######OpenITI# #META# URI: 1443MuhammadCinani.Zaytun.Hindawi13719683 #META# Tags: novels #META# ID: 13719683 #META# Title: زيتون #META# AuthorID: 71570205 #META# Author: دايف إيجرز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 84758179 #META# Translator: محمد عناني #META# Related_books: 1450DaveEggers.Zeitoun (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم‏ # إهداء‏ # أقوال مأثورة‏ # ملاحظات على هذا الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # مؤسسة زيتون‏ # شكر وتقدير‏ # تقديم‏ # إهداء‏ # أقوال مأثورة‏ # ملاحظات على هذا الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # مؤسسة زيتون‏ # شكر وتقدير‏ # | زيتون # | زيتون # تأليف # دايف إيجرز # ترجمة # محمد عناني # | تقديم # على نحو ما أذكر في كتابي «فن ~~الترجمة» - وما فتئت أردد ذلك في كتبي التالية عن الترجمة - ~~يعد المترجم مؤلفا من الناحية اللغوية، ومن ثم من الناحية ~~الفكرية. فالترجمة في جوهرها إعادة صوغ لفكر مؤلف معين ~~بألفاظ لغة أخرى، وهو ما يعني أن المترجم يستوعب هذا الفكر حتى ~~يصبح جزءا من جهاز تفكيره، وذلك في صور تتفاوت من مترجم إلى ~~آخر، فإذا أعاد صياغة هذا الفكر بلغة أخرى، وجدنا أنه يتوسل بما ~~سميته جهاز تفكيره، فيصبح مرتبطا بهذا الجهاز. وليس الجهاز ~~لغويا فقط، بل هو فكري ولغوي، فما اللغة إلا التجسيد للفكر، وهو ~~تجسيد محكوم بمفهوم المترجم للنص المصدر، ومن الطبيعي أن يتفاوت ~~المفهوم وفقا لخبرة المترجم فكريا ولغويا. وهكذا فحين يبدأ ~~المترجم كتابة نصه المترجم، فإنه يصبح ثمرة لما كتبه المؤلف ~~الأصلي إلى جانب مفهوم المترجم الذي يكتسي لغته الخاصة، ومن ثم ~~يتلون إلى حد ما بفكره الخاص، بحيث يصبح النص الجديد مزيجا من ~~النص المصدر والكساء الفكري واللغوي للمترجم، بمعنى أن النص ~~المترجم يفصح عن عمل كاتبين؛ الكاتب الأول (أي صاحب النص ~~المصدر)، والكاتب الثاني (أي المترجم). # وإذا كان المترجم يكتسب أبعاد المؤلف بوضوح في ترجمة النصوص ~~الأدبية، فهو يكتسب بعض تلك الأبعاد حين يترجم النصوص العلمية، ~~مهما اجتهد في ابتعاده عن فكره الخاص ولغته الخاصة. وتتفاوت تلك ~~الأبعاد بتفاوت حظ المترجم من لغة العصر وفكره، فلكل عصر لغته ~~الشائعة، ولكل مجال علمي لغته الخاصة؛ ولذلك تتفاوت أيضا أساليب ~~المترجم ما بين عصر وعصر، مثلما تتفاوت بين ترجمة النصوص الأدبية ~~والعلمية. # وليس أدل على ذلك من مقارنة أسلوب الكاتب حين يؤلف نصا ~~أصليا، بأسلوبه حين ms001 يترجم نصا لمؤلف أجنبي، فالأسلوبان ~~يتلاقيان على الورق مثلما ~~يتلاقيان في الفكر. فلكل مؤلف، سواء كان مترجما أو أديبا، ~~طرائق أسلوبية يعرفها القارئ حدسا، ويعرفها الدارس بالفحص ~~والتمحيص؛ ولذلك تقترن بعض النصوص الأدبية بأسماء مترجميها مثلما ~~تقترن بأسماء الأدباء الذين كتبوها، ولقد توسعت في عرض هذا القول ~~في كتبي عن الترجمة والمقدمات التي كتبتها لترجماتي الأدبية. ~~وهكذا فقد يجد الكاتب أنه يقول قولا مستمدا من ترجمة معينة، ~~وهو يتصور أنه قول أصيل ابتدعه كاتب النص المصدر. فإذا شاع هذا ~~القول في النصوص المكتوبة أصبح ينتمي إلى اللغة الهدف (أي لغة ~~الترجمة) مثلما ينتمي إلى لغة الكاتب التي يبدعها ويراها قائمة في ~~جهاز تفكيره. وكثيرا ما تتسرب بعض هذه الأقوال إلى اللغة الدارجة ~~فتحل محل تعابير فصحى قديمة، مثل تعبير «على جثتي # over my dead body ~~» الذي دخل إلى ~~العامية المصرية، بحيث حل حلولا كاملا محل التعبير الكلاسيكي ~~«الموت دونه» (الوارد في شعر أبي فراس الحمداني)؛ وذلك لأن السامع يجد ~~فيه معنى مختلفا لا ينقله التعبير الكلاسيكي الأصلي، وقد يعدل هذا ~~التعبير بقوله «ولو مت دونه»، لكنه يجد أن العبارة الأجنبية أفصح ~~وأصلح! وقد ينقل المترجم تعبيرا أجنبيا ويشيعه، وبعد زمن يتغير ~~معناه، مثل «لمن تدق ~~الأجراس» # for ~~whom the bell tolls ~~؛ فالأصل معناه أن الهلاك قريب من سامعه ~~(It tolls for thee) ~~، حسبما ورد في ~~شعر الشاعر «جون دن»، ولكننا نجد التعبير الآن في الصحف بمعنى «آن ~~أوان الجد» (المستعار من خطبة الحجاج حين ولي العراق): # آن أوان الجد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # فانظر كيف أدت ترجمة الصورة الشعرية إلى تعبير عربي يختلف معناه، ~~ويحل محل التعبير القديم (زيم اسم الفرس، وحطم أي شديد ~~البأس، ووضم هي «القرمة» الخشبية التي يقطع الجزار عليها ~~اللحم)، وأعتقد أن من يقارن ترجماتي بما كتبته من شعر أو مسرح أو ~~رواية سوف يكتشف أن العلاقة بين الترجمة والتأليف أوضح من أن ms002 تحتاج إلى ~~الإسهاب. # محمد عناني # القاهرة، 2021م # | إهداء # إلى عبد الرحمن، وكاثي، وزخاري، ونديمة ، وعائشة، وصفية، ~~وأحمد، في نيو ~~أورلينز. # إلى أحمد، وأنطونيا، ولطفي، وليلي، في مالقة. # إلى قصي، وندى، ومحمود، وزكية، ولؤي، وإيمان، ~~وفايزة، وفاطمة، وعائشة، ومنى، ونصيبة. # وجميع أفراد أسرة زيتون في جبلة، واللاذقية، وجزيرة ~~أروض. # إلى سكان «نيو أورلينز». # | أقوال مأثورة # ... قد يوجد في تاريخ العالم ما يمكن أن تزيد عقوبته حتى عن ~~الجريمة ... ~~«كورماك ما كارثي»، الطريق # في عيني من يمسك مطرقة، يبدو كل شيء مسمارا. ~~«مارك توين» # | ملاحظات على هذا الكتاب # هذا عمل غير خيالي، بني أساسا على ما رواه عبد الرحمن زيتون، ~~وزوجته كاثي زيتون، وتأكدت من صحة التواريخ، والأوقات، والأماكن ~~استنادا إلى مصادر أخرى مستقلة، وإلى السجلات التاريخية. كما أوردت ~~المحادثات وفق أفضل ما وعته ذاكرة المشاركين في الأحداث، ولكني غيرت ~~بعض الأسماء. # ولا يحاول هذا الكتاب أن يصبح كتابا شاملا لكل ما يتعلق بمدينة نيو ~~أورلينز أو إعصار كاترينا، إنه رواية وحسب لما مرت به أسرة واحدة من ~~الأحداث قبل العاصفة وبعدها، وقد كتب بمشاركة كاملة من أفراد أسرة ~~زيتون، وتتجلى فيه نظرتهم إلى الأحداث. # | الفصل الأول # الجمعة، 26 من أغسطس 2005 # في الليالي التي يغيب فيها القمر، يخرج الرجال والصبيان في جبلة؛ ~~تلك القرية الصغيرة ذات الشوارع الترابية التي تعيش على صيد السمك ~~على ساحل سوريا، فيجمعون مصابيحهم وينطلقون إلى البحر في أهدأ ~~قواربهم، وهكذا تبحر خمسة قوارب أو ستة، وفي كل منها صيادان أو ~~ثلاثة، وعلى مبعدة ميل من الشاطئ تنتظم قواربهم على شكل دائرة في ~~البحر الغارق في الظلام، ثم يلقون بشباكهم في الماء، رافعين ~~مصابيحهم فوق صفحة الماء كأنما يسطع القمر عليها. # وسرعان ما تبدأ أسراب السردين في التجمع، فتبدو كتلة فضية اللون ~~صاعدة من الأعماق؛ طلبا لغذائها من العوالق الحية الصغيرة التي ~~اجتذبتها الأضواء، فتبدأ الالتفاف والدوران في سلسلة ذات حلقات غير ~~مترابطة، وتزداد أعداد أفرادها في الساعة التالية، فتغلق الفجوات ~~السوداء بين الحلقات الفضية، بحيث يبصر ms003 الصيادون من تحتهم كتلة ~~مصمتة من الفضة تدور حول نفسها. # لم يكن عبد الرحمن زيتون قد جاوز الثالثة عشرة من عمره حين بدأ ~~يمارس صيد السردين بهذا الأسلوب الذي يسمى «لامبارا» المستعار من ~~الإيطاليين، وكان قد انتظر سنوات طويلة للحاق بالرجال والشبان في ~~قواربهم الليلية، وقضى تلك الفترة في طرح الأسئلة. لماذا لا يخرجون ~~إلا في الليالي غير المقمرة؟! وأجابه أحمد قائلا: «لأن العوالق ~~تبرز بوضوح في الليالي المقمرة في كل مكان، وتنتشر في أرجاء البحر ~~كله، فيستطيع السردين أن يرى تلك الكائنات الدقيقة البراقة بسهولة ~~ويأكلها، وأما في الليالي غير المقمرة فيستطيع الرجال أن يأتوا ~~بقمر من عندهم، أي مصباح، فيجتذبوا السردين إلى السطح في تجمعات ~~مذهلة.» وقال أحمد لأخيه الصغير: «عليك أن ترى ذلك، فلم تشاهد من ~~قبل شيئا يشبهه!» # وعندما أبصر عبد الرحمن أول مرة ذلك السردين وهو يدور في الماء ~~الحالك، لم يصدق ما يشاهد؛ جمال الحلقة الفضية المتماوجة تحت الضوء ~~الأبيض والذهبي للمصابيح، ولم ينطق بكلمة واحدة، كما حرص الصيادون ~~على التزام الصمت، فجعلوا يجدفون من دون تشغيل المحركات؛ خشية ~~إخافة الأسماك النافرة فتهرب. كان من عادتهم أن يتهامسوا فوق البحر ~~فيطلقوا الفكاهات، ويتحدثوا عن النساء والفتيات وهم يرقبون الأسماك ~~ترتفع من تحتهم وتدور. وبعد بضع ساعات عندما يجتمع السردين - عشرات ~~الآلاف اللألاءة في الأضواء المتكسرة - يحكم الصيادون طرح الشبكة ~~ويأتون بالأسماك إلى القوارب. # وفي طريق العودة إلى الشاطئ يديرون المحركات ويحملون الأسماك إلى ~~تاجر الجملة في السوق قبل بزوغ الفجر، حيث يدفع النقود للرجال ~~والصبيان، ثم يبيع الأسماك في شتى أنحاء غرب سوريا؛ في اللاذقية، ~~وبانياس، ودمشق. ويتقاسم الصيادون النقود، ويعود عبد الرحمن وأحمد ~~بنصيبيهما إلى المنزل. كان والدهما قد توفي قبل عام واحد، وأمهما ~~واهنة، ومن ثم كان كل ما كسباه من صيد السمك ينفق على المنزل ~~الذي كانا يعيشان فيه مع عشرة أشقاء. # ولكن عبد الرحمن وأحمد لم يكونا يوليان المال اهتماما كبيرا، ~~بل كانا على استعداد للقيام بهذا العمل من دون ms004 مقابل. ~~••• # وبعد أربع وثلاثين سنة، وعلى مبعدة آلاف الأميال غربا، كان عبد ~~الرحمن زيتون في فراشه صباح يوم جمعة، وقد أخذ يفيق ببطء من حلم ~~أتاه قرب الصباح يحمل شتات ذكرى تلك الليلة غير المقمرة في جبلة. ~~إنه الآن في نيو أورلينز يسمع صوت أنفاس زوجته كاثي الراقدة إلى ~~جواره، ولم تكن زفراتها تختلف عن هسهسة الماء على جوانب القارب ~~الخشبي، وفيما عدا ذلك كان الصمت يسود المنزل، كان يعرف أن الساعة ~~تقترب من السادسة، وأن الهدوء لن يستمر؛ إذ كان ضوء الصباح عادة ما ~~يوقظ الأطفال عندما يصل إلى نوافذهم في الطابق الثاني، كان أحد ~~الأربعة يفتح عينيه، فتبدأ الحركة السريعة، وسرعان ما تعلو الأصوات ~~في المنزل، فما إن يستيقظ أحدهم حتى يستحيل إبقاء الثلاثة الآخرين ~~في الفراش. # وصحت كاثي على صوت رطمة مكتومة في الطابق العلوي، وكان مصدرها ~~غرفة من غرف الأطفال، فأصاخت السمع وهي تدعو الله في نفسها أن يعود ~~الهدوء. كان كل صباح يتسم بفترة دقيقة، ما بين السادسة والسادسة ~~والنصف، تلوح فيها الفرصة، وإن كانت بعيدة الاحتمال، لاستراق بعض ~~النوم ولو عشر دقائق أو خمس عشرة، ولكن صوت الرطمة تلاه صوت رطمة ~~أخرى، ونبحت الكلبة، وتلا ذلك رطمة أخرى. ماذا كان يحدث في هذا ~~المنزل؟ وتطلعت كاثي إلى زوجها فوجدته يحدق في السقف. كان هدير ~~الحياة قد عاد إلى المنزل. # وبدأ رنين التليفون قبل أن يضعا أقدامهما على أرضية الغرفة، وهو ~~ما يحدث في كل يوم، كان زيتون وكاثي يديران شركة للمقاولات ~~المعمارية والطلاء، وكان معظم الناس ينادونه باسم الأسرة «زيتون» ~~لأنهم لا يستطيعون نطق اسمه الأول، وفي كل يوم كان العاملون في ~~الشركة وعملاؤها وجميع من لديهم تليفون ورقم تليفونهما، يتصورون، ~~فيما يبدو، أنه من المناسب أن يتصلوا بهما بمجرد أن تحين السادسة ~~والنصف صباحا، وكانوا يتصلون، وعادة ما كانت المكالمات تكثر في ~~السادسة والنصف تماما إلى الحد الذي يجعل نصفها يتحول إلى جهاز ~~التسجيل الصوتي. # وتولت كاثي الرد على المكالمة الأولى من عميل ms005 يقيم في الجانب ~~الآخر من المدينة، بينما انطلق زيتون ليغتسل في الحمام، كان يوم ~~الجمعة دائما يوم ازدحام العمل، ولكن هذا اليوم كان ينذر بالجنون ~~خصوصا بسبب سوء الأحوال الجوية المتوقع؛ إذ كانت الأحاديث المقلقة ~~تتردد طوال الأسبوع عن العاصفة المدارية التي تعبر جزائر فلوريدا ~~الغربية واحتمال اتجاهها شمالا، وعلى الرغم من أن هذا الاحتمال ~~كان يتكرر في شهر أغسطس من كل عام ولم يكن يثير دهشة معظم الناس، ~~فإن عملاء كاثي وزيتون وأصدقاءهما كانوا الأشد حرصا؛ كثيرا ما ~~يتخذون أهبتهم له، وكان المتصلون بالتليفون على امتداد الصباح كله ~~يريدون أن يعرفوا إن كان زيتون سوف يسد الشبابيك والأبواب بألواح ~~خشبية، وإن كان سوف ينتهي من العمل في مبانيهم قبل هبوب الرياح ~~العاصفة، وكان العمال يريدون أن يعرفوا إن كان عليهم القدوم للعمل ~~في ذلك اليوم أو في اليوم التالي. # وأجابت كاثي عن إحدى المكالمات، فبدأت بذكر اسم الشركة «شركة ~~زيتون للمقاولات المعمارية والطلاء» - محاولة أن تبدو يقظة منتبهة. ~~كانت المتحدثة عجوزا تقيم وحدها في منزل فاخر في حي الحدائق، ~~وكانت تسأل إن كان عمال زيتون سوف يأتون لسد نوافذها بألواح ~~خشبية. # وأجابت كاثي: «قطعا، طبعا.» وقدماها تقعان بقوة على أرضية ~~الغرفة، كانت قد استيقظت تماما، كانت كاثي تتولى مهام السكرتارية ~~في الشركة، وإمساك الدفاتر، والمحاسبة، وإدارة العلاقات العامة، ~~باختصار جميع المهام في المكتب، ويتولى زوجها مهام البناء والطلاء، ~~كان التوازن بينهما كاملا، فلما كانت إجادة زيتون للإنجليزية ~~محدودة، وكان لا بد من التفاوض عند عقد الصفقات، كان العملاء ~~يطمئنون عندما يستمعون إلى نبرات كاثي ذات الحروف الممطوطة التي ~~يتميز بها سكان ولاية لويزيانا. # كان ذلك يمثل جانبا من جوانب عمل الشركة، أي مساعدة العملاء على ~~إعداد منازلهم لاتقاء العواصف المتوقعة. ولم تكن كاثي قد شغلت ~~بالها بالعاصفة التي كانت تلك العميلة تتحدث عنها، ولم يكن سقوط ~~بضع الأشجار في جنوب فلوريدا كافيا لشد انتباهها. # وقالت كاثي للمرأة: «سنرسل إليكم بعض العمال عصر اليوم.» ~~••• # كان قد مضى على زواج كاثي ms006 وزيتون أحد عشر عاما، وكان زيتون قد ~~أتى إلى المدينة قبل سبعة عشر عاما في عام 1994م، من مدينة ~~هيوستن، ثم باتون روج، وبضع مدن أمريكية أخرى كان قد استطلعها في ~~شبابه، وكانت كاثي قد نشأت وترعرعت في باتون روج وغدت تألف السلوك ~~المعتاد في مواجهة العاصفة؛ تكرر الاستعدادات والانتظار والترقب، ~~وحالات انقطاع الكهرباء، والشموع وكشافات الجيب، والدلاء التي ~~تتجمع فيها مياه الأمطار، وكان للعواصف التي تهب في أغسطس عشرة ~~أسماء أخرى أو أكثر، ونادرا ما كانت أيها جديرة بكل هذه ~~الاستعدادات، وقالت كاثي في نفسها: إن هذه العاصفة التي تسمى ~~«كاترينا» لن تكون مختلفة. # وفي الطابق السفلي كانت نديمة التي تبلغ العاشرة، وهي الثانية من ~~حيث السن بين الأطفال، تساعد في إعداد طعام الإفطار لأختيها ~~الصغريين عائشة وصفية، وكانتا في الخامسة والسابعة من عمريهما على ~~الترتيب، أما زخاري، ابن كاثي من زوجها السابق، وكان في الخامسة ~~عشرة، فكان قد غادر المنزل لمقابلة أصدقائه قبل الذهاب إلى ~~المدرسة. وأخذت كاثي في إعداد وجبات الغداء أثناء جلوس الفتيات ~~الثلاث إلى مائدة المطبخ، وكن يأكلن ويرددن حوارا من مشاهد من ~~فيلم «الكبرياء والهوى» بنبرات بريطانية. كن قد أولعن ولعا شديدا ~~بذلك الفيلم، وكانت نديمة ذات العينين السوداوين قد سمعت به من ~~صديقاتها وأقنعت كاثي بشراء أسطوانة ال «دي في دي» التي تحمله، ~~ومنذ وصوله والفتيات الثلاث يشاهدنه كثيرا، بل كل ليلة على مدى ~~أسبوعين. وعرفن كل شخصية وحفظن كل كلمة وتعلمن كيفية التظاهر ~~بالإغماء مثل العذارى الأرستوقراطيات. كان ذلك أسوأ ما حدث لهن منذ ~~أن شاهدن مسرحية «شبح الأوبرا»؛ إذ شعرن آنذاك بالحاجة إلى غناء كل ~~أغنية، في المنزل، أو في المدرسة، أو على السلم الكهربائي في ~~المركز التجاري بأعلى صوت. # لم يكن زيتون واثقا بأي الحالتين كانت أسوأ. وعندما دخل المطبخ ~~وشاهد بناته ينحنين ويؤدين تحيات المجاملات ويحركن مراوح وهمية في ~~أيديهن، قال في نفسه: «إنهن على الأقل لا يغنين»، وأخذ وهو يصب ~~لنفسه كوبا من عصير البرتقال يرقب هؤلاء الفتيات ms007 في حيرة، كان قد ~~نشأ في سوريا وكانت له سبع أخوات، لم تكن أيهن تعشق الدراما هذا ~~العشق، كانت بناته يحببن اللعب والتظاهر بالشجن، دائمات الرقص في ~~أرجاء المنزل، يتواثبن من فراش لفراش، وينشدن الأغاني بأصوات تتكلف ~~التهدج، ويتظاهرن بالإغماء. كان ذلك ولا شك بتأثير من كاثي. كانت ~~في الواقع تنتمي بروحها إليهن، فهي مرحة ذات طبع طفولي في سلوكها ~~وأذواقها، مثل الولع بألعاب الفيديو، وروايات هاري بوتر، وموسيقى ~~البوب المحيرة التي يستمعون إليها. وكان واثقا بأنها مصممة على أن ~~تهيئ لهن فترة طفولة هانئة تختلف عما مرت به هي. ~~••• # قالت كاثي لزوجها: «أهذا كل ما تفطر به؟!» إذ شاهدته يلبس حذاءه ~~استعدادا للخروج، كان متوسط الطول، قوي البنية في السابعة ~~والأربعين. أما كيف احتفظ بوزنه فكان لغزا؛ إذ يمكن ألا يتناول ~~إفطارا، ويكتفي بلقيمات في الغداء، ولا يكاد يلمس طعام العشاء، ~~وهو يعمل اثنتي عشرة ساعة كل يوم بنشاط لا يتوقف، ومع ذلك لم ~~يتذبذب وزن جسمه قط. وكانت كاثي تعرف على مدى العقد الماضي أن ~~زوجها ينتمي إلى نوع من الرجال الذين يتميزون بصلابة لا تفسير لها، ~~والاكتفاء الذاتي، وعدم الحاجة إلى شيء أبدا، والعيش على الماء ~~والهواء، من دون أن يصيبه ضرر أو مرض، ومع ذلك كانت تعجب له كيف ~~يقيم أوده! كان يمر في المطبخ ويقبل الفتيات في رءوسهن. # وقالت كاثي: «لا تنس تليفونك.» حين لمحته فوق فرن ~~الميكروويف. # ورد قائلا، وهو يضعه في جيبه: «ولماذا أنساه؟!» ~~- «وإذن أنت لا تنسى شيئا؟» ~~- «مطلقا!» ~~- «هل تزعم حقا أنك لا تنسى شيئا؟» ~~- «بل أزعم ذلك. هذا ما أقوله.» # لكنه ما إن نطق الكلمات حتى أدرك أنه أخطأ. # وقالت كاثي ضاحكة: «نسيت بنتنا البكر!» كان يدرك أنه وقع في الفخ ~~بقدميه، وابتسمت الصغيرات لوالدهن، كن يعرفن القصة خير ~~المعرفة. # وقال زيتون في نفسه: «إنه من الظلم أن تؤدي هفوة واحدة في أحد ~~عشر عاما إلى توفير الذخيرة لزوجته حتى تغيظه بها طوال حياته.» لم ~~يكن النسيان من طبع زيتون، ms008 ولكنه إذا حدث ونسي شيئا، أو إذا حاولت ~~كاثي أن تثبت أنه نسي شيئا، لم يكن عليها إلا أن تذكره بالوقت ~~الذي نسي فيه نديمة؛ إذ كان قد نسيها. لم ينسها فترة طويلة، ولكنه ~~نسيها يوما ما. # كانت نديمة قد ولدت يوم 4 من أغسطس، في الذكرى السنوية الأولى ~~لزفافهما، وكان المخاض شديد الوطأة، وفي اليوم التالي، وبعد أن ~~عادا إلى المنزل، قام زيتون بمساعدة كاثي على الخروج من السيارة ~~وأغلق الباب المجاور للراكب، ثم حمل نديمة وكانت لا تزال في كرسي ~~الرضع بالسيارة، وبدأ عند ذلك في حمل الطفلة في إحدى يديه ~~قابضا على ذراع زوجته باليد الأخرى. وكان الدرج الموصل إلى الطابق ~~الثاني قريبا من باب الدخول، وكانت كاثي تحتاج إلى المساعدة على ~~الصعود، فساعدها زيتون في صعود الدرجات العالية، وكاثي تئن ~~وتتأوه أثناء ذلك، حتى وصلا إلى غرفة النوم، حيث انهارت كاثي على ~~الفراش والتحفت بالأغطية. كان إحساسها بالراحة يصعب التعبير عنه ~~لفظا أو معنى لعودتها إلى المنزل حيث تستطيع الاسترخاء مع ~~رضيعتها. # ورفعت كاثي ذراعيها إليه قائلة: «أعطها لي!» # وألقى زيتون نظرة على عروسه، دهشا من فتنة جمالها الأثيري؛ إذ ~~كانت بشرتها مشرقة وضاءة، وعيناها يلوح فيهما الإرهاق. ثم سمع ما ~~قالته: «الطفلة!» كانت بطبيعة الحال تريد الطفلة، فاستدار ليعطيها ~~الطفلة، لكنه لم يجدها، لم تكن الطفلة تحت قدميه ولم تكن في ~~الغرفة. لم تكن الطفلة بالغرفة! # وقالت كاثي: «أين هي؟!» # وشهق زيتون شهقة سريعة قائلا: «لا أدري!» # وصرخت بصوت عال: «أين الطفلة يا عبده؟!» # وأصدر زيتون صوتا، ما بين الشهقة والصرخة، وانطلق يجري خارجا ~~من الغرفة، وأسرع نازلا الدرج فخرج من الباب الأمامي ورأى كرسي ~~السيارة فوق الكلأ، كان قد نسي الطفلة في الفناء. نسي الطفلة في ~~الفناء! كان كرسي السيارة يواجه الشارع. لم يلمح أولا وجه نديمة، ~~فأمسك بالمقبض وأدار الكرسي الصغير تجاهه وعندما شاهد الوجه الضئيل ~~للصغيرة التي لا تدري شيئا، مكورة ونائمة، ومسها بأصابعه لقياس ~~حرارتها، ولكنها كانت على ما يرام. # وحمل ms009 كرسي السيارة إلى الطابق العلوي، وسلم نديمة إلى كاثي، ~~وقبل أن يتيح لها الفرصة لتوبيخه، أو للتفكه مما حدث، أو طلب ~~الطلاق، انطلق هابطا الدرج بسرعة وخرج يمشي وحده. كان يحتاج إلى ~~السير وحيدا ذلك اليوم، بل احتاج إليه في أيام كثيرة تالية؛ حتى ~~يفهم ما فعل ولماذا فعله، أي كيف نسي طفلته وهو يساعد زوجته؟! ما ~~أصعب أن يقوم المرء بالأمرين، أي أن يكون شريكا لطرف وحاميا ~~للطرف الآخر. ما سبيل الموازنة بينهما؟ وقضى سنوات طويلة يتأمل ذلك ~~اللغز. # وأما اليوم، والجميع في المطبخ، فقد قرر زيتون ألا يتيح الفرصة ~~لكاثي حتى تعيد رواية القصة من جديد أمام أطفالهما، فلوح بيده ~~مودعا. # وتعلقت عائشة بساقه صائحة: «لا تخرج يا بابا!» كانت تحب الحركات ~~المسرحية، وكانت كاثي تسميها «دراما راما»، وأدى فيلم «الكبرياء ~~والهوى» إلى زيادة هذه النزعة سوءا. # كان ذهنه مشغولا بالعمل الذي ينتظره ذلك النهار، وكان يشعر بأنه ~~قد تأخر في الخروج، ولما تتجاوز الساعة السابعة والنصف. # وألقى زيتون بصره على عائشة، وأمسك بوجهها بين كفيه، وابتسم ~~لمرأى كمال الحسن في عينيها الدكناوين الدامعتين، ثم فصلها عن ~~ساقه كأنما يخلع سروالا مبللا، ولم تمض ثوان معدودة حتى كان ~~يقف في مدخل المنزل أمام الشاحنة، ويقوم بتحميلها بلوازمه. # وخرجت عائشة لمساعدته، وجعلت كاثي ترقبهما وهي تتأمل معاملته ~~للصغيرات. كان من العسير وصف ذلك؛ إذ لم يكن من الآباء الذين ~~يسرفون في إبداء الحب لأطفالهم، ومع ذلك لم يعترض يوما على ~~تواثبهن فوقه ولا على الإمساك به. كان حازما واثقا بنفسه، ولكنه ~~كان يجد في ذلك التسرية الكافية فيتيح لهن «المساحة» التي يطلبنها، ~~ويجد في نفسه من المرونة ما يكفي لقيامهن باستغلاله إذا دعت الحاجة ~~إلى ذلك، بل إنه حتى إذا تكدر من أمر ما، فإنه يخفي الكدر خلف قناع ~~عينيه بلونهما الأخضر العسلي وأهدابهما الطويلة. وعندما قابل كاثي ~~أول مرة كان يكبرها بثلاثة عشر عاما، ومن ثم لم يكن مرشحا ~~فورا للزواج منها، ولكن هاتين العينين اللتين كانتا تشعان ms010 ذلك ~~الضوء الغريب استولتا عليها. كانتا حافلتين بالأحلام، ولكنهما ~~ثاقبتا البصر أيضا، قادرتان على التقدير الصائب؛ كانتا عيني مقاول ~~ناجح. كان يلقي نظرة على مبنى أخنى عليه الدهر ويستطيع أن يرى بعين ~~خياله فورا ما يمكن أن يتحول إليه، وإلى جانب ذلك يحدد استنادا ~~على معرفته العملية التكاليف المطلوبة والزمن اللازم لإجراء ~~الإصلاحات. # وقامت كاثي بإحكام الحجاب الذي تلبسه، وهي تنظر في زجاج النافذة ~~الأمامية، فأدخلت الشعرات الخارجة منه - وكانت هذه عادة تلقائية - ~~وهي ترقب زيتون أثناء انطلاقه بالسيارة من مدخل المنزل إلى الشارع، ~~ومن خلفه سحابة رمادية تتلوى في الجو، وقالت في نفسها لقد آن ~~الأوان لشراء شاحنة جديدة. كانت الشاحنة التي يملكانها تشبه دابة ~~بيضاء متهالكة، طالت بها المعاناة ولكن يعتمد عليها، وقد غصت ~~بالسلالم والأخشاب، وتصدر قعقعة بسبب ما تناثر هنا وهناك من مسامير ~~لولبية وفراجين، وعلى جانب الشاحنة يعلو رمز الشركة الذي لا يختلف ~~من مكان لمكان، وتحته الاسم الرسمي «شركة زيتون للمقاولات ~~المعمارية والطلاء»، وأما الرمز فكان فرجون طلاء أسطواني الشكل ~~مرتكنا إلى ذيل قوس قزح، كان الرمز مبتذلا ولا شك ولكنه كان يصعب ~~نسيانه، فكان كل من في المدينة يعرفه؛ إذ كان يظهر فوق محطات ~~الأوتوبيس، ولافتات المتنزهات وأرائكها، وكان شائعا في مدينة نيو ~~أورلينز شيوع أشجار البلوط ونبات السرخس، ولكنه في البداية لم يكن ~~بشير خير على الإطلاق. # لم يكن زيتون يدري عندما وضع تصميم ذلك الرمز للمرة الأولى أن ~~لافتة تحمل رسما لقوس قزح عليها يمكن أن تعني أي شيء لأي شخص، ~~باستثناء رمزية الألوان والصبغات المتعددة التي يستطيع العملاء أن ~~يختاروا ما يشاءون منها، ولكن سرعان ما أصبح يدرك هو وكاثي دلالة ~~ذلك الرمز المضمرة. # الواقع أنهما ما إن وضعا ذلك الرمز حتى بدآ يتلقيان مكالمات من ~~أزواج من ذوي الميول الجنسية المثلية، ولم يكن في ذلك بأس على ~~الإطلاق؛ إذ يبشر بازدهار العمل، ولكنهما لاحظا في الوقت نفسه أن ~~بعض من يطلبونهما لأداء العمل كانوا يرفضون التعامل مع شركة زيتون ms011 ~~للمقاولات المعمارية والطلاء بمجرد وصول الشاحنة إلى منازلهم. كما ~~بدأ بعض العمال يتركون العمل بالشركة ظانين أن العمل بها سوف ~~يؤدي إلى تصور أنهم من ذوي الميول المثلية، أو أن الشركة كانت ~~تقتصر بصورة ما على تشغيل ذوي الميول المثلية. # وعندما أدرك زيتون وكاثي أخيرا الصلة بين قوس قزح وقوة دلالة ~~ذلك الرمز، ناقشا الأمر مناقشة جادة، وتساءلت كاثي إن كان زوجها ~~يريد أن يغير تصميم الرمز حتى يتحاشى إساءة تفسيره؛ إذ لم يكن لديه ~~أصدقاء أو أقارب مثليون. # ولكن زيتون لم يبد أدنى اهتمام بالتغيير، قائلا إن ذلك يتكلف ~~أموالا طائلة، بعد أن أعد ما يقرب من عشرين لافتة، ناهيك عن ~~البطاقات التجارية والأدوات الكتابية التي تحمل ذلك الرمز نفسه، ~~أضف إلى ذلك أن جميع عملائهما الجدد كانوا يدفعون فواتيرهم. لم تكن ~~المسألة تزيد في بساطتها على ذلك. # وقال زيتون ضاحكا: «تأملي الأمر جيدا؛ نحن زوجان مسلمان ندير ~~شركة للطلاء في لويزيانا، وليس من المستحسن تنفير العملاء.» فإذا ~~كان البعض سوف يصعب عليه قبول قوس قزح، فلا بد أن يصعب عليه قبول ~~الإسلام. # وهكذا استمر قوس قزح يشغل مكانه في رمز الشركة. # توقفت شاحنة زيتون في شارع إيرهارت، وإن كان جانب من ذهن الرجل ~~ما زال في جبلة. كان كلما اعتادته هذه الخواطر الصباحية فتذكر ~~طفولته، قضى فترة ما في التساؤل عن أحوال أهله جميعا في سوريا، عن ~~كل إخوته وأخواته وأقاربه المنتشرين في كل مكان على الساحل، وعن ~~غيرهم الذين رحلوا من هذا العالم من وقت طويل. كانت والدته قد ~~توفيت بعد سنوات قليلة من رحيل والده، كما فقد أخا يعتز كثيرا ~~به واسمه محمد في مقتبل عمره، ولكن باقي أشقائه الذين كانوا لا ~~يزالون في سوريا، وإسبانيا، والمملكة العربية السعودية كانوا بخير ~~حال، بل كانت أحوالهم مزدهرة بصورة فذة. # كانت عشيرة زيتون ذات منجزات رفيعة؛ إذ تحفل بالأطباء، ومديري ~~المدارس، وكبار ضباط الجيش، ورجال الأعمال، ولكل منهم غرام مشبوب ~~بالبحر؛ إذ نشأ الجميع وترعرعوا في منزل حجري ms012 ضخم على ساحل البحر ~~المتوسط، ولم يبتعد أحد منهم كثيرا عن البحر. وكتب زيتون في ~~مفكرته إشارة إلى ضرورة الاتصال بأهله في ذلك اليوم. كان يولد في ~~كل يوم أطفال جدد، بحيث لم تنقطع الأخبار قط. لم يكن عليه إلا أن ~~يتصل بأحد إخوته أو أخواته - وكان سبعة منهم لا يزالون في سوريا - ~~حتى يحيط بكل ما يريد أن يعرفه. # وأدار زيتون مفتاح الراديو ليسمع الأنباء، كانت العاصفة التي ~~يتحدث الناس عنها لا تزال بعيدة في فلوريدا، وتنتقل ببطء إلى ~~الغرب، ولم يكن من المتوقع لها أن تعبر الخليج إلا بعد بضعة أيام ~~أخرى، هذا إذا قدر لها أن تعبره، وعندما مضى بالشاحنة إلى أول ~~عمل من أعمال اليوم، ألا وهو ترميم قصر رائع عتيق في حي الحدائق، ~~حرك مؤشر الراديو بحثا عن شيء آخر، أي شيء. ~~••• # تطلعت كاثي وهي واقفة في المطبخ إلى الساعة، وشهقت. كان من ~~النادر أن تصحب الأطفال إلى المدرسة في الموعد المحدد، وكانت تعمل ~~على حل تلك المشكلة، أو تنتوي العمل على حل تلك المشكلة عندما يهدأ ~~العمل في ذلك الفصل من العام. كان الصيف أكثر فصول العام انشغالا ~~للشركة، فكثير من الناس يرحلون هاربين من الحرارة والرطوبة، طالبين ~~من الشركة طلاء بعض الغرف أو مدخل المنزل في أثناء غيابهم. # وأخذت كاثي تحث الأطفال على الإسراع بكلامها وحركات يديها حتى ~~اصطحبتهم حاملين معداتهم المدرسية إلى الشاحنة الصغرى، وانطلق ~~الجميع عبر نهر المسيسيبي إلى الضفة الغربية. # كانت لمشاركة زيتون وكاثي العمل في الشركة مزايا كثيرة، بل فوائد ~~جمة لا تعد ولا تحصى، ولكن المثالب كانت واضحة وتزداد باطراد، ~~كانا يقدران أرفع تقدير أن ذلك العمل يتيح لهما تحديد ساعات ~~العمل، واختيار عملائهما وأشغالهما، والقدرة على الوجود في المنزل ~~كلما دعت الحاجة على ذلك؛ إذ إن قدرتهما على الحضور والاستجابة لأي ~~شيء يتعلق بأطفالهما في أي وقت كانت دائما مصدرا للارتياح ~~العميق، ولكن عندما كان الأصدقاء يسألون كاثي إن كان من المستحب أن ~~يبدءوا هم أيضا أعمالهم ms013 الخاصة، كانت تنصحهم بألا يفعلوا ذلك ~~قائلة لهم: «إن صاحب العمل لا يدير عمله، بل إن العمل هو الذي ~~يديره ويتحكم فيه.» # كان زيتون وكاثي يجدان في عملهما جدا يزيد على جد أي شخص ~~يعرفانه، ولم يكن تبدو للعمل وللقلق نهاية. ليلا، وفي عطلة نهاية ~~الأسبوع، والعطلات، لم يكن للراحة أي مجال، وكانا في العادة يقومان ~~في الوقت نفسه بثمانية أعمال أو عشرة، ويتوليان الإشراف على ذلك من ~~مكتب منزلي ومساحة للتخزين في شارع دبلن، المتفرع من طريق ~~كارولتون، ناهيك بجانب العمل المتمثل في إدارة عقاراتهما، فقد حدث ~~في وقت ما أن بدآ يشتريان المباني، والشقق والمنازل، وأصبح الآن ~~لديهما ستة عقارات يقيم فيها ثمانية عشر مستأجرا. وكان كل مستأجر ~~يعتبر من زاوية أخرى شخصا يعتمد عليهما، شخصا آخر يسهران عليه، ~~ويوفران له المأوى، والسقف الذي يحميه، وأجهزة تكييف الهواء، ~~والماء النظيف، كان الواقع يقول إن النجاح أتى معه بضرورة التعامل ~~مع عدد مذهل من الأفراد بعضهم يتقاضى أجرا وبعضهم يدفع الإيجار، ~~ومنازل تحتاج إلى التحسين والصيانة، وفواتير تتطلب السداد، وفواتير ~~مطالبة بالدفع، ومعدات تشترى وتوضع في المخزن. # ولكنها كانت تعتز بما آلت إليه حياتها، وبالأسرة التي شاركت ~~زيتون في تكوينها، كانت تسير بالسيارة الآن مع بناتها الثلاث في ~~الطريق إلى المدرسة، وكان إدخالهن مدرسة خاصة، والاطمئنان إلى ~~التحاقهن بالجامعة، وتوافر كل ما يحتاجون إليه وزيادة، يدفعها إلى ~~أن تلهج بالشكر في كل لحظة وكل يوم. # كانت كاثي بنتا من تسعة أطفال، وكانت قد نشأت وترعرعت بأقل ~~القليل، وكان زيتون الأخ الثامن بين ثلاثة عشر طفلا، كما نشأ ~~وترعرع على ما يقترب من العدم، ولكن انظر إليهما الآن، انظر إلى ما ~~استطاعا بناءه! لقد استطاعا بناء أسرة مديدة، وعمل بارز النجاح، ~~واستطاعا الاندماج التام في مجتمع المدينة التي اتخذاها وطنا حتى ~~أصبح لهما أصدقاء في كل حي، وعملاء في كل عمارة تقريبا يمران بها، ~~وكانت هذه جميعا من نعم الله عليهما. # كيف يمكنها مثلا أن تتجاهل نديمة؟ كيف تأتى لهما ms014 أن ينجبا ~~مثل هذه الطفلة البالغة الذكاء، الواثقة بنفسها، المؤمنة بالواجب، ~~الحريصة على مد يد العون، والمتقدمة ذهنيا على عمرها بمراحل؟ ~~كانت فيما يبدو الآن في عداد الكبار، وكان حديثها قطعا ينم عن ~~النضج؛ إذ كثيرا ما تبدي فيه من الدقة والحذر ما يزيد على ما يفعل ~~والداها. وألقت كاثي نظرة إليها وهي تجلس الآن في مقعد الراكب ~~بجوارها تلعب بالراديو، كانت تمتاز دائما بسرعة البديهة، فعندما ~~كانت في الخامسة من عمرها وحسب، لا أكبر من خمسة أعوام، عاد زيتون ~~ذات يوم إلى المنزل لتناول الغداء فوجد نديمة تلعب على أرضية ~~الغرفة، ورفعت بصرها إليه وقالت: «أريد أن أصبح راقصة يا أبي!» ~~وخلع زيتون حذاءه وجلس على الأريكة، ثم قال وهو يدلك قدميه: «في ~~المدينة عدد أكبر مما ينبغي من الراقصات، ولكننا نحتاج إلى أطباء، ~~وإلى محامين، وإلى معلمين. أريدك أن تصبحي طبيبة حتى تعتني ~~بصحتي.» وفكرت نديمة فيما قاله لحظة ثم رددت قائلة: «لا بأس! إذن ~~أكون طبيبة!» وعادت إلى كراس الرسم وتلوين الصور. وبعد دقيقة واحدة ~~هبطت كاثي من الطابق العلوي بعد أن شاهدت الفوضى في غرفة نوم ~~نديمة، فقالت لها: «نظفي غرفتك يا نديمة.» لم تجفل نديمة، ولم ~~ترفع بصرها عن كراس الرسم، بل قالت: «لن أنظفها يا ماما، سوف أصبح ~~طبيبة، والأطباء لا يقومون بالتنظيف!» # بينما كانت السيارة تقترب من المدرسة رفعت نديمة صوت الراديو؛ إذ ~~التقطت أذناها خبرا عن العاصفة المقبلة. لم تكن كاثي تصغي باهتمام ~~كبير؛ إذ بدا لها أن نبرات التحذير المبكر المزعجة تتكرر ثلاث مرات ~~أو أربعا في كل موسم، منذرة بهبوب الأعاصير المتجهة مباشرة نحو ~~المدينة، ودائما ما كان اتجاهها يتغير، أو تهبط سرعة الريح في ~~فلوريدا أو فوق الخليج، فإذا قدر للعاصفة أن تصيب مدينة نيو ~~أورلينز على الإطلاق فسوف تكون شدتها قد تناقصت كثيرا، فلا تلبث ~~إلا يوما يسوده الغيوم وتهب فيه الرياح المتربة وتسقط فيه ~~الأمطار. # ولكن المذيع كان يتحدث في الراديو الآن عن العاصفة المتجهة إلى ~~داخل ms015 خليج المكسيك بقوة من الدرجة الأولى، وفي موقع يبعد نحو 45 ~~ميلا إلى الشمال الغربي من جزيرة «كي ويست »، وهي في أقصى غرب جزر ~~فلوريدا. وكان المذيع يقول إن العاصفة تتجه غربا. وأغلقت كاثي ~~الراديو، فلم تكن تريد للأطفال أن يقلقوا. # وسألت نديمة: «تظنين أنها سوف تصيبنا؟» # وردت كاثي قائلة إنها لا ترى للأمر أهمية، فمن ذا الذي عساه أن ~~يقلق إزاء عاصفة من الدرجة الأولى أو الثانية؟ وأخبرت نديمة أنها ~~ليست بشيء على الإطلاق، ثم ودعت الأطفال بالقبلات عند ~~المدرسة. # وعندما سمعت كاثي انصفاق أبواب السيارة الثلاثة انتابها شعور ~~مباغت وقاطع بالوحدة. وفي أثناء عودتها بالسيارة من المدرسة فتحت ~~الراديو من جديد. كان مسئولو المدينة يقدمون التوصيات المعهودة ~~بتخزين المؤن الكافية لاستهلاك ثلاثة أيام، وكان زيتون دائما ما ~~يعمل حسابا لذلك. ثم إذا بالمذيع يتحدث عن رياح سرعتها 110 أميال ~~في الساعة، إلى جانب الأمواج العالية التي أثارتها العاصفة في ~~الخليج. # وأغلقت الراديو ثانية، وطلبت زيتون على تليفونه الخلوي. # وسألته: «هل سمعت عن هذه العاصفة؟» # فقال: «أسمع أشياء مختلفة». # وعادت تسأل: «هل تظن أنها خطيرة؟» # ورد قائلا: «حقا؟ لا أعرف.» # كان زيتون قد أعاد ابتكار تعبير «حقا» فجعله يسبق عددا كبيرا ~~من عباراته، كأنما كان التعبير عوضا عن النحنحة. فإذا سألته كاثي ~~أي سؤال أجابها: «حقا، إنها مسألة عجيبة.» كان قد اشتهر بحكاياته ~~المسلية، والأمثال المألوفة في سوريا، والمقتطفات من القرآن، ~~والقصص المستقاة من أسفاره حول العالم. وكانت كاثي قد اعتادت ذلك ~~كله، فيما عدا تعبير «حقا»، وإن كانت قد كفت عن معارضتها. كانت ~~بالنسبة إليه مثل استهلال عبارة بالحشو كتعبير «أتعرف؟» أو «فلأقل ~~لك شيئا». كان قائلها زيتون، وكان لا بد أن تجد فيها سببا ~~للإعزاز. # وأردف قائلا: «لا تقلقي. هل الأطفال في المدرسة؟» # وردت قائلة: «لا، بل في البحيرة! يا ربي!» # كان الرجل مهووسا بالمدرسة، وكانت كاثي تحب أن تغيظه بذلك وبعدة ~~أشياء أخرى. كان زيتون وكاثي يتحادثان تليفونيا عدة مرات في ~~أثناء النهار، حول كل شيء؛ ms016 عن الطلاء، عن العقارات المؤجرة، وعما ~~ينبغي إصلاحه، وعمله، والإتيان به، وكثيرا ما لا يزيد موضوع ~~المكالمة على تبادل التحية والسلام. كان الهزل الذي ابتدعاه تشيع ~~فيه نبرات ضيق صدره وأحاديثها المقتضبة، وكان مصدر تسلية لكل من ~~يستمع إليه خلسة. وكان ذلك أيضا محتوما نظرا إلى تعدد ~~محادثاتهما معا كل يوم، ونظرا إلى ضرورة توصيل المعلومات الزاخرة ~~بأقصى سرعة. لم يكن أحدهما يستطيع من دون الآخر إدارة منزلهما، أو ~~شركتهما، أو حياتهما، أو أيامهما. # وكانت كاثي دائما ما ~~تندهش لقدرتهما على تحقيق مثل هذا التكامل؛ إذ كانت قد نشأت ~~باعتبارها من أتباع طائفة المعمدانية الجنوبية في ضاحية من ضواحي ~~مدينة باتون روج، ودأبت على أن تحلم بالرحيل (والواقع أنها رحلت ~~بمجرد الانتهاء من مرحلة الدراسة الثانوية) وبإدارة مركز للرعاية ~~النهارية للأطفال. وها هي ذي قد اعتنقت الإسلام، وتزوجت من أمريكي ~~سوري، وتدير شركة لا تفتأ تتضخم للطلاء والمقاولات المعمارية، ~~وعندما قابلت كاثي زوجها، كانت في الحادية والعشرين وكان في ~~الرابعة والثلاثين، وينتمي إلى بلد لا تكاد تعرف عنه شيئا. كانت ~~تتعافى من آثار زواج غير ناجح، وكانت قد اعتنقت الإسلام مؤخرا، ~~ولم تكن تهتم أدنى اهتمام بالزواج من جديد، ولكنها اكتشفت أن زيتون ~~كان يمثل كل ما لم تصدق وجوده في البشر؛ كان رجلا أمينا، أمينا ~~إلى النخاع، جادا مجتهدا، صادقا، يعتمد عليه، مخلصا لأسرته. ~~وكان أفضل ما فيه أنه كان يريد لكاثي أن تكون من كانت تريد أن ~~تكونه، وعلى الحال التي أرادتها تماما، لا أكثر ولا أقل. # ولكن ذلك لم يكن يعني عدم نشوب بعض نوبات القلق، وهو التعبير ~~الذي كانت كاثي تطلقه عليها، وتعني به مجادلاتهما العنيفة حول كل ~~شيء؛ من الطعام الذي سيتناوله الأطفال في الغداء، إلى إذا ما كان ~~عليهما تكليف وكالة لتحصيل الديون المتراكمة على أحد ~~العملاء. # وكانت تقول لأطفالها: «نحن قلقون وحسب.» عندما كانوا يستمعون ~~لتلك المجادلات بينهما. ولم تكن كاثي تملك أن تتحاشى ذلك؛ فهي تهوى ~~الكلام ولا تستطيع كتمان شيء في ms017 نفسها. وقالت لعبده في الأيام ~~الأولى لعلاقتهما إنها سوف تفصح عن رأيها دائما، ولم يفعل سوى أن ~~هز كتفيه إذ كان يقبل ذلك، كان يعرف أنها كانت تحتاج أحيانا إلى ~~التنفيس عن نفسها، وكان يسمح لها بذلك، وكان في هذه الأثناء يومئ ~~صابرا، وأحيانا يشعر بالامتنان لأن لغته الإنجليزية لن تسعفه ~~بسرعة استخدامها للغة، فبينما يبحث عن الكلمات المناسبة للرد ~~عليها تستمر هي في الكلام، وكثيرا ما يحدث أن يكتشف أنها عندما ~~تنتهي تكون قد شعرت بالإرهاق فسكتت، ولم يعد لديها أو لديه شيء ~~يقال. # وعلى أي حال، فكلما شعرت كاثي بأنها سوف تجد أذنا صاغية، بل ~~صاغية إلى النهاية، كان ذلك يخفف من حدة المجادلات، وهكذا، أصبحت ~~مناقشاتهما أقل حماسة، وكثيرا ما كانت أقرب إلى إثارة الضحك، ولكن ~~الأطفال، خصوصا في سنيهم الأولى، لم يكونوا يدركون الفرق. # وقبل سنوات، أثناء وجودهم في السيارة، نشبت مجادلة عنيفة حول أمر ~~ما، فاعترضت نديمة وهي جالسة في مقعد السيارة الخلفي وحزام الأمان ~~مربوط حولها؛ إذ شعرت بأنها لم تعد تطيق ما تسمع. هتفت قائلة: ~~«تلطف في الحديث مع أمي يا أبي.» ثم خاطبت كاثي قائلة: «تلطفي ~~في الحديث مع أبي يا أمي.» وتوقف زيتون وكاثي فورا، وتبادلا ~~النظرات، ثم نظرا معا وفي الوقت نفسه إلى نديمة الصغيرة، كانا ~~يعرفان سلفا أنها ذكية، ولكن الأمر الآن مختلف، لم تكن إلا في ~~الثانية من عمرها! # بعد أن انتهت مكالمتها مع زيتون، فعلت كاثي ما كانت تعرف أنه ~~خطأ؛ لأن العملاء يريدون ولا شك أن يتصلوا بها وينتظرون أن ~~يستطيعوا مكالمتها ذلك الصباح، لكنها فعلت ما كانت تقدم كثيرا ~~على فعله؛ أغلقت تليفونها المحمول، بعد أن غادر الأطفال السيارة ~~وبدأت العودة إلى المنزل، لم يكن لها دافع سوى أن تهنأ بالعزلة ~~ثلاثين دقيقة أثناء رحلة العودة - كان ذلك ترفا باهظا، ولكنه كان ~~ضروريا. كانت تحدق في الطريق، وفي صمت تام، دون أن يخطر لها خاطر ~~على الإطلاق. كانت تعرف أن اليوم سيكون طويلا، إذ لن ms018 تتوقف عن ~~العمل حتى يأوي الأطفال إلى الفراش، ولذلك أباحت لنفسها هذا السرف. ~~ألا وهو فسحة لمدة ثلاثين دقيقة من الصفاء والسكينة، لا يقطعها ~~مقاطع. # وفي الطرف الآخر من المدينة، كان زيتون يتابع أولى مهام ذلك ~~النهار، كان مولعا بذلك المكان، ذلك المنزل الجليل العتيق في حي ~~الحدائق، وكان قد أرسل عاملين من شركته للقيام بالعمل فأراد التوقف ~~للاطمئنان على وجودهما وانهماكهما في العمل وعدم احتياجهما لأي ~~شيء، فصعد الدرج وثبا وخطا مسرعا داخل المنزل الذي كان قد ~~بني منذ 120 عاما على الأقل. # وشاهد إميل، وهو دهان ونجار من نيكاراجوا، منحنيا يلصق شريطا ~~على بعض أخشاب الأرضية، فتسلل خلفه وقبض على كتفيه فجأة، فانتفض ~~إميل واقفا وضحك زيتون. # لم يكن واثقا بشأن ما الذي يدفعه إلى أن يفعل مثل هذه الأشياء، ~~ولم يكن من اليسير تفسير ذلك، كان أحيانا يجد نفسه يميل إلى ~~اللهو، ولم يكن العمال الذين يعرفونه خير المعرفة يدهشون لذلك، ~~ولكن العمال الجدد كانوا ينزعجون ظانين أن سلوكه لون غريب من ~~أساليب دفعهم إلى العمل. # وتمكن إميل من رسم بسمة على شفتيه. # وفي غرفة الطعام، كان ماركو منهمكا في طلاء الجدار بطبقة ثانية، ~~وكان أصلا من السلفادور، وكان الاثنان، ماركو وإميل، قد تقابلا في ~~الكنيسة، وانطلقا يبحثان عن العمل باعتبارهما فريقا من عمال طلاء ~~المنازل. وذات يوم مرا بموقع من المواقع التي يعمل فيها زيتون، ~~ولما كانت لديه في كل الأوقات تقريبا أعمال أكبر من طاقته، قرر ~~استخدامهما. كان ذلك منذ ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الحين وماركو وإميل ~~يعملان لديه. # وإلى جانب استخدام عدد من أبناء مدينة نيو أورلينز، كان زيتون قد ~~استأجر عمالا من كل مكان؛ من بيرو، والمكسيك، وبلغاريا، وبولندا، ~~والبرازيل، وهندوراس، والجزائر. وكانت له خبرات عميقة مع معظمهم، ~~وإن كان معدل ترك العمال وتعيين عمال جدد في شركته أعلى من ~~المتوسط. كان كثيرون من عماله مؤقتين؛ إذ لا يعتزمون إلا قضاء أشهر ~~معدودة في البلد قبل العودة إلى أسرهم. وكان يسعده استئجار هؤلاء ms019 ~~الرجال، كما تعلم قدرا معقولا من اللغة الإسبانية في خلال ذلك، ~~ولكن كان عليه الاستعداد لرحيلهم دون إخطار بموعد الرحيل بمدة ~~كافية. وكان بعض العمال الآخرين مجرد صبية لا يتحملون المسئولية ~~ويعيشون للحاضر فقط، ولم يكن يلومهم؛ فلقد كان يوما ما شابا لا ~~يرتبط بشيء هو الآخر، ولكنه حاول، كلما أتيحت له الفرصة، أن يغرس ~~فيهم إدراكه بأن التعقل وادخار عدة دولارات كل أسبوع كفيل بتوفير ~~معيشة طيبة لهم، وتمكينهم من تكوين أسرة اعتمادا على هذا اللون من ~~العمل. ولكنه نادرا ما كان يقابل شابا يقوم بهذا العمل ويعمل ~~حسابا للمستقبل، كان مجرد توفير الطعام والملبس لهم، ومطاردتهم ~~حين يتأخرون أو يتغيبون جهدا مرهقا، وأحيانا ما يثبط الهمة، كان ~~أحيانا ما يشعر بأنه لا يعول أربعة أطفال فقط بل عشرات، معظمهم ~~ذوو أيد ملطخة، وشوارب تحمل آثار الطلاء. ~~••• # ورن جرس التليفون، ونظر إلى اسم المتحدث في الشاشة ورد ~~عليه. # وقال زيتون بالعربية: «أحمد، كيف حالك؟» # كان أحمد الأخ الأكبر لزيتون وأقرب أصدقائه، وكان يحادثه من ~~إسبانيا، حيث يقيم مع زوجته وطفليه اللذين كانا في مرحلة الدراسة ~~الثانوية، وكان الوقت قد تأخر عند أحمد، الأمر الذي جعل زيتون يخشى ~~أن تكون لدى أخيه أخبار خطيرة. # وسأله زيتون: «ماذا حدث؟!» # فقال أحمد: «إنني أتابع أنباء العاصفة.» # فقال زيتون: «لقد أفزعتني!» # ورد أحمد: «لا بد أن تفزع! فالعاصفة هذه المرة خطر ~~حقيقي!» # وعلى الرغم من تشكك زيتون فقد أصغى بانتباه. كان أحمد ربان ~~سفينة، وظل يقوم بهذا العمل على امتداد السنوات الثلاثين الماضية؛ ~~إذ يتولى قيادة ناقلات البترول وسفن الركاب في كل بحر أو محيط، ~~وكانت لديه معرفة وثيقة بالعواصف، وباتجاهاتها وقوتها. وكان زيتون ~~في صباه قد صحبه في عدد من هذه الرحلات؛ إذ إن أحمد الذي يكبر ~~زيتون بتسع سنوات قد ألحقه بالعمل في طاقم البحارة، فصحبه إلى ~~اليونان ولبنان وجنوب أفريقيا، كما كان زيتون قد مارس العمل بالسفن ~~من دون اصطحاب أحمد أيضا، فشاهد معظم بلدان العالم، مولعا ~~بالتجوال، على مدى ms020 سنوات عشر، انتهت به إلى مدينة نيو أورلينز آخر ~~الأمر وحياته مع كاثي. # وطقطق أحمد لسانه قائلا: «إنها تبدو حقا غير عادية، فهي ضخمة ~~وتتحرك ببطء، وأنا أراقبها الآن على القمر الصناعي.» # وكان لأحمد غرام مشبوب بالتكنولوجيا، وكان يولي أحوال الجو ~~اهتماما وثيقا، وخصوصا العواصف الناشئة، سواء في وقت فراغه أو ~~في أثناء عمله. وكان آنذاك في منزله بمدينة مالقة، تلك المدينة ~~الساحلية على الشاطئ الإسباني للبحر المتوسط، جالسا في مكتبه ~~الغاص بالمعدات، يتابع مسير العاصفة عبر ولاية فلوريدا. # وتساءل أحمد: «هل بدءوا إجلاء السكان؟» # وقال زيتون: «لم يبدأ ذلك رسميا، ولكن البعض يرحلون.» ~~«وكاثي والأطفال؟» # وأخبره زيتون بأنهم لم يفكروا في الأمر بعد. # وتأوه أحمد قائلا: «لم لا ترحلون ولو طلبا للسلامة ~~وحسب؟» # وأصدر زيتون صوتا في التليفون لا يفصح عن القطع بشيء. # فقال أحمد: «سأطلبك في وقت لاحق.» # وغادر زيتون المنزل وسار على قدميه إلى حيث يجرى العمل في منزل ~~آخر قريب. كانت الأمور تسير كثيرا على هذا المنوال؛ عدة أعمال ~~قريبة بعضها من بعض، وكان العملاء يدهشون كثيرا للتعاقد مع متعهد ~~طلاء أو مقاول يستطيعون الوثوق به وتزكيته لغيرهم، ويدهشون كيف ~~يتسنى لزيتون أن ينجز نصف دستة أعمال في أي حي من الأحياء، من خلال ~~تزكية العملاء له وبتتابع سريع. # وكان هذا المنزل الذي لم يتوقف عن العمل فيه سنوات طويلة، يثير ~~الدهشة، كان يقع عبر الشارع في مواجهة منزل الكاتبة آن رايس، ولم ~~يكن قد قرأ ما تكتبه ولكن كاثي قرأته، كانت كاثي تقرأ كل شيء، كان ~~منزلا فخما فاخرا يضارع أمثاله في نيو أورلينز، كانت له سقوف ~~عالية، وبه درج رائع يتلوى هابطا إلى البهو، وكل ما فيه نحته ~~النحاتون بأيديهم، بحيث تتميز كل غرفة بطابع خاص بها. وكان زيتون ~~قد قام بطلاء معظم الغرف أكثر من مرة، ولم يكن يبدو أن أصحابه ~~يريدون التوقف، كان يحب التواجد في هذا المنزل، حيث يتأمل فن ~~الصنعة بإعجاب، والعناية الفائقة بأدق التفاصيل والزخارف وأغربها؛ ~~إذ رسمت لوحة ms021 جدارية فوق المدفأة، وركبت زخارف حديدية يختلف ~~بعضها عن بعض في كل شرفة. كان هذا اللون من الاهتمام الرومانسي ~~المتعمد والطليق بالجمال - وهو جمال سرعان ما يتأثر ويتغير ويتطلب ~~الرعاية الدائمة - هو الذي جعل هذه المدينة تختلف اختلافا شاسعا ~~عن غيرها، وجعلها فرصة إبداع لا نظير له أمام المهندس ~~المعماري. # ودخل المنزل فصحح وضع الستار الهابط في البهو الأمامي، واتجه إلى ~~مؤخرة المنزل، وأطل بنظره على جورجي، النجار البلغاري، الذي كان ~~يقوم بتثبيت بعض معدات السباكة الجديدة بالقرب من المطبخ، كان ~~جورجي عاملا ممتازا، في نحو الستين من عمره، واسع الصدر، لا يكل ~~ولا يتعب، ولكن زيتون كان يعرف كيف يتحاشى دفعه إلى الحديث؛ إذ إنك ~~إن جعلته يتحدث فسوف تصغي لحديث لا يتوقف على مدى عشرين دقيقة عن ~~الاتحاد السوفييتي السابق، والمنازل المقامة على ساحل البحر في ~~بلغاريا، وشتى رحلاته الطويلة في البلاد وهو يقود السيارة التي ~~يعيش فيها - وتشبه الحافلة المزودة بكل ما يحتاج إليه المنزل ~~المتنقل - مع زوجته ألبينا التي رحلت عن هذا العالم منذ عدة سنوات ~~وغدا يفتقدها بشدة. # وركب زيتون شاحنته وأدار الراديو «فهاجمه» المزيد من إنذاراته ~~بشأن هذه العاصفة التي تسمى كاترينا. وكانت قد تشكلت بالقرب من ~~جزر البهاما منذ يومين، وبعثرت القوارب الراسية كأنها لعب أطفال. ~~وانتبه زيتون لما يقال ولكنه لم يجده ذا بال، ما دامت الرياح لن ~~تكون لها علاقة به قبل عدة أيام. # واتجه إلى متحف برسبتير في ميدان جاكسون، حيث بعض عماله يقومون ~~بإجراء ترميمات دقيقة في ذلك المبنى الذي بلغ عمره مائتي عام، وكان ~~منذ زمن بعيد مبنى محكمة، ولكنه أصبح الآن يضم مجموعة تحف وآثار ~~فذة للاحتفال بثلاثاء المرفع، كانت المهمة تحظى بالاهتمام ~~الجماهيري، وأراد زيتون إنجازها على خير وجه. # واتصلت كاثي به من المنزل، كان أحد العملاء قد اتصل بها لتوه من ~~حي برودمور، وتتلخص الرسالة في أن عماله كانوا قد أغلقوا أحد ~~الشبابيك بالطلاء ولا بد من إرسال عامل آخر لفتحه بعد أن ~~التصق. # وقال ms022 لها: «سأذهب بنفسي.» كان ذلك فيما يتصور أيسر، فليذهب ليقوم ~~بالعمل، من دون إجراء مكالمات أخرى، أو انتظار وصول أحد. # وقالت كاثي: «هل سمعت بالرياح؟ قتلت ثلاثة في فلوريدا حتى ~~الآن.» # وأبدى زيتون استهانته بما سمع قائلا: «لن تضيرنا هذه ~~العاصفة!» ~~••• # كثيرا ما كانت كاثي تتفكه بعناد زيتون، وبرفضه الانصياع لأي ~~قوة طبيعية كانت أم سواها، ولكن زيتون لم يكن يملك تغيير طبعه؛ إذ ~~نشأ في ظل أبيه، البحار الأسطوري الذي واجه سلسلة من الشدائد ~~الملحمية، وكان يتمكن من النجاة دائما بما يشبه المعجزة. # كان محمود والد زيتون قد ولد في جزيرة أروض التي لا تبعد ~~كثيرا عن جبلة، وهي الجزيرة الوحيدة بالقرب من الساحل السوري، وهي ~~صغيرة إلى الحد الذي لم تكن تظهر معه في بعض الخرائط، وكان معظم ~~الصبيان يتأهلون للعمل ببناء السفن أو صيد الأسماك، وبدأ محمود في ~~يفوعه يعمل في السفن على الطرق البحرية بين لبنان وسوريا، وخصوصا ~~سفن البضائع الشراعية الضخمة التي تحمل الأخشاب إلى دمشق والمدن ~~الأخرى الساحلية، وكان محمود إبان الحرب العالمية الثانية على متن ~~إحدى هذه السفن المتجهة من قبرص إلى مصر، وكان هو ورفاقه يدركون ~~دون أن تتضح لهم الصورة تماما وجود قوات المحور التي تستهدفهم ما ~~داموا يمكن أن ينقلوا المؤن إلى الحلفاء، ولكنهم ذهلوا عندما ظهر ~~سرب من الطائرات الألمانية في الأفق واتجه إليهم، وسارع محمود ~~ورفاقه بالغطس في البحر قبل أن تبدأ الطائرات إطلاق وابل من ~~الرصاص، وتمكنوا من استخراج قارب نجاة مطاطي نفخوه قبل أن تغرق ~~سفينتهم، وكانوا قد بدءوا يزحفون إلى القارب عندما عاد الألمان ~~الذين كانوا فيما يبدو قد قرروا قتل جميع من نجا من أفراد طاقم ~~السفينة، واضطر محمود ورفاقه إلى الغطس تاركين القارب، والانتظار ~~حتى يقتنع الألمان أن البحارة قد قتلوا أو غرقوا جميعا، وعندما ~~عاد البحارة إلى قاربهم، بعد أن لاح لهم أن الأمان قد عاد إلى سطح ~~الماء، وجدوا القارب مليئا بالثقوب ... وهكذا، خلعوا قمصانهم ~~وسدوا بها تلك الثقوب، وجعلوا يجدفون ms023 بأياديهم لأميال حتى ~~وصولوا إلى الساحل المصري. # وأما القصة التي كان محمود يكثر من روايتها عندما كان زيتون في ~~بواكير صباه ، وكان محمود يريد بها منع أطفاله من الحياة في البحر، ~~فكانت القصة التالية: # كان محمود في طريق عودته من اليونان على متن سفينة شراعية ذات ~~صاريتين، ويبلغ طولها ستا وثلاثين قدما، عندما فاجأت السفينة ~~عاصفة سوداء متعرجة المسار، وظل البحارة يقودون السفينة وسط ~~العاصفة ساعات متوالية حتى أصيبت الصارية الرئيسة بشرخ أدى إلى ~~وقوع الشراع في الماء، وهو ما كان ينذر بإلقاء السفينة كلها في ~~البحر! ومن فوره، ومن دون تفكير، تسلق محمود الصارية، منتويا ~~تخليص الشراع منها وتصحيح وضع جسم السفينة، ولكنه عندما وصل إلى ~~الشرخ في الصارية إذا بها تنهار تماما، فسقط محمود في البحر، كانت ~~السفينة تبحر بسرعة ثماني عقد (أي ثلاثة عشر كيلومترا في الساعة)، ~~وهو ما جعل عودتها لإنقاذ محمود مستحيلة، فأخذ البحارة يلقون كل ما ~~استطاعوا إلقاءه إلى محمود - بعض الألواح الخشبية وبرميل - ولم ~~تمض دقائق حتى اختفت السفينة في الظلام، وظل وحيدا في البحر ~~يومين كاملين، وأسماك القرش تسبح تحته والعواصف تهب من فوقه، ~~متعلقا بما بقي من البرميل، حتى ألقته الأمواج آخر الأمر على ~~الساحل بالقرب من اللاذقية، على مبعدة خمسين ميلا شمال جزيرة ~~أروض. # ولم يستطع أحد، ولا محمود نفسه، أن يصدق أنه نجا، ولكنه حلف ~~بعدها ألا يعرض نفسه لتلك المخاطرة مرة أخرى، فأقلع عن ~~الإبحار، وانتقل مع أسرته من أروض إلى أرض سوريا الداخلية، ومنع ~~أطفاله من العمل بالبحر، وقرر توفير تعليم جديد لهم جميعا، وإتاحة ~~فرص أخرى للعمل بعيدا عن صيد السمك وبناء السفن. # وانطلق محمود وزوجته يبحثان عن منزل جديد بعيد عن الماء، وذلك في ~~جميع أنحاء سوريا؛ فقضيا شهورا طويلة في السفر مع أطفالهما ~~الصغار، ينظران في هذه البلدة وذلك المسكن، دون أن يلوح لهما ما ~~يصلح، ولم يجدا شيئا يناسبهما حتى عثرا على هذا المنزل الذي يتكون ~~من طابقين، وبه متسع لجميع أطفالهما الآن ms024 ومن سينجبانه في ~~المستقبل، وعندما أعلن محمود أن هذا المنزل مناسب لهم، ضحكت زوجته؛ ~~إذ كان المنزل يواجه البحر، ولا يكاد يبتعد خمسين قدما عن ~~الساحل. # وفي بلدة جبلة، افتتح محمود حانوتا للخردوات المعدنية، وألحق ~~أبناءه وبناته بأفضل المدارس، وعلم أبناءه كل حرفة يعرفها، وعرف ~~الناس جميعا أسرة زيتون؛ إذ كان أفرادها كلهم مجدين مجتهدين ~~أذكياء، كما عرف الناس جميعا عبد الرحمن، الطفل الثامن، الذي أصبح ~~الآن يافعا يريد أن يعرف كل شيء، ولا يخشى أي لون من ألوان العمل، ~~وقد وجد نفسه في يفوعه يراقب الصناع وأصحاب الحرف في البلدة، كلما ~~استطاع ذلك، ويدرس أسرار حرفهم، وعندما كانوا يدركون أنه جاد وسريع ~~التعلم، كانوا يعلمونه كل ما يعرفونه، وعلى مر السنين اكتسب معرفة ~~بكل صنعة استطاع الاقتراب منها، من صيد السمك، إلى تجهيزات السفن، ~~والطلاء، وإعداد الأطر، وحرفة البناء، والسباكة، وإعداد الأسقف، ~~وأعمال البلاط، بل وإصلاح السيارات. # ومن المحتمل أن والد زيتون كان سيشعر بالفخر والدهشة لمسار حياة ~~ابنه، لم يكن يريد لأطفاله أن يعملوا بالبحر، ولكن عددا كبيرا ~~منهم عمل في البحر، ومنهم زيتون. كان محمود يريد لأطفاله أن يصبحوا ~~أطباء ومعلمين، ولكن زيتون كان يشبه والده شبها كبيرا، فعمل ~~بحارا أول الأمر، ثم عمل كعامل بناء لتوفير الرزق لأسرته، ~~وليضمن أن يعيش حتى يشهد أطفاله يكبرون. # واتصل زيتون تليفونيا بكاثي في الحادية عشرة، وهو في مستودع ~~المعدات واللوازم المنزلية بعد أن أصلح النافذة في المنزل الكائن ~~بشارع برودمور. # وسألها: «هل سمعت أي أنباء؟» # وأجابت: «التوقعات سيئة!» # كانت تطلع على الإنترنت، فوجدت أن المركز القومي للأعاصير ~~عدل من تصنيف كاترينا معتبرا أنها إعصار من الدرجة الثانية، ~~كما قال المركز إن المسار المحتمل لكاترينا قد انتقل من اللسان ~~الممتد في البحر في فلوريدا إلى ساحل ولايتي المسيسيبي ولويزيانا، ~~كانت العاصفة الآن تعبر جنوب فلوريدا برياح تبلغ سرعتها نحو تسعين ~~ميلا في الساعة، وأدت إلى قتل ثلاثة أشخاص على الأقل، وانقطعت ~~الكهرباء عن 1,3 مليون منزل. # وقال زيتون: «الناس هنا ms025 في قلق.» وأدار بصره في المخزن ثم قال: ~~«كثير منهم يشترون ألواح الخشب الرقائقي.» كانت صفوف الزبائن ~~طويلة، وبدأ مخزون المستودع من الألواح البلاستيكية يتناقص، وكذلك ~~مخزونه من شرائط العزل والحبال، وكل ما من شأنه حماية النوافذ من ~~الرياح. # وقالت كاثي: «سأستمر في المراقبة.» # وفي موقف السيارات نظر زيتون إلى السماء مستطلعا ما يدل على ~~العاصفة المقبلة، لكنه لم يلحظ شيئا غير عادي، وعندما أخذ يدفع ~~عربته اليدوية إلى الشاحنة، لا حظ شابا يدفع عربة مماثلة حافلة ~~بالمؤن يقترب منه. # وسأله الشاب: «ما حال العمل؟» # وقال زيتون في نفسه إنه كهربائي على الأرجح. # وقال زيتون: «لا بأس، وكيف حال عملك أنت؟» # وأجاب الشاب: «ليس أفضل الأحوال.» ثم عرف زيتون بنفسه وبصنعته ~~قائلا إنه كهربائي، كما حدس زيتون. وكانت شاحنة الشاب واقفة بجوار ~~شاحنة زيتون، فبدأ يساعد زيتون في نقل ما في عربته إلى شاحنته ثم ~~قال: «إن احتجت يوما ما إلى كهربائي فسوف أكون جاهزا، ومواعيدي ~~دقيقة وأتم كل عمل أبدؤه.» وأعطى بطاقته لزيتون، وتصافحا ثم ركب ~~الكهربائي شاحنته، وكانت في نظر زيتون أفضل حالا من شاحنته ~~هو. # وسأله زيتون: «لم تحتاج إلي؟» ثم أردف قائلا: «شاحنتك أحدث ~~من شاحنتي!» # وضحك الاثنان، ووضع زيتون بطاقة الشاب على لوحة مفاتيح السيارة ~~وبدأ يغادر الموقف، وقال في نفسه إنه سوف يتصل تليفونيا بالشاب ~~إن عاجلا أو آجلا، فهو دائما يحتاج إلى كهربائي، وراق له نشاط ~~الشاب. ~~••• # كان زيتون عندما بدأ العمل في نيو أورلينز منذ أحد عشر عاما ~~يقوم بالأعمال اليدوية عند جميع مقاولي المدينة تقريبا، من الطلاء ~~إلى تعليق الألواح البلاستيكية إلى تركيب بلاط الأرضية - أي شيء ~~يطلبه المقاول - حتى استأجره رجل يدعى تشارلي سوسيار، وكانت لدى ~~تشارلي شركته الخاصة، وكان قد بناها من الصفر، وأصبح ثريا، وكان ~~يأمل أن يتقاعد قبل أن تعجز ساقاه عن حمله. # وكان لدى تشارلي ولد تقترب سنه من العشرين، ولم يكن لديه شيء أحب ~~إليه من أن يترك الشركة لابنه. كان يحب ابنه، ولكن ابنه ms026 لم يكن ~~يؤمن بالعمل، بل كان مخادعا وناكرا للجميل. وكان يتغيب عن العمل، ~~فإذا حضر أبدى القلق والتبرم بالعمل، وأظهر الترفع على موظفي ~~والده. # ولم يكن زيتون يملك سيارة في ذلك الوقت، فكان يركب دراجته إلى ~~مواقع العمل عند تشارلي، وكانت دراجة لها عشر سرعات اشتراها ~~بأربعين دولارا. وذات يوم كان زيتون يواجه خطر التأخر في الوصول ~~إلى العمل، حين فوجئ أيضا بانفجار إطار إحدى العجلتين، وبعد سيره ~~بالدراجة بالإطار المنفجر نصف ميل توقف في يأس، كان عليه قطع مسافة ~~أربعة أميال عبر المدينة في عشرين دقيقة، وبدا له أنه سوف يتأخر عن ~~العمل لأول مرة في حياته، لم يكن يستطيع أن يترك الدراجة ويجري؛ إذ ~~كان يحتاج إليها، كما كان من المحال السير بالإطار المنفجر، وهكذا ~~حمل الدراجة على كتفيه وابتدأ يهرول. كان في ذعر وفزع، فلو تأخر عن ~~موعد العمل فما عسى أن يصيب سمعته؟ لسوف يخيب أمل تشارلي فيه، ~~وربما كف عن استخدامه مرة أخرى. وما عسى أن يحدث لو تحدث تشارلي ~~إلى غيره من المقاولين، ورأى أنه لا يستطيع تزكية زيتون؟ قد تكون ~~العواقب واسعة النطاق. كان يدرك أن العمل هرم يبنى بالعمل ~~الشاق يوما بعد يوم. # وزاد من سرعة عدوه. كان يدرك أنه سوف يصل متأخرا، لكنه إن ~~زاد من سرعته فربما لم يزد التأخير على خمس عشرة دقيقة. كان ذلك في ~~شهر أغسطس ورطوبة الجو خانقة، وبعد ميل أو نحو ذلك من الجري، وقد ~~غمر جسده العرق المتصبب، توقفت شاحنة بجواره. # وجاءه صوت يسأل: «ماذا تفعل؟» والتفت زيتون لينظر من السائل، دون ~~أن يبطئ من معدل عدوه، كان يتصور أنه أحد المازحين يريد أن يسخر ~~من رجل يجري حاملا دراجته فوق كتفيه في الطريق العام، ولكنه وجد ~~المتحدث رئيسه في العمل، تشارلي سوسيار. # وقال زيتون: «ذاهب إلى العمل.» كان لا يزال يجري، وحين يذكر ~~الحادثة يرى أنه كان عليه أن يتوقف في هذه اللحظة، ولكنه كان ~~يتبع إيقاعا منتظما فاستمر، والشاحنة تتسكع إلى ~~جواره. ms027 # وضحك تشارلي وقال: «ضع دراجتك في حقيبة السيارة.» # وأثناء انطلاقهما بالسيارة، التفت تشارلي إلى زيتون وقال له: ~~«تعرف؟ لقد قضيت ثلاثين عاما في هذا العمل، وأعتقد أنك أفضل من ~~عمل عندي.» # كانا متجهين بالشاحنة الآن إلى موقع العمل، واستطاع أن ينعم ~~بهدوء البال أخيرا، بعد أن عرف أنه لن يطرد من العمل في ذلك ~~اليوم. # وواصل تشارلي حديثه قائلا: «لدي عامل يقول إنه لن يستطيع ~~الحضور لأن سيارته لم تستطع القيام، وعندي عامل آخر يقول إنه لن ~~يستطيع الحضور لأنه أوى إلى الفراش متأخرا، تخيل! تأخر في النوم! ~~وعامل آخر طردته زوجته من المنزل أو شيء من هذا القبيل، ولذلك لم ~~يحضر. عندي عشرون أو ثلاثون موظفا ولا يحضر منهم للعمل في أي يوم ~~سوى عشرة!» # كانت الشاحنة قد توقفت في ~~إحدى إشارات المرور، فألقى تشارلي نظرة فاحصة على زيتون وقال: «ثم ~~أنت! لديك العذر القهري، فكل ما لديك دراجة وإطار إحدى العجلتين ~~انفجر، ولكنك تحمل دراجتك على ظهرك. لم أعرف من قبلك قط شخصا يفعل ~~شيئا كهذا!» # وبعد ذلك اليوم، تحركت الأمور بسرعة إلى الأمام وإلى الأعلى ~~بالنسبة إلى زيتون، ولم يمض عام واحد حتى كان زيتون قد ادخر ما ~~يكفي من المال لشراء شاحنته الخاصة، وبعد عامين اثنين، كان قد بدأ ~~يعمل لحساب نفسه، ويعمل لديه اثنا عشر رجلا. # وعند الظهيرة اتجه زيتون إلى المركز الإسلامي في منطقة سانت ~~كلود، وكان مسجدا متواضع المنظر ومكانا لاجتماع الناس في وسط ~~البلد. وعلى الرغم من أن أشقاءه كانوا يتفاوتون في أداء صلواتهم، ~~فإن زيتون كان شديد المحافظة عليها، ولم تكن تفوته أي صلاة كل يوم، ~~والقرآن يأمر المسلمين بأداء خمس صلوات في اليوم؛ الأولى ما بين ~~الفجر وطلوع الشمس، والثانية في الظهيرة، ثم في العصر والمغرب ~~والعشاء أي بعد المغرب بساعة ونصف الساعة، فإذا وجد نفسه بالقرب من ~~منزله ساعة صلاة العصر، توقف وأداها فيه، وفيما عدا ذلك كان يقيم ~~الصلاة في أي مكان يكون فيه، مهما يكن العمل الذي ms028 يؤديه. وقد أدى ~~صلواته في كل مكان بالمدينة، في مواقع العمل، وفي الحدائق، وفي ~~منازل الأصدقاء، أما في يوم الجمعة فكان دائما يرتاد هذا المسجد، ~~ليقابل أصدقاءه لأداء صلاة الجمعة، التي تعتبر شعيرة التلاقي بين ~~كل الرجال المسلمين في المجتمع المحلي. # وبعد أن دخل المسجد وبدأ بالوضوء، وهو الاغتسال المنصوص عليه في ~~الشعائر، والمطلوب من جميع المصلين، ثم بدأ صلاته فقرأ ~~الفاتحة. # وبعد ذلك اتصل تليفونيا بكاثي. # قالت: «سرعان ما تصبح من الدرجة الثالثة!» # كانت كاثي في المنزل، تتأكد من حالة الجو على الإنترنت. # وسألها: «هل تتجه إلينا؟» ~~- «هذا ما يقولونه.» ~~- «متى؟» ~~- «لست متأكدة. ربما يوم الإثنين.» # وتجاهل زيتون الأمر؛ فيوم الإثنين كان يعني بالنسبة إليه أنها لن ~~تصل أبدا، كان يذكر أن ذلك حدث من قبل عدة مرات. كانت العواصف ~~دائما تهب عبر فلوريدا مدمدمة مدمرة، ثم تخبو حدتها في مكان ما ~~فوق الأرض أو فوق الخليج. # وعاد تليفون كاثي للرنين بالمكالمة التي كانت «محجوزة» فودعت ~~زيتون، وبدأت الرد عليها. كان المتحدث روب ستانسلو، وهو عميل وصديق ~~قديم. # وسألها: «هل ترحلون أم أنتم مجانين؟!» # وضحكت كاثي قائلة: «أريد أن أرحل، طبعا، لكنني لا أستطيع أن ~~أتحدث باسم زوجي.» # وكان روب في ورطة مماثلة؛ إذ إن رفيقه والت طومسون كان مثل زيتون ~~عنيدا، دائما ما يشعر كأنما كانت لديه معلومات أفضل من معلومات ~~أي فرد آخر. وقد ترافق روب ووالت منذ خمسة عشر عاما، وتوثقت ~~علاقتهما بأسرة زيتون منذ عام 1997. كانا قد استأجرا شركة زيتون ~~لتجديد منزل اشترياه، وسرعان ما أصبح الجميع أصدقاء مقربين، وعلى ~~مدى السنوات الماضية أصبحوا يعتمدون بعضهم على بعض. # كانت أسرة والت في مدينة باتون روج، وقال إنه ربما ذهب مع روب ~~إليها في عطلة نهاية الأسبوع، واتفق روب وكاثي على تبادل المعلومات ~~بشأن العاصفة أولا بأول طول النهار. # كانت كاثي توشك أن تستريح قليلا من متابعة الإنترنت عندما لفت ~~انتباهها شيء؛ نبأ جديد جاء لتوه يقول: إن أسرة من خمسة أفراد ~~فقدت في البحر. كانت ms029 التفاصيل محدودة، لا تزيد على أن الأسرة ~~تتكون من أبوين، وثلاثة أطفال في الرابعة والرابعة عشرة والسابعة ~~عشرة، كانوا يبحرون في الخليج ، وكان من المتوقع أن يعودوا إلى كيب ~~كورال يوم الخميس، ولكن الاتصال انقطع بهم عندما هبت العاصفة، ~~فقام أفراد الأسرة والأصدقاء بإبلاغ حرس السواحل، فانطلقت قوارب ~~الجنود وطائراتهم للبحث عنهم وبذل كل جهد ممكن، وكانت تلك حدود ~~المعلومات المتاحة حتى هذه اللحظة. لم يكن الأمر يبشر ~~بالخير. # وشعرت كاثي بانقباض شديد، كانت مثل هذه الأخبار مدمرة ~~لها. # وطلبت كاثي زوجها بالتليفون، وقالت: «روب ووالت راحلان.» ~~- «حقا؟ هل يريد والت أن يرحل؟» # كان زيتون يثق في حكمة والت في كل شيء تقريبا. # وخطر لكاثي أن تقنع زوجها بقبول رأيها فقالت: «سمعت أن غزارة ~~المطر بلغت خمس عشرة بوصة.» # والتزم زيتون الصمت. # وأضافت كاثي: «وعلت الأمواج إلى ارتفاع خمس وعشرين ~~قدما.» # وغير زيتون الموضوع قائلا: «هل أقنعت أسرة دي كليرك بالموافقة ~~على العينة التي أرسلناها من ذلك الطلاء؟» # وقالت كاثي: «نعم. فهل سمعت عن فقدان أسرة من خمسة ~~أفراد؟» # ولم يكن زيتون قد سمع، فاندفعت كاثي في عجلة لاهثة تقص عليه ما ~~عرفته عن الأسرة المفقودة في البحر في قاربها الصغير، بعد أن جرفه ~~الإعصار، وهو ما سوف يحدث لأسرة زيتون إذا لم تفر وتتجنب مسار ~~الإعصار. # وقال زيتون: «لسنا في البحر يا كاثي.» # كان زيتون قد قضى ما يقرب من عشر سنوات على متن السفن التي كانت ~~تنقل كل شيء، من الفاكهة إلى البترول، وعمل بحارا، ومهندسا، ~~وصيادا، وذهب إلى كل مكان من اليابان إلى كيب تاون في جنوب ~~أفريقيا. وكان أخوه أحمد يقول له دائما: «إذا وجد البحار الميناء ~~المناسب أو المرأة المناسبة فسوف يرسو بالسفينة.» وفي عام 1988، ~~وصل زيتون إلى الولايات المتحدة على ظهر ناقلة بترول من المملكة ~~العربية السعودية إلى هيوستن، وبدأ العمل عند مقاول في باتون روج، ~~وفي تلك المدينة قابل أحمد، وهو أمريكي من أصل لبناني أصبح من أقرب ~~أصدقائه، كما كان القناة التي ms030 قابل عروسه من خلالها. # كان أحمد يعمل آنذاك في محطة بنزين، وزيتون يعمل بإلصاق الرقائق ~~البلاستيكية على الفواصل بين الغرف. وتصادقا عندما اكتشفا ~~انحدارهما من أسلاف مشتركة. وذات يوم سأل زيتون أحمد إن كان يعرف ~~امرأة غير متزوجة تناسبه، وكان أحمد متزوجا من امرأة تدعى يوكو، ~~وهي أمريكية ذات أسلاف يابانية كانت قد اعتنقت الإسلام. كما اتضح ~~أن يوكو كانت لها صديقة، وعندها أحس أحمد بصراع داخلي بسبب حبه ~~لزيتون وثقته به ورغبته في مساعدته، وكان يأمل في تزويج صديقة يوكو ~~من أحد أصدقائه، فقال إنه إذا لم يوفق في مسعاه لإقامة ارتباط بين ~~صديقه وصديقة يوكو فسوف يعرفها قطعا بزيتون. وكان زيتون يريد ~~احترام هذا الشرط، ولكن فضوله ازداد في الوقت نفسه إلى حد ~~الاغتياظ، فمن يا ترى كانت تلك المرأة التي يحمل لها أحمد من ~~التقدير ما يدفعه إلى الامتناع حتى عن ذكر اسمها؟ # وفي ذلك العام كان تصميم زيتون على العثور على المرأة المناسبة ~~يزداد باطراد، فأخبر أصدقاءه وأقاربه أنه يبحث عن امرأة مسلمة ~~واقعية تريد تكوين أسرة. وكانوا يعرفون أنه رجل جاد مجتهد في عمله، ~~فعرفوه بكثيرات، أرسلوه مرة إلى نيويورك ليقابل ابنة أحد ~~المعارف، وذهب إلى أوكلاهوما ليقابل ابنة عم أحد الأصدقاء. وذهب ~~إلى ألاباما ليقابل أخت رفيق لأحد زملائه في العمل. # وفي غضون ذلك كانت صديقة يوكو قد عرفت بصديق أحمد، وتقابلا ~~فعلا عدة مرات على مدى عدة أشهر، ولكن العلاقة لم تكلل بالنجاح. ~~وهنا وفى أحمد بوعده وأخبر زيتون أن صديقة يوكو لم تعد تتوقع ~~الارتباط بشخص معين، وهنا فقط باح باسمها له: كاثي. # وسأله زيتون: «كاثي؟!» لم يكن زيتون يعرف مسلمات كثيرات يحملن ~~هذا الاسم، فعاد يسأله: «كاثي ماذا؟» # وأجابه أحمد: «كاثي دلفين». ~~- «أهي أمريكية؟» ~~- «إنها من باتون روج، وقد اعتنقت الإسلام.» # وازداد إعجاب زيتون وزادت حيرته، فاتخاذ مثل هذه الخطوة يتطلب من ~~المرأة شجاعة ورباطة جأش. # وقال أحمد: «لكن اسمع، لقد سبق لها الزواج، ولديها ابن في ~~الثانية من عمره.» # ولكن ms031 ذلك لم يفت في عضد زيتون. # وسأله: «متى أستطيع أن أراها؟» # قال له أحمد إنها تعمل في معرض للأثاث، وأعطى زيتون العنوان . ~~ووضع زيتون خطة تقضي بأن يوقف سيارته أمام المعرض حتى يراها دون أن ~~تلحظ وجوده، وقال لأحمد إن ذلك هو الأسلوب المتبع في جبلة. لم يكن ~~يريد أن يتخذ أي خطوة، ولا أن يسمح لأحد بأن يفصح نيابة عنه عن ~~نياته قبل أن يراها. كان ذلك هو الأسلوب المتبع في وطنه الأصلي؛ ~~المراقبة عن بعد، وإجراء التحريات، وجمع المعلومات، ثم المقابلة، ~~لم يكن يريد أي خلط للأمور ولا جرح للمشاعر. # وأوقف سيارته في موقف السيارات الخاص بمعرض الأثاث في نحو ~~الخامسة مساء ذات يوم، وقد اعتزم الانتظار حتى يراها خارجة عند ~~انتهاء عملها، وكان قد استقر لتوه في موقع المراقبة حين اندفعت ~~امرأة في مقتبل العمر خارجة من الباب وهي ترتدي جينز وتغطي شعرها ~~بالحجاب. كانت باهرة وفي شرخ الشباب. وأدخلت بأصابعها عدة شعرات في ~~حجابها وجالت ببصرها في موقف السيارات، ثم عادت تسير في خطوات ~~واسعة بثقة مذهلة وذراعاها تتأرجحان بقوة كأنما كانت تريد تجفيف ~~طلاء أظافرها الجديد! ثم ارتسمت على شفتيها بسمة مفاجئة كأنما ~~تذكرت شيئا ما دفعها للضحك. وتساءل زيتون في نفسه: «ترى ماذا ~~تذكرت؟» كانت جميلة ذات وجه نضر، وكانت البسمة عريضة، خجولا، ~~مكهربة! وقال في نفسه: «أريد أن أجعلها تبتسم هذه البسمة. أريد أن ~~أكون الدافع. أريد أن أكون السبب.» وازداد حبه لها في كل خطوة ~~تخطوها نحوه. لقد وقع في غرامها! # ولكن اقترابها منه زاد عما ينبغي، كانت تتجه مباشرة نحوه. هل ~~كانت تعرف أنه أتى ليراها؟ كيف يمكن ذلك؟ هل أخبرها أحد؟ أحمد؟ ~~يوكو؟ كانت قد وصلت تقريبا إلى سيارته. سيبدو إذن أبله. لماذا ~~كانت تتجه نحوه مباشرة؟ لم يكن على استعداد لمقابلتها. # ولما كان حائرا لا يدري ما يفعل غطس برأسه، وظل قابعا تحت لوحة ~~المفاتيح ممسكا أنفاسه في انتظار ما يكون، وقال في نفسه: «يا رب! ~~يا رب!» ترى ms032 هل تمر به وحسب أم تظهر عند نافذته، وتتعجب من ذلك ~~الرجل المختبئ في السيارة؟! أحس بأن وضعه مضحك. # ولكن كاثي لم تكن تدري أنها تمر الآن برجل مختبئ تحت عجلة ~~القيادة. كل ما في الأمر أن سيارتها تصادف وقوفها بجوار سيارته، ~~وهكذا فتحت باب السيارة، وركبتها وانطلقت بها. # واعتدل زيتون في جلسته عندما مضت، وتنفس الصعداء، وحاول تهدئة ~~نبضه المتسارع. # وقال لأحمد: «أريد أن أقابلها.» # واتفقا على أن يكون اللقاء في منزل أحمد ويوكو، على عشاء غير ~~رسمي، وفي وجود أطفال أحمد ويوكو، وزخاري ابن كاثي. لن يكون الضغط ~~كبيرا هنا، بل ستكون فرصة وحسب للمحادثة بينهما، وفرصة لكاثي أن ~~تقابل ذلك الرجل الذي سأل عنها، ولم تكن قد حظيت حتى برؤيته إلى ~~الآن. # وعندما رأته أحبت عينيه، وأحبت وجهه الوسيم ذا البشرة الذهبية، ~~ولكنه كان محافظا أكثر مما ينبغي، كما كان في الرابعة والثلاثين ~~ولم تتجاوز هي الحادية والعشرين، أي إن عمره كان أكبر كثيرا مما ~~تخيلته في زوج المستقبل، وإلى جانب ذلك لم يكن قد مضى سوى عامين ~~على انفصالها عن زوجها الأول، وكانت تشعر بأنها على غير استعداد ~~للبداية من جديد، لم يخطر ببالها أنها في حاجة إلى شيء من الرجل، ~~ولا شك في أنها تستطيع تربية زخاري بنفسها؛ إذ استطاعت أن تبني ~~علاقة وثيقة معه، ولم تجد ما يدعوها إلى قلب توازن حياتها، ولم تكن ~~تستطيع المخاطرة بالعودة إلى الفوضى التي أحدثها زواجها ~~الأول. # وبعد أن غادر زيتون منزل أصدقائه في ذلك المساء، قالت كاثي ليوكو ~~إنه رجل لطيف ولا شك، ولكنها لا تظن أن الزواج منه سينجح. # ولكنها كانت تقابله في بعض المناسبات في السنتين التاليتين؛ فقد ~~يكون مدعوا إلى حفل شواء في الهواء الطلق في منزل أحمد ويوكو، ~~ولكنه كان يغادر المكان عندما تصل احتراما لها؛ لأنه لم يكن ~~يريدها أن تشعر بالحرج، ولكنه استمر يسأل عنها، وكان في كل عام ~~يسأل يوكو بصورة عابرة عن أحوال كاثي؛ حتى يطمئن إلى أنها لم ms033 تغير ~~رأيها. # وفي غضون ذلك كانت نظرة كاثي إلى الأمور تتطور، وإزاء تقدم زخاري ~~في السن بدأ يراودها الشعور بالذنب، كانت تأخذه للعب في المنتزه ~~العام فترى غيره من الغلمان مع آبائهم. وهكذا بدأت تتساءل إن كان ~~موقفها ينطوي على الأنانية، كانت تقول في نفسها: «الغلام يحتاج إلى ~~والد.» هل كانت ظالمة حين استبعدت إمكان وجود صورة للأب في حياة ~~زخاري؟ لم يكن ذلك يعني استعدادها لاتخاذ أي خطوة بناء على هذه ~~الأفكار، ولكن الجليد في داخلها كان قد بدأ ينصهر ببطء. وعلى مر ~~السنين، ووصول زخاري إلى عامه الثالث ثم الرابع، ازدادت تفتحا ~~لقبول شخص جديد. # اتصلت كاثي بزيتون في أولى ساعات العصر. # ورد قائلا: «فلننتظر حتى تتضح الصورة!» # وقالت: «لم أتصل بك بسبب العاصفة.» # كانت إحدى العميلات في الضفة الغربية تريد إعادة طلاء ~~الحمام. # وقال: «حقا؟ ولكننا انتهينا لتونا من ذلك.» ~~- «لا يعجبها منظره.» ~~- «قلت لها: إن ذلك اللون غير مناسب. برتقالي.» ~~- «أصبحت تتفق معك الآن.» # وقال: «سأذهب الآن.» # فقالت: «لا تتعجل.» ~~- «أرجو أن تستقري على رأي.» # قالت: «كل ما أرجوه ألا تقود السيارة بسرعة!» # كانت كاثي يقلقها أسلوب قيادته للسيارة، خصوصا إزاء قلق البعض ~~من العاصفة المقبلة. كانت تعرف أن زيتون يعد نفسه سائقا ~~ماهرا، لكنها حين كانت تركب إلى جواره تشعر بأعصابها ~~تتحطم. # شرع يعترض قائلا: «كاثي! أرجوك ...» # قالت: «إنني أخاف وحسب أثناء قيادتك السيارة.» # فقال: «دعيني أسألك» - وكان بذلك يشرع في إحدى تجاربه الفكرية ~~المتكررة - «فلنقل إن الشخص العادي يقود السيارة، في المتوسط، نحو ~~ساعتين في اليوم، وإن ذلك الشخص يحصل في المتوسط على مخالفتين في ~~السنة، وأنا أقود السيارة نحو ست ساعات في كل يوم. كم من المخالفات ~~تتوقعين أن أرتكبها؟ هذا هو سؤالي.» ~~- «كل ما قلته: إني شخصيا أشعر بالخوف.» ~~- «إني لا أرتكب إلا مخالفتين أو ثلاثا في السنة يا كاثي! كنت ~~أعرف رجلا يعمل سائقا لسيارة أجرة في نيويورك على مدى ثلاثين ~~عاما من دون رخصة! وهذا الرجل ...» # ولم تكن كاثي تريد ms034 أن تسمع شيئا عن ذلك الذي يعمل في نيويورك، ~~فقالت: «كل ما أقوله ...» ~~- «كاثي كاثي! لدينا في سوريا مثل يقول: المجنون يتكلم والعاقل ~~يسمعه.» ~~- «ولكنك أنت الذي يتكلم.» # واضطر زيتون إلى الضحك. كانت دائما تفوز عليه في ~~المناقشة. # وقال: «سأتصل بك فيما بعد.» # اتجه زيتون إلى الضفة الغربية ليلقي نظرة على الحمام البرتقالي. ~~كان يحاول أن يجد بعض التسرية في تغير أذواق عملائه، بحسبان ذلك ~~جزءا من عمله، فلو أنه غضب كلما غير أحدهم رأيه ما كتب له ~~البقاء قط! وكانت محصلة ذلك توافر التسرية في كل يوم. كان عمله ~~يعتمد اعتمادا كبيرا على الأذواق الشخصية للأفراد، والذوق ~~بطبيعته مسألة ذاتية، فإذا أضفت إلى ذلك بعض المتغيرات مثل عامل ~~الضوء والستائر والسجاجيد، كان من المحتوم أن تشهد إعادة التقييم، ~~وأداء العمل مرة أخرى. # ومع ذلك فإن أغرب الطلبات كانت كثيرا ما تصدر عن أشخاص يبدون ~~أسوياء إلى أقصى حد. كانت من بين العملاء فاتنة من الجنوب في ~~الستينيات، وكانت قد اتصلت بشركة زيتون للطلاء، وكانت سعيدة ~~بمحادثة كاثي، التي تتحدث بأسلوب الدردشة ولهجة مألوفة، ولكن عندما ~~وصل العمال ليبدءوا طلاء واجهات المنزل، عادت المرأة إلى الاتصال ~~فورا بكاثي. # قالت: «لا أحب هؤلاء الرجال!» # وسألتها كاثي: «ما عيبهم؟» # وقالت المرأة: «بشرتهم سمراء. لا أريد إلا رجالا ذوي بشرة بيضاء ~~للعمل في منزلي.» وقالت ذلك بلهجة من يختار نوعا من التوابل ~~للسلطة. # وضحكت كاثي: «ذوي بشرة بيضاء؟ آسفة! لقد نفد رصيدنا للتو من ~~هؤلاء!» # وأقنعت المرأة أن الرجال الذين أرسلتهم - وكانوا كلهم من أمريكا ~~اللاتينية في هذه الحال - يجيدون حرفتهم على خير وجه، وأنهم ~~سيقومون بالمهمة خير قيام. ولم تعترض المرأة، لكنها عادت للاتصال ~~بالتليفون: «هذا أقصر من أن يصبح عامل طلاء.» وكانت تشير بذلك إلى ~~عامل يدعي هكتور ويزيد طوله على 180سم. ولما أدركت فاتنة الجنوب ~~أنها لن تستطيع مهما اشتكت أن تستبدل بهؤلاء العمال عمالا أطول من ~~ذوي البشرة البيضاء، قنعت بمراقبتهم، والتأكد من جودة أدائهم بين ~~الحين والآخر. # وبطبيعة ms035 الحال، كثيرا ما كان يحدث أن يتوقف طالبو العمل عند اسم ~~زيتون. كانوا يتصلون لمعرفة التكاليف ثم يسألون كاثي: «زيتون؟! من ~~أين أتى هذا الاسم؟ ما وطنه؟» وكانت كاثي تقول: «إنه سوري.» وبعد ~~ذلك تمر فترة صمت طويلة أو فترة قصيرة قبل أن يقولوا: «هكذا؟ لا ~~بأس! انسي الموضوع!» كان ذلك نادر الحدوث، ولكنه لم يكن نادرا إلى ~~الحد اللازم. # كانت كاثي تخبر زيتون أحيانا بمثل هذه الحالات، وأحيانا ~~تتكتمها، ولكنها لم تكن تذكرها قط حول مائدة العشاء، وكان عادة ما ~~يضحك منها وينساها، ولكنها كانت أحيانا تثير أعصابه. كان شعوره ~~بالإحباط إزاء بعض الأمريكيين شعور الوالد الذي خاب ظنه، كان بالغ ~~الرضا في هذا البلد، مبهورا وعاشقا للفرص التي تتيحها للفرد، ~~ولكن لماذا يخون الأمريكيون أحيانا ذواتهم الحقة؟ أي إنك إذا ~~جعلته يبدأ الحديث في هذا الموضوع كنت تقول: وداعا لوجبة هنيئة. ~~فهو يبدأ بالدفاع عن المسلمين في أمريكا، ويتخذ من ذلك منطلقا ~~للتوسع في عرض القضية. كان يبدأ قائلا: إن كل جريمة ترتكب منذ ~~الهجمات في نيويورك أصبحت تنسب إلى مسلم، ومن ثم يشار إلى دين ~~ذلك الشخص، بغض النظر عن علاقته بالموضوع. وإذا ارتكب مسيحي إحدى ~~الجرائم، فهل يذكرون دينه؟ وإذا استوقف مسيحي في أحد المطارات بسبب ~~محاولة اصطحاب مسدس في الطائرة، فهل يخطر العالم الغربي بأن ~~مسيحيا قبض عليه اليوم وأنه يخضع للتحقيق معه؟ وماذا عن ~~الأمريكيين من أصول أفريقية؟ حين يرتكب رجل أسود جريمة من ~~الجرائم، فإن ذلك يذكر في مستهل الخبر «قبض على رجل أمريكي من ~~أصول أفريقية اليوم ...» وماذا عن الأمريكيين من أصول ألمانية؟ أو ~~أصول إنجليزية؟ قد يسطو رجل أبيض على دكان صغير فهل نسمع أنه ينحدر ~~من أسلاف اسكتلندية؟ لا تذكر السلالة أبدا في أي من هذه ~~الحالات. # وعندها يقتطف بعض ما يقوله القرآن: # يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن ms036 تعدلوا وإن تلووا أو ~~تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا ~~(النساء: 135). # كانت كاثي تدهش لعمق معرفته بالقرآن الكريم وسرعة استشهاده ~~بالآية المناسبة لأي موقف من المواقف. ومع ذلك، فهل تليق هذه ~~المحادثة على مائدة العشاء؟ كان من الصالح للأطفال إدراك وجود ~~أمثال هذا التعصب، ولكن الأمر لم يكن جديرا باستفزاز زيتون ~~ومشاهدة خيبة أمله بعد أن قضى في العمل يوما طويلا، ومع ذلك كان ~~زيتون يستطيع آخر الأمر أن يضحك من أمثال هذه الأحداث وينساها، ~~وأما الذي لم يكن يطيقه قط فهو أن يرفع أحد العملاء صوته على ~~كاثي. # وقد مر بهما عميل من هؤلاء، كانت امرأة في مقتبل العمر متزوجة من ~~طبيب. كانت نحيلة جميلة وذات هيئة لا يعيبها شيء أبدا، ولم تبد ~~أدني انزعاج عندما عرض زيتون عليها تقديره للتكاليف، وبدأ العمل في ~~طلاء الدرج وغرفة الضيوف. وقالت لزيتون إنها كانت تتوقع، هي ~~وزوجها، وصول ضيوف ينزلون بالمنزل، وأرادت الانتهاء من طلاء الدرج ~~وغرفة الضيوف أيضا في غضون خمسة أيام فقط. وقال زيتون إن هذه مدة ~~محدودة ولكنها لا تمثل مشكلة لشركته. وغمرتها السعادة الجارفة؛ إذ ~~لم تقبل أي شركة طلاء أخرى الالتزام بمثل هذا الزمن ~~المحدود. # وأرسل زيتون فريقا من ثلاثة عمال في اليوم التالي، ولما رأت ~~العميلة كفاءة ذلك الفريق في العمل وسرعة إنجازه، سألت زيتون إن ~~كان في إمكان الفريق طلاء مكتب زوجها وغرفة نوم ابنتها، وقال لها ~~إن ذلك ممكن، فأرسل المزيد من عمال الطلاء إلى المنزل، واستمرت هي ~~في إضافة غرف أخرى وأعمال أخرى، بما في ذلك تركيب بلاط جديد في ~~الحمام وطلائه، وواصل رجال زيتون تنفيذ العمل بسرعة. # ولكن تلك السرعة لم تكن كافية، ففي اليوم الثالث اتصلت كاثي ~~بزيتون وقد أشرفت على البكاء، قالت إن المرأة اتصلت بها أربع مرات ~~متوالية في زمن قصير، وهي تشتم وتسب وتلعن، كانت العميلة تصرخ ~~قائلة إن العمل لم يكتمل في المنزل، وضيوفها يصلون بعد أقل من ~~يومين، وقالت لها كاثي إن رجال زيتون ms037 انتهوا من العمل الأصلي في ~~أقل من المدة المطلوبة، ولكن ذلك لم يكن مطلب العميلة، كانت تريد ~~كل شيء - كانت تريد الانتهاء من الغرف السبع كلها بمهامها التي لا ~~تحصى - في خمسة أيام، كانت تريد أداء ثلاثة أضعاف العمل في الوقت ~~المحدد للعمل الأصلي. # وحاولت كاثي استخدام المنطق معها، وقالت إنها لم تتعهد قط، وما ~~تعهد زيتون قط بالقدرة على الانتهاء من جميع الأعمال الإضافية في ~~خمسة أيام. فمثل ذلك الجدول الزمني غير منطقي، ولا تستطيع أي شركة، ~~حتى لو كانت شركة زيتون نفسه، الانتهاء من العمل في مثل ذلك الوقت. ~~ولكن العميلة لم تكن تعرف المنطق، بل ظلت تنبح في وجه كاثي وتغلق ~~التليفون ثم تتصل من جديد وتغلق الخط، كان صوتها عاليا، ونبراتها ~~مترفعة، ولهجتها قاسية. # واتصلت كاثي، والدموع تنساب من عينيها، بزيتون على تليفونه ~~الخلوي أثناء سيره بالشاحنة إلى موقع عمل في الجانب الآخر من ~~المدينة. وحول زيتون وجهة الشاحنة، حتى من قبل انتهاء مكالمة ~~كاثي، وانطلق يقودها بأقصى سرعة يسمح بها القانون إلى منزل تلك ~~العميلة. وعندما وصل إليه دخل بهدوء إلى المنزل وأخبر عماله أنهم ~~سيرحلون، وفي غضون عشر دقائق كانوا قد جمعوا كل معداتهم، من علب ~~الطلاء إلى السلالم، ومن الفراجين إلى المشمعات الواقية، ووضعوها ~~في شاحنة زيتون. # وفي أثناء تراجع زيتون بالشاحنة إلى الخلف استعدادا للرحيل، جاء ~~زوج العميلة يجري ملهوفا إلى زيتون. وسأله عما أغضبه، ماذا حدث؟ ~~وكان غضب زيتون قد بلغ حدا جعله يعجز عن العثور على الكلمات ~~المناسبة بالإنجليزية. والواقع أن امتناعه عن الكلام كان أفضل، ~~وانتظر ثواني معدودة ثم قال إنه لا يقبل أن يتحدث أحد بذلك ~~الأسلوب إلى زوجته، وإنه قد ترك العمل وانتهى الأمر وتمنى له ~~حظا حسنا. # وعندما وصل إلى المنزل الذي طلي فيه الحمام باللون البرتقالي، ~~طلب كاثي حتى تستعرض أسعار المواد التي قد يحتاجون إليها، وألقى ~~نظرة على الجدران البرتقالية - وما كان أشق النظر إليها - فأدرك ~~وجود البانيو الجديد، الذي كان ضخما يقوم على ms038 أرجل تشبه مخالب ~~الطائر، ويوحي بالقدم والهرم. # وسألته كاثي في التليفون: «تقول إنه كبير الحجم لكن أليس ~~جميلا؟» # ورد مازحا: «نعم، مثلك!» # فقالت : «حذار! أستطيع إنقاص وزني لكنك لن تستطيع أبدا إعادة ~~الشعر إلى رأسك!» # عندما التقيا، كانت كاثي مشغولة بالحفاظ على رشاقتها لكنها كانت ~~أنحف مما ينبغي. كانت في طفولتها سمينة، في أعين البعض على الأقل، ~~وكان وزنها يتفاوت ارتفاعا وانخفاضا بشدة في سني المراهقة. كانت ~~تطلق العنان لشهيتها، ثم تلتزم بنظام غذائي صارم ثم تعود إلى إطلاق ~~العنان، وعندما تزوجا أصر زيتون على أن يجعلها تتجاوز قضية وزن ~~الجسم وأن تأكل مثل الأسوياء. وأصغت لما يقول، فإذا به يتفكه ~~الآن بأنها تمادت في العمل برأيه! كانت تقول لأصدقائها: «الحمد لله ~~على العباية.» كانت عندما تريد عدم الانشغال بالملابس أو القلق على ~~هذا الزي أو ذاك، تولى الزي الإسلامي الذي ينسدل من الكتف إلى ~~الأرض حل المشكلة - حلا مهندما! # وسمعت طرقة على الباب فذهبت لتفتحه فوجدت ميلفن، وهو عامل طلاء ~~من جواتيمالا، وكان يريد الحصول على أجره الأسبوعي قبل نهاية ~~الأسبوع. # كان زيتون حاسما في جهوده لتقديم الأجر المجزي ودون تأخير ~~للعمال، وكان دائما ما يستشهد بالحديث الشريف: «أعط الأجير أجره ~~قبل أن يجف عرقه.» وكان يستند هو وكاثي إلى هذا الأساس الصلب في ~~إدارة العمل، ولم يفت العمال إدراك ذلك. # ومع ذلك فقد كان زيتون يفضل أن يدفع الأجور أيام الأحد أو ~~الإثنين؛ لأن الدفع يوم الجمعة يجعل عددا كبيرا من العمال يختفي ~~طوال عطلة نهاية الأسبوع، ولكن كاثي كان لها قلب شفيق، وكان ~~اعتزامها تأجيل الدفع ولو ساعة يضعف في وجود هؤلاء العمال الذين ~~يتفصدون عرقا، وعلى عقل أصابعهم الدم، ونشارة الخشب تغطي ~~سواعدهم. # قالت له: «لا تخبر زيتون!» وكتبت الشيك له. # وأدارت كاثي جهاز التليفزيون وتنقلت بين القنوات، كانت كل محطة ~~تغطي أنباء العاصفة. # لم يكن قد تغير أي شيء؛ إذ كان إعصار كاترينا يسير في طريقه من ~~دون أن تقل سرعته أو قوته. ولما كان ms039 الإعصار في مجمله يتقدم ببطء ~~شديد، بسرعة تبلغ ثمانية أميال في الساعة، زادت الأضرار التي ~~تحدثها الريح، بل سوف تستمر في إحداث أضرار فاجعة. # لم تكن التغطية تتجاوز الكلام عن خلفية العاصفة حتى سمعت كاثي ~~تعبير «أسرة من خمسة أفراد». كان المذيع ومن معه يتحدثون عن الأسرة ~~التي فقدت في البحر، وقالت في نفسها «يا رب! يا رب!» ثم رفعت صوت ~~التليفزيون. كانت الأسرة لا تزال مفقودة وكان رب الأسرة يدعى «إد ~~لارسن». كان يعمل مشرفا على عمال البناء. وقالت في نفسها: «لست ~~جادا.» كان قد أخذ عطلة لمدة أسبوع حتي يخرج مع أسرته في نزهة ~~بحرية في اليخت الخاص به، وكان اسم اليخت «حاشية البحر». كان اليخت ~~قد وصل إلى مرفأ ماراثون ثم انطلق منه إلى كيب كورال حينما انقطع ~~الاتصال معه باللاسلكي. وكان الرجل يصطحب زوجته وأطفاله الثلاثة في ~~طريقهم إلى الساحل لحضور حفل اجتماع شمل الأسرة الكبيرة. وما إن ~~اجتمع أفراد الأسرة الكبيرة حتى أدركوا غياب أسرة «لارسن» وعندها ~~تحول الحفل إلى سهرة حافلة بالقلق والصلوات. # ولم تستطع كاثي الاحتمال. # فاتصلت بزوجها وقالت: «لا بد أن نرحل.» # فقال: «انتظري. انتظري. علينا أن ننتظر حتى تتضح الأمور.» # فقالت: «أرجوك!» # فقال: «حقا؟ تستطيعين الرحيل.» ~~••• # كانت كاثي قد اصطحبت الأطفال من قبل إلى الشمال عدة مرات عندما ~~كانت العواصف تشتد، ولكنها كانت تأمل ألا تضطر إلى القيام بهذه ~~الرحلة الآن، فعليها أن تؤدي بعض الأعمال في نهاية الأسبوع، ~~والأطفال وضعوا برامج للعطلة، ودائما ما كانت تعود أشد إرهاقا ~~مما كانت عليه. # وفي كل مرة تقريبا، سواء للفرار من وجه عاصفة أو لقضاء عطلة، ~~كانت كاثي تضطر إلى الرحيل مع الأطفال في غيبة زيتون، كان من ~~العسير على زوجها أن يترك العمل، ويصعب عليه الاسترخاء أياما ~~متوالية. وبعد سنوات من هذه الحياة بلا عطلات هددت كاثي بأن تأخذ ~~الأطفال بعد خروجهم من المدرسة عصر يوم من أيام الجمعة للذهاب إلى ~~فلوريدا، ولم يصدقها زيتون أول الأمر. هل كانت كاثي قادرة على ms040 أن ~~تغادر المنزل حقا معه أو من دونه؟ # كانت تستطيع، ثم أقدمت على ذلك فعلا، ففي عصر يوم من أيام ~~الجمعة كان زيتون يطمئن على سير العمل في موقع قريب وقرر أن يمر ~~على المنزل، كان يريد أن يرى الأطفال ويلبس قميصا آخر ويأخذ بعض ~~الأوراق الخاصة بالعمل، لكنه عندما أوقف السيارة في مدخل المنزل، ~~وجد كاثي منهمكة في وضع الأمتعة في الشاحنة الصغيرة، والطفلين ~~الصغيرين جالسين داخلها وقد ربطا أحزمة الأمان. # وسألها: «إلى أين تذهبون؟» ~~- «قلت لك إنني سأذهب معك أو من دونك. وسوف نذهب!» # كانوا سيذهبون إلى «دستين، فلوريدا»، وهي بلدة ساحلية على خليج ~~المكسيك على مبعدة أربع ساعات بالسيارة، وتتمتع بشواطئ طويلة بيضاء ~~ومياه صافية. # وقالت نديمة: «تعال معنا يا بابا!» وكانت قد خرجت لتوها من ~~المنزل تجمع عدة الغطس. # كان ذهول زيتون أكبر من أن يسمح له بالكلام، كان ذهنه مشغولا ~~بمهام لا تحصى، وكانت أنبوبة في أحد العقارات المؤجرة قد انفجرت ~~لتوها، فكيف يستطيع الذهاب؟ # وجلست نديمة في الكرسي الأمامي وربطت حزام الأمان. # وقالت كاثي وهي تتراجع بظهر السيارة: «باي باي! نراك يوم ~~الأحد.» # وانطلقت السيارة، والفتيات يلوحن له أثناء الرحيل. # لم يذهب مع باقي الأسرة في ذلك اليوم، ولكنه لم يعد يتشكك بعد ~~ذلك في عزيمة كاثي، كان يعرف أنها جادة، وأنها سوف تستشيره في ~~المستقبل بشأن خطط التمتع بالعطلات، وإن كان قد عرف كذلك أن كاثي ~~يمكن أن تقوم برحلات إلى فلوريدا، وإلى أماكن أبعد، بل سوف تقوم ~~بها، معه أو من دونه. وهكذا قامت الأسرة برحلات أخرى إلى دستين، بل ~~إنه اصطحب الأسرة في عدد منها. # ولكنه لم يكن يتخذ القرار في جميع الأحوال إلا في آخر لحظة، وذات ~~يوم تأخرت كاثي في الشروع في الرحيل، وتأخر زيتون إلى الحد الذي لم ~~يسمح له بحزم أمتعته. وكانت كاثي قد أدارت السيارة وبدأت تتراجع ~~بها استعدادا للانطلاق عندما وصل وأوقف سيارته بجوارها. # وقالت كاثي: «اركب الآن أو لن تأتي معنا!» حتى دون أن ms041 توقف ~~المحرك. # وهكذا ركب السيارة، وكان لا يزال يرتدي ملابس العمل، وقد علاه ~~التراب والعرق الذي كان يتفصد نتيجة توتره من صعوبة اتخاذ القرار ~~مثلما يتفصد من عمل اليوم. واضطر عند وصولهم إلى فلوريدا إلى أن ~~يشتري ملابس أخرى للبحر. # كانت كاثي تعتز بأنها تستطيع اصطحابه إلى دستن مرة في العام، ولم ~~يكن زيتون يمانع كثيرا في الذهاب؛ إذ كان يعرف مدى قرب المكان، ~~ويدرك أنه يستطيع العودة في أي لحظة، بل إنه قطع عطلته وعاد أكثر ~~من مرة بسبب مشكلة ما في أحد مواقع العمل. # ولكن كاثي كانت - بحلول عام 2002 - تريد عطلة تشعرها بأنها عطلة ~~حقيقية. وكانت تعرف أن عليها في سبيل ذلك أن تجد حلا جذريا، ~~فعلى مدى الزمن الذي قضياه معا - وكان آنذاك يبلغ ثماني سنوات - ~~لم يكن قد تمتع بعطلة تزيد على يومين متتاليين. وانتهت آخر الأمر ~~إلى أن عليها أن تختطفه. # بدأت بالتخطيط لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في دستن، واختارت وقتا ~~تعلم أن العمل سيميل إلى الهدوء فيه؛ إذ كانت عطلة عيد الميلاد قد ~~انقضت لتوها، ونادرا ما كان العمل يستأنف بنشاط قبل حلول ~~السنة الجديدة. وكالعادة، لم يتخذ زيتون قراره إلا في اللحظة ~~الأخيرة، ومن ثم احتاطت للأمر وأعدت حقيبة ملابسه بنفسها وخبأتها ~~في الشاحنة الصغرى، ولما كانت قد ضمنت أن تكون نهاية الأسبوع ~~هادئة، قرر اصطحاب الأسرة، وإن كان ذلك، كعادته، في آخر لحظة. ~~وتأكدت من هدوء الأطفال - إذ كانت تطلعهم على كل خطة تضعها - ~~وسرعان ما غلبه النعاس وسال لعابه على حزام الأمان. وفي أثناء ~~نومه، اتجهت كاثي بالسيارة عبر مدينة دستن وتجاوزتها جنوبا إلى ~~شبه جزيرة فلوريدا، وكلما استيقظ قالت له: «كدنا أن نصل، عد إلى ~~النوم!» وكان والحمد الله يعود إلى النوم؛ إذ كان بالغ الإرهاق، ~~ولم يدرك أنهم ليسوا متجهين إلى دستن إلا قبل الوصول إلى شمال ~~ميامي بساعة واحدة. كانت كاثي قد توجهت مباشرة إلى مدينة ميامي، ~~سبع عشرة ساعة بالسيارة. كانت قد بحثت بالكمبيوتر عن أدفأ ms042 مكان في ~~البلاد في ذلك الأسبوع، وكانت ميامي ذلك المكان، كان الوجود في مثل ~~ذلك المكان البعيد السبيل الوحيد لضمان قضائه عطلة حقيقية، مقدار ~~أسبوع كامل من الراحة. كانت كلما تذكرت تلك الحيلة، وكيف نفذتها ~~بنجاح ابتسمت لنفسها. كان الزواج نظاما مثل غيره من النظم، وكانت ~~تعرف كيف تنجح في إدارته. # وفي نحو الثانية والنصف عاد أحمد إلى الاتصال بزيتون، كان لا ~~يزال يتابع مسار العاصفة من الكمبيوتر الخاص به في إسبانيا. # وقال أحمد: «لا يبدو أنها تبشر بالخير لكم.» # ووعد زيتون بأن يتابع أحوالها. # وقال أحمد: «تخيل الأمواج العالية التي تثيرها العاصفة.» # وقال زيتون إنه منتبه لهذا كل الانتباه. # وقال أحمد: «ولم لا ترحل طلبا للأمان وحسب؟» # قررت كاثي أن تذهب إلى دكان البقالة قبل توصيل البنات من المدرسة ~~إلى المنزل؛ إذ قالت في نفسها إن المرء لا يستطيع أن يعرف متى ~~يتزاحم الناس لشراء الضروريات قبل وصول العاصفة، وأرادت أن تتجنب ~~مثل ذلك التزاحم. # ذهبت إلى المرآة لتسوية الحجاب، ونظفت أسنانها بالفرشاة، وتركت ~~المنزل. لم يكن الأمر يشغل بالها كثيرا؛ ولكن كل مرة تخرج فيها ~~إلى دكان البقالة أو المركز التجاري كانت تجازف بإمكان مواجهة لون ~~ما من ألوان الإساءة. ويبدو أن تواتر هذه الأحداث كان مرتبطا إلى ~~حد ما بالأحداث الجارية، والصورة العامة التي ترسمها أجهزة الإعلام ~~للمسلمين في ذلك الأسبوع أو ذلك الشهر، وقد ازدادت شحنة التوتر ~~قطعا بعد أحداث 11 سبتمبر عما كانت عليه قبلها، ثم ساد الهدوء بضع ~~سنوات، ولكن حادثة محلية وقعت في عام 2004 أضرمت النار من ~~جديد. # ففي مدرسة وست جيفرسون الثانوية، دأب معلم التاريخ على مضايقة ~~طالبة في الصف العاشر باستمرار؛ لأنها كانت ذات أصول عراقية، كان ~~يقول إن العراق من «بلدان العالم الثالث»، ويقول إنه يقلق لأن ~~الطالبة قد «تفجر فينا القنابل» إذا عادت يوما ما إلى العراق. وفي ~~فبراير من ذلك العام، أثناء أداء الامتحانات، نزع المدرس حجاب ~~الفتاة قائلا: «أرجو أن يعاقبك الرب. لا! آسف! أرجو أن ms043 يعاقبك ~~الله!» ونشرت أنباء الحادثة على نطاق واسع، ورفعت الطالبة قضية ~~على المعلم، وأوصى رئيس المنطقة التعليمية التي تتبعها المدرسة ~~بإنهاء خدمته، ولكن مجلس إدارة المدرسة ألغى الحكم وحكم بإيقافه عن ~~العمل عدة أسابيع ثم عاد إلى المدرسة. # وبعد صدور ذلك القرار حدث ارتفاع في معدل وقوع المضايقات الطفيفة ~~للمسلمين في تلك المنطقة. وكانت كاثي تدرك أنها تدعو إلى مضايقتها ~~بخروجها بالحجاب، وكانت عادة جديدة قد نشأت في ذلك الوقت، يمارسها ~~المراهقون من الصبية أو من يفكرون مثلهم، ألا وهي التسلل من خلف ~~المرأة التي تلبس الحجاب واختطافه والجري به. # وذات يوم حدث ذلك لكاثي، كانت تتسوق مع أسما، وهي صديقة مسلمة لا ~~تلبس الحجاب، وكانت أسما أصلا من الجزائر، واستمرت تقيم في ~~الولايات المتحدة عشرين سنة، وكان الناس عادة يتصورون أنها ~~إسبانية، وعندما خرجت كاثي وأسما من المركز التجاري، كانت كاثي ~~تحاول أن تذكر أين أوقفت سيارتها، وكانت أسما على الرصيف، وعين ~~كاثي لا تتحول عن صفوف العربات البراقة، عندما نظرت أسما إليها ~~نظرة غريبة، قائلة: «كاثي! من خلفك فتاة!» # كانت فتاة في نحو الخامسة عشرة تقبع خلف كاثي ويدها مرفوعة توشك ~~أن تختطف الحجاب من فوق رأسها. # وأدارت كاثي رأسها وصرخت فيها: «لديك مشكلة؟» # وانزوت الفتاة وتسللت مبتعدة لتلحق بمجموعة من البنين والبنات من ~~أترابها، وكلهم يرقبون، وعندما لحقت بأصدقائها وجهت بعض الألفاظ ~~المنتقاة إلى كاثي، وضحك أصدقاؤها وحاكوها، فأمطروا كاثي بوابل من ~~الشتائم البالغة التنوع. # من المحال أن يكون الأولاد والبنات قد توقعوا أن ترد كاثي عليهم. ~~ولا شك في أنهم كانوا يتصورون أن المرأة المسلمة التي يفترض فيها ~~الخضوع والحياء في استخدام اللغة الإنجليزية سوف تسمح بانتزاع ~~حجابها من رأسها دون رد. ولكن كاثي أطلقت عليهم سيلا من قذائف ~~الألفاظ اللاذعة التي أذهلتهم وعقدت ألسنتهم عدة لحظات. # وفي أثناء رحلة العودة إلى المنزل كانت كاثي نفسها جازعة مما ~~قالته، كانت قد نشأت في بيئة يكثر فيها استخدام الشتائم، وكانت ~~تعرف كل كلمة وكل تعبير مسيء، ولكنها ms044 لم تستخدم أيا من ذلك منذ ~~أن أصبحت أما، ومنذ اعتناقها الإسلام، إلا مرة أو مرتين، ولكن ~~هؤلاء الأطفال كانوا في حاجة إلى أن يتعلموا درسا ، فلم تبخل به ~~عليهم. # وفي الأسابيع التي تلت الهجمات على البرجين السامقين في نيويورك ~~لم تشاهد كاثي إلا عددا بالغ القلة من المسلمات في الحياة العامة، ~~وكانت واثقة بأنهن مختبئات ولا يخرجن من المنزل إلا إن دعت ~~الضرورة، وفي أواخر سبتمبر كانت في حي «والجرينز» عندما شاهدت ~~أخيرا امرأة ترتدي الحجاب، فأهرعت إليها قائلة: «السلام عليكم.» ~~مصافحة مرحبة. كانت طبيبة تدرس في كلية تولين ويخامرها الإحساس ~~نفسه، كأنها منفية في بلدها نفسه، وضحكت كل منهما على السعادة ~~الغامرة التي واتتهما عند التلاقي. ~~••• # وفي هذا اليوم من شهر أغسطس، قامت بالتسوق عند البقال دون ~~مواجهة، ثم بدأت توصيل البنات إلى المنزل. # وسألتها نديمة: «هل سمعت عن العاصفة؟» # وأضافت صفية: «إنها مقبلة علينا.» # وسألتها نديمة: «هل نرحل؟» # كانت كاثي تعرف أن أطفالها يريدون الرحيل، يريدون الذهاب إلى ~~منازل أقاربهم في مسيسيبي أو باتون روج، فيكون ذلك بمثابة عطلة، أو ~~يومين من الكسل، وربما حصلوا على عطلة عند إغلاق المدرسة يوم ~~الإثنين لتنظيف المدينة، كان ذلك قطعا ما يفكرون فيه ويأملونه. ~~كانت كاثي تعرف مسار تفكير أطفالها. # وعندما وصل الجميع إلى المنزل في الخامسة كانت نشرات الأخبار ~~تتحدث باستمرار عن إعصار كاترينا، وشاهدت الأسرة في التليفزيون صور ~~الأمواج الهائلة والأشجار المقتلعة والبلدات الكاملة التي اجتاحتها ~~الأمطار الغزيرة فكستها باللون الرمادي، وكان المركز القومي ~~للأعاصير يتنبأ بأن كاترينا ستصبح عما قريب إعصارا من الدرجة ~~الثالثة، وعقدت بلانكو، حاكمة الولاية، مؤتمرا صحفيا لتعلن فيه ~~حالة الطوارئ في ولاية لويزيانا، وفعل ذلك نفسه باربر حاكم ولاية ~~مسيسيبي معلنا فيها الطوارئ. # كانت كاثي منزعجة، ظلت تجلس على مسند الأريكة بذهن شارد جعلها ~~تغفل البدء في إعداد العشاء حتى السادسة، وطلبت زيتون ~~بالتليفون. # وسألته: «هل تستطيع إحضار بعض الدجاج المشوي في طريق عودتك ~~للمنزل؟» # وقامت نديمة بترتيب مفرش المائدة وأطباق الطعام لكل ms045 فرد في ~~المنزل، بينما أخذت صفية وعائشة تضعان أدوات الطعام والأكواب في ~~أماكنها، وأعدت كاثي طبقا من السلطة وصبت اللبن للصغار والعصير ~~لها ولزيتون. # وحضر زيتون ومعه دجاجة، فاستحم وجلس مع الأسرة لتناول ~~العشاء. # وقال زيتون لبناته: «أكملن الأكل!» بعد أن لاحظ كيف يقتصرن ~~على تناول الفتات تاركات مقادير كبيرة كما هي. # كان قد اعتاد ذلك بعد كل هذه السنين، ومع ذلك كانت تمر به لحظات ~~يشعر فيها بالضيق من إهدار الطعام، بل إمكان إهدار كل شيء تقريبا. ~~كان إبان نشأته في سوريا كثيرا ما يسمع التعبير القائل: «ما لا ~~تكسبه يدك لا يأسف عليه قلبك.» وأما في الولايات المتحدة فلم يكن ~~الأمر يقتصر على الرخاء - إذ لم تكن نيو أورلينز قطعا مدينة ~~يسودها الرخاء بدرجة متساوية - بل كان الإحساس يشيع بأنه يمكن ~~استعراض كل شيء، وبنزوة طارئة. كان يحاول أن يغرس في نفوس أطفاله ~~قيمة العمل، وقيمة كل ما يدخل منزلهم، ولكنه كان يعرف أنه سوف يضيع ~~الكثير في هذا السياق؛ فهو الإهدار والسرف اللذان تتصف بهما هذه ~~الثقافة عموما. لقد درج على أن يعرف أن الله لا يحب المسرفين ~~والمبذرين، وقد قيل له إن ذلك من بين الأشياء الثلاثة التي تعتبر ~~أشد ما يكرهه الله، وهي القتل العمد، والطلاق، والتبذير؛ فهي تدمر ~~المجتمع. # وبعد العشاء استأذنت الفتيات في مشاهدة فيلم «الكبرياء والهوى» ~~مرة أخرى. كانت تلك ليلة الجمعة، ولم يكن لدي زيتون سبب منطقي ~~يتعلق بالمدرسة للاعتراض، ولكن ذلك لم يكن يعني أنه كان مضطرا ~~للجلوس والمشاهدة مرة أخرى. لقد أعجبه الفيلم أول مرة، ولكنه لم ~~يكن يفهم ضرورة مشاهدته عشر مرات في عشرة أيام. وهكذا كان يذهب مع ~~زخاري في الأسبوع الماضي إلى غرفة أخرى لأداء شيء آخر، أي شيء آخر. ~~ولكن كاثي كانت في صحبة الفتيات، وقد تداخل الجميع بعضهن في بعض ~~فوق الأريكة، وكانت العيون تغرورق بالدمع في المشاهد نفسها التي ~~اعتادت ذلك فيها، وهز زيتون رأسه ودخل المطبخ لإصلاح باب دولاب ~~صغير لا بد ms046 من تثبيت مفاصله. # كانوا يوقفون عرض الفيلم على امتداد المساء لمتابعة التقارير ~~الإخبارية عن شدة العاصفة واتجاه مسارها. كانت الأنباء تقول إن ~~الإعصار لا يزال يسير ببطء بحذاء الساحل، وقد زادت سرعة الرياح فيه ~~عن مائة ميل في الساعة، وكلما تباطأت العاصفة فوق منطقة ما، ازداد ~~الدمار الذي تحدثه فيها. كانت جميع الأنباء رهيبة. وعندما شاهدت ~~كاثي صورة الأسرة بأفرادها الخمسة كانت على وشك إغلاق التليفزيون، ~~كانت واثقة بأنهم غرقوا، وكان مصير هذه الأسرة سوف يشغل بالها ~~أسابيع متوالية؛ إذ تتراءى لها صورة الأقارب الذين يتوقعون اجتماع ~~شمل الأسرة، ثم إذا بهم مرغمون على البكاء على فقدان هذا العدد ~~الكبير مرة واحدة، ولكن كاثي تبينت أن الأسرة لم تفقد! فرفعت صوت ~~التليفزيون. لقد أنقذت. كان أفرادها قد أرسوا سفينتهم في جزيرة ~~يغطيها نبات المنغروف بالقرب من المنطقة المعروفة باسم «الجزر ~~العشرة الآلاف» واحتموا من العاصفة في غرفة اليخت، وهم يصلون، ~~ويتناوبون الصعود إلى السطح لطلب الغوث من الطائرات المحلقة فوقهم، ~~وكان حرس السواحل قد لمح سفينتهم قبل ساعات معدودة ورفعهم جميعا ~~إلى بر السلامة. وهكذا أنقذت الأسرة بأفرادها الخمسة. # بعد أن قبلت كاثي زخاري قبلة المساء في وقت لاحق رقدت في فراش ~~نديمة ورقدت البنات حولها، فتداخلت الأطراف والوسائد في غير ما ~~نظام. # وسألت كاثي: «من تريد أن تبدأ؟» # وبدأت صفية القصة عن «بوكيمون». كانت القصص التي تتعاون الفتيات ~~في نسجها كثيرا ما تدور حول بوكيمون. وبعد أن وصفت عائشة البطل، ~~رسمت صفية مكان الأحداث وزمنها والصراع الأساسي فيها، واستأنفت ~~نديمة القص من هذه النقطة، واستمر الجميع في بناء الحبكة بالتناوب ~~حتى نامت عائشة. وبدأت نديمة وصفية في التثاؤب والتثاقل، فالنعاس. ~~ونظرت كاثي فوجدت زيتون واقفا لدى الباب، متكئا على الإفريز، وهو ~~يتطلع إلى الجميع، كان كثيرا ما يفعل هذا، فينظر وحسب، كيما ~~يستوعب ما يشهد. وكان المشهد أحلى وأجمل من احتماله، كان يكفي ~~لتفجير ينبوع نشوة في قلبه. # السبت 27 من أغسطس # استيقظ زيتون وكاثي متأخرين، بعد الثامنة. وعندما ms047 أدارا ~~التليفزيون، شاهدا مايكل براون، مدير الوكالة الفيدرالية لإدارة ~~الطوارئ، وهو يخبر جميع سكان مدينة نيو أورلينز بأن عليهم أن ~~يرحلوا في أقرب وقت مستطاع، والاتجاه داخل البلاد بأقصى سرعة ~~ممكنة، وكان المركز القومي للأعاصير قد أصدر تحذيرا للمنطقة وسط ~~ولاية لويزيانا قائلا إن الإعصار قد يبلغ حد الدرجة الخامسة عندما ~~يصل إلى اليابسة. ولم تهب الأعاصير من الدرجة الخامسة على المنطقة ~~القارية في الولايات المتحدة إلا ثلاث مرات من قبل، ولم تتعرض ~~مدينة نيو أورلينز لها قط. # وقالت كاثي: «أظن أن علينا أن نرحل يا حبيبي.» # وقال زيتون: «ارحلوا أنتم، وسأبقى أنا.» # وسألته: «كيف يمكن أن تبقى؟» # ولكنها كانت تعرف الإجابة، لم يكن العمل الذي يقومان به عملا ~~بسيطا يتيح لك أن تغلق المكتب وحسب وترحل، وكان معني الرحيل من ~~المدينة ترك كل ما يمتلكانه، وكل منازل مستأجريهم، ولم يكن في ~~طوقهم أن يفعلوا هذا إلا في حالة الضرورة القصوى. وكانت لديهما ~~مواقع عمل في شتى أرجاء المدينة، وقد تحدث أشياء كثيرة يجهلانها ~~أثناء غيابهما، وقد ترفع عليهما قضايا التعويض إذا تسببت معداتهما ~~في إحداث أي ضرر بممتلكات عملائهما. كان ذلك من المخاطر الأخرى ~~للشركة التي بنياها. # كانت كاثي تميل بشدة إلى الهرب، وبدا لها من متابعة الأخبار طول ~~النهار ظهور دلائل كثيرة جديدة على الطابع الفريد لهذه العاصفة، بل ~~بلغ من كثرتها أن كاثي لم تعد تطيق مجرد التفكير في البقاء، كانا ~~قد أوقفا من قبل عمليات الشركة في مطار لويس أرمسترونج الدولي، ~~وكان الحرس الوطني في لويزيانا قد استدعي أربعة آلاف جندي من جنود ~~الاحتياط للخدمة. # كان ذلك وقت الضحي، ودرجة الحرارة لا تقل عن 35° مئوية، والهواء ~~مثقل بالرطوبة، وكان زيتون في الفناء الخلفي يجري ويلعب مع الأطفال ~~والكلبة «ميكاي». وفتحت كاثي الباب الخلفي. # وسألته كاثي: «هل ستبقى حقا؟» كانت تتصور لسبب ما أنه ربما ~~يبدي التردد، ولكنها كانت مخطئة. # وقال لها: «ما الذي يقلقك؟» # لكنها لم تكن قلقة. لم يكن ما يراودها هو الخوف على سلامة ms048 زوجها، ~~في الواقع، بل إحساس قاطع بأن الحياة في المدينة ستكون مضنية إلى ~~أقصى حد خلال العاصفة وبعدها. لا بد من انقطاع الكهرباء، وسوف تكون ~~الشوارع مغطاة بالأنقاض، ويتعذر المرور فيها أياما متوالية. فما ~~الذي يدفعها إلى تحمل كل هذا العناء؟ # وقال: «لا بد أن أرعى المنزل والمنازل الأخرى. قد ينشأ ثقب صغير ~~في السقف، فإن أصلحته فلا ضرر منه، وإلا تحطم المنزل كله.» # وبحلول أولى ساعات العصر كان ناجين، عمدة المدينة، وبلانكو، ~~حاكمة الولاية، قد بدآ الدعوة إلى إخلاء المدينة طوعا، وقال ناجين ~~للسكان إن مبنى القبة الكبيرة، وهو الصالة الرياضية المغلقة في ~~المدينة، سيكون مفتوحا باعتباره «مأوى الملاذ الأخير!» وارتعدت ~~كاثي من تصور ذلك. ففي العام السابق، عندما هب إعصار إيفان، فشلت ~~خطة الإيواء في ذلك المكان فشلا ذريعا؛ إذ كانت القبة الكبيرة ~~تفتقر إلى المؤن اللازمة وتعاني من التكدس، مثلما كان الحال في عام ~~1998، في أيام إعصار جورج، ولم تكن تصدق أن المكان سوف يستخدم من ~~جديد، وقالت في نفسها إنهم ربما تعلموا الدرس من المرة السابقة ~~ووفروا المؤن اللازمة للصالة الرياضية المغلقة. كل شيء ممكن، ~~ولكنها كانت غير واثقة. # كانت كاثي تعتزم أن ترحل بمجرد الإعلان عن تحويل المرور إلى ~~اتجاه واحد، وهو ما كان من المفترض أن يبدأ تنفيذه في نحو الرابعة ~~عصرا. ومن شأن هذا التحويل أن يجعل الحارات في جميع الطرق الرئيسة ~~مجهزة للسيارات الخارجة من المدينة، ولكن كان على كاثي في هذه ~~الآونة أن تحزم حقائبها وتضعها في سيارتها، واسمها «الأوديسية»، ~~بحيث تكون على استعداد عند مدخل المنزل. # لكن ترى أين تذهب؟ كانت واثقة بأن كل فندق سيكون كامل العدد في ~~أي مكان خارج المدينة حتى مسافة مائتي ميل. وإذن كان الأمر ينحصر ~~في الاهتداء إلى من تثقل عليه بضيافتها من أفراد الأسرة. خطر ~~لها أولا أن تذهب إلى أختها «آن» في مدينة «بوبلارفيل»، بولاية ~~مسيسيبي، ولكنها عندما اتصلت بها، كانت «آن» أيضا تفكر في الرحيل؛ ~~إذ إن منزلها كان يقع من ms049 الناحية الجغرافية المحضة في المنطقة التي ~~سوف تتضرر من الرياح العاتية، كما كانت تحيط به أشجار عتيقة، ولما ~~كان من المحتمل أن تسقط إحداها فتخرق سقف منزل «آن» لم تكن واثقة ~~أنها ينبغي أن تظل في ذلك المنزل، ناهيك باستضافة كاثي ~~وأطفالها. # كان الخيار التالي هو المقر الرئيس للأسرة في باتون روج، وكان ~~منزلا ريفيا تحيط به مزرعة في إحدى ضواحي تلك المدينة، ويملكه ~~أخوها آندي، وبه ثلاث غرف للنوم، وكان آندي كثير الترحال وكان ~~آنذاك في هونج كونج، يعمل في مشروع إنشائي. وكانت اثنتان من أخوات ~~كاثي، هما باتي وماري آن، قد انتقلتا للعيش فيه أثناء ~~غيابه. # كانت كاثي تعرف أنهما سوف تسمحان لها بالنزول في ذلك المنزل مع ~~أطفالها، ولكن التكدس محتوم في هذه الحالة، بداية لم يكن المنزل ~~كبيرا، وكان لدى باتي أربعة أطفال أيضا، فإذا أضيفت كاثي ~~بأطفالها الأربعة أصبح في المنزل ثمانية أطفال وثلاث أخوات، وغدا ~~الجميع يعيشون معا في منزل من المحتمل أن تؤدي الرياح العاتية إلى ~~قطع الكهرباء عنه. # ومع ذلك فإن الأسرتين لم تجتمعا معا منذ وقت طويل، وربما أدت ~~هذه المناسبة إلى التقارب بين أفرادهما، فقد يستطيعون الخروج معا ~~لتناول الطعام، أو للتسوق في باتون روج، وكانت كاثي واثقة بأن ~~أطفالها سوف يرحبون بالفكرة. كان أطفال باتي أكبر سنا ولكنهم ~~دائما ما كانوا يستمتعون بصحبة أطفال زيتون، وعلى أي حال فإن ~~ثمانية أطفال تحت سقف واحد لا بد أن يجدوا شيئا يفعلونه معا، ~~وعلى الرغم مما ينتظرها من التكدس والجلبة الصاخبة، فإن كاثي وجدت ~~نفسها تتطلع إلى الذهاب. # وحاولت كاثي طيلة ساعات العصر إقناع زوجها بالذهاب معهم، وسألته ~~متى طلب المسئولون من قبل إخلاء مدينة بأكملها؟ ألم يكن ذلك سببا ~~كافيا للرحيل؟ # وأقر زيتون بأن ذلك غير معتاد، ولكنه لم يمر بتجربة الجلاء عن ~~مكان ما من قبل، ولم ير ما يدعوه إلى أن يفعل ذلك الآن، كان ~~منزلهما يقوم على ربوة ارتفاعها نحو ثلاث أقدام، وكان يتكون من ~~طابقين فوق ms050 الطابق الأرضي؛ الأمر الذي ينفي اضطرار أحد إلى اللجوء ~~إلى غرفة السطح أو إلى سقف البيت نفسه، حتى في أسوأ الحالات. وقال ~~زيتون في نفسه إنه يستطيع في جميع الأحوال أن يعتصم بالطابق ~~الثاني، كما إنه ليس قريبا من أي سدود، ومن ثم فإن حدوث فيضان ~~مفاجئ يغرقه، والذي يغرق بعض الأحياء الأخرى أمر مستبعد. والواقع ~~أن منطقة شرقي نيو أوليانز، أو آخر الحي التاسع، بمنازلها ذوات ~~الطابق الواحد والقريبة من السدود هي التي كانت تتعرض لأشد ~~الأخطار. # وبالقطع لم يكن يستطيع أن يرحل قبل اتخاذ الإجراءات اللازمة ~~لتأمين جميع المواقع التي تجري فيها أشغاله، لم يكن أحد سواه ~~يستطيع ذلك، بل لم يكن يطلب من أحد أن يقوم بذلك. كان قد طلب من ~~عماله ورؤسائهم أن يرحلوا عصر ذلك اليوم؛ حتى يكونوا في صحبة ~~أسرهم، وحتى يتاح لهم التبكير قبل ازدحام الطريق بالسيارات، كما ~~اعتزم المرور على كل موقع من المواقع التسعة التي يتولى العمل فيها ~~حتى يجمع معداته أو يربطها في حزمة واحدة؛ إذ كان قد شاهد ما حدث ~~عندما لم يفعل أحد المقاولين ذلك، فقد انكفأت السلالم المتنقلة ~~التي يستخدمها العمال فكسرت النوافذ وخدشت الجدران، وأصابت ~~الأدوات قطع الأثاث بأضرار، وسال الطلاء على الكلأ وفي مدخل ~~المنزل. # وقال: «الأفضل أن أذهب بنفسي.» # وانطلق لزيارة مواقع العمل، فأخذ يثبت السلالم المتنقلة بأربطة، ~~ويجمع المعدات في حزم ملفوفة، مثل الفراجين ووحدات البلاط والألواح ~~المجصصة، وكان قد انتهى من العمل في نحو نصف المواقع حين اتجه إلى ~~المنزل لوداع كاثي والأطفال. # كانت كاثي تنقل عددا من الحقائب الصغيرة إلى سيارتها، كانت قد ~~حزمت ما يلبي احتياجهم لمدة يومين من الملابس وأدوات التزين ~~والأغذية. وقالت في نفسها إنهم سوف يعودون في مساء يوم الإثنين بعد ~~أن تأتي العاصفة وتمضي. # وأدارت كاثي الراديو في شاحنتها الصغيرة فسمعت العمدة ناجين وهو ~~يكرر تعليماته لأهل المدينة بمغادرتها، ولكنها لاحظت أنه لم يكن ~~يدعو إلى الإخلاء الإجباري، وكانت واثقة بأن ذلك سوف يزيد موقف ~~زوجها ms051 صلابة. وحولت مؤشر الراديو إلى محطة أخرى، وكان المذيع هنا ~~يقول محذرا إن على كل من يعتزم البقاء أثناء العاصفة في نيو ~~أورلينز أن يكون متأهبا لوقوع فيضان، موضحا أن السدود قد تحدث ~~بها شروخ ينفذ منها الماء، وقد ينشأ الفيضان من موجات البحر التي ~~تدفعها العاصفة، وقد يصل ارتفاع المياه إلى عشر أقدام أو خمس عشرة، ~~وعلى كل شخص ذي رأي متصلب أن تكون لديه فأس يكسر بها سقف غرفة ~~السطح للوصول إلى السطح العلوي للمنزل. # وأوقف زيتون شاحنته وتركها في الشارع المواجه للمنزل، وشاهدته ~~مقبلا نحوها، لم تكن كاثي تشك قط في قدرته على رعاية نفسه في أي ~~ظروف، ولكن قلبها كان الآن يخفق بشدة. هل تتركه الآن لتتولى أمورها ~~بنفسها، وتتركه ليحفر ثقبا في غرفة السطح بفأس في يده؟ كان ذلك ~~جنونا! # ووقف هو وكاثي في مدخل المنزل، مثلما فعل في المرات العديدة التي ~~رحلت فيها مع الأطفال وتركته وحده. # وقال زيتون: «الأفضل أن تسرعي. كثيرون يرحلون الآن.» # ونظرت كاثي إليه، وساءها كثيرا أن تشعر بالدموع في مآقيها. ~~وأمسك زيتون بيديها. # وقال: «هيا هيا! لن يحدث شيء. الناس تثير ضجة بغير مبرر.» # وقالت عائشة بصوت منغوم من المقعد الخلفي: «باي باي يا ~~بابا!» # ولوح الأطفال بأيديهم. لوحوا جميعا؛ كل أطفاله، وهو واقف في ~~مدخل المنزل. لم يكن في هذا كله جديد، فلقد عاش الجميع هذه اللحظة ~~عشر مرات؛ حينما كانت كاثي والأطفال يسافرون طلبا للمأوى الآمن أو ~~للراحة، تاركين زيتون لرعاية منزله ومنازل الجيران والعملاء في شتى ~~أرجاء المدينة. كان يحمل مفاتيح عشرات الأبواب؛ إذ كان كل فرد ~~يأتمنه على منزله وكل شيء فيه. # وقال: «إلى اللقاء يوم الإثنين.» # وانطلقت كاثي بالسيارة ~~موقنة أن الجميع مجانين. كان العيش في مدينة كهذه جنونا، والفرار ~~الآن منها جنون، وترك زوجها وحيدا في منزل يقع في مسار الإعصار ~~جنون. # ولوحت له بيدها، ولوح الأطفال بأيديهم، وظل زيتون واقفا يلوح ~~في مدخل المنزل حتى ذهبت أسرته. # وانطلق زيتون للانتهاء من باقي ms052 مواقع العمل التي يتولاها. كانت ~~النسائم تهب والسحب المنخفضة تغشاها بقع بنية ورمادية، وكانت ~~المدينة في فوضى، وآلاف السيارات على الطرق، والمرور أشد سوءا مما ~~توقع، كان يلمح أضواء الفرامل، ويسمع أبواق السيارات، ويرى بعضها ~~يسير مضيئا الأنوار الحمراء، فسار في شوارع لن يسير فيها الخارجون ~~من المدينة. # وفي وسط المدينة كان مئات الأشخاص يسيرون إلى مبنى القبة ~~الكبيرة، حاملين البرادات والبطاطين وحقائب الملابس، ودهش زيتون ~~من ذلك، فالتجارب السابقة في استخدام الاستاد ملجأ قد فشلت، ~~وباعتباره من رجال المعمار كان قلقا على سلامة السقف؛ هل يستطيع ~~الصمود حقا للرياح العاتية؟ وقال في نفسه إنه لا يقبل الاحتماء ~~في ذلك المكان مهما يدفعوا له من أموال. # وعلى أي حال فلم تكن مثل هذه العاصفة في الماضي تمثل أكثر من عدة ~~ساعات من صراخ الرياح، وسقوط بعض الأشجار، وارتفاع الماء قدما أو ~~قدمين، وبعض الأضرار الطفيفة التي يمكن إصلاحها بمجرد هدوء ~~الريح. # كان يشعر من الآن بالاطمئنان؛ إذ سرعان ما تخلو نيو أورلينز من ~~السكان إلى حد كبير، وكان الوجود في المدينة الخالية دائما ما ~~يشيع الشعور بهدوء البال على الأقل يوما أو يومين. واستمر في ~~جولاته، وقام بتأمين المواقع القليلة الباقية، ووصل إلى البيت قبيل ~~السادسة مساء. # واتصلت به كاثي في السادسة والنصف. # قالت إنها محشورة في زحام المرور على مسافة بضعة أميال خارج ~~المدينة. وكان مما يزيد الأمر سوءا أنها ضلت الطريق الصحيح بسبب ~~اضطرابها وأعداد السيارات الهائلة بصورة غير مسبوقة، فبدلا من ~~السير في طريق أ-10 غربا للوصول مباشرة إلى باتون روج، انحرفت في ~~الطريق أ-10 شرقا، ولا تجد ما يمكنها من تصويب ذلك الخطأ، بل ~~أصبح عليها أن تعبر بحيرة «بونشارتران» ثم تعود القهقرى من جديد ~~خلال مدينة «سليدل» وعبر الولاية. كان معنى هذا إضافة ساعات إلى ~~زمن الرحلة، كانت تشعر بالضيق والإرهاق والرحلة لم تكد ~~تبدأ. # كان زيتون يجلس في المنزل، واضعا قدميه على المنضدة، ويشاهد ~~التليفزيون، وحرص على إخبارها بذلك. # وقال لها: «قلت لك ذلك.» ms053 # كان المتوقع أن تصل كاثي والأطفال إلى منزل باتي لتناول العشاء ~~مع الأسرة، ولكنها بحلول السابعة لم تكن قطعت إلا أقل من عشرين ~~ميلا، وعندما وصلت إلى مشارف «سليدل» دخلت بالسيارة مطعما يقدم ~~الهامبورجر للمسافرين، فتناولت مع الأطفال الهامبورجر بالجبن ~~والبطاطس المقلية في السيارة، وبعد عدة دقائق سادت السيارة رائحة ~~كريهة. # وسألت كاثي الأطفال: «ما هذا؟» فقهقه الجميع، كانت الرائحة رائحة ~~براز منتنة، وسألت من جديد: «ما هذا أقول؟» وفي هذه المرة لم يستطع ~~الأطفال من شدة القهقهة أن يجيبوا، وهز زخاري رأسه. # وتمكنت إحدى الفتيات من أن تقول: «إنها الكلبة ميكاي»، قبل أن ~~تعود للضحك الهستيري من جديد. # كان الأطفال يقدمون إليها سرا قطعا من الهامبورجر بما فيه ~~من جبن، وكان الجبن يسد أمعاءها، فظلت تفسو مسافة أميال. # وصرخت كاثي: «هذا فظيع!» وازدادت قهقهة الأطفال، واستمرت معاناة ~~الكلبة، وكانت تختبئ تحت المقعد. # ومرت بمدينة سليدل وسرعان ما وجدت الطريق أ-190 وهو طريق أصغر، ~~وكانت تتصور أن حجم المرور فيه أخف، لكنه كان على الدرجة نفسها من ~~السوء، نهر لا نهاية له من أضواء الفرامل، وحدست كاثي أن أمامها ~~عشر آلاف سيارة، وعشرين ألف ضوء للفرامل، تصطف على طول الطريق إلى ~~باتون روج وتتجاوزها، كانت قد أصبحت جزءا من هذا «الخروج» دون أن ~~تتبين تماما أبعاده الهائلة وغرابته. مائة ألف شخص في الطريق، ~~متجهون جميعا إلى الشمال والشرق؛ فرارا من الرياح والماء. لم ~~تجل بخاطر كاثي إلا صورة الفراش. أين يمكن لهؤلاء الناس جميعا ~~أن يناموا؟ في مائة ألف سرير. كانت كلما مرت بمدخل منزل نظرت إلى ~~البيت في شوق، كان التعب قد بلغ بها أقصاه ولم تكن قد قطعت حتى نصف ~~المسافة. # وخطر لها أمر زوجها من جديد، كانت الصور التي شاهدتها في شريط ~~الأنباء عجيبة حقا؛ إذ كانت العاصفة تشبه منشارا دائريا أبيض، ~~يتجه مباشرة نحو نيو أورلينز. كانت المدينة في هذه الصور المرسلة ~~بالقمر الصناعي تبدو بالغة الضآلة بالمقارنة بالإعصار، شيء صغير ~~يوشك أن يقطعه نصل المنشار ms054 الدائري الهائل ويفتته تفتيتا. ~~ولم يكن زوجها إلا رجلا وحيدا في منزل خشبي. # واتصل زيتون بها من جديد في الثامنة، كانت كاثي والأطفال قد قضوا ~~ثلاث ساعات على الطريق ولم تصل السيارة إلا إلى بلدة كوفنجتون، على ~~مبعدة خمسين ميلا تقريبا. وفي غضون ذلك كان يشاهد التليفزيون ~~ويتسكع في المنزل، ويستمتع ببرد الليل. # وقال لها: «كان ينبغي أن تبقوا. المكان لطيف فعلا.» # وردت قائلة: «سنرى أيها الفتى الذكي!» # على الرغم من شعور كاثي بالإرهاق وضيقها الشديد بفساء الكلبة، ~~فإنها كانت تتطلع إلى قضاء عدة أيام في باتون روج، والأقرب للواقع ~~أن نقول إنها تتطلع إلى ذلك في لحظات معينة على الأقل. لم تكن تجد ~~التعامل مع أسرتها يسيرا، وهذا أمر مؤكد، وكان يمكن لأي زيارة أن ~~تنحرف عن المسار الصحيح بسرعة، وتأتي بأخطاء يصعب إصلاحها. كانت ~~تقول للناس: «إن المسألة معقدة.» كانت نشأتها مع ثمانية أشقاء ~~غاصة بالقلاقل، وعندما اعتنقت الإسلام تكاثرت المعارك وحالات سوء ~~الفهم. # كانت المنازعات كثيرا ما تنشب بصدد حجابها، كانت تعود إلى ~~المنزل، وتضع حقائبها، ثم يقول أحدهم: «الآن تستطيعين نزع هذا ~~الشيء.» كانوا لا يزالون يقولون لها ذلك، بعد انقضاء خمسة عشر ~~عاما على اعتناقها الإسلام، كأنما كان الحجاب شيئا تلبسه مكرهة، ~~وفي صحبة زيتون فقط، أو كأنه قناع تنكري يمكن أن تطرحه في غيابه. ~~أو قل كأنما كانت تستطيع في بيت أسرة دلفين، أسرتها، أن تجد ذاتها ~~أخيرا وأن تستمتع بحياتها. وكان ذلك في الواقع هو الأمر الذي ~~أصدرته والدتها إليها في آخر زيارة قامت بها كاثي؛ إذ قالت أمها: ~~«انزعي هذا الشيء من رأسك، واخرجي لقضاء وقت سعيد!» ~~••• # لكنه كان يحدث في بعض الأحيان أن يتغلب إخلاص الأم لابنتها على ~~موقف والدة كاثي من الإسلام. فمنذ سنوات ذهبت كاثي مع أمها إلى ~~إدارة المرور لتجديد رخصة القيادة الخاصة بكاثي، وكانت كاثي آنئذ ~~تلبس حجابها، وكانت قد تلقت بالفعل عددا لا بأس به من النظرات ~~المريبة من العملاء والعاملين في إدارة المرور قبل أن ms055 تجلس لالتقاط ~~صورتها، ولكن الموظفة القائمة على آلة التصوير لم تخف ~~احتقارها. # قالت المرأة: «انزعي ذلك الشيء!» # كانت كاثي تعرف أنه كان من حقها أن تلبس الحجاب عند التصوير، ~~لكنها لم تشأ أن يتحول الأمر إلى مشاجرة. # فسألتها كاثي: «هل لديك فرشاة شعر؟» حاولت أن تحيل الأمر إلى ~~فكاهة فقالت: «لا أريد أن يبدو شعري ملبدا في الصورة.» كانت ~~كاثي تبتسم، ولكن المرأة كانت تحدق دون أن يرمش لها جفن. واستمرت ~~كاثي تقول: «حقا، لا أبالي إن خلعت الحجاب ولكن بشرط أن تكون ~~لديك فرشاة شعر.» # وكانت تلك هي اللحظة التي هبت فيها والدتها لإنقاذها، بأسلوبها ~~الخاص. # وصرخت والدتها: «لها أن تلبسه! تستطيع إذا أرادت!» # وتحول الموقف إلى مشادة، وكان كل من في إدارة المرور يتفرج! ~~وحاولت كاثي نزع فتيل النزاع قائلة: «لا بأس يا ماما! حقا لا ~~بأس! هل معك فرشاة شعر يا ماما؟» # ولم يبد أن والدة كاثي استوعبت ما سمعت، بل كانت تركز اهتمامها ~~على الموظفة التي تمسك آلة التصوير، وهتفت صائحة: «لا تستطيعين ~~إرغامها على خلعه! إنه حق من حقوقها الدستورية!» # واختفت المرأة أخيرا في مؤخرة المكتب، ثم عادت بعد أن حصلت على ~~الإذن من رئيستها بتصوير كاثي بالحجاب، وعندما أومض ضوء التصوير ~~حاولت كاثي الابتسام. # نشأت كاثي وترعرعت في باتون روج، وكان منزل الأسرة مزدحما، ~~غاصا بالضوضاء وصور التناقض الصارخ، كان تسعة أطفال يشتركون في ~~العيش في منزل من طابق واحد مساحته 155 مترا مربعا، وكان كل ~~ثلاثة ينامون في غرفة واحدة ويتنازعون على استخدام حمام واحد، ~~ولكنهم كانوا قانعين إلى الحد الذي يمكن توقعه في هذه الأحوال. ~~وكان الحي يتميز بالنظام؛ إذ يحفل بالأطفال الذين أنجبهم العمال ~~القاطنون فيه. وخلف منزل كاثي كانت تقع مدرسة شيروود الإعدادية، ~~وهي مدرسة ضخمة، تلاميذها ينحدرون من سلالات عرقية متعددة، وكانت ~~كاثي تشعر فيها بأنها مغلوبة على أمرها، كانت واحدة من حفنة ~~التلاميذ ذوي البشرة البيضاء، فكان الآخرون يضطهدونها ويستأسدون ~~عليها ويضحكون منها. وهكذا درجت على أن تتشاجر ms056 بسرعة، وتجادل ~~بسرعة. # ولا بد أنها هربت من المنزل أكثر من عشر مرات، وربما أكثر ~~كثيرا. وكانت في كل مرة تقريبا، ابتداء من سن السادسة أو نحوها، ~~تهرع إلى منزل صديقتها يوكو. لم يكن ذلك المنزل يبعد إلا بمسافة ~~عدة شوارع، ويقع في الجانب الآخر من المدرسة، ولما كانت هي ويوكو ~~من بين الأقلية غير السوداء في الحي، نمت بينهما رابطة عدم ~~الانتماء، كانت يوكو تعيش مع أمها كاميكو وحدهما في منزلهما بعد ~~وفاة زوج كاميكو؛ إذ قتله سائق مخمور ويوكو لا تزال طفلة صغيرة. ~~وعلى الرغم من أن يوكو كانت أكبر من كاثي بثلاث سنوات، فإن ~~الاثنتين أصبحتا صديقتين لا تنفصلان، وكانت كاميكو شديدة الترحيب ~~بكاثي والحدب على رفاهتها حتى غدت كاثي تدعوها «ماما». # ولم تستطع كاثي أن تعرف على وجه اليقين سبب احتضان كاميكو لها، ~~ولكنها كانت تحرص على ألا تتشكك في ذلك. وكانت يوكو تتفكه قائلة ~~إن أمها تريد الاقتراب من كاثي وحسب إلى الحد الذي يسمح لها بأن ~~تحميها، والواقع أن كاثي لم تكن تستحم كثيرا في طفولتها، ولم ~~يكن الاستحمام يتمتع بأولوية كبيرة في منزلها، ولذلك كلما زارت ~~منزل يوكو، ملأت كاميكو البانيو لها. كانت كاميكو تتفكه مع يوكو ~~قائلة: «تبدو بشرتها دهنية.» ولكنها كانت تود لها أن تبدو نظيفة، ~~وكانت كاثي تتطلع بشوق لذلك؛ ليدي كاميكو وهي تغسل شعرها، ~~وأظافرها الطويلة تدغدغ رقبتها، والدفء الذي تحس به حين تضع كاميكو ~~الفوطة السميكة النظيفة فوق كتفيها. # وبعد المدرسة الثانوية، ازداد اقتراب كاثي ويوكو، وانتقلت كاثي ~~للإقامة في شقة صغيرة تقع في شارع متفرع من طريق «إير لاين» الرئيس ~~في باتون روج، وبدأتا العمل معا في محل لبيع الفطائر. كان ~~الاستقلال يعني كل شيء لكاثي، وحتى في شقتهما الصغيرة في الشارع ~~المطل على الطريق الرئيس الرابط بين الولايات، وبه ست حارات، كانت ~~قد بدأت تعرف ما لم تعرفه من قبل قط، ألا وهو الإحساس بالنظام ~~والهدوء في حياتها. # وكان من بين من اعتادوا التردد على المحل ms057 أختان من ماليزيا، ~~وبدأت يوكو تحادثهما وتسألهما: ماذا يعني غطاء الرأس ذلك؟ ماذا ~~يفعل المرء في الإسلام؟ هل يسمح الإسلام لك بقيادة السيارة؟ وكانت ~~الأختان صريحتين، وتتكلمان بهدوء ، ولا تنزعان إلى الدعوة إلى ~~الإسلام أبدا. ولم تكن كاثي تجهل أنهما أثرتا في يوكو تأثيرا ~~عظيما، ولكن يوكو كانت كالمسحورة، فبدأت تقرأ عن الإسلام، وتفحص ~~القرآن، وسرعان ما أحضرت الأختان الماليزيتان بعض الكتب والكتيبات ~~إلى يوكو فاندفعت تتعمق. # وعندما أدركت كاثي كم كانت يوكو جادة في هذا الموضوع، شعرت كاثي ~~بأنها على شفا الخبل، وشعرت بالحرج لموقف يوكو، فلقد نشأتا كلتاهما ~~على الدين المسيحي، ودخلتا مدرسة ابتدائية تلتزم بالمسيحية بصرامة، ~~وكاد صبر كاثي ينفد وهي تشهد صديقتها وهي تتشرب هذا الدين الغريب. ~~وكانت تراعي مبادئ المسيحية ورعا وتقوي كخير ما تكون المراعاة، ~~وكانت كاميكو نفسها تتفوق عليها في ذلك. # وسألتها: «ماذا عسى أمك أن ترى في ذلك؟» # وقالت يوكو: «حافظي على تفتح ذهنك وحسب. أرجوك!» # ومرت عدة سنوات، وبعد بضعة أخطاء في التقدير وجراح في القلب، ~~أمست كاثي مطلقة، تعيش وحدها مع زخاري الذي لم يكن قد أكمل عامه ~~الأول في هذه الدنيا. كانت تؤجر الشقة نفسها الواقعة في شارع متفرع ~~من طريق إير لاين الرئيس في باتون روج، وتقوم بعملين في الوقت ~~نفسه، كانت في الصباح تعمل في صيدلية تابعة لسلسلة صيدليات شركة ~~«كيه آند بي»، وينحصر عملها في محاسبة العملاء على مشترياتهم ~~وتقاضي ثمنها قبل خروجهم، وكانت الصيدلية تقع في الطريق الرئيس. ~~وذات يوم زار الصيدلية مدير متجر «وبستر» للملابس الذي يقع على ~~الجانب الآخر من الطريق، وهو حانوت متخصص في ملابس الرجال، وشاهد ~~كاثي وأبدي إعجابه بشخصيتها المتقدة حماسة، وسألها إن كانت على ~~استعداد لترك الصيدلية والعمل لديه، أو الجمع - إذا شاءت - بين ~~العملين. وكانت كاثي تحتاج إلى النقود فوافقت على العرض الأخير، ~~وأصبحت تغادر الصيدلية مبكرا في عصر كل يوم وتعبر الطريق إلى متجر ~~وبستر للملابس وتظل تعمل حتى وقت إغلاقه. وسرعان ما باتت تعمل ~~خمسين ساعة ms058 في الأسبوع، وتكسب ما يكفي لتغطية نفقات التأمين الصحي ~~لها ولزخاري. # ولكن حياتها كانت تمثل مجالدة عسيرة، وكانت تبحث عن بعض النظام ~~وبعض الإجابات. وعلى عكسها، كانت يوكو تبدو هادئة واثقة، وكانت ~~دائما تتميز بالقدرة على التركيز حتى غدت كاثي تحسدها، ولكن يوكو ~~أصبحت الآن حقا، فيما يبدو، كمن استطاع أن يفهم كل شيء. # وبدأت كاثي تستعير كتبا عن الإسلام، ولم يكن يدفعها سوى حب ~~الاستطلاع، دون أدنى نية لترك الدين المسيحي. كانت في البداية ~~حائرة مفتونة وحسب بالأمور الأساسية التي لم تكن تعرفها، والأشياء ~~الكثيرة التي افترضتها خطأ. لم تكن تعرف مثلا أن القرآن يزخر ~~بالأشخاص الذين يتحدث عنهم الكتاب المقدس - مثل موسى، ومريم، ~~وإبراهيم، وفرعون، بل وعيسى أيضا - ولم تكن تعرف أن المسلمين ~~يعتبرون القرآن رابع كتاب من عند الله إلى رسله، بعد العهد القديم ~~(الذي يشار إليه باسم التوراة أو شرع موسى) والمزامير (الزبور)، ~~والعهد الجديد (الإنجيل). وكان اعتراف الإسلام بهذه الكتب السماوية ~~مذهلا لها. وكان إدراكها أن القرآن يمتد نطاقه ليشمل الأديان ~~الأخرى المتصلة به مفاجأة حاسمة: # قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون ~~(البقرة: 136). # وشعرت بالضيق الشديد لأنها لم تكن تعرف ذلك من قبل، ولأنها عميت ~~عن دين يدين به ألف مليون شخص أو نحو ذلك، كيف يمكن أن تجهل هذه ~~الأمور؟ # ومحمد، لقد كانت لديها ~~معلومات بالغة الخطأ عنه، كانت تظن أنه الرب الفعلي الذي يعبده ~~المسلمون، ولكنه كان الرسول وحسب الذي نقل كلام الله، كان محمد ~~رجلا أميا زاره الملك جبريل وأنزل عليه كلمات الله، وأصبح ~~محمد قناة توصيل هذه الرسائل، وإذن فإن القرآن ببساطة هو الصورة ~~المكتوبة لكلمات الله، وهكذا فإن كلمة القرآن تعني ~~«القراءة». # واكتشفت أشياء أساسية بالغة الكثرة حطمت ما كانت تفترضه سلفا؛ ~~إذ كانت تظن أن المسلمين مجموعة متجانسة كالصخرة الواحدة، وأن جميع ~~المسلمين يمتازون ms059 بصلابة الورع والاستقامة، ولكنها تعلمت أنه توجد ~~تفاسير شيعية وسنية للقرآن، وأنك يمكن أن تجد في مسجد واحد التنوع ~~نفسه في العقيدة والالتزام الذي تجده في أي كنيسة ، وأن بعض ~~المسلمين يتهاونون في التعامل مع دينهم، والبعض يعرف كل كلمة في ~~القرآن وفي السنة على نحو ما جاء في الحديث النبوي الذي يعتبر ~~مرشدا للسلوك مرافقا للقرآن، وأن بعض المسلمين لا يكادون يعرفون ~~شيئا عن دينهم، ولم يكونوا يصلون إلا عدة مرات في السنة، ~~والبعض الآخر ممن يطبقون أشد تفسيرات عقيدتهم صرامة. وعرفت أن بعض ~~المسلمات يرتدين ال «تي شيرت» والجينز، ومسلمات يغطين أنفسهن من ~~الرأس إلى القدم. وأن بعض المسلمين من الرجال يتبعون في حياتهم ~~السنة النبوية، وآخرين يضلون ولا يهتدون. عرفت بوجود مسلمين ~~سلبيين، ومسلمين مزعزعي الدين، ومسلمين «لا أدريين» يعبدون الله ~~«على حرف»، ومسلمين أتقياء، ومسلمين يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ليشتروا به ثمنا قليلا. كان ذلك الحال مألوفا إلى أقصى حد، بل ~~من الظواهر الثابتة في كل عقيدة. # في ذلك الوقت كانت كاثي ترتاد كنيسة إنجيلية كبيرة لا تبتعد ~~كثيرا عن وظيفتيها، وعلى الرغم من أنها لم تكن تمتلئ دائما، فإن ~~مقاعدها كانت تكفي ألفا من رعايا الكنيسة. كانت تشعر بالحاجة إلى ~~التواصل مع دينها؛ إذ كانت تحتاج إلى كل ذرة من القوة يمكن أن ~~تجدها. # لكنها شهدت في هذه الكنيسة أمورا أقلقتها. كانت قد اعتادت أسلوب ~~الوعظ المتقد في الكنيسة، وأقصى المظاهر الاستعراضية والدراما، ~~ولكنها لاحظت ذات يوم أن أولئك قد تخطوا الحدود الفاصلة. كانوا قد ~~انتهوا للتو من المرور بأطباق جمع التبرعات، وبعد أن جمعوا النقود ~~المتبرع بها وعدوها، إذا بالواعظ - وكان رجلا قصيرا له وجه ~~وردي وشارب - تبدو عليه خيبة الأمل. كان التعبير على وجهه صورة ~~للألم، وبعدها لم يستطع كتمان ألمه، فانطلق يوبخ جماعة المصلين ~~بهدوء أول الأمر، ثم بنبرات الضيق المتزايدة حدة، وتساءل: ألم ~~يكونوا يحبون هذه الكنيسة؟ ألم يكونوا يقدرون العلاقة التي تخلقها ~~هذه الكنيسة مع سيدهم المسيح؟ واستمر يهدر مؤنبا ms060 الحاضرين على ~~الشح والبخل، واستغرقت محاضرته عشرين دقيقة. # وبهتت كاثي. لم تكن قد شهدت من قبل عد النقود أثناء صلاة ~~الأحد، ثم طلب المزيد! كانت تعرف أن المصلين لم يكونوا أغنياء، ~~فلقد كانت تلك كنيسة لطبقة العمال، كنيسة للطبقة الوسطى، ولقد تبرع ~~كل بما يستطيع. # وغادرت الكنيسة في ذلك اليوم في قلق واضطراب إزاء ما شاهدته. ~~وعندما عادت إلى البيت، ووضعت زخاري في فراشه لينام، لجأت من جديد ~~إلى المواد التي أرسلتها يوكو إليها، وتصفحت القرآن. لم تكن كاثي ~~واثقة بأن الإسلام هو الطريق الصحيح، ولكنها كانت تعرف أن يوكو لم ~~تضللها قط من قبل، وأن يوكو كانت أكثر من عرفت اتزانا وعقلا، ~~وإذا كان الإسلام قد نجح معها، فلم لا ينجح مع كاثي؟ كانت يوكو ~~أختها، ومرشدتها. # وظلت كاثي تجالد قضية الإيمان طوال الأسبوع. كانت تعيش مع ~~تساؤلاتها صباحا ومساء وطول النهار أثناء العمل. وذات يوم كانت ~~ورديتها قد بدأت في محل وبستر للملابس عندما دخل رجل مألوف لها، ~~ومن فورها، أدركت كاثي أنه أحد الوعاظ في الكنيسة، فأهرعت إليه ~~تساعده في اختيار سترة «سبور» جديدة. # وقال لها: «تعرفين، عليك أن تأتي إلى كنيستنا، إنها ليست بعيدة ~~عن هذا المكان.» # وضحكت وقالت: «أعرف كنيستكم. إنني أرتادها دائما. في جميع أيام ~~الأحد تقريبا.» # ودهش الرجل قائلا إنه لم يرها من قبل. # فقالت: «ذاك لأني أجلس في الخلف.» # فابتسم وقال لها إنه سوف يبحث عنها في المرة القادمة، فقد كان ~~يهتم بأن يجعل كل فرد يحس بأنه موضع ترحيب. # وقالت كاثي: «تعرف، لا بد أن هذه آية من عند الله، أقصد مقابلتك ~~هنا.» # وسألها: «ماذا تعنين؟» # وحدثته عن أزمتها، وكيف أصابها الإحباط من بعض جوانب المسيحية ~~التي تعرفها، وبعض الأمور التي شاهدتها، في الواقع، في كنيسته ~~نفسها. وقالت له إنها كانت فعلا تفكر في اعتناق الإسلام. # كان يصغي بانتباه شديد، لكنه لم يكن، فيما يبدو، قلقا بسبب ~~فقدان فرد من أفراد جماعة المصلين. # وقال: «لا! إنه الشيطان وحسب يلهو بك. من ms061 طبعه ذلك، أي محاولة ~~غوايتك لصرفك عن المسيح، ولكن هذا لن يؤدي إلا إلى تقوية إيمانك، ~~وسوف ترين يوم الأحد.» # وعندما ذهب الرجل كان يقين كاثي قد ازداد . كيف يمكن أن تكون هذه ~~الزيارة إلا آية من عند الله؟ ففي اللحظة التي كانت تراودها الشكوك ~~في عقيدتها، جاء رسول أرسله يسوع فدخل مباشرة حياتها. # وفي يوم الأحد التالي ذهبت إلى الكنيسة، وقد عقدت العزم من جديد ~~على الصمود، فإذا كانت يوكو تجد الراحة والهداية في الإسلام، فإن ~~كاثي كانت واثقة بأنها تلقت دعوة شخصية من المسيح. دخلت وجلست ~~بالقرب من الصف الأمامي، مصممة على أن يراها صديقها الجديد ويعرف ~~ما أحدثه من تأثير. # لم يستغرق ذلك مدة طويلة؛ إذ حين نظر إلى جماعة المصلين ووقع ~~بصره عليها اتسعت حدقتاه، وأحست من تعبير وجهه أنها كانت الشخص ~~الذي ظل يبحث عنه طول النهار، وذكرت التعبير نفسه على وجوه الأطفال ~~حين يلمحون التورتة التي أعدت يوم مولدهم وكتبت عليها ~~أسماؤهم. # وعند ذلك، فجأة، وسط الصلاة، نودي عليها بالاسم، كان الواعظ، ~~أمام القاعة الزاخرة التي احتشد فيها ما يقرب من ألف شخص، يناديها ~~باسمها كاثي دلفين. # وأمرها الواعظ قائلا: «تعالي هنا يا كاثي.» # ونهضت كاثي من مقعدها وسارت نحو الأضواء الباهرة التي غمرت ~~المنبر، وحينما صعدت خشبة المسرح وقفت حائرة لا تدري أين تنظر، ~~وكيف تتجنب وهج الأضواء، حجبت عينيها وحولتهما عن الضوء وخفضت ~~بصرها. ركزت نظرها على حذائها وعلى الذين يجلسون في الصف الأمامي. ~~لم يسبق لها أن وقفت أمام هذا الحشد الكبير. كان أقرب ما يشبهه يوم ~~زفافها، ولم يكن عدد الحاضرين يتجاوز خمسين أو نحو ذلك من الأصدقاء ~~وأفراد الأسرة، فماذا كان هذا؟ لماذا استدعيت؟ # قال الواعظ: «كاثي! أخبريهم بما أخبرتني به. أخبرينا ~~جميعا.» # وجمدت كاثي في مكانها، لم تكن واثقة بأنها تستطيع القيام بذلك. ~~كانت كثيرة الكلام ونادرا ما تفقد أعصابها، أما أن تعيد ذكر ما ~~قالته للكاهن بصفة شخصية أمام ألف من الغرباء فلم يبد لعينها ~~صوابا. # ومع ms062 ذلك كانت كاثي واثقة بأنه يعرف ما يفعل، كانت تؤمن بأنها ~~اختيرت للبقاء في هذه الكنيسة، وكانت تريد العبادة وتقديم يد ~~العون، ربما كانت هذه الحادثة، مثل دخول الكاهن تيموثي المتجر في ~~ذلك اليوم، حادثة قدرتها الأقدار، وقصدت بها أن تقربها من ~~المسيح. # وقدم لها ميكروفون وتكلمت فيه، فقالت لجمهور المصلين ما ~~قالته للكاهن، وإنها كانت تبحث في الإسلام وإن ذلك ... # وقاطعها الواعظ، وقال برنة استهزاء: «كانت تتطلع إلى الإسلام!» ~~واستمر قائلا: «كانت تفكر في ...» - ثم توقف لحظة - «أن تعبد الله!» ~~وعند ذلك أصدر صوتا كالشخير الهازئ الساخر، وهو الصوت الذي يصدره ~~غلام في الثامنة أثناء اللهو في الملعب. كان هذا الكاهن، رئيس هذه ~~الكنيسة الذي يؤم جمع المصلين، يستخدم هذا التعبير في الإشارة إلى ~~الله. ألم يكن يعلم أن إلهه وإله الإسلام واحد؟ كان ذلك من أول ~~الأمور التي تعلمتها من الكتيبات التي أعطتها يوكو لها وأبسطها، ~~ألا وهو أن لفظ الجلالة «الله» كان اللفظ العربي للإله، بل إن ~~المسيحيين الذين يتكلمون العربية يشيرون إليه باسم «الله». # وواصل حديثه فأثنى على كاثي وعلى يسوع، وأعاد تأكيد تفوق إيمانه ~~وإيمانها، ولكنها كانت في تلك اللحظة لا تكاد تسمع ما يقال، كان قد ~~انكسر شيء ما في داخلها، وعندما انتهى جلست في ذهول، حائرة وإن ~~كانت قد تأكدت من أمر ما في تلك البقعة عينها وتلك اللحظة. ورسمت ~~على شفتيها بسمة تأدب طيلة المدة الباقية من العبادة، وإن كانت ~~موقنة أنها لن تعود إلى هنا أبدا. # وشغلت هذه الحادثة تفكيرها أثناء قيادة السيارة في رحلة العودة، ~~وفي تلك الليلة واليوم التالي. وتحدثت إلى يوكو بشأنها، وأدركتا أن ~~ذلك الرجل الذي يلقي المواعظ على ألف من رعايا الكنيسة الذين يثقون ~~به ويتأثرون به لم يكن يعرف، أو لم يكن يهتم بأن يعرف أن الإسلام ~~واليهودية والمسيحية فروع لدين التوحيد لإبراهيم الخليل، وأنها ~~ترتبط بصلات وثيقة. هل يستبعد الإسلام كله بصوت لا يصدر إلا في ~~الملعب؟ لم تكن كاثي تقدر على الانتماء إلى ms063 ما يدعو ذلك الواعظ ~~إليه. # وهكذا، وبصورة متقطعة، اتبعت كاثي خطى يوكو إلى الإسلام؛ قرأت ~~القرآن وأذهلها ما أحسته فيه من قوة وعذوبة. كان الوعاظ المسيحيون ~~الذين سمعتهم ينفقون وقتا طويلا في الحديث عمن سيدخل النار ومن ~~لن يدخلها، وعن شدة حرارتها والزمن الذي يقضى فيها، ولكن الأئمة ~~المسلمين الذين قابلتهم لم يكونوا يتحدثون عن ذلك، وكلما سألت: «هل ~~أدخل الجنة؟» كان الإمام يقول: «لا يعلم هذا إلا الله.» كانت شتي ~~شكوك الأئمة تبث في نفسها الاطمئنان وتزيد من اجتذابها. كانت تطرح ~~الأسئلة عليهم، مثلما كانت تطرحها على الكهنة، وكان الأئمة يحاولون ~~الإجابة ولكنهم كثيرا ما يقولون إنهم لا يعرفون، بل يقولون: ~~«فلنرجع إلى القرآن.» كانت تحب في الإسلام قوله بالمسئولية ~~الشخصية، وانحيازه إلى العدالة الاجتماعية، ولكن أحب ما أحبته كانت ~~سمات الكرامة والطهر المجسدة فيمن عرفتهن من المسلمات، فكانت ~~ترى فيهن مثالا لصحة البدن والنفس، وللشرف الغامر، كن عفيفات، ~~ملتزمات مهذبات، وكانت تنشد تلك القدرة على السيطرة على النفس، وما ~~تأتي السيطرة به من طمأنينة. # وأما اعتناق الإسلام فعليا فكان يتحلى ببساطة جميلة؛ ففي حضور ~~يوكو وحفنة من النساء الأخريات بالمسجد، كان كل ما فعلته أن نطقت ~~بالشهادة، وهي العهد الإسلامي بالإيمان بالدين: «أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله.» كان ذلك كل ما طلب منها، ~~وأصبحت كاثي دلفين مسلمة. # وعندما كانت كاثي تحاول شرح الأمر لأصدقائها وأفراد أسرتها، كانت ~~تتلعثم، لكنها كانت واثقة بأنها وجدت في الإسلام السكينة، بل إن ~~الشكوك التي بذرت بذورها في العقيدة كانت تتيح مساحة للتفكير، ~~ومساحة للتساؤل، وكانت الإجابات التي يقدمها القرآن ترسم لها ~~الطريق إلى الأمام، بل إن نظرتها إلى أسرتها قل تشددها، حين ~~نظرت إليها من خلال عدسة الإسلام، وغدت أقل عدوانية. كانت دائما ~~ما تتشاجر مع أمها، ولكن الإسلام علمها أن «الجنة تحت أقدام ~~الأمهات»؛ وهو ما كبح جماحها، وهكذا توقفت تماما عن الرد، وتعلمت ~~كيف تزداد صبرا وقدرة على الصفح. كانت تردد: «لقد أعاد الإسلام ~~الطهر ms064 والنقاء إلى نفسي.» # وإذا كان اعتناقها الإسلام يمثل خطوة إلى الأمام في نظرها، فإنه ~~كان في نظر والدتها وأشقائها بمثابة نبذ لأسرتها وكل ما ترمز له. ~~ومع ذلك فقد حاولت كاثي التعايش مع الواقع الجديد، وكذلك حاولت ~~أسرتها، كانت تمر بها أوقات تسير الأمور فيها على خير ما يرام، كما ~~كانت تشهد زيارات ممتعة لا يحدث فيها شيء، ولكن في مقابل كل مرة من ~~هذه المرات، كانت الأمور تتطور وتتصاعد إلى القذف بالألفاظ ~~والاتهامات، وصفق الأبواب والرحيل على وجه السرعة، كما كانت قد ~~فقدت الاتصال تماما ببعض أشقائها الثمانية. # ولكنها كانت ترغب في أن تكون لها أسرة مديدة، كانت تريد أن يعرف ~~أطفالها خالاتهم وأخوالهم ~~وأبناءهم، وهكذا شعرت براحة عميقة حين وصلت شاحنتها «الأوديسية» ~~إلى منزل أخيها في باتون روج، في الحادية عشرة والنصف، وأدخلت ~~أطفالها المنزل وسرعان ما غلبهم النعاس، على الأرائك وعلى الأرض، ~~ولما تمض دقائق معدودة. # وعندما استقر بها المقام طلبت زيتون بالتليفون. ~~«هل وصلت الرياح العاصفة؟» # وقال: «لم يصل شيء بعد.» # وقالت كاثي: «سوف يغمى علي! لم يسبق أن شعرت بهذا ~~الإرهاق!» # وقال: «استريحي الآن. عليك بالنوم.» ~~- «وأنت أيضا.» # وتبادلا تحية المساء، وأطفآ الأنوار. # الأحد 28 من أغسطس # استيقظت كاثي قبل الفجر وفتحت التليفزيون. كانت كاترينا قد أصبحت ~~الآن عاصفة من الدرجة الخامسة، وبلغت سرعة الرياح فيها 150 ميلا ~~في الساعة، وكانت تتجه بصورة مباشرة تقريبا إلى نيو أورلينز، وكان ~~المتوقع أن تبلغ أقصى شدتها في منطقة على بعد ستة عشر ميلا غربي ~~المدينة. وكان رجال الأرصاد الجوية يتنبئون بمزيد من الرياح، ~~وارتفاع الأمواج إلى عشر أقدام، وإمكان خرقها للسدود، ووقوع ~~الفيضان على امتداد الساحل. وأشارت التقديرات إلى وصول العاصفة إلى ~~نيو أورلينز في تلك الليلة. # ولم تتوقف المكالمات التي تلقتها كاثي وتلقاها زيتون طوال النهار ~~من عملاء يطلبون تأمين شبابيك منازلهم وأبوابها، إزاء ازدياد سوء ~~أنباء الإعصار. وكانت كاثي تجمع هذه الطلبات وتنقلها إلى زيتون. ~~واكتشف زيتون أن أحد النجارين الذين يعملون لديه، واسمه جيمس ms065 ~~كروسو، كان لا يزال بالمدينة، فاصطحبه وقضى الاثنان النهار في ~~المرور بالشاحنة على المنازل لإجراء الإصلاحات اللازمة. كانت زوجة ~~جيمس تعمل في أحد الفنادق في وسط المدينة، وكان الزوجان قد قررا أن ~~يمكثا في المدينة أثناء العاصفة. وظل زيتون وجيمس يمران بالشاحنة ~~من عمل إلى عمل، وفي صندوقها ربع طن من الخشب الرقائقي؛ ليفعلا ما ~~يستطيعان قبل وصول الرياح. كانت الطرق لا تزال مزدحمة؛ إذ كانت ~~موجة جديدة من السيارات خارجة من المدينة، ولكن زيتون كان يستبعد ~~فكرة الرحيل. قال في نفسه إنه سيكون آمنا في منزله بشارع «دارت» ~~البعيد عن السدود، كما كان المنزل يتكون من طابقين، وهو مليء ~~بالأدوات والأغذية. # وفي الضحى أصدر العمدة ناجين أول أمر في تاريخ المدينة بوجوب ~~إخلائها، قائلا إنه لا بد من رحيل كل من يستطيع ذلك. # وطوال النهار، كان زيتون وجيمس يشاهدان الناس مصطفين عند محطات ~~الأوتوبيس، أولئك الذين كانوا يعتزمون البقاء في مبنى القبة ~~الكبيرة، كانوا عائلات، وأزواجا مع زوجاتهم، ومسنين، ونساء وحدهن، ~~وكانوا جميعا قد حزموا أمتعتهم في الحقائب المحمولة على ظهورهم، ~~وأكياس القمامة، وحقائب الملابس. وكانت مشاهدتهم في العراء هكذا ~~والرياح تشتد والسماء تزداد سوادا يبعث القلق في نفس زيتون. ومر ~~مع جيمس بالمجموعات نفسها، وهي تنتظر في صبر، في طريقهما إلى مواقع ~~عملهما، ثم مرا بهم من جديد في طريق العودة. # وفي باتون روج، كان الجو مكفهرا صاخبا؛ إذ هبت الرياح العاتية ~~واسود لون السماء في الظهيرة، وقضى الأطفال بعض الوقت في الخارج ~~يلعبون، ثم دخلوا المنزل لمشاهدة فيلم مسجل على دي في دي، وكانت ~~كاثي في صحبة باتي وماري آن. وكانت الأشجار في المنطقة تتمايل ~~بشدة. # وقطعت الكهرباء في الخامسة مساء، فأخذ الأطفال يلعبون ألعابا ~~منزلية على ضوء الشموع. # وكانت كاثي تخرج بين حين وآخر إلى السيارة لسماع الأنباء في ~~الراديو. كانت الرياح تحطم النوافذ في نيو أورلينز، وتقتلع الأشجار ~~وخطوط الكهرباء. # وحاولت كاثي الاتصال بزيتون، ولكن كان جهاز البريد الصوتي يرد ~~عليها. وحاولت الاتصال بتليفون المنزل. ms066 لا شيء. وقالت في نفسها، إن ~~الأسلاك قد سقطت. لم يكن الإعصار قد أصاب المدينة بعد، ومع ذلك فلا ~~تستطيع الاتصال بزوجها. # وبحلول الساعة السادسة كان زيتون قد أوصل جيمس إلى بيته وعاد هو ~~إلى المنزل جاهزا للطوارئ، وشاهد الأخبار في التليفزيون، ولم تكن ~~قد تغيرت كثيرا. كان المتوقع أن تصل أطراف الإعصار إلى المدينة ~~في نحو منتصف الليل، وقال في نفسه إن ذلك سوف يعني انهيار شبكة ~~الكهرباء عدة أيام. # وبدأ زيتون يسير في الغرف التي يزداد ظلامها، ويجري تقديرا ~~لجميع الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها خلال العاصفة. كان المنزل ~~يتكون من أربع غرف للنوم؛ الغرفة الرئيسة في الطابق الأول، وغرف ~~الأطفال في الطابق العلوي. وتوقع أن تتسرب المياه من بعض الأماكن ~~هنا، فالاحتمال قائم بأن يصاب السقف ببعض الأضرار، وربما انكسرت ~~بعض النوافذ. وكانت غرفة الجلوس في الطابق الأرضي، بنافذتها ~~البارزة المقوسة، معرضة للأخطار، وربما سقطت الشجرة القائمة في ~~الحديقة الخلفية فوق المنزل، ولو أن ذلك احتمال ضئيل، لكنها إن ~~سقطت فسوف يتسبب ذلك في وقوع أضرار كبيرة؛ إذ لن يقوم حاجز يمنع ~~المياه من الدخول. # لكنه كان متفائلا. وعلى أي حال كان يريد البقاء في المنزل، بعد ~~أن أنفق الآلاف على التحسينات التي أدخلها فيه وعلى حمايته بشتى ~~السبل الممكنة، وتذكر أن جدته كانت لا تبرح خلال ما لا يحصى من ~~العواصف في جزيرة أروض، وقرر من ثم أن يحذو حذوها، فبيت ~~الأسرة جدير بالكفاح في سبيله. # كان الأمر الوحيد الذي يقلقه هو السدود. كانت الأنباء تحذر ~~مرارا وتكرارا من اندفاع الموج بسبب العاصفة. وكانت السدود قد ~~بنيت بحيث تستطيع الصمود أمام موج يبلغ ارتفاعه أربع عشرة قدما، ~~ولكن الموج العاصف في الخليج كان قد ارتفع بالفعل إلى نحو تسع ~~عشرة، أو عشرين قدما، فإذا خرق الموج السدود، فسوف يكون قد خسر ~~المعركة بلا جدال. # واتصل بكاثي في الثامنة. # وقالت: «ها أنت ذا! كنت مختفيا.» # ونظر إلى تليفونه فوجد أنه فاتته ثلاث مكالمات منها لم يرد ms067 ~~عليها. # وقال: «لا بد أن شبكة التليفونات قد بدأت التقطع فعلا.» لم يكن ~~تليفونه قد أصدر أي رنين. وقال لها إنه لم يحدث حتى الآن شيء يذكر، ~~باستثناء الرياح العاتية ، لم يجد جديد. # وقالت: «ابتعد عن النوافذ.» # وقال إنه سيحاول. # وتساءلت كاثي بصوت عال عما إذا لم يكن فيما يفعلانه بعض الحمق، ~~كان زوجها يتعرض لإعصار من الدرجة الخامسة وهما يتحدثان عن ~~الابتعاد عن النوافذ! # وقال: «قولي للأطفال: تصبحون على خير!» # وقالت إنها ستفعل هذا. # وقال: «الأفضل أن نقطع المكالمة، حتى لا تنفد البطارية.» # وتبادلا تحية المساء. # وبعد أن أوي الأطفال إلى الرقاد، جلست كاثي على الأريكة في منزل ~~أخيها آندي، وجعلت تحدق في الشمعة أمامها، كانت الضوء الوحيد الذي ~~بقي في المنزل. # وما إن جاوزت الساعة الحادية عشرة حتى كان الطرف الأمامي ~~للعاصفة قد وصل إلى منزل زيتون. واكتست السماء بلون رصاصي أدكن، ~~وكانت الرياح باردة تدور في دوامات، وانهمرت الأمطار مدرارا. وكان ~~الدمار الذي يحدثه الإعصار خارج المنزل يتصاعد كل نصف ساعة. وفي ~~منتصف الليل انقطعت الكهرباء، وبدأ تسرب الماء إلى المنزل في ~~الثانية أو الثالثة صباحا. بدأ التسرب في ركن غرفة النوم الخاصة ~~بنديمة، فهبط زيتون إلى الجراج وأحضر صندوق قمامة معدنيا يسع ~~أربعين جالونا ليسقط فيه الماء المتسرب، وانفتح ثقب في السقف بعد ~~ذلك بدقائق، وبدأ الماء يتسرب منه، وكان هذه المرة في الطرقة ~~العلوية، وأحضر زيتون صندوق قمامة معدنيا آخر. وانكسر زجاج نافذة ~~في غرفة النوم الرئيسة بعد الثالثة صباحا بقليل، كأنما ألقيت ~~طوبة اخترقت الشباك، وقام زيتون بجمع الشظايا وسد الفتحة بوسادة. ~~وانفتح ثقب جديد في غرفة صفية وعائشة، فأحضر صندوق قمامة معدنيا ~~آخر، أكبر هذه المرة. # وجر الصندوقين الأولين جرا إلى الخارج، وأفرغ الماء على الكلأ. ~~وكانت السماء تشبه لوحة رسمها طفل بإصبعه المغموس في الألوان؛ إذ ~~اختلط فيها اللون الأسود باللون الأزرق خلطا يوحي بالعجلة. ~~وازدادت برودة الرياح، وساد الظلام الدامس الحي كله، وأثناء وقوفه ~~على الكلأ سمع صوت ارتطام شجرة بالأرض، ms068 في مكان ما بالمربع السكني، ~~بدأ بصوت انكسار تلاه صوت هسيس عند اندفاع أغصان الشجرة من خلال ~~الأشجار الأخرى قبل أن تستقر على جانب أحد المنازل. # فدخل المنزل. # وجد أن نافذة أخرى قد انكسرت، فدس وسادة أخرى فيها ليسد الفتحة. ~~وكانت أغصان الأشجار تخمش الجدران والسقف. وكان يسمع أصوات ~~الارتطام في كل مكان، وبدا له أن عظام المنزل تئن تحت الضغط ~~المتوالي. كان المنزل يتعرض للهجوم. # وعندما نظر في الساعة، فوجئ بأنها الرابعة صباحا، كان لم يتوقف ~~عن الحركة والعمل لخمس ساعات متواصلة. إذا استمر الدمار بهذا ~~المعدل، فسيكون الوضع أسوأ مما تنبأ. كل هذا ولم تبدأ العاصفة ~~الحقيقية بعد. # وكان زيتون قد خطر له خاطر في الهزيع الأخير من الليل، لم يكن ~~يتوقع أن يغمر المدينة فيضان ولكنه كان يعرف أن خطر الفيضان غير ~~مستبعد. وهكذا خرج وتنسم الهواء البارد، وسحب من الجراج القارب ~~المستعمل الذي كان قد اشتراه، ووضعه في الوضع الصحيح، كان يريد أن ~~يكون القارب جاهزا. # وتمنى لو استطاعت كاثي أن تشاهده الآن! كانت عيناها قد دارتا ~~ذهولا عندما شاهدته يعود إلى المنزل بذلك القارب. كان قد اشتراه ~~منذ عدة سنوات من عميل في بايو سانت جون؛ إذ عندما كان العميل يقوم ~~بالانتقال إلى منزل آخر، شاهد زيتون القارب في حديقة العميل، وكان ~~من طراز معتاد ومصنوع من الألومنيوم، فسأل العميل إن كان يعرضه ~~للبيع، وضحك العميل وقال: «هل تريد هذا؟» في دهشة وعجب. واشتراه ~~زيتون من فوره بخمسة وسبعين دولارا. # كان قد استرعى انتباهه شيء ما في القارب، كان متقن الصنع، وليست ~~به أضرار، وفي داخله مقعدان خشبيان. كان طوله نحو ست عشرة قدما، ~~ومصنوعا لشخصين، كان فيما يبدو يوحي بالاستكشاف والفرار! فربطه ~~على ظهر شاحنته واصطحبه إلى المنزل. # وشاهدته كاثي من نافذة غرفة المعيشة وهو يوقف السيارة، فقابلته ~~لدى الباب وهتفت قائلة: «مستحيل!» # وقال زيتون مبتسما: «ماذا؟» # وقالت: «أنت مخبول!» # كانت كاثي تحب التظاهر بأن صبرها نفد، ولكن الجانب الرومانسي في ~~زيتون كان عاملا ms069 أساسيا من عوامل حبها له. كانت تعرف أن أي نوع ~~من القوارب كان يذكره بطفولته، فكيف تحرمه من قارب مستعمل؟ كانت ~~شبه واثقة بأنه لن يستخدمه أبدا، ولكنها كانت تعرف أن وجود القارب ~~في الجراج لا بد أن يعني شيئا ما له؛ رابطة بالماضي، وإمكان ~~المغامرة. أيا كان ذلك الشيء فلن تحرمه منه. # والواقع أنه حاول مرتين أو ثلاث مرات أن يثير اهتمام بناته ~~بالقارب، فأخذهن إلى بايو سانت جون، وأنزل القارب في الماء، وجلس ~~فيه، وعندما نادى نديمة التي كانت تجلس على الكلأ، رفضت. ولم توافق ~~البنتان الصغيرتان أيضا. وهكذا، ولمدة نصف ساعة، والفتيات يرقبنه ~~من مجلسهن على الكلأ، ظل يجدف في الماء وحده، محاولا أن يجعل ~~الأمر يبدو مثيرا، لا يقاوم. وعندما عاد كن لا يزلن يعارضن ~~الفكرة، فأعاد وضع القارب على ظهر الشاحنة وعاد الجميع إلى ~~المنزل. # وازدادت قوة الريح بعد الخامسة. لم يكن يستطيع أن يتنبأ بوقت ~~وصول الإعصار فعلا إلى الساحل، ولكن النهار لم تشرق فيه أضواء ~~تذكر ذلك الصباح. كان اللون يتحول من الأسود إلى الرصاصي الفاقع، ~~والمطر يهطل كالحصباء التي تقذف على الزجاج. كان يسمع جذوع ~~الأشجار وهي تتصدع بفعل الرياح، وزفرات عظيمة تتردد عند سقوط ~~الجذوع على الشوارع وأسقف المنازل. # ولم يستطع مقاومة النوم آخر الأمر. وعلى الرغم من إدراكه أن ~~منزله يتعرض للهجوم، فإنه رقد، وهو يعرف أن شيئا ما لا بد أن ~~يوقظه بعد قليل، وهكذا استسلم مؤقتا، وغلبه نعاس غير عميق. # الإثنين 29 من أغسطس # واستيقظ زيتون متأخرا، لم يستطع تصديق ساعة معصمه، كانت تشير ~~إلى تجاوز العاشرة صباحا، لم يكن قد تأخر في النوم إلى ذلك الحد ~~منذ سنوات. كانت جميع ساعات الحائط قد توقفت، فنهض، وحاول إضاءة ~~المصابيح في ثلاث غرف، ولكن الكهرباء كانت لا تزال مقطوعة. # كانت الرياح شديدة في الخارج، والسماء لا تزال مظلمة، والمطر ~~ينهمر. لم يكن يهطل بغزارة ولكن إلى الحد الكفيل بإبقاء زيتون داخل ~~المنزل معظم ساعات اليوم، وتناول طعام إفطاره، وذهب ms070 ليتحقق من عدم ~~وقوع أضرار أخرى للمنزل، فوضع دلوين تحت ثقبين جديدين يتسرب منهما ~~الماء، وكان الضرر بصفة عامة على المستوى نفسه الذي كان عليه قبل ~~أن ينام. كان قد نام أثناء أسوأ أوقات الإعصار، وكان يرى من ~~النوافذ الشوارع تغطيها أسلاك الكهرباء التي سقطت، والأشجار التي ~~وقعت، وما يقرب من قدم كاملة من الماء، كانت الحالة سيئة، وإن لم ~~تكن أسوأ كثيرا من بعض العواصف التي يذكرها. # وفي باتون روج، أخذت كاثي الأطفال إلى السوبر ماركت لشراء المؤن ~~اللازمة وبعض الكشافات التي تعمل بالبطارية. وفي داخل المحل بدا أن ~~عدد الناس أكبر من عدد البضائع، لم يسبق لها أن شاهدت مثل هذا من ~~قبل. كان الناس قد اشتروا كل شيء، والأرفف خاوية تقريبا. كان ~~المشهد يشبه نهاية العالم. كان الأطفال خائفين، ويتشبثون بها، ~~وبحثت كاثي عن الثلج وقيل لها إنه نفد منذ فترة طويلة. وعلى غير ~~توقع، وجدت كشافين في علبة واحدة، آخر المعروض، فالتقطتهما قبل أن ~~تصل إليهما يد امرأة أخرى بثوان معدودة، وابتسمت ابتسامة اعتذار ~~للمرأة واتجهت إلى مكان دفع الحساب. ~~••• # وفي العصر هدأت الريح وخف هطول الأمطار، وخرج زيتون لاستكشاف ~~الأحوال. كان الجو دافئا، ودرجة الحرارة تزيد على 26° مئوية، وكان ~~ارتفاع الماء في تقديره يبلغ ثماني عشرة بوصة، كان من مياه ~~الأمطار، عكرا، لونه بني ضارب إلى الرمادي، لكنه كان يعرف أنه ~~سرعان ما ينصرف ويختفي، ونظر إلى فناء المنزل الخلفي فشاهد القارب، ~~وكان القارب يناديه؛ إذ كان يطفو على سطح الماء، وكان جاهزا ~~للاستعمال، وقال في نفسه: إنها فرصة نادرة للانزلاق فوق الطرق. لم ~~يكن أمامه إلا هذا اليوم، فتخلص من الماء الذي نزل من السماء في ~~القارب ودخله وهو يلبس تي-شيرت وشورت وحذاء رياضيا. # كان الخروج من الفناء صعبا؛ إذ كانت إحدى الأشجار التي اقتلعت ~~من جذورها تعترض الطريق وتعوق المرور فيه، وكانت فروعها منتشرة تسد ~~مدخل المنزل، فجدف حتى استطاع القارب الالتفاف حولها وأصبح يواجه ~~المنزل. نظر إليه فلم يجد أن ظاهره قد ms071 أصابته أضرار خطيرة. كانت ~~بعض البلاطات قد سقطت من السقف، والنوافذ مكسورة، وكانت إحدى ~~البالوعات تحتاج إلى تسليك. لم يكن الأمر بالغ السوء، ولن يتطلب ~~عملا لما يتجاوز ثلاثة أيام . # وكانت المنازل الأخرى في الحي قد أصيبت بأضرار كثيرة من جراء ~~الحطام المتناثر؛ إذ انفجرت بعض النوافذ، وسقطت فروع الأشجار ~~المبتلة التي اكتست لونا أسود فغطت السيارات والشارع. وكانت ~~الأشجار المبتلة في كل مكان مقتلعة من الأرض وملقاة على ~~جانبها. # كان الصمت عميقا. وعلى سطح الماء أمواج صغيرة بفعل الريح ولكن ~~كل شيء كان هادئا. لم تكن أي سيارات تسير ولا أي طائرات تطير. كان ~~بعض الجيران يقفون في مداخل منازل يخوضون في المياه التي غمرت ~~الفناء ويحاولون تقدير حجم الأضرار، لم يكن أحد يدري أين يبدأ أو ~~متى يبدأ، كان يعرف أنه سوف يستدعى كثيرا لتحديد الأضرار، ووضع ~~التقديرات للتكاليف المطلوبة في الأسابيع المقبلة. # لم يكن قد سار بالقارب إلا عبر عدة مربعات سكنية حين بدأ يتردد. ~~كان يعرف أن خطوط الكهرباء قد وقعت وتنتشر في كل مكان. ماذا عساه ~~أن يحدث إذا مست هذه الأسلاك قاربه المصنوع من الألومنيوم؟ أضف إلى ~~هذا أن الماء لم يكن عميقا إلى الحد الذي يسمح بمرور القارب فيه، ~~بل إن بعض مناطق في الحي لم تكن بها مياه تذكر، لم يكن ارتفاعها ~~يزيد على بوصات معدودة، وشحط القارب فهبط منه زيتون وأداره حتى بلغ ~~منطقة عميقة المياه، وعاد للتجديف حتى وصل إلى البيت. # وعلى امتداد ساعات العصر، كانت المياه تنحسر من الشوارع بمعدل ~~عدة بوصات في الساعة. كان جهاز الصرف يعمل. وبحلول المساء كانت ~~المياه قد انحسرت تماما، وجفت الشوارع. كانت الأضرار شاسعة، ~~ولكنها لم تكن أكبر في الواقع من حفنة أخرى من العواصف التي ~~يتذكرها، وانتهى الأمر. # وطلب كاثي بالتليفون. # قال لها: «عودوا.» # وشعرت كاثي بإغراء العودة، ولكن الساعة كانت قد بلغت السابعة، ~~وكان الجميع يوشكون أن يتناولوا وجبة العشاء، ولم تكن تتصور أن ~~تقدم على قيادة السيارة ليلا مع أربعة ms072 أطفال وكلبة أمعاؤها ~~منتفخة، أضف إلى ذلك أن الكهرباء كانت مقطوعة في نيو أورلينز، وهذا ~~معناه أن يعودوا إلى الحال نفسها التي عانوها في باتون روج. كان ~~الأطفال لا يزالون يتمتعون بالوقت الذي يقضونه مع بنات خالتيهم، ~~وكانت الضحكات المجلجلة في المنزل تشهد بذلك. # واتفقت مع زيتون على معاودة الحديث في الموضوع في الصباح، وإن ~~كان كلاهما يتوقع أن تقوم كاثي بحزم أمتعة الصغار في وقت ما في ~~اليوم التالي. # ودخلت المنزل واجتمعت العائلات، ثلاثة من الكبار وثمانية أطفال، ~~وتناول الجميع سندويتشات السجق الساخنة على ضوء الشموع، ولم تغفل ~~كاثي عن أن أختيها وضعتا بعض لحم الخنزير على المائدة، ولكنها ~~أقسمت في نفسها ألا تثير هذه القضية، وهمست لنفسها دون صوت: ~~«فوتيها! فوتيها!» كان عليها الدخول في معارك بالغة الكثرة. ~~كانت واثقة بأن أمامها أن تشتبك في معارك إلى الحد الذي لا يسمح ~~لها ببذل جهدها مع أختيها أثناء تناول السجق الساخن، وإذا أرادتا ~~تقديم لحم الخنزير لأطفالها، فعليهما أن تحاولا. ~~••• # وبعد ذلك بفترة، عندما ذهبت إلى السيارة لتسترق لحظات معدودة مع ~~الراديو، سمعت العمدة ناجين يردد صدى عزوفها عن الرحيل؛ إذ قال: ~~«لا تعودوا الآن. انتظروا حتى تعرفوا طبيعة الأضرار، وحتى يستقر كل ~~شيء وننتهي من عمليات التنظيف. أمهلونا يوما أو يومين.» # وفي عصر ذلك اليوم، تلقى زيتون مكالمة من قريب له يدعى عدنان، ~~وكان قريبا من بعيد من ناحية والدته، وكان قد نجح في حياته منذ ~~هجرته منذ عقد كامل، فكان يمتلك ويدير أربعة محال صب-واي ~~للسندويتشات بمدينة نيو أورلينز. وكانت زوجته عبير حاملا في ~~طفلهما الأول وفي الشهر السادس. # وسأله عدنان: «هل ما زلت في المدينة؟» إذ كان يفترض أنه لا يزال ~~فيها. # فسأله زيتون: «طبعا. هل أنت في باتون روج؟» # قال عدنان: «نعم.» كان عدنان قد رحل بالسيارة في البارحة مع عبير ~~ووالديه المسنين. ثم سأل: «وما الحال هناك؟» # فقال زيتون: «الرياح عاتية حقا! إن الجو يثير بعض الخوف.» لم ~~يكن زيتون ليعترف بهذا قط لكاثي، ms073 ولكنه كان يثق في كتمان ~~عدنان. # وسأله عدنان: «تظن أنك سوف تبقى؟» # وقال زيتون إنه يعتزم البقاء، وعرض على عدنان أن يرعى حوانيته، ~~وكان عدنان قبل أن يرحل قد أفرغ درج النقود في الآلة المخصصة ~~لتسجيل المبيعات وحسابها، في حانوته الموجود في سيتي بارك أفينيو، ~~واطمأن إلى أن الخبز كان جاهزا؛ إذ كان يفترض أنه سوف يعود يوم ~~الثلاثاء. # وسأله عدنان: «هل تعرف أي مساجد في باتون روج؟» كانت جميع ~~الموتيلات وهي فنادق الطرق التي ينزل فيها أصحاب السيارات ممتلئة ~~تماما، ولم يكن عدنان وعبير يعرفان أحدا في باتون روج. وتمكنا من ~~إيواء والدي عدنان في مسجد في الليلة السابقة، ولكنه كان زاخرا ~~بالمئات الذين كانوا يفترشون الأرض، وكان من المحال إيواء المزيد ~~فيه؛ الأمر الذي اضطر عدنان وعبير إلى قضاء الليلة في ~~سيارتهما. # وقال زيتون: «لا أعرف أحدا، ولكن اطلب كاثي، إنها مع أسرتها، ~~ولن تمانع الأسرة في استضافتكما، وأنا واثق.» ثم أعطى عدنان رقم ~~تليفون كاثي. # وأفرغ زيتون جميع الدلاء في المنزل من الماء، ووضعها من جديد تحت ~~الثقوب في السقف، وأخذ أهبته للرقاد. كان الجو شديد الدفء في ~~الخارج، خانقا في داخل المنزل، ورقد في الظلام، وانسرح يفكر في ~~قوة العاصفة، والزمن الذي استغرقته، وكيف كان من الغريب ألا تصيب ~~المنزل إلا بأقل الأضرار، وذهب إلى النافذة الأمامية، لم تكن ~~الساعة قد جاوزت الثامنة مساء، ولكن الشوارع كانت قد جفت جفافا ~~كاملا، وتأمل الجهد الذي بذل في الهرب. ولماذا؟ لقد اندفع مئات ~~الآلاف للسفر إلى الشمال فرارا من هذا: من ماء لا يزيد ارتفاعه ~~على عدة بوصات، ولم يعد له أدنى أثر. # كان الصمت والهدوء يسودان تلك الليلة، لم يسمع صوتا للريح، ولا ~~للبشر، ولا لصفارات الإنذار بالسيارات، لم يعد يتردد غير صوت مدينة ~~تتنفس كما يتنفس، مرهقة من الكفاح. # الثلاثاء 30 من أغسطس # واستيقظ زيتون في وقت متأخر، ورفع بصره إلى النافذة من فوقه، ~~وشاهد اللون الرمادي نفسه في السماء، وسمع الهدوء الغريب نفسه، لم ~~يعرف ms074 في حياته وقتا مثل هذا الوقت، لم يكن يستطيع السير بالسيارة ~~إلى أي مكان، ولم يكن يستطيع العمل، ولأول مرة منذ عقود طويلة، لم ~~يكن لديه ما يفعله، سيكون يوم هدوء وراحة. وراوده شعور غريب ~~بالكسل، وإحساس رهيف بالرضا، فعاد لنعاس غير عميق. # كانت جزيرة أروض، موطن أسرته الموروث عن الأجداد، غارقة في ~~الأضواء. كانت الشمس دائمة السطوع هناك، والضوء الأبيض الدافئ يكسو ~~بالبياض المباني الحجرية، والحارات المرصوفة بالحصى، فيظهر بوضوح ~~لا يصدق لون البحر الأزرق الأدكن الذي يحيط بالجزيرة. # كان عندما يحلم زيتون بأروض التي كان يزورها كل صيف، تبرز له ~~صورة أروض في طفولته وصباه، وكان في تلك الأحلام يمارس ما يمارسه ~~الصبيان؛ كالجري حول الجزيرة الصغيرة، وإفزاع طيور النورس فتطير، ~~والبحث في البرك التي يخلفها المد والجزر عن سرطانات بحرية أو ~~حلزونات أو أي كائنات غريبة يقذف بها البحر على شاطئ الجزيرة ~~الصخري. # وبحذاء الجدار الغربي، الذي يواجه البحر الشاسع في الغرب، كان ~~يقوم مع أحمد بمطاردة دجاجة منفردة في الأطلال التي تحيط بالمنازل ~~في آخر الجزيرة، وكان الطائر الهزيل يعدو مسرعا فيصعد تلا من ~~القمامة والأنقاض، ثم يختفي في كهف من المرجان والأحجار، وكان يجذب ~~انتباههما صوت فرقاطة «سفينة حربية صغيرة»، ألقت مرساتها، في ~~انتظار الرسو في طرطوس، الميناء الذي يقع على بعد ميل واحد إلى ~~الشرق. كانا دائما ما يشاهدان نحو ست سفن، من ناقلات البترول ومن ~~شاحنات البضائع، واقفة تنتظر أن ترسو في المرفأ المزدحم، وكثيرا ~~ما كانت تلقي مراسيها على مسافة قريبة تجعلها تلقي بظلالها على ~~الجزيرة الصغيرة. وكان عبد الرحمن وأحمد يتطلعان إليها، وهياكلها ~~تعلو على سطح البحر بمسافة تتراوح بين عشرين وثلاثين قدما. وكان ~~الغلامان يلوحان بأيديهما إلى البحارة، ويحلمان بأن يكونا على متون ~~السفن. كانت حياتهم تبدو لهما حياة رومانسية وحرية لا تتحقق إلا في ~~الخيال. # وحتى في تلك الأيام، عندما كان أحمد غلاما نحيفا في الخامسة ~~عشرة لوحته الشمس، كان يعرف أنه سوف يصبح بحارا. كان يحرص على عدم ms075 ~~إخبار والده، لكنه كان واثقا بأنه يريد أن يقود إحدى هذه السفن. ~~كان يريد أن يرشد السفن الكبرى المبحرة في شتى أرجاء العالم، وأن ~~يتحدث عشر لغات، وأن يتعرف على أبناء كل أمة. # لم يراود الشك عبد الرحمن قط في أن أحمد قادر على تحقيق ذلك؛ إذ ~~كان أحمد، في نظر عبد الرحمن، قادرا على أي شيء، كان أقرب أصدقائه ~~ومثله الأعلى ومعلمه، وكان أحمد قد علمه كيف يغرس الحربة في ~~السمكة، وكيف يجدف وحده في القارب، وكيف يمارس الغطس في البحر من ~~الصخور الفينيقية العظمى في جدار الجزيرة الجنوبي. وكان يريد أن ~~يتبع أحمد أينما ذهب، وكثيرا ما كان يفعل ذلك. # كان الغلامان يتجردان من ملابسهما ويكتفيان بالملابس الداخلية، ~~ثم ينطلقان سابحين إلى أرخبيل صخري قريب، وكانا يتناولان الحربة ~~التي يخفيانها دائما وسط الصخور، ثم يتناوبان الغطس لصيد الأسماك ~~بها. وكانت السباحة رياضة طبيعية عند البنين في أسرة زيتون وجميع ~~أطفال أروض، فاستطاعوا السباحة بمجرد تعلمهم المشي، وكانوا يحبون ~~البقاء في الماء، سابحين أو منغمسين وحسب ساعات طويلة. وعند خروج ~~أحمد وعبد الرحمن من الماء كانا يستلقيان على جدار حجري منخفض، ~~يحفهما البحر من ناحية، وطريق كورنيش البلدة من الناحية ~~الأخرى. # ولم يكن طريق الكورنيش جذاب المنظر، فكان لا يعدو كونه مساحة ~~عريضة مرصوفة، أصابها البلى وانتشرت فيها المهملات، شاهدا على ~~فتور محاولات اجتذاب السياح. وكان معظم سكان أروض لا يكترثون ~~كثيرا إن جاءهم زوار أو لا؛ إذ كانت الجزيرة موطنا وحسب، ومكانا ~~يظهرون فيه الجد والاجتهاد، فكانوا يصيدون الأسماك، وينظفونها، ~~ويحملونها إلى البر الرئيس في سوريا، ويصنعون السفن، وهي سفن ~~شراعية قوية من الخشب قد تكون بها صارية واحدة أو اثنتان أو ثلاث، ~~بأساليب بلغت حد الكمال في الجزيرة على مر القرون. # وكانت أروض تعتبر موقعا حربيا استراتيجيا امتلكته سلسلة ~~متتابعة الحلقات التي لا تكاد تنتهي من الدول البحرية: الفينيقيون، ~~والأشوريون، والفرس الأخمينيون، واليونان في عهد الإسكندر، ~~والرومان، والصليبيون، والمغول، والأتراك، والفرنسيون، ~~والبريطانيون. وكانت تنتشر في الجزيرة شتى ms076 الجدران وسطوح القلاع، ~~في صورة أطلال كادت تبلى، وكلها ينبئ عن حصون الماضي. وكانت تبرز ~~في وسط الجزيرة قلعتان صغيرتان، لم تكادا تتغيران منذ العصور ~~الوسطى، وربما ارتادهما الصغار المحبون للاستطلاع حتى يستكشفوا ما ~~بهما. وكان عبد الرحمن وأحمد كثيرا ما يتسلقان الدرج الحجري ~~الأملس في برج المراقبة المجاور لمنزلهما، ويتظاهران بأنهما ~~يترصدان الغزاة، ويدقان أجراس الإنذار، ويرسمان خطط الدفاع عن ~~الموقع. # ولكن ألعابهما كانت تقع عادة في الماء. لم يكونا يبتعدان عن ~~المياه الباردة في البحر المتوسط أكثر من خطوات معدودة، وكان عبد ~~الرحمن يتبع أحمد إلى الشاطئ، صاعدين الأحجار الفينيقية الضخمة. ~~كانا ينظران أولا من أعلى الجدار فيشاهدان داخل نوافذ المباني ~~السامقة في البلدة، ثم ييممان وجهيهما إلى البحر ويغطسان ~~فيه، وبعد أن يسبحا ساعات متوالية وقد كاد الخدر يصيب سواعدهما ~~يستلقيان على الجدار الحجري، بسطحه الذي صقلته الأمواج المتكسرة ~~عليه وأقدام ما لا يحصى من الأطفال. كانا يستدفئان بحرارة الأحجار ~~والشمس من فوقهما، ويتحدثان عن الأبطال الذين دافعوا عن الجزيرة، ~~وعن الجيوش والقديسين الذين مروا بها. كما كانا يتحدثان عن خططهما ~~للمستقبل، عن فعالهما العظمى ومكتشفاتهما. # وسرعان ما يهدأ كلاهما، ويصبحان على شفا النعاس، يهدهدهما صوت ~~الأمواج المتكسرة على الجدران الخارجية للجزيرة، وهسيس البحر الذي ~~لا يتوقف. ولكن صوت البحر لم يبد صحيحا في ذهن زيتون شبه الحالم، ~~فلقد كان أشد هدوءا وأقل انتظاما، فلم يكن صوت مد وجزر، بل ~~الهمس المنتظم الدائم لنهر من الأنهار. # وأيقظه النشاز. # | الفصل الثاني # الثلاثاء 30 من أغسطس # فتح زيتون عينيه من جديد، كان في بيته، في غرفة ابنته نديمة، تحت ~~أغطيتها، يتطلع إلى سماء غبراء شهباء. واستمر الصوت، صوت شيء يشبه ~~الماء الجاري، ولكن المطر توقف، ولم يعد الماء يتسرب من أي شقوق. ~~قال في نفسه: لعل أنبوبا قد انكسر، ولكن ذلك محال، فالصوت لا يصدر ~~عن أنبوب مكسور. كان هذا الصوت أقرب ما يكون إلى صوت نهر جار، ~~جريان كميات ضخمة من المياه. # واعتدل في جلسته وألقى نظرة من ms077 النافذة التي تطل على الفناء ~~الخلفي فشاهد الماء، بحرا زاخرا تحته. كان الماء مقبلا من ~~الشمال، ويتدفق داخل الفناء، تحت المنزل، ويرتفع مستواه ~~بسرعة. # لم يستطع تفسير ذلك؛ إذ انحسرت المياه في اليوم السابق كما توقع، ~~لكنها الآن تعود، بقوة أشد كثيرا. وكانت هذه المياه تختلف عن مياه ~~المطر العكرة في اليوم الفائت. كانت هذه خضراء صافية، كانت هذه ~~مياه بحيرة. # وفي تلك اللحظة تيقن زيتون أن مصدرها السدود؛ فإما أنها ~~طفحت وإما خرقت. لم يكن يساوره أدنى شك. وسوف تغمر المياه ~~المدينة في القريب العاجل. كان يعرف أن المياه ما دامت قد وصلت إلى ~~هذه البقعة فلا بد أنها غمرت معظم مدينة نيو أورلينز. وكان واثقا ~~بأنها سوف تستمر في التدفق، ومن المحتمل أن يصل ارتفاعها إلى ثماني ~~أقدام، أو أكثر، في الحي الذي يعيش فيه، ويزداد على ذلك خارجه. ~~وكان يعرف أن التخلص منها قد يستغرق شهورا أو سنوات. كان على يقين ~~أنه الطوفان. # واتصل بكاثي. # قال: «المياه تتدفق.» # قالت: «ماذا؟ لا لا! هل انكسرت السدود؟» ~~- «أظن ذلك.» ~~- «لا أستطيع أن أصدق.» # وسمعها تكتم نهنهة. # وقال: «يجب أن أذهب.» # وأنهى المكالمة واتجه للعمل. # وقال في نفسه: «لا بد من رفع الأشياء. الرفع، الرفع.» لا بد من ~~نقل كل شيء إلى الطابق الثاني، وتذكر أسوأ ما جاءت به التنبؤات قبل ~~العاصفة، إذا انكسرت السدود فسوف تتدفق المياه وتصل إلى ارتفاع عشر ~~أقدام، أو خمس عشرة في بعض الأماكن. وبدأ يستعد للعمل بأسلوب ~~منهجي. كان ينبغي نقل كل ما له قيمة إلى مكان أعلى. كان العمل ~~عملا وحسب، وانهمك فيه بهدوء وسرعة. # حمل جهاز التليفزيون، وجهاز الدي في دي، والاستريو، وجميع ~~الأجهزة الإلكترونية إلى الطابق العلوي، وجمع كل ملابس الأطفال ~~وكتبهم وموسوعاتهم، ثم حملها بعد ذلك إلى المكان نفسه. # كان التوتر سائدا في المنزل في باتون روج. ففي الجو العاصف ~~الأغبر، وإزاء مشاركة هذا العدد الغفير العيش في المنزل الصغير، ~~كانت الأعصاب تفلت. ورأت كاثي أن الأفضل أن تختفي هي ms078 وأطفالها، ~~فحملوا أكياس الرقاد، وهي بدائل الفرش والأغطية، والوسائد وأعادوها ~~إلى أماكنها، ثم انطلقوا بالشاحنة الأوديسية؛ بقصد قضاء سحابة ~~النهار في التجوال بالسيارة، والذهاب إلى المراكز التجارية أو ~~المطاعم، أو أي مكان يكفل قتل الوقت، وقرروا أن يعودوا في وقت ~~متأخر، بعد موعد تناول العشاء، للنوم فقط. وكانت تدعو الله أن ~~يستطيعوا العودة إلى نيو أورلينز في اليوم التالي. # واتصلت كاثي بزيتون من الطريق. # قالت: «صندوق مجوهراتي!» # وأخذه زيتون، كما أخذ طقم الصيني الفاخر، ونقل ذلك كله إلى ~~الطابق العلوي، وأفرغ الثلاجة ولكنه ترك الفريزر ممتلئا، ووضع ~~الكراسي فوق المنضدة في حجرة المائدة، ولما عجز عن حمل صوان ملابس ~~ثقيل، وضعه على حشية ونقلها جرا إلى الطابق العلوي، ووضع أريكة ~~فوق أخرى، مضحيا بإحداهما لإنقاذ الأخرى، ثم حمل المزيد من الكتب، ~~عدد هائل من الكتب، أنقذها كلها؛ لم يكن ليفرط في أي كتاب. # واتصلت كاثي من جديد وقالت: «نصحتك بعدم إلغاء التأمين على ~~الأملاك.» # كانت على صواب، فمنذ ثلاثة أسابيع وحسب، اختار عدم تجديد ذلك ~~الجانب من بوليصة التأمين ضد الفيضان الذي يغطي أثاث المنزل وكل ~~شيء فيه. لم يكن يريد إنفاق النقود، وأقر بأنها كانت على حق، وكان ~~واثقا بأنها سوف تظل تذكره بذلك لسنوات في المستقبل. # وقال لها: «هل يمكن أن نتحدث في ذلك فيما بعد؟» # وخرج زيتون من المنزل، وكانت تشيع في الجو الرطوبة، وهبات الريح ~~القوية. كان قد ربط القارب في المدخل الخلفي للمنزل، وكانت همسات ~~الماء تتصاعد من خلال الفتحات في السور الخلفي، ومستواها في ~~ارتفاع، وكانت المياه تتدفق داخل فنائه بمعدل مدهش، ووصلت إليه وهو ~~واقف فابتلعت كعبيه وارتفعت لساقيه. # وعاد إلى المنزل وواصل نقل كل ما له قيمة إلى الطابق العلوي. وفي ~~أثناء ذلك شاهد الماء وهو يغطي الأرضيات ويصعد إلى الجدران، ولم ~~تمض ساعة أخرى حتى أصبح ارتفاع الماء داخل المنزل ثلاث أقدام. ~~وكان منزله يرتفع على مستوى الشارع بثلاث أقدام. # ولكن المياه كانت نظيفة، كانت شفافة، ذات لون يضرب إلى الخضرة، ms079 ~~وشاهدها وهي تملأ حجرة الطعام بمنزله، وأذهله جمال المشهد لحظة ~~قصيرة، إذ أعادت إلى خياله ذكرى غير واضحة المعالم لعاصفة في جزيرة ~~أروض، وكان غلاما صغيرا؛ إذ ارتفع موج البحر المتوسط وابتلع ~~المنازل المقامة على أراض منخفضة، وغمرت مياه البحر الخضراء ~~الزرقاء حجرات الجلوس والنوم والمطبخ، ولم تجد المياه أدنى صعوبة ~~في أن تكسر أو تتفادى الأحجار الفينيقية المحيطة بالجزيرة. # في تلك اللحظة خطر لزيتون خاطر. كان يعرف أن أسماك الزينة التي ~~يحتفظ بها في حوض خاص لن تكتب لها النجاة من دون تجديد للماء ودون ~~غذاء؛ فدس يده في الحوض وأطلقها. ألقى بها في الماء الذي يغمر ~~المنزل، وكانت تلك أفضل فرصة أتيحت لها فسبحت في الماء ~~وابتعدت. # وكان يستخدم تليفونه الخلوي في الحديث إلى كاثي على مدار اليوم. ~~واستعرضا معا ما لا يمكن إنقاذه: قطع الأثاث الضخمة التي كان من ~~المحال نقلها إلى الطابق العلوي. أما خزانات أدوات المائدة وصوانات ~~الملابس فقد خلع منها كل ما يستطيع من أدراج، وحمل إلى الطابق ~~العلوي كل ما استطاع خلعه وحمله. # وابتلعت المياه الخزانات والنوافذ. وظل زيتون يراقب المياه في ~~فزع وهي ترتفع إلى أربع ثم خمس وست أقدام في المنزل، فتغطي صندوق ~~الكهرباء وصندوق التليفون، ومعنى ذلك الحرمان من الكهرباء ومن خطوط ~~التليفون الأرضية أسابيع متوالية. # وعندما حل الليل كان الحي قد غمرته المياه إلى ارتفاع تسع أقدام. ~~ولم يعد زيتون يستطيع أن يهبط إلى الطابق الأرضي. وعندما حلت ~~الساعة السابعة مساء كان قد فعل كل ما يستطيع. فاستلقى على فراش ~~نديمة في الطابق الثاني واتصل بكاثي، وكانت تتجول بالسيارة مع ~~الأطفال، خائفة من العودة إلى المنزل في باتون روج. # وقال لها: «أنقذت كل ما استطعت إنقاذه.» # فقالت: «يسرني أنك بقيت بالمنزل.» وكانت تعني ما تقول. فلو لم ~~يكن بالمنزل لفقدت الأسرة كل شيء. # وتحدثا عما يمكن أن يحدث للمنزل وللمدينة. كان واثقين بأنه لا ~~بد من تفريغ أحشاء المنزل، واستبدال البطانات العازلة للجدران ~~وأسلاك الكهرباء، والبلاستر والألواح المجصصة والطلاء ms080 والكساء ~~الورقي للحوائط. لقد ذهب كل شيء، حتى أصغر مسامير التثبيت. وإذا ~~كانت المياه قد ارتفعت إلى هذا الحد في المنطقة العالية من البلدة، ~~فلا شك في أنها ازدادت في الأحياء الأخرى. وطافت بذهنه صورتها، ~~صورة المنازل القريبة من البحيرة والمنازل القريبة من السدود. لم ~~تكن تلوح لها فرصة واحدة للنجاة. # ولاحظ زيتون وهو يتحدث معها أن بطارية تليفونه بدأت تفرغ شحنتها. ~~وكانا يعرفان أن عدم توافر الكهرباء يعني أن نفاد شحنة البطارية ~~سوف يقطع سبل الاتصال الموثوق بها. # وقال: «الأفضل إنهاء المكالمة.» # وقالت: «أرجوك أن ترحل، غدا.» # وقال: «لا لا!» ولكنه حتى وهو يقول ذلك كان يعيد النظر في ~~الموقف. لم يكن يتوقع أن يحبس في منزله فترة طويلة، كان يعرف أن ~~بالمنزل طعاما يكفيه أسبوعا أو أكثر، ولكن الموقف كان به من ~~التوتر ما لم يعمل حسابا له. # وقال: «خبري الأطفال أنني أقرئهم تحية المساء.» # وقالت إنها ستفعل ذلك. # وأغلق تليفونه للحفاظ على ما بقي من شحنة البطارية. # كانت كاثي لا تزال تقود ~~السيارة، كانت قد استنفدت جميع وسائل تزجية الوقت وتوشك أن تعود ~~إلى منزل أخيها عندما دق تليفونها من جديد. كان المتحدث عدنان. بدأ ~~بالاعتذار والإعراب عن الخجل، ولكنه كان مع زوجته عبير في باتون ~~روج بلا مأوى يئويهما. # وسألته كاثي: «أين قضيت الليلة البارحة؟» # فقال: «في السيارة.» # وقالت: «يا ربي! فلأنظر ما أستطيع أن أفعله.» # كانت تعتزم أن تسأل ماري آن وباتي بمجرد عودتها إلى المنزل. لا ~~شك في أن المنزل سيكون مزدحما، ولكنه لم يكن يصح أن تنام امرأة ~~حامل في السيارة وفي بيت أسرتها متسع لها. ~~••• # وعندما عادت كاثي إلى منزل آندي، كانت الساعة قد بلغت العاشرة ~~وغرف المنزل مظلمة. وكان الأطفال جميعا نائمين في السيارة ~~باستثناء نديمة، فأيقظتهم وسارت معهم بهدوء إلى داخل المنزل، وبعد ~~أن استقر الأطفال في أكياس الرقاد، ظهرت ماري آن وواجهت كاثي: «أين ~~كنت طول النهار؟» # وقالت كاثي: «في الخارج. أحاول أن أبتعد فلا أعترض ~~حياتكم.» # وقالت ماري ms081 آن: «هل تعرفين كم أصبح سعر البنزين؟» # وردت كاثي: «عفوا؟ لم أكن أعرف أنك تدفعين ثمن بنزين ~~سيارتي.» # كانت كاثي تشعر بنفاد ~~صبرها، وبأنها مقهورة، ففي المنزل كان أهلها يشعرونها بأنها تمثل ~~مع أطفالها عبئا ثقيلا، وإذا بأختها تؤنبها الآن على مغادرة ~~المنزل. وأقسمت في نفسها أن تقضي هذه الليلة، ثم تفكر في خطة جديدة ~~لتنفيذها في اليوم التالي، وقالت في نفسها إنها قد تتجه بالسيارة ~~إلى مدينة فينيكس للإقامة مع يوكو. كانت فكرة مضحكة، أي أن تسافر ~~مسافة تبلغ ألفا وخمسمائة ميل، وأقاربها يعيشون على بعد خمسين ~~ميلا من نيو أورلينز، ولكنها كانت تهرب من قبل وتلجأ إلى منزل ~~يوكو، وفي يدها أن تعيد الكرة. # كان التوتر قد ازداد بالفعل، ولكن كاثي كانت تشعر بأنها ملزمة، ~~من أجل عدنان وعبير، أن تسأل ماري آن. وعلى أي حال فإن ماري آن ~~كانت تعرفهما؛ إذ قابلت عدنان وعبير عدة مرات، وهكذا ذكرت كاثي ~~لماري آن أنهما قضيا البارحة نائمين في السيارة، وسألتها: «ألا ~~يمكنهما البقاء هنا ليلة واحدة؟» # وقالت ماري آن: «قطعا لا يمكن!» # في الطابق الثاني المظلم، كان زيتون يضع الكشاف اليدوي بين ~~أسنانه، وهو يتفحص كومة من الأمتعة الشخصية التي أنقذها، فوضع على ~~الرفوف ما استطاع وضعه من الكتب، وحفظ الشهادات والصور في صندوق ~~خاص. وجد صورا لأطفاله عندما كانوا صغارا، وصورا من رحلة كانت ~~الأسرة كلها قد قامت بها إلى إسبانيا، وصورا من رحلتهم إلى سوريا، ~~فنظمها وأتى بكيس من البلاستيك فحفظها فيه وأعادها إلى ~~الصندوق. # وفي صندوق آخر، أقدم عهدا، عثر على صورة غلب عليها اللون البني ~~في إفريز متخلع، فتوقف عندها. لم يكن قد رآها من سنين. كانت صورته ~~مع أخيه لؤي وأخته زكية وهم يلعبون مع أخيهم محمد، الذي كان يكبر ~~زيتون بثماني عشرة سنة، كانوا يلعبون المصارعة معه في غرفة النوم ~~التي كان يشترك فيها زيتون وأحمد وجميع الصبية الصغار في جبلة، ~~وكان عبد الرحمن الصغير واقفا إلى أقصى اليمين، وربما لم تكن سنه ms082 ~~تتجاوز الخامسة، وقد غاصت أصابعه الصغيرة في يد محمد ~~الضخمة. # وحدق زيتون في بسمة أخيه الساحرة، كان لدى محمد كل شيء آنذاك، ~~وكان كل شيء، أشهر بطل رياضي متمرس في تاريخ سوريا. كان من سباحي ~~المسافات الطويلة، من أفضل من عرفهم العالم على الإطلاق، ولما لم ~~يكن ينتمي إلى بلد يشتهر بسواحله فقد زادت الدهشة من منجزاته، كان ~~قد فاز بسباقات في سوريا ولبنان وإيطاليا، وكان في طوقه أن يسبح ~~ثلاثين ميلا دون توقف، وبأسرع مما يستطيعه أي شخص سواه، أسرع من ~~أي إيطالي أو إنجليزي أو فرنسي أو يوناني. # وفحص زيتون الصورة فحصا أدق، وقال في نفسه: «مسكين محمد!» كل ~~إخوته وأخواته تكأكئوا عليه. وكان هذا دأبهم كلما عاد إلى بيته. ~~كانت سباقات السباحة، في ~~اليونان وفي إيطاليا والولايات المتحدة، تبعده عنهم مدة أطول مما ~~ينبغي، كان يقابل بالحفاوة والترحاب من رؤساء الدول، وكانت صورته ~~تظهر في الصحف والمجلات في شتى أرجاء العالم. كانوا يسمونه ~~الطوربيد البشري، وتمساح النيل، والمعجزة، وهكذا، فعندما يعود إلى ~~المنزل كان أشقاؤه يجنون فرحا، ويطنون حوله ~~كالذباب. # وعند ذلك، عندما كان في الرابعة والعشرين، رحل عن الدنيا، قتل ~~في حادثة سيارة في مصر، قبيل الاشتراك في سباق سباحة في قناة ~~السويس. وكان زيتون لا يزال يفتقده بشدة، على الرغم من أنه لم يكن ~~قد تجاوز السادسة وقت تلك الحادثة، وبعد ذلك لم يكن زيتون يعرف ~~أخاه محمدا إلا من خلال القصص والصور والمدائح، ومن النصب ~~التذكاري المقام تكريما له على شط البحر في جلبة، على مسافة قريبة ~~من الشارع الموصل إلى منزل الأسرة، وكان الأطفال وهم يكبرون يمرون ~~بهذا النصب كل يوم؛ وهو ما جعل من المحال نسيانه ولو للحظة ~~واحدة. # وجلس زيتون وجعل يحدق في الصورة دقيقة أو نحوها قبل أن يعيدها ~~إلى الصندوق. ~~••• # لم يستطع النوم داخل المنزل. كانت حرارة الجو قد ازدادت تلك ~~الليلة، ولم يكن يستطيع أن يتحمل في نيو أورلينز مثل هذه الحرارة ~~من دون جهاز التكييف، وأثناء رقاده ms083 فوق الملاءات التي بللها العرق ~~خطرت له فكرة. قام فبحث في أحد الخزانات بالطابق العلوي عن خيمة ~~كان قد اشتراها منذ سنوات بعيدة. وفي الصيف الماضي، أقام الخيمة في ~~الفناء الخلفي للمنزل، وبات الأطفال فيها خارج المنزل عدة مرات، ~~عندما انخفضت الحرارة فأتاحت ذلك. # أخرج الخيمة وزحف من نافذة غرفة نوم نديمة إلى السقف، كان الجو ~~أقل حرارة، والنسائم تهب فتحرك الهواء الساكن، وكان سطح الجراج ~~مستويا، فأقام الخيمة فوقه، وثبتها بالكتب وبعض قوالب الفحم، ~~وسحب إحدى الحشايا التي ينام عليها الأطفال وحشرها حشرا من باب ~~الخيمة ... كان الفارق شاسعا بين داخل المنزل وخارجه. # رقد على الحشية وجعل يصغي إلى صوت حركة المياه، هل كانت لا تزال ~~ترتفع؟ لم يكن ليدهش من ذلك. ولن يشعر بأي صدمة لو طلع الصبح فوجد ~~أن مستواها قد وصل إلى اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة قدما بحيث تغمر ~~الحي كله. # كان الظلام حوله تاما، والليل ساكنا باستثناء نباح الكلاب. ~~كان يسمع النباح مقبلا من كل ركن من أركان الحي؛ إذ كان ذلك الحي ~~حافلا بالكلاب وكان قد اعتاد نباحها في أثناء الليل، فقد يحدث في ~~إحدى الليالي أن يصيب الهياج أحدها نتيجة شيء ما فيدفع الآخرين ~~إلى النباح، في نوبات غير منتظمة من الدعوة والاستجابة، وقد يستمر ~~ذلك ساعات متصلة حتى تهدأ الكلاب، كلبا كلبا، وتخلد إلى الصمت، ~~ولكن هذه الليلة كانت مختلفة؛ إذ كان أصحاب هذه الكلاب قد خلفوها ~~وراءهم، والآن تدرك الكلاب ذلك. كانت صيحات الكلاب تنم عن حيرة وعن ~~غضب، وكانت تمزق الليل إربا إربا! # الأربعاء 31 من أغسطس # واستيقظ زيتون مع الشمس وزحف خارجا من خيمته، كان النهار مشرق ~~الضياء، وحيثما نظر وفي أي اتجاه كان الماء يغمر المدينة، وعلى ~~الرغم من أن كل ساكن في نيو أورليانز قد رسم في خياله صورة الطوفان ~~العظيم، وكان يعرف أن مثل ذلك يمكن أن يقع في مدينة تحيط بها ~~المياه وسدود سيئة التصميم، فإن ذلك المشهد في ضوء النهار كان ~~يتجاوز أي ms084 شيء تخيله من قبل. لم يكن يستطيع أن يفكر إلا في يوم ~~الحساب، وفي النبي نوح، وأيام المطر الأربعين. ومع ذلك فقد كان ~~الصمت العميق والسكون الكامل في كل مكان. لم يكن شيء يتحرك قط. جلس ~~على السقف وجعل يفحص الأفق؛ عله يشهد حركة من أي شخص، أو أي حيوان ~~أو آلة. لا شيء. # وبينما كان يصلي الصبح، قطع الصمت صوت طائرة عمودية تنطلق فوق ~~قمم الأشجار متجهة نحو وسط المدينة. # وألقى زيتون نظرة من السقف على الماء فوجده في المستوى الذي كان ~~عليه في الليلة السابقة، وأحس ببعض الراحة حين أدرك أنه يحتمل أن ~~يظل المستوى ثابتا بل أن ينخفض بمقدار قدم كاملة حين يصل إلى ~~التوازن مع مستوى بحيرة بونشارتران. # وجلس زيتون خارج خيمته فتناول طعام الإفطار من بعض ما أنقذه من ~~مخزون المطبخ، وكان يعرف - وإن لم تعد المياه الآن إلى الارتفاع - ~~أنه لم يكن يستطيع أن يفعل شيئا في المنزل، لقد أنقذ ما استطاع ~~إنقاذه، ولم يكن أمامه ما يمكن أن يفعله هنا حتى تنحسر ~~المياه. # وبعد الإفطار أحس بالقلق، أو بأنه قد وقع في فخ، كانت المياه ~~أعمق أن يخوضها على قدميه، وما تخفيه مريب يحول دون السباحة فيها، ~~ولكنه كان يملك قاربا، وتطلع فرآه طافيا فوق ماء الفناء، مربوطا ~~بالمنزل، وأحس زيتون بما يشبه الإلهام وسط الخراب الذي حل ~~بالمدينة، أثناء وقوفه على سقف منزله الغارق، وتخيل نفسه وهو يطفو ~~وحده على وجه الماء خلال شوارع مدينته. كانت هذه، من زاوية معينة، ~~تمثل عالما جديدا، لم تطأه قدم. يمكن أن يغدو مكتشفا، وأن يشاهد ~~بعض الأمور للمرة الأولى. # فهبط نازلا على جانب المنزل، وركب القارب وفك الحبل ~~وانطلق. # جعل يجدف في شارع «دارت»، في مياه صافية ذات سطح مستو، ومن ~~الغريب أن يشعر، من فوره تقريبا، بالطمأنينة، كان الضرر الذي لحق ~~بالحي شديدا، ولكن كانت في قلبه سكينة عجيبة. لقد ضاع الكثير ~~حقا، ولكن السكون الذي ساد المدينة كان ذا قوة تشبه التنويم ~~المغناطيسي. ms085 # وأبحر بالقارب بعيدا عن منزله، فمر بعجلات وسيارات ذات هوائيات ~~للراديو تلمس قاع قاربه، وكانت جميع المركبات، قديمها وجديدها، قد ~~اختفت ومن المحال إنقاذها، وكانت الأرقام تملأ رأسه؛ مائة ألف ~~سيارة فقدت في الطوفان! وربما عدد أكبر. ما الذي سيحدث لها؟ من ذا ~~الذي يقبلها بعد انحسار المياه؟ وفي أي حفرة يمكن دفنها ~~كلها؟ # كان كل من يعرفهم تقريبا قد خرجوا لقضاء يوم أو يومين خارج ~~المدينة، مر على منازلهم، وكان قد تولى طلاء عدد كبير منها بل ~~ساعد على بنائها أيضا، وأخذ يحسب مقدار ما فقد داخلها، وأحس بغصة ~~حين تذكر الألم الذي سوف ينجم عن ذلك الفقدان. كان يعرف أنه لم يكن ~~أحد قد استعد بما فيه الكفاية لهذا، أو لم يكن قد استعد على ~~الإطلاق. # ثم خطر بباله مصير الحيوانات، السناجب والفئران والجرذان ~~والضفادع والسحالي والأبوسوم، لقد ذهبت جميعا. غرقت ملايين ~~الحيوانات. لن ينجو من هذه الطامة الكبرى إلا الطيور؛ الطيور وبعض ~~الثعابين، وأي حيوان يمكنه الاعتصام بأرض مرتفعة قبل ارتفاع الماء، ~~وبحثت عيناه عن الأسماك، فإذا كان يطفو فوق ماء متصل بمياه البحيرة ~~فلا بد أن الأسماك قد سبحت ودخلت المدينة. وكأنما سمعت الأسماك ~~ذكرها، إذا به يشاهد في هذه اللحظة شبح سمكة تقفز في الماء بين ~~أغصان الأشجار المغمورة في الماء. ~~••• # وتذكر الكلاب، فوضع مجدافه على ركبتيه، وترك القارب يطفو دون ~~صوت، محاولا تحديد مصدر النباح الذي سمعه في الظلام. # لكنه لم يسمع شيئا. # وتضاربت في نفسه صور ما يشهد؛ إذ لاحت لعينه لوحة انكسر فيها ~~الضوء، حتى ظهرت أنصاف المنازل والأشجار منعكسة في هذه المرآة التي ~~تشكلت على سطح هذا الماء الذي ساده هدوء غريب، وأيقظت جدة هذا ~~العالم القشيب نزعة المغامرة في نفسه، فشعر بأنه يريد أن يرى كل ~~شيء، بل المدينة كلها، وما أصبحت عليه، ولكن حرفة رجل المعمار ~~داخله جعلته يفكر في الأضرار، وفي الزمن الذي سوف يستغرقه إصلاحها. ~~سنوات، وربما عقد كامل. وتساءل إن كان العالم كله قد شاهد ما ms086 ~~يشاهد، كارثة ذات أبعاد أسطورية من حيث الحجم والشدة. # كان الحي الذي يقيم فيه يبعد أميالا طويلة عن أقرب سد من ~~السدود، وكانت المياه ترتفع ببطء جعله يدرك أنه من غير المحتمل أن ~~يؤدي الطوفان إلى وفاة أحد. ولكنه ارتعد حين خطر له ما يكون من أمر ~~المقيمين قريبا من مواقع انفجار تلك السدود. لم يكن يعرف مواقع ~~تلك الانفجارات، لكنه كان واثقا بأن الماء الدافق سرعان ما يجرف ~~المقيمين بجوارها. # وحول اتجاهه إلى شارع فانسين ومضى جنوبا، وسمع من يناديه ~~باسمه، فرفع بصره وشاهد أحد عملائه، ويدعى فرانك نولاند، وكان ~~رجلا قوي البنية محافظا على لياقته وفي الستين من عمره. كان يطل ~~منحنيا من نافذة بالطابق الثاني، كان زيتون قد قام بأعمال طلبها ~~في منزله منذ بضع سنوات. وكان زيتون وكاثي أحيانا ما يشاهدان ~~فرانك وزوجته في الحي، وكانوا دائما ما يتبادلون التحية. # ولوح زيتون بيده واتجه بالقارب إلى منزل فرانك. # وسأله فرانك وهو يطل من عل: «هل معك سجائر؟» # وهز زيتون رأسه نفيا، وزاد اقترابا من النافذة التي ظهر فيها ~~فرانك. كان يخامره إحساس غريب وهو يجدف فوق فناء منزل الرجل، وكان ~~الحاجز المعتاد الذي يرشد راكب السيارة إلى طريق الدخول للمنزل قد ~~زال. وهكذا استطاع أن ينزلق مباشرة من الشارع مخترقا الفناء ~~بزاوية حادة فيصل بالقرب من إحدى نوافذ الطابق الثاني، لا تفصله ~~عنها سوى أقدام معدودة. كان زيتون يحاول أن يعتاد التضاريس الجديدة ~~لهذا العالم. # لم يكن فرانك يرتدي قميصا، مكتفيا بسروال التنس القصير، وكانت ~~زوجته واقفة خلفه، وكانت لديهما ضيفة في المنزل، امرأة أخرى من ~~عمريهما ذاتهما، وكانت كلتاهما ترتدي تي شيرت وسراويل قصيرة ~~وتعانيان من الحرارة، كان النهار ما زال في أوله، ولكن الرطوبة ~~كانت قد وصلت إلى حد خانق. # وسأل فرانك: «هل يمكن أن تأخذني إلى مكان أشتري منه ~~سجائر؟» # وأخبره زيتون أنه لا يظن أن أي محال قد فتحت أبوابها وتبيع ~~السجائر هذا اليوم. # وتأوه فرانك، ثم أشار إلى مدخل المنزل المجاور ms087 قائلا: «هل ترى ~~ما حدث لدراجتي النارية؟» # وتذكر زيتون حديث فرانك عن دراجته النارية، كانت تعد تحفة ~~عريقة اشتراها وأصلحها وأغدق عليها رعايته. وأصبحت الآن غارقة في ~~مياه عمقها ست أقدام. وعندما ارتفع سطح الماء في اليوم السابق، ~~رفعها فرانك من مدخل منزله إلى شرفة المدخل ثم إلى شرفة مدخل ~~المنزل المجاور الذي كان أكثر ارتفاعا، ولكنها انتهت الآن، كانا ~~يستطيعان إلى الآن مشاهدة شبح مطموس غير واضح المعالم يشبه ~~الدراجة النارية كأنما يشاهدان أثرا من آثار حضارة من العصور ~~الغابرة. # وتحدث الرجلان عدة دقائق عن العاصفة، والطوفان، وكيف كان ~~فرانك يتوقعها، ثم لم يعد يتوقعها على الإطلاق. # وسأل فرانك: «هل يمكنك توصيلي إلى شاحنتي حتى أطمئن عليها؟» ~~ووافق زيتون، لكنه أخبر فرانك أن عليه أن يظل معه فترة أطول؛ إذ ~~كان زيتون يعتزم زيارة أحد عقاراته المؤجرة في موقع على بعد ميلين ~~تقريبا. # ووافق فرانك على مرافقته في هذه الرحلة، فهبط من النافذة وجلس في ~~القارب، وأعطاه زيتون المجداف الآخر وانطلقا. # قال فرانك: «شاحنة جديدة ~~تماما.» كان قد أوقفها في «فونتانبلو»، ظانا أن الشاحنة سوف ~~تنجو لأن سطح الطريق أعلى بنحو قدم منه في «فانسين»، وشقا ~~طريقهما فعبرا ستة مربعات سكنية إلى حيث أوقف فرانك الشاحنة، ~~وعندها سمع زيتون شهقة فرانك اللاهثة، كانت الشاحنة تغمرها المياه ~~على عمق خمس أقدام، وانتقلت من مكانها مسافة نصف مربع سكني، وكما ~~كان شأن دراجته النارية، كانت الشاحنة قد انتهت وغدت أثرا بعد ~~عين. # وسأل زيتون: «هل تريد أن تأخذ شيئا منها؟» # وهز فرانك رأسه، وقال: «لا أريد أن أراها. فلنذهب.» # وواصلا التقدم، وسرعان ما شاهدا رجلا أكبر سنا، وكان طبيبا ~~يعرفه زيتون، في شرفة الطابق الثاني بمنزل أبيض، وجدفا حتى دخلا ~~الفناء، وسألا الطبيب إن كان يحتاج إلى مساعدة، وأجاب الطبيب: «لا، ~~إني أنتظر وصول البعض.» وأضاف قائلا إن مدبرة المنزل معه، وإن ~~أحوالهما مستقرة في الوقت الراهن. # وبعد بضعة منازل صادف زيتون وفرانك منزلا ترفرف فيه قطعة قماش ~~بيضاء من نافذة ms088 بالطابق الثاني. وعندما زاد اقترابهما شاهدا شخصين، ~~زوجا وزوجته في السبعينيات من عمريهما، يطلان من النافذة. # وسألهما فرانك: «هل تستسلمان؟» # وابتسم الرجل. # وسألهما زيتون: «هل تريدان الخروج؟» # وقال الرجل: «نعم، نريد ذلك .» # لم يكن زيتون وفرانك يستطيعان السماح بركوب أي شخص آخر في ~~القارب، فوعدا الرجل بأن يرسلا أحدا إلى المنزل بمجرد أن يجدا ~~العون في «كليبورن». كانا يتصوران وجود بعض الحركة في ذلك المكان، ~~وأنه إذا كان من الممكن أن توجد الشرطة أو الجيش في أي مكان قريب، ~~فلا بد أن يكون ذلك في كليبورن، الشارع الرئيس القريب. # وقال زيتون: «سنعود بسرعة.» # وأثناء ابتعادهما عن منزل الزوجين سمعا صوتا أنثويا خافتا. ~~كان صوتا أقرب إلى الأنين، ضعيفا مرتعدا. # وسأل زيتون: «هل تسمع ذلك؟» # وأومأ فرانك، ثم قال: «إنه قادم من هذا الاتجاه.» # وظلا يجدفان في اتجاه الصوت فسمعاه من جديد: «النجدة!» # كان مصدر الصوت منزلا من طابق واحد في شارع «ناشفيل». # واتجها إلى الباب الأمامي، وسمعا الصوت من جديد: ~~«ساعدوني!» # وترك زيتون المجداف وقفز في الماء. حبس أنفاسه وسبح حتى وصل إلى ~~المدخل. كان الدرج أقرب مما كان يتصور، واصطدمت ركبته بالجدار ~~الحجري فتأوه ألما، وعندما وقف على قدميه كان ارتفاع الماء يصل ~~إلى رقبته. # وسأله فرانك: «أنت بخير؟» # وأومأ زيتون وصعد الدرج. # وسمع الصوت يقول وقد شاع فيه الأمل: «مرحبا!» # حاول أن يفتح الباب الأمامي ولكنه لم ينفتح، وركله زيتون فلم ~~يتحرك، فركله من جديد. لم يتحرك. كان ارتفاع الماء يصل الآن إلى ~~صدره، فاندفع بجسمه كله ضاربا الباب، وكرر ذلك مرة أخرى، وأخرى، ~~وأخيرا انفتح. ~~••• # وفي داخل المنزل وجد عجوزا تحوم حوله، كانت في السبعينيات من ~~عمرها وذات جسم ضخم، ويزيد وزنها على 90 كيلوجراما. كان ثوبها ~~المزركش منشورا على صفحة الماء مثل زهرة ضخمة طافية، ورجلاها ~~تتدليان تحتها. كانت تتعلق برف كتب خشبي. # وقالت: «ساعدني.» # وتحدث زيتون برقة إلى المرأة، مؤكدا لها أنها سوف تلقى الرعاية. ~~كان يعرف أنها ظلت على الأرجح في ذلك المكان ممسكة ms089 بالأثاث أربعا ~~وعشرين ساعة أو أكثر. لم تكن أمام عجوز كهذه أدنى فرصة للسباحة حتى ~~تصل إلى بر الأمان، ناهيك بالقوة اللازمة لإحداث خرق في السقف. ~~وحمد الله على أن المياه كانت دافئة ، وإلا ما كتبت لها ~~النجاة. # وجرها زيتون إلى الباب الأمامي ولمح فرانك في القارب، كان ~~مذهولا لا يصدق ما تشاهده عيناه. # لم يكن أحد يدري الخطوة التالية، كان من العسير أن تركب امرأة ~~بهذا الحجم ذلك القارب الصغير في الظروف العادية، كما أن رفعها ~~لإدخالها القارب يتطلب أكثر من رجلين، وحتى لو نجحا في إدخالها ~~القارب فلن يستطيعا قطعا أن يدخلا معها. لا بد أن ينقلب القارب ~~دون أدنى شك. # وتبادل زيتون وفرانك حديثا هامسا مسرعا، واتفقا على أنه ليس ~~أمامهما سوى أن يتركاها وأن يأتيا بالغوث لها، وقررا أن يمضيا ~~مسرعين إلى كليبورن، فهو شارع فسيح كانا واثقين بأنه سوف يستخدم ~~لسفن الإنقاذ، وهناك يستدعيان إحداها، وذكرا ما فكرا فيه للمرأة، ~~كان يشقيها أن تترك وحدها مرة أخرى ولكنه كان الخيار ~~الوحيد. # ووصلا إلى كليبورن بعد بضع دقائق وشاهدا فورا ما كانا يطلبانه، ~~ألا وهو سفينة مروحية. لم يكن زيتون قد شاهد إحداها شخصيا، ولكنه ~~كان يعرفها من السينما، وكانت تلك من النوع العسكري، عالية الصوت، ~~تدفعها مروحة عظيمة مثبتة عموديا في مؤخرتها، وكانت تتجه مباشرة ~~نحوهما. # وقال زيتون في نفسه إنه سعيد الحظ بالعثور على الغوث بهذه ~~السرعة، وأفعم قلبه شعور يشبه الفخر؛ إذ أدرك أنه وعد بالمساعدة ~~ويستطيع تقديمها الآن. # ووضع زيتون وفرانك قاربهما في طريق السفينة مباشرة ولوحا ~~بذراعيهما، وجاءت السفينة المروحية مباشرة إليهما، وعندما اقتربت ~~استطاع زيتون أن يشاهد أربعة ضباط أو خمسة يرتدون الزي الرسمي ~~فيها، وإن لم يتأكد إن كانوا من الشرطة أو الجيش، ولكنه كان بالغ ~~السعادة لمرآهم. ولوح زيتون، ولوح فرانك، وكل منهما يصيح: «قفوا!» ~~و«النجدة!» # ولكن السفينة المروحية لم تقف، بل انحرفت حول قارب زيتون وفرانك، ~~ولم تبطئ، ثم واصلت مسارها نحو كليبورن، ولم يلتفت إليهما ~~رجالها. ms090 # كانت الموجة التي خلفتها ~~السفينة المروحية عالية كادت تقلب قاربهما، فظل زيتون وفرانك ~~ثابتين في جلستهما قابضين على جانبي القارب حتى هدأت الموجة. ولم ~~يكادا يتبادلان نظرات التعبير عن تكذيب ما شاهداه ، حتى مرت بهما ~~سفينة أخرى، كانت هذه أيضا سفينة مروحية، وبها أربعة ضباط في ~~الجيش، وعاد زيتون وفرانك إلى التلويح وطلب العون، ومرة أخرى ~~انحرفت السفينة المروحية حولهما وواصلت مسيرها دون كلمة ~~واحدة. # وتكرر حدوث ذلك في الدقائق العشرين التالية. مرت عشرات من هذه ~~المراكب، وفي كل منها ضباط في الجيش أو الشرطة، وتجاهلت قاربهما، ~~ونداءاتهما طلبا للعون. إلى أين كانت تلك السفن ذاهبة؟! وما الذي ~~كانت تبحث عنه، إن لم يكن سكان المدينة الذين يطلبون المساعدة؟ كان ~~أمرا يستعصي على التصديق. # وأخيرا اقتربت سفينة من نوع مختلف. كانت سفينة صيد صغيرة، فيها ~~رجلان، وعلى الرغم مما كان زيتون وفرانك يعانيانه من تثبيط الهمة ~~والتشكك في إمكان توقف أحد عاودا المحاولة. وقفا في القارب ولوحا ~~وصرخا. ووقف هذا القارب. # وقال فرانك: «نريد مساعدة!» # وقال الشابان في السفينة: «لا بأس. فلنذهب!» # وألقى الشابان حبلا إلى زيتون ربطه بالقارب، وأدارا محرك ~~سفينتهما بحيث تجر خلفها قارب زيتون وفرانك إلى منزل المرأة، وما ~~إن اقترب الجميع حتى أوقف الشابان المحرك ووجها السفينة إلى مدخل ~~المنزل. # ووثب زيتون في الماء مرة أخرى وسبح إلى الباب، وكانت المرأة لا ~~تزال حيث تركاها تماما، في بهو منزلها، تطفو على سطح الماء بالقرب ~~من السقف. # كل ما كان عليهم الآن هو إيجاد طريقة لنقلها إلى سفينة الصيد، لم ~~تكن تستطيع أن ترفع نفسها لركوب السفينة؛ كان ذلك محالا. ولم يكن ~~في طوقها أن تهبط في الماء حتى يحملها وحده؛ فالماء بالغ العمق ولم ~~تكن تستطيع السباحة. # وسألها أحد الشابين: «ألديك سلم خشبي يا سيدتي؟» # وكان لديها سلم، وأرشدتهم إلى الجراج المنفصل في آخر الممر، ~~فوثب زيتون في الماء وسبح حتى وصل إلى الجراج وأحضر ~~السلم. # وعندما عاد به وضعه على الأرضية مستندا إلى السفينة. كانت ms091 الخطة ~~تقضي بأن تترك المرأة الرف الخشبي الذي تتعلق به وتمسك بالسلم، ~~وتضع قدميها عليه، ثم تصعد درجاته إلى السفينة وتدخلها. # وأمسك زيتون بالسلم، بينما عمل الشابان على تثبيته في مكانه ~~مستندا إلى السفينة استعدادا لصعودها عليه. كانت تبدو خطة ~~حاذقة. # ولكن المرأة لم تستطع أن تصعد السلم. قالت إن لها ساقا ~~موجوعة لا تستطيع الضغط عليها. كان ذلك يتطلب درجة من الرشاقة، ~~وكانت في الثمانين من عمرها، منهكة بسبب الحرمان من النوم أربعا ~~وعشرين ساعة أثناء طفوها بالقرب من السقف، لا يشغل بالها إلا ~~احتمال غرقها في منزلها نفسه. # وقالت: «آسفة.» # وقر رأي الجميع على أنه لم يعد أمامهم سوى خيار أوحد، أي أن ~~يستخدموا السلم كنقالة متحركة، وذلك بأن يجعلوا أحد طرفيه ~~يستند إلى السفينة، ثم يقف أحد الشابين في مدخل المنزل ممسكا ~~بالطرف الآخر، وعليهم بعد ذلك أن يرفعوه إلى المستوى الذي يجعله ~~يرتكن إلى حافة السفينة ثم يدخلوه فيها إلى المسافة التي تتيح ~~للمرأة أن تركبه فيدحرجوها إلى داخلها. # وأدرك زيتون أنه لو وقف رجلان على جانبي السلم فلن يستطيعا ~~وحدهما رفع امرأة يزيد وزنها على 90 كيلوجراما، وكان واثقا بأن ~~عليه أن يدفعها من أسفل إلى أعلى. وهكذا فعندما اتخذ الرجلان ~~موقعيهما على جانبي السلم، ممسكين بطرفيه، وتجهزت المرأة ~~للصعود فوقه، أخذ زيتون نفسا عميقا وغطس في الماء، وكان يستطيع ~~تحت السطح أن يشاهد المرأة وهي تترك الرف الخشبي وتتعلق بجانب ~~السلم. لم تكن حركتها رشيقة ولكنها تمكنت من الصعود فوقه ~~وركوبه كأنما كان طوفا من نوع ما. # وعندما استقر جسمها بثقله على السلم، وضع زيتون طرفيه على ~~كتفيه وجعل ساقيه في وضع مستقيم ودفعه إلى أعلى، كانت الحركة أشبه ~~بآلة تدريب الكتفين على الرفع التي جربها زيتون ذات يوم في صالة ~~الألعاب الرياضية، فعندما جعل ساقيه في وضع مستقيم ارتفع السلم فوق ~~سطح الماء حتى شاهد الضوء فوق السطح، ثم أحس بالهواء على وجهه ~~فاستطاع أخيرا الزفير. # وتدحرجت المرأة إلى حوض السفينة، لم يكن ms092 دخولها رشيقا ولكنها ~~تمكنت من الجلوس، ولم تكن قد أصيبت بأي أذى على الرغم من بللها ~~وأنفاسها اللاهثة. # وارتعد زيتون إشفاقا وهو يشهد تعافيها، لا يجوز لأحد أن يرقب ~~امرأة في سنها تعاني على هذا النحو، كان الموقف قد سلبها كرامتها، ~~وكان يتألم وهو يشهد ذلك بعيني رأسه. # وعاد زيتون إلى القارب، ومد فرانك يده إليه من سفينة الصيد ~~مصافحا ومبتسما وهز رأسه قائلا: «كان ذلك رائعا!» # وصافحه زيتون وابتسم. # وجلس الرجلان في صمت، ينتظران أن تقرر المرأة موعد الرحيل، كانا ~~يعرفان أنه كان أمرا في عداد المحال، أي أن ترى منزلها على هذه ~~الحال، وقد أصابته أضرار لا تحصى وخسائر فادحة، ونظرا إلى كبر ~~سنها، ونظرا إلى السنوات العديدة التي يستغرقها إصلاح المنزل، كان ~~من المحتمل ألا تعود إليه أبدا. صبرا لحظة. وأخيرا أومأت، فقاموا ~~بترتيب مسارهم، كان فرانك الآن في سفينة الصيد، وزيتون وحده في ~~القارب الذي جعلت السفينة تجره خلفها، كان يعاني البلل الشديد ~~والإرهاق. # تولى فرانك مهمة مرشد سفينة الصيد، فتوجه الجميع إلى الزوجين ~~اللذين كانا قد رفعا الراية البيضاء، وفي طريقهم إليهما سمعا صوت ~~استغاثة أخرى. # كانت صادرة من زوجين هرمين آخرين في السبعينيات يلوحان بأيديهما ~~من نافذة في الطابق الثاني بمنزلهما. # وسألهما فرانك: «مستعدان للرحيل؟» # وقال الرجل من النافذة: «نعم.» # وأحضر الصيادان الشابان مركبهما إلى النافذة، فبدأ الزوجان ~~اللذان كانا يتمتعان باللياقة البدنية والنشاط، في الهبوط إلى داخل ~~السفينة. # كان عدد الركاب قد أصبح الآن ستة، ومن ثم اتجهوا إلى منزل ~~صاحبي الراية البيضاء، وهبط الزوجان المقيمان فيه إلى سفينة الصيد، ~~فارتفع عدد الركاب إلى ثمانية، وكان الشابان قد شاهدا منصة طبية ~~أنشئت بصفة مؤقتة عند تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، واتفق ~~الجميع على توصيل الركاب إليها، كان الوقت قد حان لزيتون وفرانك ~~حتى يفترقا عن سفينة الصيد، فقاما بفك الحبل الذي يربط القارب بها ~~وودعاهم. # وقال أحد الشابين: «حظا حسنا في كل شيء.» # وقال زيتون: «ولكما أيضا.» # ولم يعرف أحد منهم أسماء سواه ms093 قط. ~~••• # في باتون روج كانت كاثي لا تزال تسير بالسيارة لقتل الوقت، وقد ~~امتلأت سيارتها بالأطفال، وابتغاء التسرية والابتعاد عن الأخبار ~~التي يذيعها الراديو - إذ كانت الأحوال تزداد سوءا كل ساعة - كانت ~~تتوقف بين الحين والآخر عند أي حوانيت أو مطاعم مفتوحة، كان صوت ~~زيتون يبدو بالغ الهدوء على التليفون في الليلة السابقة، قبل نفاد ~~بطارية تليفونه، ولكن الأحوال تطورت في المدينة منذ ذلك الحين؛ إذ ~~كانت تسمع أنباء عن أحداث عنف لا ضابط لها ولا رابط، عن انتشار ~~الفوضى، عن الآلاف في عداد الموتى. ما عسى زوجها المخبول أن يفعل ~~هناك؟ حاولت الاتصال به المرة بعد المرة، آملة أن يكون قد نجح ~~بطريقة ما في شحن بطارية تليفونه. حاولت الاتصال به على تليفون ~~المنزل، قائلة في نفسها: لعل المياه انخفضت بمعجزة إلى ما دون ~~مستوى جهاز التليفون، ولعل الأسلاك لم تتضرر. لم تجد شيئا؛ إذ ~~كانت خطوط الاتصال مقطوعة. # كان المذيعون يقولون في الراديو إن الحكومة قد أرسلت إلى المنطقة ~~مجموعة أخرى من رجال الحرس الوطني يبلغ عددها عشرة آلاف، وإن نحو ~~ثلث هذا العدد كان مكلفا بالحفاظ على النظام، وعرفت أنه سرعان ما ~~يبلغ عدد جنود الحرس الوطني في المنطقة واحدا وعشرين ألفا، ~~قادمين من شتى أرجاء البلد؛ من فرجينيا الغربية، وأوتاه، ونيو ~~مكسيكو، وميسوري. كيف يتسنى لزوجها أن يهدأ وكل فروع القوات ~~المسلحة تهرع إلى المدينة؟ # وأغلقت الراديو وحاولت الاتصال بزيتون مرة أخرى. لا شيء. كانت ~~تعرف أن أوان القلق لم يحن بعد، ولكن الأفكار السوداء كانت ~~تتزاحم في رأسها. إذا كانت صلتها قد انقطعت بزوجها الآن، فكيف تعرف ~~إن كان قد حل به مكروه؟ كيف تعرف إن كان حيا أو في خطر أو مات؟ ~~وقالت في نفسها إنها تشطح، فليس في خطر، ما دامت الرياح العاصفة قد ~~مضت، ولم يعد الآن سوى الماء. كما أن الجنود في طريقهم إلى ~~المدينة، لا يوجد ما يبرر القلق. # وعندما عادت إلى منزل أسرتها في باتون روج، وجدت أمها هناك، ms094 كانت ~~قد أتت لإحضار الثلج، فألقت التحية على الأطفال جميعا ثم نظرت إلى ~~كاثي. # وقالت: «لم لا تخلعين هذا الشيء وتنعمين بالاسترخاء؟» مشيرة إلى ~~حجاب كاثي. وأضافت: «ليس موجودا هنا، كوني نفسك!» # وكتمت كاثي في صدرها ما كانت تريد أن تقوله وهو كثير، وأفرغت ~~ضيقها وغضبها في إعداد حقائبها للرحيل، قررت أن تصحب الأطفال إلى ~~موتيل، أو إلى مأوى ما، أي شيء في أي مكان. ربما إلى أريزونا. لم ~~يحالفها التوفيق في باتون روج. وكان جهلها بمكان زيتون يزيد الأمر ~~سوءا. لماذا أصر هذا الرجل على البقاء؟ كان ذلك قاسيا، فعلا. ~~كان يريد الاطمئنان على سلامة أسرته، ولكنه حرم كاثي زوجته من هذه ~~اللفتة الكريمة! وقررت أنها حين تحادثه مرة أخرى فسوف تصر على ~~إخراجه من المدينة. لم يعد يعنيها سبب رغبته في البقاء. فلينس ~~المنزل والعقارات، لا يمكن أن يكون في الدنيا ما يستحق. # وفي نيو أورلينز، كان زيتون يشعر بنشاط جم، لم يحدث قط أن شعر من ~~قبل بمثل هذه العجلة ومثل هذا الوضوح للهدف، ففي أول يوم يقضيه في ~~مدينته التي يغمرها الطوفان، ساعد فعلا على إنقاذ خمسة من السكان ~~المسنين. كان واثقا الآن بأن بقاءه في المدينة كان له ما يبرره، ~~ويشعر بقوة لا يدري كنهها ترغمه على البقاء، وبأن وجوده كان ~~مطلوبا. # وكانت المحطة التالية لزيتون وفرانك عند العقار الذي يملكه ~~زيتون، رقم 5010 شارع كليبورن، وكان زيتون قد اشتراه مع كاثي منذ ~~خمس سنوات، وهو مبنى سكني من طابقين، وكان الناس يسكنونه بالإيجار، ~~ويقيم فيه من أربعة إلى ستة أشخاص في أي وقت من أوقات ~~السنة. # وعندما وصلا وجدا «تود جامبينو»، وهو أحد المستأجرين لدى زيتون، ~~في المدخل الأمامي، ممسكا في يده بزجاجة جعة. كان تود رجلا قوي ~~البنية في أواخر الثلاثينيات، وقد أقام في المبنى طوال الفترة التي ~~امتلكته فيها أسرة زيتون، كان يعمل ميكانيكيا في ورشة «سبيديل» ~~لتغيير زيت السيارة وضبط محركها معظم أيام الأسبوع، إلى جانب العمل ~~بعض الوقت بتسليم الحقائب ms095 المفقودة لأصحابها في المطار. كان ~~مستأجرا صالحا فلم يتأخر في إرسال الإيجار قط أو يسبب أي مشاكل ~~لأسرة زيتون يوما ما. # ونهض ناظرا نظرة من يكذب عينيه عندما شاهد زيتون ~~مقبلا. # قال: «ماذا تفعل هنا؟» # وقال زيتون مبتسما: «حقا؟ جئت للاطمئنان على المبنى.» كان ~~يعرف كم كانت العبارة مضحكة، وأضاف: «أردت الاطمئنان ~~عليكم.» # لم يستطع تود تصديق ما يسمع. # وخرج زيتون وفرانك من القارب وربطاه في مدخل المنزل، كان كلاهما ~~سعيدا بالوقوف على الأرض الصلبة من جديد. # وعرض تود عليهما الجعة فرفض زيتون وقبل فرانك ثم جلس الأخير على ~~درج المدخل، بينما انطلق زيتون إلى داخل المنزل. # كان تود يقيم في شقة بالطابق الأول، وكان قد نقل كل منقولاته إلى ~~الطابق الثاني، فالغرف الأمامية وبهو المنزل جميعا تغص بالأثاث، ~~بالكراسي والمكاتب المكومة فوق المناضد والأرائك، وشتى الأجهزة ~~الإلكترونية التي أنقذها من الطوفان تستقر الآن فوق منضدة غرفة ~~الطعام، كان المنظر يوحي بصالة بيع عشوائية. # كانت الأضرار التي أصابت المنزل شاسعة ولكنها لا تستعصي على ~~الإصلاح. كان زيتون واثقا بأنه قد خسر بدروم المنزل، وربما لن ~~يتمكن أحد من الإقامة فيه ردحا من الزمن، ولكن الطابقين الأول ~~والثاني لم يتعرضا لأضرار خطيرة، وهو ما أراح بال زيتون، كان ~~بالمنزل تراب كثير وطين ولطخ، وكان جانب كبير من ذلك يرجع إلى ~~قيام تود بنقل الأشياء من الطابق الأول والخروج والدخول من المنزل، ~~ولكن الأضرار لم تكن خطيرة. # وعلم زيتون من تود أنه لما كان صندوق التليفون الخاص بالمنزل في ~~مكان مرتفع يعلو على مستوى الماء، فإن الخط الأرضي لم يتعطل، فأسرع ~~من فوره بطلب كاثي على تليفونها الخلوي. # قال: «ألو! أنا هنا.» # وكادت تصرخ. لم تكن تدرك مبلغ قلقها الشديد. قالت: «الحمد لله» ~~بالعربية، وأضافت: «اخرج الآن إذن!» # وقال لها إنه لن يرحل، وحكى لها قصة العجوز ذات الرداء الطافي في ~~بهو منزلها، وكيف حمل السلم الخشبي حتى ينقذها، وقص عليها ~~قصة الصيادين وفرانك والأزواج المسنين. وكان يتكلم بسرعة كبيرة ~~جعلتها تضحك. ms096 # وسألته: «متى تعتزم الرحيل إذن؟» # وقال لها: «لا أعتزم ذلك.» # وحاول أن يشرح لها أنه إذا رحل فما عسى أن يفعل؟ سيقيم في منزل ~~مليء بالنساء، من دون عمل يشغله. بل سيقتصر على تناول الطعام ~~ومشاهدة التليفزيون والقلق بعيدا عن داره، أما هنا في المدينة ~~فسوف يبقى ويرصد التطورات. يستطيع أن يمد يد العون حيثما تدعو ~~الحاجة. وذكرها بأنهما يملكان نصف دستة عقارات لا بد من رعايتها. ~~قال لها إنه في أمان ولديه طعام، ويستطيع رعاية نفسه، ويحول دون ~~وقوع المزيد من الأضرار. # قال: «حقا! أريد أن أرى ذلك.» # كان يريد أن يرى ذلك، كل ما حدث وما سوف يحدث، بعيني رأسه. كان ~~يحب هذه المدينة ويعتقد في أعماق قلبه أنه يمكن أن يفيدها. # وسألته: «هل تحس إذن بالأمان؟» # وقال: «طبعا. هذا جميل!» # كانت كاثي تعرف أنها لن تستطيع إقناعه بتغيير رأيه، ولكن كيف ~~تشرح لأطفالها وهم يشاهدون صور المدينة الغارقة أن أباهم يقيم فيها ~~مختارا، مبحرا في أرجائها في قارب مستعمل؟ حاولت استخدام المنطق ~~معه، مشيرة إلى أن أنباء التليفزيون كانت تقول إن الأحوال لن تزداد ~~إلا سوءا، وإن المياه سرعان ما تصاب بشتي ضروب التلوث - كالزيت ~~والقمامة ورفات الحيوان - وإن ذلك سرعان ما ينشر الأمراض. # وعد زيتون بأن يكون حريصا، ووعدها بأن يعاود اتصاله ظهرا في ~~اليوم التالي، من المنزل في شارع كليبورن. # وقالت: «اتصل بي كل يوم ساعة الظهر.» # وقال إنه سوف يفعل. # فقالت: «بل لا بد أن تفعل.» # وقطعا المكالمة، وأدارت كاثي جهاز التليفزيون، كان في مقدمة نشرة ~~الأنباء أن المدينة يسودها خرق القانون وينتشر فيها الموت، وكانت ~~أجهزة الإعلام تجمع على أن نيو أورلينز قد تدهورت إلى مستوى دول ~~«العالم الثالث». وكان هذا التشبيه كثيرا ما يستخدم في وصف تدهور ~~الأحوال، عندما تكون المستشفيات مغلقة، وينقطع توافر المياه ~~النظيفة وغيرها من المرافق الأساسية. وفي حالات أخرى، كان التعبير ~~يستخدم عند عرض التليفزيون صور السكان الأمريكيين ذوي الأصول ~~الأفريقية وقد أضناهم الحر خارج مركز موريال للمؤتمرات، ms097 أو ~~الواقفين على أسطح المنازل يلوحون بأيديهم طلبا للغوث، وكانت ~~أنباء غير مؤكدة ترد عن وجود عصابات من المسلحين تتجول في المدينة، ~~وعن إطلاق النار على الطائرات المروحية التي تحاول إنقاذ المرضى من ~~فوق سطح أحد المستشفيات، وكان يشار إلى السكان باسم ~~اللاجئين. # كانت كاثي واثقة بأن زيتون لم يكن يدرك مستوى الخطر الذي تنقله ~~الأنباء، ربما يشعر بالأمان حيث يقيم في الضاحية السكانية، ولكن ~~ماذا عسى أن يحدث إذا كانت الفوضى قد انتشرت فعلا، وأنها كانت تشق ~~طريقها إليه وحسب؟ لم تكن تريد تصديق التغطية الإعلامية المبالغ ~~فيها والمشحونة بالتعصب العنصري، ولكن الأمور كانت ولا شك تتطور، ~~وكان معظم الذين بقوا في المدينة يحاولون باستماتة أن يرحلوا. لم ~~تعد تطيق تلك الحال، فطلبت المنزل في شارع كليبورن مرة أخرى، ولكن ~~لم يجب أحد. # كان زيتون قد انصرف، كان بصحبة فرانك في القارب يجدفان في طريق ~~منزل زيتون في شارع دارت. وفي طريق عودتهما للبيت، وأثناء مرور ~~بضع سفن مروحية بهما، خطر لزيتون أنهما سمعا الذين ساعداهم، خصوصا ~~العجوز الطافية داخل منزلها؛ لأنهما كانا يركبان قاربا، ولو كانا ~~في سفينة مروحية تحدث ضجيجا يصم الآذان، لما سمعا شيئا، كانا ~~سيمران بها دون أن يسمعاها، ومن المحتمل أن تعجز المرأة عن الصمود ~~ليلة أخرى، كان الفضل يرجع إلى طبيعة هذه المركبة الصغيرة الصامتة ~~نفسها، فلولا صمتها ما سمعا أشد الأصوات خفوتا. القارب إذن صالح ~~والصمت ذو أهمية جوهرية. # وأوصل زيتون رفيقه فرانك إلى منزله، ثم اتجه إلى طريق العودة، ~~وكان مجدافه يقبل المياه النظيفة، وكتفاه تعملان بإيقاع محكم، ~~كان زيتون قد قطع مسافة خمسة أميال أو ستة في ذلك اليوم، لكنه لم ~~يكن مرهقا. كان الليل يهبط، وكان يعرف أن عليه أن يعود إلى ~~المنزل، سالما فوق سقف المنزل، لكنه حزن لانتهاء النهار. # ربط القارب في المدخل الخلفي وتسلق داخلا المنزل. أحضر شواية ~~محمولة إلى السقف. وأوقد شعلة صغيرة ووضع على النار بعض صدور ~~الدجاج والخضراوات التي كانت مجمدة فأخرجها في ms098 الصباح حتى تكون ~~جاهزة للطهي، وأعد لنفسه الطعام، وأثناء تناوله هبط الليل، وسرعان ~~ما أمست السماء أظلم من أي ليلة عرفها في نيو أورلينز، كان الضوء ~~الوحيد ضوء طائرة مروحية تحلق فوق وسط المدينة ، وقد بدت ضئيلة لا ~~حول لها ولا قوة على البعد. # واستخدم زيتون الماء المعبأ في زجاجات في الوضوء وأدى الصلاة فوق ~~السطح، وزحف إلى داخل الخيمة موجع الجسد وإن كان ذهنه لا يزال ~~يقظا، فاسترجع أحداث اليوم. لقد اشترك مع فرانك حقا في إنقاذ ~~تلك المرأة، ألم يحدث ذلك؟ بل حدث. كانت تلك حقيقة. كما ساعدا ~~أربعة آخرين على الوصول إلى بر النجاة، ولا بد أن تكون أمامه مهام ~~أخرى غدا. كيف يستطيع أن يشرح لكاثي ولأخيه أحمد أنه يحمد الله ~~كثيرا على بقائه في المدينة؟ كان واثقا بأنه قد دعي للبقاء ~~وأن الله كان يعلم أنه سيخدم الآخرين إذا بقي. كان اختياره البقاء ~~في المدينة مشيئة ربانية. # كانت مشاعره فائرة إلى ~~الحد الذي أذهب النوم عن عينيه، فعاد من خلال النافذة إلى داخل ~~المنزل، وكان يريد أن يعثر على صورة محمد مرة أخرى. كان قد نسي من ~~كان معه في الصورة - هل كان أحمد؟ - وأراد أن يشاهد التعبير على ~~وجه محمد، تلك البسمة التي تأسر الدنيا. وعثر على صندوق الصور، ~~وأثناء بحثه عن تلك الصورة، وجد صورة أخرى. # كان قد نسي هذه الصورة. ها هو ذا، محمد مع نائب رئيس لبنان. لم ~~يكن زيتون قد رآها منذ بضع سنين. لم يكن محمد قد بلغ العشرين بعد، ~~وكان قد فاز ببطولة سباق سباحة يبدأ في صيدا وينتهي في بيروت، أي ~~لمسافة 26 ميلا. كان الجمهور مذهولا. كان قد ظهر من حيث لا يتوقع ~~أحد، محمد زيتون، ابن بحار من جزيرة أروض الصغيرة، وأذهل الجميع ~~بقوته وقدرته على التحمل. كان زيتون يعرف أن والده محمودا موجود ~~في مكان ما في هذه الصورة بين أفراد الجمهور. لم يكن يفوته سباق ~~قط، ولكن الأمر لم يكن كذلك دائما. # كان ms099 محمود يريد أن يعمل ابنه محمد، بل كل أبنائه، على اليابسة لا ~~في البحر، وهكذا قضى محمد سنوات مراهقته الأولى عاملا بحرف ~~مختلفة، مثل البناء والتدريب على أعمال الحدادة وأشغال الحديد. كان ~~فتى قوي البنية له صدر عريض وساقان قويتان، ولم يستمر في المدرسة ~~بعد عامه الرابع عشر. وفي الثامنة عشرة كان يبدو أكبر سنا بشارب ~~كث وفك مربع، وكان يجمع بين التفاني في العمل وسحر الشخصية، فكان ~~يحظى بإعجاب من هم أكبر منه وإعجاب الفتيات في البلدة. # ووافق والد محمد على مضض بأن يعمل ابنه ضمن طاقم سفن الصيد ~~المحلية في العصر والمساء. وكان وهو لا يزال في الرابعة عشرة، وبعد ~~يوم كامل من صيد السمك بعيدا عن الأرض بأميال، يصر على أن يقطع ~~المسافة كلها سباحة، فما إن يرفع الصيادون آخر شباكهم من الماء حتى ~~يسمعوا صوت «الطشة» في الماء، ويروا محمدا منطلقا يشق عباب ~~البحر مهرعا إلى الشاطئ. # ولم يكن محمد يخبر أباه بأمثال هذه المنجزات، وأخفى عنه بكل ~~تأكيد ما قرره بعد سنوات معدودة من أنه قد كتب له أن يكون أعظم ~~سباحي المسافات الطويلة في العالم. # كان ذلك عام 1958، وإزاء عدد من العوامل السياسية، من بينها ~~ازدياد النفوذ الأمريكي في المنطقة، أعلنت مصر وسوريا الوحدة ~~الاندماجية، فنشأت دولة جديدة هي الجمهورية العربية المتحدة. وكان ~~المعتزم أن تؤدي الوحدة إلى قيام كتلة أشد قوة، بحيث يمكن أن تنمو ~~لتضم الأردن والمملكة العربية السعودية وغيرهما. وكانت الوحدة ~~تتمتع بتأييد شعبي واسع النطاق، ورنات الفخار تتفجر في الشوارع ~~والنوافذ في سوريا ومصر؛ إذ كان مواطنو الدولتين يرون في الوحدة ~~خطوة نحو تحقيق تكاتف وتضافر أوسع نطاقا بين الدول العربية، ~~وانطلقت الاحتفالات والاستعراضات من الإسكندرية حتى ~~اللاذقية. # وكان من بين مظاهر الاحتفال إجراء سباق بين جبلة واللاذقية، ~~يشارك فيه سباحون من شتى أرجاء الوطن العربي؛ لقطع مسافة ثلاثين ~~كيلومترا على طول ساحل البحر المتوسط. كان ذلك أول سباق يجري من ~~نوعه على الساحل السوري، وتابع محمد الذي كان في ms100 الثامنة عشرة كل ~~خطوة فيه، من الإعداد له حتى السباق نفسه. كان يراقب السباحين ~~أثناء التمرين، ويدرس ضرباتهم ونظامهم، مشتاقا إلى المشاركة في ~~ذلك بنفسه، وتمكن من الحصول على عمل في طاقم قارب الإرشاد لأحد ~~السباحين المتسابقين، واسمه منير ديب، وتمكن من مصاحبته بالسرعة ~~نفسها على طول مسافة السباق. # وفي أثناء الطريق، لم يستطع محمد الصبر فقفز وجعل يسبح بجوار ديب ~~وغيره من المتسابقين، ولم يقتصر محمد على مجاراة المحترفين، بل بهر ~~أحد حكام السباق الذي قال: «هذا الولد ممتاز، وسوف يصبح بطلا!» ~~ومنذ ذلك اليوم ومحمد لا يكاد يفكر إلا في تحقيق هذه ~~النبوءة. # لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة لكنه كان يعمل صباحا بحرفتي ~~البناء وأشغال الحديد، وعصرا بصيد السمك، وليلا بدأ يتدرب ~~استعدادا لسباق العام التالي، وأبقى تدريبه سرا لم يخبر والده ~~به، حتى عندما خاض اختبارين لسباحة المسافات الطويلة، أحدهما بين ~~اللاذقية وجبلة، والآخر بين جبلة وبانياس. ولكن محمودا ما لبث أن ~~عرف بطموحات ابنه، ولما كان يخشى أن يفقد ابنه في البحر الذي لا ~~يرحم، والذي كاد يسلبه روحه يوما ما، منع ابنه من سباحة المسافات ~~الطويلة، كان يريده أن يترك الصيد، ويبتعد عن البحر. كان يريد ~~لولده أن يعيش. # ولكن محمدا لم يستطع التوقف، وعلى صعوبة عصيان والده، واصل ~~التدريب، ودون أن يخبر أحدا من أفراد الأسرة دخل محمد سباق العام ~~التالي. وعندما خرج من الماء في اللاذقية، كان التهليل يصم الآذان. ~~كان قد فاز بلا عناء. # وقبل أن يتمكن محمد من العودة إلى بلده، قام أحد أصدقاء محمود ~~القدامى، وكان أيضا من أبطال السباحة، بزيارة منزل زيتون وتهنئة ~~محمود بفوز ولده. وهكذا عرف محمود أن محمد زيتون كان أفضل سباح في ~~سوريا. # وعندما وصل محمد عائدا إلى منزله في تلك الليلة، كان محمود قد ~~كف عن المقاومة. قال في نفسه إذا كان ابنه يريد هذا، وإن كان قدر ~~ابنه أن يصير سباحا - إذا كان الله قد خلقه سباحا - فلن يقف هو ~~في طريقه. ms101 وهكذا اشترى لابنه تذكرة في الأوتوبيس إلى دمشق حتى ~~يتدرب ويتنافس مع أفضل سباحي المنطقة. # ووجد زيتون صورة أخرى. كانت صورة أول انتصار كبير يحرزه محمد في ~~السنة نفسها، أي في عام 1959، وكان ذلك في سباق لبناني. كان ~~المضمار مزدحما وحافلا بأسماء شهيرة، ولم يفز محمد بالمركز الأول ~~فقط بل حقق زمنا قياسيا فيه؛ تسع ساعات وخمسا وخمسين دقيقة. ~~كان زيتون شبه واثق بأن هذه الصورة التقطت أثناء الاحتفالات في ~~أعقاب الفوز؛ إذ حضر الآلاف لتحية أخيه. # كم كان عمر زيتون آنذاك؟ أجرى حساباته في ذهنه. إنه عام واحد. ~~ربما لم تكن سنه تزيد على عام واحد. لم يكن يذكر شيئا عن تلك ~~الانتصارات الأولى. # وفي العام التالي دخل محمد السباق الشهير بين كابري ونابولي، وهو ~~السباق الذي اجتذب أفضل سباحي العالم. كانت التوقعات ترجح كفة ~~ألفريدو كاماريرو، وهو أرجنتيني كان قد فاز بالمركز الأول أو ~~الثاني خمس سنوات متتالية، وكان محمد مجهولا عندما بدأ السباق في ~~السادسة صباحا، وعندما اقترب من الشاطئ بعد ثماني ساعات لم يجل ~~بخاطره أنه الفائز، ولم يدرك أنه قد فاز إلا عندما خرج من البحر ~~وسمع صرخات الدهشة وترديد اسمه في الهتاف. كانوا يرددون: «زيتون ~~العربي فاز!» لم يكن أحد قادرا على تصديق ذلك. سوري يفوز بأعظم ~~سباق لسباحة المسافات الطويلة في العالم؟! وقال كاماريرو للجميع إن ~~محمدا أقوى سباح شاهده في حياته. # وأهدى محمد الفوز إلى الرئيس عبد الناصر، وردا على ذلك أضفى ~~عبد الناصر رتبة الملازم الفخرية في البحرية على محمد الذي كان في ~~العشرين من عمره. وكان أمير ~~الكويت قد شهد السباق واحتفل بمحمد في عشاء أقيم على شرفه في ~~نابولي. وفي العام التالي فاز محمد مرة أخرى بسباق كابري-نابولي، ~~وفي هذه المرة حطم الرقم القياسي الذي كان كاماريرو قد حققه بمدة ~~خمس عشرة دقيقة. كان قد أصبح آنذاك أشهر سباح للمحيطات في ~~العالم. # كان عبد الرحمن في طفولته مبهورا، وفخورا فخرا لا حدود له؛ إذ ~~نشأ وترعرع في منزل كهذا، ms102 وله مثل هذا الأخ، مزهوا في كل يوم ~~بالمجد الذي اكتسبه أخوه للأسرة، كان اعتزاز أشقاء محمد به يوقد ~~مشاعرهم عندما يستيقظون في صباح كل يوم، ويحدد أساليب سيرهم ~~وكلامهم ورؤية الناس لهم في جبلة وأروض وفي كل مكان آخر في ~~سوريا. لقد أدى ذلك إلى تغيير نظرتهم إلى العالم إلى الأبد. كانت ~~منجزات محمد توحي - بل تثبت في الواقع - أن أسرة زيتون أسرة فذة. ~~وقد فرض ذلك على كل طفل، منذ تلك اللحظة، أن يثبت جدارته بتلك ~~التركة. # لقد مضت إحدى وأربعون سنة على وفاة محمد. كان بزوغ نجمه ووفاته ~~المبكرة بصورة لا تكاد تصدق قد حددا مسار أسرة زيتون بصفة عامة ~~ومسار حياة عبد الرحمن بصفة خاصة، ولكنه لم يكن يحب أن يطيل تأمل ~~ما حدث. اللحظات التي يحس فيها الظلم كان يقول إن أخاه قد سرق ~~منه، وإن الظلم المتمثل في انتزاع مثل هذا الرجل الجميل من الدنيا ~~يثير الشكوك في أشياء كثيرة. ولكنه كان يدرك الخطأ الكامن في هذا ~~التفكير، ولم يكن ذلك مثمرا على أي حال. كل ما كان يستطيعه أن ~~يشرف ذكرى أخيه، بأن يكون قويا وشجاعا وصادقا، وأن يتحمل ~~ويصبر. وليكن صالحا مثل محمد. # واستقر زيتون في الخيمة ونام نوما متقطعا. وعلى امتداد الحي ~~كله كانت الكلاب قد أذهب الجوع صوابها، كان نباحها وحشيا طليقا ~~متصاعدا. # الخميس أول سبتمبر # في السادسة صباحا كانت كاثي قد انتهت من وضع الأمتعة في سيارتها ~~الأوديسية، وربطت أحزمة الأمان حول أطفالها فيها. كانت أختاها لا ~~تزالان نائمتين عندما بدأت هي والأطفال السير بالسيارة، مغادرين ~~باتون روج. كانت المسافة إلى مدينة فينكس تبلغ ألف ميل ~~وخمسمائة. # وسألت نديمة: «هل نترك كلبتنا ميكاي حقا؟» # لم تكن كاثي نفسها تصدق ذلك، ولكن ما كان بيدها أن تفعل سوى ذلك؟ ~~إذ طلبت كاثي من أختها باتي أن تسمح لها بترك الكلبة لديها ~~أسبوعا، وأعطت بعض علب طعام الكلاب المحفوظ والنقود إلى أحد ~~المراهقين من أبناء باتي حتى يرعى ميكاي المسكينة. كان ms103 ذلك أفضل من ~~وضعها في مأوى للكلاب، وأفضل كثيرا من حملها في الشاحنة كل هذه ~~المسافة إلى فينيكس والعودة بها. لم تكن أعصاب كاثي تتحمل ذلك ~~وتكفيها صعوبة الرحلة مع أربعة أطفال صغار. # كانوا يشرعون في قطع مسافة تستغرق ثلاثة أيام على الأقل ~~بالسيارة، والأرجح أن تستغرق أربعة أو خمسة. ما الذي كانت تفعله؟ ~~كان من قبيل الجنون قيادة السيارة أربعة أيام وقد امتلأت بالأطفال، ~~واتخاذها ذلك القرار في غيبة زوجها! لم يحدث أن مرت بهذا الموقف ~~منذ زمن بعيد، ولكن لم يكن لديها خيار آخر. لم تكن تستطيع البقاء ~~في باتون روج طيلة المدة التي قد تمتد لأسابيع يعلم الله عددها قبل ~~أن تصبح نيو أورلينز صالحة للسكنى من جديد. لم تكن حتى بدأت في ~~التفكير في المدرسة، أو في الملابس؛ إذ لم تصحب معها سوى ما يكفي ~~يومين، أو فيما عساهم أن يفعلوا لكسب المال والعمل متوقف. # وأثناء اتجاهها غربا في الطريق رقم أ-10 شعرت ببعض الراحة إذ ~~أدركت أنها تستطيع، على الأقل، أن تجد الوقت الكافي للتفكير أثناء ~~انطلاقها في ذلك الطريق الفسيح. # وعندما خرجت من المدينة إلى الطريق الرئيس أدارت رقم تليفون منزل ~~شارع كليبورن. لم يكن الموعد الذي اتفقت مع زيتون عليه قد حان، بل ~~كان أمامه ساعات، ولكنها ضربت الرقم آملة أن يكون زيتون قد وصل ~~إليها أولا وينتظر أن يتصل بها. ورن التليفون ثلاث مرات، وقال ~~رجل: «مرحبا؟» كان الصوت صوت أمريكي، ولم يكن صوت زوجها، كما كان ~~فظ النبرات نافد الصبر. # وسألت: «هل عبد الرحمن زيتون موجود؟» ~~- «ماذا؟ من؟» # وكررت ذكر اسم زوجها. ~~- «لا! لا يوجد أحد هنا بهذا الاسم.» # وسألت: «هل هذا رقم 5010 كليبورن؟» # وقال الرجل: «لا أعرف. أظن ذلك.» # وسألت: «من المتحدث؟» # ومرت فترة صمت، ثم انقطع الخط. ~~••• # سارت كاثي بالسيارة نحو ميل قبل أن تبدأ حتى في استيعاب ما حدث ~~الآن. من كان صاحب هذا الصوت؟ لم يكن صوت أحد المستأجرين؛ إذ كانت ~~تعرفهم جميعا. كان رجلا غريبا، ms104 رجلا دخل المنزل بطريقة ما ~~ويجيب الآن على التليفون. ومن جديد بدأت الأفكار السوداء تغزو ~~ذهنها بسرعة. ألا يمكن أن يكون المتحدث في التليفون قد قتل زوجها ~~وسطا على المنزل واحتله؟ # وأوقفت السيارة عند مطعم ماكدونالدز واستقرت في مكان انتظار ~~السيارات، وأدارت الراديو وفي اللحظة نفسها تقريبا جاءت الأخبار ~~من نيو أورلينز. كانت تعرف أنها ينبغي ألا تصغي، ولكنها لم تستطع ~~المقاومة، كانت أنباء خرق القانون أسوأ مما سمعته من قبل! وخرجت ~~بلانكو، حاكمة الولاية، ببيان موجه إلى من يعتزم ارتكاب الجرائم، ~~تحذرهم فيه بأن الجنود الأمريكيين الذين عركتهم الحروب في طريقهم ~~إلى نيو أورلينز حتى يعيدوا النظام بأي ثمن. وقالت: «عندي رسالة ~~واحدة لهؤلاء المخربين: هؤلاء الجنود يعرفون كيف يطلقون النار ~~ويقتلون، وهم أكثر من راغبين في أن يفعلوا ذلك إذا اقتضى الأمر، ~~وأتوقع أن يفعلوا!» # كانت كاثي تعرف أن عليها تحويل مؤشر الراديو قبل أن يسمع الأطفال ~~شيئا من هذا، ولكنها تأخرت أكثر مما ينبغي. ~~«هل يقولون إن المدينة غرقت يا ماما؟» ~~«هل غمرت المياه منزلنا؟» ~~«هل يطلقون النار على الناس يا ماما؟» # وأسكتت كاثي صوت الراديو قائلة: «أرجوكم يا حبايبي، لا تسألوني ~~أي سؤال!» # واستعادت رباطة جأشها وعادت للانطلاق في الطريق الرئيس، وقد عقدت ~~العزم على عدم التوقف حتى تبلغ فينيكس. قالت في نفسها إن كل ما ~~عليها هو أن تصل إلى يوكو فتهدأ، وإن يوكو سوف تبث في قلبها ~~الاطمئنان، وإن زيتون لا بد أن يكون بخير، وقد يكون من حادثته من ~~الناس شخصا عاديا، فليس من المستغرب أن يشترك الناس في استخدام ~~التليفون ما دامت معظم خطوط التليفون الأرضية في المدينة ~~معطلة. # وعادها الهدوء عدة دقائق. ولكن الأطفال عاودوا الأسئلة: ~~«ماذا حدث لمنزلنا يا ماما؟» ~~«أين بابا؟» # وأدى ذلك إلى إعادة انشغال ذهن كاثي. ألا يمكن أن يكون ذلك الرجل ~~قاتل زوجها؟ ألا يحتمل أنها كانت قد تحدثت لتوها مع من قتل ~~زوجها؟ كانت تحس كأنما كانت تشهد من عل تكالب القوى على زوجها. ~~كانت ms105 وحدها تعرف ما يحدث في المدينة: الجنون، والمعاناة، واليأس. ~~لم يكن لديه تليفزيون، ولم يكن يستطيع أن يعرف مدى الفوضى. كانت قد ~~شاهدت الصور المأخوذة من الطائرات المروحية، والمؤتمرات الصحفية، ~~وسمعت الإحصاءات، وقصص العصابات وتفشي الجرائم. وعضت كاثي شفتيها: ~~«يا حبايبي لا تسألوني الآن! لا تسألوني!» ~~«متى نعود إلى البيت؟» # وصرخت كاثي: «أرجوكم! اتركوا هذا الموضوع لحظة. دعوني أفكر!» لم ~~تكن تستطيع مواصلة الصبر. كانت ترى الطريق بصعوبة والحدود تختفي. ~~كانت تحس أنها تقتحمها وتشدها، والدموع تعمي بصرها فمسحت أنفها ~~بظهر يدها، ورأسها على عجلة القيادة. ~~«ما بك يا ماما؟» # كان الطريق يطير بجانبها. # وبعد بضع دقائق نجحت في استجماع القوة الكافية للتوقف في إحدى ~~الاستراحات على الطريق، وطلبت يوكو بالتليفون. # قالت يوكو: «لا تسيري بالسيارة قدما أخرى.» # وفي غضون عشرين دقيقة كانت الخطة قد اكتملت. ظلت كاثي في مكانها ~~أثناء قيام أحمد، زوج يوكو، بالنظر في جدول مواعيد الطائرات. لم ~~يكن على كاثي إلا أن تصل إلى هيوستن، وسوف تتخذ يوكو الترتيبات ~~لمبيت كاثي والأطفال في منزل أحد الأصدقاء هناك. وسوف يسافر أحمد ~~بالطائرة فورا إلى هيوستن، ويقابلها في الصباح هناك ويتولى قيادة ~~السيارة وفيها أفراد الأسرة إلى مدينة فينيكس. # وسألت كاثي: «أنت متأكدة؟» # وقالت يوكو: «أنا أختك، وأنت أختي، لم يعد لي في الدنيا ~~غيرك!» كانت والدتها كاميكو قد توفيت ذلك العام، وكان فقدانها ~~فاجعة ليوكو وكاثي معا. # وعادت كاثي تبكي من جديد. # واستيقظ زيتون ذلك الصباح بعد التاسعة مرهقا من عواء الكلاب. ~~كان قد عقد العزم على أن يعثر اليوم عليها. # وبعد أن أدى الصلاة، انطلق يجدف في القارب فوق الفناء الغارق. ~~كان صوت النباح يدل على أن الكلاب في مكان قريب جدا، فعبر الشارع ~~واتجه يسارا في شارع دارت، وبعد أن تخطى بضعة منازل وجد مصدر ~~الأصوات. # كانت الأصوات صادرة من منزل يعرفه خير المعرفة، فزاد اقترابا ~~منه فإذا بالنباح يغدو محموما، ونبرات النباح المستيئسة صادرة من ~~داخل المنزل، وكان عليه الآن أن يجد وسيلة لدخول ms106 المنزل. كان ~~الطابق الأول تغمره المياه، فحدس أن به كلبين محبوسين في الطابق ~~الثاني. وكان بالقرب من المنزل شجرة كثيرة الأغصان، فجدف حتى وصل ~~إليها وربط القارب في جذعها. # ورفع نفسه ممسكا بأحد أغصان الشجرة ، وتسلقها حتى استطاع أن ينظر ~~من نافذة بالطابق الثاني، لكنه لم يشاهد كلابا، وإن استمر يسمع ~~النباح. كانا في ذلك المنزل، وكانا يعرفان أنه قريب منهما. كانت ~~الشجرة التي يقف عليها تبعد عشر أقدام عن النافذة، وكان من المحال ~~أن يقفز لبعد المسافة. # في تلك اللحظة لمح لوحا من الخشب، عرضه قدم وطوله نحو ست عشرة ~~قدما، طافيا في الفناء الجانبي، فهبط وجدف حتى وصل إليه وأحضره ~~إلى المنزل وجعله يستند إلى الشجرة، ثم صعد الشجرة مرة أخرى ورفع ~~اللوح حتى ينشئ قنطرة بين الشجرة وبين السطح، كان يرتفع عن الأرض ~~بنحو ست عشرة قدما، ونحو ثماني أقدام فوق مستوى المياه. # لم تكن القنطرة التي أنشأها تختلف كثيرا عن السقالة التي كان ~~يستخدمها كل يوم في عمله، وهكذا فبعد أن فحصه بسرعة واقفا عليه ~~نصف وقفة على قدم واحدة، سار فوقه ووصل إلى السطح. # ومن مكانه فوق السطح عالج شباكا حتى فتحه وانسل داخلا ~~المنزل. وأصبح صوت النباح أعلى وأشد إلحاحا، فعبر غرفة النوم التي ~~وصل إليها، وهو يسمع أصوات الكلبين التي يزداد طابعها الهيستيري، ~~وأثناء سيره في ردهة الطابق الثاني لمحهما؛ كانا كلبين كما حدس، ~~أحدهما من فصيلة اللابرادور الضخمة، أسود اللون، والآخر أصغر من ~~سلالة مهجنة في قفص. لم يكن لديهما طعام، وكان إناء الماء في القفص ~~خاليا. كان يبدو أنهما في حالة من التشويش يحتمل فيها أن يعضاه ~~ولكنه لم يتردد، ففتح القفص وأخرجهما، فجرى اللابرادور وتخطاه ~~خارجا من الغرفة، وأما الصغير فظل كما كان، يقعي في القفص، ~~وتراجع زيتون حتى يتيح له أن يخرج ولكنه ظل في مكانه. # ولم يكن أمام اللابرادور مكان يقصده، فحاول نزول الدرج وشاهد ~~المياه قد وصلت إلى ما قبل الطابق الثاني ببوصات معدودة، فعاد إلى ~~زيتون ms107 الذي خطرت له فكرة. # قال لهما: «انتظرا هنا.» # سار عائدا عبر القنطرة التي أقامها باللوح الخشبي، وهبط من ~~الشجرة إلى قاربه، وجدف عائدا إلى منزله، وصعد إلى السطح وانسل ~~من نافذته ونزل الدرجات القليلة التي لم تكن المياه قد غمرتها، ~~وكان يعرف أن كاثي تملأ الفريزر بأكداس من الأطعمة المجمدة، من ~~اللحوم والخضراوات، فانحنى وأخذ قطعتين من اللحم، وأسرع بإغلاق ~~الباب حتى يحول دون تسريب الحرارة إليه. وعاد إلى السطح فحمل ~~زجاجتي بلاستيك من الماء ووضع ذلك كله في القارب، وهرع هابطا وعاد ~~إلى المنزل حيث كان الكلبان. # وأحسا من جديد بمقدمه ولكنهما كانا هذه المرة بجوار النافذة ~~ورأساهما يطلان من حافتها، وعندما شما رائحة اللحم، وإن كان ~~مجمدا، عادا للنباح المحموم، وذيلاهما يهتزان، فأعاد زيتون ملء ~~إناء الماء فانقضا عليه، وبعد أن شربا كفايتهما عادا لمعالجة ~~اللحم، فظلا يعضانه حتى زال تجمده، وظل زيتون ينظر عدة دقائق، ~~متعبا وراضيا، حتى سمع المزيد من النباح، كانت في الحي كلاب ~~أخرى، وكان لديه فريزر غاص بالطعام، فعاد إلى المنزل ~~ليستعد. # وضع المزيد من اللحم في قاربه وذهب يبحث عن الحيوانات الأخرى ~~التي خلفها وراءه، ولم تكد لحظة تمر على خروجه من منزله حتى سمع ~~صوت نباح واضح، وإن كان مكتوما، صادرا من الموقع نفسه تقريبا ~~حيث وجد الكلبين. # وزاد من اقترابه متسائلا إن كان بالمنزل نفسه كلب ثالث، فأرسى ~~القارب بربطه في الشجرة من جديد، وصعد حاملا قطعتين من اللحم، ~~ونظر هذه المرة من منتصف الغصن إلى المنزل المجاور، من ناحية ~~اليسار، فشاهد كلبين آخرين يتواثبان أمام زجاج النافذة. # فنقل اللوح الخشبي من مكانه الموصل إلى المنزل الأول ومده حتى ~~وصل إلى المنزل الآخر. وعندما رآه الكلبان انطلقا في خبال يثبان في ~~مكانهما. # وما لبث أن فتح النافذة ودخل حتى قفز الكلبان نحوه، ألقى بقطعتي ~~اللحم فانقض الكلبان عليهما وقد نسياه تماما، كان يريد أن يأتيهما ~~بالماء أيضا فعاد بالقارب من جديد إلى المنزل وأحضر المزيد من ~~زجاجات المياه المعبأة وإناء ms108 يشرب منه الكلبان. # وترك زيتون بالنافذة فتحة تكفي استنشاق الكلبين للهواء الطلق، ثم ~~سار على اللوح الخشبي مرة أخرى وهبط الشجرة ودخل قاربه، وبدأ ~~التجديف وهو يقول في نفسه إن الوقت قد حان للاتصال بكاثي ~~تليفونيا. ~~••• # وأثناء تجديفه لاحظ أن المياه ازداد تلوثها، فازداد لونها ~~قتمة وزالت شفافيتها، وأصبح يخالطها الزيت والبنزين ويشوبها ~~بعض الحطام والطعام والقمامة والملابس وركام من المنازل، ولكن ~~زيتون كان يتمتع بروح معنوية عالية، ويشعر بالانتعاش بسبب ما ~~استطاع أن يفعله من أجل الكلاب، وبأنه بقي من أجل هذه الحيوانات؛ ~~إذ كان يمكن أن تموت أربعة كلاب جوعا وتستطيع أن تعيش الآن لأنه ~~لم يترك المدينة؛ ولأنه اشترى القارب القديم. كان يتلهف على ~~الاتصال بكاثي. # وعند الظهر عاد إلى المنزل في شارع كليبورن، لم يكن تود موجودا ~~اليوم وكان البيت خاليا. دخل المنزل واتصل بكاثي. # وقالت كاثي: «الحمد لله! الحمد لله الحمد لله الحمد لله! أين ~~كنت؟» كانت لا تزال مع الأطفال في السيارة في الطريق إلى هيوستن، ~~فوقفت على جانب الطريق. # وسألها زيتون: «ماذا يقلقك؟ قلت سأتصل في الظهيرة، ونحن الآن في ~~الظهيرة.» # وسألته: «من كان ذلك الرجل؟» # وسأل بدوره: «أي رجل؟» # أوضحت له أنها عندما اتصلت من قبل رد على التليفون شخص آخر. ~~أقلق ذلك زيتون، فأخذ أثناء المكالمة ينظر في أرجاء المنزل، لم ~~يلاحظ ما يدل على وقوع سرقة أو جريمة من أي لون، لم يشاهد أقفالا ~~مخلوعة ولا نوافذ مكسورة، ربما كان ذلك الرجل من أصدقاء تود؟ وأكد ~~لكاثي أن ذلك لم يكن مما يدعو إلى القلق على الإطلاق، وأنه سوف ~~يكشف حقيقة ما حدث. # وأبدت كاثي، بعد أن هدأ بالها، سرورها بأنه استطاع مساعدة ~~الكلاب، وبأنه كان نافعا، لكنها لم تكن تريده أن يبقى في نيو ~~أورلينز بعد الآن، مهما يكن عدد الكلاب التي يطعمها، أو عدد ~~الأشخاص الذين يعثر عليهم وينقذهم. # وقالت: «أريدك حقا أن ترحل، الأنباء القادمة من المدينة بالغة ~~السوء؛ إذ يقع فيها السلب والنهب والقتل، وسوف يصيبك ms109 ~~مكروه.» # كان زيتون يدرك من نبراتها مدى قلقها، ولكنه لم يشهد أي شيء يشبه ~~الفوضى التي تصفها، فلو كانت بالمدينة أي فوضى - وكانت تعرف طابع ~~أجهزة الإعلام - فسوف تكون في وسط المدينة. وقال: إن المكان الذي ~~يتنقل فيه بالغ السكون والهدوء والغرابة كأنما ينتمي لعالم آخر، ~~إلى الحد الذي يستحيل معه أن يعرضه للخطر. وقال لها إنه ربما كان ~~من وراء بقائه منطق ما، سبب خفي لشرائه القارب، ووجوده في هذا ~~الموقف المحدد وهذا الوقت المحدد. # وقال: «أشعر كأنما كان من الواجب أن أكون هنا.» # ولم ترد كاثي. # وقال: «إنها مشيئة الله.» # ولم تكن لديها إجابة لذلك. # وانتقلا في الحديث إلى الشئون العملية، قالت إن تليفونها الخلوي ~~كثيرا ما يتعطل في منزل يوكو في مدينة فينيكس، فأعطت زيتون رقم ~~التليفون الأرضي هناك، فكتبه على قصاصة من الورق وتركها بجوار ~~تليفون منزل شارع كليبورن. # وقال: «أدخلي الأطفال المدرسة عندما تصلين إلى فينيكس.» # وبرقت عينا كاثي. # وقالت: «طبعا!» # وقال: «أحبك وأحبهم!» وأنهيا المكالمة. # وانطلق من جديد، ومن فوره شاهد تشارلي راي، الذي كان يقيم في ~~منزل إلى يمين منزل شارع كليبورن، كان نجارا أزرق العينين، في ~~الخمسينيات من عمره، مواطنا ودودا لطيف المعشر، يعرفه زيتون منذ ~~سنين. كان يجلس هادئا في شرفة مدخل منزله كأنما كان اليوم مثل أي ~~يوم آخر. # وقال زيتون: «بقيت أنت أيضا؟» ~~«هذا صحيح.» ~~«هل تريد أي شيء؟ ماء؟» # وقال تشارلي إنه لا يحتاج الآن، ولكن ربما يحتاج بعد وقت قصير، ~~ووعده زيتون بأن يمر عليه من جديد للاطمئنان وانطلق يجدف مبتعدا، ~~ويتطلع إلى أن يعرف كم من الناس ظلوا في المدينة، فما دام فرانك قد ~~بقي، وما دام تود وتشارلي قد ثبتا في وجه العاصفة، فلا بد أن تكون ~~بالمدينة عشرات آلاف أخرى. لم يكن وحده صاحب التحدي. # وواصل طريقه، مدركا أنه لا بد أن يشعر بالتعب، ولكنه لم يكن ~~يشعر بأدنى تعب، بل ما أحس يوما ما يحسه الآن من قوة. # وفي هذا اليوم انطلق فاقترب ms110 من وسط المدينة، وكان يمر بأسر يخوض ~~أفرادها في الماء، ويدفعون أمامهم الأوعية التي تستخدم في الغسيل ~~وقد ملئوها بمنقولاتهم، ومر بجوار امرأتين تدفعان أمامهما حمام ~~سباحة بلاستيكي ينفخ ويوضع فيه الماء للأطفال، وقد وضعوا فيه ~~الملابس والطعام، وفي كل مرة كان زيتون يسأل إن كان يستطيع ~~المساعدة، وأحيانا كان يطلب منه زجاجة أو زجاجتان من الماء، ~~فيقدم لهم ما لديه، كان يعثر على أشياء بالغة الكثرة - مياه معبأة، ~~ووجبات جاهزة، وأغذية معلبة - وحيثما صادف أحدا أعطاه ما كان لديه ~~في القارب. كان لديه المخزون الكافي في البيت، ولم يكن يريد أي ~~أثقال أخرى تبطئ سير القارب. # ووصل بقاربه إلى المنصة رقم أ-10 عند تقاطع شارعي كليبورن ~~وبويدراس، وهي هيكل من الخرسانة يعلو على سطح الماء بنحو عشر ~~أقدام، وكان فوقها العشرات الذين ينتظرون الإنقاذ، كانت إحدى ~~الطائرات العمودية قد أسقطت زجاجات الماء والطعام، وكان يبدو أن ~~لديهم المؤن الكافية، وسألوا زيتون إن كان يريد أي ماء فقال إن ~~لديه الكفاية، ولكنه يحمل الماء إلى من يحتاجون إليه، فأعطوه ~~صندوقا، وعندما أدار قاربه رأى نصف دستة كلاب مع المجموعة، معظمها ~~من الجراء الصغيرة، كانت تبدو في صحة جيدة وتتناول ما يكفي من ~~الطعام، كانت تجلس في ظل السيارات هربا من حرارة الجو. # ولما كان زيتون يفترض أن كل ما أصاب المدينة أشد وطأة على الأرجح ~~في وسطها، اختار ألا يقترب من المركز إلى أكثر من هذا الحد، ~~فحول وجهة القارب، وعاد أدراجه إلى شارع دارت. # وبينما كانت كاثي تقود السيارة إلى هيوستن، كانت يوكو تتخذ ~~الترتيبات اللازمة حتى تقضي الأسرة ليلتها في منزل صديقة قديمة ~~لهما كانت تسميها ماري، وكانت ماري هذه، مثل يوكو وكاثي، أمريكية ~~ولدت لأسرة مسيحية واعتنقت الإسلام بعد أن كبرت، وقد أصبح منزلها ~~الآن ملجأ تحتمي فيه الأسر الهاربة من وجه العاصفة، وعندما توقفت ~~الأوديسية، سيارة كاثي، عند مدخل المنزل وجدت فيه أكثر من عشرة ~~أشخاص، وكانوا كلهم من المسلمين من نيو أورلينز وغيرها من مناطق ms111 ~~لويزيانا ومسيسيبي. # وكانت ماري امرأة براقة العينين في الأربعينيات، وقد خرجت ~~لاستقبال كاثي والأطفال عند مدخل البيت، وحملت حقائبهم، واحتضنت ~~كاثي بشدة جعلت الدموع تنساب من عينيها مرة أخرى، وصحبتهم ماري إلى ~~الداخل، وأرشدت الأطفال إلى حمام السباحة خلف المنزل، وفي غضون ~~دقائق كان الأربعة يسبحون في سعادة، وانهارت كاثي على الأريكة ~~وحاولت ألا تفكر في أي شيء. # وعندما عاد زيتون إلى منزله في شارع دارت، وجد خيمته في الماء ~~أسفل المنزل، كانت الريح قد أطارتها عن السقف، وحدس زيتون أن ذلك ~~كان على الأرجح بسبب طائرة عمودية، فانتزعها من الماء ونصبها من ~~جديد، وجفف داخلها بالفوط، ثم دخل المنزل ليبحث عن أثقال يثبتها ~~بها، فأحضر أكواما من الكتب، وكانت هذه المرة أثقل ما وجد، ووضعها ~~في أركان الخيمة. # وبينما كان يعمل داخل الخيمة على تثبيتها، سمع صوت طائرة عمودية ~~أخرى تقترب منه، كان الصوت يصم الآذان، وتوقع أن تمر من فوق منزله ~~في طريقها إلى مكان آخر، ولكنه عندما أخرج رأسه من الخيمة ونظر وجد ~~أنها تحلق فوق منزله، بل فوقه، وكان بها رجلان يرسلان الإشارات ~~إليه. # وأشار إليهما إشارة من يطلب ذهابهما، مؤكدا أنه بخير، ولكن ذلك ~~فيما يبدو زاد من حيرتهما؛ إذ بدأ الرجل الثاني في الطائرة ~~العمودية يدلي قفصا إليه، وعندها رأى زيتون أن يرسل إلى الرجل ~~إشارة برفع إبهامه دليلا على أنه بخير، ومشيرا إلى خيمته، وكرر ~~الإشارة بالإبهام المرفوع وإشارات تفيد أنه بخير. وأخيرا أدرك أحد ~~الرجلين اعتزام زيتون البقاء، وقرر إلقاء صندوق من المياه المعبأة ~~له، وحاول زيتون من جديد عبثا، صرف الرجلين عنه، وهبط الصندوق ~~فوثب زيتون متنحيا عن طريقه، ولكن الصندوق هبط على الخيمة فأوقعها ~~وجعلت زجاجات الماء تتواثب في كل مكان، ورضي الرجلان عما فعلا ~~فحولا وجهة الطائرة وانطلقت. # وعاد زيتون لتثبيت خيمته من جديد، وبدأ الاستعداد للرقاد، ولكنه ~~كان قلقا مثلما كان في الليلة السابقة وذهنه تموج فيه أحداث ~~النهار المنصرم، فجلس على السقف يرقب حركة الطائرات العمودية التي ms112 ~~تحلق وتنقض فوق باقي منازل المدينة، ثم وضع خطة لليوم التالي؛ سوف ~~يغامر بقطع مسافة أكبر نحو وسط البلد، ويزور مرة أخرى الجسر رقم ~~أ-10، ويستطلع ما حدث لمكتب شركته ومخزنها في شارع دبلن، كانت ~~الشركة تحتفظ في الطابق الأول من المخزن بالمعدات الإضافية، مثل ~~الأدوات والدهانات والفراجين والستائر المقواة وغيرها، وتتخذ من ~~الطابق الثاني مكانا للمكاتب التي تضم أجهزة الكمبيوتر، والملفات، ~~والخرائط، والفواتير، وعقود أملاك العقارات، وبدا الألم في وجهه ~~حين خطر له ما يمكن أن يكون قد أصاب المبنى، وهو متهالك ~~أصلا. # وكانت الطائرات العمودية تحوم طول الليل، وفيما عدا ذلك كان ~~السكون يلف المكان، ولم يسمع أصوات الكلاب، وبعد أن أدى صلاته، أوى ~~إلى النوم تحت سماء مضطربة. # الجمعة 2 من سبتمبر # استيقظ زيتون مبكرا ذلك الصباح وهبط إلى قاربه وانطلق يجدف حتى ~~عبر الشارع قاصدا إطعام الكلاب، وعند اقترابه منها، سمعها تصدر ~~أصواتا خافتة كالنشيج فسرها على أنها تعبير عن الراحة ~~والامتنان، وصعد الشجرة ومشى بحرص على اللوح الخشبي إلى المنزل على ~~اليمين وزحف من الشباك، وألقى شريحتين كبيرتين من اللحم للكلاب ~~وملأ إناء شرب الماء لهما، وأثناء انهماكهما في الطعام خرج من ~~النافذة وسار بحرص إلى سقف المنزل المجاور ثم دخله، لإطعام الكلبين ~~الآخرين. كانا ينبحان ويهزان الذيل فألقى قطعتين من لحم الضأن لهما ~~وملأ الإناء بالماء، وخرج من النافذة وهبط إلى قاربه ~~وانطلق. # قال في نفسه إن الوقت حان ليرى ما حدث لمبنى مكتبه، كان يقع على ~~مسافة نصف ميل تقريبا، في شارع متفرع من طريق كارولتون، وهو طريق ~~قريب تصطف على جانبيه المخازن، والمحال التجارية، ومحطات البنزين. ~~كان الماء قد غدا قذرا، تشوبه قطرات الزيت وينتشر فيه الركام. ~~وكان واثقا بأن كل من يخرج ليخوض فيه سيمرض وإن لم يكن رأى حتى ~~هذه الساعة من النهار أي شخص في الماء، كانت المدينة يزداد خلوها ~~من السكان، ويقل عدد الخائضين في الماء يوما بعد يوم، وكذلك عدد ~~الوجوه المطلة من النوافذ، وعدد القوارب الخاصة ms113 التي تشبه ~~قاربه. # كان الرذاذ يتساقط طول الصباح، ولكن هطول المطر اشتد الآن، وبدأت ~~الرياح في الهبوب وساءت حالة الجو، واستمر زيتون يجدف عكس اتجاه ~~الريح، مكافحا للتحكم في القارب، والرياح تثير الموج على سطح ~~المياه الزرقاء البنية. # وتخطى شارع إيرهارت حتى دخل طريق كارولتون، وعبر طريق كارولتون ~~في اتجاه الجنوب الغربي إلى شارع دبلن. كان يتوقع أن يجد بعض الناس ~~في طريق كارولتون، مثل طريقي نابليون وسانت تشارلز، ما دام ذلك هو ~~الطريق التجاري الذي يقصده، كما يقضي المنطق، طالبو سفن الإنقاذ أو ~~السفن الحربية، ولكنه عندما اقترب منه لم يجد فيه أي فرد ذي صفة ~~رسمية على الإطلاق. # لكنه شاهد مجموعة من الرجال في محطة بنزين «شل»، وهي تقع عبر ~~الشارع في مواجهة مكتبه، كانت المحطة تقع على ربوة ولم يكن ارتفاع ~~الماء فيها يزيد على أقدام معدودة، وكان الرجال الثمانية أو التسعة ~~يحملون أكياس القمامة التي ملئوها بأشياء من مكتب المحطة ويضعونها ~~في قارب معهم، كانت تلك أول حادثة يشهد فيها السلب والنهب منذ هبوب ~~العاصفة، وكان ينطبق على هؤلاء الرجال وصف الذين حذرته كاثي منهم، ~~وكانت هذه جماعة منظمة من المجرمين الذين استغلوا الفرصة، ولم ~~يكونوا يأخذون فقط ما يحتاجونه للبقاء في قيد الحياة، كانوا يسطون ~~على المال والبضائع من محطة البنزين، وقد احتشد منهم عدد كبير كان ~~القصد منه، فيما يبدو، إخافة أي شخص، مثل زيتون، قد يشاهدهم أو ~~يحاول إعاقتهم. # كان زيتون يبتعد عنهم بمسافة تكفي لمراقبته لهم دون خوف من ~~الوصول إليه، أو من الوصول بسرعة إليه، على الأقل. ومع ذلك فقد ~~أبطأ تقدم قاربه، محاولا أن يجد طريقة تمكنه من الذهاب إلى مكتبه ~~دون المرور مباشرة بهم. # ولكن أحد الرجال كان قد لمحه، كان شابا يرتدي شورتا طويلا ~~من الجينز، وقميصا أبيض دون أكمام، وبسط كتفيه تجاه زيتون قاصدا ~~أن يريه مقبض مسدس كان يحمله في حزامه. # وأسرع زيتون بتحويل بصره عنه؛ إذ لم يكن يريد دعوته لمواجهة معه، ~~وأدار وجهة القارب ms114 إلى الناحية الأخرى وبدأ انطلاقه إلى المنزل في ~~شارع كليبورن؛ فقد قرر ألا يزور مكتبه اليوم للاطمئنان ~~عليه. # وصل قبل الظهر إلى المنزل واتصل بكاثي. كانت لا تزال في منزل ~~ماري بمدينة هيوستن. # وقال: «لن أتمكن من الاطمئنان على المكتب اليوم.» # وسألته: «لماذا؟» # لم يكن يريدها أن تقلق، كان يعرف أن عليه أن يكذب. # قال: «إنه المطر.» # قالت له إن بعض الأصدقاء قد اتصلوا بها، ليعرفوا مكان وجودها هي ~~وزيتون، والاطمئنان على سلامتهما، وكانت عندما تذكر لهم أن زوجها ~~لا يزال في المدينة تتلقى دائما استجابة من ثلاث مراحل؛ المرحلة ~~الأولى هي الصدمة، والثانية إدراكهم أنهم يتحدثون عن زيتون - وهو ~~رجل لا يثير القلق في أي موقف - وأخيرا كانوا يقولون ليته وهو ~~يتجول في قاربه يطمئن على منازلهم! # كان يسعد زيتون غاية السعادة أن يكلف بمهمة من المهام، ولم تتأخر ~~كاثي في تكليفه، كانت قد تلقت مكالمة لتوها من أسرة بورميديان ~~الذين تربطهم بهما صداقة عمرها ثلاثة عشر عاما، كان علي بورميديان ~~أستاذا لعلوم الكمبيوتر في جامعة تولين، وكان يدير مسجد الرحمة، ~~وهي رابطة للطلاب المسلمين في الحرم الجامعي، كانت الأسرة تملك ~~مبنى في شارع بورث يضم مركزا للمعدات والكتب، ومكانا لمبيت ~~الطلاب الزائرين من العالم العربي. # وكانت دليلة بورميديان قد اتصلت لتوها بكاثي، راجية من زيتون ~~الاطمئنان على المبنى، وتفقد ما حل به من أضرار، وقال زيتون ~~إنه لا توجد مشكلة في ذلك، وإنه سوف يتحقق مما حدث له. كان يعرفه ~~خير المعرفة؛ إذ قام بعدة أشغال فيه على مر السنين، وكان يعرف كيف ~~يصل إليه، وكان في الواقع يتطلع لمعرفة ما حل بالحرم الجامعي، ~~ما دام يقوم على ربوة. # قالت له: «اتصل مرة أخرى ظهرا.» # وقال لها زيتون: «طبعا.» # وقبل أن ينصرف زيتون اتصل بأخيه أحمد، وبعد أن عبر أحمد عن ~~ارتياحه الشديد لسماع صوت أخيه بدأ حديثه الجاد. # قال أحمد: «لا بد أن ترحل!» # وقال زيتون: «لا لا! أنا بخير. كل شيء على ما يرام.» # وحاول أحمد ms115 أن يؤدي دور الأخ الأكبر فقال: «اذهب إلى أسرتك. ~~أريدك فعلا أن ترحل، أسرتك تحتاج إليك.» # وقال زيتون، وهو يحاول ألا يبدو مبالغا في التعبير: «حاجة الناس ~~هنا أكبر. هؤلاء أفراد أسرتي أيضا.» # ولم يكن أحمد يعرف كيف يعارض مثل هذه العبارة. # وقال زيتون: «هذه مكالمة أجرها باهظ. سأطلبك غدا ~~بالتليفون.» # عندما وصل إلى جامعة تولين، كان مستوى الماء قد انخفض إلى الحد ~~الذي سمح له بأن يهبط من القارب إلى اليابسة، وسار في الفناء الذي ~~يكسوه البلاط والذي أقيم فيه مسجد الرحمة، وجال ببصره في المكان. ~~كانت الأرضية تغطيها خطوط متقاطعة من الأغصان التي سقطت من ~~الأشجار، ولكن - باستثناء ذلك - لم يكن المبنى قد أصيب بأضرار. كان ~~يوشك أن ينظر في داخل المبنى عندما شاهد رجلا خارجا من الباب ~~الجانبي له. # قال: «ناصر؟» # كان ذلك ناصر ديوب، من سوريا أيضا، وكان قد غادر بلده في عام ~~1995، بعد أن سافر أولا إلى لبنان، ومن بيروت تسلل فركب إحدى ~~ناقلات البترول خفية من دون أن يعرف مقصدها، واتضح بعد ذلك أنها ~~كانت تتجه إلى الولايات المتحدة، وعندما وصلت إلى الميناء وثب ناصر ~~منها وطلب فورا حق اللجوء، ومنح بعد فترة الحق في الاحتماء ~~بالولايات المتحدة، وكان حينذاك قد انتقل إلى نيو أورلينز، وكان ~~يقيم في مسجد الرحمة أثناء الإجراءات القانونية الخاصة ~~بقضيته. ~~«عبد الرحمن!» # وتصافحا وتبادلا القصص عما مر به كل منهما أثناء العاصفة، ~~كان منزل ناصر يقع في حي برودمور، متاخما لوسط المدينة، وكانت قد ~~غمرته مياه الطوفان، فجاء إلى رابطة الطلبة ينشد المأوى؛ إذ كان ~~يعرف أن المكان يقع فوق ربوة. # وسأله زيتون: «أتود البقاء هنا أم مصاحبتي؟» # كان ناصر يعرف أنه سيكون سالما في الحرم الجامعي؛ لانتفاء تعرض ~~المكان للغمر بالماء أو للجرائم، ولكنه صاحب زيتون على الرغم من ~~ذلك؛ لأنه كان يريد أيضا أن يرى ما حدث للمدينة ومنزله. # هرع ناصر إلى المبنى ليحضر حقيبته الخفيفة ثم دخل القارب، وأعطاه ~~زيتون المجداف الآخر وانطلقا. # كان ناصر في ms116 الخامسة ~~والثلاثين من عمره، فارع الطول، على بشرته نمش، وشعر رأسه أحمر ~~غزير، كان هادئ الطبع، وإن كانت به عصبية طفيفة، وعندما شاهدته ~~كاثي أول مرة ظنت أنه ضعيف البنية، وكان قد عمل يوما ما بطلاء ~~المنازل، وعمل لحساب زيتون في بعض الأوقات، لم يكونا صديقين ~~حميمين، ولكن مقابلة ناصر مصادفة هنا بعد الطوفان أدت إلى التسرية ~~عن زيتون بعض الشيء؛ إذ كانا يشتركان في جانب كبير من الخلفية، مثل ~~النشأة في سوريا، والهجرة إلى أمريكا ونيو أورلينز، والعمل بالحرف ~~اليدوية. # وأثناء التجديف في القارب تحدثا عما شاهداه حتى الآن، وعما كانا ~~يأكلانه، وكيف كانا ينامان، كان كلاهما قد سمع الكلاب تنبح، كانت ~~الكلاب تنبح دائما بالليل، وكان ناصر أيضا قد قام بإطعام الكلاب ~~في المنازل الخالية، وفي الشوارع، حيثما كان يصادفها، كان ذلك ~~جانبا من أغرب جوانب هذه الفترة الواقعة بين عهدين - أي بعد ~~العاصفة، ولكن قبل عودة أي أحد إلى المدينة - أي وجود هذه الآلاف ~~من الحيوانات التي خلفها أصحابها وراءهم. # زادت قوة الرياح الآن، فظلا يكافحان المطر الغاضب الذي ينهمر ~~في خطوط أفقية وهما يجدفان حتى تجاوزا مكتب البريد بالقرب من مكان ~~انتظار السيارات في شارع جيفرسون عند تقاطعه مع شارع لافيت. كانت ~~ساحة الانتظار قد أصبحت موقعا لإجلاء السكان، فالمقيمون الذين ~~يريدون الانتقال من المدينة جوا يأتون إلى مكتب البريد حتى ~~تنقلهم الطائرات العمودية إلى بر النجاة المفترض. # وعندما اقتربا من ذلك الموقع سأل زيتون ناصرا إن كان يرغب في ~~الرحيل، وقال ناصر إن الوقت لم يحن بعد؛ إذ إنه كان يسمع عن ~~أهالي نيو أورلينز الذين تقطعت بهم السبل تحت الجسور العلوية ~~الرابطة ما بين الطرق، ولم يكن يريد أن يكون واحدا منهم، وهكذا ~~قرر ناصر أنه سوف يظل في المدينة حتى يسمع أنباء موثوقا بها عن ~~نجاح حالات الإجلاء من المدينة، وقال له زيتون إنه يرحب بنزوله في ~~منزله بشارع دارت أو في المنزل الآخر بشارع كليبورن، وكان ذلك ~~بمثابة نعمة من السماء لم ms117 يتوقعها ناصر الذي كان يريد الاتصال بعدد ~~من أقاربه لإطلاعهم على أنه لا يزال حيا. # واستمرا يجدفان في طريق العودة إلى شارع كليبورن، ومرا بصندوق ~~كامل من زجاجات المياه المعلبة تتراقص وسط المجرى المائي، فأخذاه ~~ووضعاه في القارب، وواصلا المسير. # وعندما وصلا إلى المنزل خرج ناصر من القارب وبدأ يربطه في ~~المرسى، وكان زيتون يخطو خارجا منه حين سمع صوتا يدعوه ~~باسمه. ~~«زيتون!» # كان يظن أنه تشارلي راي يناديه من المنزل المجاور، ولكن الصوت ~~كان قادما من المنزل الواقع خلف منزل تشارلي، في شارع ~~روبرت. ~~«نحن هنا!» # كان من يناديه الزوجان ويليامز، رجلا يدعى ألفين ومعه بيولا ~~زوجته، وكانا في السبعينيات من العمر، كان الزوج ألفين يعمل راعيا ~~لكنيسة معمدانية تسمى كنيسة بيت لحم الجديدة، وكان قعيدا في كرسي ~~ذي عجلات، وكانت بيولا قد تزوجته منذ خمس وأربعين سنة، وكان زيتون ~~وكاثي يعرفانهما منذ أن بدآ يقطنان نيو أورلينز تقريبا، وعندما ~~كان زيتون وزوجته يعيشان في منزل قريب كانت أخت ويليامز راعي ~~الكنيسة تزور كاثي وتتناول معها بعض الوجبات. ولا تذكر كاثي ~~إطلاقا كيف بدأ ذلك، ولكن تلك الأخت كانت عجوزا، وتحب أسلوب كاثي ~~في الطهي، وهكذا كانت كاثي عندما يحين موعد العشاء تعد لها مكانا ~~على المائدة، واستمرت الحال على ذلك شهورا عديدة، وكان يسعد كاثي، ~~أن تعلم أن شخصا ما كان يكلف نفسه عناء تناول الطعام الذي تعده ~~بنفسها. # ونادى زيتون: «مرحبا!» وانطلق نحو المنزل بقاربه. # وسأله ألفين: «أتظن أنك تستطيع مساعدتنا على الخروج من ~~هنا؟» # كان راعي الكنيسة وبيولا قد صمدا في وجه العاصفة، ولكنهما كانا ~~قد استنفدا الآن مخزونهما من الطعام والماء، ولا يذكر زيتون أنه ~~رآهمها من قبل بمثل هذا الإرهاق. # وقال ألفين: «آن أوان الرحيل.» # وإزاء المطر المنهمر والريح العاصف، كان من المحال إجلاؤهما في ~~القارب، فقال لهما زيتون إنه سوف يأتيهما بمن يساعدهما. # وانطلق في شارع كليبورن، ~~والريح والمطر يحاربانه، حتى وصل إلى المركز الطبي التذكاري حيث ~~كان يعرف بوجود الشرطة ومرابطة جنود ms118 الحرس الوطني هناك، ورأى وهو ~~يقترب جنودا في الحارات وفوق السطوح وعلى المنصات وفي الشرفات. ~~كان المكان أشبه بقاعدة حربية محصنة تحصينا شديدا، وعندما ~~اقترب إلى الحد الذي يتيح له مشاهدة وجوه الجنود رفع اثنان منهم ~~مسدسيهما، وأصدرا إليه الأمر صائحين: «لا تقترب أكثر من ~~هذا!» # أبطأ زيتون السير بالقارب، وزادت شدة الريح، كان من المحال ~~المكوث في مكان واحد، كما كان من الصعب سماعهما صوته. # وصرخ زيتون: «أبحث وحسب عن مساعدة.» # وخفض أحد الجنديين مسدسه، وظل الآخر يوجه مسدسه إلى ~~زيتون. # وقال الجندي: «لا نستطيع مساعدتك. اذهب إلى شارع سانت ~~تشارلز.» # وتصور زيتون أن الجندي لم يحسن سماعه؛ إذ كانت الريح تدير قاربه ~~وتحجب ألفاظه، فعاد يقول موضحا وبصوت أعلى هذه المرة: «في آخر ~~الشارع زوجان عجوزان يريدان الجلاء.» # فقال الجندي: «ليست تلك مشكلتنا. اذهب إلى شارع سانت ~~تشارلز.» # وعندها انخفض المسدسان. # وسألهما زيتون: «لم لا نستدعي أحدا؟» هل كان الجنديان يقصدان ~~فعلا أن يقطع زيتون الطريق كله بقاربه إلى تقاطع شارعي نابليون ~~وسانت تشارلز، بدلا من أن يستدعي أحدهما وحدة أخرى على جهاز ~~اللاسلكي الذي يحمله؟ وماذا كان الجنود يفعلون في المدينة إن لم ~~يكونوا يساعدون على إجلاء الناس؟ # وقال الجندي الآخر: «لا نستطيع استدعاء أحد.» # وتساءل زيتون: «ما أغرب ذلك! لديكم كل هذه التكنولوجيا ولا ~~تستطيعون استدعاء أحد؟» # وهنا بدا أن الجندي خائف، ولم تكن سنه تزيد إلا عدة أعوام عن ~~زخاري، ابن زوجة زيتون. لم يجد أي إجابة، وبدا غير واثق من الخطوة ~~التالية، وأخيرا استدار وانصرف، واستمر الجنود يحدقون في زيتون ~~ممسكين بأسلحتهم. # وانطلق زيتون يجدف في قاربه متجها إلى تقاطع شارعي نابليون ~~وسانت تشارلز، وكتفاه تؤلمانه، وكانت الريح تضاعف من صعوبة العمل، ~~وأصبحت المياه ضحلة أثناء اقترابه من التقاطع، وشاهد خياما ~~ومركبات حربية، وأكثر من عشرة ضباط وجنود بالشرطة، فخرج من قاربه ~~وسار حتى أتى أحدهم، وكان جنديا يقف على الكلأ في المنطقة ~~الوسطى، وهي التي كان سكان نيو أورلينز يسمونها «الأرض ~~المحايدة». # وقال ms119 زيتون: «لدي حالة حرجة. لدي رجل معوق يحتاج إلى ~~المساعدة والمعونة الطبية. وهو يحتاجها الآن.» # وقال الرجل: «وهو كذلك. سنتولى أمره.» # وسأله زيتون: «ألا تريد العنوان؟» # وقال الرجل: «طبعا، أعطه لي.» وفتح مفكرة صغيرة في يده . # وأعطاه زيتون العنوان بدقة. # وكتبه الرجل وأعاد المفكرة إلى جيبه. # وسأله زيتون: «إذن ستذهبون إليه؟» # وقال الرجل: «نعم.» # وسأل زيتون: «متى؟» # وأجاب الرجل: «ساعة تقريبا.» # عاد زيتون للزوجين ويليامز وطمأنهما: «لا بأس عليكما، إنهم في ~~الطريق، قالوا ساعة واحدة.» فشكر راعي الكنيسة وزوجته زيتون، وعاد ~~هو إلى منزل كليبورن، فاصطحب ناصرا، وانطلقا للنظر فيما يمكن أن ~~يفعلاه، كانت الساعة قد تخطت الواحدة بقليل. # وعلى مسافة ألف ميل تقريبا، كان أحمد زوج يوكو يقود سيارة كاثي ~~الأوديسية، بينما تستريح كاثي، وكان الأطفال على المقعد الخلفي ~~أثناء انطلاق الجميع بسرعة كبيرة خلال ولاية نيومكسيكو. وكان أحمد ~~قد قضى سبع ساعات وهو يقود السيارة دون توقف، ولو واصل هذه السرعة ~~لوصلوا إلى مدينة فينيكس عصر يوم السبت. # كان أحمد يحث كاثي على الامتناع عن الإصغاء إلى الأنباء في ~~الإذاعة، ولكن حتى المحطات التي تذيع موسيقى الروك والموسيقى ~~الشعبية الريفية كانت تتسرب منها شذرات من المعلومات؛ كان الرئيس ~~بوش يقوم بزيارة نيو أورلينز في ذلك اليوم، وقد نعى لتوه فقدان ~~المنزل الصيفي في «ترينت لوت» على ساحل المسيسيبي، وكان رجال الحرس ~~الوطني المدججون بالسلاح قد دخلوا مركز المؤتمرات لتوهم، وعلى ~~الرغم مما كان يدفعهم إلى أن يتصوروا أن دخولهم سوف يواجه بما يشبه ~~حرب العصابات، فإنهم لم يواجهوا أي مقاومة على الإطلاق، ولم يجدوا ~~إلا أناسا منهكين جوعى يريدون الرحيل من المدينة، واستراحت كاثي ~~لسماع ذلك، قائلة لنفسها إنه ربما بدأ التحكم في أحوال المدينة، ~~وكان أحد المعلقين يقول إن الوجود العسكري «سرعان ما يغدو ~~مهيمنا.» # وأثناء جولات زيتون وناصر، وجدا عربة جيب حربية مهجورة وبداخلها ~~صندوق من الوجبات الجاهزة للأكل، وبعد ذلك بقليل قابلا أسرة من ~~خمسة أفراد فوق معبر علوي، فقدما إليهم بعض الماء وصندوق الوجبات. ms120 ~~كانت مصادفة عجيبة، فلم يكن زيتون يحب أن يحمل أي شيء ذا قيمة على ~~الإطلاق، ويرحب بأي فرصة للتخفف مما يعثر عليه. # كانت الساعة تشير إلى الخامسة تقريبا، وقد بدأ الظلام يكتنف ~~السماء، عندما شرع زيتون في العودة إلى منزل شارع كليبورن. # وكان زيتون واثقا بأن راعي الكنيسة وزوجته قد أنقذا بعد مرور ~~هذا الوقت الطويل، ولكنه أراد التأكد، فقام مع ناصر بتحويل مسار ~~القارب إلى شارع روبرت. # كان ألtين وبيولا لا يزالان بالمنزل، جالسين في المدخل، ~~وحقائبهما جاهزة، والمطر الخفيف يتساقط عليهما. كانا قد قضيا أربع ~~ساعات ينتظران. # وشعر زيتون بالحنق، وبأنه لا حيلة له، وبأنه تعرض للخيانة. كان ~~قد وعد راعي الكنيسة وزوجته بالنجدة، ولكنه لم يف بوعده لأنه وقع ~~ضحية الكذب. # واعتذر للزوجين موضحا أنه حاول طلب الغوث أولا من المستشفى ~~فطرد منها تحت تهديد السلاح، ثم ذهب إلى شارع سانت تشارلز ~~لإخبار الجنود ورجال الإغاثة بما هما فيه من محنة، وعبر راعي ~~الكنيسة عن ثقته بأن العون لا بد قادم، ولكن زيتون لم يكن يريد ~~المجازفة. # قال لهما: «سأدبر شيئا ما.» # وعندما عاد زيتون مع ناصر إلى المنزل في شارع كليبورن، شاهدا ~~قاربا صغيرا له محرك مربوطا في مدخل المنزل الأمامي، ووجدا داخل ~~المنزل تود جامبينو جالسا مع كلب جديد، واتضح أنه استطاع بهذا ~~القارب - الذي وجده طافيا تحت جراج مهدم وفكر في الاستفادة ~~منه - أن يقوم بجولاته الخاصة في المدينة، فينقل الناس من مداخل ~~بيوتهم وسطوحها إلى المعابر العلوية وغيرها من أماكن الإنقاذ. بل ~~إنه وجد هذا الكلب الذي يأكل الآن طعامه سعيدا تحت قدمي تود فوق ~~أحد السطوح وأخذه معه. # ومرة أخرى شعر زيتون بوجود قوة ربانية من لون ما؛ إذ كان راعي ~~الكنيسة وزوجته يريدان العون فورا، وهو الذي عجز عن تقديمه لهما، ~~وها هو ذا تود ومعه المركبة التي يحتاجانها بالضبط وفي اللحظة ~~المناسبة تماما. # ولم يتردد تود، ووافق زيتون على أن يرعى الكلب أثناء غيابه، ~~فانطلق تود، أخذ ألفين وبيولا، حاملا ms121 كلا على انفراد إلى داخل ~~القارب، ثم أسرع بهما إلى المحطة عند تقاطع شارعي نابليون وسانت ~~تشارلز. # واستغرقت المهمة عشرين دقيقة كاملة، وسرعان ما عاد تود، فجلس في ~~المدخل يشرب الجعة ويسترخي من جديد في مدخل المنزل ، ويده تربت ~~الفراء المجعد للكلب الذي أنقذه. # وقال مبتسما: «بعض المهام لا بد أن يؤديها المرء بنفسه.» # كان زيتون يعرف أن تود ساكن صالح، لكنه لم يكن يعرف ذلك الجانب ~~في شخصيته، فتحادثا وقتا ما في مدخل المنزل؛ إذ قص عليه تود قصص ~~حالات الإنقاذ التي قام بها بنفسه، وكيف قام بنقل العشرات فعلا، ~~وكيف كان يوصلهم إلى المستشفيات ومحطات الإغاثة، وكيف كان ذلك ~~الأمر يسيرا لوجود القارب ذي المحرك، كانت صورة تود في ذهن زيتون ~~دائما صورة المغرم بالتجوال، المحب للهو واللعب، كان يحب ~~الاستمتاع بوقته، وكان يكره التقيد بالقواعد والمسئوليات، فكان ~~يدخن ويشرب ولا يلتزم بجداول زمنية منتظمة، ولكن ها هو ذا تتوهج ~~عيناه ويتحدث عن نقل الناس إلى بر الأمان، ويحكي كيف يقابل ~~بالتهليل والشكر كلما وصل إلى منزل أو معبر علوي. كان زيتون واثقا ~~بأن مثل هذه الأوقات قادرة على تغيير طبع الإنسان، وكان يسعده أن ~~يشهد حدوث ذلك هنا، ومرور تود أيضا بها، فهو رجل صالح زاد ~~صلاحه. # في تلك الليلة عاد ناصر مع زيتون إلى منزله في شارع دارت، ~~فأخرجا ما بقي من لحم الضأن من الفريزر وشوياه على سقف المنزل، وكل ~~منهما يحكي ما رأى وما سمع، ولكن ناصرا كان مرهقا، وسرعان ما خبت ~~طاقته فزحف داخلا الخيمة، وراح من فوره في نوم عميق. # وعاد لزيتون القلق من جديد، كان لا يزال غاضبا مما حدث لراعي ~~الكنيسة وزوجته، لم يكن يكدره شيء أكثر من نكث شخص لوعده. من ~~كان ذلك الرجل الذي قابله في المحطة القائمة عند تقاطع شارعي ~~نابليون وسانت تشارلز، والذي قال إنه سوف يرسل العون إلى الزوجين ~~المذكورين؟ ولماذا قال إنه سوف يأتي ما دام لا يعتزم المجيء؟ وحاول ~~زيتون أن يكون حسن ms122 الظن، فقال في نفسه ربما استدعي الرجل لحالة ~~طارئة أخرى، وربما كان الرجل قد ضل الطريق، ولكن محاولته ذهبت ~~عبثا. لم يجد عذرا كافيا، فالرجل قد نقض عهدا بسيطا. كان قد ~~وعد بالمساعدة ولم يف بوعده. # ولما عجز زيتون عن النوم عاد فدخل المنزل وجلس على الأرض في غرفة ~~نديمة، كانت رائحتها، رائحة بناته، قد خبت وحل محلها المطر وبدايات ~~عفن الرطوبة، كان يفتقد البنات فعلا، وهو لا يذكر أنه افترق عنهن ~~مثل هذه المدة الطويلة أكثر من مرات معدودة، كان الأمر يجري دائما ~~على هذا المنوال؛ كان يشعر في اليوم الأول للفراق شعورا لطيفا ~~بالهدوء والسكينة، ثم يبدأ ببطء إحساسه بالشوق إليهن. كان يشتاق ~~إلى أصواتهن، إلى عيونهن السوداء البراقة، وضجيج أقدامهن الصاعدة ~~والهابطة على الدرج، وصراخهن وغنائهن الدائم. # وفتح أحد ألبومات الصور ~~التي احتفظ بها واستلقى على فراش نديمة، وهو يشم رائحة الفراولة في ~~الشامبو الذي تستخدمه. وجد صورة ترجع إلى أول عام قضاه في البحر، ~~على متن سفينة كان أحمد ربانها، وتعجب من شعره الذي سقط كثير ~~منه، ومن مدى زهوه. كان وزنه آنذاك أقل بما يقرب من 14 كيلوجراما، ~~والبسمة لا تفارق شفتيه، رجل يتذوق متعة الشباب الكاملة، كان أخوه ~~أحمد قد أنقذه وأخذ يفتح أمامه عالما من بعد عالم. # غادر أحمد البيت بعد وفاة والده بعام؛ إذ ذهب إلى تركيا لدراسة ~~الطب، كان ذلك هو المفترض في الأسرة، على الأقل. وعلى الرغم من أن ~~محمودا كان قد منع أبناءه من الحياة في البحر، فلم يكن أحمد يريد ~~غير ذلك، وهكذا ركب الأوتوبيس إلى إسطنبول قائلا لوالدته إن مقصده ~~أن يصبح طبيبا، وانهمك فعلا في دراسة الطب فترة من الزمن، ولكنه ~~سرعان ما ترك الكلية والتحق بأكاديمية الضباط البحريين، وعندما ~~علمت أمه أن أحمد سوف يصبح ربان سفينة، دهشت، ولكنها لم تقف في ~~طريقه، وبعد عامين تخرج أحمد وانطلق يعبر البحر المتوسط والبحر ~~الأسود في جميع الاتجاهات. # ووجد زيتون صورة من صور أحمد، كان لديه من ms123 صور أحمد ما يزيد على ~~صوره الشخصية، كان مما يكاد يبعث على الضحك كثرة الصور التي كان ~~أخوه يلتقطها ويحتفظ بها ويوزعها على أفراد الأسرة، كان يوثق ~~كل ميناء وكل سفينة. في هذه الصورة، كان يشترك مع أفراد الطاقم في ~~شواء شيء ما، حيوان من نوع ما، وحدق زيتون في الصورة، كان الحيوان ~~أشبه بكلاب السباق: «هل هذا محتمل؟» لا! كان زيتون يرجو ألا يكون ~~ذلك كلبا، وكان الكلام المكتوب فوق الصورة يقول: «عيد الفصح ~~1978». وفي صورة أخرى كان أحمد يقف في منتصف وسط مدينة نيو ~~أورلينز. وحين كان زيتون يشاهد هذه الصورة، وصورا أخرى كثيرة ~~لأحمد وهو يقف أمام هذه المدينة أو ذلك الموقع الأثري، كان دائما ~~يفكر في الناس الذين كان أحمد يطلب منهم التقاط الصور، لا بد أن ~~أحمد قابل ألف شخص في هذه الرحلات، وكان دافعه الأول أن يعثر على ~~من يساعده على تسجيل حقيقة تقول: «أحمد زيتون، ابن مدينة جبلة في ~~سوريا، كان هنا.» هنا في طوكيو. هنا في أمريكا. هنا في ~~الهند. # مدينة نيو أورلينز، الولايات المتحدة الأمريكية، ~~عام 1978. # عيد الفصح اليوناني، ألتامار، سفينة «إم في ~~جليفادا»، عام 1978. # مدينة تسكومي، اليابان، عام 1976. # دبي، عام 1978. # وبينما كان أحمد يشاهد كل ركن من أركان الأرض بسرعة ركنا بعد ~~ركن، كان زيتون ما زال في دياره، في جبلة، ويريد الخروج. كان زيتون ~~يشعر بأن حياته خاوية في هذه الديار، ولم يعد يطيقها، وفي الأيام ~~التي كان يعمل فيها في حانوت أخيه لطفي لبيع مواد البناء، كان يسمع ~~القصص عن مغامرات أحمد المتواصلة، وعن رحلاته إلى الصين، ~~وأستراليا، وجنوب أفريقيا، وهولندا، وكان زيتون يعرف أن أباه لم ~~يكن ليوافق لو كان حيا، ولكنه رحل الآن، ورحل محمد أيضا. لم يكن ~~زيتون يريد أن يتسمر في مكانه في جبلة. # كانت والدته تدرك مشاعره، كانت قد سمعت وقع خطاه في الطابق ~~العلوي وهو يغدو ويروح كالحبيس، وشاهدت الشوق في عينيه عندما كان ~~يحادث أحمد تليفونيا، وهكذا بادرت بنفسها ذات يوم ms124 فاتصلت بأحمد ~~وطلبت منه أن يصطحب أخاه الأصغر، وقالت إن الوقت قد حان لعبد ~~الرحمن لكي يغادر جبلة وينطلق، ولو لفترة محدودة، تاركا داره التي ~~أصبح الحزن يغمرها. # واتصل أحمد تليفونيا بأخيه الأصغر وأخبره أنه سوف يبحر بعد ~~أسابيع معدودة، وانعقد لسان زيتون. قبل سماعة التليفون، وقبل ~~أمه وأخواته، وعندما حان الوقت، جمع عدة أشياء في حقيبة ولحق بأحمد ~~في اليونان. # وفي أول رحلة لزيتون، كان مجرد عامل على ظهر السفينة، أصغر رجل ~~فيها، وحياه أعضاء طاقم السفينة الذين ينتمون إلى شتى البلدان - ~~جنوب أفريقيا وتركيا ونيجيريا - ورحبوا به أصدق ترحيب، وكان زيتون ~~يعتقد في قرارة نفسه أن أخاه أحمد يعامله معاملة أقسى من معاملته ~~الآخرين، كيما ينفي أي اشتباه في المحاباة، ولكنه لم يأبه بذلك، ~~فاستغرق في عمله الذي يتضمن الغسيل والطلاء والنقل، كان يؤدي ~~الأعمال التي يعزف الآخرون عن أدائها. # وأبحروا ما بين بيراوس وناخوس ذهابا وإيابا، وكان زيتون مولعا ~~بذلك كله عاشقا له، فأطلق شعر رأسه، وكان يقضي وقت فراغه على ظهر ~~السفينة في التطلع إلى ما حوله ومشاهدة الماء مقبلا على السفينة ~~ومختفيا وراءها. وعلى الرغم من قسوة جدول العمل - أربع ساعات في ~~الخدمة وأربع ساعات للراحة - ليلا ونهارا، فلم يكترث لذلك، ولم ~~يكن في حاجة إلى النوم، أو لم يكن وقت حاجته إلى النوم قد حان ~~بعد. # لم يكن يدرك قبل الآن مدى حاجته الماسة إلى هذا اللون من الحرية، ~~كان يشعر بأن قوته تضاعفت ضعفين، وطوله ازداد ثلاثة أضعاف، وأخيرا ~~عرف زيتون سر أحمد، سر رغبته في أن يصبح بحارا، ولماذا خاطر ~~بالكثير حتى يصبح ربانا، وعندما كانا يتقابلان مصادفة على ظهر ~~السفينة أو الطريق إلى مقر كل منهما، كان زيتون وأحمد يتبادلان ~~نظرات ذات معنى، وبسمات يعروها الخجل. لم يكن زيتون يدرك قبل الآن ~~معنى التحرر؛ كانت الحرية تعني كل شيء له، وكان أحمد يدرك أن أخاه ~~الأصغر لن يعود إلى جبلة في وقت قريب. # كانا يعيشان في البحر، معا أو كلا على ms125 حدة، وهما ينتقلان من ~~العشرينيات إلى أوائل الثلاثينيات، وعملا في سفن لنقل البضائع، ~~وسفن للركاب، وسفن تجمع بين البضائع والركاب، كانا ينقلان القمح من ~~ولاية نبراسكا الأمريكية إلى طوكيو، والموز البرازيلي إلى لندن، ~~والحديد الخردة الأمريكي إلى الهند ، والأسمنت الروماني إلى ~~نيجيريا، وعند الرحيل من نيجيريا كان دائما ما يتسلل إلى الباخرة ~~ركاب دون دفع الأجرة، وفي كل مرة يغادران لاجوس كانا يعثران على ~~رجلين أو ثلاثة مختبئين، وكانا دائما يتبعان الترتيبات نفسها، ~~اعمل على ظهر السفينة عملا تسدد به أجرة الرحلة، وعندما نصل إلى ~~الميناء التالي سوف نطلق سراحك وتتمتع بالاستقلال. # كان العمل الذي يحظى بأكبر تقدير هو العمل على متن سفن البضائع؛ ~~إذ كانت هذه السفن تقضي في العادة أسبوعا أو أسبوعين في الميناء، ~~وهو ما كان يتيح للطاقم الوقت الكافي لاستكشاف المنطقة. واستكشف ~~زيتون عشرات المدن، وكان دائما يرسو وجيبه عامر بالنقود ولا يتحمل ~~التزامات لأحد، وكان يستأجر سيارة، وينطلق بها فيلتهم المدن ~~المجاورة للميناء، ويستكشف الساحل، ويزور المساجد الشهيرة، ويقابل ~~نساء يطلبن منه أن يبقى. # ولكنه كان رجلا جادا، وربما أشد جدا مما ينبغي في بعض ~~الأحيان، لم يكن سرا أن البحارة يحبون لعب الورق ويستمتعون بشراب ~~عارض، ولكن زيتون لم يلعب الميسر ولم يذق قطرة من الكحول طول ~~حياته. وهكذا، فعندما تنتهي ورديته كان يعود للعمل؛ كي يساعد كل من ~~يطلب المساعدة، فإذا لم يتوافر أي عمل، يبدأ زملاؤه في طاقم ~~السفينة شرب الخمر، ويأخذ بعضهم نقود البعض بلعب الورق. كان يجد ~~تسرية مختلفة؛ كان يذهب إلى حمام السباحة الصغير على ظهر السفينة، ~~ويربط حبلا حول وسطه، ويربط الطرف الآخر في الحائط، ثم يبدأ ~~السباحة، ثلاث ساعات متواصلة، حتى يقوي ذراعيه وظهره، ويختبر ~~مدى قوته، كان دائما يختبر نفسه؛ حتى يتبين ما يستطيعه ~~جسده. # وفي النهاية، كان زيتون قد قضى عشر سنوات في العمل بحارا، ~~وشاهد وهو يعمل على متن سفينة تدعى «ستار كاستور» الخليج العربي، ~~واليابان، وأستراليا، وبلتيمور، وعلى متن سفينة تدعى «كابيتان ~~إلياس» ms126 شاهد هولندا والنرويج. شاهد قطعانا من الحيتان الحدباء، ~~والحيتان الرمادية، وأسراب الدولفين وهي ترشد السفن إلى الموانئ. ~~شاهد الشفق القطبي، والنيازك المنهمرة على الأمواج السوداء التي ~~يتهاوى بعضها فوق بعض، وسماء الليل الصافية حيث تكاد النجوم تبدو ~~لصفائها في متناول الأيدي، كأنها تتدلى من السقف في خيط شص لصيد ~~السمك، عمل فوق متن السفينة «نيتسا»، والسفينة «أندروميدا»، وظل ~~يبحر في السفن حتى عام 1988، العام الذي رست فيه سفينته في هيوستن، ~~فقرر استكشاف الداخل، وكان ذلك ما أتى به إلى باتون روج، وجاءت به ~~باتون روج إلى كاثي، وجاءته كاثي بزخاري، ونديمة، وصفية، ~~وعائشة. ~~••• # أدى زيتون الصلاة على أرضية منزله ثم رقد في فراش نديمة، وأخذ ~~يتساءل في نفسه عن المكان الذي أوت إليه زوجته وبناته هذه الليلة، ~~وما إذا كن وصلن إلى فينيكس أم لا، وحمد الله على سلامتهن، وعلى ~~سلامته، وعلى أن الجميع سوف يلتقون عما قريب. # السبت 3 من سبتمبر # استيقظ زيتون في الصباح مع الشمس، فصلى ثم ذهب يستطلع حال ~~الفريزر، لم يكن قد تبقى فيه الكثير، وما كان مجمدا أصبح يوشك ~~أن ينصهر، فإذا بقي إلى اليوم التالي فسد، وقرر أنه لا بد أن يؤكل ~~ذلك اليوم، فأخرج بعض الهامبورجر للكلاب وقرر شواء الباقي في ~~المساء، وقال في نفسه إنه سيدعو تود وناصرا وأي شخص آخر يعثر ~~عليه، فيطهون كل ما بقي من اللحم ويقيمون ما يشبه الحفل - على ~~كآبته - فوق السطح. # وسار بقاربه عبر الشارع لإطعام الكلاب. # وسأل الكلبين الأولين: «كيف أنتما يا أولاد اليوم؟» # فغمغما والتهما الطعام وجعلا يلعقان ساقيه، وكان يبهجه مدى ~~امتنانهما ومدى دهشتهما كل يوم. # وقال: «عليكما ببعض الإيمان.» # وانتقل على اللوح المتأرجح إلى الكلبين الآخرين، فأصدرا أصوات ~~همهمة أثناء دخوله من النافذة. # وسألهما: «ما الداعي للقلق؟» وأضاف: «إنني آتي كل يوم في الموعد ~~نفسه. لا تقلقا.» # كان أحمد زوج يوكو قد استمر في قيادة السيارة طول الليل، ولم ~~يتوقف إلا مرة واحدة، حتى وصل الجميع أخيرا إلى أريزونا وقت ~~الظهيرة ms127 يوم السبت، كان كلاهما قد ناله من الذهول والشد العصبي ما ~~نفى النوم عن عينيه، كما كان ذلك اليوم الأول في منزل يوكو وأحمد ~~حافلا بالتسرية التي حظيت بالترحيب، وسرعان ما أظهر أطفال يوكو ~~وأحمد الخمسة حبهم لأطفال أسرة زيتون، وأحبوا - خصوصا الصبيان ~~منهم - الخالة كاثي، فاستحالت دون أدنى جهد واحدة منهم، وغدوا ~~يعاملونها معاملة الأقران، وانهمك الجميع يلعبون ألعاب الفيديو ~~ويشاهدون التليفزيون، وحاولت كاثي أن تمتنع عن التفكير فيما حدث ~~لمنزلهم، وأين عسى زيتون أن يكون في تلك اللحظة. ~~••• # كان زيتون ما زال يخشى الاقتراب من منزله في شارع دبلن - فالرجال ~~المسلحون لا يزالون على الأرجح بالقرب منه - وهكذا لم يكن لديه هو ~~وناصر خط سير محدد في ذلك النهار، فقررا أن يتحققا بدقة من حال ~~الضاحية؛ حتى يعرفا إن كان أحد الجيران قد رحل، ويريا إن كان أحد ~~يحتاج إلى مساعدة. # ولاحظ زيتون أثناء اتجاههما جنوبا في شارع أوكتافيا أن قوة ~~تجديف الرجلين، وخصوصا بعد توقف المطر والريح، وهبتهما سرعة كبيرة ~~فانطلقا يتخطيان المنازل، فوق السيارات وحول الركام الطافي. # كان زيتون قد قام بأشغال في أكثر من عشرة منازل في هذا الشارع، ~~وكان يعرف أنه سيعود إليها عندما تزاح المياه عنها. وكانت المياه ~~الساكنة تتغلغل إلى عمق أكبر في المنازل يوما بعد يوم، وهو ما كان ~~يقلل من احتمال بقاء ما يمكن إنقاذه فيها. # شاهد ناصر الطائرة العمودية أولا. # كانت الطائرات العمودية في كل مكان، ولكنها لم تكن في العادة ~~تحلق منخفضة إلى هذا الحد، أو تظل تحلق مثل هذه المدة، ونادرا ما ~~كان ذلك يحدث في حي سكني مزدحم مثل هذا الحي. واستطاع زيتون أن ~~يلمح هذه الطائرة من خلال الأشجار وفوق أسطح المنازل قبل أن يشاهد ~~سطح الماء من تحتها، وجدف زيتون وناصر مندفعين إليها لرؤية ما ~~يحدث، وعندما اقتربا شاهدا بقعة دكناء في الماء، تشبه قطعة من ~~الخشب أو الركام، وواصلا التقدم فشعرا بالهواء المندفع من مراوح ~~الطائرة والأمواج تنداح إلى الخارج. # كان الشيء الطافي ms128 في الماء يشبه إطار عجلة السيارة، براقا ~~ومنتفخا. # كان جثة شخص. تيقنا من ذلك حين استدارت في الماء فبرز الرأس، ~~كان لرجل متوسط الحجم، يلبس تي شيرت وجينز، ويبدو نصف مغمور، ~~ومقلوبا على وجهه. # ورفع زيتون بصره إلى الطائرة العمودية، هل كانت تحاول الآن ~~إنقاذه؟ وأنعم النظر. كلا. كان في الطائرة رجل يوجه آلة تصوير إلى ~~الجثة، وكرر ذلك عدة دقائق، ثم ارتفعت الطائرة ومالت وانطلقت ~~مبتعدة. # حافظ زيتون وناصر على المسافة التي تفصلهما عن الجثة، كان زيتون ~~يعرف كثيرين من أبناء الحي، فإن كان هذا جارا أو صديقا فإن زيتون ~~لم يكن يريد أن يراه على هذه الحال. # كان كلاهما مضطربا، فانطلقا يجدفان في صمت متجهين إلى المنزل في ~~شارع كليبورن، لم يكن زيتون يتصور قط أن يأتي اليوم الذي يشهد فيه ~~مثل هذا المشهد، جثة طافية في مياه قذرة، على مسافة تقل عن ميل من ~~منزله، ولم يستطع أن يجد مكانا للمشهد في سياق ما يألفه ذهنه، ~~فالصورة تنتمي لزمان آخر، لعالم يختلف اختلافا جذريا عن هذا ~~العالم؛ إذ استدعت لخياله صور الحرب، صور الجثث التي تتعفن في ~~ميادين قتال منسية، وتساءل في نفسه: من كان هذا الرجل؟ هل كان ~~يمكننا إنقاذه؟ لم يستطع زيتون أن يتصور إلا أن الجثة ربما أقبلت ~~من مكان بعيد، وأن الرجل قد جرفته المياه من مكان قريب من البحيرة ~~إلى هذه الضاحية، لم يكن يبدو أن لديه تفسيرا آخر، ولم يكن يريد ~~أن يتخيل إمكان حاجة الرجل إلى المعونة وحرمانه منها. # وبينما كان زيتون يربط القارب في مدخل المنزل في شارع كليبورن ~~سمع رنين التليفون، فالتقطه ووجد أخاه أحمد على الخط. # قال أحمد: «ليتك ترحل!» # وقال زيتون: «أنا بخير، يزداد أماني كل يوم.» ولم يكن يعتزم ~~إخبار أحمد بالجثة التي شاهدها. # وقال أحمد: «أطفالي في قلق عليك.» كان لطفي ابن أحمد وليلى ابنته ~~يشاهدان محطة «سي إن إن» منذ بداية العاصفة، وشاهدا صور الخراب ~~واليأس، ولم يصدقا أن عمهما كان يعيش وسط ms129 ذلك كله. # وقال زيتون: «قل لهما ألا يقلقا. وأبلغهما سلامي.» # كان زيتون يشعر بالامتنان ~~لاستمرار قلق أخيه عليه. كان الأشقاء في أسرة زيتون يرتبطون بعلاقة ~~وثيقة، ولكن أحمد كان أشدهم قلقا وقضاء للوقت في جمع العناوين ~~وأرقام التليفونات والصور وإضافة ما يستجد منها. ربما كان السبب ~~إحساسه بانقطاع الرابطة معهم لأنه يعيش في إسبانيا، لكنه كان، على ~~أي حال، يريد أن يعرف مكان وجود أشقائه وما يفعلون، وكان يركز على ~~عبد الرحمن بصفة خاصة، إلى الحد الذي جعله يتصل به منذ سنوات ذات ~~يوم، في الظهيرة في نيو أورلينز، ويقترح عليه اقتراحا بالغ ~~الغرابة. # سأله أحمد: «ماذا تفعل اليوم؟» # كان ذلك يوم السبت، وكان زيتون يتأهب للخروج إلى البحيرة مع كاثي ~~والأطفال. # وقال أحمد: «هل تعرف ركن تقاطع شارع بوربون وسانت بيتر؟» # وقال زيتون إنه يعرفه. # فرد أحمد قائلا: «عندي فكرة.» ثم أوضح له أنه وجد موقعا على ~~الإنترنت يمكنه فيه الاتصال به بالصوت والصورة في ذلك الركن، فإذا ~~ذهب زيتون إليه استطاع أحمد أن يراه في الواقع وأحمد جالس أمام ~~الكمبيوتر في إسبانيا. # وسأله أحمد: «هل تود ذلك؟» # فقال زيتون: «بالتأكيد، ولم لا؟» # وأخذ زيتون الأطفال في شاحنته وسار بها الأميال القليلة التي ~~تفصله عن الحي الفرنسي، وبحث عن ركن تقاطع شارعي بوربون وسانت ~~بيتر، وعندما وصل بحث عن الكاميرا فلم يجدها، لكنه قال في نفسه إن ~~عليه أن يقف برهة هناك على الأقل. بل إنه وقف مع الأطفال في ركن من ~~أركان التقاطع من باب الحيطة. وعندما عاد إلى البيت اتصل بأحمد ~~الذي كان يوشك أن يتواثب فرحا في التليفون. # قال أحمد: «شاهدتك! شاهدتكم جميعا! بجوار محل السجق ~~الساخن!» # وظل يشاهدهم خمس دقائق، والبسمة العريضة على شفتيه طول الوقت، ثم ~~سجل المشهد وأرسله بالإيميل إلى زيتون. # وعندما رأى زيتون المشهد المسجل ضحك واندهش. كان يبدو فيه مع ~~الأربعة الأطفال جميعا، كانت نديمة تحت مصباح الشارع مباشرة، ~~وزخاري يحمل صفية، وزيتون يحمل عائشة. كان أحمد مولعا ~~بالتكنولوجيا ويضمر مشاعر ms130 عميقة لأشقائه تدفعه إلى حمايتهم، وكان ~~يرعى - بالمعنى الحقيقي للكلمة - أخاه زيتون طول الوقت. # وعلى السطح ذلك المساء قام زيتون وتود وناصر بشواء ما بقي من ~~اللحم، مشيرين إلى أن هذه كانت أول مرة منذ بداية العاصفة يشهد أي ~~منهم حفلا من أي نوع. كانت محادثاتهم مرتبكة، وفكاهاتهم تكتنفها ~~ظلال سواد، تحدثوا عن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، وصالة ~~الألعاب المغطاة، ومركز المؤتمرات. كانوا قد سمعوا أنباء فردية من ~~الراديو ومن الآخرين الذين بقوا في المدينة، في الصالة أو المركز، ~~وكانوا جميعا سعداء لأنهم لم يلجئوا لأيهما؛ إذ كانوا يعرفون سوء ~~الاحتماء بأيهما، ولم يكن أحد منهم يود أن يحبس في مثل ذلك ~~القفص. # وتحدثوا عما تئول المدينة إليه بعد انحسار المياه. ستكون ~~الأشجار والقمامة منتشرة في كل مكان، وسوف تبدو الأرض مثل قاع ~~بحيرة جرفت منها المياه، وسوف يتعذر المرور في الطرق أمام ~~السيارات والعجلات، بل أي نوع من أنواع المركبات. # وقال زيتون: «الحصان يحل المشكلة. سنأتي ببعض الخيول. أمر ~~يسير.» # وضحك الجميع. # وعندما زاد الظلام في السماء شاهد زيتون ضوءا برتقالي اللون من ~~خلال الأشجار، على مسافة تقل عن ميل واحد، وسرعان ما انهمك الثلاثة ~~في مشاهدة ازدياد الضوء، وألسنة اللهب تتلوى وتعلو في الفضاء. كان ~~زيتون واثقا بأنها اكتسحت مبنيين أو ثلاثة مبان على الأقل، ثم ~~ركز بصره فأدرك أن الحريق قريب جدا من ... # صاح: «مكتبي!» # كانت في المكتب مقادير كبيرة من الطلاء، مئات الجالونات، ومواد ~~تقليل كثافة الطلاء، والأخشاب، وأشياء كثيرة سامة وقابلة ~~للاشتعال. # وقال: «لا بد أن نذهب.» # وهبط زيتون وتود على جانب المنزل، وركبا قارب تود ذا المحرك، ~~وأسرعا نحو الحريق حتى شاهدا النار وهي تتوهج باللونين الأبيض ~~والبرتقالي بين المباني وفوق قمم الأشجار. وعندما اقتربا منها، ~~أدركا أن الحريق قد التهم عمارة كاملة، كانت الحرائق مشتعلة في ~~خمسة منازل، وألسنة اللهيب تحاول الإمساك بالسادس، لم تكن معهما ~~أدوات لصد الحريق، ولم يكونا يعرفان على الإطلاق ما يمكنهما أن ~~يفعلا لإطفاء جحيم كيميائي. # لم يكن ms131 مكتب زيتون قد أصيب بأي أضرار، ولكنه لم يكن يبعد عن ~~الحرائق بأكثر من عشرين قدما، واختبرا قوة الرياح واتجاهها، كانت ~~ليلة ساكنة، ذات رطوبة عالية. كان من المحال التنبؤ بمسار النار، ~~ولكن المؤكد أنه كان يتعذر إيقاف مسارها ، كانت على مقربة منهما ~~محطة مطافئ لا تبعد إلا بمقدار أربعة مربعات سكنية، ولكنها كانت ~~خالية وتغمرها المياه. ولم يكونا يستطيعان رؤية رجال المطافئ في أي ~~مكان، ولما كانت خطوط التليفون مقطوعة، ورقم الطوارئ 911 لا يعمل، ~~فلم تكن لديهما وسيلة لتنبيه أحد، لم يكن في طوقهما إلا ~~المشاهدة. # وجلس زيتون وتود في قاربهما، وحرارة النار تلفحهما في موجات ~~منتظمة، وكانت للنار رائحة كالمسك لاذعة وألسنة اللهب تزدرد ~~المنازل بسرعة عجيبة، وكان بين هذه المنازل قصر فكتوري طالما أبدى ~~زيتون إعجابه به، وبعده بقليل منزل كان زيتون ينظر في شرائه عندما ~~عرض للبيع منذ سنوات معدودة، وقد ابتلعت الحرائق المنزل في بضع ~~دقائق، واختفت الأطلال في المياه الدكناء، فلم يبق منها ~~شيء. # واشتدت الريح من جديد، ولكنها كانت تهب في عكس اتجاه مكتب زيتون، ~~ولو كانت قد هبت مرة واحدة في الاتجاه الآخر لاستسلم مبنى المكتب ~~أيضا. وحمد الله على رحمته به. # وبينما استغرقا في المشاهدة، لمحا عددا محدودا من الناس ~~يشاهدون معهم. كانت وجوها يكسوها اللون البرتقالي ويلفها ~~الصمت. وباستثناء قعقعة النار والأصوات العارضة لانهيار جدار أو ~~أرضية منزل، كان الليل ساكنا. لم تتردد أصوات سرينات سيارات ~~الإسعاف أو الشرطة، ولم يشعر أحد بوجود أي سلطة من أي نوع؛ لا شيء ~~سوى كتلة من البيوت التي تحترق وتغوص في البحر الأسود الذي ازدرد ~~المدينة. # وعندما عاد زيتون وتود إلى المنزل في شارع دارت، كانا صامتين، ~~وظهرت النجوم في السماء، وكان تود يقود القارب كأنما كان ربانا ~~ليخت عظيم. أوصل زيتون إلى منزله، وتبادلا تحية المساء، وعندما صعد ~~زيتون إلى السطح كان ناصر قد نام في الخيمة. # وقف زيتون على سطح المنزل وشاهد النار وهي تعلو وتهبط. الطوفان، ~~ثم الحريق؛ كان ms132 من الصعب عدم ذكر الآيات القرآنية التي تحكي طوفان ~~نوح، دليلا على غضب الله. ولكن، على الرغم من الدمار الذي حل ~~بمدينة نيو أورلينز، فإن لونا من النظام كان لا يزال يسود الليل، ~~كان زيتون سالما فوق سطح منزله، والمدينة صامتة ساكنة، والنجوم في ~~مواقعها. ~~••• # كان ذات يوم على ظهر ناقلة بترول تبحر من خلال جزر الفلبين، ربما ~~منذ عشرين عاما، كان الوقت قد تأخر؛ إذ تجاوز منتصف الليل، وكان ~~زيتون يصاحب الربان في برج القيادة. # وكان الربان يونانيا في منتصف العمر، وكان يحب مناقشة موضوعات ~~مثيرة حتى يظل يقظا منتبها، كان يعرف أن زيتون مسلم، وأنه رجل ~~سديد التفكير، فقرر الربان أن يبدأ مناقشة حول وجود الله مستهلا ~~إياها بالتعبير عن اقتناعه التام بعدم وجود الله، أو بعدم وجود إله ~~في السماء يرقب دنيا البشر. # كان زيتون في تلك اللحظة قد قضى مع الربان ساعة في برج القيادة ~~يتابع إرشاده للسفينة خلال الجزر الكثيرة؛ بحيث يتجنب الرفارف ~~الصخرية والحواجز الرملية العالية تحت سطح الماء، وكذلك السفن ~~الأخرى وغير ذلك من الأخطار الخفية، وكانت الفلبين التي تتكون من ~~أكثر من سبع آلاف جزيرة وليس بها سوى خمسمائة منار بحري، مشهورة ~~بكثرة الحوادث البحرية. # وسأل زيتون الربان: «ماذا يحدث لو أنك هبطت معي تاركا ظهر ~~السفينة، ثم ذهبنا إلى غرف نومنا ونمنا؟» # ونظر إليه الربان نظرة استفهام، وأجاب قائلا إن السفينة لا بد ~~وبكل تأكيد أن تصطدم بشيء، أو تجنح أو ترتطم بدبر مرجاني. وعلى ~~أي حال فالنتيجة كارثة. # فقال زيتون: «إذن من دون ربان لا تستطيع السفينة ~~الإبحار.» # وقال الربان: «نعم. ما مغزى سؤالك؟» # وابتسم زيتون، وقال: «انظر فوقك، انظر إلى النجوم والقمر. كيف ~~تحتفظ النجوم بمواقعها في السماء؟ وكيف يدور القمر حول الأرض، ~~والأرض حول الشمس؟ من الذي يرشدها؟» # وابتسم الربان لزيتون؛ إذ يشعر بأنه أوقع في فخ. # وأكمل زيتون عبارته قائلا: «من دون أن يرشدنا أحد، ألا تسقط ~~النجوم والقمر على الأرض؟ ألا تطغى المحيطات على اليابسة؟ كل ms133 مركبة ~~وكل ناقلة للبشر تحتاج إلى قائد. صحيح؟» # كان الربان مأخوذا بجمال الاستعارة، فاكتفى بالصمت تعبيرا عن ~~استسلامه. ~~••• # وعلى سقف منزله، زحف زيتون داخلا خيمته، محاولا ألا يوقظ ~~ناصرا، أدار ظهره للحريق ونام نوما متقطعا، وهو يفكر في الحريق ~~وفي الطوفان وفي قدرة الله. # الأحد 4 من سبتمبر # نهض زيتون مبكرا في الصباح، فهبط إلى قاربه، وعبر به الشارع ~~لإطعام الكلاب، وتسلق الشجرة من النافذة وأطعمها ما بقي من ~~اللحم. # سألها: «هل تحبين الشواء؟» # كانت الكلاب تحبه. # وقال: «أراكم في الغد.» وهو يذكر نفسه بإحضار بعض الطعام من ~~تود. # عاد فاصطحب ناصرا، ونقله إلى المنزل في شارع كليبورن، ثم انطلق ~~وحده. لم يكن واثقا أين يذهب اليوم، وهكذا اختار طريقا جديدا، ~~يقضي بعودته أولا إلى شارع دارت، ثم الاتجاه شرقا إلى إيرهارت، ~~قاصدا طريق جيفرسون دافيز. # كان هذا النهار يزيد هدوءه عن اليوم المنصرم، لم تكن في السماء ~~طائرات عمودية، ولا زوارق حربية في الماء، وقل من رآهم يخوضون في ~~الماء الذي اكتسى الآن لونا رماديا ضاربا إلى الخضرة، وعلى ~~صفحته في كل مكان بقع من الزيت، وكانت رائحته تشي بقذارة تزداد ~~يوما بعد يوم، بمزيج تعس من السمك والطين والمواد ~~الكيميائية. # وعندما اقترب من مفترق طرق إيرهارت، وجيفرسون دافيز، وواشنطن، ~~رأى ارتفاع الأرض قليلا حتى إنه شاهد الكلأ الجاف، مساحة شاسعة ~~عند التقاطع يمتزج فيها اللون الأخضر باللون البني في الوسط، وفوق ~~الكلأ رأى مشهدا مدهشا، خصوصا في إطار ما كان يتحدث عنه مع ~~ضيوفه في الليلة السابقة، رأى ثلاثة أحصنة تمضغ الطعام في سعادة، ~~كانت تتمتع بالحرية، فلم يكن يركبها أحد، ولم تكن عليها ~~سروج. # كان المشهد ينتمي لدنيا الشعر وعالم الوهم في آن واحد، فاقترب ~~في قاربه منها، ورفع حصان من بينها رأسه حين أبصر زيتون. كان ~~حيوانا جميلا، أبيض اللون وذا نظافة كاملة. ولما أدرك أن زيتون ~~لا يمثل خطرا عاد الحصان إلى وجبته، واستمر الآخران يأكلان، وكان ~~أحدهما أسود والآخر رماديا، أما كيف أتت الخيل ms134 إلى هنا فكان ~~يتجاوز قدرة مخيلة زيتون، ولكنها كانت هانئة، فيما يبدو، برضا ~~سماوي، تستمتع بحريتها. # وظل زيتون يرقبها بضع دقائق ثم استأنف رحلته. # وسار زيتون بقاربه إلى شارع جيفرسون دافيز، وعندما وصل إلى الجسر ~~على شارع أ-10 حمل القارب حتى تخطاه ثم استأنف التجديف، حتى وصل ~~إلى القسم السكني في الطريق. وبالقرب من ناصية شارع بانكس، سمع صوت ~~امرأة. ~~«أنت يا من هناك؟» # رفع بصره فشاهد امرأة بشرفة الطابق الثاني بأحد المنازل، فأبطأ ~~سيره واتجه نحوها. # وسألته: «هل تسمح بتوصيلي؟» # كانت المرأة ترتدي بلوزة زرقاء براقة، وأخبرها زيتون أنه يسعده ~~مساعدتها، ثم وجه القارب إلى درج منزلها، وعندما نزلت من الشرفة، ~~لاحظ زيتون قصر إزارها وحذاءها ذا الكعب العالي، والألوان الصارخة ~~على وجهها، وحقيبتها الصغيرة المتلألئة، وأخيرا أدرك ما كان يمكن ~~أن يراه الجميع بوضوح، كانت مومسا. لم يكن واثقا من صحة إقدامه ~~على التجول في قارب تركبه مومس، ولكنه لم يجد من الوقت ما يسمح له ~~برفض توصيلها الآن. # كانت توشك أن تركب القارب حين أوقفها زيتون. # سألها: «هل يمكنك خلع حذائك؟» # كان يخشى أن يخرق سن الكعب العالي هيكل القارب المصنوع من ~~الألومنيوم الرقيق، وأطاعت رجاءه قائلة إنها تريد الذهاب إلى شارع ~~قنال، فهل يسمح بتوصيلها إليه؟ وقال زيتون إنه لا مانع ~~لديه. # جلست قبالته واضعة يديها على جانب القارب، وكان زيتون يشعر بأنه ~~مثل سائق الجندول فجعل يجدف بانتظام دون أن يتكلم. وتساءل إن كانت ~~تتوافر، ولما تمض على العاصفة سوى أيام قليلة، سوق تقدم فيها ~~«خدماتها»، هل كان يمكنها أن تعمل في المنزل الذي وجدها ~~فيه؟ # وسألها: «إلى أين أنت ذاهبة؟» إذ لم يكن يستطيع أن يقمع ~~فضوله. # وقالت: «إلى العمل.» # وعند تقاطع شارع جيفرسون دافيز وشارع قنال أشارت إلى مبنى ~~الكنيسة المعمدانية المتحدة الأولى. # وقالت: «أنزلني هنا.» # فجدف في القارب حتى وصل إلى المبنى الذي يكسوه الآجر الأحمر، ~~حيث تلتقي المياه بالدرجات المرتفعة في مدخل الكنيسة، وهناك نهضت ~~وغادرت القارب. # قالت: «شكرا يا حبيبي!» ms135 # وأومأ برأسه واستأنف تجديفه مبتعدا. # ووصل زيتون مرة أخرى إلى المعبر العلوي عند تقاطع شارع كليبورن ~~وطريق أ-10، وكان يستطيع حتى على مبعدة منه أن يدرك أن الأشخاص ~~الذين رآهم من قبل ينتظرون الإنقاذ منذ أيام قليلة قد نقلوا من ~~ذلك المكان. كانت السيارة لا تزال في مكانها، مثل أكوام القمامة ~~والنفايات البشرية، وعندما زاد اقتراب القارب، لفت انتباهه شيء؛ ~~بقعة من الفراء. ولم تمض لحظة حتى اقترب إلى الحد الذي أتاح له أن ~~يدرك أنه كان كلبا راقدا على جنبه، وتذكر أنه عندما كان هنا آخر ~~مرة، كان في ذلك المكان نحو ستة كلاب صغيرة، معظمها جراء، تحتمي ~~بظل السيارات. وعندما لمس قاربه المعبر العلوي استطاع أن يرى أن ~~عدد الحيوانات يبلغ عشرة أو أكثر، وكانت هي التي رآها من قبل مع ~~عدد آخر غير كبير، في أوضاع شتى فوق الطريق. فأرسى قاربه على ~~المعبر العلوي وصعد على الرصيف، وعقد المشهد لسانه. كانت الكلاب ~~ميتة، كانت قد قتلت، برصاصة في رأس كل منها، وكان بعضها قد أطلقت ~~عليه النار عدة مرات، على الرأس والجسم والأرجل. # وأسرع في تجديفه عائدا إلى منزل شارع كليبورن، وهو مضطرب، واتصل ~~بكاثي في التليفون. كان يريد أن يسمع صوتها. # قال: «رأيت شيئا من أفظع ما يمكن.» وقص عليها ما حدث للكلاب. ~~لم يكن يستطيع أن يفهم ذلك. # وقالت: «آسفة أشد الأسف.» ~~- «لا أعرف من يمكنه أن يفعل ذلك.» ~~- «ولا أنا يا حبيبي.» ~~- «ولماذا يقتلهم جميعا؟» # وحاولا أن يفهما منطق ما حدث، فحتى لو كانوا يساعدون الكلاب على ~~الموت راحة لها من العذاب، لم يكن ذلك مقبولا. كانت في المدينة ~~قوارب بالغة الكثرة، ولم يكن نقلها وإطلاقها في أي مكان بعيد ~~يستغرق زمنا طويلا، ولكن ربما كان شيء ما قد تغير دونما أمل في ~~تصحيحه. أما أن يعتبر هذا الحادث اختيارا عاقلا أو حتى ~~اختيارا رحيما؛ فإن ذلك معناه أن كل صورة من صور العقل قد غادرت ~~هذا المكان. # وسألها: «كيف حال الأطفال؟» # قالت: «بخير. ms136 يفتقدونك.» # وسألها: «هل تدخلين الأطفال المدرسة غدا؟» # قالت: «سأحاول.» # حاول أن يفهم، لكنه كان محبطا، كان لا بد للأطفال من المدرسة، ~~لكنه لم يكن في حالة نفسية تسمح بالمناقشة. # وتحدثا عما كان يعتزم أن يفعله عصر ذلك اليوم، كان دائما يرى في ~~كل يوم أكثر مما ينبغي وأقل مما ينبغي في آن واحد. كان عدد الأشخاص ~~الباقين في المدينة أقل، حتى في وسط البلد، ولكن انظر إلى الخيول، ~~والمومس، والكلاب! كانت العلامات المنذرة بالكوارث تزداد، ويزداد ~~معها بروز عالم الوهم، وقال لها إنه ربما استطاع أن يستجم اليوم، ~~ويتأمل ما حدث كله. # وقالت له: «بل عليك الاستجمام.» كان كل وقت يقضيه في المنزل يزيد ~~من اطمئنانها على سلامته، فأضافت: «امكث في المنزل اليوم.» # وقرر فعلا أن يمكث في المنزل. # وحاول ذلك، على الأقل. فاستلقى على فراش نديمة، محاولا ~~الاسترخاء، لكنه لم يكن يستطيع التوقف عن التفكير في الكلاب. من ذا ~~الذي يمكنه أن يطلق النار على كلب؟ كل هذه الحيوانات التي تحتاج ~~إلينا وتثق بنا. وحاول كعادته التماس الأعذار لمن فعل ذلك، لكنهم ~~إن كانوا استطاعوا الوصول إلى الكلاب بالمسدسات والطلقات، أفلم ~~يكونوا بالسهولة نفسها قادرين على إطعامها؟! # غادر فراشه وبحث عن القرآن. كان يفكر في سورة «الحاقة». أخذ ~~المصحف من فوق رف نديمة ووجد الصفحة، وكانت آياتها مثلما كان ~~يذكرها: # الحاقة * ما ~~الحاقة * وما أدراك ما الحاقة ~~* كذبت ثمود وعاد بالقارعة ~~* فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية * وأما عاد فأهلكوا ~~بريح صرصر عاتية * سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ~~فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية * فهل ترى لهم من ~~باقية * وجاء فرعون ومن قبله ~~والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا ~~رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية * إنا لما طغى الماء حملناكم ~~في الجارية * لنجعلها لكم ~~تذكرة وتعيها أذن واعية ~~(الحاقة: ~~1-12). # وزحف زيتون إلى السطح من خلال النافذة، كانت السماء ملبدة ~~بالغيوم والرياح باردة، جلس وجعل ينظر إلى المدينة على ~~البعد. # وخطر له خاطر مقلق، وهو ألا يكون قاتلو الكلاب من رجال ms137 الشرطة أو ~~الجيش على الإطلاق. وقال زيتون في نفسه ربما كانت كاثي محقة، وكانت ~~في المدينة عصابات مسلحة تقتل ما تشاء أن تقتله. # ونظر فيما يملكه شخصيا من إمكانات الدفاع عن نفسه؛ إذ ماذا ~~عساه أن يفعل لو جاء الرجال هنا إليه ؟ لم يكن قد شهد حوادث سطو في ~~هذا الحي حتى الآن. ولكن فلنفترض أنهم جاءوا إلى هنا؟ # وعندما اشتدت ظلمة الليل، تمنى زيتون لو لم يكن وحيدا. وخطر له ~~أن يعود إلى المنزل الآخر ليحدث تود وناصرا عما رآه. # ولكنه لم يذهب، بل ظل ~~جالسا على سطح المنزل، محاولا إقصاء التفكير في الكلاب على ~~المعبر العلوي، ربما كان به ضعف من هذه الزاوية فلقد كان دائما ~~حنونا على الحيوانات، وكان لديه في طفولته عدد كبير منها، فلقد ~~اقتنص السحالي والسرطانات البحرية، بل آوى حمارا شريدا في زقاق ~~خلفي عدة أيام، وكان يعتزم امتلاكه ورعايته. وقد وبخه والده على ~~ذلك، وعلى مشروع تربية الحمام الذي كان يشارك أخاه أحمد القيام به، ~~والواقع أن ذلك كان من بنات أفكار أحمد، أحد المشروعات التي أغرى ~~أخاه الأصغر بتنفيذها. # قال له أحمد ذات يوم: «تريد أن ترى شيئا؟» كان أحمد في السادسة ~~عشرة، وكان عبد الرحمن يتبعه أينما ذهب. # وبعد أن جعل أحمد أخاه عبد الرحمن يقسم على كتمان السر، اصطحبه ~~أحمد إلى السطح وأراه قفصا صنعه من الأخشاب المهملة والشباك ~~السلكية، وكان في داخله عش من القش وورق الصحف، وفي داخل العش ~~طائر، قال عبد الرحمن في نفسه إنه ما ~~بين الحمامة واليمامة، وكان أحمد ~~يعتزم صنع عشرات مثل هذا القفص ووضعها على السطح، وأن يطعم الحمام ~~ويرعاه، ويدربه على نقل الرسائل. وسأل أحمد أخاه عبد الرحمن إن كان ~~يحب مساعدته. وكان عبد الرحمن يحب ذلك حقا فاتفقا على رعاية ~~الطيور معا، وكان عبد الرحمن، باعتباره الأصغر، مكلفا بتنظيف ~~الأقفاص إذا دعت الضرورة، وأحمد باعتباره الأكبر والأكثر خبرة بهذه ~~الأمور، مكلفا بالعثور على طيور جديدة، وإطعام الطيور الموجودة، ~~وتدريبها عندما يحين ms138 الوقت. # وهكذا كانا يقضيان هناك ساعات طويلة، يراقبان الطيور تأتي وتذهب، ~~ويقومان بإطعامها من راحة اليد، مستمتعين بالألفة التي تتيح ~~للطيور أن تحط على أذرعهما وأكتافهما. # وسرعان ما أصبح لديهما ثلاثون طائرا أو أكثر تعيش فوق سطح ~~منزلهما، وبنى أحمد وعبد الرحمن مساكن أخرى لها، حتى غدا لديهما ~~مجمع لم يكن يختلف عن أبراج الحمام المبنية من الحجر واللبن في ~~الحي الذي يقيمان فيه، بيوت يتكوم بعضها فوق بعض، وتعلو من المحيط، ~~وتتقاطع مثل الفسيفساء البسيطة، وتمتد داخل اليابسة. # وكان كل شيء يسير على ما يرام حتى اكتشف محمود والدهما، تلك ~~الهواية، وكان يرى أن الاحتفاظ بالطيور مضيعة فظيعة وغير صحية ~~للوقت، وكان محمود منذ وفاة ابنه محمد، نافد الصبر، ضيق الصدر، ~~فكان الأطفال ينشدون التسرية خارج المنزل الذى تكتنفه الأحزان، كان ~~الوالد محمود يصر على أن هذه الهواية كانت تشغلهما عن واجباتهما ~~المدرسية، وإذا ضحى هذان الاثنان بتعليمهما في سبيل الحمام فلن ~~يبقى له سوى الحمام وولدين أميين. # أمرهما بإطلاق الحمام وهدم الأقفاص، فاكتأب الغلامان، ودافعا عن ~~قضيتهما أمام والدتهما، فأحالتهما إلى زوجها الذي أصر على موقفه، ~~ورفض عبد الرحمن وأحمد تنفيذ ذلك الأمر بأيديهما، وذات يوم عندما ~~كان الغلامان ذاهبين إلى المدرسة، قال محمود إنه سيقوم بذلك أثناء ~~غيابهما. # وعندما عاد الغلامان في عصر ذلك اليوم هرعا إلى السطح مباشرة ~~ليريا ما فعل، فوجدا الطيور في أماكنها والأقفاص لم يمسسها سوء. ~~أدهشهما ذلك، فهبطا مسرعين واتجها إلى المطبخ حيث وجدا أمهما ~~منفرجة الأسارير، واتضح أن محمودا اتجه إلى السطح، فأوت الطيور ~~إليه مرحبة ووقفت على كتفيه وذراعيه، وسحره ما حدث إلى الحد الذي ~~منعه من طردها، وهكذا سمح للطيور بالبقاء. # وتوفي محمود بعد بضع سنوات، كان السبب مرض القلب، ولكن جبلة كانت ~~تقول إنه الكرب والأسى العميق؛ لم يستطع الوالد قط أن يقهر حزنه ~~على ابنه الذهبي، فخر الأسرة وسوريا جمعاء، محمد. # وافترض زيتون أن ناصرا سيقيم في المنزل الآخر، وإذا أراد الحضور ~~إلى هنا استطاع ذلك، فإن ms139 تود لديه زورق، وهكذا استقر زيتون في ~~الخيمة ونام وحده. # الإثنين 5 من سبتمبر # استيقظ زيتون مبكرا في الصباح، فصلى الصبح، وانطلق يجدف في ~~قاربه حتى عبر الشارع لإطعام ~~الكلاب. كان قد حصل على بعض طعام الكلاب من تود. # قال للكلبين: «نفد اللحم يا أصدقاء. لم تعد عندي لحوم!» # ولم يبد أنهما اكترثا، فالتهما ما قدمه لهما، وكان يبدو أنهما ~~الآن بخير ولم يعودا يكابدان الصدمة التي اعترتهما منذ بضعة ~~أيام. # وقال: «رأيتما؟ آتيكما كل يوم. آتي دائما.» # ثم هبط من السطح وانطلق بالقارب. # واتجه إلى منزل شارع كليبورن فوجد ناصرا وتود جالسين في مدخل ~~المنزل يتناولان طعام الإفطار، فدخل المنزل واتصل بكاثي. # قالت كاثي: «أفراد الشرطة ينتحرون!» # كان شرطيان مختلفان قد انهارا أمام العاصفة وما نجم عنها ~~فانتحرا؛ إذ عثر على الجاويش بول أكاردو، أحد كبار المتحدثين باسم ~~جهاز الشرطة قتيلا في سيارة الشرطة في بلدة لولينج القريبة، بعد ~~أن انتحر. أما الشرطي لورنس سيليستين فقد انتحر يوم الجمعة أمام ~~شرطي آخر. # وشعر زيتون بألم عميق من جراء ذلك، فقد كانت علاقته طيبة على ~~الدوام مع شرطة المدينة، كان يعرف وجه الجاويش أكاردو خير المعرفة؛ ~~إذ كان كثير الظهور في التليفزيون وكان يوحي بالتعقل ~~والهدوء. # وذكرت كاثي العصابات الجوالة، والمواد الكيميائية السامة، ~~والأمراض التي تكتشف وتنتشر. كانت تحاول من جديد إقناع زوجها ~~بالرحيل. # قال لها: «سأتصل بك فيما بعد.» ~~••• # واتصل روب، رفيق والت، بكاثي للاطمئنان على أسرة زيتون، ليعرف ~~أين تقيم، وإن كانت تحتاج إلى مساعدة، وعندما قالت له إن زيتون ما ~~زال في نيو أورلينز، لم يصدق روب ما يسمع. # سألها: «ماذا يفعل هناك؟» # فقالت كاثي: «لديه زورقه الصغير، ويتجول به في المدينة.» وحاولت ~~كاثي إبداء عدم الاكتراث. # فقال روب: «لا بد أن يخرج منها.» # وقالت كاثي: «أنا أعرف. ذلك ما أقوله يوميا له.» # وفي غضون حديثه ذكر روب أنه ورفيقه والت قد تركا قطتهما عندما ~~فرا من العاصفة. كانا قد حاولا العثور عليها قبل المغادرة ولكنها ~~لم ms140 تكن قطة منزلية، بل تهوى التجول خارج المنزل، ولم تأت إلى ~~المنزل أو تقترب منه آنذاك. وقال إنه يأمل أن يبحث زيتون عن أي أثر ~~لها إذا وجد نفسه في الحي الذي يقيمان فيه، وإن لديه في الجراج ~~مولدا كهربائيا، ويرحب باستخدام زيتون له إذا احتاج إليه ~~واستطاع أن يصل إلى ذلك المنزل. # واتصلت كاثي بمنزل شارع كليبورن، وكان زيتون لا يزال موجودا، ~~يوشك أن ينصرف، فأخبرته بما يرجوه روب من اطمئنان على منزله. كان ~~المنزل يقع على مسافة ثلاثة أميال على الأقل، ولا بد للوصول إليه ~~من نقل القارب إلى اليابسة في الطريق الرئيس، ولكن زيتون أسعده أن ~~يكلف بمهمة محددة. وعندما ذكرت كاثي إمكان استخدام مولد ~~الكهرباء نبذ زيتون الفكرة؛ إذ كان يفضل ألا يحمل أي منقولات على ~~الإطلاق في تجواله، فإلى جانب تشككه في إمكان نقل المولد إلى ~~القارب، كان يحرص على ألا يحمل فيه أي شيء له قيمة؛ إذ كان يعرف أن ~~الشرطة تبحث عمن يقومون بالسلب والنهب. # وانطلق مع ناصر إلى منزل والت وروب. كان النهار دافئا، والسحاب ~~أبيض، فقررا المرور على منزل ناصر في طريقهما للاطمئنان عليه، ~~فسلكا شارع فونتابلو إلى شارع نابليون، وكان منزل ناصر على ناصية ~~شارعي نابليون وجالفيز، وكان يريد أن يرى إن كان يمكنه إنقاذ أي ~~شيء. # وعندما وصلا إلى هناك، وجدا أن الماء قد وصل إلى حواف السقف، ولم ~~يجدا سبيلا لدخول المنزل، ومن المستبعد أن يكون فيه ما يستحق ~~الإنقاذ. وكان ناصر قد استعد لهذا المشهد، وكان مثلما توقع ~~تماما. # قال: «هيا بنا.» # وسارا في طريق جيفرسون دافيز إلى منزل والت وروب. كان ارتفاع ~~المياه أقل كثيرا، ثماني عشرة بوصة وحسب. فخرج زيتون من القارب ~~وسار إلى الباب الأمامي، واتضح له أن المنزل بخير، لكنه لم يجد ~~أثرا للقطة، وخطر له إمكان القفز فوق السور للوصول إلى الفناء ~~الخلفي، ولكن هذا النوع من السلوك المريب هو الذي يبحث رجال الشرطة ~~والجيران عنه. # وأدارا وجهة القارب إلى اليسار، وفي ms141 طريق عودتهما إلى المنزل ~~مرا بمكتب البريد عند تقاطع شارعي جيفرسون دافيز ولافيت، وكانت ~~تلك البقعة مكان إنقاذ الأفراد بالطائرات العمودية. لم يشاهدا أي ~~طائرات عمودية ولكن عمال الإنقاذ يتجمهرون في ساحة انتظار ~~السيارات. # وسأل زيتون ناصرا: «هل تريد الرحيل؟» # فقال ناصر: «ليس اليوم.» ~~••• # وفي ذلك المساء أدي زيتون وناصر الصلاة جماعة على سطح المنزل في ~~شارع دارت، وتناولا الهمبرجر المشوي، كانت الرطوبة عالية، والهدوء ~~سائدا في تلك الليلة، لا يقطعه إلا صوت عارض لزجاج ينكسر، أو ~~زمجرة طائرة عمودية تطير قريبا من سطح الأرض، ولكن المدينة كانت ~~فيما يبدو وصلت إلى نوع من التوازن الجديد بشكل عام. وأوى زيتون ~~إلى الرقاد وهو يشعر كم يفتقد كاثي والأطفال، ويتساءل في نفسه إن ~~كان الوقت قد حان للرحيل. # الثلاثاء 6 من سبتمبر # وفي الصباح، وبعد الصلاة، ذهب زيتون لإطعام الكلاب عبر الشارع، ~~من طعام الكلاب الذي أعطاه تود إياه، وكان يطعم منه الحيوان المدلل ~~الذي أنقذه، وعندما عاد إلى المنزل لتوصيل ناصر، لاحظ أن ناصرا ~~كان يحمل حقيبة المعدات الرياضية السوداء الخاصة به. # وقال زيتون مومئا إليها: «تأهبت للرحيل؟» # وقال ناصر إنه استعد، كان يتأهب للجلاء عن المدينة، وشعر زيتون ~~بالحزن لفراقه، وإن أسعده أن يعرف أن صديقه ستكتب له السلامة، بل ~~ما هو أفضل، أي ألا يضطر زيتون بعد الآن إلى مشاركة أحد له في ~~الخيمة، وركب ناصر القارب وانطلقا. # واتجها صوب ساحة انتظار السيارات عند مكتب البريد. كانا قد مرا ~~بها مرات عديدة وكان زيتون يسأل ناصرا في كل مرة إن كان مستعدا ~~للرحيل، ولكنه لم يكن مستعدا حتى الآن. # وقال زيتون: «سوف تركب هذه.» مشيرا إلى طائرة عمودية برتقالية ~~اللون جاثمة فوق الأرض بعيدة عنهما. # وازداد اقترابهما فأدركا ما بدا لهما غريبا في تلك الطائرة؛ ~~كانت جاثمة على جنبها. # وقال ناصر: «غير معقول!» # كانت مروحتها مكسورة، والكلأ أسود اللون حولها. # وقال زيتون في رهبة: «لقد تحطمت!» # وكرر ناصر الكلمات همسا: «لقد تحطمت!» # وزادا اقترابهما منها. لم يكن بقربها ms142 أحد، ولا أثر لأي إصابة ~~بشرية، أو دخان أو فريق إنقاذ. لا بد أنها سقطت فتحطمت في اليوم ~~السابق، ولم يبق منها سوى كومة من الفولاذ البرتقالي اللون. لن ~~يرحل ناصر بالطائرة هذا اليوم. # وعادا إلى منزل شارع كليبورن في ذهول، واتصل زيتون بكاثي . لم يكن ~~يستطيع أن يقرر إن كان ينبغي أن يخبرها بأمر الطائرة العمودية، كان ~~واثقا بأن الخبر سوف يزعجها فقرر تحاشيه. ~~«هل نجحت في إدخال الأطفال إحدى المدارس؟» # وقالت كاثي إنها تحاول وإن لم يكن ذلك يسيرا. # وزفر زيتون بصوت مرتفع. # فقالت كاثي: «إنك مثل من فقد جمله فخرج يبحث عن الحبل!» وكان ~~ذلك من تعبيراته المفضلة، وكانت تتلذذ باستخدامه ضده. كان دائما ~~يقوله حين يشعر بأن كاثي تركز على التفاصيل غير المهمة وتتجاهل لب ~~المشكلة. # لم يبد أن التعبير أضحكه. # فقالت: «لا تحزن يا حبيبي!» # لم تكن المدرسة الهم الأول الذي يشغل بال كاثي، كانت قد صممت ~~طيلة البارحة وصباح هذا اليوم، على إقناع زوجها بمغادرة المدينة. ~~كان العمدة ناجين قد أمر بإجلاء جميع من بقي في المدينة ~~بالقوة. # وكررت ذلك قائلة: «الإخلاء قسرا.» # كان المسئولون قلقين خشية انتشار بعض الأمراض التي تنقلها ~~الأميبا كولاي، وحمى التيفود، والكوليرا، والدوسنطاريا. ~~فالأحوال غير الصحية خطر على صحة كل من في المنطقة. # وقال: «أنا لا أشرب المياه.» # فقالت: «والنفايات السامة؟ تعرف الأوساخ المدفونة تحت الأرض ~~هناك.» وذكرته بأن بعض مناطق المدينة مبنية فوق أنواع القمامة ~~التي تحتوي على الزرنيخ، والرصاص، والزئبق، والباريوم وغيرها من ~~العناصر المسرطنة. «ما تكون عليه الحال لو أن التربة نضحت بهذه ~~العناصر؟» # ولم يعرف زيتون ما يقول ردا على ذلك. # لكنه قال: «سأكون حريصا.» # وأما الذي لم يقله فهو أنه كان يفكر في الرحيل. كان كل شيء يزداد ~~صعوبة، وكانت المهام التي يستطيع القيام بها تقل عما سبق؛ إذ تناقص ~~عدد الباقين في المدينة، وتناقص إلى درجة أكبر من عدد الذين ~~يحتاجون إلى المساعدة، لم تكن أمامه إلا عقاراته ورعايتها، إلى ~~جانب الكلاب بطبيعة ms143 الحال. من تراه سيطعم الكلاب إن لم يطعمها ~~بنفسه؟ وأما الآن، فقد أخبرها أنه بخير وأنه سيكون حريصا، وأنه ~~يحبها وسوف يتصل بها في غضون ساعات معدودة. # وانطلق وحده بعض الوقت. وبعد قليل، عند تقاطع شارعي قنال وسكوط، ~~صادف زورقا صغيرا. كانت سفينة عسكرية على متنها ثلاثة رجال: ~~جندي، ورجل يحمل آلة التصوير بالفيديو، وآخر يحمل ميكروفونا ~~ومذكرة، وأشاروا لزيتون بالتوقف، وقال أحدهم لزيتون إنه ~~صحفي. # وسأله الصحفي: «ماذا تفعل؟» # قال زيتون: «أطمئن على منازل الأصدقاء وحسب، محاولا ~~المساعدة.» # فسأله الصحفي: «ومن تعمل معه؟» # فقال زيتون: «أي أحد. أعمل مع أي أحد.» # وعندما جدف بالقارب عائدا إلى كليبورن، برق خاطر في ذهن زيتون: ~~أفلا يحتمل أن يشاهده أشقاؤه في التليفزيون؟ لربما شاهدوا ما ~~يفعله، وأدركوا أنه يفعل الخير بالبقاء في المدينة التي اتخذها ~~وطنا. كان أفراد أسرة زيتون يعتزون بأنفسهم، وكان التنافس الكبير ~~بين الأشقاء دافعا لهم على تحقيق شتى المنجزات؛ إذ كان كل منهم ~~يقيس نفسه بمعيار ما حققه محمد. لم يحقق أحد منهم قط مثل ما حققه، ~~ولا وصلت منجزات أحد منهم إلى مستوى إنجازه، ولكن زيتون كان يقول ~~في نفسه من جديد إنه ربما كانت هذه رسالته، وربما انتظر الله فوضعه ~~هنا وقضت مشيئته أن يبلوه الآن على هذا النحو. وهكذا كان يأمل، على ~~حمق هذا الأمل فيما يبدو، أن يشاهده أشقاؤه على هذه الحال، على ~~صفحة الماء، بحارا مرة أخرى، يفعل ما ينفع الناس، في سبيل الله ~~تعالى. # وعندما عاد زيتون إلى المنزل رقم 5010 شارع كليبورن، شاهد زورقا ~~بمحرك، يجمع بين اللونين الأزرق والأبيض، مربوطا في ~~المدخل. # وعندما دخل المنزل وجد فيه رجلا، رجلا لم يسبق أن شاهده في ~~حياته. # وسأله زيتون: «من أنت؟» # فسأله الرجل: «بل من تكون أنت؟» # فقال زيتون: «هذا منزلي.» # واعتذر الرجل، وعرف زيتون بنفسه، قال إن اسمه «روني»، وإنه مر ~~بالمنزل ذات يوم باحثا عن منزل قد يكون فيه تليفون يعمل، وشاهد ~~صندوق التليفون فوق مستوى سطح الماء فدخل المنزل، ms144 ومنذ ذلك اليوم ~~وهو يأتي بانتظام إلى المنزل للاتصال تليفونيا بأخيه الذي يعمل ~~قائدا لطائرة عمودية. وكان روني أبيض البشرة، في نحو الخامسة ~~والثلاثين، وطوله 180سم ووزنه 90كجم. وقال لزيتون إنه يعمل في شركة ~~خاصة لتشذيب الأشجار. # ولم يجد زيتون سببا وجيها يدفعه إلى طلب الرحيل من روني، ~~والواقع أن زيتون كان سعيدا برؤية أي فرد في قيد الحياة وفي خير ~~حال في المدينة، فترك روني في المنزل، وصعد إلى الطابق الثاني ليرى ~~إن كانت بالمنزل مياه جارية، فوجد ناصرا في الطابق الثاني. # وسأله زيتون: «هل رأيت روني هذا؟» # وقال ناصر إنه قابله ووجده لطيفا، وأحس الاثنان أن للجماعة قوة، ~~وأن الرجل إذا كان يريد استخدام التليفون من وقت لآخر، فمن كانا ~~حتى يمنعاه من الاتصال بالعالم الخارجي؟ # وعلى نحو ما بدا من المحال، كانت في الحمام مياه جارية. كان ~~ذلك بمثابة معجزة، ولم يكن زيتون قد خطر له من قبل أن يتحقق من هذا ~~قبل الآن، فقال لناصر إنه سوف يستحم، فقال ناصر: «لا تغب، فسوف ~~أتبعك.» # لم يستمتع زيتون بالحمام في حياته استمتاعه به هذه المرة، ~~فأزال بالماء والصابون آثار العرق والتراب وما بدا له زيتا ومياه ~~صرف، وبعدها هبط إلى الطابق الأول. # وقال لناصر: «تفضل!» # ورفع السماعة وطلب أخاه في إسبانيا، كان يريد طمأنته على حاله ~~بسرعة قبل أن يتصل بكاثي. # وحاول أحمد من جديد إقناعه بالرحيل. # وسأله: «هل تعرف الصور التي نشاهدها في التليفزيون؟» # وأكد له زيتون أنه كان بعيدا تماما عن أي لون من ألوان الفوضى. ~~فباستثناء المسلحين الذين شاهدهم في محطة شل للبنزين، لم يصادف ~~زيتون أي أخطار تقريبا في الوقت الذي قضاه في التنقل بالقارب في ~~المدينة. # وصاح زيتون في ابتهاج: «اسمع! ربما أظهر في التليفزيون! لقد أجرى ~~أحدهم معي مقابلة لتوه. انتظر ظهوري، وقل لكاثي.» # وتنهد أحمد قائلا: «لن ترحل إذن؟!» ~~«لم يحن الوقت بعد.» # وكان أحمد يعرف أنه لا فائدة من المناقشة، لكنه كان يريد فعلا ~~تذكير أخيه بأنه حتى لو ms145 كان يشعر بالأمان الآن، فإن الخطر قد يأتي ~~في أي لحظة. قال له إن في المدينة عصابات متجولة من المسلحين، وكان ~~ذلك ما تتحدث عنه جميع أجهزة الإعلام، قائلة: إن المنطقة أصبحت ~~كالغرب الأمريكي في أيامه الوحشية الأولى. كان أحمد يشعر بعجزه ~~ويكره هذا الشعور، ويعرف أن أخاه الأصغر يعتبره أشد حذرا مما ~~ينبغي، فأضاف قائلا: «أفلن تفكر إذن في الرحيل، من أجل أسرتك ~~الجميلة، قبل أن يحدث شيء؟!» # كان زيتون ممسكا بالورقة التي كتب عليها رقم تليفون كاثي في ~~مدينة فينيكس؛ كان يريد أن يتصل بها قبل أن تبدأ في القلق. وكان قد ~~تأخر عن موعده معها عشر دقائق. وكان يوشك أن ينهي مكالمته مع أحمد ~~حين سمع صوت ناصر من مدخل المنزل وهو يتحدث مع شخص خارج ~~المنزل. # ونادي ناصر: «زيتون!» # وقال زيتون: «ماذا؟» # وقال ناصر: «تعال هنا. يريد هؤلاء أن يعرفوا إن كنا نريد ~~ماء.» # وتصور زيتون أنهم كانوا رجالا مثله ومثل ناصر، أي إنهم يطوفون ~~في زوارق، ويحاولون تقديم العون. # وعند وضع سماعة التليفون نظر في اتجاه مدخل المنزل فشاهد مجموعة ~~من الرجال، كانوا جميعا يحملون السلاح، ويقتحمون المنزل، فأعاد ~~زيتون التليفون إلى مكانه وسار إلى الباب. # | الفصل الثالث # الأربعاء 7 من سبتمبر # عندما استيقظت كاثي كانت متوترة، انتهت من إفطار الأطفال ~~وإلباسهم ملابسهم، محاولة ألا تذكر أن زوجها لم يتصل بها في عصر ~~اليوم السابق، كان قد وعدها بالاتصال، ونصحتها يوكو بألا تقلق؛ ~~فالقلق حماقة، ولم ينقطع زيتون عن الاتصال يوما كاملا بعد، بل إن ~~انتظامه في الاتصال بها إلى الآن كان أمرا رائعا، ووافقتها كاثي، ~~ولكنها كانت تعرف أن القلق سيساورها حتى يتصل بها مرة أخرى. # وبعد أن أخذت يوكو أطفالها إلى المدرسة، ساعدت على توفير ما يشغل ~~أطفال كاثي، بينما ظلت كاثي تذرع المكان جيئة وذهابا حاملة ~~تليفونها. # وفي التاسعة اتصل أحمد بها من إسبانيا. # وسألها: «هل اتصل عبد الرحمن اليوم بك؟» ~~- «لا. وأنت؟» ~~- «لم يتصل منذ الأمس.» # فسألته: «إذن فقد تكلمت معه؟» ms146 ~~- «نعم.» ~~- «اتصل بك ولم يتصل بي!» ~~- «كان يوشك أن يتصل بك. ولكنه وضع سماعة التليفون بسرعة. كان ~~لدى باب المنزل زائر.» # وسألته كاثي: «من؟» وقد أحست بالهلع. ~~- «لا أعرف.» # وأدارت رقم تليفون المنزل بشارع كليبورن وظل الرنين يتردد عشر ~~مرات قبل أن يتوقف. # كانت تحس أنها محطمة. وقالت في نفسها: «لا بد أن يتصل اليوم. ~~سأقتله إن لم يتصل في الظهيرة.» # عندما بلغت الساعة العاشرة بتوقيت فينيكس، كانت الثانية عشرة ~~بتوقيت نيو أورلينز. وانتظرت كاثي. ولم يرن التليفون في العاشرة، ~~أو العاشرة والنصف، أو الحادية عشرة، أي الواحدة بتوقيت نيو ~~أورلينز، وعندما انتصف النهار في فينيكس كانت تشعر بالخبل. # وطلبت رقم منزل كليبورن من جديد. لم يرد أحد. # وحاولت يوكو أن تضع الأحداث في سياقها الصحيح. قالت: إن استمرار ~~عمل التليفون في منزل كليبورن يمثل معجزة، ومن المحتمل أنه انهار ~~وتعطل، وأكدت لها أن زيتون سوف يجد طريقة أخرى للاتصال ويتصل، ~~فالمدينة غارقة، وعليها ألا تؤاخذه بهذه الشدة. # وهدأت كاثي الآن، ولكنها استمرت تذرع غرفة الجلوس رائحة ~~غادية. # واصطحبت يوكو الأطفال إلى المركز التجاري. لم تكن تريد أن تترك ~~كاثي وحدها، ولكن حركتها في الغرفة كانت تقلق الأطفال. كانت يوكو ~~واثقة بأن زيتون سوف يتصل في غيابهم، فلم لا تتيح للأطفال فرصة ~~الترويح عن أنفسهم؟ كانت في المركز التجاري قاعة للأغذية، وكان ~~زخاري يحب مثل تلك القاعة المسقوفة، وكانوا يعتزمون العودة في ~~الثالثة. # واتصلت كاثي بمنزل شارع كليبورن من جديد. لم يرد أحد. # واتصل بها والت: «هل سمعت شيئا من زيتون؟» # ونفت كاثي ذلك. # وطلبت عدنان، قريب زيتون. # قالت له: «ما زلت أشعر بالخجل منك!» إذ إن كاثي اضطرت إلى إخباره ~~في آخر مكالمة بينهما أن أختها رفضت السماح لعدنان وعبير بالبقاء ~~في منزلها. كان الأمر مؤلما. # وقال عدنان: «لا تقلقي. نحن بخير.» # كان لا يزال في باتون روج مع عبير ووالديه، وبعد أن قضوا ليلتين ~~في السيارة، عادوا إلى المسجد، وكانوا ينامون على الأرض طيلة ~~الأسبوع الماضي. # وسألها: «كيف ms147 حال عبد الرحمن؟» ~~- «لم أسمع منه شيئا. فهل سمعت أنت؟» # فقال عدنان إنه لم يسمع. # كانت كاثي وحدها تنشد التسرية فأدارت جهاز التليفزيون، وتحاشت ~~نشرات الأخبار، فعثرت على برنامج المقابلات التليفزيونية الذي ~~تقدمه المذيعة أوبرا وينفري. كانت تظن أن ما وجدته هو ذلك ~~البرنامج، ولكنها أدركت أنه تحقيق إخباري يتضمن فقرات من برنامج ~~اليوم السابق، وتستضيف فيه المذيعة المذكورة رئيس شرطة نيو أورلينز ~~إدي كامباس، وعمدة المدينة ناجين. # كان كامباس ينعى المدى الذي وصلت إليه الجريمة في القبة الكبيرة، ~~قال وهو يبكي: «كان لدينا أطفال هناك. أطفال صغار تعرضوا ~~للاغتصاب.» وقال العمدة ناجين: «منذ ثلاثة أيام بدأنا توزيع الطعام ~~بنظام الحصص، والناس يتقاتلون. وهذا في رأيي سبب انحدار الناس إلى ~~هذه الحالة التي تكاد تكون حيوانية، أي افتقارهم إلى الموارد. ~~كانوا محاصرين. ويستعد المرء لمشاهدة شيء ليس قطعا مستعدا ~~لمشاهدته. لدينا أناس ظلوا واقفين في القبة الكبيرة الملعونة خمسة ~~أيام وهم يشاهدون جثث الموتى، والبلطجية وهم يقتلون الأشخاص، ~~ويغتصبونهم. هذه هي المأساة. الناس يحاولون أن يتركوا لنا أطفالا ~~على شفا الموت.» # وأطفأت كاثي جهاز التليفزيون من جديد، وهذه المرة إلى الأبد. ~~واتصلت بتليفون المنزل في شارع كليبورن، وظل الرنين يتردد ويتردد، ~~وظلت تسير في الغرفة، ثم خرجت من المنزل إلى الحر الخانق في مدينة ~~فينيكس، ثم عادت للدخول، واتصلت من جديد، وكان صوت الرنات يبدو ~~أجوف، موحشا. ~~••• # بلغت الساعة الرابعة ولم يتصل. # واتصلت بأحمد من جديد في إسبانيا. لم يكن زيتون قد اتصل به هو ~~الآخر، وقد ظل يتصل بمنزل شارع كليبورن طول النهار، عبثا. # وفي آخر ساعات العصر عاد الأطفال. # وسألت نديمة: «هل اتصل بابا؟» # وقالت كاثي: «لم يتصل إلى الآن، وما زلنا ننتظر.» # وظلت متماسكة ثواني معدودة ثم انفجرت المشاعر في أعماقها. ~~واستأذنت في الانصراف، وهرعت إلى غرفة الضيوف. لم تكن تريد أن ~~تراها بناتها في تلك الحالة. # ودخلت يوكو عليها وجلست معها على السرير، قالت لها: «لم يمر سوى ~~يوم واحد. يوم واحد في حياة رجل يعيش ms148 في مدينة بلا مرافق، ولسوف ~~يتصل غدا.» وتماسكت كاثي وقامت للصلاة جماعة مع يوكو، وقالت في ~~نفسها إن يوكو على حق، لم يكن غير يوم ~~واحد، وسوف يتصل طبعا ~~غدا. # الخميس 8 من سبتمبر # واستيقظت كاثي وهي تتوقع شيئا أفضل، ربما لم يكن زوجها يدرك أنه ~~نسي أن يتصل بها. ومن المحتمل أنه يقوم بإنقاذ عدد آخر من الناس ~~والحيوانات والمنازل، وفي غمرة انهماكه انشغل عنها، وعلى أي حال، ~~كانت كاثي تعتزم أن تتظاهر برباطة الجأش أمام الأطفال، فقامت ~~بإعداد طعام الإفطار لهم، وتظاهرت بأنها تحتفظ برشدها، راضية ~~بحالها، ولعبت بعض الألعاب مع زخاري، وأمضت الصباح في ألوان ~~التسرية. # وكانت بين الحين والآخر تعيد الاتصال بتليفون منزل شارع كليبورن ~~من تليفون يوكو، وكان الرنين يتواصل بلا نهاية. # وحل وقت الظهيرة ومضى. # وعادت كاثي إلى فقدان رباطة جأشها. # قالت ليوكو: «لا بد أن أذهب إلى نيو أورلينز.» # وردت يوكو قائلة: «بل ليس ذلك ممكنا.» وأمطرت كاثي بوابل ~~الأسئلة الخاصة بإمكان الوصول والحصول على المؤن. كيف تدخل ~~المدينة؟ هل تعتزم شراء سفينة، وتراوغ السلطات وتبحث عن زوجها ~~وحدها حتى تجده؟ واستبعدت يوكو تلك الفكرة. ~~«لا نريد أن نضطر إلى القلق عليك أنت أيضا.» # واتصل أحمد بكاثي، كانت نبراته محايدة في اليوم السابق، لكن ~~النبرات اليوم يشوبها القلق، وهو ما أفقد كاثي أعصابها. قالت في ~~نفسها إن كان أحمد الذي يشارك زوجها في طباعه - ويشارك الاثنان ~~والدهما محمودا في طبعه، وهو الذي استطاع الصمود يومين في البحر ~~مربوطا إلى برميل - يشعر بأن الموقف الحالي عصيب، فإن ردود أفعال ~~كاثي لم تكن على المستوى المتوقع. # وقال أحمد إنه سوف يحاول الاتصال بمحطة التليفزيون التي أجرت ~~المقابلة مع زيتون. وسوف يتصل بجميع الهيئات التي تبحث عن الأشخاص ~~المفقودين في نيو أورلينز، ويتصل بخفر السواحل. واتفق الاثنان على ~~معاودة الاتصال حالما يصل أحدهما أي أنباء. # التاريخ: الخميس 8 من سبتمبر 2005، الساعة: ~~0200 + 04 : 08 : 19 # إلى: # SATERNKatrinaReliefUpdates@csc.com # الموضوع: # Ref.AMER-6G2TNL # السادة الأعزاء # شكرا جزيلا على ردكم. # أرجوكم بذل ms149 قصارى جهدكم لإبلاغنا أنباء طيبة ~~عنه. # إنه أخي، ويعيش منذ سنوات عديدة في نيو أورلينز، ~~وعنوانه: # 4649 شارع دارت، نيو أورلينز. # نيو أورلينز، لوس أنجلوس. # 70125-2716. # والواقع أنني في إسبانيا، ولكن زوجته وأطفاله غادروا ~~المدينة قبل هبوب كاترينا بيوم واحد إلى أريزونا، وزوجته ~~هي السيدة كاثي زيتون، وعنوانها الفعلي الآن 408 - (الرقم ~~محذوف). # معلومات أخرى: # ظل في المنزل دون تليفون، ولكن لديه قاربا صغيرا، ~~ويذهب يوميا إلى السيد «تود» في: # 5010 س. شارع كليبورن 70125-4941 نيو أورلينز. # كان آخر اتصال به يوم 6 من سبتمبر في الساعة 30 : 14 ~~بالتوقيت المحلي، ومنذ ذلك الحين إلى الآن توقفت الاتصالات ~~وانقطعت الأخبار، والتليفون الذي كان يستخدمه يرن ولا يجيب ~~عليه أحد. وأرفق مع هذا صوره الشخصية فربما ~~تساعدكم. # شكرا جزيلا. # المخلص # أحمد زيتون # وبدأت أسرة زيتون تتصل ~~تليفونيا في العصر من سوريا. كان أول اتصال من فايزة، وهي معلمة ~~بالمدرسة الثانوية في جبلة، وتتكلم الإنجليزية بطلاقة. ~~«هل سمعتم شيئا من عبد الرحمن؟» # وقالت لها كاثي إنه لم يتصل بها منذ يومين. # ومرت فترة صمت طويل في التليفون. ~~«لم يتصل عبد الرحمن بك قط؟» # وأوضحت كاثي أن الاتصالات التليفونية كانت مقطوعة، ومن المحتمل ~~أن زوجها كان يحاول وحسب العثور على تليفون يعمل. ولم تتقبل فايزة ~~ذلك بسهولة. ~~«قولي مرة أخرى، ألم تسمعي شيئا من عبد الرحمن؟» # كانت كاثي تحب أسرة زيتون في سوريا، ولكنها لم تكن في حاجة إلى ~~هذا العبء الإضافي. فالتمست لنفسها الأعذار وأنهت المكالمة. # ولم تحاول كاثي الجلوس إلى مائدة العشاء، بل ظلت تسير في الغرف ~~ولا يفارق التليفون يدها. واستعرضت في ذهنها كل الاحتمالات؛ من ~~كانت تعرفهم، وما يستطيعون أن يفعلوه لمساعدتها. وتذكرت أنها لم ~~تكن تعرف أحدا قط في المدينة. كان الموقف يؤدي إلى الشلل، بدا لها ~~مستحيلا أن توجد مدينة كاملة معزولة عن أي اتصالات أو سبل اتصال ~~في عام 2005، وفي الولايات المتحدة. # وفي وقت لاحق كانت تمر بجوار إحدى غرف نوم الأطفال؛ ظانة أنهم ~~ناموا، حين ms150 سمعت عائشة تتحدث مع أحد أطفال يوكو. # قالت عائشة: «منزلنا تغمره المياه بعمق عشر أقدام!» # وحبست كاثي أنفاسها لدى الباب. ~~«ولا نستطيع العثور على أبي.» # ودخلت كاثي الحمام وغطت وجهها بفوطة وصرخت. وأحست بجسدها يتشنج ~~لكنها حاولت ألا تصدر أي صوت. # الجمعة 9 من سبتمبر # لم يكن أمام كاثي سوى أن تكذب، لم تلجأ في حياتها قط إلى الكذب ~~الصريح على أطفالها، ولكن ذلك يبدو الآن لازما، وإلا انفلتت ~~أعصابهم جميعا. كانت تعتزم ~~إلحاقهم بالمدرسة يوم الإثنين، وإذا كان لأطفالها أن يتسلحوا ~~بالقوة اللازمة لمواجهة هذا الموقف فلا بد أن يعتقدوا أن والدهم ~~بصحة جيدة وعلى اتصال بهم. وهكذا أثناء الإفطار عندما سألتها عائشة ~~إن كانت قد سمعت من أبيها، لم تتردد كاثي. # قالت: «نعم. اتصل بي ليلة أمس.» # وسألتها نديمة: «على أي تليفون؟» لم يكن الأطفال قد سمعوا أي ~~رنين. # وقالت كاثي: «تليفون يوكو. أدركته من أول رنة.» # وقالت نديمة: «هو في المنزل إذن؟» # وأومأت كاثي. وعلى الرغم من ذكاء الأطفال وتشككهم في كل شيء، ~~فإنهم صدقوها، وخصوصا نديمة وزخاري. وسواء كانا يحسان الكذبة أو ~~لا، فقد كانا يريدان تصديقها، وكان إدراك موقف صفية وعائشة أصعب، ~~ولكن كاثي كانت قد نجحت مؤقتا في تهدئة مخاوف أطفالها، ولم يعد ~~عليها سوى مكابدة قلقها ومخاوفها الشخصية. # وبمجرد انتهاء الإفطار رن جرس التليفون، فوثبت كاثي إليه. # كانت عائشة، إحدى أخوات زيتون الأخرى. كانت تعمل مديرة لمدرسة ~~ابتدائية في جبلة، وتتحدث الإنجليزية كذلك. # وسألت: «أين عبد الرحمن؟» # وأجابت كاثي في هدوء: «في نيو أورلينز.» # وأوضحت عائشة أنه لم يتصل بأحد منذ عدة أيام، وقالت إنه اتصل عدة ~~مرات بعد العاصفة، ثم توقف تماما، وإنها تتصل نيابة عن جميع ~~أشقائه، وإنها قلقة عليه. # وقالت كاثي: «إنه بخير.» # وسألتها عائشة: «كيف عرفت ذلك؟» # ولم تحر كاثي جوابا. # وفتحت كاثي الإنترنت، ومن فورها غمرتها الأنباء المفزعة من ~~المدينة، كان المسئولون يقولون إن عدد الموتى في نيو أورلينز وما ~~حولها قد بلغ 118. ولكن العمدة ناجين يقول إن ms151 تقديراته تشير إلى ~~احتمال ارتفاع الرقم النهائي إلى عشرة آلاف، وفتحت بريدها ~~الإلكتروني. لم يرسل زوجها خطابا بالإيميل قط في حياته، ولكنها لم ~~تكن تستبعد ذلك. وجدت إيميل من أحمد أخي زيتون، كان قد وصل إلى ~~بريدها الإلكتروني عن طريق هيئة مساعدة أخرى، كان يقول: # من: الربان زيتون # التاريخ: الجمعة 9 من سبتمبر 2005 الساعة 0200 ~~+ 05 : 12 : 22 # إلى: ~~@arcno.org ~~(محذوف الاسم) # الموضوع: البحث عن أخي، عبد الرحمن ~~زيتون # السادة الأعزاء # أرجوكم، لو سمحتم، لو كان ممكنا أن أعرف منكم أخبار ~~الذين أرغموا على ترك منازلهم في نيو أورلينز يوم ~~الثلاثاء الماضي 6 من سبتمبر، أين هم الآن؟ # أود أن أعرف أي أنباء عن أخي الذي انقطعت الاتصالات به ~~منذ الثلاثاء الموافق 6 من سبتمبر بعد الساعة 30 : 14 ~~أثناء وجوده في المنزل رقم 5010 شارع س. كليبورن ~~70125-4941 نيو أورلينز، وكان يستخدم قاربا صغيرا، في ~~الانتقال إلى المنزل رقم 4649 شارع دارت حيث يقيم. # التفاصيل الخاصة بأخي: # الاسم: عبد الرحمن زيتون. # السن: 47 سنة. # العنوان: 4649 شارع دارت، نيو أورلينز، 70125-2716 لوس ~~أنجلوس. # منذ ذلك الوقت وإلى الآن لم نتلق أي أخبار عنه. # أرجو التعطف وبذل قصارى جهدكم لمساعدتنا. # شكرا جزيلا لكم. # أحمد زيتون # مالقة، إسبانيا # وعندما حل وقت الظهر في نيو أورلينز، اتصلت كاثي بالمنزل في ~~شارع س. كليبورن، وتركت التليفون يرن، راجية أن يتوقف، بعد أن ~~يقاطعه صوت زوجها، واستمرت تتصل طوال اليوم، ولكن الرنين لم تكن له ~~نهاية. # واتصل والت وروب، وأخبرتهما كاثي أنها لم تتلق أي اتصال من ~~زيتون، وسألت والت إن كان يعرف أي شخص يمكنه مد يد العون. كان يبدو ~~أن والت يعرف الجميع، وكان دائما ما يأتي بالحل، فقال إنه سيتصل ~~بأحد أصدقائه الذي كان يعمل مأمورا في شرطة الولايات المتحدة، ~~وكان يعرف أنه في مكان قريب من المدينة؛ فربما استطاع دخول المدينة ~~والوصول إلى المنزل في شارع كليبورن. # وعندما وضعت كاثي الأطفال في الفراش للرقاد في تلك الليلة أرغمت ~~نفسها على ms152 أن ينطق وجهها بالثقة. سألوها إن كان منزلهم قد غمرته ~~المياه، فأقرت كاثي بذلك وبأن المنزل أصابته بعض الأضرار، ولكن ~~والدهم لحسن حظهم، مقاول، وسوف يتمكن بسرعة من إصلاح أي ~~أضرار. # وأضافت: «وعندي مفاجأة! سوف تحصلون جميعا على أثاث جديد في غرف ~~النوم!» # السبت 10 من سبتمبر # واتصل والت، قال إنه تكلم مع صديقه مأمور الشرطة الفيدرالي، وإن ~~المأمور سار بسيارته نحو المنزل في شارع دارت، لكنه لم يستطع ~~الاقتراب؛ بسبب ارتفاع الماء أكثر مما كان يتوقع. # وقال والت إنه سوف يتصل بصديق يعرفه لديه طائرة عمودية. ولم يكن ~~قد أوضح من التفاصيل ما يتجاوز ذلك - أين تذهب الطائرة أو كيف ~~يبحثون عن زيتون - لكنه قال إنه سوف يجري المزيد من الاتصالات ~~ويعود إلى الاتصال بكاثي قريبا. # وعلى نحو ما فعلت في اليوم السابق، عندما حان وقت الظهيرة في نيو ~~أورلينز اتصلت بالمنزل في شارع كليبورن، ومرة أخرى استمر الرنين ~~بلا نهاية. # واتصلت أسرة زيتون. # كان الصوت يقول: «كاثي، أين عبد الرحمن؟!» كانت المتحدثة لوسي، ~~إحدى بنات إخوته. كان جميع أبناء إخوته وأخواته وبناتهم يتحدثون ~~الإنجليزية بطلاقة، ويتولون مهام الترجمة لسائر الأسرة. # وقالت كاثي: «لا أعرف!» # واتصلت قريبة أخرى. # وقالت بإصرار: «لا بد أن تذهبي للبحث عنه.» # وطيلة الصباح استمر إخوة زيتون وأخواته يتصلون من اللاذقية، ومن ~~المملكة العربية السعودية. كانوا يستفسرون إن كانت كاثي قد تلقت ~~أي اتصال منه، ولماذا لم تذهب إلى مدينة نيو أورلينز للبحث عنه؟ ~~ألم تشاهد التليفزيون؟ # وقالت لهم إنها لم تكن تشاهده؛ لأنها لم تعد تستطيع ~~الاحتمال. # وزودوها بالأخبار؛ لقد وقعت أحداث نهب وسلب، واغتصاب، وقتل، ~~والمدينة في حالة فوضى عارمة، وكرروا تأكيد العمدة ناجين بأن ~~المدينة قد تدهورت إلى «حالة حيوانية». وبهذا الأسلوب استطاعت ~~مشاهدة الصورة التي رسمتها أجهزة الإعلام للمدينة، التي تشبه سرداب ~~المفاجآت في مدينة الملاهي عن طريق أقارب زوجها من مسافة تبلغ نصف ~~طول العالم. وقالت في نفسها: يعلم الله أي انحراف عن الواقع تقوم ~~به أجهزة الإعلام لتضخيم الحالة ms153 هناك. # كان أقاربها يقولون: لقد أحضر المسئولون خمسة وعشرين ألفا من ~~حقائب الجثث إلى المنطقة، وتساءلوا: كيف يمكنك أن تعيشي في بلد ~~كهذا؟ عليك أن تعودي إلى هنا؛ فسوريا آمن وأسلم. # لم تستطع كاثي أن تصمد للأسئلة وللضغوط. كانت تشعر بالقهر والعجز ~~وترتعد. وهكذا أنهت المكالمة بأشد ما تستطيعه من التأدب. # وذهبت إلى الحمام، ولأول مرة منذ أيام تطلعت إلى وجهها. كانت ~~حول عينيها حلقات زرقاء، فخلعت حجابها وزفرت زفرة سريعة. شعرها! لم ~~يكن فيه سوى عشر شعرات بيضاء قبل هذا كله. وقد بدا الآن شريط من ~~الشعر الأبيض صاعدا من جبينها، بحجم يدها. # ومنعت يوكو كاثي أن ترد على التليفون عندما كان أحد من سوريا ~~يتصل بها. وكانت يوكو تتلقى الاتصالات وتقول لأهلها إن كاثي كانت ~~تفعل كل ما في طوقها، كل ما يستطيعه بنو البشر. # وقامت يوكو مع زوجها أحمد باصطحاب كاثي والأطفال إلى مبنى ~~المحاربين التذكاري؛ حيث كان الصليب الأحمر قد أنشأ ملجأ ووحدة ~~معونة لأهالي نيو أورلينز. وكانت عدة وكالات للبحث عن المفقودين قد ~~بدأت في جمع المعلومات ومحاولة مساعدة أفراد الأسر على الاتصال ~~بالذين انفصلوا عنهم من ذويهم، فأحضرت كاثي صورة فوتوغرافية لزيتون ~~وكل ذرة من المعلومات استطاعت العثور عليها عنه. # وفي صالة الألعاب الرياضية كان المشهد كئيبا، كان المكان غاصا ~~بالعشرات من أهالي نيو أورلينز، وكان منظرهم يوحي بأنهم فروا من ~~المدينة في ذلك اليوم نفسه. كانت الجراح تعالج، والأسر تنام على ~~سرر أطفال، وأكوام الملابس في كل مكان. وتعلقت بنات كاثي ~~بها. # وسجل الصليب الأحمر عشرات المعلومات، وسجل بالكمبيوتر الصورة ~~التي أحضرتها كاثي، كان العاملون فيه يبدون الكفاءة، ويغدقون ~~الحنان، وقالوا لكاثي إنهم استطاعوا تحديد أماكن وجود الآلاف، وإن ~~هؤلاء منتشرون في طول البلاد وعرضها، وإن كل قصة كانت أغرب من ~~سابقتها، وقالوا لكاثي ألا تقلق، وإن النظام يعود باطراد كل يوم ~~في كل مكان. # وغادرت كاثي المكان وقد تجدد الأمل في صدرها إلى حد ما. لربما ~~كان قد جرح. ربما كان في ms154 مستشفى في مكان لا تعرفه، تحت تأثير مخدر ~~قوي. ربما عثر عليه في مكان ما، غائبا عن الوعي، ولا يحمل ما يثبت ~~هويته، لن يمضي وقت طويل حتى ينظر الأطباء والممرضات في قاعدة ~~بيانات المفقودين فيعثروا عليه. # ولكن ذهن الأطفال غدا مشوشا. هل كان والدهم سالما أو لا؟ كانت ~~المؤشرات متضاربة؛ إذ قالت لهم أمهم إنه كان بخير، سالما في ~~قاربه، لكن إن كان الأمر كذلك، فلماذا أبلغت عنه الصليب الأحمر؟ ~~ولماذا أدرج اسمه في سجلات المفقودين؟ ولماذا ذكرت الشرطة وخفر ~~السواحل؟ حاولت كاثي أن تحميهم من كل هذا، فاستحال إخفاء الأمر. لم ~~تكن تشعر بالقوة الكافية، بل كانت تشعر بأنها كيان واهن مليء ~~بالثقوب. # وعندما عادوا إلى المنزل اتصلت من جديد بالمنزل في شارع كليبورن. ~~واستمر التليفون يرن دون توقف، كانت تقول لنفسها حتى الآن إن ~~التليفون ربما كان معطلا، لكنها اليوم اتصلت بشركة التليفونات، ~~فقالوا لها: لو لم يكن التليفون يعمل على الإطلاق لسمعت صوتا يشبه ~~الإشارة إلى أن الخط مشغول، صوتا معينا يشير إلى تعطل الخطوط، ~~ولكن الرنين استمر، وكان الرنين يعني أن التليفون يعمل، ولكن لم ~~يكن هناك أحد للرد عليه. ~~••• # كانت عائشة أشد الأطفال تأثرا، وكانت فيما تبدو تتأرجح بين ~~القلق والاستسلام القدري، كانت ضيقة الصدر، لا تستطيع التركيز، ~~وكانت تنزوي وتبكي وحدها. # وفي تلك الليلة، بعد أن خلد الأطفال الآخرون إلى النوم، جلست ~~كاثي خلف عائشة على سريرها، فتناولت شعرها الأسود الغزير بإحدى ~~يديها وجعلت تمشطه باليد الأخرى. وكانت قد فعلت ذلك من قبل مع ~~نديمة لتهدئتها قبل النوم، وكانت والدة يوكو تفعل ذلك نفسه مع كاثي ~~بعد كل حمام، كان ذلك مريحا للأعصاب وفرصة للتفكير عند الأم ~~والبنت معا، وفي هذه الحالة كانت كاثي تدندن بنغمة أغنية لا ~~تستطيع حتى أن تذكر اسمها، وكانت عائشة جالسة في توتر، ولكن في ~~تقبل للموقف. كانت كاثي واثقة بأن هذا من شأنه أن يريحها من القلق، ~~وأن ينتهي باستلقاء عائشة من جديد في حجر كاثي راضية، ms155 وقد غلبها ~~النعاس. # وسألتها عائشة: «هل اتصل بك؟» ~~- «لا يا حبيبتي، لم يتصل بعد.» ~~- «هل مات؟» ~~- «لا يا حبيبتي! لم يمت.» ~~- «هل غرق؟» ~~- «لا.» ~~- «هل وجدوا جثته؟» ~~- «حبيبتي. اسكتي.» # ولكن بعد أن مرت بالفرشاة عدة مرات في شعر عائشة، شهقت كاثي شهقة ~~سريعة. كان شعر عائشة قد تلبد في الفرشاة التي امتلأت به. # واغرورقت عينا عائشة بالدموع، وصرخت كاثي. # وقالت كاثي في نفسها: «لا يوجد أسوأ من هذا! محال أن يوجد ما هو ~~أسوأ.» # الأحد 11 من سبتمبر # مرت ستة أيام منذ أن تكلمت كاثي مع زيتون. لم تعد قادرة على ~~تفسير غيابه، لم يكن للأمر معنى، كان رجال المعونة قد «استولوا» ~~على المدينة، والحرس الوطني في كل مكان، والمسئولون يصرون على أن ~~المدنية قد خلت تقريبا من أهلها. # واستعرضت الاحتمالات كلها في ذهنها من جديد. لو كان لا يزال في ~~قاربه يتنقل في أرجاء نيو أورلينز لعاود الاتصال بها من المنزل في ~~شارع كليبورن. ولو كان ذلك التليفون قد تعطل لكان قد نجح - بعد كل ~~هذا الوقت - في العثور على تليفون آخر يعمل. أو كان قد قابل أحد ~~الجنود وطلب منه المساعدة في الاتصال بكاثي. واستبعدت تماما إمكان ~~وجوده في المدينة وعجزه عن الاتصال بها. # وكان ذلك يعني أنه ترك المدينة. ربما كان قد نقص ما لديه من ماء ~~وطعام. ربما كان قد قبل عرضا بالجلاء عن المدينة قدمته إحدى ~~الطائرات العمودية أو زوارق الإنقاذ، لكنه لو كان قد غادر المدينة، ~~لكان قد وصل إلى أحد الملاجئ، ولاتصل بها منه من فوره. # كانت قد سمعت بنبأ العثور على جثث طافية لم يظهر لأصحابها أهل، ~~واكتشف وجودها مصادفة في الماء، وقالت لنفسها: «ربما مات. ربما ~~رحل زوجك.» كانت تعرف بوقوع جرائم قتل، لم تكن تصدق في الواقع ما ~~يروى عن المجازر الطليقة، ولكنها كانت تعرف أن بعض جرائم القتل قد ~~وقعت، وقالت في نفسها: «ربما كانت حادثة سطو. ربما اقتحم أحدهم أحد ~~العقارات التي نملكها، وكان فيها، وتصدى لقتالهم ثم ms156 ...» # من المحال أن يكون قد غرق، ومن المحال أن يكون قد راح ضحية أي ~~كارثة أخرى؛ إذ كانت تعرف زوجها من خير المعرفة، لم تكن تستطيع أن ~~تتصور أي حادثة «تلتهمه»، كان أشد ذكاء وأشد حذرا من أن يسمح ~~بذلك، وحتى لو كان قد تعرض لحادثة ما، فقد كان متين البنيان، شديد ~~الاحتمال، كان الأرجح في هذه الحالة أن يصمد وأن ينشد ~~العون. # وعندما حل وقت الظهيرة في نيو أورلينز اتصلت كاثي بمنزل شارع ~~كليبورن، وتركت التليفون يرن، وقد شعرت بالحاجة إلى سماع صوت ~~زوجها، ولكن الرنين استمر بلا نهاية. # كان عليها أن تنظر في مسألة التأمين على الحياة، وفي وسائل إعالة ~~نفسها وأطفالها الأربعة. هل تتمكن من إدارة العمل بنفسها؟ لن ~~تستطيع، بطبيعة الحال. فهل تقوم إذن بما يشبه الإدارة؟ سيكون عليها ~~أن تبيع العقارات المؤجرة، أو ربما استطاعت إدارة هذه العقارات ~~بنفسها. أسئلة بالغة الكثرة. لا، سوف تبيع شركة الطلاء والمقاولات ~~وتحتفظ بالمساكن المؤجرة، أو ربما باعت بعض تلك المباني؛ حتى يقتصر ~~العدد على ما تستطيع أن تديره بنفسها. هل عليها أن تبقى في نيو ~~أورلينز أو تنقل الأسرة إلى باتون روج؟ إلى فينيكس؟ إذا انتقلت فلا ~~بد أن يكون ذلك إلى فينيكس. # وإلى متى عليها أن تنتظر قبل أن تفترض وقوع أسوأ ما تتوقع؟ ~~أسبوع، أسبوعان، ثلاثة؟ # عادت إلى الإنترنت فوجدت «إيميل» آخر من أحمد، كان هذا قد أرسل ~~إلى محطة التليفزيون التي أذاعت المقابلة القصيرة مع زيتون، وكان ~~أحمد قد اكتشف وهو في مكتبه في إسبانيا اسم المحطة واسم أحد منتجي ~~البرنامج، كان الإيميل يقول: # من: الربان زيتون # التاريخ: الأحد 11 من سبتمبر 2005 الساعة 0200 ~~+ 34 : 01 : 02 # إلي: ~~@wafb.com ~~(الاسم محذوف) # الموضوع: المناطق المتضررة من الإعصار في نيو ~~أورلينز # السادة الأعزاء # وفق ما علمت من بعض الأصدقاء في باتون روج، كنتم قد ~~أجريتم مقابلة مع أخي يوم 5 من سبتمبر. # اسمه: عبد الرحمن زيتون، وعمره 47 سنة، ويقيم في المنطقة ~~المتضررة من الإعصار في نيو ms157 أورلينز، في المنزل رقم 4649 ~~شارع دارت 70125-2716 لوس أنجلوس، وصديقنا شاهده في ~~التليفزيون في محطتكم # TV WAFB ~~CH9 # يوم 6 من سبتمبر. # ومنذ ذلك الوقت إلى هذه اللحظة ونحن لا نستطيع الاتصال ~~به. أرجوكم هل تسمحون وتتكرمون بإعطائي أي معلومات عن ~~اليوم والموعد الذي قابلتموه فيه؟ ترى هل لديكم أي ~~معلومات أخرى؟ # مع الشكر الجزيل. # أحمد زيتون # مالقة، إسبانيا # ووجدت كاثي موقعا على الإنترنت به صور حديثة التقطت من الجو ~~لمدينة نيو أورلينز. وظلت تبحث حتى وصلت إلى الضاحية التي تقيم ~~فيها، وكبرت الصورة حتى رأت ما تبقى من منزلها والحي الذي يوجد ~~فيه. كانت قذارة المياه أشد مما تتخيل. بدا لها كأنما كانت المدينة ~~كلها مغمورة بالزيت والقار. # اتصلت بكل رقم لكل شخص تعرفه، وربما لم يكن قد غادر نيو أورلينز. ~~لا شيء. # وحاول أحمد ويوكو التسرية عنها. # قال أحمد: «إنه من المدرسة القديمة.» وأضاف أنه من الطبيعي لرجل ~~مثل زيتون، يتمتع بقوة الشكيمة والاستقلال، أن ينقطع الاتصال به ~~بضعة أيام. «لم تعد الطبيعة تجود برجال مثله.» # وحرصت يوكو على إبعاد كاثي عن التليفزيونات ونشرات الأخبار، ومع ~~ذلك فقد كانت كاثي تلتقط شذرات منها في السيارة. فعلى راديو ~~سيارتها الأوديسية سمعت الرئيس بوش يلقي خطابه الأسبوعي في ~~الإذاعة، كان الرئيس يشبه العاصفة بأحداث 11 من سبتمبر والحرب ~~على الإرهاب. قال «إن أمريكا تواجه كارثة أخرى أحدثت الدمار وفقدان ~~الأرواح.» وأضاف قائلا: «ولسوف تتغلب أمريكا على هذه المحنة، ~~ولسوف تضيف قوة إلى قوتنا.» # الإثنين 12 من سبتمبر # حان الوقت لذهاب البنات إلى المدرسة. كن قد انقطعن عنها أسبوعين ~~تقريبا، ومهما تكن صعوبة بداية الدراسة في منتصف سبتمبر، كان لا ~~بد من اتباع ما يشبه العادة المنتظمة. # وأجرت كاثي مكالماتها، كانت أقرب مدرسة عامة هي مدرسة الدكتور ~~هوارد ك. كونلي الإلزامية. قيل لكاثي: «أحضريهن من فورك.» أما ~~زخاري الذي كان في مرحلة الدراسة الثانوية، فسوف يكون إلحاقه ~~بالمدرسة أصعب. # كانت الفتيات متوترات، لم يكن يسعدهن دخول مدرسة جديدة؛ حيث لا ms158 ~~يعرفن أحدا ويوصمن بأنهن لاجئات، لم لا ينتظرن حتى يعدن إلى نيو ~~أورلينز؟ ماذا عساهن أن يدرسن؟ لسوف تختلف الكتب والمقررات ~~الدراسية. وما الغاية من ذلك؟ قالت كاثي إن والدهن يريد إلحاقهن ~~بالمدرسة، وذلك يكفي. # وقام أحمد ويوكو بشراء ما تحتاج إليه الفتيات من المعدات ~~المدرسية، كالدوسيهات والكراسات والأقلام الحبر والأقلام الرصاص، ~~وحقائب ماركة بوكيمون وهالو كيتي؛ لحمل كل ذلك فيها، وأشاع هذا بعض ~~الراحة في نفوس الفتيات، ولكن عندما أوصلتهن كاثي إلى المدرسة، ~~وتركتهن جميعا في مكتب مدير مدرسة كونلي، شعرت بالانهيار. لم تكن ~~قادرة على النظر إلى عائشة والتي كانت عيناها السوداوان ~~المغرورقتان تنطقان بكل شيء ، بكل قلق تشاركها كاثي فيه؛ أي إن هذه ~~كانت أول أيام حياتهن الجديدة معا، في فينيكس، وفي غيبة ~~والدهن. # وأثناء عودتها بالسيارة من المدرسة، أصغت كاثي إلى الأنباء في ~~الراديو. كان عدد الموتى رسميا في نيو أورلينز قد وصل إلى 279. ~~كان يبدو أن الرقم يزداد مائة كل يوم، والبحث عن الجثث كان في ~~بدايته وحسب. # هل كان عليها أن تتخذ الاستعدادات اللازمة للجنازة؟ لقد انقضت ~~الآن سبعة أيام. إلام تستطيع تبرير غيابه؟ لقد حضر الرئيس بوش ~~مرتين أو ثلاثا إلى نيو أورلينز حتى الآن. فإذا كان الرئيس يستطيع ~~الحضور إلى ميدان جاكسون لعقد مؤتمر صحفي، فإن زوجها، إن كان في ~~قيد الحياة، يستطيع العثور على تليفون والاتصال بها. # الثلاثاء 13 من سبتمبر # وبوجود الأطفال في المدرسة نهارا، أحست كاثي بتسارع انهيار ~~روحها المعنوية؛ إذ أتيح لها قضاء المزيد من الوقت لكي تقلقه، ~~والمزيد من الوقت لتخطيط حياتها التعيسة الجديدة. # كانت تتصل بالمنزل في شارع كليبورن كل ساعة، وتتصل بزيتون على ~~تليفونه الخلوي، آملة أن يكون قد وجد وسيلة لشحن البطارية. # وقفز عدد الموتى إلى 423. # عثرت على رقم تليفون صاحبة تود جامبينو واتصلت بها. كانت في ~~مسيسيبي، ولم تتلق أي اتصال من تود منذ أسبوع، كان لهذا معنى، ~~ربما حدث شيء ما لكليهما؟ كانت هذه أخبارا طيبة. لا بد أن تكون ~~كذلك، واتفقت ms159 المرأتان على مداومة الاتصال. # ومن إسبانيا، كان أحمد يتصل بكاثي كل يوم. قال إنه اتصل بخفر ~~السواحل والبحرية، وكتب إلى السفارة السورية في واشنطن، ولم يأته ~~شيء من أي أحد، وجعل يفحص مواعيد الطائرات الذاهبة إلى نيو ~~أورلينز. ما الضرر في أن يتولى البحث عن أخيه ميدانيا؟ كان قلقا ~~لأن أشقاءه كانوا يتوقعون منه الذهاب، ما دام الوحيد الذي تتاح له ~~فرصة دخول الولايات المتحدة، وأما الحصول على تأشيرة دخول من سوريا ~~فكان ميئوسا منه، واستبعدت زوجته الفكرة، ولكن الفكرة ظلت تنخر ~~في عظامه. # الأربعاء 14 من سبتمبر # أصبح عدد الموتى 648، ويتصاعد. # وكانت كاثي تسأل الصليب الأحمر كل يوم. وسرعان ما سجلت اسم زيتون ~~في ست هيئات مختصة بالبحث عن المفقودين، وأصبحت صورته في كل ~~مكان. ~~••• # ذهبت البنات إلى المدرسة وعدن إلى المنزل وشاهدن التليفزيون، كن ~~يجدن تسرية مؤقتة مع أطفال يوكو وأحمد، ولكن عيونهن كانت تبدو ~~جوفاء؛ إذ كن يحاولن رسم مسار حياتهن من دون والدهن. هل كن يردن ~~الانتقال إلى فينيكس؟ هل تكون له جنازة؟ متى يعلمن حقيقة ما ~~حدث؟ # وفي غمار الأفكار التي تشتد حلكتها على امتداد ساعات لا تحصى ~~عادت كاثي لتخيل مكان إقامتها في المستقبل. تراها تعيش في ~~أريزونا؟ لا بد لها في هذه الحالة أن تجد منزلا بالقرب من منزل ~~يوكو، ولا بد أن يصبح أحمد صورة للوالد، ولكن كاثي كانت قد اعتمدت ~~من قبل اعتمادا شديد الوطأة على يوكو وأحمد، ولم تستطع أن تتصور ~~تحميلهما عبء الأسرة كلها بصفة مستمرة. # وخطرت ببالها صورة أسرة زيتون في سوريا؛ صورة شبكة تكافل متينة، ~~نسيج شاسع متماسك الخيوط من العلاقات الأسرية. كانت قد اصطحبت ~~الأطفال، هي وزيتون، إلى هناك في عام 2003 في زيارة لمدة أسبوعين، ~~وكان البلد يختلف عن كل ما توقعت. كان أول ما شد انتباهها سقوط ~~الثلج. الثلج في دمشق! واستقلوا الأتوبيس إلى جبلة في الشمال، وعلى ~~طول الطريق صعقت مما شاهدت، وأقرت فيما بعد أنها كانت لديها صورة ~~قديمة بالية لسوريا. كانت ms160 تتوقع مشاهدة الصحارى والحمير وعربات ~~اليد، لا أن تشاهد هذا العدد الكبير من المدن الزاخرة بالحركة ~~والأجناس المختلفة، وهذا العدد الكبير من محال بيع السيارات ~~المرسيدس والبي إم دبليو مصطفة على الطريق الرئيس المتجه شمالا، ~~وهذا العدد الكبير من النساء اللاتي يلبسن ملابس ضيقة، عاريات ~~الشعر، ولكنها شاهدت آثارا لحياة أقل حداثة من تلك أيضا، مثل من ~~يبيعون السردين والكرنب على جانبي الطريق، وبعض المنازل المبنية من ~~الآجر والطين. # وأثناء السفر شمالا إلى جبلة سرعان ما التقى الطريق بالشريط ~~الساحلي، فإذا بهم يسافرون إلى منطقة ساحلية جميلة، تطل التلال ~~فيها على البحر، وتقوم المساجد فوق الطريق جنبا إلى جنب مع ~~الكنائس ، وعشرات منها، كانت تفترض أن سوريا ليس فيها غير المسلمين، ~~لكنها كانت مخطئة، في هذا، وفي كثير من غير هذا. ~~وأحبت شعورها بالدهشة حين تبينت ~~أن سوريا في جوهرها بلد من بلدان البحر المتوسط، ترتبط بالبحر، ~~وتحب الأطعمة والأفكار الجديدة، ويتجلى فيها تأثير اليونان ~~وإيطاليا وثقافات كثيرة. وكانت كاثي تلتهم ذلك كله: الخضراوات ~~والأسماك الطازجة، واللبن الزبادي، ولحم الضأن. كان لحم الضأن هنا ~~أفضل مما ذاقته في أي مكان آخر، وكانت تأكله كلما سنحت لها ~~الفرصة. # وفي بلدة جبلة الجميلة على ساحل البحر شاهدت المنازل التي بناها ~~أجداد زيتون، والنصب التذكاري المقام لأخيه محمد. وكانت أسرتها قد ~~أقامت عند قصي، أخي عبد الرحمن، وهو رجل اجتماعي يحب الحياة ~~بصورة رائعة، وكان لا يزال يقيم في منزل طفولته. كان المنزل عتيقا ~~ساحرا على الساحل، يتميز بالسقوف العالية والنوافذ المفتوحة ~~دائما أمام نسمات البحر. كانت تجد أفراد الأسرة الكبيرة في كل ~~مكان على مسيرة خطوات، في عدد كبير من الأقارب، وتاريخ حافل عريق. ~~وبينما كان زيتون منطلقا في أرجاء البلدة يعيد ربط ما انقطع من ~~صلات مع أصدقائه القدامى، كانت كاثي قد قضت ساعة العصر في الطهي مع ~~فايزة، أخت زيتون، وأخطأت في استخدام غاز البروبين وكادت أن تتسبب ~~في احتراق المطبخ. كان الحادث مخيفا آنذاك، لكنه أثار كثيرا من ~~التندر ms161 والتفكه في الأيام التالية. # كان أهل زوجها كراما ~~صالحين، وقد تلقى كل منهم تعليما عاليا، ويتميزون بالصراحة ~~والأريحية، ولا تتوقف الضحكات الغامرة في منزل كل منهم. هل كان من ~~المحال أن تصطحب كاثي الأطفال وتذهب للعيش معهم هناك في جبلة؟ كانت ~~الفكرة تمثل تغييرا جذريا في حياتها، ولكنها كانت تضمن لها ~~الراحة في ذلك المكان حيث تحتضنها الأسرة، وحيث يحيط بالأطفال ~~كثيرون من الأقارب، وربما خفف ذلك من لوعة فقدان أبيهم. # كان اكتئاب أسرة زيتون في ~~سوريا وتقبلها لفقدان عبد الرحمن في تزايد مطرد. كان عدد الجثث ~~التي عثر عليها كبيرا إلى حد بعيد؛ إذ كان يبلغ سبعمائة في نيو ~~أورلينز ، وقال إخوته إنه لا بد أن يكون واحدا من هؤلاء، قطعا، ~~ومن الحمق الظن بغير ذلك. ولم يكونوا يريدون الآن سوى الاطمئنان ~~بمعرفة أسلوب وفاته. كانوا يريدون الجثة لتغسيلها ودفنها. # السبت 17من سبتمبر # كانت يوكو قد منعت كاثي من مشاهدة التليفزيون أو استخدام ~~الإنترنت، ولكن كاثي لم تستطع المقاومة، جعلت تبحث عن اسم زوجها، ~~بحثت عن عنوان شركتهما. وبحثت في أي مكان يكون قد عثر عليه ~~فيه. # لم تعثر على أي شيء خاص به، بل وجدت أشياء أخرى مرعبة. ففي كل ~~مكان في الإنترنت كانت تجد أنباء عن العنف وأدلة على المبالغة ~~فيها، ففي إحدى الصفحات تقرأ عن مئات حالات القتل العمد، وظهور ~~التماسيح في المياه، وعصابات الرجال المنهمكين في السلب والنهب. ~~وفي صفحة أخرى تقرأ نفيا لتعرض الأطفال للاغتصاب، أو نفي وقوع ~~جرائم القتل المتعمد في القبة الكبيرة، أو وفاة أحد في مركز ~~المؤتمرات، لم تكن تبدو نهاية لضروب الخوف والتشويش، والتصورات ~~العنصرية، ونشر الشائعات. # لم يكن أحد يجادل في أن المدينة وقعت في هوة الفوضى، ولكن الجدال ~~أصبح يدور حول مصدر تلك الفوضى. هل كان المصدر هو السكان أم الذين ~~أرسلوا لإحلال النظام؟ ودار عقل كاثي في ذهول وهي تقرأ عن التركيز ~~غير المسبوق على المسلحين رجالا ونساء في المدينة. # قرأت أولا عن المرتزقة؛ إذ سارع رجال ms162 الأعمال الأغنياء، ~~والشركات ذات الثراء، بمجرد انتهاء العاصفة باستدعاء شركات الأمن ~~الخاصة من شتى أرجاء العالم، فقام ما لا يقل عن خمس منظمات مختلفة ~~بإرسال الجنود المأجورين إلى المدينة، بما في ذلك المرتزقة ~~الإسرائيليون من شركة اسمها «الشركة الدولية لإطلاق النار ~~بالغريزة»، وتسارعت أنفاس كاثي، رجال العصابات الإسرائيليون في نيو ~~أورلينز؟ وأدركت أن ذلك كان ما حدث، كان زوجها عربيا، وكانت فرقة ~~إسرائيلية شبه عسكرية على الأرض في المدينة، وهكذا استنتجت ما هو ~~منطقي. # وجنود منظمة بلاكووتر. كانت شركة بلاكووتر الأمريكية شركة الأمن ~~الخاصة التي يعمل فيها الجنود السابقون في الجيش الأمريكي وغيره، ~~قد أرسلت مئات الأفراد إلى المنطقة. كانوا موجودين بصفة رسمية؛ إذ ~~استأجرتهم مصلحة الأمن الداخلي للمساعدة في الحفاظ على النظام، ~~كانوا يصلون مرتدين ملابس الميدان الكاملة، وكان بعضهم يحمل شارات ~~نواب حكمدار الشرطة في ولاية لويزيانا. # وتسلطت صور جميع الأسلحة النارية على تفكير كاثي، كان أخوها في ~~الحرس الوطني، وكانت تعلم ضروب الأسلحة التي يحملونها، وبدأت تجري ~~العمليات الحسابية، لو كان كل رجل من مرتزقي بلاكووتر يحمل ما لا ~~يقل عن سلاحين ناريين، فإن معنى ذلك مئات المسدسات المحمولة على ~~الجنبين، من عيار 9 ملليمترات، من طراز هيكلر وكوخ، إلى جانب مئات ~~من البنادق من طراز إم-16ورشاشات من طراز إم-4. # وأحست كأنما عثرت مصادفة على إجابة عن تساؤلها عن اختفاء زوجها، ~~لم يكن أي تفسير آخر مقبولا، كان ذلك يبدو أقرب الأشياء إلى ~~المنطق، لا بد أن أحد هؤلاء المرتزقة الذين لا يسألهم أحد عما ~~يفعلون قد أطلق النار على زيتون فقتله، والسلطات الآن تتكتم الأمر، ~~ولهذا لم تسمع شيئا، لا بد أن العملية كلها متكتم عليها. # أضف إلى ذلك وجود كثير من الجنود الأمريكيين، لا بد أنهم سيطروا ~~على الموقف، وفي حدود ما استطاعت أن تحدس، كان في نيو أورلينز ما ~~لا يقل عن عشرين ألف جندي من الحرس الوطني، إلى جانب الذين يصلون ~~في كل يوم، لكنها عادت للتفكير في الأسلحة النارية، لو كان مع ms163 كل ~~واحد من هؤلاء بندقية واحدة من طراز إم-16 الهجومي، فلا بد أن ~~بالمدينة نحو عشرين ألف بندقية آلية. ذلك أكثر مما ينبغي. وإذا ~~كانت الحاكمة بلانكو على حق حين قالت إن هؤلاء قد أقبلوا مباشرة من ~~أفغانستان والعراق، فلن يبشر ذلك بأي خير لزوجها. # وبحثت في مواقع أخرى على الإنترنت، وتعمقت، كان عدد جنود الجيش ~~في منطقة نيو أورلينز يبلغ 5750، وما يقرب من ألف رجل من رجال شرطة ~~الولاية، وكثيرون من بينهم من فرق مكافحة الشغب المسلحة للاشتباك ~~مع الناس داخل المدن، كما منح أربعمائة من مفتشي الجمارك ورجال ~~حماية الحدود سلطة الضبطية القضائية فأصبحوا نوابا عن مأموري ~~الشرطة المحلية. وكان من بين هؤلاء أكثر من مائة رجل من الوحدات ~~التكتيكية لورديات الحدود، وكانوا في العادة مسلحين بأجهزة قذف ~~القنابل اليدوية، وبنادق الخرطوش، وكباش دك الأسوار، والبنادق ~~الهجومية، كما كانت في المنطقة أربع من فرق الأمن والسلامة ~~البحرية، وهي الوحدات التكتيكية الجديدة التي شكلتها مصلحة الأمن ~~الداخلي في إطار الحرب على الإرهاب، وكل من هذه الوحدات مزود ~~بالبنادق من طراز إم-16، وبنادق الخرطوش، وقنابل يدوية من عيار ~~0,45، إلى جانب خمسمائة من العملاء الخصوصيين لمكتب التحقيقات ~~الفيدرالي، وفريق من شرطة العمليات الخاصة الفيدرالية، والقناصين. ~~كانوا قد قرروا إرسال القناصين إلى المدينة لإطلاق النار على ~~مرتكبي النهب المسلحين. وأجرت كاثي عملية الجمع الحسابية، وانتهت ~~إلى وجود ما لا يقل عن ثمانية وعشرين ألف سلاح ناري في نيو ~~أورلينز. وذلك هو الحد الأدنى الذي يحسب عدد البنادق والمسدسات ~~وبنادق الخرطوش. # لم تستطع مواصلة النظر، فأطفأت الكمبيوتر، وجعلت تمشي في الغرفة، ~~واستلقت على السرير وهي تحدق في الحائط، ونهضت وذهبت إلى الحمام ~~لتتأمل الشريط الجديد من الشعر الأبيض فوق رأسها. # ثم عادت فأدارت الكمبيوتر بحثا عن زوجها. كانت غاضبة كل الغضب ~~منه، من عناده. لو أنه ركب معهم السيارة وحسب! لم لم يخضع ~~للمنطق نفسه الذي أدركه مئات الآلاف من الناس؟ كان لا بد أن يختلف؛ ~~كان لا بد أن يفعل المزيد؛ ms164 كان لا بد أن يفعل شيئا آخر. # ووجدت الإيميل الذي أرسله أحمد إلى هيئات البحث عن المفقودين، ~~أصبحت الصور التي أرفقها هي صور زوجها الوحيدة التي بقيت لها، أو ~~الصور الوحيدة التي كانت لديها في فينيكس على أي حال. كانت قد ~~التقطت قبل عام واحد، في مالقة. كان قد ذهب أفراد الأسرة جميعا ~~إلى مالقة وأخذت الصورة على الشاطئ بالقرب من منزل أحمد، وعندما ~~شاهدت كاثي ذلك الشاطئ لم تستطع أن تفكر إلا في النزهة، تلك النزهة ~~الجنونية التي أصر زوجها على قيامهما بها. ولو كانت ذاكرتها تحمل ~~ما يرمز إلى ذلك الرجل، فإنها ذكرى ذلك اليوم. ~~••• # كانت الأسرة قد أمضت عدة أيام في مالقة عندما شعر الأطفال الأكبر ~~سنا بالراحة في منزل أحمد وأنطونيا، وأسعدهم البقاء في المنزل في ~~الصباح، وكان زيتون يريد أن يصحب كاثي وصفية للتريض على الشاطئ، ~~وقضاء بعض الوقت على انفراد، وأما زخاري ونديمة وعائشة، فكانوا ~~يتسامرون مع لطفي وليلى، ويلهون في حمام السباحة خلف المنزل، ولم ~~يكادوا يلحظون مغادرة والديهم مع صفية. # وسار زيتون مع كاثي على الشاطئ، وزيتون يحمل صفية، وقطعا نحو ميل ~~على رمال الشاطئ، والماء بارد وهادئ، وكانت كاثي تشعر برضى لم ~~تشعر به منذ سنوات، كانت النزهة تبدو عطلة حقيقية، وزوجها يبدو ~~فعلا هادئ البال، مثل الفرد السوي الذي يقضي عطلة فعلية، كانت ~~مشاهدته على هذه الحال، ماشيا على الشاطئ دون أي سبب حقيقي، لمجرد ~~الإحساس بالمياه بين أصابع قدمه، قد كشفت لها عن جانب منه نادرا ~~ما كانت تراه. # ولكن ذلك لم يدم طويلا؛ إذ ما كادت تلحظ طمأنينته وإحساسه ~~بالفراغ، حتى رأته يركز بصيرته على شيء ما في الأفق. # وسألها: «ترين ذلك؟» # وهزت رأسها، لم تكن تريد أن تبصر ما أبصر. ~~«تلك الصخرة. هل ترينها؟» # كان قد لاحظ وجود تكوين صخري صغير في الأفق، داخل في البحر بعد ~~عدة أميال على امتداد الساحل، وحبست كاثي أنفاسها؛ خوفا من أي ~~أفكار قد تتشكل في ذهنه. # قال لها: «فلنذهب إليها!» ms165 وقد أشرق وجهه وبرقت عيناه. # لم تكن كاثي تريد أن تقصد مكانا معينا بل أن تتنزه. كانت تريد ~~نزهة تجلس بعدها على الشاطئ، وتلعب مع ابنتها، ثم تعود إلى منزل ~~أحمد. كانت تريد عطلة، ألا تفعل شيئا، بل أن تلهو وتلعب. # قال: «هيا بنا! الجو صحو وليست الصخرة بعيدة.» # سارا تجاه الصخرة، كانت المياه ممتعة، والشمس حانية، ولكنهما لم ~~يكونا قد اقتربا اقترابا ملموسا بعد السير ثلاثين دقيقة. كما ~~مرا بلسان منخفض ممتد في البحر يفصل قسما من الشاطئ عن القسم ~~التالي. بدا لها ذلك خير موقع يبدآن عنده العودة، واقترحت كاثي ~~ذلك، لكن زيتون استبعده دون مناقشة. # قال: «لقد اقتربنا كثيرا!» # لم يكونا قد اقتربا كثيرا، لكنها اقتفت آثار زوجها وهو يصعد ~~الصخر، حاملا صفية بإحدى يديه، ثم يهبط من حافة النتوء الوعر إلى ~~القسم التالي من الشاطئ. # وقال عندما هبطا إلى الرمال المبللة: «أرأيت؟ لقد اقتربنا ~~كثيرا!» # وواصلا المسير، بعد أن نقل صفية إلى كتفيه، وسارا ميلا آخر؛ وإذ ~~بالشاطئ يعترضه نتوء صخري آخر، فصعدا فوقه أيضا، وعندما هبطا إلى ~~الأرض المنبسطة لم تكن الصخرة عند الأفق تبدو أقرب مما كانت عند ~~بداية السير، ولكن زيتون لم يقلق. # كانا قد قضيا ساعتين في هذه المسيرة عندما اعترض الشاطئ لسان ~~أرضي أطول، وكان ضخما، أتاح للناس أن يقيموا فوقه المنازل ~~والحوانيت. كان عليهما أن يصعدا درجا خلال طرق هذه البلدة ~~الصغيرة، وأصرت كاثي على التوقف لشرب الماء أو تناول المثلجات، ~~فشربت كفايتها، ولكنهما لم يتوقفا طويلا؛ إذ سرعان ما استأنف ~~المسير، ولم يكن لديها خيار إلا أن تتبعه، وهرولا هابطين على ~~الدرج إلى الجانب الآخر لمواصلة السير على الشاطئ، ولم يخفض زيتون ~~من سرعته قط، ولم يكن يبدو أنه يتفصد عرقا. # قال: «لقد اقتربنا كثيرا!» مشيرا إلى الصخرة عند الأفق، وهي ~~التي لم تكن تبدو أقرب مما كانت. # وقالت: «الواجب أن نعود، ما الغاية؟» # وقال: «لا لا يا كاثي! لا يمكن أن نرجع حتى نلمسها.» وكانت تعرف ~~أنه سوف ms166 يصر على أن تفعل ما يفعل. كان دائما يريد مصاحبة أسرته له ~~فيما ينشد. # لم يكن يبدو على زيتون أي من علامات الإرهاق، بل كان ينقل صفية ~~من ذراع إلى ذراع، وقد غلبها النعاس، ويواصل السير. # كانا قد صارا لمدة أربع ساعات كاملة، وصعدا فمرا من خلال ثلاث ~~بلدات بنيت على التلال ثم هبطا، وقطعا مسافة خمسة عشر ميلا على ~~الشاطئ قبل اقترابهما أخيرا من الصخرة إلى الحد الذي يتيح لهما ~~لمسها. # لم يكن منظرها باهرا، بل كانت مجرد جلمود صخري ناتئ في البحر. ~~وعندما وصلا أخيرا إليها ضحكت كاثي، وضحك زيتون أيضا، وبرقت عينا ~~كاثي، وابتسم زيتون لها ابتسامة شقاوة طفولية، كان يعرف أن ما ~~يفعلانه عبث. # قال: «هيا يا كاثي! فلنلمس الصخرة!» # فسارا إليها وصعدا بسرعة إلى قمتها، وجلسا هناك عدة دقائق ~~يستريحان، وهما يشاهدان الأمواج تتكسر على الصخور تحتهما. وعلى ~~الرغم مما كانت تشعر به كاثي من سخف الجهد المبذول وهما في الطريق ~~إليها، فقد أحست كاثي الآن بالسعادة. كانت قد تزوجت رجلا صلب ~~الإرادة، وقد يكون أحيانا عنيدا إلى حد يثير الضحك. وقد يدفعها ~~أحيانا إيمانه بالقدر إلى الحيرة ونفاد الصبر. كانت تعرف أنه إذا ~~عقد العزم على تحقيق شيء ما، ولو كان فكرة مجنونة، مثل لمس صخرة ما ~~تبعد عنه أميالا كثيرة، فلن يستريح حتى يحققه، كان أمرا يذهب ~~العقل، بل غريبا، ولكنها كانت تقول في نفسها إنه يمنح زواجهما ~~نطاقا ملحميا معينا، وكانت تعرف أنه من البلاهة التفكير بهذا ~~الأسلوب، ولكنهما يقومان برحلة معا تبدو لعينها أحيانا ذات جلال، ~~فلقد نشأت وترعرعت في بيت صغير في باتون روج، مع تسعة أشقاء، وأصبح ~~لها الآن، مع زوجها أربعة أطفال ينعمون بحياتهم، وزارت إسبانيا ~~وسوريا، وتستطيع فيما يبدو تحقيق أي الأهداف التي يحلمان ~~بها. # وقال من جديد: «هيا! المسيها!» # كانا يجلسان فوقها، لكنها لم تكن «رسميا» قد لمستها. # فلمستها وابتسم وأمسك بيدها. # وسألها: «أليست لطيفة الملمس؟!» # وبعد ذلك غدت هذه فكاهة بينهما، فكلما بدا لكاثي أن ms167 أمرا ما ~~عسير، وكانت على شفا اليأس، كان زيتون يقول: «المسي الصخرة يا ~~كاثي! المسي الصخرة!» # فيضحكان، وعندها تجد القوة اللازمة للاستمرار، وكانت تعتمد في ~~ذلك، إلى حد ما، على منطق غريب إذ تسأل نفسها: أليس اليأس أشد ~~عبثا؟ أليس الاستمرار أقل عبثا من الفشل، من النكوص؟ # الإثنين 19 من سبتمبر # استيقظت كاثي وهي تشعر بأنها حققت نوعا جديدا من السكينة، كانت ~~تحس أنها قوية، وأنها على استعداد للشروع في التخطيط، كانت تشعر ~~بأنها ظلت مشلولة على مدى أسبوعين في انتظار خبر عن زوجها، ولكن ~~ذلك كان حمقا، وأحست بالحاجة إلى أن تعود إلى بيتها، إلى المنزل ~~في شارع دارت، وداهمتها ثقة مفاجئة بأنها سوف تجد زوجها هناك. ~~كانت أسرته في سوريا على حق، لم يكن ثمة أخطر من تلك العصابات ~~الجوالة، كان ذلك أعقل ما قيل، فعندما خلت المدينة من سكانها ازداد ~~السلب والنهب وقاحة، على الأرجح، واجتاح أحياء أخرى في الضواحي، ~~لا بد أن اللصوص أتوا إلى المنزل في شارع دارت، ولم يكونوا ~~يتوقعون وجود أحد فيه فقتلوا زوجها. # كانت تحتاج إلى العودة إلى نيو أورلينز، واستئجار زورق من نوع ~~ما، كي تعود إلى المنزل في شارع دارت، كانت تحتاج إلى رؤيته، في ~~أي مكان كان، كانت تحتاج إلى أن تعثر عليه وتدفنه، كانت تريد أن ~~ينتهي كل ذلك. # كانت تشعر طيلة الصباح بأمن من نوع جديد، كانت تقول في نفسها: إن ~~الوقت حان للجد، للتوقف عن الأمل، وللشروع في العمل استعدادا لأي ~~شيء يأتي به المستقبل. ~~••• # وعند الظهيرة سمعت كاثي أن إعصارا آخر، وكان يدعى «ريتا» هذه ~~المرة، يتجه إلى نيو أورلينز. وهكذا ألغى العمدة ناجين الخطط التي ~~كان قد وضعها لإعادة فتح المدينة، وكانت العاصفة قد رصد مسارها ~~فوق الخليج وتتجاوز سرعة الرياح فيها 150 ميلا في الساعة، وكان ~~المتوقع وصولها يوم 21 من سبتمبر. وقالت كاثي في نفسها إنها حتى لو ~~تمكنت من الوصول إلى مقربة من نيو أورلينز فسوف تردها الرياح على ~~أعقابها. # ودخلت ms168 نديمة غرفة الجلوس. # وسألت: «أينبغي أن نصلي؟» # وكادت كاثي أن تقول: لا - فلم تفعل غير الصلاة - لكنها لم ترد أن ~~تخيب رجاء ابنتها. # فقالت: «قطعا. هيا بنا.» # وأقامتا الصلاة على أرضية غرفة الجلوس، وبعدها قبلت جبين ~~نديمة، واحتضنتها، وقالت في نفسها: «سوف أعتمد كثيرا عليك. ~~مسكينة يا نديمة! فأنت لا تعرفين.» # ثم رن تليفون كاثي الخلوي، فالتقطته وقالت: «مرحبا.» # وسألها صوت رجل: «هل هذه مدام زيتون؟» كان يبدو متوترا، وأخطأ ~~في نطق اسم «زيتون»، وشعرت كاثي بالهلع لكنها تمكنت من أن تقول: ~~نعم. # وقال الرجل: «شاهدت زوجك!» # وجلست كاثي، كانت صورة جثة زيتون طافية في المياه القذرة ~~... # وقال الصوت: «إنه بخير، وهو في السجن، أنا أعمل بالتبشير . كنت في ~~«هنت»، السجن الموجود في سانت جابريل. وهو هناك. وأعطاني رقم ~~تليفونك.» # وسألته كاثي عشرة أسئلة مرة واحدة. ~~«آسف، ذلك كل ما أعرفه. لا أستطيع أن أخبرك بأي شيء ~~آخر.» # وسألته كيف يمكنها الوصول إلى زيتون، وإذا كان يلقى الرعاية ~~اللازمة. ~~«اسمعي! لا أستطيع أن أحادثك بعد هذا. وإلا واجهت المتاعب. إنه ~~بخير، وهو هناك. هذا كل شيء. لا بد أن أذهب.» # وقطع المكالمة. # | الفصل الرابع # الثلاثاء 6 من سبتمبر # كان زيتون يستمتع بالماء البارد في أول مرة يستحم فيها منذ أكثر ~~من أسبوع. كان يعرف أن المياه يمكن أن تنقطع إلى الأبد في أي لحظة، ~~فتمهل عدة ثوان أخرى بعد انتهاء الحمام. # لكنه كان متأهبا للرحيل. كان السكان يخلون الأحياء من حوله، ~~ولن ينقضي وقت طويل حتى لا يجد من يطلب المساعدة، ولا يكاد يبقى ~~شيء يشاهده. جعل يتساءل متى، وكيف يرحل. ربما بعد أيام معدودة ~~يستطيع أن يتجه إلى نقطة الغوث عند تقاطع شارعي نابليون وسانت ~~تشارلز، ويسأل الموظفين وعمال الإغاثة هناك عن وسيلة الخروج من ~~المدينة. كل ما يحتاج إليه هو الذهاب إلى المطار في نيو أورلينز أو ~~باتون روج، ثم يستقل الطائرة إلى فينيكس. لم يعد لديه ما يشغله في ~~هذه المدينة؛ فمخزونه في الطعام تناقص، وكان يفتقد ms169 كاثي والأطفال. ~~كان الوقت قد حان. # وهبط إلى الطابق السفلي. # وقال لناصر: «الحمام جاهز لك.» # واتصل زيتون بأخيه أحمد في إسبانيا. # وسأله أحمد: «هل تدرك أي صور نراها في التليفزيون؟!» # وبينما كانا يتحدثان، سمع صوت ناصر من مدخل المنزل، كان يحادث ~~شخصا ما خارج المنزل. # ونادي ناصر: «زيتون!» # وقال زيتون: «ماذا؟» # فقال ناصر: «تعال هنا. هؤلاء يسألون إن كنا بحاجة إلى ~~الماء.» # وأنهى زيتون المكالمة وسار نحو الباب. # وقابل الرجال زيتون في بهو المدخل. كانوا يرتدون أزياء رسمية ~~مختلطة من الشرطة والجيش. أردية المهام الصعبة، وصديريات واقية من ~~الرصاص، وكان معظمهم يلبسون نظارات شمسية، ولدى كل منهم بندقية من ~~الطراز إم-16 ومسدسات. وسرعان ما ملئوا البهو، كان عدد الأسلحة ~~النارية البارزة لا يقل عن عشرة. # سأله أحدهم: «من أنت؟» # فقال زيتون: «أنا المالك. أمتلك هذا المنزل.» # واتضح لزيتون الآن أنهم ستة أشخاص، خمسة منهم من ذوي البشرة ~~البيضاء، وامرأة أمريكية من أصول أفريقية. كان من الصعب التحقق من ~~أزيائهم الرسمية تحت واقي الرصاص. هل كانوا من الشرطة المحلية؟ ~~كانت المرأة الفارعة الطول ترتدي الزي العسكري المخصص للتمويه، ~~كانت على الأرجح من الحرس الوطني، وكانوا جميعا يتطلعون إلى شتى ~~أرجاء المنزل كأنما استطاعوا أخيرا أن يشاهدوا ما بداخل منزل ~~كانوا يراقبونه من مسافة بعيدة. كانوا متوترين، وإصبع كل منهم على ~~زناد سلاحه. وفي المدخل، كان أحدهم يفتش روني، وأرغم آخر ناصرا ~~على الوقوف أمام الحائط. # وقال أحدهم لزيتون: «أعطني بطاقتك الشخصية.» # فأعطاها زيتون له، وتناول الرجل البطاقة وأعادها إلى زيتون دون ~~أن ينظر فيها. # وقال: «اركب القارب!» # واحتج زيتون قائلا: «لم تفحص البطاقة!» # وصرخ رجل آخر: «تحرك!» ~~••• # ودفع زيتون نحو الباب الأمامي، وكان الرجال الآخرون قد ساقوا ~~روني وناصرا إلى سفينة مروحية هائلة الحجم. كانت سفينة حربية أكبر ~~من أي سفينة أخري شاهدها زيتون أثناء العاصفة، وكان رجلان على ~~الأقل يصوبان البنادق الأتوماتيكية إليهما. # وفي هذه اللحظة وصل زورق آخر. وكان تود يقوده، بعد انتهائه من ~~جولات الإنقاذ. # وسأل: «ماذا يحدث ms170 هنا؟» # وقال أحد الرجال: «من أنت؟» # وأجاب تود: «إني أقيم هنا، ولدي البرهان، إنه داخل ~~المنزل.» # وقال الرجل: «اركب السفينة!» # ولم يكن زيتون مذعورا؛ إذ كان يعرف أن المسئولين يقومون بإخلاء ~~المدينة بالقوة، وتصور أن ما يحدث له علاقة بذلك. وكان يعرف أن ~~المسألة سوف تسوى مهما يكن المكان الذي كانوا يساقون إليه، لم ~~يكن يحتاج إلا إلى الاتصال بكاثي حتى تقوم بتوكيل أحد ~~المحامين. # ولكن رقم تليفون يوكو في المنزل، وكان بجوار التليفون على منضدة ~~البهو، وإن لم يحصل عليه الآن، فلن يستطيع الاتصال بكاثي. ولم يكن ~~قد حفظ الرقم. # وقال لأحد الجنود: «لا تؤاخذني. لقد تركت قصاصة ورق على هذه ~~المنضدة. إن بها رقم تليفون زوجتي . وهي في أريزونا. وهو الوسيلة ~~الوحيدة ...» وتقدم تجاه المنزل، مبتسما في أدب. كان ذلك الرقم كل ~~شيء، كانت تلك القصاصة تبعد عنه خمس عشرة قدما. # وصرخ الجندي: «لا!» وقبض على ظهر قميص زيتون، وأداره ودفعه إلى ~~السفينة. # وظل الأسرى الأربعة واقفين في السفينة، محاطين بستة أفراد ~~عسكريين، وحاول زيتون أن يحدس من كانوا، ولكن الأدلة كانت قليلة. ~~كان اثنان أو ثلاثة منهم يلبسون ملابس سوداء، لا تعلوها أي بطاقات ~~ظاهرة أو شارات واضحة. # لم يتكلم أحد، وكان زيتون يعرف أن عليه ألا يتسبب في تفاقم ~~الموقف، وتصور أنه حين تجري مقابلتهم مع أحد رؤساء هؤلاء، فسوف ~~تنجلي الحقيقة، لا بد أنهم سوف يوبخون بسبب بقائهم في المدينة بعد ~~أن بدأ تنفيذ أمر الإخلاء الإجباري لها، ثم يرسلون إلى الشمال في ~~أتوبيس أو طائرة عمودية. وقال في نفسه: إن كاثي سوف يهدأ خاطرها ~~حين تسمع أنه بدأ خطوات الرحيل من المدينة، أخيرا. # وأسرعت السفينة في شارع كليبورن ثم نابليون حتى غدت المياه ضحلة ~~عند تقاطع شارع نابليون وسانت تشارلز. # وأوقف الربان محرك السفينة، وتركها تبطئ حتى ترسو ناحية التقاطع. ~~كان في ذلك المكان اثنا عشر رجلا يرتدون الأزياء الرسمية للحرس ~~الوطني. وانتبهوا جميعا لما يحدث، وتطلع عدد قليل من رجال آخرين ~~يلبسون صديريات ms171 واقية من الرصاص، ونظارات شمسية، وقبعات سوداء إلى ~~القادمين. كانوا ينتظرونهم. # وفي اللحظة التي سيق زيتون والثلاثة الذين معه فيها خارج ~~السفينة، انقض عليهم أكثر من عشرة جنود، فوثب رجلان يلبسان واقي ~~الرصاص على زيتون وطرحاه أرضا، فدفن وجهه في الكلأ المبتل، ~~واضطر إلى بصق ما دخله من الطين، وكانت ركبة أحدهما فوق ظهره، ~~ويداه فوق ساقي زيتون. وشعر كأن من فوقه ما لا يقل عن ثلاثة رجال ~~يرغمونه بكل قوتهم على الثبات على الأرض، على الرغم من أنه لم ~~يتحرك ولم يقاوم، ثم شد ذراعاه خلف ظهره، وقيدتا بأربطة من ~~البلاستيك، وربطت ساقاه معا، وفي غضون ذلك كله كان الرجال يصدرون ~~الأوامر بصوت مرتفع قائلين: «اثبت في مكانك!» «ابق كما أنت يا ابن ~~الداعرة!» «لا تتحرك أيها القذر!» ومن طرف عينيه كان يرى الثلاثة ~~الآخرين - ناصرا وتود وروني - منطرحين على الأرض ووجوههم في ~~الرغام، وركب الرجال فوق ظهورهم، وأيدي الرجال فوق أعناقهم. كان ~~المصورون يلتقطون الصور، والجنود يرقبون ما يجري، وقد وضع كل منهم ~~إصبعه على زناد سلاحه. ~~••• # وكافح الرجال الأربعة لاستعادة توازنهم وأرجلهم مقيدة أثناء ~~رفعهم، ودفعهم في شاحنة ضخمة بيضاء. جلسوا على مقعدين خشبيين ~~داخلها يواجه بعضهم بعضا، لم يتكلم أحد، ودخل أحد الجنود فجلس في ~~مقعد السائق، وبدا أن وجهه منشرح، فجازف زيتون بسؤاله. # قال زيتون: «ما الذي يحدث هنا؟» # قال الجندي: «لا أدري. فأنا من إنديانا.» # وانتظروا ثلاثين دقيقة في الشاحنة، كان زيتون يستطيع متابعة ما ~~يجري خارجها؛ جنود يتحدثون بنبرات توحي بالعجلة بعضهم مع بعض وفي ~~أجهزة اللاسلكي. كان ذلك الموقع تقاطعا حافلا بالحركة يمر به في ~~كل يوم. واستطاع أن يرى مطعم كوبلاند، الذي كثيرا ما تناول الطعام ~~فيه مع أسرته على ناصية الشارع، أصبح الآن موقعا عسكريا، وكان ~~زيتون أسيرا، وتبادل النظرات مع تود، كان تود يحب التفكه، وسبق ~~له أن خرق القانون مرة أو مرتين، وهكذا فقد كان، حتى في المقعد ~~الخلفي لشاحنة عسكرية، يبدو كمن يجد فيما حدث ترفيها، فكان ms172 يهز ~~رأسه ويدير عينيه دهشة. # وتذكر زيتون الكلاب التي كان يطعمها، ولفت إلى ذلك نظر أحد ~~الجنود الذين يمرون وراء ظهر الشاحنة المفتوحة. # قال زيتون: «كنت أطعم الكلاب. هل أعطيك العنوان فتخرجها وتنقلها ~~إلى مكان؟» # فقال الجندي: «قطعا. سوف نعتني بها.» # فسأله زيتون: «هل أعطيك العنوان؟» # فقال الجندي: «لا، أعرف مكانها!» ومضى في طريقه. # وانطلقت الشاحنة في اتجاه وسط المدينة. # وتساءل تود بصوت عال: «نحن ذاهبون إلى القبة الكبيرة؟» # وعلى بعد شوارع معدودة من الاستاد، وقفت الشاحنة في مدخل ~~للسيارات على شكل هلال بمحطة المسافرين الاتحادية في نيو أورلينز، ~~ملتقى قطارات شركة أمتراك، الداخلة والخارجة، موقف الأتوبيسات ~~السريعة التي تربط المدن. وبدا لزيتون أنه كان على حق في تصور أنهم ~~كانوا يجلون بالقوة من المدينة، وأحس بالارتياح فاضطجع في مقعده، ~~قال في نفسه إنهم أخطئوا حين لم يسمحوا له باصطحاب أي منقولات ~~يملكها، وأحس أن معاملة جنود الشرطة والجيش كانت تتسم بالخشونة، ~~وإن كانت النتيجة سوف تكون بسيطة ومنصفة، ظانا أنهم ينقلون ~~بالأتوبيس أو بالقطار إلى خارج المدينة. # كان زيتون سبق له أن استقبل أصدقاءه وأقاربه وأوصلهم إلى المحطة ~~بضع مرات على مر السنين. وكانت تلك المحطة تتميز بفناء أمامي يكسوه ~~الكلأ ويعلو فيه النخيل، كانت قد افتتحت في عام 1954، وكانت آنذاك ~~مبنى من طراز «آرت-ديكو» يطمح إلى الإيحاء بالجلال، ولكن إرهاق ~~روتين المحليات لها صبغها على مر السنين بلون أغبر. وكان يقوم في ~~الفناء الأمامي تمثال بلون «غزل البنات» يفصح عن نزوة نحات طارئة؛ ~~إذ كان يشبه مجموعة من لعب الأطفال ألصقت معا دون مبرر ودون ~~نظام. وعلى مبعدة بضعة شوارع كانت تلوح القبة الكبيرة. # وحين تباطأت شاحنتهم بجانب المبنى، شاهد زيتون سيارات الشرطة ~~والعربات العسكرية، كان رجال الحرس الوطني يذرعون المنطقة في ~~دوريات منتظمة. لقد أصبحت المحطة قاعدة عسكرية من لون ما، وشاهد ~~بعض الأفراد غير عابئين، يتحدثون بلا غاية بجوار عربة جيب، يدخنون. ~~ولكن أفرادا آخرين كانوا يقومون بالحراسة كأنما يتوقعون وقوع حصار ~~في أي لحظة. # وتوقفت ms173 الشاحنة عند باب المحطة الجانبي، وأخرج الأسرى من ~~الشاحنة وسيقوا إلى داخل المحطة. وعندما دخل زيتون والآخرون الحجرة ~~الرئيسة للمحطة، تطلعت خمسون زوجا من العيون إليهم فورا، عيون ~~الجنود ورجال الشرطة وأفراد الجيش، لم يكن بداخلها من المدنيين ~~غيرهم، كان يبدو كأنما دبرت هذه العمليات كلها - أي تحويل ~~محطة الأتوبيس إلى قاعدة عسكرية - من أجلهم. # كان قلب زيتون يدق بعنف. لم يشاهدوا أي مدنيين أو عاملين ~~بالمستشفى، أو رجال تقديم المساعدة الإنسانية على نحو ما كان ~~شائعا في مواقع انطلاق المسافرين، مثل موقع تقاطع شارعي نابليون ~~وسانت تشارلز. كان هذا الموقع مختلفا، كان عسكريا تماما، ~~والتوتر سائدا. # وقال تود: «هل يسخرون منا؟ ماذا يحدث بحق الشيطان؟» # وأجلس الرجال الأربعة على مقاعد من النوع الذي يطوي بالقرب من ~~شباك تذاكر شركة أتوبيس المدن، ومع كل دقيقة تمضي كان كل من في ~~محطة الأتوبيس يزداد اهتماما، فيما يبدو، بزيتون وناصر وتود ~~وروني. # وحولهم في كل مكان كان رجال يرتدون الزي الرسمي من شرطة نيو ~~أورلينز، وجنود الحرس الوطني، وحراس السجن الذين ألصقت شارات تحمل ~~عبارة مصلحة سجون لويزيانا على أزيائهم، وأحصى زيتون ما يقرب من ~~ثمانين فردا، وما لا يقل عن اثتني عشرة بندقية هجومية من مساحة ~~نصف قطرها ثلاثون قدما. وكان شرطيان يحرسان المكان ومعهما كلبان، ~~وكان كل منهما يقبض بإحكام على المقود. # ورفع تود من مقعده وسيق إلى مكان شباك تذاكر القطارات على ~~الجدار. وأحاط شرطيان به من الجانبين، وبدأ شرطي ثالث من الناحية ~~الأخرى من شباك التذاكر يستجوبه. وظل الرجال الثلاثة الآخرون ~~جالسين، ولم يستطع زيتون أن يستمع إلى الاستجواب. # كان الجنود والحراس القريبون منهم متوترين. وعندما تململ ناصر في ~~مقعده سمع عبارات التقريع من فوره: ~~«اجلس ساكنا. عد إلى وضعك الأول.» # وقاوم ناصر أول الأمر. # قالوا: «لا تتحرك! ضع يديك حيث أراهما.» # وتفحص زيتون ما يحيط به، كانت المحطة لا تزال كما هي من عدة ~~زوايا جوهرية؛ فكان حانوت محطة المترو لا يزال قائما، وشتى أماكن ~~قطع التذاكر، ms174 وكشك الاستعلامات، ولكن المحطة لم يكن بها مسافرون، ~~لم يكن بها سوى رجال ونساء مسلحين، مئات من صناديق زجاجات الماء، ~~وغيرها من المؤن مكدسة في الأبهاء، إلى جانب زيتون وزملائه ~~السجناء. # كان تود يجادل الذين يحققون معه، كانت تصل إلى مسامع زيتون شذرات ~~عالية من الجدل أثناء استمرار الاستجواب عند شباك التذاكر. كان تود ~~دائم الحماسة في الأيام العادية؛ ولذلك لم يدهش زيتون حين بلغت ~~إثارته ذروة جديدة أثناء التحقيق. # سأل تود: «هل تتاح لنا فرصة مكالمة تليفونية؟» # وقال الشرطي: «لا.» ~~«لا بد أن تتيحوا لنا مكالمة تليفونية.» # ولم يجب الشرطي. # ورفع تود صوته، ودارت عيناه غيظا، فاقترب منه الجنود المحيطون ~~به، وهم يصرخون محذرين مهددين. # وسأل أحد الجنود الذين مروا به: «ما سبب وجودنا هنا؟» # وقال الجندي: «أنتم أيها الرجال من القاعدة!» # وضحك تود ساخرا ولكن زيتون أصابه الذعر. من المحال أنه سمع ما ~~سمع! # لطالما كان زيتون يخشى قدوم هذا اليوم، وفي كل مرة كان رجال ~~الشرطة يستوقفونه بسبب مخالفة مرورية، كان يعرف أنه قد يتعرض ~~للمضايقات، وسوء الفهم، والاشتباه في قيامه بمعاملات مريبة، وهي ~~الأفكار التي قد تونع في مخيلة أي رجل من رجال الشرطة. كان يعرف هو ~~وكاثي أن مخيلات الكثيرين تشطح بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 شطحات لا ~~حد لها، وأن الزعم بوجود «خلايا نائمة» - أي وجود من سوف يصبحون ~~إرهابيين، ويقيمون في الولايات المتحدة ينتظرون الانقضاض أعواما ~~أو عقودا - معناه أن كل شخص في مسجدهم، أو المسجد كله نفسه، ربما ~~كان ينتظر وصول التعليمات من زعماء مفترضين في تلال أفغانستان أو ~~باكستان. # كان القلق يساوره هو وكاثي من نطاق عمل وزارة الأمن الداخلي، ~~واستعدادها للاتصال بأي فرد ولد في الشرق الأوسط أو له صلة بالشرق ~~الأوسط، فلقد تعرض كثير من أصدقائهما المسلمين للاستجواب، وأرغموا ~~على إرسال الوثائق الشخصية وتوكيل المحامين. ولكن حظ زيتون كان ~~حسنا حتى الآن، فلم يتعرض يوما ما لرصد سيرته وأحواله، ولم يتعرض ~~للاشتباه في قيامه بأي شيء، من جانب أي ms175 شخص يتمتع بسلطة حقيقية. ~~كان أحيانا ما يتعرض للنظر إليه شزرا بطبيعة الحال، وألوان ~~السخرية من الذين يسمعون لهجته في نطق الإنجليزية. وهكذا قال في ~~نفسه ربما كان هذا مجرد جندي واحد، جاهل أو قاس، يريد إثارة ~~المتاعب. وقرر زيتون تجاهل ما قاله الجندي. # ومع ذلك فقد استيقظت حواس زيتون، فأخذ يفحص الغرفة بعينيه باحثا ~~عن دلائل أخرى، كان لا يزال يخضع مع الثلاثة الآخرين لمراقبة ~~العشرات من الجنود ورجال الشرطة، كان يشعر كأنه حيوان غريب، قنيصة ~~صياد! # وبعد لحظات مر جندي آخر، نظر إلى زيتون، وغمغم قائلا: ~~«طالبان!» # وعلى الرغم من رغبته الشديدة في تجاهل هذين التعليقين، فإنه لم ~~يستطع ذلك، فقد تأكد له الآن وجود سوء تفاهم خطير، وأن فك خيوطه ~~وإثبات خطئه سوف يستغرقان أياما كثيرة. كان تود يصيح ويصخب، ولكن ~~زيتون كان يعرف أن ذلك لن يأتي بخير، وأما مسألة براءتهم أو ~~إدانتهم فلن يبت فيها في هذه الغرفة، ولا في أي وقت ~~قريب. # واعتدل في جلسته وانتظر. # كانت أمامه قبوة في الجدار اصطفت فيها آلات بيع بعض الأشياء ~~وألعاب الفيديو، وكانت فوق الآلات لوحة جدارية تمتد داخل المحطة ~~كلها، وتشغل أقسامها الطويلة الأربعة النصف العلوي كله من الجدران ~~الرئيسة للمحطة. # كان طول اللوحة الكلي يبلغ نحو 120 قدما، وكانت تحاول تصوير ~~تاريخ ولاية لويزيانا بصفة خاصة، وتاريخ الولايات المتحدة بصفة ~~عامة. وتطلع زيتون إليها، وعلى الرغم من أنه جاء إلى المحطة من ~~قبل، فلم يكن قد شاهد هذه اللوحة قط من قبل، وأدرك وهو يبصرها الآن ~~أنها لوحة مثيرة، سجل حالك من إخضاع الآخرين وكفاحهم. كانت الألوان ~~كالكوابيس، والخطوط مسننة، والصور مقلقة. شاهد أغطية رءوس جماعة ~~«كو كلوكس كلان» والهياكل العظمية التي لديهم، وأشكال مهرجيهم ~~بألوان صارخة، ووجوها طليت بألوان شتى، وشاهد فوقه مباشرة أسدا ~~يهاجمه عقاب عملاق من الذهب، إلى جانب صور لجنود في أردية زرقاء ~~زاحفين إلى الحرب بجوار مقابر جماعية. وكانت اللوحة تضم كذلك صورا ~~كثيرة لإخضاع الشعوب أو إبادتها - مثل الأمريكيين ms176 الأصليين، ~~والعبيد، والمهاجرين - وكانت دائما بالقرب منها صور الذين يحضون ~~على ذلك: الأرستقراطيين الأغنياء الذين يلبسون شعرا مستعارا ~~نثرت فوقه البودرة، والجنرالات بأزيائهم الرسمية البراقة، ورجال ~~الأعمال حاملين أكياسا من النقود. وفي أحد أقسام اللوحة برزت منصة ~~استخراج بترول بحرية، ومن فوقها أرض غمرها الفيضان، ومدينة ~~اكتسحتها المياه. # وجرى التحقيق مع ناصر بعد ذلك، فاقتيد إلى مكتب التذاكر، واستطاع ~~زيتون أن يرى أنهم يسجلون بصمات أصابعه ويصورون كل بصمة. # وبعدها بدأ استجواب ناصر فورا، وأثارت الحقيبة الرياضية التي ~~يحملها ضجة؛ إذ جعلت شرطية تخرج منها رزما من النقود ~~الأمريكية. # وقالت: «ليست هذه من هنا!» # واشتبك ناصر معها في مجادلة لم تنجح إلا في زيادة استثارة من في ~~المبنى. # عادت تقول : «هذه ليست قطعا من هنا!» وقد ازداد يقينها. # ووضعت النقود على منضدة قريبة وسرعان ما اجتذبت حشدا حولها، ~~وقام أحدهم بعدها. كانت عشرة آلاف دولار. # كانت هذه هي المرة الأولى التي يعرف زيتون فيها ما كان في ~~الحقيبة، فعندما أتى بها ناصر إلى القارب، كان زيتون يتصور أن بها ~~ملابس وبضعة أشياء ثمينة. كان من المحال أن يحدس أن فيها 10000 ~~دولار نقدا. ~~••• # وسرعان ما تلت ذلك اكتشافات أخرى؛ إذ كان تود يحمل 2400 دولار ~~يملكها، قام رجال الشرطة برصها على المنضدة في كومة تجاور نقود ~~ناصر، وفي جيب تود وجدوا صورا لبعض الخرائط. # وحاول تود أن يفسر وجودها قائلا: «إنها تساعدني في توصيل ~~الأمتعة.» # ولكن ذلك التفسير لم يرض رجال الشرطة. # وفي أحد جيوب تود وجدوا شريحة ذاكرة صغيرة، من النوع المستخدم في ~~آلات التصوير الرقمية. وضحك تود موضحا أن عليها صورا ملتقطة ~~للأضرار التي أحدثها الطوفان، ولكن السلطات وجدت لها دلالات أبعد ~~من ذلك. # ولما شاهد زيتون تكاثر الأدلة فوق المنضدة، انكمش في جلسته، كانت ~~معظم الأجهزة المحلية قد توقفت عن العمل، ولم يكن في المحطة محامون ~~ولا قضاة، وشعر زيتون بأنهم لن يستطيعوا الخروج من هذه الأزمة مهما ~~قالوا. كان الجنود ورجال الشرطة في الحجرة مهتاجين اهتياجا ms177 لا ~~تهدئه الألفاظ، والأدلة تثير علامات استفهام تستعصي على الإجابة، ~~ووطن زيتون نفسه على انتظار لا بد أن يطول. # وأما تود فكان ضيق صدره يشتد؛ إذ يهدأ لحظة ثم يعود إلى ~~الانفجار، وأخيرا رفع أحد الجنود ذراعه كأنما ليلطمه بظاهر يده، ~~فصمت تود. # وبعدها جاء دور التحقيق مع زيتون، سيق إلى شباك تذاكر القطار ~~وسجلت بصماته، ثم دفع إلى جدار قريب رسمت عليه علامات الطول بخط ~~اليد، من خمس أقدام إلى سبع. كان زيتون قد وقف في هذا المكان من ~~قبل ينتظر شراء تذاكر القطارات لأصدقائه أو موظفيه، أما الآن فكانت ~~يداه مقيدتين، ويحرسه جنديان يحملان بندقيتين من طراز إم-16، وكانت ~~صورته تلتقط. # وعند شباك التذاكر سلمهم حافظة نقوده، ثم تعرض للتفتيش بحثا عن ~~أي ممتلكات أخرى، وطرحت عليه أسئلة أساسية عن اسمه وعنوانه وعمله ~~وبلده الأصلي. ولم يخبره أحد بأي تهم موجهة إليه. # ثم سيق أخيرا إلى صف المقاعد وأجلس من جديد إلى جوار تود ~~وناصر؛ ريثما يجري التحقيق مع روني. # وبعد لحظات قبض جندي بشدة على ذراعه من إبطه صائحا: ~~«انهض!» # ونهض زيتون، وساقه ثلاثة جنود إلى غرفة صغيرة، كأنها دولاب ~~لتخزين الأمتعة، ولم يكن فيها غير منضدة صغيرة من النوع الذي ~~يطوى، وجدرانها عارية. # وأغلق الباب من خلفه، فأصبح وحده مع جنديين. # قال أحدهما: «اخلع ملابسك.» # فسأله زيتون: «هنا؟» # فأومأ الجندي موافقا. # لم يكن زيتون حتى هذه اللحظة قد اتهم بارتكاب أي جريمة، ولم يقرأ ~~عليه أحد حقوقه، ولم يكن يعرف سبب احتجازه. وها هو ذا الآن في غرفة ~~صغيرة بيضاء، ويأمره جنديان بخلع ملابسه، وكل منهم يرتدي حلة ~~التمويه الحربي، ويحمل بندقية أتوماتيكية. # وصرخ أحدهما: «الآن!» # فخلع زيتون ال «تي شيرت» والشورت، وبعد لحظة خلع صندله. # وقال الجندي نفسه: «واللباس الداخلي!» # وتوقف زيتون. لو فعل ذلك فلن ينسى ذلك أبدا، ولن يتخلى العار ~~عنه ما عاش، ولكنه لم يجد بديلا، يمكنه أن يرفض، لكنه لو رفض وقعت ~~مشاجرة، وأتى المزيد من الجنود، وتعرض للانتقام بصورة ما. ms178 # وأمره الجندي: «هيا!» # وفعل زيتون ما طلب منه. # ودار حوله أحد الجنديين، وأخذ يرفع ذراعي زيتون أثناء الدوران، ~~وكانت في يد الجندي عصا قصيرة، وعندما وصل إلى ظهر زيتون مر بها ~~على داخل فخذ زيتون. # وقال الجندي: «أفسح ما بين ساقيك.» # وفعل زيتون ذلك. ~~«المرفقان على المنضدة.» # ولم يستطع زيتون أن يفهم معنى الألفاظ. # وكرر الجندي تعليماته، وقد تهدج صوته صائحا: «ضع مرفقيك على ~~المنضدة!» # لم يكن لدى زيتون خيار، كان زيتون يعرف أن الجنديين سيفعلان ما ~~يريدان، كانا على الأرجح يبحثان عن أي سلع مهربة، لكنه كان يعرف ~~أيضا أن كل شيء ممكن. لم يحدث في هذا اليوم شيء يتفق مع ما حدث من ~~قبل. # وانحنى زيتون، وسمع أصوات ارتداء الجندي قفازا من البلاستيك، ~~وأحس بأصابع الجندي تستكشف المستقيم بسرعة، كان الألم شديدا لكنه ~~لم يلبث غير برهة قصيرة. # وقال الجندي: «قف!» ثم أردف وهو يخلع القفاز بصوت كالفرقعة: ~~«البس ملابسك.» # وارتدى زيتون الشورت وال «تي شيرت»، ثم سيق إلى خارج الحجرة حيث ~~شاهد تود. كان تود قد انخرط فعلا في مجادلات يتهدد الجميع فيها ~~برفع القضايا عليهم وفقدانهم كل وظائفهم، وسرعان ما دفع الجنود تود ~~إلى داخل الحجرة، وأغلق بابها، فكتم الباب الفولاذي أصوات ~~اعتراضاته. # وعند اكتمال تفتيش تود، سيقا معا إلى محطة الأوتوبيس، وكان ~~زيتون واثقا بأنه شاهد نظرات في بعض الوجوه تنم عن معرفة ما وقع، ~~وجوه جنود ورجال شرطة يدركون ما حدث في الغرفة. # وسيق زيتون وتود إلى القسم الخلفي من المحطة في اتجاه الأبواب ~~المؤدية إلى الأوتوبيسات والقطارات، واختلطت الأفكار في رأس زيتون. ~~هل يمكن بعد كل هذا أن يكون القصد فعلا إجلاءهما من المدينة؟ ربما ~~كان القصد من تجريدهما من الملابس ضمان عدم سرقتهما أي شيء، وبعد ~~أن تأكدت براءتهما يساقان الآن إلى الأوتوبيس. كانت الفكرة غريبة، ~~لكنها لم تكن خارج نطاق الاحتمال. ~~••• # ولكن عندما فتح الحراس الأبواب شهق زيتون شهقة سريعة، كانت ساحة ~~الانتظار التي يوضع فيها عادة أكثر من عشرة أوتوبيسات ms179 قد تحولت إلى ~~سجن شاسع في الهواء الطلق. # كانت قد أقيمت أسوار من السلاسل التي تعلوها الأسلاك الشائكة، ~~بحيث أصبحت تشكل قفصا طويلا يزيد ارتفاع أسواره على خمسة ~~أمتار، ويمتد إلى مسافة تصل إلى نحو مائة متر داخل ساحة الانتظار. ~~وكان للقفص سقف ناقص مثل الظلة التي تقام في محطات البنزين، وكانت ~~الأسلاك الشائكة تعلو حتى تلتقي بذلك السقف. # وسيق زيتون وتود إلى مقدمة القفص التي لم تكن تبعد عن مؤخرة محطة ~~الأتوبيس إلا ببضع أقدام، وفتح حارس آخر باب القفص، ودفعا إلى ~~داخلها. وأغلق القفص ثم وضع له رتاج من السلاسل التي ربطت بقفل، ~~وعلى مبعدة منها كان سجينان آخران، كل منهما في قفص مستقل. # وقال تود: «شيء لا يعقل!» # ولم يصدق زيتون ما يرى، لقد شهد سلسلة تذهب العقل من الأحداث؛ ~~إذ قبض عليه تحت تهديد السلاح في منزل يملكه، وأحضر إلى قاعدة ~~عسكرية مرتجلة أنشئت داخل محطة أوتوبيسات، واتهم بالإرهاب، وحبس ~~في قفص في الهواء الطلق. لقد كان ذلك يتجاوز أقصى الروايات ~~السيريالية التي سمعها عن تنفيذ القوانين في العالم الثالث. # وانطلق تود يسب ويلعن داخل القفص، لم يكن يستطيع تصديق ما حدث، ~~لكنه تذكر أن ذلك كانت له سوابق، فأثناء احتفالات ثلاثاء المرفع، ~~وامتلاء السجون المحلية بالسجناء، كان رجال شرطة نيو أورلينز ~~كثيرا ما يحبسون السكارى واللصوص في سجون مؤقتة أقيمت داخل ~~الخيام. # ولكن هذا السجن كان أكثر تنظيما، ولم ينشأ إلا بعد العاصفة، ~~وعندما تفحصه زيتون اتضح له أنه لم يكن قفصا واحدا طويلا، بل ~~سلسلة من الأقفاص الصغيرة المنفصلة. وكان قد شاهد أمثالها من قبل ~~في عقارات العملاء الذين يربون الكلاب. وكان هذا القفص يشبهها؛ ~~فهو حظيرة ذات سور واحد، مقسمة إلى حظائر أصغر. وعدها فوجدها ~~تبلغ ست عشرة حظيرة. كانت تشبه بيتا ضخما من بيوت الكلاب، ولكنها ~~تستدعي صورا أقرب وأشد ألفة في الذهن. # كانت تشبه بدقة الصور التي شاهدها لمعتقل خليج جوانتانامو، فعلى ~~غرار ذلك المجمع، كان هذا السجن شبكة هائلة من ms180 الأسوار المنشأة ~~من السلاسل التي لا تتضمن جدرانا كثيرة؛ الأمر الذي يتيح مشاهدة ~~السجناء للحراس وبعضهم البعض، كما كانت في الهواء الطلق مثل ~~جوانتانامو، ولم يكن يبدو أن بها أماكن للجلوس أو للنوم، كانت ~~أقفاصا وحسب والأرضية المرصوفة بالأسفلت من تحتها. # وكانت مساحة القفص الذي وضع فيه زيتون وتود نحو خمسة أمتار في ~~خمسة، وكانت خاوية إلا من مرحاض يمكن نقله من مكان لمكان، ولا باب ~~له. وكان الشيء الآخر الوحيد في القفص عمودا من الفولاذ على شكل ~~حرف «يو» ( # U ~~) المقلوب، مثبتا ~~بالأسمنت في الأرض المرصوفة مثل الأماكن التي تربط فيها الدراجات، ~~وكان يستخدم عادة في إرشاد الأوتوبيسات المنتظرة في الساحة والركاب ~~الواقفين صفوفا، كان ارتفاعه يبلغ نحو 75سم، وعرضه نحو ثمانين ~~سنتيمترا . # وفي مقابل قفص زيتون كان يوجد مبنى من طابقين، يوحي بأنه مكاتب ~~شركة السكك الحديد. وكان الجنود يشغلونه الآن. وفوق سطحه كان يقف ~~جنديان يمسكان ببنادق من طراز إم-16 ويحدقان في زيتون وتود في أسفل ~~المبنى. # كان تود ثائرا غاضبا يرغي ويزبد محتجا. ولكن الحراس لم ~~يكونوا يسمعون شيئا يذكر من ألفاظه. بل إن زيتون نفسه الذي يقف ~~قريبا منه لم يكن يسمع إلا شذرات غير واضحة. لم يكن زيتون يدرك ~~قبل هذه اللحظة وجود صوت ما، طنين آلة ضخمة، يلف الهواء حولها. كان ~~الصوت منتظما لا يتغير إلى الحد الذي جعله لا يدرك وجوده من ~~قبل. # واستدار زيتون فتبين له مصدر الضجيج، كانت مؤخرة قفصهما تكاد ~~تتاخم قضبان السكك الحديد، وكانت تقف فوق القضبان من خلفهما مباشرة ~~آلة جر قطارات الشركة، القاطرة ذات المحرك، كان المحرك يعمل بكامل ~~طاقته بوقود الديزل، وأدرك زيتون فورا أنه كان يولد الكهرباء ~~كلها التي تستخدمها المحطة ويستخدمها السجن المؤقت. ورفع بصره إلى ~~الآلة الرمادية الهائلة التي تزن ما لا يقل عن مائة طن، والتي ~~زينت بشعار صغير يضم الألوان الثلاثة: الأحمر والأبيض والأزرق، ~~وعرف أنها لن تتركهما، بصوتها العالي المتصل ما داما محتجزين في ~~ذلك المكان. # وكان أحد الحراس ms181 مكلفا بهما، كان يجلس على كرسي من النوع الذي ~~يطوى، على مسافة تزيد قليلا على ثلاثة أمتار أمام القفص، كان ~~يحدق في زيتون وتود، وعلى وجهه أمارات الفضول والاحتقار. # وكان زيتون مصمما على إجراء مكالمة تليفونية، فمد يده إلى ~~السلسلة التي تشكل جانب السور أمامهما حتى يلفت نظر رجل شرطة شاهده ~~بالقرب من الباب الخلفي للمحطة. وفعل تود ذلك أيضا، وفورا ~~تلقيا التوبيخ من الحارس المكلف بهما. # صاح الحارس بلهجة قاطعة: «لا تلمسا السور!» # وسأله تود: «لا تلمسا السور؟ هل تهزل؟» # ولكن الجندي لم يكن يهزل؛ إذ صرخ قائلا: «إذا لمست هذا السور ~~فسوف أذبحك!» # وسأله تود أين يتوقع منهما الوقوف. فقيل له إن لهما أن يقفا في ~~منتصف القفص، ولهما أن يجلسا على الهيكل الفولاذي، ولهما أن يجلسا ~~على الأرض، ولكنهما إن لمسا السور من جديد فستكون العاقبة ~~وخيمة. # كان أكثر من عشرة حراس آخرين يتجولون خلف المحطة، ومر بهما ~~أحدهم، يجر كلبا من نوع وولف، أو الكلب البوليسي، وتعمد الوقوف ~~وقفة لها دلالة بجوار قفصهما، مرسلا إلى زيتون وتود نظرة تحذير ~~قبل أن يواصل سيره. # كان زيتون لا يكاد يقوى على الوقوف، كان يشعر في قدمه بألم صارخ ~~لم يأبه به حتى الآن، فخلع حذاءه فوجد لون باطن قدمه قد تغير. كان ~~شيء ما قد دخل تحت بشرته، وقال لنفسه إنها شظية معدنية من نوع ما، ~~وإن لم يستطع أن يتذكر أين ومتى دخلت قدمه. كان لون المنطقة ~~أرجوانيا في المنتصف وحولها بياض، وكان من الضروري إخراج الشظية ~~بسرعة وإلا ساءت حالة القدم. # وتناوب زيتون وتود الجلوس على الهيكل الحديدي؛ إذ لم يكن يتسع ~~إلا لفرد واحد، وهكذا كانت نوباتهما تقتصر كل منها على عشر ~~دقائق. # وبعد ساعة فتحت فجأة أبواب المحطة، وظهر ناصر وروني، مخفورين ~~بثلاثة من رجال الشرطة، وفتح قفص زيتون وتود ودفع داخله بناصر ~~وروني، وأغلق باب القفص مرة أخرى، والتأم شمل الأربعة من ~~جديد. # وفي ظل صخب الآلة أخذ الرجال يقارنون ما مر به ms182 كل منهم حتى الآن، ~~كان الجميع قد تعرضوا للتفتيش الذاتي، ولم يعلم إلا تود سبب ~~احتجازهم، وكانت حيازة بضائع مسروقة هي التهمة الوحيدة التي ذكرت ~~له، ولكن أحدا منهم لم تقرأ عليه حقوقه، ولم يسمح لأي منهم ~~بإجراء اتصال تليفوني. # وحاول ناصر تفسير وجود النقود في حقيبته، قال إن الشرطة والجنود ~~كانوا في المدينة لمنع انتشار ما سمع الجميع عنه من سلب ونهب، ولما ~~كان ذلك يقلقه أيضا فقد قرر الاحتفاظ بنقوده التي ادخرها على مر ~~السنين معه. # ولم يقبل المحققون منه ~~هذا، ولم يوفق ناصر في إيضاح أن كثيرين من المهاجرين كانوا ~~يحتفظون بأموالهم نقدا، وأن الثقة في البنوك لم تكن كبيرة، وأوضح ~~لهم أحد الأسباب التي تدفع شخصا في موقفه إلى الاحتفاظ بماله ~~نقدا وهو إمكان استيقافه واستجوابه واحتجازه أو ترحيله، مهما يكن ~~ذلك بعيد الاحتمال، فإذا كان يحمل النقود استطاع إخفاءها، ~~والاحتفاظ بها، أو توجيهها إلى حيث يستطيع استردادها إذا استبعد ~~من البلد. # وكان الرجال الأربعة يجهلون ما سوف يحدث لهم، لكنهم كانوا واثقين ~~بأنهم سيقضون الليلة في القفص. # كان اللقبان السوريان لزيتون وديوب، ونبرات نطقهما الشرق أوسطية ~~للغة الإنجليزية، والدولارات العشرة الآلاف - نقدا - والنقد ~~والخريطة في حوزة تود، كان كل ذلك أدلة كافية لإقناعهم بأن محنتهم ~~لن تزول بيسر في المستقبل القريب. # وقال تود: «لقد خربت بيوتنا أيها الأصدقاء.» # لم تكن لدى الرجال في القفص خيارات كثيرة، كانوا يستطيعون الوقوف ~~في وسطه، أو الجلوس على الأسفلت في الأرض، أو الاستناد إلى الهيكل ~~الفولاذي، لم يكن أحدهم يريد أن يجلس على الأرض؛ إذ كان الأسفلت ~~قذرا يعلوه التراب والزيت، وإذا تحرك أحدهم في اتجاه السور صاح ~~الحراس بالبذاءات وهددوا بالعقاب. # في الساعات الأولى في القفص، كان الهدف الأول لزيتون أن يسمح له ~~بمكالمة تليفونية، وقدم الرجال هذا الطلب عدة مرات وقيل لهم: إن ~~التليفونات جميعا معطلة. # وبدا لهم أن ذلك هو الواقع، فلم يشاهدوا أحدا يتكلم في تليفونات ~~خلوية أو خطوط أرضية، وترددت شائعة تقول: إن التليفونات ms183 الفضائية ~~تعمل، وإن المكتب في الطابق الثاني من محطة الأتوبيس به تليفون وبه ~~خط للفاكس. # وكلما مر بهم حارس توسلوا إليه أن يستعملوا ذلك التليفون أو ~~غيره، وكان رد الفعل في أحسن الأحوال هز الأكتاف وإجابات ~~لبقة. # وقال لهم أحد الحراس: «التليفونات معطلة. أنتم إرهابيون. أنتم من ~~طالبان!» # كان ضوء النهار يخبو؛ إذ استغرق التحقيق ثلاث ساعات، وظل الرجال ~~الأربعة في القفص ثلاث ساعات أخرى. وأعطي لكل منهم صندوق صغير من ~~الورق المقوى طبعت على جانبه الكلمات «ضلوع مشوية من لحم الخنزير». ~~وكانت في داخله شوكة وسكين من البلاستيك، وقطعة من الجبن المطبوخ، ~~وبسكوتتان، وعلبة من عصير البرتقال، وعلبة من الضلوع المشوية من ~~لحم الخنزير، كانت الوجبة من النوع العسكري، جاهزة للأكل. # وقال زيتون للحارس إنه هو وناصر مسلمان ولا يستطيعان أكل لحم ~~الخنزير. # وهز الحارس كتفيه قائلا: «لا تأكلاه إذن.» # فأكل زيتون وناصر البسكوتتين والجبن، وأعطيا الباقي لتود ~~وروني. # ومع حلول الظلام كان الصوت الهادر من خلفهم يتضخم في آذانهم، كان ~~زيتون قد أصابه الإرهاق ولكنه كان واثقا بأن ذلك المحرك سوف يكفل ~~نفي النوم عن عيون الجميع، كان قد سبق له العمل في السفن من قبل، ~~وفي غرف المحركات، ولكن هذا الصوت كان أعلى، كان أعلى من أي شيء ~~عرفه في حياته، وفي وهج الضوء الغامر من الأضواء الكاشفة كان يشبه ~~أتونا عظيما يصدر الأنين وذا شهية لا تشبع. # وقال زيتون لناصر: «نستطيع أن نصلي.» # ولمح عين ناصر وأدرك ما يدور بخاطره، كان لا بد لهما من إقامة ~~الصلاة، بل إنها كانت فرضا عليهما القيام به خمس مرات كل يوم، ~~ولكن ناصرا كان متوترا. ترى هل تثير صلاتهما مزيدا من الريبة؟ ~~هل يكون جزاؤهما السخرية أو العقاب على الصلاة؟ # ولم يجد زيتون منطقا يمنعه من الصلاة، حتى وهو حبيس قفص في ~~الهواء الطلق، فقال لناصر: «لا بد لنا من ذلك.» وقال في نفسه: إن ~~الواقع يقضي بحاجتهما إلى صلوات أكثر، وبإخلاص أكبر. # وسأله ناصر: «والوضوء؟» # زيتون كان يعرف ms184 أن القرآن يقول إنه إذا لم يجد المسلمون ماء ~~للوضوء فعليهم أن يتيمموا صعيدا طيبا، فيتطهروا ولو رمزيا. ~~وهكذا قرر ناصر وزيتون التيمم، فأخذا الحصى من الأرض ومسا به ~~أيديهما وسواعدهما، ورأسيهما وأقدامهما، ثم قاما فصليا. كان زيتون ~~يعرف أن صلاتهما تثير اهتمام الحراس، لكنهما لم يتوقفا. # وعندما هبط الليل بسواده ~~أضيئت الأنوار: مصابيح الأضواء الكاشفة من فوقهم ومن المبنى ~~المقابل، وازداد الليل حلكة وبردا، ولكن الأضواء استمرت، فزاد ~~نورها من نور النهار، ولم توزع على الرجال ملاءات ولا بطانيات ولا ~~وسائد، وسرعان ما أتى حارس جديد، جلس على الكرسي الذي يواجههم، ~~فسألاه عن المكان الذي يفترض أن يناموا فيه، فقال إنه لا يأبه أين ~~ينامون ما داموا سوف يظلون فوق «الرصيف» حيث يستطيع أن ~~يراهم. # ولم يكن زيتون حريصا على النوم هذه الليلة، بل أراد أن يظل ~~يقظا، عسى أن يمر أحد المشرفين من نوع ما، أو المحامين، أو أحد ~~المدنيين مهما يكن، وحاول الآخرون الرقود على الرصيف واضعين رءوسهم ~~بين أذرعهم، ولكن النوم تعذر على الجميع، وحتى حين كان أحدهم ~~يستقر في مكان يتيح له الراحة، كان صوت المحرك وما يحدثه من ذبذبات ~~في الأرض، يطرد النوم من عينيه. لن يستطيعوا النوم في هذا ~~المكان. # وفي إحدى ساعات الهزيع الثاني حاول زيتون الاستلقاء على الهيكل ~~الفولاذي ببطنه وتمكن أن يستريح دقيقة أو نحوها بهذا الأسلوب، ولكن ~~الحفاظ على هذا الوضع كان مستحيلا، فحاول أن يستند بظهره إليه، ~~وقد عقد ذراعيه أمامه، ولكنه لم يستطع. # وكان حراس آخرون يمرون ~~بكلابهم البوليسية، ولكن الليل لم يشهد أي أحداث باستثناء ذلك. لم ~~يكن في تلك الليلة شيء يذكر سوى وجه الحارس الذي يحمل في جنبه ~~بندقيته من طراز إم-16، والأضواء الكشافة مسلطة من جميع الزوايا، ~~ساطعة على وجوه زملاء زيتون من السجناء، وقد شحب لونها وبدا عليها ~~الإرهاق، وقاربت الخبل من الإنهاك والتشوش. # الأربعاء 7 من سبتمبر # وعندما بدت في السماء أول خيوط الفجر، أدرك زيتون أنه لم ينم على ~~الإطلاق، ms185 كان يغمض أجفانه عدة ~~دقائق في كل مرة، لكنه لم يجد النوم، كان قد رفض النوم على الأرض، ~~ولكنه حتى لو أرغم نفسه على ذلك، لو تمكن من قهر الذعر الذي انتابه ~~من هذه الحال، فقد نفى النوم عن عينيه التفكير في أهله وبيته وطنين ~~المحرك الذي لم يتوقف. # وشاهد رحيل الحارس الليلي وحلول رجل جديد محله، كان التعبير على ~~وجه الحارس الجديد مماثلا للتعبير على وجه الحارس السابق؛ إذ كان ~~مثله يسلم، فيما يبدو، بأن الرجال داخل القفص مذنبون. # وتيمم زيتون وناصر وصليا، ثم جعلا يحدقان في الحارس الذي كان ~~يحدق فيهما. # وبسطوع ضوء الصبح في السماء ازدادت حواس زيتون انتباها، بل إنه ~~ازداد تفاؤلا، كان يفترض أن كل يوم ينقضي على انتهاء الإعصار يقرب ~~المدينة من الاستقرار، ويبشر بقرب إرسال الحكومة للعون، فإذا حل ~~ذلك العون انتهت الفوضى التي أتت به إلى هذا القفص، وخفت حدة ~~سوء التفاهم الذي يتجلى هنا. # أقنع زيتون نفسه بأن اليوم ~~المنصرم كان يمثل شذوذا، وأن هذا اليوم سوف يأتي بالعودة إلى ~~العقل والإجراءات القانونية، وأخذ يقول في نفسه إنه سوف يسمح له ~~بمكالمة تليفونية وبمعرفة التهم الموجهة إليه، بل قد ينجح في ~~مقابلة محام أو أحد القضاة، وسوف يتصل بكاثي فتقوم بتوكيل أفضل ~~محام تجده، فتنتهي هذه الحال في غضون ساعات. ~~••• # وأما الرجال الآخرون في القفص، الذين حظي كل منهم آخر الأمر بقسط ~~من الراحة أثناء الليل، فقد استيقظوا، الواحد بعد الآخر، ووقفوا ~~يتمطون، وأحضر طعام الإفطار، وكان أيضا يتكون من وجبات جاهزة، ~~وكانت الوجبة هذه المرة شرائح من لحم فخذ الخنزير، وأكل زيتون ~~وناصر ما أحل لهما من الوجبة وأعطيا الباقي لتود وروني. # وعندما استيقظ السجن، بدأ زيتون يفحص بدقة هيكل السلاسل من حوله، ~~كان طوله نحو خمسين مترا، وكانت الأسلاك الشائكة جديدة، وكذلك ~~المراحيض التي يمكن نقلها، كان السور جديدا ومن نوع ممتاز، وكان ~~واثقا بأن ذلك كله لم يكن موجودا قبل العاصفة؛ إذ لم تستخدم محطة ~~نيو أورلينز الاتحادية ms186 للركاب سجنا من قبل قط، وبدأ يجري حسابات ~~تقريبية في ذهنه. # ربما كان لا بد من استعمال ست شاحنات أو نحوها لنقل مكونات هذه ~~الأسوار كلها إلى المحطة. ولما لم يشهد أثرا للشوكات الرافعة أو ~~الآلات الثقيلة، فقد انتهى إلى أن الأقفاص قد أنشئت بالعمل ~~اليدوي. لا شك في أنه إنجاز باهر؛ إذ اكتمل تنفيذ هذا المشروع ~~الإنشائي بهذه السرعة بعد العاصفة. ولكن متى نفذوه؟ # أحضر زيتون إلى المحطة يوم 6 من سبتمبر، أي بعد خروج العاصفة من ~~المدينة بسبعة أيام ونصف اليوم، وحتى في أفضل الظروف، فإن بناء سجن ~~كهذا يتطلب أربعة أيام أو خمسة. كان معنى هذا أن المسئولين كانوا - ~~في غضون يوم واحد على مرور «مركز» العاصفة بالمنطقة - قد وضعوا ~~الخطط اللازمة لبناء سجن مؤقت في الهواء الطلق، وكان لا بد من ~~إحضار أو طلب سلاسل السور وأسلاكه الشائكة، وأما المراحيض ~~والكشافات وغيرها من المعدات فكان لا بد من استعارتها أو الاستيلاء ~~عليها لصالح الجيش. # كان الأمر يقتضي جهدا كبيرا في التخطيط والتنفيذ، ولو كلف ~~به مقاول عادي لطلب مهلة أسابيع متوالية لتنفيذ المهمة، ولاستخدم ~~الآلات الثقيلة، فمن دون الآلات، لا بد من تشغيل عشرات الرجال، ~~وتنفيذه بهذه السرعة كان يحتاج إلى خمسين رجلا، وربما أكثر. ترى ~~من كان هؤلاء؟ ومن الذي أنجز هذا العمل؟ هل كانوا مقاولين وعمالا ~~يعملون ليلا ونهارا على بناء سجن بعد هدوء العاصفة بأيام معدودة؟ ~~إنه أمر يحير الألباب. ومما يزيد من إبهاره أنه في الوقت الذي كان ~~إنشاء السجن يجري فيه على قدم وساق، في اليوم الثاني والثالث ~~والرابع من سبتمبر، كان الآلاف من السكان ينقلون جوا من أسطح ~~المنازل، ويكتشف بعضهم أحياء وأمواتا في غرف السطوح. # وعند الظهيرة سمع زيتون شيئا غريبا؛ صوت الأوتوبيسات في ~~المحطة. تطلع إلى مصدر الصوت فوجد أوتوبيسا مدرسيا يتمهل للوقوف ~~في الطرف الأقصى لساحة الانتظار، ثم هبط منه ثلاثون سجينا أو ~~أكثر، من بينهم امرأة، في أوفرولات برتقالية اللون. # كان هؤلاء هم السجناء المنقولين من ms187 سجني جيفرسون باريش وكينر، أي ~~الذين كانوا محبوسين قبل العاصفة. وفي غضون ساعة واحدة بدأ الصف ~~الطويل من الأقفاص يمتلئ. ومن جديد، كان الوضع يشبه معتقل ~~جوانتانامو تماما؛ إذ كان من الممكن مشاهدة السجناء جميعا ~~للناظرين ومن أي زاوية. وكانت الأزياء البرتقالية الموحدة تستكمل ~~الصورة الآن، فأصبحت مظاهر التماثل مع جوانتانامو أقوى من أن ~~تتجاهل. # وكان الحراس كلما حبسوا مجموعة في أحد الأقفاص أسرعوا بتحذيرها ~~من لمس السور؛ فأي لمس للسور يؤدي إلى عواقب وخيمة. وهكذا أصبح ~~أفراد كل مجموعة يعرفون القواعد الغريبة لمحبسهم: سيصبح أسفلت ~~الأرض فراشا لهم، والمرحاض الذي لا باب له دورة مياههم، والهيكل ~~الفولاذي مقعدا يتناوبون الجلوس فوقه. ولكن في الساعة الأولى ~~- أثناء تعريف السجناء الجدد بزنزاناتهم الجديدة - ترددت صرخات ~~كثيرة من الحراس الذين كانوا يحددون للسجناء أين وكيف يجلسون ~~ويقفون، وما لا ينبغي أن يلمسوه. # كان رجل وامرأة ينزلان على مبعدة قفص واحد من زيتون، وسرعان ما ~~ترددت شائعة تقول إن الرجل كان قناصا، وإنه الشخص الذي كان يطلق ~~النار على الطائرات العمودية التي كانت تحاول أن تحط على سطح أحد ~~المستشفيات. # كان الغداء مختلفا عن الوجبات السابقة، ففي هذه المرة أحضر ~~الحراس سندويتشات من لحم الخنزير إلى الأقفاص، ثم حشروها من ~~الفتحات في الأسلاك. # ومرة أخرى لم يتناول زيتون وناصر أي طعام. # كانت الكلاب موجودة بصفة دائمة، وكان اثنان منها يظهران ~~باستمرار؛ إذ كان الحارسان اللذان يصحبانهما يصران على عرضهما ~~وتقريبهما من الأقفاص كثيرا، وأحيانا كان أحدهما ينفجر نابحا ~~أحد السجناء، وذكر أحد المحبوسين في قفص زيتون سجن «أبو غريب» في ~~العراق، وتساءل متى يطلب منهم أن يخلعوا ملابسهم ويتخذوا شكل الهرم ~~العمودي؟ ومن من الحراس سوف يميل بجذعه في الصورة ضاحك ~~السن؟ # وبحلول الساعة الثانية، كان عدد السجناء في محطة الأوتوبيس قد ~~بلغ نحو خمسين، ولكن قفص زيتون ظل القفص الوحيد الذي خصص له ~~حارس لا يبرحه. # وسأل ناصر: «أتظن حقا أنهم يعتبروننا إرهابيين؟» # ودارت عينا تود في محجريهما وقال: «قطعا وإلا فلم ms188 يحبسوننا ~~وحدنا في هذه الزنزانة بينما يحشرون الجميع معا؟ نحن الحيتان ~~الكبرى هنا. نحن الصيد الثمين.» # وعلى امتداد النهار، وصل نحو ستة سجناء آخرين إلى المحطة ~~وأدخلوا الأقفاص. وكان هؤلاء يرتدون ثيابهم المدنية؛ ولا بد أنهم ~~اعتقلوا بعد انتهاء العاصفة، على نحو ما حدث لزيتون ورفاقه. واتضح ~~النسق المتبع الآن: كان السجناء المنقولون من سجون أخرى يأتون ~~بالأوتوبيس ولا يخضعون للتحقيق معهم، وأما الذين قبض عليهم بعد ~~العاصفة فكان التحقيق معهم يجرى داخل المحطة ثم يدخلون السجن من ~~باب المحطة الخلفي. # وأثناء استماع زيتون عرضا إلى الأحاديث التي يتبادلها الحراس ~~والسجناء، أدرك أن الحراس والجنود كانوا يشيرون إلى السجن ببعض ~~أسماء التدليل، أو باسمين على الأقل منها؛ إذ كان البعض يسمونه ~~جنوب أنجولا، ولكن عددا أكبر كان يسميه معسكر جراي هاوند. # وفي العصر جاء أحد الحراس إلى رجل في قفص مجاور لقفص زيتون، ~~وتحدث مع سجين يرتدي رداء برتقاليا عدة دقائق وأعطاه سيجارة، ثم ~~عاد إلى محطة الأوتوبيس. # وبعد لحظات عاد الحارس على رأس طاقم صغير من رجال التليفزيون، ~~وقادهم الحارس مباشرة إلى الرجل الذي كان قد أعطاه السيجارة، وقام ~~المذيع بإجراء مقابلة تليفزيونية مع ذلك السجين، وكان قد اتضح ~~لزيتون أن طاقم التليفزيون إسباني، وبعد عدة دقائق، اقترب المذيع ~~من زيتون وفي يده الميكروفون وبدأ يطرح سؤالا. # فصرخ الحارس بأعلى صوته: «لا! ليس مع هذا الرجل!» # وأخذ طاقم التصوير إلى محطة الأوتوبيس. # وقال تود: «مصيبة! لقد رشوا ذلك الرجل!» # وأثناء خروج طاقم التليفزيون، مر المصور بعدسته على السجن ~~المفتوح كله، بما في ذلك زيتون، وكان في آلة التصوير مصباح يشع ~~ضوءا ساطعا، وشعر زيتون بأن تسليط هذا الضوء عليه وإظهاره للعالم ~~في صورة مجرم في قفص، أمر مهين أثار حنقه الشديد. كانت تلك تهمة ~~زائفة. # ولكن زيتون راوده أمل مفاجئ، فما دام طاقم التليفزيون إسباني، ~~فإنه من المحتمل أن يذاع البرنامج فيراه أخوه في مالقة. لا شك في ~~أن أحمد سوف يشاهد البرنامج - لم تكن تفوته مشاهدة شيء - وسوف ms189 يخبر ~~كاثي، فتعلم كاثي مكان وجوده. # وفي الوقت نفسه، لم يكن زيتون قادرا على تحمل ما خطر بباله، أي ~~أن تعرف أسرته في سوريا أنه محبوس على هذه الصورة. وعلى أي حال ~~ومهما حدث فلن يسمح لأسرته إذا أطلق سراحه أو حين يطلق سراحه، أن ~~يتاح لها أن تعرف أنه تعرض لهذه الحادثة. ليس هذا مكانه. ولم يكن ~~«ذلك» الرجل. كان في قفص، يراه الناس فيفغرون أفواههم دهشة، ويعرض ~~على الناس مثلما تعرض الحيوانات الغريبة على الزوار في حديقة ~~الحيوان، مثل الكنغر والقرداح. كان العار أكبر من أي شيء عرفته ~~أسرته يوما ما. # وفي أواخر ساعات العصر جاء الحراس بسجين جديد، ودخلوا به من ~~أبواب محطة الأوتوبيسات. كان أبيض اللون، في نحو الخمسين من عمره، ~~نحيلا متوسط الطول، ذا شعر أدكن وبشرة لوحتها الشمس، ولم يوله ~~زيتون اهتماما يذكر حتى فتح الحراس باب قفصه ودفعوا بالرجل إلى ~~داخله. وأصبح عدد السجناء الآن خمسة في القفص، دون أن يعرف أحد سر ~~ذلك. # كان الرجل يلبس سروالا من الجينز وقميصا قصير الأكمام، وكان ~~يبدو أنه استطاع الحفاظ على نظافته أثناء العاصفة وبعدها. كان ظاهر ~~يديه ووجهه وملابسه جميعا خالية من أي تراب أو بقع، وكان موقفه ~~كذلك لا يحمل أدنى ظل من ظلال ما كابدته المدينة كلها. # وقام بتعريف زيتون والثلاثة الآخرين بنفسه، مصافحا كلا منهم ~~مصافحة من يلتقي بالمشاركين في أحد المؤتمرات. قال إن اسمه جيري. ~~كان اجتماعيا، عامرا بالنشاط، ساخرا من محنته. كان الرجال ~~الأربعة قد قضوا ليلة بلا نوم في قفص في الهواء الطلق، ولم يكن ~~لديهم من الطاقة ما يتيح لهم الانخراط في أي محادثات، ولكن هذا ~~السجين الجديد سد فجوة الصمت سدا! # كان يضحك على فكاهاته، وعلى الموقف الغريب الذي يجدون أنفسهم ~~فيه، وقص عليهم، دون أن يطلب أحد منه ذلك، قصة القبض عليه، قال ~~جيري إنه ظل في المدينة أثناء العاصفة، كدأبه في كل إعصار. كان ~~يريد أن يحمي منزله، وبعد انقضاء كاترينا تبين أنه يحتاج ms190 إلى ~~الطعام، ولم يكن يستطيع السير إلى أي حانوت قريب. كانت سيارته على ~~مرتفع من الأرض ولم يصبها أي ضرر، ولكن وقودها كان قد نفد. وهكذا ~~أحضر خرطوما من جراج منزله، وكان منهمكا في سحب بعض البنزين ~~بالمماص من سيارة أحد جيرانه - وقال إنه كان يعتزم إخبار جاره وإن ~~ذلك الجار سوف يتفهم الموقف - حين لمحته سفينة من سفن الحرس ~~الوطني، وألقي القبض عليه بتهمة السرقة، وقال إن ذلك سوء تفاهم ~~يتسم بحسن النية، ومن المحتمل تسويته بالسرعة اللازمة. # وجعل زيتون يتأمل الجوانب المحيرة لوجود جيري بينهم؛ إذ كان ~~يبدو، أولا أنه السجين الوحيد في المجمع الذي يجد تسرية ما في ~~وضعه الحالي؛ أي وجوده في معسكر جراي هاوند، وثانيا ما سبب وضعه ~~في قفصهم؟ كان بالسجن خمسة عشر قفصا أخرى، ومن بينها أقفاص خالية ~~كثيرة. لم يبد له وجود أي منطق في القبض على رجل بتهمة ضخ ~~البنزين، وحبسه مع أربعة رجال يشتبه في أنهم يعملون معا على ~~ارتكاب جرائم، تتراوح ما بين النهب والإرهاب. # وسأل جيري عن سبب الإتيان بهم إلى معسكر جراي هاوند، وقص عليه ~~تود قصة الأربعة معا. وقال جيري شيئا يعبر به عن استيائه من ~~المحنة التي يتعرض لها الأربعة. وكان الحديث حتى هذه اللحظة من نوع ~~«الدردشة» العادية، ولكن زيتون أعرض عن الإصغاء عندما غير جيري ~~«نغمته» واتجاه أسئلته. # بدأ بتوجيه جهوده إلى زيتون وناصر، فطرح أسئلة لا تنبع من عناصر ~~المحادثات التي بدأها، فأدلى بملاحظات تحط من قدر الولايات ~~المتحدة، وقال فكاهات عن جورج دبليو. بوش، وعن عجز الإدارة ~~الأمريكية عن التصدي الناجع حتى الآن للكارثة، وأبدى تشككه في ~~مقدرة العسكرية الأمريكية، وحكمة السياسة الخارجية للولايات ~~المتحدة في أرجاء العالم، وفي الشرق الأوسط خصوصا. # واشتبك تود في جدال معه، ولكن زيتون وناصرا اختارا التزام ~~الصمت، كان زيتون يرتاب ريبة عميقة فيما يحدث، ولا يزال يحاول أن ~~يفهم كيف انتهى الأمر بهذا الرجل إلى هذا القفص تحديدا، وما عسى ~~نواياه أن تكون. ~~«كن لطيفا ms191 مع ماما!» # أثناء حديث جيري، التفت زيتون ليشاهد سجينا يبعد عنه بعدة ~~أقفاص، كان ذا بشرة بيضاء، في منتصف العشرينيات، نحيلا، ذا شعر ~~بني طويل، كان يجلس على الأرض، وقد ضم ركبتيه إلى صدره، وكان ينطق ~~تلك العبارة كأنما كانت ترنيمة، ولكن بصوت مرتفع. ~~«كن لطيفا مع ماما! عاملها بحنان!» # وكان المحتجزون الثلاثة الآخرون في قفص هذا الشاب تبدو عليهم ~~أمارات الضيق منه، والظاهر أنه ظل يكرر هذه التعليمات الغريبة مدة ~~طويلة، وإن لم يبدأ زيتون يسمعها إلا الآن. # وقال وهو يتأرجح إلى الأمام والخلف: «لا تلعب بالكبريت! النار ~~خطرة!» # كان الرجل يعاني من عجز ما وأخذ زيتون يراقبه بدقة، لم يكن عقله ~~سليما، ويبدو أنه أصيب بصدمة نفسية قبل أن يتجاوز عامه الخامس أو ~~السادس . كان يكرر بعض القواعد والتحذيرات الأساسية التي قد يطلب من ~~طفل بالغ الصغر أن يحفظها في روضة الأطفال. ~~«لا تؤذ ماما! كن لطيفا مع ماما!» # واستمر على هذا المنوال، وكان زملاؤه في القفص يحاولون إسكاته، ~~بل ينخسونه بأقدامهم لكنه لم يعبأ بهم؛ إذ كان في حالة تشبه ~~الغيبوبة. # ولما كان صوت محرك القاطرة بالغ الارتفاع، لم تكن ترانيم الشاب ~~مصدر ضيق لأحد آخر، ولكن عقله الطفولي لم يكن، فيما يبدو، يدرك ~~المكان الذي كان فيه وسبب وجوده فيه. # وكان الحارس الذي يجلس على مبعدة أمتار قليلة من قفص الرجل يصر ~~بإلحاح على أن يظل في منتصف «الحظيرة» حتى تتاح رؤيته بسهولة، كانت ~~أي حركة إلى اليسار أو اليمين ممنوعة، ولكن الرجل في داخل القفص لم ~~يفهم ذلك، فكان بكل بساطة ينهض وينتقل إلى الناحية الأخرى، ولم ~~يتضح ما كان يحفز الرجل إلى أن يقرر أن الوقت قد حان للانتقال من ~~مكان لمكان، ولكن انتقاله الذي لم يكن له مبرر، بل كان ممنوعا، ~~أثار غضب الحارس. # فصاح قائلا: «عد إلى مكانك! حيث أستطيع أن أراك!» # ولم يدرك الرجل أن الخطاب كان موجها إليه، فعاد يقول: «نظف ~~أسنانك بالفرشاة قبل أن تنام! اغسل ذراعيك ويديك. اذهب ms192 فتبول ~~الآن حتى لا تبلل فراشك!» # ووقف الحارس وقال: «عد إلى مكانك وإلا فسوف أعاقبك أيها ~~الحقير!» # وظل الرجل حيث كان، في منطقة محظورة من القفص، واستمر يتأرجح في ~~جلسته، مركزا بصره على المساحة التي بين قدميه. # وصرخ الحارس: «سأعد من واحد إلى ثلاثة.» # ولكن الرجل قام بما كان يقترب من الاستفزاز المتعمد؛ إذ مد يده ~~ولمس السور. # وكانت تلك هي الحركة الفاصلة، فقد نهض الحارس ثم عاد بعد ثوان ~~معدودة مع حارس آخر، وكان هذا الأخير يحمل في يده جهازا يشبه جهاز ~~إطفاء الحرائق. # وفتحا القفص، وأثناء ذلك رفع الرجل بصره إليهما وقد غلبه الخوف ~~فجأة، واتسعت حدقتا عينيه عجبا ودهشة، وهما يرفعانه ويوقفانه على ~~قدميه، ثم يجرانه إلى خارج القفص. # وعلى مبعدة أقدام قليلة أخرى ألقياه على الأرض، وساعدهما حارسان ~~آخران في تقييد يديه وقدميه بقيود من البلاستيك، ولم يبد أي ~~مقاومة. # ثم ابتعد الجميع عنه، وتقدم الحارس الأول، الذي كان قد حذره، ~~فوجه فوهة الخرطوم إليه وقام برشه من رأسه إلى أخمص قدمه ~~بمادة لم يستطع زيتون تمييزها من فوره. # وقال تود: «رذاذ الفلفل!» # واختفى الرجل في الضباب الذي تشكل من الرذاذ المرشوش، وجعل ~~يصرخ مثل الطفل المعاقب، وعندما انقشع الضباب كان قد تكور في ~~مكانه كالجنين، وجعل يئن كالحيوان، محاولا لمس عينيه ~~بيديه. # وصاح الحارس: «أحضر الدلو!» # وجاء حارس آخر وصب دلوا من الماء فوق الرجل الصارخ، لم ~~يفه أحدهما بكلمة أخرى، بل تركوه يصدر الصراخ الذي تحول بعد ~~قليل إلى أنين، وقد بلله الماء وخدره الغاز على الأرض خلف ~~محطة الأوتوبيس، وبعد بضع دقائق جروه حتى أوقفوه على قدميه وأعادوه ~~إلى القفص. # وأوضح تود ما ينبغي القيام به قائلا: «لا بد أن تغتسل لإزالة ~~آثار الرش برذاذ الفلفل، وإلا أصبت بحروق وتقرحات.» # كانت الوجبة الجاهزة هذه الليلة من اللحم البقري، فأكل زيتون، ~~وكانت رائحة رذاذ الفلفل لا تزال تملأ الهواء. # كانت الليلة السابقة هادئة إن قورنت بالنهار، ولكن هذه الليلة ~~أتت بمزيد من سورات الغضب ms193 والمزيد من العنف، فعلى امتداد المساء ~~أضيف مسجونون آخرون إلى الأقفاص، فأمسى في معسكر جراي هاوند ما ~~يزيد على سبعين منهم، وكانوا غضابا، كان المكان يضيق بهم، ~~وفورانهم يزداد، وازدادت احتجاجات السجناء على الحراس، وازدادت ~~بذلك حالات الرش برذاذ الفلفل. # لم تكن الإجراءات تتغير قط؛ إذ ينقل السجين من قفصه ويجر إلى ~~بقعة مجاورة، على مرأى كامل من باقي السجناء، ثم تقيد يداه ~~وقدماه وبعدها، وركبة الحارس فوق ظهره أحيانا، يتعرض للرش في وجهه ~~مباشرة، فإذا اعترض السجين ازداد ضغط ركبة الحارس في ظهره، ويستمر ~~الرش حتى تنكسر روحه المعنوية، ثم يصب عليه الماء لإفاقته ~~ويعاد إلى قفصه. # وكان زيتون قد شاهد الأفيال وهو صبي، عندما كان السيرك اللبناني ~~يمر ببلدة جبلة، وكان مدربوها يستخدمون خطاطيف فولاذية طويلة ~~لتوجيه هذه الحيوانات إلى الجهة المطلوبة، أو لحفزها أو عقابها، ~~وكان الخطاف يشبه الحربة الطويلة أو العتلة ذات السنان التي تستخدم ~~في نقل ألواح الثلج، وكان المدربون يمسكون بالأفيال من بين ثنيات ~~جلدها ثم يدفعونها أو يلوونها، وخطر ببال زيتون الآن هؤلاء ~~المدربون، وكيف تلقى هؤلاء الحراس أيضا تدريبا على التعامل ~~مع نوع معين من الحيوانات، كانوا قد اعتادوا العمل مع نزلاء السجون ~~ذات الحراسة المشددة، وهم نزلاء أشداء. وهكذا، كانت أدوات ~~الحراس ذات قسوة أكبر من أن تلائم هؤلاء الرجال، والكثرة الغالبة ~~فيهم من مرتكبي أهون الجرائم، مثل خرق منع التجول، أو دخول أملاك ~~الغير دون استئذان، أو السكر علنا. # وامتد الليل طويلا، وكانت تقطعه نوبات مفاجئة من الصراخ ~~والولولة، وكانت المشاجرات تنشب بين السجناء، والحراس يتواثبون، ~~فيخرجون رجلا ويضعونه في قفص جديد، ولكن التشاجر كان يستمر؛ إذ ~~كان السجناء الليلة متوترين ثائرين. ~~••• # وتيمم زيتون وناصر كيفما استطاعا، بدلا من الوضوء، ~~وصليا. # كان إحساس زيتون بالذنب الآن عميقا متزايدا، كانت كاثي على ~~صواب، كان ينبغي ألا يمكث في المدينة، وكان عليه قطعا ألا يبقى ~~فيها عندما كانت تطالبه في كل يوم من الأيام التي تلت العاصفة ~~بالرحيل، وقال في نفسه: «أنا ms194 في غاية الأسف يا كاثي.» لم يكن ~~يستطيع أن يتخيل المعاناة التي تتعرض لها كاثي الآن. كانت تردد كل ~~يوم إن حادث سوء يمكن أن يقع على غير انتظار. وها هي ذي قد أثبتت ~~صحة أقوالها، لم تكن الآن تعرف إن كان حيا أو ميتا، وجميع ~~الدلائل تشير إلى الاحتمال الأخير. # كان يمكن أن يكون أي شيء ~~في هذا السجن محتملا لو استطاع أن يتصل بها وحسب، لم يكن يريد أن ~~يتخيل ما كانت تقوله للأطفال، وأي نوع من الأسئلة كانوا ~~يسألونها. # ولكن لماذا لا يسمح للسجناء بحقهم في إجراء مكالمة تليفونية؟ من ~~أي زاوية عالج هذه المسألة لم يستطع إدراك منطق حظر المكالمات، ~~ربما كان من المرهق أن يصاحب الحراس السجناء إلى داخل المحطة ~~لإجراء المكالمات، ولكن ألن تؤدي المكالمات في النهاية إلى تخليص ~~السجن من بعض السجناء على الأقل؟ وقال في نفسه إن أي سجن تابع ~~للبلدية يتوقع مغادرة كثير من نزلائه في غضون يوم أو يومين، إما ~~بأخذ تعهد من السجين، وإما بإسقاط التهمة الموجهة إليه، وإما بسبب ~~أي نتيجة تنتهي إليها المكالمات التي يجريها مرتكبو الجرائم ~~الطفيفة. # إذن فإن حظر المكالمات التليفونية كان عقابا محضا، تماما مثل ~~رش الرجل الطفل برذاذ الفلفل؛ إذ كان ذلك ثمرة لمزيج من الفرصة ~~المتاحة، والقسوة، والغموض، واللهو. لم يكن يرى فائدة في ذلك، ~~مثلما لم ير فائدة في منع جميع السجناء من الاتصال بالعالم ~~الخارجي. # وقال في نفسه: «أوه يا كاثي! أنا في غاية الأسف! ويا زخاري ~~ونديمة وعائشة وصفية كم أشعر بالحزن هذه الليلة لعدم وجودي ~~معكم!» # كان معظم السجناء نائمين بحلول الساعة الثانية أو الثالثة ~~صباحا، وكان الساهرون مع زيتون صامتين. ورفض زيتون من جديد أن ~~ينام على الأرض، ولم يقتنص إلا لحظات عابرة من الراحة بالاستلقاء ~~فوق الهيكل الفولاذي. # كان يعرف أن تلك الظروف قد بدأت تضر بحالته النفسية أضرارا ~~حقيقية، لم يكن يشعر حتى الآن إلا بالغضب، ولكن تفكيره كان صافيا، ~~وأما الآن فقد أصبحت الروابط ms195 المنطقية هزيلة إلى حد أكبر؛ إذ بدأت ~~تعتاده أفكار شاردة عن الفرار، وبدأ يتساءل إن كان من الممكن أن ~~يتعرض لأمر بالغ السوء هنا، وظل طول الليل يفكر في الرجل الطفل ~~ويسمع صرخاته، وكان لا بد أن يهب في أي ظروف عادية للدفاع عن رجل ~~تعرض لمثل ما تعرض له ذلك الشاب من الظلم، ولكن إرغامه على أن ~~يشهد، بلا حول ولا طول، ما يحدث، مدركا ما في ذلك من خسة، كان ~~يعتبر عقابا له ولغيره من السجناء أيضا، كان ذلك ينتقص من ~~إنسانيتهم كلهم. # الخميس 8 من سبتمبر # استيقظ زيتون على صرخات وشتائم، كان قد تمكن بطريقة ما من النعاس ~~في الهزيع الأخير من الليل، أثناء استلقائه على الهيكل الفولاذي، ~~ووقف فشاهد الحراس منهمكين في رش عدد أكبر من السجناء برذاذ الفلفل ~~على امتداد صف الأقفاص كله. # ولكن الحراس كانوا يرشون رذاذ الفلفل الآن بخراطيمهم من خلال ~~السور، لم يعودوا يبذلون الجهد اللازم لإخراج السجناء من أقفاصهم، ~~فانخفضت الجرعة التي تصيب كل فرد، ولكن الرذاذ انتشر في أرجاء ~~المجمع كله. وهكذا، فبعد أن صلى زيتون وناصر، شاركا باقي السجناء ~~في حماية عيونهم وأفواههم من الرذاذ بقمصانهم، مع السعال المستمر ~~لإخراج ذلك السم من حلوقهم. # وأصبح الجرح الذي أحدثته الشظية في قدم زيتون ملوثا، وكان لونه ~~قد تغير أثناء الليل فغدا ذا زرقة دكناء، ولم يستطع تحميل أي ثقل ~~عليه، كان قد رأى كيف يتجاهل الذين يعملون لديه مثل هذه الجروح؛ إذ ~~كان معظمهم غير مشترك في التأمينات الاجتماعية ويخشى التسجيل في أي ~~مستشفى، كانت كسور الأصابع لا تجبر والجروح الفظيعة لا تعالج، ~~وهو ما كان يؤدي إلى الإصابة بشتى الأمراض، ولم يكن زيتون يعلم نوع ~~الشظية التي دخلت تحت بشرته، لكنه كان متأكدا من ضرورة إخراجها ~~بأسرع وقت ممكن، لم يكن يحتاج إلا إلى لحظة من الرعاية، وإلى إبرة ~~معقمة، أو حتى إلى سكين، كان في حاجة إلى أداة يحفر بها باطن القدم ~~لإخراج ما دخل فيه، مهما يكن. ms196 # كان الألم مبرحا، وحاول رفقاء زيتون في القفص مساعدته ~~والتوصل إلى حل ما، أي إلى أي شيء ذي طرف حاد يمكن استخدامه، ولكن ~~لم يكن لدى أي أحد شيء ولو كان مجموعة مفاتيح. # وبعد دقائق ظهر رجل من المحطة وأتى نحوه، كان يرتدي حلة ~~المستشفى المعقمة ذات اللون الأخضر، ويضع سماعة طبية حول رقبته، ~~كان خفيف الحركة، ذا وجه حنون، ومشية تشبه مشية البط، كانت الراحة ~~التي أحس بها زيتون في الثواني التي رآه يقترب فيها لا حدود ~~لها. # وهتف زيتون: «دكتور!» # ولكن الرجل لم يتوقف قط، بل قال وهو يواصل المسير: «لست ~~طبيبا!» ~~••• # وكان الإفطار يتكون أيضا من وجبات جاهزة، من العجة التي ~~وضعت فيها شرائح لحم الخنزير، ومن جديد أعطى زيتون وناصر لحم ~~الخنزير لتود وروني. ولكن الإفطار تضمن شيئا جديدا اليوم، زجاجة ~~صغيرة من الصلصة الحريفة، فخطرت لزيتون فكرة؛ إذ تناول الزجاجة ~~الصغيرة، وقرعها على الأرض فانكسرت، وتحولت إلى شظايا ونصال، ~~فالتقط أحد نصل فيها وقطع به قطعا في الجزء المتورم من قدمه، ~~مخرجا قدرا من السوائل يزيد عما تخيله، كان شفافا في البداية ~~ثم تحول إلى اللون الأبيض فالأحمر، وظل يحفر حتى وصل إلى الشظية ~~الدكناء الكامنة تحت الجلد، وبعد أن أغرق الدم قدمه، أخرجها، كانت ~~كسرة معدنية رقيقة في حجم خلة الأسنان. # ثم ربط قدمه بجميع المناديل الورقية الفائضة في القفص، فانقطع ~~الألم فورا. # وعلى امتداد النهار تكرر الرش برذاذ الفلفل، سواء كان ذلك ~~للأفراد أو دون تمييز، وفي أواخر وقت العصر أحضر أحد الحراس بندقية ~~ذات ماسورة ضخمة، وأطلق منها مقذوفا على أحد الأقفاص، وظن زيتون ~~أن رجلا قد قتل ولكنه أدرك أن البندقية لم تكن تطلق الرصاص، بل ~~أكياس حبات الفول الجاف، وجعل الرجل يتلوى على الأرض ألما قابضا ~~على بطنه، ومنذ تلك اللحظة أصبحت هذه البندقية السلاح المفضل ~~المستخدم في إخضاع السجناء، وكان الحراس يستخدمونها جنبا إلى جنب ~~مع رذاذ الفلفل، ويطلقونها على الرجال والنساء في الأقفاص. # واستمر جيري في إجراء محادثاته ms197 مع زيتون وناصر، كان من الواضح ~~أنه غير مهتم بتود وروني، وطرح على زيتون أسئلة كثرا عن تراثه، ~~وعن سوريا، وعن حياته العملية، وعن مرات عودته لزيارة وطنه، وطرح ~~الأسئلة نفسها على ناصر، وكان دائما ما يغلفها بغلالة من الود ~~الظاهر وبراءة حب الاستطلاع. وكان ناصر متحفظا بطبعه، فتقوقع في ~~ذاته بصورة شبه كاملة، وحاول زيتون أن يتفادى الأسئلة مدعيا ~~الإرهاق، وتحول وجود جيري إلى مصدر للقلق المتزايد يوما بعد ~~يوم. # من كان جيري؟ ما سبب وجوده في هذا القفص وفي المجمع نحو مائة ~~سجين آخر؟ وقد أصر تود في وقت لاحق على أنه كان جاسوسا، مخبرا ~~متنكرا، وأن الهدف من وجوده كان جمع المعلومات عن الرجلين ~~السوريين في القفص. وقال تود إنه متنكر بطبيعة الحال، وقال زيتون ~~في نفسه: لو كان ذلك صحيحا، فإنه كان موظفا عموميا متفانيا ~~إلى أبعد حد في عمله. كان يتناول طعامه في الهواء الطلق في القفص، ~~وعندما يحل الليل ويبرد الهواء ينام حيث ينام رفقاء زيتون في ~~القفص، من دون بطاطين أو وسائد، على الأرض القذرة. # وفي تلك الليلة، عندما حان دور زيتون في الرقاد على الهيكل ~~الفولاذي في القفص، حاول أن يستلقي بأسلوب مريح فلم يستطع. كان ~~يشعر في جانبه بألم جديد، نابع من منطقة الكلية اليمنى، كان الألم ~~حادا حين حاول الاستلقاء على السور الحديدي، لكنه خف قليلا ~~عندما وقف دون أن يختفي تماما، كان يمثل مصدرا جديدا للقلق، ~~وسببا آخر لعدم راحته في هذه الليلة. # الجمعة 9 من سبتمبر # عندما انتصف النهار قيل لزيتون ورفقائه في القفص إنهم سوف ~~ينقلون من معسكر جراي هاوند إلى مكان آخر. ووصل عدد من أوتوبيسات ~~المدارس التي وقفت في الركن الأقصى من الساحة. # وأخرج زيتون من قفصه، ووضعت يداه في القيود، ودفع به إلى أحد ~~هذه الأوتوبيسات، وأوقف السجناء صفا واحدا، ثم قيدت إحدى ~~يديه إلى يد سجين آخر في الستينيات من عمره. كان ذلك أوتوبيس مدرسة ~~عاديا، مرت عليه عقود وعقود، وأمر زيتون ورفاقه ms198 بالركوب، ~~فانطلقوا فصعدوا الدرجات القليلة مارين بالسائق الذي يحمل السلاح ~~وحفنة من الحراس المسلحين، ثم جلسوا، وصعد إلى الأوتوبيس تود وناصر ~~وروني، وقد قيدت يد كل منهم إلى يد سجين جديد، ولم يخبر ~~أي من السجناء الخمسين الذين ركبوا الأوتوبيس بالمكان الذي ~~يتجهون إليه. وجال بصر زيتون بحثا عن جيري، لكنه لم يكن معهم، كان ~~قد رحل. # وانطلق الأوتوبيس خارجا من المدينة في اتجاه الشمال، ولم يتحدث ~~زيتون والرجل الذي قيدت يده إلى يده، بل لم يتكلم من ~~المسجونين عدد يذكر. كان بعضهم يعرف، فيما يبدو، مقصد الأوتوبيس، ~~وبعضهم لا يستطيع أن يتخيل ما سوف يحدث، والبعض الآخر يبدو سعيدا ~~بالخروج أخيرا من محطة الأوتوبيسات، واثقا بأنه لن يشاهد أسوأ ~~منها. # غادروا المدينة فشاهد زيتون أول مساحة خضراء منبسطة من اليابسة ~~يشاهدها منذ العاصفة، وذكره المشهد بالوصول إلى المرفأ بعد ~~رحلة بحرية طويلة، وكان الإغراء شديدا آنذاك بأن يقفز من السفينة ~~ويرقص ويجري فوق الأرض الصلبة التي لا حدود لها. # وبعد أربعين ميلا شاهد زيتون لافتة في الطريق العام تشير إلى ~~أنهم يقتربون من بلدة سانت جابريل، ورأى زيتون فيها أمارة إيجابية ~~أو إشارة ذات نبرة ضاحكة مريرة؛ إذ يعتقد المسلمون أن الملاك ~~جبريل، وهو نفسه غبريال الذي يقول الكتاب المقدس إنه حمل البشارة ~~إلى مريم البتول وتنبأ لها بمولد يسوع المسيح، وهو الوحي الذي أنزل ~~القرآن من عند الله على النبي محمد، وهم يصفونه بأن له ستمائة ~~جناح، ويقول القرآن إنه صاحب محمدا في معراجه إلى ~~السماوات. # وأبطأ الأوتوبيس عند مكان كان يشبه أولا النوادي الريفية؛ إذ ~~كان المكان مساحة شاسعة مغطاة بالكلأ الأخضر وحولها سور أبيض، من ~~النوع الذي يحيط في العادة بمزارع تربية الخيول في الريف. واستدار ~~الأوتوبيس ومر من خلال بوابة بنيت من الطوب الأحمر، وعند المدخل ~~شاهد زيتون لافتة تؤكد أين كانوا إذ تقول: مركز إلين هنت ~~الإصلاحي. كان من السجون المشددة الحراسة، ولم تبد الدهشة على ~~معظم ركاب الأوتوبيس، وكان الصمت مطلقا. # وانطلقوا في ms199 مدخل السيارات الطويل الذي تصطف الأشجار على جانبيه ~~بانتظام، وطار سرب من الطيور فزعا عندما اقتربوا من بوابة أخرى، ~~وكانت هذه تشبه بوابة دفع الرسوم في الطرق الطويلة. وأشار أحد ~~الحراس للأوتوبيس بالدخول، وسرعان ما أصبحوا داخل أراضي ~~السجن. # كان مركز هنت الإصلاحي مجمعا من المباني ذوات الطابق ~~الواحد المشيدة بالطوب الأحمر، والمقامة وسط مساحة خضراء لا تشوبها ~~شائبة. كان كل شيء مرتبا في شبكات منتظمة، وكانت الأسوار والأسلاك ~~الشائكة التي تعلوها تلمع في وهج الشمس، وكان الكلأ ذا لون زاه، ~~وقد شذب منذ فترة قصيرة، وكانت آلات الري بالرش تدور على البعد ~~بأصواتها المميزة. # وبدأت إجراءات استقبال السجناء واحدا واحدا، عند مناضد وضعت ~~خارج المباني، وكانت المقابلة الشخصية الخاصة بدخول زيتون موجزة ~~ومستجوبوه مهذبين. سألته امرأتان عن صحته، وعن أي أدوية يتناولها، ~~وأي قيود على طعامه، وأذهله ما لمسه فيهما من حذق للمهنة وما ~~أبدياه من احترام له، وخطر له أن هذا المستوى المهني العالي قد ~~يعني مراعاة الإجراءات القانونية المعتمدة - ومن بينها السماح ~~للمتهم بإجراء مكالمة تليفونية - وهو ما يعني إطلاق سراحه بعد يوم ~~أو يومين. وفي أقل القليل سوف تعرف كاثي أنه على قيد الحياة؛ إذ لم ~~يكن يهمه غير ذلك. # وسيقوا إلى غرفة تغيير الملابس وأمروا بخلع ملابسهم كلها، ففعل ~~زيتون ذلك، في حضور أكثر من عشرة رجال، ولم يكن يخشى في وجود هذا ~~الحشد أي تفتيش ذاتي أو عنف، فخلع القميص والشورت واللباس الداخلي، ~~ثم اقتادهم موظفو السجن إلى الخارج. # وأعطي له ولكل سجين آخر أوفرول برتقالي اللون، بأكمام قصيرة، من ~~دون ملابس داخلية، ولبس زيتون الأوفرول وربط السوستة، وعاد فلبس ~~حذاءه. ~~••• # وأعيدوا إلى الأوتوبيس الذي سار بهم في طرقات مجمع السجن ~~الذي كان يتكون من مبان ذوات أشكال هندسية منتظمة لها أسقف زرقاء، ~~وتوقف الأوتوبيس عند مبنى كان فيما يبدو آخر مباني السجن، وكان ~~الواضح أنه يتميز بأقصى درجات الحراسة. # واقتيد زيتون والآخرون من رفقاء الرحلة إلى داخل أحد المباني ~~الطويلة ذات الزنزانات. وسيق ms200 في بهو طويل من الخرسانة ثم دفع به في ~~زنزانة، لم تكن مساحتها تزيد على مترين في أقل من ثلاثة أمتار، ~~أعدت لسجين واحد، فوجد أن ناصرا قد سبقه إليها، وأغلق الباب، ~~وكانت القضبان مطلية باللون الأزرق الفاقع. # كانت الزنزانة مبنية بصورة كاملة من الأسمنت، وكان المرحاض كذلك ~~من الأسمنت مبنيا في وسط الزنزانة، وكان السرير في جانبها ~~مبنيا من الأسمنت أيضا، وعليه فراش من المطاط، وفي الجدار ~~الخلفي كانت تلوح نافذة صغيرة مغطاة بلوح سميك من البلاستيك ~~الشفاف، وكان يظهر فيه مربع أبيض غائم، ربما كان السماء. # ولم يتفوه زيتون وناصر بألفاظ تذكر. لم يكن لديهما ما يقال. كانا ~~يعرفان أن محنتهما قد بدأت تسير في اتجاه أخطر كثيرا مما سبق، لقد ~~عزل الأمريكيان السوريان الآن عن الجميع، فعندما كانا في صحبة تود ~~وروني، بدا لهما أن التهمة الموجهة إليهما - مهما يكن الوقت الذي ~~توجه فيه تلك التهمة - مقصورة على السلب والنهب، ولكن السوريين ~~الآن قد فصلا عن الأمريكيين، وما عاد من الممكن التنبؤ بمسار ~~هذه الأحداث. # ظل زيتون متأكدا من أن إجراء مكالمة تليفونية واحدة سوف يحرره، ~~كان رجلا ناجحا ومشهورا، وكان اسمه معروفا في شتى أرجاء نيو ~~أورلينز، لم يكن يحتاج إلا إلى إجراء مكالمة مع كاثى وسوف تهدم ~~كاثي جميع الأسوار حتى تصل إليه. # وطيلة النهار قرر زيتون الجلوس بجوار القضبان ملوحا بمنديل ~~السفرة، متوسلا إلى الحراس أن يمنحوه مكالمة تليفونية، وكان يبدو ~~أن الحراس يتلذذون بطبخ صنوف من الإنكار والنفي. # كانوا يقولون: ~~«التليفون عطلان.» ~~«ليس اليوم.» ~~«الخطوط مقطوعة.» ~~«ربما غدا.» ~~«وماذا أنال منك مقابل هذا؟» ~~«ليست مشكلتي. لست سجينا عندنا.» # لم تكن هذه هي المرة الأولى أو الأخيرة التي يسمع زيتون فيها ~~ذلك، لم يكن قد مر بالإجراءات التقليدية، ولم يكن قد خصص له سجن ~~هنت في الأجل الطويل، ومن ثم فلم يكن من الناحية الإجرائية من ~~نزلاء سجن هنت، ومن ثم لم تكن تنطبق عليه الإجراءات المعتمدة ~~في تلك المؤسسة. وكان ذلك ما قاله ms201 الحراس له عدة مرات: ~~«أنت من مشاكل الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ.» # كانت تلك الوكالة هي التي تتحمل تكاليف حبسه، فيما قاله الحراس، ~~وكذلك تكاليف جميع سجناء نيو أورلينز. أما مركز إلين هنت ~~الإصلاحي فكان مكانا مؤجرا ل «تخزين» هؤلاء الرجال، وباستثناء ذلك ~~لم يكن المركز مطالبا برعايتهم ولا بتلبية حقوقهم. # وأقبل الليل ولكنه لم يكد يختلف عن النهار. أطفئت الأضواء ~~الساعة العاشرة، ولكن السجن كان غاصا بالأصوات، كان السجناء ~~يتكلمون ويضحكون ويصرخون، وكانت تتردد أصوات شتى يصعب تحديد كنهها، ~~قادمة من كل مكان، أصوات الضرب والشخير، وبدا أن الدخان ازداد على ~~امتداد ساعات الليل، وكانت الروائح عفنة من السجائر، والماريجوانا، ~~والطعام الفاسد، والعرق، والتحلل. # وكان الألم في جنب زيتون قد اشتد، أصبح وجعا ينبض، كأنما كانت ~~كليته ملتهبة . لم يسبق له أن بالغ في القلق على مثل تلك المشاكل، ~~ولكن ترى هل كانت كاثي على حق حين قالت إن السموم التي انتشرت في ~~نيو أورلينز بعد العاصفة قد تسربت إلى جسده؟ وربما كان ذلك من ~~تأثير الرش برذاذ الفلفل في معسكر جراي هاوند، ولا شك في أنه ~~استنشق قدرا من ذلك الغاز لم يلبث أن أضر بأحشائه. # لكنه تجاهل الألم. لم يكن يستطيع التفكير إلا في كاثي، لم تمض ~~سوى أربعة أيام منذ أن سمعت صوته آخر مرة، لم يكن يستطيع أن يتخيل ~~مقدار معاناتها، وأين يكون عقله لو أنها تاهت عنه أربعة أيام؟ كان ~~يأمل ألا تكون قد أخبرت الأطفال، كان يأمل ألا تكون قد أخبرت ~~أي أحد، كان يأمل أن تكون قد وجدت ما يريحها ويسري عنها عند الله؛ ~~إذ كان واثقا بأن الله له غاية من هذا. # وفي الساعات الأولى من الفجر، شعر زيتون بالوهن نتيجة قلة النوم ~~والطعام، وجو العدم الكئيب من حوله، فتذكر سورة التكوير في القرآن ~~الكريم: # إذا الشمس كورت * ~~وإذا النجوم انكدرت * وإذا ~~الجبال سيرت * وإذا العشار ~~عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * ~~وإذا النفوس زوجت * وإذا ~~الموءودة سئلت * بأي ذنب ~~قتلت ms202 * وإذا الصحف نشرت * وإذا السماء كشطت * ~~وإذا الجحيم سعرت * وإذا ~~الجنة أزلفت * علمت نفس ما ~~أحضرت * فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * ~~والليل إذا عسعس * والصبح ~~إذا تنفس * إنه لقول رسول ~~كريم * ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون ~~(التكوير: 1-22). # السبت 10 من سبتمبر # عاد زيتون إلى الأرق طول الليل، كانت الأضواء الفلورسنت في السقف ~~قد أطفئت في الساعة العاشرة مساء، ثم أضيئت من جديد في الثالثة ~~صباحا. كانت الساعة الثالثة تعتبر بداية النهار في هذا ~~السجن. # وبعد أن أدى زيتون وناصر الصلاة، حاول زيتون أن يتريض داخل ~~الزنزانة، كان الجرح في قدمه لم يلتئم بعد، ولكنه قام بتدريبات ~~الجري في مكانه، وأجرى تدريب الضغط باليدين على الأرض ورفع الصدر، ~~والقفز في المكان نفسه، ولكن الألم في جنبه ازداد بسبب هذا النشاط، ~~فكف عنه. # كان الإفطار من السجق، وهو ما لم يستطع أن يأكله، وبيضا مخفوقا ~~في اللبن، وهو ما لا يكاد يكون له طعم مقبول، فتناول قليلا منه ~~وشرب العصير الذي قدم إليه. وجلس مع ناصر على السرير، جنبا إلى ~~جنب، لا يكادان يتحادثان. كان الخاطر الوحيد الذي يشغل بال زيتون ~~إجراء مكالمة تليفونية، لم يكن في الدنيا غير ذلك. # وسمع خطوات الحارس الذي كان مقبلا في الردهة ليجمع صواني ~~الإفطار، وما إن اقتربت الخطوات حتى وثب زيتون إلى مقدمة الباب ~~وتراجع الحارس خطوة واحدة، وقد أفزعه ظهور زيتون المباغت. # وهتف زيتون: «أرجوك، هل لي في مكالمة تليفونية واحدة؟» # وتجاهل الحارس السؤال لكنه تطلع إلى ناصر الذي كان ما زال جالسا ~~على السرير، وألقى الحارس نظرة متسائلة على زيتون ثم انتقل إلى ~~الزنزانة التالية. # وبعد ساعة سمع زيتون وقع أقدام الحارس مرة أخرى، فنهض زيتون ~~ليقابله عندما يمر بالباب، وسأله: «من فضلك هل أستطيع إجراء مكالمة ~~واحدة؟ لزوجتي فقط.» # في هذه المرة هز الحارس رأسه هزة عارضة، ثم تطلع من وراء زيتون ~~لرؤية ناصر الذي كان أيضا جالسا على السرير، ولكن هذه النظرة ~~التي ms203 حدج الحارس زيتون بها كانت تضمر إيحاءات معينة، بل ذات بذاءة؛ ~~إذ رفع حاجبيه وأومأ مشيرا إلى ناصر، كان المعنى الذي يوحي به هو ~~أن زيتون وناصرا كانا على علاقة غرامية، وأن زيتون كان يخشى ~~اكتشافها، فوثب مبتعدا عن السرير عندما سمع الحارس يقترب ~~منه! # وعندما أدرك زيتون المعنى الذي كان الحارس يضمره كان وقت ~~المناقشة قد فات؛ إذ اختفى الحارس في مساره بآخر الردهة، ولكن ذلك ~~المعنى الموحى به، أي إن زيتون كان ثنائي النزعة الجنسية، وإنه ~~يخون زوجته، أغضبه إلى الحد الذي لم يستطع معه أن يتمالك ~~نفسه. # وفي الظهيرة أخرج زيتون من زنزانته، واقتيد إلى مكتب صغير، يقف ~~فيه أحد حراس السجن ومعه آلة تصوير رقمية، وأمر زيتون أن يجلس على ~~كرسي من البلاستيك، وبينا كان زيتون ينتظر الأمر التالي نظر المصور ~~شزرا إليه ورفع رأسه. # وصاح قائلا: «هل تحدق في وجهي؟» # ولم يقل زيتون شيئا. # وصرخ المصور: «لماذا تحملق في وجهي؟» # وواصل صياحه مشيرا إلى قدرته على أن يذيق زيتون المهانة والذل ~~في هذا المكان، وإلى أن شخصا لديه هذا التحدي لن يصمد طويلا. ولم ~~يكن زيتون يدري ما فعل فاستفز الرجل إلى هذا الحد، بل كان الرجل ما ~~زال يسب ويلعن عندما أخرج زيتون من الغرفة وأعيد إلى ~~زنزانته. # وفي آخر ساعات العصر، سمع زيتون من جديد خطوات شخص قادم في ~~الردهة، فذهب إلى مقدمة الزنزانة وشاهد الحارس نفسه. # وسأله الحارس: «ماذا تفعلان أنتما الاثنان؟» # وقال زيتون بصوت كالفحيح: ~~«ماذا تقول؟!» لم يعرف في حياته غضبا كهذا الغضب. # وقال الحارس: «لا يسمح لك بفعل هذه الأشياء في الزنزانة يا أخ! ~~كنت أظنه محرما في دينكما على أي حال.» # وهنا انفجر غضب زيتون، فأمطر الحارس وابلا من الشتائم ~~والتهديدات، غير عابئ بما قد يحدث. # وبدا أن الحارس قد صدم: «هل تتحدث إلي حقا بتلك اللهجة؟ هل ~~تعرف ما أستطيع أن أفعله بك؟» # كان زيتون قد انتهى، فذهب إلى ركن زنزانتهما القصي وطوى ذراعيه ~~على صدره، لو ms204 كان في بقعة أقرب إلى الباب لما قاوم إغراء إلقاء ~~نفسه على القضبان والإمساك بأي جزء تصل إليه يده من جسد ~~الحارس. # الأحد 11 من سبتمبر # وفي الصباح فتح الباب وأضيف أربعة رجال إلى زنزانتهما. كان ~~الأربعة أمريكيين من أصول أفريقية، تتراوح أعمارهم ما بين الثلاثين ~~والخامسة والأربعين. وأومأ زيتون وناصر لهم بالتحية، وبعد تبادل ~~المواقع بحركات سريعة وجد النزلاء الجدد أماكن في الزنزانة ~~الصغيرة؛ إذ جلس ثلاثة رجال على السرير، وثلاثة على الأرض، متكئين ~~على الجدار. وكانوا يتبادلون هذه الأماكن مرة كل ساعة، والعرق ~~يتفصد منهم في ذلك المكان الخانق. ~~••• # لم يعد زيتون يتوقع أن يمنحه أحد الحراس الذين شاهدهم حتى الآن ~~فرصة إجراء مكالمة تليفونية، بل كان يأمل في أن يرى حارسا جديدا، ~~أو موظفا جديدا في السجن أو زائرا للسجن. # لم يكن يعرف أسلوب عمل السجن، أو أسلوب عمل أي سجن، ولكنه شاهد ~~أفلاما يسير فيها المحامون داخل عنابر السجن، ويسير فيها الزوار ~~أيضا، كان يحتاج إلى مقابلة شخص كهذا، أي شخص من العالم خارج ~~السجن، أي شخص يتعطف ويبدي بعض الرحمة. # وأخبر الرجال في الزنزانة بعضهم بعضا كيف انتهى الأمر بهم إلى ~~سجن هنت. كانوا جميعا قد قبض عليهم في نيو أورلينز بعد ~~العاصفة، قالوا: إن هذا الجناح كله من السجن يئوي سجناء كاترينا. ~~قال أحدهم: «كلنا تابعون للوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ.» كان ~~اثنان قد قبض عليهما بتهمة نقل الأثاث، في ظروف لا تختلف عن ظروف ~~زيتون. # قال أحدهم إنه من عمال المرافق الصحية من مدينة هيوستن، وكانت ~~الشركة التي يعمل فيها قد أبرمت عقدا في أعقاب العاصفة مباشرة ~~للحضور إلى نيو أورلينز والشروع في تنظيف المدينة، وكان يسير صباح ~~ذات يوم من فندقه إلى شاحنته عندما توقفت بجواره شاحنة تابعة للحرس ~~الوطني، وقبض عليه فورا، ووضعت يداه في القيود الحديدية وأحضر ~~إلى معسكر جراي هاوند. # كانت تلك أول مرة يقبض فيها عليه، وكان أشد الموجودين حيرة ~~وبلبلة، وكان هؤلاء السجناء يعتبرون أنهم يقضون «عقوبات كاترينا»، ms205 ~~وهو التعبير الذي ابتكروه، فهو لم يحضر إلى نيو أورلينز إلا بناء ~~على أوامر شركته، وكان عمله الأصلي جمع القمامة في هيوستن، ولكن ~~حدث بعد الإعصار أن قال المشرف على عمله في الشركة إنهم قد وقعوا ~~عقدا للعمل في نيو أورلينز، وقال هذا السجين في نفسه: قد يكون من ~~الطريف مشاهدة ما آلت إليه المدينة، كما كان يريد المساعدة في ~~تنظيفها، فذهب إليها طائعا مختارا. كان عند القبض عليه يلبس الزي ~~الرسمي، ومعه بطاقته الشخصية، ومفاتيح شاحنته، وكل شيء، ولكنه لم ~~يفلح في إقناع أحد؛ إذ وجهت إليه تهمة السلب والنهب، ووضع في ~~الأقفاص خلف محطة الأوتوبيس. # وقال أحد زملاء الزنزانة إنه كان من عمال المطافى في نيو ~~أورلينز، وإنه ظل في المدينة لأن الإدارة طلبت منه البقاء، وكان في ~~فناء إدارة المطافئ عندما مرت به سيارة جيب وألقى من فيها القبض ~~عليه، متهمين إياه بالسلب والنهب، ووضعوه في خلفية السيارة وأحضروه ~~إلى معسكر جراي هاوند. # وعرف زيتون أن معظم الذين ~~أحضروا إلى معسكر جراي هاوند قد وجهت إليهم التهم بأسلوب ~~نمطي، لا يكاد يختلف؛ إذ أحضرت غالبيتهم إلى محطة الأوتوبيسات في ~~صباح اليوم التالي للقبض عليهم، وكانت محكمة مؤقتة قد أنشئت في ~~مكتب بالطابق الثاني، وكان فيها قاض ومحام واحد على الأقل، ~~وقرئ على المقبوض عليهم نص التهمة، وعرضت على معظمهم صفقة، فإذا ~~لم ينكروا التهمة حكم عليهم بارتكاب مخالفة وعقوبة لا تزيد على ~~أداء بضع ساعات في خدمة المجتمع، تبدأ فورا. وكان بعض الذين ~~قبلوا أن يعقدوا الصفقة - بحيث أصبحت لهم صفحة سوابق دائمة - ~~يساقون مباشرة إلى قسم الشرطة في وسط المدينة؛ حيث يشرعون في ~~إصلاح المكاتب التي أصيبت بأضرار ويعيدون طلاءها. # كان الألم الحاد الذي يخز زيتون في جنبه وأحس به أول الأمر في ~~معسكر جراي هاوند، قد تضاعف الآن عشرة أضعاف، كان يشعر كأن ~~مفكا طويلا يدار ببطء مخترقا كليته، كان يصعب عليه ~~الجلوس والوقوف والرقاد، وكلما غير وضعه كان يحس الراحة خمس ~~دقائق قبل أن ms206 يعود الألم، لم يكن من الذين تقلقهم هذه الأمور، ولكن ~~إحساسه بهذا كان مختلفا. خطرت بباله ألوان العدوى، أي الأمراض ~~الكثيرة التي ذكرتها كاثي أثناء محاولتها إقناعه بمغادرة المدينة، ~~كان يحتاج إلى المساعدة. ~~••• # لاحظ أن إحدى الممرضات تمر داخل العنبر مرة واحدة في اليوم، ~~وتدفع أمامها عربة زاخرة بالأدوية، وتقدم حبوب الدواء ~~للسجناء. # وأوقفها زيتون حالما مرت أمام زنزانته، وأخبرها بما يكابده من ~~ألم. # وسألته: «هل معك روشتة؟» # ونفى ذلك موضحا أن الألم استجد عليه. # وقالت: «إذن لا بد أن يفحصك طبيب.» # فسألها عن السبيل إلى ذلك. # قالت إن عليه أن يملأ استمارة يشرح فيها مرضه، وعندما يفحصها ~~الطبيب سوف يقرر إن كان يحتاج إلى العلاج أو لا. وأعطته الممرضة ~~الاستمارة وتابعت سيرها في العنبر. # وملأ زيتون الاستمارة، وعندما عادت في طريق الخروج سلمها ~~إليها. # وبعد العشاء تبادل زملاء زيتون في الزنزانة قص ما سمعوه من غيرهم ~~من السجناء الذين قابلوهم، كان السجناء الذين وصلوا إلى سجن هنت ~~في الأيام التي تلت العاصفة قد كابدوا أحوالا تستعصي على ~~الفهم. # كان الآلاف منقولين من سجن نيو أورلينز العمومي، وكان من بينهم ~~المحبوسون بتهمة السكر العلني، وبتهمة سرقة بعض السلع من ~~المتاجر الكبرى، وغير ذلك من الجنح، وكانوا قد تركوا ثلاثة أيام ~~فوق الجسر البري العلوي المقام فوق شارع «برود» في المدينة، كما ~~نقل التليفزيون صورهم، بحر من الناس بحلل السجن البرتقالية جالسين ~~فوق نهر الطريق المتسخ بالفضلات الآدمية والقمامة، ويحيط بهم ~~الحراس حاملين بنادق أوتوماتيكية. # وعندما وصلت الأوتوبيسات أخيرا، نقل السجناء إلى سجن هنت، ~~وبدلا من نزولهم داخل مباني السجن، سيقوا إلى استاد كرة القدم ~~الملحق بالمبنى، واحتجزوا هناك ثلاثة أيام أخرى خارج المباني، دون ~~أي مأوى يئويهم، وهكذا جمع آلاف السجناء معا، من القتلة ~~والمغتصبين إلى المتهمين بقيادة السيارة تحت تأثير الخمر وصغار ~~اللصوص، على أرض الاستاد المغطاة بالكلأ. # ولم تكن لديهم مراحيض، فكان السجناء يتبولون ويتبرزون حيثما ~~استطاعوا، لم تقدم إليهم وسائد ولا ملاءات ولا أكياس للرقاد فيها ~~ولا ms207 ملابس جافة، بل أعطي كل رجل بطانية واحدة خفيفة. ولما كانت ~~المنطقة التي بني فيها سجن هنت مستنقعا قبل بناء السجن، فإن ~~التربة كانت تنضح بالماء أثناء الليل، وأصبح الرجال ينامون على ~~الطين، من دون ما يحميهم من قسوة الطبيعة، والحشرات، ومن بعضهم ~~البعض؛ إذ وقعت حوادث طعن مضاعف، أثناء منازعات الرجال حول ~~البطاطين. # وكانوا يحصلون على الماء من أنبوبين صغيرين خارجين من الكلأ، ~~ويضطر الرجال إلى انتظار دورهم ويشربون في كفوفهم، وأما الطعام، ~~فكان حراس السجن يتناولون السندويتشات فيعجنونها في شكل كرات ~~يلقونها فوق سور الاستاد حتى تقع وسط السجناء، ومن استطاع منهم أن ~~يلقف إحدى الكرات أكل، ومن استطاع الدفاع عن نفسه أكل، وكان كثيرون ~~منهم لا يتناولون أي طعام. # ولم يكن أحد من نزلاء زنزانة زيتون يعرف إن كان هؤلاء السجناء لا ~~يزالون في ملعب كرة القدم أو لا، أو ما حدث لهم بعد ذلك. # الإثنين 12 من سبتمبر # في الصباح، أخرج الرجال الأربعة من الزنزانة فأصبح زيتون وناصر ~~وحدهما مرة أخرى. لم يكن لديهما ما يفعلانه غير انتظار أي وجه ~~جديد، أي شخص قد تؤدي مخاطبته إلى إدراك العالم الخارجي لوجودهما ~~هنا. # كان الملل شديدا، لم تقدم إليهما كتب ولا صحف ولا جهاز ~~للراديو، لم يكن في طوق الرجلين سوى التحديق في الجدران الرمادية، ~~أو الأرضية السوداء، أو القضبان ذات اللون الأزرق الفاقع، أو وجه ~~كل منهما. لكنهما كانا يخافان الكلام خوفا شديدا. كانا يفترضان ~~أنهما يخضعان للمراقبة هنا بأسلوب ما، وإذا كان جيري جاسوسا ~~فالمحتمل أن يكون قد دس به لمراقبتهما في قفص خارجي، ولن يكون ~~من المدهش أن تسجل محادثاتهما هنا، في السجن ذي الحراسة ~~المشددة. # جلس زيتون على السرير وأغمض عينيه، لم يكن يريد إلا أن تمر هذه ~~الأيام. # واستعرض في ذهنه ظروف القبض عليهم، والساعات والأيام السابقة على ~~ذلك، مرات لا تحصى، محاولا أن يدرك سبب لفت الأنظار إليهم. هل ~~كان السبب ينحصر في وجود أربعة رجال في منزل واحد؟ كان يسلم ms208 ~~بأن أمرا كهذا، بعد الإعصار وإخلاء معظم المدينة من سكانها، كان ~~جديرا بالتحقيق فيه. ولكن التحقيق لم يحدث، ولم توجه أي ~~أسئلة، ولم يعثر على أي أدلة، ولم توجه أي تهم. # كانت كاثي كثيرا ما تبدي ~~قلقها من وجود الحرس الوطني وجنود آخرين عادوا إلى الولايات ~~المتحدة من الخدمة في العراق أو أفغانستان. وكانت تحذره من المرور ~~بجماعات الجنود في المطارات، ومن السير بجوار مكاتب الحرس الوطني. ~~كانت تقول لزيتون، شبه متفكهة: «إنهم مدربون على قتل رجال مثلك.» ~~لم تكن تريد لأسرتها أن تصبح من الخسائر الثانوية في حرب ليست لها ~~جبهات يمكن تمييزها، وليس لها شكل حقيقي، ولا قواعد. # قبل ما يقرب من عشرين عاما، كان يعمل على ظهر ناقلة بترول تسمى ~~«أندروميدا»، وكان الرجال قد انتهوا لتوهم من نقل البترول الكويتي ~~إلى اليابان، وفي طريق عودتهم إلى الكويت لنقل المزيد. كان ذلك عام ~~1987، وكانت إيران والعراق تخوضان حربهما الطويلة المنهكة للطرفين، ~~وكانت معظم مصافي البترول عندهما قد دمرت أثناء القتال، فأصبحت ~~الدولتان تعتمدان على الواردات البترولية، وكانتا تحاولان بانتظام ~~اعتراض أي سفن تنقل البترول إلى العدو من خلال مضيق هرمز، أو إحداث ~~الأضرار بها، وكان زيتون ورفاقه في السفينة يعرفون أن دخول خليج ~~عمان، تمهيدا لدخول الخليج العربي، كان يعني إثارة غضب الغواصات ~~والسفن الحربية التابعة للعراق أو لإيران، وكان البحارة يحصلون على ~~أجر إضافي لتعويضهم عن المخاطر. # وكان مرقد زيتون في السفينة فوق خزانات الوقود فيها مباشرة، وكان ~~نائما ذات صباح حين انتفض نتيجة انفجار وقع أسفل مرقده. لم يكن ~~يعرف إن كان أحد الخزانات قد انفجر أم أن السفينة قد ارتطمت بشيء ~~ما. وسرعان ما أدرك أنه لو كان الخزان قد انفجر لكان في عداد ~~الأموات، ومن ثم فلا بد أن السفينة ارتطمت بشيء، أو صدمها شيء. ~~وكان في طريقه مسرعا إلى برج القيادة حين وقع انفجار آخر هز ~~السفينة هزا. # كانت الطوربيدات الإيرانية قد أصابت السفينة مرتين، وأدى ~~اصطدامها إلى إحداث فجوة كبيرة تكفي لدخول ms209 زورق بمحرك فيها! ولكن ~~كان من الواضح أن الإيرانيين لم يكونوا يقصدون إغراق الناقلة ولو ~~أرادوا ذلك لكان يسيرا حقا، كانوا يريدون إرسال تحذير، وجعل ~~السفينة عاجزة عن مواصلة السير. # وتمكن البحارة من الوصول إلى عدن؛ حيث استغرق إصلاح العطب في ~~هيكل السفينة شهرا. وأثناء انتظار الإبحار من جديد قرر زيتون أن ~~والده محمودا ربما كان على حق، وأن الوقت قد حان للاستقرار في ~~مكان ما، ولبناء أسرة، وللبقاء سليما مخلصا على اليابسة، وبعد ~~شهور معدودة، خرج من «أندروميدا» في هيوستن وبدأ البحث عن ~~كاثي. # الثلاثاء 13 من سبتمبر # لم يناقش زيتون وناصر إمكان بقائهما في هذا السجن شهورا عديدة، ~~بل أعواما. ولكن ذلك كان يجول بخاطرهما، كانا يقولان إن الناس ~~يجهلون مكان وجودهما، وإن ذلك يتيح للمسئولين - أيا كان المسئول ~~الذي يريد إبقاءهما هنا - سلطة كاملة لا راد لها في مواصلة ~~احتجازهما وإخفائهما إلى الأبد. # لم يستطع ذهن زيتون أن يلمح حتى الآن بارقة إجراء ما قد يستطيع ~~اتخاذه دفاعا عن قضيته. لم يكن مسموحا له بإجراء اتصال تليفوني، ~~ولم يكن أمامه أدنى دليل على أنه سوف يسمح له بذلك. لم يستطع ~~الاتصال بأي شخص في العالم الخارجي، لقد تحدث مع الممرضة، ولكنها ~~من الموظفين الدائمين في السجن. لم يكن لتأكيد براءته لها أي جدوى، ~~فمن الأرجح أنها لا تسمع طول النهار سوى تأكيدات البراءة. بل إنه ~~كان يعرف أن وجوده في سجن مشدد الحراسة من شأنه أن يثبت إدانته في ~~أذهان جميع العاملين فيه، وكان الحراس قد اعتادوا الإشراف على ~~الرجال الذين كانوا يدانون في المحاكم. # ويضاف إلى هذا أن السجن كان معزولا إلى الحد الذي يحول دون ~~خضوعه لإشراف من أي نوع، ويمنع وصول أي مدنيين إليه للتحقق من ~~أحواله، ولم يكن قد سمح لزيتون بمغادرة مبنى السجن الذي يقيم فيه ~~قط، ولم يسمح له بمغادرة الزنزانة إلا للاستحمام. وكان الحمام ~~نفسه محاطا بالقضبان. وما داموا قد رفضوا السماح له بمكالمة ~~تليفونية لمدة سبعة أيام، فلماذا يغيرون ms210 سياستهم في ~~المستقبل؟ # كان لديه أمل واحد ألا وهو تقديم اسمه والإعلان عن براءته لكل ~~سجين قد يقابله، عسى أن يطلق سراح أحدهم يوما ما وربما لم ~~يكتف بتذكر اسمه، بل تكفل بالاتصال بكاثي أو بإخبار أي فرد بمكان ~~وجوده، ولكن من تراه بين هؤلاء سوف يصدق أنه من الأبرياء حقا في ~~السجن؟ وكم من الأسماء الأخرى قد عرفوها؟ وكم من الوعود قد قطعوها ~~على أنفسهم؟ # عندما قبض على زيتون أصلا، لم يكن واثقا بأن بلده الأصلي كانت ~~له علاقة بذلك؛ إذ كان اثنان من المجموعة التي قبض عليها ~~أمريكيين من أصحاب البشرة البيضاء، ولدا في نيو أورلينز، ولكن ~~الاعتقال تغير مساره تماما عندما أحضر الجميع إلى معسكر جراي ~~هاوند، وعلى الرغم من كراهية هذه النقلة في تفكيره، فإنه تساءل في ~~نفسه: أليس من المحتمل على الإطلاق أن ينقل، مثل العديد من ~~الآخرين، إلى مكان خفي؛ إلى أحد السجون السرية خارج البلاد؟ إلى ~~خليج جوانتانامو؟ # لم يكن زيتون من النوع ~~الذي يخاف مثل هذه الأمور. لم يكن من أصحاب نظريات المؤامرة أو ~~الاعتقاد بأن حكومة الولايات المتحدة ترتكب انتهاكات حقوق الإنسان ~~عمدا، ولكن كل شهر كانت تنشر فيما يبدو قصة جديدة عن إطلاق سراح ~~أحد مواطني إيران أو المملكة العربية السعودية أو ليبيا أو سوريا، ~~أو أي بلد من عدد من البلدان الإسلامية الأخرى، بعد قضاء شهور أو ~~سنوات في أحد المعتقلات، وكانت القصص متشابهة في العادة، كانت ~~الحكومة الأمريكية تشتبه في أحد المسلمين، وكان يسمح للعاملين بهذه ~~الحكومة بموجب السلطات المخولة حاليا لرئيس الجمهورية أن يقبضوا ~~على الرجل في أي مكان في العالم، وأن ينقلوه إلى أي مكان في ~~العالم، من دون الحاجة إلى اتهامه بارتكاب أي جريمة. # كيف كانت حالة زيتون الراهنة تختلف عن ذلك؟ كان حبيسا ممنوعا ~~من الاتصال بأحد، ودون اتهام، أو كفالة أو محاكمة، أفلن تلتزم ~~وزارة الأمن الداخلي بإضافة اسم جديد إلى قائمة الأشخاص الخطرين ~~لديها؟ إن مجرد تصور انطلاق اثنين سوريين في قارب ms211 يجوب مدينة نيو ~~أورلينز بعد الإعصار كفيل بإثارة الريبة في قلوب بعض الأمريكيين، ~~وحتى لو كان رجل الدعاية من الهواة المبتدئين لاستطاع أن يجد في ~~هذه الصورة إيحاءات شر مضمرة. # لم يكن من اليسير على زيتون أن يقبل هذه الأفكار؛ إذ كانت تناقض ~~كل ما عرفه وآمن به عن البلد الذي اتخذه موطنا، ولكنه كان مع ذلك ~~قد سمع تلك القصص. كان بعض الأساتذة والأطباء والمهندسين قد قبض ~~عليهم واختفوا شهورا وسنوات تحقيقا للأمن القومي. # لم لا يحدث هذا لرجل عمله طلاء المنازل؟ # الأربعاء 14 من سبتمبر # كان الألم في جنب زيتون قاهرا، وسواء كان واقفا أو جالسا في ~~أوضاع معينة، كان يجد التنفس عسيرا. كان عليه طلب المساعدة. # وعندما سمع صوت عربة الممرضة تسير في بهو العنبر هب واقفا ~~ليلقاها عند القضبان. # وسألها : «هل أعطيت استمارتي للطبيب؟» # قالت إنها أعطتها له، وإنه سوف يأتيه الرد بسرعة. # قال ناصر: «تبدو مريضا.» # وقال زيتون: «أعرف ذلك.» ~~- «فقدت كثيرا من وزنك.» ~~- «إنه الألم. لقد اشتد الآن كثيرا.» # وخطرت لزيتون فكرة غريبة مباغتة، ألا وهي أن الألم في جنبه قد لا ~~يكون ناجما عن العدوى أو الإصابة، بل من الحزن. ربما لم يكن له ~~سبب طبي، ربما كان مجرد أمارة من أمارات غضبه وتأسيه وعجزه. لم ~~يكن يريد أن يكون أي من ذلك صحيحا. لم يكن يريد أن يصدق أن بيته ~~ومدينته مغموران بالماء. لم يكن يريد أن يصدق أن زوجته وأطفاله في ~~مكان يبعد عنه ألفا وخمسمائة ميل، وربما كانوا يفترضون الآن أنه ~~مات، لم يكن يريد أن يصدق أنه أصبح الآن رجلا في قفص، وربما ظل ~~إلى الأبد رجلا في قفص، خفيا خبيئا، أو أنه لم يعد جزءا من ~~هذه الدنيا. # الخميس 15 من سبتمبر # غدا زيتون الآن يعرف دقات عربة الممرضة مثلما يعرف دقات قلبه، ~~فوثب إلى القضبان ليلقاها. # سألها: «ماذا قال الطبيب؟» # فقالت: «عن أي شيء؟» # فقال: «عن حالتي. ألم تعطيه الاستمارة؟» # فقالت: «أوه! أنت تعرف، لا أظن أنه ms212 أخذها. الأفضل أن تملأ ~~استمارة أخرى.» وقدمت إليه استمارة أخرى. # ولم يرها من جديد في ذلك اليوم أو اليوم التالي. ~~••• # بدأ زيتون يشعر بأنه سوف يغمى عليه حين نهض على قدميه. لم يكن ~~يتناول ما يكفي من الطعام، وكان يبدو أن كل وجبة عمادها لحم ~~الخنزير. وحتى حين كان يستطيع أن يأكل ما يقدم له، كان كثيرا ~~ما يغلبه القلق أو الاكتئاب فيمنعه عن الأكل. # وبعد الغداء وصل ثلاثة حراس. فتحوا باب الزنزانة ودخلوا. ووضعوا ~~القيود الحديدية في يدي زيتون وقدميه، ثم اقتادوه خارج الزنزانة، ~~وساروا به إلى مبنى آخر ووضعوه في زنزانة أخرى خالية. أصبح الآن ~~وحده. # لم يكن يتحادث كثيرا مع ناصر، ولكن التناقض بين حاله معه ووحدته ~~الآن كان شديدا. # وحاول زيتون أن يتذكر قيمة بوليصة التأمين على حياته، كان ~~ينبغي أن يشتري بوليصة أكبر، والواقع أنه لم يكن قد فكر التفكير ~~الجاد اللازم في الأمر. كانت المرأة في شركة أولستيت للتأمين قد ~~حاولت إقناعه بتأمين حياته بأكثر من مليون دولار، ما دام لديه ~~أربعة أطفال، وما دام العمل يعتمد اعتمادا كبيرا على وجوده، ~~ولكنه لم يكن يتخيل الموت آنذاك؛ إذ لم يكن قد تجاوز السابعة ~~والأربعين، وظن أن الوقت لم يكن قد حان للتفكير في التأمين على ~~الحياة. ولكنه كان واثقا بأن كاثي كانت الآن تتحقق من قيمة بوليصة ~~التأمين، ولا بد أنها بدأت تتخيل الحياة دون وجوده. # كان حين يتصور قيام زوجته بوضع أمثال تلك الخطط، مفترضة وفاته، ~~كان قلبه يغلي غضبا. كانت تراوده أفكار حانقة عن رجال الشرطة ~~الذين قبضوا عليه، والسجانين الذين يحبسونه هنا، والنظام الذي ~~يسمح بهذا. كان يلوم روني، الغريب الذي أتى إلى المنزل في شارع ~~كليبورن، ولم يكن يعرفه ولم يستطع تبرير وجوده، فربما كان وجوده ~~سببا في إثارة الاشتباه فيهم جميعا، ربما «كان» روني مذنبا ~~فعلا، ربما «كان» قد ارتكب فعلا جريمة ما، وأخذ يلعن حقيبة ~~النقود التي كان ناصر يحملها. يا له من أحمق! ما كان ينبغي له ms213 أن ~~يتنقل بمثل هذا المقدار من مكان لمكان. # كاثي، زخاري، الفتيات، قد تكبر الفتيات من دون والد يرعاهن. فلو ~~نقل زيتون إلى سجن سري فلسوف تنقلب حياتهن رأسا على عقب؛ إذ سوف ~~يتحولن من بنات رجل أعمال ناجح وموسر إلى بنات يتحملن عار رجل ~~يفترض أنه العقل المدبر لخلية إرهابية كامنة. # وحتى لو خرج من السجن غدا أو في الأسبوع القادم، فلسوف يكون ~~والد الأطفال قد دخل السجن. كانت الندوب محتومة، كيف يعيشون في خوف ~~من وفاة والدهم ثم يكتشفون أنه أدخل السجن تحت تهديد السلاح، ~~وأصبح سجينا، وأرغم على أن يعيش مثل الفأر؟ # وأطبق بيديه على جنبه، ضاغطا على مصدر الألم، محاولا السيطرة ~~عليه. # الجمعة 16 من سبتمبر # أبلغ السجناء بأنهم سوف يسمح لهم بعد الغداء بالخروج من ~~الزنزانات، ولم يكن زيتون قد شاهد الشمس أسبوعا كاملا. # وخلال الساعة التي سمح لهم فيها بالتنزه في الفناء حاول زيتون ~~ممارسة رياضة الهرولة، ولكنه كان يشعر بدوار، فاكتفى بالمشي حول ~~الفناء، وكان يصغي عرضا لقصص متوالية تعبر عن الحيرة ~~والبلبلة. # قابل رجلا قال إنه كان ينقل قطع الأثاث داخل منزله بعد انقضاض ~~العاصفة مباشرة، ولمحه رجال الشرطة واقتحموا المنزل، وعندما أوضح ~~لهم براءته ضربوه وخرجوا، وبعد أيام أتى إلى محطة كلاب السباق ~~لتقديم شكوى، فقبضوا عليه وأرسلوه إلى سجن هنت. # لم تكن هذه قصة تفوق في طابعها العبثي قصة ميرلين ماتين. كان ~~أحد السجناء قد شاهد قصتها في التليفزيون، وكانت محتجزة في المبنى ~~المجاور، في سجن هنت للنساء. # كانت ماتين في الثالثة ~~والسبعين من عمرها، وتعاني من مرض السكر، وتشغل وظيفة شماسة في ~~كنيسة رسالة البعث المعمدانية. كانت قبل العاصفة قد نزلت مع زوجها ~~الذي كان في الثمانين من عمره في فندق بوسط البلد، واثقين بأنهما ~~سيكونان هناك وسط غيرهم من المقيمين والضيوف، وأنهما سوف يجدان ~~العون إذا احتاجا إليه، وأن المكان أسلم لأنه مبني فوق ربوة، ~~وصلا إلى الفندق في سيارتهما ودفعا أجرة الغرفة ببطاقة ~~الائتمان. # كانا قد قضيا ثلاثة ms214 أيام في الفندق حين هبطت ماتين إلى الطابق ~~السفلي لكي تحضر بعض الطعام من سيارتهما. كان العمدة ناجين قد طلب ~~إلى كل من في المدينة أن يجهز طعاما يكفي ثلاثة أيام، وكانت قد ~~خزنت في السيارة قدرا كافيا، حسبما قال العمدة. وكانت السيارة ~~واقفة في ساحة الانتظار المجاورة للفندق، وكانت ماتين قد وضعت في ~~السيارة ثلاجة صغيرة زاخرة بالأطعمة التي يحبها زوجها. أخذت من ~~الثلاجة بعض السجق وكانت عائدة إلى الفندق حين سمعت صراخا وأصوات ~~أقدام، كانوا رجال الشرطة الذين اتهموها بنهب ما في يدها من متجر ~~قريب. # كان محل بيع الأطعمة الشهية القريب، واسمه «ادخل واخرج»، قد ~~تعرض منذ قليل للسلب والنهب، وكان رجال الشرطة يبحثون عن أي شخص ~~يكون قد شارك في ذلك، فوجدوا ماتين، وضعوا يديها في القيود ~~الحديدية واتهموها بالسطو على مواد غذائية قيمتها 63,50 دولارا، ~~وحدد أحد القضاة تليفونيا مبلغ كفالتها بمقدار 50000 دولار، وأما ~~الكفالة المعتادة في أمثال هذه الجنح فكانت 500 دولار. # وجيء بها إلى معسكر جراي هاوند حيث نامت على الأسفلت. ثم نقلت ~~إلى معهد لويزيانا الإصلاحي للنساء، وهو السجن الشقيق لسجن هنت، ~~حيث ظلت فيه أكثر من أسبوعين، ثم أطلق سراحها أخيرا بمعاونة من ~~الجمعية الأمريكية للمتقاعدين، والمحامين الذين تطوعوا للدفاع ~~عنها، ومحام ترافع عنها بصفة شخصية، ومقال عن محنتها نشرته وكالة ~~أسوشي تد برس. # وتمكن المحامون أخيرا من إقناع أحد القضاة بأن امرأة في ~~السبعينيات من عمرها وتنزل في أحد الفنادق لن تحتاج إلى نهب السجق ~~من أحد الدكاكين، وأثبتوا أن الدكان المذكور لم يكن يبيع نوع السجق ~~الذي كانت تحمله. ولم تكن ماتين قد دخلت ذلك الدكان قط، أضف إلى ~~ذلك أن مجرد دخول الدكان المحطم، الذي تتناثر فيه الأنقاض والزجاج ~~المكسور، كان يقتضي من خفة الحركة ما لا يتوافر عند العجوز. # وفي أواخر عصر ذلك اليوم سمع زيتون مجموعة من الحراس تدخل ~~العنبر، لم يكن يستطيع أن يراهم ولكن الأصوات كانت توحي بأربعة ~~رجال أو خمسة على الأقل، ms215 وسمع ضجة انفتاح زنزانة في العنبر، وتعالت ~~صيحات الحراس وشتائمهم، وأصوات تنم عن مشاجرة من نوع ما. ثم ساد ~~الصمت بضع دقائق، وأغلقت الزنزانة من جديد، وتكرر وقوع ذلك نحو ست ~~مرات. # ثم جاء دوره. رأى وجوههم أولا، خمسة رجال على الناحية الأخرى من ~~القضبان الزرقاء، كان قد شاهد أحد الحراس من قبل، ولكن الأربعة ~~الآخرين كانوا غرباء. كانوا جميعا يلبسون أردية مكافحة الشغب ~~السوداء، كانوا يحملون دروعا، ويرتدون بطانات، ويمسكون عصيا ~~قصيرة، ويلبسون خوذات، وكانوا ينتظرون في وضع الاستعداد لفتح ~~الباب. # واعتزم زيتون ألا يبدي مقاومة، وألا يظهر بأي مظهر يوحي ~~بالمعارضة، وعندما فتح الباب كان يقف في منتصف الزنزانة، رافعا ~~يديه في الهواء، وعيناه تنظران في مستوى النظر العادي. # ولكن الرجال اقتحموا الزنزانة على الرغم من ذلك كأنه كان بصدد ~~ارتكاب جريمة قتل، وبدأ ثلاثة منهم يسبونه ويستخدمون دروعهم في ~~دفعه إلى الجدار، وأثناء ضغط وجهه في القرميد الخفيف الذي بني منه ~~الجدار، وضعوا يديه في القيود الحديدية والأصفاد في قدميه. # وأخرجوه إلى البهو، وأمسك به ثلاثة حراس، بينما انقض الآخران ~~يفتشان الزنزانة، بعثرا ما كان على السرير، وقلبا الفراش، ومشطا ~~الغرفة الصغيرة. # وفك حارسان قيود زيتون وأصفاده. # وقال أحدهما: «اخلع ملابسك.» # وتردد. لم يكن قد أعطي أي ملابس داخلية عندما وصل إلى سجن ~~هنت، فإذا خلع الأوفرول أصبح عاريا تماما. # وقال الحارس: «الآن!» # وفك زيتون السوستة وخلع القسم العلوي من الأوفرول الذي هبط إلى ~~وسطه، ثم دفع به إلى الأرض. كان يحيط به ثلاثة رجال يرتدون الزي ~~الأسود الكامل لمكافحة الشغب، حاول أن يغطي سوءته. # قال أحد الحراس: «قم بالانحناء.» # وتردد من جديد. ~~«هيا!» # فأطاع زيتون الأمر. # فقال الحارس: «زد انحناءك. المس كعبيك.» # لم يستطع زيتون أن يعرف من كان يفتشه، أو كيف يقوم بالتفتيش. ~~وتوقع إدخال شيء من فتحة المستقيم في أي لحظة. # وقال الحارس: «كفى. انهض.» # لقد أعفوه من هذه الإهانة اليوم. # ووقف زيتون، ودفع أحد الجنود بقدمه الأوفرول الذي كان زيتون ~~يرتديه داخل الزنزانة، ms216 ثم دفع زيتون فيها كذلك، وبينما كان زيتون ~~يرتدي ثيابه تراجع الحراس عنه رافعين دروعهم، ثم خرجوا من ~~الزنزانة. # وأغلق باب زيتون، وتجمع الحراس عند الزنزانة التالية، استعدادا ~~للسجين التالي. # وعرف زيتون من السجناء الآخرين أن هذا التفتيش كان شائعا، وأن ~~الحراس كانوا يبحثون عن المخدرات والأسلحة وغيرها من الممنوعات، ~~وقالوا إن عليه أن يتوقع التفتيش مرة كل أسبوع. # السبت 17 من سبتمبر # قضى زيتون في الفراش جانبا كبيرا من النهار مرهقا منهكا؛ إذ ~~لم يكن قد نام، وظل يستعرض التفتيش الذاتي في ذهنه معظم ساعات ~~الليل، محاولا أن يمحو كل ذكرى له، لكنه ما إن يغلق جفنيه حتى يرى ~~الرجال في زي مكافحة الشغب، على الجانب الآخر من باب الزنزانة، ~~ينتظرون اقتحامها واقتناصه. # كان يبدو لزيتون أنه ظل على امتداد أسابيع يختلس ساعات نعاس ~~بالنهار وسويعات بالليل، ولا يذكر آخر مرة استطاع أن يحظى فيه ~~براحة تزيد على ثلاث ساعات متوالية. # لماذا فعل هذا بأسرته؟ لقد انكسر شيء ما في البلد، لا شك في هذا، ~~ولكنه كان هو الذي بدأ كل هذا؛ إذ رفض مغادرة المدينة، ومكث فيها ~~لرعاية ممتلكاته، ولحراسة عمله. ولكن شيئا آخر غلبه، إحساس ~~قدري من لون ما. إحساس بأن الله قد وضعه هناك لينفذ مشيئة الله، ~~وليسبح بحمده بالأعمال الصالحة. # بدا له هذا الآن مدعاة للسخرية. كيف سمح لنفسه بارتكاب هذا ~~الذنب، ذنب الكبر والصلف؟ لقد ألقى بنفسه في التهلكة، وبذلك عرض ~~أسرته للخطر. كيف فاته أن يدرك أن البقاء في نيو أورلينز المدينة ~~التي تخضع لما يشبه الأحكام العرفية، سوف يعرضه للخطر؟ لم تكن ~~حكمته تقضي بهذا، ولقد أبدى الحرص فعلا سنوات طويلة؛ إذ حافظ على ~~تواضعه، وكان المواطن المثالي. لكنه في أعقاب العاصفة اعتقد أنه ~~مرسل لمساعدة المشردين، واعتقد أن ذلك القارب الملعون قد منحه ~~الحق في القيام بدور الراعي والمخلص، لقد فقد النظرة الصحيحة ~~للواقع! # كان يتوقع أكثر مما ينبغي ويرجو أكثر مما ينبغي. # كان البلد الذي تركه منذ ثلاثين عاما مكانا ms217 واقعيا، كانت فيه ~~وما زالت، حقائق سياسية تمنع الثقة العمياء، وتمنع الفرد من الظن ~~بأن كل شيء سوف ينتهي دائما على خير وجه من العدل والإنصاف. ولكنه ~~غدا يؤمن بذلك في الولايات المتحدة، فلقد وفق في مسعاه وتغلب ~~على المصاعب، اجتهد في عمله فأحرز النجاح، فالجهاز الحكومي يعمل ~~بكفاءة، وحتى لو كان هذا الجهاز يميل أحيانا إلى البطء في نيو ~~أورلينز، أو يتسم أحيانا بضعف الإدارة فإنه بصفة عامة يعمل ~~بكفاءة. # ولكن ما عاد اليوم شيء يعمل بكفاءة، أو قل إن كل جزء من أجزاء ~~هذا الجهاز - الشرطة، والجيش، والسجون - التي قصد بها حماية أشخاص ~~مثله أصبح يلتهم كل من يقترب منه. لطالما اعتقد أن الشرطة تستهدف ~~تحقيق مصالح الناس الذين تخدمهم بأفضل صورة، وأن الجيش يتحلى ~~بالمسئولية، والتعقل، والانضباط؛ بفضل دوائر متحدة المركز يزداد ~~اتساعها، وهي دوائر النظم والقوانين والمنطق السليم وحسن ~~المعاملة. # ولكن هذه الآمال يمكن أن تودع الآن مثواها الأخير. # ولم يكن هذا البلد فريدا في هذا، وليس معصوما من الخطأ؛ إذ ~~ارتكبت بعض الأخطاء، وكان هو أحدها، ففي الإطار الكبير للكفاح ~~الأعمى الجشع الذي يخوضه البلد ضد الأخطار المرئية والخفية، لا بد ~~أن تقع أخطاء؛ إذ يصبح الأبرياء قيد الاشتباه، ويزج بالأبرياء في ~~السجون. # وخطر بباله مصطلح «الصيد ~~غير المقصود»، وهو مصطلح خاص بصيد الأسماك، كانوا يستخدمونه في ~~صباه أثناء صيد السردين على ضوء المصباح الذي يحاكون به ضوء القمر؛ ~~إذ إنهم كانوا عندما يسحبون الشباك يجدون آلاف السردين، بطبيعة ~~الحال، ولكنهم كانوا يجدون مخلوقات أخرى، كائنات حية، لم يقصدوا ~~صيدها ولا نفع لها عندهم. # وكانوا كثيرا ما لا يدركون هذا إلا بعد فوات الوقت، كانوا ~~يجيئون بصيدهم إلى الشاطئ - جبل من الفضة - أعداد هائلة من السردين ~~الذي ينفق تدريجيا، وكان زيتون المنهك يستريح في مقدمة السفينة، ~~ناظرا إلى الأسماك التي يتوقف كفاحها تدريجيا، وعندما تصل ~~السفينة إلى الشاطئ، ويفرغ الصيادون شباكهم، قد يجدون شيئا آخر. ~~وذات مرة وجدوا دولفينا. لم ينس قط ذلك الدولفين؛ إذ ms218 كان حيوانا ~~رائعا ذا لون أبيض عاجي يبرق في المرفأ مثل الخزف الصيني. وحاول ~~الصيادون تحريكه بأقدامهم لكنه كان قد مات، كان قد وقع في الشباك ~~ولم يستطع تخليص نفسه للوصول إلى السطح للتنفس فمات داخل الماء، لو ~~كانوا قد لاحظوا وجوده في الوقت المناسب لأطلقوه، لكن لم يكن في ~~طوقهم الآن إلا الإلقاء به من جديد في البحر المتوسط؛ حيث يغدو ~~طعاما لكائنات القاع. # كان الألم في جنب زيتون ~~يشتد، ناشرا موجاته في جسمه، لن يكون في مقدوره أن يمكث هنا ~~أسبوعا آخر، لن يستطيع أن ينجو من انفطار فؤاده، من إدراكه للخطأ ~~المرتكب. # كان من المحال أن يتحسن حاله قبل الخروج من هذا السجن. وليس ~~بالأسلوب الذي يعامل به، لقد شاهد بعض مناطق من سجن هنت تتميز، ~~فيما يبدو، بحسن الإدارة، والنظافة، والكفاءة، فعندما وصل أول ~~الأمر وأجريت له مراسم الدخول، شاهد بعض السجناء يتنقلون في حرية ~~في الفناء الشاسع الذي يكسوه الكلأ، ولكنه كان محبوسا في زنزانته ~~ثلاثا وعشرين ساعة في اليوم من دون تسرية أو صحبة أو جمال. وكان ~~هذا المكان كفيلا بأن يصيب العاقل بالجنون، الجدران الرمادية، ~~القضبان الزرقاء، ومرات التفتيش الذاتي، والاستحمام خلف القضبان ~~تحت أعين الحراس وآلات التصوير، وافتقاد أي شيء قادر على تنبيه ~~الذهن، ولما كان عاجزا عن العمل، أو القراءة، أو البناء، أو تنشيط ~~ذهنه، فلسوف يذوي في هذا المكان. # لقد خاطر بالكثير أملا في أن ينجز شيئا يضارع منجزات أخيه ~~محمد. لا، لم يكن ذلك جزءا من دوافعه الواعية، بل لقد فعل ما ~~يستطيع في المدينة الغارقة لأنه كان موجودا فيها، وكان لا بد من ~~فعل ما فعل؛ إذ كان قادرا عليه. ولكن، ألم يكن يستشعر في باطنه ~~أملا في أن يتمكن هو الآخر من فعل ما تفخر به أسرته، والإخلاص ~~لخالقه بأن يبذل كل ما في وسعه، بأن يطوف بالمدينة باحثا عما يلوح ~~من فرص لفعل الخير؟ وهل كان هذا السجن أسلوب الخالق في وضع حد ~~لكبريائه، والحد من ms219 أحلام فخره واعتزازه؟ ~~••• # وبينما كان السجناء يستيقظون، وتعلو جعجعتهم وتهديداتهم، كان ~~زيتون يصلي، ودعا الله أن يهب أسرته الصحة والعافية، وأن يبث في ~~قلوب أفرادها الطمأنينة، ثم دعا الله أن يرسل رسولا، لم يكن يحتاج ~~إلا إلى رسول، شخص يبلغ زوجته أنه على قيد الحياة، شخص يربطه بذلك ~~الجانب الذي لم يتعطل في هذا العالم. # الأحد 18 من سبتمبر # كان زيتون قد قضى الصباح في نعاس متقطع، يغلبه الدوار والتراخي ~~بسبب الحر الشديد، وكان عرقه يبلل الأفرول البرتقالي الذي ينضح به، ~~وسمع إعلانا بأنهم سوف يسمح لهم بالخروج للمشي قليلا بعد ~~الغداء، ولكنه لم يكن متأكدا من أنه قادر على الوقوف ناهيك ~~بالمشي. # كان يشعر بخيبة أمل في نفسه، كان جانب من ذاته قد استسلم، ~~والجانب الذي لا يزال مؤمنا يبدو منفصلا عن النصف المنكسر في ~~ذاته، لا يكاد يصدق انكساره . # وترددت أصداء عجلات عربة الممرضة في البهو، لم يكن لديه ما يجعله ~~يتصور أنها سوف تساعده، لكنه وقف وتأهب لاستعطافها من جديد، لكنه ~~عندما نظر إلى البهو لم يجد الممرضة، بل رأى رجلا لم يره من قبل ~~قط. # كان الرجل يدفع عربة عليها كتب سوداء، وكان قد وقف على مبعدة عدة ~~زنزانات من زنزانة زيتون. كان يتحدث إلى أي سجين يجده، وظل زيتون ~~يراقبه، غير قادر على سماع المحادثة، كان الرجل أسود البشرة، في ~~الستينيات من عمره، وكانت مشاهدته وهو يتفاهم مع السجناء على ~~امتداد صف الزنزانات تقطع بأنه من رجال الدين، وكانت الكتب التي ~~يجرها في العربة نسخا من الكتاب المقدس. # وعندما انتهى من محادثته ومر بزنزانة زيتون، استوقفه زيتون ~~قائلا: «من فضلك! مرحبا بك!» # ورد رجل التبشير قائلا: «مرحبا!» كانت عيناه لوزيتين، وله بسمة ~~عريضة، ثم قال: «هل تود أن تسمع شيئا عن يسوع المسيح؟» # واعتذر زيتون قائلا: «من فضلك يا سيدي، من فضلك، أنا لا ينبغي ~~أن أكون هنا؛ إذ لم أرتكب أي جرائم، ولكن لا يعرف أحد أنني هنا. لم ~~يسمح لي بإجراء مكالمة تليفونية. ms220 وتظن زوجتي أنني ميت. هل يمكنك ~~الاتصال بها؟» # وأغلق رجل التبشير عينيه، كان من الواضح أنه كان كثيرا ما يسمع ~~أقوالا كهذه. # قال زيتون: «أرجوك. أعرف ~~صعوبة تصديق رجل في قفص، ولكن أرجوك. هل تسمح لي بأن أعطيك رقم ~~تليفونها وحسب.» لم يكن زيتون يتذكر غير رقم تليفونها الخلوي، وكان ~~يأمل أن تنجح المحاولة. ونظر رجل التبشير في أرجاء البهو ثم أومأ ~~قائلا: «أسرع.» # وقال زيتون: «شكرا، اسمها كاثي، وهي زوجتي، ولدينا أربعة ~~أطفال.» # لم يكن لدى زيتون قلم ولا ورق. # وقال رجل التبشير: «هذا ضد القواعد!» وهو يلتقط قلما من عربته، ~~لم تكن معه أوراق، وظهر التوتر على كليهما آنذاك؛ إذ كان رجل ~~التبشير قد قضى وقتا أطول مما ينبغي أمام زنزانته، ففتح نسخة من ~~نسخ الكتاب المقدس وانتزع ورقة من آخرها، وأملاه زيتون الرقم، ودس ~~رجل التبشير الورقة في جيبه، ودفع عربته بسرعة في بهو ~~العنبر. # وأشرق الأمل في نفس زيتون. لم يستطع الجلوس ساعات متوالية، بل ظل ~~يسير رائحا غاديا ويتواثب في مكانه، وقد غمره الفرح، ورسم في ~~خياله صورة رجل التبشير وهو يغادر السجن ويذهب إلى سيارته ويأخذ ~~الرقم من جيبه ويطلب كاثي في الطريق. وربما انتظر حتى يعود إلى ~~المنزل. كم يستغرق ذلك من الزمن؟ كان يعد الدقائق التي ستمضي قبل ~~أن تعرف كاثي. لسوف تعرف! حاول أن يحسب الساعات التي ستستغرقها ~~كاثي حتى تصل هنا لتطلق سراحه. لو عرفت أنه حي لاستطاع الانتظار. ~~كان يدرك أن هذه الخطوات قد تتطلب أياما، لكنه يستطيع الانتظار ما ~~دام سوف يراها، لن تكون في ذلك مشكلة. وصور لنفسه كل شيء، لسوف ~~يطلق سراحه في غضون يوم واحد. # وحاول زيتون أن ينام تلك الليلة. إن رجلا واحدا في هذه الدنيا ~~يعرف أنه على قيد الحياة، لقد وجد الرسول الذي كان ينشده. # الإثنين 19 من سبتمبر # بعد الإفطار أتى حارسان إلى زنزانة زيتون وقالا له إن حضوره ~~مطلوب. # وسأل زيتون: «أين؟ مع من؟» وقال في نفسه: «لقد بدأنا بالفعل!» ms221 # لم يخبره الحارسان بشيء، فتحا زنزانته ووضعا يديه في القيود ~~وقدميه في الأصفاد، واقتاداه إلى خارج الزنزانة وسارا به في البهو. ~~وبعد بضع دقائق وصلا إلى زنزانة أخرى أدخلا زيتون فيها حيث انتظر ~~خمس دقائق حتى فتح الباب مرة أخرى. # وقال الحارس: «الشاحنة هنا.» ثم سلمه إلى حارس آخر سار معه فى ~~بهو آخر حتى وصلا إلى بوابة أخيرة، وفتحت البوابة واقتيد زيتون ~~إلى شاحنة بيضاء واقفة خارجها، وأغشى عينيه ضوء النهار الساطع، ~~وأدخل الشاحنة والحارس يركب معه، وسارت بهما الشاحنة في أرجاء ~~المجمع حتى وصلا إلى المكاتب الرئيسة في مقدمة المجمع. # أخرج زيتون من الشاحنة وتسلمه حارس آخر اقتاده إلى داخل المبنى؛ ~~حيث سارا في بهو رائع حتى وصلا إلى مكتب رمادي الجدران ملحق ~~بالمجمع. # وشاهد خارج المكتب ناصرا وتود وروني جالسين على كراسي من النوع ~~الذي يطوى في البهو، فاندهش لمشاهدتهم مجتمعين، وتبادل معهم نظرات ~~الحيرة، وسيق زيتون أمامهم حتى أدخل غرفة صغيرة. # كان في الغرفة رجلان يرتديان الحلل، فجلسا وأومآ إلى زيتون أن ~~يجلس. قالا إنهما يعملان في وزارة الأمن الداخلي، وابتسما ابتسامة ~~ودودة لزيتون، وقالا إنهما يريدان أن يطرحا عليه بعض الأسئلة ~~البسيطة. سألاه عن عمله الذي يعيش منه، فقال إنه يعمل بالمقاولات ~~وطلاء المنازل. ثم سألاه عما حدا به إلى البقاء في المدينة بينما ~~أجلي الجميع منها، فقال إنه لم يرحل قط عن نيو أورلينز في أثناء ~~العواصف، وإنه يمتلك عددا من العقارات يريد أن يرعاها. وسألاه عن ~~تود وناصر وروني، وكيف عرفهم، فأوضح علاقته بكل منهم، وسألاه عن ~~سبب عدم حمله أي نقود. # وقال زيتون: «وماذا عسى أن أفعل بالنقود في قارب أثناء ~~الفيضان؟!» # فقال أحدهما: «ولكن ناصرا كان يحمل نقودا.» # وهز زيتون كتفيه؛ لم يكن يستطيع إيضاح سبب حمل ناصر ~~للمال. # واستغرقت المقابلة أقل من ثلاثين دقيقة، وراع زيتون ما لمسه من ~~ود الرجلين ومن سهولة الأسئلة. لم يسألاه عن الإرهاب، ولم يتهماه ~~بالتآمر ضد الولايات المتحدة. وفي نهاية المقابلة اعتذرا لزيتون ~~عما ms222 حدث له، وسألاه إن كان يريدهما أن يفعلا شيئا من أجله. # قال زيتون: «أرجوكما اتصلا بكاثي!» # فقالا إنهما سوف يتصلان. # الإثنين 19 من سبتمبر # كانت كاثي بالغة التوتر، لم يكن قد مضى على مكالمة رجل التبشير ~~غير ساعات معدودة، وها هو ذا التليفون يرن من جديد. وأما يوكو التي ~~ظلت تتلقى المكالمات أياما متوالية فلم تعد تعرف ما ينبغي أن ~~تفعل، والتقطت كاثي التليفون. # كان الصوت صوت رجل يقول إنه ينتمي إلى وزارة الأمن الداخلي. وأكد ~~لكاثي أن «زيتون» في سجن إلين هنت. ~~- «إنه بخير يا سيدتي. لم يعد يهمنا أمره!» ~~- «لم يعد يهمكم أمره؟ أذلك حسن أم سيئ؟» ~~- «حسن يا سيدتي.» ~~- «إذن بأي تهمة دخل السجن؟» ~~- «لدينا تهمة «السلب والنهب» على بيان القبض عليه. ولكن هذه ~~التهم سوف تسقط.» # كانت المكالمة قصيرة ويغلب ~~عليها الطابع العملي. وعندما أقفلت كاثي التليفون، أخذت تحمد الله ~~وتشكره على رحمته، وجعلت يوكو تصرخ وتتواثب مع كاثي في أرجاء ~~المنزل. # وقالت يوكو: «كنت أعرف أنه حي، كنت واثقة.» # وظلتا ترددان: «ربنا كريم! ربنا كريم!» # واتصلتا بزوج يوكو، واعتزمتا إخراج الأطفال مبكرا من المدرسة. ~~كان لا بد أن يحتفل الجميع، ولا بد من تحديد الخطوات التالية. كانت ~~أمامهما مهام كثيرة. # كان على كاثي أولا أن ~~تذهب. كانت تعرف أن عليها أن تذهب إلى السجن في ذلك اليوم نفسه، لم ~~تكن تعرف موقعه إلى الآن ولكن عليها أن تذهب. أين كان ذلك السجن؟ ~~وبحثت عنه في الإنترنت، حتى وجدته. سانت جابريل، على مسيرة أقل من ~~ساعة من باتون روج. # واتصلت بسجن هنت وظلت تتنقل ما بين الخطوط الأتوماتيكية حتى ~~جاءها صوت بشري. أحست بأنها لا تكاد تقوى على الكلام. كانت تريد أن ~~تطير في التليفون حتى تكون إلى جانبه. ~~«أحاول الاتصال بزوجي. إنه لديكم.» # وسألتها المرأة: «ما اسم السجين؟» # واضطرت كاثي إلى التقاط أنفاسها، فلم تكن تسيغ الإشارة إلى زوجها ~~بلفظ السجين، وإذا ذكرت اسمه فإنها سوف توسع نطاق هذه الأكذوبة، ~~تلك التي يرددها كل من ms223 تسبب في حبسه إلى هذه اللحظة. # قالت كاثي: «عبد الرحمن زيتون.» وأملت الحروف حرفا ~~حرفا. # وسمعت كاثي صوت الضرب على مفاتيح الكمبيوتر. # ثم قالت المرأة: «ليس هنا!» # فأعادت كاثي هجاء الاسم. # وسمعت من جديد صوت مفاتيح الكمبيوتر. # وقالت المرأة من جديد: «ليس لدينا أحد بهذا الاسم!» # وحاولت كاثي الاحتفاظ بهدوئها، فقالت للمرأة إنها تلقت لتوها ~~مكالمة من أحد العاملين بوزارة الأمن الداخلي، وإن ذلك الرجل ~~أخبرها أن عبد الرحمن زيتون موجود في ذلك السجن نفسه. # وقالت المرأة: «ليس اسمه في سجلاتنا.» ثم أضافت قائلة: إن سجلات ~~سجن هنت تخلو من جميع أسماء الذين دخلوه بسبب الإعصار، كما لا ~~تتضمن نظم الكمبيوتر في هذا السجن أسماء سجناء من نيو أورلينز، ~~واختتمت إيضاحها قائلة: «جميع هذه السجلات ورقية، وليست لدينا هذه ~~الأوراق، ليست لدينا أي سجلات لهؤلاء الأشخاص، فهم تابعون للوكالة ~~الفيدرالية لإدارة الطوارئ.» # كادت كاثي تنهار؛ إذ أحست بالدنيا تدور من حولها، وبأنها لا حول ~~لها ولا قوة، لم يكن لديها رقم تليفون الرجل الذي اتصل بها من ~~وزارة الأمن الداخلي، وشتمت نفسها لأنها لم تطلب منه أن يبين لها ~~سبيل الاتصال به. وها هي ذي تسمع أن زوجها ليس في المؤسسة التي قال ~~رجل الوزارة ورجل التبشير إنهما شاهداه فيها. هل كان ذلك نوعا من ~~التلاعب؟ هل دخل زوجها السجن أصلا؟ ربما دخل ثم نقل، أي إنه كان ~~سجينا في سجن هنت ثم طلبته هيئة أخرى بعد ذلك، وعندها نقلوه في ~~الخفاء إلى سجن سري في مكان ما. # قالت لنفسها إن عليها أن تذهب، أن تقصد سجن هنت وتصر على ~~مقابلته؛ إذ كان من حقها أن تقابله، فإن لم يكن هناك فسوف تطالبهم ~~بإخبارها بالمكان الذي نقل إليه. لم يكن أمامها سوى ذلك. # ذكرت ليوكو وأحمد أنها ذاهبة. # وسألاها: «إلى أين؟» # قالت: «إلى هنت. السجن.» # سألاها إن كانت واثقة من وجوده فيه، فقالت إنها ليست واثقة، ~~سألاها إن كانت واثقة بأنه سوف يسمح لها بالزيارة، فقالت إنها ~~ليست واثقة، فسألاها ms224 عن المكان الذي سوف تقيم فيه، وقالت إنها لا ~~تعرف، وعادت إلى البكاء من جديد، لم تكن تعرف الخطوة التي كان ~~عليها أن تخطوها. # نجحا في إقناعها بالبقاء في فينيكس مؤقتا حتى تتأكد من مكان ~~وجود زيتون، وكيف تستطيع في الواقع مساعدته، وقالا إن عليها أن ~~تتحلى بالذكاء، فلم يكونا يريدان القلق عليها هي الأخرى. # واتصلت كاثي بالمحامي رالي أولماير، الذي سبق لهما التعامل معه؛ ~~إذ ساعد رالي بعض عمال زيتون على توفيق أوضاعهم بعد التعرض لمتاعب ~~قانونية. وكان والد رالي من مشاهير المحامين ذوي النفوذ في نيو ~~أورلينز، ولكن رالي اختار، على الرغم من بقائه في مكتب الأسرة، أن ~~ينفصل عنه، على الأقل في مظهره، فكان يطيل شعر رأسه البني، وعادة ~~ما يعقده خلف رأسه في شكل ذيل حصان. وكان يعمل في وسط المدينة ~~ويترافع في شتى القضايا، من مخالفات المرور إلى القضايا الجنائية، ~~وكانت كاثي واثقة بأنه يعرف كيف يسوي موضوع سجن هنت هذا. # ولم يرد أحد على التليفون فتركت رسالة. # واتصلت كاثي بأحمد في إسبانيا وأيقظته من النوم. لم يقلقه ~~ذلك. # قالت: «إنه حي يرزق!» # وانطلقت تردد عبارات: الحمد لله والشكر لله بأعلى صوت. # وسألها: «وأين هو الآن؟ معك؟» # قالت كاثي: «لا، إنه في السجن. ولكن لا بأس. أعرف مكانه وسوف ~~نخرجه منه.» # وصمت أحمد، واستطاعت كاثي أن تسمع أنفاسه. # وسألها: «كيف؟ كيف تخرجونه من السجن؟» # لم تكن كاثي قد وضعت بعد أي خطة، ولكن كان لديها ذلك المحامي، ~~واتصلت به، فقال أحمد: «لا بد أن تذهبي إليه. لا بد أن تقابليه ~~وتخرجيه. لا بد من ذلك!» # وشعرت كاثي بالقلق من نبرات أحمد، كان يبدو أن سجن زيتون أقلقه ~~مثلما أقلقه اختفاؤه سواء بسواء. # واتصلت فايزة، أخت زيتون في جبلة، بعد وقت قصير. # وأخبرتها كاثي بالأخبار الطيبة: «نعرف مكان وجوده. إنه في السجن. ~~وهو بخير.» # ومرت فترة صمت طويلة أخرى. # سألتها فايزة: «هل قابلته؟» # وقالت كاثي إنها لم تقابله، ولكنها كانت واثقة بأنها سرعان ما ~~تقابله. # وقالت ms225 فايزة: «لا بد أن تقابليه. لا بد أن تعثري عليه.» # واتصل رالي أولماير بعد الظهر بكاثي، قال إنه فر من المدينة ~~قبيل العاصفة، وإنه يقيم الآن في باتون روج، وإن منزله في نيو ~~أورلينز تغمره المياه إلى ارتفاع ست أقدام. # وأخبرته كاثي بما حدث لزيتون. # وقال رالي: «ماذا؟ لقد شاهدته منذ قليل في التليفزيون.» كان قد ~~شاهد نشرة الأخبار المحلية التي ظهر فيها زيتون في قاربه. # أخبرته كاثي بالمكالمتين اللتين تلقتهما من رجل التبشير ~~والمسئولين بوزارة الأمن الداخلي، وكيف قابلاه في سجن ~~هنت. # وطمأنها رالي لأنه كان يعرف من قبل قصة ما حدث في سجن هنت؛ إذ ~~كان قد أنشأ بعد العاصفة مكتبا مؤقتا في باتون روج، وكان يعمل ~~فعلا مع السجناء الذين جيء بهم إلى ذلك السجن. # قال إن النظام القضائي انهار؛ فلم تكن أمامه وسيلة للإفراج عنه ~~بكفالة، وإن إصلاح الخطأ سوف يستغرق بعض الوقت، ووعدها رالي بأنه ~~سوف يخرج زيتون من السجن، وإن لم يستطع أن يتنبأ ولا أن يضمن حدا ~~زمنيا معينا بسبب الأحوال الراهنة للمحاكم، إن كانت لديهم محاكم ~~تذكر. # الثلاثاء 20 من سبتمبر # في الصباح اتصل أحمد بكاثي. # سألها: «هل قلت لفايزة إن عبد الرحمن في السجن؟» # كانت نبراته تدل على التوتر الشديد. # قالت كاثي: «نعم. سألتني وأنا ...» # فقال: «لا لا!» ثم تلطف قائلا: «ينبغي ألا نقول ذلك. لا تثيري ~~قلقهم. لا نستطيع أن نقول لهم إنه في السجن. لا نستطيع ~~ذلك.» # فقالت: «لا بأس ولكني كنت أظن ...» ~~- «سوف نتصل بهم ونقول لهم إنه بخير، وإنه في بيته، وإنها كانت ~~غلطة. موافقة؟ علينا أن نقول لهم ذلك. أنت لا تفهمين مقدار القلق ~~لديهم لو تصوروا أنه في السجن!» ~~- «لا بأس. هل ينبغي لي أن ...» ~~- «بل سوف أتصل أنا بهم وأقول لهم إنه بخير. وإذا اتصلوا بك ~~فقولي لهم هذا نفسه. إنه في بيته، ينعم بالسلامة، وكل شيء على ما ~~يرام. قولي إنك أخطأت. موافقة؟ هذا هو ما سوف نقوله لهم. ~~موافقة؟» # وردت كاثي: «حسنا.» ms226 # وكان أحمد يريد أن يعرف اسم السجن الذي نزل فيه أخوه، قالت له ~~كاثي إنه في سانت جابريل، ولكن لما كان النظام منهارا فلا بد من ~~مرور بعض الوقت قبل أن يراودهم مجرد الأمل في إخراجه، وإن كانت قد ~~اتصلت بأحد المحامين وكلفته بأن يتولى القضية، وأن المسألة كانت ~~مسألة وقت لا أكثر. # ولكن تفكير أحمد كان يتجاوز المسائل البسيطة الخاصة بالمحامين ~~والإفراج بكفالة؛ إذ لم يكن يريد أن يكون أخوه في السجن على ~~الإطلاق، سوري في سجن أمريكي في عام 2005؟ لم تكن هذه مسألة ~~يستهان بها. كان لا بد من مقابلة عبد الرحمن، ولا بد من إطلاق ~~سراحه فورا! # وفي المرة التالية التي فحصت فيها كاثي بريدها الإلكتروني وجدت ~~رسالة من أحمد، نقلت إليها أيضا، كان أحمد يحاول العثور على ~~زيتون، لكنه لم يجد المدينة الصحيحة. كان قد أجرى بحثا بالإنترنت ~~عن سانت جابريل في الولايات المتحدة، ووجد مكانا بهذا الاسم، وكتب ~~ما يلي: # من: الربان زيتون # إلى: أكوستا، أليكس # الموضوع: عاجل من إسبانيا # إدارة شرطة سانت جابريل، كاليفورنيا # أيها السادة # اسمي: أحمد زيتون، من إسبانيا. # السبب: أبحث عن أخي (الذي أجلي من نيو أورلينز بسبب ~~إعصار كاترينا). في 7 من سبتمبر، فقدت الاتصال بأخي، بعد ~~أن كنا نتكلم كل يوم بالتليفون بعد إعصار كاترينا. وسألت ~~في كل مكان للحصول على أخبار عنه، وأخيرا علمت أن الشرطة ~~أخذته من منزله يوم 6 من سبتمبر في نيو أورلينز، وأودعته ~~في سانت جابريل، وهو لا يزال فعلا مقبوضا عليه في سانت ~~جابريل. # أرجوكم أن تتكرموا بإخباري إن كان بخير، وإن كان من ~~الممكن أن أحادثه، أو اتصلوا بي في مكالمة على حسابي ~~بتليفون رقم [الرقم محذوف]. # تفاصيل بيانات أخي هي: # الاسم: عبد الرحمن زيتون. # تاريخ الميلاد: 24 / 10 / 1957. # العنوان: 4649 شارع دارت. نيو أورلينز. لوس ~~أنجلوس. # سأكون بالغ الامتنان لكم لو تكرمتم وأخبرتموني أنه ~~بخير. # مع جزيل الشكر. # أحمد زيتون # مالقة، إسبانيا # وبدأت كاثي تنظر إلى الوضع من عيني أحمد. ماذا ms227 تكون عليه الحال ~~لو أن وكلاء النيابة حاولوا، أملا في تبرير حبس زيتون، بناء تهمة ~~ضده؟ كأن تكون له صلة ما مهما تكن هزيلة ببعض الأنشطة الإرهابية؟ ~~إن أي صلة، بغض النظر عن زيفها، قد تستخدم لتبرير حبسه وإطالة ~~مدته. # لم تكن كاثي تريد أن يسير تفكيرها في هذا الاتجاه. # الخميس 22 من سبتمبر # اتصلت بالمحامي رالي أولماير مرة أخرى. كان قد اتصل لتوه بسجن ~~هنت، وأكدوا له صحة وجود زيتون فيه. # اتصلت كاثي بأحمد وأبلغته بالخبر. # وسألها: «نعم، ولكن هل شاهده أحد بعد؟» # قالت: «لا.» # قال: «إذن لا نستطيع التأكد.» ~~«اسمع يا أحمد. أنا واثقة بأن ...» # فقال: «لا بد أن تذهبي. أرجوك يا كاثي.» # واعتذر لها؛ إذ كان يعرف أنه يضغط عليها بشدة، وأنه يتصل بكاثي ~~مرات أكثر مما ينبغي، ولكن ذهنه كان حافلا بصورة أخيه، راكعا على ~~ركبتيه في أوفرول برتقالي، داخل قفص في الهواء الطلق. كانت كل ساعة ~~تمر على زيتون في محبسه تزيد من احتمال وقوع ما يزيد الحال ~~سوءا. # قال: «سأركب الطائرة إلى نيو أورلينز.» # فسألته كاثي: «وماذا تفعل؟» # قال لها: «سوف أبحث عنه.» # فقالت: «لا لا أرجوك. سيدخلونك السجن أنت أيضا!» # الجمعة 23 من سبتمبر # كان رالي قد أصبح الآن يعرف بعض القضاة والإداريين الذين ينظرون ~~في حالات السجناء الذين اعتقلوا بعد العاصفة وغدوا محتجزين في سجن ~~هنت. كان رالي يطمح في إسقاط تهمة زيتون، فقال لكاثي إن الوقت قد ~~حان لها كي تذهب إلى باتون روج، وقال إنها يمكن أن تذهب بالطائرة ~~إلى تلك المدينة وتتهيأ للذهاب إلى السجن في أي لحظة، ومن المحتمل ~~أن تستطيع مقابلته يوم الإثنين، وحجزت كاثي مقعدا لها على ~~الطائرة، واتصلت بعدنان قريب زيتون. # وسألها في تردد: «عبد الرحمن؟» # قالت: «إنه بخير.» # وتنفس الصعداء، وأخبرته بقصة حبس زوجها، وبأنها قادمة لإخراجه من ~~السجن. # قال عدنان: «ستقيمين معنا!» كان قد قضى مع زوجته ذلك الأسبوع ~~الأول وهما ينامان على الأرض في أحد مساجد باتون روج، ثم استأجرا ~~شقة لمدة ms228 شهر ويقيمان فيها الآن. # وقال عدنان إنه سوف يقابلها في المطار، ويتولى توصيلها إلى ~~السجن. # الأحد 25 من سبتمبر # كانت كاثي تشعر بأن الطائرة في مشكلة من نوع ما؛ إذ كانت تطير ~~على ارتفاع جد منخفض وتهبط بسرعة أكبر مما ينبغي، بل إنها كانت ~~واثقة بأنها سوف تصطدم بالأرض وتتحطم، ما عادت تثق في شيء يتعلق ~~بنيو أورلينز، ولو في السماء من فوقها. وقبضت بشدة على مساند ~~الكرسي، وجالت ببصرها لترى إن كان أحد غيرها أفزعه ما يجري؛ وإذ ~~بصوت قائد الطائرة يأتيها على الإنتركوم، قائلا إنهم يطيرون على ~~ارتفاع منخفض فوق المدينة، حتى يتمكن الركاب من مشاهدة ما أصابها ~~من أضرار، ولكن كاثي لم تستطع أن تنظر! # وعندما هبطت الطائرة، كان المطار مقفرا. كان فيه رجال أمن ~~المطار، وبعض رجال شرطة نيو أورلينز، ورجال الحرس الوطني، وعدد ~~محدود من المدنيين. كان يبدو أن ركاب الطائرة مع كاثي كانوا ~~الأشخاص الوحيدين في المبنى. كانت جميع المحال التجارية مغلقة، ~~والأضواء خافتة. وكانت الأنقاض متناثرة فوق الأرض في كل مكان، من ~~القمامة، إلى الأوراق، والأربطة، وغيرها من المعدات الطبية. # واستقبلها عدنان وأوصلها بالسيارة إلى الشقة التي استأجرها هو ~~وعبير في باتون روج. وكانت كاثي قد غلبها التعب والإرهاق فنامت حتى ~~دون أن تخلع حذاءها. # الإثنين 26 من سبتمبر # لم يكن زيتون يدري بشيء عن الجهود التي كانت كاثي تبذلها مع ~~رالي؛ إذ لم يكن قد سمح له بعد بإجراء مكالمات تليفونية، كل ما ~~كان يدريه هو أن رجل التبشير ورجال وزارة الأمن الداخلي قد أكدوا ~~له أنهم سوف يتصلون بزوجته، ولكنه لم يسمع منذ ذلك الحين ما يؤكد ~~وقوع الاتصال فعلا. # وبعد الغداء، أخرج زيتون من زنزانته وقيدت يداه مرة أخرى، ~~واقتيد إلى المبنى نفسه بالقرب من بوابة السجن الأمامية. وعندما ~~دخل المبنى سيق إلى غرفة رمادية صغيرة وضعت فيها منضدة ورتبت فيها ~~بضعة كراسي. وكان يجلس على أحد جانبي المنضدة رجل في أواخر ~~الخمسينيات من عمره، ويلبس حلة كاملة، وعلى الجانب ms229 الآخر يجلس ~~رجلان يرتديان معاطف وأربطة عنق. وكان ثلاثة من السجناء الآخرين ~~يجلسون على بعض المقاعد في مؤخرة الغرفة. كانت قاعة محكمة من نوع ~~ما. # وتقدم شاب إلى زيتون قائلا إنه المحامي العام، وإنه موكل ~~للدفاع عن زيتون في ذلك اليوم. وبدأ زيتون في شرح قضيته، والأخطاء ~~التي أفضت به إلى السجن، مطالبا بإجراء اتصال تليفوني بزوجته. ~~وأغلق المحامي العام عينيه للإشارة إلى وجوب التزام الصمت من جانب ~~زيتون. # قال المحامي: «لست هنا لمحاكمتك، فليست هذه سوى جلسة استماع ~~لتحديد الكفالة!» ~~- «لكن ألا تريد أن ...» # وقال الشاب: «أرجوك. التزم الصمت وحسب، دعني أتولى عنك الكلام. ~~اجلس وحسب هادئا إن استطعت. لا تتفوه بكلمة واحدة.» # وقرئت التهم الموجهة إلى زيتون: حيازة مسروقات قيمتها 500 ~~دولار. واقترح وكيل النيابة تحديد الكفالة بمبلغ 150000 ~~دولار. # ورد المحامي عليه قائلا: إن زيتون ليست له سوابق، وإن مقدار ~~الكفالة يجب أن يكون أقل كثيرا، واقترح أن يكون 35000 ~~دولار. # وقرر القاضي أن تكون الكفالة 75000 دولار، وكان هذا آخر ما سمعه ~~زيتون؛ إذ مد المحامي يده إليه فصافحها زيتون. واقتيد إلى خارج ~~الغرفة أثناء قيام المحامي بفتح ملف السجين التالي. وفي طريق ~~الخروج، طلب زيتون مرة أخرى إجراء مكالمة تليفونية، وهز المحامي ~~كتفيه. # وسأل زيتون: «ولماذا يحددون الكفالة وأنا لا أستطيع أن أقول لأحد ~~إني في السجن؟» # ولكنه لم يتلق إجابة من القاضي أو وكيل النيابة أو المحامي. ~~وأعيد زيتون من جديد إلى زنزانته. # الثلاثاء 27 من سبتمبر # اتصل رالي بكاثي. # قال: «اطمئني. نجحوا أخيرا في تشغيل أحد النظم، وحددوا لنا ~~موعدا في المحكمة. فهم يريدون إخلاء سجل المحكمة من القضايا بقدر ~~ما نريده نحن أن يخرج من السجن. وعليك إذن أن تجمعي أكبر قدر ~~تستطيعين جمعه من الناس حتى يحضروا إلى المحكمة للشهادة في صالحه. ~~وهو ما يسمى «الشهود على الشخصية».» # رأت كاثي أن ذلك أمر معقول، وكانت المهمة واضحة؛ فشرعت في ~~تنفيذها فورا، ولكنها أدركت أثناء إعداد قائمة الأصدقاء أنها نسيت ~~أن تسأل ms230 رالي عن مكان المحكمة، أعادت الاتصال به لكنها سمعت ~~الرسالة المسجلة. # واتصلت بمكتب وكيل نيابة نيو أورلينز، فجاءها صوت مسجل أعطاها ~~رقما في باتون روج، فاتصلت بذلك الرقم متوقعة أن تسمع رسالة ~~مسجلة، ولكن امرأة ردت على التليفون بعد الرنة الثانية؛ مما أدهش ~~كاثي. وسألتها كاثي عن عنوان المحكمة. # قالت المرأة: «ليس لدينا الآن هذا العنوان.» # وقالت كاثي: «ماذا؟ كل ما أريده هو عنوان المحكمة التي تعقد فيها ~~الجلسات، الجلسات الخاصة بنزلاء سجن هنت؟ لا أريد إلا عنوان ~~المحكمة.» # فقالت المرأة: «ليس لدينا إحدى هذه.» ~~- «تعنين إحدى المحاكم؟» ~~- «نعم.» ~~- «وأين يدفع الناس غرامة المخالفات؟» # فقالت المرأة: «لا أحد يدفع غرامات مخالفات الآن.» # وطلبت كاثي أن تتحدث مع أحد رؤسائها. # فقامت المرأة بتحويل المكالمة، ورفع السماعة رجل هذه المرة. ~~وأوضحت كاثي أنها قد سمعت لتوها نبأ القبض على زوجها، وأنه قد حدد ~~له موعد في المحكمة، وأنها كانت تريد أن تعرف وحسب مكان عقد جلسات ~~تلك المحكمة. # وقال الرجل : «آه! لا نستطيع إطلاعك على هذا.» ~~- «ماذا؟ لا تستطيع إطلاعي!» # وقال: «نعم. إنها معلومات لأصحاب الامتياز.» ~~- «ومن أصحاب الامتياز؟ إنني زوجته!» ~~- «آسف! إنها معلومات خاصة.» # وصرخت كاثي قائلة: «ليست خاصة بل عامة! هذه هي المسألة! إنها ~~محكمة علنية عامة!» وطلبت أن تتحدث مع شخص آخر لديه مزيد من ~~المعلومات، وتأوه الرجل وطلب منها الانتظار. # وأخيرا جاء الشخص الآخر، وكان امرأة هذه المرة، للرد على ~~التليفون. # وسألتها: «ماذا تريدين؟» # وتماسكت كاثي، وكانت تأمل أن يكون المسئولان الأولان قد أساءا ~~الاستماع إليها. قالت: «أريد أن أعرف مكان المحكمة. المحكمة التي ~~سوف تصدر فيها الأحكام وتعقد جلسات تحديد قيمة الكفالة.» # وجاءت نبرات المرأة منتظمة حازمة: «هذه معلومات خاصة.» # وانهارت كاثي. أخذت تولول وتصرخ. ما بال هؤلاء؟ كيف تكون واثقة ~~من قرب زوجها منها إلى هذا الحد، ثم تتسبب الطبقات المتراكمة من ~~البيروقراطية وضعف الأداء في فصلها عنه؟ كان ذلك أكبر مما تحتمل. ~~وأخذت تبكي إحباطا وغضبا. كانت تشعر كأنما تشهد طفلا يغرق دون ~~أن تتمكن ms231 من أن تفعل أي شيء لإنقاذه. # وعندما تمالكت نفسها اتصلت بقناة «سي إن إن» ~~التليفزيونية. # وتمكنت من الحديث مع أحد المخرجين وقصت عليه قصة حبس زوجها، ~~والمكالمة التي تلقتها من وزارة الأمن الداخلي، والعرقلة التي ~~تتعرض لها، والمحاكم التي تكاد تكون وهمية. وقال المخرج إنه سوف ~~يقوم بالتحقيق، وحصل على رقم تليفون كاثي. # وعاد رالي للاتصال، واعتذر، قال إنه أصبح يعرف مكان انعقاد ~~الجلسة في سجن هنت نفسه، وقال لكاثي أن تتصل بكل من تستطيع ~~الاتصال به، وتطلب منهم الحضور إلى سجن هنت في اليوم التالي، في ~~التاسعة صباحا. # وقال: «سأحاول أن أقابل زيتون اليوم.» # ودعت الله كاثي أن يتمكن من ذلك. # وبدأت كاثي الاتصال بالأصدقاء والجيران والعملاء، وفي غضون ~~ساعتين كانت قد ضمنت حضور ما لا يقل عن سبعة أشخاص أكدوا اعتزامهم ~~ذلك، وكان من بينهم مدير مدرسة بناتها. # واستدعي زيتون مرة أخرى من زنزانته لحضور اجتماع. وضعت يداه ~~في القيود وقدماه في الأصفاد وسيق به من جديد إلى الشاحنة البيضاء. ~~وسارت به الشاحنة إلى مقدمة مجمع السجن، ثم اقتيد إلى غرفة رمادية ~~صغيرة أخرى، شاهد فيها رالي المحامي، أول ممثل للعالم الخارجي ~~يقابله منذ القبض عليه. # وابتسم، وتصافحا بحرارة. # وقال زيتون: «أريد أن أخرج.» # فقال رالي: «عليك أن تدفع حتى تخرج.» ثم تنهد رالي زافرا زفرة ~~عميقة وقال: «لدينا مشكلة في دفع الكفالة.» # كان أمام زيتون خياران: كان عليه إما أن يجد ويدفع مبلغ 75000 ~~دولار، فإذا كسب القضية آخر الأمر أعيد إليه المبلغ كاملا، وإما ~~أن يدفع نسبة ثلاثة عشر في المائة من مقدار الكفالة إلى المحاكم، ~~وثلاثة في المائة إلى الكفيل - أي ما يبلغ مجموعه 10000 دولار - ثم ~~يضيع عليه هذا المبلغ بغض النظر عن نتيجة قضيته. # وسأل زيتون: «أليس مبلغ 75 ألف دولار أكبر مما ينبغي لسرقة ~~طفيفة؟» # وقال رالي إنه كذلك فعلا؛ إذ كان أكبر من المبلغ اللازم بنحو ~~مائة مرة. كان زيتون يستطيع أن يأتي بعشرة آلاف دولار، لكنه بدا له ~~من البلاهة ms232 أن يذهب هذا المبلغ أدراج الرياح، وإن دفعه كان يدفع ~~للحكومة في الواقع في مقابل حبسه شهرا. # وسأله زيتون: «هل تستطيع تخفيضه؟» # وقال رالي: «ذلك يقتضي الكفاح في سبيله.» # فقال زيتون: «إذن فكافح في سبيله.» # وسأله رالي: «ولنفرض أنني لم أنجح؟» # فقال زيتون: «إذن فانظر إن كنا نستطيع استخدام أملاكي ~~كفالة.» ~~- «لا تريد أن تدفع النسبة التي ستضيع عليك؟» # فقال زيتون: «نعم، لا أريد». # قال زيتون في نفسه إنه لو دفع تلك النسبة التي ستضيع عليه مقابل ~~الإفراج عنه، فما عساه أن يفعل؟ لن يستطيع العمل. لم يكن لديه ما ~~يستطيع أن يفعله في نيو أورلينز، ليس في هذه اللحظة، وكان يوقن ~~الآن أن كاثي والأطفال يعرفون أنه حي يرزق. ويوقن أنه سوف يطلق ~~سراحه. أي إنه سوف يدفع 10000 دولار كي ينعم بالحرية بضعة أيام ~~أخرى، وسوف يقضي ذلك الوقت رائحا غاديا في غرفة المعيشة بشقة ~~يوكو وأحمد، لسوف يرى بناته قطعا، ولكنهن يعرفن أنه قد سلم، ~~والأفضل أن يدفع تلك النقود في حساب الأمانة الذي يكفل تعليمهن ~~العالي، مثلا. لقد قضى في المحبس إلى الآن أسبوعين ونصف أسبوع، ~~ويستطيع الانتظار بضعة أيام أخرى. # وقال رالي: «سأتحقق من إمكان استخدام أملاكك ضمانا.» # فقال زيتون: «كلم كاثي.» # الأربعاء 28 من سبتمبر # دخلت كاثي بسيارتها سجن هنت، وقد أمسكت أنفاسها. كان منظره مثل ~~اللوحات السيريالية: الأسوار البيضاء المنمقة، والأرض المشرقة ~~بالكلأ الأخضر الزاهي. كانت تشبه ملعبا للجولف. وكانت الطيور ~~البيضاء تفزع وتتفرق طائرة أثناء سير كاثي في مدخل السيارات الطويل ~~حتى تصل إلى البوابة. # ووقفت في الخارج تنتظر في ساحة انتظار السيارات. كان ذلك في ~~الثامنة والنصف صباحا، وكانت تحتاج إلى جميع من لديهما من أصدقاء، ~~وبدأ هؤلاء يصلون بعد بضع دقائق. كان روب ووالت قد جاءا بالسيارة ~~من لافاييت. ووصلت جنيفر كالندر التي كانت تعمل مع والت والتي كان ~~زيتون قد تولى تجديد منزلها مع زوجها ووالدها، ووصل توم بيتشاتش ~~وزوجته سيليست، وهما من جيرانهما في شارع كليبورن، بالسيارة من ms233 ~~هيوستن. كما وصل نبيل أبو خضر مدير مدرسة الفتيات، من الحي ~~الفرنسي. # وتعانق الجميع، ولم يكن أيهم قد ذاق للنوم طعما، وكان منظرهم ~~مزريا، ويشعرون بالصدمة لأنهم يتلاقون بسبب حدوث ما حدث. ولكن ~~روحهم المعنوية كانت عالية، بصورة ما؛ لإدراكهم أنهم سوف يتحدثون ~~عن شخصية عبد الرحمن زيتون وأخلاقه، وكانوا واثقين بأن القاضي حين ~~يستمع إليهم جميعا ويتبين أن الشرطة حبست رجل أعمال شهيرا، فربما ~~- بل الأرجح - أن يأمر القاضي بإطلاق سراحه في اليوم نفسه، وربما ~~استطاعوا الاحتفال بذلك معا. # لم تكن كاثي تملك أن تكف عن شكرهم. كانت حطاما من الدموع ~~والامتنان والترقب. # وعندما وصل رالي انبهر بعدد الحضور. فدعا الجميع إلى اجتماع وشرح ~~لهم باختصار سير الإجراءات. لم يكن يعرف على وجه اليقين مكان جلسة ~~الاستماع، أو حتى موعد انعقادها، لكنه كان واثقا بأنه إزاء سمعة ~~زيتون الطيبة، وخلو سجله من أي مخالفة سابقة، ووجود هذا الحشد ~~الباهر من الشهود على شخصيته وخلقه - فهم شريحة عريضة من أبناء نيو ~~أورلينز ذوي المكانة الرفيعة - سوف يأمر القاضي بإطلاق سراح عبد ~~الرحمن زيتون، مع فيض زاخر من الاعتذارات. # وانتظر الجميع طيلة الصباح، بلا أنباء. وأخيرا ذهب رالي ~~لاستطلاع ما يحدث، ثم خرج من المبنى إليهم وقد غشيت وجهه ~~سحابة. # قال: «لن يقابلوا أحدا منكم اليوم!» # كانت جلسة الاستماع قد ألغيت، دون إبداء الأسباب. # وأصبحت الفرصة الوحيدة الآن هي الكفالة. كان على كاثي أن تعود ~~إلى دخول المدينة وإحضار الأوراق التي تثبت ملكيتهما لمبنى ~~المكاتب؛ بحيث يستخدمان المبنى نفسه كفالة. # وأصر عدنان على توصيل كاثي بالسيارة إلى داخل المدينة. # وسلكا الطريق أ-10، وخرجا منه في مخرج شارع كارولتون، وفورا ~~صدمتهما الرائحة. كانت خليطا من عدة روائح، وتجمع بين ما هو لاذع ~~المذاق وما هو منتن، بل أيضا - بسبب الأغصان والأشجار الملقاة في ~~الشمس - ما هو حلو المذاق، ولكن أكثر ما راعهما هو قوة الرائحة؛ ~~كانت نفاذة للغاية، فغطت كاثي وجهها بلفاعها كي تكسر من ~~شوكتها. # كانت المدينة تبدو كأنما هجرها أهلها ms234 منذ عقود طويلة، كانت ~~السيارات قد ذابت ألوانها بسبب السموم التي تغشى المياه، فبدت ذات ~~لون رمادي باهت، وكانت مبعثرة في كل مكان مثل اللعب. وسلكا طريق ~~كارولتون إلى شارع إيرهارت، واضطرا في إحدى المناطق إلى العبور إلى ~~الحارة ذات الاتجاه العكسي لتحاشي الأشجار التي اقتلعت فغدت تعترض ~~الطريق. كان الحطام في كل مكان، وغريب الشأن: من أطر عجلات ~~السيارات، إلى الثلاجات، إلى عجلات الأطفال الثلاثية، إلى الأرائك، ~~إلى قبعة من القش. # كانت الشوارع مهجورة. لم يشاهدا أحدا - لا بشرا ولا عربات - ~~حتى وصلت سيارة من سيارات الشرطة فتوقفت خلفهما على مسافة لا تبتعد ~~عن مبنى المكاتب إلا بشوارع معدودة. وطلبت كاثي من عدنان أن يدعها ~~تقوم بالحديث، وكانت تلك استراتيجية طال عليها الأمد ما بينها وبين ~~زيتون. كان قيامها بالحديث دائما أيسر وأسرع، فلن تؤدي لهجة أبناء ~~الشرق الأوسط إلى إثارة المزيد من الأسئلة. # وجاء شرطيان من سيارتهما، وقد وضع كل منهما يده على المسدس في ~~جانبه، واقترب الشرطي الذي كان يقود السيارة منهما وسأل عدنان عما ~~يفعله في المدينة. فمالت كاثي برأسها للإيضاح وقدمت للشرطي رخصة ~~قيادتها من النافذة. # قالت: «إنني أقيم في منزلي في آخر الشارع، ولم أعد إلا لتقدير ~~الأضرار، وأخذ أي شيء لم يصبه الضرر.» # وأصغى إلى كاثي، لكنه عاد إلى سؤال عدنان: «ما الذي تفعله ~~هنا؟» # واستبقت كاثي الإجابة قائلة: «نحن مقاولون.» وقدمت إلى الشرطي ~~بطاقة الشركة. # وعاد الشرطي بالبطاقة إلى سيارة الشرطة، وقضى مع زميله نحو عشر ~~دقائق قبل أن يعود إلى نافذة عدنان. # قال الشرطي: «لا بأس.» وتركهما يمضيان. # وقررا التوجه بالسيارة مباشرة إلى المكتب؛ خشية ألا يبتسم لهما ~~الحظ كما حدث هذه المرة إذا استوقفا من جديد. # وعندما وصلا إلى المبنى في شارع دبلن، شاهدت كاثي أنقاض المباني ~~التي احترقت عن آخرها، وبدا لها أن توقف الحريق على بعد أمتار ~~قليلة من المكتب معجزة من المعجزات. وكان ظاهر المبنى قد أصابته ~~الأضرار، لم تكن تشي بما سوف يجدانه في داخله. وذهبت ms235 كاثي إلى ~~الباب، ولكن مفتاحها لم يفلح في فتحه؛ إذ كان الصدأ قد أصاب القفل ~~من داخله ومن خارجه. # ولمح عدنان شيئا ما في الناحية المقابلة من الشارع، فهرول إلى ~~بيت الجيران، وعاد يحمل سلما قديما باليا. # قال: «سوف أصعد أنا، وابقي أنت هنا!» # ووضع السلم على جانب المبنى وبدأ يصعد. كانت درجاته ملتوية ~~وبعضها مكسورا، ولكنه صعد بحرص، حتى وصل إلى نافذة الطابق الثاني ~~فدخلها، وسرعان ما اختفى بالداخل. # وسمعت كاثي بعض أصوات الارتطام والاحتكاك، ثم ساد الصمت، وسرعان ~~ما جاءها صوت من الجانب الآخر من الباب. # قال عدنان: «ابتعدي. سوف افتح الباب بالقوة.» # وركل عدنان الباب أربع مرات حتى انخلع الباب وسقط. # وقال عدنان: «خذي الحذر وأنت تصعدين الدرج.» # كان داخل المنزل خرابا، وبدا وكأنما لم يسكنه أحد منذ عقود ~~وعقود؛ إذ كان السقف شبه محطم، تنتشر فيه فجوات ذات أشكال غير ~~منتظمة، وكانت الأسلاك قد تعرت وبدت مع الأوراق المتناثرة في ~~كل مكان. وكانت الأرضيات يكسوها غثاء رمادي اللون، والرائحة ~~نفاذة، تجمع بين روائح العفن والمطر ومياه المجاري. # وصعد كل من كاثي وعدنان الدرج بحرص حتى وصلا إلى المكتب. كان ~~شكله قد اختلف تماما، كانت أقدامهما تغوص في السجادة في كل خطوة، ~~وكانت رائحة الحيوانات تصل إلى أنفهما، وتسمع أصوات جريها أثناء ~~سيرهما في المكتب، فتحت باب إحدى الخزائن فوقعت عشرة صراصير على ~~يديها، وصرخت. وتولى عدنان تهدئتها. # قال: «فلنأخذ الأوراق وحسب وننصرف.» # ولكنها لم تجد أي شيء في المكان الذي تذكره. كانت دواليب الملفات ~~قد تزحزحت عن مكانها، وكراسات جداول العمل التي كانت فوق المكاتب ~~متناثرة في كل مكان، فجعلت تبحث في الدواليب وأدراج المكاتب، وهي ~~تنظف الملفات السليمة مما علاها من حشرات، وكانت بعض الملفات قد ~~أصابها من البلل والطين ما أفقدها كل نفع لها. فجمعت كومة من ~~الملفات التي يتعذر قراءة ما فيها، آملة أن تجد في البعض الذي ~~تعرفه برهانا على ملكيتهما للمبنى. كان الوضع عبثيا؛ إذ كانت ~~تفتش في المبنى الذي تملكه، ms236 وهو الذي يعرف الجميع أنه المقر الرئيس ~~لشركتهما المشهورة، باحثة عن قطعة متسخة من الورق تقبلها محكمة ~~مؤقتة في مقابل الإفراج عن زوجها. وماذا تكون الحال لو لم تجدها؟ ~~هل يواصل زوجها سقوطه في هذه الهوة الشاسعة الناجمة عن انهيار ~~النظام القضائي بسبب غياب هذه القطعة من الورق؟! # وسألت عدنان بصوت مخنوق: «ساعدني أرجوك.» # وظلا يفتشان ساعة كاملة، فتحا كل درج وكل ملف، حتى تصورت أنها ~~تعيد فحص الملفات القليلة السليمة نفسها التي سبقت لها قراءتها، ~~ولكنها وجدت بغيتها أخيرا في درج كانت واثقة بأنه لا يحتوي على ~~شيء ذي قيمة. كان عقد البيع للمبنى رقم 3015 بشارع دبلن. كانت ~~راكعة على ركبتيها، وقد اتسخت عباءتها، وقبضت على الورقة في ~~يدها، وغلبها البكاء، ثم اعتدلت في جلستها ولا تزال ترتعد. # وقالت: «أرجو أن تنجح هذه وإلا ...» # ونهضا والأوراق في أيديهما فعادا إلى مكتب المحامي رالي في باتون ~~روج، وقام رالي بإعداد أوراق الإفراج، وأرسلها بالفاكس إلى مسئول ~~الكفالات، ورد المسئول قائلا إنه تسلم الأوراق وإن الكفالة قد ~~دفعت، واتصل رالي بسجن هنت مؤكدا أن جميع الأوراق اكتملت وأن ~~الكفالة دفعت، وقيل له إنهم تسلموا الأوراق، ولكن المكتب أغلق ~~أبوابه مبكرا في ذلك اليوم. كان ذلك في الثالثة عصرا. # كان على زيتون أن يقضي ليلة أخرى في سجن هنت. # الخميس 29 من سبتمبر # وعندما أصبح الصبح اتجهت كاثي في صحبة عدنان بالسيارة إلى السجن، ~~فوصلا قبل الساعة الثامنة، ودخلا المكتب فقيل لهما إن «زيتون» سوف ~~يطلق سراحه في ذلك اليوم نفسه، وانتظرا في الغرفة نفسها التي ~~اجتمع فيها أصدقاء زيتون منذ يومين. # وظلا ينتظران حتى الحادية عشرة دون أن يسمعا شيئا. وحلت الثانية ~~عشرة، لا شيء. وفي الساعة الواحدة قيل لهما إن زيتون سوف يطلق ~~سراحه الآن - في أي لحظة - وقيل لكاثي أن تنتظره في الخارج، فسوف ~~ينقل بالأوتوبيس إلى خارج البوابة. # وكان زيتون في زنزانته يصلي: # بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ~~مالك يوم الدين ~~... ~~«زيتون!» ms237 # كان أحد الحراس يناديه. # وقال زيتون في نفسه: «فلينتظر الحارس.» لم يكن يعرف أن كاثي كانت ~~عند مدخل السجن، وأن الإفراج عنه وشيك. # وواصل صلاته: # إياك نعبد وإياك نستعين ~~* اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين # آمين. ~~«زيتون!» كان الحارس قد وصل الآن إلى الزنزانة، وجعل يصيح من ~~خلال القضبان: «استعد!» # واستمر زيتون في صلاته حتى أنهاها. وانتظر الحارس في صمت، وعندما ~~نهض زيتون، أومأ الحارس إليه قائلا: «اجمع أشياءك. سوف تخرج ~~اليوم!» # وصاح زيتون: «ماذا؟» ~~- «أسرع!» # وتهاوى زيتون على الجدار، كانت رجلاه تعجزان عن حمله. ~~••• # كانت كاثي تنتظر خارج السجن مع عدنان. # ووصل أوتوبيس أبيض، وكان فيه شبح يسير من اليسار إلى اليمين، ثم ~~نزل من الأوتوبيس إلى الرصيف. كان عبد الرحمن زوجها. كان قد فقد ~~تسعة كيلو جرامات من وزنه، كان يبدو رجلا مختلفا، رجلا أصغر ~~حجما، وقد طال شعره، وكسا الشيب معظمه، وبللت الدموع وجهها. قالت ~~في نفسها: «ما أصغر ما يبدو!» وغلبتها موجة غضب شديدة: «لعن الله ~~هؤلاء الناس! أنتم جميعا، كل مسئول عن حدوث هذا.» # وشاهدها زيتون، فابتسم، وذهبت إليه. كانت الدموع تغطي وجهها كله، ~~فلم تكد تستطيع الإبصار. هرعت إليه، كانت تريد أن تحميه، أن تحتضنه ~~بين ذراعيها، وتشفيه. ~~«عودي إلى مكانك!» # وشعرت بيد ثقيلة على كتفها، كان أحد الحراس قد استوقفها. # وصرخ الحارس: «ظلي هنا!» # كانت كاثي قد تخطت أحد الحواجز. لم يكن الحاجز واضحا لعينيها، ~~ولكن الحراس كانوا قد حددوا منطقة لا يسمح لأقارب السجناء ~~بدخولها. # وظلت تنتظر، واقفة على مبعدة أمتار قليلة من زوجها، وظل كل منهما ~~يحدق في الآخر، ويبتسم ابتسامة جهمة. كان يبدو شيخا حزينا. كان ~~يرتدي سروالا من قماش الجينز، وقميصا من القماش نفسه، وصندلا ~~مفتوحا برتقالي اللون. كانت هذه أردية السجن، وكانت تبدو فضفاضة ~~عليه؛ إذ كانت تزيد بدرجتين على مقاس جسمه. # وبعد عدة دقائق أطلق ~~سراحه. سار إليها وهرولت نحوه. وظلا متعانقين برهة طويلة. كانت تحس ~~بعظام كتفيه البارزة وضلوع صدره. ms238 وبدت رقبته نحيلة هشة إلى حد ~~بعيد، وذراعاه معروقتين. وابتعدت عنه، وأبصرت عينيه اللتين لم ~~تتغيرا - كانتا لا تزالان خضراوين، أهدابهما طويلة، ويشيع فيهما ~~اللون العسلي - ولكنهما كانتا تفصحان عن الإرهاق، عن الهزيمة. لم ~~يسبق لها أن أبصرت ذلك فيه قط. كان كسير الجناح. # واحتضن زيتون عدنان، ثم ابتعد بسرعة. # وقال زيتون: «لا بد أن نمضي!» # وركب ثلاثتهم السيارة، لم يكونوا يريدون المسئول عن ذلك، مهما ~~يكن، أن يغير رأيه، ولو غير رأيه لما أدهشهم ذلك. ما عادوا يدهشون ~~الآن لأي شيء. # غادروا السجن بأسرع ما في طوقهم، وشعروا بالارتياح عندما خرجوا ~~من البوابة الرئيسة، وبمزيد من الارتياح عندما تجاوزوا مدخل ~~السيارات الطويل ذا الأسوار البيضاء ووصلوا إلى الطريق العام. وكان ~~زيتون يلتفت خلفه من آن لآخر حتى يطمئن إلى عدم وجود من يقتفي ~~آثارهم. وكان عدنان ينظر باستمرار في المرآة التي تعكس صورة ما ~~يخلفه وراءه أثناء انطلاق السيارة المسرعة في الطريق الريفي، ~~محاولا أن يبتعد إلى أقصى حد ممكن عن السجن. ومرت بهم السيارة في ~~ممر تظلله الأشجار الباسقة، وكان كل ميل يقطعانه يزيد إحساسهم ~~بالثقة في أن زيتون يتمتع بالحرية المطلقة. # كانت كاثي تجلس في المقعد الخلفي، وتمر بيدها على رأس زوجها ~~ملاطفة له، ولكنها كانت تريد أن تكون أقرب إليه، أن تحتضنه بين ~~ذراعيها، وأن تضمه إلى صدرها وتشفيه. # لم يكونوا قد قضوا أكثر من عشر دقائق منذ مغادرتهم السجن حين ~~اتصل أحمد بكاثي على تليفونها الخلوي. # قالت له: «إنه معنا!» ~~- «ماذا؟ فعلا؟» # فأعطت التليفون إلى زيتون. # قال: «مرحبا يا أخي!» # وسأله أحمد: «أهذا أنت؟!» # قال زيتون: «هذا أنا». ~~- «الحمد لله! الحمد لله! كيف حالك؟!» # كان صوت أحمد يرتعد. # قال زيتون: «بخير! أنا بخير! هل كنت قلقا؟» وحاول أن ~~يضحك. # وكان أحمد الآن يبكي: «الحمد لله! الحمد لله!» # | الفصل الخامس # خريف عام 2008 # فقدت كاثي ذاكرتها، أصبحت الذاكرة مهلهلة لا يعتمد عليها. كانت ~~الأسلاك في ذهنها قد تقطعت في أماكن حيوية، وحدثت أحداث من أغرب ما ms239 ~~يمكن. # كانت في البنك في شهر نوفمبر، لمجرد إيداع الشيكات التي تسلمتها ~~من العملاء وسحب مبلغ نقدي يكفيها أسبوعا، وكانت لكثرة ترددها على ~~هذا البنك، واسمه بنك كابيتال ون، معروفة لدى جميع العاملين فيه، ~~وحياها الموظفون في صباح هذا اليوم، مثلما كانوا يحيونها في صباح ~~كل يوم آخر عند دخولها. # وهتف الجميع: «مرحبا يا مدام زيتون!» ولوحت لهم بيدها ~~وابتسمت. # وسارت إلى أحد الصرافين، وأخرجت دفتر شيكاتها والتقطت قلما، كان ~~عليها أن تكتب شيكين، الأول بسحب نقدي، والآخر لتحويل بعض المال ~~إلى حساب رواتب الشركة. # كتبت الشيك الأول وأعطته إلى الصراف، وعندما التفتت من جديد إلى ~~دفتر شيكاتها تمهلت وتوقفت. لم تكن تعرف ما سوف تفعل بعد ذلك. لم ~~تستطع أن تتذكر ما يجب على يدها أن تفعل. لم تكن تعرف كيف تكتب، أو ~~ماذا تكتب، أو أين تكتب ذلك، وظلت تحدق وتحدق في دفتر الشيكات، ~~وكانت غرابته تزداد في عينيها في كل لحظة. لم تستطع تحديد الغرض من ~~دفتر الشيكات على الرف المقابل أو القلم في يدها. # ونظرت حولها، راجية أن ترى أحدا يمسك بهذه الأدوات في يده، وأن ~~ترى كيف يستعملها. شاهدت بعض الأشخاص، ولكنهم لم يدلوها على شيء، ~~فشعرت بالضياع. # قالت الصرافة شيئا، لكن كاثي لم تفهم الكلمات، نظرت إلى الصرافة ~~الشابة، ولكن الأصوات الصادرة من فمها كانت مشوشة، كأنما تنطق ~~معكوسة الحروف. # لم تكن كاثي قادرة على الكلام. كانت تدرك في أعماقها أنها بدأت ~~تقلق الصرافة، وقالت لنفسها: «ركزي، ركزي، ركزي، ركزي يا ~~كاثي!» # وتكلمت الصرافة من جديد، ولكن الصوت بدا الآن أبعد مما كان، ~~كأنما كان يصدر من تحت الماء أو من مكان بعيد. # واستقرت عيناها على الحاجز الخشبي المنزلق الذي يفصل هذه الصرافة ~~عن الأخريات. وانحصر وعيها في تأمل عروق الخشب الصفراء، منزلقا في ~~الخطوط شبه الدائرية التي رسمها الزمن على سطح الخشب، ثم أدركت ما ~~كانت تفعله، وهي تحدق في تعريق الخشب، وحثت نفسها على الخروج من ~~ذلك المأزق. # قالت في نفسها: «ركزي! ms240 هيا.» # شعرت بالخدر في يديها، وكان بصرها مشوشا. ~~«عودي أدراجك! عودي!» # وببطء عادت. كانت الصرافة تتكلم، ونطقت كاثي بألفاظ قليلة. وأحست ~~كاثي بذاتها تعود فتدخل في جسمها مرة أخرى. وفجأة عاد كل شيء إلى ~~مكانه في وعيها. # وسألتها الصرافة من جديد: «هل أنت بخير يا مدام زيتون؟» # وابتسمت كاثي، ولوحت بيدها إشارة إلى استهانتها بما حدث. # قالت: «سرحت لحظة وحسب. يوم عصيب!» # وابتسمت الصرافة وقد هدأ بالها. # وقالت كاثي: «أنا بخير.» ثم كتبت الشيك الثاني. # غدت كاثي تنسى بعض الأرقام والأسماء والتواريخ، كما يصعب اليوم ~~عليها التركيز، وهي تقول لأصدقائها إنها سوف يصيبها الجنون، هازئة ~~بذلك ضاحكة منه، فهي واثقة مثلما هم واثقون بأنها ليست على شفا ~~الجنون، وأنها لا تزال كاثي نفسها طول الوقت تقريبا، وهي قطعا ~~كذلك في عيون من يعرفونها، ولكن مرات الذهول - كالتي وقعت لها في ~~البنك - تتراكم، ولم تعد كاثي تتمتع بحدة الذكاء التي كانت تتمتع ~~بها يوما ما، ولم تعد تثق بقدرتها على أداء بعض ما كانت تؤديه في ~~الماضي ، ويوما ما لن تستطيع أن تتذكر اسم أحد العمال الذين تعرفهم ~~منذ عشر سنوات، وقد يأتي اليوم الذي تجد نفسها ممسكة بالتليفون، ~~والطرف الآخر على الخط يرن، ولن تعرف من المتحدث ولا سبب ~~الاتصال. # كان ذلك في خريف عام 2008 وأسرة زيتون منهمكة في الانتقال إلى ~~منزل جديد، كان المنزل نفسه في الواقع - في شارع دارت نفسه - ~~ولكنه قد أخرجت أحشاؤه، واكتمل توسيعه فأصبح ثلاثة أمثال حجمه ~~السابق؛ إذ وضع زيتون تصميما لبناء ملحق به يهيئ لكل طفل غرفته ~~الخاصة، وسوف يسمح لكاثي أيضا أن تدير العمل من المنزل. وأصبح ~~للمنزل الجديد شرفات، وأسقف هرمية، ومطبخ كبير، وأربعة حمامات ~~وغرفتان للجلوس. إنه أقرب ما يكون إلى منزل الأحلام الذي يمكن أن ~~يسكنوه يوما ما. # أما المكتب في شارع دبلن فكان يمثل خسارة كاملة. زاراه بعد خروج ~~زيتون من السجن بأيام معدودة فلم يجدا غير الطين والحشرات. كان ~~السقف قد سقط، وكل شيء داخل المبنى ms241 مغطى بالطين الرمادي نفسه، ~~وقامت كاثي مع زيتون بجمع كل ما استطاعا إنقاذه، وهو قليل، ثم باعا ~~المبنى آخر الأمر. وقررا نقل مكتبهما إلى منزلهما. وأصبح لمنزلهما ~~الآن مدخل من شارع دارت - عنوان المسكن - ومدخل آخر من طريق ~~إيرهارت. # وكانت أسرة زيتون قد أقامت في سبعة مساكن، ما بين شقق ومنازل، ~~منذ العاصفة. وأما مكتبهما في شارع دبلن فقد هدم وأنشئت مكانه ~~ساحة انتظار للسيارات. ولم يكن المنزل في شارع دارت قد اكتمل ~~إعداده. # وهما يشعران بالإرهاق. # عندما عادا من سجن هنت أقاما يومين في شقة عدنان في باتون روج، ~~وكانا يفترشان فيها الأرض، ثم انتقلا إلى الشقة الاستوديو في ~~المبنى الذي يؤجرانه في شارع تيتا على الضفة الغربية من نيو ~~أورلينز. لم يكن في الشقة أثاث ولكنها لم تصب بأضرار في العاصفة. ~~وفي الليالي الأولى فيها، كانت كاثي تنام مع زيتون على الأرض، ~~ملتحفين ببطانيات مستعارة، ولا يكادان يتكلمان. لم يكن يريد أن ~~يتحدث عن السجن. لم يكن يريد أن يتحدث عن معسكر كلب السباحة. كان ~~يشعر بالعار؛ العار لأن صلفه، إن صح أن ذلك كان صلفا، هو ~~الذي تسبب في هذا كله، والعار لوضع يديه في القيود، وإرغامه على ~~التعري، وحبسه في قفص ومعاملته معاملة الحيوان. كان يريد لهذا كله ~~أن ينمحي من حياتهما. # وفي تلك الليلة، وفي ليال كثيرة تالية، كانا يفترشان الأرض ~~متعانقين، شاعرين بالمرارة والامتنان والإحباط، دون أن يقولا أي ~~شيء. ~~••• # كانت كاثي تقدم له أكبر قدر من الطعام تستطيعه كل يوم. وفي اليوم ~~التالي لإطلاق سراح زيتون، اصطحبته كاثي مع عدنان إلى المركز الطبي ~~الإقليمي حيث فحصه الأطباء ولم يجدوا أنه أصيب بأي إصابة خطيرة، ~~ولم يجدوا سببا للألم الحاد في جنبه، ولكن وزنه كان قد نقص بما ~~يقرب من عشرة كيلوجرامات، وقالوا إنه لن يعود لوزنه الطبيعي قبل ~~مرور عام كامل. كان قد فقد بعض شعر رأسه، وما بقي فيه خطه الشيب. ~~كان خداه ممصوصين وعيناه قد فقدتا البريق، واستعاد سابق عهده ببطء، ms242 ~~وزادت قوته، وتلاشى الألم في جنبه، وهو ما أقنع زيتون بأنه لم يكن ~~ناجما عن شيء تظهره الأشعة السينية، بل عن اللوعة، عن ~~الحزن. ~~••• # وبعد الإفراج عن زيتون، أعارهما صديقهما والت سيارة من عند تاجر ~~السيارات الفاخرة الذي يتعامل معه، وكانت من طراز ليكساس، ~~واستقلتها كاثي مع زيتون في طريق العودة إلى المدينة، وإلى المنزل ~~في شارع دارت. # كانت الرائحة نفاذة: كانت مزيجا من العفن، ومياه المجاري، ~~والحيوانات الميتة. واضطرت كاثي إلى إنزال جزء من لفاعها إلى فمها ~~لتصد تلك الرائحة، حاول زيتون شد السيفون في أحد المراحيض فإذا ~~بالصرف الصحي يتدفق، كان المزيد من المياه قد وصل إلى الطابق ~~الثاني، وبلل رفا كاملا من الكتب فأفسدها، وكذلك معظم الأجهزة ~~الإلكترونية. # ولولا أن زيتون كان موجودا آنئذ لسد الفجوات كلما ظهرت إحداها، ~~لكان مصير المنزل الدمار الكامل. وتطلع إلى الثغرات الناشئة في ~~السقف وتنهد. # واستندت كاثي إلى الجدار القائم في البهو، لم تعد تحتمل. كان كل ~~شيء يملكانه تعلوه القذارة، وهالها ما ترى، وقالت في نفسها: «وبعد ~~أن نظفت هذا المنزل ألف مرة!» # وسألها: «أنت بخير؟» # وأومأت وقالت: «أريد أن أرحل. شاهدت ما يكفي!» # وأخذا الكمبيوتر وبعض ملابس الأطفال ووضعاها في السيارة، وأدار ~~زيتون المحرك ثم توقف وأهرع عائدا إلى المنزل، وبحث عن صندوق ~~الصور، وعاد به ووضعه في شنطة السيارة. وتراجع بالسيارة في مدخل ~~السيارات، ثم حول اتجاهه إلى شارع دارت، ثم تذكر شيئا ~~آخر. # قال: «انتظري!» وهتف قائلا: «أوه لا!» ووثب خارجا من السيارة ~~تاركا بابها مفتوحا. «الكلاب». كم مضى من الزمن عليها؟ وجرى عبر ~~الشارع، ثم بحذاء المربع السكني، وصدره يعلو ويهبط. «الكلاب! ~~الكلاب!» # وقرع البابين الأماميين للمنزلين اللذين كان يطعم الكلاب فيهما، ~~فلم يجبه أحد، ونظر من خلال شبابيك الدور الأول، فلم يجد أحدا ... ~~لم يكن أصحاب المنزلين قد عادوا. # وعاد زيتون إلى الشجرة، كان لوح الخشب لا يزال حيث وضعه، فجعله ~~يستند إلى جذع الشجرة، ومد اللوح إلى داخل المنزل، إلى يمين الشجرة ~~وسار على ms243 السطح. كان عادة ما يسمع نباح الكلاب مرحبة به في هذه ~~اللحظة، لكنه اليوم لم يسمع شيئا. # وقال في نفسه: «يا رب! يا رب! يا رب!» # ورفع النافذة ودخل منها، وداهمت رائحة العفن أنفه فورا؛ فعرف أن ~~الكلاب قد نفقت قبل أن يراها، وشاهد الكلبين معا في إحدى غرف ~~النوم. # غادر السطح وعاد إلى الشجرة وعدل من وضع لوح الخشب حتى يصل إلى ~~المنزل الثاني. كان الكلبان تحت شراعة النافذة مباشرة، كتلة من ~~الأطراف المختلطة، ورأساهما متوجهان إلى السماء، كأنما ظلا ~~ينتظرانه أسابيع متوالية. # وبعد أسبوعين كان زيتون ~~وكاثي لا يزالان في الشقة الاستوديو، وكان الأطفال قد تجهزوا ~~للعودة إلى نيو أورلينز. كان زيتون متوترا، وسأل كاثي: «هل أبدو ~~كما كنت؟» كان يخشى أن يخيفهم بعد أن فقد ما فقد من وزنه وشعره. ~~ولم تعرف كاثي ماذا تقول. لم يكن يبدو كما كان، أو لم يعد إلى الآن ~~إلى ما كان عليه، ولكن الأطفال لا بد لهم من مقابلة أبيهم. وهكذا ~~ركب زيتون الطائرة مع كاثي إلى مدينة فينيكس. ووسط موجات البكاء ~~والأحضان المتلاحقة، التأم شمل أسرة زيتون. وعاد الجميع بالسيارة ~~إلى نيو أورلينز، واستقروا في الشقة الاستوديو بشارع تيتا، وعلى ~~مدى شهر كامل كانوا ينامون معا مفترشين الأرض. # وذات يوم فتحت كاثي خطابا من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ ~~التي كانت تعرض على أسرة زيتون مقطورة مجانية، وحدة متنقلة تتكون ~~من غرفتي نوم، على أن تسلم إليهم إذا رغبوا في ذلك. # وملأت كاثي الاستمارات الصحيحة وأعادتها بالبريد، ولو تكن تتوقع ~~الكثير مما فعلته، ولهذا فوجئت ذات يوم من أيام ديسمبر عام 2005 ~~عندما توقفت أمام شقتهما سيارة ضخمة ذات ثماني عشرة عجلة، ومن ~~ورائها مقطورة ذات لون أبيض ساطع. # كان زيتون يقوم بجولاته ~~فلم ير العمال وهم يقيمونها، فأصابته الحيرة عندما شاهدها. لم تكن ~~المقطورة ذات وصلات بأنابيب المياه الجارية أو بالكهرباء، كما أنها ~~أقيمت فوق مصطبة مزعزعة من الطوب الأسمنتي لا يقل ارتفاعها عن ~~120سم فوق سطح الأرض، ولم ms244 تكن أمام الباب درجات يصعد عليها من يريد ~~الدخول، وكان السبيل الوحيد إلى دخولها - بسبب ارتفاعها الشديد - ~~هو الصعود على سلم، بل إنك إن وصلت إلى الباب فلن تستطيع دخول ~~المقطورة؛ لأن الرجال الذين جاءوا بها لم يتركوا مفاتيح ~~لها. # واتصلت كاثي بالوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ وأطلعتهم على ~~هذه المسائل، فقال المسئولون فيها إنهم يفعلون كل ما في طوقهم، ~~وسوف يلتفتون إليها في أقرب وقت ممكن، ومرت أسابيع دون أن تأتي ~~المفاتيح، وكانت أسرة زيتون تترقب في كل يوم ما يدل على حضور أفراد ~~الوكالة، ولكن المقطورة ظلت في مكانها، لا يستعملها أحد، وغير ~~موصولة بالمرافق، ومغلقة. # وبعد شهر وصلت شاحنة صغيرة تابعة للوكالة الفيدرالية لإدارة ~~الطوارئ وتركت درجا يبلغ ارتفاعه نحو متر، ولكن رجالها لم ~~يتركوا وسيلة لربط الدرج بالمقطورة، وظلت الفجوة قائمة ما بين ~~الدرج والباب، وتكاد تبلغ قدما. وهو ما يعني أن دخولها يقتضي ~~الوثوب داخلها، ولكن الباب لا يمكن فتحه؛ إذ لم تكن الوكالة قد ~~أرسلت أي مفاتيح. # وبعد ستة أسابيع أخرى أو نحوها، حضر مفتش من الوكالة وسلم ~~كاثي مفتاحا للمقطورة. ولكنه عندما شاهد المقطورة لاحظ أنها ~~مائلة، وأن استعمالها ليس مأمونا، وانصرف بعد أن قال لكاثي إنه ~~سوف يرسل من يتولى إصلاحها. ~~••• # وبدأ زيتون وكاثي يشتريان منازل في الحي الذي يقيمان فيه، كانت ~~مالكة المنزل المجاور لمنزلهما قد فرت من وجه العاصفة ولم تعد، ~~ثم عرضت المنزل للبيع، وعرض عليها زيتون ثمنا له، كان الثمن يمثل ~~نصف قيمة المنزل قبل العاصفة ولكنها قبلت. وكانت تلك الصفقة أهنأ ~~صفقة عقداها. وكانا قد اشتريا أيضا قبل العاصفة المنزل المواجه ~~لمنزلهما. وسرعان ما انتقلت الأسرة إلى الإقامة في هذا المنزل، ~~وكانت في أثناء ذلك تقوم بتجديد منزلها الأصلي في شارع دارت، ~~وتأجير المنزل الآخر المجاور لمنزلهما. # وفي غضون ذلك كله، كانت المقطورة التابعة للوكالة المذكورة لا ~~تزال قابعة أمام المنزل في شارع تيتا، كان قد مرت عليها ثمانية ~~أشهر دون أن يقوم أحد بتوصيل المياه أو الكهرباء ms245 إليها، ولم يستطع ~~أحد قط إيجاد السبيل العملي لدخولها، ولم تعد أسرة زيتون في حاجة ~~إليها الآن. كانت بمثابة قذى في العين، وكان زيتون قد أصلح جميع ~~الأضرار في منزل شارع تيتا، وكانت الأسرة تحاول أن تبيعه، ولكن ~~المقطورة كانت تحجب مرأى المنزل، ولم يكن أحد على استعداد لشراء ~~منزل تقبع أمامه مقطورة مائلة لا تتحرك. # ولكن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ لا تريد أن تأخذها. كانت ~~كاثي تتصل بها كل أسبوع، وتقول للمسئولين فيها إن المقطورة لم ~~تستخدم قط، وإنها الآن تتسبب في تخفيض قيمة عقارهما. وكان يقال لها ~~في كل مرة إن المقطورة سوف تنقل في المستقبل القريب، وإن آلاف ~~الأشخاص يتمنون الحصول على مثل تلك المقطورة، فلماذا تحاول أسرة ~~زيتون التخلص منها؟ # وفي يونيو عام 2006، جاء مندوب من الوكالة المذكورة ليأخذ ~~المفاتيح، وقال إنه سوف يعود لنقل المقطورة. ومرت شهور، دون أن ~~تلوح بادرة على وصول أحد من الوكالة، وعادت كاثي إلى الاتصال بها، ~~فقالت الوكالة إنها لا سجل عندها لأي شخص أخذ المفاتيح. # وأخيرا، في إبريل عام 2007، أرسلت كاثي خطابا إلى صحيفة ال ~~«تايمز - بيكايون» تروي فيه ملحمة المقطورة. وفي تلك الآونة، كانت ~~المقطورة قد قبعت دون استخدام، ودون أن تكون صالحة للاستخدام مدة ~~تزيد على أربعة عشر شهرا. وفي صباح اليوم الذي نشر فيه الخطاب، ~~اتصل أحد مسئولي الوكالة بكاثي. # وسألها: «ما عنوانكم؟» # وأزال رجال الوكالة المقطورة في اليوم نفسه. ~~••• # وأدت مشكلات الذاكرة عند كاثي إلى صعوبات أخرى، يصعب تفسيرها هي ~~الأخرى، بدأت تصاب بمشكلات في المعدة، فقد تأكل أي شيء صغير، قطعة ~~من الفطير مثلا، فإذا بمعدتها تتضخم إلى ضعف حجمها الأصلي، وسرعان ~~ما أصبح من المتعذر عليها ابتلاع أي طعام تحاول تناوله، ولم تكن في ~~بعض الأيام تستطيع هضم الطعام، فإن استطاعت كان عليها أولا أن ~~تكافح في سبيل ذلك. # وأصبحت تتعثر فيما تفعله، فغدت تكسر الأكواب والأطباق، وكسرت أحد ~~المصابيح، وكان التليفون يقع من يدها باستمرار، وكانت عندما تسير ~~في بعض الأيام تشعر ms246 بأنها كالسكارى، فتترنح في مشيتها وتضطر إلى أن ~~تستريح بالاستناد إلى جدار ما، كأنما أصابها الدوار، وفي بعض ~~الأحيان كانت تشعر بالخدر في يديها أو قدميها أثناء قيامها ~~بالأشغال اليومية المعتادة، مثل قيادة السيارة، أو مساعدة الأطفال ~~في واجباتهم المدرسية. # وسألت زوجها: «ماذا يحدث لي يا حبيبي؟» # ودخلت المستشفى لإجراء الاختبارات، وقال أحد الأطباء إنها ربما ~~كانت تعاني من تصلب الأنسجة المضاعف، وإن عددا كبيرا من ~~أعراضها يوحي بمرض ما من أمراض التدهور، فأجري لها اختبار ~~بالمنظار، وبالتصوير بالرنين المغناطيسي، وبالباريوم لاختبار ~~القناة الهضمية كلها عندها، وعقد الأطباء لها اختبارات للمهارات ~~المعرفية، وكانت نتائجها ضعيفة في اختبارات الذاكرة والتعرف، وكانت ~~الاختبارات بصفة عامة تشير إلى ما يسمى مجموعة أعراض التوتر ~~الناجمة عن التعرض لصدمة نفسية، وإن لم تكن كاثي قد استقرت على ~~الاستراتيجية اللازمة لمعالجتها. # ولم يكن زيتون وكاثي يعتزمان مقاضاة أحد بسبب القبض عليه، بل ~~كانا يريدان أن يجعلاه نسيا منسيا، ولكن أصدقاءهما وأقاربهما ~~ألهبوا غضبهما وأقنعوهما بضرورة محاسبة المسئولين عما حدث. وهكذا ~~قاما بتوكيل محام يدعي لويس كيرنر لرفع قضية مدنية على المدينة، ~~والولاية، والسجون، والشرطة، وحفنة أخرى من الهيئات والأفراد. ~~وحددا أسماء كل من جال بخاطرهما، ابتداء من العمدة إلى وكيل ~~النيابة إدي جوردان، وكل من يعمل في الحلقات الوسطى للسلطة بينهما. ~~وقال لهم كل من يعرف أي شيء عن محاكم نيو أورلينز إن عليهما أخذ ~~دورهما؛ إذ كانت قد رفعت مئات القضايا، وربما آلاف القضايا على ~~المدينة، والحكومة الفيدرالية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، ~~ورجال الشرطة، وسلاح المهندسين بالجيش. وبعد انقضاء ثلاث سنوات على ~~العاصفة، لم يكن قد تحرك عدد يذكر من هذه القضايا. # وبعد بضعة أشهر على إطلاق سراح زيتون، عثر المحامي لويس كيرنر ~~على تقرير القبض عليه، وأذهل كاثي أن تعرف بوجود مثل هذا التقرير، ~~أو بوجود أي سجلات أو الاحتفاظ بها، وكان اكتشاف أسماء الذين قبضوا ~~على زوجها مرضيا لها أول الأمر، ولكن ذلك لم يفلح إلا في إذكاء ~~حنقها؛ إذ غدت تنشد الإنصاف. ms247 كانت تريد أن تقابل هؤلاء الرجال وأن ~~تواجههم وتعاقبهم. كان الشرطي الذي ألقى القبض على زيتون يدعى ~~دونالد ليما، وكان هذا الاسم، دونالد ليما، يكوي ذهنها كيا، وكان ~~الشرطي الآخر الذي ورد ذكره في التقرير هو رالف جونزاليس. وقال ~~التقرير إن ليما كان تابعا لشرطة نيو أورلينز، وإن جونزاليس من ~~شرطة ألبوكيرك، نيو مكسيكو. # واكتشفت كاثي أن رجال الشرطة من خارج الولاية لا يملكون سلطة ~~القبض على أحد! وهكذا فعند إلقاء القبض لا بد من وجود شرطي محلي ~~إلى جانب رجال الحرس الوطني أو رجال الأمن المتعاقد معهم. وقررت ~~كاثي هي وزيتون ذكر اسم دونالد ليما، الشرطي الذي ورد اسمه في ~~تقرير القبض على زيتون في القضية التي رفعاها. واتصل محامي أسرة ~~زيتون بمقر شرطة نيو أورلينز فاكتشف أن ليما لم يعد يعمل لديهم. ~~كان قد استقال في عام 2005 بعد العاصفة بأشهر معدودة، ولم يكن لدى ~~هيئة الشرطة عنوان يمكن الاتصال به فيه. # وكان من اليسير العثور على جونزاليس، كان تقرير القبض يقول إنه ~~شرطي من ألبوكيرك، وإنه كان لا يزال في الخدمة في خريف عام 2008، ~~وعندما اتصل به تليفونيا قص القصة من وجهة نظره. # قال جونزاليس إنه كان قد قضى إحدى وعشرين سنة في خدمة الشرطة ~~عندما اقترح رئيسه في أغسطس 2005 إرسال فريق إلى نيو أولينز، وكانت ~~هيئة شرطة نيو أورلينز قد أرسلت إلى جميع الولايات تطلب المساعدة ~~بتوفير رجال تنفيذ القانون، فوافق جونزاليس على أن يذهب مع نحو ~~ثلاثين شرطيا آخر من ألبوكيرك. # ووصل فريق نيو مكسيكو بعد هبوب العاصفة ببضعة أيام، وحلف أفراده ~~اليمين اللازمة لتأهيلهم نوابا للمأمور، وبدءوا في إجراء عمليات ~~البحث والإنقاذ، وكان جونزاليس ورفاقه قد سمعوا قبل وصولهم إلى نيو ~~أورلينز أنباء كثيرة عن الأحوال في المدينة، وكانوا متوترين. ~~كانوا قد سمعوا عن أحداث إطلاق النار، والاغتصاب، ووجود عصابات من ~~المدججين بالسلاح الذين لا يعرفون الخوف. ولم يجدوا في المدينة ~~أمثال هذه الجرائم، بل وجدوا كثيرا من حالات الوفاة، وكان هذا ~~الفريق ms248 من بين الوحدات الأولى التي حققت في أحوال أحد المستشفيات. ~~ولم يكن جونزاليس يذكر اسم المستشفى، لكنه يذكر أنهم وجدوا عشرات ~~الجثث، وكانت الرائحة لا توصف. # كانت الأحوال تزداد سوءا كل يوم، ولم يكن يخرج مع رفاقه ليلا. ~~وكانوا يسمعون أصوات كسر النوافذ وإطلاق الأعيرة النارية بعد حلول ~~الظلام. كانت رائحة الموت والعفن تفوح من المدينة كلها، وقال عن ~~زملائه من الشرطة: «إن كل واحد كان يأخذ حذره، حتى ظننا أننا في ~~أحد بلدان العالم الثالث.» # وفي يوم 6 من سبتمبر، كان جونزاليس في ساحة الإعداد عند ملتقى ~~طريقي نابليون وسانت تشارلز، وكان رجال الشرطة والجنود وأفراد ~~الخدمات الطبية يجتمعون هناك كل يوم ليتبادلوا المعلومات ويتلقوا ~~الأوامر بالمهمات الجديدة، وسمع جونزاليس أنهم سوف يقومون بتفتيش ~~منزل في آخر الطريق يشغله عدد لا يقل عن أربعة أشخاص من المشتبه ~~فيهم، والمفترض أنهم كانوا يقومون بالسلب والنهب والتعامل في ~~المخدرات. وقيل له: إن المهمة قد تكون بالغة الخطورة، وإنها تحتاج ~~إلى أكبر عدد من رجال الشرطة والجنود، وكانت تلك أولى مهمات الحفاظ ~~على القانون والنظام التي يشارك فيها منذ وصوله. # وركب القارب وهو يرتدي قميصا لا يخترقه الرصاص، ويحمل معه ~~مسدسا وبندقية من طراز إم-16، وكان واحدا من بين ستة من رجال ~~الشرطة وجنود الحرس الوطني والجنود المأجورين في ذلك القارب. ~~وعندما وصلوا، كان جونزاليس من بين أول من دخلوا، وشاهد كومة من ~~مكونات الكمبيوتر ومعدات الاستريو على المنضدة في غرفة الطعام، ~~وشاهد الرجال الأربعة، وقال في نفسه: إن شيئا ما في موقفهم كان ~~يوحي «بأنهم لا يقصدون فعل الخير». # وقبضوا على الرجال الأربعة، وأحضروهم إلى ساحة الإعداد، وسلموهم ~~إلى السلطات هناك. وكان الفريق قد انتهى من مهمته في خمس عشرة ~~دقيقة، وأكد جونزاليس أن واجباتهم لم تجاوز هذا الحد، قائلا إنه ~~لم يذهب قط إلى معسكر جراي هاوند، ولم يكن يدري دراية مؤكدة بأن ~~سجنا قد أقيم في ذلك المكان، وأضاف أنه لم يقم، لا هو ولا أحد ~~أفراد فريق الاعتقال، ms249 بتأمين المنزل أو جمع الأدلة. والواقع أنه لم ~~يعد أحد منهم قط، ولو مرة واحدة، إلى المنزل في شارع ~~كليبورن. # وقال إن القبض على زيتون والرجال الثلاثة الآخرين في شارع ~~كليبورن كان أحد حادثي الاعتقال اللذين قام بهما جونزاليس أثناء ~~وجوده في نيو أورلينز، وكانت جميع المهمات الأخرى التي قام بها ~~تتعلق بالبحث والإنقاذ. ولم تمض عشر دقائق على إحضاره الرجال ~~الأربعة إلى ساحة الإعداد حتى كان في قارب آخر، يبحث عمن يحتاج ~~إلى العون. # وسئل جونزاليس عما شعر به حين علم أن عبد الرحمن زيتون، وهو رجل ~~أعمال في منتصف العمر ووالد لأربعة أطفال، قد حبس شهرا كاملا في ~~سجن مشدد الحراسة. # وبدا الأسف على جونزاليس قائلا: «إن كان بريئا أحسست بالمرارة ~~الشديدة. وخلاصة القول: إنني لا أريد أن يحدث لي شخصيا ما حدث ~~له.» # وتحدث جونزاليس عن الأسلوب الذي ينبغي أن يعمل به النظام قائلا: ~~إن رجال الشرطة يجرون التحقيقات، ويتولون القبض على الأشخاص، ثم ~~يسلمون الأمر إلى النظام القضائي. وقال: إن كان الرجال أبرياء كان ~~ينبغي أن يسمح لهم في الظروف العادية بإجراء مكالمة تليفونية ~~وإتاحة فرصة الإفراج عنهم بكفالة. # وقال: «كان الواجب يقضي بالسماح لهم بمكالمة تليفونية.» ~~••• # كان اقتفاء أثر ليما أصعب، ولكنه لم يكن قد ابتعد كثيرا، كان قد ~~ترك هيئة شرطة نيو أورلينز في عام 2005 ويقيم في شريفبورت، في ~~ولاية لويزيانا. # قال إنه يعرف أن زيتون والآخرين قد حبسوا مدة ما. وكان قد ~~اطلع على قضية زيتون؛ لأنه تسلم المذكرات عندما تولى المحامي ~~المرافعة في القضية، وقال إنه يجهل كم قضى الرجال الآخرون في ~~محبسهم، ولكنه أسرع بالإشارة إلى أنه لم يكن السبب في حبسهم؛ إذ ~~اقتصرت مهمته على القبض عليهم. # قال إنه في الوقت الذي هب فيه إعصار كاترينا كان يقيم في منزل ~~مقام على مساحة تبلغ نحو 400م # 2 # في شارع ~~نابليون، وإنه ظل في المدينة أثناء العاصفة وبعدها مع أفراد أسرته ~~لحماية منزله. كان لديه مولدان للكهرباء، وما يكفي من ms250 الطعام ~~والماء لمدة ثلاثة أسابيع، كما كان لديه ما يربو على أربعين مسدسا ~~وبندقية أوتوماتيكية. وكان أثناء النهار يتجول في المدينة مع غيره ~~من رجال الشرطة وجنود الحرس الوطني لإنقاذ من يحتاج إلى الإنقاذ. ~~وكان في كل يوم يقابل غيره من أفراد تنفيذ القانون لوضع خطط العمل؛ ~~فيتقاسمون المهام والمناطق فيما بينهم. # وقال إن رجال الحرس الوطني في المدينة كانت لديهم مقادير كبيرة ~~من البنزين، ولكن مؤنهم الأخرى كانت محدودة. وهكذا، كان ليما وغيره ~~من رجال شرطة نيو أورلينز يقتحمون الحوانيت الصغيرة ويأخذون منها ~~السجائر وتبغ المضغ حتى يستبدلوا بذلك البنزين، وأضاف ليما أن أغلب ~~رجال الحرس الوطني كانوا يحبون مضغ التبغ وتدخين السجائر من ماركة ~~مارلبورو، وأدى ذلك إلى توفير ما يحتاج إليه الطرفان. وقال ليما ~~إنه كان يعتبر النهب والسلب عنصرا مهما من المهمة؛ إذ كان ~~البنزين يساعدهم على إنقاذ من أنقذوهم، كما أنه كان يحتاج إليه ~~لتشغيل المولدين الكهربائيين لديه. وأما إن تعذر عليه العثور على ~~رجال الحرس الوطني الذين لديهم بنزين، فإنه كان يحصل على البنزين ~~بالمماص من السيارات والشاحنات. وقال إن حلقه التهب من كثرة ~~استخدامه المماص بعد العاصفة. # وقال: «كانت الفوضى تشيع في المكان كله.» # وقال ليما إنه بينما كان يتجول في زورقه ذي المحرك ذات يوم، لمح ~~أربعة رجال يغادرون أحد فروع محلات «والجرينز» التجارية حاملين ~~بضائع مسروقة. وبعد أن تركوا المحل وضعوا البضائع في زورق ذي محرك ~~يجمع بين اللونين الأزرق والأبيض. وكان مع ليما شخصان أنقذهما في ~~ذلك اليوم فلم يستطع مطاردة اللصوص حينذاك، ولكنه سجل الحادثة في ~~ذاكرته، وواصل جولاته فشاهد كثيرا من الجثث، وواجه بعض سكان ~~المدينة الغاضبين، وكان عدد كبير منهم يحملون السلاح. # وقال: «كان ذهني مضطربا.» # وأضاف قائلا إنه مر بعد يومين بمنزل في شارع كليبورن، وشاهد ~~الزورق ذا اللونين الأزرق والأبيض نفسه مربوطا في مدخل المنزل، ~~فأهرع عائدا إلى ساحة الإعداد عند تقاطع شارعي نابليون وسانت ~~تشارلز، وجمع طاقما من رجال الشرطة وأفراد الجيش. وكانوا «مدججين ms251 ~~بالأسلحة»، بالمسدسات والبنادق من طراز إم-16، ولم يكن يعرف الرجال ~~الأربعة الآخرين ولا المرأة من أفراد الطاقم، وركبوا جميعا زورقا ~~مسطحا إلى المنزل، وكان ليما الشرطي الرئيس عند القبض على من ~~بالمنزل. # وقال ليما إنهم عندما دخلوا المنزل شاهدوا ما تصوروا أنه بضائع ~~مسروقة فوق المنضدة في غرفة الطعام، ووجدوا الرجال الأربعة داخل ~~المنزل، وكان يبدو من منظرهم ومن المشهد كله أن مخالفة ما قد وقعت. ~~وأضاف: إنه كان واثقا بأن هؤلاء هم الرجال الأربعة أنفسهم الذين ~~شاهدهم يغادرون محل «والجرينز»، فألقوا القبض عليهم وجاءوا بهم إلى ~~ساحة الإعداد. # وقال: «كانت إجراءات القبض عادية إلى حد كبير، وكان الرجال ~~الأربعة جميعا في منتهى الهدوء.» # وسلموا الرجال إلى أفراد الحرس الوطني الذين وضعوهم في شاحنة ~~بيضاء. وقام ليما بإعداد الأوراق الخاصة بالقبض عليهم وسلمها إلى ~~الحرس الوطني الذي نقلهم بالشاحنة إلى معسكر جراي هاوند. وعاد ليما ~~في وقت لاحق إلى ذلك المعسكر حيث شاهد ممتلكات الأشخاص مرصوصة على ~~المنضدة؛ شاهد خرائط تود، والنقد الذي كان يحمله ناصر، وشرائح ~~الذاكرة، وقال: «كانوا يدبرون أمرا ما.» # وقال ليما إنه لم يكن واثقا ما نوع البضائع التي شاهد الرجال ~~الأربعة يسرقونها. ولم يشاهد أيا من البضائع التي تباع عادة في ~~محلات «والجرينز» في منزل شارع كليبورن. ولم يفرض الحراسة على منزل ~~شارع كليبورن باعتباره مكان الجريمة. ولم يستعد أي بضائع ~~سرقت من محل والجرينز، ولكنه كان واثقا بأن الرجال الذين كانوا ~~في المنزل قد ارتكبوا مخالفة ما، وإن كانت الظروف الاستثنائية في ~~نيو أورلينز في أعقاب العاصفة لم تسمح بتوخي الدقة في التحري إلى ~~الحد الذي كان يرجوه. # وقال: إن الإجراءات التي اتخذت بعد الاعتقال لم تكن هي الأخرى ~~معتادة ولا منصفة. وأوضح ليما ما يعنيه قائلا: لو كانت الظروف ~~عادية لوجهت السلطات الاتهام إلى الرجال على الوجه الصحيح، ~~وسمحت لهم بإجراء مكالمة تليفونية وتوكيل أحد المحامين، وأفرجت ~~عنهم بكفالة في غضون أيام معدودة، وأضاف قائلا: إنه عندما كان ~~يعمل في الشرطة، كان يشعر ms252 بالإحباط بسبب طبيعة عمل النظام القضائي ~~الذي يشبه الباب الدوار، فقد يقبض على شخص في الصباح فإذا به حر ~~طليق في الشارع في عصر اليوم نفسه. كان ذلك يدفع رجل الشرطة إلى ~~الجنون، ولكنه أقر بأنه لو توافر عنصر الضبط والربط المذكور لكان ~~مفيدا في هذه الحالة. # وقال: «كان الواجب أن يسمحوا لهم بإجراء مكالمة ~~تليفونية.» # وترك ليما العمل في شرطة نيو أورلينز في نوفمبر عام 2005، وانتقل ~~مع زوجته وابنته إلى مدينة شريفبورت. وظل يعمل في شرطة تلك المدينة ~~بعض الوقت، ولكنه كان يتلقى معاملة «كأنه مواطن من الدرجة ~~الثانية»، قائلا: إن رجال الشرطة فيها يعتبرون جميع رجال الشرطة ~~من نيو أورلينز فاسدين. وهكذا استقال، وهو يبحث الآن عن عمل جديد، ~~كان يعمل سمسارا قبل أن يلتحق بالشرطة وغدا ينظر في إمكان ~~استئنافه عمله السابق. ~~••• # وأحس زيتون وكاثي بتضارب مشاعرهما إزاء ما سمعاه من ليما ~~وجونزاليس. فمن زاوية معينة، وجدا بعض الراحة حين علما أن هذين ~~الشرطيين لم يتعمدا مطاردة رجل والقبض عليه لأنه من الشرق الأوسط، ~~ولكنهما أحسا بالقلق عندما أدركا أن محنة زيتون قد نشأت نتيجة ~~الجهل وسوء الأداء داخل النظام نفسه، وربما أيضا نتيجة لعقدة ~~الشعور بالعظمة من جانب الحرس الوطني وغيره من الهيئات المشاركة في ~~هذا، مهما تكن. كان ذلك يعني، بوضوح وجلاء، أنها لم تكن قضية وجود ~~تفاحة فاسدة أو تفاحتين فاسدتين في البرميل، بل إن البرميل نفسه ~~فاسد. # وبعد قليل تلقت كاثي رسالة بالبريد الإلكتروني تتضمن وثيقة تلقي ~~الضوء، فيما يبدو، على الحالة النفسية للجنود، وهيئات تنفيذ ~~القانون التي كانت تعمل في نيو أورلينز آنذاك. # كانت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ هيئة مستقلة على امتداد ~~عقود طويلة، ولكنها ضمت إلى وزارة الأمن الداخلي بعد أحداث 11 ~~من سبتمبر عام 2001. وكانت تلك الوكالة على مر التاريخ تمنح ~~سلطات واسعة في أعقاب كل حالة طوارئ فيدرالية؛ إذ كانت تتولى قيادة ~~جميع عمليات الشرطة، وإطفاء الحرائق وإنقاذ الأشخاص، وكان ذلك ما ~~حدث بعد إعصار كاترينا، إذ كان لا ms253 بد لهذه الوكالة من أن تتولى ~~المسئولية عن جميع السجناء الذين يجري إجلاؤهم من نيو أورلينز، ~~وهكذا كانت وزارة الأمن الداخلي هي التي تشرف على جميع السجناء، ~~ومن بينهم زيتون. # وعندما اتجه كاترينا إلى ساحل الخليج، أرسلت بالفاكس، وبالبريد ~~الإلكتروني أيضا، فيما يبدو، وثيقة من أربع صفحات إلى هيئات تنفيذ ~~القانون في المنطقة، وإلى وحدات الحرس الوطني المتوجهة إلى منطقة ~~الخليج، وكانت الوثيقة التي أصدرتها وزارة الأمن الداخلي في عام ~~2003 قد كتبها فريق «الخلية الحمراء» الذي يضم ممثلين من وزارة ~~الأمن الداخلي، ووكالة الاستخبارات المركزية، وجنود البحرية ~~الأمريكية، وشركات الأمن الخاصة، ومعامل «سانديا» الوطنية. # وكان قد طلب من اللجنة التي كتبت الوثيقة أن «تنظر في إمكان ~~استغلال الإرهابيين لإعصار مرتفع الدرجة». وعلى الرغم من أن مؤلفي ~~الوثيقة قد أقروا بأنه لم يكن من المحتمل أن ينشط الإرهابيون للعمل ~~خلال الإعصار أو بعده، فقد عددوا السبل التي قد يقومون فيها ~~بالعمل، قالوا: «من الممكن أن تقع عدة أنماط من الاستغلال للإعصار ~~أو العدوان في أي مرحلة من مراحل دورته، مثل احتجاز الرهائن، أو ~~الهجوم على الملاجئ، أو الهجمات بالكمبيوتر، أو التنكر في أزياء ~~المسئولين عن التصدي للطوارئ واستخدام معداتهم في الدخول حيث ~~يريدون.» كما قالوا إن هؤلاء الإرهابيين «قد يراودهم الأمل أيضا ~~في أن تكون وحدات الحرس الوطني وغيرها من الوحدات أقل كفاءة وغير ~~مزودة بالعتاد اللازم للرد عليهم لوجود الكثير منهم في مهمات خارج ~~أمريكا.» # وبعد ذلك أوردوا تصنيفا للنتائج التي توصلوا إليها، يحدد لها ~~ثلاث فئات: الفئة الأولى هي ما قبل الحدث، والثانية أثناءه، ~~والثالثة ما يعقبه، وكتب أعضاء اللجنة يقولون: على الأرجح سوف يلجأ ~~الإرهابيون قبل العاصفة إلى استغلال الفرصة «لاتخاذ تدابير ~~احتياطية لقياس مدى كفاءة استجابة الموارد المتاحة لحالة الطوارئ، ~~ومدى إمكان استمرار تنفيذ خطط العمل في هياكل البنية الأساسية ~~الحساسة.» وأدرج مؤلفو الوثيقة تحذيرا يقول إن الإرهابيين قد ~~ينقضون على طرق جلاء المواطنين، فيثيرون «الذعر الجماعي» و«فقدان ~~ثقة الجماهير بالحكومة». وقالت اللجنة إن نشاط الإرهابيين ms254 في أثناء ~~العاصفة «أقل احتمالا؛ بسبب سوء حالة الجو، واستحالة التنبؤ بمسار ~~العاصفة، وصعوبة حشد الموارد». وأما بعد العاصفة فكانت خيارات ~~الإرهابيين محدودة، وإن كانت فعالة؛ إذ قد يلجئون إلى «الاستناد ~~إلى ذعر الجماهير في زيادة قلقلة النظام وزعزعته بنشر الشائعات»، ~~ومن ثم «يزيدون من التغطية الإعلامية» وبذلك «يرهقون نظام الصحة ~~العامة». # وقدمت اللجنة عدة توصيات لتقليل الخطر الذي يمثله أمثال هؤلاء ~~الإرهابيين، وكان من بينها «اتخاذ المزيد من إجراءات الأمن (مثل ~~التفتيش على الهوية) في مراكز الإجلاء والملاجئ»، و«التنبيه على ~~الصف الأول من أفراد أجهزة التصدي للإعصار، والعاملين بالمواصلات ~~السلكية واللاسلكية، والمسئولين عن إعادة الطاقة الكهربائية عند ~~انقطاعها، بأن يشددوا من التحقق من الهويات حتى يمنعوا المحتالين ~~من الدخول دون وجه حق إلى الهدف الذي يقصدونه»، و«زيادة الورديات، ~~ورفع مستوى يقظة العاملين في المحطات الرئيسة لنقل السكان وإجلائهم ~~(مثل الجسور والأنفاق) بما في ذلك مراقبة أي مركبة مهجورة في هذه ~~المواقع وتصيدها.» # وانتهى رأي لجنة «الخلية الحمراء» إلى استبعاد قيام جماعة ~~إرهابية ثابتة بالعمل في الولايات المتحدة أثناء هبوب أحد ~~الأعاصير. وإن اتجه رأي أعضائها إلى «ترجيح قيام خلية إرهابية من ~~فصائل تلك الجماعة، أو إرهابي فرد، باستغلال الإعصار في موقع ~~هبوبه، وتضم هذه الفئة من لهم برامج سياسية محددة، أو المتطرفين ~~الدينيين، أو غيرهم من الأفراد المتذمرين.» # ليست كاثي واثقة إن كان سماع أمور مثل هذه مفيدا أو لا. لقد ~~ابتعدت عن إعصار كاترينا ابتعادا ذا وجوه عديدة، ولكن الآثار ~~المترسبة منه تصل إليها في أوقات غير متوقعة. قد تمر بها أيام ~~عادية كثيرة، فهي تأخذ الأطفال بالسيارة إلى المدرسة وتعود بهم، ~~وتقوم في أثناء وجودهم في المدرسة بإدارة شئون شركة المقاولات ~~والطلاء. وعندما يعود الأطفال من المدرسة تقوم بإعداد وجبات خفيفة، ~~ويشاهدون التليفزيون، ويؤدون واجباتهم المدرسية. # ولكن حدث منذ يومين أن طلبت كاثي من نديمة أن تساعدها. كانت ~~تحاول دخول الإنترنت، ولكنها لم تستطع تشغيل الجهاز. نظرت خلف ~~الكمبيوتر فوجدت الأسلاك متشابكة بصورة استعصت على إدراكها. # قالت ms255 لابنتها: «هل تساعدينني على الاتصال يا نديمة؟» # وهبت نديمة لمساعدتها، كانت كاثي هي التي جهزت كل كمبيوتر في ~~المنزل، كما ذكرتها نديمة الآن بذلك، وكانت كاثي هي التي علمت ~~نديمة كيف تستخدم هذه الأجهزة. كانت كاثي تعرف ذلك، ولكنها الآن لم ~~تستطع أن تتذكر مواضع الأسلاك ووظائف الأزرار وأساليب توصيل كل ~~شيء. ~~••• # وأصبح معسكر جراي هاوند موضوعا للتحقيقات الصحفية، ومنبع إثارة ~~لدهشة المدينة كلها، بل إن موظفي المحطة المشتركة للأوتوبيس ~~والقطارات ما زالوا يعجبون مما حدث للمحطة بعد العاصفة، ويسعد ~~شاغلي الوظائف الكتابية في محطة القطارات أن يطلعوا الزوار اليوم ~~على المكان الذي كانت تسجل فيه بصمات أصابع السجناء وتقاس ~~أطوالهم. ولا يزال مقياس الأطوال قائما، ولا تزال العلامات ~~المرقومة بخط اليد واضحة تحت إحدى اللوحات الجدارية المجاورة لمكان ~~قطع التذاكر، وكل ما عليك أن تزيح اللوحة، فتراها كما كانت في أيام ~~معسكر جراي هاوند. # وكما حدس زيتون، كان السجن قد بني بالجهود اليدوية إلى حد ~~كبير، وأثناء حبسه فيه لم يكن يستطيع أن يتخيل من من العمال كان ~~متاحا ومستعدا للعمل ساعات طويلة كل يوم بعد الإعصار، ولكن ~~الإجابة التي تلقاها معقولة إلى درجة ما؛ إذ قيل له إن العمل قد ~~قام به سجناء من سجن ديكسون لويزيانا، ومن سجن ولاية لويزيانا، ~~أنجولا. # كان سجن أنجولا أكبر سجن في البلد، وكان قد بني على مساحة ~~ثمانية عشر ألف فدان، كانت فيما مضى مزرعة تستخدم لتربية العبيد، ~~وكان المقصود من بنائه أن يضم المدانين بارتكاب أخطر الجرائم، وكان ~~يعتبر منذ عهد بعيد أخطر سجن في الولايات المتحدة، ولم يكن من ~~يدخله يأمل في الخروج منه، وكان عدد سجنائه يبلغ خمسة آلاف، ومتوسط ~~المدة المحكوم بها على كل منهم يبلغ 89,9 سنة. وعلى مر التاريخ كان ~~يفرض على النزلاء القيام بأعمال تقصم الظهور، وكان من بينها جني ~~محصول القطن بأجر لا يزيد على أربعة سنتات في الساعة. ونظم ~~النزلاء مظاهرة احتجاج جماعية منذ عدة عقود، قام فيها واحد وثلاثون ~~سجينا بقطع ms256 أوتار عراقيبهم كيلا يفرض عليهم العمل من جديد. # وفي وقت الإعصار، كان مارلين جوسمان، مأمور أبرشية أورليانز، ~~يعرف أن سجن أبرشية جوسمان الذي كان ينزل فيه معظم المتهمين الذين ~~ينتظرون المحاكمة، من المحتمل أن تغمره مياه الفيضان، فاتصل بمحافظ ~~سجن أنجولا بيرل كاين، واتفق معه على بناء سجن مرتجل فوق ربوة في ~~نيو أورلينز، فقام المحافظ كاين بتجميع الأسوار والمراحيض المحمولة ~~التي كانت متوافرة في سجن أنجولا، وأرسلها مع غيرها من المواد في ~~الشاحنات إلى نيو أورلينز، فوصلت بعد هبوب الإعصار على المدينة ~~بيومين. # كما أرسل كاين أيضا عشرات السجناء، وكثير منهم مدان بارتكاب ~~القتل العمد والاغتصاب، وكلفهم ببناء أقفاص للسجناء الجدد وللسجناء ~~الذين اضطروا إلى مغادرة سجن أبرشية أورليانز، وتمكن سجناء أنجولا ~~من إتمام إقامة شبكة السجون الخارجية في يومين، وكانوا ينامون ~~ليلا في المبنى المجاور لمحطة جراي هاوند. وأرسل كاين أيضا بعض ~~الحراس، وعندما اكتملت الأقفاص أرسل سجناء أنجولا مرة أخرى إلى ~~الشمال، وبقي الحراس. وكان هؤلاء هم الرجال الذين تولوا حراسة ~~قفص زيتون. # وعندما اكتمل السجن قال كاين إنه كان «بداية حقيقية لإعادة بناء» ~~نيو أورلينز. وفي الأسابيع التالية كان عدد الرجال والنساء السجناء ~~في معسكر جراي هاوند يزيد على 1200. # وقد اكتمل هذا المجمع، واكتملت هذه العملية الحكومية ذات الكفاءة ~~الفائقة، أثناء انحصار سكان نيو أورلينز في غرف السقف يتسولون ~~الإنقاذ من فوق أسطح المنازل وكباري الطرق العلوية، وكانت المراحيض ~~المحمولة متاحة وتعمل في معسكر جراي هاوند، بينما كانت حمامات قاعة ~~المؤتمرات والصالة الرياضية المغطاة عاطلة على بعد شوارع معدودة، ~~وكانت مئات صناديق المياه المعبأة في الزجاجات والوجبات الجاهزة ~~متاحة لمن يطلبها من الحراس والسجناء، بينما كان المشردون بالقرب ~~منهم يكافحون للحصول على الطعام والماء. ~~••• # كان يحدث أحيانا أن يكلم شخص ما كاثي بالإنجليزية فلا تفهم ما ~~يقوله. حدث ذلك منذ يومين مع أمباتا، وهي امرأة استأجرتها أسرة ~~زيتون للمساعدة في أعمال المكتب. كان الأطفال قد عادوا لتوهم من ~~المدرسة، والتليفزيون مفتوحا، والموسيقى تصدر من جهاز الاستريو، ms257 ~~والضجيج يملأ المنزل. وكانت كاثي وأمباتا ترسلان الفواتير، عندما ~~قالت أمباتا شيئا لم تستطع كاثي أن تفهمه، شاهدت فم أمباتا يتحرك ~~لكن الكلمات لم تحمل أي معنى إليها. # سألتها: «هل يمكنك تكرار ذلك؟» # فكررت أمباتا ما قالته. # لم يكن للكلمات معنى. # فقالت كاثي: «آسفة. لا أفهم ما تقولينه.» وداهمها الخوف، فهبت من ~~مجلسها في شبه لوثة وأغلقت التليفزيون، وجهاز الاستريو والكمبيوتر، ~~كانت تريد استبعاد كل المتغيرات. وجلست مرة أخرى مع أمباتا وطلبت ~~منها تكرار ما قالته. # وكررت أمباتا ما قالته، ولكن كاثي لم تستطع فهم الكلمات. ~~••• # وفي يوم من أيام 2006، كان زيتون يزور قريبه عدنان في المطعم ~~الذي يملكه في محطة المترو بوسط المدينة. وكان زيتون أحيانا ما ~~يتوقف هناك لتناول الغداء، وكان في ذلك اليوم يتناول وجبته حين ~~دخلت المطعم أمريكية من أصل أفريقي فارعة الطول. كانت تلبس الزي ~~العسكري ذا اللونين البني والأخضر، وكان من الواضح أنها من جنود ~~الحرس الوطني. كان وجهها مألوفا إلى حد بعيد. # وأدرك زيتون سبب تعرفه عليها، كان شبه واثق بأنها كانت من بين ~~الأشخاص الذين ألقوا القبض عليه، كانت عيناها هما اللتان شاهدهما، ~~وشعرها القصير كما شاهده، وحدق فيها بضع لحظات طويلة، وحاول ~~استجماع أعصابه ليقول لها شيئا، ولكنه لم يستطع أن يعثر على ما ~~ينبغي له أن يقوله، وسرعان ما انصرفت. # وسأل عدنان فيما بعد عنها: «هل سبق لك أن شاهدتها؟» ~~- «لست واثقا. لا أظن ذلك.» ~~- «لو جاءت مرة أخرى، فعليك أن تسألها بعض الأسئلة. سلها إن ~~كانت موجودة في نيو أورلينز بعد العاصفة.» # وقضى زيتون يومه في محاولة استرجاع حادثة القبض عليه والأسابيع ~~التي تلته. ولم يكن يتذكر الحادثة في كل يوم، ولكنه كان أحيانا ما ~~يصعب عليه إقصاء غضبه في أوقات متأخرة من الليل. # وكان يعرف أنه لن يستطيع العيش في المدينة إذا أحس أنه سوف ~~يواصل مقابلة أشخاص مثل هذه الجندية. كان يكفيه ما يشعر به من ألم ~~حين يمر بمحطة جراي هاوند. وإن كان ذلك محتوما بسبب ms258 موقعها ~~المركزي في المدينة، بل إنها كانت على مرأى من مستودع الأدوات ~~واللوازم المنزلية. كان قد عدل عاداته بصور محدودة كثيرة؛ إذ ~~كان حريصا حرصا خاصا على عدم ارتكاب أي مخالفة مرورية طفيفة. ~~كان يخشى ذلك لأن من شأن القضية أن تجعل منه هدفا للشرطة؛ فقد ~~يلفقون تهما ضده، أو يحاولون تبرير القبض عليه. ولكن هذه لم تكن ~~سوى خواطر عابرة، وكان يكافحها في كل يوم. # ولكن المواجهة كانت محتومة. # فبعد أربعة أيام من إطلاق سراحه، تسنى لزيتون الوقت اللازم ~~للنوم ولتناول بعض الطعام، وشعر بأنه أصبح أقوى. ولم يكن يريد أن ~~يعود إلى معسكر جراي هاوند، ولكن كاثي أصرت، وكان يعرف أنها على ~~حق؛ إذ كان لا بد له أن يسترجع حافظته، لأنها كانت تضم رخصة ~~قيادته، وإن لم يحملها كانت البطاقة الشخصية الوحيدة التي يحملها ~~هي بطاقة الهوية الخاصة بالسجن، وهي التي أعطيت له في سجن هنت. ~~وكان عليه أن يصطحب كاثي بالطائرة إلى فينيكس لإحضار الأطفال ~~وإعادتهم بالسيارة إلى المنزل، ولم يكن أمامه إلا أن يستعيد رخصة ~~قيادته حتى يتمكن من ذلك . وناقشا الأمر من جميع الزوايا ولم يجدا ~~خيرا من ذلك. كان عليهما أن يعودا إلى محطة جراي هاوند ويستعيدا ~~الحافظة. # وتوقفت سيارتهما في مدخل السيارات الذي رصف على شكل هلال، ولم ~~يكن حولهما غير سيارات الشرطة، والمركبات وعربات الجيب العسكرية، ~~وغيرها من سيارات الجيش. # وسألته كاثي: «بم تشعر؟» # وقال زيتون: «لست على ما يرام!» # وأوقفا السيارة في مكان الانتظار، ومكثا فيها برهة. # وقالت كاثي: «جاهز؟» كانت قد تهيأت للكفاح. # وفتح زيتون بابه، وسارا نحو المحطة، وكان خارج المدخل ~~جنديان. # وقال زيتون لكاثي: «أرجوك لا تقولي أي شيء.» # وقالت كاثي: «لن أنطق.» وإن كانت لا تكاد تعرف كيف تتحكم في ~~حنقها. # وكرر طلبه: «أرجوك لا تتكلمي.» وكان قد حذرها عدة مرات من أنهما ~~قد يلقى بهما معا في السجن، أو يعاد به إلى السجن، وقد يحدث شيء ~~ما. كان «شيء ما» قد حدث معه فعلا. # وأثناء ms259 اقترابهما من محطة الأوتوبيس، شعر زيتون بأنه كان ~~يرتعد. # قال لها: «اهدئي أرجوك. لا تزيدي الأمر سوءا.» # وقالت كاثي: «وهو كذلك. وهو كذلك.» # ومرا في طريقهما بأكثر من عشرة أفراد عسكريين ثم دخلا المبنى. لم ~~يكن منظره يختلف عما كان زيتون يذكره عنه. ولأول مرة في حياته حاول ~~أن ينكمش. حاول أن يخفي وجهه، فقد يكون الأشخاص الذين وضعوه في ~~القفص أنفسهم في ذلك المكان، واقتفى خطوات كاثي عبر الأبواب ~~المتوالية. # واستوقفهما جنديان، مر أحدهما بيديه على ملابس زيتون للتثبت من ~~عدم حمله سلاحا وفتش الآخر حقيبة كاثي. وطلبا منهما المرور من ~~بوابة الكشف عن المعادن، وعينا زيتون تجوبان المبنى بحثا عن أي ~~وجه رآه قبل ذلك. # وطلب من زيتون وكاثي الجلوس في صف من الكراسي، وكانت الكراسي ~~نفسها التي كان يجلس عليها زيتون أثناء التحقيق معه، وقيل لهما أن ~~ينتظرا فرصة مقابلة وكيل النيابة المساعد. وكان زيتون في حاجة ماسة ~~إلى الخروج بأقصى سرعة؛ فقد كان الموقف مألوفا إلى حد أبعد مما ~~ينبغي، ولم يكن واثقا بأنه سوف يخرج مرة أخرى. # وأثناء انتظارهما اقترب منهما رجل يحمل جهاز تسجيل صوتي. قال إنه ~~صحفي من هولندا وإن له صديقا كان قد احتجز ليلة في أحد الأقفاص، ~~وأفرج عنه منذ قليل. # وبدأ بسؤال زيتون وكاثي عن سبب وجودهما في ذلك المكان، فلم تتردد ~~كاثي وقالت له إن زوجها قبض عليه ظلما وأدخل سجنا مشدد ~~الحراسة، وحبس فيه ثلاثة وعشرين يوما، وإنهما الآن يحاولان ~~استرجاع ممتلكاته. ~~«ابتعد عنهما!» # رفعت كاثي بصرها فشاهدت شرطية في الخمسينيات من عمرها تلبس ملابس ~~التخفي العسكرية كاملة، تنظر إليهما في غضب وتصرخ في الصحفي ~~الهولندي، صاحت قائلة له: «اخرج من هنا! انتهت المقابلة.» ثم ~~التفتت إلى اثنين من رجال الحرس الوطني وقالت لهما: «إذا شوهد هذا ~~الرجل مرة أخرى، فاقبضا عليه وضعاه في قفص.» فاقترب الرجلان من ~~الصحفي. # ونهضت كاثي واتجهت نحو المرأة وقالت لها: «هل تحرمينني الآن من ~~حرية الكلام؟ أخذتم زوجي ولم تسمحوا لي بأن ms260 أكلمه أو أراه، ثم ~~تحرمونني الآن من قدرتي على الكلام بحرية؟ لا أظن هذا! هل تعرفين ~~شيئا عن حرية الكلام؟» # واستدارت الشرطية مبتعدة عن كاثي وأمرت بإخراج الصحفي، فاصطحبه ~~جنديان إلى الباب الأمامي، وقاما بإخراجه. # واقترب منهما وكيل النيابة المساعد، وكان رجلا أبيض ممتلئ ~~الجسم، وسألهما عما يريدان. وقالت كاثي من جديد إنهما في حاجة إلى ~~حافظة زوجها، فسار معهما الرجل إلى محل بيع الهدايا الذي تحول إلى ~~مكتب، كان صندوقا زجاجيا في منتصف المحطة حافلا بهدايا ثلاثاء ~~المرفع من تي شيرتات ومثقلات الأوراق. وشرح زيتون وكاثي ~~موقفهما. # وقال وكيل النيابة المساعد إنه يأسف لعدم تلبية طلبهما؛ لأن ~~الحافظة لا تزال تستخدم ضمن الأدلة، وانفجرت كاثي: «أدلة؟ كيف يمكن ~~استخدام بطاقة الهوية دليلا؟ فأنتم تعرفون اسمه، ولماذا تحتاجون ~~إلى البطاقة؟ إنه لم يرتكب جريمة بحافظته!» # وتأوه الرجل وقال: «أنا متعاطف معكما، لكنكما لا تستطيعان ~~استرداد البطاقة إلا بإذن وكيل النيابة.» # فسألته كاثي: «هل تعني إيدي جوردان؟ أين هو؟» # قال: «ليس هنا.» # فسألت كاثي: «ومتى يعود؟» # قال وكيل النيابة المساعد إنه لا يعرف. # وسارت كاثي مع زيتون فدخلا بهو المحطة، غير متأكدين من خطوتهما ~~التالية. ولكن سرعان ما لمحت من خلال النافذة الأمامية للمحطة إيدي ~~جوردان، كان واقفا في المقدمة، محاطا بكتيبة من الصحفيين. # وانطلقت كاثي من الباب لمواجهة جورادن، وكان يرتدي حلة من ~~ثلاث قطع. # سألته: «لماذا لا نستطيع الحصول على حافظته؟» # فقال جوردان: «أفندم؟» # وأوضحت كاثي له بإيجاز موقف زيتون، وكررت طلبها إعادة ~~حافظته. # وقال جوردان إنه لا يملك أن يفعل شيئا في هذا الصدد، واستدار ~~عنها، واستأنف حديثه مع الصحفيين! # ولمحت كاثي الصحفي الهولندي بالقرب منهم، وكانت تريد أن يعرف، هو ~~وغيره من الصحفيين ما يجري، فتكلمت بأعلى صوت ممكن: «ألقيتم القبض ~~على زوجي في منزله، والآن لا تريدون إعادة حافظته؟ ما الذي يجري ~~هنا؟ أي بلاء أصاب هذه المدينة؟!» # وهز جوردان كتفيه وانصرف. # وقالت كاثي لزيتون: «سنعود للدخول.» # لم يكن زيتون يدرك السبب، ولكن اللهيب في عيني ms261 كاثي لم يكن يشجع ~~على المناقشة. فعادا للدخول وذهبا مباشرة إلى وكيل النيابة ~~المساعد، كانت كاثي مصممة على ألا تجعل بطاقة هوية السجن اللعينة ~~هي التي تحدد شخصية زوجها، أي أن تصبح المستند الحكومي الوحيد في ~~يده للدلالة على هويته. # وقالت لوكيل النيابة المساعد: «لا بد أن تفعل شيئا!» كانت قد ~~غدت على وشك البكاء، وقد هدها الإحباط والغضب. # وأغلق وكيل النيابة المساعد عينيه، ثم قال: «دعيني أرى ما يمكن ~~أن أتوصل إليه.» وغادر المكتب، وبعد عشر دقائق عاد ممسكا بالحافظة ~~وسلمها إلى زيتون! # كانت فيها رخصة القيادة، وبطاقة الإقامة الدائمة، ولكن الحافظة ~~لم يكن بها أي نقود، أو بطاقات عمل أو بطاقات ائتمان. # وسأل زيتون: «أين الأشياء الأخرى؟» # وقال الرجل إنه لا يعرف، مضيفا: «لم يكن فيها غير ذلك.» # لم تكترث كاثي لذلك، لم تكن تريد في هذه اللحظة غير ما يثبت ~~اعتراف بلدها بأن زيتون من مواطنيه. # قالت: «شكرا يا سيدي، شكرا لك!» وأحست بأنها تريد أن تحتضنه. ~~كان أول شخص يمثل حكومة المدينة أو حكومة الولاية يبدي أدنى بادرة ~~إنسانية. بل إن هذه المهمة التي نفذها بيسر - أي استعادة حافظة رجل ~~حبس في قفص لا يبعد إلا أمتارا قليلة - بدت في هذا السياق عملا ~~يدل على شجاعة كبرى وتعاطف عميق. # ورحلا وهما يشعران بأنهما حصلا على أهم شيء، رخصة القيادة. وإزاء ~~طابع النظام القضائي للمدينة، كان مجرد بقاء الحافظة من قبيل ~~المعجزات. كانت كاثي قد سبق لها إلغاء بطاقات الائتمان، وأما ما ~~عدا ذلك فيستطيعان تعويضه. ~~••• # كانت هذه آخر مرة تشعر فيها كاثي بالقدرة على التركيز والغضب إلى ~~هذا الحد، وأما الآن فقد تلاشى التركيز، وإذا كانت لا تزال تغضب ~~فإن حالات الغضب قد قلت، ولم تعد تستطيع الغضب كما كان العهد بها ~~ذات يوم. وحيثما كانت تبدو جاهزة وراغبة في خوض أي معركة، أصبحت ~~الآن تفضل التراجع، وتدعيم وسائل دفاعها، ومضاعفة الأقفال على ~~الأبواب. ودائما ما تجد أنها توجس خيفة من أن يحدث لأسرتها شيء ~~ما، ms262 فهي لا تحب أن يلعب أطفالها في الحي، بل تريدهم أن يكونوا حيث ~~تراهم، حتى نديمة نفسها، التي بلغت الثالثة عشرة الآن وكادت تصبح ~~طول كاثي نفسها. وهي ترعاهم حين ينامون ولم يسبق لها قط أن فعلت ~~ذلك. وهي تطمئن عليهم عدة مرات أثناء الليل، وتستيقظ ثم يصعب عليها ~~العودة إلى النوم. # وغدت نديمة التي تتميز على الدوام بتحمل المسئولية وباللماحية ~~الفائقة تشارك في السهر على أخواتها. وأما زخاري الذي بلغ الثامنة ~~عشرة فيقيم مع بعض أصدقائه في نيو أورلينز، ويعمل في أحد مطاعم ~~عدنان في محطات المترو. وأما صفية وعائشة فهما كالعهد بهما دائما، ~~مرحتان، حافلتان بالبهجة، تفاجئان من حولهما بالغناء. وجميع ~~الأطفال ييسرون الحياة إلى حد بعيد لأحمد الصغير، المولود في 10 من ~~نوفمبر عام 2006، في مستشفى شرق جيفرسون. # وتجمع الآراء على أن أحمد طفل سعيد إلى درجة خارقة، فهو لا ~~يحرم أبدا من الاهتمام والرعاية؛ إذ تتناوب أخواته في حمله، ~~وإخراج كل ما هو خطر عليه من فمه، والقراءة له، وإلباسه ملابسهن ~~القديمة. # وقد أسعد زيتون كثيرا أن رزق بغلام، ولم يكن اختيار اسم له ~~موضع نقاش قط؛ إذ كان «أحمد» الاسم الأول والأوحد. # وأما أحمد، أخو زيتون، فلا يزال يقيم في إسبانيا، ويعمل الآن ~~مفتشا للسفن، وهو ينتظر من أخيه أن يأتي بالطفل الجديد إلى مالقة؛ ~~إذ حان وقت رؤية ابن أخيه المسمى على اسمه. # لم تعد كاثي تعمل كثيرا هذه الأيام، فعليها أن ترعى الطفل، ولم ~~يعد ذهنها يتسم بالذكاء اللازم - في الفترة الأخيرة - للقيام ~~بالأعمال المكتبية كلها بنفسها. والشركة تستعين الآن بمن يساعد ~~كاثي، مثل أمباتا وغيرها، وهو ما يتيح لكاثي الوقت الكافي للراحة، ~~وللقيام بواجبات الأمومة، ولمحاولة فهم ما جرى من أحداث في الثلاث ~~السنوات الأخيرة. # أضف إلى ذلك مواعيد الأطباء، فالأطباء يحاولون أن يعرفوا أسباب ~~الخدر الذي يصيب يديها فجأة، وغيرهم من الأطباء يدرسون مشكلات ~~الهضم عندها، ومشكلات الذاكرة. # طلب الأطباء من كاثي أن تحدد لهم أقسى صدمة نفسية تعرضت لها في ms263 ~~كل ما وقع بعد إعصار كاترينا. وكانت دهشتها الشخصية ودهشة الأطباء ~~كبيرة عندما تبينت أن ذلك كان بعد أن عرفت أن زيتون حي يرزق، وبعد ~~أن قيل لها إنه في سجن هنت، من دون أن يسمح لها برؤيته أو حتى ~~بمعرفة مكان انعقاد جلسة المحاكمة. كانت أقسى الصدمات وأشدها ~~إيلاما صدمتها عندما قالت المرأة لها بالتليفون إن مكان الجلسة: ~~«معلومات خاصة.» # وتقول كاثي: «أحسست بأنني شطرت شطرين.» # كيف يتأتى لهذه المرأة، وهي غريبة، أن تنكر حق كاثي بهذه ~~البساطة بعد أن عرفت مدى يأسها واستماتتها؟ كيف يمكن إجراء محاكمات ~~بلا شهود، وأن تجعل حكومة بلدها بعض الأشخاص يختفون؟ # قالت: «لقد حطمني ذلك!» # والآن، وفي ساعات الصباح الأولى أو الهزيع الأخير من الليل، بل ~~أحيانا وكاثي جالسة وأحمد الصغير ينام في حجرها، تجد أنها تتساءل ~~قائلة: «هل حدث ذلك كله حقا؟ هل حدث في الولايات المتحدة؟ هل حدث ~~لنا نحن؟» وتعتقد أنه كان يمكن تجنبه، كان من الممكن اتخاذ إجراءات ~~صغيرة كثيرة جدا. لقد شارك عدد بالغ الكثرة في حدوث ما حدث. وما ~~أكثر من غضوا الطرف عما يحدث. ولم يكن يتطلب الأمر إلا أن ينبري ~~للعمل شخص واحد، وأن تتخذ خطوة واحدة للخروج من الظلام إلى ~~النور. # كانت تريد أن تعرف هوية رجل التبشير، ذلك الرجل الذي قابل زوجها ~~في السجن وأخذ منه رقم تليفونها - الرسول - الرجل الذي خاطر بشيء ~~ما باسم الرحمة. # ولكن ترى هل خاطر بالكثير؟ لم يخاطر بالكثير حقا، فالمعتاد ألا ~~تحتاج إلى المخاطرة بالكثير لتصحيح أحد الأخطاء. وليس الأمر على ~~هذه الدرجة من التعقيد، بل إنه نقيض التعقيد. أن تتصل برقم أعطاه ~~لك رجل في قفص، وأن تقول للصوت في الطرف الآخر: «شاهدته.» هل هذا ~~معقد؟ هل أصبح ذلك عملا يتسم ببطولة عظمى في الولايات المتحدة ~~الأمريكية؟ # الواجب ألا يكون كذلك. ~~••• # ومن دواعي قلق كاثي أن زوجها يجهد نفسه في العمل، الآن، إلى حد ~~الإنهاك؛ إذ يعمل كل يوم، حتى في أيام الأحد. وهو يعود إلى ms264 المنزل ~~لتناول الطعام والرقاد، ولكنه يعمل كلما استطاع، وهي لا تستطيع أن ~~تفهم كيف يتأتى له ذلك وهو يصوم يومي الإثنين والجمعة - إذ ازداد ~~تدينه - كما يبدو أنه يأكل أقل مما كان يأكل، ويعمل بجد أكبر مما ~~عرف عنه في يوم من الأيام. # والأصدقاء الذين يعرفون ما حدث لزيتون بعد العاصفة يتساءلون: ~~لماذا لم يرحل؟! لم لم يذهب إلى مدينة أخرى، إلى بلد آخر - ~~حتى إلى سوريا - أو إلى أي مكان بعيد عن الذكريات المخطوطة في ~~ثنايا نيو أورلينز. ولا شك في أنه يتعرض لمشاعر مدلهمة عندما يمر ~~بمحطة جراي هاوند، وعندما يمر بالسيارة على المنزل في شارع كليبورن ~~حيث اعتقل مع صديقين وأحد الأغراب، وعندما يمر بسيارته على منزل ~~ألفين ويليامز وزوجته بيولا، وهما راعي الكنيسة وقرينته، يدعو لهما ~~بالرحمة؛ إذ توفيت بيولا ويليامز في عام 2007 ومات القس ألفين ~~ويليامز في عام 2008. # وعندما يمر بمنزل تشارلي راي، جاره في شارع كليبورن، يلوح بيده ~~محييا إن كان تشارلي جالسا في شرفة المدخل، وهو كثيرا ما يكون ~~جالسا فيها. وقد حدث في اليوم التالي للعاصفة، أن زار الحرس ~~الوطني تشارلي، وقالوا له إن عليه مغادرة المدينة، وإنهم سوف ~~يساعدونه على ذلك. وانتظروه حتى حزم حقائبه، ثم نقلوا حقائبه إلى ~~قاربهم، ونقلوه إلى إحدى نقاط الإخلاء؛ حيث حملته طائرة عمودية إلى ~~المطار، وأعطي تذكرة مجانية على الطائرة المسافرة إلى ~~نيويورك. # وكان إنقاذ تشارلي في يوم القبض على زيتون. وبعد مضي عدة أشهر ~~على العاصفة عاد تشارلي إلى نيو أورلينز، ولا يزال يقيم في شارع ~~كليبورن. # وأما تود جامبينو فيقيم الآن في مسيسيبي، وكان قد قضى أكثر من ~~خمسة أشهر في سجن هنت، وأطلق سراحه يوم 14 من فبراير عام 2006، ~~بعد إسقاط جميع التهم الموجهة إليه. وكان المبلغ الذي يحمله عند ~~القبض عليه يزيد على 2400 دولار، وصودر هذا المبلغ أثناء التحقيق ~~معه في معسكر جراي هاوند، وحاول مرارا بعد الإفراج عنه أن يستعيده ~~فلم يوفق، ولم يحصل على أي تعويض عن ms265 الأشهر الخمسة التي قضاها ~~في سجن مشدد الحراسة. # وبعد الإفراج عنه ذهب للعمل في منصة لاستخراج البترول في خليج ~~المكسيك، ولكنه فقد عمله في خريف عام 2008. # وقضى ناصر ديوب ستة أشهر في سجن هنت، وأسقطت آخر الأمر جميع ~~التهم التي وجهت إليه، وعندما أطلق سراحه حاول أن يستعيد مبلغ ~~عشرة الآلاف دولار الذي كان معه عند القبض عليه، لكن السلطات أنكرت ~~معرفتها به، ولم يكن المبلغ مسجلا لدى إحداها، ولم يستطع استعادة ~~نقوده - (تحويشة عمره) - قط. وفي عام 2008 عاد إلى سوريا. # وأما روني فقضى ثمانية أشهر في سجن هنت، ولم يبلغ أسرة زيتون أي ~~نبأ عنه منذ الإفراج عنه في ربيع عام 2006. # وانتقل فرانك نولاند وزوجته للإقامة في مكان آخر. كان جميع جيران ~~زيتون تقريبا في هذا الحي قد انتقلوا لأماكن أخرى، كما اختفت ~~أيضا المرأة التي وجدها زيتون في بهو منزلها - المرأة التي سمع ~~صوتها لأنه كان يجدف دون صوت - ولم يكن الساكن الجديد في منزلها ~~يعرف أين ذهبت، ولكنه كان قد سمع قصة إنقاذ زيتون لها. # وتلوح لذهن زيتون عظمة قاربه البسيط، ومزايا السير بهدوء ~~والإصغاء بدقة . وعندما أطلق سراحه أخذ مع كاثي يبحث عن القارب حيث ~~شاهده آخر مرة، في منزل شارع كليبورن، ولكنه كان قد اختفى. كما كان ~~المنزل قد سطا عليه اللصوص أيضا، وسرقوا كل شيء؛ لأن الجنود ورجال ~~الشرطة الذين قبضوا على زيتون تركوا المنزل دون إغلاق ومن دون ~~حراسة. وهكذا استطاع اللصوص أن يدخلوه دون عائق، ويفروا حاملين ~~جميع أمتعة السكان، بل كل ما كان تود قد أتى به إلى الغرف الأمامية ~~كي لا تصيبه المياه. # وقد استعاض عن كل ما ضاع، لكنه يفتقد القارب، وهو يفتش بعينيه في ~~كل مكان عنه، آملا أن يراه في واحد من مبيعات «الكراكيب» في فناء ~~أحد المنازل، وهو على استعداد لشرائه من جديد، وخطر له أنه ربما ~~احتاج إلى شراء قارب جديد. وربما ازداد حب بناته للقارب اليوم، ~~وربما أحس أحمد الصغير بجاذبية البحر مثل ms266 عمه وأبيه وجده وما لا ~~يحصى من أفراد أسرة زيتون من قبلهم. # في بعض الليالي يكافح زيتون حتى ينام، وفي ليال أخرى تطوف ~~بخياله الوجوه، وجوه الذين قبضوا عليه، والذين سجنوه، والذين كانوا ~~ينقلونه ما بين الأقفاص كالحيوان، والذين نقلوه نقل المتاع. ويخطر ~~بباله أولئك الذين عجزوا عن اعتباره جارا لهم، مواطنا من ~~مواطنيهم، وإنسانا مثلهم. # وأخيرا يأتيه النوم، ويصحو في الصباح على أصوات أطفاله - أربعة ~~صغار في المنزل الآن - وأصوات بالغة الكثرة في المنزل الذي كبر ~~حجمه الآن، ورائحة الطلاء الحديث تملأ البيت بالإمكانات. إن ~~الأطفال يخافون الماء ولا شك، وعندما انفجرت إحدى الأنابيب في ~~العام الماضي امتلأ البيت بصراخهم وكوابيسهم، ولكنهم يكتسبون القوة ~~تدريجيا وببطء. ومن أجلهم يجب أن يتحلى بالقوة. وعليه أن ينظر ~~إلى المستقبل، عليه أن يوفر لهم الطعام، وأن يحتضنهم، وأن يبين لهم ~~أن لله غاية فيما مروا به من محن، وهو يقول لهم ربما كان الله ~~عندما سمح بدخوله السجن قد أنقذه مما هو أسوأ. # وهو يقول لهم: «كل حادث له سبب؛ وعليك أن تقوم بواجبك، وأن تفعل ~~ما هو صواب، والباقي في يد الله.» ~~••• # وتابع زيتون مسار إعادة بناء المدينة، كانت السنوات الأولى ~~غاصة بالإحباط؛ إذ ظل رجال التشريع والتخطيط يتشاجرون حول ~~التمويل وحول البرامج. إن موطنه نيو أورلينز لا يحتاج إلى خطب، ولا ~~مهاترات، ولا مناورات سياسية، بل يحتاج إلى أرضيات جديدة، وأسقف ~~جديدة، ونوافذ وأبواب وسلالم جديدة. # وقضى عدد كبير من عملائه وقتا طويلا في انتظار تلقي أموال ~~التأمين، أو أي أموال من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ؛ بسبب ~~ضرورة التغلب على عدد يصعب حصره من التعقيدات. ولكن العجلة بدأت ~~تدور اليوم، وبدأت المدينة تنهض على قدميها، وتمكنت شركة زيتون ~~للمقاولات والطلاء، منذ إعصار كاترينا، من إعادة 114 منزلا إلى ما ~~كانت عليها جميعا، أو حتى تحسين أحوال بعض هذه المنازل. # واشتري زيتون شاحنة جديدة، ويسير بها اليوم في المدينة، في ~~الضواحي، وحي الحدائق، والحي الفرنسي، وحي ليكفيو، والضفة الغربية، ~~وشوارع برودمور، ms267 وميتاري، وجنتيلي، والحي التاسع، وحدائق ميرابو، ~~وكلما شاهد منزلا يبنى، بغض النظر عمن يقوم بالإنشاء، ابتسم ~~وجالت بخاطره كلمة واحدة هي: «البناء! إلى البناء! البناء! ~~البناء!» # وهكذا يقوم بجولاته، للاطمئنان على ما يقوم به عماله، فهم ~~منهمكون في تنفيذ بعض المشروعات الرائعة المهمة، وعلى الرغم من ~~تباطؤ النشاط الاقتصادي، فإن العمل كثير. # فهم يعملون مثلا في ترميم المبنى رقم 28 في شارع مكدونوه، وهو ~~مبنى مدرسة عليا للصغار في حي إسبلاناد. وكانت المدرسة قد أغلقت ~~منذ العاصفة، ولكنها يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه؛ إذ يتولى ~~زيتون إصلاح الهيكل الخشبي وسد الفجوات بالتيل والمعجون، وطلاء ~~الجدران الداخلية بألوان رمادية وخضراء وبيضاء، ولن يستغرق ذلك ~~زمنا طويلا، وما أجمل أن نشهد افتتاح المدرسة مرة أخرى! # وهو يعلم أنه الأيسر له، سواء فيما يتعلق بهذا المبنى أو بكثير ~~غيره، أن يهدم المبنى ويبدأ من جديد، فالأسهل قطعا، من وجهة نظر ~~المهندس الإنشائي، أن تبدأ بقطعة أرض مسطحة خالية. ولكنك في هذه ~~الحالة سوف تفقد الكثير. وهكذا، فعلى امتداد السنوات الثلاث التي ~~عمل فيها بإعادة البناء، لم يتوقف عن طرح هذا السؤال في البداية : ~~«ما الذي يمكن إنقاذه؟» # خذ مثلا مبنى مخبز «لايدنهايمر» في شارع سيمون بوليفار: إنه ~~بناء رائع من الطوب الأحمر، يزيد عمره على مائة عام، ولا يزال يدير ~~المخبز أحفاد جورج لايدنهايمر، المهاجر الألماني. وكان زيتون يعتز ~~بإسناد العمل إليه، كشأنه بالنسبة إلى كل مبنى يتمتع بأهمية خاصة؛ ~~إذ كان يكره هدم تلك المباني. ولقد تحمل الهيكل الحجري العاصفة ~~ونجا تماما، ولكن النوافذ وكل ما صنع من الخشب في حاجة إلى إعادة ~~الصقل أو استبدال غيرها بها. وهذا ما يتولاه زيتون الآن مع عماله، ~~إلى جانب إعادة تصميم ديكور المكتب الداخلي، بإنشاء بعض الخزانات ~~فيه وطلاء الفتحات. # وخذ أيضا كنيسة الأبرشية، واسمها كنيسة سانت كليمنت في روما، في ~~تقاطع حي إسبلاناد الغربي مع حي ريتشلاند؛ فالأبنية الخشبية في ~~داخلها تحتاج إلى التشذيب وإعادة الصقل، وأصيب ظاهر المبنى ببعض ~~الأضرار، ms268 ولا بد لهم أن ينظفوه بالماء المندفع بضغط عال، ثم ~~يصنفروه ويسدوا فجواته بالمعجون، ثم يعيدوا طلاء كل جدار ونافذة. ~~وزيتون يعتزم الإشراف على ذلك المشروع بأكبر قدر من الحرص ~~والرعاية، فهكذا شأنه دائما عندما يطلب لترميم أي بيت من بيوت ~~العبادة، واثقا بأن الله يشهد العمل الذي يؤديه هو وكاثي ورجاله، ~~وهكذا فلا بد من أدائه بأكبر قدر من العناية والدقة، بل - كما يقول ~~لعماله - بروحه وقلبه. # ولا يسعد «زيتون» شيء أكثر مما يسعده مجرد إحساسه بالحرية، وبأنه ~~في مدينته. فهي مدينة أحلامه، المكان الذي تزوج فيه، وولد فيه ~~أطفاله، وحيث منحه الجيران ثقتهم. وهكذا فإنه يركب كل يوم شاحنته ~~البيضاء، التي ما زالت تحمل شعار قوس قزح، وينطلق شاقا طريقه في ~~المدينة، ويشهدها وهي تنهض من جديد. # ويقول زيتون في نفسه: إن ذلك كان ابتلاء لنا. من ذا الذي ينكر ~~أننا ابتلينا أو اختبرنا؟ ويقول: ولكن انظر إلينا الآن؛ لقد غدا ~~كل شخص أقوى مما كان، وعلا صوت كل من ظن أن الله نسيه أو أن وطنه ~~نسيه، وازداد قدرة على التحدي، وازداد عزما وتصميما، كان هؤلاء ~~يعيشون من قبل ، وهم يعيشون الآن من جديد، في مدينة نيو أورلينز، ~~وفي الولايات المتحدة الأمريكية. وكان عبد الرحمن زيتون موجودا من ~~قبل، ويوجد الآن من جديد في مدينة نيو أورلينز، وفي الولايات ~~المتحدة الأمريكية. وليس أمامه الآن إلا أن يؤمن بأنه لن يتعرض ~~أبدا بعد الآن للنسيان، أو لإنكار وجوده، أو لمن يدعوه بأي اسم ~~آخر غير اسمه. عليه أن يتسلح بالثقة وبالإيمان. وهكذا، فهو يمارس ~~مهنة البناء؛ لأن البناء وإعادة البناء، ثم إعادته من جديد، عمل ~~يقوم على الإيمان، وهل هو غير ذلك؟ لا يوجد إيمان مثل إيمان من ~~يبني المساكن في ساحل لويزيانا، ولا توجد طريقة أفضل من البناء ~~تكفل لك أن تثبت لله وللجيران أنك كنت موجودا في ذلك المكان، وأنك ~~موجود فيه، وأنك إنسان. من ذا الذي يمكنه أن ينكر مرة أخرى أنه ~~ينتمي إلى ذلك ms269 المكان؟ ولو احتاج الأمر إلى ترميم كل بيت في هذه ~~المدينة، فسوف يقوم بذلك، حتى يثبت أنه جزء من ذلك المكان. # وأثناء قيادته للسيارة في المدينة أثناء النهار، وأثناء أحلامه ~~بها في الليل، يحلق ذهنه في أحلام يقظة رائعة؛ إذ يرسم لهذه ~~المدينة صورة لا تقف عند حدود ما كانت عليه، بل صورة أفضل، وأفضل ~~بمراحل. وذلك يمكن تحقيقه. نعم، لقد مر زمن حالك بهذا البلد، ~~وأما الآن فنشهد شيئا يشبه النور. فالتقدم يتحقق، لقد أزلنا ~~العفن، وندعم الآن الأساسات، وما زال أمامنا عمل كثير، وكلنا يعرف ~~ما لا بد من عمله، وهو يقول لكاثي، ولأطفاله، ولعماله، ولأصدقائه، ~~ولكل من يقابله: ليس علينا إلا أن نقوم بالعمل. وإذن فعلينا أن ~~ننهض مبكرا ولا نأوي إلى الفراش إلا في وقت متأخر، وعلينا أن ننجز ~~العمل، طوبة طوبة، ومبنى من بعد مبنى. وما دام يستطيع تصور ذلك ~~فهو ممكن التحقيق. لقد كان هذا نسق حياته كلها؛ أحلام مضحكة تعقبها ~~ساعات وأيام وسنوات من العمل، وبعدها تبرز حقيقة تتجاوز أقصى شطحات ~~آماله وتوقعاته. # وإذن لماذا تختلف الحال الآن هنا؟ # | مؤسسة زيتون # تذهب جميع عوائد المؤلف من هذا الكتاب إلى مؤسسة زيتون، التي أنشأتها ~~أسرة زيتون مع المؤلف ودار نشر ماكسويني في عام 2009. والغرض من هذه ~~المؤسسة المعاونة في إعادة بناء نيو أورلينز، وتعزيز احترام حقوق ~~الإنسان في الولايات المتحدة وفي شتى أرجاء العالم. وسوف تقوم مؤسسة ~~زيتون بتقديم منح مالية من عوائد هذا الكتاب، ومن بين أوائل الجهات ~~المستفيدة المنظمات التالية التي لا تستهدف الربح: # إعادة البناء معا # تركز عمليات منظمة «إعادة البناء معا» في ساحل خليج المكسيك على ~~إصلاح ألف مسكن والحفاظ عليها، وهي المساكن التي يمتلكها ذوو الدخل ~~المنخفض، وأصابتها الأضرار في أعقاب إعصار كاترينا وإعصار ~~ريتا. # www.rebuildingtogether.org # المشروع الأخضر # تشتري منظمة المشروع الأخضر وتعيد بيع مواد البناء التي ~~أنقذت في منطقة نيو أورلينز، والغرض من ذلك تشجيع إعادة تدوير ~~هذه المواد، وبذلك تقل نسبة الإهدار، وتمكين سكان نيو أورلينز من ms270 ~~شراء مواد زهيدة السعر، والحفاظ على التاريخ المعماري ~~للمنطقة. # www.thegreenproject.org # مركز المساعدة الرأسمالية بولاية لويزيانا # في أعقاب إعصار كاترينا أصبح هذا المركز قوة رائدة في تحديد ~~أماكن آلاف السكان النازحين، وإلقاء الضوء على محنة السجناء الذين ~~أخرجوا من ديارهم فتعرضوا لظروف بشعة، وضمان الإفراج عن مئات ~~السكان الذين حبسوا ظلما، ويهدف هذا المركز حاليا إلى توكيل ~~المحامين عن المتهمين في ولاية لويزيانا الذين يواجهون عقوبة ~~الإعدام، ويسعى إلى التصدي للتعصب العنصري في نظام العدالة ~~الجنائية. # www.thejusticecenter.org/lcac # مشروع البراءة في نيو أورلينز # هذه المنظمة مقرها نيو أورلينز، وهي تقدم المعونة القانونية ~~للذين أدينوا ظلما، وتساعدهم في الانتقال من الحبس إلى الحرية. ~~ويركز أفراد المنظمة على الولايتين اللتين تتسمان بأعلى معدلات ~~الحبس (ومعدلات الإدانة ظلما) وهما ولايتا: لويزيانا، ~~ومسيسيبي. # www.ip-no.org # مجلة ميناء # ميناء مجلة أدبية تصدر بلغتين في المدينتين الساحليتين وهما: نيو ~~أورلينز، والإسكندرية في مصر، وكل منهما ميناء. وتنشر المجلة الشعر ~~والقصص والمقالات وأدب الرحلات، والفنون الإعلامية المتداخلة، ~~والرسوم. وتهدف مجلة ميناء إلى أن تكون ميناء يصل ما بين العالمين ~~الغربي والعربي من خلال تبادل الأفكار حول الثقافة واللغة، والصراع ~~والسلم عن طريق الكتابة والحوار. # www.meenamag.com # منظمة مدخل الحي السابع الثقافية # تلتزم هذه المنظمة بالحي السابع في نيو أورلينز، والمدخل هو مكان ~~التجمع والمشاركة الثقافية والاجتماعية. ويهدف المدخل إلى تعزيز ~~ثقافات الحي والمدينة والمنطقة واستمرارها، وتبني التبادل بين ~~الجماعات الثقافية. # www.ny2no.net/theporch # الجمعيات الخيرية الكاثوليكية، في مطرانية رئيس أساقفة نيو ~~أورلينز # تعمل هذه الجمعيات الخيرية ~~الكاثوليكية مع مجتمع نيو أورلينز كله على توفير احترام كرامة كل ~~إنسان. وهي تدير حاليا أحد عشر مركزا اجتماعيا في منطقة نيو ~~أورلينز الكبرى؛ للمساعدة على التغلب على آثار الإعصار. وتقدم هذه ~~المراكز خدمات خاصة لكل حالة على حدة، إلى جانب المساعدات ~~المباشرة، وغير ذلك من الخدمات وفق ما تدعو الحاجة إليه. # www.ccano.org # منظمة الغوث الإسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية # تجتهد منظمة الغوث الإسلامي للتخفيف من حدة المعاناة والجوع ~~والأمية والمرض في شتى أرجاء العالم، بغض النظر عن ms271 اللون أو الجنس ~~أو العقيدة. وفي حالة الكوارث التي يتسبب فيها الإنسان أو الكوارث ~~الطبيعية، تهدف إلى تقديم الإغاثة العاجلة. وهي تعمل مع برنامج ~~الأغذية العالمي للأمم المتحدة ووزارة التنمية الدولية على إنشاء ~~مشروعات إنمائية في المناطق المعوزة للمساعدة على قهر الفقر على ~~المستوى المحلي. # www.irw.org # جمعية المسلمين الأمريكية # هذه منظمة خيرية ودينية واجتماعية وثقافية وتربوية لا تهدف ~~للربح. ورسالتها إنشاء جهاز متكامل لتدعيم مجتمع المسلمين ~~الأمريكيين من خلال التعليم المدني، والتدريب على قيادة المجتمع ~~المحلي، والامتداد المجتمعي محليا، وبناء الائتلافات. كما تجتهد ~~المنظمة لإقامة علاقات إيجابية مع المؤسسات الأخرى خارج مجتمعها ~~المحلي، في سبيل تيسير حماية الحقوق والحريات المدنية للمسلمين ~~الأمريكيين وجميع الأمريكيين. # www.masnet.org # معهد نيو أورلينز # معهد نيو أورلينز مكرس لمواطني المدينة الملتزمين، وهو مصمم على ~~تشجيع إيجاد الحلول المحلية. وهو تحالف يمثل شبكة من المواطنين ذوي ~~الاهتمامات المشتركة، والالتزام بتبني تدعيم صلابة نيو أورلينز ~~ومرونتها من خلال التجديد. # www.theneworleansinstitute.org # | شكر وتقدير # تود أسرة زيتون أن تعرب عن شكرها وتقديرها ل: # أحمد زيتون، السيدة تروفانت، يوكو وأحمد ألاكوم على تحملهما لنا في ~~أحلك ساعات حياتنا، ماري أماروني، كريستال وكين كيلي، سيليست وتوم ~~بيتشاتش، أسرة كو لندر، توم ولوقا، ونبيل أبو خضر، ومحمد سلام، وروب ~~فلورنس، وجميع من ساعدونا. # يود المؤلف أن يعرب عن شكره وتقديره للعمل الذي قام به من يلي من ~~الصحفيين والباحثين: # جوين فيلوسا، روب نيلسون، بروس نولان، إيميت ماير الثالث، مارك ~~شلايفشتاين، جون ماكوسكر، صحيفة «تايمز-بيكايون في نيو أورلينز»، ~~الدكتور دانيل ل. هاولمان، بهيئة البحوث التاريخية بالقوات الجوية، ~~الرقيب الفني مارك دياموند، بهيئة الأنباء الشهرية بالخدمات الطبية ~~للقوات الجوية، جيني كارشمان، وميشيل فراري، وستيفن آيفز، ولينزي ~~ميجرو، وأماندا بولاك، ومارك ساملز، بصحيفة ذي أميريكان إكسبيريانس، ~~دونا مايلز، ورودي ويليامز، بالجهاز الصحفي للقوات الأمريكية، مارينا ~~سيديريس، بالفريق العامل من أجل العفو، بيتي ريد، بصحيفة أريزونا ~~ريببليك، جوزيف تشينيلي، بصحيفة آرمي تايمز، كريج أليا، بصحيفة آرمي ~~ماجازين، لوليتا س. بولدور، ووندي بنجامينسون، وريك باومر، وألن ج. ~~بريد، ms272 وميلندا ديزلاته، ولندا كلايندنست، ومارلين مارشيون، وبريت ~~مارتل، وجانيت ماكونوي، وكيفن ماكجيل، وآدام نوسيتر، وجون سولومون، من ~~وكالة أسوشي تدبرس، وكيلي برادلي، والمقدم تيم دونوفان، ولاري سومرز، ~~من مجلة آت إيز، ميكي نوح، من دار نشر بابتيست برس، أولنكا فرينكيل، من ~~محطة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إيمي جودمان، من مجلة ~~الديموقراطية الآن، براندون ل. جاريث، وتانيا تتلو، من مجلة ديوك لو ~~جورنال، تشارلي سفدج، من صحيفة بوسطن جلوب، باتريك جونسون، من صحيفة ذا ~~كريستيان سيانس مونيتور، جيمس ويسلون، من صحيفة الجارديان، جيسون ~~كارول، أندرسون كوبر، جاكي جيراس، كريس لورنس، إد لافاندرا، روب ~~مارشيانو، إد زاريلا، جين ميسيرف، بيتي نجوين، من محطة سي إن إن، تمارا ~~أودي، من صحيفة ديترويت فري بريس، نيل دي موس، ستيف راندول، من صحيفة ~~إكسترا، تود ستابينج، من وكالة أنباء فورت مايرز، ديف رينولدز، من ~~صحيفة إنكلوجن ديلي بريس، عدنان بوني، من جمعية غرفة إيران، جاي ~~سيبولد، من مجلة علم الاجتماع السياسي والحربي، ستيسي باركر، وستيسي ~~باركر آب، من مشروع التاريخ الشفوي لتجربة كاترينا، وألان زارمبو، من ~~صحيفة لوس أنجلوس تايمز، النقيب ديفيد نيفرز، من مجلة جنود البحرية، ~~وجيريمي سكاهيل، من صحيفة ذا نيشن، والرقيب جون سوسي، من مكتب الحرس ~~الوطني، ودانيل ب. براون، وريتشارد د. ناب. وجيمي ر. روم، من المركز ~~الوطني للأعاصير، وجون بيرنيت، وجيف بريدي، من محطة ناشيونال ببليك ~~راديو، وكين منسون، من مجلة مذكرات بحرية، وديان أ. ديز، من مذر جونز، ~~وكيرتيس أ. أوتز، من المركز التاريخي البحري، وروث بيرجرين، من المجلة ~~الطبية في نيوإنجلند، ولو دولينار، من مجلة نيويورك بوست، وديفيد كار، ~~وميليسا كلارك، ون. ر. كلاينفيلد، وميريل بيرلمان، وشادي رحيمي، وجوزيف ~~ب. تريستر، وريتشارد و. ستيفينسون، وأليكس بيرنسون، وسيويل تشان، وبول ~~فون زيلباور، من صحيفة نيويورك تايمز، وساريتا سارفاتي، من وكالة أنباء ~~المحيط الهادئ، وكيفين كالان، من بادلنج دوت نت، وإيفون حداد، ~~وفاريبورتز هاجشيناس، من مجلة مراقبة السياسات، وبيتر هندرسون، ومايكل ~~كريستي، وجين ساتون، من وكالة رويترز، وريتشارد بيرجس، ms273 من مجلة القوة ~~البحرية، وجوردان فلايرتي، من مجلة دراسات جنوبية: مجلة مشتركة بين ~~التخصصات للجنوب، وموريس ميريل، من مجلة الجنوب الفصلية، وفريد كابلان، ~~من مجلة سليت، وإنجي ولينج، من مجلة أنباء صحراء سولت سيتي، وكين كاي، ~~وروبرت نولين، من مجلة ساوث فلوريدا صن سنتنيل، وجيف شوجول، من مجلة ~~ستارز آند سترايبس، وهاري ماونت، من صحيفة التلغراف، وأمير ماكلوين، من ~~صحيفة التايمز اللندنية، وماثيو فان دوسن، من صحيفة التايمز لشمال غربي ~~إنديانا، وجويل ستاين، من مجلة تايم، وأنا مولرين، ودان جيلجوف، من ~~مجلة يو. إس. نيوز وورلد ريبورت، ودجلاس برنكلي، من مجلة فانيتي فير، ~~ورينيه ميرلي، وجاي جوليوتا، وبيتر هوريسكي، ويوجين روبنسون، من مجلة ~~واشنطن بوست، ومايكل بوب، وكريستيانا هالسي، من مجلة الجمارك وحماية ~~الحدود اليوم، مركز حقوق الإنسان والعدالة العالمية، وتشارلز جندا، ~~من # Chucksphotospot.com ~~، وجوردان ~~فليرتي، من كالر لاينز، ويوجن تارنو، الدكتور من # Cogprints.org ~~، وإيمي بلاسكو، ~~وستيف بومان، ولورنس كاب، من وزارة الدفاع، والرائد مارك برادي، ~~والنقيب ليزا كويجنسكي، والرقيب ليز نيوبورت، من مجلة أخبار الجيش ~~الأمريكي الأول، وجاري ميسون، من صحيفة جلوب أند ميل، وهيو هيوويت، من ~~برنامج هيو هيوويت، وقناة إندي، وجامعة إنديانا، بلومنجتون، ومشروع ~~البراءة، والعاملون في صحيفة كيلين ديلي هيرالد، وجيسون براون، من ~~صحيفة لافاييت ديلى أدفيرتايزر، وجيمي داوارد، من صحيفة الأوبزيرفر ~~اللندنية، وروزا بروكس، من صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وكريس كيلي، من # MichelleMalkin.com ~~، مايكل روبنز، ~~من التاريخ الحربي، والعاملون في صحيفة أخبار نابولي اليومية، ~~والعاملون بمجلة ملاحظات # NGAUS ~~، ~~والمقدم ديدرا تومبلسون، من الحرس الوطني، وإريك ستودينيكا، من مكتب ~~الحرس الوطني، ومن المكتب الإعلامي للقوات البحرية، وكارل كوينتانيلا، ~~وتوني زومبادو، من محطة أنباء # NBC ~~، ~~ونيو أورلينز كوبواتش، وجين هكربي، من مركز جامعة نيويورك لحقوق ~~الإنسان والعدالة العالمية، والدكتور الطبيب جريجوري سميث، والدكتور ~~الطبيب وودهول ستوبفورد، من المجلة الطبية ولاية نورث كارولاينا، وموقع Peopleshurricane.org ~~، وكيث وودز، ~~من مؤسسة بوينتر، وإريك بار، وتايلور رانكين، وجون بيرد، من # Think Quest ~~، وديفيد كروسلاند، من ~~صحيفة التايمز اللندنية، وحرس السواحل للولايات ms274 المتحدة، ومارينا ~~سيديريس، من كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجيري سيبر، من ~~صحيفة واشنطن تايمز # Wrongful-Convictions.Blogspot.com ~~، ~~وكيلي ليوسيس، وكاثرين يوريكا، من # yuricareport.com, ~~Neworleans.indymedia.org ~~. # وكانت الكتب والتقارير التالية ذات أهمية حاسمة في كتابة ~~«زيتون» # الطوفان العظيم: إعصار كاترينا، نيو أورلينز، وساحل خليج المسيسيبي، ~~بقلم دجلاس برنكلي (ويليام مورو، 2006)، الجو السيئ والخطر، بقلم بوب ~~راوبر، وجون والش، ودونا شارلفوا (نشر دار كندول هنت، 2005)، عن ~~المخاطر والكوارث: دروس من إعصار كاترينا، تحرير رونالد ج. دانيالز، ~~دونالد ف. كيتل وهوارد كونرويئر (دار نشر جامعة بنسلفانيا، 2006)، ~~إعصار كاترينا: الكارثة الأمريكية غير الطبيعية، بقلم جيرمي أ. ليفيت ~~وماثيو. ويتاكر (دار نشر جامعة نبراسكا، 2009)، سواء أتى الجحيم أو ~~الطوفان، بقلم مايكل إريك دايسون (باسيك سيفيتاس، 2006)، الكارثة: ~~إعصار كاترينا وفشل الأمن الداخلي، بقلم روبرت بلوك وكريستوفر كوبر ~~(سلسلة كتب هنري هولت، 2006)، في ربوع نيو أورلينز: تأملات من مدينة ~~غارقة، بقلم بيلي سذرن ونيكي بيج (دار نشر جامعة كاليفورنيا، 2007)، ~~جوهر القرآن من ترجمة وتقديم توماس كليري (الناشر هاربر كولينز، 1993)، ~~تاريخ سوريا الحديث بقلم أ. ل. طيباوي (دار نشر سانت مارتن، 1969)، ~~خمسون عاما من حياة سوريا ولبنان الحديثتين بقلم جورج حداد (دار ~~الحياة، 1950)، سوريا الحديثة، من الحكم العثماني حتى الدور المحوري في ~~الشرق الأوسط، من تحرير موشي ماعوز، وجوزيف جينات، وعون وينكلر (دار ~~نشر ساسيكس، 1999)، مساندة قوة المستقبل الشاملة، بقلم جون ج. درو، ~~وكريستين ف. لينش، وجيمس ماسترز، وسالي سليبر، ووليم وليامز (راند، ~~2007)، من خلال الأرقام: نتائج مشروع الإساءة إلى المحتجزين والمساءلة، ~~إعداد هيومان رايتس ووتش (هيومان رايتس ووتش، 2006)، عواقب من المحال ~~تصحيحها: جمع المعلومات الشخصية على أساس عنصري واستخدام القوة القاتلة ~~في الحرب ضد الإرهاب، من إعداد مركز حقوق الإنسان والعدالة العالمية ~~(كلية الحقوق بجامعة نيويورك، 2006)، السلامة العامة، والإنفاق العام: ~~التنبؤ بنزلاء السجون الأمريكية في الفترة 2007-2011، إعداد معهد # JFA ~~، ومشروع تنفيذ السلامة العامة، ~~وصناديق بيو الخيرية (صناديق بيو الخيرية، 2007)، ضحايا الإهمال ~~والإساءة: سجناء أبرشية أورلينز في أعقاب إعصار كاترينا، من إعداد ~~المشروع الوطني للسجون التابع لاتحاد الحريات ms275 المدنية الأمريكية، ~~واتحاد الحريات المدنية الأمريكية بولاية لويزيانا، وبرنامج العدالة ~~العنصرية التابع لاتحاد الحريات المدنية الأمريكية، وهيومان رايتس ~~ووتش، ومشروع العدالة للأحداث بولاية لويزيانا، وصندوق الدفاع القانوني ~~والتربوي التابع للاتحاد الوطني لتقدم الملونين، وسلامة مجتمعات ~~الشوارع-مجتمعات القوة (اتحاد الحريات المدنية الأمريكية والمشروع ~~الوطني للسجون، 2006)، جعل التعذيب ممكنا: القانون الدولي الذي ينطبق ~~على مشاركة الدولة في الأنشطة غير المشروعة للدول الأخرى، من إعداد ~~مركز حقوق الإنسان والعدالة العالمية (من نشر كلية الحقوق بجامعة ~~نيويورك، 2006)، ما بعد جوانتانامو: نقل الأشخاص إلى حيث يلقون التعذيب ~~بعد عام من نظر قضية رسول ضد بوش، إعداد مركز حقوق الإنسان والعدالة ~~العالمية، (من نشر كلية الحقوق بجامعة نيويورك، 2005)، رصد الحرس ~~الوطني للويزيانا للأحداث المهمة: إعصار كاترينا، إعداد الحرس الوطني ~~للويزيانا (الحرس الوطني للويزيانا، 2005)، التعذيب بالوكالة: القانون ~~الدولي الذي ينطبق على «الحالات الاستثنائية لاعتقال الأشخاص ونقلهم»، ~~إعداد نقابة المحامين في مدينة نيويورك ومركز حقوق الإنسان والعدالة ~~العالمية (نشر النقابة المذكورة وكلية الحقوق بجامعة نيويورك، 2004)، ~~استعمال القوة، وسياسات مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية، وعمليات ~~التدريب والمراجعة تماثل أعمال إدارة إنفاذ القواعد الخاصة بالمخدرات، ~~ومكتب التحقيقات الفيدرالي، إعداد مكتب المحاسبة العامة للولايات ~~المتحدة (من نشر مكتب المحاسبة العامة للولايات المتحدة، 1996). # الهيئات والمنظمات التالية قدمت معلومات أساسية # قسم الشئون العامة باللواء الطبي رقم 44، جناح الإنقاذ رقم 920 في ~~الفرع الجوي للحرس الوطني، اتحاد الحريات المدنية الأمريكية، شركة ~~بلاكووتر بالولايات المتحدة الأمريكية، مكتب الكحول والتبغ والأسلحة ~~النارية، قسم الشئون العامة في كامب بندلتون، مركز مكافحة الأمراض، ~~منظمة دينكورب الدولية، مركز الإمداد الدفاعي بهيئة اللوجستيات ~~الدفاعية، الهيئة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، قسم الشئون العامة بالجيش ~~الأول، قسم الشئون العامة بهيئة فورت هود، قسم العلاقات الإعلامية ~~بهيئة فورت هود، قسم الشئون العامة بهيئة فورت كارسون، قسم الشئون ~~العامة بفرقة المشاة الرابعة، قسم الشئون العامة بمصلحة إنفاذ قوانين ~~الهجرة والجمارك، قسم الشئون العامة بالحرس الوطني بولاية لويزيانا، ~~شرطة ولاية لويزيانا، الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء، اتحاد ~~الحرس الوطني للولايات المتحدة، الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف ~~الجوي، ms276 الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية، المركز الوطني للأعاصير، مكتب ~~النائب العام # SOPAKCO ~~، قسم الشئون ~~العسكرية وقدامى المحاربين بولاية ميشيجان، قسم الشئون العسكرية بولاية ~~ويسكونسن، قسم العلاقات المجتمعية بالحرس الوطني لولاية تكساس، قسم ~~الشئون العامة بالجيش الأمريكي، شرطة مبنى الكونجرس الأمريكي ~~(الكابيتول)، قسم الشئون العامة بوزارة الأمن الداخلي في الولايات ~~المتحدة، قسم الشئون العامة في القوات البحرية الأمريكية، هيئة الضباط ~~الفيدراليين الأمريكية. # ملاحظات حول الآيات القرآنية في الأصل الإنجليزي # وقد رجعنا إلى العديد من ترجمات القرآن المتاحة إلى الإنجليزية، ~~والترجمة التي اقتطفت بعض سورها في هذا الكتاب بقلم «لاله بختيار»، وهي ~~منشورة عام 2007، ونشرتها دار نشر كازي، تحت عنوان القرآن العظيم، وكما ~~يتضح من المقتطفات الواردة في هذا الكتاب، فإن لغة القرآن بالغة القوة ~~وذات جمال فائق، والطبعة الإنجليزية الحالية يتجلى فيها هذا الجمال ~~إلى حد بعيد. # ملاحظات المؤلف على خطوات العمل ومنهجيته # بدأت خطوات العمل في هذا الكتاب في عام 2005، وقام بها فريق من ~~المتطوعين، بعد هبوب إعصار كاترينا على نيو أورلينز، وهم من جماعة صوت ~~الشهود، وهي الجماعة التي تشرف على سلسلة «كتبنا» التي تستخدم التاريخ ~~الشفاهي لإلقاء الضوء على أزمات حقوق الإنسان؛ إذ انتشر أفراد هذا ~~الفريق في شتى أرجاء الجنوب الشرقي لجمع الشهادات، وقاموا بإجراء ~~مقابلات شخصية، من هيوستن إلى فلوريدا، مع سكان نيو أورلينز ومن كانوا ~~من سكانها، عن حياتهم قبل العاصفة وفي أثنائها وبعدها، وكانت النتيجة ~~إصدار كتاب أصوات من العاصفة من تحرير كريس ينج ولولا فولن، ونشرته ~~دار ماكسويني-صوت الشهود في عام 2005، وكان الكتاب يضم قصصا تتمتع ~~بالحيوية الدافقة، ورواها العشرات من أبناء نيو أورلينز، وكان من بينهم ~~عبد الرحمن زيتون وزوجته كاثي زيتون، والتصقت قصته في ذاكرتي، وهكذا ~~عندما قمت بزيارة نيو أورلينز بعد ذلك، للحديث إلى الطلاب في مركز نيو ~~أورلينز للفنون الإبداعية (وهو برنامج «فنون رائع» في المدرسة العليا)، ~~زرت أسرة زيتون، واتضح لي من أول حديث أجريته مع أفرادها أن قصتهم ~~تتضمن المزيد مما استطعنا إدراجه في كتاب أصوات من العاصفة، ms277 وهكذا بدأت ~~خطوات العمل الذي استمر زهاء ثلاث سنوات، وكان يتكون من المقابلات ~~الشخصية والبحوث التي استندت إليها رواية زيتون، وتمكنت في خلال تلك ~~الفترة من معرفة عبد الرحمن وكاثي، وكذلك أسرتيهما الجميلة هنا وفي ~~سوريا. # ملاحظات إضافية # تشاهد جميع الأحداث من خلال عيني إما عبد الرحمن زيتون ~~وإما كاثي زيتون ... وهكذا، فإن منظور الأحداث يعكس ما ~~يتذكرانه، وكان تود جامبينو مشاركا كذلك في كتابة هذا ~~الكتاب وفي التحقق من وقائعه، وجميع المحادثات أعيد ~~بناؤها استنادا إلى ذكريات المشاركين فيها. # وأما المقابلات الشخصية مع الشرطيين دونالد ليما ورالف ~~جونزاليس فقد أجراها المؤلف في عام 2008. # قمت بزيارة سجن إلين هنت الإصلاحي في عام 2008، وبدا لي ~~سجنا يتمتع بإدارة ممتازة، فهو مكان تقدمي وعقلاني ويحرص ~~في نظرته على إعادة تأهيل النزلاء، وإعدادهم للانخراط في ~~الحياة من جديد، ويرمي إلى إتاحة الفرصة للسجناء كي ~~يواصلوا تعليمهم ويتقدموا فيه، سواء كان أكاديميا أو ~~مهنيا، ومع ذلك فإن ما حدث لعبد الرحمن فيه لم يكن ~~مقبولا، ولا أعتزم إدانة أسلوب عمل ذلك السجن، فربما كانت ~~تلك المؤسسة قد تعرضت وحسب لضغوط أكبر من طاقتها في أعقاب ~~إعصار كاترينا، فلم تحقق مستوياتها الرفيعة ~~المعهودة. # ويعرب المؤلف عن شكره إلى # كريس ينج، ولولا فولين اللذين أرسيا الأساس لهذا الكتاب، وهما ~~يستحقان الشكر البالغ على تشجيعي لمتابعة فصول هذه القصة إلى آخرها، ~~وبيلي شذرن، المحامي ابن نيو أورلينز، والمؤلف، الذي أجرى المقابلات ~~الشخصية الأولية مع عبد الرحمن زيتون وزوجته كاثي من أجل إعداد كتاب ~~أصوات من العاصفة، فهو جدير بالشكر العميق، فلقد كان مرشدا وموجها ~~دائما خلال كتابة زيتون، إلى جانب كتابه في ربوع نيو أورلينز، فكان ~~ملهما وخريطة طريق، وباعتباره نائبا لمدير المشروع الرئيس لاستئناف ~~الأحكام، يواصل الكفاح اليومي دفاعا عن الذين تعرضوا لنقاط ضعف النظام ~~القضائي وكل ما يغفل عنه. وقدمت آني بريزيوسي، الباحثة في مشروع مركز ~~المساعدة الرئيس بولاية لويزيانا بحوثا قائمة على الخبرة في أوقات ~~حاسمة، كما قدمت جولي كيلبورن، زميلتها في ذلك المركز ms278 مساعدة قيمة، ~~بتحديدها سياق القبض على السجناء ومعاملتهم بعد إعصار كاترينا. والمؤلف ~~مدين بالشكر كذلك إلى بام متزجر من كلية الحقوق بجامعة تولين، وإلى ~~نيكي بيج؛ إذ كانت حفاوتهما ودفء مشاعرهما قيد تقديره الدائم، وأما آن ~~جيسلسون، بنت نيو أورلينز ذات المكانة الفذة في الكتابة والتعليم ~~والنضال، فقد قدمت إرشادا وتشجيعا لا يقدران بمال، إلى جانب قراءة ~~المخطوط قراءة الخبير. وقام تود جامبينو الشجاع بالتأكد من صحة ~~الوقائع والسياق والتفاصيل المهمة، وكانت إليسا باسيست قد ساهمت ببحوث ~~أساسية وهائلة في المراحل الأولى. وقدم يوسف منير ومحمد خليل إرشادا ~~كريما في مسائل اللغة العربية والدين الإسلامي. وقدم ناعور بن-يهويادا ~~مشورة خبير في تاريخ صيد الأسماك بأسلوب لامبارا وممارسته. وترجم فرح ~~الدباغ كتابا نادرا عن محمد زيتون من العربية إلى الإنجليزية في ~~الوقت المناسب وبأسلوب الخبير. وقدم بيتر أورنر وستيفن إليوت مذكرات ~~بالغة الدقة وتشجيعا نقدره أعمق تقدير. أما مراجعة تجارب الطبع وتحرير ~~المخطوط فقد تولاه كل من لينزي كويلا، وجوليت ليتان، وتس تاكارا، ~~وإميلي ستاكهاوس، وهنري جونز. والشكر واجب لجميع العاملين في دار نشر ~~ماكسويني-جوردان باص، وهايدي ميريديث وأنجيلا بيتريلا، وإيلي هوروفيتز، ~~وميمي لوك، وخصوصا إلى أندرو ليلاند، الذي كانت قراءته المبكرة ~~للمخطوط ذات أهمية حاسمة، كما قام كريس بنز، الذي لا ينضب له معين، ~~بالتحقق من صحة الوقائع بأسلوب فذ وإصرار رائع. وكانت ميشيل كوينت، ~~المحررة المساعدة بدار نشر ماكسويني، مديرة البحوث اليومية اللازمة ~~لهذا الكتاب، ولن ننسى أبدا إخلاصها ودقتها وذكاءها وكفاءتها، فلولا ~~هذه الصفات لاستحال وضع هذا الكتاب ... وبطبيعة الحال، كان يمكن أن تصبح ~~الحياة، بصفة عامة، مستحيلة من دون زوجتي فنديلا، وأطفالنا، وأخوي ~~بيل وتوف. # وأتوجه بالشكر العميق أخيرا إلى أسرات زيتون في أمريكا وإسبانيا ~~وسوريا، فلقد أبدى الربان أحمد زتون - يمكن هجاء اسمه بعدة طرق - ~~وأسرته في مالقة، بإسبانيا (ليلى ولطفي وأنطونيا) كرم ضيافة كبيرا إلى ~~جانب ما قدموه من ذكريات بالغة الأهمية، ولم يكن أحمد يقتصر على مناصرة ~~هذا المشروع منذ البداية، بل أثبت أنه ms279 ذو خبرة ودقة في الاحتفاظ ~~بالسجلات، وكانت صوره وإيميلاته ومكالماته التليفونية من قبل العاصفة ~~وبعدها لا تقدر بثمن، ويعرب المؤلف عن شكره الحار، وتحياته الصادقة إلى ~~أسرة زيتون في سوريا، وإلى قصي، والصغير محمود في جبلة بصفة خاصة. لم ~~يكن كرم ضيافة جميع أفراد أسرة زيتون يعرف أي حدود، وكانت سمات الجمال ~~والضحك ودفء المشاعر الذي يغشى كل جانب من جوانب هذه العشيرة الفذة ~~مصدرا للإلهام، وإثراء لهذا الكتاب، وهذا المؤلف بما يتجاوز جميع ~~المقاييس. وقبل هذا كله يتوجه المؤلف بالشكر إلى عبد الرحمن وكاثي، ~~وأطفالهما الرائعين، على الكرم الشخصي المذهل، وعلى الالتزام الراسخ ~~بكتابة هذا الكتاب. كانت عملية إصدار قصتهم في صورة كتاب مطبوع تتطلب ~~منهم جهدا بالغا، لكنهم كافحوا وخاضوا غمار ذكريات غير سارة على أمل ~~إخراج شيء بناء من أيام نضالهم الشخصي ... إن شجاعتهم لا تعرف الحدود، ~~وإيمانهم بالأسرة وبهذا البلد يجدد إيماننا نحن جميعا. ms280