######OpenITI# #META# URI: 1443SayyidQimni.DawlaMuslimaLiKhalfDur.Hindawi96182637 #META# Tags: history #META# ID: 96182637 #META# Title: الدولة المسلمة للخلف دُر #META# AuthorID: 46815737 #META# Author: سيد القمني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الدولة المسلمة والدولة الدستورية 1‏ # الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية‏ # الدولة المسلمة والدولة الدستورية 1‏ # الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية‏ # | الدولة المسلمة للخلف در # | الدولة المسلمة للخلف در # تأليف # سيد القمني # إهداء # إلى أهل قريتي «قمن العروس»، # الذين لم أعرفهم إلا قليلا، # وأعتز بهم كثيرا. # | الدولة المسلمة والدولة الدستورية 1 # في القرن الخامس قبل الميلاد عقدت روما أول جمعية مشكلة من مواطنيها، وقررت هذه الجمعية - ~~إقرارا للعدل - التخلص من السلطة المطلقة في نظامها الملكي، واختارت بدلا من الملك قنصلين ~~متعادلين في السلطة، يحكمان لمدة عام واحد فقط؛ ليكون من مهام كل قنصل مراقبة زميله؛ وعينت ~~اثنين من البريتور Praetor # ليراقب كل منهما القنصلين حرصا على مصالح الشعب؛ ووضعت لبنات ~~أساسية لدستور كانت مهمته الأولى هي التصدي للحكم الفردي المطلق؛ ونصت على قتل من يحاول أن ~~يصبح ملكا. وإن تم الحكم على مواطن بالإعدام في زمن الحرب من أحد الحكام، فللمواطن أن يلجأ ~~للجمعية العمومية. كما نصت على أن عقوبة الإعدام هي من حق الشعب وحده في زمن السلم. # حدث هذا قبل ظهور الإسلام بما ينوف على الألف بقرنين من الزمان. وكان فارق الزمان هذا ~~كفيلا أن يعرف العالم معنى العدالة ومعنى الديمقراطية منذ تأسست في روما، وأن لهذه ~~الديمقراطية الأولية آليات وأجهزة تقوم على حمايتها وتنفيذ مآربها، بهدف تحقيق القانون ~~بالعدل بين الناس، فلا يكون لأحد سلطان على رقبة آخر، يعطيه حقا فرديا في الاعتداء على ~~حياة أحد المواطنين. حدث هذا في روما الوثنية قبل ظهور المسيح بخمسة قرون، وقبل الإسلام بألف ~~ومائتي عام. # ويقول لنا أصحاب حلم الدولة الإسلامية إن الإسلام قد أسس للمساواة كأسنان المشط، ولا فضل ~~لأعجمي على عربي، وجعل الحاكم محاسبا أمام الرعية؛ ألم يقل البدوي لأبي بكر لو أخطأت ~~لقومناك بسيوفنا؟ أليس جميلا ومؤثرا موقف الخليفة العادل عمر بن الخطاب وهو يطلب من ابن ~~الأسفلين أو ابن المستعبدين أن يأخذ ثأره من ابن الأكرمين؟ ألا تشير العبارة بوضوح لهذا ~~الترفع في ms01 المعنى؟ # الكلام جميل وحلو ومؤثر وعاطفي؛ فهو كلام؛ أقوالنا المأثورة عن المساواة والعدالة ~~ومسئولية الحاكم إزاء الرعية نكررها هي هي؛ لأنها تعد على أصابع اليد الواحدة، في نفس ~~الحادث السالف ذكره، قال عمر قولته الخالدة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم ~~أحرارا؟» # الكلام سهل؛ خاصة عندما يدلك العواطف؛ فما أحلى كلام الإنجيل عن المحبة والصفح الرائعين ~~بلا شبيه ولا نظير، لكن محاكم التفتيش والحروب الصليبية قالت في الواقع قولا آخر مكتوبا ~~بدم الأبرياء وصراخ الثكالى. # في التاريخ الديني يوجد نصان؛ أحدهما نظري خطابي إرشادي وعظي قصصي حكمي روائي عاطفي يخاطب ~~القلوب والأرواح، والآخر هو ما تم تدوينه في الواقع فعلا وحدثا، وهو كما حدث في المسيحية ~~حدث في الإسلام، ودونه المسلمون بأيديهم، كلون من الفخار والعزة والسؤدد ليفاخروا به ~~التاريخ كله. وكلا النصين مقدس. وكلاهما عندما فعل في الواقع بالفعل البشري ونوازعه ~~ورغباته أدى إلى احتلال البلاد والإسراف في القتل والاستبداد بالعباد، مع قهر وظلم بلا شبيه ~~ولا نظير؛ لأنه تم تدوينه بدم الناس وأوجاعهم، وبالإبادات الجماعية الشاملة التي نسميها ~~اليوم جرائم حرب ضد الإنسانية. # اليوم يوجه لنا المشتغلون بالدين علينا الخطاب الأول ويغطون حتى على مصادر الخطاب الثاني، ~~ويطلبون عودة بلادنا إلى نظامها الخليفي الأول، ويطلب الاتحاد العالمي للإخوان إحياء ~~الخلافة هدفا رئيسيا في برنامجه؛ لذلك يصبح واجبا على المسلم أن يعلم ما هو مقبل عليه ~~في حال استلام الإخوان أو أحد إخوانهم لحكم مصر المحروسة لا قدر الله ولا كان. # نعود للخلفاء الراشدين قدوة المسلمين، والذين تحولت فعالهم في المذهب السني إلى سنة كسنة ~~الرسول، مكملة له بالضرورة، بحسبانها النموذج الذي يدعو له المتأسلمون على كافة ضروبهم، لنجد ~~الواقع ينطق بغير أقوالنا المأثورة؛ فالخليفة الذي قبل من الأعرابي قوله أن يقومه بسيفه، ~~هو من قوم الجزيرة كلها بسيفه، فقتل أهلها شر قتلة؛ قتل من اعترضوا على خلافته وشكوا في ~~شرعية حكمه وصحة بيعته، وقتل من قرر ترك الإسلام إلى دين قومه؛ فأمر برمي الجميع من شواهق ~~الجبال، وتنكيسهم ms02 في الآبار ، وحرقهم بالنار، وأخذ الأطفال والنساء والثروات غنيمة للمسلمين ~~المحالفين لحكم أبي بكر؛ وهو ما دونته كتب السير والأخبار الإسلامية على اتفاق. والخليفة ~~الثاني العادل، هو من استعبد شعوبا بكاملها، ومات مقتولا بيد واحد ممن تعرضوا للقهر ~~والاستعباد في خلافته. أما الخليفة الثالث فكان واضحا من البداية في التمييز وعدم العدل ~~خاصة في العطاء، فكان أن قتله أقاربه وصحابته الذين هم صحابة النبي قتلا أقرب إلى المثلة، ~~فكسروا أضلاعه بعد موته عندما نزوا عليه بأقدامهم، ورفض المسلمون دفنه في مقابرهم فدفن في ~~حش كوكب؛ مدفن اليهود. # ستواجهنا هنا مشكلة أخرى؛ فبأي الخلفاء الراشدين سنقتدي في دولتنا الإسلامية المقبلة؟ ~~وبأي طريقة سيتم اختيار الخليفة؛ لأن الخلفاء الأربعة كان لكل منهم طريقة في الوصول إلى ~~الحكم. # الخليفة أبو بكر انتصر بحديث «الإمامة في قريش» أو «الخلفاء من قريش»، وفي تأويل آخر رمزي ~~اعتبر تكليف النبي له بالصلاة بالمسلمين في مرضه الأخير، تفويضا له بالخلافة؛ ولم يكن ~~تعيينا واضحا دقيقا بالمرة. واختار أبو بكر عمر من بعده، واختار عمر من بعده ستة يختاروا ~~من بينهم واحدا، وفي ولاية الإمام علي أقوال كثيرة. # كل هذا يشير إلى أن رب الإسلام لم يضع للمسلمين نظاما واضحا في الحكم ليتبعوه؛ بدليل ~~اختلاف الهداة الراشدين، وإلا كان تصرف وفعال وطريقة كل خليفة في الحكم مخالفة لمعلوم من ~~الدين بالضرورة. إنهم يقولون لنا غير ذلك؛ يقولون إن دولة الخلافة والشريعة معلوم من الدين ~~بالضرورة، ومن يعارض قيامها (مثلي مثلا؛ فأنا من أشد أعدائها) هو مرتكب لما هو مخالف ~~للمعلوم من الدين بالضرورة! # إنهم يزيدون علينا في أمر ديننا؛ وهذا هو التعريف الدقيق للبدعة. المسألة ببساطة أن رب ~~الإسلام ترك شأن الحكم للمسلمين؛ إن شاءوا فعلوا ما فعل الأثينيون بديمقراطيتهم المباشرة، ~~وإن شاءوا فعلوا فعل بلقيس عندما كان لها لجنة استشارية متخصصة ترجع إليها في شئون الحكم، ~~وهو ما أخبرنا به القرآن. ولم يعب القرآن حكم بلقيس، إنما عاب دينها، ففصل الدين عن ~~السياسة، وترك لنا نموذجا آخر ms03 بين البدائل الممكن اختيارها. فإن شاءوا أخذوا بالطريقة ~~المصرية أو الساسانية. وكل ما يجمع بين هذه الأمثلة هو وجود المؤسسات والهيئات التي تقوم ~~على حفظ نظام الدولة وكيانها وإقامة العدل بين المواطنين، وحفظ حقوقهم. # نعود لزمن الرسول والصحابة نبحث أي النماذج اختاروا للحكم من بين المعروض في الدنيا. وهو ~~مساحة صمت فيها الوحي، فكانت مساحة حرة يمكن فيها اختيار أفضل الأنظمة لأفضل الأديان ليعبر ~~عنه وعن عدله ومساواته، ومحققا لمأثوراتنا؛ خاصة أسنان المشط دلالة على المساواة. # يقول: «أبو حاتم وابن مردويه، عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # فقضى بينهما، ~~فقال الذي قضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب. فأتينا إليه، فقال الرجل: قضى لي رسول الله ~~على هذا، فقال ردنا إلى عمر. فقال عمر: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج ~~إليكما. فخرج إليهما مشتملا سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر. فقتله، وأدبر الآخر، فقال: ~~يا رسول الله، قتل عمر صاحبي. فقال عليه السلام: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن. ~~فأنزل الله: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~(النساء: 65).» # ويتأسس على هذا الحدث وتلك الآيات في أيامنا هذه تشريع فتوى بقتل المخالفين وتفجيرهم ~~لأنهم لا يرضون بحكم الله والرسول بمخالفتهم للمذهب السني! لأن عمر قتل الذي لجأ إليه طلبا ~~للعدل وهو يقول: «هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله.» # وقضاء الله ورسوله اليوم هو التجديد الوهابي للمذهب السني بالتحديد والتدقيق، فإن خالفته ~~في شيء فعلوا بك فعل عمر فيمن ذهب إليه طالبا العدل. # تعالوا نعرض هذا الموقف على الرؤية الرومانية الوثنية قبل الإسلام باثني عشر قرنا. كان ~~من حق هذا المقتول أن يعرض أمره على الجمعية العمومية قبل تنفيذ الحكم، لا أن يصدر الحكم ~~وينفذ في نفس اللحظة، كما أن عقوبة الإعدام وقت السلم لا يحق صدورها من أفراد بل هي من حق ~~الشعب من ms04 خلال مؤسسات المجتمع ونظام الدولة. # ولم يكن خلاف هذين المتخاصمين في أمر من أمور الدين؛ فليس بينهم خلاف على نبي ولا شعيرة ~~ولا آية؛ كان خلافا في شأن دنيوي بعيدا عن دائرة الدين، وكلاهما كان من الصحابة مثل عمر، ~~وكلاهما صديقان لا يرجو إحداهما الشر للآخر، وهو ما تشير إليه لوعة الثاني الذي عاد يشكو ~~للنبي: «يا رسول الله: قتل عمر صاحبي.» وكانا يعرفان النبي كما يعرفان عمر، وكان قول النبي: ~~«ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن»، يشير إلى معرفة النبي أن الرجل ليس مسلما فقط بل هو ~~مؤمن، وهو أعلى درجة من المسلم. لكن الله حسم الموقف بعدم إيمان المقتول. هنا لا بد للعقل أن ~~يتساءل: وهل كان عمر عندما قتل القتيل يعرف أنه غير مؤمن؛ فالنبي نفسه لم يكن يعرف ذلك؟ وإن ~~كان القتل قد تم بناء على عدم إيمانه وأن عمر استنتج ذلك لعدم قبوله بتحكيم الرسول، فما هي ~~الحال مع الأعراب الذين قال الله بشأنهم # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~(الحجرات: 14)؟ # وحتى لو كان عدم إيمان الرجل مؤكدا، فإن ذلك العقاب بمنطق اليوم وحقوق اليوم غير مقبول ~~بجميع المقاييس. # المقصود هنا بيان أن دولة النبوة كانت شأنا خاصا وطارئا، وكذلك دولة الراشدين، وإنه ~~كان للزمن ولظروف البيئة وإحكامها وتحكمها للشكل القبلي في الحكم، لكنها لا تلزمنا اليوم ~~باتباعها؛ لأن مسألة الحكم تركها الله لنا مساحة حرة نقيم حكمنا بأيدينا كيفما شئنا. أما ~~دولة النبي أو دولة الراشدين فكانت ائتلافا قبليا، وهو ما يصعب علميا أن نطلق معه كلمة ~~دولة على هذا الائتلاف؛ لأنه لا يملك أيا من مقومات الدولة. # ودليل من فعالهم يشير إلى قناعتهم الداخلية أن الحكم الديمقراطي شيء ودولة الرسول ~~والراشدين شيء آخر، وأن مطالبة الإخوان بحزب يخوض العملية الديمقراطية بغرض إقامة نظام ~~إسلامي «الفرد المسلم، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة» ليس سوى احتيال على الديمقراطية؛ ~~الدليل دعوة الإخوان لمقاطعة الاستفتاء على المادة 76، فلو كانت الديمقراطية من دولة ms05 ~~الإسلام أو من الإسلام لكانوا أول المشاركين عملا بالشرع وأول الداعين له، لكنهم يزعمون ~~الديمقراطية سبيلا ويؤكدون أنها عمدة الإسلام بقوانينها المحترمة لنقبل بهم في حفل ~~الديمقراطية خلفاء علينا يطبقون ما يعن لهم؛ لأنه لا يوجد تفصيل وتقنين واضح لطريقة الحكم ~~في الإسلام. لكنهم يدعون الناس إلى مقاطعة الديمقراطية والاستفتاء لأنهم يعلمون أنهم لن ~~يكونوا فيها وهم على حالهم هذا. # لماذا لم يقولوا للناس: اذهبوا ومارسوا الحق الدستوري وتعلموا الديمقراطية وقولوا ما ~~تريدون. وكان بالإمكان أن يحرض الإخوان الناس ليذهبوا وليقولوا «لا»، فيكونوا قد فعلوا ما ~~يحمد لهم باحترام الديمقراطية وتكريمها عند الناس. إن الاستفتاء خطوة في الطريق الصحيح، خذ ~~إذن وطالب، ولا تكن كما كنت دوما تطلب كل شيء أو لا شيء، فتأخذ «لا شيء». لتكن مرحلة ~~انتقالية يصارع فيها الجميع سلميا لتحقيق الديمقراطية. لقد ساووا بيننا وبين العبيد ~~الرومان 500 قبل الميلاد؛ فهم فقط من لم يكن من حقهم التصويت. # كان على الإخوان أن يثبتوا احترامهم للديمقراطية بدعوة الناس دعوة عامة للمشاركة في ~~الاستفتاء ويقولوا «لأ»، كما اهتموا بالدعوة العامة للحجاب والخمار والنقاب ... سادتي الإخوان؛ ~~إن الديمقراطية أهم من الحجاب واللحية والسروال الباكستاني. # المشكلة عند الإخوان أنهم يدعون - تلبيسا وتقية - مبادئ الديمقراطية؛ لأنهم لو صدقوا ما ~~طلبوها دولة إسلامية ديمقراطية؛ لأنكم لو أصررتم على أنها إسلامية فإن مجرد ترشيح أحدكم ضد ~~الحاكم سيكون خروجا على الشريعة، ولحق عليكم جز الرقبة في ميدان عام حسب الشريعة. ~~«عن أبي بكر عن رسول الله قال: من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره وعلى الناس إمام، فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فاقتلوه» (تاريخ الديلمي، انظر أيضا تاريخ الخلفاء ~~للسيوطي، ص76). # هذا لأن الدولة الإسلامية بحكم منشئها وتكوينها الاجتماعي القبلي لم تكن دولة مؤسسات، ~~وكان من الضروري تفعيل هذا الحديث النبوي لإحداث الاستقرار والتماسك للدولة الناشئة، ولم ~~تعرف تلك الدولة تداول السلطة، بل إنها في أحيان كثيرة لم تعرف العدل بقدر ما عرفت الظلم. # كانت روما منذ قرون متطاولة قد قسمت ms06 شعبها مئات، سميت بمجالس مئوية هي كل الشعب، وهي التي ~~تختار كبار المتنفذين، وتنظر في الإجراءات التي يعرضها عليها الموظفون أو مجلس الشيوخ ~~لتجيزها أو ترفضها، كما تنظر فيما يرفع إليها من استئناف الأحكام، وتنظر في جميع قضايا ~~الإعدام، وتعلن الحرب، وتعقد الصلح. # وفي عام 454 قبل الميلاد، بناء على رغبة الشعب، أرسل مجلس الشيوخ إلى بلاد اليونان لجنة من ~~ثلاثين حكيما لدراسة شرائع صولون # SOLON # وغيره وكتابة تقرير عنها؛ ومن ثم تم تشكيل لجنة من ~~عشرة حكماء للخروج بما جاء به الثلاثون، لوضع قانون لروما «دستور»، وتم تخويلهم لمدة سنتين ~~للانتهاء من وضع القانون، الذي تم تدوينه على اثني عشر لوحا «ذائعة الصيت» وافقت عليها ~~الجمعية بعد تعديلات، وتم عرضها في السوق للناس ليعرفوا حقوقهم وواجباتهم. وكان هذا أول ~~دستور في تاريخ الإنسانية. # أما في دولة الراشدين فكان الحكم يقوم كما قال أبو بكر على الكتاب والسنة، رغم أن الكتاب ~~كان مفرقا بين الصحابة في الأكتاف والعظم والعسيب والأحجار، ولم يتم جمعه بعد في مصحف ~~واحد، ورغم أن الحديث لم يكن بدوره حتى مسموحا بتدوينه، وكانت نصوصه غير معلومة لجميع ~~أفراد الأمة، وكذلك القرآن، فكيف كان يتم حكم تلك الدولة بالكتاب والسنة وهما غير مدونين ~~وغير معلومين من الأمة محل تطبيق هذه القوانين؟ ناهيك عن واضعي الأحاديث المحترفين وأصحاب ~~الفتاوى، وكلها كانت تصب لصالح حلف الفقيه والسلطان. والملحوظ أن المواطن لم يطالب بحقوقه من ~~حرية ومساواة وعدل وأمن بقانون وآليات لتنفيذه وحمايته، ولم تسع الدولة من جانبها لتوضيح ~~تلك الحقوق له كما فعل الرومان. # وإذا كانوا سيستدعون لنا تلك الدولة النموذج ليحكمونا بها فليقولوا لنا كيف يقام العدل ~~وتتم المساواة والحرية التي يؤكدون أنها أسس دولتهم الإسلامية؟ # كيف قامت عدالة دون قانون منشور معلن يعرفه الناس ليحكموا به؟ لو كان هناك قانون مدون ~~ما عاد أبو بكر إلى حديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»، ردا على فاطمة بنت النبي عندما ~~طلبت ميراثها، وفوجئت لأنها لا تعلم من أبيها أخص ms07 خصائصها، ما كان وحده من سيتذكر هذا ~~الحديث أو يعتمد على الذاكرة. بهذا المعنى تكون الدولة دولة طوارئ طوال الوقت، كلما أردت ~~اتخاذ خطوة أخرجوا لك حديثا لم يكن معلوما من قبل. دولة القانون حتى لو كانت دولة الكتاب ~~والسنة فلا بد أن تعرف الرعية حقوقها وواجباتها حتى لا تخالف القانون، وتقف أنت عند محاكمتك ~~بين صحابي يدينك بحديث وبين آخر يجرمك بآخر وبين فتوى تهدر دمك. إن الظلم هو خالق العدالة؛ ~~لأنها لو وجدت لاختفى. والظلم كالجرم هو خروج على القانون. ولا بد أن يطلع المواطن على ~~القانون؛ لأنه كان نسبيا بين بلد وآخر؛ يعني عندما أتزوج أربع نساء في السعودية ليست جريمة، ~~ولو عملتها في فرنسا جريمة. فالقانون هو ما يوضح الجرم للناس ويشرحه لهم. عندما تضع يافطة ~~ممنوع الانتظار فمعنى ذلك أن تظهر المخالفات، لو رفعنا اليافطة لن تكون هناك مخالفات. ~~فالقانون هو ما يحدد الجرم، بل هو ما يخلقه جرما؛ لأنه يحرم أفعالا لن أستطيع تمييزها إن ~~لم أعرف القانون. وهنا يحدثوننا عن عدل عمر والقانون غير معروض، وهو ما سوغ لعمر قتل مسلم ~~مؤمن فاستوى الظلم مع العدل. # ومن بعد، عندما تم السماح بتدوين الحديث وجمعه حدثت كارثة الحديث الحاصل على درجات؛ فهذا ~~جيد جدا سنده قوي، وهذا حصل على درجة مقبول لأن سنده ضعيف، وذاك تسلل إلى مقدسنا بفعل ~~إسرائيلي، كيف يكون القانون هنا؟ وما هو بالضبط؟ # أما المثير للانتباه أن جامعي الحديث لم تكلفهم الدولة بذلك عبر تاريخها المتطاول، إنما ~~قام به من قام متطوعا لوجه الله. مجرد تذكير: إن الآية التي جاءت في قتل عمر للمتقاضي إليه ~~لا بد أن نفهم أنها كانت تبريرا لعمر لمكانته الخاصة في الإسلام ومن نبي الإسلام، وليست ~~تشريعا، وإلا وجب قتل الأعراب الذين قالوا آمنا وهم مسلمون فقط لم يرتقوا إلى رتبة ~~المؤمنين بعد. # كيف كان لقاض أن يحكم بالكتاب والسنة زمن الراشدين ولم تكن معه نسخة من الكتاب ومن ~~السنة؟ في هذه الحال أن يجتهد ms08 رأيه، وهو ما قاله النبي لمعاذ بن جبل سفيرا إلى اليمن؛ يعني ~~كل واحد واجتهاده وكل واحد ورأيه، فهل هكذا سيحكموننا عندما يركبون مصر؟ كل واحد حسب ظروفه؟! ~~وكل واحد ومزاجه؟! # الملحوظة التي تؤكد ذلك أنه تم قتل أكثر من سبعين من أسرة النبي الأقربين، ودخل الصحابة ~~قتالا قتلوا فيه بعضهم بعضا بالألوف من كربلاء وحتى وقعة الحرة المخزية، وحتى ضرب الكعبة ~~بالمنجنيق وحرقها، يؤكد هذا الخوارج الذين رفضوا التحكيم، يؤكد هذا أطراف معركة الجمل، كل ~~طرف دوما كان يتحدث لصالح قضيته بالقرآن والسنة، وكل طرف ومعه الوضاعون يخترعون له الحديث، ~~ولم يتحدثا سياسة صريحة. ولو كان هناك قانون من القرآن والسنة مدونا لرجعوا إليه في وقعة ~~الجمل أو في مقتل عثمان، ولكان كل شيء قد سار بسلام إلى نتائجه وفق ترتيب قانوني واضح غير ~~ملتبس. إن دولة الراشدين لم تعش حتى السبعين من عمرها وسقطت، واكتظت بأخبار الفظائع ~~الدموية؛ لأنها لم تكن دولة مؤسسات، إنما ائتلاف قبلي لم يتمتع بعد بمؤهلات الدولة المؤسسية، ~~وهيئاتها التمثيلية، ونظمها المحاسبية، وهيئات المتابعة الرقابية، والقضائية، وهيئاتها ~~التنفيذية التي تضمن سيادة القانون وتحميه لتحقيق العدالة والمساواة. # هذا ما يريدون أن يأخذونا إليه، حيث واحة الديمقراطية والعدل، غير مدركين أننا نحب ديننا ~~ونحترمه، لكننا نعلم أن منه كثيرا مما كان يخص زمنه وظرفه الاجتماعي وبيئته الجغرافية وواقعه ~~التاريخي وقيمه وأساليبه، وأن علمنا هذا لا يقلل من حبنا واحترامنا لديننا، لكنه فهم يتركنا ~~بسلام مع حاضرنا نتفاعل معه بلغته من أجل ديمقراطية حقوقية كاملة، يوضع حجر الأساس له ~~بالإصلاح هذه الأيام، ويجب أن يحضر احتفاليته جميع المصريين، ليبنوا المستقبل معا. # | الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية # سبق لنا أن ناقشنا مفهوم الشورى في الإسلام في كتابنا «شكرا بن لادن»، ومجددا، وفي ~~صحيفة الحياة بدءا من تاريخ 28 / 8 / 2004م كتب الدكتور بشار عواد معروف دراسة مطولة وهامة حول ~~الشورى يمكن أن نستخدمها هنا كأساس لإعادة المناقشة والتحليل والدرس، من وجهة نظر أخرى ~~جديدة تماما. ms09 والدكتور بشار عواد أكاديمي عراقي يقيم بالأردن، وهو قطب إخواني كبير، وقد ~~عنون دراسته ب «الجماعة والسلطة: قراءة في المبادئ والقواعد والوقائع التاريخية»، وقد أعيد ~~نشرها على الشبكة الدولية للمعلومات بتاريخ 27 / 2 / 2005م تحت عنوان: «الشورى والسلطة ~~التشريعية». ~~••• # يدخل الدكتور معروف إلى موضوعه عبر مقدمة تقول: «ربط المفكرون الإسلاميون فكرة الشورى ~~بالديمقراطية، فمنهم من رفض الديمقراطية وجعل الشورى هي البديل، ومنهم من حاول - في سعيه ~~للتجديد والمعاصرة - التقريب بينهما، ومنهم من دعا إلى الأخذ بالديمقراطية باعتبارها نظام ~~حكم وآلية للمشاركة. وإن التغاير بين المشروع الحضاري الإسلامي وبين الديمقراطية هو من باب ~~التنوع والتمايز لا التضاد والخصومة.» ا.ه. # وفي هذه المقدمة الصغيرة وردت كثير من الألفاظ والمفاهيم التي تحتاج إلى وقفة للفهم ~~والتحليل والتدقيق مثل الشورى والديمقراطية، والشورى كبديل للديمقراطية ... إلخ. فكيف نفهم ~~مثلا أن المفكرين الإسلاميين جعلوا الشورى هي البديل للديمقراطية؟ إن البديل هو الذي ~~يساوي ويطابق بديله، والمشكلة الأولى هنا هي أن الديمقراطية كمفهوم هي منتج غربي بلفظ ~~لاتيني، فهل مجرد نقله والقول إن بديله العربي هو الشورى، يعني أن اللفظين قد تطابقا، وأن ~~الشورى قد أصبحت البديل الصادق المعبر عن المعاني التي قصدها أهل الديمقراطية؟ # أم أننا نأخذ لفظ الديمقراطية كمنطوق لساني لفظي بغض النظر عن معناه ودلالاته ومحتواه ~~ومضمونه وأسسه الفكرية والفلسفية، لنطابقه بلفظنا «الشورى» ببساطة مدهشة، وخفة شديدة؟! فإذا ~~كانت الألفاظ دون دلالات اللفظ وتاريخه وموطنه يمكن تبادلها بهذه البساطة، فإن «رع» سيكون ~~بنفس البساطة هو «الله»، ويكون «بوذا» هو «خاتم الأنبياء»، بذات الخفة والتبسيط المخل. # إن المفردات ذات المعاني الدقيقة وذات التاريخ الطويل بما يحمله هذا التاريخ من أفكار، ~~والتي لم يسبق أن عرفتها اللغة العربية، وغابت عن مجتمعاتنا غيابا كليا، وغير موجودة في ~~معاجمنا، يلزم أن تظل كما هي حتى يمكنها أن تحتفظ بدلالاتها الصادقة ومعانيها المفهومة عند ~~أصحابها، وعند من أخذ بالديمقراطية في العالم جميعا - عدانا بالطبع - لأننا نعيش مجتمعا ~~عالميا أصبح متصلا بعضه ببعض، ويلزمه كي يفهم بعضه بعضا بلا غموض ms10 ولا خداع أن تظل المفردات كما هي ~~بمعانيها وتاريخها ودلالاتها. والديمقراطية لا يمكن ترجمتها ببساطة خادعة إلى بديلنا ~~(الشورى)؛ لأننا في هذه الحال سيكون علينا أن نجد الترجمة البديلة لملايين الألفاظ مثل ~~الفيروس والبكتريا والأمبير والأكسجين والدكتاتورية والجمهورية ... إلخ. وأن تكون الترجمة ~~وافية بالمعنى الأصلي للفظ لتؤدي ذات الدلالات ونفس الهدف. # إن المعنى الأول الذي حملته كلمة ديمقراطية منذ نحتها الرومان في مجلس الساناتو قبل ~~الإسلام بعشرة قرون، كانت تعني أن يحكم الأحرار أنفسهم بأنفسهم. وهو معنى لا يعرفه المخزون ~~العربي؛ ومن ثم ليس في المعاجم العربية ما يعبر بصدق عن هذا المعنى الأول؛ وعليه فلا سبيل ~~سوى استخدام اللفظ كما نحته أهله بمعانيه ودلالاته، وإلا نكون مزورين ومزيفين. المشكلة هنا ~~أن أصحاب الشورى عندما يرونها بديلا، فهو ما يعني أنهم قد أجروا مفاضلة بين الشورى ~~والديمقراطية. لكن طالما أن بديلهم لا يطابق الأصل، ويحمل معنى التميز بعد المفاضلة، فهو ~~ما يدفع للسؤال عن أيهما الأفضل ... البديل الإسلامي أم الأصل الديمقراطي؟ لأنه في مساحة ~~الأمانة العلمية يجب اقتضاء الدراسة المقارنة التفضيلية، وهو شأن يقوم به المتخصصون في ~~القانون الدولي والقانون الدستوري وأهل فلسفة السياسة والقانون والتاريخ؛ ولا بأس من أهل ~~الفقه الإسلامي معهم، للمقارنة ثم العرض على أولي الشأن للاختيار. وأولو الشأن هنا ليسوا هم ~~أهل الذكر وليسوا الفقهاء؛ لأن رأي الفقهاء سيوضع إلى جوار آراء الخبراء كرأي مفرد، أهل ~~الذكر هنا هم أصحاب الديمقراطية. وعليه فإن إبداء الرأي فيما إذا كانت الشورى هي ~~الديمقراطية ليس من اختصاص رجال الدين الإسلامي؛ لأن الديمقراطية ليست من لدنهم، وعليهم ~~الرجوع إلى أهل الذكر؛ إلى أهل الحضارة والثقافة الغربية صاحبة الديمقراطية ليفصلوا لنا ~~في هذا الخصوص؛ فهم من يستطيع بإجراء المقارنات أن يقولوا لنا إن كانت الشورى هي ~~الديمقراطية من عدمه. # وقول الدكتور معروف: «فمنهم من رفض الديمقراطية وجعل الشورى هي البديل» كان يستدعي منه ~~إتباع هذا القول بالاستفسار عمن أعطاهم حق الرفض؟ وما هي صفة هؤلاء ليرفضوا أو يقبلوا؟ إن ~~العبارة تشير ms11 إلى دكتاتورية كامنة وأسلوب تفكير مستسلم لفكر أسطوري إملائي، دون أن يكون ~~لصاحب هذا الفكر أي حق في الإلزام أو الإجبار، وهي صيغة حكم، أو هي نتيجة بلا مقدمات، ~~وتفضيل بلا طرح للبدائل، هي تعبير عن غطرسة دينية لم تكن حتى لدى الأنبياء، هي صيغة جبروت ~~يختار لنا، وعلينا القبول بخنوع، هي صيغة أغبياء يعجزون عن المقارعة فكرا بفكر؛ لذلك هم لا ~~يقارنون بالبدائل، بل يفرضون؛ لأنهم يعلمون أن الشورى لا يمكن أن تكون بديلا للديمقراطية، ~~فعندما يعطيني الصيدلي بديلا للعلاج المطلوب، فهو يعطي بديلا تغير فيه الاسم التجاري فقط، ~~بينما لم يتبدل المحتوى والمكونات؛ فهو هو بمادته التصنيعية بذات المركبات وذات النسب. ~~وبهذا المعنى لا يمكن أن تكون الشورى بديلا للديمقراطية؛ لأن المكونات تتضارب بينهما ~~وتتناقص تناقصا صارخا، وصاحب الديمقراطية الذي صنعها هو من يعرف ما تستبطن من معان ~~وفلسفات وبرامج ومقاصد، وليس نحن. # المفروض في المفاضلة إذا كانوا يقصدون المفاضلة أن يستعرضوا لنا ما في بطن الشورى وما في ~~بطن الديمقراطية، ثم يتركوا لنا الاختيار، ما دمنا نتحدث عن الديمقراطية. لكنهم أخذوا ~~القرار وعلينا التسليم بأن الشورى بديل الديمقراطية، بأحكام كلها غير أمينة. إن كلمات مثل ~~أمبير وأكسجين وهيدروجين تحمل معاني يعرفها المكتشفون وقاموا بتعليمها لبقية الناس في ~~العالم، فسلم بها كل العالم، وظلت كما هي بدلالاتها وما في بطنها من تراكم معرفي خاص بمكانه ~~وزمنه، ومثلها الديمقراطية، ومثلها «الفيمتو ثانية»، من يشرحها لنا صاحبها د. «أحمد زويل» ~~وليس «شيخ الأزهر»، ولا يمكن ترجمة معناها بالمقابل الإسلامي، كالديمقراطية سواء بسواء؛ ~~لأنها قادمة من مجتمع وفلسفة مختلفة؛ لأنه ليس لها أي مرادف في مخزوننا الثقافي، واصطناع أي ~~لفظ عربي مهما كان لن يعبر عن المعنى الذي أراده أصحابها. المشكلة أنهم يحيلون المعنى إلى ~~لفظ قرآني (الشورى)؛ يعني ربنا موجود في الموضوع ليطرد أي كائن أو رأي آخر؛ لأنه هو من قال؛ ~~يعني هناك جهنم لمن رفض تفضيل القرآني على البشري؛ يعني انعدم الاختيار تماما، وانعدم أول ~~مبادئ الديمقراطية في ms12 بساطتها البدهية. # وحتى لا نقبل ما نقبل إلا عن بينة، أو نرفض ما نرفض إلا عن بينة، تعالوا نرى ما في بطن ~~الشورى لنرى هل هي بديل الديمقراطية حقا، من عدمه. ~~••• # الشورى نظام عربي قديم عرفته قبائل بوادي الجزيرة العربية؛ فكان لشيخ القبيلة مجلس ~~للشورى يضم أفراد القبيلة الأحرار صرحاء النسب الذين بلغوا الأربعين من العمر فما فوق، ~~ويتسمون برجاحة العقل وأيضا بالثراء المادي. وقد لازمت الشورى العرب في الإسلام كما لازمه ~~الكثير من شئون الجاهلية؛ لذلك جاء ذكرها في القرآن مرتين: الأولى في قوله: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ~~(آل عمران: 159). وقد أورد الدكتور معروف شرح الطبري للآية ~~بنصه: «إن الله عز وجل أمر نبيه # صلى الله عليه وسلم # بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه؛ ~~تألفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، ~~وتعريفا منه أمته مأتى الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند ~~النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته # صلى الله عليه وسلم # يفعل. فأما ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه وإلهامه إياه صواب ذلك. ~~وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك، على تصادق وتوخي الحق وإرادة جميعهم ~~للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هوى؛ فالله مسددهم وموفقهم. وأما قوله تعالى: # فإذا عزمت فتوكل على الله ~~، فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك ~~وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، ~~وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها.» # أما الآية الثانية فهي # والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ~~(الشورى: 38). يقول ~~الطبري: «وإذا حزبهم أمر تشاوروا فيما بينهم.» ms13 وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره «أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبا لقلوبهم ليكونوا فيما يفعلون أنشط لهم، كما ~~شاورهم في الحروب ونحوها.» # ويعقب الدكتور معروف بقوله: «ويلاحظ في تفسير الطبري للآية الأولى أن النبي # صلى الله عليه وسلم # إنما كان ~~يشاور تطييبا لقلوب أصحابه مع عدم إلزامية هذه الشورى له، والمضي فيما أمر به، وإن خالف ~~ما أشار به أصحابه، وتعليما منه # صلى الله عليه وسلم # لمن يأتي بعده بضرورة المشاورة. ومن هنا يتعين الفصل ~~بين الشورى في عهد الرسول # صلى الله عليه وسلم # وممارسات الشورى لمن جاء بعده؛ فالاستشهادات بالتطبيقات ~~العملية للشورى في عهد الرسول # صلى الله عليه وسلم # فيها الكثير من عدم الدقة؛ لأن شخصية الرسول شخصية رسالية ~~يصعب التمييز داخلها بين تصرفاته الرسالية المتأتية من الوحي وبين الاجتهادات الشخصية ~~الدنيوية. والتوكل الذي أشارت إليه الآية في سورة آل عمران سواء أجاء موافقا أم مخالفا ~~لأهل الشورى هو من أمر الله. ويمكن الاستشهاد بالعديد من الأمثلة المشابهة. # أما الخلفاء الذين جاءوا بعد النبي # صلى الله عليه وسلم # فكانوا يستشيرون الصحابة، لكن الآراء لم تكن ملزمة ~~لهم باتباع ما أشير به ... وكل إنسان قديما أو حديثا يستشير لكنه غير ملزم باتباع ما أشير ~~إليه دائما، وإلا فلا معنى للفظة الشورى.» ا.