا بد من بذل جهد جديد لفهمها! # وفي المطار وجدت من يستقبلني عند باب الدخول من الطائرة، وكان أحد العسكريين الذي ~~أرسله أحد أقاربي لمساعدتي في الخروج، وبذل الشاب جهدا حتى انتهى من ختم جواز السفر، ~~وتفتيش الحقيبة بدقة، ثم الخروج حيث وجدت أخي مصطفى وصديق عمري أحمد السودة. لقد عدت ~~إلى مصر! # | ملحق صور # أمام المنزل رقم 21 شارع داربي عام 1973. # في الحديقة الخلفية للمنزل 21 شارع داربي شتاء عام 1973م. # عبد اللطيف الجمال في شقتنا رقم 51 شارع داربي. # أمام بحيرة وندرمير في حي البحيرات شمال إنجلترا. # أمام أحواض زهور الزنابق والأقاحي عام 1966م. # في غابات اسكتلنده. # أمام بحيرة وندرمير في حي البحيرات في شمال إنجلترا. # محمد عناني/نهاد صليحة في حديقة هايد بارك (صورة الزفاف). # في منزل شيكسبير. # سمير سرحان في الشقة رقم 51 شارع داربي. # أول صورة بعد وصول نهاد صليحة من مصر سبتمبر 1966م. # معرض الفنان أحمد سليم في لندن. # سمير سرحان ونهاد جاد في محطة القطار بعد العثور على المعطف المفقود ~~(أغسطس 1968م). # نهاد في سوق السبت (لندن - سبتمبر 1966م). # أمام ساعة بيج بن. # هيلاري وايز صديقتنا في لندن. # سمير سرحان في لبليان بنسون هول (لندن). # سمير ونهاد صليحة ونهاد جاد في المنزل شارع ms468 بوثويل عام 1968م. # سمير سرحان ونهاد صليحة في حديقة هايد بارك. # نهاد صليحة في لندن. # سمير سرحان ونهاد جاد في مدينة برايتون 1971م. # عناني ونهاد (الحامل في سارة) وسمير في مدينة برايتون الساحلية. # نهاد والدكتور بشير إبراهيم بشير. # سمير ونهاد جاد يقرآن الصحف مع بائع الصحف. # أمام منزل الدكتور/صمويل جونسون في لندن. # على جسر ووترلو، ويبدو المسرح القومي البريطاني في أقصى الخلف، وبجانبه ~~قاعة احتفالات الملكة إليزابيث. # على التل المطل على بحر الشمال في اسكتلنده. # محمد عناني ميدان الملكة في إدنبرة. # نهاد في رحلة إلى الجنوب. ms469