######OpenITI# #META# URI: 1443SayyidQimni.IntikasatMuslimin.Hindawi61585791 #META# Tags: history #META# ID: 61585791 #META# Title: انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح #META# AuthorID: 46815737 #META# Author: سيد القمني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # توطئة تشخيصية‏ # الجزء الأول: الدولة الإسلامية ومتابعات جديدة‏ # 1 - هلوسات صحوة الموت: فقه النصر والتمكين‏ # 2 - الإخوان الوهابية‏ # 3 - الدولة الوهم‏ # 4 - حنانيك قارئي‏ # 5 - الإسلام والحضارة‏ # 6 - دولة الرب‏ # 7 - حوار مفتوح، مع أبي الفتوح‏ # 8 - مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام ~~حكم؟‏ # 9 - رئاسة النبي والراشدين في ميزان الدولة‏ # الجزء الثاني: نحو تأسيس ثقافي للقيم‏ # قبل أن تقرأ الموضوع‏ # 1 - تبسيط مفهوم القيم‏ # 2 - قاصمة الظهر‏ # 3 - من القيم الذاتية إلى القيم الإنسانية‏ # 4 - هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة‏ # 5 - قمة السقيفة كنموذج ثان‏ # 6 - إنهم يغشون القيم‏ # الجزء الثالث: جدل ثقافي‏ # 1 - حوار لم يكتمل مع المرحوم عبد الوهاب المسيري‏ # 2 - فلما اشتد ساعده رماني!‏ # 3 - درس في البحث العلمي وأخلاقياته‏ # 4 - ها هم يقفون عرايا!‏ # 5 - حكاية الخمر في عرس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة رضي الله ~~عنها‏ # 6 - علي جمعة وفتواه التكفيرية‏ # 7 - أوباما‏ # 8 - أبعاد ظاهرة الحجاب والنقاب‏ # توطئة تشخيصية‏ # الجزء الأول: الدولة الإسلامية ومتابعات جديدة‏ # 1 - هلوسات صحوة الموت: فقه النصر والتمكين‏ # 2 - الإخوان الوهابية‏ # 3 - الدولة الوهم‏ # 4 - حنانيك قارئي‏ # 5 - الإسلام والحضارة‏ # 6 - دولة الرب‏ # 7 - حوار مفتوح، مع أبي الفتوح‏ # 8 - مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام ~~حكم؟‏ # 9 - رئاسة النبي والراشدين في ميزان الدولة‏ # الجزء الثاني: نحو تأسيس ثقافي للقيم‏ # قبل أن تقرأ الموضوع‏ # 1 - تبسيط مفهوم القيم‏ # 2 - قاصمة الظهر‏ # 3 - من القيم الذاتية إلى القيم الإنسانية‏ # 4 - هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة‏ # 5 - قمة السقيفة كنموذج ثان‏ # 6 - إنهم يغشون القيم‏ # الجزء الثالث: جدل ثقافي‏ # 1 - حوار لم يكتمل مع المرحوم عبد الوهاب المسيري‏ # 2 - فلما اشتد ساعده رماني!‏ # 3 - درس في البحث العلمي وأخلاقياته‏ # 4 - ها هم يقفون عرايا!‏ # 5 - حكاية الخمر في عرس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة رضي الله ~~عنها‏ # 6 - علي جمعة وفتواه التكفيرية‏ # 7 - أوباما‏ # 8 - أبعاد ظاهرة الحجاب والنقاب‏ # | انتكاسة المسلمين ms001 إلى الوثنية # | انتكاسة المسلمين إلى الوثنية # | التشخيص قبل الإصلاح # تأليف # سيد القمني # | توطئة تشخيصية # | انتكاسة المسلمين إلى الوثنية! # معظم دول الإسلام، أو رجل العالم المريض، تأتي في مرتبة أكثر البلدان تخلفا على كل ~~المستويات، وما زاد الأمر نكاية هو الصحوة الإرهابية التي جعلت من المسلمين أصحاب الحظ ~~الأوفر في العمليات الإجرامية الأشد بشاعة في العالم؛ مما استجلب على المسلمين عداء العالم ~~كله، في وقت يشكلون فيه أشد الشعوب تخلفا وضعفا وما أكثر عددهم وما أكثر هزائمهم، وهو ~~ما استتبع ليس العداء فقط، بل الاحتقار والحصار ومعاملة المسلمين معاملة ترويضية، كمن يروض ~~حيوانات مفترسة لم يرتق إدراكها بعد، ولا تملك حسا أو ضميرا إنسانيا، فيطعمه ويسقيه ~~بالمعونات لكن يحدد له دورا لا يتجاوزه، ويقسو عليه أحيانا أخرى فيحاصره ليتم تحجيمه ~~باستمرار، ويحافظ على بعضهم من الانقراض كحفرية حية، ويترك بعضهم في مناطق أخرى يأكلون ~~بعضهم في فوضى خلاقة حتى تصفو النيران عن رماد خامد غير ضار. # وبسبيل العثور على ثقب في هذا الواقع الآسن نحو تغيير وإصلاح يؤدي إلى خلاص وانعتاق ~~منطقتنا مما هي فيه، انقسم المفكرون في بلاد المسلمين على أطيافهم من أقصى اليمين إلى أقصى ~~اليسار، إلى فريقين رئيسيين: فريق أرجع الأزمة إلى عدم التزام خير أمة أخرجت للناس بدينها ~~حسب الأصول، وهو ما يجعلها تطلب النصرة السماوية فلا تستجيب السماء لها، بل تنزل بها ~~النوازل والإهانات والكوارث يقفو بعضها بعضا، في عملية تأديب ربانية للأمة كلها؛ وذلك ~~لأنها فرطت في فروض وحدود دينها وتأثرت بما عند الشعوب الأجنبية من أساليب عيش هي على ~~النقيض مما جاء في إسلامنا؛ لذلك حقت علينا النقمة الإلهية، ولا حل إلا بالعودة الكاملة ~~الخالصة إلى هذا الدين والالتزام الدقيق بأوامره ونواهيه وفروضه وحدوده الشرعية وأخلاقه ~~السامية، والتسنن الكامل بسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وسنن الراشدين الهداة المهديين. وعندما ~~يتيقن ربنا من استئهالنا للرحمة حسب معاييره، وقدر رضاه عما حققنا من حسن عبادة وإخلاص، ~~فإنه سيتدخل بنفسه لإنقاذ أمته التي اصطفاها لقيادة ms002 العالمين، وهذا الفريق هو الأكثر ~~انتشارا بين جماهير المسلمين. # ويغلب على هذا الفريق روح التنظيم لتعودهم الطاعة المطلقة، فيشكلون جماعات شديدة ~~التنظيم والانضباط والاستجابة الحركية السريعة، تبدو بينها على السطح خلافات في الدرجة ~~لكنها غير نوعية؛ فهي تتوافق جميعا على الأهداف وإن اختلفت الأساليب، ويزعم هذا الفريق ~~أننا قد جربنا العلمانية (يقصدون الدكتاتوريات العسكرية) والنظام الجمهوري والنظام الملكي ~~والاشتراكية والرأسمالية، وسقطت جميعا وسقطنا معها في المزيد من التخلف والانهيار، ولم ~~تجلب تلك التجارب سوى الهزائم المتتالية دون خلاص واضح في المستقبل المنظور، ولا يبقى سوى ~~استيلاء أنصار هذا التيار على الحكم ليحكموا المجتمع حكما إسلاميا، أو الأحرى أن يفرضوا ~~سلطانهم من خلف ستار لحكام مدنيين أو عسكريين شكليين، بحيث يكونون هم المرجعية في اتخاذ أي ~~قرار أو إصدار أي قانون، وأن يكونوا هم الهيئة المحاسبية الأولى الرقابية، دون أن يحكموا ~~بشكل ثيوقراطي مباشر، وبموجب هذا الشكل من الحكم تتم الأسلمة الكاملة للمجتمع والدولة، ~~وعندئذ سوف يتدخل رب السماء لينصر أمته ويعيد إليها أمجاد الفتوحات، كما نصر السلف وهم ~~أراذل أذلة. # أما الفريق الآخر (العلماني) فقد ذهب مذهبا هو على النقيض بالمرة من الفريق الأول، وهو ~~الأقل انتشارا بين الجماهير لكنه الأكثر قدرة على الوصول إلى حلول علمية، والأكثر منطقا، ~~والأقوى حجة، ويستند إلى الواقع الملموس في نجاح العلمانية أينما طبقت؛ لذلك تتم محاربة هذا ~~التيار وطعنه لدى المسلمين بكونه يناهض الدين ويناوئه، حتى لا يصل إلى الناس أصحاب المصلحة ~~فيه، ويعاني هذا الفريق، إضافة إلى التحريض ضده وتبخيسه وتكفيره وتخوينه، خللا شديدا ~~أصيلا في بنيته؛ لأن العلمانية أو الليبرالية هي حرية فردانية بطبيعتها وبما تتضمنه من ~~مفاهيم، فيكون الفرد عصيا على الانضباط والتنظيم الحركي، ولا يخضع العلماني إلا لقوانين ~~العقل والعلم والأصول الحقوقية والدستورية للمجتمع المدني، التي يطيعها عن اقتناع وإيمان ~~بحفظها لسلامته وسلامة المجتمع؛ لذلك فالليبرالية لا تقوم في مجتمع إلا عندما تنتشر بقوتها ~~الذاتية، وقدرتها على الإقناع وما تملكه من وسائل وأدوات للأمن الاجتماعي، وما تحظى به من ms003 ~~أدوات علمية تقدم بها نفسها مدعومة بالبرهان والدليل مع نضج الأوضاع الاجتماعية لقيام طبقة ~~صاحبة مصلحة فيها تؤسس لها وتحميها؛ وهو الدور الذي أنجزته في أوروبا الطبقة البورجوازية ~~بعد الثورة الصناعية. # والفريق العلماني بالطبع لا يرجع الأزمة إلى تأثر المسلمين بثقافات غير إسلامية، بل ~~يرى أنهم أبعد ما يكونون عن هذه الثقافات بعدا سحيقا، ولا يرى أن مصائبنا تبدأ مع ~~الاستعمار الحديث وسقوط الخلافة؛ لأن الخلافة كانت قد مرضت وشاخت وكانت تنتظر من يعلن ~~وفاتها فقط، بل إنها كانت هي مصيبة هذه المنطقة من العالم، وإن الاستعمار لم يكن سبب ضعفنا، ~~باحتلاله بلادنا؛ لأنها كانت ضعيفة أصلا؛ مما سمح للآخرين بالتعدي عليها، فضعفنا أصيل في ~~بنيتنا الثقافية، وكان هو سبب الاستعمار وليس نتيجته؛ ومن ثم يعيد هذا الفريق أزمة ~~المسلمين إلى تمسكهم بتراثهم الذي تجمد وتجمدوا معه، وهنا ينقسم هذا الفريق «العلماني» ~~إلى موقفين (إضافة إلى الاشتراكيين): موقف يرى أن الخروج من الأزمة يتطلب التحرر التام ~~والانعتاق الكامل من سلطة التراث الإسلامي أو أي دين آخر، الذي يعوقنا عن التقدم والتكيف مع ~~العصر. وموقف آخر يرى أن المأثور الإسلامي جزء لا يتجزأ من ثقافتنا يستحيل إجراء قطيعة تامة ~~معه؛ لأنه هدف غير قابل للتحقيق بالمطلق؛ لذلك فالحل يكون بإعادة قراءة هذا المأثور الهائل ~~وإعادة تصنيفه وتبويبه، وتجديد فهم النصوص بما يتلاءم مع مصالح البلاد والعباد وظروف العصر ~~ومقتضياته. وصاحب هذا القلم يعتبر نفسه ضمن أصحاب هذا الموقف الثاني من التيار العلماني، ~~ويرى وجوب أن يتم هذا التجديد أو القراءة الجديدة بما لا يصدم الإيمان الإسلامي، ودون ~~الدخول في صراع طائفي مذهبي بين القراءات؛ أي تقديم قراءة تصالحية سلامية للمسلمين قادرة ~~على مواكبة المستحدث في عالمنا الدءوب تغيرا وتبدلا، مع الطموح إلى أن تحوز هذه القراءة ~~رضا المسلمين وأيضا رضا غير المسلمين، وهي مهمة على هذا النحو تبدو عسيرة بل ربما مستحيلة، ~~لكننا سنحاول تجاوز هذه الاستحالة في هذه المجموعة من الدراسات مستعينين بحب جارف لهذا ~~الوطن وللناس في هذا الوطن، ms004 وإيمان غير مشوب بقدرة الإسلام والمسلمين على تجاوز كبوتهم ~~التاريخية؛ لأن أزمة المجتمعات الإسلامية تنهض على واقع مختل، تحزبت فيه المجتمعات ~~الإسلامية لدينها وتراثها، بينما هذا التراث تحديدا ما عاد يتجدد أو يتبدل كما كان في حياة ~~صاحب الدعوة عندما كان الوحي يستجيب للمتغيرات، فكان الله في حياة صاحب الدعوة يتفاعل بوحيه ~~جدلا أخذا وعطاء مع حركة الواقع المتغير، فكان ينسي آيات ويبدل أخرى ويرفع وينسخ ويمحو ~~ويثبت: آيات غير آيات، وحديث غير سابقه، وفعل نقيض سالفه، ويتطور مراعيا وقائع الأرض ~~وظروفها المادية البحتة. وبوفاة صاحب الدعوة وتوقف علاقة السماء بالأرض، تجمد المسلمون ~~عند آخر نص في تطور الأحكام ليعتبروه حكما نهائيا صالحا لكل زمان ومكان، بينما هو في ~~حقيقة الأمر ودون أي تجن خارج المكان والزمان، والرؤية الوحيدة القادرة على جعله صالحا ~~لكل زمان ومكان، تنبع من داخل الإسلام ومن ميكانيزمات تكون الوحي خلال 23 سنة؛ فالدرس ~~والأغراض النهائية فيه، هو إثبات مبدأ التغير والتطور مع كل جديد، وليس الوقوف عند آخر ~~تطور حدث في حياة صاحب الدعوة، لأن التطور والتغير هما قانون الكون الأوحد الثابت. # والخطورة اليوم ليست على دين الإسلام؛ فالدين؛ أي دين، لا يموت ولا يندثر؛ ولأنه فكرة، ~~لأنه ثقافة؛ فما زالت الجميلة بين الآلهة الرافدية «عشتروت» تحاط بالرعاية والتكريم في كل ~~ثقافات العالم وفي كل متاحف الدنيا، يحيط بها عشاق من كبار العقول الأركيولوجية وفلاسفة ~~التاريخ والأديان، ومثلها «إيزيس» المصرية، و«أدونيس» الفينيقي، و«البعل» الشامي. وقصة ~~الخلق المصرية، والبابلية، وملحمة جلجامش، وحكايات ملقارت، وملحمة الطوفان البابلي، كلها ~~محل احترام فلم تفن وما زالت من التاريخ، بل وجدت عشاقا من لون آخر ونوع آخر، ومن انتهى ~~من التاريخ هم البشر من أتباعها وعبادها. ليست الخطورة إذن على دين المسلمين؛ فالدين له ~~صاحب كفيل به، بل الخطورة الحقيقية هي على المسلمين من الزوال الوجودي من عالم البشرية ~~بالاندثار التام، بعد أن غابوا عن هذا الوجود كفكرة وفعل وعطاء، وغرقوا في مستنقعات الجهل ~~والخرافة والتخلف والجمود والاستبداد والانحطاط الخلقي ms005 والإنساني، رغم أن المسلمين يشكلون ~~حوالي خمس البشرية على الأرض. هنا الذعر الحقيقي أن تطول الأزمة بالمسلمين فيغيبوا وجودا ~~كما غابوا حضورا ثقافيا، وهم - حسب ما نعتقد كمسلمين - المكلفون بالشهادة على الناس، ~~بحسبانهم أمة وسطا حسبما أخبر القرآن الكريم، بينما هم ما عادوا لا أمة وسطا ولا طرفا، ~~ولا هم أمة أصلا بحالهم هذا، ولو قلنا تجاوزا إنهم أمة، فهم أمة مريضة تصدر أمراضها ~~كراهية وإرهابا للعالمين. # وينعى المسلمون على الغرب الكافر تحلله الأخلاقي وعريه وحرياته اللامحدودة، ويعتقدون أن ~~الأخلاق قاصرة على الإسلام والمسلمين، وأنها الشيء الوحيد تقريبا الذي تملكه؛ لذلك تعتز به ~~وتنافح عنه وتباهي به الدنيا، رغم أن الصحوة الإسلامية أثبتت عدم امتلاكها حتى هذا الجزء ~~المعنوي الذي تتباهى به، فأسقطت جميع القيم الأخلاقية دفعة واحدة، فصار الكذب مباحا بعقيدة ~~«التقية»، وأموال البنوك مستباحة لأنها ربوية، وأموال غير المسلمين غنيمة مستباحة لأنهم ~~محاربون شاءوا أم أبوا وسواء أكان ذلك موافقا فعلا لشرع الله من عدمه، هذا ناهيك عن فقه ~~كامل يكرس الاغتصاب بملك اليمين يتم تدريسه حتى اليوم في الفقه على المذاهب الأربعة في ~~مدارسنا الدينية من الأزهر إلى طالبان. ناهيك عن استمرار الشيعة في العمل بنكاح المتعة، ~~إضافة إلى مسيار القرضاوي، وزواج الفرند عند الشيخ الزنداني، والعرفي، ومفاخذة الرضيعة كما ~~أفتى خميني ... إلخ، ولا تفهم معنى الزنا هنا بالمرة، ولا أين هي الأخلاق التي يفاخر المسلمون ~~بها العالمين والتي تقف جميعا عند أخلاق الجنس وحدها، وهي الأخلاق المفقودة حتى في هذا ~~العنصر الخلقي الوحيد الذي نتباهى به حجابا ونقابا دليلا على عفتنا الجنسية التي هي كل ~~الأخلاق بنظرنا. # المشكلة التي ستواجه الجديد هنا هي اعتقاد المسلم ~~بعصمته، والكمال التام للتراث الإسلامي بكليته؛ رغم أن التراث الإسلامي بوضعه الحالي قد ~~اختلط فيه الإلهي بوجهة النظر الفقهية بالمذهب بالتأويل المناسب لعصر دون عصر، بتقنين ~~تشريعات على المذاهب المختلفة على ما بينها من اختلافات شديدة التباين والتناقض على أبسط ~~الشئون، التي لا تحتمل رأيين أو تفسيرين، كما في حال الحدود ms006 التي تفعل العقوبات البدنية ~~مثلا، فقطع يد إنسان ليس شأنا بسيطا حتى تختلف المذاهب السنية الأربعة حول مستوى القطع: ~~هل هو من الأصابع أم من الكف أم من الكوع أم نخلعها من الكتف خلعا؟ وهي آراء المذاهب ~~الأربعة في مستوى القطع! ناهيك عن القصور الشديد في هذه الشريعة عن مواكبة الزمن، وهذا قول ~~لا يشين الشريعة ولا يقلل من قيمتها فقط، دون إغراق في المثالية التي أعتبرها في كثير منها ~~كانت صالحة لزمنها وحده، ومما لا يتوافق مع زماننا كمثال واحد، كانت الشريعة تعاقب بالقطع ~~على السرقة إذا كان المسروق في حرز أي في مكان مغلق، لكنها لا تعاقب بالقطع على سرقة ~~السائبة؛ فهي ليست سرقة تستحق القطع، كالسوائم الهائمة في الطرقات أو في البراري، وبتطبيقه ~~اليوم ستكون سرقة السيارة غير مستوجبة للقطع لأنها سائبة، بينما ستكون سرقة الكاسيت الموجود ~~داخلها هي العقوبة التي تستحق القطع؛ لأنها في حرز حسب شريعتنا. المهم أن ذلك إنما يعني ~~استحالة تطبيق العقوبات البدنية بشكل نضمن فيه العدل التام وعدم ارتكاب الإثم في الحكم؛ وهو ~~ما يعني أيضا أن الشريعة كما هي عليه الآن هي وضعية كأي قانون وضعي، من وضع فقهاء لم يكن ~~يأتيهم جبريل بالوحي. # ومن بين هذه الشرائع التي وقفت عند زمانها لا تريم حراكا، ويتم فرضها على واقعنا ~~التشريعي والقانوني فيما يعرف بقوانين الأحوال الشخصية، والتي هي الأشد مساسا بمعاش الناس ~~اليومي، قوانين الزواج والطلاق التي لا تكترث لجريمة الخيانة إلا مع الأنثى المحرم عليها ~~ما هو حلال للذكر؛ فله الزواج بأربع، وله وطء ما لا عدد له ممن ملكت يمينه دون أن يعتبر ~~ذلك زنا في حق الحياة الزوجية يستحق العقوبة وأقلها فسخ العقد برغبة الزوجة المتضررة، وهو ~~ما لم يحدث إلا بعد إقرار قانون الخلع في مصر، الذي يعيد للزوج كل مليم دفعه بعد الأكل ~~والمرعى والمتعة، حتى تستطيع الزوجة أن تنال عتقها. هذا بينما شرائع البشرية كلها تعتبر ~~إقامة أي علاقة خارج الزواج المفرد على أي لون ms007 كانت هي خيانة زوجية. ويحق للزوج طلاق زوجته ~~دون إبداء أي أسباب. والشريعة على تنوعها الفقهي لا تعطي للزوجة أي حقوق بمجرد تطليقها ~~اللهم إلا شروطا سبق اشتراطها أو مؤخر صداق وافقا عليه. ولسد هذا النقص الشديد اخترع ~~الفقهاء، كل حسبما ربنا قدره عليه، إلزام الزوج بنفقة لزوجته مؤقتة، لم يحدد مدتها ~~ومتى تتوقف (مثلا عند زواج المرأة مرة أخرى لوجود من يعولها)، وهي في الغالب لا تزيد عن ~~مكافأة سنة، أو نفقة بعدد القروء الأربعة، إضافة إلى اجتهاد بسنة أخرى تكاليف على الزواج ~~مقابل المتعة وتسمى نفقة متعة. # وهكذا انحرف المسلمون عن الميزة التأسيسية للإسلام التي تخصه بالفرادة بين الأديان، وهي ~~الاعتقاد بمقدس واحد هو إله مطلق فوق الزمان والمكان؛ فاعتقدوا بعصمة رجال مثلنا يصل عددهم ~~إلى الآلاف، فقدسوا الصحابة استنادا إلى حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم.» وتعريف الصحابي: هو من رأي الرسول ولو ساعة؛ أي ولو لحظة، وبهذا يكون تعداد ~~الصحابة المقدسين بالآلاف؛ وهكذا استبدل المسلمون جاهلية ما قبل الإسلام، بجاهلية أكثر ~~نكاية وأشد ضررا، تفتك بعقل المسلمين فتكا، وعادوا وثنيين، وأشد ضراوة في وثنيتهم من ~~الوثنيات التقليدية في تاريخ الأديان. بينما الإسلام نفسه كان واضحا غير ملتبس في قصر ~~القدسية والعصمة على كيان واحد في الوجود هو: الذات الإلهية، ونعى الوثنيات والشركيات ~~والراكنين إلى ما وجدوا عليه آباءهم الأولين، وخاطب مصطفاه بكل صفات العبد التام العبودية، ~~وأنه مجرد حامل للرسالة ليس أكثر، فلا هو رب ولا هو ملك ولا هو معصوم عن بشريته؛ لأن ~~المعصوم هو الكمال الإلهي وحده؛ ومع ذلك أعطاه المسلمون أعلى صفات الألوهية وهي العصمة ~~والكمال؛ وهو يناقض تاريخ جدل الوحي مع الواقع وتدخله الدائب لإصلاح مسار أو قرارات أو ~~مواقف أو تشريعات، أخطأ فيها النبي ببشريته وفطرته. فالنبي محمد # صلى الله عليه وسلم # في صحيح إسلامنا ~~هو عبد من عباد الرحمن ونبي كريم، أدى رسالة ربه تامة كاملة صافية بيضاء نقية. وقد خشي ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أي قدسية قد تلحقه ms008 شخصيا إذا ما حفظ المسلمون كلامه «حديثه» إلى جوار ~~القرآن كلمة الله التامة؛ لذلك نهى وأكد النهي عن تدوين حديثه وأمر بوضوح: «لا تكتبوا عني ~~سوى القرآن.» ورغم ذلك سمح المسلمون بالتدوين عن نبي ~~نهاهم عن التدوين «وما نطق عن هوى»، بل واختلاق الأحاديث المكذوبة ونسبتها إليه، بل وحازت ~~تلك الأحاديث قدسية في المذهب السني ترفعها فوق القرآن كرامة وفعلا وقدسية، فقالوا: ~~إنها تنسخ آيات القرآن؛ كما في إصرارهم على وجوب الاستمرار بالعمل بحد رجم الزاني المحصن ~~استنادا إلى الحديث وحده دون وجود نص في القرآن بهذا الحكم، وإن كان حد الرجم في الأصل ~~نصا قرآنيا منسوخا فالذي نسخه وألغاه حتى اختفى من القرآن المدون، هو صاحب القرآن؛ رب ~~العزة والجلالة، وليس فقيها من الفقهاء، # قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون ~~. # كل هذا الرتل مضاف إليه الزي المشيخي أصبح محل هيبة ورهبة وتقديس وعصمة وكمال مطلق، حتى ~~ألحق المسلمون القدسية بمن لا قدسية لهم من بشر؛ كالصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وغيرهم، أو كالمحدثين مثل البخاري، أو الإخباريين كابن كثير، حتى وصل التقديس إلى مشايخ ~~وعاظ كالشعراوي مثلا. فأصبحت تقام له المقامات وتعقد له الندوات وتصنع لتاريخه مسلسلات ~~تعيد زمن المعجزات والألطاف الربانية، المفتراة على رب العزة. # ترى، هل أهان المسلمون ربهم، فأهانهم وخسف بهم وكسف عنهم فصاروا عبرة للأمم عندما تضل ~~بها المسالك إلى المهالك؟ هذا هو أول الغيث القاسي وبداية التشخيص الموجع، في خريطة الطريق ~~نحو الإصلاح. # لم يسبق أن مرت بلاد المسلمين بمثل هذه الفترة التي تغطيها الفوضى الكاملة، فمنذ الصحوة ~~الإسلامية والحرب الأفغانية ضد السوفييت، حتى أحداث 2001م وما بعدها وحتى اليوم، حدثت تحولات ~~انتكاسية عنيفة، فدخلت البلاد الإسلامية في طور من الاضطراب والتخلف زيادة على تخلفها ~~الأزلي، وانتشار الأمراض الاجتماعية حتى وافت على غيبوبة ما قبل خروج الروح. مع هذا ورغم كل ~~مظاهر الانحطاط التام فإن دعاة الفكرة القومية العنصرية، ودعاة الفكرة الإسلامية الطائفية، ~~يؤكدون على هذا التوصيف لحالنا؛ فإنهم في الوقت نفسه وشعوبهم في ms009 حالة كبوة هائلة، يروجون ~~أن ما يحدث في بلادنا هذه الأيام هو انتصارات لأمة الإسلام وللأمة العربية، وأن هناك نكسات ~~بسيطة هي إلى زوال، وتتمثل تحديدا في دويلة الكيان الصهيوني المغروسة وسط الأمة لتمزيقها، ~~وحليفتها الكبرى الخاضعة للوبي الصهيوني، الولايات المتحدة الأمريكية، وعدا ذلك كان من ~~الممكن أن يكون المسلمون سادة الكوكب الأرضي، وأن أي مصائب تلحقنا فهي ليست من عند أنفسنا، ~~إنما هي من عند الغرب الكافر اللئيم الشرير الذي يبيت ساهر الجفون يدبر لنا المكائد ~~والمؤامرات، دون الملل والنحل كافة في المسكونة. # المصيبة أن هذين الفريقين (دعاة الفكرة القومية ودعاة الفكرة الإسلامية) هما من يشكلون ~~اليوم المعارضة الواضحة في الشارع للأنظمة الحاكمة القائمة، وهما على اتفاق مع الأنظمة بشكل ~~مدهش ومحير، على تحويل أنظار المسلمين عما يجري لهم نحو ما يجري في بيوت الآخرين في إسرائيل ~~وأمريكا وبقية دول الغرب. وتمكن كلاهما عبر أجهزة تشكيل الرأي العام من صحف ومذياع وتلفاز ~~ومدرسة ومسجد وكنيسة وحسينية من تحويل المجتمع إلى حالة هوس ديني لا نظير له ولا ~~شبيه. # تراه يتظاهر بوحشية كاسرة ضد أمريكا وإسرائيل، وبأشد ضراوة ضد كنيسة وطنية في الحارة ~~المجاورة لأنها تجرأت على ترميم دورة مياه فيها دون إذن المسلمين، ويعتدي بالسب والتبخيس ~~على البهائيين، ولا يرى أبدا حاله ومرضه الداخلي بالمرة، فنبدو بلهاء بشدة عندما نتظاهر ~~بغضب عارم ضد الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، بينما المسجد المجاور والتلفاز ~~والإذاعة تكفر المسيحيين علنا في «بلادنا» بلادهم وعلى أرضهم آناء الليل وأطراف النهار، ~~فنبدو كالآباء الذين ينتقدون أولاد غيرهم المشاغبين طوال الوقت، لكننا سريعو الغضب ممن ~~ينتقدون أولادنا المشاغبين، وهو ما يعطي الحكومات الاستبدادية مبررا لطلب النصرة من هذا ~~الغرب الديمقراطي المفترض أنه ضد الاستبداد، ومبررها هو أن بديل تلك الحكومات التي تدعي ~~الاعتدال وتمارس بعض ألعاب شبه ديمقراطية، بديلها هو هذا الشارع المتوحش المتعطش للدماء ~~الكاره لإسرائيل وكل دول الغرب، بل وربما كل دول العالم غير المسلمة. حتى أصبح من بديهيات ~~الواقع أن ms010 تجد الاستبداد واضحا وقائما، وأن تجد الحقوق الإنسانية في حالة غياب تام، حيثما ~~تجد أغاني الهجاء لإسرائيل وأمريكا والغرب كثيرة الترداد وحشية النبرة، متكررة، عالية ~~الصوت. # لقد أمكن للأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية، بامتلاك وسائل التأثير في الناس، أن تقوم ~~ببرمجة شعوبها بألوان من الأفلام والحوارات وبرامج الشو والدراما، التي تدلك غرائز العزة ~~ومكامن القوة المفقودة، فتعاد وتكرر مسلسلات أبطال العرب المسلمين، وسيرتهم العطرة في غزو ~~البلاد واحتلالها، تعظيما لمجد الماضي الإسلامي، وأنه بالإسلام وحده يمكن استعادة هذا الذي ~~ضاع؛ لا وجود في رؤيتها للمواطن وحقوقه أو حتى للوطن؛ لأن تلك الأمجاد التاريخية كلها كانت ~~على أشلاء وكرامة وإنسانية المواطن؛ لأن الهم الشاغل كان وما زال، هو الأمة الإسلامية وليس ~~المواطن؛ فما أكثر المواطنين! وهم كالعدد في الليمون والحمد لله. يمكن أن يكونوا وقودا ~~لمجد الأمة وسلاطينها ورجال دينها وصراعاتهم على الفريسة عند الحاجة. ولأن الاستبداد واحد ~~سواء أكان دينيا أم قوميا، ثوريا عسكريا أم ~~ملكيا أم جمهوريا، فقد توافق الفقيه والسلطان والمعارضة القومية والإسلامية كلهم معا ~~على تقديس ذات الأمة التي هي قدس أقداس القبيلة المسلمة، دون مكونها الحقيقي «الإنسان ~~المواطن الفرد». # وتعرض وسائل إعلامنا نماذج تكاد تجعل من شخوص التاريخ الإسلامي كيانات قدسية، لا تفعل إلا ~~من أجل خير ودفعا لشر، بنبل ومروءة غير موجودة سوى في السيناريو المقدم للناس، بينما ~~التاريخ الإسلامي نفسه في واقعه وفي مراجعه الأمهات يقول شيئا آخر مختلفا بالمرة. # فتاريخ المسلمين كله هو تاريخ فتن وصراع على الجاه والسلطان منذ فجر عصرنا الذهبي منذ ~~الخلفاء الراشدين الهداة المهديين الذين ماتوا صرعى القتل رغم حرصهم على الشرع الذي لم ~~يؤد إلى أمن المجتمع ولم يحفظ لرأس الحكم أمنه وحياته، فانتهت حياتهم قتلا، إلى الثورة ~~على عثمان، ثم واقعة الجمل سنة 36ه، ثم صفين 37ه، ثم مذبحة آل البيت في 61ه، ثم غزو جيش ~~يزيد سنة 63ه لمدينة رسول الله، فقتل من قتل وسبى من سبى وحبلت ألف عذراء من هتك العرض ~~العلني، وهن بنات ms011 الصحابة وفي حضرة المسجد النبوي وجسد صاحبه الشريف في ثراه، ثم فتنة ~~المختار الثقفي وابن الزبير في 73ه، ثم ضرب الحجاج بن يوسف الثقفي وجيشه مكة والكعبة ~~بالمنجنيق، ومن يومها لم تتوقف الفتن والملاحم والمحن، حتى سقوط الخلافة العثمانية، ولو ~~دققنا في التفاصيل لما كفتنا ألوف الصفحات التي لم تسجل سوى القتل صبرا والظلم قهرا تحت ~~رايات كلها تعلن إسلامها التام والكامل ... إلخ وكفر غيرها. # ثم اشتبكت الأدوار في بلادنا بعد الصحوة العنترية بين المسجد والمدرسة والجامعة، ولم تعد ~~مهمة المدرسة تعليم العلم الإنساني بل تعليم الإيمان، تتدارس فضيلة النقاب مقارنة بفضيلة ~~الحجاب، وتتباحث في شئون الفرج والطهارة والطمث والمواريث. مع إسراف في تقديس ما لا يصح ~~تقديسه، والدفاع عن الموروث الإسلامي بل احتسابه الكمال ذاته، والنظر إلى التاريخ الإسلامي ~~بعين الرضا الكامل، بل تمني بلوغ ما بلغته الأمة خلال هذا التاريخ الذهبي، حتى يتقدس ~~التاريخ الإسلامي ويصبح محل المثل الأعلى لكل التأريخ؛ مما يخرج كل ما له علاقة بالإسلام ~~سيرة أو تاريخا أو فقها خارج أي محاولة درس نقدي حقيقي، فتخفى المعايب وتستفحل ~~النقائص، بينما هذا التراث المعيوب قد أصبح المرجعية التأسيسية لمثقفي المسلمين، بل يكاد ~~يكون وحده مطلق المرجعية لكل شيء وكل شأن. وفي مناخ كهذا يكون الاقتراب من هذا الماضي بأي ~~رؤية نقدية تلتزم شروط المنهج العلمي هو اعتداء على ثوابت الأمة، بينما يتم النفخ في الذات ~~المعنوية للأمة حتى يجعلوها المنجز الأول لأي حضارة على كوكب الأرض، وأن ما نراه من تحضر ~~ورقي في البلدان الحرة هو منقول عنا، وما كان يتحقق لولانا، أو الأحرى لولا هؤلاء ~~الأسلاف التراثيون. بينما يتم تقليص التاريخ الوطني ما قبل الغزو العربي الاستيطاني لهذه ~~البلدان حتى يكاد يختفي من التاريخ، فتضيع جذور الوطن وتلتبس الهوية: هل نحن مصريون أم عرب ~~أم مسلمون، هل نحن أمة مصرية أم عربية أم أمة إسلامية؟ # وهكذا تتم برمجة الشعوب الإسلامية بحيث يتجه عداؤهم نحو عدو متفق عليه هو الذي تسبب ~~بفقدنا ماضينا الذهبي، فيكون ms012 الخطأ الكارثي في وجهتنا وفي اختيارنا للتوقيت؛ فالوجهة يجب أن ~~تبدأ بتوجيه العيون والآذان والعقول كلها صوب الداخل أولا وليس الخارج، وقبل فلسطين ~~والعراق والبوسنة والشيشان، بل قبل الكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى؛ لأنه بحالنا هذا ~~لن نضيف للكعبة وفلسطين والمسجد الأقصى سوى المزيد من النكبات والخسائر، بعكس أن نبدأ ~~مشوارنا الاستراتيجي بخطوات تكتيكية تبدأ بنقد الذات وتقويتها حتى يمكنها أن تتخذ في ~~المستقبل ما يناسب واقع الزمن من قرارات صوابية. وسواء أكانت همومنا القومية والإسلامية ~~التي تشغلنا اليوم، موجودة في حسابات الزمن الآتي أم لم تكن. # ومع الغضب العارم والشعور بالقهر والدونية، يرفض المسلمون أن يشكوا في ذاتهم بالمرة، ~~ولا أن يراجعوا مناهجهم وطرائقهم في التفكير وفي أسلوب الحياة، ويلقون بشكوكهم على الواقع ~~الموجود الذي يخرق العيون ويبهر العقول في بلاد أقامت الفراديس على أرضها، ويكون الملوم هو ~~الاستعمار وأذنابه من حكام تابعين أو كما يزعمون. إن المسلمين يقرءون الواقع بعد تمريره على ~~ذائقتهم، وفلترته حسب اختياراتهم وأخيلتهم وتصوراتهم وأوهامهم، لا كما هو على الأرض، رغم ما ~~أثبتته كل النعرات والتجارب الثورية أكانت إسلامية أم عربية على الأرض عبر تاريخها القديم ~~والحديث من مظالم واستبداد لحق بعباد الله المسلمين، دون الكفار في بلاد الغرب الحر الذين ~~يعيشون فردوس الحريات على الأرض، وارتكبت مجازر وشنت حروب وانهارت بلاد وسقطت حدود، ~~وانحسرت قوميات وصعدت أخرى على أشلائها، في حروب إبادة صفرية متتالية. # نحن مع الأسف نريد إعادة صياغة الدنيا كما نحب، لا كما هي عليه في واقع الحقيقة. المصيبة ~~أن هؤلاء أنفسهم من يتصورون أن بيدهم كل الحلول السحرية لمشاكلنا قاموا يدلون بدلوهم في ~~عملية الإصلاح، ليصوغوا لنا الآتي كما الماضي. بعد مضي ~~أكثر من أربعة عشر قرنا، جاءوا يعلنون لنا أنهم مصلحون وأنهم سيصلحون! انظر قارئي (وأنا ~~وأنت من مساكين هذه الأمة) ماذا جنى علينا أصحاب الرؤى الطائفية أو القومية؟ ثم ما دامت ~~بيدهم الحلول السليمة التامة فلماذا لم يصلحوا منذ قرون متطاولة، رزح فيها المسلمون تحت ~~أنظمة حكم اصطلح ms013 علم فلسفة التاريخ في العالم كله على تسميتها بمنظومة الاستبداد الشرقي، ~~التي امتدت بطول العالم الإسلامي من الشرق الأوسط حتى الصين. لماذا لم يصلحوا بما لديهم من ~~وسائل وأدوات إصلاح لا تبلى ولا تفنى؟ لكانوا أراحوا تاريخنا مما أثقل ضميره من فتن ونوازل ~~هائلة كما وكيفا، ولأدى ذلك لتقدم هائل مبكر عن كل الدنيا، وكنا سبقنا به العالمين ~~منذ قرون، بدلا من وضعنا المزري على جدول سلم الأمم اليوم، وهو العار بعينه وذاته. # إن الإجابة عن سؤال الدكتور رفعت السعيد المتكرر: «ماذا جرى لمصر؟» هي في جانب منها هام ~~مسألة تكوينية بنيوية تكمن في بنية تكوين الأمة وبنية تفكيرها، فقد تمكنت مصر زمن محمد علي ~~ومن خلفه من بعده طيب الذكر الخديوي إسماعيل، من الخطو نحو الدولة الحديثة المدنية بخطو ~~واثق عبقري، حتى أصبحت في سنوات قليلة تجربة رائدة، ومدرسة يأتيها زوار شرق آسيا للتعلم من ~~التجربة، وزوار شرق آسيا هم الذين أصبحوا اليوم في المقدمة، بينما أصبحت مصر ومعها عربها ~~دملا مؤرقا في مؤخرة الأمم، والعامل الجوهري هنا هو مجموعة صدف نادرة ومتوالية خلال ~~حقبة زمنية قصيرة لا تتجاوز نصف القرن، تمثلت إحداها في ظهور النفط في البلاد العربية؛ مما ~~أدى إلى تغير بنيوي مواز هائل، وحوالى الوقت ذاته كانت الحركات العسكرية الانقلابية قد ~~عمت معظم العالم الإسلامي، لتفرض حكومات وطنية لكنها فاشية بامتياز، ألغت من العقول ~~والضمائر فكرة قبول التعددية المفرطة المتسامحة، لمصلحة التعصب للفكرة الواحدة والزعيم ~~الأوحد والمذهب الأوحد؛ مما يسر السبيل بشدة لما عرف بعد ذلك بالصحوة الإسلامية، التي ~~عمدت وجودها في مصر بمقتل الشيخ الذهبي ثم التضحية لعيد النصر بذبح الرجل الذي ترك لهم مصر ~~سداحا مداحا فقتلوه يوم احتفاله بنصره الأكتوبري الملحمي حقا وصدقا. # وتمكن البترودولار من إعادة غزو مصر وبقية دول الإمبراطورية الإسلامية السابقة، بإسلام ~~صحراوي دخلته عادات وتقاليد وأنظمة ومفاهيم عرب قبائل الجزيرة، بزيادات توازي تراكم أربعة ~~عشر قرنا من الزمان. ليترافق المد البترودولاري مع الحرب ضد الروس في أفغانستان، ثم انتصار ms014 ~~الحلف الغربي العربي الأفغاني وانسحاب الروس من أفغانستان؛ مما اعتبر في حينها علامة ~~سماوية على صحة المنطلقات والأهداف، ووجوب السير في الخطة لإسقاط كل الحكومات الطاغوتية في ~~العالم، وما تلا ذلك من تفكك المنظومة السوفييتية كلها. مع ثورة إسلامية في إيران حققت ~~انتصارا عجائبيا في أيام، وفشلت حملة أمريكا العسكرية لإنقاذ رهائنها في إيران في صدفة ~~عجائبية أخرى (ولكل بالطبع عوامله الموضوعية الواضحة لكننا لا نرى سوى العجائب)، مع أموال ~~هائلة لم تخف وكالة المخابرات الأمريكية أنها دعمت بها مئات المؤتمرات للصحوة الإسلامية، ~~إبان حقبة الحرب الباردة، تجييشا للمسلمين ضد الكفر الشيوعي ليحاربوا عن الغرب ~~بالنيابة. # كان الإسلام في مصر بعد أن فتحها الغزو العربي (بمرور الوقت) قد تمصر، ومع قيام الدولة ~~الحديثة على يد محمد علي أخذ صبغة تسامحية هائلة، فكنت تجد الجميع متعايشا، محبو أهل البيت ~~إلى جوار المتصوفة، إلى جوار عباد الأضرحة من البسطاء، إلى جوار أهل السنة، إلى جوار ~~الأقباط، إلى جوار اليهود، إلى جوار ملل ونحل وأعراق متعددة وجدت في مصر جاذبا للهجرة ~~إليها واكتساب جنسيتها، هربا من مواطن فقيرة أو استبدادية، وانتهى كل هذا بداية من طرد ~~أصحاب الأصول غير المصرية مع اليهود في الزمن الناصري؛ مما سلب عن تلك الأنظمة صفة ~~العلمانية الليبرالية ومنحها صفة الديكتاتورية الفاشية بامتياز، رغم ما رفعته الأنظمة ~~القومية الثورية من أيديولوجية تحارب الإسلام السياسي وتقوم على قيم وحدوية واشتراكية، لكن ~~هزيمة هذا المشروع المروعة خاصة في 1967م، وسقوطه اقتصاديا وفشله التام في تحقيق أي من ~~أهدافه المعلنة، فلم يحقق لا عدلا اجتماعيا ولا مساواة ولا تنمية، ولا هو ترك البلاد على ~~حالها الأول تسير مسيرها الطبيعي دون قفز فوق المراحل. بينما انكمش دور العلمانيين ~~الحقيقيين، خاصة بعدما تراجعوا في النهاية إلى جماعة نخبوية، وتابع بعضهم السلطة العسكرية ~~ونافح عنها، وظل البعض الآخر متهما بالعمالة للغرب ما دام لم يؤيد النظام الحاكم؛ ومن ثم ~~كان يسيرا أن يصب هذا كله، من بعد تتالي الهزائم والنكسات، بيد الحركة الجديدة التي ms015 لبست ~~هذه المرة زي سدانة الدين والدنيا معا، ومع صحوة ملتبسة بإسلام صحراوي وهابي جاف ~~قاس، وهو ما لا تعرفه بلاد الخصب والوفرة في الوديان الخضراء، تم غزو البداوة لبلاد الخصب ~~مرة أخرى، بمنهج بدوي لا يسمح بأي سؤال أو رأي ممكن؛ طوارئ عسكرية وأمنية واقتصادية؛ لأن ~~القبيلة في موطنها بالبوادي هي في حالة طوارئ دائمة لا تعرف السلم ولا الاستقرار، بل هي في ~~سعي وراء خير الطبيعة الشحيح، وعنده يتقاتلون قتالا صفريا ينتهي بسيادة أحدهما واستيلائه ~~على ما بيد خصمه، وما بقي من بشر يستعبدهم أو يعسكرهم في قبيلته؛ لذلك لم تسمح هذه الحركة ~~للقبيلة بغير نظام الحكم الاستبدادي؛ لأنه الذي يضمن تماسك القبيلة بصرامة، في بيئة متوحشة ~~وقاسية، كذلك لم يسمح لها هذا الارتحال الدائم بأي استقرار؛ ومن ثم لم يسمح لها بأي إنجاز ~~ممكن. # إلى هذا النهج الصحراوي ارتكس المصريون مع إعادة فتح مصر وهابيا هذه المرة، وارتدوا ~~إلى ما قبل زمن مينا موحد القطرين؛ لأن المصريين كانوا بدوا رحلا ذات يوم، قبل أن ~~تتوحد القبائل وتشكل مئات الأقاليم، وعبر السنين والدهور بألوف السنين توحدت هذه الأقاليم ~~العديدة سلما أو حربا حتى أصبحت إقليمين عظيمين بعد حوالي سبعة آلاف سنة من الاستقرار في ~~الوادي، حتى جاء مينا ملك الإقليم الجنوبي ليضم الإقليم الشمالي وليقيم أول دولة إمبراطورية ~~قوية قائمة بحدودها التاريخية كما هي حتى اليوم، وقد قام مينا بهذا التوحيد منذ حوالي سبعة ~~آلاف عام مضت، لكن بفضل الغزوة الوهابية يكون المصريون قد عادوا إلى ما قبل أربعة عشر ألف ~~عام إلى الوراء من تاريخهم في بلادهم، عاد المصري قبليا بدويا لا فلاحا يرتبط بالأرض ~~منتجا مبهجا، وأصبح يعرف نفسه بأنه ابن الحتة وابن القبيلة وابن الناحية، يترك أرضه ~~ويرتحل لأن أرض الله واسعة فيهاجر فيها؛ منطق بدوي كان هو عيبة العار ذاتها ونفسها، ترددها ~~الملحمة الشعبية «عواد باع أرضه يا ولاد، شوفوا طوله وعرضه يا ولاد»، وهي كلها مستجدات على ~~دولتنا الحديثة لم تعرفها مصر القرن ms016 العشرين، ولا قبل العشرين. أصبح كل مواطن قبيلة وحده، ~~لا يشغله ما يحدث على الأرض في بلاده؛ فالقبيلة لا تعرف شيئا اسمه «بلاده»، لا يشغله سوى ~~نفسه ومصالحه فقط؛ مما أدى إلى ما نراه في الشارع من تفشي كل الأوبئة الاجتماعية العلنية ~~رشوة وفسادا يمارس في بلادنا كاعتياد هو الأصل في الأخلاق وليس الاستثناء، حتى أصبح ~~الباطل والكذب والخداع والسرقة هي العملة المتفق عليها، وهي القاعدة، أما الشرف وعفة اليد ~~وسلامة الضمير، فهي عملة جيدة نعم لكنها الاستثناء؛ لأنها مؤرقة ومزعجة، في وطن يتهاوى، ~~يعمل فيه كل مواطن بالمثل الشعبي: «إن وقع بيت أبوك إلحق خدلك منه قالب.» # إن هذا الانهيار المفزع ليس إلا نتيجة طبيعية للعودة إلى نظام القبيلة البدائي، والتعصب ~~للعنصر والقبيلة والدين والمذهب والأيديولوجيا، بينما ضاع الجامع الشامل لكل هذه الألوان ~~والأطياف مللا ونحلا وعناصر وأعراقا؛ جامعنا المقدس الحقيقي الذي يحوينا جميعا ~~ويقبلنا جميعا في محرابه على التساوي بذات القدر والقيمة هو ما ضاع منا؛ ضاع الوطن، ضاع ~~طين الأرض بعدما هجرها الفلاح إلى المدينة أو إلى بلاد ابن عبد الوهاب، وضاع عندما فقدت ~~الأرض الطهور قدسيتها فقمنا نبني على ثراها الممتلئ خيرا وطهرا حجرا وأسمنتا شائها ~~قبيحا، ضاعت المواطنة الجامعة، فإلى الله وإلى الوطن أشكوكم يا أهلي وناسي حكاما ~~ومحكومين، ويا لوعة كبدي عليك يا وطن. ~~(1) سقف المعرفة غاية مستحيلة # نرصد مظاهر الحالة الإسلامية كأعراض لمرض عضال بحاجة ماسة إلى علاج، ولعل أهم ~~الأعراض المستعصية هو الاعتقاد السائد بين معظم المشتغلين بالشأن الإسلامي، وهو ~~الاعتقاد الذي عمموه بين المسلمين بامتلاك الحقائق النهائية والمطلقة، عبر امتلاك ~~الحكومات المسلمة لوسائل التثقيف العام من إذاعة وتلفاز ومسجد ومدرسة، وهي أقوى عوامل ~~تشكيل الرأي العام اليوم. هذا العرض المستعصي يقوم على اعتقاد أن السلف لم يتركوا ~~شيئا للخلف ليبحثوا فيه، وأن الأمة قد عقمت من بعد خصب، رغم أنها كانت خصبة إلى حد ~~تعاصر فقهاء المذهب السني الأربعة خلال أربعين سنة فقط. ولكن لأن الزمان لم ولن يجود ~~بمثلهم، كما ms017 توافق على ذلك الفقهاء من بعدهم، فقد أصبحوا خاتمة البحث ونهاية الأزمان، ~~بعد أن وضعوا كل علم ممكن وانتهوا منه؛ باختصار، بلغوا نهاية العلم وسقفه الأخير. هذا ~~رغم قصور البشرية جميعا عن بلوغ هذا السقف، ومعرفتها أنها قاصرة عن بلوغه، وأن هذا هو ~~السبب الأساسي في التطور العلمي، والفكري النظري، والتقني، والفني ، والحقوقي، ~~والاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي. بينما يقول قوم إنهم قد بلغوا سقف العلم؛ فهو ما ~~يعني أنه لا مجال لكلام آخر، ولا مجال لقول جديد، ولا مساحة لقبول أي تغير. هذا كله في ~~واد، والواقع قد تغير تغيرات هائلة بلغت فيه ما تحققه البشرية كل عام منذ عام 2005م، ما ~~يعادل ما حققته منذ وجود الإنسان على الأرض. ونصيب المسلمين من بلادهم في هذه الكشوف ~~الهائلة كما وكيفا هو صفر عظيم. # إن عدم قدرة بلوغ نهاية العلم والمعرفة، هو أس جوهري في عملية التطور اللازمة ~~للبشرية، وزاد البشر على التطور الفيزيائي البيولوجي الميكانيكي الدائب والمستمر ~~للكائنات، أنهم تمكنوا من إعمال عقلهم في الطبيعة مما سرع بعملية التطور الإنساني ~~بدرجات هائلة ما خطرت على قلب بشر. ومن هنا فإن الاعتقاد بكمال المعرفة عند المسلمين هو ~~عرض واضح وجلي لتردي أحوالهم هذا التردي المثير للشعور بالخزي والعار. # يعتقد المسلمون أنهم قد امتلكوا نواصي العلم كله، وأنهم مكلفون بتعميم معارفهم على ~~العالمين، بل فرضها على الكوكب الأرضي فرضا، ويحيلون كل النقائص إلى العالم المتقدم ~~الذي سبقنا حقا وصدقا بما يقاس بالسنين الضوئية، ويخلطون بين كراهيتنا التاريخية ~~لهذا الغرب، وبين مناهج هذا الغرب في التقدم وأساليبه في المعرفة وسبله للرقي والغنى ~~والرفاه والسعادة. # والمشكلة التقنية والاعتقادية في مثل هذا الاعتقاد، هي أن المسلم (حسبما يعتقد) هو من ~~سيسأل عن أعماله وحده في نهاية الأمر، وهو بإسناد أعماله إلى اعتقاد بكمال وتمام فقه ~~وشريعة، هي من علم وإنتاج بشر مثلنا يصيبون ويخطئون، بعدما فارقت المبادئ الشرعية ~~الأولى بساطتها إلى منطقة شديدة التعقيد بإضافات أهل الفقه وزياداتهم في دين الله. ~~فبينما وضع القرآن ما لا ms018 يزيد عن سبعة قوانين «شرائع» للمجتمع، وبضع عشرات أخرى تأسيسا ~~على الحديث، فإن المذهب الشافعي مثلا لديه ما ينوف على ستة آلاف تشريع، ومثلها في ~~خزائن المذهب الحنفي، وتتزايد في بقية المذاهب، وهذه الآلاف من التشريعات جاءت كلها ~~زيادة في دين الله. وإذا كانت خاصية الإسلام هي التوحيد المطلق، فمن غير المفهوم كيف ~~يمكن للمسلم الجمع بين هذه العقيدة وبين خمس مجموعات مذهبية تتضارب وتتناقض بعضها مع ~~بعض. إن هذا الركون لأحكام وفق رؤية فقهية أو مذهب بعينه يجعل المسلم يعرض نفسه ~~للمساءلة والعقوبة، بل ربما للتهلكة، بل ربما إلى الانقراض من البشرية، وهي العقوبة ~~التي لا يعفيه جهله بها منها. # هذا بينما المصري القديم، كان يعرف منذ خمسة آلاف عام أن اكتمال المعرفة نقص ومرض، ~~انظر ما قاله على لسان بتاح حوتب: «انظر كيف يمكن أن تتعرض لمناوأة الخبراء في المجلس! ~~إنه لمن الحمق أن تتحدث في كل ضروب المعرفة» (ول ديورانت، مقدمة موسوعة قصة الحضارة، ص ح). # واليوم نرى المصري المسلم وقد ارتكس خلفا إلى ما وراء زمن بتاح حوتب، عندما قام ~~يفسر: # ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~(الأنعام: 38) بأن القرآن قد حوى علوم الأولين والآخرين فامتلك الحقيقة المطلقة، وصار ~~بإمكانه أن يتعرض لمناوأة الخبراء في المجلس، ويظن أنه خبير يمكنه الحديث في كل ضروب ~~المعرفة. بينما كل ما تحمله الآيات الكريمة خبر مفاده أن القرآن الكريم لم يفرط في شئون ~~التعبد والدين من شيء، وليس التفريط في علوم الأركيولوجيا والبيولوجيا والجينولوجيا ~~والكيمياء والرياضيات وإدارة الدول ونظم الحكم وأساليب الاقتصاد وحقوق الإنسان ~~والديمقراطية، لأن القرآن كتاب في الدين، كتاب في الإيمان فقط، وحسبه ذلك شرفا ورفعة. ~~وفخرا ومجدا وسؤددا أزليا أبديا. # وقد زاد المسترزقون من كهنة على حساب المواطنين من استفحال العرض وعوص هذه المشكلة، ~~وتجذيرهم الاعتقاد في امتلاك المسلمين للمعرفة التمامية، وهؤلاء المسترزقون هم من قاموا ~~يتاجرون بمأساة المسلمين، ليحققوا ثروات خيالية من حكاية وهمية اسمها العلم والإيمان، ~~كلها عبارة عن شعر فخر وهجاء وأحاديث سمر ms019 عربية حول نيران القبيلة وبعيرها في الليالي ~~القمرية، أحاديث فخر ليس أكثر؛ لأنها موجهة لنا ولا يعرفها أحد غيرنا، هي سمر رتيب ممل ~~تفخر بربنا الذي يتم وضعه وفق هذا التصور في موقع شيخ القبيلة المسلمة (حاشاه وهو ~~الكمال المطلق)، وهو شيخنا هذا الذي عرف كل العلوم القديمة والحديثة والمعاصرة التي ~~اكتشفت والتي لم تكتشف بعد، قبل كل العالمين، وأعلمنا بها ووضعها لنا في كتابنا ~~المقدس، ولا تعلم إذا كان ذلك صحيحا، فلماذا لم ينتج لنا أصحاب العلم والإيمان اكتشافا ~~واحدا إسلاميا أصيلا من نصوص القرآن أو الحديث؟ كي نسبق به العالم ونفيد به بلادنا ~~المعتوهة لكثرة ما تعاطت من مأثور تخديري أصابها ببلهنية بلهاء، حتى كادت تصل إلى حالة ~~الموت التخشبي. الكارثة أن عملية التهجين للمقدس بالعلم الإنساني كرست اعتقاد المسلم ~~أنه غنى عن معارف العالمين، وعن العلوم كلها دفعة واحدة؛ لأنه يعتقد أن بيديه أسرار ~~الدنيا ومفاتيح الآخرة، ما ذهب منها، وما لم يأت بعد، ودون أن يجد المسلمون بعد كل تلك ~~الأبحاث في العلم والإيمان أي شيء ذي قيمة بين أيديهم. # ولأن الإسلام وعلومه ليسا حكرا على طائفة بعينها دون المسلمين، فإن الرهاب المكرس ~~لعدم تجاوز فقهاء الأمة، لم يوقف هؤلاء الفقهاء أنفسهم عن نقد سابقيهم ونقضهم، وهو ما ~~تجلى في رد أبي حنيفة النعمان على هذا المبدأ الباطل: «هم رجال ونحن رجال»، فليس بين ~~المسلمين آلهة ولا أنبياء بعد أن ختم محمد # صلى الله عليه وسلم # تواصل السماء مع الأرض؛ ومن ثم فإن ~~أول مطلب في روشتة العلاج هو الاعتراف بالمرض، وأن التراث الإسلامي قد أصبح يحمل ~~أوراما سرطانية وأثقالا كسحته عن مسايرة حركة التطور، وأنه يجب أن يخضع لعمليات ~~جراحية عاجلة مع تقويم ومراجعة ونقد قاس ما أمكن، لكن بشرط التزام العلمية الصارمة ~~دوما، مع الفحص والتعديل والإلغاء والإضافة والحذف، مدا لحبل حكمة النسخ في الوحي - ~~وهي حكمة التدرج في الأحكام - إلى مداها الطبيعي، وهو التدرج الذي يقوم على مقاصد الشرع ~~الكلية. # ولو صح أن ms020 اجتهاد فقهاء السنة الأربعة، وبقية المذاهب بما فيها الجعفري (الشيعي ~~الاثنا عشري)، قد وصلت إلى سقف المعرفة، وأنها أصبحت صالحة لكل زمان ومكان (وهي آفة ~~فكرية لا يقول بها عاقل، فلا شيء صالح لكل زمان ومكان بالمطلق، وقولا واحدا، ولا يقول ~~بذلك إلا من جهل أنه جاهل)، ولو صح أن ما صلح لزمنهم صالح لزماننا، فلماذا نحن أمة ~~الله المتخلفة دون العالمين؟ # ومع اعتقاد المسلمين بصحة هذا المبدأ الباطل، تم إغلاق باب الاجتهاد دون إصدار أي ~~أوامر بإقفاله؛ لأن إغلاقه قد أصبح من مستلزمات الشريعة وخصائصها دون صدور قرار بذلك، ~~بعد أن أصبح غير ممكن تجاوز من وصلوا إلى سقف المعرفة. وبدلا من أن يعتبر المسلمون ~~رجالات مأثورهم بداية لطريق تطوري اجتهادي طويل، اعتبروهم نهاية الطريق، فضرب الشلل كل ~~مراكز التفكير في العقل المسلم. ماذا يمكن أن يقول المسلم لمن يقولون له: قال ابن ~~تيمية، وقال البخاري، وقال عمر بن الخطاب؟ هل سيخطر على بال مسلم أنه مطلوب منه أن يقول ~~شيئا بعد ما قال هؤلاء المقدسون، ناهيك عن مخالفتهم أو إعمال العقل في نقدهم؟ وفق ~~هذا المعنى لا بد أن يصاب اللسان بالخرس، ويموت السؤال، ويضرب الذهان مراكز التفكير، ~~فلا يعود المسلم يميز بين الممكن والمستحيل، فيضرب بإرهابه العالم متصورا أنه سيسود ~~العالم ويقيم دولة الله في أرضه، وهو من بين أشد شعوب هذا العالم ضعفا وجهلا ~~وتخلفا! # وبدلا من أن يعتبر المسلمون أن تدرج التشريع درس لهم ليمدوا طرف الخيط على استقامته ~~فيتدرجون، بل وربما ينسخون كثيرا من التشاريع مع المتغيرات، حتى يبقى حيا فاعلا، ~~فقد اعتقدوا أن هذا التدرج خاصية قرآنية ربانية لها علاقة بتواصل السماء مع الأرض عبر ~~الملاك جبريل إلى نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن هذه الخاصية قد توقفت بتوقف الوحي بوفاة صاحب ~~الدعوة؛ ومن ثم قرروا الوقوف عند آخر أحكام تطورت إليها نصوص الوحي، وجعلوها أحكاما ~~نهائية، قدسوها وجعلوها حكم السماء الأخير القاطع، الذي لا يجوز تجاوزه على تغير ~~الأحوال واختلاف الأماكن وتبدل ms021 الأزمان، هذا بينما «الفقه» نفسه يقوم على أسس نظرية لم ~~يقم هؤلاء العارفون بالمطلق بتفعيلها فيما يبدو عن قصد ونية مبيتة للمسلمين؛ فالفقه ~~الإسلامي «لا ينكر ولا يستنكر تبدل الأحكام وتغيرها بتبدل المكان واختلاف الزمان»، ~~وهو ما استند إليه الإمام الشافعي عندما غير من فتاواه في زمن واحد، ما بين وجوده في ~~العراق ووجوده في مصر. ومن أبرز الأسس النظرية المعيارية المفترض أنها حاكمة، الأساس ~~الذي يجعل «الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما»، ولا تفهم كيف يتم تجاوز هذه الأصول من ~~قبل فقهاء يركزون على ظاهر اللفظ وحرفية النص، ويظلون فقهاء؟ لا تعلم كيف؟ ثم لا تعلم ~~كيف أمكن لهم تضليل المسلمين كل هذا التضليل لمنافع ومكاسب دنيوية بحتة، ومكانة ~~اجتماعية مرموقة، وسلطة سيادية برغبة الرعية، بدليل استكانة المسلمين إلى هذه المفاهيم ~~التي تبدو دينا جديدا غير ما نعرفه عن الإسلام في بكارته الأولى، وعدم احتجاجهم على ~~مشايخهم بل وتقديس هؤلاء الفقهاء، فأي نازلة نزلت بنا أيها الناس؟! # من بين هذه الأسس فلسفات في الإسلام والتشريع سبقت زمنها فتم قبرها لأنها كانت أكثر ~~حرية من ممكنات احتمال الفقهاء الآخرين حينذاك، فلسفات فقهية اعتبرت الإنسان هو غرض ~~الله وغرض الرسالة، وليس الغرض مجرد العبودية لله؛ فالله أكمل من ذلك وأرفع من ذلك وليس ~~بحاجة إلى عبيد ليتأله عليهم ويستعبدهم فيعبدون، وأن الكتب المقدسة جاءت إلينا من أجلنا ~~وليس من أجل السماء، لتيسير معاشنا لا لتعقيده، ولجعل الدنيا أكثر راحة وطمأنينة ~~ويسرا، إسعادا للبشر لا إثارة لكآبتهم وحزنهم رعبا من مكر الله وجهنماته المتنوعة ~~ألوانا وأصنافا من العذاب. فلسفة تعتبر الإيمان نعمة وسعادة لا اختبارا وامتحانا ~~عسيرا ومشقة وعنتا ونقمة متربصة تقف من ورائها فكرة المكر الإلهي، الذي كان يخشاه ~~أعدل الخلفاء «عمر بن الخطاب»، مع الفزع من جهنم وزبانيتها. # نظرة قامت على التفلسف أكثر مما خضعت لشروط الشافعي المستحيلة الواجب توافرها في ~~المجتهد، اعتمدت أكثر علوم الفلسفة جدلا وحرية، علم الكلام، لتقيم عليه نظريتها ~~الفلسفية الفقهية. # من بين هؤلاء الفقيه اللمعة ms022 الثاقب «نجم الدين الطوفي الحنبلي»، الذي تجرأ على كسر ~~أهم القواعد الفقهية «لا اجتهاد مع النص» فأباح الاجتهاد حتى مع النصوص الواضحة القاطعة ~~المجمع بين الفقهاء على قطعيتها الثبوتية: النصية والدلالية، استنادا إلى اجتهادات ~~الخليفة عمر مع نصوص قرآنية وحدود تشريعية ربانية قاطعة، بالتعطيل وبالمخالفة وبالإلغاء ~~(كما في إلغائه فريضة متعة الحج وفريضة متعة النساء وفريضة المؤلفة قلوبهم). لاختلاف ~~المصالح بدوران الأزمان؛ ومن ثم قدر الطوفي أن رعاية مصالح الناس تعلو على النص ~~والإجماع وتقدم عليهما، استنادا إلى قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا ضرر ولا ضرار»، ثم لدينا ~~نجم عظيم آخر من فقهاء اليسر والبهجة الذين أوسعوا من صفحات الاجتهاد نحو مزيد من ~~الحرية هو «الباقلاني»، الذي قلما يعرج عليه رجالات أزهرنا المبارك الشريف، اشترط هذا ~~الرجل للاجتهاد الصحيح التضلع من الفلسفة أو بالذات (علم الكلام)، واعتمد علم المنطق ~~الأرسطي معيارا للاستنتاج الصحيح، ولم ير في ألوف المباحث الفقهية العجيبة المتكاثرة ~~وشروطها الأعجب المتناثرة أي ضرورة، كل ما طلبه للمجتهد هو أن يعرف القواعد العامة ~~لأصول الفقه والمعروفة بالمقاصد الكلية للشريعة وما أيسرها؛ لأنها تتلخص جميعا في جملة ~~واحدة هي: مصلحة العباد. # وما أبكر مثل تلك المحاولات العبقرية التي تم إهالة الإهمال عليها، حتى كادت لا تجد ~~لنفسها مكانا في أحاديث مشايخنا رغم ركوبهم إعلامنا ليل نهار، فهذا الإمام «الجويني» في ~~القرن الثاني عشر الميلادي، يؤكد أن المعرفة بمقاصد الشريعة كافية وحدها كأساس في ~~الاجتهاد، بتنزيلها على واقع الزمان ومستجداته ومشكلاته التي لم تكن معلومة من قبل، ~~والغرض من هذا التنزيل هو مصلحة الناس أولا وأخيرا، وهو كله ما يقوم على مدركات عقلية ~~بالأساس وليست نقلية ولا نصية. # من هنا ساغ للجويني الثاقب اللماع بين الفقهاء و«إمام الحرمين» أن يرنو للمستقبل ~~ليراه وهو يتطور في قفزات هائلة، حتى يأتي زمن على الناس لن يعملوا فيه بأصول الشريعة ~~الإسلامية حتى تصبح الشريعة تاريخا غير فاعل، وربما غير موجودة نتيجة مفارقة الواقع ~~لها؛ لأن الواقع يتغير ويتطور بالضرورة دون أن ms023 ينال النص الديني ذات التغير والتطور. ~~ومن هذه الرؤية المستشرفة للمستقبل ينتهي الجويني بجرأة نادرة وبفرادة سبق بها زمنه إلى ~~نتيجة غير مسبوقة، وللأسف غير ملحوقة بين الفقهاء، ينتهي الجويني إلى ضرورة تهيئة العقل ~~المسلم وترويضه حتى يمكنه التعامل مع ذلك الزمن الآتي بمنطق ذلك الزمان الآتي دون منطق ~~الشريعة. # ومنطق ذلك الزمان الآتي لاشك سيقوم على العقل ذاته وهو يمارس وظيفته؛ لذلك يجب تدريب ~~العقل المسلم على قبول الزمن الآتي ليتمكن من الحياة فيه والفعل فيه، وإن غابت نصوص ~~الشريعة، ويكفي المسلم أن يكون عالما بالمقاصد الكلية للشريعة، وهذه المقاصد تحديدا ~~وتدقيقا هي مصلحة البلاد والعباد، وها قد أتى ذلك الزمن الآتي الذي كان يتوقعه عن يقين ~~وترقب إمام الحرمين. # وبعد حوالي ثلاثة قرون احتاج الزمن المزيد من التنبيه إلى ضرورة التغير والتجديد ~~والتحديث فظهر الإمام «الشاطبي» وما أدراك ما الشاطبي؟! في جمل سريعة لا تعرض من هو ~~الشاطبي الذي سبق زمنه وتجاوز فقهاء أزهرنا مجتمعين، هو الذي أقام اجتهاده الفلسفي ~~عودا إلى فكرة المقاصد الكلية للشريعة، فقام يستخرج من الشريعة مقاصدها بنودا واضحات، ~~التي هي مصالح العباد دنيا وآخرة، وأخضع هذا الاستخراج لمقدرات ولعادات واقع زمانه ~~طالبا التبديل والتعديل وفق متغيرات الزمان وتقاليده وبشروط زمانه ومكانه؛ لذلك اشترط ~~الشاطبي على الفقيه في الزمن الآتي أن يكون عارفا بعلوم عصره ومتصلا بواقعه (ترى كم ~~من فقهاء اليوم يدري شيئا ولو يسيرا عن علوم عصرنا؟) حتى ينزل مصلحة العباد أي ~~المقاصد الكلية للشريعة على هذا الواقع، ليحثه نحو مزيد من المصلحة. وارتأى أن الفقه ~~بحاله حتى زمانه هو لون من الإجابات المعدة سلفا لكل مسألة حدثت أو قابلة للحدوث أو ~~متخيلة، والفقه بهذه الإجابات المسبقة لا يقف بهذا المعنى ندا للزمان الذي جاء بأسئلة ~~جديدة لم تخطر على خيال فقهائنا القدامى، وليس لديهم إجابة عنها لأنها لم تكن قد وجدت ~~بعد؛ لذلك لا بد أن يختلف الحكم بحسب ظروف الواقع، مع مراعاة أن الأصل في الأشياء هو ~~الإباحة وليس التحريم. ms024 وهو ما يعني تفسيرا دقيقا لمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر؛ فالمعروف هو ما تعارفت عليه قيم وعادات زمانه، والمنكر هو ما أنكره العرف ~~الاجتماعي وقيم زمانه. ومن ثم لم يعد المعروف أبدا من أصول الشريعة بحسبانه يعني ~~الدعوة إلى الإسلام وشريعته، أو هو إقامة دولة الله على الأرض كما يزعمون. # ومع «الطوفي» وكسره الجريء لقاعدة لا اجتهاد مع النص، و«الباقلاني» وبراحه العقلاني، ~~و«الجويني» ومساحته الحرة المنطقية العقلانية الصرف، و«الشاطبي» وطلاقته المصلحية، وأن ~~الأصل في الشرع كله هو الإباحة تيسيرا على العباد الذين تشكل مصالحهم الهم الأول ~~للفقيه، سنكمل مشوارنا الآتي مع خريطة التشخيص والإصلاح. # يلخص الدكتور قرضاوي الملقب بالفقيه المعتدل موقف فريقه المتأسلم من الفريق العلماني، ~~في قوله: «نوع من المفاهيم خطر على المجتمع، زحفت على مجتمعاتنا مع زحف الاستعمار، ~~واتخذت الغرب لها قبلة وإماما، إنها المفاهيم المتعلقة بالدين والدنيا، الرجل والمرأة، ~~الفضيلة والرذيلة، التحرر والجمود، التقدم والرجعية، بالحلال والحرام. المفاهيم ~~المتعلقة بالحدود الفاصلة بين حرية الفكر وحرية الكفر، بين حرية الحقوق وحرية الفسوق، ~~بين العلمية والعلمانية، بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية. إنها مفاهيم الغزو ~~الفكري التي تعتبر الإيمان بالغيب تخلفا والتمسك بالسلوك الديني تزمتا، والدعوة إلى ~~تحكيم الشريعة تطرفا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخلا في شئون الآخرين، ~~واختلاط الرجل بالمرأة بلا قيود تحررا، وعودة المرأة المسلمة إلى الحجاب الشرعي رجعية، ~~والانتفاع بالتراث تعصبا له، واعتبار علماء الدين حراسا للتخلف، ودعاة التغريب ~~أعلاما للتنوير» (كتاب ملامح المجتمع المسلم، ص77). # وهذا كلام خلاصته إدانة للعلمانيين الوطنيين بالعمالة للأجنبي، بل إدانة لهم بحرية ~~الفسوق والكفر فهم ليسوا مرتدين فقط، ولا خونة فقط، بل هم لا يمارسون مبادئ الأخلاق ~~الكريمة، وهم عملاء ناشطون لأعداء الإسلام؛ ومن ثم وضع الشيخ نفسه وجماعته في موضع ~~القاضي، الذي يملك من النزاهة ما يجعله يحاكم الآخرين ويحكم عليه، وهو أمر لا تفصح سيرة ~~الشيخ عنه بالمرة وبالقطع واليقين المعلوم؛ فهو شخصية عامة تعرف الناس سيرتها، وهي سيرة ~~لا تضعه أبدا فوق المسلمين ليحاكم ويصدر أحكامه، ms025 هذا بينما العلمانيون يضعون هذا الشيخ ~~وأمثاله في أسوأ موضع من الدين ومن الناس، فأزعم محتملا وحدي مسئولية هذا الزعم حتى ~~أثبته في السطور التوالي أن هذا الرجل متاجر بدين الله ضد مصالح عباد الله، يفتي ~~بالمطلوب مأجورا في الدنيا وفراديسها وقصورها الغناء الفوارة، قبل الآخرة ~~ونعيمها. # واللهم نعم حسدا ونقا وقرا على الشيخ غير القابل للقر ولا للحسد ولا ~~للنق. # ويرى التيار العلماني أن التيار الذي يمثله هذا الشيخ كان نكبة على البلاد والعباد، ~~تحالف منذ صحوته مع كل الديكتاتوريات السياسية، وما خالف هذا التيار الحكومات أو تصارع ~~معها إلا على حجم الأنصبة المطلوب هبشها، وفي صياغة تقريرية فإن ما أرساه الشيخ هو ~~وجماعته في العقل المسلم كان تدميرا حقيقيا لهذا العقل، بتأكيده أن الله قد سبق ومنح ~~المسلمين كل العلوم، وكل القيم، وكل النظم، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وكل فلسفة ~~السياسة والمجتمع، كل هذا دفعة، وعلى يد رسول واحد، تحققت على يديه تمامية المعرفة في ~~أي شأن في شئون الكوكب الأرضي أو ما بعد الموت. # كل هذا طفح في شوارعنا شبابا، تخرجوا من الجامعات لا يؤمنون بالعلم كحل لمشكلات ~~الناس والوطن، شبابا إما جهلة جهلا حقيقيا، وإما لم يتعلموا علما حقيقيا بقدر ما ~~حفظوا شأنا لا علاقة لهم به، كانت كل مهمته أن يصل إلى النجاح الامتحان إن غشا أو ~~تدليسا أو حفظا ومصمتا لا يعني أي دلالة أو معنى، وغضت الحكومات البصر بالمرة عن ~~وسائل الحصول على شهادات ترضي غرور الذات، فوصل عدد الحاصلين على الدكتوراه في مصر إلى ~~أكثر من مثيله في أمريكا، لكنهم عندنا غثاء كزبد البحر أو هم كالعهن المنفوش ليس أكثر، ~~ربنا يقلل منهم لأنهم كالهم عالقلب، فلا قيمة عندنا للمعرفة ولا قدسية للعلماء وإنما ~~للمشايخ الدكاترة، فلا نسمع عن بحوث تطرح إلا حول الحجاب والنقاب وفلسطين والعراق ~~والحكام الطواغيت وأمريكا وإسرائيل والبوسنة وكشمير والشيشان، ولا قيمة للوقت الذي إن ~~لم تقطعه فرمك، ولا قيمة لقيمة القيم «العمل» التي إن لم تحترمها ms026 انتهيت إلى الحيوانية ~~فما يميز الإنسان عن الحيوان هو العمل المنتج. ثم على المستوى الأخلاقي يقرر المذهب ~~السني «لا يدخل ابن آدم الجنة بعمله» بل بأدائه أوامر ونواهي ربه، وبعد هذا يجب ألا ~~يكون شديد الاطمئنان، بل عليه أن يرجو رحمة الجبار المكار! # طفحت الصحوة لا بارك الله فيها (أم هي أيضا مقدسة لا يصح همزها أو لمزها؟!) طفحت في ~~شوارعنا شبابا كانوا حلم الوطن وأمله المرتجى، فهم كل ما كان يملك، فلا بترول لدينا ولا ~~معادن نفيسة ولا حتى سياحة بالمعنى السليم لعلم اقتصاد السياحة، كل ما لدينا كان ثروة ~~مصر من شبابها، فإذا بهم يسمرون الليالي حول العلم والإيمان والانقطاع في المساجد دون ~~المختبرات، تكاسلا وركونا لما بيدهم من كمال مطلق، ومع رؤيتهم كيف تجاوزهم الزمن ~~والواقع، يلومون الزمن ويكفرون الواقع، بينما الإحباط داخل النفوس يجعلها مشوهة ~~ممرورة كارهة حاقدة، فاقدة لأي أمل ممكن؛ لأن السعي والتفكير لن يأتينا بأي جديد زيادة ~~على ما بأيدينا سماويا كاملا بذاته، فلماذا يسعى شبابنا ولماذا ينتج دكاترتنا أي علم ~~نافع؟ # وبما أن الله يغفر الذنوب جميعا إلا أن يشرك به، فقد اتكل النصف الآخر على عدم شركهم ~~بالله ثم توكلوا على الله، وانغمسوا في كل الرذائل الممكنة، للغياب عن الواقع بكل ~~الوسائل مشروعة أو غير مشروعة. وتحول الشارع في البلاد الإسلامية إلى مملكة للشيطان ~~بدلا من الرحمن؛ فالمسلم كما يحرص على الصيام وأداء الصلاة في مواقيتها؛ فإنه أيضا ~~وبدون الشعور بأي خلل أخلاقي أو ديني يرتشي ويهرب بأموال الناس أو بأموال البنوك وهي ~~بدورها أموال الناس، ويستولي على أراضي الدولة ويغش في منتجه، ويخسر الميزان، ويعتدي ~~قولا أو عملا على غير المسلمين، ولا تأمن غير المحجبة من غير المسلمين على نفسها في ~~شوارع تمتلئ بالمآذن المفترض أنها رمز عفة اليد واللسان والفعل، وتغطي فضاءها ~~ميكروفونات تقصف الآذان بالوعظ والأمر بالأخلاق. ثم يحج البيت كل سنة ليعود كما ولدته ~~أمه ليرتكب آثاما من نوع جديد، حتى يحين موعد ولادته المتجددة كجلد الثعبان ms027 في السنة ~~المقبلة. # هناك حديث يتفق الرواة على صحته، وأراه أشد الأحاديث بطلانا، حتى إني أعتقد أن ~~الانهيار الأخلاقي الواضح في شارعنا الملتحي والمحجب، يعود إلى هذا الحديث بالذات، رواه ~~البخاري في كتاب الجنائز، قال: «حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا ابن ميمون حدثنا واصل ~~الأحدب عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«أتاني آت من ربي خبرني - أو قال بشرني - أنه من قال من أمتي لا أشرك بالله شيئا دخل ~~الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق، قال وإن زنى ~~وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق، قال وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر» (الحديث ~~1237). # لقد توافقت المجتمعات كلها، والبشرية جميعا، والأديان وثنية أو سماوية أو وضعية، على ~~أن فعل السرقة وفعل الزنا (ونفهمه وتفهمه الدنيا كلها بأنه اعتداء اغتصابي بالإرغام)، ~~هما من الأفعال الفاضحة والمشينة وضد أي أخلاق، وهي شئون لا تحتاج توجيها ولا تعليما كي ~~ندركها؛ لأنها تدرك بالحس الإنساني الخالص؛ لذلك كان الحس الإنساني وراء تكرار أبي ذر ~~لسؤاله المندهش المستنكر ثلاث مرات، تعبيرا عن عدم قبول روحه لفكرة أن يكون مصير ~~الزاني والسارق إلى الجنة بدلا من جهنم لمجرد إعلانه الشهادة الإسلامية. # والغريب أن هذا الحديث يعتبر عمدة الأحاديث المكررة التي يعمل بها المسلمون ومشايخهم، ~~ثم يحدثوننا عن القيم وعن الأخلاق؟! وهم يبررون السرقة والزنى مقابل الاعتراف للإله ~~بأنه إله! بل نسبة اللاأخلاق إلى النبي الذي لا ينطق عن الهوى والذي أدبه ربه فأحسن ~~تأديبه، فيكون الرب قد تغاضى عن قواعده الأخلاقية وغض البصر عن كسرها وأذاها لعبادة ~~الآخرين، مقابل أن يكسب مسلما جديدا يعلن الاعتراف به إلها. فأي مصيبة وصل إليها ~~المسلمون في دينهم؟ وأي حديث ينسبونه إلى المصطفى # صلى الله عليه وسلم # الذي وصفه ربي بأنه على خلق ~~عظيم؟ # لهذا يرى العلمانيون المؤمنون بالتواصل مع التراث أن القيم الوضعية الإنسانية التي ~~تعارف ms028 الناس عليها، وتوافقوا بشأنها في مجتمع بعينه في زمن بذاته، هي التي تكشف لنا ~~القيم الإلهية وتشرحها وتفسرها؛ لأن القيم الربانية جاءت مجملة بلا تفاصيل، ولم يفصل ~~الوحي بشأن تلك القيم حتى لا يلزم الناس بها دفعة واحدة، فتكون تكليفا يصعب على ~~المكلفين تحمله وأداؤه؛ لذلك جعل تلك القيم مخفية مثل بقية فروع العلوم والقواعد ~~المنهجية وغيرها من قوانين طبيعية، مع تضمنها ممكنات جهوزية دائمة لكشوف جديدة، ~~وبالمقابل ولكي نستحق خلافته على الأرض، منحنا العقل أمانة علينا أن نؤديها حتى نستحق ~~هذه الخلافة، بتفعيلها وتشغيلها للبحث عن مخفياته وألطافه على قدر جهد كل مجتمع وكل ~~جيل، فما نعثر عليه نلزم به أنفسنا، إضافة إلى ما نكشفه من أسرار علمه التي أودعها ~~كوننا، وتركها لنا نبحث فيها وننقب، إعمالا للبصر والسمع والعقل، وكله كان الإنسان عنه ~~مسئولا. # ترانا عندما يسألنا ربنا عما فعلنا بأمانته فبماذا سنجيب صاحب الملك الأوحد يوم ذاك؟ ~~ألا يخجل المسلمون من ربهم الذي وصفهم تجميلا لهم وتفخيما بخير أمة أخرجت للناس؟! ~~أعطانا ربنا أعظم أمانة، عقلنا الذي هو بضعة من عقله؛ لأن وظيفته هي التفكير، ولأنه هو ~~ما اصطلحت الأديان على تسميته بالروح؛ فهي المدركة، الروح هي وظيفة المخ، هي العقل. ~~وبها نستطيع أن نكتشف القيم وأسرار العلم، ونقوم باستثمار ما كشفناه واستغلاله لمصلحة ~~الناس في أي مكان؛ ومن ثم يكون أمام الأجيال آمال واسعة في الاجتهاد والسعي والحياة، ~~أما لو صدقنا جماعة قرضاوي وزغلول النجار ومصطفى محمود وغيرهم، وأن الله منحنا كل القيم ~~وكل العلوم دفعة واحدة، فلن يكون هناك أي معنى لإعمال ما أعطانا الله من أدوات معرفية ~~سمعا وبصرا ولمسا وشما وإدراكا وتعقلا وفهما وتدليلا واكتشافا واختراعا، ثم ~~إن القيم كي تكون قيما يجب أن تخضع للفرز والتجنيب والتمييز ثم الاختيار بالمفاضلة ~~بينها، حتى تختار هذه القيمة أو غيرها، أما الفروض الدينية فهي ما لا يدخل تحت مفهوم ~~القيم، خاصة أن القيم المفروضة لا تنتج إنسانا سويا. الملائكة فقط هم من يملكون ~~نمطا سلوكيا ms029 دون اختيار، وهو ليس قيمة، يصلون لربهم ليل نهار سجدا وركعا؛ ~~لأن الملائكة لم تعط الاختيار ونحن لسنا بملائكة. وهكذا خلقنا ربنا كي نختار لنتحمل ~~مسئولية اختيارنا كي تتم مشيئته، وهنا تظهر القيمة. # إن الاكتمال هو منطق وفلسفة ضد صيرورة الحياة وحركة التاريخ، إن الاعتقاد بالاكتمال ~~يعني أن هزيمة المسلمين التاريخية قد اكتملت حتى ملكت الأرواح والعقول فاستكانت ~~لمصيرها، وأصابتها الشيخوخة في مفاصلها العقلية والحسية، فدخلت طور الخرف والآلزهايمر، ~~إذ يطلب علماء دينها الموقرون العلاج ببول الرسول وبول الإبل والطب النبوي والعسل ~~والحجامة والحبة السوداء، ويشرعون رضاع الكبير ومفاخذة الرضيعة وهي العلامات الواضحات ~~على وجوب الإسراع بإدخال الأمة إلى غرفة العناية المركزة، أو انتظار ثواب الآخرة. أو ~~البحث عن علاج من نوع جديد حتى لو كان مرا علقما؛ فالمسألة أصبحت مسألة الاستمرار في ~~الوجود، أو الخروج منه غير مأسوف علينا. # إن ستر الله علومه وقيمه عنا، حكمة ربانية تليق بكماله؛ فهو الكمال الأوحد في ذاته ~~وحده لا شريك له ولا قرين ولا شبيه، حكمتها دفع كل جيل ليجتهد ويكشف جزءا من علم الله ~~وقيمه، تاركا للأجيال التالية مساحات واسعة لتضيف بكشوفها من علم الله معارف أرقى. ومن ~~المستحيل أن يكون الله ضد قانونه الأساسي في الكون، قانون التغير والتطور الدائب، الذي ~~هو القانون الأوحد الثابت دون أي قانون آخر، فكل قانون إلى تبدل وتغير عدا التطور ~~والتغير الذي هو القانون الأزلي الأبدي أبدا مطلقا لتحقيق الإرادة الإلهية على ~~الأرض وكي يستحق الإنسان الخلافة فيها عندما يراعي هذا القانون الرباني. # موجز الأمر من وجهة النظر العلمانية التي تحترم ~~التراث وتتفاعل معه، أن أي فلسفة هي بحاجة لعقل يجادلها ويسألها وينقدها ويفرزها، ويرد ~~عليها ويستبعد منها ويستبقي ويعلي ويخفض ويستخدم معاييره وفق قوانين العقل الصارم، ~~البارد، وهي القوانين الموزعة بعدالة تامة بين الناس كما قال لنا فيلسوف الشك ~~والعقلانية «ديكارت». # لهذا تتجدد الفلسفة غير المحروسة بالكهنة، غير المجمدة، غير المقيدة، وتتطور وتؤدي ~~إلى تطور مناهج العقل نفسه في الفرز والتمييز والاختيار، كما ms030 تؤدي إلى تطور منطق العقل ~~فتظهر نظريات وفلسفات جديدة. بينما وجهة نظر فقهاء الإسلام في بلادنا هي وجهة نظر ~~مقدسة، فإن كانت حديثا نبويا ولو موضوعا فهو مقدس لا يصح نقده والتعدي عليه، ~~لاحتمال ولو ضئيل أن تكون نسبته للنبي صحيحة. وإن كانت اجتهادا تحول المجتهد إلى ~~مقدس كالإمام أبي حامد الغزالي (حجة الإسلام) وألد ~~أعداء الفلسفة والعمل العقلي، بينما لم ينل لا الشاطبي ولا الجويني ولا الطوفي مثل هذا ~~اللقب، وإن كانت سعيا وراء جمع المقدس تقدس الجامع، كما في تقديس البخاري واعتبار ~~الفقهاء كتابه أصح كتاب على الأرض بعد القرآن. ومن هذه القداسة تمكنوا من استثمار ~~المقدس الرباني واستخدامه بانتهازية مفرطة، وأصبحوا هم من يفسر الحديث المقدس ليفسروا ~~به القرآن المقدس، وأصبحوا هم معيار قياس الأشياء جميعا، وليس القرآن؛ لأنهم يعلمون أن ~~أحكام القرآن نفسها لا تصلح معيارا لعموميتها وعدم تفصيلها، وأنها تحتاج إلى الشارح ~~المفسر طوال الوقت، فأصبح الرأي بديلا لدين الله، وكتاب الله، هذا ناهيك عما يترتب على ~~هذه المعايير المقدسة من إلغاء العمل العقلي والقضاء عليه مبرما؛ لأن القياس المنطقي ~~سيتم قياسا على ما قال الرب أو قال النبي، أو ما قال الصحابة، أو ما قال ~~الفقهاء. # إن اللجوء إلى المقدس هو نوع من الحصول على الحصانة مصحوبة بالأمر الفوري بالالتزام ~~والتقيد والتنفيذ لأن الآمر سيكون الله بنفسه، هذا بينما كلام الله الذي يقولون إنه ~~المعيار، هم من يقولون أيضا إنه بحاجة إليهم لتفسيره؛ فهو لا يكتمل إلا بهم، ومن ثم ~~يتقدس المفسر لقدسية ما يفسره. البخاري مثلا أصبح مقدسا لأنه فسر القرآن بالحديث. ~~أصبح الفقيه كما رأيتم عند قرضاوي هو من يعلن الرضا أو النفي والطرد والتكفير الديني ~~والتخوين الوطني، هو من يعطي كلامنا تصريحا بالمرور من عدمه. هو من يعطي أي كلام ال # O.K ~~، مولاهم واخدها مقاولة حفر وردم ~~لوحده. # ومع هذا الحديث حديث آخر يحرض على الرذيلة تحريضا، يقول: «إذا بليتم فاستتروا»، ~~فمن أراد ارتكاب الجريمة عليه فقط ألا يعلنها على ملأ ms031 حتى لا تفشو الرذيلة في المجتمع، ~~حسب تفسير فقهنا لهذا الحديث؛ أي حتى لا يعتاد الناس الرذيلة لتكرارها العلني، وحفاظا ~~على الشكل الفاضل دون المحتوى الفاسد، يعني سلامة المجتمع تتأتى بستر المؤمنين بعضهم ~~بعضا، «من ستر مسلما في الدنيا ستره الله في الآخرة»، ليس المهم هو الفعل الأخلاقي من ~~عدمه، المهم الشكل العام للمجتمع الذي يجب أن يتصف بكل الفضائل ليكون خير أمة أخرجت ~~للناس. فكانت النتيجة تفشي الرذائل في نخاع المجتمع دون إعلانها، إلا مع سيئ الحظ الذي ~~قد ينكشف فيرجمه الجميع بأحجار ذنوبهم. # إن فلسفة الأخلاق القائمة على مبدأ «إذا بليتم فاستتروا»، هي فلسفة النمر وقاطع ~~الطريق، هي فلسفة لا علاقة لها بأي أخلاق، وأربأ بسيدي المصطفى # صلى الله عليه وسلم # الذي أدبه ربه ~~فأحسن تأديبه، أن يكون هذا قوله. # الشيخ والغوغاء؟! # من نافلة القول إن المثقف غير المؤدلج دينيا أو عنصريا أو طائفيا، هو اليوم ~~أتعس الناس في مجتمع دول العالم الثالث، التي أصبح اسمها مع ازدياد التدهور والتدني، ~~دول العالم المتخلف؛ لأن الخريطة اختلفت فلم يعد هناك اتحاد سوفييتي كعالم ثان؛ لأن ~~بلادا كالهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها قد ارتقت مكانها بين دول العالم ~~الأول، ولم يعد لدينا سوى عالمين: العالم الحر المتقدم، والعالم الديكتاتوري المتخلف. ~~والاختلاف بين العالمين لا علاقة له بالمكان بقدر علاقته بالزمان؛ فالعالم المتقدم يعيش ~~زمنا يختلف بالكلية في المفاهيم ومناهج التفكير والقوانين والسياسة والعادات والتقاليد ~~وباقي نظم المجتمع، عن العالم المتخلف الذي ما زال يعيش زمنا مضى بكل نظمه السياسية ~~والاقتصادية والاجتماعية. # والسر في تعاسة المثقف الحر من الأيديولوجيا، أنه الوحيد القادر على إدراك حقيقة ما ~~يعانيه مجتمعه من تخلف؛ لأن بقية وسائل الإعلام والتعليم والتديين تجمع على أنه ليس في ~~الإمكان أبدع مما كان، ورجل الدين لا يرى في مجتمع المتقدمين أي تقدم، ويمتدح أوضاعنا ~~الحالية في بلادنا ويراه التقدم الحقيقي، بدليل انتشار الحجاب والنقاب واللحية والزي ~~الباكستاني، يمتدح العودة إلى التفكير حسب زمن القرن السابع الميلادي، حيث خير ms032 القرون، ~~بل إن أهل البلاد المتقدمة يعضون علينا الأنامل من الغيظ لما حبانا الله به من عزة ~~وكرامة بالإسلام. وما نراه على المتقدمين وما يصلنا من علمهم وابتكارهم وعلاجاتهم ~~ووسائل رفاهيتهم هو كله تقدم زائف أدى إلى تخلف المجتمع بدلا من تقدمه، فتحلل المجتمع ~~وتفككت الأسرة وانتشر الفجور وعمت الرذيلة وضاعت الأخلاق وانحطت القيم، فأهل الغرب ~~المتقدم بكل علومهم وفنونهم ونجاحاتهم هم في الحضيض بين المجتمعات، أما نحن فأهل القمة، ~~بل نجلس فوق القمة، وهي القمة التي يراها المثقف الحر رأس خازوق عظيم. # ولك هنا أن تعجب من بجاحة هذا المنهج العليل في التفكير وصوته العالي في الشأن القيمي ~~والأخلاقي، بينما لديه زنا شرعي بألوان زواج لا تشكل أسرة، ولديه اغتصاب شرعي لركوب ~~ملك اليمين والإماء والزوجة الطفلة، ولديه الجنة وإن زنى وإن سرق، وله ارتكاب كل ~~المعاصي بشرط غسلها بالحج أو بالتوبة أو باحتمال بعض العذاب الأخروي الذي سيدخل بعده ~~الجنة حتما، فقط لأنه شهد للإله بأنه الإله وأن محمدا نبيه ورسوله، وهو كله ما لا ~~علاقة له بقيم، أو بأخلاق. # ومع انتشار أجهزة الإعلام الحديثة، وعدم الرغبة في تحصيل المعرفة من مصادرها السليمة ~~لأنها لا لزوم لها، فلدينا القرآن وبعده البخاري، أصح كتابين على الأرض وكفى، تراجعت ~~عادة القراءة في بلادنا وتقزمت، فذبل العقل وعطبت وظيفة التفكير، وهذه الأدوات ~~الإعلامية المتقدمة التي صنعها أهلها لمزيد من التثقيف والتعليم، نستخدمها في بلادنا ~~لتكريس منهج التلقين الجاهز للمحفوظات لوقف استخدام العقل، فكان أن تزايد عدد مثقفي ~~التلقي والمحفوظات لتصبح طبقة الغوغاء والدهماء هي الأكثر عددا وحضورا، وهم ليسوا في ~~حاجة إلى معرفة، ومع تخلي العقل عن وظيفته تحولوا إلى بسطاء في الطاقة العقلية ~~والاستيعابية للمعارف، حتى إنهم ينفرون حتى من التلقي التلفازي ويعزفون عن متابعة ~~المشاهدة إذا كان المطروح عليهم بحاجة للتركيز والفهم والمتابعة الدقيقة، ومما ساعد على ~~تلك الكبوة النكراء لمجتمعاتنا خاصة المصري الذي أعرفه، هو الانهيار الاقتصادي الناتج ~~بالضرورة عن سوء السياسات؛ مما أدى لانهيار مماثل في أسلوب ms033 التعليم، مع التكاثر الأرنبي ~~الذي عمل عليه المشايخ بالقرآن والحديث ليفاخر بنا نبينا الأمم، وتقدم علوم الطب التي ~~أدت لتراجع نسب وفيات الأطفال، فلم تعد المدرسة تتسع لهم، فكان أن تم وضع ثلاث وجبات ~~طلابية لمدارس ثلاث على التتابع في مبنى مدرسي واحد، في عملية سلق سريع اختفى معها ~~المختبر والتجربة والعمل الذهني، لما يضيعه من وقت غير متوافر، واختفت معه كل المنافسات ~~الرياضية بين فرق الطلاب، وكذلك الهوايات كالمسرح المدرسي الذي نشأنا على ضرورته على ~~الأقل للاحتفال بالتفوق في نهاية العام بحفل غنائي، وغاب الغناء المحرم وغابت معه ~~الموسيقى وكل الفنون بأخلاقياتها وقيمها وقدرتها على تهذيب الروح والسمو بالقيم، وتحول ~~التعليم إلى محفوظات سريعة، فلا وقت للشرح؛ مما قضى قضاء مبرما على ملكتي التفكير ~~والابتكار، ليخرج هؤلاء من المدارس أسوأ خلقا وأقل معرفة ممن علمتهم الحياة عبر الصواب ~~والخطأ، من الأميين الذين نجد بينهم حكماء، لا نجدهم أبدا بين خريجي مدارسنا أو أزهرنا ~~المبارك. # وهؤلاء الغوغاء هم صفوة جمهور مشايخ الإسلام اليوم، وعندما يستثمر رجال الدين هذه ~~الحالة لتكريسها من أجل سيادتهم على هذا الشارع الجهول والتكسب على حساب جهالته؛ فإنهم ~~يرتكبون أسوأ ألوان الشرور طرا. # فجعلوا من الدين مصدر كل معرفة أو ثقافة، والدين طاعة لا مناقشة فيه؛ ومن ثم تم وأد ~~ملكة النقد، وتراجع القياس والتقدير لغياب المفاضلة، حتى المشايخ أخضعوا أنفسهم لذات ~~المنظومة والفكرة، فمع ظهور قضايا جديدة لم يعرفها الدين ولم يسبق أن وجد مثيل لها وما ~~كانت متوقعة، يقدم رجال الدين تأويلهم للدين أو للقضية، ليعيد تشكيل المشهد الجديد ~~ليظهر شبيها بالمحفوظات عن الأسلاف، فليس للعقل أن يبحث إلا في المدونات الإسلامية حيث ~~كل الحلول والإجابة عن كل سؤال، وليس للعقل أن يضع من عنده شيئا؛ لأنه سيكون وضعيا، ~~والوضعي فساد ومروق واتهام مباشر للمدونات التراثية ومحفوظاتها بالقصور وأنها لم تعد ~~مقبولة عقلا؛ لأن التفكير والمفاضلة والنقد والتقدير والتمييز بين حلول كثيرة، سيدخل ~~الدين تحت هذه الأدوات الثقافية مما ينزع عنه القداسة المصمتة، حيث ms034 سيتم إبداء الرأي في ~~أحد مكوناته. # لذلك يحاربون الجديد حتى لو كان علما ضروريا لا بد من تقبله، لأننا إن قبلناه ~~فالمعنى أن نترك التفسير الديني له ونستغني عن هذه الأواني الحافظة ومحفوظاتها. # وتكون النتيجة خروج السيادة المجتمعية والرفاه والسلطان على الناس من أيدي الشيخ إلى ~~العقل ومنهج التفكير العلمي؛ لذلك يتم طرد داروين وتسفيه فرويد والسخرية من الحلول ~~العلمية. ولأن المجتمع قد تم ترحيل معظمه إلى طائفة الغوغاء بمن فيهم أساتذة جامعات ~~وإعلاميون تحولوا إلى مشايخ للغوغاء، فإن الناس لا تقرر ولا تفكر ولا تجيب ولا تقدم ~~حلولا، ويبقى الدور كله بيد رجل الدين الذي سيختار كل الإجابات التي اجتهد عليها السلف ~~لهم من متعدد من ذات المحفوظات، حيث كل الاجتهاد حتى إنهم لم يتركوا شيئا للسلف ~~ليبحثوا فيه، في أساطير تسمى علوما كعلوم الفقه وكتب الفتاوي والموقعين عن رب ~~العالمين. # إن المتابع لطبقة أدعياء المشيخة والدعاة على القنوات الأرضية والفضائية، سيلحظ بغير ~~مشقة أن هدف هؤلاء ليس الارتقاء بمجتمعهم بل السيطرة على غوغائه، وتحويل الغوغاء إلى ~~طاقة قوة حاضرة في المجتمع يحتسب لها حساب، فيجعلهم أصحاب يد طولى، تجد منهم صحفيين ~~وإذاعيين وإعلاميين يتقاضون أعلى الرواتب وهم مجرد غوغاء. وذلك ليتم توظيفهم سياسيا ~~عند الطلب، ومثل هؤلاء هم مشكلة حقيقية لأنهم لا يعلمون أنهم غوغاء. # ويميل الغوغاء إلى تقدير القوة العضلية وتوظيف قدرتهم البدنية التي تجلب لهم الفخر ~~أكثر من أي قدرات عقلية لا يؤمنون بجدواها، ويعتمدون في حل مشاكلهم على مشايخهم ~~وفتاواهم لاعتقادهم بأن أي معرفة قاصرة على هؤلاء؛ لذلك أطلقوا على المشايخ لقب ~~«العلماء» لامتلاكهم أصح العلوم وهي علوم الدين الحاوية لكل المعارف، ويقنع الغوغاء ~~بهذه المرجعية ويطلقون لأنفسهم غرائزهم بعد أن يردد أحدهم لزميله «حطها في رقبة عالم، ~~تطلع سالم»، وبالتالي التنصل التام من المسئولية عن سلوكهم في المجتمع، فيعيشون سعداء ~~بدون تفكير ولا مسئولية ويسعدون ويحبون الشيخ لأنه يحترم تفكيرهم البسيط ولا يعيبه ~~عليهم ولا يكلفهم جهدا عقليا، بل هو يغذي حبهم للخرافة والأسطورة ms035 والمعجزة ~~والبطولات، وتسمع تهليلات الحمد والتكبير عند الحديث عن شيء معجز أو بطولة عضلية ~~إسلامية، يحبون الإبهار وتعطيهم معجزة الانتصار في القصص التاريخية على أعداء الدين ~~إحساسا بالمتعة، وأنهم منصورون كما انتصر السلف وهم قلة أذلة بالتدخل الإعجازي، مضافا ~~إلى هذا زخم المشهد الروحي داخل المسجد وصوت آمين الموحد والصفوف المرصوصة بعبادة ~~طقوسية ميسرة ومفهومة؛ لذلك يتماهى الغوغائي بالمقدس والنبي وبالرب وبالقعقاع ومحمد بن ~~القاسم، ويثور لأي حديث لا يعجبه بشأن مقدسه لأنه يشكل اعتداء شخصيا عليه، ولا ~~يدرك أن تحركه العنيف لحماية مقدسه إنما يعني عجز هذا المقدس عن حماية نفسه. # وهكذا فإن الغوغاء قوة لا يستهان بها، فهم يتميزون بالإمكانات العضلية وضمور ~~الإمكانات العقلية، فتقوى قدرتهم على إحداث الشغب والقلاقل المجتمعية، بأساليب تخلو من ~~الحياء والخجل، ويميلون إلى حياة الفوضى بما يملكون من غرائز غير محكومة بقيم الضمير ~~السليم، فينفعلون بشدة لأي فعل. ومن هنا يقدرون من يقدرهم، ويقدر ممكناتهم البدائية ~~فيقدمونه ويرفعونه ليمهد لهم طريق الجنة، ويعوضهم عن شقاء دنياهم، فتتم للشيخ السيطرة ~~على أفعالهم باحتلاله مكان العقل لديهم، ويدفع أكثر نحو تعجيزهم حتى يعجزوا عن اتخاذ أي ~~قرار من تلقاء أنفسهم لأن السيئة من أنفسنا والحسنة من الله ورجاله في الأرض، فيرجعون ~~للشيخ في كل كبيرة وصغيرة وفي كل تافه ضئيل لا يحتاج جهدا عقليا، ويطلبون النصح ~~والإرشاد في التوافه الهينات مع ضمور ملكة التفكير وموت العقل، ذلك الموت الذي يصرخ ~~بالجريمة الكاملة لمشايخنا من أجل حبهم للدنيا وليس للناس وليس للدين. # وعملا بمبدأ «رغبة الجمهور»، قام المشايخ يختصرون الدين في مجموعة طقوس وأدعية ~~جاهزة، تؤدي كل المطاليب، جالبة للخير ومساندة للرب، ساعية بالبركة تسأل الله أن يتولى ~~شئون هؤلاء التعساء بنفسه ليفعل المطلوب بدلا منهم، فيهزم لهم الأعداء ويدك لهم الحصون ~~وينهب لهم ثرواتهم ويمكنهم من عيالهم ونسائهم ويصيبهم بالطواعين والمهلكات. مع مجموعة ~~أدعية لا تكلف مشقة غير حفظها وترديد المناسب منها عند الحاجة، فمنها ما يبعد الشرور، ~~ومنها ما يقي من العين الحاسدة، ومنها ms036 ما يبعد الفقر والمرض دون أي عناء أو جهد من ~~المؤمنين للتفكير في حل مشاكلهم بأنفسهم. هذا إضافة إلى وضع القواعد التي تنشئ تواصلهم ~~مع ربهم ليتفهمهم ويستجيب لمطالبهم، فيسير المؤمن الغوغائي وفق جدول محكوم كالروبوت ~~الآلي، يخضع لأوامر تسيره فيما يلبس أو على أي جنب ينام وماذا يقول عندما يتثاءب أو ~~يعطس (يسمونه تشميت العاطس)، وبماذا يرد عليه من حوله، وكيف يبول أو يشرب وماذا يقول ~~بعد ذلك من حمد، وكيف يتغوط أو يأكل أو ينكح أو ينكح، فكلها علامات تأكيدية كلما زادت ~~وحرص عليها المؤمن أعطى ربه الفرصة لتمييزه وفرزه عن بقية خلقه، هي علامات لتمكين الرب ~~من تمييز عباده الصالحين عن غيرهم من غير الصالحين. # ومع انتشار الفضائيات ووسائل الإعلام بدأت المنافسة بين المشايخ وبعضهم؛ لذلك يسعى كل ~~منهم إلى تقديم أجود ما عنده لمتطلبات السوق؛ ومن ثم يتم إخضاع الدين لآليات الاقتصاد ~~السوقي حسب قانون العرض والطلب، لنيل إعجاب المستهلكين، فينحدر الخطاب الديني إلى مستوى ~~شعبولا ومغني الخضروات والحمير، إلى مستوى غوغاء الشعب الدهماء من أصحاب الذوق المتدني ~~غير الرهيف وغير الرفيع، يستهويهم الخبط والرقع والصوت العالي والخرافة والأسطورة، ~~فيهبط الشيخ بالدين من مكانه السامي إلى مستوى طلب المستهلك، ليرضيهم بمنتجه سعيا ~~لمزيد من الانتشار والانتصار في المنافسة. يهبط بالدين إلى مستوى ذوق العوام بمحسنات ~~تعجبهم، بينما هي تشينه وتشوهه؛ لأن الإسلام بصورته البكر على وفاق مع زمنه ومجتمعه، ~~ولم يكن بحاجة لدعاة ومغيثين وتزويق ومحسنات لونية، وعندما يصبح هدف الدعاة هو الحشد ~~العددي للأتباع، فقل على الدين والدنيا السلام؛ لأن هذا الحشد جاء على حساب سمو الدعوة، ~~وتسطيح الإسلام واختصاره في شعارات سهلة الحفظ والفهم لا تحتاج جهدا عقليا لمحاورتها ~~أو مناقشتها أو التأكد من مدى صحتها. # وهكذا تجد الشيخ لا يستحيي أن يتحدث عن نفسه كنجم محسود (مثل الشيخ خالد عبد الله نجم ~~قناة الناس)، رجل الدين صار يسعى ليصبح نجما فنيا إزاء منافسة شديدة من فنانين ~~آخرين، لذلك يبذل كل جهده ليستهوي الجمهور، ms037 بزي مميز، وبأسلوب خطابة رنان مسجوع، بطريقة ~~في الإلقاء تقطع وتصل وتصمت وتصرخ وتجأر وتبكي وتسخر في تمثيلية محسنة الترتيب، وبجرأة ~~من يملك وحده المعرفة المطلقة والنهائية الصحيحة، والتي يجهلها الجميع، ويجيب عن أي ~~سؤال، ويشرح كل غامض. # ويعزز الدور الفني للشيخ توزيع الإضاءة في الاستوديو والديكورات الفخمة والمؤثرات ~~التصويرية والصوتية الملائمة لطبيعة الموقف شاعريا أم حزينا؛ فالخطاب عن الجنة له ~~إخراج؛ فالخطاب عن النار له إخراج، وكلما انتشر اسم الشيخ زاد توزيع مطبوعاته وإيراداته ~~وتهافتت عليه الفضائيات بعظيم رزقها وأبهتها وجاءته الهدايا والنفحات من كل صوب، في ~~مقابل تحويل إسلامنا إلى سلعة شعبية كالأغاني الشعبية المتدنية والهابطة، وليته كان ~~شعبيا كما كان «مصريا» بأوليائه الصالحين وموالدهم وكرنفالاتهم، فقد اختفى التدين ~~الشعبي المصري الحقيقي أمام مسخ شائه حرم كل العلوم والفنون ليبقى هو العارف الوحيد ~~والعازف الوحيد. # الجزء الأول # | الدولة الإسلامية ومتابعات جديدة # الفصل الأول # | هلوسات صحوة الموت: فقه النصر والتمكين # بعد أن يشرح لنا الدكتور محمد عمارة منهج الوسطية الذي هو منهج الإسلام الصحيح، يوضح ~~معنى مصطلح «الاستعلاء»، بكونه لونا من «الكبرياء المشروع فنعتز بحضارتنا وبديننا ~~وبلغتنا وبأمتنا وبثقافتنا وبكبريائنا» (الجزيرة، خطاب الهوية). # المهم أن هذا الاستعلاء بما لدينا من مبررات الكبرياء على العالمين، يصيب صاحبه ~~بالأوهام ولا يعود يفرق بين الممكن والمستحيل، ففقهاؤنا المحدثون يرون أن المسلمين في ~~طريقهم نحو التمكين، وأن لهذا التمكين علامات، فيقول الدكتور علي الصلابي: «إن القول ~~بأن الأمة دمرت أو أنها مهزومة، فهو قول غير صحيح؛ لأن الأمة تحقق انتصارات، وهذا من ~~فضل الله سبحانه وتعالى، إن المستقبل لهذا الدين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره» ~~(الجزيرة، فقه النصر والتمكين). # ومن ثم يقدم أدلته على الانتصارات التي تحققت للأمة الإسلامية ولدين الإسلام، فيشير ~~إلى: «الانهيار الضخم للاتحاد السوفييتي، وانهيار أمريكا؟! (ربما يقصد ورطتها في العراق ~~أو ربما يقصد دمار سبتمبر 2001م)، وأوروبا في دور التراجع في المجال الفكري والعقائدي ~~والأخلاقي والحضاري، روسيا تريد أن تفتح مصارف إسلامية وكذلك اليابان، أصبحت حقيقة أن ~~الفكر ms038 الإسلامي الاقتصادي يحل أزمات حقيقية، وأيضا في المشاركة في الحكم مع الأنظمة ~~القائمة، أصبحت مرجعية الدساتير لكتاب الله ولسنة رسوله، الشعب التركي أعطاهم الأصوات، ~~نجاح المسلمين في مقاومة المشاريع الغازية للأمة دليل على أنها نوع من التمكين، ~~الانتصارات الدعوية الضخمة، في مجال الفكر والأخلاق، انتصارهم في المعارك، بأفغانستان، ~~وتفتت قبلها الاستعمار الحديث ، إن هذه انتصارات ضخمة وهائلة» (الحلقة ذاتها). # وفى حلقة الصحوة الإسلامية ومآلاتها في القناة ذاتها، يؤكد الدكتور قرضاوي أن الصحوة ~~الإسلامية هي دليل الانتصار؛ لأنها كما يقول: «صحوة اجتماعية سياسية فكرية، الكتاب ~~الإسلامي أصبح الكتاب الأول، هناك مئات أطروحات الماجستير والدكتوراه، الشابات يقبلن ~~على الحجاب.» # إن خطاب فقهائنا المحدثين يصيب المتابع بالارتباك، فنحن نستعلي إذن على الدنيا بدين ~~جاء من عند الله وليس بشيء أنجزناه نحن بأيدينا؛ لذلك اخترنا أنفسنا أوصياء على البشرية ~~القاصرة، لتبليغها هذا الدين والتمكين للمسلمين في الأرض! لماذا وبأي مناسبة وبأي دليل ~~موضوعي؟ هم لا يقولون ولا يجيبون، فعندهم ليس هناك إمكانية مقارنة بين إمكانيات الشعوب ~~ومنجزاتها وبين دين الله؛ فالدين الإسلامي ميزة لأصحابه تغنيهم عن أي إمكانيات أخرى، ~~لذلك هم الأعلون. # فإذا كان ذلك صحيحا وأن الأمة تملك ميزة لا تملكها الأمم الأخرى، فلماذا تخرج ~~المظاهرات في بلادنا تطالب بحقوق الإنسان والديمقراطية، ولا تخرج المظاهرات في أوروبا ~~وأمريكا واليابان تطالب بالبيعة أو الشورى والحجاب والجهاد؟ # مشكلة أخرى تواجهك مع مثل هذا الخطاب، عند التساؤل عمن سيتمكن؟ مرة يحدثك عن الأمة ~~ومرة يحدثك عن الدين، فإذا كانت الأمة هي من سيتمكن فهي تتكون من مجموع أفراد، فأين ~~هؤلاء الأفراد أو حقوقهم في خطاب التمكين؟ لا تجدهم هما شاغلا بالمرة؛ لأن الورقة ~~المخفية في اللعبة هي من هؤلاء المرشحين للتمكين؟ يجيب: هم من يشاركون الآن في أنظمة ~~الحكم بانتصارات جبارة، وهم من أعطاهم الشعب التركي أصواته؛ فالذين سيتمكنون هم مثل ~~الإخوان المسلمين الذين تمكنوا من المشاركة في حكومات عربية، وحزب العدالة والتنمية ~~الإسلامي التركي، وأيضا من الذين يتمكنون، هؤلاء الذين يقاومون كما يحدث في ~~أفغانستان؟! ms039 # من يوم ما أمسكت القلم أكتب وأكرر وأقول وأزيد «كلهم واحد»، ولا أذن تسمع ولا بصيرة ~~ترى، هذا رجل في فلتة لسانية يرى الإخوان وحزب الفضيلة وبن لادن والزرقاويين هم من ~~يسعون للتمكين، وهم أهل التمكين، دون بقية المسلمين، ودون أن يفرق بينهم أو يمايز أو ~~يفاضل، وأن المستقبل لهم، بعد أن يمزج بينهم كبني آدمين بصوابهم ونقائصهم وبين الدين ~~الكامل النظيف؛ فالعلماء هم الإسلام، لينتهي إلى أن هؤلاء هم من سيمكنون للدين عندما ~~ينتصرون. وهكذا فالطريق إلى الله سيمر عبر حروب دموية جديدة. # وكم كنا نتمنى للفكر الفقهي المعاصر أن يكون قد تجاوز هذه العثرة، عثرة أن يكون ~~الطريق إلى الله مفروشا بدم خلق الله، كما الزرقاوي وكما بن لادن وكما بن السباعي سفيه ~~لندن، وكما بن القرضاوي وكما بن عاكف، وكما بن هويدي، كلهم في الدموية ملة واحدة. أضف ~~لذلك أنهم يتجملون بوصول حزب إسلامي إلى السلطة في تركيا مجرد تجمل؛ لأنهم يرفضون ~~المنهج العلماني الليبرالي الديمقراطي برمته، ويعلنون تبني الديمقراطية كمجرد واجهة ~~وتطبيقا لمنهج التقية، انظر مفاجأة المذيع للدكتور الصلابي وهو يسأله: «إذن أنتم ~~تعتبرون حزب العدالة والتنمية نموذجا إسلاميا صالحا ليسير بالأمة نحو النصر ~~والتمكين؟» # السؤال جاء بغتة، فانظر إجابة الصلابي الذي ارتبكت صلابته فقام يغمغم بالنص: «لأ هوه ~~... نحن نعتبر ... هوه ... طبعا نعتبر ... أن ... هم لهم علاقات بأمريكا واعترفوا بإسرائيل، هذا ~~نوع من السياسة الشرعية عليها جدل بين المسلمين ونحن يهمنا المضمون لا ~~الشعارات.» # التمكين إذن لن يكون لا للإسلام ولا للأمة الإسلامية، إنما للفريق الإسلامي الذي ~~سيركب الأمة ليوجهها نحو حرب عالمية مقبلة يجهز لها أصحاب التمكين، ستكون بين المسلمين ~~في جانب والعالم كله في جانب آخر، اسمع السيد الدكتور يشرح معنى التمكين فيقول: ~~«التمكين الذي ندعو إليه هو التمكين الرباني، وما نراه من تمكين مادي في الحضارة ~~الغربية أو الأمريكية أو في اليابان فهو دنيوي يعزل الناس، التمكين يبدأ بالاستدراج، ~~استدراج الأمم والشعوب ... التمكين هو الوصول إلى السلطة وإلى القوة والهيمنة لتحكيم شرع ms040 ~~الله ... والهدف الأكبر ... هو هيمنة هذه الأمة وإرجاع دورها الحضاري في هداية الناس ... ~~الهدف الوصول للدولة لاستخدام هذه الدولة في تطبيق شرع الله.» # مرة أخرى لا تجد في واجهة الصورة أي وجود للمواطن، لا تجد فاعلا سوى رجل الدين، ~~فالتمكين مسألة تحتاج كما يقول: «إلى العلماء لإتمام صياغة هذا المشروع الإسلامي ~~الحضاري للتصدي للغزو الغربي وأفكاره الدخيلة.» وهو ما يدعمه فيه بشدة المرجع الفقهي د. ~~يوسف قرضاوي، وإن رأى أن «العلماء التقاة هم من يعرض المشروع على الأمة» (حلقة الدستور ~~ومرجعية التشريع، الجزيرة). وبعدها كما يقول الصلابي: «يأتي دور صاحب القرار السياسي مع ~~العلماء الربانيين في بلورة هذا المشروع.» ولا تفهم هنا كيف تكون الأمة منتصرة كل هذه ~~الانتصارات التي يزهو بها، بينما هي قد بلغت درجة من الضعف تعرضت فيه ثقافتها للهزال ~~والتآكل، حتى أمكن أن تتعرض للغزو الغربي الحضاري وأفكاره الدخيلة، حتى إن التمكين يبدأ ~~أولا بصياغة مشروع ليتصدى للغزو الفكري. # نتابع فضيلته وهو يشرح معنى التمكين، فيكرر: «هو نوع من أنواع الاستدراج: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء ~~، وأمريكا الآن متورطة في العراق، ونحن نحيي المقاومة ~~العراقية السنية الباسلة على إفساد مخططاتهم.» # مع مشايخ زماننا تجد نفسك دوما في مشكلة مع المفاهيم، فلا تفهم لماذا لا يؤهلون ~~شعوبنا للصراع الحضاري؟ فنكون شعوبا فاعلة منتجة تدخل المنافسة مع الشعوب الأخرى، ~~فنضيف للحضارة، وتصبح بلادنا موجودة على الخريطة فعلا! لا تفهم لماذا كي يتقدم ~~المسلمون لا بد أن يتم خراب بيوت غيرهم وانهيار حضارتهم أولا، وبعدها يبدأ غزونا لهم ~~لنتمكن في الأرض، فهذا هو درس التاريخ، انظره يقول: «بالدماء وبالعقيدة الصحيحة وبحب ~~الشهادة في سبيل الله، استطاع المسلمون أن يحققوا انتصارات هائلة.» # والتمكين المنتظر ليس فوضى، إنما هو يسير على قانون تطوري مرسوم سلفا، ويشرح الأستاذ ~~الدكتور هذه المراحل فيقول: «في القرآن الكريم التمكين على مستوى الأفراد مثل ما حدث ~~ليوسف، ثم تمكين على مستوى الجماعات، كما حدث لرسول الله، المرحلة الثالثة مرحلة ~~الانتقال في ms041 التيه (تيه بني إسرائيل وموسى في سيناء)، والمرحلة الرابعة طالوت مع جالوت، ~~والمرحلة الخامسة مرحلة داود وبعدها مرحلة سليمان، هذه هي دورتنا الحضارية، ولكل مرحلة ~~سمات محددة.» # إذن فحضارتنا لها دورة، مش أي كلام يعني! مثل دورة حياة دودة القز، وتبدأ دورة ~~التمكين بالتسلل إلى الحكومة كما حدث ليوسف في استدراج فرعون ليعرف بقدراته فتمكن، (وهو ~~ما يشبه ما حدث من الإخوان في اختراق أجهزة الدولة الحساسة في أيامنا)، وقد يكون ~~التمكين كاملا على الجماعة الكبرى، من قبل مجموعة منها، وقد عرفنا هذه الجماعة المرشحة ~~للاستيلاء على الحكم، فهم مثل الإخوان ومثل القاعدة ومثل طالبان، وذلك كما حدث زمن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~. ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة التيه وهي التي نعيشها اليوم، والتيه ~~يعني البحث عن خلاص والعثور على الطريق نحو الهدف، مثل خروج بني إسرائيل بقيادة موسى من ~~مصر نحو فلسطين، والتيه حدث في سيناء حتى تم حشد القوة والقدرة الممكنة لغزو فلسطين ~~واحتلالها. إذن نحن في مرحلة حشد القوة للغزو الخارجي، هنا تأتي مرحلة طالوت وجالوت، ~~وطالوت بالتوراة هو شاءول أول ملك لإسرائيل، وجالوت هو جوليات بالتوراة الذي كان قائدا ~~فلسطينيا يدافع عن فلسطين ضد الغزو اليهودي، وقد انتصر طالوت الإسرائيلي على جالوت ~~الفلسطيني بعد قتال مرير، والمعنى أنه ستكون هناك حرب ضرورية حسب هذه المراحل التطورية ~~لينتصر فيها المسلمون مع طالوت على اليهود الذين أصبحوا حسب هذا الفهم مع جالوت، ~~(بالطبع بعد إجراء عملية أسلمة لطالوت كما تمت أسلمة جميع الأنبياء قبله وبعده.) # وإذا ما تساءلنا عن موقع معاهدات السلام بين العرب وإسرائيل من دورتنا الحضارية ~~ومراحلها نحو التمكين، فإن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق يجيبنا في كتابه: «حكم ~~معاهدات الصلح والسلام مع اليهود وموقف المسلم منها» بقوله: «اليهود أعداء دائمون لهذه ~~الأمة منذ بدأ رسول الله رسالته وإلى أن يخرج الدجال، إلى أن يستصرخ الحجر والشجر ~~المسلم قائلا: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله «متفق عليه»، وعداء اليهود لأهل الإسلام ~~ورسوله ms042 إنما كان حسدا وبغيا أن تنتقل رسالة النبوة من فرع إسحاق إلى فرع إسماعيل، وأن ~~يكون العرب الأميون هم سادة الدنيا بكتاب الله، ومن ظن أن الحرب والعداوة توضع بين ~~المسلمين واليهود فهو يكذب بوعد الله ودينه، ومن عمل لإزالة هذه العداوة والبغضاء بين ~~المسلمين واليهود فهو كافر.» # وبعد الانتصار الساحق، ومن فلسطين المحررة والموحدة على يد داود (رمزا للمؤمنين)، ~~ستبدأ المرحلة الأخيرة من التمكين وهي مرحلة سليمان، فبعد شاءول أو طالوت كملك أول ~~لإسرائيل، جاءت مرحلة الملك داود الذي وحد الدولة وأقام لها المركزية، كذلك يعتبر داود ~~المؤسس المعتبر للمملكة الإسرائيلية، وبعده جاء ولده سليمان، وهو في العقيدة الإسلامية ~~حسب نص الحديث واحد من بين أربعة ملوك تسنى لكل منهم حكم العالم أجمع كله شرقا وغربا ~~وشمالا وجنوبا، «روى مجاهد عن ابن عباس قال: ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران، ~~فأما المؤمنان: فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران: فالنمرود بن كنعان وبخت ~~نصر.» # المعنى واضح إذن؛ فالتمكين يبدأ من بلد مسلم تقوده تلك الفئة الخاصة المتخصصة في ~~التمكين، لتبدأ بتحرير فلسطين، وقيام حكومة إسلامية عالمية تحتل الأرض كلها من بعد ذلك. ~~وتحقق التمكين بسيادة العرب الأميين على العالمين! # هذا كلام يقال في العلن من على الفضائيات وليس في اجتماعات سرية لخلايا إرهابية، فهل ~~ترى ثمة أملا بعد في تفهم فقهاء عصرنا لظروف عصرنا؟ وهل تراهم يعيشون واقع أيامنا ~~بالفعل؟ وهل تلك الأدوات التي عرضوها علينا لتمكينهم من رقابنا ثم من رقاب العالمين، هي ~~أدوات حقيقية وفاعلة؟ أم هو خطاب توهمي مريض بشدة؟ غارق في تخلفه قرونا إلى الوراء، ~~ولا يملك بيديه أي إصلاح ممكن لأي شيء. # الفصل الثاني # | الإخوان الوهابية # عندما طرح سؤال الحضارة نفسه علينا بعدما آلت إليه دول الإسلام من تخلف هائل أمام ~~تقدم غربي أكثر هولا، عقد المسلمون المقارنة بين رجال المسلمين في عصرهم الذهبي وبين ~~واقعهم المتردي اليوم، وأجابت مصر عن السؤال بالانفتاح على الحضارة وتأسيس دولة حديثة ~~على يد محمد علي، وأصبحت في زمن قياسي ms043 منارة حضارة ومدنية وتدين سمح، فكانت تصدر إلى ~~جوار عبد الباسط عبد الصمد ومصطفى إسماعيل وفقهاء الدين، أدبا وفنونا وأفكارا، ~~فصدرت العقاد وقاسم أمين وطه حسين وأحمد لطفي السيد ومحمد عبده وأم كلثوم وعبد الحليم ~~وعمالقة السينما والمسرح والفن التشكيلي، وزهت بزرعها وصنعها وفاضت على غيرها من خيرها ~~دون من ولا أذى ، خاصة على الحجازيين نظرا لشظف عيشهم حينذاك وحتى زمن قريب، وأحقيتهم ~~الشرعية للصدقة والزكاة ناهيك عن كونهم حراس الأرض المقدسة. # هناك على الجانب الآخر من البحر الأحمر جاءت إجابة أخرى عن سؤال الحضارة، إجابة لم ~~تنشغل بالفرد المواطن؛ لأن العقل الواقف وراءه عقل لا يعرف الأرض والوطن والاستقرار ~~وإقامة الحضارات، وإنما عقل ينشغل بسيادة الأمة وكرامة الدين، عقل بدوي أقصى ما يمكنه ~~عمله إلى جوار القتال والغزو هو الرعي والتجارة، فجاءت الإجابة انتكاسة إلى الوراء تبحث ~~عن خير القرون لتلتزم بتفاصيل سننه، ليتدخل الله تدخلا سحريا إعجازيا لنصر خير أمة ~~أخرجت للناس، كانت غاية محمد بن عبد الوهاب (1703-1791م) إصلاح الإسلام كي يرضى الله ~~عن أمته المختارة فيسبغ عليها الازدهار والانتصارات وعودة الفتوحات، وذلك بالعودة إلى ~~الإسلام الصحيح وتطبيق أحكامه وحدوده وإقامة شعائره الظاهرة والباطنة بكل دقة. وأطلق ~~ابن عبد الوهاب على نفسه وعلى أتباعه لقب «الإخوان». # ومن غرائب تاريخنا أن مصر وهي في نهضتها كانت تحارب الاستعمار الإنجليزي، بينما كانت ~~الوهابية بعد حلفها السياسي مع أولاد سعود والإنجليز، تقوم بثورة على الخلافة، فمن ~~جزيرة العرب خرجت الخلافة وصناعها، ومن جزيرة العرب خرج من يهدمون الخلافة بالتحالف مع ~~الإنجليز. # وفجأة تحولت الوهابية عندما أصبحت حركة سياسية مالكة مسيطرة حليفة للعرش، نحو التشدد ~~والتصلب الديني في كذب على الذات يقسم الدنيا بعقيدة الولاء والبراء إلى عالمين، عالم ~~إيمان وعالم شرك، بينما كانت تحالف من تطلق عليهم بلاد الشرك من الإنجليز وما حكايات ~~لورنس ببعيدة. ومن بعدها ومع انهيار الإمبراطورية البريطانية والاستعمار القديم، ظلت ~~السعودية حليفة للأمريكان حتى يومنا هذا، بينما كانت مصر الآخذة بحضارة الغرب تتحول ~~عنها إلى النظام ms044 العسكري، وتعلن حربها على هذا الغرب ممثلا في إسرائيل وأمريكا. مما ~~أدخلها في هزائم ونكسات متتالية، وبثمن دماء أبنائها ارتفع سعر البترول في بلاد ابن عبد ~~الوهاب، حتى أصبحت السعودية واحة غناء في معجزة اقتصادية غير مسبوقة، بينما كانت مصر في ~~انحدار يتلوه انحدار، وخسائر إثر خسائر. # ومع سقوط الخلافة رسميا ظهرت في مصر بعد سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة جماعة ~~تحمل الاسم ذاته للجماعة الموجودة بالحجاز، وتحمل أهدافها المعلنة ذاتها؛ مما يشير إلى ~~تحالف غير مرئي من البداية، قرر فيه بعض المصريين وهم يرون المعجزة السعودية أن يقيموا ~~شريعة الله حسب ما فعل إخوان السعودية، حتى يتدخل بنعمته ويفعل هنا على الضفة الغريبة ~~ما فعل هناك على الضفة الشرقية، وليس ذلك على الله ببعيد. # وأعلن الإخوان المصريون إعلان الإخوان الحجازيين، وهو فشل جميع الأنظمة (عدا النظام ~~السعودي بالطبع وحده لأنه يطبق الشريعة، ولأنه يملك جغرافية وتاريخ الإسلام، ولأنه حليف ~~ابن عبد الوهاب) وإعلان فشل جميع الأيديولوجيات، وأن الإسلام وحده هو الحل، وفيه كل ~~الحلول الإعجازية لكل المشاكل الأزلية والويلات التي جنتها علينا الأنظمة الرأسمالية ~~والشيوعية، (انظر حسن البنا مجموعة الرسائل ص176، 191، 312) وأعلن حسن البنا إعلان ~~الإخوان الحجازية ذاته وهو: «أن القرآن يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة، ~~ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصايا النبيلة» (المصدر نفسه، ~~ص127). # ومع وصول سيد قطب إلى ساحة الفكر الإخواني، التقى التقاء تلاحميا مع إخوان الحجاز، ~~فأدخل هو والمودودي الحركة منعطفا جديدا يستلهم مضامين الفكر الوهابي تحديدا، ~~والمتشدد الكاره المتسلطن دنيا وآخرة وحده دون غيره من المسلمين أو غير المسلمين. وصار ~~مرجع كليهما فتاوى ابن تيمية وابن قيم الجوزية، مع اتفاق على مصطلحات إخوانية مصرية ~~حجازية من قبيل: جاهلية المجتمعات وحاكمية سيد قطب، وأن الحرب القادمة ستكون بين ~~المادية المتمثلة في الأرض كلها وبين الإسلام (الظلال، ج، ص8) لقد كانوا يجهزون قبل 11 ~~سبتمبر 2001م بسنوات طوال! # ونتيجة لما وصلت إليه الدولة المصرية من طراوة ورخاوة ومزايدة وفساد، فقد نخر ms045 السوس ~~الإخواني أهم أجهزة توجيه الرأي العام فيها، حتى تحول الشارع المصري إلى شارع وهابي، ~~وأصبح عدد الإرهابيين في العالم بعد السعودية هم من المصريين. وعلى مستوى الإنجاز ~~العلمي والفني، فإن مصر تأتي بعد السعودية في تصدير الفكر الوهابي ثقافيا، وإعلام مصر ~~يكاد لا يختلف سوى فتيل عن التلفزيون الحجازي (وفتيل هذا هو: أخبار الأسرة المالكة هناك ~~وأخبار الأسرة الحاكمة هنا). # أصبحت مصر والحجاز بنعمة الله إخوانا، ويخدعنا التاريخ مرة أخرى، لنجد السعوديين قد ~~تركوا لنا السنة وأكل الثريد باليمنى، ودعاء دخول الغائط، ليلحقوا بفنادق الخمس نجوم ~~حيث يطهون الطواويس والغزلان والكافيار، وينعمون بالجاكوزي والحمامات الفاخرة التي لا ~~ينفع معها دعاء دخول الغائط، حتى ولو ذوقيا. # لقد عادت مصر إمارة إسلامية تتحرك حسب المزاج الحجازي حتى في سياساتها الخارجية، ~~وتابعا غير كريم لخلافة غير شرعية. # الفصل الثالث # | الدولة الوهم # يورد ابن عبد ربه في عقده الفريد (ج2، ص84) نص رسالة نبي الإسلام إلى وائل بن حجر ~~الحضرمي كبير أقيال حضرموت، خاطبهم فيها بلغتهم الشديدة الخصوصية، التي لم تتأثر كثيرا ~~بلغة قريش لبعدها المكاني ولتراثها القديم الخاص، تقول الرسالة النبوية: «من محمد رسول ~~الله إلى الأقيال العباهلة (أي أصحاب الممالك المستقرة)، والأرواع (أي حسان الوجوه) ~~المشابيب (أي السادة) من أهل حضرموت، بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، في التيعة (التيعة ~~عدد 40 من الشياه)، لا مقورة الألياط ولا ضناك (المقورة هي مسترضية الجلد، والألياط هي ~~عيدان العظم؛ أي لا يكون جلدها مسترخيا لاصقا بعظمها والمعنى كثير اللحم). وانطوا ~~(أعطوا) التيجة (أي الوسط) والتيمة (الداجنة)، لا خلاط ولا وراط ولا شغار، ومن أجبى فقد ~~أربي (أي أن بيع المحصول قبل نضوجه ربا)، وكل مسكر حرام.» # كانت هذه رسالة النبي إلى أهل حضرموت يدعوهم فيها إلى اعتناق دعوته والاعتراف بسيادته ~~بإرسال ضريبة المال إلى العاصمة يثرب. وشرحت أهم اهتمامات الدين الجديد فبدأت بالأهم ثم ~~المهم، بدأت بالصلاة، ثم توقفت مع الزكاة طويلا شارحة مفصلة المطلوب من ضريبة المال، ~~ثم بيان حرمة الربا والخمر في جملتين ms046 لا غير. # الملحوظة الأهم أن الرسالة لم تطلب من أقيال حضرموت واليمن الخضوع السياسي؛ لأن النبي ~~كان نبيا لا مقيما لدول وحكومات، الرسالة طلبت الخضوع الديني دون أن تتدخل في الشكل ~~السياسي والإداري القائم في بلادهم. بل مع اعتراف لتلك البلاد بالاستقلال السياسي ~~واستمرار هذا الاستقرار باعتراف الرسالة لأقيالها العباهلة الأرواع المشايب، وهو تكرار ~~وترداد لمعاني السيادة والبروز والقيادة مصحوبة باحترام واضح، ولم يأخذ عليهم شيئا في ~~طريقة عيشهم ولا نظام حكمهم بل اعترف لهم به وكرمه بالمديح. # كتاب آخر ضمن رسائله إلى ملوك وحكام عالم زمانه يدعوهم فيها إلى الإسلام، كان كتاب ~~النبي إلى قيصر الروم، وهو كما أورد نصه الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه (محمد) ص308، ~~يقول نصا: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام ~~على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين (رعيته). # قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون ~~.» # والملاحظات هنا تقفو بعضها بعضا؛ فالنبي خاطب هرقل معظما له بوصفه (عظيم الروم)، ~~ولم يقل عن نفسه إنه عظيم العرب؛ لأن النبي كان نبيا لا ملكا، هرقل رجل دولة وسياسة ~~تجوز له مثل تلك الألقاب التفخيمية. ولأن النبي ما كان منشغلا بالأمر كرجل سياسة مثل ~~هرقل، إنما كان منشغلا بتبليغ ما أمره الله بتبليغه ليس أكثر ولا أقل ودونما تفريط أو ~~إفراط، فإن النبي لم يطلب من قيصر التبعية السياسية ولا تغيير أنظمة الحكم الرومانية ~~السياسية أو الاقتصادية أو الإدارية إلى نظام حكم إسلامي، لعدم وجود هذا النظام، فلم ~~تكن الدولة وأنظمة الحكم ضمن اهتمامات الإسلام ونبيه، كل ما طلبه هو ما كلفه ربه به، ~~الدعوة إلى الإسلام فقط! # لم يقل لهرقل «القرآن دستورنا» لأن الروم هم أعرف الناس بالدساتير، ms047 وكان لهم دستورهم ~~وقانونهم الديمقراطي قبل ظهور الإسلام بألف عام، ولأنهم في هذه الحال كانوا سيطلبون ~~الاطلاع على هذا الدستور الجديد ليقارنوه بدستورهم ويفيدوا منه إن تيسر ذلك، كما سبق ~~وأفادوا من اليونان بإرسال البعثات لدراسة التجربة اليونانية السياسية والقانونية ~~لإتمام كتابة دستورهم. هذا بينما القرآن نفسه لم يكن قد اكتمل بعد عند إرسال تلك ~~الرسائل، وكان مفرقا في صدور الصحابة وعلى العظم واللخاف والعسيب والرق ~~والأحجار. # لو كان الدين مرتبطا بالدولة وسياستها، لطلبت الرسالة من عظيم الروم تغيير دينه ~~وتغيير نظامه السياسي ودولته. وهو ما لم تطلبه الرسالة النبوية ولا حتى نوهت به. لم تقل ~~الرسالة لهم اكسروا الصليب واقتلوا الخنزير، بل طالبتهم بالإسلام فقط؛ لأن النبي كان ~~يعلم أن الدين شأن والدولة وسياساتها شأن آخر، ولم يعلن الإسلام للناس يوما أنه دين ~~ودولة؛ لأنها لم تكن تكليفا إسلاميا من السماء، ولأنها لو كانت كذلك ما قصر نبينا في ~~دعوته ولأعلنها واضحة صريحة صدعا بأمر ربه. # لو كان شأن الدولة هو المطلوب إسلاميا، ما رفض النبي صيغة الملك التي عرضتها عليه ~~قريش، بل إن الواضح في القرآن هو رفضه لصيغة الملك كشكل من أشكال السيادة على الدولة، ~~فقال: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~؛ فالصيغة الملكية تطلب خضوع ~~المواطنين الكامل، وهو ما ترفضه وتأباه أنفة البدوي الحر في صحرائه؛ لذلك لم ينضم بدو ~~الجزيرة تحت حكم مركزي إلا زمن النبي وحده في شكل تجمع قبلي يمثل مرحلة انتقالية من ~~القبيلة إلى الدولة، ولم يستمر هذا الطور طويلا فتفكك التجمع القبلي والنبي على فراش ~~الموت في شكل نزعات استقلالية مرتدة. وطال هذا الطور القبلي حتى أقام ابن سعود بحلفه مع ~~ابن عبد الوهاب شبه دولة، وما زالت القبيلة فيها سيدة الموقف، يحفظون إلى اليوم أنسابهم ~~وولاءهم القبلي دون بقية أمم العالم، فلو سألت سعوديا عن قبيلته لأجابك بسلسلة نسل ~~ونسب طويلة، ولو سألت السؤال ذاته لأمريكي أو فرنسي لما فهم قصدك، ولو فهم لاعتبرك ~~مجنونا. # والقرآن ms048 الكريم يحدثنا في سورة الكهف عن ذي القرنين (الإسكندر المقدوني فيليب)، ولا ~~شك أن الله كان يعلم أن الإسكندر هو تربية الفيلسوف أرسطو تلميذ الفيلسوف أفلاطون، ومع ~~ذلك لم يندد بالفلسفة ولا بأرسطو ولا بالسياسة الأرسطية ولا بالجمهورية الأفلاطونية، ~~لأن شأن السياسة كان خارج اهتمامات الدعوة. # كان الجدير بالتنويه هنا هو لو كانت الدولة شأنا دينيا، لكان واجبا أن يعقد ~~القرآن المقارنات بين دولته والدول العظمى في زمنه كما في مصر وروما وأثينا وفارس ~~وغيرها، كما قارن بين دينه وبقية الأديان الكبرى في زمنه ليبين فضله وتميزه عن بقية ~~الأديان. # وفي سورة سبأ يحكي القرآن كيف أرسل النبي سليمان سفيره (الهدهد) إلى مملكة سبأ التي ~~كانت تتعبد للشمس من دون الله، وحمله للملكة رسالة تدعوها للإيمان، وقد عرضت الرسالة ~~على ملئها أي شيوخ قومها ووزرائها وأهل الخبرة والدراية، في دراسة ديمقراطية للموقف، ~~ومع ذلك لم يعب القرآن على سبأ نظامها الحاكم ولا ديمقراطيتها البدائية ولا طالبها ~~بتفكيك ملئها، بل كل ما طالبها به هو الإسلام. # كان محمد داعيا لدينه لا لدولة الإسلام، ووفقا لرغبات السماء، التي لم يكن من بينها ~~التسلط السياسي وضم البلدان تحت سلطان العرب. # وإذا كانت الدولة هدفا لدين الإسلام، فإن ذلك يدفع إلى التساؤل: لقد كان النبي ~~موجودا ومدعوما من السماء ربا وملائكة ومع ذلك لم يتمكن ~~من إقامة هذه الدولة، فلماذا؟ لسبب شديد البساطة هو ~~أن الدولة لم تكن ضمن جدول اهتمامات الإسلام، ولو كانت كذلك لتحققت على يد نبيه كأعظم ~~دولة خالدة على الأرض، ولم تنتظر الإخوان المسلمين ليقيموها لنا، ولا انتظرت دستورنا ~~ليقرر أننا دولة إسلامية، زيادة في دين الله، ومزايدة عليه، وعلى ربه، وعلى ~~نبيه. # الفصل الرابع # | حنانيك قارئي # إجابة عن استفسار قارئ لموضوع الدولة الوهم. # كتب قارئ لموضوعي المنشور هنا بعنوان «الدولة الوهم» ما هو آت: ~~«إذا أراد الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء.» قالها عبد المطلب بن هاشم، وهو يشير ~~إلى أبنائه وحفدته. لقد استهل الدكتور القمني كتابه «الحزب ms049 الهاشمي» بهذا الاقتباس؛ ~~أعتقد بعد هذه المقالة أن الدكتور سيد القمني - إن كان هو كاتب المقال حقا - قد تأهل ~~بجدارة للعودة للكتابة في مجلة روز اليوسف. أين هذا المقال مما قدمه الكاتب من فكر في ~~روائعه ك «حروب دولة الرسول» و«الحزب الهاشمي»، لا أعلم كيف يستقيم هذا المقال مع فكر ~~الكاتب. أقول للدكتور القمني أنت مديون لقرائك بتفسير لهذه الرؤية الجديدة . (انتهى ~~تعقيب القارئ.) # وأجيب: # بنعم، أنا مدين للقارئ بتفسير، خاصة إذا كان هذا القارئ ممن لا تتيح لهم الظروف ~~متابعة كل ما أكتبه، فأولا هناك ما سبق أن كتبته ونشرته وبعد سنوات من البحث والدرس ~~أعلنت تراجعي عن بعض النتائج التي وصلت إليها، كما حدث بالنسبة لكتابي النبي إبراهيم ~~والتاريخ المجهول، وعودتي عن بعض ما وصلت إليه فيه، وإعلاني عن هذا التراجع بأدلة ~~وقرائن جديدة تشير إلى نتائج تخالفه، وذلك في كتابي النبي موسى وآخر أيام تل ~~العمارنة. # لقد بدأت يا سيدي وأنا شديد التعلق بالفكرة الماركسية بكل ما يتضمن تحتها من عناوين، ~~فإذا الدنيا كما ترون، وإذا بنا نعلم ما لم نكن نعلم، لأتحول عن كل ألوان الفلسفات ~~الشمولية إلى العلمانية الليبرالية؛ لأن مبدأ «الثبات على المبدأ» قد أثبت أنه أحد ~~وأكثر القيم بطلانا. وهكذا حال العلم وهكذا حال طالب العلم، هو على استعداد دائم ~~لتغيير يقينياته، بل هو في نضجه لا يعمل تحت مظلة أي يقين، ورغم ذلك فإن العلم ذاته ~~يفرض المنهج المادي الماركسي في قراءة التاريخ كمنهج لا يزال صالحا للاستخدام ولا يزال ~~أحد أدواتي المعرفية. # كنت يا سيدي في مرحلة من عمري شديد العنصرية وكتبت موضوعات قاسية بل وفاشية بامتياز ~~ضد اليهود، فقط لكونهم يهودا، كنت أحمل لهم عداء سحريا غريبا ممزوجا بفكرة ~~الاستيلاء على أراضينا في فلسطين وفطير فصح صهيون المعجون بدماء أطفالنا، دون أن نراجع ~~نحن أنفسنا وتاريخنا من هذه القضية؛ وهكذا كنت ضمن السرب أسرب مع القطيع القومي، فناقشت ~~التراث اليهودي من منطق منحاز وعدائي سلفا، وهو واضح بشدة في كتابي: ms050 «الأسطورة ~~والتراث»، خاصة في باب الأساطير التوراتية. وقد أعيد طبع هذا الكتاب عدة مرات، لكني لم ~~أعدل ولم أبدل فيما سبق ونشرت لأن هذا حق الناس والقراء، يجب أن يظل كما هو ليشير إلى ~~مراحل تطور الكاتب دون تزويق وإعادة تبرير أو إعلان أسف، هي مرحلة تلتها مراحل واضحة ~~فيما كتبت بعدها، لتشكل جميعا علامات لمصلحة الكاتب أو ضده في الامتحان أمام القارئ ~~المتابع. # وفي كتابي: الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية وكتابي حروب دولة الرسول قلت إن ~~الجانب المادي من الدعوة كان هو إقامة دولة تجمع شتات عرب الجزيرة تحت راية الدين ~~الإسلامي، وبريادة من قريش، وبالذات البيت الهاشمي من قريش، وسعى هذا البيت للرئاسة في ~~مباراة مع البيت الأموي، حتى حسمها الهاشميون بإعلان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~الهاشمي أنه نبي من السماء. # وفي ظل هذا المعنى تابعت الدعوة من بدايتها إلى نهايتها في كتاب هو سفر ضخم ~~«الإسلاميات» يأخذ شكل كتب السير، لكنه المتفرد باعتماد الواقع وحده محركا للأحداث، ~~السياسة والمجتمع والاقتصاد والعادة والتقاليد ... إلخ. كانت إرادة العرب التجمع القومي ~~في دولة، عملت قريش عليها من زمن، وقد تلاقت إرادة العرب مع إرادة السماء، لكن الواقع ~~كان يقول شيئا آخر، فقد ظلت هذه الدولة دولة قبائل؛ فهي تجمع بدائي لقبائل تنضوي تحت ~~رئاسة قبيلة سيدة، وظل كل شيء ما عدا ذلك على حاله. الدول حتى اليوم درجات وأصناف، ~~فهناك دولة أمريكا وهناك دولة جزر القمر وهناك دولة الصومال، فهل يستوون؟ وهناك الدولة ~~السعودية التي أقامها ابن سعود بحلفه مع ابن عبد الوهاب والإنجليز، ولم تزل حتى اليوم ~~تعاني من قبلية تؤخرها عن منظومة الدولة المعاصرة بالمعنى العلمي لكلمة دولة. # هذا ناهيك عن كون المطروح علينا اليوم من الفصائل الإسلامية كافة هو إقامة دولة دينية ~~إسلامية، وهو ما يستدعي شحذ كل الردود العلمية الممكنة لترجيح كفة الدولة المدنية. ولعل ~~أساس هذه الردود يكمن في التأكيد على أن دولة الرسول كانت دولة تليق بزمانها ومكانها، ~~كانت دولة بالنسبة ms051 إلى حالة العرب في الجاهلية الأولى والجاهلية الثانية، دولة لم يكن ~~لها جيش إنما كانت تجيش باستدعاء القبائل لتأتي برجالها ونسائها وأطفالها وخيلها ~~وبعيرها وسلاحها الخاص وتسير كل قبيلة تحت رايتها الخاصة، مثل هذه الدولة لا يمكن ~~تسميتها دولة إلا قياسا على حال جزيرة العرب آنذاك، دولة بلا شرطة ولا محاكم ولا هيئات ~~إدارية ولا تراتب وظيفي هيكلي هرمي، دولة بلا هذا كله تسمى دولة من باب المجاز فقط ~~قياسا على زمانها، لكنها بمقاييس العلم هي مرحلة انتقالية من البداوة إلى الدولة لم ~~تكتمل عناصرها حتى اليوم؛ لذلك عندما أرفضها كنموذج لدولة مطلوبة اليوم من الإسلاميين، ~~أكون في مكاني لم أبارحه، ولم أغير رؤيتي لتتفق مع مطالب الحكومة كي تسمح لي أن أكتب في ~~روز اليوسف مرة أخرى كما رأى القارئ الكريم، فأنا لست من موظفي روز اليوسف ولم أكن كذلك ~~يوما، وإنما أكتب من بيتنا لمن أشاء وأمنع عمن أشاء، وهو المنع الذي قررته مع روز ~~اليوسف بعد موقف هيئة تحريرها الجديد مني إبان أزمة توقفي عن النشر، وليس المسألة ~~بالعكس يا قارئي المحترم. قليل من حسن الظن بكاتبك يخلق توحدا ليبراليا مطلوبا. كنت ~~أكتب لروز أيام كان محمد عبد المنعم رئيس تحريرها، وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا ~~معه؛ فهو مع من يعرفه يتخلق بأخلاق اللوردات، ومن كان يكتب لرئيس تحرير لورد يصعب عليه ~~أن يكتب لشخص في حجم وتفاهة عبد الله كمال. وها هي مجلته بعد توقفي عن الكتابة لها تعود ~~بأعدادها سالمة من غير سوء أو «سوق» للمطبعة؛ لأن قرائي المحترمين كانوا أكثر تفهما ~~وقرروا مساندتي بمقاطعة المجلة مثلما قاطعتها، دونما اتفاق ولا اجتماعات ولا لجان ولا ~~هيئات. وشكرا لك أيها القارئ لتنبيهك الشاك المشكك الذي أضرب عنه صفحا احتراما لك، ~~فأنا أكتب لك وأستمد ما أكتبه منك، من أجل وطن أتمناه أنا وأنت، وطنا عزيزا يعيش فيه ~~مواطن كريم. # الفصل الخامس # | الإسلام والحضارة # لا يخلو خطاب إسلامي من الإشادة بما يطلقون عليه «الحضارة الإسلامية»، وما ms052 أنجزته هذه ~~الحضارة على المستوى النظري الفلسفي، وعلى المستوى المادي التطبيقي، بفضل كوكبة من ~~العلماء المسلمين الذين أنجزوا في زمانهم ما يعد مفخرة عربية إسلامية. # ويتخذ أنصار إقامة دولة إسلامية من التأكيد والتكرار على «الحضارة الإسلامية» إثبات ~~أنه كان لنا حضارة من نوع خاص مفارق ومباين لما يعرفه العالم كله عن معنى الحضارة، ~~وأنها الحضارة التي تناسبنا وتتفق مع ديننا ولا تخالفه، وأنه بالإمكان استعادة هذه ~~الحضارة التقية الشريفة الورعة المسلمة، لنواجه بها حضارة الغرب المتفوق اليوم، لو أمكن ~~لدعاة الإسلام السياسي حكم البلاد بالإسلام. بل وستتميز دولتنا المسلمة عن حضارة الغرب ~~بالقيم والأخلاق السامية التي بات هؤلاء المتحضرون يفتقرون إليها. # ولا بأس من الإشادة بدين من الأديان، ولا بأس أيضا بنقد علمي لدين من الأديان، لكن ~~البأس كل البأس تلبيس الإسلام ما ليس فيه وما لم يعرف وما لم يكن بحسابه ولا حساباته ~~ولا اهتماماته ولا لحظة واحدة. والتلبيس على المسلمين بأوهام تمسكوا بها ولم يعودوا ~~يرون غيرها، حتى غاب عنهم البحث والنظر إلى ما بأيدي غيرهم من شعوب العالم المتفوق من ~~عوامل التحضر والرقي والتمدين والتقدم، اعتمادا على اعتقاد أن ما بأيديهم كدين يتضمن ~~نظرية متكاملة لحضارة متكاملة هي أم النظريات وهي المثل الأعلى للحضارات كلها، لا بل هي ~~الإنقاذ للعالم كله لأنها تأخذ بيده نحو نور الهداية والحضارة التقية لإقامة مملكة الله ~~على الأرض، يوم يعم الإسلام العالم ويعيش كل البشر في نور التقوى والسعادة والحبور ~~والهدى، سواء أسلموا أم دفعوا الجزية، المهم أن تكون الدولة الإسلامية إمبراطورية ~~عالمية تحكم العالم من شرقه إلى غربه. # وترداد القول بهذه الحضارة ولوكها في كل مناسبة، هو نوع من الخطاب المخاتل المخادع ~~التلبيسي التلفيقي؛ لأن الأديان جميعا لم يكن من مهامها إقامة حضارات أو دول. # ومع البدايات الأولى لظهور الأنبياء ذوي العزم منذ إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى كانت ~~الحضارات موجودة، فقد زار هؤلاء مصر ونزلوا في ضيافة الفراعين، جاءوها ليجدوا الفرعون ~~ملكا على دولة قوية متماسكة أنجزت حضارة كبرى تقف ms053 آثارها حتى اليوم تتحدى الزمن، وهي ~~حضارة مشرفة بكل المقاييس رغم أنها كانت وثنية غارقة في أساطير دينية. وكان مفترضا أن ~~تكون حضارة الرب هي الأعلى والأبقى، وكان مفترضا أن تكون حضارة الرب هي بداية الحضارات ~~على الأرض وليس الحضارة المصرية أو البابلية أو الفينيقية أو الصينية، ولو كانت الأديان ~~تصنع حضارات لكانت جزيرة العرب هي نموذج الحضارات العظمى، ولصار الحجاز هو نموذج العالم ~~المثالي، ولكان المفروض ألا يطالبنا أحد بالإصلاح، بل كان المفروض أن تخرج المظاهرات في ~~أوروبا تطالب بالشورى بدلا من الديمقراطية وبتعدد الزوجات وبالحجاب وبالجهاد والسبي ~~والاستعباد. # بينما المركز الجغرافي للإسلام كان بداوة جاهلية استمرت قبلية كما هي باستمرار عادات ~~العرب وتقاليدهم المضافة إلى الإسلام، وحتى اليوم تجد مركز الإسلام في السعودية فاشلا ~~في إدارة مجتمعه، يستورد كل الصنائع وكل الفنيين والخبراء على صنوفهم من مختلف بلدان ~~العالم، يستورد من الشماغ إلى الملابس الداخلية إلى سجادة الصلاة إلى الطائرة، وهو ما ~~لا يمكن تسميته حضارة فهي حضارة الغير المشتراة بالبترول، ولو تم سحب العمالة الأجنبية ~~من مهبط الوحي لانهارت الدولة؛ فالسعودية معرض منتجات دولي، فقط هي «صاحبة الليلة» ~~بالبترول الذي اكتشفته لها حضارة الإنسان في بلاد الغرب، صحن الكعبة من بناء شركات ~~أجنبية عالمية، المستشفيات تستحضر أطباء من أوروبا وأمريكا رغم ما لديها من الطب ~~النبوي، ولا تعرف لماذا لا يستثمرون أموالهم في بول الناقة بدلا من أن يصدروها إلينا ~~فتاوى وأحاديث وتفاسير ما أنزل الله بها من سلطان. # إن الحضارة ليست منجزا دينيا إنما هي منجز إنساني مفتوح ساهمت فيه البشرية من كل ~~ملة ودين ولون وعنصر، ولم يقم الدين يوما بصناعة حضارة فهذه شئون إنسانية بحتة، ~~فالحضارة ينتجها هيكل مدني مستقر: من النجار إلى الفلاح إلى السمكري إلى الطبيب إلى ~~المهندس إلى القانون إلى نظام الدولة الهيكلي التراتبي الوظيفي والبيروقراطي. # وقد نجح الوثنيون في إقامة حضارات عظمى فلو كانت الوثنية معيبة ما أنتجوا ولا تحضروا، ~~وهو مما يعني أنه لا علاقة للدين وثنيا أو سماويا ms054 بالتحضر وإقامة الدول، فلم يثبت ~~أن نبيا واحدا قد أقام هرما أو مستشفى أو سد مياه، وإذا كان من مهام الدين إقامة ~~الدول والحضارات فأين هي دولة إبراهيم ودولة نوح ويوسف والخضر وذي الكفل وذي النون وأين ~~حضاراتهم؟ ألم تترك أي أثر؟ # لو كانت الآلهة تصنع حفارة وكنا نحن المسلمين أصحاب أصح الأديان وأرفعها، وأصحاب ~~الإله الواحد القهار، لكان واجبا أن تكون حضارتنا هي النموذج الذي لا يهتز للحضارة ~~الإلهية على الأرض، وأن تكون مثلا أبديا لا يدانيه تقليد بشري، بينما واقعنا يقول ~~إننا أصحاب أخيب حضارة على سطح الكوكب الأرضي، وإنه من الظلم لديننا أن ننسب إليه وإلى ~~الرب القوي المهيمن مثل هذه الحضارة التي هي عار الإنسانية على الأرض. # ورغم ما نراه أمامنا فإن عامة المسلمين وخاصتهم وفقهاءهم يعتقدون أن اكتمال رسالة ~~الإسلام كانت يوم قال الوحي: # اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا ~~؛ وهو ما يعني اكتمال معارف البشرية بحيث لم يعد هناك أي إمكانية ~~لتقديم أي جديد، فكل المعارف مدونة في القرآن الكريم وما علينا إلا اتباعها وحفظها ~~وترديدها وتفسيرها لنكون من العلماء، فلفظ العالم عندنا تطلق على العاملين بشئون الدين ~~وليس بشئون الدنيا. وهذا هو العامل الثاني والأخطر في صرف المسلمين عن البحث والجد وبذل ~~الجهد والمثابرة والشقاء وأخذ النفس بالشدة في تحصيل المعارف والعلوم التي أدت إلى تقدم ~~المتقدمين. ويدعم الاعتقاد بأن اكتمال القرآن يعني اكتمال المعارف من مصدرها الإلهي ~~الأعلم بها من أي مخلوق، بقول القرآن: # ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ~~(الأنعام: 38). # وحتى يكون رجل الدين هو الممسك بكل عقل المسلم وروحه، اعتمد تفسير الآيات بأنه يعني ~~تمامية المعارف في القرآن، ولأن هذه المعارف غير واضحة بتمامها فعلى المسلم الرجوع إلى ~~رجل الدين في كل شأن في حياته كبر شأنه أو صغر، ليعرف مدى مطابقته لدين الله وأوامره ~~ونواهيه. رغم أن الآيات لا تشير إلى أي معارف؛ فهي تقول أكملت لكم دينكم ولا تقول أكملت ~~لكم العلم والمعرفة ms055 والحضارة، والآية «ما فرطنا في الكتاب من شيء»، تعني ما فرط في شيء ~~من شئون الدين والعبادة والشعائر والنوافل ... إلخ، وليس من شئون الدنيا والعلم والمعارف ~~الإنسانية التي لا تسعها كل الكتب والمعاني المقدسة، ولا علاقة لها بها من بعيد أو ~~قريب؛ لأن الدين جاء ليعلمنا كيف نحب الله ونطيعه ونؤدي له فروضه وكيف نشكره على نعمته، ~~ولم يأت ليعلمنا صنع الحضارة بالهندسة المعمارية والزراعية والفيزيائية والكيميائية ~~والبيولوجية والطبية ... إلخ ... إلخ. حتى بات المسلم الذي يعتقد أن كل هذه العلوم كمنتج ~~حضارة موجودة في كتابه المقدس، يعيش حال تقزيم لعقله وسجن لطاقاته ومهاراته، إذ يعتقد ~~أن العلم الإنساني الهائل كما وكيفا بهذه البساطة والخفة السطحية بحيث يجمعه كتاب ~~واحد، ويكفيه أن يحفظ هذا الكتاب وحده ليكون قد علم كل شيء علم اليقين، ومن ثم لا يرى ~~العلم رؤية سليمة حقيقية تحفظ له قيمته واحترامه وقدسيته، ولا هو بقادر على إنجاز أي ~~شيء بعد أن أنجز الله كل شيء. # الحضارة تقوم على قدسية العقل البشري والثقة بممكناته وطاقاته، بينما كان الشيخ جاد ~~الحق شيخ الجامع الأزهر - أي رجل العلم الأعلى بين المسلمين - يخرج علينا في التلفزيون ~~ليقول: «أخطأ اليونان قديما حينما استمسكوا بالعقل واعتزوا بمنطقه، وأخطأنا نحن حين ~~أخذنا عنهم هذه النقيصة.» # هذا رغم ما يزعمه الخطاب الديني عن حض الآيات والأحاديث على طلب العلم بالعقل ~~والنظر، أي بالاستنباط النظري والاستدلال الحسي المادي، وهو زعم وتلبيس بدوره؛ لأن ~~العلم المطلوب هنا هو العلم بعظمة الله والاستدلال على قدرته؛ لذلك أطلقوا على رجل ~~الدين لفظ عالم بهذا المعنى؛ فالعلم المقصود المطلوب هو العلم بشئون الدين؛ لأن حقيقة ~~الدين وطبيعته لا تدفع العقل لإنتاج فكر جديد منتج في الواقع؛ فهو مجموعة من الأوامر ~~والنواهي والتحريمات، برنامج يسيطر على حياة المؤمن المطيع النموذجي منذ صحوه حتى نومه ~~ومن ميلاده حتى مماته، فلا يستطيع التصرف إلا وفق هذا البرنامج فهو يأكل بأدعية ويصلي ~~بآيات ويدخل الكنيف بمفاتيح لفظية ويخرج منه بمثلها وينكح وفق تعليمات تسبقها ms056 ابتهالات ~~وأدعية مقننة في حروف وألفاظ ثوابت رواسخ ... إلخ. ومع مثل هذا البرنامج لا يصح القول ~~بعقل ينتج فكرا. # ولو نسبنا الحضارة إلى دين، فإن المعنى سيكون أن حضارة الغرب الحالية هي حضارة ~~الصليب، وهي حضارة استمسكت بالعقل واعتزت بمنطقه وتمسكت بهذه النقيصة فأنجزت ما نرى وما ~~نعيش، بل كانت ذات فضل في حماية الإسلام بحماية كتبه المقدسة بما وفرت من وسائل الطباعة ~~والنشر والإعلام بالتلفزيون والمذياع والإنترنت بشبكة اتصالات دولية، كما وفرت لنا كل ~~ألوان العلاج لكل الأمراض حتى المستوطنة منها بلادنا وليس بلادهم، دون أن تقدم حضارة ~~الإسلام ولا مصلا شافيا واحدا لمرض يستوطنها هي أو غيرها. # وإذا كان المقصود بالحضارة في هذا الخطاب جانبها المادي المتمثل تلك الأزمنة في ~~ارتقاء العلوم وبخاصة المعمار والري كدلالات حضارية، فلم يكن للعرب معرفة بالنهر حتى ~~ينشئوا هندسة للري، ولم يكن لهم معرفة بالعمارة لأنهم كانوا خيمويين متنقلين. لو كان ~~للإسلام حضارة تنشئ معمارا ما وقف النبي يخطب في مسجده فوق جذع نخلة، ولكانت عمارة ~~مسجده أروع مما هي عليه اليوم بهندسة السويسريين وكرستالهم والإيطاليين ورخامهم، أو ~~لأقاموا كعبتهم بأنفسهم بدلا من إبراهيم العبراني بمساعدة الملائكة، ومن بعده أقامها ~~مصري بخشب سفينة مصرية غارقة، ومن بعد هذه الأزمان بهندسة الأمريكان والطليان، أو ~~لطابقت مساجد الأندلس مساجد القاهرة وبغداد ودمشق، فهذه المساجد معمار حضارات شعوب ~~اعتنقت الإسلام، وسطا عليها العرب ورفعوا عليها راية الإسلام فبعد احتلال العرب لدول ~~الحضارات المحيطة بجزيرتهم ادعوا ملكية حضارات البلاد المفتوحة، بل واجتهد فلاسفة ~~العروبة والإسلام - من بعد - لإثبات عروبة تلك البلدان حتى قبل فتحها واحتلالها. # وهنا لا بد من التنويه للعقل البصير أن الإسلام هو دين من عند الله وليس من عند ~~العرب، جاء للبشرية كافة لكن العرب سطوا عليه مبكرين وركبوه لتحقيق أغراضهم، وألبسوه ~~ثيابهم وعاداتهم وتقاليدهم. فلا تلازم ضروري بين العرب والإسلام، ونسبة الناطقين ~~بالعربية بين مسلمي العالم اليوم لا تزيد عن 20٪، وهو ما لم ينقص من إسلام وإيمان 80٪ ~~من مسلمي العالم غير العرب. ms057 وعادات العرب وتقاليدهم ولغتهم لم ينزل بها جبريل وحيا ~~على محمد؛ فهي كما لا تلزمنا في مصر بأكل الجراد والضب؛ فإنها لا تلزمنا كذلك بأي ~~تقاليد أو عادات عربية أخرى. # وإذا كانوا يقصدون بالحضارة كوكبة العلماء الذين ظهروا بين القرنين الثالث والرابع ~~الهجريين، فلم يكن بينهم عربي سوى الكندي وهو فيلسوف متواضع الشأن إذا قيس بغيره، ولم ~~يكن ظهور تلك الكوكبة بسبب الدين وعلامة على إقامته حضارة، إلا كان من الضروري أن ~~يظهروا مع ظهور هذا الدين، لا أن يظهروا في زمن بعينه، ثم يختفوا باختفاء هذا الزمن، ~~لأن ظروف هذا الزمن هي ما أنتجهم وليس الدين ولا رجاله ولا العرب ولا تقاليدهم. كان زمن ~~انفتاح حضاري على حضارات العالم القديم بالترجمة والنسخ والإضافة أحيانا، في زمن ذهبي ~~لإمبراطورية قوية لا تخشى على نفسها من فكر أجنبي، وهو زمن أنجب الرشيد والأمين ~~والمأمون وغيرهم من الخلفاء المستنيرين، الذين جعلوا بلاطهم مكانا حرا للعلم بصنوفه ~~والشعر والموسيقى والأدب حتى أدب الفضائح وفنون العري والفجور والجنس على أنواعه حتى ~~المثلي منه والتباهي به شعرا، وتلازم وجودها مع وجود هذه البيئة المنفتحة التي أنتجت ~~مع فنون الفجور فنونا راقية وعلوما متقدمة بمقاييس زمنهم، وعندما أغلق باب الحريات ~~العقلية مع المتوكل وخلفه، ذهب علماؤنا ولم يعد أحدهم من يومها، رغم وجود العروبة ورغم ~~وجود الإسلام، بينما كانوا موجودين رغم وجود العري والفجور، لكن مع مساحة حرية لم ~~يدخلها رجال الدين ليصادروها. # وقد ظهر الإسلام في بيئة قبلية بدوية فلم يعرف معنى الوطن والمواطنة؛ فالقبيلة ~~المتحركة دوما لا تعرف وطنا إنما تعرف شيئا معنويا يجمعها أطلقوا عليه «الحمى»، ~~يتحرك معهم أينما تحركوا في حمايته وحماه، وعادة ما كان هذا الحمى يمثل القبيلة كلها، ~~وهو في النهاية رمز ميتافيزيقي كان يلتبس برب القبيلة، وهو ما يشبه قول الإسلاميين ~~اليوم إن: الإسلام وطن، بل إن هذا الحمى أو الدين أرفع بدرجات من أي معان تتعلق ~~بجغرافية الأرض أو حدودها الوطنية، أو كما يقول الشيخ الدكتور يوسف قرضاوي: ms058 «إن الإنسان ~~يضحي بوطنه من أجل دينه، ويضحي بنفسه من أجل دينه؛ فالدين مقدم على الإنسان ... فالدين هو ~~الضرورة الأولى وبعده تأتي ضرورة النفس وبعدها النسل وبعدها العقل والمال (ولا يذكر ~~الوطن كضرورة من هذه الضرورات)» (حلقة الظاهريون الجدد، قناة الجزيرة)؛ ومن ثم ساغ ~~لكاهن الإخوان الأكبر أن يقول عن إيمان صادق: «طظ في مصر وأبو مصر واللي في ~~مصر.» # والوطن هو ما يشكل الضمير الجمعي والقانون الجمعي وهما أساس الحضارة؛ فالحضارة ينتجها ~~شعب يعيش في وطن له حدوده الجغرافية، وتجمعه المصلحة الواحدة، فكان النيل مثلا بجبروته ~~عند الفيضان دافعا لتجمع كل المصريين لحماية قراهم وحقولهم يدا بيد، في تلاحم قوي ~~بضمير جمعي واحد برعاية مصلحة مشتركة واحدة، ومثل هذا الضمير الجمعي هو ما يخلق قانون ~~المواطنة، فيحرص كل مواطن على حماية الملكية العامة والقانون العام، باعتبار الوطن ~~ملكا له كما هو ملك لجميع المواطنين. فإذا لم يوجد وطن فلا وجود لضمير جمعي ولا لقانون ~~جمعي؛ ومن ثم لا وجود لدولة ولا لحضارة، تراهم أين سيقيمون دولتهم المنتظرة إذن إن لم ~~تكن في وطن؟! # فالشعوب التي أنجزت حضارة هي الشعوب التي استقرت في أوطان وامتلكت ضميرا جمعيا ~~يشترك فيه الجميع ولا ينسب إلى دين من الأديان. # ومن هنا نفهم لماذا لم يتمن نبي الإسلام أن يصنع شعبه حضارة وكنوزا؛ لأنه يعلم أن ~~شعبه قبائل غير منتجة وأن الإنتاج خاصية لجغرافيا أخرى مستقرة، إنما تمنى الاستيلاء على ~~ما حوله من حضارات: «والذي نفسي بيده لتملكن كنوز كسرى وقيصر.» وحتى اليوم لا يوجد ~~لدينا طموح لمنافسة المنتجين والمخترعين والمبدعين في العالم، بل نريد الحصول عليها ~~جاهزة بالاستيلاء عليها، على الطريقة البدوية القبلية؛ فهي ثقافة تجارة وصيد وقنص وكر ~~وفر، تستولي على ما بيد الآخر بدلا من أن تنجز مثلما أنجز وأن تتحضر مثلما ~~تحضر. # الفصل السادس # | دولة الرب # كثيرا ما راودني سؤال شديد البساطة: لو كانت إرادة الله تبغي إقامة دولة ربانية ~~على الأرض، فلماذا لم يفعل ذلك من بدء التاريخ؟ لماذا ms059 لم يقم دولة المدينة الفاضلة ~~الكاملة التامة المانعة؟ ولماذا لم يضع لها دستورا وقوانين أفضل مما صنع اليونان ~~والرومان والفرس، وبما يتناسب وعظمة الرب حتى تكون دولته هي القدوة والمثال لكل ~~البشرية. بينما ما حدث في واقع دولة الرب الأولى المزعومة (إن جاز تسمية دولة الخلافة ~~الراشدة بذلك)، أنها طلبت المعونة المعرفية والفنية والإدارية والفلسفية والقانونية من ~~دول الحضارات المفتوحة، التي صنعها البشر خلال تاريخ طويل من التجارب، ولم يجدوا حلا ~~سوى الإبقاء على الأنظمة القديمة في تلك البلدان معمولا بها تحت سيادة العرب المسلمين. ~~فما حدث هو أن العرب استولوا على دول قائمة ذات مؤسسات وأنظمة شغالة منذ قرون طويلة ~~وحكموها، ولكنهم لم ينشئوا دولا البتة، وهو الأمر الذي فسر لي، لماذا أغفل الإسلام ~~مسألة مهمة مثل الدولة ونظام الحكم كل هذا الإغفال رغم عظيم خطورته، ولم يدل بدلوه في ~~فلسفة الحكم والسياسة، مكتفيا بما وصل إليه البشر في أرض الله الواسعة في شئون الإدارة ~~والسياسة بما لا يستدعي تدخلا منه، واكتفى بتصحيح ما رآه ضروريا، فأضاف لما عرفه ~~البشر من أديان إضافات جديدة مثل صيام رمضان وقدسية الكعبة والحج إليها والاعتراف بنبوة ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ووحدانية الله المطلقة وغير ذلك من شئون الإيمان، وترك للبشر ما نجحوا ~~في أدائه فلم يجدهم بحاجة لإرشاد أو نصح في طرق الزرع والري والصرف والحصد، ولا في فنون ~~البناء والمعمار، ولا في الرياضيات ولا في الهندسة ولا في الكيمياء، ولا في شكل الدولة ~~ولا نوع نظام الحكم، ولا فنون الإدارة وشئون السياسة، فلم يتدخل في السياسة ونظم الحكم ~~وأساليب الحضارة، لعلمه الكامل أنها كلها مجالات تخضع للتغير والتطور والتقدم، وأنه لو ~~قال فيها قولا لثبتت وتوقفت عن النمو بما هو ضد قانونها، وهو التغير والتطور أبدا، ~~علينا أن نفهم أن عدم تدخله هو شهادة تقدير عظيمة، ونيشان على صدر البشرية من ربهم ~~بأنهم نجحوا نجاحا سياسيا وحضاريا، وليس أدل على ذلك من صمود هرم المصريين القدامى ~~أمام عوادي الزمان فلم ms060 يهدم مرة، بينما كعبة الرب هدمت وأعيد بناؤها سبع عشرة مرة حسب ~~إحصاء كتب التاريخ الإسلامي، إضافة إلى دمارها الكامل في فتنة جهيمان العتيبي أواخر ~~القرن الماضي. # ولا بد أن تلحق بالسؤال توابع تتساءل: هل يمكن أن نتصور أن الله كان راغبا في إقامة ~~دولة على الأرض، دون أن يصحب هذه الرغبة بقواعد إقامة هذه الدولة منذ فجر البشرية أو ~~حتى مع الدعوة الإسلامية؟ أم كان لزاما على المسلمين أن ينتظروا أربعة عشر قرنا حتى ~~يظهر حسن البنا والإخوان وحزب التحرير ليكتشفوا لنا تلك الرغبة الإلهية الإسلامية ~~المخفية! وبسبيل الحفاظ على هذا السر لم يفصح الله عن رغبته تلك سواء في أعماله الكاملة ~~أو بالتوراة أو بالزبور أو بالإنجيل أو بآخر هذه الأعمال قرآنه أو في سنة نبيه حتى باح ~~به للإخوان في زماننا؟! # الإخوان يعلنون لنا أنهم قد جاءوا لينقذوا الأمة، وأنه لا يصلح لآخرها إلا ما صلح ~~لأولها، ومعهم منقذون آخرون للأمة من كل لون وشكل، من حزب تحرير، إلى تكفير وهجرة، إلى ~~فقهاء أزاهرة، إلى جماعة إسلامية، إلى جماعة سلفية، إلى جهاد إلى عدل وإحسان، إلى حماس، ~~إلى حزب الله، إلى وعاظ فضائيات، إلى ابن لادن، وابن هويدي، والزرقاوي، وأبو سياف، ~~والقرضاوي، والعوا، ومقتدى الصدر، وجيش المهدي، وهم كثير، لكنهم جميعا أقنعة مختلفة ~~لوجه واحد فكلهم داخل الجبة نفسها والأيديولوجيا نفسها، وكل فريق يرى نفسه الإسلام ~~الصحيح وأنه المنقذ المختار بتأويله وتفسيره لصحيح الدين، ويفجرون وينسفون نيابة عنا ~~ونحن لم نخترهم ولم نبايعهم، ويحارب كل فريق منهم بإسلامه الصحيح، الفريق الآخر وإسلامه ~~غير الصحيح، ولكنهم يجتمعون جميعا عند مبدأ الدولة والاستيلاء على السلطة وإقامة ~~الحكومة المسلمة. # المشكلة في هذه الحال ستكون في الإجابة عن السؤال: أين نقيم دولة الرب أو دولة ~~الخلافة الجديدة؟ أم ستكون خلافة في القاهرة وأخرى في بغداد وأخرى في إندونيسيا، منها ~~الشيعي ومنها السني ومنها الإباضي ومنها الزيدي؟ وهل ستحارب هذه الخلافات بعضها بعضا ~~لتوحيد بلاد المسلمين لتقييم جولة الخلافات المتحدة، حتى يمكن ms061 تحقيق احتلال العالم تحت ~~قيادة واحدة تحت راية لا إله إلا الله؟ # ولو فرضنا أن واحدة من الدول المتأسلمة اليوم تمكنت وأعلنت نفسها دولة خلافة، ولتكن ~~السودان مثلا أو إيران، فمن الطبيعي أن المسلمين في بلدانهم كافة سيطلبون من حكوماتهم ~~الولاء للخليفة ولو كان من سنغافورة أو ماليزيا كما قرر مهدي بن عاطف؛ وهكذا ستنشب حروب ~~بين الشعوب المسلمة وحكامها، مع حرب أهلية ضرورية ستنشب بين أصحاب كل تلك الجماعات ~~المتأسلمة وبعضها كخطوة توحيدية أولى، تتبعها حروب أخرى أهلية بدورها بين الملل والنحل ~~المختلفة حتى تتوحد تحت راية الفرقة الناجية، ثم حروب خارجية إسلامية ستشنها دولة ~~الخلافة ضد البلدان المسلمة التي سترفض إعلان البيعة والتبعية للخليفة؟ وهل يا ترى بعد ~~كل تلك التصفيات هل سيبايع السعوديون خليفة مصريا؟ أم لحل الإشكال يمكن وضع معيار يحل ~~المشكلة، بإقامة دولة الخلافة حيث مقدسات الإسلام الجغرافية والتاريخية في الحجاز، ومن ~~ثم لا بد في هذه الحال من صرف آل سعود لحال سبيلهم إلى موناكو أو هونولولو، واختيار ~~حجازي قرشي خليفة كشرط يقوم على الحديث الصحيح: «الخلافة في قريش»، ولكن في حال بايع ~~المصريون عبد الصمد القرشي مثلا خليفة بالحجاز ليملأ حياتنا بخورا وطيبا وعطورا ~~وأعلنوا الولاء له، فهل تراه سيرضى بخلط ميزانية السعودية بميزانية مصر عملا بمبدأ ~~أسنان المشط في دولة الرب؟ # ولو افترضنا منطقا أنه كان من غير الجائز أن يوجد نبي في الجزيرة مرسلا من السماء، ~~ويوجد في الوقت نفسه رئيس لبدو الجزيرة سيرأس هذا النبي، وهو أمر غير مقبول؛ لذلك فالحل ~~هو أن يكون هذا النبي هو الرئيس في الوقت ذاته، لكن ذلك لا يأخذنا لمعنى الدولة، أو ~~ربما نقول مع آلاف التحفظات إنها كانت دولة خاصة جدا ومن خصوصيات النبي وحده دون غيره ~~من المسلمين، كانت تجمعا قبليا يحتشد حول فكرة وأيديولوجيا أكثر مما هو دولة في وطن ~~بما نفهمه عن معنى الوطن وتعريفه. خاصة أن للجزيرة طابعها البيئي الخاص فهي ليست بيئة ~~زرع يلزمه الاستقرار الاجتماعي إلى جواره، ms062 إنما هي جماعات رعوية متحركة في معظمها، ومثل ~~هذا المجتمع لا ينشئ دولة لعدم الحاجة إليها. والإسلام فكرة أيديولوجية ثورية ضد ~~الأوثان وتعدد الآلهة، ولم يأت ثورة على دولة قائمة في وطن له حدود قومية معروفة. وكان ~~توحيد الأرباب خطوة نحو التوحيد المجتمعي لكنها طالت زمنيا وهي بسبيل الانتقال من ~~مرحلة الرعي إلى مرحلة الدولة، فدخلت طورا طال دهرا في مرحلة انتقال لا تنتهي من ~~الرعي إلى الدولة الوطن، وظلت حتى اليوم كونفدرالية بدائية جمع الرعوي مع المظهر ~~المدني، وفي كل الحالتين يظل المجتمع طفيليا إما على الطبيعة، وإما على الريع كما هو ~~حاله الدائم حتى اليوم بسبب ظرفه البيئي القاهر. # لذلك قد يصح القول إن النبي # صلى الله عليه وسلم # عندما وحد الأرباب بالإسلام كان يهدف لتوحيد عرب ~~الجزيرة ولكن ليس بحسب مفهوم الدولة؛ لأنها كانت دولة خاصة جدا تكاد تكون من خصوصيات ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وحده، كما له خصوصيات أخرى دون المؤمنين، ما دام غير ممكن أن يرأسه آخر ~~وهو النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ومن ثم كان الإسلام وشخص النبي # صلى الله عليه وسلم # مركزا فكريا روحيا ~~تلتقي حوله القبائل ولم يكن دولة، خاصة أننا لو طالعنا حال النبي # صلى الله عليه وسلم # كزعيم سنجده ~~يتصرف بطريقة قومه القبلية بأسلوب شيخ القبيلة لا بأسلوب زعيم الدولة؛ لذلك لا نجد في ~~الإسلام شيئا عن الدولة أو عن إعدادها العسكري أو النظامي أو تكوينها الفكري وعقدها ~~الاجتماعي ودستورها، ولا طريقة فرزها للزعماء والقادة، ولا نظاما اقتصاديا إنتاجيا ~~واضحا إنما هو رعي خراجي طفيلي؛ لذلك عندما استبدت قريش من بعده بحكم الإمبراطورية ~~كانت شرعيتها تقوم استنادا إلى مبدأ الوراثة القبلي وليس إلى أي تأسيس سياسي مبرمج ~~واضح. هذا بينما الدولة بمعناها الصادق فستجدها في دول المحيط؛ فالملك توت عنخ أمون ~~مثلا كان يحكم أرجاء مصر كلها وهو بعد صبي يلهو بألعابه؛ لأن هناك منظومة دولة تعمل ~~وفق نظم بيروقراطية هرمية وظيفية تراتبية واضحة كالماكينة، لا علاقة لها لا ms063 بالسلطة ولا ~~بالإمارة ولا بالدين. # ثم إنه إذا كان الإسلام دينا واحدا، وإذا كانت الاتجاهات السياسية تختلف إلى درجة ~~التناقض بين المذهب السني والمذهب الشيعي، إذن فإن هذه الاتجاهات لا تنبع من الدين ~~الواحد، وإلا لاتفق المذهبان لذلك فالصراع في هذه الحالة هو صراع سلطة دنيوي سياسي لا ~~ديني. # هذا علما أن القرآن الكريم كان يعرف معنى نظام الحكم والملكية والدولة المركزية، كما ~~في قوله تعالى: # وقال لهم نبيهم إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال ~~إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ~~والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ~~(البقرة: ~~247). في هذه الآيات بيان سماوي لليهود بدولة وملك بإرادة إلهية، فلماذا لم يقدم الله ~~للمسلمين بيانا كهذا واضحا بدون التباس إن كانت الدولة هي شاغله وهمه حقا؟ # لقد قنن الله العدالة ووضع لها الضوابط والقواعد لحفظ حقوق المحارب في سبيله، وحقوق ~~السيد المالك في الأمة المشتراة من ملك اليمين، ونظم لهم قواعد الوطء: # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم ~~(النساء: 24)، وقنن لحماية الزوجة: # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ~~(النساء: 3). # أفلا تكون العدالة لحماية شعوب وأمم هي الأهم إذا كان الله يريد قيام دولة دينية ~~يحكمها القرآن بقوانينه؟ بينما قوانين القرآن تفصل وتزيد لحماية الزوجة وحق الوطء، ~~والنكاح وليس فيها شيء عن نظام الحكم وقواعد الدولة من أي لون. لو أراد الله ذلك لقنن ~~لدولته العدل والحرية كما قنن للتفاصيل الهينات، لكنه لم يفعل، وهو عالم بأنظمة الحكم ~~والدول المركزية بدليل حديثه عن ملوك اليهود داود وسليمان وفرعون مصر وسبأ ونمرود ~~ودولهم ونظم الحكم فيها، ولا نجد فيه أية إشارة إلى مملكة العرب المسلمة ولا دولتهم ~~لأنهم كانوا قبائل متحالفة ولم يكونوا دولة قط. # والحاسم في مسألة الدولة الإسلامية ولا نجد له ردا عند دعاتها، وهو الساعات الأخيرة ~~في حياة نبي الأمة ومؤسس الدين، يروي الصحابي ms064 الجليل حب النبي عبد الله بن مسعود ~~فيقول: «نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت ~~أمنا عائشة، فنظر إلينا وشدد، فدمعت عينه وقال: مرحبا بكم، رحمكم الله، آواكم الله، ~~حفظكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، وفقكم الله، نصركم الله، سلمكم الله، أوصيكم بتقوى ~~الله وأوصي الله بكم وأستخلفه عليكم وأؤديكم إليه، إني لكم نذير وبشير، لا تعلوا على ~~الله في عباده؛ فإنه قال لي ولكم: # تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين ~~، وقال: # أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين ~~؟ فقلنا: متى أجلك؟ قال: دنا الفراق ~~والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى، قلنا فمن يغسلك يا نبي ~~الله؟ قال: أهلي الأدنى بالأدنى. قلنا: فهل نكفنك يا ~~نبي الله؟ قال: في ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض مصر أو في حلة يمنية. قلنا: فمن يصلي ~~عليك يا نبي الله؟ قال: إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سرير في بيتي هذا على شفير ~~قبري، ثم اخرجوا عني ساعة فإن أول من يصلي علي جليسي وخليلي جبريل ثم ميكائيل ثم ~~إسرافيل ثم ملك الموت مع جنود وكثير من الملائكة بجمعها، ثم ادخلوا علي فوجا فوجا ~~فصلوا علي وسلموا تسليما، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة ولا صيحة، وليبدأ بالصلاة رجال ~~أهل بيتي، ثم نساؤهم، ثم أنتم بعدهم. أقرئوا أنفسكم السلام مني فإني أشهدكم أني قد ~~سلمت على من بايعني على ديني من اليوم حتى يوم القيامة. قلنا فمن يدخلك قبرك يا نبي ~~الله؟ قال أهلي مع ملائكة كثيرين يرونكم من حيث لا ترونهم.» انتهى (الطبري، ~~11، 191). # ونستكمل مشهد الساعات الأخيرة من حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # ودولته تتفكك في نزعات ~~استقلالية في اليمن وفي اليمامة، لنسمع ابن عباس يروي: «كان النبي # صلى الله عليه وسلم # قد ضرب بعث ~~أسامة، فلم يستتب الوجع رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولخلع مسيلمة والأسود، وقد أكثر المنافقون ~~في تأمير أسامة حتى بلغه، فخرج النبي # صلى ms065 الله عليه وسلم # على الناس عاصبا رأسه من الصداع لذلك ~~الشأن، ونشرا لرؤيا رآها في بيت عائشة، قال: إني رأيت البارحة بما يرى النائم، أن في ~~عضدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولهما هذين الكذابين، صاحب اليمامة ~~وصاحب اليمن. وقد بلغني أن قوما يقولون في إمارة أسامة، ولعمري لئن قالوا في إمارته، ~~لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لخليقا للإمارة وإنه لخليق لها فأنفذوا ~~بعث أسامة. ثم قال: لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد» (الطبري، ~~11، 186). # وهكذا أمسى واضحا مدى اهتمام النبي # صلى الله عليه وسلم # بكل تفاصيل لحظات موته، ومدى انشغاله ~~بأمور المسلمين وأمة الإسلام حتى الساعات الأخيرة وهو يجود بنفسه الشريف. # ونظرة موضوعية بعيدا عن أرق المشهد وتراجيديا الموقف ساعة موت النبي الجليل، سنجد ~~عبارات ومفاهيم من قبيل مبايعة ونجدة وولاء، ونجد تحالفا على دين محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ونجد ~~مفاهيم كلها تعبر عن حال الموقف. وترك شئونا أخرى للمسلمين. والمحتجون بتولية أبي بكر ~~الخلافة بكونه أم الصلاة الجامعة بالنيابة عن النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو في مرضه الأخير، لم ~~يقولوا لنا لماذا لم يأمر النبي # صلى الله عليه وسلم # أبا بكر أن يؤم المصلين على جثمانه حتى تكتمل ~~صحة التأويل. لقد أخبر الرسول # صلى الله عليه وسلم # صحابته رضي الله عنهم بكل تفاصيل جنازته وكيفية ~~الصلاة عليه ومن يدفنه، وأخبرهم بمن سيصلي عليه من ملائكة بالاسم، وأصر على بعث أسامة ~~بن زيد على رأس الجيش لغزو الروم، ورفض رأي صحابته في حداثة سنه على غزوة كتلك وعدم ~~خبرته، فكان ابن سبعة عشر عاما على رأس جيش يضم بأمر من النبي أبا بكر وعمر وكبار ~~الصحابة رضي الله عنهم، ورغم ذلك لم يصدع الصحابة بالأمر؛ لأن خروج هذا الجيش مع موت ~~النبي قد يضع الأمر بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه والهاشميين، إذ أمر النبي ببقاء ~~علي إلى جواره وعدم خروجه مع الجيش. # وينشغل النبي بالأمة في موته حتى ms066 في منامه، ويرى أعداءه من متنبئين في هيئة سوارين ~~نفخهما فطارا، لكنه لم يتحدث لحظة عن كيفية إدارة الأمور من بعده، وينشغل بإمارة أسامة ~~بشدة وإصرار على خروج الجيش، ولا ينشغل بإمارة الدولة، ولم ير أحداث سقيفة بني ساعدة ~~في منامه حتى يدلي لأصحابه بالنصح المانع الحاسم للفتن. ولم يتطرق بأي معنى للدولة ولا ~~لنظام الحكم من بعده ولا تحدث في خلافته حسب المصادر السنية، ولا قال لمن يكون الأمر من ~~بعده. أم نقول قول إبليس إنه كان لا يتوقع الموت الأكيد فخشي إن وصى لأحد بعده وعادت ~~إليه العافية، أن ينازعه الأمر والسلطة، إذن لا حل سوى الاعتراف أن الإسلام دين فقط، ~~دين كريم، لم ينشغل كدين بالسياسة ولا بنظام الحكم. # الواضح في تلك الساعات الحاسمة الأخيرة، أن نبي الإسلام كان يرى أمور الدولة والسياسة ~~خارج صلاحياته كنبي، وأنها خارج نطاق مسئولياته وتكليفاته؛ لذلك لم يتطرق إليها حتى ~~يكرس القناعة أن رسالته هي دين فقط وليس أبعد من ذلك. # وتفعيلا لهذا لم يتدخل الإسلام في أمور الدنيا من نظم حكم وإدارة باعتبارها مما ~~يخص المجتمع المتغير المتطور الذي لا يقبل ثباتا، وأن الدين جاء للثابت ثباتا بدوره ~~لا يتغير ولا يقبل تطويرا كما في العبارات وقواعد الإيمان وفروضها وترك التحرك لنا ~~ولظروفنا ولتحول الأزمات وتداول الأيام، لقد جاء محمد نبيا يدعو للتوحيد ويعد الناس ~~لدخول جنات الرب في الآخرة، ولا شأن له بأمور الدنيا والسياسة. بل إن ذلك هو ما كان ~~يعلمه الصحابة جميعا عن قناعة؛ لذلك لم يسأله أحدهم أن يدلي برأيه في تلك الشئون، كان ~~هناك إجماع من كلا الطرفين النبي والصحابة، على أن ما يلي ذلك هو شأن دنيا لا شأن دين ~~يموت صاحب الدين دون أن يوصي بخلافته. وليس أدل على هذا أن الأنصار جميعا لم ينتظروا ~~حضور ساعة وفاة نبيهم، بل انصرفوا مباشرة لسقيفة بني ساعدة لبدء العمل في شئون الدنيا، ~~ولم يدعوا أحدا من المهاجرين لحضور هذا الاجتماع اعتقادا منهم أنهم الأحق بوراثة ms067 ~~الأمر من بعد النبي. بداهة وربما كان عدم خروج جيش المدينة بقيادة أسامة داعما لموقف ~~المهاجرين بعد ذلك في النقاش الذي دار بالسقيفة وانتهى لمصلحة قريش. # إن سكان جزيرة العرب قبل الإسلام لم يستشعروا الحاجة لقيام دولة وحكومة؛ لأن طبيعة ~~بيئة الرعي لا تستلزم وجود دولة، ولم يبدأ التفكير في حكومة إلا بعد تحول طرق التجارة ~~العالمية عبر الحجاز وتشابك مصالح احتاجت إلى الحماية في شكل بدائي لحكومة بدائية هي ~~حكومة الملأ برئاسة قصي بن كلاب جد النبي البعيد، فأنشأ الملأ مجلس قريش القبلي وهو ~~نظام شبه جمهوري شبه ملكي شبه ديمقراطي كله في آن، والأغرب أن يظل هذا النظام «الشبه» ~~هو الحاكم على دولة الخلافة حتى سقوط آل عثمان الأتراك. # ولعدم وجود نظام حكم أو دستور أو قانون أو إدارة واضحة، بدأ الصراع بين الصحابة على ~~الجاه والسلطان وليس لسبب ديني، ودخلوا الفتنة الكبرى ولم يستفيدوا من التجربة، ولم ~~ينشئوا أي مؤسسات تراقب الحكام وترعى الحقوق بين الحاكم والمحكوم، حتى لا يتكرر ما حدث ~~في الفتنة الأولى، ولأن الدين لم يحدد كيفية تنظيم الدولة ولا إدارتها ولا محاسبتها ولا ~~مراقبتها، فقد تلت الفتنة فتن أخرى يأخذ بعضها برقاب بعض، لم يكتشفوا خلاله من وسيلة ~~لتبادل السلطة سوى الاغتيال أو الذبح صبرا أو السم أو الحرق. # المأساة الكاملة فيما يعرضه الإسلام السياسي ودولته أنه يصورها للمسلمين الحل الأوحد ~~والمثالي لما هم فيه من تخلف وهوان، وأنها ستكون لمصلحة الدين والدنيا، مصلحة الله ~~ومصلحة عبد الله، مصلحة الإيمان والسياسة، وهي كذبة شريرة يتم بها استثمار دين الله في ~~انتهازية رخيصة في أكثر الميادين انتهازية «السياسة»، حيث لا مكان في مكائد السياسة ~~وخبثها لطيب الدين وصراحته وسلامة سراطه المستقيم وطهارة مصدره ومقاصده، وهو أمر لا ~~يحتاج إلى كثير فهم، فمن المفترض وأنت داخل إلى الخمارة أو إلى المجاري ألا تأخذ معك ~~المصحف حتى لا تسيء إليه وتدنسه. # إن دمج السياسي بالديني من أجل إقامة دولة ذات مرجعية دينية لا بد أن يؤدي ms068 بالضرورة ~~إلى توظيف كل ممكناتها عسكرية واقتصادية لأغراض الدعوة الدينية، وسيكون دعم الحكومة ~~للدين ورجاله ودعاته بلا حدود؛ وهو ما يعني أنها ستتصدى عاجلا أو آجلا لمن هم على غير ~~مذهبها ودينها، فلن تقف مكتوفة الأيدي إزاء غير المعترفين بها والرافضين لها وغير ~~المؤمنين بها كنتيجة طبيعية لعدم إيمانهم بدينها أو بصدق هذا الدين؛ وهو ما يعني عدم ~~الاعتراف بشرعيتها، فماذا سيكون الشأن مع هؤلاء؟ هل سنؤسلمهم كرها أم ننفيهم من الأرض ~~أم نعتبرهم طابورا خامسا خائنا يستحق الحرمان من حقوق المواطنة والمشاركة في ~~السلطة. # وعلى مستوى الخارج فإن أول واجبات هذه الدولة هو الدعوة إلى الدين ونشره خارج الحدود ~~حتى يخضع العالم لدين الله طائعا أم راغما، وهو ما لا بد أن يؤدي إلى فتح باب الصراع ~~الديني. وحتى يتم ذلك لا بد أولا من إقامة دولة مسلمة واحدة تكون دولة الخلافة كمرحلة ~~أولى قبل العالمية؛ وهو ما يعني حروبا دينية أهلية بين المسلمين لتصفية الخلافات ~~الجوهرية بين فرقهم في شئون الاعتقاد كما سبق وألمحنا. # وهل ستقوم دولة الخلافة سلما أم حربا؟ يعني هل ستتحرك جيوش الخليفة المصري وليكن ~~قرضاوي مثلا متوجهة إلى بلاد الحجاز لاستعادة العاصمة الأولى للخلافة ولإتمام الوحدة ~~الإسلامية؟ أم ستتحرك جيوش عبد الصمد القرشي كما حدث أول مرة لتنطلق جيوش الحجاز شمالا ~~وشرقا وغربا إعادة لعصر الفتوحات مثلما حاول محمد بن عبد الوهاب زمن العثمانيين، مما ~~اضطر الخليفة العثماني للاستعانة بمصر لوأد الوهابية وتدمير الدرعية؟ # وهل بالمرة ستعود الفتنة الكبرى وتوابعها من فتن لتحكم حياتنا ومستقبلنا؟ وهل سيتم ~~استئناف الحرب التي بدأها معاوية وعلي؟ أم ستكون بالحوار كالذي حدث في سقيفة بني ~~ساعدة، لينتهي الأمر بقتل سعد بن عبادة بين الجن والاعتداء على بيت فاطمة بيد عمر. أم ~~ستكون حربا من نوع أم المعارك الصدامية؟ وهل يجب أن نقرر من سنذبح ومن سندس له ~~السم ومن سنحرقه في جوف حمار كطرق لتبادل السلطة؟ أو من سنرشوه بالمال والنساء كما ~~«الحسن» ليكفينا شره ويسكت؟ أم ستكون ms069 زرقاوية في شكل خلايا إرهابية تدمر أينما تشاء؟ ~~وهل سيكون شعار الإسلام دين ودولة الذي يعتنقه السنة والشيعة عاملا في توحيد المذهبين ~~أم دمارا لكليهما؟ ثم تراه ماذا سيكون موقف العالم المتحضر والأمم المتحدة من خلافتنا ~~الناشئة؟ وهل سنضطر إلى طلب الانتفاع ببركات مشايخنا إزاء هذا العالم وقرارات مجلس ~~الأمن وروادعه. # يقول لنا قرضاوي «فقيه الزمان» إن دولة الإسلام ضرورة ليس للناس ولكن لحماية الإسلام ~~وصيانته، دون أن يستحيي لشدة ذعره على دينه، حتى إنه يظهره دينا ضعيفا هزيلا عاجزا ~~عن الاستمرار في قلوب الناس، دون سلطة جبرية تحميه في دولة المصحف والسيف إنهم يهينون ~~ديننا وربنا بإظهاره عاجزا عن حماية نفسه بالعقل والحجة والمنطق والقناعة، ويحتاج إلى ~~دولة بأسرها لحمايته ولضمان انصياع الناس له. ليقيموا لنا دولة المنافقين بدلا من دولة ~~الراشدين، فمن لا يقتنع إلا خوف السيف فهو منافق، وفرض الدين بمقهر الدولة يحيل الناس ~~إلى منافقين، إن الدين الذي يصور لنفسه مخاوف من مؤامرات وهمية يكون عاجزا عن حماية ~~نفسه ومواجهة التطور والتغيير، فكيف له وأنى له أن يحمي شعبا يؤمن به؟ ونكون في دولة ~~الرب لا حمينا الدين ولا حمينا الناس. # ولأن قرضاوي يعلم أنه لا سياسة في الدين؛ فإنه يرد قائلا: إنه ليس من المهم أن تكون ~~في الإسلام نصوص كثيرة في السياسة؛ فالسياسة جزء من اهتمام المسلم وليس كله، فهناك ~~صلاة، وهناك عمل دعوي، وعمل للأسرة، وعمل أكاديمي ... إلخ، والسياسة ليست أمرا مدنسا، ~~كيف يقولون السياسة مدنسة؟ من قال إن السياسة أمر مدنس وعندنا فقه السياسة الشرعية وكتب ~~الأحكام السلطانية؟ صحيح لم نتبحر كما تبحرت الأشياء الأخرى، لكنها موجودة» (حلقات ~~الدين والسياسة، الحلقة الأولى، قناة الجزيرة). # ولو سلمنا له بما يقول، فإن التعقيب البسيط هو أنه ما دام الإسلام لم يعط السياسة ~~كثير اهتمامه، فلماذا كل هذا الاهتمام من جانب مشايخ زماننا بالسياسة، بالمخالفة لإرادة ~~الله ودينه؟ # يتابع الفقيه الملقب بالمعتدل قرضاوي تأكيده اختلاط الديني بالسياسي في قوله «الرسول، ~~ألم يكن سياسيا؟ وعمر بن ms070 الخطاب وأبو بكر رضي الله عنهما والخلفاء كلهم ألم يكونوا ~~سياسيين؟» # انظر إلى الخلط المعيب والاستهانة بعقول المسلمين، الرجل يعلم أن أي مسلم أمس أو ~~اليوم أو غدا سيقبل حكم الرسول # صلى الله عليه وسلم # أو الراشدين، وأنهم لو اشتغلوا بالسياسة بما ~~نفهمه منها فلا بد أن يكسبوها طهارتهم؛ لذلك ستكون سياسة غير مدنسة، لكن اليوم لا يوجد ~~محمد ولا عمر إنما يوجد قرضاوي وهويدي وابن لادن، فهل يضعون أنفسهم مكان أولئك؟ # أما ما يشير إليه بدولة الراشدين عمر وأبي بكر ... إلخ، فكانت تجميعا للقبائل بالسيف ~~بعد ردتها زمن أبي بكر تحت رئاسة قبيلة قريش القبيلة المنتصرة، ولم يكن دولة؛ فالدول ~~كانت معروفة في المواطن الحضرية، معروفة الهوية والحدود والقانون ونظام الحكم، ذات ~~موارد ثابتة واقتصاد إنتاجي، وخلال الفترة الراشدة حكم الصحابة بضميرهم الشخصي مستمدين ~~الشرعية من علاقتهم بالنبي، فهل قرضاوي أو غيره لديه الضمير نفسه حتى نسمح له بالعودة ~~إلى هذا النظام الذي لم يستمر لأكثر من ستة عقود، وما أن ذهبت الصحابة حتى ذهب معهم ومع ~~ضميرهم، كانت سلطة تميزهم تقوم على كونهم مبشرين بالجنة، ولم تكن لديهم أية خبرة ~~إدارية أو سياسية أو تنظيمية أو رقابية أو تشريعية، خاصة بعد انقضاء الوحي، ولو قلنا ~~دولة الراشدين فإنما نعني دولة قامت على بركة الله وبركات المبشرين بالجنات، وهو كله ~~غير موجود اليوم، صحابة كل منهم تولى الحكم بطريقة غير طريقة الآخرين، وكل منهم أدار ~~الحكم بطريقة غير الآخرين، فبينما ساوى أبو بكر في العطاء فإن عثمان اختص أهل بيته ~~الأموي من بني معيط، وبينما حجر عمر على الصحابة داخل المدينة، فإن عثمان جاء فأطلقهم ~~منها، ورفض الثلاثة جمع القرآن وجمعه رابعهم ... إلخ إلخ. # انظر إلى كذبه المقيت وهو كشيخ فقيه عارف غير جاهل ويعلم يقينا أحداث تاريخنا الكئيب ~~كلما دخل الدين في السياسة، الأئمة الأربعة عندما اقتربت منهم السياسة حبستهم وجلدتهم ~~وآذتهم، وآذوها، كذلك العز بن عبد السلام، كذلك ابن تيمية كذلك ابن حنبل كذلك أبو حنيفة ~~كذلك ms071 الشافعي كذلك مالك، اللطافة أن هذه الفقرة تحديدا موجز لما قاله في تلك الحلقة عن ~~علاقة الدين بالسياسة لتأكيد تسييس الدين وأن السياسة لا تبخس الدين ولا تبخسه، دون أن ~~يرى أي خلل في النتائج. # أما المبهر حقا ولا يراه قرضاوي وزملاؤه أبدا، أن الدولة التي آذت الأئمة جميعا ~~- ولا شك - ستؤذي مثلهم ولو كانوا زمنها وهي الدولة التي يطلبون عودتها ويدقون لها ~~الدفوف ويرفعون البيارق. # إن دولة الخلافة التي يطلبون رجوعها هي التي سخرت الفقهاء وآذتهم ورشتهم وانقبضوا ~~منها وانتقصوا فعلا بسببها بينما قرضاوي وكل بطانته يملكون في الدولة الحديثة حماية ~~هذه الدولة ولم تجلدهم أو تقطعهم ولم تشوههم بل أعطتهم راحتهم يدعون لدولتهم وما ~~يريدون بملء حريتهم، حتى الدعوة الفصيحة للإرهاب والولاء والبراء دون ملامة. # وفي حال مواجهة قرضاوي بقصور مضمون دولته الشديد، لا يرى مانعا من الاستفادة من ~~الأمم الأخرى بما ينقص دولتنا الإسلامية، وذلك مثل قوله: «ما عندناش نظام انتخابات، ~~نأخذه من الغربيين فلا مانع أبدا» (الحلقة الثانية من الدين والسياسة، ~~الجزيرة). # فإذا أخذنا عن الغرب نظام الانتخابات ولا مانع من ذلك لأنه لا يوجد عندنا، وأخذنا ~~عنهم نظام الدولة ولا مانع من ذلك لأنه لا يوجد عندنا، وأخذنا عنهم نظام البنوك ولا ~~مانع من ذلك لأنه لا يوجد عندنا، ونظام البورصة ولا مانع من ذلك لأنه لا يوجد عندنا، ~~ونظام الدوائر الحكومية والوزارات ولا مانع من ذلك لأنه لا يوجد عندنا، وما دام كل شيء ~~غير موجود عندنا، فلماذا يتربع مشايخنا على أكتافنا؟ لماذا أنتم هنا يا سادة؟ هل ~~لتشيروا لنا لا مانع أن نأخذ هذا ولا نأخذ ذاك؟ أنتم موجودون فقط كالأغوات المفلسين ولا ~~تسمحون لا لشرب من هذا الإناء بل من ذلك الإناء؟ لتمنعوا وتسمحوا فقط دون إنجاز حقيقي ~~واحد. # قرضاوي مثل فقهه زئبقي الحركة والمواقف، فها هو يقول في الحلقة الأولى ذاتها: «إن ~~الإسلام السياسي، وتسييس الدين، وتدنيس السياسة، تسميات جاء بها المستغربون ~~والعلمانيون، وقد قال سيدنا أبو بكر لو ضاع مني ms072 عقال بعير لوجدته في كتاب الله، هل هناك ~~سياسي مع الرسول؟ كان هو الإمام في الصلاة والقاضي في الخصومات والقائد الأعلى في ~~المعارك والإمام للدولة، نبينا هو الذي جمع بين الدين والسياسة والدولة، والخلفاء ~~الراشدون هكذا كانوا، والعلماء عرفوا الخلافة فقالوا هي نيابة عن رسول الله في حراسة ~~الدين وسياسة الدنيا، وبعضهم قال في إقامة الدين، يعني أكثر من حراسة مش مجرد حراسة، ~~فهكذا الخلافة وهكذا ظل الخلفاء منذ أبي بكر إلى آخر خلفاء بني عثمان حتى ألغيت ~~الخلافة سنة 1924م. ظل المسلمون ثلاثة عشر قرنا يعرفون أن الدين والدولة والسياسة، شيء ~~واحد. وبعدها جاءت هذه (؟!) ففصلت الدين عن الدولة، أتاتورك ... ولا بد من إعادة الأمر ~~إلى نصابه بالربط بين الدين والدولة، أو بين الدعوة والدولة وبين العبادة والمعاملة، لا ~~يوجد في القرآن فصل للدين عن الدولة ولا في السنة ولا في الفقه الإسلامي ولا في التاريخ ~~الإسلامي طوال ثلاثة عشر قرنا.» # هذا اسمه خطاب الحرباء؛ لأنه إذا كان رئيس الدولة في الإسلام «هو الحاكم وهو الإمام ~~في الصلاة وهو القاضي في الخصومات وهو القائد الأعلى في المعارك وهو الإمام للدولة»، ~~إذن هي دولة الاستبداد الكامل بيد رجل واحد، وكي نقبل استبداد هذا الرجل فنستقبله إن ~~كان نبيا يأتيه الوحي بما يضمن مصالح العباد، دولتهم يلزم لإقامتها ظهور نبي جديد حتى ~~نسلم له بكل هذا، إضافة إلى أن المسلمين لم يظلوا ثلاثة عشر قرنا والدين والدولة ~~والسياسة شيئا واحدا؛ لأنه منذ عهد معاوية تم فصل الإمامة الدينية عن الإمارة ~~الدنيوية، عندما ترك إمامة الصلاة لمن يقوم عليها وتفرغ هو لشئون إدارة الدنيا. # إن قرضاوي يعلن بملء الفم أن المسلمين مكلفون دينيا بإقامة دولة إسلامية، وهي كما ~~سبق وأشرنا بعد اختلاف الأزمان دعوة إلى فتن داخلية وحروب أهلية إسلامية. فستدعو إيران ~~لدولة الملالي وسيدعو السعوديون للمذهب الوهابي، وستدعو تركيا للأحقية كآخر خلافة، ~~وسيدعو السنة للخلافة الأموية، ونعود إلى عصر الفتن وسفك الدم المسلم بيد المسلم حتى ~~يخلو الأمر لمستبد أوحد، ليبدأ ms073 بسفك دم أبناء الشعوب الأخرى. هي دعوة للصراع الدموي ~~والحرب الأهلية ثم العالمية وليست دعوة للارتقاء والتحضر، دعوة إلى ذبح علني للوطن ~~ورشوة للحسن وقتل للحسين وجلد ابن حنبل مرة أخرى، ودون الخروج بعدها من دائرة ~~الفتن. # وحتى يلقي في روع المسلمين أن البخس والتبخيس يجب أن يلحق بالدولة بمعناها الحديث، ~~مقابل دولة الإسلام الكاملة المنزهة عن الخطأ، يقول قرضاوي: «العالم الإسلامي جرب ~~العلمانية عقودا طويلة من السنين، فلم تطعمه من جوع ولم تأمنه من خوف ولم تحقق له ~~نصرا ولا رخاء ولا حياة طيبة» (الحلقة الثانية، 12 / 2 / 2006م). # الرجل يشير إلى دول الاستبداد العسكري القومجي العربجي بكونها كانت تجربتنا العلمانية ~~التي انتهت بنا للخراب والهزائم. إنها الوجه الآخر لحداثة مشايخنا الزائفة، علمانية ~~زائفة بائسة لم تملك أي مقوم حقوقي أو شرعي يعطيها صفة العلمانية، التي أول ما تقوم ~~عليه هو المواطنة والحرية الفردانية والحريات الحقوقية الدستورية. # ما علينا، دعونا نتصور الرجل صادقا لكن كان يجب عليه أن يستمر قائلا: «وهكذا كان ~~حال المسلمين من فجر الخلافة حتى سقوطها، وكانت عامل تخلف عظيم لم ينقذنا منه إلا بداية ~~عصر الاستعمار والتنوير والتحضر منذ نابليون ومحمد علي وأتاتورك.» هذا إذا أراد أن يكون ~~صادقا حقا. # وفي كتابه «الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف» يقول: «إن إقامة الدولة المسلمة ~~التي تحكم بشريعة الله وتجمع المسلمين على الإسلام وتوحدهم تحت رايته فريضة على الأمة ~~الإسلامية يجب أن نسعى إليها. وعلى الدعاة إلى الإسلام أن يعملوا كل ما يستطيعون للوصول ~~إليها، وأن يهيئوا الرأي العام المحلي والعالمي لتقبل فكرتهم وقيام دولتهم» (ص222، ~~223). # وفي الحلقة الثانية من الدين والسياسة يقول: «إن عمل الدولة الإسلامية أنها تحمي ~~العقيدة والإيمان والأخلاق وتقوم نزعات الكفر والضلال وتثبت العقيدة وتشيعها.» ألم ~~نقل إنها دعوة إلى حرب أهلية ثم عالمية؟! # الشيخ الدكتور يوسف قرضاوي لا يرى أن حقوقه الدينية التي أعطاها له ربه قد تم سلبها ~~منه بقرارات عالمية ودولية، فما عاد قادرا على ممارسة حقوقه الشرعية في التمتع بملك ms074 ~~اليمين بعد انتهاء عبودية الإنسان لأخيه الإنسان بقرارات دولية ملزمة، قرضاوي حقوقه ~~مسلوبة أمام أعيننا، لا يتمتع بخدمة العبيد رغم أمواله التي تنوء بحمل مفاتيحها العصبة، ~~ولا يستطيع أن يقيم بهذه الأموال جناحا للحريم بقصر من قصوره، كل البشرية اكتسبت حقوقها ~~وهو لا يستطيع حتى أن يعلن هذه الحقوق بصراحة ووضوح في مواجهة العالم، ثم يقول إنه هو ~~من سيأتي للمسلمين بحقوقهم في دولة منتظرة! إن من أعطى قرضاي حق التمتع بملك اليمين ~~هو رب الأرباب وملك الملوك ومع ذلك يستحيي من ممارسة حقوقه الربانية ولا يستطيع أن ~~يمارسها، وها يجيب لنا حقوقنا؟! # يتحدث عن الأخلاق والإسلام بينما تباين الزمان وسعة الشقة بين ظرف الجزيرة في ق7م ~~وبين ظرف بلادنا اليوم، يجعل مثل هذا الحديث كذبا في كذب فهو يطالبنا بأخلاق الإسلام، ~~وأخلاق الإسلام فيها عبودية اغتصاب لملك اليمين، وهذا في أيامنا هو أم الكبائر، لماذا ~~إذن يقولها من الأصل؟ ام أنه فعلا كذب في كذب لا ينتج سوى المرض النفسي المستعصي لدى ~~الأمة كلها. كذب الذات على ذاتها ثم تصديق الكذب لتصبح بديهية. تقال هكذا انفلاتا من ~~أي ضوابط. # إن الأخلاق التي ستقيمها دولة قرضاوي هل ستسمح بتدمير المال العام كوسائل النقل العام ~~أو قتل المدنيين كما أفتى بنفسه لأمراء الجماعات الإرهابية في العراق ولندن وأمريكا ~~وشرم الشيخ، إن منطق الأخلاق بمفهوم اليوم لا يلتقي ومنطق أخلاق زمن مضت عليه عشرات ~~القرون؛ لأن قيم الأخلاق تتغير بتغير المكان والزمان. مثله مثل زواج الصغيرة ورضاع ~~الكبير ... إلخ، كلها قيم زمانها لا قيم زماننا. # في موضوع آخر هو «مدنية الدولة الإسلامية 9 / 1 / 2007م»، يقول قرضاوي: «الدولة في ~~الفكر الشعبي بحكمها الإلهام الإلهي لا الفقيه الذي ليس له عصمة، الفقيه يحاول تطبيق ~~الشريعة لكنه هو نفسه ليس معصوما.» ثم يعرض لرأيه السني في الدولة الإسلامية فيقول ~~في الحلقة ذاتها: «نحن نقبل جوهر الديمقراطية؛ لأنه قد تكون في الديمقراطية أشياء لا ~~تقبل إسلاميا مثل الحرية الشخصية المطلقة وحرية الفسوق»، لا نملك هنا ms075 إلا أن نسأله ~~عن تعريف الفسوق، وتعريف هتك العرض الذي هو حق المقاتل المسلم في السبايا، وحق الاعتداء ~~الجنسي بالاغتصاب على الإماء المشتراة. # إن الحرية لا توجد أصلا إلا عندما يسقط قانون الاستعباد وتلغى مواده، الحرية هي ~~إسقاط صك العبودية عن المرأة وعن حق الاعتقاد بصك جديد علني كما فعل إبراهام لنكولن، ~~وليس التحدث عن دولة الحرية والمساواة بينما قانونها يشرع العبودية ووطء ملك اليمين، ~~وعدم إسقاط هذه التشاريع يعني أنهم سيسترجعوننا بها يوم يحكمون عبيدا لهم وإماء ~~يركبونها. وسيتم استرجاع العبد الفار والموالي وأهل الذمة؛ لأن لديه تشاريع وصك ملكية ~~فنحن لسنا سوى مصدر للريع، نحن من يدفع الخراج والجزية بقانون مقدس. # سادتي أهل الدولة الإسلامية، إن مجرد فتح موضوع دولة إسلامية أو خلافة يسحب الولاء ~~فورا عن الولاء للوطن؛ فالولاء لخليفة منتظر، هو خيانة كاملة علنية فصيحة فضيحة ~~للوطن. # الفصل السابع # | حوار مفتوح، مع أبي الفتوح # في حوار هام، بل خطير، مع القطب الإخواني الأشهر الأستاذ عبد المنعم أبو الفتوح، ~~منشور على موقع الإخوان وإسلام أون لاين ومواقع إسلامية أخرى عديدة، قدم الأستاذ أبو ~~الفتوح تعريفه لمصطلح الدولة الإسلامية، واعتبر أن دولا مثل مصر أو الأردن هي دول ~~إسلامية بالفعل، فهل قرر الإخوان التخلي عن فكرة الاستيلاء على الحكم لإقامة دولة ~~إسلامية؟ ثم إنه يقول في هذا الحوار إن الإخوان مع دولة مدنية لا دولة دينية، وإن من ~~يحكم في هذه الدولة متخصصون مدنيون، فماذا تبقى إذن من الإخوان؟ نحاول هنا أن نعيد ~~قراءة ما قال أبو الفتوح عسانا نعثر عند الإخوان على موقف واضح غير ملتبس من موضوع ~~الدولة المدنية أو الدينية، فيما استجد على فكرهم هذه الأيام. # يقدم أبو الفتوح في البداية تعريفه وفهمه لمصطلح الدولة الإسلامية بأنها؛ هي التي ~~تعيش فيها أغلبية مسلمة، وعملا بالمبدأ المنحاز للأغلبية فإنها تكون دولة مسلمة ~~وديمقراطية في آن واحد. وهو تعريف إضافة لكونه غير دقيق، بل وغير صحيح بالمرة كما سنرى ~~الآن؛ فإنه يشير إلى أن الإخوان مع ارتباكهم ms076 أمام الانفتاح على العالم، بعد حضور هذا ~~العالم إلى بلادنا بعد سبتمبر 2001م، لم يعودوا بقادرين حتى على تحديد مفاهيمهم الخاصة ~~بهم بشكل واضح، فقد اعتادوا الخطابة في زمن ما قبل 2001م، واعتاد الناس أن يسمعوا تلك ~~الخطب وما فيها من مفاهيم ومصطلحات؛ مثل: الأمة، والمجتمع المسلم، والدولة الإسلامية، ~~وديار الإسلام، دون تحديد واضح دقيق لمثل هذه المفاهيم التي أزعم أنها جميعا بلا ~~دلالات حقيقية أو واقعية وأنها كلام واهم، ووهم كلام ، بلا معنى ولا دلالة واحدة سليمة. ~~ونموذجا لذلك ما يلقيه علينا هنا الأستاذ عبد المنعم أبو الفتوح، الذي قرر أن يقدم ~~الإخوان للعالم عبر مفاهيم واصطلاحات جديدة تتفق والوجه المطلوب للعالم الجديد. # لنبدأ بتعريفه للدولة الإسلامية بتلك التي تسكنها أغلبية مسلمة؛ وهو ما يعني أن دولة ~~عمر بن الخطاب أو دولة الأمويين لم تكن دولة إسلامية؛ لأنها حسب تعريفه معظم سكانها لم ~~يكونوا مسلمين، ولم يحكم العرب المسلمون هذه الدولة إذن بالمبدأ الديمقراطي «الأغلبية» ~~الذي يأخذ به أبو الفتوح اليوم وينسبه إلى الدولة الإسلامية؛ لأن الحاكمين كانوا هم ~~الأقلية بل كانوا أقلية الأقلية، ولم يحكموا بحكم الأغلبية بل بحكم الغلبة والقوة ~~المسلحة الغاشمة. # إن تعريفاتهم تتغير بحثا عن قناع جديد يناسب المستحدثات العالمية، ولأنها يتم ~~تفصيلها فإنها عادة ما تأتي غير علمية وزئبقية وملتوية كالحرباء. لقد كان تعريف الدولة ~~المسلمة زمن الخلافة الراشدة هي الدولة التي يحتلها المسلمون لأنهم كانوا لا يعرفون ~~لأنفسهم دولة. ولأنهم لو أخذوا بتعريف أبي الفتوح وبمبدأ الأغلبية الديمقراطي لكانت ~~دولة أبي بكر غير مسلمة؛ لأن ثلاثة أرباعها كانوا مرتدين، ودولة عمر، وعثمان، وعلي، ~~التي ضمت الشام والعراق ومصر كانت غير مسلمة بدورها لأن غير المسلمين كانوا هم أغلبية ~~السكان الساحقة، والأمر ببساطة هو أن مفهوم الأغلبية والأقلية كمفهوم سياسي حديث لم يكن ~~معلوما ولا مفهوما للمسلمين، لا في دولتهم البدائية الأولى بالحجاز، ولا بعد تشكيل ~~الإمبراطورية الإسلامية. ولم يحكم هذه الإمبراطورية سوى السادة العرب، ثم من بعدهم ~~الترك العثمانيون بحكم قدسية الخلافة المستبدة ms077 بالعنصر والدين وحدهما، لا بالأغلبية ولا ~~بالأقلية، فهذا نظام لا يعرفه الإسلام فهو نظام غير إسلامي، فما لأبي الفتوح ومصطلحات ~~قانون الغرب الذي يطلق عليه المتأسلمون إخوانا وإرهابا اسم: الطاغوت؟ # هذا وجه من وجوه الإخوان، وهناك وجوه أخرى، وكل له دور مقسوم يقوم به؛ فالمرجع الفقهي ~~للإخوان وبقية الجماعات الشيخ قرضاوي، ولأنه ليس شريكا فعليا في العمل السياسي ~~المباشر والحركي، أو هو يزعم ذلك، تفرغا منه كمرجع فقهي للجميع. فإنه يملك مساحة أوسع ~~للمناورة وللقول الأصرح؛ فهو يصر على تعريف الدولة الإسلامية بتلك التي تحكم بشرع الله، ~~ولا يرى دولا مثل مصر والأردن دولا إسلامية كما رأى أخوه أبو الفتوح. أبو الفتوح ~~يناور وقرضاوي يعلن منفيستو واضح المعالم يقول: «إن إقامة الدولة المسلمة التي تحكم ~~بشريعة الله وتجمع المسلمين على الإسلام وتوحدهم تحت رايته، فريضة على الأمة ~~الإسلامية، وعلى الدعاة إلى الإسلام أن يعملوا بكل ما يستطيعون للوصول إليها ويهيئوا ~~الرأي العام المحلي والعالمي لتقبل فكرتهم وقيام دولتهم» (كتابه: الصحوة الإسلامية بين ~~التطرف والجحود، ص222، 223). وأبو الفتوح وقرضاوي كلاهما قطب بل قرن من قرون الإخوان ~~المسلمين. وكلاهما له أهداف سياسية، الثاني حركي، والأول تنظيري مهمته الدعاية والتوجيه ~~المعنوي، يحض الدعاة على ترك ضمير المسلمين ودينهم الذي هو وظيفتهم الحقيقية، للانخراط ~~في العمل السياسي الحركي المباشر. # لكن مشكلة مشايخنا والإخوان معا أن زادهم من العلم السياسي يعاني فقرا مدقعا كما ~~هو شأنهم مع كل المعارف الإنسانية والعلوم المختلفة؛ لذلك عندما يتحدثون في السياسة ~~تسمع منهم عجبا. كما سمعنا من هنيهات تعريف أبي الفتوح للدولة المسلمة بأنها ذات ~~الأغلبية المسلمة حسب المبدأ الديمقراطي، خالطا بين زمن وزمن أتى بعده بأربعة عشر ~~قرنا، مستخدما المصطلحات المعاصرة كالديمقراطية مع دولة بدائية عتيقة، خالطا بين ~~معنى الشعب ومعنى الدولة؛ فالدولة مجموع مؤسسات وهيئات وظيفية، بينما الشعب المصري ~~مثلا غالبيته من المسلمين حقا، لكن دولته تقوم على المؤسسات والهيئات، وليست مسلمة ~~ولا مسيحية، منذ فجر تاريخ البشرية على الأرض وهي دولة يعيش عليها شعب مصري تتغير ms078 ~~دياناته، ومعتقداته، وثقافاته، وتتعدد روافده، ويظل مصريا في دولة مصرية. # ولو لزم القول بأن مصر دولة إسلامية للزم التوضيح هل هي شيعية أم سنية، وهابية أم ~~حنفية أم إخوانجية أم طالبانية؟ بينما تظل الدولة المصرية مصرية حتى لو سكنها الجان من ~~أي ملة أو عنصر. ولو كانت الدولة ضمن اهتمامات الدين الإسلامي، ولو كان السلف الصالح ~~على قناعة بدولة إسلام، لقاموا هم بتعريف هذه الدولة المسلمة وأجابوا هم عن السؤال، وهم ~~لم يقولوا في ذلك شيئا، وهم الأعلون، فهل من حق الإخوان أن يقولوا؟ ثم ما حكاية: ~~«إسلامية بالأغلبية» حسب المبدأ الديمقراطي؟ فمتى آمن الإخوان بالديمقراطية؟ ومن أين ~~حصلوا عليها؟ وهي غير موجودة في إسلامنا ولم يعرفها سلفنا الصالح ولا نبينا؛ لأنها لو ~~كانت موجودة لكانت دولة الخلافة دولة غير إسلامية بحكم الأغلبية. إن سلفية الديمقراطية ~~لا تعود إلى الحجاز وإنما تعود إلى أثينا وروما قبل ظهور الإسلام بقرون طوال تصل إلى ~~الألف عام، ولم تعرفها بلاد الحجاز من يومها حتى يومنا هذا! # في نظام الحكم الإسلامي ليس هناك شيء اسمه الديمقراطية، لا يعرف أغلبية وأقلية؛ لأنه ~~لا يوجد شيء اسمه رأي الرعية، بدليل أن الأقلية العربية هي التي كانت تحكم بمشاركة ~~الفقهاء فقط ولا وجود للرعية. الخليفة عثمان كان يتصرف دون أن يأخذ رأي أغلبية أو ~~أقلية. وقتله بعض المسلمين من خيار الصحابة وأبناء الصحابة دون أن يأخذوا رأي أغلبية ~~ولا أقلية ودون أن تخرجهم جريمة قتل الإمام من الملة، فهذا القتال هو الوحيد في تاريخ ~~المسلمين الذي لا يأثم فيه المسلم إن قتل مسلما من أجل الجاه أو السلطان، أو المال. ~~وكان القتلة رعية عربا مسلمين يقومون بمهمة نشر الإسلام في مصر، فلما علموا أن هناك ~~أموالا تؤخذ ومناصب توزع، تركوا مهمتهم السامية وعادوا إلى يثرب يطالبون بنصيبهم حتى ~~قتلوا خليفتهم، فهل هذه هي الديمقراطية وتلك هي الدولة التي يقصدها أبو الفتوح؟ أم ~~تراه يرى دولته أكثر إسلاما وأقل عيوبا من دولة الراشدين؟ # لو كان هناك رأي لأغلبية ms079 لأخذ أبو بكر وهو خليفة برأي الصحابة وعلى رأسهم عمر بعدم ~~قتال مانعي الزكاة، ولما أنفذ رأيه المتفرد أعلن عليهم الحرب على عدم رغبة الأغلبية من ~~كبار الصحابة. # لو كان هناك أي اعتبار لمعنى الأغلبية لأخذ عمر برأي تسعة من عشرة من خيار الصحابة ~~استشارهم في قيادته لجيوش الفتوح بنفسه، وقالوا بوجوب إمارته للجيوش، لكنه أخذ برأي ~~العاشر وحده، وهو عبد الرحمن بن عوف الذي قال بوجوب بقاء الخليفة سيدا للمدينة، وإرسال ~~الجيوش تحت قيادات أخرى، ولم يأخذ برأي التسعة. # إن الإسلام كما نعلم عنه جميعا هو علاقة عبد بخالقه ولا علاقة له بدولة ولا حكومة ~~ولا سياسة، لو كان مهتما بذلك لوضع شكلا محددا لنظام الحكم ومؤسساته، وطرق تبادل ~~السلطة، وأساليب توزيع الثروة، ولما تقاتل الصحابة الأجلاء على الأموال المنهوبة من ~~البلاد المفتوحة (تراثنا الإسلامي يسمي ذلك بوضوح: نهبا) كل هذا القتال؛ لأنه سيكون ~~لديهم طرق سياسية مقدسة محددة سلفا لكل مسلم، لكن لأن ذلك كله لم يكن في الإسلام، فقد ~~حدثت الفتنة الكبرى، وعندما تم التعامل مع الدين في السياسة لم يكن قط لمصلحة الدين، ~~وألحق أفدح الضرر بالسياسة؛ مما أدى إلى مقتل عثمان وبداية الفتنة الكبرى، ومحاربة ~~عائشة أم المؤمنين لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه حربا دموية وحشية بكل المقاييس، ~~ومحاربة كاتب الوحي معاوية لعلي مكرم الوجه، ومحاربة الخوارج لكليهما، بل انقسام دين ~~المسلمين إلى قسمين لا يلتقيان ولا يلتثمان أبدا: شيعة وسنة يستبيحون دماء بعضهم بعضا ~~وكلاهما مسلم؟! ولأن نظام الحكم لم يكن اهتماما إسلاميا تمت استباحة مدينة رسول الله ~~ثلاثة أيام في وقعة الحرة، الكريهة، وتم ضرب الكعبة وحرقها بالمنجنيق على المتحصنين ~~فيها. كل هذه الأضرار الفوادح لحقت بالدين عندما تم إلحاقه بالسياسة وهو غير مشغول بها، ~~مما أدى إلى ضرر مماثل على الجانب السياسي. # ولأن الإسلام لم يهتم بمسألة أنظمة الحكم والإدارة، فقد ترك المسلمون الفاتحون البلاد ~~المفتوحة تدار كما كانت تدار بالأساليب الرومانية والساسانية، وهي أساليب غير إسلامية ~~اخترعتها شعوب غير ms080 عربية وغير مسلمة منذ قرون طويلة، بل أمر الخليفة عمر بإنشاء دواوين ~~عربية هي نموذج لما كان في السابق في دولتي الفرس والروم. ~~••• # نتابع القطب الإخواني عبد المنعم أبو الفتوح وهو يقوم بتحديث الفكر الإخواني، طلبا ~~للانخراط في العملية السياسية، في ظرف عالمي جديد يختلف بالمرة عن زمن نشأة الإخوان، ~~فيقول: «إني أرى أن كل الدول التي أغلب سكانها من المسلمين هي دول إسلامية حسب المبدأ ~~الديمقراطي سواء مصر أو الأردن، وذلك لا يعني أننا نوافق أو نرضى عما لحق بهذه الدول من ~~فساد وعطب، متمثل في استبداد سياسي وفساد اقتصادي وخلقي.» # لو حاسبنا أبو الفتوح هنا على قدر ما قال هو، لقلنا له: إنه حسب المبدأ الديمقراطي، ~~فإن أبا الفتوح يتكلم باسم جماعة الإخوان وهم أقلية في مجتمعنا المصري، ومع ذلك يتكلم ~~كما لو كان أغلبية، ويفعل جميع الإخوان فعله ليترسب في الأذهان بالتكرار، أنهم ليسوا ~~أقلية، وأنهم ليسوا منشقين على شعبهم، متمردين على الحكومة القائمة، والأقلية كما قال ~~هو لا تفرض رأيها على الأغلبية، ناهيك عن كون هذه الجماعة أقلية خارجة على القانون ~~وجماعة غير شرعية حسب قانوننا المدني. # وإن أبا الفتوح إذ يلزمنا بصفته كمفكر وكحركي إسلامي إخواني، فإنا نلزمه بهذه ~~الإسلامية وأن يطبق على نفسه قوانين الشريعة الإسلامية؛ لأن معارضته للنظام الحاكم هي ~~تمرد على دين الإسلام نفسه الذي أمرنا بطاعة ولي الأمر، و«أطع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ ~~مالك، ولو كان عبدا حبشيا فاسقا فاجرا» (أحاديث صحاح)؛ حرصا على عدم الفتنة كما ~~تؤكد المراجع السنية، التي هي مراجع الإخوان بوصفهم وهابية حنبلية سنية؛ فهو إما أن ~~يعارض لكن بعد أن يخلع صفة الإسلامية عن سياسته ومواقفه «حتى نصدقه» وإما أن يتمسك ~~بصفته الإسلامية ويصمت ولا يشارك في الفتنة لعن الله من أيقظها «حتى نحترمه». # في دولتنا الحالية التي أنشأها محمد علي كدولة حديثة، يلزمك كي تتهم غيرك بالفساد أن ~~تحصل على حكم قضائي يدين الفاسد أولا، وحديثه عن الفساد في الدولة الإسلامية يلزمه ~~أولا تقديم ms081 وثائقه والحصول على حكم قضائي بذلك، وإلا كان حسب الشريعة الإسلامية قاذفا ~~يستحق الجلد عاريا على ملأ من المسلمين. ثم عليه في المقابل أن يثبت هو نزاهة نفسه ~~وجماعته كمدعين بالفساد على الحكومة، وتقديم سيرة واضحة تحترم القانون والأخلاق والقيم، ~~وهو كجماعة لا يتصف بمثل هذه السيرة بالمرة، وصحيفة سوابقهم تمتلئ بألوان الجرائم ~~أشكالا وأنواعا. # إذا تحدثنا بلغة الإسلام فإن ما يراه من فساد اقتصادي في الدولة القائمة، رآه عثمان ~~حقا له كخليفة، ورآه العرب المصريون فسادا فقتلوه؛ لأنه ليس في الإسلام قانون واضح ~~يحمي المال العام؛ لذلك فجريمة الاختلاس من المال العام تقع تحت شبهة المشاركة فيه، فلا ~~تصبح سرقه، كذلك فإن سرقة سيارة ليست سرقة لأنها حسب الشرع سائبة كالبغال والحمير، ~~والإبل والماعز التي ترعى سائبة، أما سرقة الكاسيت الموجود في داخلها فهي جريمة سرقة ~~تستحق القطع لأن الكاسيت كان في حرز مغلق. ولأنهم لا يعترفون بأن ذلك زمان يختلف في ~~قيمه وشرائعه عن زماننا، يسقطون في شراكهم اللفظية والشرعية. نحن بالطبع ضد الاستبداد ~~والفساد الاقتصادي والأخلاقي، لكن أسوأ الفساد هو الانتهازية بالدين ضد الوطنية مما ~~يبذر بذور الشقاق والفتنة في المجتمع. # في جملة واحدة يقول أبو الفتوح نقيضين: «هناك فساد أخلاقي ونحن ضد الخروج عن المبادئ ~~الإسلامية»، لأن تعريفهم للفساد غير تعريفنا اليوم للفساد؛ فالمبادئ التي يقول إنها ~~إسلامية ترى العبد الآبق كافرا حتى يرجع إلى مواليه (حديث صحيح قام عليه فقه بكامله)، ~~ومبادئنا تراه مناضلا عظيما في سبيل الحرية يستحق أن تقام له التماثيل في الميادين. ~~المبادئ التي يقول إنها إسلامية تبيح تجارة الرقيق وركوب الجواري والتمثيل بالأحياء ~~قطعا ورجما، فتحت أي بند من مبادئ الأخلاق تقع هذه المبادئ الإسلامية؟ أوليس من حقنا ~~كمسلمين ملتزمين أن نحصل على ملك اليمين، وهو شرع شرعه ربنا وبنى عليه مفكرونا فقها ~~كاملا؟ لماذا لا تعيدون إلينا الجواري كما فرضتم الحجاب، تكافحون من أجل شيء ليس في ~~شرعنا اسمه الدولة الإسلامية ولا تكافحون لتنفيذ شريعة الله في أرضه بعودة نظام ms082 ~~العبودية. إنهم يرون نكاح ملك اليمين فضيلة ونراه نحن اليوم بمنطق عالمنا اغتصابا ~~يعاقب عليه بالإعدام. يرون تعدد الزوجات فضيلة ولا نراه كذلك، يرون السياحة والبنوك من ~~فعل الشيطان الرجيم، ونرى نحن بنوكه الإسلامية تمثيلية هزلية رخيصة يشارك فيها البنك ~~والمودع لخداع الذات، حيث يذهب كل المال إلى مساره الطبيعي الربوي في حركة الأموال ~~العالمية. # أليس هذا تدليسا على الرب؟ ثم ألا يشير إلى أننا أصبحنا ذهانيين؟ نحن كليبراليين ~~نرى سياحتنا وحدها كفيلة ببروز مصر إلى صدارة الأمم المحترمة إن أحسنا استخدامها كأكبر ~~كنز أثري في العالم كله، وفق تقنيات العصر وأساليبه، وهم يرونها فسقا وفجورا ~~ووثنية. # هم يرون أن قراءة الموظفين القرآن أثناء العمل فضيلة (وإلا ما فعلوها)، ونراها نحن ~~تعطيلا لمصالح العباد، فهذه هي الرذيلة المرذولة والنطاعة المكروهة نفسها. # إن الفساد يعني الخروج على قاعدة أخلاقية أو قانونية وضعية كما يفهمه العلم الإنساني، ~~أو هو حسب الفهم الديني خروج على قاعدة شرعية دينية سماوية. فإذا قصد أبو الفتوح من ~~الفساد جانبه الوضعي: كسياسات جمارك، وبنوك، وجنسية، وضريبة، ومحاكم إدارية، وجنائية، ~~فإن جماعة الإخوان حسب هذه القوانين الوضعية هم أول المفسدين؛ لأنهم جماعة غير شرعية ~~فسدت بخروجها على القانون الوضعي بوجودها رغما عنه، فسدت بإصدار صحف ونشرات دون ~~تراخيص، فسدت بشركات توظيف الأموال ونهب أموال الفقراء، فسدت بغسل الأموال بعد أن تم ~~القبض مؤخرا على حوالي 135 شركة إخوانية تغسل الأموال القذرة الملوثة، فسدت بجمع ~~الأموال لتمويل جماعات الإرهاب الدولية، فسدت باختراقها قواعد الاستثمار البنكي بما ~~يدمر اقتصاد الوطن. # أما النوع الثاني من الفساد الذي يكون بالخروج على قاعدة دينية شرعية، فإن شر الفساد ~~في هذا النوع ليس بالخروج على القاعدة فقط، بل ضربها بالحذاء علنا، فقد ساهم الإخوان ~~بالصمت والسكوت على تعطيل شرع الله فصمتوا على تحريم العقوبات البدنية، والرق، والسبي، ~~ويعدوننا أنهم سيقطعون أيدينا إن شاء الله بالشريعة عندما يحكمون! ألا يوجد بين الإخوان ~~سارق واحد أو زان واحد الآن لتطبقوا عليه شريعة الله، التي تزعمون أنكم ms083 حراسها، حتى ~~يصدقكم المسلمون؟ أم تنتظرون الوصول إلى حكمنا لتكونوا أنتم الحاكمين القاطعين ونحن ~~المقطوعين؟ ~~••• # يتابع القطب الإخواني عبد المنعم أبو الفتوح مبررا فشل التجارب الإسلامية الحديثة في ~~إقامة دول إسلامية قوية، أو ديمقراطية، بقوله: «حسب المبدأ الديمقراطي، ليس غريبا أن ~~يفشل الإسلاميون هنا أو هناك مثل غيرهم، فليس عيبا أن يفشل فصيل إسلامي فيأتي فصيل ~~آخر؛ لأن العبرة بالمبادئ والقيم وليس بالبشر، وإن الإخوان ليسوا كغيرهم من الفصائل ~~التي تكفر المجتمع.» وهو قول يعني أن المبادئ والقيم تقتصر على الإسلام والإخوان ~~باعتبارهم حماته والمتحدثين باسمه، ويعني أيضا اعتراف الإخوان أنهم بشر يخطئون ~~ويصيبون، وفي حال فشل فصيل في الحكم لا يعني فشلهم مطلقا، بل يمكن أن يأتي فصيل آخر ~~وينجح حسب المبدأ الديمقراطي، ثم يميز بين فصيله وبقية فصائل الإسلام السياسي بأن ~~الإخوان ليسوا كغيرهم من الفصائل التي تكفر المجتمع، وبذلك هم ليسوا ضد المجتمع ولا ~~ضد الديمقراطية، ومن ثم يحق لهم الانخراط في العملية السياسية. # إخواننا الإخوان لا يروننا دولة عمرها المؤسسي سياسيا واقتصاديا وقيميا ~~وقانونيا يمتد لأكثر من عشرة آلاف عام إلى الوراء، فهذا تاريخ يستحيي منه الإخوان؛ ~~لأنه تاريخ قوم وثنيين وغير عرب وغير مسلمين؛ لذلك لا تجد له أي ذكر في أدبياتهم بل ولا ~~أي اعتبار، باعتباره شيئا غير موجود، وباعتبار أن تاريخ مصر يبدأ مع وفود الجيوش ~~العربية فاتحة لها، ومع ركوب أول عربي لأول امرأة مصرية في العريش. # الإخوان لا يرون بأسا في إخضاعنا لعمليات تجريب ووضعنا حقل تجارب لجهلاء السياسة ~~وأغبياء الاقتصاد، ويعطون هذا الحق لأنفسهم بعد أن قصروا المبادئ والقيم على التجربة ~~الإسلامية، منكرين على البشرية كلها مبادئها وقيمها قبل الإسلام وبعد الإسلام، بل ~~ومنكرين على الأنبياء السابقين أن يكون لهم مبادئ وقيم كما للتجربة الإسلامية. # القيمة التي يركز عليها الإخوان هذه الأيام هي الديمقراطية والحريات، وهي ما تجعل ~~المسلم البسيط يتساءل، إذا كانت الحريات كما نعرفها اليوم، وإذا كانت الديمقراطية ~~السياسية، من قيم الإسلام ومبادئه، وأن لها أسسا إسلامية في ms084 ديننا أيا كانت ~~التسميات: شورى، بيعة، فلماذا لم يطبقها أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو معاوية، وهم ~~كبار الصحابة وملوك الإمبراطورية في عزها ومجدها؟ # إن الديمقراطية هي تداول السلطة بشكل سلمي، فلماذا لا يذكر لنا أبو الفتوح خليفة ~~واحدا تولى الحكم ديمقراطيا منذ ظهر الإسلام حتى سقوط دولة طالبان غير مأسوف على ~~شبابها. أو هل كان الولاة يتم اختيارهم من قبل أهالي الأقاليم؟ إن هذا كلام يفضح تمسك ~~أبو الفتوح وإخوانه بالفلسفة العربية للفتوحات التي لم تعرف للبشر حقوقا ولا كرامة، ~~وتبعا لها تحول الناس الأحرار في بلادهم بعد الفتوحات إلى عبيد وموال وأهل ذمة ~~وسبايا، عليهم دفع الأموال للفاتحين، ولا مساواة، ولا أي حقوق. فشريعتنا تنص على عدم ~~قتل المسلم بذمي، فلا يلزمه سوى الدية بل نصف دية المسلم، يعني العربي يقتل عشرة ذميين ~~ويدفع قيمتهم، هذه هي المبادئ والقيم التي تخبرنا بها التجربة الإسلامية وشرائع ~~الإسلام. إنها فلسفة السيد المالك والعبد المملوك، كلام أبي الفتوح فلسفة تحمل داخلها ~~وتستبطن الاحتقار العربي القديم للمفتوحين ولكن في صورة حديثة، ألا تراه لا يجد مانعا ~~مطلقا من جعلنا فئران تجارب لورثة السيادة العربية، يفشل فصيل فيأتي غيره؟ # ثم ألا ترون كلام أبي الفتوح وإخوانه عن دولة إسلامية عتيقة بدائية برطانة الدولة ~~القومية المعاصرة، يحدثوننا عن الحرية والمساواة والديمقراطية والمدنية؛ وهو ما يعني أن ~~الإخوان يكتشفون لنا اليوم مشروعا إسلاميا للحكم بعد مرور أربعة عشر قرنا وثلث قرن ~~على ظهور الإسلام! # أين كان المسلمون يوم دخلت أوروبا عصر النهضة والتنوير لتبدأ على الأرض العصر الصناعي ~~وزمن الديمقراطية؟ أين كانوا وماذا غيبهم عن حضور هذا المشروع والمساهمة فيه ~~والاستفادة منه؟ # وإذا كان من غير الغريب أن يفشل الإسلاميون في الحكم، فلماذا نتحمل هؤلاء الفشلة بعد ~~مرور أربعة عشر قرنا وثلث القرن من الفشل المتواصل في إقامة العدل والحرية والمساواة ~~وإحقاق حقوق الإنسان وكرامة بني آدم؟ لماذا نتحمل هؤلاء وأمامنا ما هو مؤكد النجاح في ~~بلاد الغرب الحر، أو لنطل في ms085 المنور المجاور فقط! # إن أسلوب أبي الفتوح إضافة إلى كذبه على الذات وعلى المسلمين وتضمنه حديث السيد ~~للرعية، أسلوب خال من الذوق، وخال من المسئولية. # فهو يتضمن ازدراء واستهانة بنا وبأمتنا المصرية التي تحضرت من فجر البشرية، محققة ~~سبقها بلا منازع أو زاعم، إن نصوص هذه الحضارة سجلتها الكتب المقدسة جميعا، كما أن فجر ~~الضمير الأخلاقي القيمي كان هناك على اتفاق بين المؤرخين. # حديثه عن فشل فصيل ليأتي فصيل يعني تناوب الفشلة على حكمنا، وهو حديث بدوي بدائي ~~يتهاون في مخاطبة أهله وناسه، فيخاطبهم خطاب السيد للرعية، وهم أهل الدولة وأصحابها ~~وأول من وضع لها في التاريخ نظاما مؤسساتيا هرميا بيروقراطيا منذ عشرات ~~القرون. # إن قوله إن العبرة بالمبادئ والقيم التي هم حراسها، يعني أننا قبل الغزو العربي ~~الاستيطاني لم نكن نعرف الضمير أو الأخلاق أو القيم أو البعث والحساب، وكلها مدونات ~~مصرية قديمة محفورة في مختلف متاحف العالم، عرفنا المساواة مبكرين لأنه لم يكن عندنا ~~فقه حنفي أو حنبلي في أصول العبودية ونكاح السبايا ومفاخذة الرضيعة، فلم يكن عندنا حر ~~ولا مملوك ولا ذمي ولا جارية ولا أم ولد، كانت حرية العبادة مكفولة لكل مواطن، وفي ~~دولتنا المسلمة الحالية وكما يرى أبو الفتوح، فإن حرية العبادة مفقودة، كما هي مفقودة ~~في مشروع الإخوان البديل لحكمنا كعبيد لورثة الفاتحين. # وفي إنكار أن يكون الإخوان كبقية الفرق ممن يكفرون المجتمع، واستنكارا لهذا ~~التكفير، يؤكد: إننا نحن الإخوان لسنا كبقية الفرق التي تكفر المجتمع. # إذن ماذا يعني اسمكم العلم «الإخوان المسلمون»؟ ألا يعني أنكم الإخوان المسلمون، ~~وأننا وبقية شعب مصر المسلم الطيب من غير المسلمين، يعني كلنا «الإخوان الكافرين»؟! ~~أليس اسمكم وحده تكفيرا علنيا واضحا لكل شعب مصر؟ # اللهو الخفي في مضامين كلام أبي الفتوح، أنه يرى أنهم عندما يصلون إلى السلطة فلن ~~يكون هناك أحزاب أخرى تخوض المعركة الديمقراطية للوصول إلى الحكم؛ لأنه كما قال في فلتة ~~لسانية: «ليس غريبا أن يفشل فصيل إسلامي فيأتي فصيل آخر»، والمعنى أنهم عندما يصلون ms086 ~~إلى الحكم سيكون تداول السلطة بين الفصائل الإسلامية وحدها. يفشل فصيل فيأتي فصيل، هذا ~~كلامه هو وليس كلام غيره. # هل تسمعون يا أهل مصر؟ هل ترون إلى أين يأخذكم الإخوان؟ ~~••• # تتتالى فلتات القطب الإخواني عبد المنعم أبو الفتوح اللسانية وتتكاثر وهو يقول: «نحن ~~ضد الخروج على المبادئ الإسلامية، وضد الاستبداد السياسي في العالم الإسلامي، ونحن مع ~~الإرادة الشعبية الحرة والحريات، ومع أن الدولة مدنية وليست دينية، فيحكمها المدنيون ~~المتخصصون في مختلف النواحي؛ إلا أنها إسلامية في شتى المناحي.» # بداية حتى نفهم أبا الفتوح نتساءل: هل يشير إلينا؟ أين هي الإرادة الشعبية في فقهنا؟ ~~وأين هي الدولة المدنية في الحديث النبوي؟ وأين هي الحريات في تاريخ الخلافة كلها راشدة ~~أم غير راشدة؟ أين سورة الدولة المدنية في القرآن؟ أين آية الدستور؟ أليستا أهم من ~~الفيل والبقرة والنمل والجن؟ إذا كانت الدولة مدنية أو غير مدنية ضمن اهتمامات الإسلام، ~~فلماذا لم يتنزل وحيا سورة الإرادة الشعبية؟ لماذا ليس لدينا باب في صحاح الأحاديث ~~بعنوان حقوق الإنسان مثله مثل باب النكاح؟ إن إخواننا الإخوان يفرشون بيتنا العتيق ~~المسكون بالأشباح والإخوان والغيلان، من أحدث بيوت الخبرة السياسية العالمية، من بيت ~~فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو، من مبادئ الثورة الفرنسية، ومن قيم الأمم المتحدة، وهي ~~مبادئ وقيم لم تكن موجودة في قاموس البشرية كلها قبل ظهور أصحابها. # وضمن انتصارات جماعة الإخوان غير المشرفة لاستخدامها أساليب صراع غير نظيفة، هو ~~تمكنها من تزييف وعي الناس بهدف خلق وعي مزيف ورأي عام مصنوع ملعوب فيه، فئوي، طائفي، ~~رأي عام لا يعبر عن المصلحة العامة، بينما المصلحة العامة هي الغرض النهائي للعملية ~~الديمقراطية برمتها، فإن لم يعبر الرأي العام عن المصلحة العامة تكون اللعبة كلها ~~مزيفة، وعلى مثل هذا الرأي العام الفاقد الوعي بمصلحته العامة يراهن الإخوان. لقد تمكن ~~الإخوان عبر أجهزة الدولة الإعلامية جميعا من عقل الناس وتزييف وعيهم ضد مصالحهم، من ~~أجل مكاسب فئات بعينها على حساب الوطن كله بناسه وأرضه وتاريخه ومستقبله، إنها جريمة ~~إبادة ms087 شاملة لوعي الإنسان بمصالحه ليكون إنسانا حرا غير مسير، هي إبادة أجيال بأسرها ~~بخطب منبرية، فيتحول المسلم في لحظة إلى وحش كاسر ضد أشقاء الوطن لأن رساما في ~~الدانمارك تكلم بالسوء عن النبي. وهذا الكاسر هو الإنسان الجاهل المتخلف العاري الحافي ~~الجائع المريض، ومع ذلك كله يسير مهموما بفلسطين والعراق ويتظاهر ضد أمريكا، ولا ~~يتظاهر ضد الفقر والجهل والمرض والاستبداد وثراء السادة الفاحش والسفيه من «سلاطين ~~وفقهاء وراقصات»، على حساب باقي بني الله في الوطن. المأساة أن ما يحدث بين الحكومة ~~والإخوان من مظاهر اختلاف خادعة، لا يخفي مدى الاتفاق على الكذب على الناس وتبرير كل ~~فساد ممكن عند الطرفين، وتزييف الدين وهم يقدمونه للناس على اتفاق بينهما، بالمنطق ذاته ~~حكمت به الخلافة عبر تاريخها الطويل، تاريخ لم تعنه يوما المصلحة العامة، بل مصلحة ~~الحاكمين والملتحقين بهم وعلى رأسهم المشتغلون بالدين على المواطنين. # إن أبا الفتوح يطرح علينا نظاما إسلاميا لدولة الإخوان المرتجاة، فهلا أشار لنا ~~أين توجد هذه الدولة في إسلامنا فقها أو حديثا أو قرآنا أو سيرة أو حتى شعرا؟ ~~الموجود في كل هذه المصادر هو نظام عقابي لا نظام قانوني حقوقي، والموجود لدينا هو فقه ~~عبودية وجهاد وحرب وسبي وجزية وتقطيع أوصال البشر أحياء، نظام عقابي انتقامي لا نظام ~~تهذيبي تأديبي. # وهو حين يطرح هذا النظام الإسلامي لدولته، يقدم لها المبررات، موضحا أنها صلب ~~الإسلام وجوهره المتين، فلا يجد بعد جهد ولأي سوى القول: «الإسلام كدين مختلف عن ~~الأديان التي سبقته مثل المسيحية؛ فالمسيحية كانت تعلن أن ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ~~وأعلنت بوضوح أنها لا دخل لها في أمور دنيا الناس، وبالتالي لا علاقة لها بالسياسة ~~والاقتصاد، لكن حين جاء الإسلام وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى جانب أنه نبي مرسل كان قائد ~~دولة، ولأن النبي والصحابة من بعده كانوا إلى جانب أنهم دعاة وأصحاب عقيدة كانوا ~~حكاما، ولا يوجد حكم دون أفكار مرجعية وتوجه وإدراك سياسي.» # وهذا كلام يحتاج إلى وقفة طويلة تحاول ms088 الترتيب والفهم وإعادة التفسير، فمثلا مما هو ~~بحاجة إلى إعادة تفسير؛ لأنه يحتمل فهما آخر، هو إعلان المسيح ترك ما لله لله وإعطاء ما ~~لقيصر لقيصر. # إن تفسيرا آخر سيرى المسيح يريد بهذا المبدأ طمأنة الروم على فلوسهم وأملاكهم مما ~~ينشى هدنة سلامية بين الطرفين. وحين فعل ذلك فإنه قد جعل نفسه اليد العليا والسلطة ~~الموزعة للسلطات؛ فهو من يقوم بتقسيم الأرزاق وتوزيعها، وتوزيع السلطات أيضا باعتباره ~~ممثلا للسلطة الإلهية طالبا اعتراف الرومان بهذه السلطة. وهو ما حدث، ولكن إلى حين. ~~نذهب إلى صورة أخرى تبدو مطابقة لهذه الصورة في الإسلام، فقد بدأ الإسلام في الزمن ~~المكي بهدنة سلامية بطمأنة مكة وملئها على مصالحهم ومالهم وتجارتهم، واعتبر القرآن ~~النبي نفسه مجرد مبلغ نذير لا يملك أي سلطان عليهم، وبعد الهجرة إلى يثرب وقوة عود ~~الدعوة، جاء النسخ في الوحي لتلغي آيات الحرب والسيف كل آيات الهدنة السلامية جميعا، ~~لأنه من حق صاحب القرار العودة عن قراره، فجاء النسخ في القرآن في السور المدنية ~~بالمواجهة العسكرية، وهو ما حدث في المسيحية عندما أصبحت الكنيسة هي صاحبة اليد العليا ~~حتى على الملوك والقياصرة. # إن مثل تلك الأمثال تشير إلى عقل قروسطي يريد أن يعود بنا إلى القرون الوسطى المظلمة. ~~كلاهما أباح مؤقتا أن تؤخذ الدنيا منه مؤقتا في شكل هدنة سلامية تضمر الرجوع عن ~~القرار، فأخذ كلاهما الدنيا والآخرة عندما تمكن. في الإسلام بدا ذلك واضحا في إعطاء ~~النبي للمؤلفة قلوبهم وحرمان الأنصار أصحاب الانتصار على المؤلفة قلوبهم، والخليفة عمر ~~كان يوزع حسب منازل ودرجات العرب ما يأتي به جيش الفتوح، والمعنى أن الإخوان عندما ~~يحكموننا هم من سيقوم بتوزيع الأرزاق. والنظام الاقتصادي الإسلامي لا يعرف ملكية أرض ~~لأهلها المقيمين عليها؛ لأنها جميعا وقف على العرب الفاتحين حسب القرار العمري ~~الأشهر. # أما قول أبي الفتوح أن النبي والصحابة كانوا حكاما، وأن ذلك دليل على وجود الدولة بل ~~هو مرجعية وإدراك سياسي للدولة، يفوته أن الدول أصناف، منها ما هو في حال الابتداء ms089 ~~الأول ومنها ما أقام المؤسسات والقانون مثل أثينا وروما وبابل، منها جزر القمر ومنها ~~أيضا أمريكا، ومنها دولة يثرب ومنها أيضا دولة خفرع. والثابت تاريخيا أن هذه الدول ~~قد قامت قبل الإسلام، بعضها بألوف السنين وبعضها بقرون طوال. والثابت تاريخيا أنه ~~عندما قامت إمبراطورية الإسلام واستولت على الدول المجاورة، استولت أيضا على أساليب ~~الحكم القائمة فيها من ألوف السنين، استولت على ماكينة بيروقراطية لا تتوقف بسبب تغير ~~الحكام، علقوا عليها يافطة العروبة والإسلام فقط. # الدول كما يعرفها التاريخ تحتاج إلى ألوف السنين لتقوم وتحمل علميا هذا الاسم، ~~تحتاج إلى ألوف السنين لتصبح ذات حضارة، كالصين وسورها العظيم، ومصر ومعابدها وأهرامها ~~ودولتها الواحدة دون تبدل مليمتر واحد منذ مينا موحد القطرين، وبابل وحدائقها المعلقة، ~~وفينيقيا وفتوحها البحرية والأبجدية. ومن يصنع الدولة هم مواطنوها وأهلها وليس دينا من ~~الأديان بعينه، وإلا ما قامت دولة أو حضارة مما تمت الإشارة إليه من هنيهات، كان الدين ~~أحد المحاور لكنه كان سمحا لدرجة التعددية المفرطة؛ مما خلق تعددية بشرية مماثلة ~~متسامحة متحابة تجمعها حدود دائمة اسمها الوطن، ويعيشون في ظل نظام اجتماعي سياسي ~~تعارفوا عليه اسمه الدولة. # الدولة لا تنشأ بقرار، الدولة الوحيدة التي نشأت بقرار هي إسرائيل، ومثلها تلك التي ~~يطلبها الإخوان، منهج التفكير البدوي نفسه، أليسا بني عمومة؟! إنهم يقومون بإعادة إحياء ~~تاريخهم القديم بخطف الدولة وتعليق يافطة الإسلام عليها، وإلا فليبرزوا لنا برنامجا ~~وطنيا واحدا. ليس لديهم شيء، كل ما يريدون هو الكرسي الأعظم في الوطن. # بيشتغلوا بالمقلوب، فيستنتج أبو الفتوح من كون النبي وصحابته كانوا حكاما إذن فهم ~~كانوا حكاما على دولة، إن رئيس العصابة حاكم، وأي مجتمع بشري بحاجة إلى قيادة حاكمة، ~~ولكن ليس كل مجتمع له حاكم هو دولة بالضرورة؛ ولو كان عمر لديه نظام فلماذا أخذ بأنظمة ~~الفرس والروم؟ # يوجد في العالم ستة مليارات إنسان لا ينكرون عجيبة الهرم ولا فلسفة أرسطو ولا نظام ~~رمسيس، لكن ثلاثة مليارات ينكرون يسوع، وخمسة مليارات ينكرون محمدا، بينما منتج اليونان ~~الديمقراطي ms090 ومنتج الروم القانوني مقبول من الستة مليارات بنسبة مائة بالمائة، كل الناس ~~أخذت به، ولم تأخذ جميعها من أي دين أي شيء له شأن. # أي مرجعية تلك التي يحدثنا عنها أبو الفتوح؟ أي حضارة مرجعية يستند إليها اليوم؟ ~~حضارة حكي وحواديت وفخر وهجاء فاضي، كانوا عالم فاضية، اليوم قد أصبح الوقت بالفعل من ~~ذهب، وكالسيف حقا إن لم تقطعه قطعك إربا إربا، بل مزقك شر ممزق، وهو فارق الزمن ~~بيننا وبين من حققوا وجودهم الحضاري المتفوق في العالم. # لذلك في الدولة بمعنى الدولة كان الفرعون من فجر التاريخ لا يعطي شعبه فرصة البداوة ~~وانتظار نضج المحصول في استرخاء بليد غير منتج، فكانت فترة انتظار الحصاد هي فترة ~~الأعمال المعمارية الكبرى في مصر القديمة. بمناسبة حضارتكم ودولتكم: أين هرمكم يا أبا ~~الفتوح؟ # المصري القديم بنى المسلات بدون مساعدة إبراهيم العبراني ومعه الملائكة تساعده في ~~بناء الكعبة. وفي زمن الإمبراطورية العربية فإن عاصمة الإمبراطورية الإسلامية تركت ~~البداوة وتحركت نحو الحضارة، فاستقرت في بغداد ودمشق والقاهرة. # كانت هذه دولتنا المصرية قائمة قبل غزو العرب الاستيطاني لها، وكانت قائمة قبل ظهور ~~الإخوان، فهل عندما يتم تغيير سائق السيارة، يأتي السائق الجديد ويقول: «أنا من صنع ~~السيارة»؟! إن السائق المرشح للقيادة يعلن ذلك علينا في أكبر عملية سطو تاريخي علني لا ~~يخجل مما يقول ولا يستحي، يقول إنه صانع دولتنا المقبلة دون أن يقدم دليلا واحدا ~~يشير إلى أن أحدا منهم يفهم أصلا معنى دولة. أو عليه إذا اعتبر أن نبينا قد بنى دولة ~~الإسلام، أن يشير لنا أين نجد في التاريخ من صنع دولة مصر ودولة روسيا ودولة بريطانيا، ~~وإذا كان الدين يقيم دولا فأين هي دولة الخضر، وذي الكفل، واليسع، وذي النون؟! # أما المفزع حقا فهو ما وصل إليه الإخوان من حالة شيزوفرنيا، فهم يطلبون دولة ~~إسلامية صنعها الرسول، ثم يقول لنا أبو الفتوح دون أن يرمش له جفن: «إن الإسلام لا يسمح ~~بدولة الفرد الواحد الذي يعمل قاضيا ورئيسا ومشرعا، إن هذا ms091 نظام قبلي يجوز في حكم ~~القبائل لكنه لا يصح في حكم الدول، والشعوب أصبح تعدادها بالمليارات الآن، وإن السلطة ~~يجب توزيعها على السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية.» # يا قوم: إن أبا الفتوح ينكر علنا معلوما من الدين بالضرورة، إنه ينكر على النبي أن ~~يكون حاكما فردا في دولته، فقد كان النبي حاكما بنظام دولة الفرد الواحد الذي يعمل ~~قاضيا ورئيسا ومشرعا، فكان هو النبي، وهو الحاكم، وهو القاضي، وهو قائد الجيوش، ~~وهو موزع الغنائم ، وهو من يعقد العقود والعهود مع الدول الأخرى أو يفضها، ويصفه أبو ~~الفتوح بأنه نظام قبلي يجوز في حكم القبائل لكنه لا يصح في حكم الدول، ونحن معه مائة في ~~المائة فيما وصل إليه، لكنه أبدا لا يرى أن هذا النظام القبلي الذي لا يصح في حكم ~~الدول كان هو نظام حكم الرسول والراشدين من بعده، وهو النظام الذي سيقيم على أساسه دولة ~~الإخوان الإسلامية؟! دولة لا تعرف تقسيم السلطات، دولة نظام بدوي قبلي بدائي قدم له ~~أبو الفتوح تعريفه لنا بنفسه، تراهم وهم يأفكون علينا، هل يفقهون ما يقولون؟! # نتابع الحوار الهام مع القطب الإخواني العلم عبد المنعم أبي الفتوح؛ فالحوار مع ~~الإخوان لا يمل رغم ملل ما يقولون ويرددون، يقول أبو الفتوح: «إن كل الشعارات التي ~~رفعتها البشرية سواء الحرية أم احترام حقوق الإنسان أم العدالة هي نفسها مبادئ الإسلام، ~~إلا أن الإسلام يحول هذه المبادئ إلى دين يتعبد به الإنسان إلى ربه بالالتزام بهذه ~~المبادئ.» # هؤلاء القوم يكذبون وهم يعلمون أنهم وايم الله لشر الكذابين، وعندما يكذبون فيما ~~يتعلق بمصير أمم وشعوب فإن هذا الكذب يكون جريمة خيانة عظمى للوطن والناس والأمة في ~~صفقة مع الشياطين لا تستحي ولا تخزى، وعندما يكذبون بالدين وعلى الدين فعلينا فورا أن ~~نفهم أن الدين ليس غرضا لهم بالمرة، بل هي شهوة السيادة والسلطان وحدها. # والآن لنكشف معا هذا الكذوب الشرير على أمته وناسه ودينه ومستقبل بلاده، ولننشر له ~~زيفه على الملأ بادئين بسؤاله: إذا كانت شعارات الإنسانية ms092 كالحرية وحقوق الإنسان ~~والعدالة، معروفة كمبادئ للإسلام، قبل أن تعرفها البشرية بقرون طوال، فهلا قدم لنا ~~شيئا من القرآن أو السنة يؤكد هذا الذي قال. الحرية في الإسلام هي ألا تكون عبدا تباع ~~وتشترى ليس أكثر ولا أبعد من ذلك مليمترا واحدا، أو ليرد علينا بالفقه والشريعة ~~والحديث والقرآن ما نقول هنا إن استطاع، ولن يستطيع لأننا مع قارئنا لا نقول إلا صدقا ~~ولا نفتري كذبا لأننا لا نرتزق ولا نريد سلطانا، ولأننا نسكر حبا بهذا الوطن وناسه، ~~ولا نقف إلا على أرض صلبة من المراجع والمصادر الأمهات، أما هم فيكذبون ويقبضون طوال ~~الوقت دونما سند من حديث أو قرآن أو شرع أو فقه. # أي حقوق إنسان ضمن مبادئ الإسلام؟ إن حقوق الإنسان هي آخر ما وصلت إليه البشرية في ~~رقيها الأخلاقي بعد حروب طاحنة، أوجبت التواضع بين البشرية على مبادئ حقوقية مقدسة ~~للإنسان أيا كان لونه أو دينه أو جنسه، وهو ما دفع الدولة المدنية إلى مزيد من ~~الحريات والانطلاق الفكري والعلمي إلى أقصاه، ولم يتم ذلك إلا بعد انتهاء الحرب ~~العالمية الثانية وإقرار مواثيق جنيف وقيام هيئة الأمم المتحدة. # إن القول بحقوق إنسان يفترض مساواة تامة ومطلقة بين أفراد المجتمع دون تمييز بينهم ~~لأي سبب أرضي أو سماوي، لا بسبب عنصر، ولا طائفة، ولا دين، ولا جنس، إنما يتميزون ~~بالحقوق المتساوية لأنهم بشر يستحقون هذا المستوى الحقوقي الواضح الراقي غير ~~الملتبس. # هذا بينما المساواة مسألة لا وجود لها بالمطلق في إسلامنا، فإسلامنا يفرق أولا بين ~~المسلم وغير المسلم في البلد الواحد ولكل منهما حقوق وواجبات غير الآخر، ويفرق بين ~~السيد والعبد، وبين العربي الحاكم السيد وبين المحكومين، إن كانوا من غير العرب فهم إما ~~أهل ذمة أو موال وهم من أسلم منهم، والموالي هم العبيد، وأهل الذمة أدنى منهم درجة، ~~وبين الرجل والمرأة، وبين القرشي وبقية العرب، وبين المضري والحضري، وبين العدناني ~~والقحطاني، لكل حقوق وواجبات غير الآخر؛ فالحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى ~~بالأنثى، وقد قسم الخليفة عمر ms093 الأعطيات القادمة من البلاد المفتوحة على العرب، بعد أن ~~كلف هيئة من النسابة تضع الناس في منازلهم رتبا؛ فالمهاجرون غير الأنصار، وأهل بدر غير ~~بقية المسلمين، وكذلك آل البيت، والهاشمي غير كل قرشي، والمرأة غير الرجل، فكان نصيب كل ~~منهم حسب رتبته يختلف عن نصيب وحقوق الفئة الأخرى. # كان هناك إفراط في التراتبية الطبقية في وضع الناس رتبا ومنازل وطبقات وبيوتا، ومن ~~ثم لا يصح الحديث عن أسنان المشط سوى بحسبانها لونا من الكلام الجميل الذي لم يجد ~~طريقه إلى الواقع ولو مرة واحدة، ودون مساواة لا مجال للحديث عن حقوق إنسان. لقد كانت ~~دولة الخلافة دولة من لهم كل الحقوق يحكمون من عليهم كل الواجبات! # وهل من حقوق الإنسان ومن معاني الحرية الاتجار بالبشر واستعبادهم في الحروب، وركوب ~~نساء المهزوم وهتك عرض غير المسلم، وترى هل يتعبد أبو الفتوح وإخوانه لربهم بمثل هذه ~~المبادئ؟ # المهم يختمها عبد المنعم أبو الفتوح بشرح مطول لقول حسن البنا: «أقيموا دولة الإسلام ~~في قلوبكم تقم على أرضكم»، ويظل يشرح ويفصل كما لو كان بصدد شرح نص قدسي، حتى تكاد ~~تفهم أن أرضنا اليوم ليس فيها دولة، وأن على الجميع تهيئة هذه الأرض لقيام ~~الدولة. # إذا لم يكن القول: «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم على أرضكم» أية قرآنية ولم ~~يكن حديثا نبويا، فكيف جاز لأبي الفتوح أن يبني عليه كل شروحه تهيئة لدولته المنتظرة ~~التي يصفها بأنها إسلامية؟ فإذا كانت إسلامية وكانت دولة فلماذا لم يقلها الله ولا نبيه ~~ولا حتى أحد من صحابته ولا تابعيه ولا تابعي تابعيه. # أم ذلك كان سهوا من القرآن والحديث وجاء الإخوان ليتداركوه، وهل احتاج هذا التدارك ~~إلى مرور أربعة عشر قرنا وثلث القرن؟ أم هو دين جديد؟ لو كانت «أقيموا دولة الإسلام في ~~قلوبكم، تقم على أرضكم» من الإسلام لقالها الرسول، ولو كان الإسلام مشغولا بدولة ~~لقالها القرآن، أو أن نفترض أن أبا الفتوح والإخوان بيعرفوا إسلام أحسن من ربنا ~~والنبي. # إن النبي لو قال هذه ms094 العبارة لانفض المولد من زمان، كل المسلمين كانوا سيطيعون ~~ويسمعون الكلام. لا كان ظهر لنا طه حسين ولا الشيخ علي عبد الرازق؛ لأنه لن يكون هناك ~~فصال في المسألة بعد تقريرها دينا. # ولا يوهمنك قول أحدهم إن موضوع الدولة ونظام الحكم والحريات والمساواة وحقوق الإنسان ~~كانت متضمنة في الآيات أو السنة؛ لأنها ليست مسائل بسيطة أو هينة يشار إليها بالتورية ~~الضمنية، فهذا مصير شعوب وأمم ودول وأوطان، لا بد أن يكون الحديث بشأنه واضحا قاطعا ~~لا يحمل أي التباس أو كناية أو استعارة. # وإذا كان الإسلام قد اهتم بنظافة المسلم حتى أنه علمه الاستنجاء وعد لذلك ثلاثة أحجار ~~ذات صفات ثلاث فيجب أن تكون قالعة نظيفة طاهرة، إذن لقال إن عدد أعضاء مجلس الشعب كذا، ~~لو كان ذلك ضمن اهتماماته كدين، أم أن الدولة ونظام الحكم والسياسة أقل أهمية من طريقة ~~تنظيف المؤخرة بعد التغوط؟ # إنهم يقيمون لنا دينا جديدا ومقدسا جديدا، الفاتحة فيه: «أقيموا دولة الإسلام في ~~قلوبكم، تقم على أرضكم»، وقصار السور فيه: «الإسلام هو الحل»، ويريدون أن يحكموا ~~بالقرآن والسنة بينما القرآن والسنة ليس فيهما شيء عن الحكم والحكومات؛ لذلك يضيفون إلى ~~القرآن والسنة ملحقا هو «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم على أرضكم.» أليس ذلك ~~الفعل مثله مثل فعل مسيلمة الكذاب سيئ الذكر؟ أم تراهم مسيخ آخر الزمان ~~الدجال؟ # إن دولتنا موجودة منذ عشرة آلاف عام وهم يريدون إقامتها اليوم، يريدون إضافة القطع ~~والرجم، رغم أنهم لم يقطعوا يد واحد إخوانجي حتى اليوم؟ أليس بينكم لص واحد تفعلون فيه ~~الشريعة يا أبا الفتوح لتثبتوا للناس صدقكم مع أنفسكم أولا؟ وماذا عن شركات توظيف ~~الأموال وماذا عن غسل الأموال القذرة؟ أم تريدون تطبيق الشرع علينا دونكم؟ # إن إخواننا الإخوان كذابون شر الكذب، يتكلمون عن الشرف ولا يتراجعون عن هتك عرض ~~العدو، يتكلمون عن الحرية ولا يتراجعون عن فقه العبودية، يتكلمون عن التسامح ويسمون ~~غيرهم كفارا وأوطانهم ديار حرب، يتحدثون عن حقوق الإنسان ويبيحون العدوان على الغير ~~وسلبه ms095 وأسره لمن استطاع إليه سبيلا، يتكلمون عن اقتصاد إسلامي غير ربوي ويبيحون ~~الاستيلاء على كل ما يملك المهزوم فلا يبقى لديه مال حتى يرابي به، اقتصاد خراجي، أي ~~اقتصاد خرابي، فاقتصاد بدون بنوك تعمل وفق الماكينة الدولية للاقتصاد العالمي هو خراب ~~عاجل. # هذا ما يعرضه علينا الإخوان أن نعود عبيدا في دولة خلافة خراجية، مجتمعها رتب ومنازل ~~وطوائف وملل ونحل وطبقات لا يحكمهم حق واحد؛ لأن الحق عندهم هم ليس واحدا، رغم إعلانهم ~~الدائم الدائب أن الحق واحد. # ألا ترون مدى كذبهم في قولهم بحق واحد، مع تعددية في الحقوق لا تأتلف ولا تلتقي ~~أبدا؟ # الفصل الثامن # | مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام ~~حكم؟ # (1) تأسيس جدلي # يبدو أن الإجابة عن السؤال عنوان هذه الورقة، أمر محسوم بالإيجاب من قبل كل ~~المشتغلين بالشأن الديني الإسلامي، ويلخص الدكتور يوسف القرضاوي - الملقب ~~بالفقيه المعتدل - الموقف بقوله: «إن إقامة ~~الدولة المسلمة التي تحكم بشريعة الله وتجمع المسلمين على الإسلام وتوحدهم تحت ~~رايته، فريضة على الأمة الإسلامية يجب أن نسعى إليها، وعلى الدعاة إلى الإسلام أن ~~يعملوا بكل ما يستطيعون للوصول إليها، وأن يهيئوا الرأي العام المحلي والعالمي ~~لتقبل فكرتهم وقيام دولتهم» (الصحوة الإسلامية بين التطرف والجحود، ص222، ~~223). # وعليه فإذا كانت إقامة الدولة المسلمة فريضة لتحكم بشرع الله، فلا شك أن هذا ~~الشرع قد وضع لهذه الدولة الأصول والضوابط الكاملة التامة الجامعة المانعة نظرا ~~لمصدرها الإلهي، وأنه قد وضع لها نظام الحكم وطرق تبادل السلطة مع شرح وبيان وتفصيل ~~لدستور الدولة ومؤسساتها وعوامل نهضتها وقوتها. ولكن إذا لم نجد أي إشارات من أي ~~نوع أو لون لهذه الدولة المطلوبة في إسلامنا، وهو ما نزعمه ونضع له البينات تلو ~~الأخرى عبر سلسلة موضوعات تناولت فكرة الدولة الإسلامية، وهو ما سنضيف إليه جديدا ~~هنا يؤكد أن الله لم يبين للمسلمين ولم يطالبهم بإقامة دولة إسلامية. ومع ذلك ~~يجعلها مشايخ الصحوة الإسلامية فريضة إلهية، بما يعني أنها تكليف ديني للعباد من رب ~~العباد لإقامة دولته الإلهية ms096 على الأرض، وهو ما سيدفع السؤال للبروز: كيف يكلفنا ~~الله بما لم يبينه لنا؟ فإذا لم يبين الله لنا ضرورة إقامة دولته وشكلها أملكي أم ~~جمهوري أم أي آخر، فإن دعوة الشيخ قرضاوي وزملائه من إخوان مسلمين وأزاهرة ودعاة ~~وفقهاء، تكون افتئاتا على دين المسلمين وكذبا عليهم وافتراء على قرآنهم وسنتهم، ~~من أجل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد مع استخدام الدين انتهازيا ~~ونفعيا، وهو لون من التبخيس والازدراء للدين، حتى يظهر غير قادر أن يدفع عن نفسه ~~استخدام كل من يريد، من أجل ما يريد من مصالح ومنافع دنيوية بحتة. # والغريب أن السادة العاملين في حقل الدعوة الإسلامية يجمعون بين ما لا يأتلف ولا ~~يجتمع؛ فالدولة لا تقوم إلا في وطن، أرض ذات حدود ثابتة واضحة ومجتمع يعيش على هذه ~~الأرض بالتحديد، اللغز يلتبس عندهم عندما تجدهم يريدون دولة ورغم ذلك يعتبرون فكرة ~~الوطن فكرة أوروبية استعمارية مستوردة، ويسخر الشيخ قرضاوي هو نفسه منها ويسميها ~~رابطة التراب والطين التي لا تعلو على رابطة الدين العظيم، بل يزعم «أن الإنسان ~~يضحي بنفسه من أجل دينه، ويضحي بوطنه من أجل دينه؛ فالدين مقدم على الإنسان» (حلقة ~~الظاهريون الجدد، الجزيرة). وحل اللغز يكمن في فكرة التمكين، وهي الفكرة القائلة ~~بأنه يوم يتم تمكين المسلمين من إقامة دولة إسلامية في أي مكان، فسوف يكون تمكينا ~~كتمكين المهاجرين من سيادة يثرب، ومنها تنطلق عزمات المسلمين لاحتلال الأرض كلها كي ~~تدين بالإسلام؛ لذلك لا حدود وطنية للدولة المسلمة، فأرضها هي العالم كله، عالم بلا ~~حدود، ومن هنا ساغ للشيخ أن يقول ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتقدم فيه العصبية ~~الوطنية على الأخوة الإسلامية حتى يقول: # المسلم وطني قبل ديني ... وأن دار الإسلام ليس لها رقعة محددة. (كتابه ملامح ~~المجتمع المسلم الذي ننشده، مكتبة وهبة، 2001م، ص24، 57، 80، 86)؛ لذلك كان الشيخ ~~شديد الصراحة فيما يتعلق بمفهوم المواطنة، إذ يقول: «في واقع مصر والعالم العربي» ~~شجع المستعمرون النعرة الوطنية هادفين إلى أن يحل الوطن محل الدين، وأن يكون ms097 الولاء ~~للوطن لا لله، وأن يقسم الناس بالوطن لا بالله، أن يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل ~~الله. (كتابه الإخوان المسلمون، مكتبة وهبة، 1999م، ص19، 20.) # يعود السؤال ليطرح نفسه: كيف يكلفنا الله ~~إقامة دولة دون أن يشير إلى ذلك لا في القرآن ولا في الحديث النبوي؟ إن الصحوة ~~الإسلامية بدعوتها لإقامة دولة تعني حربا عالمية على الجميع؛ لأنه إذا ما صدقنا أن ~~الإسلام دين ودولة، وأن الإسلام دين عالمي، فستكون النتيجة أن العالم كله هو دولة ~~الإسلام . وهو مأزق شديد الصعوبة يضع جميع المسلمين في حالة خروج وعصيان جماعي على ~~الشريعة الدولية، ويزيد من ضعف شأنهم وتخلفهم نتيجة عدائهم وخصامهم وكراهيتهم ~~للنظام الغربي بمنجزه العلمي والحضاري كله. # هنا نسأل سؤالا عمليا هو: كيف لنا أن نوجه خطابا ليبراليا يحترم الإسلام ~~ويقف على أرضه وينافح عنه، يقوم بمصالحته مع الحداثة بإعادة قراءته قراءة علمية ~~محايدة مدققة؟ وكيف نكتسب القارئ المسلم العادي (فما فوق) للاستماع إلى ما نطرحه ~~عليه والاستمرار في هذا الاستماع، بل وربما السعي وراءه. # إن فكرة المؤامرة التي تسيطر على العقل العربي والمسلم تجعل الفرد غير قادر على ~~تجاوز حاله الراهن؛ لأنها لا تجعله يرى ما بيد الآخرين من وسائل التقدم والرقي، ~~لأنهم أعداء (وعادة ما تكرس هنا وتعاد حكاية الاستعمار الحديث وأمريكا ~~وإسرائيل)، وللاعتقاد بأن ما بيدنا في إسلامنا فيه كفاية وغنى عن رؤية أي مختلف أو ~~جديد؛ لأن مصدره الإلهي يضمن كماله التام. # تحت هذه المظلة كيف يمكن أن نوجه خطابا عقلانيا للمسلم، ونموذجنا في هذه ~~الورقة هو «فريضة إقامة دولة إسلامية»؟ كيف يمكن دحض هذه الفكرة؟ # هنا علينا تذكير المسلم أن قريشا قد عرضت على النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # في بداية ~~دعوته أن يكون ملكا عليها، فرفض صيغة الملك كوسيلة للسلطة، وأصر على أنه نبي رسول ~~وعبد من عباد الله مكلف بإبلاغ أمر الدين ليس أكثر، جاء يبلغ الناس دين الله ~~حسبما أمره ربه، بل ورأى في الملك صورة سلبية من صور السلطة ms098 فقالت الآيات القرآنية: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~. # الملحوظة الأهم هي أنه لو كان محمد # صلى الله عليه وسلم # يرى في نفسه ملكا مقيما لدولة ~~لاستخلف بعده من يقوم بالرئاسة لهذه الدولة، وهو ما لم يفعل، لقد بلغ المطلوب منه ~~تبليغه؛ رسالة الدين، وعدا ذلك لم يشغله لأنه ليس من الدين في شيء. # الملحوظات الأكثر أهمية أن خلفاء النبي المباشرين في القيادة والزعامة والمعروفين ~~في تاريخنا باسم الخلفاء الراشدين، حكموا بضميرهم الشخصي وباعتبارهم كانوا صحابة ~~النبي الأقربين، مع علمهم أنهم لا يحكمون في دولة ووطن له حدود واضحة وأرض ذات صفات ~~بيئية بعينها. كانوا يعلمون أنهم زعماء قبيلة يحكمون باسم السلطة والقوة والانتصار ~~العسكري، وأنهم قد ورثوا تلك الزعامة القبلية على بقية القبائل عن النبي المؤسس. ~~كانت شكلا بدائيا لدولة تولد ولم تكتمل ملامحها، ولا شكلها، ولا نظامها، ولا ~~دستورها، ولا مؤسساتها، ولا قانونها وسبل تفعيله، ولا فلسفتها الأخلاقية والسياسية ~~ولا أجهزتها الرقابية والمحاسبية. ولم تكتمل تلك الدولة ~~من يومها حتى اليوم؛ لأنها ولدت في مجتمع ~~مشرذم قبلي بدوي لا يجمعه وطن لأنه متحرك أبدا، وفي مجتمع كهذا تكون الدولة بما ~~تعنيه لنا اليوم شيئا غير مفهوم لهم بالمرة. كانت المسألة هي حسبما ورد في معجم ~~العربية «السيادة والتمكين والرئاسة والأمر والسلطة»، وهي كلها مصطلحات عرفها العرب ~~ولكن بعيدا عن مفهوم نظام الحكم في دولة. # لذلك تولى كل من الخلفاء الراشدين الحكم بطريقة تختلف عن الآخر، وأدار كل منهم ~~شئون الرعية بطريقة تختلف بالكلية عن الآخر؛ فالحقوق في عهد الخليفة أبي بكر غيرها ~~في عهد عمر، غيرها عند عثمان، غيرها عند علي، رضي الله عنهم، فبينما ساوى أبو بكر ~~في العطاء ومات مسموما في روايات، فقد فرق عمر هذا العطاء تناسبا مع منازل ~~الناس ومكانتهم ومات مقتولا، وبينما امتنع كلاهما عن الاستفادة الشخصية الباذخة من ~~بيت المال فإن عثمان سمح لنفسه بذلك ومات ذبيحا بيد الصحابة، وقد تولى أبو بكر ~~الحكم استنادا لتكليفه بإمامة الصلاة ms099 في مرض النبي الأخير، وتولى عمر بطريقة جديدة ~~فقد استخلفه أبو بكر، وتولى عثمان بطريقة ثالثة عبر ترشيحه ضمن ستة اختارهم عمر عند ~~موته ليختاروا واحدا من بينهم، وبينما بايع بعض المسلمين الإمام علي امتنع آخرون ~~عن بيعته وحاربوه حتى سقطت خلافته بمقتله. # وكلنا يعلم أن الإسلام عندما كان يهتم بشأن لا يتركه إلا مفصلا واضحا أبيض شديد ~~الدقة والتدقيق؛ فالصلاة، وعددها في اليوم، ومواعيدها، وعدد ركعاتها، وسجداتها، ~~وماذا يقال فيها، قبل وبعد، والتهيؤ للصلاة بالنظافة من الوضوء وإسباغه وطرقه وغسل ~~اليدين للمرفقين والرجلين للكعبين، وقبل الوضوء الاستنجاء أي دخول الغائط والتنظيف ~~بأحجار لها مواصفات وعددها ثلاثة، كل هذه التفاصيل في شأن تعبدي واحد فما لنا لا ~~نجد عن الحكم والدولة شيئا يذكر البتة؟! لماذا لم يشرح الله لعرب الجزيرة شأن ~~الدولة بدقة، وهو عالم أنهم جهلاء وأن نبيهم أمي؟ لماذا لم يبين سبل تبادل ~~السلطة؟ ولماذا لم يرسل لهم دستورها وكيف تتشكل الحكومة، وأجهزتها الرقابية ~~والقضائية، ودرجات المحاكم، وشكل اقتصادها أحر أم موجه أم مزيج من الاثنين؟ إن ~~السماء لا تعبث فهي عندما تكلفنا شأنا فهي تبين كل جوانبه كما في التكليف بالصلاة، ~~ومع ذلك يقول مشايخنا إن إقامة الدولة الإسلامية فريضة تكليفية بينما لا نجد في ~~القرآن أو السنة أي فلسفة للدولة، ونظم الحكم، والمراقبة، والمحاسبة الحكومية، ~~والشعبية، ودستورها، وقيم هذا الدستور ... إلخ. # وقول دعاة الدولة الإسلامية إن دولة النبي كانت دولة بالمعنى الكامل الذي نفهمه ~~منها اليوم، وكان دستورها هو القرآن الكريم، هو قول يفتقر إلى الدقة، بل إلى الصواب ~~بالمطلق؛ لأن للدستور شأنا يختلف عن القرآن، فمعظم نصوص الوحي ظنية الدلالة كما ~~قرر الأصوليون وجمهور الفقهاء، وهي الإشكالية التي حاول الجويني ثم الشاطبي حلها ~~بالركون إلى المقاصد الكلية للشريعة بدلا من الوقوف عند حرفية النص القرآني. ويقول ~~الشيخ جلال الدين السيوطي: «وقال بعض العلماء إن لكل آية ستين ألف فهم.» فإذا كان ~~النبي في زمنه موجودا ويستطيع أن يحيل إلى الفهم الصحيح من بين الستين ألف ms100 فهم، ~~فمن يستطيع اليوم أن يحل محله عندما نجعل القرآن دستور دولتنا؟ # هذا ناهيك عن كون نصف آيات القرآن الكريم منسوخا ونصفها ناسخا، وفيها المحكم ~~والمتشابه، وهو كله أمر احتاج بالضرورة إلى وجود النبي بين الصحابة لعلاقته بالسماء ~~التي كانت تتدخل لحل المشاكل المستجدة، أما شأن الدستور المدني والأهم هو قابليته ~~للتطبيق دون اختلاف؛ لأن كلماته يجب أن تكون صارمة دقيقة واضحة لا تحتمل أكثر من ~~دلالة وفهم واحد، وإذا تم إلغاء بند من بنوده يزال من الدستور ولا يبقى فيه ~~منسوخا. # وتقفو الملحوظات المندهشة بعضها بعضا، فقبل الإسلام بقرون طويلة كان أفلاطون قد ~~انتهى من كتابه «الجمهورية»، وانتهى أرسطو من وضع فلسفة السياسة وأحوالها، وقبل ~~الإسلام بقرون طويلة طبقت أثينا نظام الدولة الديمقراطية المباشر، وطبقت روما ~~ديمقراطية تقوم على حقوق المواطنين عبر مجلس الساناتو، ومواد الدستور وسيادة ~~القانون، ولا شك أن المسلم يؤمن أن الله كان يعلم كل هذا، لكنه لم يحدثنا فيه ولا ~~أشار إليه ولا اتخذ منه موقفا، مع ملاحظة أن الإسلام قارن بين الإسلام والأديان ~~الأخرى، واتخذ منها موقفا سلبيا أو إيجابيا، لكنه لم يقل إن لديه دولة وإلا ~~لقارنها بالدول الأخرى مبينا فضل دولته وتميزها عن غيرها، كما قارن بكثير من ~~التفاصيل الواضحات القاطعات بين الأديان لبيان فضل الإسلام على غيره من أديان. ولو ~~أراد لنا أن نقيم دولة إسلامية، وألا نستفيد من تجارب الشعوب الأخرى السياسية، لكان ~~عليه أن يحذرنا من أفلاطون، وأن يندد بدستور روما، ويهجو سياسة أرسطو. ولكن كل ذلك ~~لم يكن واردا لأن الإسلام كان دينا فقط. ونلحظ بشدة أن القرآن قد تحدث عن ذي ~~القرنين الثابت لدينا أن المقصود به هو القائد اليوناني إسكندر بن فيليب المقدوني ~~(انظر كتابنا الأسطورة والتراث)، ومعلوم أن الأخير كان تلميذ الفيلسوف أرسطو، ولم ~~يتم التنديد بأرسطو وفلسفته ولا بربيبه ذي القرنين الذي تسنم ذروة عالية في ~~الإسلام، حتى كاد يكون مثل موسى # صلى الله عليه وسلم # كليما لله. ~~(2) الحاكمية كمؤسس شرعي لدولة دينية # ولدعم ms101 موقفهم يرفع أنصار إقامة الدولة الإسلامية مطلبهم تأسيسا على آية قرآنية ~~وشعار إعلامي ترويجي، الآية هي ما يسمونه آية الحاكمية # ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~(المائدة: 44)، والشعار «الإسلام هو الحل». فكما أنجز الإسلام قديما ونصر الأراذل ~~الأذلة الضعفاء القلة في بداية الدعوة، حتى جعل منهم ومن أخلافهم سادة لإمبراطورية ~~كبرى؛ فإنه وحده هو الكفيل باستعادة هذه النصرة الإلهية، عن طريق عملية السحر ~~التشاكلي حيث ينتج الشبيه شبيهه، فإن أطعنا الإسلام في أدق تفاصيله وعشنا كما عاش ~~النبي والصحابة في طاعة كاملة للسماء، فإن ذلك سيكون كفيلا بإنتاج الشبيه لشبيهه، ~~وسيتدخل الله لنصرة أمته التي أخلصت له الدين، وتعود الإمبراطورية والفتوحات من ~~جديد. وعليه فحل كل مشاكلنا، وكل عمليات الإصلاح الممكنة لا يكون إلا من الإسلام ~~وبالإسلام وهو في النهاية طريق ومنهج سحري ميكانيكي يطالب رب السماء بنصيبه من ~~العقد بالتدخل المباشر بنفسه لإنقاذ خير أمة أخرجت للناس، ودون حلول يقدمها ~~المسلمون لأنفسهم. # إن آية الحاكمية تبدو لنا مؤسسة لدكتاتورية تامة المعاني والمواصفات؛ لأن أصحاب ~~الدولة الإسلامية هم مشايخها، وهم العارفون بما أنزل الله، وهم من يمكنهم تفسير ~~كلام الله، وهم الفاهمون العارفون بشريعة الله، وهم أيضا من يعرف كيفية تطبيقها ~~وحدودها وعقوباتها، باختصار هي دعوة تجعل من أصحابها المشرع والقاضي والجلاد في ~~آن واحد. # ثم إن معنى الآية من لم يحكم بما أنزل الله كافر؛ فهو على الوجه الآخر يعني أن من ~~يحكم بما لم ينزل الله فهو كافر، وإقامة دولة إسلامية لم تكن فيما أنزل الله، ~~وستكون نظاما يقوم مخالفة تامة للآية، فآية الحاكمية ليست في مصلحة الفكر السلفي ~~كأساس يقيمون عليه شرعية دولتهم المرتقبة. # والمفهوم من التكفير في الإسلام، أنه يكون في حالة عدم التزام المسلم بقاعدة ~~تشريعية مدونة في كتاب الله، أو الخروج عليها. والله لم ينزل في كتابه أي نص بقاعدة ~~تشريعية عن دولة الإسلام. # ورغم السيادة القيادية لقريش وإقامتها إمبراطورية عربية إسلامية من بعد، فإن ~~الصحابة ظلوا يجرون التجارب، دون وجود ms102 مرجعية دينية لقيادة هذا الشاسع الذي فتحوه، ~~ثم سلموا لهذه البلاد بنظمها الإدارية البيروقراطية التراتبية الهرمية وبدواوينها، ~~كما كانت تدار من قبل لعشرات القرون، واستفادوا منها وأقاموا دواوين الإمبراطورية ~~العربية. فإذا لم نجد في نصوص القرآن والسنة ما يفيد بإقامة دولة كهدف من أهداف دين ~~الإسلام، فهل نجد ذلك في طريقة حكم الصحابة الخلفاء؟ وتفعيلا لحديث «لا تجتمع أمتي ~~على ضلالة»، وهو أحد التعابير العربية التي يكتظ بها قاموسنا ولا معنى لها في ~~واقعنا، هي أقرب إلى شعر الفخر والتمنيات أكثر مما كانت واقعا، فلم يحدث أن أجمع ~~المسلمون على حكم أي صحابي ولو واحدا من الصحابة الذين حكموا، والصحابة أنفسهم لم ~~يجمعوا على مدة الحكم، ولا كيفية الوصول إلى الحكم، ولا نظام الحكم، ولا مؤسسات ~~المجتمع المدني التي لم تكن معروفة بإطلاق، ولا فصل سلطات، ولا مجلس شيوخ أو نواب، ~~فهذا كله لم يكن معلوما لديهم. # وإذا كان الله يريد دولة على الأرض، واختار الإسلام والمسلمين لهذه المهمة، فهل ~~عاش كل الناس والأنبياء السابقين في دولة الشيطان؟ وهل لم يعبدوا الله بصورة حسنة ~~قبل الإسلام وقبل قيام إمبراطورية الإسلام وبعد سقوط هذه الإمبراطورية؟ # الواضح في الآيات أن الله يقصد: # ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله # تحذيرا بأن الله أنزل شأنا وأن هناك من لم يحكموا ~~بهذا الشأن، وليس في هذا الشأن دولة ولا نظام حكم؛ فالحكم المقصود في الآية هنا هو ~~الحكم بمعنى القضاء والتقاضي بين الناس بموجب قانون شرعي سماوي، وليس الحكم بما ~~نفهمه من الرئاسة والقيادة والزعامة. ولم يعرف اللسان العربي من الحكم ما نفهمه منه ~~اليوم؛ لذلك الحكمة هي الحكم وفق الفانون وليست الملكية أو الرئاسة. وإذا كان دعاة ~~الدولة الإسلامية يرون أن هذا الذي أنزل الله هو نظام الدولة، وأن هناك من رفض ~~العمل بهذا النظام لذلك نزلت الآية تحذر وتتوعد، فعليهم أن يأتونا بأسباب النزول من ~~تراثنا الثري المكرر الممل لكثرة التكرار والتفصيل عن الواقعة، وكيف حدثت، ومن الذي ~~حكم بما أنزل الله ومن ms103 هذا الذي لم يحكم بما أنزل الله؟ عليهم أن يبينوا لنا من ~~هؤلاء الذين رفضوا دولة الإسلام زمن النبي، وماذا كان موقف النبي منهم، وما هو ~~البديل الذي كانوا يطرحونه ... إلخ. # إن التاريخ ناصع واضح ليس فيه دولة إسلامية، ولم يكن هناك من يقاوم قيامها، فآية ~~الحاكمية ليس لها بنظام الحكم السياسي أي علاقة، وقد أكد إله الإسلام وجوب الابتعاد ~~عن الدولة الدينية بقوله: # ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون ~~؛ لأنه لم ينزل الدولة ومن ~~يطلبها حسب هذا الفهم هو من بين هؤلاء الذين وصفتهم الآيات ب # أولئك هم الكافرون ~~(النساء: 151). # وإذا كان النبي قد سبق وعرف وعلم ما يعلمه المتأسلمون اليوم عن آية الحاكمية، ~~فلماذا لم يعرض الرسول نظام دولته الجديدة على الناس كما عرض عليهم دينه الجديد؟ أم ~~كانت دولة الإسلام موجودة دون علم الرسول؟! ~~(3) الإسلام وطرق الحكم # في الحفل الإعلامي الدعوي الدائم، المقام للصحوة الإسلامية منذ ثمانينيات القرن ~~الماضي حتى اليوم، تجد الإصرار على تهيئة العقل المسلم لقبول فكرة شديدة البطلان، ~~مفادها أن الإسلام قد احتوى كل ما وصلت إليه الحداثة من مبادئ، وقيم، وحقوق ~~إنسانية، وعقد اجتماعي، وأنظمة سياسية ديمقراطية، وحرية فردانية مقدسة ... ~~إلخ. # فإذا كان المسلمون يملكون كل تلك الأدوات الحاكمة بين الشعب والحاكم في مؤسسات ~~دولة، بما أدى إلى إرادة شعبية واعية أصبحت هي الحاكم الحقيقي عبر انتخابات حرة، ~~فلماذا نحن في قاع الأمم، بينما شعوب الغرب الكافر قد صنعوا جنتهم في بلادهم وعلى ~~أرضهم. إنها ذات قصة العلم والإيمان أن نعيش وهمنا الخاص لنؤكد لأنفسنا أن كل قيم ~~التحضر كانت موجودة لدينا لكننا لم نعرفها حتى اكتشفها لنا الغرب الكافر ~~الملعون. # إن معظم هذه المفاهيم عن عقد اجتماعي وحريات وحقوق إنسان ديمقراطية علمانية، هي ~~بنت زماننا، ولم يعرفها الإسلام لأنها لم تكن قد وجدت في القاموس الإنساني بعد، ومن ~~يقول بغير ذلك؛ فهو كمن يقول إن الصحابة والفقهاء عرفوا قيم العدل والتفوق والتحضر ~~ولم يعملوا بها، وتركوا المسلمين تحت الاستبداد ms104 الخليفي والإمامي، وهي بهذا المعني ~~جريمة تاريخية لا تغتفر ولا تليق بالصحابة ولا الفقهاء. # لنأخذ واحدا فقط من هذه المفاهيم «مفهوم العدل»، الذي يجمع عليه دعاة الدولة ~~الإسلامية كقاسم قيمي مشترك لجميع التيارات، فلا أحد سيختلف على العدل كقيمة حقوقية ~~واجتماعية واقتصادية وسياسية؛ فهي قيمة القيم جميعا وأسها المشترك. المشكلة ~~تواجهنا عندما نبدأ التعامل مع مفهوم العدل بتغير المكان والزمان، وفي زمان مختلف ~~عن زماننا، وفي مكان مختلف عن مكاننا، عاش أعدل حكام زمنه في الحجاز الخليفة عمر بن ~~الخطاب، حتى صيغت حول عدله الأقاصيص والأشعار الشهيرة: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا ~~عمر، وهو من تحولت بعض أقواله قرآنا نزل به الوحي مؤيدا لما رأى عمر، حتى روى ~~الترمذي عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر»، وأجمعت الروايات أنه ~~كان صليبا في دين الله لا تأخذه في الله لومة لائم. # كان من عدل عمر في زمانه أنه كان يوزع الأموال التي انهمرت على يثرب من البلاد ~~المفتوحة، حتى لا يبقى في بيت المال درهم يحاسبه الله عليه ماذا فعل به؟ وكان أخشى ~~الناس - فيما كان يردد - من مكر الله. فكثر المال ونزح الخيرات الضنينة الموجودة في ~~الجزيرة دون إنتاج مواز، فدخلت أعوام المجاعة المعروفة بالرمادة؛ لأن الخليفة كان ~~معياره وهمه الأساسي هو اتقاء مكر الله، وأن يضمن لنفسه النجاة يوم البعث والحساب؛ ~~لأنه لم يكن رجل سياسة واقتصاد، فوقعت كارثة الرمادة رغم انهمار أموال ~~الفتوحات. # صام الخليفة العادل عن أطايب الطعام وأكل الشعير الملتوت بالزيت حتى اسود جلده، ~~مشاركا رعيته في مصابهم الجلل؛ ومن ثم أرسل لعمرو بن العاص يستغيث، فأرسل إليه ~~بقافلة طعام وسوائم نفق معظمها في الطريق، فاستشار ابن العاص المقربين منه من ~~المصريين عن أسلم وأسرع السبل لوصول المئونة إلى يثرب، فأشاروا عليه بإعادة حفر ~~قناة سيزوستريس التي تربط النيل بالبحر الأحمر، لكن ذلك كان يعني بوار أرض مصر عدة ~~أعوام، نتيجة انشغال اليد العاملة في سخرة القناة، فرد عليه الخليفة ms105 عمر: «اعمل ~~فيها وعجل، أخرب الله مصر في عمار مدينة رسول الله» (الطبري، وعلى اتفاق بين ~~رواة السير والأخبار، كتاب التاريخ، بيروت، مجلد 2، ص509). # وهكذا كانت منظومة ومنطق ذلك الزمان أنه على المهزوم أن يدفع ثمن هزيمته الدائم، ~~وأن عمر كان لا يرى المصريين ضمن رعاياه؛ لأن رعاياه هم العرب المسلمون وحدهم؛ لذلك ~~شاركهم في مصابهم، وطلب لهم الغوث ولو بخراب مصر. # وعمر هو صاحب عهد الذمة المشهور الذي تعامل مع غير المسلمين في البلاد المفتوحة ~~بحسبانهم عبيدا أنجاسا مناكيد، يجب أن يعلنوا عن أنفسهم بلبس ما يغاير المسلمين ~~حتى يعرفوا فلا يسلم عليهم ولا يتاجرون مع المسلمين، قال مالك بن أنس: «بلغني أن ~~عمر بن الخطاب كتب إلى البلدان ينهاهم أن يكون النصارى واليهود في أسواقهم وأن ~~يقاموا من الأسواق كلها»؛ ومن ثم لم ير في هؤلاء رعية له، بل كانوا مجرد أشياء ~~نافعة كالسوائم، فهم مجلب ومصدر للفيء والجزية مع تحملهم المذلة والهوان طالما ظلوا ~~غير مسلمين. وهو شأن غير شأننا اليوم؛ لأن في بلادنا مواطنين غير مسلمين لا نستطيع ~~أن نسلبهم حق المواطنة، أو أن نعاملهم كدرجة أدنى في سلم البشرية. # وعلى مستوى جزيرة العرب حيث رعية الخليفة، فإن الخليفة إيغالا منه في خلوص ~~ضميره، قام يقسم الفيوء الواردة من البلاد المفتوحة على عرب الجزيرة حسب منازل ~~الناس في الدعوة، ففرض لمن حضر بدرا خمسة آلاف؛ ~~لأنهم كانوا وقود النصر البدري ومفصل تحول محوري من ضعف إلى قوة، حتى إن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال بشأنهم: «إن الله قد غفر لأهل بدر ما تقدم من ذنب وما تأخر.» وفرض لمن ~~بعد بدر حتى الحديبية أربعة آلاف، ثم من الحديبية إلى نهاية حروب الردة البكرية ~~ثلاثة آلاف، ثم لأهل القادسية والشام ألفين، وحتى اليرموك ألفا، وأدخل مع أهل بدر ~~من ليس منهم، مثل الحسن والحسين وأبي ذر وسلمان، بل وفرض للعباس عم النبي متألفا ~~الهاشميين، وكان العباس كافرا حتى فتح مكة، خمسة وعشرين ألفا، وأعطى كلا من ms106 نساء ~~النبي من الفيوء عشرة آلاف عدا مماليك النبي من ملكات اليمين مثل ريحانة بنت عمرو ~~بن خنافة. فتحزبت نساء النبي وطلبن المساواة بينهن في العطاء الحرة كالأمة، ففعل ثم ~~زاد عائشة بألفين ردتهما عليه. وهكذا في سبيل خلوص ضمير عمر قسم الناس رتبا ~~ومنازل بين المسلمين فلم يعودوا رعية، وانعدمت المساواة بالمرة، وهذا كله كان ~~مقبولا في زمنه لأنه كان يحكم بضميره الشخصي كصاحب ومستشار للنبي عندما كان حيا. ~~وما عاد ممكنا أن يتم حكمنا اليوم بهذه الطريقة الإسلامية؛ لأن المساواة بين ~~المواطنين هي الأس الأول لقيام دولة حديثة ديمقراطية. حتى لو وافقنا على كل ما ~~يفصلها عن زماننا من اختلاف في معنى القيم، وسلمنا بهذه القيم القديمة فإننا سنكون ~~في هذه الحال بحاجة لعمر أو للنبي ليحكمنا لنسلم له رقابنا ونحن مطمئنون إلى عدله، ~~وليس إلى القيمة نفسها، وليس بيننا اليوم من يمكنه أن يزعم هذا الزعم ويركب هذا ~~المرتقى الصعب. # لهذا كله ومثله كثير في تراثنا نحن لا نصدق أصحاب الدولة الدينية ولا في شعيرة، ~~ولا حتى في جناح بعوضة؛ لأنهم إنما يريدوننا ميراثا ورثوه عن سادتنا العرب ~~الفاتحين، ولا نصدق إشاعتهم عدم شرعية الحكومات الإسلامية القائمة لعدم تطبيقها ~~الشريعة، حتى يكون أهل الدين هم البديل الشرعي المرضي عنه من السماء. بينما الشريعة ~~لا تطبق؛ لأنها أصبحت غير قابلة للتطبيق، فلم يعد العالم كله اليوم يسمح لأي دولة ~~بالعقوبات البدنية، وعلى السعودية هذه الأيام ضغوط هائلة بهذا الشأن، تسجل فيها ~~تراجعات يومية، ولا عاد يسمح بقتل من يختار دينا مختلفا، ولا عاد يقبل سبي ~~الجواري وركوبهن في الحروب، ولا عاد يسمح بنظام الرق الذي كرسنا له فقها كاملا ~~مطولا يقوم على ثلاث وعشرين آية قرآنية، فلا وجود اليوم لأمة أطؤها ولا أم ولد ~~أعاشرها، وهي من لزوم ما يلزم الشريعة الإسلامية، هذا ناهيك عن كون الشريعة ~~الإسلامية كما نعرفها اليوم قد وضعها بشر مثلنا لم يأتهم الوحي، وهي بهذا المعنى ~~وضعية كأي قوانين وضعية لا تأخذ شكل ms107 الإلزام المقدس. # من العلمي أن ندقق هنا ونقول إن المسلمين قد عرفوا شكلا للحكم يقوم على توحد ~~كونفدرالي للقبائل تحت سلطان قبيلة قائدة، لكن هذا النظام لم يتحول إلى معنى الدولة ~~إلا بعد استيلاء العرب الفاتحين على دول قائمة ذات حضارات وأنظمة سياسية ممتدة في ~~عمق التاريخ، وعلقوا عليها يافطة الإسلام. أما قبل ذلك وفي جزيرة العرب، فإن شكل ~~نظام الحكم وتداول السلطة كان بدائيا بدائية مكانه وزمانه. كان في زمانه ومكانه ~~مشغولا بالحفاظ على ما تم تحقيقه من توحيد القبائل تحت سيادة قريش، وظل محافظا ~~على هذا الشكل فلم يكن للدولة الإسلامية من فجرها جيش مؤسس متخصص على سبيل المثال، ~~إنما كان النبي يدعو القبائل إلى الخروج للحروب، ولكل منها رأيتها المميزة لها، ~~وعليها أن تأتي أيضا بأدوات الحرب من خيل أو دروع أو سيوف أو رماح معها، ويتم ~~تقسيم الغنائم على العسكر المحاربين دون القاعدين، فهذا مجتمع بدوي بدائي عصابي ~~التشكيل والمنهج «يقوم على العصبية أساسا». وليس هذا قدحا فيه بل وصفا لحاله وظرف ~~زمانه ومكانه، فهذا أقصى ما كان يمكن الوصول إليه من توحيد لشراذم القبائل البدوية ~~التي تكاد تكون كل منها دولة بمفردها، وكان مثل هذا التوحيد لقبائل العرب هدفا ~~أعلى للإسلام، وعندما تحقق الهدف أعلن الله أنه قد اختتم المشروع الإسلامي بقوله ~~تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~؛ وهو ما ~~يعني اكتمال النعمة الإلهية بتوحد العرب تحت راية الدين الإسلامي، وليس أبعد من ~~هذا. وبعدها ظل هاجس التفكك القبلي هو القائم والدائم، والذي أطلق عليه الفقهاء ~~«الفتن والملاحم». كان هذا المجتمع يخشى أي تفكك يؤدي إلى فتن انفصالية، فخروج ~~الفرد يعني خروج قبيلته معه، فيخرج مسيلمة لتخرج معه كل اليمامة، ويخرج الأسود ~~العنسي لتخرج معه كل اليمن؛ وهكذا، وتاريخ العرب هو تاريخ تناطح سيادات القبائل ~~وكبريائها فيما أسموه «أيام العرب»، وهي مذابح كانوا يفتكون فيها بعضهم ببعض لأتفه ~~الأسباب، ويفخرون ب «أيامها»، مع العلم الوحيد عندهم وهو علم الأنساب، ms108 والذي يعني ~~«علم عدم المساواة». كانت فتنة التفرق القبلي بحكم سلطان البيئة الصحراوية، دافعا ~~للعمل بنظام ديكتاتوري صارم على مستوى السلطة والحكم، بل ودعم هذا النظام ليكون ~~أقوى من كل القبائل، ويمكن أن يشن عليها الحروب لإخضاعها، ومن الفتن الصغرى إلى ~~الفتن الكبرى، عانى التاريخ العربي الطغيان الشرقي الخليفي نتيجة نشأته وتكوينه ~~البدوي. # في أيامنا نتحدث عن نظام ديمقراطي فيه أحزاب أكثرية وأقلية، حاكمة ومعارضة، وعن ~~رئيس يتم اختياره من بين عدة مرشحين وفق أصول وضوابط دستورية، بينما في أيامهم قال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا واحدا منهما» (صحيح مسلم، كتاب ~~الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء). # هنا لا شيء اسمه أحزاب، ولا شيء اسمه معارضة، هناك حاكم واحد بيده كل السلطات ~~لمنع الفتنة وانقسام المجتمع إلى قبائله الأولى. وتتداعى الأحاديث تدعم وتؤيد ~~الأمير حتى لو فسق وفجر وظلم، «فاسمع للأمير حتى لو ضرب ظهرك وأخذ مالك» (حديث ~~صحيح)، وعن عبد الله بن عمر: «إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا ~~كان جائرا، فعليه الوزر وعليك الصبر، فهذا امتحان من الله يبتلي به من يشاء من ~~عباده، فعليكم أن تتقبلوا امتحان الله بالصبر والأناة لا بالثورة والغيظ.» وقال وهب ~~بن منبه إن الله أنزل على نبيه داود: «إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، ~~فمن كان لي على طاعة جعلت الملوك عليهم نعمة، ومن على معصية جعلت الملوك عليهم ~~نقمة.» # وفي تلك البيئة البدوية البدائية في شاسع جغرافي لا يتوحد إلا بقوة قاهرة، كانت ~~فلسفة السياسة ترى ظلم السلطة للمواطنين عقوبة ربانية تأديبية، انظر الحديث الداعي ~~المبتهل: «اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.» وعليه لا يعود ~~الظلم ظلما؛ لأن الملك أو الخليفة أو الرئيس وفق هذا الحديث هو مندوب السماء ~~لتأديبنا، وهو مفهوم شديد الابتدائية يبرر الظلم ويبرئ ذمة السفاح ويدين القتيل، ~~وهو إن صلح لبيئته فهو لا يصلح لبيئات وأزمنة أخرى. # أما سبل الوصول إلى السلطة، فقد بينتها كتب ms109 تشرح مدى أهمية وجوب الإمامة والطرق ~~إليها، يقول فصل في وجوب الإمامة وبيان طرقها من كتاب الإمامة وقتال البغاة، من ~~كتاب روضة الطالبين فصل الطريق الثالث لتنصيب الإمام: «فإذا مات الإمام فتصدى ~~للإمامة، من جمع شرائطها، من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشركته وجنوده، ~~انعقدت خلافته لينتظم شأن المسلمين. فإن لم يكن جامعا للشرائط، بأن كان فاسقا أو ~~جاهلا، فوجهان: أصحهما انعقاد الخلافة لما ذكرنا، وإن كان عاصيا بفعله.» # هذه المرجعية السياسية كانت زمنها في بيئتها ضرورة لا سبيل دونها لاستمرار تماسك ~~هذا التوحد القبلي الكونفدرالي، وما زالت هي المرجعية الإسلامية التي يريدها دعاة ~~الدولة الإسلامية، مرجعية لدولة يؤكدون أنها ديمقراطية! فكيف يلتقيان؟ # كانت الخلافة طوال عصورها هي الاستبداد عينه، والطغيان ذاته، وانعقاد البيعة كان ~~يتم بالاستيلاء أولا على السلطة، ثم سوق الناس لبيعة السلطان الجديد بالزواجير، ~~وعندما امتنع آل بيت النبي من الهاشميين عن مبايعة أبي بكر، أرسل إليهم عمر بن ~~الخطاب ومعه نار يريد أن يحرق بيت فاطمة بنت ~~النبي على المجتمعين داخله، وكان أمر أبي بكر لعمر «إن أبوا فقاتلهم.» لا معنى هنا ~~إذن لكلمة معارضة كما نفهمها اليوم، ولا علاقة لهذه البيعة بنظام دولة ديمقراطي أو ~~غير ديمقراطي، كانت نظاما خاصا جدا، وكانت البيعة عبارة عن إعلان إذعان شعبي ~~للحاكم الجديد؛ لأن الإمبراطورية الإسلامية قامت على مبدأ عنصري طائفي لا يعترف بأي ~~تعددية وهو أم لا علاقة له بالدين في حد ذاته، وبالتأكيد لو تعددت سلطات الطوائف ~~لتفكك المجتمع وتحارب، هكذا منطق التاريخ القاهر الصانع لما يلائم الزمن والمكان، ~~وهو ما حدث في العراق عندما جعلت كل ملة وكل مذهب من رؤيتها دينا صحيحا تحارب به ~~الدين الباطل، والباطل هو أي دين أو مذهب آخر حتى داخل الإسلام نفسه. فكانت مجازر ~~لا تزال قائمة، ندعو لها بألطاف الله حتى ينزلوا الطائفة والدين من على سلم القيم ~~الأولى، وأن يضعوا الوطن قبل الدين على سلم القيم الأساسية للمجتمع، حتى يتوقف نزف ~~الدم المفجع المهين. إن التعددية ms110 في المبدأ الديمقراطي القائم على قيمة الوطن ~~العليا التي لا تدانيها قيمة؛ لأنها التي تجعل المرجعية هي المواطنة والولاء لوطن ~~يجمع الجميع على اختلاف مللهم ونحلهم ومذاهبهم في مساواة تامة تخلق حرية فتخلق ~~ديمقراطية، تعددية مسالمة منتجة تقوم على الترابط وفق عقد اجتماعي قانوني تتحدد فيه ~~الحقوق والواجبات للجميع على السواء. هذه هي شروط قيام الدولة الديمقراطية، فأين هي ~~مما رأيناه في الدولة الإسلامية المزعومة حسب شروطها الشرعية؟! ~~(4) واقعنا بين الدولة الدينية والمدنية # في معظم عالمنا الإسلامي ديكتاتوريتان تتصارعان على استمرار الديكتاتورية وليس ~~إقامة الديمقراطية: ~~(1) # ديكتاتورية عسكر وأسر حاكمة ويمثلون الخليفة الإسلامي التاريخي، ~~ويحاكون نظامه. ~~(2) # ديكتاتورية دينية سواء حليفة للسلطة أو معارضة لها، ويمثلها الإمام ~~أو الشيخ. # وكلاهما الحاكم أو الخليفة، والشيخ أو الإمام، في حالة صراعية حول من يأخذ أكثر ~~من نصيب الآخر من الفريسة، لكنهما لا يختلفان مصيريا ولا منهجيا، إنه صراع ~~الإمام والخليفة منذ فصل معاوية بين سلطة الحكم وإمامة الصلاة وعين للصلاة ~~الجامعة شيخا إماما. # كلاهما لا يؤمن بمبدأ التداول السلمي للسلطة، كلاهما لا يؤمن بحرية الفكر والرأي ~~والنقد، كلاهما يهدر كرامة المواطن بحرمانه من حقوقه كل بطريقته الخاصة، كل ~~منهم يدعم نفسه بقوة جبارة: واحد بالقوة العسكرية وواحد بالدين وربنا، كل منهما ~~يريد الانفراد بالفريسة ولا تشغله مصالحها. العسكريون يمتهنون كرامة المواطن بالسوط ~~والمعتقل، والدينيون يمتهنون عقله، ويقمعونه بالتكفير والقتل وتضليل هذا العقل ~~بالخرافات والأساطير وفتاوى بول الناقة وبول النبي ورضاع الكبير والحجامة والجن، ~~الحكومات تقوم بمصادرة الكتب والصحف، ورجال الدين يصادرون بقدر أكبر، مفتي الحكومة ~~يجرم فيلما، ومفتي الجماعة يكفر كتابا، الحكومات وأدعياء الدولة الدينية ضد ~~حرية الاعتقاد، وضد الشيعة في المناطق السنية، وضد السنة في المناطق الشيعية، وضد ~~الأقباط، وضد الأمازيغ، وضد الأكراد، وضد البهائية، الحكومات تجلد الناشطين ~~الإسلاميين، والمجلودين يشرعون الجلد إسلاميا وهو فقط للبغال، يذهب المواطن إلى ~~قسم الشرطة فينفخونه، ويذهب إلى الجامع فيهدرون كرامته ويحملونه كل خيبات أمة ~~المسلمين. # أصحاب فكرة الدولة الإسلامية يقولون بالعودة إلى السلف، وهو ما كان ms111 صالحا لهذا ~~السلف في زمنهم، فلو كان فيه خير لنا اليوم أو كان عندهم سبب لتقدم سياسي حقوقي ~~لظلوا متقدمين وهم على قلب المسلمين من زمان، ولصرنا صناع الحضارة وحقوق الإنسان ~~والتكنولوجيا، ولأمسينا أعضاء مجلس الأمن، ولأصبح الغرب هو النامي المتخلف يتلقى ~~منا المساعدات زكاة وصدقات على اليتامى وأبناء السبيل من مشردي نيويورك ~~ولندن. # الإسلاميون يعرضون أنفسهم باعتبارهم الإسلام مع فتاوى يكون عصيانها إثما، وهو ما ~~يعني أن اختيار غيرهم جريمة دينية، عندهم وسائل دعائية كبرى منذ الصحوة والسادات ، ~~وقبلها منذ عسكر يوليو وناصر مستعينين بالدين، كل كتبهم وقراراتهم تدعو إلى السلف ~~والخلافة، والدعاة أحباب الله فكيف يرفض الناس انتخابهم؟! لذلك يتم الانتخاب على ~~أساس ديني لا ديمقراطي؛ لذلك من نجح منهم في الاقتراع قد جاءت به الطائفية الدينية ~~لا الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية تأتي بالأكفأ أداء سياسيا وإداريا والأوعى ~~بالمصلحة العامة للمجتمع، بينما الانتخابات عندنا تحولت طقس عبادة يظهر به المؤمن ~~مدى حبه لربه وولائه لدينه بانتخاب الأكثر تقوى أو زاعما لها، أصبحت جهازا يقتلون ~~به ويقتلون أمام الصناديق. # لقد جعلوا الانتخابات السياسية خيارا بين الإيمان والكفر نتيجة مزج الدين ~~بالسياسة؛ ومن ثم سيفضل الناس الرب على الديمقراطية التي يتم هنا دفنها فورا، ~~الانتخابات في بلاد المسلمين أصبحت استجوابا موجها إلى المسلم البسيط: هل مؤمن ~~أنت مؤمن بقدرة الرب على حل مشاكلك كلها؟ هل تؤمن أن الإسلام مكتمل يحوي كل الحلول ~~وأنه هو الحل؟ الإجابة لا بد أن تكون: نعم طبعا! # والحكومات الإسلامية تسمح بكل هذا، وباستيلائهم على الإعلام، ولا تطلق الحريات؛ ~~لأن الحريات ستطيح بكليهما، وكلاهما مستفيد من هذا الوضع الديكتاتوري، فيبقى الحاكم ~~في كرسيه بادعاء حماية المجتمع والعالم المتحضر من السلفيين، ويستفيد السلفيون ما ~~يأتيهم من دعم مادي ووجاهة وقيادة اجتماعية وفرصهم البترولية، وفي النهاية يكون ~~الإسلاميون هم الحاكم الحقيقي الذي يعمل في حماية حكومة تأخذ أجرها إتاوات من ~~شعوبها وفسادا لم يسبق له مثيل، إن الشعوب في البلاد الإسلامية هي الفريسة والضحية ~~لدولة هذا، أو دولة ذاك: ms112 إسلامية، أو أميرية، أو عسكرية، أو ملكية. ~~(5) مستقبل الدولة الإسلامية # في زمن متسارع يلهث تطورا وتغيرا وتبدلا، لم يعد ممكنا بموجب معطيات أمس ~~واليوم، التنبؤ أو بناء أي تصور افتراضي لما سيحدث غدا، وكان أهم حدث أذهل العالم، ~~وغير كل التنبؤات، بل غير خط سير التاريخ، ومن المحتمل أن يكون سببا في متغيرات ~~ستجري في جغرافية العالم المعتادة، حدث ما لم يخطر على قلب بشر، حدث الحادي عشر من ~~سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة الأمريكية. # صاحب هذا القلم كان قد توقف عن الكتابة والنشر ما يزيد عن سنتين، يأسا من حدوث ~~أي متغير في أحوال البلاد والعباد، حتى ضربت القاعدة أمريكا، فقرر العودة إلى ~~الكتابة والنشر، فقد جاء الأمل لبلادنا على عكس كل التوقعات، جاء يركب مركبا من ~~دمار ونار وهلاك للأبرياء في بلاد الحريات، وكان أول إصدار لي بعد التوقف بعنوان: ~~«شكرا بن لادن». كان ركود الأوضاع في بلاد المسلمين دافعا لليأس والقنوط حتى تفكك ~~الحلف الإسلامي الأمريكي في مانهاتن، وتشظى بشكل مبهر لم تتصوره أي عبقرية من ~~عبقريات هوليود وخيالها الجامح. كان الركود قد ساد كل شبر من بلاد المسلمين، وأصبح ~~لا صوت يعلو فوق صوت السلطان ومشايخه، وتحول الناس إلى رعية للراعي بالمعنى الدقيق ~~والحرفي للكلمة. # كانت السعودية ومن ورائها دول الخليج قد سادت بنفطها ووهابيتها ثقافة وإعلاما ~~واقتصادا ومرجعية دينية، وكانت السعودية الحليف العريق والأبرز لأمريكا ومعها ~~العالم الغربي الحر. وحالفت أمريكا شرار الأرض من حكام ومستبدين بطول العالم ~~الإسلامي وعرضه، وأغدقت تدريبا ومعرفة وتسليحا على العرب الأفغان، ومنحتهم أسرار ~~مخابراتها وشاركتهم في برامجهم، لدحر السوفييت في أفغانستان. السعودية أمدت بالرجال ~~وبالمال، ومصر، وباكستان، ومعظم الدول العربية جندت إعلامها للجهاد ضد الشيوعية ~~في أفغانستان، ومولت المخابرات الأمريكية ما يزيد على 200 مؤتمر للطب الإسلامي ~~وبقية العلوم المنسوبة إلى الإسلام، حتى ضرب بن لادن مانهاتن، فانقلبت كل الأوضاع ~~رأسا على عقب في يوم لن ينساه التاريخ أبدا، واكتشف الأمريكان في لحظة مباغتة ~~أعداء جددا ما كانوا بالحسبان، ms113 وتحول بلد مثل السعودية من حليف تاريخي إلى بلد ~~مفرخ للإرهاب بين ليلة وضحاها، تتم الضغوط الهائلة عليها للإصلاح والتغيير، وتوضع ~~أسماء سعودية كبيرة وذات شأن خطير على قوائم الإرهاب الدولية. وتسقط طالبان، وترتكب ~~أمريكا غلطتها التاريخية وتحقق لابن لادن مراده. كان ابن لادن قد أعلن أكثر من مرة ~~أنه ليس بإمكانه محاربة أمريكا في أمريكا، وأن استدراجها إلى المنطقة هو الخطة ~~المثلى، وحققت له أمريكا مراده لتعود الخريطة التاريخية تتغير مرة أخرى بعد دخول ~~العراق وبسرعة مذهلة. # بعد سبتمبر 2001م كانت أمريكا قد أعلنت للعالم إنذارها بلسان رئيسها وخارجيتها ~~والبنتاغون أنها ستدخل تدخلا مباشرا في البلاد المفرزة للإرهاب، إن لم تقم ~~بعمليات إصلاح تفضي إلى تراجع الإرهاب وبروز الديمقراطية، حتى قال الرئيس اليمني ~~علي عبد الله صالح قولته المشهورة الساخرة من الذات، المعبرة بصدق مر عن الواقع: ~~«اللي مش ها يحلق بكيفه، أمريكا هاتحلق له.» # ثم كانت الفرصة التي جاءت للحكام العرب على طبق من ذهب، وهي دخول أمريكا العراق. ~~وفي حالة من الفجر العلني دعمت كل دول المحيط لكل ما استطاع إليه سبيلا، ما أسموه ~~المقاومة العراقية، هذا بالمال وهذا بالرجال وهذا بالتدريب وهذا بفتح الحدود سداحا ~~مداحا، ليتحول مشروع الحلم الديمقراطي العلماني إلى كابوس على المنطقة جميعا، ~~عندما عادت الولايات المتحدة إلى حلفائها القدامى من مستبدين وأصبحت في حاجة إلى ~~حلفائها من مستبدي المنطقة القدامى من جنرالات وملوك، لإنهاء الحرب في العراق بشكل ~~ما زالت المساومات جارية بشان تفاصيله، بينما يدفع الشعب العراقي أفدح ثمن مع كل ~~يوم وكل ساعة تطول فيها المساومات. # وفي مناخ كهذا حيث يصعب التنبؤ بمستقبل الدولة الدينية في المنطقة، يتبناها ~~هانتنغتون تنبؤا بالمستحيل، فتستجد في نظره ظروف دولية تحتم وجود هذه الدولة كما ~~تصور، في تحالف إسلامي تقوده الخلافة التركية مرة أخرى؟ وارتأى أن سلامة الغرب في ~~التفاعل مع هذا الواقع والسير به إلى منتهاه حتى تعود الخلافة، لكن بعد أن تكون ~~الخلافة نفسها قد تم تكريسها كتابعة للسيادة الأمريكية ولو عن ms114 بعد، ولتقوم الخلافة ~~بردع أي اعتداء على المصالح الغربية. # وصاحب هذه الورقة يرى الأمور بشكل أكثر بساطة من هذا؛ لأن الدولة الدينية كانت ~~مرحلة تاريخية انتهت بنهاية المرحلة التي ناسبتها، وحسب منطق التطور الذي أثبت ~~صلابته عبر التاريخ فهو القانون العلمي الأوحد الذي تقوم عليه بقية القوانين. فإنه ~~ما عاد ممكنا لدولة دينية أن تتعايش مع عالمنا المعاصر، وكما فرض التطور نفسه ~~علينا بمنجزات علمية وحقوقية إنسانية في كل العالم؛ فإنه آت إلى بلادنا لا شك فيه ~~ولا ريب، كل المسألة هي في المسافة الزمنية بين يومنا وبين يوم نضج الأوضاع أو ظهور ~~مفاجآت تسرع من وصول بلادنا نحو هذا التطور أو تعطلها عنه، ويبقى بدلا من محاولة ~~التنبؤ، أن نقوم نحن العلمانيين بالتأثير في الواقع المتحرك، حتى نضيف ثقلا ~~لترجيحات التاريخ، ونكون موجودين يوم يقوم بالفرز والاختيار، بحسابات المصالح ووفق ~~المنهج التطوري. # إن الحرب القائمة حاليا ضد الإرهاب الدولي هي حرب عالمية بكل معنى الكلمة، ~~لكنها الحرب التي بدأت تفرض لونا خاصا من أساليب إدارة الحروب، ليست حربا بين ~~عدوين على حدود مختلف بشأنها، أو مصالح اقتصادية يتنازعون حولها، إنها حرب وجود، ~~حرب بين زمنين، زمن له مناهجه في التفكير والعمل، يختلف بالكلية عن زمن التفكير ~~العلمي والحداثة الحقوقية، يدافع بشراسة واستماتة عن استمراره في الوجود أمام مد ~~الحداثة الجارف، إنها زفرات الموت الأخيرة لعصر ما قبل العلم الحديث، وما ترتب على ~~هذا العلم وتقدمه الهائل من إعادة صياغة مفهوم الدولة بعقد اجتماعي حقوقي دستوري. ~~إنه صراع زمنين بمنهجي تفكير مختلفين بالكلية ولا يلتقيان، والقديم لن يفسح في ~~المكان للجديد بهدوء، فهذا هو درس التاريخ الطويل. # الفصل التاسع # | رئاسة النبي والراشدين في ميزان الدولة # سبقت وقلت إن الكيان الذي أقامه النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # بالجزيرة كان كونفدرالية قبلية ~~ولم يكن دولة، وأنه كان في سلوكه السياسي نموذجا واضحا لطرائق البداوة ومنطق القبيلة. ~~هنا سأقدم نماذج سريعة من تاريخ الدعوة ليس بقصد الحصر، فكلها لا تنطق بما نفهمه ms115 عن ~~الدولة اليوم، ولكن بقصد ضرب المثل وكيف نعمل عقلنا في هذا التاريخ، حتى لا نتعثر ونحن ~~نبحث عن خريطة طريق للخلاص والانعتاق للحاق بآخر قاطرة مغادرة نحو النور. # يروي ابن كثير عن سيرة محمد بن إسحاق عن أحداث عام الوفود. # وقال: محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وفود العرب، قدم عليه عطارد ~~بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم وقالوا: يا محمد جئنا نفاخرك فأذن ~~لشاعرنا وخطيبنا، قال # صلى الله عليه وسلم ~~: لقد أذنت لخطيبكم فليقل. فقام عطارد وقال: الحمد لله ~~الذي له علينا الفضل والمن هو أهله، وهو الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما ~~نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسرهم عدة. فمن مثلنا في ~~الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخر فليعدد مثلما عددنا، وإنا لو نشاء ~~لأكثرنا في الكلام، ولكن نخشى الإكثار فيما أعطانا إنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا ~~بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لثابت بن قيس بن شماس ~~من الخزرج: قم فأجب الرجل على خطبته. # وهكذا استعرض أشراف تميم ما يملكون من فخر بما يليق بمصادر الفخر في زمانهم، الذي ~~يختلف بالكلية عن زماننا؛ فالناس اليوم تفاخر بما قدمت للعلم والطب والهندسة والقانون ~~وحقوق الإنسان والنظم الاجتماعية والفنون رسما أو موسيقى. فلم يقدم بنو تميم في ~~استعراض مفاخرهم شيئا مثل الهرم أو سور الصين أو حدائق بابل، إنما تفاخروا بقيم زمنهم ~~وبيئتهم ومكانهم فيما تفاخر به القبيلة قبيلة أخرى، كان منطقا قبليا لا منطق فيه، ~~وليس منطق وفد دبلوماسي في زيارة رسمية لدولة قائمة. # المضحك الكارثي في تاريخنا الميمون، أنهم كانوا يقولون فقط، يعني من يملك فما أكبر ~~وصوتا أعلى هو الفائز، انظر ابن زرارة يفاخر بأن بني تميم هم أعز أهل المشرق، حديث من ~~لا يدفع على كلامه جمارك، رغم علم ابن زرارة وعلم كل الحضور من ms116 كلا الطرفين أن الشرق ~~يمتد إلى الهند والصين، ومن هناك تأتى تجاراتهم من بلاد الملوك حقا وصدقا، ومع ذلك ~~زعم أن قبيلته هي أعز أهل المشرق وأنهم ملوك هذا المشرق ببساطة مدهشة. # انظر ابن زرارة يقول: «وإنا لو نشاء لأكثرنا في الكلام» كان الفخر عند العربي بكثرة ~~الكلام ومن لا يحسن الكلام أعجم أي حيوان لا يستطيع الكلام؛ لذلك تسمى الحيوانات ~~عجماوات، فهم أفضل من الحيوان لأنهم يعرفون كيف يتكلمون، بينما الحيوان لا يعرف كيف ~~يتكلم! ولا يفوت ملاحظ تركيز آيات القرآن على السمع والاستماع والاحتفاء بالبلاغة ~~والبيان، وكيف أن الكلام هو منحة ربانية للإنسانية «وجعلنا له لسانا وشفتين.» كانت كل ~~ثروتهم هي الكلام الذي هو كنز حضارتهم، وقال ابن زرارة فخره الكاذب دون أن يوقفه النبي # صلى الله عليه وسلم # أو يقول له كذبت يا هذا، لجأ النبي إلى الأسلوب القبلي ذاته لكنه الحاسم، قال ~~لثابت بن قيس الخزرجي أن يجيب الرجل فأنشأ يقول: ~~«الحمد لله الذي السموات والأرض من خلقهن وقضى فيهن أمره ووسع كرسيه وعلمه، ~~ولم يكن شيء قط إلا من فضله. ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خيرته رسولا، ~~أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه، فكان خيرة ~~الله في العالمين، ثم دعي الناس للإيمان به، فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، ~~أكثر الناس أحسابا وأحسن الناس وجوها وخير الصحابة فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة ~~واستجابة لله نحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ~~ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا، أقول ~~قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم» (المصدر ~~نفسه). # كذب التميميون وبالغوا في فخرهم وزعموا أنهم خير أهل المشرق، فأجاب المسلمون بالطريقة ~~ذاتها لكنها مصحوبة بالإنذار بإجراءات عملية لها سوابق معلومة، فكان الرد صادقا. ~~«نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه» ومن لا يخضع راغما ms117 «كان ~~قتله علينا يسيرا.» # ومع الفخر نلحظ كيف يمن المسلمون على الله بإسلامهم، ويفاخرون الناس بدين من عند الله ~~وليس من عندهم وليس محل فخرنا فهو ليس منتجنا ولا إبداعنا، فنصرة الدين من عند الله ~~وليس من عند أحد من الناس ليفاخروا بهذه النصرة. # كلا الفريقين بدأ حديثه بحمد الله والثناء عليه لما منحه له ليفاخر به الفريق الآخر، ~~وكلاهما يعترف بفضل الله، إذا ما الحاسم في الموقف؟ الحاسم هو أن عندنا نبيا وليس ~~عندكم نبي، وعليكم الاعتراف به أو يكون قتلكم علينا يسيرا. # وإذا كانت المسألة هي الإيمان بالنبوة المحمدية أو القتل اليسير، فكان الأولى أن يدور ~~النقاش والتحاور في صلب الدين والعقيدة، وعلومه وفقهه وتفاصيله وقوانينه وثقافته ~~ومعارفه وفضائله وفضيلته على غيره من أديان، لتكون مناظرة بين الإسلام وبين الجاهلية، ~~لبيان ما جاء به للبشرية من جديد لم يسبق أن اهتدت إليه البشرية من قبل؛ فالفخر بالدين ~~غير جائز لأنه لكل الناس وليس لفريق على فريق. # يعود عطارد بوفده إلى بطاحه، ليعرض ما تم في اللقاء على أهله وقبيلته ووجهاء تميم، ~~ليتخذوا قرارا بإيفاد وفد يحمل الإجابة، وعلى رأسه هذه المرة الزبرقان شاعر تميم ~~المبرز، الذي وقف ينشد النبي: # أتيناكم كي يعلم الناس فضلنا # إذا اختلفوا عند احتضار المواسم # بأنا فروع الناس في كل موطن # وأن ليس في أرض الحجاز كدارم # وأنا نذود المعلمين إذا انتحوا # ونضرب رأس الأصيد المتفاقم # وأن لنا المرباع في كل غارة # تغير بنجد أو بأرض الأعاجم # جاء الزبرقان أذكى من رفيقه ابن زرارة وابتدأ الموضوع من آخره؛ فهو أعلم إلى أين ~~يمكنه توجيه النظر وتركيز الاهتمام فيحوز على آذان مستمعيه، يعلم الآن ما هي اللغة التي ~~يلزم أن يخاطب بها الصحابة ونبيهم، خاصة أن هذه اللغة لم تتأثر بالدين الجديد؛ لذلك ظلت ~~القاسم المشترك بين مضارب ومرابع العرب كافة، فجاء خطابه غير نثري، إنما شعريا، ليضفي ~~عليه موسيقى تطريه وتجعله لطيفا سهلا غير متشنج، تحدث عن ضرب وشن غارات وأنهم أهل ~~لذلك، وهو ms118 أول مشترك متفق عليه بين الطرفين ويطرب له كلاهما، وليس هنا مجال للمفاوضات ~~والحوار الفلسفي والمنظقي للنظر فيما جاء به الدين الجديد، لقد جاءت حكمة الزبرقان ~~لترضي الصحابة بعد أن فهم المطلوب بدفع الزكاة بالإسلام أو الجزية مسبوقة بالتسليم ~~والخضوع للمسلمين عن يد وهم صاغرون، أما ما عدا ذلك من شئون العبادة؛ فهو لا يعود ~~بفائدة على أحد، يمارسها الجميع على مختلف الديانات للرب حمدا وشكرا ومعونة معنوية؛ ~~لذلك لم تكن العبادات وأصولها موجودة في مثل تلك المفاوضات، لم تطلب الأمم المفتوحة ~~مثلا تخفيض عدد الركعات في الصلاة، أو تعديل شكل الصيام؛ لأنها لن تشكل خسارة مادية ~~لمؤديها، ولا مكسبا ماديا لفارضيها؛ لذلك كانت العبادات خارج دائرة التفاوض؛ لأن ~~أداءها لا يشكل إذلالا لمؤديها، بعكس الجزية التي تقدم عن يد وهم صاغرون فتمس الكرامة ~~وتعني الخضوع والمذلة؛ لذلك كان التصدي لها متضمنا في شعر الزبقان: «وأن لنا المرباع في ~~كل غارة، تغير بنجد أو بأرض الأعاجم» أي أنهم هم من يأخذ بالجزية (المرباع) نصيبا من ~~أي غارة تحدث، سواء في بلاد الحجاز أم بلاد العجم، وفي المبالغة الشعرية الكاذبة، مجرد ~~صوت عال وادعاء وهمي وفم وسيع لذلك جاء وقت عودة الزبرقان للوعي بالواقع، عندما أجابه ~~شاعر الرسول حسان بن ثابت يتحدث عن موقف الأنصار من النبي ومن الناس فيقول: # نصرناه لما حل بين بيوتنا # بأسيافنا من كل باغ وظالم # جعلنا بنينا دونه وبناتنا # وطبنا له نفسا بفيء المغانم # ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا # على دينه بالمرهفات الصوارم # بني دارم لا تفخروا إن فخركم # يعود وبالا عند ذكر المكارم # هبلتم علينا تفخرون وأنتم # لنا خول ما بين ظئر وخادم # فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم # وأموالكم أن تقسموا في المقاسم # فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا # ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم # بغض النظر عما يتضمنه شعر حسان من المن على الله ورسوله، وكيف نصروا النبي وتنازلوا ~~له عن جزء من نصيبهم في المغانم (الفيء)؛ فإنه لا يجد غير سبيل الوضوح التام وكيف دخل ms119 ~~الناس الدين الجديد بمرهفات الأنصار الصوارم مع الإجبار والإذلال، إنها حرب نفسية ~~وسيلتها الكلام أو الشعر، موضحا أن المسلمين يعلمون جيدا أن وفد تميم الثاني قد جاء ~~يدفعه الخوف والرعب، لكنهم ما زالوا يحاولون تفاخرا خجلا رده عليهم حسان وقال لهم ~~بوضوح جارح ومهين إنهم مجرد خدم وخول للمسلمين، أو الأحرى يمكن أن تصبحوا كذلك وأن ~~المسلمين يعلمون أنهم جاءوا يستجدون حقن دمائهم وأموالهم من أن تكون غنائم يقتسمها ~~المسلمون؛ لذلك سخر من فخرهم الذي سيعود عليهم وبالا، ثم أنهى الموقف بعبارته الباترة: ~~إن كنتم حاضرين لحقن دمائكم وأموالكم فأعلنوا التبعية والتسليم. # إن لقاء كهذا هو لقاء بدوي قبلي تماما لا علاقة له بالدول والمؤسسات، بقدر ما هو ~~مرتبط بالطبيعة البدوية والسلوك البدوي والحياة الصحراوية بكل معانيها، فلم يفاخر أحد ~~الطرفين خصمه بما يمكن أن يباهي به العالم خارج صحرائهم أو خارج نطاق المفاهيم القبلية ~~البدوية. # انظر نهاية الاجتماع الرسمي في قول الأقرع بن حابس التميمي بعد فراغ حسان من شعره: ~~«وأبي إن هذا لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى ~~من أصواتنا» (ابن كثير، التاريخ، عام الوفود). هكذا انتهت المعركة الكلامية الباردة، ~~علم التميميون أن محمدا مؤتى بوحي سماوي، حتى أقسم الأقرع بأبيه إن هذا لمؤتى له، وقد ~~استمد الأدلة على ذلك من عدة شواهد وأدلة وقرائن، أن شاعره أشعر من شاعرنا، وأن خطيبه ~~أخطب من خطيبنا، وأن أصواتهم أعلى من أصواتنا، وهي كلها مفاهيم بدوية بحتة لا علاقة لها ~~بما نفهمه من المنطق، فأشهر الوفد إسلامه بعد اقتناع بعلو الصوت؛ أي أنهم انتقلوا من ~~مرحلة المباهاة والمفاخرة إلى انتكاسة لا تريد الاعتراف بالجبن عن المواجهة، بل إعلان ~~الاقتناع بالدين الجديد الذي لم يعلموا عنه شيئا بعد! # وإذا كانت الرئاسة التي حازها النبي لأنه كان نبيا فكانت له كونفدرالية في شبه دولة ~~كخاصية من خصوصياته النبوية، فماذا نسمي شكل الحكم الذي مارسه خلفاؤه الذين يعرفهم ~~تاريخنا بالراشدين؟ يعمد دعاة الدولة الإسلامية لدعم الخلافة الراشدة ms120 ومشروعيتها بأنها ~~كانت بأمر من النبي في حديث منسوب إلى النبي يقول: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ~~...» إلخ. # فإذا كان ما يقوله دعاة الدولة الإسلامية صحيحا فلماذا لم يذكر أبو بكر هذا الحديث ~~في صراع السقيفة على السلطان دعما لموقفه ولحسم الأمر من بدايته؟ ولماذا لم يذكر النبي ~~أبا بكر عندما سأله المسلمون أن يوصي لهم بمن يخلفه؟ هذا ناهيك عن كون الحديث المذكور ~~يفيد الاقتداء في شئون الاعتقاد والإيمان وتفاصيل الدين، وليس فيه ما يشير إلى رئاسة ~~ولا إلى دولة تحتاج إلى حاكم، وتحتاج من الرعية إلى طاعة هذا الحاكم وليس الاقتداء به، ~~لأن الاقتداء يعني أن يكون الرعية كلهم حكاما اقتداء بهم! إن الرسول لم يقر ~~للمسلمين بوجود دولة للمسلمين وإلا لبينها في حديث واحد من أحاديثه المؤلفة آلافا، ~~ولشرح لهم تفاصيل نظامها السياسي والاقتصادي والعسكري والقضائي والإداري، ولكان أمره ~~للرعية بالطاعة مع نظام حكم واضح وليس بالاقتداء. # تعال قارئي لتجهد نفسك معي قليلا مع بعض الصبر لتعذرونا على ما نعانيه في بحثنا في ~~تراثنا الطويل العريض الغليظ، لنقرأ معا الطبري يروي أحداث تولي أبي بكر الرئاسة: ~~«حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري، قال: حدثنا أنس بن مالك، ~~قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة - وكان الغد - جلس أبو بكر على المنبر فحمد لله وأثنى ~~عليه بالذي هو أهل له، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، ~~فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي ~~عندي حتى أرد له حقه إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، ~~لا يدع أحدكم الجهاد في سبيل الله فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع ~~الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ~~ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.» # أول ملحوظة هي أن ms121 الدعوة في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة قد اختفت وانتقل أبو ~~بكر مباشرة إلى الجهاد في سبيل الله، دون وجوب تعميم الدعوة على الدنيا أولا في حمله ~~دعاية لشرح هذا الدين القيم للناس؛ لذلك كان شعار الفاتحين لبلادنا: «الإسلام أو الجزية ~~أو القتال» دون أن يعلم المفتوحون شيئا عن ذلك الدين المطلوب دخولهم فيه حتى لا يذلوا ~~بأداء الجزية أو الموت قتلا. خاصة أن مراجعة معرفة صحابة الرسول الفاتحين لما يعلمونه ~~عن الإسلام، ستكشف أنه لم يكن، ذلك العلم الكافي لإجراء المناظرات بين المسلمين وغيرهم ~~لعرض الدين الجديد، نعلم أن صحابة النبي الأقربين وأهله المبشرين بالجنان لم يكونوا ~~عارفين بكل تفاصيل الدين، ألا ترون عمر عند وفاة النبي يصيح ويهدد من يقول بموت النبي ~~بالقتل، وأنه لم يمت وسوف يعود، ناسيا أو جاهلا أن هناك آيات قرآنية قد أفادت بحتمية ~~موته كما يموت الناس. ثم نجد فاطمة الزهراء بنت النبي وعمه العباس يذهبان لأبي بكر ~~يطالبان بميراثهما عن النبي وكانا لا يعلمان بحديث عدم التوريث الذي قاله أبو بكر «نحن ~~الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة.» كانا لا يعلمان وأحدهما بنته الأثيرة والثاني عمه ~~الأثير. # وهذا العباس بن عبد المطلب يأخذ بيد علي بن أبي طالب ويقول له: «ألا ترى أنك بعد ثلاث ~~(بعد موت النبي) ستكون عبد العصا، وإني أرى رسول الله سيتوفى في وجعه هذا، وإني أعرف ~~وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب إلى رسول الله فسله فيمن يكون هذا الأمر من بعده؟ ~~فإن كان فينا علمنا ذلك، وإذا كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا، فقال علي والله لئن ~~سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطينا إياها الناس أبدا، لا والله لا أسالها رسول الله ~~أبدا.» # السؤال هنا يقفز قفزا يريد من أنصار الدولة الإسلامية اليوم جوابا لا يحيرونه، إذا ~~كان الصحابة والأقربون وأهل بيت النبي لا يعلمون كثيرا من شئون الدين، فكيف كان حال من ~~فتحوا بلادنا؟ وهل سيكون حكامنا الجدد في الدولة الإسلامية المرتقبة أعلم ms122 من هؤلاء ~~جميعا وهم رفقة النبي وأهله بوجود دولة ونظام حكم في الإسلام؟ # تعال قارئي نتابع جولتنا لنختر عشوائيا ما يصادفنا حول تولي أبي بكر الخلافة، ~~لنقرأ مثلا ابن الأثير في الكامل، ج2، ص424، يقول: «كان أبو بكر يحلب للحي أغنامهم ~~«بالأجر»، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا مناتح دارنا فسمعها ~~فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو ألا يغيروا ما بي ما دخلت فيه، فكان يحلب لهم. ~~ثم تحول إلى المدينة بعد تسعة أشهر من خلافته وقال: لا تصلح أمور الناس مع التجارة وما ~~يصلح إلا التفرغ لهم، والنظر في شأنهم، فترك التجارة وأنفق من مال المسلمين ما يصلحه ~~وعياله يوما بيوم ويحج ويعتمر، فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم، وقيل ~~فرضوا له ما يكفيه.» # إن مثل تلك الرواية تفيد بوضوح أن النبي لم يحدد مهام وظيفة الخليفة وسلطاته وما هو ~~عليه وما هو له، حتى يتبعها أبو بكر قناعة بأوامر النبي، إن الكونفدرالية القبلية ~~برئاسة قريش هي نظام عربي يفهمه العرب وليس بحاجة لإعادة تعريف أو تحديد؛ لأنه مأثور ~~قديم من فجر تاريخهم لم يتغير، كل ما تغير هو سيادة قبيلة على بقية القبائل ولكنه لم ~~يكن البتة دولة كالدول المجاورة في بلاد فارس أو بلاد الروم. # ونلاحظ أيضا أن المسألة كانت تتم بالتجربة والخطأ والصواب واجتهاد الشخص، فعندما قرر ~~أبو بكر التفرغ كان للنظر في أمور الناس وليس في سياسة الدولة، كان من حقه أن يبقى ~~بالحلب والتجارة، ولا يرتكب إثما؛ لأن الدين لم يقرر عليه نظاما بعينه يدير به هذه ~~الكونفدرالية. # لقد وحد الإسلام القبائل في قبيلة أكبر تقوم على عصبية الدين بديلا لعصبية الدم، ~~ووجه طاقاتهم القتالية نحو الخارج بدلا من الداخل. # نتابع لننتقل إلى مصدر آخر هو المنتظم في التاريخ أحداث سنة 12ه (مواصلة الفتوحات) ~~نختار عشوائيا فنقرأ: «ولما صالح خالد أهل الحيرة خرج إليه صلوبا صاحب قس الناطف، ~~فصالحه على بانقيا وبسما على ألوف في ms123 كل سنة، ثم أن خالد كتب كتابين إلى أهل فارس وهم ~~في المدائن مختلفون لموت أردشير (ملكهم)، وكان في أحد الكتابين: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، أما بعد؛ فالحمد الله الذي حل نظامكم ووهن ~~كيدكم وفرق كلمتكم، ولو لم يفعل ذلك كان شرا لكم، فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ~~ونجوز إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون ~~الحياة. وكان الكتاب الآخر: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس ، ~~أما بعد فالحمد لله الذي فرق كلمتكم وفل حدكم وكسر شوكتكم، فأسلموا تسلموا وإلا فأدوا ~~الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الخمر.» # ابن الوليد يطلب منهم في أمر قاطع التبعية بالدخول الطائع في دين يجهلونه، أو أن ~~يدفعوا الجزية أو أن يقوم بذبحهم؛ ومن ثم لم يكن الدين في الموضوع أصلا، فإما الدفع ~~ويظلون على أديانهم الوثنية دون مانع، أو يتحولون إلى عبيد وجوار بعد قتل المقاتلين، ~~أو أن يتحولوا جميعا إلى الإسلام والاشتراك في فتوحاته كمرتزقة مقدسين والنهل من نعيمه ~~الدنيوي الواضح والفوز بنعيمه الأخروي، وهو الأمر الذي لم يحدث مرة دون إكراه؛ لأنه لا ~~يوجد صاحب دين يترك دينه لدين آخر ببساطة، خاصة في تلك العصور البدائية. # تعالوا ندقق أكثر في ما سردناه، لنجد السلطة التنفيذية كلها بيد خالد؛ فهو كان وزير ~~الخارجية، وكان هو قائد الجيوش، فكان هو المهيمن على هذا الكيان عسكريا وسياسيا، ~~يعقد المصالحات ويوجه رسائل إعلان الحرب للملوك الأجانب، دون الرجوع في أي من تلك ~~التصرفات إلى الخليفة، فكأن هناك سلطتين قد ظهرتا بعد وفاة النبي الذي جمع كل السلطات ~~بيده، وأصبح هناك خليفة ديني هو أبو بكر، وخليفة عسكري هو سيف الله المسلول، وكان خالد ~~هو من يحدد مقدار الجزية ومواعيد استلامها، وتكليف من يتولى مهامها، وينظم الجيوش ~~ويخاطب الملوك باسمه لا باسم الخليفة، وهو من يضع قواعد المعركة، ويقرر متى يمكن إبادة ~~الأسرى كما ms124 في فتح أليس التي ذبح فيها سبعين ألف أسير، أو متى يطلق سراحهم، وكيفية ~~التصرف فيهم بالبيع عبيدا أو بالفداء بالمال. # هذا شكل قبلي لشيخ في الحجاز، وشيخ آخر يقود الفتوحات دون أي أنشطة مدنية مما نفهمه ~~من أنشطة الدولة، سواء في مجال العلم أو الزراعة أو الصناعة، فكان المجتمع يعتمد كليا ~~على ريع الحرب وما تجلبه من أموال وعبيد وسبايا وحاصلات زراعية، أو مواش أو منتجات ~~صناعية لشعوب أخرى كالمنسوجات، بينما كان أبو بكر يملك ولا يحكم، فكان خازنا لمنتجات ~~حروب خالد وهو كله ما لا يتفق مع معنى الدولة بالقطع وباليقين، بقدر ما يتفق مع ~~المنظومة العربية التي قامت على الغزو منذ ظهرت على الأرض. # نقلب صفحات مأثورنا بحثا عن الدولة والحكومة لنقف عند مرحلة فاصلة، لقد سبق وتم ~~اختيار أبي بكر خليفة، تأويلا لأمر الرسول له بإمامة المسلمين في الصلاة في مرضه ~~الأخير، واليوم مرض أبو بكر بدوره مرضه الأخير فكيف سيتم نقل السلطة؟ ولمن؟ وليس في ~~المقدس بطوله وعرضه ما يحدد طريقة تبادل السلطة. نقرأ عن أبي بكر في مرض الموت «أنه عقد ~~الخلافة من بعده لعمر، ولما أراد ذلك دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن ~~الخطاب فقال: هو والله أفضل من رأيك فيه ولكن فيه غلظة. فقال أبو بكر: ذاك لأنه يراني ~~رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه. ثم دعا عثمان بن عفان فقال: ~~أخبرني عن عمر، فقال عثمان: أنت أخبرنا به، إن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا ~~مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدوتك، ثم قال له: اكتب: بسم الله ~~الرحمن الرحيم هذا عهد أبي بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول ~~عهده بالآخرة داخلا فيها، حين يؤمن الكافر ويوقف الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت ~~عليكم، ثم أغشي عليه فكتب عثمان: إني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب، فلما أفاق أبو بكر ~~قال: اقرأ علي فقرأ عليه، ms125 فكبر وقال أراك خفت أن يختلف الناس إن أفلتت نفسي في غشيتي. ~~قال: نعم، قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله، وأقرها أبو بكر، وأمره فخرج على ~~الناس بالكتاب فبايعوه لمن فيه، وعلموا أنه عمر فدخل عليه قوم فقالوا: ما تقول لربك إذا ~~سألك عن استخلافك عمر وأنت ترى غلظته، فقال، أجئتم تخوفوني، خاب من تزود من أمركم بظلم، ~~أقول اللهم إني قد استخلفت عليهم خير أهلك.» # العجيب في هذا الشكل من المنطق، أن الموافق والمعترض يحتجان بما يرضي الرب وما لا ~~يرضيه، أبو بكر يرى اختيار عمر يرضي الدين والله بدليل قوله لعثمان لما كتب عمر خليفة: ~~«جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله.» والمعترضون من الصحابة يرون أن اختيار أبي بكر ~~لعمر هو مأثمة في حق المسلمين ويعلمون أن الرب الخالق سوف يسأله عن ذلك. الملحوظة الأهم ~~أن أبا بكر لم يلتفت إلى المعارضة وأصر على اختياره، مؤكدا لنفسه ولهم أنه اختار خير ~~أهل الله ليخلفه في الحكم. المسألة هي رأي من يغلب وليس هناك أي معيار واضح للاختيار ~~بين الموقفين. # ولما كثر اللغط أشرف أبو بكر على الناس وقال: أترضون بمن استخلفت عليكم؟ فإني ما ~~استخلفت عليكم ذا قرابة وإني استخلفت عليكم عمر فاسمعوا له وأطيعوا، فإني والله ما ألوت ~~من جهد الرأي، فقالوا سمعنا وأطعنا، ثم أحضر أبو بكر عمر فقال له: إني قد استخلفتك على ~~أصحاب رسول الله. وأوصاه بتقوى الله. # هنا لا نجد شيئا واضحا خاصة ما تعلق بالناس، فمن هؤلاء الناس الذين أشرف عليهم أبو ~~بكر؟ ومن الذين قالوا سمعنا ومن الذين قالوا أطعنا؟ وإذا كانت هذه طريقة جديدة في تبادل ~~السلطة، فكيف سيتم هذا التبادل في حال حضور عمر الوفاة؟ الملحوظة الثانية أن أبا بكر ~~يقول للناس: «قد استخلفت عليكم عمر.» ويقول لعمر لقد استخلفتك على أصحاب رسول الله، ولم ~~يرد على لسانه ذكر لشيء اسمه دولة المسلمين، وهم يعلمون بالتأكيد بنظام الدولة ~~باحتكاكهم التجاري بدول المحيط، فعمر لم يكن خليفة على دولة ms126 إسلامية لكنه خليفة رسول ~~الله على أصحابه، ولم يوصه أبو بكر بحسن إدارة الحكم والدولة، إنما أوصاه بتقوى الله ~~وهو ما يعني مراعاة العدالة في التقاضي بين الناس، وهي المهمة الأولى والأساسية لشيخ ~~القبيلة، فكان الحاكم هو القاضي، ومعلوم أن عهدا طويلا مر بقبائل بني إسرائيل عاشوا ~~النظام ذاته بشيخ القبيلة القاضي منذ خروجهم من مصر وعلى مدى 480 سنة، حتى قرروا التحول ~~للنظام الملكي فكان أول ملوكهم شاول ثم داود وسليمان، بينما ظل مفهوم شيخ القبيلة ~~القاضي البدوي هو النموذج حتى زمن الراشدين بالحجاز. # المهم أن أول عمل قام به الخليفة عمر عند توليه الرئاسة هو عزل خالد بن الوليد «وأول ~~ما تكلم به عزل خالد وقال: لا يلي لي عملا أبدا، وكتب إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد ~~نفسه فهو الأمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه، فانزع ~~عمامته عن رأسه وقاسمه ماله. فذكر ذلك لخالد فاستشار أخته فاطمة فقالت: والله لا يحبك ~~عمر أبدا، وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك، فقبل رأسها وقال: صدقت، فأبى أن يكذب ~~نفسه، فأمر أبو عبيدة، فنزع عمامة خالد وقاسمه ماله.» # لم يستطع المسلمون منع أبي بكر من تعيين عمر مع غلظته، بينما تمكن عمر نفسه من عزل ~~غليظ فظ آخر كان هو السلطة التنفيذية الكاملة زمن أبي بكر، هو خالد بن الوليد. هذا إذن ~~شأن قبائل لا شأن دولة لا رأي للناس والرأي لشيخ القبيلة، وقول فاطمة لأخيها خالد: ~~«والله لا يحبك عمر أبدا.» إنما يعني سيادة القيم الذاتية القبلية المعبرة عن المزاج ~~والعواطف، وغياب القيم الموضوعية وقوانين إدارة الدولة التي لا علاقة لها بحب أو كراهية ~~أو مزاج، وذلك لعدم وجود دولة أساسا، ففي الدولة يخضع الجميع لدستور الدولة الذي يحميه ~~القضاء بالقوانين، كمراقب يحدد الحقوق والواجبات للجميع حكاما ومحكومين، فاكتفى ~~الراشدون في إدارة شئون الناس بعادات القبيلة باعتبار أن القائم هو اتحاد قبائل، ~~وتأسيسا على أن نظام الحكم في ms127 هذا الاتحاد غير منبثق من الدين؛ لأن الدين واحد وما ~~ينبثق عنه يظل واحدا، بينما تباينت سياسة الخلفاء من خليفة إلى آخر. وهل كان قرار عمر ~~مقاسمة خالد أمواله استردادا لأموال نهبها خالد من البلاد المفتوحة وغلها لنفسه أم كان ~~عقوبة لخالد؟ وهل لو كان خالد مرضيا عنه من عمر كما كان زمن أبي بكر هل كان سيتنازل ~~بسهولة ويسر عن نصف ماله حتى لو غلولا؟ ولماذا لم يطلب أبو بكر هذا الغلول رغم علم ~~الجميع؟ هي إذن قبيلة كبيرة يديرها مزاج كبرائها ولم تكن دولة قط. # عادة ما يطربنا مشايخنا بأسلوب عمر بن الخطاب في إدارة السلطة التي بيديه، فيحكي ~~تاريخ أبي الفدا أحداث سنة ست عشر زمن خلافة عمر فيقول: «قدم جبلة بن الأيهم ودخل في زي ~~حسن وبين يديه جنائب مقادة ولبس أصحابه الديباج. ثم خرج عمر إلى الحج هذه السنة فحج معه ~~جبلة، وبينما جبلة طائفا إذ وطئ رجل من فزارة إزاره، فلطمه جبلة فهشم أنفه، فأقبل ~~الفزاري إلى عمر وشكاه، فأحضره عمر وقال له: افتد نفسك وإلا أمرته أن يلطمك، فقال جبلة ~~كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال عمر: إن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في ~~الحد، قال جبلة: كنت أظن أني بالإسلام أعز مني في الجاهلية، قال عمر: دع عنك هذا، قال ~~جبلة: إذا أتنصر، قال عمر: إن تنصرت ضربت عنقك، قال أنظرني ليلتي هذه، فأنظره، ~~فلما جاء الليل سار جبلة بخيله ورجاله إلى الشام، ثم صار إلى القسطنطينية وتبعه خمسمائة ~~رجل من قومه فتنصروا عن آخرهم، وفرح هرقل بهم وأكرمهم.» # إن هذه الرواية المكررة هي إحدى وسائل الدعاية للدولة الإسلامية العادلة التي لا تفرق ~~بين الملوك والسوقة، وأن العربي البدوي الذي يدخل في هذا الدين الجديد يستطيع أن يحصل ~~على حقوقه كاملة، بما يحفظ عزته وكرامته بل ويرتفع بها لتطاول الملوك، كما توضح أيضا ~~أن الخروج على الإسلام بعد دخوله يقابل بالقتل، حتى لو كان هذا المرتد من الملوك فأي ~~عزة ms128 وأي كرامة وأي عدالة؟! # مثل هذا الحكي الإعلاني يعتمد الترغيب والترهيب ولا علاقة له بالاقتناع بالدين من ~~عدمه، ودخول الإسلام والخروج منه لا يعتمد على الفكر والتفكير والحوار والجدل بالتي هي ~~أحسن، والبحث عن فضائل الإسلام مقارنة بغيره من أديان، هي المصالح فقط وتحقيق الرغائب ~~سبب الدخول أو الخروج، ليس عن قناعة وإيمان من عدمه فلو كان جبلة بن الأيهم قد دخل ~~الإسلام عن قناعة ومعرفة بمبادئه، ما كان ليخرج نتيجة لطارئ كهذا، الأخطر أنه عندما ~~ارتد ارتد معه خمسمائة من أتباعه، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن دخول الإسلام لم يكن عن ~~قناعة؛ لذلك يسر عليهم تركه وتمسك جبلة ورجاله بكرامتهم دون تمسكهم بدينهم، ولا شك أن ~~التساؤل الساذج البسيط: أين كانت الدولة هنا؟ وكيف يخرج رجل برجاله إلى بلاد العدو طوال ~~هذه المسافة الهائلة؟ وأين كان جيش الدولة ومخابراتها وأمنها لمنع ذلك؟ # لقد تسببت الطريقة العمرية في الحكم بارتداد خمسمائة مسلم بدون مبرر مكافئ لهذه ~~الخسارة، وكانت نتيجة العدالة العمرية أن الفزاري لم يأخذ حقه الذي أراده له عمر، ~~مضافا إلى ذلك ارتداد جبلة ورجاله! فلا أخذ الفزاري حقه ولا ظل جبلة ورجاله مسلمين، إن ~~جعل القصاص من لطمة أعلى وأفضل من نشر الإسلام هو ليس من السياسة ولا حتى من الكياسة، ~~فتقديم جزء من الدين (القصاص) على الدين نفسه هو صد عن هذا الدين. # كان بإمكان عمر أن يعوض الفزاري عن اللطمة من بيت المال دون أن تتحقق هذه الخسائر، ~~لكنها سياسة الفرد شيخ القبيلة الذي قد لا يلتفت إلى حلول أخرى يمكن أن ينبهه لها ~~شركاؤه في الحكومة من وزراء ومتنفذين، كما هو الحال في بقية دول الدنيا؛ لأنها ببساطة ~~لم تكن دولة. # الجزء الثاني # | نحو تأسيس ثقافي للقيم # | قبل أن تقرأ الموضوع # نعتني أحدهم بالقمام الذي لا يجمع سوى قمامة التاريخ، والقمام بالبلدي الفصيح هو ~~«الزبال»، معبرا بذلك عن كوني جامع قمامة، وجمع القمامة في التراث العربي الأبي ~~التليد هو مهنة حقيرة ومحتقرة أراد الكاتب ms129 تحقيري بها؛ لأن العربي أصلا يأنف من العمل ~~اليدوي كالزرع والحصد والصنع، ويحتقر الإكارة «الفلاحة»، فما بالك بمن ينظف له قمامته؟ ~~المهم أنه بعد أن ينظف لهم القمام قمامتهم يحتقرونه، بهذا المعنى قصدني الأخ المسلم، ~~دون أن يسأل نفسه من أين لي بهذه القمامة؟ وما هي هذه القمامة بالضبط التي أسقط عليها ~~وأجمعها؟ أليست قمامة ثقافتك يا أخي المسلم أم أني صانعها؟ إني عندما أنظف عقلك أكون ~~باحثا محترما لا يخجل من النبش في القمامة؛ فالباحث كالطبيب ينظف الجروح من القيح ~~والوسخ ويطهرها من الأدران، ثم يرقى فوق ذلك بكونه ينظف الدماغ مما فيه من قمامة، ~~ولنركز هنا إذن على القيم الأخلاقية التي هي الملكية الخاصة للمسلمين التي يباهون بها ~~الأكوان بدلا من القمامة. # تعال يا أخي المسلم نكشف معا عن قمامة ثقافتك ومناهجك في التفكير، حتى تعود سليما ~~معافى تشارك الدنيا في العطاء وتنعم مع المنعمين فيها بالتقدم والسعادة والرفاه ~~والمعرفة والرقي العلمي والأخلاقي، عوضا عن القتل والقتال. # الفصل الأول # | تبسيط مفهوم القيم # يقول الدكتور محمد إبراهيم كاظم في دراسته «التطور القيمي وتنمية المجتمعات الدينية»: ~~إن الاتفاق على تعريف جامع مانع للقيم صعب المنال، وإن اتفق على أنها مقياس أو معيار ~~نحكم بمقتضاه ونقيس به ونحدد على أساسه المرغوب فيه والمرغوب عنه، سواء كان هذا المقياس ~~هو الإنسان أو المجتمع أو الله. (صادر عن المركز القومي، 1997م، ص11) إذن الطرف الأساسي ~~هنا هو الإنسان؛ لأنه من سيطبق حكم القيمة وعليه فلا وجود لأي قيم في غياب الإنسان؛ ~~لأنها بدون الإنسان لا يمكن لها أن تفعل ولا حاجة لها ولا أثر ينتج عنها؛ لذلك تختفي ~~باختفائه، هي ظل الإنسان على الأرض، هي كالحضارة تماما التي ما كانت لتوجد لولا موجدها ~~الإنساني، وعندما أوجد الحضارة بدأ فرزها القيم. # إذن فالقيم أولا هي علاقة تقوم بين الإنسان والكون من حوله علاقته بالأشياء مثلا، ~~فهو من يستطع أن يحكم على اللوحة الفنية بالجمال من عدمه، وعلاقته أيضا بالأفعال، ~~كالتصدق على الفقراء أو المشاركة ms130 في عمليات إنقاذ، وتعريفه لفعل الزنا وتقبيحه كقيمة ~~مرفوضة بحسبانه فعل اعتداء، كذلك السرقة بحسبانها أفعالا مخلة بقيمة الشرف، والقيم ~~توجد فقط داخل الإنسان فتوجهه ليختار بين السهر تهجدا في الحسين أو السهر في ملهى ~~ليلي في حي الهرم، فتعامل الإنسان مع محيطه من أشياء وأفعال هو ما يؤدي لظهور القيم. ~~ولو وضعنا الإنسان في مكان خال من الأشياء والتفاعل السلوكي فلن يكون بحاجة للقيم، ~~مثلا يخترع الإنسان السيارة ثم يضع لها قيمها كإرشادات المرور وذوق القيادة، ثم يضع ~~القوانين التي تحمي هذه القيم ما بين مسموح ومحظور ضمانا لسلامة الناس، ومع كل جديد ~~تظهر قيم جديدة يوضع لها ما يناسبها من قوانين لتحميها. # القيم هي أهداف للإنسان ونهايات لسلوكه ومحطة وصول أمانيه ورغباته في علاقته مع بيئته ~~ومجتمعه ليعيش آمنا سعيدا، فإن لم تظهر تلك القيم لظل الإنسان كبقية حيوانات الأرض. ~~ومع تطور الإنسانية على الأرض تطور سلم الإنسان القيمي، وكان ظهور القيم الأولى هو ~~بداية لمرحلة رفض التقهقر إلى الوراء؛ لأنها تفتح أمامه آمال الانتقال إلى مراحل جديدة ~~أكثر تقدما ورقيا بقيم جديدة، قارن مثلا الإنسان بين الذي يتعامل مع الحيوانات ~~لأن عمله الرعي، وبين الإنسان الذي يتعامل مع الأجهزة الرقمية لتلمس الفارق القيمي ~~الهائل. # وعليه فإن القيمة هي ناتج تقييم الإنسان للتفاعل بينه وبين مشاعره وأحاسيسه وبين ~~العالم من حوله، وما ينتج من أفعاله نتيجة هذا التفاعل، فيصدر الطرف العاقل في المعادلة ~~حكما قيميا، ويكون الشعور أو الفعل أو الشيء خيرا أو شرا بما يترتب عليه من لذة، ~~أو أن يكون قيمة موضوعية تتعلق بالأشياء كالقيمة الاقتصادية السعرية التي نمنحها ~~للأشياء، وأيضا تتشكل القيمة حسب مستواه المعرفي، فلم يكن لليورانيوم من قبل قيمته ~~اليوم، وهو كله ما يعني أن الإنسان هو مكتشف القيمة وصانع قوانينها والحاكم عليها ~~بالخير والشر، بالنفع أو بالضرر. # وللقيم الموضوعية التي نعطيها للشيء بعد أن تنقلها الحواس من الواقع إلى العقل عدد من ~~المدخلات والموصلات المتعددة، وهذا النقل من الواقع إلى العقل يتأثر ms131 بمجموعة حواجب ~~وفلاتر وطرق مفتوحة وأخرى مغلقة، كالغرائز والحاجات والألم واللذة وتعليمات الدين ~~والعادات والتقاليد. # القيمة إذن هي حكم بشري يصدره الفرد أو المجتمع كناتج لعلاقة تفاعلية بين الفرد ~~والمجتمع، وموضوع التقييم يكون فكرة أو سلوكا أو فعلا أو شيئا، سواء أكان واقعيا ~~أم محض خيال أسطوري، ففي الدماغ البشري مراكز تقوم بأعمال التقييم فيما يشبه لجنة ~~محكمين، لكل محكم اختصاصاته وقناعاته، ومن هؤلاء المحكمين من يغيب أحيانا، ومنهم ~~من يمتنع عن التصويت خوفا ورهبا، ومن هؤلاء المحكمين المحكم الديني والمحكم ~~الاقتصادي والمحكم البيئي الغريزي والمحكم النفعي والمحكم الأسطوري والمحكم ~~العلمي والفلسفي. # وهؤلاء المحكمون هم أصحاب الرأي في الحكم والتقدير والتقرير، لكنهم ليسوا في قوة ~~واحدة، فهم في دماغ ديكتاتوري لن يعرفوا التصويت الديمقراطي، وفي الدماغ الديمقراطي ~~سيقوم الحوار والتصويت واتخاذ القرار، ولكن عندما يعجز هؤلاء المحكمون عن الخروج ~~بالقيمة، يلجأ الفرد للأحكام الجاهزة سلفا في خضوع الفاشل، سواء أكانت تلك الأحكام ~~صادرة عن سلطة سياسية أم دينية أم قبلية أم عنصرية. فهي تتدخل مقدما لرغبات جهة ~~الضغط. لذلك حتى يأتي حكم القيمة صوابا، يجب أن يكون غير خاضع في التحكيم لمحكم ~~واحد، فيغيب الحوار داخل العقل نتيجة تسلط مندوب الدين فيعطينا قيما زائفة؛ لذلك ~~فالقيمة السليمة لا وجود لها في غياب الحرية الكاملة للفكر والرأي، للاختيار والمفاضلة ~~والمقارنة. مع غياب الحرية لا توجد سوى القيم المزورة، التي تعطل كل قيم التقدم المبنية ~~على إعلاء العقل البشري الحر على أي مصدر معرفي سماوي أو أرضي. # والقيمة أيضا هي لازمة وضرورة حياتية حتى للحيوانات، فإن أعطيت كلبا تفاحة وعظمة ~~سيختار العظمة؛ وهكذا يمكن أن يكون الشيء نافعا ونرفضه بتقييمه تقييما خاطئا، فقد ~~كان الهنود الحمر يعطون ذهبهم وألماسهم مقابل مرآة، وقد يكون للشيء قيمه عالية ونرفضه، ~~وقد يكون حقيرا ونعطيه قيمة، مثل قيمة بول الجمل، الطبيب يقول إنه مجموعة سموم، والشيخ ~~يعطيه قيمة موجبة لكنها زائفة؛ لأنها جاءت من محكم غير متخصص لكنه مسيطر، وقل مثل ذلك ~~في العلاج بالرقية الشرعية ms132 والتداوي بالطب النبوي والأحجبة والتلاوات، ومع هذا التزييف ~~يتم تحول الخطأ إلى صواب؛ لأن محكما ضمن محكمي دماغي فيهم الجاهل والتاجر وعدم ~~الضمير، ومنهم البراغماتي النفعي، ومنهم الغريزي، ولكل محكم قواعده وخياراته السابقة ~~وثقافته وتربيته التي يركن إليها في إصداره قراره، فإذا تغلب محكم كالعنصر مثلا، أو ~~المذهب، اتجه حكم القيمة للطاعة والخضوع لقرار رجل الدين أو رجل السياسة، فيمكنك أن ترى ~~تمثالا فنيا ثمينا وتعطيه قيمته الجمالية بموضع يليق به في بيتك، أو تراه مجرد صنم ~~لا يستحق سوى التكسير بالحرام والحلال، ويلقى بالقمامة، لو سألت طفلا عن لون السيارة ~~التي يفضلها سيقول الأحمر لأن الطفولة سيكولوجيا تتأثر بالأحمر، لكنه في سن آخر ~~سيختار لونا آخر، وسيتأثر ذلك بظرفه الاقتصادي، وهل سيختارها رياضية أم رصينة ... إلخ ~~الشيخ يقول للشاب كي يطلب الخلود لا بد أن يقاتل ويقتل، يعني رايح يكوتن والغريزة ~~ترفض، هنا أيهما يكون الأقوى فسيكون هو صاحب القرار. # إن الأشياء أسبق في الوجود من أسمائها، والإنسان هو من أعطاها الأسماء؛ فالميكروبات ~~مملكة بل إمبراطورية بل إمبراطوريات حية هائلة حجما وأثرا، ومع ذلك تعذر على ~~الإنسان معرفتها قبل اختراع الميكروسكوب، رغم أنها كانت موجودة منذ نشأة الحياة على ~~الأرض وتمارس كل أنشطتها دون أن تحمل اسما أو لفظة تدل عليها، إلا أنها أخذت اسمها ~~ودلالته عندما اكتشفها الإنسان. # فالأشياء موجودة قبل الأسماء، والأحاسيس موجودة قبل الألفاظ المعبرة عنها، والمفاهيم ~~موجودة قبل فض دلالاتها في مخارج حروف، وكان الدور في التسمية والتعبير وبسط الدلالات ~~هو دور الإنسان الفرد والإنسان الجماعة. فلفظة «خير» بدلالاتها ليست من كشف فرد واحد ~~فهي لفظة ودلالة ذات علاقة بالمجتمع كله وتطلبها كل المجتمعات؛ فالخير هو المرغوب فيه ~~من الفرد ومن كل مجتمع، فإذا كان مرغوبا من فئة بعينها في المجتمع أو جماعة أو طائفة ~~أو مذهب أو عنصر، تحول عن دلالته الخيرية وأصبح مصلحة خاصة، وإذا اختلفت جماعتان ~~مجتمعيتان مختلفتان على معنى الخير لم يعد خيرا، وإنما مصلحة لطرف وهذا معنى خيرها، ~~وضرر لطرف ms133 آخر وهذا معنى شرها. وهكذا لا يجوز القول بأن الخير مخصوص بأمة المسلمين أو ~~يخص مذهبا أو عنصرا بعينه؛ وهكذا نشأت القيم كأدوات قياس وكمراتب تقدير معيارية في ~~المجتمع الإنساني منذ آلاف السنين، أخذ كل منها طابعا محليا نتيجة تباعد المسافات ~~وصعوبة الاتصالات بين الشعوب والدول والحكومات، إضافة إلى الصراعات بين الشعوب التي ~~أخرت الاستقرار العالمي فترة طويلة. إلى ما وصل إليه اليوم من استقرار نسبي وأمن عالمي ~~وتواصل عظيم، فأصبح المجتمع الدولي يتدخل في أي مكان لحماية الأقليات وفرض الاستقرار ~~وحماية مبادئ الحرية والديمقراطية، وفي ظل هذا التواصل يتم تبادل التأثير والتأثر ~~القيمي مما يؤدي كما سبق وأدى إلى تبلور فريد من الرقي القيمي بعد أن أصبح الإنسان الحر ~~الكريم هو الهدف. # هكذا فإن الإنسان أسبق على وجود الحضارة والقيم؛ لأنه هو من صنعها وهي بدونه لا شيء، ~~ورغم هذه البداهة الواضحة فإن فقهاء المسلمين لا يرونها لأنهم يعتبرون الإسلام هو مصدر ~~كل القيم؛ وهو ما يعني أن الإنسانية عاشت قبل الإسلام بلا قيم، بينما فجر الضمير كان في ~~مصر، وفجر القانون كل في بابل، وفجر الكتابة كان في لبنان، وفجر الديمقراطية كان في ~~أثينا، وفجر الدستور كان في روما. إنهم لا يرون أن القيم في غياب الإنسان لا قيمة لها، ~~وأنه لا وجود للجنة أو النار في غياب الإنسان، كذلك الحضارة كلها بمنجزاتها وعلومها ~~وكشوفها لا وجود لها في غياب الإنسان، فإن اختفى فلمن تكون القيم ساعتئذ؟ وكذلك يكون ~~الرب ربا؟ # إن الكون والطبيعة كانا موجودين منذ بلايين السنين، وكان الرب كذلك فيما يعتقد ~~المؤمن، في ذلك الزمن البعيد قبل ظهور الإنسان بعقله وفكره وتحضره، قبل وجود مجتمعات ~~بشرية وحضارات وعلوم وفلسفات ومعدات، وبالطبع ولا أي قيم؟ فالإنسان هو الوجود الحقيقي ~~لأنه من يدرك هذا الوجود وهو من يؤثر فيه بل ويستخدمه لمصلحة رفاهته، الإنسان هو الكائن ~~الحقيقي وكل شيء، وقبله لم يكن هناك أي شيء. # وإذا كان الكون والمخلوقات والخالق موجودين قبل وجود الإنسان، للزم أن يخلق ms134 الله ~~القيم بدورها قبل خلق الإنسان، كما خلق الشمس والقمر والنطفة والعلقة. ولو تخيلنا أن ~~ذلك قد حدث وأن القيم موجودة في كتاب محفوظ قبل خلق الإنسان، فيترتب على ذلك عدم تطور ~~القيم لثبوتها مع ثبات النص الأزلي في كتابه المكنون. ولو حدث هذا ما عرف الإنسان ~~البدائي ما عرفه من تقدم وتطور وخلق أثناءه الحضارة وقيمها. فلا يوجد شيء على حاله منذ ~~خلق الخلق إلى يوم الدين، كل شيء يتغير ويتطور، وهي الحقيقة الوحيدة في الوجود. # وإن تطور القيم، وظهور الجديد منها فرضا على يد الرسل والأنبياء ، فهذا ينفي نسبتها ~~إلى الرب؛ لأن الرب يخلق خلقا مباشرا تاما غير قابل للتطور حسب الاعتقاد الديني. ~~فالكون كله مخلوق خلقا ربانيا مباشرا هو اليوم على صورته كيوم خرج آدم من الجنة، ~~وهو ما يخالف ما نراه بعيوننا ماثلا في الواقع، والغريب المبهر أننا لا نراه ليس لعمى ~~في العيون وإنما لعمى العقول! # إن الاعتقاد بالخلق المباشر يستلزم أن يخلق الرب الشيء وقيمته داخله وجزءا من ~~مكوناته، لا أن يخلقه ثم يتذكره بعد ألوف السنين فيرسل لنا ملحقا بكتالوج يخبرنا فيه ~~عن قيمته. إن القيم التي وضعتها الحضارة الإنسانية هي الأصدق من القيم المحكية عن ~~الفقهاء والكتب التراثية في شكل كتالوجات غير حقيقية. ولأن القيم إنسانية ونسبية، ~~استباح الخليفة عمر لنفسه الاختلاف على نسبة العاصمة يثرب مما يحصله الولاة على البلاد ~~المفتوحة، فاختلف مع عماله جميعا تقريبا، وكان الخلاف على المال، ولم تكن هناك قيمة ~~غير المال، وراء ذلك، واستباحت السيدة عائشة الثورة على عثمان ثم استباحت الحرب على ~~الإمام علي، لم تكن هناك قيم متفق عليها، لم يكن مشتركا بينهم سوى وجهات النظر ~~النسبية، التي أجاز كل طرف لنفسه صحتها الدينية. # إن الذي خلق مصاحبا للإنسان موضوع داخله. هو الغرائز، وقد تم تزويد الكائنات كافة ~~بهذه الغرائز من الإنسان إلى القردة إلى الحشرات، كلها كالإنسان، غريزة البقاء وغريزة ~~الحفاظ على النوع، وهو الصراع الرهيب الذي دخله الإنسان الأول في بيئة قاسية ms135 لا ترحم، ~~لكن من بين كل هذه الكائنات وحده الإنسان الذي لم يكتف بالغرائز تدير له حياته؛ لأنه ~~لو اكتفى بها لظل يعيش بدائيا في الأحراش والغابات يقتل ليأكل، أو يقتل ليؤكل، أو ~~يقتل ويؤكل، هذه البيئة التي أنزله الله فيها، هي مستنقعات وكهوف وضوار وأحراش ~~وبواد، في البداية عندما بدأت منظومة العقل المعرفية اكتشف وجوب تغطية سوءته فلم ~~يتوافر لديه إلا أوراق التوت ساترا له، فهذا ما وفره له الخالق في جنته بعد أكل الثمرة ~~المحرمة. # وعندما نزل آدم إلى البراري والمستنقعات والكهوف لم تعجبه تلك البيئة المعدة له من ~~قبل خالقه، وتمرد عليها وحولها اليوم إلى ناطحات سحاب، لم تعجبه الخيل والبغال ~~والحمير والإبل التي خلقها الله واستعان بها كل الأنبياء، فصنع الطائرة المكيفة ~~والسيارة المترفة، فعندما تمرد هذا المخلوق على حاله البدائي وبيئته استبدلها بما هو ~~أفضل منها ملايين المرات، وترك ورقة التوت التي ستر بها عورته، وورقة التين التي كان ~~ينظف بها مؤخرته، فلبس أجمل فنون الأزياء وأنشأ دورات مياه هي أعلى ذوقا وفنا ونظافة ~~من مقرات عروش الملوك القدامى. هذا المتمرد لم يعجبه أن يكون ذليل غرائزه فقام بتعديلها ~~وتحسينها وتطويرها إلى الأفضل، وابتدع القيم وفلسفات الأخلاق ليرافق تطوره المادي ~~تطورا معنويا وخلقيا بمعايير قيمية تليق برقيه. # والأضرار التي تترتب على القول بقيم دينية تبدأ أولا من قواعد الدين نفسه التي لا ~~تقبل المناقشة ولا استعمال العقل وإنما تطلب التصديق والطاعة. بينما القيم اختيار ~~ومفاضلة وعقل يمايز ليعطي القيمة، ولذلك لو قلنا بقيم دينية ستكون قيما زائفة باطلة ~~لأنها تخلو من الاختيار العقلي. وما يعطيه الدين لم ينشئه العقل إنما استقبله دون حوار ~~بقرارات قدسية ومسلمات وتحليلات وتخريمات؛ لذلك عندما يتدخل العقل بقيمه العلمية ~~وكيميائه سيكشف لنا كمية الأضرار والسموم في بول الجمل الذي يتداوى به المسلم حسب ~~النصوص. # أما الضرر الأفدح فسيكون في الصراع الدموي الذي لا بد يترتب على القول بقيم دينية، ~~وذلك لاختلاف الأديان وقيم كل منها، وهو لا يليق بعدالة السماء، ms136 ما يليق هو أن ننسب ~~القيم إلى منشئها الإنسان، ولأنها غير مقدسة وقابلة للتغيير فإنه يمكن التنبؤ بالتقارب ~~بينها والتآلف مع التطور لإقامة مجتمع أرضي مسالم سعيد. # الفصل الثاني # | قاصمة الظهر # سلسلة من الكتب التي دونها المشايخ الدكاترة الأزاهرة كانت مهمتها ترسيخ القيم ~~الإسلامية الرفيعة، وتبخيس وتدعير القيم الإنسانية الوضعية كما هي في بلاد الطاغوت، قبل ~~أن تقرأ أيا من هذه الكتب سيخطر لك السؤال: إذا كانت هذه الكتب التي تنتقص القيم ~~الإنسانية مكتوبة باللغة العربية، فليس مقصودها إذن إصلاح نقص تلك القيم في بلاد ~~الأجانب، ولا تبليغهم بدعوة الإسلام وضرورة استبدالهم قيمهم بقيمنا، رغم أن ذلك الهدف ~~يبدو هو المعلن بطول الكتب وعرضها وكل الكتبة هم رتبة الدعاة، فإذا كانوا يوجهون ~~الدعوة إلى أهل الغرب كان يجب أن يكتبوها لهم بلغتهم، لكنهم ما داموا قد كتبوها باللغة ~~العربية ونحن من يقرؤها، فكأنهم يوجهون الدعوة إلينا رغم أننا أسلمنا منذ أربعة عشر ~~قرنا مضت، إذن المقصود المعلن هو تلبيس الإسلام للعالم كله أخذا بيده إلى أنوارنا، ~~بينما الحقيقة الكامنة والكاملة أنه لا أحد يلبسه سوانا! # إنه خطاب يقف ضمن أيديولوجيا متكاملة تقوم على إقناع المسلمين أنهم بحالهم هذا هم ~~أعظم الناس في العالم كله، وأنهم قد فازوا بالشهادة العليا التي لا تصل إليها أي درجة ~~جامعية في العالم الطاغوتي. # وعلى مستوى بلاد المسلمين بعضها مع بعض، تجد الشيخ السعودي يقول لشعبه إن الإخوان في ~~مصر يخرجون في مظاهرات كي يصبحوا مثلكم، إذن أنتم الأميز والفائزون بالدنيا والآخرة، ~~يعني أن السعودي في بداوته هو في نعمة لا يعرفها من يعيش في وادي النيل، سيقتنع السعودي ~~حين ذلك أن بناة الأهرام لم يستطيعوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه السعوديون، وحين يعتقد ~~شعب أنه يمتلك الدنيا والآخرة، سواء أكان مصريا أم سعوديا فلن يرجى منه أي تطور أو ~~تغيير ممكن، وبذلك الاطمئنان للتميز بالدين عن بقية الدنيا يضمن الشيخ - كمرجعية في كل ~~شأن - استمرار وجوده سيدا على المسلمين. # ونموذجا للسادة هؤلاء يقول ms137 د. مصطفى حلمي: «دعا جارودي الغرب إلى الأخذ بالقيم ~~الدينية والمبادئ الإسلامية والإيمان بالله الواحد وكتبه ورسله، بدلا من الإيمان ~~بالصنمية والتي تتمثل في: التنمية، والتقدم، وتمجيد الأمة، وأصنام القوات المسلحة ~~والقوة المسلحة والجيوش الجرارة، وغيرها من أصنام وطواطم» (الإسلام والمذاهب الفلسفية، ~~الدعوة للنشر، 1985م، ص264-267). # مرة أخرى أكرر أن هذا الخطاب يجب أن يكون موجها لأهل الغرب إذا كان صلاح الإنسانية ~~وانتشار الإسلام هما ما يشغل مشايخنا، أبسط الأمثلة يقول لنا إن الصنمية تتمثل في أشكال ~~منها التنمية، بينما هو يعلم أنه ليس لدينا شيء اسمه تنمية أصلا، وما يقال عن تنمية في ~~بلادنا هو نوع من الكوموفلاش، مثله مثل حرب 1967م التي نعاني آثارها المروعة حتى اليوم، ~~دخلناها كوموفلاش! وإذا كان عندنا شيء اسمه تنمية، فلماذا لدينا أعلى نسبة أمية في ~~العالم؟ ولماذا نحن أكثر الناس إيمانا بالخرافات؟ ولماذا تجد العفاريت يستحسنون ركوب ~~المسلمين عن ركوب الحمير والبغال أو غيرهم في بلاد الدنيا؟ نحن لا نصنع شيئا، نحن ~~نستورد ولا نبدع، لقد تغير المصطلح وأصبحوا يشيرون إلينا بالعالم المتخلف بعدما كانوا ~~يقولون العالم الثالث؛ أي أننا انحدرنا درجة في تصنيف الأمم. # ثم تتمثل الصنمية كما يقول فضيلته في الفردية، ونحن كما يعلم مشايخنا لا نؤمن بفردية ~~أي مواطن أكان مسلما أم غير مسلم، نحن نؤمن بالقبيلة وبالأمة وبالعنصرية والمذهبية ~~والطائفية على أشكالها وألوانها كافة، فلدينا هذا نصراني وذاك مسلم، وهذا رافضي وذاك من ~~النواصب، هذه مصطلحاتنا بعضنا مع بعض فعن أي فردية صنمية يتحدث مشايخنا؟ المصيبة أننا ~~حتى عندما نمجد الأمة نمجدها قولا لا فعلا، ونتفكك إلى قبائل تخوض صراعا دمويا ~~لأسباب تعود إلى أكثر من ألف عام إلى الوراء، ما بين عرب ويهود في فلسطين بحقوق تاريخية ~~بين كل منهما، وما بين سنة وشيعة في العراق، وقبائل مسلمة إفريقية ومسلمة عربية في ~~دارفور، كذلك الصومال، كذلك الجزائر، كذلك لبنان، كذلك مصر، كذلك أفغانستان، كذلك ~~باكستان، كذلك الكشح، كذلك كنيسة الإسكندرية، كذلك مذبحة الأقصر، كذلك تفجيرات جدة ~~والرياض، ms138 هذه هي ثقافتنا، القبيلة العنصرية الطائفية التي لا تعرف شيئا اسمه ~~الفردية. ~~(1) ماذا بقي لدينا من صنميات مرفوضة؟ صنمية القوة المسلحة! # فماذا يا مشايخنا عن الجهاد الإسلامي؟ وماذا عن قوله تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~(الأنفال: 60)، وماذا عن ~~الطير الأبابيل التي انحازت لقبيلة قريش رغم وثنيتها ضد الجيش الحبشي زعم إيمانيته، ~~وأبادت هذا الجيش، وماذا عن فتوح البلدان، وماذا عن # وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~(الأنفال: 17). أليس ذلك ~~تمجيدا للقوة ومطالبة دينية برعاية القوة والتميز بالغلبة العسكرية. # مقصود مشايخنا الدكاترة المعلن هو تبليغ العالم المتقدم ما لدى العالم المتخلف من ~~بدائل، وبذلك يصبح الإسلام دينا عالميا لتدخل فيه شعوب الدنيا أفواجا. # هذا بينما الواقع حولنا يشهد أن نظم الغرب الحر «الكافر الطاغوتي» هي من صنع ~~عالمية الدين، ففي بلادهم ستجد البوذي والمسلم والشيعي والسني والملحد وعابد البقرة ~~والوثني، ستجد المسلم في أمريكا وفرنسا وبريطانيا وكوريا وأستراليا والسويد ~~والدانمارك وألمانيا ... إلخ، أليس في ذلك عالمية للإسلام؟ # نظام الغرب الحر سمح لكل الأديان بالوجود فأصبحت كلها عالمية وأصبحت قيمها ~~عالمية، واستقبلت بلاد هذا الغرب موجات من الهجرة محملة بعادات ونظم وتقاليد ~~تقبلها هذا الغرب بصدر رحب وتفاعل معها ولم يعتبرها غزوا ثقافيا، كل الأديان ~~أصبحت عالمية بما فيها الإسلام؛ لأن أصحابه يوجدون في كل دول العالم، وهم من سيمارس ~~مطالب الإسلام وشعائره. # إن مثل هذا الخطاب هو دعوة للكراهية وتحريض عليها وتأسيس عداء قدسي للآخر ~~واحتقاره والحط من قدره لكونه غير مسلم فقط. وهو ما يعني أن مجرد وجود هذا الآخر ~~الكافر هو اعتداء على نظام الكون القدسي الذي يخضع بالكلية للمفهوم الإسلامي، وهو ~~ما يعني أيضا ضرورة مواجهة هذا الآخر المختلف. ولأن الآخر المختلف هو الأقوى ~~والأقدر فإن دعوتهم للكراهية تقف عند حدود خطب التحريض للأفراد المسلمين لأخذ الأمر ~~بأيديهم «من رأى منكم منكرا فليصلحه بيده»، على أساس ثقافي لتعديل أوضاع العالم ~~بما يرضي الله، لينفلتوا متفجرين في كل ms139 مكان وفي أي مكان. # ومع التحريض يتم تأسيس التمركز حول الذات المتميزة بالإيمان الصادق عن بقية ~~الذوات، دون أن تسأل هذه الذات نفسها: لماذا تمكن المجتمع صاحب القيم المادية ~~المنحطة والسلوك الفاسد والمنحل، ويعاني من العري والاغتصاب والقلق والإدمان ~~والاغتراب، باختصار كيف تمكن مجتمع بهذه الصفات التي تنزله منزلة الحيوان، أن ~~يصنع حضارته العظيمة التي لا ننكرها بل نفيد منها ونسعى لاقتناء منتجها؟ ولماذا نحن ~~أصحاب الأخلاق الإسلامية الرفيعة، نحن الذوات الملائكية، لماذا نحن في قاع مزبلة ~~الأمم؟ # من حق كل مجتمع أن يدعي لنفسه ما يفخر به ويعتز ويشعره بالعظمة والذات المتميزة، ~~وذلك باسم أخلاقها، أو بتاريخها المجيد، أو بمنجزها الحضاري العظيم، لكن المجتمعات ~~والأمم لا تتفاخر بما لم تنجز الذات، ذواتنا تتوهم امتلاك تميز ممنوح لها من ~~السماء؛ مما يعطيها الحق في وجوب تسيد الكون كله لضبطه حسبما يحب الله ويرضى، وتقع ~~على أصحاب الحق الإلهي مسئولية إدارة الكون. # وعادة ما يعبر فقهاء زماننا عن رأيهم وعن أنفسهم، لكنهم يسوقون هذا الرأي بحسبانه ~~هو الدين ذاته، فيتحول الرأي عن كونه مجرد وجهة نظر إلى حرم قدسي. ونموذجا لذلك ~~رأيهم في القيم الإنسانية التي توافقت عليها المجتمعات حسب ظروفها البيئية ~~والاقتصادية والمجتمعية والسياسية والزمنية، فيصفونها أولا بكونها قيما وضعية، أي ~~أنها من وضع البشر وليست من وضع رب السماء، حتى يسوغ بعد ذلك تسخيفها وتدعيرها ~~وإقصاؤها. # اسمع معي أحد الدكاترة الأزاهرة الذي تتخرج من تحت يديه الأجيال وقد تشربوا منه ~~المعرفة وحددوا المواقف، اسمعوه يقول: «إن القيم الوضعية لا تستطيع أن تؤثر في ~~معنويات المجتمع تأثيرا قويا كما يجب وكما ينبغي، حتى تجعل من أفراده وأبنائه ~~أصحاب أخلاق مثالية» (د. الصاوي أحمد، القيم وثقافة العولمة، ص28). # الرجل مثل كل فريقه من المنشغلين علينا بالإسلام لا يرى في غير المسلمين أي فضيلة ~~ممكنة، ولو أعملنا رأيهم هذا في تاريخ البشرية؛ فهو ما سيعني أن الهند والصين ~~واليابان وبابل ومصر القديمة واليونان، كلها كانت حضارات بدون قيم سليمة؛ لأنها لا ~~تعرف ms140 القيم السماوية ولأنها وضعت قيمها حسب ظروفها وبأيديها، فلا كان الفرعون ~~نبيا، ولا كان كونفوشيوس رسولا ولا كان حمورابي من العارفين بالله، وكانت ~~أديانهم وضعية أي من اكتشافهم وصنعهم، كذلك قيمهم كانت وضعية. ولا تجد بين البشر من ~~ينكر على تلك الحضارات تحضرها وتمتعها بالخلق الرفيع سوى مفكرينا المسلمين وحدهم، ~~نفعنا الله بهم؟! # ولأن مفكرينا المسلمين لا ينجزون شيئا ولا ينتجون؛ فإنهم لن يشعروا بالتميز إلا ~~إذا أنكروا على المنجز إنجازه وعلى المبتكر ابتكاره، لتتساوى الرءوس ولا يبقى من ~~فارق في أسنان المشط سوى التقوى، التي يصفون بها أنفسهم من باب التميز عن سائر ~~الناس، دون أثر واحد حقيقي لتلك التقوى فيما يقولون أو يفعلون، وهو ما سنثبته ~~الآن! # لو راجعنا التاريخ الديني فسنجد أن التقوى لم تمنع نبيا من أولي العزم مثل ~~إبراهيم من قوله عن زوجته سارة إنها أخته فيتزوجها الفرعون المصري، وذلك بحسب ~~التوراة لأسباب: «قولي إنك أختي ليحصل لي خير بسببك وتحيا نفس من أجلك» (سفر ~~التكوين). هذا بينما القيم الوضعية المصرية هي التي دفعت الفرعون إلى طلاق سارة ~~وإعادتها إلى إبراهيم تاركا لها مهرها لها، بل ومزودا لها بخير عظيم كتكفير عما ~~لحقه من عار الزواج بامرأة ذات بعل. # القيم السماوية لم تمنع الأسباط الكرام من بيع أخيهم يوسف طفلا في سوق النخاسة، ~~بينما القيم الوضعية المصرية هي التي أعطت الفرصة ليوسف عندما أثبت المهارة ليتبوأ ~~منصب وزير خزانتها، وهو غير مصري، وهو المبيع لها عبدا، وهو ما تمكنت أمريكا من ~~إنجازه مؤخرا بعد قرون من العنصرية البغيضة، وانتخب الشعب الأمريكي أوباما الذي هو ~~من أول جيل مهاجر لأمريكا، ناهيك عن كونه قدم بالأمس من أصول زنجية إفريقية، هذا ~~بينما عندما فتح العرب أصحاب القيم السماوية مصر أو العراق أو بلاد الشام، لم ~~يتخذوا من أبنائها واليا أو وزيرا. وكان يأتيها الوالي والوزراء وكبار المتنفذين ~~قرشيين من عاصمة الخلافة، أو عثمانيين من بعد. # وإذا تساءلنا عن السر في العداء الصريح للقيم الإنسانية، أجابونا: «إن القيم ms141 ~~الوضعية توضع لحفظ النظام العام في حياة المجتمع، ولا تعالج إصلاح القلوب والضمائر، ~~أما القيم السماوية فإنها تقوم بإصلاح القلوب والضمائر لكل شيء، وتكسبه قوة ~~العقيدة، والإيمان، والسلوك الحميد» (المصدر نفسه). # وهذا إنما يعني أن القيم الوضعية لها مهمة هي حفظ النظام العام، وهي مهمة ليست ~~بالقليلة ولا بالهينة، لكن هذه القيم لا تجعل أهلها أصحاب خلق كريم، وهنا يأتي دور ~~القيم السماوية. وهو ما يعني أن ما يتعلق بالنظام العام للمجتمع ليس مهمة القيم ~~السماوية؛ وهو ما يعني أن القيم الوضعية لها ضرورة لحفظ هذا النظام؛ وهو ما يعني أن ~~القيم السماوية قاصرة عن الاهتمام بالمجتمع ككل لذلك يلزم اللجوء إلى القيم الوضعية ~~لاستكمالها كي تحفظ لنا نظام المجتمع العام. ناهيك عن الدورين وأهمية كل منهما وعمق ~~أثرهما في المجتمع ككل؛ فالقيم الإنسانية/الوضعية ينعكس أثرها على المجتمع ككل، وهي ~~ابتكار توافق عليه المجتمع ككل، بينما القيم الدينية، حسبما يشرحون لنا، تتعلق ~~بضمير الفرد وصلاح قلبه وأن مهمتها إكساب الفرد قوة العقيدة والإيمان! ~~ودمتم! # وهكذا تجدهم يدركون جيدا دور كل من اللونين من القيم ومع ذلك يعيبون بشدة القيم ~~الوضعية ويبخسونها، كما لو كانوا يضربون النظام العام للمجتمع في مقتل وهو ما أثبت ~~جدارته وفعاليته في اختفاء وتواري القيم الإنسانية في بلادنا بعد الصحوة الإسلامية، ~~وبقاء القيم الدينية وما نتج عنها من تفشي جرائم التحرش والاغتصاب بنسب غير معهودة ~~في بلادنا، وتفشي التقوى ومعها الفساد والنصب والاحتيال بشكل لم يسبق أن عرفه ~~تاريخنا سوى أيام المماليك والهكسوس. # لا تفهم مشايخنا هنا، ولا تفهم مبرر مهاجمتهم للقوانين الوضعية، ما داموا يعترفون ~~بأن القيم السماوية لا يمكنها القيام بالعمل كله؛ لذلك نستوضحهم قولا حاسما ~~وحاكما فيقولون لنا: «إن القيم الوضعية لا تستطيع أن تخفف من محبة الدنيا وحب ~~المادة، أما القيم الدينية فإن من خصالها القدسية التي تخفف من محبة الدنيا وحب ~~المادة الوضعية» (المصدر نفسه). # أول ما يتبادر إلى الذهن هنا فورا لماذا لا يريد لنا مشايخنا أن نحب الدنيا ~~ومادتها ms142 التي يسميها الإسلام متاعا أي متعة وبهجة وسرورا؟ وإذا لم نحب دنيانا فهل ~~نكون فاعلين منتجين مبهجين؟ وهل إذا لم نسعد في هذه الدنيا ونفرح فيها يعني أن ذلك ~~هو التقوى؟ ولماذا تشترط التقوى كراهة السعادة والسرور؟ وهل لذلك حرموا علينا كل ~~الفنون؟ كراهة الفنون التشكيلية لأنها تصنع أصناما، ومعها كراهة الفنون الموسيقية ~~رغم أن هبل لم يكن ممسكا بربابة! وهل لهذا كله علاقة بنصيبنا في إنجازات شعوب ~~الدنيا وهو صفر حقير؟ وإذا كان ذلك صحيحا فلماذا لا يوضحون لنا أسماء وأصناف القيم ~~التي سادت مجتمع الصحابة الأوائل زمن الخلافة الراشدة ؟ ولماذا لا يشرحون لنا كيف ~~تصدت هذه القيم لحب الدنيا الذي غلب على الخليفة عثمان، كما غلب على الصحابة الذين ~~قتلوه لأنهم لم ينالوا نصيبهم كبني أمية من الأموال المنهوبة من البلاد المفتوحة؟ ~~وأن يبرزوا لنا كيف منعت القيم السماوية بني أمية من الضغط على الخليفة عثمان ~~لينالوا النصيب الأعظم من جاه الدنيا دون بقية الصحابة، فكانت الفتنة الكبرى وما ~~تلاها من فتن أكبر وأعظم وأكثر خزيا. ثم هل صانت تلك القيم دماء الخلفاء الراشدين ~~الأربعة بعد أن ماتوا جميعا صرعى الاغتيالات؟ # فإذا كان السادة الأزاهرة الدعاة الدكاترة يعلمون تفاصيل تاريخنا الدموي يقينا، ~~فهل تراهم يكذبون على المسلمين؟ وإذا كان هذا الفرض صحيحا، فلأي غرض ولتحقيق أي ~~هدف؟ # إن التنفير الدائم من كل منجز بشري ونعته بالوضعي تقزيما وتحقيرا رغم أنه نعم ~~الوضع ونعم الإنجاز، ليس مقصوده وهدفه توفير الإسلام؛ لأن ذلك يهينه ولا يوقره، ~~بقدر ما يضحون بتوقير الإسلام في سبيل لبس المسوح الدعوية ووجاهتها الاجتماعية ~~ومردودها التجاري العظيم. القصد والهدف هما ليس توقير الإسلام وإلا ما كذبوا عليه، ~~القصد والهدف هما توقير الشيخ الفقيه الدكتور، ثم الصعود إلى درجة أعلى لتقديس ما ~~يقول الشيخ، وعندما يقول إنسان قولا مقدسا فقد حاز رتبة النبوة وإن لم يعلنها، ~~فكان أن امتلأت بلادنا بالأنبياء الكذبة! # بينما الوقائع أمام عيوننا مترجمة إلى مكانة اجتماعية رفيعة في مجتمعات جهولة ~~ومسوح دعوية من ms143 بيوت الأزياء العالمية من الغترة السويسرية إلى السروال الطلياني، ~~ومكاسب مادية ببذخ معهود في الفضائيات البترولية، ويسعى الناس إليهم بالنذور ~~يقبلون الأيادي طلبا للرضا السماوي، الهدف المقصود عند مشايخنا ليس الإسلام، ~~الهدف والمقصود هو اكتساب الشيخ للقدسية وتوابعها من أطايب الحياة الدنيا التي ~~يريدوننا أن نتخلى عنها، حتى لا نأخذ جزءا من نصيبهم فيها، فيصرفوننا عن التطلع ~~إلى ما بيد شعوب الدنيا من عز وسعادة ورفاه، ليحدثونا عن ارتفاع نسبة الانتحار في ~~تلك البلاد نتيجة الشبع والبطر، الذي لم يحقق لهم السعادة حتى أنهم يعضون الأنامل ~~غيظا لما نحن فيه من جهل ومرض وخراب ضمائر جمعي وفساد عمومي هو العار نفسه؛ لذلك ~~علينا بالفقر والجهل والمرض نعض عليها بالنواجذ فهي منقذنا يوم الدينونة أمام ~~الرحمن الرحيم. # ولا يبقى سوى الشيخ حلا وحيدا وقدسيا بلا منافس في سوق الفكرة، وتقام له ~~الموالد بعد موته وينال خلود الذكر في الدنيا كما في حالة الشعراوي مثلا، فأي مكسب ~~أعظم من كل هذه الحظوظ مجتمعة؟ إنها الحظوظ التي تدفع بصاحبها إلى امتلاك الأرض ~~والناس، فلماذا لا يرنو إلى الملك والكرسي الأعظم بالدعوة إلى دولة الخلافة؟ # ومع التطور العملي في وسائل الاتصالات كثر شيوخ الدعوى والفتوى، من شيوخ تقليديين ~~إلى دعاة جدد أو مودرن، ناهيك عن شيوخ الفضائيات ومشايخ الفيديو كليب، لأن المكاسب ~~المتحققة من جهل أمة ضحكت من جهلها الأمم هو الأعظم بين كل المكاسب. # إنهم يتاجرون بنا وبديننا وبنبينا وبربنا وبالمسلمين وبالوطن في سوق فساد علني ~~وسوق نخاسة نحن فيه العبيد، محمي برايات القداسة وأعلام الشرف والطهارة، مجرد أعلام ~~وشعارات لا علاقة لها بما يفعلون بنا حقا. # وإذا كان فقهاء زماننا يريدون عالمية الإسلام، فقد تحققت هذه العالمية، لكنهم إذا ~~كانوا يعنون بعالمية الإسلام إلزام العالم كله بدين الإسلام وهم في قاع الأمم، فتلك ~~والله لقاصمة الظهر! # الفصل الثالث # | من القيم الذاتية إلى القيم الإنسانية # في البدء لم يكن الإنسان قد صار إنسانا بعد، في البدء كانت البيئة الوحشية والطبيعة ~~القاسية تفرض عليه ms144 صراع وجود حياة أو موتا، وخلال هذا الصراع الطويل الذي بدأ من فجر ~~الوجود البشري على الأرض حتى اليوم، حقق الإنسان نقلات هامة حاول فيها أن يحقق انتصاره ~~على الطبيعة، حتى وصل إلى ترويض كثير من عناصرها وتسخيرها لخدمته ليصبح على الأرض سيدا ~~لها. # في صراعه الأولي الابتدائي استعان بالسحر والتعاويذ والقرابين للتعامل مع مظاهر ~~وعناصر الطبيعة، وفي مرحلة تالية انتقل إلى فكرة التعامل المباشر مع ما تصوره قوى ~~محركة تقف وراء مظاهر الطبيعة، عطاء أو شحا خيرا أو دمارا، فاستدعى للطبيعة ~~آلهة يمكنه مخاطبتها، كانت آلهة متخصصة، فكان لكل ظاهرة طبيعية ربها، فكان للجبل إله، ~~وللنهر إله، وللنار إله، وللخير إله، وللمطر إله، وللشر إله، وللخصب الجنسي إله يدبره، ~~وللأنوثة إلهة، وللذكورية إله فحل، وللطفولة إلهها ... إلخ. # ومع الاستقرار على الأرض بعد اكتشافه الزراعة، ~~وتوسع هذا الاستقرار في أقاليم معبدية تنشأ حول المعبد، ثم أقاليم مدينية تقوم حول مركز ~~الحكم، ثم توحد هذه الأقاليم في مدينة دولة مملكة، ثم في دولة كبيرة تضم عدة مدن ممالك ~~إن سلما أو حربا، حدث التحول والتطور ذاته في عالم الآلهة، التي نزعت بدورها نحو ~~التوحد في إله واحد يحوي كل الآلهة القديمة على اختلاف تخصصاتها وحتى اختلاف فضاءاتها ~~الجغرافية البيئية القديمة في ذاته الواحدة العلية، وظل الأمر على حاله بسيادة رجل ~~الدين حليفا أول للسلطة، حتى ظهور المنهج العلمي في التفكير ثم الثورة الفرنسية وصراع ~~عصر النهضة، الذي انتهى بسيادة المنهج العلمي، الذي كان أهم ما حققه هو إعادة الحدث ~~والظاهرة إلى سببهما الحقيقي وإدراك الإنسان للعلاقة السببية بين السبب والنتيجة، ليرضى ~~بالسبب الأقرب الواضح المادي، حتى لو لم يكن كافيا للتفسير التمامي، بديلا من الرحيل ~~إلى ما وراء هذا السبب المادي إلى ميتافيزيقا تصورية وهمية. فأمكن علاج كثير من الأمراض ~~والتصدي لمعظمها حتى تم القضاء عليها من التاريخ، بعد اكتشاف الميكروبات والفاكسينات ~~والمضادات الحيوية، فكان أن حل العلم الإنساني محل كل التراث القديم للبشرية، وخرج الرب ~~وأنبياؤه وكهنته من الموضوع، وحل ms145 العلماء محل الأرباب بعد أن أثبتوا بالآيات البينات ~~الواضحات مساندتهم الحقيقية لبني الإنسان في مواجهة الطبيعة القاسية التي ظلوا رهن ~~نزواتها وكوارثها وحوائجها وأوبئتها طوال الأزمنة الخوالي. # وفي كل مرحلة ونقلة تطورية كانت تظهر بما تناسب المرحلة وتعبر عنها حتى وصلنا إلى زمن ~~العولمة الإنسانية حيث توافقت البشرية على قيم تناسب زمنها وتعبر عنه. # وعودة نحو البدء وبصحبة سؤال القيم لن تجد هذا البدء سوى ما يمكن تسميته قيما ذاتية، ~~وهي في معظمها غرائزية تتعلق بالحفاظ على النوع وعلى الحياة. ولكن مع اللحظة التي أبدع ~~فيها الإنسان شيئا لم يكن موجودا في واقعه، ظهرت لأول مرة فيها من نوع جديد لم تكن ~~معلومة من قبل، بعد أن توافق الناس على تقييم هذا الجديد وإعطائه قيمة وتثمينا، ثم ~~وضعوا له القوانين التي تحمي هذه القيمة، والمؤسسات التي تضع القانون وتلك التي تسهر ~~على تنفيذه. وانتقل الإنسان من العيالة على الطبيعة وقيمها الغريزية الحيوانية ليكتشف ~~مع الفلاسفة مباحث القيم وعلم الأخلاق، وهي مرحلة تالية للدين؛ لذلك لم يعرف الدين هذه ~~القيم. وظهرت لنا اليوم قيم ما خطرت في بال الأقدمين، كالقيم المصاحبة لعلم هندسة ~~الوراثة وما يحكمها من قوانين، وقيم لها علاقة باكتشاف الطاقة النووية وقوانين تشغيلها ~~وشروط دفن نفاياتها. لكن هذا لم يعن انتقال البشرية كلها إلى قيم زماننا، فما زال في ~~زمننا في الصحارى وأواسط الغابات والأحراش الإنسان ذو القيم الغرائزية البدائية العنيفة ~~إلى اليوم. # رغم كل محاولاتي هنا التبسيط وولوج الأمر باليسير من العبارات، إلا أنني مضطر ~~للاستعانة بالمتخصصين والتعامل مع هذا التخصص بالتبسيط والتيسير، تشرح لنا الدكتورة ~~فوزية دياب معنى القيمة فتقول: «إنها تفصح عن أهمية حكم الآخرين تقديرا واستحسانا ~~واستهجانا للشيء أو للسلوك، فهي عندئذ تعبر عن المرغوب فيه والمرغوب عنه في نظر ~~المجتمع. ولفظ قيمة مصطلح علمي في دراسة الفلسفة والاقتصاد والفن وعلم الاجتماع وعلم ~~النفس وعلم الأنثروبولوجيا (ولم تذكر الدين) ويرى بعض العلماء أن اصطلاح القيمة يرادف # useful # أو لائق # Expedient # وهناك من يقول إن ms146 القيم هي الأفكار الاعتقادية المتعلقة بفائدة ~~كل شيء في المجتمع. وقد تكون الفائدة صحية جسمية، أو ~~توقدا في الذكاء، أو نشوة ولذة، أو بسطة في الرزق، أو حسن السمعة، أو غير ذلك من ~~المنافع الشخصية، وعلى كل حال فإن فكرة المنفعة أو الفائدة يجب أن نأخذها بكل تحفظ، فما ~~من شيء يكون نافعا أو مفيدا لذاته، بل يكون كذلك لحاجة في نفس الشخص، تجعله يرى هنا ~~النفع أو هذه الفائدة، فما هو غير نافع لشخص أو ضار قد يكون نافعا لغيره. والمثل يقول: ~~مصائب قوم عند قوم فوائد» (ص25). # ما يمكن إضافته هنا التنبيه إلى أن هذا النفع قد يكون توهما وليس حقيقة، كالاعتقاد ~~في فعل السحر أو أن أدعية تأتي بالمراد، أو أن التعاويذ تمنع غير المرغوب فيه، أو أن ~~الصلاة تسقط المطر أو أن رجم إبليس له أية قيمة، خاصة أنه رغم طول مدة الرجم على مر ~~العصور؛ فإنه بحسب أهل الدين لم يرتدع عن إغوائه للمؤمنين. # وكي يتمكن الإنسان من إصدار حكم قيمة فلا بد أولا أن يملك حريته بإطلاق؛ لأنها هي ما ~~تمكنه من إصدار حكمه القيمي، بينما لو كان واقعا تحت سيطرة خارجية تسير إراداته، ~~فإن حكم القيمة لن يكون معبرا عن رأيه بل عن رأي المتسلط المسيطر، سواء أكان هذا ~~المتسلط حاكما أم رجل دين أم المجتمع ذاته؛ لذلك فشرط أحكام القيم السليمة الأول هو ~~الحرية المطلقة في اختيارها. # ومن شروط تمام حكم القيمة أن يكون هناك تماس مباشر بين الإنسان والشيء، أو الفعل محل ~~التقييم؛ لأنه الطرف الثاني في المعادلة، وهو الطرف الموضوعي الخالي من العقل والعاجز ~~عن الإفصاح عن قيمته، ويكون محل حكم الطرف الأول «الإنسان» عليه بحكم قيمة، بعد أن ~~يكتشفها العقل الإنساني فيه. # المسألة أيضا ليست بهذا القدر من البساطة لأن هذا العقل كي يتصل بالموضوع، فإن هناك ~~موصلات ومدخلات يمر منها الموضوع إلى العقل الذي سيصدر حكم القيمة، بالطبع أول المدخلات ~~هو الحواس الخمس، وهي تخضع لمؤثرات عديدة أهمها ms147 مدى جودة هذه المدخلات أو الموصلات، ~~فبعضها ضعيف وبعضها معيوب، وبعضها محاط بتعليمات مجتمعية أو دينية تعوق التوصيل السليم ~~فتؤثر سلبا أو إيجابا في الموضوع وهو يتحول من صورة وشكل في الواقع إلى معلومة عقلية، ~~وأثناء هذا التحول تتدخل المؤثرات فتنتقل شيئا قد يخالف الموجود في الواقع الماثل ~~قليلا أو كثيرا. # الموصلات أيضا تتداخل معها الغرائز والحاجات والمشاعر ألما أو لذة، والقيمة ~~الاقتصادية وتعاليم الدين والمجتمع كالعادات والتقاليد، ولكل مؤثر هنا دور في عملية ~~تحويل الموضوع إلى معلومة ذهنية، كل حسب اختصاصه، فإن كان المؤثر الغريزي هو الأعلى لن ~~يلتفت الرجل إلى عقل المرأة قدر التفاته إلى دوائر ~~فخذيها؛ ومن ثم يصطبغ الموضوع غير الغريزي في الواقع، بصبغة غريزية عند تحوله إلى ~~معلومة ذهنية، صبغة لم تكن موجودة في الواقع الماثل. كذلك إذا كان المؤثر دينيا هو ~~الأقوى فسيقودني إلى ضعف المؤثرات الأخرى في عملية النقل، فيأتي الحكم مصبوغا بحرام ~~وحلال خاص بدين صاحبه، ولا علاقة له بما هو في الواقع من حيث هو خطأ أم صواب، صحيح أم ~~باطل، نافع أم ضار، وفي حال تعادل المؤثرات فإن حكم القيمة سيأتي حكما مجودا مدعما ~~بالثقافة العامة والمصالح المشتركة للمجتمع والتربية السليمة، يأتي حكما يراعي كل ~~المؤثرات فيظهر القيمة الحقيقية للموضوع، وينقل الموضوع كما هو بذاته في الواقع ليصبح ~~فكرة ذهنية مطابقة لما هو في الواقع بكل دلالاته ومعانيه. # ولأن فقهاء المسلمين لا بد أن يعرفوا في كل شأن، ويدلوا بدلوهم في كل بئر؛ لأنهم ~~أحاطوا بالمعارف كلها عبر المقدس التام الشامل المانع؛ فإنهم لا يجدون أي بأس من القول ~~بشيء اسمه «القيم الدينية»، المشكلة في المزايدين من رجال العلم في بلادنا الذين يريدون ~~إثبات طاعتهم لأصحاب القداسة، انظر مثلا أستاذ الفلسفة الدكتور توفيق الطويل في كتابه ~~أسس الفلسفة، إذ يؤسس لشيء عجيب بقوله: «هناك من يرى أن وظيفة القيم الدينية هي ~~المحافظة على القيم الإكسيولوجية الثلاث: الحق والخير والجمال، أكثر من وضعها قيمة ~~رابعة تضاف إليها» (ص378). وأستاذ الفلسفة يريد ms148 أن يقول بقيم دينية ويعطيها وظيفة غير ~~موجودة في الواقع، فوظيفتها المحافظة على القيم الإكسيولوجية، والمعنى المتضمن أنه لا ~~تعارض بينها، لكن المتضمن أيضا أن الإكسيولوجية كانت هي الأسبق في الوجود، وأن القيم ~~الدينية جاءت لاحقة لها، وكي تكون لها مهمة ولو مخترعة لمجاملة سدنة الدين، يعطيها مهمة ~~المحافظة على القيم الإكسيولوجية، والأنبياء لم يقولوا لنا سوى عبادات ومعاملات وأوامر ~~ونواه. # ما نقوله هو محاولة الإجابة عن السؤال الساذج هنا هو: أنه إذا كانت هناك قيم دينية ~~فما هو مصدرها؟ وما هو نوعها؟ يعني هل هي قيم ذاتية تعبر عن الذات الإلهية ورغباتها أم ~~أنها موضوعية ضمن طبيعة الأشياء وفي هذه الحال لا تكون دينية؟ لأن الله عندما خلق ~~الأشياء خلق معها قيمها، وفي هذه الحال تصبح قيما موضوعية في واقع الأشياء، أم خلق ~~الأشياء ثم تذكر أنه قد سها عن وضع قيم لها، فأرسل لها ملحقا توضيحيا بقيم دينية مع ~~الأنبياء والرسل؟ # وإذا كانت القيمة هي معيارا نزن به ونفاضل بين الأشياء أو الأفعال؛ فالفعل كله إذن ~~بشري ولم يكن الدين طرفا منه، لكن إذا كانوا يقصدون القيم الذاتية فهي بالمئات وضمنها ~~الدين كعنصر من عناصرها وليس هو كلها، فهناك مؤثرات ~~أخرى في القيم الذاتية كعامل الوراثة والبيئة وشكل المجتمع ونظامه السياسي ونظمه ~~الاقتصادية وعاداته وتقاليده ناهيك عن الغرائز والحب والكراهية ... إلخ ... إلخ. # والقيم الذاتية غير القيم العامة التي تضع معيارا لها هو نفع أو ضرر الجماعة كلها، ~~فالملك الذي لا يحب أكل الملوخية لا يحق له إصدار قرار بتحريمها على شعبه، ومن تعف نفسه ~~شرب الخمر أو أكل الدم أو لحم الخنزير فلا يفرضها على غيره؛ فهي شئون ذاتية تتعلق ~~بالذوق الخاص جدا ولا تلزم الآخرين بها، في شهر رمضان مثلا يقيم الغني التقي مائدة ~~الرحمن، بينما جاره الأغنى والتقي بدوره لا يقيمها، مثل هذه الحرية في الأداء تعني أن ~~المسألة وجهات نظر وليست متفقا عليها، هذه التي يسمونها قيما دينية لا معنى لها بعدم ~~إلزام الناس جميعا ms149 بها، حتى الفروض والشعائر الدينية كالحج هي قيم ذاتية شخصية يعود ~~نفعها على صاحبها وحده؛ لذلك لا تجد حكومات إسلامية أي حرج في وضع قيود على الحج لعدم ~~سحب الأموال الوطنية إلى بنوك السعودية، رغم أن الحج يلزم كل من استطاع إليه سبيلا. ~~حتى إنه أحيانا يكون لكل جماعة قيم خاصة بها، بل ولكل طائفة، بل ولكل أسرة، بينما ~~القيم العامة هي قيم إنسانية تلزم المجتمعات الإنسانية في أي مكان، مثل عدم تشغيل ~~الأطفال، أو محاربة المخدرات البيضاء باتفاق عالمي لتأكيد ضررها الذي سيمس الجنس البشري ~~كله أو حقوق الإنسان، أو عقوبة جرائم الحرب ... إلخ . # مشكلة سادتنا الفقهاء مع القيم الإنسانية ليواجهوا بها القيم الدينية مشكلة غير ~~مفهومة؛ فالقيم الإنسانية لا تلغي القيم الذاتية، أن تشرب القهوة سادة أو مع سكر زيادة ~~أو تتزوج أو تعيش عازبا، هذه مسائل شخصية، لا تتدخل فيها القيم الإنسانية بالإثبات أو ~~بالرفض. واستدعاء قيم زمن الدعوة الإسلامية لا يعني أنها كانت قيما دينية، بقدر ما ~~كانت مغرقة في ذاتيتها وبدائيتها وغرائزيتها، بحكم زمنها وطبيعة بيئتها القاسية، كانوا ~~يؤمنون أن الناس رتبا وقبائل وأنسابا ومنازل؛ لذلك لم يعرفوا قيمة عرفتها مجتمعات ~~أخرى وأزمنة أخرى، هي قيمة المساواة في الحقوق والواجبات، بل لم تخطر لهم على بال رغم ~~ما يرفعون من شعار أسنان المشط؛ لأنها أسنان مشط واحد هو التقوى في الإسلام، وغير ذلك ~~لا يدخل ضمنها. في ذلك الزمان ستجد حتى بلاد الحضارات تؤمن بقيم شديدة الذاتية، حتى ما ~~وصل إليه اليونان والرومان من رقي في عقدهم الاجتماعي الديمقراطي؛ فإنها كانت ~~«الديمقراطية» قيمة ذاتية لمجتمعهم فقط، ولا يصدرونها كقيمة إنسانية عالمية إلى بقية ~~الشعوب، وكان الرومان يرون أن الشعوب غير المحكومة بدستور وقانون هي شعوب دون رتبة ~~الإنسان ولقبوهم بالبرابرة. بينما في زماننا فإن الأمم المتحدة تسعى إلى تعميم ~~الديمقراطية على شعوب الأرض، وهو كله ما يؤدي إلى الاعتراف بأنه ليست هناك قيم دينية ~~أزلية ثابتة صالحة لكل زمان ومكان؛ لذلك تكثر الحروب الأهلية وينتشر ms150 التخلف وتتكاثر ~~المشاكل، حيثما نجد المجتمعات التي ما زالت تعمل وفق القيم الذاتية. فعندما يحرم ~~مجتمع الموسيقى والغناء والنحت وهي كلها قيم إنسانية؛ فإنه يحرم نفسه ارتقاء الروح ~~والإحساس بقيمة الجمال؛ لذلك يكون تحريم التذوق الفني ارتدادا عن الإنسانية؛ لأن ~~الإنسان هو الفنان الوحيد بين الكائنات الحية الذي يبدع الفنون ويتذوقها ويعطيها قيمة، ~~إن مثل هذا التحريم يعود بالمجتمع ليس إلى زمن القيم الذاتية الصحراوية فقط، بل يعيده ~~إلى الحيوانية؛ فالإنسان هو الوحيد الذي يستطيع أن يرسم، فلم نسمع عن جمل يرسم أو عن ~~بغل يغني، رغم أنهما لنركبهما وللزينة، وعندما يرفض الإنسان الزينة والفن ويكتفي ~~بالركوب يصبح هو وما يركبه من الفصيلة ذاتها. # ولو عدنا إلى زمن الراشدين مثلا لنكتشف شكل ~~القيم فيه، لوجدنا أن كل شخص له قيمة وله معيار خاص للقيمة، وتنتصر قيمته ومعياره بقدر ~~مكانته وقوته في المجتمع، هي قيم رتبة السنانير، عندما اختلف عمر الخليفة مع عماله ~~على الأمصار حول المغانم والفيوء المنهوبة من البلاد المفتوحة، لم يختلفا حول جواز ~~مهاجمة الشعوب وسلبها خيراتها كقيمة خيرة أو شريرة، إنما اختلفا حول نصيب كل منهما من ~~هذه الفيوء، دون حتى قواعد واضحة لتفعيل التقسيم العادل، كانت المسألة أنت وشطارتك، فإن ~~تمكن الخليفة فإنه يشاطر ابن العاص أموال المصريين، وإن أمكنه ناصف خالد بن الوليد ~~أموال العراقيين، وقاعدة الغزو نفسها والسلب والنهب للآمنين لم تكن قيمة سلبية ولا ~~مشينة، بل هي قيمة إيجابية تدل على السطوة وفروض السيطرة؛ فالقيمة عند البدوي تنبع منه، ~~وهو من يحددها حسب مصلحته. اختلفوا حول الأنصبة وليس في حلال أو حرام؛ لأنه حسب القاعدة ~~الدينية حلال بلال زلال، كذلك لا حديث عن المنهوب المجني عليه هنا؛ لأنه غير شريك في ~~الإنسانية، هو من العجماوات وليس له ما للعرب من حقوق، هو من يعمل ويدفع وهم من يقبضون ~~لقدرتهم على القبض وعلى الإنفاق، وكله في سبيل الله. # يهولنك حجم الجرأة على الحق عند من يزعمون أنهم الحق، انظر معي الفقيه قرضاوي وهو ~~يؤكد ms151 على وجود القيم الإنسانية كأساس في منظومة الدين الإسلامي، فيتحدث في كتابه «ملامح ~~المجتمع المسلم الذي ننشده» فيقول: «ويقوم ذلك المجتمع على آداب وتقاليد خاصة تجعله ~~نسيج وحده غير مقلد لغيره ممن بعد عنه زمانا أو بعد مكانا، مجتمع يقوم على القيم ~~الإنسانية الرفيعة التي تقوم على احترام كرامة الإنسان وحريته وحرماته وحقوقه وصيانة ~~دمه وعرضه وماله وعقله ونسله بوصفه إنسا، ونركز هنا على مجموعة من القيم الإنسانية وهي ~~العلم والعمل والحرية والشورى والإخاء» (مكتبة وهبة، ص109). # أولا لا تفهم سر النزوع الغريب إلى تأكيد أن المسلمين لون خاص من البشر بلا شبيه ولا ~~نظير، ولماذا يجب ألا يقلد هذا المجتمع غيره ممن بعد عنهم مكانا أو زمانا؟ إن هذه ~~القاعدة من البداية تشير إلى لا إنسانية المعيار نفسه، فهو يميز بشرا عن بشر ويرفض ~~الاهتداء بما قد يصل إليه البشر الآخرون من فوائد للإنسانية، إنها أصل وأس القيم ~~الذاتية البدائية التي ترى ذاتها أم كل القيم ومعيار كل الأشياء. # المهم أن قرضاوي في كتابه سيركز على القيم الإنسانية الرفيعة في الإسلام وهي احترام ~~قيمة الإنسان. # فهلا أشار لنا قرضاوي أو أي قرضاوي آخر أين نجد تلك القيمة في تاريخ الفتوحات ~~الإسلامية التي فتحت العالم لأنوار الإسلام؟ وفي أي حادثة؟ وأحداثها كثيرة وهائلة ~~ومهولة ومرعبة ولا مثيل لها في تاريخ القسوة حتى لو قارناها بجنكيز خان وهولاكو. # هل من احترام قيمة الإنسان جلده وتقطيعه وسمل عيونه وتقطيع أوصاله من خلاف والذبح ~~صبرا؟ وأي إنسانية الحقوق التي تفترض التساوي إزاء القاعدة القرآنية «الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى»؟ هل من احترام قيمة الإنسان بعد ذبحه في المعركة ركوب ~~نسائه في ساحة الوغى بحق حلال أحل من لبن الأم، مع سبي أطفاله وبيعهم في سوق النخاسة أو ~~استعمالهم جنسيا ولا غضاضة؟ وهل من ضرورات نشر الدين ورضا رب الإسلام ركوب نساء ~~المهزوم؟ # وهل من احترام قيمة الإنسان: أن يدرس أبناؤنا في معاهدنا الدينية حتى اليوم فقها ~~كاملا على المذاهب الأربعة مدونا في ms152 مئات الصفحات ليشرح لهم فقه الرقيق في الدية وفي ~~الميراث والبيع والشراء والمباضعة والمناكحة والمخارجة، إلى آخر أبوابه الطوال. # أين هنا «كرامة الإنسان وحريته وحرماته وحقوقه وصيانة دمه وعرضه وماله وعقله ونسله ~~بوصفه إنسانا»؟ وكيف أمكن تفعيلها إزاء الرسالة الفاتحة تدق أبواب البلدان بالرعب ~~«الإسلام أو الجزية أو القتل»؟! الآيات تقول: # أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم ~~(الفتح: 29) هنا قيم ذاتية بالتمام ~~والكمال، ويصبح القول بقيم إنسانية إفكا افتراه قرضاوي ويعينه عليه آخرون؛ لأن كرامة ~~الإنسان وحريته وحرماته وحقوقه وصيانة دمه وعرضه بوصفه إنسانا، قيم إنسانية حققتها ~~البشرية بعد صراعات تاريخية طويلة ضد القيم الذاتية التي تقوم على مبدأ القهر والغلبة، ~~ولم تنضج إلا مع الثورة الفرنسية واستمرت معاركها ومكاسبها حتى اليوم، وما زالت تتأسس ~~قيم جديدة مع حاجات الإنسانية وتطورها لحماية هذا التطور من الانتكاس إلى الخلف. # يعيش قرضاوي بيننا في القرن الحادي والعشرين ويحدثنا عن مجتمعه المتفرد عن كل ~~المجتمعات، يحدثنا حديث عرب الحجاز في القرن السابع الميلادي الذي كان يرى الدنيا مكونة ~~من عالمين: عالم البدو وهو عالم الحق المطلق، وعالم العجم وهو الباطل المطلق؛ لذلك ~~جعلوا من ذواتهم مقياس كل شأن ومعيار كل حق، حتى قدسوا المعيار ومعه عالمهم الذي هو ~~الكمال نفسه، بعد أن أصبحوا أمة القرآن؛ لذلك يكون طبيعيا أن كل ما عداها ناقص، مع ~~التعميد الرباني لهذه القدسية بآيات # كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس ~~، وأن غيرنا يعض علينا أنامله غيظا مما حظينا به من ~~فرادة وتكريم وتشريف بالإسلام. والأغرب أن يسود تصور بأن هذه الخيرية والقدسية تتحول ~~إلى موروثات جينية متأصلة في المولود المسلم # Built in # مع شعور أعجب هو أن المسلم يحمل بهذا الميلاد واجب استتباع الآخرين ووجوب أن يتشبهوا ~~بنا؛ لذلك نفهم السر في الإصرار على محو لغات وثقافات الشعوب المفتوحة، لتركهم بلا هوية ~~مع تحقير ما قبل تاريخ الفتح، مع طبعه بطابع البداوة، فيتم تراجع قيمة الوطن والمواطنة، ~~والتميز عن بقية المواطنين بزي بعينه، وآداب مائدة من نوع خاص، وأطعمة مقدسة ms153 وشافية ~~ومانعة للسحر وعلاجات نبوية وقرآنية كبول النياق وبول النبي والأطعمة المستحبة كالجراد ~~والعسل والتمر والثريد. # ولا يميز مجتمع عن مجتمع بكونه يحرم السرقة والقتل ويدين الكذب والخيانة ويرفض الغش ~~بألوانه؛ فهي كلها قواعد متعارف عليها في مختلف المجتمعات والديانات. # إن أي دين من الأديان لم يكن قد حضر بعد تحقق الرقي البشري إلى مستوى القيم ~~الإنسانية؛ لذلك فإن أي دين وضمنه الدين الإسلامي يحول قيم الأخلاق إلى تجارة؛ فالحسنة ~~بعشر أمثالها، بعد أن يفرغها من مضمونها الراقي للفعل الخير دون انتظار مردود، ~~فيربطها بنظام من المكافآت والعقوبات، فيلغي بذلك دور الضمير والحس الإنساني الأخلاقي ~~الراقي ليحولهم لأتباع عميان لتعاليم وأوامر ونواه، ليس لأنها تستحق الاتباع ولا لأنها ~~تحقق فوائد عامة للمجتمع أو للإنسانية، ولكن لأنها أوامر إلهية فقط! # إن القيم الإنسانية تقصد خير الإنسان في أي مكان بغض النظر عن لونه أو دينه أو لغته ~~أو جنسه، وغيرها هو قيم ذاتية محلية طائفية تقصد مصلحة طائفة بعينها أو فئة أو جماعة أو ~~ملة أو مذهب، وهي بهذا المعنى تظل قيما أنانية لا تعبأ بالآخرين، ولا تهتم ولا ترى ما ~~يلحق بهم من أضرار ما دام النفع يعود على الطائفة أو الجماعة؛ لذلك لن تجد أي شعور ~~بالألم أو الندم للأحداث التي روتها لنا حروب الفتوحات، بقدر ما تشعر بالزهو والفخار ~~والمجد والسؤدد والبطولات المبهرة. # يشغلني هنا قول هام للأستاذ راضي عاقل وهو يعقب على القيم الأخلاقية والأديان، ~~سأجتزئ بعضا مما قال وهو لا يغني عن العودة إلى مدونته المحترمة لما فيها من تفاصيل ~~هامة وكثيرة، يقول الأستاذ عاقل: «هناك مسلمة أن الإسلام مرادف للأخلاق وأن من لا دين ~~له هو بالضرورة لا أخلاق له، بينما الدين عموما والإسلام خصوصا هو نقيض للأخلاق، ~~ويساهم بشكل فعال في تشويه نفسية المؤمنين، به قتل حسهم الأخلاقي؛ فهو لا يسرق، ولا ~~ينام مع أمه، ولا يقتل، فقط لأن كتابه قال له ذلك، وطمعا في الحور اللواتي يرجعن عذارى ~~بعد كل نكاح، وخوفا من ms154 الشواء الأبدي وتبديل الجلود المتكرر بعد النضح، وليس لأي مبدأ ~~أخلاقي من أي نوع من الأنواع، فلو لم يكن هناك عقاب ولا ثواب فسيقومون بكل ذلك، فأين هي ~~الأخلاق؟ # إن الدهماء والغوغاء واللصوص هم من يحتاجون للعقوبات لضبط تصرفاتهم، ولكن القوانين ~~البشرية تستطيع ردعهم دون الحاجة للآلهة، إن الإسلام قانون عقوبات ومكافآت دنيوية ~~وآخرية، فأين الأخلاق في الرشوة والترهيب؟ وأكد على أن عقل الإنسان قاصر لا يمكنه ~~التمييز بين ما ينفعه وما يضره ويجب بالتالي أن يتبع توجيهات الإله الذي خلقه، وبالتالي ~~فهو أعلم منه بما ينفعه وما يضره، وأصبح الناس في خدمة الأخلاق عوضا عن الوضع الطبيعي ~~الذي هو أن الأخلاق وجدت لخدمة الناس.» انتهى. # إن فقهاء المسلمين يرفعون شعارات لا علاقة لها لا بالإسلام ولا بأي دين آخر، يذكروننا ~~أيام كانت ألمانيا الشرقية الشيوعية كاملة الاستبداد تسمي نفسها رسميا ودوليا ~~ألمانيا الديمقراطية؟ ينسبون قيم غيرهم لأنفسهم ولا يكتفون بذلك بل يسلبونها عن أصحابها ~~الذين اكتشفوها بعد تاريخ طويل من الصراع لإرسائها قواعد إنسانية راقية. بينما قيم ~~فقهائنا تطلب تكفير أصحاب تلك القيم الإنسانية وقتلهم وسبي نسائهم وهتك أعراضهم ~~والاستيلاء على أموالهم، يسلبون الآخر قيمه ويكفرونه ثم يركبونه، لكن لو قدر أن نفذت ~~تلك القواعد الإسلامية على المسلمين فإنهم يعتبرونها مسبة عار عليهم، هي للتطبيق على ~~غيرهم فقط، فعندما استباح صاحب الزنج وثواره وطء السبايا من المسلمات القرشيات ثارت ~~النخوة العربية كلها لإخماد ثورة الزنج، وعندما استباح إبراهيم باشا الدرعية لم ينسها ~~السعوديون لمصر حتى يومنا هذا. # مشايخنا يصيبون مجتمعنا كله بالكساح العقلي والضمور المعرفي والخلل في الضمير عندما ~~يعطون المسلمين القيمة ويسلبونها عن غيرهم، فهم المؤمنون وغيرهم هو الكافر لذلك هم ~~الصواب وغيرهم الخطأ، هم أهل الجنة وغيرهم أهل الجحيم، تحويل المجتمع بقرار فردي ~~للجهاد، احتلال الغير لبلادنا قبيح، واحتلالنا لبلاد الغير نشر للنور وتفضل عليه ~~وتكرم. # وترى المأساة كاملة عندما تجد مشجعي القيم الإسلامية لا يريدون فرضها علينا وحدنا، ~~إنما هم يريدون عولمتها، يريدون فرض قيم ذاتية ms155 صحراوية مضى عليها أربعة عشر قرنا على ~~دنيا اليوم أجمع، على اختلاف البيئات والهويات والمستويات. فإذا كانت تلك رغبة إلهية ~~لما كلف بها الفقهاء ولأرسل الرب أنبياءه على التساوي والتماثل لكل مناطق العالم ~~وبمجتمعاته باعتبارهم جميعا من خلقه، لكن ما حدث هو العكس، فإن الله في «كتبه المقدسة ~~الثلاثة» أكد أن توحيد القيمة الدينية كونيا هو أمر مستحيل، حتى أنه بعد أن أزال كل ~~مخالف لهذه القيمة من على وجه البسيطة بإبادة جماعية بطوفان نوح، فإن ذلك لم يؤد إلى ~~هذا التوحيد، وعاد البشر بعد الطوفان يصنعون قيمهم المختلفة مره أخرى. # الفصل الرابع # | هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة # أعراض عصابية سيكوباتية شديدة الاستعصاء، أصابت القيم الأخلاقية عند المسلمين في ~~مقتل، وهي لون من المسلمات التي لا دليل على صدقها في الواقع، بل إن الواقع ينفيها ~~ويكذبها، مسلمة تقوم على ما يشبه الاعتقاد الديني، وهو أن الإسلام تحديدا من بين ~~كل أديان الأرض سماوية وأرضية المعبر الصحيح عن القيم الأخلاقية، وأن غير المسلم هو ~~بلا أخلاق بالضرورة، لكونه غير مسلم فقط. # مشكلة المسلم مع القيم شديدة التعقيد؛ فهو يقيم مناهجه القيمية على عقائد دينية، ~~ولأنه يعتقد أن عقيدته وحدها هي ما تملك الأخلاق الذي يلازم تمامية المعرفة بالضرورة. ~~لكن ذلك تحديدا هو ما يجعله يفترض بالضرورة أن غير المسلم لا يملك معرفة سليمة، كذلك ~~هو بالضرورة لا يملك أخلاقا سوية حتميا، وكان سلب القيم الأخلاقية عن العدو وما زال ~~سلاحا فعالا في الحرب النفسية لتجييش من يظنون أنهم الأبرار والأطهار ضد الأشرار، ~~فيتم تنجيس وتبخيس الغير أولا حتى يكون الضمير مرتاحا عند قتل هذا الغير في عقيدة ~~الجهاد، يكون قد استحق مصيره وشن الحرب عليه وقتاله وقتله. # ولهذه الأسباب تحديدا، وعلى مثل هذه العقائد بالذات وبالتخصيص، قامت حروب الفتن ~~الإسلامية وحروب الفتوحات التي حصدت ملايين المسلمين وغير المسلمين (حوالي مليون ونصف ~~مليون إنسان خلال السنوات الأربع الأولى من الفتوح خارج الجزيرة في زمن كان المليون ~~إنسان رقما هائلا بحسب تعداد ms156 المجتمعات حينذاك)؛ لأن هذه الحروب قامت على اعتقاد ~~بامتلاك المسلمين للحقيقة النهائية في فهم الدين والدنيا، ثم امتلاك كل طرف مسلم في ~~حروب الفتن للحقيقة التامة، وأنه وحده من يملك قيما أخلاقية، في مقابل اعتقاد الطرف ~~الآخر للاعتقاد ذاته في قيم أخرى مخالفة تقوم على فهم آخر للإسلام، فكانت قيما ذاتية ~~تتأسس على الهوى وليس لها في الواقع معيار محدد يثمنها بالإيجاب أو بالسلب، من يحدد ~~القيمة ويصنعها هو شخص صانعها وعادة ما يكون هو القوي المنتصر. هذا رغم أن العالم ~~حينذاك كان قد اكتشف القيم الموضوعية «الإكسيولوجية» منذ فلاسفة اليونان قبل الإسلام ~~بقرون وأزمان، وتواضع الفلاسفة على ثلاث قيم مطلقة لا يختلف حولها اثنان، لذلك هي ~~موضوعية يفهمها الكل بكل وضوح، وهي: الحق والخير والجمال. لكن الإسلام لم يظهر لا في ~~أثينا ولا في روما، وإنما في فيافي الحجاز، وخاطب الناس في هذه البوادي القاسية بلسانهم ~~وفهمهم ومعارفهم وقيمهم وليس بمعارف الأعاجم وقيمهم. # كانت القيم الذاتية في الجاهلية الأولى هي الشأن الطبيعي في ثقافة العربي؛ لأنه لو ~~طبق القيم الغيرية كالكرم والإحسان لمات في بواديه جوعا، فكانت القبائل تتحرك في ~~البوادي بحثا عن خيرها الضنين، فتتقاتل عليها قتالا صفريا لا توجد فيه موائد صلح ~~ولا مبادرات سلام، فإما قاتلا وإما مقتولا، فتقتل القبيلة من تقدر عليه من القبيلة ~~المهزومة، وتستولي على ما تملك جميعا عيون الماء والسوائم والمتاع، وتبقي من البشر على ~~من يمكن الاستفادة منه فقط لأن له فما يأكل، فيجب أن يكون لوجوده ضرورة، وعدم وجوده ~~أفضل؛ لذلك كانت العبودية عمودا من أعمدة المجتمع البدوي من فجر تاريخه، بينما لم تعرف ~~مصر مثلا نظام العبودية طوال تاريخها إلا عندما دخلها البدو اليهود زمن النبي يوسف ~~والهكسوس، ولم يرتق العرب إلى التواضع على قيم كالكرم والوفاء بالوعد والصدق في القول ~~إلا مع الاستقرار المدني لمكة، التي تحولت إلى مركز تجاري ترانزيتي، ثم أمسكت بعنان ~~تجارة العالم إبان الحرب السبعينية بين إمبراطورتي الفرس والروم، وفرضت مصالح التجارة ~~وضرورة سيولتها ms157 وسلامتها التي تعود بالنفع على الجميع، ضرورة توافق العرب على قيم ~~النخوة والمروءة والأمانة والنجدة والإجارة والكرم والوفاء بالعهد، وكان ذلك تحديدا ~~إبان العصر الجاهلي الثاني منبع كل فضائل العرب، والذي انتهى بظهور الإسلام والعودة ~~بالعرب إلى قيم الجاهلية الأولى حيث قيم الغزو والسلب والنهب والسبي والحرب ~~الصفرية. # وهو الأمر الذي تعبر عنه رواية ابن عبد ربه في عقده الفريد (ج5، ص132) عن صحابة لرسول ~~الله جلسوا يتذاكرون الجاهلية الأخيرة مقارنين بينها وبين زمن الصحابة، قيل لبعض أصحاب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ قالوا: كنا ننشد الشعر ~~ونتحدث بأخبار جاهليتها. وقال بعضهم: وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في ~~الجاهلية، ألا ترى عنترة الفوارس جاهليا لا دين له، والحسن بن هانئ مسلما له دين، ~~فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانئ دينه، فقال عنترة في ذلك: # وأغض طرفي إن بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها # فقال الحسن بن هانئ مع إسلامه: # كان الشباب مطية جهل # ومحسن الضحكات والهزل # والباعثي والناس قد رقدوا # حتى أتيت حليلة البعل # قامت حروب الفتن الإسلامية على اعتقاد كل فريق بصوابتيه المطلقة، فيخوض حربا صفرية ~~ضد الطرف الآخر، وكانت الحرب الصفرية إبادة تامة بمعنى الكلمة، وهو ما تمثل في إبادة ~~بيوت بأسرها كما في أبشع مثال مخز في تاريخنا إبادة آل بيت الرسول حتى قتلوا الأطفال ~~الرضع، ثقافة أكلت بيت مؤسسها، وتمثلت أيضا في حروب الفتوح حيث تمت إبادة ممالك بأسرها ~~مثل مملكتي الغساسنة والمناذرة اللتين انتهتا من الوجود في الجغرافيا وفي التاريخ، ~~وكانت ممالك عربية، لا فارسية، ولا رومية. # حرب العربي إما كل شيء، وإما لا شيء، من النهر إلى البحر ولو فني الجميع؛ لأنه لا يرى ~~الآخر مطلقا ولا حق لهذا الآخر في الحياة، فهذه مفاهيم حديثة لم تكن قد وجدت في القرن ~~السابع الميلادي بعد في مجتمعات البداوة، التي لم تعرف لا قوانين روما ولا فلسفة ~~الأخلاق اليونانية ولا ms158 ديمقراطية أثينا، ولم توجد في بلادنا حتى اليوم لأننا ما زلنا ~~نعيش في القرن السابع الميلادي بعد، بل حولنا بلادنا إلى القبلية العنصرية الطائفية ~~المتناحرة، زيادة في الإخلاص حتى نعيش المكان نفسه والزمان نفسه عند خير القرون. وبقيم ~~ذلك الزمان، وهي القيم التي تحتاج إلى دراسة متأنية مستفيضة؛ لأنها الموجه لسلوك ~~المسلم اليوم وتصرفاته، وتقف وراء تفكيره وأهدافه، لبحث مدى تأثير هذه القيم إن إيجابا ~~أو سلبا، في عملية الهدم والبناء الضرورية في عملية الإصلاح المرتقبة. # تعجب اليوم في العراق - الذي عشقته كمصر وتيمت به وبأهلي وناسي هناك - إذ أخذه أهلي ~~وناسي (ليمزقوا نياط قلبي) إلى نفق الطائفية المظلم، فعاثوا في عراقنا فسادا وسفكوا ~~الدم البريء، في فتن جديدة تقوم على فتاوى جديدة ترى كل منها ذاتها الكمال كله وعداها ~~الباطل كله، عادوا قبائل متفرقة بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يصبحون بنعمته ~~إخوانا. # مصر القديمة تحولت إلى بلد حضاري مستقر متماسك منذ ما يزيد على سبعة آلاف عام، ولم ~~يكن فيها إسلام هو الحل، وأيضا لم تحدث فيها تلك الفتن بين أهلها وبعضهم، لم تحدث في ~~مصر حرب أهلية واحدة في أزمنتها القديمة. هنا الفارق الثقافي الذي تصنعه البيئة مع ~~الإنسان جنبا إلى جنب، ليبرز الفارق القيمي بين قيم الاستقرار وقيم التبدي. كذلك كان ~~العراق، فمن اسمه اشتق اللسان العربي معنى «العراقة»، ومع الغزو الحقيقي التتري ~~التكفيري للعراق، آتيا من السعودية ومصر وإيران وسوريا والجزائر واليمن، بعد سقوط ~~الطاغية، وكل بفتواه، وكل قد حول الرأي إلى قول مقدس، فتقدست الفتوى إلى حد يباح فيها ~~دم الذي لا يأخذ بها فهو من الكافرين، إن سنة نبي الأمة كان فيها ما إن لم نأخذ به لم ~~نأثم، فجاءنا فقهاء آخر الزمان بفتاوى قاطعة الثبوت والدلالة قاطعة الصحة واليقين، دون ~~أن يشيروا إلى مصدر قدسيتهم التي تعلو على صاحب الوحي جبريل وعلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟! ~~فتاوى تصل إلى قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق؛ لأنهم يرون الحق كله معهم ms159 ~~وحدهم. # ما الذي سيترسخ في ذهن الطفل الصغير عندما يتعلم ويحفظ الآيات القائلة: # أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك ~~الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام ~~المسكين ~~(الماعون: 1-3). # إن معنى الدين في الإسلام هو الإسلام وحده، وإن الذين لا يؤمنون بهذا الدين، هم ~~الجفاة القساة غلاظ القلوب، إنهم يدعون اليتيم، بل وزيادة على هذه الخشونة في الضمير ~~هم أشرار، فهم لا يكتفون بدع اليتيم، إنما لا يتداعون بينهم بالنصح والإرشاد لإطعام ~~المسكين. إن فهم هذه الآيات منزوعة من سياقها الزمكاني التاريخي والموضوعي في أحداث ~~الأرض زمن الدعوة، هو فهم سطحي سريع، وليس في وقت المسلم اليوم أمام المكتبة الإسلامية ~~الهائلة كما وكيفا ما يجعله يبحث عن السياق وعن التاريخ، هو في حاجة لمختصر مفيد ~~بسيط، يكرره الفقهاء ويصدقه العوام، وهو أن غير المسلم بلا أخلاق وبلا إنسانية، بل إنه ~~من البديهيات لمن يعلن أنه مسلم، أنه بالضرورة وبالتلازم القسري صاحب قيم أخلاقية ~~رفيعة، ألا ترون عبد المنعم أبو الفتوح القطب الإخواني ذائع الصيت في حوار معه على شبكة ~~إسلام أون لاين، يقول متسائلا مستغربا مندهشا مستنكرا: «كيف يتصور أن يكون هناك ~~أخ مسلم يدعو الناس إلى الصدق والأمانة، ثم يكون في سلوكه وأعماله صورة سيئة ضد الصدق ~~والأمانة؟!» # ومثله الشيخ قرضاوي يحدثنا عن المجتمع فيقول: «ويقوم ذلك المجتمع على آداب وتقاليد ~~خاصة، تجعله نسيج وحده غير مقلد لغيره ممن بعد عنه زمانا أو بعد عنه ~~مكانا» (ملامح المجتمع، مكتبة وهبة، ص109). وفي ~~كتابه (الإخوان المسلمون، مكتبة وهبة، 1999م) يقول الشيخ قرضاوي ناقلا عن سيده حسن ~~البنا، واصفا المجتمعات غير المسلمة: «من أهم الظواهر التي لازمت المدنية الإلحاد ~~والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي، والإباحية والتهافت على اللذة ~~والتفنن في الاستمتاع وإطلاق الغرائز، والأثرة في الأفراد، فكل إنسان لا يريد إلا خير ~~نفسه، والربا والاعتراف بشرعيته واعتباره قاعدة للتعامل، وقد أنتجت هذه المظاهر المادية ~~البحت في المجتمع الأوروبي فساد النفوس وضعف الأخلاق، والتراخي في محاربة الجرائم، ~~فكثرت المشكلات وظهرت ms160 المبادئ الهدامة، وأثبتت المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين ~~المجتمع الإنساني، وفشلت في إسعاد الناس» (ص139-140). وهو ما يكرره قرضاوي بعد ذلك ~~كمسلمات في معظم كتبه؛ فهو مثلا يقول في كتاب (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، ~~مكتبة وهبة، 2001م): «إن المجتمع المسلم متميز عن سائر المجتمعات بمكوناته وخصائصه؛ فهو ~~مجتمع رباني إنساني أخلاقي متوازن، والمسلمون مطالبون بإقامة هذا المجتمع حتى يمكنوا ~~فيه لدينهم ويجسدوا فيه شخصيتهم، ويحيوا في ظله حياة إسلامية، تقودها المفاهيم ~~وتحملها الآداب الإسلامية، وتهيمن عليها القيم الإسلامية، وتحميها التشريعات الإسلامية، ~~وتوجه اقتصادها وفنونها وسياستها التعاليم الإسلامية» (ص7). # انظر حركات الشعوذة وأساليب الحواة الرخيصة والثلاث ورقات، إن الفقيه المسلم التقي ~~الورع يسم غير المسلمين جميعا بكل نقيصة أخلاقية يعددها واحدة فواحدة، وذلك كي تظهر ~~الفروق بين المجتمع المسلم والمجتمع غير المسلم، ثم يمنح المجتمع المسلم كل الصفات ~~الإيجابية لأنه مجتمع رباني إنساني متوازن ... إلخ ... إلخ، ثم تكتشف فجأة أن هذه المقارنة ~~تتم بين واقع غير المسلمين، وبين المجتمع المسلم الذي يطالبنا الشيخ بإقامته؛ فهو مجتمع ~~غير قائم بالفعل، مقارنة بين واقع أهل الغرب، وبين وهم وحلم بمجتمع غير موجود بيننا. ~~ناهيك عن عنوان الكتاب المخصص لبيان (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده)، الشيخ قرضاوي ~~بعد مضي ألف وأربعمائة سنة وربع القرن ونيافة عليه، جاي النهارده يبحث لنا عن ملامح ~~المجتمع المسلم المزمع إيجاده إن شاء الله؛ لأنه ما زال في مرحلة التمني؛ فهو «الذي ~~ننشده»، فكم من القرون سننتظر يا ترى؟ هل هناك خلل فادح في أخلاق المسلمين كذبا على ~~الذات أظهر من هذا وأجلى؟ هذا الرجل من كبار أولي الأمر ولفتاواه أثرها الجليل الذي ~~نراه اليوم في مجازر العراق وغيرها من بلاد المسلمين وغير المسلمين. فانظر إلى ما يعتور ~~قوله المدهش دون أن يشعر هو ولا أتباعه بأي عوار ولا بأي دهشة! # ثم يكرر قرضاوي عاطفا مقارنا بين المجتمع غير المسلم والمجتمع المسلم الوهمي ~~المتخيل، فيعطينا وصفا لهذا المجتمع المسلم، حشده بطول كتابه وما أطول كتبه من حيث ms161 ~~المساحة، سأحاول هنا العثور على ما أجمله فيها من عبارات بلسانه: «فهو مجتمع العدل ~~والإحسان والبر والرحمة والصدق والأمانة والصبر والوفاء والحياء والعفاف والعزة والنجدة ~~والسخاء والشجاعة والإباء والشرف والبذل والتضحية والمروءة والنجدة والنظافة والتجمل ~~والقصد والاعتدال والسماحة والحلم والتضحية والتعاون والغيرة على الحرمات والاستعلاء عن ~~الشهوات والإيثار للغير والإحسان للخلق كافة وبر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الجار، ~~والإخلاص له والتوبة إليه والتوكل عليه. مجتمع يحرم كل الرذائل والأخلاق الرديئة ~~فيجعلها في مرتبة الكبائر، فيجرم الخمر والميسر والزنا والشذوذ الجنسي ويحرم عقوق ~~الوالدين وإيذاء الآخرين باليد أو باللسان ويجعل من خصال النفاق الكذب والخيانة والغدر ~~وإخلاف الوعود والفجور في الخصومة» (ص90-91). # وهكذا حشد الشيخ كل ما تفتقت عنه قريحته من أحلام بدوية على قيم حداثية على فضائل ~~متخيلة، للمجتمع المنشود الذي سيقيمونه عندما يتمكنون في الأرض، يمني به المسلمين ~~أماني وأحلاما بالمدينة الفاضلة التي لم تقم على الأرض يوما، ويتفاخر به على قيم ~~وأخلاق الكفرة العراة الفساق الفجرة؟! فخر بما لا يملك في الواقع بدليل أنه يتمناه ~~ويرسم له الخطط، فخر العربي الكاذب الفقير الجاهل القليل المريض العاري القائل: # إذا بلغ الفطام لنا صبي # تخر له الجبابر ساجدينا # شاعر آخر عبر عن قيم العروبة في العداء الصفري بقوله: # ونحن أناس لا توسط بيننا # لنا الصدر دون العالمين أو القبر # فيعطيه الواقع القبر دون العالمين. # الأخ أبو الفتوح لا يتصور من أخ مسلم غير الصدق والأمانة فقط لأنه أخ مسلم، ولو كان ~~يقصد الإخوان وحدهم فهو يصورهم لنا مجتمعا من الملائكة الأطهار، وهو بمقارنته بالواقع ~~يظهر كلامه مجرد شعر فخر كاذب، فلا هو تخر له جباه الجبابرة والملوك ساجدين، ولا هو ~~حقيقة، هو مجرد شعارات ترويجية ليس أكثر، ألا ترونهم يعلنون تحريم الربا ويتحايلون عليه ~~ألف حيلة في بنوك إسلامية هي ربوية بالكلية وإلا سقطت وانهارت بين بورصات الأوراق ~~العالمية. ويفعلون وهم يعلمون، «ويل للذين يحرفون الكتاب بأيديهم وهم يعلمون»، ويخادعون ~~ربهم علنا عيانا بيانا، فأي مرض عصبي وعقلي لحق بالضمير ms162 المسلم؟! # يتكلم قرضاوي وأبو الفتوح عن الشرف، لكنهما لا يعلنان انتهاء العمل بأحكام آيات انتهى ~~زمنها، لا يعلنان انتهاء زمن هتك عرض غير المسلمين والسبي. # يتكلمان عن الحريات ويقيمان علم فقه كامل للعبودية يدرسه عيالنا في المدارس الدينية ~~حتى اليوم. # يتكلمان عن حقوق الإنسان وهو مفهوم معاصر لم يكن في تاريخنا ولا تاريخ غيرنا في تلك ~~الأزمان، وفي الوقت ذاته لا يعترفان بأي حقوق لغير المسلمين، فهم كفار، إنهم خارج ~~الإنسانية؛ فالإنسانية للمسلمين وحدهم. # يتحدثان عن حق الأمن والسلام ويريان أوطان غيرهما ديار حرب، ومن الشرع في أرفع ~~الدرجات الاعتداء على غير المسلم وقتله وسلبه ونهب وسبي عياله ونسائه حسب عقيدة الولاء ~~والبراء، والجهاد. # الشيخ المسلم وهو يكذب على نفسه وعلى المسلمين، سواء أكان مرجعية داعية للجميع مثل ~~قرضاوي، أم عنصرا سياسيا حركيا مثل أبي الفتوح، يتحول إلى نصاب من وجهة نظر ~~القيم الأخلاقية، أليس نصابا من يعطي قيمة لشيء ويسلبها من مثيله؟ أليس أفاكا من ~~يعلن على رءوس الأشهاد منحه القيم لهؤلاء وسلبها من هؤلاء، بينما هو يمنح شيئا ليس ~~بيديه ليميز به بشرا لا يستحقون عن بشر يستحقون، أترون إلى أين وصل الخبال بالعقل ~~المسلم؟! إن من لا يملك يعطي من لا يستحق ببساطة وخفة وعلى رءوس الأشهاد جهارا نهارا، ~~بالكلام والبلاغة، فنجرة بق، مجرد كلام لا أصل من واقع له. إن من يعلن نفسه مانح القيم ~~أو صاحبها الأصلي هو نصاب أشر؛ لأن القيمة الأخلاقية ليست ملكية خاصة لقوم دون قوم، ~~وليس فيها عرب وعجم، القيمة هي جزء أصيل في الموضوع أو في الواقع، وتظهر إلى الوجود ~~عندما يتم اكتشافها وتفعيلها في أي مكان أو زمان، بينما المسلمون يمنحون أنفسهم القيم ~~منحا كريما وسخيا إلى حد الابتذال؛ لأن العاطي في هذه الحال هو رب المسلمين الذي ~~خص أمته وحدها بالخير دون بقية عيال الله في الأرض جميعا، وأعلنها خير أمة أخرجت ~~للناس. # وهكذا هو ينفي القيم الأخلاقية الموجبة عن غير المسلمين جميعا؛ لذلك يتحدث عن حقوق ~~الإنسان ms163 لكنه لا يعطي المرأة في بلادنا حقوقها كالذكر من باب العدالة؛ لأن هذا الحق ~~تحديدا ظهر عن الغربيين وهم بلا أخلاق لأنهم غير مسلمين، وبهذه الطريقة ينفي الرقي عن ~~قيم غير المسلمين لأنها عنده لا تخضع لمعيار الصواب والخطأ والنفع والضرر والخيرية ~~والشرية، إنما تخضع لمعيار الحلال والحرام كمنظومة قيمية ربانية ثابتة لا تقبل تغيرا ~~أو تطورا. هنا سيكون الكلام عن حقوق الإنسان كحريته في اختيار معتقده، أو حريته في نقد ~~دين من الأديان كعمل بحثي أكاديمي، أو نقده لبقاء فقه الرق حتى اليوم في معاهدنا ~~الدينية، سيكون ذلك كله فهما غربيا في بلاد يعيش أهلها «حياة بهيمية»، كما يصفهم كما ~~التوحيد المقرر على أول ثانوي بالسعودية المباركة. ومثله بالضبط سيكون الكلام عن الحرية ~~هو قولا كفريا ضد الدين؛ لأن الدين فيه فك رقبة! فكيف سنفكها إن لم نفعل فقه الرقيق ~~ونعمل به حين نعيد فتح البلاد لأنوارنا؟ الخلل حادث نتيجة القيم منح لأنفسنا وسلبها من ~~غيرنا، فلا نفهمهم ولا يفهموننا، ونتحول إلى عالمين متباعدين في وقت تتوحد فيه الأرض ~~كلها، الخلل أن المسلم لا يدرك أن الحرية كقيمة أو أي قيمة أخرى لا علاقة لها بأي دين، ~~لأن القيم بما نفهمها من قيم اليوم الراقية لو كانت موجودة في أي دين لأمر بتحريم الرق ~~فورا وهو ما لم يفعله أي دين لأن منطق زمانه ونظم عصره كانا على غراره. # وما زالت لنا وقفات ربما ستطول مع القيم الأخلاقية والمسلمين. ~~(1) قيمة الوفاء بالعهد (صحيفة المعاقل كنموذج أول) # ما قرأت عملا حديثا صادرا في مصر عن فلسفة القيم، إلا ابتدأ تصديره بالقيم ~~الإسلامية السامية؛ وهو ما يعني أن قيم الآخرين ليست كذلك. وهو أمر متواتر حتى بين ~~أهل الفلسفة وعلمائها المتخصصين، تجده يحيلك أولا على قيم الإسلام بالضرورة، ليعود ~~بعد ذلك معلما أكاديميا يشرح القيم الإنسانية «الإكسيولوجية»، ناسيا أنه لم ~~يعد هناك محل لبحث جدي، بعدما أثبت للقيم الإسلامية وحدها في تصديره، كل الإيجابيات ~~التامة الجامعة المانعة. # تجدهم في علم الاجتماع ms164 قد صاروا كذلك، في الفيزياء (سبحان الله) وصحة القوانين ~~العلمية (بمشيئة الله)، والجغرافيا والفلك، وباء انتشر، كتب علم النفس تتصدر ~~باحاتها آيات وأحاديث وردت فيها كلمة النفس عرضا. حتى الطب لم ينج من المصير ~~ذاته، يبدأ صاحب المرجع الطبي مرجعه بالآيات # وإذا مرضت ~~فهو يشفين ~~، ونقابة أطباء مصر تضعها على «البادج، الأيقونة، ~~الرمز»، وفي طب الحمية مرجع منتشر تتصدر صفحته الأولى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين ~~، ولا تفهم هنا قيمة بعد ذلك لصفحات المرجع الكبير، ما ~~دام إذا مرضت فهو يشفين؟! أسلوب يذكرني بالحانوتية الذين يعملون بمهنة دفن الموتى، ~~ولافتتهم المشهورة: كل نفس ذائقة الموت! ولا أي معنى لتوقيع حكومات بلادنا على ~~مواثيق دولية تؤسس لقيم جديدة اكتشفتها الإنسانية وتوافقت عليها، قيم لم يسبق أن ~~وجدت لا في تراثنا الإسلامي ولا في أي دين من الأديان، بل بعضها يتعارض بالكلية مع ~~ما جاء في هذه الأديان، كما في حال حقوق الإنسان مثلا (حقوق المرأة، حق الاعتقاد ... ~~إلخ) فإذا كانت قيم الإسلام قد جمعت فأوعبت كل القيم الإيجابية حتى نهاية الأزمان، ~~فلماذا لا تعرض حكوماتنا قيمنا هذه على الأمم المتحدة أثناء المناقشة في الهيئة ~~الأممية، خاصة أنه عالم حر يناقش ويستمع ويقبل ويرفض عن بينة وقرار ديمقراطي، وهو ~~لن يرفض قيمنا إن رآها أرقى من قيمه، فقيم المواثيق الدولية شاركت فيها كل ~~الإنسانية وقالت تجربتها وكلمتها حتى تم وجوبها وثيقة دولية، وبنيت لها نصوص ~~قانونية لحماية هذه القيم وصونها. # أم أن حكوماتنا تعلم سلفا أن في قيمنا ما يعتورها بمقاييس اليوم الأخلاقية؟ يبدو ~~أن حكوماتنا توقع الاتفاقات الدولية «تقية» أي كذبا ومداراة وخوفا وخزيا وعارا، ~~أي تعلن عكس ما تبطن، ويبدو أن تلك هي الحقيقة الصادقة الصادمة. وخير نماذج التقية ~~الورعة، استقبال شيخ الأزهر الدكتور سيد طنطاوي للجنة الحريات الدينية، وتوقيع ~~الدكتور فوزي الزفزاف العهد الدولي للحقوق الدينية، بإشراف د. سيد طنطاوي الشيخ ~~الأكبر وبحضور وفد الاتفاقية، ثم إعلان الشيخ الأكبر فيما بعد أنه لا سمع بهذه ~~الوثيقة ms165 ولا يعلم عنها شيئا. رغم أن الحدث موثق بالصور التذكارية لحفل التوقيع ~~بمكتب الشيخ الأكبر، ورغم احتساب الفقهاء أن قيمة الوفاء بالعهد اختراع إسلامي ~~قح. # شيخ أكبر آخر هو مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة أجاب بالإيجاب القاطع في ~~أمريكا عن سؤال حول حق المسلم ترك الإسلام، وبمجرد عودته قامت دار الإفتاء كلها ~~تؤكد أن كلام المفتي تم تحريفه عن معناه كعادة الضآلين والمغضوب عليهم في التحريف، ~~لأن الإسلام لا يسمح بخروج المسلم من دينه بالمطلق. # هذه مشاكل فضائحية تحدث علنا دون أي تحرج، فأي حديث هذا عن القيم الأخلاقية؟ وأي ~~قيمة في التوقيع حرجا أو جبنا ثم الرجوع الكاذب والمخالف؟ # المشكلة تصبح أعوص مع تسليمنا أن القيم الموجبة كلها جاءت في إسلامنا؛ لأن هذا ~~التسليم يعنى ضمنيا ويقينا رفض الحداثة والقيم الحقوقية الإنسانية وقيم العلوم ~~الغربية كلها؛ مما يعني خروجنا برغبتنا من التاريخ ومن المستقبل؛ لأن ما عندهم هناك ~~هو الباقيات الصالحات وليست هنا. رؤيتنا تجعل كل ما حققه العالم الحر هو أدنى ~~قيميا وخلقيا وعلميا، ألا ترونهم يعضون علينا الأنامل حسدا لما نحن فيه من ~~سعادة ونعيم مقيم؟! إنهم يحسدوننا على إسلامنا ومع ذلك يكتفون بالحسد والمؤامرات ~~ولا يدخلون إلى سعادته ولا يختارون نعيمه وجنته وقيمه، نكاية فيه! إن الاعتقاد ~~بكلانية القيم إيمانيا يعني ضمن ما يعني أن الاعتقاد برقي المجتمع الغربي هو ~~إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة! وهو ما يترتب عليه عدم رؤية ما بيد هذه المجتمعات ~~من وسائل رقي وتقدم والاكتفاء بالذات المريضة. # سنضطر باستمرار إلى الرجوع إلى القطب المرجعي الفقهي الشيخ قرضاوي عافاه الله مما ~~هو فيه، وهي دعوة صادقة مخلصة، باعتباره معتمدا من الحكومات والجماعات الإسلامية ~~بأطيافها كافة، ومن الإخوان، ومن الأزهر، ومن قاطعي الرقاب، وهو من يركز حديثه ~~الدائم حول الفارق الأساسي بين المسلم وغير المسلم، المتمثل في القيم الأخلاقية ~~التي هي السمة والعلامة العظمى لرقي الإسلام وسماوتيه. ويقيم الشيخ هذه المسلمة ~~على آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأحداث وقعت إبان الدعوة الإسلامية وبعدها، ms166 بادئا ~~بأهم تلك القيم وهي «الوفاء بالعهد»، وأوفوا بالعهود إن العهد كان مسئولا. ليورد ~~النص القرآني الذي يؤكد هذه القيمة: # ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ~~أولئك الذين صدقوا ~~(البقرة: 177). # ثم يعقب الشيخ بأن الله ارتقى بقيمة الوفاء بالعهد إلى درجة وضعها وضع بقية ~~العبادات المفروضة كالصلاة والزكاة. # في التاريخ الإسلامي وخاصة زمن التأسيس «زمن الدعوة» أحداث جسام متتالية، يمكن ~~البحث فيها عن قيمة «الوفاء بالعهد»، وهي واحدة من القيم التي أولدها بين العرب ~~العصر الجاهلي الثاني قبل الدعوة، والمتوسط بينها وبين الجاهلية الأولى، وهو العصر ~~الذي تعود إليه مكرمات ومفاخر العرب القيمية الأخلاقية، وهو التوليد الذي وقفت ~~وراءه مجموعة من الأسباب الموضوعية على الأرض حينذاك. # تعد قيمة «الوفاء بالعهد» أحد المظاهر المتعددة التي تتجلى من خلالها قيمة أعظم، ~~هي قيمة «الأمانة». وكلاهما «الأمانة» وتجليها في «الوفاء بالعهد» لم تكن شيئا ~~معلوما في الجاهلية الأولى التي كانت قسوة وشظفا وتركت أثرها أخاديد وبثورا ~~أبدية في وجه العربي القيمي. كانت البيئة شحيحة، بيئة ندرة وجوع كافر، ومناخ أشد ~~كفرا؛ لذلك كان القتال حتى الفناء أو الإفناء في صراع صفري دائب على مواطن الماء ~~والكلأ حتى ينضب، فتتحرك القبائل إلى موطن غيره في عيالة وطفيلية شديدة على الطبيعة ~~ومنتجها الشحيح. في مثل هذه البيئة تكون معاني القيم شديدة الاختلاف عما نفهمه منها ~~اليوم؛ لأن القيم الأخلاقية التي يجب أن تسود هي ما يضمن الحياة في بيئة لا ترحم، ~~لذلك يكون الحديث عن الرحمة بمفاهيم أي زمان أو مكان آخر مختلفا بالكلية عن مكان ~~وزمان الجاهلية الأولى. # ولا يكون هناك معنى لكلمة «أمانة» وما يترتب عليها؛ فالأمانة في العربية أصلا من ~~الأمن والأمان، وهما لا يتوافران بالأمانة بل القوة القتالية البحتة المجردة التي ~~تحقق ms167 الأمن. # وتحدث أحداث عالمية ذات تأثير واسع، ستؤدي سريعا إلى تغير وجه التاريخ ~~والجغرافيا معا، عندما تدخل الإمبراطوريتان الرومية والكسروية حربهما السبعينية، ~~لتطارد كل منهما الأخرى في أقاصي الأرض، عدا مكان واحد لم يرغب فيه أي منهما، هو ~~فيافي جزيرة العرب. مما هيأ للجزيرة فرصة القيام بأعباء تجارة العالم بعد قطعها ~~في البحار، من سواحل اليمن إلى سواحل الشام وبالعكس في رحلتي الشتاء والصيف. وهي ~~التجارة التي قامت عليها قبيلة قريش محولة مكة من مجرد استراحة على الطريق إلى ~~مدينة وحاضرة ذات أسواق كبرى، وشارك كل عرب الجزيرة في القوافل التجارية بأموالهم، ~~وحرسوا طرق التجارة حرصا على أموالهم ومنافعهم، فكان أن نشأت قيم هي فرز زمنها ~~وظروفه ، وأصبحت «الأمانة» القيمة الأولى الواجب احترامها حفاظا على سيولة الطريق ~~التجاري وضمنها الوفاء بالعهد، فكتبت قريش عهود الإيلاف للقبائل والملوك برعاية ~~الطريق، وجعل مكة لمن دخلها مكان أمن وعبادة وفرح وعربدة وسعادة وتجارة ولهو وجنس ~~يأمن فيه الجميع من الجميع في أشهر حرم معلومات توافقوا عليها هي شهور السفر ~~والتجارة. وتم التأكيد على الوفاء بالعهود التي كتبتها قريش مع القبائل الضاربة على ~~الطريق لتضمن عدم اعتدائها على القوافل التجارية، نظير عهد مقابل هو دفع جعالات من ~~دخل القوافل لهذه القبائل المتناثرة بطول الطريق التجاري، كان عهدا تجاريا ~~بحتا، حتى القيمة مدفوعة الثمن. لذلك كان التأخير في دفع تلك الجعالات يقابل ~~مباشرة بقطع الطريق حتى تفي قريش وكبار التجار بالتزاماتهم. وكان أن يرأس أحدهم ~~قافلة فيتلاعب بأسهم الناس فيها؛ فهو ما كان يعني دمار وبوار وخراب تلك التجارة؛ ~~لذلك حرص التجار من قواد القوافل الكبرى على حيازة لقب «الصادق الأمين»، ليأمن ~~الناس على أموالهم وتسيل التجارة وتفيض على الجميع بنفعها. # لكن العقائد الدينية لم تتمكن من التخلص من بدائية العبادة، التي كان يتم فيها ~~التقرب إلى الآلهة بالقرابين البشرية من الأطفال الإناث (في ظاهرة الوأد) والذكور ~~(كما في حال عبد الله أب النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # الذي افتداه أبوه عبد المطلب من ms168 ~~الآلهة بمائة من النياق)، حتى جاء الإسلام ونقل العرب نقلة دينية ألغت وجرمت وأنهت ~~القربان البشري في الطفولة، وجعلته قربانا يحدث عن قناعة عاقلة للشخص الراشد في ~~عقيدة الجهاد. # وقد علمنا أن الإسلام قد عاد بالعرب إلى بعض الجاهلية الأولى مضطرا لحسابات ~~ظروف موضوعية ستأتي بمكانها من هذا البحث، عندما عاد إلى شرعية الغزو والسلب والنهب ~~والغنم (وكلها مصطلحات إسلامية بالكتب الأمهات في إشارتها للفعل العسكري الجهادي ~~زمن الدعوة)، وهو ما حاصر قريشا اقتصاديا وأصابها في مقتل حتى سقطت ثمرة ناضجة ~~بيد القوة الإسلامية الطالعة، كانت الغاية بحاجة إلى تلك الوسيلة؛ لذلك جعلها ~~الإسلام وسيلة مشروعة، بل مطلوبة بل مأجورة ومثابة أعظم الثواب، وقال النبي بوضوح ~~شديد : «أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد من قبلنا، وذلك أن الله تعالى رأى عجزنا ~~وضعفنا فوهبها لنا.» (متفق عليه بكل الصحاح)، بل كان للنبي خمس ما يغنم المسلمون ~~في معاركهم # واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه وللرسول ~~(قرآن كريم)، وكان القرآن شديد ~~الدقة والوضوح في العودة إلى زمن الغزو والسلب والنهب والغنم بقول الله تعالى ~~للمسلمين: # فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا ~~. # وهو الأمر الذي يترتب عليه إعادة السؤال حول قيمة الوفاء بالعهد، وهل استمرت في ~~الواقع الفعلي للمسلمين بعد ظهور الإسلام، أم تراجعت مع ما تراجع من قيم الجاهلية ~~الثانية إلى قيم الجاهلية الأولى؟ نطرح هنا نماذج حدثت إبان وجود النبي # صلى الله عليه وسلم # في ~~يثرب. ~~(2) نقض عهد صحيفة المعاقل (أول نقض رسمي لعقد ~~اجتماعي وعهد سياسي مكتوب) # يقول البيهقي: «وأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين، فلم يبق في ~~المدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه لوقعة بدر» (الدلائل، ج3، ~~ص117). # بعد النصر البدري المؤزر وحصول المسلمين على غنائم عظيمة خاصة السلاح استرسل ~~الوحي يقول: # وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله ~~يعلمهم ~~(الأنفال: 60). # وعدو الله وعدو المسلمين معروف هو ملأ مكة، أما الآخرون الذين ms169 لا يعلمهم ~~المسلمون، فهم ما أوضحته الأحداث التالية ابتداء بنداء النبي # صلى الله عليه وسلم # لرجاله: «من ~~ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» (السهيلي، الروض الأنف، مج3، ص164). في منعطف ~~تاريخي مفصلي جاءت مفاصله في آيات تنسخ حرية الاعتقاد، لتنهي العمل بآيات من قبيل # لكم دينكم ولي دين ~~(الكافرون: 6)، ~~ونسخ الصفح الجميل والصبر الأجمل، بقانون جديد حاسم هو # إن ~~الدين عند الله الإسلام ~~(آل عمران: 19) (انظر نواسخ القرآن ~~في أي مصدر للنواسخ، متفق عليه). # وتتالى الأحداث سراعا، فيروي الزهري عن عروة: «نزل جبريل على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بهذه الآية: # وإما تخافن من قوم خيانة ~~فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين ~~، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أنا أخاف من بني قينقاع (إحدى ~~القبائل اليهودية الثلاث بيثرب)، فسار إليهم ولواؤه بيد حمزة» (ابن سيد الناس، ~~عيون الأثر، ج1، ص353). وانجلت غزوة قينقاع عن طردهم من يثرب كأولى قبائل يهود يتم ~~إجلاؤها، بعد أن استولى المسلمون على كراعهم وأسلحتهم وأرضهم؛ مما زاد في قوة ~~المسلمين العسكرية وراحتهم الاقتصادية. # وعندما رأت قريش نفسها محاصرة في رزقها بعد أن قطع المسلمون عليها طريق الإيلاف ~~الشامي، أجمعت على قتال محمد وذلك في الوقعة المعروفة بوقعة أحد التي انهزم فيها ~~المسلمون هزيمة مريرة، أدت بالبيهقي إلى تصوير حال يثرب بعد الهزيمة بقوله: «وفارت ~~المدينة بالنفاق فور المرجل» (البيهقي، دلائل النبوة، ج3، ص216). # وترنحت الدولة الطالعة، فتم اتخاذ إجراءات سريعة حاسمة عنيفة متتالية لا تهدأ ~~لإصلاح ما أفسدته أحد، بالقضاء على رءوس المعارضة (المنافقين) فتدحرجت رءوس كبار ~~القوم، تم اغتيالها ليلا مثل رأس «سلام بن أبي الحقيق» المعروف بأبي رافع، «وأبي ~~عفك عمرو بن عوف»، و«عصماء بنت مروان» عقيلة بني خطمة، و«خالد بن سفيان» سيد هذيل، ~~و«فاطمة بنت ربيعة» زعيمة فزارة ومحل شرفها (انظر ابن حبيب في محبره ص117، وابن ~~كثير في البداية ج4، ص39 أو 142، وابن سيد الناس في عيون الأثر، ج2، ص145، السهيلي، ~~شرح السيرة، مج4، ص244-245، والطبري ms170 في تاريخه، ج3، في ص156) إعلانا عن أن السيف ~~المحمدي وإن كسرت منه الذؤابة في أحد؛ فإنه ما زال قويا مقتدرا وعنيفا، ~~إعلانا عن الإصرار على استدامة الدولة الناشئة مهما كلف ذلك من أرواح. # ويحكي ابن كثير أحداث العام الثاني للهجرة بقوله: إنه فيها «حولت القبلة، وفرض ~~صيام رمضان، وزكاة النصب وزكاة الفطر، وفيها خضع المشركون من أهل يثرب واليهود، ~~صانعوا المسلمين وأظهروا الإسلام وهم في الباطن منافقون، قال ابن جرير: وفيها كتب ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # صحيفة المعاقل، وكانت معلقة بسيفه.» # وابن كثير إذ يوقت الصحيفة بنهاية العام الثاني للهجرة؛ فهو بذلك يختلف عن رواة ~~آخرين قالوا إنها كانت أول عمل للنبي عند وصوله إلى يثرب مهاجرا من مكة. هذا علما ~~أن ابن كثير نفسه يثير التناقض بذلك مع ما سبق له أن ذهب إليه مع الجمهرة، بأن ~~صحيفة المعاقل قد تمت كتابتها بين أهل يثرب جميعا وبين المسلمين المهاجرين عند ~~وصول النبي إلى يثرب، حيث تبدو يثرب جميعا قد عمها الإيمان، ويظهر فيها النبي ~~سيدا مقبولا من الجميع عن رضا غير واضح الأسباب بمن فيهم اليهود، فكتبوا معه ~~صحيفة المعاقل التي ترد كل أمر في يثرب إلى النبي وحده. وهو كله ما يخالف ويناقض ~~واقع الأحداث، ذلك الواقع الذي يحيلنا على النبي وأتباعه المكيين مهاجرين ضعاف ~~متخفين هاربين من بلادهم، ومن بين أهله بالعصب «أعمامه» إلى حمى «رحمه» أخواله ~~اليثاربة من بني النجار الخزرجيين، وهو ما يحيط الصورة التي رسمتها كتب الأخبار ~~والسير للاستقبال الهائل، وطلع البدر علينا، والطاعة الكاملة من الجميع لسيدهم ~~الغريب المكي، بكثير من الشك وعدم المصداقية حيث المصادر ذاتها تؤكد أن معظم أهل ~~يثرب كانوا يهودا أو وثنيين، وإن كثيرا ممن دخل منهم حلف المسلمين كان منافقا أو ~~دسيسة؛ لذلك رجع ابن كثير عما قال في بداية الفصل ليؤخر زمن صحيفة المعاقل إلى ~~السنة الثانية للهجرة، بحيث تبدو الأحداث أكثر منطقية مع مقدماتها، فاختار الزمن ~~الذي تحول فيه المسلمون إلى قوة قادرة على ms171 فرض هيمنتها. # ولمزيد من التدقيق نجد غزوة قينقاع لم يرد فيها أية إشارة لتعاقد المسلمين مع ~~اليهود، ولم نقرأ فيها ما يشير إلى منابذة قينقاع للنبي بنقضه للعهود، كما حدث في ~~الوقائع التالية مع قبيلتي النضير وقريظة، وهو ما يشير إلى أنه حتى غزوة قينقاع لم ~~تكن هناك عهود ولم تكن صحيفة المعاقل قد وجدت بعد. # وإن هذا الاختلاف والتناقض يدفع الباحث إلى محاولة جديدة للتزمين الأوفق لصحيفة ~~المعاقل، حيث نعتقد أن تلك الصحيفة قد كتبت ضمن مجموعة الإجراءات الحاسمة مع ~~تراجعات محسوبة، والتي تمت بعد هزيمة المسلمين في أحد. # معلوم أن هزيمة أحد هزت معنويات المسلمين بعنف حتى نادى المهاجرون بالعودة إلى ~~قريش ونفض أيديهم من الموضوع كله. (البيهقي، الدلائل، ج3، ص21) بينما قال صحابة ~~آخرون من الأنصار اليثاربة: # لو كان لنا من الأمر ~~شيء ما قتلنا هاهنا ~~(آل عمران: 154) وهو ما يعني إنكارهم ~~الوحي والدين معا. لكن أحد لم تقض على مخزون السلاح البدري الذي تم استخدامه في ~~حملة المسلمين الأولى على اليهود (قينقاع) وانتهت بمزيد من قوة المسلمين بعد ~~استيلائهم على ممتلكات قينقاع، ثم في حملتهم الثانية على اليهود، وكانت على بني ~~النضير، وتؤكد كتبنا «أنها قد حدثت بعد وقعة سبقتها هي وقعة بئر معونة» (ابن كثير، ~~البداية، ج4، ص76)، ونحن نعلم من الكتب ذاتها أن بئر معونة قد وقعت بعد أحد بزمن، ~~وبعد غزوة أخرى أسبق هي وقعة الرجيع التي وقتها الواقدي في صفر سنة أربع للهجرة. ~~ونعلم أيضا أن بني النضير قد نابذوا النبي في تلك الوقعة بنقضه للعهود والمواثيق؛ ~~مما يشير إلى أن صحيفة المعاقل كانت قد عقدت قبل غزوة النضير المشهورة، حتى نفهم ~~منابذتهم له بنقض العهود، وأنها نمت في الزمن الواقع بين غزوتي أحد والنضير، وهو ما ~~يمكن الكشف عنه في قراءة البيهقي للحكاية إذ يقول: «اجتمعت بنو النضير بالغدر، ~~فأرسلوا إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون ~~حبرا، حتى نلتقي بمكان المنصف ms172 فيسمعوا منك، فإن صدقوا وآمنوا بك آمنا بك، فلما كان ~~الغد غدا عليهم رسول الله بالكتائب فحصرهم فقال لهم: إنكم والله لا تأمنون عندي إلا ~~بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدا، فقاتلهم يومهم هذا، فعاهدوه، ثم غدا على ~~بني قريظة بالكتائب ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه فانصرف عنهم» (دلائل النبوة، ~~ج3، ص179). # ومن الخبر نفهم أن يهود النضير أرادت وضع حد لمشكلة علاقتهم بالمسلمين، إما ~~بالدخول في الإسلام بعد جدل وحوار يثبت فيه الإسلام جدارته عن اليهودية بالدليل ~~والبرهان، أو بعدم الدخول فيه إذا لم يقتنعوا به مع إيجاد صيغة سلامية للتعايش ~~وتهدئة للموقف المتوتر بعد قطع الرءوس من أشراف اليهود. وأن يتم ذلك بالجدل والحوار ~~والمناظرة، لكن النبي رأى أن يتعامل معهم بمنطق آخر فجرد عليهم الكتائب حتى نزلت ~~النضير على عهد مكتوب، ثم رضيت قريظة بالعهد دون قتال، ولا نعلم عهودا تمت مع ~~اليهود سوى صحيفة المعاقل. # وعليه فإن المعاقل قد تمت فيما نذهب إليه (عن محاولة اجتهادية لا قطعية)، ضمن ~~سلسلة الإجراءات السريعة الحاسمة، لإصلاح ما أفسدت أحد وعلاج آثارها لرفع روح ~~المسلمين المعنوية، وبداية اهتمام واضح بالجبهة الداخلية لتأمينها أولا قبل معارك ~~الغزو، وضمن هذا التأمين قدم النبي تنازلا تراجعيا وضح في النص: «لليهود دينهم ~~وللمسلمين دينهم» (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي، 1985م، ص61). # لكن ما حققته الصحيفة من إيجابيات هو أنها حولت المسلمين من لاجئين إلى مواطنين ~~على ذات درجة أهل يثرب، ثم إعادة الأمر كله إلى سيد المدينة الجديد الذي غدا بلا ~~منافس يعد قطع رءوس سراة القوم وسادتهم، ولعل في تعليق الرسول # صلى الله عليه وسلم # للصحيفة ~~بسيفه رمزا واضحا يحمل معنى السلام القائم على القوة والاقتدار. أما أهم بنود ~~الصحيفة فهي تلك التي تقول في مفتتحها: «هذا كتاب من محمد النبي الأمي» والمقصود ~~نبي الأميين (جمع أمم) أي نبي الأمم أي (الجوييم) أي غير اليهود. والمفتتح يشير إلى ~~المعاقل كفرمان صادر من سلطة النبي السيادية، فأطراف الصحيفة لم تكن متكافئة؛ فهو ms173 ~~سلام مفروض فرضا، أو هي بمثابة كتاب أمان من النبي، أو عقد اجتماعي مفروض، مع فرض ~~صفة النبوة للنبي في الوثيقة الرسمية، لتعني اعترافهم بذلك راغمين ولو لم يؤمنوا، ~~وهو ما يعني عند العربي الإذلال بإحناء الرأس لأمر لا يعتقد فيه قهرا؛ لذلك كثيرا ~~ما كان الإسلام يفرق بين المسلم والمؤمن؛ فالمؤمن هو صادق اليقين بعكس من أسلم ~~خوفا أو رشوة بتأليف قلبه، وقد جاءت الصحيفة متجاوبة مع رغبة اليهود وبقية مشركي ~~يثرب في الأمان بعدما اجتز السيف الإسلامي رءوس سادتهم. # إن أبرز المفاصل في الصحيفة هي: «وإنكم مهما اختلفتم في شيء، فإن مرده إلى الله ~~عز وجل، وإلى محمد # صلى الله عليه وسلم ~~» هي خطاب من سيد لمسود «إنكم»، وليست (نحن الموقعين)، ~~والأمر الأشد دلالة قانون بالصحيفة يقول: «وإن بطانة اليهود كأنفسهم، وإنه لا ~~يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان ~~بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول ~~الله» (ابن كثير، البداية، ج3، ص223-224). # وبين الأفخاذ القبلية التي تم تعدادها كأطراف للمعاقل تم وضع المهاجرين كأبناء ~~البلد، وكفخذ من الأفخاذ البشرية الأصيلة فيها، بل إن الصحيفة أكسبت المهاجرين ليس ~~الوجود الشرعي فقط ولا المواطنة عوضا عن اللجوء فقط، بل غدا الأنصار أنفسهم إزاء ~~المهاجرين تابعين لا مجيرين ومتبوعين. # الأهم من كل هذا أنه لا بد من افتراض حدوث وقعتين ضد بني النضير لا وقعة واحدة هي ~~المشهورة، وقعة أولى حاصرهم فيها المسلمون وفرضوا عليهم صحيفة المعاقل، تلاها بعد ~~ذلك الوقعة المشهورة في تاريخنا والتي تم بموجبها إجلاؤهم عن يثرب والاستيلاء على ~~ممتلكاتهم. # وتتتالى الأحداث، فيقتل المسلمون بعض الأعراب الوثنيين من بني عامر عرضا وخطأ، ~~حيث كان بينهم وبين النبي عهد خضوع مقابل السلام، فقاموا يطلبون من النبي دية ~~القتلى التزاما بالسلام وعدم إعلان الحرب. # هنا يحكي لنا الطبري أن النبي ذهب إلى بني النضير يطلب منهم مساعدته على أداء دية ms174 ~~القتيلين العامريين؟! يقول الطبري: «فانطلق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى قباء، ثم مال ~~إلى بني النضير مستعينا بهم في ديتهما، ومعه نفر من المهاجرين والأنصار وفيهم ~~أبو بكر وعمر وعلي وأسيد بن حضير، فلما أتاهم الرسول يستعينهم في دية ذينك ~~القتيلين: قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت؛ مما استعنت بنا عليه» ~~(الطبري، التاريخ، ج2، ص551). # وهكذا لم تسوف النضير ولم تماطل، ويبدو أنها قدرت الأمر بعمق، فما زال خروج ~~قينقاع المهين ماثلا، وهناك صحيفة معاقل تضمن لهم قدرا من سلام لا يرغبون غيره، ~~مع مسلسل اغتيال رجالها المقدمين، ناهيك عن معرفتها أن المسلمين قد غدوا مقتدرين ~~ماليا على أداء مثل تلك الديات بعد الاستيلاء على ممتلكات قينقاع وأموال فك أسرى ~~بدر من المكيين؛ ومن ثم كانت الحكمة تقتضي تلك الإجابة العاقلة بحيث لا يعطون أي ~~فرصة لنقض صحيفة المعاقل التي لم يمض على عقدها سوى ستة أشهر. # ويتابع الطبري يقول: «وإن يهود النضير عندما أجابوا النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى ما ~~طلب، قام النبي وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى آتيكم، وخرج راجعا إلى المدينة، فلما ~~استلبث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، ~~فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى ~~انتهوا إليه، فقالوا: يا رسول الله انتظرناك ومضيت. فقال: يهود همت بقتلي ~~وأخبرنيه الله عز وجل» (الطبري، التاريخ، ج2، ص551-552). # ويشرح ابن إسحاق في سيرته: «فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام ~~وخرج عائدا إلى المدينة.» # ولم يكن هناك سوى رد واحد على خبر السماء، فقد هموا بارتكاب الخيانة، وأن الله ~~قد علم ذلك، فأرسل النبي لهم: اخرجوا من بلدي؟! فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما ~~هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه (ابن سعد، ~~الطبقات، مج2، ج1، ص41). # كانت اليهود تعتقد أن يثرب بلدها منذ قرون مضت، فإذ ms175 بها قد أصبحت مدينة رسول ~~الله، وزاد النكاية في اختيار حامل هذه الرسالة للنضير، كان حليف النضير الأوسي ~~«محمد بن مسلمة»، حتى تساءلت النضير عن حلفها مع الأوس وعقدها المتين قبل دخول ~~الأوس في الإسلام، قائلة لمحمد بن مسلمة: «يا محمد ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من ~~الأوس، فقال محمد: تغيرت القلوب» (البيهقي، الدلائل، ج3، ص360). أو بقوله في ~~الطبري: «تغير القلوب، ومحا الإسلام العهود» (التاريخ، ج2، ص552). فكان ردهم محمولا ~~إلى النبي مع محمد بن مسلمة: «إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك.» ويقول ابن ~~كثير: «وحمى حيي بن أخطب (زعيم النضير)، وبعثوا إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنهم لا ~~يخرجون، ونابذوه بنقض العهود» (ج4، ص77). هذا بينما فهمت القبيلة اليهودية ~~اليثربية الثالثة والأخيرة قريظة ما يحدث؛ فالتزمت بنود صحيفة المعاقل، وهو ما يقول ~~ابن سعد في تقرير واضح: «واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم» (نفس الموضع)، وأعلن زعيم ~~قريظة «كعب بن أسد»: «لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حي.» ويحكى أن رأسا من ~~رءوس النضير هو سلام بن شكم قال لرفيقه حيي بن أخطب: «يا حيي اقبل هذا الذي قال ~~محمد قبل أن تقبل ما هو شر منه، قال: وما هو شر منه؟ قال: أخذ الأموال وسبي الذرية ~~وقتل المقاتلة، فأبى حيي وأرسل إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إننا لا نريم دارنا فاصنع ~~ما بدا لك، فكبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وكبر المسلمون معه وقال: حاربت يهود؛ أي ~~أعلنت اليهود نقض الصحيفة بإعلانها الحرب على المسلمين. # وانتهى حصار النضير بأن «صالحوه على أن يحقن دماءهم وله الأموال والحلقة.» أي ~~السلاح (الطبري، ج2، ص553)، ووافق النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأمر بتهجيرهم وأعطى لكل ثلاثة ~~منهم بعيرا واحدا يركبونه حتى لا يمكنهم حمل المتاع. لتختم الآيات الأحداث ~~بقولها: # سبح لله ما في السموات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم * هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ms176 لأول ~~الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم ~~حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار * ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار * ذلك ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله ~~شديد العقاب ~~(الحشر: 1-4). # لا شك سيطرح السؤال نفسه هنا حول قيمة الوفاء بالعهد؟ ومن الذي نقض العهد حقا؟ ~~ومن أطاح بهذه القيمة؟ لا شك نحن كمسلمين نؤمن ونصدق خبر السماء الذي أنبأ نبينا ~~بأن اليهود يهمون بقتله، ونحن لم نسمع خبر السماء، لكننا عن يقين كامل نصدقه لأن ~~ناقله هو خير البرية الصادق الأمين، لكن غير المسلم سيقرأ الأحداث قراءة أخرى، خاصة ~~أن قيمة الوفاء بالعهد قيمة إنسانية لا تخص المسلمين وحدهم، فهم لن يصدقوا خبر ~~السماء مثلنا بعد أن ختم الله على قلوبهم أكنة ولم يفتح بصيرتهم، سيقرءون الوقائع ~~كما سردتها أمهات كتبنا الإسلامية المعتمدة، وسيعلنون مع الصحابي محمد بن مسلمة: أن ~~الإسلام يجب العهود، بمعنى أن الإسلام يجب غيره، والتسليم له والاعتقاد في سلامته ~~وحده، يترتب عليه نقض كل ما يخالفه، وكم حفل تاريخنا ببطولات لم تقف عند حد نقض ~~العهود بل تمزيق عهد الأسرة تمزيقا، يقتل فيها المسلم أخاه، بل وأباه، وكم يتغنى ~~بمن كان مثل أبي عبيدة بن الجراح الذي دفعه إخلاصه لدينه إلى ذبح رحمه وعصبه، قتل ~~أبيه، وقال له وهو يذبحه: «خذها في سبيل الله» (أحمد شلبي، السيرة العطرة، ط12، ~~ج1، ص375- 377)، وهو ما أفصح عنه رد المسلمين على نداء النبي بعدم قتل عمه العباس ~~إذا لقوه في بدر الكبرى، قال أبو حذيفة بن عتبة: «أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ~~ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألحمنه السيف» (ابن سيد ~~الناس، عيون الأثر، ج1، ص310). # ليس هناك عقد في التاريخ كله أعلى درجة في القيمة من كل العهود كعهد الأسرة الذي ~~أسس لقيام المجتمع الإنساني، لكن الإسلام جب حتى هذا العهد، ms177 فقتل الابن أباه في ~~سبيل الله، وقتل إخوانه وعشيرته في سبيل الله. كل هذه المعاني تكتسب قيمتها من ~~قدسية الدين لا من مشهد الوقائع على الأرض، فمشهد الوقائع ينفي عن كل تلك الأحداث ~~أي معنى للقيم بمعناها الإيجابي الذي نفهمه منها اليوم بعد مرور أربعة عشر قرنا ~~تغيرت فيها المفاهيم واكتسبت القيم دلالات جديدة، لكننا كمسلمين نصدق ونسلم ~~بضمير مستريح كامل اليقين، ونرى أن لله حكمته في ذلك والتي تخفى علينا، لكن مثل هذا ~~المأثور سيثير في الضمير المسلم الكثير من المشاكل لو تصورناها صالحة لكل زمان ~~ومكان؛ لأن كسر القيم الموضوعية لمصلحة الربانية، كان له هدف يتعلق بعرب الحجاز ~~وتاريخهم وحدهم، عندما كان الإسلام يقيم لهم دولة كونفدرالية في حالة خاصة جدا ~~بهم وبزمنهم وبيئتهم ونظمهم، ولا يتعلق بنا ولا بأوطاننا ولا بتاريخنا الوطني لا في ~~مصر ولا في إفريقيا ولا في الشام ولا في فارس؛ لذلك فإن القول بالصلاحية لكل زمان ~~ومكان لا بد أن يفضي إلى تناقض صارخ بين ما وصل إليه الإنسان اليوم من قيم وبين قيم ~~كانت تناسب بيئتها البدوية القاسية وعاداتها الجافية، وظروفها السياسية التي استدعت ~~بتصريح النبي للمسلمين ب«المكر والخديعة»، وإلا ما قامت دولة القبائل الاتحادية ~~الإسلامية لعرب الجزيرة ولا توحدت قبائلها تحت رئاسة قريش. # كانت قيما ضرورية لزمانها، لكنها في زماننا هذا ستكون خللا فادحا في القيم، ~~ومن يستدعها مؤمنا بقدرتها على الفعل الأخلاقي اليوم، يخرج نفسه عن الإنسانية ~~جميعا وما تواضعت عليه من قيم هي الأرقى موضوعيا. وما قطع رءوس الأبرياء أمام ~~الكاميرات مع التكبيرات الإسلامية بيد مشايخ الجهاد الزرقاويين ببعيد، هو عودة ~~قاصرة إلى ظاهر الدين لا محتواه، ودون معرفة صادقة بظروف الوحي التاريخية، بل ورفض ~~لهذه التاريخية أصلا، وهو ما شكل صورة المسلم القبيحة أمام العالمين، وهو بالتأكيد ~~ما لا نريد لأنفسنا ولا لديننا، ولا يبقى سوى أن نؤمن ثم للصلح مع زماننا نسلم أن ~~مثل نلك القيم إنما كانت تخص زمانها ومكانها وحدهما، وسحبها لزماننا لم يؤد إلا ms178 ~~لما نراه من خراب الضمائر، ودمار الديار، وفساد وإفساد هائل لم تعرفه بلادنا قبل ~~صحوتنا قط، لا بارك الله فيها. # أتابع النقض الثاني لصحيفة المعاقل التي عقدها النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # لكل أطراف ~~المدينة وفرقها، ولم تعش شهورا، حتى تم تقضها، النقض الأول بغزوة النضير وإجلائهم ~~عن مدينة يثرب فتوجه بعضهم نحو فلسطين، وتوجه بعضهم الآخر بقيادة زعيمهم حيي بن ~~أخطب نحو واحة خيبر شمالي الحجاز على مبعدة حوالي 400كم من يثرب، ضيوفا على أهل ~~ملتهم هناك، ثم النقض الثاني الذي انتهى بمجزرة قريظة وهو مناط البحث هنا. # في حديثه عن القيم في الإسلام يذكرنا الشيخ قرضاوي المرجع الفقهي الأشهر ~~بالآيات الكريمة: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين ~~هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة ~~فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون * والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم ~~على صلواتهم يحافظون * أولئك هم ~~الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون ~~(المؤمنون: 1-11). # ويعقب بأن ذلك يعني أن الله قد جعل من قيمة الوفاء بالعهد قيمة ترقى في تلازمها ~~مع أداء العبادات، فيكون المسلم متعبدا لربه عندما يراعي هذه القيمة (ملامح ~~المجتمع المسلم، مكتبة وهبة، ص92-109). # معلوم في كتبنا التراثية أنه رغم النزاع الذي نشب بين قبيلة النضير اليهودية ~~والمسلمين وانتهى بإجلاء النضير، فإن قبيلة قريظة اليهودية رفضت مد أي عون لشقيقتها ~~النضير، وأصرت على الحفاظ على عهد صحيفة المعاقل، منعا لأي سبب قد يجر عليها ما هي ~~في غنى عنه. # وقد حظي «حيي بن أخطب» سيد النضير بسهم وافر من الذكر في تاريخنا؛ لأنه هو من قام ~~بحشد العرب وتحزيب الأحزاب ضد المسلمين، وجمعهم في حلف ضد يثرب لكسر شوكة المسلمين، ~~ثأرا لقبيلتي قينقاع والنضير، فأخذ سادة العرب اليهود مثل سلام بن أبي الحقيق ~~وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس الوائلي وأبي عمار الوائلي، وانحدر بهم إلى مكة ~~ليدرك ms179 ثأره من محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، واستجابت قريش وأحلافها العرب لوضع حد لما حدث ~~لتجارتهم وأمنهم على يد المسلمين، مع رغبة أكيدة في الثأر لقتلاها، في حلف عظيم ~~توجهت جيوشه نحو يثرب بغرض توجيه ضربة قاتلة ونهائية تجهز على الوجود الإسلامي في ~~الجزيرة. جيوش جمعت فرسان كنانة وأهل تهامة وأشاوس غطفان وأشداء نجد الذين وتروا في ~~زعامتهم المغدورة، (ولم ينس الفزاريون مقتلة عقيلتهم أم قرفة تمزيقا بين بعيرين ~~على يد زيد بن حارثة، والتي تصورها أفلامنا السينمائية بالعكس، فتجعل من مسلمة ~~فقيرة هي من تم تمزيقها بالبعيرين المتعاكسين على يد الأشرار الكفار، وهو ما يستدعي ~~السؤال حول قيمة الصدق في مشايخ الإسلام، مع صمت كل الفقهاء والشراح والوعاظ عن ~~هذه الكذبة الكبرى) لكن زعيم غطفان الجديد عيينة بن حصن الفزاري ما شغله ثأر أم ~~قرفة قدر ما شغله العائد المادي، فمنحه يهود خيبر ثمر بلادهم لمدة عام كامل، «فلما ~~سمع بهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ضرب الخندق حول المدينة، وكان الذي أشار على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ضرب الخندق سلمان الفارسي، قال: يا رسول الله كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا ~~علينا» (الطبري، التاريخ، ج2، ص556). # سبق وأخذ النبي في أحد بمشورة شباب المسلمين المتحمسين فخرج إلى عدو أكثر عددا ~~وعدة فهزم المسلمون شر هزيمة؛ لذلك قرر في الخندق أن يأخذ بنصيحة عبد الله بن أبي ~~سلول التي سبق وقالها له في أحد كخبير عسكري، ولم يؤخذ بها حينئذ. قال عبد الله بن ~~أبي سلول: «يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى ~~عدو قط إلا وأصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن ~~أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم. ورماهم النساء والصبيان ~~بالحجارة من فوقهم، وإذا رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا» (السهيلي، الروض الأنف، ~~ج3، ص149). # ومع ذلك فإن كتبنا التراثية لا تني تصف ابن سلول بكبير المنافقين، وذلك لأنه كان ms180 ~~صوتا معارضا أحيانا فقط. لكن عندما تعلق الأمر ببلده أحسن النصح مخلصا. إلا أن ~~ما يلفت النظر بشدة أن قريظة لم تقف على الحياد بل أخلصت لعهدها، فأمدت جيش ~~المسلمين بآلات الحفر ونقل الأتربة «فاستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة ومساحي ~~وكرازين ومكاتل» (الحلبي، السيرة، ج2، ص63). # وبينما وصل جيش الأحلاف إلى عشرة آلاف مقاتل، لم تتمكن يثرب بأقصى إمكانات الحشد ~~من جمع سوى ثلاثة آلاف بين كبير وصغير وشاب وحدث، واشتد الحصار على المسلمين ~~فنبأهم الرسول بفتح مدائن كسرى تبشيرا لهم ورفعا لروحهم المعنوية، لكن معارضا ~~آخر لا يمكن احتسابه من المنافقين لأنه من أهل بدر الذين غفر الله لهم ما تقدم من ~~ذنبهم وما تأخر، هو معتب بن قشير (انظر: ابن هشام، السيرة بشرح السهيلي بالروض ~~الأنف، ج3، ص61) الذي قال: «ألا تعجبون؟ يعدكم الباطل! ويخبركم أنه ينظر من يثرب ~~إلى الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا؟» (ابن ~~الأثير، الكامل، ج2، ص179). أو في قول آخر: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى ~~وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط» (ابن هشام، الروض ~~الأنف، ج3، ص261). # حتى حفر الخندق أثبتت قريظة وعيها الدقيق بموقفها الشديد الحساسية، خاصة بعدما ~~أصبحت بيوتها وحصونها جزءا من الخندق؛ فالخندق يحيط بالمدينة وينتهي عند جبل سلع ~~من طرف كحصن طبيعي يكفيه بعض الرماة، ثم يصل حتى حصن قريظة على حافة المدينة ~~بمواجهة الأحزاب مباشرة؛ لذلك كانت قريظة نقطة ضعف يثرب الوحيدة التي أدركها جميع ~~الأطراف: المسلمون وقريظة والأحزاب، كان يكفي أن تفتح قريظة باب حصنها لتمر عبره ~~الأحزاب لينتهي الأمر كأن لم يكن. # وعى الحلف نقطة الضعف، فذهب حيي بن أخطب الزعيم النضري المطرود إلى أبواب قريظة، ~~فأبى أن يفتح له سيد قريظة كعب بن أسد القرظي، فظل يخاطبه ويذكره وينصحه ويخوفه ~~من المسلمين وكيف جاءه بفرصة قد لا تتكرر للتحرر من سلطان المسلمين، حتى فتح له ~~فدخل، «فلم يزل حيي بكعب يفتله في ms181 الذروة وفي الغارب حتى سمع له، على أن أعطاه ~~عهدا من الله وميثاقا، لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا، أن أدخل معك في ~~حصنك، حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان عليه، فيما بينه ~~وبين رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~» (الطبري، التاريخ، ج2، ص571. انظر أيضا: ابن هشام في ~~السهيلي، ج3، ص261. وابن الأثير في الكامل، ج2، ص180). # هكذا اطمأنت قريظة للحلفاء من الأحزاب واستقوت بهم؛ مما يؤكد ما سبق وذهبنا إليه ~~في الدراسات السابقة عن عهد صحيفة المعاقل، وأنها قد تمت كتابتها تحت السلطان ~~المحمدي وبدعم من القوة الإسلامية؛ لذلك ما أن اطمأنت قريظة إلى مساندة جيش ~~الأحزاب، حتى بدأت تفرض شروط استمرار صحيفة المعاقل من عدمه. # وبلغ الأمر المسلمين المحاصرين المجهدين الفزعين مما يحدث في حصون قريظة، فأرسل ~~النبي وفدا من الصحابة لبني قريظة، فاشترطت قريظة لاستمرار الالتزام بالصحيفة وفي ~~مدد المسلمين إعادة بني النضير إلى المدينة مرة أخرى، فتشاتموا وعادوا ليخبروا ~~النبي، وأمسى واضحا حجم الخطر الآتي. # وعاد المسلمون للتدبر ليصلوا إلى نتيجة، أنه إذا كانت نقطة ضعف يثرب هي قريظة ، ~~فإن نقطة ضعف الأحزاب هي الأحمق الطماع المطاع (بوصف النبي له) عيينة بن حصن ~~الفزاري زعيم غطفان، الذي يمكن تحويل موقفه بمزيد من الإغراءات المادية. # وتم التفاوض سرا مع زعيم عطفان على انسحاب الطماع برجاله مقابل ثلث ثمار ~~المدينة، لكن عيينة طلب النصف على ألا يكتفي بالانسحاب بجيوشه، بل والإيقاع بين ~~الأحزاب بالفتنة، يرسل من يوقع الشك بين الأحزاب وبعضها، وتمت الموافقة. وعندما ~~أخبر النبي سعد بن معاذ وسعد بن عبادة بعد انصراف وفد غطفان، احتجا وقالا: إنا نرى ~~ألا نعطيهم إلا السيف، ليرد النبي: «فأنت وذاك»، فيتناول ابن معاذ صحيفة التعاقد ~~ويمحوها قائلا: «فليجهدوا علينا» (ابن سعد، الطبقات، مج2، ج1، ص53). # بينما كان رجل غطفان الداهية نعيم بن مسعود ينفذ ما سمعه النبي وخطته للإيقاع بين ~~الأحزاب، أو في مختصر مفيد قوله # صلى الله عليه وسلم # لابن مسعود: ms182 «خذل عنا إن استطعت، فإن ~~الحرب خدعة» (ابن هشام في السهيلي، ج3، ص265). فنقض المسلمون الصحابة عهدا وقعه ~~النبي دون علم الطرف الثاني من العهد! بينما كان الطرف الثاني ينفذ جانبه من ~~العهد. # بينما كان ابن مسعود يشكك قريظة في الأحزاب، طلبت قريظة من الأحزاب رجالا من ~~كبار أشرافها ضمانا لهم يدخلون حصنهم معهم كما دخل حيي بن أخطب، بينما كان قد أخبر ~~الأحزاب قبلها أن قريظة تتآمر بهم وستطلب منهم رجالا كبارا من زعماء الأحزاب ~~تسلمهم لمحمد ليقتلهم. # وفي ليلة شاتية قاسية مرعدة مبرقة وقع الخصام بين قريظة والأحزاب؛ مما دفع أبا ~~سفيان للنداء بعودة الجيوش بعد نفاد مخزون الزاد والماء واشتداد العاصفة. وهكذا ~~أمكن لابن هشام القول: «وخذل الله بينهم» وليس نعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني. ~~(السيرة في السهيلي، ج3، ص265-266). # وصدق الله وعده لنبيه بانشمار الأحزاب راجعين إلى بلادهم، ناهيك عن النتيجة الأهم ~~والأخطر وهي تحرير يثرب تماما من العنصر اليهودي، بعد أن همت قريظة بالخيانة، فقد ~~زحف الجيش الإسلامي وحاصر قريظة، فأرسلت لمحمد أن يرسل لها أبا لبابة بن المنذر ~~الأوسي، «قالوا: يا أبا لبابة: ماذا ترى؟ وبماذا تأمرنا؟ فإنه لا طاقة لنا ~~بالقتال »، وجاء رد أبي لبابة بإشارة من إصبعه مرورا على عنقه (يريهم أنه الذبح) ~~(ابن كثير، البداية، ج4، ص121). # يروي الطبري: «فقام إليه الرجال وأجهش إليه النساء، والصبيان يبكون في وجهه، ~~فرق لهم، وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد، قال: نعم، ثم أشار ~~بيده إلى حلقه: إنه الذبح» (التاريخ، ج2، ص584). «وقد كان حيي بن أخطب النضري قد ~~دخل على بني قريظة في حصونهم بعد أن رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما ~~كان قد عاهده عليه» (نفسه ص583). فأي قيمة للوفاء بالعهد يعدل احترامها تقديم النفس ~~للموت عن النكوص عن القيمة؟! «ثم استزلوا فحبسهم رسول الله، ثم خرج إلى سوق المدينة ~~فخندق بها خنادق» (نفسه، ص588) (أي أمر بحفر حفر بالسوق، وذلك قبل صدور أي حكم ms183 ~~بشأنهم). # قامت الأوس تتشفع عند النبي لحلفائها القرظيين كما سبق وتشفعت الخزرج للنضير ~~فخرجوا بحياتهم تاركين أموالهم وعقارهم ومتاعهم، فرد عليهم: «ألا ترضون يا معشر ~~الأوس أن يحكم فيكم رجل منكم. قالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ» (نفسه، ص586). ~~وحكم سعد على حلفائه اليهود القرظيين الذين أصبحوا (سابقين)، بحكم شديد القسوة؛ ~~قال: «إني أحكم فيهم بأن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، فقال ~~رسول الله لسعد: حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» (نفسه، ص558-587). # ومن ثم كشف الطبري سر الخنادق بسوق المدينة حيث أمر النبي بذبح القرظيين وكل من ~~أنبت شعر عانته منهم من صبية صغار على تلك الخنادق، «فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، ~~يخرج إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستمائة ~~أو سبعمائة، المكثر لهم يقول كانوا نحو الثمانمائة إلى التسعمائة، أتي بعدو الله ~~حيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال له: ~~أما والله ما لمت نفسي في عداوتك أبدا، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، ~~ملحمة قد كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه» (نفسه، ص588: 593). وبقي من ~~بينهم ذلك الذي سنعرفه بعد ذلك كصحابي «عطبة القرظي» الذي نجا من المجزرة لأنهم ~~عندما كشفوا عن عانته وجدوها لم تنبت شعرا بعد. # ويحدد لنا البيهقي موقع تلك المذبحة الهائلة: «قتلوا عند دار أبي جهل التي ~~بالبلاط، ولم تكن يومئذ بلاطا، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت التي كانت ~~بالسوق» (دلائل النبوة، ج4، ص20)؛ وهو وما يعني أن الخنادق قد امتلأت بالدم ثم فاضت ~~منها حتى أقصى السوق. ليختم القرآن الكريم الملحمة في موجز بليغ يقول: # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا ~~عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا ~~تقتلون وتأسرون فريقا * وأورثكم ~~أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ms184 تطئوها وكان ~~الله على كل شيء قديرا ~~(الأحزاب: 25-27). # كادت قريظة أن تهم بنقض صحيفة المعاقل، التي كتبت قهرا وشوكة، فكان عقابها ~~عملية إفناء كاملة. أليست العقوبة أشد بما لا يقارن بالجرم؟ في معيار القيم سيكون ~~هذا الإفناء جريمة في حق الإنسانية بمقاييس اليوم وقيم اليوم وتكون الكارثة أعظم ~~فداحة لو اعتبرنا ذلك دينا وقيمة سماوية، مع ملاحظة كيف نقض السعدان ابن معاذ وابن ~~عبادة العهد مع غطفان بشديد البساطة، وكيف نقض سعد بن معاذ عهده مع حليفته وحليفة ~~الأوس قريظة بإصداره حكما مرعبا شديد الوطأة وبلا شبيه في تاريخ الجزيرة بذات ~~الهدوء والبساطة، إخلاصا لإسلامه ولنبيه، وهو ما تلحظه أيضا في موقف أبي لبابة ~~الأوسي، مع ملاحظة أخرى في الموقف المبهر في وفاء حيي بن أخطب بعهده لصديقه كعب بن ~~أسعد القرظي بالدخول معه إلى حصنه، وهو يعلم أن مصيره الموت لا محالة. # على مقياس القيم كما نفهمها لا بد أن يحتسب ما حدث خروجا على كل القيم ~~الإنسانية، من أجل قيم تحتسب دينية بينما كانت سياسية وعسكرية لها ظرفها التاريخي، ~~ورغم أن ما حدث كان مجزرة بكل المعاني، إلا أن التاريخ يمتلئ بالمجازر، والأهم كان ~~في النتائج، وقد حققت مجزرة قريظة بعد ذلك دورها في إرهاب الجزيرة كلها بعدما ~~تسامعت بخبرها مما سرع عملية الخضوع الطوعي لسيادة المسلمين، كان سعد بن معاذ ~~يرنو إلى المستقبل وهو يصدر حكمه المخيف والمرهب لكل جنبات الجزيرة مدويا رجع ~~صداه هلعا أينما سمع. # إن قيمة الوفاء بالعهد مع ظروف قريظة تفقد معناها القيمي، كما سبق وفقدته مع ظروف ~~النضير، وإذا ما استند مسلم اليوم إلى قيمة الوفاء بالعهد فلأنها قيمة عظيمة في ~~ذاتها، وليست لأنها مقررا إسلاميا؛ لأنها في واقع الحال لم تكن كذلك، والإصرار ~~على نسبة كل شأن رفيع وصلت إليه الإنسانية إلى الإسلام قبل أربعة عشر قرنا وربع ~~القرن فيه ظلم لواقعنا وظلم للإسلام في آن واحد. إن القيم هي ما يتوافق عليه الضمير ~~العام في زمن ومكان بذاته ومجتمع ms185 بخصوصيته وقد تسمو فيتوافق عليها الضمير العالمي ~~كله، أما الدين فهو أوامر ونواه لا علاقة لها بمفهوم القيم؛ فالقيمة تفترض حرية ~~الاختيار بين بدائل مع فرز بينها وتجنيب لاختيار القيمة الأفضل، بينما الدين فروض ~~وشعائر يحسن احترامها بتركها لزمانها وليست محل اختيار أو مفاضلة. # والحرب فعل سياسي، والسياسة لا تحترم سوى المصالح، وأعلن النبي # صلى الله عليه وسلم # ذلك ~~بوضوح؛ فهي عملية خداع للآخر، ليس في السياسة عهود دائمة ولا قيم إلا إذا وافقت ~~المصلحة، ولا بأس بنقض القيم في شئون السياسة والحرب، لكن إن نقضناها لأن ديننا ~~أباح هذا النقض، وجعل ما حدث بشأن هذه القيمة في تاريخنا دينا كما قال قرضاوي ~~نتعبد بها؛ فهو ما يعني الخروج على معنى القيم جميعا وتدريب النفس والروح على كسر ~~القيم وتبرير ذلك الكسر بالخداع الشرعي المشروع. # هذا ما كان من الأحداث على واقع الأرض في زمن الدعوة، وهذا ما كان من تعقيبنا ~~الذي لا يكذب ولا يتجمل، لكن يعترف بحقيقة الأحداث بهدوء ليتركها لزمانها دون ~~تفعيلها في زماننا، أما قرضاوي فقد عقب على الغزوة بقوله: «النبي سامح في الأحيان ~~وقال لقريش اذهبوا فأنتم الطلقاء، لكنه لم يقل ذلك لبني قريظة، قبل كده سامحهم ~~فجاؤا وتألبوا عليه وألبوا العرب عليه، فلم يكن لهم كلمة». لكنه لا يذكر لنا ~~كيف: (قبل كده سامحهم) ومتى وفي أي حادثة؟ ويرى قرضاوي أنهم: لأنهم «لم يكن لهم ~~كلمة» فقد حقت عليهم العقوبة بالإبادة الشاملة. لكن أخلاقيا أو حتى عسكريا، ~~لماذا؟ يقول قرضاوي لا فض فوه وذبح كارهوه: «أحيانا يكون العفو مطلوبا، ~~وأحيانا يجرئ الظلمة على ظلمهم، والبغاة على بغيهم» (موقع القرضاوي في ~~29 / 2 / 2008م). # وهو ما يعني إمكانية تكرار الدرس بغض النظر عن قيمة القرضاوي العظمى في الوفاء ~~بالعهد؛ لأن العفو قد يؤدي إلى اجتراء المعفو عنهم على العافي، وأحيانا يجرئ ~~البغاة على تكرار بغيهم، ولأنه (أحيانا) ولأنه (قد)، فقد وجب الذبح الشرعي. # الفصل الخامس # | قمة السقيفة كنموذج ثان # لعل أهم السمات الفارقة للعربي البدوي ms186 هو الاعتزاز القدسي بالنسب القبلي، حتى إنهم لم ~~يعرفوا أن هناك علما أرقى ولا أهم من علم الأنساب، وكان لديهم متخصصون يرفعون النسب ~~إلى الجد التاسع والعاشر، عارفون بأقدار الناس ما بين النسب الرفيع والنسب الوضيع. ~~ويرتفع النسب وينخفض بحسب عدد أفراد القبيلة، والقدرة القتالية للقبيلة. # عيينة بن حصن الفزاري مثلا لم يكن بمقاييس الرجال أكثر من أحمق جهول، ومع ذلك حسبت ~~له العرب ألف حساب، حتى نبي الإسلام تعامل معه على كفره وفق هذا المعنى، وكان يلقبه ~~بالأحمق الطماع المطاع؛ لأن بإمكانه تجييش عشرة آلاف فارس في لحظة؛ ومن ثم كان تفاوت ~~الأنساب والتفاخر بالنسب إن صدقا أو كذبا مدعاة لسيادة قاعدة عدم المساواة بين الناس ~~كمفهوم أصيل لدى العربي، الذي وضع لعدم المساواة بين الناس علما يصنفهم درجات وطبقات ~~هو علم الأنساب. # ومن ثم فإن عدم المساواة بين أقدار الناس أصيل في البنية التكوينية لطبيعة المجتمع ~~البدوي، الذي يرى أن عدم المساواة هو طبيعة الأشياء ونظام الكون، وأن تراتب الخلق في ~~منازل ورتب ودرجات قدر حتمي، ولأنه يتعلق بعدم المساواة في الرزق الذي لا حيلة فيه ~~لإنسان؛ فهو قدر إلهي محتوم. # ونجد هذه القاعدة البدوية في التفرقة بين بني آدم أساس ومحور النقاش في سقيفة بنى ~~ساعدة عندما تنافس الأنصار والمهاجرون حول أحقية كل منهما في رئاسة العرب بعد وفاة ~~الرسول واكتمال الرسالة الإسلامية. وتمكن المهاجرون القرشيون من حيازة الأفضلية للرئاسة ~~فأصبحوا من بعد هم الحاكمين وهم من كتب التراث الإسلامي تحت ظلهم وبتوجيه منهم. وقد ~~حازوا تلك الأفضلية بالقرابة القبلية العشائرية من نسب النبي، فهم ذوو قرابته ومن دمه ~~ورحمه. وأفضلية أخرى إضافية هي السابقة في الإسلام، وهي قيمة غير مفهومة في معايير ~~زماننا؛ لأن الأسبقية في الإسلام لا يجب بموازين عدل اليوم أن تفضل طرفا على طرف تأخر ~~إسلامه؛ لأن المعنى سيكون أنه كان مطلوبا في العالم كله وفي لحظة واحدة أن يعلن إسلامه ~~حينما أعلن النبي نبوته، حتى تكون هناك مساواة، وسواء بلغته الدعوة فورا ms187 أم جاءته ~~متأخرة. فالسابقة في الإيمان هنا لا يمكن فهمها إلا في ضوء حياة الغزو القبلي، القائمة ~~على القدرة القتالية والانتصار بأي أسلوب ممكن، كالخطف حيث يكون الخاطف صاحب حق في ~~المخطوف بمجرد خطفه، إن السابقة هنا تعني في المفهوم البدوي أنه قد سبق إلى الخطفة ~~فأصبحت له، وهي قاعدة بدوية يفهمها كل البدو، ويرونها حقا منطقيا طبيعيا لا غبار ~~أخلاقيا عليه بالمرة، ولعل قولة عمر بعد فوز أبي بكر بالخلافة: «إن خلافة أبي بكر ~~كانت فلتة وقانا الله شرها» تعبير واضح عن تلك الفلتة أو الخطفة. # في السقيفة سنرى أول استثمار انتهازي للدين من أجل مكاسب دنيوية بحتة، وكان أول ~~المستثمرين هم صحابة النبي المقربين، وهم من فتح الباب لاستثمار دين الله لأهداف دنيوية ~~بحتة، وذلك بحسبانهم من قال عنهم النبي: «أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم، اهتديتم.» ومن ~~ثم كانت قدسية الصحابة رصيدا قدسيا آخر، فتم إلباسهم قداسة الدين الذي تم استثماره ~~في صراع أهل القمة في السقيفة. # وقد أثمر هذا الاستخدام الانتهازي للدين ولقداسة الصحابة تقسيما للمجتمع المسلم إلى ~~قسمين: قسم له شرف الحكم، وقسم آخر تم تشريفه بكونه رعية للحكام المقدسين، وعليه واجب ~~الطاعة والمساعدة ولا حق له في الحكم، وذلك تأسيسا على حديث أبي بكر عن النبي الذي حسم ~~به الأمر: إن «الخلافة في قريش». وما كان ممكنا تكذيب أبي بكر وهو الصديق في هذا ~~الحديث الذي لم يسمعه من النبي سوى أبي بكر وحده. بل وترتب على هذا الحديث أن جعل الحكم ~~وراثيا في قريش وحدها دون بقية العرب، وتمت به مصادرة مدينة يثرب من أهلها الأنصار ~~وخلوصها فيئا للمهاجرين دون حرب ولا فتح، بقرار ديني احتفظ به أبو بكر سرا حتى حان ~~أوانه فأفشى به. # الملحوظة الثانية التي لا تقل أهمية فيما دار بالسقيفة هو أن طرفي الصراع كانا ~~يتحدثان بحسبان الرسالة المحمدية موجهة للعرب وحدهم دون الناس، في خطبة أبى بكر يستذكر ~~مع الناس ما مضى، وكيف جاء النبي بدعوته، وكيف «عظم على العرب ms188 أن يتركوا دين آبائهم.» ~~(الطبري، 11، 19). فهو يوضح هنا أن الرسالة كانت موجهة للعرب وحدهم، ولم يرد في خطبته ~~على طولها وتعدد محاورها ما يشير إلى غير العرب من فرس أو روم أو غيرهم من قريب أو ~~بعيد. # المعنى ذاته تؤكده خطبة سعد بن عبادة الأنصاري، الذي قام بالسقيفة يعرض حجج الأنصار ~~في الأحقية والأفضلية للحكم، موجها خطابه لأهله الأنصار وكيف استضافوا الدعوة وحموها ~~وخرجوا بها خارج حدود يثرب في ظل سيوفهم ورماحهم، حتى استقامت العرب بسيوفنا لأمر الله ~~طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داحرا، وحتى أثخن الله لرسوله بكم الأرض، ~~ودانت بأسيافكم له العرب.» وهكذا تكون الرسالة قد اكتملت بسواعد الأنصار وذلك في خاتمة ~~سعد، «وتوفاه الله وهو راض عنكم، وبكم قرير العين.» # هنا أيضا كان العرب هدف الرسالة التي بلغتهم تامة كاملة، وليس مقصد الرسالة حسب فهم ~~الصحابة هنا هو العالم، وعندما كانوا يتحدثون عن الأرض كانوا لا يقصدون بها العالم، ~~إنما أرض العرب بالذات، «حتى أثخن الله لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب». ~~فالأرض المقصودة هنا هي الأرض التي دانت عربها لأسياف الأنصار. # هنا اختلاف شديد في المفاهيم ما بين دلالتها عند عربي زمن الدعوة وما بين دلالتها ~~اليوم، وهو الأمر الذي تهدف هذه الدراسة إلى التنبيه إليه، حتى يمكن أن نقرأ نصوص ذلك ~~الزمان بدلالات مفاهيم زمنهم لا مفاهيم زماننا اليوم. # أبو بكر يدعم موقف المهاجرين المطالب بالحكم والسلطان فيقول عنهم: «فهم أول من عبد ~~الله في الأرض وآمن بالله ورسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وهم أحق الناس بهذا الأمر من ~~بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ~~ولا سابقتهم العظيمة.» # ويلفت الانتباه بشدة قول الصحابي الكبير «فهم أول من عبد الله في الأرض»، فلا شك أنه ~~كان على علم بالنبوات السابقة في بقاع الأرض حول جزيرة العرب؛ لذلك عندما يقول الأرض ~~فإنما هو يعني أرض الجزيرة تحديدا التي فيها كان المهاجرون أول من عبد الله حق ms189 عبادته ~~وآمن بالله ورسوله، ويظل المفهوم من كلمة الأرض أرض العرب وحدها. # أما السبب الجوهري في أحقية المهاجرين بالرئاسة أو بالأمر فهو أنهم أولياء النبي ~~وعشيرته وأهل نسبه القبلي؛ لذلك «هم أحق الناس بهذا الأمر من بعده». المسألة إذن كانت ~~ميراثا قبليا وليست شأن الدين والإسلام، ليس فيها أسباب كالكفاءة أو مصلحة الرعية أو ~~رأي هؤلاء الرعية، فهذا كله ليس سبيلا إلى «الأمر» أو الرئاسة، إنما السبيل هو القرابة ~~والعصبية والنسب، ومن ثم تكون الأرض وإمارتها ميراثا وليس دولة تدار بأساليب إدارة ~~الدول كما في بقية الدول المجاورة. # هنا لا تجد بالمرة تعبير «دولة»؛ فالعرب لا تعرف من دلالة دولة سوى التداول بتغير ~~الأزمان، وتلك الأيام نداولها بين الناس، إنما كانوا يعرفون «الرئاسة» أي الحكم ~~بمفاهيمنا ولكن بمصطلح «الأمر»؛ لأن الرئيس هو من يأمر فيطاع؛ فهو الآمر، وماهية منصبه ~~هي «الأمر» ومنها الأمير؛ لذلك لم يعرف العربي معنى الدولة والحكومة كما نعرفه بدلالة ~~أيامنا، إنما يعرف الآمر والمأمور فقط، ما يعرفه الأمر والأمير الآمر بلا منازع ولا ~~معارض ولا شريك. الأهم وتأسيسا على المعاني الفطرية الأصيلة عند العربي في عدم ~~المساواة بين الناس، هو أن أبا بكر كان يرى أن الله لم يساو بين المهاجرين والأنصار، ~~وأن للمهاجرين أفضليتين واضحتين فضلهم الله بهما على الأنصار وخص بهما المهاجرين، ~~الأفضلية الأولى سابقتهم في الإسلام، والثانية هي قرابتهم ونسبهم القبلي للنبي، وإلا ~~لماذا لم يختر نبيه من بين الأنصار؟ ولماذا ظهر في مكة ولم يظهر في يثرب؟ حجة بدورها ~~قبلية تقوم على منطق فبلي عشائري قح. # أما قوله: «لا ينازعهم ذلك إلا ظالم»؛ فهو ما يعني بوضوح فصيح أنه حتى بعد اكتمال ~~الدين تحت سمع وبصر الصحابة، فإن من بين الصحابة من عجز عن إدراك العدل، وظهر من بينهم ~~من هو ظالم لا يرى العدل عندما يكون ماثلا أمام عينيه، وهذا العدل ليس هو الوفاء ~~للأنصار بما قدموا؛ إنما هو حق قريش في الحكم، وهذا الحق له أصول قبلية راسخة. وعليه ~~فإن ms190 دلالة مفهوم العدل زمنهم تختلف بدورها عن فهمنا لها اليوم، فحق قريش بعيون اليوم ~~سيكون غير مفهوم بالمرة، مقابل ما قدم الأنصار للدعوة من بذل وعطاء وفداء. # في قمة السقيفة حدثت تحولات وانقلابات أدت إلى تغير خط سير التاريخ، فبعد ريادة يثرب، ~~وبعد ما كان الأنصار وقود الانتصارات الإسلامية المتتالية، أسفر اجتماع السقيفة عن ~~نتائج أعادت إلقاء الأمر كله بيد قريش مرة أخرى، لتستمر قائدة للعرب بشكل شرعي، بعدما ~~كانت سيادتها زمن الجاهلية سيادة عرفية غير ملزمة ودون اعتراف قبلي علني بهذه القيادة، ~~لقد دق اجتماع السقيفة قريش وتدا في جسد الزمن والجغرافيا لتحكم بشرعية القرابة ~~للنبي ودينه معا، بالانتساب إلى الدين رغم أنه حق مشاع لا يصح إليه انتساب دون انتساب، ~~لقد تم تأميم الإسلام وتشخيصه في شخص محمد، ومن القرابة لمحمد تم وراثة الدين والدنيا ~~معا في منظومة واحدة يعرفها العلم الحديث باسم منظومة الاستبداد الشرقي. # والنظرة الأكثر فحصا وتدقيقا لا بد أن تصل إلى أن قمة السقيفة لم تغير خط سير ~~التاريخ، إنما هي أعادت هذا الخط إلى مساره الطبيعي الذي سبق وصنعته ظروف البيئة وظروف ~~السياسة العالمية، عندما أصبحت مكة بقيادتها القرشية أهم محطة تجارية مالية، نتيجة ~~للحرب بين الفرس والروم، عندما لم يعد في العالم طريق آمن للتجارة سوى الطريق الصحراوي ~~القادم من اليمن في رحلة الشتاء فيما نحو الشمال حيث عالم الإمبراطوريات في رحلة الصيف. ~~وما كانت يثرب في ذلك إلا حلقة في السلسلة الكبرى التي تم استخدامها في انحرافة تاريخية ~~لضرب تجارة مكة، وقيام يثرب بغزواتها الإسلامية على الطريق التجاري وحصاره اقتصاديا ~~لإخضاع مكة للسيادة الإسلامية، وما حدث في السقيفة إذن هو عودة الاعتدال لخط سير ~~التاريخ نحو نتائجه المنطقية، فكان أن أصبحت يثرب نفسها مقرا لأول حكومة قرشية عربية ~~بالمعنى الواسع لفيدرالية قبلية موسعة في جزيرة العرب. ~~(1) ماذا أبقت السقيفة للأنصار؟ # في خطابه بالسقيفة يتوجه أبو بكر للأنصار قائلا: «نحن المهاجرون وأنتم ~~الأنصار، إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو.» ms191 # هنا تبدو حكمة أبي بكر وحنكته في توجيه الاهتمام لما يحب العربي ويهوى. نحو ~~الحروب والسبي والفيء والغنائم، مع تضمين التوجيه نحو الفتوحات طمأنة للأنصار على ~~حفظ حقوقهم في الفيء، إنها الإشارة الهامة التي تهدئ الروع وتطمئن الفؤاد، ولا ~~شيء هنا عن واجب الصحابة في نشر الدعوة الإسلامية، كل الحديث عن فيء مضمون لأصحابه ~~(الطبري، 11، 220. هيكل، حياة محمد، ص403). والعدو المقصود هنا هو غير المسلم، ~~فمجرد وجوده هو عدوان على المسلم يجب رده، وغير المسلم العدو سيكون هو محل تفعيل ~~الحلف القديم «أنصارنا على العدو»، وهو مصدر الفيء الذي سيكون منه نصيب «لشركائنا في ~~الفيء.» # ولا يفوت الصديق أن يقدم للأنصار التقدير والثناء فيقول لهم: «وأنتم معشر ~~الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله ~~أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم الهجرة، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد ~~المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون ~~بمشورة، ولا تقضى دونكم الأمور.» # في عالم العرب كانت اللغة قادرة فعالة، قوم فخرهم اللغة، فخرهم أنهم يتكلمون، ~~ولقبوا غيرهم بالعجم ولقبوا الحيوانات بالعجماوات أي التي لا تفصح فصاحة ~~العرب، وهذه الفصاحة قامت بتحويل تضحيات الأنصار العظمى وإيوائهم النبي والمهاجرين ~~ومحاربة العرب من أجله إلى منة من الله لينصر بهم دينه، فليس لهم أي فضل على ~~الدعوة؛ لأن الحقيقة أن الفضل هو على الأنصار وليس لهم، ويكفيهم أنهم كانوا ~~المختارين إلهيا للقيام بهذه المهمة وحدها؛ لذلك من الله عليهم بهذا الفضل ~~فشرفهم بذلك وكرمهم، ورغم هذا التكريم الإلهي فلا يزالون أمام القانون القبلي في ~~الدرجة الدنيا فهم بعد المهاجرين؛ لذلك فالعدل يفرض الأمراء «الآمرين» من قريش، ~~والوزراء من الأنصار. # والقارئ المدقق لتفاصيل قمة السقيفة سيرى أول الملحوظات البارزة وهي العادة ~~العربية الجاهلية في التفاخر بالنسب وعدد أفراد القبيلة وقوتها ومنعتها ودرجة ~~القرابة من الرسول، والتعامل مع الأمر باعتباره ميراثا، دون أي إشارة تفيد ~~بمعرفتهم لمبادئ الحقوق والواجبات، سواء أكانت تلك المتعلقة بالحاكم أم بالرعية، ~~وعدم المعرفة ms192 هو التفسير الوحيد لعدم تعرض أي من الطرفين لها في المنافسة التي دارت ~~بالسقيفة وسجلتها لنا كتب السير الإسلامية بكل دقة. أما الملحوظة النافرة الناتئة ~~فتكاد تعمي البصر، هي أن أحد الفريقين لم يتعرض لما سيحرص عليه من أجل نشر الإسلام ~~وتثبيته كهدف رئيسي. لقد تركوا جثمان نبيهم لأهله الهاشميين يغسلونه ويكفنونه ~~ويلحدونه، وراحوا إلى السقيفة يتصارعون على الإمارة، ولم يحضر الدين إلا لدعم كل ~~طرف على الآخر، أما هو في ذاته فلم يكن هدفا واضحا في هذا الاجتماع التاريخي ~~الفاصل. # لذلك لم يقبل الأنصار أن يكونوا الوزراء وقريش الأمراء، فتقدموا باقتراح آخر هو: ~~«منا أمير ومنكم أمير.» فكان رد عمر بن الخطاب الحاسم الحازم: «هيهات، لا يجتمع ~~اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ~~تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى ~~من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن ~~أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متدانف لإثم ومتورط في هلكة.» # يقدم عمر هنا القانون العربي، سيرفض العرب أن يحكمهم أحد من خارج القرابة ~~النبوية، وهو القانون الذي يرى أن محمدا كان صاحب سلطان وإمارة، وأن هذا السلطان ~~وتلك الإمارة هما ميراث لأهله وعشيرته دون غيرهم. # الطريف أن الهاشميين الذين قاطعوا السقيفة والبيعة، قال زعيمهم علي بن أبي طالب ~~فاضحا الموقف كله: «لقد احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.» أي أن المهاجرين ~~الأمويين احتجوا للإمارة بكونهم شجرة النبي، بينما الحجة مردودة عليهم؛ لأنه وفق ~~هذا المنطق كان الأحق بالإمارة هو علي بن أبي طالب فهو الثمرة على تلك الشجرة. أما ~~الأنصار فلا نالوا إمارة ولا حتى وزارة كما وعد أبو بكر. # إن قول الأنصار: «منا أمير ومنكم أمير» يعني معرفة العرب الإمارة بمعنى الرئاسة، ~~لكن أبا بكر تخير لنفسه لقب «خليفة رسول الله» ورفض لقب الإمارة؛ لأنه أراد أن ~~يطمئن الأنصار لعدم رغبة المهاجرين في التآمر عليهم، وأن الأوضاع كما ms193 كانت عليه لم ~~تتغير بوفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأن القائم مقامه هو خليفته، وإذا كان الأنصار قد ~~ناصروا النبي # صلى الله عليه وسلم # وآووه وأيدوه حتى أظهر الله أمره ونشر دينه بين العرب، ~~فعليهم الاستمرار على العهد نفسه مع خليفته إخلاصا للنبي ولدينه، وأن يؤدوا لخليفة ~~النبي ما كانوا يؤدونه للنبي، هذا ناهيك عن اكتساب الخليفة قدسية النبي والدين ~~بخلافة النبي في الدنيا والدين. # من جانب آخر كان اختيار لقب خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إعلانا عن مسئولية هذا ~~الخليفة عن كل المسلمين وليس المهاجرين وحدهم، وهي طمأنة إضافية للأنصار، فوأد ~~الفتنة ومنع قيام صراع بين المهاجرين والأنصار على إمارة مرفوضة، وليتمكن بسيوف ~~الأنصار من استعادة المناطق الانفصالية والمرتدة. ثم إن لقب الخليفة أغنى من لقب ~~الإمارة؛ فالإمارة سلطة زمنية أو عسكرية، أما الخلافة عن النبي فهي لقب يجمع إلى ~~جانب الزعامة الدنيوية الزعامة الروحية أيضا. # وعندما تولى عمر رضي الله عنه وأحب اختيار لقب، فقالوا ليكن خليفة رسول الله، ~~فقال والله إنه لشأن طويل، واختار لقب «أمير المؤمنين» بدلا من «أمير العرب» أو ~~«أمير الحجاز»، وهو اختيار في وقته موفق إلى حد عظيم؛ فهو ما يعني أنه ليس أميرا ~~لفريق دون فريق؛ فهو أمير كل المؤمنين، والمقصود بالمؤمنين هنا هم أهل الجيل الأول ~~من الدعوة مهاجرين وأنصارا وقوادا وعسكريين وهم من قام الدين الجديد على سواعدهم، ~~فكان لقب أمير المؤمنين طمأنة أنهم تحت الرعاية القصوى، وأنهم الأولى برعاية ~~الأمير، هو أميرهم وهم المؤمنون. أمير المؤمنين يعني أنه لا يحكم على إمارة ولا على ~~مملكة ولا على إمبراطورية ولا على دولة، إنما إمارته هي للمؤمنين وحدهم بعوائدها ~~الجزيلة الآتية من غير المؤمنين، واتسعت رقعة البلاد المفتوحة وكان معظم سكانها من ~~غير المؤمنين، وكان المؤمنون هم الأقلية الحاكمة؛ لذلك جاء لقب أمير المؤمنين ~~كإعطاء عهد أمان للعرب النازحين من الجزيرة إلى البلدان المفتوحة، فأميرهم الحاكم ~~الأعلى للإمبراطورية مسئول عن رعايتهم وعن مصالحهم دون غيرهم أينما كانوا، فهم ms194 ~~وحدهم رعية أمير المؤمنين، وهو ما يفسر موقف الخليفة عمر عندما طلب الغوث زمن ~~الرمادة من والي مصر عمرو بن العاص، فعرض عليه إعادة حفر قناة سيزوستريس لإيصال ~~المعونة، لكن ذلك سيعني خراب مصر عدة سنوات، فقال عمر قولته المشهورة: اعمل فيها ~~وعجل، أخرب الله مصر في عمران مدينة رسول الله، لم يكن المصريون من رعية عمر ~~وخراب مصر في عمار مدينة رسول الله هو قيمة عليا عمرية وقربة إلى الله. # الفصل السادس # | إنهم يغشون القيم # إذا كان ممكنا كسر قيمة «الوفاء بالعهد» لأهداف سياسية ودنيوية؛ فهو أمر معتاد في ~~الشأن السياسي والعسكري، تفعله الدنيا كلها كلما تعارضت المصالح مع العهود بتطور ~~الأحداث بعد العهد. لكن أن يكون هذا الكسر من الدين، ويتم في سبيل الله؛ فإنه يصبح ~~بالإمكان كسر كل القيم في سبيل الله، ومع تعدد الفرق الإسلامية والمذاهب، تتعدد الطرق ~~لهذا السبيل، حتى يكاد يكون تفسير شخص واحد تفسيرا للدين كله، ويمكنه تفعيل هذا ~~التكسير للقيم من أجل مصالحه الذاتية الشخصية، بحسبانه مسلما الحق كله في جانبه؛ ~~وبتفعيل ذلك وتوزيعه على مساحة الكاسرين لقيمة الوفاء بالعهد في سبيل الله، لن تجد على ~~أرض الواقع شيئا بالمرة اسمه الوفاء بالعهد. وعليك دوما أن تتربص بالجميع حولك مهما ~~كتبت من عهود؛ فالكل جاهز لنقض عهده في سبيل الله. لهذا أصبح حال الأخلاق في بلادنا ما ~~نراه من انهيار قيمي حاد ومخيف، رغم انتشار الحجاب والنقاب واللحية والزبيبة في كل شارع ~~وحارة، والقرآن يغمرنا والحديث يسمرنا، والشريعة بالمادة الدستورية الثانية تظللنا، ~~والبسملة قبل كل كسر لقيمة باب مشروع في سبيل الله تتبعها الحوقلة. وإعمالا لذلك، ~~وضع فقهنا الأصول لعدم احترام العهود في بنود هي كالآتي: # لا تزيد مدة المصالحة على أربعة أشهر، وإذا زادت لضرورات فلا تجوز ~~الزيادة على عشر سنوات، فلا بد أن تكون المصالحة معلومة محددة لأن تركها من ~~غير تقدير يفضي إلى ترك فريضة الجهاد. # تكون المهادنة والمصالحة لضعف طرأ على المسلمين؛ لذلك تحدد مدتها إلى أن ~~يزول ms195 سبب الضعف. # إذا كان المسلمون في حال الضعف رخص لهم في الموالاة إذا خافوهم، ~~والمراد بتلك الموالاة المعاشرة الظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء ~~وانتظار زوال المانع. # الدعوة إلى السلم بمعنى ترك الحرب نهائيا كفر بالله مخرج عن الملة ~~لأن الأصل في العلاقة بين المسلمين والكافرين هو القتال، وأن الاستثناء فيه ~~هو السلم في هدنة أو صلح مؤقت، ولا يتم اللجوء إلى هذا الاستثناء إلا ~~لضرورة عجز أو ضعف أو نحوه. ~~(مالك، 1، 289. الطبري وابن كثير والقرطبي في ~~تفسير آية 35 من سورة محمد، وآية 5 من سورة التوبة، ~~وآية 28 من سورة آل عمران) # تعالوا نترك الفقه القديم إلى الفقه المعاصر، نستمع إلى الرجال الهامات والعلامات ~~ذوي القامات الأبرز في الهيئات الإسلامية المعاصرة، الذين لا شك يمثلون القيم كأفضل ما ~~تكون النماذج. منهم مثلا الدكتور أحمد الريسوني، الخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي، ~~الذي يرى أننا لسنا بحاجة إلى الديمقراطية، و«أن معظم الدول الإسلامية قد أصبحت لها ~~مؤسسات شورية، إضافة للمجامع الفقهية الدولية»، هذا بينما يرى «الديمقراطية نظاما أو ~~تنظيما إداريا لا يمكن أن نحل به مشاكلنا، الديمقراطية فيها عيوب معروفة، لقد جردت ~~من الأخلاق، ونحن إذا مارسنا الديمقراطية فيجب أن نصحح الديمقراطية، فتكون ديمقراطية ~~الأخلاق، ديمقراطية الصدق لا ديمقراطية الكذب، ديمقراطية الإخلاص لا ديمقراطية الغش، ~~ديمقراطية الوضوح والصراحة، لا ديمقراطية التلاعب والتناور» (برنامج الشريعة والحياة، ~~الجزيرة، حلقة رأي الأكثرية في الشريعة الإسلامية). وهو الكلام المؤدي في النهاية إلى ~~تحريض المسلمين ضد الديمقراطية لأنها تتنافى وقيمنا وأخلاقنا! # وقيمنا (قيمنا وحدنا فيما يبدو) هي مثل الصدق والإخلاص والوضوح والصراحة ... إلخ من ~~جماليات أخلاقية راقية، نتحدث عنها لكنها غير موجودة بالفعل في أرضنا، حتى إن ناصحنا ~~الأمين الدكتور الريسوني قد مارس في عبارته القصيرة تلك كل ما هو كذب وعدم وفاء مع ~~انعدام تام للصراحة والوضوح، فما بالك برجل الشارع المسلم الاعتيادي إذا كان هذا شيخه ~~الفقيه الخبير؟! # نعم لقيم المصارحة والمكاشفة والمصالحة، لكن مشايخنا لا يعنون ما يقولون. لإعادة ~~قراءة تاريخنا قراءة علمية ms196 منصفة لا تغالي ولا تفرط ولا تبالغ ولا تبخس، تقرؤه كما كان، ~~على أن نقرأه بعقلين؛ عقل زمانه لنحترم توافقه مع زمانه، وعقل زماننا الذي لا تصلح معه ~~ظروف مكان وزمان سحيقين في القدم والبدائية. نعم لدرس تاريخ الإسلام، ليس بقصد اجترار ~~وإعادة مضغ أو فخر برجال ليسوا منا بل كانوا لبلادنا فاتحين ولعرضنا منتهكين ولأموالنا ~~ناهبين ولأوطاننا محتلين، بل لنحدد موقفنا من أنفسنا، ومن الدنيا عبر هذا التاريخ، ~~لنعيد تأسيس حاضرنا على أعمدة راسخة تحددت فيها المفاهيم ووضحت المصطلحات من أجل فلسفة ~~قيم تليق بزماننا الذي يحتاج إلى فعلنا ووجودنا فيه، بأدواته وأساليبه المحدثة، ليكون ~~لنا مكان في الزمن الآتي، بعد أن أصبحنا - شئنا أم أبينا - في معظمنا شعبا مسلما ~~يتحدث العربية. # إن الوهابية السعودية عندما أعادت فتح البلدان من حولها وبخاصة مصر، جاءتنا بدين جديد ~~لا يعرف المذاهب المتعددة والآراء المختلفة رحمة بالمسلمين، دين هو وحده المؤمن بالله ~~دون بقية المسلمين، وهو وحده الخلف الصالح للسلف الصالح، هو إنسان وديع مسالم، هو خلف ~~السلف الذي فتح بلادنا ليخرجنا من الظلمات إلى النور، ولا تعلم هنا هل كان من ضرورات ~~هذا الانتقال نحو النور، ومن لوازمه، هتك أعراضنا ونكاح نسائنا وذل رجالنا واسترقاق ~~أطفالنا ونهب أموالنا، مع القتل في شكله المفرط، ثم الاستيطان في البلاد الموطوءة ~~بالفتح؟ # المسألة هنا تتعلق بالقيم، والقيم تتفاوت بتفاوت ~~المجتمعات على سلم القيم؛ لأن هتك عرض المهزوم وإذلاله كان من فضائل القيم البدوية ومن ~~مكارمها، لإرهاب من يليهم من بلدان سلفا، اضرب المربوط يخاف السايب، استباحة دير ياسين ~~أدت إلى هروب الفلسطينيين من بلادهم أمام اليهود، ومذبحة قريظة في الحجاز أدت إلى رعب ~~القبائل الأخرى ووفودها للمدينة تعلن الولاء، السؤال مرة أخرى، هل كان ضروريا لنشر ~~دين الله أن تسبى جداتنا لتوزع حتى وصلت سبايانا لذة لأهل اليمن، بينما كانت جيوش ~~المسلمين لا تزال عند بلهيب بالدلتا. هل كان من لزوم نشر الدين أن تخطفوا حريم بيت جدي ~~لتنكحوهم في أرضكم المقدسة؟ لقد كان ms197 الفتح والنهب والنكح والإفراط في القتل عوامل تمكين ~~حقيقية للقوة الطالعة، ولم يكن الدين هو هدف هذا الفتح ولا مبتغاه. # هؤلاء القوم وأسلافهم هم سدنة البيت الأموي السني حتى اليوم، وكما فتحوا بلادنا ~~ونهبوها وأخرجوها من دائرة الفعل الحضاري، هم وسلفهم من كانوا الحجر الكئود في حياة ~~نبيهم # صلى الله عليه وسلم ~~، وبعد موته ظلت النقمة على بيت النبي الهاشمي، ظل بنو أمية يرددون شعر ~~ابن الزبعرى بلسان يزيد بن معاوية: # لعبت هاشم بالنبوة فلا # ملك جاء ولا وحي نزل # وعن هذا اليقين قضوا على آل بيت النبوة دون أي شعور بالإثم بل أبادوهم من الوجود حتى ~~الصغار الرضع من البذرة الطاهرة تم ذبحهم، وسبوا نساء هذا البيت الطاهر وصادروا أموالهم ~~ومثلوا بجثامينهم، وهتكوا عرض بنات الصحابة ونسائهم عندما استباحوا مدينة رسول الله، ~~ودمروا الكعبة وحرقوها رميا بالمنجنيق، وتخلصوا من مخطوطات القرآن العديدة التي حرص ~~على تدوينها صحابة أجلاء كعبد الله بن أبي وكعبد الله بن مسعود والإمام علي ... إلخ، ~~فأحرقوا صحائف القرآن ليدونوا المصحف العثماني تحت إشرافهم وحدهم، وعندما اعترض كبار ~~الصحابة على ما يفعلون بكتاب الله العزيز نكل بهم أشد التنكيل، منهم من أمر الخليفة ~~بضرب أضلاعه بالأرض حتى تهشمت، ومنهم من ضربه الخليفة بنفسه «بالشلوت» فأصابه الفتق، ~~والروايات كثيرة، وكلها مخجل محزن مؤسف . # هؤلاء القوم باعوا الدين مبكرين للسلطان ولا تعلم كيف يصدقهم المسلمون اليوم ~~ويتبعونهم، في خيانة كارثية للإسلام ونبيه رغم أن الجميع يعلم بما حدث، وأن الخلف ~~المشيخي السلطاني، أو الإمامي الخليفي، يحدثنا اليوم بلسان ذلك السلف العربي الذي ركب ~~الإسلام، في تواطؤ فضائحي يشير إلى خلل عميق في معايير القيم لدينا. المصيبة أن هؤلاء ~~في نظر العوام من يمثلون الإسلام، بينما يصبح قدحنا فيهم كفرا بالإسلام. أترون إلى أين ~~وصلوا بنا؟ حتى قبلنا الخديعة في ديننا وتواطأنا معهم ومعها، في فعل فضائحي علني، وعقد ~~نكاح باطل غير شرعي بين المسلمين ومشايخهم، لم يقم على الكتاب والسنة، بل على خيانة ~~الكتاب والسنة علنا جهارا نهارا ms198 بيانا، ليس فيه من الشريعة سوى الإشهار ~~الفاضح. # يقول الرجل الصادق الدكتور الريسوني إن الشورى مثل الديمقراطية في مسألة ترجيح رأي ~~الأغلبية على رأي الأقلية؛ لأنها «مسألة فطرية ... والإسلام فطري يقبل الأمور الفطرية ~~ويبني عليها ويؤسس شريعته». وذلك لأن «الديمقراطية جزء من الشورى ... هي أداة ووسيلة ~~تنظيمية، أما الشورى فعقيدة وخلق وسلوك وثقافة» (الحلقة نفسها). # إن محاولات تلبيس الإسلام بمفاهيم ومصطلحات بنت زماننا، كثيرا ما تضر بالدنيا ~~وبالدين، ناهيك عن تشكيكنا في الأغراض الحقيقية لفقهاء زماننا إذ يكذبون علينا هكذا ~~بشديد الخفة والبساطة دون أن يرف لهم جفن. # السيد الدكتور يعلم أن الإسلام على المستوى السياسي لا يعرف شيئا اسمه أقلية أو ~~أكثرية، أنت مسلم أو غير مسلم، وليس هناك وسط بينهما ولا درجات، والأقلية المسلمة كانت ~~خير أمة أخرجت للناس دون الأكثرية في كل الدنيا، تاريخنا السياسي الإسلامي لا يعرف ~~أقلية وأكثرية، لا يعرف حكومة ومعارضة، بل يعرف إجماعا مطلقا فقط عادة ما يلتقي ~~بالوساطة المشيخية مع إرادة الحاكم، وعداه لا يسمى معارضة ولا أقلية، إنما ردة بالخروج ~~على الإجماع يكفر بها صاحبها ويستحق القتل ذبحا. # الإسلام لا يعرف منافسة سياسية على السلطة بين الأكثرية والأقلية؛ لأن الحديث المنسوب ~~إلى النبي يقول: «من خرج يدعو لنفسه أو لغيره وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله ~~فاقتلوه .» و«إذا بويع لخليفتين فاقتلوا أحدهما.» الحل البدوي هو القتل فهو لا يترك ~~المهزوم معارضا، الصراع صفري دوما: إما أنا وإما أنت! ولا وسط! قابيل عندما رفض الرب ~~خضرواته التي قدمها له قربانا، واستطاب اللحم قربان أخيه هابيل، لم يحاول أن يسأل نفسه ~~عن سبب رفض الرب لقربانه، ولم يحاول أن يطرح على نفسه وسائل أخرى قد يقبلها الرب، فيجرب ~~ويحاول مرة تلو أخرى حتى يحقق مراده، إنما على الفور قتل ربع الإنسانية حينذاك ممثلة في ~~أخيه هابيل، قصة بدوية صفرية الصراع، لا حل عندها للمشاكل سوى إزالة العقبات بالقتل، ~~نتعلمها في الطفولة لتصبح لنا مثلا ومنهجا عند اليفوع. كل شيء أو لا شيء، أنا ms199 أو ~~أنت! # عرب إسلامنا لم يعرفوا في جزيرتهم المتبدية شيئا اسمه انتخابات؛ فالدكتور الريسوني ~~يشرح لنا الفرق العظيم بين ديمقراطية الغرب وشورى الإسلام بقوله: «الشورى حسب أحد ~~الفقهاء المالكية هي: على الأمير أو السلطان أن يستشير قادة الجند فيما يخص الحرب ~~والقتال والسلم، وما إلى ذلك، وأن يستشير وجوه الناس في مصالح الناس، وأن يستشير الكتاب ~~في مسائل الإدارة ... إلخ» (الحلقة نفسها). # وهكذا نجد الأمير أو السلطان قد تسلطن أصلا دون أي دور لهذا الشيء المسمى شورى في ~~سلطنته، ومعلوم أن البيعة شقيقة الشورى في النظام السياسي الإسلامي، هي عقد إذعان ~~وإعلان ولاء للنظام، الذي تسلطن مسبقا وجلس يطلب من المسلمين الاعتراف بسلطانه، كذلك ~~كانت معظم الولايات في تاريخنا تقع تحت بند خلافة المتغلب؛ أي الذي غلب الناس بسيفه ~~وعسكره وشوكته. # وهكذا تصبح البيعة والشورى عملية إكساب شرعية لنظام غير شرعي وليست العكس، ولا علاقة ~~لها برأي أغلبية ولا أقلية، ولا تعرف شيئا اسمه الترشيح أو المنافسة أو الانتخاب أو ~~حتى الاختراع العروبي الثوري المسمى استفتاء. # وبعد أن يتسلطن المتغلب ويأخذ الشرعية يسوق الناس لبيعته بالزواجير، وهو ما حدث في ~~أخذ بيعة الإمام علي والهاشميين لأبي بكر قهرا، «من قهر الناس بجنده وتغلب عليهم ~~بشوكته، لا يبيت المسلم مسلما وهو لا يراه أميرا له.» هذا حديث آخر منسوب إلى النبي ~~ما أنزل الله به من سلطان لشرعنة اللاشرعية، ولكن بحجة وأد الفتنة فقط. # وبعدما يتسلطن المتغلب ويحشر الناس لبيعته، ويأخذ الشرعية بالرضا الكهنوتي، قد يستشير ~~أهل العلم في الدين، وقادة الجند في القتال، وقد يستشير الكتاب في الإدارة. الدكتور ~~الريسوني لكثرة ما طال به العهد وسط كتب التراث تحول هو نفسه إلى تراث معلب، ما زال ~~أسلوب الحكم عنده هو سلطة واحدة وخليفة واحدا يدير كل شئون الإمبراطورية، لكنه خليفة ~~ديمقراطي يشاور وجهاء سلطنته في كل شأن. # ويبقى السؤال يحيرنا حول معنى لقب دكتور ولقب مستشار ولقب فقيه وكلها صفات السيد ~~الريسوني. ووجه الحيرة قوله مع كل هذه الألقاب السنية ms200 إن الأخذ برأي الأغلبية مسألة ~~فطرية وإن الإسلام مع هذا المبدأ لأنه دين الفطرة. بينما ما حدث في تاريخنا أن المستبد ~~الحاكم ممثل الأغلبية بحكم شرعيته الدينية، ما كان يسمح أصلا بظهور أقلية أو معارضة، ~~وحتى عندما كانت تثبت تلك المعارضة وجودها، فذلك لأنها صارت في موطنها أكثرية كالمذهب ~~الشيعي في إيران والعراق مثلا. أو ليشير لنا الدكتور في تاريخنا عن هذه المعاني، هو ~~يعتمد الشورى فقط، وهو شأن يعني طلب النصيحة ولا علاقة له بالديمقراطية كمنظومة سياسية ~~حقوقية، هو شيء أقرب إلى المهلبية منه إلى الديمقراطية. # ولا يجد الفقيه الريسوني حرجا عندما يأخذ برأي الأغلبية ليؤسس عليها شرعيته؟! أي ~~حديث هذا؟ وأي عبث ذاك؟ إذا كان القانون الذي سيحكمنا هو الشريعة، والشريعة التي هي من ~~عند الله، ولم يستشرنا ربنا عندما وضعها لنا ولا أخذ رأي أحد فيها ولا حتى أنبيائه، فما ~~المعول على الأغلبية هنا؟ ماذا سيكون دورها، وكيف سيكون هذا الدور مع شريعة هي أوامر ~~ونواه لا مجال فيها لرأي ولا استفتاء ولا أقلية ولا أكثرية، فلا اجتهاد مع نص ولا ~~إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة؛ ومن ثم لن يبقى من الديمقراطية شيء، إنما تبقى الشورى ~~التي تلائم ظروفنا وديننا، سيستشيروننا إن شاء الله في الشئون التي تخرج عن دائرة ~~الدين، فإذا كانوا قبل أن يحكموا جعلوا كل شيء داخل دائرة الدين، فما هو شأنهم يوم ~~يركبون الكراسي الكبيرة؟ # والمعلوم أن الإسلام قد بدأ مع مسلمين أقلية فانحاز للأقلية مبكرا، ودعمها وخصها ~~بالخير وذم الأكثرية ودمغها بالشر؛ # وإن تطع أكثر من ~~في الأرض يضلوك ~~(الأنعام: 116)، # ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ~~(الأنفال: 19)، # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث ~~(المائدة: 100)، # ويوم ~~حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ~~(التوبة: 25)، # منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ~~ساء ما يعملون ~~(المائدة: 66)، # وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ~~(الإسراء: ~~70)، # وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير ~~من عباده المؤمنين ~~(النمل: 15)، # فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ~~(الحديد: 26)، # ثم ms201 إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض ~~لمسرفون ~~(المائدة: 32)، # وترى كثيرا ~~منهم يسارعون في الإثم والعدوان ~~(المائدة: 62)، # وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير ~~علم ~~(الأنعام: 119)، # ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~(الأعراف: 179)، # إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ~~(التوبة: 34)، # وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ~~(يونس: 92)، # وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون ~~(الروم: 8)، # كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~(البقرة: 249)، # إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون ~~(البقرة: 243)، # ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون ~~(الرعد: 1)، # فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا ~~(الإسراء: 89)، # ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(الروم: 30)، # وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ~~وأن أكثركم فاسقون ~~(المائدة: 59)، # نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ~~(البقرة: ~~100)، # منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون ~~(آل عمران: 110) ... # ورغم تحول المسلمين إلى أكثرية فيما بعد؛ فإنها ما زالت تقوم بدور الأقلية المطهرة ~~كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وهي التي اختارها الله خير الأمم، ومهمتهم تحويل هذه ~~الكثرة المخالفة إلى الإسلام؛ فالأقلية هي الطيبة المتسامحة التي يقع عليها الاضطهاد ~~وعبء الدعوة والجهاد؛ لأنها الصواب المسلم. والحقيقة أنها ليست أكثرية ولا أقلية بما ~~نفهمه منها الآن، ولا علاقة لها بمعنى الأقلية والأكثرية السياسية، هي شأن ديني طائفي ~~خالص، وعندما كان الشأن واضحا كشأن سياسي تماما زمن الرعيل الأول، لم يحدث أن تم ~~تفعيل مبدأ الأكثرية، فقد اختار أبو بكر الحرب على أهل الردة رغم معارضة أكثرية الصحابة ~~وعلى رأسهم عمر، واختار عمر عدم الخروج على رأس الجيوش وأناب عنه قواد الفتوح، رغم ~~استشارته لعشرة من الصحابة فقال تسعة منهم بوجوب خروجه على رأس جيوش المسلمين، وواحد ~~فقط (عبد الرحمن بن عوف) قال ببقائه في المدينة، فأخذ برأي الواحد، والأمثلة أكثر من ~~الحصر. # هناك لون آخر من الكذب لا يلجأ إلى تلبيس المفاهيم، إنما هو يكذب بشكل «قارح» على ~~نفسه وعلى تراثه وعلى المسلمين المفترض أنهم يأمنونه على دينهم وأخلاقهم. # الدكتور فيصل مولوي الأمين العام ms202 للجماعة الإسلامية الدولية، مشغول مثل كل زملائه ~~فقهاء أو دعاة أو جماعات بإقامة دولة إسلامية معاصرة؛ فهو يؤمن بالمعارضة كحل لتخلفنا ~~وضعفنا، لكنه لا يريد أسباب القوة المعاصرة، من عصرنا، يريدها من تراثنا، من عصر مضى ~~عليه أكثر من أربعة عشر قرنا؛ لذلك يفرض على هذا التراث مفاهيم لم يعرفها العالم إلا ~~قبل قرنين أو ثلاثة من الزمان، لا لشيء، إلا لحشر الإسلام في كل شيء. # يواجه مولوي هنا معضلة وجود مواطنين غير مسلمين في الدول المسماة إسلامية، وأن ~~الإسلام يفرض عليهم الجزية، وأن الجزية انتقاص من المواطنة؛ فالمواطن يدفع ضريبة الجزية ~~بسبب اختياره دينا غير ما ارتضته الدولة لنفسها. وبسبيل إثبات حداثة الفكر الإسلامي ~~السياسي، يتنكر مولوي عن قصد لمعلوم من الدين بالضرورة فيقول: «ليس هناك مبرر لأن تفرض ~~الجزية على هؤلاء؛ لأن الجزية تفرض بعد حرب ولا تفرض بعد اتفاق، ومع ذلك حتى بعد الحرب، ~~ربما يحصل صلح بين المسلمين وغير المسلمين ولا تكون فيه جزية، وقد حصل هذا أيام عمر بن ~~الخطاب «رضي الله عنه» عندما أراد المسلمون أن يفتحوا بلاد النوبة ولم ينجحوا فيها، ~~فصالحوا أهلها بغير جزية» (المواطنة في الفقه السياسي الإسلامي، الشريعة والحياة، ~~الجزيرة). # الدكتور مولوي يقوم بدور المحلل بين المطلقين ثلاثا في بينونة كبرى، فينكر المعلوم ~~طوال تاريخ الإمبراطورية الإسلامية والمعلوم من الشرع والدين بالضرورة؛ لأن الجزية ~~مقصود منها الإذلال والصغار «وهم صاغرون»، وهي بمفاهيم اليوم الحقوقية تعد انتقاصا ~~من حقوق المواطنة بسبب دين دون دين. # لو مد مولوي الحبل على استقامته وأنكر واستنكر الجزية التاريخية والشرعية، بحسبانها ~~ما كانت تليق حتى بزمانها حتى نقبلها في زماننا، حسب المقاييس الأخلاقية، بل تتناقض مع ~~القيم الدينية الدعوية، فإذا كان المقصود من الجهاد والفتوحات نشر الإسلام، فلماذا قبل ~~المسلمون أخذ الجزية بغض النظر عن دين دافعها، بغض النظر عن دينه حتى لو عبد بقرة، فهل ~~كانت الدعوة في سبيل الله أم في سبيل جمع الأموال؟ # وقد أرسل النبي فيما نؤمن داعيا لا جابيا، وكان بإمكان ms203 الريسوني وضع الحدث في زمنه ~~وتاريخه للخروج بأسبابه الموضوعية، والاعتراف المتواضع أنها كانت أسباب محلية لا علاقة ~~لها بظرفنا اليوم. # لو فعل ذلك لقدرنا وفهمنا وبصمنا بالعشرة، لكنها المنطقة الملغومة التي لا يريدون لا ~~الخوض فيها، ولا ترك غيرهم يفكك ألغامها، ويسمحون لأنفسهم بإنكار معلوم من الدين ~~بالضرورة، ويرمون من يخاطرون بتفكيك تلك الألغام بالضلال والزندقة والكفران؛ لذلك ~~يلجئون إلى المداورة والتضليل والتجميل في كذب مفضوح لا يليق بالدعاة الكبار. # ينكر مولوي المعلوم بالضرورة ليس بسند من حديث ولا لآيات ولا فقه ولا لحالة متكررة في ~~التاريخ، إنما يذهب يبحث وينقب في تاريخ الغزو العربي لدول الحضارات التي شاء حظها ~~العاثر أن تجاور جزيرة العرب، فلا يجد سوى حالة يتيمة لم يتمكن فيها العرب الغزاة من ~~احتلال النوبة المصرية، وأصاب الإجهاد الشديد الطرفين، وسجل النوبيون بذلك بطولة غير ~~مسبوقة لأنهم كانوا يحسنون الرمي الدقيق بما يصيب مباشرة عيون الأعداء؛ لذلك سماهم ~~العرب «رماة الحدق». وانتهى الموقف بشبه انتصار للعرب فرضوا بموجبه على أهل النوبة أن ~~يرسلوا للعرب عددا منهم سنويا، ليستعبدوا للعرب بعد أن كانوا أحرارا في ~~بلادهم. # هذه هي الحكاية، ويعلمها مولوي جيدا وإلا ما رصدها وسط تاريخنا الهائل كما وكيفا ~~ليجعل منها تكئة لتبرير محاولته كمحلل للطلاق البائن بالجزية بين المسلمين وغير ~~المسلمين ، وهي لا شك محاولة مشكورة، لكنها تلفيقية لا تحسم الأمر بقدر ما تتحايل عليه. ~~إضافة إلى اعتمادها الكذب، فما أحوجنا لفضيلة الصدق إذن! # وهو إذ ينكر ضرورة الجزية القرآنية لم يتمكن من اقتحام العقبة الكئود العمرية (عهد ~~الذمة أو عهد الذلة)، فإذ به يقول: «المشكلة في مصطلح أهل الذمة عند كثير من الناس، هي ~~مشكلة الجزية، وليست مشكلة أهل الذمة؛ لأن الذمة هي عقد، والعقد يتم بالتراضي بين ~~المسلمين وبين إنسان غير مسلم يريد أن يعيش معهم، أو هو أصلا يعيش معهم، هم أسلموا وهو ~~بقي على دينه، وحصل أن من أسلموا صاروا أكثرية، وأرادوا أن يحتكموا إلى شريعة الله، ~~فهذا عقد الذمة يتم بالتراضي ms204 على كل بنوده، لكن ما حصل أن عقد الذمة عندنا يكون بعد حرب ~~والحرب عادة يبدؤها غير المسلمين والمسلمون فيها مدافعون عندما خاضوا هذه الحروب، ~~وانتصروا وقضوا على هؤلاء بدفع الجزية علامة خضوعهم لهذا المجتمع الجديد ليس أكثر، لذلك ~~فالأهم في عهد الذمة هو خضوع هذا المواطن للأحكام التشريعية الدنيوية العامة للدولة، ~~فإذا أخذت هذه الأحكام من الشريعة الإسلامية أو غيرها، فعليه أن يخضع لها، لأن هذا هو ~~معنى المواطنة. المسلم الآن في أوروبا يخضع للقوانين العامة، كذلك على المسيحي في بلاد ~~المسلمين أن يخضع للقوانين العامة.» # وهكذا غرق الرجل في مستنقع الكذب بكله وكليله حتى أنفه، وهو عالم بما يفعل، فأي جلل ~~أصابنا في مشايخنا وقاماتنا الطوال؟! # مولوي الأمين العام لمسلمي المشرقين ومسلمي المغربين، يرى أن غير المسلمين في الدولة ~~الإسلامية المرتقبة لن يدفعوا الجزية، في مجاملة وتنازل لطيف لا يملكه لأنه منكر لمعلوم ~~ضروري من الإسلام، لن يقره زملاؤه عليه عندما يجد الجد وينتفي الهزل، وفي مقابل هذا ~~التنازل الباهت غير صادق النيات، على غير المسلمين أن يقبلوا عهد الذمة، ويعرفه بأنه ~~عقد يتم بالتراضي بين المسلمين وغير المسلمين في بلد واحد. ليس هذا فقط، بل عليهم قبول ~~تطبيق الشريعة الإسلامية وخضوعهم لها لأن الشريعة في الدولة المرتقبة ستكون قوانين عامة ~~للدولة، وأنه كما يخضع المسلم القاطن ببلاد الغرب لقوانينهم العامة، كذلك على المسيحي ~~في بلادنا أن يخضع لقوانينا العامة كما لو كان هؤلاء مغتربين عندنا كما بعضنا مغترب في ~~بلاد الغرب. وبعد أن يخدعنا بكذبه أن عقد الذمة يتم بالتراضي، يعود ليعترف أن التاريخ ~~الإسلامي كله لم يعرف أي عهود للذمة كتبت سلما إنما كانت دوما إثر حروب ضروس، وبالطبع ~~وفق شروط المنتصر، وذلك المنتصر كان الفاتح الإسلامي، وتلك الشروط مجرد تكرارها هنا ~~مخز ومحزن ومخجل، أمثلة سريعة لبعض بنود عقد الذمة العمري مع مسيحيي فلسطين: «أن يكون ~~لهم زي خاص حتى لا يتشبهوا بالمسلمين وحتى يعرفهم المسلمون من زيهم، مع شد زنار على ~~أوساطهم، وألا يعلوا ms205 ببنيانهم أعلى من المسلمين، ولا يسمعونا صوت نواقيسهم، ولا تلاوة ~~كتبهم ولا قولهم في المسيح، ولا يجاهروا بالخمر والصلبان والخنازير، وأن يدفنوا موتاهم ~~بعيدا عن مقابر المسلمين ولا يرفعوا أصواتهم على موتاهم، ويمنعوا من ركوب الخيل لأنه ~~مركب كريم شريف، ويسمح لهم بركوب الحمير دون برذعة إنما على الأكف (الليف الخشن) ويكون ~~الركوب من جانب واحد، فإن صادف مسلما ماشيا عليه النزول عن حماره واللجوء إلى أضيق ~~الطريق ليفسحه للمسلم ... إلخ ... إلخ.» # ومع التعامي التام والتغافل المقصود عن تلك البنود يستمر مولوي يقول: «إنه من أجل ~~المحافظة على كرامة هؤلاء سموا أهل ذمة، كلمة ذمة ليست كلمة تعني شيئا من الإذلال، أو ~~تعني شيئا من تجاوز الحقوق، بالعكس، تعني أن هذا الإنسان في ذمتي، يعني أنا مسئول أمام ~~الله أن أحافظ عليه وعلى حقوقه وعلى كرامته وعلى المساواة بينه وبين جميع الناس، ولدينا ~~الحادثة المشهورة عن الغلام القبطي الذي ضربه ابن عمرو بن العاص، عاد وهو يشعر ~~بالمساواة ولم يدخل في دين الله؛ لأن الإسلام تقوم شريعته أساسا على المساواة في ~~المواطنة.» # كان على السيد الدكتور أن يقول إن لديه عهدا جديدا للذمة؛ لأن ما يقول لا علاقة له ~~بالمرة بعهد الذمة العمري المشهور، ولا بفقه الأموال والحسبة الذي يدرسه أبناؤنا في ~~أزهرنا الميمون، كان عليه أن يقول: هذا عهد ذمة جديد نتعهد به لغير المسلمين في دولتنا ~~الإسلامية المرتقبة، وحتى لا ينصرف الذهن لأي خديعة متربصة بنا، عليه أيضا أن يعلن ~~إدانته لعهد الذمة العمري وكل العهود الشبيهة به في تاريخنا الإسلامي. # الأشد سوءا ونكاية في كل القيم، أن يكذب المحترم بفداحة ويردد كذبة تاريخية قد آن ~~أوان مراجعتها والاعتذار التاريخي العلني الدولي عنها وإدانتها. وتوقيع عقوبة على من ~~يقول بها، بالضبط كما فعلت دول أوروبا بعقوبة منكر الهولوكوست، كذبة يرددها المشايخ ~~جميعا بلا استثناء، تدين المشيخة والدين وهيبة رجل الدين. # ألا ترون الرجل الصادق المؤمن يقول: «عقد الذمة عندنا يكون بعد حرب»، وقال قبلها إنه ~~يتم بالتراضي والقبول ms206 السلمي بين الطرفين، لكنه يعلم أن أحداث التاريخ الإسلامي لا تقول ~~ذلك، فيبرر عقد الذمة القهري الذي تم إثر شن الحروب على البلاد المحيطة بالجزيرة، ~~باستطراده المفزع الصادم، «والحرب عادة كان يبدؤها غير المسلمين، والمسلمون كانوا فيها ~~مدافعين عندما خاضوا هذه الحروب، ولما انتصروا فرضوا الجزية على المهزومين علامة ~~الخضوع.» وفي رأيه يمكن استبدال هذه العلامة (الجزية) للخضوع بعلامة حداثية متحضرة، هي ~~الخضوع للقوانين العامة للدولة، التي هي عنده الشريعة الإسلامية، فيكونوا قد استجاروا ~~من الرمضاء بجهنم. # هل يشير لنا الدكتور وكل الدكاترة والدعاة ذوي الوجاهة والمناصب علماء الأمة، إلى ~~الحادثة التي اعتدت فيها مصر على الجزيرة، أو العدوان الذي ارتكبه أهل العراق أو فلسطين ~~أو الشام أو إفريقيا حتى الأطلنطي، أو كل بلاد ستان حتى الصين وكيف كانت حملاتهم ~~العسكرية على نجود الحجاز الفاضلة ومدنه المقدسة، ~~ومتى حدث هذا؟ أم أن حرب الفتوح والغزو كانت حربا استباقية قام بها العرب، لا تقوم على ~~حشد المعلومات عن العدو، إنما تقوم على قراءة نياته العدوانية؟ ولماذا كانت نيات كل تلك ~~البلاد المفتوحة قريبة وبعيدة هي مهاجمة المسلمين بالحجاز، وهو ما لم يحدث ولا مرة ~~واحدة؟ فجاء العربي واحتل البلاد وأسر العباد واستعبد الأطفال ونهب الحلال ونكح النساء، ~~كرد فعل على قراءة النيات بهجوم مفترض كانوا سيقومون به على المسلمين؟ # إن هذه الرءوس والهامات لا حل لها، ولا حل لديها، ولو كان لديهم حلول لحلوا من زمان، ~~ألف وأربعمائة سنة يحمون الدين ويجلسون على أكتافنا يبررون كل المظالم ولم يقدموا يوما ~~حلا، حتى بات العالم كله يطالبنا بالإصلاح، فهل تراهم وحالهم هذا بقادرين على إصلاح ~~أي شيء؟ # الرجل يطلب من غير المسلمين في بلادنا الخضوع للشريعة كما يخضع المسلم المهاجر في ~~الغرب للقوانين العامة هناك؛ لأن قانوننا العام هو الشريعة؟ # أترون دكتورا يعرف بسائط المنهج العلمي يقول كلاما مثل هذا؟ إن الدكتور يعرف يقينا ~~معنى القانون العام؛ فهو الذي ترتضيه كل أطياف وملل وألوان ونحل المجتمع في عقد اجتماعي ~~سلمي؛ لذلك يعبر ms207 عن المصالح المشتركة لجميع المواطنين على ألوانهم دون أي طائفة أو دين ~~لأنهم هم واضعوه وليس مقررا سماويا لدين بعينه، بينما مولوي يضع الشريعة الإسلامية ~~قانونا عاما من عندياته باحتسابه ذلك مسلمة بدهية، ودون اختيارها من كل أطياف ~~المجتمع، ودون أن تعبر عن الصالح الاجتماعي العام بقدر ما تعبر عن رؤية ومصالح طائفية ~~دينية بحتة. أترون حجم العيب وما يستشعره الدكتور من عار فيخفي السوءات بأوهام تشف ولا ~~تستر. # ولا ينسى مولوي في ملحمة الكذب أن يضيف الكذبة المشهورة عن المصري (ويسميه القبطي) ~~الذي سبق ابن عمرو بن العاص فضربه، فشكا للخليفة عمر فأمر أن يقوم ابن الأذلين بضرب ابن ~~الأكرمين قائلا قولته المشهورة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؛ لأن ~~ذلك الزمن كان زمن عبودية، ولا يضرب إلا الحيوان والعبد، فلما ضرب ابن عمرو المصري الذي ~~سبقه، استفزت الحادثة الخليفة العادل عمر، لكن ليس لأن المظلوم قبطي، بل لأنه كان ~~عربيا يمنيا، مصريا؛ أي حرا من عرب مصر، ولأنه لا يجوز أصلا السباق بين عربي ~~مسلم وقبطي لفداحة المسافة بينهما؛ لأن القبطي في الشرع الإسلامي أدنى درجة في الحقوق ~~من العبد المسلم، وغير مسموح له بركوب الخيل أصلا. # أما المساواة في المواطنة فقد قلنا وعدنا بشأنها وزدنا، فليرجع من أراد المزيد إلى ~~أعمالنا المنشورة؛ فالإسلام والعرب لا يعرفان شيئا اسمه المساواة، بل يقسمان الناس ~~منازل وأنسابا ورتبا تختلف حقوقا وواجبات، وأهم علومهم على الأنساب الذي هو علم عدم ~~المساواة، الذي يكاد يكون العلم الوحيد عند العرب. # فإذا كانت هذه أخلاق الصدق لدى الرواد المشايخ الدكاترة العلماء الهامات الطوال، فهل ~~ما نراه من تردي فضيلة الصدق في شارعنا الإسلامي هو ترديد الصدى لإسلام مشايخ الإسلام ~~السياسي الذين استباحوا كل الفضائل في سبيل الغرض السياسي، فكانوا المثل المعلم لشعوبهم ~~في انعدام الأخلاق والقيم؟ # يبدو أننا بحاجة ماسة إلى الصدق مع أنفسنا ومع تاريخنا دون شعور بدونية ولا خجل؛ لأنه ~~لا يصح قياس زمن الدعوة على زماننا؛ فهو ظلم لزمانهم في ms208 الفهم والفكر، حتى لا نضطر طوال ~~الوقت إلى الكذب والتضليل، فنعتاد الكذب حتى يصبح هو حقيقتنا بينما يعلم العالم كله ~~ويرى سوءاتنا؛ فالكذب لا يستر والوهم لا يصلح ما لا يصلح لزماننا. # وجه المصيبة هنا توافق مشايخنا على الكذب، ويبدو لنا بحكم أنهم علماء دين، أنهم على ~~علم تام بتفاصيل ما يكذبون بشأنه على المسلمين، الذين ليس في طاقتهم تحصيل المعارف ~~الدينية التي حصلها المشايخ. # إن هذا التواطؤ على الكذب يشير إلى شرعة عربية إسلامية؛ فالكذب في سبيل الله مطلوب، ~~وفي الحديث كذب إبراهيم (النبي) ثلاث كذبات كلها في الله: عندما قال إني سقيم، وعندما ~~قال فعلها كبيرهم هذا، وعندما قال لفرعون عن زوجته سارة إنها أخته. الكذب مطلوب تقية ~~ومداراة إذا كان الصدق سيضر بالمسلم أو بدينه، علماء الحديث حبذوا أحاديث يعلمون أنها ~~مختلقة مكذوبة؛ لأنها تؤدي إلى مصلحة أو تحث على فضيلة. فانظر يا مؤمن ولا تعجب من ~~الوسيلة لبلوغ الفضيلة؟! ~~(1) قيمة الحق في الخطاب الفقهي المعاصر # الحق هو أبرز الأسماء الجلالية للذات العلية؛ فهو الحق مطلقا والصدق مطلقا ~~والعدل مطلقا؛ فالحق هو أبو الفضائل؛ لذلك وصف الحق تعالى به ذاته الكاملة؛ فهو حق ~~لا يصدر عنه إلا حق ولا يحكم إلا بحق، لكن كل معاني الحق وما يترتب عليها من قيم ~~وما تلحقها من فضائل، قد غاب عن مجتمعاتنا حتى صرنا نمارس الكذب على الذات، وعلى ~~الآخرين وعلى الدنيا كلها. في العلم نكذب، في الاقتصاد نكذب، في وضع القوانين نكذب، ~~وأيضا - وهنا الكارثة - في الدين نكذب والكذب في الدين يكون كذبا عليه وكذبا على ~~المؤمنين به وكذبا على صاحب الدين جل وعلا. وليس أدل عندي من انتشار وباء الكذب ~~والانحراف عما يلازم قيمة الصدق من فضائل؛ مما نراه في شارعنا، في إعلامنا، في ~~مساجدنا، في كنائسنا، في تعليمنا، في سياستنا، في خطابنا الديني وهنا العار ~~الحقيقي، وهو مناط البحث هنا. # من الأسماء البوارز في سماء فقهنا المعاصر الفقيه المرجع الدكتور يوسف القرضاوي، ~~وهو مثل كل رفاقه لا ms209 يرى حلا خلاصيا لكبوتنا بين الأمم وتخلفنا المهين سوى ~~إقامة الدولة الإسلامية التي تطبق شرع الله في كل شأن، فتنال رضا السماء، فتتدخل ~~بقدراتها العجائبية لنصر أمتها التي أخلصت لها الدين، هذا بالطبع إن أخلصت لها ~~الدين. والدين والإيمان شيء لا يمكن قياسه أو وزنه بأي معيار، فلا تستطيع أن تقول ~~إن عندي عشرة كيلو إيمان، أو عشرين متر تقوى، فهذه شئون غير قابلة للقياس؛ لذلك يظل ~~شأن الحكم بموعد التدخل الإلهي لإنقاذ أمته مرهونا بشيء لا يمكن تحديده ولا قياسه، ~~مما يضع تلك المساحة المطاطية رهن الحبس الاحتياطي الدائم لدى مشايخنا، حتى تأتي ~~الطير الأبابيل أو لا تأتي. # في برنامج الشريعة والحياة، الجزيرة، حلقة الدستور ومرجعية الشريعة، يسأل المذيع ~~الشيخ قرضاوي مستنكرا: «ألا يتعارض القول بالشريعة الإسلامية في دولة بها مسلمون ~~وغير مسلمين مع مبدأ المساواة في المواطنة؟!» # السؤال جد هام ومفصلي، والإجابة عنه يجب أن تكون جهيرة الوضوح والشفافية، صادقة ~~حاسمة قاطعة، غير ملتبسة؛ لأن ما رأيناه مترتبا على تطبيق الشريعة في بلدان بها ~~غير مسلمين، هو ما حدث في السودان، وفي الصومال، وفي أفغانستان، وهو ما لا نرجوه ~~لأنفسنا؛ لذلك نبحث عسانا نجد في قول فقهائنا حلا حقيقيا للمشكلة، لا يدخلنا في ~~حرب أهلية تأكل اليابس واليابس، فلم يعد لدينا شيء أخضر لتأكله، خاصة وأن هؤلاء ~~الفقهاء هم من يقدمون أنفسهم كضمير صادق لأمتهم، وأنهم الحافظون لدينها والأمناء ~~عليه منذ فجر تاريخه. # لقد سبق وأجاب الشيخ في كتبه المنشورة عن هذا السؤال أكثر من مرة، لم يتبدل فيها ~~مرة عن مرة، وحدد في إجابته مفهوم الإسلام المعتدل لمعنى الوطن والمواطنة، نسمعه إذ ~~يقول في كتابه (الإخوان المسلمون): «لقد شجع المستعمرون النعرة الوطنية، هادفين إلى ~~أن يحل الوطن محل الدين، وأن يكون الولاء للوطن لا لله، وأن يقسم الناس بالوطن لا ~~بالله، يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل الله، حتى قال شوقي: # وجه الكنانة ليس يغضب ربكم # أن تجعلوه كوجهه معبودا» # ويتابع فضيلته شارحا للمسلمين كيف كان ms210 الاستعمار الفكري وراء قيام الدولة ~~الوطنية، فهذا الاستعمار الفكري «عمل على تنحية الشريعة من القضاء، وحصرها في ~~الأحوال الشخصية، وفصل بين المدارس المدنية والدينية. واستطاعت السياسة الاستعمارية ~~أن تحارب شريعة الإسلام كفلسفة حياة ونظام تعامل ودستور يرسم للأفراد حدود المساواة ~~والحرية، لم يناد حزب الوفد قط بالإسلام نظاما للحياة، لكنهم استعملوا الدين ~~وسيلة لتوطيد زعاماتهم.» # المهم ينتهي قرضاوي في هذا الكتاب إلى أن الوطن والوطنية وفكرة الدولة ذات الحدود ~~التاريخية، هي كلها «فلسفات علمانية دخيلة عزلت الدين عن الحياة»؛ وهكذا وبعد أن ~~يقدم لنا سيناريو الانهيار المفزع، يبشرنا بمولد مخلص الأمة المنتظر ومبعوث العناية ~~الإلهية، فيقول: «وفي هذا الجو الغائم والقاتم ولدت دعوة الإخوان المسلمين، لتكون ~~دعوة للبعث والإنقاذ كما عبر عنها الإمام حسن البنا» (ص18: 22). # وإذا ما تساءلنا عما يجمع أبناء الوطن الواحد، إذن، وماذا عن ولاء المواطن ~~لمواطنيه ولمصالحهم المشتركة، فإن قرضاوي يعطينا إجابة بعيدة بالمرة عن كل المفاهيم ~~السياسية؛ فهو ينبه إلى أن «الولاء لله ورسوله، ومن اتخذ الله وليا، فقد اتخذ ~~عدوه عدوا، ودار الإسلام هي الوطن الإسلامي وهي بلا رقعة، فوطن المسلم هو دار ~~الإسلام» (ص79-80 من كتابه ملامح المجتمع المسلم)، لينتهي إلى تقرير يصوغه صياغة ~~هي ضد كل ما يعني الوطن والمواطنة، فيقول في إيجاز مرعب حقا: إن القومية والوطنية ~~أو غير ذلك هي من الأوثان. (كتابه الإخوان، ص24-25). إذن هي الحرب الأهلية، هي ~~الصوملة، هي السودنة، هي اللبننة، هي الأفغنة، هي القوقزة، هي حيثما حلت بركات ~~الفكر القرضاوي ورجاله فتوارى الوطن. كل ما لمسته بركاتهم تشظى وانقسم. هذه هي ~~إجابة السؤال عندما نضحي بالوطن من أجل الأيديولوجيا دينية أو طائفية أو ~~عنصرية. # الأكثر تشويقا في خطاب الشيخ المعتدل قرضاوي إعلانه أنه يسعى لإقامة دولة ~~إسلامية تعمل بالشريعة، بحسبان «شريعة الإسلام فلسفة حياة ونظام تعامل ودستور يرسم ~~للأفراد حدود المساواة والحرية.» # إن الشيخ يرذل الدولة الوطنية المدنية ويطلب الدولة ذات المرجعية الشرعية ~~الإسلامية من أجل إقامة المساواة والحرية، وأول سؤال سيتبادر هنا كيف ستكون ms211 هناك ~~مساواة بين مسلم وغير مسلم، ومثل هذه المساواة تخالف الشريعة نصا وروحا، ليس ~~أحكام الشريعة التي وضعها الفقهاء وضعا فقط، بل تخالف آيات القرآن الصريحة والحديث ~~الصحيح. وهو أمر له أسبابه التاريخية، حيث كان الإسلام يقيم لقبائل العرب الأشتات ~~نظاما سياسيا في شكل شبيه بالدولة الابتدائية، وما كان ممكنا أن تقوم الدولة في ~~مثل هذه البيئة البدوية المتبدية في قبائل متقاتلة متصارعة على خير الطبيعة الشحيح ~~والضنين، على أساس العنصر وإلا تقاتلت العناصر حتى الفناء، لقد قرب الإسلام بينهم ~~في صيغة تلائم ظروفهم؛ فالقبيلة كلها كانت على استعداد لأن تفنى عن بكرة أبيها من ~~أجل فرد فيها، والفرد فيها ترس في آلة متكاملة هو جزء منها خاضع لها، لا يعرف ولا ~~يرى في غير قرابته سوى أعداء محتملين دوما، وما كان ممكنا أن تخضع قبيلة لسيادة ~~فرد من قبيلة أخرى، وهو ما فطن إليه ابن خلدون فقال: إن العرب لا يجمعهم إلا دين ~~ونبي تخضع له أنوفهم المتكبرة، تجمعهم فكرة وأهداف مشتركة ومصالح، يخضعون لسيادة ~~نبي لأنه لا ينسب لقومه بل للسماء التي هي فوق كل القبائل. لذلك جاءت صيغة ~~الكونفدرالية العربية تركب أيديولوجيا دينية موحدة واحدة، تجمع كل الأشتات على ~~قرابة واحدة، فيصبح كل العرب أبناء رجل واحد يصح لأي منهم أن يسود ويملك، فكلهم ~~أبناء إسماعيل بن إبراهيم؛ لذلك يرذل الشيخ قرضاوي الدولة بعد أربعة عشر قرنا في ~~مكان وزمان مختلفين عن ذلك الزمن البدائي الأول بالمرة. # من هنا أصبح المتميزون بدين الإسلام طائفة جديدة خاصة بغض النظر عن قبائلهم ~~وألوانهم وأصبحوا أمة من دون الناس، تختلف وتتميز عن غيرها من الأمم، بل هي خير ~~الأمم؛ لأنها المكلفة بحمل الرسالة إلى العالمين. # إذن فأولا وأساسا لا يتم التساوي بين المسلم وغير المسلم في الشريعة الإسلامية ~~فلا مجال لحديث هنا عن مساواة في وطن واحد يعيش فيه مسلمون وغير مسلمين تحكمهم ~~الشريعة الإسلامية. فالناس حسب هذه الشريعة أصناف ورتب ومنازل ودرجات وطبقات تختلف ~~بينها الحقوق والواجبات، فهناك الأولون ms212 السابقون وهناك المبشرون بالجنة، وهناك أهل ~~بدر الذين غفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر، وهناك العربي العدناني والعربي ~~القحطاني، والقرشي وغير القرشي، وداخل قريش الهاشمي والأموي وغيرهم، وهناك الرجل ~~والمرأة، وهناك السادة والعبيد، وهناك الموالي ~~الذين أسلموا في البلاد المفتوحة، وهناك أهل الذمة، وهناك العبد المسلم والعبد غير ~~المسلم، ولكل من هؤلاء درجة وحقوق وواجبات تختلف عن درجة الآخر لذلك تضخمت الشريعة ~~الإسلامية بالأحكام الكثيرة الهائلة عددا، ترتيبا على حقوق تلك المنازل والمراتب ~~الاجتماعية العديدة المفرطة في تراتبيتها وأحكامها وفق هذه التراتبية. # فأي مساواة في شريعة الإسلام يتحدث عنها قرضاوي؟ إن المساواة اليوم تختلف بالمعنى ~~وبالظرف وبالزمن بالكلية عن معناها الأولي في الشريعة، التي يجب أن نحترمها ونعترف ~~بها وبأنها كانت تناسب ظروف زمانها، لكنها لم تعد تناسب ظروف زماننا، وليس في ذلك ~~انتقاص منها، فقد أدت دورها في حينه وأثبتت نجاحها الذي صيغت من أجله وحققت مبتغاها ~~فكانت صحيحة بمقاييس زمنها. # هذا ما كان عن دستور المساواة الذي يطلبه لنا قرضاوي من أعماق زمن سحيق، بل ويؤكد ~~أن هذا الدستور هو الضامن للحرية الإنسانية. # إن الشيخ يحدثنا عن الحرية ولديه ثلاثة وعشرون آية تتحدث عن العبودية والرق وملك ~~اليمين، ناهيك عن رتل هائل من أحاديث أحكام الرقيق، إضافة إلى ما يدرسه عيالنا في ~~معاهد الأزهر من فقه كامل للرقيق على المذاهب الأربعة السنية، فعن أي حرية يحدثنا ~~الشيخ؟ # لقد سبق لصاحب هذا القلم أن طالب السادة المتفقهين والأزاهرة أن يعلنوا موقفا ~~واضحا يتم بموجبه الإعلان عن إيقاف العمل بحدود وفقه الرقيق، بتعطيل أحكام الآيات، ~~أسوة بصحابة وفقهاء سابقين، بعد أن عطلها تطور القيم الإنسانية في العالم، فلم تعد ~~صالحة لكل زمان ومكان كما يوهمون بسطاء المسلمين، وإن إعلان هذا التعطيل بأيدي ~~فقهائنا أجدى في شئون كثيرة من فرضه فرضا علينا بقوة القوانين الدولية والضمير ~~الإنساني. # ولم أسمع من يومها غير التكفير والتخوين والتبخيس وحرب الإشاعة غير النظيفة، كما ~~لو كنت أطالبهم بشيء إدا أو مستنكرا أو دعوة ms213 لشر، لقد كانت دعوتي هي الخير نفسه ~~بغض النظر عن اتهامات مشايخنا عندما لا يجدون ردا محترما. # ويبقى السؤال الهام هنا، هلا يعلم الشيخ كل ما نعلم وزيادة بشأن المساواة من ~~عدمها والحرية من عدمها في شريعة الإسلام وتاريخه؟ فإن كان يعلم ولا شك أنه يعلم ~~فكيف نصنف ما قال؟ الإجابة واضحة لا تحتاج إلى تعليق. # أما قوله وهو يرفض المواطنة: «إن دار الإسلام هي الوطن الإسلامي، وهي بلا رقعة»، ~~فهو ما يعني أن الشيخ ما زال يرى أن دار الإسلام هي العالم كله «بلا رقعة»؛ لأن ~~دعوة الشيخ كما هي واضحة: الإسلام دين ودولة، والإسلام دين عالمي، فتكون النتيجة ~~الواضحة: أن العالم هو دولة الإسلام؛ وهو ما يعني إعلان الحرب الإسلامية على العالم ~~كله، في وقت يمثل فيه المسلمون أدنى أهل الأرض للضعف والجهل والتخلف. # أترون إلى أين يأخذنا مشايخنا يا مسلمين؟! ~~(2) قيمة المواطنة # الداعية الكبير الشيخ الدكتور يوسف قرضاوي ويلقب بالفقيه المعتدل، وهو مرجعية ~~شئنا أم أبينا لمعظم تيارات المد السلفي السياسي، ويراه بعضهم الرجل الثاني من ~~محركات الصحوة الإسلامية، وقوتها الدافعة، بعد المغفور له سيئاته الشيخ متولي ~~شعراوي، إضافة بالطبع إلى جماعات التربح الأخرى من عينة العلم والإيمان والدعاة ~~الجدد ودعاة الفيديو كليب وفضائيات الفتاوى التيك أواي وبنوك التقوى وجماعات الأمر ~~بالمعروف والجهاد والقاعدة ... إلخ . كل هؤلاء يعتبرون قرضاوي مرجعية لهم؛ وهو ما يعني ~~موافقتهم جميعا على فكرة أن الإسلام دين ودولة، وأنه لا وطن له حدود لبلاد ~~المسلمين فدولتهم هي العالم كله. لكن مع ذلك يبدأ الشيخ بمصر الوطن ذات الحدود ~~التاريخية والمنظومة المدنية الحديثة، حيث سيطبق الشريعة إن شاء الله، رغم وجود ~~مصريين غير مسلمين يعيشون في هذا البلد. # لكن المرجع الفقهي الكبير يعلم تلك العقبة الكئود، فيضع لنا حل المشكلة، فيقول في ~~فضائيته في برنامج الشريعة والحياة، حلقة (الدستور ومرجعية الشريعة): # إذا كان بلد فيه أغلبية مسلمة وأقلية غير مسلمة، الأغلبية المسلمة فرض ~~عليها من ربها ودينها أن تحكم شريعتها، هل مطلوب من الأقلية ms214 غير المسلمة أن ~~تمنع الأكثرية المسلمة من الاحتكام إلى أحكام الشريعة؟ هذا معناه أن ~~الأقلية تفرض الديكتاتورية على الأكثرية، وإذا كنا سنحكم منطق ~~الديمقراطية؛ فالأغلبية هي التي قلة قليلة في بلادنا تحكم، والذين يثيرون ~~هذه الضجة أقلية هم العلمانيون، وهم قلة قليلة في بلادنا لكن لهم ضجة ~~كبيرة؛ لأنهم يملكون المنابر الإعلامية والأبواق الإعلامية. # يصر المحاور على ألا يروغ الشيخ منه، فيعود يسأله: «هل في مرجعية الشريعة فعلا ~~تمييز ضد غير المسلمين؟» يجيب الشيخ رمز الصدق والعدالة والوسطية بقوله: # لا يوجد قط في مرجعية الشريعة ما يتعارض مع عقائد هؤلاء القوم، الإنجيل ~~لم يأت بتشريع إلا في عدم الطلاق، إنما يعتمد على تشريعات التوراة، ~~المسيحيون لا يعتمدون على تشريع ديني، إنما يعتمدون على التشريعات الوضعية ~~التي تأتيهم من أوروبا، الشريعة فريضة علينا نحن، فنحن نأخذ هذا على أنه ~~دين. المسيحيون كالأقباط في مصر يأخذونه (أي الشرع الإسلامي) على أنه ~~قانون، كما قبلوا قانون نابليون أو القانون المستورد من أوروبا، لماذا لا ~~يقبلون القانون في الإسلام؟! ثم إن الأحكام الإسلامية الشرعية هي بنت ~~بيئتنا يعني مش جايبينها من برة، هذه الأحكام صادرة من تراب هذه المنطقة، ~~ولأنه لا يمكن أن يأتي في شريعة الإسلام ما يعارض عقائد الآخرين الدينية، ~~فبناء عليه لا بد أن تراعي الأقلية غير المسلمة مشاعر الأكثرية المسلمة حتى ~~لا تؤذي المشاعر وتحدث الفتن. (حلقة الدستور ومرجعية الشريعة، ~~الجزيرة) # لو كان هذا الشيخ يؤمن حقا وصدقا أن الله حق وأن الإيمان به حق، وأن من دواعي ~~هذا الإيمان التزام الحق، ما قال ما قال، ولعل مثل هؤلاء النماذج والمثل، هم السبب ~~لما نراه في الشارع المسلم من انهيار كارثي في القيم الأخلاقية. وتعالوا معي نرى ~~شيخنا بهذا الحجم وهو يقول كلاما يؤاخذ عليه دينيا وأخلاقيا. # كلام قرضاوي يعني أنه علينا جميعا أن نرفض مصر وطنا وأما وعشقا وأملا ~~يجمعنا، لأن فكرة الدولة الوطنية القومية هي من أوثان الاستعمار. لقد غاب عن الشيخ ~~أن مصر كانت دولة وطنية قومية ms215 وأمة بالمعنى العلمي التام للتعريف، قبل أن تظهر ~~النزعات القومية الأوروبية، وقبل أن تقوم لروما أو فارس إمبراطوريات، وقبل أن تقوم ~~للعرب إمبراطورية خلافية، وأنها قد حددت لنفسها حدودها منذ استقر فيها أولادها ~~الأوائل، وهي هي، مصر التي تحتضن كل الملل والنحل والأعراق، وكان هذا هو سرها ~~العميق الذي اكتشفته الولايات المتحدة الأمريكية في مقاربة تاريخية مذهلة (مع أخذ ~~الفارق الزمني وأثره بالاعتبار بالطبع). # إن مصر ليست بانتظار الشيخ قرضاوي وإخوانه القدامى العتاقي أو الجدد الشبابي ~~ليقيموا لها دولتها، فدولتها قائمة ماكينة شغالة مما قبل التاريخ لم تتوقف يوما عن ~~الوجود والأداء، جاء اليونان وهي تعمل وهي هي مصر وجاء الروم وخرجوا وهي تعمل وهي ~~مصر، وجاء قمبيز والفرس وهي تعمل وهي مصر، وجاءها الغزو العربي وهي تعمل وهي مصر، ~~وما دام الشيخ يتحدث عن النظم الأصلية بنت تراب المنطقة فلماذا لا يعود زيادة في ~~الأصالة نحو ما هو أكثر أصالة واقتدارا؟ # المشكلة أن صاحب الفضيلة يرذل الوطنية والقومية بحسبانها مبتدعات الغرب الحديث ~~الكافر فيرى الوطنية نعرة كافرة واردة مع الاستعمار الغربي وأنها والفكرة القومية ~~هي من الأوثان (كتابه الإخوان، ص19)، ومع ذلك يحدثنا عن الأكثرية والأقلية، وهي ~~مفاهيم ومصطلحات لا علاقة لها بدين من الأديان، بقدر ما هي مترتبة على الصيغة ~~المجتمعية لعقد الدولة الحديثة القائم على المواطنة المدنية أو العلمانية. فما ~~لقرضاوي وتلك المفاهيم وهو يرفض كل ما تنبته تربة ذلك الغرب الوثني؟! ثم متى كان ~~للأكثرية قيمة في تاريخ قرضاوي العربي؟ لقد كان دوما وأبدا مع الأقلية المطهرة في ~~مقابلة الأكثرية الآثمة: # وإن تطع أكثر من في ~~الأرض يضلوك ~~(الأنعام: 116)، # ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو ~~كثرت ~~(الأنفال: 19)، # وكثير منهم ساء ~~ما يعملون ~~(المائدة: 66)، # قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث ~~(المائدة: 100)، فلماذا لا يكون طائعا لمحارم دينه ويقف في ~~صف الأقلية ولو مرة؟ # إن قرضاوي هو وإخوانه وميليشياته عندما يقوم بعملية تهجين لمفاهيم بدوية عتيقة ~~بنت قرون طويلة مضت وبين مفاهيم مدنية حداثية، ليتخذوا ms216 موقفهم الرافض للمواطنة ~~ووجوب سيادة الطائفة الإسلامية لشرائعها على بقية ملل ونحل الوطن، اعتمادا على ~~مبدأ الأكثرية والأقلية يصل إلى مسخ شائه لا علاقة له بوطن ولا بدين ولا بأصالة ولا ~~بمعاصرة، يصل إلى نتائج مضللة حيث تصبح الأغلبية أغلبية بدينها الذي لم تصنعه وإنما ~~ولدت داخله، وهو ما لا علاقة له بالأغلبية بالمعنى السياسي الذي تقوم عليه الدول، ~~لأن الأغلبية والأقلية في المفاهيم السياسية هي نصاب سياسي، فيجوز للمواطن الانتقال ~~بينهما وهو المستحيل بين الطوائف، ويمكن تحول الأقلية إلى أكثرية أو العكس، وهو ~~أيضا ما لا يتوافر في الطوائف، كذلك يمكن أن تحكم الأقلية الأكثرية إذا فاز ~~مرشحوها وهو ما ترفضه مدرسة قرضاوي المعتدل جملة وتفصيلا وبداية ونهاية وقولا ~~واحدا. هذا بينما يجعل التعدد في العلمانية ميزة لا نقصا هو ذلك السماح والتسامح ~~الذي تقبله الأقلية والأكثرية بحرية انتقال المواطنين بينهما في فضاءات حرة من أي ~~خطوط حمراء ودونما تجريم وتكفير وتخوين؛ فهي اختيارات كلها محترمة في نظر ~~المتصارعين سلميا. # هذا بينما لو طبقنا تلك المفاهيم المحدثة على أي مرجعية دينية لا بد أن تكون ~~النتائج ما يحدث في العراق، ويكون الخصام والكراهية والمذابح كما في السودان، ~~والتمزق والحرب الضروس في أيرلندا ودويلات إفريقيا، ولا يبقى سوى صراع التعدد ~~المدني هو الوحيد ضامن التوحد والقوة، بينما يكون صراع التعدد الطائفي مزيدا من ~~الدم والتخلف والاقتتال والدمار بدلا من التلاحم تحت راية الوطن الواحد. # ترى هل ما يقوله الدكتور القرضاوي هنا هو لون من الهزل؟ بالطبع هذا لا يصح مع حجم ~~الرجل فلا شك أنه يعني ما يقول، وأنه ليس لديه أي سوء فهم للموقف لكنه يصور نفسه ~~وقد انحاز للمبدأ الديمقراطي، وما كانوا يفعلون ذلك، لولا أنه مبدأ يستحق الانتساب ~~إليه عزة وكرامة، ثم يكرسون الأكثرية الطائفية أمام أقليات غير مسلمة، في سيناريو، ~~لا فيه حق ولا معه عدل ولا هو قول صادق. هو جريمة كاملة في حق العقل المسلم الذي ~~تمت قولبته وزرع بفيروسات الواحدية المصمتة، فلم يعد ms217 يرى سوى أن الحق واحد وهو ما ~~لدى المشايخ (لكنه لا يعترف بذلك وأن ذلك منطق إمبراطوريات ذلك الزمان لا يعيب ~~الإسلام ولا يشينه). أما الفاجع فهو ألا يواجه رجل الدين رعيته بصدق وشفافية، ألا ~~ترونه يقول بالقطع: «لا يوجد قط في مرجعية الشريعة ما يتعارض مع عقائد هؤلاء غير ~~المسلمين.» إذن لماذا المسلمون مسلمون ولماذا المسيحيون مسيحيون؟ ولماذا السنة سنة ~~ولماذا الشيعة شيعة؟ ولماذا لم يتحول الجميع للإسلام ما دامت الشرائع واحدة، أو ~~لماذا لم يتحول المسلمون إلى أي دين آخر وخلاص ما دام الحكاية في بيتها وأهو يبقى ~~زيتنا في دقيقنا؟! # إن الشيخ يعلم أن مرجعية الشريعة بشأن غير المسلمين هي القسوة المفرطة والصغار ~~والإذلال، ومع ذلك يقول ما قال بشديد البساطة ويطالبهم بالخضوع للقانون الشرعي ~~الإسلامي كما سبق وقبلوا القوانين الأوروبية؟ الشيخ يدرك الفرق الفادح بين قانون ~~طائفي يميز في كل شأن بين أبناء طائفته والطوائف الأخرى، وبين قانون مدني نضعه ~~بأيدينا حسب مصلحتنا العامة ونغيره بأيدينا عندما تجد المستجدات، بعكس القانون ~~السماوي الثابت الواحد الذي لا يتبدل ولا يتغير. # ولا يرى الشيخ أن هناك مشكلة في تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، ~~المشكلة فقط في العلمانيين الذين يثيرون هذه المشكلة وهم أقلية، لكن لهم ضجة كبيرة ~~بما يملكون من وسائل الإعلام! # تعالوا نصدق هذا الكلام جدلا أو خبلا، فلماذا ينزعج قرضاوي من الأقلية ~~والعلمانية، وقد اعتاد هو وفريقه عبر تاريخهم على عدم وجود شيء اسمه الأقلية، ~~فالأقلية خاضعة للأغلبية في كل شأن وكل فكرة وكل ضمير حتى جعلوهم كالماعز، ثم ألم ~~يكن المسلمون الأوائل هم الأقلية عندما فتحوا بلاد غيرهم؟ وظل المسلمون أقلية ~~أرستقراطية حاكمة في تلك البلاد قرونا طويلة. كانوا أقلية وتسيدوا على الأغلبية ~~بالسيف والحديد والنار. # إن من وضع القانون يجب أن يبدأ به نفسه حتى نحترمه وحتى لا نظنه نصابا مصابا ~~بالحول الفكري، وبالعمى في الضمير، وبالضلال في البصيرة. # لقد قال الشيخ وسط سيل مقولاته كلمة حق وهي أننا كعلمانيين رغم عدم امتلاكنا ms218 أي ~~وسيلة للوصول إلى الإعلام، إلا عند دعوتنا لمحاصرة بعضنا بعضا في الجزيرة أو ~~غيرها، كان العلمانيون يحرزون في هذه الفلتات قصب السبق، نعم برز العلمانيون عندما ~~كنتم تستدرجونهم لتهونوا من شأنهم، برزوا رغم الحصار الظالم والتهديد بالذبح ~~والتعتيم الإعلامي والتشنيع والتخوين والطعن في الأخلاق، مع كل هذه الحملة أصبح ~~العلمانيون موجودين ملء السمع والبصر بعد أن أثبتوا وجودهم، ولأن لديهم شيئا يريده ~~الناس ليس موجودا عندكم يا أصحاب الفضيلة، عندهم منطق متماسك وقيم محترمة ومبادئ ~~راقية نظيفة لا ترتزق على حساب الناس ولا الوطن ولا الدين. # الناس يستمعون إلينا لأننا نحترم حقهم في الحرية وفي تفهم ما شاءوا، لا نطلب منهم ~~سمعا ولا طاعة بل مشاركة حوارية للجميع فيها حقوق متساوية، حرية مشاع دون تكفير ~~وتخوين وتجريم؛ فالرأي بالرأي، والحجة بالحجة، مع ضمان حرية الاعتقاد وحماية هذا ~~الحق لأصحابه وتحقيق الشعائر وأداء العبادات في حماية القانون. هذا ببساطة ما يريد ~~العلمانيون الذين هم سبب مشاكل قرضاوي وفريقه. ~~(3) دعوة مفتوحة لمناظرة قرضاوي # قال قرضاوي، وهو يفلسف لقيام دولة الشريعة في دولة بها ديانات أخرى، بوجوب قبول ~~الأقليات الدينية في الدولة الإسلامية لتطبيق شريعة الإسلام، وبرر هذا الوجوب ~~بطرافة غير معهودة لديه، بأن «الإنجيل لم يأت بتشريع، إنما يعتمد على تشريعات ~~التوراة، يعتمدون على التشريعات الوضعية التي تأتيهم من أوروبا ، الشريعة فريضة ~~علينا نحن، فنحن نأخذ هذا على أنه دين، والمسيحيون كالأقباط في مصر يأخذونه على أنه ~~قانون، كما قبلوا قانون نابليون أو القانون المستورد من أوروبا، لماذا لا يقبلون ~~القانون من الإسلام؟ ثم إن الأحكام الشرعية هي بنت بيئتنا يعني مش جايبنها من برة، ~~هذه الأحكام صادرة من تراب هذه المنطقة» (حلقة الدستور ومرجعية الشريعة، ~~الجزيرة). # حيرنا الشيخ، هو مرة ضد أي فكرة عن مفهوم الوطن وتراب الأرض والمواطنة حتى إنه ~~يصفها بالوثنية وأنها مدسوسة علينا من بلاد الغرب الكافر، ليعود ليؤكد أن شريعتنا ~~الإسلامية تناسبنا مسلمين ومسيحيين لسبب موضوعي هو أن هذه الشريعة بنت أرضنا ونبتت ~~في بلادنا؟ يعني ms219 فيه وطن يا شيخ؟ لكن يبدو أن وطن قرضاوي هو السعودية وليس مصر، لأن ~~الشريعة ليست بنت مصر ولا هي فرز وادي مصر، ولا هي بنت الرافدين ولا فرز بيئتهم، ~~ولا هي بنت الشام ولا فرز بيئتها، إنما هي جاءت إلى هذه البلاد وافدة عليها من بلاد ~~الحجاز منذ ما قبل أربعة عشر قرنا من الزمان، جزء كبير منها يعالج مشاكل محلية ~~بدوية قبلية تتعلق بمكانها وزمانها فقط، مشاكل لم نعرفها ولم تعرفها بلاد الشام ولا ~~بلاد العراق ولا بلاد فارس، ولا علاقة لنا بها، لاختلاف ظرف البيئات جغرافيا ~~وطبوغرافيا وسكانيا ولغويا وتاريخيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ~~اختلافات كاملة المواصفات. كل شيء كان غير كل شيء، ثم تعال يا شيخ أفهمنا واشرح ~~لنا: منذ متى تعتبرون المقدس فرز بيئة وظرفا اجتماعيا واقتصاديا ~~وجغرافيا؟ # عندما قال صاحب هذا القلم مثل هذا الكلام منذ حوالي خمسة عشر عاما أو يزيد، قامت ~~الدنيا ولم تقعد إلا بعد محاكمتي بتهمة ازدراء الأديان، فمالك اليوم يا شيخ وهذا ~~السبيل الصعب الوعر، تتيه فيه فتخلط الحابل بالنابل والمقدس بالدنيوي، ناسيا أو ~~متناسيا أن الشريعة سماوية وليست أرضية، وليس فيها أي أكثرية أو أقلية ويلا شورى ~~ولا بيعة ولا ديمقراطية، فقد وضعها الله في شكل أوامر ونواه، ولم يستشر أحدا وهو ~~يضعها ولا حتى أنبياءه، أما في العلمانية فإن الناس على اختلاف مللهم يصطلحون على ~~ما يناسب مصالحهم من قوانين يخضع لها الجميع راغبا لا راغما. # المهم أن الشيخ لا يرى الأقباط سببا في عدم تطبيق الشريعة حتى الآن، إنما السبب ~~هو «الذين يثيرون هذه الضجة أقلية هم العلمانيون؛ لأنهم يمتلكون المنابر الإعلامية ~~والأبواق الإعلامية» (الحلقة نفسها). # كيف يمكنك أن ترد على قرضاوي هنا؟ إن الرجل يقولها ولا يطرف، بينما هو يعلم ~~والجميع يعلم حجم المساحة التي يحتلها التيار الإسلامي في الإعلام أو التعليم، ~~ويعلم والجميع يعلم أن العلمانيين مستبعدون من الإعلام ومن الوصول إلى الناس، ومع ~~ذلك يقول دون خشية من ملامة، فقد أصبح شخصا مقدسا يقول ms220 ما يعن له ولا يؤاخذه ~~أحد، ولا يقول له أحد عيب يا شيخ، أو يرفع عليه قضية حسبة. # إذا كان قرضاوي صادقا، إذن فليسمح لشخصي الضعيف المتواضع بمنازلته في لقاء حول ~~دولته الإسلامية المرتقبة، في قناته المفضلة التي يمتلك نصفها أو في أي فضائية ~~تناسبه، وليحشد لي ويجهز ويرتب وله الاستعانة بصديق أو بمن يريد، وسأذهب مفردا لا ~~أملك سوى فكرتي وحدها، ويقيني الوحيد أن الصدق منجاة والكذب مهلكة. ولنطرح الأمر ~~أمام الناس ولن نجد قاضيا نطمئن إليه ونحترم أفضل من هؤلاء الناس، رغم أن قرضاوي ~~يستنكر أن يكون الناس حكما في مثل تلك الشئون، وهو عالم أنه يتحدث عما يمس مصالح ~~ومصير هؤلاء الناس؛ لذلك أراهم من جانبي هم أفضل قاض يمكن الاحتكام إليه في هذا ~~الشأن. ورغم أن هؤلاء الناس قد تم تحشيدهم سلفا ضدي وضد كل العلمانيين ملحدين ~~ومؤمنين، إلا أني كلي ثقة بثاقب نظرة الناس؛ لأنهم يستطيعون تمييز الطيب من الخبيث ~~والكذب من الصدق ونظافة الضمير من تشوهه، أسلحتي ستكون الحجة والبرهان وأدلتي الصدق ~~ومبتغاي وجه البلاد والعباد، فليحاجني الشيخ إذن عيانا بيانا لننتهي من هذه ~~المنطقة على الأقل، بحل نهائي يرضي كل الأطراف بهزيمة أحد الطرفين في صراع فكري ~~محترم، حتى يمكن الانتقال بالمجتمع إلى حلول لمشاكل أخرى، فنكون منتجين منجزين ~~فاعلين. لننتقل من المشاكل الوهمية إلى الحقيقية، بحل لا يصارع طواحين الهواء، ~~ننتقل من الجدل البيزنطي إلى الحسم والبناء على أسس سليمة تم التوافق عليها، أو ~~بفوز يحسمه أحد الطرفين لمصلحة قضيته ورؤيته، ولا بأس هنا من مشاركة تفاعلية من ~~مختلف الأطياف تغني الحوار وتثريه، ولتكن بداية لطرح مشاكلنا على طاولة مفتوحة على ~~الناس نحو توافق اجتماعي متين. # نعود نتابع إصرار الشيخ على ما يقدمه من حلول لإصلاح شأننا المتردي، فيقولها ~~واضحة جلية قاطعة في جملة مفيدة موجزة «إن هذه المنطقة العربية لا تستكمل سيادتها ~~واستقلالها إلا بالرجوع للشريعة الإسلامية.» # الشيخ يعود إلى المنطقة العربية التي هي من الأوثان كما سبق ووصفها ليخصصها في ms221 ~~حديثه بحسبانها ناقصة السيادة والاستقلال، رغم أنها في مجموعها دول مستقلة عدا ~~فلسطين، والعراق بشكل مؤقت. فينشغل بهذا الوثن دون بقية بلاد المسلمين، ولا ينشغل ~~بالناس في تلك البلاد بقدر ما ينشغل بالوثن نفسه، بالسيادة العربية المستقلة، بغض ~~النظر عن حال عباد الله تحت سلطان تلك السيادة العربية المستقلة. المهم أنه لا يرى ~~سبيلا لاستقلال الوثن العربي واستكمال سيادته الوثنية «الوطنية»، إلا بتحكيم ~~الشريعة الإسلامية في رقاب الخلق (العرب دون بقية المسلمين في بقاع الأرض) ما ~~علينا، المهم هو أن سبيل السيادة والقوة هو تحكيم الشريعة في أي حتة أرض ممكنة ~~كخطوة نحو التمكين. # الشيخ وإخوانه لديهم دائما أداة الاستدراك «لكن» وأخواتها، فيستدرك استدراكا ~~مفزعا حقا فيقول: «لكن على أن تصاغ الشريعة صياغة جديدة!» ~~(4) لماذا يا شيخ؟ # وكيف السبيل إلى ذلك وهي شريعة من عند الله وليست من عند العباد، أي أنها كلمة ~~الله التي لا تقبل تبديلا ولا تعديلا كما تصر أنت على إعلانه في كل مناسبة؟ ولا ~~مجال في الشريعة لكل أغانيكم عن الشورى والبيعة الديمقراطيتين لأن الشريعة أوامر ~~ونواه لا شورى فيها لأحد ولا رأي لمخلوق؛ لذلك تسمى حدود الله، ويبدو أنها في ~~نظركم قد أصابها العوار والعيوب، فأصبحت ليست بحاجة للتجديد أو الترقيع أو إعادة ~~التفسير والتأويل، إنما هي ويا لهول ما قال، بحاجة «أن تصاغ صياغة جديدة»! فأين يرى ~~الشيخ هذه العيوب تحديدا؟ هل هي في أحكام الرق؟ أم تراها في أحكام الردة؟ وربما ~~تكون في أحكام الحدود بالعقوبات البدنية كالجلد والقطع؟ أو هي في الأحكام الإسلامية ~~بقياسها على ما نفهمه اليوم من حقوق الإنسان؟ أم هي في الخداع المسمى بنوكا ~~إسلامية؟ أم هي في الاقتصاد الإسلامي برمته؟ # الباب مفتوح إذن لكل الاحتمالات، خاصة مع استطراده وهو يؤكد «إعادة الصياغة ~~للشريعة» بقوله: «إنها ستكون صياغة جديدة تصوغها عقول تجعلها في شكل نظريات، ونجدد ~~هذه الأحكام، هم فاهمين أننا نروح نجيب الأحكام القديمة كما هي ونطبقها؟! هذا لا ~~نقوله، ولا يقول به عاقل.» # الشيخ أورد أكثر ms222 من قولة حق؛ فالشريعة الإسلامية غير مصوغة في شكل منظومة نظرية ~~قانونية متفق عليها حتى تاريخه؛ لذلك هي في حاجة إلى عقول تجعلها في شكل نظريات. ~~والحقيقة الأخرى هي ثبات أحكام الشريعة القديمة وتكلس مفاصلها وجمودها دون تجديد ~~طوال العصور الماضية. حتى وصل حال الشريعة الإسلامية إلى درجة أن الشيخ وصف من ~~يستدعيها اليوم بأنه مجنون مخبول معتوه، فهذا «لا يقول به عاقل.» # إذن ... # تعظيم سلام للجدعان! # نحن مع هذا الفقيه المعتدل نجدنا بحاجة أولية وأساسية لصياغة الشريعة الإسلامية ~~من جديد، حتى يمكن تطبيقها عند قيام دولة الإسلام في الأرض. نحن بحاجة لإعادة صنع ~~«صياغة» الشريعة، وتلك الصياغة ستقوم بها عقول بشرية لا وجود فيها لوحي ولا مكان ~~فيها لجبريل ولا قدسية فيها لقول ولا لرأي. # وإذا كان القول بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على حالها القديم لا يقول به ~~عاقل، إذن فإنه في الدين كما سبق وقلت وأكرر هنا ونعيد ونزيد: إن في الإسلام ما هو ~~صالح لكل زمان وكل مكان كالتسامح والغفران والمحبة ... إلخ، ومنه ما هو صالح لمكانه ~~وزمانه وحده، وهو قول قرضاوي نفسه ولكن من سبيل آخر. # ويبقى أن نتفق حول هذا الصالح لمكانه ~~وزمانه فقط؟ يعني هل ضمن ذلك المحدود بزمكانه ولا يقول به اليوم عاقل: حدود ~~العقوبات البدنية مثلا؟ هل ضمن ذلك المحدود: الجهاد والولاء والبراء؟ إذا كان هو ~~من فتح الباب، فكل سؤال إذن سيكون مطروحا للبحث دون تحريم وتكفير وتجريم، إذن ~~لماذا والحال كذلك ينزعج قرضاوي وكل المشايخ من العلمانيين الذين يحررون الخلاف ~~بإحالته على مرجعية متوافق عليها هي أحكام العقل البشري، مع ترك القديم لزمانه. ~~فلماذا إذن يزعجهم قولنا في وجوب استبعاد الشريعة من الدستور، واستبعاد الدين من ~~المجال الاجتماعي العام، أليس في ذلك ترك القديم لزمانه حتى نضع شرائعنا بأيدينا ~~بما يوافق ظروف زماننا ومصالحنا بالعقل؟ # وهو ما وافقت عليه الآيات الصالحة لكل مكان حتى قالت: من شاء أن يكفر ~~فليكفر. # هنا الكلام المفصلي الذي سيفصح عنه الشيخ في حلقة أخرى ms223 كان عنوانها: الصحوة ~~الإسلامية ومآلاتها. # حيث يكشف لنا عن اللغز الذي حارت فيه الأفهام؛ فهو كما رأيتم يتفق مع العلمانيين ~~في الوسائل والأهداف، لكنه على مستوى آخر يخالفهم لدرجة تكفيرهم وتخوينهم، رافضا ~~ما يقولون به من تشريع بشري لقوانين وضعية تراعي المصلحة العامة. هذا رغم أن الرجل ~~قال إنه سيعيد صياغة الشريعة بالعقل لأن الشريعة على حالها الآن لا يقول بها عاقل، ~~لكن يبدو أن الشيخ يكسب عقله وصياغته لونا من القدسية، لا يجعلها وضعية كالقوانين ~~الوضعية البشرية في مجالس تشريعية. الشيخ يصر على تأميم القانون لمصلحة الله فيما ~~يزعم، رغم أن الله بذلك أصبح خارج الموضوع، فإعادة صياغة بالعقل يعني أنه ~~وضعي. # ثم ما هي حكاية وضعي هذه التي يلوكونها كلما تحدثوا عن تشريع الشعوب لنفسها، هي ~~وصم لهذه التشريعات بالبشرية، دون أن يلتفتوا إلى أن ذلك هو نعم الوضع، وأن تلك هي ~~نعم التشريعات، وأن الشريعة الإسلامية نفسها التي امتد وضعها زهاء الأربعة قرون ~~متواصلة، مضافا إليها عشرة قرون أخرى من تفسير المتون وشرح الهوامش. هي كلها من ~~وضع البشر، هي من وضع الجعفري والحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي والظاهري ~~والباطني، وما اتفقوا يوما على قول واحد رغم أنها أحكام تتعلق بمعاش الناس بل ~~وبحياة الناس، ما بين رجم وقطع من خلاف والذبح صبرا. # إذن يبرز الخلاف في السؤال: من الذي سيضع أو يصوغ القوانين إن لم يكن الله؟ ~~إجابتنا نحن العلمانيين بسيطة واضحة مفرطة في يسرها (من يضعها الناس عبر مجالسهم ~~التشريعية المنتخبة انتخابا سليما سلميا حرا). # لكن قرضاوي لا يرى معنا هذه الاجابة؛ لأن لديه إجابة أخرى، يعود معها في انتكاسة ~~شديدة ليطلب الشريعة التي كانت منذ قليل لا يقول بها عاقل، كمصدر ومرجع دستوري ~~بقوله: «فمرجعية الشريعة هي المصادر المعصومة، مرجعية الوحي الإلهي.» # إذن هذا قرضاوي آخر يقول قولا على النقيض التام مما قال قرضاوي الأول، هذا شيخ ~~وذاك شيخ آخر! فأيهما قرضاوي الحقيقي وأيهما نصدق؟ # إن سر الانتكاسة ولعبة البيضة والكتكوت تفصح عن مخفيها عندما ms224 تسأل الشيخ عمن سيضع ~~القوانين، فيقول محاولا الالتفاف على المعنى المقصود، في غير مباشرة جهيرة شفافة، ~~«الشريعة تحتاج إلى اجتهاد واستنباط، وأهل العلم عليهم أن يعملوا عقولهم». يعود بنا ~~إلى الشريعة مطروحة بغرفة الإنعاش تعاني نقصا حادا في عوامل الحياة والوجود، ~~تحتاج إلى محاليل من عمل عقل البشر، وحتى لا تكون غرفة الإنعاش مباحة لكل من هب ~~ودب، فقد أوقف قرضاوي على بابها زبانية غلاظا شدادا، حتى لا يقوم بهذه المهمة غير ~~رجال الدين وحدهم الذين يسميهم العلماء، والذين فيما يبدو يملكون وحدهم دون بقية ~~المسلمين ذلك الشيء المسمى عقلا! وهم وحدهم من يملكون الكلمة السرية لفتح المغارة ~~والولوج إلى عالم الشريعة ومفازاته السحرية دون بقية خلق الله. يقول الشيخ: «وأهل ~~العلم عليهم أن يعملوا اجتهاد عقولهم ليستخرجوا الحكم الشرعي من النصوص؛ لأن النصوص ~~بعضها قاطع في دلالته، وبعضها ظني في دلالته، وبعض الأشياء ليس فيها نصوص قط، فنحن ~~نعمل لنلحق ما لا نص فيه على ما فيه نص.» # كلهم يقولون «البق» نفسه! الدكتور أحمد الريسوني الخبير بمجمع الفقه الإسلامي ~~العالمي (يا أخي شوف أسماء وألقاب جامدة وكبيرة تخوف بصحيح!) يأخذ الكرة من قرضاوي ~~فيشرح ويوضح من سيقوم بصياغة الشريعة الحديثة. فيقول: «هم من سموا زمن الصحابة ~~بأهل الشورى، # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ~~، # ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم ~~. هذه أمور تخصصية تحال إلى أهلها، لذلك حينما نقول إن ~~الأكثرية مرجحة لا يعني هذا أن الأكثرية معصومة، إن العصمة عند علماء الأمة» (حلقة ~~رأي الأكثرية في الشريعة الإسلامية). # إذن تاهت ولقيناها. # وأهل العقل موجودون والحمد لله لصياغة شريعة إسلامية جديدة ومعاصرة، هم أهل ~~الذكر، هم أهل الشورى، هم وحدهم الصواب المطلق، ولا معنى هنا لأغلبية وشورى وكلام ~~فارغ، العصمة ليست للأكثرية النيابية، العصمة لعلماء الأمة؟ هل تسمعون يا مسلمين؟ ~~العصمة لم تعد لله وحده، العصمة لم تعد لله ونبيه وحدهما، العصمة لم تعد لله ونبيه ~~والصحابة وحدهم، ولكنها أصبحت أيضا للتابعين ms225 بإحسان إلى يوم الدين، ومن مثل ~~مشايخنا تابعا بإحسان؟ إنهم يؤلهون ذواتهم ويقدسون قولهم دون بقية الأمة التي ~~عطبت وهزلت وخرفت حتى لم يبق فيها غير أصحاب الفضيلة كبقية مقدسة من الزمن المقدس. ~~إنهم يروننا ميراثا لهم لا فكاك منه، وأوصياء علينا دون اختيار منا، وأوصياء على ~~دين الله دون أن يقدموا لنا أي بيان رباني بذلك. # المشكلة أن هؤلاء المعصومين منهم الشيعي الإمامي ومنهم الشيعي الإباضي ومنهم ~~السني الحنبلي ومنهم السني الحنفي، ولم يسبق أن التقى النقيضان مرة واحدة، فكيف ~~سيصوغون لنا شريعتنا وهم على حالهم هذا؟ # اللافت للنظر أن الناس غير موجودين في خطاب مشايخنا بالمرة، لم يسألوا عن رأي ~~الناس، بل كانت مشكلتهم هي إذا تضارب رأي المشايخ مع رأي السلطان، انظر بذات ~~البرنامج والقناة حلقة فقه النصر والتمكين، وكان بطلها المغوار الدكتور (علي ~~الصلابي) إذ يعلن كما لو كان علي بن أبي طالب يعلن سورة براءة من فوق الكعبة، ~~بقرار وفرمان يقول: «ترتيب الدور الأول للعلماء الربانيين لأنهم أصحاب الفهم (يعني ~~غيرهم بقر؟!) ولأنهم أصحاب الفكر (يعني غيرهم مخبلون)، ولهم القدرة على التأثير في ~~الآخرين (انظروا مدى استصغارهم للجماهير التي تتبعهم مطيعة كالماعز). بعدهم يأتي ~~دور صاحب القرار السياسي، أما إذا حارب صاحب القرار السياسي الدعاة والعلماء فسيكون ~~عائقا». والشيخ الصلابي كان يتحدث على التلفاز وعلى ملأ وعلى حكومات وعلى مباحث، ~~وعلى أمن الدولة، وعلى معتقلات؛ لذلك لم يشرح للمسلمين كيفية إزالة هذا ~~العائق؟! # هذه دولتنا الإسلامية المنتظرة، دولة حداثية سيعمل رجال الدين فيها على صياغة ~~الشريعة بالعقل وحدهم دون غيرهم، ترى بعدما قرأنا وعلمنا هل نثق بهؤلاء القوم حتى ~~نضع مصيرنا بين أيديهم؟ وهل هذا ما يصفونه بدولة ديمقراطية مدنية ذات مرجعية ~~إسلامية؟ أم هو الكذب والتدليس وغش المسلمين ودين المسلمين ورب المسلمين؟ ~~(5) قيمنا وقيمهم؟! # ضمن سلسلة قضايا إسلامية التي تصدرها وزارة الأوقاف الإسلامية تم حشد عدد من ~~المؤلفات تعنى بفلسفة القيم، وكالعادة لن تجد فروقا واضحة لا في الأهداف ولا في ~~المنطلقات بين كتاب ms226 وآخر في هذه السلسلة القيمية، ربما اختلف الأسلوب بين كاتب ~~وزميله، لكنها في النهاية تقول شيئا واحدا تؤكد عليه دوما، هو أن القيم لا تكون ~~صحيحة وسليمة إلا إذا كانت في الأديان، ومن بين الأديان تسمو على الكل قيم الإسلام، ~~وغير ذلك من فلسفات للقيم منذ سقراط حتى اليوم هي باطل الأباطيل وقبض الريح، إن لم ~~تكن هي الفساد نفسه. # سأعمد هنا إلى كتاب يشكل نموذجا مثاليا لكل زملائه، وقوله فيه هو تغريدة السرب ~~كله وهو وكتاب «القيم الدينية وثقافة العولمة»، والذي دبجه الدكتور الصاوي الصاوي ~~أحمد، لنناقش من خلاله ما يطرحه علينا حماة الإسلام ورعاة الدين ومفكروه. # كي يقدم الدكتور الصاوي فلسفة الإسلام في ~~القيم يبدأ أولا بإدانة كل القيم في العالم غير المسلم، فيقول: «إن القيم المادية ~~الوضعية تنزل بصاحبها إلى درجة السقوط، وذلك يرجع إلى طبيعة مستواها المادي ~~المحسوس، الذي يجتذب الإنسان ويحركه نحو الفساد والطغيان لا نحو الإصلاح.» ومن ثم ~~يبني على هذه الفرضية (أو الحقيقة من وجهة نظره) استطراده وهو يقول: «وبسبب السمو ~~الذي تتميز به القيم الدينية؛ فإنها تفي بحق الإنسانية، وتخرج الإنسان الذي عانى ~~بسب بعده عن الدين الصحيح، من القلق والاضطراب والتعاسة وفقدان مشاعر الأمن، ~~وانتشار الجريمة والعنف والإدمان والأمراض النفسية والعصبية وزيادة نسبة الانتحار، ~~والطلاق والاغتصاب والقتل وسيطرة مشاعر الاغتراب والوحشة والبؤس والرعب الذي ساد ~~معظم دول العالم المتقدم.» وتأسيسا على هذه الصورة البغيضة التي رسمها سيادته ~~لمجتمعات تخلت عن القيم الدينية وانغمست في قيم مادية دنيوية شريرة بالضرورة لا ~~يبقى سوى قوله: «إن القيم الدينية هي من أهم القيم على الإطلاق، وهي الأساس الذي ~~تنطلق منه جميع القيم الحاوية لكل القيم النبيلة؛ فهي تفوق جميع القيم، وترجع ~~أهميتها إلى أن الدين هو أساس القيم والوعي بها والساعي دائما إلى تدعيمها، وهي قيم ~~روحية قادرة على هداية حقيقية لأنها من صنع الله الذي خلق النفوس وأوردها فجورها ~~وتقواها. لقد أرست الأديان جميعا وعلى رأسها الإسلام قيما منزهة عن كل منفعة ~~شخصية» ms227 (ص38 وص35). تدهشك جرأة هؤلاء القوم على العلوم بكل أصنافها من الكيمياء إلى ~~الفيزياء إلى الطب إلى الفضاء، والآن يجترئون على الفلسفة! كل ميدان صار مستباحا ~~لهم إلا ميدانهم هم لهم وحدهم دون غيرهم، رغم أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم ~~تكن تعرف شيئا مما يقوله فقهاء أيامنا. وحسب الكتاب والسنة فإن ما يحرك الإنسان ~~نحو الفساد والطغيان هو الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، ولم يقل لنا الله ~~شيئا عن القيم المادية الوضعية التي يبخسها مشايخنا كل التبخيس لكونها غير صادرة ~~عن إسلام. # وأحيانا لا تفهم سر حملتهم الشديدة على كل ما هو مادي موضوعي وضعي، رغم أن آدم ~~حسب النظرية الدينية مخلوق مادي، والحجر الأسود مادة، والكعبة نفسها أحجار مادية ~~وكذلك كسوتها، ومقام إبراهيم وإبليس، كلها أحجار مادية ومع ذلك هي عندنا أسمى ~~المقدسات! # وبدون شعيرة الرجم المادي بالأحجار ترمى ~~على إبليس الحجري المادي يفسد الحج من أصله. ناهيك عن كون القيم الإنسانية أو ~~الوضعية أو بمسماها الفلسفي الإكسيولوجية «الحق والخير والجمال» تخاطب روح الإنسان ~~لا مادته، والأمر على العكس مما يقول فقهاؤنا؛ لأن القيم الدينية تخاطب المادة قبل ~~الروح، فقد حارب الرسول والصحابة من أجل السيطرة والسيادة والغنائم المادية البحتة، ~~إضافة بالطبع إلى نشر الدعوة. وحارب الصديق من أجل الزكاة، وحارب خالد بن الوليد ~~وعمرو بن العاص والقعقاع وخيرة الصحابة الأجلاء من أجل الفيء والجزية، بل وتصارع ~~كبار الأجلاء منهم على عرض الدنيا المادي، كما حدث بين الزهراء وبين الصديق بشأن ~~ميراثها، وكما حدث في حروب دموية رهيبة من أجل السيادة والجاه حتى ضرب المسلمون ~~كعبتهم بالمنجنيق، وحتى قتلوا خليفتهم وخاضوا الفتنة الكبرى، وحتى اقتحم المسلمون ~~مدينة رسول الله واستباحوا فروج الصحابيات بنات الصحابة، وحتى ذبح المسلمون آل بيت ~~الرسول في عملية إفناء مخزية، وطال الاقتتال الشيعي السني حول المسلمين كميراث ~~مادي، هل هم ميراث أولاد فاطمة وحدهم أم هم ميراث قريش على المشاع؟ حتى يومنا ~~هذا! # فأين كانت قيم الروح والدين في كل هذا الذي ms228 حدث في تاريخنا الرهيب الملطخ بدماء ~~الأبرياء؟ وهي مجازر لم يكن فيها مكان لحق، بعد أن زعمت كل فرفة أن حقها هو الصواب ~~المطلق وحده وغير باطل، ولم يكن فيها أي خير بقدر ما نالت شرورها عموم الناس مسلمين ~~وغير مسلمين، وما كان فيها أي شيء يمكنك أن تصفه بالجمال، ولم يكن فيها مكان للدين، ~~بعد أن فرض كل فريق وجهة نظره إسلاما يحارب به إسلاما مارقا لدى الفرقة الأخرى، ~~فضاع الإسلام وبقيت الفرق المتحاربة على عرض الدنيا فرقا إسلامية، احتاج كل منها ~~إلى الشرعية فظهرت الأحاديث وظهر المشايخ عند كل طرف يقدم له الشرعية ودعم ~~السماء. # المشكلة مع مثل هذا الخطاب الفقهي هو قلبه للحقائق عن قصد مبيت وسابق علم وترصد، ~~ليصور للمسلمين حالهم وكأنهم قمة البشرية وسنامها المقدس الحافظ لكل القيم ~~الأخلاقية؛ لذلك ينعمون بالسعادة، وأن غيرهم يعيش البؤس والشقاء والتعاسة. وهو لون ~~من الكذب والغش والتدليس، مع صرف متعمد للناس عن واقعهم المهين الذي وصل إلى أقصى ~~درجات تدنيه، صرفهم عن محاولة إصلاح هذا الواقع، اطمئنانا إلى أن أهل الغرب ~~الطاغوتي وبقية دول العالم المتقدمة الكفرية، لا تحلم بما نحن فيه من عز ورفاه ~~وسعادة بفضل قيمنا الأرقى، وأن قيمنا الأخلاقية هي الأصح بالمطلق لأنها صيغة ربانية ~~كاملة المواصفات سابقة التجهيز! # الأغنية نفسها ترنمها بقية المجموعة التي تناولت فلسفة القيم في سلسلة وزارة ~~الأوقاف، كلها تندد بأخلاق المجتمعات الغربية حتى تكاد توحي إلينا بأنه مجتمع من ~~الحيوانات أو أدنى، بل وتصرح بذلك كتب الفقه التي يدرسها أبناؤنا في مدارسنا وتؤكد ~~«أنها مجتمعات حيوانية أقرب إلى البهيمية». إنه الأسلوب العربي ذاته في شعر الفخر ~~والهجاء البدوي. # ولا يقولون لنا كيف أمكن لذلك المجتمع المنحل الخرب، أن يخلص البشرية جميعا ~~دون تمييز بين الناس لا بحسب الدين ولا الجنس ولا الطائفة، من أمراض الطاعون ~~والدفتريا وشلل الأطفال والجدري والكوليرا وبقية الأمراض الوبائية الفتاكة، وهي ~~أمراض عجزت الدنيا قبل الغرب الكافر عن مواجهتها، علما أن هذا التاريخ كان يضم ~~أنبياء ms229 كانت تكفي دعوة واحد منهم لرفع هذه الأوبئة، وهو ما لم يحدث ولا مرة ~~واحدة. # إن فقهاء زماننا لا يقولون لنا كيف تمكن أهل المجتمع الغربي الأنجاس الملاعين ~~بقيمهم السفيهة من توفير الطائرات التي قصرت رحلة حجنا العسيرة إلى مكة من ثلاثة ~~أشهر نضرب فيها أكباد الإبل، إلى ساعتين من الرفاهية والمتعة والتسلية الرفيعة ~~والمعاملة الإنسانية الكريمة. وكيف حولت الكعبة من بناء بدائي إلى بناء غاية في ~~الفخامة بهندسة ومواد إنشاء كلها من بلاد الطاغوت. # في النهاية من تلك المجموعة من الكتابات لا يخرج المسلم سوى بحالة من الكراهية ~~لهذا الغرب، هي كتابات تعيش حالة تحريض مستعر غير مفهومة، لنبقى مع قيمة القناعة ~~التي هي كنز لا يفنى بما لدينا من الفقر والجهل والمرض والتخلف، حتى بتنا القاع ~~الذي تنتهي إليه مزابل الأمم ونفاياتها، مع الحث على التمسك بقيمنا وحمايتها من أي ~~تأثير قد يصيبها من قيم الغرب الذي نقنع أنفسنا بأنه تعيس، ودون أن يشكو إلينا أحد ~~في هذا الغرب أية تعاسة يعانيها. # وإذا كانت القيم الدينية وبالذات الإسلامية تفوق جميع القيم، فهل يعني ذلك أن كل ~~الشعوب والأمم التي لم تعرف الأديان السماوية مثل «اليونان القدماء: الإغريق، ~~والرومان والفرس والفراعنة والهنود الحمر والمايا والأنكا والهند وشرق آسيا كله» ~~كلها كانت أمما بلا قيم؟ فهل يمكن تصور قيام تلك الحضارات الكبرى الباقية شواهدها ~~حتى اليوم أعلاما للعالمين، دون نظام قيمي معتبر؟ # مثل هذه الرؤية العنصرية كانت سمة أوروبا في عصورها الوسطى وما بعدها بقليل، ~~عندما أفتى رجال الدين المسيحي بأن سكان أمريكا الأصليين ليسوا من الآدميين ولا ~~يملكون روحا بشرية مثلنا لأنهم ليس لديهم قيم دينية مسيحية؛ ومن ثم سوغت الأخلاق ~~المسيحية للمستوطنين المسيحيين إبادة هؤلاء الوثنيين. # كان يسكن تلك البلاد بشر لا يعرفون الله الذي نعرفه ولا القيم التي تحكمنا، وحكم ~~عليهم صاوي مع من أبادوهم أنهم لم يكونوا بشرا لأنهم لسوء حظهم لم يظهر عندهم ~~أنبياء ليدلوهم على القيم الدينية. ~~(6) من هو صاحب القيم الله أم الإنسان؟ ms230 # للقارئ أن يتساءل هنا: هل كتب وزارة الأوقاف المصرية حول القيم الإسلامية موجهة ~~للمسلمين وحدهم وبشكل خاص؟ أم هي موجهة إلى كل الدنيا باعتبار القيم الإسلامية ~~والإسلام لكل الدنيا؟ وإذا كان ذلك هو الغرض فهل يقصد فقهاؤنا طرح قيم بديلة لما ~~تعارفت عليه البشرية واعتادته الدنيا منذ زمن أفلاطون؟ وهل معنى ذلك أن مشايخنا ~~يرون وجود تعارض بين ما لديهم من قيم دينية إسلامية وبين القيم الإنسانية، ويريدون ~~بذلك إقناع أهل الغرب بما يجب عليهم الأخذ به كي يتقدموا ويسعدوا؟ أم أنهم يطرحون ~~كلامهم علينا نحن المسلمين حتى نحذر القيم الإنسانية، حفاظا علينا من الانحدار من ~~مستوى العالم الثالث إلى مستوى العالم الأول؟ وإذا كان الخطاب لأهل الغرب، فكيف ~~سنقنع هؤلاء الأوغاد بالأخذ عنا وهم يرون أحوالنا في حضيض الأمم وهو ما لا يدفع أو ~~يشجع أحدا للأخذ عنا. # كلنا يعلم أن أوروبا قد أقامت جزءا من نهضتها عما أخذته نقلا عنا منذ الزمن ~~المعروف مدرسيا بزمن الرشدية اللاتينية نسبة لابن رشد، لكنها نقلت ما ترجمة العرب ~~عن اليونان موطن الحضارة القيم، وكان هذا النقل عن قناعة منهم وبحسن بصيرة وعظيم ~~فهم، ولم يحتسبوه غزوا ثقافيا، ومثل هؤلاء لن ينقلوا عنا اليوم ما تعافه ~~البشرية ويزدريه العالم. # كلنا أيضا يعلم أن الحركة العلمية العربية كانت معظمها ترجمات عن حضارات سابقة ~~لا علاقة لها بالسماء وأديانها، فهل كان هذا العصر الذي نزهو به يتعرض لغزو ثقافي، ~~وهل كان علماء الزمن العباسي وهم ينقلون عن الوثنيين يونانا أو رومانا ومصريين أو ~~هنودا على خطأ، وكان الصواب أن ينقلوا عن السلف وحدهم كما يفعل ويطلب مشايخنا ~~اليوم؟ الحقيقة الناصعة هي أنه عندما انفتح المسلمون على غيرهم ونقلوا علومهم ~~وتجاربهم رغم وثنية هذا الغير، كان ذلك هو عصرنا الزاهر، وحفظ به العباسيون للدنيا ~~كلها أسس التحضر والتقدم بما حفظوه لنا من علوم الحضارات الوثنية القديمة. # وبين ثنايا فقههم يلقي مشايخنا بالقول تسليما من أنفسهم لأنفسهم بقدسية ما ~~يقولون، دون أن تستند تلك الأقوال إلى ms231 سند من منطق أو واقع، وذلك مثل قول الدكتور ~~الصاوي أحمد الصاوي في كتابه «القيم الدينية وثقافة العولمة» الصادر عن وزارة ~~الأوقاف: «إن عقول العلماء والمفكرين والفلاسفة الذين يضعون أسس هذه القيم الوضعية، ~~عاجزة مهما قويت عن الإحاطة بجميع مصالح المجتمع البشري». والمنطق البسيط يقول لنا ~~إنه إذا كانت عقول فلاسفة الدنيا قاصرة عن الإحاطة بمصالح المجتمع، فلا ريب في ~~المقابل أن تكون عقول فلاسفتنا أكثر عجزا، وأن تكون عقول عوامنا أعجز وأعجز، ~~وينطبق الشيء ذاته على الفقهاء وأيضا على الأنبياء بصفتهم بشرا، وبالطبع على د. ~~صاوي، ولا تفهم بعدها لماذا دبج كتابه هذا. وهكذا تكون مصالح المجتمع المحور الذي ~~تدور حوله قضية القيم غير مستوعبة، فكيف إذن يمكن إيجاد قيم لهذا المجهول غير ~~المحاط به. # فالغير محاط به غير مستوعب غير مفهوم، مجهول فكيف يمكن إيجاد قيمته بينما لم ~~يستطع ذلك العلماء والمفكرون والفلاسفة من خيرة المجتمع البشري الإحاطة به؟ إن ما ~~لا يمكن الإحاطة به يلقى في القمامة لأنه شيء لا يمكن التعامل معه، سيكون مثل ~~العنقاء والقنطروس والخل الوفي وأبو رجل مسلوخة، لا يمكن التعامل معها لأنه لا ~~يمكن الإحاطة بها حتى يمكن وضع قواعد سليمة للتعامل معها. وبعد أن يؤكد أن تلك ~~المصالح المجتمعية غير مستوعبة حتى يضع لها الغرب القيم، يفاجئنا الدكتور صاوي ~~بتوصيف وشروح بطول كتابه لتلك المصالح المجتمعية وقيمها الدينية الإسلامية، فأنكر ~~على الجميع هذا الاستيعاب، وأصبح هو المستوعب الوحيد والراعي الرسمي للقيم، وأخذ ~~يصف ويشرح هذا اللامستوعب، فكان كمن يصف لنا العفريت وكيف يأكل وكيف ينام وكيف يقضي ~~حاجته؟! # إنهم وهو يسفهون أي شيء غربي إنساني يسقطون في مزالق مفهومية شديدة البساطة ~~والصغر، فأحال الدكتور موضوعه كله (القيم) إلى وهم غير قابل للإدراك ومن ثم غير ~~موجود. # ضمن ذلك الكلام الذي يلقى في الهواء إلقاء، قول سيادته: «إن الخصائص التي تتميز ~~بها القيم الدينية على القيم الوضعية هي التي أدت لوقوف الأغلبية في جانب القيم ~~الدينية والتمرد على القيم الوضعية» (ص38). # يقود ms232 الشيخ هنا حركة تمرد تخلق صراعا بين القيم الإنسانية (يسميها مادية أو ~~وضعية) وبين القيم الدينية، في حين أصحاب الأديان من أنبياء لم يخبرونا صراحة ولا ~~ضمنا بوجود قيم دينية، وهو ما سنقيم عليه الدليل في هذه الدراسات على ~~التوالي. # أما الملقى في الهواء فهو الذي يستدعي التساؤل: من هم هؤلاء الأغلبية الرافضة ~~للقيم الإنسانية ويفضلون عليها قيمهم الدينية أو المحلية؟ هذا مع ما هو معلوم ~~ومسلم به أنه لو وجدت قيم دينية فستنحاز لدينها وطائفتها؛ فهي إن وجدت ستكون ~~قيما ضد التماسك الاجتماعي والسلام الوطني والإنساني؛ لأنها ستكون طائفية عنصرية ~~تختص بجماعة من المجتمع دون بقية الجماعات، وبأتباع دينها دون الإنسانية جمعاء، ~~بينما الإنسانية كلها قد تواضعت على قيم عامة يقبلها جميع الفرقاء بالتصويت في ~~الأمم المتحدة؛ فهي ترفض مثلا ترويع الآمنين، وترفض الإكراه في الدين وترفض ~~التكفير، وتدعم بلا حدود إطلاق حرية العبادة والتدين ... إلخ. # إن ما يزعمه صاحب هذا القلم هو أنه لا يوجد شيء اسمه القيم الدينية، ولم يأت بها ~~قرآن ولا أنبأنا بها رسول ولا صحابي، وأن حديث فقهاء زماننا عن القيم الدينية هو ~~تأثر بالقيم الأخلاقية الإكسيولوجية الفلسفية المعلومة، فقاموا كعادتهم ينسبون كل ~~تفوق إلى الإسلام، وادعوا ملكيتنا كمسلمين للقيم. علما أن فلسفة القيم الإكسيولوجية ~~أسبق من الإسلام بألف عام، وقيم المصريين الأخلاقية أسبق من الإسلام بخمسة آلاف ~~عام، وقيم الرافدين التي تجلت في قوانين تحميها وتحرص عليها منذ حمورابي لأكثر من ~~ألفي عام، وكلها كانت خبرات ومعارف مكتسبة تمكن الإنسان عبر السنين من أن يستخلص ~~منها ما له قيمة نافعة ليفرزه ويجنبه عما له قيمة ضارة، سواء أكانت القيمة مادية ~~موضوعية تتعلق بتقييم الأشياء أم قيما سلوكية أخلاقية؛ فالقيم معرفة مكتسبة وليست ~~قواعد دينية. # ولأن القيم دينية فلا بد من ربطها بالإيمان لذلك يقول الصاوي إنه قد «نادى ~~الحكماء بالعودة إلى الإيمان الذي يمثل طوق النجاة واستعادة الأمن والأمل والثقة ~~والتفاؤل والعدل والمساواة» (ص39). # وعلى هذا الكلام يترتب اعتراض ثم تساؤلات، والاعتراض هو ms233 على القول بأن الإيمان ~~بالله قيمة من القيم الأخلاقية؛ لأن الإيمان بالله اعتقاد؛ لذلك تجد ملحدين ويعملون ~~وفق مكارم الأخلاق ونبالة الإنسان لكونه إنسانا فقط، وتجد أديانا عديدة تؤمن كل ~~منها بالله على طريقتها وتتضمن شرورا مستطيرة، وبالمقارنة ستجد فروقا واسعة بين ~~هذه الأرباب حتى تكاد كل ثقافة تختص بإله له صفات بذاتها. # أما الإنسان فلا يوجد إلا ليصنع لنفسه قيما؛ لذلك فلكل البشر قيم، في حين ليس ~~لدى كل البشر آلهة متماثلة. # إذن فبالإيمان بالله عقيدة قد توجد وقد لا توجد، لكن لا يمكن أن يوجد مجتمع دون ~~قيم تحكمه، سواء أكان مجتمعا مؤمنا أم مجتمعا ملحدا أم وثنيا؛ لأننا لو قلنا ~~إن الإيمان بالله قيمة تميز المؤمن عن غير المؤمن، فالمعنى أن الله أصبح لوحة ~~مكتوبا عليها بأحبار ومطابع الغرب الكافر، مثله مثل السيارة عندما أشتريها أقوم ~~بتقدير قيمتها، أو المعزة عندما أشتريها أضع لها قيمة، وهو مالا يليق بالذات ~~العلية، بينما الله غير متفق عليه ما بين بلد وآخر ومجتمع وآخر، فلكل ثقافة ربها ~~بمواصفات خاصة تجعله بعيدا جدا عن الآلهة الأخرى في الثقافات الأخرى، ولم يحدث ~~أن اتفقت الأديان على مواصفات الإله، ولم يحدث إجماع على إله من بينها. بل إن هناك ~~من لا يؤمن بأي إله وهم كثر خاصة في بلاد الغرب المتقدم. # أما القيم فمتفق عليها فلا يوجد إنسان بدون قيم منحطة أو حسنة وبدونها يكون حجرا ~~غير حي، لكن بإمكان الإنسان أن يكون إنسانا بالمعنى الإيجابي للقيم الإنسانية ولا ~~يكون مؤمنا بأي إله؛ لأن الإيمان بإله هو عقيدة وليس قيمة. وعليه فالقول إن ~~الإيمان قيمة إيجابية يقابلها الإلحاد كقيمة سلبية هو قول غير سليم بأي معنى من ~~المعاني؛ لأن الإيمان مسألة قلبية لا يمكن قياس كميته بالكيلو متر أو الكيلو غرام. ~~ومن ثم لا يمكن تثمينه لتصنيفه على سلم القيم إيجابا أو سلبا؛ فالقيمة كما ~~تخبرنا الدكتورة فوزية دياب تقتضي الاختيار والإيثار الذي يقوم على الترجيح ~~والتفضيل، وللتبسيط أضرب مثالا بمن يذهب للشراء ms234 يحمل قيمة تختلف عن القيمة التي ~~يحملها عندما يذهب للزواج وعن القيمة التي يحملها عندما يذهب للسياحة، وعند الشراء ~~سيختلف حكم القيمة ما بين شراء الطعام وما بين شراء لوحة فنية أو تحفة أثرية، ~~سلم القيمة سيختلف في حالة واحدة هي الشراء فكيف يمكن تركيب الإيمان على سلم ~~القيم، إما إيمان وإما إلحاد ولا وسط بينهما لأن الإيمان في النهاية غير قابل ~~للقياس. # ولا تفهم سبب انزعاج فقهائنا المحدثين من وجود الملاحدة في المجتمع رغم أن وجودهم ~~ضرورة لتثبيت الإيمان، حتى قال الصاوي إن من لا يؤمن بالله ليس إنسانا. بينما ~~وجودهم بيننا يعود على المؤمنين بالنفع العظيم؛ لأن المسلم متوسط التقوى قليل الورع ~~يجد نفسه عاجزا عن أن يكون مثل عمر أو أبي بكر أو الشيخ قرضاوي أو الشاب عمرو ~~خالد، فيصاب في إيمانه بالنقص مما قد يغويه بالمزيد من عدم التقوى والورع ما دام لا ~~يستطيع أن يكرن مسلما حقيقيا، بينما عندما يرى الملحدين أمام عينيه فإنه يقيس ~~نفسه عليه فيجد أنه بإيمانه المتواضع من أهل الجنة، وأن جهنم لن تسعى وراءه لتصطاده ~~وأمامها هؤلاء المناكيد. ولا شك أنه سيطمئن باله ويهدأ ويشعر بالسعادة لا بالخوف، ~~ولن يفكر في التطرف والتشدد لأنه سيرى نفسه في قائمة المحبوبين من الله والفائزين ~~يوم يحشرون. ويخرج بذلك من دائرة التشدد لدائرة الإيمان السمح، ولن يكون مضطرا ~~للسعي المستمر للحصول على درجة أعلى فلا يجد سوى رتبة الشهيد التي سترفع أسهمه فوق ~~كل هؤلاء المؤمنين الكبار. إن وجود حرية الكفر هو ضرورة يعلمها الله لذلك أقرها في ~~قرآنه. # أما التساؤلات التي يستدعيها هذا الكتاب فهي: هل هذه الدعوة موجهة لنا نحن ~~المسلمين؟ أم هي موجهة إلى الغرب الكافر؟ إن كانت موجهة إلينا فهو ما يعني أن فقهاء ~~زماننا يروننا قد أصبحنا خارج دائرة الإيمان لذلك يدعوننا للعودة إليها، وهو ما ~~يعني أنهم يعتبروننا قد كفرنا بعد إيمان وبحاجة للعودة إلى هذا الإيمان؟ وبالطبع لا ~~حل لعودتنا إلى حظيرة الإيمان خرافا مطيعة إلا ms235 بتمكين فقهائنا من السلطنة ليعيدونا ~~إلى الإيمان؟! # أما إذا كانت هذه الدعوة موجهة إلى غيرنا حيث الغرب العاري المنحل، فلماذا البكاء ~~على حال الكفرة الطاغوتيين؟ أم تراه يرهن رقي الغرب باتباعنا واقتناعه بقيمنا ~~وتسليم قياده لكهنتنا، وإلا لا يمكن وصفه بالرقي والتحضر الذي صنعه لنفسه ~~بيديه؟ # إن للأديان بمختلف ألوانها ومشاربها قدسية عظيمة لدى أتباعها. والقواعد الدينية ~~هي فروض وأوامر ونواه، بينما القيم تقوم أصلا على المفاضلة والتمييز بين أكثر من ~~اختيار، وتترتب على سلم قيمي يفاضل ويمايز ويفرز ويجنب بين قيمة وأخرى، أما ~~القواعد الدينية فهي فروض مفروضة فرضا على أتباعها بحيث لا يمكن مناقشتها عقليا ~~بعكس القيم الإنسانية القابلة للأخذ والرد والمناقشة والمفاضلة والممايزة. # وبين تلك الأديان يحرص المسلمون على التأكد من سبق الإسلام لكل علم ومعرفة حدثت ~~أو لم تحدث بعد، وضمن ذلك ما تفعله هنا وزارة الأوقاف بكتبها عن القيم. علما أن ربط ~~القيم الإنسانية بالقواعد الدينية، وجعل هذه القواعد قيما أو مصدرا للقيم، لا بد ~~أن يؤدي بالضرورة إلى جمود القيم جمود القواعد الدينية. # أما ما يهولك فعلا أن نكون في قعر العالم ومؤخرته وتتلبسنا قناعة بأننا الأميز ~~والأكفأ والأقدر على إسعاد الآخرين، كما لو كانت حياتنا في بلادنا الكئيبة المتخلفة ~~المعتوهة هي نموذج السعادة، ونرى من واجبنا فرض قيمنا الدينية على الإنسانية كي ~~تحصل على ما حصلنا عليه من نعيم ورفاهية ورخاء وتقدم، اعتمادا على اعتقاد أن الإله ~~الخاص بنا قد أعطانا وعدا بذلك. ودون أن يمتلك أتباع هذا الإله أي مقومات تؤهلهم ~~لامتلاك سيادة العالمين. وواقع الأرض والأحداث بعيدا عن التوهمات المريضة ينطق ~~بحال كالعدم، فنحن نعيش بالمنتج التكنولوجي لهذا العالم وبإعانات من هذا العالم في ~~كل مجالات حياتنا من الألف إلى الياء، ويبذل العالم جهدا مشكورا مأجورا لإخراجنا ~~مما نحن فيه من أسن وعفن وعطب، بينما سادتنا المشايخ يحرضون على العداء لهذا العالم ~~العاري الماجن (لماذا لا يرون في هذا العالم سوى الأفخاذ العارية؟! هل العيب في ~~الفخذ العاري وسط منجزات كبرى ms236 هائلة أم في العين التي لا ترى سوى الأفخاذ؟!) ~~ويشحنون المسلمين بكراهية المتقدمين حتى نظل بجهلنا رهينة عند مشايخنا وعند ~~السلطان. # وما زال لنا مع القيم حديث يطول، لمحاولة هدم وبناء بنقد ما نعتبره أو نظنه قيما ~~إسلامية وهي ليست كذلك حقا، نفتح الباب نحو تأسيس ثقافة للقيم متصالحة مع زماننا ~~ومع العالم، كتأسيس لا بد منه، تمهيدا لأي إصلاح منتظر. ~~(7) فلسفة القيم إبداع إنساني لا إلهي # بسبيل إنكار واستنكار القيم الإنسانية ~~(الإكسيولوجية فلسفيا وهي: الحق والخير والجمال) إزاء القيم الدينية، يقدم ~~الدكتور الصاوي أحمد في كتابه «القيم الدينية وثقافة العولمة» فرضية يطلب أن نسلم ~~بها لتماسكها المنطقي، وهي الفرضية التي تؤكد من البداية استحالة قيام أية قيم ~~إنسانية سليمة تكون من وضع البشر؛ لذلك لا مفر من اللجوء إلى القيم الإلهية. وهذا ~~إنما يعني أن البشرية قد ظلت بلا قيم حتى جاء الإسلام؛ لأن دكاترة الأوقاف عندما ~~يحدثوننا عن القيم الدينية يقصدون تحديدا قيم الإسلام؛ لأن الدين عند الله الإسلام ~~فقط. وهو أيضا ما يعني أن جمع الأنبياء الذين ظهروا قبل الإسلام كانوا عديمي ~~القيم، وهو أيضا ما يعني أن شعوب العالم غير المسلم شعوب بلا قيم ولا يشرحون لنا ~~كيف تكون متحضرا ولا تملك قيما؟! بينما من يملك تلك القيم هو الغارق حتى أذنيه ~~وعينيه في التخلف والجهل والتاريخ الآسن، وعليه يجب أن نفهم أن هناك قيما تصون ~~التخلف وتبقي عليه، فيكون التخلف عائدا للقيم التي ترعاه، وهي بذلك قيم سلبية ~~تحتاج إلى إصلاح بشأنها، مع الأخذ في الاعتبار الكامل قيما تدل عليها حياة أهلها ~~الذين يرفلون في النعيم، وهذا النوع من القيم لا يسقط على أصحابه من السماء، إنما ~~هم من صنعوه صنعا واخترعوه اختراعا. فالقيم موجودة لدى الجميع، لكن مجتمعا يحرص ~~على ما لديه من قيم حتى لو كانت سلبية، وهو بحاجة لإعادة كنس وغسل وتطهير وتنظيف ~~شامل للعقل وللضمير، ومعلوم أن كل شعب يمجد قيمه ولا يرى فيها أي سلبيات، حتى ~~الغجر والمافيا يمجدان قيمهما ms237 ويعتزان بها؛ لأنها هي التي تحافظ على وجودهما ~~وبقائهما غجرا ومافيا. والمعنى أن القيم تكون صالحة فقط للمجتمع والزمن الذي ~~أفرزها فإن تجاوزت ذلك قد تصبح سلبية في مجتمع آخر وزمن آخر. # لكن السيد الدكتور يقدم لنا حجة شبه منطقية للبرهان على فرضه فيقول (ص9): «الآن ~~القيم معايير ومقاييس من شأنها ضبط العدالة والمساواة بين البشر، فلا يجب ترك أمرها ~~للأهواء البشرية، حتى لا تكون محلا للعبث والتلاعب والانتقاص، فلا يمكن أن يكون ~~الإنسان نفسه محل الفعل والتقييم والمعايرة، وأن يكون هو أيضا المعيار والمقياس في ~~الوقت نفسه، ولا يمكن أن يتصور أن يصبح الإنسان هو الذي يجري على فعله الصواب ~~والخطأ أو القياس والمعيار، وإلا فتح الباب للأهواء والرغبات الذاتية، ومن ثم ~~للفساد والاستبداد. وفتح المجال لتسليط الإنسان على أخيه الإنسان، بسبب فقدان ~~الميزان والمقياس والمعيار الإلهي الذي هو أساس القيم.» # إن حجة عدم تصور أن يكون الإنسان هو الذي يجري على فعله القياس والمعايرة بالصواب ~~أو الخطأ، قد يكون صحيحا فيما يخص الشأن الديني من طقوس وشعائر وعبادات وغيبيات، ~~وأن الاحتجاج بعدم إمكانية جمع الإنسان بين وضع القوانين وتقييم أفعاله والحكم ~~عليها مما يلزم عنه أن يكون هو المشرع وهو الحكم والمنفذ، وهو الأمر غير المنطقي ~~ولا السليم عند الدكتور صاوي وجماعته؛ لذلك يرى وجوب ترك هذه المهمة للسماء وقيمها. ~~وهو كما قلنا أمر يصح في العبادات وغيبها فقط، فليس من حقي كمثال أن أتدخل في تحديد ~~عرض السراط، ولا عدد أجنحة جبريل، ولا أزيد من عدد الركعات أو أنقص منها، ولا أتدخل ~~في الغيبيات كالعرش والجنة والجحيم، ولا أسأل عن أشياء إن بدت لنا مسيئة، فلا نسأل ~~كيف ولدت الصخرة ناقة صالح وفصيلها معها، ولا الحكمة في إسراء النبي ومعراجه سرا ~~لا علنا، ولا كيف مكث يونس في بطن الحوت، هي موضوعات إيمان لا موضوعات بحث، تقوم ~~على التسليم وعدم المناقشة. أما فيما يتعلق بالحياة الدنيا، بالمجتمعات والدول ~~والبشر وأنشطة الإنسان اليومية، سنجد الواقع يقول شيئا مختلفا ms238 بالمرة عما يقول ~~فقهاؤنا؛ فالشرق والغرب والشمال والجنوب في كل بقاع المعمورة، يجرون على فعالهم ~~الصواب والخطأ والقياس والمعايرة، وجميعهم كما نرى أحرار ناجحون متفوقون سعداء ~~متميزون يعيشون كل الهناء والسرور، بينما نسعى نحن لتقليدهم لكننا نرفض قيمهم وننقل ~~عنهم فقط ما قد تسمح بمروره ذائقتنا الدينية ومجموعة فلاترنا وخطوطنا ~~الحمراء. # وبينما يستنكر فقهاؤنا أن يكون الإنسان معيار نفسه، فإن الواقع يؤكد أنه لا بد أن ~~يكون الإنسان نفسه هو محل الفعل والتقييم والمعايرة، بدليل أن الله لم يرسل أنبياء ~~لا إلى استراليا ولا أمريكا ولا شرق آسيا، ورغم ذلك فإن تلك البلاد متفوقة بما لا ~~يقارن ببلاد من يزعمون امتلاك قيم سماوية. # إذا كانت هناك قيم سماوية؛ فهي فقط ~~للعبادات وتخص كل دين على حدة؛ لذلك لم تتفق الأديان ولم تتوحد لعدم تطابق قيمها ~~الدينية. وثمة فارق عظيم بين قيم تعبدية تختلف بين دين وآخر، وبين القيم الإنسانية ~~الكونية الصالحة لكل البشرية. لقد نجحت القيم الإنسانية في توحيد البشرية وتوجيهها ~~نحو قرية واحدة، بينما لم يتمكن أي دين من ذلك، وعندما أرسل الله نوحا وأحدث ~~الطوفان، كان الهدف من هذا القرار الرهيب في حق الإنسانية كلها هو التخلص من ~~الآخرين غير المؤمنين لتوحيد البشرية، ومع ذلك لم تتوحد البشرية، فجاء بعد نوح من ~~خرجوا على الدين مرة أخرى، ولا شك أن الله كان يعلم ذلك سلفا، ومع ذلك استجاب ~~لدعوة نبيه ولم يبق على الأرض من الكافرين ديارا، أطفالا ونساء عجائز وشيوخا ~~كلت حواسهم عن إتيان المعاصي، مع من تمت إبادتهم. بينما القيم الإنسانية هي التي ~~أدت للإنجاز الذي يتحقق اليوم تدريجا لتوحيد البشرية بالعولمة، دون دمار وطوفان ~~وخراب ديار وإبادة للإنسانية على الأرض، إنما بمؤتمرات وحوارات بين الثقافات وما ~~تقوم به اليونسكو الآن في (حوارات القرن الحادي والعشرين). # ثم إن الإنسان ليس نمطا واحدا، فلكل بيئة ناسها وظروفها الجغرافية والطبيعية ~~والتاريخية، فما يتفق والنمط البدوي يختلف ويتنافر مع النمط النهري الزراعي، وما ~~يوافق الأوروبي لا يوافق الحجازي. فإذا ms239 كانت قيم الإسلام تناسب منطقة ظهوره، فإن ~~البشر في منطقة ظهوره كانوا من نمط يختلف عن نمط بقية البشر. بل من نمط خاص جدا ~~تفاعل معه الوحي حسب فهم زمانه وناس مكانه فحدثهم بلغتهم ومعارفهم وبلسانهم، ~~وخاطبهم على قدر عقولهم لا على قدر عقولنا. # وكما كان للصحراء قيمها كان لبيئة النهر ~~قيمها، وقيم النهر أنشأت حضارات كبرى قبل الأديان وبعدها، والقول إن قيم الصحراء هي ~~المثال النموذجي هو أمر يجافي حقائق الواقع على مدى التاريخ، وإلا لكانت جغرافية ~~مهبط الأديان تحوي أقوى وأعظم الحضارات، ولكانت لها السيادة والريادة، ولما ظهرت ~~اليوم دعوات الإصلاح لبلاد مهبط الأديان، ولقام العالم كله يسعى للتشبه بنا والنقل ~~عنا لا العمل على إصلاحنا. وعليه فإن البيئة تشكل بمشاركة البشر ونتيجة تفاعلهم ~~معها، ضميرا جميعا يتمثل واقعيا في مجموعة نظم وقواعد وعادات وتقاليد، تحكمها ~~القيم التي توافق عليها هذا الضمير الجمعي. وهو ما يتم غرسه في الطفولة والتنشئة ~~الاجتماعية، فتتحول القيم إلى معان داخلية تصع شروط السلوك، تصبح مثل أوبريتور ~~داخلي باطني سبق تصنيعه، مهمته تشغيل السلوك وفق ضوابط تحمي هذه القيم؛ ومن ثم ~~تتشكل القيم بحسب ظروف الجغرافيا والبيئة وشكل المجتمع وظروفه. وفقهاء زماننا ~~يحرمون المسلمين من تشغيل هذا الأوبريتور باعتباره نقيضا للقيم الدينية؛ لذلك ~~حرموا الإبداع بحسبانه بدعة، بينما قام الإنسان في الغرب بتشغيل هذا الأوبريتور ~~فأبدع وابتدع وأفاد بعلومه وقيمه الإنسانية كلها. # إذن البيئة والإنسان يصنعان معا ما يلزم من تكنيك لإشباع الحاجات الإنسانية وفق ~~نظام قيمي، ولحماية هذه القيم تم اكتشاف القوانين أو اختراعها اختراعا لضمان قيم ~~الجماعة وصيانتها. فالبيئة حكمت على مصر مبكرا بإدارة محكمة ونظام تكافلي مقدس في ~~مواجهة توحش النيل، للسيطرة عليه واستئناسه وتوظيفه بما يعطي أفضل منفعة؛ لذلك كانت ~~القيم تناسب هذا الوضع الخاص، وهو وضع يختلف بالمرة عن بيئة الندرة الشحيحة الفقيرة ~~في البوادي، حيث لا يمكن الحديث سوى عن قبائل متفرقة متقاتلة على خير البيئة ~~الضنين، لا عن دولة مركزية إدارية. # ومثل الدكتور الصاوي فإن الشيخ ms240 الدكتور «عمر حسنة» يضع تعريفا للقيم في ثوب يبدو ~~مدنيا بالكامل، بينما يستبطن الرؤية الدينية وحدها؛ فهو يقول: «إن القيم معايير ~~ومقاييس للفعل البشري، ومحددات للسلوك، وضابط للنشاط الإنساني ومسيرة البشرية في ~~المجالات جميعا» (المصدر نفسه). ولعل أول ملحوظة هي إسقاط هذا التعريف عن قصد ~~وعمد، المشاعر والأحاسيس الإنسانية وقيمها ومعاييرها؛ مما يعني إنكار وجود أي قيم ~~للتذوق الفني والجمالي، هو تعريف إسلامي في لغة محايدة، تعريف لا ينظر إلى الآثار ~~المصرية أو تماثيل بوذا التي دمرتها طالبان بأنها أشياء ذات قيمة. فإن سألنا عن ~~المعيار أحالونا إلى المعيار الإلهي. ولو ذهنا معهم إلى المعيار ذاته لوصلنا إلى ~~نتائج مخالفة لمقدماتهم، فإذا كان هناك معيار إلهي للقيم، فلا شك أنه كان قديما ~~أزليا سابقا لكل الرسل، ولأن آدم هو من كان مؤهلا لفهم القيمة والحكم عليها، ~~وبدون وجود إنسان لا وجود لأي قيمة لأن من يعطيها القيمة هو الإنسان، إذن لا شك أن ~~هذا المعيار الإلهي قد صاحب عملية خلق آدم؛ لأنه لن يصح القول إن الله قد خلق آدم ~~بلا أخلاق وتركه وذريته ألوف السنين، ثم استدرك ذلك بملحق أخلاقي يحمله له ~~الأنبياء، ناهيك عن كون آدم نفسه نبيا لأولاده حسب العقيدة الإسلامية. إذن لو ~~سلمنا لفلاسفة القيم المسلمين بما يسمونه قيما إلهية لها معيار إلهي، فلا شك أن ~~هذا المعيار هو الذي صاحب الإنسان في عصره الحجري في صورة قيم مغروسة فيه، تتناسب ~~مع مطالب القوة البدنية للدفاع عن النفس والحصول على الغذاء في الغابات والأحراش في ~~بيئة بدائية قاسية، وذلك للحفاظ على نوعه من الانقراض. كانت القيم تناسب الحال، ~~كانت هي الغرائز والحاجات الأساسية والشهوات وحدها لا غير. # كان الإنسان نصف وحش نصف إنسان، كان بحاجة لما يواجه به البيئة المتوحشة، ولأن ~~لكل مقام مقال، ولأن لكل زمن أو مكان ما يناسبه، فإننا لو قلنا معهم بقيم إلهية ~~فستكون هي الغرائز والحاجات للسكن والطعام والجنس والأمن؛ لذلك أعطاه الله الغرائز، ~~أعطاه حواس الإشباع لحفظ نوعه وحياته، وهي ms241 قيم كانت موجودة سواء جاء الأنبياء ~~ليقولوا لنا عن القيم الإلهية أو لم يأتوا. كان كبقية الوحوش ينكح أخته كما في صراع ~~هابيل وقابيل مثلا، وحتى زمن إبراهيم الذي تزوج من أخته سارة، وحتى زمن الأسباط ~~عندما تزوج عمران عمته يوكابد. ولو كان لدى آدم ما لدينا اليوم من قيم إنسانية لفشل ~~وانقرض لعجزه عن التعامل مع بيئة لا ترحم ضعيفا. # وعندما طور الإنسان بيئته طور قيمه لتناسب الجديد؛ فهو يطور البيئة فتتطور القيم ~~لاحقا، وهو ما يفسر لنا بقاء قيم شديدة البدائية في المجتمعات المتخلفة التي لا ~~تخترع ولا تنتج ولا تضيف جديدا، بينما يحاول العالم المتحضر مساعدة هذه المجتمعات ~~للخروج من بدائيتها. وكان معنى الخير بدائيا ماديا بحتا فالخير هو الطعام أو ~~الإحسان بالطعام والماء، مجموعة الأفعال المسببة للذة والسعادة كانت هي قيمة الخير، ~~كانت عند البدائي حرة عشوائية بلا قيود، يجامع كالحيوانات أمام الآخرين دون حرمات، ~~كل شيء كان مباحا فلو وجدت قيود وتحريمات لاندثر وانقرض. كان هو الوحشية الطليقة ~~غير المقيدة، يأكل ويفترس غيره ويشبع غرائزه، حتى جاء فجر الضمير مع قيام دولة مصر ~~القديمة الموحدة، فيما وصل إليه الحبر اليهودي الأركيولوجي الأمريكي جيمس هنري ~~برستد، وقبلها كان الظلام الدامس، قبلها كان الإنسان لا يزال حيوانا بعد. # القاعدة الأساسية لقيمة الخير عند البدائي هي ما يخطط للإنسان حياته ونوعه، كل ~~شيء مباح ما دام يحقق الراحة والسعادة واللذة، ومع التحضر والتطور أخذ الإنسان ~~يهذب من سلوكه ويتنازل عن بعض حرياته للمجتمع، وبدأ تعريف القيم وسنت لها ~~القوانين عند حمورابي وفي القانون المصري القديم وهو قانون شديد الثراء، وعني ~~المجتمع بأن يعرف أفراده حقوقهم وواجباتهم عبر تعليم القوانين والعقوبات في المدارس ~~كما وصلنا من العمق البعيد لتدريبات تلاميذ المدارس في مصر القديمة. # إذن حسب الرؤية الدينية فإن المعطى الإلهي كان الغرائز الموضوعة في خلقة آدم، مع ~~معارف أولية بسيطة ابتدائية، ومثل هذه المعارف الأولية لا تندرج تحت معنى القيم ~~اليوم إلا بمعناها السلبي، ويبدو أن المعطى الإلهي ms242 كان به شوائب كثيرة لحكمة يعلمها ~~الخالق سبحانه وتعالى، حتى العقل الذي هو سر التكريم الإنساني كان أيضا ناقصا ~~ومعيبا بدليل تعرضه للخداع من إبليس، وسقوطه ومعه ذريته حسبما نؤمن عن ~~قناعة. # لم ينزل آدم إذن على محطة لمترو الأنفاق ولا أمام هوليود وناطحات السحاب، وهي ~~مستحدثات تحتاج كل منها إلى تقييم يعطيها قيمة وقوانين تحمي هذه القيمة، حتى تسيل ~~حركة المجتمع دون عوائق، فمثلا عندما استحدث الإنسان السيارة وضع لها قيمة ثم وضع ~~للقيمة قانونا يحميها هو قانون المرور؛ وهكذا كان كل مستحدث من صنع الإنسان، يضع ~~له القيمة الإنسان، ومن يعايره بقانون يحمي القيمة هو الإنسان؛ لذلك لا يوجد قانون ~~مرور إسلامي مثلا لأنها مستحدثات لم يعرفها الإنسان البدائي، بينما آدم حسب القصة ~~الدينية ما كان محتاجا لكل هذا، فقد نزل في برار وأحراش وغابات ومفترسين ومفترسات ~~وأرض غير مستقرة ما بين إعصار وبركان، ومع التطور ظهرت قيم الحضارة في البلاد ~~النهرية، ومع التطور التالي ظهرت قيم عصر النهضة ومع التطور التالي ظهرت قيم زمن ~~العولمة، وفقهاؤنا المتفلسفون يحدثوننا عن قيم زمن العولمة كما لو كانت هي القيم ~~الإلهية، بينما قيم العولمة في زماننا هي نتيجة تطور هائل حدث للمعاني والمفاهيم ~~القيمية لتحمل دلالات جديدة تناسب زماننا، ولم تكن في مخزونهم المعرفي أصلا، لقد ~~أنشا الله الغابة وأنشأ لها قيمها، وأنشأ الإنسان الحضارة وأنشأ لها قيمها. ~~(8) القيم الأخلاقية والاسلام # في كتابه «الإخوان المسلمون» يشرح لنا الشيخ الدكتور يوسف قرضاوي السر وراء رفض ~~المسلمين لقيم البلاد المتقدمة مع قبول منتجها التكنولوجي، بداية وقبل كل قول. وهو ~~ما يعني قبول الصنعة دون الصانع ودون القيم التي أدت إلى ظهور هذه الصنعة، وما يعني ~~أيضا وجودنا الدائم في حال من الدونية والقزمية غير منتجين بل متطفلين على منتج ~~الغرب المدني، عملا بقول الشيخ شعراوي تجاوز الله عن سيئاته، إن الله منحهم العلم ~~والعقل ليشقوا بهما كالأنعام وينتجون لنا ونحن نستهلك على الجاهز بما أعطانا من ~~بترول أو غيره. تصور يا مواطن ms243 هم في هذه المقارنة هم الأنعام! تصور! # المهم يقول قرضاوي وهو ينعى على المدنية قيمها الأخلاقية: «إن أهم الظواهر التي ~~لازمت تلك المدنية الإلحاد والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي، ~~والإباحية والتهافت على اللذة والتفنن في الاستماع وإطلاق الغرائز. والأثرة في ~~الأفراد فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه. والربا والاعتراف بشرعيته واعتباره قاعدة ~~للتعامل، وقد أنتجت هذه المظاهر المادية البحتة في المجتمع الأوروبي، فساد النفوس ~~وضعف الأخلاق، والتراخي في محاربة الجرائم فكثرت المشكلات وظهرت المبادئ الهدامة، ~~وأثبتت هذه المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني، وفشلت في إسعاد ~~الناس» (ص139، مكتبة وهبة، القاهرة). # والملحظ الأهم هنا هو بكائية الشيخ على خروج المسيحيين وغيرهم من أصحاب أديان على ~~أديانهم بسبب المدنية والحضارة، كما لو كان معترفا لهم بصواب أديانهم رغم «أن ~~الدين عند الله الإسلام»، وأنهم قد خرجوا على هذه الأديان إلى الإلحاد وإنكار الروح ~~وجزاء الآخرة، بينما الأمر عنده سواء، سواء عبدوا المسيح أو عبدوا العجل أبيس، خاصة ~~أن قرضاوي نفسه هو الذي يتعسر على لسانه تسمية المسيحيين باسمهم نسبة للمسيح، الذي ~~تم تأميمه لمصلحة الإسلام فكان مسلما والمسيحيون لا يعلمون؛ لذلك يلتوي لسانه ~~فينسبهم إلى مدينة الناصرة الفلسطينية ويسميهم «نصارى». # أليس هذا تلبيسا وخداعا ونفاقا يثير ~~السخرية أكثر مما يدفع لاحترام القائل، بل هو يشين القائل ويقلل من قيمة ما يكتب ~~ومصداقيته، وأن غرضه ليس الدين بحد ذاته. أما قوله بفشل المجتمع المدني الإنساني في ~~دول الحريات في إسعاد الناس وتأمين حياتهم، فتلك والله فرضية كاذبة من العيار ~~الثقيل، تعجب من المسلمين وهم يسمعونها من الشيخ، كيف يتابعون قولا له بعدها أم ~~فتوى؟ وكما لو كانت ديار الإسلام هي ديار الأمان والرفاه والرخاء والإيمان والسعادة ~~والهنا والسرور، وكلها ألفاظ نسمعها ولا نعرف لها معنى في واقع حياتنا. فلا أمان ~~ولا رفاه إلا مع بترول اكتشفه لهم الغرب الكافر، ومنه يعيش الشيخ ومعظم المشايخ ~~حياة الرفاه والسعادة ولا يعلمون عن المواطن المطحون شيئا، نحن لا نعرف ms244 لا الرخاء ~~ولا الإيمان الصادق الذي يطرق القلب ويصلح الضمير، بقدر ما هو إيمان سطحي ظاهري ~~يهتم بالشكل دون المضمون، أما السعادة عندنا فهي ما نسمع عنه مثلما نسمع عن بيضة ~~الديك ولبن العصفور وحلاب جديه. # المفارقة في كون السادة المشايخ يفاخرون الغرب بأداء ما هو مطلوب من الإنسان ~~أداؤه من سلوكيات بحسبانه إنسانا، فليس للأب أن يفاخر بالإنفاق على عياله، ولا للأم ~~أن تفاخر برعاية أطفالها؛ فالمفاخرة تكون عند أداء ما هو أكثر من الواجب، فرحمة ~~القوي بالضعيف واجب لا يدعو للفخر والتباهي؛ لأنه ليس أكثر من المطلوب إنسانيا، ~~والشيخ فيما يقول ليس فريدا في بابه، وليس مبتدعا إنما هو متبع لعادات العرب ~~البدوية في حياتهم الضنك الجافية، وما تركه هذا الضنك حتى بعد الغنى البترودولاري ~~من ثقافة باقية تعود لزمن أسبق، عندما كان الصراع الصفري حتى الموت على خيرات ~~الطبيعة الشحيحة هو قاعدة البقاء حيا في الصحراء. # العرب تفاخروا بأدائهم الواجب؛ لأن قيم زمانهم غير قيم زماننا، فكان أداء هذا ~~الواجب في زماننا هو أكثر من الواجب في زمانهم، وما كانوا يعرفون ما هو أكثر من ~~الواجب، فإن قام أحدهم بأداء الواجب ملأ الدنيا صياحا وصخبا وشعرا ونثرا ~~بمطولات ورباعيات وخماسيات، مفاخرا بأدائه الواجب الإنساني، الذي يعجز مجتمعه عن ~~أدائه؛ لذلك استحق الفخر والشعر وتدبيج القوافي. فالفخر العربي بالكرم والشهامة ~~والمروءة لأنها كانت أفعالا فريدة، فحاتم الطائي واحد فقط لا غير، ولم يشتهر بعده ~~سوى جد النبي هاشم الذي هشم الثريد لقومه في المجاعة فسمي هاشما بدلا من زيد، ~~حالات فرادى لتاريخ طويل يفضح مجتمعه بتأكيد ندرة تلك الأخلاقيات، الواجبة ~~إنسانيا في مجتمعات أخرى وبيئات أخرى. الأمر نفسه يحدث اليوم وليته حادث عن ندرة ~~أخلاقية بقدر ما هو حادث توهمي مريض، فحتى هذه الندرة الأخلاقية غابت واختفت، ~~فنتباهى بتقليد الأمم المتحضرة بالتحدث مثلها وليس إتيان أفعال مثلها، فيشعر الواحد ~~منا أنه قد حصل على جائزة نوبل في الأخلاق لتسامحه مع غيره؛ لأنها عندنا قديما ~~وحديثا نوادر يتامى؛ لذلك ms245 تستحق في بلادنا الإعلان والتباهي والتفاخر؛ لأن أحدنا ~~قد تمكن من أداء فعل واجب إنسانيا. # ولمزيد من التدقيق بشأن القيم الأخلاقية، علينا أن نميز أولا بين ما هو قيم ~~ذاتية شخصية، تخص الفرد وهو حر في تفعيلها أو تعطيلها، وبين ما هو قيم موضوعية ~~عالمية إنسانيا لا يكون الفرد معها حرا في القبول أو الرفض، مثل قيم حقوق ~~الإنسان وقيم رفض التعصب للجنس أو اللون أو الدين، أو التفرقة بين الناس على أساس ~~من تلك الاختلافات، هي قيم إلزامية وضعت لها البلاد المتقدمة قوانين تحميها من ~~الكسر والتعدي عليها، تقف جميعا ضد التعصب والتطرف وحل المشكلات بالعنف ~~المادي. # هتلر مثلا جعل من قيمه الذاتية قيما مجتمعية فجاءت عنصرية تجعل من الألمان قمة ~~البشرية؛ مما أدى إلى حرب عالمية أكلت الحرث والنسل؛ لذلك فإن العالم من بعدها صار ~~يجتمع على قلب واحد، عندما تخرج القيم الذاتية إلى خارج حدودها، وهو ما حدث في ~~تحالف دولي ضد الإرهاب الإسلامي بينما الإرهاب عند المسلمين هو جهاد في سبيل الله ~~وهو أسمى آيات الإيمان والتصديق والاستشهاد، لكنه قيمة ذاتية تخص بشرا بعينهم دون ~~غيرهم؛ لذلك تؤدي إلى الحروب والقتال، بعكس القيم الإنسانية لأنها شاملة يلتزم بها ~~الناس سعيا لأمان المجتمع البشري كله. # وكم لدينا من قيم محلية ذاتية تخص الذات المسلمة، وتعود إلى مجتمع من نوع خاص هو ~~المجتمع البدوي الصحراوي، هو مجتمع خشن يرفض القيم الإنسانية لرقتها، بل ويعيب ~~عليها الرقة التي هي ضد الرجولة الحقة، فنتمسك بدلالات عتيقة لمفاهيم كالرجولة ~~والمروءة، ويقدم أحدهم على ذبح شقيقته أو ابنته لكسرها قواعد الشرف العربية في ~~الكراهية ولأنها اختارت لنفسها من تحب، دون أن يصنف فعل القتل كجريمة أعظم من ~~كل جريمة، وأن علاج الجريمة بجريمة أفدح هو خلل شديد في مقومات الضمير، بينما ~~العالم كله قد تغير فأعطى هذه المفاهيم دلالات جديدة بالمرة. # نتمسك بسلوكيات قاسية لأنها تناسبنا، بينما حقيقتها أنها كانت تناسب زمنها ~~وبيئتها، وخروجها خارج حدودها انتهى بحال بلاد الحضارات المفتوحة إلى ms246 ما هي عليه ~~الآن، بعد أن اكتفينا بديننا الجديد وما جاءنا راكبا الدين من عادات ونظم وتقاليد ~~بلاد غير البلاد وزمان غير الزمان، وأغلقنا على ذواتنا فلم نعد نرى نماذج عليا غير ~~قيمنا الدينية غير الموجودة أصلا في الدين؛ لأن القيمة حتى نسميها قيمة لا بد أن ~~تقف أمامنا في سوق عرض للأفكار، نختار بينها وبين غيرها ونفاضل، وهو الأمر غير ~~المسموح به في الدين؛ فهو أوامر وتعليمات ونواه وقرارات قادمة من خارج الإنسان، ~~بعضها في القرآن وبعضها في الحديث ومعظمها من المشايخ والفتاوى، فأي دين وليس ~~الإسلام فقط هو مجموعة إملاءات وشروط. # بينما كي يتمكن الإنسان من إصدار حكم قيمة فلا بد أن يملك حريته بإطلاق؛ لأنها هي ~~التي تمكنه من إصدار حكم القيمة. ولو وقع العقل والضمير الإنسانيان تحت سيطرة سلطة ~~خارجة عنهما تقوم بتسيير الإنسان، فإن حكم القيمة الذي سيصدره هذا الإنسان، لن يكون ~~تعبيرا عن رأيه، بل هو تعبير عن رأي المتسلط، فيأتي حكم القيمة معبرا عن رأي ~~المسيطر، أكان حاكما أم رجل دين أم مجتمعا أم مذهبا أم أيديولوجيا؛ لذلك فإن ~~المجتمع الذي يسمح بالحرية، هو من يصل إلى أحكام قيمة سليمة. # هذا إضافة إلى أن للقيم سلما تترتب عليه حسب الحاجة المجتمعية، وهو ما لا ~~يمكن فعله مع ما يسمى قيما دينية نفاضل بينها وبين غيرها، وإذا كان من يحدد القيمة ~~على السلم هو الفرد الحر، فإن القيم هنا تكون هي المتعلقة بحاجات الفرد المادية من ~~مطعم ومسكن وأمن و... إلخ، وحاجاته الشخصية من أدوات وآلات؛ لأن القيم المعنوية ~~المتعلقة بالأخلاق والمبادئ، هي محل التوافق الجمعي عليها. فإذا كان النظام السياسي ~~فرديا دكتاتوريا فلن يقر قيمة التفكير والحرية وسيخضع الأفراد لإرهاب الدولة، ~~وتتشكل قيم المجتمع على هوى الزعيم، وهي لا تمثل مصالح مجتمعه ولا مصلحة ~~الإنسانية. # والتاريخ يحتشد بهذه الأمثلة، هتلر، هولاكو، القذافي، موسوليني، الترابي والبشير، ~~ابن لادن، الزرقاوي، ميلوسوفيتش، محمد بن عبد الوهاب وآل سعود، عبد الناصر، عائلة ~~الأسد، ستالين، صدام حسين ... إلخ ms247 ... إلخ، فما أكثرهم في التاريخ الإنساني؛ وهو ما ~~يعني أن المجتمع المحكوم بسلطة الفرد لا بسلطة الناس، والمحكوم بالواحدية المصمتة، ~~هو مجتمع لا ينتج قيما تمثل روح الإنسان الحر وفكره وعقله، وغياب حرية الرأي ~~والفكر والاعتقاد هي ديكتاتورية تحول الأفراد إلى قطيع متوحش لا يضبطه إلا الراعي ~~الديكتاتور؛ لذلك يقولون في المثل: «كل شعب يستحق حكامه»، والراعي ليس الديكتاتور ~~كشخص إنما كمنهج، بمعنى فكر واحد واتجاه واحد ومذهب واحد، ومن يخالفه يقع تحت ~~العقوبة؛ ومن ثم لا يكون هناك أي مجال للحديث عن تعددية؛ لأن التعددية مساواة ~~ومشاركة لكل المختلفين. تفسح في المجال ليقول الجميع ويفكر الجميع ويؤثر الجميع ~~فنصل إلى محصلة تمثل الجميع بلا تسلط، ويسقط الراعي المفرد. # لنتابع الشيخ قرضاوي ونتساءل: إذا كانت القيم الأخلاقية للمدنية الحديثة بهذا ~~السوء، فما هي القيم الأخلاقية التي يجب أن نتمسك بها حتى نكون بشرا ~~أسوياء؟ # يقول الشيخ قرضاوي في كتابه «ملامح المجتمع المسلم»: «إن القرآن سور مكية، ~~ومدنية، مليء بالآيات واللوحات التي تقدم لنا نماذج خلقية كريمة، تجمع المثالية ~~والواقعية، لم تعرفها من قبل ولا من بعد شريعة ولا نظام» (ص94)، وإن آداب المجتمع ~~المسلم وتقاليده تنطق بهذه النماذج الخلقية العليا؛ فالمجتمع المسلم «لا يأكل ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ولا يشرب الخمر والمسكرات ولا ~~يقدم ذلك على موائده، وهو يأكل ويشرب باليمين ويبدأ طعامه باسم الله، ويختمه بحمد ~~الله، ولا يأكل ولا يشرب في إناء ذهب أو فضة ... ومن آداب المجتمع المسلم الإحسان على ~~الجار وإكرام الضيف وتشميت العاطس وعيادة المريض وتشييع جنازة الميت وتعزية ~~المصاب» (ص102، مكتبة وهبة، القاهرة). # بين هذا الحشد من الصفات الحميدة لا تجد شيئا يتعلق بالقيم الأخلاقية، لا الأكل ~~باليمين ولا بالشمال ولا تشميت العاطس ب «يرحمكم الله» ولا «شفيتم»، هو من القيم ~~الأخلاقية، بقدر ما هو من العادات والتقاليد، إنما تلمح بين السطور حالة شعور بفخر ~~بالنوادر كالإحسان للجار وإكرام الضيف وهو ما لا يستحق فخرا قدر ما هو واجب ms248 طبيعي ~~من الإنسان تجاه أخيه الإنسان، مع ملاحظة احتساب فقهائنا أن القيم الذاتية هي قيم ~~موضوعية لذلك يخلطونها بالعادة والتقليد، فعدم شرب الخمر أو أكل الدم أو عدم أكل ~~الخنزير أو أكل الجراد والضب أو الحمر الأهلية هي قيم ذاتية، لا قيمة لها خارج ~~المجتمع الإسلامي، فسواء أكل الخنزير أم التمساح، وسواء شرب الخمر أم مضغ القات، ~~فذلك كله لا علاقة له بالقيم الأخلاقية؛ لأنها مسائل ذاتية تتعلق بالاعتياد والتذوق ~~حسب المكان والزمان. # ثم يأخذنا الشيخ إلى المنطقة التي يصعب فيها النقاش، مقدما لنا القيم البديلة ~~لقيم المدنية من آيات القرآن الكريم، وهو بذلك يقدم لنا ما يسميه القيم الإلهية ~~وذلك مثل الآيات: # ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوا وأولئك هم المتقون ~~(البقرة: 177) (كتابه ملامح ~~المجتمع المسلم، ص91). # إن التوجه وجهة الكعبة، والإيمان بالله والآخرة والملائكة، وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة ... إلخ كلها فروض دينية يلتزم بها المسلم وليست قيما أخلاقية تسم صاحبها ~~بأنه راقي الخلق، وللأسف الشديد فإن عكس هذا هو ما ترسخ في العقل المسلم الجمعي، ~~الذي يرى أن الأخلاق لا تقوم إلا على تقوى دينية، ولا يصدر عمل ولا علم سليم ولا ~~خلق كريم إلا عن الإنسان التقي دينيا بالمعنى الإسلامي وحده، وهو الأمر الذي يخلط ~~الأمور المتنافرة بعضها ببعض فلا يبقى سوى فوضى القيم الذاتية، بلا علم وبلا أخلاق. ~~بينما الشيخ يرى أن الإشارات للقيم الأخلاقية في هذه الآيات كالوفاء بالعهد وإيتاء ~~المال للمحتاجين، عندما جاءت وسط قواعد إيمانية، جعلت من هذه القيم قواعد للإيمان، ~~فالمسلم هو الذي يفي بالعهد ويكرم المحتاج كما يصلي ويحج ويصوم؛ لذلك نؤكد مرة أخرى ~~أن القيم الأخلاقية هي تلك التي تعلو على الواجبات الإنسانية، وبدون الوفاء بالعهد ~~وتكريم المحتاج ms249 لا يمكن أن يقوم أي مجتمع ولا أي لون من السياسة أو الاقتصاد في أي ~~بلد مسلم أو غير مسلم؛ فهي ليست خاصية المسلم دون غيره من عباد الله، إنما هي خصائص ~~إنسانية عامة تضمن تماسك المجتمعات في أي مكان وأي زمان. ~~(9) التحريم بالأمر والنهي شر توقفه الحرية! # القيمة هي ناتج تفاعل الفكر الإنساني مع الأشياء المادية ومع الأفكار والمعاني، ~~القيمة هي قدر أو رتبة أو ثمن، هي درجة تمييز تترتب تسلسليا على درجات، وأدوات ~~قياس القيمة إنسانية نسبية ظرفية؛ لأنها مجموع معارفي وعلومي التي حصلتها في ~~عصري. وللتبسيط غير المخل مثلا لو أخذنا لوحة «الموناليزا» لزمن الأنبياء وطلبنا ~~تقييمها، سيتم تقييمها على الأكثر بثلاثة دراهم، درهم للخشب ودرهم للبويا ودرهم ~~لقطعة القماش، فقيمتها تتشكل حسب مخزونه المعرفي وخبرته وعلومه. وعصا توت عنخ آمون ~~عند البدوي البدائي عصا كأي عصا، العلم هنا يتدخل ليمنحها قيمة لم تظهر إلا بعد كشف ~~حجر رشيد وفك رموز الهيروغليفية، فيقول لنا: «إن هذه العصا لا تقدر بثمن فقيمتها ~~فوق التقييم»؛ لذلك يضعها في المتاحف ليراها كل الناس كحق قيمي مشاع، ويحيطونها بكل ~~ألوان أجهزة الإنذار حرصا عليها وحماية لها. كذلك لو قارنا زمن نبي الإسلام ~~بزماننا، فمن الجيد والجميل أن تقرأ حديث النبي عن عزل المرضى بالطاعون في رؤية ~~ثاقبة ممتازة لزمنها، لكن زماننا قضى بالعلم البشري على الطاعون نهائيا بعد أن ~~كانت مواجهته تتم بأدعية لا تستجاب. # والخبرة تزيد القيمة أو تنقص منها؛ وهكذا فإن الله لم يخلق القيم وإلا كانت ثابتة ~~ثبات القرآن، أو لكان خلقها للكلاب والحمير وأرسل لها الأنبياء ليدلوها على قيمها ~~وهو ما يعني أنه بدون حضارة إنسانية لا توجد قيم؛ لأن حكم القيمة سيصدر على منتج ~~حضاري مادي أو فكري أو سلوكي، بينما آدم في الغابة كان يفعل وفق الغرائز ولم يكن ~~بحاجة إلى نظام قيمي. # وإن إصرار فقهائنا المحدثين على شيء لم يرد في نص اسمه «القيم الإلهية، الدينية، ~~الإسلامية بالطبع»؛ فهو ما يعني أن لله قيما ms250 يراها صالحة لعباده وعلى العباد ~~التشبه بهذه القيم الربانية. هذا رغم أن آلهة جميع الأديان يفترض أنها كانت موجودة ~~قبل وجود الإنسان، وهي بهذا المعنى ليست بحاجة لأي قيم؛ لأن الأرباب حسب العقائد ~~الإيمانية معصومة، وليس لها بالقيم من حاجة، ليست بحاجة إلى معايير تثمن بها ~~أفعالها؛ فهي ليست تحت الحساب، ولا هي تحاسب نفسها، والقيم والأخلاق تفترض ضميرا ~~داخليا بالضرورة يحاسب ويقمع ويزجر، وهو أمر لا يجوز افتراضه مع الإله الذي لا ~~ولد له ولا مأكل ولا مشرب ولا مسكن وليس بأي حاجة لأدوات تشبع حاجاته حتى يمكن ~~تقييمها، ليس له حاجة لأنه هو الكمال المطلق، بغير حاجة لأي قيم لأنه لا يراجع نفسه ~~ولا أحد يراجعه، والله لا ينتج إلا الصحيح من السلوك؛ لذلك هو ليس بحاجة إلى القيم ~~التي تفاضل بين السلوك الصحيح والسلوك الخطأ، الله صواب مطلق. # لذلك فإن الإنسان وحده هو مناط التكليف الديني والإنساني أيضا؛ فهو الذي يمتلك ~~حرية الاختيار ضمن خلقته؛ لذلك يكون مسئولا عن القيم الأخلاقية أمام المجتمع ~~الإنساني وقانونه وأمام الله أيضا، أما الله نفسه فهو على العكس تماما من ذلك، ~~إنه لا يسأل وهم يسألون، ومن لا يسأل لا يكون بحاجة لقيم أخلاقية، وإذا كان الخلق ~~يخضعون لقيم قررها الله عليهم، فمن العسير تصور الخالق خاضعا لما خلقه من قيم؛ فهو ~~لا يخضع لشروط وليس لفعله حدود؛ لذلك تكون محاولة توصيف فعال الرب وفق معايير قيمية ~~أمرا غير جائز لأنه يكون مساءلة للرب، ومساواة لفعال الرب بفعال خليقته؛ لذلك فإن ~~خلط الدين بمفاهيم هي من ابتداع الإنسان، وقيم هي خلاصة خبرات مجتمعية طويلة، يسيء ~~إلى الدين وربه؛ لذلك لنترك الدين وربه وننصرف إلى إصلاح واقعنا القيمي بأيدينا، ~~أما الله فهو يخلق ما يشاء وكيف يشاء وحين يشاء ولا معقب على مشيئته، وما يفعله ~~فقهاء زماننا أنهم ينزلون الكامل من عليائه إلى رتبة مخلوقاته، بما يساوي بين ~~الخالق والمخلوق، بتطبيق المعيار القيمي ذاته على كليهما، وهذا كله إنما يعني أن ~~القيم ms251 مسألة إنسانية بحتة لا علاقة لها بدين من الأديان. والقيمة كي توجد لا بد أن ~~تفترض الحرية في من يقوم بفعل المعايرة والتقييم لينتقي ما يناسبه من قيم؛ لذلك ~~تختلف قيم الحجازي عن قيم الإنجليزي، أما فاقد الحرية كالملائكة فلا يمكن وصف فعلها ~~بأنه خير أو شر أو ذو قيمة صحيحة أو باطلة؛ فهي لا تملك إلا الطاعة دون اختيار، ~~كذلك النبي، مثله - مع فارق التشبيه - كمثل السلك الموصل للتيار من المصدر المولد ~~إلى المصباح، لا يتدخل إنما يبلغ فقط؛ لذلك هو غير حر في قراراته، وليس بدوره بحاجة ~~إلى التقييم والمعايرة. # ولا يبقى لدينا سوى الإنسان الذي يسعى لتحقيق ما يحتاج ويملك حرية الاختيار، ~~فالقيم كلها صناعة بشرية، صنعها المجتمع الإنساني عندما ارتقى عن حيوانيته البدوية ~~الأولى ليدير مجتمعه بما يفي بحاجاته، وطور من تلك القيم مع كل نقلة تطورية حضارية ~~مادية، ولم ينزل الإنسان من الجنة مزودا بنظرية فلسفية متكاملة في القيم، إنما ~~اعتمد على المحاولة والتجربة والخطأ والصواب ليختار ما يراه صوابا ويستبعد ما يراه ~~خطأ، ويبقي على المفيد ويستبعد الضار. # السادة أهل الدين ينسبون إلى الدين ما لم يكن فيه؛ لأن فلسفة القيم نسبية متطورة، ~~وما وصلت إليه اليوم لم يكن معلوما في معارف الأقدمين، إن النظرية النسبية لم تكن ~~معلومة قبل آينشتاين، ومشايخنا كمن يقول لنا: إن الخليفة أبا بكر قد عرف النسبية ، ~~ومثلها بالضبط: أن الصحابة قد عرفوا القيم. أهل الدين في بلادنا كل غرضهم تسفيه ~~عالمنا المعاصر خاصة في البلاد المدنية المتقدمة، كي لا يبقى صحيحا سوى ما نعتقد، ~~لأننا خير أمة أخرجت للناس وبقية العالم بهائم، وكي نكون على صواب، لا بد أن تكون ~~الدنيا كلها على خطأ، حتى لو كان الواقع على أرضنا يقول بعكس رؤيتنا ~~بالكلية. # ولعل ما يرد على نظرية الخلق الرباني لقيم دينية كاملة منزلة من السماء، هو ذلك ~~التطور الذي لحق بالقيم على يد الأنبياء ذاتهم، وهم أنبياء الإله ذاته، ومع ذلك جاء ~~المسيح فنسخ شريعة موسى ms252 بنظام جديد، وجاء محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فجب إسلامه كل ما سبق ~~جبا، والموقف المنطقي السهل البسيط هنا لا بد أن يقف عند أحد احتمالين لا يجتمعان، ~~فإما أن نقول ونقر بأن النبي الثاني جاء بقيم من أفكاره هو وغير ربانية بدليل ~~مخالفتها للنبي الأول، بينما الله واحد! فيكون النبي الثاني قد خان ربه! وإما أن ~~نقول ونقر بالتطور على كل المستويات، وهو ما يستدعي الاعتراف بعدم وجود قيم دينية ~~ثابتة لا تتغير حسب المفهوم من الدين، وهو ما يرفع الإصر عن الأنبياء. # وإن إحالة القيم إلى الدين وربه يجعلها جبرية، والجبري لا يعطي الماديات قيمتها ~~الحقيقية، كالتسعير الجبري للسلع في الأزمات، بينما السوق الحر هو ما يعطي السلعة ~~قيمتها الحقيقية حسب العرض والطلب؛ لذلك فإن التقييم الذي تجبرني عليه السلطة أو ~~الدين أو الإعلام الموجه، إنما يشكل وعيا زائفا وقيما بلا معنى وبدون دلالة ~~واقعية. # ولمزيد من التبسيط نجد الإسلام يجعل المسلم لا يعطي للذهب كوسيلة زينة أي قيمة، ~~بل هو قيمة سلبية محرمة على الرجل المسلم، ومثله الحرير، بينما يترك للمرأة منح ذهب ~~الزينة قيمتها، والموضوع واحد، والمصدر واحد، هنا لا يقوم الخلاف حول قيمة الذهب ~~لارتباط القيمة بالحلال والحرام، والفارق بين الرجل والمرأة، فإذا تحدثنا عن القيم ~~إسلاميا لن نجد اتفاقا، فللذهب هنا قيمتان قيمة سلبية بالنسبة إلى الرجال، وقيمة ~~إيجابية بالنسبة إلى النساء . # وللتمييز بين مفهوم الحرام والحلال وبين الصواب والخطأ، نجد أن من يعرف الحلال ~~ويفرزه ويجنبه عن الحرام هو الدين، وكلاهما - الحلال والحرام - تم تبليغه للمسلمين ~~من رب العزة، والمحاسبة عليه قد تكون في الدنيا وقد تكون آجلة بعد البعث والحساب، ~~ويمكن العفو عن كل العقوبات بالتوبة والمغفرة وإسقاط الآثام عدا الشرك بالله، وهو ~~شأن كله رباني لا دور فيه للبشر بالتعديل أو الإلغاء، أما مفهوم الصواب والخطأ فهو ~~أمر دنيوي بحت يتعلق بأعمال الإنسان من فنون وإدارة وطب وهندسة، وهي مجالات لا مكان ~~فيها لمفهوم الحلال والحرام؛ فهي لا تعرف سوى الصواب ms253 والخطأ والعلم هو من يضع لها ~~معايير الصواب والخطأ، فحفظ المواد الغذائية في درجة حرارة معينة يكون صوابا، وفي ~~درجة حرارة أخرى يكون خطأ، وإن إديسون أصاب باختراعاته لكن ذلك لن يؤدي بالتأكيد ~~إلى دخوله الجنة، والذي يخطئ في امتحان الرياضيات ويرسب لن يدخل جهنم، والموظف الذي ~~يخطئ يعاقب طبقا للقواعد التي أعدها البشر حسب الخطأ والصواب وليس حسب الحلال ~~والحرام. # قد تصل العقوبة إلى فصل الموظف أو حبسه، لكنها أبدا لا تصل إلى الجلد أو الرجم ~~أو الخلود في العذاب مهانا، والذي يحصل على جائزة نوبل ليس بالضرورة أن يكون مكانه ~~الأخروي هو الفردوس الأعلى، والفشل في إطلاق صاروخ لن يدخل صاحبه جهنم؛ لذلك فالقيم ~~هي إبداع إنساني خالص لا علاقة له بدين من الأديان. # سألجأ هنا إلى تعريف القيمة كما أوردتها أستاذة علم الاجتماع الدكتورة فوزية دياب ~~في كتابها القيم «القيم والعادات الاجتماعية»، وهي دكتورة دروشة فيما ينطق به ~~كتابها؛ لذلك تعطينا تعريفا واضحا، غير ملتبس، فتقول (ص29): «القيمة هي الاعتقاد ~~أن شيئا ما ذا قيمة وقدرة على إشباع رغبة إنسانية، والقيمة هي صفة الشيء التي ~~تجعله ذا أهمية للفرد أو الجماعة، وهي حقيقة سيكولوجية ليست قابلة للقياس، ولا بد ~~من تمييز القيمة تمييزا دقيقا عن المنفعة لأن حقيقتها تكمن في العقل البشري لا في ~~الشيء، فالشيء ذو المنفعة الزائفة تكون له القيمة نفسها كما لو كان حقيقيا إلى أن ~~يتكشف هذا الخداع.» # ولو طبقنا هذا التعريف على كلام فقهائنا سنجده يتحدث عن قيم زائفة خداعية تبدو ~~لنا حقائق، فيكون لبول البعير قيمة مقدسة رغم قذارته وضرره الأكيد، ويكون إرهاب ~~الآمنين وترويعهم عملا شريفا بل وقمة من قمم نبال الفعال بالاستشهاد لأن هذا ما ~~يتطلبه الخير الإلهي؛ ومن ثم تظهر القيم التي ينسبونها إلى الدين مشوشة على العقل ~~البشري، لسبب بسيط هو أن قواعد الدين غير قابلة للنقاش أخذا وعطاء ونفيا وإثباتا ~~بالعقل البشري؛ لذلك تؤدي بصاحبها إن حاول إلباسها غير ما فيها إلى أحكام خاطئة ~~تقوم على ms254 مسلمات خاطئة، فتؤدي إلى نتائج كارثية لا علاقة لها بأي قيم. وللتوضيح ~~بالمثال، فإن طقس الذبح في الحج هو قربان للإله، بينما هو في نظر القيم الإنسانية ~~إهدار بلا ثمن لثروة حيوانية هائلة، وعملية وحشية بلا معنى تجز ملايين الخراف دون ~~أي عائد سوى تركها لتتعفن، وظل أمرها طويلا محل أخذ ورد حتى أمكن التصريح بتعليبها ~~وتصنيعها. ناهيك عن رجم إبليس الحجري وتقبيل حجر نيزكي وتقديسه والطواف حول بناء ~~حجري، كلها طقوس دينية يقبلها المؤمن ويسلم ويطيع، لا مجال فيها لمناقشة أو حوار، ~~لذلك يجب ترك الدين دينا، وعدم خلطه لا بعلم ولا بفلسفة؛ فهو غير قابل للمناقشة ~~وخلطه بغيره يصيب العقل بالاضطراب، ويصيب الواقع بالكوارث، ويصيب الدين بما لا نحب ~~ولا نشتهى. # أضف إلى ذلك لا بد أن يتبادر إلى الذهن السؤال حول قيم مثل سبي الجواري ونكاحهن ~~في أرض المعركة كما حدث في غزوات النبي وبخاصة في خيبر، حيث فشا إتيان الحبالى ~~بجوار الأب أو الزوج المذبوح، حتى نهى النبي عن وطء الحبالى، وحتى نهر بلال بن رباح ~~وهو ينكح إحداهن إلى جوار أهلها القتلى، في عمليات هتك عرض جماعي علني للسبايا، ~~وتحويل الأسرى في حروب الفتوحات من أحرار إلى عبيد يباعون في الأسواق، وكذلك مسألة ~~ملك اليمين والجواري، وكذلك مصادرة ممتلكات الشعوب في نظام الفيء الإسلامي، كلها ~~دين نسمع له ونطيع، لا نلتمس له تبريرا، ولا تجميلا؛ فهو ديننا الذي نؤمن به كما ~~هو دون شعور بخجل أو عار، ونحبه دون حاجة لمبررات؛ لأن قيم زمانه لا علاقة لها بما ~~نفهمه اليوم عن القيم. # لذلك تؤكد الدكتورة دياب: «إن القيمة مسألة إنسانية وشخصية وليست شيئا مجردا ~~مستقلا بذاته عن السلوك الشخصي، بل هي متغلغلة فيه لأنها تنبع من نفسه ومن رغباته ~~لا من الشيء الخارجي؛ فالأشياء من وجهة النظر الطبيعية التجريبية حيادية؛ أي ليست ~~في ذاتها قبيحة أو جميلة إنما هذه أحكام نصدرها عليها، هي القيم المنبثقة عن ~~اهتمامنا» (الصفحة نفسها). # إذن فالقيم كما يتحدث عنها الفلاسفة ms255 والمفكرون وعلماء النفس والاجتماع هي شيء لا ~~علاقة له بدين من الأديان من قريب أو بعيد وليس أدل على ما أقول هنا، أن السلف ~~الصالح والدين نفسه لم يبحثا موضوعها كما يفعل فقهاء زماننا اليوم. # وإذا كنا كمسلمين نعتقد أن ديننا قد ولد كاملا غير منقوص ولا يعاني قصورا لأنه ~~يمثل قدرة صاحبه الكامل، فإن ما يفعله فقهاء المسلمين المعاصرين من محاولات ربطه ~~بكل كشف وكل حدث وكل علم وبكل فلسفة، يعني أنهم يشعرون مع كل جديد بنقص في دينهم لم ~~يتوافر فيه هذا الجديد، فيقومون بمحاولة استكمال هذا النقص بالإضافة إليه والزيادة ~~فيه، وهذا هو تعريف البدعة المكروهة في الإسلام. فالدين لا حاجة به لبشر يستكملونه ~~لأنه قد ولد كاملا، إما أن نؤمن به بكليته دينا وإما لا نؤمن، لكن لا ندلس ولا ~~نكذب كما يفعلون وهم المتحدثون باسمه، كذلك الدين ليس من صنع جيل من البشر، حتى يحق ~~للأجيال التالية التعديل فيه بالإضافات المتكاثرة مع كل محدث. # هذا، ناهيك عن كون الدين الإسلامي لم ينتقد القيم الإنسانية الوضعية ~~«الإكسيولوجية» بأي من أصوله قرآنا أم سنة ولم يندد بها، رغم وجود هذه القيم قبل ~~ظهور الإسلام بقرون متطاولة عند فلاسفة اليونان، وقد سكت عنها الإسلام وعن ذكرها ~~وعن انتقادها إيجابا أو سلبا؛ لأن الله كان عالما بطبيعة مجتمع الرسالة الخاتمة، ~~وعجزه عن استيعاب موضوع القيم، وترك لأجيال المسلمين اللاحقة حين تكتمل نضجا ~~ورقيا لتدرك القيم وتسعى إليها، وهو ما فعلته في التاريخ الإسلامي عن جدارة، ~~الدولة العباسية حتى زمن الرشيد والمأمون. ولا تعلم لماذا كل هذا الجهد من دكاترة ~~الأزهر والأوقاف في تدبيج كتب الكراهية ومهاجمة ما لم يهاجمه الله ورسوله، ويعيبون ~~ما كان سببا في نهضة عباسية؛ وهي نقطة الضوء الوحيدة في تاريخنا المخيف. # وليس الإسلام وحده هو ما ننكر صلته بأي قيم بمعناها الدقيق، بل ننكرها على كل ~~الأديان، فبينما القيم لازمة وضرورية لحياتنا العملية الدنيوية، فإن تعاليم الأديان ~~تهمش الدنيا وتحقرها كمادة فانية، وما وجدت الدنيا ms256 إلا لتكون معبرا نبتلى ~~فيه ونمتحن، فإن الدنيا ليست سوى مصيدة تصطاد منها جهنم فرائسها، وعلى المؤمن التقي ~~أن يستثمر وجوده في هذه الدنيا ليستزيد من العبادة وأداء الطقوس والفروض والشعائر ~~والبكاء والزهد والتهجد والانقطاع بحيث لا يقيم لها وزنا؛ لأنها في النهاية دنيا ~~فانية زائلة لا أمل يرجى منها، وما المؤمن إلا عابر سبيل فيها نحو الأبدية. # هذا بينما فلسفة القيم تقوم أساسا على حب الحياة الدنيا واحترامها والعمل على ~~صلاح هذه الحياة وصيانتها؛ لأنها محل ممكنات فعلنا وقدراتنا؛ فالحياة الأخرى ~~الأبدية لا دخل لنا فيها ولا ممكنات لدينا لتغييرها، فلسفة القيم تتوج الاجتماع ~~البشري بإرساء مفاهيم كالحريات بألوانها والكرامة والمساواة والمحبة بين الناس، ~~ورفع الظلم وإحقاق الحق وعشق الجمال وصنعه وإبداعه فنونا ترقى بالحس والروح، ووضع ~~القوانين اللازمة لحماية هذه القيم من التعدي عليها أو كسرها بما يتماشى ومصلحة ~~المجتمع لا مصلحة الدين ولا مصلحة أي إله كان. # والحقيقة الواضحة أن الدين لا يعطي قيما لأنه لو أعطاها فستكون صارمة ثابتة، ~~ولأن الله يعلم كما يعلم البشر أن للقيم درجات غير ثابتة ونسبية؛ لذلك لم يعطنا ~~الله قيما دينية لأن الدين مجموعة أوامر وإملاءات. والدين نفسه يوظف حكاية إبليس ~~توظيفا يؤدي إلى نتيجة مفادها: «أن الأوامر والإملاءات هي السبب الأول في ظهور ~~الشر»، فحسب القصة الإسلامية نجد أنه قبل خلق آدم كانت الملائكة، وهي مصممة ~~للتعبد والطاعة فقط؛ لذلك فعلها كله كان خيرا، ولم يعرف الكون الشر حتى ظهر آدم، ~~وكان أول شر هو ما ارتكبه إبليس، ومصدره (أمر وإملاء) من الخالق ليسجد إبليس لآدم، ~~وهو ما انتقص من تصميم إبليس وتركيبه الخلقي، فداخل هذا التصميم مبدأ ثابت وهو ألا ~~يسجد لغير الله، فأطاع تكوينه وخلقته التي هي بمعنى من المعاني مساحة حريته؛ ومن ~~ثم كان الأمر انتقاصا من هذه الحرية وأمره الله بالسجود لمخلوقه بعكس الكتالوغ ~~الموجود الذي يعتقد أنه هو كل الحرية؛ فالعبودية لله هي الحرية ذاتها لأنه لن يسجد ~~لسواه، فكان أن رفض السجود، وكان ms257 الشر الأول في تاريخ العالم. كان رفض إبليس السجود ~~لغير الله هو أول الشرور؛ لأنه مارس حريته المتفقة مع خلقته في عدم السجود لغير ~~الله، واختار ضد الأمر والفرض والإملاء، وعليه، عندما صدر الأمر الأول، جاء الشر ~~الأول! إبليس وتمسكا منه بتوحيد الله وتنزيهه رفض السجود لغيره، خاصة وأن هذا ~~الغير أدنى من الله مرتبة وأدنى من إبليس نفسه درجات، فعصى إبليس ربه فظهر ~~الشر. # قصة أخرى تتضمنها الحكاية ذاتها، فمع أول أمر لآدم بعدم الأكل من ثمرة بعينها ~~صاحبة ظهور الشر بالتمرد على الأمر؛ لأن كلا الأمرين: أحدهما أنقص من حرية إبليس ~~ليكون حرا مختارا حتى يمكن تفعيل عقيدة الحساب يوم الدين بمسئوليته عن فعاله ~~التي اختارها بخلقته الحرة. فحدثت أول الشرور لأن الأصل في الخلق البشري هو الحرية ~~المطلقة غير المقيدة بقيم ثوابت رواسخ لا تقبل تبديلا على العكس تماما من حال ~~إبليس. أي أنه على أي حال بين النقيضين فإن الأصل في الخلق هو الحرية، حرية إبليس ~~في ألا يسجد إلا لله، وحرية آدم في الاختيار دون حد هذه الحرية، في درس رباني بليغ ~~يشرح كيف جاء الشر بعصيان الرب من أعرف الخلق به وأقربهم إليه، من إبليس طاوس ~~الملائكة، ومن آدم الذي خلق الله الدنيا كلها من أجله. فإن قالوا إن قيمة الخير غير ~~قابلة للتعريف، نقول: إن الخير هو بشديد البساطة = الحرية. # والدرس المستفاد هنا من ترتيب رب العزة للأحداث التي ما كانت تحدث إلا بإرادة ~~منه وتصميم مسبق، أن الأصل في الخلق هو الخير والخير هو الحرية التامة، وأن الأصل ~~في الشر هو الانتقاص من هذه الحرية بأوامر ونواه تحد أو تحظر أو تمنع، الله يريد ~~أن يبلغ أصحاب العقول منا أنه كلما زادت القيود والفتاوى والخطوط الحمراء، قلت ~~الحرية، واستفحل الشر. ~~(10) لا حريات إذن لا قيم # يذهب الشيخ قرضاوي إلى آيات القرآن الكريم يستخرج لنا القيم الدينية الإلهية، كما ~~في الآيات الكريمة القائلة: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * ~~والذين هم ms258 عن اللغو معرضون * والذين هم ~~للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم ~~حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم ~~على صلواتهم يحافظون * أولئك هم ~~الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون ~~(المؤمنون: 1-11). # ويعقب فضيلة الدكتور بقوله: «في هذه اللوحة نجد الخشوع في الصلاة والفعل للزكاة ~~هي معدودة في إطار الشعائر والعبادات جنبا إلى جنب مع الإعراض عن اللغو وحفظ ~~الفروج عن الحرام» (ص92-93، كتاب ملامح المجتمع المسلم). # بل يرى الشيخ أن هذه الأخلاق الإلهية ليست قاصرة على المسلمين فقط فهي صالحة ~~للدنيا كلها، فيقول: «المرجعية الإسلامية من سماتها أنها عقلانية ودنيوية، عقلانية ~~مؤمنة، ودنيوية مربوطة بالأخروية، هي أخلاقية إنسانية عالمية وسطية؛ لأنها ترجع إلى ~~الوحي الإلهي، وما يبينه من سنة الرسول؛ لأن الإنسان هو الذي يطبق هذه الشريعة وهو ~~الذي يفسرها ويفهمها، وهي أخلاقية لأنها تعتمد على الأخلاق أساسا، إنما بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق وهي عالمية لأنها لم تجئ لجنس دون جنس ولا لإقليم دون إقليم، وهي ~~وسطية دائما، تجدها مثالية وواقعية ربانية وإنسانية، ومادية وروحية، أرضية ~~وسماوية، حاضرية ومستقبلية» (حلقة الدستور ومرجعية الشريعة، برنامج الشريعة ~~والحياة، الجزيرة). # وهكذا فالمسلمون هم من تصفهم الآيات بقولها: # والذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون * والذين استجابوا لربهم ~~وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون * والذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون * وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين ~~(الشورى: 37-40) (كتابه ملامح المجتمع المسلم، ~~ص94). # إذن لا شك أن أولى الناس بمعرفة القيم كما عند قرضاوي، هم السلف الصالح من ~~الصحابة الأطهار، ورغم ذلك لا نجد بين ما تزدحم به أرفف مكتبتنا التراثية، عنوانا ~~واحدا باسم القيم، ولا مبحثا ولا حدثا ولا حكاية حكاها السلف الصالح عن ~~القيم. # إن مشايخ زماننا يحكون لنا حكايات وحواديت في موطن الجد، وكان المفترض ألا يحكي ~~لنا المشايخ كلاما ms259 نظريا توهميا عن القيم، إنما أن يستخرج لنا أحداث تاريخنا، ~~خاصة أن المفاهيم قد تغيرت دلالاتها منذ ذلك الزمان وزماننا اليوم، فما عاد معنى ~~الوفاء بالعهد ولا المساواة ولا الحق يحمل الدلالات القديمة ذاتها. ومشايخنا يسقطون ~~الدلالات المعاصرة على مفاهيم قديمة تتعلق بزمنها ومكانها وحدهما. أو ليقول لنا ~~مشايخنا إذن ماذا فعل الصحابة، وكيف قيموا الأشياء المادية وكيف قيموا المعاني ~~الدافعة للسلوك، بدلا من أخذهم كلام ديكارت وروسو وفولتير، عند المشايخ 700 ألف ~~حديث المفروض أن كلها قيم لو كانوا صادقين، فأين هي هذه القيم؟ # تعالوا نفترض مع مشايخنا أنه ضمن القيم الإلهية الإسلامية تقع قمة المساواة ~~والحرية، وقررنا اختبار هذا القول بالرجوع إلى التراث الإسلامي ذاته، هناك لن تجد ~~ما تعنيه دلالة مصطلح المساواة اليوم، فقد أعطى الإسلام للمهاجرين ميزة على ~~الأنصار، وأعطى كليهما ميزة على بقية العرب، وأعطى للعرب المسلمين ميزة على مسلمي ~~البلاد المفتوحة «الموالي»، وأعطى للرجل ميزة على المرأة، وأعطى للسادة ميزة على ~~العبيد، وأعطى جميع المسلمين ميزة على أهل الذمة، وأعطى أهل بدر ميزة على بقية ~~المسلمين فغفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر، وكل رتبة من هذه الرتب تترتب عليها ~~حقوق وواجبات غير بقية الرتب، وهو بدلالات مفهوم المساواة اليوم، سيكون انعدام ~~المساواة نفسها، ولا تجد عند عرب الجزيرة قبل الفتوحات شيئا اسمه العلم غير علم ~~واحد هو علم الأنساب، وهو علم عدم المساواة، حتى إن النبي نفسه # صلى الله عليه وسلم # ولأنه كان ~~يخاطب ناس زمانه على قدر عقولهم، كان ينصح شاعره حسان بن ثابت قبل أن يقدم على هجاء ~~الناس، أن يلجأ إلى أبي بكر الصديق لأنه عالم بأنساب الناس، ليعلم أين يخوض ويتحرى ~~وأين يحاذر، ولا تجد أي صدى لحديث: لا فضل لعربي على أعجمي؛ لأن الفقه الذي يدرسه ~~أبناؤنا بمصر والسعودية يؤكد على وجوب فسخ زواج الحرة المسلمة بالعبد المسلم، وزواج ~~العفيفة بالفاجر، والعربية بالأعجمي؛ لأن ذلك عار يلحق المسلمين جميعا (روض ~~المربع بشرح زاد المستنقع، ص384). # لهذا فإن ms260 تفضيل الإسلام بجعله سابقا لكشف القيم يسيء إليه، والأكرم أن نقول إن ~~تلك كانت طرائق زمنه وطرائق العيش فيه ونظمه المجتمعية القبلية، وإنها لا تشينه، ~~فلا هي جميلة ولا هي قبيحة بقدر ما تعبر عن واقع مجتمعها حينذاك وأنها كانت تناسب ~~هذا المجتمع تحديدا، وإن صلحت له فهي مما لا يصلح بالمرة لزماننا. ومثل المساواة ~~أيضا مفهوم الحرية الذي لا يوجد في ديننا بالمرة وبالمطلق، ولا في مجال لأي حديث ~~عن الحرية مع تشريعات تشرع الرق ونكاح ملك اليمين. ولو قلنا إن تلك التراتبية ~~الطبقية الموغلة في طبقتيها هي المعيار القيمي الإلهي؛ فهو ما يعني أنها كانت أدنى ~~بدرجات من المعيار الإنساني الذي اكتشفته دول حضارات المتوسط، وبخاصة اليونان ~~والروم الذين سبقوا إلى تأسيس القيم الإكسيولوجية في التاريخ، ثم أدنى من قيم ~~زماننا بمراحل أبعد؛ ومن ثم لا يبقى بيدنا سوى نسبة مثل هذه المفاهيم لزمانها ~~بدلالات زمانها، ودون إقحامها في زماننا حتى لا نهين الدين ونضل السبيل نحو ~~الرشاد. # وإذا كانت القيم دينية إلهية، فهل كانت قابلة للنسخ كأوامر بآيات ناسخة؟ يعني هل ~~تم نسخ قيم التسامح في الزمن المكي، بقيم القتال في الزمن المدني، بعد أن نسخت ~~آيات السيف كل آيات حرية الاعتقاد والتسامح حسبما تقول لنا علوم القرآن؟ # إذن صيانة للدين من عبث مشايخ آخر الزمان، علينا أن نقدم اعترافا هادئا ~~متواضعا، أن ديننا ليس هو كمال الأزمنة والأمكنة التي ذهبت والتي لم تأت بعد، ~~إنما كان دينا عاقلا رصينا متوافقا مع ظرفه التاريخي، يخاطب ناس زمنه على قدر ~~عقولهم وعاداتهم وتقاليدهم ونظمهم ومعارفهم، وأن نسلم بأن الإنسان هو الوحيد المخير ~~بين المخلوقات؛ لذلك هو الوحيد المؤهل لصيانة القيم؛ لأنها معياره للاختيار ~~والمفاضلة ووسيلته وأداته، أن يختار القراءة في المصحف أو أن يختار مشاهدة هيفاء ~~وهبي تتغنج، وقيم الإنسان هي التي توجهه لاختيار أحدهما: زيارة الحسين أو زيارة ~~الملاهي الليلية، والحرية هي الأساس الوحيد لقيام إرادة الاختيار ما بين الماء ~~والخمر، من هنا وحتى نقول بوجود قيم ms261 حقيقية لا أوامر مفروضة، يجب أن يكون الخمر ~~والماء في السوق، عندها يمكن القول إننا أصحاب قيم عندما نختار، وحيث لا توجد سوى ~~سلعة واحدة، ولا توجد حرية اختيار، لا يصح الحديث عن قيم؛ لأن المجتمع حينها يصبح ~~كالحشرات وهي كائنات اجتماعية تسلك بموجب جبر طبيعي لذلك ليس لديها شيء اسمه القيم، ~~رغم أن النحل ينتج عسلا والعقرب ينتج سما، فإن الإنسان هو الوحيد القادر على ~~الفرز بينهما، لذلك نجد الإنسان المجبر على أداء سلوك بعينه هو مجرد حشرة أو هو ليس ~~أكثر من حصان بلجام. والحصان لا يملك قيما، ومع اللجام لا يملك تصرفه ولا قراره. ~~القيمة تكون عند الممسك باللجام، الذي يوجه الحصان. ألا ترون جماعات الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر تسوق الناس إلى الصلاة بالعصا؟ يسوقونهم إلى المسجد كمن ~~يسوق الخراف إلى الزريبة، بينما الملائكة مسيرة للتعبد وحده وغير مخيرة في ~~فعلها ونحن لسنا بملائكة، وعندما تكون القيم مفروضة لا نكون قد أصبحنا ملائكة، ولا ~~نكون بقينا بشرا، إنما أصبحنا حيوانات للراعي، وأدنى بالنسبة له من العبد بالنسبة ~~للسيد، فلماذا لا يستشعر السيادة ويقرعنا بالعصا؟ # عند تمييز الإنسان عن الحيوان وضع الفلاسفة تعريفات للإنسان، فقيل في المبتدأ إن ~~الإنسان حيوان ناطق، حتى اكتشف الإنسان أن لبعض الحيوانات لغات خاصة للتفاهم فيما ~~بينها، فقيل إن الإنسان حيوان عاقل أي يستخدم عقله في الفهم والمعرفة، حتى تأكد أن ~~العقل قسمة بين الحيوانات؛ ومن ثم جاءت الفلسفة الماركسية لتعرف الإنسان بأنه ~~حيوان صانع؛ لأنه الوحيد بين الحيوانات الذي يستطيع أن يصنع شيئا لم يكن موجودا ~~من قبل، حتى قيل اليوم إن الإنسان حيوان قيمي؛ فهو والحيوان يشتركان في كل التفاصيل ~~الفسيولوجية، لكن الإنسان من بين كل المخلوقات هو الذي يتميز بأنه يصنع لنفسه ~~ولمجتمعه قيما، ويصنع لهذه القيم قوانين تحميها فيتنازل بإرادته عن إشباع بعض ~~رغباته مقابل العيش في الجماعة آمنا. # فالحرية لا مناص عنها عندما نتحدث عن القيم؛ لأن الحرية هي ما يتيح لي القدرة على ~~التقييم والمعايرة والمفاضلة ms262 والاختيار، وحيث لا توجد حريات، لا توجد قيم. # والقيم الأخلاقية بالتحديد وبالتخصيص هي سلوك غيري، يضع الغير نصب عينيه عند أي ~~سلوك، وعادة ما تكون في صالح الغير ولا تنفع فاعلها وعادة ما تضره، ورغم ذلك يفعلها ~~الإنسان لذاتها دون أن يتوقع منها نفعا شخصيا. فعندما يكون التاجر أمينا ~~وصادقا فهو يخسر أرباحا أكثر لو التوى وكذب، والتزام الزوج بالوفاء للزوجة يحرمه ~~من متع متنوعة، وعندما يحسن الإنسان بماله وجهده للفقراء؛ فهو يخسر أمواله، ~~والامتناع عن السرقة هو حرمان من المال المفترض أن يسرق، بينما الزوجة التي لا ~~تخون زوجها خوف القتل أو الطلاق أو الجحيم هي لا تملك أية قيم، هي خائفة ليس أكثر، ~~واللص الذي لا يستطيع أن يسرق في السعودية لم يصبح شريفا وليس صاحب قيمة أخلاقية، ~~بقدر ما هو خائف من قطع يده. والذي يحسن للناس علانية ليس لديه قيمة أخلاقية لأنه ~~مجرد منافق، والأم التي ترعى ولدها كي يطيعها ويرعاها في كبرها هي مجرد مرابية ~~تداين ولدها بدين تريد استرداده. # هذا بينما الفعل المندرج تحت معنى القيم غالبا ما يرتد على صاحبه، وهو ما وعاه ~~المثل العامي المصري: «خيرا تعمل، شرا تلقى»، لكنه هو نفسه ورغم علمه بذلك الذي ~~قال: «إعمل الخير وارمه البحر»؛ لأن الالتزام بقيم الأخلاق يعود على المجتمع كله ~~بالأمن والسلام والسعادة (النماذج المضروبة في الفقرة السابقة لكاتب مجهول على ~~النت). # وإذا كان فقهاء زماننا يطلبون لنا عادات وتقاليد زمن الإسلام الأول، فإن ذلك ~~يستلزم أولا وجود الحكومة الإسلامية الأولى أو شبيهها، وثانيها وجود مجتمع القرن ~~السابع الميلادي بنظمه وعاداته وتقاليده وبدائيته، وكله غير موجود اليوم، ومن ثم ~~فإن أحكامه وعاداته وتقاليده لم تعد موجودة، ولا شك أن قيم مجتمع يركب الدواب لا بد ~~أن تختلف عن مجتمع يركب سيارة كاديلاك أو غيرها من أحدث الطرز، وقائد الطائرة الذي ~~يتعامل مع الطائرة معاملة البقرة المقرونة (المربوطة من قرونها) بدعائه في ~~الميكروفون عند الإقلاع: «الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له ms263 مقرنين، وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون»؛ أي ما كنا بقادرين على تلجيمها وإمساكها من قرونها دون تسخيرها لنا ~~من قبل ربنا، (إن المشكلة النفسية أنك تتابع بهلع أخطر لحظة للطيران، ويقول لنا ~~الطيار: إنا لمنقلبون!) مع إن المصري في مثله الشعبي يقول: (الملافظ سعد)، طيارنا ~~عندما يقول هذا يكون كالعربجي يقود طائرة، وعليه فإن طيارينا لا يطيرون بنا بثقافة ~~الطائرة (الحضارة والعلم)، إنما بثقافة العربجي؛ لذلك أنا شخصيا لا أحجز للسفر ~~على أي شركة طيران عربية، ويا روح ما بعدك روح! # وعادة ما يربكك مشايخنا في القول بالنقيضين في آن واحد، فهم يحدثوننا عن العفة ~~الجنسية والطهارة الجسدية، ومع ذلك يقرون حتى اليوم بملك اليمين، ولا يحيلونها إلى ~~زمانها توقيرا لهذا الدين، ولا تفهم معنى العفة الجنسية وعفة الفروج، مع مبدأ ~~استباحة الفروج في حال القتال، أو في حال الشراء أو في إعطائها الأجر، وقد تم ~~استباحة مسلمين صحابة أجلاء لفروج صحابيات وبنات صحابة في أكثر من موقعة مخزية في ~~أكثر من فتنة داخل الحرمين، تمترس كل أطرافها المتصارعين وراء الدين والقرآن ~~والحديث. واعتبر غيره مرتدا، وبعدها أصبح هذا رافضيا وذاك من النواصب وهذا ~~باطنيا وذاك خارجيا. هذا ناهيك عن استباحة فروج غير المسلمات في حروب الفتوحات ~~واللائي كن بمئات الألوف. # وإذا كان فقهاء زماننا يصرون على الإبقاء على فقه كامل هائل للرقيق بدرسه أولادنا ~~وبناتنا في مدارسنا الدينية حتى اليوم، والإبقاء على فقه الجهاد الذي يشمل السبايا ~~والرقيق كغنائم طيبة حلال، ويريدون اليوم تطبيق هذه الشريعة، فلماذا لا يصارحون ~~المسلمين بما يخفى عنهم في شئون دينهم بشفافية ووضوح، ويطالبون لهم بحقوقهم الشرعية ~~في ملك اليمين، ووجوب إعادة فتح أسواق الرقيق مرة أخرى، حتى يمكن تفعيل ~~الشريعة؟ # ثم إن قيمة عدم الزنا لا شك قيمة محترمة، وحفظ الفرج قيمة محترمة بالتأكيد، لكن ~~الخلاف هنا سيكون حول تعريف معنى الزنا. فالإسلام يعطي المسلم الحق في الزواج بأربع ~~ويمكنه تطليقهن والزواج بغيرهن ما دام قادرا على الإنفاق، وهو ما فعله الصحابة، ~~فتزوج الراشدون ms264 حتى تسع نسوة، وجمعوا ملك اليمين دون تحديد، وكان الحسن بن علي ~~منكاحا لم يلمه أحد على زيجاته التي بلغت حوالي المئتي زيجة، وهو من هو؟! هو ~~الحفيد النبوي العالم بشرع الله والأشبه بجده كما قال عنه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومع كل ~~هذه الإباحة لن يرتكب القادر ماليا جريمة الزنا، من سيقع في الجريمة هو الفقير ~~الذي لا يملك مهرا ولا ثمن جارية؛ وهو ما يعني لنا اليوم بعد تغير الأزمان أن نساء ~~المجتمع المسلم سيكن من نصيب الأغنياء وحدهم القادرين على الزيجات العديدة وشراء ~~الغواني من سوق الرقيق، وهو أيضا ما يعني حرمان الفقراء من إشباع حاجتهم الطبيعية ~~في ظل المزايدة على النساء، وهو ما يشكل بمعنى من المعاني طبقية من نوع شديد ~~الخصوصية وشديد القسوة على المجتمع كله، الذي لا بد في هذه الحال أن يضع حلولا ~~لهذه المشكلة حتى لا تنتشر فيه الرذيلة وجرائم الخطف والاغتصاب، عن طريق دعم ~~الحكومة الإسلامية المرتقبة للفقراء، ورحم الله أخي فرج فودة عندما قال بضرورة ~~إضافة بند إلى بنود بطاقة التموين الخضراء (دعم كلي)، فيضاف إلى بنود الزيت والشاي ~~والسكر والسمن، بند بعدد من النسوان كملك يمين، حتى لا يحدث تفكك مجتمعي وحتى لا ~~تنتشر الرذيلة تحت ستار تطبيق الشريعة. # نعم لا شك أن الآيات الكريمة عندما تصف المؤمنين بأنهم إذا ما غضبوا هم يغفرون، ~~فإنها تضع مبدأ رفيعا وإنسانيا، لكن هل طبق المسلمون ذلك فعلا؟ أو هل طبق ~~صحابة الرسول هذه القيمة العظيمة حتى يحذو المسلمون حذوهم؟ # أبو بكر الصديق خير عارف بالدين، عندما رفضت قبائل العرب الاعتراف ببيعته ومنعوا ~~الزكاة تعبيرا عن هذا الرفض ووزعوها في مضاربهم على فقراء من ذوي قرباتهم حسب ~~الأمر الإسلامي، أمر أبو بكر بقتالهم وذبحهم وأسرهم وسبي نسائهم، فقتلوا منهم مقتلة ~~عظمى في مذبحة تاريخية كبرى لم يسلم منها الشيوخ ولا العجائز ولا الأطفال وهي حقائق ~~يعلمها مشايخنا وتسجلها كتبنا التراتبية بكل فخر ~~واعتزاز ولا يخلو منها مصدر من مصادرنا حديثا أو ms265 ~~فقها أو تفسيرا أو سيرة أو تاريخا. # وماذا حدث عندما سمع أهل مدينة (أليس) جنوبي الفرات بما حدث لغيرهم على يد الغزو ~~العربي، فقرروا المقاومة صيانة للأموال والأعراض؟ وهو ما أغضب خالد بن الوليد، ~~فأقسم بالله أن يجري نهرهم بدمائهم، وأمر بسد مياه النهر، ثم أمر جيشه بأسر أهل ~~أليس لا قتلهم، حتى يفي بقسمه لله، فجمع منهم سبعين ألف أسير، وأمر بذبحهم في مجرى ~~النهر الجاف، واستمر الذبح ثلاثة أيام يأتون مصدفين بالحبال أرسالا (أي جماعات) ~~ليذبحوا في مجرى النهر كي يجري بدمائهم، وحتى يبر خالد بقسمه لربه. # أين يا مولانا يمكن وضع هذه الدراما المرعبة من قيمة العفو عند المقدرة والغفران ~~عند الغضب؟ وماذا عن قمع سعيد بن العاص لثورة مدينة طميسة، وعدد المدنيين الهائل ~~الذي أخمده، ولم يستطع أن ينام حتى تم إسكات كل الأصوات من حوله، سواء أصوات ~~الثكالى بقتلهن أو أصوات الجرحى بتعجيل موتهم (لا يخلو مصدر من مصادر السير ~~والتاريخ الإسلامي من ذكر تفاصيل هذه الوقائع). # هل هذا ما يعرضه علينا مولانا عند الغضب؟ أم كان أبو بكر وخالد وغيرهما من أبطال ~~الفتوحات يفعلون ما هو ضد قيم الإسلام؟ إما هذا وإما ذاك ويجب أن يختار مشايخنا: ~~إما الاعتراف بحقيقة ما حدث وتسميته باسمه حتى نصدقهم ونحترمهم، وإما أن يظلوا على ~~حالهم الهارب طوال الوقت من المناقشة العقلانية، وهو طريق وسكة بدأناها مع الصحوة ~~الإسلامية، اسمها سكة اللي يروح ما يرجعش. # الجزء الثالث # | جدل ثقافي # الفصل الأول # | حوار لم يكتمل مع المرحوم عبد الوهاب المسيري # رحم الله أخي الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي كان يملأ حياتنا الثقافية ثراء ~~وحراكا، قد أخالف المسيري في بعض ما كتب أو قال، أو في معظمه، لكن ذلك لا يعني سوى ~~المخالفة في الرأي، ولا يقلل من احترامي لإخلاص الرجل لفكرته ودأبه العملي وبحثه الرصين ~~الذي أعطاه حياته، سواء أكانت نتائج هذه الأبحاث إيجابية أم سلبية حسب وجهة نظر القارئ ~~ودرجة ثقافته وحياديته ومدى اتفاقه أو اختلافه مع المطروح. ms266 # وقد سبق لي أن التقيت هذا الباحث المجتهد خلال برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة ~~للحوار حول العلمانية والاستبداد، وقد تم تقديمه بوصفه مفكرا إسلاميا وتم تقديمي ~~بوصفي مفكرا علمانيا، على قبول من كلينا بهذه التعريفات، ورغم اختلافنا بالكامل، ~~فقد خرجنا من الأستوديو يتوكأ كلانا على الآخر، مع اتفاق مبدئي على لقاء شخصي نستكمل ~~فيه مناقشة القضية بشكل أوسع وأكثر تفصيلا. # وبعدها بأيام فوجئت في صحيفة إسلامية إلكترونية بحوار مع الدكتور المسيري يقول فيه ~~إنه لو كان يعلم أني الذي سيناظره على الجزيرة ما قبل هذه المناظرة. ولأن الرجل لم ينشر ~~ذلك مكتوبا بقلمه، فإني لم أعتد به، خاصة مع تجربتي مع الصحافيين الذين أسمح لهم ~~بإجراء الحوارات معي فيشوهونها ويقولون على لساني ما لم أقل؛ ومن ثم اعتبرت القول ~~منسوبا للدكتور المسيري وربما لم يقله قط؛ لأنه كان أعقل من قول هذا بعد مبارزة فكرية ~~خرج منها مهزوما، وهو ممن لا يلجئون إلى النقمة عن عدم كسب الجولة، فلا هو الإرهابي ~~كمال حبيب ولا هو سفيه لندن هاني السباعي ولا هو التافه رفعت سيد أحمد، إنما هو باحث ~~محترم. # ولكن المرض لم يمهل الرجل وسافر إلى سبيله الأخير بعد أن ترك لنا أعمالا أقل ما يقال ~~بشأنها إنها رمز تفان وإخلاص الرجل لما كان يعتقده صوابا. # ولأن الموضوع المطروح كان شديد الأهمية له ولي، وهو محل كتب وأبحاث لي وله على تناقض ~~موقفينا، فقد رأيت أن أستكمل النقاش مع طروحاته في كتابيه الشهيرين عن العلمانية ~~الجزئية والعلمانية الشاملة، في انتقاءات سريعة لمناقشتها من وجهة نظري كرجل علماني ~~يفخر بعلمانيته ويزهو ويترفع، وإذا كان ثمة تعقيبات أو ردود خاصة، فإن الرجل لقي ربه ~~لكن كلامه لم يمت، وله من المريدين والزملاء والتلاميذ من يمكنهم متابعة هذه المناقشة ~~والقول فيها إن شاءوا. # في الجزء الأول من كتابه عن العلمانية يقول المسيري في المقدمة (ص5): «ستحاول هذه ~~الدراسة أن تتناول قضية العلمانية في جانبيها النظري والتطبيقي، من منظور نتصور أنه ~~مختلف بعض الشيء ms267 عما هو سائد وشائع، فنحن نفرق بين ما نسميه العلمانية الجزئية التي ~~هي فصل الدين عن الدولة، وبين العلمانية الشاملة التي هي فصل القيم الإنسانية ~~والأخلاقية والدينية عن الحياة، في جانبيها العام والخاص.» # هنا نجده يقسم القيم إلى ثلاثة أنواع مختلفة، وهي القيم الإنسانية والقيم الأخلاقية ~~والقيم الدينية، وهو تقسيم نوعي كيفي يجعل القيم الدينية شيئا والإنسانية شيئا ~~والأخلاقية شيئا ثالثا. # بالنسبة إلى القيم الإنسانية منسوبة إلى الإنسان بحسبانه واضعها ومكتشفها، فهل ما ~~نراه من القيم من نوع القيم الأخلاقية التي تحدث عنها الفلاح الفصيح في مصر القديمة، أو ~~أفلاطون في بلاد الإغريق، فهل القيم الأخلاقية الإنسانية لا تتطابق مع القيم ~~الدينية؟ # ولو افترضنا وجود «قيم دينية» فعن قيم أي دين نتحدث، قيم البوذية أم الإسلام أم ~~الهندوسية أم المسيحية أم اليهودية ... إلخ؟ # في كتابه يجمع الدكتور المسيري كل الأديان في سلة واحدة في مواجهة ما أسماه القيم ~~الإنسانية والقيم الأخلاقية، رغم الاختلافات البينية الشاسعة بين الأديان. بالتدقيق ~~ستجد أنه قد أصاب كبد الحقيقة لأن القيم الإنسانية التي أبدعها الإنسان وطورها حتى ~~يومنا هذا أنكرت العبودية واستنكرتها وحرمتها، ولم تعد تقرر سبي الجواري كما كان في ~~الدين، وإذا كان الدكتور يرفض العلمانية الشاملة لأنها تفصل القيم الإنسانية والأخلاقية ~~والدينية عن الحياة، فهل هو مع القيم الإنسانية أم مع القيم الدينية في مثل هذا ~~الموضوع؟ كان عليه أن يعلن اختياره، هل مثلا يقر القيمة الإنسانية في حرية الاعتقاد؟ ~~وهل يرفض القيمة الدينية في الاتجار بالبشر وهتك عرض المغلوب؟ هلا أعلن أن نكاح ملك ~~اليمن هو اغتصاب وعمل أصبح في أيامنا لا يتفق مع الأخلاق وقيم الإنسانية، وأن البشرية ~~هجرته إلى غير رجعة؟ # وفي الفصل الثالث من الجزء الأول يرصد المراجعات التي حدثت بشأن مصطلح العلمانية في ~~الشرق والغرب، ثم يضيف قوله: «وهو ما يعطينا الحق في إعادة تعريفه بطريقة نرى أنها أكثر ~~تفسيرية من التعريفات المتناقضة المتداولة الشائعة.» # المشكلة أن الدكتور المسيري كان يقدم نفسه بوصفه «المفكر الإسلامي»، وهو بهذه الصفة ms268 ~~يعلم أنه ليس من حق المسلم التحاور مع ثقافته الدينية وثوابتنا القدسية؛ لأنها لو نوقشت ~~ما صارت ثوابت، فإذا لم يكن من حقه التحاور الحر مع تراثه فلماذا يجهد نفسه ويجهدنا معه ~~في البحث عن عيوب الآخرين أصحاب العلمانية الشاملة؟ وما هو العائد الذي سنستفيده من ~~إصلاح المسيري لعلمانية ناس آخرين في بلاد غير بلادنا ولغات غير لغاتنا ومفاهيم غير ~~مفاهيمنا؟ هل ترانا قد أكملنا نقد ما لدينا هدما وبناء وتحليلا وتركيبا، لإظهار ~~العيوب واستكمال القصور المسبب لتخلفنا في ذيل الأمم، حتى نجتهد في تعريف الآخر ~~بعلمانيته التي صنعها بيديه، ناهيك عن نقدها؟! # إن القيم الدينية ليست فعلا على خريطة العلمانية أكانت شاملة أم جزئية، وإلا ما عادت ~~العلمانية علمانية، وإن أصحاب العلمانية الذين أنجزوها قيمة متميزة أثمرت وآتت حصادها ~~على كل لون من العلوم والفنون والكشوف، هي قيمة نسمح للمختلف معها بنقدها دون تكفير ~~واستتابة أياما ثلاثة، يأخذ بها من يريد ويرفضها من يريد وهو آمن، ودون تهديد غير ~~المؤمنين بالعلمانية بالقتل أو تفريقهم عن زوجاتهم، ولم نسمع أن علمانيا أرسل تهديدا ~~بالقتل للمخالفين، ولا طعن أحدهم في عنقه، وإذا كان هذا هو حالنا فهل ترانا نملك الحق ~~في أن نعيد بفكرنا وعقلنا تفسير فكر العالم المتمدن العلماني نيابة عنه؟ # إن العلمانية ليست بكل هذه المشقة التي تحتاج إلى تدبيج الكتب لرفضها؛ فهي سلعة لها ~~نتائجها العملية الواضحة أمام عيوننا مطروحة في سوق الفكرة بخيرها وبشرها، من شاء أخذ ~~بها ومن شاء ألا يأخذ بها فلا يأخذ؛ لأنها على الأقل لم ترسل إلى حدود بلادنا جيشا ~~غربيا ينادينا: إما العلمانية وإما الجزية وإما الحرب وما يترتب عليها! والمعنى أن ~~العلمانية كفكرة وإجراءات وقواعد ومؤسسات لها أصحابها الذين صمموها وطوروها عبر سنين من ~~تراكم الخبرة بين الخطأ والصواب؛ لذلك هم الأدرى بمعناها وليس نحن، هم الأدرى بمكوناتها ~~الدقيقة ونحن علينا أن نستمع لصاحبها وهو يشرحها لنا، هكذا جلسنا نستمع لأفلاطون في ~~جمهوريته، ولآينشتاين في نسبيته، ولأحمد زويل في الفيمتو ثانية، ms269 وللمعتزلة ومبادئهم ~~الخمسة، فليس من حق المختلف وغير المنتج أن يشرح ويفسر فكر الخصم المنتج، لنقده ~~سلبيا من باب تصغيره وتحقيره وتبخيسه وتنجيسه حتى نجتنبه حرصا على طهارتنا. # إن من يواجه نظرية علمية بجديد يقدمه يجب أن يكون عالما في التخصص ذاته، ومن ينقد ~~نظرية سياسية لا بد أن يملك الفلسفة؛ البديل الأفضل الذي سيعرضه على الناس، ومن يواجه ~~الفلسفة يواجهها بفلسفة مثيلة أكثر إقناعا، والمذهب الديني يواجه مذهبا دينيا مثله، ~~لذلك فإن مواجهة العلمانية بالدين وقيمه، يعني أنها دين مقدس وهي لست كذلك، فلا هي تملك ~~دورا للعبادة ولا لديها كتاب مقدس ولا حدود لها، ولا تشترط لنفسها أي خطوط حمراء ولا ~~تفرض نفسها على أحد، تقبلها أو ترفضها سواء عندها؛ فهي شأن بشري لا يصح وضعه في مقابل ~~ما هو رباني ثابت له كتابه وقدسيته وأوامره ونواهيه وطقوسه وله خطوطه الحمراء وحدوده ~~التي لا يمكن تجاوزها. إن المقارنة هنا مقارنة باطلة، فالدين هو باب البشرية إلى جنة ~~الرب أو ناره، حسب ميزانه ما بين طاعة وعصيان للتحريم والتحليل الذي تم تعريفه دينيا ~~بدقة ووضوح. بينما ما نمارسه وفق العلمانية من فكر أو عمل أو نشاط فهو مما لا يدخل في ~~ميزان الحسنات والسيئات، فكل اختراع أو فن أو اكتشاف أو نظرية فلسفية، أو إنجاز طبي أو ~~شكل اقتصادي أو سلوك اجتماعي مدني، هو من آليات العلمانية وكله خارج نطاق الدين، لأن ~~إجادة اكتشاف شيء نافع للبشرية بالعقل البشري لا الديني مثلما فعل باستير أو إديسون، ~~فإن ذلك حسب الدين الإسلامي لن يدخلهما الجنة، وفشل علماء بلادنا في المساهمة بأي كشوف ~~حضارية باعتبارهم من أعداء العلمانية لن يدخلهم النار أو لكان كل علماء الغرب الكافر ~~مقرهم في الجنات العلى ينعمون بحضرة الرحمن الفردوسية، ولكان باستير بصحبة داروين ~~وآينشتاين وغيرهما يزفون الآن إلى الحور العين تستقبلهم الملائكة بالدفوف ~~والبيارق. # إن أصحاب القيم الدينية لم يتمكن أحدهم من القضاء على مرض واحد من أمراض البشرية، رغم ~~الطب النبوي والمعجزات الكنسية والظهورات ms270 القدسية التي نسمع عنها ولا جدوى لها في ~~واقعنا؛ فهي كالعنقاء والقنطروس ورجل الثلج وأبي رجل مسلوخة، بينما تمكنت قيم ~~العلمانية الإنسانية الوضعية من القضاء على أمراض وبائية فتاكة كانت تطيح بكل ~~المؤمنين من كل لون في إبادات جماعية دون رحمة، أين الطاعون اليوم؟ أو الكوليرا؟ أو ~~السل؟ أو الزهري؟ أو السيلان؟ أو الجمرة الحمراء؟ أو السعال الديكي؟ أو الجدري؟ لذلك من ~~الظلم البين وضلال النتائج إجراء أي مقارنة بين قيم الإنسان وقيم الأديان، هو ظلم ~~لكليهما. # ووفق هذا المعنى يمكننا القول إن الدين نفسه وقيمه يمكن ألا يكون ملزما للحياة ~~المدنية العلمانية اليوم، ليس لخصام بينهما ولكن لأن الزمن قد انتقل نقلة حضارية مختلفة ~~بالمرة، من زمن الأديان إلى زمن العلمانية. فحديث القرآن عن الخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة ليس ملزما لنا اليوم في ضوء المنجز الحضاري العلماني، فهناك الباجيرو ~~الهمر والمرسيدس والفيراري والطائرة، وإذا استخدمناها لن نرتكب معصية لأن هذه أمور ~~دنيانا ولا علاقة لها بالدين؛ فالدين ليس أكثر مما يدخل في ميزان الأعمال تهيئة للطريق ~~إلى الجنة أو النار، وما عدا ذلك هو شأن عملي حضاري علماني بالكلية. # والدكتور المسيري نفسه عندما كتب مؤلفيه في العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، ~~كان في خلفية المشهد إشارات سريعة تؤكد علمه اليقيني بما نقول هنا، كما في قوله بالمجلد ~~الأول ص9: «وقد كتبت هذه الدراسة بروح استكشافية، ولا يمكن أن أزعم امتلاكي اليقين ~~الكامل، فمثل هذا اليقين مسألة إيمانية لا علاقة لها بالبحث العلمي.» # ورغم ذلك فإن قوله كان بحاجة إلى بعض التحديد والتدقيق خاصة فيما يقصده بمسألة يقين ~~إيمانه، فهناك أعداد من اليقين الإيماني تساوي عدد الأديان والمذاهب في العالم وهي ~~بمئات الألوف؟ # ولو كان يقصد اليقين الإيماني بالإسلام وحده فهو بدوره مذاهب متعارضة متصارعة، تختلف ~~جميعها حول معنى اليقين الإيماني، فيقين السنة غير يقين الشيعة، غير يقين المعتزلة، غير ~~يقين فرق الشيعة وبعضها، غير يقين فرق السنة وبعضها، ويقين حماس غير يقين أحمدي نجاد ~~غير يقين طالبان؛ وهو ما ms271 يعني في الخلاصة أن الدين يؤدي إلى التعدد في اليقينيات، وهو ~~ما يعني اللايقين بالمرة، بينما العلمنة هي فكر واحد واضح بيقينه الذي هو العلم ~~والارتقاء بالإنسان حضارة وأخلاقا وقيما، وأن هذا اليقين نسبي قابل للتعديل حسب ~~المتغيرات للأفضل دوما. وعليه فالعلمانية بشكلها الحالي ليست نهاية المطاف أو نهاية ~~التاريخ كما ذهب فوكوياما؛ فهي ليست قرارات سماوية بل هي إنتاج إنساني متطور دوما نحو ~~الأفضل سواء في المكتشفات أو الاختراعات أو الفلسفات أو الفنون أو بقية العلوم والأخلاق ~~والآداب الاجتماعية والنظم السياسية هي كائن حي يتطور بتطور البشر وحاجتهم. # الدكتور المسيري كمفكر مسلم حداثي (إن جاز التعبير) يقول ص17ج1: «نحن نذهب إلى أن ثمة ~~فصلا حتميا نسبيا للدين والكهنوت في كل المجتمعات الإنسانية تقريبا.» بينما ~~العلمانية تقول باستقلال تام لا نسبية فيه، حتى يتمكن الدين من الاستقلال عن الدولة ~~والسياسة ويقوم بدوره المنوط به بتعريف الناس الطريق إلى الجنة، وتربية الضمير الحي ~~بالطقوس والروحانيات، وحتى يتفرغ المجتمع والدولة إلى إدارة شئونهم وفق مصالحهم وحسب ~~الظروف المتغيرة، وهو تفرع وانفصال مطلوب عن الدين، للتخفيف من ارتباك العقل بين ~~النسبي والثابت، ويعطيهم الدافع لخلق جنتهم على الأرض بالعلم، والعمل، والإنتاج، ولا ~~بأس من دعم معنوي من رجال الدين بالدعاء للعلمانية بالنجاح في مساعيها للارتقاء ~~بالإنسان وتحقيق أمانه وعلاجه ورفاهيته وسعادته. # ومثل هذا الفصل التام سيرفع يد المؤسسة الدينية عن مؤسسات الدولة؛ لأن كل يد تدخل ~~إدارة الدولة وليست منها ولا من مهامها، هي يد جاهلة بالإدارة لا تبغي سوى مكاسب يحققها ~~هذا التدخل بالتحالف مع إدارة الدولة ضد المجتمع، ويحصل كل على نصيبه من الفريسة في ~~مجتمع استبدادي يستمد فيه السارقان مشروعيتهما منهما معا، وهو تحالف تاريخي عرفته ~~منطقتنا طوال تاريخها الأسود البغيض، وآن أوان فك عراه. # وكي يخلق الدكتور المسيري الاتصال النسبي إزاء الفصل الحتمي ما بين الدين ورجاله وبين ~~المجتمع؛ فإنه يعطينا تعريفا للدولة يجعلها بحاجة إلى وجود الدين ورجاله؛ فهو يقول ~~(ص18، ج1): «الدولة هنا تعني في واقع الأمر ms272 بعض الإجراءات السياسية والاقتصادية ذات ~~الطابع الفني مثل الجوانب البيروقراطية في إدارة الدولة، أو شراء نوع معين من الأسلحة، ~~أو مناقشة أمور فنية تتصل بالميزانية العامة وهي أمور لا يعرفها سوى الفنيين، ولذا ~~فليست في إمكان رجال الدين مشايخ أو قساوسة.» العبارة تبدو علمانية بشكل ناصع، لكنه ~~تحدث عن الجوانب العلمية الفنية باعتبارها هي الدولة، ولكن يبقى الأهم والذي تعمل ~~بموجبه كل هذه الشئون الفنية وهو دستور هذه الدولة، وشكل حكمها، وأنظمتها القانونية، ~~وفلسفتها العامة التي تحدد مصالحها العامة. وهنا يورب الباب من خلف الستارة ليمر الدين ~~ورجاله ليجلسوا في دماغ الدولة. # والرد السهل البسيط على هذا التعريف يحدث على أرضنا اليوم، فإن كانت الدولة مجموعة ~~أجهزة بيروقراطية فنية، فلماذا يبكي الفلسطينيون خاصة الحمساوية على غياب الدولة؟ وهم ~~يقومون بكل الأفعال البيروقراطية الفنية، فلديهم الوزارات والوزراء والإدارات والهيئات، ~~وحسب الدكتور المسيري يكون الفلسطينيون قد حازوا كل حقوقهم وصارت لهم دولة طبقا ~~لتعريفه. # إن الدولة سلطة مستقلة ذات فلسفة وطريقة حكم تستمد شرعيتها من أصوات مجموع شعبها الذي ~~اختار نوابه لتحقيق أمانيه، ولذلك تفتعل حماس كل هذه الحرائق وتضحي بأبناء غزة في حروب ~~بلا معنى ولا هدف سوى إجبار العالم على الاعتراف بسيادتها على الدولة وبفلسفة هذه ~~الدولة، ليجلسوا معها على مائدة مفاوضات فيتم الاعتراف بسلطتها فتظهر لها دولة أو إمارة ~~إلى جوار دولة الضفة. # ومن ثم يستطرد شارحا (ص9): «إن مسألة فصل الدين عن الدولة تنطبق على الآليات ~~والإجراءات الفنية وحسب ، ولا تنطبق بأي حال على القيمة الحاكمة والمرجعية النهائية ~~للمجتمع والدولة.» وهو كلام خلاصته تحويل الدولة إلى موظف يعمل لدى السلطة الدينية، ~~وبدلا من أن يصل إلى ما يسميه علمانية جزئية، يضل طريقه إلى سلطة دينية هي سلطة ~~السلطات المطلقة، ولا يبقى سوى الفتوى مرجعا قانونيا والداعية سيدا مطلق ~~النفوذ. # إن ما أصر عليه باستبعاد الدين من المجال العام كله ليس لمجرد المعاندة، وإنما لكي ~~يتفرغ الدين والعلمانية كل منهما لتحقيق المراد منه لخير الناس، كل بأسلوبه وكل ~~بطريقته، ms273 هذا عبر الروح، والآخر عبر العلم والعقل المادي، وإذا اتفقا على أن أهدافهما ~~إسعاد البشرية، فإن الهدف إذا كان صادقا فلن يجعل أحد الطرفين يختلق المعارك والصراع ~~ضد الطرف الآخر. # إن دخول الدين بمطلقاته إلى ساحة السياسة يخلطه بالرغبات البشرية في السيطرة والهيمنة ~~والانفراد بالإدارة، ويكون الدين بذلك مجرد مطية ودابة تمتطى لأهداف ما أبعدها عن ~~الدين؛ لأنها لا تبغي مصلحة عباد الله بقدر ما تهدف إلى سلطان فئة أو طائفة واستئثارها ~~بكل شيء تحت مظلة الرعوية الربانية. إن كان أهل الدين يريدون طهارته ونظافته فعليهم أن ~~يمارسوا به نشاطا نهوضيا تقدميا تحضريا، والعمل دوما على الصلح بين فرق المجتمع ~~بعيدا عن الصدام الذي يصل إلى سفك دماء الأبرياء لاختلاف على فهم فكرة، وعليهم دعوة ~~الناس للعلم الحديث يمارسون واجبهم الإنساني في تعلمه والإضافة إليه لنشارك الناجحين في ~~نجاحهم، فيكون نجاحنا نجاحين، ووفرتننا وفرتين، وتحضرنا تحضرين، أحدهما مصدره ديني ~~والآخر علماني، وكما نسمع الأئمة في المساجد يدعون للسادة والمتنفذين على الرعية، ~~بالتوفيق لما فيه مصلحة الرعية، يجب أن نسمع منهم دعاء مماثلا بنجاح العلمانية في ~~بلادنا لما فيه مصلحة الرعية وتجنيب طوائف المجتمع التصادم وسفك الدم؛ لأن القول بطائفة ~~تعلو بقية طوائف المجتمع بحد ذاته هو ضد الوطن، وضد أمن المجتمع، وضد المصلحة العامة، ~~وخيانة كاملة للوطن؛ لأنه سيؤدي إلى حروب أهلية من أجل الرغبة في السيطرة والانفراد ~~بالهيمنة لرجال دين علاقتهم المفترضة بالسماء وليس بالأرض وزخرفها. إن مجتمعنا سيسعد ~~عندما يجد رجال الدين يساهمون في تخفيف معاناة الجياع وآلام المرضى والمنكوبين، والسعي ~~إلى توفير المسكن والملبس للناس في الوطن دون النظر إلى هوياتهم الدينية، لا أن يتم ~~تحصيل التبرعات والزكاة ونذور المساجد لتحويلها للإرهاب في البوسنة وكشمير والأفغان ~~والشيشان وغزة والعراق. # وإذا كان المسيري بحكم حصيلته المعرفية قد طالب بعلمانية جزئية غير شاملة، فإن بقية ~~التيار الإسلامي يكفر العلمانيين علنا وبالفم الملآن، رغم أن العلمانيين هم الذين ~~أخلصوا إلى ربهم فقاموا يكتشفون قوانينه في الكون، وتوظيفها من أجل كرامة ms274 الإنسان الذي ~~كرمه ربه؛ فالمخلصون لهذا الرب هم علماء العلمانية، يكفرونهم رغم أنهم وظفوا قوانين ~~الله، ولم يوظفوا قوانين الشيطان في الكراهية والقتل والذبح والتكفير والتنفير، والقتل ~~على الهوية واختلاف المذهب أو الرأي. في لقاء من نوع آخر قابلت فيه على قناة الجزيرة ~~سفيه لندن «هاني السباعي» صاحب مركز المقريزي للإرهاب الدولي، وفي ذات البرنامج ~~والقناة، كان كل هم سفيه لندن هو تسفيه العلمانية وإثبات فشلها في حل مشاكل الإنسانية ~~وأنها في بلادها يتراجعون عنها الآن، بعدما شاهدوا من أمجاد أسود الإسلام الميامين، في ~~مانهاتن ومحطات مترو لندن ومدريد وغيرها من أمجاد فوق الحصر. # وهو نفس ما قاله المسيري ولكن الفراق بائن؛ لأن المسيري قال ما قال لاستبعاد ~~العلمانية الشاملة بأكاديمية مهذبة في جزئه الثاني، والسبب الرئيسي عنده هو استبعادها - ~~كما يرى - للقيم جميعا عدا قيم السوق وحدها، مما يؤدي إلى تشيئ البشر، وتحويل الإنسان ~~إلى مجرد سلعة في سوق العلمانية المادية. # وهو كلام مردود؛ لأنه إذا فشلت العلمانية في حل بعض مشاكل الإنسانية كالمشكلة ~~الاقتصادية الحالية، أو مشكلة عدم الحصول على مصل لفيروس متطور جديد، فإن ذلك لا يجيز ~~لغير المنجز ولا غير المنتج، الطفيلي العاجز، أن يتهمها بالفشل والمقصود بإعلان فشل ~~العلمانية هو التمهيد للمشروع الإسلامي، رغم وجود المشروع الإسلامي في المشروع المسيحي ~~والمشروع اليهودي، وبقية المشاريع الدينية في المشارق والمغارب، ولم ينجح واحد منها في ~~حل مشكلة واحدة من مشاكل الإنسانية. إن العلمانية إن فشلت هنا أو هناك فلديها دائما ~~الأمل في تجاوز الفشل، بعمل دءوب قائم في المختبرات والبحوث الاجتماعية على قدم وساق. ~~ويصح أن يكون دور رجال الدين هو تصيد عثرات العلمانية، بل يجب عليهم إذا كانوا يبغون ~~مصالح البلاد والعباد أن يدعموا العلمانية وتشجيعها على النجاح، لا العودة إلى النصوص ~~لاكتشاف هذا النجاح في تراثنا، وأن يعلم رجل الدين العامة ويحثوهم على احترام العمل ~~والعلم وتقديس العمل والعلم والعلماء، وقدسية القانون والوقت والملكية العامة ... ~~إلخ. # إن العلمانية أدت إلى منتجات علمية يعمل عليها بشر، ms275 وتكون مهمة رجال الدين هو ضمير ~~هؤلاء البشر كي لا يخرب الآلة العلمانية، ويعطل الإنتاج، وكي يخلص في الأداء ويتفانى في ~~الجودة لا أن يترك العامل المؤمن سيمافور السكة الحديد ويذهب للصلاة ويموت المئات ويأخذ ~~هو الثواب، إذا أراد الدين أن يعيش وسط هذا المتغير الهائل فعليه أن يتجه لوظيفته التي ~~جاء من أجلها: ضمير الناس ودعم أخلاق العلمانية وقيمها. # وبمنطق الدين ذاته لا يمكن تصور إنجازات العلمانية في الغرب وما أدت إليه من تحضر ~~وتقدم ووفرة ونمو ورقي، قد تم دون موافقة الرب ومباركته؛ لأن كل هذه النجاحات المبهرة ~~لا يمكن دينيا تصورها تأتي رغم إرادة الرب وعدم رضاه. وإن من يدرك انضباط هذا الكون ~~بقوانين الرب هم أهل العلمانية وأبناؤها من علماء، فطنوا إلى أن الرب قد خلق الكون وخلق ~~له قوانينه، وأن على البشر الذين يخلصون للرب ويحبون مخلوقاته أن يكتشفوا قوانينه ~~ليستحقوا الخلافة عنه في الأرض، ولماذا لا يرضى الرب وهو يرى نتائج العلمانية علما ~~ورفاهية وشفاء ووفرة بين أيدي عياله في الأرض دون تفرقة، فحققت العلمانية المساواة ~~الربانية والرحمة الربانية على الأرض منذ فجر الأديان حتى وصول العلمانية، باكتشاف ~~فاكسينات الأمراض، وباكتشاف الحب الرباني باختراع الأدوات والأجهزة لتسهيل حياة عياله ~~على الأرض، وباكتشاف العدالة الربانية بتسهيل وصول هذه المنتجات لكل الناس دون تفريق ~~بسبب اللون أو الجنس أو العنصر أو الدين. فلم يحرم الرب أحدهم رغبته في المعرفة والتحضر ~~لأنه ليس مسلما؛ لأن الرب بمنطق الدين ذاته ومن وجوب كمالاته ألا يشوبه النقص، ~~والعنصرية والتخريب لبعض مخلوقاته دون آخرين هو النقص ذاته، والرب منزه بكماله عن ~~هذه الوصمة. لهذا أثبت الرب عدالته ومساواته ورحمته في الأرض فأعان من أراد المساهمة ~~أيا كان دينه، وساعده على توظيف بحوثه العلمانية لإسعاد البشرية وهي قمة الخلق في ~~تراتب مخلوقات الرب. # الفرق البسيط بيننا وبينهم، أنهم سعوا فبارك الله سعيهم، أما نحن فنكتفي بأداء الفروض ~~ودعاء الرب أن يقوم بنفسه بكل شيء دون أي جهد من جانبنا، لأننا هنا ms276 قاعدون، وربك ~~سيفرجها من عنده ما بين غمضة عين وانتباهتها، إذا أخلصنا سبغ الوضوء والصلاة وأدينا ~~الفروض. # يقول د. المسيري (ص118، ج2): «يدور الإيمان الديني الحق حول الإيمان بأن ثمة إلها ~~خالقا للكون هو مركز العالم (الإنسان والطبيعة) وهو مركز مفارق له، وهذا الإله خلق ~~العالم بغرض وهدف، ولم يهجره وإنما يشمله دائما برعايته وحكمته، ولا يترك مسار التاريخ ~~يتحرك بدون عطفه ورعايته، وهذا الإله هو مصدر تماسك العالم ووحدته وهو (وكل ما يوحي ~~إلينا به من نظم معرفية وأخلاقية وجمالية) المرجعية النهائية المتجاوزة. ووجود الخالق ~~المفارق يؤدي إلى ظهور ثنائيات أساسية وهي ثنائية الخالق والمخلوق، التي يتردد صداها في ~~الكون على هيئة ثنائيات مختلفة، أهمها ثنائية الإنسان والطبيعة التي تعني أن الإنسان ~~مختلف عن الطبيعة متجاوز لها، فكأن ثنائية الخالق والمخلوق الناجمة عن وجود الإله ~~المفارق هي ضمانة للوجود الإنساني.» # الدكتور يحدثنا عن العلمانية بأبعد الألفاظ عن العلمانية؛ فهو يحدثنا عن الحكمة ~~الإلهية والرعاية الربانية والرحمة السماوية بحسبانها المؤسسة الإدارية للكون، ومثل هذه ~~المصطلحات ليست خاصة بالإسلام وحده، بل بدأت مع البدايات الأولى لاكتشاف الإنسان ما ~~حوله وتفسيره بأساطير وأديان الأولين، ورغم معرفة هذه المصطلحات من فجر البشرية فإنها ~~لم تصلح شيئا ولم تقدم شيئا سوى العزاء بسلوان وهمي؛ مما عطل الإنسانية طويلا عن ~~التفكير العلمي ومحاولة اكتشاف قوانين الله في كونه. ولم تتبدل الصياغات والمصطلحات فقط ~~بل تبدلت المعاني والمفاهيم. ولم يعد التفكير العلماني يعرف خطاب العاطفة والأشعار ~~الوجدانية واللطائف السماوية والبلاغة اللغوية، ولأن الزمن قد انتقل نقلة تطورية هائلة، ~~فإن الكهنة والسدنة الذين لا يعرفون معنى كلمة قانون علمي ولا ما هو المنهج العلمي، ~~وأثبتوا حتى اليوم عجزهم عن هذا الفهم، فلا شك مع سيطرتهم إعلاميا وتعليميا أنهم ~~سبب بقائنا عند القرن السابع الميلادي، وسبب تخلفنا عن اللحاق بقاطرة الحداثة. لقد ~~جالست يوما كبيرا منهم يعد بين الأقلية التي لها علاقة بعلوم الدنيا، وطلب مني أن ~~أشرح له نسبية آينشتاين، وصبرت وصابرت وجهدت وجاهدت (لأنه كان صديقا ms277 لأبي) حتى أعياني ~~حقا وليس مجازا؛ لذلك لو ألحقنا رجل الدين بأفضل جامعات العالم فلن يدرك معنى حديثنا ~~عن الحريات وحقوق الإنسان لأنها قيم ترتبط بسلة علوم كاملة اسمها العلمانية، ويلزم ~~الشيخ أن يكون قد راكم قدرا من العلم يسمح له بالتعاطي معها؛ لذلك غير مطلوب منه هذا ~~الجهد ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # تراهم يحدثونك عن توراة موسى ولا يعلمون عنها شيئا وهي في متناول الجميع، وزبور داود ~~(مزامير) وهي متيسرة بالكتاب المقدس لمن أراد أن يقرأها ليعرفوا عم يتحدثون، والأنكى ~~أن يحدثوك عن الفرق بين اليوم الإلهي واليوم البشري وكيف مركز الله كعبته على اليابسة ~~وكيف انشق البحر وكيف ولدت الصخرة ناقة الله، وكيفية النفاذ من أقطار الأرض إلى السموات ~~تمشيا مع هبوط الإنسان على القمر. وكله حديث الجاهل جهلا مطبقا، الذي يخلط الأساطير ~~بالخرافات بالدين بالعلم، وكله عند العرب صابون؛ لذلك لا نكلفهم بما ينوء به كاهلهم، ~~كل المطلوب منهم أن يكتفوا بتخصصهم في صناعة ضمير يؤدي بالناس إلى سبيل الرشاد نحو ~~الجنة واتقاء السعير. # كان الناس، كل الناس في قديم الزمان قبل ظهور عصر العلم والعلمانية كمنهج تفكير وحياة ~~يعتقدون جازمين أن الكون يعمل ويتحرك ويفعل ويتفاعل عن طريق إرادة خاصة به، فكان ~~لظواهره شخصية وعقل وروح كباقي المخلوقات الحية، ونتيجة هذه القناعة كان الإنسان ~~البدائي يتصور أن بإمكانه التأثير في إرادة الظاهرة الطبيعية والتأثير فيها لتتصرف ~~وتعمل على غير إرادتها، بل بموجب رغبته هو وإرادته التي يريدها ، فاخترع التعاويذ والسحر ~~والأحجبة والتلاوات والصلوات والأدعية لتلك الإرادات المخفية العديدة في آلهة عديدة ~~تكمن وراءها. # ومع التطور نحو التوحيد ارتأى أنه من الأسهل إدماج كل تلك القوى في قوة واحدة يتم ~~احتسابها هي أعظم من كل القوى الأخرى وأنها القاهرة الوحيدة المريدة في هذا الكون، ~~وبالتالي يمكن التعامل مع شخص واحد هو الأعظم، هو رب الكون وخالقه، هو الأسهل والأقل ~~مشقة وتكلفة، وحتى لا تتضارب الإرادات مما يكلف تقدمات وقرابين لآلهة عديدة متصارعة، ~~ناهيك عن الصراع ms278 الذي حدث بين تلك الآلهة لجذب الزبائن من غير أتباعهم مما فتح الباب ~~لحروب دينية دموية، فكانت الحروب تتم بالنيابة عن قوى وهمية، لكن مع مكاسب أرضية عينية ~~وسيادية مؤكدة لحامل راية الدين المنتصر، ووقودها كان الناس البسطاء الذين لم ينالوا من ~~خير هذه الحروب بقدر ما نالوا من بأسها وشرها. # ونتيجة تصور وجود إرادة لظواهر الطبيعة يشرح المثال الإسلامي الموقف من إمكانية دوران ~~الشمس مثلا في الاتجاه المعاكس، وهو ما حدا بإبراهيم أن يتحدى النمرود بأن ربه يأتي ~~بالشمس من المشرق، فهل بإمكان النمرود أن يأتي بها من المغرب. الشمس هنا لها إرادة وفهم ~~وتستمع إلى الأمور وتفرز سيدها لتطيعه وتعرف الغريب فلا تطيعه، أو بنص الآيات: # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن ~~آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ~~قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي ~~كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(البقرة: 258). # واستمرت هذه القناعة في بلادنا حتى بعد ظهور العلم الحديث، فما زلنا نطلب الغيث ~~بالصلاة، والغوث بالدعاء، والعلاج ببول الجمل والطب النبوي، بينما النبي نفسه إنما كان ~~يتطبب بطب زمانه، ولم يقل إنه طب نبوي ولا سماوي. إن كل دعواتنا وصلواتنا لن تأتي ~~بتغيير في اتجاه الرياح المحملة بالسحب والمطر إلى الحجاز حيث خير أمة أخرجت للناس، ولن ~~تؤدي لسقوط أمريكا ولا لدمار إسرائيل. # ذلك يشعر رجال الدين بالخطر على مكانتهم من التقدم العلمي؛ لذلك حاربوا في أوروبا ~~حربا لا هوادة فيها حتى تمكنت العلمنة من فرض مناهجها وعلومها وطرقها، وهو ما يحدث ~~في بلادنا اليوم، نحن نقف عند النقطة الحرجة في عشية الليلة التي كان فيها روسو وفولتير ~~ومونتسكيو يخطون طرق الإصلاح. أما العلمانية نفسها فهي لا تعادي أحدا، ولا يشغلها ~~التصدي لدين من الأديان إلا إذا تجاوز حدوده إلى المجال العام، وهدفها سعادة البشرية ~~وسلامها، وأمنها ورقيها، بإلجاء الدين إلى مكانه الطبيعي داخل معابده لا يجاوزها ms279 ولا ~~يؤدي غير وظيفته المنوطة به فقط «ضمير الناس». # الفصل الثاني # | فلما اشتد ساعده رماني! # منذ أسابيع تناول الكاتب العلماني البارز الأستاذ حامد حمودي عباس ما أكتبه بمقال ~~مهذب يليق بعلمانيته الراقية، يناشدني فيه الانتقال بمشروعنا إلى المستوى التالي ~~والأعلى، وإذ أشكره على حسن ثقته واختياره لشخصي من بين كل الأقلام العلمانية المحترمة ~~التي أقرأ لها للتصدي لهذه المهمة الكبيرة، فإني أسرعت بالرد عليه لأوضح وجهة نظري في ~~أن الموقف الآن لا يحتمل مطلبه، بذات اللطف والأدب والاحترام الواجب بين زملاء قيمة ~~كالعلمانية. والذين تكاثروا في العقد الأخير وكلما ظهر قلم جديد نبت لريشي العجوز ~~المتراخي ريشة شابة جديدة تملؤني فرحا وطربا ورغبة في الطيران معهم ببلادنا وأهلنا ~~نحو النور. # ومنذ أيام طالعت للكاتب المتميز الأستاذ نادر قريط موضوعا بعنوان: ~~«نوستالوجيا: محنتي مع سيد القمني» # www.sstcaw.org/or/show.art.t=2faid=172959 # ومن الطبيعي أن أقرأ ما يكتب عني هنا أو هناك صدفة أو بتنبيه يأتيني من صديق، وبين تلك ~~الكتابات من يطعن في شرفي، ومن يطعن في أمانتي، ومن ينتهك خصوصيتي ليتحدث عن سيرتي ~~الذاتية، ومن يخونني لمصلحة أي جهة حتى لو في المريخ، ومن يدفع لي الأموال تنهال ~~علي مدرارا شيكلات ودولارات، وكله كلام لا يرد عليه لعيه الشديد وضعفه وهزاله لمرضه ~~المزمن بفكرة المؤامرة، ولكني أطالعه من باب قياس مدى التقدم أو التأخر في مستوى الرأي ~~العام. # أما أن يكتب كاتب أحترمه مثل الأستاذ قريط نقدا لما أكتب، فلا ريب سيكون محل اهتمامي ~~الأول؛ لأنه - ولا شك عندي - يريد أن يصلح لي شأنا أغفلته، أو أن ينبهني إلى خطأ ~~ارتكبته لأتلافاه مستقبلا، أو يشير إلى هفوة هنا أو زلة هناك، من باب المزيد من ~~التلاحم بإفادة بعضنا بعضا وتقوية بعضنا بعضا في مواجهة من لا يرحمون، الذين يعرفون ~~كيف ينتظمون ويتضافرون ضفيرة واحدة من أجل تحقيق مآربهم، ويدارون سوءات بعضهم بعضا ~~المنكرة، وينكرون ويستنكرون إذا ما تسرب عن أحدهم فضائح تزكم الأنوف تتصاعد من داخل ~~أروقتهم السرية، حيث يجتمعون وأحيانا يجامعون. # الحق أقول ms280 لكم، إني بعد ما قرأت ما كتب زميلي قريط ترددت كثيرا في التعاطي مع ما ~~كتب، حتى أنه ثنى بموضوع ثان بذات الخصوص دون رد مني، وتدخل أكثر من زميل نقاشا ~~مع ما كتبه قريط، وسر التردد الذي أخر ردي هذا عن ردي السريع على الأستاذ حمودي، هو أني ~~سأكون مضطرا مع هذا الرد للحديث عن ذاتي، وهو أسوأ موقف يمكن أن يضعني فيه أحدهم، ~~فذاتي هي عالمي الخاص بحلوه ومره أحب أن أداريها وأنأى بها عن المجال العام؛ لأن زميلي ~~الأستاذ قريط ركز معظم موضوعه عن سيد القمني الشخص والذات الإنسانية، دون أن يتطرق إلى ~~موضوع بعينه يتجادل معه منطقا ومعرفة ليشرح مكامن الخلل فيه، إذ كنت أتوقع فوائد جمة ~~من نقده، لأني إنسان يخطئ ويصيب، ومع الظرف الصحي يمكن أن يتزايد السهو، ومع تقدم السن ~~يتكاثر الخطأ الناتج عن كلل الذهن والبدن، لهذا أقبلت على موضوعه أبحث عن تنبيه لطيف من ~~زميلي الشاب ليصلح الخطأ أو يشير إلى مكامن السهو، ولكني للأسف وجدت شيئا آخر لو أردت ~~وصفه وصفا دقيقا سأرتكب الزلل الفاحش. وهذا هو العامل الثاني في التردد والتأني قبل ~~الرد، حتى لا أسمح لحمية الغضب بخلق معارك وهمية بيننا، ولا أسمح لحزني علينا بارتكاب ~~الزلل. وهنا لا بد أن أعترف أني قد كبرت سنا وأن حواسي قد كلت وأنهكني المرض، وربما ~~أثر ذلك في نوع اختياري للمنهج وسبل الوصول إلى الناس، وربما اخترت الأسلوب الأيسر ~~المناسب لممكناتي، ولكن لا يزعجني أبدا أن تكون من قرائي ثم يشفيك الله من هذا المرض، ~~فأنا لا أعلم من يقرؤني ومن لا يقرؤني؛ لأن ذاتي وذات القارئ ليستا في الموضوع، كذلك ~~أعترف أني مهما حاولت إرضاء مختلف الأذواق؛ فإنها غاية لا تدرك، ومن الطبيعي أن نختلف، ~~ومن الطبيعي أن يتعلم مثلك من مثلي، ومن الطبيعي أن تأتي مرحلة جديدة أصبح فيها أنا ~~القديم العتيق وأنت الجديد الحديث، وكل منا يلائم مرحلته فهو ابن فرزها، وهي سنة تطورية ~~حادثة لا محالة؛ ms281 فالنجوم محل التشبه بها في الظهور والانتشار، هي نفسها تذبل وتخفت ~~وتموت، ومع اطراد سرعة التطور الهائل في زماننا، فقد تسارعت أيضا وتيرة الإحلال ~~والتبديل وظهور الجديد قبل أوانه الذي اعتدناه من قبل، فكنا ننتظر عقودا طويلة حتى ~~يظهر طه حسين آخر أو علي عبد الرازق آخر أو كواكبي آخر، أما الآن فقد أصبح الفرز ~~والتجنيب والتجديد والإحلال أسرع كثيرا في وتيرته عما كان عليه قبل ثورة ~~الاتصالات. # لذلك أنتظر من الأستاذ قريط عطاء يفوق عطائي بحكم ظروفه الآن التي تختلف بكثير عن ظرف ~~كنا نقرأ فيه على لمبة غاز نمرة عشرة، ويصلنا الكتاب بعد لأي وعنت وعسر ومشقة وضيق ~~ذات اليد، ولا شك أن هذا العطاء سيكون متفوقا بما لا يقارن بمثلي، ليأتي الجديد ~~ويتراجع القديم، ويفوق التلميذ أستاذه ويبز الخلف السلف، وهو كله فرح مهرجاني للعجوز ~~مثلي، وهو يرى شبابا قد أتى وملأ علينا دنيانا وكلهم نبتي وأولادي، ولأن ظهورهم الآن ~~في حد ذاته دلالة قاطعة على نجاح أبناء جيلي الذي يتهيأ للرحيل ليفسح في المجال ~~للآتي. # اختار أخي قريط أن يبدأ موضوعه بالمباغتة بما لا يتوقع، فإذ به يتحدث عن صورتي وعن ~~رقم تليفوني في مدخل درامي لا يخلو من كاريكاتور هزلي يقول: «لم أعد أقرأ للقمني كسابق ~~الأيام، صرت أكتفي بتأمل صورته أعلى المقال فهي تشي ببعض المرح والتجهم معا، وقبل ~~المغادرة أنزل إلى كعب المقال لأتفقد التعليقات وأستعرض حرس الشرف وجماهير المهللين، ~~وبطريق العودة أتفقد رقم التليفون الذي يحرم المكالمات الخميس والجمعة، فهذان اليومان ~~يذكرانني بأفلام مصرية تتخللها زغاريد وبهجة وتحضير شربات، وسيدة عرمرمة تقول: كتب ~~الكتاب والدخلة الخميس الجاي.» # أضحكتني خفة ظل قلم أخي قريط وذكرتني بأيام زمان ومرحلة الصبا في لقطة مرحة تتضمن ~~مؤشرات خفية لمن يجيد قراءة المسكوت عنه في ظاهر اللفظ، وهو شأن عرفناه ضمن القيمة ~~الفنية لقلم أخي قريط رشاقة ولطفا، ولكنه إن كان يقصد بذلك التندر والتنقص من شخصي ~~المتواضع؛ فإنه في مقاله لم يقدم رغم كل ما قال ms282 أسبابا تبيح له هذا الانفلات العصابي ~~في التندر والتنقص؛ لذلك ليسمح لي زملائي هنا أن أشرح أسباب نشر رقم التليفون، فقد أصاب ~~جهازي فيروس اضطرني مع براعة الهاكر القاصد إعاقتي إلى استبدال الشركة كلها برقم جديد ~~وشركة أخرى؛ وهو ما يعني انقطاع اتصالي بالمؤسسات والهيئات الإعلامية والصحف وزملاء ~~القلم بعد أن فقدت أرقامهم بدوري، لهذا قمت بنشره على النت. أما يوما الخميس والجمعة ~~فليس فيهما سيدات عرمرمات ولا مسلوعات، ولا زغاريد، المسألة أنى ظللت منقطعا عن النشر ~~بعد التهديد أكثر من سنتين حتى تمكنت من جمع ما يكفي لشراء مسكن لعيالي بعيدا عني ~~بعدا كبيرا، حتى أستطيع أن أعود إلى النشر دون خوف على عيالي من تصرف إرهابي يطال ~~مسكني، وتوافقنا على الخميس والجمعة. نلتقي فيهما ~~لذلك أردت الاعتذار سلفا لمن يمكن أن يتصل في هذين اليومين فيجد تليفوني مغلقا، هي ~~مجرد حساسية ريفية مفرطة وخجل صعيدي من العيبة في حق ضيف ولو على التليفون. أما تحديد ~~وقت الاتصال فهو مهم وفيه احترام لوقت العمل وعدم قطعه، وفيه احترام للمتصل كي يجد ~~كاتبه متفرغا كله آذان صاغية مع وقت كاف يعطي المتصل احترامه الواجب. # ولا يخفى عليكم أن نشر رقم التليفون أوصلني أولا بمن يسبونني يوميا خلال هاتين ~~الساعتين، وبمن يتوعدني أنه سيكسب في ثوابا قريبا ليضمن لنفس مكانا في الفراديس ... ~~إلخ، لكنه أوصلني أيضا بمن هم أهل فضل ووفاء في البيت العلماني العربي، وأخص بالذكر ~~اتصال السيدة الدكتورة وفاء سلطان وزوجها المحترم، أضاءت قلبي بشموعها مع دعوة مخلصة ~~لقضاء وقت في ضيافتهم بحاتمية غير متكلفة ولا مصطنعة، وبحب لا يحتاج بحثا كثيرا ~~للتأكد منه، هذا رغم علمها وعلمي أن طرائقنا مختلفة حتى في أعمق التفاصيل أحيانا، لكني ~~لا أنكر عليها دورها ولا تنكر هي علي دوري، ما دمنا نسير نحو الهدف ذاته. وأعترف أن ~~هذه السيدة ترهبني شجاعتها ويبهرني منطقها، وتلسعني لسعا سرعة بديهتها وحضورها، وهي ~~اختلفنا معها في الوسائل أم اتفقنا: السيدة الأولى لبني ليبرال (على نمط تعبيرات ms283 أخي ~~قريط الرشيقة). هذا رغم علمي اليقيني أنه في البيت العلماني سيدات يبززنها علما ومعرفة ~~بالتراث الإسلامي وتمكنا منه، لكن لهذه السيدة طريقتها وهي التي تضيف إلى رصيدها ~~نقاطا تعلو بها الدرجات؛ فهي تؤدي دورا نعجز عنه جميعا، ربما خوفا من المجتمع ~~(مثلي)، أو ترفعا وتكبرا على تلك السجالات (مثل آخر قريط)، وفي رأيي أنها كلها طرق ~~محترمة ما دامت تقوم على عمد من معرفة سليمة ومنطق محجوج، وتهدف إلى مبادئ وقيم ~~المجتمع المدني الحر في النهاية. ولا يشغلني مدى لطف الدكتورة سلطان من عدمه، ولا ~~يشغلني وصفها بتضخم الذات والطاوسية من عدمه؛ لأن الأمر ببساطة: هي حرة في نفسها، المهم ~~ما يصلني منها من نتائج، ولا يشغلني أن يكون الليبرالي مؤمنا بأي دين أم ملحدا، المهم ~~أن يكون كذلك حقا، أما أن يكون علمانيا كاملا فهي خطوة غير مطلوبة من الجميع وتخضع ~~لاختياراتهم وثقافاتهم وقدرتهم على احتمال الوقوف وحيدين في وجه الكون والقدر عرايا من ~~الأيديولوجيا والملائكة والأرباب والشياطين، وحيث لا يوجد عزاء ولا أمل وهمي مريح ~~باستمرار الوجود بحياة أخرى حتى لو كانت في جهنم. # أما حديث أخي قريط عن صورتي، فقد دفعني إلى دخول الموقع للبحث عن صورته، ولم أتمالك ~~نفسي من الضحك من سلوكي ومما أفعل، لأني قرأت له عدة موضوعات ولا أذكر له صورة، فلم ~~تشغلني يوما صورة الأديب أو العالم أو المفكر أو الكاتب أو المخرج ولا شخصيته الذاتية، ~~فلا أنا أعرف شكل إديسون ولا شكل ابن الهيثم ، وما شغلت نفسي بالبحث عن صورة لكاتب غير ~~اعتيادي مثل إبراهيم البليهي المفكر السعودي، الذي يمثل نموذج الكاتب المتفلسف من الوزن ~~الثقيل، تحتاج متابعته إلى احتشاد كامل للحواس والعقل ومجموع معارف هذا العقل، يحتاج ~~عناء بسبب كتابته الصلدة غير الملونة ولا المزخرفة، صلبة لا ترتخي ولا تبتسم ولا تهدأ ~~قليلا لتناول الأنفاس، ولا يكون أمامك سوى خيار من اثنين، أن تتركه مللا وكسلا، أو ~~تستمر مركزا لينكشف لك عالم من الجلال الفكري الراقي. والبليهي بظروفه اختار ms284 هذا ~~اللون الجاف غير الرطب من فنون الكتابة، وله ما يريد فواقعه قد لا يسمح بلون آخر، رغم ~~أنه لو كان أكثر وضوحا وأقل نخبوية، لكان فعله في واقعنا عظيما، لكنه اختار وله حقه ~~فيما اختار وعلينا احترام اختياره، ولا نحاسبه عما عنده من كنوز وثراء يمكن بفض ~~مغاليقها أن ترصف لنا فلسفة الزمن المنتظر، أزعم هذا، وإنه لخليق به. # المهم عثرت على صورة أخي نادر قريط فلم أجد شيئا غير عادي، وليس فيه ما يبخسه أو ~~يطهره أو ينجسه، مجرد إنسان كأي إنسان آخر، نعم أراد أن يجعلها موحية وحاملة لمعنى، ~~فوضع ذقنه على كفه المنقبض وسبابته على خده الأيمن، مع صرامة وجدة ولا أقول جهامة، توحي ~~بإجراء عملية تفكير عميقة. إلا أن ذلك لم يجعلني أتخذ منه موقفا نفسيا تأثرا ~~بتفسيري للصورة التي تشي بأنه يتعالى علينا ويعلن لنا أنه مفكر، والدليل هذه الصرامة ~~وتلك اليد تحت الخد، الدليل صورته. لا لم أر ذلك مطلقا، رأيت فقط إنسانا كأي إنسان، ~~كل ما يميزه بالنسبة إلي هو منتجه الذي يكتبه، وكنت أحترم هذه الكتابة قبل أن أرى ~~الصورة وبعدها. فكتابتك وليس صورتك هي من يقول للناس من أنت؟ ولكن في بعض الأحيان تلتبس ~~الذات بالكاتب بالكتابة فتتدخل المشاعر وتظهر الجروح وتطفو النوازع وتغلب الأحكام ~~الشخصية الوجدانية، فتقع الفلتات اللسانية، وهو ما أظنه قد وقع فيه الزميل العزيز، وقال ~~عنه العرب: لكل جواد كبوة. ثم شرحوا سر الكبوة بمثل آخر يقول: المرء مخبوء تحت لسانه ~~فإذا تكلم ظهر. (وتكلم هنا بمعنى إذا فلت لسانه بالمخبوء في اللاوعي). # وبأسلوب اللمحة السريعة، يشرح كيف كانت كتاباتي بالنسبة إليه وكيف كان شغفه بها وكيف ~~تعلم منها زمنا طويلا، لكنه اكتشف فجأة أن انتشار كتابات القمني في الساحة العربية ~~هو لأن الساحة خالية، انتشارها لخلو الساحة في صدفة تاريخية بحتة، يصوغها في قالب روائي ~~شعري بقوله: «لهذا صدقت كل شيء، تيمنا بما قاله مجنون بني عامر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا ms285 خاليا فتمكنا # في ذلك الوقت بدا لي القمني يتصدى بمفرده لشخصيات كارزمية أزهرية مدججة باللغة ~~والموروث، بدا لي إنسانا كبيرا بدفاعه عن حق الأقباط بالمواطنة والمساواة.» # إن القول بخلو الساحة فيه ظلم عظيم لآخرين مثلي كثر، لعل أخصهم عاطفة وذكرا بالنسبة ~~إلي المرحوم الدكتور فرج فودة، فإن قصد زميلي بكلامه أن يطربني وأن يداعب هواي ~~تخفيفا مما سيقول بعده؛ فإنه يظلم به زملاء وأساتذة كبارا. هذا مع ما يلحق قوله من ~~استفسار عما حدث لمجنون بني عامر فلم يعد يرى القمني كبيرا؟ ترى هل خان القمني قضيته ~~وخضع للإرهاب من جانب أو الابتزاز والإغواء المادي من جانب آخر فباع نفسه لمن يدفع ~~أكثر؟ هل تراه كتب أو حتى سلك بما هو ضد ما يكتبه وينادي به في المعتاد؟ ما الذي يجعل ~~المتتلمذ يتطاول على المعلم سوى سبب يتعلق بالقيم خاصة الأخلاقية منها والحقوقية؟ فإذا ~~لم تكن تلك هي الأسباب فلا بد أن لدى الأستاذ قريط مخبوءات أخرى نفسية لا نعلمها، ولا ~~نطالبه بالإفصاح عنها، ولكن أن يشيخ أحدنا ولا يعود يطرب بعضنا فيقوم هذا البعض بصب ~~السخائم عليه لإقصائه عن عالمهم، رغم أن المولد لسه في أوله لم ينفض بعد. فتلك والله ~~لرابعة الأثافي. # المشكلة في صدق مبادئ بعضنا، فبدلا من أن نكرم كبيرنا الذي شاخ ونهمس في أذنه: «لقد ~~كبرت يا أبتاه فاسترح»، لأفهم أنه آن أوان اعتزالي مكرما منكم، ولأنكم خير معتمد في ~~حسن تشييع جنازتي يوم رحيلي لترطبوا قلوب عيالي، لا أن ترموني بأحجار آثامكم، وأنا ما ~~زلت كاتبا قادرا مقاتلا عنيدا في أقصى قمة نضجه وتمكنه. # أما كيف شفي قلب أخي قريط الخالي ممن تمكنا ليعود بلقعا هانئ البال بدون مؤرقات ~~القمني ومزعجاته، وما يكشفه من عار وعوار يطل من نافذة تاريخنا علينا وعلى العالم طوال ~~الوقت، كيف جاز للقمني أن يحدثنا عن مجازر سفاح تاريخي خالد الذكر مثل خالد بن الوليد ~~في موقعة أليس، أو مجزرة يحيى العباسي في مدينة طميسة، إنه التاريخ الجارح والعار، ms286 ~~الأستاذ قريط يطلب مني أن أنافح عن هذا التراث أكثر من منافحة أهله عنه، إن أهله هم من ~~قالوا وهم من دونوا وهم من اتفقوا على هذه الوقائع على اختلاف فرقهم ومذاهبهم وكتاباتهم ~~المرجعية، ويريد مني الأستاذ قريط أن يكون رأيي في خالد أو عمرو أو أي من الفاتحين أو ~~أي من الصحابة أفضل وأحسن من رأي بعضهم في بعض، ومن رأي أنفسهم في أنفسهم بأقلام أهلهم ~~وأتباع ملتهم. # لا يشغلني يا أستاذ قريط كم ذبح خالد أسبعين ألفا أم سبعة أنفار، المهم أني لم أتدخل ~~في التاريخ الإسلامي وهو يروي مفاخره، وليس عندي وسيلة تدقيق لتحديد رقمي سليم لمن ~~ذبحهم خالد، المهم أنه ذبح واحتل وأزال حضارات وقضى على لغات وسبى واستعبد وسلب ونهب ~~وأخذ خراجا وجزية هو وصحبه جمعيا بطول زمن الخلافة المقبورة، وأنا لا آتي بما أكتب ~~من تاريخ أمريكا اللاتينية ولا بما هو مخفي وراء بحر الظلمات؛ فالمكتبة الإسلامية في ~~متناول الجميع وأحداث تاريخها مع البلاد المفتوحة هو تاريخ أسود قاتم حالك الظلمة لا ~~يمكن تجميله مهما حاولنا الترفيع فهو أقبح من أي محاولة ترميم، إن موقفنا مع تاريخنا كي ~~يكون موقفا محترما وكريما وإنسانيا رفيعا، أن نعترف بما حدث، وأن يعتذر أولو أمر ~~المسلمين في بلاد الحجاز وكبار رجال الدين والمنظمات الإسلامية العالمية اعتذارا ~~لائقا نقدمه لأنفسنا وللعالم ولأبناء الملل والنحل والأعراق الباقين في بلادنا، حتى ~~نتصالح مع أنفسنا وأن نشف صدقا فنشف مواطنة وحبا لوطننا ولبعضنا بعضا، وأن نرفع ~~المواد الدينية بالدستور، ونعقد عقدنا الاجتماعي أكان مصريا أم عربيا (يا ليت) على ~~الوضوح والمكاشفة والتصالح ونسيان الماضي البغيض والبدء من جديد ليأخذ المواطن الفرد في ~~بلادنا حقه من الكرامة الإنسانية كبقية بني آدم في البلاد المحترمة. # نعم يا أخي العزيز نادر أعراقيا كنت أم سوريا، لا أعرف، إن أول ما يجب أن يشغلني ~~هو مصر وطني بعد أن غاب مفهوم المواطنة ولم يبق سوى الطائفة والمذهب والدين، وعليك ~~أيضا أن تبدأ بوطنك الذي مهما ms287 عرفته أنا فلن أعرفه مثلك، فإن لم ينشغل كل منا بالشأن ~~العام بوطنه أولا في ظرفنا الحالي لأنه لأدرى بشعابه، فإن البديل سيكون تبديدا ~~للطاقات ولن نصل إلى أبعد مما تصل إليه القمم العربية؛ لأن الثقافة في كلا الحالتين هي ~~هي، فيكون الحاصل هو مجموعة أصفار نتيجتها صفر عظيم كبير. ولا يعنى هذا ألا ينشغل سيد ~~القمني المصري بما يحدث في الساحة العراقية وأن يقدم ما يمكنه، والعبد الفقير إلى الله ~~سيد القمني قد شارك في كل هذا، ولسوء حظ زميلي وهو يفتري علي الباطل بظلم شديد. إن ~~معظم أعمالي وبالصدفة البحتة هي أنشودة وسيمفونية عشق في دول شرقي المتوسط وبالذات ~~العراق؛ فهي ترنيمة هوى وعشق وحب في العراق الآن والماضي، عراق المعنى والإنسان. وهو ما ~~سيجده زميلي في كتابي الإسرائيليات وفي كتابي الأسطورة والتراث وفي كتابي قصة الخلق وفي ~~كتابي النبي إبراهيم وغيره. تعالوا أهلي العلمانيين نقرأ معا الإهداء الذي صدرت به ~~كتابي الأبرز «الأسطورة والتراث»، في الطبعتين الأولى والثانية الصادرتين عن دار سينا، ~~وصودف صدوره بعد ضرب الطيران الأمريكي لملجأ العامرية في العراق إبان حكم ~~الطاغية. # يقول الإهداء: «إلى كل امرأة كانت ترضع ابن العهد الآتي، وتقدمت بجسدها قربانا في ~~أقبية ملجأ العامرية، لتمد شمسنا الغاربة الباردة ببعض الدفء. وإلى كل رضيع تناثرت ~~أشلاؤه على وجه الزمان، فذهب يفصد دمه فوق مغربنا القاتم المقبض كي يمنحه غسقا، وإلى ~~التاريخ يلملم هيبته هلعا مما خضب لحيته، ليدون ملحمة الملاحم وأسطورة الأساطير، عن ~~الشعب الذي عاش في بغداد، وناس بابل الذين لم يخلق مثلهم في البلاد.» # إن محاولة أخي نادر الوقيعة بيني وبين أهلي في العراق، الذي عشت في شرايينه أبحث في ~~تاريخه القديم، وزرته وهو تحت الحصار لأشاركه في الحصار وأتمم بحثي التاريخي الميداني ~~لكتابي النبي موسى، هي محاولة لا أجد لها وصفا مخففا ولا أستطيع أن أرى فيها شيئا ~~حميدا، هي محاولة رديئة لا تليق بالمفكر كبير الخصال، وهي مقارنة ظالمة يظهرني فيها ~~مصريا غليظ الشوفينية مقابل العراق ms288 بالذات وبالخصوص ويعيرني باستيعاب العراق للعمالة ~~المصرية الفقيرة لمجرد قولي إن أهلي في العراق كي يمزقوا نياط قلبي أخذوه إلى نفق ~~الطائفية المظلم نحو الصوملة. # نعم يا أخي قلت هذا أو شبيها به فأنا لا أذكر كل لفظ بكل دقة، وأنت لم تذكر النصوص ~~التي وشيت بها، لكني أيضا قد قلت منذ خمس سنوات إن مصر قد أصبحت في القرية هي صومال ~~وفي المدينة هي طالبان وعظم الله أجركم في مصر (تقال عندنا في العزاء) بعدما أصبحت ~~مصر مجرد مستشفى مجانين كبير مفتوح ويخلو من الأطباء، فهل تراني عندما كتبت هذا كنت ~~أكره مصر وأحط من شأنها وقدرها لمصلحة العراق أو سوريا مثلا؟ هذا كلام تلامذة ثانوي ~~وسقطة أخي هنا سقطة شديدة يستخدم فيها أي أسلوب لتشويه الخصم، وهو شأن لا يليق برفيق ~~درب لأني لست خصما لك ولن أكون، وأظن أن الدرب المشترك بيننا يفرض علينا نبل الفعال ~~والتعالي على الهينات والتوافه، والترفع عن صغائر النفس التي تسببها غيرة بدائية وحشية ~~غريزية لا معنى لها؛ لأنه ليس لدينا فريسة نتقاتل عليها ولا كرسي حكم ينتظر أحدنا غدا. ~~لقد جعلت موضوعك ثأرا شخصيا لذنب لم أرتكبه سوى خطيئة نشر صورتي ورقم تليفوني، ~~واتباعي منهجا مختلفا لم يعجبك ولا أظنه هو الدافع الحقيقي وراء ما كتبت، وكما أردت ~~أن توحي لنا به. # المهم أن أخي نادر يستطرد ليقول: «وباختصار للشيطان الرابض في التفاصيل، أود التمييز ~~بين النقد والسجال؛ فالنقد يعني ببساطة طرح رؤية أخرى ونسق فكري يطوي ما دونه من رؤى، ~~بما يدخره من محتوى وقيمة مضافة، أما السجال فهو ملاسنة بين ثنائيات، واعتمادا على تلك ~~الثنائيات فإن السجال هو أسهل أنواع الفكر ولا يدمنه إلا الكسالى. الجانب المهم في ~~السجال هو قدرته على الاستفزاز وشحن النفوس، وهذا يعود إلى ولع الناس بالمراهنة ~~والمضاربة تماما كما يحدث في مباريات كرة القدم أو مباريات فيصل القاسم.» وهو يشير هنا ~~من طرف غير خفي إلى مشاركاتي في هذا البرنامج المبارياتي السجالي أكثر من ms289 مرة. # مرة أخرى أكرر أنني في موقف لا أحسد عليه؛ لأني لأول مرة أجدني مضطرا للدخول في ~~سجال افتعله زميلي، وهذا هو السجال فعلا وصدقا، وهو حول ذاتي التي نسيتها من زمان بعد ~~أن بلعني البحث والقراءة والدرس والكتابة حتى صارت ذاتي ظلا باهتا أفاجأ بوجوده ~~أحيانا، عندما أفاجأ أن في الدنيا متعا لم أكن أعلم عنها شيئا. ومع الغربة في هذه ~~المنطقة الخالية الموحشة لن تجد ما يؤنسك ولا حتى ذاتك، لهذا كان رفضي المهذب لمشروع ~~الزميلة الدكتورة إيناس حسني لكتابة سيرتي الذاتية، وأكرر لها هنا اعتذاري فقد حاولت ~~وعرضت كل التيسيرات وأنها لن تكلفني أي مشقة سوى الثرثرة التي تمسك هي بمفاتيحها ومقود ~~توجيهها؛ لأن ذاتي من وجهة نظري كأي ذات أخرى فيها الموجب والسالب، ولا قيمة لها في أي ~~موضوع أكتبه، ناهيك عن كونها سيرة لا تسر القلب بقدر ما توجع الكبد، وقليل من أصدقائي ~~المقربين من يعرف عن هذه السيرة يسيرا؛ ومن ثم لن تجد في ما أكتب ما يشي عن هوى ~~بالذات أو (مفكر بأمره). كما قال قريط ولا طاوسيه كما قال آخرون، ما أعتز به فقط وأتيه ~~به فخرا أني أنجزت ما أنجزت بما له وبما عليه في ظروف كان مستحيلا أن تنتج أكثر من ~~كاتب عرضحالجي على باب محكمة ريفية ذاهل ومريض ومتهالك. # أما أن يكون الطريق الذي اخترته مؤخرا في مناقشة ما يطرحه علينا الإسلام السياسي ~~يعجب البعض ولا يعجب آخرين من حيث مذاقه، فإن ذلك لا يكون ضمن حسابات أي كاتب ولا حتى ~~الأستاذ قريط، وإلا ما كان كاتبا حرا. حساباتي يا زميلي هي استكمال الموضوع السلامة ~~العلمية، وصدق المقدمات، وتقديم القرائن والبراهين للوصول إلى نتائج صالحة للعمل بها ~~كبدائل للمطروح، مع ترابط هذه المنظومة وفق منطق واضح دقيق. # وأن يقول لي ناقد؛ لقد تعبت يا رجل في عملك وأخلصت الجهد لكن عيوبه كذا وأخطاءه كذا، ~~لأفضل عندي ألف مرة ممن أسميتهم المهللين المادحين، فكل كلام يؤخذ منه ويرد عليه، فلا ms290 ~~أنا ولا أنت نقول كلاما مقدسا، لكن ما يجب أن نعترف به أن دور كل منا الأهم هو جلب ~~الزبائن إلى محل العلمنة أو هو ما أعتقد أنه دوري، فلماذا لا تفترض أني بعد أن تمكنت ~~بطريقتي السابقة من جذب زبائن أصبحوا موجودين في الساحة منهم كتاب قامات، وأني قد ~~قمت بدوري خير قيام حتى بزغ من بينهم بارعون مثلك. وإني اليوم ووفق آليات تفكيري ~~وقراءتي للواقع في بلادي وتقديري قررت اجتذاب نوع آخر الزبائن غير نوعك، فهل بذلك أكون ~~قد مرقت من علمانيتي أو تجاسرت على أصول البحث العلمي فقدمت شهادات مجروحة مثلا، أم ~~يجب علينا جميعا أن نحتسب ذوقك وتقييمك هو الأمثل الواجب الاتباع؟ أم تراني حرا في ~~اختيار خطابي ولمن أتوجه به حسب خططي الخاصة لجذب المزيد من المواطنين إلى ساحة العلمنة ~~والمواطنة، أم تراني لأني لم أعد أطربك يجب أن أنسحب من ساحة الكتابة وألملم أوراقي ~~وأقلامي، وهل ظهورك يا زميل مشروط باختفائي؟ # أما تأكيد أخي قريط المستمر أن ما يكتبه القمني هو من سجال العقول الكسالى لهو برهان ~~كاف على أنه لم يقرأ بإمعان، الكسول هنا كان عقل قريط وليس عقلي، قريط يريد كتابة على ~~ذوقه وإن ما عجبتوش يا ليلة دقي! لقد أصدر حكمه الظالم ضدي وهو بقوله هو لم يعد يقرؤني، ~~فيا للإجحاف في إصدار الأحكام المجروحة سلفا! نعم يا عزيزي لجأت مؤخرا إلى أسلوب يشبه ~~السجال وما هو بسجال، بل هو في المقام الأول توثيق للمطروح علينا من كبار كتاب ومفلسفي ~~التيار الإسلامي الحديث، باختيار دقيق متحر للأسماء الكبيرة، عن سبق إصرار وترصد ~~ومتابعة، ثم قمت أناقش ما يطرحونه علينا لتفكيك بنيته مع تقديم البدائل الأكثر عائدية، ~~لأن وضع الموضوع في شكل سجال هو كما قلت أنت كصفة سلبية فيه، إنه قادر على الاستفزاز ~~والشحن لولع الناس بالمراهنة وكرة القدم، بينما لجأت أنا إلى هذا قصدا للأسباب ذاتها ~~التي ذكرتها أنت لتسفيه السجال، للشحن والاستفزاز ولولع الناس بالمباريات، لأني قررت ~~استثمار ذلك ms291 إيجابيا بعد طول تأمل وفرز بين الخيارات بعد نجاح الفكرة تلفزيونيا. ~~فلا أنا أريد أن أكون فارس أحلام زميلي، ولا فيلسوفه الرصين مقطب الجبين، ولا منظرا ~~لحل خلاصي وفق نظرية تامة التكامل تبقى خالدة أبد الدهور، ولا أنا الفريد زمانه كي ~~نكلفه ما تريد كما لو كنت جني مصباح علاء الدين السحري، ولست أستاذا لأحد بقدر ما أنا ~~تلميذ لكل من أقرأ لهم، وأتبع في عملي خطة طويلة النفس تتغير طرائقها بتغير المراحل، ~~فبينما كتبت منذ زمان كتابي الملحمي «حروب دولة الرسول»، فإني في جديدي أنكر أن تكون في ~~الإسلام دولة بالمرة، ترى هل هذا هو التناقض الذي يقصده صديقي؟ لا أعتقده أقل ذكاء من ~~إدراك حقيقة ما أفعل وإلا تبقى مصيبة ولا يكون ثمة داع لهذا الحوار كله! # زميلي الكريم، إني أتبع في عملي كل ما أعتقد أنه وسيلة للوصول إلى أصحاب المصلحة فيه، ~~من مناهج علم الاجتماع إلى مناهج فلسفة الأديان إلى ماركسية المادية التاريخية إلى ~~تطورية هربرت سبنسر، ليس مهما هنا مركب الوصول لتحقيق ما أريد لأولادي وبلدي في ~~الأيام المقبلة، بغض النظر عما تفترضه من هيبة المفكر وتقنية عمله ليقنع الأكاديمي ~~الرصين ببحث ونص محكم، وهذا أيضا ما فعلته وأخذ مكانه اللائق بين الأبحاث العلمية ~~المحكمة المحترمة في المكتبة العربية الراقية بالطبع وليس السلفية أو التجارية، كما لا ~~شك تعلم يا أخي أن خطابا يوجه للناس هو غير خطاب يناقش شروط استكمال الأكاديمية. كل ~~الوسائل الممكنة هي متاحات لنا نقتنصها حتى لو كانت حلقة تلفزيونية مع شخص مثل هاني ~~السباعي في مباريات فيصل القاسم. # إنه حقي في الاختيار وحقي في ارتكاب الخطأ، وأنت تصادر عليه دون أي حق واضح تملكه ~~لتفعل ذلك! هذه سبلي اخترتها فلماذا تبخسها مع صاحبها؟! أليست مساهمة واحدة من مساهماتي ~~الموضوعية التي لم تعجبك وتعرضت لها هي أفضل ألف مرة من موضوعك هذا الذي كتبته وأدى إلى ~~هذا الاشتباك السجالي حقا؟ وهل حدث أن طلبت لكلامي العصمة ولنفسي السيادة بين بني ~~لييرال؟ ms292 # إن طرقي هي اختياراتي ولا أزعم لها إطلاقية الصواب ولا السمو ولا وجوب التمجيد ~~والتهليل بقدر ما هي محاولات للاستمرار على قدر ممكناتي الصحية والظرفية، فلماذا حملة ~~التشويه ما دمنا أنا وأنت نؤمن بتعدد الطرق للوصول إلى الهدف الواحد؛ وإذا هو يرى أني ~~لم أقدم رؤية بما تدخر من قيمة مضافة، فما الذي كنت أفعله إذن في كل هذه الكتابات؟ ~~الحكاية ببساطة أن زميلي لم يقرأ فكيف سيجد ما يدخره الموضوع من محتوى وقيمة ~~مضافة؟ # وماذا عن الهمز واللمز من مشاركاتي في مباريات فيصل القاسم؟ ما المانع أن ينزل أحدنا ~~من برجه الليبرالي وصارم وجهه وعمق تفكيره بوضع اليد تحت الذقن ليطارح الناس العاديين ~~مشكلة عميقة المحتوى عبر التلفزيون أو المحاضرة؟ أليست الحجة الموجهة ضد العلمانيين هي ~~فشلهم في الوصول إلى الشارع؟ هل ترى بإمكانك شرح موقف العلمانية من الدين في مناظرة مع ~~قطب إخواني (الدكتور مجدي قرقر) في ندوة عامة في حي شعبي كلاسيكي بالتمام مثل حي باب ~~الشعرية، وإضافة إلى ذلك أن تخرج بالناس يتساءلون عن الطريق إلى العلمانية؟ لقد فعلها ~~أخوك المتواضع بحسبانها فرصة والأجدى أن نقتنص أي فرصة تعرض علينا للوصول إلى هذا ~~الشارع مع الحصار الرسمي لنا؟ # أم أن هالة المفكر وكبرياءه المقدسة لا يصح أن تنجرح في مبارزة علنية فيصبح شعبويا ~~مهرجانيا؟ وهل مشروط للمفكر كي يكون مفكرا أن يوغل في الألغاز والغموض والترفع عن ~~تلك الصغائر؟ والله يا أخي حتى الحلقة العبثية مع هاني السباعي حققت مكاسب وعائدية ~~عظيمة بكل المقاييس، فقد أظهرت مدى عيائهم الفكري وإرهابهم العلني وسفههم لدرجة ~~الانحطاط والوطي، رغم أنها كانت كمينا من الجزيرة، بعد أن سبق وخرجت منتصرا من حلقة ~~كمال حبيب وحلقة عبد الوهاب المسيري؛ لأن انتصار العلماني يظل وجعا يؤرق الجزيرة حتى ~~تهزمه علنا أو تنال من مهابته أو لو استطاعت فإنها تعرضه للمهانة. # قالوا لي إن مناظري سيكون الغنوشي، قلت ند كفوء، بعد وصولي إلى الدوحة قالوا الغنوشي ~~اعتذر لأسباب أمنية واللي جاي حسن الترابي، ms293 قلت ند كفوء، قبل الحلقة بدقائق قالوا ~~الترابي اعتذر ولم يجدوا سوى هاني السباعي سفيه لندن الأشهر، وفطنت للكمين متأخرا ~~والحلقة على الهواء بعد دقائق، فإما أن أنسحب ويعلن فيصل انسحابي بينما هو مجهز سلفا ~~مناظرا ينتظر، وتكون الهزيمة منكرة للعلمانيين بعد وصولي إلى الدوحة بالفعل، أو أن ~~أقبل، وساعتئذ تذكرت المرحومة أمي الحاجة صفية وهي تحذرني: «خد بالك يا سيد يا ابني، ~~إذا عايز تبهدل راجل محترم سلط مره شرشوحه». وعلمت أني في الموقف الذي حذرتني منه أمي، ~~في انتظاري على الهواء الآن مره شرشوحه. ولكني قررت الاستمرار وكان النصر حظنا المؤزر ~~بالآيات البينات بانكشافهم إرهابا علنيا وسفها مقززا لفريق يزعم التدين المفترض ~~فيه أن يكون عف اللسان قويم الخلق بشوش الوجه حسن اللفظ. ولم أعتقد أن كل ما قاله قد ~~نال من شخصي كمفكر محترم لأن الفارق كان بائنا. وإذا كانت ذاتي قد سبت أو سفهت بسفاهات ~~الإرهابي اللندني السباعي فمالها وما أكتب؟ ذاتي لا اعتبار لها هنا مع نجاح المناظرة ~~كرصيد في الخطوات نحو الهدف. # وهكذا تراني يا أخي أخطو خطواتي وأختار طرقي دون اعتبار بالمرة للذات لأنها عندي خارج ~~الموضوع، وقد أخذت هذه الذات بالقسوة والشدة دون رحمة في أبحاثي وأعمالي، وقررت استمرار ~~العيش في مصر رغم قسوة المجتمع الذي أكتب له ومن أجله، ربما أنت رأيت ذاتي ذات يوم ~~شيئا مهما وانبهرت بها فإذا بك أمام إنسان عادي بكل ما له وما عليه، ستكون بهذا ~~المعنى مشكلتك لا مشكلتي ، أنت تريد أبطالا حتى الموت أو قديسين كاملي الطهارة، أو ~~أربابا أكاديميين، وهي كلها بتعبيرك كائنات افتراضية غير موجودة في الواقع إلا لماما، ~~وكونك اكتشفت خطأك وطلع القمني مش اللي هوه، ولا هو أستاذ ولا هم يحزنون، فلماذا كل هذه ~~الحملة؟ لماذا لم تكتف بإلقاء كتبي من أقرب نافذة في جوارك لتهدأ نفسا وترتاح بالا ~~وينتهي الأمر؟ # أما أنا فقد فعلت ذلك مع نفسي وذاتي مبكرا، لهذا أعتبر نفسي دوما مجرد جندي نفر في ~~الجيش العلماني ms294 بدون أي رتب، وأفخر بذلك وحده وأكتفي؛ لأن الجيش العلماني يعني ~~الحقوقيين يعني مع الحريات، يعني مع الكرامة، يعني أن أكون فردا منهم فهو الشرف ~~العظيم. # زملاؤك وزملائي راسلوني لأكتب لكتب من تأليفهم تقديمات يريدون بها تشريفا، ولهم ~~الشكر والتقدير كله لأنهم هم أهل الشرف، لكني رأيت أن من يكتبون التقديمات يرتكبون في ~~حق المؤلف لونا من الجرم، فهم يركبون جهد المؤلف ويضعون أسماءهم على الغلاف دون جهد ~~مواز لجهد المؤلف، لمجرد ركوب الكتاب ووضع الاسم والذات عليه دون مجهود لائق. أرسل ~~لي كمثال الزميلان العزيزان الأستاذ سعيد الكحل وهو صاحب قلم محترم، وأيضا الأستاذ ~~عادل جندي وهو صاحب قلم رفيع، وعندما قرأت العملين وجدتهما ذوي قيمة عالية وصاحبيهما ~~قامتين محترمتين؛ لذلك رفضت أن أكون أيقونة كتاب لتجميله وهو لا يحتاج تجميلا من ~~أحد. لو كانت ذاتي شاغلي لجلست أكتب مقدمات لعشرات الكتاب من باب توسيع الانتشار ~~والرزق أيضا، لكن ذاتي والحمد لله سبق لها أن مرت بطور التضخم زمنا مضى، ثم غادرته ~~إلى غير رجعة، وأحتسبها اليوم من هنات مرحلة الصبا والشعور المبكر بالتميز بالتفكر ~~والتباهي به بين الأقران. # ونظرا لطبيعة كتاباتي وما تعلمونه عنها؛ فهي تخص بلادنا ومشاكلها لذلك لم أسع ~~للترجمة ربما أحصل على جائزة دولية لائقة، رغم استحقاقي؛ لعدم معرفتي بسبل وطرق النشر ~~الأجنبي، وأحمد قدري الذي جعل مطالبي الحياتية شديدة البساطة؛ مما أعطاني قدرا ~~هائلا من الاستغناء، كما أني لن أحصل في بلد مسلم أو عربي على جائزة تقدير ، لأنكم ~~تعلمون ترتيب الولاءات ومقاصات المصالح في جوائز بلادنا، ناهيك عن تكفيري العلني الذي ~~سيعطي كل تلك المؤسسات العذر في عدم منحي جائزتها. وصدقني أخي قريط تمنيت الحصول على ~~واحدة من تلك الجوائز ليس لأنها تحمل تقديرا أدبيا سليما، بل لمردودها المادي ~~الفلوسي البحت الذي أنا بأشد الحاجة إليه. فإن لم أحصل على تقدير منهم فعلى الأقل يكون ~~التقدير من زملائي في العلمانية، التقدير الأدبي وحده لأنهم والحمد لله كلهم عالم فقري ~~مثل حلاتي؛ لذلك لا ms295 أخفيك سرا إعجابي الشديد بكون العلمانيين العرب يعتبرونني «أيقونة ~~بني ليبرال» كما ذكرت في مقالك، تكفيني تلك جائزة رفيعة المستوى عالية القيمة نزيهة ~~الحكم والقرار. # ولا يكتفي الأستاذ قريط بذلك، بل يصعد من حدة حملته ويشدد من هجومه بدون سبب واضح ~~لأي سبب، مجرد كلام فلوت، يقول: «القمني كما أراه الآن تحول من مفكر إلى مفكر بأمره، ~~ومن صاحب مشروع إلى سجال بدون موضوع، يبدأ صولاته وجولاته من مقولات: حاكمية الله، ~~والخلافة، وشعار الإسلام هو الحل، وما يتغرغر به الإسلاميون، ذريعة للهجوم على كائن ~~افتراضي؛ لأن تلك المقولات تحمل بذور فنائها بداخلها، ولا تستحق جدلا من حيث ~~المبدأ.» # وصدق زميلي في قوله وأصاب كبد الحقيقة، فنهج التفكير الإسلامي (والديني عموما من ~~وجهة نظري) يحمل بذور فنائه بداخله، لكنه لم يصب بالمرة بقوله إن معركتي مع هذا الفكر ~~هي معركة مع كائن افتراضي، حتى شككت أنه لا يعيش معنا في بلادنا وأنه ممن يكتبون من ~~أوروبا أو أمريكا، وأنه غادر بلادنا من زمان؛ لأنه إذا كان ذلك كذلك فلا شك أن مسلمي ~~الشارع المصري والباكستاني والسعودي والجزائري والصومالي واليمني والعراقي بإعلامهم ~~بتعليمهم بصحوتهم بسلوكهم في الشارع بخياراتهم السياسية كلهم كائن افتراضي لأن كلهم ~~كذلك وكلهم يؤمن بذلك، عدا بعض النخب الليبرالية هنا وهناك ممن لا تأثير لهم في الشارع ~~في أي موطن من تلك المواطن، وأصحاب ملل ونحل أخرى يلوذون بما يؤمنهم على حياتهم فقط ~~وليس حتى كرامتهم في بلادنا المسعورة. # نعم هي تحمل بذور فنائها، وإن التقدم الإنساني لا يتقهقر، لكنه أيضا يسير لولبيا ~~بمعنى أنه يكبو أحيانا، لكنه دوما في ارتقاء، وأن العلم في سبيله يكتسح حارثا الطريق ~~أمام ما يصاحبه من قيم ومبادئ، ستسود في النهاية، كل هذا يا أخي نعلمه من كتب المعلومات ~~الابتدائية والقراءة الرشيدة، وبالإشارة إلى لولبية الصعود والنكوص يأتي دور الشعوب ~~والفرد في التاريخ وشعوب مثلنا بمناهجنا في التفكير بقيمنا بسلوكنا هي حجر عثرة دائم في ~~طريق تقدم الإنسانية، وتقدمها هي نفسها؛ ومن ثم ms296 يأتي دور المفكر للتسريع في عملية ~~الفرز والتجنيب والإحلال والتبديل ووضع الخيارات الملائمة لجعل الانتقالات المجتمعية ~~تتم بأقل قدر من الخسائر والمشاكل وبأكثر ما يمكن من السلامية لهدم القديم وإحلال ~~الجديد، وهذا يا أخي ما أقوم به، وأتمنى عليك أن تساهم فيه بشيء كبير مستقبلا فأنت أهل ~~له لو توقفت أنت عن استسهال السجال. # ثم يعمد الأستاذ قريط إلى موضوع قديم من موضوعاتي يرتبط بظرفه الوقتي حينذاك على ~~الأرض في العراق، فيقول: «لكن كلمات القمني بدأت تقتصر على الجدل الصاخب دون رؤية نقدية ~~بديلة، وفي الآونة الأخيرة بدأ يستأنس بظلال القوة والسلطة ويستأسد على الضعفاء، وأصبح ~~لا يرى مشروعا إلا بقمع الإسلاميين، لهذا السبب أصبحت كتاباته تضج بالمتناقضات ~~الفاضحة؛ فهو يشيد بنموذج الولي الفقيه السيستاني ويعتبره غانديا مسالما نابذا ~~للعنف، وهذا يتناغم مع طبيعة الرضا الأمريكي الذي أصبح بوصلته، والسؤال: هل يقبل بولي ~~فقيه أزهري؟ أم أن العراق أصبح حائط نص نصيص واطئ؟» # أي قوة يقصدها وأي سلطة أستأنس بظلالها وأستأسد بها؟ أنا رجل بلا حول ولا قوة، وإذا ~~كان يقصد سلطة الحكومة المصرية! كان الأجدى أعمل ذلك بدري ومن زمان، وأعيش الزفة وآخذ ~~لي وزارة وأفتح لي حساب في سويسرا وتبقى الدنيا بمبي واللقمة طرية والعيشة هنية. ألا ~~ترى ما يرفل فيه مشايخنا من متع؟ وهل ترانا أقصر قامات عن كتابة متأسلمة وأفضل مما ~~يكتبون بفارق عظيم في المستوى؟ عايزني آجي أعملها في أخريات أيامي؟ لقد صدقت هذه ~~الحكومة ذات يوم ليس لأنها تستحق التصديق، ولكن اعتمادا على تصديقي للضغط الأمريكي ~~الذي يمكن أن يسرع بعملية العلمنة، وصدقت حكاية ترشيح الرئيس والمادة مش عارف كام من ~~الدستور، وكتبت لأول مرة ولآخر مرة مديحا للخطوة مصحوبا بشروط وقواعد اللعبة حتى تكون ~~سليمة لأكتشف خلال أسابيع مدى سذاجتي؛ لذلك لم ير أحد هذه المقالة مرة أخرى وأخفيتها ~~لينساها الناس. وعدا هذه الكبوة الناشئة عن سذاجتي الشديدة أحيانا، بحكم ريفيتي وميلي ~~لتصديق المأمول من ورائه خيرا، وغير هذا المقال البائس لا تجد ms297 موقفي من الحكومة سوى ~~موقف الليبرالي المحترم الحر من نظام استبداد نخر فساد السوس جنباته بكل شخوصه، لا ~~أستثني أحدا، ولكن أن يكون البديل عن هذا النظام خراب العمار وخوض البلاد في بحر من ~~الدماء، فلا شك أن هذا سيكون مرفوضا بالمرة، وعندما يكون البديل عن سيادة القانون ~~مقاصات مصالح تجرى بين عناصر الحكومة وبعض التيارات الدينية لتقسيم الفريسة؛ مما يهدد ~~بمخاطر تفكك الدولة نحو صوملة كاملة، فهنا علينا أن نختار بين الخراب والدمار الكامل ~~بلا عودة، وبين أن ندعو النظام القائم لالتزام القانون وتفعيله ولو على أصحاب مشروع ~~الخراب البديل، وبهذا لا أستأسد بالحكومة فهي ليست أسدا بقدر ما هي مجموعة من الهايينز ~~الرمامين يأكلوننا ونحن موتى، عصابات فاسدة رخوة هشة تستخدم وسطاء الدين المنتفعين ~~المحترفين وسيلة لشرعيتها وتمرير فسادها، لقد قامت هذه الحكومات اليولياوية منذ 1952م ~~حتى الآن بأكبر عملية إجرام في حق الإنسانية عندما تمكنت من إبادة الوعي التعددي المصري ~~الباقي منذ 1919م حتى أصبح بإمكانها تسيير الشارع بشيخ نصاب بتعريفة (يعني بفلس)، ولا ~~أستبعد على مثل هذه الحكومة أن تضحي بشعبها وأنا أراها تترك الشارع منفلتا سداحا ~~مداحا يعمل وفق آليات أجهزة الإعلام وما تبثه من قيم منحطة، بلا ضابط ولا رابط إلا ~~مشهد النقاب والحجاب واللحى وخراب الضمائر المعمم والعلني السافر في حالة لم تشهدها مصر ~~من دمار للبلاد والاقتصاد والقيم والوعي والتعليم منذ زمن الهكسوس. # أما الإشارة إلى سلامية السيستاني فقد كانت في ظرفها على الأرض وفي وقتها هي نعم ~~الحكمة ونعم المصداقية والرأي السديد، وكان أي قول بخلاف ذلك تأجيجا لمزيد من النيران ~~التي كان يصبها السنة الزرقاوية على شيعة العراق وبقية ملله ونحله. ولكن السيد ~~السيستاني نفسه لم يسلم من نقدي المر والقاسي على المستوى النظري لفتاواه ومواقفه ~~وآرائه الدينية. # ثم من قال إن العلمانية تعنى العداء للدين أو للطائفة أو للعبادات أو حتى لرجال الدين ~~ما داموا لا يفتئتون على المصلحة العامة للمجتمع ويلتزمون دورهم المحدد لهم دون خروج ~~على قواعد ms298 وشروط العقد المدني الاجتماعي العام. إني هنا ألم أكن نصيرا لوجود سلطة ~~دينية في العراق ورافضا لها في مصر لأن المقارنة ظالمة والظرفين يختلفان بالكلية، وخير ~~من يعلم ذلك زميلي قريط، وإن لم يعلم ذلك فإن أقل ما يوصف به مع التأدب أنه نوع من ~~الخبث الريفي المضحك بغرض تشويه الخصم بأي طريق ممكن، وهو ما لا يحدث بين أولياء ~~المبادئ المحترمة، خاصة إذا كان هذا المبدأ هو العلمانية التي أراها شرفي وسبب ارتقائي ~~وفيها بيتي وعائلتي وناسي وجذور كرامتي ومحتوى ومستقبل أولادي ووطني. # وضمن هذا الخبث الريفي يظهرني عميلا حكوميا حيث يقول: «بنفس الوقت ينقض على سعد ~~الدين إبراهيم مقرعا إياه بتهمة الأسلمة السياسية.» مرة أخرى الرجل لم يقرأ دفاعاتي ~~التي استغرقت ثلث كتابي شكرا لابن لادن عن حقوق الدكتور سعد الدين إبراهيم وموقفي من ~~حكومتنا المعتوهة غير الرشيدة، وبالطبع هو أيضا لا يعلم أن سعدا صديقي حتى هذه ~~اللحظة. # وإني قبل أن أنشر نقدي له التقيته وسط نخبة من المفكرين في منزل الدكتور حسن الصواف ~~وبحضور الدكتور صلاح الدين حافظ والدكتور أسامة الغزالي حرب والفنان التشكيلي وجيه وهبة ~~وغيرهم من أعلامنا، وقلت له هذا النقد بحضورهم، وأخبرته سلفا أني سوف أنشره. ونشرت ~~نقدي لكني لم أفعل فعل قريط فالشخص بمنأى عندي عن النقد، فما يشغلني هو ما يكتب ويؤثر ~~به في الواقع؛ لذلك أدنت سعدا بقلم سعد وما خطت يراعه، وليس بخطاب متعال يتوهم ذاته ~~ذاتا قادرة على الفرز وحدها وقراءة ما تضمر النوايا وإصدار الأحكام على الزملاء كخطاب ~~عمنا قريط ضد شخصي الضعيف المتواضع، وبعد نشري نقدي لسعد تمت دعوتي من قبل مركز سعد ~~(ابن خلدون) للمحاضرة، وحضرت وحاضرت ونشرت مجلة المجتمع المدني المحاضرة والمداخلات، ~~ومؤخرا كتبت مشاركا في المجلة ذاتها وبناء على رسالة منها واثقة بحميد مواقفي، بكلمة ~~محترمة تليق بدور سعد كأستاذ وشيخ ليبرالي كبير، بمناسبة بلوغه سن السبعين، أطال الله ~~في عمره، أدعوه فيها للعودة إلى مصر بعد أن أجدبت مدنيتنا ببعده عنها، وعبر ms299 الاتفاق ~~والاختلاف لم يحدث أن بخست سعدا أو اتهمته بما ليس فيه ولا سخرت منه أو من شخصه أو من ~~كتابته ولا قللت من شأنه كأستاذ مؤسس لفكرة المجتمع المدني في بلادنا؛ لأن كل ذلك ليس ~~من شيم ومكارم العلمانية من نبالة وفروسية. # ذكرني أخي قريط بحدثين لا أنساهما، أحدهما مقال كتبه صحفي منكور موتور بالأسلمة، ~~وكيف أن الله من عليه أن يرى داعي الفرعونية الدكتور النصراني لويس عوض طريح فراش ~~المرض الأخير بالمستشفى، يرطن ويخرف ولا يدري ما يقول حتى إنه لم يدر ببوله يتسرب على ~~بنطاله، حتى انتهى بحمد الله والثناء عليه لنقمته السماوية على لويس عوض، ومضت الأيام ~~ولا يذكر أحدنا هذا الصحفي ولا من هو، ومن بقي هو لويس عوض. # والثاني يخص كاتبا علمانيا صادق العلمانية هو حسين أحمد أمين الذي تعلمت من ~~كتاباته كما تعلمت من كتابات سعد الدين، جاء يوم قرر أن يكتب فيه ذكرياته مع أبيه ~~أستاذنا وتاج رأسنا «أحمد أمين»، وهو واحد من أبرز كتاب عصر النهضة في القرن الماضي، ~~ومعارف أبيه هم من الأسماء اللوامع لذلك الزمان، والذين هم أساتذة لنا جميعا نفخر بهم ~~ونعتز ونتيه فخرا، فإذ به يذكر أسرارا. تسيء إليهم ومواقف تشينهم، فكان قراري الشخصي ~~هجر قراءة حسين، ولاحظت أن ذلك كان موقف بقية القراء دون اتفاق مسبق، حتى خفت نجمه أو ~~تلاشى من الساحة، لكن ذلك لا يسلبه حق سبقه أستاذا علمانيا؛ لأن لدى القارئ حسه الذي ~~يدفعه لاتخاذ المواقف مما نكتب ويحاكم الكاتب بالمقاطعة أو بالمتابعة وفق منظومته ~~القيمية التي لا يأكل فيها الصغار لحم إخوانهم الكبار أو آبائهم وأساتذتهم أكانوا ~~أحياء أم أمواتا، فكرهوه وكرهتموه. # أختم هنا بفقرة أخي نادر التي ختم بها موضوعه، إذ يقول وكله ثقة: «لا أنكر أني تمتعت ~~يوما بلمحات تنويرية سطرها القمني في متون كتبه، فجمال الكتاب يفتح الشهية للمزيد، رغم ~~الملل والشعور بالتخمة، لكن لغة سجال القمني ليست أكاديمية كثيفة دالة، ترضي المثقف ~~اللماح، ولا ميسرة أنيقة تبهر الذواق، ms300 إنها للآسف لغة عربية متثائبة تتحرك ببطء، على ~~إيقاع سيارات وسط البلد في القاهرة، وتنفث عوادمها في وجوه الناس، ولا تصل إلى مبتغاها ~~إلا بشق الأنفس.» # إذن لماذا لا تكتب أنت يا أخي ما ليس كذلك، ولماذا لا تقدم لنا مشروعا كمشروعي الذي ~~أشرت إليه في البداية ثم انتهيت به إلى لمحات تنويرية سطرها القمني، أم أن ظهور ~~مشروعك مشروط بانسحابي بعدما شخت ولم أعد أطربك. # أخي نادر قريط، لن أنسحب من الساحة بعد أن انسحبت منها من قبل مكرها تحت وطأة الخوف ~~على أولادي؛ فالتجربة كانت شديدة المرارة، وسأظل أكتب حتى يصيبني الخرف، وساعتئذ سأجد ~~من ينبهني إلى التوقف حرصا على تاريخي العلمي من أمثالك، أو حتى تفاجئني موتة ربي أو ~~موتة اغتيالية، وساعتئذ أتمنى عليك ألا تعود لأكل لحمي ميتا كما نهشته حيا، وأكرر ~~الطلب من أشقائي العلمانيين أن يؤبنوني ويودعوني بعزاء يليق بي حين أغادركم، ~~لتتمموا وتستكملوا ما بدأناه، تأبينا يداوي فقد عيالي لأبيهم حيا وميتا بعد أن ~~خطفته منهم حالة قدرية وظروف وطن ليكون عبد مكتبه، لا يرونه إلا يومين أسبوعيا لمدة ~~ساعات قصيرة في هذين اليومين، وأحيانا يلغى اللقاء بسبب العمل، وترطيبا لقلوبهم بعد ~~معاناة طويلة ليس لهم يد فيها سوى كوني أباهم، وأخيرا وليس آخرا يبدو لي أني بحاجة ~~إلى بعض الراحة الجسدية والذهنية؛ لذلك أستسمحكم عذرا في إجازة أرجو ألا تطول. أتمنى ~~خلالها أن يسعد قلبي بالمزيد من كتاباتكم ونضالكم من أجل مواطن كريم يعيش في وطن عزيز ~~يا أهلي وناسي في كل بلد عربي من بني ليبرال. # الفصل الثالث # | درس في البحث العلمي وأخلاقياته # وأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي # ولا أنثر الدر الثمين على الغنم # فمن منح الجهال علما أضاعه # ومن منع المستوجبين فقد ظلم # الإمام الشافعي # وصلتني رسالة من الأستاذ رزكار عقراوي المنسق العام لمؤسسة الحوار المتمدن، يطلب ~~مشاركتي في موضوع تقييمي حول «الحوار المتمدن إلى أين؟» بمناسبة الذكرى الثامنة ~~لتأسيسه. وللصدفة البحتة فإن الرسالة وصلتني وأنا عازم على الامتناع ms301 عن النشر في هذا ~~الموقع. حيث أنشر حاليا بصحيفة وزارة الثقافة المصرية (القاهرة) وصحيفة الأهالي ~~المصرية، وموقع شفاف الشرق الأوسط، وموقع دروب، إضافة إلى الحوار المتمدن، وعنهم يتم ~~النقل إلى مواقع أخرى عديدة. # لعل أهم ما يأخذه البعض على موقع الحوار المتمدن أنه ينشر لمبتدئين إلى جوار كتاب ~~ناضجين إلى جانب قامات كبار، خالطا حابلها بنابلها، لكن هذا عندي شأن لا أعترض عليه، ~~لأنه يمنح المبتدئ الثقة ليسعى للاستفادة من زملائه الكبار فيكبر، ويضيف لنا مزيدا من ~~الثراء، إضافة لكونه يطلع جيل الشيوخ على جديد الشباب، فأنا ضد تصنيف الكتاب، لكني ~~أيضا ضد التطاول على القامات الكبيرة؛ لأن ذلك ليس من أدب الكتابة ولا من شيم الأسرة ~~العلمانية. وهذا أيضا لا يعني النقد الموضوعي الذي يتناول الموضوع وليس ضمير الكاتب ~~وشخصه وسريرته؛ فالأول مطلوب بالضرورة العلمية، والثاني مرفوض بالضرورة القيمية. فقد ~~ساءني بشدة ما تعرضت له سيدتي أنا شخصيا الدكتورة وفاء سلطان من تجريح وتهجم تجاوز ~~حدود الموضوعية. والغريب أن من هاجموها استثمروا وقفتي المرحلية لظروف المعركة الدقيقة ~~وحساباتها داخل مصر، وأقول للسيدة وفاء جائزتك يا سيدتي تشرفني وتسعدني وعلى رأسي من ~~فوق، ورؤيتك تتحدثين تبهرني بشجاعتها ومنطقها، لا أعرف ما هي الجائزة، لكني بانتظارها ~~لأعرضها بمكتبي حبا وكرامة، إن شرط العلمانية هو السماح بالنقد الموضوعي دون حدود ولا ~~سقوف حمراء؛ لذلك أفهم أن تكون مسلما أو مسيحيا وأن تكون أيضا علمانيا؛ أي أنك لا ~~تفرض دينك على غيرك، وتقبل نقد دينك لأنه لا دليل على صدقه؛ لذلك لا نصدقه إنما نؤمن به ~~والفارق عظيم في آليات الموقفين، فكل دين يزعم المؤمنون به أنه الصدق المطلق، وهو ما ~~يعني عدم «الصدق بالمرة»، لتناقض الأديان تناقضا تاما والمصدر واحد إذا سلمنا ~~بالإيمان. نعم أفهم أن يكون العلماني يؤمن بدين لحاجته النفسية إليه لسد فجوات مقلقة ~~لديه، فلكل ظروفه القاهرة أحيانا، لكني لا أفهم أن يطرب مسيحي علماني لنقد الإسلام ~~وينزعج بشدة من نقد الدين المسيحي، أو أن يطرب مسلم علماني لنقد ms302 اليهودية والمسيحية، ~~ويشن الحملات على من ينتقد الإسلام، أو أن ينتقد أحدهم الإسلام لما فيه من خرافات كالجن ~~والعفاريت، وهو نفسه من يحكي لنا أن القس فلان يخرج الجن والعفاريت من الملبوسين، ~~ويشرح ذلك ويستفيض في التدليل عليه، أو من يبين نقائص الإسلام في قنواته الفضائية، ~~ليدعونا إلى دينه هو بحسبانه الدين السليم والكامل؟! # إن من يزعم العلمانية وينزعج من نقد دينه هو منافق يرتد عند أول ناصية ويبيعنا جميعا ~~عند أول موقف، مقابل اكتمال راحته النفسية وهدوء باله، وحل مشاكله النفسية في عالمه ~~الوهمي. # ساءني أيضا أن يتم نشر ردود إسلامية تهاجمني في شخصي كما في كتابات منشورة بالحوار ~~المتمدن، بينما كل المواقع الإسلامية ترفض نشر أي مقال أو أي تعليق ولو موضوعي ومحترم ~~لأي علماني. كما ساءنى أيضا استثمار ما أتعرض له من محن لإصراري على البقاء في مصر ~~ولأني اخترت دور التغيير من الداخل؛ ومن ثم تتغير مواقفي أحيانا بدرجة أو بأخرى حسب ~~طبيعة الضغوط ونوع المعركة، فأمارس أحيانا التقية المشهورة لديهم لأتقي شرهم، وأحيانا ~~آخذ خطوة إلى الخلف لآخذ بعدها خطوتين إلى الأمام، لكن كلها خارج موضوعات بحثي التي ~~أوجهها لقارئ، هي معارك قانونية أحيانا ودبلوماسية أحيانا وبدون قوانين حاكمة ~~أحيانا، فلكل خصم استخدام ما بين يديه من أدوات ووسائل للانتصار على خصمه، وتحتاج ~~أحيانا لأوراق غير أوراق البحث العلمي، لكني لم أتنازل يوما عن خياراتي المعلنة ~~والواضحة للبصير والأعمى، وهو ما أدى ببعض كتاب الحوار المتمدن للدعوة لوقف حملة ~~الموقع لتأييدي ، بعد أن اعترفت للنبي بأنه سيد الخلق وقلت الشهادتين في التلفزيون ~~المصري، كما لو أن حملة التأييد كانت قد أضافت إلي شيئا يرفع من معاناتي، وكما لو ~~كان أحدهم ساهم في شراء مراجعي وأوراقي، أو دفع الأجور للمحامين ورسوم القضايا، ولا ~~يكفوننا شرهم بسكوتهم عنا، وهم في نعيم بلاد الأجانب حيث الرفاه والأمان بعيدا عن ~~مشاكل الوطن وكوارثه المتتالية، بل ويقرعونني ويطلبون رفع الدعم عني (أي دعم ~~بالضبط؟!) لتصريحاتي الإيمانية الإسلامية، أو كما لو ms303 كنت ضد الأديان لكونها أديانا ~~فقط، وليس لكونها معطلا ومعوقا للتقدم والحداثة، وكما لو كان الناقدون لديهم ترف ~~خسارة شخص مثلي لا يستطيعون استطاعته ولا يقدمون ولو يسيرا مما يقدمه، هم أنفسهم ~~المداحون حين تسمح الظروف لي بالصول والجول وتحقيق الانتصارات للطرف العلماني، فهم ~~مشجعو مباريات، إن انتصر فريقه رفعه على الأعناق وكتب «مدد يا سيد يا قمني»، وإن تراجع ~~فريقه (ولو لأسباب تكنيكية ومرحلية من أجل الهدف الاستراتيجي) انهالوا عليه تقريعا ~~ولوما وتأنيبا وتأثيما، المسألة عندهم تسجيل أهداف، وهؤلاء لا يصح أن يكونوا ~~كتابا بل هم من غوغاء العوام. # مرة أخرى لا بد من السماح بالنقد الموضوعي الهادئ والرصين، وأن يتناسب حجم الناقد مع ~~حجم المنقود من حيث درجة إحاطته بالموضوع وبالمنهج؛ فالنقد هو نافذة النور وبوابة ~~المستقبل وضمانة للسلامة المنهجية؛ لأنه يساعدنا على تصويب أخطائنا، ومثلي مثل زملائي ~~أتعرض للنقد أحيانا وأتركه دون تعليق، وأحيانا يستدعي النقد الرد والجدل، وهناك نقد ~~آخذ بما جاء فيه وأشير إليه في كتاباتي التالية بعد التصويب مستفيدا من هذا النقد، أما ~~البذاءات والنقد المؤدلج فهو مما لا يلتفت إليه الكاتب الحقيقي. # تعالوا أحيطكم علما بمثلبة حقيقية للحوار المتمدن، بحادثة كارثية ومقرفة معا، هي ~~السبب في قراري الانقطاع عنه، خاصة أني لا أتقاضى منه ولا من غيره من مواقع أجرا، رغم ~~أن كتاباتي هي مصدر عيشي المتواضع أقدمه عن حب ورغبة مصروفا عليه من وقتي وقوت عيالي، ~~لشراء دفاتري وأقلامي ومصادري ومراجعي، وهي شأن هائل يثقل الكواهل، أقدمه كله قربانا ~~على مائدة العلمانية من أجل وطن عزيز يعيش فيه مواطن كريم. # لاحظت أن أحد كتاب الحوار المتمدن من المثابرين على الكتابة قد تخصص في كتاباتي، ~~وقد سبقه إلى هذا التخصص كثيرون، أتذكر منهم الشيخ الدكتور عبد الله كامل (شقيق الشيخ ~~صالح كامل) الذي كرس لأعمالي كتابا من ستمائة صفحة لإثبات كفري ومروقي، نشرته دار ~~التراث الإسلامي بالقاهرة منذ سنوات، ومنهم الأستاذ منصور أبو شافعي وهو بدوره ذو ~~مرجعية إسلامية سلفية، لكنه أقل تشددا ms304 من زميله الدكتور كامل وأفضل منه أدبا، وأكثر ~~اهتماما بالمنهج وتكنيك العمل، وفي كلا الحالتين لم أنشغل بالرد لأنه سيعني التفرغ ~~للرد على كتب بكتب، فلماذا كل هذا الهم؟ كتبي في السوق، وكتبهم في الأسواق، وللقارئ ~~الاختيار والحكم. هناك بعد اثنان آخران لكن من لون آخر، أولهما هو صاحب كتاب «الحياة ~~السرية لمحمد»، الذي ترجمه عن كتابي «الإسلاميات» كله تقريبا ووضع اسمه عليه ~~(البروفيسور: أ. أحمد) وهو أستاذ أنثروبولوجيا يعمل بأمريكا، أما الثاني فهو المثابر ~~المتخصص في كتاباتي بنافذة الحوار المتمدن، فقد تخصص في سرقة كتاباتي بمصادرها ~~ومراجعها، وما يقف وراءها من سنين عمر طويل، عشتها بحثا وتنقيبا وراء النصوص في ~~أمهاتها، وابتداع الفكرة الجديدة، بعد رصد الذين تناولوا الموضوع قبلي، وإلى أين ~~انتهوا، ومن أين سأبدأ أنا، ثم وضع الخطة لكل موضوع بما يناسب المنهج المختار للبحث ~~أكان اجتماعيا أم رياضيا أم تاريخيا، وبما يؤدي إلى أفضل النتائج المطلوبة، بعد ~~حشد المؤيدات العقلية والبرهانية والنصية المصدرية، ناهيك عن تصنيف المادة العلمية بعد ~~جمعها حسب ترتيب الموضوع ليصل إلى هدفه، وتوزيعها على محاوره حسب الخطة الموضوعة، ومعها ~~الأفكار الأساسية وراء كل سطر وصفحة، الرجل سرق عمري كله بشديد البساطة. # الغريب أنه شديد البجاحة فقد بدأ بسرقة ما سبق لي نشره بالحوار المتمدن ذاته، أحيانا ~~ينقل بالنص، وأحيانا ببعض التصرف الساذج، ثم انتقل لكتابي «حروب دولة الرسول»، وهو ~~كتاب ضخم تم نشره عدة مرات، وآخر مرة نشر ضمن مجلد وفيه أربعة أقسام هي «الإسلاميات»، ~~وهو موجود على مواقع كثيرة بالمجان لشديد الأسف. والكتاب من القطع الكبير ويقع في 610 ~~صفحات. وأخذ صاحبنا بنشر سلسلة بعنوان «المعارك المحمدية الكبرى» حتى أنجز الجزء الأول ~~من كتابي حروب دولة الرسول على حلقات طوال بالحوار المتمدن. # قمت بإبلاغ إدارة الحوار المتمدن برسالة شخصية، فطلبوا منى كتابة ذلك في مقال ~~بالأدلة، وكان ردي أني أفضل عدم فضح زميل علماني، فذلك يعطي الفرصة للطرف المعادي لنا ~~جميعا، متصورا أنه زميل حقا! ولأن الرجل نقل كل شيء، الفكرة ms305 والمنهج المختار، بل ~~أخذ الخطة ذاتها، والمراجع المختارة لهذه الخطة، وهي الموجودة في الحاشية بكتابي، ونسب ~~كل شيء لنفسه بجسارة نادرة المثال، فكأنى سأكتب كتابا جديدا، الرجل أنجز نصف كتابي ~~على حلقات طوال، وللرد أحتاج إلى كتاب هائل يحوي مساحة كتابي الأصلي مقارنا مع كتابي ~~الثاني الذي نشره صاحبنا على الحوار المتمدن ومساحة أخرى ناقدة بكتاب ثالث، وهو شأن ~~سيكون السخف بعينه. # المهم أحلت إدارة الحوار المتمدن على كتابي «الإسلاميات» وضمنه «حروب دولة الرسول» ~~للمقارنة، وأحطتهم علما أنه أنجز الجزء الأول من الكتاب بانتهاء عرضه لغزوة بدر، التي ~~لم يعرضها هذا العرض وفق هذه الخطة بهذه المراجع ذاتها دون غيرها من مراجع أحد من ~~العالمين بهذا المنهج وتلك الاستنتاجات سوى سيد القمني وحده، وأن عليهم أن يترقبوا بدء ~~نشره للجزء الثاني من كتابي الذى يبدأ بغزوة أحد قريبا. كل ما طلبته من الإدارة هو ~~التدقيق بين كتابي وبين ما نشره وإعلامه بذلك ليتوقف، وربما ليعتذر عن إساءته إلى كل ~~العلمانيين بما فعل، وكان توقفه فقط يكفيني وينتهي الأمر، فكتابي في الأسواق، وكان أول ~~نشر له في نهاية الثمانينيات في القرن الماضي، وللقارئ عين فاحصة وسيكتشف السارق ~~والمسروق. # وإن لم يكتشف لا يستحق أن يكون قارئا أهتم به. # هذه ليست أول مرة يتم فيها سرقة كتاباتي من العلمانيين، فلدي أسماء كبيرة أحتفظ بها ~~دون إفصاح إلا حين يكون مطلوبا الإعلان والكلام المباح، قامت بالفعل المخزي ذاته، ~~لكني كنت لا أنزعج لأن السارق استطاع أن يوصل الكلام إلى مساحة أوسع تلفزيونيا أو ~~صحفيا؛ لأنه يملك مساحة نشر أوسع وأفضل لموقعه في صحيفة كبيرة أو صاحب برنامج ناجح، ~~وله أيضا قراءة الذين سيصل إليهم كلامي، المهم أن تصل الفكرة إلى الناس، كنت أنزعج فقط ~~إذا أساء السارق للمادة المسروقة بتدخل أخرق أو غبي أو أحمق، يحرفها عن أهدافها ويؤدي ~~ذلك لعكس المراد، وعادة ما كان يفعل ذلك من هم أقل علما ومعرفة، فتشعر أنهم كائنات ~~طفيلية تصيب الموضوع ذاته بفيروس العطب والسخافة. ومن ms306 لون هذه السرقات المزعجة تأتي ~~سرقات صاحبنا المتتالية، التي كان يتدخل فيها بغباء في بطن غباء غارق في يم غباء، أي ~~في ظلمات ثلاث، فيدمر بجهالته وحمقه جهدا بذل فيه صاحبه عمره كله. # أمسى واضحا لدي أن بلاغي للحوار المتمدن قد وصله، بما أشار إليه بداية موضوعه ~~الجديد «المعارك المحمدية الكبرى، الجزء الثاني: غزوة أحد»، لكن الغريب أنه تابع ~~المثابرة ليجعل موضوعه هذا بداية لنشر الجزء الثاني من كتابي «حروب دولة ~~الرسول». # يقول «شاكر الشيخ سلامة» في بداية موضوعه هذا والمنشور في الحوار المتمدن بتاريخ ~~5/ 12/ 2009م: «وكما أشرنا في بداية الجزء الأول - بدر الكبرى - اعتمدنا في البعض من ~~هذه الدراسة على البعض مما اعتمده القمني في بحثه في معارك محمد وجيشه، ولكن بنظرة ~~مادية لها تختلف عما ذهب إليه القمني في بحثه، وبخلاف التردد والتخوف الذي عرف عن ~~القمني.» صدقت المرحومة والدتي عندما كانت تقول: «تكلم العاهرة تلهيك، واللي فيها تجيبه ~~فيك.» # إذن شاكر سلامة يقول إن التشابه ناتج عن اعتماده مصادر ومراجع اعتمدها القمني؛ لأنه ~~سيعمل بنظرة مادية (لا تفهم ماذا يعني هنا بالضبط بنظرة مادية؟! ربما يعني بها الشجاعة ~~لأنه يقارنها بخوفي وترددي؟ على كل حال الله أعلم!) # إن العودة إلى كل ما كتب الأستاذ سلامة مسروقا من كتبي سيكون ضياعا لوقت وهدرا ~~لساعات ثمينة لمثلي، يكفي القارئ أن يقرأ كتابي ويقرأ ما نشره الحرامي تحت عنوان ~~«المعارك المحمدية الكبرى». وسأكتفي منعا لهدر الوقت بأصغر موضوعاته، هذا الذي بين ~~يدينا، والذي يبدأ به نشر الجزء الثاني من كتابي مع معركة أحد، وبموضوع آخر بعنوان ~~«الأسلمة والإرهاب 2» المنشور في الحوار المتمدن بتاريخ 7 / 6 / 2009م، كعينات عشوائية ~~للمناقشة، وللتيقن من صدق اتهامنا له بالسرقة الفاجرة بجريمة متكاملة الأركان. وقبل ~~المناقشة نحدد بعض المعاني والأساليب المنهجية في البحث العلمي، لنفهم كيف سرق، وكيف ~~دمر بغبائه المقزز ولزاجته المنفرة عملي كله. ~~(1) بالنسبة إلى المصادر والمراجع # للمصادر الإسلامية خاصة ما تعلق بالسير والأخبار والتآريخ سمات تميزها، فقد ~~صنفت من الأصل زمنيا، بحيث ms307 تغطي الفصول الأحداث سنة بسنة، ارتجاعا إلى ما قبل ~~الهجرة أو تقدما في أحداث ما بعد الهجرة، كما نفعل في تاريخ الحضارات قبل الميلاد ~~وبعد الميلاد فيكون السرد: أحداث سنة كذا هجرية تليها أحداث سنة كذا هجرية ... إلخ. ~~وهي في الجملة كتب موسوعية تقع في مجلدات وتحوي المجلدات أجزاء، ورغم الكثرة ~~الهائلة لهذه المدونات الإسلامية؛ فإنها تكرر الأحداث نفسها للمواضيع نفسها بلا ~~كلال ولا ملل، لكن الباحث المدقق سيجد اختلافات في كلمة أو عبارة أو إضافة كامنة في ~~التفاصيل يمكن بجمعها إلى جوار بعضها أن تضيء الحادثة المشهورة عند الجميع، وغير ~~المعلوم عنها هذه التفاصيل، التي تفاجئ القارئ العادي والمتخصص معا، وتشهد للباحث ~~بجودة السعي والتنقيب وحسن فطنته. # ونظرا لتكرار طباعة هذه المصادر في دول إسلامية مختلفة، فإن ما يترتب على ذلك ~~دوما هو اختلاف أرقام الأجزاء والصفحات في الكتاب الواحد بين بلد إسلامي وآخر، بل ~~داخل البلد الواحد كمصر، ستجد طبعة دار المعارف لتاريخ الطبري يختلف ورود الموضوع ~~في صفحاتها عن ورود الموضوع ذاته في صفحات الطبعة الأقدم من نشر دار البابي الحلبي ~~بما يصل أحيانا إلى عشرات الصفحات، وتختلف عن طبعة «المكتبة العلمية» ببيروت، فتجد ~~موضوعا بطبعة دار المعارف المصرية ص20 من الجزء الأول مثلا من ابن كثير «البداية ~~والنهاية»، موجودة في طبعة بيروت ص11 من الجزء الأول، ناهيك عن الطبعات الشعبية ~~التي بدأتها مصر بدار الشعب في الستينيات من القرن الماضي، على هيئة تشبه المجلات ~~الكبيرة تيسيرا لسعر الكتاب مقسطا على حلقات، تختلف فيها أرقام الصفحات بالكلية ~~عن مثيلها الذي أصدرته دور إسلامية حديثة في البلد نفسه؛ لذلك يكون مستحيلا أن ~~تجتمع مراجع ومصادر تم جمعها منذ حوالي ثلاثين عاما وما توافر حينذاك من طبعات، ~~وهو مختلف عما أضيف منذئذ إلى اليوم من كم هائل إلى المكتبة العربية من المصادر ~~الإسلامية ذاتها بطبعات متتالية، وإن هذا الجمع قد تم وفق الخطة الموضوعة الخاصة ~~بالباحث وحده لتحقيق أهداف ترصدها الخطة وتسعى إليها، هذا مصدر قديم وهذا مصدر حديث ms308 ~~وهو الكتاب نفسه باختلاف زمني وباختلاف الناشرين، وهذا مصدر لبناني وذاك مصدر سعودي ~~الطباعة، لذلك يصبح مستحيلا على أي باحث أن يزعم أنه رجع إلى المراجع ذاتها في ~~الطبعات ذاتها التي جمعها باحث آخر والتي لا تجتمع إلا لواحد، هو من جمعها في ~~الأجزاء نفسها وفق أرقام الصفحات نفسها والطبعات نفسها. لا شك أن المراجع والمصادر ~~متاحة للجميع، لكن من يعتمد طبعة سورية ستختلف بين يديه الصفحات والأجزاء عما في ~~الطبعة الأردنية للمصدر ذاته، ولأن جمع الباحث لهذه الكتب أثناء البحث يعتمد الصدفة ~~البحتة، حسب الموجود أمامه في المكتبة من كتب لها دور نشر مختلفة، فقد يأخذ الباحث ~~طبقات ابن سعد طبعة مصرية، ويأخذ الطبري طبعة لبنانية، ويأخذ النسفي طبعة من دار ~~الشعب المصرية، ويأخذ سيرة ابن هشام بطبعة سعودية حسبما توافر أمامه، فإن لم يرد ~~عند صاحبنا السارق سوى هذه المصادر في الترتيب ذاته والصفحات ذاتها والطبعات ذاتها ~~التي كانت تتوافر منذ ثلاثين عاما؛ فإنه يكون سارقا فاجرا لا محالة. ~~(2) أسلوب جمع المادة العلمية # يعتمد جمع المادة العلمية على خطة البحث وخطواتها وأهدافها، إضافة إلى المنهج ~~المستخدم فيها، فمنهج الاستدلال الرياضي يبدأ بفرض الفروض لحل المشكلة الماثلة أمام ~~الباحث، ومن ثم يأخذ بجمع المادة العلمية المتعلقة بهذه المشكلة بالذات من مصادرها ~~ومراجعها لتشكل له مادة خاما يدعم بها فروضه، ويستخدمها أيضا كقرائن وبراهين على ~~وجهة نظره التي يريد أن يصل إليها في البرهان، وهو عادة المنهج الذي أستخدمه كأسلوب ~~عرض للمادة المجموعة وإعادة ترتيب عناصرها حسب الأهداف المرصودة، ثم أعمد إلى ~~المنهج المادي التاريخي (المشهور بالماركسي) الذي أستخدمه كأسلوب عمل وفحص لمكونات ~~النص وعلاقته بزمنه وبيئته واقتصاده وشكله المجتمعي ونطاقه السياسي ... إلخ، ثم أعمد ~~إلى تفسير النصوص لتنطق بالمخفي وراءها من أحداث حدثت في واقع الأرض، وبعد حشد ~~المادة يتم تصنيفها وترتيبها ليلحق كل منها بالأبواب المرصودة في خطة البحث. ومثل ~~هذه الطريقة اختيار خاص تماما، فلم يحدث أن جمع باحث في الإسلاميات بين المنهج ~~المادي التاريخي (الذي يتضمن ms309 بالضرورة التطورية الدارونية) وبين المنهج الرياضي في ~~آن واحد، مع حشد المادة التي تتناسب والمنهجين معا ناهيك عن تصنيفها وتبويبها ~~لتتلاءم مع الخطة والمنهجين، لتصبح إبداعا متفردا بذاته لا يستطيع زاعم أن يزعمه. ~~فلا يوجد في المكتبة الإسلامية بطولها وعرضها كتابات توافرت فيها هذه الشروط ~~والخصائص سوى كتابات سيد القمني وحده، باختياراته التي تختلف عما هو معتاد من ~~اعتماد منهج واحد في البحث العلمي، والانتماء إلى مدرسة بعينها. هو خلق جديد لم يكن ~~له وجود سابق، ولا تعرفه المكتبة العربية، فإن كرره أحد؛ فإنه سيكون باليقين القاطع ~~مرتكبا لجريمة السرقة في فعل فاضح علني، وبهذا تكون جريمته لونا من ألوان ~~الاغتصاب الفكري وهو من الجرائم الكبرى المنكرات، فأن تسرق دولارات أو دنانير أمر، ~~أما أن تسرق فكر وروح إنسان فهو الجريمة في أبشع معانيها. ~~(3) أسلوب استخدام المادة العلمية # عند الاستعانة بالمادة الموجودة في المكتبة التراثية الإسلامية، يمكن للباحث ~~البارع أن يستكمل الرواية نفسها من أكثر من مصدر، فيأخذ الرواية نفسها من ابن هشام ~~وابن حبيب والحلبي مثلا، ليثبت أولا لقارئه المتخصص أنه لم تفته المصادر الأخرى ~~للرواية، أما الباحث الأذكى فهو الذي يقع على تفاصيل متناثرة غير مكررة بين ~~الروايات مما يجعلها غير معلومة لعامة الباحثين، فتشكل كشفا برهانيا يدعم به ~~رؤيته، ولكن لهذه العلمية شروط وضعها لنا علماء منهج البحث العلمي، يجب الالتزام ~~بها بصرامة لا تقبل احتمالا. # فعند إيراد نص يستشهد به الباحث يجب أن يضعه كما هو في المصدر دون أي تدخل من ~~جانبه حتى لو كان به أخطاء طباعية ، وأن يضعه داخل علامات تنصيص، ليفرق القارئ بين ~~كلام الباحث وكلام النص المدمج في متن عمل الباحث. # ولكن للباحث هنا حقوقه إزاء تعامله مع النص، فلو كان النص مطولا، وهو المعهود ~~في المكتبة الإسلامية، وفيه إضافات عن شئون أخرى تخرج عن مراد الباحث، فله أن يقفز ~~على هذه الإضافات، شرط أن يضع مكانها نقاطا أفقية هكذا «...» ليفهم القارئ أن الباحث ~~قد أسقط هنا عمدا جزءا من النص ms310 ليرجع إليه إن شاء، لكن بشرط ألا يكون منتقيا لما ~~يوافق هواه مهملا ما يخالف هذا الهوى، بمعنى ألا يقتطع من السياق ما قد يناقض هدف ~~النص الأصلي، كما في القول # لا تقربوا الصلاة # وإهمال # وأنتم سكارى ~~. # وعلى الباحث أن يرصد في حاشية بحثه المعلومات الكاملة للمصدر الذي استقى منه ~~النص، وهي على الترتيب الصارم كالآتي: اسم المؤلف، اسم المحقق إذا كان للكتاب محقق، ~~اسم دار النشر التي نشرت الكتاب، تاريخ نشر الكتاب ويسمى تاريخ الطبعة لاحتمال ~~طباعته عدة مرات في دار النشر نفسها فتختلف الصفحات بين طبعات الكتاب، اسم البلد ~~الناشر: بيروت، القاهرة، لاهور ... إلخ، رقم المجلد إذا كان هناك أكثر من مجلد، رقم ~~الجزء إذا كان ثمة أكثر من جزء، رقم الصفحة، وفي حال تكرر المرجع ذاته بالبحث تتم ~~الإشارة إليه موجزه كالآتي: «سبق ذكره، صفحات كذا.» وغير هذا الترتيب خطأ منهجي ~~يؤاخذ عليه الباحث المحترم. ~~(4) حقوق الباحث إزاء المصادر # للباحث الحق في اختصار سرد مطول لو زاد النص المراد اقتباسه على واحدة، وأن ~~يكتبه بأسلوبه ملخصا، شرط ألا يهمل أسسه وأعمدته وأهدافه أو أي عنصر هام أصيل ~~بالنص، وفي هذه الحال لا يضع علامات تنصيص، وعندما يشير في الحاشية إلى المصدر يبدأ ~~بقوله: انظر كتاب كذا لفلان؛ أي سيتغير ترتيب الحاشية ونبدأ بعنوان الكتاب لا باسم ~~المؤلف، ليفهم القارئ من عدم التنصيص ومن عبارة «انظر» أن الكلام ليس نصيا إنما ~~أورده الباحث بتصرف. # وأحيانا يحتاج النص إلى شرح وتوضيح داخل متنه؛ لذلك يجب أن يكون التوضيح سريعا ~~في كلمة أو كلمتين أو جملة قصيرة، وفي هذه الحال يضع كلامه بين أقواس هكذا: () أو ~~بعلامات الجملة الاعتراضية هكذا - - وأن يضيف كلمة: الباحث، أو: المؤلف، لنهاية ~~جملته بعد القاطع؛ ليميز كلامه المدمج بمتن النص، عن بقية النص. # ولأن الشيخ سلامة طفيلي حشري وعيهور في الوقت نفسه؛ فإنه لا يعلم بكل هذا؛ لأنه ~~لا هو باحث ولا هو كاتب ولا هم يحزنون، هو واحد عابر سبيل ممن استهوتهم العلمانية ~~وقيمها ms311 في الحقوق والحريات، كاستهواء الخمر ونشوتها أو استهواء الرقص والانفلات ~~الخلقي الجرمي، متصورا أن العلمانية هي إباحة تامة لكل القيم، رغم تكراره عبارات ~~الفخامة والإحاطة، كقوله المتكرر: سبق وأن تمكنا، وكما قلنا في بحثنا السابق، ~~مستندين إلى أهم المصادر والمراجع المعروفة لنا، سنقدم هنا الأدلة والبراهين من ~~أمهات الكتب الإسلامية ... إلخ ... إلخ! صاحبنا لا يعرف معنى النقاط الأفقية، ولا ~~وظيفتها، ولا إلى ماذا تشير، ولا يعرف سبب علامات التنصيص ولا وظيفتها، فيخلط كلامي ~~الشخصي بكلام النص المصدري ويسوقه إلينا راجعا إلى المصادر في حاشيتي بكتابي صفحات ~~وأجزاء، وما كنت أسقطه من نصوص هو لعدم حاجتي إليه في بحثي، وأضع بدلا منه نقاطا ~~أفقية تأتي عنده كذلك في المواضع ذاتها، إنه يهمل ما أهمله سيد القمني بالكلمة ~~والحرف وعدد الأسطر، ولم يخطئ الرجل ولو مرة واحدة في النقل الأمين والسرقة بفعل ~~علني فاضح، ويصادف أن تجتمع عنده مصادري التي جمعتها عشوائيا حسبما توافر أمامي ~~منذ ثلاثين عاما من طبعات مختلفة البلدان، فهذه لبنانية وأخرى تونسية وثالثة مصرية ~~ورابعة سعودية وخامسة باكستانية وسادسة عتيقة (مصرية فقط) كطبقات ابن سعد الصادرة ~~عن دار الشعب في مصر، ودار الريان، ولا تتوافر لغيرنا لكون الأولى مدعومة من ~~الحكومة المصرية، والثانية مدعومة من بيوت الأموال الإسلامية، ومع ذلك تجد عنده ~~المصادر نفسها والأجزاء نفسها والصفحات نفسها. # القبض على اللص متلبسا # في الموضوع الأخير الذي ينعى فيه اللص ~~الخائب والرقيع على سيد القمني خوفه وتردده بدلا من شكره على موقفه النبيل وعدم ~~رغبته في فضحه، وليستمر في فجره بسرد وقائع غزوة أحد، ويستشهد بالنص بأقواس لا ~~بعلامات تنصيص فهو لا يعلم وظيفة أي منهما، يقول: «لما أصيبت (صوابها أصيب) يوم ~~بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة ... مشى ... رجال من قريش ممن أصيب ~~آبائهم وأبناؤهم. (لاحظ الأخطاء القاعدية النحوية التي لا يرتكبها تلميذ مرحلة ~~أولى، إنه ينقل نقلا ومع ذلك يخطئ) وإخوانهم من قريش، فقالوا: يا معشر قريش، إن ~~محمدا قد وتركم وقتل خياركم، ms312 فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرا، ~~ففعلوها فاجتمعت قريش لحرب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير ~~بأحابيشها، ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا بالظعن - أي النساء - التماس ~~الحفيظة، وألا يفروا» (ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص11 و12). وحتى يدقق ~~القارئ أضيف له ما ورد عندي في الحاشية من معلومات النشر كي لا يذهب لطبعة أخرى ~~مختلفة. الناشر دار الكتب العلمية، وبلد النشر بيروت، الطبعة الرابعة الصادرة سنة ~~1988م، ص11و 12. # الفواصل بالنقاط في كلام السيد الحرامي عددها ثلاثة فواصل، الفاصل الأول أهملت ~~فيه «ورجع أبو سفيان بعيره» ووضعت بدلا منها هذه النقاط لأني سبق وحكيت عن موضوع ~~أبي سفيان، فقمت بإسقاطها ووضعت النقاط محلها، والفاصل الثاني أهملت فيه ما ورد عند ~~ابن كثير: «عبد الله ابن أبي ربيعة وعكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية»، وهو ما ~~فعله الحرامي بدوره، والفاصل الثالث، أهمل سطورا طويلة عددها ستة عشر سطرا حتى ~~«وخرجوا معهم بالظعن - النساء - التماس الحفيظة وألا يفروا»، وهي السطور ذاتها التي ~~أهملها الشيخ سلامة حرفا حرفا وكلمة كلمة، وكلمة النساء هنا ليست في نص ابن كثير ~~إنما تعبير شارح من عندي؛ لذلك وضعتها بين شرطتين داخل نص ابن كثير ككلمة اعتراضية ~~من الباحث شارحة لمعنى الظعن، وهو ما أخذه صاحبنا محتسبا إياه من كلام ابن ~~كثير. # تعالوا ننتقل نقلة أخرى داخل الموضوع ذاته وما كتبه حول اغتيال المسلمين لسيد ~~النضير «كعب بن الأشرف» ويروي الرواية التي أخذتها عن ابن كثير، ويهمل ما أهملته ~~نفسه بالتدقيق المبين ، لنقرأ معا النص الذي يزعم أنه أخذه عن ابن كثير بينما هو لا ~~يعلم شكل كتاب ابن كثير يقينا. يقول الشيخ سلامة نصا: «حين قال كعب: أترون أن ~~محمدا قتل هؤلاء؟ ... فهؤلاء أشراف العرب وملوك الأرض! والله لئن كان محمد قد أصاب ~~هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظاهرها» (ابن كثير، ج4، ص8). ولو رجعنا إلى النص ~~الأصلي بكتاب ابن كثير ص8 ms313 لن نجد هذا الكلام بالمرة، فهناك حكاية أخرى، إنما سنجده ~~ص7 نهاية الفقرة الأولى وسنجده غير ذلك بالمرة؛ فالنص هو: «وقال محمد بن إسحاق كان ~~من حديث كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيء أحد بني نبهان، وأمه من بني نضير، إنه لما ~~بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، قال: والله ~~لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.» # فمن أين أتى الحرامي بهذا الكلام؟ أتى به من كتابي حروب دولة الرسول الجزء الثاني ~~ص240، وقد أخذته عن السهيلي في شرح وتفسير السيرة النبوية لابن هشام في كتابه ~~«الروض الأنف»، طبعة دار المعرفة، بيروت، عام 1978م، المجلد الثالث، ص139 و140، فكيف ~~نسبها الشيخ سلامة لابن كثير؟ لأنه أخطأ النظر في حاشية كتابي فسجل الهامش الثاني ~~بدلا من الأول كمصدر وقال إنه: «ابن كثير البداية والنهاية، ج4، ص8»، بينما هو في ~~الروض الأنف للسهيلي. حتى علامات التعجب والاستفهام التي وضعتها في سياق هذا النص ~~أو غيره، وضعها في المكان ذاته، ولم تكن في أصل النص لا عند السهيلي ولا ابن كثير ~~ولا ابن أي أحد! هي عند ابن القمني فقط. # ويستكمل نقلا عن السهيلي، وهو لا يعرف قطعا من هو السهيلي، ليقول: «إن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # قال: اللهم اكفني ابن الأشرف، فقال له محمد بن مسلمة: أنا يا رسول ~~الله أقتله، فقام محمد بن مسلمة منقلبا إلى أهله، فلقي سلكان بن سلامة ... فقال له ~~محمد بن مسلمة إن رسول الله قد أمرني بقتل ابن الأشرف، وأنت نديمه في الجاهلية ولن ~~يأمن غيرك فأخرجه إلي لأقتله .. فخرج سلكان .. إلخ». # وبالرجوع إلى السهيلي (سبقت الإشارة لمعلومات النشر) مج3 ص200 في الجزء الثالث ~~ستجدها كلها قصيدة شعرية لا علاقة لها بالموضوع من قريب أو بعيد، ويضيف مصدرا ~~إضافيا موجودا في حواشي كتابي ص241 هو «البيهقي ج3، ص191، 192» وهو المصدر السليم، ~~أما المصدر الذي أشار إليه عند السهيلي فخطأ مطبعي ms314 ورد عندي على السطر ذاته الوارد ~~عند البيهقي، فنقله عني كما هو، أما المسافات المنقوطة فمكانها في النص خمسة أسطر ~~أهملتها فأهملها بدوره في الصفحات 189 و190 بالتحديد من كتاب البيهقي: دلائل النبوة ~~ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، توثيق د. عبد المعطي قلعجي، نشر دار الريان للتراث، ~~القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1988م. # وروى أربعة أبيات من الشعر للصحابي كعب بن مالك شماتة بمقتل كعب بن الأشرف، كنت ~~قد انتقيتها من السهيلي من بين الأبيات التي قيلت في هذه المناسبة، ومن قصيدة من ~~بين 7 قصائد من المطولات، واخترت القصيدة المذكورة ص244 من الجزء الثالث وعدد ~~أبياتها عشرون بيتا، واخترت من العشرين بيتا ما يناسب خطتي وأهدافي وحسي الفني ~~الشعري وما يناسب ذوقي. أبيات أربعة ترتيبها في القصيدة من البيت الحادي عشر إلى ~~الرابع عشر، وهي الأبيات ذاتها التي استشهد بها صاحبنا دون بقية القصيدة وكل ~~القصائد الأخرى، الرجل يعرف حتى مزاجي الشعري وما يرضي ذائقتي منه. # يتابع الأستاذ المقدام المادي وينقل عني قول البيهقي: «وكان كعب يكنى أبو نائلة، ~~فقالت امرأته: لا تنزل يا أبا نائلة إنه قاتلك، فقال ما كان أخي يأتيني إلا بخير، ~~ولو يدعى الفتى لطعنه لأجاب ... وأدخل سلطان يده في رأس كعب ... إلخ.» محل النقاط ~~الأفقية كنت أهملت خمسة أسطر لألتزم خطتي، ففعل الشيخ سلامة الفعل ذاته. # يتابع: «فلم يزالوا يتخللونه بأسيافهم حتى طعنه أحدهم في بطنه بالسيف خرج منها ~~مصرانه، وخلصوا إليه فضربوه بأسيافهم ... فقتل الله عز وجل ابن الأشرف.» ومكان هذه ~~النقاط كنت قد أهملت ستة أسطر لا تشغل خطتي، واستبعدها بدوره كاملة من أول كلمة ~~لآخر كلمة، وبدأ كلامه من حيث بدأت وانتهى إلى حيث انتهيت. # لنذهب إلى موضوع آخر من مطولات الشيخ سلامة هو «الأسلمة والإرهاب 2»، بنظرة سريعة ~~فقد طال الموضوع على القارئ، يحكي لنا - من كتابي طبعا - حكاية غزوة قينقاع وأسرهم ~~وعزم النبي على قتلهم، ولكن ليتدخل حليفهم في زمن الجاهلية عبد الله بن أبي ابن ~~سلول الأنصاري، ليمنع عنهم القتل، يقول: ms315 «فقام مخاطبا محمد: يا محمد أحسن في ~~مواليي، فلم يرد عليه النبي، فقام يكرر، ومرة أخرى يعرض عنه النبي، فيأخذ الغضب ~~بعبد الله حتى يدخل يده في جيب درع الرسول يمسكه من لحمه الشريف وهو يقول: يا محمد ~~أحسن في مواليي - كتبها كل مرة موالي خطأ وربما هو لا يعلم معناها - حتى غضب النبي ~~غضبا شديدا، ورؤي لوجهه ظلل وهو يقول لعبد الله: ويحك، أرسلني، أرسلني، بينما ابن ~~سلول لا زال ممسكا به ويقول: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليي، أربعمائة حاسر ~~وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود من الناس، وتحصدهم في غداة واحدة؟ إني ~~والله امرؤ أخشى الدوائر! وهنا قال له النبي: هم لك» (الطبري، ج2، ص480). # ولأن الرجل لا يعرف معنى علامات التنصيص، لم يلحظ أني لم أضع على هذا الكلام هذه ~~العلامات؛ وهو ما يعني أني سأرويها على طريقتي، فظنها نص كلام الطبري وأوردها ~~منسوبة إليه نصا، بينما هي نص كلام القمني في كتابه «حروب دولة الرسول»، وليست نص ~~كلام الطبري في كتابه «تاريخ الأمم والملوك»، طبعة دار الكتب العلمية بيروت، المجلد ~~الثاني، ص49، حيث يقول: «رجع الحديث إلى ابن إسحاق عن عاصم بن قتادة، قال: فحاصرهم ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين ~~مكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في مواليي - وكانوا حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قال: فأدخل يده في جيب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أرسلني، وغضب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى رأوا في وجهه ظلالا - يعني تلونا ~~- ثم قال: ويحك أرسلني، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليي، أربعمائة حاسر ~~وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأسود والأحمر تحصدهم في غداة واحدة، وإني والله لا ~~آمن وأخشى الدوائر، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: هم لك.» # وسيلحظ القارئ هنا أن مرجعي ms316 بكتابي كان نعم الطبري، لكنه كان طبعة قديمة تركتها ~~بقريتي بعد نزوحي للقاهرة وهي المعتمدة بكتابي «حروب دولة الرسول»؛ لذلك اشتريت ~~طبعة جديدة، لكن صاحبنا وللغرابة الشديدة علم بالطبعة القديمة مثلي تماما، والتي ~~جاء فيها الموضوع بالجزء الثاني، ولكن ليس كما ذكر ص480 لأن هكذا يصل اختلاف ~~الصفحات عن طبعة الطبري اللبنانية التي اشتريتها حديثا بالمجلد الثاني ص49 بحوالي ~~431 صفحة، وهو فارق هائل لا يمكن حدوثه، والسر فيه خطأ مطبعي ورد عندي في حاشيتي عن ~~طبعة دار المعارف القديمة للطبري، فقد جاء رقم الصفحة في الحاشية بزيادة صفر، ~~فبدلا من ص48 طبعها الطابع 480، ويكون الفارق في الأصل بين الطبعتين المصرية ~~واللبنانية صفحة واحدة. ولأن صاحبنا لا يعرف كوعه من بوعه، نقلها كما هي ص480، ~~بينما العارف بكتب التراث الإسلامي يستطيع بمجرد التخمين أن يقول لك إن هذه الحادثة ~~بأي باب وربما بأي فصل، وبأي جزء، وما أعلمه فقط بالخبرة، أن ص480 بالطبري لا بد أن ~~تكون زمن الفتوحات الكبرى، لكن صاحبنا ينقل أحداثا حدثت زمن النبوة إلى أحداث زمن ~~الفتوحات الكبرى بغلطة مطبعية حدثت في كتابي أنا بالذات، والمصادر بنصوصها بريئة من ~~هذا الخطأ. # يحكي لنا في الموضوع ذاته عن عملية اغتيال أبي رافع سلام بن الحقيق فيقول عن ~~السرية الإسلامية التي خرج أصحابها لتنفيذ المهمة: «فخرج من الخزرج من بني سلمة ~~خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، مسعود بن سنان، عبد الله بن أنيس، أبو قتادة الحارث بن ~~ربعي وخزاعي بن أسود حليف لهم ... حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا ~~... ثم يروي راويهم ... فلما دخلنا عليه أغلقنا عليه وعلينا الغرفة، فابتدرناه وهو على ~~فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة ... ~~وتحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه فأدخله في بطنه حتى أنفذه. وهو يقول: قطني قطني ~~... إلخ (ابن كثير، مج4، ص139-142)» # بالطبع لا يمكن أن يشكل هذا المقطع أربع صفحات كاملة ص139-142 من ابن كثير في ~~طبعته ms317 اللبنانية الدبل؛ أي أنها في الحجم ضعف الكتاب الجاير العادي مرتين، أي ~~تساوي ثماني صفحات في طبعة مصر. المهم أن نقف مع النقاط الأفقية، والتي أهملت أنا ~~فيها قول ابن كثير طبعة دار الكتب العلمية بيروت ص140: «ونهاهم (أي النبي) أن ~~يقتلوا وليدا أو امرأة»؛ وذلك لأني كتبت في كتابي نقلا عن المصادر الإسلامية ~~ذاتها أن جيش المسلمين قتل الأولاد في قريظة والنساء في أكثر من موقعة كوقعة زيد ~~بفراره، واعتبرت العبارة تزيدا من ابن كثير؛ لذلك أهملته وهو ما جاء عنده مهملا ~~بدوره. أما محل النقاط الثاني فقد أهملت تفاصيل لا تشغل القارئ، ونصها: «فلم يدعوا ~~بيتا فى الدار حتى أغلقوه على أهله، قال: وكان في علية له إليها عجلة، قال فأسندوا ~~إليها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: ~~أناس من العرب نلتمس الميرة، قالت ذا صاحبكم فادخلوا عليه، فلما دخلنا أغلقنا عليه ~~وعلينا الحجرة.» هذا نص الكلام الذي أهملته، وهو بالتمام والكمال بالحرف ما أهمله ~~الشيخ سلامة رجل العلمانية المقدام. # وقوله: «كأنه قطنة ملقاة» علامة على البياض نقلها عني خطأ؛ لأنها بكتابي: «كأنه ~~قبطية ملقاة»، والقبطية هي صناعة مصرية منسوبة لأقباطها ويسميها العامة قفطانا، ~~وكانت نسيجا فاخرا من الكتان تمكن المصريون القدماء من تحويله إلى حرير أبيض لامع ~~كالنسيج المعروف اليوم بالساتان. # الطريف أني عندما انتقلت من راو إلى آخر داخل النص ذاته قلت هكذا: «... ثم يروي ~~راويهم»، لكن صاحبنا يأخذها كما لو كانت ضمن نص ابن كثير! وينص على أن ابن كثير قد ~~قال: «... ثم يروي راويهم ...» وهو ما لم يقله لا ابن كثير ولا ابن قليل، قائله هو سيد ~~القمني. # ومحل النقاط الأخيرة بعد قوله: «كأنه قطنة ملقاة» أهملت نص ابن كثير: «فلما صاحت ~~بنا امرأته جعل الرجل يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فيكف يده ~~ولولا ذلك لفرغنا منها بليل» (ص140، ج4)، وهو النص ذاته الذي أهمله صاحبنا ~~بدوره. # يحكي الشيخ سلامة قصة ms318 اغتيال أبي عفك عمرو بن عوف، ذلك الشيخ الذي تخطى بعمره ~~القرن من الزمن، فقد خانته قواه ولم يعد قادرا على مسك دمعة نزلت من عينه، وهو يرى ~~رجلا مسلما آخر يذبح أمام مسجد محمد النبي، وهو الحارث بن سويد بن الصامت، الذي ~~أمر محمد النبي عويمر بن ساعدة بذبحه أمام المسجد بسبب قتله المسلم المجذر بن زياد ~~في فوضى هزيمة أحد انتقاما لقتله لأبيه في الجاهلية، والحارث هو ابن سويد بن ~~الصامت الذي عرف بين القبائل العربية بالرشد والحكمة والعقل السديد، وأنه ابن صاحب ~~صحيفة لقمان التي وافق عليها الوحي، فلم يستطع أبو عفك أن يمسك دمعه، فانهمرت ~~الدمعات من عينيه وأرسل نواحه بشعر حزين ينحب ويبكي الحارث ابن صحيفة لقمان، وشيخ ~~بمواصفات ابن عفك (صحها: أبي عفك) حين يرسل نواحه وبكاءه يكون له صدى وأثر نفسي ~~مؤلم في نفوس القبائل العربانية، الذين يقدسون المسنين ويكنون لهم عظيم الاحترام ~~وأقدسه؛ مما أوجع قلوب الناس، وكان شعره باكيا حزينا، أورد البعض منه السهيلي ~~نقلا عن ابن هشام المعتمد على سيرة ابن إسحاق ... يذكر خمسة أبيات من الشعر ومرة ~~أخرى نغض عن الأخطاء النحوية الكارثية لنعود إلى السهيلي ص244 مج4 كما قال: فلا نجد ~~من كل هذا سوى الآتي: «سرية سالم بن عمير لقتل ~~أبي عفك: قال ابن إسحاق: وغزوة سالم بن عمير لقتل أبي عفك أحد بني عمرو بن عوف ثم ~~من بني عبيدة، وكان قد نجم نفاقه، حين قتل الله الحارث بن سويد بن صامت، فقال: ~~ويذكر الأبيات.» # فمن أين لصاحبنا برواية طويلة عريضة يحتسبها نصا وينسبها إلى السهيلي؟ الحق ~~أقول لكم إن الرجل لأول مرة يبذل جهدا؛ لأن الكلام كلام سيد القمني ويرتبط بسياق ~~سابق بكتابي يتحدث عن صحيفة لقمان وصاحبها، ولكنه اجتهد في محاولة استبدال عدة ~~ألفاظ بألفاظ أخرى مرادفة للمعنى، فشوه جماليات نص كلامي الذي ورد بكتابي حروب دولة ~~الرسول ج2 ص296 حيث يقول سيد القمني: ثم انطلق سيف الإسلام داخل يثرب، يعمل لإسكات ~~أي لون ms319 من ألوان الاستهانة بالدولة، وهي الاستهانة والمعارضة التي يمكن أن تشكل ~~كارثة لدولة عسكرية في زمن حرب. وهو ما نقرؤه في قصة اغتيال أبي عفك عمرو بن عوف، ~~ذلك الشيخ الذي تخطى بعمره من الزمان قرنا، فلم تبق لديه قوى تمكنه من إمساك ~~دمعه، واستمرار تجلده، وهو يرى مسلما آخر هو الحارث بن سويد بن الصامت وهو يذبح ~~بباب المسجد النبوي، وهو ابن سويد بن الصامت الذي عرف بين العرب بالحكمة، وبأنه ~~صاحب صحيفة لقمان التي وافق عليها الوحي القرآني، فانهمر دمع أبي عفك مرسلا شعره ~~نحيبا باكيا الحارث بن صاحب صحيفة لقمان، ورجل في عمر أبي عفك إن أرسل نواحه في ~~الفيافي بين العربان، الذين يقدسون المسنين ويعبدون الأسلاف ويحنون الهامة ~~للمعمرين، لا يتركها إلا بقلوب كليمة موجوعة جزعة، وهو الشعر الباكي الذي جاءنا ~~خبر منه في رواية ابن إسحاق «هنا فتحت علامات التنصيص لأذكر النص». «وعن غزوة سالم ~~بن عمير لقتل أبي عفك أحد بني عمرو بن عوف ثم بني بن عبيدة، وكان قد نجم نفاقه حين ~~قتل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الحارث بن سويد بن الصامت». «هنا أغلقت علامات التنصيص ~~لأستطرد في كلامي». وإشارة ابن إسحاق إلى نفاق الرجل تشير إلى أنه كان حتى قوله ذلك ~~الشعر مسلما، وما نافق إلا بتلك البكائية التي يقول في طرف منها «الأبيات ~~الأربعة»، (ص291، 292، كتاب الإسلاميات حروب دولة الرسول). # خلط الرجل حديثي خارج علامات التنصيص بحديث السهيلي عن ابن إسحاق داخل علامات ~~التنصيص لأنه لا يعرف وظيفتها وتصورها جميعا نصا واحدا ورد عند السهيلي بشكله ~~هذا. # لو أخذت أعدد لما فرغت؛ فالرجل نقل كل كلامي ونسبه لنفسه بشديد البساطة ~~والغباء معا، أختم هنا بفقرة أخيرة يحكيها من كتابي المذكور عن أحداث غزوة قريظة، ~~فيقول: «وكاد ينجو من المقتلة رجل من أشراف قريظة، لولا رغبته هو في الموت ذبحا، هو ~~أبو عبد الرحمن بن الزبير بن باطا القرظي، وكان يوم وقعة بعاث قد من على ثابت بن ~~قيس وخلى ms320 سبيله، فلما أصبح ثابت مسلما رأى أن يرد الدين إلى أبي عبد الرحمن، ~~فذهب بحكايته القديمة ودينه بالحياة يرويها للنبي ويطلب حياة أبي عبد الرحمن، فمنحه ~~إياها، وذهب ثابت يبشر أبا عبد الرحمن بالحياة، ليدور بينهما الحوار التالي: # أبو عبد الرحمن ~~: # أي ثابت، ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية تتراءي فيها عذارى الحي كعب بن ~~أسد؟ # ثابت ~~: # قتل. # أبو عبد الرحمن ~~: # فما فعل سيد الحاضر والبادي حي بن أخطب؟ # ثابت ~~: # قتل. # أبو عبد الرحمن ~~: # فماذا فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن السمول؟ # ثابت ~~: # قتل. # أبو عبد الرحمن ~~: # فما فعل المجلسان (يعني كعب بن قريظة وابن عمرو بن قريظة)؟ # ثابت ~~: # ذهبا، قتلا. # أبو عبد الرحمن ~~: # فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت، ألا ألحقني بالقوم، فوالله ما في العيش ~~بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله قبله ولو نضح، حتى ألقى الأحبة. وهنا ~~أخذه ثابت من يده وأوقفه في طابور المذبحة ليأخذ دوره، فضربت عنقه.» ~~(الطبري، ج2، ص589 و590). # وإليكم الصفحة 102 من الجزء الثالث طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، ستجدون رواية ~~فيها العناصر نفسها، لكني بكتابي صنعتها على طريقتي وصنعت الحوار والديالوغ المسرحي ~~ووضعت الشخوص المتحاورة بين ثابت وصديقه اليهودي القرظي أبي عبد الرحمن، فلا يوجد ~~حوار كهذا في كتبنا التراثية السردية ولا غير التراثية. # أما المدخل التقديمي لهذا النص فكله صنعتي وحدي وختامه صنعتي وحدي، ولن تجدها لا ~~عند الطبري ولا غير الطبري، ستجدها عند سيد القمني فقط، ثم من بعده عند الشيخ ~~سلامة. # إن كل ما شغل الشيخ سلامة هو أن يجمع أكبر حشد ممكن من الأدلة الوثائقية لتأكيد ~~أن النبي محمد كان مجرد أفاق، وأنه شيخ منسر وقتال قتلا، وزير نساء، فقط! لذلك ~~لم ينشغل - وربما لم يفهم - القراءة التاريخية المجتمعية السياسية الاقتصادية التي ~~هي الموضوع والأساس في العمل كله، وبدلا من أن يذهب إلى المكتبات يجهد نفسه ليجمع ~~ما يريد من مادة، فتح كتابي وجلس أمامه ينقل وينسخ وينشر، وينعى على سيد ms321 القمني ~~تردده وخوفه، فإذا كانت تلك أغراض صاحبنا فما أغباه هدفا وما أتعسه مسعى وما أسخفه ~~موقفا، انشغل فقط بحشد أخطاء محمد، بينما أي إنسان سواء أكان نبيا أم ملكا ~~إنسانا عاديا، له من الأخطاء ما لو جلسنا نرصدها لناءت بها الكتب، أو كما لو ~~كانت مهمة العلماني هي سب الأنبياء والتنقص منهم دون مؤهلات أخرى. إن هذا الاختيار ~~كمن يختار أن يسرق أو يسير في الشارع عاريا متصورا أنه هكذا قد أصبح علمانيا! ~~لذلك فإن البحث عن المفروض والتدليل على المعلوم هو عمل عبثي، مكان صاحبه الطبيعي ~~بين فاقدي العقل والفهم والتمييز، بين الغنم. ~~(4-1) سادتي إدارة الحوار المتمدن # بغض النظر عن القيمة الفكرية لكاتب من الكتاب حتى نحترمه أو نقدره أو نتطاول ~~عليه، فإني قد أعلمتكم بالخلل، وتسترت على الرجل وطلبت منكم التستر معي عليه ~~ليتوقف عن عبثه، ورغم ذلك سمحتم له أن يستمر، بل وأن يسبق موضوعه الجديد ~~بالتطاول على شخصي المتواضع، وهو آخر موضوع نقله حديثا بعد الشكوى التي ~~وافيتكم بها (لاحظت خلال الأيام الماضية أن الرجل وصل في غزوة أحد إلى الحلقة ~~الثامنة أو التاسعة نقلا عن كتابي)؛ أي نشرتم له رغم شديد وضاعته وإساءته إلى ~~كل الفريق العلماني بعبثه الصبياني، رغم شرحي لكم ذلك، بدلا من الحمد والثناء ~~على رجل مسروق علنا وفضل الستر على السارق. # لهذا لا أرى أن الحوار المتمدن بموقفه هذا وسماحه بذلك أهلا لكتاباتي، التي ~~تتساوى عنده مع كائن من هذا النوع الحشري الطفيلي والإجرامي الذي يتغذى بفكر ~~الآخرين ويغتصب بنات أفكارهم علنا، ويتم السماح له بذلك. ~~(4-2) سادتي قراء الحوار المتمدن # لكم عظيم احترامي وإجلالي وإصراري على أني مجرد نفر متواضع بدون رتب بينكم، ~~وأنتم أهلي وناسي وتعرفون أين تجدون كتاباتي. # شكرا سيدي الحرامي، شكرا سادتي (إدارة الحوار المتمدن) المشاركين للحرامي ~~الوضيع في جريمته، وشكرا قرائي لصبركم على هذا الموضوع المثير للأسف والحزن ~~والقرف معا. # تم فصل شاكر الشيخ سلامة من الحوار المتمدن واستمر القمني يكتب لهم. # الفصل الرابع ms322 # | ها هم يقفون عرايا! # لم يحدث من قبل في بر مصر المحروسة أن تم شن مثل تلك الهجمة الشرسة والعنيفة ضد مواطن ~~واحد لا ذنب جناه سوى أنه قد حصل على تكريم من وطنه عرفانا بجهده في شكل جائزة تقدير ~~من الدولة، وهي نيشان شرف ووسام رفيع بغض النظر عن قيمتها المادية المتواضعة. # شن الهجمة حلف كان كل طرف فيه يزعم استقلاليته وتمايزه بالتمام عن غيره، بينما كنت ~~أزعم أنا طوال الوقت أنهم كلهم داخل الجبة نفسها، وهو ما أثبته حلفهم ضدي في حملة تشويه ~~واغتيال معنوي ومجتمعي، اجتمعوا حول الأهداف، واجتمعوا حول المنطلقات، واجتمعوا حتى حول ~~الاتهامات ذاتها، واجتمعوا حول النصوص ذاتها التي كفروني بموجبها، في تواطؤ يشي أنهم ~~إنما فرق ودكاكين متعددة الأقنعة لوجه واحد، وأنهم أذرع متعددة لأخطبوط واحد. # أعضاء هذا الحلف أولهم «جبهة علماء الأزهر» وهي جمعية أهلية خدمية تم حلها عام 2001م ~~بقرار إداري من محافظ القاهرة لتجاوزها الصلاحيات القانونية الممنوحة للجماعات الأهلية. ~~وهي الجبهة التي أفتت بكفران فرج فودة وأباحت دمه، وقتلوا فرج ولم يقدم أحد منهم ~~للمحاكمة بتهمة التحريض على القتل إلى اليوم. # وبعد إغلاقها تحولت الجبهة إلى جماعة سرية ذات صندوق بريدي فقط وبدون مقر، حتى فتح ~~لها إخوان الكويت مقرا هناك حيث يقيم زعيمها الشيخ يحيى إسماعيل حبلوش، ويقيم في مصر ~~وكيلها الدكتور محمد عبد المنعم عيسى البري لتنفيذ أجندات قادمة من خارج الحدود. # وكيل الجبهة الدكتور البري حضر برنامج 48 ساعة بقناة المحور بحضور الأستاذ صلاح عيسى ~~وأعلن كفري وأني أسب الله ورسوله، وعندما طالبته تليفونيا بأن يقرأ هذا السب من كتبي ~~قال: «اهو أنتوا عايزني أقرا الزبالة دي؟» وإذا كان أعضاء الجبهة لا يقرءون زبالتنا فلا ~~شك أنهم كذلك لم يقرءوا ما كتب فرج فودة، ولا تعلم كيف ينام أحدهم بعد مقتله قرير العين ~~أو هانئ البال؟ # ولم تتأخر جماعة الإخوان، فقد قدم الدكتور حمدي حسن الناطق بلسان كتلتهم النيابية ~~استجوابا للحكومة، وحضر على التليفون في برنامج مصر اليوم ms323 بقناة الفراعين وصب سخائمه ~~على شخصي المتواضع وكرر اتهامات الجبهة ذاتها، وعندما طالبته أن يقرأ نص الكلام الكفري ~~من كتبي رد بقوله: «إنتوا عايزيني أقرا الكلام الفارغ ده، هو أنا فاضي؟» وهي الحلقة ~~التي دعوت فيها أعضاء الجبهة والإخوان لمواجهتي وحددنا السبت التالي للمواجهة، فكانت ~~النتيجة أنه لم يحضر أحد غيري. # ولم يكن غريبا أن تنزل «الجماعة الإسلامية» للميدان ببيان ناري يكرر ما جاء في بيان ~~«الجبهة» ذاته، وهي الجماعة التي نفذت بحق فرج فودة فتوى «الجبهة»، وهي الجماعة التي ~~سبق لها بالرسوخ في العلم أن قتلوا رجال الشرطة والأقباط وضيوف مصر من السائحين، وهي ~~الجماعة التي اكتشفت بالرسوخ ذاته في العلم أن رسوخهم الأول كان خطأ لذلك قاموا يكتبون ~~المراجعات التي تراجعوا فيها برسوخ ثان محل الرسوخ الأول، لكن دون أن يعيد إلينا أي ~~من الرسوخين من تم ذبحهم من أبرياء ولا العافية لاقتصاد الوطن ولا سمعة الإسلام التي ~~تضررت في العالمين، يطمئننا هنا الشيخ قرضاوي فيقول إن من ماتوا من المسلمين في عمليات ~~جهادية شهداء يخلدون في الجنة، وعليه فلا يجب أن نبتئس عليهم أو نحزن بل الأولى أن ~~نتمنى اللحاق بهم فيما انتهى إليه الرسوخ القرضاوي. # هؤلاء هم ثلاثة ورابعهم هو رابع الأثافي، الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق، ~~الذي كانت فترة ولايته لدار الإفتاء المصرية فترة قلقة مضطربة بسبب تدخله دون دعوة في ~~كثير من الشئون السياسية الداخلية والخارجية، حتى تورط في شئون مصيرية لا تحتمل مزاج ~~صاحب الفضيلة الحاد، مما سبب مشاكل للخارجية المصرية انتهت بعزله المفاجئ، وقد كرر ~~الدكتور واصل الوصلة التكفيرية ذاتها معتمدا على النوتة ذاتها «بيان الجبهة». # أما الناشط الرئيسي في هذه الحملة فكان موقع «المصريون» وصاحبيه الأخوين جمال ومحمود ~~سلطان، وهو موقع لا علاقة له بمصر بل هو ضد كل ما هو مصري، وهو الواجهة الإعلامية ~~للجمعية السلفية المعروفة. ومن بين هؤلاء وأولئك أصوات ملتاعة على أموال المسلمين ~~المهدورة في تلك الجائزة وقدرها 200 ألف جنيه، كما عند الشيخ فرحات ms324 المنجي صاحب المشروع ~~القومي لحل مشاكلنا الجنسية بإرضاع الكبير وزواج الرضيعة، وزملائه أصحاب المشاريع ~~التنموية بالزواج السياحي والمسيار والفرند ترويجا للدعارة الحلال الزلال، ليتوج ~~الجميع موقف مفتي بول الرسول ونخامته وبصاقه بفتوى تكفيرية اعتبرها تيار الإسلام ~~السياسي فتوى تاريخية. # تواطأت هنا مجموعة صدف يندر أن تحدث معا، وهو شأن معلوم في بلادنا حيث لا تتحرك ~~مياهنا الآسنة إلا بالصدف البحت، في زمن رجراج غير مستقر على المستوى السياسي الخارجي ~~والداخلي، يجري فيه الحديث عن شكل الانتخابات المقبل والمرشحين للكرسي الأعظم في الوطن ~~ومسألة التوريث من عدمه، مع تحولات دولية تسبب فيها مجيء إدارة جديدة للحكم في ~~الولايات المتحدة الأمريكية لا تشغلها المسألة الحقوقية لشعوب المنطقة بقدر ما يشغلها ~~الخروج من المنطقة والعودة إلى المربع الأول المشغول بالمصالح الأمريكية الآنية وحماية ~~أمنها الداخلي، مع الوضع الداخلي لمصر المنتظر معه أن يخلو كرسي وزارة الثقافة بارتقاء ~~الأستاذ فاروق حسني لرئاسة اليونسكو، وهو ما أدى لترقب جميع التيارات؛ لأن وزارة ~~الثقافة ظلت مع الوزير فاروق حسني هي الحصن الحصين للثقافة المصرية، القائمة على ~~المواطنة. فحافظت على هذه الهوية فلم تتآكل مع ما تآكل في مختلف هيئات ومؤسسات ومفاصل ~~الدولة لمصلحة التيار الوهابي «الإسلام السياسي» القادم على صهوة المليارات ~~البترودولارية عبر حدودنا الشرقية في فتوح جديدة. # مع هذه العوامل يأتي فوزي بجائزة الدولة التقديرية في صدفة لم يسبق ترتيبها، فلا أنا ~~علمت بها إلا في الأيام الأخيرة، ولا قام الأتيليه بالدعاية للمرشحين حفاظا على ~~السرية، حتى فاجأ فوزي الجميع حتى الأعضاء المصوتين أنفسهم، حسبما جاء في شهادة الأستاذ ~~أنيس منصور المنشورة في الأهرام، وكم كان فخري بهذه الشهادة من رجل تعلمت على كتبه ~~منذ نعومة أظفاري إلى كتاباته التي رافقت مراحل الصبا والشباب والشيخوخة دون أن تشيخ ~~كتابته لحظة واحدة، اللهم لا حسد، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينصفني فيها ~~الأستاذ أنيس ويضع نياشينه الفخرية على صدري. # تيار الإسلام السياسي بتكوينه وطبيعته وتاريخ وقائعه كلها تشهد أنه تيار تآمري، ~~ولأنهم يعلمون ذلك ms325 يقينا فإنهم يفترضون وجود مؤامرة مستمرة عند الطرف الآخر، ومن ثم ~~كان فوزي بالجائزة علامة على مؤامرة من وزارة الثقافة لدعم التطرف العلماني (لا أعرف ما ~~هو بالضبط، لكن هكذا يقولون). ولدعم الأستاذ فاروق حسني للوصول إلى رئاسة اليونسكو ~~إرضاء لإسرائيل! وهنا الفزورة التي لم أفهمها. ولو تصورنا الأمر كما يوعزون به، أن ~~الفنان فاروق حسني هو من منحني هذه الجائزة ليكسب بها رضا إسرائيل، فإن الضلع الثالث في ~~المؤامرة غير موجود أصلا؛ لأن شخصي المتواضع لا علاقة له بإسرائيل ولم يسبق له أن ~~زارها ولا قبل باستقبال زوار رسميين أو أهليين (حسبما يعلم الأمن المصري بالتفاصيل)، ~~ولا هادن لحظة في الجانب الحقوقي الفلسطيني، بل وقدم في مقابل اليمين الصهيوني المتطرف ~~أعمالا كبرى تتميز بالأصالة العلمية العالية في حرب فكرية طويلة استغرقت ستة كتب ~~كبريات، ولم أجد عند تيار الإسلام كله كتابا واحدا على ذات القدر والاقتدار، بقدر ما ~~وجدت عندهم من أساطير وخرافات لا تنطلي سوى على المسلمين ولا تقدم بقدر ما تؤخر؛ ومن ~~ثم لا أفهم كيف يكون فوزي بالجائزة تقربا من الوزير لإسرائيل، وإذا كان كرسي اليونسكو ~~مرهونا برضا إسرائيل (وهو ما لا يقول به تلميذ مبتدئ في السياسة)، فإني قبل الوزير ~~أقول الله الغني عن كرسي كهذا، لكن الحقيقة بالمرة ليست كما يصورها تيار الإسلام ~~السياسي لبسطاء الشعبوية الإسلامية، وإذا سقطت حجة مجاملة إسرائيل بجائزتي، فإن مبنى ~~المؤامرة يسقط بأسره، ولا يعود هناك مبرر لوجود إسرائيل في الموضوع أصلا، لهذا وبرغم ~~علمهم بهذه الحقائق يصرون على المعاني ذاتها ويقدمون أدلة ارتباط لي بإسرائيل لا أعلمها ~~(اكتشفت خلال هذه المعركة أن هناك مذيعين وصحافيين ورجال دين يعلمون عني أمورا لم ~~أعلمها عن نفسي بعد!) بل الممكن قوله هنا إني لا أجد أي مانع في التعامل مع المثقفين ~~الإسرائيليين أو حتى رسميين إسرائيليين، شريطة أن يكون ذلك بعلم حكومة مصر وأن يكون ~~لهذا التعامل فوائد وطنية أو قومية مرتبة سلفا ومتفق عليها، وسبق وأعلنت هذا أكثر من ~~مرة ms326 دون الشعور بأي غضاضة أو شعور بقصور أو معابة من أي لون، لكني لست على استعداد ~~للتبرع بمثل هذه اللقاءات التي تضفي المشروعية والقبول على اليمين الصهيوني، لأني من ~~سيضفي المشروعية لا من سيكتسبها من الرضا الإسرائيلي. # مع هذه العوامل بصدفها المجتمعة ومع قرب خلو كرسي وزارة الثقافة، يستعرض التيار ~~الإسلامي المتطرف قوته الإرهابية بحملته التي تجاوزت كل الحدود، واستخدمت كل ألوان ~~الأسلحة بما فيها الفاسدة والرديئة ومنها المشينة لمن يستخدمها، لتلقي بكل ثقلها ضد ~~شخصي المتواضع فما أنا في النهاية سوى إنسان يمكن أن يجدوا فيه الكثير من الأخطاء، ~~إنسان فرد بما للإنسان من خطأ وصواب وقوة وضعف؛ ومن ثم تم وضعي كفرد غير مرتبط بوزارة ~~الثقافة ولا غيرها، وغير مسنود أو محمي من حزب أو جماعة، كهدف وحيد في مرمى نيران يعج ~~بالصيادين والقناصين والرماة المحترفين. ويمكن من خلاله تحويل فوزي بالجائزة إلى خطأ ~~كارثي ارتكبته وزارة الثقافة، ويمكن بإسقاطي وانحنائي لإرادتهم والتسليم بها إرادة فوق ~~القانون والحقوق الدستورية، ثم العمل على إصلاح الخطأ الكارثي بوضع أقرب العناصر إليهم ~~على رأس تلك الوزارة، كتعويض عن هذا الخطأ الفادح في سياسة الوزارة. # مع تعالي صوت الحملة تحولت إلى السعار واللوثة التي جعلت من قضية جائزة القمني قضية ~~مصيرية بل هي قضية وجود، وجود العلمانيين أو وجود الإسلام السياسي، لكن الراديكالية ~~ليست كالعلمانية فهي لا ترضى بغير وجود تيار واحد هو تيارهم، صراعهم دوما صفري لا يقبل ~~المهادنة، إما أنا وإما الآخر؛ لذلك ألقوا بكل أسلحتهم دفعة واحدة دون عمل أي حسابات ~~للمهم فالأهم، ومتى يخرجون ورقة ومتى يخفون أخرى، قوم لا يعرفون فنون الاستراتيجية ~~وحساب المراحل إليها، لقد ألقوا بكل أوراقهم وكشفوها وجابوا آخرهم، عندما نقبوا بكل ~~الوسائل التقنية عبر أذرعهم في كل مكان زرته أو عملت به أو حاضرت فيه أو لي أصدقاء فيه ~~في الخليج وفي بلاد الشام وأوروبا وأمريكا، وهو عمل جماعي هائل إزاء فرد واحد، وكان يجب ~~أن يعثروا على الكثير مما نخفيه كبشر عن ms327 عيون الناس فكل ابن آدم خطاء، لكن فضيلتي ~~التي عملت بها وكانت خير حصن لي (تمثلت في وصية أبويا الحاج محمود عليه رحمة الله. امشي ~~يا بني يا سيد عدل يحتار عدوك فيك)، ولأني اخترت لأبحاثي منطقة وعرة شديدة العسر، يكثر ~~فيها العداء وأعشاش الثعابين وأوكار الثعالب ووديان الشياطين والبوم والزوم وكلاب الروم ~~وكل أفاك لئيم، فكان لا بد أن التزم الجادة كي أوصل خطابي موثقا إلى أصحاب المصلحة ~~من شعبنا المسالم الطيب، وأن آخذ نفسي بالقسوة والشدة في البحث بحيث لا أعطي فرصة لشرير ~~أو كائد، وعزلت نفسي عن الدنيا ومباهجها متفرغا لعملي وتربية عيالي، وسرت عدل ~~فاحتاروا بشأني. # قدموا اتهامات نصية بسبي الله ورسوله ثم هربوا جميعا من المواجهة وتركوا صبيتهم ~~يسبون ويشوهون في الإعلام بصنوفه العديدة، طالبتهم بنشر صور من كتبي تنطق بكفري فلم ~~يفعلوا، قالوا إني تقاضيت الأموال تنهال على خزائني مدرارا ولم يقدموا وثيقة واحدة بعد ~~بحث عصابي محموم، قالوا إن لي علاقات بإسرائيل وفشلوا في تقديم أي دليل، رغم أن الأمر ~~من وجهة نظري وكما أوضحت ليس فيه ما يشين، قالوا إني سكير عربيد زير نساء، وهو كله ما ~~ضحك منه الناس، قاموا يشككون في إجراءات الجائزة فنسبوا للمفوض العام لأتيليه القاهرة ~~أن الأتيليه لم يرشحني، فرد المفوض العام بحفل تكريم لفوزي بالجائزة، ونسبوا إلى ~~الدكتور قدري حنفي ما أسماه هو رذاذا أصابه فكتب: «ليس دفاعا عن سيد القمني ولكن عن ~~هوية مصر»، نسبوا للأستاذ أنيس منصور قولا يشكك في الجائزة فرد بموضوع «أعطيت صوتي ~~لسيد القمني»، وعندما لم يعد بأيديهم أية أوراق لمنافحتهم عن دين الله تركوا الدين ~~والإيمان والكفر إلى الدكتوراه، وقالوا مرة إني زورتها لنفسي ومرة إني اشتريتها بمائتي ~~دولار، وقد أرسلت كل الوثائق بهذا الشأن لمن يهمهم الأمر ومن خاضوا فيه من محترمين فقط، ~~وأتعرض الآن لشكاية بالنيابة بهذا الشأن، ولأني لم أزور ولم أشتر إنما بذلت جهدا ~~وعرقا وعملا ومالا وسنين من العمر، فإني في النهاية واثق بقرار النيابة، ms328 وأترك ~~القرار والشأن لما سوف تصدره من قرار بهذا الخصوص. # قاموا يستخدمون أسلحة من لون آخر، فأكدوا أني قد تعمدت وتنصرت أرثوذكسيا وأن لديهم ~~الحكاية بتفاصيلها كلها كما كتب ونشر الأستاذ محمود القاعود، فأعطيتهم الشهادة على شاشة ~~التلفزيون، فأمسكوا السلاح ذاته لكن من الجهة الأخرى، فقاموا يستخدمون كتابتي ضد اليمين ~~الصهيوني وفيها نقد مرير للتوراة، ليحرضوا ضدي المسيحيين المصريين بعد أن ثبت إسلامي، ~~وبعض صبيتهم قام بخلط مشين بين حديثي عن الأساطير والتراث في مهانة للسيدة مريم لا ~~علاقة له باعتقادي كمسلم في أن الله اصطفاها وطهرها من بين العالمين، وهو ما شرحته ~~وأوضحته عبر التلفزيون، للتفرقة بين ما هو موضوع للبحث العلمي وما هو موضوع للإيمان أو ~~الكفر، دون خلط بينهما. # وهكذا أحمد الله أنهم لم يجدوا مطعنا في شرفي أو أمانتي أو إخلاصي لوطني أو ديني أو ~~التزامي جادة المنهج العلمي؛ لأن مبدأ أبي عليه رحمة الله ورضوانه، استتبعه تمتعي بقدر ~~هائل على الاستغناء عن الدنيا ومناصبها ومباهجها، حتى إني أكتشف أحيانا وجود هذه ~~المباهج بالصدفة البحتة، وأشاهدها من خارجها كمن يطالع التلفزيون، بينما لو راجعنا ~~السادة الذين رفعوا سيف الدين فوق رءوسنا من حيث ذمتهم المالية ومن أين يتقاضون وكمية ~~المال الهائلة التي أهدرت في هذه المعركة لرشوة صحفي هنا ومذيع هناك لتجريسي والتشنيع ~~علي، ناهيك عن طبيعتهم الإرهابية وطبقتهم الاجتماعية وغسل الأموال والتحالفات ~~الملوثة، فهو كله ما يسوءنا لأنهم يزعمون أنهم المدافعون عن ديننا المفترض فيهم طيب ~~السجايا والأمانة والنبالة في الصراع بأسلحة شريفة، لكنهم لم يعرفوا قط نبالة ولا شرفا ~~ولا مبادئ ولا قيما، بل كانوا أشرارا وانتهازيين وخصما وحكما كذوبا مفتريا في ~~الوقت ذاته. # وها هم بعد كل هذا الصخب يقفون عراة بعد أن ارتدت أسلحتهم الفاسدة في وجوههم، والآن ~~يبدأ دورنا في النزال، والله المستعان على ما يصفون. # الفصل الخامس # | حكاية الخمر في عرس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة رضي الله ~~عنها # كان بيان جبهة علماء الأزهر المطالب بسحب جائزة الدولة ms329 مني يقوم على فكرة كتابتي ~~نصوصا كفرية صريحة في كتبي تسب الله ورسوله، وهو البيان الذي اعتمد عليه كل ~~المكفراتية: من الجماعة السلفية إلى الجماعة الإسلامية إلى يوسف البدري إلى د. نصر فريد ~~واصل إلى الإخوان. ويردد هذا البيان أقوالا منسوبة إلى كتابي «الحزب الهاشمي» وهو ~~الجزء الأول من مجلد «الإسلاميات»، كما هو آت: # لقد خرج سيد القمني على كل معالم الشرف والدين، حين قال في أحد كتبه التي أعطاه ~~الوزير جائزة الدولة التقديرية عليها: «إن محمدا ( # صلى الله عليه وسلم # رغم أنفه وأنف من معه) قد ~~وفر لنفسه الأمان المالي بزواجه من الأرملة خديجة (رضي الله عنها رغم أنفه كذلك وأنف ~~من رضي به مثقفا) بعد أن خدع والدها وغيبه عن الوعي بأن أسقاه الخمر.» # وبداية فإن هذا القول المحدد بعلامات التنصيص باعتباره نص كلامي في الكتاب المشار ~~إليه، هو قول لا أعرفه بل هو قول فلوت، وإن الجبهة عندما تنسب لي قولا كهذا في مناخ ~~كمناخنا فإنها تهدر دمي كما سبق وأهدرت دم المرحوم فرج فودة. # وللتوضيح فإن كتابي هذا (وكل كتاباتي) ليس كتابا في الدين الإسلامي ولا في أي من ~~علومه، فكتاب الحزب الهاشمي هو كتاب في التاريخ الاجتماعي لواقع جزيرة العرب عشية ~~الدعوة الإسلامية، بغرض قراءة السيرة النبوية قراءة اجتماعية في الأجزاء التالية «حروب ~~دولة الرسول». وإذا كان المبدأ القانوني الإسلامي يقول: «البينة على من ادعى واليمين ~~على من أنكر» فقد أكدت أن كلام الجبهة لا علاقة لي به، وأن عليهم نشر هذه النصوص ~~بالصورة من كتبي فلم يفعلوا، طلبت مواجهتهم علنا بقناة الفراعين فلم يحضر أحد ~~غيري. # ورغم أني غير ملزم بتقديم أكثر من يمين الإنكار فإن الأسلوب المتحضر والعلمي للواثقين ~~بالذات هو أن أقدم أنا نص ما ورد في كتابي بخصوص قصة زواج النبي # صلى الله عليه وسلم # من السيدة ~~خديجة رضي الله عنها. لنطالع معا ما ورد في كتابي «الحزب الهاشمي» طبعة «مدبولي الصغير»، ~~ص131. ~~«ومعلوم أن المصطفى # صلى الله عليه وسلم # بعد ms330 أن طوت راحة الزمن جده عبد المطلب، شب في كنف عمه ~~أبي طالب، وببلوغه # صلى الله عليه وسلم # مرحلة الشباب تزوج السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ~~التي وصفها ابن إسحاق بأنها «كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال» (ابن هشام بشرح السهيلي ~~في الروض الأنف، ج1، ص212)، ووصفها ابن سيد الناس بأنها: «كانت أكثر نساء العرب مالا.» ~~(عيون الأثر، ج1، ص262) وكانت تكبر النبي # صلى الله عليه وسلم # بنحو خمس عشرة سنة؛ مما وفر له # صلى الله عليه وسلم # الوقت الكافي والاطمئنان النفسي للانصراف من السعي وراء الرزق إلى التفكير في ~~شئون قومه السياسية والدينية. وفي ذلك يقول الدكتور أحمد إبراهيم الشريف: «ثم إن النبي ~~وجد بعد زواجه من خديجة بنت خويلد - وهي إحدى النساء الغنيات الشريفات في مكة - نوعا ~~من الراحة النفسية.» وقد كان في هذا الزواج من العوامل التي جعلته يتخفف من بعض أعباء ~~الحياة، ومن بعض عناء السعي، فخديجة الغنية بمالها التي كانت امرأة نصفا، قد فارقت عهد ~~الشباب الأول، وكانت لها تجربة في إدارة أموالها، كانت أقدر على توفير حياة زوجية هادئة ~~رصينة هيأت لمحمد أن يتخفف من أعباء الحياة لأفكاره الذاتية» (كتابه: مكة والمدينة في ~~الجاهلية وعهد الرسول، دار الفكر العربي، القاهرة، ط2، ص250، 251). # وهكذا يكون القائل بتأمين الزواج من خديجة لحياة هادئة للنبي # صلى الله عليه وسلم # هو رجلهم ~~الدكتور الشريف، وهو رجل عشرة على عشرة، لم يشكك أحد في إيمانه يوما، هذا إضافة لقول ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # نفسه عندما كان يذكر خديجة: «آمنت بي حين كذبني الناس وواستني بمالها ~~حين حرمني الناس» (صحيح المتن والسند). # ويبقى من اتهامات بيان الجبهة مسألة قولي إن النبي أراد خداع الأب خويلد كي يرضى ~~بتزويجه خديجة فقام بإسكاره وأخذ منه عهد الزواج وهو سكران. وهذا بدوره نص كلام لا ~~أعلمه ولم أقله، ولنعد إلى كتابي نستطلع فيه حكاية الخمر في عرس النبي. # يقول كتابي «الحزب الهاشمي» الطبعة نفسها ص132 ما نصه: «عندما تزوج المصطفى ms331 # صلى الله عليه وسلم # من السيدة خديجة رضي الله عنها، أكثر الناس من الكلام في هذه الزيجة، وهنا يروي ابن ~~كثير: «إن عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث الناس به عن تزويج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خديجة وما يكثرون فيه، يقول: أنا أعلم الناس بتزويجه إياها، إني كنت له تربا وكنت له ~~إلفا وخدنا، وإني خرجت مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ذات يوم، حتى إذا كنا بالحزورة (حي ~~بمكة) أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم (لحم مجفف) تبيعها، فنادتني فانصرفت ~~إليها، ووقف لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقالت: أما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ قال ~~عمار: فرجعت إليه فأخبرته، فقال: بلى لعمري، فذكرت لها قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقالت ~~اغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حلة ~~وصفرت لحيته (صبغت بالحناء)، وكلمت أخاها فكلم أباها وقد سقي خمرا، فذكر له رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # ومكانه، وسأله أن يزوجه، فزوجه خديجة وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا ~~منه، ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا فقال: ما هذه الحلة؟ وما هذه الصفرة؟ وما هذا الطعام؟ ~~فقالت له ابنته - التي كانت قد كلمت عمار بن ياسر - هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ~~ختنك وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر أن يكون زوجه وخرج يصيح حتى ~~جاء الحجر (بالكعبة)، وخرج بنو هاشم برسول الله # صلى الله عليه وسلم # فكلموه، فقال: أين صاحبكم الذي ~~تزعمون أني زوجته خديجة؟ فبرز له رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما نظر إليه قال: إن كنت قد ~~زوجتك فسبيل ذاك، وإن لم أكن فعلت فقد زوجته»» (البداية والنهاية، طبعة دار الكتب ~~العلمية، بيروت، ج2، ص274). # هذا ما ورد بشأن قصة الزواج والخمر بكتابي؛ وهكذا لا أكون قد قلت، ولا ابن كثير قد ~~قال إن النبي خدع الأب وسقاه الخمر، ورواية عمار بن ياسر هنا مبنية ms332 للمجهول فلا نعلم من ~~أسكر الأب ولا من صبغه بالحناء ولا من ألبسه الحلة. # بخصوص هذه النقطة أذكر موقف المذيعة (سوزان حرفي) على قناة الفراعين وهي تصر على أني ~~قلت في كتابي ما جاء في بيان الجبهة، المضحك المبكي أن كتابي كان بيدي وأنا موجود وهي ~~مصرة مستميتة تؤكد للناس كلاما لا علم لي به! بل وأضافت أني قلت إن الأب عندما أفاق من ~~سكره رفض هذا الزواج بالمطلق، بينما النص بكتابي يشير لموافقته على الزواج عندما شاهد ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى قال إنه لو لم يكن زوجه فإنه يزوجه، وهو الأمر الذي يدفع دفعا ~~إلى محاولة تصور حجم وكم المال الذي تم دفقه في هذه القضية الفاسدة. # ورغم علمي أن الخمر لم يكن محرما بعد، وأن الصحابة قد شربوا الخمر حتى نزول آية ~~الاجتناب، فإني حاولت تحري الروايات عساي أجد منها ما لا يصدم ذوق المسلمين اليوم، حتى ~~حشدت جميع الروايات أمامي لأختار من بينها هذه الرواية، بعد فرز وتجنيب طال بحثه شهورا ~~في هذه الجزئية وحدها، وهنا درس لأهل الفتاوى الجاهزة المعممين المقفطنين كم من مشقة ~~وجهد يبذل الباحث بشروط المنهج العلمي وصرامته التي تلزمنا بالتدقيق المبين في الاختيار ~~بين النصوص، وهو ما يبين بوضوح طريقة العلمانيين مقارنة بطريقة المشايخ في البحث ~~والتحري قبل إصدار الأحكام. # إليكم روايات انصرفت عنها ولم آخذ بها، منها: «أخبرنا خالد بن خداش بن عجلان، أخبرنا ~~معتمر بن سليمان، قال سمعت أبي يذكر أن أبا مجلز حدث أن خديجة قالت لأختها: انطلقي ~~إلى محمد فاذكريني له أو كما قالت، وأن أختها جاءت فأجابها بما شاء الله، وأنهم تواطئوا ~~على أن يتزوجها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن أبا خديجة سقي خمرا حتى أخذت منه، ثم دعا ~~محمدا فزوجه. قال وسنت على الشيخ حلة، فلما صحا قال ما هذه الحلة؟ قالوا كساكها ختنك ~~محمد، فغضب وأخذ السلاح وأخذ بنو هاشم السلاح وقالوا: ما كانت لنا فيكم رغبة، ثم أنهم ~~اصطلحوا بعد ms333 ذلك» (ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج1، ص132، طبعة دار الشعب، ~~القاهرة). # وهنا منكرات كثيرة تبدأ بإقرار أن الزواج كان مؤامرة انتهت برفع العائلتين السلاح في ~~وجه بعضهما البعض، لهذا لم آخذ بالرواية لنكارتها، وأيضا لأسباب تتعلق بسلامة السند، ~~فخالد بن خداش مرفوض من الرجاليين، وابن مجلز وصفوه بأنه لم تكن له صحبة؛ ومن ثم فهو ~~حديث مجروح السند. # عند ابن سعد نفسه رواية أخرى كررها ابن إسحاق - وعنه نقل ابن هشام - تقول إن من زوجها ~~للنبي هو عمها عمرو بن أسد وليس أباها خويلد؛ لأن الأب كان قد مات في حرب الفجار، وقد ~~استبعدت هذه الرواية بدورها؛ لأنها جاءت عند ابن إسحاق بلا سند منه، وتبعه من نقلوا ~~عنه: الطبري في 2: 272 وابن الأثير في الكامل 2: 39 وابن كثير في تاريخه 2: 272، بدون ~~سند بدورهم، وهو ما جاء عند ابن سعد ملفوفا بالغموض، وسنده لموسى بن شيبة مجروح فقد ~~وصفه عبد الله بن أحمد بأن أحاديثه مناكير، ولو ذهبنا لرواية البيهقي المشابهة سنجدها ~~تستند إلى عمر بن أبي بكر الموصلي وهو عند علماء السند من المتروكين، ومثله هامش ما جاء ~~في دلائل البيهقي وقد ضعفه أبو زرعة وقال أبو حاتم إنه من متروكي الحديث. # وفى كل تلك الروايات (عدا التي اعتمدناها) نقائض صارخة، فمرة تعرض خديجة رضي الله ~~عنها نفسها مباشرة على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وتارة توسط أختها، ومرة عمها الذي أخذ بدوره ~~الاسم عمرو، وفيما يخص مؤامرة الإسكار فقد تكررت مع العم والأب، وهو الاضطراب الذي ألجأ ~~صاحب نور الأبصار إلى القول بأن الثلاثة الأب والعم والأخ قد شاركوا في هذا الزواج، وهو ~~ما ينتفي معه القول بموت الأب في الفجار. # مع كل هذا الخلط والتباين لم يبق أمامي إلا العودة إلى الراوي الأول الصحابي الذي ~~نقل مباشرة من فم الرسول، وكلهم يعودون إلى ثلاثة رواة، أشهرهم عبد الله بن عباس حبر ~~الأمة، لكن النبي توفي وعمر عبد الله عشر سنوات، ثم رواية عبد الله بن الحارث الكندي، ms334 ~~وهو فيما نعلم قد ولد بعد بعثة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والرواية الثالثة مصدرها هو عمار بن ~~ياسر صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعشيره ولصيقه لمدة ثلاث وعشرين سنة؛ لذلك وقع اختيارنا ~~على روايته بعد مشقة وجهد وعنت ولأي طويل عريض، ولأنها كانت أبعد الروايات عما قد ~~يستنكره ذوق المسلم اليوم أو يألفه. # هؤلاء سادتي هم مشايخكم الذين تعودون إليهم وتسلمون إليهم دينكم وعقولكم، قد ركبوا ~~مركب الكذب الرخيص والتحريض السفيه والقذف بما يتضح منهم والتكفير دون خشية من رب ~~الدين، ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء مراجعة ما بذلنا من عناء، ليس لأني ضد دين من ~~الأديان، ولكن لأني أهتك أستارهم وأفضح تجارتهم بنا وبديننا في سبيل أعراض الدنيا ~~وجاهها ووجاهتها، هذه بيناتي فهاتوا بيناتكم وأنتم من ادعى، أو بوءوا بخسران ~~وفضيحة، فصيحة أمام شعبنا المسلم الطيب، لكي يعلم لمن أسلم عقله وضميره ودينه، وأي ~~أخلاق وقيم وعدل يتمتع بها المشتغلون علينا بالدين، وهو منهم ومن أخلاقهم بريء براءة ~~العبد الفقير إلى الله! # الفصل السادس # | علي جمعة وفتواه التكفيرية # مع تصعيد الحملة التي شنتها دكاكين الإسلام المتطرف والسياسي ضد حصولي على جائزة ~~الدولة التقديرية، بهدف تركيع وزارة الثقافة لتسحب جائزتها بما هو ضد القانون، أو ~~تركيعي لأتنازل عن الجائزة اعترافا بقدرتهم على الحشد والهجوم وأنهم فوق أي قانون، ~~أرسل موقع الجماعة السلفية (المصريون) برسالة على الإيميل إلى مفتي الجمهورية الدكتور ~~علي جمعة، وكان نص السؤال كما سجلته الفتوى الرسمية من المفتي كالتالي: «اطلعنا على ~~الإيميل الوارد بتاريخ 9 / 7/ 2009م المقيد برقم 1262 لسنة 2009م والمتضمن: ما حكم الشرع ~~في منح جائزة مالية ووسام رفيع لشخص تهجم في كتبه المنشورة والشائعة على نبي الإسلام، ~~ووصفه بالمزور ووصف دين الإسلام بأنه دين مزور، وأن الوحي والنبوة اختراع اخترعه عبد ~~المطلب لكي يتمكن من انتزاع الهيمنة على قريش ومكة من الأمويين، وأن عبد المطلب استعان ~~باليهود لتمرير حكاية النبوة - على حد تعبيره - فهل يجوز أن تقوم لجنة بمنح مثل هذا ms335 ~~الشخص وساما تقديريا تكريما له ورفعا من شأنه وترويجا لكلامه وأفكاره بين البشر، ~~وجائزة من أموال المسلمين، رغم علمها بما كتب في كتبه على النحو السابق ذكره، وهي ~~مطبوعة ومنشورة ومتداولة، وإذا كان ذلك غير جائز فمن الذي يضمن قيمة هذه الجائزة ~~المهدرة من المال العام؟» # وجاءت إجابة صاحب الفضيلة كالتالي: «قد أجمع المسلمون أن من سب النبي # صلى الله عليه وسلم # أو طعن ~~في دين الإسلام فهو خارج عن ملة الإسلام والمسلمين، مستوجب للمؤاخذة في الدنيا (لم يحدد ~~طبيعة المؤاخذة أو أنه يفترضها جريمة ردة منتهية) والعذاب في الآخرة، كما نصت المادة 98 ~~من قانون العقوبات على تجريم كل من حقر أو ازدرى أحد الأديان السماوية أو الطوائف ~~المنتمية إليها أو أضر بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، أما بخصوص ما ذكر في واقعة ~~السؤال، فإن هذه النصوص التي نقلها مقدم الفتوى - ~~أيا كان قائلها - هي نصوص كفرية تخرج قائلها من ملة الإسلام إذا كان مسلما، وتعد من ~~الجرائم التي نصت عليها المادة سالفة الذكر من قانون العقوبات. وإذا ثبت صدور مثل هذا ~~الكلام الدنيء والباطل والممجوج من شخص معين؛ فهو جدير بالتجريم لا بالتكريم، ويحب أن ~~تتخذ ضده كل الإجراءات القانونية التي تكف شره عن المجتمع والناس وتجعله عبرة وأمثولة ~~لغيره من السفهاء الذين سول الشيطان أعمالهم وزين لهم باطلهم. قال تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا ~~(الكهف 103-104)، واللجنة التي اختارت له ~~الجائزة إن كانت تعلم بما قاله من المنشور في كتبه الشائعة فهي ضامنة لقيمة الجائزة ~~التي أخذت من أموال المسلمين والله سبحانه وتعالى أعلم.» # وفي يوم الثلاثاء 21 يوليو 2009م نشر موقع (المصريون) السؤال والفتوى بصفحته الرئيسية ~~واضعا صورتي إلى جوار صورة فضيلة المفتي ليحيل الفتوى المجهولة ضد مجهول ويحددها ~~ويشخصنها بجعلها موجهة لشخصي المتواضع بالذات وبالخصوص. إضافة إلى ما تم نشره في الموقع ~~ذاته عني اعتمادا على تلك الفتوى. ~~••• # وقبل أي تعقيب أجد من واجبي ms336 كمسلم من خيار المسلمين يعلم من دينه بجهد واجتهاد ما قد ~~يعلم فضيلة المفتي، أن أتساءل عن سر لجوء صاحب الفضيلة إلى وجه واحد من بين مائة وجه ~~تحتمل الإيمان؟ وأي دافع قوي وعظيم دفعه ليصدر مثل هذه الفتوى بشأن شخص مجهول دون أن ~~يتيقن بنفسه ويتحرى ليدقق قبل أن يفتي، أم أن أهل نافذة السلفيين (موقع المصريون) هم ~~عنده من المنزهين عن الكذب والتزوير والخطأ؛ لأن ممولها هو الشيخ قرضاوي العتيد الذي ~~لم يرد مرة على ما طرحته عليه من تساؤلات، ويحمل لشخصي المتواضع مشاعر تتناسب طردا مع ~~نقدي اللاذع والمرير لما يطرحه علينا من كوارث؟ أم أن مولانا المفتي قد سلم بما جاء في ~~السؤال من مطاعن، حتى يتمكن من دخول الحلبة عن قصد ورغبة مسلحا بألفاظ لا مسلحا يصح ~~أن تصدر عن مثله من قبيل: «الكلام الدنيء والباطل الممجوج والتجريم لا التكريم وعبرة ~~وأمثولة لغيره من السفهاء» ... إلخ، ثم قام يحمل الله تعالى وزر كل هذه السخائم بدس كلامه ~~- تعالى عن ذلك علوا كبيرا - وسط كلامه البشري ليكسب به قدسية القول وضمان طاعة ~~الأمر المتضمن إهدار الدم بالضرورة الشرعية. # فإذا كان كل ما جاء في سؤال المستفتي غير موجود بنصه في أي كتاب من كتبي، فماذا سيكون ~~موقف صاحب الفضيلة من المستفتي؟ إن المستفتي لا تصح عليه هنا البراءة بحسبان ناقل الكفر ~~ليس بكافر؛ لأنه لم ينقل عني شيئا، ولأني لست بكافر، وكل ما قاله المستفتي ومفتيه لا ~~أعرفه ولا أعلمه؛ فهو من بنات أفكار المستفتي وحده، فهل سينطبق هنا قول المفتي عن ~~الأخسرين عملا على المستفتي نفسه ليصفه بما وصفني به، وهل سنسمع منه فتوى بهذا الخصوص ~~بشأن الذي استفتاه كذبا وخداعا، إضافة لسب هذا المستفتي الله ورسوله (منسوبا ~~إلي)؟ # من غير المفهوم عندي وعند صاحب أي عقل سليم، كيف استجاب المفتي لاستفتاء لا يخص شخص ~~المستفتي وإنما يخص شخصا آخر؟ فالمعلوم أن الفتوى يطلبها المسلم عندما يستشكل عليه أمر ~~من الأمور التعبدية، عن الحلال والحرام ms337 ونسبة الزكاة المفروضة على نوع تجارته، وعن ~~كيفية علاج تقصيره في أداء شعيرة بعينها، وكيف يقضي واجباته تجاه ربه، لكن أبدا لا ~~نستطيع أن نفهم شخصا سمع عن جاره في الطرف الآخر من المدينة ما لا يعجبه، فقام يقدم ~~الحكاية للمفتي يطلب الفتوى بشأن هذا الجار البعيد، خاصة مم عدم وجود الطرف الثالث ~~(الجار) لا في شكل حديث موثق بالصورة لما ارتكبه من آثام ولا في تسجيل صوتي له وهو يجدف ~~مثلا ولا في شيء خطه بيده، فقط مجرد واحد يسأل الفتوى بشأن شخص آخر غير موجود ويحكي ~~عنه حواديت وشائعات. هل يجوز هنا للمفتي إصدار فتوى بشأن هذا الجار معتمدا على ~~المستفتي الذي لا ناقة له ولا جمل في الموضوع؟ # وفي حال ارتأى المفتي ضرورة التدخل فكان عليه الاستقصاء والتيقن، وهي مسألة ليست من ~~مهام المفتي وإدارته، وإنما هي من مهام القضاء والمباحث وهيئات التحري، وكان عليه في ~~هذه الحال رد بلاغ المستفتي (لأنه بلاغ في آخر وليس طلب فتوى فقط)، وذلك لعدم التخصص، ~~أو إحالة الأمر كله ببلاغ للقضاء ليستقصي ويفحص ويدقق ويتحرى وجود جريمة وفق التعريفات ~~القانونية للفعل الجرمي من عدمه. # وهكذا أخذ الدكتور جمعة دور المفتي ودور المباحث ودور القاضي دون محاكمة ولا أدلة ولا ~~وجود شخص المبلغ فيه، وأصدر حكما مزاجيا فاسدا لفقده الأصول الحقوقية والشرعية، وهو ~~تدخل سافر في شئون الناس وضمائرهم من المستفتي والمفتي علنيا وتشهيريا وتجريسيا ~~وتحريضيا. قد يكون من حق المسلم أن يستفتي فيما يخصه (رغم اعتراضي شخصيا على مسألة ~~الفتوى برمتها)، لكن ليس من حق أحد ولو كان المفتي نفسه أن يفتش في ضمائر الناس ويصدر ~~عليهم الأحكام، ليس من حق أحد أن يسأل المفتي أن فلانا قد كفر فهل نقتله بالرصاص أم ~~نذبحه ذبحا شرعيا أم نقطع أطرافه من خلاف، فهذا يعني الفوضى الكاملة وانهيار السلم ~~الاجتماعي مع إعطاء كل مواطن الحق في الاستفتاء بشأن أي مواطن يخالفه لاستصدار حكم ~~بشأنه كالذي نحن بصدده هنا. # وإعمالا لهذا أنا لا ms338 أسأل صاحب الفضيلة ولا أرجوه فهو بالنسبة لي ليس في موقع سلطة ~~حيث لا توجد بالدستور أي إشارة إلى سلطة كهذه، هو عندي موظف كأي موظف في القطاع الحكومي ~~العام ليس أكثر، لهذا لا أسأله ولا أرجوه، إنما أطالبه بصرامة لا تجامل توضيح موقفه ~~بعبارات محددة كاشفة لا تحتمل تفسيرين، فإذا كان قد أصدر فتواه وهو يعلم إلى من تشير، ~~خاصة مع صمته عن نشر صورتي مع صورته بالفتوى على «موقع المصريون» ورضي لي ولنفسه بهذا، ~~رضي لي بألفاظه وسخائمه وتكفيري وتجريمي، ورضي لنفسه أن يكون قاذفا شتاما يستخدم ~~نابي الكلام، فعليه أن يعلن عن كفري بشكل واضح مع الأدلة الدوامغ، لا أن يلقي أقوالا ~~فلوتة وغير مهذبة ولا منضبطة لا شرعا ولا قانونا ولا حتى إنسانيا، وليتفضل إن كان ~~عنده أي قول بشأني أن يناظرني فيه علنا وعلى ملأ في أي قناة يختارها، ولا عذر له في ~~عدم القبول بهذه الدعوة لأنه قد سبق وناظرني بمجلة القاهرة مستعينا بصديق من جماعة ~~الإخوان إزائي منفردا، ولعله يذكر أنه وزميله لم يخرجا مظفرين من هذه المساجلة (تم ~~نشره بالمجلة في حينه)، وإما أن يعتذر بداية إذا أراد إظهار الأمر بحسبانه خديعة تعرض ~~لها وأنه في فتواه كان مضحوكا عليه ومستثمرا من قبل الموقع القرضاوي، وسنقبل ذلك منه ~~على مضض وكراهة طلبا للسلام، لنفرغ لباقي أطراف زمرة التكفيريين، ويلزم بعد ذلك أن ~~يسحب فتواه البائسة ضدي، وأن يوجه مثلها بذات اللفظ القارص والكلام المرهب للمستفتي ~~المخادع والكاذب، والذي هو في هذه الحال من يهدد الأمن الاجتماعي بلسانه وبوثيقة لا ~~تقبل تمحلا بالكذب والخداع، مورطا هيئة بكاملها في الخطأ المشين ناهيك عن نيله من ~~وزارة الثقافة، مما يعرض وظيفة المفتي لما ينال من صدقيتها فيما تصدر من فتاوى تمس حياة ~~المسلمين، خاصة بعد كشف فضيلته الشهير والمدوي لمعجزة بول الرسول وبصاقه ونخامته وما ~~تحتويه من فاكسينات شافيات، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا دون تلك المزايدات، وهو ~~ما أدى إلى صدمة للشباب المسلم ms339 في دار الإفتاء وفي صاحب الفضيلة (يعني الدار مش ناقصة ~~مغامرات جديدة يا صاحب الفضيلة). # ومنذ متى أصبح دور دار الإفتاء هو تكفير الناس حتى ولو مع بينة وبرهان؟ إن تكفير مسلم ~~يعني إصدار قرار بإدخاله جهنم. (ويجب استتابته ليعلن الشهادة ولو خوفا وهلعا، ~~فيدخلونه الجنة علنا بالزواجير، رغما عنه، لكنهم يضمرون له جهنم سرا! بحسبانه ~~منافقا لإيمانه تحت وطأة التهديد، فلماذا كل هذا العنت وكل تلك المشقة؟ لماذا لا ~~يتركونه وقودا لجهنم وسعادة لهم بالتشفي به لتهدأ أرواحهم وتطمئن بالعذاب الأبدي لمن ~~يخالفهم بنيران حوارق وسلاسل وزقوم، أو ربما كان صواب السؤال هو لماذا كل هذا الشعور ~~بالعار؟) # ومنذ متى يأخذ إنسان أيا كان حجمه ومنصبه دور الله فيطلع على الأفئدة ويشق عن ~~القلوب، ويطلع على ما يريد الرب ليدخل الناس الجنة والنار نيابة عنه وبدون تفويض رسمي ~~واضح من الرب بذلك؟ أم ترانا في أواخر الأيام وأن علامات اليوم الأخير قد اقتربت وظهر ~~المسيخ الدجال بجنته وناره وعاره وعواره؟ وأين كان رأي فضيلة المفتي هذا عندما سأله ~~صحفي أمريكي أثناء زيارته لبلاد الفرنجة وأهل الطاغوت: عن حق المسلم في ترك الإسلام إلى ~~دين آخر، فأكد فضيلته بحزم جازم وجزم حازم ووجه صارم أن حق الإنسان في اختيار دينه أو ~~تركه مضمون في الإسلام، بقرار إلهي جاء بالقرآن الكريم، هو من شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر! وهو ما يتناقض بالكلية مع موقفه معي، أم أن مولانا عندما كان في أمريكانيا ~~كان يعمل بمبدأ (دارهم ما دمت في دارهم)! وذلك من باب الكذب الشرعي والتقية الرعديدة! ~~في حين ناقض هنا قوله ذاك بموقفه مني وبفتواه التي تعني أن مصر وكل المصريين عنده هم ~~أقل من أن يستحقوا الحقوق التي حصل عليها بنو آدم في بلاد الإفرنج الطاغوتية. # لا شك سيلحظ أي عقل متواضع أن فتوى مولانا هنا مقارنة بفتواه هناك، تضمر الخوف والهلع ~~من أهل الطاغوت - وهو ما لا يليق برجل ينتصر بالله فيضطر للتصريح بما لا يعتقد وبعكس ما ms340 ~~يؤمن، كما تضمر ازدراء خفيا لمصر كلها فشعبها لا يستحق ما حصل عليه البشر في بلاد ~~غير المسلمين - وعافى الله أخاه ابن عاكف وشفاه من ضلاله الوطني، منذ طزز فينا جميعا ~~شعبا ووطنا وتاريخا وأمة، فإن كان رخص الأساليب يليق بالساسة مثل ابن عاكف دون مآخذ ~~لما في السياسة من دنس دنيوي، فإن بعض القليل منة كفيل بسقوط أي رجل دين محترف عن ~~كرسيه، هذا مع التذكير أننا لم نسمع حتى تاريخه أي فتوى تكفير للدمويين القتلة الذين ~~دمروا سمعتنا في العالمين بينما يد العبد الفقير أطهر من كل أياديهم مجتمعة إرهابيين ~~ودعاة فضائيات وإخوانا وجماعات إسلامية ودعاة رسميين وغير رسميين، وهنا شرف الرجل أو ~~عاره مهما ادعى من تقوى. ~~••• # وإعمالا لما سلف: إما أن يتفضل فضيلة المفتي ليشير في كتبي إلى النصوص التي كفرني ~~بموجبها ليصر بما فيها على كفري (وأنا على يقين أن كتائب الإسلام السياسي والأصولي ~~والإرهابي من المذاهب كافة ستمد له يد العون المطلوبة)؛ لذلك لن أقبل منه نصوصا غير ~~الواردة عنده وعند المستفتي بنص الفتوى المذكورة أعلاه، ولأن هذه النصوص كانت هي مناط ~~السؤال والفتوى، ولأن القاعدة القانونية تقول إن الإنسان لا يحاكم على التوصيف الجرمي ~~ذاته مرتين، وإما أن يعتذر لي علنا بذات الزخم والضجيج الإعلامي المسعور ليقر العدل ~~ويدين المجرم ويبرئ البريء، وإما أن ينساق المفتي وراء فهم يعنيه ويشغله سلفا يقف ~~وراء تأويل لكلامي يترصدني به ليدينني، وبهذا المعنى يكون قد سقط عن كرسي الإفتاء ~~لإسقاطه شروط بقائه فيه وهو العدل والنزاهة وعدم تدخل المشاعر عند إصدار الأحكام، ~~وبراءة المواطن التامة حتى تثبت إدانته، مع انصراف المفتي عمدا عن تسعة وتسعين وجها ~~مبرئا ولجوئه إلى وجه التكفير الأوحد، دونما بيان وبرهان يدعم فتوى مرعبة كهذه وبلا ~~شرعية لعدم أخذها بشروط هذه الشرعية، وإن كان لديه شيء يقوله (أكرر) فليتفضل ليناظرني ~~فيه أمام الناس، وأنا له ند كفوء شديد المراس، وأعده بمتعة عقلية مشفوعة بكل الاحترام. ~~ومن ثم فعليه بقول أوضح: إما أن ms341 يعتدل كما أمره ربه، وإما بيننا وبينه محاكم الأرضين ~~هنا وفي البلاد الحرة في العالمين، حيث لا تضيع عندهم الحقوق لعدم وجود مفتين وأزاهرة ~~في بلادهم، ويعملون بقانون العدل وحده، الذي يسري على كل الناس بمن فيهم رؤساء جمهوريات ~~وليس مجرد مفت هنا أو أزهري هناك؛ أي أني عند الاضطرار سأقاضيكم أمام الطاغوت الأعظم ~~الذي لا تضيع عنده الحقوق يا عبد الله. # هذا إضافة إلى كوننا لم نسأل يوما فضيلة المفتي عن موقع منصبه من دين المسلمين، وعن ~~ورود شيء، في الكتاب أو السنة بخصوص هذا المنصب، وهل تلك الوظيفة المدفوعة بالأجر السخي ~~والوفير والمكان الاجتماعي الرفيع، جعلته يظن بنفسه الظنون فيرى لذاته سلطان من له ~~علاقة مباشرة بعلام الغيوب وما تخفي السرائر، وهي الأجور والمناصب والبغددة التي ~~ندفعها نحن له ضرائب من جيوبنا وقوت أولادنا، دونما نص قرآني أو حتى نبوي واضح يفرضها ~~علينا لندفعها لمولانا ليعيش البلهنية والرفاه الخمس نجوم ونعيش نحن الفقر العشر نجوم، ~~ثم يأتي ليجأر لوعة وأسى مطالبا وزارة الثقافة باستعادة قيمة الجائزة، مستكثرا ~~قيمتها المالية (200 ألف جنيه مصري) على مثلي ممن هم خارج السلطة وخارج نظام الدولة ~~الوظيفي برمته، وهي ربما لا ترقى لمصروف أسبوع واحد وربما يوم واحد تصرفه عليه الدولة ~~من أموال فقرائها ومعدميها، الذين يبكيهم هو والمستفتي بكاء ثرا ويقيمون مندبة ~~جنائزية على الأموال المسلوبة من عرق فقراء مصر لمصلحة جائزتي، هذا مع غضنا الطرف ~~تماما عن نصيبه من هدايا بشواتي وملوكي، ما كان ليعرف شكلها ولا وظيفتها لولا ~~وظيفته. # يا صاحب الفضيلة، يا كبير، يا مسلم! رغم علمنا أنه لا مشيخة ولا أكليروس ولا أصحاب ~~فضيلة سادة في الإسلام، فقد فرضك نظامنا مرجعية وظيفية؛ لذلك رجعنا عليك بفتواك وفق ~~النظام والأصول كخطوة أولى إجرائية، وليس لأنك صاحب منصب ديني ليس من ديننا، ولا لأنك ~~صاحب سلطان؛ فهو ما لا نعترف به بداية وبداهة، فلست عندي يا دكتور جمعة سوى فرد من آحاد ~~الناس يجوز عليك ما يجوز عليهم. فإن ms342 استثمرت ضدي ما تتوهمه سلطانا علينا فلن يكون ~~لسلطتك عندي أي اعتبار عند الاحتياج إلى النزال قولا أو فعلا. # نريد من المفتي علي جمعة قولا واضحا غير ملتبس وإجابات واضحات عما طلبناه هنا، ~~وبعدها، وعلى ما سيقول حضرة المفتي أو ما لا يقول، سيترتب موقفنا، إما أن نصمت عنه في ~~هدوء وسلام، وإما أن نسخط كما نشاء دون أن نلام، وأن ما سيقول وما سيترتب عليه أيا ~~كانت النتائج، وإلى أي مدى يمكن أن تصل محليا أو دوليا، هو حتى اللحظة الراهنة ~~مفتوح وقابل لكل الاحتمالات؛ وإنا لمنتظرون قوله بالسرعة ذاتها التي تطوع بها لموقع ~~«المصريون» القرضاوي، وما أبأس الأسماء الجميلة في المواقع الرخيصة ذات الفتاوى ~~القبيحة. ~~(1) آلية الفتوى وتفكيك الخطاب # مع السؤال المستفتي والإجابة (الفتوى) نطبق جدل التفكيك والتحليل بحثا عن ~~التكنيك المتضمن فيهما والأهداف المطلوبة والتأثير الجانبي في العقول وهو المخفي ~~وراء الكلمات الظاهرة، والملاحظة الأولى أن المستفتي والمفتي لم يأتيا على ذكر اسم ~~الشخص المراد تكفيره، ربما حتى يمكن التنصل مستقبلا من التبعات القانونية؛ فهي لا ~~تتهم شخصا بذاته وبعينه، إنما جاءت في شكل فروض افترضها الطرفان وتصورات تصوراها ~~حسب التوصيف القانوني للواقعة. وأنه لون من الاستفتاءات والفتاوى التي كان يمارسها ~~الفقهاء وقت الفراغ للتسلية كلون من الألغاز والأحاجي اختبارا لإمكانات الفقيه ~~واستعراضا ولعبا معرفيا، وتجد مثل ذلك كثيرا في الفتاوى المشهورة كالفتاوى ~~البجاوية والفتاوى البزازية وغيرها، ستجد حوارا حول كم ملاك يمكنه أن يقف على رأس ~~الدبوس؟ حوارا آخر حول حكم من كان لقضيبه فرعان، فأولج في قبل وفي دبر في آن، هل ~~يغتسل غسلا واحدا أم غسلين؟ لكن إذا كانت لعبة الألغاز والأحاجي تجوز مع عوام ~~المفتين المحليين والقرويين؛ فإنها لا تجوز مع مفتي الديار، فتاوى مفتي الديار لا ~~بد أن تتصدى لمشاكل عامة تتعلق بمصالح المسلمين ودينهم وديارهم، ولا تتعلق بمسألة ~~شخصية أي بشخص بعينه؛ لذلك عمد السؤال والفتوى إلى جعلها تظهر كذلك اللون من ~~التمارين المتخيلة لهوا فقهيا، والتي تتسم بعمومية القضية وعدم ms343 تشخيصها، وهو ~~الأمر الذي لم يعد صالحا في زمننا؛ لأن هناك لهوا آخر بأدوات حديثة وأجهزة فائقة ~~التكنيك وخيالا هوليوديا لم يصل إليه بعد مشايخنا بلهوهم المخفي. # إن السائل معلوم لدى الناس كناشط إسلامي سياسي سلفي معروف هو الأستاذ جمال سلطان ~~وموقعه «المصريون»، ومعروف أنه معارض إسلامي شديد التطرف، ويكتب وينشر كصحفي مشتغل ~~بالشأن الإسلامي السياسي، ويسعى لإقامة دولة الخلافة الإسلامية التمامية، فكيف به ~~وهذا شأنه، مع قدرته الاحترافية واطلاعه على تفاصيل دينه؛ يسأل سؤالا كهذا؟ وهل لا ~~يعلم الرجل المحترف حكم الشرع الذي طبه في سؤاله؟ هل كان عاجزا عن إبداء الرأي في ~~مسألة واضحة كشمس ظهيرة صيف؟ أم تراه أراد من سؤاله أن يسلك السلوك النموذجي ~~المطلوب من المسلم الصالح الطيب. وأن يقدم القدوة والمثل للمسلم المسلوب العقل ~~العاجز عن التفكير الذي لا يقدم على شأن مهما صغر شأنه إلا بعد أن يرجع لمشايخه، ~~فهل أراد الأستاذ سلطان أن يقدم صورة النموذج المطلوب للمسلم، فذهب ليسأل مفتي ~~الجمهورية بكل شأنه وشنشانه في شأن بدهي لا يحتاج إعمالا لعقل أو تفكير ولا يجهل ~~به حتى المسلم الأمي؟! إن العقل البسيط يقول إن التهجم على مواطن عادي بالقذف والسب ~~هو أمر يعاقب عليه القانون الوضعي والأخلاقي والعرفي والديني، فكيف بمن سب النبي ~~والله والدين؟! إن من لا يمكنه إدراك الإجابة هو شخص يقدم نفسه كإنسان فاقد للإدراك ~~والأهلية وأبسط مبادئ، التعقل، سؤاله فضيحة لنموذج المسلم المثالي المطلوب، لكن ~~الأستاذ النموذج لا يرى ذلك لأنه مشغول بتكريس قيمة الطاعة العمياء وإسكات العقل. ~~فيقدم نفسه للمسلمين نموذجا ومثلا للمسلم المطلوب، الجاهل الأمي بأبسط المعارف، ~~الذي يطلب من شيخه الكبير أن يتولى تعريفه بحكم الشرع فيمن سب النبي والله والدين، ~~كما لو أن علماء السلف جميعا لم يعرفوا بهذه المسألة، ومكثوا طوال تلك القرون حتى ~~يظهر الشيخ جمال سلطان ليلفت نظر المسلمين إلى هذه المسألة المستعصية ويستفتي أهل ~~العلم عما يجهله! إن السائل يريد من تفاهة سؤاله أن يعلن على المسلمين أنهم ممنوعون ms344 ~~من إصدار أحكام من أنفسهم حتى في التوافه، وأنهم ممنوعون من إعمال العقل مهما بلغت ~~مكانتهم، المتخصص في الشأن الإسلامي والمتبحر فيه، يسأل في التوافه الهينات نموذجا ~~للعامة المسلمة لإعدام الشخصية وإيقاف عمل العقل. # لقد أراد السائل أن يجعل نفسه قدوة للمسلمين في جمود العقل وشلل ملكة التفكير، ~~وأن عليهم أن يحذوا حذوه ليستفتوا في البسائط والهيئات التوافه، لتعويد العقل ~~المسلم عدم العمل أو اتخاذ أي قرار دون الرجوع للزعامات الدينية التي ستفكر له ~~لأنها هي التي تعلم وحدها العلم الرباني وما عرفه الأسلاف الصالحون منذ أكثر من ألف ~~عام مضت، ألا ترون المفتي ذاته يضرب نفسه بنفسه مثلا في الاتباع فلا يجيب السائل ~~بجديد إنما بما سبق وأجمع عليه علماء الأمة؟ # إن لجوء المستفتي بسؤاله إلى كبير دار الإفتاء في تفاهة كتلك هي مهزلة، والإجابة ~~عنه هي أم المهازل، تفاهة لو سألت فيها طفلا لأجاب بدلا من المفتي، هو كمن يرسل ~~لأحمد زويل يسأله عن حاصل جمع 5 + 5، سيكون سائلا أهطل، ويستهزئ بقيمة زويل ويراه ~~أهلا للصغائر ليجره من يده إلى منحدر التفاهة والسخافة، وكله في سبيل استصدار ~~فرمان بحكم مقرر سلفا، مع إهدار كل قيم العدالة دفعة واحدة؛ مما يساعد على مزيد من ~~سقوط هيبة دار تحكم بالهوى والكيف والمزاج. # يبدو منطلق السائل هو الغيرة على الدين ورغبة في معرفة ما يجهله بشأن معتد على ~~هذا الدين، فذهب لزميل له أكفأ منه يسأله: هذا رغم المفترض في الغيور على الدين أن ~~يتعالى على التوافه والصغار، وأن يكون هذا التعالي صفة دار الإفتاء بالأولى بحسبان ~~هذا الترفع يجعلها تجسد أبسط قيمة في أي دين (الارتفاع فوق الثارات الشخصية ~~والتوافه الهينات). # فإذا كانت المسألة المعقدة التي عرضها السؤال تفترض عدم وجود الإجابة عنها في ~~فقهنا، فهذا اتهام رخيص لفقهنا بتقصيره في تعريف المسلمين بحكم من سب الله والرسول ~~والدين، رغم أن السؤال يبدو للجميع كمن يسأل المفتي عن الجهة التي تشرق منها ~~الشمس. # وفي واقعة السؤال هناك حادثة قد وقعت، ms345 وجائزة قد منحت، وشخص قد نالها، وهو ما ~~جاءت الفتوى به كامل العناصر عدا اسم هذا الشخص الذي هو الموضوع الرئيس، شيء أشبه ~~بلعب الأطفال، ويذكرنا بمن سأل فقيها أين تكون قبلتنا عندما نصعد إلى القمر؟ ~~ناسيا أن المتخلفين لا يصعدون إنما يهبطون. إن التسلي بالفروض المستحيلة في ألعاب ~~فقهية جائز لتمضية وقت الفراغ في سمر شرعي فيتخيل أحد المشايخ قضية افتراضية صعبة، ~~ثم يأتي الشيخ الثاني فيتخيل حلا لهذه القضية، لكنها أبدا لا تجوز إذا أصاب هذا ~~اللهو أبرياء من الناس أو أصاب البلاد بالضرر. وهو ما أزعم أنه المقصد الأساسي ~~للسائل والمجيب معا، يقصدان إصابة أبرياء بالضرر ولو مع تهديد السلم الوطني بالفتن، ~~وهو ما سنقدم الأدلة عليه في شكل تساؤلات. ~~••• # هل المسألة موضوع الفتوى هي المسألة الوحيدة في ديننا التي غمض على السائل فهمها ~~حتى يقيم بسببها الدنيا ولا يقعدها على مدى ثلاثة أشهر متتالية، ملزما نفسه ومفتيه ~~بتوضيح هذا الشأن العظيم لأمة المسلمين بزفة غطت الأرضين السبع؟ وهل اطمأن السائل ~~والمسئول إلى أن كل أركان الإسلام معروفة ومستوفاة ومطبقة حتى يذهبا إلى هذه ~~الصغيرة يقيما منها هولا عظيما، بمشاركة غير حميدة من مشايخ الفضائيات وخطباء ~~المساجد بطول مصر وعرضها، ناهيك عن المشاركات الخارجية من الأخوية العربية الداعمة ~~من الخليج للمحيط ومن الأخوة الإسلامية من أمريكا إلى الصين في هذه الزفة ~~الكارثة. # إن من يقيمون كل هذا الصخب بهذا الشأن الهين لا شك أنهم قد استوفوا كل شروط ~~الدين الأهم والأجدى، وأنه قد تم تطبيق كل أركان الإسلام ولم يبق سوى استعادة مال ~~الجائزة لخزانة أموال المسلمين من سيد القمني؟ وقد أكد السائل والمسئول أن المال ~~المأخوذ للجائزة هو مال المسلمين؛ وهو ما يعني أنهم يعتبرون الأموال العامة في مصر ~~هي أموال المسلمين وحدهم؛ وهو ما يعني أن تكون وزارة المالية هي بيت مال المسلمين ~~المنهوب لمصلحة الجائزة، وما دام المفتي وهو رأس كبير في جهاز الحكم، ورأس أكبر في ~~المؤسسة الدينية، ويعتبر أن مال الدولة هو ms346 مال بيت المسلمين، فهل تراه قد أدى ~~الزكاة لهذا البيت كركن إسلامي لا يصح إسلام المسلم دونه، ودونه الردة والقتل ~~والقتال وأسر الرجال وسبي الذرية واستنكاح النساء وسمل العيون والذبح صبرا ~~والتنكيس في الآبار؟ فإن كان قد دفع زكاته فعليه أن يبرز لنا إيصال الإيداع الذي ~~يفيد باستلام بيت مال المسلمين لزكاته الشخصية، ليثبت لنا أن غيرته على الإسلام ~~حقيقية وليست غيرة تجارية ونفعية وسلطوية، ولنطمئن إلى صحيح إسلامه وسلامة يقينه، ~~وحتى يكون له المبرر في طلب رد قيمة الجائزة لبيت مال المسلمين، هذا مع التساؤل: ~~كيف يتحدث مولانا عن بيت مال المسلمين ولا يرى فداحة الجرم الشرعي الفظيع ممثلا في ~~ذمي خازنا لبيت مال المسلمين، صاما أذنيه عن الخليفة عمر عندما عين أحد الولاة ~~ذميا ليجري له الحسابات لأنه شخص أمين، صرخ عمر: ثكلتك أمك، والله لا أدنيهم إذ ~~أبعدهم الله ولا أرفعهم إذ أذلهم الله، فكيف بمولانا يسكت عن هذه الفظائع مع تعطيل ~~الركن الركين في أركان الإسلام. ثم يزأر هصورا من أجل جائزة لمفكر؟ هكذا ترون ~~الشأن كله لونا من المسخرة المقرفة والمقززة، فكيف بإمامنا الأعظم الذي يفتي للأمة ~~وقد أسقط أهم وأكبر أركان إيمانه؟ هل يحق له أن يفتش في إيمان الآخرين، بل ويجرؤ ~~على نفيهم من حظيرة الإيمان؟! هل لدى القارئ تعريف آخر غير المسخرة بكل تفاصيل ~~معانيها؟ # أما الأخطر فهو أن صاحب الفضيلة قد سكت حتى الآن ولم يطلب يوما منذ تم تنصيبه ~~تقنينا واضحا لأداء الزكاة، هذا الركن الإسلامي العظيم، وذلك بالفرض والإكراه ~~اقتداء بسيدهم أبي بكر (أنا لا سيد لي سوى الله وحده)، فإن كان السائل والمسئول ~~يعلمان أن دولتنا دولة مدنية فلهما إسقاط هذه المطالب ونحن معهما، ويجوز حينئذ أن ~~يتولى أي مواطن أرفع المناصب ما دام أهلا لها، أما عندما يعتبران مال هذه الدولة ~~للمسلمين فقط فلا تصبح الدولة هنا دولة مدنية، وتصبح وزارة المالية هي بيت مال ~~المسلمين، ففي هذه الحال لا بد من تفعيل القواعد البكرية بشن القتال ms347 على مانعي ~~الزكاة والذبح والحرق، على الأقل لإعادة الحقوق المسلوبة من المسلمين للمسلمين، بعد ~~أن توقف نكاح السبايا والإماء واستعباد الذرية، واختفى من بلادنا سوق العبيد ~~بقوانين أممية عالمية صادرة عن هيئة كفرية، وهو الحلال الذي حرموا منه بقوانين ليست ~~من ديننا ولا من شرعنا، وبذلك نراهما قد أسقطا ركنا إسلاميا دونه الكفر، وحرموا ~~المسلمين حقوقا أفاءها الله عليهم حلالا أحل من لبن الأم، وتركوا بيت مال ~~المسلمين بيد خازن ذمي، أم أن مال الدولة المدنية يصبح بيت مال المسلمين فقط عندما ~~يأخذ منه سيد القمني جائزة على أبحاث علمية تصيب وتخطئ وليست محل كفر أو إيمان؟ ~~أبحاث معيارها الصح والخطأ وليس الحلال والحرام، ولا دخل لأبحاثه بالدين في حد ~~ذاته. # ما أفهمه كباحث يعيش في دولة حديثة مدنية أن الجائزة هي من مال وطني قومي، يتم ~~الصرف منه لمصالح المواطنين مسلمين أو مسيحيين أو بهائيين من أي لون أو ملة، وأنه ~~ليس مالا خاصا بالمسلمين وحدهم. بينما يصر السائل والمسئول على كونه مال ~~المسلمين، وهما يعلمان ما يرتبط على هذا الفهم من موجبات شرعية وهو ما يشككنا فيهما ~~وفي صدق إيمانهما، حتى نكاد نرى إسلام البعض منهم إسلام جاه ووجاهة اجتماعية ومناصب ~~رفيعة وكراس عالية منفوخة، ألا ترون فضيلة المفتي يفضل كرسيه ووظيفته على إقامة ~~حدود الله كتحصيل الزكاة، مع عدم إعلانه الحرب على الممتنعين عن أداء حقوق الله ~~بحسبانها ردة جماعية وليست فكرة لباحث! وهو الأوضح والعلني والمسكوت عنه، هو الأشنع ~~على المذاهب كلها باتفاق، وعن جواره يجلس الخازن الذمي وزيرا مبجلا موقرا من ~~المسلمين؛ ومن ثم عليهم بعد عزل الذمي عن بيت مالنا، إعادة زماننا الذهبي بجواريه ~~وعبيده، بشن الحرب على مانعي الزكاة حتى يمكن سبيهم واستعبادهم، وتطبيق شرع الله ~~بالعقوبات البدنية كالقطع والسمل والذبح صبرا، إن مفتي الديار يجلس ساكتا في ديار ~~لا تطبق الدين، لكنه ينفر نفرة لله وللأمة ضد شخص واحد لا يعرف اسمه ولا ما كتبه، ~~إذن هو يريد الوظيفة وليس الله ولا ms348 الدين، ثم يجرؤ على تكفير رجل من خيار ~~المسلمين؟ # يا عينك يا مولانا! # يا جبايرك يا مفتي الديار! # كان جديرا بالسائل والمسئول اللذين يبكيان مال المسلمين، أن يقيما مندبة على ~~الصدقات والتبرعات والزكاة التي يدفعها الصالحون سرا وطوعا وحبا في أداء حقوق ~~الله، فلا نعلم كيف تذهب لتفخيخ السيارات وقتل الأبرياء وتشويه سمعة الإسلام ~~وتجريسنا عالميا بمخاز ضد الإنسانية، لا أن يبكيا جائزة لباحث لتفوقه العلمي ~~الذي يسهم به لنهضة وطنه وأهله في هذا الوطن. # إنهم يشترون للإسلام بمال المسلمين مذمة الإرهاب بمليارات تصرف للتخطيط والتدريب ~~وشراء الأسلحة والخبراء والتخفي والانتقال عبر البلدان وشراء سيارات التفخيخ وإعالة ~~أسر الانتحاريين ... إلخ. إن جائزتي كانت من مال ضرائب مختلف شرائح الشعب المصري ~~مسلمين ومسيحيين وبهائيين وقاديانيين وشيعة وسنة ولا دينيين، من المال الطاهر الذي ~~لا يزكي نفسه بتزيين الطريق إلى الله بدماء الأبرياء، إنما يجمع ضرائب تصرف لمصلحة ~~الوطن والمواطنين. # إن معركتهم من أجل بيت مال المسلمين تذكرنا بأحداث تسوءنا، فبينما سيد القمني ~~لم يسرق من هذا البيت حتى يهبوا له هذه الهبة المضرية، فإن هذا البيت قد تقاتل ~~عليه الصحابة رضي الله عنهم، فلم يكتبوا كلاما لا يرضي ذوق مولانا، إنما قتلوا ~~خليفتهم سيدهم عثمان رضي الله عنه، وكان على رأس المتآمرين والقتلة سيدهم محمد بن ~~أبي بكر رضي الله عنه، لعدم عدله رضي الله عن في توزيع الغنائم والفيوء، ومن أجل ~~هذا البيت والسلطان أمر سيدهم معاوية رضي الله عنه بقتل الحسن الحفيد النبوي عليه ~~السلام بالسم، كما أمر أيضا بقتل سيدهم محمد بن أبي بكر رضي الله عنه ثم حرقوه في ~~جوف حمار ميت، كذلك قام سيدهم يزيد بن معاوية رضي الله عنه بقتل الحفيد النبوي ~~الثاني الحسين عليه السلام والقضاء على البذرة النبوية المطهرة، وقبلهم حاربت ~~السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ثم ~~فتنة سيدهم ابن الزبير رضي الله عنه وحرق الكعبة المشرفة، ووقعة الحرة المخزية التي ~~حبلت فيها ms349 ألف عذراء من بنات الصحابة رضي الله عنهم بقرار وفعل صحابة آخرين رضي ~~الله عنهم أجمعين، وكل هذه الويلات كما نعرف جميعا في صحاح تواريخنا كانت من أجل ~~السلطة ومال بيت المال المنهوب من السادة الكبار، ولا يصح هنا القول إن أيامهم كان ~~كل منهم يحارب الآخر في سبيل الله؛ لأنه ما يعني أن الطرف الآخر كافر، بينما كلاهما ~~(القاتل والمقتول) صحابة كرام رضي الله عنهم أجمعين. # زمن الخليفة عمر رضي الله عنه تمت سرقة بيت المال من الخزان أنفسهم وكلهم ~~صحابة رضي الله عنهم، ومن ثبت عليه ذلك كان الخليفة عمر رضي الله عنه يعاقبه ~~بمصادرة نصف ما أخذ (يشاطره إياه)، وممن شاطرهم الخليفة: سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأبو هريرة رضي الله عنه والحارث بن كعب رضي ~~الله عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه، متهما إياهم بأنهم «يجمعون العار ويأكلون ~~الحرام ويورثون النار» بسرقتهم مال الله، يقول أبو هريرة: «ولما عزلني عمر عن ~~البحرين قال لي: يا عدو الله وعدو كتابه سرقت مال الله.» # فالمفتي والمستفتي لا يريان هذه العظائم، بل يأمراننا بتقديس كل من رأى الرسول ~~ولو لحظة لأنه صحابي ولذلك هم أسيادنا! ويقفون مع جائزة العبد الفقير إلى الله ~~منادين بالويل والثبور وعظائم الأمور، أم تراهما يخوضان كل هذه المعركة اقتداء ~~بالخليفة عمر رضي الله عنه ليتمكنا من مشاطرتي الجائزة وأخذ نصفها مني؟ سيكون هذا ~~جائزا لو كنت سارقا، لكني للأسف لم أسرق فلا تجوز لهما المشاطرة حسب قوانين ~~شرعنا، فعلى مستوى الشريعة الإسلامية لا يجوز لهما مجرد طلب رد قيمة الجائزة ولو ~~كانت من بيت مال المسلمين. # إن خزان بيت المسلمين الكرام هم من سرقوه، وضبطوا متلبسين وقبلوا غرم المشاطرة ~~والعزل اعترافا عمليا منهم بارتكاب الجرم، وأنا سادتي لم أسرق أحدا، ولو كان زمن ~~الخليفة عمر توجد معرفة بضرورة تشكيل اللجان الفاحصة لأعمال الولاة، مثل اللجنة ~~التي فحصت أعمالي، لما تمكن الخازن من السرقة؛ لذلك فأي ms350 سرقة وفساد في أيامنا هو ~~أقل مما كان يحدث في زمننا الذهبي الماضي بما لا يقارن، لوجود آليات المراقبة ~~والمحاسبة، ناهيك عن الفضح الإعلامي بكل صنوفه، وإذا ما أراد السائل والمسئول ~~استرداد جائزتي فلنسمع منهم فتوى أولى تأسيسية بشأن الخزنة التاريخيين لبيت مال ~~المسلمين، وحكمهم بشأن الدم المسفوك طوال تاريخنا الأسود اقتتالا على حيازة بيت ~~مال المسلمين، حتى نصدق تحريهم للعدل أساس الدين والملك. ~~••• # لا شك أن المفتي الدكتور علي جمعة بكل ما لديه من علم بالدين كمرجعية عليا في ~~شئون هذا الدين، يعلم ما نعلمه من بسائط هذا الدين، فنحن نعلم أن نظام القضاء ~~الإسلامي يقوم على ركن أساسي تفسد بدونه أي قضية ويمتنع مع عدم وجوده إصدار أي ~~أحكام، وهذا الركن الركين هو نظام الشهود، حتى أنه وضع لهذا النظام شروطا واضحة لم ~~تترك شاردة ولا واردة سواء في صفات الشهود أو علمهم أو عددهم أو سلامة حواسهم وذلك ~~لضمان تحقيق العدالة. فالشهادة هي الركن الركين في تشريعنا، صيام مليار مسلم مرهون ~~بشهادة اثنين من المسلمين، إن الله بجلال علمه الكلي يعمل في حساب يوم البعث بنظام ~~الشهود لتأكيد هذا الركن العظيم في القضاء الإسلامي، يوم الحساب لو راودتك نفسك ~~الكذب تشهد عليك أعضاء جسدك، الشكوى لو كانت في دوار العمدة في ريفنا الصعيدي وليس ~~في دار الإفتاء بجلال قدرها، لطلب العمدة الشهود والأدلة. # وفي الموضوع الذي نظره المفتي يوجد عدد كبير من الشهود هم أعضاء اللجنة الفاحصة ~~بوزارة الثقافة من خيرة أبناء الأمة المصرية، والتي صوتت لمصلحة منحي الجائزة، ~~وأقرت استحقاق صاحبها للتقدير من جانب الدولة كباحث علمي حر لا منتم، فهل استمع ~~صاحب الفضيلة إلى هؤلاء الشهود وناقشهم احتراما منه لشروط الشريعة الإسلامية؟ كلا، ~~لم يفعل! فهل طلب المفتي الكتب موضوع التكفير ليطلع على ما فيها من وثائق قبل أن ~~يصدر حكمه؟ كلا، لم يفعل! هل سبق أن عرف مجتمع أحكاما تصدر بدون جسم جريمة وبدون ~~أدلة وبدون شهود، كلا لم يحدث! أحكاما تؤدي إلى الفتن ms351 المجتمعية وتهدد السلم ~~الوطني، ناهيك عن تدميرها لسمعة مسلم حسن الإسلام ، والتعرض له ولأهله بالأذى ~~والقسوة من المجتمع، في محاكمة تقوم فقط على الثقة المتبادلة بين الشاكي وبين ~~القاضي؟ كلا لم يفعل مجتمع إنساني هذا. كلا لم يعهد تاريخ الإنسانية كله بحث مصائر ~~الناس بالفتاوى، حتى الشعوب البدائية كانت تصدر قراراتها بشكل جماعي بمجلس النخبة ~~أو القبيلة أو الصفوة، بعد بحث الموضوع من جوانبه كافة وسماع جميع وجهات النظر، حتى ~~زمن الجاهلية كان لديهم الملأ ودار الندوة، إن دار الإفتاء بريادة علي جمعة عادت ~~بنا إلى ما قبل الزمن الجاهلي بأزمان. إن الإنسانية لم تعهد الفرمانات الصارمة ~~المدمرة إلا مع شخصيات تأخذ في تاريخ البشرية أسوأ المواقع لما أدت إليه من ويلات ~~وحروب وكوارث من هولاكو إلى هتلر إلى صدام حسين، إلى مولانا! # أم أن صاحب الفضيلة لم يطلب الاستماع إلى الشهود لاحتسابه أن الستين عضوا ~~باللجنة المانحة لا تتوافر فيهم شروط الشهود العدول؟ ولا يفوتنا هنا تشكيكه في ~~معرفة اللجنة بما في كتبي بقوله: «إن كانت تعلم»! وهو ما يعني أنها في ضميره ~~واعتقاده قد لا تعلم ومع ذلك تعطي جوائز، يعني أنها لجنة فاصوليا، يعني اللجنة عند ~~مولانا شيليني وأشيلك (وعدم الرجوع لشهادتهم اتهام ضمني)، وهو منزلق خطر، خاصة إذا ~~ما اطلع فضيلته على أسماء أعضاء تلك اللجنة وقاماتهم قبل أن يتهمهم لربما تريث في ~~فتواه. # إن ما فعله المفتي لم يسبقه إليه آخر في تاريخنا، فقد قدم رأيه دون أي براهين ~~واعتبره محجوجا وأعلى في أداء القدرة والقوة من أي رأي آخر، حتى لو كان رأي ستين ~~عالما متخصصا، أصدر قراره فرمانا لم يحقق ولم يدرس ولم يستمع إلى الشهود ولم ~~يعتمد على نصوص موثقة وبدون أدلة، المفتي سمع، فقال. استمع للادعاء ولم يستمع ~~للمتهم ولا للشهود ولا طلب جسم الجريمة وبدون أي دليل أو قرينة، هادما كل أركان ~~القضية بفرمان عثمانلي. # يقول المفتي في فتواه: «واللجنة التي اختارت له الجائزة إن كانت تعلم بما قاله من ms352 ~~المنشور في كتبه الشائعة فهي ضامن لقيمة الجائزة التي أخذت من أموال المسلمين.» ~~المفتي هنا متشكك في علم اللجنة المانحة بالتهمة موضوع الفتوى، ولم يبين المفتي ~~موقفه من هذه النقطة هل هو مماثل لموقف اللجنة؛ أي موقف ظني متشكك في دوره لا عالم ~~ولا عارف إن كانت هناك تهمة من عدمه؟ إن صياغة صاحب الفضيلة للعبارة نعني أنه هو ~~واللجنة التي يتهمها سواء بسواء في اللاعلم واللامعرفة، ورغم عدم العلم الذي يفترضه ~~في اللجنة فقد أصدرت قرارها وهي لا تعرف، إذن هي تجامل، وبناء على عدم معرفة اللجنة ~~وإصدارها القرار مجاملة؛ فإنه يمكن للمفتي أن يقدم على إصدار قرار يجرم دون أن يشغل ~~نفسة بمعرفة المسألة، هي تجامل، وهو يجرم، واحدة بواحدة، المفتي أصدر حكمه وهو غير ~~واثق، بناء على احتسابه أن اللجنة بدورها غير واثقة، وأنها بالكامل مسألة مزاحية؛ ~~وهكذا يصبح الحاج خميس شيخ الحارة في بلدنا الجالس على مصطبة من الطين اللبن أكثر ~~عدلا من الحاج جمعة صاحب الجاه والرفاه والمناصب العليا. هذا بينما واقع ما حدث هو ~~أن اللجنة المانحة تتشكل بنيتها من علماء وأدباء ومفكرين وباحثين قرءوا الأعمال ~~للعديد من المفكرين، وبعد الدرس والفحص اتخذت قرارها لتختار من بين مرشحين كثر، ~~الأفضل بين الفضلاء، ولو لم أكن جديرا بها لكان أول الشاكين هم من المرشحين ~~الآخرين الذين لم ينالوها وهم كثر، وهم بدورهم من الجديرين بها، وهم المتضررون من ~~فوزي وليس موقع المصريين ولا المفتي ولا الإخوان. # ومقارنة قرار اللجنة بحكم المفتي يطرد فورا حكم مولانا من طاولة البحث، حيث ~~مولانا لا يعرف ولم يقرأ ولم يستمع إلى شهود، هو إذن عملة فاسدة. # غني عن التنبيه هنا أن تدخل رجال الدين في البحث العلمي وتقييمه يعني تفجيرا ~~تحتيا لأسس هذا البحث، وللقيم التي يقوم عليها هذا النوع من التفكير المنهجي، ~~والتي كادت تخلو من بلادنا بسبب سيطرة رجل الدين. فالإفتاء يعيش في وادي الحلال ~~والحرام والطمث والحيض وزواج الإنس من الجن والفيل والصيحة والبراق والنملة وبول ms353 ~~الناقة، وهو واد يختلف بالكلية عن وادي التفكير العلمي ومناهجه وطرائقه وشروطه ~~الصارمة بحكم واحد فقط هو الصواب أو الخطأ، وبين الواديين برزخ يفصل بين زمنين ~~مختلفين بالكلية، برزخ فاصل يمتد إلى أكثر من ثلاثة قرون زمنا، فهما زمنان ~~متجاوران زمن ما قبل المنهج العلمي وزمن ما بعد هذا المنهج، كالمتوازيين لكنهما لا ~~يلتقيان أبدا مهما امتدا. ~~••• # ما لا يغيب على المدقق في السؤال والفتوى، الأهداف البعيدة المخفية بين السطور ~~بحيث تفعل فعلها وتقوم بتأثيرها في العقل المسلم عبر التسلل إليه والسكون داخله دون ~~إعلان، وإن وزارة الثقافة كي لا ترتكب مثل هذا الزلل مرة أخرى فعليها الرجوع أولا ~~إلى أهل الدين لأخذ رأي رجاله في البحوث العلمية والأعمال الأدبية والفنية. # يريد السائل أن يجعل رجل الدين هو المرجعية الوحيدة والعليا للأمة المصرية ~~أفرادا وجماعات ووزارات (بالنظر إلى موقفه من وزارة الثقافة)، يريد توحيد السلطات ~~جميعا في يد واحده تلبس مسوح المقدس إذا افتدينا بها اهتدينا، ليقرر رجل الدين ما ~~يجب وما لا يجب، ما نكتب وما لا نكتب، بفرمانات غير قابلة للمناقشة، حتى لو كانت ~~الموضوعات مجال الفرمان هي علمية بامتياز وتخصصا وجدارة، موثقة تعتمد المناهج ~~العلمية الكبرى التي اكتشفتها البشرية في آخر منجزاتها، ورغم ذلك فهذه الموضوعات لا ~~تعطي نفسها عصمة الصواب المطلق، إنما هي بطبيعتها تخلق اختلاف الرأي حولها جدلا ~~ونقاشا قبولا ورفضا، بعكس فرمانات رجل الدين المقدسة التي لا تحتمل رأيين. ~~فرمانات لا تسمح لنا بحق أن نفكر، وحق أن نخطئ لنتعلم من الخطأ؛ لأن الخطأ غير ~~مسموح به فهو خروج على الأمة وخيانة لها لمصلحة المتربصين بالإسلام؛ فالدين لا يعرف ~~إلا الحلال والحرام، الطاهر والنجس، الإيمان والكفر، الهدى والضلال، بعكس العلم ~~الذي لا يعرف غير البراهين والأدلة والصواب والخطأ وحدهما. # ونلحظ بشدة قوله عن مدى جواز أن تقوم (لجنة)، دون تعريف بالألف واللام، قاصدا ~~مفهوم اللجان نفسه وتعميمه على كل اللجان التي تتخذ فيها القرارات بمشاركة ومناقشة ~~ودرس، فليس هؤلاء هم المخولين بمنح الأوسمة التقديرية ms354 لأنهم لا يعملون وفق الحلال ~~والحرام؛ لذلك فالفتوى تحتوي ضمنا على تحريم عمل اللجان عامة وإحلال الفتوى ~~محلها. # المخفيات المسكوت عنها تفصح عن نفسها فالسؤال يتحدث عن هجوم على الإسلام في كتب ~~(بدون تعريف) مطبوعة ومنشورة ومتداولة، ليوعز بالخطر الكامن في الكتب عموما، والذي ~~يقتضى مرورها أولا على المشايخ ليتم التصريح بطبعها ونشرها من عدمه. # إن أي تأمل بسيط في كل هذه الهجمة الشرسة سيكتشف أن الأمر لا علاقة له ببحث علمي ~~أصاب أو أخطأ، أو جاءت استنتاجاته وأداؤه وأدواته غير مرضية للبعض ومنهم السائل ~~والمجيب، أو على أسوأ الظروف غير صائبة وهو حال العلم البشري الذي يحتمل الصواب ~~والخطأ دوما، القضية هي انتهاز الفرصة بهذه الجائزة، وتجريمها لإسكات العقول ~~المفكرة والراغبة في تفعيل وعي الأمة المصرية ونحرها إن أمكن، الهدف الأكبر والأبرز ~~هو حظر البحث العلمي بكل أشكاله وألوانه ومناهجه. والسائل من بدء رسالته المستفتية، ~~يرجو المفتي أن يكون رقيبا على أعمال اللجان العلمية، وأن يكون رقيبا على ميزانية ~~الدولة وأوجه صرف الدخل القومي، وهو حشد للسلطات بيد رجل الدين لم يسبق أن في حدث ~~في تاريخنا من قبل ولا حتى زمن الراشدين، حدث مع النبي # صلى الله عليه وسلم # وحده فقط أتراهم ~~يرون أنفسهم أكفاء له وأندادا؟! # تنجلي الأهداف متسلسلة؛ فالواضح أن المستفتي لا يطلب بسؤاله المعرفة، هو يعلم أن ~~هناك من سب النبي والإسلام في حياة النبي، هو لا يطلب علما، فالإجابة واضحة ~~للأعمى، لكنه يطلب هياجا شعبويا بتصوير دين الإسلام ضعيفا مهزولا يتطاول عليه ~~سيد القمني وغيره ليهت له المسلمون غيرة ونصرة. # واتباع السائل والمسئول تكتيك عدم ذكر اسم المتهم، إنما يهدف إلى التعميم على هذه ~~الحالة وعلى كل الحالات المشابهة، من أفكار أو طرائق تفكير جديدة أو مختلفة عما ~~اعتادوه؛ لأنه لو تم التشخيص والتسمية لكان الجرم أهون، أما عدم التعميم المقصود ~~يجعل الفتوى عامة تخويفا وإنذارا له ولغيره ولمن صوت لجائزته ولمن يفكر في ذلك ~~مستقبلا. وكي تتم إحالة أي شأن إلى رجل الدين ms355 تتم إدانة نظم التصويت باللجان وورش ~~البحث، من يلجأ يجب أن يلجأ إلى المفتي، إلى رجل الدين؛ أي أن المسألة ليست قاصرة ~~على سيد القمني، إنما انطلاقا منه لقيام سلطة رجال الدين التامة وإسكات أي صوت ~~مخالف؛ ومن ثم إلغاء البحث العلمي تماما، لجعل رجل الدين المرجعية العليا للأمة ~~المصرية. السائل والمجيب يرسمان خطة ما يجب أن يكون. إذا كان حكم من يسب الدين ~~معلوما بدقة فإنه لا يكون للاستفتاء هدف معرفي، إنما أهداف ضمنية في تمثيلية ساذجة ~~هزلية لتعويد العقل المسلم وتدريبه على العودة إلى رجل الدين، وعدم استخدام هذا ~~العقل حتى في البسائط الهيئات المتوافية، وتكريس التبعية واستجلاب التحريض والسب ~~والتكفير من جهة رسمية حكومية، وليس جهة سماوية؛ فالختم ختم النسر وليس ختم السماء، ~~ختم يعبر عن سلطة دنيوية تلبس زيا سماويا، فتكون هي الدكتاتورية المثلى ~~والنموذج التمامي للفاشية، فلا حكومة دولة مدنية تحكم ولا الرب بنفسه هو من سيحكم، ~~إنما شخص من لون السائل والمسئول. # يبقى هدف أخير ضمن الأهداف المتضمنة بين السائل والمسئول، ألا وهو الضغط مقدما ~~وسلفا على قرار القضاء فيما هو مرفوع من قضايا بشأني، إحراجا للقاضي وسد المنافذ ~~أمامه؛ لأنه إذا كان رأي ربنا موجودا في القضية فماذا سيقول القاضي أمام حكم ~~الشرع؟ # هنا سأحيل القاضي على كتاب الله تعالى ليرى كيف أن المنصب الفتوى والورع والخشوع ~~ليس علامة الطهارة والصدق المطلق، أحيله على قوله تعالى: # وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية ~~(الغاشية: 2-4)، وأنه قال ~~تعالى: # وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان ~~(المائدة: 2)، وربما إن ~~استزاد أحلته على أحاديث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم ~~فقد خرج من الإسلام»؛ لذلك كان تساؤل المسلمين حول حديث النبي: «انصر أخاك ظالما ~~أو مظلوما» عن كيفية نصرته ظالما، قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك ~~نصره.» وهي كلها نصوص مقدسة يعلمها المفتي والمستفتي، ورغم ذلك لم يحجز المفتي أخاه ms356 ~~الظالم عن ظلمه، بل مشى معه ليعينه وهو يعلم! ليتعاونا على الإثم والعدوان! # القانون المدني في هذه الحال يمكن أن يدين ما فعل المستفتي والمفتي معا في ~~خرقهما لكل قوانين العدل في الدنيا كلها؛ لذلك أقترح على السائل والمسئول ألا ~~ينتظرا إدانة المحكمة المدنية لكليهما، خاصة أني لن آلو جهدا في السعي لحبس معظم ~~أطراف الهبة التكفيرية، وقد تطوعت بمال هذه الجائزة جميعه في سبيل هذه المنى ومن ~~أجل تلك البهجة وذلك السرور، ليذوقوا نتائج بعض عبثهم؛ لذلك أقدم لهما النصح مخلصا ~~أن يقدما نفسيهما للمسلمين كمسلمين صادقين قولا وفعلا، ويظهرا أنهما أفضل إيمانا ~~من سيد القمني ومن لجنة وزارة الثقافة وأي لجان أخرى، تعاليا أدلكما على طريق ~~النجاة، فأذكركما أن الغامدية أصرت على الاعتراف بمخالفتها للشرع وطلبت القصاص حتى ~~رجمت، وحتى قال النبي # صلى الله عليه وسلم # عنها: «لقد تابت توبة لو وزعت على الناس لوسعتهم ~~جميعا.» فهل السائل والمسئول من الملائكة؟ ألم يرتكبا أي جرم ناهيك عن جرم هذه ~~الفتوى الكارثية، لماذا لا يتقدم السائل (الذي سخر موقعه لسب سيد القمني وتكفيره ~~وتدعيره لمدة تزيد عن الثلاثة أشهر) إلى الحاكم ليكسب نيشان الغامدية ويقول إنه سب ~~مسلما حسن الإسلام هو القمني ظلما وزورا، وأنه يطلب توقيع العقوبة على نفسه، أو ~~ليستخرج من حياته مأثمة واحدة ليكون كالغامدية، لنروي بعدها رواية جمال سلطان ~~الغامدي إلى جوار رواية الغامدية المؤسسة، وحتى يكون في تاريخنا أكثر من غامدية ~~واحدة مفردة، ليشرف الإسلام بغامدي جديد بعد أن غاب الغامديون من تاريخنا الإسلامي ~~أربعة عشر قرنا، وكذلك أن يذهب فضيلة المفتي إلى رئيس الجمهورية ليعترف ببعض آثامه ~~البشرية ويطلب التشهير به ومعاقبته وتجريسه على ملأ كما فعل ماعز، أم أن كل رجال ~~الدين من الأطهار ليس فيهم غامدي ولا ماعز عبر القرون السوالف؟ هل رأينا غامديا ~~واحدا بين الجماعة الإسلامية التي قتلت الأبرياء بالرسوخ في الدين وعادت للمراجعات ~~بالرسوخ في الدين، معترفين بخطئهم في الفهم الأول الدموي ودون أن يعيدوا للقتلى ~~حياتهم بالفهم ms357 الثاني؟ لماذا لم يفعل أحدهم فعل ماعز أو الغامدية؟ أم أن الأحكام ~~عند المشايخ تجب فقط على غيرهم من الرعية ولا تنطبق عليهم لأنهم السادة المسلمون ~~وحدهم؟ إن العدل هو أن يبدأ السائل والمسئول بنفسيهما لنتأكد أن إيمانهما ليس إيمان ~~مستوى معيشي رفيع أو نفع دنيوي أو كرسي منصب، وإنما إيمان يؤمن به القلب ويصدقه ~~العمل والفعل وليس الخطابة الرنانة والكراسي الفخمية ودنانير الفضائيات وبيزنس كل ~~ألوان الإسلام السياسي. فهلا سمعنا قريبا من رجل دين مخلص لإيمانه يطلب من الحاكم ~~أن يقطع يده، أو يجلده أو يرجمه؟! أم أن جميع رجال الدين هم من المعصومين من الخطأ ~~والذنوب وبقية المسلمين هم من الخطائين؛ لذلك يملكون حق الدوس على رقاب الناس ~~يسبون هذا ويلعنون ذاك ويطردون آخر من رحمة الله، وكأن جنات عدن قد أصبحت عزبة خاصة ~~بهم يملكون وحدهم مفاتيحها، أبدا والله لا نصدقكم، ولا تقبل أحكامكم على عباد الله، ~~ولا نصدق غيرتكم على إسلامنا، حتى نرى من بينكم غامديا جديدا، أو لتكتفوا ~~بمغانمكم، وتصمتوا وتخرسوا وتخرجوا من دماغ الأمة، حتى تصح وتتعافى وتلحق بأشقائها ~~في الإنسانية، حيث نور العلم والحقوق وإشعاع الحضارة القاتل لجراثيم التخلف وعفن ~~المقبورين. # الفصل السابع # | أوباما # تحليل الخطاب وردود الفعل # آثرت الانتظار حتى تهدأ توابع الهزة التي أحدثها خطاب أوباما وتزول الدهشة وردود ~~الفعل الأولى وازدحام وجهات النظر أخذا وردا، موافقة وتنديدا. وقبل أي تحليل أو ~~تفكيك لعناصر الخطاب الأوبامي، يجب ألا ننسى أن دور الرئيس الأمريكي في المنظومة ~~الإدارية الأمريكية هو أحد الأدوار وليس كلها وربما ليس أهمها، وأنه لا يستطيع أن يخرج ~~على قواعد التكتيك والاستراتيجية التي تساهم فيها مؤسسات وهيئات هذه المنظومة، ولا يكفي ~~تأثيره بمفرده لتغيير قاعدة واحدة من قواعد اللعبة السياسية والإدارية، أو حتى مجرد ~~التفكير في ذلك. # وأيضا لا بد من الاعتراف بأن أوباما خطيب من نوع نادر، لاختياره الدقيق للغة هذا ~~الخطاب التصالحية مع الظهور بتواضع جم، بما يلمس أوتارنا العاطفية ويدغدغ وجداننا، ~~باستخدام آيات قرآنية بما يعني ms358 أن الرجل يفهمنا ويعرفنا حق المعرفة ويعرف طريقتنا في ~~التفكير ويعلم سلفا أننا أقوال دون أفعال، وعواطف يختفي معها العقل المنطقي وتضيع ~~المصالح، رجل عرف لغونا وكيف يلغو لنا بكلام يوافق هوانا. # وكثيرا ما تمنى صاحب هذا القلم سد الفجوة في الفهم بين المسلمين والعرب من جانب وبين ~~الغرب من جانب آخر، خاصة بعد لقائي بعد سبتمبر 2001م أكثر من مسئول غربي رفيع المستوى، ~~وهي اللقاءات التي أشعرتني بمدى خطورة هذه الفجوة، فلا هم يفهموننا ولا نحن نفهمهم، كما ~~لو كنا نوعين مختلفين من البشر سلاليا وعرقيا وعقليا. تمنيت أن يستطيع الغرب ~~وخاصة الأمريكي أن يفهم أن لنا لغة خاصة في فهم الدنيا، وردود فعل من نوع خاص، وأن ~~دلالة اللفظ عندنا لا تحتوي على دلالة اللفظ نفسها عندهم، وأن ما يحمله التعبير اللفظي ~~من تاريخ ومحتوى معان تعود بتحميل دلالاتها إلى مدى يزيد عن أربعة عشر قرنا للوراء، ~~وأن ذلك ما يزال حيا في فهمنا ولغتنا ومنطقنا البدوي البدائي العاطفي، ويختلف بالمرة ~~عن تاريخية اللفظ نفسه ودلالته عندهم، وشرحت هذا باستفاضة في محاضرتي عام 2006م بمعهد ~~هدسون بواشنطن دي سي، وهو واجهة لوزارة الخارجية الأمريكية لتقصي آراء المفكرين ~~والعلماء والرؤساء والمتخصصين والخبراء وغيرهم في مختلف القضايا التي تشغل الرأي العام ~~العالمي. # وتمنيت أن يحدث ذلك أيضا من جانبنا؛ لذلك كانت سلسلة كتاباتي المتتالية لمحاولة شرح ~~وتوضيح كيف نفكر وكيف ينبغي أن نفكر إذا أردنا لهذا الغرب أن يفهمنا ويتفاعل مع قضايانا ~~بثقة. لنستطيع أن نخاطبه بلغة متفق على دلالتها سلفا حتى يكون الحوار مفهوما. وتكون ~~لدلالة اللفظ عندي المعاني ذاتها عنده، وأن مبادئ المنطق التي يحتكم إليها هي مبادئ ~~المنطق ذاتها التي أحتكم إليها؛ لأن مسألة الفهم هذه وتلك تعاني خللا حادا بين عالم ~~العرب والمسلمين وبين الحضارة الغربية، وهو خلل تاريخي تحدث به الركبان حتى قيل مع ~~اليأس من التفاهم في المثل السائر «الغرب غرب والشرق شرق كحركة الشمس ليلا ونهارا لا ~~يلتقيان.» # لذلك أقول إن باراك يفهمنا ms359 جيدا لذلك لبس لنا ثوب الواعظ الشيخ باراك بن حسين آل ~~أوباما حفظه الله ورعاه هو ومن يلوذ به، ليعلن كيف يعرف لغونا وكيف يلغو لغونا بما حمله ~~لخطابه من دلالات نعرفها ولا نعرف غيرها، وجاءت أمنيتي بفهم الغرب لنا، بعكس الهدف ~~المرتجى منها، فها قد جاء من يعرفنا ويفهمنا وعاش وسطنا وجيناته من جيناتنا، ويعرف كيف ~~نفكر وما هي ردود أفعالنا، ولكن ليس من أجل خلاص شعوبنا مما هي فيه من تخلف وجهل ومرض ~~وفساد اجتماعي معمم وحكومي علني واستبداد وقمع واستعباد، كلا الرجل ليس مشغولا بهذا ~~بالمرة، إنه لم يأت ليخلصنا، لكنه جاء مخلصا لأمريكا من عثرتها في بلادنا ولتحييد ~~شرنا عنها، بتكاليف أقل من تكاليف طريقة الحزب الجمهوري الأمريكي بما لا يقارن، وفي وقت ~~تستفحل فيه الأزمة الاقتصادية العالمية. # لطفاء القوم من مشايخ الفضائيات التي تمطرنا مشايخ، تفاءل بعضهم بأصول أوباما ~~الإسلامية وأنه ربما يقود شعبه الأمريكي إلى الإسلام لنعود هم ونحن بنعمة الله إخوانا، ~~وتحل المشكلة بسيادة الإسلام للعالمين كشيخ القبيلة تتبعه قبيلته، أو بما يشبه عزة ~~الإسلام بأحد العمرين. # هذا بينما كنت في تفاؤلي أرتجي أن يشارك ذلك الغرب المتقدم الحر العلمانيين العرب في ~~البحث ووضع الخطط العلمية المدروسة على المستوى العلمي والثقافي والإعلامي والتعليمي ~~وحده، لإحداث هذا التقارب مع ضغوط تقوم بها مؤسسات الحريات والمجتمع المدني الدولية على ~~الحكومات المحلية كلما وقعت مخالفات في بلادنا للحقوق الإنسانية، وللنهوض التنموي ~~بالمنطقة، للانتقال الهادئ والسلمي ببلادنا إلى مجتمع كامل المدنية، فإذا بأوباما ~~يستخدم معرفته بنا لتكريس الأوضاع القائمة، وإعطائها شرعية استمرارها كما هي، بموافقتنا ~~ورضانا بعدد مرات التصفيق في القاعة. هذا إذا تذكرنا أنه لم يخاطب المسلمين من دولة ~~مسلمة خالصة الإسلام كالسعودية، ولا من دولة مسلمة ديمقراطية مثل موطنه الثاني ~~إندونيسيا أو جارتها ماليزيا، لكنة اختار القاهرة التي يحكمها نظام شبه مدني جذوره ~~وتوجهاته دينية دوما وقومية أحيانا. # لوحظ أيضا ولع الشباب العربي والمسلم بأوباما وبخطابه، وقد فطن أوباما لذلك وأعلن ~~الشباب هما أول له، ms360 مع زيارته الشبابية المرحة المتواضعة للأهرامات؛ مما أدى للولع ~~بالنموذج الأمريكي، وهذا في حد ذاته أمر محمود أن يكون رجل ناجح مثل أوباما مثلا أعلى ~~لشبابنا. وهو ما سيؤدي لمحاولة التعرف على النموذج الغربي، ومن جانبه تمكن حسين أوباما ~~من تألف قلب الشارع المسلم مع بعض المثقفين دون بعضهم، فقد اختلفوا حول هذا الخطاب ~~وظروفه اختلافا بائنا؛ ومن ثم فإن أهم مكسب حققته هذه الزيارة لنا وللأمريكان هو ~~إعادة النظر في كون أمريكا هي الطاغوت الأعظم الإمبريالي، وإعادة النظر في فرض كاد يكون ~~إسلاميا ووطنيا، وهو كراهية أمريكا كفرض واجب دونه الخيانة والكفران. # ونموذجا لاختلاف المثقفين رأى الدكتور «مصطفى الفقي» أن اختيار أمريكا القاهرة ~~للخطاب هو إقرار بمكانة وحجم مصر في المنطقة للدور الحضاري والتاريخي ومكانة الأزهر بين ~~غالبية المسلمين في العالم، وكذلك السياسة المعتدلة التي تنتهجها القاهرة، وجعلت ~~القاهرة تحظى بشرف هذه الزيارة، وهو الرأي الذي ردده كل من التيار الإسلامي والتيار ~~القومي، «فهمي هويدي» نموذجا للتيار الإسلامي رأى أن خطاب أوباما ما هو إلا محاولة من ~~النظام الأمريكي الجديد لمساندة حلفائه من دول الاعتدال في المنطقة ودعم أنظمتها، وأنه ~~يريد الحصول على ماكياج من القاهرة للسياسة الأمريكية التي لا تتغير ثوابتها، بينما ~~ترغب مصر في الحصول على دعم معنوي من أكبر قوة في العالم لكي تستطيع استعادة دورها وضمن ~~ذلك الوريث القادم. ولك أن تعجب من مدى التوافق عندما نجد التيار القومي الناصري يردد ~~المعاني نفسها، فيقول «عبد الله السناوي» إن رأيا مثل رأى الدكتور الفقي يخلط الأوراق ~~بين مصر التاريخية ومصر الرسمية، وأوباما اختار مصر التاريخية ليتحدث من منصتها، دون أن ~~يخطر بباله أن الثانية سوف تحاول دبلوماسيتها وإعلامها تسويق الزيارة باعتبارها فتحا ~~لا مثيل له في التاريخ المصري، يؤكد شرعية النظام وسلامة اختياراته الداخلية، وأنه ليس ~~هناك دولة تحترم نفسها تعتبر زيارة رئيس دولة أخرى مما يضفي شرعية على نظام الحكم ~~فيها، أو يؤكد أدوارها في محيطها؛ فالشرعية مصدرها القبول العام والأدوار التي تصنعها ~~السياسات وليس ms361 الادعاءات. # لاحظت أن المشترك الواضح في كل ردود الفعل قيامها على خلفية من المثل الشعبي المصري ~~«أسمع كلامك أصدقك، أشوف عمايلك أستعجب!» مع حضور هذا المثل وتكراره في معظم ردود ~~الفعل؛ فالمشترك توافق على سؤال لا جواب عنه على الأقل هذه الأيام وربما تجيب عليه ~~الأيام القادمة، السؤال: هل يتحول هذا الكلام إلى فعل على أرض الواقع؟ # الرجل يعرفنا جيدا ويعرف كيف نفكر؛ لذلك تابع رحلته من القاهرة إلى القارة الأوروبية ~~ليعلي من رصيد الاهتمام بالدولة الفلسطينية المستقلة ووقف بناء المستوطنات، ليؤكد ~~للمسلمين أنه صحب القول فورا ببدء الحشد من أجل الفعل بضغوط دولية على إسرائيل. ~~••• # رد الفعل العربي كله كان قد ركز على إمكانات أوباما الضغط على إسرائيل، ووسط كل هذه ~~الهموم القومية والدينية لم أصادف من تذكر وجوب الضغط على ماكينات فرز الإرهاب في ~~قنواتنا الفضائية الإسلامية ومعاهدنا الدينية، لم يتكلم أحد عن الضغط لوقف العمل بأحكام ~~إسلامية بحاجة لإعادة اجتهاد ونظر. كما في ميراث المرأة أو ولايتها على نفسها في أضعف ~~الإيمان التي لا تملكها ولا على نفسها حسبما يدرس أزهرنا شبابنا في معاهده، ومن ~~يزوجها هو وليها ولو كانت طفلة رضيعة، فإن زوجت نفسها بعد عقل ورشاد فهي زانية. لم ~~أقرأ لأحد يتكلم عن ضغوط من أجل إيقاف العمل بعقيدة الولاء والبراء التي تترتب عليها ~~أحكام هي الكراهية المطلقة للمختلف عنا وتصل إلى حد التخلص منه بقتله، وهي مشترك أصيل ~~بين كل ما يدرسه أبناؤنا في معاهد الأزهر سواء في مواد الحديث أو الفقه أو التفسير، أو ~~عقيدة الجهاد التي تعتبر غير المسلم مستباح الدم والعرض والمال، ولا ألمح أحدهم استجابة ~~لليد الأمريكية الممدودة وعلى سبيل إثبات الجدية وحسن النيات إلى وجوب رفع المواد ~~الدينية بالدستور، والتي تميز بين رعية هذا الدستور حسب معتقداتهم، ولا وجوب الضغط من ~~أجل حقوق الإنسان التي يهددها أول ما يهددها الدستور نفسه في مادته الثانية مع قانون ~~طوارئ أبدي. # لهذا كله وفي ظل المناخ الذي كان لا يزال ~~ساخنا بعد ms362 خطاب أوباما مباشرة لم تفتني تصريحات «عصام دربالة» قيادي مجلس شورى الجماعة ~~الإسلامية، ومطالبته حركة طالبان والقاعدة بالتعامل مع هذا الخطاب بشكل عملي حتى تغادر ~~أمريكا المنطقة؟ (عايزين يستفردوا بينا). وأن خطوة البداية السليمة حتى يمكن هذا ~~التعامل هي الإعلان الفوري التوقف عن استهداف أمريكا عسكريا، إن دربالة يعرف ما يقول، ~~وهو ما أرى وراءه رؤية ثاقبة تنطوي على قراءة المستقبل المتوقع من هذا الخطاب التاريخي، ~~فأمريكا ستتعامل مع الأنظمة القائمة أو مع أي بدائل حتى لو نقيضة تحل محلها، طالما ~~الصداقة الأمريكية الإسلامية قائمة بما يحمي المصالح الأمريكية؛ وهكذا تكون ريمة - أقصد ~~أمريكة - قد رجعت لعادتها القديمة. أما نحن شعوب هذه المنطقة فلسنا في الموضوع أصلا، ~~نحن الفريسة ليس أكثر. حتى الصوت العلماني ممثلا في صديقي لورد العلمانيين العرب «طارق ~~حجي» جاء يردد طلب الجميع بتفعيل الكلام، «وأن سمة خطاب أوباما كان التوازن في تناول كل ~~موضوع: الإسلام، الصراع العربي الإسرائيلي، علاقة الولايات المتحدة بالعرب المسلمين، ~~التعليم، المرأة، حقوق الإنسان، التنمية، إيران، القدس ...» نعم وصدقا كانت سمة الخطاب ~~هي التوازن، لكنه توازن الرعب والفزع من الآتي على مستوى الشعوب، وليس على مستوى قضايا ~~الأمة العزيزة قوميا ودينيا، فإني مطمئن أن السعي لتهدئة المشاعر وتصفية الخواطر ~~على قضايانا العاطفية سيكون حثيثا فعلا، وهو ما سيرضي الشعوب الإسلامية والحكومات ~~الإسلامية ويبقي الجميع في سمن على عسل. بدا لي صديقي طارق متفائلا بهذا الخطاب وتمنيت ~~أن يكون تفاؤله محل نظر من القدر، وألا يكون المخبوء في رحم الأيام موجبا للتشاؤم، ~~لأني شخصيا مصاب بالأسف على حلمنا بدولة مدنية حديثة، وأتوجس خيفة وأظن أن التوجه ~~الأمريكي الجديد جاء قبل مجيء أوباما إلى الرئاسة بعد تجارب الصومال والأفغان والعراق ~~بالذات، وهو الانعتاق من منطقتنا بأقل قدر من الخسائر مع ضمان المصالح الأمريكية، وجاء ~~أوباما ليكرس الموقف الجديد وينفذه؛ وهو ما يعني أننا سنعاني أكثر من أجل الوصول ~~إلى الحلم الليبرالي الذي يتسرب من بين أيدينا برئاسة أوباما واحتمال استمرار الخط ذاته ~~من بعده، بعد ms363 رد فعلنا واستقبالنا لإسقاط طاغية العراق وإحقاق الحريات والحقوق في ~~العراق وفي أفغانستان، بمذابح يذبح فيها بعضنا بعضا، وهو ما تكرر في الديمقراطية ~~الفلسطينية والديمقراطية السودانية، والديمقراطية الأفغانية ... إلخ. # المصيبة ليس في الانسحاب العسكري فهو مطلوب لتهدئة التوتر، المصيبة في الانسحاب ~~الكامل ونفض العالم الحر يديه منا يأسا من إمكانية قدرة شرقنا على قبول الحداثة، وهو ~~ما يبدو لي أنه يحدث الآن، لتركنا في فوضانا الخلاقة حتى تصفي النار بعضها بعضا دون ~~تدخل، فتكون بلادنا حلقة مصارعة حرة كبيرة يقتل فيها السني الشيعي، ويقتل الشيعي ~~المسيحي، ويقتل المسيحي الأرثوذكسي المسيحي الإنجيلي، وتقتل الحكومات الجميع وقتما ~~تشاء، حتى تصفو النار عن رماد خامد غير ضار، أو أن يخرج البعض من هذه المحرقة إنقاذا ~~للبقية الباقية بعقد اجتماعي مدني جديد يسمح لنا باللحاق بركب الحداثة الإنسانية الذي ~~غادرنا فعلا منذ عقود. ~~••• # ووسط هذه التحولات المتسارعة لا ننسى أن الإرهاب وإن كان إسلاميا، وإن كان فرزا ~~لموادنا الدينية ومشايخ الفضائيات؛ فإنه في بدئه القريب كان هندسة أمريكية وتمويلا ~~وتنفيذا عربيا وإسلاميا بتعاون معلوم ومنشور الوثائق، تصديا للشيوعية والمد ~~السوفييتي. وهو ما أكده بريجنسكي بقوله لصحيفة لونوفيل أوبزرفاتور 1998م: إن الأمريكان ~~خططوا لاستدراج السوفييت للخيار العسكري في أفغانستان، وأنهم من أسس للصحوة الإسلامية، ~~وأنهم هم من صنع القاعدة، وأنه ليس نادما على دعمه للتطرف الإسلامي الذي استقل عن ~~سادته وأربابه وبدأ يعتدي على مصالح أمريكية هنا وهناك؛ لأن الأكثر أهمية وقتئذ كان هو ~~إسقاط الإمبراطورية السوفييتية وإنهاء الحرب الباردة وتحرير أوروبا الشرقية، وليست ~~طالبان والهائجون الإسلاميون إلا مجرد أعراف جانبية يمكن التخلص منها. إلى أن ضربت ~~الأعراض الجانبية وهؤلاء الهمج الهائجون مانهاتن والبنتاغون في مشهد جعل كل ما شاهدناه ~~من خيال هوليود لونا من الصناعة الخفيفة المتواضعة بل جعلها سقيمة الخيال، إزاء خيال ~~بن لادن الإبداعي ومهندس القاعدة الرهيب. # هذا ناهيك عن فشل مشاريع السلام في الشرق الأوسط وهو القضية الأعز على المسلمين، ~~إضافة إلى دعم أمريكا العلني الدائم لإسرائيل؛ مما أعطى المتطرفين المسلمين ms364 أسباب ~~تطرفهم وشرعيتهم في الوجود في نظر الشارع المسلم، كرد بديل عن الحكومات الإسلامية ~~مكسورة الجناح، المسكينة بنت السبيل، وأنهم يؤدون بذلك فرضا إسلاميا معلوما من فروض ~~الكفاية هو الجهاد. # ومن ثم بدت تلك الحركات المسلحة أنها الأمل الوحيد الباقي للدفاع عن الحقوق العربية ~~والانتقام للمسلمين واستعادة الأرض المحتلة وإقامة دولة إسلامية منيعة، ولا سبيل لهذا ~~الحلم سوى الإسلام كحل خلاصي وحيد بإقامة الدولة الإسلامية في أي مكان على الأرض ومنها ~~تبدأ الفتوح، ومن يقوم بذلك إنما يجاهد في سبيل الله وكرامة المسلمين ودينهم. هذا مع ~~تغافل رؤية المسلمين لدولة الفتوح الإسلامية الطالبانية وما جلبته من كوارث محلية ~~وعالمية. # إن الاستخدام الانتهازي للإسلام لتحقيق مصالح ومنافع مادية دنيوية بحتة شأن عرفناه في ~~مشايخ الصحوة الذين أساءوا إلى المشيخة الرصينة الراسخة وإلى الإسلام نفسه، قياسا على ~~احترام هذه المشيخة وتبجيلها قبل ظهور مشايخ الصحوة في نظر كل الناس. ويبدو أن الرئيس ~~الأمريكي بعد أن ولد في ثقافتنا وعاش بيننا وعرف طرائقنا وفهم أقصى أمانينا ومنطقنا فهو ~~ابن منطقتنا التي هي جذوره ونسبه، من هنا لبس مولانا باراك بن حسين آل أوباما ثياب ~~الواعظين رعاه الله وحفظه، آمين، ولجأ إلى طرائقنا ومناهجنا في التفكير للمصالحة وتجميل ~~الوجه الأمريكي للمسلمين؛ ومن ثم بدأ بالسحر الإسلامي الذي ينتشي له المسلمون ليشعرهم ~~أن إسلامهم قد غزا البيت الأبيض في فتح ميمون، وعليه فلا داعي لإعادة الفتوح والغزوات ~~المباركة على أمريكا مرة أخرى. لقد طمأن المسلمين رغم إعلانه مسيحيته في بداية الخطاب ~~أنه يفهمهم بل إنه منهم. الرجل يعلم جيدا مفاهيم شعبنا مسلوب الوعي الذي يتصور أن ~~المسيحيين يعلمون جيدا أن الدين هو الإسلام كأصح الأديان لكنهم لا يعلنون ذلك كيدا ~~وغيظا ويعضون علينا الأنامل حسدا وكمدا، مع الهمس اليقيني بين المسلمين أن (معظمهم ~~مسلم بس في السر)! فلماذا لا يكون أوباما هكذا وأنه إنما يمارس قاعدة إسلامية وعقيدة ~~راسخة هي التقية؟ وهي المبدأ الذي لخصه وشرحه المثل الشعبي المصري: «إن نزلت بلد بتعبد ~~العجل حش ms365 برسيم وإرميله.» (يعني ضعه أمامه)، وهو ما يعني أنه ربما يمارس التقية معنا ~~وليس معهم ، بيحش البرسيم لنا وليس لأمريكا. # ولأن الرئيس الأمريكي قد اختار لخطابه هذا المستوى، فقد فتح بذلك القول لأهل الدين ~~فيه، وفيه أكثر من طرفة وفيه أيضا أكثر من كارثة. على سبيل المثال: لم ير الإيراني ~~الدكتور محمد علي مهتدي (قناة الجزيرة) في أوباما أكثر من مسلم مرتد؛ وهو ما يعني أنه ~~لو كان إسلامنا كمصريين صحيحا لانتهزنا الفرصة للقبض على أوباما في القاهرة مع ~~استتابته ثلاثة أيام في سجن الواحات أو القناطر مثلا أو ربما في لاظوغلي ليتعرف على ~~سلومة الأقرع، أو يفيء إلى الله ويعود عن غيه المفتون إلى رشده ويتوب، أو نطيح برأسه ~~على ملأ من عامة المسلمين وخيار علماء الأزهر ودار الإفتاء، وليكن في ميدان التحرير ~~مثلا؛ لأن ذلك حق الله والأمة الشرعي، وكونه على أرضنا فهو ما يعني خضوعه لقوانيننا ~~وهي قاعدة دولية متعارف عليها، إضافة إلى مكسب تفعيل المادة الثانية بالدستور مما يؤكد ~~تمسكنا بالقيم الدستورية وبالإسلام في آن واحد، أم نحن قادرون وفاجرون وأسود ضوار فقط ~~مع بني مصر وأهلها من أقباط وشيعة وبهائيين وقاديانين وحقوقيين وليبراليين ولا دينيين، ~~إلى آخر الأقليات المصرية المتناثرة. # إيراني آخر يعيش في المهجر هو أمير طاهري عرف لغز أوباما بعد بحث دقيق في التراث ~~الشيعي، فعثر في كتاب بحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي الصفوي على حديث للإمام علي عن ~~علامات ظهور المهدي المنتظر، ومن تلك العلامات أن رجلا أسود سيملك في جهة الغرب، ~~وسيقود أقوى جيش في الأرض قبل ظهور المهدي مباشرة، والاسم باراك هو بارك؛ فهو بارك حسين ~~أوباما، وتعني في العربية والفارسية والعبرية (مبارك الحسين)، أما (أوباما) بالفارسية ~~فتعني (إنه معنا)، وإعمالا لذلك فلا شك أن الرئيس أوباما هو أحد الأوتاد التي تظهر قبل ~~المهدي نبوءة بقرب ظهوره، وأنه قريبا سيكون معنا، فرج الله كربه وعجل ظهوره! # لأهل السنة رأي آخر، فقد روي عن الصحابي تميم الداري وهو من بيت لحم ms366 بالخليل، أنه طلب ~~من النبي إن فتح الله فلسطين للمسلمين أن يعطيه مسقط رأسه بيت لحم ومقام إبراهيم، وفي ~~خلافة عمر نفذ له عمر وعد النبي، وعاش آل تميم في الخليل حتى اليوم (التمايمة). وقد ~~حدث هذا الصحابي أن جفاف بحيرة طبرية وجفاف نخل بيسان يؤذنان بقرب ظهور المسيخ ~~الدجال، ومن صفاته في الحديث النبوي أنه أجعد الشعر ويقيم في جزيرة بعرض البحر، وباراك ~~أوباما مولود في جزيرة وهو أجعد الشعر ويستطيع الزعم أنه مسلم ومسيحي ويهودي، فأبوه ~~مسلم، وباراك تنصر، ثم لبس القبعة اليهودية في زيارته للقدس. كذلك جاء في قدرات المسيخ ~~الدجال أن بإمكانه أن يطأ الأرض جميعا، وهي قدرة أي رئيس أمريكي بجيوشه، وعليه فإن ~~باراك حسين أوباما هو المسيخ الدجال عدو المهدي المنتظر الذي سيخرج من بلاد المسلمين ~~ليقتل المسيخ الدجال ويكسر الصليب ويذبح الخنزير، وكسر الصليب يحدث الآن كل يوم في ~~العراق ومصر وباكستان وغيرها بحمد من الله ونعمه، وإن ذبح خنازير مصر قبل وصول أوباما ~~مباشرة يشير إلى قرب تحقق هذا كله، وبعدها تقوم القيامة. # ولو بحثنا عن رد مشيخي بعيد عن فانتازيا الخيال الديني يقرأ الموقف برصانة، فلدينا من ~~وقف مع الآية التي دلل بها أوباما على سماحة الإسلام # من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ~~، وقال هؤلاء إن أعمدة كتب التفسير تتفق على أن أول الفساد هو ~~الكفر بدين الإسلام؛ ومن ثم فإن الآية التي استشهد بها أوباما ليدلك غرائز المسلمين، ~~توجب أول ما توجب قتل أوباما وكل من لم يدخل الإسلام، خاصة بعد أن أعلن الإسلام عن نفسه ~~وبلغ الناس كافة بحجة بليغة عليهم بأحداث 11 سبتمبر 2001م، ولا حجة لأحد بعد أن وصله ~~البلاغ مصحوبا بالدمار والخراب والدم والبينات الحارقات، فهذه رسلنا قد أبلغتهم بدينا ~~الحنيف، وبعدها لا حجة ولا عذر لكافر بالإسلام على كفره، وهو ما أكد عليه علم مشايخ ~~الخليج الشيخ المنيع الذي رأى في سبتمبر 2001م بلاغا مبينا وواضحا للعالم كله ms367 بوجوب ~~الخضوع للإسلام، ولفتة إلهية من علاماته البواهر. # هذا مع ملاحظة ظللت أؤكد عليها سواء في كتاباتي أم محاضراتي وهي أنه رغم كل ما فعلت ~~القاعدة وابن لادن؛ فإنه لا يوجد مجمع أو هيئة أو مؤسسة أو رابطة أو فرد من المؤسسة ~~الدينية أعلن تكفير ابن لادن أو الزرقاوي وخروجه على الإسلام مهدور الدم كما يفعلون مع ~~غلابة الوطن أمثالنا؛ لأنهم جميعا في طواياهم لا يرون فيه سوى نموذج البطل الملحمي ~~الإسلامي القديم ابن الوليد وابن العاص وابن القاسم والقعقاع وغيرهم، وأنه يجاهد في ~~سبيل الله وقام بتفعيل فرض الكفاية الجهادي نيابة عن الأمة كلها وله بذلك السابقة ~~والفضل المبين. ومع عقيدة التقية فإنهم يستهجنون مع كل مجزرة بن لادنية أو زرقاوية أو ~~قاعدية يمنية أو صومالية أو جهادية، قتل الأبرياء والمدنيين، ويستتبعونها دوما بأن ~~أمريكا وإسرائيل والحكومات الإسلامية كلها تفعل الشيء نفسه، كمبرر لما تفعل القاعدة ~~والجهاد وحماس، يستهجنون من طرف اللسان لكنهم لا يكفرون الذين يقتلون الأبرياء ~~المدنيين بيد القاعدة سواء أكان الضحايا مسلمين في بلاد مسلمين أم غير مسلمين، لسبب ~~بسيط هو أنهم هم الأساتذة الذين علموهم ذلك في معاهدنا الدينية في مواد تدرس وما زالت ~~بعد التجديد والتحديث تحدثنا عن عقيدة الولاء والبراء وفريضة الجهاد وملك اليمين، ~~وأصول التعامل النبيل مع الفرس والعبد والبغل والمرأة والحمار بحنان ورفق إسلامي لا ~~شبيه له ولا نظير. # صحيفة المصري اليوم حضرت مؤتمرا صحفيا مع أوباما إثر خطابه مباشرة، وعقبت بتعبير ~~شديد الأهمية وشديد الدلالة: «فالرجل لو صدق، فسوف يتغير العالم من جامعة ~~القاهرة!» # أما العبد الفقير إلى الله فيرى أن هناك أشياء ستتغير بالطبع، وسيتم حل المشكلة ~~العزيزة على نفوس المسلمين فلسطين الغالية مسرى الرسول وأولى القبلتين بالسرعة الممكنة، ~~بالتزامن مع الخروج العسكري من العراق، وهو المتوقع خلال عامين، فهذه هي هموم المواطن ~~حتى الجائع الحافي العاري المريض لا يجد قوت يومه ويخرج في المظاهرات من أجل فلسطين ~~والبوسنة والشيشان وبلاد تركب الأفيال، ولا يخرج ليطالب بحقه في الكرامة ms368 الإنسانية من ~~حقوق وحريات؛ لذلك فإن من سيعاني هو تيار الحريات الحقوقي مع مزيد من العسر والتأخر في ~~قدوم التغيير المرتقب إصلاحا وتهذيبا وتحديثا، في ظل التحالف الذي يبدو أنه قد قام ~~علنا وجهارا نهارا بين أمريكا والمسلمين؛ فالخطاب كان للمسلمين بالتحديد، وأن ~~النتيجة هي شرعية وبقاء الأنظمة والشعوب والأوضاع على ما هي عليه؛ فهي حليفة، وإن جاء ~~نظام مختلف عن الحالي فهي حليفة، ولو جاء جمال مبارك أو علي مبارك أو حتى زكي جمعة فهي ~~حليفة، ولو جاء الإخوان المسلمون فهي حليفة، وتبقى الشعوب خارج الموضوع لأنها الفريسة ~~لأي مفترس حليف، ويبقى الباب بذلك مفتوحا لمختلف الاحتمالات. وستقوم الحكومات في ~~بلادنا: إسلامية صريحة، أو إسلامية بزي مدني كالحادث عندنا، بدور الحارس الأمين للمصالح ~~الأمريكية، مقابل الصمت الأمريكي عن حقوق الشعوب في هذه البلاد، وتقوم أمريكا بدعم ~~النظم الحاكمة القائمة بمنحها الشرعية والاعتراف، وعلى هذه النظم أن تساعد أوباما على ~~إنهاء ملفات أمريكا العالقة في المنطقة وخروج عسكرها بكرامة وبخسائر بأقل قدر ممكن، مع ~~الحفاظ على مصالحها أينما كانت. # بالأمس القريب (وما أسرع متغيرات خطى التاريخ في زماننا) كان إعلان أمريكا بغزوها ~~للعراق، أنها خطوة البداية لإصلاح المنطقة وجرها جرا إلى الحداثة للقضاء على الثقافة ~~المفرزة للإرهاب بالديمقراطية وإسقاط النظم الاستبدادية التي أفرزت الإرهاب الديني. ~~بلسان بوش الابن ورايس وباول ورامسفيلد وكل الفرقة الراحلة، وحينذاك التقيت بعض ~~الدبلوماسيين الغربيين بناء على طلبهم وبمعرفة الأمن المصري، ضمن لقاءاتهم الأخرى ~~لاستيضاح وجهات النظر، وقد حذرت حينها من أخذ خطوة عسكرية تجاه العراق؛ لأن الحرب على ~~الإرهاب يجب أن تبدأ على المستوى الثقافي وليس العسكري. # لا أنسى وزيرا مفوضا لدولة كبرى راهنني - أدبيا ومعنويا فقط - على أن مجرد ~~إسقاط طاغية بغداد وإطلاق الحريات في العراق؛ فإنه كفيل بتحويله إلى واحة للديمقراطية ~~وقاطرة ستقطر وراءها المنطقة كلها، بالضبط كالمسيحي المؤمن الذي يتصور أنه بمجرد أن ~~يعرض آيات الإنجيل على إنسان، فإن ذلك كفيل وحده بإقناعه بالمسيحية ليعتنقها، بالضبط ~~كالمسلم الذي يتصور أنه لو قرأ ms369 القرآن على إنسان لرأيته خاشعا كالجبل الذي يتصدع من ~~خشية الله، يومئذ وخلال الشهور الأول لغزو العراق بدت رؤية السيد الوزير هي الواقعة ~~وكسب الرهان الأدبي بصدق توقعاته وسافر إلى بلاده، وبعدها بشهور حدثت تحولات كان يجب ~~معها أن يكون كاسب الرهان هو أنا وليس هو؛ لأن الحريات إن لم تتأسس أولا على ثقافة ~~حريات وعقد اجتماعي ينافح عنه أهله، فإن الحرية تتحول إلى فوضى طائفية وعنصرية، وهو ما ~~حدث في العراق الجميل، وهو الدرس الذي خرجت به أمريكا من المنطقة، فتراها كيف استفادت ~~منه؟ # هنا علينا أن نرهف السمع جيدا إلى أوباما وهو يقول بقولين لا يلتقيان، القول الأول ~~هو: ~~«ينبغي ألا تستخدم الدول العربية الصراع بين العرب وإسرائيل لإلهاء الشعوب عن مشاكلها ~~الأولى.» يعنى خدوا بالكم يا حكام العرب أننا فاهمين لعبتكم من زمان بإلهاء الشعوب عن ~~حقوقها بالقضايا القومية والدينية، هو قول موجه للحكومات يفصح عن كون العملاق ~~الأمريكي ليس أهطل، بل إنه يعرف أساليب حكوماتنا كذلك يعرف شعوبنا معرفة دقيقة وكيف ~~يمكن صرفها عن مصالحها وحقها في حياة كريمة، بسلبها عقلها ووعيها اعتمادا على غرائز ~~دينية وقومية يتم شحنها طوال الوقت، لصرف النظر عن قضايا الداخل إلى الإسلام الذي يهان ~~في الدانمارك أو في البوسنة أو الشيشان أو غزة أو أي بلادستان، المهم صرف النظر إلى ~~منور أي جيران قريبين أو بعيدين، لبحث عيوبهم والمآخذ عليهم والهتاف والتظاهر ضدهم ~~والانشغال بهم عما يحدث في الداخل. # وقول كقول أوباما هنا يفترض أن يؤدي إلى اطمئنان التيار العلماني؛ لأنه لو تم حل ~~المشاكل الأساسية العاطفية الدينية القومية مثل فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، ~~سيعطي ذلك الشعوب الفرصة للانتباه للداخل لبحث عن حلول لمشاكلها مع حكوماتها. ~~••• # هنا يأتي القول الثاني الذي لا يلتقي مع قوله الأول، وقد جاء إجابة عن سؤال أوباما في ~~المؤتمر الصحفي «س: إذن كيف ترون مسألة نشر وترويج الديمقراطية وحقوق الإنسان في ~~المنطقة والشرق الأوسط؟ ج: أنا أؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والخطاب الاجتماعي ~~العالمي، لكن يجب ms370 أن نعلم أن هناك شعوبا مختلفة، وأشخاصها مختلفون، وأفكارا مختلفة، ~~وعادات مختلفة، وتقاليد مختلفة بشأن هذه المسألة. وبالتالي علي أن أؤكد من أعماق قلبي ~~وروحي ضرورة احترام الآخر والتعايش معا، وأنني لا يمكنني فرض معتقداتي على الآخر، ولا ~~يمكنني أن أستغل أغلبيتي للعمل ضدك، ولا أستطيع أن أفرض معتقداتي الدينية وأقول لأحد ~~عليك أن تتبع معتقداتي نفسها. وقضية حقوق الإنسان والديمقراطية مهمة جدا للإسلام؛ ~~لأنه يمكنه أن يعالجها، فأنا أعلم أنه ليس كل المجتمعات الدينية متشابهة في تنفيذها ~~السياسي، فالشريعة مثلا يمكنها أن تحمل تفسيرا متشددا أو حديثا تجاه قانون وضعي. ~~أنا لا أتخذ ولا أفرض قرارا يتعلق بهذا الأمر على أي دولة أو مجموعة من الناس، ولكنني ~~لا أوافق على أن مبدأ يلزم الآخرين باعتقاد ما، فنحن في الولايات المتحدة نرى أن في ذلك ~~مناهضة للحقوق، ويتنافر مع روح الديمقراطية ويجلب الصراع في النهاية؛ مما يجعل خلق هذا ~~الحوار مهما داخل الإسلام.» # في ظني أن هذه الفقرة بالمؤتمر الصحفي هي الأهم في كل ما قال أوباما في القاهرة؛ فهي ~~تلقي بالكرة في ملعبنا تنتظر ردنا، فيها لغز علاقة المسلمين بالغرب وحداثته، وفيها حل ~~اللغز. فقد ننساق وراء تدليه غرائزنا ونحتسب خطابه في القاهرة تشجيعا لحكوماتنا ~~ولشعوبنا معها على الاستمرار كما هي دون بحث أي أخطاء من جانبنا لنصلحها، مع عدم ~~الاعتراف بأي خطأ حاضرا أو ماضيا، بل ربما تقديس الخطأ والاستمرار فيه على عادتنا ~~التاريخية المتواترة وتظل الأوضاع على ما هي عليه، لكن الفقرة ذاتها على استعداد ~~للتعامل مع نظام ديمقراطي حقوقي أيضا لكن دون أي تدخل أمريكي لفرض هذا النظام بعكس ما ~~قال بوش الابن من قبل، وهنا المعادلة الصعبة التي تترك الليبراليين العرب عراة أمام ~~ترسانة مدججة بشارع مسلوب الوعي وبماض تليد وحكومات قامعة ومأثور عنيد هو الأعز على ~~قلوب الشعوب، التي تدعو من مساجدها أهم دعاء لها: «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا»، ~~وما عدا ذلك من مصائب فليس من المشاكل الملحة، وتصبح المشاكل التي تشغل ms371 العلمانيين ليست ~~من نوع المشاكل التي تشغل بال رجل الشارع المسلم. # قال أوباما إن الإسلام دين تسامج ومساواة ، وإنه يدافع عن حقوق الإسلام الحقيقية وليس ~~الصورة النمطية المسيئة للإسلام، وركز على مشتركات بين الأديان هي مبادئ العدل والتقدم ~~والتسامح وكرامة كل بني البشر، وإنه في كل دين مبدأ: عامل الآخرين كما تحب أن يعاملك ~~الآخرون، وأن الإيمان بالآخرين هو ما دفعه للمجيء إلى القاهرة لمخاطبة المسلمين. # الفقرة السالفة لها أهميتها لتجميل خطابه هو أمام أهل الغرب بدورهم، الذين قرعوه ~~على هذه الزيارة وذلك الخطاب في وسط استبدادي، أما بقية الخطاب فهو تجميل لأمريكا في ~~نظر المسلمين بالتسلل عبر ما هو عزيز علينا ومخاطبتنا على قدر عقولنا، بدأ بالسلام ~~عليكم (تصفيق حاد في القاعة) وشرح أنه رغم مسيحيته فهو من أب مسلم، وأنه تعرف على ~~الإسلام في المواطن الثلاثة التي عاش فيها، وقال إنه سيتبع في كلامه نصح القرآن الكريم: ~~اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (تصفيق حاد في القاعة)، وإنه أمر بإغلاق سجن غوانتنامو ~~(تصفيق حاد. عقبال عندنا قادر يا كريم)، وأكد أن حربه موجهة ضد القاعدة فقط، وهي عنده ~~كما هي بالضبط في خطابنا الديني والرسمي المخاتل، هي مجموعة من شواذ المسلمين من قلة ~~منحرفة فهم حسب قوله: «مجرد حفنة شاذة من المسلمين وتصرفاتهم لا تتماشى مع حقوق البشر ~~وتعاليم الإسلام بدليل آية من قتل نفسا بغير نفس.» (تصفيق حاد)، وأن أمريكا لن تكون في ~~حرب مع الإسلام (تصفيق حاد)، وأن المحاكم الأمريكية أعطت المرأة المسلمة حق الحجاب ~~وعاقبت من ينكره عليها (تصفيق حاد)، وحتى يبدو مثلنا يردد ببغائياتنا التاريخية التي هي ~~محفوظاتنا الأثيرة، وشعاراتنا الغالية، قام يردد مقولاتنا الخوالد مثل أن الأزهر قد حمل ~~مشعل التنوير والحضارة للعالم (؟!) وأن المسلمين هم من اخترع البوصلة وعلم الجبر ~~والملاحة (؟!) والطباعة (لا أدري من أعطاه هذه المعلومة الخاطئة لأن الطباعة جاءتنا مع ~~نابليون وكفرها مشايخ من الأزهر كبدعة شيطانية)، إضافة إلى شعرنا في الفخر والهجاء ~~والشحاتة والتسول بألاطة (وما زلنا)، وخطنا العربي ms372 اللهلوبة بين كل كتابات وخطوط ~~الدنيا. # لا شك أن رد الفعل بالتصفيق الحاد مع بعض أقواله، أو بالوجوم التام مع أقوال أخرى، هو ~~معيار لقياس رد الفعل، فحديثه عن الهولوكوست والعنف الفلسطيني الذي سيؤدي إلى طريق ~~مسدود، ووجوب اعتراف حماس بحق إسرائيل في الوجود، كلها مما قوبل بالصمت والوجوم التام، ~~وهو ردنا الأول على بعض خطابه فيما لا نحب ولا نشتهي. # أما قوله إن الوضع الفلسطيني لا يحتمل، وإن أمريكا لن تدير ظهرها للفلسطينيين، فقد ~~قوبل بالتصفيق الحاد بالشدة الاستحسانية ذاتها لتصفيقهم للآيات القرآنية العشر التي ~~تلاها. ~~••• # إذن ردنا الأول في القاعة هو أننا نحن كما نحن على قواعدنا ثابتون دون تغيير، وأننا ~~لن نناقش ولن نحاول حتى مجرد إعادة النظر في قضايا مهمة ومحسومة لدينا لأننا الحق التام ~~وغيرنا الباطل التام. # أما الرد العملي فقد جاء سريعا من الأزهر رائد الحضارة وحامل مشعل للخطاب الأوبامي ~~الموقف من المصريين البهائيين، وبالتالي هو موقف من الخطاب الأوبامي، بالعودة إلى بيان ~~الحريات والتنوير (؟!) بإعلانه ثاني يوم للخطاب الأوبامي الموقف من المصريين البهائيين، ~~وبالتالي هو موقف من الخطاب الأوبامي، بالعودة إلى بيان شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق ~~وإعادة توزيعه للإعلان عن موقف الأزهر اليوم من البهائيين، ومضمونه نصا: «إن البهائية ~~ليس لها صلة بالأديان السماوية، بل هي دين مخترع جديد ظهر أواخر القرن التاسع عشر ~~الميلادي، وحظي برعاية ومباركة الاحتلال الإنجليزي، ويهدف إلى تفتيت وحدة المسلمين، ~~وإنكار فرائض الإسلام.» وقبله بأيام جاءت مطالبة أعضاء مجلس الشعب (حزب الحكومة الوطني ~~والإسلاميين) بإصدار قانون يجرم الفكر البهائي ويحاكم المروجين له، مع وصف البهائيين ~~بالخطر الداهم على الأمن القومي المصري، لافتين إلى ميل البهائيين إلى الصهيونية ~~لاعتقادهم بضرورة إلغاء فريضة الجهاد في الإسلام، ومن جهته حذر الدكتور أحمد عمر هاشم ~~رئيس اللجنة الدينية في مجلس الشعب من شيوع الرذيلة في ضوء انتشار الفكر البهائي بين ~~الشباب المصري! (صحيفة اليوم السابع). # وهو كله ما جاء بعد مطالبة البهائيين بحقهم كمواطنين بتسجيل ديانتهم بالبطاقة الشخصية ~~وانتهى الموضوع إلى ms373 شرطة بدلة الديانة، ثم هياج قرية الشارونية وحرقها منازل البهائيين ~~وطردهم منها، مع ظهور صحفي مثقف (أو يفترض أنه هكذا) في التلفاز يطالب بقتلهم علنا، ~~ولا تفهم كيف استمر صحفيا بعدها، لماذا لم يثن على قوله بالفعل، ويروح يقتله كام ~~بهائي فيضمن الجنة والنكاح الأبدي، أم أنه غير واثق بالنتائج؟ أم أن دوره يقتصر على ~~إصدار الأحكام لطلب من ينفذ؟ وكله تحريض على ارتكاب أشنع الجرائم، ولا يجد من ~~يعاقبه. # إذن هذا هو ردنا في مجلس الشعب في الحزب الوطني في الإخوان في الصحافة في التلفزيون ~~(دون تعميم)، والأزهر (مع التعميم) بعد ذلك ظهير، ردنا هو استمرار الجهاد وقتل الذين ~~يدعون إلى إيقافه وحرقهم إن أمكن كما حدث مع البهائيين، والجهاد يعني استمرار المسلمين ~~في حالة حرب مع العالم كله حتى يسلم أو يدفع الجزية عن يد وهو صاغر! فالدعوة للسلام كفر ~~حتى لو كانت للسلام الوطني داخل الوطن بين مواطنيه عناصر وأديانا، وأننا لن نتعامل مع ~~الآخرين كما نحب أن يعاملونا كما قال أوباما، فهذا هو الكفر عينه لأن الإسلام يعلو ولا ~~يعلى عليه، وأن أوباما يهرف بما لا يعرف، فلا عندنا تسامح ولا كرامة لكل بني البشر، إذا ~~كانت كرامة مواطنين مصريين مهدورة بلا كرامة وبلا تسامح لأنهم يخالفون المسلمين ~~العقيدة. فلدينا تصنيف في توزيع الكرامة حسب الدين والمذهب والطبقة القبلية والجنس، ~~لذلك فقول أوباما إنه يفهم صورة الإسلام الحقيقية هو افتئات على الإسلام الحقيقي، فكيف ~~يكون ما قاله هو الإسلام الحقيقي مقابل ما قال مجلس شعبنا الموقر وأزهرنا وتلفازنا ~~الملتحي وشارعنا الإسلامي الذي يحرق ويسلخ وهو مطمئن لسلامة دينه وصدق إيمانه؟ # بهذا الشكل سيقف دعاة العلمنة والمدنية الدستورية والحقوق الليبرالية عراة من أي ~~غطاء، أمريكا ستتعامل مع أوضاعنا كما هي، أو إن تغيرت للأسوأ أو للأفضل أوباما يعرفنا ~~لذلك أعلن ترك الحبل لنا على الغارب دون تدخل لترك الفوضى الخلاقة تحرق بذريعة عدم فرض ~~الديمقراطية الحقوقية لأن هذا الفرض ضد قيمها ومبادئها؛ وهو ما يعني أيضا أننا ms374 سنستغيث ~~بلا مغيث، في ظرف حرج ومنعطف تاريخي سنخرج معه خارج دائرة البشرية كلها، والغوث المعني ~~هنا هو الغوث المعنوي وضغوط المجتمع المدني الدولي وكل قوى الضغط الداعم والمؤرق الذي ~~لا يهدأ ولا يتواطأ، وهو ما يبدو أنه ابتعد بعد أن بدا لنا قريبا مع ضرب منهاتن، ابتعد ~~مرة أخرى بحسابات المصالح الأمريكية الجديدة بغض النظر عن مصير شعوبنا، وأنه على ~~العلمانيين العرب أن يعيدوا تقييم المواقف، من أجل توحد وتضافر بعضهم على خريطة المنطقة ~~بحيث لا يتم تجاهلهم بحسبانهم نخبا تمثل جزرا منعزلة عن بعضها، وكلهم والحمد لله أو ~~معظمهم أسماء كبيرة تتسم بالطهارة ونظافة الذمة فيمن أعرفهم على الأقل، ويمكنهم أن ~~يكونوا ذوي أثر فاعل في الساحة بحيث لا تبقى فارغة إلا من خيارين أحلاهما مر: الاستبداد ~~السياسي المستمر أو الاستبداد الديني المرتقب، بخيار ثالث هو المواطنة أولا، والإصرار ~~على رفع المواد الدينية من الدستور، وخانة الديانة من البطاقة الشخصية، والتعايش السلمي ~~بين المواطنين وفق عقد اجتماعي تحدوه المصلحة العامة وليس مصلحة أتباع دين من الأديان ~~أو مذهب من المذاهب، وألا يخرج الدين من الكنيسة أو المسجد إلى المجال العام صونا له ~~من العبث البشري، ولتفعيل دوره في تربية ضمير المواطن وتعليمه كيف يدخل الجنة، وليس ~~أبعد من هذا ولا مليمتر واحد، من أجل وطن أفضل للأجيال المقبلة، مع الوجود الليبرالي ~~الواضح دون أي تراجعات، الوجود المستمر والفاعل على الساحة عبر كل السبل السلمية ~~الممكنة، لإثبات هذا الحضور. # وبعد، أتمنى أن يخيب هذا التحليل برمته، وأن يكون إحدى هناتي وسقطاتي التشاؤمية، وأن ~~تكون القوادم خيرا من السوالف، على ألا نكتفي بالقعود حتى يأتينا الفرج مع مخلص منتظر ~~أو ديكتاتور مستنير، وسواء أكان، هذا المنتظر هو أوباما أم المهدي أم المسيخ أم المسيح ~~أم غودو؛ لأن «غودو» هو مسرح العبث، هو مجرد وهم وأمان غير متحققة؛ لذلك لن يأتي مهما ~~طال الانتظار. # الفصل الثامن # | أبعاد ظاهرة الحجاب والنقاب # (1) البعد التاريخي # سبق لي معالجة موضوع الحجاب من على أرض المقدس ms375 والمأثور الإسلامي، من وثائقه ~~المعتمدة وتاريخه العقدي في صحيفة القاهرة تحت عنوان: «مكانة الحجاب بين فضائل ~~العرب»، وأعدت نشره في كتابي «الحجاب وقمة ال 17». ولأن الفارق بين الحجاب والنقاب ~~هو فارق في الدرجة وليس فارقا في الكيف والنوع، فسأتناول الظاهرة هذه المرة من ~~منظور العقل وحده وفق شروط القراءة السوسيوبوليتكية التاريخية، لتوصيف الظاهرة ~~وتحديدها مفهوميا ورصد أهدافها ومنطقها، إذ لا شك أن ظاهرة تفرض هذا الحضور ولها ~~هذا التأثير في المجتمع المسلم، لا بد لها من أغراض وأهداف تريد تحقيقها على ~~الأرض. # لكن الأوضاع في بلادنا كثيرا ما تربك المراقب والراصد، فلا تعرف هل الحجاب ~~والنقاب فرض ديني وتكليف شرعي كالصلاة والصوم والشهادتين يكفر تاركه ومنكره أم هو ~~ظاهرة اجتماعية تظهر لتختفي ثم تعود ثم تذهب؟ # فإن كان النقاب فرضا دينيا فلماذا يتركه المسلمون زمنا ليعودوا إليه في زمن ~~آخر؟ وهو الأمر الذي لا يحدث مع فروض وأركان الإسلام الأخرى الثابتة ثبات الدين! ~~وهل لو كان من دين المسلمين حقا وفعلا وعن قناعة فلماذا لا يثبت ثبات الفروض ~~الإسلامية الضرورية المعروفة؟ أم هو ليس من أصول الإسلام وأنه ظاهرة اجتماعية نسبية ~~ذات علاقة بظروف المجتمع واقتصاده وسياسته، وأن هذه الظروف هي التي تؤثر في ظهوره ~~واختفائه بقصد ورغبة من المجتمع مثله مثل سائر موديلات الملابس باختلاف الثقافات ~~والأزمنة؟ # مصر قبل الفتح الإسلامي لها كانت المرأة المصرية سافرة متزينة وأيضا عاملة ~~منتجة، فكان عمل الحقل لا يستقيم للرجل بدون معاونة زوجته، ولأن العمل يكون في عجين ~~الطين وسحب للمياه وسد القنوات وفتح أخرى بمراكمة الطمي هنا أو إزالته هناك مع بقية ~~ضروب وسائل الفلاحة، فقد فرض العمل ظروفه على المرأة المصرية حيث لا يصلح حجاب ولا ~~نقاب ولا إدناء للجلابيب؛ لأنه سيكون معوقا ومعطلا عن الإنجاز والإنتاج ~~الحقلي. # لهذا لم يكن عيبا ولا عارا ولا لافتا حتى النظر إلى ثدي المرأة وهي ترضع ~~طفلها في السوق، ولا إلى فخذيها العاريتين وهي تعجن الطين في الحقل أو تغسل الملابس ~~والأواني على شط ms376 النيل. وظلت المرأة المصرية على حالها بعد الفتح الإسلامي بفرض من ~~البيئة وشروطها وبقرار من الظرف الإنتاجي. وحدها الطبقات المصرية المالكة والأكثر ~~ثراء والتي لا تعمل بيدها لتنتج، هي التي أرادت تثبيت سيادتها بتقليد السادة العرب ~~الغزاة، فلبست ملبس نساء الفاتحين، أما الفلاحة والعاملة المصرية فقد ظلت امرأة ~~منتجة لا يلزمها سوى ما يناسب إنتاجها من ملبس، وهبطت على البلاد غزوات جراد فاتح ~~أكثر تعصبا وتشددا سواء زمن الفاطميين الشيعة أو الأيوبيين السنة أو المماليك أو ~~العثمانلية، وظلت الفلاحة المصرية في غنى عن أزياء السادة، بينما أخذت الطبقة ~~الوسطى تسعى إلى اللحاق بالأرستقراطية، فلبست نساء التجار وكبار المالكين على الوجه ~~نسيجا شفافا رقيقا كنا نسميه «البيشة»، وهو ما تم تخفيفه زمن الاستعمار العثماني ~~إلى «اليشمك»، وهو مجموعة خيوط متشابكة في جدائل هندسية لا تحجب شيئا، إضافة إلى ~~علامته الطبقية بقدر الذهب الذي يزينه. # ومع ثورة 1919م التي قادتها الطبقة الوسطى المصرية، قرر المجتمع المصري أن يعلن ~~المساواة بين مواطنيه، فخلعت المرأة المصرية الحجاب الطبقي وتبعتها في ذلك معظم ~~الدول العربية والإسلامية، عن إرادة ومجاهرة بتأسيس مفكري عصر النهضة، ورجل الحقوق ~~النسائية الأبرز قاسم أمين، وبالطبع سيدة العفاف والطهر هدى شعراوي التي خلعت ~~الحجاب ومعها كل المصريات في ليلة وضحاها، بقرار اجتماعي إرادي واع نزلت بموجبه ~~ربات الخدور الناعمات من أسر جناح الحريم، إلى العمل السياسي والعمل الإنتاجي ~~وتحصيل العلم لتنافس الرجال في بناء الوطن مع الفلاحة المصرية التاريخية. وهو ما ظل ~~حتى عهد قريب إحدى أهم مفاخر ثورة 1919م، حتى وصف التاريخ زمنها بأنه «عصر النهضة ~~والتنوير»، الذي بلغ تأثيره جزيرة العرب فخلعت المرأة النقاب والحجاب، خاصة ~~الطالبات منهن في المدارس والجامعة (انظر الصور المرفقة)، وهو كله ما يعني أنه لو ~~كان الحجاب والنقاب جوهريين في دين الإسلام، إذن لهلك الإسلام يوم خلعت المرأة ~~المسلمة المصرية الحجاب والنقاب ومعها نساء العرب، وهو ما لم يحدث، ولا تفوتك هنا ~~الملحوظة الأهم وهي أن خلع الحجاب والنقاب قد ترافق مع عصر النهضة ms377 والتنوير، بينما ~~ترافقت العودة إليه مع انحطاط الأمة التمامي في زمن الهزائم والخيبات، بعد استيلاء ~~العسكر على الأوطان، وما انتهى إليه الاستبداد باسم الأمة وقضاياها الأيديولوجية ~~إلى توالي الهزائم التاريخية الهائلة، وما صاحبها بالضرورة من رد عنيف على هزائم ~~عنيفة بظهور جماعات الإسلام السياسي الإرهابي، الذي كان لا بد أن يفرض سلطانه عبر ~~رموز وشعارات تشير إليه وتميزه. فكانت العودة إلى الحجاب والنقاب شرط إثبات إسلام ~~الأسرة المسلمة مع ما يسمى بالصحوة الإسلامية وطفرتها البترولية، التي كان ثمنها ~~الفادح ألوف الشهداء المصريين على ثرى سينائنا الغالية، عبر سنوات قتال استمرت من ~~1967م حتى 1973م. # مع ما أسموه الصحوة، عاد الحجاب والنقاب عابقا برائحة النفط الصحراوي الجافة ~~القاسية، وخلال السنوات الأخيرة بدأت النقلة المرحلية التالية من الحجاب بموديلاته ~~المتعددة إلى النقاب، لكنه ليس كنقاب البيشة واليشمك، إنما نقاب وهابي، هو وما ~~يوضع على عيني الدابة الدوارة موديل واحد لا غير. # الملحوظة الأهم في تلك الظاهرة هي مدى السهولة التي ينتقل بها شعب بأسره كالشعب ~~المصري (ومعه كل العرب المسلمين تقريبا) من حال إلى حال، ومن زي متعارف عليه ~~اجتماعيا إلى زي سبق له استخدامه وسبق له أن تركه ونفاه من حياته بإرادته، ~~وحسبناه تاريخا مضى وانقبر، فإذ به يعود بكل يسر وسهولة! # إن شعوبا يسهل عليها في سنوات قليلة أن تغير زيها من النقيض إلى النقيضة التام، ~~مع ما يترتب على هذا التغير من انقلاب في كل المفاهيم والقيم الأخلاقية والسلوك ~~الاجتماعي التي ترتبط بهذا الزي أو ذاك، إن شعبا يخلع زيه ومعه ثقافة برقها ومنهج ~~حياة بكليته، ويعود ليلبس ما كان سبق وخلعه، ويعود مرتكسا إلى ثقافات أقدم في ~~التطور، هو شعب مضطرب متردد يخسر أي إنجاز ممكن أو محتمل؛ لأنه لا يقطع الشوط إلى ~~نهايته، إنما يعود من منتصف الطريق متجها إلى الخلف، إلى نقطة البداية ليسير عكس ~~سير كل الأمم عبر التاريخ، على الطريق النقيض معنى ومبنى ومكانا وزمانا. # وهذا التردد والتقدم والتراجع يشير بوضوح إلى أن الشعب ms378 المسلم ما عاد متأكدا من ~~شيء، ولا مقتنعا بما يفعل، فلو كان يفعل عن إيمان بما يفعل ما غير ولا بدل دون ~~براهين واضحات على سلامة اختياراته أو عدم سلامتها، ودون أن يجيب نفسه بوضوح عن دور ~~هذه القطعة من القماش في تقدمه وإنجازه وتميزه بين الأمم أم هي عكس ذلك. # إن شعبا يقولون له اخلع، فيخلع، ويقولون له البس، فيلبس، هو شعب قد تم محو ~~شخصيته، شعب آخر غير شعبنا التاريخي العظيم، فشعب الصحوة الإسلامية المصري شعب ~~مسلوب الإرادة وخاضع للأوامر التي لا تحمل إقناعا ولا دليلا على جدواها لأمنه ~~وسلامته وتقدمه، وهو الشأن المخيف الذي استجد على هذا الشعب العظيم، هنا الرعب ~~العظيم! فماذا حدث يا شعب؟! # المعلوم أن ظاهرة كالحجاب والنقاب لا تظهر فجأة كالبركان أو الزلزال، ولا هي ~~حادثة بيجو غير متوقعة؛ لأنه شأن يعني مجتمعا بأسره؛ لذلك هو لا يظهر ويختفي ~~عشوائيا، ولا بد له من برنامج عمل مدروس لممارسة آلية الظهور والاختفاء، لا بد له ~~من عمل وتخطيط مرحلي وإعداد انتقالي إلى الهدف الاستراتيجي النهائي؛ وهو ما يعني أن ~~هناك إرادة مقتدرة تقف وراء هذا البرنامج ولها أهدافها وأدوات تثقيفها أو بالأحرى ~~تدجينها للأرواح والعقول؛ ومن ثم سيكون السؤال: من هو صاحب هذه الإرادة المقتدرة؟ ~~وما هي أهدافه مما يعمل؟ # فنحن نعلم بوضوح الأسباب والأهداف والنتائج التي كانت وراء دهس النقاب بأحذية ~~جداتنا وأمهاتنا في شوارع مصر وميادينها زمن النهضة، وكان برنامجنا علمانيا ~~علنيا في دولة مدنية ذات مؤسسات حديثة وأحزاب قوية في نظام برلماني يتم فيه تبادل ~~السلطة بإرادة شعبية، أهدافه وطن يجمع أفراده وطوائفه وملله ونحله وأجناسه وعناصره، ~~بعقد اجتماعي يقفون فيه جميعا على التساوي حقوقا وواجبات، ويربطهم برابط المصلحة ~~المشتركة بينهم. وأساسه المتين هو قدسية الوطن وعلم الوطن (ملحوظة: اتركوا العلم ~~مرفوعا ولا تجعلوه مناسبة كروية)، حيث يعيش الجميع على اختلافهم تحدوهم مصالحهم ~~المشتركة. كان الهدف اقتباس النظام الغربي المتفوق رغم وجود المستعمر المكروه على ~~تراب الوطن. لكن شعبنا أمكنه أن ms379 يفرق بين المشاعر كالحب والكراهية، وبين المصالح ~~التي دعته لاستخدام مناهج المتفوقين ليتفوق مثلهم. باختصار كان زمن 1919م قرارا ~~مصريا مجتمعيا للحاق بقافلة الحداثة والأمم المتقدمة في دولة مدنية دستورية ~~برلمانية مؤسساتية. # السيدة فاطمة الزامل السبهان القويعي، تولت الحكم بتفويض من كبار ~~الجماعة في حائل عام 1911م حتى 1914م. وكانت حينها وصية على حفيدها ~~الأمير سعود العبد العزيز الرشيد. # العجيب أن يعود النقاب والحجاب إلى الأمة وهي مهزومة وفي حضيض الأمم وبحاجة إلى ~~تنفس هواء الحرية للخروج من مستنقع المتخلفين، ومن هزيمتها الحضارية ~~المنكرة؟! # لن تكون عودة هذه الظاهرة مفهومة مع حالنا الذي يزري بنا وبتاريخنا، إلا إذا كان ~~صاحب البرنامج يقدمها للناس كآلية تفوق، بحسبانها وسيلة ارتقاء بحالنا المخزي إلى ~~حال أرقى، والمطالع لشعارات الشوارع في بلادنا سيعلم فورا أن العودة إلى النقاب هي ~~عودة إلى صحيح الدين، لنرضي ربنا فيرضى عنا وينصرنا على القوم الكافرين! هو ~~الإفلاس الكامل من أي حلول يملكها أصحاب الصحوة، وشعور الناس بعدم القدرة على ~~التغيير، وخسارة المصري لروحه التواقة ونكتته الناقدة اللاذعة التي اختفت مع الصحوة ~~بدورها، أوصلوا المصريين إلى القناعة بأن الأعداء لا يقدر عليهم إلا الله ~~بنفسه. # وأصابت الصحوة ذاكرة شعبنا بالتلف، فما عاد يذكر أننا جربنا الحجاب والنقاب زمن ~~السلاجقة والعثمانلية والمماليك ولم يصنع تقدما ولا أدى إلى حضارة ولا صنع رقيا ~~قيميا، بل أدى إلى انهيار كارثي بما صاحبه من سلوكيات من لزوم ما يلزم، وانتهى ~~بضعف الوطن كله مما سمح باستعمار البلاد من الصليبيين مرة ومن الاستعمار الحديث ~~مرة. # الواضح لأي عقل صاح أو حتى غافل، حجم المليارات التي تم ضخها من الخزائن النفطية ~~لتضخيم ونشر الصحوة، وكم البيزنس التجاري الهائل من بنوك وبيوت أزياء وتجارة سلاح، ~~التي استثمرت، عبر المساجد والمدارس والجامعات والصحف والإذاعة والتلفاز، هو مشروع ~~هائل التكلفة إذا قارناه بما صرفه الاتحاد السوفييتي بجلال قدره خلال القرن الماضي ~~بطوله لنشر أيديولوجيته، فكان ما صرفه من دعم لحلفائه في العالم ونشر مبادئ ثورته ~~وتسليح أنصاره بالطائرات ms380 والصواريخ سبعة مليارات دولار، بينما بلغ ما صرفته ~~السعودية لتصدير وهابيتها وصحوتها منذ هزيمتنا في 1967م حتى عام 2000م أي خلال ~~ثلاثين عاما فقط زهاء سبعين مليار دولار، ومثل هذا الصرف الهائل في هذه الفترة ~~الوجيزة يفترض بالضرورة أن وراءه عقلا يخطط، وأن هذا التخطيط له أهداف وعائدات تفي ~~وتزيد بربحيتها عما تم صرفه، فلا بد من عائد ومكاسب وربح وفير، فمثل هذه الأموال ~~بأرقامها الهائلة المهولة لا تهدر في مغامرة ومقامرة، خاصة عندما تجده لا يترك ~~فرصة لشراء أي موقف وسد أي ثغرة واستثمار أي فراغ لملئه بالأموال للسيطرة الوهابية ~~الكاملة. # أسوأ ما في الأمر كله هو استجابة شعب بحجم الشعب المصري ليخضع لأوامر ونواه، ~~ويقبل الخضوع والخنوع والانزلاق إلى حفرة العصور الوسطى المظلمة، دون أن تحميه ~~مناعته التاريخية التي كانت درعا واقية له عبر تاريخه الطويل، عن هذا السقوط ~~المدوي، ليخلع ويلبس ويأكل وينام ويتكلم ويسكت وينكح ويتبول ويتغوط ويحب ويكره ~~بأوامر ونواه وأدعية وفتاو دون أي براهين واضحة لعائدية هذه الطاعة على الوطن ~~والمجتمع. ~~(2) البعد السياسي # إن تتبع الخيط لفض آليات ظاهرة الحجاب والنقاب يوصلك إلى ما يستتبعها ويترتب ~~عليها؛ فالآليات هنا لا تقوم كغيرها من الأفكار والمفاهيم على لغة الحوار والإقناع، ~~الآلية دينية تأمر لتطاع لا لتناقش وتحاور؛ فالنقاش والمحاورة عدم طاعة لمن هو ~~أعلم منا بشئون ديننا ودنيانا. # هو المروق والفوق؛ لذلك لا يحتمل الأمر الديني نقاشا وإلا كان هو العصيان ~~المرادف للخروج على الجماعة والمروق على الملة. # نصل الآن إلى المفصل الأهم في الظاهرة، في ظرف انكسار تاريخي وهزيمة نفسية لتراجع ~~مصر عن دورها القوي محليا ودوليا، تم استثمار تدين الشعب المصري الفطري لترويج ~~الوهابية السعودية وإسلامها النصي الظاهري بحسبانه الإسلام الوحيد الحقيقي، وأن ~~إسلامنا السابق كان انحرافا عن جادة هذا الصحيح، مضافا إليه التقريع المشيخي الذي ~~لا يهدأ للناس لانكسارهم الحضاري، لتأثيمهم وتحميلهم أوزار الاستبداد ونكباته، ~~والشعب المصري شعب حساس أيضا بطبعه فيشعر بالذنب في حق أمته الإسلامية التي هو ~~المسئول عنها (لا ms381 تعرف لماذا؟) وفي حق ربه ودينه، فحقت عليه الهزائم؛ ومن ثم فلا ~~حل إلا بالعودة إلى طاعة الرب التمامية التي تمر عبر السراط الوهابي وحده ~~فقط. # إن الظاهرة تعبر بشديد البيان والسفور عن مدى النجاح السعودي في إخضاع الشعب ~~المصري لسلطة تيار ديني وافد على البلاد مع سبعينيات القرن الماضي، بغض النظر عما ~~بدأ يستشري في المجتمع مع هذا الوافد من سلوكيات منحرفة وفساد من كل الأصناف ~~بإحصاءات علنية لا تشير إلى تدين حقيقي. والأمر على حاله هذا هو غاية المراد ~~السعودي الوهابي وهو المطلوب بالضبط وبالتدقيق، وهو الهدف من هدر سبعين مليار ~~دولار. الهدف نشر الفوضى والدمار الأخلاقي والقيمي تحت ستار زائف من مظهر ديني قشري ~~لا يخفي ما تحته من قبح، حول الشارع المصري إلى فوضى عشوائية ووحشية لم يسبق أن ~~عرفها في أسوأ أزمانه، ولا عرفها حتى في زمن الهكسوس. ولبس الفساد الزي الباكستاني ~~ولا تعلم ما علاقة هذا الزي بالقرآن أو بالسنة أو حتى بعرب الجزيرة، ومعه اللحية ~~المروحية غير المشذبة، والحجاب والنقاب، ودمتم! # هي حالة إثبات للدنيا عن مدى طاعة الشعب المصري للسيد السعودي الذي تمثله ~~أيديولوجيته المبثوثة في تلفازنا وإذاعتنا ومناهج تعليمنا وفي لافتات تملأ الشارع ~~المصري أينما وليت وجهك، لقد تم اختراق مفاصل الدولة المصرية العريقة ومؤسساتها ~~ونخرها بالسوس الوهابي منذ قرر الرئيس السادات أن يكون الرئيس المؤمن، فأطلقهم ~~علينا فكافئوه بنحره يوم عيد نصره تقربا لرب الوهابية بكبش عظيم كما جاء في ~~أدبياتهم. # وبعدها تحولوا إلى سادة حقيقيين عبر مشايخ بلادنا الذين حولوا ولاءهم لأرباب ~~النعمة لنشر الوهابية في مصر، وأصبح الشيخ صاحب قوة وسلطان وهيبة تفوق هيبة القانون ~~والدستور والدولة مجتمعين. # فالمواطن يعمل بفتوى الشيخ حتى لو كانت ضد وطنه ودولته ومواطنيه، إذ توصف الحكومة ~~في هذا السياق بالحكومة الكافرة؛ لذلك يخلع المواطن طاعة قانون الدولة لأنه وضعي ~~كافر، وهو ما يقال له في إعلام الدولة المصابة بالحول المنغولي والكساح العقلي ~~والموت السريري للضمير. أما المواطن فقد اطمأن أنه من أصحاب ms382 الجنة ما دام مطيعا ~~للطقوس، وما عدا ذلك فكله من اللمم البسيط، فغيره من أهل الجحيم وهو وحده حبيب الله ~~فهو من أهل الجنة؛ ومن ثم يذهب إلى أبعد مدى في كسر كل القيم الأخلاقية ما دام ~~مؤديا لواجبه الديني «وإن زنى وإن سرق»؛ لأن المبدأ الوهابي يقوم على حديث منسوب ~~إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا يدخل ابن آدم الجنة بعمله إنما بأداء العبادات ورحمة ~~الله.» # في انتهازية رخيصة لا تليق لا بعروبة ولا بإسلام انتهزت الصحوة الوهابية جرح ~~الشقيقة الكبرى وضعفها وهزيمتها في 1967م لتحول المجتمع المصري من مجتمع مؤسسات ~~قانونية تراتبية بيروقراطية وظيفية، إلى مجتمع منفلت فوضوي غير منتج ولا منجز، يثبت ~~طاعته لربه بقطعة قماش ثم ينصرف إلى كل ألوان الرذائل التي سيغسلها في الحج المقبل ~~ويعود كما ولدته أمه ملط من أي ذنب. ومع تكاثر الخطايا يكثر الراغبون في الغسل، ~~ويذهب المستحمون بالطهارة الشكلية لينالوا الغفران بملايين مصر الكادحة ليضيفوها ~~إلى رصيد البنوك السعودية، وهذا وجه واحد فقط، ضمن وجوه عدة، منظور مكشوف يشكل ~~عائدات هائلة سنويا تبرر ما تم صرفه من مليارات على الصحوة. ويتلو الحج عمرة ويلي ~~العمرة حج جديد، وهو ما يبدو تعبيرا عن صحوة المسلمين لدينهم ورغبتهم في رؤية قبر ~~حبيبهم وأداء الفريضة لربهم، بينما هو تعبير عن حجم المآثم والكارثة الأخلاقية التي ~~أوصلنا إليها أصحاب الصحوة؛ فالناس يشعرون بالحاجة الدائمة للغسل عندما يشعرون ~~بالوسخ والقذارة الواضحة؛ لذلك تحتاج إلى التنظيف الموسمي الدوري. # مرة أخرى نؤكد أن أي زي هو في الأصل ظاهرة اجتماعية تفرضها البيئة؛ لذلك تختلف ~~باختلاف البيئات والمجتمعات، وأن الحجاب أو النقاب لو كان دينا ما فرط فيه ~~المصريون وبقية العرب والمسلمين معهم مع ثورة 1919م، ولو كان دينا وفرطنا فيه فهو ~~معنى يهين الدين ويصوره ضعيفا مهزولا لا يستطيع فرض فروضه على أتباعه دون مساعدة ~~خارجية، وكأنه يحتاج للمساندة والدعم وهو دين القادر العزيز الجبار! ومن هنا لا ~~يمكن لأحد أن يقول إن النقاب هو من ms383 الفروض أو من شئون العبادة، ولا هو حتى قاعدة في ~~المعاملات، ولا يترتب على ارتدائه أو خلعه أية حدود شرعية في ديننا، هو فقط وسيلة ~~يثبت بها الوهابيون أنهم قد تمكنوا بعد هزيمة 1967م من السيادة على الشارع المصري، ~~بحكومة أخرى موازية خفية متكاملة النظم والأوامر والقوانين والاقتصاد، أعضاؤها ~~مصريون بالجنسية فقط، وولاؤهم للسيد الذي لا تنفد خزائنه، وتفرض هذه الحكومة الخفية ~~ذاتها علنا جهارا نهارا لا تستحي ولا تكن، وتحارب حربا ضروسا في شأن تافه ~~كالنقاب، وهو عندها كبير لأن أي تراجع له يعني تراجعا في سيادتهم وفي خططهم نحو ~~الإعماء الشامل للعقل المصري؛ لأن أي تراجع يعني انحسارا لهذه السيادة، ألا ترون ~~حجم ما ضخ من أموال في الحملة الفضائحية ضد سيد القمني، والتي لا تليق بتدين حقيقي ~~بقدر ما تليق بالنساء العواهر الدواعر المحترفات؛ لأن جائزة القمني تقتطع من مساحة ~~وجودهم وإثبات سيطرتهم التي ستكون منقوصة بمثل هذه الجائزة. # تعالوا أدلكم كيف تمت الخطة وكيف تم تنفيذها للوصول بالمجتمع المصري إلى وضعه ~~الحالي المؤسف، وهنا سنعود إلى التاريخ بلمحة سريعة كاشفة مضيئة للموقف كله بالأدلة ~~القواطع على ما قلنا هنا. # نتذكر سريعا أن بدو الجزيرة كانوا ضمن عناصر الغزو البدوي الهكسوسي الأول لمصر ~~زمن الفراعنة، وهو عصر تسميه الوثائق المصرية وغير المصرية في الحضارات القديمة ~~«العصر المظلم»، لانقطاع مصر فيها عن إبداعها المعروف أدبا وفنا وعلما ومعرفة، ~~حتى يقول إدوارد ماير إن احتلال الهكسوس يبدو في تاريخ مصر كستارة سوداء نزلت فجأة ~~على هذا التاريخ، ومع ارتفاع الستارة بطرد الهكسوس تجد مصر المتحركة المنتجة ~~الفعالة في أقصى نشاطها وإبداعها العلمي والفني والعسكري حتى أقامت أول إمبراطورية ~~لها تمتد حتى الحدود التركية. نتذكر أيضا أن عرب الجزيرة قد عادوا لغزو مصر منذ ~~أربعة عشر قرنا تحت شعار: الإسلام أو الجزية أو القتال وما يترتب عليه من سبي وأسر ~~وهتك أعراض ونهب واستعباد. وبمرور الوقت تحولت الأغلبية المصرية إلى الدين الوافد ~~من الجزيرة وأصبحوا مسلمين. وظلت مصر ولاية تابعة ms384 لعاصمة الخلافة الإمبراطورية، ~~يأتيها الحكام من خارجها مندوبين عن الخليفة عربيا أم كرديا أم تركيا، خصيا ~~أم رجلا، حتى انتهى بها الأمر صريعة الزمن المملوكي العثماني في غياهب الجهل ~~والظلام والمرض والتخلف، حتى أيقظتها الآلة العسكرية المتقدمة للحملة الفرنسية ~~ونظامها الإداري والحضاري المتفوق، لتكتشف مصر ما فاتها فتطرد المستعمر الفرنسي ~~وتقيم دولة حديثة قام بتأسيسها شعب مصر بريادة رشيدة من محمد علي (الذي اختاره ~~المصريون) وأخلافه من بعده. # بينما كانت مصر تكتشف نفسها وما حولها زمن محمد علي باللحاق بالحداثة الأوروبية، ~~كانت الجزيرة تكتشف نفسها بالمذهب الوهابي المتحالف مع آل سعود يعطي كل منهما ~~مشروعية الوجود للآخر. # ومن جانبه أراد السلطان العثماني أن يشغل كلا الحركتين في مصر والحجاز، فطلب من ~~محمد علي القضاء على الحركة الوهابية ضد الخلافة، بعد أن وصلت شرورها خارج حدودها ~~لتدمر أينما وجدت أضرحة الأئمة والأولياء خاصة بالعراق وذبحت المسلمين من غير السنة ~~أينما صادفتهم. # أرسلت مصر حملتين بقيادة أولاد محمد علي، الأولى قادها الأمير طوسون وحققت نصرا ~~جزئيا، تبعتها حملة أخرى بقيادة الأمير إبراهيم باشا، لتحقق نصرها باحتلال ~~الدرعية واستباحتها على الطريقة الإسلامية، ولأن العرب يفرقون في تطبيق القانون؛ ~~فإنهم طبقوا الاستباحة على غيرهم في فتوحاتهم وغزواتهم، لكنهم لا يقبلونها لأنفسهم. ~~وبعدها ظل ثأر الدرعية نارا لا تهدأ في القلب الوهابي، وبؤرة وجع مزمن في الدماغ ~~ولوعة في الكبد السعودي، لنصل إلى الزمن الناصري والحرب المصرية السعودية في اليمن، ~~ونقرأ الآن معا نص رسالة الملك فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية إلى الرئيس ~~الأمريكي ليندون جونسون، والتي حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966م، الموافق 15 رمضان 1386ه، ~~وترد بوثائق مجلس الوزراء السعودي تحت رقم 342، (نقلا عن د. وليد البياتي، ومصدره: ~~حمدان حمدان: عقود من الخيبات، دار بيسان، ص489-491) وهي رسالة ووثيقة أدت إلى ~~تغيير مجرى تاريخ المنطقة والعالم كله بعدها. # يقول جلالته لأخيه الرئيس الأمريكي جونسون: «... مما تقدم يا صاحب الفخامة، ومما ~~عرضناه، تبين لكم أن مصر هي العدو الأكبر لنا جميعا، وأن هذا العدو ms385 إن ترك يحرض ~~ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا، فلن يأتي عام 1970م - كما قال الخبير في إدارتكم ~~السيد كيرميت روزفلت - وعرشنا ومصالحنا في الوجود؛ لذلك فإني أبارك ما سبق للخبراء ~~الأمريكان في مملكتنا أن اقترحوه، وأتقدم بالاقتراحات التالية: أن تقوم أمريكا بدعم ~~إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولي به على أهم الأماكن حيوية في مصر، لتضطرها بذلك ~~لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة، لن ~~يرفع بعدها مصري رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد علي وعبد الناصر، وبذلك ~~نعطي لأنفسنا مهلة لتصفية أجسام المبادئ الهدامة، لا في مملكتنا فحسب بل وفي البلاد ~~العربية؛ ومن ثم بعدها لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول ~~العربية، اقتداء بالقول: ارحموا شرير قوم ذل.» # إن هذه الرسالة التاريخية تفسر ما حدث بعدها بشهور معدودة خطوة بخطوة وبوضوح ~~مبين، وتوضح مدى وجع الدرعية القديم وأنه ما زال ماثلا أمام جلالته يئن بسببه من ~~مصر محمد علي ومن مصر عبد الناصر، وقد تمت خطوات الرسالة بنجاح نموذجي، فنهر المال ~~قادر على فعل الأعاجيب، فأمكن حينذاك أن تؤكد سوريا لمصر حليفتها في اتفاقية دفاع ~~مشترك، أنها تحت احتمال أكيد باجتياح إسرائيلي لاحتلال سوريا، وهو ما دفع مصر إلى ~~تنفيذ التزامات الاتفاقية فقامت بسحب جيوشها من اليمن لتدخل الحرب إلى جوار سوريا ~~المعرضة للغزو، وقد ثبت بعد ذلك أن دمشق لم تكن الهدف الأكبر إنما كانت مصر، وأنه ~~لم يكن في نية إسرائيل احتلال سوريا إنما احتلال كل ما يمكن احتلاله من المنطقة ~~المحيطة بحدودها؛ وهكذا تحقق هدف جلالته الأول بانسحاب الجيوش المصرية من تحت ~~أنثييه في اليمن، ليتلوه مباشرة الهدف الثاني والأعظم بالهزيمة الساحقة للجيوش ~~العربية في 5 يونيو 1967م بعد أربعة شهور من فقط رسالة جلالته إلى أخيه جونسون، ~~واحتلال إسرائيل كامل سيناء والضفة والجولان. # وتستمر الحرب الضروس حتى أكتوبر 1973م يوم حرب التحرير لتشمر السعودية فجأة - وعلى ~~غير عادتها - عن الإباء العربي وتعلن عن ms386 صفاء عروبتها الأصيلة بإيقاف ضخ النفط، في ~~خطوة بدت حينذاك الشهامة والأصالة العربية في أتم معانيها، لكن ليرتفع سعر النفط ~~بحسابات سابقة ومبرمجة إلى مستويات ما حلم بها أحد، وكان الثمن المدفوع هو دماء ~~أبناء مصر. # وهكذا تحققت الخطة السعودية الإسرائيلية الأمريكية وربما السورية، وأخذ جلالته ~~المهلة الطويلة لتصفية المبادئ الهدامة من وطنية وقومية ويسارية واشتراكية وشيوعية، ~~ليس في مملكته فحسب ولكن في مختلف ديار يسكنها المسلمون. # وتحولت مصر بعدها من بلد يفيض بخيره على جيرانه وبالأخص أهل الجزيرة لاستحقاقهم ~~الصدقات عن جدارة شرعية بلا منازع ينازعهم هذا الاستحقاق، إلى استجداء المعونات، ~~وساعتئذ لم يرحموا شرير القوم الذي ذل بتعبير جلالته، إنما قرروا هزيمته الداخلية ~~لسحقه سحقا فلم يعد المصري يذكر نصره الأكتوبري إلا موسميا، وعدا ذلك يعيش حالة ~~الهزيمة التي يعيشها العرب جميعا أمام إسرائيل، وذلك لأن الحرب عند العربي هي ~~دوما صفرية، أي حرب إبادة شاملة لأحد الطرفين، النصر أن ينتهي طرف من الوجود ويبقى ~~المنتصر، حروبه لا تعرف مفاوضات، وبدون إبادة الطرف الآخر لا يكون هناك ~~انتصار. # ومع تفوق إسرائيل المتصاعد ويدها التي تذهب أينما طالت، جعلت المصري الذي كان ~~يحمل على كتفيه كل القضية العربية ويشعر أنه المسئول عنها، يستشعر الهزيمة ~~الداخلية، وأن إسرائيل لا يقدر عليها إلا القادر الجبار، ولا حل إلا استدعاؤه ~~للتدخل إلى جانبنا لو التزمنا أوامر وشروط ديننا الجديد «الوهابي». وهكذا وصل ثأر ~~الدرعية إلى عملية نقمة شاملة في إبادة جماعية مليونية للوعي المصري، وخاصة وعيه ~~بوطنه، واحتلال عقله بقضايا العروبة والإسلام، مع احتلال إحلالي يحل فيه الوهابيون ~~محل الإسلام البكر، كما سبق واحتلوا وطنه زمن الفتح احتلالا استيطانيا، مع قهر ~~المصري ليعلن التبعية لإثبات السيطرة على شرير القوم الذي ذل، ليمتلئ الشارع المصري ~~لحى وحجابا ونقابا وخرابا كاملا في الذمم والضمائر. إنه مشروع انتقام شيطاني ~~وحشي بدوي كاسر بدون شبيه ولا نظير. # وضاعت قيم المصري المصرية ومعها ولى حرصه على الملك العام والمشترك العام لتحل ~~الأنانية المفرطة محل الضمير المصري الرفيع، ms387 ذلك الضمير الذي جعل أمهاتنا وجداتنا ~~السافرات العاملات والفلاحات تربي جيلنا التربية الفضلى لأنهن كن عفيفات دون إجبار ~~أو قهر. # هؤلاء الأمهات المنتجات العفيفات السافرات هن من أنجبن لنا اليوم أبناء آخرين، ~~وجدوا في نهر المال ما يمنحهم السلطان والدرجة الاجتماعية الرفيعة وهم من ينادون ~~نساءنا بأن الحجاب عفة؟ فهل يطعن رافع الشعار في عفة السيدة والدته بهذا الشعار؟ ~~فإذا كان واثقا بعفتها فإنه لا بد أن يعترف أنه يرفع شعارا كاذبا، وأن النقاب ~~واللحية لا يصنعان عفة، إنما ما يصنعها هو الضمير الأخلاقي المجتمعي الذي كان ~~عفيفا منتجا مثقفا زارعا صانعا مبهجا عالما منجزا بهيجا ضحوكا، كرنفالاته ~~الاحتفالية عديدة بعدد موالد أوليائه الصالحين، صاحب أجمل وأبدع نكتة الدنيا بما ~~وراءها من خيال وحبكة وإبداع وتراث طويل وفن رفيع ونقد لاذع، ومع ذلك كانوا، وكن، ~~مسلمات ومسلمين محافظين وأتقياء خلصاء، كانت أمهاتنا عفيفات طاهرات لم يشنهن عدم ~~ارتداء قماش العفة كالبهائم الدوارة. # لقد عاد بدو الحجاز إلى غزو مصر مرة أخرى، وانتقم الوهابي السعودي للدرعية شر ~~نقمة، وأصبح الشارع المصري عبدا للقول الوهابي، مجرد القول هو أمر، بعد أن خسر ~~المصريون بكارة إسلامهم الحنفي والصوفي والشعبي السمح العاشق للوطن وللدين، باختصار ~~عدنا موالي لسادة بدو الجزيرة مرة أخرى. ~~(3) البعد الاجتماعي # عبر تاريخ البشرية الطويل، وفي كل مكان على الأرض، بحث الإنسان عن العفة وطلبها ~~وقنن لها الشرائع لحمايتها قبل ظهور الديانات الإبراهيمية الثلاث، كما هو ثابت في ~~شرائع مصر والرافدين القديم. ولو حاولنا تعريف العفة سنقول إنها ذلك الدافع الداخلي ~~للإنسان، الذي يمنعه عن طاعة غريزته الجنسية، إلا بما يقره المجتمع ويرضى عنه، ~~بمعنى أنها ما يمنع إقامة هذه العلاقة خارج إطار الزواج الذي وضعه المجتمع وتعارف ~~عليه وقننه دينيا ومدنيا. وقد قننت الحضارات القديمة هذه العلاقة الزوجية ~~للحافظ على العفة، وذلك وفق ثقافة كل منها التي تصنعها علاقة الإنسان ببيئته الخاصة ~~ومجتمعه. وركزت على تفعيل معنى العفة تربويا في الأسرة والمدرسة ودار العبادة ~~لزرع وازع داخلي في الصغر ليكون ms388 كالنقش في الحجر، كنوع من الفاكسين والتطعيم المسبق ~~الواقي الداخلي من الإصابة، لتصبح العفة أحد مكونات الضمير صدا لأي إغواء شهوي ~~بمناعة هذا الضمير. # وباختلاف الثقافات يختلف معنى العفة، ومعنى الزنا؛ فالمجتمع الذي كان منذ فجر ~~التاريخ - وبعضه النادر لا يزال - يأخذ بنظام تعدد الأزواج للزوجة الواحدة، يعتبر ~~غير ذلك هو الزنا؛ لذلك يختلف معنى العفة والزنا إلى درجة التناقض، فلو قارنا ذلك ~~الزواج التعددي للأزواج بمجتمعات أخرى تقر عكسه وهو تعدد الزوجات كلون وحيد مباح ~~للزواج وعكسه زنا، نكتشف فارقا هائلا في دلالة معنى العفة. وهناك المجتمعات التي ~~تقصر العفة على طبقة من طبقات المجتمع دون أخرى، وهي مجتمعات تنتمي إلى حقب موغلة ~~في القدم والبدائية في تاريخ البشرية، هي حقبة الزمن العبودي، حيث يقتصر طلب العفة ~~فيه على الزوجات الحرائر فقط، ولا ينسحب على الجواري والإماء والعبيد، وذلك بغرض ~~التمييز بين الطبقات لعدم الاختلاط مما يضيع نقاء الطبقة ونسبها، وتأتي العفة ~~هنا كصفة ارتقاء أخلاقي تضاف إلى الرقي الطبقي لتناسبه وتليق به وتسم أصحابه بها، ~~وقد حرص الخليفة عمر بن الخطاب على هذا النقاء الطبقي بشدة، فكان يضرب الإماء ~~والجواري إن رآهن مخمرات كالحرائر؛ لأن الشباب المسلم زمن النبوة والخلافة من ~~الفقراء الذين لا يستطيعون طولا للزواج أو ملك اليمين، كانوا يتربصون بالنسوة عند ~~خروجهن إلى الغائط، فإن وجدوا المرأة سافرة عرفوا أنها جارية فيتناولونها؛ لذلك ~~أمرت الآيات نساء المسلمات بتغطية جيب الثديين بالخمار، وبإدناء الجلاليب، حتى ~~يعرفن أنهن حرائر وتمييزا لهن عن الإماء حتى لا يؤذين. وزنا الرجل في مثل هذا ~~النظام يكون بلقائه جنسيا امرأة من خارج نسوته وإمائه ولو كن ألوفا، بينما تأخذ ~~مجتمعات الغرب الحر اليوم بثقافة الحريات الحقوقية الفردانية، وترى أن جسم الإنسان ~~هو أخص خصائصه وممتلكاته التي لا يصح التدخل فيها أو الاعتداء عليها؛ لذلك تقوم ~~العلاقة الجنسية على لقاء ذكر بأنثى بمنتهى التراضي والاتفاق دون استغلال ظروف طرف ~~لطرف ودون إكراه، وقد تتم بعقد زواج ديني أو بدون عقد زواج، فكلاهما ms389 زواج سليم من ~~وجهة نظر المجتمع وهو نموذج العلاقة الجنسية العفيف والمثالي، وغير ذلك يعتبر ~~اغتصابا يتشدد معه القانون بعقوبات مغلظة، حتى لو كان إكراها من الزوج لزوجته على ~~الممارسة الجنسية، لأنه سيعد اغتصابا، حيث لا يقف الاغتصاب عند المعنى الجنسي؛ لأن ~~الاغتصاب هو اغتصاب للإرادة وسحق للشخصية وازدراء بالشريكة وإذلال لها رغم إرادتها، ~~وهذه هي الجريمة الكاملة عندهم. # وقد لوحظ في مسيرة البشرية أن الشعوب عندما تمر بفترات انكسار وطوارئ وضعف في ~~الأمان، تلجأ إلى إجراءات احترازية لصون عفة نسائها؛ لأن النساء عبر التاريخ كن ~~الطرف الأضعف؛ لذلك مع الطوارئ في الحروب أو الغزوات أو الانفلات الأمني نتيجة ~~للكوارث الطبيعية فإن النساء يتعرضن للهتك والاغتصاب، وفي المجتمعات التي تضعف فيها ~~تربية الضمير والوازع الداخلي، يستشعر الذكر فقد الثقة بنفسه مثله مثل كل المجتمع ~~المهزوم المأزوم؛ لذلك يفترض أن نساءه قابلات للسعي الشهوي الفاسد لاستكمال نقص لا ~~يسده ذكر غير واثق بنفسه، وذلك بالتدخل الخارجي الميكانيكي القسري، وهو تدخل لا ~~علاقة له بالعفة كمعنى وضمير، هو تدخل يحل الأداة الخارجية محل العفة الداخلية ~~الحقيقة، فلا يصبح لها لزوم فتذبل وتموت، التدخل الخارجي استباق للحدث المرفوض ~~اجتماعيا بصنع إجراء ميكانيكي مانع كي لا تقع جريمة الزنا التي تهتك العفة. فتجد ~~في بعض البلاد التي ما زالت تعيش حالة الصيد والارتحال بين المدارين، يخيطون فرج ~~الزوجة بما لا يسمح بالإيلاج لغياب الأزواج الطويل رعيا وصيدا، كإجراء مانع لوقوع ~~جريمة هتك العفة بالزنا. ويماثله في مصر (وما زلنا بين المدارين) الختان الجائر ~~للفتيات وهن صغيرات بنزع البظر مع الشفرين الأصغرين لكبح الشهوة للحفاظ على ~~العفة. # الكارثة في الختان الجائر هي أنه لا يمنع الاشتهاء والرغبة الجنسية، كل ما يمنعه ~~هو وصول الأنثى إلى درجة الشبع (الأورجازم). وتكون النتيجة أن المختونة لن تصل إلى ~~الشبع مهما حاول الزوج من فنون، ومعلوم أن سبب انتشار المخدرات في هذه البلاد هو ~~محاولة الرجال إطالة زمن المعاشرة لإرضاء الزوجة المتهيجة دون شبع. وعليه فبدلا من ~~أن يصون ms390 الختان العفة؛ فإنه يترك المرأة كاملة الشهوة، وفي حالة تهيج جنسي مستمر ~~بسبب العلاقة الزوجية التي لا تنتهي بالأورجازم، فتظل حالة الشهوة مستعرة تطلب ~~الإشباع دون أن تخمد، يوقظها الزوج ولا يتممها. فلا هي قضت وطرها ولا هي ظلت هادئة ~~النفس والجسد. # ومثل هذه الألوان من التدخل الخارجي للحفاظ على العفة هو ما لجأت إليه أوروبا في ~~عصورها الوسطى بأداة ميكانيكية مبتكرة اسمها «حزام العفة» لمنع وصول القضيب إلى ~~الثقب في حال غياب الزوج، ومثله ما يلجأ إليه المجتمع الإسلامي في هذه الأيام ~~بالحجاب والنقاب للحفاظ على عفة حريمه. وعليه فإن آليات العفة بتدخل خارجي هي: ~~الحجاب، والنقاب، والختان الجائر، وخياطة الفرج، وحزام العفة، أما آلياتها الداخلية ~~فشيء واحد فقط هو وازع الضمير الأخلاقي بالتربية الأولى للطفل في سنواته ~~المبكرة. # وعندما تكون العفة معنى وقيمة ذاتية داخلية تربى عليها الفرد في طفولته؛ فإنها ~~ستصبح إلزاما لصاحبها أكان ذكرا أم أنثى؛ فهي تقف حائلا داخليا دون مجرد ~~التفكير في هتك العفة، لانتقاص ذلك من قدره الإنساني، ولكن الواضح أن المجتمع ~~المسلم قد اختار الحجاب والنقاب كوسيلة خارجية لصون عفة نسائه، ليمنع به إثارة ~~الذكر المسلم التقي بشكل قد يدفعه للاعتداء على المرأة أو مطاردتها لتزيين جريمة ~~الزنا لها. وهو ما يعني اشتداد وطأة الأزمة في المجتمع، وهي الأزمة التي دفعته ~~لاختيار وسيلة الحجب بأدوات مخترعة، بحسبانها أكثر طمأنينة له من الأسلوب التربوي ~~الذي يلزم الطرفين من الداخل. # الرجل المسلم معذور وهو يرى الشعب المصري ومثله معظم شعوب الدول الإسلامية يتوكل ~~على الله تحت وطأة مشايخه ليعمل بنصيحة تكاثروا تناسلوا، فتكاثروا وتناسلوا حتى لم ~~تعد البيوت تسعهم فتربوا في الشوارع، ولم يعد لدى الأم ولا الأب الذي يسعى لإشباع ~~هذه الأفواه الجائعة وقت يكرسه لتربية وازع الضمير والقيم الأخلاقية في عياله. كيف ~~لا يقلق المسلم وهو يرى هذا التكاثر الأرنبي (لأن الله هو الرزاق) دون أسرة حقيقية ~~تربي ودون مدرسة تهذب وتعلم؟ ويرى هؤلاء يكبرون أمامه خلوا من أي قيم تربوية ~~سليمة، ms391 وينضمون إلى مدرسة الفساد المعمم سياسيا كان أم دينيا، فلا يبقى أمامه ~~للحفاظ على العفة سوى التدخل الميكانيكي الخارجي. رغم ما يلحق هذه الوسيلة من مثالب ~~ونقائص كثيرة. # فالنقاب الذي يرفعون له شعار «النقاب عفة» لا يصنع للمرأة أي عفة، هو يعف الرجل ~~وحده لكنه لا يعف المرأة المنتقبة، يجعل الرجل عفيفا لأنه لا يرى منها شيئا يثير ~~شهواته، لكنه لا يصنع للمرأة عفة أبدا، وإن كانت داعرة وانتقبت فلن يحولها النقاب ~~إلى عفيفة، ستكون كاللص المحبوس يظل لصا سيسرق أيا ما تطاله يده لو كان نفايات، ~~وكذلك حبس المرأة خلف النقاب لن يمنعها من كسر العفة، ولن يخلق لديها العفة إن لم ~~تكن ضمن مكوناتها التربوية من الطفولة المبكرة، وستطلب الجنس ولو مع نفايات ~~البشر. # والشعار بهذا الشكل القطعي لا يقول: إن النقاب قد يخلق عفة للمرأة بصيغة ~~الاحتمال، بل هو صارم واضح «النقاب عفة»؛ أي أن من طلبت العفة فعليها بالنقاب، ومن ~~لم ترد العفة فعليها عدم ارتدائه. وهكذا يعود بنا الشعار إلى التقسيم الطبقي العتيق ~~البدوي، فتصبح المنتقبة محمية من التحرش بها فهكذا يعرفن فلا يؤذين، بينما تكون ~~السافرة مستباحة، ولأن معظم السافرات في بلادنا من غير المسلمات فهن من الأصل محل ~~استباحة لأنهن من الطبقة الأشد دناءة ووطاءة في ترتيب المجتمع المسلم الطبقي، طبقة ~~الذميين، (فشعار كهذا يلزمه فهم كذلك)، لهذا هن غير عفيفات بالضرورة الحتمية كإماء ~~الجاهلية يجوز امتطاؤهن، فلا تأمن السافرات في بلادنا أي انتهاك مفاجئ في مجتمعنا ~~العليل بانعدام القيم، ويخرج الشباب المتأسلم والمشايخ في التلفاز لتفسير ظاهرة ~~التحرش والاغتصاب المنتشرة في بلاد الصحوة الإسلامية، بأن لبس البنات السافر ~~والخليع هو ما يدفع الشباب إلى هذا الهوس الجنسي، بحسبان العفة تكون من المرأة ~~وحدها، أما الرجل فله حق الفجر العلني دون أي قلق يصيب هذا المجتمع المتدين. # هذا رغم أن العفة هي الوجه النقيض للعملة ذاتها التي يشكل طرفاها ذكرا وأنثى، ~~فالشهوة تتم من الذكر والأنثى، والفعل الجنسي يتم بذكر وأنثى، والعفة تتم ms392 بابتعاد ~~أحدهما عن الفعل الشهوي بوازع من القيم الأخلاقية التي تربى عليها؛ فالعفة تحتاج ~~أيضا إلى ذكر وأنثى حتى يتم ابتعاد أحدهما عن إغواء الآخر تأكيدا لعفته. # في بلادنا تصبح الكارثة مضاعفة عن كل عصور وسطى كانت أو مظلمة أو قاتمة، فنحن ~~أولا نلجأ إلى ختان الذكر (سنة إبراهيم)، وهو ما يجعله عمليا سهل الاستثارة، ~~ويجعل عضوه أكثر حساسية من الأغلف، وهو ما يؤدي إلى سرعة القذف وبلوغ الأورجازم ~~بسرعة قياسية، بالنسبة للأغلف الذي تطول ممارسته مما يشبع أنثاه بدورها ببلوغ ~~الدرجة ذاتها من الإشباع لأنها غير مختونة وهو ما يساعد على سرعة بلوغها الأورجازم. ~~وفي الوقت ذاته نلجأ إلى ختان الإناث فلا نمنع الشهوة بقدر ما نعطل الوقت اللازم ~~للوصول إلى الإشباع، وهو ما يستدعي من الذكر بذل جهد مضاعف، فتستفحل الأزمة، ولا ~~تمنع المخدرات النهاية المحتومة التي تشهد بأن عدد حالات الطلاق قد أصبح في بلادنا ~~أكثر من حالات الزواج. # وبدلا من المراجعة واللجوء إلى الحلول العلمية وقفا لمزيد من التمزق الأسري ~~الحادث، والانهيار القيمي الحاد، يلجأ الرجل المهزوم سياسيا وإنسانيا وجنسيا ~~إلى الحلول القديمة التي لم تحل شيئا بقدر ما زادت من المشاكل، فيحجب المرأة أو ~~ينقبها أو يحبسها في البيت. ~~(4) البعد الاخلاقي # يضرب لنا القرآن مثلا بقصة النبي يوسف وامرأة العزيز التي أثارت شهواتها مفاتن ~~النبي المليح، فظلت تطارده وتنصب له الكمائن وتتحايل عليه ليطفئ ثورة شهوتها ~~المتقدة لهفا عليه؛ وهو ما يعني أن امرأة العزيز رأت في يوسف ما شغفها به حبا ~~وكاد أن يهم بها لولا حرصه على عفته، فحادثة الزنا لها طرفان إن امتنع أحدهما فلا ~~تقع، كما حدث في القصة القرآنية بمحافظة يوسف على عفته. فما حرك شهوات امرأة العزيز ~~وكسر عفتها هو رؤيتها لشاب مليح؛ وهكذا لا تفهم كيف يكون الحجاب صانعا لعفة ~~المرأة؛ لأن امرأة العزيز منتقبة كانت أم سافرة؛ فإنها كانت ستشتهي الشاب المليح، ~~ولو لم يكن يوسف معصوما بعفته لتمت الجريمة بفعل وتحرك واشتهاء امرأة ~~العزيز. # وهنا أزعم ms393 أن النتائج المترتبة على تنقيب المرأة هي على عكس المراد منه بالمرة، ~~لأنه أوسع الأبواب للمرأة لكسر قيمة العفة وكل ما يرتبط بها من قيم، النقاب هو ~~الباب السحري إلى الرذيلة العلنية. # تعالوا نتفهم الموقف: هل سيقوم النقاب بإلغاء شهوات المرأة ويمنع رغبتها في ~~الاتصال الجنسي بغريب عنها؟ لقد أحاطنا القرآن علما أن الشهوة - كما حدث مع امرأة ~~العزيز - تأتي من العين ومن المشاهدة والمعاينة والرؤية، والنقاب لن يمنع كل هذا، ~~فالعين ترى وتزني كما في صحاح الأحاديث. والمرأة المختفية وراء نقابها سيتاح لها ~~إطالة النظر والتمعن والتأمل في تقاطيع الشاب المليح فتتصاعد شهوتها وتتزايد مع ~~استمرار التأمل الشهوي، وهي مخفية بنقابها، مطمئنة لعدم معرفة الناس لشخصيتها، وهو ~~ما يعطيها فرصة للتملي والتشهي مع مقبلات تخيلية للحالة الشهوية مما يرفع درجة ~~الاشتهاء، ليدفعها للاحترار النزوي لمحاولة الإغواء دون خشية من فضيحة، وإن صادفها ~~صد من الشاب المليح لعفته مثل يوسف؛ فهي آمنة ولن يذهب ليحكي عن التي غازلته وهو لا ~~يعرف من هي، بينما لو كانت سافرة ونظرت إلى مليح باشتهاء سيلاحظها الناس؛ مما يؤدي ~~إلى حيائها وخجلها والحرص على سمعتها؛ مما يردعها عن الاستمرار في النظر الشهوي. ~~فالعيون حولها تحسب عليها الشاردة والواردة لذلك تحرص على أن تبرز كصورة كاملة ~~للعفاف. ألا ترون معي أن النقاب هو تمكين للمرأة من هتك ستار العفة وليس العكس، بل ~~هو أيسر السبل إلى الرذيلة. # وإذا كان الحجاب والنقاب من شئون الدين، فإن الدين أكمل من أن يضع مثل هذه الشروط ~~المعكوسة التي تؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك لا يليق بأي دين أن يكيل بمكيالين ليحمي ~~طرفا دون طرف، فيحجب المرأة وينقبها ولا يحجب الرجل وينقبه، والله ليس بغافل عن ~~شهوات خليقته، وأوضح لنا ذلك في قصة يوسف وامرأة العزيز، إن الدين لا يحمي فريقا ~~من أتباعه دون فريق، ولا يميز بين أتباعه ولا يستقوي على الأضعف ظانا أنه يردعه ~~بينما هو يدفعه دفعا إلى الرذيلة. # وإذا كان الدين يضع قيودا على النساء ms394 طلبا للعفة فيلزم أن يضع مقابل ذلك على ~~الرجل تحقيقا للعدالة؛ لأن الشهوة عند كليهما، ولأن العفة يجب أن تكون لكليهما، ~~ولأن كسر العفة بالزنا يلزمه كليهما، وأن الحدود تقع على كليهما، ولن يحمل طرف ~~مسئولية جريمة مشتركة بين اثنين دون الطرف الآخر. # يضاف إلى هذا خاصية خلقية تجعل النقاب طريقا مفروشا باليسر والسرية إلى ~~الرذيلة، هو أن المرأة لا تفشل في إتمام الفعل الجنسي فهي قابلة له طول الوقت، لعدم ~~حاجتها حاجة الذكر للاتعاظ، هي تعطي فقط الإشارة التي تعرب للرجل عن رغبتها، وتترك ~~له باقي المهمة التي قد ينجح فيها أو يفشل حسب ظروفه الصحية والنفسية ومدى هدوئه أو ~~توتره؛ فالرجل قد يفشل، أما هي فلا تفشل، قد تقع الجريمة من الرجل أو قد لا تقع حسب ~~حالته، لكنها واقعة حتما متى أرادت المرأة إلا مع من رأى برهان ربه وحرص على عفته ~~كما حدث مع يوسف الصديق. # إن إكراه المرأة بحبسها في البيت، أو دخولها الدير رهبنة يحافظ على العفة لعدم ~~وجود ذكر والرؤية والاشتهاء؛ لذلك يجب أن تكون العفة قناعة داخلية بقيمتها بوازع من ~~ضمير يتم تربيته في الطفولة المبكرة، فيصنع العفة الحقيقية، لأني عندما أمنع نفسي ~~عن لذة متاحة غير علنية فإني أكون مقتديا بالصديق يوسف، لدي عفة داخلية ~~تمنعني عن امتهان نفسي بفعل شهوي غير قيمي أخلاقيا. يهين الرقي الأخلاقي ~~لإنسانيتي، وعندما يقول أحدهم اليوم إن الحجاب عفة فإنه يكون أول طاعن في الدين؛ ~~لأنه يصور ديننا غير قادر بذاته وممكناته البرهانية على خلق عفة داخلية لدى ~~المؤمنين، هو كمن يقول إن قرآنه وحديثه وكل إيمانه غير قادر على خلق عفة للمؤمنات. ~~وهو ما يعني أن رجال الصحوة قد أمسوا غير واثقين بأنفسهم بالمرة، وأيضا غير واثقين ~~بنسائهم، وغير واثقين بقدرة الدين على ردعهن، فذهبن إلى الأداة الإكراهية ~~الخارجية. # رغم أن الفلاحة المصرية كانت تتعرى وهي تعمل في طين الأرض الطاهرة، وأن المعلمة ~~المصرية كانت تقف في الأسواق سافرة متبرجة تدير أعمالا وتشغل أموالا ms395 ورجالا عتاة ~~جبابرة، وعفتها محمية بذاتها لا يجرؤ رجل على خدشها، بينما المنتقبة في قصور الحريم ~~ظلت في الحكي الشعبي الدرامي لعازف الربابة، رمزا لانعدام العفة في سعيها لإشباع ~~شهواتها مع أي إنسان حتى لو كان من عبيدها، بل يصل المدى إلى معاشرة الحيوان طلبا ~~للإشباع كما في الملاحم الشعبية وألف ليلة وليلة. # ملحوظة أخرى لا تفوت فاحصا، هي ما صاحب الصحوة وحجابها ونقابها من ألوان زواج ~~غريبة، والأغرب أنها مشروعة بفتاوى مشايخنا، رغم أنها لا تنشئ أسرة وهي الهدف من ~~الزواج، وذلك مثل الزواج العرفي والهبة والمؤقت والسياحي والمصياف والمسيار ~~والفريند، وهي ألوان لم تعهدها مصر قبل الصحوة، وما كانت الواحدة من أمهاتنا أو ~~جداتنا السافرات تقبل عرضا زواجا كهذا؛ لأنه كان يعني الإهانة الكاملة للعرض ~~والشرف والعفة والكرامة الإنسانية، ولو قال أحدهم بمثل هذا الزواج حينها لرموه بألف ~~نعل ونعل. # إن العفة الحقيقية تكون عندما تكون السبل ميسرة إلى كسرها، لكننا لا نكسرها ~~احتراما لذواتنا الآدمية الراقية، العفة الحقيقية تحدث عندما توجد المثيرات ونعف ~~عنها كما عف يوسف، وإن انهيار العفة في بلادنا جاءنا ضمن منظومة كاملة، تبدأ بأن ~~الرزق لا حيلة فيه لأنه بيد الله مهما تكاثرنا وتناسلنا، فضاعت الأسرة وتربى ~~الأبناء في الشوارع، ولم يتلقوا الجرعة التربوية اللازمة لنقش القيم في أرواحهم وهي ~~بعد غضة تتشكل. # لذلك جاء بالحجاب والنقاب ومعهما ألوان فضائحية لأنواع زواج هي إهانة بكل المعاني ~~لأي امرأة محترمة مسلمة كانت أم غير مسلمة ولمعنى الزواج نفسه. إن قيمة امتناعي عن ~~الخمر لا تكون قيمة إلا عندما يتوافر الماء والخمر في السوق فأختار الماء صونا ~~لآدميتي من ارتكاب زلل قد يهينه السكر، أما عندما لا تتوافر الخمر بجوار الماء ~~فلا مجال للحديث عن قيمة إنما عن قمع فقط. # ولأن الثقافة الجنسية في بلادنا لا تعدو متعة الفعل الشهوي للذكر وحده، دون لوازم ~~أخرى ضرورية لصنع الحب السليم بين الطرفين، فإن الزواج يقوم أساسا على المذاهب ~~السنية الأربعة مع الجعفري على مبدأ المتعة والاستمتاع ms396 بالأنثى؛ لذلك يقال عنها ~~متاع، ويقال أيضا للأريكة والحمار والفرس متاع، ويقال عنها هي الفراش؛ فهي ليست ~~طرفا له أي دور في الموضوع، هي محل متعة الرجل أما إنسانيتها وكرامتها وحالتها ~~النفسية وصحتها الجنسية كل هذا غير موجود في موضوع الزواج بالذات، لكنه موجود في ~~حالة الزنا حيث بإمكانها أن تقبل أو ترفض، أما في الزواج فالجنس جبري على المرأة ~~حتى لو كانت على التنور أو فوق ظهر قتب؛ لذلك يكون الزنا هو الألذ لأنه قام على ~~اختيار ورغبة؛ لذلك يجوز لنا الاعتداء على طفولتها البريئة بالختان الجائر أو غير ~~الجائر كعقوبة مقدمة ثم نعزلها بالحجاب والنقاب لحفظ عفتها، بينما هي طوال الوقت في ~~حالة تهيج دائم بزوجها الذي يمارس دون إشباع لغريزتها المختونة لبلوغ الأورجازم، ~~ولا تصله إلا بشق أنفاس الزوج حتى الموت. # والمرأة منتقبة أو غير منتقبة عندما تبحث عن إشباع الغريزة لا تخضع في بحثها لما ~~يخضع له الزواج من شروط التكافؤ والمستوى الاقتصادي والتوافق العائلي والعلنية ~~والمهر والحسب والنسب والدين؛ لذلك سترتمي في أحضان القادر على الإشباع لأن الزواج ~~لم يشبع بضعها المختون، والمنتقبة أولى بالقدرة على ذلك لاستتارها، حتى إن يهود زمن ~~البطاركة الأوائل كان لديهم عرف مسنون بعدم كشف وجه الداعرة المنتقبة حتى لا يعرفها ~~أحد سترا لها، وهو ما تجده في قصة بوعز وتامارا عندما كان النقاب زيا خاصا ~~بالعاهرات يعرفن به فكانت المنتقبة تعلن بنقابها عن الرغبة في لقاء جنسي سريع ~~ومؤقت وينتهي دون أن يعرف الذكر من كانت شريكته في الفعل، أما العفيفات فكن هن ~~السافرات. لذلك إن وجدت الشهوة المقموعة بأداة خارجية الفرصة، فستنطلق دون أي شروط ~~بلا رابط ولا ضابط لأن المنتقبة مستورة مطمئنة البال هادئة الجأش؛ لأنها غير محمية ~~وغير مصونة بتربية الضمير الأخلاقي في الطفولة ناهيك عن قمعها بالنقاب. # تعالوا معي ننظر إلى نسائنا المسلمات المهاجرات إلى بلاد الغرب العاري، ستجد أن ~~ما يصون عفة نسائنا هناك ليس الحجاب ولا النقاب، إنما يصونها الوازع الأخلاقي الذي ~~تربى ms397 عليه الشارع الأوروبي، هذا الشارع يغص بالفاتنات الرشيقات الحمراوات البضات ~~مليحات القد الرقيقات، قل ما شئت أو تغن، ومع ذلك لا يتعرضن مع ملبسهن الكاشف ~~للاعتداء، فماذا عن الرجل المسلم في شارع الفاتنات الغربي؟ ما باله لا يفعل معهن ما ~~كان يفعله مع بنات وطنه ولا يعتدي عليهن ولا يتجرأ على التحرش بهن ولو لفظا، لأن ~~المجتمع حوله سيتدخل فورا ناهيك عن الردع القانوني المغلظ؛ لذلك هو بدوره يعف عن ~~الفاتنات ولو مكرها، لديهم أمن وسلام اجتماعي رغم أنهم لا يملكون هيئة للأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر؟! ومن لديهن مثل تلك الهيئة يختطفن الرجال ~~الملاح. # ولأننا أصحاب الأعاجيب، فجأة تصيب العدوى مسلمي المهجر ليرفعوا في أوروبا ذات ~~الشعارات بالحجاب والنقاب «الحجاب والنقاب عفة وطهارة». فإذا كان النقاب يخلق لدى ~~المرأة العفة، وأي امرأة في الدنيا لو سألتها ستقول لك إنها تطلب العفة، فلا يبقى ~~سوى أن يقنع المسلمون مجتمعات مهجرهم بقيمة النقاب وفوائده، كما أقنعونا بسياراتهم ~~وطائراتهم وأزيائهم كالبدلة والكرافتة، لماذا لا يقدم المسلمون لبلاد مهجرهم الأدلة ~~والبراهين المقنعة على عائد هذا الزي الإسلامي وما سيحققه من فوائد منتظرة، وربما ~~تمكنوا من إقناع أهل الغرب كما أقنعونا، أم أنهم شطار ولهاليب معنا وحدنا؟ وربما ~~اقتبس الغربيون النقاب كظاهرة صحية تدل على سلامة المجتمع وأنه مستقر عقليا ~~وأخلاقيا، حتى نصحو يوما على نصر إسلامي وفتح قريب، فنجد نساء اليابان وأمريكا ~~والصين وقد تنقبن، ونكون قد فتحناهم دون غزو وقتال ودمار، وهي كما نعلم شعوب تتميز ~~بالقابلية للتعلم والأخذ بالجديد لكن بشرط الإقناع والبرهان والدليل. # مسلمو المهجر لا هم اندمجوا في ثقافته ولا هم علموهم ثقافتنا، ومع ذلك يصرون هناك ~~على إثبات الزي الإسلامي الموحد، تمييزا طائفيا للإشارة إلى التميز بالإسلام، ~~لأنه ليس لديهم ما يفخرون به من إنجاز أيديهم، فيفخرون بدينهم الذي لم يختاروه ~~وربما لا يعرفونه. ولا يبقى سوى أن ارتداء هذه الأزياء في الغرب هو تحد للأمم ~~المضيفة ولقواعدها، لإثبات تميز ديني إضافة للتميز الطبقي؛ لأنه إذا كان القصد ms398 من ~~النقاب والحجاب هو العفة، فمعناه اتهام لكل المجتمع الغربي بالعهر والدعارة، وأن ~~العفة والطهارة ميزة طائفية تخص نساء المسلمات وحدهن. هذا رغم أن المجتمع الأوروبي ~~يعمل بوازعه الداخلي الذي يحترم الآخر وحرياته وعقيدته ولا يقبل أي تمييز بين ~~أعضائه؛ لذلك لا يعتدي الرجل الغربي على المسلمة ليجرح عفتها وطهارتها حتى لو سارت ~~في الطريق العام ملط زلط. حضارة الغرب آمنة بالوازع الأحلاقي الضميري، والأوروبي لن ~~يترك فاتنات قومه ليغازل نساءنا (عافاك الله!) والمعنى أن الزوج المسلم لن يخشى على ~~زوجته أن يلتهمها الرجال الأوروبيون، بل العكس هو الممكن حدوثه، أن تلتهم المسلمة ~~الأوروبي المليح كما حاولت امرأة العزيز؛ لذلك فإن الحجاب والنقاب في أوروبا هو ~~شعار سياسي تمييزي طائفي طبقي بدائي، لا يحقق عفة ولا يصنع طهارة كما يقول الإعلان ~~الترويجي الكاذب والشرير. # هو في أوروبا شعار تمييزي يتعالى على أهل البلاد بفضيلة وهمية، وهو هارب إلى جنة ~~بلادهم من جحيم بلاده. وإذا كنا، بالإحصاءات المعلنة في بلادنا حجم حوادث الشرف، ~~سنجد أن الحجاب أو النقاب لم يخلق عفة في بلادنا، فهل بإمكانه أن يخلقها ~~للأوروبيات؟ # وإذا كانت العفة في الغرب لا تقوم على استخدام أدوات خارجية حاجبة أو مانعة، ~~وإنما تقوم على الضمير الأخلاقي، فلماذا تلبس المسلمة الحجاب هناك أو النقاب ~~وتستشهد في سبيله، ما دام الغربي لن يشتهيها ولن يغازلها وستظل محتفظة بعفتها؟ ~~حجابنا في أوروبا عودة إلى العصور الوسطى، إلى زمن التمييز بين الناس على أساس ~~ديني، عندما كان اليهودي يلزم بالزي الأصفر، والقبطي بالصليب الخشبي الثقيل وحلق ~~مقدمة رأسه ولبس خفي نعل بلونين مختلفين، والمسلم يلبس الأبيض ويعاقب الذمي الذي ~~يلبس العمامة البيضاء بالجلد لأنه أراد الارتقاء إلى طبقة العربي المسلم تزييفا، ~~كمن زور بطاقته الشخصية، والحجاب والنقاب من زمن كانت فيه الولاءات دينية والحروب ~~دينية والهويات دينية والحكومات دينية، فكان الدين هو سيد الموقف في العصور المظلمة ~~من تاريخ الإنسانية. # وهذا كله ما تعلمته مصر من الدرس الأوروبي منذ 1919م حتى نهاية الستينيات في ms399 القرن ~~الماضي؛ لذلك نعم الشارع المصري بالأمان الأخلاقي دون شعارات بترودولارية، احترم ~~طرفا المجتمع نفسيهما واعترف كل منهما بحقوق الآخر، واحترما المشترك الاجتماعي ~~بينهما كالحريات الشخصية؛ لذلك كانت المصرية المسلمة والمسيحية واليهودية وبنات ~~الخواجات يسرن في مصر بلا حجاب ولا نقاب، آمنات على عفتهن، ولم نر من السافرات ~~فجرا إلا بالنسب الضئيلة المسموح بها في أي مجتمع سليم. ولو قلنا إنهن كن فاجرات ~~لسفورهن فكأننا نطعن في شرف المجتمع كله، لقد أدرك المجتمع حينذاك أن الحجاب ~~والنقاب أو البيشة واليشمك قد أديا دورهما بتعريف المجتمع معنى العفة، وتم المراد ~~من رب العباد، وعاد الرجال واثقين بنسائهم والنساء واثقات برجالهن، وأن كليهما فاضل ~~كريم ليس بحاجة إلى الأداة القامعة التي أدت وظيفتها وانتهى أمرها، فليس من المقبول ~~أن يظل مكسور اليد ملفوفا بالجبيرة بعد شفائه. عرف المجتمع المصري الواثق بنفسه أن ~~نساءه مكتفيات ولسن بحاجة لعفة خارجية، فخلعت أمهاتنا وجداتنا الأداة القامعة ~~تعبيرا عن رأي الرجال فيهن، وكانوا نعم الرجال أفعالا وأقوالا، كانوا رجال ~~النهضة والتنوير، وكن نعم الأمهات والجدات. لقد كانت العفة في بلادنا قبل الصحوة ~~السبعينية مصونة وبألف خير، وعندما بدأ الفرض والتدخل الخارجي تراجع الضمير وأخلى ~~نفسه من المسئولية الأخلاقية برضا وموافقة المجتمع ليسلمها لمشايخ الوهابية. # ثم إنه إذا كان لا بد من استخدام أداة خارجية لصون العفة، فستكون خياطة الفرج هي ~~الأنجح وربما كان حزام العفة هو الأكثر نجاعة؛ لأن النقاب يسمح للمرأة بالرؤية ~~والاشتهاء، ورجال اليوم ليسوا كيوسف الصديق ولن يروا برهان ربهم؛ لذلك يصبح الحل ~~الأمثل هو خزق عيون النساء وإصابتهن بالعمى، وربما يستحسن البدء بإجراء تلك الجراحة ~~الهامة مبكرا في سن الطفولة مع عملية الختان في يوم واحد، أو أن يحتجب الرجال ~~بدورهم تحقيقا للعفة في الطرفين. أو أن نطلب من صديقتنا الصين التي تتفهم مواقفنا ~~وتصنع لنا كل متعلقات وأدوات التعبد من دلع أطفال المسلمين بفوانيس رمضان إلى بوصلة ~~الكعبة والسجادة المئذنة، أن تصنع لنا قفلا إسلاميا بأرقام سرية، وليكن الشعار ~~الجديد هو ms400 «قفل العفة ضمان وأمان». # سادتي الفضلاء من تجار الدين السياسي في مصر المحروسة وأي مصر، لو كان النقاب ~~صانعا للعفة ما أنجبت لنا نساء الجاهلية أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وحمزة ~~وعلي وغيرهم من خيرة رجال الدنيا والدين؛ لأن نساء الجاهلية كن سافرات، ولما أنجبت ~~لنا آمنة السافرة محمدا الصادق الأمين بتربيتها الجاهلية، مثل كل هذه الأسماء ~~العظيمة في تاريخنا، وإن نساء ينجبن رجالا كهؤلاء لا شك كن عفيفات رغم الجاهلية، ~~فإذا كان المجتمع الجاهلي قد أنجز عفة ضميرية بدون نقاب، بل كن حاسرات متبرجات، ومع ~~ذلك حفظت عفتهن النطف الأصيلة، وربينهم على القيم الأصيلة، أفلا يكفل لنا الإيمان ~~بالإسلام ذلك؟ # سادتنا المشايخ المسيسين، نحن نرى أن تقاليد مجتمعنا المصري وحدها كافية (كما ~~كانت وكما ستظل) لضمان الأمان الاجتماعي والعفة والخلق الرفيع، شرط أن تعود مصر ~~مصرا. ms401