ه. # ونضيف هنا ما جاء في تفسير القرطبي: «قال قتادة: أمر الله نبيه # صلى الله عليه وسلم # إذا عزم على أمر أن ~~يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم، وعاتبه على المشاورة في الأسرى: ما كان لنبي أن ~~يتخذ أسرى حتى يثخن في الأرض.» # وقد عمل أبو بكر وعمر بهذا النظام في الشورى؛ فقد أشار الصحابة على أبي بكر ببقاء الجيش ~~لمحاربة المرتدين، فلم يأخذ بالشورى وأنفذ بعث أسامة، ثم أشار الصحابة على أبي بكر مهادنة ~~القبائل الانفصالية (المرتدة) وقبول الصلاة وترك الزكاة حتى يعز الله الإسلام بالقوة، فما ~~كان منه إلا أن اتخذ القرار النقيض بشن الحرب على ms14 المرتدين. ولم يكن هناك مبرر منطقي في ~~القرارين، وكان أهل الشورى هم الأكثر منطقية. لم يكن هناك مبرر سوى تنفيذ رأيه بغض النظر عن ~~المشورة. كذلك أجمع الصحابة على أن يقود الخليفة عمر جيوش المسلمين لحرب الفرس عدا عبد ~~الرحمن بن عوف الذى أشار ببقاء الخليفة بالمدينة، فأخذ الخليفة برأي عبد الرحمن وحده ورفض ~~الإجماع. # ومن هنا اختلف الفقهاء في شئون بلا قيمة؛ لأن المبدأ نفسه غير ملزم للحاكم، ولا يملك أدوات ~~إلزام ولا تشريع بالإلزام ولا مؤسسات يكون في تمكينها الإلزام؛ وذلك من قبيل تقدير حدود ~~الشورى، وكيفية التزام الحاكم بها، ومن هم أهل الشورى ومن يمثلون، وهل هم أسماء كبيرة بلا ~~مصداقية؟ هل هم رؤساء القبائل وأمراء الجند، أم أهل العلم الديني والفتوى؟ لن ترى في بحثك ~~وراء الشورى سوى عشوائية تامة مما يشير إلى أنها توسع كالورم في أمر لم يكن يقصد كل هذا ~~التوسع؛ لأن الغرض منه لم يكن أكثر من تطييبه لقلوب الصحابة مع عدم إلزامه منذ زمن النبي ~~كما شرح الطبري؛ لتبقى مجرد ورم في تاريخ المسلمين. وقد سمحت هذه الفوضى مؤخرا للشيخ يوسف ~~قرضاوي بتحديد من هم أهل الشورى بالضبط، فقال: «يقول الإمام ابن عطية في تفسيره: إن الشورى ~~من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب» (الإسلام ~~والعلمانية وجها لوجه، مكتبة وهبة، القاهرة، 120). وهو نفسه من سنسمعه بعد قليل وبداخل ذات ~~الكتاب ينكر أن تكون الشورى من قواعد الشريعة أو عزائم الأحكام؛ لأن مساءلة الحاكم كانت ~~كلاما لطيفا من باب حسن النية، ولأن الأمر في الحديث النبوي هو «طاعة ولي الأمر من غير ~~معصية» إعمالا لأمر القرآن، ومع الطاعة لا مكان لشيء اسمه الشورى أو الديمقراطية. # ومبدأ الشورى لم يعن يوما عبر تاريخه أي معنى من معاني حرية الرأي والاختلاف، فهذه ~~مفاهيم لم يعرفها المسلمون؛ لأن الدولة الإسلامية مارست الاستبداد في تماميته استنادا ~~لمبدأ الشورى؛ فالرأي للخليفة وليس للناس؛ يعرض رأيه على المشيرين وقد يأخذ وقد لا ms15 يأخذ ~~بقول المشيرين، وحق الشورى قاصر فقط على المسلمين، محجوب عن أهل الذمة، فحق الاختيار مشروط ~~بالإسلام، وهو ما يتنافى بالكلية مع أبسط مبادئ الديمقراطية. كذلك تفتقر الشورى للتقنين ~~وضبط الشكل الذي يمارس به حق إعطاء الرأي في الشورى، فلم يكن حقا انتخابيا بمعنى ~~اليوم، ولم تكن لها مؤسسة سياسية، أو سيادية لضمان تنفيذات رسمية أو قانونية لقرارتها، ~~إضافة إلى أنه لم يكن هناك حتى قانون يوضح مساحة الحقوق والواجبات بين المواطن والحكومة. # وحتي زمن كتابة الماوردي لكتابه «الخراج» لم يكن قد تم نحت اصطلاح واضح لأهل الشورى، حتى ~~نحته الماوردي: «أهل الحل والعقد»، وهو اصطلاح تم تداوله رغم غموضه بدوره؛ فقد اشترط أن يحوز ~~أهل الحل والعقد على 3 شروط هي: (1) العدالة. (2) العلم الديني الذي يستحق صاحبه به الإمامة. ~~(3) الرأي والتدبير المفضي لحسن الاختيار. وهو ما حصر أهل الحل والعقد في رجال الدين؛ لأن ~~رجال الدين هم ببساطة من وضع هذه الشروط. بل وقيل إن هؤلاء هم أولو الأمر المطلوب طاعتهم ~~في الآيات، كما أوضح الفخر الرازي في التفسير الكبير للآية 59 النساء. ومع المنافع والمصالح ~~أضاف رجال الدين، ببعض التساهل، إلى أهل الحل والعقد الأشراف والأعيان؛ أي الأثرياء من ~~المسلمين. # واختلف الفقهاء حول عدد أهل الحل والعقد اللازم لاختيار الإمام بين ثلاثة آراء، آخرها ~~وأحدثها أن يكون من كل بلد واحد، وأقدمها حد أدنى للاتفاق على المرشح بستة أشخاص سيرا ~~على سنة الخليفة عمر عندما رشح ستة للخلافة من بعده، ثم رأي ثالث يصل بأهل الشورى إلى عدد ~~ثلاثة أفراد يتولاه أحدهم بموافقة اثنين، احتجاجا بعقد النكاح الذي يصح بحضور ولي وشاهدين، ~~وبعدها يحكم الخليفة الذي اختاره صديقاه أو شقيقاه مدى الحياة. # ورغم كل هذا التوسع في مسألة الشورى فإنها لا تطابق الديمقراطية لا معنى ولا تاريخا ولا ~~فلسفة ولا أغراضا. بينما ظل أهل الحل والعقد مجرد تبرير للملك العضود عبر التاريخ ~~الإسلامي. وسرعان ما اختفت حكاية أهل الحل والعقد وأصبحت ذكريات باهتة مدونة في كتب يقرؤها ~~المتخصصون ms16 وحدهم، مع الجهل الذي ساد بلاد المسلمين بفضل هؤلاء المتخصصين ذاتهم. حتى جاءت ~~الصحوة الإسلامية كصحوة أهل الكهف، فإذا بها تواجه زمنا قد اختلف بالكلية عن زمن السلف، ~~وبيدها عملة لم تعد صالحة لأيامنا. ~~••• # يقف وراء إصرار المتأسلمين على العودة إلى قديمهم طوال الوقت لينبشوا في ركامهم عما يمكن ~~أن يكون بديلا لمنجز الإنسانية منذ فجرها حتى اليوم، آية # ما فرطنا في الكتاب ~~من شيء ~~، معتبرين إياها تعميما على كل العصور وكل الأمكنة حتى نهاية الأزمان. وهو ما ~~جعل المسلم يعتقد أن القرآن مصدر وحيد للمعرفة الصادقة لأي شأن أو صنف من صنوف المعرفة، ~~وأنه لا إنجاز صحيحا ما لم يبن على القرآن. ووصل الأمر بالمسلم - إثباتا ليقينه - إلى مواجهة ~~علوم الطب العلاجية بشرب بول الجمل الذي كان يباع في معرض القاهرة الدولي للكتاب كعلاج مسلم ~~ضد العلاج الكافر، وبنفس القياس يواجه الديمقراطية بالشورى؛ فهي بالنسبة للديمقراطية كبول ~~الجمل بالنسبة للبنسلين. ولأن المسلم يبني كل إنجاز ممكن على مقدسه فهو يتصور أن أي إنتاج ~~واضح للآخرين ناتج بدوره عن كتابهم المقدس؛ الإنجيل أو غيره. ولأن المنجز العلمي العالمي ~~أصبح داخل كل بيت في العالم كله، وفيه المسلمون، واضحا جليا أمامهم، فقد اعتبروا ~~أنفسهم مهزومين على مستوى العقيدة؛ لذلك يشنون حربا عقيدية إسلامية على الغرب الصليبي ~~لتدميره، وساعتها تتساوى الرءوس بعد خراب ديار المتقدمين ليتخلفوا كالمسلمين؛ انتصارا ~~للإسلام ومقدساته على الغرب ومقدساته. # والذي لا يلحظه الإسلاميون وهم يستحضرون الشورى من وراء سجف زمان مات واندثر، أن الشورى ~~نظام قبلي الأصل، وأن النظام القبلي هو أقدم تاريخيا وأبعد إلى الوراء إلى ما قبل بناة ~~الأهرام وقيام دولة مصر القديمة بأزمان طوال. وقد تطورت مصر بعد النظام القبلي الأول عبر ~~قرون متطاولة حتى انتهت صلتها بالشورى وأقامت بعدها دولتها الكبرى بقانونها بمؤسساتها ~~بنظامها الهرمي التراتبي التخصصي الدقيق، وعندما أقامت الدولة المركزية الأولى في فجر ~~الأسرات 3200ق.م (حسب تقدير ماير) كانت قد تجاوزت نظام القبيلة بثلاثة آلاف سنة أخرى مثيلة ~~سابقة. ويأتي اليوم أبناء ms17 مصر من المسلمين ليطلبوا العودة إلى تلك الأزمنة القبلية ~~ليستخدموا أدواتها وقوانينها وقيمها في مواجهة الحداثة. يريدون عودتنا إلى ما قبل عصر ~~الأسرات! # المصري فقد حضارته وتاريخه وأصبح قبليا، بطولاته ليست هندسة معمارية عظيمة، ولا هندسة ري ~~دقيقة، ولا اختراعا ولا كشفا، إنما هي بطولات زغلول النجار ومصطفى محمود اللذين اهتما ~~بإثبات أن القرآن قد احتوى كل ما اكتشفه العلم الإنساني وكل ما يكتشفه بعد، في خرافات ~~تلفزيونية، أو في صفحات أكبر صحف مصر، ليس فيها من العلم غير الحكي البدائي في ليالي سمر ~~القبيلة حول البعير، حكي ألف ليلة وليلة، حكي لم ينتج شيئا في الواقع حتى الآن، وهو غير ~~قابل لأن ينتج شيئا سوى ضياع المسلمين في مزيد من العودة إلى الوراء. # ويصبح «العلم والإيمان» مدرسة وجمعيات كبرى بل وعقيدة عند المسلمين، وهو ما لم ينتج أكثر من ~~حكايات هابطة لتسلية المسلمين وحدهم في صحراء جهلهم القبلي؛ فحتى وهو ينتج، ينتج إنتاجا ~~حكائيا أنانيا لا يصلح بالمرة لغير المسلمين ولا يسلي غير المسلمين. وغير واضح لدينا أن ~~المنتج العلمي الغربي هو لكل البشرية، بينما علمنا المختلط بإيماننا منتج تمت صياغته دون ~~وضع الفائدة في الاعتبار؛ لذلك هو لا يفيدنا ولا يفيد غيرنا. بينما العلم بمفهومه الغربي ~~أفادهم وأفادنا. عندما ترى الاعتقاد بالعلمية التامة للقرآن حسب برامج العلم والإيمان راسخة ~~لدى أطباء ومهندسين وحقوقيين مصريين عن يقين، فهو ما يعني أن الشر والسوء قد حدث للوطن بغض ~~النظر عن كل الكوارث الأخرى؛ لأنه يعني أننا أمسينا نخلط بين الخيال والحقيقة، وهو الهذيان، ~~هو الجنون. # الإخوان المسلمون يريدون إصلاح حالنا المتدهور بإحياء الموتى لينظموا لنا حياتنا كما كانت ~~حياة من هم في مقابر الألف الميلادي السابع، وهي شهادة على الذات شديدة المرارة؛ لأنها تعني ~~فقد الثقة الكامل بالذات، والشعور بالتدني والنقص الحاد في تكوين شخصية الفرد والمجتمع، بعد ~~أن تكاثر على المسلم ما يقدمه له المشايخ كل يوم من أحمال تضاف إلى الإسلام ولم تكن فيه، ~~ويزورونه عليه بالباطل؛ فالقرآن ms18 هدى للناس وليس فيه أينشتين ولا جاليليو؛ لأنه ببساطة لم ~~يكن في زمانه لا أينشتين ولا جاليليو، وخاصة مع ظهوره في مكانه بالجزيرة التي كانت خالية من ~~كل معرفة سوى علم الأنساب وشعر الفخر والهجاء. أصبحوا يقدمون الشورى للمسلمين كبديل تام ~~الموافقة للديمقراطية، فيبتدعون في الإسلام ما لم يكن فيه، وهو البدعة المكروهة المنهي عنها ~~شرعا ونصا. لقد أضافوا للإسلام ما يجعل أبا بكر الصديق يرسب في أي امتحان للتربية ~~الإسلامية اليوم. # المسلم يعتبر كل ما يأتي من الغرب هو شر تم تدبيره بليل للمسلمين بالذات دون الهندوس ~~والبوذيين والسيخ وكل الملل والنحل بأعدادهم الهائلة في العالم؛ لذلك يرفض حتى تقاليد ~~المائدة الغربية كالشوكة والسكين؛ لأن له آدابا خاصة للمائدة؛ فالأكل جلوسا على الأرض مع ~~وضع اليد اليسرى تحت الفخذ اليسرى واستعمال اليمنى فقط! هو رجوع كامل إلى القبلية رغبة في ~~المغايرة والتمايز، ومع تصور المسلمين أن عادات الغرب بدورها مستمدة من دينهم فإنهم يكرهون ~~تفوق ديمقراطيتهم. وسبق وتصدى مشايخنا للمطبعة والهاتف وللمذياع وللتلفاز ولقوانين الأمم ~~المتحدة بإلغاء الرق، ولا زلنا ضد حقوق الإنسان، عن تصور أن الاعتراف بها هو اعتراف بقوة ~~دينهم على ديننا؛ لذلك نرفض كل جديد يأتي من هناك، إلى أن يفرض نفسه علينا ويجد فتوى تائهة ~~تبيحه ذات يوم ما دام نافعا وبلا ضرر ولا ضرار. # منطق المسلم يقوم على ربط التفوق العلمي للديمقراطيات الغربية بدينهم الذي لا بد أن يكون ~~متفوقا ما دام هذا إنتاجه؛ لذلك يتصدى المسلم لكل جديد يأتي من عندهم دون أن يكون مشاركا ~~فيه ولا حتى دون أن يفهم ما هو، كوقوفهم صفا مرصوصا ضد استنساخ الخلايا الجذعية في كوريا ~~الجنوبية، دون أن يعرفوا لا ما هو الاستنساخ، وما هي الخلايا الجذعية، ولا حتى أين هي كوريا ~~الجنوبية! فيصلوا هم إلى استبدال الأعضاء التالفة بأعضاء سليمة جديدة، ونصل نحن إلى بول ~~الناقة. # إن علمنا الذي يصف البول كدواء هو علم هابط متخلف يقف عند فجر البشرية، وربطه بدين ~~المسلمين هو إهانة ms19 لهذا الدين، ولأن كل الحضارات قامت على علوم لا علاقة لها بأي دين، ~~فالوحي لم يأت مندليف، ولا نزل جبريل على أحمد زويل؛ كذلك الديمقراطية عندما نريدها، علينا ~~أن نأخذها دون أن نمررها على ذائقتنا الدينية أولا، مثلها بالضبط مثل جدول العناصر. # وإن من يقف من مشايخ التطرف أو مشايخ الصحوة ضد الديمقراطية ليستبدلوها بالشورى، هو من ~~أنصار الاستبداد؛ فبما أن الشيخ ليس ملكا ولا حاكما حتى يقف ضد الديمقراطية التي قد تهدد ~~مركزه، فهو مأجور إذن للاستبداد ضد شعبه. إن الشيوخ يقومون بدور القوادين لحكام المسلمين ~~المستبدين؛ ليأتوهم بالشورى التي لا بتهش ولا بتنش ... بحسبانها الديمقراطية، في خدعة لئيمة ~~وغير نظيفة لرعاياهم من مسلمين بسطاء. ولولا هؤلاء المشايخ لعرف الشعب المسلم الديمقراطية ~~منذ زمان، ولكان الآن يركب قطار الحداثة مثله مثل بقية الشعوب المحترمة. ولولا المسكنات ~~الإسلامية في وسائل إعلام المستبدين وتعليمهم الموجه للناس لكان حالنا غير الحال؛ لأن أصل ~~الديمقراطية وتعريف الناس بها في بلادنا يتم سرا، لكن تعريفهم بالإرهاب والدكتاتورية ~~الدينية والسياسية فهو العلني. الشورى هي العلني، أما الديمقراطية بأسسها الحقوقية والتي ~~تسمى العلمانية فهي في بلادنا كفر يجازى صاحبه بجز الرقبة مع تهليل المؤمنين المصلين ~~المكبرين. # لقد استدعوا الشورى رغم علمهم أنها غير ملزمة للأمير، وهو ما يجيز للأمير عدم استخدامها ~~من الأصل ما دام سيمكنه رفضها، وهو ما حدث تاريخيا. وانتهى شأن الشورى؛ لأنه قد ثبت ~~بالوقائع أنه لو تقدم عشرة للخليفة بآرائهم واختار هو رأي المشير العاشر فقط، كما فعل عمر ~~عندما أخذ برأي عبد الرحمن بن عوف؛ فالمعنى أن التسعة لم يستطيعوا أن يلزموا الخليفة ~~بمشورتهم، وهذا عكس الديمقراطية تماما، هذا هو عين الاستبداد وجوهره المتين. # هذا ناهيك عن كون الأمير نفسه أحد أعضاء جماعة الشورى، وله أن يأخذ في هذه الحال برأي ~~نفسه وحده ويرفض رأي العشرة جميعا؛ فالشورى منطقا وتاريخا غير ملزمة، ومن يقول بإلزامها ~~مثل قرضاوي الجزيرة، فإنه يقولها وهو خفيض الصوت متردد وعلى استحياء؛ لأنه يعلم أنه مزور ~~يلبس ms20 الاستبداد ثوب الديمقراطية بتقية من طرف اللسان. ثم إن سن قوانين جديدة أو تعديل ~~تشريعات وقوانين قديمة، كان في زمن صاحب الدعوة الإسلامية يتم عن طريق الناسخ والمنسوخ بفعل ~~رباني دون شورى من أحد. أما الديمقراطية اليوم فتقوم عبر مجلسها التشريعي بوظيفة الناسخ ~~والمنسوخ؛ فهي التي تعدل التشريع وتصدر الجديد وتلغي القديم؛ لذلك فإن الشورى المقصودة عند ~~مشايخنا لم يكن لها أي علاقة بسن قوانين إسلامية؛ فالشريعة الإسلامية هي من عند الله، وليس ~~في إمكاننا إعادة النظر في أي تشريع إسلامي؛ لأن ذلك سيكون اعتداء على حدود الله حسب نظريتهم ~~القانونية. إذن فإن الشورى لا هي في العير ولا هي في النفير، ولم يرد عن القرآن أو السلف ~~الصالح ما يفيد بإمكان تدخل الشورى في التشريع بإلغاء قوانين إسلامية قديمة أو تعديلها. ~~مضافا فوق كل هذا أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم مطردة التطور مع تعديل دائب لما يرتبط ~~بها من مفاهيم حقوقية وتغير للأرقى دوما فيما يتعلق بمفاهيم العدل والحرية والمساواة ... إلخ، ~~بينما الدين ثابت، وليست الديمقراطية الغربية هي نهاية التاريخ كما يقول فوكوياما؛ فالعلم ~~لا يأخذ ما طرحه فوكوياما إلا على سبيل الفانتازيا؛ لأن التطور العلمي يفرض قيمه الجديدة ~~باستمرار؛ ومن ثم قوانينه الجديدة التي تصون القيم الجديدة، فإذا قلنا إن ديمقراطية اليوم ~~هي الشورى القرآنية، فماذا ستكون شورانا غدا؟ وماذا عن قرآننا هنا؟ ثم علينا مقارنة تفسير ~~الطبري لشورى النبي صحابته بأنه كان يشاورهم تطييبا لقلوبهم مع عدم إلزامية هذه الشورى ~~والمضي فيما أمر به وإن خالف مشورة الصحابة؛ علينا مقارنة هذا بما يفعله قادة المسلمين من ~~مشايخ مجددين، فهم يفعلون ذات الفعل تأكيدا لاتباعهم السنة النبوية، يسمعون لنا ويسمعون ~~لغيرنا، لكن ما نقوله أو يقوله غيرنا هو عندهم تطييبا لنفوسنا وامتصاصا لغضبنا؛ لسلبنا ~~حرياتنا وكرامتنا، وبعد السماع تطلق الوعود غير الملزمة. ذات السياسة سياسة الحكومة ~~المباركة؛ تسمح للشعب بقول ما يريد ويفعل السادة ما يريدون. إنها بالضبط نظام الشورى ... هذه ~~هي السنة النبوية، لكنها وإن كانت صوابا ms21 إيمانيا في زمنها بالتسليم لنبوة النبي، فإنها ~~اليوم تصبح استبدادا يقوم على مجلس الشورى ... هكذا يقول الشرع. أما الديمقراطية فهي تتطلب ~~الحرية والمساواة، وفي بلادنا يعرف الحكام والفقهاء الحكماء أن من يعلم طيور حظيرته ~~الطيران ... بات بلا عشاء. ~~••• # منذ انكفاءة مساحة الانفتاح العربي الإسلامي مع الإمام أبي حامد الغزالي، تجاوز الله عن ~~سيئاته، وتحريمه علم الكلام على العوام عن طريق اللجام (إلجام العوام عن علم الكلام؛ كتابه ~~الأشهر) تحرم المعاهد الدينية والحكومات الإسلامية تدريس الفلسفة الغربية في بلادها، بقدر ~~ما تدرس وتعلم فلسفة العرب الغزاة حية في مدارسنا إلى أن يظهر لها وريث مناسب يوظفها لنفسه، ~~ومنها حكاية الشورى. # إنهم يستبدلون الديمقراطية بالشورى، وهي ليست فقط غير ملزمة بالمرة، ولكن باختلاف تام في ~~المعنى المؤدي في النهاية للغرض والهدف؛ لأن الشورى في الحالات الثلاث المشهورة كانت إزاء ~~حالات طارئة وعسكرية وتحتاج إلى أهل الحرب والخبرة؛ لذلك كانت الإشارة للشورى كما سلف دوما ~~محددة بأمر «حزبهم»؛ أي بالمسلمين؛ أي نازلة شديدة نزلت بهم. والحكايات الثلاث لا تعني ~~أن تلك هي الديمقراطية؛ لأن ما في الحكايات المذكورة هو طلب النصيحة من الخبراء في الشأن. ~~هنا نستمع مرة أخرى للدكتور معروف يشرح: «إن مفهوم المستشار هو الإنسان المتخصص الذي ~~يستعان برأيه في مسألة من المسائل في الشئون العسكرية أو الفنية أو الاقتصادية أو ~~الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية أو نحوها، في كل منحى من مناحي الحياة. ففي جميع الدول ~~اليوم مستشارون، سواء على شكل هيئات أو أفراد أو مؤسسات يستعين بهم صاحب القرار عند اتخاذ ~~قراره. ولا شك في أن آراءهم غير ملزمة له؛ لأن صاحب القرار يطلع على مجمل الآراء ويتخذ ~~قراره؛ فهذه هي الشورى ... وأرى أن أهل الشورى هم أهل الذكر: # فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون ~~(الأنبياء: 7).» ا.ه. # وبغض النظر عن رأيه فيمن هم أهل الذكر فإن المعنى في الاستشارة هو أخذ النصيحة من متخصص؛ ~~كما أخذها النبي في موقعة بدر من «الحباب بن المنذر» كمحارب محنك. وهو أمر ms22 دائم الحدوث في ~~حياتنا منذ وجود الإنسان على الأرض؛ فالتشاور يتم داخل الأسرة في شكل تناصح، وفي مجموعات ~~العمل في الحقول والورش والمصانع والحروب والتجارة والبيع والشراء ... حتى في مجموعات الصيد في ~~بدائية البشرية؛ فالناس تبحث عن النصيحة وتحصل عليها من الخبراء. حتى وقت المرض عندما يبحث ~~الناس عن علاج يخفف الآمهم، فتأتيهم النصيحة في صورة وصفات أو أدعية! ويؤكد المعنى البسيط ~~الفطري للشورى بكونها النصيحة حديث منسوب للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا خاب من استخار ولا ندم من استشار.» ~~فالاستخارة والشورى اختيار بين بدائل تحتاج نصحا وإرشادا. ويقول الشيخ يوسف قرضاوي: «إن ~~المسلم يستعين بأمرين يساعدانه على اتخاذ القرار: أحد هذين الأمرين رباني وهو استخارة الله ~~تعالى، وهي صلاة ركعتين يعقبهما دعاء مضمونه أن يختار الله له خير الأمرين في دينه ودنياه، ~~والثاني إنساني وهو استشارة من يثق برأيه وخبرته ونصحه وإخلاصه ... وقد حفظ المسلمون من ~~تراثهم: «لا خاب من استخار ولا ندم من استشار.» وقد كان الصحابة (رضي الله عنهم) يستشيرون ~~النبي، فيشير عليهم بما يراه صوابا. واستشارته فاطمة بنت قيس في أمر زواجها، وقد أبدى ~~الرغبة فيها رجلان: معاوية وأبو جهم، فقال لها: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم ~~فلا يضع عصاه عن عاتقه»؛ أي يضرب النساء، واقترح عليها أن تتزوج أسامة بن زيد. وكان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يستشير بعض أصحابه ... وفي أزمة حديث الإفك يستشير علي بن أبي طالب ويسأل أسامة بن زيد» (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، مكتبة وهبة، القاهرة، 2001م، ص123). # ثم يضيف في كتاب آخر محاولا تبرير نظام الشورى، بدون آليات توضح كيفية التطبيق ومؤسسات ~~تحميه وتحافظ عليه من سوء التفسير أو الاستخدام، قوله: «أما عدم وضع الصيغ التفصيلية فذلك ~~لحكمة ذكرها حكماء الإسلام ... يقول العلامة رشيد رضا ... في تفسير المنار، آية (آل عمران: 159) جملة أسباب منها؛ أن هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال الأمة ~~الاجتماعية في الزمان والمكان، وكانت تلك المدة القليلة التي عاشها # صلى الله عليه ms23 وسلم # بعد فتح مكة، فبدأ ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا، وكان # صلى الله عليه وسلم # يعلم أن هذا الأمر سينمو ويزيد، وأن الله سيفتح ~~لأمته الممالك ويخضع لهم الأمم، وقد بشرها بذلك. فكل هذا كان مانعا من وضع قاعدة للشورى ~~تصلح للأمة الإسلامية في عام الفتح وما بعده في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي العصر الذي يتلو عصره، ~~إذ تفتح الممالك الواسعة، وتدخل الشعوب التي سبقت لها المدنية، في الإسلام أو في سلطان ~~الإسلام؛ «إذ لا يمكن أن تكون القواعد الموافقة لذلك الزمن صالحة لكل زمن»، والمنطبقة على ~~العرب في سذاجتهم، منطبقة على حالهم بعد ذلك وعلى حال غيرهم. فكان الأحكم أن يترك # صلى الله عليه وسلم # وضع ~~قواعد الشورى للأمة تضع منها في كل حال ما يليق بالشورى. ومنها أن النبي لو وضع قواعد مؤقتة ~~للشورى بحسب حاجة ذلك الزمن لاتخذها المسلمون دينا، وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان، ~~وما هي من أمر الدين» (الإسلام والعلمانية وجها لوجه، مكتبة وهبة، القاهرة، ص123). # إن قرضاوي بذلك يقول إن مسألة الحكم والشورى هي ليست من الدين في شيء - وهو المرجع الأعظم ~~لكل الفرق الإسلامية اليوم - ويعتبرها مسألة خاضعة للمكان والزمان. # ويقتبس قرضاوي من محمد الغزالي داعما لرأيه؛ إذ يقول الغزالي: «أما الفكر الإسلامي فهو ~~عمل الفكر البشري في فهمه، والحكم الإسلامي هو عمل السلطة البشرية في تنفيذه، وكلاهما لا ~~عصمة له» (نفس المصدر السابق، ص159). # أما الديمقراطية فشأن آخر ناضج معقد متشابك، يهتم بسن القوانين والتشريعات ومتابعتها، ~~وتتبعها مؤسسات تصون قيمها وتملك قدرة المحاسبة، بما يتنافى ليس مع ما يطرحه الإسلاميون ~~فقط، بل مع كل الأديان؛ لأنه شأن إنساني بحت، ولأن الأديان تتعامل مع قوانين وتشريعات تأتي ~~من السماء مفروضة على الناس فرضا، والمؤمن هو الملتزم بهذه القوانين، وهي أصلا ألوان من ~~التعبد والقوانين الأخلاقية. وفي بلادنا يقوم رجال الدين - عبر شيء اسمه الفتوى وإعادة ~~التفسير - بصك قوانين جديدة طوال الوقت لم تكن في صلب الإسلام الأول، ms24 ليتم لهم تسخير ~~المسلمين والسيطرة على أرواحهم، كأن رب الإسلام قد سها أو نسي أن يصدر مثل تلك التشريعات ~~فقاموا يسدون النقص نيابة عنه؛ كتحريم شرب السجائر التي لم يعرفها زمن الدعوة ليقول تشريعه ~~بشأنها، وكفرض الحجاب للمرأة ركنا من أركان الإسلام؛ هذا ناهيك عن كم هائل من الأحاديث ~~يستخرجون منه بالقياس أضعافه من أحكام وشروط على عاتق المسلم، ولا يكتشفون أن تلك الأحاديث ~~ضعيفة أو أنها إسرائيليات إلا عندما نستشهد بها نحن. # وكان عربي الجزيرة يعرف أن الشورى هي النصيحة وليست هي الديمقراطية؛ حيث إن الديمقراطية ~~كانت معروفة قبل الإسلام بقرون، فقال شاعرهم: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن # برأي نصيح أو نصيحة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة # فإن الخوافي قوة للقوادم # وهي ذات الأبيات التي استشهد بها الشيخ قرضاوي في كتابه «ملامح المجتمع المسلم الذي ~~ننشده» (ص122)، للتعبير عن ذات المعنى هنا. # ويقول آخر: # الرأي كالليل مسود جوانبه # والليل لا ينجلي إلا بإصباح # فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى # مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح # العربي كان يعرف الشورى كرأي نصيح قبل الإقدام على المهمات الممكن اختيارها بين بدائل ~~متاحة، وهو معنى لا علاقة له بالديمقراطية؛ خاصة إذا ما تذكرنا الحديث الذي ينهي مسألة ~~الشورى حتى كرأي في الإسلام، وهو: «اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه ~~زبيبة.» # ولأن طاعة الإمام كانت طوال التاريخ الإسلامي هي المرجوحة على ما سواها، يحاول قرضاوي أن ~~يكشف لنا سلبية الشورى حتى مع اقتصارها على مفهوم النصيحة، إذ يقول: «بعد غزوة أحد التي ~~شاور النبي فيها أصحابه، ونزل عن رأيه إلى رأي أكثريتهم، فكانت النتيجة ما أصاب المسلمين من ~~قرح» (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، مكتبة وهبة، القاهرة، 2001م، ص126). # في سياق بحثه حول الشورى الإسلامية يعرض الكاتب الإسلامي الدكتور بشار عواد معروف قولا ~~للكاتب الإسلامي فهمي هويدي، وهو الملقب بالمستنير، يقول فيه هويدي: «لا يحسبن أحد أنه يمكن ~~أن تقوم لنا قيامة بغير الإسلام، أو أن يستقيم لنا حال بغير الديمقراطية؛ ms25 إذ بغير الإسلام ~~تزهق روح الأمة، وبغير الديمقراطية - التي نرى فيها مقابلا للشورى السياسية - يحبط عملها؛ ~~بسبب ذلك نعتبر أن الجمع بين الاثنين هو من قبيل: المعلوم بالضرورة من أمور الدنيا.» # فأي خلط هذا؟! وأي خبط؟! # هويدي إن لم يحرض بلغة مكشوفة ويجيش بوضوح، فلا يجد فرصة للتحريض إلا واستثمرها ولو ~~ضمنا؛ فهو يشعر المسلمين دوما أن هناك خطرا على الإسلام، وأن هناك من يريد به شرا؛ ~~فهو يقول محذرا «ولا يحسبن أحد أنه يمكن أن تقوم لنا قيامة بغير الإسلام»، كما لو أن أحدا ~~يطرح بديلا للإسلام. والواقع يقول إن أحدا لم يطلب من مسلم التخلي عن إسلامه؛ لأن الجمع ~~بين العلمانية وأي دين لا يضر بأحدهما بل يفيد الدين منها فائدة عظيمة. هويدي يصوغ تعبيرات ~~تشير إلى وهم غير حقيقي وغير مطروح، ثم يضع محظورا ثانيا للشرط التحذيري بقوله: «أو أن يستقيم ~~لنا حال بغير الديمقراطية»، وهي إجابة متسرعة؛ لأن شرطه القطعي يعني أن عصور الإسلام السابقة، ~~حتى عصر الخلافة - راشدة وغير راشدة - نفسه، كانت كلها غير مستقيمة؛ لأنها لم تعرف الديمقراطية. ~~وهذا عيب استخدام الدين في السياسة؛ السقوط في الشراك اللفظية طوال الوقت. إن كلام هويدي ~~يعني أن أمة لا إله إلا الله ظلت غير مستقيمة طوال 1426 سنة مضت من تاريخنا، ولن يصلح حالها ~~إلا الديمقراطية التي اكتشفها الكفار. وهذا كلام ديمقراطي إذا كان يقصده حقا وصدقا. ~~لكنه سرعان ما يتراجع إلى القبيلة ونظامها وإلى بدايات فجر البشرية ليجلس مع رفاقه على ~~الشجر، إلى زمن النصيحة؛ لأنه يستكمل الشرح «الديمقراطية التي نرى فيها مقابلا «للشورى ~~السياسية».» # إن الديمقراطية ليست دينا نخشى منافسته للإسلام. وإذا كانت الديمقراطية هي الشورى كما ~~يقول فهذا يعني أن الكاتب الإسلامي المستنير لا يعرف ما هي الديمقراطية، لكنه يعلم ما هي ~~الشورى. ولأنه أيضا يعلم أنها ليست الديمقراطية، إذا به ينحت لنا اصطلاحا جديدا لم نسمع ~~به من قبل هو «الشورى السياسية». # فلم يرد من قبل لا في حديث ولا في قرآن ms26 ولا روايات إخبارية ولا سيرة؛ شيء اسمه الشورى ~~السياسية؛ لم يرد عنها شيء في المكتبة الإسلامية بطولها وعرضها الذي يصل عددها إلى ما يزيد ~~عن 10000 كتاب ومصنف، ويحكي لنا عن «الشورى السياسية» كما لو كانت شيئا معلوما يزوره ~~علينا وعلى المسلمين باعتباره من الإسلام وأنه هو الديمقراطية، وهى ليست هذا ولا ذاك. إن ~~المعاني والألفاظ ليست منضبطة بين يدي المستنير، فيمكن لأي لفظ أن يكون آخر، الكل سواء، ~~كالمصاب بعمى الألوان. أصاب التعصب الديني مركز التمييز لديه، فصار دون قصد منه عاجزا عن ~~التمييز. انظر كيف أمكنه أن يجمع بين الإسلام والديمقراطية شرط أن تكون الديمقراطية ~~الخاصة بنا، هي الشورى السياسية التي نسمع بها لأول مرة من سيادته، قاصدا «تديين السياسة ~~وأسلمة الديمقراطية بالشورى»، ثم إذا كانت الشورى السياسية جزءا من الإسلام كما قال فكيف ~~يطلب الجمع بينهما، إنه يطلب الجمع بين الإسلام وأحد مكوناته، ويرى أن هذا الجمع «من قبيل ~~المعلوم بالضرورة من أمور الدنيا». لقد تحول الفيلسوف المستنير وهو يحاول الجمع بين ما لا ~~يجتمع إلى لغو الكلام غير المتسق، ولا المتفق مع الإسلام ولا مع الديمقراطية ولا مع ~~المنطق ... فانتهى إلى كلام بلا معنى. وما دمنا في مسألة المعنى فلا بد أن نسأله عن معنى «تزهق ~~روح الأمة» فهم يلقون كلاما كبيرا إلقاء؛ فأين هي هذه الأمة؟ وما إذا كان لهذه الأمة ~~شعوب؟ أو بالأحرى ما هي؟ هل هي بدون شعوب؟ فأين هم جغرافيا؟ ومن هم سياسيا؟ وما هي حجته ~~في الحديث بلسان هذه الأمة ليختار لها ويبكي على مستقبلها؟ هل الأستاذ هويدي يرى نفسه وفكره ~~المفكك المتضارب ضميرا للأمة؟ أم هو سيد لم يأخذ مكان السيادة والسلطة بعد ويخطط لأمته؟ أم ~~ورث سيادته عن سيادة سادتنا العرب الفاتحين؟ # ولا تعلم سبب كل هذه المحاولات البائسة للهرب من الديمقراطية العلمانية بمفاهيمها ~~الغربية، رغم أنها نجحت في الحفاظ على ديانات الشعوب التي دخلت عليها بلادها ولم تزلها من ~~الوجود كما فعل الإسلام في البلاد المفتوحة أو كاد. ms27 الديمقراطية بمعناها العلماني المطبق ~~في الغرب منتج غير إسلامي لكنه حقق للشعوب الشفاء من الأمراض الطائفية ومن العنصرية ... أم أن ~~الإسلام هو الوحيد من بين ألف دين في العالم هو من اختارته العلمانية لتقتله من بين كل ~~الملل والنحل؟ ونحن نعتقد أن الإسلام لا يقل قوة عن بقية الأديان التي تعايشت معا في ظل ~~الديمقراطية، وأنه سيصمد كما صمدت بقية الأديان، ونعتبر كل من يحاول إخافتنا من ~~الديمقراطية العلمانية هو نصاب دجال يريدها شورى لنفسه ولفريقه ليستبدوا بنا، هنا فقط ~~تتصادم العلمانية الديمقراطية معهم؛ لأنها نعم قاتلة، قاتلة الاستبداد والعبودية وليست ~~قاتلة الأديان. # الغريب أن هويدي وقرضاوي وأمثالهما يكتبون اليوم محاولين الاقتراب والتقرب من المتفوق ~~الديمقراطي تشبها به، غير واعين أن مجرد فتح الموضوع واستجلاب الشورى من بين جثث التاريخ ~~الرميمة والقول إنها هي الديمقراطية، هو اعتراف بالتدني وبالقصور وتمني أن نكون مثلهم، ~~ولولا نجاحات الديمقراطية ما جلس هؤلاء يتفلسفون حول الشورى الملزمة وغير الملزمة ومن هم ~~أهل الشورى وما هو عددهم؟ ولا حدثنا هويدي عن الشورى السياسية ولا قال لنا قرضاوي إن ~~الديمقراطية هي جوهر الإسلام المتين. # هناك خوف عميق عند المسلمين من الحداثة والعلمانية، رغم أنهم بصدق الحال في أسفل تراتب ~~الأمم وليس هناك بعدهم أسفل، وإن أخذوا بالديمقراطية العلمانية فلن تنزل بهم دركا دون ما ~~هم فيه الآن، ولو كانت سما فلا بد أن نجربه كما هو في بلاده بشروط بلاده؛ لأن جسدنا مسمم ~~أصلا حتى الموت ولن يضره سم جديد. اليابان والهند وإسرائيل لم تخش من الديمقراطية ~~العلمانية على أديانها ومعبوداتها، وصمدت الديانات وتعايشت لأن الديمقراطية لا تطرح نفسها ~~بديلا لأي دين، ولا تشكل خطورة على أي دين. انظر: هويدي خائف مرعوب على الإسلام وليس على ما ~~يسميه الأمة، يقول: «لن تقوم لنا قائمة بغير الإسلام ...» خايف الإسلام ينتهي، بينما يجب أن ~~يكون شديد الاطمئنان لرسوخ دينه؛ لأنه لا توجد أمم ملحدة إنما يوجد أفراد ملحدون كالمتنبي ~~والرازي والمعري وابن الراوندي، مجرد أفراد لا يؤذون الدين ms28 بقدر ما أثروا حياتنا الثقافية ~~والعلمية وكان نفعهم لنا عظيما. نحن لا نخاف على إسلامنا من العلمانية الكاملة بل نخشى ~~ونخاف عليها من أمثال ابن هويدي وابن الجوزية وابن المودودي وابن قطب وابن عبد الوهاب وابن ~~باز وابن عاكف، الذين هم وأمثالهم قد ألصقوا بالإسلام كثيرا مما لا يعرفه، حتى أصبح حملا ~~ثقيلا على كاهل كل مسلم. الديمقراطية في الغرب لم تؤذ الإسلام الذي فر أصحابه به إليها ~~لاجئين؛ ليقيموا هناك مدارسهم ومساجدهم وجامعاتهم في أرض العلمانية آمنين من كل سوء. # ثم يضع الأستاذ هويدي شرطا لقبول الديمقراطية التي لن يستقيم لنا حال بغيرها، وهو ما ~~نقله عنه الدكتور معروف في قوله: «إن الديمقراطية التي نقبلها ونعتبرها مقابلا للشورى، أو ~~ترجمة معاصرة لها، هي تلك التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا.» ثم قام معروف يعرض نقد ~~الدكتور حيدر إبراهيم لهذا الرأي إذ يقول: «يمثل هويدي هنا قمة التوفيقية أو الانتقائية ~~الجائرة، فقد كان بإمكانه التوقف عند الشورى فقط لطالما هي مقابل الديمقراطية ومن صميم ~~الدين، لكنه يفصل الديمقراطية على مقاس الشورى، على الرغم من اختلاف السياقين التاريخيين ~~للمفهومين، ويحاول أن يختزل الديمقراطية إلى مفهوم ديني بحت بلغة دينية لطمس السياسي في ~~مفهوم الديمقراطية. فالديمقراطية لم تأت لتحديد أحكام شرعية أو فقهية، بل لتنظيم العلاقة ~~بين الحكام والمحكومين وتأكيد الحريات وحقوق الإنسان بحسب رؤيتها وتاريخيتها.» ا.ه. # المسألة التي نصر عليها هنا حتى مع د. حيدر، أن الديمقراطية ليست مفهوما عربيا ولا ~~إسلاميا، حتى يكون لهويدي حق التعبير عن مقاصدها وفلسفتها، بل عليه أن يسأل عنها أهلها ~~إذا أراد أن يفهمها، وأن يقدمها للناس كما هي منذ أبدعها الأقدمون من يونان وروم، حتى ~~المحدثين فالمعاصرين حتى آخر مستحدثاتها الحقوقية، عليه أن يسأل أهل الغرب الحر لأنهم ~~الأدرى، وهم المرجعية والمصدر، أو ببساطة أن يطل في المنور المجاور، على دولة إسرائيل وهي ~~تتحدى هذا الكم العظيم الغليظ من أبناء الشورى؛ ليرى النموذج التطبيقي للديمقراطية ~~العلمانية في دولة دينية أساسا، فنموذج التطبيق الذي ms29 لم نره عبر تاريخ الشورى إلا شرا ~~مستطيرا، هو في الديمقراطية معناها ومقصدها وهدفها ونتيجتها في العالم أجمع، عدا منطقة ~~الشر أوسط الكبير، منطقة الشورى! # إن ما أحرزته الديمقراطية تطبيقا وعملا في الواقع على المستوى العالمي هو سبب ما يكتبه ~~الآن فلاسفة التلفيق والقص واللصق المسلمون، كعمالة تقوم بالترميم لبناء تهاوى وصار ركاما ~~منذ أزمان، أهلكته الشيخوخة وقتلته تخمة ما امتص من دماء شعوب المنطقة. # ثم بعد تمام بحث وفهم المفهومين النظري والتاريخي الفلسفي الحقوقي والمفهوم التطبيقي ~~للديمقراطية، عليه أن يذهب ليبحث فيما بين يديه ويعلنه للناس دون أن يشعر بعار يدفعه ~~للترميم واللصق والتجميل، إنه يشعر بالعار عندما يقارن فيكذب ويواري ويلتوي؛ لأن المسلم من ~~بين أصحاب الأديان في العالم هو من يريد دوما أن يقارن دينه بزمانه ومكانه القديم بكل ~~مستحدث، ولو فعل أصحاب الأديان في العالم فعلنا لشعروا جميعا بذات العار، وربما بما هو ~~أسوأ قياسا على بعد كل دين في التاريخ إلى الوراء. # إن ما يجب أن يشغلنا ليس هو ماذا سنطلق على الفعل الديمقراطي إذا كان هذا الفعل هو ما ~~نريده، ما دام الفعل في صالح الناس والوطن. ما يشغلنا ويجب أن يشغلهم هو المضمون والروح ~~والمعنى والأهداف. وإن مقارنة سريعة بين هذا المضمون في الشورى وفي الديمقراطية، سيجعل ~~الشورى القرين الأول للاستبداد عبر أربعة عشر قرنا من الزمان ظلما وانعدام مساواة أو حقوق. ~~إن المقارنة بين مفهومنا المسلم ومفهومهم الكافر عند التطبيق والإنجاز، هي مقارنة ظالمة ~~للإسلام بكل المقاييس، فقد كان له زمنه وظرفه وناسه ونظامه القبلي المختلف بالكلية عن ~~زماننا. # إن المقارنة غير المتحيزة الباحثة عن مصالح الناس وحقوقهم قامت بها أوروبا في عصر النهضة ~~والتنوير، وانتهت إلى أن إبعاد الكنيسة فيه الخير للجميع، وللدين، وللبشر، حاكمين أو ~~محكومين. # تطبيق الشورى وتطبيق الديمقراطية هما محل المفاضلة وليس الألفاظ، ولكنا وقفنا عند ~~الألفاظ وحدها بديلا تعويضيا عما كان يجب أن يحدث في الواقع لنلحق بقطار الحداثة، بدلا ~~عن هذا التخلف المقيت في قاع تراتب ms30 البشرية، فقط ليضمن مشايخنا مكانهم الدائم بجوار السلطان ~~المستبد الكريه، لقد التهم مشايخنا وسلاطيننا مستقبلنا. ولا زال السيد هويدي ولقبه الكاتب ~~الإسلامي المستنير يفعل ذات الألاعيب على أهل ملته وناسه. رغم أننا لو أخذنا بالديمقراطية ~~العلمانية لن نذهب إلى مكان أبعد إلى الوراء مما نحن فيه، فنحن الوراء نفسه، نحن في الآخر ~~وليس بعدنا آخر. لن نعود إلى عصر الجاهلية نكتب مقدستنا على جلد الماعز والأحجار والعسيب ~~والأكتاف، بينما قبله بآلاف السنين دونها الفرعون الكافر على أوراق البردي، وبقيت حتى ~~الآن في ورق - لا لوح - محفوظ، وبلا دعم سماوي وبلا رجال دين يدعون لها. فلماذا كل هذا الرعب ~~المسلم من الديمقراطية العلمانية على الإسلام؟ # أما «الديمقراطية التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا» فتلك والله لقاصمة الظهر! إذا ~~كان قصد الله من الحلال والحرام هو إذلال الناس، إذن فلا معنى للديمقراطية بالمطلق، وإذا ~~كان يقصد بها مصلحة الناس فإن الديمقراطية هي من أثبت هذه الصلاحية، ولا يكون هنا معنى ~~للحلال والحرام الديني، ما دام المهم المصلحة بالدين أو بالديمقراطية، وما دامت الشورى قد ~~أثبتت أنها قرينة الاستبداد، فلماذا نضع الديمقراطية تحت شرط رجال الدين (لأنهم هم من ~~يعرفون الحلال والحرام). أي ديمقراطية هذه التي يطلبها هويدي؟ إنها حتى لم يسبق أن عرفنا ~~لها أي أساس من سنة ولا قرآن ولا حتى من تجارب إسلامية عبر التاريخ. # ولماذا لا يكون مقصد الله من الحلال والحرام ليس إذلال العبيد فقط، بل المقصود هو حسن ~~الطاعة والعبادة والشكر على النعمة. وإذا كان المقصد هو الإذلال والتسلط فإن هذا التسلط لا ~~يمارسه الله بنفسه إنما يمارسه بشر لم يأذن لهم الله بأن ينوبوا عنه. وإذا كان المقصود ~~عبادة وطاعة فإن الإسلام لم يشرع عباداته منقوصة حتى يأتي هويدي ليرقعها بالديمقراطية، ~~ويدلنا على طاعات لا يعرفها مقدسنا ولم يطلبها منا ربنا. أم أن الأكرم للدين ولنا أن تكون ~~العبادة لله، أما الدولة فهي لنا نتصرف فيها بما نراه مناسبا لزمننا حسب مصالحنا. # هنا بيت القصيد، ms31 البحث عن الشورى بديلا للديمقراطية يقوم على اعتقاد أن الإسلام دين ~~ودولة. وبما أن الدولة المتقدمة اليوم تقوم على النظام الديمقراطي، فلتكن الشورى هي النظام ~~الذي تقوم عليه الدولة المسلمة. الدين الوحيد الذي يقول أصحابه إنه دولة في نفس الوقت هو ~~دين المسلمين، بينما لو أراد الله دولة مقدسة لنفسه لأقامها قبل كل الدول التي أقامها البشر ~~مثل الفراعنة والآشوريين والفينيقين، ولأقامها نموذجا يحتذى به في العظمة والقوة يبقى حتى ~~نهاية الدهور، لا مجموعة دول فقيرة متخلفة متصارعة، دولة تفككت ونبيها على سرير المرض ~~بحركات انفصالية سميت ردة، ثم تفككت على يد أصحابها في الفتنة الكبرى، إن دولة الله لا ~~تكون دولة صراع على السلطان وفتن وراء متاع الدنيا، لا تكون دولة تخلف واستعباد وذل للعباد ~~وفتوحات وسرقة نساء وأطفال وهتك أعراض غيرها من الدول. إن دولة الله أكرم من هذا، إن الله ~~لم يرد للإسلام أن يكون دينا ودولة. # وفي موضوعه، يضع الدكتور معروف ملحوظة تقول: «يلاحظ أن السيد فهمي هويدي استخدم ~~الديمقراطية مقابل الشورى، وكأن الشورى نظام حكم واضح المعالم في الإسلام نظريا ~~وتاريخيا. كما أن الدكتور حيدر عد الشورى أمرا دينيا فنعى على السيد فهمي هويدي ~~استعماله.» ا.ه. # هويدي يستخدم الشورى بمعنى سياسي، والدكتور حيدر يرى أنها أمر ديني لا علاقة له بالسياسة، ~~بينما الشورى فيما نرى لا هي من الدين ولا هي من السياسة، فهي ليست طرفا في صنع الدين؛ لأن ~~الدين مفترض أنه قادم من عند الله حسبما يعتقد المؤمن. ولم تكن الشورى طرفا في وضع ~~القوانين التشريعية الإسلامية، كذلك لم يستشر الله أحدا عندما وضع هذه التشريعات في شكل ~~أوامر ونواه، ولم يستشر يوما أحد أنبيائه فيما يحلل أو يحرم، حسبما نفهم من الإيمان، وما ~~على البشر إلا التعبد له بالطاعات والتنفيذ دون إبداء الرأي، كذلك لم تظهر في شرائع ~~الديانات السابقة حالة شورى واحدة. # كذلك ليست الشورى شأنا من شئون السياسة؛ لأنها نصيحة تتم بين المتآلفين اجتماعيا، ~~بينما السياسة هي صراع دائب لا ms32 يتوقف حتى بين الأصدقاء، وليس فيها تناصح بل فيها تفاوض يقرب ~~وجهات النظر، ليتنازل كل طرف عن بعض مصالحه مقابل مكاسب أو سلام تنموي، أو بغرض تحاشي ~~الحروب. أما الشورى فشأن إداري يدور بين أهل القبيلة أو الأسرة بحثا عن نصح سديد، وللباحث ~~عن المشورة أن يأخذ بها أو يرفضها، وله أيضا ألا يستشير؛ فهو حر، والمشورة ليست واجبة على ~~المستشار؛ فهو حر في تقديمها من عدمه. فالشورى لا تؤخذ من المعارضين، بينما المعارضة هي ~~الأس العظيم للديمقراطية العلمانية. # وإذا كانت الشورى غير شريك في التشريع للناس، وأنها تنبثق عن الدين الإسلامي بحكم ~~الآيتين، فإن الديمقراطية لم تنبثق عن أي دين؛ فلا وجه مقارنة أو مقاربة؛ فالديمقراطية لا ~~تفضل دينا على دين، ولا علاقة لها بأي دين؛ لأنها ثمرة إنسانية بحتة لم تتدخل فيها السماء لا ~~بالوحي ولا بنصوص؛ لذلك تجد جميع الأديان كبرى أو صغرى وثنية أو توحيدية، كلها سواء في نظر ~~الديمقراطية، والديمقراطية لا تهدد أيا منها؛ لذلك قبلتها ديانات البشرية يهودية ~~ومسيحية وشنتوية وبوذية وكنفوشيوسية؛ لذلك تجد التنافر بين الديمقراطية وبين المسلمين ~~وحدهم نتيجة محاولة استبدالها ببديل إسلامي، لاعتقاد العقل المسلم أن كل ما يأتي من خارجه ~~هو عدو بالضرورة وعدائي بالضرورة، وأن كل من لم يلبس عباءة الإسلام هو عدو لنا. ~~••• # يقول الدكتور بشار عواد معروف: «إننا نعتقد إن الإسلام وضع قاعدة كلية اسمها الشورى حين ~~أمر بالمشاورة؛ فالمشاورة بين المسلمين مأمور بها، ولكن الإسلام لم يضع التفاصيل كما هو ~~حاله في كثير من الأمور، لتكون ملائمة لكل زمان ومكان، وليمكن تطويرها وتطوير مؤسساتها بحسب ~~الحاجة؛ فالمجتمع الإسلامي يستطيع اليوم أن يضع القوانين والنظم والتعليمات الخاصة بالشورى ~~بحسب ما يراه ملائما لعصره، دفعا للاستبداد بالرأي، من غير اعتبار للتطبيقات العملية التي ~~مارسها الخلفاء والأمراء والحكام عبر العصور، لأنها كانت ملائمة لعصورهم، وليست أمورا ~~دينية.» ا.ه. # تاني يا دكتور معروف؟ # صالح لكل زمان ومكان تاني؟ # نقول: ثور، تقولوا: احلبوه؟ # مهما حلبنا الشورى لن تنتج مؤسسات ولا قوانين ms33 ولا نظما حسب عصرها أو حسب عصرنا. العقارب لا ~~تحلب لبنا، مهما حلبنا فلن نحصل سوى على السم الناقع. # الدكتور يعلم أنها مجرد مشاورة لكنه يقول إنها مأمور بها، ورغم أنها بلا تفاصيل؛ أي بلا ~~هيئات تقوم عليها وتصونها وتضمن تنفيذ شوراها ... إلخ؛ أي إنها معيبة وناقصة، بلا طعم ولا نكهة ~~ولا رائحة، لكنه يرى ذلك هو سر الصلاحية لكل زمان ومكان. # الدكتور يعلم أن تطبيقات الشورى العملية عبر التاريخ كانت طينا وهبابا؛ لذلك يرى أن ~~نأخذ الشورى من غير اعتبار للتطبيقات التي مارسها الخلفاء عبر العصور. # الدكتور لا يريد من الشورى غير اسمها منزوعا من كل ما تلبس به، بديلا ~~للديمقراطية. # وعندما قرر الدكتور السير على الدرب واختيار الشورى استخدم لغة مخاتلة؛ لأن الفكرة ~~المخادعة تحتاج ثوبا مخاتلا، يقول: «الإسلام وضع قواعد كلية اسمها الشورى حين أمر ~~بالمشاورة.» وهو قول لطيف ليس أكثر، وهو بحاجة إلى بعض الإيضاح، هل يعني بذلك أن العامة - وأنا ~~منهم - لهم نصيب في هذه المشاورة؟ إن التاريخ والدين يقولان بغير هذا، فقد كانت الشورى تتم ~~بين الرسول وصحابته فقط، ولم يكن فيها للعوام من أمثالنا شيء. والإسلام لم يضع التفاصيل ~~لأنه لم يكن يريدها نظاما للناس كما يوهموننا؛ لأنه لو أراد لفصل وشرح وزاد. ولأنها كانت ~~مشورة محدودة في الصحابة دون باقي المسلمين، وكانت أيضا شكلية تطييبا لقلوبهم. ثم من ~~بعدهم استمر ذات الشأن: إذا أراد أحد الحكام نصيحة، وعادة ما كانت النصيحة تطلب لتوحيد الصف ~~القيادي، أو كيفية الغزو، أو النجاة وقت الضيق إذا «حزبهم أمر»، أو الحفاظ على سيادتهم ~~ومكاسبهم كزمرة أو صحبة أو قبيلة أو أسرة حاكمة أو عصابة، دون أن يكون في ذلك أي حساب للناس ~~أو الحريات أو الحقوق، ودون أن يتشاوروا في كيفية إصلاح حال الأمة المجهولة الهوية والشكل ~~والتكوين. إن أهل السوء بدورهم يتشاورون قبل القيام بفعل السطو المسلح، ولا شأن للشورى هنا ~~بديمقراطية ولا بقانون ولا بدين. إن الشورى المفترض حسبما يسوقون أنها هي رأي الرعية ms34 في ~~شئونها، وهو الأمر الوحيد الذي لم يحدث ولا مرة واحدة بطول التاريخ الإسلامي وعرضه، فهذا ~~المعنى لم يرد على خاطر حكام المسلمين ولا يعرفونه، كانوا فقط يسعون إلى ما أسموه إعلاء ~~كلمة الله بين عباده، وبالضرورة إعلاء قبائل العرب (الذين حملوا كلمة الله) فوق جميع البشر. ~~وكان الحظ الأوفر لشرور العرب من نصيب الدول المحيطة بجزيرة العرب التي أسعدها الله بالخضوع ~~لعبودية العرب والمذلة لهم. # يقول الدكتور معروف: «لقد حاول الفكر الإسلامي الحديث أن يطور مفهوم الحاكمية، بأن يجعل ~~السيادة لله أو للشريعة، وأن يجعل السلطان للشعب أو للأمة. كما هو حال حركة الإخوان وحزب ~~التحرير وغيرهما، وهو ما عبر عنه أحد الكتاب الإسلاميين بقوله في معرض التمييز بين الدولة ~~الدينية والدولة الإسلامية بقوله: إن الفارق الأساسي بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية، ~~هو أن الأولى تقوم على أن الله هو مصدر السلطة، بينما الثانية - الإسلامية - فإن الله هو مصدر ~~القانون بينما الأمة هي مصدر السلطة؛ ومن ثم فلا حصانة ولا عصمة لحاكم، وإنما القانون فوق ~~الجميع والحاكم في المقدمة منهم.» ا.ه. # تضيع منها هنا أيضا دلالات ومعاني الكلمات التي اعتادوا على ترديدها دون أن يكون لها في ~~الواقع أي أصل تدل عليه؛ فإن كان الإسلام دينا ودولة حقا، فلا بد أنه كان كذلك منذ زمن ~~الخلافة الراشدة. ولو كانت الدولة من صلب الدين، ومعلوما منه بالضرورة، فلا بد أن تكون ~~ثابتة بثبوت أركان الدين ومكوناته. ولكن هذه الدولة تعرضت منذ قيامها لهزات عنيفة حتى سقطت، ~~وتتعرض اليوم للرفض بشكل مباشر أو غير مباشر، أو بحد أدنى تتعرض للتعديل والتبديل فيها، ~~فيأتي المحدثون ومنهم الإخوان ليقولوا ما ردده الدكتور معروف من هنيهة، فيحدثونا عن دولتين ~~إسلاميتين؛ الأولى دولة دينية والثانية إسلامية فقط، حكمت الأولى العرب مند زمن النبي وحتى ~~سقوط الخلافة، والثانية هي المرشحة للحكم في المستقبل الآتي، دولة الإخوان التي هي دولة ~~إسلامية وليست دولة دينية. # فيكون ذلك طعنا في دولة الخلافة لأنها كانت هي الدولة الدينية، وها قد ms35 أصبحت الآن محل ~~رفض من إخواننا المسلمين بطرح ذلك البديل الجديد وهو الدولة الإسلامية. # ومن عرض د. معروف نفهم أن أصحاب هذا الطرح الجديد يقصدون في النهاية تحقيق العدالة، فإذا ~~كان هذا ما يقول به الإخوان وحزب التحرير وغيرهما، فهل نفهم من ذلك أن الدولة الدينية التي ~~حكم بها الخلفاء الراشدون فشلت في إقامة العدالة؟ ... ما هو مبرر التخلي عن دولة الخلافة ذات ~~الحكم الديني واستبدالها بدولة الإخوان الإسلامية فقط؟ وما دام أصحاب هذا الطرح الجديد ~~يربطون بين الإسلام والدولة وليس بين الدين والدولة، فعليهم إبراز مبرراتهم من القرآن ~~والسنة لتؤيد رفضهم دولة الخلافة الدينية واستحداثهم الدولة الإسلامية. # أما إذا كان دافع هؤلاء لطرح هذا الحل - أي الدولة الإسلامية بديلا للدولة الدينية - يتأسس ~~على قناعة أن الدولة مستقلة عن الدين، حينئذ لن نطلب منهم أدلة من القرآن والسنة، طالما أن ~~الدولة شأن والدين شأن آخر، وهنا يجوز لغيرهم ولنا أو لمجلس النواب التعديل في الدولة ~~والتبديل والتجديد بما لم يرد في الكتاب والسنة، وبما لم يرد في فعل الخلفاء الراشدين، على ~~أن يعلنوا ذلك على الملأ ويقروا به. # إن الهيئات والجمعيات والجماعات الإسلامية والأزهر، وكل المشتغلين علينا بالدين تقريبا، ~~يحاولون تقديم عروض سيرك بهلوانية جديدة حول الدولة الإسلامية، وهنا لا بد أن تتوالى ~~الأسئلة: ما هو هيكلها؟ نظامها؟ تعريفها؟ فلسفتها المنشئة لها، دستورها ... إلخ. ويرى هؤلاء ~~أيضا أن ما يطرح من جديدهم لا يتعارض مع الدين؛ وعليه فإن هذا الحق نفسه سيكون لأصحاب ~~العلمانية الذين يقدمون دولة تختلف عن دولة الراشدين بدورهم، كما يعطيهم الحق في رفض كل نظم ~~الحكم التي مارسها بقية الخلفاء، وكل ما تعرض له علم الفقه بهذا الشأن قديما أو حديثا. أم ~~تصوروا أنهم وحدهم أصحاب هذا الحق؟ # نعود نرتب الأوراق: يقولون إن الدولة الدينية تقوم على فكرة أن الله هو مصدر السلطة، وهذه ~~كانت دولة النبي # صلى الله عليه وسلم # والراشدين الدينية؛ لذلك قرروا تجاوزها لأن الزمن تجاوزها باجتهاد ~~جديد اجتهده عاكف وعصابته؛ هو الدولة ms36 الإسلامية التي تكون فيها الأمة هي مصدر السلطة، بينما ~~يكون الله هو مصدر القانون! وعلى القارئ أن يلاحظ هنا قولهم «السلطة» وليس «السلطات». # وغير مفهوم هنا هل يقصدون دمج السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية في سلطة ~~واحدة؟ يبدو الأمر كذلك صدقا وحقا؛ فالقانون مصدره الله؛ أي ما بأيدينا مما جاء عن هذا ~~الإله في كتبه المقدسة من قرآن وسنة. ومن سيتمكن من استخراج هذا القانون من وسط هذا الرتل ~~هم رجال الدين وكهانه وسدنته؛ أي إنهم وحدهم من سيكون لهم حق اختيار قانون دون قانون أو ~~تفسير القانون بما يريدون، وهو عمل دءوب مارسوه عبر تاريخنا حتى أضافوا للإسلام أكثر مما ~~أضيف لدين آخر في الأرض، ولأن الله لن يحدثنا أو يشير لنا لما يقصده من قوانين، فإن هؤلاء ~~قد أنابوا نفسهم عنه ليصبحوا بذلك هم المصدر الحقيقي للقانون، وهم المفسر للقانون، وهم ~~أيضا الحكام الشرعيون العدول العارفون بأصول الدين، فهم من سيقوم بمحاكمة الجرم لقياسه على ~~القانون الإلهي، وتحديد مساحة الجرم في الفعل المجرم. كذلك هم المكلفون بتطبيق حدود الله؛ ~~أي إنهم من يحدد طبيعة الحد عند وقوعه؛ فمثلا هل سيكون قطع يد هذا السارق فقط من بعض أصابع ~~يده، أم كفه كلها، أم من الكوع، أم بمزقها مزقا من الكتف؟ وهي اختلافات يسيرة من بين اختلافات ~~عظيمة في فقهنا الذي اختلف حول تنفيذ حد القطع. المهم أنهم أيضا هنا سيكونون السلطة ~~التنفيذية. إنهم باختصار سيكونون المشرع والقاضي والمنفذ ... وكل شيء قد لا يخطر على بال. # للفهم نعود إلى تفسيرهم: أن في دولتهم الإسلامية تكون الأمة هي مصدر السلطة؛ فلا حصانة ~~لحاكم ولا عصمة له، إنما القانون فوق الجميع والحاكم في المقدمة منهم. وهكذا يتحقق العدل. ~~أليس ذلك كلاما جميلا حقا. # إذن نعود للدولة الدينية زمن الخلافة الراشدة، حيث كان القانون الإسلامي فوق الجميع ~~بالطبع، ومع ذلك تم قتل الخليفة عثمان ولم تمنحه الدولة الدينية الإسلامية العاملة ~~بالشريعة، ولا تطبيقها قوانين السماء، حصانة أو عصمة على يد الصحابة، بل ms37 وكان من ائتمر به ~~وقتله عددا من الصحابة. أين كان القانون كحصن للدولة المسلمة فيما حدث مع علي بن أبي طالب، ~~والحسن، والحسين، وآل البيت؟ هل تحقق العدل؟ وهم الصحابة وأبناء الصحابة وفي مقدمتهم أحفاد ~~سيد المرسلين؟ فهل سيتحقق اليوم في الدولة الإسلامية الجديدة التي ليست دينية ولا يحكمها ~~صحابة (لكنها المحكومة بالقانون الإسلامي على يد من هم أدنى بما لا يقارن بزمن الصحابة) ما ~~لم يتحقق زمن الصحابة؟ # القانون في الدولة الدينية، هو ذات القانون في الدولة الإسلامية الجديدة المرجوة، فلماذا ~~تكون هذه دينية وتلك إسلامية؟ ستكون المسألة باختصار هي أن من سيقوم بجلدنا دولة إسلامية لا ~~دولة دينية، وإن اخترنا الإخوان للحكم فإن الحرية الديمقراطية هنا لا تعني لنا عند الإدلاء ~~بأصواتنا سوى كونها اختيار جلاد من بين عدة جلادين. # إنه قول يضع الإخوان في موضع المنكر لمعلوم من الدين بالضرورة؛ لأن صاحب الحق الشرعي في ~~السلطان، قد حدده نبي الإسلام في الحديث الذي ارتكن إليه أبو بكر: «الإمامة في قريش.» لأنه ~~ليس من بين الإخوان من قدم وثائق تفيد بهذه القرشية، والأصوب إذن هو أن تتفق الجماعات ~~الإسلامية كلها على اختيار وتسمية رجل من قريش خليفة للمسلمين، وحتى لا تتصارع الدول ~~العربية على إقامة الخليفة في عواصمها المختلفة، فإن تمهيد الأرض في بلاد الحجاز يكون هو ~~الأكثر صوابا، ويكون تنصيبه في مدينة رسول الله هو الأنسب والأسلم والأكثر أصولية، مع ~~إلغاء النظام الملكي السعودي بالطبع، وإن لم يتيسر العثور على رجل من قريش، فليكن من آل ~~عثمان الأتراك، وهم أكثر من الهم على القلب؛ فهم آخر خلافة مسلمة، وهم من يتباكى عليهم كل ~~المتأسلمين في العالم، حتى أسامة بن لادن نفسه في أكثر من خطاب له؛ بدلا من كل هذا الجهد في ~~مسميات وتصورات كلها وهم وألفاظ بلا معنى للتواصل مع الحداثة، بذات القوانين التي مضى عليها ~~أكثر من أربعة عشر قرنا؛ مما يفقدها أي دلالة أو معنى اليوم. # لم يعد الزمن بكل ما دخله من تطور ms38 وتغير منذ عهد محمد النبي # صلى الله عليه وسلم # وحتى اليوم يسمح بمطلب ~~الدولة الدينية، خاصة بشكلها البدائي الأول، ومع تواجد القوى العالمية العظمى في المنطقة، ~~تطلب تحقيق المقرطة وحرية الإنسان، حصارا لثقافة إنتاج الإرهاب الاستبدادية. قامت الجماعات ~~الإسلامية العلنية تعلن عن دخولها سباق الديمقراطية، بعد إعلان موافقتها بل وإيمانها بهذه ~~الديمقراطية، وذلك كما جاء في مبادرة الإخوان التي أعلنها مرشدهم محمد مهدي عاكف، التي هي ~~برنامج عملهم المقدم للأمة حسبما صرح به عصام العريان تعقيبا على تلك المبادرة. والدليل ~~على رفضهم للدولة الدينية بمعناها القديم زمن الراشدين، أنهم لا يطلبون دولة دينية؛ إنهم ~~يطلبونها إسلامية (؟!) فهناك فرق ...! وستقابلهم هنا معضلة حقيقية؛ لأن قولهم إن الشعب هو مصدر ~~السلطة، هو قول عظيم يئول بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله ... من وجهة نظرهم هم وليس غيرهم! # الإخوان وأمثالهم يعلمون أن الدولة الدينية زمن الراشدين قد صادرت حرية الناس في البلاد ~~التي احتلتها وأخذتهم عبيدا، ويعلمون أن الديمقراطية اليوم تقوم على حقوق الإنسان وأولها ~~الحرية. هم يعلمون أن الدولة الدينية الأولى ألغت ثقافات البلاد التي فتحتها مع لغتها ~~ومسحتها مع تاريخها مسحا، ويعلمون أن هذا - اليوم - جريمة من أكبر الجرائم التي حدثت في ~~التاريخ. هم يعلمون أن الدولة الدينية الأولى قد سبت نساء البلاد المفتوحة واستباحت الأعراض ~~في ميدان القتال واستولت على كل ما طالته يدها فيئا وغنائم، ويعلمون أن هذا - اليوم - هو جرائم ~~حرب عظمى حسب مواثيق جنيف؛ لذلك يقومون بحرفتهم التي يجيدونها وهي لعبة الثلاث ورقات، تلعب ~~فيها الورقتان الظاهرتان؛ واحدة دور الدولة الإسلامية المنشودة، وواحدة دور الدولة ~~الديمقراطية الغربية، بينما السنيورة المخفية هي الدولة الدينية بكل مآسيها عبر تاريخها ~~الأسود من قرن الخروب. # لماذا يخرج علينا الإخوان وأشباههم يطالبون بإقامة دولة إسلامية ديمقراطية اليوم؟ لماذا ~~لا يقبلونها ديمقراطية غربية علمانية كما هي، أسهل وأصوب وأكثر نجاحا بعد تجريب طويل؟ # نظرة خاطفة على التاريخ، سنرى الخلافة وقد تم تداولها بين عدة أسر عربية، تنتقل في آخر ~~زمانها إلى الأتراك العثمانيين. # وكما ms39 هو حال كل الإمبراطوريات التي لا تتطور ولا تواكب الزمن، فإنها تشيخ ثم تذبل فتموت، ~~هكذا حكاية التاريخ المتكررة. ورغم حكاية التاريخ وما يجب أن نستخلصه منها من عبر وعظات، ~~فإن بعض المسلمين يطالبون اليوم بعودة تلك الخلافة الميتة، ليس بإحيائها إنما بوراثتها، إنه ~~ميراث ضائع فلماذا لا يكونون أصحابه؟ إن مطلبهم هو ميراث الخلافة بكل نظمها التي هي ~~الاستبداد عينه وذاته. # إن من يطلب الديمقراطية حقا يطلبها لأنها تحقق، أول ما تحقق، حريات المواطنين بكل ~~أشكالها، وليس لخلطها بما يسمى «وضعنا الخاص» بين الأمم، ليخرج بما يسميه دولة إسلامية ~~ديمقراطية للاستيلاء على إرث وكنز عظيم يتصورونه تصورا، ويرون أنه كنز لا صاحب له؛ لذلك ~~قاموا يطالبون بإحياء الخلافة وإعادتها لورثتها، واستعادة الكنز بإعادة هذه الشعوب موالي ~~وعبيدا وأهل ذمة وأنباطا وعلوجا، يدفعون الخراج والجزية وهم صاغرون إلى أصحابها الشرعيين ~~بفكرة تناسب المتغيرات، بإعلان أن دولتهم المرتقبة ستكون دولة إسلامية لكن السلطان فيها ~~للشعب أو للأمة. # الخدعة في أنهم يلقون الكلام هكذا كما لو كان كل شيء مرتبا لدولتهم كما هي في أدبياتهم. ~~الخدعة أن كل هذه الأدبيات تعود إلى زمن النبوة والراشدين في كل خطوة وفي كل كلمة؛ إلى زمن ~~الدولة الدينية التي تخلوا عنها (كده وكده)؛ لذلك لا يحددون لنا ببيان علني واضح شكل دولتهم ~~المنشودة، ولا من سيحكمها، هل سيكون ملكا كمعاوية؟ أم خليفة كعمر؟ أم رئيس جمهورية كالبشير ~~أو أحمدي نجاد؟ ثم لم يحددوا لنا الأرض التي ستقوم عليها هذه الدولة، هل ستقوم عاصمتها محل ~~الدولة الأولى في المدينة المنورة؟ أم سيكون هناك عديد من الدول التي تأخذ بالنظام الإسلامي ~~الديمقراطي المنشود وتقيم كل منها لنفسها خليفة؟ وهل سيكون على هذه الدول الإسلامية ~~الجديدة واجب الجهاد ضد باقي الدول المسلمة التي لم تأخذ بهذا النظام الجديد؟ أم سيجاهدون ~~ضد بعضهم البعض؟ ماذا سيكون وضع لبنان مثلا؟ أو العراق؟ أو مصر؟ وهل سيتحول مجلس التعاون ~~الخليجي إلى مجلس تعاون الخلفاء الخليجين؟ وماذا لو رفضت بعض الدول المسلمة ms40 النموذج ~~الإسلامي وقررت أخذ النموذج الديني الأول من الراشدين مباشرة دون لف أو دوران، فهل سيكون ~~هناك صراع جديد على غرار صراع علي ومعاوية؟ وهل ستأخذ الفتاوى دور اختراع الحديث في مناصرة ~~أصحاب تلك الدولة أو مناصرة تلك؟ ثم لماذا يظهر هؤلاء اليوم ليختاروا لنا نظام الدولة التي ~~نريد؟ وهل تحولهم عن نظام الدولة الدينية الراشدة اعتراف من جانبهم بظلم تلك الدولة وتجبرها ~~على خلق الله، وأنها سلبت الشعوب المفتوحة أقواتها وهتكت أعرضها؟ هل يعني هذا اعترافا؟ إذا ~~كان ذلك كذلك فليكن اعترافا معلنا واضحا مصحوبا باعتذار يليق بما حدث من مجازر في ذلك ~~التاريخ المفزع، وأن يردده المشايخ، خاصة مشايخ السعودية، آناء الليل وأطراف النهار، ولا ~~يكفرون عما فعل أسلافهم فينا. ~~••• # يفترض أن الدولة الدينية الإسلامية الأولى، التي ظهرت برفقة دين جديد، أن تكون هي نفسها ~~نموذجا جديدا يرافق الدين الجديد، فيكون الدين الجديد قد أنتج دولة جديدة تختلف عما حولها ~~من جاهلية وقبلية وهمجية؛ أي لا بد للدين الجديد الأرقى أن يكون قد أتى بالدولة الأرقى، ~~وعند المسلم يجب أن تكون هذه الدولة هي الأرقى منذ فجر الإنسانية وحتى نهاية الأزمان وفناء ~~الدهور. # لكن هذه الدولة النموذج ليس عندها ولا عند أصحابها إجابة شافية على أسئلة؛ هي من ~~البديهيات مثل: كيف كان شكل هذه الدولة؟ كيف كان حال شعبها؟ وما هو المستوى الثقافي لهذا ~~الشعب؟ وكيف كان حال الفكر الديني عند هذا الشعب؟ وماذا كانت فروعه وعلومه ومقدار هذه ~~العلوم؟ ثم ماذا قدمت للإنسانية من جديد على مستوى الدولة ونظامها والعلاقة بين الحاكم ~~والمحكوم؟ ماذا أضافت لديمقراطية أثينا مثلا، أو لقوانين روما مثلا آخر؟ # لقد كانت الفتوحات الإسلامية من وجهة نظر العراقيين والشوام والمصريين وغيرهم، عمليات غزو ~~عربي استيطاني وإحلالي لبلادهم، وذلك أثناء دولة الخلافة الراشدة، فكيف كانت الدولة زمن هذه ~~الخلافة؟ وما بعد الراشدة أمويين أو عباسيين؟ # إن الدول في ذلك الزمان كانت تدور وتعمل بآلياتها في البلاد المفتوحة على ذات النظم ~~والقواعد والفلسفات والمؤسسات والهيئات التي ms41 وجدها العرب الفاتحون قائمة فيها، فقط تغير ~~المستعمر، ذهب الروم والفرس، وجاء العرب. # نظم الجباية ظلت كما هي، كل ما في الأمر أن الجباية تضاعفت. خرج الجابي الرومي ودخل ~~الجابي العربي ليباشر نفس الأفعال تحت مسميات عربية. لم تتغير الدول المفتوحة سوى في اسم ~~المستعمر، فبدلا من الروم جاءت الخلافة الأموية، وبقى كل شيء على حاله؛ العبد عبد، ولم يعتق ~~من العبيد أحد، وظلت ضرائب الجماجم، ولم يكن فيها شيء اسمه شورى، ولم تشترك الشعوب في ~~مراقبة حكامها، بل كان يتم جلد المواطن إن عجز عن دفع المفروض عليه، وظل الموالي موالي، ~~والعلوج علوجا والعبيد عبيدا؛ دولة رومانية في ثوب عربي تدهورت معه أحوال الشعوب عما كانت ~~عليه زمن الروم. إن دولة الخلفاء الراشدين الأولى والتي كانت دولة دينية إسلامية، كان معظم ~~سكانها من غير المسلمين؛ لأن الشعوب المحتلة لم تبدل أديانها إلى الإسلام بين يوم وليلة، ~~فقد استمرت عمليات الأسلمة الإجبارية أجيالا طوالا، وبقى من بينهم ملايين لم يتم إسلامهم ~~حتى الآن متواجدين في مختلف الأقطار. لقد كانت دولة الخلافة الراشدة تحكم بلادا أغلبية ~~سكانها من غير المسلمين، فهل يعطيها ذلك صفة الدولة الإسلامية أم لا؟ # الدولة الراشدة لم تكن لديها علوم فقه، ولم يكن القرآن قد جمع بعد، ولم يكن منظورا أن ~~يتم تدوين الحديث في ذلك الزمن ولم يكن معلوما أنه سيدون في الحقب التالية، ولم تكن هناك ~~بعد أفكار الإخوان ولا ابن تيمية ولا ابن هويدي ولا ابن قرضاوي ولا ابن عاكف ولا ابن البنا ~~ولا ابن قطب. ورغم غياب كل هذا الفكر الذى يسود حياتنا الآن، فقد كانت الدولة الراشدة دينية ~~ومسلمة أيضا وغير منقوصة الإيمان، رغم عدم اطلاعها أو معرفتها لأي مما يقوله فلاسفتنا ~~المتأسلمون اليوم، ولم ينقص من إيمانها أنها حكمت في الشام ومصر وشمال أفريقيا بكيان وفكر ~~وأسلوب روماني، وحكمت في العراق وفارس بكيان وفكر وأسلوب فارسي؛ لأن الإسلام لم يقدم ~~نموذجا لأي دولة، لأن الدولة لم تكن ضمن أهدافه، وإلا لكان ms42 قد تم تطبيقه وتفعيله بدلا من ~~النموذجين الروماني والفارسي. # ولأننا ليس لدينا أي نموذج للدولة في الإسلام قديما أو جديدا، فإن العالم وحتى اليوم لم ~~ينقل عنا ذلك النموذج، رغم المفترض أن يكون أنجح النماذج وأرقاها. بل إننا نحن ما زلنا حتى ~~اليوم نحاول بناء هذا النموذج دون أن ننجح في إقامته، ولو نظريا بفلسفة واضحة محكمة، رغم ~~مرور عشرات القرون. # بين يدي الآن كتاب صادر سنة 2001م للداعية المعروف يوسف قرضاوي، يبدو أنه سيحتاج إلى ~~مناقشة مطولة ليس هنا مكانها، يعنيني هنا عنوان هذا الكتاب «ملامح المجتمع المسلم الذي ~~ننشده»، تصوروا! الجماعة حتى الآن لم يضعوا بعد أسس المجتمع المسلم، لا بل هم في مرحلة وضع ~~الملامح الأولية له. بعد كل هذه القرون المتطاولة لم تتشكل بعد ملامح المجتمع المسلم. ماذا ~~كان يفعل هؤلاء السادة طوال هذه القرون الأسود من الهباب؟! # وطالما أنه لا يوجد لدينا نموذج دولة خاص بنا لا نظريا ولا تطبيقيا، فإن الحكمة ~~تستدعي أن نفعل ما فعل الراشدون عندما أخذوا بالنظام الرومي والفارسي، وهي أنظمة الدول ~~الأرقى في زمانهم، فنأخذ نحن بالنظام الغربي العلماني والذي تمت تجربته وأثبت نجاحات مبهرة ~~وصل بهم إلى المريخ وهندسة الوراثة والاتصالات، ونحن ما زلنا عند مرحلة الفخر والهجاء ~~والعلاج ببول الجمل والحجامة والحبة السوداء. # هنا يضيف الدكتور بشار معروف مزيدا من التوضيح لفكرة دولة إسلامية فيقول: «فإذا أخذنا ~~بالفكرة الأخيرة (يقصد دولة إسلامية، السلطة فيها للأمة) وجدنا الأدلة التي تقوي فكرة كون ~~الأمة هي مصدر السلطة. # فلا شك في أن المقصود بالسلطة هنا هي السلطة التنفيذية. ولم يتمكن الباحثون الإسلاميون من ~~دراسة مفهوم السلطة التشريعية ذات المصدر الإلهي دراسة علمية معمقة، فسلم أكثرهم بأن الله ~~هو المشرع، سواء كان ذلك عن طريق القرآن أم السنة، وأن الفقهاء مجرد مفسرين وهو أمر يحتاج ~~إلى إعادة نظر، فنحن نعتقد أن الإسلام وضع قواعد كلية ومبادئ عامة ومقاصد لهذه الشريعة، ~~تضمنها القرآن الكريم والثابت من السنة النبوية، وهي ما يمكن أن يصطلح ms43 عليه بالبينات، وأنه ~~قلما تم تناول القضايا التفصيلية إلا في حالات خاصة في الحدود والإرث ونحوهما، وتركت الأمور ~~الأخرى يجتهد فيها الفقهاء، ويضعون القوانين والتعليمات المحققة لمقاصد هذه الشريعة، بما ~~يتلاءم ومصالح الناس.» ا.ه. # هنا لا تفهم هل هم جادون حقا في بحث موضوع الدولة والإسلام، أم هم هازلون؟ أم هم يريدون ~~هدفا محددا من كل هذا الطحن والعجن؟ إنهم يريدون دولة إسلامية ديمقراطية لكنها غير ~~دينية، فهل تحت المسمى الجديد «دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية» ستتحقق المساواة بين ~~المواطنين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق والواجبات؟ وهل لا يعلمون أن مطلبهم هذا يخالف ~~السنة المحمدية المؤكدة؟ ويخالف أن التشريع لله وحده وليس للبشر؟ ولا تفهم أيضا الجد من ~~الهزل في ضوء ما يطرحون دون أي اعتبار لمن سيخضع لتجربتهم الجديدة، وبلا دعوة ممن ستجرى ~~عليهم التجربة، وبدون أخذ رأيهم، وبدون أي اعتبار للمجتمع الدولي ورأيه في العودة إلى ~~الوراء بالمنطقة أكثر مما هي عليه، مع ما ستحمله الدولة الإسلامية من عداء لهذا المجتمع ~~الدولي. # إنهم يريدون دولة غامضة الطابع مجهولة الأهداف (العلنية على الأقل)، فاقدة للدعم الديني ~~لأنه الرخصة لإثبات اهتمام الخليفة والدولة بشرع الله فيما عدا تلك الحالات التي تعد على ~~أصابع اليدين كان ما يحكم بين الناس في أرجاء الخلافة هو العرف والتقاليد، عرف الشام ~~للشامي وعرف الأهواز للأهوازي وعرف النوبة للنوبي، أما الشرع الإسلامي وشريعته فقد انصب ~~اهتمامهما بالتفصيل الممل في شئون جمع الأموال والخيرات والنساء والقصور والعبيد والجواري، ~~ووضعت بهذا الشأن تشاريع تفصيلية في كتب الأموال والأحكام والسياسة الشرعية وما لحقها، ~~لصالح العرب أصحاب الدولة ومالكيها؛ لذلك كانوا يطلقون عليها أسماءهم لتأكيد حق الملكية، ~~فهي أموية، أو عباسية، أو طولونية، أو إخشيدية، أو سعودية بالأرض المقدسة نفسها. # نتابع الإنصات للدكتور معروف إذ يقول: «مما يؤسف عليه أن بعض الإسلاميين ظنوا - غلطا - أن ~~الشريعة هي ما كتبه الفقهاء في الأحكام، وما أثاره المنظرون الإسلاميون في العصور الإسلامية ~~في أساليب الحكم والإدارة (مثل أبي يوسف الماوردي وأبي يعلى ms44 الفراء وابن تيمية وابن خلدون، ~~وغيرهم). ومع أن الفقه بمجمله فكر وليس شريعة واجبة الاتباع؛ فالفقهاء علماء مجتهدون حاولوا ~~فهم الشريعة وتفسيرها، استنادا إلى فهمهم واجتهادهم في زمن معين؛ لذلك فهم مختلفون فيما ~~بينهم قليلا أو كثيرا، وهو بمجمله رحمة؛ لأنه يوسع دائرة الفهم والتفسير، ويقدم حلولا ~~متنوعة للمسألة الواحدة؛ ومن ثم فإن تقليص الدور الذي يمارسه أهل العلم في تقنين القوانين ~~والتعليمات المستمدة من روح الشريعة (القواعد والمقاصد) ليس في صالح النظام الإسلامي؛ لأن ~~الذي ذكرت يقدم مرونة في فهم المقصود بالسلطة التشريعية عند المحدثين، وهو يدحض الرأي ~~القائل بأن الفقهاء المجتهدين مجرد مفسرين.» ا.ه. # إذن الفقه كله فكر وليس شريعة! آمنا بالله ... فالصواب لا يقبل الاختلاف، خاصة مع تأكيد ~~الدكتور أن «تلك النظريات هي أفكار وليست شريعة واجبة الاتباع»، وله بدل الموافقة بنعم ~~واحدة «نعمين»، ثم التفكير فيما قال: «الفقه صناعة فكر المنظرين الإسلاميين كأساليب للحكم ~~والإدارة، وليس شريعة واجبة الاتباع»، فإعمالا لهذا المبدأ، يكون ما يعرضه علينا الدكتور ~~معروف هنا في دراسته التي هي بين أيدينا الآن، هو بدوره فكر وليس شريعة واجبة الاتباع. ~~ويكون رأيه في إطلاق يد المشايخ من باب التنوع في التشريع والأحكام، هو من باب التضليل؛ ~~لأنه بغض النظر عن كونهم تقريبا طبعة واحدة، فإن التنوع الحقيقي يكون في إطلاق حق المختلف ~~مع هذا الفكر لنقده نقدا علميا واضحا، ليعيد الفقيه إلى مكانه الطبيعي (مفسرا) قد نأخذ ~~بتفسيره أو لا نأخذ. # إن القول إن الفكر يصنعه العقل، وإن الفكر يمكن أن يكون شرعا، فلماذا الوقوف إذن عند فكر ~~الفقهاء وحدهم مع تعددهم، ولأن اختلافهم رحمة؟ خاصة أنه إذا كان شرعهم ابن فكرهم فهو في ~~النهاية سيكون شرعا وضعيا، وضعه صاحب هذا العقل أو صاحب هذا الفكر، فلماذا يظل الفكر ~~حكرا على طائفة الفقهاء؟ ~~••• # إن من يقولون إن الشرع رباني ويطلبونه كما هو على حاله، بوضوح ودون التفاف، هم أكثر رحمة؛ ~~لأنهم أكثر صدقا مع أنفسهم وأفضل اتساقا؛ فالشرع عندهم ليس ناتج تفكير العقل ms45 الإنساني ~~وحواره مع نفسه أو مع الآخر؛ فالرب عندما يضع شرعه لا يحاور الآخر ولا يحاور حتى نفسه؛ لأن ~~المحاورة هدفها الاختيار بين بدائل، والرب الكامل حسبما يعتقد المسلمون لا يصح أن يختار بين ~~بدائل، وإلا فعلينا أن نتساءل: من وضع له البدائل وسمح له بالاختيار وأعطاه حرية التفكير ~~لينتقي ويقرر، وكله مما يتنافى مع عقيدة التوحيد؛ لذلك كان الشرع معبرا عن إرادة الخالق ~~وليس فكره، فمن يفكر هو الضعيف الذي يبحث عن المخرج والأفضل بين الحلول المتاحة. # هؤلاء أكثر اتساقا لأنهم واضحون، وعلينا أن نتعامل مع ما يطرحون بوضوح مقابل، فنرفض أن ~~تقرر السماء للبشر قوانينهم، وأن نعلن أن ذلك زمن قد انتهى، ونؤمن في نفس الوقت أنها كانت ~~قرارات سماوية صادقة تناسب زمنها، وأننا اليوم من يقرر ويشرع لنفسه، هكذا بشديد الوضوح. أما ~~من يلعبون بنا وبالدين وبالغرب القوي الحر لطرح فكرة دولة إسلامية شرعية يفكر لنا فيها ~~الفقهاء، ويشرعون لنا حتى يتسق شرعنا مع ديننا ومع حقوق الإنسان الديمقراطية، فهو تلفيق ~~وتزوير على الكل، وعلى الأمة المجهولة والموجودة كلتيهما. # يقول الدكتور إنه من الغلط أن نظن أن الشريعة هي ما كتبه الفقهاء وما يكتبه فقهاء زماننا ~~مثل سيادته، ويصر على العودة عند التشريع للفقهاء، لاعتقاده كمسلم أن الكتاب والسنة هما ~~المرجعية، خاصة وبالذات في التشريع، وأن الكتاب والسنة لم يتركا شيئا إلا فصلاه، حتى خروج ~~المسلم إلى الخلاء ونظافته الشخصية لقيت من الشريعة اهتماما عظيما بالتفصيل الممل أحيانا. # ومع ذلك لا يجد فلاسفة الدولة الإسلامية المأمولة بين أيديهم في القرآن ولا في السنة ما ~~يسعفهم في شأن نظام الحكم وآلياته وهيئاته ومؤسساته، رغم أنها أهم من شئون الخلاء وأفضل. ~~فإذا كان نظام الحكم شأنا إسلاميا فلماذا غفل الإسلام عنه كل هذه الغفلة، وإذا كان الله ~~حسب إيمان المسلم كان يعرف مفاهيم أيامنا وما سيستحدث فيها فلماذا لم ينزل سورة الدستور أو ~~آية الديمقراطية. وهل لم يكن الله عالما في زمن الدعوة أن هذه الشئون ستحدث في زماننا؟ ms46 لا ~~شك لدى المؤمن أنه كان يعلم، وأنه لو كان يريد للدين أن يتدخل في مثل هذه الشئون لقالها ~~صراحة وبوضوح، لقد تنبأ القرآن بانتصار الروم من بعد غلبهم حتى يفرح المؤمنون، وقد انتصر ~~الروم لتتحقق النبوءة، فلماذا لم يتنبأ بحال أمته اليوم؟ ولماذا لم يضع لهم الدساتير ~~والآليات في كتابه المقدس. # إن ما قرره مفكرو الأمة المسلمون وجعلوه شرعا منذ فجر الإسلام وحتى اليوم، إنما يشير إلى ~~شخصيات ديكتاتورية مستبدة، ظلوا يشرعون من جانب واحد طوال الوقت. ومنذ أيام حسن البنا وسيد ~~قطب، آمن المسلمون بشيء لم يكن يوما في دين المسلمين، وهو أن الإسلام دين ودولة. ومع حضور ~~القوى العالمية في المنطقة، وبداية إعادة تشكيل ثقافة منطقة الشر أوسط الكبير، بدأ ~~سادتنا الفقهاء يعترفون بأن ما قيل من قبل بشأن الحكم كان مجرد فقه، مجرد فكر، وليس شرعا ~~مفروضا؛ لعلمهم أنه كان أسوأ شرع للحكم يمكن تطبيقه على بشر؛ لذلك هو لا يلزمنا اليوم، لكن ~~يصرون على شرط وضع التشريع بيد الفقهاء كأساس ضروري، ليشرعوا كما شرعوا من قبل من بنات ~~أفكارهم وأوهموا الناس أن هذا هو الإسلام، وهو ما كان عين الاستبداد ذاته. # إن ما نفهمه من إسلامنا، ومما قال الدكتور الآن - وهو ما يجب أن يفهمه بدوره - أن الله قد ~~ترك مسألة الحكم ونظام الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكومين عن عمد منه وقصد، لا عن تقصير وسهو ~~في أمور هي من المهمات العظيمات، كما أنه لم يتركها لحفنة منهم هم الإخوان أو غيرهم من كهنة ~~الإسلام، ولم يحددهم بالخصوص بالذات للقيام على هذا الشأن دون غيرهم. لقد ترك الإنسان ~~يستهدي بعقله وظروف زمنه في مساحة حرة لم يتدخل فيها الشرع، ليؤكد له إنسانيته، وأن هذا هو ~~سر في تكريم بني آدم؛ هو أنه خلقه حرا لتأكيد إنسانيته، وهو بالفعل تكريم صادق. لكن أهل ~~الدين والمشتغلين به صادروا هذه المنطقة الحرة التي تركها لنا الله دون أن يقول فيها قولا، ~~لصالحهم، ليحولوا الناس عن العبادة لله إلى العبادة ms47 لشيء لم يعرفه الإسلام في بكارته ~~الأولى. # الدكتور معروف حبذ اختلاف العلماء؛ فهو بمجمله رحمة يوسع دائرة الفهم والتفسير ومساحة ~~اختيار المسلمين بين بدائل كلها شرعي، بعد أن أكد أن الفقهاء هم العلماء المجتهدون الذين ~~حاولوا فهم الشريعة وتفسيرها، استنادا إلى فهمهم واجتهادهم في زمن معين، ولم يخطر له أن ~~يناقش أسباب هذا الاختلاف الموضوعية ولم يتطرق إليها بالمرة، إنما ذهب مباشرة إلى النتائج ~~التي رآها بمجملها رحمة، ولا تعلم أين هذه الرحمة في تاريخنا العتيد الغليظ حتى نقتدي بها. ~~يعني هل انتهت مشكلة القرآن مخلوق أم قديم؟ وهل يمكن لأحدنا اليوم أن يقول قول المعتزلة ~~ويعلن ذلك ويكتبه ويدافع عنه دون أن يجزوا رقبته أو يحبسوه بتهمة ازدراء الأديان؟ هل انتهت ~~مشكلة صفات الله وذاته ويمكن لأحدنا أن ينكر عنه الصفات تنزيها له وأن يعلن ذلك ويدافع ~~عنه، دون أن تصدر بشأنه آلاف الفتاوى التكفيرية، ويتطوع لقتله عجلاتي أو نجار مسلح أو سباك ~~بفتوى مشيخية. # لو كان ما يقوله الدكتور صادقا وسديدا لكان شيعة العراق والخليج قلة معززة مكرمة. إن ~~اختلاف الفقهاء الذي يقصده الدكتور هو في شئون بسيطة وهينة وتافهة وضيقة تتعلق بالسنن في ~~العبادات في الأغلب؛ لأن قضايا التفكير الفلسفي في شأن الدين عبر علم الكلام لم تعد موجودة ~~ويبدو أنها لن توجد؛ لأن اختلاف وجهات النظر لم يكن رحمة بالمسلمين؛ لأن كليهما انطلق من ~~ذات النص وأصبح هو المؤمن وغيره ليس كذلك؛ مما أباح دمه، فحدثت الفتن الكبرى من عثمان إلى ~~الجمل إلى كربلاء إلى وقعة الحرة الكريهة ... إلخ. الفتن حدثت لأن كل فرقة رأت أنها الصواب في ~~شأن الحكم؛ ولأنه لم يكن لديهم قانون في الحكم أو تشريع، فقد جاز لكل فريق التأويل ~~والاجتهاد على هواه. وما الفتنة الكبرى إلا نتيجة تضارب وجهات النظر؛ لأنها كانت تضاربا في ~~المصالح، كانت صراعا على السلطة والحكم، وتم استخدام الدين دائما كطرف في هذا الصراع، رغم ~~أن هذا الدين لم يقل يوما إن لديه أي رغبة ولو بالتلميح ms48 في الحديث عن نظام الحكم أو شكل ~~الدولة. # لو كانت الشورى كما يقول فلاسفتنا اليوم هي الديمقراطية ما نشأت هذه المشاكل ولا تلك ~~الفتن المتتالية، بل لأمكن حلها بيسر وهدوء لوجود مؤسسات الديمقراطية الفعالة، ومؤسسات ~~الدولة وسيادة القانون الذي يعرفه الجميع ويحترمه الجميع، وإلى جواره المؤسسات التي تضمن ~~تنفيذه وتردع الخارجين عليه، كل ذلك لم يكن موجودا. كان الموجود شيئا اسمه الشورى القبلية ~~التي لا علاقة لها بالديمقراطية. كان الفعل القبلي هو المسيطر قبل الإسلام وبعد الإسلام، ~~ولا شيء عن الدولة ولا من الدولة كان معلوما، ولا حتى اسمها. # يتابع الدكتور بشار عواد معروف ليقول: «إن توسيع دائرة الاجتهاد، وضع الأسس الكفيلة بأن ~~يكون هذا الاجتهاد ممثلا لعلماء الأمة، الذين تتوافر لديهم أدوات الاجتهاد بعد استشارة أهل ~~الذكر، هو المفهوم الأمثل لما يسمى في عصرنا بالسلطة التشريعية، مع اختلافنا في المصطلحات؛ ~~لأن المشرع في الأصل هو الله سبحانه وتعالى، ونحن نقر بأن الشريعة إلهية بقواعدها ومقاصدها، ~~وأن تفاصيلها تبنى على تلك القواعد، وتحقق تلك المقاصد، فيما لم يأت به نص صريح. فسلطة ~~الإنسان إنما تقوم على هذه الشريعة الإلهية، وتفصل بها وتقنن لأصولها وتفرع لكلياتها. وكذلك ~~فإن لهذا الإنسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوي، شريطة أن تظل السلطة التشريعية ~~محكومة بإطار الحلال والحرام الشرعي - أي محكومة بإطار فلسفة الإسلام في التشريع.» ~~ا.ه. # إذن؛ فالدكتور يطلب الآتي لضمان قيام دولته المرتقبة ونجاحها: ~~(1) # يجب توفير علماء من الأمة تتوافر فيهم شروط الاجتهاد وأدواته. ~~(2) # يقوم هؤلاء بالاجتهاد، لكن بعد استشارة أهل الذكر (؟!)، ولا تعلم لماذا لا يكون علماء ~~الأمة هم أهل الذكر؟ أم هو توزيع سلطات؟ ~~(3) # البند 1 و2 هما الفهم الأمثل للسلطة التشريعية في زماننا. ~~(4) # بذلك نكون قد وضعنا جهاز السلطة التشريعية بأنفسنا وبأيدينا بعد أن نكون قد حددنا من ~~هم أهل الذكر؟ ولكن من هم أهل الذكر؟ هل هم من قصدهم القرآن أهل الكتاب كما أجمعت ~~التفاسير والأحاديث، وهو ما لا يصلح هنا مرجعا بمفرده؟ أم أهل الذكر ms49 هم علماء الإسلام ~~(مشايخه) كما يقول البعض نشازا ويصرون على نشازهم؟ فمن إذن سيقوم بالاجتهاد إذا كانوا هم ~~أهل ذاتهم؟ أم يمكن لحل المشكلة، تقسيمهم إلى علماء درجة أولى، وعلماء درجة ثانية مثلا؟ ~~هذا كلام يتحدث عن أشياء غير موجودة؛ لذلك هو كلام غير مفهوم. ~~(5) # بعد وضع وصنع جهازنا التشريعي بدقة علينا ألا ننسى أن المشرع في الأصل هو الله سبحانه ~~(؟!)، وهذا مجرد اختلاف في المصطلحات؟ لماذا؟ يجيبنا: لأننا ونحن نشرع فإننا نرجع لأهل ~~الذكر، وبذلك نكون قد أقررنا بأن الشريعة إلهية بقواعدها ومقاصدها. ولا تفهم إذا كان يقر ~~بذلك فلماذا كل هذا الجهد وتلك المشقة لوضع جهاز تشريع إسلامي من نوع فريد، ترجع فيه السلطة ~~التشريعية لأهل الذكر، وكلاهما يرجع للشريعة الإسلامية لأنها «إلهية بقواعدها ومقاصدها». ~~لماذا لا تطبق كما هي حتى لا نقع في رأي محظور حرام؟ ~~(6) # ما ستقوم به السلطة التشريعية هو وضع تفاصيل تبنى على قواعد الشريعة وتحقق تلك ~~المقاصد. ولم يشرح لنا ما هي القواعد التي تقوم عليها الشريعة والتي ستحقق السلطة التشريعية ~~مقاصدها ولا ما هي هذه المقاصد. ~~(7) # إن كل الزيطة السالف إيرادها سنستخدمها فقط فيما لم يأت به نص صريح من كتاب أو سنة! ~~وليس أبعد من ذلك! ~~(8) # يباح الاجتهاد التشريعي فيما لم ينزل به شرع سماوي شريطة أن تظل التشريعات محكومة ~~بإطار الحلال والحرام الشرعي الإسلامي؛ أي إن المساحة التي تركها الله لعباده حرة مطلقة تمت ~~مصادرتها لصالح المجتهدين من الفقهاء. # كل هذا التل المختل قاله سيادة الدكتور في فقرة واحدة، دون أن يشعر بأي مشاكل مع نفسه ~~ولا مع ما يكتبه ولا مع ما سطره بذات الموضوع من هنيهات. لنعود من حيث بدأنا، لنبدأ مشوارنا ~~في الوجود مرة أخرى مع فتنة كبرى جديدة، كسنة معلومة مكررة في تاريخنا. # ما كل هذه الرغبة الجامحة المثيرة التي تكاد تكون من الغرائز اللحوحة، في تحكيم الإسلام ~~في كل شأن؟ # لنفرض جدلا أن كل ما طلبه الدكتور وهو يطور الإسلام قد تم وحدث وتحقق إرضاء ms50 للسماء ~~والتصاقا بها، فهل ستأخذ السماء بما قد شرعنا وفق تلك المطالب؟ ماذا سيكون موقف السماء عند ~~الاختلاف في الفتاوى التشريعية إزاء الموقف الواحد، وهو الشأن المعلوم في مشايخنا؟ هل سترى ~~ذلك رحمة؟ أم يجب لإقرار التشريع أن تقوم السماء بوضع عقوبات مناسبة للمستجد من فتاوى، ~~فيدخل الله المدخن جهنم مثلا وكذلك غير المحجبة؟ لأن من سيشرع هنا هم البشر أولا ثم يقوم ~~الإله بدور المنفذ. لقد اختلف الأزهر ودار الإفتاء وهم في نفس الزمان والمكان والظروف، فما ~~بالك بحجم الاختلافات الهائلة بين المذاهب والفرق، وبين أبناء المذهب الواحد باختلاف ظروفهم ~~وبيئاتهم وشكل نظامهم السياسي ومستواهم المعرفي ... هل ستتابع السماء هذه الاختلافات ~~والتعديلات أولا بأول؟ ثم ألن يربك السماء تضارب تشريعات فقهائنا؟ وتراها ستقف إلى جانب ~~أي فتوى؟ وأي عقوبات ستستخدمها دعما للفتوى؟ # بينما كان التليفزيون حلال في مصر بفتوى المفتي والأزاهرة، كان محرما في السعودية بفتوى ~~أخرى، فهل سيحاسب الله المخالف السعودي، في حين أنه لن يحاسب المصري؟ أم تراه سيأخذ بفتوى ~~من الاثنين دون أن نعلم نحن بهذا الاختيار؟ فلم يعد هناك وحي يقول أو يخبرنا بقرارات السماء. # إذا كان اختلاف الفقهاء رحمة، فبأي الإفتاءات سوف تلتزم السماء عند حساب خلق الله؛ لأن ~~السماء لن تفعل فعلنا، فتحكم بفقهين مختلفين، وتكيل بمكيالين. واحتراما للسماء التي لم ~~تحدثنا في مقدسها عن الدولة وقوانينها، وحتى لا نربكها معنا، يجب أن تظل السياسة شأنا، ~~والدين شأنا آخر. # انظر أخانا الدكتور وهو يقول: «إن لهذا الإنسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوي، ~~شريطة أن تظل السلطة التشريعية محكومة بإطار الحلال والحرام الشرعي؛ أي محكومة بإطار فلسفة ~~الإسلام في التشريع.» صياغة العبارة تمت في قالب وشكل قاعدة تشريعية، على نمط المواد ~~الدستورية المنظمة للدولة. ومثل هذه القاعدة التي يضعها الدكتور تشكل خطورة مصيرية، قاعدة ~~تحول البشر إلى عبيد، وتسلبهم حرية وهبها الله لهم. إن إلقاء الكلام دون تبصر يجعلنا ~~نتساءل: من أي حديث أو أي آية أو أي رأي للخلفاء الراشدين ms51 أتى الدكتور بقاعدته تلك؟ فإما ~~أن تكون صادق الإيمان وتسلم أن الله لم يترك شيئا إلا وأبلغنا به من خلال نبيه الأمين، ~~ولم يترك نقصا في دينه، وإما أن يكون للقاعدة التي تطرحها أصل في دين المسلمين، أو أن تكون ~~حتى ترجمة أو تأويلا لآية لم يذكرها لنا، لأنها غير موجودة. # أم تراهم يرون المسلمين أقل كرامة، وأدنى فهما من بقية البشر بين العالمين، ليتولى أمرهم ~~اليوم رجال الدين؟! ليحدثونا في السياسة بالحلال والحرام الذي لا مجال له في ميدان السياسة، ~~فميدانها مصالح البلاد والعباد بما هو صواب أو خطأ، والفرق بينهما سحيق. إن الخطأ والصواب ~~لا يعاقب الإله عليه؛ فإن أخطأ الطالب في حل مسألة في الامتحان فإن الله لن يدخله النار، ~~وإذا أخطأ الصاروخ سطح القمر لن يدخل علماء ناسا جهنم. الله لا شأن له بالسياسة والصواب ~~والخطأ، هذا شغل الإنسان. # وبعد، فما ناقشناه هنا هو من الخطاب الإسلامي المعاصر المتحصن بالحرية وبالشريعة ~~الإسلامية وبالديمقراطية وبالله، وبدور أعطاه لنفسه ليختار لنا ما يناسبنا حسب شرعنا، ها ~~هو كما رأيتم ... وكما قال أحد فلاسفتهم الجدد، الذين يكتبون لنخبتهم! # ولله الأمر من قبل ومن بعد ...! ms52